{"ً":{"ٌ":7798,"ٍ":"تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/taftabryhgr/","files":["taftabry00.pdf","taftabry01p.pdf|المقدمة","taftabry01.pdf","taftabry02.pdf","taftabry03.pdf","taftabry04.pdf","taftabry05.pdf|#2","taftabry06.pdf|#2","taftabry07.pdf|#2","taftabry08.pdf|#2","taftabry09.pdf","taftabry10.pdf|#2","taftabry11.pdf","taftabry12.pdf","taftabry13.pdf|#2","taftabry14.pdf","taftabry15.pdf","taftabry16.pdf","taftabry17.pdf","taftabry18.pdf","taftabry19.pdf|#2","taftabry20.pdf","taftabry21.pdf","taftabry22.pdf","taftabry23.pdf","taftabry24.pdf","taftabry25_26.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن\nالمؤلف: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (٢٢٤ - ٣١٠ هـ)\nتحقيق: د عبد الله بن عبد المحسن التركي\nبالتعاون مع: مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر - د عبد السند حسن يمامة\nالناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان - القاهرة، مصر\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م\nعدد الأجزاء: ٢٦ (٢٤ والفهارس)\nثم أُعِيد نشرها (تصويرًا) مرارا: عن دار هجر ودار عالم الكتب بالرياض وغيرهما\nتنبيه: هذه النسخة (الإلكترونية) تم إدخالُها إدخالًا جديدا اعتمادًا على تحقيق د. التركي (خلافًا لما وقع ببعض النسخ الإلكترونية الشائعة)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[جامع البيان في تفسير القرآن للطبري]\n\n(المؤلف)\nأبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري (٢٢٤ - ٣١٠هـ) .\n\n(اسم الكتاب الذي طبع به، ووصف أشهر طبعاته:)\nللكتاب عدة طبعات تحمل اسم:\nجامع البيان عن تأويل آي القرآن\nوهي كالتالي:\n١- طبعة بتحقيق أحمد محمد شاكر، ومحمود محمد شاكر، وانتهيا فيه إلى تفسير سورة يوسف ﵇، ولم يتماه، وصدر عن مكتبة دار المعارف - مصر، ١٩٥٥، ١٩٦٠م.\n٢- وطبع بتحقيق أحمد إسماعيل شكوكاني، وصدر عن دار الكتب العلمية، ١٩٩٩م.\n٣- وطبع في مطبعة ومكتبة مصطفى البابي الحلبي.\n٤- وطبع بتحقيق صدقي جميل العطار، وصدر عن دار الفكر - بيروت، ١٤١٥هـ- ١٩٩٥م، وهي الطبعة التي اعتمدنا عليها. [ثم تمت موافقة الصفحات لطبعة هجر]\n\n(توثيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه)\nتواترت نسبة هذا الكتاب الجليل إلى الإمام ابن جرير رحمه الله تعالى، وتتابعت الكلمة من أهل العلم على إثبات نسبته إليه؛ فكم من إمام نقل عنه واستفاد منه، وكم من مصنف استخدم أحاديثه في تصنيفه، فلقد كان الكتاب مادة علمية خصبة لكثير من المفسرين والمحدثين، ولا تزال آراء المؤلف في تفسيره محل اهتمام من المعتنين بدراسة القرآن وعلومه، وبالجملة فهو كتاب ملء السمع والبصر، ولا يختلف اثنان في أنه من تصنيف المؤلف، وإليك شيئًا من الأدلة على ذلك:\n١- نقل عنه جمع كبير من أهل العلم، ونكتفي بذكر بعضهم، منهم: القرطبي في التفسير في غير موضع، منها (١)، (٣٩٨)، وابن كثير في تفسيره في العديد من المواضع، منها (١)، (٢)، والنووي في شرح مسلم (٣٨)، وابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص ٥١، ٩٠، ١٧١)، والزيلعي في نصب الراية (٢، ٣٩٤، ٣٩٥)، وابن حجر في كثير من مصنفاته، مثل الفتح في أكثر من موضع منها: (١)، (٣٧، ١٧٢)، وتهذيب التهذيب (٥٩٣)، ولسان الميزان (٤، ٤٨٥)، وغيرها.\n٢- نسبه إلي جُلُّ من ترجم له من أهل العلم، منهم: الخطيب في تاريخ بغداد (٢٦٣)، والذهبي في السير (١٤٧٠)، وغيرهم كثير.\n٣- نسبه إليه كثير من أصحاب الفهارس، مثل ابن النديم في الفهرست (ص ٥٠)، والكتاني في الرسالة المستطرفة (١٧٧)، والحاج خليفة في كشف الظنون (١٧) .\n٤- ذكره الحافظ ابن حجر ضمن مسموعاته في المعجم المفهرس (٣٦٦) . وغير هؤلاء كثير جدًّا ممن استخدم روايات الكتاب فرواها من طريق المصنف.\n\n(وصف الكتاب ومنهجه)\n١- اتبع المصنف منهج الإسناد لما يورده من أخبار، مع الدقة المتناهية التي عرفت عن المحدثين في نقلهم في الأسانيد والألفاظ، مثل تصريحه في الراوي الذي نسي اسمه أنه نسي اسمه، ومثل أن يروي عن شيخين فيصرح بلفظ كل واحد منهم، ونحو ذلك.\n٢- اعتمد على التفسير بالمأثور عن رسول الله ﷺ، وعن الصحابة المعروفين بالتفسير، وعن من أخذ عنهم من التابعين.\n٣- تجنب التفسير بالرأي، بل عقد فصلا في مقدمة كتابه أورد فيه الأخبار التي تنهى عن التفسير بالرأي.\n٤- تجنب نقل أقوال المتهمين من أمثال الكلبي، ومقاتل، وإذا اضطر إليهم فإنه لا يذكر أسماءهم، بل يقول: عن بعضهم، ونحو ذلك.\n٥- جمع مع المأثور علم اللغة، والأدب، والقراءات، فكان يبدأ تفسيره للآية بتفسير معانيها من لفظه ويستشهد لها بأقوال اللغويين، وأشعار العرب من الجاهليين والإسلاميين المحتج بشعرهم، ثم يقول: (ذكر من قال ذلك) ثم يسند الأخبار التي جاءت بهذا القول، ثم يعقب بقول المخالفين، ثم يقول: (ذكر من قال ذلك) ثم يسند الأدلة التي تؤيد هذا القول، وهكذا. وقد يشكل على البعض إيراد المصنف آثارا كثيرة، ونسخ في التفسير، معلوم ضعف إسنادها، والجواب على ذلك كما قال العلامة محمود شاكر في تحقيقه للكتاب، أنها من باب الاستشهاد على المعاني اللغوية فقط، شأنها شأن الاستشهاد بالشعر، بل هي من هذه الجهة أولى وأقوى إسنادا، ومعلوم أن الشروط التي يثبت بها الشعر، ليست في قوة الشروط التي تثبت بها الأخبار عند المحدثين، والله تعالى أعلم.\n٦- ذكر القراءات المختلفة في الآيات مع عزوها إلى أصحابها من القراء، ورجح بينها.\n٧- قدم للكتاب بمقدمة نافعة في فضل القرآن، وحمله، ووجوه تفسيره.\n٨- يبدأ الآية بقوله: القول في تأويل قوله تعالى … ثم يذكر القول في تفسيرها عنده، ثم يثني بإسناد الأخبار الدالة على ذلك، والقائلين بهذا القول من أئمة التفسير، بقوله: (كما حدثنا …) ثم يذكر الأقوال الأخرى، ثم يسندها إلى قائليها بقوله: (ذكر من قال ذلك، حدثنا …) وذلك في أكثر الكتاب، والله تعالى أعلم.\n٩- يرجح بين الأقوال المختلفة في تأويل الآيات مستخدما لغة العرب أيضا، والشواهد الشعرية، والقواعد اللغوية.\n١٠- نقل المصنف من أكثر الكتب التي تقدمته في تفسير القرآن، من كتب المحدثين (كتفسير عبد الرزاق) و(تفسير مجاهد) و(تفسير الثوري) و(تفسير ابن عيينة) و(تفسير السدي) و(ناسخ الحديث ومنسوخه) لأبي عبيد القاسم بن سلام، وغيرهم، واللغويين مثل (معاني القرآن) للفراء، و(غريب الحديث) لأبي عبيد القاسم بن سلام، وغيرهم.\n١١- في الآيات التي تتشابه يُحيل على أول موضع مرَّ منها.\n\n[التعريف بالكتاب، نقلا عن موقع جامع الحديث]","ٓ":"4.0","ٔ":59,"ٕ":3,"ٖ":1770153808,"ٗ":183},"٘":{"ٙ":["المقدمة","1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11","12","13","14","15","16","17","18","19","20","21","22","23","24"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":1},{"title":"ترجمة ابن جرير الطبري","level":2,"page":6},{"title":"اسمه ونسبه وكنيته","level":3,"page":6},{"title":"مولده ونشأته","level":3,"page":7},{"title":"رحلاته في طلب العلم","level":3,"page":8},{"title":"ثناء العلماء عليه","level":3,"page":9},{"title":"صفاته الخلقية والخلقية","level":3,"page":13},{"title":"أبرز شيوخه","level":3,"page":15},{"title":"أبرز تلاميذه","level":3,"page":31},{"title":"مصنفاته","level":3,"page":35},{"title":"وفاته","level":3,"page":41},{"title":"منهج الطبري في تفسيره","level":2,"page":42},{"title":"١ - التفسير بالمأثور","level":3,"page":45},{"title":"٢ - التفسير باللغة","level":3,"page":45},{"title":"٣ - الاهتمام بالنحو","level":3,"page":46},{"title":"٤ - الإكثار من الشواهد الشعرية","level":3,"page":47},{"title":"٥ - الترجيح بين القراءات","level":3,"page":48},{"title":"٧ - الاجتهاد في المسائل الفقهية","level":3,"page":49},{"title":"٦ - الإدلاء برأيه،","level":3,"page":49},{"title":"٨ - اجتناب التأويل بالرأي","level":3,"page":50},{"title":"٩ - الانتصار للمذهب السلفي","level":3,"page":50},{"title":"١٠ - الإكثار من الإسرائيليات","level":3,"page":50},{"title":"مصادر الطبري","level":2,"page":51},{"title":"طبعات التفسير السابقة","level":3,"page":52},{"title":"منهج التحقيق","level":2,"page":53},{"title":"النسخ المخطوطة للكتاب","level":2,"page":57},{"title":"أولا: خزانة جامعة القرويين بفاس","level":3,"page":57},{"title":"ثانيا: الخزانة العامة بالرباط","level":3,"page":70},{"title":"ثالثا: مكتبة آياصوفيا","level":3,"page":72},{"title":"١ - نسخة محفوظة في مكتبة آياصوفيا تحت أرقام (١٠٠ - ١٠١)","level":4,"page":72},{"title":"٢ - نسخة محفوظة بمكتبة آياصوفيا بأرقام (١٦٩ - ١٧٢)","level":4,"page":74},{"title":"٣ - نسخة محفوظة بمكتبة آياصوفيا بأرقام [١٨٦ - ١٩٠]","level":4,"page":77},{"title":"رابعا: مركز الملك فيصل","level":3,"page":81},{"title":"خامسا: دار الكتب المصرية","level":3,"page":84},{"title":"نماذج من مخطوطات التفسير التي اعتمدنا عليها في التحقيق","level":2,"page":105},{"title":"الأسانيد الدائرة الضعيفة في التفسير","level":2,"page":177},{"title":"الكلام على الأسانيد الدائرة الضعيفة","level":3,"page":178},{"title":"جويبر عن الضحاك","level":4,"page":178},{"title":"ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد","level":4,"page":179},{"title":"عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير","level":4,"page":179},{"title":"حجاج عن ابن جريج عن مجاهد","level":4,"page":179},{"title":"وحجاج عن ابن جريج عن ابن عباس","level":4,"page":179},{"title":"علي بن أبي طلحة عن ابن عباس","level":4,"page":180},{"title":"محمد بن سعد عن أبيه عن عمه عن أبيه عن جده عن ابن عباس","level":4,"page":180},{"title":"ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس","level":4,"page":180},{"title":"أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية","level":4,"page":181},{"title":"الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس","level":4,"page":181},{"title":"بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس","level":4,"page":181},{"title":"أسباط بن نصر عن السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة","level":4,"page":182},{"title":"مقدمة المصنف","level":1,"page":183},{"title":"القول في البيان عن الأحرف التي اتفقت فيها ألفاظ العرب وألفاظ غيرها من بعض أجناس الأمم","level":2,"page":193},{"title":"القول في اللغة التي نزل بها القرآن من لغات العرب","level":2,"page":200},{"title":"القول في الوجوه التي من قبلها يوصل إلى معرفة تأويل القرآن","level":2,"page":247},{"title":"ذكر بعض الأخبار التي رويت بالنهي عن القول في تأويل القرآن بالرأي","level":2,"page":251},{"title":"ذكر بعض الأخبار التي رويت في الحض على العلم بتفسير القرآن، ومن كان يفسره من الصحابة","level":2,"page":254},{"title":"ذكر الأخبار التي غلط في تأويلها منكرو القول في تأويل القرآن","level":2,"page":258},{"title":"ذكر الأخبار عن بعض السلف في من كان من قدماء المفسرين محمودا علمه بالتفسير ومن كان منهم مذموما علمه به","level":2,"page":264},{"title":"القول في تأويل أسماء القرآن وسوره وآيه","level":2,"page":269},{"title":"القول في تأويل أسماء فاتحة الكتاب","level":2,"page":285},{"title":"القول في تأويل الاستعاذة","level":1,"page":289},{"title":"تفسير البسملة","level":1,"page":291},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿بسم﴾.","level":2,"page":291},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الرحمن الرحيم﴾.","level":2,"page":304},{"title":"القول في تأويل فاتحة الكتاب","level":1,"page":315},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿رب﴾.","level":2,"page":321},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿العالمين﴾.","level":2,"page":324},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿الرحمن الرحيم﴾.","level":2,"page":327},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿مالك يوم الدين﴾","level":2,"page":329},{"title":"القول في تأويل قوله جل ذكره: ﴿يوم الدين﴾.","level":2,"page":337},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إياك نعبد﴾.","level":2,"page":339},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإياك نستعين﴾","level":2,"page":340},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿اهدنا﴾.","level":2,"page":345},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿الصراط المستقيم﴾","level":2,"page":350},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم﴾.","level":2,"page":356},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿غير المغضوب عليهم﴾.","level":2,"page":360},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولا الضالين﴾","level":2,"page":370},{"title":"مسألة يسأل عنها أهل الإلحاد الطاعنون في القرآن","level":2,"page":379},{"title":"القول في تفسير السورة التي يذكر فيها البقرة","level":1,"page":384},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الم﴾.","level":2,"page":384},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ذلك الكتاب﴾.","level":2,"page":408},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لا ريب فيه﴾.","level":2,"page":411},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿هدى﴾.","level":2,"page":413},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿للمتقين﴾.","level":2,"page":417},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الذين يؤمنون﴾.","level":2,"page":420},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ويقيمون الصلاة﴾.","level":2,"page":427},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الصلاة﴾.","level":2,"page":428},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾.","level":2,"page":429},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناوه: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾.","level":2,"page":430},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾.","level":2,"page":431},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أولئك على هدى من ربهم﴾.","level":2,"page":433},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأولئك هم المفلحون (٥)﴾.","level":2,"page":436},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الذين كفروا﴾.","level":2,"page":438},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (٦)﴾.","level":2,"page":443},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾.","level":2,"page":445},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وعلى أبصارهم غشاوة﴾.","level":2,"page":449},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولهم عذاب عظيم (٧)﴾.","level":2,"page":454},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (٨)﴾.","level":2,"page":454},{"title":"ذكر بعض من قال ذلك من أهل التأويل بأسمائهم","level":2,"page":455},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا﴾.","level":2,"page":459},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما يخدعون إلا أنفسهم﴾.","level":2,"page":463},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما يشعرون (٩)﴾.","level":2,"page":465},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿في قلوبهم مرض﴾.","level":2,"page":466},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فزادهم الله مرضا﴾.","level":2,"page":469},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولهم عذاب أليم﴾.","level":2,"page":471},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿بما كانوا يكذبون (١٠)﴾.","level":2,"page":473},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض﴾.","level":2,"page":476},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قالوا إنما نحن مصلحون (١١)﴾.","level":2,"page":479},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (١٢)﴾.","level":2,"page":481},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء﴾.","level":2,"page":482},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون (١٣)﴾.","level":2,"page":484},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم﴾.","level":2,"page":486},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إنما نحن مستهزئون (١٤)﴾.","level":2,"page":491},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الله يستهزئ بهم﴾.","level":2,"page":492},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ويمدهم﴾.","level":2,"page":498},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿في طغيانهم﴾.","level":2,"page":500},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿يعمهون (١٥)﴾.","level":2,"page":502},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾.","level":2,"page":504},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فما ربحت تجارتهم﴾.","level":2,"page":510},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما كانوا مهتدين (١٦)﴾.","level":2,"page":512},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم﴾.","level":2,"page":512},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿صم بكم عمي﴾.","level":2,"page":525},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فهم لا يرجعون (١٨)﴾.","level":2,"page":528},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى ذكره: ﴿أو كصيب من السماء﴾.","level":2,"page":530},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾.","level":2,"page":561},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿إن الله على كل شيء قدير (٢٠)﴾.","level":2,"page":564},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾.","level":2,"page":564},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿لعلكم تتقون (٢١)﴾.","level":2,"page":566},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشا﴾.","level":2,"page":567},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿والسماء بناء﴾.","level":2,"page":568},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم﴾.","level":2,"page":570},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾.","level":2,"page":570},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وأنتم تعلمون (٢٢)﴾.","level":2,"page":572},{"title":"ذكر من قال: عني بها جميع عبدة الأوثان من العرب وكفار أهل الكتابين","level":3,"page":573},{"title":"ذكر من قال: عني بذلك أهل الكتابين","level":3,"page":573},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾.","level":2,"page":575},{"title":"[القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (٢٣)﴾.","level":2,"page":579},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا﴾.","level":2,"page":582},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة﴾.","level":2,"page":583},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿أعدت للكفرين (٢٤)﴾.","level":2,"page":585},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾.","level":2,"page":585},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل﴾.","level":2,"page":587},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وأتوا به متشابها﴾.","level":2,"page":592},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولهم فيها أزواج مطهرة﴾.","level":2,"page":599},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وهم فيها خالدون (٢٥)﴾.","level":2,"page":602},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها﴾.","level":2,"page":602},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا﴾.","level":2,"page":612},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين (٢٦)﴾.","level":2,"page":614},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾.","level":2,"page":615},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾.","level":2,"page":620},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ويفسدون في الأرض﴾.","level":2,"page":621},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أولئك هم الخاسرون (٢٧)﴾.","level":2,"page":621},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون (٢٨)﴾.","level":2,"page":623},{"title":"[القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾","level":2,"page":631},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾.","level":2,"page":634},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وهو بكل شيء عليم (٢٩)﴾.","level":2,"page":645},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وإذ قال ربك﴾.","level":2,"page":646},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿للملائكة﴾.","level":2,"page":652},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿إني جاعل في الأرض﴾.","level":2,"page":655},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿خليفة﴾.","level":2,"page":656},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه خبرا عن ملائكته: ﴿قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾.","level":2,"page":662},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾.","level":2,"page":682},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ونقدس لك﴾.","level":2,"page":685},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿قال إني أعلم ما لا تعلمون (٣٠)﴾.","level":2,"page":687},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وعلم آدم﴾.","level":2,"page":691},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿الأسماء كلها﴾.","level":2,"page":694},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ثم عرضهم على الملائكة﴾.","level":2,"page":699},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿فقال أنبئوني﴾.","level":2,"page":701},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿بأسماء هؤلاء﴾.","level":2,"page":702},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن كنتم صادقين﴾.","level":2,"page":702},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك","level":2,"page":706},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إنك أنت العليم الحكيم (٣٢)﴾.","level":2,"page":708},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال ياآدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض﴾.","level":2,"page":709},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (٣٣)﴾.","level":2,"page":711},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا","level":2,"page":714},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقلنا ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾.","level":2,"page":727},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وكلا منها رغدا حيث شئتما﴾.","level":2,"page":729},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾.","level":2,"page":731},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (٣٥)﴾.","level":2,"page":737},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فأزلهما الشيطان عنها﴾.","level":2,"page":740},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿فأخرجهما مما كانا فيه﴾.","level":2,"page":750},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾.","level":2,"page":751},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ولكم في الأرض مستقر﴾.","level":2,"page":755},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ومتاع إلى حين (٣٦)﴾.","level":2,"page":757},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾.","level":2,"page":759},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿فتاب عليه﴾.","level":2,"page":767},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إنه هو التواب الرحيم (٣٧)﴾.","level":2,"page":767},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فإما يأتينكم مني هدى﴾.","level":2,"page":768},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٣٨) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٣٩)﴾.","level":2,"page":769},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يابني إسرائيل﴾.","level":2,"page":773},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾.","level":2,"page":774},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾.","level":2,"page":776},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإياي فارهبون (٤٠)﴾.","level":2,"page":778},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم﴾.","level":2,"page":779},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ولا تكونوا أول كافر به﴾.","level":2,"page":780},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا﴾.","level":2,"page":783},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وإياي فاتقون (٤١)﴾.","level":2,"page":784},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل﴾.","level":2,"page":785},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه؛ ﴿وتكتموا الحق وأنتم تعلمون (٤٢)﴾.","level":2,"page":787},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين (٤٣)﴾.","level":2,"page":791},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾.","level":2,"page":793},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿تتلون الكتاب﴾.","level":2,"page":796},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أفلا تعقلون (٤٤)﴾.","level":2,"page":796},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾.","level":2,"page":797},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (٤٥)﴾.","level":2,"page":801},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الذين يظنون﴾.","level":2,"page":803},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أنهم ملاقو ربهم﴾.","level":2,"page":805},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأنهم إليه راجعون (٤٦)﴾.","level":2,"page":808},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾.","level":2,"page":808},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وأني فضلتكم على العالمين (٤٧)﴾.","level":2,"page":809},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾.","level":2,"page":811},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾.","level":2,"page":815},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾.","level":2,"page":817},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ولا هم ينصرون (٤٨)﴾.","level":2,"page":819},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون﴾.","level":2,"page":820},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿يسومونكم سوء العذاب﴾.","level":2,"page":824},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾.","level":2,"page":825},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى ذكره: ﴿وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (٤٩)﴾.","level":2,"page":832},{"title":"القول فى تأويل قوله جل وعز: ﴿وإذ فرقنا بكم البحر﴾.","level":2,"page":834},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون (٥٠)﴾.","level":2,"page":835},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وإذ واعدنا﴾.","level":2,"page":843},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿موسى﴾.","level":2,"page":845},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿أربعين ليلة﴾.","level":2,"page":846},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ثم اتخذتم العجل من بعده﴾.","level":2,"page":848},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون (٥٢)﴾.","level":2,"page":855},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون (٥٣)﴾.","level":2,"page":856},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذ قال موسى لقومه ياقوم إنكم ظلمتم","level":2,"page":858},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾.","level":2,"page":867},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون (٥٥)﴾.","level":2,"page":870},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون (٥٦)﴾.","level":2,"page":871},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وظللنا عليكم الغمام﴾.","level":2,"page":878},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وأنزلنا عليكم المن﴾.","level":2,"page":880},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿والسلوى﴾.","level":2,"page":884},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (٥٧)﴾.","level":2,"page":891},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية﴾.","level":2,"page":892},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فكلوا منها حيث شئتم رغدا﴾.","level":2,"page":893},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وادخلوا الباب سجدا﴾.","level":2,"page":893},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وقولوا حطة﴾.","level":2,"page":895},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿نغفر لكم﴾.","level":2,"page":900},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿خطاياكم﴾.","level":2,"page":901},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وسنزيد المحسنين (٥٨)﴾.","level":2,"page":902},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم﴾.","level":2,"page":903},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء﴾.","level":2,"page":909},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿بما كانوا يفسقون (٥٩)﴾.","level":2,"page":912},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم﴾.","level":2,"page":913},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿كلوا واشربوا من رزق الله﴾.","level":2,"page":917},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين (٦٠)﴾.","level":2,"page":918},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذ قلتم ياموسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها﴾.","level":2,"page":919},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾.","level":2,"page":927},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم﴾.","level":2,"page":929},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة﴾.","level":2,"page":933},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وباءوا بغضب من الله﴾.","level":2,"page":935},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق﴾.","level":2,"page":936},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (٦١)﴾.","level":2,"page":939},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا﴾.","level":2,"page":940},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه ﴿والنصارى﴾.","level":2,"page":940},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والصابئين﴾.","level":2,"page":942},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٦٢)﴾.","level":2,"page":945},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾.","level":2,"page":954},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ورفعنا فوقهم الطور﴾.","level":2,"page":956},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾.","level":2,"page":959},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (٦٣)﴾.","level":2,"page":961},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ثم توليتم من بعد ذلك﴾.","level":2,"page":962},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فلولا فضل الله عليكم ورحمته﴾.","level":2,"page":964},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لكنتم من الخاسرين (٦٤)﴾.","level":2,"page":966},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين (٦٥)﴾.","level":2,"page":966},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين (٦٥)﴾.","level":2,"page":974},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فجعلناها﴾.","level":2,"page":976},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿نكالا﴾.","level":2,"page":977},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لما بين يديها وما خلفها﴾.","level":2,"page":978},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وموعظة﴾.","level":2,"page":981},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿للمتقين (٦٦)﴾.","level":2,"page":981},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (٦٧) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون (٦٨)﴾.","level":2,"page":983},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا بكر﴾.","level":2,"page":994},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿عوان﴾.","level":2,"page":995},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بين ذلك﴾.","level":2,"page":998},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فافعلوا ما تؤمرون (٦٨)﴾.","level":2,"page":999},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء﴾.","level":2,"page":999},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فاقع لونها﴾.","level":2,"page":1003},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تسر الناظرين﴾.","level":2,"page":1004},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون (٧٠)﴾.","level":2,"page":1005},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث﴾.","level":2,"page":1013},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مسلمة﴾.","level":2,"page":1015},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا شية فيها﴾.","level":2,"page":1017},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا الآن جئت بالحق﴾.","level":2,"page":1019},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون (٧١)﴾.","level":2,"page":1021},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها﴾.","level":2,"page":1025},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾.","level":2,"page":1032},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون (٧٢)﴾.","level":2,"page":1032},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كذلك يحي الله الموتى﴾.","level":2,"page":1036},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويريكم آياته لعلكم تعقلون (٧٣)﴾.","level":2,"page":1036},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك﴾.","level":2,"page":1036},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾.","level":2,"page":1038},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار﴾.","level":2,"page":1041},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء﴾.","level":2,"page":1042},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾.","level":2,"page":1042},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون (٧٤)﴾.","level":2,"page":1046},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم﴾.","level":2,"page":1047},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقد كان فريق منهم﴾.","level":2,"page":1048},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (٧٥)﴾.","level":2,"page":1048},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا﴾","level":2,"page":1052},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم﴾.","level":2,"page":1054},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون (٧٧)﴾.","level":2,"page":1059},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومنهم أميون﴾.","level":2,"page":1060},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾.","level":2,"page":1062},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن هم إلا يظنون﴾.","level":2,"page":1069},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فويل﴾.","level":2,"page":1071},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا﴾.","level":2,"page":1073},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (٧٩)﴾.","level":2,"page":1077},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾.","level":2,"page":1078},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (٨٠)﴾.","level":2,"page":1084},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿بلى من كسب سيئة﴾.","level":2,"page":1086},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأحاطت به خطيئته﴾.","level":2,"page":1090},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٨١)﴾.","level":2,"page":1093},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (٨٢)﴾.","level":2,"page":1094},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾.","level":2,"page":1095},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾.","level":2,"page":1098},{"title":"القول في تأويل قوله جل تناؤه: ﴿وذي القربى واليتامى والمساكين﴾.","level":2,"page":1100},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾.","level":2,"page":1101},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأقيموا الصلاة﴾.","level":2,"page":1106},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وآتوا الزكاة﴾.","level":2,"page":1106},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون (٨٣)﴾.","level":2,"page":1107},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم﴾.","level":2,"page":1108},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ثم أقررتم﴾.","level":2,"page":1110},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأنتم تشهدون (٨٤)﴾.","level":2,"page":1111},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان﴾.","level":2,"page":1113},{"title":"ذكر اختلاف المختلفين في ذلك","level":3,"page":1115},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾.","level":2,"page":1118},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا﴾.","level":2,"page":1123},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب﴾.","level":2,"page":1124},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون (٨٥)﴾.","level":2,"page":1125},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون (٨٦)﴾.","level":2,"page":1126},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل﴾.","level":2,"page":1127},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وآتينا عيسى ابن مريم البينات﴾.","level":2,"page":1128},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾.","level":2,"page":1129},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (٨٧)﴾.","level":2,"page":1133},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾.","level":2,"page":1134},{"title":"ذكر من تأول ذلك بمعنى أنها في أغطية","level":3,"page":1136},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿بل لعنهم الله بكفرهم﴾.","level":2,"page":1139},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فقليلا ما يؤمنون (٨٨)﴾.","level":2,"page":1140},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم﴾.","level":2,"page":1143},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾.","level":2,"page":1144},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلعنة الله على الكافرين (٨٩)﴾.","level":2,"page":1150},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا﴾.","level":2,"page":1151},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده﴾.","level":2,"page":1158},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فباءوا بغضب على غضب﴾.","level":2,"page":1158},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وللكافرين عذاب مهين (٩٠)﴾.","level":2,"page":1162},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا﴾.","level":2,"page":1162},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ويكفرون بما وراءه﴾.","level":2,"page":1163},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وهو الحق مصدقا لما معهم﴾.","level":2,"page":1163},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين (٩١)﴾.","level":2,"page":1164},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم","level":2,"page":1168},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا﴾.","level":2,"page":1170},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم﴾.","level":2,"page":1171},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين (٩٣)﴾.","level":2,"page":1174},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (٩٤)﴾.","level":2,"page":1175},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (٩٥)﴾.","level":2,"page":1180},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾.","level":2,"page":1183},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن الذين أشركوا﴾.","level":2,"page":1184},{"title":"ذكر من قال: هم المجوس","level":3,"page":1185},{"title":"ذكر من قال: هم الذين ينكرون البعث","level":3,"page":1185},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾.","level":2,"page":1185},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر﴾.","level":2,"page":1187},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والله بصير بما يعملون (٩٦)﴾.","level":2,"page":1191},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾.","level":2,"page":1191},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿مصدقا لما بين يديه﴾.","level":2,"page":1207},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وهدى وبشرى للمؤمنين (٩٧)﴾.","level":2,"page":1208},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين (٩٨)﴾.","level":2,"page":1209},{"title":"القول فى تأويل قوله: ﴿ولقد أنزلنا إليك آيات بينات﴾.","level":2,"page":1212},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما يكفر بها إلا الفاسقون (٩٩)﴾.","level":2,"page":1214},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم","level":2,"page":1214},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (١٠١)﴾.","level":2,"page":1219},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾.","level":2,"page":1221},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ما تتلو الشياطين﴾.","level":2,"page":1226},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿على ملك سليمان﴾.","level":2,"page":1229},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾.","level":2,"page":1230},{"title":"ذكر الدلالة على صحة ما قلنا من الأخبار والآثار","level":3,"page":1231},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾.","level":2,"page":1238},{"title":"ذكر بعض الأخبار التى [جاءت في شأن] الملكين [وأمرهما]، ومن قال: إن هاروت وماروت هما الملكان اللذان ذكر الله في قوله: ﴿[وما أنزل على الملكين] ببابل﴾.","level":3,"page":1248},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾.","level":2,"page":1263},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾.","level":2,"page":1265},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾.","level":2,"page":1269},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾.","level":2,"page":1270},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾.","level":2,"page":1270},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (١٠٢)﴾.","level":2,"page":1275},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله","level":2,"page":1278},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقولوا انظرنا﴾.","level":2,"page":1291},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واسمعوا وللكافرين عذاب أليم (١٠٤)﴾.","level":2,"page":1293},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم﴾.","level":2,"page":1294},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (١٠٥)﴾.","level":2,"page":1295},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ما ننسخ من آية﴾.","level":2,"page":1296},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أو ننسها﴾.","level":2,"page":1298},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾.","level":2,"page":1307},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير (١٠٦)﴾.","level":2,"page":1311},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (١٠٧)﴾.","level":2,"page":1311},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل﴾.","level":2,"page":1317},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن يتبدل الكفر بالإيمان﴾.","level":2,"page":1322},{"title":"القول فى تأويل قوله: ﴿فقد ضل سواء السبيل (١٠٨)﴾","level":2,"page":1323},{"title":"القول فى تأويل قوله: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا﴾.","level":2,"page":1326},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿حسدا من عند أنفسهم﴾.","level":2,"page":1328},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾.","level":2,"page":1330},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾.","level":2,"page":1331},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إن الله على كل شيء قدير (١٠٩)﴾.","level":2,"page":1333},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله﴾.","level":2,"page":1333},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿إن الله بما تعملون بصير (١١٠)﴾.","level":2,"page":1335},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم﴾.","level":2,"page":1335},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (١١١)﴾.","level":2,"page":1337},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن﴾.","level":2,"page":1339},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (١١٢)﴾.","level":2,"page":1341},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب﴾.","level":2,"page":1342},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم﴾.","level":2,"page":1346},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (١١٣)﴾.","level":2,"page":1348},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها﴾.","level":2,"page":1349},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾.","level":2,"page":1354},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (١١٤)﴾.","level":2,"page":1355},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾.","level":2,"page":1356},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الله واسع عليم (١١٥)﴾.","level":2,"page":1368},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض﴾.","level":2,"page":1368},{"title":"القول فى تأويل قوله جل تناؤه: ﴿كل له قانتون (١١٦)﴾.","level":2,"page":1369},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿بديع السماوات والأرض﴾.","level":2,"page":1372},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (١١٧)﴾.","level":2,"page":1374},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية﴾.","level":2,"page":1381},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم﴾.","level":2,"page":1384},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قد بينا الآيات لقوم يوقنون (١١٨)﴾.","level":2,"page":1387},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا﴾.","level":2,"page":1388},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا تسأل عن أصحاب الجحيم (١١٩)﴾.","level":2,"page":1388},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى﴾.","level":2,"page":1392},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير (١٢٠)﴾.","level":2,"page":1393},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾.","level":2,"page":1394},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾.","level":2,"page":1395},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أولئك يؤمنون به﴾.","level":2,"page":1403},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون (١٢١)﴾","level":2,"page":1404},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين (١٢٢)﴾.","level":2,"page":1404},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون (١٢٣)﴾.","level":2,"page":1405},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات﴾.","level":2,"page":1406},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فأتمهن﴾.","level":2,"page":1416},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال إني جاعلك للناس إماما﴾.","level":2,"page":1417},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال ومن ذريتي﴾.","level":2,"page":1418},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال لا ينال عهدي الظالمين (١٢٤)﴾.","level":2,"page":1419},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس﴾.","level":2,"page":1424},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأمنا﴾.","level":2,"page":1429},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾.","level":2,"page":1430},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي﴾.","level":2,"page":1438},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿للطائفين﴾.","level":2,"page":1441},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والعاكفين﴾.","level":2,"page":1442},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والركع السجود (١٢٥)﴾.","level":2,"page":1444},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا﴾.","level":2,"page":1445},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾.","level":2,"page":1451},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال ومن كفر فأمتعه قليلا﴾.","level":2,"page":1452},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ثم أضطره إلى عذاب النار﴾.","level":2,"page":1455},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وبئس المصير (١٢٦)﴾.","level":2,"page":1455},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾.","level":2,"page":1456},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ربنا تقبل منا﴾.","level":2,"page":1464},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إنك أنت السميع العليم (١٢٧)﴾.","level":2,"page":1472},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾.","level":2,"page":1473},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأرنا مناسكنا﴾.","level":2,"page":1474},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم (١٢٨)﴾.","level":2,"page":1479},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك﴾.","level":2,"page":1480},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾.","level":2,"page":1483},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ويزكيهم﴾.","level":2,"page":1485},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إنك أنت العزيز الحكيم (١٢٩)﴾.","level":2,"page":1486},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم﴾.","level":2,"page":1486},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إلا من سفه نفسه﴾.","level":2,"page":1487},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولقد اصطفيناه في الدنيا﴾.","level":2,"page":1488},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين (١٣٠)﴾.","level":2,"page":1488},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب","level":2,"page":1488},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني﴾.","level":2,"page":1490},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الله اصطفى لكم الدين﴾","level":2,"page":1492},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (١٣٢)﴾.","level":2,"page":1492},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت﴾.","level":2,"page":1493},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون﴾.","level":2,"page":1494},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون (١٣٤)﴾.","level":2,"page":1496},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (١٣٥)﴾.","level":2,"page":1499},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (١٣٦)﴾.","level":2,"page":1503},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا﴾.","level":2,"page":1507},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن تولوا فإنما هم في شقاق﴾.","level":2,"page":1509},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (١٣٧)﴾.","level":2,"page":1510},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة﴾.","level":2,"page":1511},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ونحن له عابدون (١٣٨)﴾.","level":2,"page":1514},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون (١٣٩)﴾.","level":2,"page":1515},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله﴾.","level":2,"page":1516},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله﴾.","level":2,"page":1518},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما الله بغافل عما تعملون (١٤٠)﴾.","level":2,"page":1521},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون (١٤١)﴾.","level":2,"page":1522},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿سيقول السفهاء من الناس﴾.","level":2,"page":1523},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾.","level":2,"page":1525},{"title":"ذكر المدة التى صلى رسول الله ﷺ وأصحابه نحو بيت المقدس، وما كان سبب صلاته نحوه، وما الذى دعا اليهود والمنافقين إلى قيل ما قالوا عند تحويل الله قبلة المؤمنين عن بيت المقدس إلى الكعبة","level":3,"page":1526},{"title":"ذكر السبب الذى كان من أجله ﷺ يصلى نحو بيت المقدس، قبل أن يفرض عليه التوجه شطر الكعبة","level":3,"page":1530},{"title":"ذكر السبب الذى من أجله قال [من قال] ﴿ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾","level":3,"page":1532},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (١٤٢)﴾.","level":2,"page":1533},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾.","level":2,"page":1534},{"title":"ذكر من قال: الوسط العدل","level":3,"page":1535},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾.","level":2,"page":1537},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾.","level":2,"page":1546},{"title":"ذكر الأخبار التى رويت في ذلك بمعنى ما قلنا","level":3,"page":1547},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله﴾.","level":2,"page":1554},{"title":"ذكر الأخبار التى رويت بذلك وذكر قول من قاله","level":3,"page":1558},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ قيل: عنى بالإيمان في هذا الموضع الصلاة.","level":2,"page":1558},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثثاؤه: ﴿إن الله بالناس لرءوف رحيم (١٤٣)﴾.","level":2,"page":1562},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾.","level":2,"page":1564},{"title":"القول فى تأويل قوله ﷿: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾.","level":2,"page":1573},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم﴾ يعنى بقوله جل ثناؤه: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب﴾ أحبار اليهود وعلماء النصارى.","level":2,"page":1573},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾.","level":2,"page":1574},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض﴾.","level":2,"page":1574},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين (١٤٥)﴾.","level":2,"page":1577},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾.","level":2,"page":1577},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون (١٤٦)﴾.","level":2,"page":1579},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (١٤٧)﴾.","level":2,"page":1581},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾.","level":2,"page":1582},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾.","level":2,"page":1587},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير (١٤٨)﴾.","level":2,"page":1588},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون (١٤٩)﴾.","level":2,"page":1589},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾.","level":2,"page":1590},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني﴾.","level":2,"page":1590},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (١٥٠)﴾.","level":2,"page":1599},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (١٥١)﴾.","level":2,"page":1600},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فاذكروني أذكركم﴾.","level":2,"page":1603},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واشكروا لي ولا تكفرون (١٥٢)﴾","level":2,"page":1604},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين (١٥٣)﴾.","level":2,"page":1605},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون (١٥٤)﴾.","level":2,"page":1606},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين (١٥٥)﴾.","level":2,"page":1611},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (١٥٦)﴾.","level":2,"page":1614},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (١٥٧)﴾.","level":2,"page":1614},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾.","level":2,"page":1616},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فمن حج البيت أو اعتمر﴾.","level":2,"page":1619},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾.","level":2,"page":1620},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم﴾.","level":2,"page":1635},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب﴾.","level":2,"page":1637},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (١٥٩)﴾.","level":2,"page":1640},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (١٦٠)﴾.","level":2,"page":1646},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (١٦١)﴾.","level":2,"page":1648},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (١٦٢)﴾.","level":2,"page":1651},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (١٦٣)﴾.","level":2,"page":1653},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن في خلق السماوات والأرض﴾.","level":2,"page":1659},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واختلاف الليل والنهار﴾.","level":2,"page":1660},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس﴾.","level":2,"page":1662},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها﴾.","level":2,"page":1662},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وبث فيها من كل دابة﴾.","level":2,"page":1663},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وتصريف الرياح﴾.","level":2,"page":1663},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون (١٦٤)﴾.","level":2,"page":1664},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾.","level":2,"page":1667},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب (١٦٥)﴾.","level":2,"page":1669},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب﴾.","level":2,"page":1674},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وتقطعت بهم الأسباب (١٦٦)﴾.","level":2,"page":1676},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا﴾.","level":2,"page":1681},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم﴾.","level":2,"page":1683},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما هم بخارجين من النار (١٦٧)﴾.","level":2,"page":1687},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (١٦٨)﴾.","level":2,"page":1687},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (١٧٠)﴾.","level":2,"page":1692},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء﴾.","level":2,"page":1695},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿صم بكم عمي فهم لا يعقلون (١٧١)﴾.","level":2,"page":1702},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون (١٧٢)﴾.","level":2,"page":1703},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله﴾.","level":2,"page":1704},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾.","level":2,"page":1709},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الله غفور رحيم (١٧٣)﴾.","level":2,"page":1714},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا﴾.","level":2,"page":1715},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا","level":2,"page":1716},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة﴾.","level":2,"page":1718},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿فما أصبرهم على النار (١٧٥)﴾.","level":2,"page":1718},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد (١٧٦)﴾.","level":2,"page":1722},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾.","level":2,"page":1725},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب﴾.","level":2,"page":1729},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا﴾.","level":2,"page":1735},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس﴾.","level":2,"page":1737},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وحين البأس﴾.","level":2,"page":1742},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (١٧٧)﴾.","level":2,"page":1743},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾.","level":2,"page":1744},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾.","level":2,"page":1755},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾.","level":2,"page":1762},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (١٧٨)﴾.","level":2,"page":1765},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة ياأولي الألباب لعلكم تتقون (١٧٩)﴾.","level":2,"page":1771},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين (١٨٠)﴾.","level":2,"page":1774},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه﴾.","level":2,"page":1789},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الله سميع عليم (١٨١)﴾.","level":2,"page":1792},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (١٨٢)﴾.","level":2,"page":1793},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (١٨٣)﴾","level":2,"page":1803},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أياما معدودات﴾.","level":2,"page":1807},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾.","level":2,"page":1811},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فمن تطوع خيرا فهو خير له﴾.","level":2,"page":1834},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون (١٨٤)﴾.","level":2,"page":1837},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾.","level":2,"page":1838},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾.","level":2,"page":1843},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾.","level":2,"page":1852},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾.","level":2,"page":1869},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة﴾.","level":2,"page":1870},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾.","level":2,"page":1872},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿ولعلكم تشكرون (١٨٥)﴾.","level":2,"page":1873},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (١٨٦)﴾.","level":2,"page":1873},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾.","level":2,"page":1880},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾.","level":2,"page":1882},{"title":"القول في تأويل قوله جل ذكره: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم﴾.","level":2,"page":1884},{"title":"ذكر الأخبار التي رويت عن النبي ﷺ في ذلك","level":3,"page":1908},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾.","level":2,"page":1918},{"title":"ذكر من قال: إن ذلك بمعنى الشروط","level":3,"page":1925},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾.","level":2,"page":1925},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (١٨٧)﴾.","level":2,"page":1926},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى","level":2,"page":1926},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾.","level":2,"page":1931},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون (١٨٩)﴾.","level":2,"page":1934},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واتقوا الله لعلكم تفلحون (١٨٩)﴾.","level":2,"page":1940},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (١٩٠)﴾.","level":2,"page":1940},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾.","level":2,"page":1943},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والفتنة أشد من القتل﴾.","level":2,"page":1944},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين (١٩١)﴾","level":2,"page":1946},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم (١٩٢)﴾.","level":2,"page":1949},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله﴾.","level":2,"page":1950},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين (١٩٣)﴾.","level":2,"page":1952},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص﴾.","level":2,"page":1955},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾.","level":2,"page":1960},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (١٩٤)﴾.","level":2,"page":1963},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين (١٩٥)﴾.","level":2,"page":1963},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين (١٩٥)﴾.","level":2,"page":1977},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾.","level":2,"page":1978},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾.","level":2,"page":1993},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾.","level":2,"page":2010},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾.","level":2,"page":2028},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإذا أمنتم﴾.","level":2,"page":2061},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾.","level":2,"page":2062},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾.","level":2,"page":2070},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾.","level":2,"page":2084},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿تلك عشرة كاملة﴾.","level":2,"page":2087},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾.","level":2,"page":2088},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب (١٩٦)﴾.","level":2,"page":2093},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الحج أشهر معلومات﴾.","level":2,"page":2094},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾.","level":2,"page":2103},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلا رفث﴾.","level":2,"page":2108},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا فسوق﴾.","level":2,"page":2120},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا جدال في الحج﴾.","level":2,"page":2128},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير يعلمه الله﴾.","level":2,"page":2144},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾.","level":2,"page":2145},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واتقون ياأولي الألباب (١٩٧)﴾.","level":2,"page":2152},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾.","level":2,"page":2152},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾.","level":2,"page":2161},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾.","level":2,"page":2166},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين (١٩٨)﴾.","level":2,"page":2174},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾.","level":2,"page":2175},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (١٩٩)﴾.","level":2,"page":2183},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا﴾.","level":2,"page":2185},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (٢٠٠)﴾.","level":2,"page":2192},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (٢٠١)﴾.","level":2,"page":2195},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (٢٠٢)﴾.","level":2,"page":2198},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾.","level":2,"page":2200},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى﴾.","level":2,"page":2207},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون (٢٠٣)﴾.","level":2,"page":2222},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه﴾.","level":2,"page":2222},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وهو ألد الخصام (٢٠٤)﴾.","level":2,"page":2229},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها﴾.","level":2,"page":2231},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ويهلك الحرث والنسل﴾.","level":2,"page":2233},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والله لا يحب الفساد (٢٠٥)﴾.","level":2,"page":2238},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه","level":2,"page":2238},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله﴾.","level":2,"page":2240},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والله رءوف بالعباد (٢٠٧)﴾.","level":2,"page":2245},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾.","level":2,"page":2246},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كافة﴾.","level":2,"page":2252},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (٢٠٨)﴾.","level":2,"page":2253},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم (٢٠٩)﴾.","level":2,"page":2254},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾.","level":2,"page":2256},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور (٢١٠)﴾.","level":2,"page":2265},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة﴾.","level":2,"page":2266},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب (٢١١)﴾.","level":2,"page":2268},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة﴾.","level":2,"page":2269},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والله يرزق من يشاء بغير حساب (٢١٢)﴾.","level":2,"page":2271},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾.","level":2,"page":2271},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم﴾.","level":2,"page":2278},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (٢١٣)﴾.","level":2,"page":2281},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب (٢١٤)﴾.","level":2,"page":2286},{"title":"ذكر من قال: نزلت هذه الآية يوم الخندق","level":3,"page":2288},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به","level":2,"page":2290},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كتب عليكم القتال﴾.","level":2,"page":2294},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وهو كره لكم﴾.","level":2,"page":2296},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم﴾.","level":2,"page":2297},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون (٢١٦)﴾.","level":2,"page":2298},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله","level":2,"page":2298},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾.","level":2,"page":2316},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك","level":2,"page":2316},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم (٢١٨)﴾.","level":2,"page":2317},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾.","level":2,"page":2320},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾.","level":2,"page":2330},{"title":"ذكر الأخبار الدالة على ما قلنا من أن هذه الآية نزلت قبل تحريم الخمر","level":3,"page":2331},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾.","level":2,"page":2337},{"title":"ذكر بعض الأخبار التى رويت عن رسول الله ﷺ بذلك","level":3,"page":2341},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (٢١٩) في الدنيا والآخرة﴾.","level":2,"page":2347},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾.","level":2,"page":2349},{"title":"(*) القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾.","level":2,"page":2358},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾.","level":2,"page":2359},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الله عزيز حكيم (٢٢٠)﴾.","level":2,"page":2361},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾.","level":2,"page":2362},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولأمة مؤمنة خير من مشركة﴾.","level":2,"page":2367},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿ولو أعجبتكم﴾.","level":2,"page":2369},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم﴾.","level":2,"page":2369},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون (٢٢١)﴾.","level":2,"page":2370},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى﴾.","level":2,"page":2371},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿قل هو أذى﴾.","level":2,"page":2373},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾.","level":2,"page":2374},{"title":"القول في تأويل قوله جل ذكره: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾.","level":2,"page":2382},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾.","level":2,"page":2384},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ذكره: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾.","level":2,"page":2386},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (٢٢٢)﴾.","level":2,"page":2393},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾.","level":2,"page":2396},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾.","level":2,"page":2396},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقدموا لأنفسكم﴾.","level":2,"page":2412},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين (٢٢٣)﴾.","level":2,"page":2414},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم (٢٢٤)﴾.","level":2,"page":2415},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿والله سميع عليم (٢٢٤)﴾.","level":2,"page":2423},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾.","level":2,"page":2424},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾.","level":2,"page":2446},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والله غفور حليم (٢٢٥)﴾.","level":2,"page":2452},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾.","level":2,"page":2452},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم (٢٢٦)﴾.","level":2,"page":2461},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإن الله غفور رحيم (٢٢٦)﴾.","level":2,"page":2470},{"title":"ذكر بعض من قال: إذا فاء المؤلى فعليه الكفارة","level":3,"page":2472},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (٢٢٧)﴾.","level":2,"page":2473},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾.","level":2,"page":2497},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾.","level":2,"page":2515},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا﴾.","level":2,"page":2525},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾.","level":2,"page":2529},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾.","level":2,"page":2531},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والله عزيز حكيم (٢٢٨)﴾.","level":2,"page":2534},{"title":"ذكر الأخبار الواردة بما قلنا في ذلك","level":3,"page":2535},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾.","level":2,"page":2535},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾.","level":2,"page":2544},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله﴾.","level":2,"page":2557},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾.","level":2,"page":2559},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون (٢٢٩)﴾.","level":2,"page":2574},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾.","level":2,"page":2575},{"title":"ذكر الأخبار المروية بذلك عن رسول الله ﷺ","level":3,"page":2579},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾.","level":2,"page":2584},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون (٢٣٠)﴾.","level":2,"page":2587},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا﴾.","level":2,"page":2588},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه﴾.","level":2,"page":2593},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تتخذوا آيات الله هزوا﴾.","level":2,"page":2593},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة﴾.","level":2,"page":2595},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم (٢٣١)﴾.","level":2,"page":2596},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾.","level":2,"page":2597},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر﴾.","level":2,"page":2606},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (٢٣٢)﴾.","level":2,"page":2607},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾.","level":2,"page":2609},{"title":"ذكر من قال: إن الوالدات اللواتي ذكرهن الله تعالى في هذا الموضع البائنات من أزواجهن. على ما وصفنا قبل","level":3,"page":2616},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾.","level":2,"page":2621},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿[لا تكلف نفس] إلا وسعها﴾.","level":2,"page":2622},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿[لا تكلف نفس] إلا وسعها﴾.","level":2,"page":2622},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده﴾.","level":2,"page":2623},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾.","level":2,"page":2631},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مثل ذلك﴾.","level":2,"page":2637},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾.","level":2,"page":2645},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف﴾.","level":2,"page":2650},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير (٢٣٣)﴾.","level":2,"page":2656},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن","level":2,"page":2656},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾.","level":2,"page":2669},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والله بما تعملون خبير (٢٣٤)﴾.","level":2,"page":2670},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾.","level":2,"page":2671},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أو أكننتم في أنفسكم﴾.","level":2,"page":2679},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿علم الله أنكم ستذكرونهن﴾.","level":2,"page":2681},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولكن لا تواعدوهن سرا﴾.","level":2,"page":2682},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إلا أن تقولوا قولا معروفا﴾.","level":2,"page":2691},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب","level":2,"page":2693},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم (٢٣٥)﴾.","level":2,"page":2696},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن﴾.","level":2,"page":2696},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2699},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾.","level":2,"page":2699},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾.","level":2,"page":2699},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2704},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2706},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2708},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2710},{"title":"ذكر بعض من قال ذلك من الصحابة والتابعين ﵃","level":3,"page":2715},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿متاعا بالمعروف حقا على المحسنين (٢٣٦)﴾.","level":2,"page":2718},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون﴾.","level":2,"page":2721},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2722},{"title":"ذكر من قال في قوله: ﴿إلا أن يعفون﴾ القول الذي ذكرناه من التأويل","level":3,"page":2723},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2727},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾.","level":2,"page":2727},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2734},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾.","level":2,"page":2746},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2747},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2747},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾.","level":2,"page":2748},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2749},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الله بما تعملون بصير (٢٣٧)﴾.","level":2,"page":2751},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2752},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2752},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾.","level":2,"page":2752},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2769},{"title":"ذكر من كان يقول ذلك كذلك","level":3,"page":2773},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2777},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2777},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2781},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2785},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقوموا لله قانتين (٢٣٨)﴾.","level":2,"page":2785},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2789},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2791},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2793},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا﴾.","level":2,"page":2794},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2796},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم","level":2,"page":2804},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج﴾.","level":2,"page":2806},{"title":"ذكر بعض من قال: إن سكنى حول كامل كان حقا لأزواج المتوفين بعد موتهم على ما قلنا، أوصى بذلك أزواجهن لهن أو لم يوصوا لهن به، وأن ذلك نسخ بما ذكرنا من الأربعة الأشهر والعشر والميراث","level":3,"page":2810},{"title":"ذكر من قال: كان ذلك يكون لهن وصية من أزواجهن لهن به","level":3,"page":2813},{"title":"ذكر من قال: نسخ ذلك ما كان لهن من المتاع إلى الحول. من غير تنبيه على أي وجه كان ذلك لهن","level":3,"page":2814},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2815},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم (٢٤٠)﴾.","level":2,"page":2818},{"title":"القول في تأويل قوله جل ذكره: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين (٢٤١)﴾.","level":2,"page":2819},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2820},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2820},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2821},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون (٢٤٢)﴾.","level":2,"page":2823},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم﴾.","level":2,"page":2823},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2824},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2830},{"title":"ذكر هذه الأخبار عمن قال: كان خروج هؤلاء القوم من ديارهم فرارا من الطاعون","level":3,"page":2830},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (٢٤٣)﴾.","level":2,"page":2835},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم (٢٤٤)﴾.","level":2,"page":2836},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾.","level":2,"page":2838},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والله يقبض ويبسط﴾.","level":2,"page":2842},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2844},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإليه ترجعون (٢٤٥)﴾.","level":2,"page":2844},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله﴾.","level":2,"page":2845},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين (٢٤٦)﴾.","level":2,"page":2852},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال﴾.","level":2,"page":2857},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2863},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم﴾.","level":2,"page":2864},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2865},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2866},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم (٢٤٧)﴾.","level":2,"page":2866},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت﴾.","level":2,"page":2867},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2875},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2877},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فيه سكينة من ربكم﴾.","level":2,"page":2877},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2878},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2879},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2880},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2880},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2881},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2881},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2881},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون﴾.","level":2,"page":2882},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2883},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2885},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2885},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2886},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2886},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2887},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿تحمله الملائكة﴾.","level":2,"page":2887},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2888},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2889},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (٢٤٨)﴾.","level":2,"page":2890},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم﴾","level":2,"page":2891},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2892},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2893},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2894},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2894},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2897},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2899},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾.","level":2,"page":2899},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2901},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2903},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين (٢٤٩)﴾.","level":2,"page":2903},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2904},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (٢٥٠)﴾.","level":2,"page":2907},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت﴾.","level":2,"page":2907},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء﴾.","level":2,"page":2923},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2924},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين (٢٥١)﴾.","level":2,"page":2924},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2925},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين (٢٥٢)﴾.","level":2,"page":2928},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات﴾.","level":2,"page":2929},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس﴾.","level":2,"page":2931},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات﴾.","level":2,"page":2931},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2932},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (٢٥٣)﴾.","level":2,"page":2932},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون (٢٥٤)﴾.","level":2,"page":2933},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2938},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2939},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾.","level":2,"page":2940},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":2941},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾.","level":2,"page":2944},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2945},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾.","level":2,"page":2945},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2947},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2947},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾.","level":2,"page":2947},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2948},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2949},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2952},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم (٢٥٥)﴾.","level":2,"page":2952},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2956},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾.","level":2,"page":2956},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2961},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2963},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله﴾.","level":2,"page":2965},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2966},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2967},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2967},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾.","level":2,"page":2969},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2970},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لا انفصام لها﴾.","level":2,"page":2971},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2972},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والله سميع عليم (٢٥٦)﴾.","level":2,"page":2972},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾.","level":2,"page":2972},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2973},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٢٥٧)﴾.","level":2,"page":2977},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك﴾.","level":2,"page":2977},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2978},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين (٢٥٨)﴾.","level":2,"page":2980},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2981},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾.","level":2,"page":2986},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أو كالذي مر على قرية﴾.","level":2,"page":2987},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2988},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2990},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2992},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2994},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وهي خاوية على عروشها﴾.","level":2,"page":2994},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":2995},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام﴾.","level":2,"page":2996},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام﴾.","level":2,"page":3006},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3007},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه﴾.","level":2,"page":3008},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3013},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3015},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وانظر إلى حمارك﴾.","level":2,"page":3016},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3017},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3018},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3020},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولنجعلك آية للناس﴾.","level":2,"page":3023},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3024},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3025},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها﴾.","level":2,"page":3025},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3026},{"title":"ذكر من [تأول ذلك كذلك]","level":2,"page":3027},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ثم نكسوها لحما﴾.","level":2,"page":3029},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير (٢٥٩)﴾.","level":2,"page":3030},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3032},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي","level":2,"page":3033},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3034},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3036},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3037},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3038},{"title":"ذكر من قال: معنى ذلك: ليوقن. أو ليزداد يقينا أو إيمانا","level":2,"page":3041},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3043},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال فخذ أربعة من الطير﴾.","level":2,"page":3043},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3044},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فصرهن إليك﴾.","level":2,"page":3044},{"title":"ذكر من حضرنا قوله في تأويل قول الله: ﴿فصرهن﴾. أنه بمعنى: فقطعهن.","level":2,"page":3049},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3053},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3053},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا﴾.","level":2,"page":3053},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3056},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3057},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واعلم أن الله عزيز حكيم (٢٦٠)﴾.","level":2,"page":3059},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾.","level":2,"page":3060},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3063},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3063},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والله يضاعف لمن يشاء﴾.","level":2,"page":3063},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والله واسع عليم (٢٦١)﴾.","level":2,"page":3064},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٢٦٢)﴾.","level":2,"page":3065},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3066},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم (٢٦٣)﴾.","level":2,"page":3067},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ويتأيها الذين آمنوا ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر﴾.","level":2,"page":3068},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3070},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين (٢٦٤)﴾.","level":2,"page":3070},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3073},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿صفوان﴾.","level":2,"page":3075},{"title":"ذكر من قال نحو ما قلنا في ذلك","level":2,"page":3076},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فأصابه وابل﴾.","level":2,"page":3076},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فتركه صلدا﴾.","level":2,"page":3076},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم﴾.","level":2,"page":3077},{"title":"ذكر من قال ذلك من أهل التأويل","level":2,"page":3078},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3079},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3082},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل﴾.","level":2,"page":3082},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3084},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3085},{"title":"[ذكر من قال ذلك]","level":2,"page":3087},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والله بما تعملون بصير (٢٦٥)﴾.","level":2,"page":3089},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت﴾.","level":2,"page":3089},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3100},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3103},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (٢٦٦)﴾.","level":2,"page":3103},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3104},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأيها الذين آمنوا أنفقوا﴾.","level":2,"page":3104},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿من طيبات ما كسبتم﴾.","level":2,"page":3104},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾.","level":2,"page":3106},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا تيمموا﴾.","level":2,"page":3108},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾.","level":2,"page":3108},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3109},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3113},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾.","level":2,"page":3113},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3114},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3116},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3117},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3117},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3118},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3120},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واعلموا أن الله غني حميد (٢٦٧)﴾.","level":2,"page":3121},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا﴾.","level":2,"page":3122},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3125},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والله واسع عليم (٢٦٨)﴾.","level":2,"page":3125},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾.","level":2,"page":3125},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3127},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3127},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3128},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3128},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3129},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما يذكر إلا أولو الألباب (٢٦٩)﴾.","level":2,"page":3129},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار (٢٧٠)﴾.","level":2,"page":3130},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير (٢٧١)﴾.","level":2,"page":3131},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3133},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾.","level":2,"page":3134},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والله بما تعملون خبير (٢٧١)﴾.","level":2,"page":3135},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (٢٧٢)﴾.","level":2,"page":3136},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل﴾.","level":2,"page":3139},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3140},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3141},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الذين أحصروا في سبيل الله﴾.","level":2,"page":3141},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3142},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لا يستطيعون ضربا في الأرض﴾.","level":2,"page":3142},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾.","level":2,"page":3143},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3144},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿تعرفهم بسيماهم﴾.","level":2,"page":3144},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3145},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3146},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لا يسألون الناس إلحافا﴾.","level":2,"page":3146},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3148},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم (٢٧٣)﴾.","level":2,"page":3149},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3150},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٢٧٤)﴾.","level":2,"page":3150},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3151},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3153},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3154},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾.","level":2,"page":3154},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3155},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3156},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا﴾.","level":2,"page":3159},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٢٧٥)﴾.","level":2,"page":3160},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (٢٧٦)﴾.","level":2,"page":3162},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٢٧٧)﴾.","level":2,"page":3165},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3166},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (٢٧٨)﴾.","level":2,"page":3166},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾.","level":2,"page":3168},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3169},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم﴾.","level":2,"page":3170},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لا تظلمون ولا تظلمون (٢٧٩)﴾.","level":2,"page":3172},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3173},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾.","level":2,"page":3173},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3174},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3178},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3180},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون (٢٨٠)﴾.","level":2,"page":3180},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3181},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3183},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3184},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (٢٨١)﴾.","level":2,"page":3184},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى﴾.","level":2,"page":3186},{"title":"ذكر الرواية عنه بذلك","level":2,"page":3187},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3189},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فاكتبوه﴾.","level":2,"page":3189},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3190},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله﴾.","level":2,"page":3193},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3194},{"title":"ذكر من قال: هي منسوخة","level":2,"page":3194},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3195},{"title":"ذكر من قال: العدل في قوله: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب﴾: الحق","level":2,"page":3198},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا﴾.","level":2,"page":3198},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3199},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل﴾.","level":2,"page":3199},{"title":"ذكر من قال في ذلك ما قلناه","level":2,"page":3201},{"title":"ذكر من قال: عنى بالضعيف في هذا الموضع: الأحمق. وبقوله: ﴿فليملل وليه بالعدل﴾: ولي السفيه والضعيف","level":2,"page":3202},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾.","level":2,"page":3203},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾.","level":2,"page":3203},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾.","level":2,"page":3204},{"title":"ذكر من تأول قوله: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾. نحو تأويلنا الذي قلنا فيه","level":2,"page":3209},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾.","level":2,"page":3210},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3211},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3212},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3212},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3213},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3217},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله﴾.","level":2,"page":3219},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ذلكم أقسط عند الله﴾.","level":2,"page":3220},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3221},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأقوم للشهادة﴾.","level":2,"page":3221},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأدنى ألا ترتابوا﴾.","level":2,"page":3221},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إلا أن تكون [تجارة حاضرة] تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها﴾.","level":2,"page":3222},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3223},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3226},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾.","level":2,"page":3226},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3227},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3228},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾.","level":2,"page":3228},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3230},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3231},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3235},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم﴾.","level":2,"page":3235},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3236},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3237},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم (٢٨٢)﴾.","level":2,"page":3237},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾.","level":2,"page":3237},{"title":"ذكر من قال ما قلنا في ذلك","level":2,"page":3238},{"title":"ذكر من تأول ذلك على القراءة الأخرى التي التي حكيناها","level":2,"page":3239},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه﴾.","level":2,"page":3241},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم (٢٨٣)﴾.","level":2,"page":3243},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾.","level":2,"page":3244},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3246},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3247},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3256},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3259},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والله على كل شيء قدير (٢٨٤)﴾","level":2,"page":3264},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾.","level":2,"page":3265},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾.","level":2,"page":3267},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير (٢٨٥)﴾.","level":2,"page":3268},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾.","level":2,"page":3269},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾.","level":2,"page":3271},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾.","level":2,"page":3272},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3275},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا﴾.","level":2,"page":3275},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3277},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3277},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3278},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾.","level":2,"page":3278},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3281},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واعف عنا واغفر لنا﴾.","level":2,"page":3281},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وارحمنا﴾.","level":2,"page":3281},{"title":"ذكر الأخبار التي جاءت بذلك","level":2,"page":3282},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (٢٨٦)﴾.","level":2,"page":3282},{"title":"سورة آل عمران","level":1,"page":3287},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الم الله لا إله إلا هو﴾.","level":2,"page":3287},{"title":"ذكر الرواية عمن ذكرنا قوله في نزول افتتاح هذه السورة أنه نزل في الذين وصفنا صفتهم من النصارى","level":2,"page":3288},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الحي القيوم﴾.","level":2,"page":3292},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3293},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الحي﴾.","level":2,"page":3293},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿القيوم﴾.","level":2,"page":3294},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3295},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3297},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه﴾.","level":2,"page":3297},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس﴾.","level":2,"page":3298},{"title":"ذكر من قال: معناه: الفصل بين الحق والباطل في أمر عيسى والأحزاب","level":2,"page":3299},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأنزل الفرقان﴾.","level":2,"page":3299},{"title":"ذكر من قال: معنى ذلك: الفصل بين الحق والباطل في الأحكام وشرائع الإسلام","level":2,"page":3300},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3301},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام﴾.","level":2,"page":3301},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (٥)﴾.","level":2,"page":3302},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء﴾.","level":2,"page":3303},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لا إله إلا هو العزيز الحكيم (٦)﴾.","level":2,"page":3304},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾.","level":2,"page":3305},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3310},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3313},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3314},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3314},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3318},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿هن أم الكتاب﴾.","level":2,"page":3318},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3319},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3319},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾.","level":2,"page":3319},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾.","level":2,"page":3321},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3322},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3324},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3329},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ابتغاء الفتنة﴾.","level":2,"page":3329},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3330},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3332},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3332},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وابتغاء تأويله﴾.","level":2,"page":3332},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3333},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾.","level":2,"page":3334},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3335},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3337},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾.","level":2,"page":3340},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3341},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كل من عند ربنا﴾.","level":2,"page":3342},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما يذكر إلا أولو الألباب﴾.","level":2,"page":3344},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (٨)﴾.","level":2,"page":3344},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد (٩)﴾.","level":2,"page":3350},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار (١٠)﴾.","level":2,"page":3351},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب (١١)﴾.","level":2,"page":3351},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3352},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3352},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3353},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (١٢)﴾.","level":2,"page":3355},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة﴾.","level":2,"page":3358},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يرونهم مثليهم رأي العين﴾.","level":2,"page":3361},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3362},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3363},{"title":"ذكر من قال: كان عددهم ألفا","level":2,"page":3364},{"title":"ذكر من قال: كان عددهم ما بين التسعمائة إلى الألف","level":2,"page":3365},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (١٣)﴾.","level":2,"page":3369},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة﴾.","level":2,"page":3370},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3371},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3372},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3373},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3374},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3375},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3376},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3376},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3377},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3378},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والخيل المسومة﴾.","level":2,"page":3378},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3380},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3381},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3382},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والأنعام والحرث﴾.","level":2,"page":3383},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب (١٤)﴾.","level":2,"page":3384},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد (١٥)﴾.","level":2,"page":3385},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار (١٦)﴾.","level":2,"page":3388},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين﴾.","level":2,"page":3389},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والمستغفرين بالأسحار (١٧)﴾.","level":2,"page":3390},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3391},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3391},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3392},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (١٨)﴾.","level":2,"page":3392},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾.","level":2,"page":3397},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3398},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم﴾.","level":2,"page":3399},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3401},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (١٩)﴾.","level":2,"page":3402},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن﴾.","level":2,"page":3402},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا﴾.","level":2,"page":3403},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد (٢٠)﴾.","level":2,"page":3405},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق﴾.","level":2,"page":3405},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس﴾.","level":2,"page":3406},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3407},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فبشرهم بعذاب أليم (٢١) أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (٢٢)﴾.","level":2,"page":3409},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى","level":2,"page":3409},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3410},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3411},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون (٢٤)﴾.","level":2,"page":3413},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3414},{"title":"القول في تأويل قوله ﴿فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (٢٥)﴾.","level":2,"page":3415},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل اللهم﴾.","level":2,"page":3416},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء﴾.","level":2,"page":3419},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3420},{"title":"ذكر الرواية عنه بذلك","level":2,"page":3421},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير (٢٦)﴾.","level":2,"page":3421},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل﴾.","level":2,"page":3421},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3424},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي﴾.","level":2,"page":3424},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3426},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3427},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وترزق من تشاء بغير حساب (٢٧)﴾.","level":2,"page":3430},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾.","level":2,"page":3432},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3435},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير (٢٨)﴾.","level":2,"page":3437},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير (٢٩)﴾.","level":2,"page":3437},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا﴾.","level":2,"page":3439},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد (٣٠)﴾.","level":2,"page":3440},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم (٣١)﴾.","level":2,"page":3441},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3442},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3443},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين (٣٢)﴾.","level":2,"page":3444},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (٣٣)﴾.","level":2,"page":3445},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (٣٤)﴾.","level":2,"page":3446},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم (٣٥)﴾.","level":2,"page":3447},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم﴾.","level":2,"page":3453},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (٣٦)﴾.","level":2,"page":3456},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا﴾.","level":2,"page":3461},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكفلها زكريا﴾.","level":2,"page":3462},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3465},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3470},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا﴾.","level":2,"page":3470},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3474},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قال يامريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (٣٧)﴾.","level":2,"page":3475},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء (٣٨)﴾.","level":2,"page":3477},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فنادته الملائكة﴾.","level":2,"page":3480},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3481},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى﴾.","level":2,"page":3483},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3487},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3487},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿مصدقا بكلمة من الله﴾.","level":2,"page":3487},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وسيدا﴾.","level":2,"page":3491},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وحصورا ونبيا من الصالحين (٣٩)﴾.","level":2,"page":3493},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3494},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر﴾.","level":2,"page":3498},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كذلك الله يفعل ما يشاء﴾.","level":2,"page":3500},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قال رب اجعل لي آية﴾.","level":2,"page":3501},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3502},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾.","level":2,"page":3502},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3505},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3506},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار (٤١)﴾.","level":2,"page":3507},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3509},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذ قالت الملائكة يامريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين (٤٢)﴾.","level":2,"page":3509},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يامريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (٤٣)﴾.","level":2,"page":3514},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3515},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3516},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3516},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك﴾.","level":2,"page":3517},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3520},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾.","level":2,"page":3520},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما كنت لديهم إذ يختصمون (٤٤)﴾.","level":2,"page":3522},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم﴾.","level":2,"page":3523},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين (٤٥)﴾","level":2,"page":3527},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين (٤٦)﴾.","level":2,"page":3528},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3531},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (٤٧)﴾.","level":2,"page":3532},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل (٤٨)﴾.","level":2,"page":3532},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3534},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم﴾.","level":2,"page":3535},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله﴾.","level":2,"page":3535},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأبرئ الأكمه والأبرص﴾.","level":2,"page":3537},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3538},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3538},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3539},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3540},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأحي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم﴾.","level":2,"page":3541},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3544},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3546},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (٤٩)﴾.","level":2,"page":3547},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم","level":2,"page":3547},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وجئتكم بآية من ربكم﴾.","level":2,"page":3550},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فاتقوا الله وأطيعون (٥٠) إن الله ربي وربكم","level":2,"page":3550},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (٥٢)﴾.","level":2,"page":3552},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3554},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3559},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3559},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3560},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3560},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (٥٣)﴾.","level":2,"page":3562},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين (٥٤)﴾.","level":2,"page":3563},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إذ قال الله ياعيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا﴾.","level":2,"page":3564},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3565},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3565},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3567},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى","level":2,"page":3570},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3572},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه","level":2,"page":3572},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (٥٦) وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين (٥٧)﴾.","level":2,"page":3573},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم﴾.","level":2,"page":3575},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3576},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (٥٩)﴾.","level":2,"page":3576},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الحق من ربك فلا تكن من الممترين (٦٠)﴾.","level":2,"page":3580},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين (٦١)﴾.","level":2,"page":3582},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3584},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم (٦٢) فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين (٦٣)﴾.","level":2,"page":3584},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل ياأهل الكتاب قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (٦٤)﴾.","level":2,"page":3590},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3591},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3592},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3595},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3595},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3596},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون (٦٥)﴾.","level":2,"page":3597},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3598},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3599},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿هاأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (٦٦)﴾.","level":2,"page":3600},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين (٦٧)﴾.","level":2,"page":3602},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3603},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين (٦٨)﴾.","level":2,"page":3604},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3605},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون (٦٩)﴾.","level":2,"page":3606},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون (٧٠)﴾.","level":2,"page":3608},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل﴾.","level":2,"page":3609},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وتكتمون الحق وأنتم تعلمون (٧١)﴾.","level":2,"page":3611},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3612},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون (٧٢)﴾.","level":2,"page":3612},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3614},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3615},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3617},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم﴾.","level":2,"page":3617},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3618},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم﴾.","level":2,"page":3618},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3619},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3620},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3621},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (٧٣)﴾.","level":2,"page":3623},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (٧٤)﴾.","level":2,"page":3624},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما﴾.","level":2,"page":3625},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3626},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3626},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3627},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل﴾.","level":2,"page":3627},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (٧٥)﴾.","level":2,"page":3630},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين (٧٦)﴾.","level":2,"page":3631},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (٧٧)﴾.","level":2,"page":3632},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3633},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3634},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (٧٨)﴾.","level":2,"page":3638},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3639},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله﴾.","level":2,"page":3640},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3643},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولكن كونوا ربانيين﴾.","level":2,"page":3643},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3646},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3646},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون (٧٩)﴾.","level":2,"page":3648},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3650},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون (٨٠)﴾.","level":2,"page":3650},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه﴾.","level":2,"page":3652},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3655},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3656},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3658},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3660},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا﴾.","level":2,"page":3662},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (٨١)﴾.","level":2,"page":3663},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (٨٢)﴾.","level":2,"page":3663},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون (٨٣)﴾.","level":2,"page":3665},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3666},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3667},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3667},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3668},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3668},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3669},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3670},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (٨٤)﴾.","level":2,"page":3670},{"title":"ذكر الخبر بذلك","level":2,"page":3672},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (٨٥)﴾.","level":2,"page":3672},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3674},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (٨٦) أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (٨٧) خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (٨٨) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (٨٩)﴾.","level":2,"page":3674},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3677},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون (٩٠)﴾.","level":2,"page":3680},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3681},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3682},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3683},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3684},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين (٩١)﴾.","level":2,"page":3687},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء","level":2,"page":3689},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3690},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3691},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (٩٣)﴾.","level":2,"page":3694},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3695},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3696},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3697},{"title":"ذكر بعض من قال ذلك","level":2,"page":3698},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3699},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3701},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (٩٤)﴾.","level":2,"page":3704},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (٩٥)﴾.","level":2,"page":3705},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (٩٦)﴾.","level":2,"page":3706},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3707},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3708},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3709},{"title":"ذكر من قال في ذلك ما قلنا؛ من أن بكة موضع مزدحم الناس للطواف","level":2,"page":3712},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3715},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فيه آيات بينات﴾","level":2,"page":3715},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3716},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3716},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3716},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3718},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾.","level":2,"page":3718},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3720},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3723},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾.","level":2,"page":3726},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3727},{"title":"ذكر الرواية بذلك عن رسول الله ﷺ","level":2,"page":3729},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3731},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3733},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (٩٧)﴾.","level":2,"page":3735},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3737},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3738},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3740},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3740},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل ياأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون (٩٨)﴾.","level":2,"page":3741},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل ياأهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون (٩٩)﴾.","level":2,"page":3742},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":3744},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3746},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3748},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين (١٠٠)﴾.","level":2,"page":3748},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم (١٠١)﴾.","level":2,"page":3750},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3753},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (١٠٢)﴾","level":2,"page":3753},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3754},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3758},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3759},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا﴾.","level":2,"page":3760},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3761},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3761},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3763},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولا تفرقوا﴾.","level":2,"page":3764},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا﴾.","level":2,"page":3766},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾.","level":2,"page":3774},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3776},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (١٠٣)﴾.","level":2,"page":3777},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (١٠٤)﴾.","level":2,"page":3777},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم (١٠٥)﴾.","level":2,"page":3779},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (١٠٦) وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون (١٠٧)﴾.","level":2,"page":3780},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3781},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3782},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3783},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين (١٠٨)﴾.","level":2,"page":3784},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور (١٠٩)﴾.","level":2,"page":3786},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3788},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾.","level":2,"page":3788},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3790},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3791},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3792},{"title":"القول فى تأويل قوله: ﴿ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون (١١٠)﴾.","level":2,"page":3794},{"title":"القول فى تأويل قوله جل وعز: ﴿لن يضروكم إلا أذى﴾.","level":2,"page":3795},{"title":"القول فى تأويل قوله: ﴿وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (١١١)﴾","level":2,"page":3797},{"title":"القول فى تأويل قوله: ﴿ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس﴾.","level":2,"page":3798},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق﴾.","level":2,"page":3804},{"title":"القول فى تأويل قوله: ﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (١١٢)﴾.","level":2,"page":3805},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (١١٣)﴾.","level":2,"page":3806},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (١١٣)﴾.","level":2,"page":3812},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين (١١٤)﴾.","level":2,"page":3816},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين (١١٥)﴾.","level":2,"page":3817},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (١١٦)﴾.","level":2,"page":3819},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته﴾.","level":2,"page":3820},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (١١٧)﴾.","level":2,"page":3824},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ماعنتم﴾.","level":2,"page":3824},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قد بدت البغضاء من أفواههم﴾.","level":2,"page":3829},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما تخفي صدورهم أكبر﴾.","level":2,"page":3832},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون (١١٨)﴾.","level":2,"page":3832},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله﴾.","level":2,"page":3833},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ﴾.","level":2,"page":3835},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الأنامل﴾","level":2,"page":3837},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور (١١٩)﴾.","level":2,"page":3838},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط (١٢٠)﴾.","level":2,"page":3838},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم (١٢١)﴾.","level":2,"page":3843},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون (١٢٢)﴾.","level":2,"page":3850},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون (١٢٣)﴾.","level":2,"page":3854},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين (١٢٤) بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين (١٢٥)﴾.","level":2,"page":3858},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم (١٢٦)﴾.","level":2,"page":3876},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين (١٢٧)﴾.","level":2,"page":3878},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون (١٢٨)﴾.","level":2,"page":3880},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم (١٢٩)﴾","level":2,"page":3887},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (١٣٠)﴾.","level":2,"page":3887},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين (١٣١)﴾.","level":2,"page":3889},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون (١٣٢)﴾.","level":2,"page":3889},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين (١٣٣)﴾.","level":2,"page":3890},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (١٣٤)﴾.","level":2,"page":3894},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (١٣٥)﴾.","level":2,"page":3898},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3899},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3904},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3905},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3905},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3907},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3907},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين (١٣٦)﴾.","level":2,"page":3907},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (١٣٧)﴾","level":2,"page":3908},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3909},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين (١٣٨)﴾","level":2,"page":3911},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3912},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3913},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (١٣٩)﴾.","level":2,"page":3914},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله﴾.","level":2,"page":3917},{"title":"ذكر من قال: إن القرح الجراح والقتل.","level":2,"page":3918},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾.","level":2,"page":3920},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3921},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (١٤٠)﴾.","level":2,"page":3923},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (١٤١)﴾.","level":2,"page":3927},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾.","level":2,"page":3929},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد","level":2,"page":3930},{"title":"ذكر الأخبار بما ذكرنا من ذلك","level":2,"page":3931},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (١٤٤)﴾.","level":2,"page":3934},{"title":"ذكر الأخبار الواردة بذلك","level":2,"page":3936},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا﴾.","level":2,"page":3944},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (١٤٥)﴾.","level":2,"page":3946},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكأين من نبي﴾.","level":2,"page":3947},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قاتل معه ربيون كثير﴾.","level":2,"page":3947},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3949},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3954},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3955},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (١٤٦)﴾.","level":2,"page":3955},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (١٤٧)﴾.","level":2,"page":3957},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين (١٤٨)﴾.","level":2,"page":3961},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (١٤٩)﴾.","level":2,"page":3962},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿بل الله مولاكم وهو خير الناصرين (١٥٠)﴾.","level":2,"page":3964},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما","level":2,"page":3964},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾.","level":2,"page":3966},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إذ تحسونهم بإذنه﴾.","level":2,"page":3971},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3974},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾.","level":2,"page":3974},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾.","level":2,"page":3977},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ثم صرفكم عنهم ليبتليكم﴾.","level":2,"page":3980},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين (١٥٢)﴾.","level":2,"page":3981},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم﴾.","level":2,"page":3983},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3984},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3985},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون (١٥٣)﴾.","level":2,"page":3987},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3988},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":3989},{"title":"ذكر [من قال ذلك]","level":2,"page":3990},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية﴾.","level":2,"page":3997},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية﴾.","level":2,"page":4002},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا﴾.","level":2,"page":4004},{"title":"ذكر الخبر بذلك","level":2,"page":4006},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور (١٥٤)﴾.","level":2,"page":4007},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم (١٥٥)﴾.","level":2,"page":4009},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4010},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4011},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4011},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم﴾.","level":2,"page":4013},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4014},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4014},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4015},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4015},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير (١٥٦)﴾.","level":2,"page":4018},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون (١٥٧)﴾.","level":2,"page":4019},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون (١٥٨)﴾.","level":2,"page":4021},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾.","level":2,"page":4023},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4024},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4026},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين (١٥٩)﴾.","level":2,"page":4026},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4027},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4028},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون (١٦٠)﴾.","level":2,"page":4030},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما كان لنبي أن يغل﴾.","level":2,"page":4031},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4034},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4035},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4036},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4037},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾.","level":2,"page":4039},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (١٦١)﴾.","level":2,"page":4045},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4046},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (١٦٢)﴾.","level":2,"page":4046},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4048},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون (١٦٣)﴾.","level":2,"page":4048},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (١٦٤)﴾.","level":2,"page":4049},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4051},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير (١٦٥)﴾.","level":2,"page":4052},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4053},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4057},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (١٦٦) وليعلم الذين نافقوا﴾.","level":2,"page":4058},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (١٦٧)﴾.","level":2,"page":4059},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4062},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4062},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (١٦٨)﴾.","level":2,"page":4063},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (١٦٩) فرحين بما آتاهم الله من فضله﴾.","level":2,"page":4065},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (١٧٠)﴾.","level":2,"page":4074},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4075},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (١٧١)﴾.","level":2,"page":4076},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم (١٧٢)﴾.","level":2,"page":4077},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (١٧٣)﴾.","level":2,"page":4082},{"title":"ذكر من قال ذلك، وذكر السبب الذي من أجله قيل ذلك، ومن قائله","level":2,"page":4084},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4088},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4091},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم (١٧٤)﴾.","level":2,"page":4091},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾.","level":2,"page":4093},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4094},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (١٧٥)﴾.","level":2,"page":4095},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا﴾.","level":2,"page":4095},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (١٧٦)﴾.","level":2,"page":4096},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم (١٧٧)﴾.","level":2,"page":4096},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين (١٧٨)﴾.","level":2,"page":4097},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب﴾.","level":2,"page":4100},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4101},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4101},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء﴾.","level":2,"page":4102},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم (١٧٩)﴾.","level":2,"page":4104},{"title":"القول في تأويل قوله ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم﴾.","level":2,"page":4104},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4108},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾.","level":2,"page":4109},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4113},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4113},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4114},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير (١٨٠)﴾.","level":2,"page":4114},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق﴾.","level":2,"page":4115},{"title":"ذكر الأخبار بذلك","level":2,"page":4116},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ونقول ذوقوا عذاب الحريق (١٨١) ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (١٨٢)﴾.","level":2,"page":4121},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين (١٨٣)﴾.","level":2,"page":4122},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير (١٨٤)﴾.","level":2,"page":4124},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (١٨٥)﴾.","level":2,"page":4125},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (١٨٦)﴾.","level":2,"page":4128},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4129},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون (١٨٧)﴾.","level":2,"page":4131},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4132},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4134},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4135},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4137},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4138},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم (١٨٨)﴾.","level":2,"page":4138},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4139},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4140},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4142},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4142},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4143},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4144},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير (١٨٩)﴾.","level":2,"page":4146},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (١٩٠)﴾.","level":2,"page":4146},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (١٩١)﴾.","level":2,"page":4148},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (١٩٢)﴾.","level":2,"page":4149},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4150},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4151},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4152},{"title":"القول في تأويل قوله ﴿ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (١٩٣)﴾.","level":2,"page":4152},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4153},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد (١٩٤)﴾.","level":2,"page":4155},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾.","level":2,"page":4157},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب (١٩٥)﴾.","level":2,"page":4160},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (١٩٦) متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد (١٩٧)﴾.","level":2,"page":4162},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار (١٩٨)﴾.","level":2,"page":4163},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4165},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا﴾.","level":2,"page":4165},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4167},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4168},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب (١٩٩)﴾.","level":2,"page":4169},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4170},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا﴾.","level":2,"page":4170},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4171},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4172},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4172},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واتقوا الله لعلكم تفلحون (٢٠٠)﴾.","level":2,"page":4175},{"title":"القول في تفسير السورة التي يذكر فيها النساء","level":1,"page":4177},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة﴾.","level":2,"page":4177},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء﴾.","level":2,"page":4178},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4179},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4180},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾","level":2,"page":4180},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4182},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4185},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الله كان عليكم رقيبا﴾.","level":2,"page":4188},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾.","level":2,"page":4189},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4190},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4191},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾.","level":2,"page":4193},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إنه كان حوبا كبيرا﴾.","level":2,"page":4194},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4195},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4196},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾.","level":2,"page":4196},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4199},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4201},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4204},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4205},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4213},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلك أدنى ألا تعولوا﴾.","level":2,"page":4213},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4214},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾.","level":2,"page":4218},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4219},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4219},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾.","level":2,"page":4220},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4223},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4226},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم﴾.","level":2,"page":4226},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4229},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4230},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4231},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4234},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4236},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4239},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقولوا لهم قولا معروفا﴾","level":2,"page":4239},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4240},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾.","level":2,"page":4240},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فإن آنستم منهم رشدا﴾.","level":2,"page":4242},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4243},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4243},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4244},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4245},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا﴾.","level":2,"page":4246},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وبدارا أن يكبروا﴾.","level":2,"page":4247},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾.","level":2,"page":4248},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4250},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4255},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4256},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4258},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4261},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾.","level":2,"page":4266},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكفى بالله حسيبا (٦)﴾.","level":2,"page":4267},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا (٧)﴾.","level":2,"page":4267},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4269},{"title":"القول في تأويل قوله جل ذكره: ﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا (٨)﴾.","level":2,"page":4269},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4273},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4274},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4280},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4282},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4284},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا (٩)﴾.","level":2,"page":4284},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4288},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4289},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4290},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا (١٠)﴾.","level":2,"page":4292},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾.","level":2,"page":4294},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4295},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4297},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك﴾.","level":2,"page":4298},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد﴾.","level":2,"page":4299},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾.","level":2,"page":4300},{"title":"القول في تأويل قوله جل ذكره: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾.","level":2,"page":4301},{"title":"ذكر الرواية عنه بذلك","level":2,"page":4303},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4305},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4306},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾.","level":2,"page":4307},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4309},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4309},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾.","level":2,"page":4309},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4310},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4310},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما (١١)﴾.","level":2,"page":4310},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين﴾.","level":2,"page":4311},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين﴾.","level":2,"page":4312},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة﴾.","level":2,"page":4312},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4313},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4317},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4318},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4319},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾.","level":2,"page":4320},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم (١٢)﴾.","level":2,"page":4323},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4326},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (١٣)﴾.","level":2,"page":4326},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4327},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4328},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4329},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (١٤)﴾.","level":2,"page":4329},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (١٥)﴾","level":2,"page":4330},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4331},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واللذان يأتيانها منكم فآذوهما﴾.","level":2,"page":4336},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4337},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4337},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4338},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4340},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4340},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما (١٦)﴾.","level":2,"page":4340},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4341},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4342},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة﴾.","level":2,"page":4344},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4345},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4347},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4348},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4349},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ثم يتوبون من قريب﴾.","level":2,"page":4349},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4350},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4351},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (١٧)﴾.","level":2,"page":4353},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾.","level":2,"page":4354},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4356},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4356},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4357},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما (١٨)﴾.","level":2,"page":4358},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾.","level":2,"page":4358},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4359},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4364},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4366},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4368},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4368},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4370},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾.","level":2,"page":4370},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4371},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾.","level":2,"page":4375},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (١٩)﴾.","level":2,"page":4376},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا﴾.","level":2,"page":4377},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (٢٠)﴾","level":2,"page":4378},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾.","level":2,"page":4378},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4379},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأخذن منكم ميثاقا غليظا (٢١)﴾.","level":2,"page":4380},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4381},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4382},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4383},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4385},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا (٢٢)﴾.","level":2,"page":4386},{"title":"ذكر الأخبار التي رويت في ذلك","level":2,"page":4387},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4389},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما (٢٣)﴾.","level":2,"page":4391},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4394},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4397},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4397},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم﴾.","level":2,"page":4399},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4400},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":4401},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4403},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4406},{"title":"ذكر من قال: عنى بالمحصنات في هذا الموضع العفائف من المسلمين وأهل الكتاب","level":2,"page":4408},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4409},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4410},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4411},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4411},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4412},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4417},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4419},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4419},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾.","level":2,"page":4419},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4420},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿محصنين غير مسافحين﴾.","level":2,"page":4422},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة﴾.","level":2,"page":4422},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4423},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4424},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4427},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما (٢٤)﴾.","level":2,"page":4427},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4428},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4428},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4429},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا﴾.","level":2,"page":4429},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4430},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4431},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾.","level":2,"page":4433},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4434},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4437},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4438},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض﴾.","level":2,"page":4439},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف﴾.","level":2,"page":4440},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان﴾.","level":2,"page":4440},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4441},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإذا أحصن﴾.","level":2,"page":4443},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4447},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4449},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾.","level":2,"page":4450},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4452},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلك لمن خشي العنت منكم﴾.","level":2,"page":4452},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم (٢٥)﴾.","level":2,"page":4454},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4455},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من","level":2,"page":4456},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (٢٧)﴾.","level":2,"page":4459},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4460},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4461},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4461},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (٢٨)﴾.","level":2,"page":4462},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4463},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم","level":2,"page":4463},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4465},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4469},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4475},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (٢٩)﴾.","level":2,"page":4475},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4476},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا (٣٠)﴾.","level":2,"page":4476},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (٣١)﴾.","level":2,"page":4478},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4479},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4481},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4484},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4486},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4488},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4490},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4490},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾.","level":2,"page":4501},{"title":"ذكر الأخبار بما ذكرنا","level":2,"page":4501},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن﴾.","level":2,"page":4505},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واسألوا الله من فضله﴾.","level":2,"page":4507},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الله كان بكل شيء عليما (٣٢)﴾.","level":2,"page":4508},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون﴾.","level":2,"page":4508},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والذين عقدت أيمانكم﴾.","level":2,"page":4511},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾.","level":2,"page":4525},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله﴾.","level":2,"page":4528},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن﴾.","level":2,"page":4534},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واهجروهن في المضاجع﴾.","level":2,"page":4537},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واضربوهن﴾.","level":2,"page":4548},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾.","level":2,"page":4551},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الله كان عليا كبيرا (٣٤)﴾.","level":2,"page":4553},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما﴾.","level":2,"page":4553},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما﴾.","level":2,"page":4567},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الله كان عليما خبيرا (٣٥)﴾.","level":2,"page":4569},{"title":"القول في تأويل قوله جل ذكره: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين﴾.","level":2,"page":4570},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والجار ذي القربى﴾.","level":2,"page":4571},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والجار الجنب﴾.","level":2,"page":4574},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والصاحب بالجنب﴾.","level":2,"page":4576},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وابن السبيل﴾.","level":2,"page":4582},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما ملكت أيمانكم﴾.","level":2,"page":4584},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله﴾.","level":2,"page":4586},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (٣٧)﴾.","level":2,"page":4590},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾.","level":2,"page":4591},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا (٣٨)﴾.","level":2,"page":4592},{"title":"القول (*) في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما (٤٠)﴾.","level":2,"page":4593},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما (٣٩)﴾.","level":2,"page":4593},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4595},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد","level":2,"page":4602},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا (٤٢)﴾.","level":2,"page":4605},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4607},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4610},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾.","level":2,"page":4610},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4613},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾.","level":2,"page":4614},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4615},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4619},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط﴾.","level":2,"page":4624},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4628},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أو لامستم النساء﴾.","level":2,"page":4628},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4633},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4640},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4640},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾.","level":2,"page":4645},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4646},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4646},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4646},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4647},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4647},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾.","level":2,"page":4648},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4649},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4652},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4655},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4657},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4659},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4661},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الله كان عفوا غفورا (٤٣)﴾.","level":2,"page":4662},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب﴾.","level":2,"page":4662},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4663},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل (٤٤) والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا (٤٥)﴾.","level":2,"page":4664},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه﴾.","level":2,"page":4666},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ويقولون سمعنا وعصينا﴾.","level":2,"page":4669},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واسمع غير مسمع﴾.","level":2,"page":4669},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين﴾.","level":2,"page":4671},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم﴾.","level":2,"page":4673},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (٤٦)﴾.","level":2,"page":4675},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها﴾.","level":2,"page":4676},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4677},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4678},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4679},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا (٤٧)﴾.","level":2,"page":4684},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4685},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.","level":2,"page":4686},{"title":"ذكر الخبر بذلك","level":2,"page":4687},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما (٤٨)﴾.","level":2,"page":4688},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4689},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء﴾.","level":2,"page":4689},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4690},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4692},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4692},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4694},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا يظلمون فتيلا﴾.","level":2,"page":4694},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4696},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا﴾.","level":2,"page":4698},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4699},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾.","level":2,"page":4699},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4700},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4700},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4701},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4702},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4703},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4704},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4704},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4704},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4705},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (٥١)﴾.","level":2,"page":4706},{"title":"ذكر الآثار الواردة بما قلنا","level":2,"page":4707},{"title":"ذكر الأخبار بذلك عمن قاله","level":2,"page":4711},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4712},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (٥٢)﴾.","level":2,"page":4713},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا (٥٣)﴾.","level":2,"page":4713},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4714},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4716},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4717},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾.","level":2,"page":4718},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4719},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4720},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4721},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4721},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4723},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (٥٤)﴾.","level":2,"page":4723},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4724},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4725},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4725},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا (٥٥)﴾.","level":2,"page":4726},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب﴾.","level":2,"page":4727},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الله كان عزيزا حكيما (٥٦)﴾.","level":2,"page":4732},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا (٥٧)﴾.","level":2,"page":4732},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾.","level":2,"page":4733},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4734},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4735},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4735},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا (٥٨)﴾.","level":2,"page":4738},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾.","level":2,"page":4739},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4740},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4740},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4741},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4744},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4747},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4747},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾.","level":2,"page":4749},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4750},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ذلك خير وأحسن تأويلا (٥٩)﴾.","level":2,"page":4752},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4753},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا (٦٠)﴾.","level":2,"page":4753},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4754},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4758},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (٦١)﴾","level":2,"page":4760},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا (٦٢)﴾.","level":2,"page":4761},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا (٦٣)﴾.","level":2,"page":4762},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾.","level":2,"page":4762},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما (٦٤)﴾.","level":2,"page":4764},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (٦٥)﴾.","level":2,"page":4765},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":4766},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4769},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم﴾.","level":2,"page":4770},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4771},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا﴾","level":2,"page":4773},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (٦٧) ولهديناهم صراطا مستقيما (٦٨)﴾.","level":2,"page":4774},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (٦٩) ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما (٧٠)﴾.","level":2,"page":4775},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":4778},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا (٧١)﴾.","level":2,"page":4782},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4783},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا (٧٢)﴾.","level":2,"page":4784},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4785},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ياليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (٧٣)﴾.","level":2,"page":4786},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما (٧٤)﴾.","level":2,"page":4787},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا (٧٥)﴾.","level":2,"page":4789},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4791},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا (٧٦)﴾.","level":2,"page":4793},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب﴾.","level":2,"page":4795},{"title":"ذكر الآثار بذلك، والرواية عمن قاله","level":2,"page":4796},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4798},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا (٧٧)﴾.","level":2,"page":4798},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4799},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾.","level":2,"page":4799},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4801},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4803},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك﴾.","level":2,"page":4803},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل كل من عند الله﴾.","level":2,"page":4804},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (٧٨)﴾.","level":2,"page":4805},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾.","level":2,"page":4806},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا (٧٩)﴾.","level":2,"page":4810},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا (٨٠)﴾.","level":2,"page":4810},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون﴾.","level":2,"page":4811},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4813},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (٨١)﴾.","level":2,"page":4815},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (٨٢)﴾","level":2,"page":4816},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به﴾.","level":2,"page":4817},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4818},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾.","level":2,"page":4819},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4821},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا (٨٣)﴾.","level":2,"page":4826},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4827},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4828},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4829},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا (٨٤)﴾.","level":2,"page":4831},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها﴾.","level":2,"page":4833},{"title":"ذكر من قال ذلك في شفاعة الناس بعضهم لبعض","level":2,"page":4834},{"title":"ذكر من قال: الكفل النصيب","level":2,"page":4835},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وكان الله على كل شيء مقيتا (٨٥)﴾.","level":2,"page":4835},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4836},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4837},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4837},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾","level":2,"page":4838},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4839},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4840},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4843},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الله كان على كل شيء حسيبا (٨٦)﴾.","level":2,"page":4843},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا (٨٧)﴾.","level":2,"page":4844},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا﴾.","level":2,"page":4845},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4846},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4847},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4848},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4850},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4851},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4853},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4853},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4853},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (٨٨)﴾.","level":2,"page":4854},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله﴾.","level":2,"page":4855},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4856},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا (٨٩)﴾.","level":2,"page":4856},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾.","level":2,"page":4857},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم﴾.","level":2,"page":4859},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4860},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا (٩٠)﴾.","level":2,"page":4861},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4862},{"title":"ذكر من قال في ذلك مثل الذي قلنا فيه","level":2,"page":4863},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها﴾.","level":2,"page":4865},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4866},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4867},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4867},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا (٩١)﴾.","level":2,"page":4868},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا﴾.","level":2,"page":4869},{"title":"ذكر الآثار بذلك","level":2,"page":4871},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4874},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4875},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4877},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة﴾.","level":2,"page":4879},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4880},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4882},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4883},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾.","level":2,"page":4883},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4885},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4887},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4888},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4889},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4891},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4894},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4896},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4897},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما (٩٢)﴾.","level":2,"page":4899},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4900},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4900},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (٩٣)﴾.","level":2,"page":4901},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4902},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4903},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4905},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4906},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4907},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4907},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا (٩٤)﴾.","level":2,"page":4916},{"title":"ذكر الرواية والآثار بذلك","level":2,"page":4918},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4928},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4928},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4929},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4930},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾.","level":2,"page":4930},{"title":"ذكر الأخبار الواردة بذلك","level":2,"page":4931},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة﴾.","level":2,"page":4940},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (٩٥)﴾.","level":2,"page":4940},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما (٩٦)﴾.","level":2,"page":4941},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4942},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا (٩٧) إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (٩٨) فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا (٩٩)﴾.","level":2,"page":4944},{"title":"ذكر الأخبار الواردة بصحة ما ذكرنا من نزول الآية في الذين ذكرنا أنها نزلت فيهم","level":2,"page":4946},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما (١٠٠)﴾.","level":2,"page":4956},{"title":"ذكر الأخبار الواردة بذلك","level":2,"page":4958},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4964},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4966},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4966},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4967},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (١٠١)﴾.","level":2,"page":4969},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4970},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4974},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4976},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4980},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4986},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة﴾.","level":2,"page":4988},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":4997},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":4998},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5000},{"title":"كان العدو بين الإمام وبين القبلة. ذكر الآثار المنقولة بذلك","level":2,"page":5003},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا (١٠٢)﴾.","level":2,"page":5009},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5010},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة﴾.","level":2,"page":5010},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5012},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5012},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (١٠٣)﴾.","level":2,"page":5013},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5014},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5015},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5016},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون﴾.","level":2,"page":5017},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5018},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكان الله عليما حكيما (١٠٤)﴾.","level":2,"page":5021},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما (١٠٥) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما (١٠٦)﴾.","level":2,"page":5022},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5023},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5031},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما (١٠٧)﴾.","level":2,"page":5035},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا (١٠٨)﴾.","level":2,"page":5036},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿هاأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا (١٠٩)﴾.","level":2,"page":5038},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما (١١٠)﴾.","level":2,"page":5039},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5040},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما (١١١)﴾.","level":2,"page":5041},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا (١١٢)﴾.","level":2,"page":5042},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما (١١٣)﴾.","level":2,"page":5044},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (١١٤)﴾.","level":2,"page":5046},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (١١٥)﴾.","level":2,"page":5048},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا (١١٦)﴾","level":2,"page":5049},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5051},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن يدعون من دونه إلا إناثا﴾.","level":2,"page":5051},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5052},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5053},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5053},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5054},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن يدعون إلا شيطانا مريدا (١١٧)﴾.","level":2,"page":5056},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا (١١٨)﴾.","level":2,"page":5056},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام﴾.","level":2,"page":5057},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5058},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5059},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾.","level":2,"page":5059},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5062},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5066},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا (١١٩) يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (١٢٠)﴾","level":2,"page":5068},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا (١٢١)﴾.","level":2,"page":5070},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا (١٢٢)﴾.","level":2,"page":5070},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5072},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب﴾.","level":2,"page":5072},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5077},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5079},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾.","level":2,"page":5080},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5081},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5082},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5083},{"title":"ذكر الأخبار الواردة بذلك","level":2,"page":5085},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا (١٢٣)﴾.","level":2,"page":5090},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا (١٢٤)﴾.","level":2,"page":5091},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5092},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾.","level":2,"page":5093},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا (١٢٥)﴾.","level":2,"page":5094},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا (١٢٦)﴾.","level":2,"page":5095},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن﴾.","level":2,"page":5095},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5096},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5101},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5102},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5104},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط﴾.","level":2,"page":5109},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما (١٢٧)﴾.","level":2,"page":5112},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير﴾.","level":2,"page":5113},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5114},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5126},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا (١٢٨)﴾.","level":2,"page":5126},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5129},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾.","level":2,"page":5131},{"title":"ذكر من قال ما قلنا في قوله: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾","level":2,"page":5132},{"title":"ذكر من قال ما قلنا في تأويل قوله جل وعز: ﴿فلا تميلوا كل الميل﴾","level":2,"page":5135},{"title":"ذكر من قال ما قلنا في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فتذروها كالمعلقة﴾","level":2,"page":5138},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما (١٢٩)﴾.","level":2,"page":5141},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما (١٣٠)﴾.","level":2,"page":5142},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5143},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا (١٣١)﴾.","level":2,"page":5143},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (١٣٢)﴾.","level":2,"page":5145},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا (١٣٣)﴾.","level":2,"page":5146},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا (١٣٤)﴾.","level":2,"page":5147},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا﴾.","level":2,"page":5149},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5150},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5151},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5154},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا﴾.","level":2,"page":5154},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5155},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا (١٣٦)﴾.","level":2,"page":5159},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5161},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا (١٣٧)﴾.","level":2,"page":5161},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5162},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5163},{"title":"ذكر من قال: يستتاب ثلاثا","level":2,"page":5164},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5165},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما (١٣٨)﴾.","level":2,"page":5166},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا (١٣٩)﴾.","level":2,"page":5166},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا (١٤٠)﴾.","level":2,"page":5167},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5168},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين","level":2,"page":5170},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5172},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5172},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5172},{"title":"ذكر الخبر عن بعض من قال ذلك","level":2,"page":5174},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (١٤٢)﴾.","level":2,"page":5176},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5179},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (١٤٣)﴾.","level":2,"page":5179},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5180},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا (١٤٤)﴾.","level":2,"page":5182},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5183},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (١٤٥)﴾.","level":2,"page":5184},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5185},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (١٤٦)﴾.","level":2,"page":5186},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما (١٤٧)﴾.","level":2,"page":5188},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما (١٤٨)﴾.","level":2,"page":5189},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5190},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5192},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5193},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا (١٤٩)﴾.","level":2,"page":5197},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (١٥٠) أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (١٥١)﴾.","level":2,"page":5199},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما (١٥٢)﴾.","level":2,"page":5202},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا (١٥٣)﴾.","level":2,"page":5203},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (١٥٤)﴾.","level":2,"page":5209},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (١٥٥)﴾.","level":2,"page":5210},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (١٥٦)﴾.","level":2,"page":5214},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾.","level":2,"page":5215},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا (١٥٧)﴾.","level":2,"page":5225},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (١٥٨)﴾.","level":2,"page":5227},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾.","level":2,"page":5228},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا (١٥٩)﴾.","level":2,"page":5240},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا (١٦٠) وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما (١٦١)﴾.","level":2,"page":5241},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما (١٦٢)﴾.","level":2,"page":5243},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا (١٦٣)﴾.","level":2,"page":5250},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما (١٦٤)﴾.","level":2,"page":5253},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما (١٦٥)﴾.","level":2,"page":5257},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا (١٦٦)﴾.","level":2,"page":5258},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا (١٦٧)﴾.","level":2,"page":5260},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا (١٦٨) إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا (١٦٩)﴾.","level":2,"page":5261},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (١٧٠)﴾.","level":2,"page":5262},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾.","level":2,"page":5265},{"title":"القول فى تأويل قوله: ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾.","level":2,"page":5266},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا﴾.","level":2,"page":5271},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون﴾.","level":2,"page":5272},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا (١٧٢)﴾.","level":2,"page":5273},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (١٧٣)﴾.","level":2,"page":5274},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (١٧٤)﴾.","level":2,"page":5275},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما (١٧٥)﴾.","level":2,"page":5277},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك﴾.","level":2,"page":5278},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وهو يرثها إن لم يكن لها ولد﴾.","level":2,"page":5289},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين﴾.","level":2,"page":5289},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾.","level":2,"page":5290},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والله بكل شيء عليم (١٧٦)﴾.","level":2,"page":5291},{"title":"تفسير السورة التى يذكر فيها المائدة","level":1,"page":5292},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾.","level":2,"page":5292},{"title":"ذكر من قال المعنى الذى ذكرنا عمن قاله في المراد من قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾.","level":2,"page":5295},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5296},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5297},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5298},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5299},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾.","level":2,"page":5299},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5300},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5302},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾.","level":2,"page":5302},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5304},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾.","level":2,"page":5305},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5306},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5308},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الله يحكم ما يريد﴾.","level":2,"page":5308},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله﴾.","level":2,"page":5308},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5309},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5309},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5310},{"title":"القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا الشهر الحرام﴾.","level":2,"page":5311},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5312},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5312},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا الهدي ولا القلائد﴾.","level":2,"page":5313},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5314},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5314},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5315},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5316},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5318},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾.","level":2,"page":5318},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5322},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5324},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5326},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا﴾.","level":2,"page":5327},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5328},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾.","level":2,"page":5329},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5330},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا يجرمنكم﴾.","level":2,"page":5331},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿شنآن قوم﴾.","level":2,"page":5334},{"title":"ذكر من قال من أهل التأويل: ﴿شنآن قوم﴾: بغض قوم","level":2,"page":5335},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا﴾.","level":2,"page":5336},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5338},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5338},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾.","level":2,"page":5339},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾.","level":2,"page":5340},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به﴾.","level":2,"page":5340},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5342},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والمنخنقة﴾.","level":2,"page":5342},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5343},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والموقوذة﴾.","level":2,"page":5343},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5344},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5345},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والمتردية﴾.","level":2,"page":5345},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والنطيحة﴾.","level":2,"page":5346},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5348},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5349},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما أكل السبع﴾.","level":2,"page":5349},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5350},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إلا ما ذكيتم﴾.","level":2,"page":5350},{"title":"ذكر بعض من قال ذلك","level":2,"page":5353},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما ذبح على النصب﴾.","level":2,"page":5356},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾.","level":2,"page":5359},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5360},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ذلكم فسق﴾.","level":2,"page":5364},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من","level":2,"page":5364},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5365},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فلا تخشوهم واخشون﴾.","level":2,"page":5366},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾.","level":2,"page":5366},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5367},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5368},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5370},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأتممت عليكم نعمتي﴾.","level":2,"page":5370},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾.","level":2,"page":5371},{"title":"ذكر من قال: نزلت هذه الآية بعرفة في حجة الوداع على رسول الله ﷺ","level":2,"page":5373},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5377},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5378},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5378},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فمن اضطر في مخمصة﴾.","level":2,"page":5378},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5380},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿غير متجانف لإثم﴾.","level":2,"page":5380},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5381},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾.","level":2,"page":5382},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾.","level":2,"page":5386},{"title":"ذكر الخبر بذلك","level":2,"page":5387},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5389},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5392},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿تعلمونهن مما علمكم الله﴾.","level":2,"page":5394},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5395},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5396},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5399},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5401},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5402},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾.","level":2,"page":5409},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾.","level":2,"page":5415},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واتقوا الله إن الله سريع الحساب﴾.","level":2,"page":5415},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم﴾.","level":2,"page":5416},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5417},{"title":"ذكر من كره ذبائح نصارى العرب","level":2,"page":5420},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5422},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن﴾.","level":2,"page":5425},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5426},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5429},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5432},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5433},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان﴾.","level":2,"page":5435},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين (٥)﴾.","level":2,"page":5436},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5437},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5437},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5439},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾.","level":2,"page":5439},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5443},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5444},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5445},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5451},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾.","level":2,"page":5451},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5452},{"title":"ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة في غسل ما بطن من الفم والأنف","level":2,"page":5455},{"title":"ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة من أن الأذنين ليستا من الوجه","level":2,"page":5456},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5460},{"title":"ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة في غسل ما بطن من الأنف والفم","level":2,"page":5466},{"title":"ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة من أن ما أقبل من الأذنين فمن الوجه، وما أدبر فمن الرأس","level":2,"page":5467},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾.","level":2,"page":5470},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5472},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾.","level":2,"page":5472},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5474},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾.","level":2,"page":5475},{"title":"ذكر من قال: عنى الله بقوله: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾. الغسل","level":2,"page":5476},{"title":"ذكر من قال ذلك من أهل التأويل","level":2,"page":5482},{"title":"ذكر بعض الأخبار المروية عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا","level":2,"page":5488},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إلى الكعبين﴾.","level":2,"page":5498},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾.","level":2,"page":5499},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء﴾.","level":2,"page":5500},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾.","level":2,"page":5501},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5502},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج﴾.","level":2,"page":5502},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (٦)﴾.","level":2,"page":5503},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور (٧)﴾.","level":2,"page":5506},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5507},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5507},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا﴾.","level":2,"page":5509},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5510},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (٨)﴾.","level":2,"page":5511},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم (٩)﴾.","level":2,"page":5512},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (١٠)﴾.","level":2,"page":5514},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ياأيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم﴾.","level":2,"page":5514},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5515},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5518},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5519},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون (١١)﴾.","level":2,"page":5521},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا﴾.","level":2,"page":5521},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5523},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5523},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا﴾.","level":2,"page":5528},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5530},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5531},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾.","level":2,"page":5533},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (١٢)﴾.","level":2,"page":5534},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم﴾.","level":2,"page":5535},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وجعلنا قلوبهم قاسية﴾.","level":2,"page":5536},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾.","level":2,"page":5538},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5539},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ونسوا حظا مما ذكروا به﴾.","level":2,"page":5539},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم﴾.","level":2,"page":5539},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5540},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين (١٣)﴾.","level":2,"page":5541},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به﴾.","level":2,"page":5543},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5544},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾.","level":2,"page":5544},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5545},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5546},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5547},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وسوف ينبئهم الله بما كانوا (١٤)﴾.","level":2,"page":5548},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير﴾.","level":2,"page":5548},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5549},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (١٥)﴾.","level":2,"page":5550},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام﴾.","level":2,"page":5551},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه﴾.","level":2,"page":5552},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ويهديهم إلى صراط مستقيم (١٦)﴾.","level":2,"page":5553},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾.","level":2,"page":5553},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا﴾.","level":2,"page":5553},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء﴾.","level":2,"page":5554},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والله على كل شيء قدير (١٧)﴾.","level":2,"page":5556},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم﴾.","level":2,"page":5556},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾.","level":2,"page":5558},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير (١٨)﴾.","level":2,"page":5559},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير﴾.","level":2,"page":5560},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير (١٩)﴾.","level":2,"page":5563},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم﴾.","level":2,"page":5563},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا﴾.","level":2,"page":5564},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5565},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5565},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5566},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5568},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5568},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين (٢٠)﴾.","level":2,"page":5568},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5569},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5569},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5570},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5571},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾.","level":2,"page":5571},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5572},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5572},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين (٢١)﴾.","level":2,"page":5574},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قالوا ياموسى إن فيها قوما جبارين﴾.","level":2,"page":5576},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون (٢٢)﴾.","level":2,"page":5579},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما﴾.","level":2,"page":5580},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5587},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون﴾.","level":2,"page":5587},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (٢٣)﴾.","level":2,"page":5589},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قالوا ياموسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون (٢٤)﴾.","level":2,"page":5589},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5592},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين (٢٥)﴾.","level":2,"page":5592},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض﴾.","level":2,"page":5594},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5595},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5603},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلا تأس على القوم الفاسقين (٢٦)﴾.","level":2,"page":5603},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (٢٧)﴾.","level":2,"page":5603},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5604},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5606},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5611},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5614},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين (٢٨)﴾.","level":2,"page":5615},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5616},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5616},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5617},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين (٢٩)﴾.","level":2,"page":5617},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5619},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5623},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (٣٠)﴾.","level":2,"page":5623},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5624},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5624},{"title":"ذكر الأخبار عن أهل التأويل بالذي كان من فعل القاتل من ابنى آدم بأخيه المقتول بعد قتله إياه","level":2,"page":5627},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين (٣١)﴾.","level":2,"page":5627},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا﴾.","level":2,"page":5634},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5635},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5635},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5637},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5640},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5641},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5642},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون (٣٢)﴾.","level":2,"page":5645},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا﴾.","level":2,"page":5646},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5647},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5648},{"title":"ذكر القائلين ما وصفنا","level":2,"page":5655},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5656},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض﴾.","level":2,"page":5659},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5660},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5665},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5671},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5674},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (٣٣)﴾.","level":2,"page":5677},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5678},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (٣٤)﴾.","level":2,"page":5678},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5680},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5682},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5685},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5686},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾.","level":2,"page":5689},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5690},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون (٣٥)﴾.","level":2,"page":5691},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم (٣٦)﴾.","level":2,"page":5692},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5693},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم (٣٧)﴾.","level":2,"page":5693},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم (٣٨)﴾.","level":2,"page":5694},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم (٣٩)﴾.","level":2,"page":5697},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير (٤٠)﴾.","level":2,"page":5699},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5700},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5700},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم﴾.","level":2,"page":5700},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5701},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5705},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك﴾.","level":2,"page":5706},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5707},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5708},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا﴾.","level":2,"page":5710},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5711},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا﴾.","level":2,"page":5714},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (٤١)﴾.","level":2,"page":5715},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾.","level":2,"page":5715},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين (٤٢)﴾.","level":2,"page":5722},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5723},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5724},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5727},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5729},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5733},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (٤٣)﴾.","level":2,"page":5734},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا﴾.","level":2,"page":5736},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء﴾.","level":2,"page":5738},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5739},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5740},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا﴾.","level":2,"page":5742},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (٤٤)﴾.","level":2,"page":5743},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5744},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5749},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5751},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5753},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5754},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص﴾.","level":2,"page":5755},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5756},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5759},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾.","level":2,"page":5759},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5762},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون (٤٥)﴾.","level":2,"page":5769},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين (٤٦)﴾.","level":2,"page":5769},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون (٤٧)﴾.","level":2,"page":5770},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه﴾.","level":2,"page":5772},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5773},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5774},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5777},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5777},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق﴾.","level":2,"page":5778},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5780},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾.","level":2,"page":5780},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5781},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5783},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم﴾.","level":2,"page":5785},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم","level":2,"page":5786},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون (٤٩)﴾.","level":2,"page":5788},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5789},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (٥٠)﴾.","level":2,"page":5790},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5791},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾.","level":2,"page":5791},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5793},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5793},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾.","level":2,"page":5795},{"title":"ذكر من قال بما قلنا من التأويل","level":2,"page":5796},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5797},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الله لا يهدي القوم الظالمين (٥١)﴾","level":2,"page":5797},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة﴾.","level":2,"page":5797},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5798},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5800},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين﴾.","level":2,"page":5800},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5801},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين (٥٣)﴾.","level":2,"page":5802},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾.","level":2,"page":5804},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5805},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5805},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5808},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5810},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5811},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5814},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾.","level":2,"page":5814},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (٥٤)﴾.","level":2,"page":5815},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5816},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (٥٥)﴾.","level":2,"page":5816},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5817},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم","level":2,"page":5818},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين (٥٧)﴾.","level":2,"page":5820},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (٥٨)﴾.","level":2,"page":5823},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل ياأهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما","level":2,"page":5823},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5824},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير﴾.","level":2,"page":5825},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5826},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل (٦٠)﴾.","level":2,"page":5828},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون (٦١)﴾.","level":2,"page":5833},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5834},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون (٦٢)﴾.","level":2,"page":5835},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون (٦٣)﴾.","level":2,"page":5837},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5838},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾.","level":2,"page":5839},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5840},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا﴾.","level":2,"page":5844},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5845},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾.","level":2,"page":5845},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله﴾.","level":2,"page":5846},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين (٦٤)﴾.","level":2,"page":5848},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم (٦٥)﴾.","level":2,"page":5848},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5849},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾.","level":2,"page":5849},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5850},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5852},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون (٦٦)﴾.","level":2,"page":5852},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين (٦٧)﴾.","level":2,"page":5854},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5855},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5857},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5857},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل ياأهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم﴾.","level":2,"page":5859},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5861},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين (٦٨)﴾.","level":2,"page":5861},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٦٩)﴾.","level":2,"page":5862},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا","level":2,"page":5862},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون (٧١)﴾.","level":2,"page":5863},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5864},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (٧٢)﴾.","level":2,"page":5865},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (٧٣)﴾.","level":2,"page":5866},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5868},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (٧٤)﴾.","level":2,"page":5868},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام﴾.","level":2,"page":5869},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون (٧٥)﴾.","level":2,"page":5870},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم (٧٦)﴾.","level":2,"page":5870},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (٧٧)﴾.","level":2,"page":5871},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5872},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (٧٨)﴾.","level":2,"page":5873},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما","level":2,"page":5878},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون (٨٠)﴾.","level":2,"page":5879},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون (٨١)﴾.","level":2,"page":5880},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (٨٢)﴾.","level":2,"page":5880},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5881},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5884},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5886},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5886},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من","level":2,"page":5887},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين (٨٤)﴾.","level":2,"page":5891},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5892},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين (٨٥)﴾.","level":2,"page":5892},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (٨٦)﴾.","level":2,"page":5893},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (٨٧)﴾.","level":2,"page":5893},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5894},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5901},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (٨٨)﴾.","level":2,"page":5902},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾.","level":2,"page":5903},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5905},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾.","level":2,"page":5905},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5908},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾.","level":2,"page":5910},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5911},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5915},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5918},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5921},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5921},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5925},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أو كسوتهم﴾.","level":2,"page":5925},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5928},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5930},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5931},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5931},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أو تحرير رقبة﴾.","level":2,"page":5932},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5934},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5934},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5935},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾.","level":2,"page":5936},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5939},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5941},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون (٨٩)﴾.","level":2,"page":5941},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (٩٠)﴾.","level":2,"page":5942},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (٩١)﴾.","level":2,"page":5943},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5944},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":5946},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5947},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5949},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين (٩٢)﴾.","level":2,"page":5950},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين (٩٣)﴾.","level":2,"page":5951},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5952},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5957},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ياأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم﴾.","level":2,"page":5957},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (٩٤)﴾.","level":2,"page":5959},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾.","level":2,"page":5960},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5961},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5964},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5968},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5974},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة﴾.","level":2,"page":5976},{"title":"ذكر من قال في ذلك بنحو الذي قلنا فيه","level":2,"page":5977},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾.","level":2,"page":5983},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5984},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5987},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5989},{"title":"ذكر من قال: المتقوم للإطعام هو الصيد المقتول","level":2,"page":5990},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5992},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5993},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5993},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5994},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أو عدل ذلك صياما﴾.","level":2,"page":5995},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5997},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":5999},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ليذوق وبال أمره﴾.","level":2,"page":5999},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه﴾.","level":2,"page":5999},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6000},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6002},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6003},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6006},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6006},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والله عزيز ذو انتقام (٩٥)﴾.","level":2,"page":6009},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾.","level":2,"page":6009},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6013},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6018},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6021},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6022},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿متاعا لكم وللسيارة﴾.","level":2,"page":6022},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾.","level":2,"page":6024},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6025},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6029},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6033},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6035},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6036},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واتقوا الله الذي إليه تحشرون (٩٦)﴾.","level":2,"page":6037},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6038},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد﴾.","level":2,"page":6038},{"title":"ذكر من قال: عنى الله تعالى ذكره بقوله: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس﴾. القوام. على نحو ما قلنا","level":2,"page":6040},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6042},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم (٩٧)﴾.","level":2,"page":6044},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم (٩٨)﴾.","level":2,"page":6044},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (٩٩)﴾.","level":2,"page":6044},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾.","level":2,"page":6045},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فاتقوا الله ياأولي الألباب لعلكم تفلحون (١٠٠)﴾","level":2,"page":6046},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾.","level":2,"page":6046},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":6047},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6051},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6055},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم (١٠١)﴾.","level":2,"page":6056},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين (١٠٢)﴾.","level":2,"page":6058},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾.","level":2,"page":6059},{"title":"ذكر الرواية بما قيل في ذلك","level":2,"page":6064},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6073},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون (١٠٣)﴾","level":2,"page":6073},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون (١٠٤)﴾.","level":2,"page":6075},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6076},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾.","level":2,"page":6076},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6082},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6083},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6086},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6086},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون (١٠٥)﴾.","level":2,"page":6088},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم﴾.","level":2,"page":6088},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6089},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6094},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أو آخران من غيركم﴾.","level":2,"page":6094},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6100},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى ذكره: ﴿إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾.","level":2,"page":6104},{"title":"ذكر بعض من تأول ذلك كذلك","level":2,"page":6105},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى﴾.","level":2,"page":6107},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6108},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6109},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6111},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن","level":2,"page":6112},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان﴾.","level":2,"page":6114},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6116},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6117},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6118},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6120},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6134},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين﴾.","level":2,"page":6136},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم﴾.","level":2,"page":6137},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6139},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾.","level":2,"page":6139},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6140},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب (١٠٩)﴾.","level":2,"page":6142},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6143},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6144},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6144},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6145},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إذ قال الله ياعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى","level":2,"page":6145},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين (١١٠)﴾.","level":2,"page":6147},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون (١١١)﴾.","level":2,"page":6149},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إذ قال الحواريون ياعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (١١٢)﴾.","level":2,"page":6150},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6154},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين (١١٣)﴾.","level":2,"page":6155},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6156},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين (١١٤)﴾.","level":2,"page":6156},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6157},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6158},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6161},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6162},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6163},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6163},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين (١١٥)﴾.","level":2,"page":6164},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت","level":2,"page":6165},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6166},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6166},{"title":"القول في تأويل قوله ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (١١٦)﴾.","level":2,"page":6169},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (١١٧)﴾.","level":2,"page":6170},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6171},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6171},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (١١٨)﴾.","level":2,"page":6172},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (١١٩)﴾.","level":2,"page":6173},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (١١٩)﴾.","level":2,"page":6175},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير (١٢٠)﴾.","level":2,"page":6176},{"title":"تفسير سورة الأنعام","level":1,"page":6177},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض﴾.","level":2,"page":6177},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وجعل الظلمات والنور﴾.","level":2,"page":6177},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾.","level":2,"page":6179},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6181},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6181},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6181},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿هو الذي خلقكم من طين﴾.","level":2,"page":6182},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6183},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده﴾.","level":2,"page":6183},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6184},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6184},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ثم أنتم تمترون﴾.","level":2,"page":6187},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون﴾.","level":2,"page":6188},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين﴾.","level":2,"page":6188},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون (٥)﴾.","level":2,"page":6189},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (٦)﴾.","level":2,"page":6189},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (٧)﴾.","level":2,"page":6191},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6192},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون (٨)﴾.","level":2,"page":6193},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6195},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا﴾.","level":2,"page":6195},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وللبسنا عليهم ما يلبسون (٩)﴾.","level":2,"page":6196},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6197},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون (١٠)﴾.","level":2,"page":6198},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6199},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين (١١)﴾.","level":2,"page":6199},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة﴾.","level":2,"page":6200},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه﴾.","level":2,"page":6204},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (١٢)﴾.","level":2,"page":6206},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6207},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم (١٣)﴾.","level":2,"page":6207},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم﴾.","level":2,"page":6208},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (١٤)﴾.","level":2,"page":6210},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (١٥)﴾.","level":2,"page":6210},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين (١٦)﴾.","level":2,"page":6211},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6212},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير (١٧)﴾.","level":2,"page":6212},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (١٨)﴾.","level":2,"page":6213},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني","level":2,"page":6213},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6214},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾.","level":2,"page":6214},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6215},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون (١٩)﴾.","level":2,"page":6217},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (٢٠)﴾.","level":2,"page":6219},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6220},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون (٢١)﴾.","level":2,"page":6221},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون (٢٢)﴾.","level":2,"page":6221},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (٢٣)﴾.","level":2,"page":6222},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6223},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6224},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (٢٤)﴾.","level":2,"page":6225},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":6226},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا﴾.","level":2,"page":6229},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6231},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين (٢٥)﴾.","level":2,"page":6232},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6234},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون (٢٦)﴾.","level":2,"page":6234},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6235},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6236},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين (٢٧)﴾.","level":2,"page":6239},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون (٢٨)﴾.","level":2,"page":6244},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6245},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (٢٩)﴾.","level":2,"page":6245},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (٣٠)﴾.","level":2,"page":6246},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا ياحسرتنا على ما فرطنا فيها﴾.","level":2,"page":6247},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6248},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون (٣١)﴾.","level":2,"page":6249},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (٣٢)﴾.","level":2,"page":6251},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (٣٣)﴾","level":2,"page":6252},{"title":"ذكر من قال: معنى ذلك: فإنهم لا يكذبونك، ولكنهم يجحدون الحق على علم منهم بأنك نبي لله صادق.","level":2,"page":6254},{"title":"ذكر من قال: ذلك بمعنى: فإنهم لا يكذبونك ولكنهم يكذبون ما جئت به.","level":2,"page":6255},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6256},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ","level":2,"page":6256},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6258},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية﴾.","level":2,"page":6258},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6259},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين (٣٥)﴾.","level":2,"page":6260},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6261},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون (٣٦)﴾.","level":2,"page":6262},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6263},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون (٣٧)﴾.","level":2,"page":6264},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون (٣٨)﴾.","level":2,"page":6265},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6266},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6267},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6268},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم (٣٩)﴾.","level":2,"page":6270},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين (٤٠)﴾","level":2,"page":6272},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون (٤١)﴾.","level":2,"page":6274},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون (٤٢)﴾.","level":2,"page":6274},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون (٤٣)﴾.","level":2,"page":6276},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (٤٤)﴾.","level":2,"page":6277},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6283},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين (٤٥)﴾.","level":2,"page":6283},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون (٤٦)﴾.","level":2,"page":6284},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6286},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون (٤٧)﴾","level":2,"page":6286},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٤٨)﴾","level":2,"page":6287},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون (٤٩)﴾.","level":2,"page":6288},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون (٥٠)﴾.","level":2,"page":6288},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6290},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون (٥١)﴾.","level":2,"page":6290},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":6291},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين (٥٢)﴾.","level":2,"page":6291},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾.","level":2,"page":6303},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم (٥٤)﴾.","level":2,"page":6305},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (٥٥)﴾.","level":2,"page":6309},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين (٥٦)﴾.","level":2,"page":6311},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين (٥٧)﴾.","level":2,"page":6311},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين (٥٨)﴾.","level":2,"page":6314},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر﴾.","level":2,"page":6315},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين (٥٩)﴾.","level":2,"page":6316},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾.","level":2,"page":6317},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون (٦٠)﴾.","level":2,"page":6320},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون (٦١)﴾.","level":2,"page":6321},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين (٦٢)﴾.","level":2,"page":6326},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين (٦٣)﴾.","level":2,"page":6327},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون (٦٤)﴾.","level":2,"page":6328},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم﴾.","level":2,"page":6329},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض﴾.","level":2,"page":6331},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون (٦٥)﴾","level":2,"page":6343},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (٦٦) لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون (٦٧)﴾.","level":2,"page":6343},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (٦٨)﴾.","level":2,"page":6345},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون (٦٩)﴾.","level":2,"page":6349},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها﴾.","level":2,"page":6351},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها﴾.","level":2,"page":6356},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون (٧٠)﴾.","level":2,"page":6358},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا﴾.","level":2,"page":6359},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين (٧١)﴾.","level":2,"page":6366},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه","level":2,"page":6366},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير (٧٣)﴾.","level":2,"page":6368},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر﴾.","level":2,"page":6375},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين (٧٤)﴾","level":2,"page":6379},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين (٧٥)﴾.","level":2,"page":6380},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين (٧٦)﴾.","level":2,"page":6387},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم","level":2,"page":6394},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال ياقوم إني بريء مما تشركون (٧٨)﴾.","level":2,"page":6395},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (٧٩)﴾.","level":2,"page":6395},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (٨٠)﴾.","level":2,"page":6397},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (٨١)﴾.","level":2,"page":6398},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (٨٢)﴾.","level":2,"page":6400},{"title":"ذكر من قال: عني بها المهاجرون خاصة","level":2,"page":6411},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم (٨٣)﴾.","level":2,"page":6412},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (٨٤)﴾.","level":2,"page":6414},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين (٨٥)﴾.","level":2,"page":6415},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين (٨٦)﴾.","level":2,"page":6417},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم (٨٧)﴾.","level":2,"page":6418},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون (٨٨)﴾.","level":2,"page":6419},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة﴾.","level":2,"page":6420},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين (٨٩)﴾.","level":2,"page":6421},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾.","level":2,"page":6424},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين (٩٠)﴾.","level":2,"page":6426},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾.","level":2,"page":6426},{"title":"ذكر من قال: نزلت في فنحاص اليهودي","level":2,"page":6427},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا﴾.","level":2,"page":6431},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون (٩١)﴾.","level":2,"page":6432},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه","level":2,"page":6434},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون (٩٢)﴾.","level":2,"page":6437},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله﴾.","level":2,"page":6437},{"title":"القول في تأويل قوله ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم﴾.","level":2,"page":6441},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون (٩٣)﴾.","level":2,"page":6444},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم﴾.","level":2,"page":6446},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء﴾.","level":2,"page":6449},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون﴾.","level":2,"page":6450},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الله فالق الحب والنوى﴾.","level":2,"page":6453},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون (٩٥)﴾.","level":2,"page":6456},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فالق الإصباح وجعل الليل سكنا﴾.","level":2,"page":6457},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والشمس والقمر حسبانا﴾.","level":2,"page":6461},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلك تقدير العزيز العليم (٩٦)﴾.","level":2,"page":6464},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون (٩٧)﴾.","level":2,"page":6464},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون (٩٨)﴾.","level":2,"page":6465},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا﴾.","level":2,"page":6477},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن النخل من طلعها قنوان دانية﴾.","level":2,"page":6478},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه﴾.","level":2,"page":6481},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه﴾.","level":2,"page":6482},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون (٩٩)﴾.","level":2,"page":6485},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم﴾.","level":2,"page":6486},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿سبحانه وتعالى عما يصفون (١٠٠)﴾.","level":2,"page":6489},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة﴾.","level":2,"page":6490},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم (١٠١)﴾.","level":2,"page":6491},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل (١٠٢)﴾.","level":2,"page":6491},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (١٠٣)﴾.","level":2,"page":6492},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ (١٠٤)﴾.","level":2,"page":6502},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون (١٠٥)﴾.","level":2,"page":6504},{"title":"ذكر من قرأ ذلك: (درست). بمعنى: تليت وقرئت. على وجه ما لم يسم فاعله","level":2,"page":6509},{"title":"ذكر من قرأ ذلك: (درست). بمعنى: انمحت وتقادمت، أي: هذا الذي تتلوه علينا قد مر بنا قديما، وتطاولت مدته","level":2,"page":6510},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين (١٠٦)﴾.","level":2,"page":6511},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل (١٠٧)﴾.","level":2,"page":6512},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم﴾.","level":2,"page":6513},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (١٠٨)﴾.","level":2,"page":6516},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (١٠٩)﴾.","level":2,"page":6517},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (١٠٩)﴾.","level":2,"page":6519},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾.","level":2,"page":6523},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ونذرهم في طغيانهم يعمهون (١١٠)﴾.","level":2,"page":6525},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون (١١١)﴾.","level":2,"page":6525},{"title":"ذكر من قال: معنى ذلك: معاينة","level":2,"page":6528},{"title":"ذكر من قال: معنى ذلك: قبيلة قبيلة، صنفا صنفا","level":2,"page":6528},{"title":"ذكر من قال: معناه: مقابلة.","level":2,"page":6529},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا﴾.","level":2,"page":6530},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون (١١٢)﴾.","level":2,"page":6536},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه﴾.","level":2,"page":6536},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وليقترفوا ما هم مقترفون (١١٣)﴾.","level":2,"page":6538},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا﴾.","level":2,"page":6539},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين (١١٤)﴾.","level":2,"page":6539},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (١١٥)﴾.","level":2,"page":6540},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (١١٦)﴾.","level":2,"page":6542},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم","level":2,"page":6542},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين (١١٨)﴾.","level":2,"page":6544},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين (١١٩)﴾.","level":2,"page":6545},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين﴾.","level":2,"page":6548},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه﴾.","level":2,"page":6549},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون (١٢٠)﴾.","level":2,"page":6552},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (١٢١)﴾.","level":2,"page":6553},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون (١٢٢)﴾.","level":2,"page":6569},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون (١٢٣)﴾.","level":2,"page":6570},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾.","level":2,"page":6572},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون (١٢٤)﴾.","level":2,"page":6573},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾.","level":2,"page":6574},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾.","level":2,"page":6577},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كأنما يصعد في السماء﴾.","level":2,"page":6582},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (١٢٥)﴾.","level":2,"page":6584},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون (١٢٦)﴾.","level":2,"page":6586},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (١٢٧)﴾.","level":2,"page":6587},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد استكثرتم","level":2,"page":6587},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض﴾.","level":2,"page":6589},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا﴾.","level":2,"page":6589},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (١٢٨)﴾.","level":2,"page":6590},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (١٢٩)﴾.","level":2,"page":6591},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا﴾.","level":2,"page":6592},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (١٣٠)﴾.","level":2,"page":6595},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون (١٣١)﴾.","level":2,"page":6595},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون (١٣٢)﴾.","level":2,"page":6597},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين (١٣٣)﴾.","level":2,"page":6597},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين (١٣٤)﴾.","level":2,"page":6599},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل ياقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون﴾.","level":2,"page":6600},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (١٣٥)﴾.","level":2,"page":6601},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون (١٣٦)﴾.","level":2,"page":6601},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون (١٣٧)﴾.","level":2,"page":6606},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم﴾.","level":2,"page":6610},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون (١٣٨)﴾.","level":2,"page":6614},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء﴾.","level":2,"page":6617},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (١٣٩)﴾.","level":2,"page":6622},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين (١٤٠)﴾.","level":2,"page":6623},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات﴾.","level":2,"page":6626},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر﴾.","level":2,"page":6627},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾.","level":2,"page":6628},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (١٤١)﴾.","level":2,"page":6647},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن الأنعام حمولة وفرشا﴾.","level":2,"page":6651},{"title":"القول فى تأويل قوله: ﴿كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (١٤٢)﴾.","level":2,"page":6656},{"title":"القول فى تأويل قوله: ﴿ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين (١٤٣)﴾.","level":2,"page":6656},{"title":"القول فى تأويل قوله: ﴿ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (١٤٤)﴾.","level":2,"page":6662},{"title":"القول فى تأويل قوله: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به﴾.","level":2,"page":6664},{"title":"القول فى تأويل قوله: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (١٤٥)﴾.","level":2,"page":6670},{"title":"القول فى تأويل قوله: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر﴾.","level":2,"page":6671},{"title":"القول فى تأويل قوله: ﴿ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما﴾.","level":2,"page":6674},{"title":"القول فى تأويل قوله: ﴿أو الحوايا﴾.","level":2,"page":6676},{"title":"القول فى تأويل قوله: ﴿أو ما اختلط بعظم﴾.","level":2,"page":6679},{"title":"القول فى تأويل قوله: ﴿ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون (١٤٦)﴾.","level":2,"page":6680},{"title":"القول فى تأويل قوله: ﴿فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين (١٤٧)﴾.","level":2,"page":6680},{"title":"القول فى تأويل قوله: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا﴾.","level":2,"page":6682},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (١٤٨)﴾.","level":2,"page":6685},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (١٤٩)﴾.","level":2,"page":6685},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون (١٥٠)﴾.","level":2,"page":6687},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا﴾.","level":2,"page":6689},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم","level":2,"page":6690},{"title":"ذكر من قال ما ذكرنا من قول من قال: الآية خاص المعنى","level":2,"page":6692},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾.","level":2,"page":6692},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6694},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون (١٥١)﴾.","level":2,"page":6694},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده﴾.","level":2,"page":6695},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6697},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6697},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها﴾.","level":2,"page":6698},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (١٥٢)﴾.","level":2,"page":6699},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (١٥٣)﴾.","level":2,"page":6702},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6703},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء﴾.","level":2,"page":6706},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6707},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6709},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6710},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (١٥٤)﴾.","level":2,"page":6711},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون (١٥٥)﴾.","level":2,"page":6713},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين (١٥٦)﴾.","level":2,"page":6713},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6715},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6716},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة﴾.","level":2,"page":6717},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6718},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون (١٥٧)﴾.","level":2,"page":6718},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾.","level":2,"page":6719},{"title":"ذكر من قال من أهل التأويل ذلك","level":2,"page":6720},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾.","level":2,"page":6721},{"title":"ذكر من قال ذلك، وما ذكر فيه عن رسول الله ﷺ","level":2,"page":6722},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6734},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل انتظروا إنا منتظرون (١٥٨)﴾.","level":2,"page":6737},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون (١٥٩)﴾","level":2,"page":6737},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6739},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6741},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6742},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6742},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون (١٦٠)﴾.","level":2,"page":6744},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6746},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6750},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (١٦١)﴾","level":2,"page":6752},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين (١٦٢) لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين (١٦٣)﴾","level":2,"page":6753},{"title":"ذكر من قال: النسك في هذا الموضع الذبح","level":2,"page":6754},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾.","level":2,"page":6756},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (١٦٤)﴾.","level":2,"page":6757},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم﴾.","level":2,"page":6758},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم (١٦٥)﴾.","level":2,"page":6759},{"title":"تفسير السورة التي يذكر فيها الأعراف","level":1,"page":6760},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6760},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6760},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿المص﴾.","level":2,"page":6760},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6761},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6761},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾.","level":2,"page":6762},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لتنذر به وذكرى للمؤمنين﴾.","level":2,"page":6763},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون﴾.","level":2,"page":6764},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون﴾.","level":2,"page":6765},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين (٥)﴾","level":2,"page":6769},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6772},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين (٦)﴾","level":2,"page":6772},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين (٧)﴾.","level":2,"page":6773},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (٨)﴾.","level":2,"page":6775},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":6776},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6776},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6777},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6777},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون (٩)﴾.","level":2,"page":6780},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون (١٠)﴾.","level":2,"page":6781},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6783},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين (١١)﴾.","level":2,"page":6783},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6785},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6786},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6787},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه","level":2,"page":6789},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6795},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين (١٣)﴾.","level":2,"page":6796},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿قال أنظرني إلى يوم يبعثون (١٤) قال إنك من المنظرين (١٥)﴾.","level":2,"page":6797},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (١٦)﴾.","level":2,"page":6799},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6802},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6804},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (١٧)﴾.","level":2,"page":6804},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6806},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6808},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6809},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿قال اخرج منها مذءوما مدحورا﴾.","level":2,"page":6809},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6810},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين (١٨)﴾.","level":2,"page":6812},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (١٩)﴾.","level":2,"page":6813},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما﴾.","level":2,"page":6814},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (٢٠)﴾.","level":2,"page":6815},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (٢١)﴾.","level":2,"page":6816},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾.","level":2,"page":6818},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين (٢٢)﴾.","level":2,"page":6822},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (٢٣)﴾.","level":2,"page":6823},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (٢٤)﴾.","level":2,"page":6824},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون (٢٥)﴾.","level":2,"page":6826},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم﴾.","level":2,"page":6827},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6828},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وريشا﴾.","level":2,"page":6830},{"title":"ذكر من قال: الرياش المال.","level":2,"page":6831},{"title":"ذكر من قال: هو اللباس ورفاهة العيش","level":2,"page":6832},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6832},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6833},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6833},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾.","level":2,"page":6833},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6834},{"title":"[ذكر من قال ذلك]","level":2,"page":6834},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6835},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6836},{"title":"ذكر من تأول ذلك بالمعنى الذي ذكرنا من تأويله إذا قرئ قوله: ﴿ولباس التقوى﴾ رفعا.","level":2,"page":6839},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون (٢٦)﴾.","level":2,"page":6840},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما﴾.","level":2,"page":6840},{"title":"ذكر قول من لم نذكر قوله فيما مضى من كتابنا هذا في ذلك","level":2,"page":6841},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6842},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6842},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون (٢٧)﴾","level":2,"page":6844},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون (٢٨)﴾.","level":2,"page":6845},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون (٢٩)﴾.","level":2,"page":6847},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6848},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6849},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6850},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿كما بدأكم تعودون (٢٩) فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة﴾.","level":2,"page":6850},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6853},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون (٣٠)﴾.","level":2,"page":6856},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6857},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (٣١)﴾.","level":2,"page":6857},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6863},{"title":"ذكر من قال ذلك منهم","level":2,"page":6864},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾.","level":2,"page":6864},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6866},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6867},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾.","level":2,"page":6867},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون (٣٢)﴾.","level":2,"page":6870},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم","level":2,"page":6870},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6871},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (٣٣)﴾.","level":2,"page":6872},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (٣٤)﴾.","level":2,"page":6872},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٣٥)﴾.","level":2,"page":6873},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٣٦)﴾.","level":2,"page":6875},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾.","level":2,"page":6875},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6876},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6877},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6879},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6881},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6882},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6882},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين﴾.","level":2,"page":6883},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها﴾.","level":2,"page":6884},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6885},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿حتى إذا اداركوا فيها جميعا﴾.","level":2,"page":6885},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون﴾.","level":2,"page":6886},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6887},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6888},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون (٣٩)﴾.","level":2,"page":6888},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6890},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء﴾.","level":2,"page":6890},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6891},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6892},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين (٤٠)﴾.","level":2,"page":6895},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6896},{"title":"ذكر الرواية بذلك عنه","level":2,"page":6899},{"title":"ذكر الرواية بذلك عنه","level":2,"page":6901},{"title":"ذكر الرواية بذلك عنه","level":2,"page":6901},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6903},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6904},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين (٤١)﴾.","level":2,"page":6904},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (٤٢)﴾.","level":2,"page":6905},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من","level":2,"page":6905},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6906},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾.","level":2,"page":6908},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون (٤٣)﴾.","level":2,"page":6909},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6910},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين (٤٤)﴾.","level":2,"page":6913},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون (٤٥)﴾.","level":2,"page":6915},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (٤٦)﴾.","level":2,"page":6916},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6917},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6919},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6926},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6927},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6927},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6930},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون﴾.","level":2,"page":6930},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6934},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6935},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين﴾.","level":2,"page":6935},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز ﴿ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون (٤٨)﴾.","level":2,"page":6936},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون (٤٩)﴾.","level":2,"page":6938},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6939},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين (٥٠)﴾.","level":2,"page":6943},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6944},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون (٥١)﴾.","level":2,"page":6945},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6946},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون (٥٢)﴾.","level":2,"page":6948},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق﴾","level":2,"page":6948},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6949},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6951},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (٥٣)﴾.","level":2,"page":6952},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا﴾.","level":2,"page":6953},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6954},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (٥٤)﴾.","level":2,"page":6954},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (٥٥)﴾.","level":2,"page":6955},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين (٥٦)﴾.","level":2,"page":6957},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون (٥٧)﴾.","level":2,"page":6959},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6962},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6963},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون (٥٨)﴾.","level":2,"page":6964},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6966},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (٥٩)﴾.","level":2,"page":6968},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين (٦٠)﴾.","level":2,"page":6969},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال ياقوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين (٦١)﴾.","level":2,"page":6969},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون (٦٢)﴾.","level":2,"page":6970},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون (٦٣)﴾.","level":2,"page":6970},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين (٦٤)﴾.","level":2,"page":6971},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (٦٥)﴾.","level":2,"page":6972},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين (٦٦) قال ياقوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين (٦٧)﴾.","level":2,"page":6972},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين (٦٨) أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون (٦٩)﴾.","level":2,"page":6973},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6974},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6975},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":6975},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (٧٠)﴾.","level":2,"page":6987},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين﴾.","level":2,"page":6987},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين (٧٢)﴾.","level":2,"page":6989},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (٧٣)﴾.","level":2,"page":6990},{"title":"ذكر من قال ذلك، وذكر سبب قتل قوم صالح الناقة","level":2,"page":6991},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين (٧٤)﴾.","level":2,"page":7006},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون (٧٥) قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون (٧٦)﴾.","level":2,"page":7008},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا ياصالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين (٧٧)﴾.","level":2,"page":7008},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7010},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (٧٨)﴾.","level":2,"page":7010},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7011},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فتولى عنهم وقال ياقوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين (٧٩)﴾.","level":2,"page":7012},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (٨٠)﴾.","level":2,"page":7012},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون (٨١)﴾.","level":2,"page":7013},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7014},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (٨٢)﴾.","level":2,"page":7014},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (٨٣)﴾.","level":2,"page":7015},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7017},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين (٨٤)﴾.","level":2,"page":7017},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (٨٥)﴾.","level":2,"page":7018},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7019},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (٨٦)﴾.","level":2,"page":7020},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7021},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين (٨٧)﴾.","level":2,"page":7025},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك ياشعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين (٨٨)﴾.","level":2,"page":7025},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (٨٩)﴾.","level":2,"page":7026},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7027},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7028},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون (٩٠)﴾.","level":2,"page":7029},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (٩١)﴾.","level":2,"page":7030},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين (٩٢)﴾.","level":2,"page":7033},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7034},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿فتولى عنهم وقال ياقوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين (٩٣)﴾.","level":2,"page":7034},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7035},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون (٩٤)﴾.","level":2,"page":7035},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7036},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون (٩٥)﴾.","level":2,"page":7036},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7037},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7038},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7039},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون (٩٦)﴾.","level":2,"page":7040},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون (٩٧) أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (٩٨)﴾.","level":2,"page":7041},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7042},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (٩٩)﴾.","level":2,"page":7042},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون (١٠٠)﴾.","level":2,"page":7042},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين (١٠١)﴾.","level":2,"page":7044},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7045},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7045},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7046},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (١٠٢)﴾.","level":2,"page":7047},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7048},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (١٠٣)﴾.","level":2,"page":7049},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقال موسى يافرعون إني رسول من رب العالمين (١٠٤)﴾.","level":2,"page":7050},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل (١٠٥) قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين (١٠٦)﴾.","level":2,"page":7050},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7051},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (١٠٧) ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (١٠٨)﴾.","level":2,"page":7051},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7054},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم (١٠٩) يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون (١١٠)﴾.","level":2,"page":7055},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين (١١١)﴾.","level":2,"page":7057},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7058},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7059},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7059},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يأتوك بكل ساحر عليم (١١٢) وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (١١٣)﴾.","level":2,"page":7060},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7061},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال نعم وإنكم لمن المقربين (١١٤) قالوا ياموسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين (١١٥)﴾.","level":2,"page":7063},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم (١١٦)﴾","level":2,"page":7064},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون (١١٧)﴾.","level":2,"page":7066},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7068},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون (١١٨)﴾.","level":2,"page":7068},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين (١١٩)﴾.","level":2,"page":7069},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وألقي السحرة ساجدين (١٢٠) قالوا آمنا برب العالمين (١٢١) رب موسى وهارون (١٢٢)﴾.","level":2,"page":7069},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (١٢٣)﴾","level":2,"page":7070},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين (١٢٤)﴾.","level":2,"page":7071},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (١٢٥) وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين (١٢٦)﴾.","level":2,"page":7071},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون (١٢٧)﴾.","level":2,"page":7073},{"title":"ذكر من قال: كان فرعون يعبد آلهة. على قراءة من قرأ ﴿ويذرك وآلهتك﴾","level":2,"page":7075},{"title":"ذكر من قال: معنى ذلك: ويذرك وعبادتك. على قراءة من قرأ: (وإلاهتك)","level":2,"page":7076},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين (١٢٨)﴾.","level":2,"page":7079},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض","level":2,"page":7079},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7080},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7082},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون (١٣٠)﴾.","level":2,"page":7082},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7084},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه﴾.","level":2,"page":7084},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7085},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون (١٣١)﴾.","level":2,"page":7085},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين (١٣٢)﴾.","level":2,"page":7086},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا﴾.","level":2,"page":7086},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7087},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7088},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7089},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7091},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7091},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7092},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7093},{"title":"ذكر المعانى التي حدثت في قوم فرعون بحدوث هذه الآيات والسبب الذي من أجله أحدثها الله فيهم","level":2,"page":7094},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7105},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7106},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (١٣٣)﴾.","level":2,"page":7106},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7107},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ولما وقع عليهم الرجز قالوا ياموسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل (١٣٤)﴾.","level":2,"page":7107},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7108},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7110},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون (١٣٥)﴾.","level":2,"page":7110},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (١٣٦)﴾.","level":2,"page":7111},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7112},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون﴾.","level":2,"page":7112},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7114},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7115},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا ياموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون (١٣٨)﴾.","level":2,"page":7116},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7117},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون (١٣٩)﴾.","level":2,"page":7119},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7120},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين (١٤٠)﴾.","level":2,"page":7121},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (١٤١)﴾.","level":2,"page":7121},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7122},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾.","level":2,"page":7122},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين (١٤٢)﴾.","level":2,"page":7124},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾.","level":2,"page":7126},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7135},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا﴾.","level":2,"page":7135},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (١٤٣)﴾.","level":2,"page":7140},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7141},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7143},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿قال ياموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين (١٤٤)﴾.","level":2,"page":7144},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء﴾.","level":2,"page":7144},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7145},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7147},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7147},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿فخذها بقوة﴾.","level":2,"page":7147},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وأمر قومك يأخذوا بأحسنها﴾.","level":2,"page":7148},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7149},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿سأريكم دار الفاسقين (١٤٥)﴾.","level":2,"page":7149},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7150},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق﴾.","level":2,"page":7150},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7151},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7151},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (١٤٦)﴾.","level":2,"page":7152},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (١٤٧)﴾.","level":2,"page":7154},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين (١٤٨)﴾.","level":2,"page":7154},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين (١٤٩)﴾.","level":2,"page":7156},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم﴾.","level":2,"page":7157},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7159},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين (١٥٠)﴾.","level":2,"page":7159},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7160},{"title":"ذكر بعض من قال ذلك","level":2,"page":7163},{"title":"ذكر الرواية بما ذكرنا من ذلك","level":2,"page":7164},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين (١٥١)﴾.","level":2,"page":7170},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين (١٥٢)﴾.","level":2,"page":7170},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7172},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (١٥٣)﴾.","level":2,"page":7173},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون (١٥٤)﴾.","level":2,"page":7174},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي﴾.","level":2,"page":7175},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7178},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7179},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7183},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين (١٥٥)﴾.","level":2,"page":7183},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7184},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7185},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك﴾.","level":2,"page":7186},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7187},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي","level":2,"page":7190},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7191},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7194},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7194},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7195},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7195},{"title":"ذكر [الرواية عنهم بذلك]","level":2,"page":7196},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل﴾.","level":2,"page":7196},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم","level":2,"page":7200},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7201},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7203},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون (١٥٧)﴾.","level":2,"page":7205},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل ياأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله﴾.","level":2,"page":7206},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (١٥٨)﴾.","level":2,"page":7207},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7208},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7208},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (١٥٩)﴾.","level":2,"page":7209},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما﴾.","level":2,"page":7210},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (١٦٠)﴾","level":2,"page":7212},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين (١٦١)﴾.","level":2,"page":7213},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون (١٦٢)﴾.","level":2,"page":7214},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون (١٦٣)﴾.","level":2,"page":7214},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7215},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7216},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7217},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون (١٦٤)﴾.","level":2,"page":7219},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7220},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7228},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون (١٦٥)﴾.","level":2,"page":7232},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7233},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7235},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين (١٦٦)﴾.","level":2,"page":7236},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7237},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب﴾.","level":2,"page":7237},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7238},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7238},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (١٦٧)﴾.","level":2,"page":7241},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون (١٦٨)﴾.","level":2,"page":7241},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه﴾.","level":2,"page":7242},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7243},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7244},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (١٦٩)﴾.","level":2,"page":7248},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين (١٧٠)﴾.","level":2,"page":7249},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (١٧١)﴾.","level":2,"page":7250},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7251},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (١٧٢)﴾.","level":2,"page":7254},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون (١٧٣)﴾.","level":2,"page":7273},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7274},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون (١٧٤)﴾.","level":2,"page":7274},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (١٧٥)﴾.","level":2,"page":7274},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7277},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7278},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7278},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7280},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7281},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7281},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7283},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه﴾.","level":2,"page":7284},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7290},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7291},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7292},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو","level":2,"page":7293},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7294},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7296},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (١٧٦)﴾.","level":2,"page":7296},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا","level":2,"page":7297},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (١٧٨)﴾.","level":2,"page":7298},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7299},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها﴾.","level":2,"page":7299},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7302},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون (١٧٩)﴾.","level":2,"page":7302},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (١٨٠)﴾.","level":2,"page":7303},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7305},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7305},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7305},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (١٨١)﴾.","level":2,"page":7307},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (١٨٢)﴾.","level":2,"page":7308},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأملي لهم إن كيدي متين (١٨٣)﴾.","level":2,"page":7309},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (١٨٤)﴾.","level":2,"page":7310},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (١٨٥)﴾.","level":2,"page":7311},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون (١٨٦)﴾.","level":2,"page":7311},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7312},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7312},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو﴾.","level":2,"page":7312},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7314},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7314},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7316},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7316},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة﴾.","level":2,"page":7316},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7317},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون (١٨٧)﴾.","level":2,"page":7318},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7319},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7321},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (١٨٨)﴾.","level":2,"page":7323},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7324},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين (١٨٩)﴾.","level":2,"page":7325},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7327},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7328},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7328},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7331},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون (١٩٠)﴾.","level":2,"page":7331},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7337},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (١٩١)﴾.","level":2,"page":7340},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (١٩٢)﴾.","level":2,"page":7341},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون (١٩٣)﴾.","level":2,"page":7342},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين (١٩٤)﴾.","level":2,"page":7343},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون (١٩٥)﴾.","level":2,"page":7343},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين (١٩٦)﴾.","level":2,"page":7344},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون (١٩٧)﴾.","level":2,"page":7344},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون (١٩٨)﴾.","level":2,"page":7345},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7347},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (١٩٩)﴾.","level":2,"page":7347},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7349},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7350},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7353},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم (٢٠٠)﴾.","level":2,"page":7353},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (٢٠١)﴾.","level":2,"page":7354},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7356},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7357},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (٢٠٢)﴾.","level":2,"page":7358},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7361},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7362},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها﴾.","level":2,"page":7362},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7364},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (٢٠٣)﴾.","level":2,"page":7365},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7366},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (٢٠٤)﴾.","level":2,"page":7366},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7372},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7373},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين (٢٠٥)﴾.","level":2,"page":7375},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون (٢٠٦)﴾.","level":2,"page":7379},{"title":"القول في تفسير السورة التي يذكر فيها الأنفال","level":1,"page":7380},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7380},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾.","level":2,"page":7380},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7382},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7382},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7385},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7387},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7390},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين﴾.","level":2,"page":7399},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون﴾.","level":2,"page":7402},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا﴾.","level":2,"page":7405},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾.","level":2,"page":7406},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون (٥) يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (٦)﴾.","level":2,"page":7407},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾.","level":2,"page":7415},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (٧)﴾.","level":2,"page":7424},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (٨)﴾.","level":2,"page":7425},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين (٩)﴾.","level":2,"page":7425},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم (١٠)﴾.","level":2,"page":7433},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام (١١) إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا﴾.","level":2,"page":7434},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾.","level":2,"page":7444},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب (١٣)﴾.","level":2,"page":7448},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (١٤)﴾.","level":2,"page":7449},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (١٥) ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (١٦)﴾.","level":2,"page":7449},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم (١٧)﴾.","level":2,"page":7457},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين (١٨)﴾.","level":2,"page":7463},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين (١٩)﴾.","level":2,"page":7464},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون (٢٠)﴾.","level":2,"page":7472},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (٢١)﴾.","level":2,"page":7473},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (٢٢)﴾.","level":2,"page":7474},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (٢٣)﴾.","level":2,"page":7477},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾.","level":2,"page":7478},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون (٢٤)﴾.","level":2,"page":7482},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب (٢٥)﴾.","level":2,"page":7488},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون (٢٦)﴾.","level":2,"page":7492},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون (٢٧)﴾.","level":2,"page":7495},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم (٢٨)﴾.","level":2,"page":7501},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم (٢٩)﴾.","level":2,"page":7502},{"title":"ذكر من قال: معناه المخرج","level":2,"page":7503},{"title":"ذكر من قال: معناه النجاة","level":2,"page":7505},{"title":"ذكر من قال: فصلا","level":2,"page":7506},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين (٣٠)﴾.","level":2,"page":7506},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين (٣١)﴾.","level":2,"page":7516},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (٣٢)﴾.","level":2,"page":7518},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (٣٣) وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾.","level":2,"page":7522},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون (٣٤)﴾.","level":2,"page":7534},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (٣٥)﴾.","level":2,"page":7535},{"title":"ذكر من قال ما ذكرنا في تأويل التصدية","level":2,"page":7542},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون (٣٦)﴾.","level":2,"page":7544},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون (٣٧)﴾.","level":2,"page":7550},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين (٣٨)﴾.","level":2,"page":7551},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير (٣٩)﴾.","level":2,"page":7553},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير (٤٠)﴾.","level":2,"page":7558},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾.","level":2,"page":7559},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فأن لله خمسه﴾.","level":2,"page":7562},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير (٤١)﴾.","level":2,"page":7575},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم﴾.","level":2,"page":7578},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا﴾.","level":2,"page":7581},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم (٤٢)﴾.","level":2,"page":7582},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور (٤٣)﴾.","level":2,"page":7583},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور (٤٤)﴾.","level":2,"page":7586},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (٤٥)﴾.","level":2,"page":7588},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين (٤٦)﴾.","level":2,"page":7589},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط (٤٧)﴾.","level":2,"page":7591},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب","level":2,"page":7595},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7601},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم (٤٩)﴾.","level":2,"page":7601},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7604},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق (٥٠)﴾.","level":2,"page":7604},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (٥١)﴾.","level":2,"page":7606},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب (٥٢)﴾.","level":2,"page":7607},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7608},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم (٥٣)﴾.","level":2,"page":7608},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين (٥٤)﴾.","level":2,"page":7609},{"title":"القول في تأويل قوله ﴿إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (٥٥)﴾.","level":2,"page":7609},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (٥٦)﴾.","level":2,"page":7610},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم","level":2,"page":7610},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7611},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين (٥٨)﴾.","level":2,"page":7613},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7614},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7615},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (٥٩)﴾.","level":2,"page":7616},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7619},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾.","level":2,"page":7619},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾.","level":2,"page":7622},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7623},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7623},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7623},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (٦٠)﴾.","level":2,"page":7625},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7626},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (٦١)﴾.","level":2,"page":7626},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7627},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7630},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (٦٢)﴾.","level":2,"page":7630},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (٦٣)﴾.","level":2,"page":7631},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7632},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (٦٤)﴾.","level":2,"page":7634},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7635},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون (٦٥) الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين (٦٦)﴾.","level":2,"page":7636},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7637},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم (٦٧)﴾.","level":2,"page":7645},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7646},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7651},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (٦٨)﴾.","level":2,"page":7651},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7655},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7656},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم (٦٩)﴾.","level":2,"page":7658},{"title":"[ذكر من قال ذلك]","level":2,"page":7659},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (٧٠)﴾.","level":2,"page":7659},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7662},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم (٧١)﴾.","level":2,"page":7662},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7664},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض﴾.","level":2,"page":7664},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير (٧٢)﴾.","level":2,"page":7668},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير (٧٣)﴾.","level":2,"page":7670},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7672},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7672},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7673},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم (٧٤)﴾.","level":2,"page":7674},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم﴾.","level":2,"page":7675},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7676},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم (٧٥)﴾.","level":2,"page":7676},{"title":"القول في تفسير السورة التي يذكر فيها التوبة","level":1,"page":7678},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين﴾.","level":2,"page":7678},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7679},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7681},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7683},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7685},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7686},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾.","level":2,"page":7695},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7696},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7699},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7710},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7712},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7713},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7713},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم﴾.","level":2,"page":7715},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم","level":2,"page":7715},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم (٥)﴾.","level":2,"page":7717},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7719},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7720},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (٦)﴾.","level":2,"page":7721},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7722},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7723},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7724},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (٧)﴾.","level":2,"page":7724},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7725},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7726},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7728},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون (٨)﴾.","level":2,"page":7729},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7730},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7730},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7732},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7732},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون (٩)﴾.","level":2,"page":7734},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (١٠)﴾.","level":2,"page":7735},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7736},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون (١١)﴾","level":2,"page":7736},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (١٢)﴾.","level":2,"page":7737},{"title":"ذكر من قال: [هم من سميت]","level":2,"page":7738},{"title":"ذكر الرواية عن حذيفة بالذي ذكرنا عنه","level":2,"page":7740},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (١٣)﴾.","level":2,"page":7742},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7743},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7744},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (١٤)﴾.","level":2,"page":7744},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم (١٥)﴾.","level":2,"page":7745},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون (١٦)﴾.","level":2,"page":7747},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7748},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون (١٧)﴾.","level":2,"page":7749},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين (١٨)﴾.","level":2,"page":7751},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7752},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين (١٩)﴾.","level":2,"page":7752},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (٢٠)﴾.","level":2,"page":7757},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم (٢١)﴾.","level":2,"page":7757},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون (٢٣)﴾.","level":2,"page":7758},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم (٢٢)﴾.","level":2,"page":7758},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7759},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين (٢٤)﴾.","level":2,"page":7759},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7760},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (٢٥)﴾.","level":2,"page":7761},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7762},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين (٢٦)﴾.","level":2,"page":7770},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم (٢٧)﴾.","level":2,"page":7771},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7772},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم (٢٨)﴾.","level":2,"page":7772},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7773},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7775},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر","level":2,"page":7780},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7782},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7783},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7783},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (٣٠)﴾.","level":2,"page":7783},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7784},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7788},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (٣١)﴾.","level":2,"page":7791},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون (٣٢)﴾.","level":2,"page":7796},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7797},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (٣٣)﴾.","level":2,"page":7797},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7798},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7798},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7799},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله﴾.","level":2,"page":7799},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (٣٤)﴾.","level":2,"page":7799},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7800},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7802},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7802},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7809},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (٣٥)﴾.","level":2,"page":7811},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7812},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾.","level":2,"page":7814},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7817},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7819},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7819},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7820},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين (٣٧)﴾.","level":2,"page":7824},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7826},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل (٣٨)﴾.","level":2,"page":7833},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7834},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير (٣٩)﴾.","level":2,"page":7835},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7836},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7837},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾.","level":2,"page":7838},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7839},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم (٤٠)﴾.","level":2,"page":7841},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7843},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾.","level":2,"page":7843},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7846},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7846},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7846},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7847},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7847},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (٤١)﴾.","level":2,"page":7850},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون (٤٢)﴾.","level":2,"page":7851},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7852},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (٤٣)﴾.","level":2,"page":7852},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7853},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين (٤٤)﴾.","level":2,"page":7854},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7855},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون (٤٥)﴾.","level":2,"page":7855},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7856},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين (٤٦)﴾.","level":2,"page":7856},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين (٤٧)﴾.","level":2,"page":7857},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7859},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7861},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7861},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون (٤٨)﴾.","level":2,"page":7863},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7864},{"title":"ذكر [الرواية بذلك عمن قاله]","level":2,"page":7866},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (٤٩)﴾.","level":2,"page":7866},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7869},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون (٥٠)﴾.","level":2,"page":7869},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون (٥١)﴾.","level":2,"page":7870},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7871},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون (٥٢)﴾.","level":2,"page":7871},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين (٥٣)﴾.","level":2,"page":7873},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (٥٤)﴾.","level":2,"page":7874},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7875},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (٥٥)﴾.","level":2,"page":7875},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7876},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون (٥٦)﴾.","level":2,"page":7877},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون (٥٧)﴾.","level":2,"page":7877},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7879},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون (٥٨)﴾.","level":2,"page":7880},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7881},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (٥٩)﴾.","level":2,"page":7883},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7884},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم (٦٠)﴾.","level":2,"page":7884},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7886},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7886},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7888},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7888},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7891},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7892},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7892},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7894},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7897},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7898},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7899},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7900},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7902},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7904},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7906},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم﴾.","level":2,"page":7909},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7911},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7913},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم (٦١)﴾.","level":2,"page":7914},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين (٦٢)﴾.","level":2,"page":7914},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7915},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم (٦٣)﴾.","level":2,"page":7915},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7916},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون (٦٤)﴾.","level":2,"page":7916},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون (٦٥)﴾.","level":2,"page":7917},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين (٦٦)﴾.","level":2,"page":7921},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7922},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون (٦٧)﴾.","level":2,"page":7923},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم (٦٨)﴾.","level":2,"page":7925},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون (٦٩)﴾.","level":2,"page":7925},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7926},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (٧٠)﴾.","level":2,"page":7928},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7930},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم (٧١)﴾.","level":2,"page":7931},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7932},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم (٧٢)﴾.","level":2,"page":7932},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7936},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7936},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7937},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7938},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7939},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير (٧٣)﴾.","level":2,"page":7940},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7941},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7941},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7942},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير (٧٤)﴾.","level":2,"page":7944},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7948},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7948},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7949},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7951},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (٧٥) فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (٧٦) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (٧٧)﴾.","level":2,"page":7951},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7952},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7957},{"title":"ذكر بعض من قال ذلك","level":2,"page":7958},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7962},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب (٧٨)﴾.","level":2,"page":7962},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم (٧٩)﴾.","level":2,"page":7963},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7964},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين (٨٠)﴾.","level":2,"page":7973},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون (٨١)﴾.","level":2,"page":7977},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7979},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7980},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (٨٢)﴾.","level":2,"page":7980},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7983},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين (٨٣)﴾.","level":2,"page":7983},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7985},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون (٨٤)﴾.","level":2,"page":7985},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (٨٥)﴾.","level":2,"page":7990},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين (٨٦)﴾.","level":2,"page":7990},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7991},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (٨٧)﴾.","level":2,"page":7991},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7992},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون (٨٨)﴾.","level":2,"page":7993},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم (٨٩)﴾.","level":2,"page":7994},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم (٩٠)﴾.","level":2,"page":7994},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7996},{"title":"ذكر من قال: نزلت في عائذ بن عمرو","level":2,"page":7998},{"title":"ذكر من قال: نزلت في ابن مغفل","level":2,"page":7998},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (٩١)﴾.","level":2,"page":7998},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":7999},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (٩٢)﴾.","level":2,"page":7999},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8001},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8001},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون (٩٣)﴾.","level":2,"page":8002},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (٩٤)﴾.","level":2,"page":8003},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون (٩٥)﴾","level":2,"page":8004},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين (٩٦)﴾.","level":2,"page":8006},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم (٩٧)﴾.","level":2,"page":8007},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8008},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم (٩٨)﴾.","level":2,"page":8008},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم (٩٩)﴾.","level":2,"page":8009},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8010},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8012},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (١٠٠)﴾.","level":2,"page":8012},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8013},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم (١٠١)﴾","level":2,"page":8018},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8019},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8020},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8021},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8023},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8024},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم (١٠٢)﴾.","level":2,"page":8025},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8026},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8027},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8028},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8028},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8031},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8032},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8032},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8034},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم (١٠٣)﴾.","level":2,"page":8034},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8037},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8038},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم (١٠٤)﴾.","level":2,"page":8039},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (١٠٥)﴾.","level":2,"page":8042},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم (١٠٦)﴾.","level":2,"page":8043},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8044},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8047},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون (١٠٧)﴾.","level":2,"page":8047},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8050},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8056},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه﴾.","level":2,"page":8056},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8059},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":8060},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8063},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾.","level":2,"page":8063},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين (١٠٩)﴾.","level":2,"page":8069},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8073},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم (١١٠)﴾.","level":2,"page":8073},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم (١١١)﴾.","level":2,"page":8078},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين (١١٢)﴾.","level":2,"page":8080},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8091},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (١١٣) وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم (١١٤)﴾.","level":2,"page":8092},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8093},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8095},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8096},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8100},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8100},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8101},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8102},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8102},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8105},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن إبراهيم لأواه حليم﴾.","level":2,"page":8106},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8107},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8108},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8111},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8113},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8114},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8114},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8115},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8116},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8116},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم (١١٥)﴾.","level":2,"page":8119},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8120},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (١١٦)﴾.","level":2,"page":8121},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم (١١٧)﴾.","level":2,"page":8122},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8123},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم (١١٨)﴾.","level":2,"page":8126},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8128},{"title":"ذكر من قال ذلك أو غيره في تأويله","level":2,"page":8140},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (١١٩)﴾.","level":2,"page":8140},{"title":"ذكر الرواية عنه بذلك","level":2,"page":8142},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (١٢٠)﴾.","level":2,"page":8143},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8145},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8146},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون (١٢١)﴾.","level":2,"page":8148},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (١٢٢)﴾.","level":2,"page":8148},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8149},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8150},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8152},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8153},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8155},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين (١٢٣)﴾.","level":2,"page":8158},{"title":"ذكر الرواية بذلك عنهم","level":2,"page":8159},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (١٢٤)﴾.","level":2,"page":8161},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8162},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (١٢٥)﴾.","level":2,"page":8163},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون (١٢٦)﴾.","level":2,"page":8163},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8164},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8165},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8166},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون (١٢٧)﴾.","level":2,"page":8167},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ماعنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم (١٢٨)﴾.","level":2,"page":8169},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8170},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8171},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8171},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8172},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم (١٢٩)﴾.","level":2,"page":8172},{"title":"القول في تفسير السورة التي يذكر فيها يونس ﷺ","level":1,"page":8176},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8176},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8176},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الر﴾.","level":2,"page":8176},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8177},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8178},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿تلك آيات الكتاب الحكيم﴾.","level":2,"page":8178},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس﴾.","level":2,"page":8179},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8180},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾.","level":2,"page":8180},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8181},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8183},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8183},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال الكافرون إن هذا لساحر مبين﴾.","level":2,"page":8185},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون﴾.","level":2,"page":8186},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8187},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون﴾.","level":2,"page":8188},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (٥)﴾.","level":2,"page":8191},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات","level":2,"page":8192},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون (٧) أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون (٨)﴾.","level":2,"page":8193},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم (٩) دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين (١٠)﴾.","level":2,"page":8196},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (١١)﴾.","level":2,"page":8202},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون (١٢)﴾.","level":2,"page":8205},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين (١٣)﴾.","level":2,"page":8206},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون (١٤)﴾.","level":2,"page":8207},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (١٥)﴾.","level":2,"page":8209},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون (١٦)﴾.","level":2,"page":8210},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون (١٧)﴾.","level":2,"page":8214},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون (١٨)﴾.","level":2,"page":8215},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون (١٩)﴾.","level":2,"page":8216},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون (٢١)﴾.","level":2,"page":8217},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين (٢٠)﴾.","level":2,"page":8217},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هو الذى يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم","level":2,"page":8218},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ياأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون (٢٣)﴾.","level":2,"page":8221},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (٢٤)﴾.","level":2,"page":8222},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (٢٥)﴾.","level":2,"page":8226},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾.","level":2,"page":8228},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (٢٦)﴾.","level":2,"page":8238},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم﴾.","level":2,"page":8239},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٢٧)﴾.","level":2,"page":8241},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (٢٨)﴾.","level":2,"page":8243},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين (٢٩)﴾.","level":2,"page":8245},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون (٣٠)﴾.","level":2,"page":8246},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون (٣١)﴾.","level":2,"page":8248},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون (٣٢)﴾.","level":2,"page":8250},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (٣٣)﴾.","level":2,"page":8250},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون (٣٤)﴾.","level":2,"page":8250},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون (٣٥)﴾.","level":2,"page":8251},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون (٣٦)﴾.","level":2,"page":8254},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (٣٧)﴾.","level":2,"page":8254},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (٣٨)﴾.","level":2,"page":8255},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (٣٩)﴾.","level":2,"page":8257},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين (٤٠)﴾.","level":2,"page":8257},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون (٤١)﴾.","level":2,"page":8258},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون (٤٢)﴾.","level":2,"page":8259},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون (٤٣)﴾.","level":2,"page":8259},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (٤٤)﴾.","level":2,"page":8260},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين (٤٥)﴾.","level":2,"page":8260},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون (٤٦)﴾.","level":2,"page":8261},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (٤٧)﴾.","level":2,"page":8261},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (٤٨)﴾.","level":2,"page":8262},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (٤٩)﴾.","level":2,"page":8262},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون (٥٠)﴾.","level":2,"page":8263},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون (٥١)﴾.","level":2,"page":8263},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون (٥٢)﴾.","level":2,"page":8264},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين (٥٣)﴾.","level":2,"page":8264},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (٥٤)﴾.","level":2,"page":8264},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (٥٥)﴾.","level":2,"page":8265},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هو يحيي ويميت وإليه ترجعون (٥٦)﴾.","level":2,"page":8266},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين (٥٧)﴾.","level":2,"page":8266},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (٥٨)﴾.","level":2,"page":8267},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون (٥٩)﴾.","level":2,"page":8273},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (٦٠)﴾.","level":2,"page":8276},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (٦١)﴾.","level":2,"page":8277},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٦٢)﴾.","level":2,"page":8281},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون (٦٣)﴾.","level":2,"page":8286},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم (٦٤)﴾.","level":2,"page":8287},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم (٦٥)﴾.","level":2,"page":8299},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (٦٦)﴾.","level":2,"page":8300},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (٦٧)﴾.","level":2,"page":8300},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما","level":2,"page":8301},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (٦٩) متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون (٧٠)﴾.","level":2,"page":8302},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه ياقوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون (٧١)﴾.","level":2,"page":8303},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين (٧٢)﴾.","level":2,"page":8308},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (٧٣)﴾.","level":2,"page":8309},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (٧٥)﴾.","level":2,"page":8310},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين (٧٤)﴾.","level":2,"page":8310},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين (٧٦) قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون (٧٧)﴾","level":2,"page":8311},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين (٧٨)﴾.","level":2,"page":8312},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم (٧٩) فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (٨٠)﴾.","level":2,"page":8314},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين (٨١)﴾.","level":2,"page":8315},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون (٨٢)﴾.","level":2,"page":8317},{"title":"القول فى تاويل قوله تعالى: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين (٨٣)﴾.","level":2,"page":8317},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال موسى ياقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (٨٤)﴾.","level":2,"page":8323},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين (٨٥)﴾.","level":2,"page":8323},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ونجنا برحمتك من القوم الكافرين (٨٦)﴾.","level":2,"page":8327},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين (٨٧)﴾.","level":2,"page":8327},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم (٨٨)﴾.","level":2,"page":8334},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون (٨٩)﴾.","level":2,"page":8343},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين (٩٠)﴾.","level":2,"page":8346},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾.","level":2,"page":8351},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون (٩٢)﴾.","level":2,"page":8352},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (٩٣)﴾.","level":2,"page":8356},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (٩٤)﴾.","level":2,"page":8359},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى ذكره: ﴿ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين (٩٥)﴾.","level":2,"page":8362},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون (٩٦) ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم (٩٧)﴾.","level":2,"page":8362},{"title":"ذكرُ مَن قال ذلك","level":3,"page":8363},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين (٩٨)﴾.","level":2,"page":8364},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (٩٩)﴾.","level":2,"page":8370},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون (١٠٠)﴾.","level":2,"page":8372},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون (١٠١)﴾.","level":2,"page":8373},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين (١٠٢)﴾.","level":2,"page":8374},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين (١٠٣)﴾.","level":2,"page":8375},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل ياأيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين (١٠٤)﴾.","level":2,"page":8376},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين (١٠٥)﴾.","level":2,"page":8377},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين (١٠٦)﴾.","level":2,"page":8377},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو","level":2,"page":8377},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل ياأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل (١٠٨)﴾.","level":2,"page":8378},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين (١٠٩)﴾.","level":2,"page":8379},{"title":"تفسير السورة التي يذكر فيها هود ﵇","level":1,"page":8381},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾.","level":2,"page":8381},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير﴾.","level":2,"page":8385},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير﴾.","level":2,"page":8385},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير﴾.","level":2,"page":8389},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور (٥)﴾.","level":2,"page":8389},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين (٦)﴾.","level":2,"page":8397},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (٧)﴾.","level":2,"page":8401},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (٨)﴾.","level":2,"page":8409},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور (٩)﴾.","level":2,"page":8412},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور (١٠) إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (١١)﴾.","level":2,"page":8413},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل (١٢)﴾.","level":2,"page":8415},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (١٣)﴾.","level":2,"page":8416},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون (١٤)﴾.","level":2,"page":8418},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون (١٥)﴾.","level":2,"page":8419},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون (١٦)﴾.","level":2,"page":8426},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به﴾.","level":2,"page":8426},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا","level":2,"page":8435},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (١٨)﴾.","level":2,"page":8439},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون (١٩)﴾.","level":2,"page":8442},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان","level":2,"page":8442},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى ﷿: ﴿أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (٢١)﴾.","level":2,"page":8445},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون (٢٢)﴾.","level":2,"page":8446},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (٢٣)﴾.","level":2,"page":8446},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون (٢٤)﴾.","level":2,"page":8449},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين (٢٥) أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (٢٦)﴾.","level":2,"page":8450},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين (٢٧)﴾.","level":2,"page":8452},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال ياقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون (٢٨)﴾.","level":2,"page":8454},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وياقوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون (٢٩)﴾.","level":2,"page":8457},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وياقوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون (٣٠)﴾.","level":2,"page":8459},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين (٣١)﴾.","level":2,"page":8459},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا","level":2,"page":8460},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين (٣٣) ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون (٣٤)﴾.","level":2,"page":8461},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون (٣٥)﴾.","level":2,"page":8462},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون (٣٦)﴾.","level":2,"page":8463},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (٣٧)﴾.","level":2,"page":8465},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون (٣٨) فسوف تعلمون﴾.","level":2,"page":8466},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (٣٩) حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل (٤٠)﴾.","level":2,"page":8474},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (٤١)﴾.","level":2,"page":8486},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يابني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين (٤٢)﴾.","level":2,"page":8489},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان","level":2,"page":8489},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقيل ياأرض ابلعي ماءك وياسماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين (٤٤)﴾.","level":2,"page":8492},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين (٤٥)﴾.","level":2,"page":8498},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين (٤٦)﴾.","level":2,"page":8498},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين (٤٧)﴾.","level":2,"page":8510},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قيل يانوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم (٤٨)﴾.","level":2,"page":8510},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين (٤٩)﴾.","level":2,"page":8514},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون (٥٠)﴾.","level":2,"page":8515},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياقوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون (٥١)﴾.","level":2,"page":8516},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وياقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين (٥٢)﴾.","level":2,"page":8516},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا ياهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين (٥٣)﴾.","level":2,"page":8518},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون (٥٤) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (٥٥)﴾.","level":2,"page":8519},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم (٥٦)﴾.","level":2,"page":8522},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ (٥٧)﴾.","level":2,"page":8523},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ (٥٨)﴾.","level":2,"page":8524},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد (٥٩)﴾.","level":2,"page":8524},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب (٦١)﴾.","level":2,"page":8525},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود (٦٠)﴾.","level":2,"page":8525},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿قالوا ياصالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب (٦٢)﴾.","level":2,"page":8527},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿قال ياقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير (٦٣)﴾.","level":2,"page":8528},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وياقوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب (٦٤)﴾.","level":2,"page":8528},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب (٦٥)﴾.","level":2,"page":8529},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز (٦٦)﴾.","level":2,"page":8530},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (٦٧) كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود (٦٨)﴾.","level":2,"page":8537},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ (٦٩)﴾.","level":2,"page":8538},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط (٧٠)﴾.","level":2,"page":8543},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وامرأته قائمة فضحكت﴾.","level":2,"page":8545},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾. يقول ﷿: فبشرنا سارة امرأة إبراهيم، ثوابا منا لها على نكيرها وتعجبها من فعل قوم لوط - بإسحاق ولدا لها، ﴿ومن وراء إسحاق يعقوب﴾. يقول: ومن","level":2,"page":8551},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالت ياويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب (٧٢) قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد (٧٣)﴾.","level":2,"page":8556},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى","level":2,"page":8558},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ياإبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود (٧٦)﴾.","level":2,"page":8566},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب (٧٧)﴾.","level":2,"page":8567},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال ياقوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (٧٨)﴾.","level":2,"page":8572},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (٧٩)﴾.","level":2,"page":8580},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (٨٠)﴾.","level":2,"page":8581},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿قالوا يالوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب (٨١)﴾.","level":2,"page":8586},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود (٨٢) مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد (٨٣)﴾.","level":2,"page":8598},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم","level":2,"page":8610},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وياقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (٨٥)﴾.","level":2,"page":8613},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ (٨٦)﴾.","level":2,"page":8614},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا ياشعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد (٨٧)﴾.","level":2,"page":8617},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال ياقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (٨٨)﴾.","level":2,"page":8621},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وياقوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد (٨٩)﴾","level":2,"page":8623},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود (٩٠)﴾.","level":2,"page":8625},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا ياشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (٩١)﴾.","level":2,"page":8625},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال ياقوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط (٩٢)﴾.","level":2,"page":8627},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل ياقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون﴾.","level":2,"page":8631},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب﴾.","level":2,"page":8632},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (٩٤)﴾.","level":2,"page":8632},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود (٩٥)﴾.","level":2,"page":8633},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (٩٦) إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد (٩٧)﴾.","level":2,"page":8634},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود (٩٨)﴾.","level":2,"page":8634},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود (٩٩)﴾.","level":2,"page":8636},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد (١٠٠)﴾.","level":2,"page":8639},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب (١٠١)﴾.","level":2,"page":8641},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد (١٠٢)﴾.","level":2,"page":8644},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود (١٠٣)﴾.","level":2,"page":8645},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وما نؤخره إلا لأجل معدود (١٠٤)﴾.","level":2,"page":8647},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد (١٠٥) فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (١٠٦) خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد (١٠٧)﴾.","level":2,"page":8648},{"title":"[القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ (١٠٨)﴾].","level":2,"page":8657},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (١٠٩)﴾.","level":2,"page":8663},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (١١٠)﴾.","level":2,"page":8665},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير (١١١)﴾.","level":2,"page":8666},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير (١١٢)﴾.","level":2,"page":8671},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون (١١٣)﴾.","level":2,"page":8672},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (١١٤)﴾.","level":2,"page":8674},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين (١١٦)﴾.","level":2,"page":8700},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (١١٥)﴾.","level":2,"page":8700},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (١١٧)﴾.","level":2,"page":8704},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (١١٨) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (١١٩)﴾.","level":2,"page":8705},{"title":"ذكرُ مَن قال ذلك","level":3,"page":8705},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين (١٢٠)﴾.","level":2,"page":8715},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون (١٢١) وانتظروا إنا منتظرون (١٢٢)﴾.","level":2,"page":8721},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون (١٢٣)﴾.","level":2,"page":8721},{"title":"تفسير السورة التى يذكر فيها يوسف ﷺ","level":1,"page":8723},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الر تلك آيات الكتاب المبين﴾.","level":2,"page":8723},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾.","level":2,"page":8724},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾.","level":2,"page":8725},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إذ قال يوسف لأبيه ياأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾.","level":2,"page":8727},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال يابني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين (٥)﴾.","level":2,"page":8731},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم (٦)﴾.","level":2,"page":8733},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين (٧)﴾.","level":2,"page":8735},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين (٨)﴾.","level":2,"page":8736},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين (٩)﴾.","level":2,"page":8737},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين (١٠)﴾.","level":2,"page":8738},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا ياأبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون (١١)﴾.","level":2,"page":8742},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أرسله معنا غدا [يرتع ويلعب] وإنا له لحافظون (١٢)﴾.","level":2,"page":8742},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أرسله معنا غدا [يرتع ويلعب] وإنا له لحافظون (١٢)﴾.","level":2,"page":8742},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون (١٣)﴾.","level":2,"page":8747},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون (١٤)﴾.","level":2,"page":8747},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون (١٥)﴾.","level":2,"page":8747},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وجاءوا أباهم عشاء يبكون (١٦) قالوا ياأبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين (١٧)﴾.","level":2,"page":8751},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون (١٨)﴾.","level":2,"page":8753},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يابشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون (١٩)﴾.","level":2,"page":8760},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين (٢٠)﴾.","level":2,"page":8768},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (٢١)﴾.","level":2,"page":8779},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (٢٢)﴾.","level":2,"page":8784},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (٢٣)﴾.","level":2,"page":8787},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (٢٤)﴾.","level":2,"page":8798},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8805},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8808},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8816},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8817},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم (٢٥)﴾.","level":2,"page":8819},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8822},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (٢٦) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (٢٧) فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم (٢٨)﴾.","level":2,"page":8822},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8823},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8825},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8828},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين (٢٩)﴾.","level":2,"page":8831},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين (٣٠)﴾.","level":2,"page":8832},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8833},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (٣١)﴾.","level":2,"page":8840},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8841},{"title":"ذكر من قال في تأويل \"المتكأ\" ما ذكرنا","level":2,"page":8844},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8848},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8851},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8853},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8857},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين (٣٢)﴾.","level":2,"page":8859},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين (٣٣)﴾.","level":2,"page":8861},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8863},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم (٣٤)﴾.","level":2,"page":8864},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (٣٥)﴾.","level":2,"page":8865},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8869},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين (٣٦)﴾.","level":2,"page":8869},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8871},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8873},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8874},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8876},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8877},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون (٣٧)﴾.","level":2,"page":8877},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8879},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (٣٨)﴾.","level":2,"page":8880},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8881},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾.","level":2,"page":8881},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8882},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (٤٠)﴾.","level":2,"page":8883},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياصاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان (٤١)﴾.","level":2,"page":8884},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8885},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين (٤٢)﴾.","level":2,"page":8887},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8893},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8894},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8894},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ياأيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون (٤٣)﴾.","level":2,"page":8895},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8896},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين (٤٤)﴾.","level":2,"page":8896},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8897},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (٤٥) يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون (٤٦)﴾.","level":2,"page":8899},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8902},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8905},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون (٤٧)﴾.","level":2,"page":8907},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون (٤٨)﴾.","level":2,"page":8908},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8909},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون (٤٩)﴾.","level":2,"page":8910},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8911},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8912},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8913},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم (٥٠)﴾.","level":2,"page":8916},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين (٥١)﴾.","level":2,"page":8921},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8922},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين (٥٢)﴾.","level":2,"page":8925},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم (٥٣)﴾.","level":2,"page":8927},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8928},{"title":"ذكر من قال: قائل ذلك له المرأة","level":2,"page":8932},{"title":"ذكر من قال: قائل ذلك يوسف لنفسه، من غير تذكير مذكر ذكره، ولكنه تذكر ما كان سلف منه في ذلك","level":2,"page":8933},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين (٥٤)﴾.","level":2,"page":8933},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (٥٥)﴾.","level":2,"page":8936},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8937},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8937},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين (٥٦)﴾.","level":2,"page":8938},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون (٥٧)﴾.","level":2,"page":8940},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون (٥٨)﴾.","level":2,"page":8940},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين (٥٩)﴾.","level":2,"page":8942},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون (٦٠)﴾.","level":2,"page":8944},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون (٦١) وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون (٦٢)﴾.","level":2,"page":8944},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8945},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8947},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا ياأبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون (٦٣)﴾.","level":2,"page":8947},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين (٦٤)﴾.","level":2,"page":8949},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا ياأبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير (٦٥)﴾.","level":2,"page":8950},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل (٦٦)﴾.","level":2,"page":8952},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8953},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال يابني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون (٦٧)﴾.","level":2,"page":8954},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (٦٨)﴾.","level":2,"page":8957},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون (٦٩)﴾.","level":2,"page":8959},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8961},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون (٧٠)﴾.","level":2,"page":8962},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8963},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8964},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8965},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون (٧١) قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (٧٢)﴾.","level":2,"page":8966},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8967},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8971},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين (٧٣)﴾.","level":2,"page":8973},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8974},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8975},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين (٧٤) قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين (٧٥)﴾.","level":2,"page":8975},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8978},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم (٧٦)﴾.","level":2,"page":8978},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8980},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8982},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8982},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8985},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8986},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون (٧٧)﴾.","level":2,"page":8989},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8990},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8994},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":8995},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون (٧٩)﴾.","level":2,"page":8997},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قالوا ياأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين (٧٨)﴾.","level":2,"page":8997},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين (٨٠)﴾.","level":2,"page":8998},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9000},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9001},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9002},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ارجعوا إلى أبيكم فقولوا ياأبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين (٨١)﴾.","level":2,"page":9005},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9006},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9006},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9007},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون (٨٢)﴾.","level":2,"page":9008},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9009},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم (٨٣)﴾.","level":2,"page":9009},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9010},{"title":"ذكر من قال ما قلنا في تأويل قوله: ﴿وقال ياأسفى على يوسف﴾","level":2,"page":9011},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وتولى عنهم وقال ياأسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم (٨٤)﴾.","level":2,"page":9011},{"title":"ذكر من قال ما قلنا في تأويل قوله تعالى: ﴿وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم﴾","level":2,"page":9014},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9016},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين (٨٥)﴾.","level":2,"page":9016},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9019},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9022},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون (٨٦)﴾.","level":2,"page":9023},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9024},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يابني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا","level":2,"page":9031},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9032},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما دخلوا عليه قالوا ياأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين (٨٨)﴾.","level":2,"page":9033},{"title":"ذكر أقوال أهل التأويل في ذلك","level":2,"page":9035},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9042},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9043},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9043},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون (٨٩)﴾.","level":2,"page":9044},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (٩٠)﴾.","level":2,"page":9045},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9047},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين (٩١)﴾.","level":2,"page":9047},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9048},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (٩٢)﴾.","level":2,"page":9048},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين (٩٣)﴾.","level":2,"page":9049},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9050},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9050},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون (٩٤)﴾.","level":2,"page":9050},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9054},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9057},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9058},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم (٩٥)﴾.","level":2,"page":9059},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9060},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9061},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون (٩٦)﴾.","level":2,"page":9061},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا ياأبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين (٩٧) قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم (٩٨)﴾.","level":2,"page":9064},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9065},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9066},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين (٩٩) ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال ياأبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم (١٠٠)﴾.","level":2,"page":9067},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9068},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9069},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9070},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9070},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9075},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9077},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9079},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":9080},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين (١٠١)﴾.","level":2,"page":9082},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9083},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9085},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9087},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون (١٠٢)﴾.","level":2,"page":9087},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (١٠٣)﴾.","level":2,"page":9088},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين (١٠٤)﴾.","level":2,"page":9089},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون (١٠٥)﴾.","level":2,"page":9089},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9090},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9090},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (١٠٦)﴾.","level":2,"page":9090},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9095},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون (١٠٧)﴾.","level":2,"page":9095},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين (١٠٨)﴾.","level":2,"page":9096},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9097},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون (١٠٩)﴾.","level":2,"page":9098},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9099},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين (١١٠)﴾.","level":2,"page":9100},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9101},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9111},{"title":"ذكر الرواية بذلك عنها، رضوان الله عليها","level":2,"page":9113},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9115},{"title":"ذكر الرواية عنه بذلك","level":2,"page":9116},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (١١١)﴾.","level":2,"page":9119},{"title":"ذكر [الرواية بذلك]","level":2,"page":9120},{"title":"أول تفسير السورة التي يذكر فيها الرعد","level":1,"page":9123},{"title":"ذكر الرواية بذلك عنه","level":2,"page":9123},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون﴾.","level":2,"page":9123},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9124},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9125},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون﴾.","level":2,"page":9126},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9127},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9129},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9130},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9130},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9131},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾.","level":2,"page":9131},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9134},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9137},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9139},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9146},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9148},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٥)﴾.","level":2,"page":9150},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (٦)﴾.","level":2,"page":9152},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9153},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد (٧)﴾.","level":2,"page":9155},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9156},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9157},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9158},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9160},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9160},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9161},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9162},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار (٨)﴾.","level":2,"page":9162},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال (٩)﴾.","level":2,"page":9170},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن","level":2,"page":9170},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9171},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال (١١)﴾.","level":2,"page":9173},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9174},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9178},{"title":"ذكر من قال: الذين يحفظونه هم الملائكة. ووجه قوله: بأمر الله. إلى معنى: أن حفظها إياه من أمر الله","level":2,"page":9181},{"title":"ذكر من قال: عنى بذلك: يحفظونه بأمر الله","level":2,"page":9182},{"title":"ذكر من قال: تحفظه الحرس من بنى آدم من أمر الله","level":2,"page":9183},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9183},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9185},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال (١٢) ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال (١٣)﴾.","level":2,"page":9192},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9194},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9197},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9199},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9199},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9201},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9203},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (١٤)﴾.","level":2,"page":9203},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9206},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9207},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال (١٥)﴾.","level":2,"page":9209},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9210},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا﴾.","level":2,"page":9211},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار (١٦)﴾.","level":2,"page":9211},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9212},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9213},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال (١٧)﴾.","level":2,"page":9214},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9216},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد (١٨)﴾.","level":2,"page":9222},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9224},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب (١٩)﴾.","level":2,"page":9224},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9225},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (٢٠) والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب (٢١)﴾.","level":2,"page":9225},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (٢٢)﴾.","level":2,"page":9227},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (٢٣) سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (٢٤)﴾.","level":2,"page":9228},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9231},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار (٢٥)﴾.","level":2,"page":9232},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع (٢٦)﴾.","level":2,"page":9234},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب (٢٧)﴾.","level":2,"page":9235},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (٢٨) الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب (٢٩)﴾.","level":2,"page":9236},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9237},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9238},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9238},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9239},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9239},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9239},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9240},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9241},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":9246},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب (٣٠)﴾.","level":2,"page":9247},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9248},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9249},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا﴾.","level":2,"page":9249},{"title":"ذكر من قال نحو معنى ذلك","level":2,"page":9252},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا﴾.","level":2,"page":9253},{"title":"ذكر من قال ذلك منهم","level":2,"page":9255},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد (٣١)﴾.","level":2,"page":9257},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9258},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9261},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9262},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب (٣٢)﴾.","level":2,"page":9262},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد (٣٣)﴾.","level":2,"page":9263},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9264},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9266},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9267},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق (٣٤)﴾.","level":2,"page":9269},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار (٣٥)﴾.","level":2,"page":9270},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب (٣٦)﴾.","level":2,"page":9273},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9274},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق (٣٧)﴾.","level":2,"page":9275},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9276},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب (٣٨)﴾.","level":2,"page":9276},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9277},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (٣٩)﴾.","level":2,"page":9277},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9280},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9281},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9284},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9286},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9287},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9289},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9289},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وعنده أم الكتاب﴾.","level":2,"page":9289},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9290},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9292},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب (٤٠)﴾.","level":2,"page":9292},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب (٤١)﴾.","level":2,"page":9292},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9294},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9295},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9295},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9296},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار (٤٢)﴾.","level":2,"page":9298},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب (٤٣)﴾.","level":2,"page":9299},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":9300},{"title":"ذكر من ذكر ذلك عنه","level":2,"page":9302},{"title":"تفسير سورة إبراهيم ﵇","level":1,"page":9306},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد﴾.","level":2,"page":9306},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9307},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد﴾.","level":2,"page":9307},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد﴾.","level":2,"page":9309},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم﴾.","level":2,"page":9310},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9311},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (٥)﴾.","level":2,"page":9311},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9314},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (٦)﴾.","level":2,"page":9316},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد (٧)﴾.","level":2,"page":9318},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا","level":2,"page":9320},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (٩)﴾.","level":2,"page":9321},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9323},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9325},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9325},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (١٠)﴾.","level":2,"page":9327},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (١١)﴾.","level":2,"page":9328},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون (١٢)﴾.","level":2,"page":9329},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين (١٣) ولنسكننكم","level":2,"page":9329},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9332},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (١٥)﴾.","level":2,"page":9332},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد (١٦) يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ (١٧)﴾.","level":2,"page":9335},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9336},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":9338},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد","level":2,"page":9339},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9342},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (١٩) وما ذلك على الله بعزيز (٢٠)﴾.","level":2,"page":9343},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا","level":2,"page":9343},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم (٢٢)﴾.","level":2,"page":9346},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9347},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام (٢٣) ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (٢٤) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (٢٥)﴾.","level":2,"page":9352},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9353},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9354},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9355},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9359},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9361},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9364},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9366},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9368},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9370},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار (٢٦)﴾.","level":2,"page":9370},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9372},{"title":"ذكر الخبر الذي ذكرناه عن رسول الله ﷺ","level":2,"page":9372},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9373},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9373},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (٢٧)﴾.","level":2,"page":9375},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9376},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9384},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9385},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار (٢٨) جهنم يصلونها وبئس القرار (٢٩)﴾.","level":2,"page":9386},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9387},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9395},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (٣٠)﴾.","level":2,"page":9396},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال (٣١)﴾.","level":2,"page":9397},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار (٣٢)﴾.","level":2,"page":9399},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار (٣٣)﴾.","level":2,"page":9399},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وآتاكم من كل ما سألتموه﴾.","level":2,"page":9400},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9401},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9402},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9403},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار (٣٤)﴾.","level":2,"page":9404},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (٣٥) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم (٣٦)﴾.","level":2,"page":9404},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون (٣٧)﴾.","level":2,"page":9407},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9418},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء (٣٨)﴾.","level":2,"page":9419},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم","level":2,"page":9420},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء (٣٩)﴾.","level":2,"page":9420},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء (٤٠)﴾.","level":2,"page":9420},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون﴾.","level":2,"page":9421},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9422},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار (٤٢) مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء (٤٣)﴾.","level":2,"page":9422},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9423},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9424},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9426},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9428},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9430},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9430},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل﴾.","level":2,"page":9431},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9432},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال﴾.","level":2,"page":9433},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال (٤٥)﴾.","level":2,"page":9434},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9435},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال (٤٦)﴾.","level":2,"page":9435},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9440},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9442},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام (٤٧)﴾.","level":2,"page":9444},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا","level":2,"page":9446},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9447},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9451},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9451},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9453},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9453},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9458},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (٤٩) سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار (٥٠) ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب (٥١)﴾.","level":2,"page":9458},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9459},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9461},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9461},{"title":"ذكر من تأول ذلك على هذه القراءة التأويل الذي ذكرت فيه","level":2,"page":9462},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب (٥٢)﴾.","level":2,"page":9464},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9465},{"title":"تفسير سورة الحجر","level":1,"page":9466},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين﴾.","level":2,"page":9466},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾.","level":2,"page":9467},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون﴾.","level":2,"page":9474},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون﴾.","level":2,"page":9475},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم﴾.","level":2,"page":9475},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالوا ياأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (٦) لوما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين (٧)﴾.","level":2,"page":9476},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9477},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين (٨)﴾.","level":2,"page":9477},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9478},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9479},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (٩)﴾.","level":2,"page":9479},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين (١٠) وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون (١١)﴾.","level":2,"page":9480},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9481},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين (١٢) لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين (١٣)﴾.","level":2,"page":9481},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9483},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه","level":2,"page":9483},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9484},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9486},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9487},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9488},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9489},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9490},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9491},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين (١٦)﴾.","level":2,"page":9491},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وحفظناها من كل شيطان رجيم (١٧) إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (١٨)﴾.","level":2,"page":9492},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9493},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9493},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون (١٩)﴾.","level":2,"page":9494},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9495},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9497},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9498},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين (٢٠)﴾.","level":2,"page":9498},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9499},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9500},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (٢١)﴾.","level":2,"page":9500},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين (٢٢)﴾.","level":2,"page":9502},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9505},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون (٢٣) ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين (٢٤)﴾","level":2,"page":9508},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9509},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9511},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9512},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9512},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9513},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9514},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9516},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون (٢٦)﴾.","level":2,"page":9517},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9518},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9520},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9521},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9523},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والجان خلقناه من قبل من نار السموم (٢٧)﴾.","level":2,"page":9523},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9524},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9525},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون (٢٨) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (٢٩)﴾.","level":2,"page":9526},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون (٣٠) إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين (٣١) قال ياإبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين (٣٢)﴾.","level":2,"page":9527},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون (٣٣) قال فاخرج منها فإنك رجيم (٣٤) وإن عليك اللعنة إلى يوم","level":2,"page":9527},{"title":"ذكر بعض من قال ذلك","level":2,"page":9528},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (٣٦) قال فإنك من المنظرين (٣٧) إلى يوم الوقت المعلوم (٣٨)﴾.","level":2,"page":9529},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (٣٩) إلا عبادك منهم المخلصين (٤٠)﴾.","level":2,"page":9529},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9530},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال هذا صراط علي مستقيم (٤١) إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (٤٢)﴾.","level":2,"page":9530},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9531},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9532},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن جهنم لموعدهم أجمعين (٤٣) لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم (٤٤)﴾.","level":2,"page":9533},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9534},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9536},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن المتقين في جنات وعيون (٤٥) ادخلوها بسلام آمنين (٤٦) ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (٤٧)﴾.","level":2,"page":9536},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9541},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين (٤٨) نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم (٤٩) وأن عذابي هو العذاب الأليم (٥٠)﴾.","level":2,"page":9542},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ونبئهم عن ضيف إبراهيم (٥١) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون (٥٢) قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم (٥٣)﴾.","level":2,"page":9543},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون (٥٤)﴾.","level":2,"page":9544},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين (٥٥) قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (٥٦)﴾.","level":2,"page":9545},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال فما خطبكم أيها المرسلون (٥٧) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (٥٨) إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين (٥٩) إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين (٦٠)﴾.","level":2,"page":9547},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما جاء آل لوط المرسلون (٦١) قال إنكم قوم منكرون (٦٢) قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون (٦٣)﴾.","level":2,"page":9547},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأتيناك بالحق وإنا لصادقون (٦٤) فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون (٦٥)﴾.","level":2,"page":9548},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9549},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9550},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين (٦٦) وجاء أهل المدينة يستبشرون (٦٧)﴾.","level":2,"page":9550},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (٦٨) واتقوا الله ولا تخزون (٦٩) قالوا أولم ننهك عن العالمين (٧٠)﴾.","level":2,"page":9551},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9552},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين (٧١) لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (٧٢) فأخذتهم الصيحة مشرقين (٧٣)﴾.","level":2,"page":9552},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9554},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9555},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل (٧٤) إن في ذلك لآيات للمتوسمين (٧٥)﴾.","level":2,"page":9555},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإنها لبسبيل مقيم (٧٦) إن في ذلك لآية للمؤمنين (٧٧)﴾.","level":2,"page":9558},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9559},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين (٧٨) فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين (٧٩)﴾.","level":2,"page":9560},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9561},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9563},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين (٨٠) وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين (٨١)﴾.","level":2,"page":9564},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين (٨٢) فأخذتهم الصيحة مصبحين (٨٣) فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (٨٤)﴾.","level":2,"page":9565},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل (٨٥) إن ربك هو الخلاق العلي (٨٦)﴾.","level":2,"page":9566},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9567},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9568},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم (٨٧)﴾.","level":2,"page":9568},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9573},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9580},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9581},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين (٨٨)﴾.","level":2,"page":9587},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9588},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقل إني أنا النذير المبين (٨٩) كما أنزلنا على المقتسمين (٩٠) الذين جعلوا القرآن عضين (٩١)﴾.","level":2,"page":9589},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9590},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9592},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9592},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9593},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9593},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9595},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9598},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9600},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين (٩٢) عما كانوا يعملون (٩٣) فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (٩٤)﴾.","level":2,"page":9600},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9603},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنا كفيناك المستهزئين (٩٥) الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون (٩٦)﴾.","level":2,"page":9606},{"title":"ذكر أسمائهم","level":2,"page":9607},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9615},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (٩٧) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (٩٨)﴾.","level":2,"page":9615},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (٩٩)﴾.","level":2,"page":9615},{"title":"تفسير سورة النحل","level":1,"page":9619},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9619},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9619},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾.","level":2,"page":9619},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون﴾.","level":2,"page":9622},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9623},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9625},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون﴾.","level":2,"page":9625},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين﴾.","level":2,"page":9626},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (٥)﴾.","level":2,"page":9626},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9627},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (٦) وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم (٧)﴾.","level":2,"page":9629},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9630},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (٨)﴾.","level":2,"page":9633},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9634},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9634},{"title":"ذكر بعض من كان لا يرى بأسا بأكل لحم الفرس","level":2,"page":9636},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9638},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (٩)﴾.","level":2,"page":9638},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (١٠)﴾.","level":2,"page":9641},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9642},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (١١)﴾.","level":2,"page":9644},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿(١١) وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (١٢)﴾.","level":2,"page":9645},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون (١٣)﴾.","level":2,"page":9645},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (١٤)﴾.","level":2,"page":9646},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9647},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون﴾.","level":2,"page":9650},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9651},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9652},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9653},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9653},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وعلامات وبالنجم هم يهتدون (١٦)﴾.","level":2,"page":9653},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9654},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (١٧) وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم (١٨)﴾.","level":2,"page":9655},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والله يعلم ما تسرون وما تعلنون (١٩) والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون (٢٠)﴾.","level":2,"page":9657},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون﴾.","level":2,"page":9657},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون (٢٢)﴾.","level":2,"page":9658},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين (٢٣)﴾.","level":2,"page":9659},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (٢٤)﴾.","level":2,"page":9659},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون (٢٥)﴾.","level":2,"page":9660},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9661},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9663},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (٢٦)﴾.","level":2,"page":9663},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9666},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9667},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين (٢٧)﴾.","level":2,"page":9668},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون (٢٨)﴾.","level":2,"page":9669},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين (٢٩)﴾.","level":2,"page":9670},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار","level":2,"page":9670},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9672},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين (٣١)﴾.","level":2,"page":9672},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون (٣٢)﴾.","level":2,"page":9673},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (٣٣)﴾.","level":2,"page":9675},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9676},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (٣٤)﴾.","level":2,"page":9676},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما","level":2,"page":9676},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (٣٦)﴾.","level":2,"page":9677},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين (٣٧)﴾.","level":2,"page":9678},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9680},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (٣٨)﴾.","level":2,"page":9680},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين (٣٩)﴾.","level":2,"page":9682},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (٤٠) والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (٤١)﴾.","level":2,"page":9683},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9684},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9685},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9686},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9686},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (٤٢)﴾.","level":2,"page":9687},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (٤٣)﴾.","level":2,"page":9687},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9688},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون (٤٤)﴾.","level":2,"page":9690},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9692},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون (٤٥)﴾.","level":2,"page":9693},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى:. ﴿أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين (٤٦) أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم (٤٧)﴾.","level":2,"page":9694},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9695},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9697},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون (٤٨)﴾.","level":2,"page":9700},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9701},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9702},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9702},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9704},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون (٤٩)﴾.","level":2,"page":9706},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون (٥٢)﴾.","level":2,"page":9707},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون (٥٠)﴾.","level":2,"page":9707},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون (٥١)﴾.","level":2,"page":9707},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9708},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9710},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون (٥٣)﴾.","level":2,"page":9711},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9712},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (٥٤) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (٥٥)﴾.","level":2,"page":9713},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون (٥٦)﴾.","level":2,"page":9714},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (٥٧) وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (٥٨)﴾.","level":2,"page":9715},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9716},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون (٥٩)﴾.","level":2,"page":9717},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9719},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم (٦٠)﴾.","level":2,"page":9719},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9720},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (٦١)﴾.","level":2,"page":9720},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون (٦٢)﴾.","level":2,"page":9722},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9723},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9724},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9727},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9727},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم","level":2,"page":9728},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (٦٤)﴾.","level":2,"page":9729},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون (٦٥)﴾.","level":2,"page":9730},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من","level":2,"page":9730},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون (٦٧)﴾.","level":2,"page":9735},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9736},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9743},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9744},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9747},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون (٦٨)﴾.","level":2,"page":9747},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9748},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (٦٩)﴾.","level":2,"page":9748},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9750},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9751},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير (٧٠)﴾.","level":2,"page":9752},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون (٧١)﴾.","level":2,"page":9753},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9754},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون (٧٢)﴾","level":2,"page":9756},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9757},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9759},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9762},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9763},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من","level":2,"page":9765},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9766},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9768},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (٧٥)﴾.","level":2,"page":9768},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم (٧٦)﴾.","level":2,"page":9770},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9771},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير (٧٧)﴾.","level":2,"page":9775},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (٧٨)﴾.","level":2,"page":9776},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم يروا إلى الطير مسخرات في","level":2,"page":9776},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9777},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9778},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين (٨٠)﴾.","level":2,"page":9778},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9779},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9781},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (٨١)﴾","level":2,"page":9781},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين (٨٢) يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون (٨٣)﴾.","level":2,"page":9785},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9786},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9786},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9788},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون (٨٤)﴾.","level":2,"page":9788},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون (٨٦)﴾.","level":2,"page":9789},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون (٨٥)﴾.","level":2,"page":9789},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9790},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون (٨٧)﴾.","level":2,"page":9790},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9791},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9791},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون (٨٨)﴾.","level":2,"page":9791},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (٨٩)﴾.","level":2,"page":9794},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (٩٠)﴾.","level":2,"page":9795},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون (٩١)﴾.","level":2,"page":9799},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون (٩٢)﴾.","level":2,"page":9802},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون (٩٣)﴾.","level":2,"page":9808},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (٩٤)﴾.","level":2,"page":9809},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون (٩٥) ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (٩٦)﴾.","level":2,"page":9810},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (٩٧)﴾.","level":2,"page":9811},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (٩٨) إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (٩٩) إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون (١٠٠)﴾.","level":2,"page":9818},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون (١٠١)﴾.","level":2,"page":9823},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين (١٠٢)﴾.","level":2,"page":9824},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (١٠٣)﴾.","level":2,"page":9825},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله","level":2,"page":9831},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (١٠٦)﴾.","level":2,"page":9832},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين (١٠٧)﴾.","level":2,"page":9837},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون (١٠٨) لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون (١٠٩)﴾.","level":2,"page":9837},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (١١٠)﴾.","level":2,"page":9838},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون (١١١)﴾.","level":2,"page":9842},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (١١٢)﴾.","level":2,"page":9843},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون (١١٣)﴾.","level":2,"page":9847},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون (١١٤)﴾.","level":2,"page":9848},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (١١٥)﴾.","level":2,"page":9849},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (١١٦) متاع قليل ولهم عذاب أليم (١١٧)﴾.","level":2,"page":9850},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (١١٨)﴾.","level":2,"page":9852},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (١١٩)﴾.","level":2,"page":9853},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (١٢٠) شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (١٢١)﴾.","level":2,"page":9853},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين (١٢٢)﴾.","level":2,"page":9858},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (١٢٣) إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (١٢٤)﴾.","level":2,"page":9859},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (١٢٥)﴾.","level":2,"page":9861},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (١٢٦)﴾.","level":2,"page":9862},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون (١٢٧)﴾.","level":2,"page":9868},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (١٢٨)﴾.","level":2,"page":9870},{"title":"تفسير سورة بنى إسرائيل","level":1,"page":9872},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾.","level":2,"page":9872},{"title":"ذكر من قال ذلك، وذكر بعض الروايات التي رويت عن رسول الله ﷺ بتصحيحه","level":2,"page":9882},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9905},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9906},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا﴾.","level":2,"page":9910},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9911},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9912},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا﴾.","level":2,"page":9912},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9913},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا (٥)﴾.","level":2,"page":9915},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9916},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9916},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9917},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9932},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9937},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا (٦)﴾.","level":2,"page":9937},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9938},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها","level":2,"page":9938},{"title":"ذكر الرواية بذلك.","level":2,"page":9940},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9966},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9966},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا (٨)﴾.","level":2,"page":9966},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9968},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9969},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا (٩) وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما (١٠)﴾.","level":2,"page":9971},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9973},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا (١١)﴾.","level":2,"page":9973},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9975},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب","level":2,"page":9975},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9976},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا (١٣)﴾.","level":2,"page":9979},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9980},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9984},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (١٤)﴾.","level":2,"page":9986},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (١٥)﴾.","level":2,"page":9986},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9988},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا (١٦)﴾.","level":2,"page":9988},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9990},{"title":"ذكر من تأول ذلك كذلك","level":2,"page":9991},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا (١٧)﴾.","level":2,"page":9994},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9995},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا (١٨)﴾.","level":2,"page":9996},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9997},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (١٩)﴾.","level":2,"page":9998},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا (٢٠)﴾.","level":2,"page":9998},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":9999},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا (٢١)﴾.","level":2,"page":10000},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10001},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما","level":2,"page":10001},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (٢٣)﴾.","level":2,"page":10002},{"title":"ذكر ما قالوا في ذلك","level":2,"page":10003},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10006},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10011},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (٢٤)﴾.","level":2,"page":10011},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10015},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا (٢٥)﴾.","level":2,"page":10016},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10017},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10017},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10018},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10019},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10019},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10019},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10023},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا (٢٦) إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا (٢٧)﴾.","level":2,"page":10023},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10024},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10026},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10030},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا (٢٨)﴾.","level":2,"page":10030},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا (٢٩)﴾.","level":2,"page":10034},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10035},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (٣٠)﴾","level":2,"page":10037},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا (٣١)﴾.","level":2,"page":10038},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10042},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا (٣٢)﴾.","level":2,"page":10042},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا (٣٣)﴾.","level":2,"page":10042},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10044},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10045},{"title":"ذكر من تأول ذلك بمعنى الخطاب لرسول الله ﷺ","level":2,"page":10046},{"title":"ذكر من قال: عنى به ولي المقتول","level":2,"page":10048},{"title":"ذكر من قال: عني به القاتل","level":2,"page":10049},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10049},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10050},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا (٣٤)﴾.","level":2,"page":10051},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10052},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا (٣٥)﴾.","level":2,"page":10052},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10053},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10054},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10054},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا (٣٦)﴾.","level":2,"page":10054},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10055},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا (٣٧) كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (٣٨)﴾.","level":2,"page":10058},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10059},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا (٣٩)﴾.","level":2,"page":10061},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10062},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما (٤٠)﴾.","level":2,"page":10063},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا (٤١)﴾.","level":2,"page":10063},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا (٤٢)﴾.","level":2,"page":10064},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (٤٣) تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (٤٤)﴾.","level":2,"page":10065},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا (٤٥)﴾.","level":2,"page":10068},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10070},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا (٤٦)﴾.","level":2,"page":10070},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10071},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (٤٧)﴾.","level":2,"page":10072},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10073},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (٤٨)﴾.","level":2,"page":10074},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (٤٩)﴾.","level":2,"page":10075},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل كونوا حجارة أو حديدا (٥٠) أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا (٥١)﴾.","level":2,"page":10076},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10077},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10079},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10079},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10081},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا (٥٢) وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا (٥٣)﴾.","level":2,"page":10082},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10083},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10083},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10083},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10084},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10085},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا (٥٤)﴾.","level":2,"page":10085},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داوود زبورا (٥٥)﴾.","level":2,"page":10086},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10087},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (٥٦)﴾.","level":2,"page":10087},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10088},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (٥٧)﴾.","level":2,"page":10088},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10091},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10093},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم","level":2,"page":10093},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها","level":2,"page":10095},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10096},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (٥٩)﴾.","level":2,"page":10098},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10100},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا (٦٠)﴾.","level":2,"page":10100},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10102},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10106},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10107},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10108},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10112},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10114},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا (٦١) قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا (٦٢)﴾.","level":2,"page":10114},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10115},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا (٦٣)﴾.","level":2,"page":10116},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (٦٤)﴾.","level":2,"page":10117},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10118},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10118},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10119},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10121},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10123},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10123},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10124},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10125},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10125},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10126},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا (٦٥)﴾.","level":2,"page":10127},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر","level":2,"page":10127},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10128},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا (٦٧)﴾.","level":2,"page":10129},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفأمنتم أن [يخسف بكم جانب البر أو يرسل] عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا (٦٨)﴾.","level":2,"page":10129},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10130},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا (٦٩)﴾.","level":2,"page":10131},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10132},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (٧٠)﴾.","level":2,"page":10135},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10136},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا (٧١)﴾.","level":2,"page":10136},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10137},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10138},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10139},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا (٧٢)﴾.","level":2,"page":10139},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10140},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10142},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10143},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا (٧٣)﴾.","level":2,"page":10143},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10144},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (٧٤)﴾.","level":2,"page":10145},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10146},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (٧٥)﴾.","level":2,"page":10146},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10148},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا (٧٦)﴾.","level":2,"page":10148},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10149},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10150},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا (٧٧)﴾.","level":2,"page":10151},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10152},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا (٧٨)﴾.","level":2,"page":10152},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10155},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10161},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10162},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10163},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10168},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا (٧٩)﴾.","level":2,"page":10168},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10170},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10171},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10173},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10177},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10184},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا (٨٠)﴾.","level":2,"page":10184},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10186},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10186},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10187},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10187},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10187},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10188},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10189},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (٨١) وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا (٨٢)﴾.","level":2,"page":10190},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10191},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10191},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10192},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا (٨٣)﴾.","level":2,"page":10193},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10195},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا (٨٤)﴾.","level":2,"page":10195},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10196},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10196},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا (٨٥)﴾.","level":2,"page":10196},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":10197},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10200},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10201},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10202},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10203},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا (٨٦)﴾.","level":2,"page":10203},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":10204},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا (٨٧)﴾.","level":2,"page":10205},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (٨٨)﴾.","level":2,"page":10205},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا (٨٩)﴾.","level":2,"page":10207},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض","level":2,"page":10207},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (٩١)﴾.","level":2,"page":10209},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا﴾.","level":2,"page":10209},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10211},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10212},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أو تأتي بالله والملائكة قبيلا (٩٢)﴾.","level":2,"page":10212},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10213},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا (٩٣)﴾.","level":2,"page":10214},{"title":"ذكر تسمية الذين ناظروا رسول الله ﷺ بذلك منهم، والسبب الذي من أجله ناظروه به","level":2,"page":10217},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا (٩٤)﴾.","level":2,"page":10221},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا (٩٥)﴾.","level":2,"page":10221},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (٩٦)﴾.","level":2,"page":10222},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا (٩٧)﴾.","level":2,"page":10222},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10225},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (٩٨)﴾.","level":2,"page":10226},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا (٩٩)﴾.","level":2,"page":10227},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا (١٠٠)﴾.","level":2,"page":10228},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك ياموسى مسحورا (١٠١)﴾.","level":2,"page":10229},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10230},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10231},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10232},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10235},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يافرعون مثبورا (١٠٢)﴾.","level":2,"page":10236},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10238},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10239},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10239},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10240},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10240},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا (١٠٣) وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا (١٠٤)﴾.","level":2,"page":10241},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10242},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10242},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (١٠٥) وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا (١٠٦)﴾.","level":2,"page":10243},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10244},{"title":"ذكر من قال ما حكيت من التأويل عن قارئ ذلك كذلك","level":2,"page":10245},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10246},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10249},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا (١٠٧) ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا (١٠٨)﴾.","level":2,"page":10249},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10250},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10251},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10251},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا (١٠٩)﴾.","level":2,"page":10252},{"title":"ذكر الرواية بما ذكرنا","level":2,"page":10253},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (١١٠)﴾.","level":2,"page":10253},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10255},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10259},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10263},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10264},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10264},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا (١١١)﴾.","level":2,"page":10267},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10268},{"title":"تفسير سورة الكهف","level":1,"page":10270},{"title":"ذكر من قال: عنى به: معتدلا مستقيما","level":2,"page":10270},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما﴾.","level":2,"page":10270},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10272},{"title":"ذكر [الرواية بذلك]","level":2,"page":10273},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا﴾.","level":2,"page":10274},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10275},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10276},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا","level":2,"page":10276},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا","level":2,"page":10278},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10279},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10280},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10280},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10280},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10281},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10281},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10282},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10283},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10285},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (٩)﴾.","level":2,"page":10285},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10286},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10287},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10289},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10289},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا (١٠)﴾.","level":2,"page":10291},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10292},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10304},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا (١١) ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا (١٢)﴾.","level":2,"page":10306},{"title":"ذكر من قال: كان الحزبان من قوم الفتية","level":2,"page":10307},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10307},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10308},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى (١٣) وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا (١٤)﴾.","level":2,"page":10308},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10310},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا (١٥)﴾.","level":2,"page":10310},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10311},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا (١٦)﴾.","level":2,"page":10311},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10312},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وترى الشمس إذا طلعت تزاور","level":2,"page":10313},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10315},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10317},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10319},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا (١٨)﴾.","level":2,"page":10320},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10322},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10323},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10324},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا (١٩) إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا (٢٠)﴾.","level":2,"page":10325},{"title":"ذكر من قال ذلك، وذكر السبب الذي أجله ذكر أنهم بعثوا من رقدتهم حين بعثوا منها","level":2,"page":10326},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10342},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10343},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10343},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا (٢١)﴾.","level":2,"page":10345},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10346},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون","level":2,"page":10347},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10348},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10349},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10350},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10351},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10352},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10352},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (٢٣) إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا (٢٤)﴾","level":2,"page":10353},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10355},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10356},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10358},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا (٢٥) قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا (٢٦)﴾.","level":2,"page":10358},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10359},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10359},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا (٢٧)﴾.","level":2,"page":10364},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10365},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا (٢٨)﴾.","level":2,"page":10366},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10368},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10372},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10372},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10372},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10373},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء","level":2,"page":10373},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10376},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":10376},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10378},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10378},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10380},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":10383},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (٣٠)﴾.","level":2,"page":10384},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار","level":2,"page":10384},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10386},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا (٣٢) كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا (٣٣) وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا (٣٤)﴾.","level":2,"page":10387},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10388},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10389},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10390},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10390},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (٣٥) وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا (٣٦)﴾.","level":2,"page":10392},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا (٣٧) لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا (٣٨)﴾.","level":2,"page":10393},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا (٣٩)﴾.","level":2,"page":10394},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا (٤٠) أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا (٤١)﴾.","level":2,"page":10395},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول ياليتني لم أشرك بربي أحدا (٤٢)﴾.","level":2,"page":10398},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا (٤٣) هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا (٤٤)﴾.","level":2,"page":10398},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا (٤٥)﴾.","level":2,"page":10402},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا (٤٦)﴾.","level":2,"page":10403},{"title":"ذكر من قال: هي الصلوات الخمس","level":2,"page":10404},{"title":"ذكر من قال: هن ذكر الله بالتسبيح والتحميد ونحو ذلك","level":2,"page":10405},{"title":"ذكر من قال: هي العمل بطاعة الله ﷿","level":2,"page":10410},{"title":"ذكر من قال: هي الكلم الطيب","level":2,"page":10410},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا (٤٧) وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا (٤٨)﴾.","level":2,"page":10411},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا (٤٩)﴾.","level":2,"page":10413},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا (٥٠)﴾.","level":2,"page":10415},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا (٥١)﴾.","level":2,"page":10424},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا (٥٢) ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا (٥٣)﴾.","level":2,"page":10425},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا (٥٤)﴾.","level":2,"page":10429},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا (٥٥)﴾.","level":2,"page":10430},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا (٥٦)﴾.","level":2,"page":10432},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا (٥٧)﴾.","level":2,"page":10433},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا (٥٨)﴾.","level":2,"page":10434},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا (٥٩)﴾.","level":2,"page":10436},{"title":"القول (*) في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا (٦٠)﴾.","level":2,"page":10438},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا (٦١)﴾.","level":2,"page":10441},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا (٦٢)﴾.","level":2,"page":10446},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا (٦٣)﴾.","level":2,"page":10446},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا (٦٤) فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما (٦٥)﴾.","level":2,"page":10449},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (٦٦) قال إنك لن تستطيع معي صبرا (٦٧)﴾.","level":2,"page":10463},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (٦٨) قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا (٦٩)﴾.","level":2,"page":10464},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى","level":2,"page":10464},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا (٧١)﴾.","level":2,"page":10465},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (٧٢) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا (٧٣)﴾.","level":2,"page":10468},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":3,"page":10468},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا (٧٤)﴾.","level":2,"page":10469},{"title":"ذكر من قال: معناها: المسلمة التى لا ذنب لها","level":2,"page":10471},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا (٧٥) قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا (٧٦)﴾.","level":2,"page":10472},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا (٧٧)﴾.","level":2,"page":10475},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا (٧٨)﴾.","level":2,"page":10482},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا (٧٩)﴾.","level":2,"page":10483},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا (٨٠) فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما (٨١)﴾.","level":2,"page":10486},{"title":"ذكر من قال ذلك وقال نحو الذي قلنا فيه من التأويل","level":2,"page":10487},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا (٨٢)﴾.","level":2,"page":10492},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10495},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا (٨٣) إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا (٨٤) فأتبع سببا (٨٥)﴾.","level":2,"page":10498},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10500},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10501},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10501},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10503},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا (٨٦)﴾.","level":2,"page":10504},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10507},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا (٨٧)﴾.","level":2,"page":10509},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا (٨٨)﴾.","level":2,"page":10509},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ثم أتبع سببا (٨٩) حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا (٩٠) كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا (٩١)﴾.","level":2,"page":10511},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10513},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10514},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ثم أتبع سببا (٩٢) حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا (٩٣) قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا (٩٤)﴾.","level":2,"page":10514},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10516},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10519},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10519},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10532},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما (٩٥)﴾","level":2,"page":10533},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10534},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا (٩٦) فما اسطاعوا أن","level":2,"page":10534},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10536},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10539},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10540},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا (٩٨)﴾.","level":2,"page":10542},{"title":"ذكر الخبر بذلك","level":2,"page":10543},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا (٩٩) وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا (١٠٠)﴾.","level":2,"page":10545},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10546},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10550},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا﴾.","level":2,"page":10550},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا (١٠٢)﴾.","level":2,"page":10551},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10552},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10553},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (١٠٣) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (١٠٤)﴾.","level":2,"page":10553},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10555},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10556},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10559},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا (١٠٥)﴾.","level":2,"page":10559},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا (١٠٦)﴾.","level":2,"page":10560},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا (١٠٧) خالدين فيها لا يبغون عنها حولا (١٠٨)﴾.","level":2,"page":10560},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10561},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10562},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10562},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10567},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا (١٠٩)﴾.","level":2,"page":10567},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10568},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10569},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (١١٠)﴾.","level":2,"page":10569},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10570},{"title":"تفسير سورة مريم ﵍","level":1,"page":10573},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10573},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى ذكره: [﴿كهيعص﴾.","level":2,"page":10573},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10574},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10574},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10575},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10576},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10577},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10577},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10578},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10578},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10579},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10579},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":10580},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10581},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10582},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10582},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ذكر رحمت ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا﴾.","level":2,"page":10582},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10585},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا (٥) يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (٦)﴾.","level":2,"page":10585},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10588},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10591},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يازكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (٧)﴾.","level":2,"page":10591},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10592},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10592},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (٨)﴾.","level":2,"page":10593},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (٩) قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (١٠)﴾.","level":2,"page":10596},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (١١)﴾.","level":2,"page":10600},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يايحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (١٢) وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا (١٣)﴾.","level":2,"page":10603},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا (١٤) وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا (١٥)﴾.","level":2,"page":10610},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (١٦) فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (١٧)﴾.","level":2,"page":10612},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (١٨) قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا (١٩)﴾.","level":2,"page":10616},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (٢٠) قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا (٢١)﴾.","level":2,"page":10618},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (٢٢) فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا (٢٣)﴾.","level":2,"page":10620},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (٢٤) وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (٢٥)﴾.","level":2,"page":10630},{"title":"ذكر من قال: الذى ناداها من تحتها الملك","level":2,"page":10631},{"title":"ذكر من قال: الذي ناداها عيسى","level":2,"page":10633},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (٢٦)﴾.","level":2,"page":10645},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (٢٧)﴾.","level":2,"page":10650},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (٢٨)﴾.","level":2,"page":10652},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (٢٩)﴾.","level":2,"page":10656},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (٣٠) وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (٣١)﴾.","level":2,"page":10657},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (٣٢) والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (٣٣)﴾.","level":2,"page":10662},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون﴾.","level":2,"page":10664},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (٣٥) وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (٣٦)﴾.","level":2,"page":10668},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (٣٧)﴾.","level":2,"page":10671},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (٣٨)﴾.","level":2,"page":10673},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (٣٩)﴾.","level":2,"page":10674},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون (٤٠)﴾.","level":2,"page":10678},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (٤١) إذ قال لأبيه ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (٤٢)﴾.","level":2,"page":10678},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (٤٣)﴾.","level":2,"page":10680},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (٤٤)﴾.","level":2,"page":10680},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ياأبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (٤٥)﴾.","level":2,"page":10681},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال أراغب أنت عن آلهتي ياإبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا (٤٦)﴾.","level":2,"page":10681},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (٤٧) وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا (٤٨)﴾.","level":2,"page":10685},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (٤٩) ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا (٥٠)﴾.","level":2,"page":10686},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (٥١)﴾.","level":2,"page":10688},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه","level":2,"page":10688},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (٥٤)﴾.","level":2,"page":10691},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا (٥٥)﴾.","level":2,"page":10692},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا (٥٦) ورفعناه مكانا عليا (٥٧)﴾.","level":2,"page":10692},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا (٥٨)﴾.","level":2,"page":10695},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10697},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (٥٩)﴾.","level":2,"page":10697},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10699},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10700},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10703},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10703},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا (٦٠)﴾.","level":2,"page":10704},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (٦١)﴾.","level":2,"page":10705},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (٦٢)﴾.","level":2,"page":10706},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا (٦٣)﴾.","level":2,"page":10708},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (٦٤)﴾.","level":2,"page":10708},{"title":"ذكر [بعض الرواية بذلك]","level":2,"page":10709},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10712},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10712},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10714},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10715},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا (٦٥)﴾.","level":2,"page":10715},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا (٦٦) أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا (٦٧)﴾.","level":2,"page":10716},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (٦٨)﴾.","level":2,"page":10717},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا (٦٩)﴾.","level":2,"page":10717},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10718},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا (٧٠)﴾.","level":2,"page":10719},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10720},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (٧١)﴾.","level":2,"page":10720},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10725},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10726},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10726},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10727},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10728},{"title":"ذكر الأخبار المروية عن رسول الله ﷺ بذلك","level":2,"page":10731},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10735},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10736},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10736},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا (٧٢)﴾.","level":2,"page":10736},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا (٧٣)﴾.","level":2,"page":10737},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10738},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا (٧٤)﴾.","level":2,"page":10740},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10741},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا (٧٥)﴾.","level":2,"page":10744},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10745},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات","level":2,"page":10745},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":10747},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا (٧٩) ونرثه ما يقول ويأتينا فردا (٨٠)﴾.","level":2,"page":10751},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10752},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (٨١) كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا (٨٢)﴾.","level":2,"page":10753},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10754},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10754},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10755},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10755},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10756},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا (٨٣) فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا (٨٤)﴾.","level":2,"page":10756},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10758},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (٨٥) ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا (٨٦)﴾","level":2,"page":10758},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10759},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10761},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا (٨٧)﴾.","level":2,"page":10762},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10765},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (٨٨) لقد جئتم شيئا إدا (٨٩) تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (٩٠)﴾.","level":2,"page":10765},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10767},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10769},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أن دعوا للرحمن ولدا (٩١) وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (٩٢) إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (٩٣)﴾.","level":2,"page":10769},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لقد أحصاهم وعدهم عدا (٩٤) وكلهم آتيه يوم القيامة فردا (٩٥)﴾.","level":2,"page":10771},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (٩٦) فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما","level":2,"page":10771},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10772},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10775},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10777},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا (٩٨)﴾.","level":2,"page":10777},{"title":"تفسير سورة طه","level":1,"page":10780},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10780},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى﴾.","level":2,"page":10780},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10782},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10783},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى الرحمن على العرش استوى (٥)﴾.","level":2,"page":10785},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى (٦)﴾.","level":2,"page":10786},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10787},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (٧) الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى (٨)﴾.","level":2,"page":10787},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10788},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10790},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10791},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وهل أتاك حديث موسى (٩) إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى (١٠)﴾.","level":2,"page":10793},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10794},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10796},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فلما أتاها نودي ياموسى (١١) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى (١٢)﴾.","level":2,"page":10797},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10798},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10799},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10802},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10802},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10803},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10803},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10804},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (١٣) إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري (١٤)﴾.","level":2,"page":10806},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10807},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10807},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10809},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى (١٥) فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى (١٦)﴾.","level":2,"page":10809},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10811},{"title":"ذكر من قال الرواية عنه بذلك","level":2,"page":10811},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما تلك بيمينك ياموسى (١٧)﴾.","level":2,"page":10817},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى (١٨)﴾.","level":2,"page":10817},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10818},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10820},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال ألقها ياموسى (١٩) فألقاها فإذا هي حية تسعى (٢٠) قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى (٢١)﴾.","level":2,"page":10821},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10823},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10824},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى (٢٢) لنريك من آياتنا الكبرى (٢٣)﴾.","level":2,"page":10824},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿اذهب إلى فرعون إنه طغى (٢٤) قال رب اشرح لي صدري (٢٥) ويسر لي أمري (٢٦) واحلل عقدة من لساني (٢٧) يفقهوا قولي (٢٨) واجعل لي وزيرا من أهلي (٢٩) هارون أخي (٣٠)﴾.","level":2,"page":10827},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10828},{"title":"ذكر الرواية بذلك عمن قاله","level":2,"page":10828},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10830},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿اشدد به أزري (٣١) وأشركه في أمري (٣٢) كي نسبحك كثيرا (٣٣) ونذكرك كثيرا (٣٤) إنك كنت بنا بصيرا (٣٥)﴾.","level":2,"page":10830},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال قد أوتيت سؤلك ياموسى (٣٦) ولقد مننا عليك مرة أخرى (٣٧) إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (٣٨)﴾.","level":2,"page":10831},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني﴾.","level":2,"page":10832},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10833},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10833},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10834},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولتصنع على عيني (٣٩) إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر ياموسى (٤٠)﴾.","level":2,"page":10834},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10835},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10838},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10845},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10846},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿واصطنعتك لنفسي (٤١) اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري (٤٢) اذهبا إلى فرعون إنه طغى (٤٣)﴾.","level":2,"page":10847},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10848},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (٤٤) قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (٤٥)﴾.","level":2,"page":10849},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10850},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10851},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10852},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى (٤٦) فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى (٤٧)﴾.","level":2,"page":10852},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى (٤٨) قال فمن ربكما ياموسى (٤٩) قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (٥٠)﴾.","level":2,"page":10853},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10854},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10855},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10855},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10856},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿قال فما بال القرون الأولى (٥١) قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى (٥٢)﴾","level":2,"page":10857},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10858},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10858},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى (٥٣)﴾.","level":2,"page":10859},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10861},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (٥٤)﴾.","level":2,"page":10861},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها","level":2,"page":10861},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى (٥٦)﴾.","level":2,"page":10862},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى (٥٧) فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى (٥٨)﴾.","level":2,"page":10863},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10864},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (٥٩) فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى (٦٠)﴾.","level":2,"page":10865},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10866},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى (٦١)﴾.","level":2,"page":10868},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10869},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى (٦٢) قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (٦٣)﴾","level":2,"page":10870},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10871},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10877},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10879},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى (٦٤)﴾.","level":2,"page":10879},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10882},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10882},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا ياموسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى (٦٥) قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (٦٦)﴾.","level":2,"page":10882},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10883},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10883},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأوجس في نفسه خيفة موسى (٦٧) قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى (٦٨) وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (٦٩)﴾.","level":2,"page":10885},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى (٧٠) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى (٧١)﴾.","level":2,"page":10887},{"title":"ذكر الرواية [عمن قال ذلك]","level":2,"page":10888},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (٧٢) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (٧٣)﴾.","level":2,"page":10891},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10892},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10893},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى (٧٤) ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى (٧٥)﴾.","level":2,"page":10894},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى (٧٦)﴾.","level":2,"page":10894},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى (٧٧)﴾.","level":2,"page":10895},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10896},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10896},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم (٧٨) وأضل فرعون قومه وما هدى (٧٩)﴾.","level":2,"page":10898},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى (٨٠) كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي﴾.","level":2,"page":10899},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى (٨١) وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (٨٢)﴾.","level":2,"page":10901},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10902},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10902},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10903},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10903},{"title":"[ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10903},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10904},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما أعجلك عن قومك ياموسى (٨٣) قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى (٨٤)﴾.","level":2,"page":10904},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (٨٥) فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال ياقوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (٨٦)﴾.","level":2,"page":10905},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري (٨٧) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي (٨٨)﴾.","level":2,"page":10907},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10908},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10909},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10909},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10911},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10913},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10914},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10916},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10916},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (٨٩) ولقد قال لهم هارون من قبل ياقوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري (٩٠) قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى (٩١)﴾.","level":2,"page":10918},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10920},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال ياهارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (٩٢) ألا تتبعن أفعصيت أمري (٩٣) قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي (٩٤)﴾.","level":2,"page":10920},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10921},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10921},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10922},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10923},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال فما خطبك ياسامري (٩٥) قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي (٩٦)﴾.","level":2,"page":10923},{"title":"ذكر من قال: هو بمعنى: أبصرت","level":2,"page":10924},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10924},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا (٩٧) إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما (٩٨)﴾.","level":2,"page":10927},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10928},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10932},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا (٩٩) من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا (١٠٠)﴾.","level":2,"page":10933},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10934},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا (١٠١) يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا (١٠٢) يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا (١٠٣)﴾.","level":2,"page":10934},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10936},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (١٠٤)﴾.","level":2,"page":10936},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10937},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي","level":2,"page":10937},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10938},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10939},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10940},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10941},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10941},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا (١٠٨)﴾.","level":2,"page":10942},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10943},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا (١٠٩) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما (١١٠)﴾.","level":2,"page":10945},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما (١١١)﴾.","level":2,"page":10946},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10947},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10950},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10950},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (١١٢)﴾.","level":2,"page":10950},{"title":"ذكر من قال ما قلنا في معنى قوله: ﴿فلا يخاف ظلما ولا هضما﴾","level":2,"page":10951},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا (١١٣)﴾.","level":2,"page":10953},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10954},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما (١١٤)﴾.","level":2,"page":10954},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10955},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (١١٥)﴾.","level":2,"page":10956},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10958},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10958},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (١١٦) فقلنا ياآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (١١٧)﴾.","level":2,"page":10960},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (١١٨) وأنك لا","level":2,"page":10961},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10963},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى (١٢١) ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (١٢٢)﴾.","level":2,"page":10964},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (١٢٣)﴾.","level":2,"page":10965},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10966},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (١٢٤) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (١٢٥) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (١٢٦)﴾.","level":2,"page":10967},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10968},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10969},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10969},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10970},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10971},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10975},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10976},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10976},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10978},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى (١٢٧)﴾.","level":2,"page":10978},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10979},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (١٢٨)﴾.","level":2,"page":10979},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10981},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10982},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى (١٢٩) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (١٣٠)﴾.","level":2,"page":10982},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10983},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10983},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10985},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10986},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10987},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى (١٣١)﴾.","level":2,"page":10988},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":10989},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10991},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى (١٣٢)﴾.","level":2,"page":10991},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10992},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10993},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى (١٣٣)﴾.","level":2,"page":10993},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى (١٣٤)﴾.","level":2,"page":10994},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى (١٣٥)﴾.","level":2,"page":10995},{"title":"تفسير سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام","level":1,"page":10996},{"title":"ذكر [الرواية بذلك]","level":2,"page":10996},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون﴾.","level":2,"page":10996},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":10997},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون﴾.","level":2,"page":10997},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون﴾.","level":2,"page":10997},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم﴾.","level":2,"page":10999},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون (٥)﴾.","level":2,"page":11000},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11001},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11002},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون (٦)﴾.","level":2,"page":11002},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (٧)﴾.","level":2,"page":11003},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11004},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (٨)﴾.","level":2,"page":11004},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11005},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (٩)﴾.","level":2,"page":11006},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (١٠)﴾.","level":2,"page":11006},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11007},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا","level":2,"page":11007},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11008},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون (١٣)﴾.","level":2,"page":11009},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11010},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11011},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11011},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا ياويلنا إنا كنا ظالمين (١٤) فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين (١٥)﴾.","level":2,"page":11011},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين (١٦)﴾.","level":2,"page":11012},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11013},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين (١٧)﴾.","level":2,"page":11013},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (١٨)﴾.","level":2,"page":11015},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11016},{"title":"ذكر من قال ما قلنا في ذلك","level":2,"page":11016},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11017},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (١٩)﴾.","level":2,"page":11017},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون (٢٠) أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (٢١)﴾","level":2,"page":11019},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (٢٢)﴾.","level":2,"page":11021},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون (٢٣)﴾.","level":2,"page":11021},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11022},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11023},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (٢٤)﴾.","level":2,"page":11023},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (٢٥)﴾.","level":2,"page":11024},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11025},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (٢٦) لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (٢٧)﴾.","level":2,"page":11025},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (٢٨)﴾.","level":2,"page":11026},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11027},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11027},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (٢٩)﴾.","level":2,"page":11028},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11029},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (٣٠)﴾.","level":2,"page":11029},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11030},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11031},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11032},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11033},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (٣١)﴾.","level":2,"page":11036},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (٣٢) وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك","level":2,"page":11037},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11038},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11039},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11039},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11040},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11042},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (٣٤) كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (٣٥)﴾.","level":2,"page":11043},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11044},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون (٣٦)﴾.","level":2,"page":11045},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون (٣٧) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (٣٨)﴾.","level":2,"page":11045},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11046},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11047},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون (٣٩)﴾.","level":2,"page":11051},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون (٤٠)﴾.","level":2,"page":11051},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون (٤١)﴾.","level":2,"page":11052},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم","level":2,"page":11052},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11053},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11054},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون (٤٣)﴾.","level":2,"page":11054},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11055},{"title":"[ذكر من قال ذلك]","level":2,"page":11055},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (٤٤)﴾.","level":2,"page":11056},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون (٤٥)﴾.","level":2,"page":11057},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11058},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن ياويلنا إنا كنا ظالمين (٤٦)﴾.","level":2,"page":11059},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (٤٧)﴾.","level":2,"page":11059},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11060},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11062},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين (٤٨)﴾.","level":2,"page":11062},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (٤٩)﴾.","level":2,"page":11064},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون (٥٠)﴾.","level":2,"page":11064},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11065},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11065},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (٥١) إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (٥٢)﴾.","level":2,"page":11065},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (٥٣) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (٥٤) قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (٥٥)﴾.","level":2,"page":11067},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين (٥٦)﴾.","level":2,"page":11067},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11068},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (٥٧) فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (٥٨)﴾.","level":2,"page":11068},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11069},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11071},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11072},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين (٥٩) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (٦٠) قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (٦١)﴾.","level":2,"page":11072},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11074},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11074},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا ياإبراهيم (٦٢) قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا","level":2,"page":11074},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11075},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11076},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (٦٤) ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (٦٥)﴾.","level":2,"page":11076},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11077},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم (٦٦) أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (٦٧)﴾.","level":2,"page":11078},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11079},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (٦٨) قلنا يانار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (٦٩) وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين﴾.","level":2,"page":11079},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (٧١)﴾.","level":2,"page":11085},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11086},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11089},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11090},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (٧٢) وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (٧٣)﴾.","level":2,"page":11090},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11091},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين (٧٤)﴾.","level":2,"page":11093},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين (٧٥)﴾.","level":2,"page":11094},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم (٧٦) ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين (٧٧)﴾.","level":2,"page":11094},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11095},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (٧٨) ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين (٧٩)﴾.","level":2,"page":11095},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11096},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11097},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11104},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون (٨٠)﴾.","level":2,"page":11104},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين (٨١)﴾.","level":2,"page":11106},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين (٨٢)﴾.","level":2,"page":11108},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (٨٣) فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين (٨٤)﴾.","level":2,"page":11108},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11141},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11142},{"title":"ذكر الرواية بذلك عنهم","level":2,"page":11143},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين (٨٥) وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين (٨٦)﴾.","level":2,"page":11143},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر","level":2,"page":11148},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11149},{"title":"ذكر من قال ذلك، وذكر سبب مغاضبته ربه في قولهم","level":2,"page":11150},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11153},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11155},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11156},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11157},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11158},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (٨٨)﴾.","level":2,"page":11160},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11161},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (٨٩) فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (٩٠)﴾.","level":2,"page":11162},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11163},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11164},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين (٩١)﴾.","level":2,"page":11165},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11167},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (٩٢)﴾.","level":2,"page":11167},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11168},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (٩٣)﴾.","level":2,"page":11168},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون (٩٤)﴾.","level":2,"page":11169},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (٩٥)﴾.","level":2,"page":11169},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (٩٦)﴾.","level":2,"page":11172},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11180},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11180},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11182},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا ياويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين (٩٧)﴾.","level":2,"page":11183},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11184},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (٩٨)﴾.","level":2,"page":11185},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11186},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11186},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11187},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون (٩٩)﴾.","level":2,"page":11188},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11189},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون (١٠٠) إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (١٠١)﴾.","level":2,"page":11189},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11190},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11191},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (١٠٢)﴾.","level":2,"page":11195},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11196},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (١٠٣)﴾.","level":2,"page":11196},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11197},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11197},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11198},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين (١٠٤)﴾.","level":2,"page":11198},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11199},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11199},{"title":"ذكر من قال ذلك والأثر الذي جاء فيه","level":2,"page":11202},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11206},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11206},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (١٠٥)﴾.","level":2,"page":11206},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11208},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11208},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11209},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (١٠٦) وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (١٠٧)﴾.","level":2,"page":11212},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11213},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11215},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11215},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (١٠٨)﴾.","level":2,"page":11216},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون (١٠٩)﴾.","level":2,"page":11216},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11217},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (١١٠) وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (١١١)﴾.","level":2,"page":11217},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11218},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون (١١٢)﴾.","level":2,"page":11218},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11219},{"title":"تفسير سورة \"الحج\"","level":1,"page":11221},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11221},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾.","level":2,"page":11221},{"title":"ذكر الرواية عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا","level":2,"page":11224},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11233},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد﴾.","level":2,"page":11234},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير﴾.","level":2,"page":11234},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم﴾.","level":2,"page":11235},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11236},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11237},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11237},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11239},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (٥)﴾.","level":2,"page":11240},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11241},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11241},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11242},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير (٦) وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (٧)﴾.","level":2,"page":11242},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير﴾.","level":2,"page":11243},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا","level":2,"page":11243},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11244},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11244},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11245},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11247},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (١١)﴾.","level":2,"page":11247},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد (١٢)﴾.","level":2,"page":11250},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير (١٣)﴾.","level":2,"page":11251},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11253},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد (١٤)﴾.","level":2,"page":11253},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (١٥) [وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد (١٦)﴾].","level":2,"page":11253},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11255},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11257},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد (١٧)﴾.","level":2,"page":11260},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس","level":2,"page":11261},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (١٨)﴾.","level":2,"page":11263},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11264},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم (١٩) يصهر به ما في بطونهم والجلود (٢٠) ولهم مقامع من حديد (٢١) كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (٢٢)﴾.","level":2,"page":11264},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11266},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11267},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11268},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11271},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (٢٣) وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد (٢٤)﴾.","level":2,"page":11274},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى ﴿إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله","level":2,"page":11275},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11276},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11278},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11281},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11282},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11284},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11284},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11285},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود (٢٦)﴾.","level":2,"page":11286},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (٢٧) ليشهدوا منافع لهم ويذكروا","level":2,"page":11288},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":11292},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور (٣٠)﴾.","level":2,"page":11308},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما","level":2,"page":11312},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (٣٢)﴾.","level":2,"page":11314},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (٣٣)﴾.","level":2,"page":11317},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (٣٤)﴾.","level":2,"page":11324},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (٣٥)﴾.","level":2,"page":11327},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون (٣٦)﴾.","level":2,"page":11327},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر","level":2,"page":11344},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور (٣٨)﴾.","level":2,"page":11346},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (٣٩)﴾.","level":2,"page":11346},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور (٣٨)﴾.","level":2,"page":11346},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (٤٠)﴾.","level":2,"page":11352},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور (٤١)﴾.","level":2,"page":11362},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (٤٢) وقوم إبراهيم وقوم لوط (٤٣) وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير (٤٤)﴾.","level":2,"page":11363},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد (٤٥)﴾.","level":2,"page":11364},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد (٤٥)﴾.","level":2,"page":11364},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (٤٦)﴾.","level":2,"page":11370},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (٤٧)﴾.","level":2,"page":11371},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (٤٨)﴾.","level":2,"page":11374},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل ياأيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين (٤٩) فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم (٥٠) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم (٥١)﴾","level":2,"page":11374},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (٥٢)﴾","level":2,"page":11377},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد (٥٣)﴾.","level":2,"page":11386},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (٥٤)﴾.","level":2,"page":11388},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم (٥٥)﴾.","level":2,"page":11389},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم (٥٦) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين (٥٧)﴾.","level":2,"page":11393},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين (٥٨)﴾.","level":2,"page":11393},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله","level":2,"page":11394},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور (٦٠)﴾.","level":2,"page":11395},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير (٦١)﴾.","level":2,"page":11396},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير (٦٢)﴾.","level":2,"page":11396},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير (٦٣)﴾.","level":2,"page":11398},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد (٦٤)﴾.","level":2,"page":11398},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم (٦٥)﴾.","level":2,"page":11399},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور (٦٦) لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم (٦٧)﴾.","level":2,"page":11400},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون (٦٨) الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون (٦٩)﴾.","level":2,"page":11403},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير (٧٠)﴾.","level":2,"page":11404},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير (٧١)﴾.","level":2,"page":11406},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير (٧٢)﴾.","level":2,"page":11407},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب","level":2,"page":11409},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير (٧٥)﴾.","level":2,"page":11413},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون (٧٧)﴾.","level":2,"page":11413},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس﴾.","level":2,"page":11414},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (٧٨)﴾.","level":2,"page":11423},{"title":"تفسير سورة \"قد أفلح المؤمنون\"","level":1,"page":11424},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون﴾.","level":2,"page":11424},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون (٥) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (٦) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (٧)﴾.","level":2,"page":11430},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (٨) والذين هم على صلواتهم يحافظون (٩) أولئك هم الوارثون (١٠)﴾.","level":2,"page":11432},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (١١)﴾.","level":2,"page":11435},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (١٢)﴾.","level":2,"page":11437},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (١٣) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (١٤)﴾.","level":2,"page":11439},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم إنكم بعد ذلك لميتون (١٥) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون (١٦)﴾.","level":2,"page":11445},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين (١٧)﴾.","level":2,"page":11445},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون (١٨)﴾.","level":2,"page":11446},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون (١٩)﴾.","level":2,"page":11446},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين (٢٠)﴾.","level":2,"page":11447},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون (٢١) وعليها وعلى الفلك تحملون (٢٢)﴾.","level":2,"page":11452},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (٢٣)﴾.","level":2,"page":11453},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (٢٤)﴾.","level":2,"page":11453},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين (٢٥) قال رب انصرني بما كذبون (٢٦) فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (٢٧)﴾.","level":2,"page":11454},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين (٢٨)﴾.","level":2,"page":11456},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (٢٩) إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين (٣٠)﴾.","level":2,"page":11456},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (٣١) فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (٣٢)﴾.","level":2,"page":11458},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون (٣٣)﴾.","level":2,"page":11458},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون (٣٤) أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون (٣٥)﴾.","level":2,"page":11459},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هيهات هيهات لما توعدون (٣٦) إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين (٣٧)﴾.","level":2,"page":11460},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين (٣٨) قال رب انصرني بما كذبون (٣٩) قال عما قليل ليصبحن نادمين (٤٠)﴾.","level":2,"page":11464},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين (٤١)﴾.","level":2,"page":11464},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين (٤٢) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (٤٣)﴾.","level":2,"page":11466},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترى كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون (٤٤)﴾.","level":2,"page":11467},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان","level":2,"page":11469},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون (٤٧) فكذبوهما فكانوا من المهلكين (٤٨)﴾.","level":2,"page":11470},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون (٤٩) وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين (٥٠)﴾.","level":2,"page":11471},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم (٥١)﴾.","level":2,"page":11478},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (٥٢)﴾.","level":2,"page":11479},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (٥٣)﴾.","level":2,"page":11480},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فذرهم في غمرتهم حتى حين (٥٤) أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (٥٥) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (٥٦)﴾.","level":2,"page":11483},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (٥٧) والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (٥٨) والذين هم بربهم لا يشركون (٥٩)﴾.","level":2,"page":11485},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (٦٠) أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (٦١)﴾.","level":2,"page":11485},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون (٦٢)﴾.","level":2,"page":11492},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون (٦٣)﴾.","level":2,"page":11492},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11493},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11494},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم","level":2,"page":11495},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11496},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11498},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11498},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون (٦٦) مستكبرين به سامرا تهجرون (٦٧)﴾.","level":2,"page":11498},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11499},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11501},{"title":"ذكر من قال: كانوا يعرضون عن ذكر الله والحق ويهجرونه","level":2,"page":11503},{"title":"ذكر من قال: كانوا يقولون الباطل والسيئ من القول في القرآن","level":2,"page":11503},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11504},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم","level":2,"page":11505},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون (٧١)﴾","level":2,"page":11507},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11508},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11508},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11509},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين (٧٢) وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم (٧٣)﴾.","level":2,"page":11509},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11510},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون (٧٤) ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون (٧٥)﴾.","level":2,"page":11510},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (٧٦)﴾.","level":2,"page":11511},{"title":"ذكر الخبر بذلك","level":2,"page":11512},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11513},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون (٧٧)﴾.","level":2,"page":11513},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11514},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (٧٨)﴾.","level":2,"page":11515},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (٧٩)﴾.","level":2,"page":11515},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون (٨٠)﴾.","level":2,"page":11515},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بل قالوا مثل ما قال الأولون (٨١) قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (٨٢)﴾.","level":2,"page":11516},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (٨٣)﴾.","level":2,"page":11516},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (٨٤) سيقولون لله قل أفلا تذكرون (٨٥)﴾.","level":2,"page":11516},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (٨٦) سيقولون لله قل أفلا تتقون (٨٧)﴾.","level":2,"page":11517},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل من بيده ملكوت كل شيء وهو","level":2,"page":11518},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون (٩٠) ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (٩١) عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون (٩٢)﴾.","level":2,"page":11520},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل رب إما تريني ما يوعدون (٩٣) رب فلا تجعلني في القوم الظالمين (٩٤) وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون (٩٥)﴾.","level":2,"page":11522},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون (٩٦) وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين (٩٧) وأعوذ بك رب أن يحضرون (٩٨)﴾.","level":2,"page":11523},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11524},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11525},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (٩٩) لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (١٠٠)﴾.","level":2,"page":11525},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11526},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11528},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11530},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11531},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (١٠٢) ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون (١٠٣) تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون (١٠٤)﴾.","level":2,"page":11533},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11534},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون (١٠٥) قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين (١٠٦)﴾.","level":2,"page":11535},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11536},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون (١٠٧)","level":2,"page":11540},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين (١٠٩)﴾.","level":2,"page":11544},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون (١١٠) إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون (١١١)﴾.","level":2,"page":11545},{"title":"ذكر الرواية عن بعض من فرق في ذلك بين معناه مكسورة سينه ومضمومة","level":2,"page":11546},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين (١١٢) قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين (١١٣)﴾.","level":2,"page":11548},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11550},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11551},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون (١١٤) أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (١١٥)﴾.","level":2,"page":11551},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11552},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (١١٦)﴾.","level":2,"page":11552},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون (١١٧)﴾.","level":2,"page":11553},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين﴾.","level":2,"page":11554},{"title":"تفسير سورة النور","level":1,"page":11555},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون﴾.","level":2,"page":11555},{"title":"ذكر من تأول ذلك بمعنى الفرض والبيان من أهل التأويل","level":2,"page":11557},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾.","level":2,"page":11558},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11559},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11562},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11564},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11566},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11566},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11567},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾.","level":2,"page":11568},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11569},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11576},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11578},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون﴾.","level":2,"page":11580},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11581},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (٥)﴾","level":2,"page":11581},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11582},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11587},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين (٦) والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين (٧)﴾.","level":2,"page":11595},{"title":"ذكر الرواية بذلك وذكر السبب الذي فيه أنزلت هذه الآية","level":2,"page":11598},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين (٨) والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين (٩)﴾.","level":2,"page":11606},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (١٠)﴾.","level":2,"page":11607},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم (١١)﴾.","level":2,"page":11608},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11612},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11614},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم","level":2,"page":11630},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11631},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11633},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون (١٣)﴾.","level":2,"page":11633},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم (١٤)﴾.","level":2,"page":11633},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (١٥)﴾.","level":2,"page":11634},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11636},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم (١٦)﴾.","level":2,"page":11637},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين (١٧) ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (١٨)﴾.","level":2,"page":11637},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11638},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (١٩)﴾.","level":2,"page":11638},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم (٢٠)﴾.","level":2,"page":11639},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر﴾.","level":2,"page":11640},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم (٢١)﴾.","level":2,"page":11640},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11641},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم (٢٢)﴾.","level":2,"page":11641},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11643},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم (٢٣)﴾.","level":2,"page":11645},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11646},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11646},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11647},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11648},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون (٢٤)﴾.","level":2,"page":11649},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين (٢٥)﴾.","level":2,"page":11650},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (٢٦)﴾.","level":2,"page":11651},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11652},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11656},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11658},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (٢٧)﴾.","level":2,"page":11658},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11662},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم (٢٨)﴾.","level":2,"page":11665},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (٢٩)﴾.","level":2,"page":11667},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11668},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11669},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11670},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11670},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11672},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون (٣٠)﴾.","level":2,"page":11673},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11674},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن﴾.","level":2,"page":11674},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11675},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11677},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11680},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11682},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11684},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11685},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11685},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون (٣١)﴾.","level":2,"page":11685},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11690},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11691},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11693},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم (٣٢)﴾.","level":2,"page":11693},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾.","level":2,"page":11694},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11695},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11696},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11697},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11698},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11699},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11702},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11706},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم (٣٣)﴾.","level":2,"page":11708},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11709},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين (٣٤)﴾.","level":2,"page":11713},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11714},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (٣٥)﴾.","level":2,"page":11714},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11715},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11715},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11717},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11718},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11718},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11719},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11720},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11721},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11723},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11724},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11725},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11726},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11730},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11731},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11731},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال (٣٦) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (٣٧) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (٣٨)﴾.","level":2,"page":11734},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11735},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11736},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11737},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11737},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11738},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11739},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11741},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11742},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11743},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه","level":2,"page":11744},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11746},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (٤٠)﴾.","level":2,"page":11748},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11749},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11752},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (٤١) ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير (٤٢)﴾.","level":2,"page":11752},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (٤٣) يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (٤٤)﴾.","level":2,"page":11754},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (٤٥)﴾.","level":2,"page":11758},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (٤٦)﴾.","level":2,"page":11759},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (٤٧) وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون (٤٨)﴾.","level":2,"page":11760},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين (٤٩) أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون (٥٠)﴾.","level":2,"page":11760},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون (٥١)﴾.","level":2,"page":11762},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون (٥٢)﴾.","level":2,"page":11762},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون (٥٣)﴾.","level":2,"page":11763},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين (٥٤)﴾.","level":2,"page":11763},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (٥٥)﴾.","level":2,"page":11764},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":11767},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون (٥٦) لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير (٥٧)﴾.","level":2,"page":11769},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11770},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11770},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (٥٨)﴾.","level":2,"page":11770},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11776},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم (٥٩)﴾.","level":2,"page":11776},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11777},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم (٦٠)﴾.","level":2,"page":11778},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11779},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11783},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون (٦١)﴾.","level":2,"page":11784},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11785},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11786},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11787},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11788},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11789},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11789},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11790},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11794},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11794},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11796},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11797},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11800},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11800},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11801},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم","level":2,"page":11803},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11804},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11807},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (٦٣)﴾.","level":2,"page":11807},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11808},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11809},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم (٦٤)﴾.","level":2,"page":11811},{"title":"تفسير سورة الفرقان","level":1,"page":11813},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11813},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا﴾.","level":2,"page":11813},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾.","level":2,"page":11814},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا","level":2,"page":11815},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا﴾.","level":2,"page":11816},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11817},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11818},{"title":"ذكر [الرواية بذلك]","level":2,"page":11818},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا (٥) قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما (٦)﴾.","level":2,"page":11818},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11821},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا (٧) أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (٨)﴾.","level":2,"page":11821},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (٩) تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا (١٠)﴾.","level":2,"page":11823},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11824},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11825},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11825},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11826},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا (١١) إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا (١٢)﴾.","level":2,"page":11827},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا (١٣) لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا (١٤)﴾.","level":2,"page":11829},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11830},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11830},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا (١٥) لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا (١٦)﴾.","level":2,"page":11832},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11833},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل (١٧)﴾.","level":2,"page":11833},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11835},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا (١٨)﴾.","level":2,"page":11835},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11838},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا﴾.","level":2,"page":11838},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11840},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11841},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا﴾.","level":2,"page":11841},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا (٢٠)﴾.","level":2,"page":11842},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11843},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11843},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11845},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا (٢١)﴾.","level":2,"page":11845},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (٢٢)﴾.","level":2,"page":11846},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11847},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11848},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (٢٣) أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا (٢٤)﴾.","level":2,"page":11849},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11850},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11850},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11851},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11852},{"title":"ذكر الرواية عمن قال ذلك","level":2,"page":11853},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا (٢٥) الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا (٢٦)﴾.","level":2,"page":11855},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11856},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا (٢٧) ياويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (٢٨) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا (٢٩)﴾.","level":2,"page":11858},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11861},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (٣٠) وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا (٣١)﴾.","level":2,"page":11861},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11862},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11863},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11863},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11864},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا (٣٢)﴾.","level":2,"page":11864},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11865},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11866},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا (٣٣) الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا (٣٤)﴾.","level":2,"page":11866},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11867},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11868},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا (٣٥) فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (٣٦)﴾.","level":2,"page":11869},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما (٣٧)﴾.","level":2,"page":11870},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (٣٨) وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا (٣٩)﴾.","level":2,"page":11870},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11871},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11871},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11871},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11872},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11875},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11875},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا (٤٠)﴾.","level":2,"page":11876},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11877},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا (٤١)﴾.","level":2,"page":11877},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا (٤٢)﴾.","level":2,"page":11877},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11878},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (٤٣) أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا (٤٤)﴾.","level":2,"page":11878},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11879},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا (٤٥) ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (٤٦)﴾.","level":2,"page":11879},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11881},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11882},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11883},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11883},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11884},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا (٤٧)﴾.","level":2,"page":11884},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا (٤٨) لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (٤٩)﴾.","level":2,"page":11886},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11887},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا (٥٠)﴾.","level":2,"page":11887},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11889},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (٥١) فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا (٥٢)﴾.","level":2,"page":11889},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا (٥٣)﴾.","level":2,"page":11890},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11891},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11892},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا (٥٤)﴾.","level":2,"page":11895},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا (٥٥)﴾.","level":2,"page":11895},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11896},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (٥٦) قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا (٥٧)﴾.","level":2,"page":11898},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا (٥٨)﴾.","level":2,"page":11898},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا (٥٩)﴾.","level":2,"page":11899},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11900},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا (٦٠)﴾.","level":2,"page":11900},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11901},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا (٦١)﴾.","level":2,"page":11901},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11902},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11904},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا (٦٢)﴾.","level":2,"page":11904},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11905},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11906},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11907},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (٦٣)﴾.","level":2,"page":11908},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11909},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11910},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11911},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11912},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (٦٤) والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما (٦٥) إنها ساءت مستقرا ومقاما (٦٦)﴾.","level":2,"page":11913},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11915},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11916},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما (٦٧)﴾.","level":2,"page":11916},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11918},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11919},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11921},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (٦٨) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (٦٩) إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما (٧٠) ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا (٧١)﴾.","level":2,"page":11924},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":11925},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11931},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11932},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11935},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11938},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11940},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (٧٢)﴾.","level":2,"page":11940},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11941},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11941},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11941},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11942},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11943},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11944},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11944},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11945},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11946},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (٧٣)﴾.","level":2,"page":11946},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما (٧٤)﴾.","level":2,"page":11948},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11949},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11951},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11951},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما (٧٥)﴾.","level":2,"page":11953},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما (٧٦) قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما (٧٧)﴾.","level":2,"page":11954},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11955},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11955},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11956},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11959},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11959},{"title":"تفسير سورة الشعراء","level":1,"page":11961},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿طسم تلك آيات الكتاب المبين لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين﴾.","level":2,"page":11961},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11962},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11963},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين﴾.","level":2,"page":11963},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين (٥)﴾.","level":2,"page":11968},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون (٦)﴾.","level":2,"page":11968},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم (٧)﴾.","level":2,"page":11968},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11969},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (٨) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (٩)﴾.","level":2,"page":11969},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين (١٠) قوم فرعون ألا يتقون (١١)﴾.","level":2,"page":11970},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال رب إني أخاف أن يكذبون (١٢) ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون (١٣) ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون (١٤)﴾.","level":2,"page":11971},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11972},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون (١٥) فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين (١٦) أن أرسل معنا بني إسرائيل (١٧)﴾.","level":2,"page":11973},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك","level":2,"page":11973},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11974},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11975},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11975},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11976},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال فعلتها إذا وأنا من الضالين (٢٠) ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين (٢١)﴾.","level":2,"page":11976},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل (٢٢) قال فرعون وما رب العالمين (٢٣) قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (٢٤)﴾.","level":2,"page":11978},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11979},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11980},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال لمن حوله ألا تستمعون (٢٥) قال ربكم ورب آبائكم الأولين (٢٦) قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون (٢٧) قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون (٢٨) قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين (٢٩)﴾","level":2,"page":11982},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال أولو جئتك بشيء مبين (٣٠) قال فأت به إن كنت من الصادقين (٣١) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (٣٢) ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (٣٣)﴾.","level":2,"page":11983},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11984},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم (٣٤) يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون (٣٥) قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين (٣٦) يأتوك بكل سحار عليم (٣٧)﴾.","level":2,"page":11985},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فجمع السحرة لميقات يوم معلوم (٣٨) وقيل للناس هل أنتم مجتمعون (٣٩) لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين (٤٠)﴾.","level":2,"page":11986},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11987},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (٤١) قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين (٤٢) قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (٤٣) فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون (٤٤)﴾.","level":2,"page":11987},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون (٤٥) فألقي السحرة ساجدين (٤٦) قالوا آمنا برب العالمين (٤٧) رب موسى وهارون (٤٨) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون (٤٩)﴾.","level":2,"page":11988},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين (٤٩) قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون (٥٠)﴾.","level":2,"page":11989},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11990},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11990},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين (٥١) وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون (٥٢)﴾.","level":2,"page":11990},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأرسل فرعون في المدائن حاشرين (٥٣) إن هؤلاء لشرذمة قليلون (٥٤) وإنهم لنا لغائظون (٥٥) وإنا لجميع حاذرون (٥٦)﴾.","level":2,"page":11991},{"title":"ذكر الرواية عمن قال ذلك","level":2,"page":11992},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11995},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11996},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأخرجناهم من جنات وعيون (٥٧) وكنوز ومقام كريم (٥٨) كذلك وأورثناها بني إسرائيل (٥٩) فأتبعوهم مشرقين (٦٠)﴾.","level":2,"page":11997},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11998},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":11999},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون (٦١) قال كلا إن معي ربي سيهدين (٦٢) فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم (٦٣)﴾.","level":2,"page":11999},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12002},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأزلفنا ثم الآخرين (٦٤) وأنجينا موسى ومن معه أجمعين (٦٥) ثم أغرقنا الآخرين (٦٦) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (٦٧) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (٦٨)﴾.","level":2,"page":12004},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12005},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واتل عليهم نبأ إبراهيم (٦٩) إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون (٧٠) قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (٧١)﴾.","level":2,"page":12008},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال هل يسمعونكم إذ تدعون (٧٢) أو ينفعونكم أو يضرون (٧٣) قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (٧٤)﴾.","level":2,"page":12008},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (٧٥) أنتم وآباؤكم الأقدمون (٧٦) فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (٧٧)﴾.","level":2,"page":12010},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذي خلقني فهو يهدين (٧٨) والذي هو","level":2,"page":12010},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12011},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذي يميتني ثم يحيين (٨١) والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (٨٢)﴾.","level":2,"page":12011},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين (٨٣) واجعل لي لسان صدق في الآخرين (٨٤)﴾.","level":2,"page":12012},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12013},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واجعلني من ورثة جنة النعيم (٨٥) واغفر لأبي إنه","level":2,"page":12013},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12015},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12016},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأزلفت الجنة للمتقين (٩٠) وبرزت الجحيم للغاوين (٩١) وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون (٩٢) من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون (٩٣) فكبكبوا فيها هم والغاوون (٩٤) وجنود إبليس أجمعون (٩٥)﴾.","level":2,"page":12016},{"title":"ذكر الرواية عمن قال ذلك","level":2,"page":12017},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا وهم فيها يختصمون (٩٦) تالله إن كنا لفي ضلال مبين (٩٧) إذ نسويكم برب العالمين (٩٨)﴾.","level":2,"page":12017},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12018},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما أضلنا إلا المجرمون (٩٩) فما لنا من شافعين (١٠٠) ولا صديق حميم (١٠١) فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين (١٠٢)﴾.","level":2,"page":12018},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12019},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12019},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (١٠٣) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (١٠٤)﴾.","level":2,"page":12020},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين (١٠٥) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون (١٠٦) إني لكم رسول أمين (١٠٧)﴾.","level":2,"page":12020},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله وأطيعون (١٠٨) وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (١٠٩) فاتقوا الله وأطيعون (١١٠)﴾.","level":2,"page":12020},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (١١١) قال وما علمي بما كانوا يعملون (١١٢) إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون (١١٣)﴾.","level":2,"page":12021},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12022},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما أنا بطارد المؤمنين (١١٤) إن أنا إلا نذير مبين (١١٥) قالوا لئن لم تنته يانوح لتكونن من المرجومين (١١٦)﴾.","level":2,"page":12022},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال رب إن قومي كذبون (١١٧) فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين (١١٨) فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون (١١٩) ثم أغرقنا بعد الباقين (١٢٠)﴾.","level":2,"page":12022},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12023},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (١٢١) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (١٢٢)﴾.","level":2,"page":12024},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كذبت عاد المرسلين (١٢٣) إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون (١٢٤) إني لكم رسول أمين (١٢٥) فاتقوا الله وأطيعون (١٢٦) وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (١٢٧)﴾.","level":2,"page":12025},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أتبنون بكل ريع آية تعبثون (١٢٨) وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون (١٢٩) وإذا بطشتم بطشتم جبارين (١٣٠)﴾.","level":2,"page":12025},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12026},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12028},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12029},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12030},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12030},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12031},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12031},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله وأطيعون (١٣١) واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون (١٣٢) أمدكم بأنعام وبنين (١٣٣) وجنات وعيون (١٣٤) إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (١٣٥)﴾","level":2,"page":12032},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12033},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين (١٣٦) إن هذا إلا خلق الأولين (١٣٧) وما نحن بمعذبين (١٣٨)﴾.","level":2,"page":12033},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12034},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (١٣٩) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (١٤٠)﴾.","level":2,"page":12036},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كذبت ثمود المرسلين (١٤١) إذ قال لهم أخوهم","level":2,"page":12036},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أتتركون في ما هاهنا آمنين (١٤٦) في جنات وعيون (١٤٧) وزروع ونخل طلعها هضيم (١٤٨) وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين (١٤٩) فاتقوا الله وأطيعون (١٥٠)﴾.","level":2,"page":12037},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12038},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12038},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12039},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12039},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12040},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12041},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12041},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12041},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12042},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تطيعوا أمر المسرفين (١٥١) الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون (١٥٢) قالوا إنما أنت من المسحرين (١٥٣)﴾","level":2,"page":12043},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12044},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12045},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين (١٥٤) قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم (١٥٥) ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (١٥٦)﴾.","level":2,"page":12046},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12047},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فعقروها فأصبحوا نادمين (١٥٧) فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (١٥٨) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (١٥٩)﴾.","level":2,"page":12047},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كذبت قوم لوط المرسلين (١٦٠) إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون (١٦١) إني لكم رسول أمين (١٦٢) فاتقوا الله وأطيعون (١٦٣) وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (١٦٤)﴾.","level":2,"page":12048},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أتأتون الذكران من العالمين (١٦٥) وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون (١٦٦)﴾.","level":2,"page":12048},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12049},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا لئن لم تنته يالوط لتكونن من المخرجين (١٦٧) قال إني لعملكم من القالين (١٦٨)﴾.","level":2,"page":12050},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿رب نجني وأهلي مما يعملون (١٦٩) فنجيناه وأهله أجمعين (١٧٠) إلا عجوزا في الغابرين (١٧١)﴾.","level":2,"page":12050},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم دمرنا الآخرين (١٧٢) وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (١٧٣) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (١٧٤) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (١٧٥)﴾.","level":2,"page":12051},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كذب أصحاب الأيكة المرسلين (١٧٦) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (١٧٧) إني لكم رسول أمين (١٧٨) فاتقوا الله وأطيعون (١٧٩)﴾.","level":2,"page":12051},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12052},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿(١٧٩) وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (١٨٠) أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين﴾.","level":2,"page":12053},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وزنوا بالقسطاس المستقيم (١٨٢) ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (١٨٣)﴾.","level":2,"page":12053},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين (١٨٤) قالوا إنما أنت من المسحرين (١٨٥) وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين (١٨٦) فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين (١٨٧)﴾.","level":2,"page":12053},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12054},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12055},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12056},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال ربي أعلم بما تعملون (١٨٨) فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم (١٨٩)﴾.","level":2,"page":12056},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (١٩٠) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (١٩١)﴾.","level":2,"page":12059},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12060},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين (١٩٢) نزل به الروح الأمين (١٩٣) على قلبك لتكون من المنذرين (١٩٤) بلسان عربي مبين (١٩٥)﴾.","level":2,"page":12060},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12061},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإنه لفي زبر الأولين (١٩٦) أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل (١٩٧) ولو نزلناه على بعض الأعجمين (١٩٨) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين (١٩٩) كذلك سلكناه في قلوب المجرمين (٢٠٠) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم (٢٠١)﴾.","level":2,"page":12062},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12063},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12065},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12067},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (٢٠٢) فيقولوا هل نحن منظرون (٢٠٣) أفبعذابنا يستعجلون (٢٠٤)﴾.","level":2,"page":12069},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفرأيت إن متعناهم سنين (٢٠٥) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (٢٠٦) ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون (٢٠٧)﴾.","level":2,"page":12069},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون (٢٠٨) ذكرى وما كنا ظالمين (٢٠٩) وما تنزلت به الشياطين (٢١٠) وما ينبغي لهم وما يستطيعون (٢١١) إنهم عن السمع لمعزولون (٢١٢)﴾.","level":2,"page":12070},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12071},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12072},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين (٢١٣) وأنذر عشيرتك الأقربين (٢١٤) واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (٢١٥)﴾.","level":2,"page":12072},{"title":"ذكر [الرواية بذلك]","level":2,"page":12073},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون (٢١٦) وتوكل على العزيز الرحيم (٢١٧) الذي يراك حين تقوم (٢١٨) وتقلبك في الساجدين (٢١٩) إنه هو السميع العليم (٢٢٠)﴾.","level":2,"page":12084},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12085},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12086},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12087},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12088},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12088},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12089},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (٢٢١) تنزل على كل أفاك أثيم (٢٢٢) يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (٢٢٣)﴾.","level":2,"page":12089},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12091},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12091},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون (٢٢٤) ألم تر أنهم في","level":2,"page":12091},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12092},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12092},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12093},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12094},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12095},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":12097},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12099},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12099},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12100},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12101},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12102},{"title":"تفسير سورة النمل","level":1,"page":12103},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون﴾.","level":2,"page":12103},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون (٥)﴾.","level":2,"page":12105},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم (٦) إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون (٧) فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين (٨)﴾.","level":2,"page":12105},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12108},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12109},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12110},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12110},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياموسى إنه أنا الله العزيز الحكيم (٩) وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب ياموسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون (١٠) إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم (١١)﴾.","level":2,"page":12111},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12113},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12114},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12118},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12118},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين (١٢)﴾.","level":2,"page":12118},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12120},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (١٣) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (١٤)﴾.","level":2,"page":12120},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12121},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين (١٥)﴾.","level":2,"page":12122},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وورث سليمان داوود وقال ياأيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين (١٦)﴾.","level":2,"page":12122},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون (١٧)﴾.","level":2,"page":12123},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12124},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12124},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12125},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (١٨)﴾.","level":2,"page":12125},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12126},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (١٩)﴾.","level":2,"page":12126},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12127},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (٢٠) لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (٢١)﴾.","level":2,"page":12127},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12130},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12131},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12133},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين (٢٢)﴾.","level":2,"page":12135},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12137},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (٢٣) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون (٢٤)﴾.","level":2,"page":12137},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12138},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون (٢٥) الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم (٢٦)﴾.","level":2,"page":12139},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12140},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين (٢٧) اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون (٢٨)﴾.","level":2,"page":12142},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12143},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12144},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12144},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالت ياأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم (٢٩) إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (٣٠)﴾.","level":2,"page":12144},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالت ياأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون (٣٢) قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين (٣٣)﴾.","level":2,"page":12147},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12148},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين (٣٣)﴾.","level":2,"page":12149},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12150},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون (٣٤) وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون (٣٥) فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون (٣٦) ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون (٣٧)﴾.","level":2,"page":12150},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12151},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12156},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12157},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال ياأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين (٣٨) قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين (٣٩) قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم (٤٠)﴾.","level":2,"page":12157},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12158},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12160},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12162},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12162},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12163},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12163},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12164},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12165},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12166},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12166},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12169},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12169},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12170},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12172},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12172},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12173},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون (٤١)﴾.","level":2,"page":12173},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12175},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12176},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين (٤٢)﴾.","level":2,"page":12176},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12177},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12177},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين (٤٣)﴾.","level":2,"page":12177},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع","level":2,"page":12178},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12180},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12181},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12183},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون (٤٥) قال ياقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون (٤٦)﴾.","level":2,"page":12183},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12184},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون (٤٧)﴾.","level":2,"page":12185},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12186},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (٤٨) قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون (٤٩)﴾.","level":2,"page":12186},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12187},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12188},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (٥٠) فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين (٥١)﴾.","level":2,"page":12190},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12191},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون (٥٢) وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (٥٣)﴾.","level":2,"page":12193},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون (٥٤) أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون (٥٥)﴾.","level":2,"page":12194},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (٥٦)﴾.","level":2,"page":12194},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين (٥٧) وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (٥٨)﴾.","level":2,"page":12195},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12196},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون (٥٩)﴾.","level":2,"page":12196},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون (٦٠)﴾.","level":2,"page":12197},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12198},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (٦١)﴾.","level":2,"page":12199},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون (٦٢)﴾.","level":2,"page":12200},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون (٦٣)﴾.","level":2,"page":12201},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (٦٤)﴾.","level":2,"page":12202},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿(٦٤) قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون (٦٥) بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل","level":2,"page":12202},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12207},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12207},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12207},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12208},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون (٦٧) لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (٦٨)﴾.","level":2,"page":12209},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين (٦٩) ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون (٧٠)﴾.","level":2,"page":12210},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12211},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (٧١) قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون (٧٢)﴾.","level":2,"page":12211},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12213},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12213},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (٧٣) وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (٧٤)﴾.","level":2,"page":12213},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12214},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين (٧٥) إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون (٧٦)﴾.","level":2,"page":12214},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين (٧٧) إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم (٧٨)﴾.","level":2,"page":12215},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فتوكل على الله إنك على الحق المبين (٧٩) إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (٨٠)﴾.","level":2,"page":12215},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (٨١) وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون (٨٢)﴾.","level":2,"page":12216},{"title":"ذكر من قال مثل الذي قلنا في قوله تعالى: ﴿وقع﴾.","level":2,"page":12217},{"title":"ذكر من قال قولنا في معنى ﴿القول﴾","level":2,"page":12218},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12218},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12219},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12225},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون (٨٣) حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أماذا كنتم تعملون (٨٤)﴾.","level":2,"page":12226},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12227},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون (٨٥) ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (٨٦)﴾.","level":2,"page":12228},{"title":"ذكر بعض من لم يذكر فيما مضى قبل من الخبر عن ذلك","level":2,"page":12229},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين (٨٧)﴾.","level":2,"page":12229},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12232},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12234},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون (٨٨)﴾.","level":2,"page":12235},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12236},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12237},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون (٨٩) ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون (٩٠)﴾.","level":2,"page":12237},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12241},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين (٩١)﴾.","level":2,"page":12243},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12244},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين (٩٢)﴾.","level":2,"page":12244},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون (٩٣)﴾.","level":2,"page":12245},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12246},{"title":"تفسير سورة القصص","level":1,"page":12247},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون﴾.","level":2,"page":12247},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين﴾","level":2,"page":12248},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12250},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (٥) ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون (٦)﴾","level":2,"page":12250},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12251},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12251},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12251},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين (٧)﴾.","level":2,"page":12253},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12254},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12255},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12256},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12256},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12257},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين (٨)﴾.","level":2,"page":12257},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12258},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12258},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12260},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":12261},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون (٩)﴾.","level":2,"page":12261},{"title":"ذكر من قال: قالت ذلك يوم نتف لحيته","level":2,"page":12262},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12263},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12263},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12264},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين (١٠)﴾.","level":2,"page":12264},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12265},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12267},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12268},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12270},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12270},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12271},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون (١١)﴾.","level":2,"page":12271},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12273},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12274},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12275},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون (١٢)﴾.","level":2,"page":12275},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12277},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12278},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (١٣)﴾.","level":2,"page":12278},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (١٤)﴾.","level":2,"page":12278},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12279},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12281},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (١٥)﴾.","level":2,"page":12281},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12282},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12282},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12283},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12284},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12287},{"title":"ذكر أنه قتله ثم دفنه في الرمل","level":2,"page":12288},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (١٦) قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين (١٧)﴾.","level":2,"page":12288},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12289},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12290},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين (١٨)﴾.","level":2,"page":12290},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12291},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12293},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال ياموسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين (١٩)﴾.","level":2,"page":12293},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12295},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12296},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال ياموسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين (٢٠)﴾.","level":2,"page":12296},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12298},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين (٢١) ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل (٢٢)﴾.","level":2,"page":12299},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":12301},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12302},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12303},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12304},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12306},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12307},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12307},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12308},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12309},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12310},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12312},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير (٢٤)﴾.","level":2,"page":12312},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12314},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12316},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين (٢٥)﴾.","level":2,"page":12316},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12318},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالت إحداهما ياأبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين (٢٦)﴾.","level":2,"page":12320},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12321},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12321},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12322},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12323},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى ﴿قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين (٢٧)﴾.","level":2,"page":12327},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل (٢٨)﴾.","level":2,"page":12328},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12330},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12331},{"title":"ذكر من قال: التي كانت آية عصا أعطاها موسى جبريل ﵉","level":2,"page":12332},{"title":"ذكر من قال: الذي قضى من ذلك هو الحجج العشر","level":2,"page":12332},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون (٢٩)﴾.","level":2,"page":12332},{"title":"ذكر من قال: قضى العشر الحجج وزاد على العشر عشرا أخرى","level":2,"page":12335},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12336},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12337},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12339},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن ياموسى إني أنا الله رب العالمين (٣٠)﴾.","level":2,"page":12339},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12340},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12340},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب ياموسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين (٣١) اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين (٣٢)﴾.","level":2,"page":12341},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12343},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12345},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12347},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون (٣٣) وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون (٣٤)﴾.","level":2,"page":12347},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12348},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12348},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون (٣٥)﴾.","level":2,"page":12349},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (٣٦)﴾.","level":2,"page":12351},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (٣٧)﴾.","level":2,"page":12351},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12352},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال فرعون ياأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين (٣٨)﴾.","level":2,"page":12352},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون (٣٩) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (٤٠)﴾.","level":2,"page":12354},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون (٤١) وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين (٤٢)﴾.","level":2,"page":12355},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12356},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون (٤٣)﴾.","level":2,"page":12356},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12357},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين (٤٤)﴾.","level":2,"page":12357},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12358},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين (٤٥)﴾.","level":2,"page":12358},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12359},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون (٤٦)﴾.","level":2,"page":12359},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12362},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (٤٧)﴾.","level":2,"page":12362},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون (٤٨)﴾.","level":2,"page":12362},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12363},{"title":"ذكر من قال: عنى بالساحرين اللذين تظاهرا: محمد وموسى صلى الله عليهما","level":2,"page":12364},{"title":"ومن قال: موسى وهارون ﵉","level":2,"page":12365},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12366},{"title":"ذكر من قال: عنوا بذلك التوراة والفرقان. ووجه تأويله إلى قراءة من قرأ: ﴿سحران تظاهرا﴾.","level":2,"page":12366},{"title":"ذكر من قال: عنوا به التوراة والإنجيل","level":2,"page":12366},{"title":"ذكر من قال: عنوا به الفرقان والإنجيل","level":2,"page":12367},{"title":"ذكر من قال مثل الذي قلنا في ذلك","level":2,"page":12368},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12369},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى ﴿قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين (٤٩)﴾.","level":2,"page":12369},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12370},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين (٥٠)﴾.","level":2,"page":12370},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون (٥١) الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون (٥٢)﴾.","level":2,"page":12371},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12372},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12373},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12374},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12375},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين (٥٣)﴾.","level":2,"page":12376},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون (٥٤)﴾.","level":2,"page":12377},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (٥٥)﴾.","level":2,"page":12378},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12379},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين (٥٦)﴾.","level":2,"page":12380},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":12381},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن","level":2,"page":12384},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12385},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12386},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين (٥٨)﴾.","level":2,"page":12387},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12388},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12389},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون (٥٩)﴾.","level":2,"page":12389},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12390},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12390},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون (٦٠)﴾.","level":2,"page":12390},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12391},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين (٦١)﴾.","level":2,"page":12391},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12392},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (٦٢) قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون (٦٣)﴾.","level":2,"page":12393},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون (٦٤)﴾.","level":2,"page":12394},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين (٦٥) فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون (٦٦)﴾.","level":2,"page":12394},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين (٦٧)﴾.","level":2,"page":12396},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون (٦٨)﴾.","level":2,"page":12397},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (٦٩) وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون (٧٠)﴾.","level":2,"page":12401},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (٧١)﴾.","level":2,"page":12402},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون (٧٢)﴾.","level":2,"page":12403},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (٧٣)﴾.","level":2,"page":12403},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (٧٤) ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون (٧٥)﴾.","level":2,"page":12404},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين (٧٦)﴾.","level":2,"page":12407},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا","level":2,"page":12419},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون (٧٨)﴾.","level":2,"page":12423},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا ياليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (٧٩)﴾.","level":2,"page":12426},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون (٨٠)﴾.","level":2,"page":12428},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين (٨١)﴾.","level":2,"page":12429},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون (٨٢)﴾.","level":2,"page":12437},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين (٨٣)﴾.","level":2,"page":12441},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون (٨٤)﴾.","level":2,"page":12443},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين (٨٥)﴾.","level":2,"page":12443},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين (٨٦)﴾.","level":2,"page":12450},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين (٨٧)﴾.","level":2,"page":12451},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون (٨٨)﴾.","level":2,"page":12451},{"title":"تفسير سورة العنكبوت","level":1,"page":12453},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾.","level":2,"page":12453},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾.","level":2,"page":12455},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا","level":2,"page":12457},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم (٥) ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن","level":2,"page":12458},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون (٧)﴾.","level":2,"page":12459},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (٨)﴾.","level":2,"page":12460},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين (٩)﴾.","level":2,"page":12461},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين (١٠)﴾.","level":2,"page":12462},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين (١١)﴾.","level":2,"page":12465},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون (١٢)﴾.","level":2,"page":12465},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون (١٣)﴾.","level":2,"page":12467},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون (١٤)﴾.","level":2,"page":12468},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين (١٥)﴾.","level":2,"page":12469},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (١٦)﴾.","level":2,"page":12470},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون (١٧)﴾.","level":2,"page":12471},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين (١٨)﴾.","level":2,"page":12474},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (١٩) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير (٢٠)﴾.","level":2,"page":12474},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (٢١) وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (٢٢)﴾.","level":2,"page":12476},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك","level":2,"page":12477},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (٢٤)﴾.","level":2,"page":12478},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (٢٥)﴾.","level":2,"page":12479},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو","level":2,"page":12481},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (٢٧)﴾.","level":2,"page":12483},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (٢٨)﴾.","level":2,"page":12485},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين (٢٩) [قال رب انصرني على القوم المفسدين] (٣٠)﴾.","level":2,"page":12486},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين (٣١)﴾.","level":2,"page":12491},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (٣٢)﴾.","level":2,"page":12492},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين (٣٣)﴾.","level":2,"page":12493},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (٣٤)﴾.","level":2,"page":12494},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون (٣٥)﴾","level":2,"page":12494},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال ياقوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين (٣٦)﴾.","level":2,"page":12495},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (٣٧)﴾.","level":2,"page":12496},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين (٣٨)﴾.","level":2,"page":12496},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين (٣٩)﴾.","level":2,"page":12498},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (٤٠)﴾.","level":2,"page":12498},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (٤١)﴾.","level":2,"page":12501},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم (٤٢) وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (٤٣)﴾.","level":2,"page":12503},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين (٤٤)﴾.","level":2,"page":12505},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون (٤٥)﴾.","level":2,"page":12505},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (٤٦)﴾.","level":2,"page":12515},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (٤٧)﴾.","level":2,"page":12521},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (٤٨)﴾.","level":2,"page":12522},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون (٤٩)﴾.","level":2,"page":12524},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين (٥٠)﴾.","level":2,"page":12526},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (٥١)﴾.","level":2,"page":12526},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين (٥٠)﴾.","level":2,"page":12526},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم","level":2,"page":12527},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون (٥٣)﴾.","level":2,"page":12528},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (٥٤)﴾.","level":2,"page":12529},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون (٥٥)﴾.","level":2,"page":12530},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي","level":2,"page":12530},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون (٥٧) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين (٥٨) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (٥٩)﴾.","level":2,"page":12533},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم (٦٠)﴾.","level":2,"page":12535},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون (٦١)﴾.","level":2,"page":12536},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم (٦٢)﴾.","level":2,"page":12536},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (٦٣)﴾.","level":2,"page":12537},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار","level":2,"page":12537},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (٦٥)﴾.","level":2,"page":12538},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون (٦٦) أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (٦٧)﴾.","level":2,"page":12539},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين (٦٨)﴾.","level":2,"page":12542},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين (٦٩)﴾.","level":2,"page":12542},{"title":"تفسير \"سورة الروم\"","level":1,"page":12544},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (٥)﴾.","level":2,"page":12544},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (٦)﴾.","level":2,"page":12558},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (٧)﴾.","level":2,"page":12558},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (٨)﴾.","level":2,"page":12562},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة","level":2,"page":12562},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون (١٠)﴾.","level":2,"page":12564},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون﴾.","level":2,"page":12565},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون (١٢) ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين (١٣)﴾.","level":2,"page":12566},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (١٤) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون (١٥)﴾.","level":2,"page":12567},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون (١٦)﴾.","level":2,"page":12571},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (١٧) وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون (١٨)﴾.","level":2,"page":12571},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون (١٩)﴾.","level":2,"page":12574},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (٢٠)﴾.","level":2,"page":12575},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (٢١)﴾.","level":2,"page":12576},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (٢٢)﴾.","level":2,"page":12577},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (٢٣)﴾.","level":2,"page":12577},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (٢٤)﴾.","level":2,"page":12578},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون (٢٥)﴾.","level":2,"page":12580},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وله من في السماوات والأرض كل له قانتون (٢٦) وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (٢٧)﴾.","level":2,"page":12581},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون (٢٨)﴾.","level":2,"page":12587},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين (٢٩)﴾.","level":2,"page":12590},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (٣٠)﴾.","level":2,"page":12590},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12594},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12595},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (٣١) من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (٣٢)﴾.","level":2,"page":12595},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12596},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون (٣٣)﴾.","level":2,"page":12597},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (٣٤)﴾.","level":2,"page":12597},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12598},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون﴾.","level":2,"page":12598},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (٣٦)﴾.","level":2,"page":12598},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (٣٧)﴾.","level":2,"page":12599},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون (٣٨)﴾.","level":2,"page":12600},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (٣٩)﴾.","level":2,"page":12600},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12601},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12603},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12604},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12604},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12605},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى*: ﴿الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون (٤٠)﴾.","level":2,"page":12606},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12607},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون (٤١)﴾.","level":2,"page":12607},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12608},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12609},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12611},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين (٤٢)﴾.","level":2,"page":12612},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون (٤٣)﴾.","level":2,"page":12612},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12613},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12614},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (٤٤)﴾.","level":2,"page":12614},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين (٤٥)﴾.","level":2,"page":12615},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (٤٦)﴾.","level":2,"page":12615},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12616},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12616},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين (٤٧)﴾.","level":2,"page":12616},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون (٤٨)﴾.","level":2,"page":12617},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12618},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (٤٩)﴾.","level":2,"page":12619},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير (٥٠)﴾.","level":2,"page":12620},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (٥١)﴾.","level":2,"page":12621},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (٥٢) وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (٥٣)﴾.","level":2,"page":12621},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12622},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (٥٤)﴾.","level":2,"page":12623},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12624},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون (٥٥)﴾.","level":2,"page":12624},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12625},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون (٥٦)﴾.","level":2,"page":12625},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون (٥٧)﴾.","level":2,"page":12626},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون (٥٨)﴾.","level":2,"page":12626},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون (٥٩)﴾.","level":2,"page":12627},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون (٦٠)﴾.","level":2,"page":12627},{"title":"تفسير سورة لقمان","level":1,"page":12629},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الم تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون﴾.","level":2,"page":12629},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (٥)﴾.","level":2,"page":12630},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (٦)﴾.","level":2,"page":12630},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12631},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12632},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12636},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12636},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12637},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12638},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم (٧)﴾.","level":2,"page":12639},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (٨) خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم (٩)﴾.","level":2,"page":12640},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم (١٠)﴾.","level":2,"page":12640},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين (١١)﴾.","level":2,"page":12642},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12643},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد (١٢)﴾.","level":2,"page":12643},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12644},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12647},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم (١٣)﴾.","level":2,"page":12647},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12648},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير (١٤)﴾.","level":2,"page":12648},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12649},{"title":"ذكر الرواية الواردة في ذلك","level":2,"page":12650},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (١٥)﴾.","level":2,"page":12651},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12652},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يابني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير (١٦)﴾.","level":2,"page":12652},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12654},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12654},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12655},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12655},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12655},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12656},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور (١٧)﴾.","level":2,"page":12656},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور (١٨)﴾.","level":2,"page":12656},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12657},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12659},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12659},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿واقصد في مشيك واغ من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير (١٩)﴾.","level":2,"page":12660},{"title":"ذكر من قال: أمره بالتواضع في مشيه","level":2,"page":12661},{"title":"ذكر من قال: نهاه عن السرعة","level":2,"page":12661},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12662},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12663},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا","level":2,"page":12663},{"title":"ذكر بعض من قرأ ذلك على التوحيد، وفسره على ما ذكرنا عن قارئيه أنهم يفسرونه.","level":2,"page":12665},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (٢١)﴾.","level":2,"page":12666},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12667},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور (٢٢)﴾.","level":2,"page":12667},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور (٢٣) نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ (٢٤)﴾.","level":2,"page":12668},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (٢٥) لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد (٢٦)﴾.","level":2,"page":12668},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12669},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم (٢٧)﴾.","level":2,"page":12669},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12670},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير (٢٨)﴾.","level":2,"page":12672},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12673},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار","level":2,"page":12673},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12674},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير (٣٠)﴾.","level":2,"page":12675},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (٣١)﴾.","level":2,"page":12675},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور (٣٢)﴾.","level":2,"page":12677},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12678},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12678},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (٣٣)﴾.","level":2,"page":12680},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12681},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12682},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (٣٤)﴾.","level":2,"page":12682},{"title":"تفسير سورة السجدة","level":1,"page":12687},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون﴾.","level":2,"page":12687},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12688},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في","level":2,"page":12688},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون (٥)﴾.","level":2,"page":12689},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12690},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12692},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12692},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12693},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12694},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم (٦) الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين (٧) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (٨)﴾.","level":2,"page":12694},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12695},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12696},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12697},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12698},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (٩)﴾.","level":2,"page":12699},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون (١٠)﴾.","level":2,"page":12700},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12701},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم","level":2,"page":12701},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12703},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون (١٢)﴾.","level":2,"page":12703},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (١٣)﴾.","level":2,"page":12703},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12704},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون (١٤)﴾.","level":2,"page":12704},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12705},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون (١٥)﴾.","level":2,"page":12705},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون (١٦)﴾.","level":2,"page":12706},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12707},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12709},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12709},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12710},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12710},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12714},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12714},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (١٧)﴾.","level":2,"page":12714},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (١٨) أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون (١٩) وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون (٢٠)﴾.","level":2,"page":12722},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12723},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12724},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون (٢١)﴾.","level":2,"page":12724},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12725},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12727},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12727},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12729},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12729},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12730},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12730},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12732},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون (٢٢)﴾.","level":2,"page":12732},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12733},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من","level":2,"page":12733},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12735},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (٢٥)﴾.","level":2,"page":12737},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون (٢٦)﴾.","level":2,"page":12737},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (٢٧)﴾.","level":2,"page":12738},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12739},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين (٢٨) قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون (٢٩) فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون (٣٠)﴾.","level":2,"page":12741},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12742},{"title":"تفسير سورة الأحزاب","level":1,"page":12745},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا﴾.","level":2,"page":12745},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12746},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا﴾.","level":2,"page":12746},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل﴾.","level":2,"page":12746},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12747},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12747},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12749},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12750},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":12750},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿دعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما (٥)﴾.","level":2,"page":12751},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12752},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12753},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا (٦)﴾","level":2,"page":12754},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12756},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12757},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12759},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12760},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12760},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12762},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12762},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (٧)﴾.","level":2,"page":12762},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12764},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما﴾.","level":2,"page":12764},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا﴾.","level":2,"page":12765},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا (١٠) هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (١١) وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا (١٢)﴾.","level":2,"page":12769},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12770},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12775},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12777},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12778},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذ قالت طائفة منهم ياأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا (١٣) ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا (١٤)﴾.","level":2,"page":12782},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12783},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12784},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12785},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12786},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا (١٥)﴾","level":2,"page":12786},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا (١٦) قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (١٧)﴾.","level":2,"page":12787},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12788},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12790},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا (١٨) أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا (١٩)﴾.","level":2,"page":12790},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12791},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12792},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12793},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12794},{"title":"ذكر ذلك عن ابن عباس","level":2,"page":12794},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12795},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12795},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12796},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا﴾.","level":2,"page":12796},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12797},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا (٢١) ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما (٢٢)﴾.","level":2,"page":12798},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12799},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12800},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (٢٣) [ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما] (٢٤)﴾.","level":2,"page":12801},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12802},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12805},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12807},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12808},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12809},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا (٢٥)﴾.","level":2,"page":12809},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12811},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا (٢٦) وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء قديرا (٢٧)﴾.","level":2,"page":12811},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12822},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12823},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (٢٨) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما (٢٩)﴾.","level":2,"page":12824},{"title":"ذكر الرواية بقول من قال: كان ذلك من أجل شيء من النفقة وغيرها","level":2,"page":12825},{"title":"ذكر من قال ذلك [من أجل الغيرة]","level":2,"page":12827},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يانساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا (٣٠)﴾.","level":2,"page":12830},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12832},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما (٣١)﴾","level":2,"page":12832},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12834},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يانساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (٣٢) وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (٣٣)﴾.","level":2,"page":12834},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12835},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12835},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12837},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12838},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12838},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12838},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12841},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12841},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12847},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12848},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا (٣٤)﴾.","level":2,"page":12848},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12849},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما (٣٥)﴾.","level":2,"page":12849},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12852},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (٣٦)﴾.","level":2,"page":12852},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12854},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا (٣٧)﴾.","level":2,"page":12854},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12855},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12858},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا (٣٨)﴾.","level":2,"page":12859},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا (٣٩)﴾.","level":2,"page":12860},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما (٤٠)﴾.","level":2,"page":12861},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12862},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (٤١) وسبحوه بكرة وأصيلا (٤٢) هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما (٤٣) تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما (٤٤﴾.","level":2,"page":12863},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12864},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (٤٥) وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (٤٦) وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (٤٧) ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (٤٨)﴾.","level":2,"page":12865},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12866},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12867},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا (٤٩)﴾.","level":2,"page":12867},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12868},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12868},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (٥٠)﴾.","level":2,"page":12869},{"title":"ذكر الخبر عنه بذلك","level":2,"page":12871},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12874},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12874},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12875},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12877},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12878},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما (٥١)﴾.","level":2,"page":12878},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12880},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12880},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12881},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12883},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12884},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12885},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12886},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا (٥٢)﴾.","level":2,"page":12886},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12887},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12889},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12891},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12892},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12892},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما (٥٣)﴾.","level":2,"page":12897},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12898},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12902},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12906},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12907},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12907},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12910},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12911},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما (٥٤)﴾.","level":2,"page":12911},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا (٥٥)﴾.","level":2,"page":12911},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12912},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (٥٦)﴾.","level":2,"page":12914},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12915},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12918},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا (٥٧) والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا (٥٨)﴾.","level":2,"page":12918},{"title":"ذكر الرواية بذلك عنه","level":2,"page":12919},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما (٥٩)﴾.","level":2,"page":12920},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12921},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12922},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا (٦٠) ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا (٦١)﴾.","level":2,"page":12923},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12924},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12925},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12926},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12927},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (٦٢)﴾.","level":2,"page":12927},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا (٦٣)﴾.","level":2,"page":12927},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا (٦٤) خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا (٦٥)﴾.","level":2,"page":12928},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوم تقلب وجوههم في النار يقولون ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا (٦٦)﴾.","level":2,"page":12928},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا (٦٧) ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا (٦٨)﴾.","level":2,"page":12928},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12929},{"title":"ذكر الرواية التي رويت عنه، ومن قال ذلك","level":2,"page":12930},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها (٦٩)﴾.","level":2,"page":12930},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12932},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12934},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (٧٠) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما (٧١)﴾.","level":2,"page":12935},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (٧٢)﴾.","level":2,"page":12936},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12937},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12941},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12943},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12945},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما (٧٣)﴾.","level":2,"page":12945},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12946},{"title":"تفسير سورة سبأ","level":1,"page":12947},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير﴾.","level":2,"page":12947},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12948},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور﴾.","level":2,"page":12948},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين﴾.","level":2,"page":12949},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12951},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ليجزي الذين آمنوا وعملوا","level":2,"page":12951},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم (٥)﴾.","level":2,"page":12952},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12953},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد (٦)﴾.","level":2,"page":12953},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12954},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد (٧)﴾.","level":2,"page":12954},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد (٨)﴾.","level":2,"page":12955},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12956},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12958},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب (٩)﴾","level":2,"page":12958},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12959},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولقد آتينا داوود منا فضلا ياجبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد (١٠) أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير (١١)﴾.","level":2,"page":12959},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12960},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12962},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12963},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12963},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12963},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12964},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12965},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير (١٢)﴾.","level":2,"page":12966},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12967},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12968},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12969},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12970},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور (١٣)﴾.","level":2,"page":12970},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12972},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12974},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12975},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12976},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12977},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (١٤)﴾.","level":2,"page":12977},{"title":"ذكر من قال ذلك والرواية بذلك","level":2,"page":12980},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":12984},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (١٥)﴾.","level":2,"page":12984},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12988},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل (١٦)","level":2,"page":12988},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12989},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12991},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12992},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12992},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12994},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12995},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12997},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":12999},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13000},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين (١٨)﴾.","level":2,"page":13000},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13001},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13001},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13003},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (١٩)﴾.","level":2,"page":13004},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13005},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13008},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (٢٠)﴾.","level":2,"page":13008},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13010},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ (٢١)﴾.","level":2,"page":13010},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13011},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (٢٢)﴾.","level":2,"page":13012},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13013},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي","level":2,"page":13013},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13015},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13016},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13020},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13021},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13021},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13023},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين (٢٤)﴾.","level":2,"page":13023},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13024},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون (٢٥) قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم (٢٦)﴾.","level":2,"page":13026},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13027},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل أروني الذين ألحقتم به، شركاة كلا بل هو الله العزيز الحكيم﴾.","level":2,"page":13027},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13028},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (٢٨)﴾.","level":2,"page":13028},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (٢٩) قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون (٣٠)﴾.","level":2,"page":13029},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين (٣١)﴾.","level":2,"page":13029},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين (٣٢)﴾.","level":2,"page":13030},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا","level":2,"page":13030},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13032},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13033},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون (٣٤)﴾.","level":2,"page":13033},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين (٣٥) قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون (٣٦)﴾.","level":2,"page":13034},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13035},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13035},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون (٣٧)﴾.","level":2,"page":13035},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13037},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13037},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13038},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون (٣٨) قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين (٣٩)﴾.","level":2,"page":13038},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13039},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (٤٠) قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (٤١)﴾.","level":2,"page":13039},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون (٤٢)﴾.","level":2,"page":13040},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (٤٣)﴾.","level":2,"page":13040},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير (٤٤) وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير (٤٥)﴾.","level":2,"page":13041},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13042},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13042},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (٤٦)﴾.","level":2,"page":13043},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13044},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد (٤٧)﴾.","level":2,"page":13045},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13046},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب (٤٨) قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (٤٩)﴾.","level":2,"page":13046},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13047},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب (٥٠)﴾.","level":2,"page":13048},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (٥١)﴾.","level":2,"page":13048},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13049},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13050},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13052},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13054},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد (٥٢)﴾.","level":2,"page":13054},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13057},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13059},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد (٥٣)﴾.","level":2,"page":13059},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13060},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13061},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب (٥٤)﴾.","level":2,"page":13061},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13062},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13064},{"title":"تفسير سورة فاطر","level":1,"page":13066},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير﴾.","level":2,"page":13066},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم﴾.","level":2,"page":13067},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13068},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ياأيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾.","level":2,"page":13069},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور ياأيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم","level":2,"page":13069},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13070},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير (٦)﴾.","level":2,"page":13071},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13072},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير (٧)﴾.","level":2,"page":13072},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (٨)﴾.","level":2,"page":13073},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13074},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور (٩)﴾.","level":2,"page":13075},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13076},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور (١٠)﴾.","level":2,"page":13076},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13077},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13077},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13078},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13080},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13081},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص","level":2,"page":13081},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13082},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13083},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13084},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (١٢)﴾.","level":2,"page":13085},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13086},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير (١٣)﴾.","level":2,"page":13087},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13088},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13089},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير (١٤)﴾.","level":2,"page":13090},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13091},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13092},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد (١٥)﴾.","level":2,"page":13092},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (١٦) وما ذلك على الله بعزيز (١٧) ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير (١٨)﴾.","level":2,"page":13092},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13093},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير (١٩) ولا الظلمات ولا النور (٢٠) ولا الظل ولا الحرور (٢١) وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور (٢٢) إن أنت إلا نذير (٢٣)﴾.","level":2,"page":13096},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13097},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير (٢٤) وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير (٢٥) ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير (٢٦)﴾.","level":2,"page":13100},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (٢٧) ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور (٢٨)﴾.","level":2,"page":13102},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13103},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13104},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور (٢٩) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور (٣٠)﴾.","level":2,"page":13105},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير (٣١)﴾.","level":2,"page":13106},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (٣٢)﴾.","level":2,"page":13107},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13108},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13111},{"title":"ذكر الرواية الواردة بذلك","level":2,"page":13115},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13117},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (٣٣) وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (٣٤)﴾.","level":2,"page":13117},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13118},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13118},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13119},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13119},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13120},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب (٣٥)﴾.","level":2,"page":13120},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13121},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13121},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور (٣٦) وهم","level":2,"page":13121},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13124},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13124},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13127},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فذوقوا فما للظالمين من نصير (٣٧) إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور (٣٨)﴾.","level":2,"page":13128},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (٣٩)﴾.","level":2,"page":13128},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينت منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا (٤٠)﴾.","level":2,"page":13129},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13130},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا (٤١)﴾.","level":2,"page":13130},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13131},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (٤٢) استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا (٤٣)﴾.","level":2,"page":13132},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13135},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا (٤٤)﴾.","level":2,"page":13135},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا (٤٥)﴾.","level":2,"page":13136},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13137},{"title":"تفسير سورة \"يس\"","level":1,"page":13138},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13138},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13138},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم﴾.","level":2,"page":13138},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13139},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13139},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تنزيل العزيز الرحيم (٥)﴾","level":2,"page":13140},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13141},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13141},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (٦) لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (٧)﴾.","level":2,"page":13141},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون (٨) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (٩)﴾","level":2,"page":13143},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13144},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13145},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":13146},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (١٠) إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم (١١)﴾","level":2,"page":13147},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13148},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13148},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين (١٢)﴾.","level":2,"page":13148},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13149},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13152},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون (١٣) إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم","level":2,"page":13152},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13153},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13153},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13154},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون (١٥) قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون (١٦) وما علينا إلا البلاغ المبين (١٧)﴾.","level":2,"page":13155},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13156},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم (١٨)﴾.","level":2,"page":13156},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13157},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون (١٩) وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال ياقوم اتبعوا المرسلين (٢٠) اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون (٢١)﴾.","level":2,"page":13157},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13158},{"title":"ذكر الأخبار الواردة بذلك","level":2,"page":13159},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13161},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون (٢٢) أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون (٢٣) إني إذا لفي ضلال مبين (٢٤) إني آمنت بربكم فاسمعون (٢٥)﴾","level":2,"page":13162},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13163},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13163},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13164},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قيل ادخل الجنة قال ياليت قومي يعلمون (٢٦) بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين (٢٧)﴾.","level":2,"page":13164},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13165},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13166},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين (٢٨) إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون (٢٩)﴾.","level":2,"page":13166},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13167},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ياحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون (٣٠)﴾.","level":2,"page":13168},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13169},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13170},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون (٣١) وإن كل لما جميع لدينا محضرون (٣٢)﴾.","level":2,"page":13170},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون (٣٣) وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون (٣٤)﴾.","level":2,"page":13172},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون (٣٥)﴾.","level":2,"page":13172},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (٣٦)﴾.","level":2,"page":13173},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (٣٧) والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (٣٨)﴾.","level":2,"page":13174},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":13175},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون","level":2,"page":13175},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13177},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13178},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13180},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13182},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (٤١) وخلقنا لهم من مثله ما يركبون (٤٢) وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون (٤٣) إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين (٤٤)﴾.","level":2,"page":13182},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13184},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13186},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13187},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون (٤٥) وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (٤٦)﴾.","level":2,"page":13187},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13188},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين (٤٧)﴾.","level":2,"page":13189},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (٤٨)﴾.","level":2,"page":13190},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون (٤٩) فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون (٥٠)﴾.","level":2,"page":13190},{"title":"ذكر من قال ذلك، وما فيه من الأثر","level":2,"page":13191},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون (٥١) قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (٥٢) إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون (٥٣)﴾.","level":2,"page":13194},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فاليوم لا تظلم نفس شيئا (٥٤) إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون (٥٥)﴾.","level":2,"page":13199},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون (٥٦) لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون (٥٧) سلام قولا من رب رحيم (٥٨)﴾.","level":2,"page":13204},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون (٥٩) ألم أعهد إليكم يابني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (٦٠) وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (٦١)﴾.","level":2,"page":13209},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (٦٢) هذه جهنم التي كنتم توعدون (٦٣) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون (٦٤)﴾.","level":2,"page":13211},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون (٦٥)﴾.","level":2,"page":13212},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون (٦٦) ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون (٦٧)﴾.","level":2,"page":13214},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون (٦٨) وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين (٦٩) لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين (٧٠)﴾.","level":2,"page":13218},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون (٧١) وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (٧٢)﴾.","level":2,"page":13222},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون (٧٣) واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون (٧٤)﴾.","level":2,"page":13223},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون (٧٥) فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون (٧٦)﴾.","level":2,"page":13224},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (٧٧) وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي","level":2,"page":13225},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (٨٠) أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم (٨١)﴾.","level":2,"page":13229},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (٨٢) فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون (٨٣)﴾.","level":2,"page":13230},{"title":"تفسير سورة الصافات","level":1,"page":13232},{"title":"القول فى تأويل قوله ﷿: ﴿والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا﴾.","level":2,"page":13232},{"title":"القول فى تأويل قوله ﷿: ﴿إن إلهكم لواحد رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق (٥) إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (٦) وحفظا من كل شيطان مارد (٧) لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب (٨) دحورا ولهم عذاب واصب (٩) إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب﴾.","level":2,"page":13235},{"title":"القول فى تأويل قوله ﷿: ﴿فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب (١١) بل عجبت ويسخرون (١٢)﴾.","level":2,"page":13249},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وإذا ذكروا لا يذكرون (١٣) وإذا رأوا","level":2,"page":13254},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وقالوا إن هذا إلا سحر مبين (١٥) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (١٦) أوآباؤنا الأولون (١٧) قل نعم وأنتم داخرون (١٨) فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون (١٩)﴾.","level":2,"page":13256},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وقالوا ياويلنا هذا يوم الدين (٢٠) هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون (٢١)﴾.","level":2,"page":13257},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (٢٢) من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم (٢٣)﴾.","level":2,"page":13259},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون (٢٤) ما لكم لا تناصرون (٢٥) بل هم اليوم مستسلمون (٢٦) وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (٢٧)﴾","level":2,"page":13262},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين (٢٨) قالوا بل لم تكونوا مؤمنين (٢٩) وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين (٣٠)﴾.","level":2,"page":13264},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون (٣١) فأغويناكم إنا كنا غاوين (٣٢) فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون (٣٣) إنا كذلك نفعل","level":2,"page":13266},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون (٣٥) ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون (٣٦) بل جاء بالحق وصدق المرسلين (٣٧)﴾.","level":2,"page":13268},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنكم لذائقو العذاب الأليم (٣٨) وما تجزون إلا ما كنتم تعملون (٣٩) إلا عباد الله المخلصين (٤٠) أولئك لهم رزق معلوم (٤١)﴾.","level":2,"page":13269},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فواكه وهم مكرمون (٤٢) في جنات النعيم (٤٣) على سرر متقابلين (٤٤) يطاف عليهم بكأس من معين (٤٥) بيضاء لذة للشاربين (٤٦) لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون (٤٧)﴾.","level":2,"page":13270},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وعندهم قاصرات الطرف عين (٤٨) كأنهن بيض مكنون (٤٩) فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (٥٠)﴾.","level":2,"page":13277},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال قائل منهم إني كان لي قرين (٥١) يقول أإنك لمن المصدقين (٥٢) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون (٥٣)﴾.","level":2,"page":13282},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال هل أنتم مطلعون (٥٤) فاطلع فرآه في سواء الجحيم (٥٥) قال تالله إن كدت لتردين (٥٦) ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين (٥٧)﴾.","level":2,"page":13286},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفما نحن بميتين (٥٨) إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين (٥٩) إن هذا لهو الفوز العظيم (٦٠) لمثل هذا فليعمل العاملون (٦١)﴾.","level":2,"page":13290},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (٦٢) إنا جعلناها فتنة للظالمين (٦٣) إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم (٦٤) طلعها كأنه رءوس الشياطين (٦٥) فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون (٦٦)﴾.","level":2,"page":13291},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم (٦٧) ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم (٦٨) إنهم ألفوا آباءهم ضالين (٦٩) فهم على آثارهم يهرعون (٧٠)﴾.","level":2,"page":13294},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين (٧١) ولقد أرسلنا فيهم منذرين (٧٢) فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (٧٣) إلا عباد الله المخلصين (٧٤)﴾.","level":2,"page":13298},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون (٧٥) ونجيناه وأهله من الكرب العظيم (٧٦) وجعلنا ذريته هم الباقين (٧٧)﴾.","level":2,"page":13299},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وتركنا عليه في الآخرين (٧٨) سلام على نوح في العالمين (٧٩) إنا كذلك نجزي المحسنين (٨٠) إنه من عبادنا المؤمنين (٨١) ثم أغرقنا الآخرين (٨٢)﴾.","level":2,"page":13301},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن من شيعته لإبراهيم (٨٣) إذ جاء ربه بقلب سليم (٨٤) إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون (٨٥) أئفكا آلهة دون الله تريدون (٨٦)﴾.","level":2,"page":13303},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فما ظنكم برب العالمين (٨٧) فنظر نظرة في","level":2,"page":13305},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فراغ عليهم ضربا باليمين (٩٣) فأقبلوا إليه يزفون (٩٤) قال أتعبدون ما تنحتون (٩٥) والله خلقكم وما تعملون (٩٦)﴾.","level":2,"page":13311},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم (٩٧) فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين (٩٨) وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (٩٩) رب هب لي من الصالحين (١٠٠)﴾.","level":2,"page":13315},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فبشرناه بغلام حليم (١٠١) فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين (١٠٢)﴾.","level":2,"page":13318},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما أسلما وتله للجبين (١٠٣) وناديناه أن ياإبراهيم (١٠٤) قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين (١٠٥) إن هذا لهو البلاء المبين (١٠٦)﴾.","level":2,"page":13323},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وفديناه بذبح عظيم (١٠٧) وتركنا عليه في الآخرين (١٠٨) سلام على إبراهيم (١٠٩) كذلك نجزي المحسنين (١١٠) إنه من عبادنا المؤمنين (١١١)﴾.","level":2,"page":13327},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين (١١٢) وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (١١٣)﴾.","level":2,"page":13347},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد مننا على موسى وهارون (١١٤) ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم (١١٥) ونصرناهم فكانوا هم الغالبين (١١٦)﴾.","level":2,"page":13349},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وآتيناهما الكتاب المستبين (١١٧) وهديناهما الصراط المستقيم (١١٨) وتركنا عليهما في الآخرين (١١٩) سلام على موسى وهارون (١٢٠) إنا كذلك نجزي المحسنين (١٢١) إنهما من عبادنا المؤمنين (١٢٢)﴾.","level":2,"page":13350},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿وإن إلياس لمن المرسلين (١٢٣) إذ قال لقومه ألا تتقون (١٢٤) أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين (١٢٥) الله ربكم ورب آبائكم الأولين (١٢٦) فكذبوه فإنهم لمحضرون (١٢٧) إلا عباد الله المخلصين (١٢٨) وتركنا عليه في الآخرين (١٢٩)﴾.","level":2,"page":13351},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سلام على إل ياسين (١٣٠) إنا كذلك نجزي المحسنين (١٣١) إنه من عبادنا المؤمنين (١٣٢)﴾.","level":2,"page":13359},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن لوطا لمن المرسلين (١٣٣) إذ نجيناه وأهله أجمعين (١٣٤) إلا عجوزا في الغابرين (١٣٥) ثم دمرنا الآخرين (١٣٦)﴾.","level":2,"page":13362},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (١٣٧) وبالليل أفلا تعقلون (١٣٨)﴾.","level":2,"page":13363},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن يونس لمن المرسلين (١٣٩) إذ أبق إلى الفلك المشحون (١٤٠) فساهم فكان من المدحضين (١٤١) فالتقمه الحوت وهو مليم (١٤٢)﴾.","level":2,"page":13364},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلولا أنه كان من المسبحين (١٤٣) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (١٤٤) فنبذناه بالعراء وهو سقيم (١٤٥) وأنبتنا عليه شجرة من يقطين (١٤٦)﴾.","level":2,"page":13367},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون (١٥٠) ألا إنهم من إفكهم ليقولون (١٥١) ولد الله وإنهم لكاذبون (١٥٢)﴾.","level":2,"page":13381},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أصطفى البنات على البنين (١٥٣) ما لكم كيف تحكمون (١٥٤) أفلا تذكرون (١٥٥) أم لكم سلطان مبين (١٥٦) فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (١٥٧)﴾.","level":2,"page":13382},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون (١٥٨) سبحان الله عما يصفون (١٥٩) إلا عباد الله المخلصين (١٦٠)﴾.","level":2,"page":13384},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإنكم وما تعبدون (١٦١) ما أنتم عليه بفاتنين (١٦٢) إلا من هو صال الجحيم (١٦٣) وما منا إلا له مقام معلوم (١٦٤)﴾.","level":2,"page":13387},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإنا لنحن الصافون (١٦٥) وإنا لنحن المسبحون (١٦٦) وإن كانوا ليقولون (١٦٧) لو أن عندنا ذكرا من الأولين (١٦٨) لكنا عباد الله المخلصين (١٦٩)﴾.","level":2,"page":13392},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فكفروا به فسوف يعلمون (١٧٠) ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (١٧١) إنهم لهم المنصورون (١٧٢) وإن جندنا لهم الغالبون (١٧٣)﴾.","level":2,"page":13396},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فتول عنهم حتى حين (١٧٤) وأبصرهم فسوف يبصرون (١٧٥) أفبعذابنا يستعجلون (١٧٦) فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين (١٧٧)﴾.","level":2,"page":13398},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وتول عنهم حتى حين (١٧٨) وأبصر فسوف يبصرون (١٧٩) سبحان ربك رب العزة عما يصفون (١٨٠) وسلام على المرسلين (١٨١) والحمد لله رب العالمين (١٨٢)﴾.","level":2,"page":13400},{"title":"تفسير سورة \"ص\"","level":1,"page":13403},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق﴾.","level":2,"page":13403},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين","level":2,"page":13409},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب (٥)﴾.","level":2,"page":13415},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":13417},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد (٦) ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق (٧)﴾.","level":2,"page":13419},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب (٨) أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب (٩)﴾.","level":2,"page":13424},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب (١٠) جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب (١١)﴾.","level":2,"page":13424},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد (١٢) وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب (١٣) إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب (١٤)﴾.","level":2,"page":13428},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق (١٥) وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب (١٦)﴾.","level":2,"page":13431},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب (١٧) إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق (١٨) والطير محشورة كل له أواب (١٩) وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب (٢٠)﴾.","level":2,"page":13438},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (٢١) إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط (٢٢)﴾.","level":2,"page":13450},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب (٢٣)﴾.","level":2,"page":13455},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (٢٤)﴾","level":2,"page":13459},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (٢٥) ياداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب","level":2,"page":13473},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار (٢٧) أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (٢٨) كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب (٢٩)﴾.","level":2,"page":13476},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه أواب (٣٠) إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد (٣١) فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب (٣٢) ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق (٣٣)﴾.","level":2,"page":13478},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب (٣٤) قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب (٣٥)﴾.","level":2,"page":13485},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (٣٦) والشياطين كل بناء وغواص (٣٧) وآخرين مقرنين في الأصفاد (٣٨) هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (٣٩) وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (٤٠)﴾.","level":2,"page":13492},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13493},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13494},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13495},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13497},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13498},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13498},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13499},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13500},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني","level":2,"page":13502},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13504},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13505},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13506},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب (٤٣) وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب (٤٤)﴾.","level":2,"page":13506},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13509},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار (٤٥) إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (٤٦) وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار (٤٧)﴾.","level":2,"page":13511},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13512},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13515},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13516},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13516},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13517},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13517},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13518},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار (٤٨) هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب (٤٩)﴾.","level":2,"page":13518},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿جنات عدن مفتحة لهم الأبواب (٥٠) متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب (٥١)﴾.","level":2,"page":13519},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13521},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وعندهم قاصرات الطرف أتراب (٥٢) هذا ما توعدون ليوم الحساب (٥٣) إن هذا لرزقنا ما له من نفاد (٥٤)﴾.","level":2,"page":13521},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13523},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هذا وإن للطاغين لشر مآب (٥٥) جهنم يصلونها فبئس المهاد (٥٦) هذا فليذوقوه حميم وغساق (٥٧) وآخر من شكله أزواج (٥٨) هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالو النار (٥٩) قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار (٦٠)﴾.","level":2,"page":13523},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13526},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13527},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13528},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13529},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13530},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13531},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13532},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار (٦١)﴾.","level":2,"page":13533},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار (٦٢) أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار (٦٣) إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (٦٤)﴾.","level":2,"page":13533},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13534},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13536},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار (٦٥) رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار (٦٦)﴾.","level":2,"page":13537},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13538},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل هو نبأ عظيم (٦٧) أنتم عنه معرضون (٦٨) ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون (٦٩) إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين (٧٠)﴾.","level":2,"page":13538},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13540},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من","level":2,"page":13541},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13542},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال ياإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين (٧٥) قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (٧٦)﴾.","level":2,"page":13543},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال فاخرج منها فإنك رجيم (٧٧) وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين (٧٨) قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (٧٩)﴾.","level":2,"page":13544},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال فإنك من المنظرين (٨٠) إلى يوم الوقت المعلوم (٨١) قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين (٨٢) إلا عبادك منهم المخلصين (٨٣)﴾.","level":2,"page":13545},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال فالحق والحق أقول (٨٤) لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين (٨٥) قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين (٨٦)﴾.","level":2,"page":13546},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13547},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن هو إلا ذكر للعالمين (٨٧) ولتعلمن نبأه بعد حين (٨٨)﴾.","level":2,"page":13548},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13549},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13549},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13549},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13550},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13550},{"title":"تفسير سورة \"الزمر\"","level":1,"page":13552},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون﴾.","level":2,"page":13552},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13553},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13553},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13554},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13555},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار﴾.","level":2,"page":13556},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13557},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار (٥)﴾.","level":2,"page":13557},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13559},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (٦)﴾.","level":2,"page":13559},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13563},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13563},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13565},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13566},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور (٧)﴾.","level":2,"page":13566},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13567},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13567},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار (٨)﴾.","level":2,"page":13568},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13569},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13570},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13570},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13571},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب (٩)﴾","level":2,"page":13572},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13574},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13574},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل ياعباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (١٠)﴾.","level":2,"page":13576},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13577},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13577},{"title":"[القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (١١) وأمرت لأن أكون أول المسلمين (١٢) قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (١٣)﴾.","level":2,"page":13578},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل الله أعبد مخلصا له ديني (١٤) فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين (١٥)﴾","level":2,"page":13578},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13579},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده ياعباد فاتقون (١٦) والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد (١٧) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب (١٨)﴾.","level":2,"page":13580},{"title":"ذكر من قال ما ذكرنا في هذا الموضع","level":2,"page":13581},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13582},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13582},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13583},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار (١٩) لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد (٢٠)﴾.","level":2,"page":13584},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب (٢١)﴾.","level":2,"page":13585},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13586},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13587},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين (٢٢)﴾.","level":2,"page":13587},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد (٢٣)﴾","level":2,"page":13588},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13589},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":13591},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13592},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون (٢٤) كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (٢٥)﴾.","level":2,"page":13592},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (٢٦)﴾.","level":2,"page":13593},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى ﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (٢٧) قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون (٢٨)﴾.","level":2,"page":13593},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (٢٩)﴾.","level":2,"page":13594},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13596},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13596},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون (٣٠) ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون (٣١) فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين (٣٢)﴾","level":2,"page":13598},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13599},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13600},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13601},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13602},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13602},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (٣٣) لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (٣٤)﴾","level":2,"page":13602},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13603},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13603},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13604},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون (٣٥)﴾.","level":2,"page":13606},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد (٣٦) ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام (٣٧)﴾.","level":2,"page":13607},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13608},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13608},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (٣٨)﴾","level":2,"page":13609},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13610},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل ياقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون (٣٩) من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (٤٠)﴾.","level":2,"page":13611},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل (٤١)﴾.","level":2,"page":13612},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13613},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (٤٢)﴾.","level":2,"page":13613},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون (٤٣) قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون (٤٤)﴾.","level":2,"page":13614},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13615},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون (٤٥)﴾.","level":2,"page":13616},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13617},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون (٤٦)﴾.","level":2,"page":13617},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (٤٧)﴾.","level":2,"page":13618},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (٤٨)﴾.","level":2,"page":13618},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون (٤٩)﴾.","level":2,"page":13618},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13619},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13620},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (٥٠) فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين (٥١)﴾.","level":2,"page":13620},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13621},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (٥٢)﴾.","level":2,"page":13621},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13622},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (٥٣)﴾.","level":2,"page":13622},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13625},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13627},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (٥٤) واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون (٥٥)﴾.","level":2,"page":13629},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13630},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أن تقول نفس ياحسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين (٥٦) أو تقول لو أن الله هداني لكنت من","level":2,"page":13630},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13632},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13633},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (٥٧) أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين (٥٨)﴾.","level":2,"page":13633},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13634},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين (٥٩)﴾.","level":2,"page":13635},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13636},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين (٦٠)﴾.","level":2,"page":13636},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13638},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون (٦١) الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل (٦٢)﴾.","level":2,"page":13638},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون (٦٣)﴾.","level":2,"page":13639},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13640},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون (٦٤) ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (٦٥)﴾.","level":2,"page":13641},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بل الله فاعبد وكن من الشاكرين (٦٦) وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (٦٧)﴾.","level":2,"page":13642},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13643},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13643},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":13644},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13647},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13647},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":13650},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (٦٨)﴾.","level":2,"page":13651},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13652},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13652},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13653},{"title":"ذكر من قال ذلك، والخبر الذي جاء فيه عن رسول الله ﷺ","level":2,"page":13654},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":13657},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13659},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون (٦٩)﴾.","level":2,"page":13659},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13661},{"title":"ذكر من قال ما حكينا قوله من القول الآخر","level":2,"page":13661},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون (٧٠) وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها","level":2,"page":13661},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (٧٢)﴾.","level":2,"page":13663},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (٧٣) وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين (٧٤)﴾.","level":2,"page":13663},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13669},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين (٧٥)﴾.","level":2,"page":13669},{"title":"تفسير سورة حم المؤمن","level":1,"page":13672},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13672},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13672},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير﴾.","level":2,"page":13672},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13673},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13676},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13677},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب (٥)﴾.","level":2,"page":13677},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13678},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار (٦)﴾.","level":2,"page":13680},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (٧)﴾.","level":2,"page":13681},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13683},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم (٨)﴾.","level":2,"page":13683},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم (٩)﴾.","level":2,"page":13684},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13685},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13686},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير (١٢)﴾.","level":2,"page":13691},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب (١٣) فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (١٤)﴾.","level":2,"page":13691},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق (١٥) يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار (١٦)﴾","level":2,"page":13692},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13693},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13693},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13694},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13694},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب (١٧)﴾.","level":2,"page":13697},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13698},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع (١٨) يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (١٩) والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير (٢٠)﴾.","level":2,"page":13698},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13699},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13700},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13701},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق (٢١)﴾.","level":2,"page":13703},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب (٢٢)﴾.","level":2,"page":13704},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال (٢٥)﴾.","level":2,"page":13705},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد (٢٦)﴾.","level":2,"page":13706},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13708},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب (٢٧) وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب (٢٨)﴾.","level":2,"page":13708},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13709},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13711},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13711},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياقوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (٢٩)﴾.","level":2,"page":13712},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الذي آمن ياقوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب (٣٠) مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد (٣١)﴾.","level":2,"page":13712},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13714},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وياقوم إني أخاف عليكم يوم التناد (٣٢) يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد (٣٣)﴾.","level":2,"page":13714},{"title":"ذكر من قال ذلك كذلك، وذكر المعنى الذي قصد بقراءته ذلك كذلك","level":2,"page":13716},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13718},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13719},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13719},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب (٣٤)﴾.","level":2,"page":13719},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (٣٥)﴾.","level":2,"page":13720},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وقال فرعون ياهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب (٣٦) أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب (٣٧)﴾.","level":2,"page":13722},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13723},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13723},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13724},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13726},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وقال الذي آمن ياقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد (٣٨) ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (٣٩)﴾.","level":2,"page":13727},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13728},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13728},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب (٤٠)﴾.","level":2,"page":13728},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13729},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وياقوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار (٤١) تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار (٤٢)﴾.","level":2,"page":13729},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13730},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار (٤٣)﴾.","level":2,"page":13730},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13731},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13732},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13733},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد (٤٤) فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب (٤٥)﴾.","level":2,"page":13733},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13734},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13735},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (٤٦)﴾.","level":2,"page":13735},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13737},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار (٤٧) قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد (٤٨)﴾.","level":2,"page":13739},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب (٤٩) قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم","level":2,"page":13740},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في","level":2,"page":13741},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13743},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13744},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب (٥٣) هدى وذكرى لأولي الألباب (٥٤) فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار (٥٥)﴾.","level":2,"page":13745},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (٥٦)﴾.","level":2,"page":13746},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13747},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13747},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (٥٧)﴾.","level":2,"page":13748},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون (٥٨)﴾.","level":2,"page":13748},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (٥٩) وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (٦٠)﴾.","level":2,"page":13749},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13750},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13752},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (٦١)﴾.","level":2,"page":13753},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (٦٢) كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون (٦٣)﴾.","level":2,"page":13753},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين (٦٤) هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين (٦٥)﴾.","level":2,"page":13754},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13755},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين (٦٦)﴾.","level":2,"page":13756},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون (٦٧)﴾ [غافر: ٦٧].","level":2,"page":13757},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (٦٨) ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون (٦٩)﴾.","level":2,"page":13757},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13758},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13760},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون (٧٠) إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون (٧١) في الحميم ثم في النار يسجرون (٧٢) ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون (٧٣) من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعو من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين (٧٤)﴾.","level":2,"page":13760},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13762},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون (٧٥) ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (٧٦)﴾.","level":2,"page":13763},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13764},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون (٧٨)﴾.","level":2,"page":13765},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون (٧٧)﴾.","level":2,"page":13765},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":13766},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون (٧٩) ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون (٨٠) ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون (٨١)﴾.","level":2,"page":13767},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13768},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (٨٢)﴾.","level":2,"page":13769},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (٨٣)﴾.","level":2,"page":13770},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين (٨٤)﴾.","level":2,"page":13771},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون (٨٥)﴾.","level":2,"page":13771},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13772},{"title":"تفسير سورة \"فصلت\"","level":1,"page":13773},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون﴾.","level":2,"page":13773},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون (٥)﴾.","level":2,"page":13775},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين (٦) الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون (٧)﴾.","level":2,"page":13776},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":13777},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (٨) قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين (٩)﴾.","level":2,"page":13779},{"title":"ذكر بعض ما لم نذكر فيما مضى من الأخبار بذلك","level":2,"page":13780},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين (١٠)﴾.","level":2,"page":13782},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13783},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13783},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13784},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13784},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13784},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13787},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13788},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (١١)﴾.","level":2,"page":13789},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم (١٢)﴾.","level":2,"page":13790},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13791},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13793},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13793},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (١٣) إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون (١٤)﴾.","level":2,"page":13793},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13794},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13795},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون (١٥)﴾.","level":2,"page":13795},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون (١٦)﴾.","level":2,"page":13795},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13796},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13797},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13797},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13798},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13798},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون (١٧) ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (١٨)﴾.","level":2,"page":13800},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13802},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون (١٩) حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (٢٠)﴾.","level":2,"page":13803},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13804},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون (٢١) وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (٢٢)﴾.","level":2,"page":13804},{"title":"ذكر الأخبار التي رويت بذلك عن رسول الله ﷺ","level":2,"page":13805},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13807},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13808},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13808},{"title":"ذكر الخبر بذلك","level":2,"page":13809},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (٢٣)﴾.","level":2,"page":13810},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13811},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين (٢٤)﴾.","level":2,"page":13812},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13813},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (٢٥)﴾.","level":2,"page":13813},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13814},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون (٢٦) فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون (٢٧)﴾.","level":2,"page":13815},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13816},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون (٢٨)﴾.","level":2,"page":13817},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13818},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين (٢٩)﴾.","level":2,"page":13818},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون (٣٠)﴾.","level":2,"page":13819},{"title":"ذكر الخبر بذلك عن رسول الله ﷺ","level":2,"page":13820},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13820},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13823},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13824},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13825},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13825},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13826},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون (٣١) نزلا من غفور رحيم (٣٢)﴾.","level":2,"page":13826},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13827},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين (٣٣) ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم (٣٤)﴾.","level":2,"page":13827},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13828},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13828},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13830},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13831},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو","level":2,"page":13831},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13832},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون (٣٧)﴾.","level":2,"page":13834},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13835},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون (٣٨)﴾.","level":2,"page":13835},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير (٣٩)﴾.","level":2,"page":13835},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13837},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13838},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13838},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير (٤٠)﴾.","level":2,"page":13838},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13839},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13839},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13839},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13841},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز (٤١) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (٤٢)﴾.","level":2,"page":13841},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13842},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13842},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13843},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم (٤٣)﴾.","level":2,"page":13843},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13844},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد (٤٤)﴾.","level":2,"page":13844},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13845},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13846},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13847},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13848},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13849},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13849},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (٤٥)﴾.","level":2,"page":13851},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد (٤٦)﴾.","level":2,"page":13852},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد (٤٧)﴾.","level":2,"page":13852},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13853},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13854},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص (٤٨) لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط (٤٩)﴾.","level":2,"page":13854},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13855},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13856},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ (٥٠)﴾.","level":2,"page":13856},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض (٥١)﴾.","level":2,"page":13857},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13858},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد (٥٢)﴾","level":2,"page":13858},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13859},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد (٥٣)﴾.","level":2,"page":13859},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13860},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط (٥٤)﴾","level":2,"page":13861},{"title":"تفسير سورة \"حم عسق\"","level":1,"page":13862},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم﴾.","level":2,"page":13862},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13864},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم (٥)﴾.","level":2,"page":13864},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل (٦)﴾.","level":2,"page":13866},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13867},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير (٧)﴾.","level":2,"page":13867},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13868},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير (٨)﴾","level":2,"page":13870},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحي الموتى وهو على كل شيء قدير (٩) وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب (١٠)﴾.","level":2,"page":13871},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (١١)﴾.","level":2,"page":13872},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13873},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13873},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13876},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم (١٢)﴾.","level":2,"page":13876},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (١٣)﴾.","level":2,"page":13877},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13878},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13879},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13880},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13880},{"title":"[القول في تأويل قوله]: ﴿وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب (١٤)﴾.","level":2,"page":13881},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13882},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13882},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (١٥)﴾","level":2,"page":13882},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد (١٦)﴾.","level":2,"page":13885},{"title":"ذكر الرواية بذلك عمن ذكر ذلك عنه","level":2,"page":13886},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب (١٧) يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد (١٨)﴾.","level":2,"page":13887},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13888},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو","level":2,"page":13888},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13889},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم (٢١)﴾.","level":2,"page":13890},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير (٢٢)﴾.","level":2,"page":13891},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور (٢٣)﴾.","level":2,"page":13892},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13893},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13896},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13898},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13899},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13901},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور (٢٤)﴾.","level":2,"page":13901},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13902},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد (٢٦)﴾","level":2,"page":13904},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13905},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13905},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13907},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير (٢٧)﴾.","level":2,"page":13907},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13909},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد (٢٨)﴾.","level":2,"page":13909},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير (٢٩)﴾.","level":2,"page":13910},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير (٣٠) وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (٣١)﴾.","level":2,"page":13910},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13911},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13912},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام (٣٢) إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (٣٣)﴾.","level":2,"page":13913},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13914},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13915},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير (٣٤) ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص (٣٥) فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله","level":2,"page":13915},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13916},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13917},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13918},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13919},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون (٣٧) والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون (٣٨)﴾.","level":2,"page":13919},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13921},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (٣٩) وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (٤٠)﴾.","level":2,"page":13921},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13922},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13923},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (٤١) إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم (٤٢)﴾.","level":2,"page":13924},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13925},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13926},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور (٤٣) ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل (٤٤)﴾.","level":2,"page":13927},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13928},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم (٤٥)﴾.","level":2,"page":13929},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13930},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13931},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل (٤٦) استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير (٤٧)﴾.","level":2,"page":13932},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13933},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور (٤٨)﴾","level":2,"page":13933},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور (٤٩) أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير (٥٠)﴾.","level":2,"page":13934},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13935},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13938},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (٥١)﴾.","level":2,"page":13938},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (٥٢) صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور (٥٣)﴾.","level":2,"page":13939},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13940},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13940},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13941},{"title":"تفسير سورة \"الزخرف\"","level":1,"page":13943},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾.","level":2,"page":13943},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13944},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13944},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم﴾.","level":2,"page":13944},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13945},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13946},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين (٥)﴾.","level":2,"page":13946},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13947},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وكم أرسلنا من نبي في الأولين (٦) وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون (٧)﴾.","level":2,"page":13950},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين (٨)﴾.","level":2,"page":13950},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13951},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم (٩) الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون (١٠)﴾.","level":2,"page":13951},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون (١١) والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون (١٢)﴾.","level":2,"page":13952},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13953},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (١٣) وإنا إلى ربنا لمنقلبون (١٤)﴾.","level":2,"page":13954},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13956},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13957},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين (١٥) أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين (١٦) وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم (١٧)﴾.","level":2,"page":13958},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13959},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13959},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13961},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين (١٨)﴾.","level":2,"page":13961},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13963},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون (١٩)﴾.","level":2,"page":13964},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿(١٩) وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون (٢٠) أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون (٢١)﴾.","level":2,"page":13966},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (٢٢)﴾.","level":2,"page":13967},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13968},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (٢٣)﴾.","level":2,"page":13970},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13971},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون (٢٤)﴾.","level":2,"page":13971},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين (٢٥)﴾.","level":2,"page":13972},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون (٢٦) إلا الذي فطرني فإنه سيهدين (٢٧) وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون (٢٨)﴾.","level":2,"page":13973},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13974},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13974},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13975},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13976},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13977},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين (٢٩) ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون (٣٠)﴾.","level":2,"page":13977},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13978},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13978},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (٣١) أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون (٣٢)﴾.","level":2,"page":13978},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13979},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13979},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13980},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13981},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13982},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13983},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13984},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13984},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون (٣٣)﴾.","level":2,"page":13984},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13985},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13986},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13988},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون (٣٤) وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين (٣٥)﴾.","level":2,"page":13989},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13990},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا","level":2,"page":13992},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13994},{"title":"ذكر من تأوله كذلك","level":2,"page":13994},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حتى إذا جاءنا قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (٣٨) ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (٣٩)﴾.","level":2,"page":13995},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13996},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13997},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين (٤٠) فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون (٤١) أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون (٤٢)﴾.","level":2,"page":13997},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13998},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":13999},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم (٤٣) وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون (٤٤)﴾.","level":2,"page":14000},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14001},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من","level":2,"page":14001},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14002},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14003},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14004},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين (٤٦) فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون (٤٧)﴾.","level":2,"page":14005},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالوا ياأيه الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك","level":2,"page":14006},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون (٤٨)﴾.","level":2,"page":14006},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14007},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14008},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ونادى فرعون في قومه قال ياقوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون (٥١)﴾.","level":2,"page":14008},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14009},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين (٥٢) فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين (٥٣)﴾.","level":2,"page":14009},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14011},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14011},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14012},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14014},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14014},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14014},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما","level":2,"page":14014},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14015},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين (٥٦) ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (٥٧)﴾.","level":2,"page":14016},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14018},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14018},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14019},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14021},{"title":"ذكر [من قال] ما قلنا في تأويل ذلك","level":2,"page":14022},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (٥٨) إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (٥٩) ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون (٦٠)﴾.","level":2,"page":14024},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":14025},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14025},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":14026},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14027},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14028},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14029},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم (٦١) ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين (٦٢)﴾.","level":2,"page":14029},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14032},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14033},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون (٦٣) إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (٦٤)﴾.","level":2,"page":14033},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14034},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم (٦٥) هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (٦٦)﴾.","level":2,"page":14035},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14036},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14036},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14037},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (٦٧) ياعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون (٦٨)﴾.","level":2,"page":14037},{"title":"[ذكر من قال ذلك]","level":2,"page":14039},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين (٦٩) ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون (٧٠)﴾.","level":2,"page":14039},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14040},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14041},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون (٧١)﴾.","level":2,"page":14041},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14042},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون (٧٢) لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون (٧٣)﴾.","level":2,"page":14045},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون (٧٤) لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون (٧٥) وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين (٧٦)﴾.","level":2,"page":14045},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14046},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14047},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ونادوا يامالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون (٧٧) لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون (٧٨)﴾.","level":2,"page":14047},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون (٧٩) أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون (٨٠)﴾","level":2,"page":14049},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14050},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14051},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14051},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين (٨١) سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون (٨٢)﴾.","level":2,"page":14051},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14052},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14052},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14053},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14054},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14057},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (٨٣) وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم (٨٤)﴾.","level":2,"page":14057},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14058},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون (٨٥)﴾.","level":2,"page":14058},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14059},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون (٨٦)﴾.","level":2,"page":14059},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14060},{"title":"القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون (٨٧) وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (٨٨)﴾.","level":2,"page":14061},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون (٨٩)﴾.","level":2,"page":14062},{"title":"سورة الدخان","level":1,"page":14064},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14064},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (٥) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (٦)﴾.","level":2,"page":14064},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14066},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14068},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (٧) لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين (٨) بل","level":2,"page":14070},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14072},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين (١٠) يغشى الناس هذا عذاب أليم (١١) ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون (١٢)﴾.","level":2,"page":14072},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14073},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14077},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14081},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين (١٣) ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون (١٤) إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون (١٥)﴾","level":2,"page":14081},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14082},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14083},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون (١٦) ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم (١٧) أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين (١٨)﴾.","level":2,"page":14083},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14084},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14086},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14088},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين (١٩) وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون (٢٠) وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون (٢١)﴾.","level":2,"page":14089},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14090},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14090},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14091},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون (٢٢) فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون (٢٣) واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون (٢٤)﴾.","level":2,"page":14092},{"title":"ذكر من قال ما ذكرنا، من أن الله ﷿ قال لموسى هذا القول، بعد ما قطع البحر بقومه.","level":2,"page":14093},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14094},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14095},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14096},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كم تركوا من جنات وعيون (٢٥) وزروع ومقام كريم (٢٦) ونعمة كانوا فيها فاكهين (٢٧) كذلك وأورثناها قوما آخرين (٢٨)﴾.","level":2,"page":14097},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14098},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14098},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14099},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14099},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين (٢٩) ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين (٣٠) من فرعون إنه كان عاليا","level":2,"page":14099},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14100},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14101},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14104},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14105},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد اخترناهم على علم على العالمين (٣٢) وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين (٣٣)﴾.","level":2,"page":14105},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14106},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14106},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14107},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن هؤلاء ليقولون (٣٤) إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين (٣٥) فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (٣٦)﴾.","level":2,"page":14107},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين (٣٧)﴾.","level":2,"page":14108},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين (٣٨) ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون (٣٩)﴾.","level":2,"page":14110},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين (٤٠) يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون (٤١) إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم (٤٢)﴾.","level":2,"page":14110},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن شجرت الزقوم (٤٣) طعام الأثيم (٤٤) كالمهل يغلي في البطون (٤٥) كغلي الحميم (٤٦)﴾.","level":2,"page":14112},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14118},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم (٤٧) ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم (٤٨)﴾.","level":2,"page":14118},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم (٤٩) إن هذا ما كنتم به تمترون (٥٠)﴾.","level":2,"page":14119},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14120},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن المتقين في مقام أمين (٥١) في جنات وعيون (٥٢) يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين (٥٣)﴾.","level":2,"page":14122},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14123},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كذلك وزوجناهم بحور عين (٥٤) يدعون فيها بكل فاكهة آمنين (٥٥) لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم (٥٦) فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم (٥٧)﴾.","level":2,"page":14124},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14125},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون (٥٨) فارتقب إنهم مرتقبون (٥٩)﴾.","level":2,"page":14129},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14130},{"title":"تفسير سورة \"الجاثية\"","level":1,"page":14131},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين﴾.","level":2,"page":14131},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون﴾.","level":2,"page":14131},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (٥)﴾.","level":2,"page":14132},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14133},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون (٦)﴾.","level":2,"page":14134},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويل لكل أفاك أثيم (٧) يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم (٨)﴾.","level":2,"page":14134},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (٩)﴾.","level":2,"page":14135},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم (١٠)﴾.","level":2,"page":14136},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم (١١)﴾.","level":2,"page":14136},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (١٢)﴾.","level":2,"page":14137},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (١٣)﴾.","level":2,"page":14137},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14138},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14139},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون (١٤)﴾.","level":2,"page":14139},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14140},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون (١٥)﴾.","level":2,"page":14142},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين (١٦)﴾.","level":2,"page":14143},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (١٧)﴾.","level":2,"page":14143},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14144},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون (١٨) إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين (١٩)﴾.","level":2,"page":14144},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون (٢٠) أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون (٢١)﴾.","level":2,"page":14145},{"title":"ذكر ذلك","level":2,"page":14146},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14147},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون (٢٢)﴾.","level":2,"page":14150},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14151},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (٢٣)﴾.","level":2,"page":14151},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14152},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14152},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون (٢٤)﴾.","level":2,"page":14154},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14155},{"title":"ذكر [الرواية بذلك عمن قاله]","level":2,"page":14156},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (٢٥)﴾.","level":2,"page":14157},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (٢٦)﴾.","level":2,"page":14158},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون (٢٧)﴾.","level":2,"page":14159},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم","level":2,"page":14159},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (٢٩) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين (٣٠)﴾.","level":2,"page":14162},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14163},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين (٣١)﴾.","level":2,"page":14165},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين (٣٢)﴾.","level":2,"page":14166},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (٣٣)﴾.","level":2,"page":14167},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (٣٤)﴾.","level":2,"page":14167},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون (٣٥)﴾.","level":2,"page":14168},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين (٣٦) وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾.","level":2,"page":14168},{"title":"تفسير سورة الأحقاف","level":1,"page":14170},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون﴾.","level":2,"page":14170},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين﴾.","level":2,"page":14170},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14172},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14173},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14173},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14173},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14174},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14174},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون (٥)﴾.","level":2,"page":14175},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين (٦) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين (٧)﴾.","level":2,"page":14176},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14177},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم (٨)﴾.","level":2,"page":14177},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14178},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين (٩)﴾.","level":2,"page":14178},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14180},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14181},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (١٠)﴾.","level":2,"page":14183},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14184},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14185},{"title":"ذكر الرواية عنه بذلك","level":2,"page":14191},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إنك قدير﴾.","level":2,"page":14191},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن قبله كتب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين﴾.","level":2,"page":14192},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (١٣) أولئك أصحاب الجنة خلدين فيها جزاء بما كانوا يعملون (١٤)﴾.","level":2,"page":14195},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين (١٥)﴾.","level":2,"page":14195},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14198},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14198},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون (١٦)﴾.","level":2,"page":14200},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين (١٧)﴾.","level":2,"page":14203},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت","level":2,"page":14204},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون (٢٠)﴾.","level":2,"page":14206},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14209},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (٢١)﴾.","level":2,"page":14209},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14210},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14211},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14211},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14213},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (٢٢)﴾.","level":2,"page":14213},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14214},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون (٢٣)﴾.","level":2,"page":14214},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم (٢٤)﴾.","level":2,"page":14214},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14216},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين (٢٥)﴾.","level":2,"page":14217},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14219},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (٢٦)﴾.","level":2,"page":14219},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون (٢٧) فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون (٢٨)﴾.","level":2,"page":14220},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14222},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (٢٩)﴾.","level":2,"page":14222},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14224},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14224},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14225},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14230},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم (٣٠)﴾.","level":2,"page":14230},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياقومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم (٣١) ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين (٣٢)﴾.","level":2,"page":14231},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير (٣٣)﴾.","level":2,"page":14232},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (٣٤)﴾.","level":2,"page":14235},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون (٣٥)﴾.","level":2,"page":14235},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14236},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14237},{"title":"تفسير سورة محمد ﷺ","level":1,"page":14239},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14239},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم﴾.","level":2,"page":14239},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14240},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم﴾.","level":2,"page":14241},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا","level":2,"page":14241},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14242},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14244},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14247},{"title":"ذكر من قال: عنى بالحرب في هذا الموضع المحاربون","level":2,"page":14247},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14248},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14249},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سيهديهم ويصلح بالهم (٥) ويدخلهم الجنة عرفها لهم (٦) ياأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (٧)﴾.","level":2,"page":14250},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم (٨) ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم (٩)﴾.","level":2,"page":14252},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14253},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها (١٠)﴾.","level":2,"page":14254},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14255},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم (١١) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم (١٢)﴾.","level":2,"page":14255},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم (١٣)﴾.","level":2,"page":14256},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14257},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم (١٤)﴾.","level":2,"page":14258},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم (١٥)﴾","level":2,"page":14258},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14259},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14262},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم (١٦)﴾.","level":2,"page":14262},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14264},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (١٧) فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم (١٨)﴾.","level":2,"page":14264},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14266},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14267},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم (١٩)﴾.","level":2,"page":14267},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم (٢٠) طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم (٢١)﴾.","level":2,"page":14268},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14271},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14272},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (٢٢) أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (٢٣)﴾.","level":2,"page":14272},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (٢٤) إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم (٢٥)﴾.","level":2,"page":14274},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14275},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14277},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14277},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم (٢٦)﴾.","level":2,"page":14278},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم (٢٧) ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه","level":2,"page":14279},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم (٢٩) ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم (٣٠)﴾].","level":2,"page":14280},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14281},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم (٣١) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم (٣٢)﴾.","level":2,"page":14282},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14283},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿*ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم (٣٣) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم (٣٤)﴾.","level":2,"page":14284},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14285},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم (٣٥)﴾.","level":2,"page":14285},{"title":"ذكر من قال ذلك وقال: معنى قوله: ﴿وأنتم الأعلون﴾: أنتم أولى بالله منهم","level":2,"page":14286},{"title":"ذكر من قال: معنى قوله: ﴿وأنتم الأعلون﴾: أنتم الغالبون الأعز منهم","level":2,"page":14287},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14288},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم (٣٦) إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم (٣٧)﴾.","level":2,"page":14289},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم (٣٨)﴾.","level":2,"page":14290},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14291},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14292},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14292},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14294},{"title":"تفسير سورة \"الفتح\"","level":1,"page":14295},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا﴾.","level":2,"page":14295},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14297},{"title":"ذكر الرواية عمن قال: نزلت هذه السورة على رسول الله ﷺ في الوقت الذي ذكرت","level":2,"page":14297},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14304},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما﴾.","level":2,"page":14304},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما (٥)﴾.","level":2,"page":14305},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (٦) ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما (٧)﴾.","level":2,"page":14307},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (٨) [لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه] بكرة وأصيلا (٩)﴾.","level":2,"page":14308},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14309},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14310},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14310},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14311},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14312},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14313},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما (١٠)﴾.","level":2,"page":14313},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14314},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا (١١)﴾.","level":2,"page":14315},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا (١٢)﴾.","level":2,"page":14317},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14318},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14318},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا (١٣) ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما (١٤)﴾.","level":2,"page":14319},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14320},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا (١٥)﴾.","level":2,"page":14320},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14322},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14323},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14324},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما (١٦)﴾.","level":2,"page":14324},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14325},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14326},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14327},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14327},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14327},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14329},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما (١٧)﴾.","level":2,"page":14329},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (١٨) ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما (١٩)﴾.","level":2,"page":14330},{"title":"ذكر الرواية بما وصفنا من سبب هذه البيعة","level":2,"page":14331},{"title":"ذكر عدد الذين بايعوا هذه البيعة","level":2,"page":14334},{"title":"ذكر من قال: عددهم ألف وأربعمائة","level":2,"page":14334},{"title":"ذكر من قال: كانت عدتهم ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين","level":2,"page":14336},{"title":"ذكر من قال: كانوا ألفا وثلاثمائة","level":2,"page":14336},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14337},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14337},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14338},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما (٢٠) وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا (٢١)﴾","level":2,"page":14338},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14339},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14339},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14340},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14341},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14342},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14343},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14344},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14345},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا (٢٢) سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة","level":2,"page":14345},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14346},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":14347},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا (٢٤)﴾","level":2,"page":14347},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما (٢٥)﴾.","level":2,"page":14351},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14352},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14364},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14364},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14366},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما (٢٦)﴾.","level":2,"page":14366},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14367},{"title":"ذكر قائلى ذلك بما قلنا فيه، والخبر الذي ذكرنا عن رسول الله ﷺ","level":2,"page":14369},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14372},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14373},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14373},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14374},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا (٢٧)﴾.","level":2,"page":14374},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14375},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14376},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14377},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14378},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا (٢٨) محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين","level":2,"page":14378},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14379},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14380},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14382},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14384},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14384},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14385},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14386},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14387},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14388},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14390},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":14392},{"title":"تفسير سورة \"الحجرات\"","level":1,"page":14394},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم﴾.","level":2,"page":14394},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾.","level":2,"page":14397},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم﴾.","level":2,"page":14402},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم (٥)﴾.","level":2,"page":14403},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (٦)﴾.","level":2,"page":14407},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (٧) فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم (٨)﴾.","level":2,"page":14413},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (٩)﴾ [الحجرات: ٩].","level":2,"page":14416},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (١٠)﴾.","level":2,"page":14422},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (١١)﴾.","level":2,"page":14423},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ياأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم (١٢)﴾.","level":2,"page":14432},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (١٣)﴾.","level":2,"page":14441},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: قالت ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم (١٤)﴾.","level":2,"page":14447},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (١٥)﴾.","level":2,"page":14454},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم (١٦)﴾.","level":2,"page":14455},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين (١٧)﴾.","level":2,"page":14455},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون (١٨)﴾.","level":2,"page":14457},{"title":"تفسير سورة \"ق\"","level":1,"page":14459},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب﴾.","level":2,"page":14459},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ﴾.","level":2,"page":14461},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج (٥) أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج (٦)﴾.","level":2,"page":14464},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (٧) تبصرة وذكرى لكل عبد منيب (٨)﴾.","level":2,"page":14468},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد (٩) والنخل باسقات لها طلع نضيد (١٠) رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج (١١)﴾.","level":2,"page":14470},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود (١٢) وعاد وفرعون وإخوان لوط (١٣) وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق","level":2,"page":14473},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد (١٥) ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد (١٦)﴾.","level":2,"page":14478},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (١٧) ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (١٨)﴾.","level":2,"page":14481},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (١٩) ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد (٢٠)﴾.","level":2,"page":14486},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (٢١) لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (٢٢)﴾.","level":2,"page":14488},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقال قرينه هذا ما لدي عتيد (٢٣) ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (٢٤) مناع للخير معتد مريب (٢٥)﴾.","level":2,"page":14495},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد (٢٦)﴾.","level":2,"page":14498},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد (٢٧) قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد (٢٨)﴾.","level":2,"page":14499},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد (٢٩) يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد (٣٠)﴾.","level":2,"page":14501},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد (٣١) هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ (٣٢) من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب (٣٣)﴾.","level":2,"page":14508},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود (٣٤) لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد (٣٥) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص (٣٦)﴾.","level":2,"page":14512},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (٣٧)﴾.","level":2,"page":14521},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب (٣٨)﴾.","level":2,"page":14524},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب (٣٩) ومن الليل فسبحه وأدبار السجود (٤٠)﴾.","level":2,"page":14526},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب (٤١) يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج (٤٢)﴾.","level":2,"page":14533},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير (٤٣) يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير (٤٤)﴾.","level":2,"page":14535},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد (٤٥)﴾.","level":2,"page":14536},{"title":"تفسير سورة الذاريات","level":1,"page":14538},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا إنما توعدون لصادق (٥) وإن الدين لواقع (٦)﴾.","level":2,"page":14538},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والسماء ذات الحبك (٧) إنكم لفي قول مختلف (٨) يؤفك عنه من أفك (٩)﴾.","level":2,"page":14545},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قتل الخراصون (١٠) الذين هم في غمرة ساهون (١١) يسألون أيان يوم الدين (١٢) يوم هم على النار يفتنون (١٣)﴾.","level":2,"page":14551},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون (١٤) إن المتقين في جنات وعيون (١٥) آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين (١٦)﴾.","level":2,"page":14558},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون (١٧) وبالأسحار هم يستغفرون (١٨) وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (١٩)﴾.","level":2,"page":14560},{"title":"القول (*) في تأويل قوله تعالى: ﴿وفي الأرض آيات للموقنين (٢٠) وفي أنفسكم أفلا تبصرون (٢١) وفي السماء رزقكم وما توعدون (٢٢)﴾.","level":2,"page":14577},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون (٢٣)﴾.","level":2,"page":14582},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (٢٤) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون (٢٥) فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين (٢٦)﴾.","level":2,"page":14584},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فقربه إليهم قال ألا تأكلون (٢٧) فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم (٢٨) فأقبلت امرأته في صرة فصكت","level":2,"page":14585},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم (٣٠) قال فما خطبكم أيها المرسلون (٣١) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (٣٢)﴾.","level":2,"page":14590},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لنرسل عليهم حجارة من طين (٣٣) مسومة عند ربك","level":2,"page":14590},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (٣٦) وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم (٣٧)﴾.","level":2,"page":14591},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون","level":2,"page":14592},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم (٤٠)﴾.","level":2,"page":14595},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (٤١) ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم (٤٢)﴾.","level":2,"page":14595},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين (٤٣) فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون (٤٤)﴾.","level":2,"page":14600},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين (٤٥) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين (٤٦)﴾.","level":2,"page":14602},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (٤٧) والأرض فرشناها فنعم الماهدون (٤٨)﴾.","level":2,"page":14604},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (٤٩)﴾.","level":2,"page":14606},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (٥٠) ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين (٥١)﴾.","level":2,"page":14608},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون (٥٢) أتواصوا به بل هم قوم طاغون (٥٣)﴾.","level":2,"page":14609},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فتول عنهم فما أنت بملوم (٥٤) وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (٥٥)﴾.","level":2,"page":14610},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (٥٦) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (٥٧)﴾.","level":2,"page":14612},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (٥٨) فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون (٥٩)﴾.","level":2,"page":14614},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون (٦٠)﴾.","level":2,"page":14618},{"title":"تفسير سورة «الطور»","level":1,"page":14619},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع (٥) والبحر المسجور (٦) إن عذاب ربك لواقع (٧) ما له من دافع (٨)﴾.","level":2,"page":14619},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿يوم تمور السماء مورا (٩) وتسير الجبال سيرا (١٠)﴾.","level":2,"page":14630},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فويل يومئذ للمكذبين (١١) الذين هم في خوض يلعبون (١٢) يوم يدعون إلى نار جهنم دعا (١٣) هذه النار التي كنتم بها تكذبون (١٤)﴾.","level":2,"page":14633},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون (١٥) اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون (١٦)﴾.","level":2,"page":14635},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إن المتقين في جنات ونعيم (١٧) فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم (١٨)﴾.","level":2,"page":14636},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (١٩)","level":2,"page":14636},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين (٢١)﴾.","level":2,"page":14638},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون (٢٢) يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم (٢٣)﴾.","level":2,"page":14646},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون (٢٤) وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (٢٥)﴾.","level":2,"page":14648},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين (٢٦) فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم (٢٧) إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم (٢٨)﴾.","level":2,"page":14649},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون (٢٩) أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون (٣٠) قل تربصوا فإني معكم من المتربصين (٣١)﴾.","level":2,"page":14650},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون (٣٢) أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (٣٣) فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين (٣٤)﴾.","level":2,"page":14653},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (٣٥) أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون (٣٦)﴾.","level":2,"page":14655},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون (٣٧) أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين (٣٨)﴾.","level":2,"page":14656},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أم له البنات ولكم البنون (٣٩) أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (٤٠) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (٤١)﴾.","level":2,"page":14658},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون (٤٢) أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون (٤٣)﴾.","level":2,"page":14659},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم (٤٤) فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون (٤٥)﴾.","level":2,"page":14659},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون (٤٦) وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون (٤٧)﴾.","level":2,"page":14661},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم (٤٨) ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم (٤٩)﴾.","level":2,"page":14664},{"title":"تفسير سورة \"والنجم\"","level":1,"page":14670},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى﴾.","level":2,"page":14670},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى (٥) ذو مرة فاستوى (٦) وهو بالأفق الأعلى (٧)﴾.","level":2,"page":14673},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ثم دنا فتدلى (٨) فكان قاب قوسين أو أدنى (٩) فأوحى إلى عبده ما أوحى (١٠) ما كذب الفؤاد ما رأى (١١)﴾.","level":2,"page":14678},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أفتمارونه على ما يرى (١٢) ولقد رآه نزلة أخرى (١٣) عند سدرة المنتهى (١٤) عندها جنة المأوى (١٥) إذ يغشى السدرة ما يغشى (١٦)﴾.","level":2,"page":14692},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ما زاغ البصر وما طغى (١٧) لقد رأى من آيات ربه الكبرى (١٨)﴾.","level":2,"page":14708},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أفرأيتم اللات والعزى (١٩) ومناة الثالثة الأخرى (٢٠) ألكم الذكر وله الأنثى (٢١) تلك إذا قسمة ضيزى (٢٢)﴾.","level":2,"page":14711},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى (٢٣)﴾.","level":2,"page":14719},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أم للإنسان ما تمنى (٢٤) فلله الآخرة والأولى (٢٥) وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى (٢٦)﴾.","level":2,"page":14721},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (٢٧) وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (٢٨) فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا (٢٩)﴾.","level":2,"page":14722},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى (٣٠)﴾.","level":2,"page":14723},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى (٣١) الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾.","level":2,"page":14724},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (٣٢)﴾.","level":2,"page":14734},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أفرأيت الذي تولى (٣٣) وأعطى قليلا وأكدى (٣٤) أعنده علم الغيب فهو يرى (٣٥) أم لم ينبأ بما في صحف موسى (٣٦) وإبراهيم الذي وفى (٣٧) ألا تزر وازرة وزر أخرى (٣٨) وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (٣٩)﴾.","level":2,"page":14736},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وأن سعيه سوف يرى (٤٠) ثم يجزاه الجزاء الأوفى (٤١) وأن إلى ربك المنتهى (٤٢) وأنه هو أضحك وأبكى (٤٣)﴾.","level":2,"page":14745},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وأنه هو أمات وأحيا (٤٤) وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (٤٥) من نطفة إذا تمنى (٤٦) وأن عليه النشأة الأخرى (٤٧)﴾.","level":2,"page":14746},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وأنه هو أغنى وأقنى (٤٨) وأنه هو رب الشعرى (٤٩) وأنه أهلك عادا الأولى (٥٠) وثمود فما أبقى (٥١)﴾.","level":2,"page":14747},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى (٥٢) والمؤتفكة أهوى (٥٣) فغشاها ما غشى (٥٤)﴾.","level":2,"page":14754},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فبأي آلاء ربك تتمارى (٥٥) هذا نذير من النذر الأولى (٥٦) أزفت الآزفة (٥٧) ليس لها من دون الله كاشفة (٥٨)﴾.","level":2,"page":14757},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أفمن هذا الحديث تعجبون (٥٩) وتضحكون ولا تبكون (٦٠) وأنتم سامدون (٦١) فاسجدوا لله واعبدوا (٦٢)﴾.","level":2,"page":14761},{"title":"تفسير سورة اقتربت الساعة","level":1,"page":14768},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر﴾.","level":2,"page":14768},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر (٥)﴾.","level":2,"page":14779},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر (٦) خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر (٧) مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر (٨)﴾.","level":2,"page":14781},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (٩) فدعا ربه أني مغلوب فانتصر (١٠)﴾.","level":2,"page":14784},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (١١) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر (١٢)﴾.","level":2,"page":14786},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وحملناه على ذات ألواح ودسر (١٣) تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر (١٤)﴾.","level":2,"page":14788},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولقد تركناها آية فهل من مدكر (١٥) فكيف كان عذابي ونذر (١٦) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (١٧)﴾.","level":2,"page":14793},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (١٨) إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (١٩) تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (٢٠) فكيف كان عذابي ونذر (٢١)﴾.","level":2,"page":14797},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (٢٢) كذبت ثمود بالنذر (٢٣) فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر (٢٤)﴾.","level":2,"page":14804},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر (٢٥) سيعلمون غدا من الكذاب الأشر (٢٦)﴾.","level":2,"page":14805},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إنا مرسلو الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر (٢٧) ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر (٢٨)﴾.","level":2,"page":14806},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (٢٩) فكيف كان عذابي ونذر (٣٠) إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر (٣١)﴾.","level":2,"page":14808},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (٣٢) كذبت قوم لوط بالنذر (٣٣) إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر (٣٤) نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر (٣٥)﴾.","level":2,"page":14813},{"title":"القول في تأويل قوله جل ذكره: ﴿ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر (٣٦) ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر (٣٧)﴾.","level":2,"page":14814},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر (٣٨) فذوقوا عذابي ونذر (٣٩) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (٤٠)﴾.","level":2,"page":14817},{"title":"[القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد جاء آل فرعون النذر (٤١) كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر (٤٢)﴾.","level":2,"page":14819},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر (٤٣) أم يقولون نحن جميع منتصر (٤٤) سيهزم الجمع ويولون الدبر (٤٥)﴾.","level":2,"page":14819},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر (٤٦) إن المجرمين في ضلال وسعر (٤٧) يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر (٤٨) إنا كل شيء خلقناه بقدر (٤٩)﴾.","level":2,"page":14823},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر (٥٠) ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر (٥١) وكل شيء فعلوه في","level":2,"page":14828},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وكل صغير وكبير مستطر (٥٣) إن المتقين في جنات ونهر (٥٤) في مقعد صدق عند مليك مقتدر (٥٥)﴾.","level":2,"page":14830},{"title":"تفسير سورة الرحمن","level":1,"page":14833},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان الشمس والقمر بحسبان (٥)﴾.","level":2,"page":14833},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿والنجم والشجر يسجدان (٦) والسماء رفعها ووضع الميزان (٧) ألا تطغوا في الميزان (٨) وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان (٩)﴾.","level":2,"page":14838},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿والأرض وضعها للأنام (١٠) فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام (١١) والحب ذو العصف والريحان (١٢)﴾.","level":2,"page":14844},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان (١٣) خلق الإنسان من صلصال كالفخار (١٤) وخلق الجان من مارج من نار (١٥) فبأي آلاء ربكما تكذبان (١٦)﴾.","level":2,"page":14854},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿رب المشرقين ورب المغربين (١٧) فبأي آلاء ربكما تكذبان (١٨) مرج البحرين يلتقيان (١٩) بينهما برزخ لا يبغيان (٢٠) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٢١)﴾.","level":2,"page":14862},{"title":"ذكرُ مَن قال ذلك","level":3,"page":14863},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (٢٢) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٢٣) وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام (٢٤) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٢٥)﴾.","level":2,"page":14869},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿كل من عليها فان (٢٦) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام (٢٧) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٢٨) يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (٢٩) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٣٠)﴾.","level":2,"page":14876},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿سنفرغ لكم أيه الثقلان (٣١) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٣٢) يامعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان (٣٣) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٣٤)﴾.","level":2,"page":14880},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران (٣٥) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٣٦) فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان (٣٧) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٣٨)﴾.","level":2,"page":14886},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان (٣٩) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٤٠) يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام (٤١) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٤٢)﴾.","level":2,"page":14894},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون (٤٣) يطوفون بينها وبين حميم آن (٤٤) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٤٥)﴾.","level":2,"page":14897},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان (٤٦) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٤٧) ذواتا أفنان (٤٨) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٤٩)﴾.","level":2,"page":14900},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فيهما عينان تجريان (٥٠) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٥١) فيهما من كل فاكهة زوجان (٥٢) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٥٣)﴾.","level":2,"page":14907},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان (٥٤) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٥٥)﴾.","level":2,"page":14907},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (٥٦) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٥٧)﴾.","level":2,"page":14910},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿كأنهن الياقوت والمرجان (٥٨) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٥٩) هل جزاء الإحسان إلا الإحسان (٦٠) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٦١)﴾.","level":2,"page":14914},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ومن دونهما جنتان (٦٢) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٦٣) مدهامتان (٦٤) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٦٥) فيهما عينان نضاختان (٦٦) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٦٧)﴾.","level":2,"page":14918},{"title":"ذكرُ مَن قال ذلك","level":3,"page":14923},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان (٦٨) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٦٩) فيهن خيرات حسان (٧٠) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٧١)﴾.","level":2,"page":14925},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿حور مقصورات في الخيام (٧٢) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٧٣) لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (٧٤) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٧٥)﴾.","level":2,"page":14928},{"title":"ذكرُ مَن قال ذلك","level":3,"page":14928},{"title":"ذكرُ مَن قال ذلك","level":3,"page":14929},{"title":"ذكرُ مَن قال ذلك","level":3,"page":14933},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان (٧٦) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٧٧) تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام (٧٨)﴾.","level":2,"page":14938},{"title":"تفسير سورة \"الواقعة\"","level":1,"page":14944},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا (٥) فكانت هباء منبثا (٦)﴾.","level":2,"page":14944},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وكنتم أزواجا ثلاثة (٧) فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة (٨) وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة (٩) والسابقون السابقون (١٠) أولئك المقربون (١١) في جنات النعيم (١٢)﴾.","level":2,"page":14951},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ثلة من الأولين (١٣) وقليل من الآخرين (١٤) على سرر موضونة (١٥) متكئين عليها متقابلين (١٦) يطوف عليهم ولدان مخلدون (١٧) بأكواب وأباريق وكأس من معين (١٨) لا يصدعون عنها ولا ينزفون (١٩) وفاكهة مما يتخيرون (٢٠) ولحم طير مما يشتهون (٢١)﴾.","level":2,"page":14956},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وحور عين (٢٢) كأمثال اللؤلؤ المكنون (٢٣) جزاء بما كانوا يعملون (٢٤) لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما (٢٥) إلا قيلا سلاما سلاما (٢٦)﴾.","level":2,"page":14966},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين (٢٧) في سدر مخضود (٢٨) وطلح منضود (٢٩) وظل ممدود (٣٠) وماء مسكوب (٣١)﴾.","level":2,"page":14970},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وفاكهة كثيرة (٣٢) لا مقطوعة ولا ممنوعة (٣٣) وفرش مرفوعة (٣٤) إنا أنشأناهن إنشاء (٣٥) فجعلناهن أبكارا (٣٦) عربا أترابا (٣٧) لأصحاب اليمين (٣٨)﴾.","level":2,"page":14983},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثلة من الأولين (٣٩) وثلة من الآخرين (٤٠) وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال (٤١) في سموم وحميم (٤٢) وظل من يحموم (٤٣) لا بارد ولا كريم (٤٤) إنهم كانوا قبل ذلك مترفين (٤٥) وكانوا يصرون على الحنث العظيم (٤٦)﴾.","level":2,"page":14995},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (٤٧) أوآباؤنا الأولون (٤٨) قل إن الأولين والآخرين (٤٩) لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم (٥٠)﴾.","level":2,"page":15005},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ثم إنكم أيها الضالون المكذبون (٥١) لآكلون من شجر من زقوم (٥٢) فمالئون منها البطون (٥٣)﴾.","level":2,"page":15005},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فشاربون عليه من الحميم (٥٤) فشاربون شرب الهيم (٥٥) هذا نزلهم يوم الدين (٥٦) نحن خلقناكم فلولا تصدقون (٥٧)﴾.","level":2,"page":15007},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أفرأيتم ما تمنون (٥٨) أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون (٥٩) نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين (٦٠) على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون (٦١)﴾.","level":2,"page":15010},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون (٦٢) أفرأيتم ما تحرثون (٦٣) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (٦٤)﴾.","level":2,"page":15012},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون (٦٥) إنا لمغرمون (٦٦) بل نحن محرومون (٦٧)﴾.","level":2,"page":15013},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون (٦٨) أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون (٦٩) لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون (٧٠)﴾.","level":2,"page":15018},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أفرأيتم النار التي تورون (٧١) أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون (٧٢) نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين (٧٣)﴾.","level":2,"page":15020},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فسبح باسم ربك العظيم (٧٤) فلا أقسم بمواقع النجوم (٧٥) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (٧٦) إنه لقرآن كريم (٧٧) في كتاب مكنون (٧٨) لا يمسه إلا المطهرون (٧٩) تنزيل من رب العالمين (٨٠)﴾.","level":2,"page":15023},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أفبهذا الحديث أنتم مدهنون (٨١) وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (٨٢) فلولا إذا بلغت الحلقوم (٨٣) وأنتم حينئذ تنظرون (٨٤) ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون (٨٥)﴾.","level":2,"page":15032},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فلولا إن كنتم غير مدينين (٨٦) ترجعونها إن كنتم صادقين (٨٧) فأما إن كان من المقربين (٨٨) فروح وريحان وجنت نعيم (٨٩)﴾.","level":2,"page":15039},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين (٩٠) فسلام لك من أصحاب اليمين (٩١) وأما إن كان من المكذبين الضالين (٩٢) فنزل من حميم (٩٣) وتصلية جحيم (٩٤)﴾.","level":2,"page":15045},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إن هذا لهو حق اليقين (٩٥) فسبح باسم ربك العظيم (٩٦)﴾.","level":2,"page":15047},{"title":"تفسير السورة التي يذكر فيها \"الحديد\"","level":1,"page":15049},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير﴾.","level":2,"page":15049},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير﴾.","level":2,"page":15050},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور (٥) يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور (٦)﴾.","level":2,"page":15052},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير (٧)﴾.","level":2,"page":15054},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين (٨)﴾.","level":2,"page":15054},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرءوف رحيم (٩)﴾.","level":2,"page":15056},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير (١٠)﴾.","level":2,"page":15056},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم (١١)﴾.","level":2,"page":15061},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم (١٢)﴾.","level":2,"page":15062},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة","level":2,"page":15064},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير (١٥)﴾.","level":2,"page":15072},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون (١٦)﴾.","level":2,"page":15073},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون (١٧) إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم (١٨)﴾.","level":2,"page":15076},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (١٩)﴾.","level":2,"page":15077},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (٢٠)﴾.","level":2,"page":15081},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (٢١)﴾.","level":2,"page":15082},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير (٢٢)﴾.","level":2,"page":15083},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور (٢٣)﴾.","level":2,"page":15085},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد (٢٤)﴾.","level":2,"page":15088},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز (٢٥)﴾.","level":2,"page":15089},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون (٢٦)﴾.","level":2,"page":15091},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون (٢٧)﴾.","level":2,"page":15092},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (٢٨)﴾.","level":2,"page":15099},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (٢٩)﴾.","level":2,"page":15107},{"title":"تفسير سورة \"المجادلة\"","level":1,"page":15111},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير﴾.","level":2,"page":15111},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور﴾.","level":2,"page":15121},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير﴾.","level":2,"page":15123},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم﴾.","level":2,"page":15127},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين (٥)﴾.","level":2,"page":15131},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد (٦)﴾.","level":2,"page":15132},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم (٧)﴾.","level":2,"page":15132},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير (٨)﴾.","level":2,"page":15134},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون (٩)﴾.","level":2,"page":15138},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (١٠)﴾.","level":2,"page":15139},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير (١١)﴾.","level":2,"page":15141},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم (١٢)﴾.","level":2,"page":15146},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون (١٣)﴾.","level":2,"page":15151},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون (١٤)﴾.","level":2,"page":15152},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون (١٥) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين (١٦)﴾.","level":2,"page":15154},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (١٧)﴾.","level":2,"page":15155},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون (١٨)﴾.","level":2,"page":15155},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (١٩)﴾.","level":2,"page":15156},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين (٢٠) كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز (٢١)﴾.","level":2,"page":15157},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون (٢٢)﴾.","level":2,"page":15158},{"title":"تفسير سورة \"الحشر\"","level":1,"page":15161},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم﴾.","level":2,"page":15161},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا ياأولي الأبصار﴾.","level":2,"page":15161},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب﴾.","level":2,"page":15169},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين (٥)﴾.","level":2,"page":15171},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير (٦)﴾.","level":2,"page":15177},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (٧)﴾.","level":2,"page":15180},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون (٨)﴾.","level":2,"page":15187},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (٩)﴾.","level":2,"page":15189},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم (١٠)﴾.","level":2,"page":15197},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون (١١)﴾.","level":2,"page":15199},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون (١٢)﴾.","level":2,"page":15201},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون (١٣) لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (١٤)﴾.","level":2,"page":15201},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (١٥) كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين (١٦)﴾.","level":2,"page":15204},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين (١٧) ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (١٨)﴾.","level":2,"page":15210},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم","level":2,"page":15212},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون (٢٠)﴾.","level":2,"page":15213},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون (٢١)﴾.","level":2,"page":15213},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم (٢٢)﴾.","level":2,"page":15215},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون (٢٣)﴾.","level":2,"page":15215},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (٢٤)﴾.","level":2,"page":15220},{"title":"تفسير سورة \"الممتحنة\"","level":1,"page":15222},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل﴾.","level":2,"page":15222},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير﴾","level":2,"page":15229},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير﴾.","level":2,"page":15231},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا","level":2,"page":15233},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم (٧)﴾.","level":2,"page":15235},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (٨)﴾.","level":2,"page":15236},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (٩)﴾.","level":2,"page":15239},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾.","level":2,"page":15240},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم (١٠)﴾.","level":2,"page":15244},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (١١)﴾.","level":2,"page":15253},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم (١٢)﴾.","level":2,"page":15259},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور (١٣)﴾.","level":2,"page":15267},{"title":"تفسير سورة الصف","level":1,"page":15271},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم ياأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾.","level":2,"page":15271},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص﴾.","level":2,"page":15275},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذ قال موسى لقومه ياقوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين (٥)﴾.","level":2,"page":15277},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذ قال عيسى ابن مريم يابني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين (٦)﴾.","level":2,"page":15278},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين (٧)﴾.","level":2,"page":15279},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون (٨)﴾.","level":2,"page":15279},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (٩)﴾.","level":2,"page":15280},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (١٠) تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (١١)﴾.","level":2,"page":15281},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم (١٢)﴾.","level":2,"page":15283},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين (١٣) ياأيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت","level":2,"page":15283},{"title":"تفسير سورة الجمعة","level":1,"page":15290},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾.","level":2,"page":15290},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم﴾.","level":2,"page":15290},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾.","level":2,"page":15293},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين (٥)﴾.","level":2,"page":15298},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل ياأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (٦)﴾.","level":2,"page":15300},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (٧)﴾.","level":2,"page":15300},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (٨)﴾.","level":2,"page":15301},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم","level":2,"page":15301},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (١٠)﴾.","level":2,"page":15308},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين (١١)﴾.","level":2,"page":15309},{"title":"تفسير سورة \"المنافقين\"","level":1,"page":15315},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون﴾.","level":2,"page":15315},{"title":"القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾.","level":2,"page":15315},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾.","level":2,"page":15317},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون﴾.","level":2,"page":15317},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون (٥)﴾.","level":2,"page":15319},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين (٦)﴾.","level":2,"page":15323},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون (٧)﴾.","level":2,"page":15324},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون (٨)﴾.","level":2,"page":15326},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون (٩)﴾.","level":2,"page":15335},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين (١٠) ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون (١١)﴾.","level":2,"page":15336},{"title":"تفسير سورة \"التغابن\"","level":1,"page":15339},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير﴾.","level":2,"page":15339},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير﴾.","level":2,"page":15339},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير﴾.","level":2,"page":15340},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور﴾.","level":2,"page":15341},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (٥) ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد (٦)﴾.","level":2,"page":15341},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير (٧)﴾.","level":2,"page":15342},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير (٨)﴾.","level":2,"page":15343},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار","level":2,"page":15343},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير (١٠)﴾.","level":2,"page":15345},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم (١١)﴾.","level":2,"page":15345},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين (١٢) الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون (١٣)﴾.","level":2,"page":15347},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم (١٤)﴾.","level":2,"page":15347},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم (١٥) فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (١٦)﴾.","level":2,"page":15352},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم (١٧) عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم (١٨)﴾.","level":2,"page":15355},{"title":"تفسير سورة \"الطلاق\"","level":1,"page":15356},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾.","level":2,"page":15356},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا﴾.","level":2,"page":15383},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر","level":2,"page":15392},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى (٦) لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها﴾.","level":2,"page":15393},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سيجعل الله بعد عسر يسرا (٧) وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا (٨) فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا (٩)﴾.","level":2,"page":15405},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله ياأولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا (١٠) رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات﴾.","level":2,"page":15408},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا (١١)﴾.","level":2,"page":15410},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما (١٢)﴾.","level":2,"page":15411},{"title":"تفسير سورة التحريم","level":1,"page":15417},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم﴾.","level":2,"page":15417},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم﴾.","level":2,"page":15424},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه","level":2,"page":15424},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير﴾.","level":2,"page":15427},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا (٥)﴾.","level":2,"page":15433},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (٦)﴾.","level":2,"page":15437},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ياأيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون (٧)﴾.","level":2,"page":15439},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير (٨)﴾.","level":2,"page":15439},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير (٩)﴾.","level":2,"page":15444},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين (١٠)﴾.","level":2,"page":15445},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين (١١)﴾.","level":2,"page":15448},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين (١٢)﴾.","level":2,"page":15450},{"title":"تفسير سورة \"الملك\"","level":1,"page":15452},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور﴾.","level":2,"page":15452},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير﴾.","level":2,"page":15453},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير (٥)﴾.","level":2,"page":15456},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير (٦) إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور (٧)﴾.","level":2,"page":15457},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (٨) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير (٩)﴾.","level":2,"page":15458},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير (١٠) فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير (١١)﴾.","level":2,"page":15459},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير (١٢) وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور (١٣)﴾.","level":2,"page":15460},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (١٤) هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور (١٥)﴾.","level":2,"page":15461},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور (١٦) أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (١٧)﴾.","level":2,"page":15463},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير (١٨) أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير (١٩)﴾.","level":2,"page":15464},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور (٢٠)﴾.","level":2,"page":15465},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور (٢١)﴾.","level":2,"page":15465},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم (٢٢)﴾.","level":2,"page":15466},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (٢٣)﴾.","level":2,"page":15468},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (٢٤) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (٢٥)﴾.","level":2,"page":15468},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين (٢٦) فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون (٢٧)﴾.","level":2,"page":15469},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم (٢٨)﴾.","level":2,"page":15471},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين (٢٩)﴾.","level":2,"page":15472},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (٣٠)﴾.","level":2,"page":15472},{"title":"تفسير سورة \"ن\"","level":1,"page":15474},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون﴾.","level":2,"page":15474},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم فستبصر","level":2,"page":15483},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلا تطع المكذبين (٨) ودوا لو تدهن فيدهنون (٩) ولا تطع كل حلاف مهين (١٠) هماز مشاء بنميم (١١)﴾.","level":2,"page":15489},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مناع للخير معتد أثيم (١٢) عتل بعد ذلك زنيم (١٣)﴾.","level":2,"page":15494},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أن كان ذا مال وبنين (١٤) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (١٥) سنسمه على الخرطوم (١٦)﴾.","level":2,"page":15503},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين (١٧) ولا يستثنون (١٨)﴾.","level":2,"page":15505},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون (١٩) فأصبحت كالصريم (٢٠)﴾.","level":2,"page":15507},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فتنادوا مصبحين (٢١) أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين (٢٢) فانطلقوا وهم يتخافتون (٢٣) أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين (٢٤) وغدوا على حرد قادرين (٢٥)﴾.","level":2,"page":15509},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما رأوها قالوا إنا لضالون (٢٦) بل نحن محرومون (٢٧) قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون (٢٨)﴾.","level":2,"page":15513},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين (٢٩) فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون (٣٠) قالوا ياويلنا إنا كنا طاغين (٣١)﴾.","level":2,"page":15516},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون (٣٢) كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (٣٣)﴾.","level":2,"page":15517},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم (٣٤) أفنجعل المسلمين كالمجرمين (٣٥) ما لكم كيف تحكمون (٣٦)﴾","level":2,"page":15518},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم لكم كتاب فيه تدرسون (٣٧) إن لكم فيه لما","level":2,"page":15518},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سلهم أيهم بذلك زعيم (٤٠) أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين (٤١)﴾.","level":2,"page":15519},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون (٤٢) خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون (٤٣)﴾.","level":2,"page":15520},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (٤٤) وأملي لهم إن كيدي متين (٤٥)﴾.","level":2,"page":15532},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (٤٦) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (٤٧)﴾.","level":2,"page":15533},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (٤٨) لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم (٤٩)﴾.","level":2,"page":15533},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿فاجتباه ربه فجعله من الصالحين (٥٠) وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون (٥١) وما هو إلا ذكر للعالمين (٥٢)﴾.","level":2,"page":15535},{"title":"تفسير سورة \"الحاقة\"","level":1,"page":15539},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة كذبت ثمود وعاد بالقارعة﴾.","level":2,"page":15539},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية (٥) وأما عاد","level":2,"page":15541},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة (٩) فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية (١٠) إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية (١١) لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية (١٢)﴾.","level":2,"page":15549},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة (١٣) وحملت الأرض","level":2,"page":15557},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿وانشقت السماء فهي يومئذ واهية (١٦) والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية (١٧) يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية (١٨)﴾.","level":2,"page":15558},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه (١٩) إني ظننت أني ملاق حسابيه (٢٠)﴾.","level":2,"page":15565},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فهو في عيشة راضية (٢١) في جنة عالية (٢٢) قطوفها دانية (٢٣) كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (٢٤)﴾.","level":2,"page":15567},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت كتابيه (٢٥) ولم أدر ما حسابيه (٢٦) ياليتها كانت القاضية (٢٧)﴾.","level":2,"page":15569},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ما أغنى عني ماليه (٢٨) هلك عني سلطانيه (٢٩) خذوه فغلوه (٣٠) ثم الجحيم صلوه (٣١) ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه (٣٢) إنه","level":2,"page":15569},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا يحض على طعام المسكين (٣٤) فليس له اليوم هاهنا حميم (٣٥) ولا طعام إلا من غسلين (٣٦) لا يأكله إلا الخاطئون (٣٧)﴾.","level":2,"page":15573},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بما تبصرون (٣٨) وما لا تبصرون (٣٩) إنه لقول رسول كريم (٤٠) وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (٤١) ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون (٤٢)﴾.","level":2,"page":15575},{"title":"ذكرُ مَن قال ذلك","level":3,"page":15575},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تنزيل من رب العالمين (٤٣) ولو تقول علينا بعض","level":2,"page":15576},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فما منكم من أحد عنه حاجزين (٤٧) وإنه لتذكرة للمتقين (٤٨) وإنا لنعلم أن منكم مكذبين (٤٩) وإنه لحسرة على الكافرين (٥٠) وإنه لحق اليقين (٥١) فسبح باسم ربك العظيم (٥٢)﴾.","level":2,"page":15579},{"title":"تفسير سورة سأل سائل","level":1,"page":15582},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فاصبر صبرا جميلا (٥)﴾.","level":2,"page":15582},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنهم يرونه بعيدا (٦) ونراه قريبا (٧) يوم تكون السماء كالمهل (٨) وتكون الجبال كالعهن (٩) ولا يسأل حميم حميما (١٠) يبصرونهم﴾","level":2,"page":15589},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه (١١) وصاحبته وأخيه (١٢) وفصيلته التي تؤويه (١٣) ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه (١٤)﴾.","level":2,"page":15593},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كلا إنها لظى (١٥) نزاعة للشوى (١٦) تدعو من أدبر وتولى (١٧) وجمع فأوعى﴾.","level":2,"page":15594},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الإنسان خلق هلوعا (١٩) إذا مسه الشر جزوعا (٢٠) وإذا مسه الخير منوعا (٢١) إلا المصلين (٢٢) الذين هم على صلاتهم دائمون (٢٣)﴾.","level":2,"page":15599},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم (٢٤) للسائل والمحروم (٢٥) والذين يصدقون بيوم الدين (٢٦) والذين هم من عذاب ربهم مشفقون (٢٧) إن عذاب ربهم غير مأمون (٢٨)﴾.","level":2,"page":15603},{"title":"ذكر من قال: هو المحارف","level":2,"page":15605},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون (٢٩) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (٣٠) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (٣١)﴾.","level":2,"page":15610},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (٣٢) والذين هم بشهاداتهم قائمون (٣٣) والذين هم على صلاتهم يحافظون (٣٤) أولئك في جنات مكرمون (٣٥)﴾.","level":2,"page":15611},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فمال الذين كفروا قبلك مهطعين (٣٦) عن اليمين وعن الشمال عزين (٣٧) أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم (٣٨) كلا إنا خلقناهم مما يعلمون (٣٩)﴾.","level":2,"page":15611},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون (٤٠) على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين (٤١) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (٤٢)﴾.","level":2,"page":15616},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون (٤٣) خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون (٤٤)﴾.","level":2,"page":15618},{"title":"تفسير سورة نوح ﷺ","level":1,"page":15622},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم قال ياقوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون﴾","level":2,"page":15622},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا (٥) فلم يزدهم دعائي إلا فرارا (٦) وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا (٧)﴾","level":2,"page":15624},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثم إني دعوتهم جهارا (٨) ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا (٩) فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (١٠) يرسل السماء عليكم مدرارا (١١)﴾.","level":2,"page":15626},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا (١٢) ما لكم لا ترجون لله وقارا (١٣) وقد خلقكم أطوارا (١٤)﴾.","level":2,"page":15628},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا (١٥) وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا (١٦) والله أنبتكم من الأرض نباتا (١٧) ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا (١٨)﴾.","level":2,"page":15633},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والله جعل لكم الأرض بساطا (١٩) لتسلكوا منها سبلا فجاجا (٢٠) قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا (٢١) ومكروا مكرا كبارا (٢٢)﴾.","level":2,"page":15634},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا (٢٣) وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا (٢٤)﴾.","level":2,"page":15637},{"title":"القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا (٢٥) وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (٢٦)﴾.","level":2,"page":15640},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (٢٧) رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا (٢٨)﴾.","level":2,"page":15641},{"title":"تفسير سورة الجن","level":1,"page":15644},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا﴾.","level":2,"page":15644},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا (٥) وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا (٦)﴾.","level":2,"page":15654},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا (٧) وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (٨)﴾.","level":2,"page":15660},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (٩) وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا (١٠)﴾.","level":2,"page":15661},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا (١١) وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا (١٢) وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا (١٣)﴾.","level":2,"page":15663},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك","level":2,"page":15666},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا (١٦) لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا (١٧)﴾.","level":2,"page":15668},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (١٨) وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (١٩)﴾.","level":2,"page":15674},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا (٢٠) قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (٢١) قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا (٢٢)﴾.","level":2,"page":15681},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا (٢٣) حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا (٢٤)﴾.","level":2,"page":15683},{"title":"القول في تأويل قوله: ﴿قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا (٢٥) عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (٢٦) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا (٢٧)﴾.","level":2,"page":15685},{"title":"[القول في تأويل قوله ﷿]: ﴿ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم [وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا (٢٨)﴾.","level":2,"page":15688},{"title":"تفسير سورة \"المزمل\"","level":1,"page":15691},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا﴾.","level":2,"page":15691},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15697},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (٥) إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا (٦) إن لك في النهار سبحا طويلا (٧)﴾.","level":2,"page":15698},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15699},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15699},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15700},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15703},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15704},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15705},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15707},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15709},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15711},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (٨) رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا (٩) واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (١٠)﴾.","level":2,"page":15711},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15714},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15715},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا (١١) إن لدينا أنكالا وجحيما (١٢) وطعاما ذا غصة وعذابا أليما (١٣)﴾.","level":2,"page":15715},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15716},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا﴾.","level":2,"page":15719},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15720},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (١٥) فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا (١٦)﴾.","level":2,"page":15720},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15721},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15722},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا (١٧) السماء منفطر به كان وعده مفعولا (١٨)﴾.","level":2,"page":15722},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15723},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (١٩) إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (٢٠)﴾.","level":2,"page":15726},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15727},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15728},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15731},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15732},{"title":"تفسير سورة المدثر","level":1,"page":15734},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15734},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ياأيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر (٥) ولا تمنن تستكثر (٦) ولربك فاصبر (٧)﴾.","level":2,"page":15734},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15738},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15738},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15738},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15739},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15742},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15742},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15743},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15744},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15745},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15746},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15749},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15750},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15750},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15751},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15752},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15752},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فإذا نقر في الناقور (٨) فذلك يومئذ يوم عسير (٩) على الكافرين غير يسير (١٠) ذرني ومن خلقت وحيدا (١١) وجعلت له مالا ممدودا (١٢)﴾.","level":2,"page":15752},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15755},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15756},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15757},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15757},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15757},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15758},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وبنين شهودا (١٣) ومهدت له تمهيدا (١٤) ثم يطمع أن أزيد (١٥) كلا إنه كان لآياتنا عنيدا (١٦) سأرهقه صعودا (١٧)﴾.","level":2,"page":15758},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15759},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":15760},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إنه فكر وقدر (١٨) فقتل كيف قدر (١٩) ثم قتل كيف قدر (٢٠) ثم نظر (٢١) ثم عبس وبسر (٢٢) ثم أدبر واستكبر (٢٣) فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (٢٤) إن هذا إلا قول البشر (٢٥)﴾.","level":2,"page":15762},{"title":"ذكر [من قال ذلك]","level":2,"page":15763},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15766},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿سأصليه سقر (٢٦) وما أدراك ما سقر (٢٧) لا تبقي ولا تذر (٢٨) لواحة للبشر (٢٩) عليها تسعة عشر (٣٠) وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر (٣١)﴾.","level":2,"page":15766},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15767},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15768},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15771},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15771},{"title":"ذكر الخبر عمن قال ذلك","level":2,"page":15772},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15772},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15775},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿كلا والقمر (٣٢) والليل إذ أدبر (٣٣) والصبح إذا أسفر (٣٤) إنها لإحدى الكبر (٣٥) نذيرا للبشر (٣٦) لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر (٣٧)﴾.","level":2,"page":15775},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15776},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15778},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15779},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15780},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15780},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15781},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15781},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة (٣٨) إلا أصحاب اليمين (٣٩) في جنات يتساءلون (٤٠) عن المجرمين (٤١) ما سلككم في سقر (٤٢) قالوا لم نك من المصلين (٤٣) ولم نك نطعم المسكين (٤٤) وكنا نخوض مع الخائضين (٤٥)﴾.","level":2,"page":15781},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15783},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15784},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وكنا نكذب بيوم الدين (٤٦) حتى أتانا اليقين (٤٧) فما تنفعهم شفاعة الشافعين (٤٨) فما لهم عن التذكرة معرضين (٤٩)﴾.","level":2,"page":15785},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15786},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15788},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿كأنهم حمر مستنفرة (٥٠) فرت من قسورة (٥١) بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة (٥٢) كلا بل لا يخافون الآخرة (٥٣)﴾.","level":2,"page":15788},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15789},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15791},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15792},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15792},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15793},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15793},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15793},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15795},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15796},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿كلا إنه تذكرة (٥٤) فمن شاء ذكره (٥٥) وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة (٥٦﴾.","level":2,"page":15796},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15797},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15798},{"title":"تفسير سورة \"القيامة\"","level":1,"page":15799},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه﴾.","level":2,"page":15799},{"title":"[ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15800},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15800},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15801},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15801},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15802},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15803},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15804},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15804},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15804},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15805},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿بل يريد الإنسان ليفجر أمامه (٥) يسأل أيان يوم القيامة (٦) فإذا برق البصر (٧) وخسف القمر (٨) وجمع الشمس والقمر (٩) يقول الإنسان يومئذ أين المفر (١٠) كلا لا وزر (١١) إلى ربك يومئذ المستقر (١٢)﴾.","level":2,"page":15808},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15809},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15810},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15811},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15811},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15814},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15815},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15816},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15818},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15822},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15822},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر (١٣) بل الإنسان على نفسه بصيرة (١٤) ولو ألقى معاذيره (١٥)﴾.","level":2,"page":15822},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15823},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15823},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15824},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15824},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15825},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15825},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15826},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15827},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15829},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15829},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15829},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15830},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به (١٦) إن علينا جمعه وقرآنه (١٧) فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (١٨) ثم إن علينا بيانه (١٩)﴾.","level":2,"page":15830},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15833},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15834},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15835},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15836},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15836},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15837},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15838},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15838},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كلا بل تحبون العاجلة (٢٠) وتذرون الآخرة (٢١) وجوه يومئذ ناضرة (٢٢) إلى ربها ناظرة (٢٣) ووجوه يومئذ باسرة (٢٤) تظن أن يفعل بها فاقرة (٢٥)﴾.","level":2,"page":15838},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15839},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15840},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15841},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15842},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15845},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15845},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كلا إذا بلغت التراقي (٢٦) وقيل من راق (٢٧) وظن أنه الفراق (٢٨) والتفت الساق بالساق (٢٩) إلى ربك يومئذ المساق (٣٠)﴾.","level":2,"page":15846},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15847},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15848},{"title":"[ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15849},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15849},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15853},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15853},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15855},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15855},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15855},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلا صدق ولا صلى (٣١) ولكن كذب وتولى (٣٢) ثم ذهب إلى أهله يتمطى (٣٣) أولى لك فأولى (٣٤) ثم أولى لك فأولى (٣٥) أيحسب الإنسان أن يترك سدى (٣٦)﴾.","level":2,"page":15856},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15857},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15857},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15858},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15860},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15860},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم يك نطفة من مني يمنى (٣٧) ثم كان علقة فخلق","level":2,"page":15860},{"title":"تفسير سورة [هل أتى على الإنسان]","level":1,"page":15863},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا﴾.","level":2,"page":15863},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15866},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15867},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15868},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15869},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15871},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا﴾ (*).","level":2,"page":15871},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (٥) عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (٦)﴾.","level":2,"page":15872},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15873},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15874},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15875},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (٧) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (٨) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (٩)﴾.","level":2,"page":15875},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15876},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15877},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15878},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا (١٠) فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا (١١)﴾.","level":2,"page":15880},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15881},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15883},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15883},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15884},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15884},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (١٢) متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (١٣)﴾.","level":2,"page":15884},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15886},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15887},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا (١٤) ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا (١٥)﴾.","level":2,"page":15887},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15889},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قوارير من فضة قدروها تقديرا (١٦) ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا (١٧) عينا فيها تسمى سلسبيلا (١٨)﴾.","level":2,"page":15890},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15892},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15893},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15894},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15895},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15895},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15896},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15898},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا (١٩) وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (٢٠)﴾.","level":2,"page":15898},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15899},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15901},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا (٢١)﴾.","level":2,"page":15901},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا (٢٢) إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا (٢٣) فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا (٢٤)﴾.","level":2,"page":15905},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15906},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (٢٥) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا (٢٦) إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا (٢٧)﴾.","level":2,"page":15907},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15908},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15909},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15909},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا (٢٨) إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (٢٩)﴾.","level":2,"page":15909},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15910},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15910},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15911},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15911},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما (٣٠) يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما (٣١)﴾.","level":2,"page":15912},{"title":"تفسير سورة \"والمرسلات\"","level":1,"page":15914},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15914},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا (٥) عذرا أو نذرا (٦)﴾.","level":2,"page":15914},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15916},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15916},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15917},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15919},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15920},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15921},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15921},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15922},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15923},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15923},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنما توعدون لواقع (٧) فإذا النجوم طمست (٨) وإذا السماء فرجت (٩) وإذا الجبال نسفت (١٠) وإذا الرسل أقتت (١١) لأي يوم أجلت (١٢) ليوم الفصل (١٣) وما أدراك ما يوم الفصل (١٤) ويل يومئذ للمكذبين (١٥)﴾","level":2,"page":15924},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15925},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15927},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم نهلك الأولين (١٦) ثم نتبعهم الآخرين (١٧) كذلك نفعل بالمجرمين (١٨) ويل يومئذ للمكذبين (١٩)﴾.","level":2,"page":15928},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم نخلقكم من ماء مهين (٢٠) فجعلناه في قرار مكين (٢١) إلى قدر معلوم (٢٢) فقدرنا فنعم القادرون (٢٣) ويل يومئذ للمكذبين (٢٤)﴾.","level":2,"page":15928},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15929},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15930},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتا (٢٥) أحياء وأمواتا (٢٦) وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا (٢٧) ويل يومئذ للمكذبين (٢٨)﴾.","level":2,"page":15930},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15933},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون (٢٩) انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب (٣٠) لا ظليل ولا يغني من اللهب (٣١) إنها ترمي بشرر كالقصر (٣٢) كأنه جمالت صفر (٣٣) ويل يومئذ للمكذبين (٣٤)﴾.","level":2,"page":15934},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15935},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15936},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15939},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15940},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15942},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هذا يوم لا ينطقون (٣٥) ولا يؤذن لهم فيعتذرون (٣٦) ويل يومئذ للمكذبين (٣٧) هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين (٣٨) فإن كان لكم كيد فكيدون (٣٩) ويل يومئذ للمكذبين (٤٠)﴾.","level":2,"page":15943},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن المتقين في ظلال وعيون (٤١) وفواكه مما يشتهون (٤٢) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (٤٣) إنا كذلك نجزي المحسنين (٤٤) ويل يومئذ للمكذبين (٤٥)﴾.","level":2,"page":15945},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون (٤٦) ويل يومئذ للمكذبين (٤٧) وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون (٤٨) ويل يومئذ للمكذبين (٤٩)﴾.","level":2,"page":15946},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15947},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15947},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15947},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون (٥٠)﴾.","level":2,"page":15948},{"title":"تفسير سورة \"عم يتساءلون\"","level":1,"page":15949},{"title":"ذكر من قال ما ذكرت","level":2,"page":15949},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿عم يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون (٥)﴾.","level":2,"page":15949},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15950},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15950},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15951},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض مهادا (٦) والجبال أوتادا (٧) وخلقناكم أزواجا (٨) وجعلنا نومكم سباتا (٩) وجعلنا الليل لباسا (١٠) وجعلنا النهار معاشا (١١)﴾.","level":2,"page":15952},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15953},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وبنينا فوقكم سبعا شدادا (١٢) وجعلنا سراجا وهاجا (١٣) وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا (١٤)﴾.","level":2,"page":15954},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15955},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15955},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15957},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15957},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15958},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15959},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15960},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لنخرج به حبا ونباتا (١٥) وجنات ألفافا (١٦) إن يوم الفصل كان ميقاتا (١٧) يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا (١٨) وفتحت السماء فكانت أبوابا (١٩) وسيرت الجبال فكانت سرابا (٢٠)﴾.","level":2,"page":15960},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15962},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15963},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15964},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن جهنم كانت مرصادا (٢١) للطاغين مآبا (٢٢) لابثين فيها أحقابا (٢٣) لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (٢٤) إلا حميما وغساقا (٢٥)﴾.","level":2,"page":15964},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15965},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15967},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15968},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15969},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15970},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15972},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15972},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15974},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15975},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿جزاء وفاقا (٢٦) إنهم كانوا لا يرجون حسابا (٢٧) وكذبوا بآياتنا كذابا (٢٨) وكل شيء أحصيناه كتابا (٢٩) فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا (٣٠)﴾","level":2,"page":15976},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15977},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15978},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15981},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن للمتقين مفازا (٣١) حدائق وأعنابا (٣٢) وكواعب أترابا (٣٣) وكأسا دهاقا (٣٤) لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (٣٥)﴾.","level":2,"page":15981},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15982},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15983},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15985},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15986},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15987},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿جزاء من ربك عطاء حسابا (٣٦) رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا (٣٧) يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا (٣٨)﴾.","level":2,"page":15987},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15988},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15990},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15990},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15991},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15992},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15993},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15993},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15993},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15993},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15994},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15995},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا (٣٩) إنا أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر ياليتني كنت ترابا (٤٠)﴾.","level":2,"page":15996},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15997},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15998},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":15998},{"title":"تفسير سورة \"النازعات\"","level":1,"page":16001},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16001},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا (٥) يوم ترجف الراجفة (٦) تتبعها الرادفة (٧) قلوب يومئذ واجفة (٨) أبصارها خاشعة (٩)﴾.","level":2,"page":16001},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16002},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16003},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16003},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16004},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16004},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16005},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16005},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16006},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16007},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16007},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16008},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16008},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16008},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16009},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16009},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16012},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16012},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يقولون أإنا لمردودون في الحافرة (١٠) أإذا كنا","level":2,"page":16013},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16014},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16015},{"title":"ذكر من قال: ﴿نخرة﴾: بالية","level":2,"page":16016},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16017},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16018},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16019},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16021},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16022},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16022},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هل أتاك حديث موسى (١٥) إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (١٦) اذهب إلى فرعون إنه طغى (١٧) فقل هل لك إلى أن تزكى (١٨)﴾.","level":2,"page":16022},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16023},{"title":"ذكر بعض من قال ذلك","level":2,"page":16023},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأهديك إلى ربك فتخشى (١٩) فأراه الآية الكبرى (٢٠)﴾.","level":2,"page":16025},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16026},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16027},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16027},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (٢٥) إن في ذلك لعبرة","level":2,"page":16027},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16028},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16030},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16031},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16031},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16033},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (٢٩) والأرض بعد ذلك دحاها (٣٠) أخرج منها ماءها ومرعاها (٣١) والجبال أرساها (٣٢)﴾.","level":2,"page":16033},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16034},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16035},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16036},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16039},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16040},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16041},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿متاعا لكم ولأنعامكم (٣٣) فإذا جاءت الطامة الكبرى (٣٤) يوم يتذكر الإنسان ما سعى (٣٥) وبرزت الجحيم لمن يرى (٣٦)﴾.","level":2,"page":16041},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأما من طغى (٣٧) وآثر الحياة الدنيا (٣٨) فإن الجحيم هي المأوى (٣٩) وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (٤٠) فإن الجنة هي المأوى (٤١)﴾.","level":2,"page":16042},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها (٤٢) فيم أنت من ذكراها (٤٣) إلى ربك منتهاها (٤٤) إنما أنت منذر من يخشاها (٤٥) كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها (٤٦)﴾.","level":2,"page":16043},{"title":"تفسير سورة \"عبس\"","level":1,"page":16046},{"title":"ذكر الأخبار الواردة بذلك","level":2,"page":16046},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى﴾.","level":2,"page":16046},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أما من استغنى (٥) فأنت له تصدى (٦) وما عليك ألا يزكى (٧) وأما من جاءك يسعى (٨) وهو يخشى (٩) فأنت عنه تلهى (١٠)﴾.","level":2,"page":16051},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كلا إنها تذكرة (١١) فمن شاء ذكره (١٢) في صحف مكرمة (١٣) مرفوعة مطهرة (١٤) بأيدي سفرة (١٥) كرام بررة (١٦) قتل الإنسان ما أكفره (١٧)﴾.","level":2,"page":16051},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16052},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16052},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16053},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿من أي شيء خلقه (١٨) من نطفة خلقه فقدره (١٩) ثم السبيل يسره (٢٠) ثم أماته فأقبره (٢١) ثم إذا شاء أنشره (٢٢) كلا لما يقض ما أمره (٢٣)﴾.","level":2,"page":16054},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16055},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16056},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16058},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلينظر الإنسان إلى طعامه (٢٤) أنا صببنا الماء صبا (٢٥) ثم شققنا الأرض شقا (٢٦) فأنبتنا فيها حبا (٢٧) وعنبا وقضبا (٢٨) وزيتونا ونخلا (٢٩) وحدائق غلبا (٣٠)﴾.","level":2,"page":16058},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16060},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16061},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16061},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16062},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16062},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16063},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وفاكهة وأبا (٣١) متاعا لكم ولأنعامكم (٣٢) فإذا جاءت الصاخة (٣٣) يوم يفر المرء من أخيه (٣٤) وأمه وأبيه (٣٥) وصاحبته وبنيه (٣٦) لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (٣٧) وجوه يومئذ مسفرة (٣٨) ضاحكة مستبشرة (٣٩) ووجوه يومئذ عليها غبرة (٤٠) ترهقها قترة (٤١) أولئك هم الكفرة الفجرة (٤٢)﴾.","level":2,"page":16063},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16067},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16068},{"title":"ذكر من قال: هو اسم من أسماء يوم القيامة","level":2,"page":16068},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16070},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16071},{"title":"تفسير سورة \"إذا الشمس كورت\"","level":1,"page":16072},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16072},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت﴾.","level":2,"page":16072},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16074},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16076},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16077},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16077},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16078},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا الوحوش حشرت (٥) وإذا البحار سجرت (٦) وإذا النفوس زوجت (٧) وإذا الموءودة سئلت (٨) بأي ذنب قتلت (٩) وإذا الصحف نشرت (١٠)﴾.","level":2,"page":16079},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16080},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16080},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16081},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16081},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16083},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16083},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16085},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16088},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":16089},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16091},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16092},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16093},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا السماء كشطت (١١) وإذا الجحيم سعرت (١٢) وإذا الجنة أزلفت (١٣) علمت نفس ما أحضرت (١٤) فلا أقسم بالخنس (١٥) الجوار الكنس (١٦)﴾.","level":2,"page":16093},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16095},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16095},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16096},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16098},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16101},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16103},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والليل إذا عسعس (١٧) والصبح إذا تنفس (١٨) إنه لقول رسول كريم (١٩) ذي قوة عند ذي العرش مكين (٢٠)﴾","level":2,"page":16103},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16105},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16106},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16107},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مطاع ثم أمين (٢١) وما صاحبكم بمجنون (٢٢) ولقد رآه بالأفق المبين (٢٣) وما هو على الغيب بضنين (٢٤) وما هو بقول شيطان رجيم (٢٥) فأين تذهبون (٢٦)﴾.","level":2,"page":16107},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16108},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16109},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16110},{"title":"ذكر من قرأ ذلك بالضاد وتأوله على ما وصفنا من التأويل، من أهل التأويل","level":2,"page":16111},{"title":"ذكر من قال ذلك بالظاء وتأوله على ما ذكرنا، من أهل التأويل","level":2,"page":16113},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16115},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن هو إلا ذكر للعالمين (٢٧) لمن شاء منكم أن يستقيم (٢٨) وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين (٢٩)﴾.","level":2,"page":16115},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16116},{"title":"تفسير سورة \"إذا السماء انفطرت\"","level":1,"page":16118},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16118},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت علمت نفس ما قدمت وأخرت (٥)﴾.","level":2,"page":16118},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16119},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16120},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16120},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16121},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم (٦) الذي","level":2,"page":16121},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":16123},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كلا بل تكذبون بالدين (٩) وإن عليكم لحافظين (١٠) كراما كاتبين (١١) يعلمون ما تفعلون (١٢) إن الأبرار لفي نعيم (١٣)﴾.","level":2,"page":16124},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16125},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16125},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16126},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإن الفجار لفي جحيم (١٤) يصلونها يوم الدين (١٥) وما هم عنها بغائبين (١٦) وما أدراك ما يوم الدين (١٧) ثم ما أدراك ما يوم الدين (١٨) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله (١٩)﴾.","level":2,"page":16126},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16127},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16128},{"title":"تفسير سورة \"ويل للمطففين\"","level":1,"page":16129},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16129},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم (٥) يوم يقوم الناس لرب العالمين (٦)﴾.","level":2,"page":16129},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16132},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16137},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (٧) وما أدراك ما سجين (٨) كتاب مرقوم (٩) ويل يومئذ للمكذبين (١٠) الذين يكذبون بيوم الدين (١١)﴾.","level":2,"page":16137},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16139},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16142},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما يكذب به إلا كل معتد أثيم (١٢) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (١٣) كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (١٤)﴾.","level":2,"page":16142},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16144},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16148},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (١٥) ثم إنهم لصالو الجحيم (١٦) ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون (١٧)﴾.","level":2,"page":16148},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16149},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين (١٨) وما أدراك ما عليون (١٩) كتاب مرقوم (٢٠) يشهده المقربون (٢١) إن الأبرار لفي نعيم (٢٢)﴾.","level":2,"page":16150},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16151},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16152},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16153},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16153},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16154},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16156},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿على الأرائك ينظرون (٢٣) تعرف في وجوههم نضرة النعيم (٢٤) يسقون من رحيق مختوم (٢٥) ختامه مسك وفي ذلك","level":2,"page":16156},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16158},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16160},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16161},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16162},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومزاجه من تسنيم (٢٧) عينا يشرب بها المقربون (٢٨) إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون (٢٩)﴾.","level":2,"page":16164},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16165},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16169},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16170},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وإذا مروا بهم يتغامزون (٣٠) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين (٣١) وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون (٣٢) وما أرسلوا عليهم حافظين (٣٣)﴾","level":2,"page":16170},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16171},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون (٣٤) على الأرائك ينظرون (٣٥) هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون (٣٦)﴾.","level":2,"page":16171},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16173},{"title":"تفسير سورة \"إذا السماء انشقت\"","level":1,"page":16174},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت (٥)﴾.","level":2,"page":16174},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16175},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16176},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16177},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16179},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (٦) فأما من أوتي كتابه بيمينه (٧) فسوف يحاسب حسابا يسيرا (٨) وينقلب إلى أهله مسرورا (٩)﴾.","level":2,"page":16179},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16180},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16183},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وأما من أوتي كتابه وراء ظهره (١٠) فسوف يدعو ثبورا (١١) ويصلى سعيرا (١٢) إنه كان في أهله مسرورا (١٣) إنه ظن أن لن يحور (١٤) بلى إن ربه كان به بصيرا (١٥)﴾.","level":2,"page":16183},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16184},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16185},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16186},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بالشفق (١٦) والليل وما وسق (١٧) والقمر إذا اتسق (١٨) لتركبن طبقا عن طبق (١٩) فما لهم لا يؤمنون (٢٠) وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون (٢١)﴾.","level":2,"page":16187},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16188},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16189},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16192},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16192},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16195},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16197},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16198},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16198},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16201},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بل الذين كفروا يكذبون (٢٢) والله أعلم بما يوعون (٢٣) فبشرهم بعذاب أليم (٢٤) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (٢٥)﴾.","level":2,"page":16201},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16203},{"title":"تفسير \"سورة البروج\"","level":1,"page":16204},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16204},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى ﷻ وتقدست أسماؤه: ﴿والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود (٥)﴾.","level":2,"page":16204},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16205},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16205},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16206},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16208},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16210},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16211},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16212},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16213},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16213},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16213},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":16214},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16214},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16220},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16220},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إذ هم عليها قعود (٦) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود (٧) وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد﴾","level":2,"page":16222},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16223},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد (٩) إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق (١٠)﴾.","level":2,"page":16223},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16224},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير (١١) إن بطش ربك لشديد (١٢)﴾","level":2,"page":16225},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16226},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إنه هو يبدئ ويعيد (١٣) وهو الغفور الودود (١٤) ذو العرش المجيد (١٥) فعال لما يريد (١٦) هل أتاك حديث الجنود (١٧) فرعون وثمود (١٨)﴾.","level":2,"page":16226},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16227},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16227},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16228},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بل الذين كفروا في تكذيب (١٩) والله من ورائهم محيط (٢٠) بل هو قرآن مجيد (٢١) في لوح محفوظ (٢٢)﴾.","level":2,"page":16229},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16231},{"title":"تفسير سورة \"والسماء والطارق\"","level":1,"page":16232},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16232},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب إن كل نفس لما عليها حافظ فلينظر الإنسان مم خلق (٥) خلق من ماء دافق (٦) يخرج من بين الصلب والترائب (٧) إنه على رجعه لقادر (٨) يوم تبلى السرائر (٩) فما له من قوة ولا ناصر (١٠)﴾.","level":2,"page":16232},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16233},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16236},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16237},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16238},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16239},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16239},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16240},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16240},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16241},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16242},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16243},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16243},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16243},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16244},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16245},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16246},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والسماء ذات الرجع (١١) والأرض ذات الصدع (١٢) إنه لقول فصل (١٣) وما هو بالهزل (١٤) إنهم يكيدون كيدا (١٥) وأكيد كيدا (١٦) فمهل الكافرين أمهلهم رويدا (١٧)﴾.","level":2,"page":16246},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16248},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16248},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16250},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16251},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16251},{"title":"تفسير سورة \"سبح اسم ربك الأعلى\"","level":1,"page":16253},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16253},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى (٥) سنقرئك فلا تنسى (٦) إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى (٧)﴾.","level":2,"page":16253},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16255},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16256},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16257},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16259},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16259},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ونيسرك لليسرى (٨) فذكر إن نفعت الذكرى (٩)","level":2,"page":16260},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16261},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى (١٤) وذكر اسم ربه فصلى (١٥) بل تؤثرون الحياة الدنيا (١٦) والآخرة خير وأبقى (١٧) إن هذا لفي الصحف الأولى (١٨) صحف إبراهيم وموسى (١٩)﴾","level":2,"page":16262},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16263},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16263},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16264},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16265},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16265},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16266},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16267},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16267},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16268},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16268},{"title":"تفسير سورة الغاشية","level":1,"page":16270},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16270},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿هل أتاك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية تسقى من عين آنية (٥) ليس لهم طعام إلا من ضريع (٦) لا يسمن ولا يغني من جوع (٧)﴾.","level":2,"page":16270},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16271},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16271},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16272},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16273},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16274},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16275},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16276},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16277},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناعمة (٨) لسعيها راضية (٩) في جنة عالية (١٠) لا تسمع فيها لاغية (١١) فيها عين جارية (١٢) فيها سرر مرفوعة (١٣) وأكواب موضوعة (١٤) ونمارق مصفوفة (١٥) وزرابي مبثوثة (١٦)﴾.","level":2,"page":16277},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16278},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16280},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16281},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16281},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16282},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (١٧) وإلى السماء كيف رفعت (١٨) وإلى الجبال كيف نصبت (١٩) وإلى الأرض كيف سطحت (٢٠)﴾","level":2,"page":16282},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16284},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فذكر إنما أنت مذكر (٢١) لست عليهم بمصيطر (٢٢) إلا من تولى وكفر (٢٣) فيعذبه الله العذاب الأكبر (٢٤) إن إلينا إيابهم (٢٥) ثم إن علينا حسابهم (٢٦)﴾.","level":2,"page":16284},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16285},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16287},{"title":"تفسير سورة \"والفجر\"","level":1,"page":16288},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16288},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16288},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿الفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر هل في ذلك قسم لذي حجر (٥)﴾.","level":2,"page":16288},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16289},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16289},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16292},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16294},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16295},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16296},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16297},{"title":"ذكر من رفعه","level":2,"page":16298},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16299},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16299},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16300},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16302},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد (٦) إرم ذات العماد (٧) التي لم يخلق مثلها في البلاد (٨) وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (٩) وفرعون ذي الأوتاد (١٠) الذين طغوا في البلاد (١١)﴾.","level":2,"page":16304},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16305},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16305},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16306},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16306},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16306},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16307},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16307},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16309},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16309},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16310},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16310},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16311},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16312},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16313},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16315},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16315},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16315},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16316},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16316},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فأكثروا فيها الفساد (١٢) فصب عليهم ربك سوط عذاب (١٣) إن ربك لبالمرصاد (١٤) فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (١٥)﴾.","level":2,"page":16317},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16318},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16319},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16319},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (١٦) كلا بل لا تكرمون اليتيم (١٧) ولا تحاضون على طعام المسكين (١٨) وتأكلون التراث أكلا لما (١٩)﴾.","level":2,"page":16320},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16321},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16323},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16324},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16326},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وتحبون المال حبا جما (٢٠) كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (٢١) وجاء ربك والملك صفا صفا (٢٢) وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى (٢٣)﴾","level":2,"page":16326},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16327},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16334},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿يقول ياليتني قدمت لحياتي (٢٤) فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (٢٥) ولا يوثق وثاقه أحد (٢٦) ياأيتها النفس المطمئنة (٢٧) ارجعي إلى ربك راضية مرضية (٢٨) فادخلي في عبادي (٢٩) وادخلي جنتي (٣٠)﴾.","level":2,"page":16334},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16335},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16336},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16337},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16338},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":16339},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16340},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16341},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16341},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16342},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16342},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16343},{"title":"تفسير سورة \"البلد\"","level":1,"page":16345},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16345},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد لقد خلقنا الإنسان في كبد أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (٥) يقول أهلكت مالا لبدا (٦) أيحسب أن لم يره أحد (٧)﴾.","level":2,"page":16345},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16347},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16350},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16350},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16352},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16352},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16354},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16356},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16357},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ألم نجعل له عينين (٨) ولسانا وشفتين (٩) وهديناه النجدين (١٠) فلا اقتحم العقبة (١١) وما أدراك ما العقبة (١٢) فك رقبة (١٣) أو إطعام في يوم ذي مسغبة (١٤) يتيما ذا مقربة (١٥) أو مسكينا ذا متربة (١٦)﴾.","level":2,"page":16358},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16359},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16363},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16364},{"title":"ذكر الخبر بذلك عن ابن زيد","level":2,"page":16365},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16369},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16370},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16373},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16374},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة (١٧) أولئك أصحاب الميمنة (١٨) والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة (١٩) عليهم نار مؤصدة (٢٠)﴾.","level":2,"page":16375},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16376},{"title":"تفسير سورة \"والشمس وضحاها\"","level":1,"page":16378},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16378},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16378},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها (٥) والأرض وما طحاها (٦) ونفس وما سواها (٧) فألهمها فجورها وتقواها (٨)﴾.","level":2,"page":16378},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16379},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16382},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16383},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16383},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16384},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16384},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16386},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16387},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قد أفلح من زكاها (٩) وقد خاب من دساها (١٠) كذبت ثمود بطغواها (١١) إذ انبعث أشقاها (١٢) فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها (١٣) فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها (١٤) ولا يخاف عقباها (١٥)﴾.","level":2,"page":16387},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16389},{"title":"ذكر من قال القول الذي قلناه في ذلك","level":2,"page":16391},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16391},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16392},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16395},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16396},{"title":"تفسير سورة \"والليل إذا يغشى\"","level":1,"page":16399},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى إن سعيكم لشتى فأما من أعطى واتقى (٥) وصدق بالحسنى (٦) فسنيسره لليسرى (٧) وأما من بخل واستغنى (٨) وكذب بالحسنى (٩) فسنيسره للعسرى (١٠)﴾","level":2,"page":16399},{"title":"ذكر الخبر بذلك","level":2,"page":16400},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16404},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16404},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16405},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16407},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16408},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16408},{"title":"ذكر الخبر الوارد بذلك","level":2,"page":16409},{"title":"ذكر الخبر بذلك","level":2,"page":16410},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16411},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16412},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16412},{"title":"ذكر الخبر بذلك","level":2,"page":16413},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما يغني عنه ماله إذا تردى (١١) إن علينا للهدى (١٢) وإن لنا للآخرة والأولى (١٣) فأنذرتكم نارا تلظى (١٤) لا يصلاها إلا الأشقى (١٥) الذي كذب وتولى (١٦) وسيجنبها الأتقى (١٧) الذي يؤتي ماله يتزكى (١٨)﴾.","level":2,"page":16417},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16418},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16418},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16419},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16420},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16421},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما لأحد عنده من نعمة تجزى (١٩) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (٢٠) ولسوف يرضى (٢١)﴾.","level":2,"page":16422},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16423},{"title":"تفسير سورة \"والضحى\"","level":1,"page":16425},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16425},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى (٥) ألم يجدك يتيما فآوى (٦) ووجدك ضالا فهدى (٧) ووجدك عائلا فأغنى (٨)﴾.","level":2,"page":16425},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16426},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16426},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16426},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16428},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":16429},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16433},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16434},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فأما اليتيم فلا تقهر (٩) وأما السائل فلا تنهر (١٠) وأما بنعمة ربك فحدث (١١)﴾.","level":2,"page":16434},{"title":"تفسير سورة \"ألم نشرح\"","level":1,"page":16436},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16436},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك فإن مع العسر يسرا (٥) إن مع العسر يسرا (٦) فإذا فرغت فانصب (٧) وإلى ربك فارغب (٨)﴾.","level":2,"page":16436},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16438},{"title":"ذكر الخبر بذلك","level":2,"page":16439},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16441},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16442},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16443},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16444},{"title":"تفسير سورة \"والتين\"","level":1,"page":16445},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16445},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين (٥) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (٦)﴾.","level":2,"page":16445},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16447},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16448},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16449},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16449},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16451},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16452},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16454},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16454},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16456},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16456},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16456},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16456},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16457},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16458},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16461},{"title":"ذكر من قال معنى هذا القول","level":2,"page":16462},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16463},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16464},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16465},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16466},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16467},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فما يكذبك بعد بالدين (٧) أليس الله بأحكم الحاكمين (٨)﴾.","level":2,"page":16467},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16468},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16469},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16469},{"title":"تفسير سورة \"اقرأ\"","level":1,"page":16471},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم (٥) كلا إن الإنسان ليطغى (٦) أن رآه استغنى (٧) إن إلى ربك الرجعى (٨)﴾.","level":2,"page":16471},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16472},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16476},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16477},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أرأيت الذي ينهى (٩) عبدا إذا صلى (١٠)﴾.","level":2,"page":16477},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أرأيت إن كان على الهدى (١١) أو أمر بالتقوى (١٢)﴾.","level":2,"page":16478},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16479},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16479},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أرأيت إن كذب وتولى (١٣)﴾.","level":2,"page":16479},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ألم يعلم بأن الله يرى (١٤) كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية (١٥) ناصية كاذبة خاطئة (١٦) فليدع ناديه (١٧) سندع الزبانية (١٨) كلا لا تطعه واسجد واقترب (١٩)﴾.","level":2,"page":16479},{"title":"ذكر الآثار المروية في ذلك","level":2,"page":16481},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16483},{"title":"تفسير سورة \"القدر\"","level":1,"page":16486},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16486},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر (٥)﴾.","level":2,"page":16486},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16488},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16489},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16490},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16491},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16492},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16492},{"title":"تفسير سورة \"لم يكن\"","level":1,"page":16495},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16495},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾.","level":2,"page":16495},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16497},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة (٥)﴾.","level":2,"page":16497},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16498},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16499},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية (٦) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية (٧)﴾.","level":2,"page":16499},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه (٨)﴾.","level":2,"page":16500},{"title":"تفسير سورة \"إذا زلزلت\"","level":1,"page":16502},{"title":"القول في تأويل قوله تعالى ﷻ وتقدست أسماؤه: ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان ما لها يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها (٥) يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم (٦) فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (٧) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (٨)﴾.","level":2,"page":16502},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16503},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16504},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16505},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16506},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16507},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16507},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16513},{"title":"تفسير سورة \"والعاديات\"","level":1,"page":16514},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16514},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا (٥) إن الإنسان لربه لكنود (٦) وإنه على ذلك لشهيد (٧) وإنه لحب الخير لشديد (٨) أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (٩) وحصل ما في الصدور (١٠) إن ربهم بهم يومئذ لخبير (١١)﴾.","level":2,"page":16514},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16517},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16519},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16519},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16520},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16520},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16521},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16521},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16522},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16522},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16524},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16525},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16526},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16528},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16528},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16531},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16533},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16533},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16534},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16534},{"title":"تفسير سورة \"القارعة\"","level":1,"page":16536},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16536},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش (٥) فأما من ثقلت موازينه (٦) فهو في عيشة راضية (٧) وأما من خفت موازينه (٨) فأمه هاوية (٩) وما أدراك ما هيه (١٠) نار حامية (١١)﴾.","level":2,"page":16536},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16537},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16538},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16539},{"title":"تفسير سورة \"ألهاكم\"","level":1,"page":16542},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16542},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين (٥) لترون الجحيم (٦) ثم لترونها عين اليقين (٧) ثم لتسألن يومئذ عن النعيم (٨)﴾.","level":2,"page":16542},{"title":"ذكر الخبر بذلك","level":2,"page":16543},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16544},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16546},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16547},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16548},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16548},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16549},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16554},{"title":"تفسير سورة \"والعصر\"","level":1,"page":16556},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16556},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾.","level":2,"page":16556},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16558},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16559},{"title":"تفسير سورة \"ويل لكل همزة\"","level":1,"page":16560},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16560},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده كلا لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة (٥) نار الله الموقدة (٦) التي تطلع على الأفئدة (٧) إنها عليهم مؤصدة (٨) في عمد ممددة (٩)﴾.","level":2,"page":16560},{"title":"ذكر من قال: عني به مشرك بعينه","level":2,"page":16563},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16564},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16566},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16569},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16569},{"title":"تفسير سورة \"الفيل\"","level":1,"page":16571},{"title":"القول في تأويل قوله ﷿: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول (٥)﴾.","level":2,"page":16571},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16572},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16576},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16579},{"title":"ذكر من قال: عنى بذلك ورق الزرع","level":2,"page":16588},{"title":"ذكر من قال: عنى به قشر الحب","level":2,"page":16589},{"title":"تفسير سورة \"قريش\"","level":1,"page":16590},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾.","level":2,"page":16590},{"title":"ذكر من قال ذلك *","level":2,"page":16592},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16593},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16594},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16597},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16598},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16599},{"title":"تفسير سورة \"أرأيت\"","level":1,"page":16601},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16601},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون (٥) الذين هم يراءون (٦) ويمنعون الماعون (٧)﴾.","level":2,"page":16601},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16602},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16603},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16605},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16606},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16608},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16610},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16615},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16622},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16622},{"title":"تفسير سورة \"الكوثر\"","level":1,"page":16623},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16623},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر﴾.","level":2,"page":16623},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16626},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16629},{"title":"ذكر الأخبار الواردة بذلك","level":2,"page":16629},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16634},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16636},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16636},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16637},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16639},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16639},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16640},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16641},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16643},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16643},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16643},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16643},{"title":"تفسير سورة \"الكافرون\"","level":1,"page":16646},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿قل ياأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد (٥) لكم دينكم ولي دين (٦)﴾.","level":2,"page":16646},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16647},{"title":"تفسير سورة \"النصر\"","level":1,"page":16649},{"title":"ذكر من قال ما قلنا في قوله: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾","level":2,"page":16649},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾.","level":2,"page":16649},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16652},{"title":"تفسير سورة \"تبت\"","level":1,"page":16658},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16658},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد (٥)﴾.","level":2,"page":16658},{"title":"ذكر الأخبار الواردة بذلك","level":2,"page":16659},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16661},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16663},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16664},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16666},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16666},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16667},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16668},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16669},{"title":"تفسير سورة \"الإخلاص\"","level":1,"page":16671},{"title":"ذكر من قال: أنزلت جوابا للمشركين الذين سألوه أن ينسب لهم الرب ﵎","level":2,"page":16671},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾.","level":2,"page":16671},{"title":"ذكر من قال: نزل ذلك من أجل مسألة اليهود","level":2,"page":16672},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16675},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16678},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16678},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16679},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16682},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16683},{"title":"تفسير سورة \"الفلق\"","level":1,"page":16685},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16685},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد (٥)﴾.","level":2,"page":16685},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16687},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16687},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16689},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16690},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16691},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16694},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16695},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16696},{"title":"تفسير سورة \"الناس\"","level":1,"page":16697},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":16697},{"title":"القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس (٥) من الجنة والناس (٦)﴾.","level":2,"page":16697},{"title":"ذكر الرواية بذلك","level":2,"page":16699}],"ٛ":{"المقدمة,5":1,"المقدمة,6":2,"المقدمة,7":3,"المقدمة,8":4,"المقدمة,9":5,"المقدمة,11":6,"المقدمة,12":7,"المقدمة,13":8,"المقدمة,14":9,"المقدمة,15":10,"المقدمة,16":11,"المقدمة,17":12,"المقدمة,18":13,"المقدمة,19":14,"المقدمة,20":15,"المقدمة,21":16,"المقدمة,22":17,"المقدمة,23":18,"المقدمة,24":19,"المقدمة,25":20,"المقدمة,26":21,"المقدمة,27":22,"المقدمة,28":23,"المقدمة,29":24,"المقدمة,30":25,"المقدمة,31":26,"المقدمة,32":27,"المقدمة,33":28,"المقدمة,34":29,"المقدمة,35":30,"المقدمة,36":31,"المقدمة,37":32,"المقدمة,38":33,"المقدمة,39":34,"المقدمة,40":35,"المقدمة,41":36,"المقدمة,42":37,"المقدمة,43":38,"المقدمة,44":39,"المقدمة,45":40,"المقدمة,46":41,"المقدمة,47":42,"المقدمة,48":43,"المقدمة,49":44,"المقدمة,50":45,"المقدمة,51":46,"المقدمة,52":47,"المقدمة,53":48,"المقدمة,54":49,"المقدمة,55":50,"المقدمة,56":51,"المقدمة,57":52,"المقدمة,58":53,"المقدمة,59":54,"المقدمة,60":55,"المقدمة,61":56,"المقدمة,63":57,"المقدمة,64":58,"المقدمة,65":59,"المقدمة,66":60,"المقدمة,67":61,"المقدمة,68":62,"المقدمة,69":63,"المقدمة,70":64,"المقدمة,71":65,"المقدمة,72":66,"المقدمة,73":67,"المقدمة,74":68,"المقدمة,75":69,"المقدمة,76":70,"المقدمة,77":71,"المقدمة,78":72,"المقدمة,79":73,"المقدمة,80":74,"المقدمة,81":75,"المقدمة,82":76,"المقدمة,83":77,"المقدمة,84":78,"المقدمة,85":79,"المقدمة,86":80,"المقدمة,87":81,"المقدمة,88":82,"المقدمة,89":83,"المقدمة,90":84,"المقدمة,91":85,"المقدمة,92":86,"المقدمة,93":87,"المقدمة,94":88,"المقدمة,95":89,"المقدمة,96":90,"المقدمة,97":91,"المقدمة,98":92,"المقدمة,99":93,"المقدمة,100":94,"المقدمة,101":95,"المقدمة,102":96,"المقدمة,103":97,"المقدمة,104":98,"المقدمة,105":99,"المقدمة,106":100,"المقدمة,107":101,"المقدمة,108":102,"المقدمة,109":103,"المقدمة,110":104,"المقدمة,111":105,"المقدمة,113":106,"المقدمة,114":107,"المقدمة,115":108,"المقدمة,116":109,"المقدمة,117":110,"المقدمة,118":111,"المقدمة,119":112,"المقدمة,120":113,"المقدمة,121":114,"المقدمة,122":115,"المقدمة,123":116,"المقدمة,124":117,"المقدمة,125":118,"المقدمة,126":119,"المقدمة,127":120,"المقدمة,128":121,"المقدمة,129":122,"المقدمة,130":123,"المقدمة,131":124,"المقدمة,132":125,"المقدمة,133":126,"المقدمة,134":127,"المقدمة,135":128,"المقدمة,136":129,"المقدمة,137":130,"المقدمة,138":131,"المقدمة,139":132,"المقدمة,140":133,"المقدمة,141":134,"المقدمة,142":135,"المقدمة,143":136,"المقدمة,144":137,"المقدمة,145":138,"المقدمة,146":139,"المقدمة,147":140,"المقدمة,148":141,"المقدمة,149":142,"المقدمة,150":143,"المقدمة,151":144,"المقدمة,152":145,"المقدمة,153":146,"المقدمة,154":147,"المقدمة,155":148,"المقدمة,156":149,"المقدمة,157":150,"المقدمة,158":151,"المقدمة,159":152,"المقدمة,160":153,"المقدمة,161":154,"المقدمة,162":155,"المقدمة,163":156,"المقدمة,164":157,"المقدمة,165":158,"المقدمة,166":159,"المقدمة,167":160,"المقدمة,168":161,"المقدمة,169":162,"المقدمة,170":163,"المقدمة,171":164,"المقدمة,172":165,"المقدمة,173":166,"المقدمة,174":167,"المقدمة,175":168,"المقدمة,176":169,"المقدمة,177":170,"المقدمة,178":171,"المقدمة,179":172,"المقدمة,180":173,"المقدمة,181":174,"المقدمة,182":175,"المقدمة,183":176,"المقدمة,185":177,"المقدمة,187":178,"المقدمة,188":179,"المقدمة,189":180,"المقدمة,190":181,"المقدمة,191":182,"1,3":183,"1,4":184,"1,5":185,"1,6":186,"1,7":187,"1,8":188,"1,9":189,"1,10":190,"1,11":191,"1,12":192,"1,13":193,"1,14":194,"1,15":195,"1,16":196,"1,17":197,"1,18":198,"1,19":199,"1,20":200,"1,21":201,"1,22":202,"1,23":203,"1,24":204,"1,25":205,"1,26":206,"1,27":207,"1,28":208,"1,29":209,"1,30":210,"1,31":211,"1,32":212,"1,33":213,"1,34":214,"1,35":215,"1,36":216,"1,37":217,"1,38":218,"1,39":219,"1,40":220,"1,41":221,"1,42":222,"1,43":223,"1,44":224,"1,45":225,"1,46":226,"1,47":227,"1,48":228,"1,49":229,"1,50":230,"1,51":231,"1,52":232,"1,53":233,"1,54":234,"1,55":235,"1,56":236,"1,57":237,"1,58":238,"1,59":239,"1,60":240,"1,61":241,"1,62":242,"1,63":243,"1,64":244,"1,65":245,"1,66":246,"1,67":247,"1,68":248,"1,69":249,"1,70":250,"1,71":251,"1,72":252,"1,73":253,"1,74":254,"1,75":255,"1,76":256,"1,77":257,"1,78":258,"1,79":259,"1,80":260,"1,81":261,"1,82":262,"1,83":263,"1,84":264,"1,85":265,"1,86":266,"1,87":267,"1,88":268,"1,89":269,"1,90":270,"1,91":271,"1,92":272,"1,93":273,"1,94":274,"1,95":275,"1,96":276,"1,97":277,"1,98":278,"1,99":279,"1,100":280,"1,101":281,"1,102":282,"1,103":283,"1,104":284,"1,105":285,"1,106":286,"1,107":287,"1,108":288,"1,109":289,"1,110":290,"1,111":291,"1,112":292,"1,113":293,"1,114":294,"1,115":295,"1,116":296,"1,117":297,"1,118":298,"1,119":299,"1,120":300,"1,121":301,"1,122":302,"1,123":303,"1,124":304,"1,125":305,"1,126":306,"1,127":307,"1,128":308,"1,129":309,"1,130":310,"1,131":311,"1,132":312,"1,133":313,"1,134":314,"1,135":315,"1,136":316,"1,137":317,"1,138":318,"1,139":319,"1,140":320,"1,141":321,"1,142":322,"1,143":323,"1,144":324,"1,145":325,"1,146":326,"1,147":327,"1,148":328,"1,149":329,"1,150":330,"1,151":331,"1,152":332,"1,153":333,"1,154":334,"1,155":335,"1,156":336,"1,157":337,"1,158":338,"1,159":339,"1,160":340,"1,161":341,"1,162":342,"1,163":343,"1,164":344,"1,165":345,"1,166":346,"1,167":347,"1,168":348,"1,169":349,"1,170":350,"1,171":351,"1,172":352,"1,173":353,"1,174":354,"1,175":355,"1,176":356,"1,177":357,"1,178":358,"1,179":359,"1,180":360,"1,181":361,"1,182":362,"1,183":363,"1,184":364,"1,185":365,"1,186":366,"1,187":367,"1,188":368,"1,189":369,"1,190":370,"1,191":371,"1,192":372,"1,193":373,"1,194":374,"1,195":375,"1,196":376,"1,197":377,"1,198":378,"1,199":379,"1,200":380,"1,201":381,"1,202":382,"1,203":383,"1,204":384,"1,205":385,"1,206":386,"1,207":387,"1,208":388,"1,209":389,"1,210":390,"1,211":391,"1,212":392,"1,213":393,"1,214":394,"1,215":395,"1,216":396,"1,217":397,"1,218":398,"1,219":399,"1,220":400,"1,221":401,"1,222":402,"1,223":403,"1,224":404,"1,225":405,"1,226":406,"1,227":407,"1,228":408,"1,229":409,"1,230":410,"1,231":411,"1,232":412,"1,233":413,"1,234":414,"1,235":415,"1,236":416,"1,237":417,"1,238":418,"1,239":419,"1,240":420,"1,241":421,"1,242":422,"1,243":423,"1,244":424,"1,245":425,"1,246":426,"1,247":427,"1,248":428,"1,249":429,"1,250":430,"1,251":431,"1,252":432,"1,253":433,"1,254":434,"1,255":435,"1,256":436,"1,257":437,"1,258":438,"1,259":439,"1,260":440,"1,261":441,"1,262":442,"1,263":443,"1,264":444,"1,265":445,"1,266":446,"1,267":447,"1,268":448,"1,269":449,"1,270":450,"1,271":451,"1,272":452,"1,273":453,"1,274":454,"1,275":455,"1,276":456,"1,277":457,"1,278":458,"1,279":459,"1,280":460,"1,281":461,"1,282":462,"1,283":463,"1,284":464,"1,285":465,"1,286":466,"1,287":467,"1,288":468,"1,289":469,"1,290":470,"1,291":471,"1,292":472,"1,293":473,"1,294":474,"1,295":475,"1,296":476,"1,297":477,"1,298":478,"1,299":479,"1,300":480,"1,301":481,"1,302":482,"1,303":483,"1,304":484,"1,305":485,"1,306":486,"1,307":487,"1,308":488,"1,309":489,"1,310":490,"1,311":491,"1,312":492,"1,313":493,"1,314":494,"1,315":495,"1,316":496,"1,317":497,"1,318":498,"1,319":499,"1,320":500,"1,321":501,"1,322":502,"1,323":503,"1,324":504,"1,325":505,"1,326":506,"1,327":507,"1,328":508,"1,329":509,"1,330":510,"1,331":511,"1,332":512,"1,333":513,"1,334":514,"1,335":515,"1,336":516,"1,337":517,"1,338":518,"1,339":519,"1,340":520,"1,341":521,"1,342":522,"1,343":523,"1,344":524,"1,345":525,"1,346":526,"1,347":527,"1,348":528,"1,349":529,"1,350":530,"1,351":531,"1,352":532,"1,353":533,"1,354":534,"1,355":535,"1,356":536,"1,357":537,"1,358":538,"1,359":539,"1,360":540,"1,361":541,"1,362":542,"1,363":543,"1,364":544,"1,365":545,"1,366":546,"1,367":547,"1,368":548,"1,369":549,"1,370":550,"1,371":551,"1,372":552,"1,373":553,"1,374":554,"1,375":555,"1,376":556,"1,377":557,"1,378":558,"1,379":559,"1,380":560,"1,381":561,"1,382":562,"1,383":563,"1,384":564,"1,385":565,"1,386":566,"1,387":567,"1,388":568,"1,389":569,"1,390":570,"1,391":571,"1,392":572,"1,393":573,"1,394":574,"1,395":575,"1,396":576,"1,397":577,"1,398":578,"1,399":579,"1,400":580,"1,401":581,"1,402":582,"1,403":583,"1,404":584,"1,405":585,"1,406":586,"1,407":587,"1,408":588,"1,409":589,"1,410":590,"1,411":591,"1,412":592,"1,413":593,"1,414":594,"1,415":595,"1,416":596,"1,417":597,"1,418":598,"1,419":599,"1,420":600,"1,421":601,"1,422":602,"1,423":603,"1,424":604,"1,425":605,"1,426":606,"1,427":607,"1,428":608,"1,429":609,"1,430":610,"1,431":611,"1,432":612,"1,433":613,"1,434":614,"1,435":615,"1,436":616,"1,437":617,"1,438":618,"1,439":619,"1,440":620,"1,441":621,"1,442":622,"1,443":623,"1,444":624,"1,445":625,"1,446":626,"1,447":627,"1,448":628,"1,449":629,"1,450":630,"1,451":631,"1,452":632,"1,453":633,"1,454":634,"1,455":635,"1,456":636,"1,457":637,"1,458":638,"1,459":639,"1,460":640,"1,461":641,"1,462":642,"1,463":643,"1,464":644,"1,465":645,"1,466":646,"1,467":647,"1,468":648,"1,469":649,"1,470":650,"1,471":651,"1,472":652,"1,473":653,"1,474":654,"1,475":655,"1,476":656,"1,477":657,"1,478":658,"1,479":659,"1,480":660,"1,481":661,"1,482":662,"1,483":663,"1,484":664,"1,485":665,"1,486":666,"1,487":667,"1,488":668,"1,489":669,"1,490":670,"1,491":671,"1,492":672,"1,493":673,"1,494":674,"1,495":675,"1,496":676,"1,497":677,"1,498":678,"1,499":679,"1,500":680,"1,501":681,"1,502":682,"1,503":683,"1,504":684,"1,505":685,"1,506":686,"1,507":687,"1,508":688,"1,509":689,"1,510":690,"1,511":691,"1,512":692,"1,513":693,"1,514":694,"1,515":695,"1,516":696,"1,517":697,"1,518":698,"1,519":699,"1,520":700,"1,521":701,"1,522":702,"1,523":703,"1,524":704,"1,525":705,"1,526":706,"1,527":707,"1,528":708,"1,529":709,"1,530":710,"1,531":711,"1,532":712,"1,533":713,"1,534":714,"1,535":715,"1,536":716,"1,537":717,"1,538":718,"1,539":719,"1,540":720,"1,541":721,"1,542":722,"1,543":723,"1,544":724,"1,545":725,"1,546":726,"1,547":727,"1,548":728,"1,549":729,"1,550":730,"1,551":731,"1,552":732,"1,553":733,"1,554":734,"1,555":735,"1,556":736,"1,557":737,"1,558":738,"1,559":739,"1,560":740,"1,561":741,"1,562":742,"1,563":743,"1,564":744,"1,565":745,"1,566":746,"1,567":747,"1,568":748,"1,569":749,"1,570":750,"1,571":751,"1,572":752,"1,573":753,"1,574":754,"1,575":755,"1,576":756,"1,577":757,"1,578":758,"1,579":759,"1,580":760,"1,581":761,"1,582":762,"1,583":763,"1,584":764,"1,585":765,"1,586":766,"1,587":767,"1,588":768,"1,589":769,"1,590":770,"1,591":771,"1,592":772,"1,593":773,"1,594":774,"1,595":775,"1,596":776,"1,597":777,"1,598":778,"1,599":779,"1,600":780,"1,601":781,"1,602":782,"1,603":783,"1,604":784,"1,605":785,"1,606":786,"1,607":787,"1,608":788,"1,609":789,"1,610":790,"1,611":791,"1,612":792,"1,613":793,"1,614":794,"1,615":795,"1,616":796,"1,617":797,"1,618":798,"1,619":799,"1,620":800,"1,621":801,"1,622":802,"1,623":803,"1,624":804,"1,625":805,"1,626":806,"1,627":807,"1,628":808,"1,629":809,"1,630":810,"1,631":811,"1,632":812,"1,633":813,"1,634":814,"1,635":815,"1,636":816,"1,637":817,"1,638":818,"1,639":819,"1,640":820,"1,641":821,"1,642":822,"1,643":823,"1,644":824,"1,645":825,"1,646":826,"1,647":827,"1,648":828,"1,649":829,"1,650":830,"1,651":831,"1,652":832,"1,653":833,"1,654":834,"1,655":835,"1,656":836,"1,657":837,"1,658":838,"1,659":839,"1,660":840,"1,661":841,"1,662":842,"1,663":843,"1,664":844,"1,665":845,"1,666":846,"1,667":847,"1,668":848,"1,669":849,"1,670":850,"1,671":851,"1,672":852,"1,673":853,"1,674":854,"1,675":855,"1,676":856,"1,677":857,"1,678":858,"1,679":859,"1,680":860,"1,681":861,"1,682":862,"1,683":863,"1,684":864,"1,685":865,"1,686":866,"1,687":867,"1,688":868,"1,689":869,"1,690":870,"1,691":871,"1,692":872,"1,693":873,"1,694":874,"1,695":875,"1,696":876,"1,697":877,"1,698":878,"1,699":879,"1,700":880,"1,701":881,"1,702":882,"1,703":883,"1,704":884,"1,705":885,"1,706":886,"1,707":887,"1,708":888,"1,709":889,"1,710":890,"1,711":891,"1,712":892,"1,713":893,"1,714":894,"1,715":895,"1,716":896,"1,717":897,"1,718":898,"1,719":899,"1,720":900,"1,721":901,"1,722":902,"1,723":903,"1,724":904,"1,725":905,"1,726":906,"1,727":907,"1,728":908,"1,729":909,"1,730":910,"1,731":911,"1,732":912,"2,5":913,"2,6":914,"2,7":915,"2,8":916,"2,9":917,"2,10":918,"2,11":919,"2,12":920,"2,13":921,"2,14":922,"2,15":923,"2,16":924,"2,17":925,"2,18":926,"2,19":927,"2,20":928,"2,21":929,"2,22":930,"2,23":931,"2,24":932,"2,25":933,"2,26":934,"2,27":935,"2,28":936,"2,29":937,"2,30":938,"2,31":939,"2,32":940,"2,33":941,"2,34":942,"2,35":943,"2,36":944,"2,37":945,"2,38":946,"2,39":947,"2,40":948,"2,41":949,"2,42":950,"2,43":951,"2,44":952,"2,45":953,"2,46":954,"2,47":955,"2,48":956,"2,49":957,"2,50":958,"2,51":959,"2,52":960,"2,53":961,"2,54":962,"2,55":963,"2,56":964,"2,57":965,"2,58":966,"2,59":967,"2,60":968,"2,61":969,"2,62":970,"2,63":971,"2,64":972,"2,65":973,"2,66":974,"2,67":975,"2,68":976,"2,69":977,"2,70":978,"2,71":979,"2,72":980,"2,73":981,"2,74":982,"2,75":983,"2,76":984,"2,77":985,"2,78":986,"2,79":987,"2,80":988,"2,81":989,"2,82":990,"2,83":991,"2,84":992,"2,85":993,"2,86":994,"2,87":995,"2,88":996,"2,89":997,"2,90":998,"2,91":999,"2,92":1000,"2,93":1001,"2,94":1002,"2,95":1003,"2,96":1004,"2,97":1005,"2,98":1006,"2,99":1007,"2,100":1008,"2,101":1009,"2,102":1010,"2,103":1011,"2,104":1012,"2,105":1013,"2,106":1014,"2,107":1015,"2,108":1016,"2,109":1017,"2,110":1018,"2,111":1019,"2,112":1020,"2,113":1021,"2,114":1022,"2,115":1023,"2,116":1024,"2,117":1025,"2,118":1026,"2,119":1027,"2,120":1028,"2,121":1029,"2,122":1030,"2,123":1031,"2,124":1032,"2,125":1033,"2,126":1034,"2,127":1035,"2,128":1036,"2,129":1037,"2,130":1038,"2,131":1039,"2,132":1040,"2,133":1041,"2,134":1042,"2,135":1043,"2,136":1044,"2,137":1045,"2,138":1046,"2,139":1047,"2,140":1048,"2,141":1049,"2,142":1050,"2,143":1051,"2,144":1052,"2,145":1053,"2,146":1054,"2,147":1055,"2,148":1056,"2,149":1057,"2,150":1058,"2,151":1059,"2,152":1060,"2,153":1061,"2,154":1062,"2,155":1063,"2,156":1064,"2,157":1065,"2,158":1066,"2,159":1067,"2,160":1068,"2,161":1069,"2,162":1070,"2,163":1071,"2,164":1072,"2,165":1073,"2,166":1074,"2,167":1075,"2,168":1076,"2,169":1077,"2,170":1078,"2,171":1079,"2,172":1080,"2,173":1081,"2,174":1082,"2,175":1083,"2,176":1084,"2,177":1085,"2,178":1086,"2,179":1087,"2,180":1088,"2,181":1089,"2,182":1090,"2,183":1091,"2,184":1092,"2,185":1093,"2,186":1094,"2,187":1095,"2,188":1096,"2,189":1097,"2,190":1098,"2,191":1099,"2,192":1100,"2,193":1101,"2,194":1102,"2,195":1103,"2,196":1104,"2,197":1105,"2,198":1106,"2,199":1107,"2,200":1108,"2,201":1109,"2,202":1110,"2,203":1111,"2,204":1112,"2,205":1113,"2,206":1114,"2,207":1115,"2,208":1116,"2,209":1117,"2,210":1118,"2,211":1119,"2,212":1120,"2,213":1121,"2,214":1122,"2,215":1123,"2,216":1124,"2,217":1125,"2,218":1126,"2,219":1127,"2,220":1128,"2,221":1129,"2,222":1130,"2,223":1131,"2,224":1132,"2,225":1133,"2,226":1134,"2,227":1135,"2,228":1136,"2,229":1137,"2,230":1138,"2,231":1139,"2,232":1140,"2,233":1141,"2,234":1142,"2,235":1143,"2,236":1144,"2,237":1145,"2,238":1146,"2,239":1147,"2,240":1148,"2,241":1149,"2,242":1150,"2,243":1151,"2,244":1152,"2,245":1153,"2,246":1154,"2,247":1155,"2,248":1156,"2,249":1157,"2,250":1158,"2,251":1159,"2,252":1160,"2,253":1161,"2,254":1162,"2,255":1163,"2,256":1164,"2,257":1165,"2,258":1166,"2,259":1167,"2,260":1168,"2,261":1169,"2,262":1170,"2,263":1171,"2,264":1172,"2,265":1173,"2,266":1174,"2,267":1175,"2,268":1176,"2,269":1177,"2,270":1178,"2,271":1179,"2,272":1180,"2,273":1181,"2,274":1182,"2,275":1183,"2,276":1184,"2,277":1185,"2,278":1186,"2,279":1187,"2,280":1188,"2,281":1189,"2,282":1190,"2,283":1191,"2,284":1192,"2,285":1193,"2,286":1194,"2,287":1195,"2,288":1196,"2,289":1197,"2,290":1198,"2,291":1199,"2,292":1200,"2,293":1201,"2,294":1202,"2,295":1203,"2,296":1204,"2,297":1205,"2,298":1206,"2,299":1207,"2,300":1208,"2,301":1209,"2,302":1210,"2,303":1211,"2,304":1212,"2,305":1213,"2,306":1214,"2,307":1215,"2,308":1216,"2,309":1217,"2,310":1218,"2,311":1219,"2,312":1220,"2,313":1221,"2,314":1222,"2,315":1223,"2,316":1224,"2,317":1225,"2,318":1226,"2,319":1227,"2,320":1228,"2,321":1229,"2,322":1230,"2,323":1231,"2,324":1232,"2,325":1233,"2,326":1234,"2,327":1235,"2,328":1236,"2,329":1237,"2,330":1238,"2,331":1239,"2,332":1240,"2,333":1241,"2,334":1242,"2,335":1243,"2,336":1244,"2,337":1245,"2,338":1246,"2,339":1247,"2,340":1248,"2,341":1249,"2,342":1250,"2,343":1251,"2,344":1252,"2,345":1253,"2,346":1254,"2,347":1255,"2,348":1256,"2,349":1257,"2,350":1258,"2,351":1259,"2,352":1260,"2,353":1261,"2,354":1262,"2,355":1263,"2,356":1264,"2,357":1265,"2,358":1266,"2,359":1267,"2,360":1268,"2,361":1269,"2,362":1270,"2,363":1271,"2,364":1272,"2,365":1273,"2,366":1274,"2,367":1275,"2,368":1276,"2,369":1277,"2,370":1278,"2,371":1279,"2,372":1280,"2,373":1281,"2,374":1282,"2,375":1283,"2,376":1284,"2,377":1285,"2,378":1286,"2,379":1287,"2,380":1288,"2,381":1289,"2,382":1290,"2,383":1291,"2,384":1292,"2,385":1293,"2,386":1294,"2,387":1295,"2,388":1296,"2,389":1297,"2,390":1298,"2,391":1299,"2,392":1300,"2,393":1301,"2,394":1302,"2,395":1303,"2,396":1304,"2,397":1305,"2,398":1306,"2,399":1307,"2,400":1308,"2,401":1309,"2,402":1310,"2,403":1311,"2,404":1312,"2,405":1313,"2,406":1314,"2,407":1315,"2,408":1316,"2,409":1317,"2,410":1318,"2,411":1319,"2,412":1320,"2,413":1321,"2,414":1322,"2,415":1323,"2,416":1324,"2,417":1325,"2,418":1326,"2,419":1327,"2,420":1328,"2,421":1329,"2,422":1330,"2,423":1331,"2,424":1332,"2,425":1333,"2,426":1334,"2,427":1335,"2,428":1336,"2,429":1337,"2,430":1338,"2,431":1339,"2,432":1340,"2,433":1341,"2,434":1342,"2,435":1343,"2,436":1344,"2,437":1345,"2,438":1346,"2,439":1347,"2,440":1348,"2,441":1349,"2,442":1350,"2,443":1351,"2,444":1352,"2,445":1353,"2,446":1354,"2,447":1355,"2,448":1356,"2,449":1357,"2,450":1358,"2,451":1359,"2,452":1360,"2,453":1361,"2,454":1362,"2,455":1363,"2,456":1364,"2,457":1365,"2,458":1366,"2,459":1367,"2,460":1368,"2,461":1369,"2,462":1370,"2,463":1371,"2,464":1372,"2,465":1373,"2,466":1374,"2,467":1375,"2,468":1376,"2,469":1377,"2,470":1378,"2,471":1379,"2,472":1380,"2,473":1381,"2,474":1382,"2,475":1383,"2,476":1384,"2,477":1385,"2,478":1386,"2,479":1387,"2,480":1388,"2,481":1389,"2,482":1390,"2,483":1391,"2,484":1392,"2,485":1393,"2,486":1394,"2,487":1395,"2,488":1396,"2,489":1397,"2,490":1398,"2,491":1399,"2,492":1400,"2,493":1401,"2,494":1402,"2,495":1403,"2,496":1404,"2,497":1405,"2,498":1406,"2,499":1407,"2,500":1408,"2,501":1409,"2,502":1410,"2,503":1411,"2,504":1412,"2,505":1413,"2,506":1414,"2,507":1415,"2,508":1416,"2,509":1417,"2,510":1418,"2,511":1419,"2,512":1420,"2,513":1421,"2,514":1422,"2,515":1423,"2,516":1424,"2,517":1425,"2,518":1426,"2,519":1427,"2,520":1428,"2,521":1429,"2,522":1430,"2,523":1431,"2,524":1432,"2,525":1433,"2,526":1434,"2,527":1435,"2,528":1436,"2,529":1437,"2,530":1438,"2,531":1439,"2,532":1440,"2,533":1441,"2,534":1442,"2,535":1443,"2,536":1444,"2,537":1445,"2,538":1446,"2,539":1447,"2,540":1448,"2,541":1449,"2,542":1450,"2,543":1451,"2,544":1452,"2,545":1453,"2,546":1454,"2,547":1455,"2,548":1456,"2,549":1457,"2,550":1458,"2,551":1459,"2,552":1460,"2,553":1461,"2,554":1462,"2,555":1463,"2,556":1464,"2,557":1465,"2,558":1466,"2,559":1467,"2,560":1468,"2,561":1469,"2,562":1470,"2,563":1471,"2,564":1472,"2,565":1473,"2,566":1474,"2,567":1475,"2,568":1476,"2,569":1477,"2,570":1478,"2,571":1479,"2,572":1480,"2,573":1481,"2,574":1482,"2,575":1483,"2,576":1484,"2,577":1485,"2,578":1486,"2,579":1487,"2,580":1488,"2,581":1489,"2,582":1490,"2,583":1491,"2,584":1492,"2,585":1493,"2,586":1494,"2,587":1495,"2,588":1496,"2,589":1497,"2,590":1498,"2,591":1499,"2,592":1500,"2,593":1501,"2,594":1502,"2,595":1503,"2,596":1504,"2,597":1505,"2,598":1506,"2,599":1507,"2,600":1508,"2,601":1509,"2,602":1510,"2,603":1511,"2,604":1512,"2,605":1513,"2,606":1514,"2,607":1515,"2,608":1516,"2,609":1517,"2,610":1518,"2,611":1519,"2,612":1520,"2,613":1521,"2,614":1522,"2,615":1523,"2,616":1524,"2,617":1525,"2,618":1526,"2,619":1527,"2,620":1528,"2,621":1529,"2,622":1530,"2,623":1531,"2,624":1532,"2,625":1533,"2,626":1534,"2,627":1535,"2,628":1536,"2,629":1537,"2,630":1538,"2,631":1539,"2,632":1540,"2,633":1541,"2,634":1542,"2,635":1543,"2,636":1544,"2,637":1545,"2,638":1546,"2,639":1547,"2,640":1548,"2,641":1549,"2,642":1550,"2,643":1551,"2,644":1552,"2,645":1553,"2,646":1554,"2,647":1555,"2,648":1556,"2,649":1557,"2,650":1558,"2,651":1559,"2,652":1560,"2,653":1561,"2,654":1562,"2,655":1563,"2,656":1564,"2,657":1565,"2,658":1566,"2,659":1567,"2,660":1568,"2,661":1569,"2,662":1570,"2,663":1571,"2,664":1572,"2,665":1573,"2,666":1574,"2,667":1575,"2,668":1576,"2,669":1577,"2,670":1578,"2,671":1579,"2,672":1580,"2,673":1581,"2,674":1582,"2,675":1583,"2,676":1584,"2,677":1585,"2,678":1586,"2,679":1587,"2,680":1588,"2,681":1589,"2,682":1590,"2,683":1591,"2,684":1592,"2,685":1593,"2,686":1594,"2,687":1595,"2,688":1596,"2,689":1597,"2,690":1598,"2,691":1599,"2,692":1600,"2,693":1601,"2,694":1602,"2,695":1603,"2,696":1604,"2,697":1605,"2,698":1606,"2,699":1607,"2,700":1608,"2,701":1609,"2,702":1610,"2,703":1611,"2,704":1612,"2,705":1613,"2,706":1614,"2,707":1615,"2,708":1616,"2,709":1617,"2,710":1618,"2,711":1619,"2,712":1620,"2,713":1621,"2,714":1622,"2,715":1623,"2,716":1624,"2,717":1625,"2,718":1626,"2,719":1627,"2,720":1628,"2,721":1629,"2,722":1630,"2,723":1631,"2,724":1632,"2,725":1633,"2,726":1634,"2,727":1635,"2,728":1636,"2,729":1637,"2,730":1638,"2,731":1639,"2,732":1640,"2,733":1641,"2,734":1642,"2,735":1643,"2,736":1644,"2,737":1645,"2,738":1646,"2,739":1647,"2,740":1648,"2,741":1649,"2,742":1650,"2,743":1651,"2,744":1652,"2,745":1653,"2,746":1654,"2,747":1655,"3,5":1656,"3,6":1657,"3,7":1658,"3,8":1659,"3,9":1660,"3,10":1661,"3,11":1662,"3,12":1663,"3,13":1664,"3,14":1665,"3,15":1666,"3,16":1667,"3,17":1668,"3,18":1669,"3,19":1670,"3,20":1671,"3,21":1672,"3,22":1673,"3,23":1674,"3,24":1675,"3,25":1676,"3,26":1677,"3,27":1678,"3,28":1679,"3,29":1680,"3,30":1681,"3,31":1682,"3,32":1683,"3,33":1684,"3,34":1685,"3,35":1686,"3,36":1687,"3,37":1688,"3,38":1689,"3,39":1690,"3,40":1691,"3,41":1692,"3,42":1693,"3,43":1694,"3,44":1695,"3,45":1696,"3,46":1697,"3,47":1698,"3,48":1699,"3,49":1700,"3,50":1701,"3,51":1702,"3,52":1703,"3,53":1704,"3,54":1705,"3,55":1706,"3,56":1707,"3,57":1708,"3,58":1709,"3,59":1710,"3,60":1711,"3,61":1712,"3,62":1713,"3,63":1714,"3,64":1715,"3,65":1716,"3,66":1717,"3,67":1718,"3,68":1719,"3,69":1720,"3,70":1721,"3,71":1722,"3,72":1723,"3,73":1724,"3,74":1725,"3,75":1726,"3,76":1727,"3,77":1728,"3,78":1729,"3,79":1730,"3,80":1731,"3,81":1732,"3,82":1733,"3,83":1734,"3,84":1735,"3,85":1736,"3,86":1737,"3,87":1738,"3,88":1739,"3,89":1740,"3,90":1741,"3,91":1742,"3,92":1743,"3,93":1744,"3,94":1745,"3,95":1746,"3,96":1747,"3,97":1748,"3,98":1749,"3,99":1750,"3,100":1751,"3,101":1752,"3,102":1753,"3,103":1754,"3,104":1755,"3,105":1756,"3,106":1757,"3,107":1758,"3,108":1759,"3,109":1760,"3,110":1761,"3,111":1762,"3,112":1763,"3,113":1764,"3,114":1765,"3,115":1766,"3,116":1767,"3,117":1768,"3,118":1769,"3,119":1770,"3,120":1771,"3,121":1772,"3,122":1773,"3,123":1774,"3,124":1775,"3,125":1776,"3,126":1777,"3,127":1778,"3,128":1779,"3,129":1780,"3,130":1781,"3,131":1782,"3,132":1783,"3,133":1784,"3,134":1785,"3,135":1786,"3,136":1787,"3,137":1788,"3,138":1789,"3,139":1790,"3,140":1791,"3,141":1792,"3,142":1793,"3,143":1794,"3,144":1795,"3,145":1796,"3,146":1797,"3,147":1798,"3,148":1799,"3,149":1800,"3,150":1801,"3,151":1802,"3,152":1803,"3,153":1804,"3,154":1805,"3,155":1806,"3,156":1807,"3,157":1808,"3,158":1809,"3,159":1810,"3,160":1811,"3,161":1812,"3,162":1813,"3,163":1814,"3,164":1815,"3,165":1816,"3,166":1817,"3,167":1818,"3,168":1819,"3,169":1820,"3,170":1821,"3,171":1822,"3,172":1823,"3,173":1824,"3,174":1825,"3,175":1826,"3,176":1827,"3,177":1828,"3,178":1829,"3,179":1830,"3,180":1831,"3,181":1832,"3,182":1833,"3,183":1834,"3,184":1835,"3,185":1836,"3,186":1837,"3,187":1838,"3,188":1839,"3,189":1840,"3,190":1841,"3,191":1842,"3,192":1843,"3,193":1844,"3,194":1845,"3,195":1846,"3,196":1847,"3,197":1848,"3,198":1849,"3,199":1850,"3,200":1851,"3,201":1852,"3,202":1853,"3,203":1854,"3,204":1855,"3,205":1856,"3,206":1857,"3,207":1858,"3,208":1859,"3,209":1860,"3,210":1861,"3,211":1862,"3,212":1863,"3,213":1864,"3,214":1865,"3,215":1866,"3,216":1867,"3,217":1868,"3,218":1869,"3,219":1870,"3,220":1871,"3,221":1872,"3,222":1873,"3,223":1874,"3,224":1875,"3,225":1876,"3,226":1877,"3,227":1878,"3,228":1879,"3,229":1880,"3,230":1881,"3,231":1882,"3,232":1883,"3,233":1884,"3,234":1885,"3,235":1886,"3,236":1887,"3,237":1888,"3,238":1889,"3,239":1890,"3,240":1891,"3,241":1892,"3,242":1893,"3,243":1894,"3,244":1895,"3,245":1896,"3,246":1897,"3,247":1898,"3,248":1899,"3,249":1900,"3,250":1901,"3,251":1902,"3,252":1903,"3,253":1904,"3,254":1905,"3,255":1906,"3,256":1907,"3,257":1908,"3,258":1909,"3,259":1910,"3,260":1911,"3,261":1912,"3,262":1913,"3,263":1914,"3,264":1915,"3,265":1916,"3,266":1917,"3,267":1918,"3,268":1919,"3,269":1920,"3,270":1921,"3,271":1922,"3,272":1923,"3,273":1924,"3,274":1925,"3,275":1926,"3,276":1927,"3,277":1928,"3,278":1929,"3,279":1930,"3,280":1931,"3,281":1932,"3,282":1933,"3,283":1934,"3,284":1935,"3,285":1936,"3,286":1937,"3,287":1938,"3,288":1939,"3,289":1940,"3,290":1941,"3,291":1942,"3,292":1943,"3,293":1944,"3,294":1945,"3,295":1946,"3,296":1947,"3,297":1948,"3,298":1949,"3,299":1950,"3,300":1951,"3,301":1952,"3,302":1953,"3,303":1954,"3,304":1955,"3,305":1956,"3,306":1957,"3,307":1958,"3,308":1959,"3,309":1960,"3,310":1961,"3,311":1962,"3,312":1963,"3,313":1964,"3,314":1965,"3,315":1966,"3,316":1967,"3,317":1968,"3,318":1969,"3,319":1970,"3,320":1971,"3,321":1972,"3,322":1973,"3,323":1974,"3,324":1975,"3,325":1976,"3,326":1977,"3,327":1978,"3,328":1979,"3,329":1980,"3,330":1981,"3,331":1982,"3,332":1983,"3,333":1984,"3,334":1985,"3,335":1986,"3,336":1987,"3,337":1988,"3,338":1989,"3,339":1990,"3,340":1991,"3,341":1992,"3,342":1993,"3,343":1994,"3,344":1995,"3,345":1996,"3,346":1997,"3,347":1998,"3,348":1999,"3,349":2000,"3,350":2001,"3,351":2002,"3,352":2003,"3,353":2004,"3,354":2005,"3,355":2006,"3,356":2007,"3,357":2008,"3,358":2009,"3,359":2010,"3,360":2011,"3,361":2012,"3,362":2013,"3,363":2014,"3,364":2015,"3,365":2016,"3,366":2017,"3,367":2018,"3,368":2019,"3,369":2020,"3,370":2021,"3,371":2022,"3,372":2023,"3,373":2024,"3,374":2025,"3,375":2026,"3,376":2027,"3,377":2028,"3,378":2029,"3,379":2030,"3,380":2031,"3,381":2032,"3,382":2033,"3,383":2034,"3,384":2035,"3,385":2036,"3,386":2037,"3,387":2038,"3,388":2039,"3,389":2040,"3,390":2041,"3,391":2042,"3,392":2043,"3,393":2044,"3,394":2045,"3,395":2046,"3,396":2047,"3,397":2048,"3,398":2049,"3,399":2050,"3,400":2051,"3,401":2052,"3,402":2053,"3,403":2054,"3,404":2055,"3,405":2056,"3,406":2057,"3,407":2058,"3,408":2059,"3,409":2060,"3,410":2061,"3,411":2062,"3,412":2063,"3,413":2064,"3,414":2065,"3,415":2066,"3,416":2067,"3,417":2068,"3,418":2069,"3,419":2070,"3,420":2071,"3,421":2072,"3,422":2073,"3,423":2074,"3,424":2075,"3,425":2076,"3,426":2077,"3,427":2078,"3,428":2079,"3,429":2080,"3,430":2081,"3,431":2082,"3,432":2083,"3,433":2084,"3,434":2085,"3,435":2086,"3,436":2087,"3,437":2088,"3,438":2089,"3,439":2090,"3,440":2091,"3,441":2092,"3,442":2093,"3,443":2094,"3,444":2095,"3,445":2096,"3,446":2097,"3,447":2098,"3,448":2099,"3,449":2100,"3,450":2101,"3,451":2102,"3,452":2103,"3,453":2104,"3,454":2105,"3,455":2106,"3,456":2107,"3,457":2108,"3,458":2109,"3,459":2110,"3,460":2111,"3,461":2112,"3,462":2113,"3,463":2114,"3,464":2115,"3,465":2116,"3,466":2117,"3,467":2118,"3,468":2119,"3,469":2120,"3,470":2121,"3,471":2122,"3,472":2123,"3,473":2124,"3,474":2125,"3,475":2126,"3,476":2127,"3,477":2128,"3,478":2129,"3,479":2130,"3,480":2131,"3,481":2132,"3,482":2133,"3,483":2134,"3,484":2135,"3,485":2136,"3,486":2137,"3,487":2138,"3,488":2139,"3,489":2140,"3,490":2141,"3,491":2142,"3,492":2143,"3,493":2144,"3,494":2145,"3,495":2146,"3,496":2147,"3,497":2148,"3,498":2149,"3,499":2150,"3,500":2151,"3,501":2152,"3,502":2153,"3,503":2154,"3,504":2155,"3,505":2156,"3,506":2157,"3,507":2158,"3,508":2159,"3,509":2160,"3,510":2161,"3,511":2162,"3,512":2163,"3,513":2164,"3,514":2165,"3,515":2166,"3,516":2167,"3,517":2168,"3,518":2169,"3,519":2170,"3,520":2171,"3,521":2172,"3,522":2173,"3,523":2174,"3,524":2175,"3,525":2176,"3,526":2177,"3,527":2178,"3,528":2179,"3,529":2180,"3,530":2181,"3,531":2182,"3,532":2183,"3,533":2184,"3,534":2185,"3,535":2186,"3,536":2187,"3,537":2188,"3,538":2189,"3,539":2190,"3,540":2191,"3,541":2192,"3,542":2193,"3,543":2194,"3,544":2195,"3,545":2196,"3,546":2197,"3,547":2198,"3,548":2199,"3,549":2200,"3,550":2201,"3,551":2202,"3,552":2203,"3,553":2204,"3,554":2205,"3,555":2206,"3,556":2207,"3,557":2208,"3,558":2209,"3,559":2210,"3,560":2211,"3,561":2212,"3,562":2213,"3,563":2214,"3,564":2215,"3,565":2216,"3,566":2217,"3,567":2218,"3,568":2219,"3,569":2220,"3,570":2221,"3,571":2222,"3,572":2223,"3,573":2224,"3,574":2225,"3,575":2226,"3,576":2227,"3,577":2228,"3,578":2229,"3,579":2230,"3,580":2231,"3,581":2232,"3,582":2233,"3,583":2234,"3,584":2235,"3,585":2236,"3,586":2237,"3,587":2238,"3,588":2239,"3,589":2240,"3,590":2241,"3,591":2242,"3,592":2243,"3,593":2244,"3,594":2245,"3,595":2246,"3,596":2247,"3,597":2248,"3,598":2249,"3,599":2250,"3,600":2251,"3,601":2252,"3,602":2253,"3,603":2254,"3,604":2255,"3,605":2256,"3,606":2257,"3,607":2258,"3,608":2259,"3,609":2260,"3,610":2261,"3,611":2262,"3,612":2263,"3,613":2264,"3,614":2265,"3,615":2266,"3,616":2267,"3,617":2268,"3,618":2269,"3,619":2270,"3,620":2271,"3,621":2272,"3,622":2273,"3,623":2274,"3,624":2275,"3,625":2276,"3,626":2277,"3,627":2278,"3,628":2279,"3,629":2280,"3,630":2281,"3,631":2282,"3,632":2283,"3,633":2284,"3,634":2285,"3,635":2286,"3,636":2287,"3,637":2288,"3,638":2289,"3,639":2290,"3,640":2291,"3,641":2292,"3,642":2293,"3,643":2294,"3,644":2295,"3,645":2296,"3,646":2297,"3,647":2298,"3,648":2299,"3,649":2300,"3,650":2301,"3,651":2302,"3,652":2303,"3,653":2304,"3,654":2305,"3,655":2306,"3,656":2307,"3,657":2308,"3,658":2309,"3,659":2310,"3,660":2311,"3,661":2312,"3,662":2313,"3,663":2314,"3,664":2315,"3,665":2316,"3,666":2317,"3,667":2318,"3,668":2319,"3,669":2320,"3,670":2321,"3,671":2322,"3,672":2323,"3,673":2324,"3,674":2325,"3,675":2326,"3,676":2327,"3,677":2328,"3,678":2329,"3,679":2330,"3,680":2331,"3,681":2332,"3,682":2333,"3,683":2334,"3,684":2335,"3,685":2336,"3,686":2337,"3,687":2338,"3,688":2339,"3,689":2340,"3,690":2341,"3,691":2342,"3,692":2343,"3,693":2344,"3,694":2345,"3,695":2346,"3,696":2347,"3,697":2348,"3,698":2349,"3,699":2350,"3,700":2351,"3,701":2352,"3,702":2353,"3,703":2354,"3,704":2355,"3,705":2356,"3,706":2357,"3,707":2358,"3,708":2359,"3,709":2360,"3,710":2361,"3,711":2362,"3,712":2363,"3,713":2364,"3,714":2365,"3,715":2366,"3,716":2367,"3,717":2368,"3,718":2369,"3,719":2370,"3,720":2371,"3,721":2372,"3,722":2373,"3,723":2374,"3,724":2375,"3,725":2376,"3,726":2377,"3,727":2378,"3,728":2379,"3,729":2380,"3,730":2381,"3,731":2382,"3,732":2383,"3,733":2384,"3,734":2385,"3,735":2386,"3,736":2387,"3,737":2388,"3,738":2389,"3,739":2390,"3,740":2391,"3,741":2392,"3,742":2393,"3,743":2394,"3,744":2395,"3,745":2396,"3,746":2397,"3,747":2398,"3,748":2399,"3,749":2400,"3,750":2401,"3,751":2402,"3,752":2403,"3,753":2404,"3,754":2405,"3,755":2406,"3,756":2407,"3,757":2408,"3,758":2409,"3,759":2410,"3,760":2411,"3,761":2412,"3,762":2413,"3,763":2414,"4,5":2415,"4,6":2416,"4,7":2417,"4,8":2418,"4,9":2419,"4,10":2420,"4,11":2421,"4,12":2422,"4,13":2423,"4,14":2424,"4,15":2425,"4,16":2426,"4,17":2427,"4,18":2428,"4,19":2429,"4,20":2430,"4,21":2431,"4,22":2432,"4,23":2433,"4,24":2434,"4,25":2435,"4,26":2436,"4,27":2437,"4,28":2438,"4,29":2439,"4,30":2440,"4,31":2441,"4,32":2442,"4,33":2443,"4,34":2444,"4,35":2445,"4,36":2446,"4,37":2447,"4,38":2448,"4,39":2449,"4,40":2450,"4,41":2451,"4,42":2452,"4,43":2453,"4,44":2454,"4,45":2455,"4,46":2456,"4,47":2457,"4,48":2458,"4,49":2459,"4,50":2460,"4,51":2461,"4,52":2462,"4,53":2463,"4,54":2464,"4,55":2465,"4,56":2466,"4,57":2467,"4,58":2468,"4,59":2469,"4,60":2470,"4,61":2471,"4,62":2472,"4,63":2473,"4,64":2474,"4,65":2475,"4,66":2476,"4,67":2477,"4,68":2478,"4,69":2479,"4,70":2480,"4,71":2481,"4,72":2482,"4,73":2483,"4,74":2484,"4,75":2485,"4,76":2486,"4,77":2487,"4,78":2488,"4,79":2489,"4,80":2490,"4,81":2491,"4,82":2492,"4,83":2493,"4,84":2494,"4,85":2495,"4,86":2496,"4,87":2497,"4,88":2498,"4,89":2499,"4,90":2500,"4,91":2501,"4,92":2502,"4,93":2503,"4,94":2504,"4,95":2505,"4,96":2506,"4,97":2507,"4,98":2508,"4,99":2509,"4,100":2510,"4,101":2511,"4,102":2512,"4,103":2513,"4,104":2514,"4,105":2515,"4,106":2516,"4,107":2517,"4,108":2518,"4,109":2519,"4,110":2520,"4,111":2521,"4,112":2522,"4,113":2523,"4,114":2524,"4,115":2525,"4,116":2526,"4,117":2527,"4,118":2528,"4,119":2529,"4,120":2530,"4,121":2531,"4,122":2532,"4,123":2533,"4,124":2534,"4,125":2535,"4,126":2536,"4,127":2537,"4,128":2538,"4,129":2539,"4,130":2540,"4,131":2541,"4,132":2542,"4,133":2543,"4,134":2544,"4,135":2545,"4,136":2546,"4,137":2547,"4,138":2548,"4,139":2549,"4,140":2550,"4,141":2551,"4,142":2552,"4,143":2553,"4,144":2554,"4,145":2555,"4,146":2556,"4,147":2557,"4,148":2558,"4,149":2559,"4,150":2560,"4,151":2561,"4,152":2562,"4,153":2563,"4,154":2564,"4,155":2565,"4,156":2566,"4,157":2567,"4,158":2568,"4,159":2569,"4,160":2570,"4,161":2571,"4,162":2572,"4,163":2573,"4,164":2574,"4,165":2575,"4,166":2576,"4,167":2577,"4,168":2578,"4,169":2579,"4,170":2580,"4,171":2581,"4,172":2582,"4,173":2583,"4,174":2584,"4,175":2585,"4,176":2586,"4,177":2587,"4,178":2588,"4,179":2589,"4,180":2590,"4,181":2591,"4,182":2592,"4,183":2593,"4,184":2594,"4,185":2595,"4,186":2596,"4,187":2597,"4,188":2598,"4,189":2599,"4,190":2600,"4,191":2601,"4,192":2602,"4,193":2603,"4,194":2604,"4,195":2605,"4,196":2606,"4,197":2607,"4,198":2608,"4,199":2609,"4,200":2610,"4,201":2611,"4,202":2612,"4,203":2613,"4,204":2614,"4,205":2615,"4,206":2616,"4,207":2617,"4,208":2618,"4,209":2619,"4,210":2620,"4,211":2621,"4,212":2622,"4,213":2623,"4,214":2624,"4,215":2625,"4,216":2626,"4,217":2627,"4,218":2628,"4,219":2629,"4,220":2630,"4,221":2631,"4,222":2632,"4,223":2633,"4,224":2634,"4,225":2635,"4,226":2636,"4,227":2637,"4,228":2638,"4,229":2639,"4,230":2640,"4,231":2641,"4,232":2642,"4,233":2643,"4,234":2644,"4,235":2645,"4,236":2646,"4,237":2647,"4,238":2648,"4,239":2649,"4,240":2650,"4,241":2651,"4,242":2652,"4,243":2653,"4,244":2654,"4,245":2655,"4,246":2656,"4,247":2657,"4,248":2658,"4,249":2659,"4,250":2660,"4,251":2661,"4,252":2662,"4,253":2663,"4,254":2664,"4,255":2665,"4,256":2666,"4,257":2667,"4,258":2668,"4,259":2669,"4,260":2670,"4,261":2671,"4,262":2672,"4,263":2673,"4,264":2674,"4,265":2675,"4,266":2676,"4,267":2677,"4,268":2678,"4,269":2679,"4,270":2680,"4,271":2681,"4,272":2682,"4,273":2683,"4,274":2684,"4,275":2685,"4,276":2686,"4,277":2687,"4,278":2688,"4,279":2689,"4,280":2690,"4,281":2691,"4,282":2692,"4,283":2693,"4,284":2694,"4,285":2695,"4,286":2696,"4,287":2697,"4,288":2698,"4,289":2699,"4,290":2700,"4,291":2701,"4,292":2702,"4,293":2703,"4,294":2704,"4,295":2705,"4,296":2706,"4,297":2707,"4,298":2708,"4,299":2709,"4,300":2710,"4,301":2711,"4,302":2712,"4,303":2713,"4,304":2714,"4,305":2715,"4,306":2716,"4,307":2717,"4,308":2718,"4,309":2719,"4,310":2720,"4,311":2721,"4,312":2722,"4,313":2723,"4,314":2724,"4,315":2725,"4,316":2726,"4,317":2727,"4,318":2728,"4,319":2729,"4,320":2730,"4,321":2731,"4,322":2732,"4,323":2733,"4,324":2734,"4,325":2735,"4,326":2736,"4,327":2737,"4,328":2738,"4,329":2739,"4,330":2740,"4,331":2741,"4,332":2742,"4,333":2743,"4,334":2744,"4,335":2745,"4,336":2746,"4,337":2747,"4,338":2748,"4,339":2749,"4,340":2750,"4,341":2751,"4,342":2752,"4,343":2753,"4,344":2754,"4,345":2755,"4,346":2756,"4,347":2757,"4,348":2758,"4,349":2759,"4,350":2760,"4,351":2761,"4,352":2762,"4,353":2763,"4,354":2764,"4,355":2765,"4,356":2766,"4,357":2767,"4,358":2768,"4,359":2769,"4,360":2770,"4,361":2771,"4,362":2772,"4,363":2773,"4,364":2774,"4,365":2775,"4,366":2776,"4,367":2777,"4,368":2778,"4,369":2779,"4,370":2780,"4,371":2781,"4,372":2782,"4,373":2783,"4,374":2784,"4,375":2785,"4,376":2786,"4,377":2787,"4,378":2788,"4,379":2789,"4,380":2790,"4,381":2791,"4,382":2792,"4,383":2793,"4,384":2794,"4,385":2795,"4,386":2796,"4,387":2797,"4,388":2798,"4,389":2799,"4,390":2800,"4,391":2801,"4,392":2802,"4,393":2803,"4,394":2804,"4,395":2805,"4,396":2806,"4,397":2807,"4,398":2808,"4,399":2809,"4,400":2810,"4,401":2811,"4,402":2812,"4,403":2813,"4,404":2814,"4,405":2815,"4,406":2816,"4,407":2817,"4,408":2818,"4,409":2819,"4,410":2820,"4,411":2821,"4,412":2822,"4,413":2823,"4,414":2824,"4,415":2825,"4,416":2826,"4,417":2827,"4,418":2828,"4,419":2829,"4,420":2830,"4,421":2831,"4,422":2832,"4,423":2833,"4,424":2834,"4,425":2835,"4,426":2836,"4,427":2837,"4,428":2838,"4,429":2839,"4,430":2840,"4,431":2841,"4,432":2842,"4,433":2843,"4,434":2844,"4,435":2845,"4,436":2846,"4,437":2847,"4,438":2848,"4,439":2849,"4,440":2850,"4,441":2851,"4,442":2852,"4,443":2853,"4,444":2854,"4,445":2855,"4,446":2856,"4,447":2857,"4,448":2858,"4,449":2859,"4,450":2860,"4,451":2861,"4,452":2862,"4,453":2863,"4,454":2864,"4,455":2865,"4,456":2866,"4,457":2867,"4,458":2868,"4,459":2869,"4,460":2870,"4,461":2871,"4,462":2872,"4,463":2873,"4,464":2874,"4,465":2875,"4,466":2876,"4,467":2877,"4,468":2878,"4,469":2879,"4,470":2880,"4,471":2881,"4,472":2882,"4,473":2883,"4,474":2884,"4,475":2885,"4,476":2886,"4,477":2887,"4,478":2888,"4,479":2889,"4,480":2890,"4,481":2891,"4,482":2892,"4,483":2893,"4,484":2894,"4,485":2895,"4,486":2896,"4,487":2897,"4,488":2898,"4,489":2899,"4,490":2900,"4,491":2901,"4,492":2902,"4,493":2903,"4,494":2904,"4,495":2905,"4,496":2906,"4,497":2907,"4,498":2908,"4,499":2909,"4,500":2910,"4,501":2911,"4,502":2912,"4,503":2913,"4,504":2914,"4,505":2915,"4,506":2916,"4,507":2917,"4,508":2918,"4,509":2919,"4,510":2920,"4,511":2921,"4,512":2922,"4,513":2923,"4,514":2924,"4,515":2925,"4,516":2926,"4,517":2927,"4,518":2928,"4,519":2929,"4,520":2930,"4,521":2931,"4,522":2932,"4,523":2933,"4,524":2934,"4,525":2935,"4,526":2936,"4,527":2937,"4,528":2938,"4,529":2939,"4,530":2940,"4,531":2941,"4,532":2942,"4,533":2943,"4,534":2944,"4,535":2945,"4,536":2946,"4,537":2947,"4,538":2948,"4,539":2949,"4,540":2950,"4,541":2951,"4,542":2952,"4,543":2953,"4,544":2954,"4,545":2955,"4,546":2956,"4,547":2957,"4,548":2958,"4,549":2959,"4,550":2960,"4,551":2961,"4,552":2962,"4,553":2963,"4,554":2964,"4,555":2965,"4,556":2966,"4,557":2967,"4,558":2968,"4,559":2969,"4,560":2970,"4,561":2971,"4,562":2972,"4,563":2973,"4,564":2974,"4,565":2975,"4,566":2976,"4,567":2977,"4,568":2978,"4,569":2979,"4,570":2980,"4,571":2981,"4,572":2982,"4,573":2983,"4,574":2984,"4,575":2985,"4,576":2986,"4,577":2987,"4,578":2988,"4,579":2989,"4,580":2990,"4,581":2991,"4,582":2992,"4,583":2993,"4,584":2994,"4,585":2995,"4,586":2996,"4,587":2997,"4,588":2998,"4,589":2999,"4,590":3000,"4,591":3001,"4,592":3002,"4,593":3003,"4,594":3004,"4,595":3005,"4,596":3006,"4,597":3007,"4,598":3008,"4,599":3009,"4,600":3010,"4,601":3011,"4,602":3012,"4,603":3013,"4,604":3014,"4,605":3015,"4,606":3016,"4,607":3017,"4,608":3018,"4,609":3019,"4,610":3020,"4,611":3021,"4,612":3022,"4,613":3023,"4,614":3024,"4,615":3025,"4,616":3026,"4,617":3027,"4,618":3028,"4,619":3029,"4,620":3030,"4,621":3031,"4,622":3032,"4,623":3033,"4,624":3034,"4,625":3035,"4,626":3036,"4,627":3037,"4,628":3038,"4,629":3039,"4,630":3040,"4,631":3041,"4,632":3042,"4,633":3043,"4,634":3044,"4,635":3045,"4,636":3046,"4,637":3047,"4,638":3048,"4,639":3049,"4,640":3050,"4,641":3051,"4,642":3052,"4,643":3053,"4,644":3054,"4,645":3055,"4,646":3056,"4,647":3057,"4,648":3058,"4,649":3059,"4,650":3060,"4,651":3061,"4,652":3062,"4,653":3063,"4,654":3064,"4,655":3065,"4,656":3066,"4,657":3067,"4,658":3068,"4,659":3069,"4,660":3070,"4,661":3071,"4,662":3072,"4,663":3073,"4,664":3074,"4,665":3075,"4,666":3076,"4,667":3077,"4,668":3078,"4,669":3079,"4,670":3080,"4,671":3081,"4,672":3082,"4,673":3083,"4,674":3084,"4,675":3085,"4,676":3086,"4,677":3087,"4,678":3088,"4,679":3089,"4,680":3090,"4,681":3091,"4,682":3092,"4,683":3093,"4,684":3094,"4,685":3095,"4,686":3096,"4,687":3097,"4,688":3098,"4,689":3099,"4,690":3100,"4,691":3101,"4,692":3102,"4,693":3103,"4,694":3104,"4,695":3105,"4,696":3106,"4,697":3107,"4,698":3108,"4,699":3109,"4,700":3110,"4,701":3111,"4,702":3112,"4,703":3113,"4,704":3114,"4,705":3115,"4,706":3116,"4,707":3117,"4,708":3118,"4,709":3119,"4,710":3120,"4,711":3121,"5,5":3122,"5,6":3123,"5,7":3124,"5,8":3125,"5,9":3126,"5,10":3127,"5,11":3128,"5,12":3129,"5,13":3130,"5,14":3131,"5,15":3132,"5,16":3133,"5,17":3134,"5,18":3135,"5,19":3136,"5,20":3137,"5,21":3138,"5,22":3139,"5,23":3140,"5,24":3141,"5,25":3142,"5,26":3143,"5,27":3144,"5,28":3145,"5,29":3146,"5,30":3147,"5,31":3148,"5,32":3149,"5,33":3150,"5,34":3151,"5,35":3152,"5,36":3153,"5,37":3154,"5,38":3155,"5,39":3156,"5,40":3157,"5,41":3158,"5,42":3159,"5,43":3160,"5,44":3161,"5,45":3162,"5,46":3163,"5,47":3164,"5,48":3165,"5,49":3166,"5,50":3167,"5,51":3168,"5,52":3169,"5,53":3170,"5,54":3171,"5,55":3172,"5,56":3173,"5,57":3174,"5,58":3175,"5,59":3176,"5,60":3177,"5,61":3178,"5,62":3179,"5,63":3180,"5,64":3181,"5,65":3182,"5,66":3183,"5,67":3184,"5,68":3185,"5,69":3186,"5,70":3187,"5,71":3188,"5,72":3189,"5,73":3190,"5,74":3191,"5,75":3192,"5,76":3193,"5,77":3194,"5,78":3195,"5,79":3196,"5,80":3197,"5,81":3198,"5,82":3199,"5,83":3200,"5,84":3201,"5,85":3202,"5,86":3203,"5,87":3204,"5,88":3205,"5,89":3206,"5,90":3207,"5,91":3208,"5,92":3209,"5,93":3210,"5,94":3211,"5,95":3212,"5,96":3213,"5,97":3214,"5,98":3215,"5,99":3216,"5,100":3217,"5,101":3218,"5,102":3219,"5,103":3220,"5,104":3221,"5,105":3222,"5,106":3223,"5,107":3224,"5,108":3225,"5,109":3226,"5,110":3227,"5,111":3228,"5,112":3229,"5,113":3230,"5,114":3231,"5,115":3232,"5,116":3233,"5,117":3234,"5,118":3235,"5,119":3236,"5,120":3237,"5,121":3238,"5,122":3239,"5,123":3240,"5,124":3241,"5,125":3242,"5,126":3243,"5,127":3244,"5,128":3245,"5,129":3246,"5,130":3247,"5,131":3248,"5,132":3249,"5,133":3250,"5,134":3251,"5,135":3252,"5,136":3253,"5,137":3254,"5,138":3255,"5,139":3256,"5,140":3257,"5,141":3258,"5,142":3259,"5,143":3260,"5,144":3261,"5,145":3262,"5,146":3263,"5,147":3264,"5,148":3265,"5,149":3266,"5,150":3267,"5,151":3268,"5,152":3269,"5,153":3270,"5,154":3271,"5,155":3272,"5,156":3273,"5,157":3274,"5,158":3275,"5,159":3276,"5,160":3277,"5,161":3278,"5,162":3279,"5,163":3280,"5,164":3281,"5,165":3282,"5,166":3283,"5,167":3284,"5,168":3285,"5,169":3286,"5,170":3287,"5,171":3288,"5,172":3289,"5,173":3290,"5,174":3291,"5,175":3292,"5,176":3293,"5,177":3294,"5,178":3295,"5,179":3296,"5,180":3297,"5,181":3298,"5,182":3299,"5,183":3300,"5,184":3301,"5,185":3302,"5,186":3303,"5,187":3304,"5,188":3305,"5,189":3306,"5,190":3307,"5,191":3308,"5,192":3309,"5,193":3310,"5,194":3311,"5,195":3312,"5,196":3313,"5,197":3314,"5,198":3315,"5,199":3316,"5,200":3317,"5,201":3318,"5,202":3319,"5,203":3320,"5,204":3321,"5,205":3322,"5,206":3323,"5,207":3324,"5,208":3325,"5,209":3326,"5,210":3327,"5,211":3328,"5,212":3329,"5,213":3330,"5,214":3331,"5,215":3332,"5,216":3333,"5,217":3334,"5,218":3335,"5,219":3336,"5,220":3337,"5,221":3338,"5,222":3339,"5,223":3340,"5,224":3341,"5,225":3342,"5,226":3343,"5,227":3344,"5,228":3345,"5,229":3346,"5,230":3347,"5,231":3348,"5,232":3349,"5,233":3350,"5,234":3351,"5,235":3352,"5,236":3353,"5,237":3354,"5,238":3355,"5,239":3356,"5,240":3357,"5,241":3358,"5,242":3359,"5,243":3360,"5,244":3361,"5,245":3362,"5,246":3363,"5,247":3364,"5,248":3365,"5,249":3366,"5,250":3367,"5,251":3368,"5,252":3369,"5,253":3370,"5,254":3371,"5,255":3372,"5,256":3373,"5,257":3374,"5,258":3375,"5,259":3376,"5,260":3377,"5,261":3378,"5,262":3379,"5,263":3380,"5,264":3381,"5,265":3382,"5,266":3383,"5,267":3384,"5,268":3385,"5,269":3386,"5,270":3387,"5,271":3388,"5,272":3389,"5,273":3390,"5,274":3391,"5,275":3392,"5,276":3393,"5,277":3394,"5,278":3395,"5,279":3396,"5,280":3397,"5,281":3398,"5,282":3399,"5,283":3400,"5,284":3401,"5,285":3402,"5,286":3403,"5,287":3404,"5,288":3405,"5,289":3406,"5,290":3407,"5,291":3408,"5,292":3409,"5,293":3410,"5,294":3411,"5,295":3412,"5,296":3413,"5,297":3414,"5,298":3415,"5,299":3416,"5,300":3417,"5,301":3418,"5,302":3419,"5,303":3420,"5,304":3421,"5,305":3422,"5,306":3423,"5,307":3424,"5,308":3425,"5,309":3426,"5,310":3427,"5,311":3428,"5,312":3429,"5,313":3430,"5,314":3431,"5,315":3432,"5,316":3433,"5,317":3434,"5,318":3435,"5,319":3436,"5,320":3437,"5,321":3438,"5,322":3439,"5,323":3440,"5,324":3441,"5,325":3442,"5,326":3443,"5,327":3444,"5,328":3445,"5,329":3446,"5,330":3447,"5,331":3448,"5,332":3449,"5,333":3450,"5,334":3451,"5,335":3452,"5,336":3453,"5,337":3454,"5,338":3455,"5,339":3456,"5,340":3457,"5,341":3458,"5,342":3459,"5,343":3460,"5,344":3461,"5,345":3462,"5,346":3463,"5,347":3464,"5,348":3465,"5,349":3466,"5,350":3467,"5,351":3468,"5,352":3469,"5,353":3470,"5,354":3471,"5,355":3472,"5,356":3473,"5,357":3474,"5,358":3475,"5,359":3476,"5,360":3477,"5,361":3478,"5,362":3479,"5,363":3480,"5,364":3481,"5,365":3482,"5,366":3483,"5,367":3484,"5,368":3485,"5,369":3486,"5,370":3487,"5,371":3488,"5,372":3489,"5,373":3490,"5,374":3491,"5,375":3492,"5,376":3493,"5,377":3494,"5,378":3495,"5,379":3496,"5,380":3497,"5,381":3498,"5,382":3499,"5,383":3500,"5,384":3501,"5,385":3502,"5,386":3503,"5,387":3504,"5,388":3505,"5,389":3506,"5,390":3507,"5,391":3508,"5,392":3509,"5,393":3510,"5,394":3511,"5,395":3512,"5,396":3513,"5,397":3514,"5,398":3515,"5,399":3516,"5,400":3517,"5,401":3518,"5,402":3519,"5,403":3520,"5,404":3521,"5,405":3522,"5,406":3523,"5,407":3524,"5,408":3525,"5,409":3526,"5,410":3527,"5,411":3528,"5,412":3529,"5,413":3530,"5,414":3531,"5,415":3532,"5,416":3533,"5,417":3534,"5,418":3535,"5,419":3536,"5,420":3537,"5,421":3538,"5,422":3539,"5,423":3540,"5,424":3541,"5,425":3542,"5,426":3543,"5,427":3544,"5,428":3545,"5,429":3546,"5,430":3547,"5,431":3548,"5,432":3549,"5,433":3550,"5,434":3551,"5,435":3552,"5,436":3553,"5,437":3554,"5,438":3555,"5,439":3556,"5,440":3557,"5,441":3558,"5,442":3559,"5,443":3560,"5,444":3561,"5,445":3562,"5,446":3563,"5,447":3564,"5,448":3565,"5,449":3566,"5,450":3567,"5,451":3568,"5,452":3569,"5,453":3570,"5,454":3571,"5,455":3572,"5,456":3573,"5,457":3574,"5,458":3575,"5,459":3576,"5,460":3577,"5,461":3578,"5,462":3579,"5,463":3580,"5,464":3581,"5,465":3582,"5,466":3583,"5,467":3584,"5,468":3585,"5,469":3586,"5,470":3587,"5,471":3588,"5,472":3589,"5,473":3590,"5,474":3591,"5,475":3592,"5,476":3593,"5,477":3594,"5,478":3595,"5,479":3596,"5,480":3597,"5,481":3598,"5,482":3599,"5,483":3600,"5,484":3601,"5,485":3602,"5,486":3603,"5,487":3604,"5,488":3605,"5,489":3606,"5,490":3607,"5,491":3608,"5,492":3609,"5,493":3610,"5,494":3611,"5,495":3612,"5,496":3613,"5,497":3614,"5,498":3615,"5,499":3616,"5,500":3617,"5,501":3618,"5,502":3619,"5,503":3620,"5,504":3621,"5,505":3622,"5,506":3623,"5,507":3624,"5,508":3625,"5,509":3626,"5,510":3627,"5,511":3628,"5,512":3629,"5,513":3630,"5,514":3631,"5,515":3632,"5,516":3633,"5,517":3634,"5,518":3635,"5,519":3636,"5,520":3637,"5,521":3638,"5,522":3639,"5,523":3640,"5,524":3641,"5,525":3642,"5,526":3643,"5,527":3644,"5,528":3645,"5,529":3646,"5,530":3647,"5,531":3648,"5,532":3649,"5,533":3650,"5,534":3651,"5,535":3652,"5,536":3653,"5,537":3654,"5,538":3655,"5,539":3656,"5,540":3657,"5,541":3658,"5,542":3659,"5,543":3660,"5,544":3661,"5,545":3662,"5,546":3663,"5,547":3664,"5,548":3665,"5,549":3666,"5,550":3667,"5,551":3668,"5,552":3669,"5,553":3670,"5,554":3671,"5,555":3672,"5,556":3673,"5,557":3674,"5,558":3675,"5,559":3676,"5,560":3677,"5,561":3678,"5,562":3679,"5,563":3680,"5,564":3681,"5,565":3682,"5,566":3683,"5,567":3684,"5,568":3685,"5,569":3686,"5,570":3687,"5,571":3688,"5,572":3689,"5,573":3690,"5,574":3691,"5,575":3692,"5,576":3693,"5,577":3694,"5,578":3695,"5,579":3696,"5,580":3697,"5,581":3698,"5,582":3699,"5,583":3700,"5,584":3701,"5,585":3702,"5,586":3703,"5,587":3704,"5,588":3705,"5,589":3706,"5,590":3707,"5,591":3708,"5,592":3709,"5,593":3710,"5,594":3711,"5,595":3712,"5,596":3713,"5,597":3714,"5,598":3715,"5,599":3716,"5,600":3717,"5,601":3718,"5,602":3719,"5,603":3720,"5,604":3721,"5,605":3722,"5,606":3723,"5,607":3724,"5,608":3725,"5,609":3726,"5,610":3727,"5,611":3728,"5,612":3729,"5,613":3730,"5,614":3731,"5,615":3732,"5,616":3733,"5,617":3734,"5,618":3735,"5,619":3736,"5,620":3737,"5,621":3738,"5,622":3739,"5,623":3740,"5,624":3741,"5,625":3742,"5,626":3743,"5,627":3744,"5,628":3745,"5,629":3746,"5,630":3747,"5,631":3748,"5,632":3749,"5,633":3750,"5,634":3751,"5,635":3752,"5,636":3753,"5,637":3754,"5,638":3755,"5,639":3756,"5,640":3757,"5,641":3758,"5,642":3759,"5,643":3760,"5,644":3761,"5,645":3762,"5,646":3763,"5,647":3764,"5,648":3765,"5,649":3766,"5,650":3767,"5,651":3768,"5,652":3769,"5,653":3770,"5,654":3771,"5,655":3772,"5,656":3773,"5,657":3774,"5,658":3775,"5,659":3776,"5,660":3777,"5,661":3778,"5,662":3779,"5,663":3780,"5,664":3781,"5,665":3782,"5,666":3783,"5,667":3784,"5,668":3785,"5,669":3786,"5,670":3787,"5,671":3788,"5,672":3789,"5,673":3790,"5,674":3791,"5,675":3792,"5,676":3793,"5,677":3794,"5,678":3795,"5,679":3796,"5,680":3797,"5,681":3798,"5,682":3799,"5,683":3800,"5,684":3801,"5,685":3802,"5,686":3803,"5,687":3804,"5,688":3805,"5,689":3806,"5,690":3807,"5,691":3808,"5,692":3809,"5,693":3810,"5,694":3811,"5,695":3812,"5,696":3813,"5,697":3814,"5,698":3815,"5,699":3816,"5,700":3817,"5,701":3818,"5,702":3819,"5,703":3820,"5,704":3821,"5,705":3822,"5,706":3823,"5,707":3824,"5,708":3825,"5,709":3826,"5,710":3827,"5,711":3828,"5,712":3829,"5,713":3830,"5,714":3831,"5,715":3832,"5,716":3833,"5,717":3834,"5,718":3835,"5,719":3836,"5,720":3837,"5,721":3838,"5,722":3839,"5,723":3840,"5,724":3841,"5,725":3842,"6,5":3843,"6,6":3844,"6,7":3845,"6,8":3846,"6,9":3847,"6,10":3848,"6,11":3849,"6,12":3850,"6,13":3851,"6,14":3852,"6,15":3853,"6,16":3854,"6,17":3855,"6,18":3856,"6,19":3857,"6,20":3858,"6,21":3859,"6,22":3860,"6,23":3861,"6,24":3862,"6,25":3863,"6,26":3864,"6,27":3865,"6,28":3866,"6,29":3867,"6,30":3868,"6,31":3869,"6,32":3870,"6,33":3871,"6,34":3872,"6,35":3873,"6,36":3874,"6,37":3875,"6,38":3876,"6,39":3877,"6,40":3878,"6,41":3879,"6,42":3880,"6,43":3881,"6,44":3882,"6,45":3883,"6,46":3884,"6,47":3885,"6,48":3886,"6,49":3887,"6,50":3888,"6,51":3889,"6,52":3890,"6,53":3891,"6,54":3892,"6,55":3893,"6,56":3894,"6,57":3895,"6,58":3896,"6,59":3897,"6,60":3898,"6,61":3899,"6,62":3900,"6,63":3901,"6,64":3902,"6,65":3903,"6,66":3904,"6,67":3905,"6,68":3906,"6,69":3907,"6,70":3908,"6,71":3909,"6,72":3910,"6,73":3911,"6,74":3912,"6,75":3913,"6,76":3914,"6,77":3915,"6,78":3916,"6,79":3917,"6,80":3918,"6,81":3919,"6,82":3920,"6,83":3921,"6,84":3922,"6,85":3923,"6,86":3924,"6,87":3925,"6,88":3926,"6,89":3927,"6,90":3928,"6,91":3929,"6,92":3930,"6,93":3931,"6,94":3932,"6,95":3933,"6,96":3934,"6,97":3935,"6,98":3936,"6,99":3937,"6,100":3938,"6,101":3939,"6,102":3940,"6,103":3941,"6,104":3942,"6,105":3943,"6,106":3944,"6,107":3945,"6,108":3946,"6,109":3947,"6,110":3948,"6,111":3949,"6,112":3950,"6,113":3951,"6,114":3952,"6,115":3953,"6,116":3954,"6,117":3955,"6,118":3956,"6,119":3957,"6,120":3958,"6,121":3959,"6,122":3960,"6,123":3961,"6,124":3962,"6,125":3963,"6,126":3964,"6,127":3965,"6,128":3966,"6,129":3967,"6,130":3968,"6,131":3969,"6,132":3970,"6,133":3971,"6,134":3972,"6,135":3973,"6,136":3974,"6,137":3975,"6,138":3976,"6,139":3977,"6,140":3978,"6,141":3979,"6,142":3980,"6,143":3981,"6,144":3982,"6,145":3983,"6,146":3984,"6,147":3985,"6,148":3986,"6,149":3987,"6,150":3988,"6,151":3989,"6,152":3990,"6,153":3991,"6,154":3992,"6,155":3993,"6,156":3994,"6,157":3995,"6,158":3996,"6,159":3997,"6,160":3998,"6,161":3999,"6,162":4000,"6,163":4001,"6,164":4002,"6,165":4003,"6,166":4004,"6,167":4005,"6,168":4006,"6,169":4007,"6,170":4008,"6,171":4009,"6,172":4010,"6,173":4011,"6,174":4012,"6,175":4013,"6,176":4014,"6,177":4015,"6,178":4016,"6,179":4017,"6,180":4018,"6,181":4019,"6,182":4020,"6,183":4021,"6,184":4022,"6,185":4023,"6,186":4024,"6,187":4025,"6,188":4026,"6,189":4027,"6,190":4028,"6,191":4029,"6,192":4030,"6,193":4031,"6,194":4032,"6,195":4033,"6,196":4034,"6,197":4035,"6,198":4036,"6,199":4037,"6,200":4038,"6,201":4039,"6,202":4040,"6,203":4041,"6,204":4042,"6,205":4043,"6,206":4044,"6,207":4045,"6,208":4046,"6,209":4047,"6,210":4048,"6,211":4049,"6,212":4050,"6,213":4051,"6,214":4052,"6,215":4053,"6,216":4054,"6,217":4055,"6,218":4056,"6,219":4057,"6,220":4058,"6,221":4059,"6,222":4060,"6,223":4061,"6,224":4062,"6,225":4063,"6,226":4064,"6,227":4065,"6,228":4066,"6,229":4067,"6,230":4068,"6,231":4069,"6,232":4070,"6,233":4071,"6,234":4072,"6,235":4073,"6,236":4074,"6,237":4075,"6,238":4076,"6,239":4077,"6,240":4078,"6,241":4079,"6,242":4080,"6,243":4081,"6,244":4082,"6,245":4083,"6,246":4084,"6,247":4085,"6,248":4086,"6,249":4087,"6,250":4088,"6,251":4089,"6,252":4090,"6,253":4091,"6,254":4092,"6,255":4093,"6,256":4094,"6,257":4095,"6,258":4096,"6,259":4097,"6,260":4098,"6,261":4099,"6,262":4100,"6,263":4101,"6,264":4102,"6,265":4103,"6,266":4104,"6,267":4105,"6,268":4106,"6,269":4107,"6,270":4108,"6,271":4109,"6,272":4110,"6,273":4111,"6,274":4112,"6,275":4113,"6,276":4114,"6,277":4115,"6,278":4116,"6,279":4117,"6,280":4118,"6,281":4119,"6,282":4120,"6,283":4121,"6,284":4122,"6,285":4123,"6,286":4124,"6,287":4125,"6,288":4126,"6,289":4127,"6,290":4128,"6,291":4129,"6,292":4130,"6,293":4131,"6,294":4132,"6,295":4133,"6,296":4134,"6,297":4135,"6,298":4136,"6,299":4137,"6,300":4138,"6,301":4139,"6,302":4140,"6,303":4141,"6,304":4142,"6,305":4143,"6,306":4144,"6,307":4145,"6,308":4146,"6,309":4147,"6,310":4148,"6,311":4149,"6,312":4150,"6,313":4151,"6,314":4152,"6,315":4153,"6,316":4154,"6,317":4155,"6,318":4156,"6,319":4157,"6,320":4158,"6,321":4159,"6,322":4160,"6,323":4161,"6,324":4162,"6,325":4163,"6,326":4164,"6,327":4165,"6,328":4166,"6,329":4167,"6,330":4168,"6,331":4169,"6,332":4170,"6,333":4171,"6,334":4172,"6,335":4173,"6,336":4174,"6,337":4175,"6,338":4176,"6,339":4177,"6,340":4178,"6,341":4179,"6,342":4180,"6,343":4181,"6,344":4182,"6,345":4183,"6,346":4184,"6,347":4185,"6,348":4186,"6,349":4187,"6,350":4188,"6,351":4189,"6,352":4190,"6,353":4191,"6,354":4192,"6,355":4193,"6,356":4194,"6,357":4195,"6,358":4196,"6,359":4197,"6,360":4198,"6,361":4199,"6,362":4200,"6,363":4201,"6,364":4202,"6,365":4203,"6,366":4204,"6,367":4205,"6,368":4206,"6,369":4207,"6,370":4208,"6,371":4209,"6,372":4210,"6,373":4211,"6,374":4212,"6,375":4213,"6,376":4214,"6,377":4215,"6,378":4216,"6,379":4217,"6,380":4218,"6,381":4219,"6,382":4220,"6,383":4221,"6,384":4222,"6,385":4223,"6,386":4224,"6,387":4225,"6,388":4226,"6,389":4227,"6,390":4228,"6,391":4229,"6,392":4230,"6,393":4231,"6,394":4232,"6,395":4233,"6,396":4234,"6,397":4235,"6,398":4236,"6,399":4237,"6,400":4238,"6,401":4239,"6,402":4240,"6,403":4241,"6,404":4242,"6,405":4243,"6,406":4244,"6,407":4245,"6,408":4246,"6,409":4247,"6,410":4248,"6,411":4249,"6,412":4250,"6,413":4251,"6,414":4252,"6,415":4253,"6,416":4254,"6,417":4255,"6,418":4256,"6,419":4257,"6,420":4258,"6,421":4259,"6,422":4260,"6,423":4261,"6,424":4262,"6,425":4263,"6,426":4264,"6,427":4265,"6,428":4266,"6,429":4267,"6,430":4268,"6,431":4269,"6,432":4270,"6,433":4271,"6,434":4272,"6,435":4273,"6,436":4274,"6,437":4275,"6,438":4276,"6,439":4277,"6,440":4278,"6,441":4279,"6,442":4280,"6,443":4281,"6,444":4282,"6,445":4283,"6,446":4284,"6,447":4285,"6,448":4286,"6,449":4287,"6,450":4288,"6,451":4289,"6,452":4290,"6,453":4291,"6,454":4292,"6,455":4293,"6,456":4294,"6,457":4295,"6,458":4296,"6,459":4297,"6,460":4298,"6,461":4299,"6,462":4300,"6,463":4301,"6,464":4302,"6,465":4303,"6,466":4304,"6,467":4305,"6,468":4306,"6,469":4307,"6,470":4308,"6,471":4309,"6,472":4310,"6,473":4311,"6,474":4312,"6,475":4313,"6,476":4314,"6,477":4315,"6,478":4316,"6,479":4317,"6,480":4318,"6,481":4319,"6,482":4320,"6,483":4321,"6,484":4322,"6,485":4323,"6,486":4324,"6,487":4325,"6,488":4326,"6,489":4327,"6,490":4328,"6,491":4329,"6,492":4330,"6,493":4331,"6,494":4332,"6,495":4333,"6,496":4334,"6,497":4335,"6,498":4336,"6,499":4337,"6,500":4338,"6,501":4339,"6,502":4340,"6,503":4341,"6,504":4342,"6,505":4343,"6,506":4344,"6,507":4345,"6,508":4346,"6,509":4347,"6,510":4348,"6,511":4349,"6,512":4350,"6,513":4351,"6,514":4352,"6,515":4353,"6,516":4354,"6,517":4355,"6,518":4356,"6,519":4357,"6,520":4358,"6,521":4359,"6,522":4360,"6,523":4361,"6,524":4362,"6,525":4363,"6,526":4364,"6,527":4365,"6,528":4366,"6,529":4367,"6,530":4368,"6,531":4369,"6,532":4370,"6,533":4371,"6,534":4372,"6,535":4373,"6,536":4374,"6,537":4375,"6,538":4376,"6,539":4377,"6,540":4378,"6,541":4379,"6,542":4380,"6,543":4381,"6,544":4382,"6,545":4383,"6,546":4384,"6,547":4385,"6,548":4386,"6,549":4387,"6,550":4388,"6,551":4389,"6,552":4390,"6,553":4391,"6,554":4392,"6,555":4393,"6,556":4394,"6,557":4395,"6,558":4396,"6,559":4397,"6,560":4398,"6,561":4399,"6,562":4400,"6,563":4401,"6,564":4402,"6,565":4403,"6,566":4404,"6,567":4405,"6,568":4406,"6,569":4407,"6,570":4408,"6,571":4409,"6,572":4410,"6,573":4411,"6,574":4412,"6,575":4413,"6,576":4414,"6,577":4415,"6,578":4416,"6,579":4417,"6,580":4418,"6,581":4419,"6,582":4420,"6,583":4421,"6,584":4422,"6,585":4423,"6,586":4424,"6,587":4425,"6,588":4426,"6,589":4427,"6,590":4428,"6,591":4429,"6,592":4430,"6,593":4431,"6,594":4432,"6,595":4433,"6,596":4434,"6,597":4435,"6,598":4436,"6,599":4437,"6,600":4438,"6,601":4439,"6,602":4440,"6,603":4441,"6,604":4442,"6,605":4443,"6,606":4444,"6,607":4445,"6,608":4446,"6,609":4447,"6,610":4448,"6,611":4449,"6,612":4450,"6,613":4451,"6,614":4452,"6,615":4453,"6,616":4454,"6,617":4455,"6,618":4456,"6,619":4457,"6,620":4458,"6,621":4459,"6,622":4460,"6,623":4461,"6,624":4462,"6,625":4463,"6,626":4464,"6,627":4465,"6,628":4466,"6,629":4467,"6,630":4468,"6,631":4469,"6,632":4470,"6,633":4471,"6,634":4472,"6,635":4473,"6,636":4474,"6,637":4475,"6,638":4476,"6,639":4477,"6,640":4478,"6,641":4479,"6,642":4480,"6,643":4481,"6,644":4482,"6,645":4483,"6,646":4484,"6,647":4485,"6,648":4486,"6,649":4487,"6,650":4488,"6,651":4489,"6,652":4490,"6,653":4491,"6,654":4492,"6,655":4493,"6,656":4494,"6,657":4495,"6,658":4496,"6,659":4497,"6,660":4498,"6,661":4499,"6,662":4500,"6,663":4501,"6,664":4502,"6,665":4503,"6,666":4504,"6,667":4505,"6,668":4506,"6,669":4507,"6,670":4508,"6,671":4509,"6,672":4510,"6,673":4511,"6,674":4512,"6,675":4513,"6,676":4514,"6,677":4515,"6,678":4516,"6,679":4517,"6,680":4518,"6,681":4519,"6,682":4520,"6,683":4521,"6,684":4522,"6,685":4523,"6,686":4524,"6,687":4525,"6,688":4526,"6,689":4527,"6,690":4528,"6,691":4529,"6,692":4530,"6,693":4531,"6,694":4532,"6,695":4533,"6,696":4534,"6,697":4535,"6,698":4536,"6,699":4537,"6,700":4538,"6,701":4539,"6,702":4540,"6,703":4541,"6,704":4542,"6,705":4543,"6,706":4544,"6,707":4545,"6,708":4546,"6,709":4547,"6,710":4548,"6,711":4549,"6,712":4550,"6,713":4551,"6,714":4552,"6,715":4553,"6,716":4554,"6,717":4555,"6,718":4556,"6,719":4557,"6,720":4558,"6,721":4559,"6,722":4560,"6,723":4561,"6,724":4562,"6,725":4563,"6,726":4564,"6,727":4565,"6,728":4566,"6,729":4567,"6,730":4568,"6,731":4569,"7,5":4570,"7,6":4571,"7,7":4572,"7,8":4573,"7,9":4574,"7,10":4575,"7,11":4576,"7,12":4577,"7,13":4578,"7,14":4579,"7,15":4580,"7,16":4581,"7,17":4582,"7,18":4583,"7,19":4584,"7,20":4585,"7,21":4586,"7,22":4587,"7,23":4588,"7,24":4589,"7,25":4590,"7,26":4591,"7,27":4592,"7,28":4593,"7,29":4594,"7,30":4595,"7,31":4596,"7,32":4597,"7,33":4598,"7,34":4599,"7,35":4600,"7,36":4601,"7,37":4602,"7,38":4603,"7,39":4604,"7,40":4605,"7,41":4606,"7,42":4607,"7,43":4608,"7,44":4609,"7,45":4610,"7,46":4611,"7,47":4612,"7,48":4613,"7,49":4614,"7,50":4615,"7,51":4616,"7,52":4617,"7,53":4618,"7,54":4619,"7,55":4620,"7,56":4621,"7,57":4622,"7,58":4623,"7,59":4624,"7,60":4625,"7,61":4626,"7,62":4627,"7,63":4628,"7,64":4629,"7,65":4630,"7,66":4631,"7,67":4632,"7,68":4633,"7,69":4634,"7,70":4635,"7,71":4636,"7,72":4637,"7,73":4638,"7,74":4639,"7,75":4640,"7,76":4641,"7,77":4642,"7,78":4643,"7,79":4644,"7,80":4645,"7,81":4646,"7,82":4647,"7,83":4648,"7,84":4649,"7,85":4650,"7,86":4651,"7,87":4652,"7,88":4653,"7,89":4654,"7,90":4655,"7,91":4656,"7,92":4657,"7,93":4658,"7,94":4659,"7,95":4660,"7,96":4661,"7,97":4662,"7,98":4663,"7,99":4664,"7,100":4665,"7,101":4666,"7,102":4667,"7,103":4668,"7,104":4669,"7,105":4670,"7,106":4671,"7,107":4672,"7,108":4673,"7,109":4674,"7,110":4675,"7,111":4676,"7,112":4677,"7,113":4678,"7,114":4679,"7,115":4680,"7,116":4681,"7,117":4682,"7,118":4683,"7,119":4684,"7,120":4685,"7,121":4686,"7,122":4687,"7,123":4688,"7,124":4689,"7,125":4690,"7,126":4691,"7,127":4692,"7,128":4693,"7,129":4694,"7,130":4695,"7,131":4696,"7,132":4697,"7,133":4698,"7,134":4699,"7,135":4700,"7,136":4701,"7,137":4702,"7,138":4703,"7,139":4704,"7,140":4705,"7,141":4706,"7,142":4707,"7,143":4708,"7,144":4709,"7,145":4710,"7,146":4711,"7,147":4712,"7,148":4713,"7,149":4714,"7,150":4715,"7,151":4716,"7,152":4717,"7,153":4718,"7,154":4719,"7,155":4720,"7,156":4721,"7,157":4722,"7,158":4723,"7,159":4724,"7,160":4725,"7,161":4726,"7,162":4727,"7,163":4728,"7,164":4729,"7,165":4730,"7,166":4731,"7,167":4732,"7,168":4733,"7,169":4734,"7,170":4735,"7,171":4736,"7,172":4737,"7,173":4738,"7,174":4739,"7,175":4740,"7,176":4741,"7,177":4742,"7,178":4743,"7,179":4744,"7,180":4745,"7,181":4746,"7,182":4747,"7,183":4748,"7,184":4749,"7,185":4750,"7,186":4751,"7,187":4752,"7,188":4753,"7,189":4754,"7,190":4755,"7,191":4756,"7,192":4757,"7,193":4758,"7,194":4759,"7,195":4760,"7,196":4761,"7,197":4762,"7,198":4763,"7,199":4764,"7,200":4765,"7,201":4766,"7,202":4767,"7,203":4768,"7,204":4769,"7,205":4770,"7,206":4771,"7,207":4772,"7,208":4773,"7,209":4774,"7,210":4775,"7,211":4776,"7,212":4777,"7,213":4778,"7,214":4779,"7,215":4780,"7,216":4781,"7,217":4782,"7,218":4783,"7,219":4784,"7,220":4785,"7,221":4786,"7,222":4787,"7,223":4788,"7,224":4789,"7,225":4790,"7,226":4791,"7,227":4792,"7,228":4793,"7,229":4794,"7,230":4795,"7,231":4796,"7,232":4797,"7,233":4798,"7,234":4799,"7,235":4800,"7,236":4801,"7,237":4802,"7,238":4803,"7,239":4804,"7,240":4805,"7,241":4806,"7,242":4807,"7,243":4808,"7,244":4809,"7,245":4810,"7,246":4811,"7,247":4812,"7,248":4813,"7,249":4814,"7,250":4815,"7,251":4816,"7,252":4817,"7,253":4818,"7,254":4819,"7,255":4820,"7,256":4821,"7,257":4822,"7,258":4823,"7,259":4824,"7,260":4825,"7,261":4826,"7,262":4827,"7,263":4828,"7,264":4829,"7,265":4830,"7,266":4831,"7,267":4832,"7,268":4833,"7,269":4834,"7,270":4835,"7,271":4836,"7,272":4837,"7,273":4838,"7,274":4839,"7,275":4840,"7,276":4841,"7,277":4842,"7,278":4843,"7,279":4844,"7,280":4845,"7,281":4846,"7,282":4847,"7,283":4848,"7,284":4849,"7,285":4850,"7,286":4851,"7,287":4852,"7,288":4853,"7,289":4854,"7,290":4855,"7,291":4856,"7,292":4857,"7,293":4858,"7,294":4859,"7,295":4860,"7,296":4861,"7,297":4862,"7,298":4863,"7,299":4864,"7,300":4865,"7,301":4866,"7,302":4867,"7,303":4868,"7,304":4869,"7,305":4870,"7,306":4871,"7,307":4872,"7,308":4873,"7,309":4874,"7,310":4875,"7,311":4876,"7,312":4877,"7,313":4878,"7,314":4879,"7,315":4880,"7,316":4881,"7,317":4882,"7,318":4883,"7,319":4884,"7,320":4885,"7,321":4886,"7,322":4887,"7,323":4888,"7,324":4889,"7,325":4890,"7,326":4891,"7,327":4892,"7,328":4893,"7,329":4894,"7,330":4895,"7,331":4896,"7,332":4897,"7,333":4898,"7,334":4899,"7,335":4900,"7,336":4901,"7,337":4902,"7,338":4903,"7,339":4904,"7,340":4905,"7,341":4906,"7,342":4907,"7,343":4908,"7,344":4909,"7,345":4910,"7,346":4911,"7,347":4912,"7,348":4913,"7,349":4914,"7,350":4915,"7,351":4916,"7,352":4917,"7,353":4918,"7,354":4919,"7,355":4920,"7,356":4921,"7,357":4922,"7,358":4923,"7,359":4924,"7,360":4925,"7,361":4926,"7,362":4927,"7,363":4928,"7,364":4929,"7,365":4930,"7,366":4931,"7,367":4932,"7,368":4933,"7,369":4934,"7,370":4935,"7,371":4936,"7,372":4937,"7,373":4938,"7,374":4939,"7,375":4940,"7,376":4941,"7,377":4942,"7,378":4943,"7,379":4944,"7,380":4945,"7,381":4946,"7,382":4947,"7,383":4948,"7,384":4949,"7,385":4950,"7,386":4951,"7,387":4952,"7,388":4953,"7,389":4954,"7,390":4955,"7,391":4956,"7,392":4957,"7,393":4958,"7,394":4959,"7,395":4960,"7,396":4961,"7,397":4962,"7,398":4963,"7,399":4964,"7,400":4965,"7,401":4966,"7,402":4967,"7,403":4968,"7,404":4969,"7,405":4970,"7,406":4971,"7,407":4972,"7,408":4973,"7,409":4974,"7,410":4975,"7,411":4976,"7,412":4977,"7,413":4978,"7,414":4979,"7,415":4980,"7,416":4981,"7,417":4982,"7,418":4983,"7,419":4984,"7,420":4985,"7,421":4986,"7,422":4987,"7,423":4988,"7,424":4989,"7,425":4990,"7,426":4991,"7,427":4992,"7,428":4993,"7,429":4994,"7,430":4995,"7,431":4996,"7,432":4997,"7,433":4998,"7,434":4999,"7,435":5000,"7,436":5001,"7,437":5002,"7,438":5003,"7,439":5004,"7,440":5005,"7,441":5006,"7,442":5007,"7,443":5008,"7,444":5009,"7,445":5010,"7,446":5011,"7,447":5012,"7,448":5013,"7,449":5014,"7,450":5015,"7,451":5016,"7,452":5017,"7,453":5018,"7,454":5019,"7,455":5020,"7,456":5021,"7,457":5022,"7,458":5023,"7,459":5024,"7,460":5025,"7,461":5026,"7,462":5027,"7,463":5028,"7,464":5029,"7,465":5030,"7,466":5031,"7,467":5032,"7,468":5033,"7,469":5034,"7,470":5035,"7,471":5036,"7,472":5037,"7,473":5038,"7,474":5039,"7,475":5040,"7,476":5041,"7,477":5042,"7,478":5043,"7,479":5044,"7,480":5045,"7,481":5046,"7,482":5047,"7,483":5048,"7,484":5049,"7,485":5050,"7,486":5051,"7,487":5052,"7,488":5053,"7,489":5054,"7,490":5055,"7,491":5056,"7,492":5057,"7,493":5058,"7,494":5059,"7,495":5060,"7,496":5061,"7,497":5062,"7,498":5063,"7,499":5064,"7,500":5065,"7,501":5066,"7,502":5067,"7,503":5068,"7,504":5069,"7,505":5070,"7,506":5071,"7,507":5072,"7,508":5073,"7,509":5074,"7,510":5075,"7,511":5076,"7,512":5077,"7,513":5078,"7,514":5079,"7,515":5080,"7,516":5081,"7,517":5082,"7,518":5083,"7,519":5084,"7,520":5085,"7,521":5086,"7,522":5087,"7,523":5088,"7,524":5089,"7,525":5090,"7,526":5091,"7,527":5092,"7,528":5093,"7,529":5094,"7,530":5095,"7,531":5096,"7,532":5097,"7,533":5098,"7,534":5099,"7,535":5100,"7,536":5101,"7,537":5102,"7,538":5103,"7,539":5104,"7,540":5105,"7,541":5106,"7,542":5107,"7,543":5108,"7,544":5109,"7,545":5110,"7,546":5111,"7,547":5112,"7,548":5113,"7,549":5114,"7,550":5115,"7,551":5116,"7,552":5117,"7,553":5118,"7,554":5119,"7,555":5120,"7,556":5121,"7,557":5122,"7,558":5123,"7,559":5124,"7,560":5125,"7,561":5126,"7,562":5127,"7,563":5128,"7,564":5129,"7,565":5130,"7,566":5131,"7,567":5132,"7,568":5133,"7,569":5134,"7,570":5135,"7,571":5136,"7,572":5137,"7,573":5138,"7,574":5139,"7,575":5140,"7,576":5141,"7,577":5142,"7,578":5143,"7,579":5144,"7,580":5145,"7,581":5146,"7,582":5147,"7,583":5148,"7,584":5149,"7,585":5150,"7,586":5151,"7,587":5152,"7,588":5153,"7,589":5154,"7,590":5155,"7,591":5156,"7,592":5157,"7,593":5158,"7,594":5159,"7,595":5160,"7,596":5161,"7,597":5162,"7,598":5163,"7,599":5164,"7,600":5165,"7,601":5166,"7,602":5167,"7,603":5168,"7,604":5169,"7,605":5170,"7,606":5171,"7,607":5172,"7,608":5173,"7,609":5174,"7,610":5175,"7,611":5176,"7,612":5177,"7,613":5178,"7,614":5179,"7,615":5180,"7,616":5181,"7,617":5182,"7,618":5183,"7,619":5184,"7,620":5185,"7,621":5186,"7,622":5187,"7,623":5188,"7,624":5189,"7,625":5190,"7,626":5191,"7,627":5192,"7,628":5193,"7,629":5194,"7,630":5195,"7,631":5196,"7,632":5197,"7,633":5198,"7,634":5199,"7,635":5200,"7,636":5201,"7,637":5202,"7,638":5203,"7,639":5204,"7,640":5205,"7,641":5206,"7,642":5207,"7,643":5208,"7,644":5209,"7,645":5210,"7,646":5211,"7,647":5212,"7,648":5213,"7,649":5214,"7,650":5215,"7,651":5216,"7,652":5217,"7,653":5218,"7,654":5219,"7,655":5220,"7,656":5221,"7,657":5222,"7,658":5223,"7,659":5224,"7,660":5225,"7,661":5226,"7,662":5227,"7,663":5228,"7,664":5229,"7,665":5230,"7,666":5231,"7,667":5232,"7,668":5233,"7,669":5234,"7,670":5235,"7,671":5236,"7,672":5237,"7,673":5238,"7,674":5239,"7,675":5240,"7,676":5241,"7,677":5242,"7,678":5243,"7,679":5244,"7,680":5245,"7,681":5246,"7,682":5247,"7,683":5248,"7,684":5249,"7,685":5250,"7,686":5251,"7,687":5252,"7,688":5253,"7,689":5254,"7,690":5255,"7,691":5256,"7,692":5257,"7,693":5258,"7,694":5259,"7,695":5260,"7,696":5261,"7,697":5262,"7,698":5263,"7,699":5264,"7,700":5265,"7,701":5266,"7,702":5267,"7,703":5268,"7,704":5269,"7,705":5270,"7,706":5271,"7,707":5272,"7,708":5273,"7,709":5274,"7,710":5275,"7,711":5276,"7,712":5277,"7,713":5278,"7,714":5279,"7,715":5280,"7,716":5281,"7,717":5282,"7,718":5283,"7,719":5284,"7,720":5285,"7,721":5286,"7,722":5287,"7,723":5288,"7,724":5289,"7,725":5290,"7,726":5291,"8,5":5292,"8,6":5293,"8,7":5294,"8,8":5295,"8,9":5296,"8,10":5297,"8,11":5298,"8,12":5299,"8,13":5300,"8,14":5301,"8,15":5302,"8,16":5303,"8,17":5304,"8,18":5305,"8,19":5306,"8,20":5307,"8,21":5308,"8,22":5309,"8,23":5310,"8,24":5311,"8,25":5312,"8,26":5313,"8,27":5314,"8,28":5315,"8,29":5316,"8,30":5317,"8,31":5318,"8,32":5319,"8,33":5320,"8,34":5321,"8,35":5322,"8,36":5323,"8,37":5324,"8,38":5325,"8,39":5326,"8,40":5327,"8,41":5328,"8,42":5329,"8,43":5330,"8,44":5331,"8,45":5332,"8,46":5333,"8,47":5334,"8,48":5335,"8,49":5336,"8,50":5337,"8,51":5338,"8,52":5339,"8,53":5340,"8,54":5341,"8,55":5342,"8,56":5343,"8,57":5344,"8,58":5345,"8,59":5346,"8,60":5347,"8,61":5348,"8,62":5349,"8,63":5350,"8,64":5351,"8,65":5352,"8,66":5353,"8,67":5354,"8,68":5355,"8,69":5356,"8,70":5357,"8,71":5358,"8,72":5359,"8,73":5360,"8,74":5361,"8,75":5362,"8,76":5363,"8,77":5364,"8,78":5365,"8,79":5366,"8,80":5367,"8,81":5368,"8,82":5369,"8,83":5370,"8,84":5371,"8,85":5372,"8,86":5373,"8,87":5374,"8,88":5375,"8,89":5376,"8,90":5377,"8,91":5378,"8,92":5379,"8,93":5380,"8,94":5381,"8,95":5382,"8,96":5383,"8,97":5384,"8,98":5385,"8,99":5386,"8,100":5387,"8,101":5388,"8,102":5389,"8,103":5390,"8,104":5391,"8,105":5392,"8,106":5393,"8,107":5394,"8,108":5395,"8,109":5396,"8,110":5397,"8,111":5398,"8,112":5399,"8,113":5400,"8,114":5401,"8,115":5402,"8,116":5403,"8,117":5404,"8,118":5405,"8,119":5406,"8,120":5407,"8,121":5408,"8,122":5409,"8,123":5410,"8,124":5411,"8,125":5412,"8,126":5413,"8,127":5414,"8,128":5415,"8,129":5416,"8,130":5417,"8,131":5418,"8,132":5419,"8,133":5420,"8,134":5421,"8,135":5422,"8,136":5423,"8,137":5424,"8,138":5425,"8,139":5426,"8,140":5427,"8,141":5428,"8,142":5429,"8,143":5430,"8,144":5431,"8,145":5432,"8,146":5433,"8,147":5434,"8,148":5435,"8,149":5436,"8,150":5437,"8,151":5438,"8,152":5439,"8,153":5440,"8,154":5441,"8,155":5442,"8,156":5443,"8,157":5444,"8,158":5445,"8,159":5446,"8,160":5447,"8,161":5448,"8,162":5449,"8,163":5450,"8,164":5451,"8,165":5452,"8,166":5453,"8,167":5454,"8,168":5455,"8,169":5456,"8,170":5457,"8,171":5458,"8,172":5459,"8,173":5460,"8,174":5461,"8,175":5462,"8,176":5463,"8,177":5464,"8,178":5465,"8,179":5466,"8,180":5467,"8,181":5468,"8,182":5469,"8,183":5470,"8,184":5471,"8,185":5472,"8,186":5473,"8,187":5474,"8,188":5475,"8,189":5476,"8,190":5477,"8,191":5478,"8,192":5479,"8,193":5480,"8,194":5481,"8,195":5482,"8,196":5483,"8,197":5484,"8,198":5485,"8,199":5486,"8,200":5487,"8,201":5488,"8,202":5489,"8,203":5490,"8,204":5491,"8,205":5492,"8,206":5493,"8,207":5494,"8,208":5495,"8,209":5496,"8,210":5497,"8,211":5498,"8,212":5499,"8,213":5500,"8,214":5501,"8,215":5502,"8,216":5503,"8,217":5504,"8,218":5505,"8,219":5506,"8,220":5507,"8,221":5508,"8,222":5509,"8,223":5510,"8,224":5511,"8,225":5512,"8,226":5513,"8,227":5514,"8,228":5515,"8,229":5516,"8,230":5517,"8,231":5518,"8,232":5519,"8,233":5520,"8,234":5521,"8,235":5522,"8,236":5523,"8,237":5524,"8,238":5525,"8,239":5526,"8,240":5527,"8,241":5528,"8,242":5529,"8,243":5530,"8,244":5531,"8,245":5532,"8,246":5533,"8,247":5534,"8,248":5535,"8,249":5536,"8,250":5537,"8,251":5538,"8,252":5539,"8,253":5540,"8,254":5541,"8,255":5542,"8,256":5543,"8,257":5544,"8,258":5545,"8,259":5546,"8,260":5547,"8,261":5548,"8,262":5549,"8,263":5550,"8,264":5551,"8,265":5552,"8,266":5553,"8,267":5554,"8,268":5555,"8,269":5556,"8,270":5557,"8,271":5558,"8,272":5559,"8,273":5560,"8,274":5561,"8,275":5562,"8,276":5563,"8,277":5564,"8,278":5565,"8,279":5566,"8,280":5567,"8,281":5568,"8,282":5569,"8,283":5570,"8,284":5571,"8,285":5572,"8,286":5573,"8,287":5574,"8,288":5575,"8,289":5576,"8,290":5577,"8,291":5578,"8,292":5579,"8,293":5580,"8,294":5581,"8,295":5582,"8,296":5583,"8,297":5584,"8,298":5585,"8,299":5586,"8,300":5587,"8,301":5588,"8,302":5589,"8,303":5590,"8,304":5591,"8,305":5592,"8,306":5593,"8,307":5594,"8,308":5595,"8,309":5596,"8,310":5597,"8,311":5598,"8,312":5599,"8,313":5600,"8,314":5601,"8,315":5602,"8,316":5603,"8,317":5604,"8,318":5605,"8,319":5606,"8,320":5607,"8,321":5608,"8,322":5609,"8,323":5610,"8,324":5611,"8,325":5612,"8,326":5613,"8,327":5614,"8,328":5615,"8,329":5616,"8,330":5617,"8,331":5618,"8,332":5619,"8,333":5620,"8,334":5621,"8,335":5622,"8,336":5623,"8,337":5624,"8,338":5625,"8,339":5626,"8,340":5627,"8,341":5628,"8,342":5629,"8,343":5630,"8,344":5631,"8,345":5632,"8,346":5633,"8,347":5634,"8,348":5635,"8,349":5636,"8,350":5637,"8,351":5638,"8,352":5639,"8,353":5640,"8,354":5641,"8,355":5642,"8,356":5643,"8,357":5644,"8,358":5645,"8,359":5646,"8,360":5647,"8,361":5648,"8,362":5649,"8,363":5650,"8,364":5651,"8,365":5652,"8,366":5653,"8,367":5654,"8,368":5655,"8,369":5656,"8,370":5657,"8,371":5658,"8,372":5659,"8,373":5660,"8,374":5661,"8,375":5662,"8,376":5663,"8,377":5664,"8,378":5665,"8,379":5666,"8,380":5667,"8,381":5668,"8,382":5669,"8,383":5670,"8,384":5671,"8,385":5672,"8,386":5673,"8,387":5674,"8,388":5675,"8,389":5676,"8,390":5677,"8,391":5678,"8,392":5679,"8,393":5680,"8,394":5681,"8,395":5682,"8,396":5683,"8,397":5684,"8,398":5685,"8,399":5686,"8,400":5687,"8,401":5688,"8,402":5689,"8,403":5690,"8,404":5691,"8,405":5692,"8,406":5693,"8,407":5694,"8,408":5695,"8,409":5696,"8,410":5697,"8,411":5698,"8,412":5699,"8,413":5700,"8,414":5701,"8,415":5702,"8,416":5703,"8,417":5704,"8,418":5705,"8,419":5706,"8,420":5707,"8,421":5708,"8,422":5709,"8,423":5710,"8,424":5711,"8,425":5712,"8,426":5713,"8,427":5714,"8,428":5715,"8,429":5716,"8,430":5717,"8,431":5718,"8,432":5719,"8,433":5720,"8,434":5721,"8,435":5722,"8,436":5723,"8,437":5724,"8,438":5725,"8,439":5726,"8,440":5727,"8,441":5728,"8,442":5729,"8,443":5730,"8,444":5731,"8,445":5732,"8,446":5733,"8,447":5734,"8,448":5735,"8,449":5736,"8,450":5737,"8,451":5738,"8,452":5739,"8,453":5740,"8,454":5741,"8,455":5742,"8,456":5743,"8,457":5744,"8,458":5745,"8,459":5746,"8,460":5747,"8,461":5748,"8,462":5749,"8,463":5750,"8,464":5751,"8,465":5752,"8,466":5753,"8,467":5754,"8,468":5755,"8,469":5756,"8,470":5757,"8,471":5758,"8,472":5759,"8,473":5760,"8,474":5761,"8,475":5762,"8,476":5763,"8,477":5764,"8,478":5765,"8,479":5766,"8,480":5767,"8,481":5768,"8,482":5769,"8,483":5770,"8,484":5771,"8,485":5772,"8,486":5773,"8,487":5774,"8,488":5775,"8,489":5776,"8,490":5777,"8,491":5778,"8,492":5779,"8,493":5780,"8,494":5781,"8,495":5782,"8,496":5783,"8,497":5784,"8,498":5785,"8,499":5786,"8,500":5787,"8,501":5788,"8,502":5789,"8,503":5790,"8,504":5791,"8,505":5792,"8,506":5793,"8,507":5794,"8,508":5795,"8,509":5796,"8,510":5797,"8,511":5798,"8,512":5799,"8,513":5800,"8,514":5801,"8,515":5802,"8,516":5803,"8,517":5804,"8,518":5805,"8,519":5806,"8,520":5807,"8,521":5808,"8,522":5809,"8,523":5810,"8,524":5811,"8,525":5812,"8,526":5813,"8,527":5814,"8,528":5815,"8,529":5816,"8,530":5817,"8,531":5818,"8,532":5819,"8,533":5820,"8,534":5821,"8,535":5822,"8,536":5823,"8,537":5824,"8,538":5825,"8,539":5826,"8,540":5827,"8,541":5828,"8,542":5829,"8,543":5830,"8,544":5831,"8,545":5832,"8,546":5833,"8,547":5834,"8,548":5835,"8,549":5836,"8,550":5837,"8,551":5838,"8,552":5839,"8,553":5840,"8,554":5841,"8,555":5842,"8,556":5843,"8,557":5844,"8,558":5845,"8,559":5846,"8,560":5847,"8,561":5848,"8,562":5849,"8,563":5850,"8,564":5851,"8,565":5852,"8,566":5853,"8,567":5854,"8,568":5855,"8,569":5856,"8,570":5857,"8,571":5858,"8,572":5859,"8,573":5860,"8,574":5861,"8,575":5862,"8,576":5863,"8,577":5864,"8,578":5865,"8,579":5866,"8,580":5867,"8,581":5868,"8,582":5869,"8,583":5870,"8,584":5871,"8,585":5872,"8,586":5873,"8,587":5874,"8,588":5875,"8,589":5876,"8,590":5877,"8,591":5878,"8,592":5879,"8,593":5880,"8,594":5881,"8,595":5882,"8,596":5883,"8,597":5884,"8,598":5885,"8,599":5886,"8,600":5887,"8,601":5888,"8,602":5889,"8,603":5890,"8,604":5891,"8,605":5892,"8,606":5893,"8,607":5894,"8,608":5895,"8,609":5896,"8,610":5897,"8,611":5898,"8,612":5899,"8,613":5900,"8,614":5901,"8,615":5902,"8,616":5903,"8,617":5904,"8,618":5905,"8,619":5906,"8,620":5907,"8,621":5908,"8,622":5909,"8,623":5910,"8,624":5911,"8,625":5912,"8,626":5913,"8,627":5914,"8,628":5915,"8,629":5916,"8,630":5917,"8,631":5918,"8,632":5919,"8,633":5920,"8,634":5921,"8,635":5922,"8,636":5923,"8,637":5924,"8,638":5925,"8,639":5926,"8,640":5927,"8,641":5928,"8,642":5929,"8,643":5930,"8,644":5931,"8,645":5932,"8,646":5933,"8,647":5934,"8,648":5935,"8,649":5936,"8,650":5937,"8,651":5938,"8,652":5939,"8,653":5940,"8,654":5941,"8,655":5942,"8,656":5943,"8,657":5944,"8,658":5945,"8,659":5946,"8,660":5947,"8,661":5948,"8,662":5949,"8,663":5950,"8,664":5951,"8,665":5952,"8,666":5953,"8,667":5954,"8,668":5955,"8,669":5956,"8,670":5957,"8,671":5958,"8,672":5959,"8,673":5960,"8,674":5961,"8,675":5962,"8,676":5963,"8,677":5964,"8,678":5965,"8,679":5966,"8,680":5967,"8,681":5968,"8,682":5969,"8,683":5970,"8,684":5971,"8,685":5972,"8,686":5973,"8,687":5974,"8,688":5975,"8,689":5976,"8,690":5977,"8,691":5978,"8,692":5979,"8,693":5980,"8,694":5981,"8,695":5982,"8,696":5983,"8,697":5984,"8,698":5985,"8,699":5986,"8,700":5987,"8,701":5988,"8,702":5989,"8,703":5990,"8,704":5991,"8,705":5992,"8,706":5993,"8,707":5994,"8,708":5995,"8,709":5996,"8,710":5997,"8,711":5998,"8,712":5999,"8,713":6000,"8,714":6001,"8,715":6002,"8,716":6003,"8,717":6004,"8,718":6005,"8,719":6006,"8,720":6007,"8,721":6008,"8,722":6009,"8,723":6010,"8,724":6011,"8,725":6012,"8,726":6013,"8,727":6014,"8,728":6015,"8,729":6016,"8,730":6017,"8,731":6018,"8,732":6019,"8,733":6020,"8,734":6021,"8,735":6022,"8,736":6023,"8,737":6024,"8,738":6025,"8,739":6026,"8,740":6027,"8,741":6028,"8,742":6029,"8,743":6030,"8,744":6031,"8,745":6032,"8,746":6033,"8,747":6034,"8,748":6035,"8,749":6036,"8,750":6037,"9,5":6038,"9,6":6039,"9,7":6040,"9,8":6041,"9,9":6042,"9,10":6043,"9,11":6044,"9,12":6045,"9,13":6046,"9,14":6047,"9,15":6048,"9,16":6049,"9,17":6050,"9,18":6051,"9,19":6052,"9,20":6053,"9,21":6054,"9,22":6055,"9,23":6056,"9,24":6057,"9,25":6058,"9,26":6059,"9,27":6060,"9,28":6061,"9,29":6062,"9,30":6063,"9,31":6064,"9,32":6065,"9,33":6066,"9,34":6067,"9,35":6068,"9,36":6069,"9,37":6070,"9,38":6071,"9,39":6072,"9,40":6073,"9,41":6074,"9,42":6075,"9,43":6076,"9,44":6077,"9,45":6078,"9,46":6079,"9,47":6080,"9,48":6081,"9,49":6082,"9,50":6083,"9,51":6084,"9,52":6085,"9,53":6086,"9,54":6087,"9,55":6088,"9,56":6089,"9,57":6090,"9,58":6091,"9,59":6092,"9,60":6093,"9,61":6094,"9,62":6095,"9,63":6096,"9,64":6097,"9,65":6098,"9,66":6099,"9,67":6100,"9,68":6101,"9,69":6102,"9,70":6103,"9,71":6104,"9,72":6105,"9,73":6106,"9,74":6107,"9,75":6108,"9,76":6109,"9,77":6110,"9,78":6111,"9,79":6112,"9,80":6113,"9,81":6114,"9,82":6115,"9,83":6116,"9,84":6117,"9,85":6118,"9,86":6119,"9,87":6120,"9,88":6121,"9,89":6122,"9,90":6123,"9,91":6124,"9,92":6125,"9,93":6126,"9,94":6127,"9,95":6128,"9,96":6129,"9,97":6130,"9,98":6131,"9,99":6132,"9,100":6133,"9,101":6134,"9,102":6135,"9,103":6136,"9,104":6137,"9,105":6138,"9,106":6139,"9,107":6140,"9,108":6141,"9,109":6142,"9,110":6143,"9,111":6144,"9,112":6145,"9,113":6146,"9,114":6147,"9,115":6148,"9,116":6149,"9,117":6150,"9,118":6151,"9,119":6152,"9,120":6153,"9,121":6154,"9,122":6155,"9,123":6156,"9,124":6157,"9,125":6158,"9,126":6159,"9,127":6160,"9,128":6161,"9,129":6162,"9,130":6163,"9,131":6164,"9,132":6165,"9,133":6166,"9,134":6167,"9,135":6168,"9,136":6169,"9,137":6170,"9,138":6171,"9,139":6172,"9,140":6173,"9,141":6174,"9,142":6175,"9,143":6176,"9,144":6177,"9,145":6178,"9,146":6179,"9,147":6180,"9,148":6181,"9,149":6182,"9,150":6183,"9,151":6184,"9,152":6185,"9,153":6186,"9,154":6187,"9,155":6188,"9,156":6189,"9,157":6190,"9,158":6191,"9,159":6192,"9,160":6193,"9,161":6194,"9,162":6195,"9,163":6196,"9,164":6197,"9,165":6198,"9,166":6199,"9,167":6200,"9,168":6201,"9,169":6202,"9,170":6203,"9,171":6204,"9,172":6205,"9,173":6206,"9,174":6207,"9,175":6208,"9,176":6209,"9,177":6210,"9,178":6211,"9,179":6212,"9,180":6213,"9,181":6214,"9,182":6215,"9,183":6216,"9,184":6217,"9,185":6218,"9,186":6219,"9,187":6220,"9,188":6221,"9,189":6222,"9,190":6223,"9,191":6224,"9,192":6225,"9,193":6226,"9,194":6227,"9,195":6228,"9,196":6229,"9,197":6230,"9,198":6231,"9,199":6232,"9,200":6233,"9,201":6234,"9,202":6235,"9,203":6236,"9,204":6237,"9,205":6238,"9,206":6239,"9,207":6240,"9,208":6241,"9,209":6242,"9,210":6243,"9,211":6244,"9,212":6245,"9,213":6246,"9,214":6247,"9,215":6248,"9,216":6249,"9,217":6250,"9,218":6251,"9,219":6252,"9,220":6253,"9,221":6254,"9,222":6255,"9,223":6256,"9,224":6257,"9,225":6258,"9,226":6259,"9,227":6260,"9,228":6261,"9,229":6262,"9,230":6263,"9,231":6264,"9,232":6265,"9,233":6266,"9,234":6267,"9,235":6268,"9,236":6269,"9,237":6270,"9,238":6271,"9,239":6272,"9,240":6273,"9,241":6274,"9,242":6275,"9,243":6276,"9,244":6277,"9,245":6278,"9,246":6279,"9,247":6280,"9,248":6281,"9,249":6282,"9,250":6283,"9,251":6284,"9,252":6285,"9,253":6286,"9,254":6287,"9,255":6288,"9,256":6289,"9,257":6290,"9,258":6291,"9,259":6292,"9,260":6293,"9,261":6294,"9,262":6295,"9,263":6296,"9,264":6297,"9,265":6298,"9,266":6299,"9,267":6300,"9,268":6301,"9,269":6302,"9,270":6303,"9,271":6304,"9,272":6305,"9,273":6306,"9,274":6307,"9,275":6308,"9,276":6309,"9,277":6310,"9,278":6311,"9,279":6312,"9,280":6313,"9,281":6314,"9,282":6315,"9,283":6316,"9,284":6317,"9,285":6318,"9,286":6319,"9,287":6320,"9,288":6321,"9,289":6322,"9,290":6323,"9,291":6324,"9,292":6325,"9,293":6326,"9,294":6327,"9,295":6328,"9,296":6329,"9,297":6330,"9,298":6331,"9,299":6332,"9,300":6333,"9,301":6334,"9,302":6335,"9,303":6336,"9,304":6337,"9,305":6338,"9,306":6339,"9,307":6340,"9,308":6341,"9,309":6342,"9,310":6343,"9,311":6344,"9,312":6345,"9,313":6346,"9,314":6347,"9,315":6348,"9,316":6349,"9,317":6350,"9,318":6351,"9,319":6352,"9,320":6353,"9,321":6354,"9,322":6355,"9,323":6356,"9,324":6357,"9,325":6358,"9,326":6359,"9,327":6360,"9,328":6361,"9,329":6362,"9,330":6363,"9,331":6364,"9,332":6365,"9,333":6366,"9,334":6367,"9,335":6368,"9,336":6369,"9,337":6370,"9,338":6371,"9,339":6372,"9,340":6373,"9,341":6374,"9,342":6375,"9,343":6376,"9,344":6377,"9,345":6378,"9,346":6379,"9,347":6380,"9,348":6381,"9,349":6382,"9,350":6383,"9,351":6384,"9,352":6385,"9,353":6386,"9,354":6387,"9,355":6388,"9,356":6389,"9,357":6390,"9,358":6391,"9,359":6392,"9,360":6393,"9,361":6394,"9,362":6395,"9,363":6396,"9,364":6397,"9,365":6398,"9,366":6399,"9,367":6400,"9,368":6401,"9,369":6402,"9,370":6403,"9,371":6404,"9,372":6405,"9,373":6406,"9,374":6407,"9,375":6408,"9,376":6409,"9,377":6410,"9,378":6411,"9,379":6412,"9,380":6413,"9,381":6414,"9,382":6415,"9,383":6416,"9,384":6417,"9,385":6418,"9,386":6419,"9,387":6420,"9,388":6421,"9,389":6422,"9,390":6423,"9,391":6424,"9,392":6425,"9,393":6426,"9,394":6427,"9,395":6428,"9,396":6429,"9,397":6430,"9,398":6431,"9,399":6432,"9,400":6433,"9,401":6434,"9,402":6435,"9,403":6436,"9,404":6437,"9,405":6438,"9,406":6439,"9,407":6440,"9,408":6441,"9,409":6442,"9,410":6443,"9,411":6444,"9,412":6445,"9,413":6446,"9,414":6447,"9,415":6448,"9,416":6449,"9,417":6450,"9,418":6451,"9,419":6452,"9,420":6453,"9,421":6454,"9,422":6455,"9,423":6456,"9,424":6457,"9,425":6458,"9,426":6459,"9,427":6460,"9,428":6461,"9,429":6462,"9,430":6463,"9,431":6464,"9,432":6465,"9,433":6466,"9,434":6467,"9,435":6468,"9,436":6469,"9,437":6470,"9,438":6471,"9,439":6472,"9,440":6473,"9,441":6474,"9,442":6475,"9,443":6476,"9,444":6477,"9,445":6478,"9,446":6479,"9,447":6480,"9,448":6481,"9,449":6482,"9,450":6483,"9,451":6484,"9,452":6485,"9,453":6486,"9,454":6487,"9,455":6488,"9,456":6489,"9,457":6490,"9,458":6491,"9,459":6492,"9,460":6493,"9,461":6494,"9,462":6495,"9,463":6496,"9,464":6497,"9,465":6498,"9,466":6499,"9,467":6500,"9,468":6501,"9,469":6502,"9,470":6503,"9,471":6504,"9,472":6505,"9,473":6506,"9,474":6507,"9,475":6508,"9,476":6509,"9,477":6510,"9,478":6511,"9,479":6512,"9,480":6513,"9,481":6514,"9,482":6515,"9,483":6516,"9,484":6517,"9,485":6518,"9,486":6519,"9,487":6520,"9,488":6521,"9,489":6522,"9,490":6523,"9,491":6524,"9,492":6525,"9,493":6526,"9,494":6527,"9,495":6528,"9,496":6529,"9,497":6530,"9,498":6531,"9,499":6532,"9,500":6533,"9,501":6534,"9,502":6535,"9,503":6536,"9,504":6537,"9,505":6538,"9,506":6539,"9,507":6540,"9,508":6541,"9,509":6542,"9,510":6543,"9,511":6544,"9,512":6545,"9,513":6546,"9,514":6547,"9,515":6548,"9,516":6549,"9,517":6550,"9,518":6551,"9,519":6552,"9,520":6553,"9,521":6554,"9,522":6555,"9,523":6556,"9,524":6557,"9,525":6558,"9,526":6559,"9,527":6560,"9,528":6561,"9,529":6562,"9,530":6563,"9,531":6564,"9,532":6565,"9,533":6566,"9,534":6567,"9,535":6568,"9,536":6569,"9,537":6570,"9,538":6571,"9,539":6572,"9,540":6573,"9,541":6574,"9,542":6575,"9,543":6576,"9,544":6577,"9,545":6578,"9,546":6579,"9,547":6580,"9,548":6581,"9,549":6582,"9,550":6583,"9,551":6584,"9,552":6585,"9,553":6586,"9,554":6587,"9,555":6588,"9,556":6589,"9,557":6590,"9,558":6591,"9,559":6592,"9,560":6593,"9,561":6594,"9,562":6595,"9,563":6596,"9,564":6597,"9,565":6598,"9,566":6599,"9,567":6600,"9,568":6601,"9,569":6602,"9,570":6603,"9,571":6604,"9,572":6605,"9,573":6606,"9,574":6607,"9,575":6608,"9,576":6609,"9,577":6610,"9,578":6611,"9,579":6612,"9,580":6613,"9,581":6614,"9,582":6615,"9,583":6616,"9,584":6617,"9,585":6618,"9,586":6619,"9,587":6620,"9,588":6621,"9,589":6622,"9,590":6623,"9,591":6624,"9,592":6625,"9,593":6626,"9,594":6627,"9,595":6628,"9,596":6629,"9,597":6630,"9,598":6631,"9,599":6632,"9,600":6633,"9,601":6634,"9,602":6635,"9,603":6636,"9,604":6637,"9,605":6638,"9,606":6639,"9,607":6640,"9,608":6641,"9,609":6642,"9,610":6643,"9,611":6644,"9,612":6645,"9,613":6646,"9,614":6647,"9,615":6648,"9,616":6649,"9,617":6650,"9,618":6651,"9,619":6652,"9,620":6653,"9,621":6654,"9,622":6655,"9,623":6656,"9,624":6657,"9,625":6658,"9,626":6659,"9,627":6660,"9,628":6661,"9,629":6662,"9,630":6663,"9,631":6664,"9,632":6665,"9,633":6666,"9,634":6667,"9,635":6668,"9,636":6669,"9,637":6670,"9,638":6671,"9,639":6672,"9,640":6673,"9,641":6674,"9,642":6675,"9,643":6676,"9,644":6677,"9,645":6678,"9,646":6679,"9,647":6680,"9,648":6681,"9,649":6682,"9,650":6683,"9,651":6684,"9,652":6685,"9,653":6686,"9,654":6687,"9,655":6688,"9,656":6689,"9,657":6690,"9,658":6691,"9,659":6692,"9,660":6693,"9,661":6694,"9,662":6695,"9,663":6696,"9,664":6697,"9,665":6698,"9,666":6699,"9,667":6700,"9,668":6701,"9,669":6702,"9,670":6703,"9,671":6704,"9,672":6705,"9,673":6706,"9,674":6707,"9,675":6708,"9,676":6709,"9,677":6710,"9,678":6711,"9,679":6712,"10,5":6713,"10,6":6714,"10,7":6715,"10,8":6716,"10,9":6717,"10,10":6718,"10,11":6719,"10,12":6720,"10,13":6721,"10,14":6722,"10,15":6723,"10,16":6724,"10,17":6725,"10,18":6726,"10,19":6727,"10,20":6728,"10,21":6729,"10,22":6730,"10,23":6731,"10,24":6732,"10,25":6733,"10,26":6734,"10,27":6735,"10,28":6736,"10,29":6737,"10,30":6738,"10,31":6739,"10,32":6740,"10,33":6741,"10,34":6742,"10,35":6743,"10,36":6744,"10,37":6745,"10,38":6746,"10,39":6747,"10,40":6748,"10,41":6749,"10,42":6750,"10,43":6751,"10,44":6752,"10,45":6753,"10,46":6754,"10,47":6755,"10,48":6756,"10,49":6757,"10,50":6758,"10,51":6759,"10,52":6760,"10,53":6761,"10,54":6762,"10,55":6763,"10,56":6764,"10,57":6765,"10,58":6766,"10,59":6767,"10,60":6768,"10,61":6769,"10,62":6770,"10,63":6771,"10,64":6772,"10,65":6773,"10,66":6774,"10,67":6775,"10,68":6776,"10,69":6777,"10,70":6778,"10,71":6779,"10,72":6780,"10,73":6781,"10,74":6782,"10,75":6783,"10,76":6784,"10,77":6785,"10,78":6786,"10,79":6787,"10,80":6788,"10,81":6789,"10,82":6790,"10,83":6791,"10,84":6792,"10,85":6793,"10,86":6794,"10,87":6795,"10,88":6796,"10,89":6797,"10,90":6798,"10,91":6799,"10,92":6800,"10,93":6801,"10,94":6802,"10,95":6803,"10,96":6804,"10,97":6805,"10,98":6806,"10,99":6807,"10,100":6808,"10,101":6809,"10,102":6810,"10,103":6811,"10,104":6812,"10,105":6813,"10,106":6814,"10,107":6815,"10,108":6816,"10,109":6817,"10,110":6818,"10,111":6819,"10,112":6820,"10,113":6821,"10,114":6822,"10,115":6823,"10,116":6824,"10,117":6825,"10,118":6826,"10,119":6827,"10,120":6828,"10,121":6829,"10,122":6830,"10,123":6831,"10,124":6832,"10,125":6833,"10,126":6834,"10,127":6835,"10,128":6836,"10,129":6837,"10,130":6838,"10,131":6839,"10,132":6840,"10,133":6841,"10,134":6842,"10,135":6843,"10,136":6844,"10,137":6845,"10,138":6846,"10,139":6847,"10,140":6848,"10,141":6849,"10,142":6850,"10,143":6851,"10,144":6852,"10,145":6853,"10,146":6854,"10,147":6855,"10,148":6856,"10,149":6857,"10,150":6858,"10,151":6859,"10,152":6860,"10,153":6861,"10,154":6862,"10,155":6863,"10,156":6864,"10,157":6865,"10,158":6866,"10,159":6867,"10,160":6868,"10,161":6869,"10,162":6870,"10,163":6871,"10,164":6872,"10,165":6873,"10,166":6874,"10,167":6875,"10,168":6876,"10,169":6877,"10,170":6878,"10,171":6879,"10,172":6880,"10,173":6881,"10,174":6882,"10,175":6883,"10,176":6884,"10,177":6885,"10,178":6886,"10,179":6887,"10,180":6888,"10,181":6889,"10,182":6890,"10,183":6891,"10,184":6892,"10,185":6893,"10,186":6894,"10,187":6895,"10,188":6896,"10,189":6897,"10,190":6898,"10,191":6899,"10,192":6900,"10,193":6901,"10,194":6902,"10,195":6903,"10,196":6904,"10,197":6905,"10,198":6906,"10,199":6907,"10,200":6908,"10,201":6909,"10,202":6910,"10,203":6911,"10,204":6912,"10,205":6913,"10,206":6914,"10,207":6915,"10,208":6916,"10,209":6917,"10,210":6918,"10,211":6919,"10,212":6920,"10,213":6921,"10,214":6922,"10,215":6923,"10,216":6924,"10,217":6925,"10,218":6926,"10,219":6927,"10,220":6928,"10,221":6929,"10,222":6930,"10,223":6931,"10,224":6932,"10,225":6933,"10,226":6934,"10,227":6935,"10,228":6936,"10,229":6937,"10,230":6938,"10,231":6939,"10,232":6940,"10,233":6941,"10,234":6942,"10,235":6943,"10,236":6944,"10,237":6945,"10,238":6946,"10,239":6947,"10,240":6948,"10,241":6949,"10,242":6950,"10,243":6951,"10,244":6952,"10,245":6953,"10,246":6954,"10,247":6955,"10,248":6956,"10,249":6957,"10,250":6958,"10,251":6959,"10,252":6960,"10,253":6961,"10,254":6962,"10,255":6963,"10,256":6964,"10,257":6965,"10,258":6966,"10,259":6967,"10,260":6968,"10,261":6969,"10,262":6970,"10,263":6971,"10,264":6972,"10,265":6973,"10,266":6974,"10,267":6975,"10,268":6976,"10,269":6977,"10,270":6978,"10,271":6979,"10,272":6980,"10,273":6981,"10,274":6982,"10,275":6983,"10,276":6984,"10,277":6985,"10,278":6986,"10,279":6987,"10,280":6988,"10,281":6989,"10,282":6990,"10,283":6991,"10,284":6992,"10,285":6993,"10,286":6994,"10,287":6995,"10,288":6996,"10,289":6997,"10,290":6998,"10,291":6999,"10,292":7000,"10,293":7001,"10,294":7002,"10,295":7003,"10,296":7004,"10,297":7005,"10,298":7006,"10,299":7007,"10,300":7008,"10,301":7009,"10,302":7010,"10,303":7011,"10,304":7012,"10,305":7013,"10,306":7014,"10,307":7015,"10,308":7016,"10,309":7017,"10,310":7018,"10,311":7019,"10,312":7020,"10,313":7021,"10,314":7022,"10,315":7023,"10,316":7024,"10,317":7025,"10,318":7026,"10,319":7027,"10,320":7028,"10,321":7029,"10,322":7030,"10,323":7031,"10,324":7032,"10,325":7033,"10,326":7034,"10,327":7035,"10,328":7036,"10,329":7037,"10,330":7038,"10,331":7039,"10,332":7040,"10,333":7041,"10,334":7042,"10,335":7043,"10,336":7044,"10,337":7045,"10,338":7046,"10,339":7047,"10,340":7048,"10,341":7049,"10,342":7050,"10,343":7051,"10,344":7052,"10,345":7053,"10,346":7054,"10,347":7055,"10,348":7056,"10,349":7057,"10,350":7058,"10,351":7059,"10,352":7060,"10,353":7061,"10,354":7062,"10,355":7063,"10,356":7064,"10,357":7065,"10,358":7066,"10,359":7067,"10,360":7068,"10,361":7069,"10,362":7070,"10,363":7071,"10,364":7072,"10,365":7073,"10,366":7074,"10,367":7075,"10,368":7076,"10,369":7077,"10,370":7078,"10,371":7079,"10,372":7080,"10,373":7081,"10,374":7082,"10,375":7083,"10,376":7084,"10,377":7085,"10,378":7086,"10,379":7087,"10,380":7088,"10,381":7089,"10,382":7090,"10,383":7091,"10,384":7092,"10,385":7093,"10,386":7094,"10,387":7095,"10,388":7096,"10,389":7097,"10,390":7098,"10,391":7099,"10,392":7100,"10,393":7101,"10,394":7102,"10,395":7103,"10,396":7104,"10,397":7105,"10,398":7106,"10,399":7107,"10,400":7108,"10,401":7109,"10,402":7110,"10,403":7111,"10,404":7112,"10,405":7113,"10,406":7114,"10,407":7115,"10,408":7116,"10,409":7117,"10,410":7118,"10,411":7119,"10,412":7120,"10,413":7121,"10,414":7122,"10,415":7123,"10,416":7124,"10,417":7125,"10,418":7126,"10,419":7127,"10,420":7128,"10,421":7129,"10,422":7130,"10,423":7131,"10,424":7132,"10,425":7133,"10,426":7134,"10,427":7135,"10,428":7136,"10,429":7137,"10,430":7138,"10,431":7139,"10,432":7140,"10,433":7141,"10,434":7142,"10,435":7143,"10,436":7144,"10,437":7145,"10,438":7146,"10,439":7147,"10,440":7148,"10,441":7149,"10,442":7150,"10,443":7151,"10,444":7152,"10,445":7153,"10,446":7154,"10,447":7155,"10,448":7156,"10,449":7157,"10,450":7158,"10,451":7159,"10,452":7160,"10,453":7161,"10,454":7162,"10,455":7163,"10,456":7164,"10,457":7165,"10,458":7166,"10,459":7167,"10,460":7168,"10,461":7169,"10,462":7170,"10,463":7171,"10,464":7172,"10,465":7173,"10,466":7174,"10,467":7175,"10,468":7176,"10,469":7177,"10,470":7178,"10,471":7179,"10,472":7180,"10,473":7181,"10,474":7182,"10,475":7183,"10,476":7184,"10,477":7185,"10,478":7186,"10,479":7187,"10,480":7188,"10,481":7189,"10,482":7190,"10,483":7191,"10,484":7192,"10,485":7193,"10,486":7194,"10,487":7195,"10,488":7196,"10,489":7197,"10,490":7198,"10,491":7199,"10,492":7200,"10,493":7201,"10,494":7202,"10,495":7203,"10,496":7204,"10,497":7205,"10,498":7206,"10,499":7207,"10,500":7208,"10,501":7209,"10,502":7210,"10,503":7211,"10,504":7212,"10,505":7213,"10,506":7214,"10,507":7215,"10,508":7216,"10,509":7217,"10,510":7218,"10,511":7219,"10,512":7220,"10,513":7221,"10,514":7222,"10,515":7223,"10,516":7224,"10,517":7225,"10,518":7226,"10,519":7227,"10,520":7228,"10,521":7229,"10,522":7230,"10,523":7231,"10,524":7232,"10,525":7233,"10,526":7234,"10,527":7235,"10,528":7236,"10,529":7237,"10,530":7238,"10,531":7239,"10,532":7240,"10,533":7241,"10,534":7242,"10,535":7243,"10,536":7244,"10,537":7245,"10,538":7246,"10,539":7247,"10,540":7248,"10,541":7249,"10,542":7250,"10,543":7251,"10,544":7252,"10,545":7253,"10,546":7254,"10,547":7255,"10,548":7256,"10,549":7257,"10,550":7258,"10,551":7259,"10,552":7260,"10,553":7261,"10,554":7262,"10,555":7263,"10,556":7264,"10,557":7265,"10,558":7266,"10,559":7267,"10,560":7268,"10,561":7269,"10,562":7270,"10,563":7271,"10,564":7272,"10,565":7273,"10,566":7274,"10,567":7275,"10,568":7276,"10,569":7277,"10,570":7278,"10,571":7279,"10,572":7280,"10,573":7281,"10,574":7282,"10,575":7283,"10,576":7284,"10,577":7285,"10,578":7286,"10,579":7287,"10,580":7288,"10,581":7289,"10,582":7290,"10,583":7291,"10,584":7292,"10,585":7293,"10,586":7294,"10,587":7295,"10,588":7296,"10,589":7297,"10,590":7298,"10,591":7299,"10,592":7300,"10,593":7301,"10,594":7302,"10,595":7303,"10,596":7304,"10,597":7305,"10,598":7306,"10,599":7307,"10,600":7308,"10,601":7309,"10,602":7310,"10,603":7311,"10,604":7312,"10,605":7313,"10,606":7314,"10,607":7315,"10,608":7316,"10,609":7317,"10,610":7318,"10,611":7319,"10,612":7320,"10,613":7321,"10,614":7322,"10,615":7323,"10,616":7324,"10,617":7325,"10,618":7326,"10,619":7327,"10,620":7328,"10,621":7329,"10,622":7330,"10,623":7331,"10,624":7332,"10,625":7333,"10,626":7334,"10,627":7335,"10,628":7336,"10,629":7337,"10,630":7338,"10,631":7339,"10,632":7340,"10,633":7341,"10,634":7342,"10,635":7343,"10,636":7344,"10,637":7345,"10,638":7346,"10,639":7347,"10,640":7348,"10,641":7349,"10,642":7350,"10,643":7351,"10,644":7352,"10,645":7353,"10,646":7354,"10,647":7355,"10,648":7356,"10,649":7357,"10,650":7358,"10,651":7359,"10,652":7360,"10,653":7361,"10,654":7362,"10,655":7363,"10,656":7364,"10,657":7365,"10,658":7366,"10,659":7367,"10,660":7368,"10,661":7369,"10,662":7370,"10,663":7371,"10,664":7372,"10,665":7373,"10,666":7374,"10,667":7375,"10,668":7376,"10,669":7377,"10,670":7378,"10,671":7379,"11,5":7380,"11,6":7381,"11,7":7382,"11,8":7383,"11,9":7384,"11,10":7385,"11,11":7386,"11,12":7387,"11,13":7388,"11,14":7389,"11,15":7390,"11,16":7391,"11,17":7392,"11,18":7393,"11,19":7394,"11,20":7395,"11,21":7396,"11,22":7397,"11,23":7398,"11,24":7399,"11,25":7400,"11,26":7401,"11,27":7402,"11,28":7403,"11,29":7404,"11,30":7405,"11,31":7406,"11,32":7407,"11,33":7408,"11,34":7409,"11,35":7410,"11,36":7411,"11,37":7412,"11,38":7413,"11,39":7414,"11,40":7415,"11,41":7416,"11,42":7417,"11,43":7418,"11,44":7419,"11,45":7420,"11,46":7421,"11,47":7422,"11,48":7423,"11,49":7424,"11,50":7425,"11,51":7426,"11,52":7427,"11,53":7428,"11,54":7429,"11,55":7430,"11,56":7431,"11,57":7432,"11,58":7433,"11,59":7434,"11,60":7435,"11,61":7436,"11,62":7437,"11,63":7438,"11,64":7439,"11,65":7440,"11,66":7441,"11,67":7442,"11,68":7443,"11,69":7444,"11,70":7445,"11,71":7446,"11,72":7447,"11,73":7448,"11,74":7449,"11,75":7450,"11,76":7451,"11,77":7452,"11,78":7453,"11,79":7454,"11,80":7455,"11,81":7456,"11,82":7457,"11,83":7458,"11,84":7459,"11,85":7460,"11,86":7461,"11,87":7462,"11,88":7463,"11,89":7464,"11,90":7465,"11,91":7466,"11,92":7467,"11,93":7468,"11,94":7469,"11,95":7470,"11,96":7471,"11,97":7472,"11,98":7473,"11,99":7474,"11,100":7475,"11,101":7476,"11,102":7477,"11,103":7478,"11,104":7479,"11,105":7480,"11,106":7481,"11,107":7482,"11,108":7483,"11,109":7484,"11,110":7485,"11,111":7486,"11,112":7487,"11,113":7488,"11,114":7489,"11,115":7490,"11,116":7491,"11,117":7492,"11,118":7493,"11,119":7494,"11,120":7495,"11,121":7496,"11,122":7497,"11,123":7498,"11,124":7499,"11,125":7500,"11,126":7501,"11,127":7502,"11,128":7503,"11,129":7504,"11,130":7505,"11,131":7506,"11,132":7507,"11,133":7508,"11,134":7509,"11,135":7510,"11,136":7511,"11,137":7512,"11,138":7513,"11,139":7514,"11,140":7515,"11,141":7516,"11,142":7517,"11,143":7518,"11,144":7519,"11,145":7520,"11,146":7521,"11,147":7522,"11,148":7523,"11,149":7524,"11,150":7525,"11,151":7526,"11,152":7527,"11,153":7528,"11,154":7529,"11,155":7530,"11,156":7531,"11,157":7532,"11,158":7533,"11,159":7534,"11,160":7535,"11,161":7536,"11,162":7537,"11,163":7538,"11,164":7539,"11,165":7540,"11,166":7541,"11,167":7542,"11,168":7543,"11,169":7544,"11,170":7545,"11,171":7546,"11,172":7547,"11,173":7548,"11,174":7549,"11,175":7550,"11,176":7551,"11,177":7552,"11,178":7553,"11,179":7554,"11,180":7555,"11,181":7556,"11,182":7557,"11,183":7558,"11,184":7559,"11,185":7560,"11,186":7561,"11,187":7562,"11,188":7563,"11,189":7564,"11,190":7565,"11,191":7566,"11,192":7567,"11,193":7568,"11,194":7569,"11,195":7570,"11,196":7571,"11,197":7572,"11,198":7573,"11,199":7574,"11,200":7575,"11,201":7576,"11,202":7577,"11,203":7578,"11,204":7579,"11,205":7580,"11,206":7581,"11,207":7582,"11,208":7583,"11,209":7584,"11,210":7585,"11,211":7586,"11,212":7587,"11,213":7588,"11,214":7589,"11,215":7590,"11,216":7591,"11,217":7592,"11,218":7593,"11,219":7594,"11,220":7595,"11,221":7596,"11,222":7597,"11,223":7598,"11,224":7599,"11,225":7600,"11,226":7601,"11,227":7602,"11,228":7603,"11,229":7604,"11,230":7605,"11,231":7606,"11,232":7607,"11,233":7608,"11,234":7609,"11,235":7610,"11,236":7611,"11,237":7612,"11,238":7613,"11,239":7614,"11,240":7615,"11,241":7616,"11,242":7617,"11,243":7618,"11,244":7619,"11,245":7620,"11,246":7621,"11,247":7622,"11,248":7623,"11,249":7624,"11,250":7625,"11,251":7626,"11,252":7627,"11,253":7628,"11,254":7629,"11,255":7630,"11,256":7631,"11,257":7632,"11,258":7633,"11,259":7634,"11,260":7635,"11,261":7636,"11,262":7637,"11,263":7638,"11,264":7639,"11,265":7640,"11,266":7641,"11,267":7642,"11,268":7643,"11,269":7644,"11,270":7645,"11,271":7646,"11,272":7647,"11,273":7648,"11,274":7649,"11,275":7650,"11,276":7651,"11,277":7652,"11,278":7653,"11,279":7654,"11,280":7655,"11,281":7656,"11,282":7657,"11,283":7658,"11,284":7659,"11,285":7660,"11,286":7661,"11,287":7662,"11,288":7663,"11,289":7664,"11,290":7665,"11,291":7666,"11,292":7667,"11,293":7668,"11,294":7669,"11,295":7670,"11,296":7671,"11,297":7672,"11,298":7673,"11,299":7674,"11,300":7675,"11,301":7676,"11,302":7677,"11,303":7678,"11,304":7679,"11,305":7680,"11,306":7681,"11,307":7682,"11,308":7683,"11,309":7684,"11,310":7685,"11,311":7686,"11,312":7687,"11,313":7688,"11,314":7689,"11,315":7690,"11,316":7691,"11,317":7692,"11,318":7693,"11,319":7694,"11,320":7695,"11,321":7696,"11,322":7697,"11,323":7698,"11,324":7699,"11,325":7700,"11,326":7701,"11,327":7702,"11,328":7703,"11,329":7704,"11,330":7705,"11,331":7706,"11,332":7707,"11,333":7708,"11,334":7709,"11,335":7710,"11,336":7711,"11,337":7712,"11,338":7713,"11,339":7714,"11,340":7715,"11,341":7716,"11,342":7717,"11,343":7718,"11,344":7719,"11,345":7720,"11,346":7721,"11,347":7722,"11,348":7723,"11,349":7724,"11,350":7725,"11,351":7726,"11,352":7727,"11,353":7728,"11,354":7729,"11,355":7730,"11,356":7731,"11,357":7732,"11,358":7733,"11,359":7734,"11,360":7735,"11,361":7736,"11,362":7737,"11,363":7738,"11,364":7739,"11,365":7740,"11,366":7741,"11,367":7742,"11,368":7743,"11,369":7744,"11,370":7745,"11,371":7746,"11,372":7747,"11,373":7748,"11,374":7749,"11,375":7750,"11,376":7751,"11,377":7752,"11,378":7753,"11,379":7754,"11,380":7755,"11,381":7756,"11,382":7757,"11,383":7758,"11,384":7759,"11,385":7760,"11,386":7761,"11,387":7762,"11,388":7763,"11,389":7764,"11,390":7765,"11,391":7766,"11,392":7767,"11,393":7768,"11,394":7769,"11,395":7770,"11,396":7771,"11,397":7772,"11,398":7773,"11,399":7774,"11,400":7775,"11,401":7776,"11,402":7777,"11,403":7778,"11,404":7779,"11,405":7780,"11,406":7781,"11,407":7782,"11,408":7783,"11,409":7784,"11,410":7785,"11,411":7786,"11,412":7787,"11,413":7788,"11,414":7789,"11,415":7790,"11,416":7791,"11,417":7792,"11,418":7793,"11,419":7794,"11,420":7795,"11,421":7796,"11,422":7797,"11,423":7798,"11,424":7799,"11,425":7800,"11,426":7801,"11,427":7802,"11,428":7803,"11,429":7804,"11,430":7805,"11,431":7806,"11,432":7807,"11,433":7808,"11,434":7809,"11,435":7810,"11,436":7811,"11,437":7812,"11,438":7813,"11,439":7814,"11,440":7815,"11,441":7816,"11,442":7817,"11,443":7818,"11,444":7819,"11,445":7820,"11,446":7821,"11,447":7822,"11,448":7823,"11,449":7824,"11,450":7825,"11,451":7826,"11,452":7827,"11,453":7828,"11,454":7829,"11,455":7830,"11,456":7831,"11,457":7832,"11,458":7833,"11,459":7834,"11,460":7835,"11,461":7836,"11,462":7837,"11,463":7838,"11,464":7839,"11,465":7840,"11,466":7841,"11,467":7842,"11,468":7843,"11,469":7844,"11,470":7845,"11,471":7846,"11,472":7847,"11,473":7848,"11,474":7849,"11,475":7850,"11,476":7851,"11,477":7852,"11,478":7853,"11,479":7854,"11,480":7855,"11,481":7856,"11,482":7857,"11,483":7858,"11,484":7859,"11,485":7860,"11,486":7861,"11,487":7862,"11,488":7863,"11,489":7864,"11,490":7865,"11,491":7866,"11,492":7867,"11,493":7868,"11,494":7869,"11,495":7870,"11,496":7871,"11,497":7872,"11,498":7873,"11,499":7874,"11,500":7875,"11,501":7876,"11,502":7877,"11,503":7878,"11,504":7879,"11,505":7880,"11,506":7881,"11,507":7882,"11,508":7883,"11,509":7884,"11,510":7885,"11,511":7886,"11,512":7887,"11,513":7888,"11,514":7889,"11,515":7890,"11,516":7891,"11,517":7892,"11,518":7893,"11,519":7894,"11,520":7895,"11,521":7896,"11,522":7897,"11,523":7898,"11,524":7899,"11,525":7900,"11,526":7901,"11,527":7902,"11,528":7903,"11,529":7904,"11,530":7905,"11,531":7906,"11,532":7907,"11,533":7908,"11,534":7909,"11,535":7910,"11,536":7911,"11,537":7912,"11,538":7913,"11,539":7914,"11,540":7915,"11,541":7916,"11,542":7917,"11,543":7918,"11,544":7919,"11,545":7920,"11,546":7921,"11,547":7922,"11,548":7923,"11,549":7924,"11,550":7925,"11,551":7926,"11,552":7927,"11,553":7928,"11,554":7929,"11,555":7930,"11,556":7931,"11,557":7932,"11,558":7933,"11,559":7934,"11,560":7935,"11,561":7936,"11,562":7937,"11,563":7938,"11,564":7939,"11,565":7940,"11,566":7941,"11,567":7942,"11,568":7943,"11,569":7944,"11,570":7945,"11,571":7946,"11,572":7947,"11,573":7948,"11,574":7949,"11,575":7950,"11,576":7951,"11,577":7952,"11,578":7953,"11,579":7954,"11,580":7955,"11,581":7956,"11,582":7957,"11,583":7958,"11,584":7959,"11,585":7960,"11,586":7961,"11,587":7962,"11,588":7963,"11,589":7964,"11,590":7965,"11,591":7966,"11,592":7967,"11,593":7968,"11,594":7969,"11,595":7970,"11,596":7971,"11,597":7972,"11,598":7973,"11,599":7974,"11,600":7975,"11,601":7976,"11,602":7977,"11,603":7978,"11,604":7979,"11,605":7980,"11,606":7981,"11,607":7982,"11,608":7983,"11,609":7984,"11,610":7985,"11,611":7986,"11,612":7987,"11,613":7988,"11,614":7989,"11,615":7990,"11,616":7991,"11,617":7992,"11,618":7993,"11,619":7994,"11,620":7995,"11,621":7996,"11,622":7997,"11,623":7998,"11,624":7999,"11,625":8000,"11,626":8001,"11,627":8002,"11,628":8003,"11,629":8004,"11,630":8005,"11,631":8006,"11,632":8007,"11,633":8008,"11,634":8009,"11,635":8010,"11,636":8011,"11,637":8012,"11,638":8013,"11,639":8014,"11,640":8015,"11,641":8016,"11,642":8017,"11,643":8018,"11,644":8019,"11,645":8020,"11,646":8021,"11,647":8022,"11,648":8023,"11,649":8024,"11,650":8025,"11,651":8026,"11,652":8027,"11,653":8028,"11,654":8029,"11,655":8030,"11,656":8031,"11,657":8032,"11,658":8033,"11,659":8034,"11,660":8035,"11,661":8036,"11,662":8037,"11,663":8038,"11,664":8039,"11,665":8040,"11,666":8041,"11,667":8042,"11,668":8043,"11,669":8044,"11,670":8045,"11,671":8046,"11,672":8047,"11,673":8048,"11,674":8049,"11,675":8050,"11,676":8051,"11,677":8052,"11,678":8053,"11,679":8054,"11,680":8055,"11,681":8056,"11,682":8057,"11,683":8058,"11,684":8059,"11,685":8060,"11,686":8061,"11,687":8062,"11,688":8063,"11,689":8064,"11,690":8065,"11,691":8066,"11,692":8067,"11,693":8068,"11,694":8069,"11,695":8070,"11,696":8071,"11,697":8072,"11,698":8073,"11,699":8074,"11,700":8075,"11,701":8076,"11,702":8077,"12,5":8078,"12,6":8079,"12,7":8080,"12,8":8081,"12,9":8082,"12,10":8083,"12,11":8084,"12,12":8085,"12,13":8086,"12,14":8087,"12,15":8088,"12,16":8089,"12,17":8090,"12,18":8091,"12,19":8092,"12,20":8093,"12,21":8094,"12,22":8095,"12,23":8096,"12,24":8097,"12,25":8098,"12,26":8099,"12,27":8100,"12,28":8101,"12,29":8102,"12,30":8103,"12,31":8104,"12,32":8105,"12,33":8106,"12,34":8107,"12,35":8108,"12,36":8109,"12,37":8110,"12,38":8111,"12,39":8112,"12,40":8113,"12,41":8114,"12,42":8115,"12,43":8116,"12,44":8117,"12,45":8118,"12,46":8119,"12,47":8120,"12,48":8121,"12,49":8122,"12,50":8123,"12,51":8124,"12,52":8125,"12,53":8126,"12,54":8127,"12,55":8128,"12,56":8129,"12,57":8130,"12,58":8131,"12,59":8132,"12,60":8133,"12,61":8134,"12,62":8135,"12,63":8136,"12,64":8137,"12,65":8138,"12,66":8139,"12,67":8140,"12,68":8141,"12,69":8142,"12,70":8143,"12,71":8144,"12,72":8145,"12,73":8146,"12,74":8147,"12,75":8148,"12,76":8149,"12,77":8150,"12,78":8151,"12,79":8152,"12,80":8153,"12,81":8154,"12,82":8155,"12,83":8156,"12,84":8157,"12,85":8158,"12,86":8159,"12,87":8160,"12,88":8161,"12,89":8162,"12,90":8163,"12,91":8164,"12,92":8165,"12,93":8166,"12,94":8167,"12,95":8168,"12,96":8169,"12,97":8170,"12,98":8171,"12,99":8172,"12,100":8173,"12,101":8174,"12,102":8175,"12,103":8176,"12,104":8177,"12,105":8178,"12,106":8179,"12,107":8180,"12,108":8181,"12,109":8182,"12,110":8183,"12,111":8184,"12,112":8185,"12,113":8186,"12,114":8187,"12,115":8188,"12,116":8189,"12,117":8190,"12,118":8191,"12,119":8192,"12,120":8193,"12,121":8194,"12,122":8195,"12,123":8196,"12,124":8197,"12,125":8198,"12,126":8199,"12,127":8200,"12,128":8201,"12,129":8202,"12,130":8203,"12,131":8204,"12,132":8205,"12,133":8206,"12,134":8207,"12,135":8208,"12,136":8209,"12,137":8210,"12,138":8211,"12,139":8212,"12,140":8213,"12,141":8214,"12,142":8215,"12,143":8216,"12,144":8217,"12,145":8218,"12,146":8219,"12,147":8220,"12,148":8221,"12,149":8222,"12,150":8223,"12,151":8224,"12,152":8225,"12,153":8226,"12,154":8227,"12,155":8228,"12,156":8229,"12,157":8230,"12,158":8231,"12,159":8232,"12,160":8233,"12,161":8234,"12,162":8235,"12,163":8236,"12,164":8237,"12,165":8238,"12,166":8239,"12,167":8240,"12,168":8241,"12,169":8242,"12,170":8243,"12,171":8244,"12,172":8245,"12,173":8246,"12,174":8247,"12,175":8248,"12,176":8249,"12,177":8250,"12,178":8251,"12,179":8252,"12,180":8253,"12,181":8254,"12,182":8255,"12,183":8256,"12,184":8257,"12,185":8258,"12,186":8259,"12,187":8260,"12,188":8261,"12,189":8262,"12,190":8263,"12,191":8264,"12,192":8265,"12,193":8266,"12,194":8267,"12,195":8268,"12,196":8269,"12,197":8270,"12,198":8271,"12,199":8272,"12,200":8273,"12,201":8274,"12,202":8275,"12,203":8276,"12,204":8277,"12,205":8278,"12,206":8279,"12,207":8280,"12,208":8281,"12,209":8282,"12,210":8283,"12,211":8284,"12,212":8285,"12,213":8286,"12,214":8287,"12,215":8288,"12,216":8289,"12,217":8290,"12,218":8291,"12,219":8292,"12,220":8293,"12,221":8294,"12,222":8295,"12,223":8296,"12,224":8297,"12,225":8298,"12,226":8299,"12,227":8300,"12,228":8301,"12,229":8302,"12,230":8303,"12,231":8304,"12,232":8305,"12,233":8306,"12,234":8307,"12,235":8308,"12,236":8309,"12,237":8310,"12,238":8311,"12,239":8312,"12,240":8313,"12,241":8314,"12,242":8315,"12,243":8316,"12,244":8317,"12,245":8318,"12,246":8319,"12,247":8320,"12,248":8321,"12,249":8322,"12,250":8323,"12,251":8324,"12,252":8325,"12,253":8326,"12,254":8327,"12,255":8328,"12,256":8329,"12,257":8330,"12,258":8331,"12,259":8332,"12,260":8333,"12,261":8334,"12,262":8335,"12,263":8336,"12,264":8337,"12,265":8338,"12,266":8339,"12,267":8340,"12,268":8341,"12,269":8342,"12,270":8343,"12,271":8344,"12,272":8345,"12,273":8346,"12,274":8347,"12,275":8348,"12,276":8349,"12,277":8350,"12,278":8351,"12,279":8352,"12,280":8353,"12,281":8354,"12,282":8355,"12,283":8356,"12,284":8357,"12,285":8358,"12,286":8359,"12,287":8360,"12,288":8361,"12,289":8362,"12,290":8363,"12,291":8364,"12,292":8365,"12,293":8366,"12,294":8367,"12,295":8368,"12,296":8369,"12,297":8370,"12,298":8371,"12,299":8372,"12,300":8373,"12,301":8374,"12,302":8375,"12,303":8376,"12,304":8377,"12,305":8378,"12,306":8379,"12,307":8380,"12,308":8381,"12,309":8382,"12,310":8383,"12,311":8384,"12,312":8385,"12,313":8386,"12,314":8387,"12,315":8388,"12,316":8389,"12,317":8390,"12,318":8391,"12,319":8392,"12,320":8393,"12,321":8394,"12,322":8395,"12,323":8396,"12,324":8397,"12,325":8398,"12,326":8399,"12,327":8400,"12,328":8401,"12,329":8402,"12,330":8403,"12,331":8404,"12,332":8405,"12,333":8406,"12,334":8407,"12,335":8408,"12,336":8409,"12,337":8410,"12,338":8411,"12,339":8412,"12,340":8413,"12,341":8414,"12,342":8415,"12,343":8416,"12,344":8417,"12,345":8418,"12,346":8419,"12,347":8420,"12,348":8421,"12,349":8422,"12,350":8423,"12,351":8424,"12,352":8425,"12,353":8426,"12,354":8427,"12,355":8428,"12,356":8429,"12,357":8430,"12,358":8431,"12,359":8432,"12,360":8433,"12,361":8434,"12,362":8435,"12,363":8436,"12,364":8437,"12,365":8438,"12,366":8439,"12,367":8440,"12,368":8441,"12,369":8442,"12,370":8443,"12,371":8444,"12,372":8445,"12,373":8446,"12,374":8447,"12,375":8448,"12,376":8449,"12,377":8450,"12,378":8451,"12,379":8452,"12,380":8453,"12,381":8454,"12,382":8455,"12,383":8456,"12,384":8457,"12,385":8458,"12,386":8459,"12,387":8460,"12,388":8461,"12,389":8462,"12,390":8463,"12,391":8464,"12,392":8465,"12,393":8466,"12,394":8467,"12,395":8468,"12,396":8469,"12,397":8470,"12,398":8471,"12,399":8472,"12,400":8473,"12,401":8474,"12,402":8475,"12,403":8476,"12,404":8477,"12,405":8478,"12,406":8479,"12,407":8480,"12,408":8481,"12,409":8482,"12,410":8483,"12,411":8484,"12,412":8485,"12,413":8486,"12,414":8487,"12,415":8488,"12,416":8489,"12,417":8490,"12,418":8491,"12,419":8492,"12,420":8493,"12,421":8494,"12,422":8495,"12,423":8496,"12,424":8497,"12,425":8498,"12,426":8499,"12,427":8500,"12,428":8501,"12,429":8502,"12,430":8503,"12,431":8504,"12,432":8505,"12,433":8506,"12,434":8507,"12,435":8508,"12,436":8509,"12,437":8510,"12,438":8511,"12,439":8512,"12,440":8513,"12,441":8514,"12,442":8515,"12,443":8516,"12,444":8517,"12,445":8518,"12,446":8519,"12,447":8520,"12,448":8521,"12,449":8522,"12,450":8523,"12,451":8524,"12,452":8525,"12,453":8526,"12,454":8527,"12,455":8528,"12,456":8529,"12,457":8530,"12,458":8531,"12,459":8532,"12,460":8533,"12,461":8534,"12,462":8535,"12,463":8536,"12,464":8537,"12,465":8538,"12,466":8539,"12,467":8540,"12,468":8541,"12,469":8542,"12,470":8543,"12,471":8544,"12,472":8545,"12,473":8546,"12,474":8547,"12,475":8548,"12,476":8549,"12,477":8550,"12,478":8551,"12,479":8552,"12,480":8553,"12,481":8554,"12,482":8555,"12,483":8556,"12,484":8557,"12,485":8558,"12,486":8559,"12,487":8560,"12,488":8561,"12,489":8562,"12,490":8563,"12,491":8564,"12,492":8565,"12,493":8566,"12,494":8567,"12,495":8568,"12,496":8569,"12,497":8570,"12,498":8571,"12,499":8572,"12,500":8573,"12,501":8574,"12,502":8575,"12,503":8576,"12,504":8577,"12,505":8578,"12,506":8579,"12,507":8580,"12,508":8581,"12,509":8582,"12,510":8583,"12,511":8584,"12,512":8585,"12,513":8586,"12,514":8587,"12,515":8588,"12,516":8589,"12,517":8590,"12,518":8591,"12,519":8592,"12,520":8593,"12,521":8594,"12,522":8595,"12,523":8596,"12,524":8597,"12,525":8598,"12,526":8599,"12,527":8600,"12,528":8601,"12,529":8602,"12,530":8603,"12,531":8604,"12,532":8605,"12,533":8606,"12,534":8607,"12,535":8608,"12,536":8609,"12,537":8610,"12,538":8611,"12,539":8612,"12,540":8613,"12,541":8614,"12,542":8615,"12,543":8616,"12,544":8617,"12,545":8618,"12,546":8619,"12,547":8620,"12,548":8621,"12,549":8622,"12,550":8623,"12,551":8624,"12,552":8625,"12,553":8626,"12,554":8627,"12,555":8628,"12,556":8629,"12,557":8630,"12,558":8631,"12,559":8632,"12,560":8633,"12,561":8634,"12,562":8635,"12,563":8636,"12,564":8637,"12,565":8638,"12,566":8639,"12,567":8640,"12,568":8641,"12,569":8642,"12,570":8643,"12,571":8644,"12,572":8645,"12,573":8646,"12,574":8647,"12,575":8648,"12,576":8649,"12,577":8650,"12,578":8651,"12,579":8652,"12,580":8653,"12,581":8654,"12,582":8655,"12,583":8656,"12,584":8657,"12,585":8658,"12,586":8659,"12,587":8660,"12,588":8661,"12,589":8662,"12,590":8663,"12,591":8664,"12,592":8665,"12,593":8666,"12,594":8667,"12,595":8668,"12,596":8669,"12,597":8670,"12,598":8671,"12,599":8672,"12,600":8673,"12,601":8674,"12,602":8675,"12,603":8676,"12,604":8677,"12,605":8678,"12,606":8679,"12,607":8680,"12,608":8681,"12,609":8682,"12,610":8683,"12,611":8684,"12,612":8685,"12,613":8686,"12,614":8687,"12,615":8688,"12,616":8689,"12,617":8690,"12,618":8691,"12,619":8692,"12,620":8693,"12,621":8694,"12,622":8695,"12,623":8696,"12,624":8697,"12,625":8698,"12,626":8699,"12,627":8700,"12,628":8701,"12,629":8702,"12,630":8703,"12,631":8704,"12,632":8705,"12,633":8706,"12,634":8707,"12,635":8708,"12,636":8709,"12,637":8710,"12,638":8711,"12,639":8712,"12,640":8713,"12,641":8714,"12,642":8715,"12,643":8716,"12,644":8717,"12,645":8718,"12,646":8719,"12,647":8720,"12,648":8721,"12,649":8722,"13,5":8723,"13,6":8724,"13,7":8725,"13,8":8726,"13,9":8727,"13,10":8728,"13,11":8729,"13,12":8730,"13,13":8731,"13,14":8732,"13,15":8733,"13,16":8734,"13,17":8735,"13,18":8736,"13,19":8737,"13,20":8738,"13,21":8739,"13,22":8740,"13,23":8741,"13,24":8742,"13,25":8743,"13,26":8744,"13,27":8745,"13,28":8746,"13,29":8747,"13,30":8748,"13,31":8749,"13,32":8750,"13,33":8751,"13,34":8752,"13,35":8753,"13,36":8754,"13,37":8755,"13,38":8756,"13,39":8757,"13,40":8758,"13,41":8759,"13,42":8760,"13,43":8761,"13,44":8762,"13,45":8763,"13,46":8764,"13,47":8765,"13,48":8766,"13,49":8767,"13,50":8768,"13,51":8769,"13,52":8770,"13,53":8771,"13,54":8772,"13,55":8773,"13,56":8774,"13,57":8775,"13,58":8776,"13,59":8777,"13,60":8778,"13,61":8779,"13,62":8780,"13,63":8781,"13,64":8782,"13,65":8783,"13,66":8784,"13,67":8785,"13,68":8786,"13,69":8787,"13,70":8788,"13,71":8789,"13,72":8790,"13,73":8791,"13,74":8792,"13,75":8793,"13,76":8794,"13,77":8795,"13,78":8796,"13,79":8797,"13,80":8798,"13,81":8799,"13,82":8800,"13,83":8801,"13,84":8802,"13,85":8803,"13,86":8804,"13,87":8805,"13,88":8806,"13,89":8807,"13,90":8808,"13,91":8809,"13,92":8810,"13,93":8811,"13,94":8812,"13,95":8813,"13,96":8814,"13,97":8815,"13,98":8816,"13,99":8817,"13,100":8818,"13,101":8819,"13,102":8820,"13,103":8821,"13,104":8822,"13,105":8823,"13,106":8824,"13,107":8825,"13,108":8826,"13,109":8827,"13,110":8828,"13,111":8829,"13,112":8830,"13,113":8831,"13,114":8832,"13,115":8833,"13,116":8834,"13,117":8835,"13,118":8836,"13,119":8837,"13,120":8838,"13,121":8839,"13,122":8840,"13,123":8841,"13,124":8842,"13,125":8843,"13,126":8844,"13,127":8845,"13,128":8846,"13,129":8847,"13,130":8848,"13,131":8849,"13,132":8850,"13,133":8851,"13,134":8852,"13,135":8853,"13,136":8854,"13,137":8855,"13,138":8856,"13,139":8857,"13,140":8858,"13,141":8859,"13,142":8860,"13,143":8861,"13,144":8862,"13,145":8863,"13,146":8864,"13,147":8865,"13,148":8866,"13,149":8867,"13,150":8868,"13,151":8869,"13,152":8870,"13,153":8871,"13,154":8872,"13,155":8873,"13,156":8874,"13,157":8875,"13,158":8876,"13,159":8877,"13,160":8878,"13,161":8879,"13,162":8880,"13,163":8881,"13,164":8882,"13,165":8883,"13,166":8884,"13,167":8885,"13,168":8886,"13,169":8887,"13,170":8888,"13,171":8889,"13,172":8890,"13,173":8891,"13,174":8892,"13,175":8893,"13,176":8894,"13,177":8895,"13,178":8896,"13,179":8897,"13,180":8898,"13,181":8899,"13,182":8900,"13,183":8901,"13,184":8902,"13,185":8903,"13,186":8904,"13,187":8905,"13,188":8906,"13,189":8907,"13,190":8908,"13,191":8909,"13,192":8910,"13,193":8911,"13,194":8912,"13,195":8913,"13,196":8914,"13,197":8915,"13,198":8916,"13,199":8917,"13,200":8918,"13,201":8919,"13,202":8920,"13,203":8921,"13,204":8922,"13,205":8923,"13,206":8924,"13,207":8925,"13,208":8926,"13,209":8927,"13,210":8928,"13,211":8929,"13,212":8930,"13,213":8931,"13,214":8932,"13,215":8933,"13,216":8934,"13,217":8935,"13,218":8936,"13,219":8937,"13,220":8938,"13,221":8939,"13,222":8940,"13,223":8941,"13,224":8942,"13,225":8943,"13,226":8944,"13,227":8945,"13,228":8946,"13,229":8947,"13,230":8948,"13,231":8949,"13,232":8950,"13,233":8951,"13,234":8952,"13,235":8953,"13,236":8954,"13,237":8955,"13,238":8956,"13,239":8957,"13,240":8958,"13,241":8959,"13,242":8960,"13,243":8961,"13,244":8962,"13,245":8963,"13,246":8964,"13,247":8965,"13,248":8966,"13,249":8967,"13,250":8968,"13,251":8969,"13,252":8970,"13,253":8971,"13,254":8972,"13,255":8973,"13,256":8974,"13,257":8975,"13,258":8976,"13,259":8977,"13,260":8978,"13,261":8979,"13,262":8980,"13,263":8981,"13,264":8982,"13,265":8983,"13,266":8984,"13,267":8985,"13,268":8986,"13,269":8987,"13,270":8988,"13,271":8989,"13,272":8990,"13,273":8991,"13,274":8992,"13,275":8993,"13,276":8994,"13,277":8995,"13,278":8996,"13,279":8997,"13,280":8998,"13,281":8999,"13,282":9000,"13,283":9001,"13,284":9002,"13,285":9003,"13,286":9004,"13,287":9005,"13,288":9006,"13,289":9007,"13,290":9008,"13,291":9009,"13,292":9010,"13,293":9011,"13,294":9012,"13,295":9013,"13,296":9014,"13,297":9015,"13,298":9016,"13,299":9017,"13,300":9018,"13,301":9019,"13,302":9020,"13,303":9021,"13,304":9022,"13,305":9023,"13,306":9024,"13,307":9025,"13,308":9026,"13,309":9027,"13,310":9028,"13,311":9029,"13,312":9030,"13,313":9031,"13,314":9032,"13,315":9033,"13,316":9034,"13,317":9035,"13,318":9036,"13,319":9037,"13,320":9038,"13,321":9039,"13,322":9040,"13,323":9041,"13,324":9042,"13,325":9043,"13,326":9044,"13,327":9045,"13,328":9046,"13,329":9047,"13,330":9048,"13,331":9049,"13,332":9050,"13,333":9051,"13,334":9052,"13,335":9053,"13,336":9054,"13,337":9055,"13,338":9056,"13,339":9057,"13,340":9058,"13,341":9059,"13,342":9060,"13,343":9061,"13,344":9062,"13,345":9063,"13,346":9064,"13,347":9065,"13,348":9066,"13,349":9067,"13,350":9068,"13,351":9069,"13,352":9070,"13,353":9071,"13,354":9072,"13,355":9073,"13,356":9074,"13,357":9075,"13,358":9076,"13,359":9077,"13,360":9078,"13,361":9079,"13,362":9080,"13,363":9081,"13,364":9082,"13,365":9083,"13,366":9084,"13,367":9085,"13,368":9086,"13,369":9087,"13,370":9088,"13,371":9089,"13,372":9090,"13,373":9091,"13,374":9092,"13,375":9093,"13,376":9094,"13,377":9095,"13,378":9096,"13,379":9097,"13,380":9098,"13,381":9099,"13,382":9100,"13,383":9101,"13,384":9102,"13,385":9103,"13,386":9104,"13,387":9105,"13,388":9106,"13,389":9107,"13,390":9108,"13,391":9109,"13,392":9110,"13,393":9111,"13,394":9112,"13,395":9113,"13,396":9114,"13,397":9115,"13,398":9116,"13,399":9117,"13,400":9118,"13,401":9119,"13,402":9120,"13,403":9121,"13,404":9122,"13,405":9123,"13,406":9124,"13,407":9125,"13,408":9126,"13,409":9127,"13,410":9128,"13,411":9129,"13,412":9130,"13,413":9131,"13,414":9132,"13,415":9133,"13,416":9134,"13,417":9135,"13,418":9136,"13,419":9137,"13,420":9138,"13,421":9139,"13,422":9140,"13,423":9141,"13,424":9142,"13,425":9143,"13,426":9144,"13,427":9145,"13,428":9146,"13,429":9147,"13,430":9148,"13,431":9149,"13,432":9150,"13,433":9151,"13,434":9152,"13,435":9153,"13,436":9154,"13,437":9155,"13,438":9156,"13,439":9157,"13,440":9158,"13,441":9159,"13,442":9160,"13,443":9161,"13,444":9162,"13,445":9163,"13,446":9164,"13,447":9165,"13,448":9166,"13,449":9167,"13,450":9168,"13,451":9169,"13,452":9170,"13,453":9171,"13,454":9172,"13,455":9173,"13,456":9174,"13,457":9175,"13,458":9176,"13,459":9177,"13,460":9178,"13,461":9179,"13,462":9180,"13,463":9181,"13,464":9182,"13,465":9183,"13,466":9184,"13,467":9185,"13,468":9186,"13,469":9187,"13,470":9188,"13,471":9189,"13,472":9190,"13,473":9191,"13,474":9192,"13,475":9193,"13,476":9194,"13,477":9195,"13,478":9196,"13,479":9197,"13,480":9198,"13,481":9199,"13,482":9200,"13,483":9201,"13,484":9202,"13,485":9203,"13,486":9204,"13,487":9205,"13,488":9206,"13,489":9207,"13,490":9208,"13,491":9209,"13,492":9210,"13,493":9211,"13,494":9212,"13,495":9213,"13,496":9214,"13,497":9215,"13,498":9216,"13,499":9217,"13,500":9218,"13,501":9219,"13,502":9220,"13,503":9221,"13,504":9222,"13,505":9223,"13,506":9224,"13,507":9225,"13,508":9226,"13,509":9227,"13,510":9228,"13,511":9229,"13,512":9230,"13,513":9231,"13,514":9232,"13,515":9233,"13,516":9234,"13,517":9235,"13,518":9236,"13,519":9237,"13,520":9238,"13,521":9239,"13,522":9240,"13,523":9241,"13,524":9242,"13,525":9243,"13,526":9244,"13,527":9245,"13,528":9246,"13,529":9247,"13,530":9248,"13,531":9249,"13,532":9250,"13,533":9251,"13,534":9252,"13,535":9253,"13,536":9254,"13,537":9255,"13,538":9256,"13,539":9257,"13,540":9258,"13,541":9259,"13,542":9260,"13,543":9261,"13,544":9262,"13,545":9263,"13,546":9264,"13,547":9265,"13,548":9266,"13,549":9267,"13,550":9268,"13,551":9269,"13,552":9270,"13,553":9271,"13,554":9272,"13,555":9273,"13,556":9274,"13,557":9275,"13,558":9276,"13,559":9277,"13,560":9278,"13,561":9279,"13,562":9280,"13,563":9281,"13,564":9282,"13,565":9283,"13,566":9284,"13,567":9285,"13,568":9286,"13,569":9287,"13,570":9288,"13,571":9289,"13,572":9290,"13,573":9291,"13,574":9292,"13,575":9293,"13,576":9294,"13,577":9295,"13,578":9296,"13,579":9297,"13,580":9298,"13,581":9299,"13,582":9300,"13,583":9301,"13,584":9302,"13,585":9303,"13,586":9304,"13,587":9305,"13,588":9306,"13,589":9307,"13,590":9308,"13,591":9309,"13,592":9310,"13,593":9311,"13,594":9312,"13,595":9313,"13,596":9314,"13,597":9315,"13,598":9316,"13,599":9317,"13,600":9318,"13,601":9319,"13,602":9320,"13,603":9321,"13,604":9322,"13,605":9323,"13,606":9324,"13,607":9325,"13,608":9326,"13,609":9327,"13,610":9328,"13,611":9329,"13,612":9330,"13,613":9331,"13,614":9332,"13,615":9333,"13,616":9334,"13,617":9335,"13,618":9336,"13,619":9337,"13,620":9338,"13,621":9339,"13,622":9340,"13,623":9341,"13,624":9342,"13,625":9343,"13,626":9344,"13,627":9345,"13,628":9346,"13,629":9347,"13,630":9348,"13,631":9349,"13,632":9350,"13,633":9351,"13,634":9352,"13,635":9353,"13,636":9354,"13,637":9355,"13,638":9356,"13,639":9357,"13,640":9358,"13,641":9359,"13,642":9360,"13,643":9361,"13,644":9362,"13,645":9363,"13,646":9364,"13,647":9365,"13,648":9366,"13,649":9367,"13,650":9368,"13,651":9369,"13,652":9370,"13,653":9371,"13,654":9372,"13,655":9373,"13,656":9374,"13,657":9375,"13,658":9376,"13,659":9377,"13,660":9378,"13,661":9379,"13,662":9380,"13,663":9381,"13,664":9382,"13,665":9383,"13,666":9384,"13,667":9385,"13,668":9386,"13,669":9387,"13,670":9388,"13,671":9389,"13,672":9390,"13,673":9391,"13,674":9392,"13,675":9393,"13,676":9394,"13,677":9395,"13,678":9396,"13,679":9397,"13,680":9398,"13,681":9399,"13,682":9400,"13,683":9401,"13,684":9402,"13,685":9403,"13,686":9404,"13,687":9405,"13,688":9406,"13,689":9407,"13,690":9408,"13,691":9409,"13,692":9410,"13,693":9411,"13,694":9412,"13,695":9413,"13,696":9414,"13,697":9415,"13,698":9416,"13,699":9417,"13,700":9418,"13,701":9419,"13,702":9420,"13,703":9421,"13,704":9422,"13,705":9423,"13,706":9424,"13,707":9425,"13,708":9426,"13,709":9427,"13,710":9428,"13,711":9429,"13,712":9430,"13,713":9431,"13,714":9432,"13,715":9433,"13,716":9434,"13,717":9435,"13,718":9436,"13,719":9437,"13,720":9438,"13,721":9439,"13,722":9440,"13,723":9441,"13,724":9442,"13,725":9443,"13,726":9444,"13,727":9445,"13,728":9446,"13,729":9447,"13,730":9448,"13,731":9449,"13,732":9450,"13,733":9451,"13,734":9452,"13,735":9453,"13,736":9454,"13,737":9455,"13,738":9456,"13,739":9457,"13,740":9458,"13,741":9459,"13,742":9460,"13,743":9461,"13,744":9462,"13,745":9463,"13,746":9464,"13,747":9465,"14,5":9466,"14,6":9467,"14,7":9468,"14,8":9469,"14,9":9470,"14,10":9471,"14,11":9472,"14,12":9473,"14,13":9474,"14,14":9475,"14,15":9476,"14,16":9477,"14,17":9478,"14,18":9479,"14,19":9480,"14,20":9481,"14,21":9482,"14,22":9483,"14,23":9484,"14,24":9485,"14,25":9486,"14,26":9487,"14,27":9488,"14,28":9489,"14,29":9490,"14,30":9491,"14,31":9492,"14,32":9493,"14,33":9494,"14,34":9495,"14,35":9496,"14,36":9497,"14,37":9498,"14,38":9499,"14,39":9500,"14,40":9501,"14,41":9502,"14,42":9503,"14,43":9504,"14,44":9505,"14,45":9506,"14,46":9507,"14,47":9508,"14,48":9509,"14,49":9510,"14,50":9511,"14,51":9512,"14,52":9513,"14,53":9514,"14,54":9515,"14,55":9516,"14,56":9517,"14,57":9518,"14,58":9519,"14,59":9520,"14,60":9521,"14,61":9522,"14,62":9523,"14,63":9524,"14,64":9525,"14,65":9526,"14,66":9527,"14,67":9528,"14,68":9529,"14,69":9530,"14,70":9531,"14,71":9532,"14,72":9533,"14,73":9534,"14,74":9535,"14,75":9536,"14,76":9537,"14,77":9538,"14,78":9539,"14,79":9540,"14,80":9541,"14,81":9542,"14,82":9543,"14,83":9544,"14,84":9545,"14,85":9546,"14,86":9547,"14,87":9548,"14,88":9549,"14,89":9550,"14,90":9551,"14,91":9552,"14,92":9553,"14,93":9554,"14,94":9555,"14,95":9556,"14,96":9557,"14,97":9558,"14,98":9559,"14,99":9560,"14,100":9561,"14,101":9562,"14,102":9563,"14,103":9564,"14,104":9565,"14,105":9566,"14,106":9567,"14,107":9568,"14,108":9569,"14,109":9570,"14,110":9571,"14,111":9572,"14,112":9573,"14,113":9574,"14,114":9575,"14,115":9576,"14,116":9577,"14,117":9578,"14,118":9579,"14,119":9580,"14,120":9581,"14,121":9582,"14,122":9583,"14,123":9584,"14,124":9585,"14,125":9586,"14,126":9587,"14,127":9588,"14,128":9589,"14,129":9590,"14,130":9591,"14,131":9592,"14,132":9593,"14,133":9594,"14,134":9595,"14,135":9596,"14,136":9597,"14,137":9598,"14,138":9599,"14,139":9600,"14,140":9601,"14,141":9602,"14,142":9603,"14,143":9604,"14,144":9605,"14,145":9606,"14,146":9607,"14,147":9608,"14,148":9609,"14,149":9610,"14,150":9611,"14,151":9612,"14,152":9613,"14,153":9614,"14,154":9615,"14,155":9616,"14,156":9617,"14,157":9618,"14,158":9619,"14,159":9620,"14,160":9621,"14,161":9622,"14,162":9623,"14,163":9624,"14,164":9625,"14,165":9626,"14,166":9627,"14,167":9628,"14,168":9629,"14,169":9630,"14,170":9631,"14,171":9632,"14,172":9633,"14,173":9634,"14,174":9635,"14,175":9636,"14,176":9637,"14,177":9638,"14,178":9639,"14,179":9640,"14,180":9641,"14,181":9642,"14,182":9643,"14,183":9644,"14,184":9645,"14,185":9646,"14,186":9647,"14,187":9648,"14,188":9649,"14,189":9650,"14,190":9651,"14,191":9652,"14,192":9653,"14,193":9654,"14,194":9655,"14,195":9656,"14,196":9657,"14,197":9658,"14,198":9659,"14,199":9660,"14,200":9661,"14,201":9662,"14,202":9663,"14,203":9664,"14,204":9665,"14,205":9666,"14,206":9667,"14,207":9668,"14,208":9669,"14,209":9670,"14,210":9671,"14,211":9672,"14,212":9673,"14,213":9674,"14,214":9675,"14,215":9676,"14,216":9677,"14,217":9678,"14,218":9679,"14,219":9680,"14,220":9681,"14,221":9682,"14,222":9683,"14,223":9684,"14,224":9685,"14,225":9686,"14,226":9687,"14,227":9688,"14,228":9689,"14,229":9690,"14,230":9691,"14,231":9692,"14,232":9693,"14,233":9694,"14,234":9695,"14,235":9696,"14,236":9697,"14,237":9698,"14,238":9699,"14,239":9700,"14,240":9701,"14,241":9702,"14,242":9703,"14,243":9704,"14,244":9705,"14,245":9706,"14,246":9707,"14,247":9708,"14,248":9709,"14,249":9710,"14,250":9711,"14,251":9712,"14,252":9713,"14,253":9714,"14,254":9715,"14,255":9716,"14,256":9717,"14,257":9718,"14,258":9719,"14,259":9720,"14,260":9721,"14,261":9722,"14,262":9723,"14,263":9724,"14,264":9725,"14,265":9726,"14,266":9727,"14,267":9728,"14,268":9729,"14,269":9730,"14,270":9731,"14,271":9732,"14,272":9733,"14,273":9734,"14,274":9735,"14,275":9736,"14,276":9737,"14,277":9738,"14,278":9739,"14,279":9740,"14,280":9741,"14,281":9742,"14,282":9743,"14,283":9744,"14,284":9745,"14,285":9746,"14,286":9747,"14,287":9748,"14,288":9749,"14,289":9750,"14,290":9751,"14,291":9752,"14,292":9753,"14,293":9754,"14,294":9755,"14,295":9756,"14,296":9757,"14,297":9758,"14,298":9759,"14,299":9760,"14,300":9761,"14,301":9762,"14,302":9763,"14,303":9764,"14,304":9765,"14,305":9766,"14,306":9767,"14,307":9768,"14,308":9769,"14,309":9770,"14,310":9771,"14,311":9772,"14,312":9773,"14,313":9774,"14,314":9775,"14,315":9776,"14,316":9777,"14,317":9778,"14,318":9779,"14,319":9780,"14,320":9781,"14,321":9782,"14,322":9783,"14,323":9784,"14,324":9785,"14,325":9786,"14,326":9787,"14,327":9788,"14,328":9789,"14,329":9790,"14,330":9791,"14,331":9792,"14,332":9793,"14,333":9794,"14,334":9795,"14,335":9796,"14,336":9797,"14,337":9798,"14,338":9799,"14,339":9800,"14,340":9801,"14,341":9802,"14,342":9803,"14,343":9804,"14,344":9805,"14,345":9806,"14,346":9807,"14,347":9808,"14,348":9809,"14,349":9810,"14,350":9811,"14,351":9812,"14,352":9813,"14,353":9814,"14,354":9815,"14,355":9816,"14,356":9817,"14,357":9818,"14,358":9819,"14,359":9820,"14,360":9821,"14,361":9822,"14,362":9823,"14,363":9824,"14,364":9825,"14,365":9826,"14,366":9827,"14,367":9828,"14,368":9829,"14,369":9830,"14,370":9831,"14,371":9832,"14,372":9833,"14,373":9834,"14,374":9835,"14,375":9836,"14,376":9837,"14,377":9838,"14,378":9839,"14,379":9840,"14,380":9841,"14,381":9842,"14,382":9843,"14,383":9844,"14,384":9845,"14,385":9846,"14,386":9847,"14,387":9848,"14,388":9849,"14,389":9850,"14,390":9851,"14,391":9852,"14,392":9853,"14,393":9854,"14,394":9855,"14,395":9856,"14,396":9857,"14,397":9858,"14,398":9859,"14,399":9860,"14,400":9861,"14,401":9862,"14,402":9863,"14,403":9864,"14,404":9865,"14,405":9866,"14,406":9867,"14,407":9868,"14,408":9869,"14,409":9870,"14,410":9871,"14,411":9872,"14,412":9873,"14,413":9874,"14,414":9875,"14,415":9876,"14,416":9877,"14,417":9878,"14,418":9879,"14,419":9880,"14,420":9881,"14,421":9882,"14,422":9883,"14,423":9884,"14,424":9885,"14,425":9886,"14,426":9887,"14,427":9888,"14,428":9889,"14,429":9890,"14,430":9891,"14,431":9892,"14,432":9893,"14,433":9894,"14,434":9895,"14,435":9896,"14,436":9897,"14,437":9898,"14,438":9899,"14,439":9900,"14,440":9901,"14,441":9902,"14,442":9903,"14,443":9904,"14,444":9905,"14,445":9906,"14,446":9907,"14,447":9908,"14,448":9909,"14,449":9910,"14,450":9911,"14,451":9912,"14,452":9913,"14,453":9914,"14,454":9915,"14,455":9916,"14,456":9917,"14,457":9918,"14,458":9919,"14,459":9920,"14,460":9921,"14,461":9922,"14,462":9923,"14,463":9924,"14,464":9925,"14,465":9926,"14,466":9927,"14,467":9928,"14,468":9929,"14,469":9930,"14,470":9931,"14,471":9932,"14,472":9933,"14,473":9934,"14,474":9935,"14,475":9936,"14,476":9937,"14,477":9938,"14,478":9939,"14,479":9940,"14,480":9941,"14,481":9942,"14,482":9943,"14,483":9944,"14,484":9945,"14,485":9946,"14,486":9947,"14,487":9948,"14,488":9949,"14,489":9950,"14,490":9951,"14,491":9952,"14,492":9953,"14,493":9954,"14,494":9955,"14,495":9956,"14,496":9957,"14,497":9958,"14,498":9959,"14,499":9960,"14,500":9961,"14,501":9962,"14,502":9963,"14,503":9964,"14,504":9965,"14,505":9966,"14,506":9967,"14,507":9968,"14,508":9969,"14,509":9970,"14,510":9971,"14,511":9972,"14,512":9973,"14,513":9974,"14,514":9975,"14,515":9976,"14,516":9977,"14,517":9978,"14,518":9979,"14,519":9980,"14,520":9981,"14,521":9982,"14,522":9983,"14,523":9984,"14,524":9985,"14,525":9986,"14,526":9987,"14,527":9988,"14,528":9989,"14,529":9990,"14,530":9991,"14,531":9992,"14,532":9993,"14,533":9994,"14,534":9995,"14,535":9996,"14,536":9997,"14,537":9998,"14,538":9999,"14,539":10000,"14,540":10001,"14,541":10002,"14,542":10003,"14,543":10004,"14,544":10005,"14,545":10006,"14,546":10007,"14,547":10008,"14,548":10009,"14,549":10010,"14,550":10011,"14,551":10012,"14,552":10013,"14,553":10014,"14,554":10015,"14,555":10016,"14,556":10017,"14,557":10018,"14,558":10019,"14,559":10020,"14,560":10021,"14,561":10022,"14,562":10023,"14,563":10024,"14,564":10025,"14,565":10026,"14,566":10027,"14,567":10028,"14,568":10029,"14,569":10030,"14,570":10031,"14,571":10032,"14,572":10033,"14,573":10034,"14,574":10035,"14,575":10036,"14,576":10037,"14,577":10038,"14,578":10039,"14,579":10040,"14,580":10041,"14,581":10042,"14,582":10043,"14,583":10044,"14,584":10045,"14,585":10046,"14,586":10047,"14,587":10048,"14,588":10049,"14,589":10050,"14,590":10051,"14,591":10052,"14,592":10053,"14,593":10054,"14,594":10055,"14,595":10056,"14,596":10057,"14,597":10058,"14,598":10059,"14,599":10060,"14,600":10061,"14,601":10062,"14,602":10063,"14,603":10064,"14,604":10065,"14,605":10066,"14,606":10067,"14,607":10068,"14,608":10069,"14,609":10070,"14,610":10071,"14,611":10072,"14,612":10073,"14,613":10074,"14,614":10075,"14,615":10076,"14,616":10077,"14,617":10078,"14,618":10079,"14,619":10080,"14,620":10081,"14,621":10082,"14,622":10083,"14,623":10084,"14,624":10085,"14,625":10086,"14,626":10087,"14,627":10088,"14,628":10089,"14,629":10090,"14,630":10091,"14,631":10092,"14,632":10093,"14,633":10094,"14,634":10095,"14,635":10096,"14,636":10097,"14,637":10098,"14,638":10099,"14,639":10100,"14,640":10101,"14,641":10102,"14,642":10103,"14,643":10104,"14,644":10105,"14,645":10106,"14,646":10107,"14,647":10108,"14,648":10109,"14,649":10110,"14,650":10111,"14,651":10112,"14,652":10113,"14,653":10114,"14,654":10115,"14,655":10116,"14,656":10117,"14,657":10118,"14,658":10119,"14,659":10120,"14,660":10121,"14,661":10122,"14,662":10123,"14,663":10124,"14,664":10125,"14,665":10126,"14,666":10127,"14,667":10128,"14,668":10129,"14,669":10130,"14,670":10131,"14,671":10132,"14,672":10133,"14,673":10134,"15,5":10135,"15,6":10136,"15,7":10137,"15,8":10138,"15,9":10139,"15,10":10140,"15,11":10141,"15,12":10142,"15,13":10143,"15,14":10144,"15,15":10145,"15,16":10146,"15,17":10147,"15,18":10148,"15,19":10149,"15,20":10150,"15,21":10151,"15,22":10152,"15,23":10153,"15,24":10154,"15,25":10155,"15,26":10156,"15,27":10157,"15,28":10158,"15,29":10159,"15,30":10160,"15,31":10161,"15,32":10162,"15,33":10163,"15,34":10164,"15,35":10165,"15,36":10166,"15,37":10167,"15,38":10168,"15,39":10169,"15,40":10170,"15,41":10171,"15,42":10172,"15,43":10173,"15,44":10174,"15,45":10175,"15,46":10176,"15,47":10177,"15,48":10178,"15,49":10179,"15,50":10180,"15,51":10181,"15,52":10182,"15,53":10183,"15,54":10184,"15,55":10185,"15,56":10186,"15,57":10187,"15,58":10188,"15,59":10189,"15,60":10190,"15,61":10191,"15,62":10192,"15,63":10193,"15,64":10194,"15,65":10195,"15,66":10196,"15,67":10197,"15,68":10198,"15,69":10199,"15,70":10200,"15,71":10201,"15,72":10202,"15,73":10203,"15,74":10204,"15,75":10205,"15,76":10206,"15,77":10207,"15,78":10208,"15,79":10209,"15,80":10210,"15,81":10211,"15,82":10212,"15,83":10213,"15,84":10214,"15,85":10215,"15,86":10216,"15,87":10217,"15,88":10218,"15,89":10219,"15,90":10220,"15,91":10221,"15,92":10222,"15,93":10223,"15,94":10224,"15,95":10225,"15,96":10226,"15,97":10227,"15,98":10228,"15,99":10229,"15,100":10230,"15,101":10231,"15,102":10232,"15,103":10233,"15,104":10234,"15,105":10235,"15,106":10236,"15,107":10237,"15,108":10238,"15,109":10239,"15,110":10240,"15,111":10241,"15,112":10242,"15,113":10243,"15,114":10244,"15,115":10245,"15,116":10246,"15,117":10247,"15,118":10248,"15,119":10249,"15,120":10250,"15,121":10251,"15,122":10252,"15,123":10253,"15,124":10254,"15,125":10255,"15,126":10256,"15,127":10257,"15,128":10258,"15,129":10259,"15,130":10260,"15,131":10261,"15,132":10262,"15,133":10263,"15,134":10264,"15,135":10265,"15,136":10266,"15,137":10267,"15,138":10268,"15,139":10269,"15,140":10270,"15,141":10271,"15,142":10272,"15,143":10273,"15,144":10274,"15,145":10275,"15,146":10276,"15,147":10277,"15,148":10278,"15,149":10279,"15,150":10280,"15,151":10281,"15,152":10282,"15,153":10283,"15,154":10284,"15,155":10285,"15,156":10286,"15,157":10287,"15,158":10288,"15,159":10289,"15,160":10290,"15,161":10291,"15,162":10292,"15,163":10293,"15,164":10294,"15,165":10295,"15,166":10296,"15,167":10297,"15,168":10298,"15,169":10299,"15,170":10300,"15,171":10301,"15,172":10302,"15,173":10303,"15,174":10304,"15,175":10305,"15,176":10306,"15,177":10307,"15,178":10308,"15,179":10309,"15,180":10310,"15,181":10311,"15,182":10312,"15,183":10313,"15,184":10314,"15,185":10315,"15,186":10316,"15,187":10317,"15,188":10318,"15,189":10319,"15,190":10320,"15,191":10321,"15,192":10322,"15,193":10323,"15,194":10324,"15,195":10325,"15,196":10326,"15,197":10327,"15,198":10328,"15,199":10329,"15,200":10330,"15,201":10331,"15,202":10332,"15,203":10333,"15,204":10334,"15,205":10335,"15,206":10336,"15,207":10337,"15,208":10338,"15,209":10339,"15,210":10340,"15,211":10341,"15,212":10342,"15,213":10343,"15,214":10344,"15,215":10345,"15,216":10346,"15,217":10347,"15,218":10348,"15,219":10349,"15,220":10350,"15,221":10351,"15,222":10352,"15,223":10353,"15,224":10354,"15,225":10355,"15,226":10356,"15,227":10357,"15,228":10358,"15,229":10359,"15,230":10360,"15,231":10361,"15,232":10362,"15,233":10363,"15,234":10364,"15,235":10365,"15,236":10366,"15,237":10367,"15,238":10368,"15,239":10369,"15,240":10370,"15,241":10371,"15,242":10372,"15,243":10373,"15,244":10374,"15,245":10375,"15,246":10376,"15,247":10377,"15,248":10378,"15,249":10379,"15,250":10380,"15,251":10381,"15,252":10382,"15,253":10383,"15,254":10384,"15,255":10385,"15,256":10386,"15,257":10387,"15,258":10388,"15,259":10389,"15,260":10390,"15,261":10391,"15,262":10392,"15,263":10393,"15,264":10394,"15,265":10395,"15,266":10396,"15,267":10397,"15,268":10398,"15,269":10399,"15,270":10400,"15,271":10401,"15,272":10402,"15,273":10403,"15,274":10404,"15,275":10405,"15,276":10406,"15,277":10407,"15,278":10408,"15,279":10409,"15,280":10410,"15,281":10411,"15,282":10412,"15,283":10413,"15,284":10414,"15,285":10415,"15,286":10416,"15,287":10417,"15,288":10418,"15,289":10419,"15,290":10420,"15,291":10421,"15,292":10422,"15,293":10423,"15,294":10424,"15,295":10425,"15,296":10426,"15,297":10427,"15,298":10428,"15,299":10429,"15,300":10430,"15,301":10431,"15,302":10432,"15,303":10433,"15,304":10434,"15,305":10435,"15,306":10436,"15,307":10437,"15,308":10438,"15,309":10439,"15,310":10440,"15,311":10441,"15,312":10442,"15,313":10443,"15,314":10444,"15,315":10445,"15,316":10446,"15,317":10447,"15,318":10448,"15,319":10449,"15,320":10450,"15,321":10451,"15,322":10452,"15,323":10453,"15,324":10454,"15,325":10455,"15,326":10456,"15,327":10457,"15,328":10458,"15,329":10459,"15,330":10460,"15,331":10461,"15,332":10462,"15,333":10463,"15,334":10464,"15,335":10465,"15,336":10466,"15,337":10467,"15,338":10468,"15,339":10469,"15,340":10470,"15,341":10471,"15,342":10472,"15,343":10473,"15,344":10474,"15,345":10475,"15,346":10476,"15,347":10477,"15,348":10478,"15,349":10479,"15,350":10480,"15,351":10481,"15,352":10482,"15,353":10483,"15,354":10484,"15,355":10485,"15,356":10486,"15,357":10487,"15,358":10488,"15,359":10489,"15,360":10490,"15,361":10491,"15,362":10492,"15,363":10493,"15,364":10494,"15,365":10495,"15,366":10496,"15,367":10497,"15,368":10498,"15,369":10499,"15,370":10500,"15,371":10501,"15,372":10502,"15,373":10503,"15,374":10504,"15,375":10505,"15,376":10506,"15,377":10507,"15,378":10508,"15,379":10509,"15,380":10510,"15,381":10511,"15,382":10512,"15,383":10513,"15,384":10514,"15,385":10515,"15,386":10516,"15,387":10517,"15,388":10518,"15,389":10519,"15,390":10520,"15,391":10521,"15,392":10522,"15,393":10523,"15,394":10524,"15,395":10525,"15,396":10526,"15,397":10527,"15,398":10528,"15,399":10529,"15,400":10530,"15,401":10531,"15,402":10532,"15,403":10533,"15,404":10534,"15,405":10535,"15,406":10536,"15,407":10537,"15,408":10538,"15,409":10539,"15,410":10540,"15,411":10541,"15,412":10542,"15,413":10543,"15,414":10544,"15,415":10545,"15,416":10546,"15,417":10547,"15,418":10548,"15,419":10549,"15,420":10550,"15,421":10551,"15,422":10552,"15,423":10553,"15,424":10554,"15,425":10555,"15,426":10556,"15,427":10557,"15,428":10558,"15,429":10559,"15,430":10560,"15,431":10561,"15,432":10562,"15,433":10563,"15,434":10564,"15,435":10565,"15,436":10566,"15,437":10567,"15,438":10568,"15,439":10569,"15,440":10570,"15,441":10571,"15,442":10572,"15,443":10573,"15,444":10574,"15,445":10575,"15,446":10576,"15,447":10577,"15,448":10578,"15,449":10579,"15,450":10580,"15,451":10581,"15,452":10582,"15,453":10583,"15,454":10584,"15,455":10585,"15,456":10586,"15,457":10587,"15,458":10588,"15,459":10589,"15,460":10590,"15,461":10591,"15,462":10592,"15,463":10593,"15,464":10594,"15,465":10595,"15,466":10596,"15,467":10597,"15,468":10598,"15,469":10599,"15,470":10600,"15,471":10601,"15,472":10602,"15,473":10603,"15,474":10604,"15,475":10605,"15,476":10606,"15,477":10607,"15,478":10608,"15,479":10609,"15,480":10610,"15,481":10611,"15,482":10612,"15,483":10613,"15,484":10614,"15,485":10615,"15,486":10616,"15,487":10617,"15,488":10618,"15,489":10619,"15,490":10620,"15,491":10621,"15,492":10622,"15,493":10623,"15,494":10624,"15,495":10625,"15,496":10626,"15,497":10627,"15,498":10628,"15,499":10629,"15,500":10630,"15,501":10631,"15,502":10632,"15,503":10633,"15,504":10634,"15,505":10635,"15,506":10636,"15,507":10637,"15,508":10638,"15,509":10639,"15,510":10640,"15,511":10641,"15,512":10642,"15,513":10643,"15,514":10644,"15,515":10645,"15,516":10646,"15,517":10647,"15,518":10648,"15,519":10649,"15,520":10650,"15,521":10651,"15,522":10652,"15,523":10653,"15,524":10654,"15,525":10655,"15,526":10656,"15,527":10657,"15,528":10658,"15,529":10659,"15,530":10660,"15,531":10661,"15,532":10662,"15,533":10663,"15,534":10664,"15,535":10665,"15,536":10666,"15,537":10667,"15,538":10668,"15,539":10669,"15,540":10670,"15,541":10671,"15,542":10672,"15,543":10673,"15,544":10674,"15,545":10675,"15,546":10676,"15,547":10677,"15,548":10678,"15,549":10679,"15,550":10680,"15,551":10681,"15,552":10682,"15,553":10683,"15,554":10684,"15,555":10685,"15,556":10686,"15,557":10687,"15,558":10688,"15,559":10689,"15,560":10690,"15,561":10691,"15,562":10692,"15,563":10693,"15,564":10694,"15,565":10695,"15,566":10696,"15,567":10697,"15,568":10698,"15,569":10699,"15,570":10700,"15,571":10701,"15,572":10702,"15,573":10703,"15,574":10704,"15,575":10705,"15,576":10706,"15,577":10707,"15,578":10708,"15,579":10709,"15,580":10710,"15,581":10711,"15,582":10712,"15,583":10713,"15,584":10714,"15,585":10715,"15,586":10716,"15,587":10717,"15,588":10718,"15,589":10719,"15,590":10720,"15,591":10721,"15,592":10722,"15,593":10723,"15,594":10724,"15,595":10725,"15,596":10726,"15,597":10727,"15,598":10728,"15,599":10729,"15,600":10730,"15,601":10731,"15,602":10732,"15,603":10733,"15,604":10734,"15,605":10735,"15,606":10736,"15,607":10737,"15,608":10738,"15,609":10739,"15,610":10740,"15,611":10741,"15,612":10742,"15,613":10743,"15,614":10744,"15,615":10745,"15,616":10746,"15,617":10747,"15,618":10748,"15,619":10749,"15,620":10750,"15,621":10751,"15,622":10752,"15,623":10753,"15,624":10754,"15,625":10755,"15,626":10756,"15,627":10757,"15,628":10758,"15,629":10759,"15,630":10760,"15,631":10761,"15,632":10762,"15,633":10763,"15,634":10764,"15,635":10765,"15,636":10766,"15,637":10767,"15,638":10768,"15,639":10769,"15,640":10770,"15,641":10771,"15,642":10772,"15,643":10773,"15,644":10774,"15,645":10775,"15,646":10776,"15,647":10777,"15,648":10778,"15,649":10779,"16,5":10780,"16,6":10781,"16,7":10782,"16,8":10783,"16,9":10784,"16,10":10785,"16,11":10786,"16,12":10787,"16,13":10788,"16,14":10789,"16,15":10790,"16,16":10791,"16,17":10792,"16,18":10793,"16,19":10794,"16,20":10795,"16,21":10796,"16,22":10797,"16,23":10798,"16,24":10799,"16,25":10800,"16,26":10801,"16,27":10802,"16,28":10803,"16,29":10804,"16,30":10805,"16,31":10806,"16,32":10807,"16,33":10808,"16,34":10809,"16,35":10810,"16,36":10811,"16,37":10812,"16,38":10813,"16,39":10814,"16,40":10815,"16,41":10816,"16,42":10817,"16,43":10818,"16,44":10819,"16,45":10820,"16,46":10821,"16,47":10822,"16,48":10823,"16,49":10824,"16,50":10825,"16,51":10826,"16,52":10827,"16,53":10828,"16,54":10829,"16,55":10830,"16,56":10831,"16,57":10832,"16,58":10833,"16,59":10834,"16,60":10835,"16,61":10836,"16,62":10837,"16,63":10838,"16,64":10839,"16,65":10840,"16,66":10841,"16,67":10842,"16,68":10843,"16,69":10844,"16,70":10845,"16,71":10846,"16,72":10847,"16,73":10848,"16,74":10849,"16,75":10850,"16,76":10851,"16,77":10852,"16,78":10853,"16,79":10854,"16,80":10855,"16,81":10856,"16,82":10857,"16,83":10858,"16,84":10859,"16,85":10860,"16,86":10861,"16,87":10862,"16,88":10863,"16,89":10864,"16,90":10865,"16,91":10866,"16,92":10867,"16,93":10868,"16,94":10869,"16,95":10870,"16,96":10871,"16,97":10872,"16,98":10873,"16,99":10874,"16,100":10875,"16,101":10876,"16,102":10877,"16,103":10878,"16,104":10879,"16,105":10880,"16,106":10881,"16,107":10882,"16,108":10883,"16,109":10884,"16,110":10885,"16,111":10886,"16,112":10887,"16,113":10888,"16,114":10889,"16,115":10890,"16,116":10891,"16,117":10892,"16,118":10893,"16,119":10894,"16,120":10895,"16,121":10896,"16,122":10897,"16,123":10898,"16,124":10899,"16,125":10900,"16,126":10901,"16,127":10902,"16,128":10903,"16,129":10904,"16,130":10905,"16,131":10906,"16,132":10907,"16,133":10908,"16,134":10909,"16,135":10910,"16,136":10911,"16,137":10912,"16,138":10913,"16,139":10914,"16,140":10915,"16,141":10916,"16,142":10917,"16,143":10918,"16,144":10919,"16,145":10920,"16,146":10921,"16,147":10922,"16,148":10923,"16,149":10924,"16,150":10925,"16,151":10926,"16,152":10927,"16,153":10928,"16,154":10929,"16,155":10930,"16,156":10931,"16,157":10932,"16,158":10933,"16,159":10934,"16,160":10935,"16,161":10936,"16,162":10937,"16,163":10938,"16,164":10939,"16,165":10940,"16,166":10941,"16,167":10942,"16,168":10943,"16,169":10944,"16,170":10945,"16,171":10946,"16,172":10947,"16,173":10948,"16,174":10949,"16,175":10950,"16,176":10951,"16,177":10952,"16,178":10953,"16,179":10954,"16,180":10955,"16,181":10956,"16,182":10957,"16,183":10958,"16,184":10959,"16,185":10960,"16,186":10961,"16,187":10962,"16,188":10963,"16,189":10964,"16,190":10965,"16,191":10966,"16,192":10967,"16,193":10968,"16,194":10969,"16,195":10970,"16,196":10971,"16,197":10972,"16,198":10973,"16,199":10974,"16,200":10975,"16,201":10976,"16,202":10977,"16,203":10978,"16,204":10979,"16,205":10980,"16,206":10981,"16,207":10982,"16,208":10983,"16,209":10984,"16,210":10985,"16,211":10986,"16,212":10987,"16,213":10988,"16,214":10989,"16,215":10990,"16,216":10991,"16,217":10992,"16,218":10993,"16,219":10994,"16,220":10995,"16,221":10996,"16,222":10997,"16,223":10998,"16,224":10999,"16,225":11000,"16,226":11001,"16,227":11002,"16,228":11003,"16,229":11004,"16,230":11005,"16,231":11006,"16,232":11007,"16,233":11008,"16,234":11009,"16,235":11010,"16,236":11011,"16,237":11012,"16,238":11013,"16,239":11014,"16,240":11015,"16,241":11016,"16,242":11017,"16,243":11018,"16,244":11019,"16,245":11020,"16,246":11021,"16,247":11022,"16,248":11023,"16,249":11024,"16,250":11025,"16,251":11026,"16,252":11027,"16,253":11028,"16,254":11029,"16,255":11030,"16,256":11031,"16,257":11032,"16,258":11033,"16,259":11034,"16,260":11035,"16,261":11036,"16,262":11037,"16,263":11038,"16,264":11039,"16,265":11040,"16,266":11041,"16,267":11042,"16,268":11043,"16,269":11044,"16,270":11045,"16,271":11046,"16,272":11047,"16,273":11048,"16,274":11049,"16,275":11050,"16,276":11051,"16,277":11052,"16,278":11053,"16,279":11054,"16,280":11055,"16,281":11056,"16,282":11057,"16,283":11058,"16,284":11059,"16,285":11060,"16,286":11061,"16,287":11062,"16,288":11063,"16,289":11064,"16,290":11065,"16,291":11066,"16,292":11067,"16,293":11068,"16,294":11069,"16,295":11070,"16,296":11071,"16,297":11072,"16,298":11073,"16,299":11074,"16,300":11075,"16,301":11076,"16,302":11077,"16,303":11078,"16,304":11079,"16,305":11080,"16,306":11081,"16,307":11082,"16,308":11083,"16,309":11084,"16,310":11085,"16,311":11086,"16,312":11087,"16,313":11088,"16,314":11089,"16,315":11090,"16,316":11091,"16,317":11092,"16,318":11093,"16,319":11094,"16,320":11095,"16,321":11096,"16,322":11097,"16,323":11098,"16,324":11099,"16,325":11100,"16,326":11101,"16,327":11102,"16,328":11103,"16,329":11104,"16,330":11105,"16,331":11106,"16,332":11107,"16,333":11108,"16,334":11109,"16,335":11110,"16,336":11111,"16,337":11112,"16,338":11113,"16,339":11114,"16,340":11115,"16,341":11116,"16,342":11117,"16,343":11118,"16,344":11119,"16,345":11120,"16,346":11121,"16,347":11122,"16,348":11123,"16,349":11124,"16,350":11125,"16,351":11126,"16,352":11127,"16,353":11128,"16,354":11129,"16,355":11130,"16,356":11131,"16,357":11132,"16,358":11133,"16,359":11134,"16,360":11135,"16,361":11136,"16,362":11137,"16,363":11138,"16,364":11139,"16,365":11140,"16,366":11141,"16,367":11142,"16,368":11143,"16,369":11144,"16,370":11145,"16,371":11146,"16,372":11147,"16,373":11148,"16,374":11149,"16,375":11150,"16,376":11151,"16,377":11152,"16,378":11153,"16,379":11154,"16,380":11155,"16,381":11156,"16,382":11157,"16,383":11158,"16,384":11159,"16,385":11160,"16,386":11161,"16,387":11162,"16,388":11163,"16,389":11164,"16,390":11165,"16,391":11166,"16,392":11167,"16,393":11168,"16,394":11169,"16,395":11170,"16,396":11171,"16,397":11172,"16,398":11173,"16,399":11174,"16,400":11175,"16,401":11176,"16,402":11177,"16,403":11178,"16,404":11179,"16,405":11180,"16,406":11181,"16,407":11182,"16,408":11183,"16,409":11184,"16,410":11185,"16,411":11186,"16,412":11187,"16,413":11188,"16,414":11189,"16,415":11190,"16,416":11191,"16,417":11192,"16,418":11193,"16,419":11194,"16,420":11195,"16,421":11196,"16,422":11197,"16,423":11198,"16,424":11199,"16,425":11200,"16,426":11201,"16,427":11202,"16,428":11203,"16,429":11204,"16,430":11205,"16,431":11206,"16,432":11207,"16,433":11208,"16,434":11209,"16,435":11210,"16,436":11211,"16,437":11212,"16,438":11213,"16,439":11214,"16,440":11215,"16,441":11216,"16,442":11217,"16,443":11218,"16,444":11219,"16,445":11220,"16,446":11221,"16,447":11222,"16,448":11223,"16,449":11224,"16,450":11225,"16,451":11226,"16,452":11227,"16,453":11228,"16,454":11229,"16,455":11230,"16,456":11231,"16,457":11232,"16,458":11233,"16,459":11234,"16,460":11235,"16,461":11236,"16,462":11237,"16,463":11238,"16,464":11239,"16,465":11240,"16,466":11241,"16,467":11242,"16,468":11243,"16,469":11244,"16,470":11245,"16,471":11246,"16,472":11247,"16,473":11248,"16,474":11249,"16,475":11250,"16,476":11251,"16,477":11252,"16,478":11253,"16,479":11254,"16,480":11255,"16,481":11256,"16,482":11257,"16,483":11258,"16,484":11259,"16,485":11260,"16,486":11261,"16,487":11262,"16,488":11263,"16,489":11264,"16,490":11265,"16,491":11266,"16,492":11267,"16,493":11268,"16,494":11269,"16,495":11270,"16,496":11271,"16,497":11272,"16,498":11273,"16,499":11274,"16,500":11275,"16,501":11276,"16,502":11277,"16,503":11278,"16,504":11279,"16,505":11280,"16,506":11281,"16,507":11282,"16,508":11283,"16,509":11284,"16,510":11285,"16,511":11286,"16,512":11287,"16,513":11288,"16,514":11289,"16,515":11290,"16,516":11291,"16,517":11292,"16,518":11293,"16,519":11294,"16,520":11295,"16,521":11296,"16,522":11297,"16,523":11298,"16,524":11299,"16,525":11300,"16,526":11301,"16,527":11302,"16,528":11303,"16,529":11304,"16,530":11305,"16,531":11306,"16,532":11307,"16,533":11308,"16,534":11309,"16,535":11310,"16,536":11311,"16,537":11312,"16,538":11313,"16,539":11314,"16,540":11315,"16,541":11316,"16,542":11317,"16,543":11318,"16,544":11319,"16,545":11320,"16,546":11321,"16,547":11322,"16,548":11323,"16,549":11324,"16,550":11325,"16,551":11326,"16,552":11327,"16,553":11328,"16,554":11329,"16,555":11330,"16,556":11331,"16,557":11332,"16,558":11333,"16,559":11334,"16,560":11335,"16,561":11336,"16,562":11337,"16,563":11338,"16,564":11339,"16,565":11340,"16,566":11341,"16,567":11342,"16,568":11343,"16,569":11344,"16,570":11345,"16,571":11346,"16,572":11347,"16,573":11348,"16,574":11349,"16,575":11350,"16,576":11351,"16,577":11352,"16,578":11353,"16,579":11354,"16,580":11355,"16,581":11356,"16,582":11357,"16,583":11358,"16,584":11359,"16,585":11360,"16,586":11361,"16,587":11362,"16,588":11363,"16,589":11364,"16,590":11365,"16,591":11366,"16,592":11367,"16,593":11368,"16,594":11369,"16,595":11370,"16,596":11371,"16,597":11372,"16,598":11373,"16,599":11374,"16,600":11375,"16,601":11376,"16,602":11377,"16,603":11378,"16,604":11379,"16,605":11380,"16,606":11381,"16,607":11382,"16,608":11383,"16,609":11384,"16,610":11385,"16,611":11386,"16,612":11387,"16,613":11388,"16,614":11389,"16,615":11390,"16,616":11391,"16,617":11392,"16,618":11393,"16,619":11394,"16,620":11395,"16,621":11396,"16,622":11397,"16,623":11398,"16,624":11399,"16,625":11400,"16,626":11401,"16,627":11402,"16,628":11403,"16,629":11404,"16,630":11405,"16,631":11406,"16,632":11407,"16,633":11408,"16,634":11409,"16,635":11410,"16,636":11411,"16,637":11412,"16,638":11413,"16,639":11414,"16,640":11415,"16,641":11416,"16,642":11417,"16,643":11418,"16,644":11419,"16,645":11420,"16,646":11421,"16,647":11422,"16,648":11423,"17,5":11424,"17,6":11425,"17,7":11426,"17,8":11427,"17,9":11428,"17,10":11429,"17,11":11430,"17,12":11431,"17,13":11432,"17,14":11433,"17,15":11434,"17,16":11435,"17,17":11436,"17,18":11437,"17,19":11438,"17,20":11439,"17,21":11440,"17,22":11441,"17,23":11442,"17,24":11443,"17,25":11444,"17,26":11445,"17,27":11446,"17,28":11447,"17,29":11448,"17,30":11449,"17,31":11450,"17,32":11451,"17,33":11452,"17,34":11453,"17,35":11454,"17,36":11455,"17,37":11456,"17,38":11457,"17,39":11458,"17,40":11459,"17,41":11460,"17,42":11461,"17,43":11462,"17,44":11463,"17,45":11464,"17,46":11465,"17,47":11466,"17,48":11467,"17,49":11468,"17,50":11469,"17,51":11470,"17,52":11471,"17,53":11472,"17,54":11473,"17,55":11474,"17,56":11475,"17,57":11476,"17,58":11477,"17,59":11478,"17,60":11479,"17,61":11480,"17,62":11481,"17,63":11482,"17,64":11483,"17,65":11484,"17,66":11485,"17,67":11486,"17,68":11487,"17,69":11488,"17,70":11489,"17,71":11490,"17,72":11491,"17,73":11492,"17,74":11493,"17,75":11494,"17,76":11495,"17,77":11496,"17,78":11497,"17,79":11498,"17,80":11499,"17,81":11500,"17,82":11501,"17,83":11502,"17,84":11503,"17,85":11504,"17,86":11505,"17,87":11506,"17,88":11507,"17,89":11508,"17,90":11509,"17,91":11510,"17,92":11511,"17,93":11512,"17,94":11513,"17,95":11514,"17,96":11515,"17,97":11516,"17,98":11517,"17,99":11518,"17,100":11519,"17,101":11520,"17,102":11521,"17,103":11522,"17,104":11523,"17,105":11524,"17,106":11525,"17,107":11526,"17,108":11527,"17,109":11528,"17,110":11529,"17,111":11530,"17,112":11531,"17,113":11532,"17,114":11533,"17,115":11534,"17,116":11535,"17,117":11536,"17,118":11537,"17,119":11538,"17,120":11539,"17,121":11540,"17,122":11541,"17,123":11542,"17,124":11543,"17,125":11544,"17,126":11545,"17,127":11546,"17,128":11547,"17,129":11548,"17,130":11549,"17,131":11550,"17,132":11551,"17,133":11552,"17,134":11553,"17,135":11554,"17,136":11555,"17,137":11556,"17,138":11557,"17,139":11558,"17,140":11559,"17,141":11560,"17,142":11561,"17,143":11562,"17,144":11563,"17,145":11564,"17,146":11565,"17,147":11566,"17,148":11567,"17,149":11568,"17,150":11569,"17,151":11570,"17,152":11571,"17,153":11572,"17,154":11573,"17,155":11574,"17,156":11575,"17,157":11576,"17,158":11577,"17,159":11578,"17,160":11579,"17,161":11580,"17,162":11581,"17,163":11582,"17,164":11583,"17,165":11584,"17,166":11585,"17,167":11586,"17,168":11587,"17,169":11588,"17,170":11589,"17,171":11590,"17,172":11591,"17,173":11592,"17,174":11593,"17,175":11594,"17,176":11595,"17,177":11596,"17,178":11597,"17,179":11598,"17,180":11599,"17,181":11600,"17,182":11601,"17,183":11602,"17,184":11603,"17,185":11604,"17,186":11605,"17,187":11606,"17,188":11607,"17,189":11608,"17,190":11609,"17,191":11610,"17,192":11611,"17,193":11612,"17,194":11613,"17,195":11614,"17,196":11615,"17,197":11616,"17,198":11617,"17,199":11618,"17,200":11619,"17,201":11620,"17,202":11621,"17,203":11622,"17,204":11623,"17,205":11624,"17,206":11625,"17,207":11626,"17,208":11627,"17,209":11628,"17,210":11629,"17,211":11630,"17,212":11631,"17,213":11632,"17,214":11633,"17,215":11634,"17,216":11635,"17,217":11636,"17,218":11637,"17,219":11638,"17,220":11639,"17,221":11640,"17,222":11641,"17,223":11642,"17,224":11643,"17,225":11644,"17,226":11645,"17,227":11646,"17,228":11647,"17,229":11648,"17,230":11649,"17,231":11650,"17,232":11651,"17,233":11652,"17,234":11653,"17,235":11654,"17,236":11655,"17,237":11656,"17,238":11657,"17,239":11658,"17,240":11659,"17,241":11660,"17,242":11661,"17,243":11662,"17,244":11663,"17,245":11664,"17,246":11665,"17,247":11666,"17,248":11667,"17,249":11668,"17,250":11669,"17,251":11670,"17,252":11671,"17,253":11672,"17,254":11673,"17,255":11674,"17,256":11675,"17,257":11676,"17,258":11677,"17,259":11678,"17,260":11679,"17,261":11680,"17,262":11681,"17,263":11682,"17,264":11683,"17,265":11684,"17,266":11685,"17,267":11686,"17,268":11687,"17,269":11688,"17,270":11689,"17,271":11690,"17,272":11691,"17,273":11692,"17,274":11693,"17,275":11694,"17,276":11695,"17,277":11696,"17,278":11697,"17,279":11698,"17,280":11699,"17,281":11700,"17,282":11701,"17,283":11702,"17,284":11703,"17,285":11704,"17,286":11705,"17,287":11706,"17,288":11707,"17,289":11708,"17,290":11709,"17,291":11710,"17,292":11711,"17,293":11712,"17,294":11713,"17,295":11714,"17,296":11715,"17,297":11716,"17,298":11717,"17,299":11718,"17,300":11719,"17,301":11720,"17,302":11721,"17,303":11722,"17,304":11723,"17,305":11724,"17,306":11725,"17,307":11726,"17,308":11727,"17,309":11728,"17,310":11729,"17,311":11730,"17,312":11731,"17,313":11732,"17,314":11733,"17,315":11734,"17,316":11735,"17,317":11736,"17,318":11737,"17,319":11738,"17,320":11739,"17,321":11740,"17,322":11741,"17,323":11742,"17,324":11743,"17,325":11744,"17,326":11745,"17,327":11746,"17,328":11747,"17,329":11748,"17,330":11749,"17,331":11750,"17,332":11751,"17,333":11752,"17,334":11753,"17,335":11754,"17,336":11755,"17,337":11756,"17,338":11757,"17,339":11758,"17,340":11759,"17,341":11760,"17,342":11761,"17,343":11762,"17,344":11763,"17,345":11764,"17,346":11765,"17,347":11766,"17,348":11767,"17,349":11768,"17,350":11769,"17,351":11770,"17,352":11771,"17,353":11772,"17,354":11773,"17,355":11774,"17,356":11775,"17,357":11776,"17,358":11777,"17,359":11778,"17,360":11779,"17,361":11780,"17,362":11781,"17,363":11782,"17,364":11783,"17,365":11784,"17,366":11785,"17,367":11786,"17,368":11787,"17,369":11788,"17,370":11789,"17,371":11790,"17,372":11791,"17,373":11792,"17,374":11793,"17,375":11794,"17,376":11795,"17,377":11796,"17,378":11797,"17,379":11798,"17,380":11799,"17,381":11800,"17,382":11801,"17,383":11802,"17,384":11803,"17,385":11804,"17,386":11805,"17,387":11806,"17,388":11807,"17,389":11808,"17,390":11809,"17,391":11810,"17,392":11811,"17,393":11812,"17,394":11813,"17,395":11814,"17,396":11815,"17,397":11816,"17,398":11817,"17,399":11818,"17,400":11819,"17,401":11820,"17,402":11821,"17,403":11822,"17,404":11823,"17,405":11824,"17,406":11825,"17,407":11826,"17,408":11827,"17,409":11828,"17,410":11829,"17,411":11830,"17,412":11831,"17,413":11832,"17,414":11833,"17,415":11834,"17,416":11835,"17,417":11836,"17,418":11837,"17,419":11838,"17,420":11839,"17,421":11840,"17,422":11841,"17,423":11842,"17,424":11843,"17,425":11844,"17,426":11845,"17,427":11846,"17,428":11847,"17,429":11848,"17,430":11849,"17,431":11850,"17,432":11851,"17,433":11852,"17,434":11853,"17,435":11854,"17,436":11855,"17,437":11856,"17,438":11857,"17,439":11858,"17,440":11859,"17,441":11860,"17,442":11861,"17,443":11862,"17,444":11863,"17,445":11864,"17,446":11865,"17,447":11866,"17,448":11867,"17,449":11868,"17,450":11869,"17,451":11870,"17,452":11871,"17,453":11872,"17,454":11873,"17,455":11874,"17,456":11875,"17,457":11876,"17,458":11877,"17,459":11878,"17,460":11879,"17,461":11880,"17,462":11881,"17,463":11882,"17,464":11883,"17,465":11884,"17,466":11885,"17,467":11886,"17,468":11887,"17,469":11888,"17,470":11889,"17,471":11890,"17,472":11891,"17,473":11892,"17,474":11893,"17,475":11894,"17,476":11895,"17,477":11896,"17,478":11897,"17,479":11898,"17,480":11899,"17,481":11900,"17,482":11901,"17,483":11902,"17,484":11903,"17,485":11904,"17,486":11905,"17,487":11906,"17,488":11907,"17,489":11908,"17,490":11909,"17,491":11910,"17,492":11911,"17,493":11912,"17,494":11913,"17,495":11914,"17,496":11915,"17,497":11916,"17,498":11917,"17,499":11918,"17,500":11919,"17,501":11920,"17,502":11921,"17,503":11922,"17,504":11923,"17,505":11924,"17,506":11925,"17,507":11926,"17,508":11927,"17,509":11928,"17,510":11929,"17,511":11930,"17,512":11931,"17,513":11932,"17,514":11933,"17,515":11934,"17,516":11935,"17,517":11936,"17,518":11937,"17,519":11938,"17,520":11939,"17,521":11940,"17,522":11941,"17,523":11942,"17,524":11943,"17,525":11944,"17,526":11945,"17,527":11946,"17,528":11947,"17,529":11948,"17,530":11949,"17,531":11950,"17,532":11951,"17,533":11952,"17,534":11953,"17,535":11954,"17,536":11955,"17,537":11956,"17,538":11957,"17,539":11958,"17,540":11959,"17,541":11960,"17,542":11961,"17,543":11962,"17,544":11963,"17,545":11964,"17,546":11965,"17,547":11966,"17,548":11967,"17,549":11968,"17,550":11969,"17,551":11970,"17,552":11971,"17,553":11972,"17,554":11973,"17,555":11974,"17,556":11975,"17,557":11976,"17,558":11977,"17,559":11978,"17,560":11979,"17,561":11980,"17,562":11981,"17,563":11982,"17,564":11983,"17,565":11984,"17,566":11985,"17,567":11986,"17,568":11987,"17,569":11988,"17,570":11989,"17,571":11990,"17,572":11991,"17,573":11992,"17,574":11993,"17,575":11994,"17,576":11995,"17,577":11996,"17,578":11997,"17,579":11998,"17,580":11999,"17,581":12000,"17,582":12001,"17,583":12002,"17,584":12003,"17,585":12004,"17,586":12005,"17,587":12006,"17,588":12007,"17,589":12008,"17,590":12009,"17,591":12010,"17,592":12011,"17,593":12012,"17,594":12013,"17,595":12014,"17,596":12015,"17,597":12016,"17,598":12017,"17,599":12018,"17,600":12019,"17,601":12020,"17,602":12021,"17,603":12022,"17,604":12023,"17,605":12024,"17,606":12025,"17,607":12026,"17,608":12027,"17,609":12028,"17,610":12029,"17,611":12030,"17,612":12031,"17,613":12032,"17,614":12033,"17,615":12034,"17,616":12035,"17,617":12036,"17,618":12037,"17,619":12038,"17,620":12039,"17,621":12040,"17,622":12041,"17,623":12042,"17,624":12043,"17,625":12044,"17,626":12045,"17,627":12046,"17,628":12047,"17,629":12048,"17,630":12049,"17,631":12050,"17,632":12051,"17,633":12052,"17,634":12053,"17,635":12054,"17,636":12055,"17,637":12056,"17,638":12057,"17,639":12058,"17,640":12059,"17,641":12060,"17,642":12061,"17,643":12062,"17,644":12063,"17,645":12064,"17,646":12065,"17,647":12066,"17,648":12067,"17,649":12068,"17,650":12069,"17,651":12070,"17,652":12071,"17,653":12072,"17,654":12073,"17,655":12074,"17,656":12075,"17,657":12076,"17,658":12077,"17,659":12078,"17,660":12079,"17,661":12080,"17,662":12081,"17,663":12082,"17,664":12083,"17,665":12084,"17,666":12085,"17,667":12086,"17,668":12087,"17,669":12088,"17,670":12089,"17,671":12090,"17,672":12091,"17,673":12092,"17,674":12093,"17,675":12094,"17,676":12095,"17,677":12096,"17,678":12097,"17,679":12098,"17,680":12099,"17,681":12100,"17,682":12101,"17,683":12102,"18,5":12103,"18,6":12104,"18,7":12105,"18,8":12106,"18,9":12107,"18,10":12108,"18,11":12109,"18,12":12110,"18,13":12111,"18,14":12112,"18,15":12113,"18,16":12114,"18,17":12115,"18,18":12116,"18,19":12117,"18,20":12118,"18,21":12119,"18,22":12120,"18,23":12121,"18,24":12122,"18,25":12123,"18,26":12124,"18,27":12125,"18,28":12126,"18,29":12127,"18,30":12128,"18,31":12129,"18,32":12130,"18,33":12131,"18,34":12132,"18,35":12133,"18,36":12134,"18,37":12135,"18,38":12136,"18,39":12137,"18,40":12138,"18,41":12139,"18,42":12140,"18,43":12141,"18,44":12142,"18,45":12143,"18,46":12144,"18,47":12145,"18,48":12146,"18,49":12147,"18,50":12148,"18,51":12149,"18,52":12150,"18,53":12151,"18,54":12152,"18,55":12153,"18,56":12154,"18,57":12155,"18,58":12156,"18,59":12157,"18,60":12158,"18,61":12159,"18,62":12160,"18,63":12161,"18,64":12162,"18,65":12163,"18,66":12164,"18,67":12165,"18,68":12166,"18,69":12167,"18,70":12168,"18,71":12169,"18,72":12170,"18,73":12171,"18,74":12172,"18,75":12173,"18,76":12174,"18,77":12175,"18,78":12176,"18,79":12177,"18,80":12178,"18,81":12179,"18,82":12180,"18,83":12181,"18,84":12182,"18,85":12183,"18,86":12184,"18,87":12185,"18,88":12186,"18,89":12187,"18,90":12188,"18,91":12189,"18,92":12190,"18,93":12191,"18,94":12192,"18,95":12193,"18,96":12194,"18,97":12195,"18,98":12196,"18,99":12197,"18,100":12198,"18,101":12199,"18,102":12200,"18,103":12201,"18,104":12202,"18,105":12203,"18,106":12204,"18,107":12205,"18,108":12206,"18,109":12207,"18,110":12208,"18,111":12209,"18,112":12210,"18,113":12211,"18,114":12212,"18,115":12213,"18,116":12214,"18,117":12215,"18,118":12216,"18,119":12217,"18,120":12218,"18,121":12219,"18,122":12220,"18,123":12221,"18,124":12222,"18,125":12223,"18,126":12224,"18,127":12225,"18,128":12226,"18,129":12227,"18,130":12228,"18,131":12229,"18,132":12230,"18,133":12231,"18,134":12232,"18,135":12233,"18,136":12234,"18,137":12235,"18,138":12236,"18,139":12237,"18,140":12238,"18,141":12239,"18,142":12240,"18,143":12241,"18,144":12242,"18,145":12243,"18,146":12244,"18,147":12245,"18,148":12246,"18,149":12247,"18,150":12248,"18,151":12249,"18,152":12250,"18,153":12251,"18,154":12252,"18,155":12253,"18,156":12254,"18,157":12255,"18,158":12256,"18,159":12257,"18,160":12258,"18,161":12259,"18,162":12260,"18,163":12261,"18,164":12262,"18,165":12263,"18,166":12264,"18,167":12265,"18,168":12266,"18,169":12267,"18,170":12268,"18,171":12269,"18,172":12270,"18,173":12271,"18,174":12272,"18,175":12273,"18,176":12274,"18,177":12275,"18,178":12276,"18,179":12277,"18,180":12278,"18,181":12279,"18,182":12280,"18,183":12281,"18,184":12282,"18,185":12283,"18,186":12284,"18,187":12285,"18,188":12286,"18,189":12287,"18,190":12288,"18,191":12289,"18,192":12290,"18,193":12291,"18,194":12292,"18,195":12293,"18,196":12294,"18,197":12295,"18,198":12296,"18,199":12297,"18,200":12298,"18,201":12299,"18,202":12300,"18,203":12301,"18,204":12302,"18,205":12303,"18,206":12304,"18,207":12305,"18,208":12306,"18,209":12307,"18,210":12308,"18,211":12309,"18,212":12310,"18,213":12311,"18,214":12312,"18,215":12313,"18,216":12314,"18,217":12315,"18,218":12316,"18,219":12317,"18,220":12318,"18,221":12319,"18,222":12320,"18,223":12321,"18,224":12322,"18,225":12323,"18,226":12324,"18,227":12325,"18,228":12326,"18,229":12327,"18,230":12328,"18,231":12329,"18,232":12330,"18,233":12331,"18,234":12332,"18,235":12333,"18,236":12334,"18,237":12335,"18,238":12336,"18,239":12337,"18,240":12338,"18,241":12339,"18,242":12340,"18,243":12341,"18,244":12342,"18,245":12343,"18,246":12344,"18,247":12345,"18,248":12346,"18,249":12347,"18,250":12348,"18,251":12349,"18,252":12350,"18,253":12351,"18,254":12352,"18,255":12353,"18,256":12354,"18,257":12355,"18,258":12356,"18,259":12357,"18,260":12358,"18,261":12359,"18,262":12360,"18,263":12361,"18,264":12362,"18,265":12363,"18,266":12364,"18,267":12365,"18,268":12366,"18,269":12367,"18,270":12368,"18,271":12369,"18,272":12370,"18,273":12371,"18,274":12372,"18,275":12373,"18,276":12374,"18,277":12375,"18,278":12376,"18,279":12377,"18,280":12378,"18,281":12379,"18,282":12380,"18,283":12381,"18,284":12382,"18,285":12383,"18,286":12384,"18,287":12385,"18,288":12386,"18,289":12387,"18,290":12388,"18,291":12389,"18,292":12390,"18,293":12391,"18,294":12392,"18,295":12393,"18,296":12394,"18,297":12395,"18,298":12396,"18,299":12397,"18,300":12398,"18,301":12399,"18,302":12400,"18,303":12401,"18,304":12402,"18,305":12403,"18,306":12404,"18,307":12405,"18,308":12406,"18,309":12407,"18,310":12408,"18,311":12409,"18,312":12410,"18,313":12411,"18,314":12412,"18,315":12413,"18,316":12414,"18,317":12415,"18,318":12416,"18,319":12417,"18,320":12418,"18,321":12419,"18,322":12420,"18,323":12421,"18,324":12422,"18,325":12423,"18,326":12424,"18,327":12425,"18,328":12426,"18,329":12427,"18,330":12428,"18,331":12429,"18,332":12430,"18,333":12431,"18,334":12432,"18,335":12433,"18,336":12434,"18,337":12435,"18,338":12436,"18,339":12437,"18,340":12438,"18,341":12439,"18,342":12440,"18,343":12441,"18,344":12442,"18,345":12443,"18,346":12444,"18,347":12445,"18,348":12446,"18,349":12447,"18,350":12448,"18,351":12449,"18,352":12450,"18,353":12451,"18,354":12452,"18,355":12453,"18,356":12454,"18,357":12455,"18,358":12456,"18,359":12457,"18,360":12458,"18,361":12459,"18,362":12460,"18,363":12461,"18,364":12462,"18,365":12463,"18,366":12464,"18,367":12465,"18,368":12466,"18,369":12467,"18,370":12468,"18,371":12469,"18,372":12470,"18,373":12471,"18,374":12472,"18,375":12473,"18,376":12474,"18,377":12475,"18,378":12476,"18,379":12477,"18,380":12478,"18,381":12479,"18,382":12480,"18,383":12481,"18,384":12482,"18,385":12483,"18,386":12484,"18,387":12485,"18,388":12486,"18,389":12487,"18,390":12488,"18,391":12489,"18,392":12490,"18,393":12491,"18,394":12492,"18,395":12493,"18,396":12494,"18,397":12495,"18,398":12496,"18,399":12497,"18,400":12498,"18,401":12499,"18,402":12500,"18,403":12501,"18,404":12502,"18,405":12503,"18,406":12504,"18,407":12505,"18,408":12506,"18,409":12507,"18,410":12508,"18,411":12509,"18,412":12510,"18,413":12511,"18,414":12512,"18,415":12513,"18,416":12514,"18,417":12515,"18,418":12516,"18,419":12517,"18,420":12518,"18,421":12519,"18,422":12520,"18,423":12521,"18,424":12522,"18,425":12523,"18,426":12524,"18,427":12525,"18,428":12526,"18,429":12527,"18,430":12528,"18,431":12529,"18,432":12530,"18,433":12531,"18,434":12532,"18,435":12533,"18,436":12534,"18,437":12535,"18,438":12536,"18,439":12537,"18,440":12538,"18,441":12539,"18,442":12540,"18,443":12541,"18,444":12542,"18,445":12543,"18,446":12544,"18,447":12545,"18,448":12546,"18,449":12547,"18,450":12548,"18,451":12549,"18,452":12550,"18,453":12551,"18,454":12552,"18,455":12553,"18,456":12554,"18,457":12555,"18,458":12556,"18,459":12557,"18,460":12558,"18,461":12559,"18,462":12560,"18,463":12561,"18,464":12562,"18,465":12563,"18,466":12564,"18,467":12565,"18,468":12566,"18,469":12567,"18,470":12568,"18,471":12569,"18,472":12570,"18,473":12571,"18,474":12572,"18,475":12573,"18,476":12574,"18,477":12575,"18,478":12576,"18,479":12577,"18,480":12578,"18,481":12579,"18,482":12580,"18,483":12581,"18,484":12582,"18,485":12583,"18,486":12584,"18,487":12585,"18,488":12586,"18,489":12587,"18,490":12588,"18,491":12589,"18,492":12590,"18,493":12591,"18,494":12592,"18,495":12593,"18,496":12594,"18,497":12595,"18,498":12596,"18,499":12597,"18,500":12598,"18,501":12599,"18,502":12600,"18,503":12601,"18,504":12602,"18,505":12603,"18,506":12604,"18,507":12605,"18,508":12606,"18,509":12607,"18,510":12608,"18,511":12609,"18,512":12610,"18,513":12611,"18,514":12612,"18,515":12613,"18,516":12614,"18,517":12615,"18,518":12616,"18,519":12617,"18,520":12618,"18,521":12619,"18,522":12620,"18,523":12621,"18,524":12622,"18,525":12623,"18,526":12624,"18,527":12625,"18,528":12626,"18,529":12627,"18,530":12628,"18,531":12629,"18,532":12630,"18,533":12631,"18,534":12632,"18,535":12633,"18,536":12634,"18,537":12635,"18,538":12636,"18,539":12637,"18,540":12638,"18,541":12639,"18,542":12640,"18,543":12641,"18,544":12642,"18,545":12643,"18,546":12644,"18,547":12645,"18,548":12646,"18,549":12647,"18,550":12648,"18,551":12649,"18,552":12650,"18,553":12651,"18,554":12652,"18,555":12653,"18,556":12654,"18,557":12655,"18,558":12656,"18,559":12657,"18,560":12658,"18,561":12659,"18,562":12660,"18,563":12661,"18,564":12662,"18,565":12663,"18,566":12664,"18,567":12665,"18,568":12666,"18,569":12667,"18,570":12668,"18,571":12669,"18,572":12670,"18,573":12671,"18,574":12672,"18,575":12673,"18,576":12674,"18,577":12675,"18,578":12676,"18,579":12677,"18,580":12678,"18,581":12679,"18,582":12680,"18,583":12681,"18,584":12682,"18,585":12683,"18,586":12684,"18,587":12685,"18,588":12686,"18,589":12687,"18,590":12688,"18,591":12689,"18,592":12690,"18,593":12691,"18,594":12692,"18,595":12693,"18,596":12694,"18,597":12695,"18,598":12696,"18,599":12697,"18,600":12698,"18,601":12699,"18,602":12700,"18,603":12701,"18,604":12702,"18,605":12703,"18,606":12704,"18,607":12705,"18,608":12706,"18,609":12707,"18,610":12708,"18,611":12709,"18,612":12710,"18,613":12711,"18,614":12712,"18,615":12713,"18,616":12714,"18,617":12715,"18,618":12716,"18,619":12717,"18,620":12718,"18,621":12719,"18,622":12720,"18,623":12721,"18,624":12722,"18,625":12723,"18,626":12724,"18,627":12725,"18,628":12726,"18,629":12727,"18,630":12728,"18,631":12729,"18,632":12730,"18,633":12731,"18,634":12732,"18,635":12733,"18,636":12734,"18,637":12735,"18,638":12736,"18,639":12737,"18,640":12738,"18,641":12739,"18,642":12740,"18,643":12741,"18,644":12742,"18,645":12743,"18,646":12744,"19,5":12745,"19,6":12746,"19,7":12747,"19,8":12748,"19,9":12749,"19,10":12750,"19,11":12751,"19,12":12752,"19,13":12753,"19,14":12754,"19,15":12755,"19,16":12756,"19,17":12757,"19,18":12758,"19,19":12759,"19,20":12760,"19,21":12761,"19,22":12762,"19,23":12763,"19,24":12764,"19,25":12765,"19,26":12766,"19,27":12767,"19,28":12768,"19,29":12769,"19,30":12770,"19,31":12771,"19,32":12772,"19,33":12773,"19,34":12774,"19,35":12775,"19,36":12776,"19,37":12777,"19,38":12778,"19,39":12779,"19,40":12780,"19,41":12781,"19,42":12782,"19,43":12783,"19,44":12784,"19,45":12785,"19,46":12786,"19,47":12787,"19,48":12788,"19,49":12789,"19,50":12790,"19,51":12791,"19,52":12792,"19,53":12793,"19,54":12794,"19,55":12795,"19,56":12796,"19,57":12797,"19,58":12798,"19,59":12799,"19,60":12800,"19,61":12801,"19,62":12802,"19,63":12803,"19,64":12804,"19,65":12805,"19,66":12806,"19,67":12807,"19,68":12808,"19,69":12809,"19,70":12810,"19,71":12811,"19,72":12812,"19,73":12813,"19,74":12814,"19,75":12815,"19,76":12816,"19,77":12817,"19,78":12818,"19,79":12819,"19,80":12820,"19,81":12821,"19,82":12822,"19,83":12823,"19,84":12824,"19,85":12825,"19,86":12826,"19,87":12827,"19,88":12828,"19,89":12829,"19,90":12830,"19,91":12831,"19,92":12832,"19,93":12833,"19,94":12834,"19,95":12835,"19,96":12836,"19,97":12837,"19,98":12838,"19,99":12839,"19,100":12840,"19,101":12841,"19,102":12842,"19,103":12843,"19,104":12844,"19,105":12845,"19,106":12846,"19,107":12847,"19,108":12848,"19,109":12849,"19,110":12850,"19,111":12851,"19,112":12852,"19,113":12853,"19,114":12854,"19,115":12855,"19,116":12856,"19,117":12857,"19,118":12858,"19,119":12859,"19,120":12860,"19,121":12861,"19,122":12862,"19,123":12863,"19,124":12864,"19,125":12865,"19,126":12866,"19,127":12867,"19,128":12868,"19,129":12869,"19,130":12870,"19,131":12871,"19,132":12872,"19,133":12873,"19,134":12874,"19,135":12875,"19,136":12876,"19,137":12877,"19,138":12878,"19,139":12879,"19,140":12880,"19,141":12881,"19,142":12882,"19,143":12883,"19,144":12884,"19,145":12885,"19,146":12886,"19,147":12887,"19,148":12888,"19,149":12889,"19,150":12890,"19,151":12891,"19,152":12892,"19,153":12893,"19,154":12894,"19,155":12895,"19,156":12896,"19,157":12897,"19,158":12898,"19,159":12899,"19,160":12900,"19,161":12901,"19,162":12902,"19,163":12903,"19,164":12904,"19,165":12905,"19,166":12906,"19,167":12907,"19,168":12908,"19,169":12909,"19,170":12910,"19,171":12911,"19,172":12912,"19,173":12913,"19,174":12914,"19,175":12915,"19,176":12916,"19,177":12917,"19,178":12918,"19,179":12919,"19,180":12920,"19,181":12921,"19,182":12922,"19,183":12923,"19,184":12924,"19,185":12925,"19,186":12926,"19,187":12927,"19,188":12928,"19,189":12929,"19,190":12930,"19,191":12931,"19,192":12932,"19,193":12933,"19,194":12934,"19,195":12935,"19,196":12936,"19,197":12937,"19,198":12938,"19,199":12939,"19,200":12940,"19,201":12941,"19,202":12942,"19,203":12943,"19,204":12944,"19,205":12945,"19,206":12946,"19,207":12947,"19,208":12948,"19,209":12949,"19,210":12950,"19,211":12951,"19,212":12952,"19,213":12953,"19,214":12954,"19,215":12955,"19,216":12956,"19,217":12957,"19,218":12958,"19,219":12959,"19,220":12960,"19,221":12961,"19,222":12962,"19,223":12963,"19,224":12964,"19,225":12965,"19,226":12966,"19,227":12967,"19,228":12968,"19,229":12969,"19,230":12970,"19,231":12971,"19,232":12972,"19,233":12973,"19,234":12974,"19,235":12975,"19,236":12976,"19,237":12977,"19,238":12978,"19,239":12979,"19,240":12980,"19,241":12981,"19,242":12982,"19,243":12983,"19,244":12984,"19,245":12985,"19,246":12986,"19,247":12987,"19,248":12988,"19,249":12989,"19,250":12990,"19,251":12991,"19,252":12992,"19,253":12993,"19,254":12994,"19,255":12995,"19,256":12996,"19,257":12997,"19,258":12998,"19,259":12999,"19,260":13000,"19,261":13001,"19,262":13002,"19,263":13003,"19,264":13004,"19,265":13005,"19,266":13006,"19,267":13007,"19,268":13008,"19,269":13009,"19,270":13010,"19,271":13011,"19,272":13012,"19,273":13013,"19,274":13014,"19,275":13015,"19,276":13016,"19,277":13017,"19,278":13018,"19,279":13019,"19,280":13020,"19,281":13021,"19,282":13022,"19,283":13023,"19,284":13024,"19,285":13025,"19,286":13026,"19,287":13027,"19,288":13028,"19,289":13029,"19,290":13030,"19,291":13031,"19,292":13032,"19,293":13033,"19,294":13034,"19,295":13035,"19,296":13036,"19,297":13037,"19,298":13038,"19,299":13039,"19,300":13040,"19,301":13041,"19,302":13042,"19,303":13043,"19,304":13044,"19,305":13045,"19,306":13046,"19,307":13047,"19,308":13048,"19,309":13049,"19,310":13050,"19,311":13051,"19,312":13052,"19,313":13053,"19,314":13054,"19,315":13055,"19,316":13056,"19,317":13057,"19,318":13058,"19,319":13059,"19,320":13060,"19,321":13061,"19,322":13062,"19,323":13063,"19,324":13064,"19,325":13065,"19,326":13066,"19,327":13067,"19,328":13068,"19,329":13069,"19,330":13070,"19,331":13071,"19,332":13072,"19,333":13073,"19,334":13074,"19,335":13075,"19,336":13076,"19,337":13077,"19,338":13078,"19,339":13079,"19,340":13080,"19,341":13081,"19,342":13082,"19,343":13083,"19,344":13084,"19,345":13085,"19,346":13086,"19,347":13087,"19,348":13088,"19,349":13089,"19,350":13090,"19,351":13091,"19,352":13092,"19,353":13093,"19,354":13094,"19,355":13095,"19,356":13096,"19,357":13097,"19,358":13098,"19,359":13099,"19,360":13100,"19,361":13101,"19,362":13102,"19,363":13103,"19,364":13104,"19,365":13105,"19,366":13106,"19,367":13107,"19,368":13108,"19,369":13109,"19,370":13110,"19,371":13111,"19,372":13112,"19,373":13113,"19,374":13114,"19,375":13115,"19,376":13116,"19,377":13117,"19,378":13118,"19,379":13119,"19,380":13120,"19,381":13121,"19,382":13122,"19,383":13123,"19,384":13124,"19,385":13125,"19,386":13126,"19,387":13127,"19,388":13128,"19,389":13129,"19,390":13130,"19,391":13131,"19,392":13132,"19,393":13133,"19,394":13134,"19,395":13135,"19,396":13136,"19,397":13137,"19,398":13138,"19,399":13139,"19,400":13140,"19,401":13141,"19,402":13142,"19,403":13143,"19,404":13144,"19,405":13145,"19,406":13146,"19,407":13147,"19,408":13148,"19,409":13149,"19,410":13150,"19,411":13151,"19,412":13152,"19,413":13153,"19,414":13154,"19,415":13155,"19,416":13156,"19,417":13157,"19,418":13158,"19,419":13159,"19,420":13160,"19,421":13161,"19,422":13162,"19,423":13163,"19,424":13164,"19,425":13165,"19,426":13166,"19,427":13167,"19,428":13168,"19,429":13169,"19,430":13170,"19,431":13171,"19,432":13172,"19,433":13173,"19,434":13174,"19,435":13175,"19,436":13176,"19,437":13177,"19,438":13178,"19,439":13179,"19,440":13180,"19,441":13181,"19,442":13182,"19,443":13183,"19,444":13184,"19,445":13185,"19,446":13186,"19,447":13187,"19,448":13188,"19,449":13189,"19,450":13190,"19,451":13191,"19,452":13192,"19,453":13193,"19,454":13194,"19,455":13195,"19,456":13196,"19,457":13197,"19,458":13198,"19,459":13199,"19,460":13200,"19,461":13201,"19,462":13202,"19,463":13203,"19,464":13204,"19,465":13205,"19,466":13206,"19,467":13207,"19,468":13208,"19,469":13209,"19,470":13210,"19,471":13211,"19,472":13212,"19,473":13213,"19,474":13214,"19,475":13215,"19,476":13216,"19,477":13217,"19,478":13218,"19,479":13219,"19,480":13220,"19,481":13221,"19,482":13222,"19,483":13223,"19,484":13224,"19,485":13225,"19,486":13226,"19,487":13227,"19,488":13228,"19,489":13229,"19,490":13230,"19,491":13231,"19,492":13232,"19,493":13233,"19,494":13234,"19,495":13235,"19,496":13236,"19,497":13237,"19,498":13238,"19,499":13239,"19,500":13240,"19,501":13241,"19,502":13242,"19,503":13243,"19,504":13244,"19,505":13245,"19,506":13246,"19,507":13247,"19,508":13248,"19,509":13249,"19,510":13250,"19,511":13251,"19,512":13252,"19,513":13253,"19,514":13254,"19,515":13255,"19,516":13256,"19,517":13257,"19,518":13258,"19,519":13259,"19,520":13260,"19,521":13261,"19,522":13262,"19,523":13263,"19,524":13264,"19,525":13265,"19,526":13266,"19,527":13267,"19,528":13268,"19,529":13269,"19,530":13270,"19,531":13271,"19,532":13272,"19,533":13273,"19,534":13274,"19,535":13275,"19,536":13276,"19,537":13277,"19,538":13278,"19,539":13279,"19,540":13280,"19,541":13281,"19,542":13282,"19,543":13283,"19,544":13284,"19,545":13285,"19,546":13286,"19,547":13287,"19,548":13288,"19,549":13289,"19,550":13290,"19,551":13291,"19,552":13292,"19,553":13293,"19,554":13294,"19,555":13295,"19,556":13296,"19,557":13297,"19,558":13298,"19,559":13299,"19,560":13300,"19,561":13301,"19,562":13302,"19,563":13303,"19,564":13304,"19,565":13305,"19,566":13306,"19,567":13307,"19,568":13308,"19,569":13309,"19,570":13310,"19,571":13311,"19,572":13312,"19,573":13313,"19,574":13314,"19,575":13315,"19,576":13316,"19,577":13317,"19,578":13318,"19,579":13319,"19,580":13320,"19,581":13321,"19,582":13322,"19,583":13323,"19,584":13324,"19,585":13325,"19,586":13326,"19,587":13327,"19,588":13328,"19,589":13329,"19,590":13330,"19,591":13331,"19,592":13332,"19,593":13333,"19,594":13334,"19,595":13335,"19,596":13336,"19,597":13337,"19,598":13338,"19,599":13339,"19,600":13340,"19,601":13341,"19,602":13342,"19,603":13343,"19,604":13344,"19,605":13345,"19,606":13346,"19,607":13347,"19,608":13348,"19,609":13349,"19,610":13350,"19,611":13351,"19,612":13352,"19,613":13353,"19,614":13354,"19,615":13355,"19,616":13356,"19,617":13357,"19,618":13358,"19,619":13359,"19,620":13360,"19,621":13361,"19,622":13362,"19,623":13363,"19,624":13364,"19,625":13365,"19,626":13366,"19,627":13367,"19,628":13368,"19,629":13369,"19,630":13370,"19,631":13371,"19,632":13372,"19,633":13373,"19,634":13374,"19,635":13375,"19,636":13376,"19,637":13377,"19,638":13378,"19,639":13379,"19,640":13380,"19,641":13381,"19,642":13382,"19,643":13383,"19,644":13384,"19,645":13385,"19,646":13386,"19,647":13387,"19,648":13388,"19,649":13389,"19,650":13390,"19,651":13391,"19,652":13392,"19,653":13393,"19,654":13394,"19,655":13395,"19,656":13396,"19,657":13397,"19,658":13398,"19,659":13399,"19,660":13400,"19,661":13401,"19,662":13402,"20,5":13403,"20,6":13404,"20,7":13405,"20,8":13406,"20,9":13407,"20,10":13408,"20,11":13409,"20,12":13410,"20,13":13411,"20,14":13412,"20,15":13413,"20,16":13414,"20,17":13415,"20,18":13416,"20,19":13417,"20,20":13418,"20,21":13419,"20,22":13420,"20,23":13421,"20,24":13422,"20,25":13423,"20,26":13424,"20,27":13425,"20,28":13426,"20,29":13427,"20,30":13428,"20,31":13429,"20,32":13430,"20,33":13431,"20,34":13432,"20,35":13433,"20,36":13434,"20,37":13435,"20,38":13436,"20,39":13437,"20,40":13438,"20,41":13439,"20,42":13440,"20,43":13441,"20,44":13442,"20,45":13443,"20,46":13444,"20,47":13445,"20,48":13446,"20,49":13447,"20,50":13448,"20,51":13449,"20,52":13450,"20,53":13451,"20,54":13452,"20,55":13453,"20,56":13454,"20,57":13455,"20,58":13456,"20,59":13457,"20,60":13458,"20,61":13459,"20,62":13460,"20,63":13461,"20,64":13462,"20,65":13463,"20,66":13464,"20,67":13465,"20,68":13466,"20,69":13467,"20,70":13468,"20,71":13469,"20,72":13470,"20,73":13471,"20,74":13472,"20,75":13473,"20,76":13474,"20,77":13475,"20,78":13476,"20,79":13477,"20,80":13478,"20,81":13479,"20,82":13480,"20,83":13481,"20,84":13482,"20,85":13483,"20,86":13484,"20,87":13485,"20,88":13486,"20,89":13487,"20,90":13488,"20,91":13489,"20,92":13490,"20,93":13491,"20,94":13492,"20,95":13493,"20,96":13494,"20,97":13495,"20,98":13496,"20,99":13497,"20,100":13498,"20,101":13499,"20,102":13500,"20,103":13501,"20,104":13502,"20,105":13503,"20,106":13504,"20,107":13505,"20,108":13506,"20,109":13507,"20,110":13508,"20,111":13509,"20,112":13510,"20,113":13511,"20,114":13512,"20,115":13513,"20,116":13514,"20,117":13515,"20,118":13516,"20,119":13517,"20,120":13518,"20,121":13519,"20,122":13520,"20,123":13521,"20,124":13522,"20,125":13523,"20,126":13524,"20,127":13525,"20,128":13526,"20,129":13527,"20,130":13528,"20,131":13529,"20,132":13530,"20,133":13531,"20,134":13532,"20,135":13533,"20,136":13534,"20,137":13535,"20,138":13536,"20,139":13537,"20,140":13538,"20,141":13539,"20,142":13540,"20,143":13541,"20,144":13542,"20,145":13543,"20,146":13544,"20,147":13545,"20,148":13546,"20,149":13547,"20,150":13548,"20,151":13549,"20,152":13550,"20,153":13551,"20,154":13552,"20,155":13553,"20,156":13554,"20,157":13555,"20,158":13556,"20,159":13557,"20,160":13558,"20,161":13559,"20,162":13560,"20,163":13561,"20,164":13562,"20,165":13563,"20,166":13564,"20,167":13565,"20,168":13566,"20,169":13567,"20,170":13568,"20,171":13569,"20,172":13570,"20,173":13571,"20,174":13572,"20,175":13573,"20,176":13574,"20,177":13575,"20,178":13576,"20,179":13577,"20,180":13578,"20,181":13579,"20,182":13580,"20,183":13581,"20,184":13582,"20,185":13583,"20,186":13584,"20,187":13585,"20,188":13586,"20,189":13587,"20,190":13588,"20,191":13589,"20,192":13590,"20,193":13591,"20,194":13592,"20,195":13593,"20,196":13594,"20,197":13595,"20,198":13596,"20,199":13597,"20,200":13598,"20,201":13599,"20,202":13600,"20,203":13601,"20,204":13602,"20,205":13603,"20,206":13604,"20,207":13605,"20,208":13606,"20,209":13607,"20,210":13608,"20,211":13609,"20,212":13610,"20,213":13611,"20,214":13612,"20,215":13613,"20,216":13614,"20,217":13615,"20,218":13616,"20,219":13617,"20,220":13618,"20,221":13619,"20,222":13620,"20,223":13621,"20,224":13622,"20,225":13623,"20,226":13624,"20,227":13625,"20,228":13626,"20,229":13627,"20,230":13628,"20,231":13629,"20,232":13630,"20,233":13631,"20,234":13632,"20,235":13633,"20,236":13634,"20,237":13635,"20,238":13636,"20,239":13637,"20,240":13638,"20,241":13639,"20,242":13640,"20,243":13641,"20,244":13642,"20,245":13643,"20,246":13644,"20,247":13645,"20,248":13646,"20,249":13647,"20,250":13648,"20,251":13649,"20,252":13650,"20,253":13651,"20,254":13652,"20,255":13653,"20,256":13654,"20,257":13655,"20,258":13656,"20,259":13657,"20,260":13658,"20,261":13659,"20,262":13660,"20,263":13661,"20,264":13662,"20,265":13663,"20,266":13664,"20,267":13665,"20,268":13666,"20,269":13667,"20,270":13668,"20,271":13669,"20,272":13670,"20,273":13671,"20,274":13672,"20,275":13673,"20,276":13674,"20,277":13675,"20,278":13676,"20,279":13677,"20,280":13678,"20,281":13679,"20,282":13680,"20,283":13681,"20,284":13682,"20,285":13683,"20,286":13684,"20,287":13685,"20,288":13686,"20,289":13687,"20,290":13688,"20,291":13689,"20,292":13690,"20,293":13691,"20,294":13692,"20,295":13693,"20,296":13694,"20,297":13695,"20,298":13696,"20,299":13697,"20,300":13698,"20,301":13699,"20,302":13700,"20,303":13701,"20,304":13702,"20,305":13703,"20,306":13704,"20,307":13705,"20,308":13706,"20,309":13707,"20,310":13708,"20,311":13709,"20,312":13710,"20,313":13711,"20,314":13712,"20,315":13713,"20,316":13714,"20,317":13715,"20,318":13716,"20,319":13717,"20,320":13718,"20,321":13719,"20,322":13720,"20,323":13721,"20,324":13722,"20,325":13723,"20,326":13724,"20,327":13725,"20,328":13726,"20,329":13727,"20,330":13728,"20,331":13729,"20,332":13730,"20,333":13731,"20,334":13732,"20,335":13733,"20,336":13734,"20,337":13735,"20,338":13736,"20,339":13737,"20,340":13738,"20,341":13739,"20,342":13740,"20,343":13741,"20,344":13742,"20,345":13743,"20,346":13744,"20,347":13745,"20,348":13746,"20,349":13747,"20,350":13748,"20,351":13749,"20,352":13750,"20,353":13751,"20,354":13752,"20,355":13753,"20,356":13754,"20,357":13755,"20,358":13756,"20,359":13757,"20,360":13758,"20,361":13759,"20,362":13760,"20,363":13761,"20,364":13762,"20,365":13763,"20,366":13764,"20,367":13765,"20,368":13766,"20,369":13767,"20,370":13768,"20,371":13769,"20,372":13770,"20,373":13771,"20,374":13772,"20,375":13773,"20,376":13774,"20,377":13775,"20,378":13776,"20,379":13777,"20,380":13778,"20,381":13779,"20,382":13780,"20,383":13781,"20,384":13782,"20,385":13783,"20,386":13784,"20,387":13785,"20,388":13786,"20,389":13787,"20,390":13788,"20,391":13789,"20,392":13790,"20,393":13791,"20,394":13792,"20,395":13793,"20,396":13794,"20,397":13795,"20,398":13796,"20,399":13797,"20,400":13798,"20,401":13799,"20,402":13800,"20,403":13801,"20,404":13802,"20,405":13803,"20,406":13804,"20,407":13805,"20,408":13806,"20,409":13807,"20,410":13808,"20,411":13809,"20,412":13810,"20,413":13811,"20,414":13812,"20,415":13813,"20,416":13814,"20,417":13815,"20,418":13816,"20,419":13817,"20,420":13818,"20,421":13819,"20,422":13820,"20,423":13821,"20,424":13822,"20,425":13823,"20,426":13824,"20,427":13825,"20,428":13826,"20,429":13827,"20,430":13828,"20,431":13829,"20,432":13830,"20,433":13831,"20,434":13832,"20,435":13833,"20,436":13834,"20,437":13835,"20,438":13836,"20,439":13837,"20,440":13838,"20,441":13839,"20,442":13840,"20,443":13841,"20,444":13842,"20,445":13843,"20,446":13844,"20,447":13845,"20,448":13846,"20,449":13847,"20,450":13848,"20,451":13849,"20,452":13850,"20,453":13851,"20,454":13852,"20,455":13853,"20,456":13854,"20,457":13855,"20,458":13856,"20,459":13857,"20,460":13858,"20,461":13859,"20,462":13860,"20,463":13861,"20,464":13862,"20,465":13863,"20,466":13864,"20,467":13865,"20,468":13866,"20,469":13867,"20,470":13868,"20,471":13869,"20,472":13870,"20,473":13871,"20,474":13872,"20,475":13873,"20,476":13874,"20,477":13875,"20,478":13876,"20,479":13877,"20,480":13878,"20,481":13879,"20,482":13880,"20,483":13881,"20,484":13882,"20,485":13883,"20,486":13884,"20,487":13885,"20,488":13886,"20,489":13887,"20,490":13888,"20,491":13889,"20,492":13890,"20,493":13891,"20,494":13892,"20,495":13893,"20,496":13894,"20,497":13895,"20,498":13896,"20,499":13897,"20,500":13898,"20,501":13899,"20,502":13900,"20,503":13901,"20,504":13902,"20,505":13903,"20,506":13904,"20,507":13905,"20,508":13906,"20,509":13907,"20,510":13908,"20,511":13909,"20,512":13910,"20,513":13911,"20,514":13912,"20,515":13913,"20,516":13914,"20,517":13915,"20,518":13916,"20,519":13917,"20,520":13918,"20,521":13919,"20,522":13920,"20,523":13921,"20,524":13922,"20,525":13923,"20,526":13924,"20,527":13925,"20,528":13926,"20,529":13927,"20,530":13928,"20,531":13929,"20,532":13930,"20,533":13931,"20,534":13932,"20,535":13933,"20,536":13934,"20,537":13935,"20,538":13936,"20,539":13937,"20,540":13938,"20,541":13939,"20,542":13940,"20,543":13941,"20,544":13942,"20,545":13943,"20,546":13944,"20,547":13945,"20,548":13946,"20,549":13947,"20,550":13948,"20,551":13949,"20,552":13950,"20,553":13951,"20,554":13952,"20,555":13953,"20,556":13954,"20,557":13955,"20,558":13956,"20,559":13957,"20,560":13958,"20,561":13959,"20,562":13960,"20,563":13961,"20,564":13962,"20,565":13963,"20,566":13964,"20,567":13965,"20,568":13966,"20,569":13967,"20,570":13968,"20,571":13969,"20,572":13970,"20,573":13971,"20,574":13972,"20,575":13973,"20,576":13974,"20,577":13975,"20,578":13976,"20,579":13977,"20,580":13978,"20,581":13979,"20,582":13980,"20,583":13981,"20,584":13982,"20,585":13983,"20,586":13984,"20,587":13985,"20,588":13986,"20,589":13987,"20,590":13988,"20,591":13989,"20,592":13990,"20,593":13991,"20,594":13992,"20,595":13993,"20,596":13994,"20,597":13995,"20,598":13996,"20,599":13997,"20,600":13998,"20,601":13999,"20,602":14000,"20,603":14001,"20,604":14002,"20,605":14003,"20,606":14004,"20,607":14005,"20,608":14006,"20,609":14007,"20,610":14008,"20,611":14009,"20,612":14010,"20,613":14011,"20,614":14012,"20,615":14013,"20,616":14014,"20,617":14015,"20,618":14016,"20,619":14017,"20,620":14018,"20,621":14019,"20,622":14020,"20,623":14021,"20,624":14022,"20,625":14023,"20,626":14024,"20,627":14025,"20,628":14026,"20,629":14027,"20,630":14028,"20,631":14029,"20,632":14030,"20,633":14031,"20,634":14032,"20,635":14033,"20,636":14034,"20,637":14035,"20,638":14036,"20,639":14037,"20,640":14038,"20,641":14039,"20,642":14040,"20,643":14041,"20,644":14042,"20,645":14043,"20,646":14044,"20,647":14045,"20,648":14046,"20,649":14047,"20,650":14048,"20,651":14049,"20,652":14050,"20,653":14051,"20,654":14052,"20,655":14053,"20,656":14054,"20,657":14055,"20,658":14056,"20,659":14057,"20,660":14058,"20,661":14059,"20,662":14060,"20,663":14061,"20,664":14062,"20,665":14063,"21,5":14064,"21,6":14065,"21,7":14066,"21,8":14067,"21,9":14068,"21,10":14069,"21,11":14070,"21,12":14071,"21,13":14072,"21,14":14073,"21,15":14074,"21,16":14075,"21,17":14076,"21,18":14077,"21,19":14078,"21,20":14079,"21,21":14080,"21,22":14081,"21,23":14082,"21,24":14083,"21,25":14084,"21,26":14085,"21,27":14086,"21,28":14087,"21,29":14088,"21,30":14089,"21,31":14090,"21,32":14091,"21,33":14092,"21,34":14093,"21,35":14094,"21,36":14095,"21,37":14096,"21,38":14097,"21,39":14098,"21,40":14099,"21,41":14100,"21,42":14101,"21,43":14102,"21,44":14103,"21,45":14104,"21,46":14105,"21,47":14106,"21,48":14107,"21,49":14108,"21,50":14109,"21,51":14110,"21,52":14111,"21,53":14112,"21,54":14113,"21,55":14114,"21,56":14115,"21,57":14116,"21,58":14117,"21,59":14118,"21,60":14119,"21,61":14120,"21,62":14121,"21,63":14122,"21,64":14123,"21,65":14124,"21,66":14125,"21,67":14126,"21,68":14127,"21,69":14128,"21,70":14129,"21,71":14130,"21,72":14131,"21,73":14132,"21,74":14133,"21,75":14134,"21,76":14135,"21,77":14136,"21,78":14137,"21,79":14138,"21,80":14139,"21,81":14140,"21,82":14141,"21,83":14142,"21,84":14143,"21,85":14144,"21,86":14145,"21,87":14146,"21,88":14147,"21,89":14148,"21,90":14149,"21,91":14150,"21,92":14151,"21,93":14152,"21,94":14153,"21,95":14154,"21,96":14155,"21,97":14156,"21,98":14157,"21,99":14158,"21,100":14159,"21,101":14160,"21,102":14161,"21,103":14162,"21,104":14163,"21,105":14164,"21,106":14165,"21,107":14166,"21,108":14167,"21,109":14168,"21,110":14169,"21,111":14170,"21,112":14171,"21,113":14172,"21,114":14173,"21,115":14174,"21,116":14175,"21,117":14176,"21,118":14177,"21,119":14178,"21,120":14179,"21,121":14180,"21,122":14181,"21,123":14182,"21,124":14183,"21,125":14184,"21,126":14185,"21,127":14186,"21,128":14187,"21,129":14188,"21,130":14189,"21,131":14190,"21,132":14191,"21,133":14192,"21,134":14193,"21,135":14194,"21,136":14195,"21,137":14196,"21,138":14197,"21,139":14198,"21,140":14199,"21,141":14200,"21,142":14201,"21,143":14202,"21,144":14203,"21,145":14204,"21,146":14205,"21,147":14206,"21,148":14207,"21,149":14208,"21,150":14209,"21,151":14210,"21,152":14211,"21,153":14212,"21,154":14213,"21,155":14214,"21,156":14215,"21,157":14216,"21,158":14217,"21,159":14218,"21,160":14219,"21,161":14220,"21,162":14221,"21,163":14222,"21,164":14223,"21,165":14224,"21,166":14225,"21,167":14226,"21,168":14227,"21,169":14228,"21,170":14229,"21,171":14230,"21,172":14231,"21,173":14232,"21,174":14233,"21,175":14234,"21,176":14235,"21,177":14236,"21,178":14237,"21,179":14238,"21,180":14239,"21,181":14240,"21,182":14241,"21,183":14242,"21,184":14243,"21,185":14244,"21,186":14245,"21,187":14246,"21,188":14247,"21,189":14248,"21,190":14249,"21,191":14250,"21,192":14251,"21,193":14252,"21,194":14253,"21,195":14254,"21,196":14255,"21,197":14256,"21,198":14257,"21,199":14258,"21,200":14259,"21,201":14260,"21,202":14261,"21,203":14262,"21,204":14263,"21,205":14264,"21,206":14265,"21,207":14266,"21,208":14267,"21,209":14268,"21,210":14269,"21,211":14270,"21,212":14271,"21,213":14272,"21,214":14273,"21,215":14274,"21,216":14275,"21,217":14276,"21,218":14277,"21,219":14278,"21,220":14279,"21,221":14280,"21,222":14281,"21,223":14282,"21,224":14283,"21,225":14284,"21,226":14285,"21,227":14286,"21,228":14287,"21,229":14288,"21,230":14289,"21,231":14290,"21,232":14291,"21,233":14292,"21,234":14293,"21,235":14294,"21,236":14295,"21,237":14296,"21,238":14297,"21,239":14298,"21,240":14299,"21,241":14300,"21,242":14301,"21,243":14302,"21,244":14303,"21,245":14304,"21,246":14305,"21,247":14306,"21,248":14307,"21,249":14308,"21,250":14309,"21,251":14310,"21,252":14311,"21,253":14312,"21,254":14313,"21,255":14314,"21,256":14315,"21,257":14316,"21,258":14317,"21,259":14318,"21,260":14319,"21,261":14320,"21,262":14321,"21,263":14322,"21,264":14323,"21,265":14324,"21,266":14325,"21,267":14326,"21,268":14327,"21,269":14328,"21,270":14329,"21,271":14330,"21,272":14331,"21,273":14332,"21,274":14333,"21,275":14334,"21,276":14335,"21,277":14336,"21,278":14337,"21,279":14338,"21,280":14339,"21,281":14340,"21,282":14341,"21,283":14342,"21,284":14343,"21,285":14344,"21,286":14345,"21,287":14346,"21,288":14347,"21,289":14348,"21,290":14349,"21,291":14350,"21,292":14351,"21,293":14352,"21,294":14353,"21,295":14354,"21,296":14355,"21,297":14356,"21,298":14357,"21,299":14358,"21,300":14359,"21,301":14360,"21,302":14361,"21,303":14362,"21,304":14363,"21,305":14364,"21,306":14365,"21,307":14366,"21,308":14367,"21,309":14368,"21,310":14369,"21,311":14370,"21,312":14371,"21,313":14372,"21,314":14373,"21,315":14374,"21,316":14375,"21,317":14376,"21,318":14377,"21,319":14378,"21,320":14379,"21,321":14380,"21,322":14381,"21,323":14382,"21,324":14383,"21,325":14384,"21,326":14385,"21,327":14386,"21,328":14387,"21,329":14388,"21,330":14389,"21,331":14390,"21,332":14391,"21,333":14392,"21,334":14393,"21,335":14394,"21,336":14395,"21,337":14396,"21,338":14397,"21,339":14398,"21,340":14399,"21,341":14400,"21,342":14401,"21,343":14402,"21,344":14403,"21,345":14404,"21,346":14405,"21,347":14406,"21,348":14407,"21,349":14408,"21,350":14409,"21,351":14410,"21,352":14411,"21,353":14412,"21,354":14413,"21,355":14414,"21,356":14415,"21,357":14416,"21,358":14417,"21,359":14418,"21,360":14419,"21,361":14420,"21,362":14421,"21,363":14422,"21,364":14423,"21,365":14424,"21,366":14425,"21,367":14426,"21,368":14427,"21,369":14428,"21,370":14429,"21,371":14430,"21,372":14431,"21,373":14432,"21,374":14433,"21,375":14434,"21,376":14435,"21,377":14436,"21,378":14437,"21,379":14438,"21,380":14439,"21,381":14440,"21,382":14441,"21,383":14442,"21,384":14443,"21,385":14444,"21,386":14445,"21,387":14446,"21,388":14447,"21,389":14448,"21,390":14449,"21,391":14450,"21,392":14451,"21,393":14452,"21,394":14453,"21,395":14454,"21,396":14455,"21,397":14456,"21,398":14457,"21,399":14458,"21,400":14459,"21,401":14460,"21,402":14461,"21,403":14462,"21,404":14463,"21,405":14464,"21,406":14465,"21,407":14466,"21,408":14467,"21,409":14468,"21,410":14469,"21,411":14470,"21,412":14471,"21,413":14472,"21,414":14473,"21,415":14474,"21,416":14475,"21,417":14476,"21,418":14477,"21,419":14478,"21,420":14479,"21,421":14480,"21,422":14481,"21,423":14482,"21,424":14483,"21,425":14484,"21,426":14485,"21,427":14486,"21,428":14487,"21,429":14488,"21,430":14489,"21,431":14490,"21,432":14491,"21,433":14492,"21,434":14493,"21,435":14494,"21,436":14495,"21,437":14496,"21,438":14497,"21,439":14498,"21,440":14499,"21,441":14500,"21,442":14501,"21,443":14502,"21,444":14503,"21,445":14504,"21,446":14505,"21,447":14506,"21,448":14507,"21,449":14508,"21,450":14509,"21,451":14510,"21,452":14511,"21,453":14512,"21,454":14513,"21,455":14514,"21,456":14515,"21,457":14516,"21,458":14517,"21,459":14518,"21,460":14519,"21,461":14520,"21,462":14521,"21,463":14522,"21,464":14523,"21,465":14524,"21,466":14525,"21,467":14526,"21,468":14527,"21,469":14528,"21,470":14529,"21,471":14530,"21,472":14531,"21,473":14532,"21,474":14533,"21,475":14534,"21,476":14535,"21,477":14536,"21,478":14537,"21,479":14538,"21,480":14539,"21,481":14540,"21,482":14541,"21,483":14542,"21,484":14543,"21,485":14544,"21,486":14545,"21,487":14546,"21,488":14547,"21,489":14548,"21,490":14549,"21,491":14550,"21,492":14551,"21,493":14552,"21,494":14553,"21,495":14554,"21,496":14555,"21,497":14556,"21,498":14557,"21,499":14558,"21,500":14559,"21,501":14560,"21,502":14561,"21,503":14562,"21,504":14563,"21,505":14564,"21,506":14565,"21,507":14566,"21,508":14567,"21,509":14568,"21,510":14569,"21,511":14570,"21,512":14571,"21,513":14572,"21,514":14573,"21,515":14574,"21,516":14575,"21,517":14576,"21,518":14577,"21,519":14578,"21,520":14579,"21,521":14580,"21,522":14581,"21,523":14582,"21,524":14583,"21,525":14584,"21,526":14585,"21,527":14586,"21,528":14587,"21,529":14588,"21,530":14589,"21,531":14590,"21,532":14591,"21,533":14592,"21,534":14593,"21,535":14594,"21,536":14595,"21,537":14596,"21,538":14597,"21,539":14598,"21,540":14599,"21,541":14600,"21,542":14601,"21,543":14602,"21,544":14603,"21,545":14604,"21,546":14605,"21,547":14606,"21,548":14607,"21,549":14608,"21,550":14609,"21,551":14610,"21,552":14611,"21,553":14612,"21,554":14613,"21,555":14614,"21,556":14615,"21,557":14616,"21,558":14617,"21,559":14618,"21,560":14619,"21,561":14620,"21,562":14621,"21,563":14622,"21,564":14623,"21,565":14624,"21,566":14625,"21,567":14626,"21,568":14627,"21,569":14628,"21,570":14629,"21,571":14630,"21,572":14631,"21,573":14632,"21,574":14633,"21,575":14634,"21,576":14635,"21,577":14636,"21,578":14637,"21,579":14638,"21,580":14639,"21,581":14640,"21,582":14641,"21,583":14642,"21,584":14643,"21,585":14644,"21,586":14645,"21,587":14646,"21,588":14647,"21,589":14648,"21,590":14649,"21,591":14650,"21,592":14651,"21,593":14652,"21,594":14653,"21,595":14654,"21,596":14655,"21,597":14656,"21,598":14657,"21,599":14658,"21,600":14659,"21,601":14660,"21,602":14661,"21,603":14662,"21,604":14663,"21,605":14664,"21,606":14665,"21,607":14666,"21,608":14667,"21,609":14668,"21,610":14669,"22,5":14670,"22,6":14671,"22,7":14672,"22,8":14673,"22,9":14674,"22,10":14675,"22,11":14676,"22,12":14677,"22,13":14678,"22,14":14679,"22,15":14680,"22,16":14681,"22,17":14682,"22,18":14683,"22,19":14684,"22,20":14685,"22,21":14686,"22,22":14687,"22,23":14688,"22,24":14689,"22,25":14690,"22,26":14691,"22,27":14692,"22,28":14693,"22,29":14694,"22,30":14695,"22,31":14696,"22,32":14697,"22,33":14698,"22,34":14699,"22,35":14700,"22,36":14701,"22,37":14702,"22,38":14703,"22,39":14704,"22,40":14705,"22,41":14706,"22,42":14707,"22,43":14708,"22,44":14709,"22,45":14710,"22,46":14711,"22,47":14712,"22,48":14713,"22,49":14714,"22,50":14715,"22,51":14716,"22,52":14717,"22,53":14718,"22,54":14719,"22,55":14720,"22,56":14721,"22,57":14722,"22,58":14723,"22,59":14724,"22,60":14725,"22,61":14726,"22,62":14727,"22,63":14728,"22,64":14729,"22,65":14730,"22,66":14731,"22,67":14732,"22,68":14733,"22,69":14734,"22,70":14735,"22,71":14736,"22,72":14737,"22,73":14738,"22,74":14739,"22,75":14740,"22,76":14741,"22,77":14742,"22,78":14743,"22,79":14744,"22,80":14745,"22,81":14746,"22,82":14747,"22,83":14748,"22,84":14749,"22,85":14750,"22,86":14751,"22,87":14752,"22,88":14753,"22,89":14754,"22,90":14755,"22,91":14756,"22,92":14757,"22,93":14758,"22,94":14759,"22,95":14760,"22,96":14761,"22,97":14762,"22,98":14763,"22,99":14764,"22,100":14765,"22,101":14766,"22,102":14767,"22,103":14768,"22,104":14769,"22,105":14770,"22,106":14771,"22,107":14772,"22,108":14773,"22,109":14774,"22,110":14775,"22,111":14776,"22,112":14777,"22,113":14778,"22,114":14779,"22,115":14780,"22,116":14781,"22,117":14782,"22,118":14783,"22,119":14784,"22,120":14785,"22,121":14786,"22,122":14787,"22,123":14788,"22,124":14789,"22,125":14790,"22,126":14791,"22,127":14792,"22,128":14793,"22,129":14794,"22,130":14795,"22,131":14796,"22,132":14797,"22,133":14798,"22,134":14799,"22,135":14800,"22,136":14801,"22,137":14802,"22,138":14803,"22,139":14804,"22,140":14805,"22,141":14806,"22,142":14807,"22,143":14808,"22,144":14809,"22,145":14810,"22,146":14811,"22,147":14812,"22,148":14813,"22,149":14814,"22,150":14815,"22,151":14816,"22,152":14817,"22,153":14818,"22,154":14819,"22,155":14820,"22,156":14821,"22,157":14822,"22,158":14823,"22,159":14824,"22,160":14825,"22,161":14826,"22,162":14827,"22,163":14828,"22,164":14829,"22,165":14830,"22,166":14831,"22,167":14832,"22,168":14833,"22,169":14834,"22,170":14835,"22,171":14836,"22,172":14837,"22,173":14838,"22,174":14839,"22,175":14840,"22,176":14841,"22,177":14842,"22,178":14843,"22,179":14844,"22,180":14845,"22,181":14846,"22,182":14847,"22,183":14848,"22,184":14849,"22,185":14850,"22,186":14851,"22,187":14852,"22,188":14853,"22,189":14854,"22,190":14855,"22,191":14856,"22,192":14857,"22,193":14858,"22,194":14859,"22,195":14860,"22,196":14861,"22,197":14862,"22,198":14863,"22,199":14864,"22,200":14865,"22,201":14866,"22,202":14867,"22,203":14868,"22,204":14869,"22,205":14870,"22,206":14871,"22,207":14872,"22,208":14873,"22,209":14874,"22,210":14875,"22,211":14876,"22,212":14877,"22,213":14878,"22,214":14879,"22,215":14880,"22,216":14881,"22,217":14882,"22,218":14883,"22,219":14884,"22,220":14885,"22,221":14886,"22,222":14887,"22,223":14888,"22,224":14889,"22,225":14890,"22,226":14891,"22,227":14892,"22,228":14893,"22,229":14894,"22,230":14895,"22,231":14896,"22,232":14897,"22,233":14898,"22,234":14899,"22,235":14900,"22,236":14901,"22,237":14902,"22,238":14903,"22,239":14904,"22,240":14905,"22,241":14906,"22,242":14907,"22,243":14908,"22,244":14909,"22,245":14910,"22,246":14911,"22,247":14912,"22,248":14913,"22,249":14914,"22,250":14915,"22,251":14916,"22,252":14917,"22,253":14918,"22,254":14919,"22,255":14920,"22,256":14921,"22,257":14922,"22,258":14923,"22,259":14924,"22,260":14925,"22,261":14926,"22,262":14927,"22,263":14928,"22,264":14929,"22,265":14930,"22,266":14931,"22,267":14932,"22,268":14933,"22,269":14934,"22,270":14935,"22,271":14936,"22,272":14937,"22,273":14938,"22,274":14939,"22,275":14940,"22,276":14941,"22,277":14942,"22,278":14943,"22,279":14944,"22,280":14945,"22,281":14946,"22,282":14947,"22,283":14948,"22,284":14949,"22,285":14950,"22,286":14951,"22,287":14952,"22,288":14953,"22,289":14954,"22,290":14955,"22,291":14956,"22,292":14957,"22,293":14958,"22,294":14959,"22,295":14960,"22,296":14961,"22,297":14962,"22,298":14963,"22,299":14964,"22,300":14965,"22,301":14966,"22,302":14967,"22,303":14968,"22,304":14969,"22,305":14970,"22,306":14971,"22,307":14972,"22,308":14973,"22,309":14974,"22,310":14975,"22,311":14976,"22,312":14977,"22,313":14978,"22,314":14979,"22,315":14980,"22,316":14981,"22,317":14982,"22,318":14983,"22,319":14984,"22,320":14985,"22,321":14986,"22,322":14987,"22,323":14988,"22,324":14989,"22,325":14990,"22,326":14991,"22,327":14992,"22,328":14993,"22,329":14994,"22,330":14995,"22,331":14996,"22,332":14997,"22,333":14998,"22,334":14999,"22,335":15000,"22,336":15001,"22,337":15002,"22,338":15003,"22,339":15004,"22,340":15005,"22,341":15006,"22,342":15007,"22,343":15008,"22,344":15009,"22,345":15010,"22,346":15011,"22,347":15012,"22,348":15013,"22,349":15014,"22,350":15015,"22,351":15016,"22,352":15017,"22,353":15018,"22,354":15019,"22,355":15020,"22,356":15021,"22,357":15022,"22,358":15023,"22,359":15024,"22,360":15025,"22,361":15026,"22,362":15027,"22,363":15028,"22,364":15029,"22,365":15030,"22,366":15031,"22,367":15032,"22,368":15033,"22,369":15034,"22,370":15035,"22,371":15036,"22,372":15037,"22,373":15038,"22,374":15039,"22,375":15040,"22,376":15041,"22,377":15042,"22,378":15043,"22,379":15044,"22,380":15045,"22,381":15046,"22,382":15047,"22,383":15048,"22,384":15049,"22,385":15050,"22,386":15051,"22,387":15052,"22,388":15053,"22,389":15054,"22,390":15055,"22,391":15056,"22,392":15057,"22,393":15058,"22,394":15059,"22,395":15060,"22,396":15061,"22,397":15062,"22,398":15063,"22,399":15064,"22,400":15065,"22,401":15066,"22,402":15067,"22,403":15068,"22,404":15069,"22,405":15070,"22,406":15071,"22,407":15072,"22,408":15073,"22,409":15074,"22,410":15075,"22,411":15076,"22,412":15077,"22,413":15078,"22,414":15079,"22,415":15080,"22,416":15081,"22,417":15082,"22,418":15083,"22,419":15084,"22,420":15085,"22,421":15086,"22,422":15087,"22,423":15088,"22,424":15089,"22,425":15090,"22,426":15091,"22,427":15092,"22,428":15093,"22,429":15094,"22,430":15095,"22,431":15096,"22,432":15097,"22,433":15098,"22,434":15099,"22,435":15100,"22,436":15101,"22,437":15102,"22,438":15103,"22,439":15104,"22,440":15105,"22,441":15106,"22,442":15107,"22,443":15108,"22,444":15109,"22,445":15110,"22,446":15111,"22,447":15112,"22,448":15113,"22,449":15114,"22,450":15115,"22,451":15116,"22,452":15117,"22,453":15118,"22,454":15119,"22,455":15120,"22,456":15121,"22,457":15122,"22,458":15123,"22,459":15124,"22,460":15125,"22,461":15126,"22,462":15127,"22,463":15128,"22,464":15129,"22,465":15130,"22,466":15131,"22,467":15132,"22,468":15133,"22,469":15134,"22,470":15135,"22,471":15136,"22,472":15137,"22,473":15138,"22,474":15139,"22,475":15140,"22,476":15141,"22,477":15142,"22,478":15143,"22,479":15144,"22,480":15145,"22,481":15146,"22,482":15147,"22,483":15148,"22,484":15149,"22,485":15150,"22,486":15151,"22,487":15152,"22,488":15153,"22,489":15154,"22,490":15155,"22,491":15156,"22,492":15157,"22,493":15158,"22,494":15159,"22,495":15160,"22,496":15161,"22,497":15162,"22,498":15163,"22,499":15164,"22,500":15165,"22,501":15166,"22,502":15167,"22,503":15168,"22,504":15169,"22,505":15170,"22,506":15171,"22,507":15172,"22,508":15173,"22,509":15174,"22,510":15175,"22,511":15176,"22,512":15177,"22,513":15178,"22,514":15179,"22,515":15180,"22,516":15181,"22,517":15182,"22,518":15183,"22,519":15184,"22,520":15185,"22,521":15186,"22,522":15187,"22,523":15188,"22,524":15189,"22,525":15190,"22,526":15191,"22,527":15192,"22,528":15193,"22,529":15194,"22,530":15195,"22,531":15196,"22,532":15197,"22,533":15198,"22,534":15199,"22,535":15200,"22,536":15201,"22,537":15202,"22,538":15203,"22,539":15204,"22,540":15205,"22,541":15206,"22,542":15207,"22,543":15208,"22,544":15209,"22,545":15210,"22,546":15211,"22,547":15212,"22,548":15213,"22,549":15214,"22,550":15215,"22,551":15216,"22,552":15217,"22,553":15218,"22,554":15219,"22,555":15220,"22,556":15221,"22,557":15222,"22,558":15223,"22,559":15224,"22,560":15225,"22,561":15226,"22,562":15227,"22,563":15228,"22,564":15229,"22,565":15230,"22,566":15231,"22,567":15232,"22,568":15233,"22,569":15234,"22,570":15235,"22,571":15236,"22,572":15237,"22,573":15238,"22,574":15239,"22,575":15240,"22,576":15241,"22,577":15242,"22,578":15243,"22,579":15244,"22,580":15245,"22,581":15246,"22,582":15247,"22,583":15248,"22,584":15249,"22,585":15250,"22,586":15251,"22,587":15252,"22,588":15253,"22,589":15254,"22,590":15255,"22,591":15256,"22,592":15257,"22,593":15258,"22,594":15259,"22,595":15260,"22,596":15261,"22,597":15262,"22,598":15263,"22,599":15264,"22,600":15265,"22,601":15266,"22,602":15267,"22,603":15268,"22,604":15269,"22,605":15270,"22,606":15271,"22,607":15272,"22,608":15273,"22,609":15274,"22,610":15275,"22,611":15276,"22,612":15277,"22,613":15278,"22,614":15279,"22,615":15280,"22,616":15281,"22,617":15282,"22,618":15283,"22,619":15284,"22,620":15285,"22,621":15286,"22,622":15287,"22,623":15288,"22,624":15289,"22,625":15290,"22,626":15291,"22,627":15292,"22,628":15293,"22,629":15294,"22,630":15295,"22,631":15296,"22,632":15297,"22,633":15298,"22,634":15299,"22,635":15300,"22,636":15301,"22,637":15302,"22,638":15303,"22,639":15304,"22,640":15305,"22,641":15306,"22,642":15307,"22,643":15308,"22,644":15309,"22,645":15310,"22,646":15311,"22,647":15312,"22,648":15313,"22,649":15314,"22,650":15315,"22,651":15316,"22,652":15317,"22,653":15318,"22,654":15319,"22,655":15320,"22,656":15321,"22,657":15322,"22,658":15323,"22,659":15324,"22,660":15325,"22,661":15326,"22,662":15327,"22,663":15328,"22,664":15329,"22,665":15330,"22,666":15331,"22,667":15332,"22,668":15333,"22,669":15334,"22,670":15335,"22,671":15336,"22,672":15337,"22,673":15338,"23,5":15339,"23,6":15340,"23,7":15341,"23,8":15342,"23,9":15343,"23,10":15344,"23,11":15345,"23,12":15346,"23,13":15347,"23,14":15348,"23,15":15349,"23,16":15350,"23,17":15351,"23,18":15352,"23,19":15353,"23,20":15354,"23,21":15355,"23,22":15356,"23,23":15357,"23,24":15358,"23,25":15359,"23,26":15360,"23,27":15361,"23,28":15362,"23,29":15363,"23,30":15364,"23,31":15365,"23,32":15366,"23,33":15367,"23,34":15368,"23,35":15369,"23,36":15370,"23,37":15371,"23,38":15372,"23,39":15373,"23,40":15374,"23,41":15375,"23,42":15376,"23,43":15377,"23,44":15378,"23,45":15379,"23,46":15380,"23,47":15381,"23,48":15382,"23,49":15383,"23,50":15384,"23,51":15385,"23,52":15386,"23,53":15387,"23,54":15388,"23,55":15389,"23,56":15390,"23,57":15391,"23,58":15392,"23,59":15393,"23,60":15394,"23,61":15395,"23,62":15396,"23,63":15397,"23,64":15398,"23,65":15399,"23,66":15400,"23,67":15401,"23,68":15402,"23,69":15403,"23,70":15404,"23,71":15405,"23,72":15406,"23,73":15407,"23,74":15408,"23,75":15409,"23,76":15410,"23,77":15411,"23,78":15412,"23,79":15413,"23,80":15414,"23,81":15415,"23,82":15416,"23,83":15417,"23,84":15418,"23,85":15419,"23,86":15420,"23,87":15421,"23,88":15422,"23,89":15423,"23,90":15424,"23,91":15425,"23,92":15426,"23,93":15427,"23,94":15428,"23,95":15429,"23,96":15430,"23,97":15431,"23,98":15432,"23,99":15433,"23,100":15434,"23,101":15435,"23,102":15436,"23,103":15437,"23,104":15438,"23,105":15439,"23,106":15440,"23,107":15441,"23,108":15442,"23,109":15443,"23,110":15444,"23,111":15445,"23,112":15446,"23,113":15447,"23,114":15448,"23,115":15449,"23,116":15450,"23,117":15451,"23,118":15452,"23,119":15453,"23,120":15454,"23,121":15455,"23,122":15456,"23,123":15457,"23,124":15458,"23,125":15459,"23,126":15460,"23,127":15461,"23,128":15462,"23,129":15463,"23,130":15464,"23,131":15465,"23,132":15466,"23,133":15467,"23,134":15468,"23,135":15469,"23,136":15470,"23,137":15471,"23,138":15472,"23,139":15473,"23,140":15474,"23,141":15475,"23,142":15476,"23,143":15477,"23,144":15478,"23,145":15479,"23,146":15480,"23,147":15481,"23,148":15482,"23,149":15483,"23,150":15484,"23,151":15485,"23,152":15486,"23,153":15487,"23,154":15488,"23,155":15489,"23,156":15490,"23,157":15491,"23,158":15492,"23,159":15493,"23,160":15494,"23,161":15495,"23,162":15496,"23,163":15497,"23,164":15498,"23,165":15499,"23,166":15500,"23,167":15501,"23,168":15502,"23,169":15503,"23,170":15504,"23,171":15505,"23,172":15506,"23,173":15507,"23,174":15508,"23,175":15509,"23,176":15510,"23,177":15511,"23,178":15512,"23,179":15513,"23,180":15514,"23,181":15515,"23,182":15516,"23,183":15517,"23,184":15518,"23,185":15519,"23,186":15520,"23,187":15521,"23,188":15522,"23,189":15523,"23,190":15524,"23,191":15525,"23,192":15526,"23,193":15527,"23,194":15528,"23,195":15529,"23,196":15530,"23,197":15531,"23,198":15532,"23,199":15533,"23,200":15534,"23,201":15535,"23,202":15536,"23,203":15537,"23,204":15538,"23,205":15539,"23,206":15540,"23,207":15541,"23,208":15542,"23,209":15543,"23,210":15544,"23,211":15545,"23,212":15546,"23,213":15547,"23,214":15548,"23,215":15549,"23,216":15550,"23,217":15551,"23,218":15552,"23,219":15553,"23,220":15554,"23,221":15555,"23,222":15556,"23,223":15557,"23,224":15558,"23,225":15559,"23,226":15560,"23,227":15561,"23,228":15562,"23,229":15563,"23,230":15564,"23,231":15565,"23,232":15566,"23,233":15567,"23,234":15568,"23,235":15569,"23,236":15570,"23,237":15571,"23,238":15572,"23,239":15573,"23,240":15574,"23,241":15575,"23,242":15576,"23,243":15577,"23,244":15578,"23,245":15579,"23,246":15580,"23,247":15581,"23,248":15582,"23,249":15583,"23,250":15584,"23,251":15585,"23,252":15586,"23,253":15587,"23,254":15588,"23,255":15589,"23,256":15590,"23,257":15591,"23,258":15592,"23,259":15593,"23,260":15594,"23,261":15595,"23,262":15596,"23,263":15597,"23,264":15598,"23,265":15599,"23,266":15600,"23,267":15601,"23,268":15602,"23,269":15603,"23,270":15604,"23,271":15605,"23,272":15606,"23,273":15607,"23,274":15608,"23,275":15609,"23,276":15610,"23,277":15611,"23,278":15612,"23,279":15613,"23,280":15614,"23,281":15615,"23,282":15616,"23,283":15617,"23,284":15618,"23,285":15619,"23,286":15620,"23,287":15621,"23,288":15622,"23,289":15623,"23,290":15624,"23,291":15625,"23,292":15626,"23,293":15627,"23,294":15628,"23,295":15629,"23,296":15630,"23,297":15631,"23,298":15632,"23,299":15633,"23,300":15634,"23,301":15635,"23,302":15636,"23,303":15637,"23,304":15638,"23,305":15639,"23,306":15640,"23,307":15641,"23,308":15642,"23,309":15643,"23,310":15644,"23,311":15645,"23,312":15646,"23,313":15647,"23,314":15648,"23,315":15649,"23,316":15650,"23,317":15651,"23,318":15652,"23,319":15653,"23,320":15654,"23,321":15655,"23,322":15656,"23,323":15657,"23,324":15658,"23,325":15659,"23,326":15660,"23,327":15661,"23,328":15662,"23,329":15663,"23,330":15664,"23,331":15665,"23,332":15666,"23,333":15667,"23,334":15668,"23,335":15669,"23,336":15670,"23,337":15671,"23,338":15672,"23,339":15673,"23,340":15674,"23,341":15675,"23,342":15676,"23,343":15677,"23,344":15678,"23,345":15679,"23,346":15680,"23,347":15681,"23,348":15682,"23,349":15683,"23,350":15684,"23,351":15685,"23,352":15686,"23,353":15687,"23,354":15688,"23,355":15689,"23,356":15690,"23,357":15691,"23,358":15692,"23,359":15693,"23,360":15694,"23,361":15695,"23,362":15696,"23,363":15697,"23,364":15698,"23,365":15699,"23,366":15700,"23,367":15701,"23,368":15702,"23,369":15703,"23,370":15704,"23,371":15705,"23,372":15706,"23,373":15707,"23,374":15708,"23,375":15709,"23,376":15710,"23,377":15711,"23,378":15712,"23,379":15713,"23,380":15714,"23,381":15715,"23,382":15716,"23,383":15717,"23,384":15718,"23,385":15719,"23,386":15720,"23,387":15721,"23,388":15722,"23,389":15723,"23,390":15724,"23,391":15725,"23,392":15726,"23,393":15727,"23,394":15728,"23,395":15729,"23,396":15730,"23,397":15731,"23,398":15732,"23,399":15733,"23,400":15734,"23,401":15735,"23,402":15736,"23,403":15737,"23,404":15738,"23,405":15739,"23,406":15740,"23,407":15741,"23,408":15742,"23,409":15743,"23,410":15744,"23,411":15745,"23,412":15746,"23,413":15747,"23,414":15748,"23,415":15749,"23,416":15750,"23,417":15751,"23,418":15752,"23,419":15753,"23,420":15754,"23,421":15755,"23,422":15756,"23,423":15757,"23,424":15758,"23,425":15759,"23,426":15760,"23,427":15761,"23,428":15762,"23,429":15763,"23,430":15764,"23,431":15765,"23,432":15766,"23,433":15767,"23,434":15768,"23,435":15769,"23,436":15770,"23,437":15771,"23,438":15772,"23,439":15773,"23,440":15774,"23,441":15775,"23,442":15776,"23,443":15777,"23,444":15778,"23,445":15779,"23,446":15780,"23,447":15781,"23,448":15782,"23,449":15783,"23,450":15784,"23,451":15785,"23,452":15786,"23,453":15787,"23,454":15788,"23,455":15789,"23,456":15790,"23,457":15791,"23,458":15792,"23,459":15793,"23,460":15794,"23,461":15795,"23,462":15796,"23,463":15797,"23,464":15798,"23,465":15799,"23,466":15800,"23,467":15801,"23,468":15802,"23,469":15803,"23,470":15804,"23,471":15805,"23,472":15806,"23,473":15807,"23,474":15808,"23,475":15809,"23,476":15810,"23,477":15811,"23,478":15812,"23,479":15813,"23,480":15814,"23,481":15815,"23,482":15816,"23,483":15817,"23,484":15818,"23,485":15819,"23,486":15820,"23,487":15821,"23,488":15822,"23,489":15823,"23,490":15824,"23,491":15825,"23,492":15826,"23,493":15827,"23,494":15828,"23,495":15829,"23,496":15830,"23,497":15831,"23,498":15832,"23,499":15833,"23,500":15834,"23,501":15835,"23,502":15836,"23,503":15837,"23,504":15838,"23,505":15839,"23,506":15840,"23,507":15841,"23,508":15842,"23,509":15843,"23,510":15844,"23,511":15845,"23,512":15846,"23,513":15847,"23,514":15848,"23,515":15849,"23,516":15850,"23,517":15851,"23,518":15852,"23,519":15853,"23,520":15854,"23,521":15855,"23,522":15856,"23,523":15857,"23,524":15858,"23,525":15859,"23,526":15860,"23,527":15861,"23,528":15862,"23,529":15863,"23,530":15864,"23,531":15865,"23,532":15866,"23,533":15867,"23,534":15868,"23,535":15869,"23,536":15870,"23,537":15871,"23,538":15872,"23,539":15873,"23,540":15874,"23,541":15875,"23,542":15876,"23,543":15877,"23,544":15878,"23,545":15879,"23,546":15880,"23,547":15881,"23,548":15882,"23,549":15883,"23,550":15884,"23,551":15885,"23,552":15886,"23,553":15887,"23,554":15888,"23,555":15889,"23,556":15890,"23,557":15891,"23,558":15892,"23,559":15893,"23,560":15894,"23,561":15895,"23,562":15896,"23,563":15897,"23,564":15898,"23,565":15899,"23,566":15900,"23,567":15901,"23,568":15902,"23,569":15903,"23,570":15904,"23,571":15905,"23,572":15906,"23,573":15907,"23,574":15908,"23,575":15909,"23,576":15910,"23,577":15911,"23,578":15912,"23,579":15913,"23,580":15914,"23,581":15915,"23,582":15916,"23,583":15917,"23,584":15918,"23,585":15919,"23,586":15920,"23,587":15921,"23,588":15922,"23,589":15923,"23,590":15924,"23,591":15925,"23,592":15926,"23,593":15927,"23,594":15928,"23,595":15929,"23,596":15930,"23,597":15931,"23,598":15932,"23,599":15933,"23,600":15934,"23,601":15935,"23,602":15936,"23,603":15937,"23,604":15938,"23,605":15939,"23,606":15940,"23,607":15941,"23,608":15942,"23,609":15943,"23,610":15944,"23,611":15945,"23,612":15946,"23,613":15947,"23,614":15948,"24,5":15949,"24,6":15950,"24,7":15951,"24,8":15952,"24,9":15953,"24,10":15954,"24,11":15955,"24,12":15956,"24,13":15957,"24,14":15958,"24,15":15959,"24,16":15960,"24,17":15961,"24,18":15962,"24,19":15963,"24,20":15964,"24,21":15965,"24,22":15966,"24,23":15967,"24,24":15968,"24,25":15969,"24,26":15970,"24,27":15971,"24,28":15972,"24,29":15973,"24,30":15974,"24,31":15975,"24,32":15976,"24,33":15977,"24,34":15978,"24,35":15979,"24,36":15980,"24,37":15981,"24,38":15982,"24,39":15983,"24,40":15984,"24,41":15985,"24,42":15986,"24,43":15987,"24,44":15988,"24,45":15989,"24,46":15990,"24,47":15991,"24,48":15992,"24,49":15993,"24,50":15994,"24,51":15995,"24,52":15996,"24,53":15997,"24,54":15998,"24,55":15999,"24,56":16000,"24,57":16001,"24,58":16002,"24,59":16003,"24,60":16004,"24,61":16005,"24,62":16006,"24,63":16007,"24,64":16008,"24,65":16009,"24,66":16010,"24,67":16011,"24,68":16012,"24,69":16013,"24,70":16014,"24,71":16015,"24,72":16016,"24,73":16017,"24,74":16018,"24,75":16019,"24,76":16020,"24,77":16021,"24,78":16022,"24,79":16023,"24,80":16024,"24,81":16025,"24,82":16026,"24,83":16027,"24,84":16028,"24,85":16029,"24,86":16030,"24,87":16031,"24,88":16032,"24,89":16033,"24,90":16034,"24,91":16035,"24,92":16036,"24,93":16037,"24,94":16038,"24,95":16039,"24,96":16040,"24,97":16041,"24,98":16042,"24,99":16043,"24,100":16044,"24,101":16045,"24,102":16046,"24,103":16047,"24,104":16048,"24,105":16049,"24,106":16050,"24,107":16051,"24,108":16052,"24,109":16053,"24,110":16054,"24,111":16055,"24,112":16056,"24,113":16057,"24,114":16058,"24,115":16059,"24,116":16060,"24,117":16061,"24,118":16062,"24,119":16063,"24,120":16064,"24,121":16065,"24,122":16066,"24,123":16067,"24,124":16068,"24,125":16069,"24,126":16070,"24,127":16071,"24,128":16072,"24,129":16073,"24,130":16074,"24,131":16075,"24,132":16076,"24,133":16077,"24,134":16078,"24,135":16079,"24,136":16080,"24,137":16081,"24,138":16082,"24,139":16083,"24,140":16084,"24,141":16085,"24,142":16086,"24,143":16087,"24,144":16088,"24,145":16089,"24,146":16090,"24,147":16091,"24,148":16092,"24,149":16093,"24,150":16094,"24,151":16095,"24,152":16096,"24,153":16097,"24,154":16098,"24,155":16099,"24,156":16100,"24,157":16101,"24,158":16102,"24,159":16103,"24,160":16104,"24,161":16105,"24,162":16106,"24,163":16107,"24,164":16108,"24,165":16109,"24,166":16110,"24,167":16111,"24,168":16112,"24,169":16113,"24,170":16114,"24,171":16115,"24,172":16116,"24,173":16117,"24,174":16118,"24,175":16119,"24,176":16120,"24,177":16121,"24,178":16122,"24,179":16123,"24,180":16124,"24,181":16125,"24,182":16126,"24,183":16127,"24,184":16128,"24,185":16129,"24,186":16130,"24,187":16131,"24,188":16132,"24,189":16133,"24,190":16134,"24,191":16135,"24,192":16136,"24,193":16137,"24,194":16138,"24,195":16139,"24,196":16140,"24,197":16141,"24,198":16142,"24,199":16143,"24,200":16144,"24,201":16145,"24,202":16146,"24,203":16147,"24,204":16148,"24,205":16149,"24,206":16150,"24,207":16151,"24,208":16152,"24,209":16153,"24,210":16154,"24,211":16155,"24,212":16156,"24,213":16157,"24,214":16158,"24,215":16159,"24,216":16160,"24,217":16161,"24,218":16162,"24,219":16163,"24,220":16164,"24,221":16165,"24,222":16166,"24,223":16167,"24,224":16168,"24,225":16169,"24,226":16170,"24,227":16171,"24,228":16172,"24,229":16173,"24,230":16174,"24,231":16175,"24,232":16176,"24,233":16177,"24,234":16178,"24,235":16179,"24,236":16180,"24,237":16181,"24,238":16182,"24,239":16183,"24,240":16184,"24,241":16185,"24,242":16186,"24,243":16187,"24,244":16188,"24,245":16189,"24,246":16190,"24,247":16191,"24,248":16192,"24,249":16193,"24,250":16194,"24,251":16195,"24,252":16196,"24,253":16197,"24,254":16198,"24,255":16199,"24,256":16200,"24,257":16201,"24,258":16202,"24,259":16203,"24,260":16204,"24,261":16205,"24,262":16206,"24,263":16207,"24,264":16208,"24,265":16209,"24,266":16210,"24,267":16211,"24,268":16212,"24,269":16213,"24,270":16214,"24,271":16215,"24,272":16216,"24,273":16217,"24,274":16218,"24,275":16219,"24,276":16220,"24,277":16221,"24,278":16222,"24,279":16223,"24,280":16224,"24,281":16225,"24,282":16226,"24,283":16227,"24,284":16228,"24,285":16229,"24,286":16230,"24,287":16231,"24,288":16232,"24,289":16233,"24,290":16234,"24,291":16235,"24,292":16236,"24,293":16237,"24,294":16238,"24,295":16239,"24,296":16240,"24,297":16241,"24,298":16242,"24,299":16243,"24,300":16244,"24,301":16245,"24,302":16246,"24,303":16247,"24,304":16248,"24,305":16249,"24,306":16250,"24,307":16251,"24,308":16252,"24,309":16253,"24,310":16254,"24,311":16255,"24,312":16256,"24,313":16257,"24,314":16258,"24,315":16259,"24,316":16260,"24,317":16261,"24,318":16262,"24,319":16263,"24,320":16264,"24,321":16265,"24,322":16266,"24,323":16267,"24,324":16268,"24,325":16269,"24,326":16270,"24,327":16271,"24,328":16272,"24,329":16273,"24,330":16274,"24,331":16275,"24,332":16276,"24,333":16277,"24,334":16278,"24,335":16279,"24,336":16280,"24,337":16281,"24,338":16282,"24,339":16283,"24,340":16284,"24,341":16285,"24,342":16286,"24,343":16287,"24,344":16288,"24,345":16289,"24,346":16290,"24,347":16291,"24,348":16292,"24,349":16293,"24,350":16294,"24,351":16295,"24,352":16296,"24,353":16297,"24,354":16298,"24,355":16299,"24,356":16300,"24,357":16301,"24,358":16302,"24,359":16303,"24,360":16304,"24,361":16305,"24,362":16306,"24,363":16307,"24,364":16308,"24,365":16309,"24,366":16310,"24,367":16311,"24,368":16312,"24,369":16313,"24,370":16314,"24,371":16315,"24,372":16316,"24,373":16317,"24,374":16318,"24,375":16319,"24,376":16320,"24,377":16321,"24,378":16322,"24,379":16323,"24,380":16324,"24,381":16325,"24,382":16326,"24,383":16327,"24,384":16328,"24,385":16329,"24,386":16330,"24,387":16331,"24,388":16332,"24,389":16333,"24,390":16334,"24,391":16335,"24,392":16336,"24,393":16337,"24,394":16338,"24,395":16339,"24,396":16340,"24,397":16341,"24,398":16342,"24,399":16343,"24,400":16344,"24,401":16345,"24,402":16346,"24,403":16347,"24,404":16348,"24,405":16349,"24,406":16350,"24,407":16351,"24,408":16352,"24,409":16353,"24,410":16354,"24,411":16355,"24,412":16356,"24,413":16357,"24,414":16358,"24,415":16359,"24,416":16360,"24,417":16361,"24,418":16362,"24,419":16363,"24,420":16364,"24,421":16365,"24,422":16366,"24,423":16367,"24,424":16368,"24,425":16369,"24,426":16370,"24,427":16371,"24,428":16372,"24,429":16373,"24,430":16374,"24,431":16375,"24,432":16376,"24,433":16377,"24,434":16378,"24,435":16379,"24,436":16380,"24,437":16381,"24,438":16382,"24,439":16383,"24,440":16384,"24,441":16385,"24,442":16386,"24,443":16387,"24,444":16388,"24,445":16389,"24,446":16390,"24,447":16391,"24,448":16392,"24,449":16393,"24,450":16394,"24,451":16395,"24,452":16396,"24,453":16397,"24,454":16398,"24,455":16399,"24,456":16400,"24,457":16401,"24,458":16402,"24,459":16403,"24,460":16404,"24,461":16405,"24,462":16406,"24,463":16407,"24,464":16408,"24,465":16409,"24,466":16410,"24,467":16411,"24,468":16412,"24,469":16413,"24,470":16414,"24,471":16415,"24,472":16416,"24,473":16417,"24,474":16418,"24,475":16419,"24,476":16420,"24,477":16421,"24,478":16422,"24,479":16423,"24,480":16424,"24,481":16425,"24,482":16426,"24,483":16427,"24,484":16428,"24,485":16429,"24,486":16430,"24,487":16431,"24,488":16432,"24,489":16433,"24,490":16434,"24,491":16435,"24,492":16436,"24,493":16437,"24,494":16438,"24,495":16439,"24,496":16440,"24,497":16441,"24,498":16442,"24,499":16443,"24,500":16444,"24,501":16445,"24,502":16446,"24,503":16447,"24,504":16448,"24,505":16449,"24,506":16450,"24,507":16451,"24,508":16452,"24,509":16453,"24,510":16454,"24,511":16455,"24,512":16456,"24,513":16457,"24,514":16458,"24,515":16459,"24,516":16460,"24,517":16461,"24,518":16462,"24,519":16463,"24,520":16464,"24,521":16465,"24,522":16466,"24,523":16467,"24,524":16468,"24,525":16469,"24,526":16470,"24,527":16471,"24,528":16472,"24,529":16473,"24,530":16474,"24,531":16475,"24,532":16476,"24,533":16477,"24,534":16478,"24,535":16479,"24,536":16480,"24,537":16481,"24,538":16482,"24,539":16483,"24,540":16484,"24,541":16485,"24,542":16486,"24,543":16487,"24,544":16488,"24,545":16489,"24,546":16490,"24,547":16491,"24,548":16492,"24,549":16493,"24,550":16494,"24,551":16495,"24,552":16496,"24,553":16497,"24,554":16498,"24,555":16499,"24,556":16500,"24,557":16501,"24,558":16502,"24,559":16503,"24,560":16504,"24,561":16505,"24,562":16506,"24,563":16507,"24,564":16508,"24,565":16509,"24,566":16510,"24,567":16511,"24,568":16512,"24,569":16513,"24,570":16514,"24,571":16515,"24,572":16516,"24,573":16517,"24,574":16518,"24,575":16519,"24,576":16520,"24,577":16521,"24,578":16522,"24,579":16523,"24,580":16524,"24,581":16525,"24,582":16526,"24,583":16527,"24,584":16528,"24,585":16529,"24,586":16530,"24,587":16531,"24,588":16532,"24,589":16533,"24,590":16534,"24,591":16535,"24,592":16536,"24,593":16537,"24,594":16538,"24,595":16539,"24,596":16540,"24,597":16541,"24,598":16542,"24,599":16543,"24,600":16544,"24,601":16545,"24,602":16546,"24,603":16547,"24,604":16548,"24,605":16549,"24,606":16550,"24,607":16551,"24,608":16552,"24,609":16553,"24,610":16554,"24,611":16555,"24,612":16556,"24,613":16557,"24,614":16558,"24,615":16559,"24,616":16560,"24,617":16561,"24,618":16562,"24,619":16563,"24,620":16564,"24,621":16565,"24,622":16566,"24,623":16567,"24,624":16568,"24,625":16569,"24,626":16570,"24,627":16571,"24,628":16572,"24,629":16573,"24,630":16574,"24,631":16575,"24,632":16576,"24,633":16577,"24,634":16578,"24,635":16579,"24,636":16580,"24,637":16581,"24,638":16582,"24,639":16583,"24,640":16584,"24,641":16585,"24,642":16586,"24,643":16587,"24,644":16588,"24,645":16589,"24,646":16590,"24,647":16591,"24,648":16592,"24,649":16593,"24,650":16594,"24,651":16595,"24,652":16596,"24,653":16597,"24,654":16598,"24,655":16599,"24,656":16600,"24,657":16601,"24,658":16602,"24,659":16603,"24,660":16604,"24,661":16605,"24,662":16606,"24,663":16607,"24,664":16608,"24,665":16609,"24,666":16610,"24,667":16611,"24,668":16612,"24,669":16613,"24,670":16614,"24,671":16615,"24,672":16616,"24,673":16617,"24,674":16618,"24,675":16619,"24,676":16620,"24,677":16621,"24,678":16622,"24,679":16623,"24,680":16624,"24,681":16625,"24,682":16626,"24,683":16627,"24,684":16628,"24,685":16629,"24,686":16630,"24,687":16631,"24,688":16632,"24,689":16633,"24,690":16634,"24,691":16635,"24,692":16636,"24,693":16637,"24,694":16638,"24,695":16639,"24,696":16640,"24,697":16641,"24,698":16642,"24,699":16643,"24,700":16644,"24,701":16645,"24,702":16646,"24,703":16647,"24,704":16648,"24,705":16649,"24,706":16650,"24,707":16651,"24,708":16652,"24,709":16653,"24,710":16654,"24,711":16655,"24,712":16656,"24,713":16657,"24,714":16658,"24,715":16659,"24,716":16660,"24,717":16661,"24,718":16662,"24,719":16663,"24,720":16664,"24,721":16665,"24,722":16666,"24,723":16667,"24,724":16668,"24,725":16669,"24,726":16670,"24,727":16671,"24,728":16672,"24,729":16673,"24,730":16674,"24,731":16675,"24,732":16676,"24,733":16677,"24,734":16678,"24,735":16679,"24,736":16680,"24,737":16681,"24,738":16682,"24,739":16683,"24,740":16684,"24,741":16685,"24,742":16686,"24,743":16687,"24,744":16688,"24,745":16689,"24,746":16690,"24,747":16691,"24,748":16692,"24,749":16693,"24,750":16694,"24,751":16695,"24,752":16696,"24,753":16697,"24,754":16698,"24,755":16699,"24,756":16700},"ٜ":{"المقدمة":[5,191],"1":[3,732],"2":[5,747],"3":[5,763],"4":[5,711],"5":[5,725],"6":[5,731],"7":[5,726],"8":[5,750],"9":[5,679],"10":[5,671],"11":[5,702],"12":[5,649],"13":[5,747],"14":[5,673],"15":[5,649],"16":[5,648],"17":[5,683],"18":[5,646],"19":[5,662],"20":[5,665],"21":[5,610],"22":[5,673],"23":[5,614],"24":[5,756]},"ٝ":["المقدمة,5","المقدمة,6","المقدمة,7","المقدمة,8","المقدمة,9","المقدمة,11","المقدمة,12","المقدمة,13","المقدمة,14","المقدمة,15","المقدمة,16","المقدمة,17","المقدمة,18","المقدمة,19","المقدمة,20","المقدمة,21","المقدمة,22","المقدمة,23","المقدمة,24","المقدمة,25","المقدمة,26","المقدمة,27","المقدمة,28","المقدمة,29","المقدمة,30","المقدمة,31","المقدمة,32","المقدمة,33","المقدمة,34","المقدمة,35","المقدمة,36","المقدمة,37","المقدمة,38","المقدمة,39","المقدمة,40","المقدمة,41","المقدمة,42","المقدمة,43","المقدمة,44","المقدمة,45","المقدمة,46","المقدمة,47","المقدمة,48","المقدمة,49","المقدمة,50","المقدمة,51","المقدمة,52","المقدمة,53","المقدمة,54","المقدمة,55","المقدمة,56","المقدمة,57","المقدمة,58","المقدمة,59","المقدمة,60","المقدمة,61","المقدمة,63","المقدمة,64","المقدمة,65","المقدمة,66","المقدمة,67","المقدمة,68","المقدمة,69","المقدمة,70","المقدمة,71","المقدمة,72","المقدمة,73","المقدمة,74","المقدمة,75","المقدمة,76","المقدمة,77","المقدمة,78","المقدمة,79","المقدمة,80","المقدمة,81","المقدمة,82","المقدمة,83","المقدمة,84","المقدمة,85","المقدمة,86","المقدمة,87","المقدمة,88","المقدمة,89","المقدمة,90","المقدمة,91","المقدمة,92","المقدمة,93","المقدمة,94","المقدمة,95","المقدمة,96","المقدمة,97","المقدمة,98","المقدمة,99","المقدمة,100","المقدمة,101","المقدمة,102","المقدمة,103","المقدمة,104","المقدمة,105","المقدمة,106","المقدمة,107","المقدمة,108","المقدمة,109","المقدمة,110","المقدمة,111","المقدمة,113","المقدمة,114","المقدمة,115","المقدمة,116","المقدمة,117","المقدمة,118","المقدمة,119","المقدمة,120","المقدمة,121","المقدمة,122","المقدمة,123","المقدمة,124","المقدمة,125","المقدمة,126","المقدمة,127","المقدمة,128","المقدمة,129","المقدمة,130","المقدمة,131","المقدمة,132","المقدمة,133","المقدمة,134","المقدمة,135","المقدمة,136","المقدمة,137","المقدمة,138","المقدمة,139","المقدمة,140","المقدمة,141","المقدمة,142","المقدمة,143","المقدمة,144","المقدمة,145","المقدمة,146","المقدمة,147","المقدمة,148","المقدمة,149","المقدمة,150","المقدمة,151","المقدمة,152","المقدمة,153","المقدمة,154","المقدمة,155","المقدمة,156","المقدمة,157","المقدمة,158","المقدمة,159","المقدمة,160","المقدمة,161","المقدمة,162","المقدمة,163","المقدمة,164","المقدمة,165","المقدمة,166","المقدمة,167","المقدمة,168","المقدمة,169","المقدمة,170","المقدمة,171","المقدمة,172","المقدمة,173","المقدمة,174","المقدمة,175","المقدمة,176","المقدمة,177","المقدمة,178","المقدمة,179","المقدمة,180","المقدمة,181","المقدمة,182","المقدمة,183","المقدمة,185","المقدمة,187","المقدمة,188","المقدمة,189","المقدمة,190","المقدمة,191","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,716","2,717","2,718","2,719","2,720","2,721","2,722","2,723","2,724","2,725","2,726","2,727","2,728","2,729","2,730","2,731","2,732","2,733","2,734","2,735","2,736","2,737","2,738","2,739","2,740","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,561","3,562","3,563","3,564","3,565","3,566","3,567","3,568","3,569","3,570","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575","3,576","3,577","3,578","3,579","3,580","3,581","3,582","3,583","3,584","3,585","3,586","3,587","3,588","3,589","3,590","3,591","3,592","3,593","3,594","3,595","3,596","3,597","3,598","3,599","3,600","3,601","3,602","3,603","3,604","3,605","3,606","3,607","3,608","3,609","3,610","3,611","3,612","3,613","3,614","3,615","3,616","3,617","3,618","3,619","3,620","3,621","3,622","3,623","3,624","3,625","3,626","3,627","3,628","3,629","3,630","3,631","3,632","3,633","3,634","3,635","3,636","3,637","3,638","3,639","3,640","3,641","3,642","3,643","3,644","3,645","3,646","3,647","3,648","3,649","3,650","3,651","3,652","3,653","3,654","3,655","3,656","3,657","3,658","3,659","3,660","3,661","3,662","3,663","3,664","3,665","3,666","3,667","3,668","3,669","3,670","3,671","3,672","3,673","3,674","3,675","3,676","3,677","3,678","3,679","3,680","3,681","3,682","3,683","3,684","3,685","3,686","3,687","3,688","3,689","3,690","3,691","3,692","3,693","3,694","3,695","3,696","3,697","3,698","3,699","3,700","3,701","3,702","3,703","3,704","3,705","3,706","3,707","3,708","3,709","3,710","3,711","3,712","3,713","3,714","3,715","3,716","3,717","3,718","3,719","3,720","3,721","3,722","3,723","3,724","3,725","3,726","3,727","3,728","3,729","3,730","3,731","3,732","3,733","3,734","3,735","3,736","3,737","3,738","3,739","3,740","3,741","3,742","3,743","3,744","3,745","3,746","3,747","3,748","3,749","3,750","3,751","3,752","3,753","3,754","3,755","3,756","3,757","3,758","3,759","3,760","3,761","3,762","3,763","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,523","4,524","4,525","4,526","4,527","4,528","4,529","4,530","4,531","4,532","4,533","4,534","4,535","4,536","4,537","4,538","4,539","4,540","4,541","4,542","4,543","4,544","4,545","4,546","4,547","4,548","4,549","4,550","4,551","4,552","4,553","4,554","4,555","4,556","4,557","4,558","4,559","4,560","4,561","4,562","4,563","4,564","4,565","4,566","4,567","4,568","4,569","4,570","4,571","4,572","4,573","4,574","4,575","4,576","4,577","4,578","4,579","4,580","4,581","4,582","4,583","4,584","4,585","4,586","4,587","4,588","4,589","4,590","4,591","4,592","4,593","4,594","4,595","4,596","4,597","4,598","4,599","4,600","4,601","4,602","4,603","4,604","4,605","4,606","4,607","4,608","4,609","4,610","4,611","4,612","4,613","4,614","4,615","4,616","4,617","4,618","4,619","4,620","4,621","4,622","4,623","4,624","4,625","4,626","4,627","4,628","4,629","4,630","4,631","4,632","4,633","4,634","4,635","4,636","4,637","4,638","4,639","4,640","4,641","4,642","4,643","4,644","4,645","4,646","4,647","4,648","4,649","4,650","4,651","4,652","4,653","4,654","4,655","4,656","4,657","4,658","4,659","4,660","4,661","4,662","4,663","4,664","4,665","4,666","4,667","4,668","4,669","4,670","4,671","4,672","4,673","4,674","4,675","4,676","4,677","4,678","4,679","4,680","4,681","4,682","4,683","4,684","4,685","4,686","4,687","4,688","4,689","4,690","4,691","4,692","4,693","4,694","4,695","4,696","4,697","4,698","4,699","4,700","4,701","4,702","4,703","4,704","4,705","4,706","4,707","4,708","4,709","4,710","4,711","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,434","5,435","5,436","5,437","5,438","5,439","5,440","5,441","5,442","5,443","5,444","5,445","5,446","5,447","5,448","5,449","5,450","5,451","5,452","5,453","5,454","5,455","5,456","5,457","5,458","5,459","5,460","5,461","5,462","5,463","5,464","5,465","5,466","5,467","5,468","5,469","5,470","5,471","5,472","5,473","5,474","5,475","5,476","5,477","5,478","5,479","5,480","5,481","5,482","5,483","5,484","5,485","5,486","5,487","5,488","5,489","5,490","5,491","5,492","5,493","5,494","5,495","5,496","5,497","5,498","5,499","5,500","5,501","5,502","5,503","5,504","5,505","5,506","5,507","5,508","5,509","5,510","5,511","5,512","5,513","5,514","5,515","5,516","5,517","5,518","5,519","5,520","5,521","5,522","5,523","5,524","5,525","5,526","5,527","5,528","5,529","5,530","5,531","5,532","5,533","5,534","5,535","5,536","5,537","5,538","5,539","5,540","5,541","5,542","5,543","5,544","5,545","5,546","5,547","5,548","5,549","5,550","5,551","5,552","5,553","5,554","5,555","5,556","5,557","5,558","5,559","5,560","5,561","5,562","5,563","5,564","5,565","5,566","5,567","5,568","5,569","5,570","5,571","5,572","5,573","5,574","5,575","5,576","5,577","5,578","5,579","5,580","5,581","5,582","5,583","5,584","5,585","5,586","5,587","5,588","5,589","5,590","5,591","5,592","5,593","5,594","5,595","5,596","5,597","5,598","5,599","5,600","5,601","5,602","5,603","5,604","5,605","5,606","5,607","5,608","5,609","5,610","5,611","5,612","5,613","5,614","5,615","5,616","5,617","5,618","5,619","5,620","5,621","5,622","5,623","5,624","5,625","5,626","5,627","5,628","5,629","5,630","5,631","5,632","5,633","5,634","5,635","5,636","5,637","5,638","5,639","5,640","5,641","5,642","5,643","5,644","5,645","5,646","5,647","5,648","5,649","5,650","5,651","5,652","5,653","5,654","5,655","5,656","5,657","5,658","5,659","5,660","5,661","5,662","5,663","5,664","5,665","5,666","5,667","5,668","5,669","5,670","5,671","5,672","5,673","5,674","5,675","5,676","5,677","5,678","5,679","5,680","5,681","5,682","5,683","5,684","5,685","5,686","5,687","5,688","5,689","5,690","5,691","5,692","5,693","5,694","5,695","5,696","5,697","5,698","5,699","5,700","5,701","5,702","5,703","5,704","5,705","5,706","5,707","5,708","5,709","5,710","5,711","5,712","5,713","5,714","5,715","5,716","5,717","5,718","5,719","5,720","5,721","5,722","5,723","5,724","5,725","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,404","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437","6,438","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,446","6,447","6,448","6,449","6,450","6,451","6,452","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,464","6,465","6,466","6,467","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","6,476","6,477","6,478","6,479","6,480","6,481","6,482","6,483","6,484","6,485","6,486","6,487","6,488","6,489","6,490","6,491","6,492","6,493","6,494","6,495","6,496","6,497","6,498","6,499","6,500","6,501","6,502","6,503","6,504","6,505","6,506","6,507","6,508","6,509","6,510","6,511","6,512","6,513","6,514","6,515","6,516","6,517","6,518","6,519","6,520","6,521","6,522","6,523","6,524","6,525","6,526","6,527","6,528","6,529","6,530","6,531","6,532","6,533","6,534","6,535","6,536","6,537","6,538","6,539","6,540","6,541","6,542","6,543","6,544","6,545","6,546","6,547","6,548","6,549","6,550","6,551","6,552","6,553","6,554","6,555","6,556","6,557","6,558","6,559","6,560","6,561","6,562","6,563","6,564","6,565","6,566","6,567","6,568","6,569","6,570","6,571","6,572","6,573","6,574","6,575","6,576","6,577","6,578","6,579","6,580","6,581","6,582","6,583","6,584","6,585","6,586","6,587","6,588","6,589","6,590","6,591","6,592","6,593","6,594","6,595","6,596","6,597","6,598","6,599","6,600","6,601","6,602","6,603","6,604","6,605","6,606","6,607","6,608","6,609","6,610","6,611","6,612","6,613","6,614","6,615","6,616","6,617","6,618","6,619","6,620","6,621","6,622","6,623","6,624","6,625","6,626","6,627","6,628","6,629","6,630","6,631","6,632","6,633","6,634","6,635","6,636","6,637","6,638","6,639","6,640","6,641","6,642","6,643","6,644","6,645","6,646","6,647","6,648","6,649","6,650","6,651","6,652","6,653","6,654","6,655","6,656","6,657","6,658","6,659","6,660","6,661","6,662","6,663","6,664","6,665","6,666","6,667","6,668","6,669","6,670","6,671","6,672","6,673","6,674","6,675","6,676","6,677","6,678","6,679","6,680","6,681","6,682","6,683","6,684","6,685","6,686","6,687","6,688","6,689","6,690","6,691","6,692","6,693","6,694","6,695","6,696","6,697","6,698","6,699","6,700","6,701","6,702","6,703","6,704","6,705","6,706","6,707","6,708","6,709","6,710","6,711","6,712","6,713","6,714","6,715","6,716","6,717","6,718","6,719","6,720","6,721","6,722","6,723","6,724","6,725","6,726","6,727","6,728","6,729","6,730","6,731","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,360","7,361","7,362","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,371","7,372","7,373","7,374","7,375","7,376","7,377","7,378","7,379","7,380","7,381","7,382","7,383","7,384","7,385","7,386","7,387","7,388","7,389","7,390","7,391","7,392","7,393","7,394","7,395","7,396","7,397","7,398","7,399","7,400","7,401","7,402","7,403","7,404","7,405","7,406","7,407","7,408","7,409","7,410","7,411","7,412","7,413","7,414","7,415","7,416","7,417","7,418","7,419","7,420","7,421","7,422","7,423","7,424","7,425","7,426","7,427","7,428","7,429","7,430","7,431","7,432","7,433","7,434","7,435","7,436","7,437","7,438","7,439","7,440","7,441","7,442","7,443","7,444","7,445","7,446","7,447","7,448","7,449","7,450","7,451","7,452","7,453","7,454","7,455","7,456","7,457","7,458","7,459","7,460","7,461","7,462","7,463","7,464","7,465","7,466","7,467","7,468","7,469","7,470","7,471","7,472","7,473","7,474","7,475","7,476","7,477","7,478","7,479","7,480","7,481","7,482","7,483","7,484","7,485","7,486","7,487","7,488","7,489","7,490","7,491","7,492","7,493","7,494","7,495","7,496","7,497","7,498","7,499","7,500","7,501","7,502","7,503","7,504","7,505","7,506","7,507","7,508","7,509","7,510","7,511","7,512","7,513","7,514","7,515","7,516","7,517","7,518","7,519","7,520","7,521","7,522","7,523","7,524","7,525","7,526","7,527","7,528","7,529","7,530","7,531","7,532","7,533","7,534","7,535","7,536","7,537","7,538","7,539","7,540","7,541","7,542","7,543","7,544","7,545","7,546","7,547","7,548","7,549","7,550","7,551","7,552","7,553","7,554","7,555","7,556","7,557","7,558","7,559","7,560","7,561","7,562","7,563","7,564","7,565","7,566","7,567","7,568","7,569","7,570","7,571","7,572","7,573","7,574","7,575","7,576","7,577","7,578","7,579","7,580","7,581","7,582","7,583","7,584","7,585","7,586","7,587","7,588","7,589","7,590","7,591","7,592","7,593","7,594","7,595","7,596","7,597","7,598","7,599","7,600","7,601","7,602","7,603","7,604","7,605","7,606","7,607","7,608","7,609","7,610","7,611","7,612","7,613","7,614","7,615","7,616","7,617","7,618","7,619","7,620","7,621","7,622","7,623","7,624","7,625","7,626","7,627","7,628","7,629","7,630","7,631","7,632","7,633","7,634","7,635","7,636","7,637","7,638","7,639","7,640","7,641","7,642","7,643","7,644","7,645","7,646","7,647","7,648","7,649","7,650","7,651","7,652","7,653","7,654","7,655","7,656","7,657","7,658","7,659","7,660","7,661","7,662","7,663","7,664","7,665","7,666","7,667","7,668","7,669","7,670","7,671","7,672","7,673","7,674","7,675","7,676","7,677","7,678","7,679","7,680","7,681","7,682","7,683","7,684","7,685","7,686","7,687","7,688","7,689","7,690","7,691","7,692","7,693","7,694","7,695","7,696","7,697","7,698","7,699","7,700","7,701","7,702","7,703","7,704","7,705","7,706","7,707","7,708","7,709","7,710","7,711","7,712","7,713","7,714","7,715","7,716","7,717","7,718","7,719","7,720","7,721","7,722","7,723","7,724","7,725","7,726","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,29","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","8,35","8,36","8,37","8,38","8,39","8,40","8,41","8,42","8,43","8,44","8,45","8,46","8,47","8,48","8,49","8,50","8,51","8,52","8,53","8,54","8,55","8,56","8,57","8,58","8,59","8,60","8,61","8,62","8,63","8,64","8,65","8,66","8,67","8,68","8,69","8,70","8,71","8,72","8,73","8,74","8,75","8,76","8,77","8,78","8,79","8,80","8,81","8,82","8,83","8,84","8,85","8,86","8,87","8,88","8,89","8,90","8,91","8,92","8,93","8,94","8,95","8,96","8,97","8,98","8,99","8,100","8,101","8,102","8,103","8,104","8,105","8,106","8,107","8,108","8,109","8,110","8,111","8,112","8,113","8,114","8,115","8,116","8,117","8,118","8,119","8,120","8,121","8,122","8,123","8,124","8,125","8,126","8,127","8,128","8,129","8,130","8,131","8,132","8,133","8,134","8,135","8,136","8,137","8,138","8,139","8,140","8,141","8,142","8,143","8,144","8,145","8,146","8,147","8,148","8,149","8,150","8,151","8,152","8,153","8,154","8,155","8,156","8,157","8,158","8,159","8,160","8,161","8,162","8,163","8,164","8,165","8,166","8,167","8,168","8,169","8,170","8,171","8,172","8,173","8,174","8,175","8,176","8,177","8,178","8,179","8,180","8,181","8,182","8,183","8,184","8,185","8,186","8,187","8,188","8,189","8,190","8,191","8,192","8,193","8,194","8,195","8,196","8,197","8,198","8,199","8,200","8,201","8,202","8,203","8,204","8,205","8,206","8,207","8,208","8,209","8,210","8,211","8,212","8,213","8,214","8,215","8,216","8,217","8,218","8,219","8,220","8,221","8,222","8,223","8,224","8,225","8,226","8,227","8,228","8,229","8,230","8,231","8,232","8,233","8,234","8,235","8,236","8,237","8,238","8,239","8,240","8,241","8,242","8,243","8,244","8,245","8,246","8,247","8,248","8,249","8,250","8,251","8,252","8,253","8,254","8,255","8,256","8,257","8,258","8,259","8,260","8,261","8,262","8,263","8,264","8,265","8,266","8,267","8,268","8,269","8,270","8,271","8,272","8,273","8,274","8,275","8,276","8,277","8,278","8,279","8,280","8,281","8,282","8,283","8,284","8,285","8,286","8,287","8,288","8,289","8,290","8,291","8,292","8,293","8,294","8,295","8,296","8,297","8,298","8,299","8,300","8,301","8,302","8,303","8,304","8,305","8,306","8,307","8,308","8,309","8,310","8,311","8,312","8,313","8,314","8,315","8,316","8,317","8,318","8,319","8,320","8,321","8,322","8,323","8,324","8,325","8,326","8,327","8,328","8,329","8,330","8,331","8,332","8,333","8,334","8,335","8,336","8,337","8,338","8,339","8,340","8,341","8,342","8,343","8,344","8,345","8,346","8,347","8,348","8,349","8,350","8,351","8,352","8,353","8,354","8,355","8,356","8,357","8,358","8,359","8,360","8,361","8,362","8,363","8,364","8,365","8,366","8,367","8,368","8,369","8,370","8,371","8,372","8,373","8,374","8,375","8,376","8,377","8,378","8,379","8,380","8,381","8,382","8,383","8,384","8,385","8,386","8,387","8,388","8,389","8,390","8,391","8,392","8,393","8,394","8,395","8,396","8,397","8,398","8,399","8,400","8,401","8,402","8,403","8,404","8,405","8,406","8,407","8,408","8,409","8,410","8,411","8,412","8,413","8,414","8,415","8,416","8,417","8,418","8,419","8,420","8,421","8,422","8,423","8,424","8,425","8,426","8,427","8,428","8,429","8,430","8,431","8,432","8,433","8,434","8,435","8,436","8,437","8,438","8,439","8,440","8,441","8,442","8,443","8,444","8,445","8,446","8,447","8,448","8,449","8,450","8,451","8,452","8,453","8,454","8,455","8,456","8,457","8,458","8,459","8,460","8,461","8,462","8,463","8,464","8,465","8,466","8,467","8,468","8,469","8,470","8,471","8,472","8,473","8,474","8,475","8,476","8,477","8,478","8,479","8,480","8,481","8,482","8,483","8,484","8,485","8,486","8,487","8,488","8,489","8,490","8,491","8,492","8,493","8,494","8,495","8,496","8,497","8,498","8,499","8,500","8,501","8,502","8,503","8,504","8,505","8,506","8,507","8,508","8,509","8,510","8,511","8,512","8,513","8,514","8,515","8,516","8,517","8,518","8,519","8,520","8,521","8,522","8,523","8,524","8,525","8,526","8,527","8,528","8,529","8,530","8,531","8,532","8,533","8,534","8,535","8,536","8,537","8,538","8,539","8,540","8,541","8,542","8,543","8,544","8,545","8,546","8,547","8,548","8,549","8,550","8,551","8,552","8,553","8,554","8,555","8,556","8,557","8,558","8,559","8,560","8,561","8,562","8,563","8,564","8,565","8,566","8,567","8,568","8,569","8,570","8,571","8,572","8,573","8,574","8,575","8,576","8,577","8,578","8,579","8,580","8,581","8,582","8,583","8,584","8,585","8,586","8,587","8,588","8,589","8,590","8,591","8,592","8,593","8,594","8,595","8,596","8,597","8,598","8,599","8,600","8,601","8,602","8,603","8,604","8,605","8,606","8,607","8,608","8,609","8,610","8,611","8,612","8,613","8,614","8,615","8,616","8,617","8,618","8,619","8,620","8,621","8,622","8,623","8,624","8,625","8,626","8,627","8,628","8,629","8,630","8,631","8,632","8,633","8,634","8,635","8,636","8,637","8,638","8,639","8,640","8,641","8,642","8,643","8,644","8,645","8,646","8,647","8,648","8,649","8,650","8,651","8,652","8,653","8,654","8,655","8,656","8,657","8,658","8,659","8,660","8,661","8,662","8,663","8,664","8,665","8,666","8,667","8,668","8,669","8,670","8,671","8,672","8,673","8,674","8,675","8,676","8,677","8,678","8,679","8,680","8,681","8,682","8,683","8,684","8,685","8,686","8,687","8,688","8,689","8,690","8,691","8,692","8,693","8,694","8,695","8,696","8,697","8,698","8,699","8,700","8,701","8,702","8,703","8,704","8,705","8,706","8,707","8,708","8,709","8,710","8,711","8,712","8,713","8,714","8,715","8,716","8,717","8,718","8,719","8,720","8,721","8,722","8,723","8,724","8,725","8,726","8,727","8,728","8,729","8,730","8,731","8,732","8,733","8,734","8,735","8,736","8,737","8,738","8,739","8,740","8,741","8,742","8,743","8,744","8,745","8,746","8,747","8,748","8,749","8,750","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","9,14","9,15","9,16","9,17","9,18","9,19","9,20","9,21","9,22","9,23","9,24","9,25","9,26","9,27","9,28","9,29","9,30","9,31","9,32","9,33","9,34","9,35","9,36","9,37","9,38","9,39","9,40","9,41","9,42","9,43","9,44","9,45","9,46","9,47","9,48","9,49","9,50","9,51","9,52","9,53","9,54","9,55","9,56","9,57","9,58","9,59","9,60","9,61","9,62","9,63","9,64","9,65","9,66","9,67","9,68","9,69","9,70","9,71","9,72","9,73","9,74","9,75","9,76","9,77","9,78","9,79","9,80","9,81","9,82","9,83","9,84","9,85","9,86","9,87","9,88","9,89","9,90","9,91","9,92","9,93","9,94","9,95","9,96","9,97","9,98","9,99","9,100","9,101","9,102","9,103","9,104","9,105","9,106","9,107","9,108","9,109","9,110","9,111","9,112","9,113","9,114","9,115","9,116","9,117","9,118","9,119","9,120","9,121","9,122","9,123","9,124","9,125","9,126","9,127","9,128","9,129","9,130","9,131","9,132","9,133","9,134","9,135","9,136","9,137","9,138","9,139","9,140","9,141","9,142","9,143","9,144","9,145","9,146","9,147","9,148","9,149","9,150","9,151","9,152","9,153","9,154","9,155","9,156","9,157","9,158","9,159","9,160","9,161","9,162","9,163","9,164","9,165","9,166","9,167","9,168","9,169","9,170","9,171","9,172","9,173","9,174","9,175","9,176","9,177","9,178","9,179","9,180","9,181","9,182","9,183","9,184","9,185","9,186","9,187","9,188","9,189","9,190","9,191","9,192","9,193","9,194","9,195","9,196","9,197","9,198","9,199","9,200","9,201","9,202","9,203","9,204","9,205","9,206","9,207","9,208","9,209","9,210","9,211","9,212","9,213","9,214","9,215","9,216","9,217","9,218","9,219","9,220","9,221","9,222","9,223","9,224","9,225","9,226","9,227","9,228","9,229","9,230","9,231","9,232","9,233","9,234","9,235","9,236","9,237","9,238","9,239","9,240","9,241","9,242","9,243","9,244","9,245","9,246","9,247","9,248","9,249","9,250","9,251","9,252","9,253","9,254","9,255","9,256","9,257","9,258","9,259","9,260","9,261","9,262","9,263","9,264","9,265","9,266","9,267","9,268","9,269","9,270","9,271","9,272","9,273","9,274","9,275","9,276","9,277","9,278","9,279","9,280","9,281","9,282","9,283","9,284","9,285","9,286","9,287","9,288","9,289","9,290","9,291","9,292","9,293","9,294","9,295","9,296","9,297","9,298","9,299","9,300","9,301","9,302","9,303","9,304","9,305","9,306","9,307","9,308","9,309","9,310","9,311","9,312","9,313","9,314","9,315","9,316","9,317","9,318","9,319","9,320","9,321","9,322","9,323","9,324","9,325","9,326","9,327","9,328","9,329","9,330","9,331","9,332","9,333","9,334","9,335","9,336","9,337","9,338","9,339","9,340","9,341","9,342","9,343","9,344","9,345","9,346","9,347","9,348","9,349","9,350","9,351","9,352","9,353","9,354","9,355","9,356","9,357","9,358","9,359","9,360","9,361","9,362","9,363","9,364","9,365","9,366","9,367","9,368","9,369","9,370","9,371","9,372","9,373","9,374","9,375","9,376","9,377","9,378","9,379","9,380","9,381","9,382","9,383","9,384","9,385","9,386","9,387","9,388","9,389","9,390","9,391","9,392","9,393","9,394","9,395","9,396","9,397","9,398","9,399","9,400","9,401","9,402","9,403","9,404","9,405","9,406","9,407","9,408","9,409","9,410","9,411","9,412","9,413","9,414","9,415","9,416","9,417","9,418","9,419","9,420","9,421","9,422","9,423","9,424","9,425","9,426","9,427","9,428","9,429","9,430","9,431","9,432","9,433","9,434","9,435","9,436","9,437","9,438","9,439","9,440","9,441","9,442","9,443","9,444","9,445","9,446","9,447","9,448","9,449","9,450","9,451","9,452","9,453","9,454","9,455","9,456","9,457","9,458","9,459","9,460","9,461","9,462","9,463","9,464","9,465","9,466","9,467","9,468","9,469","9,470","9,471","9,472","9,473","9,474","9,475","9,476","9,477","9,478","9,479","9,480","9,481","9,482","9,483","9,484","9,485","9,486","9,487","9,488","9,489","9,490","9,491","9,492","9,493","9,494","9,495","9,496","9,497","9,498","9,499","9,500","9,501","9,502","9,503","9,504","9,505","9,506","9,507","9,508","9,509","9,510","9,511","9,512","9,513","9,514","9,515","9,516","9,517","9,518","9,519","9,520","9,521","9,522","9,523","9,524","9,525","9,526","9,527","9,528","9,529","9,530","9,531","9,532","9,533","9,534","9,535","9,536","9,537","9,538","9,539","9,540","9,541","9,542","9,543","9,544","9,545","9,546","9,547","9,548","9,549","9,550","9,551","9,552","9,553","9,554","9,555","9,556","9,557","9,558","9,559","9,560","9,561","9,562","9,563","9,564","9,565","9,566","9,567","9,568","9,569","9,570","9,571","9,572","9,573","9,574","9,575","9,576","9,577","9,578","9,579","9,580","9,581","9,582","9,583","9,584","9,585","9,586","9,587","9,588","9,589","9,590","9,591","9,592","9,593","9,594","9,595","9,596","9,597","9,598","9,599","9,600","9,601","9,602","9,603","9,604","9,605","9,606","9,607","9,608","9,609","9,610","9,611","9,612","9,613","9,614","9,615","9,616","9,617","9,618","9,619","9,620","9,621","9,622","9,623","9,624","9,625","9,626","9,627","9,628","9,629","9,630","9,631","9,632","9,633","9,634","9,635","9,636","9,637","9,638","9,639","9,640","9,641","9,642","9,643","9,644","9,645","9,646","9,647","9,648","9,649","9,650","9,651","9,652","9,653","9,654","9,655","9,656","9,657","9,658","9,659","9,660","9,661","9,662","9,663","9,664","9,665","9,666","9,667","9,668","9,669","9,670","9,671","9,672","9,673","9,674","9,675","9,676","9,677","9,678","9,679","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","10,17","10,18","10,19","10,20","10,21","10,22","10,23","10,24","10,25","10,26","10,27","10,28","10,29","10,30","10,31","10,32","10,33","10,34","10,35","10,36","10,37","10,38","10,39","10,40","10,41","10,42","10,43","10,44","10,45","10,46","10,47","10,48","10,49","10,50","10,51","10,52","10,53","10,54","10,55","10,56","10,57","10,58","10,59","10,60","10,61","10,62","10,63","10,64","10,65","10,66","10,67","10,68","10,69","10,70","10,71","10,72","10,73","10,74","10,75","10,76","10,77","10,78","10,79","10,80","10,81","10,82","10,83","10,84","10,85","10,86","10,87","10,88","10,89","10,90","10,91","10,92","10,93","10,94","10,95","10,96","10,97","10,98","10,99","10,100","10,101","10,102","10,103","10,104","10,105","10,106","10,107","10,108","10,109","10,110","10,111","10,112","10,113","10,114","10,115","10,116","10,117","10,118","10,119","10,120","10,121","10,122","10,123","10,124","10,125","10,126","10,127","10,128","10,129","10,130","10,131","10,132","10,133","10,134","10,135","10,136","10,137","10,138","10,139","10,140","10,141","10,142","10,143","10,144","10,145","10,146","10,147","10,148","10,149","10,150","10,151","10,152","10,153","10,154","10,155","10,156","10,157","10,158","10,159","10,160","10,161","10,162","10,163","10,164","10,165","10,166","10,167","10,168","10,169","10,170","10,171","10,172","10,173","10,174","10,175","10,176","10,177","10,178","10,179","10,180","10,181","10,182","10,183","10,184","10,185","10,186","10,187","10,188","10,189","10,190","10,191","10,192","10,193","10,194","10,195","10,196","10,197","10,198","10,199","10,200","10,201","10,202","10,203","10,204","10,205","10,206","10,207","10,208","10,209","10,210","10,211","10,212","10,213","10,214","10,215","10,216","10,217","10,218","10,219","10,220","10,221","10,222","10,223","10,224","10,225","10,226","10,227","10,228","10,229","10,230","10,231","10,232","10,233","10,234","10,235","10,236","10,237","10,238","10,239","10,240","10,241","10,242","10,243","10,244","10,245","10,246","10,247","10,248","10,249","10,250","10,251","10,252","10,253","10,254","10,255","10,256","10,257","10,258","10,259","10,260","10,261","10,262","10,263","10,264","10,265","10,266","10,267","10,268","10,269","10,270","10,271","10,272","10,273","10,274","10,275","10,276","10,277","10,278","10,279","10,280","10,281","10,282","10,283","10,284","10,285","10,286","10,287","10,288","10,289","10,290","10,291","10,292","10,293","10,294","10,295","10,296","10,297","10,298","10,299","10,300","10,301","10,302","10,303","10,304","10,305","10,306","10,307","10,308","10,309","10,310","10,311","10,312","10,313","10,314","10,315","10,316","10,317","10,318","10,319","10,320","10,321","10,322","10,323","10,324","10,325","10,326","10,327","10,328","10,329","10,330","10,331","10,332","10,333","10,334","10,335","10,336","10,337","10,338","10,339","10,340","10,341","10,342","10,343","10,344","10,345","10,346","10,347","10,348","10,349","10,350","10,351","10,352","10,353","10,354","10,355","10,356","10,357","10,358","10,359","10,360","10,361","10,362","10,363","10,364","10,365","10,366","10,367","10,368","10,369","10,370","10,371","10,372","10,373","10,374","10,375","10,376","10,377","10,378","10,379","10,380","10,381","10,382","10,383","10,384","10,385","10,386","10,387","10,388","10,389","10,390","10,391","10,392","10,393","10,394","10,395","10,396","10,397","10,398","10,399","10,400","10,401","10,402","10,403","10,404","10,405","10,406","10,407","10,408","10,409","10,410","10,411","10,412","10,413","10,414","10,415","10,416","10,417","10,418","10,419","10,420","10,421","10,422","10,423","10,424","10,425","10,426","10,427","10,428","10,429","10,430","10,431","10,432","10,433","10,434","10,435","10,436","10,437","10,438","10,439","10,440","10,441","10,442","10,443","10,444","10,445","10,446","10,447","10,448","10,449","10,450","10,451","10,452","10,453","10,454","10,455","10,456","10,457","10,458","10,459","10,460","10,461","10,462","10,463","10,464","10,465","10,466","10,467","10,468","10,469","10,470","10,471","10,472","10,473","10,474","10,475","10,476","10,477","10,478","10,479","10,480","10,481","10,482","10,483","10,484","10,485","10,486","10,487","10,488","10,489","10,490","10,491","10,492","10,493","10,494","10,495","10,496","10,497","10,498","10,499","10,500","10,501","10,502","10,503","10,504","10,505","10,506","10,507","10,508","10,509","10,510","10,511","10,512","10,513","10,514","10,515","10,516","10,517","10,518","10,519","10,520","10,521","10,522","10,523","10,524","10,525","10,526","10,527","10,528","10,529","10,530","10,531","10,532","10,533","10,534","10,535","10,536","10,537","10,538","10,539","10,540","10,541","10,542","10,543","10,544","10,545","10,546","10,547","10,548","10,549","10,550","10,551","10,552","10,553","10,554","10,555","10,556","10,557","10,558","10,559","10,560","10,561","10,562","10,563","10,564","10,565","10,566","10,567","10,568","10,569","10,570","10,571","10,572","10,573","10,574","10,575","10,576","10,577","10,578","10,579","10,580","10,581","10,582","10,583","10,584","10,585","10,586","10,587","10,588","10,589","10,590","10,591","10,592","10,593","10,594","10,595","10,596","10,597","10,598","10,599","10,600","10,601","10,602","10,603","10,604","10,605","10,606","10,607","10,608","10,609","10,610","10,611","10,612","10,613","10,614","10,615","10,616","10,617","10,618","10,619","10,620","10,621","10,622","10,623","10,624","10,625","10,626","10,627","10,628","10,629","10,630","10,631","10,632","10,633","10,634","10,635","10,636","10,637","10,638","10,639","10,640","10,641","10,642","10,643","10,644","10,645","10,646","10,647","10,648","10,649","10,650","10,651","10,652","10,653","10,654","10,655","10,656","10,657","10,658","10,659","10,660","10,661","10,662","10,663","10,664","10,665","10,666","10,667","10,668","10,669","10,670","10,671","11,5","11,6","11,7","11,8","11,9","11,10","11,11","11,12","11,13","11,14","11,15","11,16","11,17","11,18","11,19","11,20","11,21","11,22","11,23","11,24","11,25","11,26","11,27","11,28","11,29","11,30","11,31","11,32","11,33","11,34","11,35","11,36","11,37","11,38","11,39","11,40","11,41","11,42","11,43","11,44","11,45","11,46","11,47","11,48","11,49","11,50","11,51","11,52","11,53","11,54","11,55","11,56","11,57","11,58","11,59","11,60","11,61","11,62","11,63","11,64","11,65","11,66","11,67","11,68","11,69","11,70","11,71","11,72","11,73","11,74","11,75","11,76","11,77","11,78","11,79","11,80","11,81","11,82","11,83","11,84","11,85","11,86","11,87","11,88","11,89","11,90","11,91","11,92","11,93","11,94","11,95","11,96","11,97","11,98","11,99","11,100","11,101","11,102","11,103","11,104","11,105","11,106","11,107","11,108","11,109","11,110","11,111","11,112","11,113","11,114","11,115","11,116","11,117","11,118","11,119","11,120","11,121","11,122","11,123","11,124","11,125","11,126","11,127","11,128","11,129","11,130","11,131","11,132","11,133","11,134","11,135","11,136","11,137","11,138","11,139","11,140","11,141","11,142","11,143","11,144","11,145","11,146","11,147","11,148","11,149","11,150","11,151","11,152","11,153","11,154","11,155","11,156","11,157","11,158","11,159","11,160","11,161","11,162","11,163","11,164","11,165","11,166","11,167","11,168","11,169","11,170","11,171","11,172","11,173","11,174","11,175","11,176","11,177","11,178","11,179","11,180","11,181","11,182","11,183","11,184","11,185","11,186","11,187","11,188","11,189","11,190","11,191","11,192","11,193","11,194","11,195","11,196","11,197","11,198","11,199","11,200","11,201","11,202","11,203","11,204","11,205","11,206","11,207","11,208","11,209","11,210","11,211","11,212","11,213","11,214","11,215","11,216","11,217","11,218","11,219","11,220","11,221","11,222","11,223","11,224","11,225","11,226","11,227","11,228","11,229","11,230","11,231","11,232","11,233","11,234","11,235","11,236","11,237","11,238","11,239","11,240","11,241","11,242","11,243","11,244","11,245","11,246","11,247","11,248","11,249","11,250","11,251","11,252","11,253","11,254","11,255","11,256","11,257","11,258","11,259","11,260","11,261","11,262","11,263","11,264","11,265","11,266","11,267","11,268","11,269","11,270","11,271","11,272","11,273","11,274","11,275","11,276","11,277","11,278","11,279","11,280","11,281","11,282","11,283","11,284","11,285","11,286","11,287","11,288","11,289","11,290","11,291","11,292","11,293","11,294","11,295","11,296","11,297","11,298","11,299","11,300","11,301","11,302","11,303","11,304","11,305","11,306","11,307","11,308","11,309","11,310","11,311","11,312","11,313","11,314","11,315","11,316","11,317","11,318","11,319","11,320","11,321","11,322","11,323","11,324","11,325","11,326","11,327","11,328","11,329","11,330","11,331","11,332","11,333","11,334","11,335","11,336","11,337","11,338","11,339","11,340","11,341","11,342","11,343","11,344","11,345","11,346","11,347","11,348","11,349","11,350","11,351","11,352","11,353","11,354","11,355","11,356","11,357","11,358","11,359","11,360","11,361","11,362","11,363","11,364","11,365","11,366","11,367","11,368","11,369","11,370","11,371","11,372","11,373","11,374","11,375","11,376","11,377","11,378","11,379","11,380","11,381","11,382","11,383","11,384","11,385","11,386","11,387","11,388","11,389","11,390","11,391","11,392","11,393","11,394","11,395","11,396","11,397","11,398","11,399","11,400","11,401","11,402","11,403","11,404","11,405","11,406","11,407","11,408","11,409","11,410","11,411","11,412","11,413","11,414","11,415","11,416","11,417","11,418","11,419","11,420","11,421","11,422","11,423","11,424","11,425","11,426","11,427","11,428","11,429","11,430","11,431","11,432","11,433","11,434","11,435","11,436","11,437","11,438","11,439","11,440","11,441","11,442","11,443","11,444","11,445","11,446","11,447","11,448","11,449","11,450","11,451","11,452","11,453","11,454","11,455","11,456","11,457","11,458","11,459","11,460","11,461","11,462","11,463","11,464","11,465","11,466","11,467","11,468","11,469","11,470","11,471","11,472","11,473","11,474","11,475","11,476","11,477","11,478","11,479","11,480","11,481","11,482","11,483","11,484","11,485","11,486","11,487","11,488","11,489","11,490","11,491","11,492","11,493","11,494","11,495","11,496","11,497","11,498","11,499","11,500","11,501","11,502","11,503","11,504","11,505","11,506","11,507","11,508","11,509","11,510","11,511","11,512","11,513","11,514","11,515","11,516","11,517","11,518","11,519","11,520","11,521","11,522","11,523","11,524","11,525","11,526","11,527","11,528","11,529","11,530","11,531","11,532","11,533","11,534","11,535","11,536","11,537","11,538","11,539","11,540","11,541","11,542","11,543","11,544","11,545","11,546","11,547","11,548","11,549","11,550","11,551","11,552","11,553","11,554","11,555","11,556","11,557","11,558","11,559","11,560","11,561","11,562","11,563","11,564","11,565","11,566","11,567","11,568","11,569","11,570","11,571","11,572","11,573","11,574","11,575","11,576","11,577","11,578","11,579","11,580","11,581","11,582","11,583","11,584","11,585","11,586","11,587","11,588","11,589","11,590","11,591","11,592","11,593","11,594","11,595","11,596","11,597","11,598","11,599","11,600","11,601","11,602","11,603","11,604","11,605","11,606","11,607","11,608","11,609","11,610","11,611","11,612","11,613","11,614","11,615","11,616","11,617","11,618","11,619","11,620","11,621","11,622","11,623","11,624","11,625","11,626","11,627","11,628","11,629","11,630","11,631","11,632","11,633","11,634","11,635","11,636","11,637","11,638","11,639","11,640","11,641","11,642","11,643","11,644","11,645","11,646","11,647","11,648","11,649","11,650","11,651","11,652","11,653","11,654","11,655","11,656","11,657","11,658","11,659","11,660","11,661","11,662","11,663","11,664","11,665","11,666","11,667","11,668","11,669","11,670","11,671","11,672","11,673","11,674","11,675","11,676","11,677","11,678","11,679","11,680","11,681","11,682","11,683","11,684","11,685","11,686","11,687","11,688","11,689","11,690","11,691","11,692","11,693","11,694","11,695","11,696","11,697","11,698","11,699","11,700","11,701","11,702","12,5","12,6","12,7","12,8","12,9","12,10","12,11","12,12","12,13","12,14","12,15","12,16","12,17","12,18","12,19","12,20","12,21","12,22","12,23","12,24","12,25","12,26","12,27","12,28","12,29","12,30","12,31","12,32","12,33","12,34","12,35","12,36","12,37","12,38","12,39","12,40","12,41","12,42","12,43","12,44","12,45","12,46","12,47","12,48","12,49","12,50","12,51","12,52","12,53","12,54","12,55","12,56","12,57","12,58","12,59","12,60","12,61","12,62","12,63","12,64","12,65","12,66","12,67","12,68","12,69","12,70","12,71","12,72","12,73","12,74","12,75","12,76","12,77","12,78","12,79","12,80","12,81","12,82","12,83","12,84","12,85","12,86","12,87","12,88","12,89","12,90","12,91","12,92","12,93","12,94","12,95","12,96","12,97","12,98","12,99","12,100","12,101","12,102","12,103","12,104","12,105","12,106","12,107","12,108","12,109","12,110","12,111","12,112","12,113","12,114","12,115","12,116","12,117","12,118","12,119","12,120","12,121","12,122","12,123","12,124","12,125","12,126","12,127","12,128","12,129","12,130","12,131","12,132","12,133","12,134","12,135","12,136","12,137","12,138","12,139","12,140","12,141","12,142","12,143","12,144","12,145","12,146","12,147","12,148","12,149","12,150","12,151","12,152","12,153","12,154","12,155","12,156","12,157","12,158","12,159","12,160","12,161","12,162","12,163","12,164","12,165","12,166","12,167","12,168","12,169","12,170","12,171","12,172","12,173","12,174","12,175","12,176","12,177","12,178","12,179","12,180","12,181","12,182","12,183","12,184","12,185","12,186","12,187","12,188","12,189","12,190","12,191","12,192","12,193","12,194","12,195","12,196","12,197","12,198","12,199","12,200","12,201","12,202","12,203","12,204","12,205","12,206","12,207","12,208","12,209","12,210","12,211","12,212","12,213","12,214","12,215","12,216","12,217","12,218","12,219","12,220","12,221","12,222","12,223","12,224","12,225","12,226","12,227","12,228","12,229","12,230","12,231","12,232","12,233","12,234","12,235","12,236","12,237","12,238","12,239","12,240","12,241","12,242","12,243","12,244","12,245","12,246","12,247","12,248","12,249","12,250","12,251","12,252","12,253","12,254","12,255","12,256","12,257","12,258","12,259","12,260","12,261","12,262","12,263","12,264","12,265","12,266","12,267","12,268","12,269","12,270","12,271","12,272","12,273","12,274","12,275","12,276","12,277","12,278","12,279","12,280","12,281","12,282","12,283","12,284","12,285","12,286","12,287","12,288","12,289","12,290","12,291","12,292","12,293","12,294","12,295","12,296","12,297","12,298","12,299","12,300","12,301","12,302","12,303","12,304","12,305","12,306","12,307","12,308","12,309","12,310","12,311","12,312","12,313","12,314","12,315","12,316","12,317","12,318","12,319","12,320","12,321","12,322","12,323","12,324","12,325","12,326","12,327","12,328","12,329","12,330","12,331","12,332","12,333","12,334","12,335","12,336","12,337","12,338","12,339","12,340","12,341","12,342","12,343","12,344","12,345","12,346","12,347","12,348","12,349","12,350","12,351","12,352","12,353","12,354","12,355","12,356","12,357","12,358","12,359","12,360","12,361","12,362","12,363","12,364","12,365","12,366","12,367","12,368","12,369","12,370","12,371","12,372","12,373","12,374","12,375","12,376","12,377","12,378","12,379","12,380","12,381","12,382","12,383","12,384","12,385","12,386","12,387","12,388","12,389","12,390","12,391","12,392","12,393","12,394","12,395","12,396","12,397","12,398","12,399","12,400","12,401","12,402","12,403","12,404","12,405","12,406","12,407","12,408","12,409","12,410","12,411","12,412","12,413","12,414","12,415","12,416","12,417","12,418","12,419","12,420","12,421","12,422","12,423","12,424","12,425","12,426","12,427","12,428","12,429","12,430","12,431","12,432","12,433","12,434","12,435","12,436","12,437","12,438","12,439","12,440","12,441","12,442","12,443","12,444","12,445","12,446","12,447","12,448","12,449","12,450","12,451","12,452","12,453","12,454","12,455","12,456","12,457","12,458","12,459","12,460","12,461","12,462","12,463","12,464","12,465","12,466","12,467","12,468","12,469","12,470","12,471","12,472","12,473","12,474","12,475","12,476","12,477","12,478","12,479","12,480","12,481","12,482","12,483","12,484","12,485","12,486","12,487","12,488","12,489","12,490","12,491","12,492","12,493","12,494","12,495","12,496","12,497","12,498","12,499","12,500","12,501","12,502","12,503","12,504","12,505","12,506","12,507","12,508","12,509","12,510","12,511","12,512","12,513","12,514","12,515","12,516","12,517","12,518","12,519","12,520","12,521","12,522","12,523","12,524","12,525","12,526","12,527","12,528","12,529","12,530","12,531","12,532","12,533","12,534","12,535","12,536","12,537","12,538","12,539","12,540","12,541","12,542","12,543","12,544","12,545","12,546","12,547","12,548","12,549","12,550","12,551","12,552","12,553","12,554","12,555","12,556","12,557","12,558","12,559","12,560","12,561","12,562","12,563","12,564","12,565","12,566","12,567","12,568","12,569","12,570","12,571","12,572","12,573","12,574","12,575","12,576","12,577","12,578","12,579","12,580","12,581","12,582","12,583","12,584","12,585","12,586","12,587","12,588","12,589","12,590","12,591","12,592","12,593","12,594","12,595","12,596","12,597","12,598","12,599","12,600","12,601","12,602","12,603","12,604","12,605","12,606","12,607","12,608","12,609","12,610","12,611","12,612","12,613","12,614","12,615","12,616","12,617","12,618","12,619","12,620","12,621","12,622","12,623","12,624","12,625","12,626","12,627","12,628","12,629","12,630","12,631","12,632","12,633","12,634","12,635","12,636","12,637","12,638","12,639","12,640","12,641","12,642","12,643","12,644","12,645","12,646","12,647","12,648","12,649","13,5","13,6","13,7","13,8","13,9","13,10","13,11","13,12","13,13","13,14","13,15","13,16","13,17","13,18","13,19","13,20","13,21","13,22","13,23","13,24","13,25","13,26","13,27","13,28","13,29","13,30","13,31","13,32","13,33","13,34","13,35","13,36","13,37","13,38","13,39","13,40","13,41","13,42","13,43","13,44","13,45","13,46","13,47","13,48","13,49","13,50","13,51","13,52","13,53","13,54","13,55","13,56","13,57","13,58","13,59","13,60","13,61","13,62","13,63","13,64","13,65","13,66","13,67","13,68","13,69","13,70","13,71","13,72","13,73","13,74","13,75","13,76","13,77","13,78","13,79","13,80","13,81","13,82","13,83","13,84","13,85","13,86","13,87","13,88","13,89","13,90","13,91","13,92","13,93","13,94","13,95","13,96","13,97","13,98","13,99","13,100","13,101","13,102","13,103","13,104","13,105","13,106","13,107","13,108","13,109","13,110","13,111","13,112","13,113","13,114","13,115","13,116","13,117","13,118","13,119","13,120","13,121","13,122","13,123","13,124","13,125","13,126","13,127","13,128","13,129","13,130","13,131","13,132","13,133","13,134","13,135","13,136","13,137","13,138","13,139","13,140","13,141","13,142","13,143","13,144","13,145","13,146","13,147","13,148","13,149","13,150","13,151","13,152","13,153","13,154","13,155","13,156","13,157","13,158","13,159","13,160","13,161","13,162","13,163","13,164","13,165","13,166","13,167","13,168","13,169","13,170","13,171","13,172","13,173","13,174","13,175","13,176","13,177","13,178","13,179","13,180","13,181","13,182","13,183","13,184","13,185","13,186","13,187","13,188","13,189","13,190","13,191","13,192","13,193","13,194","13,195","13,196","13,197","13,198","13,199","13,200","13,201","13,202","13,203","13,204","13,205","13,206","13,207","13,208","13,209","13,210","13,211","13,212","13,213","13,214","13,215","13,216","13,217","13,218","13,219","13,220","13,221","13,222","13,223","13,224","13,225","13,226","13,227","13,228","13,229","13,230","13,231","13,232","13,233","13,234","13,235","13,236","13,237","13,238","13,239","13,240","13,241","13,242","13,243","13,244","13,245","13,246","13,247","13,248","13,249","13,250","13,251","13,252","13,253","13,254","13,255","13,256","13,257","13,258","13,259","13,260","13,261","13,262","13,263","13,264","13,265","13,266","13,267","13,268","13,269","13,270","13,271","13,272","13,273","13,274","13,275","13,276","13,277","13,278","13,279","13,280","13,281","13,282","13,283","13,284","13,285","13,286","13,287","13,288","13,289","13,290","13,291","13,292","13,293","13,294","13,295","13,296","13,297","13,298","13,299","13,300","13,301","13,302","13,303","13,304","13,305","13,306","13,307","13,308","13,309","13,310","13,311","13,312","13,313","13,314","13,315","13,316","13,317","13,318","13,319","13,320","13,321","13,322","13,323","13,324","13,325","13,326","13,327","13,328","13,329","13,330","13,331","13,332","13,333","13,334","13,335","13,336","13,337","13,338","13,339","13,340","13,341","13,342","13,343","13,344","13,345","13,346","13,347","13,348","13,349","13,350","13,351","13,352","13,353","13,354","13,355","13,356","13,357","13,358","13,359","13,360","13,361","13,362","13,363","13,364","13,365","13,366","13,367","13,368","13,369","13,370","13,371","13,372","13,373","13,374","13,375","13,376","13,377","13,378","13,379","13,380","13,381","13,382","13,383","13,384","13,385","13,386","13,387","13,388","13,389","13,390","13,391","13,392","13,393","13,394","13,395","13,396","13,397","13,398","13,399","13,400","13,401","13,402","13,403","13,404","13,405","13,406","13,407","13,408","13,409","13,410","13,411","13,412","13,413","13,414","13,415","13,416","13,417","13,418","13,419","13,420","13,421","13,422","13,423","13,424","13,425","13,426","13,427","13,428","13,429","13,430","13,431","13,432","13,433","13,434","13,435","13,436","13,437","13,438","13,439","13,440","13,441","13,442","13,443","13,444","13,445","13,446","13,447","13,448","13,449","13,450","13,451","13,452","13,453","13,454","13,455","13,456","13,457","13,458","13,459","13,460","13,461","13,462","13,463","13,464","13,465","13,466","13,467","13,468","13,469","13,470","13,471","13,472","13,473","13,474","13,475","13,476","13,477","13,478","13,479","13,480","13,481","13,482","13,483","13,484","13,485","13,486","13,487","13,488","13,489","13,490","13,491","13,492","13,493","13,494","13,495","13,496","13,497","13,498","13,499","13,500","13,501","13,502","13,503","13,504","13,505","13,506","13,507","13,508","13,509","13,510","13,511","13,512","13,513","13,514","13,515","13,516","13,517","13,518","13,519","13,520","13,521","13,522","13,523","13,524","13,525","13,526","13,527","13,528","13,529","13,530","13,531","13,532","13,533","13,534","13,535","13,536","13,537","13,538","13,539","13,540","13,541","13,542","13,543","13,544","13,545","13,546","13,547","13,548","13,549","13,550","13,551","13,552","13,553","13,554","13,555","13,556","13,557","13,558","13,559","13,560","13,561","13,562","13,563","13,564","13,565","13,566","13,567","13,568","13,569","13,570","13,571","13,572","13,573","13,574","13,575","13,576","13,577","13,578","13,579","13,580","13,581","13,582","13,583","13,584","13,585","13,586","13,587","13,588","13,589","13,590","13,591","13,592","13,593","13,594","13,595","13,596","13,597","13,598","13,599","13,600","13,601","13,602","13,603","13,604","13,605","13,606","13,607","13,608","13,609","13,610","13,611","13,612","13,613","13,614","13,615","13,616","13,617","13,618","13,619","13,620","13,621","13,622","13,623","13,624","13,625","13,626","13,627","13,628","13,629","13,630","13,631","13,632","13,633","13,634","13,635","13,636","13,637","13,638","13,639","13,640","13,641","13,642","13,643","13,644","13,645","13,646","13,647","13,648","13,649","13,650","13,651","13,652","13,653","13,654","13,655","13,656","13,657","13,658","13,659","13,660","13,661","13,662","13,663","13,664","13,665","13,666","13,667","13,668","13,669","13,670","13,671","13,672","13,673","13,674","13,675","13,676","13,677","13,678","13,679","13,680","13,681","13,682","13,683","13,684","13,685","13,686","13,687","13,688","13,689","13,690","13,691","13,692","13,693","13,694","13,695","13,696","13,697","13,698","13,699","13,700","13,701","13,702","13,703","13,704","13,705","13,706","13,707","13,708","13,709","13,710","13,711","13,712","13,713","13,714","13,715","13,716","13,717","13,718","13,719","13,720","13,721","13,722","13,723","13,724","13,725","13,726","13,727","13,728","13,729","13,730","13,731","13,732","13,733","13,734","13,735","13,736","13,737","13,738","13,739","13,740","13,741","13,742","13,743","13,744","13,745","13,746","13,747","14,5","14,6","14,7","14,8","14,9","14,10","14,11","14,12","14,13","14,14","14,15","14,16","14,17","14,18","14,19","14,20","14,21","14,22","14,23","14,24","14,25","14,26","14,27","14,28","14,29","14,30","14,31","14,32","14,33","14,34","14,35","14,36","14,37","14,38","14,39","14,40","14,41","14,42","14,43","14,44","14,45","14,46","14,47","14,48","14,49","14,50","14,51","14,52","14,53","14,54","14,55","14,56","14,57","14,58","14,59","14,60","14,61","14,62","14,63","14,64","14,65","14,66","14,67","14,68","14,69","14,70","14,71","14,72","14,73","14,74","14,75","14,76","14,77","14,78","14,79","14,80","14,81","14,82","14,83","14,84","14,85","14,86","14,87","14,88","14,89","14,90","14,91","14,92","14,93","14,94","14,95","14,96","14,97","14,98","14,99","14,100","14,101","14,102","14,103","14,104","14,105","14,106","14,107","14,108","14,109","14,110","14,111","14,112","14,113","14,114","14,115","14,116","14,117","14,118","14,119","14,120","14,121","14,122","14,123","14,124","14,125","14,126","14,127","14,128","14,129","14,130","14,131","14,132","14,133","14,134","14,135","14,136","14,137","14,138","14,139","14,140","14,141","14,142","14,143","14,144","14,145","14,146","14,147","14,148","14,149","14,150","14,151","14,152","14,153","14,154","14,155","14,156","14,157","14,158","14,159","14,160","14,161","14,162","14,163","14,164","14,165","14,166","14,167","14,168","14,169","14,170","14,171","14,172","14,173","14,174","14,175","14,176","14,177","14,178","14,179","14,180","14,181","14,182","14,183","14,184","14,185","14,186","14,187","14,188","14,189","14,190","14,191","14,192","14,193","14,194","14,195","14,196","14,197","14,198","14,199","14,200","14,201","14,202","14,203","14,204","14,205","14,206","14,207","14,208","14,209","14,210","14,211","14,212","14,213","14,214","14,215","14,216","14,217","14,218","14,219","14,220","14,221","14,222","14,223","14,224","14,225","14,226","14,227","14,228","14,229","14,230","14,231","14,232","14,233","14,234","14,235","14,236","14,237","14,238","14,239","14,240","14,241","14,242","14,243","14,244","14,245","14,246","14,247","14,248","14,249","14,250","14,251","14,252","14,253","14,254","14,255","14,256","14,257","14,258","14,259","14,260","14,261","14,262","14,263","14,264","14,265","14,266","14,267","14,268","14,269","14,270","14,271","14,272","14,273","14,274","14,275","14,276","14,277","14,278","14,279","14,280","14,281","14,282","14,283","14,284","14,285","14,286","14,287","14,288","14,289","14,290","14,291","14,292","14,293","14,294","14,295","14,296","14,297","14,298","14,299","14,300","14,301","14,302","14,303","14,304","14,305","14,306","14,307","14,308","14,309","14,310","14,311","14,312","14,313","14,314","14,315","14,316","14,317","14,318","14,319","14,320","14,321","14,322","14,323","14,324","14,325","14,326","14,327","14,328","14,329","14,330","14,331","14,332","14,333","14,334","14,335","14,336","14,337","14,338","14,339","14,340","14,341","14,342","14,343","14,344","14,345","14,346","14,347","14,348","14,349","14,350","14,351","14,352","14,353","14,354","14,355","14,356","14,357","14,358","14,359","14,360","14,361","14,362","14,363","14,364","14,365","14,366","14,367","14,368","14,369","14,370","14,371","14,372","14,373","14,374","14,375","14,376","14,377","14,378","14,379","14,380","14,381","14,382","14,383","14,384","14,385","14,386","14,387","14,388","14,389","14,390","14,391","14,392","14,393","14,394","14,395","14,396","14,397","14,398","14,399","14,400","14,401","14,402","14,403","14,404","14,405","14,406","14,407","14,408","14,409","14,410","14,411","14,412","14,413","14,414","14,415","14,416","14,417","14,418","14,419","14,420","14,421","14,422","14,423","14,424","14,425","14,426","14,427","14,428","14,429","14,430","14,431","14,432","14,433","14,434","14,435","14,436","14,437","14,438","14,439","14,440","14,441","14,442","14,443","14,444","14,445","14,446","14,447","14,448","14,449","14,450","14,451","14,452","14,453","14,454","14,455","14,456","14,457","14,458","14,459","14,460","14,461","14,462","14,463","14,464","14,465","14,466","14,467","14,468","14,469","14,470","14,471","14,472","14,473","14,474","14,475","14,476","14,477","14,478","14,479","14,480","14,481","14,482","14,483","14,484","14,485","14,486","14,487","14,488","14,489","14,490","14,491","14,492","14,493","14,494","14,495","14,496","14,497","14,498","14,499","14,500","14,501","14,502","14,503","14,504","14,505","14,506","14,507","14,508","14,509","14,510","14,511","14,512","14,513","14,514","14,515","14,516","14,517","14,518","14,519","14,520","14,521","14,522","14,523","14,524","14,525","14,526","14,527","14,528","14,529","14,530","14,531","14,532","14,533","14,534","14,535","14,536","14,537","14,538","14,539","14,540","14,541","14,542","14,543","14,544","14,545","14,546","14,547","14,548","14,549","14,550","14,551","14,552","14,553","14,554","14,555","14,556","14,557","14,558","14,559","14,560","14,561","14,562","14,563","14,564","14,565","14,566","14,567","14,568","14,569","14,570","14,571","14,572","14,573","14,574","14,575","14,576","14,577","14,578","14,579","14,580","14,581","14,582","14,583","14,584","14,585","14,586","14,587","14,588","14,589","14,590","14,591","14,592","14,593","14,594","14,595","14,596","14,597","14,598","14,599","14,600","14,601","14,602","14,603","14,604","14,605","14,606","14,607","14,608","14,609","14,610","14,611","14,612","14,613","14,614","14,615","14,616","14,617","14,618","14,619","14,620","14,621","14,622","14,623","14,624","14,625","14,626","14,627","14,628","14,629","14,630","14,631","14,632","14,633","14,634","14,635","14,636","14,637","14,638","14,639","14,640","14,641","14,642","14,643","14,644","14,645","14,646","14,647","14,648","14,649","14,650","14,651","14,652","14,653","14,654","14,655","14,656","14,657","14,658","14,659","14,660","14,661","14,662","14,663","14,664","14,665","14,666","14,667","14,668","14,669","14,670","14,671","14,672","14,673","15,5","15,6","15,7","15,8","15,9","15,10","15,11","15,12","15,13","15,14","15,15","15,16","15,17","15,18","15,19","15,20","15,21","15,22","15,23","15,24","15,25","15,26","15,27","15,28","15,29","15,30","15,31","15,32","15,33","15,34","15,35","15,36","15,37","15,38","15,39","15,40","15,41","15,42","15,43","15,44","15,45","15,46","15,47","15,48","15,49","15,50","15,51","15,52","15,53","15,54","15,55","15,56","15,57","15,58","15,59","15,60","15,61","15,62","15,63","15,64","15,65","15,66","15,67","15,68","15,69","15,70","15,71","15,72","15,73","15,74","15,75","15,76","15,77","15,78","15,79","15,80","15,81","15,82","15,83","15,84","15,85","15,86","15,87","15,88","15,89","15,90","15,91","15,92","15,93","15,94","15,95","15,96","15,97","15,98","15,99","15,100","15,101","15,102","15,103","15,104","15,105","15,106","15,107","15,108","15,109","15,110","15,111","15,112","15,113","15,114","15,115","15,116","15,117","15,118","15,119","15,120","15,121","15,122","15,123","15,124","15,125","15,126","15,127","15,128","15,129","15,130","15,131","15,132","15,133","15,134","15,135","15,136","15,137","15,138","15,139","15,140","15,141","15,142","15,143","15,144","15,145","15,146","15,147","15,148","15,149","15,150","15,151","15,152","15,153","15,154","15,155","15,156","15,157","15,158","15,159","15,160","15,161","15,162","15,163","15,164","15,165","15,166","15,167","15,168","15,169","15,170","15,171","15,172","15,173","15,174","15,175","15,176","15,177","15,178","15,179","15,180","15,181","15,182","15,183","15,184","15,185","15,186","15,187","15,188","15,189","15,190","15,191","15,192","15,193","15,194","15,195","15,196","15,197","15,198","15,199","15,200","15,201","15,202","15,203","15,204","15,205","15,206","15,207","15,208","15,209","15,210","15,211","15,212","15,213","15,214","15,215","15,216","15,217","15,218","15,219","15,220","15,221","15,222","15,223","15,224","15,225","15,226","15,227","15,228","15,229","15,230","15,231","15,232","15,233","15,234","15,235","15,236","15,237","15,238","15,239","15,240","15,241","15,242","15,243","15,244","15,245","15,246","15,247","15,248","15,249","15,250","15,251","15,252","15,253","15,254","15,255","15,256","15,257","15,258","15,259","15,260","15,261","15,262","15,263","15,264","15,265","15,266","15,267","15,268","15,269","15,270","15,271","15,272","15,273","15,274","15,275","15,276","15,277","15,278","15,279","15,280","15,281","15,282","15,283","15,284","15,285","15,286","15,287","15,288","15,289","15,290","15,291","15,292","15,293","15,294","15,295","15,296","15,297","15,298","15,299","15,300","15,301","15,302","15,303","15,304","15,305","15,306","15,307","15,308","15,309","15,310","15,311","15,312","15,313","15,314","15,315","15,316","15,317","15,318","15,319","15,320","15,321","15,322","15,323","15,324","15,325","15,326","15,327","15,328","15,329","15,330","15,331","15,332","15,333","15,334","15,335","15,336","15,337","15,338","15,339","15,340","15,341","15,342","15,343","15,344","15,345","15,346","15,347","15,348","15,349","15,350","15,351","15,352","15,353","15,354","15,355","15,356","15,357","15,358","15,359","15,360","15,361","15,362","15,363","15,364","15,365","15,366","15,367","15,368","15,369","15,370","15,371","15,372","15,373","15,374","15,375","15,376","15,377","15,378","15,379","15,380","15,381","15,382","15,383","15,384","15,385","15,386","15,387","15,388","15,389","15,390","15,391","15,392","15,393","15,394","15,395","15,396","15,397","15,398","15,399","15,400","15,401","15,402","15,403","15,404","15,405","15,406","15,407","15,408","15,409","15,410","15,411","15,412","15,413","15,414","15,415","15,416","15,417","15,418","15,419","15,420","15,421","15,422","15,423","15,424","15,425","15,426","15,427","15,428","15,429","15,430","15,431","15,432","15,433","15,434","15,435","15,436","15,437","15,438","15,439","15,440","15,441","15,442","15,443","15,444","15,445","15,446","15,447","15,448","15,449","15,450","15,451","15,452","15,453","15,454","15,455","15,456","15,457","15,458","15,459","15,460","15,461","15,462","15,463","15,464","15,465","15,466","15,467","15,468","15,469","15,470","15,471","15,472","15,473","15,474","15,475","15,476","15,477","15,478","15,479","15,480","15,481","15,482","15,483","15,484","15,485","15,486","15,487","15,488","15,489","15,490","15,491","15,492","15,493","15,494","15,495","15,496","15,497","15,498","15,499","15,500","15,501","15,502","15,503","15,504","15,505","15,506","15,507","15,508","15,509","15,510","15,511","15,512","15,513","15,514","15,515","15,516","15,517","15,518","15,519","15,520","15,521","15,522","15,523","15,524","15,525","15,526","15,527","15,528","15,529","15,530","15,531","15,532","15,533","15,534","15,535","15,536","15,537","15,538","15,539","15,540","15,541","15,542","15,543","15,544","15,545","15,546","15,547","15,548","15,549","15,550","15,551","15,552","15,553","15,554","15,555","15,556","15,557","15,558","15,559","15,560","15,561","15,562","15,563","15,564","15,565","15,566","15,567","15,568","15,569","15,570","15,571","15,572","15,573","15,574","15,575","15,576","15,577","15,578","15,579","15,580","15,581","15,582","15,583","15,584","15,585","15,586","15,587","15,588","15,589","15,590","15,591","15,592","15,593","15,594","15,595","15,596","15,597","15,598","15,599","15,600","15,601","15,602","15,603","15,604","15,605","15,606","15,607","15,608","15,609","15,610","15,611","15,612","15,613","15,614","15,615","15,616","15,617","15,618","15,619","15,620","15,621","15,622","15,623","15,624","15,625","15,626","15,627","15,628","15,629","15,630","15,631","15,632","15,633","15,634","15,635","15,636","15,637","15,638","15,639","15,640","15,641","15,642","15,643","15,644","15,645","15,646","15,647","15,648","15,649","16,5","16,6","16,7","16,8","16,9","16,10","16,11","16,12","16,13","16,14","16,15","16,16","16,17","16,18","16,19","16,20","16,21","16,22","16,23","16,24","16,25","16,26","16,27","16,28","16,29","16,30","16,31","16,32","16,33","16,34","16,35","16,36","16,37","16,38","16,39","16,40","16,41","16,42","16,43","16,44","16,45","16,46","16,47","16,48","16,49","16,50","16,51","16,52","16,53","16,54","16,55","16,56","16,57","16,58","16,59","16,60","16,61","16,62","16,63","16,64","16,65","16,66","16,67","16,68","16,69","16,70","16,71","16,72","16,73","16,74","16,75","16,76","16,77","16,78","16,79","16,80","16,81","16,82","16,83","16,84","16,85","16,86","16,87","16,88","16,89","16,90","16,91","16,92","16,93","16,94","16,95","16,96","16,97","16,98","16,99","16,100","16,101","16,102","16,103","16,104","16,105","16,106","16,107","16,108","16,109","16,110","16,111","16,112","16,113","16,114","16,115","16,116","16,117","16,118","16,119","16,120","16,121","16,122","16,123","16,124","16,125","16,126","16,127","16,128","16,129","16,130","16,131","16,132","16,133","16,134","16,135","16,136","16,137","16,138","16,139","16,140","16,141","16,142","16,143","16,144","16,145","16,146","16,147","16,148","16,149","16,150","16,151","16,152","16,153","16,154","16,155","16,156","16,157","16,158","16,159","16,160","16,161","16,162","16,163","16,164","16,165","16,166","16,167","16,168","16,169","16,170","16,171","16,172","16,173","16,174","16,175","16,176","16,177","16,178","16,179","16,180","16,181","16,182","16,183","16,184","16,185","16,186","16,187","16,188","16,189","16,190","16,191","16,192","16,193","16,194","16,195","16,196","16,197","16,198","16,199","16,200","16,201","16,202","16,203","16,204","16,205","16,206","16,207","16,208","16,209","16,210","16,211","16,212","16,213","16,214","16,215","16,216","16,217","16,218","16,219","16,220","16,221","16,222","16,223","16,224","16,225","16,226","16,227","16,228","16,229","16,230","16,231","16,232","16,233","16,234","16,235","16,236","16,237","16,238","16,239","16,240","16,241","16,242","16,243","16,244","16,245","16,246","16,247","16,248","16,249","16,250","16,251","16,252","16,253","16,254","16,255","16,256","16,257","16,258","16,259","16,260","16,261","16,262","16,263","16,264","16,265","16,266","16,267","16,268","16,269","16,270","16,271","16,272","16,273","16,274","16,275","16,276","16,277","16,278","16,279","16,280","16,281","16,282","16,283","16,284","16,285","16,286","16,287","16,288","16,289","16,290","16,291","16,292","16,293","16,294","16,295","16,296","16,297","16,298","16,299","16,300","16,301","16,302","16,303","16,304","16,305","16,306","16,307","16,308","16,309","16,310","16,311","16,312","16,313","16,314","16,315","16,316","16,317","16,318","16,319","16,320","16,321","16,322","16,323","16,324","16,325","16,326","16,327","16,328","16,329","16,330","16,331","16,332","16,333","16,334","16,335","16,336","16,337","16,338","16,339","16,340","16,341","16,342","16,343","16,344","16,345","16,346","16,347","16,348","16,349","16,350","16,351","16,352","16,353","16,354","16,355","16,356","16,357","16,358","16,359","16,360","16,361","16,362","16,363","16,364","16,365","16,366","16,367","16,368","16,369","16,370","16,371","16,372","16,373","16,374","16,375","16,376","16,377","16,378","16,379","16,380","16,381","16,382","16,383","16,384","16,385","16,386","16,387","16,388","16,389","16,390","16,391","16,392","16,393","16,394","16,395","16,396","16,397","16,398","16,399","16,400","16,401","16,402","16,403","16,404","16,405","16,406","16,407","16,408","16,409","16,410","16,411","16,412","16,413","16,414","16,415","16,416","16,417","16,418","16,419","16,420","16,421","16,422","16,423","16,424","16,425","16,426","16,427","16,428","16,429","16,430","16,431","16,432","16,433","16,434","16,435","16,436","16,437","16,438","16,439","16,440","16,441","16,442","16,443","16,444","16,445","16,446","16,447","16,448","16,449","16,450","16,451","16,452","16,453","16,454","16,455","16,456","16,457","16,458","16,459","16,460","16,461","16,462","16,463","16,464","16,465","16,466","16,467","16,468","16,469","16,470","16,471","16,472","16,473","16,474","16,475","16,476","16,477","16,478","16,479","16,480","16,481","16,482","16,483","16,484","16,485","16,486","16,487","16,488","16,489","16,490","16,491","16,492","16,493","16,494","16,495","16,496","16,497","16,498","16,499","16,500","16,501","16,502","16,503","16,504","16,505","16,506","16,507","16,508","16,509","16,510","16,511","16,512","16,513","16,514","16,515","16,516","16,517","16,518","16,519","16,520","16,521","16,522","16,523","16,524","16,525","16,526","16,527","16,528","16,529","16,530","16,531","16,532","16,533","16,534","16,535","16,536","16,537","16,538","16,539","16,540","16,541","16,542","16,543","16,544","16,545","16,546","16,547","16,548","16,549","16,550","16,551","16,552","16,553","16,554","16,555","16,556","16,557","16,558","16,559","16,560","16,561","16,562","16,563","16,564","16,565","16,566","16,567","16,568","16,569","16,570","16,571","16,572","16,573","16,574","16,575","16,576","16,577","16,578","16,579","16,580","16,581","16,582","16,583","16,584","16,585","16,586","16,587","16,588","16,589","16,590","16,591","16,592","16,593","16,594","16,595","16,596","16,597","16,598","16,599","16,600","16,601","16,602","16,603","16,604","16,605","16,606","16,607","16,608","16,609","16,610","16,611","16,612","16,613","16,614","16,615","16,616","16,617","16,618","16,619","16,620","16,621","16,622","16,623","16,624","16,625","16,626","16,627","16,628","16,629","16,630","16,631","16,632","16,633","16,634","16,635","16,636","16,637","16,638","16,639","16,640","16,641","16,642","16,643","16,644","16,645","16,646","16,647","16,648","17,5","17,6","17,7","17,8","17,9","17,10","17,11","17,12","17,13","17,14","17,15","17,16","17,17","17,18","17,19","17,20","17,21","17,22","17,23","17,24","17,25","17,26","17,27","17,28","17,29","17,30","17,31","17,32","17,33","17,34","17,35","17,36","17,37","17,38","17,39","17,40","17,41","17,42","17,43","17,44","17,45","17,46","17,47","17,48","17,49","17,50","17,51","17,52","17,53","17,54","17,55","17,56","17,57","17,58","17,59","17,60","17,61","17,62","17,63","17,64","17,65","17,66","17,67","17,68","17,69","17,70","17,71","17,72","17,73","17,74","17,75","17,76","17,77","17,78","17,79","17,80","17,81","17,82","17,83","17,84","17,85","17,86","17,87","17,88","17,89","17,90","17,91","17,92","17,93","17,94","17,95","17,96","17,97","17,98","17,99","17,100","17,101","17,102","17,103","17,104","17,105","17,106","17,107","17,108","17,109","17,110","17,111","17,112","17,113","17,114","17,115","17,116","17,117","17,118","17,119","17,120","17,121","17,122","17,123","17,124","17,125","17,126","17,127","17,128","17,129","17,130","17,131","17,132","17,133","17,134","17,135","17,136","17,137","17,138","17,139","17,140","17,141","17,142","17,143","17,144","17,145","17,146","17,147","17,148","17,149","17,150","17,151","17,152","17,153","17,154","17,155","17,156","17,157","17,158","17,159","17,160","17,161","17,162","17,163","17,164","17,165","17,166","17,167","17,168","17,169","17,170","17,171","17,172","17,173","17,174","17,175","17,176","17,177","17,178","17,179","17,180","17,181","17,182","17,183","17,184","17,185","17,186","17,187","17,188","17,189","17,190","17,191","17,192","17,193","17,194","17,195","17,196","17,197","17,198","17,199","17,200","17,201","17,202","17,203","17,204","17,205","17,206","17,207","17,208","17,209","17,210","17,211","17,212","17,213","17,214","17,215","17,216","17,217","17,218","17,219","17,220","17,221","17,222","17,223","17,224","17,225","17,226","17,227","17,228","17,229","17,230","17,231","17,232","17,233","17,234","17,235","17,236","17,237","17,238","17,239","17,240","17,241","17,242","17,243","17,244","17,245","17,246","17,247","17,248","17,249","17,250","17,251","17,252","17,253","17,254","17,255","17,256","17,257","17,258","17,259","17,260","17,261","17,262","17,263","17,264","17,265","17,266","17,267","17,268","17,269","17,270","17,271","17,272","17,273","17,274","17,275","17,276","17,277","17,278","17,279","17,280","17,281","17,282","17,283","17,284","17,285","17,286","17,287","17,288","17,289","17,290","17,291","17,292","17,293","17,294","17,295","17,296","17,297","17,298","17,299","17,300","17,301","17,302","17,303","17,304","17,305","17,306","17,307","17,308","17,309","17,310","17,311","17,312","17,313","17,314","17,315","17,316","17,317","17,318","17,319","17,320","17,321","17,322","17,323","17,324","17,325","17,326","17,327","17,328","17,329","17,330","17,331","17,332","17,333","17,334","17,335","17,336","17,337","17,338","17,339","17,340","17,341","17,342","17,343","17,344","17,345","17,346","17,347","17,348","17,349","17,350","17,351","17,352","17,353","17,354","17,355","17,356","17,357","17,358","17,359","17,360","17,361","17,362","17,363","17,364","17,365","17,366","17,367","17,368","17,369","17,370","17,371","17,372","17,373","17,374","17,375","17,376","17,377","17,378","17,379","17,380","17,381","17,382","17,383","17,384","17,385","17,386","17,387","17,388","17,389","17,390","17,391","17,392","17,393","17,394","17,395","17,396","17,397","17,398","17,399","17,400","17,401","17,402","17,403","17,404","17,405","17,406","17,407","17,408","17,409","17,410","17,411","17,412","17,413","17,414","17,415","17,416","17,417","17,418","17,419","17,420","17,421","17,422","17,423","17,424","17,425","17,426","17,427","17,428","17,429","17,430","17,431","17,432","17,433","17,434","17,435","17,436","17,437","17,438","17,439","17,440","17,441","17,442","17,443","17,444","17,445","17,446","17,447","17,448","17,449","17,450","17,451","17,452","17,453","17,454","17,455","17,456","17,457","17,458","17,459","17,460","17,461","17,462","17,463","17,464","17,465","17,466","17,467","17,468","17,469","17,470","17,471","17,472","17,473","17,474","17,475","17,476","17,477","17,478","17,479","17,480","17,481","17,482","17,483","17,484","17,485","17,486","17,487","17,488","17,489","17,490","17,491","17,492","17,493","17,494","17,495","17,496","17,497","17,498","17,499","17,500","17,501","17,502","17,503","17,504","17,505","17,506","17,507","17,508","17,509","17,510","17,511","17,512","17,513","17,514","17,515","17,516","17,517","17,518","17,519","17,520","17,521","17,522","17,523","17,524","17,525","17,526","17,527","17,528","17,529","17,530","17,531","17,532","17,533","17,534","17,535","17,536","17,537","17,538","17,539","17,540","17,541","17,542","17,543","17,544","17,545","17,546","17,547","17,548","17,549","17,550","17,551","17,552","17,553","17,554","17,555","17,556","17,557","17,558","17,559","17,560","17,561","17,562","17,563","17,564","17,565","17,566","17,567","17,568","17,569","17,570","17,571","17,572","17,573","17,574","17,575","17,576","17,577","17,578","17,579","17,580","17,581","17,582","17,583","17,584","17,585","17,586","17,587","17,588","17,589","17,590","17,591","17,592","17,593","17,594","17,595","17,596","17,597","17,598","17,599","17,600","17,601","17,602","17,603","17,604","17,605","17,606","17,607","17,608","17,609","17,610","17,611","17,612","17,613","17,614","17,615","17,616","17,617","17,618","17,619","17,620","17,621","17,622","17,623","17,624","17,625","17,626","17,627","17,628","17,629","17,630","17,631","17,632","17,633","17,634","17,635","17,636","17,637","17,638","17,639","17,640","17,641","17,642","17,643","17,644","17,645","17,646","17,647","17,648","17,649","17,650","17,651","17,652","17,653","17,654","17,655","17,656","17,657","17,658","17,659","17,660","17,661","17,662","17,663","17,664","17,665","17,666","17,667","17,668","17,669","17,670","17,671","17,672","17,673","17,674","17,675","17,676","17,677","17,678","17,679","17,680","17,681","17,682","17,683","18,5","18,6","18,7","18,8","18,9","18,10","18,11","18,12","18,13","18,14","18,15","18,16","18,17","18,18","18,19","18,20","18,21","18,22","18,23","18,24","18,25","18,26","18,27","18,28","18,29","18,30","18,31","18,32","18,33","18,34","18,35","18,36","18,37","18,38","18,39","18,40","18,41","18,42","18,43","18,44","18,45","18,46","18,47","18,48","18,49","18,50","18,51","18,52","18,53","18,54","18,55","18,56","18,57","18,58","18,59","18,60","18,61","18,62","18,63","18,64","18,65","18,66","18,67","18,68","18,69","18,70","18,71","18,72","18,73","18,74","18,75","18,76","18,77","18,78","18,79","18,80","18,81","18,82","18,83","18,84","18,85","18,86","18,87","18,88","18,89","18,90","18,91","18,92","18,93","18,94","18,95","18,96","18,97","18,98","18,99","18,100","18,101","18,102","18,103","18,104","18,105","18,106","18,107","18,108","18,109","18,110","18,111","18,112","18,113","18,114","18,115","18,116","18,117","18,118","18,119","18,120","18,121","18,122","18,123","18,124","18,125","18,126","18,127","18,128","18,129","18,130","18,131","18,132","18,133","18,134","18,135","18,136","18,137","18,138","18,139","18,140","18,141","18,142","18,143","18,144","18,145","18,146","18,147","18,148","18,149","18,150","18,151","18,152","18,153","18,154","18,155","18,156","18,157","18,158","18,159","18,160","18,161","18,162","18,163","18,164","18,165","18,166","18,167","18,168","18,169","18,170","18,171","18,172","18,173","18,174","18,175","18,176","18,177","18,178","18,179","18,180","18,181","18,182","18,183","18,184","18,185","18,186","18,187","18,188","18,189","18,190","18,191","18,192","18,193","18,194","18,195","18,196","18,197","18,198","18,199","18,200","18,201","18,202","18,203","18,204","18,205","18,206","18,207","18,208","18,209","18,210","18,211","18,212","18,213","18,214","18,215","18,216","18,217","18,218","18,219","18,220","18,221","18,222","18,223","18,224","18,225","18,226","18,227","18,228","18,229","18,230","18,231","18,232","18,233","18,234","18,235","18,236","18,237","18,238","18,239","18,240","18,241","18,242","18,243","18,244","18,245","18,246","18,247","18,248","18,249","18,250","18,251","18,252","18,253","18,254","18,255","18,256","18,257","18,258","18,259","18,260","18,261","18,262","18,263","18,264","18,265","18,266","18,267","18,268","18,269","18,270","18,271","18,272","18,273","18,274","18,275","18,276","18,277","18,278","18,279","18,280","18,281","18,282","18,283","18,284","18,285","18,286","18,287","18,288","18,289","18,290","18,291","18,292","18,293","18,294","18,295","18,296","18,297","18,298","18,299","18,300","18,301","18,302","18,303","18,304","18,305","18,306","18,307","18,308","18,309","18,310","18,311","18,312","18,313","18,314","18,315","18,316","18,317","18,318","18,319","18,320","18,321","18,322","18,323","18,324","18,325","18,326","18,327","18,328","18,329","18,330","18,331","18,332","18,333","18,334","18,335","18,336","18,337","18,338","18,339","18,340","18,341","18,342","18,343","18,344","18,345","18,346","18,347","18,348","18,349","18,350","18,351","18,352","18,353","18,354","18,355","18,356","18,357","18,358","18,359","18,360","18,361","18,362","18,363","18,364","18,365","18,366","18,367","18,368","18,369","18,370","18,371","18,372","18,373","18,374","18,375","18,376","18,377","18,378","18,379","18,380","18,381","18,382","18,383","18,384","18,385","18,386","18,387","18,388","18,389","18,390","18,391","18,392","18,393","18,394","18,395","18,396","18,397","18,398","18,399","18,400","18,401","18,402","18,403","18,404","18,405","18,406","18,407","18,408","18,409","18,410","18,411","18,412","18,413","18,414","18,415","18,416","18,417","18,418","18,419","18,420","18,421","18,422","18,423","18,424","18,425","18,426","18,427","18,428","18,429","18,430","18,431","18,432","18,433","18,434","18,435","18,436","18,437","18,438","18,439","18,440","18,441","18,442","18,443","18,444","18,445","18,446","18,447","18,448","18,449","18,450","18,451","18,452","18,453","18,454","18,455","18,456","18,457","18,458","18,459","18,460","18,461","18,462","18,463","18,464","18,465","18,466","18,467","18,468","18,469","18,470","18,471","18,472","18,473","18,474","18,475","18,476","18,477","18,478","18,479","18,480","18,481","18,482","18,483","18,484","18,485","18,486","18,487","18,488","18,489","18,490","18,491","18,492","18,493","18,494","18,495","18,496","18,497","18,498","18,499","18,500","18,501","18,502","18,503","18,504","18,505","18,506","18,507","18,508","18,509","18,510","18,511","18,512","18,513","18,514","18,515","18,516","18,517","18,518","18,519","18,520","18,521","18,522","18,523","18,524","18,525","18,526","18,527","18,528","18,529","18,530","18,531","18,532","18,533","18,534","18,535","18,536","18,537","18,538","18,539","18,540","18,541","18,542","18,543","18,544","18,545","18,546","18,547","18,548","18,549","18,550","18,551","18,552","18,553","18,554","18,555","18,556","18,557","18,558","18,559","18,560","18,561","18,562","18,563","18,564","18,565","18,566","18,567","18,568","18,569","18,570","18,571","18,572","18,573","18,574","18,575","18,576","18,577","18,578","18,579","18,580","18,581","18,582","18,583","18,584","18,585","18,586","18,587","18,588","18,589","18,590","18,591","18,592","18,593","18,594","18,595","18,596","18,597","18,598","18,599","18,600","18,601","18,602","18,603","18,604","18,605","18,606","18,607","18,608","18,609","18,610","18,611","18,612","18,613","18,614","18,615","18,616","18,617","18,618","18,619","18,620","18,621","18,622","18,623","18,624","18,625","18,626","18,627","18,628","18,629","18,630","18,631","18,632","18,633","18,634","18,635","18,636","18,637","18,638","18,639","18,640","18,641","18,642","18,643","18,644","18,645","18,646","19,5","19,6","19,7","19,8","19,9","19,10","19,11","19,12","19,13","19,14","19,15","19,16","19,17","19,18","19,19","19,20","19,21","19,22","19,23","19,24","19,25","19,26","19,27","19,28","19,29","19,30","19,31","19,32","19,33","19,34","19,35","19,36","19,37","19,38","19,39","19,40","19,41","19,42","19,43","19,44","19,45","19,46","19,47","19,48","19,49","19,50","19,51","19,52","19,53","19,54","19,55","19,56","19,57","19,58","19,59","19,60","19,61","19,62","19,63","19,64","19,65","19,66","19,67","19,68","19,69","19,70","19,71","19,72","19,73","19,74","19,75","19,76","19,77","19,78","19,79","19,80","19,81","19,82","19,83","19,84","19,85","19,86","19,87","19,88","19,89","19,90","19,91","19,92","19,93","19,94","19,95","19,96","19,97","19,98","19,99","19,100","19,101","19,102","19,103","19,104","19,105","19,106","19,107","19,108","19,109","19,110","19,111","19,112","19,113","19,114","19,115","19,116","19,117","19,118","19,119","19,120","19,121","19,122","19,123","19,124","19,125","19,126","19,127","19,128","19,129","19,130","19,131","19,132","19,133","19,134","19,135","19,136","19,137","19,138","19,139","19,140","19,141","19,142","19,143","19,144","19,145","19,146","19,147","19,148","19,149","19,150","19,151","19,152","19,153","19,154","19,155","19,156","19,157","19,158","19,159","19,160","19,161","19,162","19,163","19,164","19,165","19,166","19,167","19,168","19,169","19,170","19,171","19,172","19,173","19,174","19,175","19,176","19,177","19,178","19,179","19,180","19,181","19,182","19,183","19,184","19,185","19,186","19,187","19,188","19,189","19,190","19,191","19,192","19,193","19,194","19,195","19,196","19,197","19,198","19,199","19,200","19,201","19,202","19,203","19,204","19,205","19,206","19,207","19,208","19,209","19,210","19,211","19,212","19,213","19,214","19,215","19,216","19,217","19,218","19,219","19,220","19,221","19,222","19,223","19,224","19,225","19,226","19,227","19,228","19,229","19,230","19,231","19,232","19,233","19,234","19,235","19,236","19,237","19,238","19,239","19,240","19,241","19,242","19,243","19,244","19,245","19,246","19,247","19,248","19,249","19,250","19,251","19,252","19,253","19,254","19,255","19,256","19,257","19,258","19,259","19,260","19,261","19,262","19,263","19,264","19,265","19,266","19,267","19,268","19,269","19,270","19,271","19,272","19,273","19,274","19,275","19,276","19,277","19,278","19,279","19,280","19,281","19,282","19,283","19,284","19,285","19,286","19,287","19,288","19,289","19,290","19,291","19,292","19,293","19,294","19,295","19,296","19,297","19,298","19,299","19,300","19,301","19,302","19,303","19,304","19,305","19,306","19,307","19,308","19,309","19,310","19,311","19,312","19,313","19,314","19,315","19,316","19,317","19,318","19,319","19,320","19,321","19,322","19,323","19,324","19,325","19,326","19,327","19,328","19,329","19,330","19,331","19,332","19,333","19,334","19,335","19,336","19,337","19,338","19,339","19,340","19,341","19,342","19,343","19,344","19,345","19,346","19,347","19,348","19,349","19,350","19,351","19,352","19,353","19,354","19,355","19,356","19,357","19,358","19,359","19,360","19,361","19,362","19,363","19,364","19,365","19,366","19,367","19,368","19,369","19,370","19,371","19,372","19,373","19,374","19,375","19,376","19,377","19,378","19,379","19,380","19,381","19,382","19,383","19,384","19,385","19,386","19,387","19,388","19,389","19,390","19,391","19,392","19,393","19,394","19,395","19,396","19,397","19,398","19,399","19,400","19,401","19,402","19,403","19,404","19,405","19,406","19,407","19,408","19,409","19,410","19,411","19,412","19,413","19,414","19,415","19,416","19,417","19,418","19,419","19,420","19,421","19,422","19,423","19,424","19,425","19,426","19,427","19,428","19,429","19,430","19,431","19,432","19,433","19,434","19,435","19,436","19,437","19,438","19,439","19,440","19,441","19,442","19,443","19,444","19,445","19,446","19,447","19,448","19,449","19,450","19,451","19,452","19,453","19,454","19,455","19,456","19,457","19,458","19,459","19,460","19,461","19,462","19,463","19,464","19,465","19,466","19,467","19,468","19,469","19,470","19,471","19,472","19,473","19,474","19,475","19,476","19,477","19,478","19,479","19,480","19,481","19,482","19,483","19,484","19,485","19,486","19,487","19,488","19,489","19,490","19,491","19,492","19,493","19,494","19,495","19,496","19,497","19,498","19,499","19,500","19,501","19,502","19,503","19,504","19,505","19,506","19,507","19,508","19,509","19,510","19,511","19,512","19,513","19,514","19,515","19,516","19,517","19,518","19,519","19,520","19,521","19,522","19,523","19,524","19,525","19,526","19,527","19,528","19,529","19,530","19,531","19,532","19,533","19,534","19,535","19,536","19,537","19,538","19,539","19,540","19,541","19,542","19,543","19,544","19,545","19,546","19,547","19,548","19,549","19,550","19,551","19,552","19,553","19,554","19,555","19,556","19,557","19,558","19,559","19,560","19,561","19,562","19,563","19,564","19,565","19,566","19,567","19,568","19,569","19,570","19,571","19,572","19,573","19,574","19,575","19,576","19,577","19,578","19,579","19,580","19,581","19,582","19,583","19,584","19,585","19,586","19,587","19,588","19,589","19,590","19,591","19,592","19,593","19,594","19,595","19,596","19,597","19,598","19,599","19,600","19,601","19,602","19,603","19,604","19,605","19,606","19,607","19,608","19,609","19,610","19,611","19,612","19,613","19,614","19,615","19,616","19,617","19,618","19,619","19,620","19,621","19,622","19,623","19,624","19,625","19,626","19,627","19,628","19,629","19,630","19,631","19,632","19,633","19,634","19,635","19,636","19,637","19,638","19,639","19,640","19,641","19,642","19,643","19,644","19,645","19,646","19,647","19,648","19,649","19,650","19,651","19,652","19,653","19,654","19,655","19,656","19,657","19,658","19,659","19,660","19,661","19,662","20,5","20,6","20,7","20,8","20,9","20,10","20,11","20,12","20,13","20,14","20,15","20,16","20,17","20,18","20,19","20,20","20,21","20,22","20,23","20,24","20,25","20,26","20,27","20,28","20,29","20,30","20,31","20,32","20,33","20,34","20,35","20,36","20,37","20,38","20,39","20,40","20,41","20,42","20,43","20,44","20,45","20,46","20,47","20,48","20,49","20,50","20,51","20,52","20,53","20,54","20,55","20,56","20,57","20,58","20,59","20,60","20,61","20,62","20,63","20,64","20,65","20,66","20,67","20,68","20,69","20,70","20,71","20,72","20,73","20,74","20,75","20,76","20,77","20,78","20,79","20,80","20,81","20,82","20,83","20,84","20,85","20,86","20,87","20,88","20,89","20,90","20,91","20,92","20,93","20,94","20,95","20,96","20,97","20,98","20,99","20,100","20,101","20,102","20,103","20,104","20,105","20,106","20,107","20,108","20,109","20,110","20,111","20,112","20,113","20,114","20,115","20,116","20,117","20,118","20,119","20,120","20,121","20,122","20,123","20,124","20,125","20,126","20,127","20,128","20,129","20,130","20,131","20,132","20,133","20,134","20,135","20,136","20,137","20,138","20,139","20,140","20,141","20,142","20,143","20,144","20,145","20,146","20,147","20,148","20,149","20,150","20,151","20,152","20,153","20,154","20,155","20,156","20,157","20,158","20,159","20,160","20,161","20,162","20,163","20,164","20,165","20,166","20,167","20,168","20,169","20,170","20,171","20,172","20,173","20,174","20,175","20,176","20,177","20,178","20,179","20,180","20,181","20,182","20,183","20,184","20,185","20,186","20,187","20,188","20,189","20,190","20,191","20,192","20,193","20,194","20,195","20,196","20,197","20,198","20,199","20,200","20,201","20,202","20,203","20,204","20,205","20,206","20,207","20,208","20,209","20,210","20,211","20,212","20,213","20,214","20,215","20,216","20,217","20,218","20,219","20,220","20,221","20,222","20,223","20,224","20,225","20,226","20,227","20,228","20,229","20,230","20,231","20,232","20,233","20,234","20,235","20,236","20,237","20,238","20,239","20,240","20,241","20,242","20,243","20,244","20,245","20,246","20,247","20,248","20,249","20,250","20,251","20,252","20,253","20,254","20,255","20,256","20,257","20,258","20,259","20,260","20,261","20,262","20,263","20,264","20,265","20,266","20,267","20,268","20,269","20,270","20,271","20,272","20,273","20,274","20,275","20,276","20,277","20,278","20,279","20,280","20,281","20,282","20,283","20,284","20,285","20,286","20,287","20,288","20,289","20,290","20,291","20,292","20,293","20,294","20,295","20,296","20,297","20,298","20,299","20,300","20,301","20,302","20,303","20,304","20,305","20,306","20,307","20,308","20,309","20,310","20,311","20,312","20,313","20,314","20,315","20,316","20,317","20,318","20,319","20,320","20,321","20,322","20,323","20,324","20,325","20,326","20,327","20,328","20,329","20,330","20,331","20,332","20,333","20,334","20,335","20,336","20,337","20,338","20,339","20,340","20,341","20,342","20,343","20,344","20,345","20,346","20,347","20,348","20,349","20,350","20,351","20,352","20,353","20,354","20,355","20,356","20,357","20,358","20,359","20,360","20,361","20,362","20,363","20,364","20,365","20,366","20,367","20,368","20,369","20,370","20,371","20,372","20,373","20,374","20,375","20,376","20,377","20,378","20,379","20,380","20,381","20,382","20,383","20,384","20,385","20,386","20,387","20,388","20,389","20,390","20,391","20,392","20,393","20,394","20,395","20,396","20,397","20,398","20,399","20,400","20,401","20,402","20,403","20,404","20,405","20,406","20,407","20,408","20,409","20,410","20,411","20,412","20,413","20,414","20,415","20,416","20,417","20,418","20,419","20,420","20,421","20,422","20,423","20,424","20,425","20,426","20,427","20,428","20,429","20,430","20,431","20,432","20,433","20,434","20,435","20,436","20,437","20,438","20,439","20,440","20,441","20,442","20,443","20,444","20,445","20,446","20,447","20,448","20,449","20,450","20,451","20,452","20,453","20,454","20,455","20,456","20,457","20,458","20,459","20,460","20,461","20,462","20,463","20,464","20,465","20,466","20,467","20,468","20,469","20,470","20,471","20,472","20,473","20,474","20,475","20,476","20,477","20,478","20,479","20,480","20,481","20,482","20,483","20,484","20,485","20,486","20,487","20,488","20,489","20,490","20,491","20,492","20,493","20,494","20,495","20,496","20,497","20,498","20,499","20,500","20,501","20,502","20,503","20,504","20,505","20,506","20,507","20,508","20,509","20,510","20,511","20,512","20,513","20,514","20,515","20,516","20,517","20,518","20,519","20,520","20,521","20,522","20,523","20,524","20,525","20,526","20,527","20,528","20,529","20,530","20,531","20,532","20,533","20,534","20,535","20,536","20,537","20,538","20,539","20,540","20,541","20,542","20,543","20,544","20,545","20,546","20,547","20,548","20,549","20,550","20,551","20,552","20,553","20,554","20,555","20,556","20,557","20,558","20,559","20,560","20,561","20,562","20,563","20,564","20,565","20,566","20,567","20,568","20,569","20,570","20,571","20,572","20,573","20,574","20,575","20,576","20,577","20,578","20,579","20,580","20,581","20,582","20,583","20,584","20,585","20,586","20,587","20,588","20,589","20,590","20,591","20,592","20,593","20,594","20,595","20,596","20,597","20,598","20,599","20,600","20,601","20,602","20,603","20,604","20,605","20,606","20,607","20,608","20,609","20,610","20,611","20,612","20,613","20,614","20,615","20,616","20,617","20,618","20,619","20,620","20,621","20,622","20,623","20,624","20,625","20,626","20,627","20,628","20,629","20,630","20,631","20,632","20,633","20,634","20,635","20,636","20,637","20,638","20,639","20,640","20,641","20,642","20,643","20,644","20,645","20,646","20,647","20,648","20,649","20,650","20,651","20,652","20,653","20,654","20,655","20,656","20,657","20,658","20,659","20,660","20,661","20,662","20,663","20,664","20,665","21,5","21,6","21,7","21,8","21,9","21,10","21,11","21,12","21,13","21,14","21,15","21,16","21,17","21,18","21,19","21,20","21,21","21,22","21,23","21,24","21,25","21,26","21,27","21,28","21,29","21,30","21,31","21,32","21,33","21,34","21,35","21,36","21,37","21,38","21,39","21,40","21,41","21,42","21,43","21,44","21,45","21,46","21,47","21,48","21,49","21,50","21,51","21,52","21,53","21,54","21,55","21,56","21,57","21,58","21,59","21,60","21,61","21,62","21,63","21,64","21,65","21,66","21,67","21,68","21,69","21,70","21,71","21,72","21,73","21,74","21,75","21,76","21,77","21,78","21,79","21,80","21,81","21,82","21,83","21,84","21,85","21,86","21,87","21,88","21,89","21,90","21,91","21,92","21,93","21,94","21,95","21,96","21,97","21,98","21,99","21,100","21,101","21,102","21,103","21,104","21,105","21,106","21,107","21,108","21,109","21,110","21,111","21,112","21,113","21,114","21,115","21,116","21,117","21,118","21,119","21,120","21,121","21,122","21,123","21,124","21,125","21,126","21,127","21,128","21,129","21,130","21,131","21,132","21,133","21,134","21,135","21,136","21,137","21,138","21,139","21,140","21,141","21,142","21,143","21,144","21,145","21,146","21,147","21,148","21,149","21,150","21,151","21,152","21,153","21,154","21,155","21,156","21,157","21,158","21,159","21,160","21,161","21,162","21,163","21,164","21,165","21,166","21,167","21,168","21,169","21,170","21,171","21,172","21,173","21,174","21,175","21,176","21,177","21,178","21,179","21,180","21,181","21,182","21,183","21,184","21,185","21,186","21,187","21,188","21,189","21,190","21,191","21,192","21,193","21,194","21,195","21,196","21,197","21,198","21,199","21,200","21,201","21,202","21,203","21,204","21,205","21,206","21,207","21,208","21,209","21,210","21,211","21,212","21,213","21,214","21,215","21,216","21,217","21,218","21,219","21,220","21,221","21,222","21,223","21,224","21,225","21,226","21,227","21,228","21,229","21,230","21,231","21,232","21,233","21,234","21,235","21,236","21,237","21,238","21,239","21,240","21,241","21,242","21,243","21,244","21,245","21,246","21,247","21,248","21,249","21,250","21,251","21,252","21,253","21,254","21,255","21,256","21,257","21,258","21,259","21,260","21,261","21,262","21,263","21,264","21,265","21,266","21,267","21,268","21,269","21,270","21,271","21,272","21,273","21,274","21,275","21,276","21,277","21,278","21,279","21,280","21,281","21,282","21,283","21,284","21,285","21,286","21,287","21,288","21,289","21,290","21,291","21,292","21,293","21,294","21,295","21,296","21,297","21,298","21,299","21,300","21,301","21,302","21,303","21,304","21,305","21,306","21,307","21,308","21,309","21,310","21,311","21,312","21,313","21,314","21,315","21,316","21,317","21,318","21,319","21,320","21,321","21,322","21,323","21,324","21,325","21,326","21,327","21,328","21,329","21,330","21,331","21,332","21,333","21,334","21,335","21,336","21,337","21,338","21,339","21,340","21,341","21,342","21,343","21,344","21,345","21,346","21,347","21,348","21,349","21,350","21,351","21,352","21,353","21,354","21,355","21,356","21,357","21,358","21,359","21,360","21,361","21,362","21,363","21,364","21,365","21,366","21,367","21,368","21,369","21,370","21,371","21,372","21,373","21,374","21,375","21,376","21,377","21,378","21,379","21,380","21,381","21,382","21,383","21,384","21,385","21,386","21,387","21,388","21,389","21,390","21,391","21,392","21,393","21,394","21,395","21,396","21,397","21,398","21,399","21,400","21,401","21,402","21,403","21,404","21,405","21,406","21,407","21,408","21,409","21,410","21,411","21,412","21,413","21,414","21,415","21,416","21,417","21,418","21,419","21,420","21,421","21,422","21,423","21,424","21,425","21,426","21,427","21,428","21,429","21,430","21,431","21,432","21,433","21,434","21,435","21,436","21,437","21,438","21,439","21,440","21,441","21,442","21,443","21,444","21,445","21,446","21,447","21,448","21,449","21,450","21,451","21,452","21,453","21,454","21,455","21,456","21,457","21,458","21,459","21,460","21,461","21,462","21,463","21,464","21,465","21,466","21,467","21,468","21,469","21,470","21,471","21,472","21,473","21,474","21,475","21,476","21,477","21,478","21,479","21,480","21,481","21,482","21,483","21,484","21,485","21,486","21,487","21,488","21,489","21,490","21,491","21,492","21,493","21,494","21,495","21,496","21,497","21,498","21,499","21,500","21,501","21,502","21,503","21,504","21,505","21,506","21,507","21,508","21,509","21,510","21,511","21,512","21,513","21,514","21,515","21,516","21,517","21,518","21,519","21,520","21,521","21,522","21,523","21,524","21,525","21,526","21,527","21,528","21,529","21,530","21,531","21,532","21,533","21,534","21,535","21,536","21,537","21,538","21,539","21,540","21,541","21,542","21,543","21,544","21,545","21,546","21,547","21,548","21,549","21,550","21,551","21,552","21,553","21,554","21,555","21,556","21,557","21,558","21,559","21,560","21,561","21,562","21,563","21,564","21,565","21,566","21,567","21,568","21,569","21,570","21,571","21,572","21,573","21,574","21,575","21,576","21,577","21,578","21,579","21,580","21,581","21,582","21,583","21,584","21,585","21,586","21,587","21,588","21,589","21,590","21,591","21,592","21,593","21,594","21,595","21,596","21,597","21,598","21,599","21,600","21,601","21,602","21,603","21,604","21,605","21,606","21,607","21,608","21,609","21,610","22,5","22,6","22,7","22,8","22,9","22,10","22,11","22,12","22,13","22,14","22,15","22,16","22,17","22,18","22,19","22,20","22,21","22,22","22,23","22,24","22,25","22,26","22,27","22,28","22,29","22,30","22,31","22,32","22,33","22,34","22,35","22,36","22,37","22,38","22,39","22,40","22,41","22,42","22,43","22,44","22,45","22,46","22,47","22,48","22,49","22,50","22,51","22,52","22,53","22,54","22,55","22,56","22,57","22,58","22,59","22,60","22,61","22,62","22,63","22,64","22,65","22,66","22,67","22,68","22,69","22,70","22,71","22,72","22,73","22,74","22,75","22,76","22,77","22,78","22,79","22,80","22,81","22,82","22,83","22,84","22,85","22,86","22,87","22,88","22,89","22,90","22,91","22,92","22,93","22,94","22,95","22,96","22,97","22,98","22,99","22,100","22,101","22,102","22,103","22,104","22,105","22,106","22,107","22,108","22,109","22,110","22,111","22,112","22,113","22,114","22,115","22,116","22,117","22,118","22,119","22,120","22,121","22,122","22,123","22,124","22,125","22,126","22,127","22,128","22,129","22,130","22,131","22,132","22,133","22,134","22,135","22,136","22,137","22,138","22,139","22,140","22,141","22,142","22,143","22,144","22,145","22,146","22,147","22,148","22,149","22,150","22,151","22,152","22,153","22,154","22,155","22,156","22,157","22,158","22,159","22,160","22,161","22,162","22,163","22,164","22,165","22,166","22,167","22,168","22,169","22,170","22,171","22,172","22,173","22,174","22,175","22,176","22,177","22,178","22,179","22,180","22,181","22,182","22,183","22,184","22,185","22,186","22,187","22,188","22,189","22,190","22,191","22,192","22,193","22,194","22,195","22,196","22,197","22,198","22,199","22,200","22,201","22,202","22,203","22,204","22,205","22,206","22,207","22,208","22,209","22,210","22,211","22,212","22,213","22,214","22,215","22,216","22,217","22,218","22,219","22,220","22,221","22,222","22,223","22,224","22,225","22,226","22,227","22,228","22,229","22,230","22,231","22,232","22,233","22,234","22,235","22,236","22,237","22,238","22,239","22,240","22,241","22,242","22,243","22,244","22,245","22,246","22,247","22,248","22,249","22,250","22,251","22,252","22,253","22,254","22,255","22,256","22,257","22,258","22,259","22,260","22,261","22,262","22,263","22,264","22,265","22,266","22,267","22,268","22,269","22,270","22,271","22,272","22,273","22,274","22,275","22,276","22,277","22,278","22,279","22,280","22,281","22,282","22,283","22,284","22,285","22,286","22,287","22,288","22,289","22,290","22,291","22,292","22,293","22,294","22,295","22,296","22,297","22,298","22,299","22,300","22,301","22,302","22,303","22,304","22,305","22,306","22,307","22,308","22,309","22,310","22,311","22,312","22,313","22,314","22,315","22,316","22,317","22,318","22,319","22,320","22,321","22,322","22,323","22,324","22,325","22,326","22,327","22,328","22,329","22,330","22,331","22,332","22,333","22,334","22,335","22,336","22,337","22,338","22,339","22,340","22,341","22,342","22,343","22,344","22,345","22,346","22,347","22,348","22,349","22,350","22,351","22,352","22,353","22,354","22,355","22,356","22,357","22,358","22,359","22,360","22,361","22,362","22,363","22,364","22,365","22,366","22,367","22,368","22,369","22,370","22,371","22,372","22,373","22,374","22,375","22,376","22,377","22,378","22,379","22,380","22,381","22,382","22,383","22,384","22,385","22,386","22,387","22,388","22,389","22,390","22,391","22,392","22,393","22,394","22,395","22,396","22,397","22,398","22,399","22,400","22,401","22,402","22,403","22,404","22,405","22,406","22,407","22,408","22,409","22,410","22,411","22,412","22,413","22,414","22,415","22,416","22,417","22,418","22,419","22,420","22,421","22,422","22,423","22,424","22,425","22,426","22,427","22,428","22,429","22,430","22,431","22,432","22,433","22,434","22,435","22,436","22,437","22,438","22,439","22,440","22,441","22,442","22,443","22,444","22,445","22,446","22,447","22,448","22,449","22,450","22,451","22,452","22,453","22,454","22,455","22,456","22,457","22,458","22,459","22,460","22,461","22,462","22,463","22,464","22,465","22,466","22,467","22,468","22,469","22,470","22,471","22,472","22,473","22,474","22,475","22,476","22,477","22,478","22,479","22,480","22,481","22,482","22,483","22,484","22,485","22,486","22,487","22,488","22,489","22,490","22,491","22,492","22,493","22,494","22,495","22,496","22,497","22,498","22,499","22,500","22,501","22,502","22,503","22,504","22,505","22,506","22,507","22,508","22,509","22,510","22,511","22,512","22,513","22,514","22,515","22,516","22,517","22,518","22,519","22,520","22,521","22,522","22,523","22,524","22,525","22,526","22,527","22,528","22,529","22,530","22,531","22,532","22,533","22,534","22,535","22,536","22,537","22,538","22,539","22,540","22,541","22,542","22,543","22,544","22,545","22,546","22,547","22,548","22,549","22,550","22,551","22,552","22,553","22,554","22,555","22,556","22,557","22,558","22,559","22,560","22,561","22,562","22,563","22,564","22,565","22,566","22,567","22,568","22,569","22,570","22,571","22,572","22,573","22,574","22,575","22,576","22,577","22,578","22,579","22,580","22,581","22,582","22,583","22,584","22,585","22,586","22,587","22,588","22,589","22,590","22,591","22,592","22,593","22,594","22,595","22,596","22,597","22,598","22,599","22,600","22,601","22,602","22,603","22,604","22,605","22,606","22,607","22,608","22,609","22,610","22,611","22,612","22,613","22,614","22,615","22,616","22,617","22,618","22,619","22,620","22,621","22,622","22,623","22,624","22,625","22,626","22,627","22,628","22,629","22,630","22,631","22,632","22,633","22,634","22,635","22,636","22,637","22,638","22,639","22,640","22,641","22,642","22,643","22,644","22,645","22,646","22,647","22,648","22,649","22,650","22,651","22,652","22,653","22,654","22,655","22,656","22,657","22,658","22,659","22,660","22,661","22,662","22,663","22,664","22,665","22,666","22,667","22,668","22,669","22,670","22,671","22,672","22,673","23,5","23,6","23,7","23,8","23,9","23,10","23,11","23,12","23,13","23,14","23,15","23,16","23,17","23,18","23,19","23,20","23,21","23,22","23,23","23,24","23,25","23,26","23,27","23,28","23,29","23,30","23,31","23,32","23,33","23,34","23,35","23,36","23,37","23,38","23,39","23,40","23,41","23,42","23,43","23,44","23,45","23,46","23,47","23,48","23,49","23,50","23,51","23,52","23,53","23,54","23,55","23,56","23,57","23,58","23,59","23,60","23,61","23,62","23,63","23,64","23,65","23,66","23,67","23,68","23,69","23,70","23,71","23,72","23,73","23,74","23,75","23,76","23,77","23,78","23,79","23,80","23,81","23,82","23,83","23,84","23,85","23,86","23,87","23,88","23,89","23,90","23,91","23,92","23,93","23,94","23,95","23,96","23,97","23,98","23,99","23,100","23,101","23,102","23,103","23,104","23,105","23,106","23,107","23,108","23,109","23,110","23,111","23,112","23,113","23,114","23,115","23,116","23,117","23,118","23,119","23,120","23,121","23,122","23,123","23,124","23,125","23,126","23,127","23,128","23,129","23,130","23,131","23,132","23,133","23,134","23,135","23,136","23,137","23,138","23,139","23,140","23,141","23,142","23,143","23,144","23,145","23,146","23,147","23,148","23,149","23,150","23,151","23,152","23,153","23,154","23,155","23,156","23,157","23,158","23,159","23,160","23,161","23,162","23,163","23,164","23,165","23,166","23,167","23,168","23,169","23,170","23,171","23,172","23,173","23,174","23,175","23,176","23,177","23,178","23,179","23,180","23,181","23,182","23,183","23,184","23,185","23,186","23,187","23,188","23,189","23,190","23,191","23,192","23,193","23,194","23,195","23,196","23,197","23,198","23,199","23,200","23,201","23,202","23,203","23,204","23,205","23,206","23,207","23,208","23,209","23,210","23,211","23,212","23,213","23,214","23,215","23,216","23,217","23,218","23,219","23,220","23,221","23,222","23,223","23,224","23,225","23,226","23,227","23,228","23,229","23,230","23,231","23,232","23,233","23,234","23,235","23,236","23,237","23,238","23,239","23,240","23,241","23,242","23,243","23,244","23,245","23,246","23,247","23,248","23,249","23,250","23,251","23,252","23,253","23,254","23,255","23,256","23,257","23,258","23,259","23,260","23,261","23,262","23,263","23,264","23,265","23,266","23,267","23,268","23,269","23,270","23,271","23,272","23,273","23,274","23,275","23,276","23,277","23,278","23,279","23,280","23,281","23,282","23,283","23,284","23,285","23,286","23,287","23,288","23,289","23,290","23,291","23,292","23,293","23,294","23,295","23,296","23,297","23,298","23,299","23,300","23,301","23,302","23,303","23,304","23,305","23,306","23,307","23,308","23,309","23,310","23,311","23,312","23,313","23,314","23,315","23,316","23,317","23,318","23,319","23,320","23,321","23,322","23,323","23,324","23,325","23,326","23,327","23,328","23,329","23,330","23,331","23,332","23,333","23,334","23,335","23,336","23,337","23,338","23,339","23,340","23,341","23,342","23,343","23,344","23,345","23,346","23,347","23,348","23,349","23,350","23,351","23,352","23,353","23,354","23,355","23,356","23,357","23,358","23,359","23,360","23,361","23,362","23,363","23,364","23,365","23,366","23,367","23,368","23,369","23,370","23,371","23,372","23,373","23,374","23,375","23,376","23,377","23,378","23,379","23,380","23,381","23,382","23,383","23,384","23,385","23,386","23,387","23,388","23,389","23,390","23,391","23,392","23,393","23,394","23,395","23,396","23,397","23,398","23,399","23,400","23,401","23,402","23,403","23,404","23,405","23,406","23,407","23,408","23,409","23,410","23,411","23,412","23,413","23,414","23,415","23,416","23,417","23,418","23,419","23,420","23,421","23,422","23,423","23,424","23,425","23,426","23,427","23,428","23,429","23,430","23,431","23,432","23,433","23,434","23,435","23,436","23,437","23,438","23,439","23,440","23,441","23,442","23,443","23,444","23,445","23,446","23,447","23,448","23,449","23,450","23,451","23,452","23,453","23,454","23,455","23,456","23,457","23,458","23,459","23,460","23,461","23,462","23,463","23,464","23,465","23,466","23,467","23,468","23,469","23,470","23,471","23,472","23,473","23,474","23,475","23,476","23,477","23,478","23,479","23,480","23,481","23,482","23,483","23,484","23,485","23,486","23,487","23,488","23,489","23,490","23,491","23,492","23,493","23,494","23,495","23,496","23,497","23,498","23,499","23,500","23,501","23,502","23,503","23,504","23,505","23,506","23,507","23,508","23,509","23,510","23,511","23,512","23,513","23,514","23,515","23,516","23,517","23,518","23,519","23,520","23,521","23,522","23,523","23,524","23,525","23,526","23,527","23,528","23,529","23,530","23,531","23,532","23,533","23,534","23,535","23,536","23,537","23,538","23,539","23,540","23,541","23,542","23,543","23,544","23,545","23,546","23,547","23,548","23,549","23,550","23,551","23,552","23,553","23,554","23,555","23,556","23,557","23,558","23,559","23,560","23,561","23,562","23,563","23,564","23,565","23,566","23,567","23,568","23,569","23,570","23,571","23,572","23,573","23,574","23,575","23,576","23,577","23,578","23,579","23,580","23,581","23,582","23,583","23,584","23,585","23,586","23,587","23,588","23,589","23,590","23,591","23,592","23,593","23,594","23,595","23,596","23,597","23,598","23,599","23,600","23,601","23,602","23,603","23,604","23,605","23,606","23,607","23,608","23,609","23,610","23,611","23,612","23,613","23,614","24,5","24,6","24,7","24,8","24,9","24,10","24,11","24,12","24,13","24,14","24,15","24,16","24,17","24,18","24,19","24,20","24,21","24,22","24,23","24,24","24,25","24,26","24,27","24,28","24,29","24,30","24,31","24,32","24,33","24,34","24,35","24,36","24,37","24,38","24,39","24,40","24,41","24,42","24,43","24,44","24,45","24,46","24,47","24,48","24,49","24,50","24,51","24,52","24,53","24,54","24,55","24,56","24,57","24,58","24,59","24,60","24,61","24,62","24,63","24,64","24,65","24,66","24,67","24,68","24,69","24,70","24,71","24,72","24,73","24,74","24,75","24,76","24,77","24,78","24,79","24,80","24,81","24,82","24,83","24,84","24,85","24,86","24,87","24,88","24,89","24,90","24,91","24,92","24,93","24,94","24,95","24,96","24,97","24,98","24,99","24,100","24,101","24,102","24,103","24,104","24,105","24,106","24,107","24,108","24,109","24,110","24,111","24,112","24,113","24,114","24,115","24,116","24,117","24,118","24,119","24,120","24,121","24,122","24,123","24,124","24,125","24,126","24,127","24,128","24,129","24,130","24,131","24,132","24,133","24,134","24,135","24,136","24,137","24,138","24,139","24,140","24,141","24,142","24,143","24,144","24,145","24,146","24,147","24,148","24,149","24,150","24,151","24,152","24,153","24,154","24,155","24,156","24,157","24,158","24,159","24,160","24,161","24,162","24,163","24,164","24,165","24,166","24,167","24,168","24,169","24,170","24,171","24,172","24,173","24,174","24,175","24,176","24,177","24,178","24,179","24,180","24,181","24,182","24,183","24,184","24,185","24,186","24,187","24,188","24,189","24,190","24,191","24,192","24,193","24,194","24,195","24,196","24,197","24,198","24,199","24,200","24,201","24,202","24,203","24,204","24,205","24,206","24,207","24,208","24,209","24,210","24,211","24,212","24,213","24,214","24,215","24,216","24,217","24,218","24,219","24,220","24,221","24,222","24,223","24,224","24,225","24,226","24,227","24,228","24,229","24,230","24,231","24,232","24,233","24,234","24,235","24,236","24,237","24,238","24,239","24,240","24,241","24,242","24,243","24,244","24,245","24,246","24,247","24,248","24,249","24,250","24,251","24,252","24,253","24,254","24,255","24,256","24,257","24,258","24,259","24,260","24,261","24,262","24,263","24,264","24,265","24,266","24,267","24,268","24,269","24,270","24,271","24,272","24,273","24,274","24,275","24,276","24,277","24,278","24,279","24,280","24,281","24,282","24,283","24,284","24,285","24,286","24,287","24,288","24,289","24,290","24,291","24,292","24,293","24,294","24,295","24,296","24,297","24,298","24,299","24,300","24,301","24,302","24,303","24,304","24,305","24,306","24,307","24,308","24,309","24,310","24,311","24,312","24,313","24,314","24,315","24,316","24,317","24,318","24,319","24,320","24,321","24,322","24,323","24,324","24,325","24,326","24,327","24,328","24,329","24,330","24,331","24,332","24,333","24,334","24,335","24,336","24,337","24,338","24,339","24,340","24,341","24,342","24,343","24,344","24,345","24,346","24,347","24,348","24,349","24,350","24,351","24,352","24,353","24,354","24,355","24,356","24,357","24,358","24,359","24,360","24,361","24,362","24,363","24,364","24,365","24,366","24,367","24,368","24,369","24,370","24,371","24,372","24,373","24,374","24,375","24,376","24,377","24,378","24,379","24,380","24,381","24,382","24,383","24,384","24,385","24,386","24,387","24,388","24,389","24,390","24,391","24,392","24,393","24,394","24,395","24,396","24,397","24,398","24,399","24,400","24,401","24,402","24,403","24,404","24,405","24,406","24,407","24,408","24,409","24,410","24,411","24,412","24,413","24,414","24,415","24,416","24,417","24,418","24,419","24,420","24,421","24,422","24,423","24,424","24,425","24,426","24,427","24,428","24,429","24,430","24,431","24,432","24,433","24,434","24,435","24,436","24,437","24,438","24,439","24,440","24,441","24,442","24,443","24,444","24,445","24,446","24,447","24,448","24,449","24,450","24,451","24,452","24,453","24,454","24,455","24,456","24,457","24,458","24,459","24,460","24,461","24,462","24,463","24,464","24,465","24,466","24,467","24,468","24,469","24,470","24,471","24,472","24,473","24,474","24,475","24,476","24,477","24,478","24,479","24,480","24,481","24,482","24,483","24,484","24,485","24,486","24,487","24,488","24,489","24,490","24,491","24,492","24,493","24,494","24,495","24,496","24,497","24,498","24,499","24,500","24,501","24,502","24,503","24,504","24,505","24,506","24,507","24,508","24,509","24,510","24,511","24,512","24,513","24,514","24,515","24,516","24,517","24,518","24,519","24,520","24,521","24,522","24,523","24,524","24,525","24,526","24,527","24,528","24,529","24,530","24,531","24,532","24,533","24,534","24,535","24,536","24,537","24,538","24,539","24,540","24,541","24,542","24,543","24,544","24,545","24,546","24,547","24,548","24,549","24,550","24,551","24,552","24,553","24,554","24,555","24,556","24,557","24,558","24,559","24,560","24,561","24,562","24,563","24,564","24,565","24,566","24,567","24,568","24,569","24,570","24,571","24,572","24,573","24,574","24,575","24,576","24,577","24,578","24,579","24,580","24,581","24,582","24,583","24,584","24,585","24,586","24,587","24,588","24,589","24,590","24,591","24,592","24,593","24,594","24,595","24,596","24,597","24,598","24,599","24,600","24,601","24,602","24,603","24,604","24,605","24,606","24,607","24,608","24,609","24,610","24,611","24,612","24,613","24,614","24,615","24,616","24,617","24,618","24,619","24,620","24,621","24,622","24,623","24,624","24,625","24,626","24,627","24,628","24,629","24,630","24,631","24,632","24,633","24,634","24,635","24,636","24,637","24,638","24,639","24,640","24,641","24,642","24,643","24,644","24,645","24,646","24,647","24,648","24,649","24,650","24,651","24,652","24,653","24,654","24,655","24,656","24,657","24,658","24,659","24,660","24,661","24,662","24,663","24,664","24,665","24,666","24,667","24,668","24,669","24,670","24,671","24,672","24,673","24,674","24,675","24,676","24,677","24,678","24,679","24,680","24,681","24,682","24,683","24,684","24,685","24,686","24,687","24,688","24,689","24,690","24,691","24,692","24,693","24,694","24,695","24,696","24,697","24,698","24,699","24,700","24,701","24,702","24,703","24,704","24,705","24,706","24,707","24,708","24,709","24,710","24,711","24,712","24,713","24,714","24,715","24,716","24,717","24,718","24,719","24,720","24,721","24,722","24,723","24,724","24,725","24,726","24,727","24,728","24,729","24,730","24,731","24,732","24,733","24,734","24,735","24,736","24,737","24,738","24,739","24,740","24,741","24,742","24,743","24,744","24,745","24,746","24,747","24,748","24,749","24,750","24,751","24,752","24,753","24,754","24,755","24,756"],"ٞ":{"1":[1],"6":[2,3],"7":[4],"8":[5],"9":[6],"13":[7],"15":[8],"31":[9],"35":[10],"41":[11],"42":[12],"45":[13,14],"46":[15],"47":[16],"48":[17],"49":[18,19],"50":[20,21,22],"51":[23],"52":[24],"53":[25],"57":[26,27],"70":[28],"72":[29,30],"74":[31],"77":[32],"81":[33],"84":[34],"105":[35],"177":[36],"178":[37,38],"179":[39,40,41,42],"180":[43,44,45],"181":[46,47,48],"182":[49],"183":[50],"193":[51],"200":[52],"247":[53],"251":[54],"254":[55],"258":[56],"264":[57],"269":[58],"285":[59],"289":[60],"291":[61,62],"304":[63],"315":[64],"321":[65],"324":[66],"327":[67],"329":[68],"337":[69],"339":[70],"340":[71],"345":[72],"350":[73],"356":[74],"360":[75],"370":[76],"379":[77],"384":[78,79],"408":[80],"411":[81],"413":[82],"417":[83],"420":[84],"427":[85],"428":[86],"429":[87],"430":[88],"431":[89],"433":[90],"436":[91],"438":[92],"443":[93],"445":[94],"449":[95],"454":[96,97],"455":[98],"459":[99],"463":[100],"465":[101],"466":[102],"469":[103],"471":[104],"473":[105],"476":[106],"479":[107],"481":[108],"482":[109],"484":[110],"486":[111],"491":[112],"492":[113],"498":[114],"500":[115],"502":[116],"504":[117],"510":[118],"512":[119,120],"525":[121],"528":[122],"530":[123],"561":[124],"564":[125,126],"566":[127],"567":[128],"568":[129],"570":[130,131],"572":[132],"573":[133,134],"575":[135],"579":[136],"582":[137],"583":[138],"585":[139,140],"587":[141],"592":[142],"599":[143],"602":[144,145],"612":[146],"614":[147],"615":[148],"620":[149],"621":[150,151],"623":[152],"631":[153],"634":[154],"645":[155],"646":[156],"652":[157],"655":[158],"656":[159],"662":[160],"682":[161],"685":[162],"687":[163],"691":[164],"694":[165],"699":[166],"701":[167],"702":[168,169],"706":[170],"708":[171],"709":[172],"711":[173],"714":[174],"727":[175],"729":[176],"731":[177],"737":[178],"740":[179],"750":[180],"751":[181],"755":[182],"757":[183],"759":[184],"767":[185,186],"768":[187],"769":[188],"773":[189],"774":[190],"776":[191],"778":[192],"779":[193],"780":[194],"783":[195],"784":[196],"785":[197],"787":[198],"791":[199],"793":[200],"796":[201,202],"797":[203],"801":[204],"803":[205],"805":[206],"808":[207,208],"809":[209],"811":[210],"815":[211],"817":[212],"819":[213],"820":[214],"824":[215],"825":[216],"832":[217],"834":[218],"835":[219],"843":[220],"845":[221],"846":[222],"848":[223],"855":[224],"856":[225],"858":[226],"867":[227],"870":[228],"871":[229],"878":[230],"880":[231],"884":[232],"891":[233],"892":[234],"893":[235,236],"895":[237],"900":[238],"901":[239],"902":[240],"903":[241],"909":[242],"912":[243],"913":[244],"917":[245],"918":[246],"919":[247],"927":[248],"929":[249],"933":[250],"935":[251],"936":[252],"939":[253],"940":[254,255],"942":[256],"945":[257],"954":[258],"956":[259],"959":[260],"961":[261],"962":[262],"964":[263],"966":[264,265],"974":[266],"976":[267],"977":[268],"978":[269],"981":[270,271],"983":[272],"994":[273],"995":[274],"998":[275],"999":[276,277],"1003":[278],"1004":[279],"1005":[280],"1013":[281],"1015":[282],"1017":[283],"1019":[284],"1021":[285],"1025":[286],"1032":[287,288],"1036":[289,290,291],"1038":[292],"1041":[293],"1042":[294,295],"1046":[296],"1047":[297],"1048":[298,299],"1052":[300],"1054":[301],"1059":[302],"1060":[303],"1062":[304],"1069":[305],"1071":[306],"1073":[307],"1077":[308],"1078":[309],"1084":[310],"1086":[311],"1090":[312],"1093":[313],"1094":[314],"1095":[315],"1098":[316],"1100":[317],"1101":[318],"1106":[319,320],"1107":[321],"1108":[322],"1110":[323],"1111":[324],"1113":[325],"1115":[326],"1118":[327],"1123":[328],"1124":[329],"1125":[330],"1126":[331],"1127":[332],"1128":[333],"1129":[334],"1133":[335],"1134":[336],"1136":[337],"1139":[338],"1140":[339],"1143":[340],"1144":[341],"1150":[342],"1151":[343],"1158":[344,345],"1162":[346,347],"1163":[348,349],"1164":[350],"1168":[351],"1170":[352],"1171":[353],"1174":[354],"1175":[355],"1180":[356],"1183":[357],"1184":[358],"1185":[359,360,361],"1187":[362],"1191":[363,364],"1207":[365],"1208":[366],"1209":[367],"1212":[368],"1214":[369,370],"1219":[371],"1221":[372],"1226":[373],"1229":[374],"1230":[375],"1231":[376],"1238":[377],"1248":[378],"1263":[379],"1265":[380],"1269":[381],"1270":[382,383],"1275":[384],"1278":[385],"1291":[386],"1293":[387],"1294":[388],"1295":[389],"1296":[390],"1298":[391],"1307":[392],"1311":[393,394],"1317":[395],"1322":[396],"1323":[397],"1326":[398],"1328":[399],"1330":[400],"1331":[401],"1333":[402,403],"1335":[404,405],"1337":[406],"1339":[407],"1341":[408],"1342":[409],"1346":[410],"1348":[411],"1349":[412],"1354":[413],"1355":[414],"1356":[415],"1368":[416,417],"1369":[418],"1372":[419],"1374":[420],"1381":[421],"1384":[422],"1387":[423],"1388":[424,425],"1392":[426],"1393":[427],"1394":[428],"1395":[429],"1403":[430],"1404":[431,432],"1405":[433],"1406":[434],"1416":[435],"1417":[436],"1418":[437],"1419":[438],"1424":[439],"1429":[440],"1430":[441],"1438":[442],"1441":[443],"1442":[444],"1444":[445],"1445":[446],"1451":[447],"1452":[448],"1455":[449,450],"1456":[451],"1464":[452],"1472":[453],"1473":[454],"1474":[455],"1479":[456],"1480":[457],"1483":[458],"1485":[459],"1486":[460,461],"1487":[462],"1488":[463,464,465],"1490":[466],"1492":[467,468],"1493":[469],"1494":[470],"1496":[471],"1499":[472],"1503":[473],"1507":[474],"1509":[475],"1510":[476],"1511":[477],"1514":[478],"1515":[479],"1516":[480],"1518":[481],"1521":[482],"1522":[483],"1523":[484],"1525":[485],"1526":[486],"1530":[487],"1532":[488],"1533":[489],"1534":[490],"1535":[491],"1537":[492],"1546":[493],"1547":[494],"1554":[495],"1558":[496,497],"1562":[498],"1564":[499],"1573":[500,501],"1574":[502,503],"1577":[504,505],"1579":[506],"1581":[507],"1582":[508],"1587":[509],"1588":[510],"1589":[511],"1590":[512,513],"1599":[514],"1600":[515],"1603":[516],"1604":[517],"1605":[518],"1606":[519],"1611":[520],"1614":[521,522],"1616":[523],"1619":[524],"1620":[525],"1635":[526],"1637":[527],"1640":[528],"1646":[529],"1648":[530],"1651":[531],"1653":[532],"1659":[533],"1660":[534],"1662":[535,536],"1663":[537,538],"1664":[539],"1667":[540],"1669":[541],"1674":[542],"1676":[543],"1681":[544],"1683":[545],"1687":[546,547],"1692":[548],"1695":[549],"1702":[550],"1703":[551],"1704":[552],"1709":[553],"1714":[554],"1715":[555],"1716":[556],"1718":[557,558],"1722":[559],"1725":[560],"1729":[561],"1735":[562],"1737":[563],"1742":[564],"1743":[565],"1744":[566],"1755":[567],"1762":[568],"1765":[569],"1771":[570],"1774":[571],"1789":[572],"1792":[573],"1793":[574],"1803":[575],"1807":[576],"1811":[577],"1834":[578],"1837":[579],"1838":[580],"1843":[581],"1852":[582],"1869":[583],"1870":[584],"1872":[585],"1873":[586,587],"1880":[588],"1882":[589],"1884":[590],"1908":[591],"1918":[592],"1925":[593,594],"1926":[595,596],"1931":[597],"1934":[598],"1940":[599,600],"1943":[601],"1944":[602],"1946":[603],"1949":[604],"1950":[605],"1952":[606],"1955":[607],"1960":[608],"1963":[609,610],"1977":[611],"1978":[612],"1993":[613],"2010":[614],"2028":[615],"2061":[616],"2062":[617],"2070":[618],"2084":[619],"2087":[620],"2088":[621],"2093":[622],"2094":[623],"2103":[624],"2108":[625],"2120":[626],"2128":[627],"2144":[628],"2145":[629],"2152":[630,631],"2161":[632],"2166":[633],"2174":[634],"2175":[635],"2183":[636],"2185":[637],"2192":[638],"2195":[639],"2198":[640],"2200":[641],"2207":[642],"2222":[643,644],"2229":[645],"2231":[646],"2233":[647],"2238":[648,649],"2240":[650],"2245":[651],"2246":[652],"2252":[653],"2253":[654],"2254":[655],"2256":[656],"2265":[657],"2266":[658],"2268":[659],"2269":[660],"2271":[661,662],"2278":[663],"2281":[664],"2286":[665],"2288":[666],"2290":[667],"2294":[668],"2296":[669],"2297":[670],"2298":[671,672],"2316":[673,674],"2317":[675],"2320":[676],"2330":[677],"2331":[678],"2337":[679],"2341":[680],"2347":[681],"2349":[682],"2358":[683],"2359":[684],"2361":[685],"2362":[686],"2367":[687],"2369":[688,689],"2370":[690],"2371":[691],"2373":[692],"2374":[693],"2382":[694],"2384":[695],"2386":[696],"2393":[697],"2396":[698,699],"2412":[700],"2414":[701],"2415":[702],"2423":[703],"2424":[704],"2446":[705],"2452":[706,707],"2461":[708],"2470":[709],"2472":[710],"2473":[711],"2497":[712],"2515":[713],"2525":[714],"2529":[715],"2531":[716],"2534":[717],"2535":[718,719],"2544":[720],"2557":[721],"2559":[722],"2574":[723],"2575":[724],"2579":[725],"2584":[726],"2587":[727],"2588":[728],"2593":[729,730],"2595":[731],"2596":[732],"2597":[733],"2606":[734],"2607":[735],"2609":[736],"2616":[737],"2621":[738],"2622":[739,740],"2623":[741],"2631":[742],"2637":[743],"2645":[744],"2650":[745],"2656":[746,747],"2669":[748],"2670":[749],"2671":[750],"2679":[751],"2681":[752],"2682":[753],"2691":[754],"2693":[755],"2696":[756,757],"2699":[758,759,760],"2704":[761],"2706":[762],"2708":[763],"2710":[764],"2715":[765],"2718":[766],"2721":[767],"2722":[768],"2723":[769],"2727":[770,771],"2734":[772],"2746":[773],"2747":[774,775],"2748":[776],"2749":[777],"2751":[778],"2752":[779,780,781],"2769":[782],"2773":[783],"2777":[784,785],"2781":[786],"2785":[787,788],"2789":[789],"2791":[790],"2793":[791],"2794":[792],"2796":[793],"2804":[794],"2806":[795],"2810":[796],"2813":[797],"2814":[798],"2815":[799],"2818":[800],"2819":[801],"2820":[802,803],"2821":[804],"2823":[805,806],"2824":[807],"2830":[808,809],"2835":[810],"2836":[811],"2838":[812],"2842":[813],"2844":[814,815],"2845":[816],"2852":[817],"2857":[818],"2863":[819],"2864":[820],"2865":[821],"2866":[822,823],"2867":[824],"2875":[825],"2877":[826,827],"2878":[828],"2879":[829],"2880":[830,831],"2881":[832,833,834],"2882":[835],"2883":[836],"2885":[837,838],"2886":[839,840],"2887":[841,842],"2888":[843],"2889":[844],"2890":[845],"2891":[846],"2892":[847],"2893":[848],"2894":[849,850],"2897":[851],"2899":[852,853],"2901":[854],"2903":[855,856],"2904":[857],"2907":[858,859],"2923":[860],"2924":[861,862],"2925":[863],"2928":[864],"2929":[865],"2931":[866,867],"2932":[868,869],"2933":[870],"2938":[871],"2939":[872],"2940":[873],"2941":[874],"2944":[875],"2945":[876,877],"2947":[878,879,880],"2948":[881],"2949":[882],"2952":[883,884],"2956":[885,886],"2961":[887],"2963":[888],"2965":[889],"2966":[890],"2967":[891,892],"2969":[893],"2970":[894],"2971":[895],"2972":[896,897,898],"2973":[899],"2977":[900,901],"2978":[902],"2980":[903],"2981":[904],"2986":[905],"2987":[906],"2988":[907],"2990":[908],"2992":[909],"2994":[910,911],"2995":[912],"2996":[913],"3006":[914],"3007":[915],"3008":[916],"3013":[917],"3015":[918],"3016":[919],"3017":[920],"3018":[921],"3020":[922],"3023":[923],"3024":[924],"3025":[925,926],"3026":[927],"3027":[928],"3029":[929],"3030":[930],"3032":[931],"3033":[932],"3034":[933],"3036":[934],"3037":[935],"3038":[936],"3041":[937],"3043":[938,939],"3044":[940,941],"3049":[942],"3053":[943,944,945],"3056":[946],"3057":[947],"3059":[948],"3060":[949],"3063":[950,951,952],"3064":[953],"3065":[954],"3066":[955],"3067":[956],"3068":[957],"3070":[958,959],"3073":[960],"3075":[961],"3076":[962,963,964],"3077":[965],"3078":[966],"3079":[967],"3082":[968,969],"3084":[970],"3085":[971],"3087":[972],"3089":[973,974],"3100":[975],"3103":[976,977],"3104":[978,979,980],"3106":[981],"3108":[982,983],"3109":[984],"3113":[985,986],"3114":[987],"3116":[988],"3117":[989,990],"3118":[991],"3120":[992],"3121":[993],"3122":[994],"3125":[995,996,997],"3127":[998,999],"3128":[1000,1001],"3129":[1002,1003],"3130":[1004],"3131":[1005],"3133":[1006],"3134":[1007],"3135":[1008],"3136":[1009],"3139":[1010],"3140":[1011],"3141":[1012,1013],"3142":[1014,1015],"3143":[1016],"3144":[1017,1018],"3145":[1019],"3146":[1020,1021],"3148":[1022],"3149":[1023],"3150":[1024,1025],"3151":[1026],"3153":[1027],"3154":[1028,1029],"3155":[1030],"3156":[1031],"3159":[1032],"3160":[1033],"3162":[1034],"3165":[1035],"3166":[1036,1037],"3168":[1038],"3169":[1039],"3170":[1040],"3172":[1041],"3173":[1042,1043],"3174":[1044],"3178":[1045],"3180":[1046,1047],"3181":[1048],"3183":[1049],"3184":[1050,1051],"3186":[1052],"3187":[1053],"3189":[1054,1055],"3190":[1056],"3193":[1057],"3194":[1058,1059],"3195":[1060],"3198":[1061,1062],"3199":[1063,1064],"3201":[1065],"3202":[1066],"3203":[1067,1068],"3204":[1069],"3209":[1070],"3210":[1071],"3211":[1072],"3212":[1073,1074],"3213":[1075],"3217":[1076],"3219":[1077],"3220":[1078],"3221":[1079,1080,1081],"3222":[1082],"3223":[1083],"3226":[1084,1085],"3227":[1086],"3228":[1087,1088],"3230":[1089],"3231":[1090],"3235":[1091,1092],"3236":[1093],"3237":[1094,1095,1096],"3238":[1097],"3239":[1098],"3241":[1099],"3243":[1100],"3244":[1101],"3246":[1102],"3247":[1103],"3256":[1104],"3259":[1105],"3264":[1106],"3265":[1107],"3267":[1108],"3268":[1109],"3269":[1110],"3271":[1111],"3272":[1112],"3275":[1113,1114],"3277":[1115,1116],"3278":[1117,1118],"3281":[1119,1120,1121],"3282":[1122,1123],"3287":[1124,1125],"3288":[1126],"3292":[1127],"3293":[1128,1129],"3294":[1130],"3295":[1131],"3297":[1132,1133],"3298":[1134],"3299":[1135,1136],"3300":[1137],"3301":[1138,1139],"3302":[1140],"3303":[1141],"3304":[1142],"3305":[1143],"3310":[1144],"3313":[1145],"3314":[1146,1147],"3318":[1148,1149],"3319":[1150,1151,1152],"3321":[1153],"3322":[1154],"3324":[1155],"3329":[1156,1157],"3330":[1158],"3332":[1159,1160,1161],"3333":[1162],"3334":[1163],"3335":[1164],"3337":[1165],"3340":[1166],"3341":[1167],"3342":[1168],"3344":[1169,1170],"3350":[1171],"3351":[1172,1173],"3352":[1174,1175],"3353":[1176],"3355":[1177],"3358":[1178],"3361":[1179],"3362":[1180],"3363":[1181],"3364":[1182],"3365":[1183],"3369":[1184],"3370":[1185],"3371":[1186],"3372":[1187],"3373":[1188],"3374":[1189],"3375":[1190],"3376":[1191,1192],"3377":[1193],"3378":[1194,1195],"3380":[1196],"3381":[1197],"3382":[1198],"3383":[1199],"3384":[1200],"3385":[1201],"3388":[1202],"3389":[1203],"3390":[1204],"3391":[1205,1206],"3392":[1207,1208],"3397":[1209],"3398":[1210],"3399":[1211],"3401":[1212],"3402":[1213,1214],"3403":[1215],"3405":[1216,1217],"3406":[1218],"3407":[1219],"3409":[1220,1221],"3410":[1222],"3411":[1223],"3413":[1224],"3414":[1225],"3415":[1226],"3416":[1227],"3419":[1228],"3420":[1229],"3421":[1230,1231,1232],"3424":[1233,1234],"3426":[1235],"3427":[1236],"3430":[1237],"3432":[1238],"3435":[1239],"3437":[1240,1241],"3439":[1242],"3440":[1243],"3441":[1244],"3442":[1245],"3443":[1246],"3444":[1247],"3445":[1248],"3446":[1249],"3447":[1250],"3453":[1251],"3456":[1252],"3461":[1253],"3462":[1254],"3465":[1255],"3470":[1256,1257],"3474":[1258],"3475":[1259],"3477":[1260],"3480":[1261],"3481":[1262],"3483":[1263],"3487":[1264,1265,1266],"3491":[1267],"3493":[1268],"3494":[1269],"3498":[1270],"3500":[1271],"3501":[1272],"3502":[1273,1274],"3505":[1275],"3506":[1276],"3507":[1277],"3509":[1278,1279],"3514":[1280],"3515":[1281],"3516":[1282,1283],"3517":[1284],"3520":[1285,1286],"3522":[1287],"3523":[1288],"3527":[1289],"3528":[1290],"3531":[1291],"3532":[1292,1293],"3534":[1294],"3535":[1295,1296],"3537":[1297],"3538":[1298,1299],"3539":[1300],"3540":[1301],"3541":[1302],"3544":[1303],"3546":[1304],"3547":[1305,1306],"3550":[1307,1308],"3552":[1309],"3554":[1310],"3559":[1311,1312],"3560":[1313,1314],"3562":[1315],"3563":[1316],"3564":[1317],"3565":[1318,1319],"3567":[1320],"3570":[1321],"3572":[1322,1323],"3573":[1324],"3575":[1325],"3576":[1326,1327],"3580":[1328],"3582":[1329],"3584":[1330,1331],"3590":[1332],"3591":[1333],"3592":[1334],"3595":[1335,1336],"3596":[1337],"3597":[1338],"3598":[1339],"3599":[1340],"3600":[1341],"3602":[1342],"3603":[1343],"3604":[1344],"3605":[1345],"3606":[1346],"3608":[1347],"3609":[1348],"3611":[1349],"3612":[1350,1351],"3614":[1352],"3615":[1353],"3617":[1354,1355],"3618":[1356,1357],"3619":[1358],"3620":[1359],"3621":[1360],"3623":[1361],"3624":[1362],"3625":[1363],"3626":[1364,1365],"3627":[1366,1367],"3630":[1368],"3631":[1369],"3632":[1370],"3633":[1371],"3634":[1372],"3638":[1373],"3639":[1374],"3640":[1375],"3643":[1376,1377],"3646":[1378,1379],"3648":[1380],"3650":[1381,1382],"3652":[1383],"3655":[1384],"3656":[1385],"3658":[1386],"3660":[1387],"3662":[1388],"3663":[1389,1390],"3665":[1391],"3666":[1392],"3667":[1393,1394],"3668":[1395,1396],"3669":[1397],"3670":[1398,1399],"3672":[1400,1401],"3674":[1402,1403],"3677":[1404],"3680":[1405],"3681":[1406],"3682":[1407],"3683":[1408],"3684":[1409],"3687":[1410],"3689":[1411],"3690":[1412],"3691":[1413],"3694":[1414],"3695":[1415],"3696":[1416],"3697":[1417],"3698":[1418],"3699":[1419],"3701":[1420],"3704":[1421],"3705":[1422],"3706":[1423],"3707":[1424],"3708":[1425],"3709":[1426],"3712":[1427],"3715":[1428,1429],"3716":[1430,1431,1432],"3718":[1433,1434],"3720":[1435],"3723":[1436],"3726":[1437],"3727":[1438],"3729":[1439],"3731":[1440],"3733":[1441],"3735":[1442],"3737":[1443],"3738":[1444],"3740":[1445,1446],"3741":[1447],"3742":[1448],"3744":[1449],"3746":[1450],"3748":[1451,1452],"3750":[1453],"3753":[1454,1455],"3754":[1456],"3758":[1457],"3759":[1458],"3760":[1459],"3761":[1460,1461],"3763":[1462],"3764":[1463],"3766":[1464],"3774":[1465],"3776":[1466],"3777":[1467,1468],"3779":[1469],"3780":[1470],"3781":[1471],"3782":[1472],"3783":[1473],"3784":[1474],"3786":[1475],"3788":[1476,1477],"3790":[1478],"3791":[1479],"3792":[1480],"3794":[1481],"3795":[1482],"3797":[1483],"3798":[1484],"3804":[1485],"3805":[1486],"3806":[1487],"3812":[1488],"3816":[1489],"3817":[1490],"3819":[1491],"3820":[1492],"3824":[1493,1494],"3829":[1495],"3832":[1496,1497],"3833":[1498],"3835":[1499],"3837":[1500],"3838":[1501,1502],"3843":[1503],"3850":[1504],"3854":[1505],"3858":[1506],"3876":[1507],"3878":[1508],"3880":[1509],"3887":[1510,1511],"3889":[1512,1513],"3890":[1514],"3894":[1515],"3898":[1516],"3899":[1517],"3904":[1518],"3905":[1519,1520],"3907":[1521,1522,1523],"3908":[1524],"3909":[1525],"3911":[1526],"3912":[1527],"3913":[1528],"3914":[1529],"3917":[1530],"3918":[1531],"3920":[1532],"3921":[1533],"3923":[1534],"3927":[1535],"3929":[1536],"3930":[1537],"3931":[1538],"3934":[1539],"3936":[1540],"3944":[1541],"3946":[1542],"3947":[1543,1544],"3949":[1545],"3954":[1546],"3955":[1547,1548],"3957":[1549],"3961":[1550],"3962":[1551],"3964":[1552,1553],"3966":[1554],"3971":[1555],"3974":[1556,1557],"3977":[1558],"3980":[1559],"3981":[1560],"3983":[1561],"3984":[1562],"3985":[1563],"3987":[1564],"3988":[1565],"3989":[1566],"3990":[1567],"3997":[1568],"4002":[1569],"4004":[1570],"4006":[1571],"4007":[1572],"4009":[1573],"4010":[1574],"4011":[1575,1576],"4013":[1577],"4014":[1578,1579],"4015":[1580,1581],"4018":[1582],"4019":[1583],"4021":[1584],"4023":[1585],"4024":[1586],"4026":[1587,1588],"4027":[1589],"4028":[1590],"4030":[1591],"4031":[1592],"4034":[1593],"4035":[1594],"4036":[1595],"4037":[1596],"4039":[1597],"4045":[1598],"4046":[1599,1600],"4048":[1601,1602],"4049":[1603],"4051":[1604],"4052":[1605],"4053":[1606],"4057":[1607],"4058":[1608],"4059":[1609],"4062":[1610,1611],"4063":[1612],"4065":[1613],"4074":[1614],"4075":[1615],"4076":[1616],"4077":[1617],"4082":[1618],"4084":[1619],"4088":[1620],"4091":[1621,1622],"4093":[1623],"4094":[1624],"4095":[1625,1626],"4096":[1627,1628],"4097":[1629],"4100":[1630],"4101":[1631,1632],"4102":[1633],"4104":[1634,1635],"4108":[1636],"4109":[1637],"4113":[1638,1639],"4114":[1640,1641],"4115":[1642],"4116":[1643],"4121":[1644],"4122":[1645],"4124":[1646],"4125":[1647],"4128":[1648],"4129":[1649],"4131":[1650],"4132":[1651],"4134":[1652],"4135":[1653],"4137":[1654],"4138":[1655,1656],"4139":[1657],"4140":[1658],"4142":[1659,1660],"4143":[1661],"4144":[1662],"4146":[1663,1664],"4148":[1665],"4149":[1666],"4150":[1667],"4151":[1668],"4152":[1669,1670],"4153":[1671],"4155":[1672],"4157":[1673],"4160":[1674],"4162":[1675],"4163":[1676],"4165":[1677,1678],"4167":[1679],"4168":[1680],"4169":[1681],"4170":[1682,1683],"4171":[1684],"4172":[1685,1686],"4175":[1687],"4177":[1688,1689],"4178":[1690],"4179":[1691],"4180":[1692,1693],"4182":[1694],"4185":[1695],"4188":[1696],"4189":[1697],"4190":[1698],"4191":[1699],"4193":[1700],"4194":[1701],"4195":[1702],"4196":[1703,1704],"4199":[1705],"4201":[1706],"4204":[1707],"4205":[1708],"4213":[1709,1710],"4214":[1711],"4218":[1712],"4219":[1713,1714],"4220":[1715],"4223":[1716],"4226":[1717,1718],"4229":[1719],"4230":[1720],"4231":[1721],"4234":[1722],"4236":[1723],"4239":[1724,1725],"4240":[1726,1727],"4242":[1728],"4243":[1729,1730],"4244":[1731],"4245":[1732],"4246":[1733],"4247":[1734],"4248":[1735],"4250":[1736],"4255":[1737],"4256":[1738],"4258":[1739],"4261":[1740],"4266":[1741],"4267":[1742,1743],"4269":[1744,1745],"4273":[1746],"4274":[1747],"4280":[1748],"4282":[1749],"4284":[1750,1751],"4288":[1752],"4289":[1753],"4290":[1754],"4292":[1755],"4294":[1756],"4295":[1757],"4297":[1758],"4298":[1759],"4299":[1760],"4300":[1761],"4301":[1762],"4303":[1763],"4305":[1764],"4306":[1765],"4307":[1766],"4309":[1767,1768,1769],"4310":[1770,1771,1772],"4311":[1773],"4312":[1774,1775],"4313":[1776],"4317":[1777],"4318":[1778],"4319":[1779],"4320":[1780],"4323":[1781],"4326":[1782,1783],"4327":[1784],"4328":[1785],"4329":[1786,1787],"4330":[1788],"4331":[1789],"4336":[1790],"4337":[1791,1792],"4338":[1793],"4340":[1794,1795,1796],"4341":[1797],"4342":[1798],"4344":[1799],"4345":[1800],"4347":[1801],"4348":[1802],"4349":[1803,1804],"4350":[1805],"4351":[1806],"4353":[1807],"4354":[1808],"4356":[1809,1810],"4357":[1811],"4358":[1812,1813],"4359":[1814],"4364":[1815],"4366":[1816],"4368":[1817,1818],"4370":[1819,1820],"4371":[1821],"4375":[1822],"4376":[1823],"4377":[1824],"4378":[1825,1826],"4379":[1827],"4380":[1828],"4381":[1829],"4382":[1830],"4383":[1831],"4385":[1832],"4386":[1833],"4387":[1834],"4389":[1835],"4391":[1836],"4394":[1837],"4397":[1838,1839],"4399":[1840],"4400":[1841],"4401":[1842],"4403":[1843],"4406":[1844],"4408":[1845],"4409":[1846],"4410":[1847],"4411":[1848,1849],"4412":[1850],"4417":[1851],"4419":[1852,1853,1854],"4420":[1855],"4422":[1856,1857],"4423":[1858],"4424":[1859],"4427":[1860,1861],"4428":[1862,1863],"4429":[1864,1865],"4430":[1866],"4431":[1867],"4433":[1868],"4434":[1869],"4437":[1870],"4438":[1871],"4439":[1872],"4440":[1873,1874],"4441":[1875],"4443":[1876],"4447":[1877],"4449":[1878],"4450":[1879],"4452":[1880,1881],"4454":[1882],"4455":[1883],"4456":[1884],"4459":[1885],"4460":[1886],"4461":[1887,1888],"4462":[1889],"4463":[1890,1891],"4465":[1892],"4469":[1893],"4475":[1894,1895],"4476":[1896,1897],"4478":[1898],"4479":[1899],"4481":[1900],"4484":[1901],"4486":[1902],"4488":[1903],"4490":[1904,1905],"4501":[1906,1907],"4505":[1908],"4507":[1909],"4508":[1910,1911],"4511":[1912],"4525":[1913],"4528":[1914],"4534":[1915],"4537":[1916],"4548":[1917],"4551":[1918],"4553":[1919,1920],"4567":[1921],"4569":[1922],"4570":[1923],"4571":[1924],"4574":[1925],"4576":[1926],"4582":[1927],"4584":[1928],"4586":[1929],"4590":[1930],"4591":[1931],"4592":[1932],"4593":[1933,1934],"4595":[1935],"4602":[1936],"4605":[1937],"4607":[1938],"4610":[1939,1940],"4613":[1941],"4614":[1942],"4615":[1943],"4619":[1944],"4624":[1945],"4628":[1946,1947],"4633":[1948],"4640":[1949,1950],"4645":[1951],"4646":[1952,1953,1954],"4647":[1955,1956],"4648":[1957],"4649":[1958],"4652":[1959],"4655":[1960],"4657":[1961],"4659":[1962],"4661":[1963],"4662":[1964,1965],"4663":[1966],"4664":[1967],"4666":[1968],"4669":[1969,1970],"4671":[1971],"4673":[1972],"4675":[1973],"4676":[1974],"4677":[1975],"4678":[1976],"4679":[1977],"4684":[1978],"4685":[1979],"4686":[1980],"4687":[1981],"4688":[1982],"4689":[1983,1984],"4690":[1985],"4692":[1986,1987],"4694":[1988,1989],"4696":[1990],"4698":[1991],"4699":[1992,1993],"4700":[1994,1995],"4701":[1996],"4702":[1997],"4703":[1998],"4704":[1999,2000,2001],"4705":[2002],"4706":[2003],"4707":[2004],"4711":[2005],"4712":[2006],"4713":[2007,2008],"4714":[2009],"4716":[2010],"4717":[2011],"4718":[2012],"4719":[2013],"4720":[2014],"4721":[2015,2016],"4723":[2017,2018],"4724":[2019],"4725":[2020,2021],"4726":[2022],"4727":[2023],"4732":[2024,2025],"4733":[2026],"4734":[2027],"4735":[2028,2029],"4738":[2030],"4739":[2031],"4740":[2032,2033],"4741":[2034],"4744":[2035],"4747":[2036,2037],"4749":[2038],"4750":[2039],"4752":[2040],"4753":[2041,2042],"4754":[2043],"4758":[2044],"4760":[2045],"4761":[2046],"4762":[2047,2048],"4764":[2049],"4765":[2050],"4766":[2051],"4769":[2052],"4770":[2053],"4771":[2054],"4773":[2055],"4774":[2056],"4775":[2057],"4778":[2058],"4782":[2059],"4783":[2060],"4784":[2061],"4785":[2062],"4786":[2063],"4787":[2064],"4789":[2065],"4791":[2066],"4793":[2067],"4795":[2068],"4796":[2069],"4798":[2070,2071],"4799":[2072,2073],"4801":[2074],"4803":[2075,2076],"4804":[2077],"4805":[2078],"4806":[2079],"4810":[2080,2081],"4811":[2082],"4813":[2083],"4815":[2084],"4816":[2085],"4817":[2086],"4818":[2087],"4819":[2088],"4821":[2089],"4826":[2090],"4827":[2091],"4828":[2092],"4829":[2093],"4831":[2094],"4833":[2095],"4834":[2096],"4835":[2097,2098],"4836":[2099],"4837":[2100,2101],"4838":[2102],"4839":[2103],"4840":[2104],"4843":[2105,2106],"4844":[2107],"4845":[2108],"4846":[2109],"4847":[2110],"4848":[2111],"4850":[2112],"4851":[2113],"4853":[2114,2115,2116],"4854":[2117],"4855":[2118],"4856":[2119,2120],"4857":[2121],"4859":[2122],"4860":[2123],"4861":[2124],"4862":[2125],"4863":[2126],"4865":[2127],"4866":[2128],"4867":[2129,2130],"4868":[2131],"4869":[2132],"4871":[2133],"4874":[2134],"4875":[2135],"4877":[2136],"4879":[2137],"4880":[2138],"4882":[2139],"4883":[2140,2141],"4885":[2142],"4887":[2143],"4888":[2144],"4889":[2145],"4891":[2146],"4894":[2147],"4896":[2148],"4897":[2149],"4899":[2150],"4900":[2151,2152],"4901":[2153],"4902":[2154],"4903":[2155],"4905":[2156],"4906":[2157],"4907":[2158,2159],"4916":[2160],"4918":[2161],"4928":[2162,2163],"4929":[2164],"4930":[2165,2166],"4931":[2167],"4940":[2168,2169],"4941":[2170],"4942":[2171],"4944":[2172],"4946":[2173],"4956":[2174],"4958":[2175],"4964":[2176],"4966":[2177,2178],"4967":[2179],"4969":[2180],"4970":[2181],"4974":[2182],"4976":[2183],"4980":[2184],"4986":[2185],"4988":[2186],"4997":[2187],"4998":[2188],"5000":[2189],"5003":[2190],"5009":[2191],"5010":[2192,2193],"5012":[2194,2195],"5013":[2196],"5014":[2197],"5015":[2198],"5016":[2199],"5017":[2200],"5018":[2201],"5021":[2202],"5022":[2203],"5023":[2204],"5031":[2205],"5035":[2206],"5036":[2207],"5038":[2208],"5039":[2209],"5040":[2210],"5041":[2211],"5042":[2212],"5044":[2213],"5046":[2214],"5048":[2215],"5049":[2216],"5051":[2217,2218],"5052":[2219],"5053":[2220,2221],"5054":[2222],"5056":[2223,2224],"5057":[2225],"5058":[2226],"5059":[2227,2228],"5062":[2229],"5066":[2230],"5068":[2231],"5070":[2232,2233],"5072":[2234,2235],"5077":[2236],"5079":[2237],"5080":[2238],"5081":[2239],"5082":[2240],"5083":[2241],"5085":[2242],"5090":[2243],"5091":[2244],"5092":[2245],"5093":[2246],"5094":[2247],"5095":[2248,2249],"5096":[2250],"5101":[2251],"5102":[2252],"5104":[2253],"5109":[2254],"5112":[2255],"5113":[2256],"5114":[2257],"5126":[2258,2259],"5129":[2260],"5131":[2261],"5132":[2262],"5135":[2263],"5138":[2264],"5141":[2265],"5142":[2266],"5143":[2267,2268],"5145":[2269],"5146":[2270],"5147":[2271],"5149":[2272],"5150":[2273],"5151":[2274],"5154":[2275,2276],"5155":[2277],"5159":[2278],"5161":[2279,2280],"5162":[2281],"5163":[2282],"5164":[2283],"5165":[2284],"5166":[2285,2286],"5167":[2287],"5168":[2288],"5170":[2289],"5172":[2290,2291,2292],"5174":[2293],"5176":[2294],"5179":[2295,2296],"5180":[2297],"5182":[2298],"5183":[2299],"5184":[2300],"5185":[2301],"5186":[2302],"5188":[2303],"5189":[2304],"5190":[2305],"5192":[2306],"5193":[2307],"5197":[2308],"5199":[2309],"5202":[2310],"5203":[2311],"5209":[2312],"5210":[2313],"5214":[2314],"5215":[2315],"5225":[2316],"5227":[2317],"5228":[2318],"5240":[2319],"5241":[2320],"5243":[2321],"5250":[2322],"5253":[2323],"5257":[2324],"5258":[2325],"5260":[2326],"5261":[2327],"5262":[2328],"5265":[2329],"5266":[2330],"5271":[2331],"5272":[2332],"5273":[2333],"5274":[2334],"5275":[2335],"5277":[2336],"5278":[2337],"5289":[2338,2339],"5290":[2340],"5291":[2341],"5292":[2342,2343],"5295":[2344],"5296":[2345],"5297":[2346],"5298":[2347],"5299":[2348,2349],"5300":[2350],"5302":[2351,2352],"5304":[2353],"5305":[2354],"5306":[2355],"5308":[2356,2357,2358],"5309":[2359,2360],"5310":[2361],"5311":[2362],"5312":[2363,2364],"5313":[2365],"5314":[2366,2367],"5315":[2368],"5316":[2369],"5318":[2370,2371],"5322":[2372],"5324":[2373],"5326":[2374],"5327":[2375],"5328":[2376],"5329":[2377],"5330":[2378],"5331":[2379],"5334":[2380],"5335":[2381],"5336":[2382],"5338":[2383,2384],"5339":[2385],"5340":[2386,2387],"5342":[2388,2389],"5343":[2390,2391],"5344":[2392],"5345":[2393,2394],"5346":[2395],"5348":[2396],"5349":[2397,2398],"5350":[2399,2400],"5353":[2401],"5356":[2402],"5359":[2403],"5360":[2404],"5364":[2405,2406],"5365":[2407],"5366":[2408,2409],"5367":[2410],"5368":[2411],"5370":[2412,2413],"5371":[2414],"5373":[2415],"5377":[2416],"5378":[2417,2418,2419],"5380":[2420,2421],"5381":[2422],"5382":[2423],"5386":[2424],"5387":[2425],"5389":[2426],"5392":[2427],"5394":[2428],"5395":[2429],"5396":[2430],"5399":[2431],"5401":[2432],"5402":[2433],"5409":[2434],"5415":[2435,2436],"5416":[2437],"5417":[2438],"5420":[2439],"5422":[2440],"5425":[2441],"5426":[2442],"5429":[2443],"5432":[2444],"5433":[2445],"5435":[2446],"5436":[2447],"5437":[2448,2449],"5439":[2450,2451],"5443":[2452],"5444":[2453],"5445":[2454],"5451":[2455,2456],"5452":[2457],"5455":[2458],"5456":[2459],"5460":[2460],"5466":[2461],"5467":[2462],"5470":[2463],"5472":[2464,2465],"5474":[2466],"5475":[2467],"5476":[2468],"5482":[2469],"5488":[2470],"5498":[2471],"5499":[2472],"5500":[2473],"5501":[2474],"5502":[2475,2476],"5503":[2477],"5506":[2478],"5507":[2479,2480],"5509":[2481],"5510":[2482],"5511":[2483],"5512":[2484],"5514":[2485,2486],"5515":[2487],"5518":[2488],"5519":[2489],"5521":[2490,2491],"5523":[2492,2493],"5528":[2494],"5530":[2495],"5531":[2496],"5533":[2497],"5534":[2498],"5535":[2499],"5536":[2500],"5538":[2501],"5539":[2502,2503,2504],"5540":[2505],"5541":[2506],"5543":[2507],"5544":[2508,2509],"5545":[2510],"5546":[2511],"5547":[2512],"5548":[2513,2514],"5549":[2515],"5550":[2516],"5551":[2517],"5552":[2518],"5553":[2519,2520,2521],"5554":[2522],"5556":[2523,2524],"5558":[2525],"5559":[2526],"5560":[2527],"5563":[2528,2529],"5564":[2530],"5565":[2531,2532],"5566":[2533],"5568":[2534,2535,2536],"5569":[2537,2538],"5570":[2539],"5571":[2540,2541],"5572":[2542,2543],"5574":[2544],"5576":[2545],"5579":[2546],"5580":[2547],"5587":[2548,2549],"5589":[2550,2551],"5592":[2552,2553],"5594":[2554],"5595":[2555],"5603":[2556,2557,2558],"5604":[2559],"5606":[2560],"5611":[2561],"5614":[2562],"5615":[2563],"5616":[2564,2565],"5617":[2566,2567],"5619":[2568],"5623":[2569,2570],"5624":[2571,2572],"5627":[2573,2574],"5634":[2575],"5635":[2576,2577],"5637":[2578],"5640":[2579],"5641":[2580],"5642":[2581],"5645":[2582],"5646":[2583],"5647":[2584],"5648":[2585],"5655":[2586],"5656":[2587],"5659":[2588],"5660":[2589],"5665":[2590],"5671":[2591],"5674":[2592],"5677":[2593],"5678":[2594,2595],"5680":[2596],"5682":[2597],"5685":[2598],"5686":[2599],"5689":[2600],"5690":[2601],"5691":[2602],"5692":[2603],"5693":[2604,2605],"5694":[2606],"5697":[2607],"5699":[2608],"5700":[2609,2610,2611],"5701":[2612],"5705":[2613],"5706":[2614],"5707":[2615],"5708":[2616],"5710":[2617],"5711":[2618],"5714":[2619],"5715":[2620,2621],"5722":[2622],"5723":[2623],"5724":[2624],"5727":[2625],"5729":[2626],"5733":[2627],"5734":[2628],"5736":[2629],"5738":[2630],"5739":[2631],"5740":[2632],"5742":[2633],"5743":[2634],"5744":[2635],"5749":[2636],"5751":[2637],"5753":[2638],"5754":[2639],"5755":[2640],"5756":[2641],"5759":[2642,2643],"5762":[2644],"5769":[2645,2646],"5770":[2647],"5772":[2648],"5773":[2649],"5774":[2650],"5777":[2651,2652],"5778":[2653],"5780":[2654,2655],"5781":[2656],"5783":[2657],"5785":[2658],"5786":[2659],"5788":[2660],"5789":[2661],"5790":[2662],"5791":[2663,2664],"5793":[2665,2666],"5795":[2667],"5796":[2668],"5797":[2669,2670,2671],"5798":[2672],"5800":[2673,2674],"5801":[2675],"5802":[2676],"5804":[2677],"5805":[2678,2679],"5808":[2680],"5810":[2681],"5811":[2682],"5814":[2683,2684],"5815":[2685],"5816":[2686,2687],"5817":[2688],"5818":[2689],"5820":[2690],"5823":[2691,2692],"5824":[2693],"5825":[2694],"5826":[2695],"5828":[2696],"5833":[2697],"5834":[2698],"5835":[2699],"5837":[2700],"5838":[2701],"5839":[2702],"5840":[2703],"5844":[2704],"5845":[2705,2706],"5846":[2707],"5848":[2708,2709],"5849":[2710,2711],"5850":[2712],"5852":[2713,2714],"5854":[2715],"5855":[2716],"5857":[2717,2718],"5859":[2719],"5861":[2720,2721],"5862":[2722,2723],"5863":[2724],"5864":[2725],"5865":[2726],"5866":[2727],"5868":[2728,2729],"5869":[2730],"5870":[2731,2732],"5871":[2733],"5872":[2734],"5873":[2735],"5878":[2736],"5879":[2737],"5880":[2738,2739],"5881":[2740],"5884":[2741],"5886":[2742,2743],"5887":[2744],"5891":[2745],"5892":[2746,2747],"5893":[2748,2749],"5894":[2750],"5901":[2751],"5902":[2752],"5903":[2753],"5905":[2754,2755],"5908":[2756],"5910":[2757],"5911":[2758],"5915":[2759],"5918":[2760],"5921":[2761,2762],"5925":[2763,2764],"5928":[2765],"5930":[2766],"5931":[2767,2768],"5932":[2769],"5934":[2770,2771],"5935":[2772],"5936":[2773],"5939":[2774],"5941":[2775,2776],"5942":[2777],"5943":[2778],"5944":[2779],"5946":[2780],"5947":[2781],"5949":[2782],"5950":[2783],"5951":[2784],"5952":[2785],"5957":[2786,2787],"5959":[2788],"5960":[2789],"5961":[2790],"5964":[2791],"5968":[2792],"5974":[2793],"5976":[2794],"5977":[2795],"5983":[2796],"5984":[2797],"5987":[2798],"5989":[2799],"5990":[2800],"5992":[2801],"5993":[2802,2803],"5994":[2804],"5995":[2805],"5997":[2806],"5999":[2807,2808,2809],"6000":[2810],"6002":[2811],"6003":[2812],"6006":[2813,2814],"6009":[2815,2816],"6013":[2817],"6018":[2818],"6021":[2819],"6022":[2820,2821],"6024":[2822],"6025":[2823],"6029":[2824],"6033":[2825],"6035":[2826],"6036":[2827],"6037":[2828],"6038":[2829,2830],"6040":[2831],"6042":[2832],"6044":[2833,2834,2835],"6045":[2836],"6046":[2837,2838],"6047":[2839],"6051":[2840],"6055":[2841],"6056":[2842],"6058":[2843],"6059":[2844],"6064":[2845],"6073":[2846,2847],"6075":[2848],"6076":[2849,2850],"6082":[2851],"6083":[2852],"6086":[2853,2854],"6088":[2855,2856],"6089":[2857],"6094":[2858,2859],"6100":[2860],"6104":[2861],"6105":[2862],"6107":[2863],"6108":[2864],"6109":[2865],"6111":[2866],"6112":[2867],"6114":[2868],"6116":[2869],"6117":[2870],"6118":[2871],"6120":[2872],"6134":[2873],"6136":[2874],"6137":[2875],"6139":[2876,2877],"6140":[2878],"6142":[2879],"6143":[2880],"6144":[2881,2882],"6145":[2883,2884],"6147":[2885],"6149":[2886],"6150":[2887],"6154":[2888],"6155":[2889],"6156":[2890,2891],"6157":[2892],"6158":[2893],"6161":[2894],"6162":[2895],"6163":[2896,2897],"6164":[2898],"6165":[2899],"6166":[2900,2901],"6169":[2902],"6170":[2903],"6171":[2904,2905],"6172":[2906],"6173":[2907],"6175":[2908],"6176":[2909],"6177":[2910,2911,2912],"6179":[2913],"6181":[2914,2915,2916],"6182":[2917],"6183":[2918,2919],"6184":[2920,2921],"6187":[2922],"6188":[2923,2924],"6189":[2925,2926],"6191":[2927],"6192":[2928],"6193":[2929],"6195":[2930,2931],"6196":[2932],"6197":[2933],"6198":[2934],"6199":[2935,2936],"6200":[2937],"6204":[2938],"6206":[2939],"6207":[2940,2941],"6208":[2942],"6210":[2943,2944],"6211":[2945],"6212":[2946,2947],"6213":[2948,2949],"6214":[2950,2951],"6215":[2952],"6217":[2953],"6219":[2954],"6220":[2955],"6221":[2956,2957],"6222":[2958],"6223":[2959],"6224":[2960],"6225":[2961],"6226":[2962],"6229":[2963],"6231":[2964],"6232":[2965],"6234":[2966,2967],"6235":[2968],"6236":[2969],"6239":[2970],"6244":[2971],"6245":[2972,2973],"6246":[2974],"6247":[2975],"6248":[2976],"6249":[2977],"6251":[2978],"6252":[2979],"6254":[2980],"6255":[2981],"6256":[2982,2983],"6258":[2984,2985],"6259":[2986],"6260":[2987],"6261":[2988],"6262":[2989],"6263":[2990],"6264":[2991],"6265":[2992],"6266":[2993],"6267":[2994],"6268":[2995],"6270":[2996],"6272":[2997],"6274":[2998,2999],"6276":[3000],"6277":[3001],"6283":[3002,3003],"6284":[3004],"6286":[3005,3006],"6287":[3007],"6288":[3008,3009],"6290":[3010,3011],"6291":[3012,3013],"6303":[3014],"6305":[3015],"6309":[3016],"6311":[3017,3018],"6314":[3019],"6315":[3020],"6316":[3021],"6317":[3022],"6320":[3023],"6321":[3024],"6326":[3025],"6327":[3026],"6328":[3027],"6329":[3028],"6331":[3029],"6343":[3030,3031],"6345":[3032],"6349":[3033],"6351":[3034],"6356":[3035],"6358":[3036],"6359":[3037],"6366":[3038,3039],"6368":[3040],"6375":[3041],"6379":[3042],"6380":[3043],"6387":[3044],"6394":[3045],"6395":[3046,3047],"6397":[3048],"6398":[3049],"6400":[3050],"6411":[3051],"6412":[3052],"6414":[3053],"6415":[3054],"6417":[3055],"6418":[3056],"6419":[3057],"6420":[3058],"6421":[3059],"6424":[3060],"6426":[3061,3062],"6427":[3063],"6431":[3064],"6432":[3065],"6434":[3066],"6437":[3067,3068],"6441":[3069],"6444":[3070],"6446":[3071],"6449":[3072],"6450":[3073],"6453":[3074],"6456":[3075],"6457":[3076],"6461":[3077],"6464":[3078,3079],"6465":[3080],"6477":[3081],"6478":[3082],"6481":[3083],"6482":[3084],"6485":[3085],"6486":[3086],"6489":[3087],"6490":[3088],"6491":[3089,3090],"6492":[3091],"6502":[3092],"6504":[3093],"6509":[3094],"6510":[3095],"6511":[3096],"6512":[3097],"6513":[3098],"6516":[3099],"6517":[3100],"6519":[3101],"6523":[3102],"6525":[3103,3104],"6528":[3105,3106],"6529":[3107],"6530":[3108],"6536":[3109,3110],"6538":[3111],"6539":[3112,3113],"6540":[3114],"6542":[3115,3116],"6544":[3117],"6545":[3118],"6548":[3119],"6549":[3120],"6552":[3121],"6553":[3122],"6569":[3123],"6570":[3124],"6572":[3125],"6573":[3126],"6574":[3127],"6577":[3128],"6582":[3129],"6584":[3130],"6586":[3131],"6587":[3132,3133],"6589":[3134,3135],"6590":[3136],"6591":[3137],"6592":[3138],"6595":[3139,3140],"6597":[3141,3142],"6599":[3143],"6600":[3144],"6601":[3145,3146],"6606":[3147],"6610":[3148],"6614":[3149],"6617":[3150],"6622":[3151],"6623":[3152],"6626":[3153],"6627":[3154],"6628":[3155],"6647":[3156],"6651":[3157],"6656":[3158,3159],"6662":[3160],"6664":[3161],"6670":[3162],"6671":[3163],"6674":[3164],"6676":[3165],"6679":[3166],"6680":[3167,3168],"6682":[3169],"6685":[3170,3171],"6687":[3172],"6689":[3173],"6690":[3174],"6692":[3175,3176],"6694":[3177,3178],"6695":[3179],"6697":[3180,3181],"6698":[3182],"6699":[3183],"6702":[3184],"6703":[3185],"6706":[3186],"6707":[3187],"6709":[3188],"6710":[3189],"6711":[3190],"6713":[3191,3192],"6715":[3193],"6716":[3194],"6717":[3195],"6718":[3196,3197],"6719":[3198],"6720":[3199],"6721":[3200],"6722":[3201],"6734":[3202],"6737":[3203,3204],"6739":[3205],"6741":[3206],"6742":[3207,3208],"6744":[3209],"6746":[3210],"6750":[3211],"6752":[3212],"6753":[3213],"6754":[3214],"6756":[3215],"6757":[3216],"6758":[3217],"6759":[3218],"6760":[3219,3220,3221,3222],"6761":[3223,3224],"6762":[3225],"6763":[3226],"6764":[3227],"6765":[3228],"6769":[3229],"6772":[3230,3231],"6773":[3232],"6775":[3233],"6776":[3234,3235],"6777":[3236,3237],"6780":[3238],"6781":[3239],"6783":[3240,3241],"6785":[3242],"6786":[3243],"6787":[3244],"6789":[3245],"6795":[3246],"6796":[3247],"6797":[3248],"6799":[3249],"6802":[3250],"6804":[3251,3252],"6806":[3253],"6808":[3254],"6809":[3255,3256],"6810":[3257],"6812":[3258],"6813":[3259],"6814":[3260],"6815":[3261],"6816":[3262],"6818":[3263],"6822":[3264],"6823":[3265],"6824":[3266],"6826":[3267],"6827":[3268],"6828":[3269],"6830":[3270],"6831":[3271],"6832":[3272,3273],"6833":[3274,3275,3276],"6834":[3277,3278],"6835":[3279],"6836":[3280],"6839":[3281],"6840":[3282,3283],"6841":[3284],"6842":[3285,3286],"6844":[3287],"6845":[3288],"6847":[3289],"6848":[3290],"6849":[3291],"6850":[3292,3293],"6853":[3294],"6856":[3295],"6857":[3296,3297],"6863":[3298],"6864":[3299,3300],"6866":[3301],"6867":[3302,3303],"6870":[3304,3305],"6871":[3306],"6872":[3307,3308],"6873":[3309],"6875":[3310,3311],"6876":[3312],"6877":[3313],"6879":[3314],"6881":[3315],"6882":[3316,3317],"6883":[3318],"6884":[3319],"6885":[3320,3321],"6886":[3322],"6887":[3323],"6888":[3324,3325],"6890":[3326,3327],"6891":[3328],"6892":[3329],"6895":[3330],"6896":[3331],"6899":[3332],"6901":[3333,3334],"6903":[3335],"6904":[3336,3337],"6905":[3338,3339],"6906":[3340],"6908":[3341],"6909":[3342],"6910":[3343],"6913":[3344],"6915":[3345],"6916":[3346],"6917":[3347],"6919":[3348],"6926":[3349],"6927":[3350,3351],"6930":[3352,3353],"6934":[3354],"6935":[3355,3356],"6936":[3357],"6938":[3358],"6939":[3359],"6943":[3360],"6944":[3361],"6945":[3362],"6946":[3363],"6948":[3364,3365],"6949":[3366],"6951":[3367],"6952":[3368],"6953":[3369],"6954":[3370,3371],"6955":[3372],"6957":[3373],"6959":[3374],"6962":[3375],"6963":[3376],"6964":[3377],"6966":[3378],"6968":[3379],"6969":[3380,3381],"6970":[3382,3383],"6971":[3384],"6972":[3385,3386],"6973":[3387],"6974":[3388],"6975":[3389,3390],"6987":[3391,3392],"6989":[3393],"6990":[3394],"6991":[3395],"7006":[3396],"7008":[3397,3398],"7010":[3399,3400],"7011":[3401],"7012":[3402,3403],"7013":[3404],"7014":[3405,3406],"7015":[3407],"7017":[3408,3409],"7018":[3410],"7019":[3411],"7020":[3412],"7021":[3413],"7025":[3414,3415],"7026":[3416],"7027":[3417],"7028":[3418],"7029":[3419],"7030":[3420],"7033":[3421],"7034":[3422,3423],"7035":[3424,3425],"7036":[3426,3427],"7037":[3428],"7038":[3429],"7039":[3430],"7040":[3431],"7041":[3432],"7042":[3433,3434,3435],"7044":[3436],"7045":[3437,3438],"7046":[3439],"7047":[3440],"7048":[3441],"7049":[3442],"7050":[3443,3444],"7051":[3445,3446],"7054":[3447],"7055":[3448],"7057":[3449],"7058":[3450],"7059":[3451,3452],"7060":[3453],"7061":[3454],"7063":[3455],"7064":[3456],"7066":[3457],"7068":[3458,3459],"7069":[3460,3461],"7070":[3462],"7071":[3463,3464],"7073":[3465],"7075":[3466],"7076":[3467],"7079":[3468,3469],"7080":[3470],"7082":[3471,3472],"7084":[3473,3474],"7085":[3475,3476],"7086":[3477,3478],"7087":[3479],"7088":[3480],"7089":[3481],"7091":[3482,3483],"7092":[3484],"7093":[3485],"7094":[3486],"7105":[3487],"7106":[3488,3489],"7107":[3490,3491],"7108":[3492],"7110":[3493,3494],"7111":[3495],"7112":[3496,3497],"7114":[3498],"7115":[3499],"7116":[3500],"7117":[3501],"7119":[3502],"7120":[3503],"7121":[3504,3505],"7122":[3506,3507],"7124":[3508],"7126":[3509],"7135":[3510,3511],"7140":[3512],"7141":[3513],"7143":[3514],"7144":[3515,3516],"7145":[3517],"7147":[3518,3519,3520],"7148":[3521],"7149":[3522,3523],"7150":[3524,3525],"7151":[3526,3527],"7152":[3528],"7154":[3529,3530],"7156":[3531],"7157":[3532],"7159":[3533,3534],"7160":[3535],"7163":[3536],"7164":[3537],"7170":[3538,3539],"7172":[3540],"7173":[3541],"7174":[3542],"7175":[3543],"7178":[3544],"7179":[3545],"7183":[3546,3547],"7184":[3548],"7185":[3549],"7186":[3550],"7187":[3551],"7190":[3552],"7191":[3553],"7194":[3554,3555],"7195":[3556,3557],"7196":[3558,3559],"7200":[3560],"7201":[3561],"7203":[3562],"7205":[3563],"7206":[3564],"7207":[3565],"7208":[3566,3567],"7209":[3568],"7210":[3569],"7212":[3570],"7213":[3571],"7214":[3572,3573],"7215":[3574],"7216":[3575],"7217":[3576],"7219":[3577],"7220":[3578],"7228":[3579],"7232":[3580],"7233":[3581],"7235":[3582],"7236":[3583],"7237":[3584,3585],"7238":[3586,3587],"7241":[3588,3589],"7242":[3590],"7243":[3591],"7244":[3592],"7248":[3593],"7249":[3594],"7250":[3595],"7251":[3596],"7254":[3597],"7273":[3598],"7274":[3599,3600,3601],"7277":[3602],"7278":[3603,3604],"7280":[3605],"7281":[3606,3607],"7283":[3608],"7284":[3609],"7290":[3610],"7291":[3611],"7292":[3612],"7293":[3613],"7294":[3614],"7296":[3615,3616],"7297":[3617],"7298":[3618],"7299":[3619,3620],"7302":[3621,3622],"7303":[3623],"7305":[3624,3625,3626],"7307":[3627],"7308":[3628],"7309":[3629],"7310":[3630],"7311":[3631,3632],"7312":[3633,3634,3635],"7314":[3636,3637],"7316":[3638,3639,3640],"7317":[3641],"7318":[3642],"7319":[3643],"7321":[3644],"7323":[3645],"7324":[3646],"7325":[3647],"7327":[3648],"7328":[3649,3650],"7331":[3651,3652],"7337":[3653],"7340":[3654],"7341":[3655],"7342":[3656],"7343":[3657,3658],"7344":[3659,3660],"7345":[3661],"7347":[3662,3663],"7349":[3664],"7350":[3665],"7353":[3666,3667],"7354":[3668],"7356":[3669],"7357":[3670],"7358":[3671],"7361":[3672],"7362":[3673,3674],"7364":[3675],"7365":[3676],"7366":[3677,3678],"7372":[3679],"7373":[3680],"7375":[3681],"7379":[3682],"7380":[3683,3684,3685],"7382":[3686,3687],"7385":[3688],"7387":[3689],"7390":[3690],"7399":[3691],"7402":[3692],"7405":[3693],"7406":[3694],"7407":[3695],"7415":[3696],"7424":[3697],"7425":[3698,3699],"7433":[3700],"7434":[3701],"7444":[3702],"7448":[3703],"7449":[3704,3705],"7457":[3706],"7463":[3707],"7464":[3708],"7472":[3709],"7473":[3710],"7474":[3711],"7477":[3712],"7478":[3713],"7482":[3714],"7488":[3715],"7492":[3716],"7495":[3717],"7501":[3718],"7502":[3719],"7503":[3720],"7505":[3721],"7506":[3722,3723],"7516":[3724],"7518":[3725],"7522":[3726],"7534":[3727],"7535":[3728],"7542":[3729],"7544":[3730],"7550":[3731],"7551":[3732],"7553":[3733],"7558":[3734],"7559":[3735],"7562":[3736],"7575":[3737],"7578":[3738],"7581":[3739],"7582":[3740],"7583":[3741],"7586":[3742],"7588":[3743],"7589":[3744],"7591":[3745],"7595":[3746],"7601":[3747,3748],"7604":[3749,3750],"7606":[3751],"7607":[3752],"7608":[3753,3754],"7609":[3755,3756],"7610":[3757,3758],"7611":[3759],"7613":[3760],"7614":[3761],"7615":[3762],"7616":[3763],"7619":[3764,3765],"7622":[3766],"7623":[3767,3768,3769],"7625":[3770],"7626":[3771,3772],"7627":[3773],"7630":[3774,3775],"7631":[3776],"7632":[3777],"7634":[3778],"7635":[3779],"7636":[3780],"7637":[3781],"7645":[3782],"7646":[3783],"7651":[3784,3785],"7655":[3786],"7656":[3787],"7658":[3788],"7659":[3789,3790],"7662":[3791,3792],"7664":[3793,3794],"7668":[3795],"7670":[3796],"7672":[3797,3798],"7673":[3799],"7674":[3800],"7675":[3801],"7676":[3802,3803],"7678":[3804,3805],"7679":[3806],"7681":[3807],"7683":[3808],"7685":[3809],"7686":[3810],"7695":[3811],"7696":[3812],"7699":[3813],"7710":[3814],"7712":[3815],"7713":[3816,3817],"7715":[3818,3819],"7717":[3820],"7719":[3821],"7720":[3822],"7721":[3823],"7722":[3824],"7723":[3825],"7724":[3826,3827],"7725":[3828],"7726":[3829],"7728":[3830],"7729":[3831],"7730":[3832,3833],"7732":[3834,3835],"7734":[3836],"7735":[3837],"7736":[3838,3839],"7737":[3840],"7738":[3841],"7740":[3842],"7742":[3843],"7743":[3844],"7744":[3845,3846],"7745":[3847],"7747":[3848],"7748":[3849],"7749":[3850],"7751":[3851],"7752":[3852,3853],"7757":[3854,3855],"7758":[3856,3857],"7759":[3858,3859],"7760":[3860],"7761":[3861],"7762":[3862],"7770":[3863],"7771":[3864],"7772":[3865,3866],"7773":[3867],"7775":[3868],"7780":[3869],"7782":[3870],"7783":[3871,3872,3873],"7784":[3874],"7788":[3875],"7791":[3876],"7796":[3877],"7797":[3878,3879],"7798":[3880,3881],"7799":[3882,3883,3884],"7800":[3885],"7802":[3886,3887],"7809":[3888],"7811":[3889],"7812":[3890],"7814":[3891],"7817":[3892],"7819":[3893,3894],"7820":[3895],"7824":[3896],"7826":[3897],"7833":[3898],"7834":[3899],"7835":[3900],"7836":[3901],"7837":[3902],"7838":[3903],"7839":[3904],"7841":[3905],"7843":[3906,3907],"7846":[3908,3909,3910],"7847":[3911,3912],"7850":[3913],"7851":[3914],"7852":[3915,3916],"7853":[3917],"7854":[3918],"7855":[3919,3920],"7856":[3921,3922],"7857":[3923],"7859":[3924],"7861":[3925,3926],"7863":[3927],"7864":[3928],"7866":[3929,3930],"7869":[3931,3932],"7870":[3933],"7871":[3934,3935],"7873":[3936],"7874":[3937],"7875":[3938,3939],"7876":[3940],"7877":[3941,3942],"7879":[3943],"7880":[3944],"7881":[3945],"7883":[3946],"7884":[3947,3948],"7886":[3949,3950],"7888":[3951,3952],"7891":[3953],"7892":[3954,3955],"7894":[3956],"7897":[3957],"7898":[3958],"7899":[3959],"7900":[3960],"7902":[3961],"7904":[3962],"7906":[3963],"7909":[3964],"7911":[3965],"7913":[3966],"7914":[3967,3968],"7915":[3969,3970],"7916":[3971,3972],"7917":[3973],"7921":[3974],"7922":[3975],"7923":[3976],"7925":[3977,3978],"7926":[3979],"7928":[3980],"7930":[3981],"7931":[3982],"7932":[3983,3984],"7936":[3985,3986],"7937":[3987],"7938":[3988],"7939":[3989],"7940":[3990],"7941":[3991,3992],"7942":[3993],"7944":[3994],"7948":[3995,3996],"7949":[3997],"7951":[3998,3999],"7952":[4000],"7957":[4001],"7958":[4002],"7962":[4003,4004],"7963":[4005],"7964":[4006],"7973":[4007],"7977":[4008],"7979":[4009],"7980":[4010,4011],"7983":[4012,4013],"7985":[4014,4015],"7990":[4016,4017],"7991":[4018,4019],"7992":[4020],"7993":[4021],"7994":[4022,4023],"7996":[4024],"7998":[4025,4026,4027],"7999":[4028,4029],"8001":[4030,4031],"8002":[4032],"8003":[4033],"8004":[4034],"8006":[4035],"8007":[4036],"8008":[4037,4038],"8009":[4039],"8010":[4040],"8012":[4041,4042],"8013":[4043],"8018":[4044],"8019":[4045],"8020":[4046],"8021":[4047],"8023":[4048],"8024":[4049],"8025":[4050],"8026":[4051],"8027":[4052],"8028":[4053,4054],"8031":[4055],"8032":[4056,4057],"8034":[4058,4059],"8037":[4060],"8038":[4061],"8039":[4062],"8042":[4063],"8043":[4064],"8044":[4065],"8047":[4066,4067],"8050":[4068],"8056":[4069,4070],"8059":[4071],"8060":[4072],"8063":[4073,4074],"8069":[4075],"8073":[4076,4077],"8078":[4078],"8080":[4079],"8091":[4080],"8092":[4081],"8093":[4082],"8095":[4083],"8096":[4084],"8100":[4085,4086],"8101":[4087],"8102":[4088,4089],"8105":[4090],"8106":[4091],"8107":[4092],"8108":[4093],"8111":[4094],"8113":[4095],"8114":[4096,4097],"8115":[4098],"8116":[4099,4100],"8119":[4101],"8120":[4102],"8121":[4103],"8122":[4104],"8123":[4105],"8126":[4106],"8128":[4107],"8140":[4108,4109],"8142":[4110],"8143":[4111],"8145":[4112],"8146":[4113],"8148":[4114,4115],"8149":[4116],"8150":[4117],"8152":[4118],"8153":[4119],"8155":[4120],"8158":[4121],"8159":[4122],"8161":[4123],"8162":[4124],"8163":[4125,4126],"8164":[4127],"8165":[4128],"8166":[4129],"8167":[4130],"8169":[4131],"8170":[4132],"8171":[4133,4134],"8172":[4135,4136],"8176":[4137,4138,4139,4140],"8177":[4141],"8178":[4142,4143],"8179":[4144],"8180":[4145,4146],"8181":[4147],"8183":[4148,4149],"8185":[4150],"8186":[4151],"8187":[4152],"8188":[4153],"8191":[4154],"8192":[4155],"8193":[4156],"8196":[4157],"8202":[4158],"8205":[4159],"8206":[4160],"8207":[4161],"8209":[4162],"8210":[4163],"8214":[4164],"8215":[4165],"8216":[4166],"8217":[4167,4168],"8218":[4169],"8221":[4170],"8222":[4171],"8226":[4172],"8228":[4173],"8238":[4174],"8239":[4175],"8241":[4176],"8243":[4177],"8245":[4178],"8246":[4179],"8248":[4180],"8250":[4181,4182,4183],"8251":[4184],"8254":[4185,4186],"8255":[4187],"8257":[4188,4189],"8258":[4190],"8259":[4191,4192],"8260":[4193,4194],"8261":[4195,4196],"8262":[4197,4198],"8263":[4199,4200],"8264":[4201,4202,4203],"8265":[4204],"8266":[4205,4206],"8267":[4207],"8273":[4208],"8276":[4209],"8277":[4210],"8281":[4211],"8286":[4212],"8287":[4213],"8299":[4214],"8300":[4215,4216],"8301":[4217],"8302":[4218],"8303":[4219],"8308":[4220],"8309":[4221],"8310":[4222,4223],"8311":[4224],"8312":[4225],"8314":[4226],"8315":[4227],"8317":[4228,4229],"8323":[4230,4231],"8327":[4232,4233],"8334":[4234],"8343":[4235],"8346":[4236],"8351":[4237],"8352":[4238],"8356":[4239],"8359":[4240],"8362":[4241,4242],"8363":[4243],"8364":[4244],"8370":[4245],"8372":[4246],"8373":[4247],"8374":[4248],"8375":[4249],"8376":[4250],"8377":[4251,4252,4253],"8378":[4254],"8379":[4255],"8381":[4256,4257],"8385":[4258,4259],"8389":[4260,4261],"8397":[4262],"8401":[4263],"8409":[4264],"8412":[4265],"8413":[4266],"8415":[4267],"8416":[4268],"8418":[4269],"8419":[4270],"8426":[4271,4272],"8435":[4273],"8439":[4274],"8442":[4275,4276],"8445":[4277],"8446":[4278,4279],"8449":[4280],"8450":[4281],"8452":[4282],"8454":[4283],"8457":[4284],"8459":[4285,4286],"8460":[4287],"8461":[4288],"8462":[4289],"8463":[4290],"8465":[4291],"8466":[4292],"8474":[4293],"8486":[4294],"8489":[4295,4296],"8492":[4297],"8498":[4298,4299],"8510":[4300,4301],"8514":[4302],"8515":[4303],"8516":[4304,4305],"8518":[4306],"8519":[4307],"8522":[4308],"8523":[4309],"8524":[4310,4311],"8525":[4312,4313],"8527":[4314],"8528":[4315,4316],"8529":[4317],"8530":[4318],"8537":[4319],"8538":[4320],"8543":[4321],"8545":[4322],"8551":[4323],"8556":[4324],"8558":[4325],"8566":[4326],"8567":[4327],"8572":[4328],"8580":[4329],"8581":[4330],"8586":[4331],"8598":[4332],"8610":[4333],"8613":[4334],"8614":[4335],"8617":[4336],"8621":[4337],"8623":[4338],"8625":[4339,4340],"8627":[4341],"8631":[4342],"8632":[4343,4344],"8633":[4345],"8634":[4346,4347],"8636":[4348],"8639":[4349],"8641":[4350],"8644":[4351],"8645":[4352],"8647":[4353],"8648":[4354],"8657":[4355],"8663":[4356],"8665":[4357],"8666":[4358],"8671":[4359],"8672":[4360],"8674":[4361],"8700":[4362,4363],"8704":[4364],"8705":[4365,4366],"8715":[4367],"8721":[4368,4369],"8723":[4370,4371],"8724":[4372],"8725":[4373],"8727":[4374],"8731":[4375],"8733":[4376],"8735":[4377],"8736":[4378],"8737":[4379],"8738":[4380],"8742":[4381,4382,4383],"8747":[4384,4385,4386],"8751":[4387],"8753":[4388],"8760":[4389],"8768":[4390],"8779":[4391],"8784":[4392],"8787":[4393],"8798":[4394],"8805":[4395],"8808":[4396],"8816":[4397],"8817":[4398],"8819":[4399],"8822":[4400,4401],"8823":[4402],"8825":[4403],"8828":[4404],"8831":[4405],"8832":[4406],"8833":[4407],"8840":[4408],"8841":[4409],"8844":[4410],"8848":[4411],"8851":[4412],"8853":[4413],"8857":[4414],"8859":[4415],"8861":[4416],"8863":[4417],"8864":[4418],"8865":[4419],"8869":[4420,4421],"8871":[4422],"8873":[4423],"8874":[4424],"8876":[4425],"8877":[4426,4427],"8879":[4428],"8880":[4429],"8881":[4430,4431],"8882":[4432],"8883":[4433],"8884":[4434],"8885":[4435],"8887":[4436],"8893":[4437],"8894":[4438,4439],"8895":[4440],"8896":[4441,4442],"8897":[4443],"8899":[4444],"8902":[4445],"8905":[4446],"8907":[4447],"8908":[4448],"8909":[4449],"8910":[4450],"8911":[4451],"8912":[4452],"8913":[4453],"8916":[4454],"8921":[4455],"8922":[4456],"8925":[4457],"8927":[4458],"8928":[4459],"8932":[4460],"8933":[4461,4462],"8936":[4463],"8937":[4464,4465],"8938":[4466],"8940":[4467,4468],"8942":[4469],"8944":[4470,4471],"8945":[4472],"8947":[4473,4474],"8949":[4475],"8950":[4476],"8952":[4477],"8953":[4478],"8954":[4479],"8957":[4480],"8959":[4481],"8961":[4482],"8962":[4483],"8963":[4484],"8964":[4485],"8965":[4486],"8966":[4487],"8967":[4488],"8971":[4489],"8973":[4490],"8974":[4491],"8975":[4492,4493],"8978":[4494,4495],"8980":[4496],"8982":[4497,4498],"8985":[4499],"8986":[4500],"8989":[4501],"8990":[4502],"8994":[4503],"8995":[4504],"8997":[4505,4506],"8998":[4507],"9000":[4508],"9001":[4509],"9002":[4510],"9005":[4511],"9006":[4512,4513],"9007":[4514],"9008":[4515],"9009":[4516,4517],"9010":[4518],"9011":[4519,4520],"9014":[4521],"9016":[4522,4523],"9019":[4524],"9022":[4525],"9023":[4526],"9024":[4527],"9031":[4528],"9032":[4529],"9033":[4530],"9035":[4531],"9042":[4532],"9043":[4533,4534],"9044":[4535],"9045":[4536],"9047":[4537,4538],"9048":[4539,4540],"9049":[4541],"9050":[4542,4543,4544],"9054":[4545],"9057":[4546],"9058":[4547],"9059":[4548],"9060":[4549],"9061":[4550,4551],"9064":[4552],"9065":[4553],"9066":[4554],"9067":[4555],"9068":[4556],"9069":[4557],"9070":[4558,4559],"9075":[4560],"9077":[4561],"9079":[4562],"9080":[4563],"9082":[4564],"9083":[4565],"9085":[4566],"9087":[4567,4568],"9088":[4569],"9089":[4570,4571],"9090":[4572,4573,4574],"9095":[4575,4576],"9096":[4577],"9097":[4578],"9098":[4579],"9099":[4580],"9100":[4581],"9101":[4582],"9111":[4583],"9113":[4584],"9115":[4585],"9116":[4586],"9119":[4587],"9120":[4588],"9123":[4589,4590,4591],"9124":[4592],"9125":[4593],"9126":[4594],"9127":[4595],"9129":[4596],"9130":[4597,4598],"9131":[4599,4600],"9134":[4601],"9137":[4602],"9139":[4603],"9146":[4604],"9148":[4605],"9150":[4606],"9152":[4607],"9153":[4608],"9155":[4609],"9156":[4610],"9157":[4611],"9158":[4612],"9160":[4613,4614],"9161":[4615],"9162":[4616,4617],"9170":[4618,4619],"9171":[4620],"9173":[4621],"9174":[4622],"9178":[4623],"9181":[4624],"9182":[4625],"9183":[4626,4627],"9185":[4628],"9192":[4629],"9194":[4630],"9197":[4631],"9199":[4632,4633],"9201":[4634],"9203":[4635,4636],"9206":[4637],"9207":[4638],"9209":[4639],"9210":[4640],"9211":[4641,4642],"9212":[4643],"9213":[4644],"9214":[4645],"9216":[4646],"9222":[4647],"9224":[4648,4649],"9225":[4650,4651],"9227":[4652],"9228":[4653],"9231":[4654],"9232":[4655],"9234":[4656],"9235":[4657],"9236":[4658],"9237":[4659],"9238":[4660,4661],"9239":[4662,4663,4664],"9240":[4665],"9241":[4666],"9246":[4667],"9247":[4668],"9248":[4669],"9249":[4670,4671],"9252":[4672],"9253":[4673],"9255":[4674],"9257":[4675],"9258":[4676],"9261":[4677],"9262":[4678,4679],"9263":[4680],"9264":[4681],"9266":[4682],"9267":[4683],"9269":[4684],"9270":[4685],"9273":[4686],"9274":[4687],"9275":[4688],"9276":[4689,4690],"9277":[4691,4692],"9280":[4693],"9281":[4694],"9284":[4695],"9286":[4696],"9287":[4697],"9289":[4698,4699,4700],"9290":[4701],"9292":[4702,4703,4704],"9294":[4705],"9295":[4706,4707],"9296":[4708],"9298":[4709],"9299":[4710],"9300":[4711],"9302":[4712],"9306":[4713,4714],"9307":[4715,4716],"9309":[4717],"9310":[4718],"9311":[4719,4720],"9314":[4721],"9316":[4722],"9318":[4723],"9320":[4724],"9321":[4725],"9323":[4726],"9325":[4727,4728],"9327":[4729],"9328":[4730],"9329":[4731,4732],"9332":[4733,4734],"9335":[4735],"9336":[4736],"9338":[4737],"9339":[4738],"9342":[4739],"9343":[4740,4741],"9346":[4742],"9347":[4743],"9352":[4744],"9353":[4745],"9354":[4746],"9355":[4747],"9359":[4748],"9361":[4749],"9364":[4750],"9366":[4751],"9368":[4752],"9370":[4753,4754],"9372":[4755,4756],"9373":[4757,4758],"9375":[4759],"9376":[4760],"9384":[4761],"9385":[4762],"9386":[4763],"9387":[4764],"9395":[4765],"9396":[4766],"9397":[4767],"9399":[4768,4769],"9400":[4770],"9401":[4771],"9402":[4772],"9403":[4773],"9404":[4774,4775],"9407":[4776],"9418":[4777],"9419":[4778],"9420":[4779,4780,4781],"9421":[4782],"9422":[4783,4784],"9423":[4785],"9424":[4786],"9426":[4787],"9428":[4788],"9430":[4789,4790],"9431":[4791],"9432":[4792],"9433":[4793],"9434":[4794],"9435":[4795,4796],"9440":[4797],"9442":[4798],"9444":[4799],"9446":[4800],"9447":[4801],"9451":[4802,4803],"9453":[4804,4805],"9458":[4806,4807],"9459":[4808],"9461":[4809,4810],"9462":[4811],"9464":[4812],"9465":[4813],"9466":[4814,4815],"9467":[4816],"9474":[4817],"9475":[4818,4819],"9476":[4820],"9477":[4821,4822],"9478":[4823],"9479":[4824,4825],"9480":[4826],"9481":[4827,4828],"9483":[4829,4830],"9484":[4831],"9486":[4832],"9487":[4833],"9488":[4834],"9489":[4835],"9490":[4836],"9491":[4837,4838],"9492":[4839],"9493":[4840,4841],"9494":[4842],"9495":[4843],"9497":[4844],"9498":[4845,4846],"9499":[4847],"9500":[4848,4849],"9502":[4850],"9505":[4851],"9508":[4852],"9509":[4853],"9511":[4854],"9512":[4855,4856],"9513":[4857],"9514":[4858],"9516":[4859],"9517":[4860],"9518":[4861],"9520":[4862],"9521":[4863],"9523":[4864,4865],"9524":[4866],"9525":[4867],"9526":[4868],"9527":[4869,4870],"9528":[4871],"9529":[4872,4873],"9530":[4874,4875],"9531":[4876],"9532":[4877],"9533":[4878],"9534":[4879],"9536":[4880,4881],"9541":[4882],"9542":[4883],"9543":[4884],"9544":[4885],"9545":[4886],"9547":[4887,4888],"9548":[4889],"9549":[4890],"9550":[4891,4892],"9551":[4893],"9552":[4894,4895],"9554":[4896],"9555":[4897,4898],"9558":[4899],"9559":[4900],"9560":[4901],"9561":[4902],"9563":[4903],"9564":[4904],"9565":[4905],"9566":[4906],"9567":[4907],"9568":[4908,4909],"9573":[4910],"9580":[4911],"9581":[4912],"9587":[4913],"9588":[4914],"9589":[4915],"9590":[4916],"9592":[4917,4918],"9593":[4919,4920],"9595":[4921],"9598":[4922],"9600":[4923,4924],"9603":[4925],"9606":[4926],"9607":[4927],"9615":[4928,4929,4930],"9619":[4931,4932,4933,4934],"9622":[4935],"9623":[4936],"9625":[4937,4938],"9626":[4939,4940],"9627":[4941],"9629":[4942],"9630":[4943],"9633":[4944],"9634":[4945,4946],"9636":[4947],"9638":[4948,4949],"9641":[4950],"9642":[4951],"9644":[4952],"9645":[4953,4954],"9646":[4955],"9647":[4956],"9650":[4957],"9651":[4958],"9652":[4959],"9653":[4960,4961,4962],"9654":[4963],"9655":[4964],"9657":[4965,4966],"9658":[4967],"9659":[4968,4969],"9660":[4970],"9661":[4971],"9663":[4972,4973],"9666":[4974],"9667":[4975],"9668":[4976],"9669":[4977],"9670":[4978,4979],"9672":[4980,4981],"9673":[4982],"9675":[4983],"9676":[4984,4985,4986],"9677":[4987],"9678":[4988],"9680":[4989,4990],"9682":[4991],"9683":[4992],"9684":[4993],"9685":[4994],"9686":[4995,4996],"9687":[4997,4998],"9688":[4999],"9690":[5000],"9692":[5001],"9693":[5002],"9694":[5003],"9695":[5004],"9697":[5005],"9700":[5006],"9701":[5007],"9702":[5008,5009],"9704":[5010],"9706":[5011],"9707":[5012,5013,5014],"9708":[5015],"9710":[5016],"9711":[5017],"9712":[5018],"9713":[5019],"9714":[5020],"9715":[5021],"9716":[5022],"9717":[5023],"9719":[5024,5025],"9720":[5026,5027],"9722":[5028],"9723":[5029],"9724":[5030],"9727":[5031,5032],"9728":[5033],"9729":[5034],"9730":[5035,5036],"9735":[5037],"9736":[5038],"9743":[5039],"9744":[5040],"9747":[5041,5042],"9748":[5043,5044],"9750":[5045],"9751":[5046],"9752":[5047],"9753":[5048],"9754":[5049],"9756":[5050],"9757":[5051],"9759":[5052],"9762":[5053],"9763":[5054],"9765":[5055],"9766":[5056],"9768":[5057,5058],"9770":[5059],"9771":[5060],"9775":[5061],"9776":[5062,5063],"9777":[5064],"9778":[5065,5066],"9779":[5067],"9781":[5068,5069],"9785":[5070],"9786":[5071,5072],"9788":[5073,5074],"9789":[5075,5076],"9790":[5077,5078],"9791":[5079,5080,5081],"9794":[5082],"9795":[5083],"9799":[5084],"9802":[5085],"9808":[5086],"9809":[5087],"9810":[5088],"9811":[5089],"9818":[5090],"9823":[5091],"9824":[5092],"9825":[5093],"9831":[5094],"9832":[5095],"9837":[5096,5097],"9838":[5098],"9842":[5099],"9843":[5100],"9847":[5101],"9848":[5102],"9849":[5103],"9850":[5104],"9852":[5105],"9853":[5106,5107],"9858":[5108],"9859":[5109],"9861":[5110],"9862":[5111],"9868":[5112],"9870":[5113],"9872":[5114,5115],"9882":[5116],"9905":[5117],"9906":[5118],"9910":[5119],"9911":[5120],"9912":[5121,5122],"9913":[5123],"9915":[5124],"9916":[5125,5126],"9917":[5127],"9932":[5128],"9937":[5129,5130],"9938":[5131,5132],"9940":[5133],"9966":[5134,5135,5136],"9968":[5137],"9969":[5138],"9971":[5139],"9973":[5140,5141],"9975":[5142,5143],"9976":[5144],"9979":[5145],"9980":[5146],"9984":[5147],"9986":[5148,5149],"9988":[5150,5151],"9990":[5152],"9991":[5153],"9994":[5154],"9995":[5155],"9996":[5156],"9997":[5157],"9998":[5158,5159],"9999":[5160],"10000":[5161],"10001":[5162,5163],"10002":[5164],"10003":[5165],"10006":[5166],"10011":[5167,5168],"10015":[5169],"10016":[5170],"10017":[5171,5172],"10018":[5173],"10019":[5174,5175,5176],"10023":[5177,5178],"10024":[5179],"10026":[5180],"10030":[5181,5182],"10034":[5183],"10035":[5184],"10037":[5185],"10038":[5186],"10042":[5187,5188,5189],"10044":[5190],"10045":[5191],"10046":[5192],"10048":[5193],"10049":[5194,5195],"10050":[5196],"10051":[5197],"10052":[5198,5199],"10053":[5200],"10054":[5201,5202,5203],"10055":[5204],"10058":[5205],"10059":[5206],"10061":[5207],"10062":[5208],"10063":[5209,5210],"10064":[5211],"10065":[5212],"10068":[5213],"10070":[5214,5215],"10071":[5216],"10072":[5217],"10073":[5218],"10074":[5219],"10075":[5220],"10076":[5221],"10077":[5222],"10079":[5223,5224],"10081":[5225],"10082":[5226],"10083":[5227,5228,5229],"10084":[5230],"10085":[5231,5232],"10086":[5233],"10087":[5234,5235],"10088":[5236,5237],"10091":[5238],"10093":[5239,5240],"10095":[5241],"10096":[5242],"10098":[5243],"10100":[5244,5245],"10102":[5246],"10106":[5247],"10107":[5248],"10108":[5249],"10112":[5250],"10114":[5251,5252],"10115":[5253],"10116":[5254],"10117":[5255],"10118":[5256,5257],"10119":[5258],"10121":[5259],"10123":[5260,5261],"10124":[5262],"10125":[5263,5264],"10126":[5265],"10127":[5266,5267],"10128":[5268],"10129":[5269,5270],"10130":[5271],"10131":[5272],"10132":[5273],"10135":[5274],"10136":[5275,5276],"10137":[5277],"10138":[5278],"10139":[5279,5280],"10140":[5281],"10142":[5282],"10143":[5283,5284],"10144":[5285],"10145":[5286],"10146":[5287,5288],"10148":[5289,5290],"10149":[5291],"10150":[5292],"10151":[5293],"10152":[5294,5295],"10155":[5296],"10161":[5297],"10162":[5298],"10163":[5299],"10168":[5300,5301],"10170":[5302],"10171":[5303],"10173":[5304],"10177":[5305],"10184":[5306,5307],"10186":[5308,5309],"10187":[5310,5311,5312],"10188":[5313],"10189":[5314],"10190":[5315],"10191":[5316,5317],"10192":[5318],"10193":[5319],"10195":[5320,5321],"10196":[5322,5323,5324],"10197":[5325],"10200":[5326],"10201":[5327],"10202":[5328],"10203":[5329,5330],"10204":[5331],"10205":[5332,5333],"10207":[5334,5335],"10209":[5336,5337],"10211":[5338],"10212":[5339,5340],"10213":[5341],"10214":[5342],"10217":[5343],"10221":[5344,5345],"10222":[5346,5347],"10225":[5348],"10226":[5349],"10227":[5350],"10228":[5351],"10229":[5352],"10230":[5353],"10231":[5354],"10232":[5355],"10235":[5356],"10236":[5357],"10238":[5358],"10239":[5359,5360],"10240":[5361,5362],"10241":[5363],"10242":[5364,5365],"10243":[5366],"10244":[5367],"10245":[5368],"10246":[5369],"10249":[5370,5371],"10250":[5372],"10251":[5373,5374],"10252":[5375],"10253":[5376,5377],"10255":[5378],"10259":[5379],"10263":[5380],"10264":[5381,5382],"10267":[5383],"10268":[5384],"10270":[5385,5386,5387],"10272":[5388],"10273":[5389],"10274":[5390],"10275":[5391],"10276":[5392,5393],"10278":[5394],"10279":[5395],"10280":[5396,5397,5398],"10281":[5399,5400],"10282":[5401],"10283":[5402],"10285":[5403,5404],"10286":[5405],"10287":[5406],"10289":[5407,5408],"10291":[5409],"10292":[5410],"10304":[5411],"10306":[5412],"10307":[5413,5414],"10308":[5415,5416],"10310":[5417,5418],"10311":[5419,5420],"10312":[5421],"10313":[5422],"10315":[5423],"10317":[5424],"10319":[5425],"10320":[5426],"10322":[5427],"10323":[5428],"10324":[5429],"10325":[5430],"10326":[5431],"10342":[5432],"10343":[5433,5434],"10345":[5435],"10346":[5436],"10347":[5437],"10348":[5438],"10349":[5439],"10350":[5440],"10351":[5441],"10352":[5442,5443],"10353":[5444],"10355":[5445],"10356":[5446],"10358":[5447,5448],"10359":[5449,5450],"10364":[5451],"10365":[5452],"10366":[5453],"10368":[5454],"10372":[5455,5456,5457],"10373":[5458,5459],"10376":[5460,5461],"10378":[5462,5463],"10380":[5464],"10383":[5465],"10384":[5466,5467],"10386":[5468],"10387":[5469],"10388":[5470],"10389":[5471],"10390":[5472,5473],"10392":[5474],"10393":[5475],"10394":[5476],"10395":[5477],"10398":[5478,5479],"10402":[5480],"10403":[5481],"10404":[5482],"10405":[5483],"10410":[5484,5485],"10411":[5486],"10413":[5487],"10415":[5488],"10424":[5489],"10425":[5490],"10429":[5491],"10430":[5492],"10432":[5493],"10433":[5494],"10434":[5495],"10436":[5496],"10438":[5497],"10441":[5498],"10446":[5499,5500],"10449":[5501],"10463":[5502],"10464":[5503,5504],"10465":[5505],"10468":[5506,5507],"10469":[5508],"10471":[5509],"10472":[5510],"10475":[5511],"10482":[5512],"10483":[5513],"10486":[5514],"10487":[5515],"10492":[5516],"10495":[5517],"10498":[5518],"10500":[5519],"10501":[5520,5521],"10503":[5522],"10504":[5523],"10507":[5524],"10509":[5525,5526],"10511":[5527],"10513":[5528],"10514":[5529,5530],"10516":[5531],"10519":[5532,5533],"10532":[5534],"10533":[5535],"10534":[5536,5537],"10536":[5538],"10539":[5539],"10540":[5540],"10542":[5541],"10543":[5542],"10545":[5543],"10546":[5544],"10550":[5545,5546],"10551":[5547],"10552":[5548],"10553":[5549,5550],"10555":[5551],"10556":[5552],"10559":[5553,5554],"10560":[5555,5556],"10561":[5557],"10562":[5558,5559],"10567":[5560,5561],"10568":[5562],"10569":[5563,5564],"10570":[5565],"10573":[5566,5567,5568],"10574":[5569,5570],"10575":[5571],"10576":[5572],"10577":[5573,5574],"10578":[5575,5576],"10579":[5577,5578],"10580":[5579],"10581":[5580],"10582":[5581,5582,5583],"10585":[5584,5585],"10588":[5586],"10591":[5587,5588],"10592":[5589,5590],"10593":[5591],"10596":[5592],"10600":[5593],"10603":[5594],"10610":[5595],"10612":[5596],"10616":[5597],"10618":[5598],"10620":[5599],"10630":[5600],"10631":[5601],"10633":[5602],"10645":[5603],"10650":[5604],"10652":[5605],"10656":[5606],"10657":[5607],"10662":[5608],"10664":[5609],"10668":[5610],"10671":[5611],"10673":[5612],"10674":[5613],"10678":[5614,5615],"10680":[5616,5617],"10681":[5618,5619],"10685":[5620],"10686":[5621],"10688":[5622,5623],"10691":[5624],"10692":[5625,5626],"10695":[5627],"10697":[5628,5629],"10699":[5630],"10700":[5631],"10703":[5632,5633],"10704":[5634],"10705":[5635],"10706":[5636],"10708":[5637,5638],"10709":[5639],"10712":[5640,5641],"10714":[5642],"10715":[5643,5644],"10716":[5645],"10717":[5646,5647],"10718":[5648],"10719":[5649],"10720":[5650,5651],"10725":[5652],"10726":[5653,5654],"10727":[5655],"10728":[5656],"10731":[5657],"10735":[5658],"10736":[5659,5660,5661],"10737":[5662],"10738":[5663],"10740":[5664],"10741":[5665],"10744":[5666],"10745":[5667,5668],"10747":[5669],"10751":[5670],"10752":[5671],"10753":[5672],"10754":[5673,5674],"10755":[5675,5676],"10756":[5677,5678],"10758":[5679,5680],"10759":[5681],"10761":[5682],"10762":[5683],"10765":[5684,5685],"10767":[5686],"10769":[5687,5688],"10771":[5689,5690],"10772":[5691],"10775":[5692],"10777":[5693,5694],"10780":[5695,5696,5697],"10782":[5698],"10783":[5699],"10785":[5700],"10786":[5701],"10787":[5702,5703],"10788":[5704],"10790":[5705],"10791":[5706],"10793":[5707],"10794":[5708],"10796":[5709],"10797":[5710],"10798":[5711],"10799":[5712],"10802":[5713,5714],"10803":[5715,5716],"10804":[5717],"10806":[5718],"10807":[5719,5720],"10809":[5721,5722],"10811":[5723,5724],"10817":[5725,5726],"10818":[5727],"10820":[5728],"10821":[5729],"10823":[5730],"10824":[5731,5732],"10827":[5733],"10828":[5734,5735],"10830":[5736,5737],"10831":[5738],"10832":[5739],"10833":[5740,5741],"10834":[5742,5743],"10835":[5744],"10838":[5745],"10845":[5746],"10846":[5747],"10847":[5748],"10848":[5749],"10849":[5750],"10850":[5751],"10851":[5752],"10852":[5753,5754],"10853":[5755],"10854":[5756],"10855":[5757,5758],"10856":[5759],"10857":[5760],"10858":[5761,5762],"10859":[5763],"10861":[5764,5765,5766],"10862":[5767],"10863":[5768],"10864":[5769],"10865":[5770],"10866":[5771],"10868":[5772],"10869":[5773],"10870":[5774],"10871":[5775],"10877":[5776],"10879":[5777,5778],"10882":[5779,5780,5781],"10883":[5782,5783],"10885":[5784],"10887":[5785],"10888":[5786],"10891":[5787],"10892":[5788],"10893":[5789],"10894":[5790,5791],"10895":[5792],"10896":[5793,5794],"10898":[5795],"10899":[5796],"10901":[5797],"10902":[5798,5799],"10903":[5800,5801,5802],"10904":[5803,5804],"10905":[5805],"10907":[5806],"10908":[5807],"10909":[5808,5809],"10911":[5810],"10913":[5811],"10914":[5812],"10916":[5813,5814],"10918":[5815],"10920":[5816,5817],"10921":[5818,5819],"10922":[5820],"10923":[5821,5822],"10924":[5823,5824],"10927":[5825],"10928":[5826],"10932":[5827],"10933":[5828],"10934":[5829,5830],"10936":[5831,5832],"10937":[5833,5834],"10938":[5835],"10939":[5836],"10940":[5837],"10941":[5838,5839],"10942":[5840],"10943":[5841],"10945":[5842],"10946":[5843],"10947":[5844],"10950":[5845,5846,5847],"10951":[5848],"10953":[5849],"10954":[5850,5851],"10955":[5852],"10956":[5853],"10958":[5854,5855],"10960":[5856],"10961":[5857],"10963":[5858],"10964":[5859],"10965":[5860],"10966":[5861],"10967":[5862],"10968":[5863],"10969":[5864,5865],"10970":[5866],"10971":[5867],"10975":[5868],"10976":[5869,5870],"10978":[5871,5872],"10979":[5873,5874],"10981":[5875],"10982":[5876,5877],"10983":[5878,5879],"10985":[5880],"10986":[5881],"10987":[5882],"10988":[5883],"10989":[5884],"10991":[5885,5886],"10992":[5887],"10993":[5888,5889],"10994":[5890],"10995":[5891],"10996":[5892,5893,5894],"10997":[5895,5896,5897],"10999":[5898],"11000":[5899],"11001":[5900],"11002":[5901,5902],"11003":[5903],"11004":[5904,5905],"11005":[5906],"11006":[5907,5908],"11007":[5909,5910],"11008":[5911],"11009":[5912],"11010":[5913],"11011":[5914,5915,5916],"11012":[5917],"11013":[5918,5919],"11015":[5920],"11016":[5921,5922],"11017":[5923,5924],"11019":[5925],"11021":[5926,5927],"11022":[5928],"11023":[5929,5930],"11024":[5931],"11025":[5932,5933],"11026":[5934],"11027":[5935,5936],"11028":[5937],"11029":[5938,5939],"11030":[5940],"11031":[5941],"11032":[5942],"11033":[5943],"11036":[5944],"11037":[5945],"11038":[5946],"11039":[5947,5948],"11040":[5949],"11042":[5950],"11043":[5951],"11044":[5952],"11045":[5953,5954],"11046":[5955],"11047":[5956],"11051":[5957,5958],"11052":[5959,5960],"11053":[5961],"11054":[5962,5963],"11055":[5964,5965],"11056":[5966],"11057":[5967],"11058":[5968],"11059":[5969,5970],"11060":[5971],"11062":[5972,5973],"11064":[5974,5975],"11065":[5976,5977,5978],"11067":[5979,5980],"11068":[5981,5982],"11069":[5983],"11071":[5984],"11072":[5985,5986],"11074":[5987,5988,5989],"11075":[5990],"11076":[5991,5992],"11077":[5993],"11078":[5994],"11079":[5995,5996],"11085":[5997],"11086":[5998],"11089":[5999],"11090":[6000,6001],"11091":[6002],"11093":[6003],"11094":[6004,6005],"11095":[6006,6007],"11096":[6008],"11097":[6009],"11104":[6010,6011],"11106":[6012],"11108":[6013,6014],"11141":[6015],"11142":[6016],"11143":[6017,6018],"11148":[6019],"11149":[6020],"11150":[6021],"11153":[6022],"11155":[6023],"11156":[6024],"11157":[6025],"11158":[6026],"11160":[6027],"11161":[6028],"11162":[6029],"11163":[6030],"11164":[6031],"11165":[6032],"11167":[6033,6034],"11168":[6035,6036],"11169":[6037,6038],"11172":[6039],"11180":[6040,6041],"11182":[6042],"11183":[6043],"11184":[6044],"11185":[6045],"11186":[6046,6047],"11187":[6048],"11188":[6049],"11189":[6050,6051],"11190":[6052],"11191":[6053],"11195":[6054],"11196":[6055,6056],"11197":[6057,6058],"11198":[6059,6060],"11199":[6061,6062],"11202":[6063],"11206":[6064,6065,6066],"11208":[6067,6068],"11209":[6069],"11212":[6070],"11213":[6071],"11215":[6072,6073],"11216":[6074,6075],"11217":[6076,6077],"11218":[6078,6079],"11219":[6080],"11221":[6081,6082,6083],"11224":[6084],"11233":[6085],"11234":[6086,6087],"11235":[6088],"11236":[6089],"11237":[6090,6091],"11239":[6092],"11240":[6093],"11241":[6094,6095],"11242":[6096,6097],"11243":[6098,6099],"11244":[6100,6101],"11245":[6102],"11247":[6103,6104],"11250":[6105],"11251":[6106],"11253":[6107,6108,6109],"11255":[6110],"11257":[6111],"11260":[6112],"11261":[6113],"11263":[6114],"11264":[6115,6116],"11266":[6117],"11267":[6118],"11268":[6119],"11271":[6120],"11274":[6121],"11275":[6122],"11276":[6123],"11278":[6124],"11281":[6125],"11282":[6126],"11284":[6127,6128],"11285":[6129],"11286":[6130],"11288":[6131],"11292":[6132],"11308":[6133],"11312":[6134],"11314":[6135],"11317":[6136],"11324":[6137],"11327":[6138,6139],"11344":[6140],"11346":[6141,6142,6143],"11352":[6144],"11362":[6145],"11363":[6146],"11364":[6147,6148],"11370":[6149],"11371":[6150],"11374":[6151,6152],"11377":[6153],"11386":[6154],"11388":[6155],"11389":[6156],"11393":[6157,6158],"11394":[6159],"11395":[6160],"11396":[6161,6162],"11398":[6163,6164],"11399":[6165],"11400":[6166],"11403":[6167],"11404":[6168],"11406":[6169],"11407":[6170],"11409":[6171],"11413":[6172,6173],"11414":[6174],"11423":[6175],"11424":[6176,6177],"11430":[6178],"11432":[6179],"11435":[6180],"11437":[6181],"11439":[6182],"11445":[6183,6184],"11446":[6185,6186],"11447":[6187],"11452":[6188],"11453":[6189,6190],"11454":[6191],"11456":[6192,6193],"11458":[6194,6195],"11459":[6196],"11460":[6197],"11464":[6198,6199],"11466":[6200],"11467":[6201],"11469":[6202],"11470":[6203],"11471":[6204],"11478":[6205],"11479":[6206],"11480":[6207],"11483":[6208],"11485":[6209,6210],"11492":[6211,6212],"11493":[6213],"11494":[6214],"11495":[6215],"11496":[6216],"11498":[6217,6218,6219],"11499":[6220],"11501":[6221],"11503":[6222,6223],"11504":[6224],"11505":[6225],"11507":[6226],"11508":[6227,6228],"11509":[6229,6230],"11510":[6231,6232],"11511":[6233],"11512":[6234],"11513":[6235,6236],"11514":[6237],"11515":[6238,6239,6240],"11516":[6241,6242,6243],"11517":[6244],"11518":[6245],"11520":[6246],"11522":[6247],"11523":[6248],"11524":[6249],"11525":[6250,6251],"11526":[6252],"11528":[6253],"11530":[6254],"11531":[6255],"11533":[6256],"11534":[6257],"11535":[6258],"11536":[6259],"11540":[6260],"11544":[6261],"11545":[6262],"11546":[6263],"11548":[6264],"11550":[6265],"11551":[6266,6267],"11552":[6268,6269],"11553":[6270],"11554":[6271],"11555":[6272,6273],"11557":[6274],"11558":[6275],"11559":[6276],"11562":[6277],"11564":[6278],"11566":[6279,6280],"11567":[6281],"11568":[6282],"11569":[6283],"11576":[6284],"11578":[6285],"11580":[6286],"11581":[6287,6288],"11582":[6289],"11587":[6290],"11595":[6291],"11598":[6292],"11606":[6293],"11607":[6294],"11608":[6295],"11612":[6296],"11614":[6297],"11630":[6298],"11631":[6299],"11633":[6300,6301,6302],"11634":[6303],"11636":[6304],"11637":[6305,6306],"11638":[6307,6308],"11639":[6309],"11640":[6310,6311],"11641":[6312,6313],"11643":[6314],"11645":[6315],"11646":[6316,6317],"11647":[6318],"11648":[6319],"11649":[6320],"11650":[6321],"11651":[6322],"11652":[6323],"11656":[6324],"11658":[6325,6326],"11662":[6327],"11665":[6328],"11667":[6329],"11668":[6330],"11669":[6331],"11670":[6332,6333],"11672":[6334],"11673":[6335],"11674":[6336,6337],"11675":[6338],"11677":[6339],"11680":[6340],"11682":[6341],"11684":[6342],"11685":[6343,6344,6345],"11690":[6346],"11691":[6347],"11693":[6348,6349],"11694":[6350],"11695":[6351],"11696":[6352],"11697":[6353],"11698":[6354],"11699":[6355],"11702":[6356],"11706":[6357],"11708":[6358],"11709":[6359],"11713":[6360],"11714":[6361,6362],"11715":[6363,6364],"11717":[6365],"11718":[6366,6367],"11719":[6368],"11720":[6369],"11721":[6370],"11723":[6371],"11724":[6372],"11725":[6373],"11726":[6374],"11730":[6375],"11731":[6376,6377],"11734":[6378],"11735":[6379],"11736":[6380],"11737":[6381,6382],"11738":[6383],"11739":[6384],"11741":[6385],"11742":[6386],"11743":[6387],"11744":[6388],"11746":[6389],"11748":[6390],"11749":[6391],"11752":[6392,6393],"11754":[6394],"11758":[6395],"11759":[6396],"11760":[6397,6398],"11762":[6399,6400],"11763":[6401,6402],"11764":[6403],"11767":[6404],"11769":[6405],"11770":[6406,6407,6408],"11776":[6409,6410],"11777":[6411],"11778":[6412],"11779":[6413],"11783":[6414],"11784":[6415],"11785":[6416],"11786":[6417],"11787":[6418],"11788":[6419],"11789":[6420,6421],"11790":[6422],"11794":[6423,6424],"11796":[6425],"11797":[6426],"11800":[6427,6428],"11801":[6429],"11803":[6430],"11804":[6431],"11807":[6432,6433],"11808":[6434],"11809":[6435],"11811":[6436],"11813":[6437,6438,6439],"11814":[6440],"11815":[6441],"11816":[6442],"11817":[6443],"11818":[6444,6445,6446],"11821":[6447,6448],"11823":[6449],"11824":[6450],"11825":[6451,6452],"11826":[6453],"11827":[6454],"11829":[6455],"11830":[6456,6457],"11832":[6458],"11833":[6459,6460],"11835":[6461,6462],"11838":[6463,6464],"11840":[6465],"11841":[6466,6467],"11842":[6468],"11843":[6469,6470],"11845":[6471,6472],"11846":[6473],"11847":[6474],"11848":[6475],"11849":[6476],"11850":[6477,6478],"11851":[6479],"11852":[6480],"11853":[6481],"11855":[6482],"11856":[6483],"11858":[6484],"11861":[6485,6486],"11862":[6487],"11863":[6488,6489],"11864":[6490,6491],"11865":[6492],"11866":[6493,6494],"11867":[6495],"11868":[6496],"11869":[6497],"11870":[6498,6499],"11871":[6500,6501,6502],"11872":[6503],"11875":[6504,6505],"11876":[6506],"11877":[6507,6508,6509],"11878":[6510,6511],"11879":[6512,6513],"11881":[6514],"11882":[6515],"11883":[6516,6517],"11884":[6518,6519],"11886":[6520],"11887":[6521,6522],"11889":[6523,6524],"11890":[6525],"11891":[6526],"11892":[6527],"11895":[6528,6529],"11896":[6530],"11898":[6531,6532],"11899":[6533],"11900":[6534,6535],"11901":[6536,6537],"11902":[6538],"11904":[6539,6540],"11905":[6541],"11906":[6542],"11907":[6543],"11908":[6544],"11909":[6545],"11910":[6546],"11911":[6547],"11912":[6548],"11913":[6549],"11915":[6550],"11916":[6551,6552],"11918":[6553],"11919":[6554],"11921":[6555],"11924":[6556],"11925":[6557],"11931":[6558],"11932":[6559],"11935":[6560],"11938":[6561],"11940":[6562,6563],"11941":[6564,6565,6566],"11942":[6567],"11943":[6568],"11944":[6569,6570],"11945":[6571],"11946":[6572,6573],"11948":[6574],"11949":[6575],"11951":[6576,6577],"11953":[6578],"11954":[6579],"11955":[6580,6581],"11956":[6582],"11959":[6583,6584],"11961":[6585,6586],"11962":[6587],"11963":[6588,6589],"11968":[6590,6591,6592],"11969":[6593,6594],"11970":[6595],"11971":[6596],"11972":[6597],"11973":[6598,6599],"11974":[6600],"11975":[6601,6602],"11976":[6603,6604],"11978":[6605],"11979":[6606],"11980":[6607],"11982":[6608],"11983":[6609],"11984":[6610],"11985":[6611],"11986":[6612],"11987":[6613,6614],"11988":[6615],"11989":[6616],"11990":[6617,6618,6619],"11991":[6620],"11992":[6621],"11995":[6622],"11996":[6623],"11997":[6624],"11998":[6625],"11999":[6626,6627],"12002":[6628],"12004":[6629],"12005":[6630],"12008":[6631,6632],"12010":[6633,6634],"12011":[6635,6636],"12012":[6637],"12013":[6638,6639],"12015":[6640],"12016":[6641,6642],"12017":[6643,6644],"12018":[6645,6646],"12019":[6647,6648],"12020":[6649,6650,6651],"12021":[6652],"12022":[6653,6654,6655],"12023":[6656],"12024":[6657],"12025":[6658,6659],"12026":[6660],"12028":[6661],"12029":[6662],"12030":[6663,6664],"12031":[6665,6666],"12032":[6667],"12033":[6668,6669],"12034":[6670],"12036":[6671,6672],"12037":[6673],"12038":[6674,6675],"12039":[6676,6677],"12040":[6678],"12041":[6679,6680,6681],"12042":[6682],"12043":[6683],"12044":[6684],"12045":[6685],"12046":[6686],"12047":[6687,6688],"12048":[6689,6690],"12049":[6691],"12050":[6692,6693],"12051":[6694,6695],"12052":[6696],"12053":[6697,6698,6699],"12054":[6700],"12055":[6701],"12056":[6702,6703],"12059":[6704],"12060":[6705,6706],"12061":[6707],"12062":[6708],"12063":[6709],"12065":[6710],"12067":[6711],"12069":[6712,6713],"12070":[6714],"12071":[6715],"12072":[6716,6717],"12073":[6718],"12084":[6719],"12085":[6720],"12086":[6721],"12087":[6722],"12088":[6723,6724],"12089":[6725,6726],"12091":[6727,6728,6729],"12092":[6730,6731],"12093":[6732],"12094":[6733],"12095":[6734],"12097":[6735],"12099":[6736,6737],"12100":[6738],"12101":[6739],"12102":[6740],"12103":[6741,6742],"12105":[6743,6744],"12108":[6745],"12109":[6746],"12110":[6747,6748],"12111":[6749],"12113":[6750],"12114":[6751],"12118":[6752,6753,6754],"12120":[6755,6756],"12121":[6757],"12122":[6758,6759],"12123":[6760],"12124":[6761,6762],"12125":[6763,6764],"12126":[6765,6766],"12127":[6767,6768],"12130":[6769],"12131":[6770],"12133":[6771],"12135":[6772],"12137":[6773,6774],"12138":[6775],"12139":[6776],"12140":[6777],"12142":[6778],"12143":[6779],"12144":[6780,6781,6782],"12147":[6783],"12148":[6784],"12149":[6785],"12150":[6786,6787],"12151":[6788],"12156":[6789],"12157":[6790,6791],"12158":[6792],"12160":[6793],"12162":[6794,6795],"12163":[6796,6797],"12164":[6798],"12165":[6799],"12166":[6800,6801],"12169":[6802,6803],"12170":[6804],"12172":[6805,6806],"12173":[6807,6808],"12175":[6809],"12176":[6810,6811],"12177":[6812,6813,6814],"12178":[6815],"12180":[6816],"12181":[6817],"12183":[6818,6819],"12184":[6820],"12185":[6821],"12186":[6822,6823],"12187":[6824],"12188":[6825],"12190":[6826],"12191":[6827],"12193":[6828],"12194":[6829,6830],"12195":[6831],"12196":[6832,6833],"12197":[6834],"12198":[6835],"12199":[6836],"12200":[6837],"12201":[6838],"12202":[6839,6840],"12207":[6841,6842,6843],"12208":[6844],"12209":[6845],"12210":[6846],"12211":[6847,6848],"12213":[6849,6850,6851],"12214":[6852,6853],"12215":[6854,6855],"12216":[6856],"12217":[6857],"12218":[6858,6859],"12219":[6860],"12225":[6861],"12226":[6862],"12227":[6863],"12228":[6864],"12229":[6865,6866],"12232":[6867],"12234":[6868],"12235":[6869],"12236":[6870],"12237":[6871,6872],"12241":[6873],"12243":[6874],"12244":[6875,6876],"12245":[6877],"12246":[6878],"12247":[6879,6880],"12248":[6881],"12250":[6882,6883],"12251":[6884,6885,6886],"12253":[6887],"12254":[6888],"12255":[6889],"12256":[6890,6891],"12257":[6892,6893],"12258":[6894,6895],"12260":[6896],"12261":[6897,6898],"12262":[6899],"12263":[6900,6901],"12264":[6902,6903],"12265":[6904],"12267":[6905],"12268":[6906],"12270":[6907,6908],"12271":[6909,6910],"12273":[6911],"12274":[6912],"12275":[6913,6914],"12277":[6915],"12278":[6916,6917,6918],"12279":[6919],"12281":[6920,6921],"12282":[6922,6923],"12283":[6924],"12284":[6925],"12287":[6926],"12288":[6927,6928],"12289":[6929],"12290":[6930,6931],"12291":[6932],"12293":[6933,6934],"12295":[6935],"12296":[6936,6937],"12298":[6938],"12299":[6939],"12301":[6940],"12302":[6941],"12303":[6942],"12304":[6943],"12306":[6944],"12307":[6945,6946],"12308":[6947],"12309":[6948],"12310":[6949],"12312":[6950,6951],"12314":[6952],"12316":[6953,6954],"12318":[6955],"12320":[6956],"12321":[6957,6958],"12322":[6959],"12323":[6960],"12327":[6961],"12328":[6962],"12330":[6963],"12331":[6964],"12332":[6965,6966,6967],"12335":[6968],"12336":[6969],"12337":[6970],"12339":[6971,6972],"12340":[6973,6974],"12341":[6975],"12343":[6976],"12345":[6977],"12347":[6978,6979],"12348":[6980,6981],"12349":[6982],"12351":[6983,6984],"12352":[6985,6986],"12354":[6987],"12355":[6988],"12356":[6989,6990],"12357":[6991,6992],"12358":[6993,6994],"12359":[6995,6996],"12362":[6997,6998,6999],"12363":[7000],"12364":[7001],"12365":[7002],"12366":[7003,7004,7005],"12367":[7006],"12368":[7007],"12369":[7008,7009],"12370":[7010,7011],"12371":[7012],"12372":[7013],"12373":[7014],"12374":[7015],"12375":[7016],"12376":[7017],"12377":[7018],"12378":[7019],"12379":[7020],"12380":[7021],"12381":[7022],"12384":[7023],"12385":[7024],"12386":[7025],"12387":[7026],"12388":[7027],"12389":[7028,7029],"12390":[7030,7031,7032],"12391":[7033,7034],"12392":[7035],"12393":[7036],"12394":[7037,7038],"12396":[7039],"12397":[7040],"12401":[7041],"12402":[7042],"12403":[7043,7044],"12404":[7045],"12407":[7046],"12419":[7047],"12423":[7048],"12426":[7049],"12428":[7050],"12429":[7051],"12437":[7052],"12441":[7053],"12443":[7054,7055],"12450":[7056],"12451":[7057,7058],"12453":[7059,7060],"12455":[7061],"12457":[7062],"12458":[7063],"12459":[7064],"12460":[7065],"12461":[7066],"12462":[7067],"12465":[7068,7069],"12467":[7070],"12468":[7071],"12469":[7072],"12470":[7073],"12471":[7074],"12474":[7075,7076],"12476":[7077],"12477":[7078],"12478":[7079],"12479":[7080],"12481":[7081],"12483":[7082],"12485":[7083],"12486":[7084],"12491":[7085],"12492":[7086],"12493":[7087],"12494":[7088,7089],"12495":[7090],"12496":[7091,7092],"12498":[7093,7094],"12501":[7095],"12503":[7096],"12505":[7097,7098],"12515":[7099],"12521":[7100],"12522":[7101],"12524":[7102],"12526":[7103,7104,7105],"12527":[7106],"12528":[7107],"12529":[7108],"12530":[7109,7110],"12533":[7111],"12535":[7112],"12536":[7113,7114],"12537":[7115,7116],"12538":[7117],"12539":[7118],"12542":[7119,7120],"12544":[7121,7122],"12558":[7123,7124],"12562":[7125,7126],"12564":[7127],"12565":[7128],"12566":[7129],"12567":[7130],"12571":[7131,7132],"12574":[7133],"12575":[7134],"12576":[7135],"12577":[7136,7137],"12578":[7138],"12580":[7139],"12581":[7140],"12587":[7141],"12590":[7142,7143],"12594":[7144],"12595":[7145,7146],"12596":[7147],"12597":[7148,7149],"12598":[7150,7151,7152],"12599":[7153],"12600":[7154,7155],"12601":[7156],"12603":[7157],"12604":[7158,7159],"12605":[7160],"12606":[7161],"12607":[7162,7163],"12608":[7164],"12609":[7165],"12611":[7166],"12612":[7167,7168],"12613":[7169],"12614":[7170,7171],"12615":[7172,7173],"12616":[7174,7175,7176],"12617":[7177],"12618":[7178],"12619":[7179],"12620":[7180],"12621":[7181,7182],"12622":[7183],"12623":[7184],"12624":[7185,7186],"12625":[7187,7188],"12626":[7189,7190],"12627":[7191,7192],"12629":[7193,7194],"12630":[7195,7196],"12631":[7197],"12632":[7198],"12636":[7199,7200],"12637":[7201],"12638":[7202],"12639":[7203],"12640":[7204,7205],"12642":[7206],"12643":[7207,7208],"12644":[7209],"12647":[7210,7211],"12648":[7212,7213],"12649":[7214],"12650":[7215],"12651":[7216],"12652":[7217,7218],"12654":[7219,7220],"12655":[7221,7222,7223],"12656":[7224,7225,7226],"12657":[7227],"12659":[7228,7229],"12660":[7230],"12661":[7231,7232],"12662":[7233],"12663":[7234,7235],"12665":[7236],"12666":[7237],"12667":[7238,7239],"12668":[7240,7241],"12669":[7242,7243],"12670":[7244],"12672":[7245],"12673":[7246,7247],"12674":[7248],"12675":[7249,7250],"12677":[7251],"12678":[7252,7253],"12680":[7254],"12681":[7255],"12682":[7256,7257],"12687":[7258,7259],"12688":[7260,7261],"12689":[7262],"12690":[7263],"12692":[7264,7265],"12693":[7266],"12694":[7267,7268],"12695":[7269],"12696":[7270],"12697":[7271],"12698":[7272],"12699":[7273],"12700":[7274],"12701":[7275,7276],"12703":[7277,7278,7279],"12704":[7280,7281],"12705":[7282,7283],"12706":[7284],"12707":[7285],"12709":[7286,7287],"12710":[7288,7289],"12714":[7290,7291,7292],"12722":[7293],"12723":[7294],"12724":[7295,7296],"12725":[7297],"12727":[7298,7299],"12729":[7300,7301],"12730":[7302,7303],"12732":[7304,7305],"12733":[7306,7307],"12735":[7308],"12737":[7309,7310],"12738":[7311],"12739":[7312],"12741":[7313],"12742":[7314],"12745":[7315,7316],"12746":[7317,7318,7319],"12747":[7320,7321],"12749":[7322],"12750":[7323,7324],"12751":[7325],"12752":[7326],"12753":[7327],"12754":[7328],"12756":[7329],"12757":[7330],"12759":[7331],"12760":[7332,7333],"12762":[7334,7335,7336],"12764":[7337,7338],"12765":[7339],"12769":[7340],"12770":[7341],"12775":[7342],"12777":[7343],"12778":[7344],"12782":[7345],"12783":[7346],"12784":[7347],"12785":[7348],"12786":[7349,7350],"12787":[7351],"12788":[7352],"12790":[7353,7354],"12791":[7355],"12792":[7356],"12793":[7357],"12794":[7358,7359],"12795":[7360,7361],"12796":[7362,7363],"12797":[7364],"12798":[7365],"12799":[7366],"12800":[7367],"12801":[7368],"12802":[7369],"12805":[7370],"12807":[7371],"12808":[7372],"12809":[7373,7374],"12811":[7375,7376],"12822":[7377],"12823":[7378],"12824":[7379],"12825":[7380],"12827":[7381],"12830":[7382],"12832":[7383,7384],"12834":[7385,7386],"12835":[7387,7388],"12837":[7389],"12838":[7390,7391,7392],"12841":[7393,7394],"12847":[7395],"12848":[7396,7397],"12849":[7398,7399],"12852":[7400,7401],"12854":[7402,7403],"12855":[7404],"12858":[7405],"12859":[7406],"12860":[7407],"12861":[7408],"12862":[7409],"12863":[7410],"12864":[7411],"12865":[7412],"12866":[7413],"12867":[7414,7415],"12868":[7416,7417],"12869":[7418],"12871":[7419],"12874":[7420,7421],"12875":[7422],"12877":[7423],"12878":[7424,7425],"12880":[7426,7427],"12881":[7428],"12883":[7429],"12884":[7430],"12885":[7431],"12886":[7432,7433],"12887":[7434],"12889":[7435],"12891":[7436],"12892":[7437,7438],"12897":[7439],"12898":[7440],"12902":[7441],"12906":[7442],"12907":[7443,7444],"12910":[7445],"12911":[7446,7447,7448],"12912":[7449],"12914":[7450],"12915":[7451],"12918":[7452,7453],"12919":[7454],"12920":[7455],"12921":[7456],"12922":[7457],"12923":[7458],"12924":[7459],"12925":[7460],"12926":[7461],"12927":[7462,7463,7464],"12928":[7465,7466,7467],"12929":[7468],"12930":[7469,7470],"12932":[7471],"12934":[7472],"12935":[7473],"12936":[7474],"12937":[7475],"12941":[7476],"12943":[7477],"12945":[7478,7479],"12946":[7480],"12947":[7481,7482],"12948":[7483,7484],"12949":[7485],"12951":[7486,7487],"12952":[7488],"12953":[7489,7490],"12954":[7491,7492],"12955":[7493],"12956":[7494],"12958":[7495,7496],"12959":[7497,7498],"12960":[7499],"12962":[7500],"12963":[7501,7502,7503],"12964":[7504],"12965":[7505],"12966":[7506],"12967":[7507],"12968":[7508],"12969":[7509],"12970":[7510,7511],"12972":[7512],"12974":[7513],"12975":[7514],"12976":[7515],"12977":[7516,7517],"12980":[7518],"12984":[7519,7520],"12988":[7521,7522],"12989":[7523],"12991":[7524],"12992":[7525,7526],"12994":[7527],"12995":[7528],"12997":[7529],"12999":[7530],"13000":[7531,7532],"13001":[7533,7534],"13003":[7535],"13004":[7536],"13005":[7537],"13008":[7538,7539],"13010":[7540,7541],"13011":[7542],"13012":[7543],"13013":[7544,7545],"13015":[7546],"13016":[7547],"13020":[7548],"13021":[7549,7550],"13023":[7551,7552],"13024":[7553],"13026":[7554],"13027":[7555,7556],"13028":[7557,7558],"13029":[7559,7560],"13030":[7561,7562],"13032":[7563],"13033":[7564,7565],"13034":[7566],"13035":[7567,7568,7569],"13037":[7570,7571],"13038":[7572,7573],"13039":[7574,7575],"13040":[7576,7577],"13041":[7578],"13042":[7579,7580],"13043":[7581],"13044":[7582],"13045":[7583],"13046":[7584,7585],"13047":[7586],"13048":[7587,7588],"13049":[7589],"13050":[7590],"13052":[7591],"13054":[7592,7593],"13057":[7594],"13059":[7595,7596],"13060":[7597],"13061":[7598,7599],"13062":[7600],"13064":[7601],"13066":[7602,7603],"13067":[7604],"13068":[7605],"13069":[7606,7607],"13070":[7608],"13071":[7609],"13072":[7610,7611],"13073":[7612],"13074":[7613],"13075":[7614],"13076":[7615,7616],"13077":[7617,7618],"13078":[7619],"13080":[7620],"13081":[7621,7622],"13082":[7623],"13083":[7624],"13084":[7625],"13085":[7626],"13086":[7627],"13087":[7628],"13088":[7629],"13089":[7630],"13090":[7631],"13091":[7632],"13092":[7633,7634,7635],"13093":[7636],"13096":[7637],"13097":[7638],"13100":[7639],"13102":[7640],"13103":[7641],"13104":[7642],"13105":[7643],"13106":[7644],"13107":[7645],"13108":[7646],"13111":[7647],"13115":[7648],"13117":[7649,7650],"13118":[7651,7652],"13119":[7653,7654],"13120":[7655,7656],"13121":[7657,7658,7659],"13124":[7660,7661],"13127":[7662],"13128":[7663,7664],"13129":[7665],"13130":[7666,7667],"13131":[7668],"13132":[7669],"13135":[7670,7671],"13136":[7672],"13137":[7673],"13138":[7674,7675,7676,7677],"13139":[7678,7679],"13140":[7680],"13141":[7681,7682,7683],"13143":[7684],"13144":[7685],"13145":[7686],"13146":[7687],"13147":[7688],"13148":[7689,7690,7691],"13149":[7692],"13152":[7693,7694],"13153":[7695,7696],"13154":[7697],"13155":[7698],"13156":[7699,7700],"13157":[7701,7702],"13158":[7703],"13159":[7704],"13161":[7705],"13162":[7706],"13163":[7707,7708],"13164":[7709,7710],"13165":[7711],"13166":[7712,7713],"13167":[7714],"13168":[7715],"13169":[7716],"13170":[7717,7718],"13172":[7719,7720],"13173":[7721],"13174":[7722],"13175":[7723,7724],"13177":[7725],"13178":[7726],"13180":[7727],"13182":[7728,7729],"13184":[7730],"13186":[7731],"13187":[7732,7733],"13188":[7734],"13189":[7735],"13190":[7736,7737],"13191":[7738],"13194":[7739],"13199":[7740],"13204":[7741],"13209":[7742],"13211":[7743],"13212":[7744],"13214":[7745],"13218":[7746],"13222":[7747],"13223":[7748],"13224":[7749],"13225":[7750],"13229":[7751],"13230":[7752],"13232":[7753,7754],"13235":[7755],"13249":[7756],"13254":[7757],"13256":[7758],"13257":[7759],"13259":[7760],"13262":[7761],"13264":[7762],"13266":[7763],"13268":[7764],"13269":[7765],"13270":[7766],"13277":[7767],"13282":[7768],"13286":[7769],"13290":[7770],"13291":[7771],"13294":[7772],"13298":[7773],"13299":[7774],"13301":[7775],"13303":[7776],"13305":[7777],"13311":[7778],"13315":[7779],"13318":[7780],"13323":[7781],"13327":[7782],"13347":[7783],"13349":[7784],"13350":[7785],"13351":[7786],"13359":[7787],"13362":[7788],"13363":[7789],"13364":[7790],"13367":[7791],"13381":[7792],"13382":[7793],"13384":[7794],"13387":[7795],"13392":[7796],"13396":[7797],"13398":[7798],"13400":[7799],"13403":[7800,7801],"13409":[7802],"13415":[7803],"13417":[7804],"13419":[7805],"13424":[7806,7807],"13428":[7808],"13431":[7809],"13438":[7810],"13450":[7811],"13455":[7812],"13459":[7813],"13473":[7814],"13476":[7815],"13478":[7816],"13485":[7817],"13492":[7818],"13493":[7819],"13494":[7820],"13495":[7821],"13497":[7822],"13498":[7823,7824],"13499":[7825],"13500":[7826],"13502":[7827],"13504":[7828],"13505":[7829],"13506":[7830,7831],"13509":[7832],"13511":[7833],"13512":[7834],"13515":[7835],"13516":[7836,7837],"13517":[7838,7839],"13518":[7840,7841],"13519":[7842],"13521":[7843,7844],"13523":[7845,7846],"13526":[7847],"13527":[7848],"13528":[7849],"13529":[7850],"13530":[7851],"13531":[7852],"13532":[7853],"13533":[7854,7855],"13534":[7856],"13536":[7857],"13537":[7858],"13538":[7859,7860],"13540":[7861],"13541":[7862],"13542":[7863],"13543":[7864],"13544":[7865],"13545":[7866],"13546":[7867],"13547":[7868],"13548":[7869],"13549":[7870,7871,7872],"13550":[7873,7874],"13552":[7875,7876],"13553":[7877,7878],"13554":[7879],"13555":[7880],"13556":[7881],"13557":[7882,7883],"13559":[7884,7885],"13563":[7886,7887],"13565":[7888],"13566":[7889,7890],"13567":[7891,7892],"13568":[7893],"13569":[7894],"13570":[7895,7896],"13571":[7897],"13572":[7898],"13574":[7899,7900],"13576":[7901],"13577":[7902,7903],"13578":[7904,7905],"13579":[7906],"13580":[7907],"13581":[7908],"13582":[7909,7910],"13583":[7911],"13584":[7912],"13585":[7913],"13586":[7914],"13587":[7915,7916],"13588":[7917],"13589":[7918],"13591":[7919],"13592":[7920,7921],"13593":[7922,7923],"13594":[7924],"13596":[7925,7926],"13598":[7927],"13599":[7928],"13600":[7929],"13601":[7930],"13602":[7931,7932,7933],"13603":[7934,7935],"13604":[7936],"13606":[7937],"13607":[7938],"13608":[7939,7940],"13609":[7941],"13610":[7942],"13611":[7943],"13612":[7944],"13613":[7945,7946],"13614":[7947],"13615":[7948],"13616":[7949],"13617":[7950,7951],"13618":[7952,7953,7954],"13619":[7955],"13620":[7956,7957],"13621":[7958,7959],"13622":[7960,7961],"13625":[7962],"13627":[7963],"13629":[7964],"13630":[7965,7966],"13632":[7967],"13633":[7968,7969],"13634":[7970],"13635":[7971],"13636":[7972,7973],"13638":[7974,7975],"13639":[7976],"13640":[7977],"13641":[7978],"13642":[7979],"13643":[7980,7981],"13644":[7982],"13647":[7983,7984],"13650":[7985],"13651":[7986],"13652":[7987,7988],"13653":[7989],"13654":[7990],"13657":[7991],"13659":[7992,7993],"13661":[7994,7995,7996],"13663":[7997,7998],"13669":[7999,8000],"13672":[8001,8002,8003,8004],"13673":[8005],"13676":[8006],"13677":[8007,8008],"13678":[8009],"13680":[8010],"13681":[8011],"13683":[8012,8013],"13684":[8014],"13685":[8015],"13686":[8016],"13691":[8017,8018],"13692":[8019],"13693":[8020,8021],"13694":[8022,8023],"13697":[8024],"13698":[8025,8026],"13699":[8027],"13700":[8028],"13701":[8029],"13703":[8030],"13704":[8031],"13705":[8032],"13706":[8033],"13708":[8034,8035],"13709":[8036],"13711":[8037,8038],"13712":[8039,8040],"13714":[8041,8042],"13716":[8043],"13718":[8044],"13719":[8045,8046,8047],"13720":[8048],"13722":[8049],"13723":[8050,8051],"13724":[8052],"13726":[8053],"13727":[8054],"13728":[8055,8056,8057],"13729":[8058,8059],"13730":[8060,8061],"13731":[8062],"13732":[8063],"13733":[8064,8065],"13734":[8066],"13735":[8067,8068],"13737":[8069],"13739":[8070],"13740":[8071],"13741":[8072],"13743":[8073],"13744":[8074],"13745":[8075],"13746":[8076],"13747":[8077,8078],"13748":[8079,8080],"13749":[8081],"13750":[8082],"13752":[8083],"13753":[8084,8085],"13754":[8086],"13755":[8087],"13756":[8088],"13757":[8089,8090],"13758":[8091],"13760":[8092,8093],"13762":[8094],"13763":[8095],"13764":[8096],"13765":[8097,8098],"13766":[8099],"13767":[8100],"13768":[8101],"13769":[8102],"13770":[8103],"13771":[8104,8105],"13772":[8106],"13773":[8107,8108],"13775":[8109],"13776":[8110],"13777":[8111],"13779":[8112],"13780":[8113],"13782":[8114],"13783":[8115,8116],"13784":[8117,8118,8119],"13787":[8120],"13788":[8121],"13789":[8122],"13790":[8123],"13791":[8124],"13793":[8125,8126,8127],"13794":[8128],"13795":[8129,8130,8131],"13796":[8132],"13797":[8133,8134],"13798":[8135,8136],"13800":[8137],"13802":[8138],"13803":[8139],"13804":[8140,8141],"13805":[8142],"13807":[8143],"13808":[8144,8145],"13809":[8146],"13810":[8147],"13811":[8148],"13812":[8149],"13813":[8150,8151],"13814":[8152],"13815":[8153],"13816":[8154],"13817":[8155],"13818":[8156,8157],"13819":[8158],"13820":[8159,8160],"13823":[8161],"13824":[8162],"13825":[8163,8164],"13826":[8165,8166],"13827":[8167,8168],"13828":[8169,8170],"13830":[8171],"13831":[8172,8173],"13832":[8174],"13834":[8175],"13835":[8176,8177,8178],"13837":[8179],"13838":[8180,8181,8182],"13839":[8183,8184,8185],"13841":[8186,8187],"13842":[8188,8189],"13843":[8190,8191],"13844":[8192,8193],"13845":[8194],"13846":[8195],"13847":[8196],"13848":[8197],"13849":[8198,8199],"13851":[8200],"13852":[8201,8202],"13853":[8203],"13854":[8204,8205],"13855":[8206],"13856":[8207,8208],"13857":[8209],"13858":[8210,8211],"13859":[8212,8213],"13860":[8214],"13861":[8215],"13862":[8216,8217],"13864":[8218,8219],"13866":[8220],"13867":[8221,8222],"13868":[8223],"13870":[8224],"13871":[8225],"13872":[8226],"13873":[8227,8228],"13876":[8229,8230],"13877":[8231],"13878":[8232],"13879":[8233],"13880":[8234,8235],"13881":[8236],"13882":[8237,8238,8239],"13885":[8240],"13886":[8241],"13887":[8242],"13888":[8243,8244],"13889":[8245],"13890":[8246],"13891":[8247],"13892":[8248],"13893":[8249],"13896":[8250],"13898":[8251],"13899":[8252],"13901":[8253,8254],"13902":[8255],"13904":[8256],"13905":[8257,8258],"13907":[8259,8260],"13909":[8261,8262],"13910":[8263,8264],"13911":[8265],"13912":[8266],"13913":[8267],"13914":[8268],"13915":[8269,8270],"13916":[8271],"13917":[8272],"13918":[8273],"13919":[8274,8275],"13921":[8276,8277],"13922":[8278],"13923":[8279],"13924":[8280],"13925":[8281],"13926":[8282],"13927":[8283],"13928":[8284],"13929":[8285],"13930":[8286],"13931":[8287],"13932":[8288],"13933":[8289,8290],"13934":[8291],"13935":[8292],"13938":[8293,8294],"13939":[8295],"13940":[8296,8297],"13941":[8298],"13943":[8299,8300],"13944":[8301,8302,8303],"13945":[8304],"13946":[8305,8306],"13947":[8307],"13950":[8308,8309],"13951":[8310,8311],"13952":[8312],"13953":[8313],"13954":[8314],"13956":[8315],"13957":[8316],"13958":[8317],"13959":[8318,8319],"13961":[8320,8321],"13963":[8322],"13964":[8323],"13966":[8324],"13967":[8325],"13968":[8326],"13970":[8327],"13971":[8328,8329],"13972":[8330],"13973":[8331],"13974":[8332,8333],"13975":[8334],"13976":[8335],"13977":[8336,8337],"13978":[8338,8339,8340],"13979":[8341,8342],"13980":[8343],"13981":[8344],"13982":[8345],"13983":[8346],"13984":[8347,8348,8349],"13985":[8350],"13986":[8351],"13988":[8352],"13989":[8353],"13990":[8354],"13992":[8355],"13994":[8356,8357],"13995":[8358],"13996":[8359],"13997":[8360,8361],"13998":[8362],"13999":[8363],"14000":[8364],"14001":[8365,8366],"14002":[8367],"14003":[8368],"14004":[8369],"14005":[8370],"14006":[8371,8372],"14007":[8373],"14008":[8374,8375],"14009":[8376,8377],"14011":[8378,8379],"14012":[8380],"14014":[8381,8382,8383,8384],"14015":[8385],"14016":[8386],"14018":[8387,8388],"14019":[8389],"14021":[8390],"14022":[8391],"14024":[8392],"14025":[8393,8394],"14026":[8395],"14027":[8396],"14028":[8397],"14029":[8398,8399],"14032":[8400],"14033":[8401,8402],"14034":[8403],"14035":[8404],"14036":[8405,8406],"14037":[8407,8408],"14039":[8409,8410],"14040":[8411],"14041":[8412,8413],"14042":[8414],"14045":[8415,8416],"14046":[8417],"14047":[8418,8419],"14049":[8420],"14050":[8421],"14051":[8422,8423,8424],"14052":[8425,8426],"14053":[8427],"14054":[8428],"14057":[8429,8430],"14058":[8431,8432],"14059":[8433,8434],"14060":[8435],"14061":[8436],"14062":[8437],"14064":[8438,8439,8440],"14066":[8441],"14068":[8442],"14070":[8443],"14072":[8444,8445],"14073":[8446],"14077":[8447],"14081":[8448,8449],"14082":[8450],"14083":[8451,8452],"14084":[8453],"14086":[8454],"14088":[8455],"14089":[8456],"14090":[8457,8458],"14091":[8459],"14092":[8460],"14093":[8461],"14094":[8462],"14095":[8463],"14096":[8464],"14097":[8465],"14098":[8466,8467],"14099":[8468,8469,8470],"14100":[8471],"14101":[8472],"14104":[8473],"14105":[8474,8475],"14106":[8476,8477],"14107":[8478,8479],"14108":[8480],"14110":[8481,8482],"14112":[8483],"14118":[8484,8485],"14119":[8486],"14120":[8487],"14122":[8488],"14123":[8489],"14124":[8490],"14125":[8491],"14129":[8492],"14130":[8493],"14131":[8494,8495,8496],"14132":[8497],"14133":[8498],"14134":[8499,8500],"14135":[8501],"14136":[8502,8503],"14137":[8504,8505],"14138":[8506],"14139":[8507,8508],"14140":[8509],"14142":[8510],"14143":[8511,8512],"14144":[8513,8514],"14145":[8515],"14146":[8516],"14147":[8517],"14150":[8518],"14151":[8519,8520],"14152":[8521,8522],"14154":[8523],"14155":[8524],"14156":[8525],"14157":[8526],"14158":[8527],"14159":[8528,8529],"14162":[8530],"14163":[8531],"14165":[8532],"14166":[8533],"14167":[8534,8535],"14168":[8536,8537],"14170":[8538,8539,8540],"14172":[8541],"14173":[8542,8543,8544],"14174":[8545,8546],"14175":[8547],"14176":[8548],"14177":[8549,8550],"14178":[8551,8552],"14180":[8553],"14181":[8554],"14183":[8555],"14184":[8556],"14185":[8557],"14191":[8558,8559],"14192":[8560],"14195":[8561,8562],"14198":[8563,8564],"14200":[8565],"14203":[8566],"14204":[8567],"14206":[8568],"14209":[8569,8570],"14210":[8571],"14211":[8572,8573],"14213":[8574,8575],"14214":[8576,8577,8578],"14216":[8579],"14217":[8580],"14219":[8581,8582],"14220":[8583],"14222":[8584,8585],"14224":[8586,8587],"14225":[8588],"14230":[8589,8590],"14231":[8591],"14232":[8592],"14235":[8593,8594],"14236":[8595],"14237":[8596],"14239":[8597,8598,8599],"14240":[8600],"14241":[8601,8602],"14242":[8603],"14244":[8604],"14247":[8605,8606],"14248":[8607],"14249":[8608],"14250":[8609],"14252":[8610],"14253":[8611],"14254":[8612],"14255":[8613,8614],"14256":[8615],"14257":[8616],"14258":[8617,8618],"14259":[8619],"14262":[8620,8621],"14264":[8622,8623],"14266":[8624],"14267":[8625,8626],"14268":[8627],"14271":[8628],"14272":[8629,8630],"14274":[8631],"14275":[8632],"14277":[8633,8634],"14278":[8635],"14279":[8636],"14280":[8637],"14281":[8638],"14282":[8639],"14283":[8640],"14284":[8641],"14285":[8642,8643],"14286":[8644],"14287":[8645],"14288":[8646],"14289":[8647],"14290":[8648],"14291":[8649],"14292":[8650,8651],"14294":[8652],"14295":[8653,8654],"14297":[8655,8656],"14304":[8657,8658],"14305":[8659],"14307":[8660],"14308":[8661],"14309":[8662],"14310":[8663,8664],"14311":[8665],"14312":[8666],"14313":[8667,8668],"14314":[8669],"14315":[8670],"14317":[8671],"14318":[8672,8673],"14319":[8674],"14320":[8675,8676],"14322":[8677],"14323":[8678],"14324":[8679,8680],"14325":[8681],"14326":[8682],"14327":[8683,8684,8685],"14329":[8686,8687],"14330":[8688],"14331":[8689],"14334":[8690,8691],"14336":[8692,8693],"14337":[8694,8695],"14338":[8696,8697],"14339":[8698,8699],"14340":[8700],"14341":[8701],"14342":[8702],"14343":[8703],"14344":[8704],"14345":[8705,8706],"14346":[8707],"14347":[8708,8709],"14351":[8710],"14352":[8711],"14364":[8712,8713],"14366":[8714,8715],"14367":[8716],"14369":[8717],"14372":[8718],"14373":[8719,8720],"14374":[8721,8722],"14375":[8723],"14376":[8724],"14377":[8725],"14378":[8726,8727],"14379":[8728],"14380":[8729],"14382":[8730],"14384":[8731,8732],"14385":[8733],"14386":[8734],"14387":[8735],"14388":[8736],"14390":[8737],"14392":[8738],"14394":[8739,8740],"14397":[8741],"14402":[8742],"14403":[8743],"14407":[8744],"14413":[8745],"14416":[8746],"14422":[8747],"14423":[8748],"14432":[8749],"14441":[8750],"14447":[8751],"14454":[8752],"14455":[8753,8754],"14457":[8755],"14459":[8756,8757],"14461":[8758],"14464":[8759],"14468":[8760],"14470":[8761],"14473":[8762],"14478":[8763],"14481":[8764],"14486":[8765],"14488":[8766],"14495":[8767],"14498":[8768],"14499":[8769],"14501":[8770],"14508":[8771],"14512":[8772],"14521":[8773],"14524":[8774],"14526":[8775],"14533":[8776],"14535":[8777],"14536":[8778],"14538":[8779,8780],"14545":[8781],"14551":[8782],"14558":[8783],"14560":[8784],"14577":[8785],"14582":[8786],"14584":[8787],"14585":[8788],"14590":[8789,8790],"14591":[8791],"14592":[8792],"14595":[8793,8794],"14600":[8795],"14602":[8796],"14604":[8797],"14606":[8798],"14608":[8799],"14609":[8800],"14610":[8801],"14612":[8802],"14614":[8803],"14618":[8804],"14619":[8805,8806],"14630":[8807],"14633":[8808],"14635":[8809],"14636":[8810,8811],"14638":[8812],"14646":[8813],"14648":[8814],"14649":[8815],"14650":[8816],"14653":[8817],"14655":[8818],"14656":[8819],"14658":[8820],"14659":[8821,8822],"14661":[8823],"14664":[8824],"14670":[8825,8826],"14673":[8827],"14678":[8828],"14692":[8829],"14708":[8830],"14711":[8831],"14719":[8832],"14721":[8833],"14722":[8834],"14723":[8835],"14724":[8836],"14734":[8837],"14736":[8838],"14745":[8839],"14746":[8840],"14747":[8841],"14754":[8842],"14757":[8843],"14761":[8844],"14768":[8845,8846],"14779":[8847],"14781":[8848],"14784":[8849],"14786":[8850],"14788":[8851],"14793":[8852],"14797":[8853],"14804":[8854],"14805":[8855],"14806":[8856],"14808":[8857],"14813":[8858],"14814":[8859],"14817":[8860],"14819":[8861,8862],"14823":[8863],"14828":[8864],"14830":[8865],"14833":[8866,8867],"14838":[8868],"14844":[8869],"14854":[8870],"14862":[8871],"14863":[8872],"14869":[8873],"14876":[8874],"14880":[8875],"14886":[8876],"14894":[8877],"14897":[8878],"14900":[8879],"14907":[8880,8881],"14910":[8882],"14914":[8883],"14918":[8884],"14923":[8885],"14925":[8886],"14928":[8887,8888],"14929":[8889],"14933":[8890],"14938":[8891],"14944":[8892,8893],"14951":[8894],"14956":[8895],"14966":[8896],"14970":[8897],"14983":[8898],"14995":[8899],"15005":[8900,8901],"15007":[8902],"15010":[8903],"15012":[8904],"15013":[8905],"15018":[8906],"15020":[8907],"15023":[8908],"15032":[8909],"15039":[8910],"15045":[8911],"15047":[8912],"15049":[8913,8914],"15050":[8915],"15052":[8916],"15054":[8917,8918],"15056":[8919,8920],"15061":[8921],"15062":[8922],"15064":[8923],"15072":[8924],"15073":[8925],"15076":[8926],"15077":[8927],"15081":[8928],"15082":[8929],"15083":[8930],"15085":[8931],"15088":[8932],"15089":[8933],"15091":[8934],"15092":[8935],"15099":[8936],"15107":[8937],"15111":[8938,8939],"15121":[8940],"15123":[8941],"15127":[8942],"15131":[8943],"15132":[8944,8945],"15134":[8946],"15138":[8947],"15139":[8948],"15141":[8949],"15146":[8950],"15151":[8951],"15152":[8952],"15154":[8953],"15155":[8954,8955],"15156":[8956],"15157":[8957],"15158":[8958],"15161":[8959,8960,8961],"15169":[8962],"15171":[8963],"15177":[8964],"15180":[8965],"15187":[8966],"15189":[8967],"15197":[8968],"15199":[8969],"15201":[8970,8971],"15204":[8972],"15210":[8973],"15212":[8974],"15213":[8975,8976],"15215":[8977,8978],"15220":[8979],"15222":[8980,8981],"15229":[8982],"15231":[8983],"15233":[8984],"15235":[8985],"15236":[8986],"15239":[8987],"15240":[8988],"15244":[8989],"15253":[8990],"15259":[8991],"15267":[8992],"15271":[8993,8994],"15275":[8995],"15277":[8996],"15278":[8997],"15279":[8998,8999],"15280":[9000],"15281":[9001],"15283":[9002,9003],"15290":[9004,9005,9006],"15293":[9007],"15298":[9008],"15300":[9009,9010],"15301":[9011,9012],"15308":[9013],"15309":[9014],"15315":[9015,9016,9017],"15317":[9018,9019],"15319":[9020],"15323":[9021],"15324":[9022],"15326":[9023],"15335":[9024],"15336":[9025],"15339":[9026,9027,9028],"15340":[9029],"15341":[9030,9031],"15342":[9032],"15343":[9033,9034],"15345":[9035,9036],"15347":[9037,9038],"15352":[9039],"15355":[9040],"15356":[9041,9042],"15383":[9043],"15392":[9044],"15393":[9045],"15405":[9046],"15408":[9047],"15410":[9048],"15411":[9049],"15417":[9050,9051],"15424":[9052,9053],"15427":[9054],"15433":[9055],"15437":[9056],"15439":[9057,9058],"15444":[9059],"15445":[9060],"15448":[9061],"15450":[9062],"15452":[9063,9064],"15453":[9065],"15456":[9066],"15457":[9067],"15458":[9068],"15459":[9069],"15460":[9070],"15461":[9071],"15463":[9072],"15464":[9073],"15465":[9074,9075],"15466":[9076],"15468":[9077,9078],"15469":[9079],"15471":[9080],"15472":[9081,9082],"15474":[9083,9084],"15483":[9085],"15489":[9086],"15494":[9087],"15503":[9088],"15505":[9089],"15507":[9090],"15509":[9091],"15513":[9092],"15516":[9093],"15517":[9094],"15518":[9095,9096],"15519":[9097],"15520":[9098],"15532":[9099],"15533":[9100,9101],"15535":[9102],"15539":[9103,9104],"15541":[9105],"15549":[9106],"15557":[9107],"15558":[9108],"15565":[9109],"15567":[9110],"15569":[9111,9112],"15573":[9113],"15575":[9114,9115],"15576":[9116],"15579":[9117],"15582":[9118,9119],"15589":[9120],"15593":[9121],"15594":[9122],"15599":[9123],"15603":[9124],"15605":[9125],"15610":[9126],"15611":[9127,9128],"15616":[9129],"15618":[9130],"15622":[9131,9132],"15624":[9133],"15626":[9134],"15628":[9135],"15633":[9136],"15634":[9137],"15637":[9138],"15640":[9139],"15641":[9140],"15644":[9141,9142],"15654":[9143],"15660":[9144],"15661":[9145],"15663":[9146],"15666":[9147],"15668":[9148],"15674":[9149],"15681":[9150],"15683":[9151],"15685":[9152],"15688":[9153],"15691":[9154,9155],"15697":[9156],"15698":[9157],"15699":[9158,9159],"15700":[9160],"15703":[9161],"15704":[9162],"15705":[9163],"15707":[9164],"15709":[9165],"15711":[9166,9167],"15714":[9168],"15715":[9169,9170],"15716":[9171],"15719":[9172],"15720":[9173,9174],"15721":[9175],"15722":[9176,9177],"15723":[9178],"15726":[9179],"15727":[9180],"15728":[9181],"15731":[9182],"15732":[9183],"15734":[9184,9185,9186],"15738":[9187,9188,9189],"15739":[9190],"15742":[9191,9192],"15743":[9193],"15744":[9194],"15745":[9195],"15746":[9196],"15749":[9197],"15750":[9198,9199],"15751":[9200],"15752":[9201,9202,9203],"15755":[9204],"15756":[9205],"15757":[9206,9207,9208],"15758":[9209,9210],"15759":[9211],"15760":[9212],"15762":[9213],"15763":[9214],"15766":[9215,9216],"15767":[9217],"15768":[9218],"15771":[9219,9220],"15772":[9221,9222],"15775":[9223,9224],"15776":[9225],"15778":[9226],"15779":[9227],"15780":[9228,9229],"15781":[9230,9231,9232],"15783":[9233],"15784":[9234],"15785":[9235],"15786":[9236],"15788":[9237,9238],"15789":[9239],"15791":[9240],"15792":[9241,9242],"15793":[9243,9244,9245],"15795":[9246],"15796":[9247,9248],"15797":[9249],"15798":[9250],"15799":[9251,9252],"15800":[9253,9254],"15801":[9255,9256],"15802":[9257],"15803":[9258],"15804":[9259,9260,9261],"15805":[9262],"15808":[9263],"15809":[9264],"15810":[9265],"15811":[9266,9267],"15814":[9268],"15815":[9269],"15816":[9270],"15818":[9271],"15822":[9272,9273,9274],"15823":[9275,9276],"15824":[9277,9278],"15825":[9279,9280],"15826":[9281],"15827":[9282],"15829":[9283,9284,9285],"15830":[9286,9287],"15833":[9288],"15834":[9289],"15835":[9290],"15836":[9291,9292],"15837":[9293],"15838":[9294,9295,9296],"15839":[9297],"15840":[9298],"15841":[9299],"15842":[9300],"15845":[9301,9302],"15846":[9303],"15847":[9304],"15848":[9305],"15849":[9306,9307],"15853":[9308,9309],"15855":[9310,9311,9312],"15856":[9313],"15857":[9314,9315],"15858":[9316],"15860":[9317,9318,9319],"15863":[9320,9321],"15866":[9322],"15867":[9323],"15868":[9324],"15869":[9325],"15871":[9326,9327],"15872":[9328],"15873":[9329],"15874":[9330],"15875":[9331,9332],"15876":[9333],"15877":[9334],"15878":[9335],"15880":[9336],"15881":[9337],"15883":[9338,9339],"15884":[9340,9341,9342],"15886":[9343],"15887":[9344,9345],"15889":[9346],"15890":[9347],"15892":[9348],"15893":[9349],"15894":[9350],"15895":[9351,9352],"15896":[9353],"15898":[9354,9355],"15899":[9356],"15901":[9357,9358],"15905":[9359],"15906":[9360],"15907":[9361],"15908":[9362],"15909":[9363,9364,9365],"15910":[9366,9367],"15911":[9368,9369],"15912":[9370],"15914":[9371,9372,9373],"15916":[9374,9375],"15917":[9376],"15919":[9377],"15920":[9378],"15921":[9379,9380],"15922":[9381],"15923":[9382,9383],"15924":[9384],"15925":[9385],"15927":[9386],"15928":[9387,9388],"15929":[9389],"15930":[9390,9391],"15933":[9392],"15934":[9393],"15935":[9394],"15936":[9395],"15939":[9396],"15940":[9397],"15942":[9398],"15943":[9399],"15945":[9400],"15946":[9401],"15947":[9402,9403,9404],"15948":[9405],"15949":[9406,9407,9408],"15950":[9409,9410],"15951":[9411],"15952":[9412],"15953":[9413],"15954":[9414],"15955":[9415,9416],"15957":[9417,9418],"15958":[9419],"15959":[9420],"15960":[9421,9422],"15962":[9423],"15963":[9424],"15964":[9425,9426],"15965":[9427],"15967":[9428],"15968":[9429],"15969":[9430],"15970":[9431],"15972":[9432,9433],"15974":[9434],"15975":[9435],"15976":[9436],"15977":[9437],"15978":[9438],"15981":[9439,9440],"15982":[9441],"15983":[9442],"15985":[9443],"15986":[9444],"15987":[9445,9446],"15988":[9447],"15990":[9448,9449],"15991":[9450],"15992":[9451],"15993":[9452,9453,9454,9455],"15994":[9456],"15995":[9457],"15996":[9458],"15997":[9459],"15998":[9460,9461],"16001":[9462,9463,9464],"16002":[9465],"16003":[9466,9467],"16004":[9468,9469],"16005":[9470,9471],"16006":[9472],"16007":[9473,9474],"16008":[9475,9476,9477],"16009":[9478,9479],"16012":[9480,9481],"16013":[9482],"16014":[9483],"16015":[9484],"16016":[9485],"16017":[9486],"16018":[9487],"16019":[9488],"16021":[9489],"16022":[9490,9491,9492],"16023":[9493,9494],"16025":[9495],"16026":[9496],"16027":[9497,9498,9499],"16028":[9500],"16030":[9501],"16031":[9502,9503],"16033":[9504,9505],"16034":[9506],"16035":[9507],"16036":[9508],"16039":[9509],"16040":[9510],"16041":[9511,9512],"16042":[9513],"16043":[9514],"16046":[9515,9516,9517],"16051":[9518,9519],"16052":[9520,9521],"16053":[9522],"16054":[9523],"16055":[9524],"16056":[9525],"16058":[9526,9527],"16060":[9528],"16061":[9529,9530],"16062":[9531,9532],"16063":[9533,9534],"16067":[9535],"16068":[9536,9537],"16070":[9538],"16071":[9539],"16072":[9540,9541,9542],"16074":[9543],"16076":[9544],"16077":[9545,9546],"16078":[9547],"16079":[9548],"16080":[9549,9550],"16081":[9551,9552],"16083":[9553,9554],"16085":[9555],"16088":[9556],"16089":[9557],"16091":[9558],"16092":[9559],"16093":[9560,9561],"16095":[9562,9563],"16096":[9564],"16098":[9565],"16101":[9566],"16103":[9567,9568],"16105":[9569],"16106":[9570],"16107":[9571,9572],"16108":[9573],"16109":[9574],"16110":[9575],"16111":[9576],"16113":[9577],"16115":[9578,9579],"16116":[9580],"16118":[9581,9582,9583],"16119":[9584],"16120":[9585,9586],"16121":[9587,9588],"16123":[9589],"16124":[9590],"16125":[9591,9592],"16126":[9593,9594],"16127":[9595],"16128":[9596],"16129":[9597,9598,9599],"16132":[9600],"16137":[9601,9602],"16139":[9603],"16142":[9604,9605],"16144":[9606],"16148":[9607,9608],"16149":[9609],"16150":[9610],"16151":[9611],"16152":[9612],"16153":[9613,9614],"16154":[9615],"16156":[9616,9617],"16158":[9618],"16160":[9619],"16161":[9620],"16162":[9621],"16164":[9622],"16165":[9623],"16169":[9624],"16170":[9625,9626],"16171":[9627,9628],"16173":[9629],"16174":[9630,9631],"16175":[9632],"16176":[9633],"16177":[9634],"16179":[9635,9636],"16180":[9637],"16183":[9638,9639],"16184":[9640],"16185":[9641],"16186":[9642],"16187":[9643],"16188":[9644],"16189":[9645],"16192":[9646,9647],"16195":[9648],"16197":[9649],"16198":[9650,9651],"16201":[9652,9653],"16203":[9654],"16204":[9655,9656,9657],"16205":[9658,9659],"16206":[9660],"16208":[9661],"16210":[9662],"16211":[9663],"16212":[9664],"16213":[9665,9666,9667],"16214":[9668,9669],"16220":[9670,9671],"16222":[9672],"16223":[9673,9674],"16224":[9675],"16225":[9676],"16226":[9677,9678],"16227":[9679,9680],"16228":[9681],"16229":[9682],"16231":[9683],"16232":[9684,9685,9686],"16233":[9687],"16236":[9688],"16237":[9689],"16238":[9690],"16239":[9691,9692],"16240":[9693,9694],"16241":[9695],"16242":[9696],"16243":[9697,9698,9699],"16244":[9700],"16245":[9701],"16246":[9702,9703],"16248":[9704,9705],"16250":[9706],"16251":[9707,9708],"16253":[9709,9710,9711],"16255":[9712],"16256":[9713],"16257":[9714],"16259":[9715,9716],"16260":[9717],"16261":[9718],"16262":[9719],"16263":[9720,9721],"16264":[9722],"16265":[9723,9724],"16266":[9725],"16267":[9726,9727],"16268":[9728,9729],"16270":[9730,9731,9732],"16271":[9733,9734],"16272":[9735],"16273":[9736],"16274":[9737],"16275":[9738],"16276":[9739],"16277":[9740,9741],"16278":[9742],"16280":[9743],"16281":[9744,9745],"16282":[9746,9747],"16284":[9748,9749],"16285":[9750],"16287":[9751],"16288":[9752,9753,9754,9755],"16289":[9756,9757],"16292":[9758],"16294":[9759],"16295":[9760],"16296":[9761],"16297":[9762],"16298":[9763],"16299":[9764,9765],"16300":[9766],"16302":[9767],"16304":[9768],"16305":[9769,9770],"16306":[9771,9772,9773],"16307":[9774,9775],"16309":[9776,9777],"16310":[9778,9779],"16311":[9780],"16312":[9781],"16313":[9782],"16315":[9783,9784,9785],"16316":[9786,9787],"16317":[9788],"16318":[9789],"16319":[9790,9791],"16320":[9792],"16321":[9793],"16323":[9794],"16324":[9795],"16326":[9796,9797],"16327":[9798],"16334":[9799,9800],"16335":[9801],"16336":[9802],"16337":[9803],"16338":[9804],"16339":[9805],"16340":[9806],"16341":[9807,9808],"16342":[9809,9810],"16343":[9811],"16345":[9812,9813,9814],"16347":[9815],"16350":[9816,9817],"16352":[9818,9819],"16354":[9820],"16356":[9821],"16357":[9822],"16358":[9823],"16359":[9824],"16363":[9825],"16364":[9826],"16365":[9827],"16369":[9828],"16370":[9829],"16373":[9830],"16374":[9831],"16375":[9832],"16376":[9833],"16378":[9834,9835,9836,9837],"16379":[9838],"16382":[9839],"16383":[9840,9841],"16384":[9842,9843],"16386":[9844],"16387":[9845,9846],"16389":[9847],"16391":[9848,9849],"16392":[9850],"16395":[9851],"16396":[9852],"16399":[9853,9854],"16400":[9855],"16404":[9856,9857],"16405":[9858],"16407":[9859],"16408":[9860,9861],"16409":[9862],"16410":[9863],"16411":[9864],"16412":[9865,9866],"16413":[9867],"16417":[9868],"16418":[9869,9870],"16419":[9871],"16420":[9872],"16421":[9873],"16422":[9874],"16423":[9875],"16425":[9876,9877,9878],"16426":[9879,9880,9881],"16428":[9882],"16429":[9883],"16433":[9884],"16434":[9885,9886],"16436":[9887,9888,9889],"16438":[9890],"16439":[9891],"16441":[9892],"16442":[9893],"16443":[9894],"16444":[9895],"16445":[9896,9897,9898],"16447":[9899],"16448":[9900],"16449":[9901,9902],"16451":[9903],"16452":[9904],"16454":[9905,9906],"16456":[9907,9908,9909,9910],"16457":[9911],"16458":[9912],"16461":[9913],"16462":[9914],"16463":[9915],"16464":[9916],"16465":[9917],"16466":[9918],"16467":[9919,9920],"16468":[9921],"16469":[9922,9923],"16471":[9924,9925],"16472":[9926],"16476":[9927],"16477":[9928,9929],"16478":[9930],"16479":[9931,9932,9933,9934],"16481":[9935],"16483":[9936],"16486":[9937,9938,9939],"16488":[9940],"16489":[9941],"16490":[9942],"16491":[9943],"16492":[9944,9945],"16495":[9946,9947,9948],"16497":[9949,9950],"16498":[9951],"16499":[9952,9953],"16500":[9954],"16502":[9955,9956],"16503":[9957],"16504":[9958],"16505":[9959],"16506":[9960],"16507":[9961,9962],"16513":[9963],"16514":[9964,9965,9966],"16517":[9967],"16519":[9968,9969],"16520":[9970,9971],"16521":[9972,9973],"16522":[9974,9975],"16524":[9976],"16525":[9977],"16526":[9978],"16528":[9979,9980],"16531":[9981],"16533":[9982,9983],"16534":[9984,9985],"16536":[9986,9987,9988],"16537":[9989],"16538":[9990],"16539":[9991],"16542":[9992,9993,9994],"16543":[9995],"16544":[9996],"16546":[9997],"16547":[9998],"16548":[9999,10000],"16549":[10001],"16554":[10002],"16556":[10003,10004,10005],"16558":[10006],"16559":[10007],"16560":[10008,10009,10010],"16563":[10011],"16564":[10012],"16566":[10013],"16569":[10014,10015],"16571":[10016,10017],"16572":[10018],"16576":[10019],"16579":[10020],"16588":[10021],"16589":[10022],"16590":[10023,10024],"16592":[10025],"16593":[10026],"16594":[10027],"16597":[10028],"16598":[10029],"16599":[10030],"16601":[10031,10032,10033],"16602":[10034],"16603":[10035],"16605":[10036],"16606":[10037],"16608":[10038],"16610":[10039],"16615":[10040],"16622":[10041,10042],"16623":[10043,10044,10045],"16626":[10046],"16629":[10047,10048],"16634":[10049],"16636":[10050,10051],"16637":[10052],"16639":[10053,10054],"16640":[10055],"16641":[10056],"16643":[10057,10058,10059,10060],"16646":[10061,10062],"16647":[10063],"16649":[10064,10065,10066],"16652":[10067],"16658":[10068,10069,10070],"16659":[10071],"16661":[10072],"16663":[10073],"16664":[10074],"16666":[10075,10076],"16667":[10077],"16668":[10078],"16669":[10079],"16671":[10080,10081,10082],"16672":[10083],"16675":[10084],"16678":[10085,10086],"16679":[10087],"16682":[10088],"16683":[10089],"16685":[10090,10091,10092],"16687":[10093,10094],"16689":[10095],"16690":[10096],"16691":[10097],"16694":[10098],"16695":[10099],"16696":[10100],"16697":[10101,10102,10103],"16699":[10104]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24,25,26,27,28,29,30,31,32,33,34,35,36,37,38,39,40,41,42,43,44,45,46,47,48,49,50,51,52,53,54,55,56,57,58,59,60,61,62,63,64,65,66,67,68,69,70,71,72,73,74,75,76,77,78,79,80,81,82,83,84,85,86,87,88,89,90,91,92,93,94,95,96,97,98,99,100,101,102,103,104,105,106,107,108,109,110,111,112,113,114,115,116,117,118,119,120,121,122,123,124,125,126,127,128,129,130,131,132,133,134,135,136,137,138,139,140,141,142,143,144,145,146,147,148,149,150,151,152,153,154,155,156,157,158,159,160,161,162,163,164,165,166,167,168,169,170,171,172,173,174,175,176,177,178,179,180,181,182]},"pages":[{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-1>مقدمة التحقيق</span>\n﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (١) قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا (٢) ماكثين فيه أبدا﴾ (^١)، أحمده حمد مقر بعظيم إنعامه، وفيض جوده وإحسانه، فله الحمد والثناء كله. جل عن الشبيه والنظير، فلا تحيط به الأفهام، ولا تدركه الأبصار، ولا يغيره الملوان (^٢)، ولا ينهض لمحاكاة بيانه بيان، كلماته لا تنفد، ولا ينكر حجته على خلقه إلا من كفر وألحد. أنزل القرآن تبيانا، وجعله للناس إماما، فمن اتبعه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره زجه في النار، تحدى الله به الفصحاء فألجموا، وسمعه البلغاء فأفحموا، لم يملك الأعداء إذ سمعوه إلا أن شهدوا له بالحلاوة، ولروعة بيانه بالطلاوة، ومباينته للشعر والكهانة، لا يمكن لبشر أن يأتي من مثله بآية، ولو بذل في سبيل ذلك كل غاية، فلا يضل هداه إلا من ختم الله على قلبه وسمعه، وجعل الغشاوة على بصره، فهو للقلوب شفاء، وللأبصار ضياء، وللظمآن رواء، فسبحان من أحكم آياته، وفصل أحكامه، وجعله لكتبه خاتما، وعليها مهيمنا، ولعباده هاديا، ويسر لهم حفظه، وأعانهم على فهمه، فحفظوه في صدورهم قبل صحائفهم، وعملوا بأحكامه في كل نوازلهم، فملأت حلاوته منهم القلوب، واقشعرت لجلالته منهم الجلود، فلا تزال بيوتهم بتلاوته مدوية، وأخلاقهم لنور هدايته محاكية، حتى نالوا من الله الرضوان، وشملهم بالرحمة والغفران، وبشرهم بنعيم الجنان.\n_________\n(^١) سورة الكهف: الآيات من ١ - ٣.\n(^٢) الملوان: الليل والنهار.","vol":"المقدمة","page":5},{"text":"وأُصلِّي وأُسلِّمُ على رسول الله محمد، البشير النذير، والسراج المنير، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وجعله خاتم النبيين، وأيَّده بالذكر الحكيم، فدحض به حجج المبطلين، وتشكيك المنافقين، فحمل للحق لواءً ما أرفعه، وأزهق باطلًا طال مرتعه، وبيَّن للأمة القرآن بيانا ما أنصعه، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^١). ثم عهد بأمانة التبليغ من بعده إلى أصحابه فقال: \"نضَّر الله امرأً سَمِع مِنَّا حديثًا فحفظه حتى يبلِّغه، فرُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورُبَّ حاملِ فقه ليس بفقيه\" (^٢). فأدَّوها إلى تابعيهم، ولم يزل الأمر على تلك الحال حتى قيَّض الله لها من فحول العلماء من دوَّن سنته؛ إذ هي شرح كتاب الله، وتبيين ما أُجْمل من أحكامه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (^٣). فمن أنكر سنته فقد خاب وخسر، وخلع رِبْقة الإسلام من عنقه، فصلوات الله وتسليماته عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد؛ فإن كتاب \"جامع البيان عن تأويل آي القرآن\" (^٤) لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، هو أجل كتب التفسير قاطبة وإمامها، ليس لأوليته الزمنية فحسب؛ بل لأنه فريد في بابه، لم يسبق ابن جرير أحد إلى مثله، وعلى ذلك أجمع العلماء سلفًا وخلفًا، وما من مفسِّر إلا وقد اغترف من تفسير الطبري، فكان ابن جرير - بحق - إمام المفسرين وقدوة المتأولين. إذْ جمع في تفسيره بين الرواية والدراية، فمع عنايته الفائقة بالتفسير النقلي عن الصحابة والتابعين بدرجة يستقصى\n_________\n(^١) سورة النحل: الآية ٤٤.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٦٦٠)، والترمذي (٢٦٥٦)، والنسائي في الكبرى (٥٨٤٧)، وابن ماجه (٤١٠٥)، وأحمد (٢١٦٣٠)، والدارمي (٢٣٥)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١٨٤، ١٨٥).\n(^٣) سورة الحشر: الآية (٧).\n(^٤) ورد عنوانه في بعض نسخ مخطوط الأصل \"جامع البيان عن تأويل آي الفرقان\"، وهي الأجزاء ٢، ٣، ٨، ٣٦، ٤٧.","vol":"المقدمة","page":6},{"text":"فيها وجوه الروايات عنهم، فإنه يُعنى بنفس القدر بالتفسير العقلي الذي يتعرض فيه لتوجيه الأقوال توجيهًا دقيقا وترجيح بعضها على بعض، وأيضًا فإن ابن جرير يهتم بالإعراب اهتمام الحذاق به؛ لما في اختلاف وجوه إعراب آي القرآن من اختلاف وجوه تأويله.\nوقد أخذ الطبري النحو عن شيوخ مدرستي البصرة والكوفة حتى صار من أفراد النحاة في عصره وذلك ظاهرٌ في تفسيره، فهو يورد آراء المدرستين في بيان وجوه الإعراب المختلفة، ثم يرجح ما يراه صوابًا في تأويل الآية.\nولأن القرآن نزل بلغة العرب، فإن من أوجه تأويله ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه، لا يوصل إلى علم ذلك إلا من قبلهم (^١)؛ ومِن ثَمَّ ظهرت فحولة الطبري أيضًا في علوم اللغة العربية صرفًا وتركيبا ودلالة، فمن اطلع على تفسيره، ووقف على تبيينه للمعاني وغريبها، واستشهاده بأشعار العرب في الجاهلية والإسلام، يعتقد أن الرجل قد انقطع لهذا العلم ولم يطلب غيره، فعلى الرغم من نقله عن الفراء في \"معاني القرآن\" وأبي عبيدة في \"مجاز القرآن\"، إلا أنه كثيرًا ما يخطئهما ويرد عليهما ويذكر خلاف ما قالا، شافعًا ما يذكره بالحجة الدامغة والبرهان الساطع وكلام العرب وأشعارهم، وهذا يدل على أن الطبري فارس ميدان وممارس فصاحة وبيان، نشر التفسير نشرًا وطار به ذِكرًا، فهو - بحق - إمام المفسرين وقدوة المتأولين.\nوقد عاش الطبري في القرن الثالث الهجري، وهو من القرون المشهود لها بالخيرية، فإذا اجتمع له مع ذلك ما حباه الله به من قوة الحافظة والحصافة والذكاء،\n_________\n(^١) انظر مقدمة المصنف في تفسيره ص ٩٢ من النص المحقق.","vol":"المقدمة","page":7},{"text":"وعلو الهمة في طلب العلم، فلا غرابة أن يصير ابن جرير الطبري إمام عصره في القراءات والتفسير، والحديث، والفقه، والتاريخ، واللغة، وأن يُبحر في كل علم من هذه العلوم إبحارَ واثقٍ، ومن ثمَّ تبرز أهمية تحقيق تفسيره تحقيقًا يسد الخلَل الذي وقع في الطبعات السابقة، فهناك مواضع في تلك الطبعات فيها نقص من نص الكتاب، وقد يسر الله لنا الاستعانة بمجموعة من النسخ الخطية سدت هذا الخلل ورتقت الثقوب ورفَّت الخروق، ومن أنفس تلك النسخ، نسخة محفوظة بخزانة جامعة القرويين بفاس، يرجع تاريخ نسخها إلى نهاية القرن الرابع الهجري، ولها مصورة بمعهد المخطوطات العربية، سيأتي وصفها إن شاء الله عند الحديث عن وصف النسخ الخطية، حيث إنها أضافت العديد من الآثار، وسدت خللًا كبيرًا وقع في تلك الطبعات، منه على سبيل المثال تأويل الآيات السادسة والتسعين والسابعة والتسعين والثامنة والتسعين من سورة الأعراف، والذي لم تتضمنه أية طبعة من طبعات الكتاب السابقة.\nوإزاء أهمية هذا التفسير وإبحاره في جُلِّ علوم الدين، وتفرده في بابه وسمو لفظه، وسبقه لكل التفاسير، وغزارة مادته العلمية، حتى لكأنه ديوان للآثار والتفسير والقراءات، والحديث، والفقه، واللغة، والشعر، كان من الواجب شحذ الهمة والتوجه بها نحو تحقيق هذا الكتاب، مستعينًا بالله، راجيًا منه القبول والتوفيق والتيسير، والله من وراء القصد، وعليه التُكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.","vol":"المقدمة","page":8},{"text":"• ترجمة ابن جرير الطبري\n• اسمه ونسبه وكنيته\n• مولده ونشأته\n• رحلاته في طلب العلم\n• ثناء العلماء عليه\n• صفاته الخلقية والخُلقية\n• أبرز شيوخه\n• أبرز تلاميذه\n• مصنفاته\n• وفاته\n• منهج الطبري في تفسيره\n• مصادر الطبري\n• طبعات التفسير السابقة\n• منهج التحقيق\n• وصف النسخ الخطية\n• الحكم على الأسانيد الدائرة الضعيفة","vol":"المقدمة","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>ترجمة ابن جرير الطبري </span>*\n<span data-type='title' id=toc-3>اسمه ونسبه وكنيته:</span>\nهو العالم المجتهد، المُحدِّثُ، الفقيه، المقرئُ، المؤرخ، عَلَّامة وقته، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب، أبو جعفر الطبري ثم الآمُلي. وقيل: يزيد بن خالد الطبري. من أهل آمل طبرستان (^١)، وإليها نسبته.\nسأل يومًا سائلٌ ابنَ جرير عن نسبه، فقال: محمد بن جرير. فقال السائل: زدنا في النسب. فأنشده لرؤبة (^٢):\nقد رفع العَجّاجُ ذِكْرى فادْعُني … باسمي إذا الأنسابُ طالتْ يكفِني\n_________\n* ترجمته في: الفهرست لابن النديم: ٣٢٦، ٣٢٧، تاريخ بغداد ٢/ ١٦٢ - ١٦٩، طبقات الشيرازي ص ٩٣، الأنساب ٤/ ٤٦، ٤٧، المنتظم ١٣/ ٢١٥ - ٢١٧، معجم الأدباء ١٨/ ٤٠ - ٩٤، إنباه الرواة ٣/ ٨٩، ٩٠، مختصر تاريخ دمشق ٢٢/ ٥٩ - ٦٣، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٧٨، ٧٩، وفيات الأعيان ٤/ ١٩١، ١٩٢، تذكرة الحفاظ ٢/ ٧١٠ - ٧١٦، العبر ٢/ ١٤٦، ميزان الاعتدال ٣/ ٤٩٨، ٤٩٩، سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٦٧ - ٢٨٢، طبقات القراء للذهبي ١/ ٢١٣، الوافي بالوفيات ٢/ ٢٨٤ - ٢٨٧، مرآة الجنان ٢/ ٢٦١، طبقات الشافعية للسبكي ٣/ ١٢٠ - ١٣٠، البداية والنهاية ١٤/ ٨٤٦ - ٨٥٠، طبقات القراء للجزري ٢/ ١٠٦ - ١٠٨، لسان الميزان ٥/ ١٠١ - ١٠٣، النجوم الزاهرة ٣/ ٢٠٥، طبقات المفسرين للسيوطي ص ٩٥ - ٩٧، طبقات الحفاظ ص ٣٠٧، ٣٠٨، طبقات المفسرين للداودي ٢/ ١٠٦ - ١١٤، شذرات الذهب ٢/ ٢٦٠.\n(^١) قال السمعاني: سمعت القاضي أبا بكر الأنصاري ببغداد يقول: إنما هي تبرستان؛ لأن أهلها يحاربون بالتبر يعني \"الفأس\"، فعُرِّب وقيل: طبرستان. الأنساب ٤/ ٤٥.\nوذكر أبو حاتم السجستاني سبب تسميتها فقال: لما افتتحت وابتدئ ببنائها كانت أرضًا ذات شجر، فالتمسوا ما يقطعون به الشجر، فجاءوهم بهذا الطَّبَر الذي يقطع به الشجر، فسمى الموضع به. انظر معجم الأدباء ١٨/ ٤٨.\n(^٢) في ديوانه ص ١٦٠.","vol":"المقدمة","page":11},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>مولده ونشأته:</span>\nوُلِد في آخر سنة أربع وعشرين ومائتين، أو أول سنة خمس وعشرين ومائتين، وقد سأله تلميذه القاضي ابن كامل: كيف وقع لك الشك في ذلك؟ فقال: لأن أهل بلدنا يؤرخون بالأحداث دون السنين، فأُرخ مولدي بحدث كان في البلد، فلما نشأتُ سألت عن ذلك الحدث فاختلف المخبرون لي؛ فقال بعضهم: كان ذلك في آخر سنة أربع. وقال آخرون: بل كان في أول سنة خمس وعشرين ومائتين.\nوقد حرص والده على معونته على طلب العلم وهو صبي صغير، يقول ابن جرير في ذلك: حفظتُ القرآن ولى سبع سنين، وصلَّيت بالناس وأنا ابن ثماني سنين، وكتبتُ الحديث وأنا ابن تسع سنين، ورأى لي أبي في النوم أنني بين يدي رسول اللَّه ﷺ وكان معى مِخلاة مملوءةٌ حجارة وأنا أرمي بين يديه. فقال له المُعَبِّر: إنه إن كبر نصح في دينه، وذبَّ عن شريعته. فحرص أبي على معونتي على طلب العلم وأنا حينئذ صبي صغير.\nفأول ما كتب الحديث ببلده، ثم بالرَّيِّ وما جاورها، وأكثر من الشيوخ حتى حصَّل كثيرًا من العلم.\nقال الطبري: كنا نكتب عند محمد بن حميد الرازي فيخرج إلينا في الليل مرات ويسألنا عما كتبناه ويقرؤه علينا. قال: وكنا نمضي إلى أحمد بن حماد الدولابي وكان في قرية من قرى الرَّىِّ بينها وبين الري قُطعة (^١)، ثم نعدو كالمجانين حتى نصير إلى ابن حميد فنلحق مجلسه.\n_________\n(^١) القُطْعَة: قِطعة من الأرض إذا كانت مفروزة. لسان العرب (ق ط ع).","vol":"المقدمة","page":12},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>رحلاته في طلب العلم:</span>\nرحل ابن جرير من مدينة آمُل لما ترعرعَ، وسَمَح له أبوه بالسفر، وكان عمره عشرين سنة، وكان أبوه طول حياته ينفذ إليه بالشيء بعد الشيء إلى البلدان.\nفدخل أبو جعفر مدينة السلام، وكان في نفسه أن يسمع من أبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل فلم يتفق ذلك لموته قبيل دخوله إليها، وقد كان أبو عبد اللَّه قطع الحديث قبل ذلك بسنين، فأقام أبو جعفر بمدينة السلام وكتب عن شيوخها فأكثر، ثم انحدر إلى البصرة فسمع مِمَّن كان بقي من شيوخها في وقته كمحمد بن موسى الحرشي، وعماد بن موسى القزاز، ومحمد بن عبد الأعلى الصنعاني، وبشر بن معاذ، وأبي الأشعث، ومحمد بن بشار، بُندار، وغيرهم، فأكثر، وكتب في طريقه عن شيوخه الواسطيين، ثم صار إلى الكوفة فكتب فيها عن أبي كريب محمد بن العلاء الهمذاني، وهناد بن السري، وإسماعيل بن موسى وغيرهم.\nثم عاد إلى مدينة السلام، فكتب بها وتفقه ولزم المقام بها، وأخذ في علوم القرآن، ثم غَرَّب فخرج إلى مصر، وأخذ في طريقه من المشايخ بأجناد الشام والسواحل والثغور وأكثر منها، ثم صار إلى الفسطاط (^١) في سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وكان بها بقية من الشيوخ وأهل العلم فأكثر عنهم الكتابة من علوم مالك والشافعي وابن وهب وغيرهم، ثم عاد إلى الشام، ثم رجع إلى مصر، وقال: لما دخلت مصر لم يبق أحد من أهل العلم إلا لقيني وامتحنني في العلم الذي يتحقق به.\nثم رجع إلى مدينة السلام وكتب أيضًا، ثم رجع إلى طبرستان وهي العودة الأولى له إليها، وكانت الثانية في سنة تسعين ومائتين، ثم رجع إلى بغداد فنزل في\n_________\n(^١) الفُسطاط: مجتمع أهل الكورة وعلم مصر العتيقة التي بناها عمرو بن العاص. القاموس المحيط (ف س ط).","vol":"المقدمة","page":13},{"text":"قنطرة البَرَدان (^١)، واشتهر اسمه في العلم وشاع خبره بالفهم والتقدم واستقر بها إلى أن مات.\nوقد حصَّل الطبري بهذا التَّطواف علمًا لم يحصل لأحد في عصره، فصار به عالم عصره وفقيه زمانه، فأخذ فقه الشافعي عن الربيع بن سليمان بمصر، وعن الحسن بن محمد الزعفراني ببغداد، وأخذ فقه مالك عن يونس بن عبد الأعلى وبني عبد الحكم محمد وعبد الرحمن وسعد، وابن أخي وهب، وأخذ فقه العراق عن أبي مقاتل بالري، وأدرك الأسانيد العالية بمصر والشام والعراق والكوفة والبصرة والري، فصار متفننًا في جميع العلوم؛ علم القرآن، والحديث، والفقه، والنحو، والشعر، واللغة، حاذقًا في جميعها.\n\n<span data-type='title' id=toc-6>ثناء العلماء عليه:</span>\nاجتمع لابن جرير الطبري من الصفات الخَلْقية والخُلُقية ما جعله من العلماء الربانيين، الذين يشار إليهم بالبنان، فشهد له أفذاذ العلماء بالسبق والريادة، سعة العلم مع التواضع وقوة الحفظ والذكاء، وتوَّج هذا كله ما تحلى به من زهد، وعفة، وورع.\nقال عنه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: كان أحد أئمة العلماء، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه؛ لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا للكتاب، عارفًا بالقراءات، بصيرًا بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المخالفين في الأحكام، ومسائل الحلال والحرام، عارفًا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب\n_________\n(^١) قنطرة البَرَدان: القنطرة: الجسر وما ارتفع من البنيان، وقنطرة البردان: محلة ببغداد. القاموس (ق ن ط ر).","vol":"المقدمة","page":14},{"text":"المشهور في تاريخ الأمم والملوك، وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله، وكتاب سماه \"تهذيب الآثار\" لم أر سواه في معناه إلا أنه لم يتمه، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، واختيار من أقاويل الفقهاء، وتفرد بمسائل حفظت عنه (^١).\nوقال ابن خزيمة بعد استعارته كتاب \"جامع البيان\" من أبي بكر بن بالويه وردِّه بعد سنين: قد نظرتُ فيه من أوله إلى آخره، وما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير (^٢).\nوقال الحسين بن علي التميمي: لما رجعت من بغداد إلى نيسابور سألني ابن خزيمة، فقال لي: ممن سمعت ببغداد؟ فذكرت له جماعة ممن سمعت منهم، فقال: هل سمعت من محمد بن جرير شيئًا؟ فقلت له: لا، فقال: لو سمعت منه لكان خيرًا لك من جميع من سمعت منه سواه (^٣).\nوقال أبو حامد الإسفراييني: لو سافر رجل إلى الصين، حتى يحصل له كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرًا (^٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحها \"تفسير محمد بن جرير الطبري\"؛ فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين، كمقاتل بن بكير والكلبي (^٤).\nوقال الحافظ جلال الدين السيوطي عن تفسير الطبري: وكتابه أجلّ التفاسير\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ٢/ ١٦٣.\n(^٢) المرجع السابق ٢/ ١٦٤.\n(^٣) طبقات الشافعية ٣/ ١٢٣.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٨٥.","vol":"المقدمة","page":15},{"text":"وأعظمها … فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب والاستنباط، فهو يفوقها بذلك (^١).\nوقد أثنى العلماء على سعة علمه وعلو همته، التي كَلَّتْ معها همم تلامذته عن تدوين كتبه، فحدث أبو القاسم بن عقيل الورّاق أن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه! فقال: إنا لله! ماتت الهمم. فاختصر ذلك في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ولما أراد أنُ يمْلِيَ التفسير قال لهم نحوًا من ذلك ثم أملاه على نحو من قدر التاريخ.\nوذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في \"طبقات الفقهاء\" في جملة المجتهدين (^٢).\nوقال عنه الذهبي: كان من أفراد الدهر علما وذكاء، وكثرة تصانيف، قل أن ترى العيون مثله، كان ثقة، صادقًا، حافظا، رأسًا في التفسير، إمامًا في الفقه والإجماع والاختلاف، علامة في التاريخ وأيام الناس، عارفًا بالقراءات وباللغة، وغير ذلك (^٣).\nوذُكِر أن أبا العباس بن سريج كان يقول: محمد بن جرير الطبري فقيه العالَم (^٤).\nوقال أبو بكر بن الخطيب: حدثني أبو القاسم الأزهري، قال: حكى لنا أبو\n_________\n(^١) الإتقان ٤/ ٢٤٢.\n(^٢) طبقات الفقهاء ٩٣.\n(^٣) سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٦٧، ٢٧٠.\n(^٤) طبقات الشافعية ٣/ ١٢٣.","vol":"المقدمة","page":16},{"text":"الحسن بن زرقويه عن أبي علي الطوماري، قال: كنت أحمل القنديل في شهر رمضان بين يدي أبي بكر بن مجاهد إلى المسجد لصلاة التراويح، فخرج ليلة من ليالي العشر الأواخر من داره، واجتاز على مسجده فلم يدخله وأنا معه، وسار حتى انتهى إلى آخر سوق العطش فوقف بباب مسجد محمد بن جرير، ومحمد يقرأ سورة الرحمن، فاستمع قراءته طويلًا ثم انصرف، فقلت له: يا أستاذ تركت الناس ينتظرونك وجئت تسمع قراءة هذا؟! فقال: يا أبا علي دع هذا عنك، ما ظننت أن الله تعالى خلق بشرًا يحسن يقرأ هذه القراءة (^١).\nوذُكِر أن المُكتفى الخليفة قال للحسن بن العباس: أريد أن أوقِف وقفًا، تجتمع أقاويل العلماء على صحَّته، ويسلم من الخلاف. فقيل له: لا يقدر على استحضار هذا إلا محمد بن جرير. وطلب منه ذلك فكتبها، فاستدعاه الخليفة إليه. وقال له: سل حاجتك، قال: لا حاجة لي. فقال: لا بد أن تسألني شيئًا. فقال: أسأل أمير المؤمنين أن يتقدم إلى الشُّرَطِ أن يمنعوا السؤال من دخول المقصورة يوم الجمعة، فتقدم بذلك وعظُم في نفوسهم (^٢).\nوحكى علي بن عبيد الله بن عبد الغفار اللغوي أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة (^٣).\nوقال هارون بن عبد العزيز: قال أبو جعفر: لما دخلتُ مصر لم يبق أحد من أهل العلم إلا لقيني، وامتحنني في العلم الذي يتحقق به، فجاءني يومًا رجل فسألني عن شيء من العروض ولم أكن نشطت له قبل ذلك، فقلت له: عليَّ قولٌ ألا أتكلم\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ٢/ ١٦٤.\n(^٢) طبقات الشافعية ٣/ ١٢٤، والبداية والنهاية ١٤/ ٨٤٨.\n(^٣) المنتظم ١٣/ ٢١٦.","vol":"المقدمة","page":17},{"text":"اليوم في شيء من العروض، فإذا كان في غدٍ فصر إليَّ، وطلبتُ من صديق لي العروض للخليل بن أحمد فجاء به، فنظرت فيه ليلتي فأمسيتُ غير عروضي وأصبحت عروضيًّا (^١).\nوقال أبو محمد عبد العزيز بن محمد الطبري: كان أبو جعفر من الفضل والعلم والذكاء والحفظ على ما لا يجهله أحد عَرَفه؛ لجمعه من علوم الإسلام ما لم نعلمه اجتمع لأحد من هذه الأمة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-7>صفاته الخلقية والخُلقية:</span>\nفإن كانت المكانة العلمية لابن جرير محل ثناء العلماء وتقديرهم، فإن الناحية الأخلاقية كانت منه بالمنزل نفسه، فقد كان عفيف النفس، زاهدًا، ورعًا، كريمًا، قال مخلد بن جعفر الدقاق: أنشدنا محمد بن جرير لنفسه:\nإذا أعْسَرْتُ لم يَعْلَمْ رفيقي … وأستغني فيستغني صديقي\nحيائي حافِظٌ لي ماءَ وجهي … ورفْقي في مطالبتي رفيقي\nولو أني سمحتُ بماءِ وجهي … لكنت إلى العلى سهل الطريق\nقال: وأنشدنا أيضًا:\nخُلُقان لا أرضى طريقهما … بطرُ الغنى ومذلةُ الفقر\nفإذا غنيت فلا تكن بَطرًا … وإذا افتقرت فته على الدهر (^٣)\nقال الفرغاني: سمعته يقول: أبطأتْ عني نفقة والدي، واضطررت إلى أن\n_________\n(^١) معجم الأدباء ١٨/ ٥٦.\n(^٢) المرجع السابق ١٨/ ٥٩.\n(^٣) \"تاريخ بغداد\" ٢/ ١٦٥، والمنتظم لابن الجوزي ١٣/ ٢١٦، سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٧٦.","vol":"المقدمة","page":18},{"text":"فتقتُ كُمَّي القميص، فبعتهما (^١).\nوقال الفرغاني أيضًا: كان محمد بن جرير ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشناعات، من جاهل وحاسد، ومُلحد، فأما أهل العلم والدين فغير منكرين علمه، وزهده في الدنيا، ورفضه لها، وقناعته بما كان يرد عليه من حصة خلفها له أبوه بطبرستان يصيرة، ولما تقلد الخاقاني الوزارة وجه إليه بمال كثير، فأبى أن يقبله، فعرض عليه القضاء، فامتنع، فعاتبه أصحابه، وقالوا له: لك في هذا ثواب، وتحيى سنة قد درست. وطمعوا في أن يقبل ولاية المظالم، فانتهرهم، وقال: قد كنتُ أظن أني لو رغبت في ذلك لنهيتموني عنه (^٢).\nوقال عبد العزيز بن محمد: كان عازفًا عن الدنيا، تاركًا لها ولأهلها، يرفع نفسه عن التماسها، وكان كالقارئ الذي لا يعرف إلا القرآن، وكالمحدِّث الذي لا يعرف إلا الحديث، وكالفقيه الذي لا يعرف إلا الفقه، وكالنحوي الذي لا يعرف إلا النحو، وكالحاسب الذي لا يعرف إلا الحساب، وكان عالمًا بالعبادات، جامعًا للعلوم، وإذا جمعت بين كتبه وكتب غيره وجدت لكتبه فضلًا على غيرها (^٣).\nوقد مدح العلماء تواضعه وسمو خلقه، قال أبو بكر بن مجاهد: بلغنا أنه التقى مع المزني، فلا تسأل كيف استظهاره عليه، والشافعيون حضور يسمعونه، ولم يذكر مما جرى بينهما شيئًا. قال أبو بكر بن كامل. سألتُ أبا جعفر عن المسألة التي تناظر فيها هو والمزني فلم يذكرها؛ لأنه كان أفضل من أن يرفع نفسه وأن يذكر ظفره على خصم في مسألة، وكان أبو جعفر يُفضِّل المزني فيطريه ويذكر دينه (^٤).\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٧٦، ٢٧٧، طبقات الشافعية ٣/ ١٢٥.\n(^٢) طبقات الشافعية ٣/ ١٢٥.\n(^٣) معجم الأدباء: ١٨/ ٦١.\n(^٤) المرجع السابق ١٨/ ٥٤.","vol":"المقدمة","page":19},{"text":"وقال عبد العزيز بن محمد: كان أبو جعفر ظريفًا في ظاهره، نظيفًا في باطنه، حسن العشرة لمجالسيه، متفقدًا لأحوال أصحابه، مُهذبًا في جميع أحواله، جميل الأدب في مأكله وملبسه، وما يخصه في أحوال نفسه، منبسطًا مع إخوانه، حتى ربما داعبهم أحسن مداعبة، وربما جيء بين يديه بشيء من الفاكهة فيجرى في ذلك المَعْنَى مالا يخرج من العلم والفقه والمسائل، حتى يكون كأجد جدٍّ وأحسن علم، وكان إذا أهدى إليه مُهدٍ هدية مما يمكنه المكافأة عليه قَبِلها وكافأه، وإن كانت مما لا يمكنه المكافأة عليه ردها واعتذر إلى مهديها (^١).\nولو تُتبعت أقوال العلماء في الثناء عليه لطال الأمر جدًّا، ولكن في ذلك الكفاية لمن أراد أن يقف على ما تحلى به هذا الإمام؛ من العلم، والورع، والزهد، والتواضع، وحسن المعاشرة، ويكفيه أن هناك علومًا ثلاثة لا يذكر الطبري إلا مقرونًا بها: التفسير والتاريخ والفقه، فقد تفوق فيها على من سبقوه ومن لحقوه، فصار إمامًا لهذه العلوم من غير منازع، فنسأل الله أن يجزيه عن الإسلام خير الجزاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-8>أبرز شيوخه:</span>\nأخذ ابن جرير عن فضلاء الشيوخ في الحديث، والفقه، والقراءات، واللغة، وطوَّف الأقاليم في سبيل ذلك، فسمِع ببلده وبلاد الأعاجم والعراق والشام ومصر والحجاز الجمَّ الغفير. ومن أبرزهم:\n١ - إبراهيم بن سعيد البغدادي الجوهري (^٢). صاحب المسند الأكبر، أصله من طبرستان، ولد بعد السبعين ومائة، سمع من سفيان بن عيينة، ومحمد بن\n_________\n(^١) المرجع السابق ١٨/ ٨٦، ٨٧.\n(^٢) الجرح والتعديل ٢/ ١٠٤، تاريخ بغداد ٦/ ٩٣، تهذيب الكمال ٢/ ٩٥، طبقات الحنابلة ١/ ٩٤، سير أعلام النبلاء ١٢/ ١٤٩.","vol":"المقدمة","page":20},{"text":"فضيل، وعبد الوهاب الثقفي، وغيرهم ممن في طبقتهم، وروى عنه الجماعة سوى البخاري، وكان ثقة ثبتا مكثرا، وتوفي مرابطا بعين زَرْبَة (^١)، فما حررت وفاته كما ينبغي.\n٢ - إبراهم بن عبد الله، أبو إسحاق العبسي الكوفي القصار (^٢). سمع وكيع بن الجراح - وهو خاتمة أصحابه - وجعفر بن عون، وطائفة، وحدث عنه محمد بن أحمد الأسواري، وأبو العباس الأصم، وآخرون، وهو صدوق جائز الحديث، مات سنة تسع وسبعين ومائتين بالكوفة.\n٣ - إبراهيم بن موسى أبو إسحاق الرازي الفراء المعروف بالصغير (^٣). وكان أحمد بن حنبل ينكر على من يقول له: الصغير، ويقول: هو كبير في العلم والجلالة، حدث عن أبي الأحوص، وعبد الوارث بن سعيد، وابن عيينة، ووكيع، وغيرهم، وحدث عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو زرعة، والترمذي، وخلق سواهم، وثقه أبو حاتم، والنسائي، ومات في حدود سنة ثلاثين ومائتين.\n٤ - أحمد بن بديل بن هُريش، أبو جعفر الكوفي (^٤). روى عن إبراهيم بن عيينة، وإسحاق بن سلمان الرازي، وغيرهما، وروى عنه الترمذي، وابن ماجه، وآخرون. كان من أهل العلم والفضل، ولى قضاء الكوفة وقضاء همذان، مات سنة ثمان وخمسين ومائتين.\n_________\n(^١) عين زَرْبة: قرب المصيصة، والمصيصة كسفينة: بلدة بالشام، ولا تشدد. القاموس المحيط (ز ر ب)، (م ص ص).\n(^٢) سير أعلام النبلاء ١٣/ ٤٣، تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٣٥، العبر ٢/ ٦٢.\n(^٣) التاريخ الكبير ١/ ٣٢٧، الجرح والتعديل ٢/ ٣٧، تهذيب الكمال ٢/ ٢١٩، سير أعلام النبلاء ١١/ ١٤٠.\n(^٤) الجرح والتعديل ٢/ ٤٣، تاريخ بغداد ٤/ ٤٩، تهذيب الكمال ١/ ٢٧٠، السير ١٢/ ٣٣١.","vol":"المقدمة","page":21},{"text":"٥ - أحمد بن حازم بن محمد، أبو عمرو الغفاري (^١). سمع جعفر بن عون، ويعلى بن عبيد، وعدة، وحدث عنه مطين، وابن دحيم الشيباني، وخلق كثير. ولد سنة بضع وثمانين ومائة، وتوفي سنة ست وسبعين ومائتين.\n٦ - أحمد بن الحسن الترمذي (^٢) الحافظ المجود الفقيه أبو الحسن الترمذي. حدث عن يعلى بن عبيد، وأبي النضر، وعبيد بن موسى، وسعيد بن أبي مريم، وأبي نعيم، وأبي صالح الكاتب، وحدث عنه البخاري، والترمذي، وأبو بكر بن خزيمة، وجماعة، تفقه بأحمد بن حنبل، وكان بصيرًا بالعلل والرجال، وله رحلة شاسعة، وباعٌ أطول في الحديث. توفي سنة بضع وأربعين ومائتين.\n٧ - أحمد بن سُرَيج الرازي، ويقال: أحمد بن الصباح، ويقال: أحمد بن أبي السريج (^٣). روى عن: إسماعيل ابن علية، وشبابة بن سوار، وعبيد الله بن موسى العبسي، وغيرهم. وروى عنه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وغيرهم. توفي سنة بضع وأربعين ومائتين، وكان من أبناء الثمانين.\n٨ - أحمد بن عبد الرحمن بن وهب المصري أبو عبيد الله، ويعرف بـ: بحشل (^٤) الحافظ العالم المحدث ابن أخي عالم مصر عبد الله بن وهب، حدث عنه فأكثر، وعن الشافعي، وبشر بن بكر التنيسي، وجماعة، وحدث عنه مسلم محتجًا به، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والطحاوي، وابن خزيمة، وابن أبي حاتم، وخلق كثير، توفي سنة أربع وستين ومائتين.\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٢/ ٤٨، تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٩٤، الوافي بالوفيات ٦/ ٢٩٨، السير ١٣/ ٢٣٩.\n(^٢) الجرح والتعديل ٢/ ٤٧، تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٣٦، السير ١٢/ ١٥٦، تهذيب الكمال ١/ ٢٩٠.\n(^٣) الجرح والتعديل ٢/ ٥٦، وفيات الأعيان ١/ ٦٦، ٦٧، السير ١١/ ٥٥٢، تهذيب الكمال ١/ ٣٥٥.\n(^٤) الجرح والتعديل ٢/ ٥٩، ٦٠، السير ١٢/ ٣١٧، تهذيب الكمال ١/ ٣٨٧.","vol":"المقدمة","page":22},{"text":"٩ - أحمد بن عبدة بن موسى الضبي، أبو عبد الله البصري (^١). روى عن ابن عنبسة، والطيالسي، وأبي علقمة عبد الله بن محمد الفروي المدني، وعبد الوارث بن سعيد، ويحيى بن سعيد القطان، ويزيد بن زريع، وروى عنه الجماعة سوى البخاري، توفي سنة خمس وأربعين ومائتين.\n١٠ - أحمد بن عثمان البصري أبو الجوزاء أخو أبي العالية (^٢). روى عن أزهر بن سعد السمان، وأبي داود الطيالسي. وأبي عاصم الضحاك بن مخلد، وأبي عامر العقدي. وغيرهم، وروى عنه مسلم، والترمذي، والنسائي، وأحمد بن عثمان النسوي، وأبو زرعة الرازي، وابن خزيمة، وغيرهم. مات سنة ست وأربعين ومائتين، وكان من نساك أهل البصرة.\n١١ - أحمد بن الفرج الحمصي أبو عتبة الكِندي، الملقب بالحجازي المؤذن (^٣). حدث عن بقية بن الوليد، وضمرة بن ربيعة، ومحمد بن يوسف الفِريابي، وأبي الغيرة الخولاني، وغيرهم، وروى عنه النسائي \"في غير السنن\"، وروى عنه أيضًا موسى بن هارون، ويحيى بن صاعد، وابن أبي حاتم، وغيرهم. توفي سنة إحدى وسبعين ومائتين.\n١٢ - أحمد بن المقدام بن سليمان بن الأشعث بن أسلم بن سويد بن الأسود بن ربيعة أبو الأشعث البصري (^٤). روى عن خالد بن الحارث، وفضيل بن سليمان النميري، ومحمد بن عبد الرحمن الطفاوي، وغيرهم، وروى عنه البخاري،\n_________\n(^١) التاريخ الصغير ٢/ ٣٥٢، الجرح والتعديل ٢/ ٦٢، تهذيب الكمال ١/ ٣٩٧.\n(^٢) الجرح والتعديل ٢/ ٦٣، تهذيب الكمال ١/ ٤٠٦.\n(^٣) الجرح والتعديل ٢/ ٦٧، تاريخ بغداد ٤/ ٣٣٩، السير ١٢/ ٥٨٤.\n(^٤) الجرح والتعديل ٢/ ٧٨، تاريخ بغداد ٥/ ١٦٢، السير ١٢/ ٢١٩، تهذيب الكمال ١/ ٤٨٨.","vol":"المقدمة","page":23},{"text":"والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي الدنيا، والبغوي، وأبو زُرعة الرازي، ويحيى بن صاعد، وغيرهم. توفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين.\n١٣ - أحمد بن منصور بن سيار بن مُعارك الرماديُّ البغدادي، أبو بكر الحافظ الضابط (^١)، حدث عن عبد الرزاق بكتبه، وأبي داود الطيالسي، وكان من أوعية العلم، وحدث عنه ابن ماجه، وابن أبي الدنيا، وأبو عوانة، وغيرهم. توفي سنة خمس وستين ومائتين.\n١٤ - أحمد بن منيع بن عبد الرحمن البغوي، أبو جعفر الأصم، الحافظ (^٢)، صاحب المسند حدث عن هُشيم، وعباد بن العوام، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم، وحدث عنه الجماعة، سوى البخاري فقد حدث عنه بواسطة، ويحيى بن صاعد، وإسحاق بن جميل، وخلق سواهم، توفي سنة أربع وأربعين ومائتين.\n١٥ - إسماعيل بن موسى السدي، الشيخ محدث الكوفة، أبو إسحاق (^٣). سمع عمر بن شاكر الراوي عن أنس، وشريك بن عبد الله، ومالك بن أنس، وغيرهم، وحدث عنه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وأبو عروبة، وخلقٌ. توفي سنة خمس وأربعين ومائتين، وكان من أبناء التسعين.\n١٦ - بحر بن نصر بن سابق الخولاني أبو عبد الله المصري، مولى بني سعدٍ من خولان (^٤). حدث عن عبد الله بن وهب، وضمرة بن ربيعة، وأيوب بن سويد،\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٢/ ٧٨، تاريخ بغداد ٥٠/ ١٥١ - ١٥٣، السير ١٢/ ٣٨٩، تهذيب الكمال ١/ ٤٩٢.\n(^٢) تاريخ بغداد ٥/ ١٦٠، السير ١١/ ٤٨٣، تهذيب الكمال ١/ ٤٩٥.\n(^٣) الجرح والتعديل ٢/ ١٩٦، السير ١١/ ١٧٦، تهذيب الكمال ٣/ ٢١٠.\n(^٤) الجرح والتعديل ٢/ ٤١٩، السير ١٢/ ٥٠٢، تهذيب الكمال ٣/ ١٦.","vol":"المقدمة","page":24},{"text":"ومحمد بن إدريس الشافعي، وغيرهم، وروى عنه أبو جعفر الطحاوي، وابن خزيمة، وأبو عوانة، وابن أبي حاتم، وغيرهم. مات سنة سبع وستين ومائتين.\n١٧ - الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي (ابن عرفة)، أبو علي العبدي البغدادي المؤدب (^١). سمع من هشيم بن بشير، وإسماعيل بن عياش، وإبراهيم بن أبي يحيى، وخلف بن خليفة، وابن علية، ومعتمر بن سليمان، وغيرهم.\nوحدث عنه الترمذي، وابن ماجه، وابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، وابن صاعد، وغيرهم. توفي سنة سبع وخمسين ومائتين.\n١٨ - الحسن بن يحيى بن الجعد بن نشيط العبدي الجرجاني (^٢). سمع أبا يحيى الحماني، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق، وأكثر عنه، ووهب بن جرير، وشبابة بن سوار، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وطبقتهم، وحدث عنه ابن ماجه، وأبو بكر ابن أبي عاصم، ومحمد بن عقيل البلخي، والمحاملي، والحسين بن يحيى القطان، وآخرون.\n١٩ - الحسين بن حريث بن الحسن بن ثابت بن قطبة الخزاعي، أبو عمار المروزي (^٣). روى عن إسماعيل بن علية، وابن عيينة، وابن المبارك، والفضل بن موسى، ومحمد بن خازم الضرير، وروى عنه الجماعة سوى ابن ماجه، إلا أن أبا داود روى عنه كتابةً، توفي سنة أربع وأربعين ومائتين.\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ٧/ ٣٩٤، السير ١١/ ٥٤٧.\n(^٢) الجرح والتعديل ٣/ ٤٤، وتاريخ بغداد ٧/ ٤٥٣، السير ١٢/ ٣٥٦.\n(^٣) التاريخ الكبير ٢/ ٣٩٣، الجرح والتعديل ٢/ ٥٠، تاريخ بغداد ٨/ ٣٦ - ٣٧، تهذيب الكمال ٦/ ٣٥٩.","vol":"المقدمة","page":25},{"text":"٢٠ - الحسين بن علي بن يزيد بن سليم الصدائي (^١). روى عن إبراهيم بن بشار الرمادي، والبراء بن رستم البصري، وأبي عاصم الضحاك بن مخلد النبيل، ووكيع ابن الجراح، وغيرهم. وروى عنه الترمذي، والنسائي في اليوم والليلة، والباغندي، ويحيى بن صاعد، وغيرهم. مات سنة ثمان وأربعين ومائتين.\n٢١ - الربيع بن سليمان المرادي المصري (^٢). المحدث، الفقيه الكبير، بقية الأعلام، صاحب الإمام الشافعي، وناقل علمه، سمع عبد الله بن وهب، وبشير بن بكر التنيسي، وأيوب بن سويد الرملي، وسعيد بن أبي مريم، وغيرهم. توفي سنة سبعين ومائتين.\n٢٢ - الزبير بن بكار أبو عبد الله بن أبي بكر بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب (^٣). سمع من ابن عيينة، وعمه مصعب بن عبد الله الزبيري، والنضر بن شميل، وغيرهم. وحدث عنه ابن ماجه في \"سننه\"، وأبو حاتم الرازي، وابن أبي الدنيا وغيرهم. وهو صاحب كتاب \"نسب قريش\"، وهو كتاب نفيس كبير، توفي سنة ست وخمسين ومائتين بمكة.\n٢٣ - زياد بن أيوب بن زياد المتقن الحافظ الكبير أبو هاشم الطوسي ثم البغدادي ويلقب أيضًا بـ: دَلويه (^٤). سمع هُشيم بن بشير، وعبد الله بن إدريس، وابن علية، وغيرهم، وحدث عنه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي،\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٣/ ٥٦، تاريخ بغداد ٨/ ٦٧، تهذيب الكمال ٦/ ٤٥٤.\n(^٢) الجرح والتعديل ٣/ ٤٦٤، السير ١٢/ ٥٨٧، تهذيب الكمال ٩/ ٨٧.\n(^٣) الجرح والتعديل ٣/ ٥٨٥، تاريخ بغداد ٨/ ٤٦٧، السير ١٢/ ٣١١، تهذيب الكمال ٩/ ٢٩٣.\n(^٤) التاريخ الكبير ٣/ ٣٤٥، الجرح والتعديل ٣/ ٥٢٥، السير ١٢/ ١٢٠، تهذيب الكمال ٩/ ٤٣٢.","vol":"المقدمة","page":26},{"text":"والبغوي، وغيرهم. توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين.\n٢٤ - زيد بن أخزم أبو طالب الطائي البصري الحافظ المجود (^١). سمع يحيى بن سعيد القطان، ومعاذ بن هشام، وابن مهدي، وغيرهم. وعنه البخاري، وأصحاب الكتب الأربعة، والبغوي، وابن صاعد، وغيرهم. توفي سنة سبع وخمسين ومائتين.\n٢٥ - زيد بن الحباب بن الريان، وقيل: ابن رومان، أبو الحسين العكلي الخراساني (^٢). روى عن أسامة بن زيد الليثي، وأسامة بن زيد بن أسلم العمري، وأيمن بن نابل، والثوري، وخلقٍ كثير. وعنه أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، ويزيد بن هارون، وغيرهم. توفي سنة ثلاثة ومائتين.\n٢٦ - سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان الأموي أبو عثمان البغدادي (^٣). روى عن أبيه يحيى بن سعيد الأموي صاحب المغازي، وابن المبارك، وعبد الله بن إدريس، وغيرهم. وعنه البخاري، ومسلم، والأربعة سوى ابن ماجه، وغيرهم. توفي سنة تسع وأربعين ومائتين.\n٢٧ - سفيان بن وكيع بن الجراح الرؤاسي، أبو محمد، الرؤاسي الكوفي (^٤). كان من أوعية العلم، يروي عن أبيه، وعن جرير بن عبد الحميد، وعبد السلام بن حرب، وأبي خالد الأحمر، وحفص بن غياث، وطبقتهم، فأكثر، وعنه الترمذي، وابن ماجه، وابن صاعد، توفي سنة سبع وأربعين ومائتين.\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٣/ ٥٥٦، تاريخ بغداد ٨/ ٤٤٦ - ٤٤٧، السير ١٢/ ٢٦٠، تهذيب الكمال ١٠/ ٥.\n(^٢) التاريخ الكبير ٣/ ٣٩١، الجرح والتعديل ٣/ ٥٦١، السير ٩/ ٣٩٣، تهذيب الكمال ١٠/ ٤٠.\n(^٣) التاريخ الكبير ٣/ ٥٢١، الجرح والتعديل ٤/ ٧٤، تهذيب الكمال ١١/ ١٠٤.\n(^٤) الجرح والتعديل ٤/ ٢٣١، السير ١٢/ ١٥٢، تهذيب الكمال ١١/ ٢٠٠.","vol":"المقدمة","page":27},{"text":"٢٨ - سوار بن عبد الله بن سوار بن عبد الله بن قدامة أبو عبد الله التميمي العنبري البصري قاضي الرصافة من بغداد (^١). سمع من عبد الوارث التنوري، ويزيد بن زريع، ومعتمر بن سليمان، ويحيى بن سعيد القطان، وعنه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وعبد الله بن أحمد، ويحيى بن صاعد، وغيرهم. توفي سنة خمس وأربعين ومائتين في شوال.\n٢٩ - العباس بن جعفر بن عبد الله بن الزبرقان البغدادي (العباس بن أبي طالب) (^٢). سمع شبابة، ويحيى بن أبي بكير، وهوذة، وعنه: ابن ماجه، وابن أبي داود، وعمر بن بُجير، وابن أبي حاتم، وغيرهم، توفي سنة ثمان وخمسين ومائتين.\n٣٠ - العباس بن محمد بن حاتم البغدادي أبو الفضل (^٣) \"الدوري\" أحد الأثبات المصنفين. حدث عن حسين بن علي الجعفي، ومحمد بن بشر، وجعفر بن عون، والطيالسي، وغيرهم، وعنه: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي، وغيرهم، توفي سنة إحدى وسبعين ومائتين.\n٣١ - عبد الرحيم بن عبد الله بن عبد الرحيم بن سعيد، أبو سعيد (ابن البرقي) (^٤). راوي السيرة عن ابن هشام، حدث عن عبد الله بن يوسف التنيسي، وطائفة، وعنه: الطبراني، وعبد الله بن جعفر بن الورد، وغيرهما، توفي سنة ست\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٤/ ٢٧١، تاريخ بغداد ٩/ ٢١٠، السير ١١/ ٥٤٣، تهذيب الكمال ١٢/ ٢٣٨.\n(^٢) الجرح والتعديل ٦/ ٢١٥، تاريخ بغداد ١٢/ ١٤١ - ١٤٢، السير ١٢/ ٦٢١، تهذيب الكمال ١٢/ ٢٠٢.\n(^٣) الجرح والتعديل ٦/ ٢١٦، السير ١٢/ ٥٢٢، تهذيب الكمال ١٤/ ٢٤٥.\n(^٤) تاريخ بغداد ١١/ ٢٥، السير ١٢/ ٣٢٣، تهذيب الكمال ١٨/ ٤٩٧.","vol":"المقدمة","page":28},{"text":"وثمانين ومائتين.\n٣٢ - عبد الوهاب بن عبد الحكم بن نافع، أبو الحسن الوراق البغدادي (^١). سمع أبا حمزة الليثي، ويحيى بن سليم الطائفي، ومعاذ بن معاذ، وطبقتهم، وعنه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، والبغوي، وابن صاعد، وطائفة، مات سنة إحدى وخمسين ومائتين.\n٣٣ - عبيد اللَّه بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ المخزومي، الحافظ (أبو زرعة الرازي) (^٢). كان سيد الحفاظ، سمع القعنبي، وأحمد بن حنبل، وأبا نعيم، وغيرهم. وعنه: أحمد بن يونس اليربوعي، والحسن بن بشر البجلي، والحسن بن الربيع البوراني.\n٣٤ - علي بن حرب بن محمد بن علي بن حيان أبو الحسن، الطائي الموصلي المحدث الثقة الأديب، مُسنِد وقته (^٣). سمع ابن عيينة، وحفص بن غياث وعبد اللَّه بن إدريس وغيرهم، وعنه النسائي، وابن صاعد، والمحاملي، وأبو عوانة وخلق سواهم، مات سنة خمس وستين ومائتين.\n٣٥ - علي بن داود بن يزيد التميمي القنطري، الآدمي أبو الحسن الحافظ (^٤). سمع محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، وآدم بن أبي إياس، وعبد اللَّه بن صالح الكاتب وغيرهم، وعنه ابن ماجه، وهيثم بن كليب، وإبراهيم الحربي وغيرهم، توفي سنة\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ١١/ ٢٥، السير ١٢/ ٣٢٣، تهذيب الكمال ١٨/ ٤٩٧.\n(^٢) الجرح والتعديل ٥/ ٣٢٤، تاريخ بغداد ١٠/ ٣٢٦، السير ١٣/ ٦٥، تهذيب الكمال ١٩/ ٨٩.\n(^٣) الجرح والتعديل ٦/ ١٨٣، تاريخ بغداد ١١/ ٤١٨، السير ١٢/ ٢٥١، تهذيب الكمال ٢٠/ ٣٦١.\n(^٤) الجرح والتعديل ٦/ ١٨٥، تاريخ بغداد ١١/ ٤٢٤، السير ١٣/ ١٤٣، تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٢٣.","vol":"المقدمة","page":29},{"text":"اثنتين وسبعين ومائتين.\n٣٦ - علي بن سهل بن موسى، وقيل: ابن قادم أبو الحسن الرملي (^١). الحجة، سمع الوليد بن مسلم، ومروان بن معاوية، وحمزة بن ربيعة، وجماعة، مات سنة إحدى وستين ومائتين.\n٣٧ - علي بن مسلم بن سعيد، المحدث الثقة، مسند العراق، أبو الحسن الطوسي ثم البغداي (^٢)، سمع جرير بن عبد الحميد، ويوسف بن يعقوب الماجشون، وهشيم بن بشير، وابن المبارك وغيرهم، وعنه البخاري، وأبو داود، والنسائي، ويحيى بن معين، وابن أبي الدنيا وغيرهم، توفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين عن ثلاث وتسعين.\n٣٨ - عمر بن شبة بن عبدة بن زيد بن رائطة، العلامة الأخباري الحافظ الحجة صاحب التصانيف (^٣)، سمع يحيى بن سعيد القطان، وغندر، ويزيد بن هارون وخلقًا كثيرًا، وعنه ابن ماجه، وابن أبي الدنيا، وابن صاعد، والخرائطي وغيرهم، توفي سنة اثنتين وستين ومائتين.\n٣٩ - عمرو بن علي بن بحر بن كَنيز، الحافظ المجود الناقد، أبو حفص الباهلي البصري الصيرفي الفلاس، حفيد المحدث بحر بن كنيز السقاء (^٤)، حدث عن يزيد بن زريع، وغندر، وابن عيينة، وعبد اللَّه بن إدريس، وغيرهم، وعنه\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٦/ ١٨٩، السير ١٢/ ٢٤١، تهذيب الكمال ٢٠/ ٣٥٤.\n(^٢) الجرح والتعديل ٦/ ٢٠٣، تاريخ بغداد ١٢/ ١٠٨، السير ١١/ ٥٢٥.\n(^٣) الجرح والتعديل ٦/ ١١٦، تاريخ بغداد ١١/ ٢٠٨، السير ١٢/ ٣٦٩.\n(^٤) الجرح والتعديل ٦/ ٢٤٩، تاريخ بغداد ١٢/ ٢٠٧، السير ١١/ ٤٧٠، تهذيب الكمال ٢٢/ ١٦٢.","vol":"المقدمة","page":30},{"text":"البخاري ومسلم، والأربعة وغيرهم، مات سنة تسع وأربعين ومائتين.\n٤٠ - عمران بن بكار بن راشد الكلاعي، البراد الحمصي المؤذن الشيخ المحدث الحافظ (^١)، سمع محمد بن حمير السليحي، وأبا اليمان، وعنه النسائي، وأبو عوانة وغيرهم توفي سنة اثنتين وسبعين ومائتين.\n٤١ - مجاهد بن موسى بن فروخ الختلي الحافظ الزاهد، أبو علي الخوارزمي (^٢). نزيل بغداد، حدث عن هشيم، وأبي بكر بن عياش، وابن عيينة، وابن علية وغيرهم، وعنه: مسلم، والأربعة، وأبو زرعة الرازي وغيرهم، توفي سنة أربع وأربعين ومائتين.\n٤٢ - محمد بن إسحاق بن جعفر أبو بكر الصاغاني (^٣). الحافظ المجود الحجة، أبو بكر، سمع من يزيد بن هارون، وروح بن عبادة، وسعيد بن أبي مريم، وعبد الأعلى بن مُسهر وغيرهم، وعنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه وغيرهم توفي سنة سبعين ومائتين.\n٤٣ - محمد بن بشار بن عثمان العبدي الحافظ (^٤). راوية الإسلام، أبو بكر العبدي البصري بندار؛ لقب بذلك لأنه كان بندار الحديث في عصره - والبُندار: الحافظ -، حدث عن يزيد بن زريع، وغندر، ووكيع، وغيرهم كثير، وعنه البخاري، ومسلم، والأربعة، وغيرهم كثير، مات سنة ثنتين وخمسين ومائتين.\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٦/ ٢٩٤، السير ١٣/ ١٤٢، تهذيب الكمال ٢٢/ ٣١١.\n(^٢) الجرح والتعديل ٨/ ٣٢١، تاريخ بغداد ١٣/ ٢٦٥، السير ١١/ ٤٩٥، تهذيب الكمال ٢٧/ ٢٣٦.\n(^٣) الجرح والتعديل ٧/ ١٩٥، تاريخ بغداد ١/ ٢٤٠، السير ١٢/ ٥٩٢، تهذيب الكمال ٢٤/ ٣٩٦.\n(^٤) التاريخ الكبير ١/ ٤٩، الجرح والتعديل ٧/ ٢١٤، السير ١٢/ ١٤٤، تهذيب الكمال ٢٤/ ٥١١.","vol":"المقدمة","page":31},{"text":"٤٤ - محمد بن حاتم بن سليمان الزَّمِّي المؤدب (^١). صاحب حديث، حدث عن هشيم، وعمار بن محمد، وجرير بن عبد الحميد، وطبقتهم، وعنه: الترمذي، والنسائي، وعبد اللَّه بن أحمد، وأبو حامد الحضرمي، وآخرون، توفي سنة ستٍ وأربعين ومائتين.\n٤٥ - محمد بن حميد الرازي (ابن حميد) (^٢). العلامة الحافظ الكبير، أبو عبد اللَّه الرازي، مولده في حدود الستين ومئة، حدث عن عبد اللَّه بن المبارك، وجرير بن عبد الحميد وغيرهما، وعنه أبو داود، والترمذي، وأحمد بن حنبل، وابن أبي الدنيا وغيرهم توفي سنة ثمان وأربعين ومائتين.\n٤٦ - محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحيم البرقي (ابن عبد الرحيم البرقي) (^٣). الحافظ الثقة أبو عبد اللَّه مؤلف كتاب الضعفاء، سمع عمرو بن أبي سلمة التنيسي، وغيره، وعنه أبو داود، والنسائي، ومحمد بن المعافي، وعمر بن بجير وجماعة، توفي سنة تسعٍ وأربعين ومائتين.\n٤٧ - محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم المصري (^٤). شيخ الإسلام أبو عبد اللَّه المصري الفقيه، سمع من ابن وهب، والشافعي، وغيرهما، وعنه النسائي، وابن خزيمة، وابن صاعد، وعمرو بن عثمان المكي، وغيرهم، توفي سنة ثمان وستين ومائتين.\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٧/ ٢٣٨، تاريخ بغداد ٢/ ٢٦٨، السير ١١/ ٤٥٢، تهذيب الكمال ٢٥/ ١٧.\n(^٢) تاريخ بغداد ٢/ ٢٥٩، السير ١١/ ٥٠٣، ميزان الاعتدال ٣/ ٥٣٠، تهذيب الكمال ٢٥/ ٩٧.\n(^٣) الجرح والتعديل ٧/ ٣٠١، السير ١٣/ ٤٦، تهذيب الكمال ٢٥/ ٥٠٣.\n(^٤) الجرح والتعديل ٧/ ٣٠٠، السير ١٢/ ٤٩٧، تهذيب الكمال ٢٥/ ٤٩٧.","vol":"المقدمة","page":32},{"text":"٤٨ - محمد بن عبد الأعلى الصنعاني (ابن عبد الأعلى) (^١). أبو عبد اللَّه البصري، حدث عن معتمر بن سليمان، ويزيد بن زريع، وابن علية، وغيرهم، وعنه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، وغيرهم سوى البخاري، توفي سنة خمس وأربعين ومائتين.\n٤٩ - محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب (^٢). الثقة المحدث الفقيه الشريف أبو عبد الله، حدث عن أبي عوانة، وحماد بن زيد، وغيرهم، وعنه مسلم، والنسائي، والترمذي، وغيرهم، توفي سنة أربع وأربعين ومائتين.\n٥٠ - محمد بن العلاء بن كريب الهمداني، الحافظ (أبو كريب) (^٣). الحافظ الثقة شيخ المحدثين، حدث عن ابن المبارك وابن عيينة، وابن إدريس وعبدة بن سليمان، وغيرهم، وعنه البخاري، ومسلم، والأربعة، وغيرهم، توفي سنة ثمان وأربعين ومائتين.\n٥١ - محمد بن عوف الطائي (^٤). الحافظ المجود محدث حمص، أبو جعفر الطائي الحمصي، سمع عبيد الله بن موسى، ومحمد بن يوسف الفريابي، وأبا المغيرة، وغيرهم، وعنه: أبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي في \"مسند علي\" وابن صاعد وغيرهم، توفي سنة اثنتين وسبعين ومائتين، ﵀.\n_________\n(^١) التاريخ الكبير ١/ ١٧٤، الجرح والتعديل ٨/ ١٦، تهذيب الكمال ٢٥/ ٥٨١.\n(^٢) الجرح والتعديل ٨/ ٥، تاريخ بغداد ٢/ ٣٤٤، السير ١١/ ١٠٣، تهذيب الكمال ٢٦/ ١٩.\n(^٣) طبقات ابن سعد ٦/ ٤١٤، التاريخ الكبير ١/ ٢٠٥، الجرح والتعديل ٨/ ٥٢، السير ١/ ٣٩٤، تهذيب الكمال ٢٦/ ٢٤٣.\n(^٤) الجرح والتعديل ٨/ ٥٢، الثقات ٩/ ١٤٣، السير ١٢/ ٦١٣.","vol":"المقدمة","page":33},{"text":"٥٢ - محمد بن المثنى بن عبيد العنزي (ابن المثنى) (^١). أبو موسى الحافظ الثبت المصري، حدث عن ابن عيينة، وغندر، وخلقٍ كثير، وعنه: البخاري ومسلم، والأربعة، وأبو زرعة وأبو حاتم، وخلق غيرهم، توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين.\n٥٣ - محمد بن منصور الطوسي (^٢). الحافظ القدوة شيخ الإسلام أبو جعفر الطوسي ثم البغدادي العابد، سمع ابن عيينة، ومعاذ بن معاذ، وابن علية، ويحيى القطان، وغيرهم، وعنه: أبو داود والنسائي، والمحاملي، وآخرون، توفي سنة أربع وخمسين ومائتين.\n٥٤ - محمد بن نجيح أبي معشر السندي، أبو عبد الملك (^٣). حدث عن أبيه وغيره، وعنه الترمذي، وكان جده هو المحدث صاحب المغازي أبو معشر نجيح ابن عبد الرحمن.\n٥٥ - محمد بن يزيد بن محمد بن كثير (أبو هشام الرفاعي) (^٤). الفقيه الحافظ العلامة قاضي بغداد، حدث عن أبي الأحوص سلام، وحفص بن غياث، وغيرهما، وحدث عنه مسلم، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد بن زهير، وابن خزيمة، وغيرهم، توفي سنة ثمان وأربعين ومائتين.\n٥٦ - موسى بن سهل الرملي (^٥). سمع آدم بن أبي إياس، وعلي بن عياش،\n_________\n(^١) الجرح والتعديل ٨/ ٩٥، السير ١٢/ ١٢٣، تهذيب الكمال ٢٦/ ٣٥٩.\n(^٢) الجرح والتعديل ٨/ ٩٤، تاريخ بغداد ٣/ ٢٤٧، السير ١٢/ ٢١٢، تهذيب الكمال ٢٦/ ٤٩٩.\n(^٣) الجرح والتعديل ٨/ ١١٠، تاريخ بغداد ٣/ ٣٢٦، السير ١٢/ ٦٠٨، تهذيب الكمال ٢٦/ ٥٤٩.\n(^٤) الجرح والتعديل ٨/ ١٢٨، تاريخ بغداد ٣/ ٣٧٥، السير ١٢/ ١٥٣، تهذيب الكمال ٢٧/ ٢٤.\n(^٥) الجرح والتعديل ٨/ ١٤٦، السير ١٢/ ٢٤٢، تهذيب الكمال ٢٩/ ٧٥.","vol":"المقدمة","page":34},{"text":"وعنه أبو داود في سننه، وابن خزيمة، وابن أبي حاتم، وجماعة، توفي سنة إحدى وستين ومائتين.\n٥٧ - نصر بن علي بن نصر الجهضمي (^١). الحافظ العلامة الثقة أبو عمرو، حدث عن يزيد بن زريع، ومعتمر بن سليمان، ونوح بن قيس الحداني، وعبد ربه بن بارق، وغيرهم، وعنه: البخاري، ومسلم والأربعة، وخلق كثير، مات سنة خمسين ومائتين.\n٥٨ - هارون بن إسحاق الهمداني (^٢). الحافظ الثبت المعمر أبو القاسم سمع المطلب بن زياد، ومعتمر بن سليمان التيمي، وابن عيينة، وحفص بن غياث وغيرهم، وعنه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة وغيرهم، توفي سنة ثمان وخمسين ومائتين.\n٥٩ - هلال بن العلاء بن هلال الرقي (^٣). الحافظ الصدوق عالم الرقة أبو عمر الباهلي، سمع أباه، وحجاج بن محمد الأعور، وغيرهما كثير. وعنه: النسائي، وخيثمة بن سليمان، وغيرهما، توفي سنة ثمانين ومائتين.\n٦٠ - الوليد بن شجاع بن الوليد أبو همام (^٤). الحافظ الصدوق، سمع أباه، وشريك القاضي، وعبد اللَّه بن المبارك، وعبد اللَّه بن وهب وطبقتهم، وعنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدورى وغيرهم، توفي سنة ثلاث وأربعين\n_________\n(^١) التاريخ الكبير ٨/ ١٠٦، الجرح والتعديل ٨/ ٤٧١، تاريخ بغداد ١٣/ ٢٨٧، السير ١٢/ ١٣٣، تهذيب الكمال ٢٩/ ٣٥٥.\n(^٢) الجرح والتعديل ٩/ ٨٧، السير ١٢/ ١٢٦، تهذيب الكمال ٣٠/ ٧٥.\n(^٣) الجرح والتعديل ٩/ ٧٩، السير ١٣/ ٣٠٩، تهذيب الكمال ٣٠/ ٣٤٧.\n(^٤) الجرح والتعديل ٩/ ٧، تاريخ بغداد ١٣/ ٤٤٣، السير ١٢/ ٢٣، تهذيب الكمال ٢٢.","vol":"المقدمة","page":35},{"text":"ومائتين.\n٦١ - يعقوب بن إبراهيم الدورقي البغدادي، الحافظ (^١). الحجة أبو يوسف العبدي القيسي مولاهم الدورقي، حدث عن ابن عيينة، والدراوردي وغندر وغيرهم، وعنه: البخاري، ومسلم، والأربعة، وغيرهم، توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين.\n٦٢ - يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة بن حفص بن حيان، شيخ الإسلام، أبو موسى الصدفي المصري المقرئُ الحافظ (^٢). حدث عن ابن عيينة، وابن وهب، والوليد بن مسلم، وغيرهم، وعنه مسلم، والنسائي، وابن ماجه، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وغيرهم، سمع منه المصنف الحروف. توفي سنة أربع وستين ومائتين.\n\n<span data-type='title' id=toc-9>أبرز تلاميذه:</span>\n١ - أحمد بن علي بن محمد بن نصر، أبو جعفر الكاتب، حدث عن الهيثم بن خلف الدوري، روى عنه عبد الله بن أبي سعد الوراق (^٣).\n٢ - أحمد بن القاسم بن عبيد الله بن مهدي، أبو الفرج البغدادي، المعروف بابن الخشاب، حدث عن أبي القاسم البغوي، وأبي جعفر الطحاوي وطبقتهما، توفي سنة أربع وستين وثلاثمائة (^٤).\n_________\n(^١) طبقات ابن سعد ٧/ ٣٦٠، تاريخ بغداد ١٤/ ٢٧٧، تهذيب الكمال ٣٢/ ٣١١، السير ١٢/ ١٤١.\n(^٢) الجرح والتعديل ٩/ ٢٤٣، السير ١٢/ ٣٤٨، تهذيب الكمال ٣٢/ ٥١٤.\n(^٣) \"تاريخ بغداد\" ٤/ ٣١٣.\n(^٤) تاريخ بغداد ٤/ ٣٥٣، وتاريخ دمشق ٥/ ١٧٠، وسير أعلام النبلاء ١٦/ ١٥١، والوافي بالوفيات ٧/ ٢٩٢.","vol":"المقدمة","page":36},{"text":"٣ - أحمد بن كامل بن خلف، أبو بكر البغدادي (^١)، حدث عن ابن الجهم السمري، ومحمد الواسطي، وابن سعد العوفي، وطبقتهم، وحدث عنه الدارقطني والحاكم، وآخرون. كان من العلماء بالأحكام وعلوم القرآن والشعر والتواريخ وولى قضاء الكوفة، وكانت وفاته سنة خمسين وثلاثمائة، وله تسعون سنة.\n٤ - أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي الحافظ أبو بكر بن مجاهد البغدادي (^٢)، شيخ الصنعة وأول من سبَّع السبعة، ولد سنة خمس وأربعين ومائتين. بَعُد صيته واشتهر أمره، وفاق نظراءه مع الدين والحفظ والخير، وكان لا يعلم من شيوخ القرآن، أكثر تلاميذ منه، كان في حلقته أربعة وثمانون خليفة يأخذون على الناس، توفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.\n٥ - سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي أبو القاسم الطبراني الحافظ الثقة (^٣) صاحب المعاجم الثلاثة، مولده بمدينة عكا في شهر صفر سنة ستين ومائتين، وبقي في الارتحال ولقي الرجال ستة عشر عامًا وجمع وصنف وعمر دهرًا طويلًا، وسكن أصبهان إلى أن توفي بها يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة ودفن عند قبر حممة الدوسي، صاحب رسول الله ﷺ، وهو منسوب إلى طبرية.\n٦ - عبد الله بن أحمد بن جعفر بن خُذْيان التركي، الأمير العالم، أبو\n_________\n(^١) إنباه الرواة ١/ ٩٧، تاريخ بغداد ٤/ ٣٥٧، السير ١٠/ ٥٤٤، الوافي بالوفيات ٧/ ٢٩٨.\n(^٢) غاية النهاية ١/ ١٤٠، ٢/ ١٠٧.\n(^٣) السير ١٦/ ١١٩ تاريخ دمشق ٢٢/ ١٦٣، وفيات الأعيان ٢/ ٤٠٧ طبقات الحنابلة ٢/ ٤٩، غاية النهاية ١/ ٣١١.","vol":"المقدمة","page":37},{"text":"محمد (^١)، صاحب التاريخ المذيّل على تاريخ محمد بن جرير الطبري، حدث بدمشق عن ابن جرير، وعلي بن الحسن بن سليمان وغيرهما، روى عنه أبو الفتح بن مسرور، وأبو سليمان بن زَبْر، والدارقطني، وعبد الغني، وتمام الرازي، وثَّقه ابن مسرور، توفي سنة اثنتين وستين وثلاثمائة.\n٧ - عبد الله بن أحمد بن ربيعة بن سليمان بن زبر، أبو محمد الربعي البغدادي (^٢)، قاضي دمشق، المعروف بابن زبر، ولد سنة خمس وخمسين ومائتين سمع عباسا الدورى، وطبقته فأكثر، ولكن ما أتقن، فكان غير ثقة. ولي قضاء مصر ثلاث مرات. وله عدة تصانيف، توفي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.\n٨ - عبد الله بن الحسن أبو شعيب الحراني (^٣). وهو أكبر من الطبري، نزل بغداد وحدث عن أبيه، وجده، وآخرين، وحدث عنه أبو بكر الآجري، وأبو علي بن الصواف، وخلق آخرون. ولد في سنة ست ومائتين، وطال عمره وتفرد وكان ثقة مأمونا، مات في سنة خمس وتسعين ومائتين ببغداد، وكان أسند من بقي بها.\n٩ - عبد الله بن عدي بن عبد الله الجرجاني، أبو أحمد، الحافظ المتقن (^٤)، صاحب كتاب الكامل في الجرح والتعديل الذي قال عنه الدارقطني: فيه كفاية في الضعفاء، لا يزاد عليه. مولده في سنة سبع وسبعين ومائتين، وتوفي في جمادى الآخرة سنة خمس وستين وثلاثمائة، وصلى عليه أبو بكر الإسماعيلي.\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ٩/ ٣٨٩، الإكمال لابن ماكولا ٢/ ٤٠٢، تبصير المنتبه ١/ ٤١٨، السير ١٦/ ١٣٢.\n(^٢) تاريخ بغداد ٩/ ٣٨٦، وتاريخ دمشق ٢٧/ ٢٣، وسير أعلام النبلاء ١٥/ ٣١٥، والعبر ٢/ ٢١٧، وميزان الاعتدال.\n(^٣) تاريخ بغداد ٩/ ٤٣٥. والسير ١٣/ ٥٣٦، والوافي بالوفيات ١٧/ ١٣٦.\n(^٤) السير ١٦/ ١٥٤، طبقات الشافعية ٣/ ٣١٥، تاريخ جرجان ص ٢٢٥.","vol":"المقدمة","page":38},{"text":"١٠ - محمد بن أحمد بن حمدان بن علي، أبو عمرو بن حمدان الحيري النيسابوري النحوي (^١). ولد سنة ثلاث وثمانين ومائتين. سمع بنيسابور والموصل وجرجان وبغداد والبصرة. وكان مقرئا عارفا بالعربية، له بصر بالحديث وقَدَمٌ في العبادة. وكان فيه تشيع. توفي سنة ست وسبعين وثلاثمائة.\n١١ - محمد بن داود بن سليمان بن سيار بن بيان (^٢)، الفقيه أبو بكر، نزل مصر، وحدث بها عن أبي جعفر الطبري، وعثمان بن نصر الطائي، روى عنه أبو الفتح عبد الواحد بن محمد بن مسرور البلخي، وكان ثقة، وكان يروي كتب محمد بن جرير الطبري عنه، حدث عن جماعة من البغداديين، وكان نظيفًا عاملًا، وولي ديوان الأحباس بمصر، توفي سنة ست وثلاثين وثلاثمائة.\n١٢ - محمد بن عبد الله، أبو بكر الشافعي (^٣)، المعروف بالصيرفي. له تصانيف في الأصول. وكان يقال: إنه أعلم خلق الله بالأصول بعد الشافعي، تفقه على ابن سريج، وسمع من أحمد بن منصور الرمادي، وروى عنه علي بن محمد الحلبي، ومن تصانيفه \"شرح الرسالة\"، و\"كتاب في الإجماع\"، و\"كتاب في الشروط\" توفي سنة ثلاثين وثلاثمائة.\n١٣ - محمد بن عبد الله أبو المفضل الشيباني الكوفي (^٤)، نزل بغداد، وحدث بها عن محمد بن جرير الطبري، وخلق من المصريين والشاميين، وغيرهم.\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ١٦/ ٣٥٦، وميزان الاعتدال ٣/ ٤٥٧، والوافي بالوفيات ٢/ ٤٦، وطبقات الشافعية الكبرى ٣/ ٦٩.\n(^٢) تاريخ بغداد ٥/ ٢٦٥.\n(^٣) تاريخ بغداد ٥/ ٤٤٩، طبقات الشافعية ١٣/ ١٨٦، الوافي بالوفيات ٣/ ٣٤٠، ٣٤٦.\n(^٤) تاريخ بغداد ٥/ ٤٦٦، العبر ٣/ ٣٧.","vol":"المقدمة","page":39},{"text":"كان يروي غرائب الحديث فكتب الناس عنه بانتخاب الدارقطني ثم بان كذبه فمزقوا حديثه وأبطلوا روايته، وكان يضع الأحاديث للرافضة، فترك. مات سنة سبع وثمانين وثلاثمائة.\n١٤ - مخلد بن جعفر بن مخلد، أبو علي الدقاق، الفارسي (^١)، المعروف بالباقرحي - بالحاء المهملة، نسبة إلى \"باقرح\"، قرية من نواحي بغداد - (الأنساب ١/ ٢٦٤، ٢٦٥) الشيخ الصدوق المعمر، له مشيخة مروية، وكان ثقة صحيح السماع، حمله ابنه في آخر عمره على ادعاء أشياء منها تاريخ الطبري الكبير، وغيره فشرهت نفسه، وقبل منه، وحدث بها فانهتك، توفي في ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة.\n\n<span data-type='title' id=toc-10>مصنفاته:</span>\nانعكست سعة علم ابن جرير الطبري على تصنيفاته، فصنف في كل علم من العلوم التي أتقنها، وما أكثر ما كان يتقنه، وقد ترك عدة تصنيفات باهرة رائعة، لم يُقدر أن يصل إلينا منها إلا القليل - ويكفينا منها تفسيره وتاريخه - ومن مصنفاته التي ذكرها العلماء:\n١ - آداب القضاة (أو الحكام)، والمحاضر والسجلات (^٢) = البسيط.\n٢ - آداب المناسك (^٣):\nوهو كتاب فيه ما يحتاج إليه الحاج من يوم خروجه، وما يختاره له من الأيام\n_________\n(^١) السير ١٦/ ٢٥٤، تاريخ بغداد ١٣/ ١٧٦، العبر ٢/ ٣٥٤.\n(^٢) معجم الأدباء ١٨/ ٤٥، السير ١٤/ ٢٧٤، هدية العارفين ٢/ ٢٧.\n(^٣) السير ١٤/ ٢٧٤، طبقات الداودي ٢/ ١١١.","vol":"المقدمة","page":40},{"text":"لابتداء سفره، وما يقوله عند ركوبه ونزوله إلى انتهاء حجه.\n٣ - آداب النفوس = ترتيب العلماء.\n٤ - أحكام شرائع الإسلام = لطيف القول في البيان عن أصول الأحكام.\n٥ - اختلاف العلماء، أو (اختلاف الفقهاء) أو (اختلاف علماء الأمصار في أحكام شرائع الإسلام) (^١).\n٦ - البسيط (بسيط القول في أحكام شرائع الإسلام) (^٢):\nقال الذهبي: وابتدأ بكتابه \"البسيط\" فخرج منه كتاب الطهارة، وجاء في نحو من ألف وخمسمائة ورقة، لأنه ذكر في كل باب منه اختلاف الصحابة والتابعين وحجة كل قوم، وخرج منه أيضًا أكثر كتاب الصلاة وآداب الأحكام، وكتاب الحكام والمحاضر والسجلات.\n٧ - تاريخ الأمم والملوك، أو (تاريخ الرسل والملوك)، المشهور بتاريخ الطبري. بدأه بذكر الدلالة على حدوث الزمان، وأن القلم هو أول ما خلق، وذكر آدم وخلقه، وما كان بعده من أخبار الأنبياء والرسل، معرجا على أخبار الملوك الذين عاصروهم، مع ذكر الأمم التي جاءت بعد الأنبياء، حتى مبعث الرسول محمد ﷺ، وقد انتهى الكتاب عند ذكر أحداث سنة اثنتين وثلاثمائة. وقد وقع لهذا الكتاب كثير من التكملات والمختصرات والترجمات. وقد طبع الكتاب بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم (طبعة دار المعارف) في عشرة مجلدات بالفهارس.\n_________\n(^١) معجم الأدباء ١٨/ ٤٥، ٧٢، هدية العارفين ٢/ ٢٧، تاريخ التراث العربي ١/ ٥٢٦.\n(^٢) السير ١٤/ ٢٧٣، تذكرة الحفاظ ٢/ ٧١٣، هدية العارفين ٢/ ٢٧.","vol":"المقدمة","page":41},{"text":"٨ - تاريخ الرجال من الصحابة والتابعين (^١).\n٩ - كتاب التبصير (^٢):\nوهو رسالة إلى أهل آمُل طبرستان، يشرح فيها ما وقع بينهم من الخلاف في الاسم والمسمى، وفيه مذاهب أهل البدع، وهو نحو من ثلاثين ورقة.\n١٠ - ترتيب العلماء (^٣):\nوهو من كتبه النفيسة، ابتدأه بآداب النفوس، وعمله على ما ينوب الإنسان من الفرائض في جميع أعضاء البدن، فبدأ بما ينوب القلب واللسان … على أن يأتي بجميع أعضاء جسمه، وما روى عن رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين في ذلك، ولم يتمه.\n١١ - تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله ﷺ من الأخبار (^٤):\nوهو كتاب ابتدأه بما أسنده الصديق ﵁ مما صح عنده سنده، وتكلم على كل حديث منه بعلله وطرقه، ثم فقهه، واختلاف العلماء وحججهم، وما فيه من المعاني والغريب، والرد على الملحدين، فتم منه مسند العشرة وأهل البيت والموالي، وبعض مسند ابن عباس. وقد طبع الكتاب بتحقيق الشيخ محمود شاكر.\n١٢ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، (وهو الكتاب الذي بين أيدينا).\n_________\n(^١) هدية العارفين ٢/ ٢٧، السير ١٤/ ٢٧٣، طبقات الداودي ٢/ ١١١.\n(^٢) معجم الأدباء ١٨/ ٨٠، السير ١٤/ ٢٧٣، طبقات الداودي ٢/ ١١١، هدية العارفين ٢/ ٢٧.\n(^٣) السير ١٤/ ٢٧٤، صبقات الداودي ٢/ ١١١، هدية العارفين ٢/ ٢٧، معجم الأدباء ١٨/ ٧٦.\n(^٤) السير ١٤/ ٢٧٣، معجم الأدباء ١٨/ ٤٥.","vol":"المقدمة","page":42},{"text":"١٣ - الجامع في القراءات = كتاب القراءات.\n١٤ - حديث غدير خم (لعله جزء من فضائل علي بن أبي طالب ﵁).\nقال الذهبي (^١): جمع طرق حديث \"غدير خم\" في أربعة أجزاء، رأيت شطره، فبهرني سعة رواياته، وجزمت بوقوع ذلك.\n١٥ - حديث اليمان (^٢).\n١٦ - الخفيف في الفقه (^٣)، وهو مختصر من كتاب اللطيف.\n١٧ - ذيل المذيل (^٤):\nوهو كتاب يشتمل على تاريخ من قتل أو مات من أصحاب رسول الله ﷺ في حياته أو بعده، على ترتيب الأقرب فالأقرب منه.\n١٨ - الرد على ابن عبد الحكم (^٥):\nقال ياقوت: وبلغنا أنه سئل بالفسطاط، أن يرد على مالك في شيء كان الكلام فيه لابن عبد الحكم، وكانت أجزاء، ولم يقع في أيدينا، ولعله مما منع الخصوم نشره.\n١٩ - كتاب الزكاة (^٦).\n٢٠ - كتاب السرقة، ذكره في التفسير في أثناء تفسير الآية ٣٨ من سورة المائدة.\n_________\n(^١) السير ١٤/ ٢٧٧، وانظر تذكرة الحفاظ ٢/ ٧١٣.\n(^٢) تاريخ التراث العربي ١/ ٥٢٧.\n(^٣) هدية العارفين ٢/ ٢٧، طبقات الداودي ٢/ ١١١، معجم الأدباء ١٨/ ٧٤.\n(^٤) معجم الأدباء ١٨/ ٤٤، ٧٠.\n(^٥) معجم الأدباء ١٨/ ٥٥، ٨١.\n(^٦) هدية العارفين ٢/ ٢٧.","vol":"المقدمة","page":43},{"text":"٢١ - كتاب الشذور (^١):\n٢٢ - شرح السنة = لطيف القول.\n٢٣ - كتاب الشروط (أمثلة العدول) (^٢):\nقال ياقوت: وهو من جيد كتبه التي يعول عليها أهل مدينة السلام. وكان أبو جعفر مقدما في علم الشروط قيمًا به.\n٢٤ - صريح السنة (^٣):\nوهو رسالة في أوراق، ذكر فيها مذهبه وما يدين به ويعتقده.\n٢٥ - كتاب الصلاة (١) (كتاب البسيط).\n٢٦ - كتاب الطهارة (١) (كتاب البسيط).\n٢٧ - عبارة الرؤيا (^٤):\nجمع فيه بعض الأحاديث، فمات ولم يعمله.\n٢٨ - كتاب العدد والتنزيل (^٥).\n٢٩ - العقيدة (^٦).\n٣٠ - كتاب الفضائل (^٧):\n_________\n(^١) هدية العارفين ٢/ ٢٧.\n(^٢) معجم الأدباء ١٨/ ٧٣، هدية العارفين ٢/ ٢٧.\n(^٣) معجم الأدباء ١٨/ ٨٠، تاريخ التراث العربي ١/ ٥٢٦.\n(^٤) معجم الأدباء ١٨/ ٨١.\n(^٥) السير ١٤/ ٢٧٣، طبقات الداودي ٢/ ١١١، هدية العارفين ٢/ ٢٧.\n(^٦) تاريخ التراث العربي ١/ ٥٢٧.\n(^٧) معجم الأدباء ١٨/ ٨٠، السير ١٤/ ٢٧٤، تذكرة الحفاظ ٢/ ٧١٣، هدية العارفين ٢/ ٢٧.","vol":"المقدمة","page":44},{"text":"عمله لما بلغه أن أبا بكر بن أبي داود تكلم في حديث \"غديرخم\"، وقد بدأ بفضائل أبي بكر ثم عمر، وتكلم على تصحيح الحديث واحتج لذلك، ولم يتمه.\n٣١ - فضائل علي بن أبي طالب (الفضائل، السابق).\n٣٢ - القراءات أو (الجامع في القراءات) (^١):\nوهو كتاب حسن أسماه الجامع.\n٣٣ - كتاب الأطعمة:\nذكره المصنف في أثناء تفسير الآية ٨ من سورة النحل.\n٣٤ - كتاب الرسالة:\nذكره في التفسير، في أثناء تفسير الآية ٧٠ من سورة البقرة.\n٣٥ - لطيف القول في البيان عن أصول الأحكام (^٢):\nذكره في أثناء تفسيره الآية ٢٢٨ من سورة البقرة. وهو مذهبه الذي اختاره، وجرده واحتج له.\n٣٦ - كتاب المحاضر والسجلات، (آداب القضاة).\n٣٧ - مختصر الفرائض (^٣).\n٣٨ - مختصر المناسك (^٣).\n٣٩ - كتاب المسترشد (^٤).\n_________\n(^١) معجم الأدباء ١٨/ ٤٤، ٤٥، السير ١٤/ ٢٧٣، طبقات الداودي ٢/ ١٠٩، هدية العارفين ٢/ ٢٧.\n(^٢) السير ١٤/ ٢٧٣، طبقات الداودي ٢/ ١١١.\n(^٣) معجم الأدباء ١٨/ ٨١.\n(^٤) هدية العارفين ٢/ ٢٧، الأعلام ٦/ ٢٩٤.","vol":"المقدمة","page":45},{"text":"٤٠ - المسند المخرج (^١):\nأتى فيه على جميع ما رواه الصحابي من صحيح وسقيم، ولم يتمه.\n٤١ - الموجز في الأصول (^٢):\nقال الحموي: ابتدأ فيه برسالة الأخلاق ثم قطع، ووعد بكتاب \"الآدر في الأصول\" ولم يخرج منه شيء. وأراد أن يعمل كتابا في القياس فلم يعمله.\n٤٢ - كتاب الوصايا (^٣).\n٤٣ - وينسب إليه: كتاب الرمي بالنشاب (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-11>وفاته:</span>\nتوفي ابن جرير عشية يوم الأحد ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة، وقد جاوز الثمانين سنة بخمس أو ست سنين، ودفن في رحبة يعقوب ببغداد. وقد رثاه خلق كثير من أهل الدين والأدب، فقال ابن الأعرابي (^٥):\nحدث مفظعٌ وخطب جليل … دق عن مثله اصطبار الصبور\n_________\n(^١) السير ١٤/ ٢٧٤، طبقات الداودي ٢/ ١١١.\n(^٢) معجم الآدباء ١٨/ ٨١.\n(^٣) هدية العارفين ٢/ ٢٧.\n(^٤) معجم الأدباء ١٨/ ٨١.\n(^٥) تاريخ بغداد ٢/ ١٦٦، ١٦٧، البداية والنهاية ١٤/ ٨٤٩، ٨٥٠.\nوهو أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم، المحدث، نزيل مكة، وشيخ الحرم، توفي سنة أربعين وثلاثمائة وما هو بمحمد بن زياد بن الأعرابي اللُّغوي؛ ذاك مات قبل أن يولد بأعوام عدة. سير أعلام النبلاء ١٥/ ٤٠٧ - ٤١٢.","vol":"المقدمة","page":46},{"text":"قام ناعي العلوم أجمع لما … قام ناعي محمد بن جرير\nفهوت أنجم لها زاهرات … مؤذنات رسومها بالدثورِ\nوتغشى ضياءها النير الإشـ … ــــراق ثوبُ الدُّجُنَّة الديجورِ\nوغدا روضُها الأنيق هشيمًا … ثم عادت سهولها كالوعور\nيا أبا جعفر مضيت حميدًا … غير وانٍ في الجد والتشمير\nبين أجر على اجتهادك موفو … ر وسعى إلى التقى مشكورِ\nمستحقًا به الخلود لدى جنـ … ـــة عدن في غبطة وسرور\nوقال ابن دُريد (^١):\nإن المنية لم تتلف به رجلًا … بل أتلفت علمًا للدين منصوبا\nكان الزمان به تصفو مشاربُه … والآن أصبحَ بالتّكدير مقطوبا\nكلَّا وأيامه الغُرِّ التي جُعِلتْ … للعلم نورًا وللتقوى محاريبا\n\n<span data-type='title' id=toc-12>منهج الطبري في تفسيره</span>\nيبرز منهج ابن جرير الطبري في تفسيره لمن يُطالعه بتفرده في الجمع بين الرواية والدراية، في براعة منقطعة النظير، فهو يُصَدِّر تفسيره للآية بالمأثور عن النبي ﷺ، وبما روى عن الصحابة والتابعين، بطريق الإسناد الدقيق، ويتجلى ذلك واضحًا في تصديره لكل آية يفسرها بقوله: \"القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا\". فيستعرض الروايات الواردة في تأويلها بعد أن يذكر المعنى الإجمالي للآية، فإن كان فيها أكثر من قول ساق تلك الأقوال مقرونة بحجة أصحابها من رواية ودراية، ثم يتعرض لتوجيه الأقوال ويرجح بعضها على بعض من خلال الروايات واللغة إعرابًا\n_________\n(^١) طبقات الشافعية ٣/ ١٢٦، وذُكِرت ضمن أبيات في تاريخ بغداد ٢/ ١٦٧، ١٦٨، سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٨١.","vol":"المقدمة","page":47},{"text":"وتركيبًا وشعرًا، متجنبًا التأويل بالرأي؛ إذ التأويل بالرأي المجرد عن الدليل لا يعدو أن يكون صدى لهوى صاحبه.\nوقد أبان الطبري عن منهجه في ترك القول في القرآن بالرأي حين ساق في مقدمة تفسيره بعضًا من الأخبار التي رويت في النهي عن القول في تأويل القرآن بالرأي، حيث أورد فيها ما أُثر عن النبي ﷺ من الوعيد لمن قال في القرآن برأيه، وما روى عن أبي بكر الصديق ﵁ من شدة حذره وخوفه من أن يقع في القول في القرآن برأيه. ثم قال: \"وهذه الأخبار شاهدة لنا على صحة ما قلنا؛ من أن ما كان من تأويل القرآن الذي لا يُدرك علمه إلا بنص بيان رسول الله ﷺ، أو بنصبه الدلالة عليه، فغير جائز لأحد القيل فيه برأيه، بل القائل في ذلك برأيه، وإن أصاب عين الحق فيه، فمخطئ في فعله بقيله فيه برأيه، ولأن إصابته ليست إصابة موقن أنه محق، وإنما إصابة خارص وظان، والقائل في دين الله بالظن قائل على الله ما لا يعلم، وقد حرَّم الله جل ثناؤه ذلك في كتابه على عباده، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^١). فالقائل في تأويل كتاب الله الذي لا يُدرك علمه إلا ببيان رسول الله ﷺ الذي جعل الله إليه بيانه، قائلٌ ما لا يعلم، وإن وافق قيلُه ذلك في تأويله ما أراد الله به من معناه؛ لأن القائل فيه بغير علم قائل على الله ما لا علم له به\" (^٢).\nكما بيَّن الطبري ما يعنيه بالرأي؛ إذ إن قومًا غلِطوا في تأويل الأخبار الواردة في النهي عن القول في القرآن بالرأي، حتى أنكروا القول في تأويل القرآن مطلقًا، فرد عليهم أبو جعفر الطبري، وساق بعض الأخبار التي رُويت في الحض على العلم\n_________\n(^١) سورة الأعراف: الآية ٣٣.\n(^٢) مقدمة المصنف ١/ ٧١ - ٧٣ من النص المحقق.","vol":"المقدمة","page":48},{"text":"بتفسير القرآن، وذكَر من كان يفسره من الصحابة (^١).\nوقد أجمل ابن جرير الطبري منهجه في التفسير حين بيَّن وجوه تأويل القرآن، فبعد أن عدّ ثلاثة أوجه لتأويل القرآن، قال: فإذ كان ذلك كذلك، فأحق المفسرين بإصابة الحق في تأويل القرآن الذي إلى علم تأويله للعباد السبيلُ، أوضحهم حجة فيما تأول وفسر، مما كان تأويله إلى رسول الله ﷺ دون سائر أمته، من أخبار رسول الله ﷺ الثابتة عنه؛ إما من جهة النقل المستفيض، فيما وُجد فيه من ذلك عنه النقل المستفيض، وإما من جهة نقل العدول الأثبات، فيما لم يكن عنه فيه النقل المستفيض، أو من جهة الدلالة المنصوبة على صحته، وأوضحهم برهانًا فيما ترجم وبيَّن من ذلك مما كان مُدركًا علمُه من جهة اللسان؛ إما بالشواهد من أشعارهم السائرة، وإما من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة، كائنًا من كان ذلك المتأول والمفسر، بعد ألا يكون خارجًا تأويله وتفسيره ما تأول وفسر من ذلك عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة، والخلف من التابعين وعلماء الأمة (^٢).\nولمَّا كان الطبري إمامًا في الفقه، فقد ناقش في تفسيره الأحكام الفقهية، وفنَّد أقوال العلماء في كل مسألة، ورجح بعضها على بعض، مستدلًا لما خَلَص إليه رأيه بالأدلة العلمية.\nوبالإمكان إجمال منهج الطبري في هذا التفسير في عدة نقاط موجزة على النحو التالى:\n_________\n(^١) مقدمة المصنف ص ٧٤ - ٨٩ من النص المحقق.\n(^٢) مقدمة المصنف ص ٨٧ - ٨٩ من النص المحقق.","vol":"المقدمة","page":49},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>١ - التفسير بالمأثور:</span>\nوهذه أبرز سمة في هذا التفسير، إذ يبدأ الطبري تفسير الآية بحشد الروايات المسندة عن النبي ﷺ، وعن الصحابة والتابعين، وفي غالب الأحيان يذكر المعنى الذي يستنبطه من الروايات والذي يرجحه، ثم يذكر الروايات التي تخالفها إن وجدت، فالترجيح بالرويات هو أقوى مرجحات الطبري لما يختاره من المعاني التي يستنبطها، وعلى الرغم من أمانته في ذكر الأسانيد، إلا أنه لم يتوجه إليها بالنقد إلا في القليل النادر، على عكس منهجه في نقده الشديد للتوجيهات اللغوية، والآراء النحوية، وكان الأولى به أن يتحرى نقد الأسانيد؛ خاصة أنه ساق كثيرًا من الإسرائيليات، ولعل دافعه إلى ذلك أنه ساق السند بتمامه، ومن أسند لك فقد حمَّلك أمانة البحث عن رجال السند، وبالتالي فقد أخلى عهدته. ولا ينقص هذا الأمر من قدر هذا السفر عظيم النفع، فقد أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، حين سئل عن أقرب التفاسير إلى الكتاب والسنة، فقال: وأما التفاسير التي في أيدي الناس، فأصحها \"تفسير محمد بن جرير الطبري\" فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة، وليسر فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين، كمقاتل بن بكير والكلبي (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-14>٢ - التفسير باللغة:</span>\nذكر الطبري في مقدمة تفسيره - كما أسلفنا - أن من أوجه تأويل القرآن ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن؛ لذلك استعان كثيرًا جدًّا بالتأويل باللغة، وقد مكَّنه من ذلك غزارة علمه بالعربية، ومعرفته لدلالات ألفاظها\n_________\n(^١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: ١٣/ ٣٨٥.","vol":"المقدمة","page":50},{"text":"وتراكيبها، كما أنه أفاد من علماء اللغة الذين سبقوه إلى بيان مفردات القرآن؛ كيحيى بن زياد الفراء، وأبي عبيدة معمر بن المثنى، وسعيد بن مسعدة الأخفش، وعلي بن حمزة الكسائي، وأبي علي قطرب، والنضر بن شميل، وغيرهم (^١)، وعلى الرغم من كثرة نقولاته في اللغة عن أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\"، وإن لم يسمه في الغالب، فإنه يشتد عليه في النقد إذا خالفه، حتى إن نقده له يصل إلى حد وصمه بالغباء، كقوله: وقد زعم بعض أهل الغباء أن العرب كانت لا تعرف الرحمن ولم يكن ذلك في لغتها.\nوكان الطبري لا يُجوِّز توجيه كلام الله إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلا أن تقوم حجة على شيء منه بخلاف ذلك، فيسلم لها، فلا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره إلا بقرينة؛ وذلك لأن الله جل ثناؤه، إنما خاطبهم بما خاطبهم به؛ لإفهامهم معنى ما خاطبهم به.\nوقد اتخذ الطبري اللغة مرجحًا له في تفضيل قراءة على قراءة، كما سيأتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-15>٣ - الاهتمام بالنحو:</span>\nاعتنى ابن جرير الطبري في تفسيره بالنحو عناية كبيرة، وأحكم تطبيق قواعده في تفسير القرآن إحكامًا يعكس طول باعه في هذا العلم، فقد جاء الطبري بعد أن بلغ علم النحو أقصى درجات النضوج؛ إذ أثمرت رحى الخلاف بين مدرستي البصرة والكوفة في المسائل النحوية استقرار قواعد هذا العلم ونضوجه، حتى إذا نضج وضع عصاه في بغداد، فاستقى الطبري من هذا النبع الصافي علمه بالنحو، إذ درَس آراء المدرستين حتى صار من أعلام هذا العلم، فاستعان في تأويل القرآن ببيان\n_________\n(^١) معجم الأدباء لياقوت ١٨/ ٦٥.","vol":"المقدمة","page":51},{"text":"وجوه الإعراب، وقد علل لذلك بنفسه قائلًا: وإنما اعترضنا بما اعترضنا في ذلك من بيان وجوه إعرابه - وإن كان قصدنا في هذا الكتاب الكشف عن تأويل آي القرآن - لما في اختلاف وجوه إعراب ذلك من اختلاف وجوه تأويله، فاضطرتنا الحاجة إلى كشف وجوه إعرابه؛ لتنكشف لطالب تأويله وجوه تأويله على قدر اختلاف المختلفة في تأويله وقراءته (^١).\nوقد التزم الطبري في ترجيحاته الحياد التام بين مدرستي البصرة والكوفة، فهو يستعرض آراء المدرستين ثم يرجح ما يراه أولى بالصواب، سواء أكان الصواب مع مدرسة البصرة أم الكوفة، معللًا ترجيحه بأسلوب جذاب لا يستطيع المنطق أن يرده.\nوقد أفاد الطبري كثيرًا من كتاب \"معاني القرآن\" للفراء، وهو من أئمة نحاة الكوفة.\n\n<span data-type='title' id=toc-16>٤ - الإكثار من الشواهد الشعرية:</span>\nأكثر الطبري من الاستدلال بالأشعار على توضيح المعنى المراد، وذلك لعلمه أن الشعر ديوان العرب، وقد اقتدى في ذلك بحبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄، الذي كان يقول: إذا قرأ أحدكم شيئًا من القرآن، فلم يدر ما تفسيره فليلتمسه في الشعر، فإنه ديوان العرب (^٢).\nوقال أيضًا: إذا سألتموني عن عربية القرآن فالتمسوه بالشعر، فإن الشعر ديوان العرب (^٣).\n_________\n(^١) ص ١٨٥ من النص المحقق.\n(^٢) شعب الإيمان (١٦٨٣).\n(^٣) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ١٩٨.","vol":"المقدمة","page":52},{"text":"وقد حصَّل الطبري ذخائر هذا الديوان، ففاض بحره في تأويله الفريد.\n\n<span data-type='title' id=toc-17>٥ - الترجيح بين القراءات:</span>\nكان الطبري ﵀ من فحول العلماء الذين ذاع صيتهم، وطال باعهم في كل العلوم الشرعية، فقد كان إمامًا مجتهدًا، وقد صنف في جل العلوم الشرعية؛ لذلك فقد أبحر في تأويله في القراءات، ورجح بعضها على بعض، ولم يجوز بعض القراءات التي لم ير صحة حجتها عنده، وجعل بعضها أولى بالصواب من بعض، وذكر ياقوت الحموي أن للطبري كتابًا جليلًا كبيرًا في القراءات، وقال: رأيته في ثماني عشرة مجلدة إلا أنه كان بخطوط كبار، ذكر فيه جميع القراءات من المشهور والشواذ، وعلل ذلك وشرحه، واختار منها قراءة لم يخرج بها عن المشهور، ولم يكن منتصبًا للإقراء، ولا قرأ عليه أحد إلا آحاد من الناس كالصَّفّار (^١).\nولكن يؤخذ على الطبري ﵀ أنه أنكر بعض القراءات، ونفى عنها صفة الصواب، وفضل بعض القراءات على بعض مع أنها جميعًا متواترة، وقد استعمل العبارات الدالة على الإنكار، والتفضيل، كقوله: والقراءة التي لا أستجيز غيرها هي كذا. أو: وهذه القراءة أولى بالصواب. أو قوله: وأولى التأويلين بالآية وأصح القراءتين في التلاوة عندي التأويل الأول.\nوقد أشرنا بهامش النص المحقق عند كل موضع وقع منه ذلك؛ ليحذر طالب العلم أن تنزلق قدمه في زلة عالم، فكما أن البحر لا تكدره قطرة، فإن العالم لا تنقصه زلة، وما من معصوم إلا المعصوم ﷺ، فلا يقلل ذلك من فضل الطبري، وعلو كعبه، وكيف ومن سبع السبعة ابن مجاهد من تلامذته، وقد نقل عنه ابن\n_________\n(^١) معجم الأدباء ١٨/ ٤٥.","vol":"المقدمة","page":53},{"text":"الجزري في كتابه \"النشر في القراءات العشر\" وشهد له بأنه إمام مجتهد (^١).\nوعلى الرغم من ذلك، فلا يسوغ لأحد اتباعه في رده أو إنكاره، أو تفضيله لقراءة متواترة على أخرى، وعلى ذلك إجماع الأمة.\nقال ابن الجزري: كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة أم من العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة، أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-19>٦ - الإدلاء برأيه،</span> ورد رأي المخالف بالحجة الواضحة، التي تأخذ القارئ إلى التسليم لرأي الطبري، فهو يورد رأيه، فإن كان له مخالف قال: فإن قالوا كذا، قلنا كذا.\nوقد يخالف رأيه قول الثقات عنده، ولكن الحجة أولى بالإلزام، وهذا هو عمل الأئمة المجتهدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-18>٧ - الاجتهاد في المسائل الفقهية:</span>\nإذا كان الطبري قد بدأ حياته دارسًا للمذهب الشافعي، حتى عُدَّ من جملة\n_________\n(^١) النشر في القراءات العشر لابن الجزري ١/ ٣٢.\n(^٢) النشر ١/ ١٥.","vol":"المقدمة","page":54},{"text":"الشافعية وترجم له السبكي في \"طبقات الشافعية\"، إلا أنه أصبح صاحب مذهب مستقل، فصار مجتهدًا مطلقًا، لذلك نجده في تفسيره يستعرض الآراء الفقهية، ثم يدلي برأيه ويدلل له بالحجج، وذلك ظاهر في تفسيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-20>٨ - اجتناب التأويل بالرأي:</span>\nونقصد بالرأي القول العاري عن الدليل، النابع من الهوى، سواء كان هذا الدليل نقليًّا أم عقليًّا، وقد صدَّرت الكلام عن منهجه بذلك، وبينت ما يعنيه الطبري بالتأويل بالرأي من كلام الطبري نفسه في مقدمته.\n\n<span data-type='title' id=toc-21>٩ - الانتصار للمذهب السلفي:</span>\nالطبري ﵀ عَلَمٌ من أعلام أهل السنة والجماعة، فعقيدته هي عقيدة السلف الصالح جملة وتفصيلًا، وقد أفحم المتكلمين من المعتزلة في تفسيره، ورد على جدلهم الباطل، وانتصر لمذهب السلف بالحجة الواضحة، والبرهان الساطع، وإن كان خصومه قد اتهموه بما هو برئ منه من التشيع، والجبر، فلا يعدو ذلك إلا أن يكون حسدًا منهم له.\n\n<span data-type='title' id=toc-22>١٠ - الإكثار من الإسرائيليات:</span>\nنقل ابن جرير من الإسرائيليات الكثير من القصص، وتعرض لبعضها بالنقد، وترك التعليق على كثير منها، معتمدًا على ذكره للسند، وقد تم التعليق في الحواشي على ما تركه، وإن كان تفسيره أقل كتب التفسير سوقًا للإسرائيليات وأساطير أهل الكتاب.\nوفي الإجمال نستطيع القول: إن الطبري لم يكتف بمجرد تسجيل آراء سابقيه وتقليدهم، بل إنه صاحب رأي مستقل، يشفع رأيه بالدليل، ويرد ما يراه ضعيفًا،","vol":"المقدمة","page":55},{"text":"ويرجح بين الآراء، ويؤيد ترجيحه لرأي على رأي بالحجة القوية؛ ولذلك حق له أن يكون إمام المفسرين، وكعبة القاصدين في علم التفسير.\n\n<span data-type='title' id=toc-23>مصادر الطبري</span>\nنزل القرآن على رسول الله ﷺ، وتلاه على أرباب الفصاحة والبلاغة، وقد بيَّن لهم ما أَشكل عليهم من معانيه، وما أُجْمِل من أحكامه، ولم يكن الناس بحاجة إلى أن يُؤَوِّلَ لهم الرسول ﷺ القرآن آية آية، فلما قبض رسول الله ﷺ، تناقل الصحابة تفسير رسول الله ﷺ بالرواية بينهم، ثم نقلوها إلى التابعين، ثم نقلها التابعون إلى تابعيهم، وقد تكلم بعض الصحابة في التفسير بما سمعه من رسول الله، وبما أداه إليه اجتهاده، وقد اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير (^١). ثم نقل عنهم التابعون إلى تابعيهم بالرواية، ولم يكن تدوين التفسير في أسفار خاصة معروفًا، بل كان التفسير يدون في باب ضمن كتب الحديث.\nولما كانت السمة الغالبة على تفسير الطبري هو التفسير بالمأثور، فقد دون ما وصل إليه في ذلك بالرواية عن كتب التفاسير المصنفة عن ابن عباس خمسة طرق، وعن سعيد بن جبير طريقين، وعن مجاهد بن جبر ثلاثة طرق، وعن عكرمة ثلاثة طرق، وعن الضحاك بن مزاحم طريقين، وعن عبد الله بن مسعود طريقًا، وتفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وتفسير ابن جريج، وتفسير مقاتل بن حيان، سوى ما فيه من مشهور الحديث عن المفسرين وغيرهم، وفيه من المسند حسب حاجته إليه،\n_________\n(^١) الإتقان في علوم القرآن: ٤/ ٢٣٣.","vol":"المقدمة","page":56},{"text":"ولم يتعرض لتفسير غير موثوق به، فإنه لم يُدخل في كتابه شيئًا عن كتاب محمد بن السائب الكلبي، ولا مقاتل بن سليمان، ولا محمد بن عمر الواقدي؛ لأنهم عنده أظناء (^١).\nوإلى جانب التأويل بالمأثور، فقد دعم تفسيره باللغة والنحو والشعر، وأشهر ما رجع إليه من كتب اللغة: كتاب علي بن حمزة الكسائي، وكتاب \"معاني القرآن\" ليحيى بن زياد الفراء، وكتاب أبي الحسن الأخفش، وكتاب أبي علي قطرب، وغيرهم، مما يقتضيه الكلام عند حاجته إليه، إذ كان هؤلاء هم المتكلمين في المعاني، وعنهم يؤخذ معانيه وإعرابه، وربما لم يسمهم إذا ذكر شيئًا من كلامهم (^٢).\nونقل عن كتاب \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة الكثير مع قلة الإشارة إليه، وكثرة النقد لما يخالفه فيه.\nوأضاف إليه كثيرًا من آراء الفقهاء، في المواضع التي احتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها.\nوقد رجع إلى القراءات، واستعان بها في التأويل، فكانت القراءات، من أهم المصادر التي استعان بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-24>طبعات التفسير السابقة</span>\n١ - طبعة المطبعة الميمنية بمصر، وهي أول طبعة للكتاب، وكان الكتاب قبلها يُعد مفقودًا، فطُبع سنة ١٣٢١ هـ، وبهامشه تفسير النيسابوري، ثلاثون جزءًا في تسعة مجلدات على النسخة المحضرة من حائل في المملكة العربية السعودية، وذلك\n_________\n(^١) معجم الأدباء ١٨/ ٦٤.\n(^٢) المصدر السابق ١٨/ ٦٥.","vol":"المقدمة","page":57},{"text":"بعد مقابلة تلك النسخة على النسخة الموجودة بالكتب خانة.\n٢ - طبعة مطبعة مصطفى البابي الحلبي، في عام ١٣٢١ هـ ثلاثون جزءًا في اثني عشر مجلدًا، ثم صدرت الطبعة الثانية منها في عام ١٣٧٣ هـ = ١٩٥٤ م، والثالثة في عام ١٣٨٨ هـ = ١٩٦٨ م وهذه الطبعة هي النسخة التي اعتمدت لمقابلة النسخ الخطية عليها، وكُتبت أرقام صفحاتها على جانب صفحات طبعتنا هذه، تيسيرًا لطلاب العلم.\n٣ - طبعة مطبعة بولاق وهي في عام ١٣٢٣ هـ وحتى عام ١٣٣٠ هـ، ثلاثون جزءًا في أربعة عشر مجلدًا، وبهامشه تفسير النيسابوري، وطبعت على الأصول الموجودة في خزانة الكتبخانة الخديوية، على نفقة السيد عمر الخشاب الكتبي، وابنه محمد عمر الخشاب بمصر.\n٤ - طبعة المطبعة الأميرية، وهي الطبعة الثالثة له، وكانت في عام ١٣٢٥ هـ، ثلاثون جزءًا في اثني عشر مجلدًا، وبهامشها تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري.\n٥ - طبعة دار المعارف بمصر بتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر والشيخ محمود محمد شاكر في عام ١٣٧٤ هـ - إلى عام ١٣٨٨ هـ في ستة عشر مجلدًا.\nوهي طبعة غير مكتملة حيث وقف الجزء السادس عشر والأخير منها عند سورة إبراهيم بنهاية الآية ٢٧ من السورة.\n\n<span data-type='title' id=toc-25>منهج التحقيق</span>\nوُضع منهج التحقيق في هذا الكتاب على النحو التالي:\n١ - مقابلة المخطوطات: على النسخة المطبوعة التي أُشير لها بالرمز (م) للخروج","vol":"المقدمة","page":58},{"text":"بذلك إلى أصح نصٍّ للكتاب، لإثباته بالمتن، وإثبات بقية الفروق في الحاشية، مع إهمال بعض فروق النسخ غير الجوهرية، وذلك في النسخ التي يثبُتُ ضعفها، مع مراعاة موافقة مصادر التخريج ما أمكن، فإن وافقت أي نسخة مصدر التخريج أُثبتت، ووُضِعت بقية الفروق بالحاشية، ولا يُلتزم في ثبات ما في الأصل دائمًا، بل يُثبت غيره إذا كان أصحَّ منه.\n٢ - ضبط النص: أسلوب ابن جرير من الأساليب العالية، التي تحمل فصاحة العربية، وبلاغة القرون الأولى، فقد يعترضُ كلامه في مسألة كلام طويل بدرجة قد تنسى القارئ أصل المسألة، بدرجة قد تعجز معها علامات الترقيم أن توضحها، فيُعلق أحيانا في الحاشية على بداية الكلام المعترض ونهايته.\nوقد ضُبط نص الكتاب على النحو التالي:\nأ - الآيات القرآنية، أثبتت من المصحف المطبوع بالرسم العثماني، طبعة مجمع الملك فهد.\nب - ضبط ما يحتاج إلى ضبط من النص بما يوجه المعنى وييسره على القارئ.\nجـ - ضبط الأعلام والأماكن، ما أمكن.\n٣ - تخريج الآيات التي يستدل بها ابن جرير في تأويل الآية التي يتناولها.\n٤ - الأحاديث والآثار: عزو الأحاديث والآثار إلى مواضعها في كتب الحديث ما أمكن، والحكم على أسانيدها بالصحة والضعف، ولا يحكم على الإسناد بالضعف إلا إذا تفرد به الراوي، فإذا تُوبع الراوي الضعيف، فلا حاجة لذكر ضعفه، إذْ قد جُبر إما عن طريق في الطبري نفسه، وإما من مصدر خارجي، كابن أبي حاتم مثلًا.","vol":"المقدمة","page":59},{"text":"أما الأحاديث ظاهرة البطلان، أو التي تخالف صحيح الأخبار، خاصة إذا كانت تتعلق بأمر من أمور العقيدة أو العبادات فلم يُكتف فيها بالحكم على الإسناد، بل حُكِم على الحديث إسنادًا ومتنًا بأقوال المحدثين القدماء.\nومن أمثلة ذلك الخبر الذي رُوي عن عائشة ﵂، قالت: \"ما كان النبي ﷺ يُفسر شيئًا من القرآن إلا آيًا بعدد، علمهن إياه جبريل\". وهو حديث منكر، والخبر الذي روى عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"إن عيسى ابن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب … \" وهو حديث موضوع.\n٥ - القراءات: تم توثيق القراءات ما أمكن من كتب القراءات المتخصصة، كالتيسير لأبي عمرو الداني، والسبعة لابن مجاهد، وإتحاف فضلاء البشر للبنا، والمحتسب لابن جني، وغيرها، وأحيانا يردُّ الطبري قراءةً من القراءات المتواترة، ولا يُجَوِّزُ العمل بها، فيشار إلى أنها من القراءات المتواترة، وهي قراءة فلان دون توسع، وذلك حتى لا يُرهق الكتاب بالحواشي المضطردة التي تخرج به عن التحقيق إلى الشرح.\n٦ - الأشعار: نسبة الشعر إلى قائله بقدر الإمكان، فإذا ذكر الطبري اسم الشاعر، اكتفى بالديوان إن وجد، وإلا فبغيره من أمهات مصادر الأدب.\n٧ - شرح الألفاظ الغريبة: بصورة توضح مراد المصنف وتيسر على القارئ فهم النص، وذلك بالاستعانة بمعاجم اللغة، وكتب الغريب.\n٨ - بعد الانتهاء من التحقيق - إن شاء اللَّه - سيتبع الكتاب بفهارس شاملة للآيات، والأحاديث، والآثار، والأشعار، والأعلام، والبلدان والأماكن، والوقائع والأيام، والقبائل، والأمم، والكتب.","vol":"المقدمة","page":60},{"text":"وفي الختام:\nإن العمل في هذا السفر الضخم، ليس بالعمل الهين، فهو يتطلب العديد من القدرات العلمية، والخبرات الفنية، وتوفر المخطوطات والمصادر، والرجال ذوي العزم والعزيمة، والصبر والمثابرة، وقبل ذلك كله إخلاص النية لله في خدمة كتابه، وتيسير موسوعة علمية كبيرة لطلاب العلم. وإننا لنُؤمِّل أن يتم تحقيق هذا الكتاب، وطبعه، على الوجه الذي يرضى الله سبحانه، ويحقق رغبات المستفيدين منه.\nلقد توافرت على خدمة هذا التفسير جهود عديدة، منها ما يتعلق بجمع مخطوطاته، ومنها ما يتصل بخدمة النص في جوانب عديدة.\nومن أبرز ذلك ما تم في مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية في دار هجر، والذي له تجربة رائدة في هذا المجال.\nفللباحثين والعاملين فيه الشكر، ونسأل الله لهم حسن المثوبة. ولأخي الأستاذ الدكتور عبد السند حسن يمامة مدير المركز الشكر على اهتمامه وتعاونه، ومتابعته لمسيرة إصدار هذا التفسير، فجزاه الله خيرًا لما قام به وتحمله من أعباء.\nكما نسأل الله العون والتوفيق والرشاد، وأن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه، وينفع به، ويعين على إتمامه، ويجعله مقبولًا عنده، وأن يثيب كل من له يد في تحقيقه ونشره، وتوزيعه. فهو ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وسلم.\nعبد الله بن عبد المحسن التركي\nالرياض ١٧/ ١/ ١٤٢٠ هـ","vol":"المقدمة","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-26>النسخ المخطوطة للكتاب</span>\n<span data-type='title' id=toc-27>أولًا: خزانة جامعة القرويين بفاس:</span>\nنسخة محفوظة في مكتبة كلية القرويين بفاس تحت أرقام (٨٠/ ٣٧، ٤٠/ ٤٩١، ٤٠/ ٧٩١)، وعنها نسخة مصورة محفوظة بمعهد المخطوطات بأرقام (٢٧٨ - ٢٩٧) ويحمل كل جزء من أجزاء هذه النسخة خاتم مكتبة كلية القرويين بفاس.\nوتضم هذه النسخة أجزاء متفرقة من الكتاب ناقصة من أولها الجزء الأول وأجزاء أخرى ليست بالقليلة على مدار النسخة، وهي نسخة نفيسة، كتبت على رق غزال بقلم أندلسي في أواخر القرن الرابع تقديرًا، وبها مقابلات في بعض أجزائها، وبها جزآن مؤرخان بتاريخ سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة هجرية، ولذلك فقد اعتمدت أصلا للكتاب ورُمِزَ لها بالرمز (الأصل) وستجد أرقام أوراقها بين معقوفين في الأجزاء التي تظهر فيها هذه النسخة.\nالجزء الثاني: ٢٧٨ معهد، ٨٠/ ٣٧ خزانة القرويين:\nيبدأ بالآية ١٩ سورة البقرة، وينتهى في أثناء الآية ٥٧ من نفس السورة. وعلى وجه الورقة الأولى منه: السفر الثاني من جامع البيان عن تأويل آي الفرقان تأليف أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀. وبأعلاه: فيه من قول الله ﷿ من البقرة ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩] إلى قوله تعالى: ﴿وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧]. وعلى يسار العنوان: اشتمل على عشرة كراريس.","vol":"المقدمة","page":63},{"text":"وتحت العنوان تحبيس نصه: بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم تسليما، حبّس مولانا السلطان المؤيد الفذ المنصور المعان أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين مولانا أبي عبد الله محمد المنتصر بالله ابن مولانا أبي سالم ابن مولانا أبي الحسن ابن موالينا الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين، جميع هذا الديوان من تفسير الطبري ٢١ كتبت هذا على السفر الثاني منه على خزانة مدرسة الخلفاويين عمرها الله بالعمل والعلم على طلبة العلم كثرهم الله تعالى برسم القراءة والمطالعة منه والنسخ والمقابلة به من غير أن يخرج عن المدرسة المذكورة من غير تغيير ولا تبديل ولا انتقال ولا تحويل، حبسا مؤبدا ما بقيت الأعصار ودام الليل والنهار إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ومن تعدى أو بدل أو غير فالله حسيبه وسائله، قصد بذلك - أيده الله تعالى - وجه الله العظيم ورجاء ثوابه الجزيل، والله لا يضيع أجر المحسنين، بتاريخ الثالث لشهر رمضان المعظم عام سبعة وعشرين وثمانمائة كرمنا الله بكرمه ومنه.\nوأوله: بسم الله الرحمن الرحيم القول في تأويل قول الله جل ثناؤه: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ … [البقرة: ١٩].\nوفي آخره: وقال ابن جريج إن أخذ الرجل من المن والسلوى فوق طعام يومه فسد إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فاسدا.\nيقع الجزء في ١٠٢ ورقة من القطع المتوسط، ومسطرته ٢٢ سطرا.\nالجزء الرابع من النسخة نفسها: ٢٧٩ معهد، ٨٠/ ٣٧ خزانة القرويين: يبدأ بالآية ١٠٤ من سورة البقرة وينتهي بالآية ١٨٦ من نفس السورة. وعلى وجه الورقة الأولى منه: السفر الرابع من جامع البيان عن تأويل آي القرآن تأليف أبي جعفر محمد بن جرير الطبري رحمة الله عليه.","vol":"المقدمة","page":64},{"text":"وتحته: الحمد لله كان بخزانة مدرسة الخلفاويين ثم نُقل إلى خزانة القرويين لينتفع به هنالك حسبما ذلك معلن مبين على ظهر بعض أسفار من هذا الديوان. ولا إله إلا الله محمد رسول الله عليه سلام الله ﷺ وعلى آله.\nوفوقه: فيه من قول الله ﷿ من البقرة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].\nوإلى يساره: اشتمل على كراريس أربعة عشرة وأربع ورقات.\nوأوله: بسم الله الرحمن الرحيم القول في تأويل قول الله جل ثناؤه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤].\nوفي آخره: والوجه الآخر أن يكون معناه أجيب دعوة الداع إذا دعان إن شئت فيكون ذلك وإن كان عامًّا مخرجه في التلاوة خاصًّا معناه.\nيقع الجزء في ١٤٧ ورقة، ومسطرته مضطربة بين ٢٢ - ٢٦ سطرًا.\nقطعة من النسخة نفسها: ٢٨٨ معهد، ٤٠/ ٧٩١ خزانة القرويين لعلها من الجزء الخامس:\nتبدأ بالآية ٢٢٨ من سورة البقرة وتنتهي بالآية ٢٣٠ من نفس السورة.\nأولها: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nوآخرها: حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ …﴾ [البقرة: ٣٣٠].\nتقع في عشر ورقات من الحجم المتوسط ومسطرتها ٢٤ سطرا تقريبا.\nقطعة من النسخة نفسها: ٢٨٩ معهد، ٤٠/ ٧٩١ خزانة القرويين لعلها من","vol":"المقدمة","page":65},{"text":"الجزء السادس:\nتبدأ بالآية ١٨٧ سورة البقرة فتنتهي في أثناء الآية ٢١٦ من نفس السورة، والواضح أنها الجزء الخامس من هذه النسخة مبتورة الورقة الأولى منه ومبتور آخره.\nأولها: أبي جعفر عن أبيه عن الربيع قال كان أناس يصيبون نساءهم وهم عكوف فنهاهم الله عن ذلك.\nوآخرها: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥] ولو كان القاعدون مضيعين فرضا لكان لهم السوأى لا.\nتقع في ٩٨ ورقة من القطع المتوسط، ومسطرتها من ٢٢ - ٢٧ سطرا.\nالجزء الثامن من نفس النسخة: ٢٨٠ معهد ٨٠/ ٣٧ خزانة القرويين:\nيبدأ بالآية ٢٥٤ من سورة البقرة وينتهي بآخر السورة.\nوعلى وجه الورقة الأولى منه: السفر الثامن من جامع البيان عن تأويل آي الفرقان تأليف أبي جعفر محمد بن جرير الطبري رحمة الله عليه.\nوتحته نفس التحبيس الذي كان في السفر الثاني واختلفت العبارة في رقم الجزء قال: كتبت هذا على السفر الثامن منه.\nوعلى يسار العنوان: اشتمل على عشرة كراريس.\nوأوله: بسم الله الرحمن الرحيم القول في تأويل قول الله جل ثناؤه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nوفي آخره: آخر تفسير سورة البقرة. والحمد لله رب العالمين كثيرا كما هو أهله وصلى الله على محمد وآله.","vol":"المقدمة","page":66},{"text":"تم السفر الثامن من جامع البيان عن تأويل آي الفرقان بحمد الله وعونه وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين وسلم تسليما. يتلوه إن شاء الله أول تفسير سورة آل عمران.\nيقع الجزء في مائة ورقة، ومسطرته ما بين ٢٠ - ٢٥ سطرا.\nقطعة من النسخة نفسها: مركز جمعة الماجد في ٢٦٧٥ ولعله الجزء الحادي عشر:\nمبتورة من آخرها ولعلها قطعة من الجزء الحادي عشر، وتبدأ بالآية ١١١ من سورة آل عمران وتنتهي في أثناء تفسير الآية ٦ من سورة النساء.\nأولها: بسم الله الرحمن الرحيم القول في تأويل قوله جل وعز ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾.\nآخرها: وإن قالوا ليس ذلك لهم قيل لهم فما الفرق بين أموالهم وأموال اليتامى … .\nوتقع القطعة في ١٢١ ورقة، ومسطرته ٢٦ سطرا تقريبا.\nالجزء الثاني عشر من النسخة نفسها: ٢٨١ معهد، ٨٠/ ٣٧ خزانة القرويين.\nيبدأ بالآية ٤٠ من سورة النساء وينتهي بالآية ١٠٤.\nعلى الورقة الأولى منه: الثاني عشر من تفسير الإمام ابن جرير الطبري.\nوعلى يسار العنوان: فيه بقية النساء من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] إلى قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥].\nوتحته تحبيس هو نفس التحبيس السابق في الجزء الثاني، وفيه: كتبت هذا على","vol":"المقدمة","page":67},{"text":"السفر الثاني عشر منه.\nوأوله: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠].\nوآخره: قال عكرمة وفيها أنزلت: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠].\nيقع الجزء في ١٤٥ ورقة مسطرته ١٦ سطرا تقريبا.\nالجزء الثالث عشر (^١) من النسخة نفسها: ٢٨٢ معهد، ٨٠/ ٣٧ خزانة القرويين.\nيبدأ بالآية ١٠٥ من سورة النساء وينتهي بالآية ٥ من سورة المائدة.\nعلى وجه الورقة الأولى منه: فيه من سورة النساء من قوله ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] إلى آخر السورة، ومن أول العقود إلى قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥].\nوبعده: ثم الحمد لله كان موضوعا بخزانة مدرسة الخلفاويين ثم نقل لجامع القرويين.\nوبعده: وعاينه عبد الواحد بن محمد ابن عناني الشريف بخزانة جامع الأندلس شرفه الله تعالى.\nوأوله: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله القول في تأويل\n_________\n(^١) كتب عليه في توصيف المعهد خطأ: الجزء السابع عشر.","vol":"المقدمة","page":68},{"text":"قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥].\nوآخره: تم السفر بحمد الله وحسن عونه وجميل تأييده يتلوه إن شاء الله قوله ﷿: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥].\nيقع الجزء في ١٤٦ ورقة ومسطرته ١٦ سطرا تقريبا.\nالجزء التاسع عشر من النسخة نفسها: ٢٨٣ معهد، ٨٠/ ٣٧ خزانة القرويين.\nيبدأ بالآية ١٠ سورة الأعراف وينتهي بالآية ٦٣ من نفس السورة.\nوعلى الورقة الأولى منه وبها تآكل: التاسع عشر من تفسير الطبري.\nوتحته: الحمد لله كان بخزانة مدرسة الخلفاويين ثم نقل إلى خزانة جامع القرويين لينتفع به هنالك حسبما ذلك مبين معلن على ظهر بعض أسفار هذا الديوان.\nوأوله: بسم الله الرحمن الرحيم القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠].\nوآخره مبتور ينتهي الموجود منه بالقول في تأويل قوله - جل وعز -: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٩].\nوفيه خرم في منتصفه حيث وضعت ورقات من تفسير سورة يونس من الآية ٢ - ١١ خطأ مكان الصفحات الأصلية وهذا الخرم يقع في تسع ورقات من المخطوط، وقد قمنا بوضعها في مكانها من الجزء الثاني والثلاثين.\nويقع الجزء في ٧٨ ورقة ومسطرته ١٩ سطرا تقريبا.","vol":"المقدمة","page":69},{"text":"الجزء العشرون من النسخة نفسها: ٢٨٤ معهد ٤٠/ ٤٩١ خزانة القرويين.\nيبدأ بالآية ٨٠ من سورة الأعراف، وينتهي بالآية ٩٨ من سورة يونس، ويتخلله خرم كبير يبدأ من الآية ١٦٥ من سورة الأعراف إلى نهاية الآية ٩٨ من سورة يونس، وأرى أن هناك دمجًا بين جزأين من أجزاء المخطوط أولا: لكبر هذا الخرم. ثانيا: مخالفة نهاية المخطوط لما جاء في الورقة الأولى منه.\nكما أرى أن السقط من هذا المخطوط لا يعدو ثلاث ورقات؛ لأن الناسخ أشار إلى أن نهايتها ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأعراف: ١٦٦]، والآية التي قبل الخرم رقم ١٦٤. ودمجت فيها باقي الأوراق عن طريق الخطأ، وقد قمنا بوضعها في مكانها الصحيح من الجزء الثاني والثلاثين.\nوعلى وجه الورقة الأولى منه: الموفى عشرين، وفوقه: فيه من قول الله ﷿ من الأعراف: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠] إلى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦].\nأوله: بسم الله الرحمن الرحيم القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠].\nوآخره: تم السفر والحمد لله كثيرا يتلوه إن شاء الله القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٩٩].\nيقع الجزء في ١١٠ ورقة، ومسطرته ١٧ سطرا تقريبا.\nقطعة من الجزء الحادي والثلاثين من النسخة نفسها: ٢٩٧ معهد، ٤٠/ ٧٩١ خزانة القرويين:\nمبتور أولها ويبدأ الموجود منها بالآية ١٠١ سورة التوبة وينتهي بآخر السورة.","vol":"المقدمة","page":70},{"text":"وفي أولها خرم من الآية ١٠٢ - ١٠٧ من نفس السورة.\nأولها: حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] عذاب النار وعذاب القبر.\nوآخرها: تم الجزء الأحد والثلاثون والحمد لله كثيرا وصلى الله على محمد وآله يتلوه في أول الثاني والثلاثين أول سورة يونس كتب عبد الرحمن بن هارون في انسلاخ المحرم من سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة.\nقطعة من النسخة نفسها: ٢٩١ معهد، ٤٠/ ٧٩١ خزانة القرويين:\nوتشمل آيات متفرقة من سورة التوبة، والرعد والكهف والشعراء والفرقان.\nأولها: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله القول في تأويل قوله جل ثناؤه ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.\nوآخرها: القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ [الفرقان: ٢٣].\nتقع في ٣٧ ورقة من القطع المتوسط مسطرتها ١٦ سطرا.\nقطعة من النسخة نفسها وقد اعتبرناها من الجزء الثاني والثلاثين:\nوهي قطعة ملفقة من الأوراق التي وقعت خطأ في الجزء التاسع عشر والجزء العشرين، ومن ثم فيكون أوله: الآية الثانية من سورة يونس. وآخره الآية ٩٨ من نفس السورة. ويتخللها خَرم من الآية ١١ - ٧١ من السورة نفسها.\nقطعة من النسخة نفسها: ٢٩٠ معهد، ٤٠/ ٧٩١ خزانة القرويين وهي قطعة من الجزء الثالث والثلاثين:\nتبدأ بالآية ٥٥ من سورة هود وتنتهي بنهاية السورة.","vol":"المقدمة","page":71},{"text":"أولها: يقول فاحتالوا أنتم جميعا وآلهتكم في ضري ومكروهي …\nوآخرها: تم السفر بحمد الله …\nتقع في مائة ورقة من القطع المتوسط، ومسطرتها ١٦ سطرا.\nقطعة من النسخة نفسها: ٢٩٢ معهد، ٤٠/ ٧٩١ خزانة القرويين لعلها من الجزء الرابع والثلاثين:\nيبدأ بالآية ٦٠ من سورة الكهف وينتهي بنهاية السورة.\nأوله: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠].\nوآخره: تمت سورة الكهف تم إلسفر بحمد الله وعونه يتلوه تفسير سورة مريم ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١].\nيقع في ٥٦ ورقة من القطع المتوسط، ومسطرته ١٨ سطرا.\nقطعتان من النسخة نفسها: ٢٩٣، ٢٩٤ معهد، ٤٠/ ٧٩١ خزانة القرويين ولعلهما من الجزء الخامس والثلاثين:\nتقع الأولى في ١٣ ورقة والثانية في ٧٤ ورقة من القطع المتوسط، ومسطرتهما (٢٢ - ٢٥) سطرا.\nوهما قطعتان من جزء واحد أبدلت ورقات من القطعة الأولى ودمجت مع الثانية والعكس، فقمنا بدمج القطعتين ووضعت الأوراق في ترتيبها السليم، لتكون جزءًا مبتورًا أوله تامًّا إلى آخره.","vol":"المقدمة","page":72},{"text":"يبدأ بالآية ٢٠ من سورة مريم وينتهي بآخر سورة طه.\nأوله: إنما يريدها على نفسها حدثنا موسى قال ..\nوآخره: آخر السورة تم السفر والحمد لله رب العالمين على عونه وإحسانه يتلوه في سورة الأنبياء صلوات الله عليهم القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١].\nالجزء السادس والثلاثون من النسخة نفسها: ٢٨٥ معهد، ٨٠/ ٣٧ خزانة القرويين:\nيبدأ بالآية الأولى من سورة سبأ وينتهي بالآية ٢٧ من سورة الصافات.\nوعلى الورقة الأولى منه: السفر السادس ثلاثين من كتاب جامع البيان عن تأويل آي الفرقان تأليف أبي جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري ﵀.\nوفوق العنوان: من قول لله ﷿ سبأ وفاطر ويس والصافات إلى قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٢٨، ٢٩].\nوتحته: الحمد لله هذا السفر كان في خزانة مسجد مدرسة الخلفاويين ثم نقل إلى خزانة جامع القرويين لينتفع به هنالك … ومن بدل أو غير فالله حسيبه وسائله.\nوأوله: بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة سبأ القول في تأويل قوله ﷿: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ١].\nوآخره: تم السفر بحمد الله وعونه يتلوه إن شاء الله في الذي يليه القول في تأويل قوله ﷿: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ [الصافات: ٢٨ - ٣٠].","vol":"المقدمة","page":73},{"text":"يقع الجزء في ١٤٩ ورقة، ومسطرته ١٦ سطرا.\nجزء من النسخة نفسها: مركز جمعة الماجد: ٢٦٧٤ ولعله الجزء الرابع والأربعون:\nيبدأ بأول سورة غافر (المؤمن) وينتهي بآخر سورة الدخان.\nأوله: بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة حم المؤمن القول في تأويل قوله - جل وعز - ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ﴾.\nوآخره: تم السفر والحمد لله حق حمده يتلوه إن شاء الله تفسير سورة الجاثية.\nثم خاتم مكتبة القرويين بفاس.\nيقع الجزء في ٦٦ ورقة مسطرته ٢٨ سطرا.\nالجزء السادس والأربعون (^١) من النسخة نفسها: ٢٨٦ معهد، ٨٠/ ٣٧ خزانة القرويين.\nيبدأ بالآية الأولى من سورة الحجرات وينتهي بالآية ١٦ من سورة النجم.\nالورقة الأولى منه مفقودة.\nأوله: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على … تفسير سورة الحجرات.\nوآخره: تم السفر بحمد الله وعونه يتلوه إن شاء الله في الذي يليه القول في تأويل قوله ﷿: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٧، ١٨].\nيقع الجزء في ١٢٩ ورقة من القطع المتوسط، ومسطرته ١٦ سطرًا.\n_________\n(^١) في توصيف المعهد (الجزء الحادي والأربعون) خطأ.","vol":"المقدمة","page":74},{"text":"الجزء السابع والأربعون (^١) من النسخة نفسها: ٢٨٧ معهد، ٨٠/ ٣٧ خزانة القرويين:\nيبدأ بالآية ١٧ من سورة النجم وينتهي بآخر سورة الواقعة.\nوعلى وجه الورقة الأولى منه: السفر السابع أربعين من كتاب جامع البيان عن تأويل آي الفرقان تأليف أبي جعفر محمد بن جرير الطبري.\nوعلى الورقة الثانية منه: فيه من قول الله ﷿ من النجم قوله: ﴿… مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] والقمر.\nوتحته التحبيس الذي سبق في الجزء الثاني وفيه: هذا السفر السابع والأربعين منه.\nوأوله: بسم الله الرحمن الرحيم عونك يا رب القول في تأويل قوله ﷿: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾.\nوآخره: كمل السفر بحمد الله وحسن عونه يتلوه إن شاء الله في الذي يليه تفسير سورة الحديد ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ١ - ٣].\nيقع الجزء في ١٤٩ ورقة من القطع المتوسط ومسطرته ١٦ سطرًا.\nقطعة من النسخة نفسها: ٢٩٥ معهد، ٤٠/ ٧٩١ خزانة القرويين:\nتشتمل على تفسير آيات من سورة التغابن إلى سورة التحريم، ثم من سورة\n_________\n(^١) في توصيف المعهد (الجزء الثاني والأربعون) خطأ. وقد كتب على الورقة الأولى منه في أثناء التحبيس أنه السفر السابع والأربعين.","vol":"المقدمة","page":75},{"text":"الجن إلى سورة الإنسان.\nأولها: السبع والأرض بالعدل والإنصاف ﴿وَصَوَّرَكُمْ﴾ [التغابن: ٣] يقول ومثلكم ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ يقول فأحسن مثلكم.\nوآخرها: القول في تأويل قوله ﷿: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان: ٣، ٤].\nتقع في ١٣١ ورقة من القطع المتوسط، ومسطرتها ١٦ سطرا.\nقطعة من النسخة نفسها: ٢٩٦ معهد، ٤٠/ ٧٩١ خزانة القرويين:\nتشتمل على سورة الفجر والبلد والشمس وجزء من سورة الليل وطرف من أول سورة قريش.\nعلى وجه الورقة الأولى منها: الحمد لله هذا السفر كان بخزانة مسجد مدرسة الخلفاويين ونقل لخزانة جامع القرويين لينتفع به هنالك إن شاء لله تعالى.\nوأولها: بسم لله الرحمن الرحيم تفسير سورة والفجر القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ …﴾. [الفجر: ١ - ٣].\nوفي آخرها عدة خروم ينتهي الموجود منها بقوله: ولو كان قوله ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ من صلة قوله ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ لم تكن ﴿أَلَمْ تَرَ﴾.\nتقع في ٥٣ ورقة من القطع المتوسط، ومسطرتها ١٦ سطرا.\n\n<span data-type='title' id=toc-28>ثانيًا: الخزانة العامة بالرباط:</span>\nجزء مفرد من التفسير محفوظ بالخزانة العامة بالرباط برقم (٢٩٩ ق)، وعنه مصورة لدى معهد المخطوطات محفوظة برقم (٧٦). يبدأ بأول الكتاب وينتهي","vol":"المقدمة","page":76},{"text":"بانتهاء الآية ٦١ من سورة البقرة. وهو جيد في أوله ثم مال إلى الاختصار في آخره فأُفيد منه في أوله ثم أُهملت فروقه في الجزء المختصر منه، وأشير له بالرمز (ر).\nعلى وجه الورقة الأولى منه: الجزء الأول من تفسير القرآن العظيم للعلامة ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى.\nوفوقه تمليك نصه: ملك لله تعالى بيع أحمد بن محمد بن ناصر كان الله له آمين.\nوتحته: استودع في هذا الكتاب شهادة أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا محمدا رسول الله ﷺ وكتب محمد بن موسى بن محمد بن ناصر الله به سنة ١١٨٣.\nوتحته خاتمان؛ أحدهما: خاتم مكتبة الزاوية العاصرية، والآخر: خاتم الخزانة العامة بالرباط مخطوطات الأوقاف.\nوفي الصفحة التي تليها ترجمة لابن جرير، كتبت بخط حديث مخالف لخط باقي المخطوط وكذلك الصفحة التي تليها ثم ظهر اللوحة الثالثة، ويبدأ الخط المعتاد بوجه الورقة الرابعة.\nوأوله: بسم الله الرحمن الرحيم قرأ على ابن جعفر - كذا - محمد بن جرير الطبري في سنة ست وثلاثمائة.\nوآخره: تم المجلد الأول من جامع البيان عن تأويل آي القرآن العظيم والحمد لله رب العالمين وصلواته على محمد وآله وسلم تأليف أبي جعفر محمد بن جرير بن زيد الطبري رحمة الله عليه يتلوه المجلد الثاني إن شاء الله تعالى كتبه العبد الفقير إلى رحمة ربه بيان بن عبد الملك بن بيان بن محمد الحنفي ﵀ ورحم والديه ورحم","vol":"المقدمة","page":77},{"text":"صاحبه وجميع المسلمين إنه هو الغفور الرحيم آمين رب العالمين.\nوليس عليها تاريخ نسخ سوى تاريخ الاسيداع الذي على الورقة الأولى ١١٨٣.\nالجزء يقع في ٢٥٥ ورقة من القطع المتوسط، كتب بقلم معتاد، ومسطرته ١٨ سطرا.\n\n<span data-type='title' id=toc-29>ثالثًا: مكتبة آياصوفيا:</span>\n<span data-type='title' id=toc-30>١ - نسخة محفوظة في مكتبة آياصوفيا تحت أرقام (١٠٠ - ١٠١):</span>\nوتضم االنسخة الكتاب كاملا وهي نسخة جيدة شبيهة بالمخطوط (ص) تكاد تكون هي هي ورمز لها بالرمز (ت ١). وستجد أرقام ورقاتها كلما انقطع المخطوط الأصل.\nوقعت هذه النسخة في ثلاثة أجزاء تحمل الورقة الأولى من كل جزء منها وقفا نصه: قد وقف هذه النسخة الجليلة سلطاننا الأعظم والخاقان المعظم مالك البرين والبحرين خادم الحرمين الشريفين السلطان بن السلطان السلطان الغازي محمود خان وقفا صحيحا شرعيا لمن طالع … أكرمه الله تعالى … والحسنى، حرره الفقير أحمد شيخ زاده المفتش بأوقاف الحرمين غفر لهما.\nوتحته خاتم صاحب الوقف.\nوفوقه خاتم مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.","vol":"المقدمة","page":78},{"text":"كتبت النسخة بقلم نسخي معتاد، وورقاتها من القطع الكبير ومسطرتها ٤٧ سطرا.\nالجزء الأول من هذه النسخة: ١٠٠:\nيبدأ بأول الكتاب وينتهي بآخر سورة التوبة.\nأوله: بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀ …\nآخره: آخر تفسير سورة التوبة والحمد لله رب العالمين أول يتلوه في الجزء الثاني سورة يونس من تفسير الإمام الطبري ﵀.\nيقع في ٩٩٠ ورقة.\nالجزء الثاني من النسخة نفسها: ١٠١:\nيقع في … ورقة ويبدأ بأول سورة يونس وينتهي بنهاية التفسير.\nأوله: القول في تفسير السورة التي يذكر فيها يونس.\nآخره: آخر كتاب التفسير والحمد لله العلي الكبير هذا آخر القول في جامع البيان عن آي القرآن مما ألفه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى وجزاه عن طالبي العلم بعده أفضل ما جزى سانّ سنة حسنة أو دالا على مكرمة وصلى الله على سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه وشرف. وكتب هذا الجزء وما قبله من تجزئة ثمان أجزاء برسم مولانا شيخ الإسلام والعلامة الهمام الحسن اسما ومُسمى العالي بهمته على فرقد السما أعني البليغ البالغ ذروة الفصاحة في صناعة البيان. والفصيح الساحب أذيال البراعة في العبارة على هام ............ البارع المسدد","vol":"المقدمة","page":79},{"text":"والفارق المؤيد والجوهر المنضد المولا شيخى زاده محمد قاضي العساكر بالديار الرومية منحه الله أطول الأعمار وحماه من الأغيار وجعل أوقاته بالمسرات معمورة ومساعيه مشكورة وأقواله بجميل القول مأثورة وفِناؤه بسحائب المنن ممطورة ما لمع برق في ضو وهبت ريح في جو، وكان الفراغ بعون الله تعالى وحسن تيسيره ولطف تقديره ضحوة يوم أشرقت أنوار إقباله باليمن وأورقت أشجاره بالحسن وهو اليوم الخامس من شهر الحجة الحرام ختام سنة أربع وأربعين ومائة وألف من هجرة من له العز والشرف على يد العبد المسكين عبد الحق ابن المرحوم عمر الشهير بالخطيب المصري غفر الله ذنوبه وستر عيوبه وملأ من الخيرات ذنوبه وفعل ذلك بوالديه والمسلمين أجمعين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تم.\nيقع في ١١٥١ ورقة.\n\n<span data-type='title' id=toc-31>٢ - نسخة محفوظة بمكتبة آياصوفيا بأرقام (١٦٩ - ١٧٢):</span>\nوتضم هذه النسخة الكتاب كاملا وتقع في أربعة مجلدات، وهي نسخة رديئة ما قدمت إضافة في الكتاب غير أنها كانت مرجحة لبعض الفروق. وجبرت الخروم التي كانت من بعض المخطوطات مثل (ص، والأصل، ر). ورمز لها بالرمز (ت ٢). وتحمل الورقة الأولى في جميع أجزائها وقفا نصه: وقف السلطان السعيد الأعظم وكلته الخاقان الأكرم الأفخم مفسر العدل والإحسان وموضح إجمال الأمور بالرشد والعرفان السلطان بن السلطان السلطان أبو الفتوح والمغازي محمود خان بن السلطان مصطفى خان ثبت الله أساس دولته الطاهرة وخلد صدقته العلية الباهرة، وأنا الفقير إليه ﷾ مصطفى طاهر المفتش بالحرمين الشريفين المحرمين غفر له.\nوتحته خاتم صاحب الوقف، وفوقه خاتم مكتوب فيه: بسم الله الرحمن","vol":"المقدمة","page":80},{"text":"الرحيم الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.\nوعلى يساره تمليك: في نوبة العبد الفقير إلى الله تعالى محمود بن العابدين بن سعيد المتولي الشامي المكي المدني عفى الله عنهما.\nوتحته تمليك آخر: ثم دخل في نوبة العبد أحمد بن أبي بكر قاضيا بمكة المكرمة غفر لهما.\nكتبت بقلم نسخي معتاد، ومسطرتها ٤٥ سطرا.\nالجزء الأول منها: ١٦٩:\nيبدأ بأول الكتاب وينتهي بالآية ١٠ من سورة النساء.\nوعلى وجه الورقة الأولى منه: الجزء الأول من تفسير العلامة ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى.\nأوله: بسم الله الرحمن الرحيم قرئ على أبي جعفر محمد بن جرير الطبري في سنة ست وثلاثمائة.\nوآخره: انتهى والله ﷾ أعلم نجز الجزء الأول من تفسير الإمام العالم الفاضل الأوحد العلامه ابن جرير الطبري نفعنا الله ببركاته وأعاد علينا وعلى المسلمين من صالح دعواته بجاه سيدنا محمد وآله آمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.\nيقع الجزء في ٤٩٤ ورقة من القطع الكبير.\nالجزء الثاني من نفس النسخة: ١٧٠:\nيبدأ بالآية ١١ من سورة النساء وينتهي بآخر سورة هود.","vol":"المقدمة","page":81},{"text":"أوله: بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر يا كريم القول في تأويل قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].\nوآخره: آخر تفسير هود ﵇ ولله الحمد والمنة وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nيقع الجزء في ٥٦٢ ورقة من القطع الكبير.\nالجزء الثالث من النسخة نفسها: ١٧١:\nيبدأ بتفسير سورة يوسف وينتهي بآخر سورة الأحزاب.\nأوله: بسم الله الرحمن الرحيم تفسير السورة التي يذكر فيها يوسف.\nوآخره: آخر تفسير سورة الأحزاب تم الجزء بحمد الله وعونه وحسن توفيقه والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم يتلوه إن شاء الله تعالى تفسير سورة الأحزاب (^١) والحمد لله.\nيقع الجزء في ٥١١ ورقة من القطع الكبير.\nالجزء الرابع والأخير من النسخة نفسها: ١٧٢:\nيبدأ بأول سورة سبأ وينتهي بنهاية الكتاب.\nأوله: بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.\nآخره: آخر كتاب التفسير والحمد لله حق حمده وهذا آخر القول في جامع\n_________\n(^١) أخطأ الناسخ والصواب سورة \"سبأ\".","vol":"المقدمة","page":82},{"text":"البيان على تأويل آي القرآن مما ألفه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀ وجزاه عن طالبي العلم بعده أفضل ما جزى سانَّ سنة حسنة أو دالا عنى مكرمة وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى وآله الطيبين الأخيار وكان الفراغ من كتابة هذا الكتاب المبارك في سبعة عشر من شهر محرم الحرام افتتاح سنة أربعون ومائة وألف بعد الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-32>٣ - نسخة محفوظة بمكتبة آياصوفيا بأرقام [١٨٦ - ١٩٠]:</span>\nوهي نسخة كاملة تضم الكتاب جميعه، وتقع في خمسة مجلدات من القطع الكبير وهي نسخة شبيهة بـ (ت ٢) وقلما تنفرد عنها بجديد، وعلى وجه الورقة الأولى من كل مجلدة:\nمن الكتب التي وقفها فيما بنى وشاد … لمن طالعها واستفاد من العباد\nسائلا منه أن يذكره بالخير والرحمة … فرحم الله من كان من أهل الخير والرحمة\nالعبد الأقل مصطفى العاطف … كفاه الله تعالى يوم لا عاطف\nوتحته خاتم مكتوب فيه: وقف هذا الكتاب الحاج مصطفى عاطف بشرط أن لا يخرج من خزانته ١١٥٦.\nوتحته خاتم مكتبة آياصوفيا.\nوفي أعلاه فهرس لكل مجلد يشتمل أسماء السور الواردة به وأرقام صفحاتها.\nكتبت بخط نسخي حسن. وأشير لها بالرمز (ت ٣).","vol":"المقدمة","page":83},{"text":"الجزء الأول من هذه النسخة: ١٨٦:\nيبدأ بأول الكتاب وينتهي بالآية ١٠٣ من سورة آل عمران.\nأوله: بسم الله الرحمن الرحيم قرئ على أبي جعفر محمد بن جرير الطبري في سنة ست وثلاثمائة …\nوآخره: نجز الجزء الأول بحمد الله وعونه وحسن توفيقه وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا دائمًا أبدا إلى يوم الدين. ثم خاتم صاحب الوقف.\nيقع الجزء في ٤٧٢ ورقة ومسطرته ٤٦ سطرا.\nالجزء الثاني من النسخة نفسها: ١٨٧:\nيبدأ بالآية ١٠٤ سورة آل عمران وينتهي بالآية ١٣٦ من سورة الأعراف.\nعلى الورقة الثانية منه: الجزء الثاني من تفسير محمد بن جرير الطبري.\nوعلى يساره تملك نصه: تملكه الفقير إليه ﷾ محمد بن سليمان عفى الله عنه.\nوخاتم صاحب التملك.\nوأوله: بسم الله الرحمن الرحيم وبه الإعانة والتوفيق القول في تأويل قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] …\nوآخره: نجز الجزء الثاني بحمد الله وعونه وحسن توفيقه من تفسير القرآن العظيم للعلامة الشيخ الإمام الحبر الهمام محمد بن جرير الطبري تغمده الله تعالى برحمته ورضوانه وأسكنه فسيح جنانه ويتلوه القول في تأويل قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ","vol":"المقدمة","page":84},{"text":"الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧] من سورة الأعراف والله أعلم تم.\nثم خاتم صاحب الوقف.\nيقع في ٤٧١ ورقة ومسطرته ٤٥ سطرا.\nالجزء الثالث من النسخة نفسها: ١٨٨:\nيبدأ بالآية ١٣٧ من سورة الأعراف إلى نهاية سورة الإسراء.\nوأوله: بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر ولا تعسر رب تمم بالخير القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾.\nوآخره: آخر تفسير سورة بني إسرائيل ويتلوه تفسير سورة الكهف والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين. نجز الجزء الثالث بحمد الله وعونه على يد كاتبه عامر الشبابيبي المالكي الأزهري في غرة شعبان سنة أربعين ومائة بعد الألف من الهجرة النبوية يتلوه في الذي يليه وهو الرابع في تأويل سورة الكهف.\nالجزء الرابع من النسخة نفسها: ١٨٩:\nيبدأ بأول سورة الكهف وينتهي بانتهاء الآية رقم ٧ من سورة الزمر.\nوأوله: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إعانة وتوفيقا تفسير سورة الكهف.\nوآخره: يتلوه إن شاء الله وبه القوة في الجزء الذي يليه وهو الجزء الحادي","vol":"المقدمة","page":85},{"text":"والعشرين (^١) من كتاب البيان عن تأويل آي الفرقان القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا﴾ إلى ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين وسلم تسليما كثيرا دائما أبدًا إلى يوم الدين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.\nالجزء الخامس والأخير من هذه النسخة: ١٩٠:\nيبدأ بالآية الثامنة من سورة الزمر وتنتهي بآخر التفسير.\nأوله: بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ …﴾.\nوآخره: آخر كتاب التفسير والحمد لله حق حمده هذا آخر القول في جامع البيان عن تأويل آي القرآن مما ألفه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀ وجزاه عن طالبي العلم بعده أفضل ما جزى سانَّ سنة حسنة أو دالا على مكرمة وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى وآله الطيبين الأخيار صلاة وسلاما دائمين متلازمين بدوام ملك الله الواحد القهار وهو حسبي ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ووافق الفراغ من تمام كتابته بعد صلاة عصر يوم الاثنين المبارك ثاني عشرين شهر جمادى الأولى الذي هو من شهور سنة ١١٤٠ من هجرة من له العز والكمال والبهاء والمجد والشرف سيدنا مولانا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ونفعنا بهم أجمعين على يد أفقر العباد والفقير الحقير المعترف بالعجز والتقصير الفقير عامر بن أحمد بن عامر الأشموني الشافعي الأزهري غفر الله له ولوالديه ولمن كان سببا في تحصيل هذا التفسير المبارك ولمن أعان عليه وللمسلمين آمين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين تم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\n_________\n(^١) صوابها: \"عشرون\" وقد آثرنا إثباتها كما جاءت في المخطوط.","vol":"المقدمة","page":86},{"text":"<span data-type='title' id=toc-33>رابعًا: مركز الملك فيصل:</span>\n١ - مجلدتان محفوظتان بالمركز بأرقام (١٠٠، ١٠١): نسختا في القرن الثاني عشر ١١٤٧ هـ ويضمان من التفسير من أواخر الجزء السابع إلى بداية الجزء العشرين.\nويرمز لها بالرمز (ف).\nجزء منهما محفوظ برقم (١٠٠):\nيبدأ بالآية ٧٤ من سورة الأنعام إلى الآية ٥٦ من سورة يونس، وعلى وجه الورقة الأولى منه خاتم لعله خاتم توقيف للنسخة.\nوأوله: بسم الله الرحمن الرحيم رب أعني بفضلك ولطفك يا كريم القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤] …\nوآخره: تم الجزء بحمد الله وعونه وحسن توفيقه يتلوه قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] من بقية سورة يونس، بخير وعافية من تفسير الطبري والله أعلم تم تم آمين.\nيقع في ٣٣٥ ورقة من القطع الكبير مسطرته ٤٥ سطرا.\nوالجزء الثاني منهما محفوظ برقم: ١٠١:\nيبدأ بالآية ٥٧ من سورة يونس وينتهي بالآية ٩٣ آخر سورة النمل. على وجه الورقة الأولى منه. الجزء × من التفسير للشيخ الإمام العالم العلامة والكامل البارع الفهامة أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ﵁.\nوبه تآكل في أوله","vol":"المقدمة","page":87},{"text":"وأوله: بسم الله الرحمن الرحيم القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ …\nوآخره: آخر تفسير سورة النمل وهو آخر الجزء الثالث يتلوه في أول الجزء الرابع أول سورة القصص وكان الفراغ منه يوم الأربعاء سلخ شوال المبارك سنة ١١٤٧ ألف ومائة وسبعة وأربعين على أفقر العباد إلى الله تعالى سلامة بن الحاج سلامة بن الحاج حجازي … غفر الله له ولوالديه ولمالكه ولمن نظر فيه عيبا وأصلحه ولجميع المسلمين آمين آمين آمين والحمد لله رب العالمين تم.\nيقع في ٥٥٢ ورقة، ومسطرته ما بين (٤٠ - ٤٥) سطرا.\n٢ - جزء مصور عن المكتبة البريطانية:\nوهو السفر الثالث من المخطوط الأصل الذي سبقت الإشارة إليه المصور عن جامعة القرويين بفاس.\nجزء مكتوب على رق غزال في أواخر القرن الرابع الهجري، يقع في ٧٧ ورقة من القطع المتوسط ومسطرته ما بين (٢٢ - ٢٧) سطرا يبدأ في أثناء الآية ٥٧ من سورة البقرة وينتهي بالآية ١٠٢ من السورة نفسها. وعلى وجه الورقة الأولى منه: السفر الثالث من جامع البيان عن تأويل آي الفرقان تأليف أبي جعفر محمد بن جرير الطبري رحمة الله عليه.\nوفوقه: فيه من قول الله ﷿ من البقرة ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧] إلى قوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٣].\nوعلى يساره: الحمد لله في يد عبد الله محمد بن عبد السلام …","vol":"المقدمة","page":88},{"text":"وعليها بعض الجمل والأشعار لعل من كاتبها بعض من طالع هذا السفر والله أعلم.\nوأوله: بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على النبي محمد وآله وسلم تسليما القول في تأويل قول الله جل ثناؤه ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ …\nوآخره: تم السفر من جامع البيان عن تأويل آي الفرقان بحمد الله وعونه وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله الطيبين وسلم تسليما يتلوه القول في تأويل قول الله جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] …\n٣ - جزآن في ثلاثة مجلدات من نسخة محفوظة بأرقام (٥٣ - ٥٥): وهي نسخة تغطى من التفسير من أواخر سورة البقرة إلى أوائل سورة الرعد. وهي نسخة رديئة جدا كثيرة سقوطاتها كثير انتقال نظر ناسخها، وكثيرا ما يخطئ - إذا أحسنا الظن - في كتابة الآيات، وقوبلت لأنها أحيانا تفيد في ضبط بعض الأسانيد، وقد استُؤنِس بها في ترجيح بعض فروق النسخ، وأشير لها بالرمز (س).\nالجزء الأول منها: ٥٣:\nيبدأ بالآية ٢٤٠ من سورة البقرة وينتهي في أثناء الآية ١٤٤ من سورة النساء.\nمبتور من أوله ومبتور من آخره\nأوله: القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً﴾ [البقرة: ٢٤٠] …\nوآخره: واختلف أهل القرينة في المعنى الذي من أجله نصب قوله ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠] فقال بعض نحوى الكوفة نصب ﴿خَيْرًا﴾ على.","vol":"المقدمة","page":89},{"text":"يقع في ٣١٦ ورقة من القطع الكبير ومسطرته ٤٥ سطرا، بقلم رقعة رديء.\nالجزء الثاني منها ويضم المجلدة الثانية والثالثة: (٥٤، ٥٥):\nيبدأ بأول سورة المائدة وينتهي بالآية ٢٩ من سورة الرعد.\nأوله: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الفه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم القول في تأويل قوله عز ذكره ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] …\nوآخره: تم الجزء الثاني من تفسير ابن جرير الطبري تغمده الله برحمته على يد أفقر العباد وأحوجهم إلى الله الفقير الثاني علي عبد الهادي الشنواني غفر الله له في سادس شهر ربيع الثاني ١١٤٥. يتلوه الجزء الثالث القول في تأويل قوله: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ﴾ [الرعد: ٣٠].\nيقع الجزء في ٥٧٠ ورقة من القطع الكبير ومسطرته ٤٥ سطرا.\n\n<span data-type='title' id=toc-34>خامسًا: دار الكتب المصرية:</span>\nنسخة مصورة عن دار الكتب المصرية، تقع في ٢٥ مجلدة، تشمل التفسير كله من أوله وحتى آخره، وهي نسخة كاملة لولا فقدان الجزء الثالث منها، ولولا بتر في آخر بعض أجزائها، ولولا خرم فيها يقع في الجزء الثاني منها، وستأتي الإشارة إليه وقد تم دمج الجزء الأول والثاني منها في دار الكتب المصرية تحت مسمى الجزء الأول وحفظا معًا برقم واحد.\nوهذه النسخة هي النسخة التي اعتمد عليها الشيخ شاكر ﵀ في تحقيقه، وهي محفوظة في دار الكتب وسيكتب أمام كل جزء رقم حفظه عند توصيفه.\nوقد أشير إليها في التحقيق بالرمز (ص)، وعلى جميع أجزاء هذه النسخة -","vol":"المقدمة","page":90},{"text":"عدا الجزء الثاني - خاتم هذا نصه: \"الكتبخانة الخديوية المصرية\". وعلى كل أجزائها أيضًا كتب بخط دقيق نسبيًّا وحديث: \"تفسير صرغتمش - أول دفعة\".\nوبها وقف على بعض أجزائها وهي: ١، ٢، ٤، ٥، ٦، ٧، ٨، ٩، ٢١ هذا نصه:\n\"وقف وحبَّس وسبَّل وتصدَّق العبد الفقير إلى الله تعالى المعز الأشرف العالي السيفي صرغتمش رأس نوبة الأمراء الجندارية الملكي الناصري أسبغ الله ظلاله وختم بالصالحات أعماله جميع الجزء المبارك من تفسير القرآن العظيم للإمام أبي جعفر محمد الطبري ﵀ من تجزئة اثنين وعشرين جزءًا على المشتغلين بالعلم الشريف وعلى المقيمين بالمدرسة الحنفية المجاررة لجامع طولون المنسوبة للمقر الأشرف المشار إليه أعلاه أحسن الله إليه وغفر له ولوالديه وللمسلمين لينتفعوا بذلك في الاشتغال والكتابة منه ليلًا ونهارًا ولا يمنع لمن يطالعه ومن يكتب منه بحيث لا يخرج من المدرسة المذكورة ولا يباع ولا يرهن ولا يوهب ولا يبدل ولا يغير وقفا صحيحًا شرعيًّا قصد الواقف بهذا الوقف ابتغاء وجه الله العطم، تقبل الله منه ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١] \".\nوهي نسخة جيدة كتبت بخط نسخي جيد، ومسطرتها واحدة في جميع أجزائها؛ ٢٣ سطرًا، وأوراقها من القطع المتوسط\nالجزء الأول: ١١٩٣٥:\nيقع في (٢١٨) ورقة، ويبدأ بأول الكتاب وينتهي في أثناء تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥] وبه بتر في آخره بمقدار ما يستغرقه تفسير بقية الآية فيما يعادل ورقة ونصف تقريبا حيث انتهى الجزء الأول في ظهر الورقة (٢١٨)","vol":"المقدمة","page":91},{"text":"وبدأ الجزء الثاني في وجه الورقة (٢٢١).\nوعلى وجه الورقة الأولى منه: الجزء الأول من جامع البيان في تأويل القرآن، تأليف أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ﵀ وتحته كتب الوقف المشار إليه آنفا.\nوأول الجزء: بسم الله الرحمن الرحيم رب تمم برحمتك\nقال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀: الحمد لله الذي حجت الألباب بدائع حكمه …\nالجزء الثاني: ١١٩٣٥:\nيقع في (١٦) ورقة، ويبدأ بتفسير الآية (٥٦) من سورة البقرة، وينتهي في أثناء تفسير الآية (١٥٠) من السورة نفسها.\nوبه خرم كبير يبدأ في أثناء الآية (٥٨)، وينتهي في أثناء الآية (١٤٦).\nوعلى وجه الورقة الأولى منه: المجلد الثاني من جامع البيان في تأويل القرآن تأليف الشيخ الإمام أبى جعفر محمد بن جرير الطبري، ﵀ من سورة البقرة، فيه من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] إلى قوله في سورة البقرة: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠] وتحته كتبت صيغة الوقف المشار إليه آنفا.\nوأول الجزء: بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر ولا تعسر القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\nوآخره: تم المجلد الثاني بعون الله تعالى، والصلاة على نبيه محمد وآله وصحبه وسلم. يتلوه في الثالث إن شاء الله تعالى القول في تأويل قوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي","vol":"المقدمة","page":92},{"text":"عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إن شاء الله تعالى وهو بقية الجزء السادس والعشرون.\nوقوله: وهو بقية الجزء السادس والعشرون. هو إشارة إلى التقسيم الداخلي لكل مجلدة حيث هي مقسمة إلى أجزاء.\nالجزء الرابع: ١١٤٦٥:\nيقع في (٢٤٦) ورقة، ويبدأ في أثناء الآية (٢٢٠) من سورة البقرة وينتهي بتفسير الآية (٢٦٢) من السورة نفسها. وعلى وجه الورقة الأولى منه: المجلد الرابع من جامع البيان في تأويل القرآن تأليف الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ﵀ فيه من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] إلى سورة البقرة قوله: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] منها أيضًا ﴿وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٣] في سورة البقرة.\nوتحته صيغة الوقف.\nوأول الجزء: بسم الله الرحمن الرحيم رب أعن برحمتك.\nالقول في تأويل قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾.\nوآخره: آخر المجلد الرابع من كتاب البيان، يتلوه في الخامس إن شاء الله تعالى.\nالقول في تأويل قوله: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ وكان الفراغ منه في شهر ذي الحجة سنة أربع عشرة وسبعمائة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.","vol":"المقدمة","page":93},{"text":"الجزء الخامس: ١١٤٦٦:\nيقع في (٢٤٣) ورقة، ويبدأ بتفسير الآية (٢٦٣) من سورة البقرة وينتهي بتفسير الآية (١٠٣) من سورة آل عمران\nوعلى وجه الورقه الأولى منه: الجزء الخامس من جامع البيان في تأويل القرآن تأليف الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ﵀ فيه من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ﴾ إلى آخرها ومن سورة آل عمران إلى قوله في سورة آل عمران: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وصلى الله على محمد\nوتحته صيغة الوقف\nوأول الجزء: بسم الله الرحمن الرحيم رب أعن\nالقول في تأويل قوله: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى …﴾ [البقرة: ٢٦٣].\nوآخره: نجز الجزء الخامس من كتاب البيان بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه أعان الله على ما بعده بمنه وكرمه وخفي لطفه وسعة رحمته إنه ولي ذلك والقادر عليه. يتلوه في السادس إن شاء الله تعالى: القول في تأويل قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وكان الفراغ منه في شهر الله المحرم غرة سنة خمس عشرة وسبعمائة. أحسن الله تقضيها وخاتمتها في خير عافية بمنه وكرمه ولطفه. على هذا العبد الفقير إلى رحمة مولاه الغني به عمن سواه علي بن محمد بن عباد بن عبد الصمد بن صالح الدنديلي الشافعي، غفر الله له ولوالديه ولصاحب هذا الكتاب ولمن قرأ فيه ودعا لهم","vol":"المقدمة","page":94},{"text":"بالتوبة. والمغفرة ورضى الله تعالى والجنة ولجميع المسلمين، وذلك بالقاهرة المحروسة بحارة العطوفة. الحمد لله رب العالمين.\nالجزء السادس: ١١٤٦٧:\nيقع في (٢٤٥) ورقة وفيه من الآية (١٠٤) من سورة آل عمران إلى الآية (٣١) من سورة النساء.\nوعلى وجه الورقة الأولى منه: الجزء السادس من جامع البيان في تأويل القرآن تأليف الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ﵀.\nفيه من قوله تعالى في سورة آل عمران ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] إلى قوله في سورة النساء: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] وصلى الله على سيدنا محمد وآله\nوتحته صيغة الوقف.\nوأول الجزء: بسم الله الرحمن الرحيم رب أعن القول في تأويل قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ …﴾.\nوآخره: نجز الجزء السادس من الكتاب بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم. يتلوه في الجزء السابع إن شاء الله تعالى: القول في تأويل قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ وكان الفراغ منه في بعض شهور سنة خمس عشرة وسبعمائة أحسن الله بعضها وخاتمتها في خير وعافية بمنه وكرمه. غفر الله لصاحبه ولكاتبه ولمؤلفه ولجميع المسلمين. الحمد لله رب العالمين.\nوكتب تحته بخط دقيق:","vol":"المقدمة","page":95},{"text":"\"طالعه الفقير إليه سبحانه، محمد بن محمود بن محمد بن حسين الجزائري الحنفي، عفى عنهم بمنه وكرمه وأتمه بتاريخ ثاني شهر ربيع الأول من سنة تسع وثلاثين واثني عشر مائة. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.\nالجزء السابع: ١١٤٦٨:\nيقع في (٢٤٦) ورقة، وفيه من الآية (٣١) من سورة النساء إلى الآية (١٥٨) من السوره نفسها.\nوعلى وجه الورقة الأولى منه: الجزء السابع من جامع البيان في تأويل القرآن. تأليف الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ﵀.\nفيه من قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] من سورة النساء إلى قوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨] منها أيضًا.\nوتحته صيغة الوقف.\nوأول الجزء: بسم الله الرحمن الرحيم رب أعن.\nالقول في تأويل قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ …﴾.\nوآخره: يتلوه في أول الثامن إن شاء الله تعالى: القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]. وكان الفراغ منه في شهر ربيع الأول سنة خمسة عشرة وسبعمائة غفر الله لمؤلفه ولصاحبه ولكاتبه ولمن طالع فيه ودعا لهم بالمغفرة ورضا الله تعالى والجنة ولجميع المسلمين. آمين يا رب العالمين.","vol":"المقدمة","page":96},{"text":"الجزء الثامن: ١١٤٦٩:\nيقع في (٢٨١) ورقة وفيه من الآية (١٥٩) من سورة النساء إلى الآية (٩٥) من سورة المائدة.\nوعلى وجه الورقة الأولى منه: الجزء الثامن من جامع البيان في تأويل القرآن. تأليف الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ﵀. فيه من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ إلى قوله في سورة المائدة: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وصلى الله على محمد.\nوتحته صيغة الوقف\nوأول الجزء: بسم الله الرحمن الرحيم. رب يسر برحمتك يا كريم.\nالقول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ …﴾ [النساء: ١٥٩].\nوآخره: تم المجلد الثامن بحمد الله وعونه وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم يتلوه في التاسع إن شاء الله تعالى: ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا أبو عاصم قال: أخبرنا ابن جرير قال: قلت لعطاء: ما عدل ذلك صياما؟ قال: عدل الطعام من الصيام. وكان الفراغ منه في شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وسبعمائة.\nالجزء التاسع: ١١٤٧٠:\nيقع في (٢٤٦) ورقة، وفيه من الآية (٩٥) من سورة المائدة إلى الآية (١٤٢) من سورة الأنعام.","vol":"المقدمة","page":97},{"text":"وعلى وجه الورقة الأولى منه: المجلد التاسع من جامع البيان في تأويل القرآن تأليف الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀. فيه من سورة المائدة من قوله ﷿: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] إلى قوله في الأنعام: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢].\nوتحته صيغة الوقف\nوأول الجزء: بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر\nبقية تفسير: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥].\nوآخره: نجز الجزء التاسع بحمد الله وعونه وحسن توفيقه ومنه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. يتلوه في العاشر إن شاء الله تعالى: القول في تأويل قوله: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢]. وكان الفراغ من كتابته في جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبعمائة، أحسن الله بعضها وخاتمتها في خير عافية والله المعين على تكملة جميع الكتاب إن شاء الله تعالى.\nغفر الله لمؤلفه ولصاحبه ولكاتبه ولمن نظر فيه ودعا لهم بالمغفرة ورضى الله والجنة ولجميع المسلمين. الحمد لله رب العالمين.\nالجزء العاشر: ١١٤٧١:\nيقع في (٢٤٥) ورقة، وفيه من الآية (١٤٢) من سورة الأنعام إلى الآية (١٩١) من سورة الأعراف.\nوعلى وجه الورقة الأولى منه: الجزء العاشر من جامع البيان في تأويل القرآن تأليف الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ﵀. فيه من قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾. إلى قوله في سورة","vol":"المقدمة","page":98},{"text":"الأعراف: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١] وصلى الله على محمد.\nوأول الجزء: بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر القول في تأريل قوله: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾.\nوآخره: نجز الجزء العاشر من كتاب البيان بحمد الله وعونه وحسن توفيقه وبمنه. وصلى الله على محمد يتلوه في الحادي عشر إن شاء الله تعالى: القول في تأويل قوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.\nوكان الفراغ من نسخه في شهر جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبعمائة غفر الله لكاتبه ولمؤلفه ولمن كتب لأجله لجميع المسلمين الحمد الله رب العالمين.\nالجزء الحادي عشر: ١١٤٧٢:\nيقع في (٢٤٦) ورقة، وفيه من الآية (١٩١) الأعراف إلى الآية (١٠٦) من سورة التوبة.\nوعلى وجه الورقة الأولى منه:\nالجزء الحادي عشر من جامع البيان في تأويل القرآن تأليف الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ﵀. فيه من قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١]. وسورة الأنفال ومن سورة براءة إلى قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦] وصلى الله على محمد.\nوأول الجزء: بسم الله الرحمن الرحيم. رب يسر برحمتك","vol":"المقدمة","page":99},{"text":"القول في تأويل قوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.\nوآخره: نجز المجلد الحادي عشر من كتاب البيان بحمد الله وعونه وحسن توفيقه. يتلوه في الجزء الثاني عشر إن شاء الله تعالى: القول في تأويل قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\nوكان الفراغ من نسخه في شهر شعبان المبارك سنة خمس عشرة وسبعمائة. غفر الله لمؤلفه ولصاحبه ولكاتبه ولجميع المسلمين.\nالجزء الثاني عشر: ١١٩٥٧:\nيقع في (٢٤٣) ورقة، وفيه من الآية (١٠٦) من سورة التوبة إلى الآية (٢٠) من سورة يوسف.\nوعلى وجه الورقة الأولى منه: المجلد الثاني عشر من جامع البيان في تأويل القرآن. تأليف الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ﵀.\nفيه من قوله تعالى في سورة براءة: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦] وسورة يونس وسورة هود وفي سورة يوسف إلى قوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠].\nوأول الجزء: بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر\nالقول في تأويل قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ …﴾.\nوآخره: نجز الجزء الثاني عشر بحمد الله وعونه. صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. يتلوه في أول الثالث عشر إن شاء الله تعالى:\nالقول في تأويل قوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ وكان الفراغ منه في شهر رمضان المعظم سنة خمس عشرة وسبعمائة.","vol":"المقدمة","page":100},{"text":"الجزء الثالث عشر: ١١٤٧٣:\nيقع في (٢٢٩) ورقة، وفيه من الآية (٢٠) من سورة يوسف إلى الآية (٤٢) من سورة إبراهيم.\nوعلى وجه الورقة الأولى منه: الجزء الثالث عشر من جامع البيان في تأويل القرآن. تأليف الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ﵀. فيه من قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ وسورة الرعد ومن سورة إبراهيم إلى قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] وصلى الله على محمد.\nوأوله: بسم الله الرحمن الرحيم. رب يسر\nالقول في تأويل قوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ …﴾.\nوآخره: تم المجلد الثالث عشر من كتاب البيان بحمد الله وعونه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.\nوكان الفراغ منه في شهر شوال سنة خمس عشرة وسبعمائة يتلوه في الرابع عشر إن شاء الله تعالى: القول في تأويل قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. الحمد لله رب العالمين.\nغفر الله لصاحبه ولمؤلفه ولكاتبه وللناظر فيه ولمن دعا لهم بالمغفرة ورضا الله والجنة ولجميع المسلمين، آمين.\nوتحته بخط دقيق، طالع فيه الفقير إليه سبحانه محمد بن محمود بن محمد بن حسين الجزائري الحنفي بتاريخ … سنة ١٢٣٩.","vol":"المقدمة","page":101},{"text":"الجزء الرابع عشر: ١١٩٢٦:\nيقع في (٢٤٥) ورقة، وفيه من الآية (٤٢) من سورة إبراهيم إلى الآية (٣٦) من سورة الإسراء\nوعلى وجه الورقة الأولى منه: الجزء الرابع عشر من جامع البيان في تأويل القرآن تأليف الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ﵀.\nفيه من قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ وسورة الحجر وسورة النحل إلى قوله في سورة بني إسرائيل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وصلى الله على سيدنا محمد.\nوأول الجزء: بسم الله الرحمن الرحيم رب تمم يا كريم.\nالقول في تأويل قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾.\nوآخره: نجز الجزء المبارك وهو الرابع عشر من تفسير الطبري ﵁ بحمد الله وعونه وحسن توفيقه. يتلوه في أول الخامس عشر إن شاء الله تعالى: القول في تأويل قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].\nوكان الفراغ من نسخه في شهر شوال المبارك سنة خمس عشرة وسبعمائة.\nالجزء الخامس عشر: ١١٤٧٤:\nيقع في (٢٣١) ورقة، فيه من الآية (٣٦) من سورة الإسراء إلى الآية (٥٩) من سورة مريم.\nوعلى وجه الورقة الأولى منه: الجزء الخامس عشر من جامع البيان في تأويل","vol":"المقدمة","page":102},{"text":"القرآن: تأليف الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ﵀ فيه من قوله تعالى في سورة بني إسرائيل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وسورة الكهف، إلى قوله في سورة مريم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم: ٥٩] وصلى الله على محمد.\nوأول الجزء: بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر\nالقول في تأويل قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ …﴾.\nوآخره: نجز الجزء الخامس عشر من كتاب البيان من التفسير للطبري بحمد الله ومنه وصلى الله على سيدنا محمد. يتلوه في أول الجزء السادس عشر إن شاء الله تعالى: القول في تأويل قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ وكان الفراغ من نسخه في ذي القعدة سنة خمس عشرة وسبعمائة.\nغفر الله لصاحبه ولمؤلفه ولكاتبه ولجميع المسلمين.\nالجزء السادس عشر: ١١٩١٠:\nيقع في (٢٤٥) ورقة، وفيه من الآية (٥٩) من سورة مريم إلى الآية (٤٦) من سورة الحج.\nوعلى وجه الورقة الأولى منه: الجزء السادس عشر من جامع البيان في تأويل القرآن. تأليف الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀.\nفيه بقية تفسير سورة مريم وطه والأنبياء وفي الحج إلى قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: ٤٦].","vol":"المقدمة","page":103},{"text":"وأول الجزء: بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر\nباقي تفسير سورة مريم\nوآخره: نجز المجلد السادس عشر من التفسير للطبري بحمد الله وعونه وحسن ترفيقه وصلى الله على سيدنا محمد. يتلوه في السابع عشر إن شاء الله تعالى: القول في تأويل قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ وكان الفراغ منه في ذي القعدة سنة خمس عشرة وسبعمائة. غفر الله لصاحبه ولمؤلفه ولكاتبه ولجميع المسلمين. ولمن قرأ فيه ودعا لهم بالمغفرة ورضا الله تعالى والجنة ولسائر المسلمين.\nالجزء السابع عشر: ١١٤٧٥:\nيقع في (٢٤٦) ورقة، وفيه من الآية (٤٦) من سورة الحج إلى الآية (١٣٦) من سورة الشعراء.\nوعلى وجه الورقة الأولى منه: الجزء السابع عشر من جامع البيان في تأويل القرآن. تأليف الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ﵀.\nفيه من قوله تعالى في سورة الحج: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ - وسورة المؤمنون والنور والفرقان إلى قوله في الشعراء: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا﴾ وصلى الله على محمد وآله.\nوأول الجزء: بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر\nالقول في تأويل قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ …﴾ [الحج: ٤٦].","vol":"المقدمة","page":104},{"text":"وآخره: نجز السابع عشر من كتاب التفسير بحمد الله وعونه وحسن توفيقه وصلى الله على سيدنا محمد. يتلوه في الثامن عشر إن شاء الله تعالى: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] وكان الفراغ من نسخه في شهر ذي الحجة سنة خمس عشرة وسبعمائة.\nغفر الله لكاتبه ولقارئه ولمؤلفه ولصاحبه ولجميع المسلمين.\nالجزء الثامن عشر: ١٢٠٣٩:\nيقع في (٢٤٤) ورقة، وفيه من الآية (١٣٦) إلى آخر لقمان وعلى وجه الورقة الأولى منه: الجزء الثامن عشر من جامع البيان في تأويل القرآن تأليف الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري\nفيه بقية سورة الشعراء ومن أول سورة النمل إلى آخر لقمان الحمد لله رب العالمين.\nالقصص العنكبوت الروم لقمان\nوأوله: بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر\nبقية تفسير سورة الشعراء\nوآخره: تمت سورة لقمان. آخر الجزء الثامن عشر بحمد الله وعونه يتلوه في أول التاسع عشر إن شاء الله تعالى أول سورة السجدة.\nوكان الفراغ منه في شهر الله المحرم سنة ست عشرة وسبعمائة أحسن الله بعضها وخاتمتها في خير وعافية بمنه وكرمه غفر الله لمؤلفه ولصاحبه ولكاتبه ولمن قرأ فيه ودعا لهم بالمغفرة ورضا الله تعالى والجنة ولجميع المسلمين. آمين آمين آمين يا رب","vol":"المقدمة","page":105},{"text":"العالمين.\nالجزء التاسع عشر: ١١٤٧٦:\nيقع في (٨٣) ورقة، وفيه من أول السجدة إلى الآية (١٠٧) من سورة الصافات.\nوعلى وجه الورقة الأولى منه: الجزء التاسع عشر من جامع البيان في تأويل القرآن.\nتأليف الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ﵀ فيه سورة السجدة والأحزاب وسبأ وفاطر ويس وفي سورة الصافات إلى قوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] صلى الله على محمد.\nوأول الجزء: بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر.\nتفسير سورة السجدة.\nوآخره: نجز الجزء التاسع عشر من كتاب تفسير الطبري بحمد الله وعونه وحسن توفيقه. وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم. يتلوه في أول العشرين إن شاء الله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] وكان الفراغ منه في صفر سنة ست عشرة وسبعمائة على يد علي بن محمد بن عباد بن عبد الصمد الديديلي الشافعي نفعه الله بالعلم وجميع المسلمين، وذلك بالقاهرة المحروسة.\nالجزء العشرون: ١١٩٥٨:\nيقع في (٢٣٤) ورقة وفيه من الآية (١٠٧) إلى آخر الشورى وعلى وجه الورقة","vol":"المقدمة","page":106},{"text":"الأولى منه: المجلد العشرون من جامع البيات في تأويل القرآن تأليف الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري.\nفيه من قوله تعالى في سورة الصافات: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ وسورة ص. وتنزيل والمؤمن وفصلت والشورى. وصلى الله على محمد.\nوأول الجزء: بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر.\nبقية سورة الصافات\nالقول في تأويل قوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ …﴾.\nوآخره: كمل المجلد العشرون من تفسير الطبري بحمد الله وعونه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. يتلوه في الحادي والعشرين إن شاء الله تعالى تفسير سورة الزخرف.\nوكان الفراغ منه في شهر ربيع أول سنة ست عشرة وسبعمائة.\nالجزء الحادي والعشرون: ١١٩٤٢:\nيقع في (٢٣٣) ورقة، وفيه من أول الزخرف إلى آخر (ق) وعلى وجه الورقة الأولى منه: الجزء الحادي والعشرون من جامع البيان في تأويل القرآن. تأليف الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀ فيه من أول سورة الزخرف والدخان والجاثية والأحقاف والقتال والفتح والحجرات وق. وصلى الله على محمد.\nوتحته كتبت صيغة الوقف المشار إليه سابقا.\nوأول الجزء: بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن وتمم.","vol":"المقدمة","page":107},{"text":"وآخره: آخر تفسير سورة قاف. تم المجلد الحادي والعشرون من التفسير المبارك والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله.\nيتلوه في الثاني والعشرين إن شاء الله تعالى تفسير سورة والذاريات ووافق الفراغ منه في … سنة عشر وسبعمائة.\nالجزء الثاني والعشرون: ١١٤٧٧:\nالموجود منه يقع في (٢٢٤) ورقة، وفيه من أول سورة والذاريات إلى آخر المجادلة، إلا أن به بترًا في آخره أصاب آخر آيتين في المجادلة.\nوعلى وجه الورقة الأولى منه: الجزء الثاني والعشرون من جامع البيان في تأويل القرآن. تأليف الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ﵀.\nفيه من أول سورة والذاريات، والطور، والنجم، والساعة، والرحمن، والواقعة، والحديد، والمجادلة، وصلى الله على محمد.\nوأول الجزء: بسم الله الرحمن الرحيم. رب يسر.\nتفسر سورة والذاريات.\nوآخره: وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] يقول: إن الله جل ثناؤه ذو قوة وقدرة على كل من حاده ورسوله أن يهلكه ذو عزة فلا يقدر أحد أن ينتصر منه إذا هو أهلك وليه أو عاقبه أصابه.\nالجزء الثالث والعشرون: ١١٩١٢:\nيقع في (٢٤١) ورقة، وفيه من أول الحشر إلى آخر المدثر.\nوعلى وجه الورقة الأولى منه: الجزء الثالث والعشرون من جامع البيان في","vol":"المقدمة","page":108},{"text":"تأويل القرآن. تأليف الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ﵀.\nفيه من أول سورة الحشر إلى آخر تفسير سورة المدثر، وصلى الله على محمد.\nوأول الجزء: بسم الله الرحمن الرحيم. رب يسر برحمتك تفسير سورة الحشر …\nوآخره: آخر سورة المدثر، والحمد للَّه.\nتم المجلد الثالث والعشرون من تفسير الطبري بحمد الله وعونه يتلوه في الرابع والعشرين إن شاء الله تعالى سورة القيامة. الحمد للَّه رب العالمين. وصلى الله على محمد وآله وسلم.\nالجزء الرابع والعشرون: ١١٤٧٨:\nيقع في (١٥٩) ورقة، الورقة الأولى منه مفقودة، وجهًا وظهرًا، وفيه من أول القيامة إلى آخر تفسير سورة الأعلى.\nأوله: توكيد القسم كقوله: لا والله، وقال بعض نحويى الكوفة: لا ردًّا لكلام قد مضى ....\nوآخره: آخر تفسير سورة سبح اسم ربك الأعلى، يتلوه تفسير سورة الغاشية إن شاء الله تعالى.\nالجزء الخامس والعشرون: ١١٤٦٤:\nيقع الموجود منه في (١٣١) ورقة، وفيه من أول الغاشية، إلى ما قبل آخر تفسير الفلق بقليل والباقي مبتور؛ بُتر في أثناء تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]، ووجه الورقة الأولى منه مفقود.","vol":"المقدمة","page":109},{"text":"وأوله: بسم الله الرحمن الرحيم. تفسير سورة الغاشية.\nوآخره: وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ يقول: ومن شر السواحر اللاتي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي قال حدثني عمي قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس.","vol":"المقدمة","page":110},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>نماذج من مخطوطات التفسير\nالتي اعتمدنا عليها في التحقيق</span>","vol":"المقدمة","page":111},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط الأصل ج ٢","vol":"المقدمة","page":113},{"text":"ظهر الورقة الأولى من المخطوطة الأصل ج ٢","vol":"المقدمة","page":114},{"text":"اللوحة الأخيرة من المخطوط الأصل ج ٢","vol":"المقدمة","page":115},{"text":"وجه الورقة الأولى من الجزء الثالث من المخطوط الأصل","vol":"المقدمة","page":116},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط الأصل ج ٤","vol":"المقدمة","page":117},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط الأصل ج ٨","vol":"المقدمة","page":118},{"text":"اللوحة الأولى من المخطوط الأصل ج ١١","vol":"المقدمة","page":119},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط الأصل ج ١٢","vol":"المقدمة","page":120},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط الأصل ج ١٣","vol":"المقدمة","page":121},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط الأصل ج ١٩","vol":"المقدمة","page":122},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط الأصل ج ٢٠","vol":"المقدمة","page":123},{"text":"وجه الورقة الأخيرة من المخطوط الأصل ج ٣١\nويظهر عليها تاريخ نسخ المخطوط ٣٩١ هـ","vol":"المقدمة","page":124},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط الأصل ج ٣٦","vol":"المقدمة","page":125},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط الأصل ج ٤٤","vol":"المقدمة","page":126},{"text":"ظهر الورقة الأولى من المخطوط الأصل ج ٤٦","vol":"المقدمة","page":127},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط الأصل ج ٤٧","vol":"المقدمة","page":128},{"text":"وجه الورقة الثانية من المخطوط الأصل ج ٤٧","vol":"المقدمة","page":129},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ر)","vol":"المقدمة","page":130},{"text":"الورقة الأولى من المخطوط (ر)","vol":"المقدمة","page":131},{"text":"ظهر الورقة الأخيرة من المخطوط (ر)","vol":"المقدمة","page":132},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط ت ١ ج ١","vol":"المقدمة","page":133},{"text":"ظهر الورقة الأولى من المخطوط ت ١ ج ١","vol":"المقدمة","page":134},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط ت ١ ج ٢","vol":"المقدمة","page":135},{"text":"وجه الورقة الأخيرة من المخطوط ت ١ ج ٢","vol":"المقدمة","page":136},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط ت ٢ ج ١","vol":"المقدمة","page":137},{"text":"ظهر الورقة الأولى من المخطوط ت ٢ ج ١","vol":"المقدمة","page":138},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط ت ٢ ج ٢","vol":"المقدمة","page":139},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط ت ٢ ج ٣","vol":"المقدمة","page":140},{"text":"ظهر الورقة الأولى من المخطوط ت ٢ ج ٤","vol":"المقدمة","page":141},{"text":"وجه الورقة الأخيرة من الجزء الرابع من المخطوط ت ٢","vol":"المقدمة","page":142},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط ت ٣ ج ١","vol":"المقدمة","page":143},{"text":"ظهر الورقة الأولى من المخطوط ت ٣ ج ١","vol":"المقدمة","page":144},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط ت ٣ ج ٢","vol":"المقدمة","page":145},{"text":"ظهر الورقة الأولى من المخطوط ت ٣ ج ٣","vol":"المقدمة","page":146},{"text":"ظهر الورقة الأولى من المخطوط ت ٣ ج ٤","vol":"المقدمة","page":147},{"text":"ظهر الورقة الأولى من المخطوط ت ٣ ج ٥","vol":"المقدمة","page":148},{"text":"ظهر الورقة الأخيرة من المخطوط ت ٣ ج ٥","vol":"المقدمة","page":149},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط ف ج ١","vol":"المقدمة","page":150},{"text":"ظهر الورقة الأخيرة من المخطوط ف ج ١","vol":"المقدمة","page":151},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط ف ج ٢","vol":"المقدمة","page":152},{"text":"وجه الورقة الأخيرة من المخطوط ف ج ٢","vol":"المقدمة","page":153},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط س ج ١","vol":"المقدمة","page":154},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط س ج ٢","vol":"المقدمة","page":155},{"text":"وجه الورقة الأخيرة من المخطوط س ج ٢","vol":"المقدمة","page":156},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ١","vol":"المقدمة","page":157},{"text":"الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ١","vol":"المقدمة","page":158},{"text":"ظهر الورقة الأخيرة من المخطوط (ص) ج ١، ووجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ٢","vol":"المقدمة","page":159},{"text":"ظهر الورقة الأخيرة من المخطوط (ص) ج ٢","vol":"المقدمة","page":160},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ٤","vol":"المقدمة","page":161},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ٥","vol":"المقدمة","page":162},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ٦","vol":"المقدمة","page":163},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ٧","vol":"المقدمة","page":164},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ٨","vol":"المقدمة","page":165},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ٩","vol":"المقدمة","page":166},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ١٠","vol":"المقدمة","page":167},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ١١","vol":"المقدمة","page":168},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ١٢","vol":"المقدمة","page":169},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ١٣","vol":"المقدمة","page":170},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ١٤","vol":"المقدمة","page":171},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ١٥","vol":"المقدمة","page":172},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ١٦","vol":"المقدمة","page":173},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ١٧","vol":"المقدمة","page":174},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ١٨","vol":"المقدمة","page":175},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ١٩","vol":"المقدمة","page":176},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ٢٠","vol":"المقدمة","page":177},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ٢١","vol":"المقدمة","page":178},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ٢٢","vol":"المقدمة","page":179},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ٢٣","vol":"المقدمة","page":180},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ٢٤","vol":"المقدمة","page":181},{"text":"وجه الورقة الأولى من المخطوط (ص) ج ٢٥","vol":"المقدمة","page":182},{"text":"آخر المخطوط (ص) ج ٢٥","vol":"المقدمة","page":183},{"text":"<span data-type='title' id=toc-36>الأسانيد الدائرة الضعيفة\nفي التفسير</span>","vol":"المقدمة","page":185},{"text":"<span data-type='title' id=toc-37>الكلام على الأسانيد الدائرة الضعيفة:</span>\nلما كان تفسير الطبري يدور في غالب أسانيده على عدة أسانيد متكررة، آثرنا أن نصدِّر النصَّ المحقق ببعض الأقوال التي يمكن الحكم من خلالها على هذه الأسانيد الضعيفة، وسكتنا عن الأسانيد الدائرة الصحيحة؛ وذلك لعدم إثقال الكتاب بالحواشي المتكررة، وتوفيرًا لجهد الباحث في الوصول إلى الحكم على أغلب أسانيد الكتاب، وقد رتبناها على حسب كثرة ورودها على النحو التالي:\n* سعيد بن أبي عروبة عن قتادة:\nقال يحيى بن سعيد: سعيد بن أبي عروبة لم يسمع التفسير من قتادة.\nوقال أبو حاتم: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم يكن لسعيد بن أبي عروبة كتب، إنما كان حفظ ذلك كله، وزعموا أن سعيدًا قال: لم أكتب إلا تفسير قتادة، وذلك أن أبا معشر كتب إليَّ أن أكتبه (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-38> جويبر عن الضحاك:</span>\nقال أحمد بن حنبل: ما كان عن الضحاك فهو على ذاك أيسر، وما كان بسند عن النبي ﷺ فهو منكر.\nوقال يحيى: جويبر لم يكن بالقوي عن الضحاك قال: فقلت: فعن غيره؟ قال: ليس هو بقوي في غيره؛ هو ضعيف.\nوقال أحمد بن سيار المروزي: كان من أهل بلخ وهو صاحب الضحاك، وله رواية ومعرفة بأيام الناس وحاله حسن في التفسير، وهو لين في الرواية.\nوقال سفيان الثوري: لولا جويبر لم آت علم الضحاك بن مزاحم (^٢).\n_________\n(^١) الجرح ١/ ٢٤٠، ٤/ ٦٥، وتهذيب الكمال ١١/ ٨.\n(^٢) تهذيب الكمال ٥/ ١٦٧ - ١٧١.","vol":"المقدمة","page":187},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-39> ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد:</span>\nقال ابن عيينة ويحيى القطان وابن حبان: لم يسمع عبد الله بن أبي نجيح التفسير من مجاهد إنما نظر في كتاب القاسم بن أبي بزة عن مجاهد.\nوهو يروى أيضًا عن عبد الله بن كثير عن مجاهد.\nوالقاسم وعبد الله بن كثير ثقتان. وقال شيخ الإسلام: إن تفسير مجاهد من أصح التفسير (^١).\n\n-<span data-type='title' id=toc-40> عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير:</span>\nلم يسمع عطاء بن دينار التفسير من سعيد بن جبير.\nقال أحمد بن صالح: تفسيره فيما نُرى عن سعيد بن جبير صحيفة، وليست له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير.\nوقال أبو حاتم: كتب عبد الملك بن مروان إلى سعيد بن جبير أن يكتب إليه تفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فأخذه عطاء من الديوان، فرواه (^٢).\n\n-<span data-type='title' id=toc-41> حجاج عن ابن جريج عن مجاهد.</span>\n-<span data-type='title' id=toc-42> وحجاج عن ابن جريج عن ابن عباس.</span>\nلم يدرك ابن جريج ابن عباس، يروى عن أصحابه عنه.\nوقال ابن المديني: لم يلق أحدًا من الصحابة.\n_________\n(^١) تاريخ الدوري ٣/ ١٠٣ (٤٢٦)، وثقات ابن حبان ٧/ ٥، وجامع التحصيل ص ٢١٨، ومجموع الفتاوى ١٧/ ٤٠٨، ٤٠٩، وتهذيب الكمال ١٦/ ٢١٥ - ٢١٩، والإتقان ٤/ ٢٣٨.\n(^٢) المراسيل ص ١٥٨، والجرح ٦/ ٣٢٢، وجامع التحصيل ص ٢٣٧، وتهذيب الكمال ٢٠/ ٦٧ - ٦٩.","vol":"المقدمة","page":188},{"text":"وقال ابن معين: سمع من مجاهد حرفًا واحدًا في القراءة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ لم يسمع منه غيره، كان أتاه ليسمع منه فأتاه فوجده قد مات.\nوقال ابن حبان: ابن جريج نظر في كتاب القاسم بن أبي بزة عن مجاهد في التفسير فروى عن مجاهد من غير سماع (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-43> علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:</span>\nلم يسمع عليُّ بن أبي طلحة التفسير من ابن عباس، كما نص عليه غير واحد، وقيل: بينهما مجاهد أو سعيد بن جبير.\nوفي ثبوت هذه الصحيفة اختلاف بين أهل العلم (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-44> محمد بن سعد عن أبيه عن عمه عن أبيه عن جده عن ابن عباس:</span>\nإسناد مسلسل بالضعفاء؛ عطية العوفي - الراوي عن ابن عباس - فمن دونه ضعفاء (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-45> ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس:</span>\nوتروى من طريق محمد بن حميد عن سلمة بن الفضل - وهما ضعيفان - عن ابن إسحاق، ومن طريق أبي كريب عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق.\n_________\n(^١) الجرح ١/ ٢٤٥، وفضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٨٧، والعلل لابن المديني ص ٤٩، وسؤالات ابن الجنيد (٣٧٦، ٥٩٥، ٥٩٦)، وسؤالات الدوري ٣/ ٨٣ (٣٤٩)، وثقات ابن حبان ٧/ ٥، وجامع التحصيل ص ٢٢٩، ٢٣٠، وتهذيب الكمال ١٨/ ٣٣٨ - ٣٥٤.\n(^٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٧٥، وجامع التحصيل ص ٢٤٠، ٢٤١، والفتح ٨/ ٤٣٨، ٤٣٩، والإتقان ٤/ ٢٣٧، وتفسير ابن كثير تحقيق أبي إسحاق الحويني ٢/ ٥٥، ٥٦.\n(^٣) الإتقان ٤/ ٢٣٩، تفسير الطبري، تحقيق الشيخ شاكر ١/ ٢٦٣، ٢٦٤.","vol":"المقدمة","page":189},{"text":"ومحمد بن أبي محمد مجهول.\nوقد قال المصنف عن هذا الإسناد: لم تثبت صحته (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-46> أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية:</span>\nالربيع، قال ابن حبان: الناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه؛ لأن فيها اضطرابًا كثيرًا.\nوأبو جعفر، قال ابن عبد البر: هو عندهم ثقة عالم بتفسير القرآن (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-47> الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس:</span>\nوتروى أحيانًا من طريق هشام بن محمد الكلبي عن أبيه:\nهشام ضعيف، وأبوه متهم بالكذب، وأبو صالح باذام، ويقال: باذان ضعيف، ولم يسمع من ابن عباس.\nوقد قال المصنف عن هذا الإسناد: ليست من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله.\nوقال مرة: في إسناده نظر، ومرة: غير مرتضى (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-48> بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس:</span>\nبشر بن عمارة ضعيف.\n_________\n(^١) تعليق الطبري ٩/ ١٨٥، وتهذيب الكمال ٢٦/ ٣٨٢، ٣٨٣، والإتقان ٤/ ٢٣٩.\n(^٢) الثقات ٤/ ٢٢٨، وتهذيب الكمال ٩/ ٦٠ - ٦٢، ٣٣/ ١٩٢ - ١٩٦، وتهذيب التهذيب ٣/ ٢٣٨، ٢٣٩، ١٢/ ٥٦، ٥٧، والإتقان ٤/ ٢٤٠.\n(^٣) تعليق الطبري ص ٦١ من النص المحقق، ٢/ ٣٤، والإتقان ٤/ ٢٣٩.","vol":"المقدمة","page":190},{"text":"والضحاك لم يسمع من ابن عباس، إنما لقى سعيد بن جبير بالري فأخذ عنه التفسير (^١).\nوقال ابن كثير: إسناد ضعيف منقطع.\n\n*<span data-type='title' id=toc-49> أسباط بن نصر عن السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة:</span>\nأسباط بن نصر: وثقه ابن معين، وتوقف فيه أحمد، وقال النسائي: ليس بالقوي.\nوالسدي: وثقه أحمد، ولينه أبو زرعة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.\nوأبو صالح باذام - ويقال: باذان - ضعيف، ولم يسمع من ابن عباس.\nوقد قال المصنف عن هذا الإسناد: إن كان ذلك صحيحًا، ولست أعلمه صحيحًا إذ كنت بإسناده مرتابا.\nوقال ابن كثير: هذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة (^٢).\n_________\n(^١) تعليق الطبري ص ٨٦ من النص المحقق، وتفسير ابن كثير ١/ ٢٩، وتهذيب الكمال ١٣/ ٢٩١ - ٢٩٧، والإتقان ٤/ ٢٣٩.\n(^٢) تعليق الطبري ص ٣٧٥ من النص المحقق، وتحقيق الشيخ شاكر ١/ ١٥٦ - ١٦٠، ٣٤٨، ٤٣٦، ٤٥٤، ٤٦٢، وتهذيب الكمال ٣/ ١٣٦، وجامع التحصيل ص ١٤٨، والبداية والنهاية ١/ ٣٤، وتفسير ابن كثير ١/ ١١٠، وتحقيق أبي إسحاق الحويني ١/ ١١٧، ٤٨٨، وتهذيب التهذيب ١/ ٣١٤، والإتقان ٤/ ٢٣٨.","vol":"المقدمة","page":191},{"text":"﷽\n(^١)\n[قُرِئ على أبي جعفرٍ محمدِ بنِ جريرٍ الطَّبَرِيِّ، في سنةِ ستٍّ وثلاثِمائةٍ، قال] (^٢):\nالحمدُ للَّهِ الذي حَجَّت (^٣) الألبابَ بَدائعُ حُكْمِه (^٤)، وخصَمَت العقولَ لَطائفُ حُجَجِه، وقَطعَت عُذْرَ المُلْحِدِين عَجائبُ صُنْعِه، وهتَف (^٥) في أسماعِ العالمين ألْسُنُ أدلَّتِه، شاهدةً أنه اللَّهُ الذي لا إلهَ إلَّا هو، الذي لا عِدْلَ له مُعادِلٌ (^٦)، ولا مِثْلَ له مُماثِلٌ، ولا شريكَ له مُظاهِرٌ، ولا ولدَ له ولا والدٌ، ولم يَكُنْ له صاحبةٌ، ولا كُفُوًا أحدٌ، وأنه الجبارُ الذي خضَعَت لجَبروتِه الجَبابرةُ، والعزيزُ الذي ذلَّت لعزَّتِه الملوكُ الأعِزَّةُ، وخشَعَت لمَهابةِ سَطْوتِه (^٧) ذَوُو المَهابةِ، وأذْعَن له جميعُ الخلقِ بالطاعةِ، طَوْعًا وكَرْهًا، كما قال جلَّ ثناؤه وتقدَّسَتْ أسماؤه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥].\n_________\n* الأرقام التي بين المعقوفين أرقام المخطوط المشار له بالرمز ت ١، وهو أحد نسخ مكتبة الفاتح التي حصلنا عليها من مكتبة آياصوفيا.\n(^١) بعده في ص: \"رب تمم برحمتك\"، وفي م: \"وبه ثقتي وعليه اعتمادي رب يسر\"، وفي ت ١: \"وبه نستعين\".\n(^٢) في ص: \"قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀\"، ومثله في ت ١ دون قوله: \"الإمام\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"حجبت\".\n(^٤) في ت ٢: \"حكمته\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢: \"هتفت\".\n(^٦) سقط من: ر، ت ٢.\n(^٧) في ت ٢: \"سطواته\".","vol":"1","page":3},{"text":"فكلُّ موجودٍ إلى وَحْدانيتِه داعٍ، وكلُّ مَحْسوسٍ إلى ربُوبيتِه هادٍ، بما وسَمهم به مِن آثارِ الصَّنْعةِ؛ مِن نقصٍ وزيادةٍ، وعجزٍ وحاجةٍ، وتصَرُّفٍ في عاهاتٍ عارضةٍ (^١)، ومُقارَنةِ أحداثٍ لازمةٍ؛ لِتَكونَ له الحُجَّةُ البالغةُ، ثم أرْدَف ما شهِدت به مِن ذلك أدلتُه، وأكَّد ما اسْتَنارت في القلوبِ منه بهجتُه، برسلٍ ابْتَعَثهم إلى (^٢) عبادِه، دُعاةً إلى ما اتَّضَحَت لديهم صحتُه، وثبَتَت في العقولِ حُجَّتُه؛ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. ولِيَذَّكَّرَ أولو النُّهَى والحِلْمِ، فأمَدَّهم بعونِه، وأبانَهم مِن سائرِ خلقِه، بما دلَّ به على صدقِهم مِن الأدلةِ، وأيَّدَهم به مِن الحُجَجِ البالغةِ، والآيِ المُعْجِزةِ؛ لئلا يقولَ القائلُ منهم (^٣): ﴿مَا هَذَا (^٤) إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣، ٣٤].\nفجعَلهم سُفَراءَه (^٥) بينَه وبينَ خلقِه، وأُمناءَه على وَحْيِه، واخْتَصَّهم بفضلِه، واصْطَفاهم برسالتِه، ثم جعَلهم فيما خصَّهم به مِن مَواهبِه، ومَنَّ به عليهم مِن كَراماتِه - مَراتبَ مُختلفةً، ومَنازلَ مُفْتَرقةً، ورفَع بعضَهم فوقَ بعضٍ دَرَجاتٍ مُتَفاضِلاتٍ مُتَبايِناتٍ؛ فكرَّم بعضَهم بالتَّكْليمِ والنَّجْوَى، وأيَّد بعضَهم برُوحِ القُدُسِ، وخصَّه بإحياءِ الموتى، وإبْراءِ أُولِي العاهةِ والعَمَى، وفضَّل نبيَّنا محمدًا ﷺ مِن الدرجاتِ بالعُلْيا، ومِن المراتبِ بالعُظْمَى، فحَباه مِن أقسامِ كَرامتِه بالقسمِ الأفْضلِ، وخصَّه مِن درجاتِ النبوَّةِ بالحظِّ الأجْزَلِ، ومِن الأتْباعِ والأصحابِ بالنصيبِ الأوْفرِ، وابْتَعَثه بالدَّعوةِ التامَّةِ، والرسالةِ العامةِ، وحاطه\n_________\n(^١) في ر: \"المعارضة\".\n(^٢) بعده في م، ت ١: \"من يشاء من\".\n(^٣) في م \"فيهم\".\n(^٤) في ص: \"هؤلاء\"، وفي ر، ت ٢: \"هو\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"سفراء\".","vol":"1","page":4},{"text":"وحيدًا، وعصَمه (^١) فَريدًا، مِن كلِّ جبارٍ عاندٍ، وكلِّ شيطانٍ ماردٍ، حتى أظْهَر به الدينَ، وأوْضَح به السبيلَ، وأنْهَج (^٢) به مَعالمَ الحقِّ، ومحَق به مَنارَ الشركِ، وزهَق به الباطلُ، واضْمَحَلَّ به الضلالُ، وخُدَعُ الشيطانِ، وعبادةُ الأصنامِ والأوْثانِ، مُؤَيَّدًا بدَلالةٍ على الأيامِ باقيةٍ، وعلى الدُّهورِ والأزْمانِ ثابتةٍ، وعلى مرِّ (^٣) الشهورِ والسنينَ دائمةٍ، يَزدادُ ضِياؤُها على كَرِّ الدُّهورِ إشْراقًا، وعلى مرِّ الليالي والأيامِ ائْتِلاقًا (^٤)، خِصِّيصَى (^٥) مِن اللَّهِ له بها دونَ سائرِ رسلِه الذين قهَرَتهم الجبَابرةُ، واسْتَذَلَّتهم الأممُ الفاجرةُ، فتعفَّت بعدَهم منهم الآثارُ، وأخْمَلَت ذكرَهم الليالي والأيامُ، ودونَ مَن كان منهم مُرْسَلًا إلى أمةٍ دونَ أمةٍ، وخاصةٍ دونَ عامَّةٍ، وجماعةٍ دون كافَّةٍ.\nفالحمدُ للَّهِ الذي كرَّمَنَا بتصديقِه، وشرَّفَنا باتِّباعِه، وجعَلَنا مِن أهلِ الإِقْرارِ والإيمانِ به، وبما دعا إليه وجاء به، صلى اللَّهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّم، أزْكَى صَلواتِه، وأفضلَ سلامِه، [وأتمَّ تحيّاتِه] (^٦).\nثُمَّ أمَّا بعدُ، فإن مِن جَسيمِ ما خصَّ اللَّهُ به أمَّةَ نبيِّنا محمدٍ ﷺ مِن الفَضيلةِ، وشرَّفهم به على سائرِ الأممِ مِن المنازلِ الرفيعةِ، وحَبَاهم به مِن الكرامةِ السَّنِيّةِ، حِفْظَه ما حفِظ عليهم جل ذكرُه وتقدَّست أسماؤُه، مِن وحيِه وتَنْزِيلِه، الذي جعَله على\n_________\n(^١) سقط من: ر.\n(^٢) في ر، ت ٢: \"أبهج\".\n(^٣) في م: \"ممر\".\n(^٤) في ر، ت ٢: \"انفلاقًا\".\n(^٥) في م: \"تخصيصا\". يقال: خصه بالشيء، خصًّا وخصوصًا وخصوصية وخصيصى، ويمد: إذا فضله دون غيره.\n(^٦) زيادة من: م.","vol":"1","page":5},{"text":"حقيقةِ نُبُوَّةِ نبيِّهم ﷺ دَلالةً، وعلى ما خصَّه به مِن الكرامةِ علامةً واضحةً، وحُجَّةً بالغةً، أبانه به مِن كلِّ كاذبٍ ومُفْتَرٍ، وفصَل به بينَهم وبينَ كلِّ جاحدٍ ومُلْحِدٍ، وفرَق به بينَهم وبينَ كلِّ كافرٍ ومشركٍ، الذي لو اجْتَمَع جميعُ مَن بينَ أقطَارِها؛ مِن جِنِّها وإنْسِها، وصغيرِها وكبيرِها، على أن يأتوا بسورةٍ من مثلِه، لم يأتوا بمثلِه ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظَهيرًا (^١)، فجعَله لهم في دُجَى الظُّلَمِ نورًا ساطعًا، وفي سُدَفِ (^٢) الشُّبَهِ (^٣) شِهابًا لامعًا، وفي مَضَلَّةِ المَسَالكِ دليلًا هاديًا، وإلى سُبُلِ النجاةِ والحقِّ حاديًا، ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦]. حرَسه بعينٍ منه لا تَنامُ، وحاطه برُكْنٍ منه لا يُضامُ، لا تَهِي على الأيامِ دَعائمُه، ولا تَبِيدُ على طولِ الأزمانِ مَعالمُه، ولا يَجورُ (^٤) عن قصدِ المَحَجَّةِ تابعُه، ولا يَضِلُّ عن سُبُلِ الهُدَى مُصاحِبُه، مَن اتَّبَعه فاز وهَدَى، ومَن حاد عنه ضلَّ وغَوَى، فهو مَوْئِلُهم الذي إليه عندَ الاخْتلافِ يَئِلون، ومَعْقِلُهم الذي إليه في النَّوازل يَعْتَقِلون (^٥)، وحِصْنُهم الذي به مِن وَساوسِ الشيطانِ يَتَحَصَّنون، وحِكْمةُ ربِّهم التي إليها يَحْتَكِمون، وفَصْلُ قَضائِه بينَهم الذي إليه يَنْتَهون، وعن الرِّضا به يَصْدُرون، وحَبْلُه الذي بالتَّمَسُّكِ (^٦) به مِن الهَلَكةِ يَعْتَصِمون.\nاللهم فوفِّقْنا لإصابةِ صَوابِ القولِ في مُحْكَمِه ومُتَشابِهِه، وحَلالِه وحَرامِه،\n_________\n(^١) اقتباس من الآية ٨٨ من سورة الإسراء.\n(^٢) السدف، واحدها سدفة: وهي ظلمة الليل يخالطها بعض الضوء، وتكون في أول الليل وآخره. ينظر تاج العروس (س د ف).\n(^٣) في ص، ت ١: \"الشبهة\".\n(^٤) في ر: \"يجوز\".\n(^٥) في ر: \"يعقلون\".\n(^٦) في ر: \"يتمسك\".","vol":"1","page":6},{"text":"وعامِّه وخاصِّه، ومُجْمَلِه ومُفَسَّرِه، وناسخِه ومَنْسوخِه، وظاهرِه وباطنِه، وتأْويلِ آيِه، وتفسيرِ مُشْكِلِه، وألْهِمْنا التمسكَ به، والاعْتِصامَ بمُحْكَمِه، والثَّباتَ (^١) على التسليمِ لمُتَشابِهِه، وأوْزِعْنا الشكرَ على ما أنْعَمْتَ به علينا، مِن حفظِه، والعلمِ بحُدودِه، إنك سميعُ الدعاءِ، قريبُ الإجابةِ، وصلى اللَّهُ على محمدٍ النبيِّ وآلِه، وسلَّم تسليمًا.\nاعْلَموا عبادَ اللَّهِ، رحِمكم اللَّهُ، أن أحقَّ ما صُرِفت إلى علمِه العِنايةُ، وبُلِغت في معرفتِه الغايةُ، ما كان للَّهِ في العلمِ به رِضًا، وللعالمِ به إلى سبيلِ الرشادِ هُدًى، وأنّ أجْمَعَ ذلك لباغيه، كتابُ اللَّهِ الذي لا ريبَ فيه، وتَنْزيلُه الذي لا مِرْيةَ فيه، الفائزُ بجَزيلِ الذُّخْرِ وسَنِيِّ الأجرِ تاليه، الذي لا يَأْتيه الباطلُ مِن بينِ يديه ولا مِن خلفِه، تنزيلٌ مِن حكيمٍ حميدٍ (^٢).\nونحن في شرحِ تأويلِه وبيانِ ما فيه مِن معانيه، مُنْشِئون، إن شاء اللَّهُ ذلك، كتابًا مُسْتَوْعِبًا لكلِّ ما بالناسِ إليه الحاجةُ مِن علمِه، جامعًا، ومِن سائرِ الكتبِ غيرِه في ذلك كافيًا، ومُخْبِرون في كلِّ ذلك بما انْتَهَى إلينا مِن اتفاقِ الحجةِ فيما اتَّفَقَت عليه منه، واختلافِها فيما اختَلَفَت فيه منه، ومُبَيِّنو (^٣) عِلَلِ كلِّ مذهبٍ مِن مذاهبِهم، ومُوَضِّحو الصحيحِ لدينا مِن ذلك، بأوْجَزِ ما أمْكَن مِن الإيجازِ في ذلك، وأخْصَرِ ما أمْكَن مِن الاخْتِصارِ فيه، واللَّهَ أسْأَلُ (^٤) عونَه وتوفيقَه لما يُقَرِّبُ مِن مَحابِّه، ويُبْعِدُ مِن مَساخِطِه، وصلَّى اللَّهُ على صَفْوتِه مِن خلقِه وعلى آلِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.\n_________\n(^١) في ر: \"البيان\".\n(^٢) اقتباس من الآية ٤٢ من سورة فصلت.\n(^٣) في ص: \"مبينون\"، وفي ر، ت ٢: \"مثبتو\".\n(^٤) في ر: \"يسأل\"، وفي م: \"نسأل\"، وفي ت ٢: \"يسأله\".","vol":"1","page":7},{"text":"و(^١) أولُ ما نَبْدَأُ به مِن القِيلِ في ذلك الإبانةُ عن الأسبابِ التي البِدايةُ بها أَوْلَى، وتقديمُها قبلَ ما عداها أحْرَى؛ وذلك البيانُ عما في آيِ القرآنِ مِن المعاني التي مِن قِبَلِها يَدْخُلُ اللَّبْسُ على مَن لم يُعانِ رِياضةَ العلومِ العربيةِ، ولم تَسْتَحْكِمْ معرفتُه بتَصاريفِ وُجوهِ مَنْطِقِ الألسنِ السَّلِيقيَّةِ الطبيعيةِ.\nالقولُ في البيانِ عن اتِّفاقِ مَعاني آيِ القرآنِ ومعاني مَنْطِقِ مَن نزَل بلسانِه مِن وجهِ البيانِ، والدَّلالةُ على أن ذلك مِن اللَّهِ - جل وعز - هو الحكمةُ البالغةُ، مع الإبانةِ (^٢) عن فضلِ المعنى الذي به بايَن القرآنُ سائرَ الكلامِ\nقال أبو جعفرٍ: إن مِن عظيمِ (^٣) نعمِ اللَّهِ على عبادِه، وجَسيمِ مِنَّتِه (^٤) على خلقِه، ما منَحهم مِن فضلِ البَيانِ، الذي به عن ضمائرِ صُدورِهم يُبينون، وبه على عَزائمِ نفوسِهم يَدُلُّون، فذلَّل به منهم الألسنَ، وسهَّل به عليهم المُسْتَصْعبَ، فبه إياه يُوَحِّدون، وإياه به يُسَبِّحون ويُقَدِّسون، وإلى حاجاتِهم به يَتَوَصَّلون، وبه بينَهم يَتَحاوَرون، فيتَعارَفون ويَتَعامَلون.\nثم جعَلهم جل ذكرُه - فيما منَحهم مِن ذلك - طبقاتٍ، ورفَع بعضَهم فوقَ بعضٍ درجاتٍ، فبَيْنَ خَطيبٍ مُسْهِبٍ، وذَلِقِ اللسانِ مُهْذِبٍ، ومُفْحَمٍ عن نفسِه لا يُبِينُ، وعَيِيٍّ عن ضميرِ قلبِه لا يُعَبِّرُ، وجعَل أعْلاهم فيه رُتْبةً، وأرْفَعَهم فيه درجةً، أبْلَغَهم فيما أراد به بلاغًا، وأبينَهم عن نفسِه به بيانًا، ثم عرَّفهم في تنزيلِه ومُحْكَمِ\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢: \"إن\".\n(^٢) في ر: \"الأمانة\".\n(^٣) في ص، ر: \"أعظم\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢: \"مننه\".","vol":"1","page":8},{"text":"آيِ كتابِه، فضْلَ ما حَباهم به من البيانِ، على مَن فضَّلهم به عليه مِن ذي البَكَمِ والمُسْتَعْجِمِ اللسانِ، فقال تعالى ذكرُه: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨].\nفقد وضَح إذن لذَوِي الأفْهامِ، وتبَيَّن لأُولي الألبابِ، أنَّ فضْلَ أهلِ البيانِ على أهلِ البَكَمِ والمُسْتَعْجِمِ اللسانِ، بفضلِ اقْتِدارِ هذا مِن نفسِه على إبانةِ ما أراد إبانتَه عن نفسِه ببيانِه، واسْتِعْجامِ لسانِ هذا عما حاوَل إبانتَه بلسانِه.\nفإن كان ذلك كذلك، وكان المعنى الذي به بايَن الفاضلُ (^١) المفضولَ في ذلك، فصار به فاضلًا، والآخرُ مفضولًا، هو ما وصَفْنا (^٢) مِن فضلِ إبانةِ ذي البيانِ عما قصَّر عنه المُسْتَعْجِمُ اللسانِ، وكان ذلك مُخْتَلِفَ الأقْدارِ، مُتَفاوِتَ الغاياتِ والنِّهاياتِ، فلا شكَّ أن أعْلَى منازلِ البيانِ دَرَجةً، وأسْنَى مَراتبِه مرتبةً، أبْلَغُه في حاجةِ المُبِينِ عن نفسِه، وأبينُه عن مرادِ قائلِه، وأقربُه (^٣) مِن فهمِ سامعِه، فإن تجاوَز ذلك المِقْدارَ، وارْتَفع عن وُسْعِ الأنامِ، وعجَز عن أن يأتِيَ بمثلِه جميعُ العبادِ، كان حُجَّةً وعَلَمًا لرسلِ الواحدِ القهارِ، كما كان حجةً وعَلَمًا لها إحياءُ الموتى وإبراءُ الأبْرصِ وذَوِي العَمَى، بارتفاعِ ذلك عن مقاديرِ أعلى منازلِ طبِّ المتطبِّبِين، وأرْفَعِ مراتبِ علاجِ المُعالجِين، إلى ما يَعْجِزُ عنه جميعُ العالَمِين، وكالذي كان لها حُجَّةً وعَلَمًا قطعُ مسافةِ شهرَيْن في الليلةِ الواحدةِ، بارتفاعِ ذلك عن وُسْعِ الأنامِ، وتعَذُّرِ مثلِه على جميعِ العبادِ، وإن كانوا على قطعِ القليلِ مِن المسافةِ قادرين، ولليسيرِ منه فاعلين.\n_________\n(^١) بعده في ر: \"و\".\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢: \"به\".\n(^٣) في ر، ت ١: \"بهم\".","vol":"1","page":9},{"text":"فإن كان ما وصَفْنا مِن ذلك كالذي وصَفْنا، فبَيِّنٌ ألا بيانَ أبْيَنُ، ولا حِكْمةَ أبلغُ، ولا مَنْطِقَ أعلى، ولا كلامَ أشرفُ، مِن بيانٍ ومَنْطِقٍ تحَدَّى به امرُؤٌ قومًا، في زمانٍ هما فيه رُؤساءُ صناعةِ الخُطَبِ والبلاغةِ، وقِيل الشعرِ والفَصاحةِ، والسَّجْعِ والكِهانة (^١)، على (^٢) كلِّ (^٣) خطيبٍ منهم وبليغٍ، وشاعرٍ منهم وفَصيحٍ، وكلِّ ذي سَجْعٍ وكِهانةٍ - فسفَّه أحلامَهم، وقصَّر بعقولِهم (^٤)، وتبَرَّأ مِن دينِهم، ودعا جميعَهم إلى اتِّباعِه، والقَبولِ منه، والتَّصديقِ به، والإقرارِ بأنه رسولٌ إليهم مِن ربِّهم، وأخْبَرهم أنّ دَلالتَه على صدقِ مقالتِه، وحجّتَه على حقيقةِ نبوتِه، ما أتاهم به مِن البيانِ والحكمةِ والفُرْقانِ، بلسانٍ مثلِ ألسنتِهم، ومَنْطِقٍ موافقةٍ معانيه معانيَ مَنْطِقِهم، ثم أنْبَأ جميعَهم أنهم عن أن يأتوا بمثلِ بعضِه عَجَزةٌ، ومِن القُدْرةِ عليه نَقَصةٌ، قأقرَّ جميعُهم بالعجزِ، وأذْعَنوا له بالتَّصْديقِ، وشهِدوا على أنفسِهم بالنقصِ، إلا مَن تجاهَل منهم وتَعامَى، واسْتَكْبَر وتعاشَى، فحاوَل تكَلُّفَ ما قد علِم أنه عنه عاجزٌ، ورام ما قد تيَقَّن أنه عليه غيرُ قادرٍ، فأبْدَى مِن ضعفِ عقلِه ما كان مُسْتَتِرًا، ومن عِيِّ لسانِه ما كان مَصُونًا، فأتَى بما لا يَعْجِزُ عنه الضعيفُ الأخْرَقُ، والجاهلُ الأحمقُ، فقال (^٥): والطاحناتِ طحنًا، والعاجناتِ عجنًا، فالخابزاتِ خبزًا، والثارداتِ ثَرْدًا، واللاقماتِ لَقْمًا. ونحو ذلك مِن الحَماقاتِ (^٦) المُشْبِهةِ دَعْواه الكاذبةَ.\n_________\n(^١) إنما ضرب المثل بالكهان في السجع؛ لأنهم كانوا يروجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق السامعين، يستميلون بها القلوب ويستصغون إليها الأسماع. اللسان (ك هـ ن).\n(^٢) زيادة من: ر.\n(^٣) سقط من: ص.\n(^٤) في م: \"معقولهم\".\n(^٥) يعني مسيلمة الكذاب. ينظر تاريخ المصنف ٣/ ٢٨٤، والبداية والنهاية ٩/ ٤٧٣.\n(^٦) في ص، ر: \"الحمقات\".","vol":"1","page":10},{"text":"فإذْ كان تَفاضُلُ مراتبِ البَيانِ، وتَبايُنُ منازلِ دَرَجاتِ الكلامِ بما وصَفْنا قبلُ، وكان اللَّهُ تعالى ذِكْرُه وتقَدَّست أسماؤُه أحْكمَ الحُكماءِ، وأحْلَمَ الحُلماءِ، كان معلومًا أن أبينَ البيانِ بيانُه، وأفضلَ الكلامِ كلامُه، وأنَّ قدرَ فضلِ بيانِه جل ذكرُه على بيانِ (^١) جميعِ خلقِه، كفضلِه على جميعِ عبادِه.\nفإن كان ذلك كذلك، وكان غيرَ مُبِينٍ منا عن نفسِه مَن خاطَب غيرَه بما لا يَفْهَمُه عنه المخاطَبُ، كان معلومًا أنه غيرُ جائزٍ أن يُخاطِبَ جل ذكرُه أحدًا مِن خلقِه إلا بما يَفْهَمُه المخاطَبُ، ولا يُرْسِلَ إلى أحدٍ منهم رسولًا برسالةٍ إلا بلسانٍ وبيانٍ يَفْهَمُه المُرْسَلُ إليه؛ لأن [المُخاطَبَ و] (^٢) المُرْسَلَ إليه إن لم يَفْهَمْ ما خُوطِبَ به وأُرْسِل به إليه، فحالُه قبلَ الخطابِ وقبلَ مَجيءِ الرسالةِ إليه وبعدَه سَواءٌ، إذ لم يُفِدْه الخطابُ والرسالةُ شيئًا كان به قبلَ ذلك جاهلًا، واللَّهُ جل ذكرُه يَتَعالَى عن أن يُخاطِبَ خِطابًا أو يُرْسِلَ رسالةً لا تُوجِبُ فائدةً لمن خُوطِب أو أُرْسِلَت إليه؛ لأن ذلك فينا مِن فعلِ أهلِ النقصِ والعَبَثِ، واللَّهُ تعالى عن ذلك مُتَعالٍ، ولذلك قال جل ثناؤُه في مُحْكَمِ تَنْزيلِه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]. وقال لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]. فغيرُ جائزٍ أن يَكونَ به (^٣) مُهْتَدِيًا مَن كان بما (^٤) يُهْدَى إليه جاهلًا.\nفقد تبَيَّنَ إذن - بما عليه دلَّلْنا مِن الدَّلالةِ - أن كلَّ رسولٍ للَّهِ جل\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١.\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) سقط من: ر.\n(^٤) في م: \"بها\".","vol":"1","page":11},{"text":"ثناؤُه أرْسَله إلى قومٍ، فإنما أرْسَله بلسانِ مَن أرْسَله إليه، وكلَّ كتابٍ أنْزَله على نبيٍّ، ورسالةٍ أرْسَلَها إلى أُمَّةٍ، فإنما أنْزَلَه بلسانِ مَن أنْزَلَه أو أرْسَله إليه. فاتَّضَح بما قلْنا ووصَفْنا أنَّ كتابَ اللَّهِ الذي أنْزَله إلى نبيِّنا محمدٍ ﷺ[بلسانِ محمدٍ ﷺ، وإذْ كان لسانُ محمدٍ ﷺ] (^١) عربيًّا، فبَيِّنٌ أن القرآنَ عربيٌّ، وبذلك أيضًا نطَق مُحْكَمُ تنزيلِ ربِّنا، فقال جل ذكرُه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]. وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]. وإذْ كانت واضحةً صحةُ ما قلْنا - بما عليه اسْتَشْهَدْنا مِن الشَّواهدِ، ودلَّلْنا عليه مِن الدَّلائلِ - فالواجبُ أن تكونَ معاني كتابِ اللَّهِ المُنَزَّلِ على نبيِّنا محمدٍ ﷺ، لمعاني كلامِ العربِ موافقةً، وظاهرُه لظاهرِ كلامِها ملائمًا، وإن بايَنه كتابُ اللَّهِ بالفَضيلةِ (^٢) التي فضَل بها سائرَ الكلامِ والبَيانِ، بما قد تقَدَّم وَصْفُناه (^٣).\nفإذْ كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ - إذ كان موجودًا في كلامِ العربِ الإيجازُ والاخْتِصارُ، والاجْتِزاءُ (^٤) بالإخْفاءِ مِن الإظْهارِ، وبالقلةِ مِن الإكْثارِ في بعضِ الأحوالِ، واسْتِعْمالُ الإطالةِ والإكْثارِ، والتَّرْدادِ والتَّكْرارِ، وإظهارُ المعاني بالأسماءِ دونَ الكِنايةِ عنها (^٥)، والإسرارُ في بعضِ الأوقاتِ، والخبرُ عن الخاصِّ في المرادِ بالعامِّ الظاهرِ، وعن العامِّ في المرادِ بالخاصِّ الظاهرِ، وعن الكِنايةِ والمرادُ منه المُصَرَّحُ، وعن\n_________\n(^١) سقط من: ص.\n(^٢) في ص: \"بالفضلة\".\n(^٣) في م، ت ٢: \"وصفنا\".\n(^٤) في ص: \"الإجزاء\".\n(^٥) زيادة من: م.","vol":"1","page":12},{"text":"الصفةِ والمرادُ الموصوفُ، وعن الموصوفِ والمرادُ الصفةُ، وتقديمُ (^١) ما هو في المعنى مُؤَخَّرٌ، وتأخيرُ ما هو في المعنى مُقَدَّمٌ، والاكْتِفاءُ ببعضٍ مِن بعضٍ، وبما يَظْهَرُ عما يُحْذَفُ (^٢)، وإظهارُ ما حظُّه الحذفُ - أن يكونَ ما في كتابِ اللَّهِ المُنَزَّلِ على نبيِّه محمدٍ ﷺ مِن ذلك، في كلِّ ذلك له نَظيرًا، وله مِثْلًا وشَبيهًا (^٣).\nونحن مُبَيِّنو جميعِ ذلك في أماكنِه، إن شاء اللَّهُ ذلك، وأيَّد (^٤) منه بعونٍ وقوةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-51>القولُ في البَيانِ عن الأحْرُفِ التي اتَّفَقَت فيها ألفاظُ العربِ وأَلفاظُ غيرِها مِن بعضِ أجناسِ الأممِ</span>\nقال أبو جعفرٍ: إن سأَلَنا سائلٌ، فقال: إنك ذكَرْتَ أنه غيرُ جائزٍ أن يُخاطِبَ اللَّهُ أحدًا مِن خلقِه إلا بما يَفْهَمُه، وأن يُرْسِلَ إليه رسالةً إلا باللسانِ الذي يَفْقَهُه، فما أنت قائلٌ فيما حدَّثكم به محمدُ بنُ حُمَيْدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، قال: حدَّثنا عَنْبَسةُ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحْوَصِ، عن أبي موسى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]. قال: الكِفْلان ضِعْفان مِن الأجرِ، بلسانِ الحبشةِ.\nوفيما حدَّثكم به ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، قال حدَّثنا عَنْبَسةُ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٦].\n_________\n(^١) في ص: \"تقدير\".\n(^٢) في ص: \"يحد\".\n(^٣) في ر: \"تشبيها\".\n(^٤) في م: \"أمد\".","vol":"1","page":13},{"text":"قال: بلسانِ الحبشةِ إذا قام الرجلُ مِن الليلِ قالوا: نشَأ.\nوفيما حدَّثكم به ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، قال. حدَّثنا عَنْبَسةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسَرةَ: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠]. قال: سبِّحي، بلسانِ الحبشةِ.\nقال أبو جعفرٍ: وكُلُّ ما قلْنا في هذا الكتابِ: حدَّثكم. فقد حدَّثونا به.\nوفيما حدَّثكم به محمدُ بنُ خالدِ بنِ خِداشٍ (^١) الأزْدِيُّ، قال: حدَّثنا سَلْمُ (^٢) بنُ قُتَيْبةَ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ، ﵄، أنه سُئِل عن قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١]. قال: هو بالعربيةِ الأسدُ، وبالفارسيةِ شار (^٣)، وبالنَّبَطيةِ أريا، وبالحبشيةِ قَسْورةٌ.\nوفيما حدَّثكم به ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرِ بنِ أبي المُغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، قال: قالت قريشٌ: لولا أُنْزِل هذا القرآنُ (^٤) أعجميًّا وعربيًّا؟ فأنْزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]. فأنْزَل اللَّهُ بعدَ هذه الآيةِ في القرآنِ بكلِّ لسانٍ، فمنه (^٥): ﴿حِجَارَةً\n_________\n(^١) في ص: \"حداس\"، وفي ر: \"حداش\"، وفي ت ٢: \"خراش\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ١٣٥.\n(^٢) في ر: \"سالم\"، وفي ت ٢: \"مسلم\". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٢٣٢، ٢٣٤.\n(^٣) كذا في النسخ، وفارسيته: شِيَر. ينظر المعجم الذهبي ص ٣٨١.\n(^٤) بعده في م، ت ٢: \"على رجل\".\n(^٥) في ص، م، ت ١: \"فيه\".","vol":"1","page":14},{"text":"مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢]. قال: فارسيةٌ أُعْرِبَت \"سنكَئْ وكَلْ\" (^١).\nوفيما حدَّثكم به محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسَرةَ، قال: في القرآنِ مِن كلِّ لسانٍ (^٢).\nوفيما أشْبَهَ ذلك مِن الأخْبارِ التي يَطُولُ بذكرِها الكتابُ، مما يَدُلُّ على أن فيه مِن غيرِ لسانِ العربِ؟\nقيل له: إن الذي قالوه مِن ذلك غيرُ خارجٍ مِن معنى ما قلْنا - مِن أجلِ أنهم لم يقولوا: هذه الأحرفُ وما أشْبَهَها لم تَكُنْ للعربِ كلامًا، ولا كان ذاك لها مَنْطِقًا قبلَ نزولِ القرآنِ، ولا كانت بها العربُ عارفةً قبلَ مجيءِ الفُرْقانِ - فيكونَ ذلك قولًا لقولِنا خِلافًا، وإنما قال بعضُهم: حرفُ كذا بلسانِ الحبشةِ معناه كذا، وحرْفُ كذا بلسانِ العجمِ معناه كذا. ولم نَسْتَنْكِرْ أن يكونَ مِن الكلامِ ما يَتَّفِقُ فيه ألفاظُ جميعِ أجناسِ الأممِ المختلفةِ الألْسُنِ بمعنًى واحدٍ، فكيف بجنسَيْن منها؟ كما قد وجَدْنا اتفاقَ كثيرٍ منه فيما قد علِمْناه مِن الألسنِ المختلفةِ، وذلك كالدرهمِ والدينارِ والدَّوَاةِ والقلمِ والقِرْطاسِ، وغيرِ ذلك - مما يُتْعِبُ إحصاؤُه، ويُمِلُّ تَعدادُه، كرِهْنا إطالةَ الكتابِ بذكرِه - مما اتَّفَقَت فيه الفارسيةُ والعربيةُ باللفظِ والمعنى. ولعل ذلك كذلك في سائرِ الألسنِ التي يُجْهَلُ مَنْطِقُها، ولا يُعْرَفُ كلامُها.\nفلو أن قائلًا قال فيما ذكَرْنا مِن الأشياءِ التي عدَدْنا، وأخْبَرْنا اتفاقَه في اللفظِ والمعنى بالفارسيةِ والعربيةِ، وما أشْبَه ذلك، مما سكَتْنا عن ذكرِه: ذلك كلُّه فارسيٌّ لا\n_________\n(^١) سيأتي الكلام في سورة هود على هذه الكلمة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٦٩ من طريق إسرائيل به، بلفظ: نزل القرآن بكل لسان. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"1","page":15},{"text":"عربيٌّ، أو ذلك كلُّه عربيٌّ لا فارسيٌّ، أو قال: بعضُه عربيٌّ وبعضُه فارسيٌّ. أو قال: كان مَخْرَجُ أصلِه مِن عندِ العربِ، فوقَع إلى العجمِ فنطَقوا به. أو قال: كان مَخْرَجُ أصلِه مِن عندِ الفرسِ، فوقَع إلى العربِ فأعْرَبَته. كَانَ مُسْتَجْهَلًا؛ لأنَّ العربَ ليست بأوْلَى أن تكونَ كان مَخْرَجُ أصلِ ذلك منها إلى العجمِ، ولا العجمَ بأحقَّ أن تكونَ كان مخرجُ أصلِ ذلك منها إلى العربِ، إذْ كان استعمالُ ذلك بلفظٍ واحدٍ ومعنًى واحدٍ موجودًا في الجنسَيْن.\nوإذْ كان ذلك موجودًا على ما وصَفْنا في الجنسَيْن، فليس أحدُ الجنسين بأَولى أن يكونَ أصلُ ذلك كان مِن عندِه مِات الجنسِ الآخرِ، والمُدَّعِي أنَّ مخرجَ أصلِ ذلك إنما كان من أحدِ الجنسين إلى الآخرِ - مُدَّعٍ (^١) أمرًا لا يُوصَلُ إلى حقيقةِ صحَّتِه إلا بخبرٍ (^٢) يُوجِبُ العلمَ، ويُزِيلُ الشكَّ، ويَقْطَعُ العُذْرَ مَجِيئُه (^٣).\nبل الصوابُ في ذلك عندَنا أن يُسَمَّى عربيًّا أعْجميًّا، أو حبشيًّا عربيًّا؛ إذْ كانت الأُمَّتانِ له مستعملتَيْن في بيانِها ومنطلقِها، استعمالَ سائرِ مَنْطِقِها وبيانِها، فليس غيرُ ذلك مِن كلامِ كلِّ أمةٍ منهما بأولى أن يَكونَ إليها منسوبًا منه.\nفكذلك سبيلُ كلِّ كلمةٍ واسمٍ اتَّفَقت ألفاظُ (^٤) أجناسِ أممٍ فيها وفي (^٥) معناها، ووُجِد ذلك مُسْتَعْمَلًا في كلِّ جنسٍ منها، استعمالَ سائرِ مَنْطِقِهم (^٦)، فسبيلُ\n_________\n(^١) في ص: \"يدعى\".\n(^٢) في ر: \"بخير\"، وفي ت ١: \"بمعنى\".\n(^٣) في ص، م، ت ١: \"صحته\"، وفي ر: \"جيئه\". وجيئه ومجيئه بمعنًى.\n(^٤) سقط من: ر.\n(^٥) زيادة من: ر.\n(^٦) في ر: \"منطقها\".","vol":"1","page":16},{"text":"إضافتِه إلى كلِّ جنسٍ منها سبيلُ ما وصَفْنا مِن الدرهمِ والدينارِ والدَّواةِ والقلمِ، التي اتَّفَقَت ألسنُ الفرسِ والعربِ فيها بالألفاظِ الواحدةِ، والمعنى الواحدِ، في أنه مُسْتَحِقٌّ إضافتَه إلى كلِّ جنسٍ مِن تلك الأجناسِ باجتماعٍ وافتراقٍ (^١).\nوذلك هو معنى قولِ (^٢) مَن رَويْنا عنه القولَ في الأحرفِ التي مضَت في صدرِ هذا البابِ (^٣)، مِن نسبةِ بعضِهم بعضَ ذلك إلى لسانِ الحبشةِ، ونسبةِ بعضِهم بعضَ ذلك إلى لسانِ الفرسِ، ونسبةِ بعضِهم بعضَ ذلك إلى لسانِ الرومِ؛ لأنَّ مَن نسَب شيئًا مِن ذلك إلى ما نسَبه إليه، لم يَنْفِ - بنسبتِه (^٤) إياه إلى ما نسَبه إليه - أن يكونَ عربيًّا، ولا مَن قال منهم: هو عربيٌّ. نفَى ذلك أن يكون مُسْتَحِقًّا النسبةَ إلى مَن هو مِن كلامِه مِن سائرِ أجناسِ الأممِ غيرِها، وإنما يكونُ الإثباتُ دليلًا على النفيِ فيما لا يَجوزُ اجْتماعُه مِن المعاني، كقولِ القائلِ: فلانٌ قائمٌ. فيكونُ بذلك مِن قولِه دالًّا على أنه غيرُ قاعدٍ، ونحوِ ذلك مما يَمْتَنِعُ اجتماعُه لتنافيهما.\nفأما ما جاز اجتماعُه، فهو خارجٌ مِن هذا المعنى، وذلك كقولِ القائلِ: فلانٌ قائمٌ مُكَلِّمٌ فلانًا. فليس في تَثْبيتِ القيامِ له ما دلَّ على نفيِ كلام آخرَ؛ لجوازِ اجتماعِ ذلك في حالٍ واحدةٍ مِن شخصٍ واحدٍ، فقائلُ ذلك صادقٌ إذا كان صاحبُه على ما وصَفه به.\nفكذلك ما قلْنا في الأحرفِ التي ذكَرْنا، وما أشْبَهَها، غيرُ مستحيلٍ أن يكونَ عربيًّا بعضُها أعجميًّا، وحبشيًّا بعضُها عربيًّا؛ إذ كان موجودًا استعمالُ ذلك في كلتا الأُمَّتَيْنِ، فناسِبُ ما نسَب مِن ذلك إلى إحدى الأُمَّتَيْن أو كلتيهما مُحِقٌّ غيرُ مُبْطِلٍ.\n_________\n(^١) في ر: \"واقتران\".\n(^٢) زيادة من: ر.\n(^٣) في ص: \"الكتاب\".\n(^٤) في ر: \"بنسبه\".","vol":"1","page":17},{"text":"فإن ظنَّ ذو غَباءٍ أن اجتماعَ ذلك في الكلامِ مستحيلٌ - كما هو مستحيلٌ في أنسابِ بني آدمَ - فقد ظن جهلًا، وذلك أن أنسابَ بني آدمَ مَحصورةٌ على أحدِ الطرفَيْن دونَ الآخرِ، لقولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. وليس ذلك كذلك في المنطِقِ والبيانِ؛ لأن المنطِقَ إنما هو منسوبٌ إلى مَن كان به معروفًا استعمالُه.\nفلو عُرِف استعمالُ بعضِ الكلامِ في أجناسٍ من الأممِ - جنسَيْن (^١) أو أكثرَ - بلفظٍ واحدٍ ومعنًى واحدٍ، كان ذلك منسوبًا إلى كلِّ جنسٍ مِن تلك الأجناسِ، لا يَسْتَحِقُّ جنسٌ منها أن يكونَ به أولى مِن سائرِ الأجْناسِ غيرِه؛ كما لو أن أرضًا بينَ سَهْلٍ وجبلٍ، لها هواءُ السهلِ وهواءُ الجبلِ، أو بينَ برٍّ وبحرٍ، لها هواءُ البرِّ وهواءُ البحرِ، لم يَمْتَنِعْ ذو عقلٍ صحيحٍ أن يَصِفَها بأنها سُهْليةٌ جبليةٌ، أو بأنها بريةٌ بحريةٌ، إذ لم تَكُنْ نسبتُها إلى إحدى صفتَيْها [نافيةً حقَّها مِن النسبةِ إلى الأخرى، ولو أفْرَد لها مُفْرِدٌ إحدى صفتَيْها] (^٢) ولم يَسْلُبْها صفتَها الأخرى، كان صادقًا مُحِقًّا.\nوكذلك القولُ في الأحرفِ التي تقَدَّم ذكرُناها (^٣) في أولِ هذا البابِ.\nوهذا المعنى الذي قلْناه في ذلك، هو معنى قولِ مَن قال: في القرآنِ مِن كلِّ لسانٍ. عندَنا بمعنى - واللَّهُ أعلمُ - أن فيه مِن كلِّ لسانٍ اتَّفَق فيه لفظُ العربِ ولفظُ غيرِها مِن الأممِ التي تَنْطِقُ به، نظيرَ ما وصَفْنا مِن القولِ فيما مضَى.\nوذلك أنه غيرُ جائزٍ أن يُتَوَهَّمَ على ذي فِطْرةٍ صحيحةٍ مُقِرٍّ بكتابِ اللَّهِ، ممَّن قد قرَأ القرآنَ، وعرَف حدودَ اللَّهِ، أن يَعْتَقِدَ أن بعضَ القرآنِ فارسيٌّ لا عربيٌّ، وبعضَه\n_________\n(^١) في ر، ت ٢: \"خمسين\".\n(^٢) سقط من: ر.\n(^٣) في ص: \"ذكرها\"، وفي م، ت ٢: \"ذكرنا لها\".","vol":"1","page":18},{"text":"نَبَطيٌّ لا عربيٌّ، بعضَه [روميٌّ لا عربيٌّ] (^١)، وبعضَه حَبَشيٌّ لا عربيٌّ، بعدَ ما أخْبَر اللَّهُ تعالى ذكرُه عنه أنه جعَله قرآنًا عربيًّا؛ لأن ذلك إن كان كذلك، فليس قولُ القائلِ: القرآنُ حبشيٌّ أو فارسيٌّ. ولا نسبةُ مَن نسَبه إلى بعضِ ألسنِ الأممِ التي بعضُه بلسانِها دونَ العربِ، بأولى بالتَّطْويلِ (^٢) مِن قولِ القائلِ: هو عربيٌّ. ولا قولُ القائلِ: هو عربيٌّ. بأولى بالصحةِ والصوابِ مِن قولِ ناسِبِه إلى بعضِ الأجناسِ التي ذكَرْنا، إذ كان الذي بلسانِ غيرِ العربِ مِن سائرِ ألسنِ أجناسِ الأممِ فيه، نَظيرَ الذي فيه مِن لسانِ العربِ.\nوإذْ كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ إذن خطأُ قولِ مَن عَم أن القائلَ مِن السلفِ: في القرآنِ مِن كلِّ لسانٍ. إنما عنَى بقِيلِه ذلك أن فيه مِن البيانِ ما ليس بعربيٍّ، ولا جائزةً نسبتُه (^٣) إلى لسانِ العربِ.\nويقالُ لمَن أبَى ما قلْنا - ممَّن زعَم أن الأحرفَ التي قدَّمْنا ذكرَها في أولِ البابِ وما أشْبَهَها، إنما هي كلامُ أجناسٍ من (^٤) الأممِ سوى العربِ، وقَعَت إلي العربِ فعرَّبَتْه (^٥) -: ما برهانُك على صحةِ ما قلتَ في ذلك مِن الوجهِ الذي يَجِبُ التسليمُ له، فقد علِمْتَ مَن خالَفك في ذلك، فقال فيه خلافَ قولِك؟ وما الفرقُ بينَك وبينَ مَن عارَضك في ذلك، فقال: هذه الأحرفُ وما أشبهَها مِن الأحرفِ غيرِها\n_________\n(^١) في النسخ: \"عربي لا فارسي\"، وهو خطأ لا يستقيم معه المعنى، والمثبت من تحقيق الشيخ شاكر.\n(^٢) في ر: \"بالبطول\"، وفي م، ت ١: \"بالتطول\"، وفي ت ٢: \"بالقول\". والمراد االإطالة والتزيد في الكلام.\n(^٣) في ر، ت ١: \"بسببه\".\n(^٤) سقط من: م، ت ٢.\n(^٥) بعده في م: \"و\".","vol":"1","page":19},{"text":"أصلُها عربيٌّ، غيرَ أنها وقَعَت إلى سائرِ أجناسِ الأممِ غيرِها، فنطَقَت كلُّ أُمَّةٍ منها ببعضِ ذلك بألسنتِها، مِن الوجهِ الذي يَجِبُ التسليمُ له؟ فلن يَقولَ في شيءٍ مِن ذلك قولًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه.\nفإن اعْتَلَّ في ذلك بأقوالِ السلفِ التي قد ذكَرْنا بعضَها وما أشبهَها، طُولِب مطالبتَنا مَن تأوَّل عليهم في ذلك تأويلَه، بالذي قد تقَدَّم في بيانِنا، وقيل له: ما أنْكَرْتَ أن يكونَ مَن نسَب شيئًا مِن ذلك منهم إلى مَن نسَبه مِن أجناسِ الأممِ سوى العربِ، إنما نسَبه إلى إحدى نسبتَيْه التي هو لها مُسْتَحِقٌّ، مِن غيرِ نفيٍ منه عنه النسبةَ الأخرى. ثم يقالُ له: أرأيتَ مَن قال لأرضٍ سُهْليةٍ جبليةٍ: هي سُهْليةٌ. ولم يُنْكِرْ أن تكون جبليةً. أو قال: هي جبليةٌ. ولم يَدْفَعْ أن تكونَ سُهْليةً، أَنافٍ عنها أن تكونَ لها الصفةُ الأخرى بقيلِه ذلك؟ فإن قال: نعم. كابَر عقلَه، وإن قال: لا. قيل له: فما أنْكَرْتَ أن يكونَ قولُ مَن قال في سجِّيل: هي فارسيةٌ. وفي القِسْطاسِ: هي روميةٌ. نظيرَ ذلك. وسُئِل الفَرْقَ بينَ ذلك، فلن يقولَ في أحدِهما قولًا إلَّا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-52>القولُ في اللغةِ التي نزَل بها القرآنُ مِن لُغاتِ العربِ</span>\nقال أبو جعفرٍ: قد دلَّلْنا على صحةِ القولِ، بما فيه الكفايةُ لمن وُفِّق لفهمِه، على أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه أنْزَل جميعَ القرآنِ بلسانِ العربِ دونَ غيرِها مِن ألسنِ سائرِ أجناسِ الأممِ، وعلى فسادِ قولِ مَن زعَم أن منه ما ليس بلسانِ العربِ ولغتِها (^١).\nفنقولُ الآن - إذْ كان ذلك صحيحًا - في الدَّلالةِ عليه بأيِّ ألسنِ العربِ أُنْزِل: أبألسنِ جميعِها، أم بألسنِ بعضِها؟ إذ كانت العربُ، وإن جمَع جميعَها اسمُ أنهم\n_________\n(^١) في ص: \"لغاتها\".","vol":"1","page":20},{"text":"عربٌ، فهم مُخْتَلِفو الألسنِ بالبيانِ، مُتبايِنو المنطِقِ والكلامِ.\nوإذْ كان ذلك كذلك، وكان اللَّهُ جل ذكرُه قد أخْبَر عبادَه أنه قد جعَل القرآنَ عربيًّا، وأنه أُنْزِل بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، ثم كان ظاهرُه (^١) مُحْتَمِلًا خُصوصًا وعُمومًا، لم يَكُنْ لنا السبيلُ إلى العلمِ بما عنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه مِن خُصوصِه وعمومِه، إلا ببيانِ مَن جُعِل إليه بيانُ القرآنِ، وهو رسولُ اللَّهِ ﷺ.\nفإن كان ذلك كذلك، وكانت الأخبارُ قد تظاهَرت عنه ﷺ بما حدَّثنا به خَلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: حدَّثنا أنسُ بنُ عِياضٍ، عن أبي (^٢) حازمٍ، عن أبي سلمةَ، قال: لا أعْلَمُه إلا عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"أُنْزِلَ القُرْآنُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فالمِرَاءُ فِي القُرآنِ كُفْرٌ\" ثلاثَ مراتٍ \"فما عَرَفْتُم منه فاعْمَلُوا به، وما جَهِلْتُم منه فرُدُّوه إِلى عَالِمِه\" (^٣).\nوحدَّثني عُبَيْدُ بنُ أسْباطَ بنِ محمدٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أُنْزِلَ القُرْآنُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ؛ عَلِيمٌ حَكِيمٌ غَفُورٌ رَحِيمٌ\" (^٤).\nوحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثني عَبْدةُ بنُ سليمانَ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (^٥).\n_________\n(^١) بعده في ر، ص، ت ١: \"هذا القول ظاهرا\".\n(^٢) في ح: \"ابن\"، وهو سلمة بن دينار، ينظر تهذيب الكمال ١١/ ٢٧٢.\n(^٣) أخرجه أحمد ١٣/ ٣٦٩ (٧٩٨٩)، والنسائي في الكبرى (٨٠٩٣)، وأبو يعلى (٦٠١٦)، وابن حبان (٧٤)، وغيرهم من طريق أنس بن عياض به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥١٦، وأحمد ١٤/ ١٢٠، ١٥/ ٤٢٤ (٨٣٩٠، ٩٦٧٨)، وغيرهما من طريق محمد بن عمرو به.\n(^٥) أخرجه ابن حبان (٧٤٣) من طريق عبدة به. وقوله: \"عليم حكيم غفور رحيم\". قال ابن حبان: قول محمد بن عمرو أدرجه في الخبر، والخبر إلى \"سبعة أحرف\" فقط.","vol":"1","page":21},{"text":"وحدَّثنا محمدُ بنُ حُمَيدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا جَريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن مُغيرةَ (^١)، عن واصلِ بنِ حَيَّانَ، عمَّن ذكَره، عن أبي الأحْوَصِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أُنْزِلَ القُرْآنُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، لكُلِّ حَرْفٍ منها ظَهْرٌ وبَطْنٌ، ولكُلِّ حَرْفٍ حَدٌّ، ولكُلِّ حَدٍّ مُطَّلَعٌ\" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قَال: حدَّثنا مِهْرانُ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ الهَجَريِّ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ محمدُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، قال: حدَّثنا عاصمٌ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: اخْتَلَف رجلان في سورةٍ، فقال هذا: أقْرَأَني النبيُّ ﷺ. وقال هذا: أقْرَأَنِي النبيُّ ﷺ. فأتَى النبيَّ ﷺ فأَخْبَر بذلك، قال: فتغَيَّر وجهُه، وعندَه رجلٌ، فقال: اقرَءُوا كما عُلِّمْتُم - فلا أدْرِي أبشيءٍ أُمِر، أم بشيءٍ ابْتَدَعه مِن قِبَلِ نفسِه - فإنما أَهلَكَ مَن كان قبلَكم اخْتِلافُهم على\n_________\n(^١) في ص: \"معاوية\". وهو مغيرة بن مقسم، ينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٩٧.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٥١٤٩)، والطحاوي في المشكل (٣٠٩٥)، والطبراني في الكبير (١٠١٠٧)، وفي الأوسط (٧٧٣)، والبغوي في تفسيره ١/ ٤٦ من طريق جرير به، مطولا ومختصرا، وسموا المبهم عبد اللَّه بن أبي الهذيل، وعند البغوي: عن أبي الهذيل. وينظر ضعيف الجامع (١٣٣٨).\nوينظر تعريف الحد والمطلع من كلام المصنف في ص ٦٦، ٦٧.\n(^٣) أخرجه الخطيب في الموضح ١/ ٣٨١ من طريق ابن حميد به مختصرا.\nوأخرجه أيضًا ١/ ٣٨١، ٣٨٢ من طريق سفيان به. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥١٦، والبزار (٢٠٨١)، وأبو يعلى (٥٤٠٣)، والطحاوي في المشكل (٣٠٧٧)، وابن حبان (٧٥)، والطبراني في الكبير (١٠٠٩٠) من طريق أبي إسحاق إبراهيم ابن مسلم الهجري به مختصرًا. والهجري لين الحديث رفع موقوفات. وقد اختلف في إسناد هذا الحديث. ينظر ما سيأتي في ص ٤٠.","vol":"1","page":22},{"text":"أنبيائِهم. قال: فقام كلُّ رجلٍ منا، وهو لا يَقْرَأُ على قراءةِ صاحبِه (^١). نحوَ هذا ومعناه.\nحدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى بنِ سعيدٍ الأُمويُّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا الأعمشُ، [وحدَّثني أحمدُ بنُ منيعٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ الأمويُّ، عن الأعمشِ] (^٢)، عن عاصمٍ، عن زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ: تمارَيْنا في سورةٍ مِن القرآنِ، فقلْنا: خمسٌ وثلاثون، أو ستٌّ وثلاثون آيةً. قال: فانْطَلَقْنا إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فوجَدْنا عليًّا يُناجِيه (^٣)، قال: فقلنا: إنا اخْتَلَفْنا في القراءةِ، قال: فاحْمَرَّ وجهُ رسولِ اللَّهِ ﷺ وقال: \"إِنَّما هَلَكَ مَن كان قَبْلَكم باخْتِلَافِهم بَيْنَهم\". قال: ثم أسَرَّ إلى عليٍّ شيئًا، فقال لنا عليٌّ: إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكُم أنْ تَقْرَءُوا كَمَا عُلِّمْتم (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا (^٥) عُبَيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن عيسى بنِ قِرْطاسٍ،\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٥٠٥٧) عن أبي كريب به. وأخرجه أحمد ٧/ ٨٨، ١٠٠ (٣٩٨١، ٣٩٩٣) من طريق أبي بكر بن عياش به، مطولًا ومختصرًا.\nوأصل الحديث عند البخاري من حديث النزال بن سبرة عن ابن مسعود مرفوعًا. وينظر مسند الطيالسي (٣٨٧)، وعلل الدارقطني ٣/ ٧١، وما سيأتي في ص ٤٣.\n(^٢) سقط من: ر.\n(^٣) في ر، ت ١: \"بناحية\".\n(^٤) أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند ٢/ ١٩٩ (٨٣٢)، وابن حبان (٧٤٦) من طريق سعيد بن يحيى بن سعيد به، دون المرفوع منه. وأخرجه عبد الله بن أحمد - أيضًا - والبزار (٤٤٩)، وابن حبان (٧٤٧)، والحاكم ٢/ ٢٢٣، ٢٢٤ من طريق يحيى بن سعيد به، نحوه،\nوأخرجه أحمد ٧/ ١٠٠، ٣٤٥ (٣٩٩٢، ٤٣٢٢) من طريق عاصم به نحوه.\n(^٥) بعده في ر: \"أبو\". وينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٢٢.","vol":"1","page":23},{"text":"[عن زيدٍ القَصَّارِ] (^١)، عن زيدِ بنِ أَرْقمَ، قال: كنا معه في المسجدِ، فحدَّثنا ساعةً، ثم قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقال: أقْرَأَني عبدُ اللَّهِ بن مسعودٍ سورةً أقْرَأَنيها زيدٌ، وأقْرَأَنيها أُبَيُّ بنُ كعبٍ، فاخْتَلَفتْ قراءتُهم، فقراءةُ (^٢) أيِّهم آخُذُ؟ قال: فسكَت رسولُ اللَّهِ ﷺ، قال: وعليٌّ إلى جنبِه، فقال عليٌّ: لِيَقْرَأْ كلُّ إنسانٍ كما عُلِّم، كلٌّ حسنٌ جميلٌ (^٣).\nحدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونُسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخْبَرني عُرْوةُ بنُ الزبيرِ، أنَّ المِسْوَرَ بنَ مَخْرَمةَ وعبدَ الرحمنِ بنَ عبدٍ القارِيَّ، أخْبَراه أنهما سمِعا عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: سمِعْتُ هشامَ بنَ حَكيمٍ يَقْرَأُ سورةَ \"الفرقانِ\" (^٤) في حياةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، فاسْتَمَعْتُ لقراءتِه، فإذا هو يَقْرَؤُها على حروفٍ كثيرةٍ لَمْ يُقْرئْنِيها رسولُ اللَّهِ ﷺ كذلك (^٥)، فكِدْتُ أُساوِرُه (^٦) في الصلاةِ، فتصَبَّرْتُ حتى سلَّم، فلما سلَّم لبَّبْتُه (^٧) بردائِه، فقلتُ: مَن أقْرَأك هذه السورةَ التي سمِعْتُك تَقْرَؤُها؟ قال: أقْرَأَنِيها رسولُ اللَّهِ ﷺ. قال (٥): فقلْتُ: كذبْتَ، فواللَّهِ إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ هو (^٨) أقْرَأَنِي هذه السورةَ التي سمِعْتُك تَقْرَؤُها. فانْطَلَقْتُ به أَقُودُه إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إني سمِعْتُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ر.\n(^٢) في ص، ر، ت ٢: \"بقراءة\"، وفي م: \"فبقراءة\".\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٥٠٧٨) من طريق أبي كريب به. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ١٥٣: فيه عيسى بن قرطاس، وهو متروك. اهـ. وزيد القصار هذا لم نجد له ترجمة، وينظر تعليق الشيخ أحمد شاكر عليه.\n(^٤) في م: \"الدخان\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) في ر، ت ١، ت ٢: \"أشاوره\". وأساوره: أي: أواثبه وأقاتله.\n(^٧) يقال: أخذ بتلبيب فلان: إذا جمع عليه ثوبه الذي هو لابسه عند صدره وقبض عليه يجره. التاج (ل ب ب).\n(^٨) في ر، م: \"لهو\".","vol":"1","page":24},{"text":"هذا يَقْرَأُ سورةَ الفُرْقانِ على حروفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيها، وأنت أقْرَأْتَنِي سورةَ \"الفُرْقانِ\"! قال: فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أَرْسِلْهُ يَا عُمَرُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ\". فقرَأ عليه القراءةَ التي سمِعْتُه يَقْرَؤُها، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"هكذا أُنْزِلَتْ\". ثم قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"اقْرَأْ يَا عُمَرُ\". فقرَأْتُ القراءةَ التي أقْرَأَني رسولُ اللَّهِ ﷺ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"هكذا أُنْزِلَتْ\". ثم قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِنَّ هذا القُرْآنَ أُنْزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهَا (^١) \" (^٢).\nحدَّثني أحمدُ بنُ منصورٍ، قال: [حدَّثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال] (^٣): حدَّثنا [حربُ بنُ أبي ثابتٍ] (^٤) مِن بني سُلَيْمٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي طَلْحةَ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قرَأ رجلٌ عندَ عمرَ بنِ الخطابِ فعيَّر عليه، فقال: لقد قرَأْتُ على رسولِ اللَّهِ ﷺ فلم يُغَيِّرْ عليَّ. قال: فاخْتَصَما عندَ النبيِّ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ألم تُقْرِئْني آيةَ كذا وكذا؟ قال: \"بَلَى\". قال: فوقَع في صدرِ عمرَ شيءٌ، فعرَف النبيُّ ﷺ ذلك في وجهِه، قال: فضرَب صدرَه، وقال: \"ابْعَدْ شَيْطَانًا\". قالها ثلاثًا، ثم قال: \"يَا عمرُ، إِنَّ الْقُرْآنَ كُلَّه صَوابٌ، مَا لَم تَجْعَلْ رَحْمَةً عَذَابًا، أَوْ عَذَابًا رَحْمَةً\" (^٥).\n_________\n(^١) في مصادر التخريج: \"منه\".\n(^٢) أخرجه المصنف في مسند عمر من تهذيب الآثار ص ٧٧٦، والنسائي (٩٣٧) عن يونس به.\nوأخرجه مسلم (٨١٨) من طريق ابن وهب به. وأخرجه البخاري (٢٤١٩، ٤٩٩٢، ٥٠٤١)، ومسلم (٨١٨)، والترمذي (٢٩٤٣)، وغيرهم من طريق الزهري به. وينظر مسند الطيالسي (٣٩).\n(^٣) سقط من: ص.\n(^٤) كذا في النسخ، والصواب: حرب بن ثابت. ينظر تعجيل المنفعة ١/ ٤٣٨.\n(^٥) أخرجه أحمد ٢٦/ ٢٨٥ (١٦٣٦٦) عن عبد الصمد به، دون قوله: فوقع في صدر عمر … وقال: \"ابعد شيطانًا\". وقال ابن كثير في فضائل القرآن ص: ٧٣: إسناده حسن. وينظر تفسير ابن كثير تحقيق أبي إسحاق الحويني ١/ ٢١٨.","vol":"1","page":25},{"text":"حدَّثنا عُبيدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَيْمونٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّهِ - يعني ابنَ عمرَ - عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: سمِع عمرُ بنُ الخطابِ رجلًا يَقْرَأُ القرآنَ، فسمِع آيةً على غيرِ ما سمِع مِن النبيِّ ﷺ، فأتَى به عمرُ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ هذا قرَأ آيةَ كذا وكذا. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ\" (^١).\nحدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرني هشامُ بنُ سعدٍ، عن عليِّ بنِ أبي عليٍّ، عن زُبَيْدٍ، عن عَلْقمةَ النَّخَعيِّ، قال: لما خرَج عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ مِن الكوفةِ اجْتَمَع إليه أصحابُه فودَّعهم، ثم قال: لا تَنازَعوا في القرآنِ؛ فإنه لا يَخْتَلِفُ ولا يَتَلاشَى (^٢)، ولا يَتْفَهُ (^٣) لكثرةِ الردِّ، وإن شريعةَ الإسلامِ وحدودَه وفرائضَه فيه واحدةٌ، ولو كان شيءٌ مِن الحرفَيْن يَنْهَى عن شيءٍ يَأْمُرُ به الآخرُ، كان ذلك الاختلافَ، ولكنه جامعٌ ذلك كلَّه، لا تَخْتَلِفُ فيه الحدودُ ولا الفرائضُ، ولا شيءٌ مِن شرائعِ الإسلامِ، ولقد رأيْتُنا نَتَنازَعُ فيه عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ، فيَأْمُرُنا فنَقْرَأُ عليه، فيُخْبِرُنا أَنَّا كلَّنا مُحْسِنٌ، ولو أَعْلَمُ (^٤) أحدًا أعْلَمَ بما أنْزَلَ اللَّهُ على رسولِه منِّي لطلَبْتُه حتى أَزْدادَ عِلمَه إلى علمي، ولقد قرأْتُ من لسانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ سبعين سورةً، وقد كنتُ علِمْتُ أنه يُعْرَضُ عليه القرآنُ في كلِّ رمضانَ، حتى كان عامُ قُبِض، فعُرِض عليه مرَّتَيْن، فكان إذا فرَغ أَقْرَأُ عليه، فيُخْبِرُني أنِّي مُحْسِنٌ، فمَن قرَأ على قراءتي فلا يَدَعَنَّها رغبةً عنها، ومَن قرَأ على شيءٍ مِن هذه\n_________\n(^١) عزاه المتقي الهندي في الكنز (٣٠٩٤) إلى المصنف. وعبد الله بن ميمون القداح متروك.\n(^٢) في المسند: \"ولا يُسْتَشَنُّ\" - أي لا يخلَق - وفي تاريخ المدينة: \"ولا ينسأن\". وينظر تعليق الشيخ شاكر.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"يتغير\".\n(^٤) بعده في ر: \"أن\".","vol":"1","page":26},{"text":"الحروفِ فلا يَدَعَنَّه رغبةً عنه، فإنه مَن جحَد بآيةٍ جحَد به كلِّه (^١).\nحدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أنْبَأَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرني يونُسُ، وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا رِشْدينُ بنُ سعدٍ، عن عُقَيْلِ بنِ خالدٍ، جميعًا عن ابنِ شِهابٍ، قال: حدَّثني عُبيدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عُتْبةَ، أن ابنَ عباسٍ حدَّثه، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ على حَرْفٍ، فَراجَعْتُه، فلم أزَلْ أَسْتَزِيدُه فَيَزِيدُنِي، حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ\". قال ابنُ شِهابٍ: بلَغَني أن تلك السبعةَ الأحرفِ إنما هي في الأمرِ االذى يَكونُ واحدًا، لا يَخْتَلِفُ في حلالٍ ولا حرامٍ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي مَخْلَدٍ الواسطيُّ ويونسُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّدَفيُّ، قالا: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن عُبيدِ اللَّهِ، أخْبَره أبوه، أن أمَّ أيوبَ أخْبَرَته، أن النبيَّ ﷺ قال: \"نزلَ (^٣) القُرْآنُ على سَبْعَةِ أحْرُفٍ، أَيَّهَا قَرَأْتَ\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدًّا؛ علي بن أبي علي اللهبي منكر الحديث، وزييد لم يدرك علقمة.\nوأخرجه عمر بن شبة في تاريخ المدينة ٣/ ١٠٠٨، وابن عساكر في تاريخه ٣٩/ ٩٢ (طبعة مجمع اللغة بدمشق) من طريق زبيد، عن عبد الرحمن بن عابس، عن رجل، عن ابن مسعود، نحوه.\nوأخرجه أحمد ٦/ ٣٩٥ (٣٨٤٥) - ومن طريقه ابن عساكر ٣٩/ ٩٢ - عن غندر، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن عابس به، نحوه. وسيأتي جزء منه في ص ٤٦ من طريق آخر عن شعبة.\nوقوله: لا أعلم أحدًا أعلم بما أنزل اللَّه على رسوله ﷺ مني .... سيأتي نحوه في ص ٧٥.\nوقوله: لقد قرأت من لسان رسول اللَّه ﷺ سبعين سورة .... أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، وينظر مسند الطيالسي (٤٠٥).\nوقوله: وقد كنت علمت أنه يعرض عليه القرآن في كل رمضان .... أخرجه البخاري (٤٩٩٨) من حديث أبي هريرة.\nوقوله: من جحد بآية جحد به كله. سيأتي في ص ٤٩ من وجه آخر عن ابن مسعود.\n(^٢) أخرجه الطحاوي في المشكل (٣١١٦) عن يونس بن عبد الأعلى به.\nوأخرجه مسلم (٨١٩) من طريق ابن وهب به. وأخرجه البخاري (٣٢١٩) من طريق يونس بن يزيد، (٤٩٩١) من طريق عقيل، كلاهما عن الزهري به.\n(^٣) في ص، م: \"أنزل\".","vol":"1","page":27},{"text":"أَصَبْتَ\" (^١).\nحدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى السُّدِّيُّ (^٢)، قال: أنْبَأَنا شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن سليمانَ بنِ صُرَدَ يَرْفَعُه قال: \"أَتَاني مَلَكَانِ فقال أَحدُهما: اقْرَأْ. قَالَ: عَلَى كم؟ قال: على حَرْفٍ. قال: زِدْهُ. حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ\" (^٣).\nحدَّثنا ابنُ البَرْقِيَّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مَرْيمَ، قال: حدَّثنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثني عُقَيْلُ بنُ خالدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن ابنِ عباسٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ قال: \"أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَاسْتَزَدْتُه فزَادَنِي، ثم اسْتَزَدْتُه فَزَادَنِي، حتَّى انْتَهَى إلى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ\" (^٤).\nحدَّثني الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ أبي يَزيدَ، عن أبيه، أنه سمِع أمَّ أيوبَ تُحَدِّثُ عن النبيِّ ﷺ، فذكَر نحوَه. [يعني نحوَ حديث ابنِ أبي مَخْلَدٍ] (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوي في المشكل (٣١٠٠) عن يونس بن عبد الأعلى به.\nوأخرجه الحميدي (٣٤٠)، وسعيد بن منصور في سننه (٣٢ - تفسير)، وابن أبي شيبة ١٠/ ٥١٥، ٥١٦، وأحمد ٦/ ٤٣٣ (الميمنية)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٣٢٠) من طريق ابن عيينة به. وقال ابن كثير في فضائل القرآن ص ٦٤: هذا إسناد صحيح.\n(^٢) قال الحافظ في التقريب: نسيب السدي، أو ابن بنته، أو ابن أخته. وينظر تهذيب التهذيب ١/ ٣٣٦.\n(^٣) أخرجه الطحاوي في المشكل (٣١١٤) من طريق إسماعيل بن موسى به.\nوأخرجه عبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ١٢٥ (الميمنية) من طريق شريك، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، عن أبي بن كعب. وأخرجه الطحاوي (٣١١٥)، والطبراني في الأوسط (١١٦٧) من طريق أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد. بدون ذكر أُبي. وسيأتي حديث أُبيّ والخلاف فيه.\n(^٤) تقدم في الصفحة السابقة.\n(^٥) زيادة من: م، ت ٢، وفي ت ١: \"مثل الحديث الذي تقدم عن الربيع\".","vol":"1","page":28},{"text":"حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا أسدُ بنُ مُوسى، قال: حدَّثنا أبو الربيعِ السَّمَّانُ، قال: أخبرني [عُبَيدُ اللَّهِ] (^١) بنُ أبي يزيدَ، عن أبيه، عن أمِّ أيوبَ، أنها سمِعَت النبيَّ ﷺ يقولُ: \"نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَمَا قَرَأْتَ أَصَبْتَ\".\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن فلانٍ العَبْديِّ - قال أبو جعفرٍ: ذهَب عني اسمُه - عن سليمانَ بنِ صُرَدَ، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، قال: رُحْتُ إلى المسجدِ، فسمِعْتُ رجلًا يَقْرَأُ، فقلتُ: مَن أَقْرَأَك؟ فقال: رسولُ اللَّهِ ﷺ. فانْطَلَقْتُ به إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقلتُ: اسْتَقْرِئْ هذا. قال: فقرَأ، فقال: \"أَحْسَنْتَ\". قال: فقلتُ: إنك (^٢) أقْرَأْتَني كذا وكذا. فقال: \"وَأَنْتَ قَدْ أَحْسَنْتَ\". قال: فقلتُ: قد أحسَنْتَ! قد أحسَنْتَ! قال: فضرَب بيدِه على صدري، ثم قال: \"اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْ أُبَيٍّ الشَّكَّ\". قال: ففِضْتُ عرفًا، وامْتَلأ جوفي فَرَقًا (^٣)، ثم قال: \"إِنَّ المَلَكَيْنِ أتَيَاني، فقال أحَدُهما: اقْرَإِ الْقُرْآنَ على حَرْفٍ. وقال الآخَرُ: زِدْهُ. قال: فَقُلْتُ (^٤): زِدْنِي. قَالَ: اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ. حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، [فقال: اقْرَأْ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ] (^٥) \" (^٦).\n_________\n(^١) في ص: \"عبد اللَّه\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"فإنك\".\n(^٣) بعده في ص، ر: \"قال\". والفرق: الخوف. اللسان (ف ر ق).\n(^٤) في ص، ر، ت ١: \"قلت\".\n(^٥) سقط من: ص.\n(^٦) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٠٢، وعبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ١٢٤ (الميمنية)، وابن عبد البر في التمهيد ٨/ ٢٨٥، وابن عساكر في تاريخه ٧/ ٣٢٩ من طريق إسرائيل به. وعندهم: سقير العبدي. وهو مجهول، وينظر تعجيل المنفعة ١/ ٥٩٤. وأخرجه أبو عبيد ص ٢٠١، والنسائي في الكبرى (١٠٥٠٦) من طريق يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، عن أُبي. =","vol":"1","page":29},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مَيْمونٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، جميعًا عن حُمَيْدٍ الطَّويلِ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن أبيِّ بنِ كعبٍ، قال: ما حاك (^١) في صدري شيءٌ منذ أسْلَمْتُ، إلا أني [قرَأْتُ آيةً] (^٢)، فقرَأها رجلٌ غيرَ قِراءتي، فقلتُ: أقْرَأَنيها رسولُ اللَّهِ ﷺ. فقال الرجلُ: أقْرَأَنيها رسولُ اللَّهِ ﷺ. فأتَيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فقلتُ: أقْرَأْتَني آيةَ كذا وكذا؟ قال: \"بَلَى\". قال الرجلُ: ألم تُقْرِئْني آيةَ كذا وكذا؟ قال: \"بَلَى، إِنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أَتَيَانِي، فَقَعَدَ جِبْرِيلُ عَنْ يَمينِي وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِي، فقال جِبْرِيلُ: اقْرَإِ القُرْآنَ على [حَرْفٍ وَاحِدٍ] (^٣)، وقال مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ. قال جِبْرِيلُ: اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ. فقال مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ. حَتَّى بلَغ ستةً أو سبعةً\" (^٤) الشكُّ من أبي كُرَيْبٍ. وقال ابنُ بَشَّارٍ في حديثِه: \"حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ - ولم يَشُكَّ (^٥) فيه - وَكُلٌّ شَافٍ كَافٍ\". ولفظُ الحديثِ لأبي كُريبٍ (^٦).\n_________\n= وأخرجه أحمد بن منيع في مسنده - كما في فضائل القرآن لابن كثير ص ٦١ - والنسائي في الكبرى (١٠٥٠٧)، والبيهقي في الدلائل ٦/ ١٨٨ من طريق إسحاق الأزرق وفي يزيد بن هارون، عن العوام، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، قال: أتى أُبي بن كعب رسول اللَّه ﷺ برجلين. فذكره.\nوقال ابن كثير: فهذا الحديث محفوظ من حيث الجملة عن أبي بن كعب، والظاهر أن سليمان بن صرد الخزاعي شاهد ذلك، واللَّه أعلم.\n(^١) في ص: \"حال\".\n(^٢) في ت ١: \"قرأنا به\".\n(^٣) في ص، ر: \"حرف\"، وفي ت ٢: \"حرفين\".\n(^٤) بعده في ت ١: \"أحرف\".\n(^٥) في ر، ت ١، ت ٢: \"يشكك\".\n(^٦) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٠١، وابن أبي شيبة ١٠/ ٥١٧، وأحمد ٥/ ١١٤، ١٢٢ (الميمنية)، وعبد بن حميد (١٦٤)، وعبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ١٢٢ (الميمنية)، والنسائي (٩٤٠)، والطحاوي في المشكل (٣١١١)، وابن حبان (٧٣٧) من طرق عن حميد به.","vol":"1","page":30},{"text":"وحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرني يحيى بنُ أيوبَ، عن حُميدٍ الطويلِ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه. وقال في حديثِه: \"حَتَّى بَلَغَ سِتَّةَ (^١) أَحْرُفٍ، قَالَ: اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، كُلٌّ شَافٍ كَافٍ\".\nحدَّثنا محمدُ بنُ مرزوقٍ، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن حميدٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن عُبادةَ بنِ الصامتِ، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ عليٍّ وأبو أسامةَ، عن زائدةَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن أُبيٍّ، قال: لقِي رسولُ اللَّهِ ﷺ جبريلَ عندَ أحْجارِ المِرَاءِ (^٣)، فقال: \"إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ، مِنْهُمُ الغُلَامُ والْخَادِمُ والشَّيْخُ العاسي (^٤) والعَجُوزُ\". فقال جِبْريلُ: فَلْيَقْرَءوا القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ. ولفظُ الحديثِ لأبي أسامةَ (^٥).\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"سبعة\".\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ١١٤ (الميمنية)، والطحاوي في المشكل (٣٠٩٦، ٣٠٩٧)، وابن حبان (٧٤٢)، والطبراني في الأوسط (٥٢٥٠)، وابن عدي ٢/ ٦٧٩، وتمام في الفوائد (١٣٢٢ - الروض البسام) من طرق عن حماد بن سلمة به. وقد تفرد حماد بذكر عبادة في إسناده.\n(^٣) المراء - بكسر الميم -: قباء. النهاية ٤/ ٣٢٣.\n(^٤) في ص: \"العاشي\"، وفي م، وجامع المسانيد ١/ ٦٧: \"الفاني\"، وفي المسند: \"العاصي\"، وفي الترمذي: \"الكبير\". والعاسي بمعنى ما في هذه المصادر.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥١٨ - ومن طريقه ابن حبان (٧٣٩) - وأحمد ٥/ ١٣٢ (الميمنية) عن حسين بن علي به. وأخرجه أحمد من طريق زائدة به. وأخرجه الطيالسي (٥٤٥)، والترمذي (٢٩٤٤)، والبزار (٢٩٠٩)، والطحاوي في المشكل (٣٠٩٨) من طريق عاصم به. وقال الترمذي: حسن صحيح. =","vol":"1","page":31},{"text":"حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ نُمَيْرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، وحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ القَنَّادُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ الواسطيُّ، عن إسماعيلَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عيسى بنِ (^١) عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن جدِّه، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، قال: كنتُ في المسجدِ، فدخَل رجلٌ يُصَلِّي، فقرَأ قراءةً أنْكَرْتُها عليه (^٢)، ثم دخَل رجلٌ آخرُ، فقرَأ قراءةً غيرَ قراءةِ صاحبِه، فدخَلْنا جميعًا على رسولِ اللَّهِ ﷺ. قال: فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنّ هذا قرَأ قراءةً أنْكَرْتُها عليه، ثم دخَل هذا فقرَأ قراءةً غيرَ قراءةِ صاحبِه. فأمَرهما رسولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأا، فحسَّن رسولُ اللَّهِ ﷺ شأنَهما، فوقَع في نفسي مِن التكذيبِ ولا إذ كنتُ في الجاهليةِ، فلما رأَى رسولُ اللَّهِ ﷺ ما غشِيني ضرَب في صدري، ففِضْتُ عرقًا، كأنما أَنْظُرُ إلى اللَّهِ فَرَقًا، فقال لي: \"يَا أُبَيُّ، أُرْسِلَ إِلَيَّ: أَنِ اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْتُ عليه: أنْ هَوِّنْ على أُمَّتِي. فَرَدَّ عَلَيَّ في الثَّانِيَةِ: أَنِ اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. فَرَدَدْتُ عليه: أنْ هَوِّنْ على أُمَّتِي. فَرَدَّ عَلَيَّ فِي الثَّالِثَةِ: أَنِ اقْرَأْهُ على سَبْعَةِ أحْرُفٍ، ولك بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكها (^٣) مَسْأَلَةٌ تَسْألُنِيهَا. فقلْتُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي. وأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ ليَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ فيه الخَلْقُ كُلُّهم حتى إِبْراهِيمُ\". إلا أن ابنَ بَيانٍ قال في حديثِه: فقال لهم (^٤) النبيُّ ﷺ: \"قد أصَبْتُم وأحْسَنْتُم\". وقال أيضًا: فارفضَضْتُ (^٥) عرقًا (^٦).\n_________\n= ورُوي عن عاصم، عن زر، عن حذيفة. أخرجه أحمد ٥/ ٣٩١، ٤٠٥ (الميمنية)، والبزار (٢٩٠٨)، والطحاوي في المشكل (٣٠٩٨)، وابن قانع في معجمه ١/ ١٩١، ١٩٢، والطبراني في الكبير (٣٠١٨).\n(^١) في ت ١: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٤١٢.\n(^٢) بعده في ص، ت ١: \"قال\".\n(^٣) في ص، م: \"رددتها\".\n(^٤) في ص، ت ١: \"لهما\".\n(^٥) ارفض عرقا: جرى عرقه وسال. انظر النهاية ٢/ ٢٤٣.\n(^٦) أخرجه مسلم (٨٢٠) - ومن طريقه البغوي في شرح السنة (١٢٢٧) - من طريق ابن نمير به. =","vol":"1","page":32},{"text":"حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، بإسنادِه عن النبيِّ ﷺ نحوَه (^١)، وقال: قال لي: \"أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِن الشَّكِّ والتَّكْذِيبِ\". وقال أيضًا: \"إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ على حَرْفٍ، فقُلْتُ: اللَّهُمَّ رَبِّ خَفِّفْ عن أُمَّتِي. فقال: اقْرَأْهُ على حَرْفَيْنِ. فأمَرَنِي (^٢) أن أقْرَأَهُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، مِن سَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنَ الجَنَّةِ، كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ\".\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عيسى بنِ أبي ليلى، عن ابنِ أبي ليلى، [وعن ابنِ أبي ليلى] (^٣)، عن الحكمِ، عن ابنِ أبي ليلى، عن أُبَيٍّ، قال: دخَلْتُ المسجدَ فصلَّيْتُ، فقرَأْتُ \"النحلَ\"، ثم جاء رجلٌ آخرُ، فقرَأها على غيرِ قراءتي، ثم جاء رجلٌ آخرُ فقرَأ خلافَ قراءتِنا، فدخَل (^٤) نفسي مِن الشكِّ والتكذيبِ أشدُّ مما كان في الجاهليةِ، فأخَذْتُ بأيديهما، فأتَيْتُ بهما النبيَّ ﷺ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، اسْتَقْرِئْ هذين. فقرَأ أحدُهما، فقال: \"أَصَبْتَ\". قال: ثم اسْتَقْرَأ الآخرَ، فقال: \"أَصَبْتَ\". فدخَل قلبي أشدُّ مما كان في الجاهليةِ مِن الشكِّ والتكذيبِ، فضرَب رسولُ اللَّهِ ﷺ\n_________\n= وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥١٦، وأحمد ٥/ ١٢٧ (الميمنية)، ومسلم (٨٢٠)، وعبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ١٢٨ (الميمنية)، وابن حبان (٧٤٠)، والبيهقي ٢/ ٣٨٣ من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد به.\n(^١) أعاده المصنف في ص ٦٣، وفيه: عن عبد اللَّه بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن جده، عن أبي. وهكذا ذكره ابن كثير في فضائل القرآن ص ٥٦ عنه.\n(^٢) في ت ١: \"وأمرني\".\n(^٣) سقط من: ص، ر، ت ٢. وابن أبي ليلى الذي يروي عنه عبد الله بن عيسى والحكم هو عبد الرحمن بن أبي ليلى، والذي يروي عن الحكم هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.\n(^٤) بعده في م: \"في\".","vol":"1","page":33},{"text":"صدري، وقال: \"أعَاذَكَ اللَّهُ مِن الشَّكِّ، وَأَخْسَأَ عَنك الشَّيْطانَ\". قال إسماعيلُ: ففِضْتُ عرقًا. ولم يَقُلْه ابنُ أبي ليلى. قال: فقال: \"أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ. فَقُلْتُ: إِنَّ أُمَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. حَتَّى قَالَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فقال لي: اقْرَأْ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رُدِدْتَها مسألةٌ\". قال: \"فَاحْتَاجَ إِلَيَّ فِيهَا الْخَلَائِقُ، حَتَّى إِبْرَاهِيمُ\".\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ (^١)، عن ابنِ أبي ليلى، عن الحكمِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن أُبَيٍّ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه.\nحدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الصمدِ، قال: [حدَّثني أبي، قال] (^٢): حدَّثنا محمدُ بنُ جُحَادةَ، عن الحكمِ بنِ عُتَيْبةَ (^٣)، عن مجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: أتَى جبريلُ النبيَّ ﷺ وهو عندَ أَضَاةِ بني غِفارٍ (^٤)، فقال: إن اللَّهَ ﵎ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ، فمَن قرَأ منها حرفًا فهو كما قرَأ (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن\n_________\n(^١) في ر، ت ١، ت ٢: \"عبيد اللَّه\". والظاهر أنه عبد اللَّه بن نمير، فهو يروي عن ابن أبي ليلى كما في المسند ٥/ ٢٢ (٢٨٠٨)، ويروي عنه أبو كريب كما تقدم في ص ٣٢.\n(^٢) سقط من: ر.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"عيينة\".\n(^٤) أضاة بني غفار: موضع بالمدينة. معجم ما استعجم ١/ ١٦٤.\n(^٥) أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ١٢٨ (الميمنية) - وعنه الطبراني في الكبير (٥٣٥)، والقطيعي في جزء الألف دينار (٢٨) - وابن حبان (٧٣٨) من طريق عبد الوارث بن سعيد به. وسيأتي في ص ٤٠، ٤١ من طريق آخر عن عبد الوارث.","vol":"1","page":34},{"text":"الحكمِ، عن مُجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، أن النبيَّ ﷺ كان عندَ أضاةِ بني غِفارٍ، قال: فأتاه جبريلُ، فقال: إنّ اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على حرفٍ. قال: \"أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَه ومَغْفِرَتَه، وَإِنَّ أُمَّتِي لا تُطِيقُ ذلك\". قال: ثم أتاه الثانيةَ، فقال: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على حرفين. قال: \"أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَه ومَغْفِرَتَه، وإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذلك\". ثم جاءه الثالثةَ، فقال: إن اللَّهَ يَأْمُرُك، أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على ثلاثةِ أحرفٍ. قال: \"أسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَه ومَغْفِرَتَه، وإِن أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذلك\". ثم جاءه الرابعةَ، فقال: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ، فأيَّما حرفٍ قرَءوا عليه فقد أصابوا (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عدِيٍّ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى قال: أتَى جبريلُ النبيَّ ﷺ عندَ أَضاةِ بني غِفارٍ. فذكَر نحوَه.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا موسى بنُ داودَ، قال: حدَّثنا شعبةُ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: حدَّثنا شَبَابةُ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٢١)، وأبو داود (١٤٧٨) عن محمد بن المثنى به.\nوأخرجه أحمد ٥/ ١٢٧ (الميمنية)، ومسلم (٨٢١)، والنسائي (٩٣٨)، وعبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ١٢٨ (الميمنية) من طريق محمد بن جعفر به. وأخرجه الطيالسي (٥٥٩)، والطحاوي في المشكل (٣١١٧)، والبيهقي ٢/ ٣٨٤ من طريق شعبة به. وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٠٢ عن حجاج بن محمد، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، ليس فيه: عن مجاهد. وقال النسائي: هذا الحديث خولف فيه الحكم، خالفه منصور بن المعتمر، رواه عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، مرسلا.\n(^٢) أخرجه الطحاوي في المشكل (٣١١٧) من طريق شبابة به.","vol":"1","page":35},{"text":"حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَني هشامُ بنُ سعدٍ، عن [عُبَيدِ اللَّهِ] (^١) بنِ عمرَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ أنه قال: سمِعْتُ رجلًا يَقْرَأُ في سورةِ \"النحلِ\" قراءةً تُخالِفُ قراءتي، ثم سمِعْتُ آخرَ يَقْرَؤُها [قراءةً تُخالِفُ ذلك] (^٢)، فانْطَلَقْتُ بهما إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقلتُ: إني سمِعْتُ هذين يَقْرَأان في سورةِ \"النحلِ\"، فسأَلْتُهما مَن أقْرَأَهما؟ فقالا: رسولُ اللَّهِ ﷺ فقلت: لَأَذْهَبَنَّ بكما إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، إذ خالفْتُما ما أقْرَأَني رسولُ اللَّهِ ﷺ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ لأحدِهما: \"اقْرَأْ\". فقرَأ، فقال: \"أَحْسَنْتَ\". ثم قال للآخرِ: \"اقْرَأْ\". فقرأ، فقال: \"أَحْسَنْتَ\". قال أُبيٌّ: فوجَدْتُ في نفسي وَسْوسةَ الشيطانِ، حتى احْمَرَّ وجهي، فعرَف ذلك رسولُ اللَّهِ ﷺ في وجهي، فضرَب بيدِه في صدري، ثم قال: \"اللَّهُمَّ أَخْسِئِ الشَّيْطَانَ عنه، يا أُبَيُّ أَتَاني آتٍ مِن رَبِّي، فقال: إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُك أن تَقْرَأَ القُرْآنَ على حَرْفٍ واحِدٍ. فقُلْتُ: رَبِّ، خَفِّفْ عَنِّي (^٣). ثم أَتَانِي الثَّانِيَةَ، فقال: إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُك أن تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى [حَرْفٍ وَاحِدٍ] (^٤). فَقُلْتُ: رَبِّ، خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي. ثُمَّ أَتَانِيَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقُلْتُ مثلَ ذلك، ثُمَّ أَتَانِيَ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، ولك بِكُلِّ رَدَّةٍ مَسْأَلَةٌ، فَقُلْتُ:\n_________\n(^١) في ص: \"عبد الله\".\n(^٢) في ص، ر، ت ١، ت ٢: \"فخالف\".\n(^٣) في فضائل القرآن: \"عن أمتي\". وفي نسخة منه كالذي هنا. وينظر تفسير ابن كثير تحقيق أبي إسحاق الحويني ١/ ١٩٤.\n(^٤) في الفضائل: \"حرفين\". وفي نسخة منه كالذي هنا.","vol":"1","page":36},{"text":"يَا رَبِّ اغْفِرْ لِأُمَّتي، [يَا رَبِّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي] (^١)، [وَاخْتَبَأْتُ الثَّالِثَةَ شفاعةَ لِأُمَّتِي] (^٢) يَوْمَ القِيَامَةِ\" (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّنْعانيُّ، قال: حدَّثنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ عُبَيدَ اللَّهِ بنَ عمرَ، عن سَيَّارٍ (^٤) أبي الحكمِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، رفَعه إلى النبيِّ ﷺ: ذكر أن رجلين اخْتَصَما في آيةٍ مِن القرآنِ، وكلٌّ يَزْعُمُ أن النبيَّ ﷺ أقْرَأه، فتَقَارأا إلى أُبيٍّ، فخالَفَهما أبيٌّ، فَتَقارَءوا إلى النبيِّ ﷺ فقال (^٥): يا نبيَّ اللَّهِ، اخْتَلَفْنا في آيةٍ مِن القرآنِ، وكلُّنا يَزْعُمُ أنك أقْرَأْتَه. فقال لأحدِهما: \"اقْرَأْ\". قال: فقرَأ، فقال: \"أَصَبْتَ\". وقال للآخرِ: \"اقْرَأْ\". فقرَأ خلافَ ما قرَأ صاحبُه، فقال: \"أَصَبْتَ\". وقال لأُبيٍّ: \"اقْرَأْ\". فقرَأ فخالَفهما، فقال: \"أَصَبْتَ\". قال أُبيٌّ: فدخَلَني مِن الشكِّ في أمرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ما دخَل فيَّ مِن أمرِ الجاهليةِ. قال: فعرَف رسولُ اللَّهِ ﷺ الذي في وجهي، فرفَع يدَه، فضرَب صدري، وقال: \"اسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ\". قال: ففِضْتُ عرقًا، وكأنِّي أَنْظُرُ إلى اللَّهِ فَرَقًا، وقال: \"إِنَّهُ أَتَانِي آتٍ مِن (^٦) رَبِّي، فقال: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ على حَرْفٍ وَاحِدٍ. فقُلْتُ: رَبِّ خَفِّفْ عن أُمَّتِي\". قال: \"ثم جَاءَ الثَّانيةَ (^٧)،\n_________\n(^١) سقط من: ر، ت ٢.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) إسناده منقطع. ذكره ابن كثير في فضائل القرآن ص ٥٦، ٥٧ عن المصنف. وعلقه ابن عبد البر في التمهيد ٨/ ٢٨٨ عن الليث، عن هشام به.\nوصحح إسناده ابن كثير، وقال الحربي - كما في تهذيب التهذيب ٧/ ٤٠ -: عبيد اللَّه لم يدرك عبد الرحمن بن أبي ليلى. وقد روى عنه بواسطة كما في الطريق الآتي.\n(^٤) في ت ١: \"سنان\".\n(^٥) في ص: \"فقالوا\".\n(^٦) في ص: \"عن\".\n(^٧) زيادة من: ت ١.","vol":"1","page":37},{"text":"فقال: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُك أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ على حَرْفٍ وَاحِدٍ. فَقُلْتُ: رَبِّ خَفِّفْ عن أُمَّتِي\". قال: [\"ثُمَّ جَاء الثَّالِثَةَ، فقال: إِنَّ رَبَّك يَأْمُرُك أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ على حَرْفٍ وَاحِدٍ. فَقُلْتُ: رَبِّ خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي\". قال:] (^١) \"ثم جَاءَني الرَّابِعَةَ، فقال: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، ولك بِكُلِّ رَدَّةٍ مسْألةٌ\". قال: \"قُلْتُ: رَبِّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، رِب اغْفِرْ لِأُمَّتِي، وَاخْتَبَأْتُ الثَّالِثَةَ شَفَاعَةً لِأُمَّتِي، حَتَّى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمنِ لَيَرْغَبُ فِيهَا\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ (^٣)، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بَكْرةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"قال (^٤) جِبْرِيلُ: اقْرَءُوا الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. فَقَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ. فَقَالَ: عَلَى حَرْفَيْنِ. حَتَّى بَلَغَ سِتَّةَ أَو سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، فقال: كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ، ما لم تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ [بآيةِ رحمةٍ] (^٥)، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ [بآيةِ عذابٍ] (^٦)، كقولك: هَلُمَّ وتَعَالَ\" (^٧).\nحدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَني سليمانُ\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٧/ ٣٢٩ من طريق ابن وهب، عن عمرو، عن سعيد بن أبي هلال، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن أبي الحكم، عن أبي بن كعب، نحوه.\n(^٣) في ت ١: \"يزيد\".\n(^٤) بعده في ر: \"لي\".\n(^٥) في م: \"برحمة\".\n(^٦) في م: \"بعذاب\".\n(^٧) أخرجه أحمد ٥/ ٤١، ٥١ (الميمنية)، والطحاوي في المشكل (٣١١٨) من طريق حماد به. وعزاه الهيثمي في المجمع ٧/ ١٥١ إلى الطبراني.","vol":"1","page":38},{"text":"ابنُ بلالٍ، عن يَزيدَ بنِ خُصَيْفةَ، عن بُسْرِ (^١) بنِ سعيدٍ، أن أبا جُهَيْمٍ (^٢) الأنصاريَّ أخْبَرَه أن رجلَيْن اخْتَلَفا في آيةٍ مِن القرآنِ، فقال هذا: تلَقَّيْتُها مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ وقال الآخرُ: تلَقَّيتُها من رسولِ اللَّهِ ﷺ. فسألا رسولَ اللَّهِ ﷺ عنها، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فلا تَمَارَوْا في القُرْآنِ، فَإِنَّ المِرَاءَ فيه كُفْرٌ\" (^٣).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخْبَرَنا سفيانُ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: قال النبيُّ ﷺ: \"أُنْزِلَ الْقُرْآنُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، كلُّها شَافٍ كَافٍ\" (^٤).\nحدَّثني يونسُ، [قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ] (^٥)، قال (^٦): أخْبَرني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن أبي عيسى بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن (^٧) عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، أنّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"أُمِرْتُ أَنْ أقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، كُلٌّ كَافٍ شَافٍ\" (^٨).\n_________\n(^١) في ر، م، ت ١، ت ٢: \"بشر\". وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ١٧٢.\n(^٢) في ر، م: \"جهم\". وينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ٢٠٩.\n(^٣) أخرجه الطحاوي في المشكل (٣٠٩٩) عن يونس به. وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٨/ ٢٨٢ من طريق ابن وهب به. وأخرجه أحمد ٢٩/ ٨٥ (١٧٥٤٢) من طريق سليمان بن بلال به. وقال ابن كثير في فضائل القرآن ص ٦٤: هذا إسناد صحيح. وينظر تفسير ابن كثير تحقيق أبي إسحاق الحويني ١/ ٢٠٧.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٣ - تفسير)، وابن أبي شيبة ١٠/ ٥١٦ عن ابن عيينة به.\n(^٥) سقط من: ت ١.\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) زيادة من: ر. وهذا إسناد مشكل كما قال الشيخ أحمد شاكر، ومن بعده الشيخ الألباني في الصحيحة ٢/ ٤٢٤ (٨٤٤). ولم نهتد إلى معرفة مَن أبو عيسى هذا. ولعله أبو العميس عتبة بن عبد اللَّه بن عتبة بن عبد اللَّه بن مسعود، ثقة، مات في حدود سنة ١٥٠، مترجم في تهذيب الكمال ١٩/ ٣٠٩، وذكر روايته عن أبيه.\n(^٨) عزاه السيوطي في الجامع الكبير (٤٤٣٢)، والمتقى الهندي في الكنز (٣٠٩٢) إلى المصنف.","vol":"1","page":39},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: حدَّثنا أبو خَلْدةَ، قال: حدَّثني أبو العاليةِ، قال: قرَأ على رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن كلِّ خمسٍ رجلٌ، فاخْتَلَفوا في اللغةِ، فرضِي قراءتَهم كلِّهم، فكان بنو تَميمٍ أعْرَبَ (^١) القومِ.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عثمانَ (^٢) العُثمانيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي أُوَيْسٍ (^٣)، قال: حدَّثنا أخي، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن محمدِ بنِ عَجْلانَ، عن المَقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ ﵁، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. فَاقْرَءُوا وَلَا حَرَجَ، وَلَكِنْ لَا تَخْتِمُوا (^٤) ذِكْرَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ، وَلَا ذِكْرَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ\" (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ مرزوقٍ (^٦)، قال: حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ (^٧) عبدُ اللَّهِ بنُ عمرِو بنِ أبي (^٨) الحجاجِ (^٩)، قال: حدَّثنا [عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ] (^١٠)، [قال: حدَّثنا محمدُ] (^١١) بنُ\n_________\n(^١) في ر: \"أعرف\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"محمد\".\n(^٣) في ص: \"إدريس\".\n(^٤) في ت ١: \"تجمعوا\".\n(^٥) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٨/ ٢٨٨ من طريق إسماعيل بن أبي أويس به.\nوأخرجه الطحاوي في المشكل (٣١٠١) من طريق ابن عجلان به.\nواختلف فيه على ابن أبي أويس، فأخرجه البزار، وأبو يعلى، وابن حبان، وغيرهم من طرق عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن ابن عجلان، عن أبي إسحاق إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود. وقد تفرد به ابن عجلان عن الهجري. وقد تقدم من وجه آخر عن الهجري في ص ٢٢.\n(^٦) في ت ٢: \"يوسف\".\n(^٧) بعده في ت ٢: \"عن\".\n(^٨) سقط من: ص.\n(^٩) في ت ١: \"العجاج\".\n(^١٠) سقط من: ص.\n(^١١) في ت ٢: \"يعني\".","vol":"1","page":40},{"text":"جُحادةَ (^١)، عن الحكمِ بنِ عُتَيْبةَ (^٢)، عن مُجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، قال: أتى النبيَّ ﷺ جبريلُ وهو بأَضَاةِ بني غِفارٍ، فقال: إن اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على حرفٍ واحدٍ. قال: فقال: \"أَسْأَلُ اللهَ مَغْفِرَتَهُ وَمُعَافَاتَهُ -[أو قال: مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ] (^٣) - سَلِ اللَّهَ لَهُمُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّهم لَا يُطِيقُونَ ذلك\". فَانْطَلَقَ ثُمَّ رَجَعَ، فقال: إن اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على حرفين. فقال: \"أَسأَلُ اللَّهَ مَغْفِرَتَهُ وَمُعَافَاتَهُ -[أو قال: مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ] (^٣) - إِنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ ذلك، فَسَلِ اللَّهَ لهم التَّخْفِيفَ\". فانْطَلَق ثم رجَع. فقال: إن اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمتَك القرآنَ على ثلاثةِ (^٤) أحرفٍ. [فقال: \"أَسْأَلُ اللَّهَ مَغْفِرَتَهُ وَمُعَافَاتَهُ - أو قال (^٥): مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ - إِنَّهم لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، [سَلِ اللَّهَ] (^٦) لهم التَّخْفِيفَ\". فانْطَلَق ثم رجَع، فقال: إن اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ] (^٣)، فمَن قرَأ منها بحرفٍ فهو كما قرَأ (^٧).\nقال أبو جعفرٍ: صحَّ وثبَت أن الذي نزَل به القرآنُ مِن ألسنِ العربِ، البعضُ منها دونَ الجميعِ؛ إذ كان معلومًا أن ألسنتَها ولُغاتِها أكثرُ مِن سبعةٍ، بما يُعْجَزُ عن إحصائِه.\nفإن قال: وما برهانُك على أن معنى قولِ النبيِّ ﷺ: \"نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ\". وقولِه: \"أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبعَةِ أَحْرُفٍ\". هو ما ادَّعَيْتَه - مِن أنه\n_________\n(^١) في ت ٢: \"حجارة\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"عيينة\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ٢.\n(^٤) في ص، ت ٢: \"سبعة\".\n(^٥) زيادة من: م.\n(^٦) سقط من: ت ١.\n(^٧) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٨/ ٢٨٧ من طريق أبي معمر به.","vol":"1","page":41},{"text":"نزَل بسبعِ لغاتٍ، وأُمِر بقراءتِه على سبعةِ ألسُنٍ - دونَ أن يكونَ معناه ما قاله مخالفوك، مِن أنه نزَل بأمرٍ، وزجْرٍ، وتَرْغيبٍ، وترهيبٍ، وقَصَصٍ، ومَثَلٍ، ونحوَ ذلك مِن الأقوالِ، فقد علمتَ قائلَ ذلك مِن سلفِ الأمةِ وخيارِ الأئمةِ؟\nقيل له: إن الذين قالوا ذلك لم يَدَّعُوا أن تأويلَ الأخبارِ التي تقَدَّم ذكرُناها هو ما زعمتَ أنهم قالوه في الأحرفِ السبعةِ التي نزَل بها القرآنُ دون غيرِه، فيكونَ ذلك لقولِنا مُخالِفًا، وإنما أخْبَروا أن القرآنَ نزَل على سبعةِ أحرفٍ، يَعْنون بذلك أنه نزَل على سبعةِ أوجهٍ. والذي قالوه مِن ذلك كما قالوا.\nوقد رَوَيْنا بمثل الذي قالوا مِن ذلك، عن النبيِّ ﷺ وعن جماعةٍ مِن أصحابِه، أخبارًا قد تقدم ذكرُنا بعضَها، وسنَسْتَقْصِي [ذكرَ باقيها] (^١) ببيانِه، إذا انتهَيْنا إليه إن شاء اللَّهُ.\nفأما الذي تقَدَّم (^٢) ذِكْرُناه مِن ذلك، فخبرُ أُبيِّ بنِ كعبٍ، مِن روايةِ أبي كُرَيْبٍ، عن ابنِ فُضَيْلٍ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، الذي ذكَر فيه عن النبيِّ ﷺ أنه قال: \"أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، مِن سَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِن (^٣) الجَنَّةِ\".\nوالسبعةُ الأحرفُ هو ما قلْنا مِن أنه الألسنُ السبعةُ. والأبوابُ السبعةُ مِن الجنةِ هي المعاني التي فيها؛ مِن الأمرِ والنهيِ، والترغيبِ والترهيبِ، والقَصَصِ والمَثَلِ، التي إذا عَمِل بها العاملُ، وانتهى إلى حدودِها المُنْتَهِي، اسْتَوْجَب به الجنةَ. وليس - والحمدُ للَّهِ - في قولِ مَن قال ذلك مِن المُتَقَدِّمِين خلافٌ لشيءٍ مما قلْناه.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"ذكرنا فيها\".\n(^٢) تقدم في ص ٣٣.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"1","page":42},{"text":"والدَّلالةُ على صحةِ ما قلْناه، مِن أن معنى قولِ النبيِّ ﷺ: \"نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ\". إنما هو أنه نزَل بسبعِ لغاتٍ، كما تقَدَّم ذكرُنا مِن الرواياتِ الثابتةِ عن عمرَ بنِ الخطابِ، وعبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، وأُبيِّ بنِ كعبٍ، وسائرِ مَن قد قدَّمْنا الروايةَ عنه عن النبيِّ ﷺ في أولِ هذا البابِ، أنهم تَمارَوْا في القرآنِ، فخالَف بعضُهم بعضًا في نفسِ التلاوةِ، دون ما في ذلك مِن المعاني، وأنهم احْتَكَموا فيه إلى النبيِّ ﷺ، فاسْتَقْرَأ كلَّ رجلٍ منهم، ثم صوَّب جميعَهم في قراءتِهم على اختلافِها، حتى ارْتاب بعضُهم لتصويبِه إياهم، فقال ﷺ للذي ارتاب منهم عندَ تصويبِه جميعَهم: \"إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ\".\nومعلومٌ أن تَمارِيَهم فيما تَمارَوْا فيه مِن ذلك، لو كان تَماريًا واختلافًا فيما دلَّت عليه تِلاواتُهم (^١)؛ مِن التحليلِ والتحريمِ، والوعدِ والوَعيدِ، وما أشبهَ ذلك، لكان مستحيلًا أن يُصَوِّبَ (^٢) جميعَهم ﷺ، ويَأْمُرَ (^٣) كلَّ قارئٍ منهم أن يَلْزَمَ قراءتَه في ذلك على النحوِ الذي هو عليه؛ لأن ذلك لو جاز أن يكون صحيحًا وجَب أن يَكونَ اللَّهُ جل ثناؤه قد أمَر بفعلِ شيءٍ بعينِه، وفرَضه في تلاوةِ مَن دلَّت تلاوتُه على فرضِه، ونهَى عن فعلِ ذلك الشيءِ بعينِه وزجَر عنه في تلاوةِ الذي دلَّت تلاوتُه على النهيِ والزجرِ عنه، وأباح وأطْلَق فِعْلَ ذلك الشيءِ بعينِه، وجعَل لمن شاء مِن عبادِه أن يَفْعَلَه فِعْلَه، ولمن شاء منهم أن يَتْرُكَه تَرْكَه، في تلاوةِ مَن دلَّت تلاوتُه على (^٤) التخييرِ!\nوذلك مِن قائلِه - إن قاله - إثباتُ ما قد نفَى اللَّهُ جَلّ ثناؤه عن تنزيلِه وحكمِ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"تلاوتهم\".\n(^٢) في ت ٢: \"تصوب\".\n(^٣) في ت ٢: \"تأمر\".\n(^٤) في م، ت ٢: \"عن\".","vol":"1","page":43},{"text":"كتابِه، فقال تعالى ذِكرُه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. وفي نفْيِ اللَّهِ جل ثناؤه ذلك عن حكمِ كتابِه، أوضحُ الدليلِ على أنه لم يُنَزِّلْ كتابَه على لسانِ محمدٍ ﷺ إلا بحكمٍ واحدٍ مُتَّفِقٍ في جميعِ خلقِه، لا بأحكامٍ فيهم مختلفةٍ.\nوفي صحةِ كونِ ذلك كذلك ما يُبْطِلُ دعوى مَن ادَّعى خلافَ قولِنا في تأويلِ قولِ النبيِّ ﷺ: \"أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ\". للذين تخاصَموا إليه عندَ اختلافِهم في قراءتِهم؛ لأنه ﷺ قد أمَر جميعَهم بالثبوتِ على قراءتِه، ورضِي قراءةَ كلِّ قارئٍ منهم - على خلافِها قراءةَ خصومِه ومُنازِعيه فيها - وصوَّبها.\nولو كان ذلك منه تصويبًا فيما اخْتَلَفت فيه المعاني، وكان قولُه (^١) ﷺ: \"أُنْزِلَ عَلَيَّ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ\". إعلامًا منه لهم أنه نزَل بسبعةِ أوجهٍ مختلفةٍ، وسبعةِ معانٍ مُفْتَرِقةٍ - كان ذلك إثباتًا لما قد نفَى اللَّهُ عن كتابِه مِن الاختلافِ، ونفيًا لما قد أوْجَب له مِن الائْتِلافِ.\nمع أن في قيامِ الحجةِ بأن النبيَّ ﷺ لم يَقْضِ في شيءٍ واحدٍ في وقتٍ واحدٍ بحكمين مختلفين ولا أذِن بذلك لأمتهِ - ما يُغْنِي عن الإكثارِ في الدَّلالةِ على أن ذلك مَنْفيٌّ عن كتابِ اللَّهِ.\nوفي انتفاءِ ذلك عن كتابِ اللَّهِ وجوبُ صحّةِ القولِ الذي قلْناه في معنى قولِ النبيِّ ﷺ: \"أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ\". عندَ اخْتِصامِ المُخْتَصِمِين إليه فيما اخْتَلَفوا فيه مِن (^٢) تلاوةِ ما تَلَوْه مِن القرآنِ، وفسادِ تأويلِ قولِ مَن خالَف قولَنا في ذلك.\n_________\n(^١) بعده في ر: \"لهم\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"في\".","vol":"1","page":44},{"text":"وأُخْرى (^١)، أنَّ الذين تَمارَوْا فيما تمارَوْا فيه مِن قراءتِهم (^٢) فاحْتَكموا إلى النبيِّ ﷺ، لم يَكُنْ مُنْكَرًا عندَ أحدٍ منهم أن يَأْمُرَ اللَّهُ عبادَه جل ثناؤه في كتابِه وتنزيلِه بما شاء، ويَنْهَى عما شاء، ويَعِدَ فيما أحبَّ مِن طاعاتِه، ويُوعِدَ على مَعاصِيه، ويَحْتِمَ (^٣) لنبيِّه ويَعِظَه (^٤) فيه، ويَضْرِبَ فيه لعبادِه الأمثالَ، فيُخاصِمَ غيرَه على إنكارِه سماعَ ذلك مِن قارئِه؛ بل على الإقرارِ بذلك كلِّه كان إسلامُ مَن أسْلَم منهم. فما الوجهُ الذي أوْجَب له إنكارَ ما أنكر، إن لم يَكُنْ كان ذلك اختلافًا منهم في الألفاظِ واللغاتِ؟\nوبعدُ، فقد أبان صحةَ ما قلنا الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ نصًّا، وذلك الخبرُ الذي ذكَرْنا (^٥): أن أبا كُرَيْبٍ حدَّثنا، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بَكْرةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"قَالَ جِبْرِيلُ: اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. قَالَ مِيَكائِيلُ: اسْتَزِدْه. فقال: على حَرْفَيْنِ. حَتَّى بَلَغَ سِتَّةَ أَوْ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، فقال: كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ، مَا لَمْ يَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِآيَةِ رَحْمَةٍ، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِآيَةِ عَذَابٍ، كقَوْلِكَ: هَلُمَّ وَتَعَالَ\".\nفقد أوْضَح نصُّ هذا الخبرِ أن اختلافَ الأحرفِ السبعةِ إنما هو اختلافُ ألفاظٍ، كقولِك: هَلُمَّ وتعال. باتفاقِ المعاني، لا باختلافِ معانٍ مُوجِبةٍ اختلافَ أحكامٍ، وبمثلِ الذي قلْنا في ذلك صحَّت (^٦) الأخبارُ عن جماعةٍ مِن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"أحرى\".\n(^٢) في ص: \"قراءاتهم\".\n(^٣) في ر، م: \"يحتج\".\n(^٤) في ر، ت ١: \"يعظ\"، وفي ت ٢: \"بعضا\".\n(^٥) تقدم في ص ٣٨.\n(^٦) بعده في ص، ت ١: \"به\".","vol":"1","page":45},{"text":"السلفِ والخلفِ.\nحدَّثني أبو السائبِ سَلْمُ (^١) بنُ جُنادةَ السُّوَائيُّ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، وحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، جميعًا عن الأعمشِ، عن شَقيقٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: إني قد سمِعْتُ القَرَأةَ (^٢) فوجَدْتُهم مُتَقارِبِين، فاقْرَءُوا كما عُلِّمْتُم، وإياكم والتَّنَطُّعَ، فإنما هو كقولِ أحدِكم: هَلُمَّ وتَعالَ (^٣).\nوحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عمَّن سمِع ابنَ مسعودٍ يقولُ: مَن قرَأ منكم على حرفٍ فلا يَتَحَوَّلَنَّ، ولو أَعْلَمُ أحدًا أعْلَمَ مني بكتابِ اللَّهِ لَأَتَيْتُه (^٤).\nوحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ قال: حدَّثنا شعبةُ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عابسٍ، عن رجلٍ مِن أصحابِ عبدِ اللَّهِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، قال: مَن قرَأ القرآنَ (^٥) على حرفٍ فلا يَتَحَوَّلَنَّ منه إلى غيرِه (^٦).\nفمعلومٌ أن عبدَ اللَّهِ لم يَعْنِ بقولِه هذا: مَن قرَأ ما في القرآنِ مِن الأمرِ والنهيِ فلا يَتَحَوَّلَنَّ منه إلى قراءةِ ما فيه مِن الوعدِ والوَعيدِ، ومَن قرَأ ما فيه مِن الوعدِ والوَعيدِ\n_________\n(^١) في ر، م، ت ١: \"سالم\". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٢١٨.\n(^٢) في ص: \"إلى القرأة\"، وفي ر: \"إلى القراءة\"، وفي م: \"القرّاء\".\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٠٧، ٢١٧، وابن أبي شيبة ١٠/ ٤٨٨ عن أبي معاوية به.\nوأخرجه البيهقي ٢/ ٣٨٥ من طريق شعبة به. وسيأتي في سورة يوسف، الآية ٢٣ من وجه آخر عن الأعمش.\n(^٤) رُوي من طرق عن ابن مسعود، وسيأتي تخريجه في ص ٧٥.\n(^٥) زيادة من: م، ت ٢.\n(^٦) أخرجه أحمد وغيره من طريق شعبة به. وهو جزء من أثر مطول تقدم في ص ٢٦.","vol":"1","page":46},{"text":"فلا يَتَحَوَّلَنَّ منه إلى قراءةِ ما فيه مِن القَصَصِ والمَثَلِ. وإنما عنَى رحمةُ اللَّهِ عليه أن مَن قرَأ بحرفِه - وحرفُه قراءتُه، وكذلك تقولُ العربُ لقراءةِ رجلٍ: حرفُ فلانٍ. وتقولُ للحرفِ مِن حروفِ الهِجاءِ المُقَطَّعةِ: حرفٌ. كما تقولُ لقصيدةٍ مِن قصائدِ الشاعرِ: كلمةُ فلانٍ - فلا يَتَحَوَّلَنَّ عنه إلى غيرِه رغبةً عنه. ومَن قرَأ بحرفِ أُبيٍّ، أو بحرفِ زيدٍ، أو بحرفِ بعضِ مَن قرَأ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ببعضِ الأحرفِ السبعةِ - فلا يَتَحَوَّلَنَّ عنه إلى غيرِه رغبةً عنه، فإن الكفرَ ببعضِه كفرٌ بجميعِه، والكفرُ بحرفٍ مِن ذلك كفرٌ بجميعِه. يعني بالحرفِ ما وصَفْنا مِن قراءةِ بعضِ مَن قرَأ ببعضِ الأحرفِ السبعةِ.\nوقد حدَّثنا يحيى بنُ داودَ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، عن الأعمشِ، قال: قرَأ أنسٌ هذه الآيةَ: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيلِ هِيَ أَشَدُّ وَطئًا وأَصْوَبُ قِيلًا). فقال له بعضُ القومِ: يا أبا حمزةَ، إنما هي ﴿وَأَقْوَمُ﴾. فقال: \"أقومُ\" و\"أصوبُ\" و\"أهْيَأُ\" (^١) واحدٌ.\nوحدَّثني محمدُ بنُ حُميدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ أنه كان يَقْرَأُ القرآنَ على خمسةِ أحرفٍ.\nوحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن سالمٍ، أن سعيدَ بنَ جُبيرٍ كان يَقْرَأُ القرآنَ على حرفين.\nوحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، قال: كان يزيدُ بنُ الوليدِ يَقْرَأُ القرآنَ على ثلاثةِ أحْرُفٍ.\n_________\n(^١) في م: \"أهدى\"، وفي ت ٢: \"أهنى\".","vol":"1","page":47},{"text":"أفَتَرَى الزاعمَ أن تأويلَ قولِ النبيِّ ﷺ: \"أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ\". إنما هو أنه نزَل (^١) على الأوجهِ السبعةِ التي ذكَرْنا؛ مِن الأمرِ، والنهيِ، والوعدِ، والوَعيدِ، والجَدَلِ، والقَصَصِ، والمَثَلِ - كان يَرَى أن مُجاهِدًا وسعيدَ بنَ جُبيرٍ لم يقرأا مِن القرآنِ إلا ما كان مِن وجهيه أو وجوهِه الخمسةِ دون سائرِ مَعانيه؟ لئن كان ظنَّ ذلك بهما لقد ظنَّ بهما غيرَ الذي يُعْرفانِ به مِن منازِلِهما مِن القرآنِ، ومعرفتِهما بآيِ الفُرْقانِ.\nوحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن محمدٍ، قال: نُبِّئْتُ أن جبرائيلَ وميكائيلَ أتَيا النبيَّ ﷺ، فقال له جبرائيلُ: اقْرَإِ القرآنَ على حرفين. فقال له ميكائيلُ: اسْتَزِدْه. فقال: اقْرَإِ القرآنَ على ثلاثةِ أحرفٍ. فقال له ميكائيلُ: اسْتَزِدْه. قال: حتى بلَغ سبعةَ أحرفٍ. قال محمدٌ: لا تَخْتَلِفُ في حَلالٍ ولا حَرامٍ، ولا أمرٍ ولا نَهْيٍ، هو كقولك: تعالَ وهَلُمَّ وأقْبِلْ. قال: وفي قراءتِنا ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٢٩]. وفي قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (إن كانت إلا زَقْيةً واحدةً) (^٢).\nوحدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا شعيبٌ - يعني ابنَ الحَبْحابِ - قال: كان أبو العاليةِ إذا قرَأ عندَه رجلٌ لم يَقُلْ: ليس كما تقْرَأُ. وإنما يقولُ: أما أنا فأَقْرَأُ كذا وكذا. قال: فذكَرْتُ ذلك لإبراهيمَ النَّخَعيِّ، فقال: أُرَى\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"أنزل\".\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٥ - تفسير) من طريق أيوب وهشام عن ابن سيرين إلى قوله: حتى بلغ سبعة أحرف. وأخرج باقيه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٠٨، ٢٠٩ عن ابن علية به.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"1","page":48},{"text":"صاحبَك قد سمِع أنه مَن كفَر بحرفٍ منه فقد كفَر به كلِّه (^١).\nحدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أنْبَأنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثنا يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخْبَرَني سعيدُ بنُ المسيبِ أن الذي ذكَر اللَّهُ تعالى ذِكْرُه ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. إنما افتَتَن أنه كان يَكْتُبُ الوحيَ، فكان يُمْلِي (^٢) عليه رسولُ اللَّهِ ﷺ: سمِيعٌ عليمٌ، أو عزيزٌ حكيمٌ، أو غير ذلك مِن خواتمِ الآيِ، ثم يَشْتَغِلُ عنه رسولُ اللَّهِ ﷺ وهو على الوحيِ، فيَسْتَفْهِمُ رسولَ اللَّهِ ﷺ فيقولُ: أعزيزٌ حكيمٌ، أو سميعٌ عليمٌ، أو عزيزٌ عليمٌ؟ فيقولُ له رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أيَّ ذلك كتَبْتَ فهو كذلك\". ففتَنه ذلك، فقال: إنَّ محمدًا وكَل ذلك إليَّ فأَكْتُبُ ما شئتُ. وهو الذي ذكَر لي سعيدُ بنُ المسيبِ مِن الحروفِ السبعةِ.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ قال: مَن كفَر بحرفٍ مِن القرآنِ أو بآيةٍ منه فقد كفَر به كلِّه (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: فإن قال لنا قائلٌ: فإذْ (^٤) كان تأويلُ قولِ النبيِّ ﷺ: \"أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ\". عندَك ما وصَفْتَ، بما عليه اسْتَشْهَدْتَ، فأوْجِدْنا حرفًا في كتابِ اللَّهِ مَقْرُوءًا بسبعِ لغاتٍ، فنُحَقِّقَ بذلك قولَك، وإلَّا، فإن لم تَجِدْ ذلك كذلك، كان معلومًا بِعَدَمِكَهُ صحّةُ قولِ مَن زعَم أن تأويلَ ذلك أنه نزَل بسبعةِ مَعانٍ؛ وهو الأمرُ، والنهيُ، والوعدُ، والوَعيدُ، والجَدَلُ، والقَصَصُ، والمثَلُ، وفسادُ قولِك. أو تقولَ في ذلك: إن الأحرفَ السبعةَ لغاتٌ في القرآنِ سبعٌ، مُتَفَرِّقةٌ\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٨/ ١٧٤ من طريق ابن علية به.\nوأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥١٣ من طريق شعيب به. وينظر ما تقدم في ص ٢٧.\n(^٢) في ص، ت ١: \"يُمِلّ\". وهما بمعنًى.\n(^٣) تقدم في ص ٢٦، ٢٧ ضمن أثر طويل من طريق آخر عن ابن مسعود.\n(^٤) في ص: \"فإن\"، وفي م: \"فإذا\".","vol":"1","page":49},{"text":"في جميعِه، مِن لغاتِ أحياءٍ مِن قبائلِ العربِ مُخْتلفةِ الألسنِ، كما كان يقولُه بعضُ مَن لم يُنْعِمِ (^١) النظرَ في ذلك، فيصيرُ بذلك إلى القولِ بما لا يَجْهَلُ فسادَه ذو عقلٍ، ولا يَلْتَبِسُ خطَؤُه على ذي لُبٍّ؛ وذلك أن الأخبارَ التي بها احْتَجَجْتَ لتصحيحِ مقالتِك في تأويلِ قولِ النبيِّ ﷺ: \"نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ\". وهي الأخبارُ التي روَيْتَها (^٢) عن عمرَ بنِ الخطابِ، وعبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، وأُبيِّ بنِ كعبٍ، رحمةُ اللَّهِ عليهم، وعمّن روَيْتَ ذلك عنه مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، بأنهم تَمارَوْا في تلاوةِ بعضِ القرآنِ، فاخْتَلَفوا في قراءتِه دونَ تأويلِه، وأنْكَر بعضٌ قراءةَ بعضٍ، مع دعْوَى كلِّ قارئٍ منهم قراءةً منها أن رسولَ اللَّهِ ﷺ أقْرَأه ما قرَأ بالصفةِ التي قرَأ، ثم احْتَكموا (^٣) إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فكان مِن حكمِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بينَهم أن صوَّب قراءةَ كلِّ قارئٍ منهم، على خلافِها قراءةَ أصحابِه الذين نازعوه فيها، وأمَر كلَّ امرئٍ منهم أن يَقْرَأَ كما عُلِّم، حتى خالَط قلبَ بعضِهم الشكُّ في الإسلامِ؛ لما رأَى من تَصْويبِ رسولِ اللَّهِ ﷺ قراءةَ كلِّ قارئٍ منهم على اختلافِها، ثم جَلاه اللَّهُ عنه ببيانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ أن القرآنَ أُنْزِل على سبعةِ أحرفٍ.\nفإن كانت الأحرفُ السبعةُ التي نزَل بها القرآنُ عندَك - كما قال هذا القائلُ - مُتَفَرِّقةً في القرآنِ، مُثْبَتةً اليومَ في مَصاحفِ أهلِ الإسلامِ، فقد بطَلَت معاني الأخبارِ التي روَيْتَها عمَّن رويتَ (^٤) عنه مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ أنهم اخْتَلَفوا في قراءةِ سورةٍ مِن القرآنِ، فاخْتَصَموا إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فأمَر كلًّا أن يَقْرَأَ كما عُلِّم؛ لأن\n_________\n(^١) في م: \"يمعن\"، وفي ت ٢: \"يعن\".\n(^٢) في ت ٢: \"رويناها\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"اختلفوا\".\n(^٤) في م، ت ١: \"رويتها\".","vol":"1","page":50},{"text":"الأحرفَ السبعةَ إذا كانت لغاتٍ متفرقةً في جميعِ القرآنِ، فغيرُ مُوجِبٍ حرفٌ مِن ذلك اختلافًا بينَ تاليه؛ لأن كلَّ تالٍ فإنما يَتْلُو ذلك الحرفَ تِلاوةً واحدةً، على ما هو به في المصحفِ، وعلى ما أُنْزِل.\nوإذ كان ذلك كذلك، بطَل وجهُ اختلافِ الذين رُوِي عنهم (^١) أنهم اخْتَلَفوا في قراءةِ سورةٍ، وفسَد معنى أمرِ النبيِّ ﷺ كلَّ قارئٍ منهم أن يَقْرَأَه على ما عُلِّم؛ إذ كان لا معنى هنالك يُوجِبُ اخْتِلافًا في لفظٍ، ولا افتراقًا في معنًى، وكيف يَجوزُ أن يكونَ هنالك اختلافٌ بينَ القومِ، والمُعَلِّمُ واحدٌ، والعلمُ واحدٌ غيرُ ذي أوجهٍ؟ وفي صحةِ الخبرِ عن الذين رُوِي عنهم الاختلافُ في حروفِ القرآنِ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بأنهم اخْتَلفوا وتَحاكموا إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ في ذلك، على ما تقَدَّم وَصْفُناه - أبينُ الدَّلالةِ على فسادِ القولِ بأن الأحرفَ السبعةَ إنما هي أحرفٌ سبعةٌ متفرقةٌ في سورِ القرآنِ، لا أنها لغاتٌ مختلفةٌ في كلمةٍ واحدةٍ باتفاقِ المعاني.\nمع أن المُتَدَبِّرَ إذا تدَبَّر قولَ هذا القائلِ، في تأْويلِه قولَ النبيِّ ﷺ: \"أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ\". وادعائِه أن معنى ذلك أنها سبعُ لغاتٍ متفرقةٍ في جميعِ القرآنِ، ثم جمَع بينَ قِيله ذلك واعتلالِه لقِيله ذلك بالأخبارِ التي رُوِيَت عمَّن رُوِي ذلك عنه مِن الصحابةِ والتابعِين أنه قال: هو بمنزلةِ قولِك: تعالَ وهلمَّ وأقبلْ. وأن بعضَهم قال: هو بمنزلةِ قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (إلا زَقيَةً). وهي في قراءتِنا: ﴿إِلَّا صَيْحَةً﴾. وما أشبه ذلك من حُجَجِه - علِم أن حججَه مُفْسِدةٌ في ذلك مقالتَه، وأن مقالتَه فيه مُضادَّةٌ حُجَجَه؛ لأن الذي نزَل به القرآنُ عندَه إحدى القراءتين: إمَّا ﴿صَيْحَةً﴾ (^٢)، وإمَّا (زقية)، وإما \"تعالَ\"، أو \"أقبلْ\"، أو \"هَلُمّ\"، لا جميعُ\n_________\n(^١) في م: \"منهم\".\n(^٢) في م: \"صحيحة\".","vol":"1","page":51},{"text":"ذلك؛ لأن كلَّ لغةٍ مِن اللغاتِ السبعِ عندَه في كلمةٍ أو حرفٍ مِن القرآنِ، غيرُ الكلمةِ أو الحرفِ الذي فيه اللغةُ الأخرى.\nوإذ كان ذلك كذلك، بَطل اعتلالُه لقولِه بقولِ مَن قال: ذلك بمنزلةِ \"هلُمَّ\"، و\"تعالَ\"، و\"أقبلْ\"؛ لأن هذه الكلماتِ هي ألفاظٌ مختلفةٌ يَجْمَعُها في التأويلِ معنًى واحدٌ. وقد أبْطَل قائلُ هذا القولِ الذي حكَيْنا قولَه اجتماعَ اللغاتِ السبعِ في حرفٍ واحدٍ مِن القرآنِ، فقد تبَيَّن بذلك إفسادُه (^١) حجتَه لقولِه بقولِه، وإفسادُه (^١) قولَه بحجتِه.\nفقيل له: ليس القولُ في ذلك بواحدٍ مِن الوجهين اللذين وصَفْتَ، بل الأحرفُ السبعةُ التي أَنْزَل اللَّهُ بها القرآنَ هن لغاتٌ سبعٌ، في حرفٍ واحدٍ وكلمةٍ واحدةٍ، باختلافِ الألفاظِ واتفاقِ المعاني، كقولِ القائلِ: \"هلم\"، و\"تَعالَ\" و\"أقْبِل\"، و\"إليَّ\"، و\"قَصْدي\"، و\"نحْوِي\"، و\"قُرْبِي\"، ونحوِ ذلك مما تَخْتَلِفُ فيه الألفاظُ بضُروبٍ مِن المَنْطِقِ، وتَتَّفِقُ فيه المعاني، وإن اختلفتْ بالبيانِ به الألسنُ، كالذي رَوَينا آنفًا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، وعمّن رَوَيْنا ذلك عنه مِن الصحابةِ، أن ذلك بمنزلةِ قولِه (^٢): \"هلم\"، و\"تعال\"، و\"أقبل\". وقولِه: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً﴾، و(إلا زَقْيَةً).\nفإن قال: ففي أيِّ كتابِ اللَّهِ نَجِدُ حرفًا واحدًا مَقْروءًا بلغاتٍ سبعٍ مختلفاتِ الألفاظِ مُتَّفِقاتِ المعنى، فنُسَلِّمَ لك صحةَ ما ادَّعَيْتَ مِن التأويلِ في ذلك؟\nقيل: إنا لم نَدَّعِ أن ذلك موجودٌ اليومَ، وإنما أخْبرْنا أن معنى قولِ النبيِّ ﷺ: \"أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ\". على نحوِ ما جاءت به الأخبارُ التي تقَدَّم\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"إفساد\".\n(^٢) في م: \"قولك\"، وفي ت ١: \"قولهم\".","vol":"1","page":52},{"text":"ذِكْرُناها، وهو ما وصَفْنا، دون ما ادَّعاه مُخالِفونا في ذلك، للعللِ التي قد بيَّنَّا.\nفإن قال (^١): فما بالُ الأحرفِ الأُخَرِ الستةِ غيرُ موجودةٍ، إن كان الأمرُ في ذلك على ما وصَفْتَ، وقد أقْرَأَهن رسولُ اللَّهِ ﷺ أصحابَه، وأمَر بالقراءةِ بهن، وأنْزَلَهن اللَّهُ مِن عندِه على نبيِّه ﷺ، أنُسِخَت فرُفِعَت، فما الدَّلالةُ على نَسْخِها ورَفْعِها؟ أمْ نسِيَتْهن الأمةُ؟ فذلك تَضْييعُ ما قد أُمِروا بحفظِه، أم ما القصةُ في ذلك؟\nقيل له: لم تُنْسَخْ فتُرْفَعَ، ولا ضيَّعَتْها الأمَّةُ وهي مأمورةٌ بحفظِها، ولكنَّ الأمَّةَ أُمِرَت بحفظِ القرآنِ، وخُيِّرَت في قراءتِه وحفظِه بأيِّ تلك الأحرفِ السبعةِ شاءَت، كما أُمِرَت إذا هي حنَثَتْ في يمينٍ وهي مُوسِرةٌ، أن تُكَفِّرَ بأيِّ الكفَّاراتِ الثلاثِ شاءت؛ إما بعتقٍ، أو إطعامٍ، أو كِسوةٍ، فلو أجْمَعَ جميعُها على التكفيرِ فيها (^٢) بواحدةٍ مِن الكفاراتِ الثلاثِ، دونَ حَظْرِها التكفيرَ فيها (^٣) بأيِّ الثلاثِ شاء المُكَفِّرُ، كانت مُصيبةً حُكْمَ اللَّهِ، مُؤَدِّيةٌ في ذلك الواجبَ عليها مِن حقِّ اللَّهِ. فكذلك الأمةُ أُمِرَت بحفظِ القرآنِ وقراءتِه، وخُيِّرَت في قراءتِه بأيِّ الأحرفِ السبعةِ شاءت، فرأَتْ -لعلةٍ مِن العللِ أوْجَبَت عليها الثباتَ على حرفٍ واحد- قراءتَه بحرفٍ واحدٍ، ورفْضَ القراءةِ بالأحرفِ الستةِ الباقيةِ، ولم تَحْظُرْ قراءتَه بجميعِ حروفِه على قارئِه، بما أُذِن له في قراءتِه به.\nفإن قال: وما العلةُ التي أوْجَبَت عليها الثباتَ على حرفٍ واحدٍ دونَ سائرِ الأحرفِ الستةِ الباقيةِ؟\n_________\n(^١) بعده في ر: \"قائل\".\n(^٢) زيادة من: ر.\n(^٣) سقط من: ص، وفي ت ١: \"بها\".","vol":"1","page":53},{"text":"قيل: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ الدَّرَاوَرْديُّ، عن عُمارةَ بنِ غَزِيَّةَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن خارجةَ بنِ زيدِ بنِ ثابتٍ، عن أبيه زيدٍ، قال: لما قُتِل أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ باليَمامةِ، دخَل عمرُ بنُ الخطَّابِ علَى أبي بكرٍ، فقال: إن أصحابَ رسولِ اللَّهِ ﷺ باليمامةِ تَهافَتوا تَهافُتَ الفَراشِ في النارِ، وإني أَخْشَى ألا يَشْهَدوا موطنًا إلا فعَلوا ذلك حتى يُقْتَلوا - وهم حملةُ القرآنِ - فيَضِيعَ القرآنُ ويُنْسَى، فلو جَمَعْتَه وكتَبْتَه. فنفَر منها أبو بكرٍ، وقال: أَفْعَلُ ما لم يَفْعَلْ رسولُ اللَّهِ ﷺ! فتَراجَعا في ذلك، ثم أرْسَل أبو بكرٍ إلى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال زيدٌ: فدخَلْتُ عليه، وعمرُ مُحْزَئِلٌّ (^١)، فقال أبو بكرٍ: إن هذا قد دعاني إلى أمرٍ فأبَيْتُ عليه، وأنت كاتبُ الوحيِ، فإن تَكُنْ معه اتَّبَعْتُكما، وإن تُوافِقْني لا أَفْعَلْ. قال: فاقْتَصَّ أبو بكرٍ قولَ عمرَ، وعمرُ ساكتٌ، فنفَرْتُ مِن ذلك، وقلتُ: نَفْعَلُ ما لم يَفْعَلْ رسولُ اللَّهِ ﷺ؟ إلى أن قال عمرُ كلمةً: وما عليكما لو فعَلْتُما ذلك؟ قال: فذهَبْنا نَنْظُرُ، فقلْنا: لا شيءَ، واللَّهِ ما علينا في ذلك شيءٌ. قال زيدٌ: فأمَرَني أبو بكرٍ فكتَبْتُه في قِطَعِ الأُدُمِ وكِسَرِ الأكْتافِ والعُسُبِ (^٢)، فلما هلَك أبو بكرٍ، وكان عمرُ، كتَب ذلك في صحيفةٍ واحدةٍ، فكانت عندَه، فلما هلَك كانت الصحيفةُ عندَ حفصةَ زوجِ النبيِّ ﷺ، ثم إن حذيفةَ بنَ اليمانِ قدِم مِن غزوةٍ كان غزاها في فرجِ (^٣) إرْمِينِيَةَ، فلم يَدْخُلْ بيتَه حتى أتَى عثمانَ بنَ عفانَ، فقال: يا أميرَ المؤمنين،\n_________\n(^١) محزئل: أي منضم بعضه إلى بعضٍ، وقيل: مستوفز. النهاية ١/ ٣٧٩.\n(^٢) الأُدُم، جمع أديم: وهو الجلد المدبوغ. والأكتاف، جمع كتف: وهو عظم عريض خلف المنكب. والعُسُب، جمع عسيب: وهو جريدة النخل المستقيمة يكشف خوصها.\n(^٣) في ص: \"مرج\"، والفرج: الثغر المخوف.\nوإرمينية جمهورية صغيرة من جمهوريات ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي، وتقع على حدود تركيا وإيران. ينظر: البلدان الإسلامية والأقليات الإسلامية في العالم المعاصر ص ٥٧٧.","vol":"1","page":54},{"text":"أدْرِكِ الناسَ. فقال عثمانُ، وما ذاك؟ قال: غزَوْتُ فرجَ إرْمِينِيَةَ، فحضَرها أهلُ العراقِ وأهلُ الشامِ، فإذا أهلُ الشامِ يَقْرَءون بقراءةِ أُبيِّ بنِ كعبٍ، فيَأْتُون بما لم يَسْمَعْ أهلُ العراقِ، فيُكَفِّرُهم أهلُ العراقِ، وإذا أهلُ العراقِ يَقْرَءون بقراءةِ ابنِ مسعودٍ، فيَأْتُون بما لم يَسْمَعْ أهلُ الشامِ، فيُكَفِّرُهم أهلُ الشامِ. قال زيدٌ: فأمَرَني عثمانُ بنُ عفانَ (^١) أكْتُبُ له مصحفًا. وقال: إني مُدْخِلٌ معك رجلًا لَبيبًا فَصيحًا، فما اجْتَمَعْتُما عليه فاكْتُباه، وما اخْتَلَفْتُما فيه فارْفَعاه إليَّ. فجعَل (^٢) أبانَ بنَ سعيدِ بنِ العاصِ. قال: فلما بلغا: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]. قال زيدٌ: فقلتُ: (التابوه). وقال أبانُ بنُ سعيدٍ: ﴿التَّابُوتُ﴾. فرفَعْنا ذلك إلى عثمانَ فكتَب: ﴿التَّابُوتُ﴾. قال: فلما فرَغْتُ عرَضْتُه (^٣) معه عَرْضةً، فلم أَجِدْ فيه (^٤) هذه الآيةَ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. إلى قوِله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]. قال: فاسْتَعْرَضْتُ المهاجرين أَسْألُهم عنها، فلم أَجِدْها عندَ أحدٍ منهم، ثم اسْتَعْرَضْتُ الأنصارَ أَسْألُهم عنها، فلم أَجِدْها عندَ أحدٍ منهم، حتى وجَدْتُها عندَ خُزَيْمةَ بنِ ثابتٍ، فكتَبْتُها، ثم عَرَضتُه عَرْضَةً أخرى، فلم أَجِدْ فيه هاتين الآيتَيْن: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخرِ السورةِ. [التوبة: ١٢٨، ١٢٩] فاسْتَعْرَضْتُ المهاجرِين، فلم أَجِدْها عند أحدٍ منهم، [ثم اسْتَعْرَضْتُ الأنْصارَ أَسْأَلُهم عنها، فلم أَجِدْها عندَ أحدٍ منهم] (^٥)، حتى وجَدْتُها مع رجلٍ آخرَ يُدْعَى خزيمةَ أيضًا، فأثْبَتُّها في آخرِ \"براءة\"، ولو تَمَّتْ ثلاثَ آياتٍ لجعَلْتُها سورةً على حِدَةٍ، ثم\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"أن\".\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"عرضت\".\n(^٤) بعده في ر: \"إلا\".\n(^٥) سقط من: ر.","vol":"1","page":55},{"text":"عرَضْتُه عَرْضةً أخرى فلم أَجِدْ فيه شيئًا، ثم أرْسَل عثمانُ إلى حفصةَ يَسْأَلُها أن تُعْطِيَه الصَّحيفةَ، وحلَف لها لَيَرُدَّنَّها إليها، فأعْطَتْه إياها، فعرَض المصحفَ عليها، فلم يَخْتَلِفا في شيءٍ، فردَّها إليها، وطابت نفسُه، وأمَر الناسَ أن يَكْتُبوا مَصاحفَ، فلما ماتت حفصةُ أرْسَل إلى عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ في الصَّحيفةِ بعَزْمةٍ، فأعطاهم إياها، فغُسِلَت غَسْلًا (^١).\nوحدَّثني [به أيضًا] (^٢) يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا نُعَيْمُ بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ، عن عُمارةَ بنِ غَزِيَّةَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن خارجةَ بنِ زيدٍ، عن أبيه زيدِ بنِ ثابتٍ، بنحوِه سواءً (^٣).\nوحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن أبي قِلابَةَ، قال: لما كان في خِلافةِ عثمانَ، جعَل المُعَلِّمُ يُعَلِّمُ قراءةَ الرجلِ، والمُعَلِّمُ يُعَلِّمُ قراءةَ الرجلِ، فجعَل الغِلْمانُ يَلْتَقون فيَخْتَلِفون، حتى ارْتَفَع ذلك إلى المُعَلِّمِين، قال أيوبُ: فلا أَعْلَمُه إلا قال: حتى كفَر بعضُهم بقراءةِ بعضٍ. فبلَغ ذلك عثمانَ،\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٤٨٤٤)، والخطيب في المدرج ١/ ٣٩٧ من طريق الدراوردي به.\nوأخرجه البخاري (٤٩٨٦ - ٤٩٨٨) من طريق ابن شهاب، عن عبيد بن السباق، عن زيد بقصته مع أبي بكر وعمر، وعن أنس بقصة حذيفة مع عثمان، وعن خارجة بن زيد بقصة فقد الآية من سورة الأحزاب.\nوقال الحافظ: هذا هو الصحيح عن الزهري .... وأغرب عمارة بن غزية فرواه عن الزهري فقال: عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه. وساق القصص الثلاث بطولها؛ قصة زيد مع أبي بكر وعمر، ثم قصة حذيفة مع عثمان أيضًا، ثم قصة فقد زيد بن ثابت الآية من سورة الأحزاب، أخرجه الطبري، وبين الخطيب في المدرج أن ذلك وهم منه وأنه أدرج بعض الأسانيد على بعض. ينظر المدرج ١/ ٣٩٩، ٤٠٠، والفتح ٩/ ١١، ١٢، ومسند الطيالسي (٦٠٩).\n(^٢) في ص: \"أيضًا\"، وفي م: \"به\".\n(^٣) أخرجه الطحاوي في المشكل (٣١١٨) عن يونس به.","vol":"1","page":56},{"text":"فقام خطيبًا، فقال: أنتم عندي تَخْتَلِفون فيه وتَلْحَنون، فمَن نأَى (^١) عني مِن أهلِ الأمصارِ أشدُّ فيه اخْتِلافًا، وأشدُّ لَحْنًا، اجْتَمِعوا [يا أصحابَ] (^٢) محمدٍ، فاكْتُبوا للناسِ إمامًا. قال أبو قِلابةَ: فحدَّثني [مالكٌ أبو أنسٍ] (^٣)، قال: كنتُ في مَن يُمْلَى عليهم، قال: فربما اخْتَلَفوا في الآيةِ، فيَذْكُرُون الرجلَ قد تَلَقَّاها مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ، ولعله أن يكونَ غائبًا، أو في بعضِ البَوادِي، فيَكْتُبون ما قبلَها وما بعدَها، ويَدَعُون موضعَها حتى يَجِيءَ أو يُرْسَلَ إليه، فلما فرَغ مِن المصحفِ، كتَب عثمانُ إلى أهلِ الأمصارِ: إني قد صنَعْتُ كذا وكذا، ومحَوْتُ ما عندي، فامْحُوا ما عندَكم (^٤).\nحدَّثني يونُسُ بن عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا ابن وهبٍ، قال: أخْبَرني يونُسُ، قال: قال ابنُ شهابٍ: أخْبَرني أنسُ بنُ مالكٍ الأنصاريُّ، أنه اجْتَمَع لغزوةِ أَذْرَبِيجانَ وإرْمِينِيَةَ أهلُ الشامِ وأهلُ العراقِ، فتَذاكَروا القرآنَ، فاخْتَلَفوا فيه حتى كاد يَكونُ بينَهم فتنةٌ، فركِب حذيفةُ بنُ اليَمانِ لمَّا رأَى اختلافَهم في القرآنِ إلى عثمانَ، فقال: إن الناسَ قد اخْتَلَفوا في القرآنِ (^٥)، حتى إني واللَّهِ لَأَخْشَى أن يُصِيبَهم مثلُ ما أصاب اليهودَ والنصارى مِن الاختلافِ. قال: ففزِع لذلك فزعًا شديدًا، فأرْسَل إلى حفصةَ،\n_________\n(^١) في ر: \"غاب\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"بأصحاب\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"أنس بن مالك\". وفي المصاحف لابن أبي داود - وعنه الكنز (٤٧٧٦) -: \"مالك بن أنس - قال أبو بكر بن أبي داود: هذا مالك بن أنس جد مالك بن أنس\".\nوالصواب ما أثبتنا كما في \"ر\". وهو مالك بن أبي عامر الأصبحي - وهكذا ذكره الحافظ في الفتح ٩/ ١٩ عن ابن أبي داود - كان ممن قرأ في زمان عثمان، وكان يكتِّبه المصاحف. ينظر المصاحف ص ٢٦، وجمهرة أنساب العرب ص ٤٣٥، ٤٣٦ وتهذيب الكمال ٢٧/ ١٤٨.\n(^٤) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ٢١ من طريق ابن علية به. وعزاه المتقي الهندي في الكنز (٤٧٧٦) إلى ابن الأنباري. وينظر المتفق والمفترق للخطيب ١/ ١٢٩، ١٣٠.\n(^٥) في ت ٢: \"القراءة\".","vol":"1","page":57},{"text":"فاسْتَخْرَج الصحفَ (^١) التي كان أبو بكرٍ أمَر زيدًا بجمعِها، فنسَخ منها مَصاحفَ، فبعَث بها إلى الآفاقِ (^٢).\nحدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن الزهريِّ، قال: قُبِض النبيُّ ﷺ ولم يَكُنِ القرآنُ جُمِع، وإنما كان في الكَرانيفِ (^٣) [والعُسُبِ والسَّعَفِ] (^٤).\nحدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن مُجالِدٍ، عن الشعبيِّ، عن صَعْصَعةَ، أن أبا بكرٍ أولُ مَن ورَّث الكَلالةَ، وجَمَع المصحفَ (^٥).\nوما أشبهَ ذلك مِن الأخبارِ التي يَطولُ باستيعابِ جميعِها الكتابُ، والآثارِ الدالةِ على أن إمامَ المسلمين وأميرَ المؤمنين عثمانَ بنَ عفانَ رحمةُ اللَّهِ عليه، جَمَع المسلمين؛ نظرًا منه لهم، وإشْفاقًا منه عليهم، ورأفةً منه بهم، حِذارَ الرِّدَّةِ (^٦) مِن بعضِهم بعدَ الإسلامِ، و(^٧) الدخولِ في الكفرِ بعدَ الإيمانِ، إذ ظهَر مِن بعضِهم بمحضَرِه وفي عصرِه التكذيبُ ببعضِ الأحرفِ السبعةِ التي نزَل عليها القرآنُ، مع سَماعِ أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ النهيَ عن التكذيبِ بشيءٍ منها، وإخبارِه إياهم أن المِراء فيها كفرٌ، فحمَلهم رحمةُ اللَّهِ عليه، إذ رأَى ذلك ظاهرًا بينَهم في عصرِه، وبحَداثةِ عهدِهم بنزولِ القرآنِ، وفِراقِ رسولِ اللَّهِ ﷺ\n_________\n(^١) في ص، وكتاب المصاحف ص ٢١: \"الصحيفة\"، وفي ت ١: \"المصحف\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ١٨، ٢١ من طريق الزهري به.\n(^٣) الكرانيف: جمع كُرنافة، وهي أصل السعفة الغليظة. النهاية ٤/ ١٦٨.\n(^٤) في ص، ت ١: \"والسعف\"، وفي م: \"والعسب\"، وفي ت ٢: \"والشعف\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ٢٣ من طريق الزهري به نحوه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥٤٥ من طريق سفيان به.\n(^٦) بعده في م بين معكوفين: \"بمحضره\".\n(^٧) سقط من: م.","vol":"1","page":58},{"text":"إياهم، بما أمِن عليهم معه عظيمَ البلاءِ في الدينِ؛ مِن تلاوةِ القرآنِ على حرفٍ واحدٍ، وجَمَعهم على مصحفٍ واحدٍ (^١)، وخرَّق (^٢) ما عدا المصحف الذي جَمَعهم عليه، وعزَم على كلِّ مَن كان عندَه مصحفٌ مُخالِفٌ المصحفَ الذي جَمَعَهم عليه أن يُخَرِّقَه (^٣)، فاسْتَوْثَقَت له الأمةُ على ذلك بالطاعةِ، ورأَت أن فيما فعَل مِن ذلك الرشدَ والهدايةَ، فترَكَت القراءةَ بالأحرفِ الستةِ التي عزَم عليها إمامُها العادلُ في تركِها، طاعةً منها له، ونظرًا منها لأنفسِها ولمن بعدَها مِن سائرِ أهلِ ملَّتِها، حتى دَرَسَت مِن الأمةِ معرفتُها، وتعَفَّت آثارُها، فلا سبيلَ اليومَ لأحدٍ إلى القراءةِ بها، لدُثورِها وعُفُوِّ آثارِها، وتتابعِ المسلمين على رفضِ القراءةِ بها، مِن غيرِ جُحودٍ منها (^٤) صحتَها وصحةَ شيءٍ منها، ولكن نظرًا منها لأنفسِها ولسائرِ أهلِ دينِها، فلا قراءةَ للمسلمين اليومَ إلا بالحرفِ الواحدِ الذي اخْتارَه لهم إمامُهم الشفيقُ الناصحُ، دونَ ما عداه مِن الأحرفِ الستةِ الباقيةِ.\nفإن قال بعضُ مَن ضعُفَت معرفتُه: وكيف جاز لهم تركُ قراءةٍ أقْرَأَهموها رسولُ اللَّهِ ﷺ وأمَرهم بقراءتِها؟\nقيل: إن أمرَه إياهم بذلك لم يَكُنْ أمرَ إيجابٍ وفرضٍ، وإنما كان أمرَ إباحةٍ ورُخْصةٍ؛ لأن القراءةَ بها لو كانت فرضًا عليهم، لَوجَب أن يكونَ العلمُ (^٥) بكلِّ حرفٍ مِن تلك الأحرفِ السبعةِ عندَ مَن يَقومُ بنقلِه الحُجَّةُ، ويَقْطَعُ خبرُه العذرَ،\n_________\n(^١) بعده في ص، م: \"وحرف واحد\".\n(^٢) في ر، م، ت ١: \"حرق\".\n(^٣) في ر، م، ت ١: \"يحرقه\". قال الحافظ في الفتح ٩/ ٢٠: في رواية الأكثر: \"أن يخرق\" بالخاء المعجمة، وللمروزي بالمهملة، ورواه الأصيلي بالوجهين، والمعجمة أثبت.\n(^٤) في ص، ر، ت ١: \"منهم\". ومنها: أي من الأمة.\n(^٥) بعده في ت ١: \"بذلك\".","vol":"1","page":59},{"text":"ويُزِيلُ الشكَّ مِن قَرَأَةِ الأمةِ، وفي تركِهم نقلَ ذلك كذلك أوضحُ الدليلِ على أنهم كانوا في القراءةِ بها مُخَيَّرِين، بعدَ (^١) أن يكونَ في نَقَلةِ القرآنِ مِن الأمَّةِ مَن تَجِبُ بنقلِه الحجةُ ببعضِ تلك الأحرفِ السبعةِ، فإذ (^٢) كان ذلك كذلك، لم يَكُنِ القومُ بتركِهم نقلَ جميعِ القراءاتِ السبعِ تارِكِين ما كان عليهم نقلُه، بل كان الواجبُ عليهم مِن الفعلِ ما فعَلوا، إذ كان الذي فعَلوا مِن ذلك، كان هو النَّظَرَ للإسلامِ وأهلِه، فكان القيامُ بفعلِ الواجبِ عليهم بهم أولى مِن فعلِ ما لو فعَلوه كانوا إلى الجنايةِ على الإسلامِ وأهلِه أقربَ منهم إلى السلامةِ مِن ذلك.\nفأما ما كان مِن اختلافِ القرأةِ في رفعِ حرفٍ وجرِّه ونصبِه، وتَسْكينِ حرفٍ وتحريكِه، ونقلِ حرفٍ إلى آخرَ، مع اتفاقِ الصورةِ، فمِن معنى قولِ النبيِّ ﷺ: \"أُمِرْتُ أن أقْرَأَ الْقُرْآنَ على سَبْعَةِ أحْرُفٍ\" - بمَعْزِلٍ؛ لأنه معلومٌ أنه لا حرفَ مِن حروفِ القرآنِ مما اخْتَلَفَت القرأَةُ في قراءتِه بهذا المعنى يُوجِبُ المِراءُ به كفْرَ المُمارِي به في قولِ أحدٍ مِن علماءِ الأمةِ (^٣).\nوقد أوْجَب ﷺ بالمراءِ فيه الكفرَ مِن الوجهِ الذي تَنازَع فيه المُتَنازِعون إليه، وتَظاهَرَت عنه بذلك الروايةُ، على ما قد قدَّمْنا ذكرَها في أولِ هذا البابِ (^٤).\n_________\n(^١) في ت ١: \"بين\".\n(^٢) في م: \"فإذا\".\n(^٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والنزاع في أن القراءات السبعة المنسوبة إلى نافع وعاصم وغيرهما هل هي حرف من الحروف السبعة أم لا؟ فالذي عليه جمهور العلماء من السلف والأئمة أنها حرف من الحروف السبعة، وهو متضمن للعرضة الآخرة التي عرضها النبي ﷺ على جبريل، والأحاديث والآثار المشهورة المستفيضة تدل على هذا القول. مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٩٥.\n(^٤) في ت ٢: \"الكتاب\".","vol":"1","page":60},{"text":"فإن قال لنا قائلٌ: فهل لك مِن علمٍ بالألسنِ السبعةِ التي نزَل بها القرآنُ؟ وأيِّ الألسنِ هي مِن ألسنِ العربِ؟\nقلْنا: أما الألسنُ الستةُ التي قد نزَلَت القراءةُ بها فلا حاجةَ بنا إلى معرفتِها؛ لأنا لو عرَفْناها لم نَقْرَأ اليومَ بها، مع الأسبابِ التي قدَّمْنا ذكرَها. وقد قيل: إن خمسةً منها لعَجُزِ هَوازنَ، واثنين منها لقريشٍ وخُزاعةَ.\nرُوِي جميعُ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وليست الروايةُ به (^١) عنه مِن روايةِ مَن يَجوزُ الاحتجاجُ بنقلِه، وذلك أن الذي روَى عنه أن خمسةً منها مِن لسانِ العَجُزِ مِن هَوازنَ، الكلبيُّ (^٢) عن أبي صالحٍ (^٣)، وأن الذي روَى عنه أن اللسانين الآخرَيْن لسانُ قريشٍ وخزاعةَ، قتادةُ، وقتادةُ لم يَلْقَهُ ولم يَسْمَعْ منه.\nحدَّثني بذلك بعضُ أصحابِنا، قال: حدَّثنا صالحُ بنُ نصرٍ الخُزاعيُّ، قال: حدَّثنا الهيثمُ بنُ عديٍّ، عن سعيدِ بنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نزَل القرآنُ بلسانِ قريشٍ ولسانِ خُزاعةَ، وذلك أن الدارَ واحدةٌ (^٤).\nوحدَّثني بعضُ أصحابِنا، قال: حدَّثنا صالحُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن أبي الأسودِ الدُّئليِّ، قال: نزَل القرآنُ بلسانِ الكعبَيْن؛ كعبِ بنِ عمروٍ، وكعبِ بنِ لُؤَيٍّ. فقال خالدُ بنُ سلَمةَ لسعدِ بنِ إبراهيمَ: ألا تَعْجَبُ مِن هذا\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ٢.\n(^٢) في ت ٢: \"الكلام\".\n(^٣) ذكره أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٠٤ عن الكلبي به.\n(^٤) ذكره أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٠٤، قال: وكذلك يحدثون عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عمن سمع ابن عباس.","vol":"1","page":61},{"text":"الأعْمَى (^١)، يَزْعُمُ أن القرآنَ نزَل بلسانِ الكعبَيْن، وإنما نزَل بلسانِ قريشٍ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: والعَجُزُ مِن هَوازِنَ؛ سعدُ بنُ بكرٍ، وجُشَمُ (^٣) بنُ بكرٍ، ونصرُ بنُ معاويةَ، وثَقيفٌ.\nوأما معنى قولِ النبيِّ ﷺ إذ ذكَر نزولَ القرآنِ على سبعةِ أحرفٍ: \"إن كلَّها شافٍ كافٍ\". فإنه كما قال جل ثناؤُه في وصفِه القرآنَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]. جعَله اللَّهُ للمؤمنين شفاءً، يَسْتَشْفُون بمواعظِه مِن الأدواءِ العارضةِ لصدورِهم، مِن وَساوسِ الشيطانِ وخَطَراتِه (^٤)، فيَكْفِيهم ويُغْنِيهم عن كلِّ ما عداه مِن المواعظِ ببيانِ آياتِه.\nالقولُ في البيانِ عن معنى قولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: \"أُنزِلَ القُرآنُ مِن سبعةِ أبوابِ الجَنَّةِ\". وذكرُ الأخبارِ المرويةِ (^٥) بذلك.\nقال أبو جعفرٍ: اختَلَفَت النَّقَلَةُ في ألفاظِ الخبرِ بذلك عن رسولِ اللَّهِ ﷺ؛ فرُوِي عن ابنِ مسعودٍ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: \"كان الكِتابُ الأوَّلُ نَزَل مِن بَابٍ واحِدٍ، وعلى حَرْفٍ واحِدٍ، ونَزَل القُرآنُ مِن سبعةِ أبوابٍ، وعلى سبعةِ أحْرُفٍ؛ [زَاجِرٌ، وآمِرٌ] (^٦)، وحَلالٌ، وحَرامٌ، ومُحْكَمٌ، ومُتَشابِهٌ، وأمْثالٌ، فأحِلُّوا حلالَه، وَحَرِّمُوا حرامَه، وافْعَلُوا ما أُمِرْتُم به، وانْتَهُوا عما نُهِيتُم عنه، واعْتَبِرُوا بأمْثالِه\n_________\n(^١) في ت ١: \"الأعجمي\".\n(^٢) قتادة لم يدرك أبا الأسود. وينظر تاريخ بغداد ٥/ ١٧٣.\n(^٣) في م: \"خيثم\". وينظر جمهرة أنساب العرب ص ٣٠٤، والتمهيد ٨/ ٢٨٠.\n(^٤) في ص، ت ١: \"خطواته\".\n(^٥) في ص، ت ١: \"الواردة\".\n(^٦) في م: \"زجر وأمر\".","vol":"1","page":62},{"text":"واعْمَلُوا بمُحْكَمِه، وآمِنُوا بمُتَشابهِه، وقُولُوا: آمَنَّا به كلٌّ من عندِ رَبِّنا\".\nحدَّثني بذلك يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَني حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ، عن عُقَيْلِ بنِ خالدٍ، عن سَلَمةَ بنِ أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، عن أبيه، عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ (^١).\nورُوِي عن أبي قِلابةَ، عن النبيِّ ﷺ مرسلًا غيرُ ذلك.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا عَبّادُ بنُ زكريا، عن عوفٍ، عن أبي قِلابةَ، قال: بلَغَني أن النبيَّ ﷺ قال: \"أُنزِلَ القُرْآنُ على سبعةِ أَحْرُفٍ؛ أمْرٌ، وزَجْرٌ، وتَرْغِيبٌ، وتَرْهِيبٌ، وجَدَلٌ، وقَصَصٌ، ومَثَلٌ\" (^٢).\nورُوِي عن أُبيٍّ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ في ذلك ما حدَّثني به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عبدِ (^٣) اللَّهِ بنِ عيسى بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن أبيه، عن جدِّه، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: قال لي رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إنَّ اللَّهَ أَمَرَني أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ على حَرْفٍ واحِدٍ، فقُلْتُ: رَبِّ، خَفِّفْ عن أُمَّتِي. قال: اقْرَأْه على حَرْفَيْن. فقُلْتُ: رَبِّ، خَفِّفْ عن أُمَّتي. فأمَرَني أن أقْرَأَه على سبعةِ أَحْرُفٍ، من سَبْعَةِ أبْوابٍ من الجنَّةِ، كلُّها شافٍ كافٍ\" (^٤).\n_________\n(^١) إسناده منقطع؛ أبو سلمة لم يلق ابن مسعود. وأخرجه ابن حبان (٧٤٥)، والحاكم ١/ ٥٥٣، ٢/ ٢٨٩، وابن عبد البر في التمهيد ٨/ ٢٧٥ من طريق ابن وهب به. وأخرجه الطحاوي في المشكل (٣١٠٢) من طريق حيوة بن شريح به.\nوهذا الحديث ضعفه الطحاوي وابن عبد البر وغيرهما. ورُوي موقوفا على ابن مسعود - كما سيأتي - وقال ابن كثير: هو أشبه. وينظر فضائل القرآن ص ٦٦، والفتح ٩/ ٢٩، والسلسلة الصحيحة (٥٨٧).\n(^٢) عزاه المتقي الهندي في الكنز (٣٠٩٦) إلى المصنف.\n(^٣) في م: \"عبيد\". وتقدم على الصواب في ص ٣٢، وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٤١٢.\n(^٤) تقدم في ص ٣٣.","vol":"1","page":63},{"text":"ورُوِي عن ابنِ مسعودٍ مِن قِيلِه (^١) خلافُ ذلك كلِّه، وهو ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا المُحارِبيُّ، عن الأحوصِ (^٢) بنِ حَكيمٍ، عن ضَمْرةَ بنِ حَبيبٍ، عن القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، قال: إن اللَّهَ أنْزَل القرآنَ على خمسةِ أحرُفٍ؛ حلالٌ، وحرامٌ، ومُحْكَمٌ، ومُتَشَابِهٌ، وأمثالٌ، فأحِلَّ الحلالَ، وحَرِّمِ الحَرامَ، واعْمَلْ بالمُحْكَمِ، وآمِنْ بالمتشابهِ، واعْتَبِرْ بالأمثالِ (^٣).\nوكلُّ هذه الأخبارِ التي ذكَرْناها عن رسولِ اللَّهِ ﷺ مُتَقارِبةُ المعاني؛ لأن قولَ القائلِ: فلانٌ مُقيمٌ على بابٍ مِن أبوابِ هذا الأمرِ، وفلانٌ مقيمٌ على وَجْهٍ مِن وجوهِ هذا الأمرِ، وفلانٌ مقيمٌ على حرفٍ مِن هذا الأمرِ. سواءٌ، ألا تَرَى أن اللَّهَ تعالى ذكرُه وَصف قومًا (^٤) عبَدوه على وجهٍ مِن وجوهِ العباداتِ، فأخْبَر عنهم أنهم عبَدوه على حرفٍ فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١]. يعْني أنهم عبَدوه على وجهِ الشكِّ، لا على اليقينِ به (^٥) والتسليمِ لأمرِه.\nفكذلك روايةُ مَن روَى عن النبيِّ ﷺ أنه قال: \"نَزَل القُرآنُ مِن سَبعةِ أَبْوابٍ\" و\"نَزَل على سَبْعَةِ أَحْرْفٍ\". سَواءٌ معناهما مُؤْتَلِفٌ، وتأويلُهما غيرُ مختلفٍ في هذا الوجهِ.\nومعنى ذلك كلِّه الخبرُ منه ﷺ عما خصَّه اللَّهُ به وأمتَه مِن الفضيلةِ والكرامةِ\n_________\n(^١) في م: \"قبله\".\n(^٢) في ر: \"أبي الأحوص\". وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٢٨٩.\n(^٣) أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (١٢٩) من طريق ابن إدريس عن الأحوص، عن القاسم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦ إلى ابن المنذر. والقاسم لم يدرك ابن مسعود.\n(^٤) بعده في ص، ت ١: \"أنهم\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١.","vol":"1","page":64},{"text":"التي لم يُؤْتِها أحدًا في تنزيلِه؛ وذلك أن كلَّ كتابٍ تقَدَّم كتابَنا نزولُه على نبيٍّ مِن أنبياءِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهم، فإنما نزَل بلسانٍ واحدٍ، متى حُوِّل إلى غيرِ اللسانِ الذي نزَل به كان ذلك له ترجمةً (^١) وتفسيرًا، لا تلاوةً له على ما أنْزَله اللَّهُ، وأنْزَل كتابَنا بألسنٍ سبعةٍ، بأيِّ تلك الألسنِ السبعةِ تلاه التالي كان له تاليًا على ما أنْزَله اللَّهُ لا مُتَرْجِمًا ولا مُفَسِّرًا، حتى يُحَوِّلَه عن تلك الألسنِ السبعةِ إلى غيرِها، فيصيرَ فاعلُ ذلك حينَئذٍ - إذا أصاب معناه - له مترجِمًا، كما كان التالي بعضَ (^٢) الكتبِ التي أنْزَلها اللَّهُ بلسانٍ واحدٍ، إذا تلاه بغيرِ اللسانِ الذي نزَل به، له مترجِمًا، لا تاليًا على ما أنْزَله اللَّهُ به.\nفذلك معنى قولِ النبيِّ ﷺ: \"كان الكِتابُ الأوَّلُ نَزَل على حَرْفٍ واحِدٍ، ونَزَل القُرآنُ على سبعةِ أحْرُفٍ\".\nوأما معنى قولِه ﷺ: \"إِنَّ الكِتابَ الأوَّلَ نَزَل مِن بابٍ واحِدٍ، ونَزَل القُرآنُ مِن سبعةِ أبْوابٍ\". فإنه ﷺ عنَى بقولِه: \"نَزَل الكِتابُ الأوَّلُ مِن بابٍ واحِدٍ\" - واللَّهُ أعلمُ - ما نزَل مِن كتبِ اللَّهِ على مَن أنْزَله مِن أنبيائِه، خاليًا مِن الحدودِ والأحكامِ والحلالِ والحرامِ، كزَبورِ داودَ، الذي إنما هو تذكيرٌ ومَواعظُ، وإنجيلُ عيسى، الذي هو تَمْجيدٌ ومَحامدُ وحضٌّ على الصَّفْحِ والإعْراضِ، دونَ غيرِها مِن الأحكامِ والشرائعِ، وما أشْبَهَ ذلك مِن الكتبِ التي نزَلت ببعضِ المعاني السبعةِ التي يَحْوِي جميعَها كتابُنا الذي خصَّ اللَّهُ به نبيَّنا محمدًا ﷺ وأمَّتَه.\nفلم يكنِ المتعبِّدون بإقامتِه يَجِدون لرِضَا اللَّهِ تعالى ذكرُه مَطْلَبًا يَنالُون به الجنةَ،\n_________\n(^١) الترجمة هنا: البيان.\n(^٢) في ص، م: \"لبعض\".","vol":"1","page":65},{"text":"ويسْتَوْجِبون به (^١) منه القُرْبَةَ، إلا مِن الوجهِ الواحدِ الذي أُنْزِل به كتابُهم، وذلك هو البابُ الواحدُ مِن أبوابِ الجنةِ الذي نزَل منه ذلك الكتابُ. وخصَّ اللَّهُ - جلَّ وعزَّ - نبيَّنا محمدًا ﷺ وأمَّتَه بأن أَنْزَل عليهم كتابَه على أوجهٍ سبعةٍ مِن الوجوهِ التي يَنالُون بها رِضْوانَ اللَّهِ، ويُدْرِكون بها الفوزَ بالجنةِ إذا أقاموها، فكلُّ (^٢) وجهٍ مِن أوجُهِه السبعةِ بابٌ مِن أبوابِ الجنةِ الذي نزَل منه القرآنُ؛ لأن العاملَ بكلِّ وجهٍ مِن أوجُهِه (^٣) السبعةِ عاملٌ على (^٤) بابٍ مِن أبوابِ الجنةِ، وطالبٌ مِن قِبَلِه الفوزَ بها، فالعملُ بما أمَر اللَّهُ جلَّ ذكرُه في كتابِه بابٌ مِن أبوابِ الجنةِ، وتركُ ما نهَى اللَّهُ عنه فيه بابٌ آخرُ ثانٍ مِن أبوابِها، وتحليلُ ما حَلَّل اللَّهُ فيه بابٌ ثالثٌ مِن أبوابِها، وتحريمُ ما حرَّم اللَّهُ فيه بابٌ رابعٌ مِن أبوابِها، والإيمانُ بمُحْكَمِه المُبَيَّنِ بابٌ خامسٌ مِن أبوابِها، والتسليمُ لمُتَشابِهِه الذي اسْتَأْثَر اللَّهُ بعلمِه وحجَب علمَه عن خلقِه، والإقرارُ بأن كلَّ ذلك مِن عندِ ربِّه، بابٌ سادسٌ مِن أبوابِها، والاعتبارُ بأمثالِه والاتعاظُ بعِظاتِه بابٌ سابعٌ مِن أبوابِها.\nفجميعُ ما في القرآنِ مِن حروفِه السبعةِ وأبوابِه السبعةِ التي نزَل منها، جعَله اللَّهُ لعبادِه إلى رِضوانِه هاديًا، ولهم إلى الجنةِ قائدًا، فذلك معنى قولِه ﷺ: \"نزَل القُرآنُ مِن سبعةِ أبوَابٍ من (^٥) الْجَنَّةِ\".\nوأما قولُه ﷺ في القرآنِ: \"إنَّ لكلِّ حَرْفٍ منه حَدًّا\" (^٦). يعني الكلِّ وجهٍ مِن\n_________\n(^١) سقط من: ص، م.\n(^٢) في م: \"فلكل\".\n(^٣) في ر، ت ١: \"أوجهها\".\n(^٤) في ص، م، ت ١: \"في\".\n(^٥) سقط من: ص، م.\n(^٦) تقدم في ص ٢٢.","vol":"1","page":66},{"text":"أوجُهِه السبعةِ حدًّا حده اللَّهُ جلَّ ثناؤُه، لا يَجوزُ لأحدٍ أن يَتَجاوَزَه.\nوقولُه ﷺ: \"وإنَّ لكُلِّ حَرْفٍ منها ظَهْرًا وبَطْنًا\". فظهرُه الظاهرُ في التلاوةِ، وبطنُه ما بطَن مِن تأويلِه.\nوقوله ﷺ: \"وإنَّ لكُلِّ حَدٍّ من ذلك مُطَّلَعًا\". فإنه يعني أن لكلِّ حدٍّ مِن حدودِ اللَّهِ التي حدَّها فيه، مِن حلالٍ وحرامٍ وسائرِ شرائعِه، مِقْدارًا مِن ثوابِ اللَّهِ وعقابِه يُعايِنُه في الآخرةِ، ويَطَّلِعُ عليه، ويُلاقِيه في القيامةِ، كما قال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: لو أن لي ما في الأرضِ مِن صفراءَ وبيضاءَ لافْتَدَيْتُ به مِن هولِ المُطَّلَعِ (^١). يعْني بذلك ما يَطَّلِعُ عليه ويهجُمُ عليه مِن أمرِ اللَّهِ بعد وفاتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-53>القولُ في الوجوهِ التي مِن قِبَلِها يُوصَلُ إلى معرفةِ تأويلِ القرآنِ</span>\nقال أبو جعفرٍ: قد قلنا في الدَّلالةِ على أن القرآنَ كلَّه عربيٌّ، وأنه نزَل بألسنِ بعضِ العربِ دون ألسنِ جميعِها، وأن قراءةَ المسلمين اليومَ، ومَصاحفَهم التي هي بينَ أظهرِهم، ببعضِ الألسنِ التي نزَل بها القرآنُ دون جميعِها. وقلنا في البيانِ عما يَحْوِيه القرآنُ مِن النورِ والبُرْهانِ، والحِكْمةِ والتِّبيانِ (^٢)، التي أوْدَعها اللَّهُ إياه، مِن أمرِه ونهيِه، وحلالِه وحرامِه، ووعدِه ووَعيدِه، ومُحْكمِه ومُتَشابهِه، ولطائفِ حُكْمِه - ما فيه الكفايةُ لمَن وُفِّق لفهمِه.\nونحن قائلون في البيانِ عن وجوهِ مطالبِ تأويلِه:\nقال اللَّهُ جل ثناؤُه وتقَدَّسَت أسماؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. وقال أيضًا\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٢٧٣١)، وعنه ابن حبان (٦٩٠٥). وينظر طبقات ابن سعد ٣/ ٣٥٤، ٣٥٥.\n(^٢) في م: \"البيان\".","vol":"1","page":67},{"text":"له (^١) جل ذكرُه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]. وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].\nفقد تبَيَّن ببيانِ اللَّهِ جل ذكرُه أن مما أنْزَل اللَّهُ مِن القرآنِ على نبيِّه ﷺ ما لا يُوصَلُ إلى علمِ تأويلِه إلا ببيانِ الرسولِ ﷺ، وذلك تأويلُ جميعِ ما فيه مِن وجوهِ أمرِه، واجبِه ونَدْبِه وإرشادِه، وصنوفِ نهيِه، ووظائفِ حقوقِه، وحدودِه، ومبالغِ فرائضِه، ومقاديرِ اللازمِ بعضَ خَلْقِه لبعضٍ، وما أشبه ذلك مِن أحكامِ آيهِ التي لم يُدْرَكْ علمُها إلا ببيانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ لأُمَّتِه. وهذا وجهٌ له لا يجوزُ لأحدٍ القولُ فيه إلا ببيانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ[له تأويلَه] (^٢)، بنصٍّ منه عليه، أو بدَلالةٍ قد نصبَها دالَّةٍ أمَّتَه على تأويلِه.\nوأن منه ما لا يَعْلَمُ تأويلَه إلا اللَّهُ الواحدُ القَهَّارُ، وذلك ما فيه مِن الخبرِ عن آجالٍ حادثةٍ، وأوقاتٍ آتِيةٍ؛ كوقتِ قيامِ الساعةِ، والنَّفْخِ في الصُّورِ، ونُزولِ عيسى ابنِ مريمَ، وما أشْبَهَ ذلك، فإن تلك أوقاتٌ لا يَعْلَمُ أحدٌ حدودَها، ولا يَعْرِفُ أحدٌ مِن تأويلِها إلا [بالخبرِ عن أشراطِها] (^٣)، لاسْتِئْثارِ اللَّهِ بعلمِ ذلك على خلقِه.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ٢.\n(^٢) في م، ت ١: \"بتأويله\"، وفي ت ٢: \"لتأويله\".\n(^٣) في ص: \"الخبر عن أشراطها\"، وفي م، ت ١: \"الخبر بأشراطها\"، وفي ت ٢: \"الخبر عن اشتراطها\".","vol":"1","page":68},{"text":"وبذلك (^١) أنْزَل رَبُّنا (^٢) مُحْكَمَ كتابِه، فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. وكان نبيُّنا محمدٌ ﷺ إذا ذكَر شيئًا مِن ذلك لَمْ يَدُلَّ عليه إلا بأشراطِه، دونَ تحديدِه بوقتِه (^٣)، كالذي رُوِي عنه ﷺ أنه قال لأصحابِه إذ ذكَر الدجالَ: \"إن يَخْرُجْ وأنا فِيكم، فأنا حَجِيجُه، وإن يَخْرُجْ بَعْدِي، فاللَّهُ خَلِيفَتِي عليكم\" (^٤). وما أشْبَهَ ذلك مِن الأخبارِ التي يَطولُ باستيعابِها الكتابُ، الدالةِ على أنه ﷺ لم يكنْ عندَه علمُ أوقاتِ شيءٍ منه بمقاديرِ السنينَ والأيامِ، وأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه إنما كان عرَّفه مجيئَه بأشراطِه، ووقْتَه بأدلتِه (^٥).\nوأن منه ما يَعْلَمُ تأويلَه كلُّ ذي علمٍ باللسانِ الذي نزَل به القرآنُ، وذلك إقامةُ إعرابِه، ومعرفةُ المُسَمَّياتِ بأسمائِها اللازمةِ غيرِ المُشْتَرَكِ فيها، والموصوفاتِ بصفاتِها الخاصةِ دون ما سواها، فإن ذلك لا يَجْهَلُه أحدٌ منهم، وذلك كسامعٍ منهم لو سمِع تاليًا يَتْلُو: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١، ١٢]. لم يَجْهَلْ أن معنى الإفسادِ هو ما يَنْبَغِي تركُه مما هو مضَرَّةٌ، وأن الإصلاحَ هو ما يَنْبَغِي فِعْلُه مما فعلُه منفعةٌ، وإن جَهِل المعانيَ التي جعَلها اللَّهُ إفسادًا، والمعانيَ التي جعَلها اللَّهُ إصْلاحًا، فالذي يَعْلَمُه ذو اللسانِ الذي بلسانِه نزَل القرآنُ، مِن تأويلِ القرآنِ، هو ما\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"كذلك\".\n(^٢) بعده في م: \"في\".\n(^٣) في م: \"بوقت\".\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٩٣٧) من حديث النواس بن سمعان نحوه.\n(^٥) بعده في ت ١: \"وأزمنة\".","vol":"1","page":69},{"text":"وصفتُ مِن معرفةِ أعيانِ المُسَمَّياتِ بأسمائِها اللازمةِ غيرِ المشترَكِ فيها، والموصوفاتِ بصفاتِها الخاصةِ، دونَ الواجبِ مِن أحكامِها وصفاتِها وهيئاتِها التي خصّ اللَّهُ بعلمِها نبيَّه ﷺ، فلا يُدْرَكُ علمُه إلا ببيانِه، دونَ ما استَأْثر اللَّهُ بعلمِه دونَ خلقِه. وبمثلِ ما قلنا في (^١) ذلك رُوِي الخبرُ عن ابنِ عباسٍ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن أبي الزنادِ، قال: قال ابنُ عباسٍ: التفسيرُ على أربعةِ أوجهٍ؛ وجهٌ تَعْرِفُه العربُ مِن كلامِها، وتفسيرٌ لا يُعْذَرُ أحدٌ بجَهالتِه، وتفسيرٌ يَعْلَمُه العلماءُ، وتَفْسيرٌ لا يَعْلَمُه إلا اللَّهُ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وهذا الوجهُ الرابعُ الذي ذكَره ابنُ عباسٍ مِن أن أحدًا لا يُعْذَرُ بجَهالتِه، معنًى غيرُ الإبانةِ عن وجوهِ مَطالبِ تأويلِه، وإنما هو خبرٌ عن أن مِن تأويلِه ما لا يَجوزُ لأحدٍ الجهلُ به. وقد رُوِي بنحوِ ما قلْنا في ذلك أيضًا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ خبرٌ في إسنادِه نظرٌ.\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّدَفيُّ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سمِعْتُ عمرَو بنَ الحارثِ يُحَدِّثُ عن الكلبيِّ، عن أبي صالحٍ مولى أمِّ هانئٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"أُنْزِل القُرآنُ على أربعَةِ أَحْرُفٍ؛ حَلَالٌ وحَرَامٌ لا يُعْذَرُ أحَدٌ بِالجَهالَةِ به، وتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُه العَرَبُ، وتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُه العُلَماءُ، ومُتَشَابِهٌ لا يَعْلَمُه إلَّا اللَّهُ، وَمَن ادَّعَى عِلْمَه سِوَى اللَّهِ فهو كاذِبٌ\" (^٣).\n_________\n(^١) في ر، م، ت ٢: \"من\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٨ عن المصنف. وأبو الزناد لم يدرك ابن عباس.\n(^٣) إسناده ضعيف جدًّا. ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٨ عن المصنف. وأخرجه ابن المنذر - كما في الدر المنثور ٢/ ٧ - من طريق الكلبي به، موقوفًا.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-54>ذكرُ بعضِ الأَخبارِ التي رُوِيَت بالنهيِ عن القولِ في تأْويلِ القرآنِ بالرأْيِ</span>\nحدَّثنا يحيى بنُ طَلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: \"مَنْ قال في القُرآنِ برَأْيِه، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه مِن النَّارِ\" (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى - هو ابنُ عامرٍ الثَّعْلبيُّ - عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: \"مَن قال في القُرآنِ بِرَأْيِه - أو بما لا يَعْلَمُ - فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه مِن النَّارِ\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشرٍ وقَبيصةُ، عن سفيانَ، عن عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَن قال في القُرآنِ بغَيْرِ عِلْمٍ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه مِن النَّارِ\" (^٣).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ لضعف عبد الأعلى. وأخرجه أحمد ٥/ ١٢٢، ١٥٥ (٢٩٧٤، ٣٠٢٤)، وأبو داود - في رواية ابن العبد، كما في التحفة ٤/ ٤٢٣ - والترمذي (٢٩٥١)، وأبو يعلى (٢٥٨٥)، والطحاوي في المشكل (٣٩٢) والبغوي في شرح السنة (١١٧) من طرق عن عبد الأعلى به. وينظر تهذيب التهذيب ٦/ ٩٥، والسلسلة الضعيفة (١٧٨٣).\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٨٠٨٥) عن محمد بن بشار به.\nوأخرجه البيهقي في الشعب (٢٢٧٦) من طريق يحيى بن سعيد به.\nوأخرجه أحمد ٣/ ٤٩٦، ٤/ ٢٥٠ (٢٠٦٩، ٢٤٢٩)، والترمذي (٢٩٥٠)، والنسائي في الكبرى (٨٠٨٤)، والطحاوي في المشكل (٣٩٣)، والطبراني في الكبير (١٢٣٩٢)، والبغوي في شرح السنة (١١٨) من طرق عن سفيان الثوري به. وينظر مصنف ابن أبي شيبة ١٠/ ٥١٢.\n(^٣) أخرجه النسائي في الكبرى (٨٠٨٤) من طريق محمد بن بشر به.\nوأخرجه البيهقي في الشعب (٢٢٧٥)، والبغوي في شرح السنة (١١٩) من طريق قبيصة به.","vol":"1","page":71},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا الحَكَمُ بنُ بَشيرٍ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائيُّ، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: من قال في القرآنِ برأيِه، فلْيَتَبَوَّأْ مقعدَه مِن النارِ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن ليثٍ، عن بكرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: مَن تكَلَّم في القرآنِ برأيِه، فلْيَتَبَوَّأْ مقعدَه مِن النارِ.\nحدَّثني أبو السائبِ سلْمُ (^١) بنُ جُنادةَ السُّوَائيُّ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن الحسنِ بنِ عُبيدِ اللَّهِ، عن إبراهيمَ، عن أبي مَعْمَرٍ (^٢)، قال: قال أبو بكرٍ الصديقُ: أيُّ أرضٍ تُقِلُّني، وأيُّ سماءٍ تُظِلُّني، إذا قلتُ في القرآنِ ما لا أعْلَمُ (^٣)!.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مُرَّةَ، عن أبي مَعْمَرٍ، قال: قال أبو بكرٍ الصديقُ: أيُّ أرضٍ تُقِلُّني، وأيُّ سماءٍ تُظِلُّني، إذا قلتُ في [كتابِ اللَّهِ ﷿] (^٤) برأيي. أو: بما لا أعْلَمُ (^٥)!\nقال أبو جعفرٍ: وهذه الأخبارُ شاهدةٌ لنا على صحةِ ما قلنا؛ مِن أن ما كان مِن تأويلِ (^٦) القرآنِ الذي لا يُدْرَكُ عِلْمُه إلا بنصِّ بيانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، أو بنَصْبِه الدَّلالةَ عليه، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ القِيلُ فيه برأيِه، بل القائلُ في ذلك برأيِه، وإن أصاب عينَ (^٧)\n_________\n(^١) في م: \"سالم\".\n(^٢) في ت ١: \"أيوب\".\n(^٣) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٥٦١) من طريق حفص به. وينظر سنن سعيد بن منصور (٣٩ - تفسير)، وتفسير ابن كثير تحقيق أبي إسحاق الحويني ١/ ١٢٦، والفتح ١٣/ ٢٧١.\n(^٤) في م: \"القرآن\".\n(^٥) أخرجه مسدد في مسنده - كما في المطالب العالية (٣٨٨٣) - من طريق شعبة به.\n(^٦) بعده في ص، م، ت ١: \"آي\".\n(^٧) زيادة من: ر، ت ١.","vol":"1","page":72},{"text":"الحقِّ فيه، فمُخْطِئٌ في (^١) فِعلِه بقِيلِه (^٢) فيه برأيِه، ولأن إصابتَه ليست إصابةَ مُوقِنٍ أنه مُحِقٌّ، وإنما هو إصابةُ خارصٍ وظانٍّ، والقائلُ في دينِ اللَّهِ بالظنِّ قائلٌ على اللَّهِ ما لا يَعْلَمُ، وقد حرَّم اللَّهُ جلَّ ثناؤُه ذلك في كتابِه على عبادِه فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. فالقائلُ (^٣) في تأويلِ كتابِ اللَّهِ الذي لا يُدْرَكُ علمُه إلا ببيانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، الذي جعَل اللَّهُ إليه بيانَه - قائلٌ ما (^٤) لا يَعْلَمُ، وإن وافَق قيلُه ذلك في تأويلِه ما أراد اللَّهُ به مِن معناه؛ لأن القائلَ فيه بغيرِ علمٍ قائلٌ على اللَّهِ ما لا عِلْمَ له به.\nوهذا هو معنى الخبرِ الذي حدَّثنا به العباسُ بنُ عبدِ العظيمِ العَنْبَريُّ، قال: حدَّثنا حَبَّانُ بنُ هلالٍ، قال: حدَّثنا سُهَيْلٌ أخو (^٥) حزمٍ، قال: حدَّثنا أبو عِمرانَ الجَوْنيُّ (^٦)، عن جُنْدُبٍ، أن سولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"مَن قَالَ في القُرآنِ بِرَأْيِه فأصابَ، فقد أخْطَأَ\" (^٧).\n_________\n(^١) في م: \"فيما كان من\".\n(^٢) في ص، ت ٢: \"فقيله\".\n(^٣) في ت ١: \"والقائل\".\n(^٤) في ص، ر، م، ت ٢: \"بما\".\n(^٥) في م: \"بن أبي\". وهو سهيل أخو حزم ابن أبي حزم. ينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٢١٧.\n(^٦) في م: \"الجويني\". وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٢٩٧.\n(^٧) إسناده ضعيف؛ لضعف سهيل. وأخرجه الترمذي (٢٩٥٢)، والبغوي في شرح السنة (١٢٠) من طريق حبان بن هلال به. وأخرجه أبو داود (٣٦٥٢)، والنسائي في الكبرى (٨٠٨٦)، وأبو يعلى (١٥٢٠)، والطبراني في الكبير (١٦٧٢)، وفي الأوسط (٥١٠١)، وابن عدي ٣/ ١٢٨٨، والبيهقي في الشعب (٢٢٧٧) من طريق سهيل به.","vol":"1","page":73},{"text":"قال أبو جعفرٍ: يعني ﷺ أنه أخْطَأ في فعلِه، بقيلِه فيه برأيِه، وإن وافق قيلُه ذلك عينَ الصوابِ عندَ اللَّهِ؛ لأن قيلَه فيه برأيِه ليس بقيلِ عالمٍ [أن الذي] (^١) قال فيه مِن قولٍ حقٌّ وصوابٌ، فهو قائلٌ على اللَّهِ ما لا يَعْلَمُ، آثمٌ بفعلِه ما قد نُهِي عنه وحُظِر عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-55>ذكرُ بعضِ الأخبارِ التي رُوِيَت في الحضِّ على العلمِ بتفسيرِ القرآنِ، ومَن كان يُفَسِّرُه مِن الصحابةِ</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ الحسنِ بنِ شَقيقٍ المَرْوزِيُّ، قال: سمِعْتُ أبي يقولُ: حدَّثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن شَقيقٍ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: كان الرجلُ منا إذا تعَلَّم عشْرَ آياتٍ لَمْ يُجاوِزْهن حتى يَعْرِفَ مَعانِيَهن والعملَ بهن (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا الذين كانوا يُقْرِئُوننا أنهم كانوا يَسْتَقْرِئون مِن النبيِّ ﷺ، فكانوا إذا تعَلَّموا عشْرَ آياتٍ لم يُخَلِّفوها حتى يَعْمَلوا [بما فيها] (^٣) مِن العملِ، فتعَلَّمنا القرآنَ والعملَ جميعًا (^٤).\n_________\n(^١) في ر: \"بأن الذي\"، وفي ت ١: \"بالذي\".\n(^٢) سيأتي تصحيح المصنف له في ص ٨٣.\n(^٣) في ت ٢: \"ما فيه\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق (٦٠٢٧)، وابن سعد ٦/ ١٧٢، وابن أبي شيبة ١٠/ ٤٦٠، وأحمد ٥/ ٤١٠ (الميمنية) من طريق عطاء بن السائب به.\nوأخرجه الحاكم ١/ ٥٥٧، والبيهقي في الشعب (١٩٥٣، ١٩٥٤) من طريق شريك، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن، عن ابن مسعود. وقال الحاكم: صحيح الإسناد.","vol":"1","page":74},{"text":"وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا جابرُ بنُ نُوحٍ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن مُسْلمٍ، عن مَسْروقٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: والذي لا إلهَ غيرُه، ما نزَلَت آيةٌ في كتابِ اللَّهِ إلا وأنا أعْلَمُ فيمَ (^١) نزَلَت، وأين نزَلَت (^٢)، ولو أعْلَمُ مكانَ أحدٍ أعْلَمَ بكتابِ اللَّهِ مني تَنالُه المَطايا لأتَيْتُه (^٣).\nوحدَّثنا يحيى بنُ إبراهيمَ المَسْعوديُّ، قال: حدَّثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، [عن مسلمٍ] (^٤)، عن مسروقٍ، قال: كان عبدُ اللَّهِ يَقْرَأُ علينا السورةَ، ثم يُحَدِّثُنا فيها ويُفَسِّرُها عامَّةَ النهارِ.\nحدَّثني أبو السائبِ سلْمُ (^٥) بنُ جُنادةَ، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن شَقيقٍ، قال: اسْتَعْمَل عليٌّ ابنَ عباسٍ على الحجِّ. قال: فخطَب الناسَ خُطبةً لو سمِعها التركُ والرومُ لأسْلَموا، ثم قرَأ عليهم سورةَ النورِ، فجعَل يُفَسِّرها (^٦).\nوحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ شَقيقِ بنِ سَلَمةَ، قال: قرَأ ابنُ عباسٍ سورةَ البقرةِ، فجعَل يُفَسِّرُها، فقال رجلٌ: لو سمِعَت هذا الدَّيْلَمُ لأَسْلَمَت (^٧).\n_________\n(^١) في ت ١، والبخاري: \"في من\".\n(^٢) بعده في م: \"وأين أنزلت\".\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٠٠٢)، ومسلم (٢٤٦٣) من طريق الأعمش به بنحوه. وينظر ما تقدم في ص ٤٦.\n(^٤) سقط من: ت ١.\n(^٥) في م: \"سالم\".\n(^٦) أخرجه أبو العباس السراج - كما في الإصابة ٤/ ١٤٩ - ومن طريقه الحاكم ٣/ ٥٣٧ من طريق أبي معاوية به.\n(^٧) أخرجه الفسوي في تاريخه ١/ ٤٩٥ من طريق سفيان به. وفيه أنه قرأ سورة النور.","vol":"1","page":75},{"text":"حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ (^١) يَمانٍ، عن أشعثَ بنِ إسحاقَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: مَن قرَأ القرآنَ ثم لم يُفَسِّرْه، كان كالأعْجَمِيِّ (^٢) أو: كالأعْرابيِّ.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ذكَر أبو بكرِ بنُ عياشٍ الأعمشَ، قال: قال أبو وائلٍ: ولِي ابنُ عباسٍ الموسمَ، فخطَبهم فقرَأ على المِنْبرِ سورةَ النورِ، واللَّهِ لو سمِعها التركُ لأسْلَموا. فقيل له: حَدِّثْنا (^٣) به عن عاصمٍ. فسكَت (^٤).\nوحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعْتُ الأعمشَ، عن شَقيقٍ، قال: شهِدْتُ ابنَ عباسٍ وولِي الموسمَ، فقرَأ سورةَ النورِ على المنبرِ، وفسَّرها، لو سمِعَت الرومُ لأَسْلَمَت.\nقال أبو جعفرٍ: وفي حثِّ (^٥) اللَّهِ ﷿ عبادَه على الاعتبارِ بما في آيِ القرآنِ مِن المواعظِ والبيناتِ (^٦) - بقولِه جلّ ذكرُه لنبيِّه ﷺ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. وقولِه: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٧، ٢٨]. وما أشْبَهَ ذلك مِن آيِ القرآنِ التي أمَر اللَّهُ عبادَه وحثَّهم فيها على الاعتبارِ بأمثالِ آيِ القرآنِ والاتِّعاظِ بمَواعظِه - ما يَدُلُّ على أن عليهم معرفةَ\n_________\n(^١) في م: \"أبو\". وهو أبو زكريا يحيى بن يمان. ينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٥٥.\n(^٢) في ص، ر، م: \"كالأعمى\".\n(^٣) في ت ١: \"حدثتنا\".\n(^٤) ينظر الإصابة ٤/ ١٤٩.\n(^٥) في ت ٢: \"حثيث\".\n(^٦) في م، ت ٢: \"التبيان\".","vol":"1","page":76},{"text":"تأويلِ ما لَمْ يُحْجَبْ عنهم تأويلُه مِن آيِه (^١)؛ لأنه مُحالٌ أن يُقالَ لمن لا يَفْهَمُ ما يُقالُ له، ولا يَعْقِلُ تأويلَه: اعْتَبِرْ بما لا فهمَ لك به ولا معرفةَ مِن القيلِ والبيانِ [والكلامِ] (^٢). إلا على معنى الأمرِ بأن يَفْهَمَه ويَفْقَهَه، ثم يَتَدَبَّرَه ويَعْتَبِرَ به.\nفأما قبلَ (^٣) ذلك فمستحيلٌ أمرُه بتدبرِه، وهو بمعناه جاهلٌ، كما مُحالٌ أن يُقالَ لبعضِ أصنافِ الأممِ الذين لا يَعْقِلون كلامَ العربِ ولا يَفْهَمونه (^٤)، لو أُنْشِدَ (^٥) قصيدةَ شعرٍ مِن أشعارِ بعضِ العربِ ذاتَ أمثالٍ ومَواعظَ وحِكَمٍ: اعْتَبِرْ بما فيها مِن الأمثالِ، وادَّكِرْ بما فيها مِن المواعظِ - إلَّا بمعنى الأمرِ له (^٦) بفهمِ كلامِ العربِ ومعرفتِه، ثم الاعتبارِ بما نبَّهَه عليه ما فيها مِن الحِكَمِ، فأما وهي جاهلةٌ بمعاني ما فيها مِن الكلامِ والمَنْطِقِ، فمُحالٌ أمرُها بما دلَّت عليه معاني ما حوَته مِن الأمثالِ والعِبَرِ، بل سواءٌ أمرُها بذلك وأمرُ بعضِ البهائمِ به، إلا بعدَ العلمِ بمعاني المَنْطِقِ والبيانِ الذي فيها.\nفكذلك ما في آيِ كتابِ اللَّهِ مِن العبرِ والحِكمِ والأمثالِ والمَواعِظِ، لا يجوزُ أن يقالَ: اعْتَبِرْ بها. إلا لمَن كان بمعاني بيانِه عالمًا، وبكلامِ العربِ عارفًا، وإلا بمعنى الأمرِ لمن كان بذلك منه جاهلًا أن يَعْلَمَ معانيَ كلامِ العربِ، ثم يَتَدَبَّرَه بعدُ، ويَتَّعِظَ بحِكَمِه وصنوفِ عِبَرِه.\n_________\n(^١) في م: \"آيات\".\n(^٢) سقط من: م، ت ٢.\n(^٣) في ت ١: \"قيل\".\n(^٤) في ت ١: \"يفقهونه\".\n(^٥) في م: \"أنشدت\".\n(^٦) في م: \"لها\".","vol":"1","page":77},{"text":"فإذ (^١) كان ذلك كذلك، وكان اللَّهُ جلَّ ثناؤُه قد أمَر عبادَه بتدبُّرِه وحثَّهم على الاعتبارِ بأمثالِه - كان معلومًا أنه لم يَأْمُرْ بذلك مَن كان بما يَدُلُّ عليه آيُه جاهلًا. وإذ لَمْ يَجُزْ أن يَأْمُرَهم بذلك إلا وهم بما يَدُلُّهم عليه عالِمون، صحَّ أنهم بتأويلِ ما لم يُحْجَبْ عنهم علمُه مِن آيِه الذي اسْتَأْثَر اللَّهُ بعلمِه منه دونَ خلقِه، الذي (^٢) قدَّمنا صفتَه آنفًا عارفون. وإذ صحَّ ذلك، فسَد قولُ مَن أنْكَر تفسيرَ المُفَسِّرِين مِن كتابِ اللَّهِ وتنزيلِه ما لَمْ يَحْجُبْ عن خلقِه تأويلَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-56>ذكرُ (^٣) الأخبارِ التي غلِط في تأويلِها مُنْكِرو القولِ في تأويلِ القرآنِ</span>\nفإن قال لنا قائلٌ: فما أنت قائلٌ فيما حدَّثكم به العباسُ بنُ عبدِ العظيمِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ خالدٍ ابنُ عَثْمةَ (^٤)، قال: حدَّثني جعفرُ بنُ محمدٍ الزُّبَيريُّ، قال: حدَّثني هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: ما كان النبيُّ ﷺ يُفَسِّرُ شيئًا مِن القرآنِ إلا آيًا بعَددٍ (^٥)، علَّمهنَّ إياه جبريلُ (^٦).\nحدَّثنا [أبو بكرٍ] (^٧) محمدُ بنُ يزيدَ الطَّرَسُوسيُّ، قال: أخْبَرَنا مَعْنُ [بنُ عيسى] (^٧)،\n_________\n(^١) في م: \"فإذا\"، وفي ت ١: \"فإن\".\n(^٢) بعده في م: \"قد\".\n(^٣) بعده في م، ت ١: \"بعض\".\n(^٤) في م: \"عتمة\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ١٤٣.\n(^٥) في م: \"تعد\"، وفي ت ٢: \"تعدد\". والمثبت موافق لأكثر نسخ تفسير ابن كثير ١/ ١٣٣ - تحقيق أبي إسحاق الحويني - وقد ذكره عن المصنف.\n(^٦) حديث منكر. أخرجه البزار (٢١٨٥ - كشف) عن محمد بن المثنى، عن محمد بن خالد ابن عثمة، عن حفص - أظنه ابن عبد الله - عن هشام به.\nوأخرجه ابن شاهين في الجزء الخامس من الأفراد (٣١) من طريق جعفر بن محمد به.\n(^٧) زيادة من: ر.","vol":"1","page":78},{"text":"عن جعفرِ (^١) بنِ خالدٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: لم يكنِ النبيُّ ﷺ يُفَسِّرُ شيئًا مِن القرآنِ إلا آيًا بعَددٍ (^٢)، علَّمهن إياه جبريلُ ﵇ (^٣).\nوحدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضَّبِّيُّ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، قال: لقد أدْرَكْتُ فُقهاءَ المدينةِ وإنهم لَيُعْظِمون القولَ في التفسيرِ؛ منهم سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، والقاسمُ بنُ محمدٍ، وسعيدُ بنُ المسيَّبِ، ونافعٌ (^٤).\nوحدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: سمِعْتُ رجلًا يَسْألُ سعيدَ بنَ المسيَّبِ عن آيةٍ مِن القرآنِ، فقال: لا أقولُ في القرآنِ شيئًا (^٥).\nحدَّثنا يونُسُ، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَني مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ أنه كان إذا سُئِل عن تفسيرِ آيةٍ مِن القرآنِ قال: [إنا لا نقولُ] (^٦) في القرآنِ شيئًا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سمِعْتُ الليثَ يُحَدِّثُ عن\n_________\n(^١) في ت ٢: \"حرمل\".\n(^٢) في م: \"تعد\"، وفي ت ٢: \"تعدد\".\n(^٣) أخرجه ابن شاهين في الجزء الخامس من الأفراد (٣١) من طريق معن بن عيسى به.\nوأخرجه أبو يعلى (٤٥٢٨) من طريق معن، عن فلان بن محمد بن خالد، عن هشام به.\nقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٣٠٣: رواه أبو يعلى، والبزار بنحوه، وفيه راوٍ لم يحرر اسمه عند واحد منهما. وبقية رجاله رجال الصحيح. أما البزار فقال … فذكره. وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٨ عن المصنف، وقال: حديث منكر غريب. وجعفر هذا هو ابن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام القرشي الزبيري، قال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث. اهـ. وقد قال المصنف عن جعفر هذا: لا يعرف في أهل الآثار. كما سيأتي في ص ٨٣.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٧ عن المصنف.\n(^٥) أخرجه ابن سعد ٢/ ٣٨١، ٥/ ١٣٧ من طريق مالك به.\n(^٦) في ص، م، ت ٢: \"أنا لا أقول\".","vol":"1","page":79},{"text":"يحيى بنِ سعيدٍ، عن ابنِ المسيَّبِ أنه كان لا يَتَكَلَّمُ إلا في المعلومِ مِن القرآنِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكّامٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن هشامٍ، عن ابنِ سِيرينَ، قال: سألْتُ عَبِيدةَ السَّلْمانيَّ عن آيةٍ، قال: عليك بالسَّدادِ، فقد ذهَب الذين علِموا فيمَ أُنْزِل القرآنُ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ وابنِ عَوْنٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: سألْتُ عَبيدةَ عن آيةٍ مِن القرآنِ، فقال: ذهَب الذين كانوا يَعْلَمون فيم أُنْزِل القرآنُ، فاتَّقِ اللَّهَ وعليك بالسَّدادِ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن ابنِ أبي مُلَيْكةَ، أنَّ ابنَ عباسٍ سُئِل عن آيةٍ لو سُئِل عنها بعضُكم لَقال فيها، فأبَى أن يقولَ فيها (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن مَهْديِّ بنِ ميمونٍ، عن الوليدِ بنِ مسلمٍ، قال: جاء طَلْقُ بنُ حَبيبٍ إلى جُنْدُبِ بنِ عبدِ اللَّهِ فسأله عن آيةٍ مِن القرآنِ، فقال له: أُحَرِّجُ عليك إن كنتَ مسلمًا لَما قمتَ عني. أو قال: أن تُجالِسَني (^٤).\nحدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخْبَرَني أبي، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ شَوْذَبٍ، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ أبي يزيدَ، قال: كنا نَسْألُ سعيدَ بنَ المُسَيَّبِ عن الحلالِ والحرامِ، وكان أعلمَ الناسِ، فإذا سألْناه عن تفسيرِ آيةٍ مِن القرآنِ سكَت كأن لم\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٢٨ من طريق الليث به.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٢٨، وسعيد بن منصور في سننه (٤٤ - تفسير)، وابن أبي شيبة ١٠/ ٥١١، والبيهقي في الشعب (٢٢٨٢) من طريق ابن عون به.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٦ عن المصنف، وقال: إسناد صحيح. وينظر فضائل القرآن لأبي عبيد ص ٢٢٧، ٢٢٨.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٧ عن المصنف.","vol":"1","page":80},{"text":"يَسْمَعْ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: أخْبَرَنا شعبةُ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، قال: سأل رجلٌ سعيدَ بنَ المسيَّبِ عن آيةٍ مِن القرآنِ، فقال: لا تَسْألْني عن (^٢) القرآنِ، وسَلْ مَن يَزْعُمُ أنه لا يَخْفَى عليه شيءٌ منه. يعني عِكْرمةَ (^٣).\nوحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عامرٍ، عن شعبةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي السَّفَرِ، قال: قال الشعبيُّ: واللَّهِ ما مِن آيةٍ إلا قد سألْتُ عنها، ولكنَّها الروايةُ عن (^٤) اللَّهِ تعالى (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن صالحٍ - يعني ابنَ مسلمٍ (^٦) - قال: حدَّثني رجلٌ، عن الشعبيِّ، قال: ثلاثٌ لا أقولُ فيهنَّ حتى أموتَ؛ القرآنُ، والروحُ (^٧)، والرأيُ (^٨).\nوما أشبَه ذلك مِن الأخبارِ (^٩)؟\nقيل له: أما الخبرُ الذي رُوِي عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه لم يكنْ يُفَسِّرُ مِن القرآنِ شيئًا إلا آيًا بعددٍ (^١٠)، فإن ذلك مُصَحِّحٌ ما قلْنا مِن القولِ في البابِ الماضي قبلُ، وهو\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٧ عن ابن شوذب به.\n(^٢) بعده في م: \"آية من\"، وفي ت ٢: \"شيء من القرآن\".\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٢٨، وابن أبي شيبة ١٠/ ٥١١ عن محمد بن جعفر به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"على\". وعند ابن عساكر: \"ولكنها الرواية عن الله - أو قال: على الله\".\n(^٥) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٢٥/ ٣٦٥ من طريق سعيد بن عامر به. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ١٧.\n(^٦) في ت ١: \"سلم\"، وفي ت ٢: \"أسلم\". وينظر التاريخ الكبير ٤/ ٢٩٠.\n(^٧) في ص، ر، ت ١، ت ٢: \"الزرع\".\n(^٨) في ص، ر، ت ١: \"الربا\"، وفي ت ٢: \"الري\".\n(^٩) هذا آخر السؤال الذي بدأه المصنف في ص ٧٨.\n(^١٠) في م: \"تعد\"، وفي ت ٢: \"تعدد\".","vol":"1","page":81},{"text":"أن مِن تأويلِ القرآنِ ما لا يُدْرَكُ علمُه إلا ببيانِ الرسولِ ﷺ، وذلك تفصيلُ (^١) جُمَلِ ما في آيِه، مِن أمرِ اللَّهِ ونهيِه، وحلالِه وحرامِه، وحدودِه وفَرائضِه، وسائرِ معاني شرائعِ دينِه، الذي هو مُجْمَلٌ في ظاهرِ التنزيلِ، وبالعبادِ إلى تفسيرِه الحاجةُ، لا يُدْرَكُ علمُ تأويلِه إلا ببيانٍ مِن عندِ اللَّهِ على لسانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، وما أشبَه ذلك مما تَحْوِيه آيُ القرآنِ، مِن سائرِ حُكْمِه الذي جعَل اللَّهُ بيانَه لخلقِه إلى رسولِه ﷺ، فلا يَعْلَمُ أحدٌ مِن خلقِ اللَّهِ تأويلَ ذلك إلا ببيانِ الرسولِ ﷺ، ولا يَعْلَمُه رسولُ اللَّهِ ﷺ إلا بتعليمِ اللَّهِ ذلك إياه بوحيِه إليه، إما مع جبريلَ، أو مع مَن شاء مِن رسلِه إليه. فذلك هو الآيُ التي كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يُفَسِّرُها لأصحابِه بتعليمِ جبريلَ إياه، وهن لا شكَّ آيٌ ذواتُ عَدَدٍ.\nومِن آيِ القرآنِ ما قد ذكَرْنا أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه اسْتَأْثَر بعلمِ تأويلِه، فلم يُطْلِعْ على علمِه مَلَكًا مُقَرَّبًا، ولا نبيًّا مرسلًا، ولكنهم يُؤْمِنون بأنه مِن عندِه، وأنه لا يَعْلَمُ تأويلَه إلا اللَّهُ.\nفأما ما لا بُدَّ للعبادِ مِن علمِ تأويلِه، فقد بيَّن لهم نبيُّهم ﷺ ببيانِ اللَّهِ ذلك له بوحيِه مع جبريلَ، وذلك هو المعنى الذي أمَره اللَّهُ ببيانِه (^٢) لهم، فقال له جلّ ذكرُه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].\nولو كان تأويلُ الخبرِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه كان لا يُفَسِّرُ مِن القرآنِ شيئًا إلا آيًا بعددٍ - هو ما يَسْبِقُ إليه أوهامُ أهلِ الغَباءِ مِن أنه لم يكنْ يُفَسِّرُ مِن القرآنِ إلا القليلَ\n_________\n(^١) في م: \"يفصل\".\n(^٢) في ص، ر، ت ١، ت ٢: \"بيانه\".","vol":"1","page":82},{"text":"مِن آيِه واليسيرَ مِن حروفِه، كان إنما أُنْزِل إليه ﷺ الذكرُ ليتْرُكَ للناسِ (^١) بيانَ ما نزِّل إليهم، لا ليُبَيِّنَ لهم ما أُنْزِل إليهم.\nوفي أمرِ اللَّهِ جل ثناؤُه نبيَّه ﷺ ببلاغِ ما أَنزَل إليه، وإعلامِه إياه أنه إنما نزَّل إليه ما أَنْزَل ليُبَيِّنَ للناسِ ما نُزِّل إليهم، وقيامِ الحجةِ على أن النبيَّ ﷺ قد بلَّغ [وأدَّى] (^٢) ما أمَره اللَّهُ ببلاغِه وأدائِه على ما أمَره به، وصحةِ الخبرِ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ بقيلِه (^٣): كان الرجلُ منا إذا تعَلَّم عشْرَ آياتٍ لم يُجاوِزْهن حتى يَعْلَمَ مَعانِيَهن والعملَ بهنَّ (^٤) - ما يُنْبِئُ عن جهلِ مَن ظنَّ أو توَهَّم أن معنى الخبرِ الذي ذكَرْنا عن عائشةَ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه لم يكنْ يُفَسِّرُ مِن القرآنِ شيئًا إلا آيًا بعددٍ، هو أنه لم يكنْ يُبَيِّنُ (^٥) لأمتِه مِن تأويلِه إلا اليسيرَ القليلَ منه.\nهذا مع ما في الخبرِ الذي رُوِي عن عائشةَ مِن العلةِ التي في إسنادِه التي لا يَجوزُ معها الاحتجاجُ به لأحدٍ ممَّن علِم صحيحَ سندِ الآثارِ وفاسدَها في الدينِ؛ لأن راويَه ممَّن لا يُعْرَفُ في أهلِ (^٦) الآثارِ، وهو جعفرُ بنُ محمدٍ الزُّبيريُّ (^٧).\nوأما الأخبارُ التي ذكَرْناها عمَّن ذكَرْناها عنه مِن التابعين بإحْجامِه عن التأويلِ، فإن فعْلَ مَن فعَل ذلك منهم، كفعْلِ مَن أحْجَم منهم عن الفُتْيا في النَّوازلِ والحوادثِ، مع إقرارِه بأن اللَّهَ جلّ ثناؤُه لم يَقْبِضْ نبيَّه إليه إلا بعدَ إكمالِ (^٨) الدينِ به\n_________\n(^١) في ر: \"الناس\".\n(^٢) في م: \"فأدى\".\n(^٣) في م: \"لقيله\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٧٤.\n(^٥) في ر: \"بين\".\n(^٦) سقط من: ر.\n(^٧) ينظر ما تقدم في ص ٧٩.\n(^٨) في ر: \"كمال\".","vol":"1","page":83},{"text":"لعبادِه، وعلمِه بأن للَّهِ في كلِّ نازلةٍ وحادثةٍ حُكْمًا موجودًا بنصٍّ أو دَلَالةٍ، فلم يكنْ إحجامُه عن القولِ في ذلك إحجامَ جاحدٍ أن يكونَ للَّهِ فيه حكمٌ موجودٌ بينَ أظهرِ عبادِه، ولكن إحجامَ خائفٍ ألا يَبْلُغَ باجتهادِه (^١) ما كلَّف اللَّهُ العلماءَ مِن عبادِه فيه.\nفكذلك معنى إحجامِ مَن أحْجَم عن القِيلِ في تأويلِ القرآنِ وتفسيرِه مِن العلماءِ السلفِ، إنما كان إحجامُه عنه حِذارًا ألا يَبْلُغَ أداءَ ما كُلِّف مِن إصابةِ صوابِ القولِ فيه، لا على أن تأويلَ ذلك مَحْجوبٌ عن علماءِ الأمةِ، غيرُ موجودٍ بينَ أظْهُرِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-57>ذكرُ الأخبارِ عن بعضِ السلفِ في مَن كان مِن قُدماءِ المُفَسِّرين محمودًا علمُه بالتفسيرِ ومَن كان منهم مذمومًا علمُه به </span>(^٢)\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن سليمانَ، عن مسلمٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: نِعْمَ تُرْجمانُ القرآنِ ابنُ عباسٍ (^٣).\nحدَّثني يحيى بنُ داودَ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ الأزْرقُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مَسْروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، قال: نعم [التُّرْجمانُ للقرآنِ] (^٤) ابنُ عباسٍ (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"في اجتهاده\".\n(^٢) في م: \"بذلك\".\n(^٣) أخرجه أحمد في الفضائل (١٥٥٨، ١٨٦٠) من طريق سفيان به.\n(^٤) في م: \"ترجمان القرآن\".\n(^٥) أخرجه المصنف في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار ص ١٧٣. وأخرجه أحمد في الفضائل (١٥٦٢)، والفسوي في تاريخه ١/ ٤٩٦، والحاكم ٣/ ٥٣٧ من طريقين عن سفيان به. وصححه الحاكم على شرط الشيخين. وأخرجه ابن سعد ٢/ ٣٦٦، والفسوي ١/ ٤٩٥ من طريق الأعمش به.","vol":"1","page":84},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنحوِه (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ، عن عثمانَ المكيِّ، عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، قال: رأيْتُ مجاهدًا يَسْألُ ابنَ عباسٍ عن تفسيرِ القرآنِ ومعه ألواحُه (^٢)، فيقولُ له ابنُ عباسٍ: اكْتُبْ. قال: حتى سأَلَه عن التفسيرِ كلِّه (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا المُحارِبيُّ ويونسُ بنُ بُكَيْرٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن أبانِ بنِ صالحٍ، عن مجاهدٍ، قال: عرَضْتُ المصحفَ على ابنِ عباسٍ ثلاثَ عَرَضاتٍ، مِن فاتحتِه إلى خاتمتِه، أُوقِفُه عندَ كلِّ آيةٍ منه وأسألُه عنها (^٤).\nحدَّثني عُبيدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ الجُبَيْريُّ (^٥)، عن أبي بكرٍ الحَنَفيِّ، قال: سمِعْتُ سفيانَ الثوريَّ يقولُ: إذا جاءك التفسيرُ عن مجاهدٍ فحسْبُك به (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا سليمانُ أبو (^٧) داودَ، عن شعبةَ، عن\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار ص ١٧٢. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ١١١، وأحمد في الفضائل (١٨٦٣) عن جعفر بن عون به. وقال ابن كثير في تفسيره ١/ ١٣: هذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة. وينظر الإصابة ٤/ ١٤٦.\n(^٢) في م: \"الواحد\".\n(^٣) ذكره شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦٩، وابن كثير في تفسيره ١/ ١٥ عن المصنف.\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٧٩، وابن عساكر في تاريخه ١٦/ ٢٥٢ (مخطوط) من طريق المحاربي وغيره، عن ابن إسحاق به. وحسن إسناده الذهبي في تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٠٦.\nوأخرجه ابن سعد ٥/ ٤٦٦، وابن أبي شيبة ١٠/ ٥٥٩، وأحمد في الفضائل (١٨٦٦) من طريقين عن مجاهد. وعند ابن سعد: ثلاثين عرضة.\n(^٥) في ر: \"الحريري\". وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ١٧٩.\n(^٦) ذكره شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦٩، وابن كثير في تفسيره ١/ ١٥ عن الثوري.\n(^٧) في ر: \"ابن\". وهو سليمان بن داود، أبو داود الطيالسي.","vol":"1","page":85},{"text":"عبدِ الملكِ بنِ مَيْسَرةَ، قال: لم يَلْقَ الضَّحّاكُ ابنَ عباسٍ، وإنما لَقِي سعيدَ بنَ جُبَيْرٍ بالرَّيِّ، فأخَذ عنه التفسيرَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدَّثنا أبو داودَ، عن شعبةَ، عن مُشَاشٍ، قال: قلتُ للضحاكِ: سمِعْتَ مِن ابنِ عباسٍ شيئًا؟ قال: لا (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، قال: حدَّثنا زكريا، قال: كان الشعبيُّ يَمُرُّ بأبي صالحٍ باذانَ، فيَأْخُذُ بأُذُنِه فيَعْرُكُها (^٣)، ويقولُ: تُفَسِّرُ القرآنَ وأنت لا تَقْرَأُ القرآنَ (^٤)!\nحدَّثنا عبدُ (^٥) اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُّويَه، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الحسينِ بنِ واقدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا الأعمشُ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ (^٦): قادرٌ على أن يَجْزِيَ بالحسنةِ الحسنةَ، وبالسيئةِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن معين في تاريخه ٤/ ٢٧٦ (٤٣٥٢)، والفسوي في تاريخه ٢/ ١٠٩، والعقيلي ٢/ ٢١٨، وابن أبي حاتم في المراسيل ص ٩٥، وابن حبان في الثقات ٦/ ٤٨٠، وابن عدي ٤/ ١٤١٤ من طريق أبي داود به. وينظر طبقات ابن سعد ٦/ ٣٠١، وسؤالات البرذعي ٢/ ٦٨٢، ٦٨٣، والجرح ٤/ ٤٥٨، ٨/ ٣٣٣.\n(^٢) أخرجه ابن سعد ٦/ ٣٠١، وابن معين في تاريخه ٤/ ٢٧٦ (٤٣٥١)، وابن أبي حاتم في المراسيل ص ٩٤، والجرح ٤/ ٤٥٨، ٤٥٩ من طريق أبي داود به. وينظر تاريخ الفسوي ٢/ ١٠٨، ١٤٣، ١٤٨، والجعديات (٢١)، وضعفاء العقيلي ٢/ ٢١٨، والكامل لابن عدي ٤/ ١٤١٤.\n(^٣) عركه يعركه عركًا: دلكه. التاج (ع ر ك).\n(^٤) أخرجه الفسوي في تاريخه ٢/ ٧٨٥ من طريق عبد الله بن إدريس به. وأخرجه أيضًا ٢/ ٦٨٥ من طريق آخر عن الشعبي نحوه.\n(^٥) في م: \"عبيد\". وينظر الجرح ٥/ ٦.\n(^٦) بعده في م: \"قال\".","vol":"1","page":86},{"text":"السيئةَ. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠]. قال الحسينُ: فقلتُ للأعمشِ: حدَّثني به الكلبيُّ إلا أنه قال: إن اللَّهَ قادرٌ أن يَجْزِيَ بالسيئةِ السيئةَ، وبالحسنةِ عشرًا. فقال الأعمشُ: لو أن الذي عندَ الكلبيِّ عندي، ما خرَج مني [إلا بخفيرٍ] (^١).\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حَكيمٍ الأوْديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ بُكَيْرٍ، عن صالحِ بنِ مسلمٍ، قال: مرَّ الشعبيُّ على السُّدِّيِّ وهو يُفَسِّرُ، فقال: لأن يُضْرَبَ على استِك بالطَّبْلِ، خيرٌ لك مِن مجلسِك هذا (^٢).\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: حدَّثني عليُّ بنُ حَكيمٍ، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن سَلْمِ (^٣) بنِ عبدِ الرحمنِ النَّخَيِّ، قال: كنتُ مع إبراهيمَ، فرأى السُّدِّيَّ، فقال: أمَا إنه يُفَسِّرُ تَفسيرَ القومِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ البَرْقيِّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ أبي سَلَمةَ، قال: سمِعْتُ سعيدَ بنَ بَشيرٍ يقولُ عن قتادةَ، قال: ما [بقِي أحدٌ] (^٥) يَجْرِي مع الكلبيِّ في التفسيرِ في عِنَانٍ.\nقال أبو جعفرٍ: قد قلْنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا في وجوهِ تأويلِ القرآنِ، وأن تأويلَ جميعِ القرآنِ على أوجهٍ ثلاثةٍ:\nأحدُها: لا سبيلَ إلى الوصول إليه، وهو الذي اسْتَأْثَر اللَّهُ بعلمِه، وحجَب علمَه\n_________\n(^١) في م: \"بحقير\". وخفير القوم: مجيرهم الذي يكونون في ضمانه ما داموا في بلاده. تاج العروس (خ ف ر).\n(^٢) أخرجه ابن عدي ١/ ٢٧٤ من طريق عبد الله بن بكير به بنحوه.\n(^٣) في النسخ: \"مسلم\". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٢٢٧.\n(^٤) أخرجه أحمد في العلل ١/ ٧٠ (١٩٣)، وابن أبي حاتم في الجرح ٢/ ١٨٤، وابن عدي ١/ ٢٧٤ من طريق شريك به.\n(^٥) في م: \"أرى أحدا\".","vol":"1","page":87},{"text":"عن جميعِ خلقِه، وهو أوقاتُ ما كان مِن آجالِ الأمورِ الحادثةِ التي أخْبَر اللَّهُ في كتابِه أنها كائنةٌ؛ مثلُ وقتِ قيامِ الساعةِ، ووقتِ نزولِ عيسى ابنِ مريمَ، ووقتِ طلوعِ الشمسِ مِن مَغْرِبِها، والنفخِ في الصُّورِ، وما أشبَهَ ذلك.\nوالوجهُ الثاني: ما خصَّ اللَّهُ [بعلمِ تأويلِه] (^١) نبيَّه ﷺ دونَ سائرِ أمّتِه، وهو ما فيه مما بعبادِه إلى علمِ تأويلِه الحاجةُ، فلا سبيلَ لهم إلى علمِ ذلك إلا ببيانِ الرسولِ ﷺ لهم تأويلَه.\nوالثالثُ منها: ما كان علمُه عندَ أهلِ اللسانِ الذي نزَل به القرآنُ، وذلك علمُ تأويلِ غريبِه (^٢) وإعرابِه، لا يُوصَلُ إلى علمِ ذلك إلا مِن قِبَلِهم.\nفإذ (^٣) كان ذلك كذلك، فأحقُّ (^٤) المُفَسِّرين (^٥) بإصابةِ الحقِّ في تأويلِ القرآنِ الذي إلى علمِ تأويلِه للعبادِ السبيلُ، أوضحُهم حُجَّةً فيما تأوَّل وفسَّر، مما كان تأويلُه إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ دونَ سائرِ أمّتِه، مِن أخبارِ رسولِ اللَّهِ ﷺ الثابتةِ عنه، إما مِن جهةِ (^٦) النقلِ المُسْتَفيضِ، فيما وُجِد فيه مِن ذلك عنه النقلُ المُسْتَفِيضُ، وإما مِن جهةِ (^٦) نقل العدولِ الأثباتِ، فيما لم يكنْ عنه فيه النقلُ المستفيضُ، أو مِن جهةِ (^٦) الدَّلَالةِ المنصوبةِ على صحتِه، وأوضحُهم (^٧) برهانًا فيما ترْجَم وبيَّن مِن ذلك مما كان مُدْرَكًا علمُه مِن جهةِ اللسانِ، إما بالشواهدِ مِن أشعارِهم السائرةِ، وإما مِن مَنْطِقِهم\n_________\n(^١) سقط من: ر.\n(^٢) في م: \"عربيته\".\n(^٣) في م: \"فإذا\"، وفي ت ١: \"فإن\".\n(^٤) في ر: \"وأحق\".\n(^٥) في ت ١: \"التفسيرين\".\n(^٦) في م، ت ٢: \"وجه\".\n(^٧) في ص، ت ١: \"أصحهم\".","vol":"1","page":88},{"text":"ولغاتِهم المستفيضةِ المعروفةِ، كائنًا مَن كان ذلك المُتأوِّلُ والمُفَسِّرُ، بعد ألا يكونَ خارجًا تأويلُه وتفسيرُه ما تأوَّل وفسَّر مِن ذلك عن أقوالِ السلفِ مِن الصحابةِ والأئمةِ، والخلفِ مِن التابعين وعلماءِ الأمةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-58>القولُ في تأويلِ أسماءِ القرآنِ وسُوَرِه وآيِه</span>\nقال أبو جعفرٍ: إن اللَّهَ ﷿ سمَّى تنزيلَه الذي أنْزَله على نبيِّه محمدٍ ﷺ أسماءً أربعةً؛ منهن القرآنُ، فقال في تسميتِه إياه بذلك في تنزيل: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]. وقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦].\nومنهن الفرقانُ، قال جلّ ثناؤُه في وحيِه إلى نبيِّه ﷺ مُسَمِّيَه (^١) بذلك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].\nومنهن الكتابُ، قال تبارك اسمُه في تسميتِه إياه به (^٢): ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١، ٢].\nومنهن الذكرُ، فقال تعالى ذكرُه في تسميتِه إياه به: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].\nولكل اسمٍ مِن أسمائِه الأربعةِ في كلامِ العربِ معنى ووجهٌ غيرُ معنى الآخَرِ ووجهِه.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"يسميه\".\n(^٢) في ر: \"بذلك\".","vol":"1","page":89},{"text":"فأما القرآنُ، فإن المفسرين اخْتَلَفوا في تأويلِه، والواجبُ أن يكونَ تأويلُه على قولِ ابنِ عباسٍ مِن التلاوةِ والقراءةِ، وأن يكونَ مصدرًا مِن قولِ القائلِ: قرأْتُ القرآنَ. كقولِك: الخُسْرانُ. مِن: خسِرْتُ، و: الغُفْرانُ. مِن: غفَر اللَّهُ لك، و: الكُفْرانُ. مِن: كفَرْتُك، و: الفرقانُ. مِن: فَرَق اللَّهُ بينَ الحقِّ والباطلِ.\nوذلك أن يحيى بنَ عثمانَ (^١) بنِ صالحٍ السَّهْميَّ حدَّثني، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾. يقولُ: بيَّنَّاه، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]. يقولُ: اعْمَلْ به.\nومعنى قولِ ابنِ عباسٍ هذا: فإذا بيَّناه بالقراءةِ، فاعْمَلْ بما بيَّناه لك بالقراءةِ.\nومما يُوَضِّحُ صحةَ ما قلْنا في تأويلِ حديثِ ابنِ عباسٍ هذا ما حدَّثني به محمدُ ابنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]. قال: أن نُقْرِئَك فلا تَنْسَى، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ عليك، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. يقولُ: إذا تُلِي عليك فاتَّبِعْ ما فيه.\nقال أبو جعفرٍ: فقد صرَّح هذا الخبرُ عن ابنِ عباسٍ أن معنى القرآنِ عندَه القراءةُ، [وأنه] (^٢) مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: قرأتُ. على ما بيّناه (^٣).\nوأما على قولِ قتادةَ، فإن الواجبَ أن يكونَ مصدرًا مِن قولِ القائلِ: قرأتُ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"عمر\".\n(^٢) في م: \"فإنه\".\n(^٣) في م: \"قد قلناه\".","vol":"1","page":90},{"text":"الشيءَ. إذا جمعْتَه وضمَمْتَ بعضَه إلى بعضٍ، كقولِك: ما قرأَتْ هذه الناقةُ سَلًى (^١) قطُّ. تُرِيدُ بذلك أنها لم تَضُمَّ رَحِمًا على ولدٍ، كما قال عمرُو بنُ كُلْثُومٍ التَّغْلِبيُّ (^٢):\nتُرِيكَ إذا دخَلْتَ على خَلاءٍ … وقد أمِنَتْ عُيونَ الكاشِحِينا (^٣)\nذراعَيْ عَيْطَلٍ (^٤) أدْماءَ (^٥) بِكْرٍ … هِجانِ (^٦) اللونِ لم تَقْرَأْ جَنِينا (^٧)\nيعني بقولِه: لم تَقْرَأْ جَنِينا. لم تَضْمُمْ رَحِمًا على ولدٍ.\nوذلك أن بشرَ بنَ مُعاذٍ العَقَديَّ حدَّثنا، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. يقولُ: حفظَه (^٨) وتأليفَه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. يقولُ: اتَّبِعْ حلالَه، واجْتَنِبْ\n_________\n(^١) السلى، والجمع أسلاء: الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد، يكون ذلك للناس والخيل والابل، وقيل: هو في الماشية السلى، وفي الناس المشيمة. اللسان (س ل ى).\n(^٢) زيادة من: م، ت ١. والبيتان من معلقته المشهورة، وهما في شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات لابن الأنباري ص ٣٧٧ - ٣٧٩، وشرح القصائد التسع المشهورات لابن النحاس ٢/ ٧٨٢، وشرح القصائد العشر للتبريزي ص ٢٢٤.\n(^٣) الكاشحون؛ والواحد الكاشح: العدو المضمر العداوة، والعدو المبغض. تاج العروس (ك ش ح).\n(^٤) العيطل: الناقة الطويلة في حسن منظر وسمن. اللسان (ع ط ل).\n(^٥) الأدمة في الإبل: البياض مع سواد المقلتين. انظر اللسان (أ د م).\n(^٦) الهجان من الإبل: البيض الكرام. اللسان (هـ ج ن).\n(^٧) ورد هذا الشطر في شرح القصائد السبع وشرح القصائد العشر هكذا:\n* تربعت الأجارع والمتونا *\nوأورده الجوهري - كما في اللسان (ع ط ل):\n* تربعت الأماعز والمتونا *\n(^٨) في ت ١: \"لفظه\".","vol":"1","page":91},{"text":"حرامَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّنْعانيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، قال: حدَّثنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ بمثلِه.\nفرأى قتادةُ أن تأويلَ القرآنِ التأليفُ.\nقال أبو جعفرٍ: ولكلا (^١) القولين - أعْني قولَ ابنِ عباسٍ وقولَ قتادةَ - اللذين حكَيناهما، وجهٌ صحيحٌ في كلامِ العربِ، غيرَ أن أوْلَى قولَيْهما (^٢) بتأويلِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. قولُ ابنِ عباسٍ؛ لأن اللَّهَ جل ثناؤُه أمَر نبيَّه ﷺ في غيرِ آيةٍ مِن تنزيلِه باتباعِ ما أوحى إليه، ولم يُرَخِّصْ له في تركِ اتباعِ شيءٍ مِن أمرِه إلى وقتِ تأليفِه القرآنَ، فكذلك قولُه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. نظيرُ سائرِ ما في آيِ القرآنِ التي أمَره اللَّهُ فيها باتباعِ ما أوحى إليه في تنزيلِه، ولو وجَب أن يكونَ معنى قولِه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾: فإذا ألَّفْناه فاتَّبِعْ ما ألَّفْنا لك فيه - لَوجَب ألا يكونَ كان (^٣) لزِمه فرضُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]. ولا فرضُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١، ٢]. قبلَ أن يُؤَلَّفَ إلى ذلك غيرُه من القرآنِ، وذلك - إن قاله قائلٌ - خروجٌ (^٤) مِن قولِ أهلِ المِلَّةِ.\n_________\n(^١) في ر: \"لكل\".\n(^٢) في ر: \"قولهما\".\n(^٣) في م: \"كأن\".\n(^٤) في ر، ت ٢: \"خرج\".","vol":"1","page":92},{"text":"وإذ صحّ أن حكمَ كلِّ آيةٍ مِن آيِ القرآنِ كان لازمًا النبيَّ (^١) ﷺ اتباعُه والعملُ به، مُؤَلَّفةً كانت إلى غيرِها أو غيرَ مُؤَلَّفةٍ - صحّ ما قال ابنُ عباسٍ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. أنه مَعنيٌّ (^٢) به: فإذا بيَّناه لك بقراءتِنا، فاتَّبِعْ ما بيَّناه لك بقراءتِنا. دونَ قولِ مَن قال: معناه: فإذا ألَّفْناه فاتَّبِعْ ما ألَّفْناه.\nوقد قيل: إن قولَ الشاعرِ (^٣):\nضَحَّوْا بأشْمَطَ (^٤) عُنْوانُ (^٥) السُّجودِ به … يُقَطِّعُ الليلَ تَسْبيحًا وقُرْآنا\nيعني به قائلُه: تسبيحًا وقراءةً.\nفإن قال قائلٌ: وكيف يجوزُ أن يُسَمَّى قرآنًا بمعنى القراءةِ، وإنما هو مَقْروءٌ؟\nقيل: كما جاز أن يُسَمَّى المكتوبُ كتابًا، بمعنى كتابِ الكاتبِ، كما قال الشاعرُ في صفةِ (^٦) طَلاقٍ كتَبه لامرأتِه (^٧):\nتُؤَمِّلُ رَجْعةً مني وفيها … كتابٌ مثلَ ما لصِق الغِراءُ\nيُرِيدُ (^٨) طلاقًا مكتوبًا، فجعَل المكتوبَ كتابًا.\nوأما تأويلُ اسمِه الذي هو فُرْقانٌ، فإن تفسيرَ أهلِ التفسيرِ جاء في ذلك بألفاظٍ\n_________\n(^١) في ر: \"للنبي\".\n(^٢) في م: \"يعني\".\n(^٣) هو حسان بن ثابت، والبيت في ديوانه ص ٢١٦، وينظر حاشيته، وعزاه إليه في العقد الفريد ٣/ ٨١، ٤/ ١٥٩، ٢٨٤، ٢٩٨، واللسان (ع ن ن)، ونسب أيضًا لأوس بن مغراء. ينظر خزانة الأدب ٩/ ٤١٨.\n(^٤) الشمط: بياض شعر الرأس يخالط سواده. اللسان (ش م ط).\n(^٥) العنوان: الأثر، وكلما استدللت بشيء تظهره على غيره فهو له عنوان. اللسان (ع ن ن).\n(^٦) بعده في م: \"كتاب\".\n(^٧) البيت في التبيان ١/ ١٨.\n(^٨) بعده في ر، ت ١: \"به\".","vol":"1","page":93},{"text":"مختلفةٍ، هي في المعاني مُؤْتَلِفةٌ.\nفقال عكرمةُ فيما حدَّثنا به ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامُ بنُ [سَلْمٍ (^١)، عن] (^٢) عَنْبَسَةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ أنه كان يقولُ: هو النجاةُ.\nوكذلك كان السُّدِّيُّ يَتأوَّلُه، حدَّثنا بذلك محمدُ بنُ الحسينِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ. وهو قولُ جماعةٍ غيرِهما.\nوكان ابنُ عباسٍ يقولُ: الفرقانُ المَخْرَجُ. حدَّثني بذلك يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالحٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ.\nوكذلك كان مجاهدٌ يقولُ في تأويلِه، حدَّثنا بذلك ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ.\nوكان مجاهدٌ يقولُ في قولِ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]: يومٌ فرَق اللَّهُ فيه بينَ الحقِّ والباطلِ.\nحدَّثني بذلك محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثني أبو عاصمٍ، عن عيسى بنِ مَيْمونٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ.\nوكلُّ هذه التأويلاتِ في معنى الفرقانِ - على اختلافِ ألفاظِها - مُتَقارِباتُ المعاني؛ وذلك أن مَن جُعِل له مَخْرَجٌ مِن أمرٍ كان فيه، فقد جُعِل له ذلك المخرجُ منه\n_________\n(^١) في ت ٢: \"سالم\".\n(^٢) سقط من: ر. وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٨٣.","vol":"1","page":94},{"text":"نجاةً، وكذلك إذا نُجِّي منه، فقد نُصِر على مَن بَغَاه فيه سُوءًا، وفُرِق بينَه به (^١) وبينَ باغيه السُّوءَ.\nفجميعُ ما روَيْنا عمَّن روَيْنا عنه في معنى الفرقانِ قولٌ صحيحُ المعنى؛ لاتفاقِ معاني ألفاظِهم في ذلك.\nوأصلُ الفرقانِ عندَنا الفرقُ بينَ الشيئَيْن والفصلُ بينَهما، وقد يكونُ ذلك بقضاءٍ (^٢)، واسْتِنْقاذٍ، وإظهارِ حُجَّةٍ، ونصرٍ (^٣)، وغيرِ ذلك مِن المعاني المُفَرِّقةِ بينَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ. فقد تبَيَّن (^٤) بذلك أن القرآنَ سُمِّي فرْقانًا؛ لفصلِه بحججِه (^٥) وأدلتِه [وحدودِ فَرائضِه] (^٦) وسائرِ معاني حُكْمِه، بينَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ. وفرقانُه بينَهما بنصرِه المُحِقَّ وتَخْذيلِه المُبْطِلَ، حكمًا وقضاءً.\nوأما تأويلُ اسمِه (^٧) الذي هو كتابٌ، فهو مصدرٌ مِن قولِك: كتَبْتُ كتابًا. كما تقولُ: قمتُ قيامًا، وحسَبْتُ الشيءَ حسابًا.\nوالكتابُ هو خطُّ الكاتبِ حروفَ الكتابِ (^٨) المُعْجَمِ، مجموعةً ومُفْتَرِقةً، وسُمِّي كتابًا وإنما هو مكتوبٌ، كما قال الشاعرُ في البيتِ الذي اسْتَشْهَدْنا به:\n................. وفيها … كتابٌ مثلَ ما لصِق الغِراءُ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ر: \"نقضا\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"تصرف\".\n(^٤) في ر: \"ترنوا\".\n(^٥) في م: \"بحجته\".\n(^٦) في م: \"حدوده وفرائضه\".\n(^٧) سقط من: ر.\n(^٨) سقط من: م، ت ٢.","vol":"1","page":95},{"text":"يعني به مكتوبًا.\nوأما تأويلُ اسمِه الذي هو ذكرٌ، فإنه مُحْتَمِلٌ معْنَيين؛ أحدُهما، أنه ذكرٌ مِن اللَّهِ جلّ ذكرُه، ذكَّر به عبادَه، فعرَّفهم فيه حدودَه وفَرائضَه وسائرَ ما أوْدَعه مِن حكمِه. والآخرُ، أنه ذِكْرٌ وشَرَفٌ وفخرٌ لمن آمَن به وصدَّق بما فيه، كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. يعني به أنه شرفٌ له ولقومِه.\n[ثم لسوَرِ القرآنِ أسماءٌ سماهن بها رسولُ اللَّهِ ﷺ] (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ الطَّيالسيُّ، قال: حدَّثنا أبو العَوّامِ، وحدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: حدَّثنا روّادُ (^٢) بنُ الجَرَّاحِ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ بَشيرٍ، جميعًا عن قتادةَ، عن أبي المَلِيحِ، عن واثلةَ بنِ الأسْقَعِ، أن النبيَّ ﷺ قال: \"أُعْطِيتُ مَكانَ التَّوْراةِ السَّبْعَ الطُّوَلَ، وأُعْطِيتُ مَكانَ الزَّبُورِ المِئِينَ، وأُعْطِيتُ مَكانَ الإنجِيلِ المثَانِيَ، وفُضِّلْتُ بالمُفَصَّلِ\" (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن خالدٍ الحَذَّاءِ، عن أبي\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"داود\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٢٢٧.\n(^٣) أخرجه الطيالسي (١١٠٥)، ومن طريقه أحمد ٢٨/ ١٨٨ (١٦٩٨٢)، والطحاوي في المشكل (١٣٧٩)، والنحاس في القطع والائتناف ص ٨١، والبيهقي في الدلائل ٥/ ٤٧٥.\nوأخرجه الطبراني ٢٢/ ٧٥ (١٨٦)، والبيهقي في الشعب (٢٤٨٤) من طريق أبي العوام عمران القطان به.\nوأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١١٩، ١٢٠، والطبراني ٢٢/ ٧٦ (١٨٧)، والبيهقي (٢٤٨٥) من طريق سعيد بن بشير به.\nوذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٥٥ من رواية سعيد، وقال: هذا حديث غريب، وسعيد بن بشير فيه لين. وينظر تفسير ابن كثير تحقيق أبي إسحاق الحويني ٢/ ٤١، والسلسلة الصحيحة (١٤٨٠).","vol":"1","page":96},{"text":"قِلابةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أُعْطِيتُ السَّبْعَ الطُّوَلَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأُعْطِيتُ المثَانِيَ مَكانَ الزَّبُورِ، وأُعْطِيتُ المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وفُضِّلْتُ بالمُفَصَّلِ\" (^١). قال خالدٌ: كانوا يُسَمُّون المُفصَّلَ العربيَّ. قال خالدٌ: قال بعضُهم: ليس في العربيِّ سجدةٌ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ (^٢)، عن عمرِو بنِ أبي قيسٍ، عن عاصمٍ، عن المسيَّبِ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: الطُّوَلُ كالتوراة، والمئِونَ كالإنجيلِ، والمثَاني كالزَّبورِ، وسائرُ القرآنِ بعدُ (^٣) فضلٌ على الكتبِ (^٤).\nحدَّثنا أبو عُبَيدٍ الوَصَّابيُّ (^٥) محمدُ بنُ حفصٍ، قال: أنْبأنا [ابنُ حِمْيرٍ] (^٦)، حدَّثنا الفَزاريُّ، عن ليثِ بنِ أبي سُلَيْمٍ (^٧)، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي المَلِيحِ، عن واثلةَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه (^٨) قال: \"أعْطانِي رَبِّي مَكانَ التَّوراةِ السَّبْعَ الطُّوَلَ، ومَكانَ الإنْجِيلِ المثَانِيَ، ومَكانَ الزَّبُورِ المِئِينَ، وفَضَّلَنِي بالمُفَصَّلِ\" (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه ابن الضريس، في فضائل القرآن (١٥٧) من طريق خالد به بلفظ: وأعطيت المثاني مكان الإنجيل.\n(^٢) في ت ٢: \"سالم\".\n(^٣) في ر: \"يعد\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠١ إلى المصنف. والمسيب - هو ابن رافع - لم يلق ابن مسعود، وإنما يروى عن مجاهد ونحوه.\n(^٥) في ر: \"الوجابي\"، وفي م: \"الوصاني قال حدثنا\"، وفي ت ١: \"الوصابي قال حدثنا\". ومحمد بن حفص هو أبو عبيد الوصابي. ينظر الجرح ٧/ ٢٣٧.\n(^٦) في م: \"أبو حميد\". وهو محمد بن حمير، أبو عبد الله، أو أبو عبد الحميد. ينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ١١٦.\n(^٧) في ر: \"سلهم\". وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٢٨٢.\n(^٨) سقط من: م.\n(^٩) إسناده ضعيف؛ أبو عبيد الوصابي، قال ابن أبي حاتم: أردت قصده والسماع منه، فقال لي بعض أهل =","vol":"1","page":97},{"text":"قال أبو جعفرٍ: والسبعُ الطُّوَلُ؛ البقرةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِّساءُ، والمائدةُ، والأنْعامُ، والأعْرافُ، ويونسُ، في قولِ سعيدِ بنِ جُبيرٍ.\nحدَّثني بذلك يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ.\nوقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ قولٌ يَدُلُّ على موافقتِه قولَ سعيدٍ هذا.\nوذلك ما حدَّثنا به محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ ويحيى بنُ سعيدٍ ومحمدُ بنُ جعفرٍ وسهلُ بنُ يوسُفَ، قالوا: حدَّثنا عوفٌ، قال: حدَّثني يَزيدُ الفارسيُّ، قال: حدَّثني ابنُ عباسٍ، قال: قلتُ لعثمانَ بنِ عفانَ: ما حمَلَكم على أن عمَدْتُم إلى \"الأنفالِ\" وهي مِن المثاني، وإلى \"براءةَ\" وهي مِن المِئِينَ، فقرَنْتُم (^١) بينَهما ولم تَكْتُبوا بينهما (^٢) سطرَ: بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ، ووضَعْتُموها في السبعِ الطُّوَلِ، ما حمَلكم على ذلك؟ قال عثمانُ: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ مما يَأْتِي عليه الزمانُ وهو تُنَزَّلُ عليه السُّوَرُ ذواتُ العددِ، فكان إذا نزَل (^٣) عليه الشيءُ (^٤) دعا ببعضِ مَن كان يَكْتُبُ فيقولُ: \"ضَعُوا هؤلاء (^٥) الآيَاتِ في السُّورَةِ التي يُذْكَرُ فيها كذا\n_________\n= حمص: ليس بصدوق، ولم يدرك محمد بن حمير، فتركته. وأخرجه الطبراني في الكبير (٨٠٠٣، ٨٠٠٤) من طريق ليث به من حديث أبي أمامة. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ١٥٨: فيه ليث بن أبي سليم وقد ضعفه جماعة، ويعتبر بحديثه، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^١) في ت ٢: \"فقربتم\"، وفي ت ١: \"ففرقتم\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ر: \"أنزل\".\n(^٤) سقط من: ر.\n(^٥) في م، ت ٢: \"هذه\".","vol":"1","page":98},{"text":"وَكذا\". وكانت \"الأنفالُ\" مِن أوائلِ ما أُنزل بالمدينةِ، وكانت \"براءةُ\" مِن (^١) آخرِ القرآنِ (^٢)، وكانت (^٣) قصتُها شبيهةً بقصتِها، فظنَنْتُ أنها منها، فقُبِض رسولُ اللَّهِ ﷺ ولم يُبَيِّنْ (^٤) لنا أنها منها، فمِن أجلِ ذلك قرَنْتُ بينَهما ولم أكْتُبْ بينهما سطرَ: بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ، ووضَعْتُها (^٥) في السبعِ الطُّوَلِ (^٦).\nفهذا الخبرُ (^٧) يُنْبِئُ عن عثمانَ بنِ عفانَ، رحمةُ اللَّهِ عليه، أنه لم يكنْ تبَيَّن له أن \"الأنفالَ\" و\"براءةَ\" مِن السبعِ الطُّوَلِ، ويُصَرِّحُ عن ابنِ عباسٍ أنه لم يكنْ يَرَى ذلك منها.\nوإنما سُمِّيَت هذه السُّوَرُ (^٨) السبعَ الطُّوَلَ (^٩)؛ لطولِها على سائرِ سورِ القرآنِ.\nوأما المِئونَ، فهي ما كان مِن سُوَرِ القرآنِ عددُ آيِه مائةُ آيةٍ، أو تَزِيدُ عليها شيئًا أو\n_________\n(^١) في ص، ر: \"في\".\n(^٢) بعده في م: \"نزولًا\".\n(^٣) في ر: \"كان\".\n(^٤) في ر: \"ينهوا\".\n(^٥) في م: \"فوضعتهما\".\n(^٦) حديث منكر؛ تفرد به يزيد الفارسي، وهو في عداد المجهولين، وهو غير يزيد بن هرمز. وأخرجه الترمذي (٣٠٨٦)، وابن أبي داود في المصاحف ص ٣٠ عن محمد بن بشار به.\nوأخرجه أحمد ١/ ٤٥٩، ٤٦٠ (٣٩٩)، وعمر بن شبة في تاريخ المدينة ٣/ ١٠١٥، والنسائي في الكبرى (٨٠٠٧) من طريق يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر به.\nوأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٥٢، وأحمد ١/ ٥٢٩ (٤٩٩)، وأبو داود (٧٨٦، ٧٨٧)، وابن أبي داود ص ٣٢، وابن حبان (٤٣)، والحاكم ٢/ ٢٢١، ٣٣٠، والبيهقي ٢/ ٤٢ من طرق عن عوف به. وينظر تعليق الشيخ أحمد شاكر على المسند ١/ ٣٢٩ - ٣٣١ (٣٩٩).\n(^٧) سقط من: ر.\n(^٨) في ر: \"السورة\".\n(^٩) في ر: \"طوالا\".","vol":"1","page":99},{"text":"تَنْقُصُ منها شيئًا يسيرًا.\nوأما المثَاني، فإنها ما ثنَّى المئين فتلاها، فكان المئون لها أوائلَ، وكان المثاني لها ثوانيَ. وقد قيل: إن المثانيَ سُمِّيَت مثانيَ؛ لتثنيةِ اللَّهِ جل ذكرُه فيها الأمثالَ والخبرَ والعبرَ. وهو قولُ ابنِ عباسٍ.\nحدَّثنا بذلك أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عثمانَ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ.\nورُوِي عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ أنه كان يقولُ: إنما سُمِّيت مثانيَ؛ لأنها ثُنِّيَت فيها الفَرائضُ والحدودُ.\nحدَّثنا بذلك محمدُ بن بَشّارٍ، قال: حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ.\nوقد قال جماعةٌ يَكْثُرُ تَعْدادُهم: القرآنُ كلُّه مَثانٍ.\nوقال جماعةٌ أُخَرُ (^١): بل المثاني فاتحةُ الكتابِ؛ لأنها تُثَنَّى قراءتُها في كلِّ صلاةٍ.\nوسنَذْكُرُ أسماءَ قائلي ذلك وعللَهم، والصوابَ مِن القولِ فيما اخْتَلَفوا فيه مِن ذلك إذا انْتَهَيْنا إلى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]. إنِ [اللَّهُ شاء] (^٢) ذلك.\n_________\n(^١) في م: \"أخرى\".\n(^٢) في م: \"شاء الله\".","vol":"1","page":100},{"text":"وبمثلِ ما جاءت به الروايةُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ في أسماءِ سُوَرِ القرآنِ التي ذُكِرَت، جاء شعرُ الشعراءِ، فقال بعضُهم (^١):\nحلَفْتُ بالسبعِ اللَّواتي طُوِّلَت\nوبمِئِينَ بعدَها قد أُمْئِيَتْ\nوبمَثانٍ ثُنِّيَت فكُرِّرَت\nوبالطَّواسِينِ (^٢) التي (^٣) قد ثُلِّثَت\nوبالحَوامِيمِ اللَّواتي سُبِّعَت (^٤)\nوبالمُفَصَّلِ اللَّواتي فُصِّلَت\nقال أبو جعفرٍ: وهذه الأبياتُ تَدُلُّ على صحةِ التأويلِ الذي تأوَّلْناه في هذه الأسماءِ.\nوأما المُفَصَّلُ، فإنما (^٥) سُمِّيَت مُفَصَّلًا؛ لكثرةِ الفصولِ التي بينَ سورِها بـ \"بسم اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ\".\nثم تُسَمَّى (^٦) كلُّ سورةٍ مِن سورِ (^٧) القرآنِ سُورةً، وتُجْمَعُ سُوَرًا، على تقديرِ خُطبةٍ وخُطَبٍ، وغُرفةٍ وغُرَفٍ.\n_________\n(^١) الرجز غير منسوب في مجاز القرآن ١/ ٧، واللسان (ط س م).\n(^٢) في مصدري التخريج: \"بالطواسيم\". والطواسين والطواسيم هي طسم الشعراء، وطس النمل، وطسم القصص.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) الحواميم اللواتي سبعت: سبع سور، من سورة غافر إلى سورة الأحقاف، كلها تبدأ بـ \"حم\".\n(^٥) في م: \"فإنها\".\n(^٦) في ر: \"يسم\".\n(^٧) سقط من: م.","vol":"1","page":101},{"text":"والسورةُ بغيرِ همزٍ: المنزلةُ مِن مَنازلِ الارتفاعِ، ومِن ذلك سُورُ المدينةِ، سُمِّي (^١) بذلك الحائطُ الذي يَحْوِيها؛ لارتفاعِه على ما يَحْوِيه، غيرَ أن السُّورةَ مِن سُورِ المدينةِ لم يُسْمَعْ في جمعِها سُوَرٌ، كما سُمِع في جمعِ سورةٍ مِن القرآنِ سورٌ، قال العَجَّاجُ (^٢) في جمعِ السورةِ مِن (^٣) البناءِ:\nفرُبَّ ذي سُرادِقٍ (^٤) مَحْجُورِ\nسُرْتُ (^٥) إليه في أعالي السُّورِ\nفخرَج تقديرُ (^٦) جمعِها على تقديرِ جمعِ بُرَّةٍ وبُسْرةٍ؛ لأن [ذلك يُجْمَعُ بُرًّا وبُسْرًا] (^٧)، وكذلك لم يُسْمَعْ في جمعِ سورةٍ مِن القرآنِ سُورٌ، ولو جُمِعَت كذلك لم يكنْ خطأً في القياسِ إذا أُرِيد به جميعُ القرآنِ، وإنما ترَكوا - فيما يُرَى - جمعَه كذلك؛ لأن كلَّ جمعٍ كان بلفظِ الواحدِ المُذَكَّرِ، مثلَ بُرٍّ وشعيرٍ وقَصَبٍ وما أشبَهَ ذلك، فإن جِماعَه (^٨) [مَجرى الواحدِ] (^٩) مِن الأشياءِ غيرِه؛ لأن حكمَ الواحدِ منه منفردًا (^١٠) قلَّما يُصابُ، فجرَى جِماعُه مَجْرَى الواحدِ مِن الأشياءِ (^١١) غيرِه، ثم\n_________\n(^١) في ر: \"تسمى\".\n(^٢) في ر: \"الحجاج\". والرجز في ديوان العجاج ص ٢٢٤.\n(^٣) سقط من: ر.\n(^٤) السرادق: كل ما أحاط بشيء نحو الشقة في المضرب أو الحائط المشتمل على الشيء. اللسان (س ر د ق).\n(^٥) سُرْتُ الحائط سَورا بالفتح وتسورته: علوته. التاج (س ور).\n(^٦) في م: \"بتقدير\".\n(^٧) في م: \"جمع ذلك بر وبسر\".\n(^٨) في م: \"جماعة\".\n(^٩) في م، ت ٢: \"كالواحد\".\n(^١٠) في م: \"مفردا\".\n(^١١) سقط من: ر، ت ١.","vol":"1","page":102},{"text":"جُعِلَت الواحدةُ منه كالقطعةِ مِن جميعِه، فقيل: بُرَّةٌ وشَعِيرَةٌ وقَصَبةٌ. يُرادُ به قطعةٌ منه، ولم تكنْ سُوَرُ القرآنِ موجودةً مجتمعةً اجتماعَ البرِّ والشعيرِ وسُورِ المدينةِ؛ بل كلُّ سورةٍ منها موجودةٌ منفردةٌ بنفسِها انفرادَ كلِّ غرفةٍ مِن الغرفِ وخطبةٍ مِن الخطبِ، فجُعِل جمعُها جمعَ الغرفِ والخطبِ، المَبْنيِّ جمعُها مِن واحدِها.\nومِن الدَّلالةِ على أن معنى السُّورةِ المنزلةُ مِن الارتفاعِ قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (^١):\nألم تَرَ أن اللَّهَ أعْطاك سُورةً … تَرَى كلَّ مَلْكٍ دونَها يَتَذَبْذَبُ\nيعني بذلك أن اللَّهَ أعْطاه منزلةً مِن مَنازلِ الشرفِ التي قصَرت عنها منازلُ الملوكِ.\nوقد هَمز بعضُهم السورةَ مِن القرآنِ، وتأويلُها في لغةِ من (^٢) همَزَها، القطعةُ التي قد أُفْضِلَت مِن القرآنِ عمّا سواها وأُبْقِيَت، وذلك أن سُؤْرَ كلِّ شيءٍ البقيةُ منه تَبْقَى بعدَ الذي يُؤْخَذُ منه، ولذلك سُمِّيَت الفَضْلةُ مِن شرابِ الرجلِ يَشْرَبُه ثم يُفْضِلُها فيُبْقِيها في الإناء: سُؤْرًا. ومِن ذلك قولُ أعْشَى بني ثعلبةَ يَصِفُ امرأةً فارقَتْه فأبْقَت في قلبِه مِن وَجْدِها بقيةً (^٣):\nفبانَت وقد أسْأَرَت في الفؤا … دِ صَدْعًا على نأْيِها مُسْتَطِيرَا\nوقال الأعْشَى في مثلِ ذلك (^٤):\n_________\n(^١) ديوانه ص ٧٨.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) ديوان الأعشى ص ٩٣.\n(^٤) ديوانه ص ١٠١.","vol":"1","page":103},{"text":"بانَت وقد أسْأَرَت في النفسِ حاجتَها … بعدَ ائْتِلافٍ وخيرُ الوُدِّ ما نفَعا\nوأما الآيةُ مِن آيِ (^١) القرآنِ فإنها تَحْتَمِلُ وجهَيْن في كلامِ العربِ؛\nأحدُهما: أن تكون سُمِّيت آيةً؛ لأنها علامةٌ يُعْرَفُ بها تمامُ ما قبلَها وابتداؤُها، كالآيةِ التي تكونُ دَلالةً على الشيءِ يُسْتَدَلُّ بها عليه، كقولِ الشاعرِ (^٢):\nألِكْني إليها عَمْرَك اللهَ يا فَتَى … بآيةِ ما جاءَت إلينا تَهادَيا (^٣)\nيعني: بعلامةِ ذلك. ومنه قولُه جلّ ثناؤُه: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ﴾ [المائدة: ١١٤]. [يعْني بذلك] (^٤): علامةً منك لإجابتِك دُعاءَنا وإعْطائِك إيانا سُؤْلَنا.\nوالآخرُ منهما: القِصَّةُ، كما قال كعبُ بنُ زُهَيْرِ بنِ أبي سُلْمَى (^٥):\nألا أبْلِغا (^٦) هذا المُعَرِّضَ آيَةً (^٧) … أيَقْظانَ قال القولَ إذ قال أم حَلَمْ\nيعني بقولِه: آيةً: رسالةً مني وخبرًا عني. فيكونُ معنى الآياتِ القِصَصَ، قصةٌ تَتْلُو قصةً، بفُصولٍ ووُصولٍ.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) هو سحيم عبد بني الحسحاس، والبيت في ديوانه ص ١٩.\n(^٣) التهادي: المشي في تمايل وسكون. اللسان (هـ د ى).\n(^٤) في م: \"أي\".\n(^٥) ديوانه ص ٦٤.\n(^٦) في م: \"بلغا\".\n(^٧) في الديوان: \"أنه\". وورد على الصواب في طبقات فحول الشعراء ١/ ١٠٦. وقال الشيخ محمود شاكر: والآية بمعنى الرسالة لم تذكره كتب اللغة، ولكن شواهده لا تعد كثرة. ثم ساق الشواهد على ذلك من الشعر. وينظر تفسير الطبري بتحقيقه.","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type='title' id=toc-59>القولُ في تأويلِ أسماءِ فاتحةِ الكتابِ</span>\nقال أبو جعفرٍ: صحَّ الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بما حدَّثني به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَني ابنُ أبي ذئبٍ، عن سعيدٍ المَقبُريِّ، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، قال: \"هي أُمُّ القُرآنِ، وهي فاتحَةُ الكِتابِ، وهي السَّبْعُ المثَانِي\".\nفهذه أسماءُ فاتحةِ الكتابِ.\nوسُمِّيَت فاتحةَ الكتابِ لأنه (^١) يُفْتَتَحُ بكتابتِها المَصاحِفُ، [وبقراءتِها] (^٢) الصلواتُ (^٣)، فهي فَواتحُ لما يَتْلُوها مِن سُورِ القرآنِ في الكتابِ (^٤) والقراءةِ.\nوسُمِّيَت أمَّ القرآنِ لتقدُّمِها (^٥) على سائرِ سُوَرِ القرآنِ غيرِها وتأخُّرِ ما سواها خلفَها في القراءةِ والكتابةِ. وذلك مِن معناها شبيهٌ بمعنى فاتحةِ الكتابِ، وإنما قيل لها - لكونها كذلك -: أمُّ القرآنِ؛ لتسميةِ العربِ كلَّ جامعٍ أمرًا أو مُقَدِّمٍ لأمرٍ، إذا كانت له توابعُ تَتْبَعُه، هو لها إمامٌ جامعٌ، أُمًّا، فتقولُ للجلدةِ التي تجْمَعُ الدِّماغَ: أمُّ الرأسِ. وتُسَمِّي (^٦) لِواءَ الجيشِ ورايتَهم التي يَجْتَمِعون تحتَها للجيشِ أُمًّا، ومِن ذلك قولُ ذي الرُّمَّةِ يَصِفُ رايةً مَعْقودةً على قناةٍ يَجْتَمِعُ تحتَها هو وصحبُه (^٧):\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"لأنها\".\n(^٢) في م: \"ويقرأ بها في\".\n(^٣) في ت ٣: \"الصلاة\".\n(^٤) في م: \"الكتابة\".\n(^٥) في ص، ر: \"لتقدمتها\".\n(^٦) في ر: \"نسم\".\n(^٧) ديوان ذي الرمة ٣/ ١٤٤٥، ١٤٤٦.","vol":"1","page":105},{"text":"وأسْمَرَ قَوَّامٍ إذا نام صُحْبَتي … خفيفِ الثيابِ لا تُوارِي له أَزْرَا (^١)\nعلى رأسِه أمٌّ لنا نَقْتَدِي بها … جِماعُ أمورٍ لا نُعاصِي لها أمرَا\nإذا نزَلَت قيل انْزِلوا وإذا غدَت … غدَت ذاتَ [بِرْزيقٍ تَخالُ] (^٢) بها فَخْرَا\nيعني بقولِه: على رأسِه أمٌّ لنا. أي: على رأسِ الرمحِ رايةٌ يَجْتَمِعون لها في النزولِ والرَّحيلِ وعندَ لقاءِ العدوِّ.\nوقد قيل: إن مكةَ سُمِّيَت أمَّ القُرَى لتقدمِها أمامَ جميعِها، وجمعِها ما سواها. وقيل: إنما سُمِّيَت بذلك؛ لأن الأرضَ دُحِيَت منها، فصارت لجميعِها أمًّا. ومِن ذلك قولُ حُميدِ بنِ ثَوْرٍ الهِلاليِّ (^٣):\nإذا كانت [الخمسون أُمَّك] (^٤) لم يكن … لدائِك إلا أن تَمُوتَ طَبيبُ\nلأن الخمسين جامعةٌ ما دونها مِن العددِ، فسمَّاها أمًّا للذي قد بلَغها.\nوأما تأويلُ اسمِها أنها السبعُ، فإنها سبعُ آياتٍ، لا خلافَ بينَ الجميعِ مِن القراءِ والعلماءِ في ذلك، وإنما اخْتَلَفوا في الآيِ التي صارت بها سبعَ آياتٍ.\n_________\n(^١) الأَزر: الظهر. اللسان (أ ز ر).\n(^٢) في م: \"تزريق ننال\".\nوالبرزيق؛ والجمع البرازيق، فارسي معرب: جماعات الناس، وقيل: جماعات الخيل، وقيل: هم الفرسان. اللسان (ب ر ز ق).\n(^٣) البيت ليس لحميد بن ثور وإنما هو لأبي محمد التيمي عبد الله بن أيوب، ترجمته في الأغاني ٢٠/ ٤٤. والبيت في البيان والتبيين ٣/ ١٩٥، ومجموعة المعاني ص ١٢٤، وبهجة المجالس ٢/ ٢٣٤، ونسب فيها للتيمي، ونسبه في محاضرات الأدباء لأبي محمد التميمي ٢/ ١٤٩، ووقع في عيون الأخبار ٢/ ٣٢٢ أنه للحجاج بن يوسف التيمي.\n(^٤) في البيان والتبيين، ومجموعة المعاني، وبهجة المجالس، وعيون الأخبار: \"السبعون سنك\"، وفي محاضرات الأدباء: \"الستون سنك\".","vol":"1","page":106},{"text":"فقال عُظْمُ (^١) أهلِ الكوفةِ: صارت سبعَ آياتٍ، بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ورُوِي ذلك عن جماعةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ والتابعين.\nوقال آخَرون: بل (^٢) هي سبعُ آياتٍ، وليس منهن: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ولكن السابعةُ: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. وذلك قولُ عُظْمِ قرأةِ أهلِ المدينةِ ومُتَفقِّهيهم (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وقد بيَّنا الصوابَ مِن القولِ عندَنا في ذلك في كتابِنا \"اللطيفِ في أحكامِ شرائعِ الإسلامِ\"، بوَجيزٍ مِن القولِ، وسنَسْتَقْصِي بيانَ ذلك بحكايةِ أقوالِ المختلفين فيه مِن الصحابةِ والتابعين والمتقَدِّمِين والمتأخِّرِين في كتابِنا الأكبرِ \"في (^٤) أحكامِ شرائعِ الإسلامِ\" إنِ اللَّهُ شاء ذلك.\nوأما وصفُ النبيِّ ﷺ آياتِها السبعَ بأنهن مَثانٍ؛ فلأنها تُثَنَّى قراءتُها في كلِّ صلاةِ تَطَوُّعٍ ومكتوبةٍ، وكذلك كان الحسنُ البصرىُّ يَتَأوَّلُ ذلك.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبي رَجاءٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ عن قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]. قال: هي فاتحةُ الكتابِ. ثم سُئِل عنها وأنا أَسْمَعُ، فقرَأها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. حتى أتَى على آخرِها، فقال: تُثَنَّى في كلِّ قراءةٍ. أو قال: في كلِّ صلاةٍ. الشكُّ مِن أبي جعفرٍ.\n_________\n(^١) في م: \"أعظم\". وعظم الشيء ومعظمه: جله وأكثره. اللسان (ع ظ م).\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص: \"متقنيهم\".\n(^٤) في ر، ت ١: \"من\".","vol":"1","page":107},{"text":"والمعنى الذي قلْنا في ذلك قصَد أبو النَّجْمِ العِجْليُّ بقولِه (^١):\nالحمدُ للَّهِ الذي عافاني\nوكلَّ خيرٍ بعدَه أعْطاني\nمِن القُرَانِ ومِن المثَاني (^٢)\nوكذلك قولُ الراجزِ الآخرِ [الذي يقولُ] (^٣):\nنشَدْتُكم بمُنْزِلِ الفُرقانِ\nأمِّ الكتابِ السبعِ مِن مَثاني\nثُنِّينَ (^٤) مِن آىٍ مِن القرآنِ\nوالسبعِ سبعِ الطُّوَلِ الدَّواني\nوليس في وجوبِ (^٥) اسمِ السبعِ المثاني لفاتحةِ الكتابِ ما يَدْفَعُ صحةَ وجوبِ (^٦) اسمِ المثاني للقرآنِ كلِّه، ولِمَا ثنَّى المئِين مِن السُّورِ؛ لأنَّ لكلِّ ذلك وجهًا ومعنًى مفهومًا، لا يَفْسُدُ بتسميةِ بعضِ ذلك بالمثاني تسميةُ غيرِه بها.\nفأما وجهُ تسميةِ ما ثنَّى المئينَ مِن سورِ القرآنِ بالمثاني، فقد بيَّنا صحتَه، وسنَدُلُّ على صحةِ وجهِ تسميةِ جميعِ القرآنِ به عندَ انتهائِنا إليه، في سورةِ \"الزُّمَرِ\" إن شاء اللَّهُ تعالى.\n_________\n(^١) مجاز القرآن ١/ ٧، واللسان (ث ن ى)، من غير نسبة.\n(^٢) في مجاز القرآن واللسان:\n* رب المثاني الآي والقرآن *\nوفي اللسان: \"مثاني\". بدلا من: \"المثاني\".\n(^٣) سقط من: م. والرجز في مجاز القرآن ١/ ٧.\n(^٤) في م: \"تبين\".\n(^٥) في ص، ت ٢: \"وجوه\"، وفي م: \"وجود\".\n(^٦) في م: \"وجود\".","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-60>القولُ في تأويلِ الاستعاذةِ</span>\nتأويلُ قولِه: \"أعُوذُ\".\nوالاستعاذةُ الاستجارةُ.\nوتأويلُ قولِ القائلِ: \"أعُوذُ باللَّهِ مِن الشيطانِ\": أسْتَجِيرُ باللَّهِ دونَ غيرِه مِن سائرِ خلقِه، مِن الشيطانِ، أن يَضُرَّني في ديني، أو يَصُدَّني عن حقٍّ يَلْزَمُني لربِّي.\nتأويلُ قولِه: \"مِن الشيطانِ\". والشيطانُ في كلامِ العربِ كلُّ مُتَمَرِّدٍ مِن الجنِّ والإنسِ والدَّوابِّ وكلِّ شيءٍ. ولذلك (^١) قال ربُّنا جلّ ثناؤُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]. فجعَل مِن الإنسِ شياطينَ مثلَ الذي جعَل مِن الجنِّ.\nوقال عمرُ بنُ الخطابِ رحمةُ اللَّهِ عليه، وركِب بِرْذَوْنًا (^٢) فجعَل يَتَبَخْتَرُ به، فجعَل يَضْرِبُه فلا يَزْدادُ إلا تَبَخْتُرًا، فنزَل عنه، وقال: ما حمَلْتُموني إلا على شيطانٍ، ما نزَلْتُ عنه حتى أنْكَرْتُ نفسي.\nحدَّثنا بذلك يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن أبيه، عن عمرَ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وإنما سُمِّي المُتَمَرِّدُ مِن كلِّ شيءٍ شيطانًا؛ لمفارقةِ أخلاقِه وأفعالِه أخلاقَ سائرِ جنسِه وأفعالَه، وبُعدِه مِن الخيرِ. وقد قيل: إنه أُخِذ مِن قولِ القائل:\n_________\n(^١) في م: \"كذلك\".\n(^٢) البرذون من الخيل: ما ليس بعربي، وهو العظيم الخلقة الجافيها الغليظ الأعضاء. تاج العروس (برذن).\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣١ عن ابن وهب به. وقال: إسناده صحيح. وينظر مصنف ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٧٨، وتاريخ دمشق (ص ٢٦١ - ترجمة عمر)، طبعة الرسالة.","vol":"1","page":109},{"text":"شطَنَت دارِي مِن دارِك. يُريدُ بذلك: بَعُدَت. ومِن ذلك قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (^١):\nنأتْ بسعادَ عنكَ نَوًى شَطُونُ … فبانَت والفؤادُ بها رَهينُ\nوالنَّوَى: الوجهُ الذي نوَتْه وقصَدَتْه. والشَّطونُ: البعيدُ. فكأن الشيطانَ على هذا التأويلِ فَيْعَالٌ مِن: شَطَن. ومما يَدُلُّ على أن ذلك كذلك قولُ أميةَ بنِ أبي الصَّلْتِ (^٢):\nأَيُّمَا شاطِنٍ عَصَاه عَكاه (^٣) … ثم يُلْقَى في السِّجْنِ والأكْبالِ (^٤)\nولو كان فَعْلانَ مِن: شاط يَشِيطُ لَقال: أَيُّمَا شائطٍ. ولكنه قال: أَيُّمَا شاطنٍ؛ لأنه مِن: شَطَن يَشْطُنُ، فهو شاطنٌ.\nتأويلُ قولِه: \"الرَّجيمِ\".\nوأما الرجيمُ فهو فَعيلٌ بمعنى مفعولٍ (^٥)، كقولِ القائلِ: كفٌّ خَضيبٌ، ولحيةٌ دَهينٌ، ورجلٌ لَعينٌ. يريدُ بذلك: مخضوبةٌ، ومدهونةٌ، وملعونٌ. وتأويلُ الرجيمِ: الملعونُ المشْتومُ. وكلُّ مَشْتومٍ بقولٍ رَديءٍ أو سبٍّ فهو مَرْجُومٌ. وأصلُ الرجمِ الرَّمْيُ، بقولٍ كان أو بفعلٍ. ومِن الرجمِ بالقولِ: قولُ أبي إبراهيمَ لإبراهيمَ صلواتُ اللَّهِ عليه: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦].\nوقد يجوزُ أن يكونَ قيل للشيطانِ: رجيمٌ؛ لأن اللَّهَ جلّ ثناؤُه طرَدَه مِن سماواتِه، ورجَمه بالشُّهُبِ الثَّواقبِ.\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢٥٦.\n(^٢) ديوانه ص ٦٤.\n(^٣) عكوته في الحديد والوثاق عكوا: شددته. اللسان (ع ك و).\n(^٤) في الديوان: \"الأغلال\"، وفي نسخة منه \"الأكبال\"، وهما بمعنى.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"به\".","vol":"1","page":110},{"text":"وقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ أن أولَ ما نزَل جبريلُ [على النبيِّ ﷺ علَّمه الاستعاذةَ] (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، قال: أولُ ما نزَل جبريلُ على محمدٍ قال: يا محمدُ استعِذْ (^٢)، قُلْ: أسْتَعِيذُ بالسميعِ العليمِ مِن الشيطانِ الرجيمِ. ثم قال: قُلْ: بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ. ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]. قال عبدُ اللَّهِ: وهي أولُ سورةٍ أنزلها اللَّهُ على محمدٍ بلسانِ جبريلَ، فأمَره أن يَتَعَوَّذَ باللهِ دونَ خَلْقِه (^٣).\n\n<span id=\"aya-1\"></span>القولُ في تأويلِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-62>القولُ في تأويلِ قولِه (^٢): ﴿بِسْمِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه وتقدَّست أسماؤُه أدَّب نبيَّه محمدًا ﷺ بتعليمِه تقديمَ ذكرِ أسمائِه الحُسْنَى أمامَ جميعِ أفعالِه، وتقَدَّم إليه في وَصفِه بها قبلَ جميعِ مُهِمَّاتِه، وجعَل ما أدَّبه به مِن ذلك وعلَّمه إياه، منه لجميعِ خلقِه سُنَّةً يَسْتَنُّون بها، وسبيلًا يَتَّبِعونه عليها، في (^٤) افتتاحِ أوائلِ مَنْطِقِهم، وصدورِ رسائلِهم وكتبِهم وحاجاتِهم، حتى أغْنَت دلالةُ ما ظهَر مِن قولِ القائلِ: ﴿بِسْمِ\n_________\n(^١) في ص: \"ﷺ بالاستعاذة\".\n(^٢) سقط من: م، ت ٢.\n(^٣) ذكره السيوطي في تدريب الراوي ١/ ٦٢ عن بشر بن عمارة، وعزاه إلى المصنف.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥، ٢٦ (١، ٤، ٦)، والواحدي في أسباب النزول ص ١٠ من طريق أبي كريب به.\nوقال ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٩: وهذا الأثر غريب، وإنما ذكرناه ليعرف، فإن في إسناده ضعفا وانقطاعا.\n(^٤) في ص، ت ٢: \"فيه\".","vol":"1","page":111},{"text":"اللَّهِ﴾. على ما بطَن مِن مرادِه الذي هو محذوفٌ.\nوذلك أن الباءَ مِن: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. مُقْتَضِيةٌ فعلًا يكونُ لها جالبًا، ولا فعلَ معها ظاهرٌ، فأغْنَت سامعَ القائلِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. معرفتُه بمرادِ قائلِه من إظهارِ قائلِ ذلك مُرادَه قولًا؛ إذ كان كلُّ ناطقٍ به عندَ افتتاحِه أمرًا قد أحْضَر مَنْطِقَه به - إمَّا معه، وإمَّا قبلَه بلا فصلٍ - ما قد أغْنَى سامِعَه مِن دَلالةٍ شاهدةٍ على الذي مِن أجلِه افْتَتَح قِيلَه به، فصار استغناءُ سامعِ ذلك منه عن إظهارِ ما حذَف منه، نظيرَ استغنائِه إذا سمِع قائلًا قيل له: ما أكَلْتَ اليومَ؟ فقال: طعامًا. عن أن يُكَرِّرَ المسئولُ مع قولِه: طعامًا: أكَلْتُ. لما قد ظهَر لديه مِن الدلالةِ على أن ذلك معناه بتقدُّمِ مسألةِ السائلِ إياه عما أكَل. فمعقولٌ إذن أن (^١) القائلَ إذا قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ثم افْتَتَح تاليًا سورةً، أن إتْباعَه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. تلاوةَ السورةِ، مُنْبِئٌ (^٢) عن معنى قولِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ومفهومٌ به أنه مُرِيدٌ بذلك: أقْرَأُ بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ. وكذلك قولُه: باسمِ اللَّهِ. عندَ نُهوضِه للقيامِ أو عندَ قعودِه وسائرِ أفعالِه، يُنْبئُ (^٣) عن معنى مرادِه بقولِه: باسمِ اللَّهِ. وأنه أراد بقِيلِه: باسمِ اللَّهِ: أقُومُ باسمِ اللَّهِ، وأقْعُدُ باسمِ اللَّهِ. وكذلك سائرُ الأفعالِ.\nوهذا الذي قلْنا في تأويلِ ذلك هو معنى قولِ ابنِ عباسٍ الذي حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو\n_________\n(^١) بعده في م: \"قول\".\n(^٢) في ص، ر، ت ١: \"مبنى\" وفي م: \"ينبئ\".\n(^٣) في ص: \"يكنى\". وفي ر: \"تنبئ\".","vol":"1","page":112},{"text":"رَوْقٍ، عن الضَّحّاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ قال: إن أولَ ما نزَل به جبريلُ على محمدٍ ﷺ، قال: يا محمدُ، قُلْ: أسْتَعِيذُ بالسميعِ العليمِ مِن الشيطانِ الرجيمِ. ثم قال: قُلْ: بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ. قال: قال له جبريلُ (^١): بسمِ اللَّهِ يا محمدُ. يقولُ: اقْرَأْ بذكرِ اللَّهِ ربِّك، وقمْ واقْعُدْ بذكرِ اللَّهِ.\nقال أبو جعفرٍ: فإن قال لنا قائلٌ: فإن كان تأويلُ قولِ اللَّهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. ما وصَفْتَ، والجالبُ الباءَ في: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. ما ذكرتَ، فكيف قيل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. بمعنى: أقْرَأُ باسمِ اللَّهِ. أو: أقُومُ [باسمِ اللَّهِ] (^٢). أو: أقْعُدُ باسمِ اللَّهِ؟ وقد علمتَ أن كلَّ قارئٍ كتابَ اللَّهِ، فبعونِ اللَّهِ وتوفيقِه قراءتُه، وأن كلَّ قائمٍ أو قاعدٍ أو فاعلٍ فعلًا، فباللَّهِ قيامُه وقعودُه وفعلُه؟ وهلَّا - إذ كان ذلك كذلك - قيل: باللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ. ولم يُقَلْ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. فإن قولَ القائلِ: أقُومُ وأقْعُدُ باللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ. أو: أقْرَأُ باللَّهِ. أوضحُ معنًى لسامعِه مِن قولِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. إذ كان قولُه: أقُومُ، أو (^٣): أقْعُدُ باسمِ اللَّهِ. يُوهِمُ سامعَه أن قيامَه وقعودَه بمعنًى غيرِ اللَّهِ.\nقيل له وباللَّهِ التوفيقُ: إن المقصودَ إليه مِن معنى ذلك غيرُ ما توهَّمْتَه في نفسِك، وإنما معنى قولِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾: أبْدَأُ بتسميةِ اللَّهِ وذِكْرِه قبلَ كلِّ شيءٍ. أو: أقْرَأُ بتسميتِه (^٤). أو: أقُومُ وأقْعُدُ بتَسْميتِي اللَّهَ وذكرِه. [لا أنه] (^٥) يعني\n_________\n(^١) بعده في م: \"قل\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"و\".\n(^٤) في ر، م: \"بتسمية الله\".\n(^٥) في ص: \"إلا أنه\"، وفي ر: \"لأنه\".","vol":"1","page":113},{"text":"بقيلِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾: أقُومُ باللَّهِ. أو: أقْرَأُ باللَّهِ. فيَكُونَ قولُ القائلِ: أقْرَأُ باللَّهِ. أو: أقومُ. أو: أقعدُ باللَّهِ. أولى بوجهِ الصوابِ في ذلك مِن قولِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾.\nفإن قال: فإن كان الأمرُ في ذلك على ما وصَفْتَ، فكيف قيل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. وقد علمتَ أن الاسمَ اسمٌ، وأن التسميةَ مصدرٌ مِن قولِك: سمَّيت؟.\nقيل: إن العربَ قد تُخْرِجُ المصادرَ مُبْهَمةً على أسماءٍ مختلفةٍ، كقولِهم: أكرَمْتُ فلانًا كرامةً. وإنما بناءُ مصدرِ \"أفعلتُ\" - إذا أُخْرِج على فعلِه - الإفعالُ. وكقولِهم: أهَنْتُ فلانًا هَوانًا، وكلَّمْتُه كلامًا. وبناءُ مصدرِ \"فعَّلْتُ\" التَّفْعيلُ. ومِن ذلك قولُ الشاعرِ (^١):\nأكُفْرًا بعدَ ردِّ الموتِ عني … وبعدَ عطائِك المائةَ الرِّتاعا\nيريدُ: إعْطاءَك.\nومنه قولُ القائلِ (^٢) الآخرِ:\nفإن كان هذا البُخْلُ منك سَجِيَّةً … لقد كنتُ في طُولِي رجاءَك أشْعَبا\nيريد: في (^٣) إطالتي رجاءَك.\nومنه قولُ الآخرِ (^٤):\n_________\n(^١) هو القطامي، والبيت في ديوانه ص ٣٧.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢. والبيت في التبيان للطوسي ١/ ٢٦. وأشعب هو الذي يضرب به المثل في الطمع.\n(^٣) سقط من: ص.\n(^٤) هو الحارث بن خالد المخزومي. ينظر الأغاني ٩/ ٢٢٦، ٢٣٤، ٢٣٥. والبيت غير منسوب في أمالي الشجري ١/ ١٠٧.","vol":"1","page":114},{"text":"أظُلَيْمَ (^١) إن مُصابَكم رجلًا … أهْدَى السلامَ تحيةً ظُلْمُ\nيُريدُ: إصابتَكم.\nوالشواهدُ في هذا المعنى تَكْثُرُ، وفيما ذكَرْنا كفايةٌ لمن وُفِّق لفهمِه.\nفإذ (^٢) كان [الأمرُ على ما] (^٣) وصَفْنا مِن إخراجِ العربِ مصادرَ الأفعالِ على غيرِ بناءِ أفعالِها (^٤) كثيرًا، وكان تصديرُها إياها على مَخارجِ الأسماءِ موجودًا فاشيًا - فبَيِّنٌ (^٥) بذلك صوابُ ما قلْنا مِن التأويلِ في قولِ القائلِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. أن (^٦) معناه في ذلك عندَ ابتدائِه في فعلٍ أو قولٍ: أبْدَأُ بتسميةِ اللَّهِ قبلَ فعلي أو قبلَ قولي. وكذلك معنى قولِ القائلِ عندَ ابتدائِه بتلاوةِ القرآنِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. إنما معناه: أقْرَأُ مُبْتَدئًا بتسميةِ اللَّهِ. أو: أبْتَدِئُ قراءتي بتسميةِ اللَّهِ. فجُعِل الاسمُ مكانَ التسميةِ، كما جُعِل الكلامُ مكانَ التكليمِ، والعطاءُ مكانَ الإعْطاءِ.\nوبمثلِ الذي قلْنا مِن التأويلِ في ذلك رُوِي الخبرُ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحّاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، قال: أولُ ما نزلَ به (^٧) جبريلُ على محمدٍ ﷺ، قال: يا محمدُ، قُلْ: أسْتَعِيذُ بالسميعِ العليمِ مِن الشيطانِ الرجيمِ. ثم\n_________\n(^١) في م: \"أظلوم\".\n(^٢) في ص: \"فإن\"، وفي م: \"فإذا\".\n(^٣) في ص: \"كما\".\n(^٤) في ص: \"أفعل لها\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢: \"تبين\".\n(^٦) سقط من: ت ٢.\n(^٧) سقط من: ر، م، ت ٢.","vol":"1","page":115},{"text":"قال: قُلْ: بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ. قال ابنُ عباسٍ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. يقولُ له جبريلُ: يا محمدُ، اقْرَأْ بذكرِ اللَّهِ ربِّك، وقُمْ واقْعُدْ بذكرِ اللَّهِ.\nوهذا التأويلُ مِن ابنِ عباسٍ يُنْبِئُ عن صحةِ ما قلنا، مِن أنه مُرادٌ (^١) بقولِ القائلِ مُفْتَتِحًا قراءتَه بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. أقْرَأُ بتسميةِ اللَّهِ وذكرِه، وأفْتَتِحُ القراءةَ بتسميةِ اللَّهِ بأسمائِه الحسنَى وصفاتِه العُلَى - ويُوضِّحُ (^٢) فسادَ قولِ مَن زعَم أن معنى ذلك مِن قائلِه: باللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ أولُ (^٣) كلِّ شيءٍ. مع أن العبادَ إنما أُمِروا أن يَبْتَدِئوا عندَ فَواتحِ أمورِهم بتسميةِ اللَّهِ، لا بالخبرِ عن عظمتِه وصفاتِه، كالذي أُمِروا به مِن التسميةِ على الذَّبائحِ والصيدِ، وعندَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، وسائرِ أفعالِهم. فكذلك الذي أُمِروا به مِن تسميتِه عندَ افْتِتاحِ تلاوةِ تَنْزيلِ اللَّهِ، وصدورِ رسائلِهم وكتبِهم.\nولا خلافَ بينَ الجميعِ مِن علماءِ الأمةِ أن قائلًا لو قال عندَ تذكيتِه بعضَ بَهائمِ الأنعامِ: باللَّهِ. ولم يقلْ: باسمِ اللَّهِ. أنه مُخالفٌ بتركِه قيلَ: باسمِ اللَّهِ. ما سُنّ له عندَ التذكيةِ من القولِ، فقد عُلم بذلك أنه لم يُرِدْ بقولِه: باسمِ اللَّهِ: باللَّهِ. كما قال الزاعمُ أن اسمَ اللَّه في قولِ اللَّهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. هو اللَّهُ؛ لأن ذلك لو كان كما زعَم، لَوجَب أن يكونَ القائلُ عندَ تذكيتِه ذبيحتَه: باللَّهِ. قائلًا ما سُنَّ له مِن القولِ على\n_________\n(^١) في م: \"يراد\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"في\".","vol":"1","page":116},{"text":"الذَّبيحةِ. وفي إجماعِ الجميعِ على أن قائلَ ذلك تاركٌ ما سُنَّ له مِن القولِ على ذبيحتِه إذا لم يَقُلْ: باسمِ اللَّهِ - دليلٌ واضحٌ على فسادِ ما ادَّعَى مِن التأويلِ في قولِ القائلِ: باسمِ اللَّهِ. أنه مرادٌ به باللَّهِ، وأن اسمَ اللَّهِ هو اللَّهُ.\nوليس هذا الموضعُ مِن مَواضعِ الإكثارِ في الإبانةِ عن الاسمِ؛ أهو المُسَمَّى أم غيرُه؟ أم هو صفةٌ له؟ فنُطِيلَ الكتابَ بذكْرِه، وإنما هذا موضعٌ مِن مَواضعِ الإبانةِ عن الاسمِ المضافِ إلى اللَّهِ - جلّ وعزّ -؛ أهو اسمٌ أم مصدرٌ بمعنى التسميةِ؟\nفإن قال لنا قائلٌ: فما أنت قائلٌ في بيتِ لَبيدِ بنِ رَبيعةَ (^١):\nإلى الحَوْلِ ثم اسمُ السلامِ عليكما … ومَن يَبْكِ حولًا كاملًا فقد اعْتَذَر\nفقد تأوَّله مُقَدَّمٌ في العلمِ بلغةِ العربِ أنه مَعْنِيٌّ به: ثم السلامُ عليكما. وأن اسمَ السلامِ هو السلامُ (^٢).\nقيل له: لو جاز ذلك وصحَّ تأويلُه فيه على ما تأوَّل، لجَاز أن يقالَ: رأيْتُ اسمَ زيدٍ، وأكلتُ اسمَ الطعامِ، وشرِبْتُ اسمَ الشرابِ. وفي إجماعِ جميعِ العربِ على إحالةِ ذلك، ما يُنْبِئُ عن فسادِ تأويلِ من تأوَّل قولَ لبيدٍ:\n* ثم اسمُ السلامِ عليكما *\nأنه أراد: ثم السلامُ عليكما. و(^٣) ادِّعائِه أن إدخالَ الاسمِ في ذلك وإضافتَه إلى\n_________\n(^١) شرح ديوان لبيد ص ٢١٤.\n(^٢) الذي تأوله كذلك هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ١٦.\n(^٣) في ص، ر: \"أو\".","vol":"1","page":117},{"text":"السلامِ، إنما جاز إذ كان اسمُ المُسَمَّى هو المُسَمَّى بعينِه.\nويُسألُ القائلون قولَ مَن حكَيْنا قولَه هذا، فيقالُ لهم: أتَسْتَجِيزون في العربيةِ أن يقالَ: أكَلْتُ اسمَ العسلِ. يعني بذلك: أكَلْتُ العسلَ. كما جازَ عندَكم: اسمُ السلامِ عليك (^١). وأنتم تُريدون: السلامُ عليك (^١)؟\nفإن قالوا: نعم. خرَجوا مِن لسانِ العربِ، وأجازوا في لغتِها (^٢) ما تُخَطِّئُه جميعُ العربِ في لغتِها. وإن قالوا: لا. سُئِلوا الفرقَ بينَهما، فلن يَقُولوا في أحدِهما قولًا إلا أُلْزِموا في الآخرِ مثلَه.\nفإن قال لنا قائلٌ: فما معنى قولِ لبيدٍ هذا عندَك؟\nقيل له: يَحْتَمِلُ ذلك وجهين، كلاهما غيرُ الذي قاله مَن حكَيْنا قولَه؛ أحدُهما: أن السلامَ اسمٌ مِن أسماءِ اللَّهِ، فجائزٌ أن يكونَ لبيدٌ عنَى بقولِه:\n* ثم اسمُ السلامِ عليكما *\n: ثم الْزَما اسمَ اللَّهِ وذِكْرَه بعدَ ذلك، ودَعَا ذِكْري والبكاءَ عليَّ. على وجهِ الإغْراءِ. فرفَع الاسمَ إذ (^٣) أخَّر الحرفَ الذي يَأْتي بمعنى الإغراءِ. وقد تَفْعَلُ العربُ ذلك إذا أخَّرَت الإغراءَ وقدَّمَت المُغْرَى به، وإن كانت قد تَنْصِبُ به وهو مُؤَخَّرٌ، ومِن ذلك قولُ الشاعرِ (^٤):\n_________\n(^١) في ص: \"عليكم\".\n(^٢) في ر: \"لغاتها\".\n(^٣) في م: \"إذا و\".\n(^٤) الرجز في أمالي القالي ٢/ ٢٤٤، وخزانة الأدب ٦/ ٢٠٠.","vol":"1","page":118},{"text":"يا أيُّها المائحُ (^١) دَلْوِي دونَكا\nإني رأيْتُ الناسَ يَحْمَدُونكا\nفأغْرَى بـ \"دونك\" وهي مُؤخَّرةٌ، وإنما معناه: دونَك دلوِي. فكذلك قولُ لبيدٍ:\n* إلى الحولِ ثم اسمُ السلامِ عليكما *\nيعني: ثم (^٢) عليكما اسمَ السلامِ. أي: الْزَما ذكرَ اللَّهِ، ودَعَا ذِكْرِي والوَجْدَ بي؛ لأن مَن بكَى حولًا على امرئٍ ميتٍ فقد اعْتَذَر. فهذا أحدُ وجهيه.\nوالوجهُ الآخرُ منهما: ثم تَسْمِيتي اللَّهَ عليكما. كما يقولُ القائلُ للشيءِ يَراه فيُعْجِبُه: اسمُ اللَّهِ عليك. يُعَوِّذُه بذلك مِن السُّوءِ، فكأنه قال: ثم اسمُ اللَّهِ عليكما مِن السُّوءِ. وكأنَّ الوجهَ الأولَ أشبهُ المعْنَيَيْن بقولِ لبيدٍ.\nويُقالُ لمن وجَّه بيتَ لبيدٍ هذا إلى أن معناه: ثم السلامُ عليكما. أتَرَى ما قلْنا مِن هذين الوجهَيْن جائزًا، أو أحدَهما، أو غيرَ ما قلتَ فيه؟ فإن قال: لا. أبان مِقْدارَه مِن العلمِ بتَصاريفِ وجوهِ كلامِ العربِ، وأغْنَى خَصمَه عن مناظرتِه. وإن قال: بلى. قيل له: فما بُرهانُك على صحةِ ما ادَّعَيْتَ مِن التأويلِ أنه الصوابُ دونَ الذي ذكَرْتُ أنه مُحْتَمِلُه مِن الوجهِ الذي يَلْزَمُنا تسليمُه لك؟ ولا سبيلَ إلى ذلك.\nوأما الخبرُ الذي حدَّثنا إسماعيلُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ العَلاءِ بنِ الضَّحّاكِ [وهو يُلَقَّبُ بِزِبْرِيقٍ] (^٣)، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن إسماعيلَ بنِ\n_________\n(^١) المائح: الرجل ينزل إلى قرار البئر إذا قل ماؤها، فيملأ الدلو بيده ويميح أصحابه. اللسان (م ي ح) والرجز فيه.\n(^٢) زيادة من: ر.\n(^٣) سقط من: م، ت ٢، وفي ر، ت ١: \"وهو يلقب بابن برفق\"، والمثبت من: ص. وينظر تهذيب الكمال ٢/ ١٦١، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٣، ونزهة الألباب للحافظ ١/ ٣٣٨.","vol":"1","page":119},{"text":"يحيى، عن ابنِ أبي مُلَيْكةَ، عمَّن حدَّثه، عن ابنِ مسعودٍ، ومِسْعَرِ بنِ كِدَامٍ، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِنَّ عِيسى ابنَ مَرْيَمَ أَسْلَمَتْهُ أُمُّهُ إلى الكُتَّابِ لِيُعَلِّمَه، فقال لَه المُعَلِّمُ: اكتُبْ باسمِ. فقال له عِيسَى: وما باسمِ؟ فقال له المُعلِّمُ: مَا أَدْرِي، فَقَالَ له (^١) عيسى: الباءُ بَهاءُ اللَّهِ، والسينُ سَناؤُهُ، والميمُ مَمْلَكَتُه\" (^٢).\nفأخْشَى أن يكونَ غلطًا مِن المُحَدِّثِ، وأن يكونَ أراد [ب س م] على سبيلِ ما يُعَلَّمُ المُبْتَدِئُ مِن الصِّبيانِ في الكُتابِ حروفَ [أبي جاد] (^٣)، فغلِط بذلك فوصَله، فقال: باسمِ. لأنه لا معنَى لهذا التأويلِ إذا تُلِي: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. على ما يَتْلُوه القارئُ في كتابِ اللَّهِ تعالى؛ لاستحالةِ معناه عن المفهومِ به عندَ جميعِ العربِ وأهلِ لسانِها، إذا حُمِل تأويلُه على ذلك.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١.\n(^٢) حديث موضوع. أخرجه ابن عدي ١/ ٢٩٩ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ١٤/ ٣٩ (مخطوط)، وابن الجوزي في الموضوعات ١/ ٢٠٣ - من طريق إبراهيم بن العلاء به.\nوأخرجه ابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير ١/ ٣٣، وتدريب الراوي ١/ ٦١ - وابن عساكر ١٤/ ٣٩ من طريق إسماعيل بن عياش به. وعند ابن مردويه بالإسناد الثاني فقط.\nوأخرجه ابن حبان في المجروحين ١/ ١٢٦، ١٢٧، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ٢٥١ - ومن طريقه ابن الجوزي ١/ ٢٠٣، ٢٠٤ - من طريق إبراهيم بن العلاء به بالإسناد الثاني.\nوإسماعيل بن يحيى كذاب. وقال ابن عدي: حديث باطل. وقال ابن الجوزي: حديث موضوع محال. وقال ابن كثير: غريب جدًّا، وقد يكون صحيحًا إلى من دون رسول الله ﷺ، ويكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات. واللَّه أعلم. وسيأتي هذا الحديث في ص ١٢٣، ١٢٦.\nورُوي نحوه من قول سعيد بن جبير. أخرجه ابن المنذر بإسناد صحيح، كما في الدر المنثور ٢/ ٢٥.\nوعن الضحاك نحوه. أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥ (٢).\n(^٣) هذه الكلمة يعني بها الأحرف الأبجدية \"أبجد هوز حطي … \" إلخ.","vol":"1","page":120},{"text":"القولُ في تأويلِ قولِ اللَّهِ جل ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿اللَّهِ﴾.\nقال أبو جعفرٍ: أما تأويلُ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿اللَّهِ﴾. فإنه على معنى ما رُوِي لنا عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ: هو الذي يَأْلَهُه (^١) كلُّ شيءٍ، ويَعْبُدُه كلُّ خلقٍ. وذلك أن أبا كُرَيْبٍ حدَّثنا، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحّاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، قال: اللَّهُ ذو الأُلوهيةِ والعبوديةِ على خلقِه أجمعين (^٢).\nفإن قال لنا قائلٌ: فهل لذلك في \"فعَل ويَفْعَل\" أصلٌ كان منه (^٣) بناءُ هذا الاسمِ؟ قيل: أمَّا سماعًا مِن العربِ فلا، ولكن استدلالًا.\nفإن قال: وما دلَّ على أن الأُلوهيةَ هي العبادةُ، وأن الإلهَ هو المعبودُ، وأن له أصلًا في \"فعَل ويَفْعَل\"؟\nقيل: لا تَمانُعَ بينَ العربِ في الحكمِ لقولِ القائلِ، يَصِفُ رجلًا بعبادةٍ، ويَطْلُبُ ما (^٤) عندَ اللَّهِ جل ذكرُه: تألَّه فلانٌ. بالصحةِ، ولا خلافَ. ومِن ذلك قولُ رُؤْبةَ بنِ العَجَّاجِ (^٥):\nللَّهِ دَرُّ الغانِياتِ المُدَّهِ (^٦)\n_________\n(^١) في ص: \"يألفه\".\n(^٢) ذكره السيوطي في تدريب الراوي ١/ ٦٢ عن بشر بن عمارة به، وعزاه إلى المصنف. وعزاه في الدر المنثور ١/ ٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ر: \"فيه\".\n(^٤) في م: \"مما\".\n(^٥) ديوان رؤبة (مجموعة أشعار العرب) ص ١٦٥.\n(^٦) المُدّه، جمع الماده: وهو المادح، والتمده: التمدح. الصحاح (م د هـ) والرجز فيه.","vol":"1","page":121},{"text":"سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِن تأَلُّهي\nيعني: مِن تعَبُّدي وطلَبي اللَّهَ بعملي.\nولا شك أن التألُّهَ التفَعُّلَ مِن: ألَه يَأْلَهُ. وأن معنى ألَه - إذا نُطِق به -: عبَد اللَّهَ. وقد جاء منه مصدرٌ يَدُلُّ على أن العربَ قد نطَقَت منه بـ \"فعِل يَفْعَل\" بغيرِ زيادةٍ.\nوذلك ما حدَّثنا به سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن نافعِ بنِ (^١) عمرَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قرَأ: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ) (^٢). قال: عبادتَك. ويقولُ: إنه كان يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ (^٣).\nوحدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيَيْنةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ الحسنِ، عن ابنِ عباسٍ: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَك). قال: إنما كان فرعونُ يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ. [وكذلك كان [ابنُ عباسٍ] (^٤) يقرؤها ومجاهدٌ] (^٥).\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا [الحسين بنُ داودَ] (^٦)، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ قولَه: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ). قال:\n_________\n(^١) في ص: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٢٨٧.\n(^٢) هذه قراءة للآية ١٢٧ من سورة الأعراف، فانظرها هناك.\n(^٣) سيأتي هذا الأثر والأثر الذي بعده في سورة الأعراف فانظرها هناك.\n(^٤) في ص: \"أبو عبد الله\"، وفي م: \"عبد الله\".\n(^٥) سقط من: ت ٢.\n(^٦) في ص: \"الحسن بن واره\". وهو الحسين بن داود المصيصي، أبو على المحتسب، لقبه سنيد، وهو بلقبه أشهر. ينظر ترجمته في تهذيب الكمال ١٢/ ١٦١.","vol":"1","page":122},{"text":"وعبادتَك.\nولا شكَّ أن الإلاهةَ (^١) - على ما فسَّره ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ - مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: ألَه اللَّهَ فلانٌ إلاهةً. كما يقالُ: عبَد اللَّهَ فلانٌ عبادةً، وعبَر الرؤيا عبارةً. فقد بيَّن قولُ ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ هذا أن \"ألَه\" عبَد، وأن الإلاهةَ مصدرُه.\nفإن قال: فإن كان جائزًا أن يقالَ لمن عَبد اللَّهَ: ألَهه - على تأويلِ قولِ ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ - فكيف الواجبُ في ذلك أن يقالَ إذا أراد المُخْبِرُ [الخبرَ عن] (^٢) استيجابِ اللَّهِ ذلك على عبدِه؟\nقيل: أما الروايةُ فلا روايةَ به (^٣) عندَنا، ولكن الواجبَ على قياسِ ما جاء به الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ الذي حدَّثنا به إسماعيلُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن إسماعيلَ بنِ يحيى، عن ابنِ أبي مُلَيْكةَ، عمَّن حدَّثه، عن ابنِ مسعودٍ، ومِسْعَرِ بنِ كِدَامٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن أبي سعيدٍ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِنَّ عيسى أسْلَمَتْه أُمُّه إلى الكُتَّابِ ليُعَلِّمَه، فقال له المُعَلِّمُ: اكْتُب: اللَّه. فقال له عِيسى: أتَدْرِي ما اللَّهُ؟ اللَّهُ إلهُ الآلِهَةِ\" - أن يُقالَ: اللَّهُ جلّ ثناؤُه إلهُ العبدِ، والعبدُ ألَهه. وأن يكونَ قولُ القائلِ: اللَّهُ. مِن الكلامِ (^٤) أصلُه الإلهُ.\n_________\n(^١) في ر: \"إلاهة\".\n(^٢) في ص: \"الخبر\"، وفي ر: \"عن الخبر\".\n(^٣) سقط من: م، وفي ص: \"فيه\".\n(^٤) في م: \"كلام العرب\".","vol":"1","page":123},{"text":"فإن قال: وكيف يجوزُ أن يكونَ ذلك كذلك مع اختلافِ لفظَيْهما (^١)؟\nقيل: كما جاز أن يكونَ قولُه: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨]. أصلُه: لكنْ أنا، هو اللَّهُ ربِّي. كما قال الشاعرُ (^٢):\nوتَرْمِينَني (^٣) بالطَّرْفِ أيْ أنتَ مُذْنِبٌ … وتَقْلِينَني لكنَّا إياك لا أقْلِي\nيريدُ: لكنْ أنا إياك لا أقلي. فحذَف الهمزةَ مِن \"أنا\" فالْتَقَت نونُ \"أنا\" ونونُ \"لكن\" وهي ساكنةٌ، فأُدْغِمَت في نونِ \"أنا\" فصارتا نونًا مشددةً. فكذلك اللَّهُ، أصلُه الإلهُ، أُسْقِطَت الهمزةُ التي هي فاءُ الاسمِ، فالْتَقَت اللامُ التي هي عينُ الاسمِ واللامُ الزائدةُ التي دخَلَت مع الألفِ الزائدةِ، وهي ساكنةٌ، فأُدْغِمَت في الأُخرى التي هي عينُ الاسمِ، فصارَتا في اللفظِ لامًا واحدةً مشددةً، كما وصَفْنا مِن قولِ اللَّهِ: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-63>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وأما: ﴿الرَّحْمَنِ﴾، فهو فَعْلانُ، مِن رحِم (^٤)، و﴿الرَّحِيمِ﴾، فَعيلٌ منه، والعربُ كثيرًا ما تَبْنِي الأسماءَ مِن \"فعِل يَفْعَلُ\" على \"فَعْلانَ\"، كقولِهم مِن غضِب: غَضْبانُ. ومِن سكِر: سَكْرانُ. ومِن\n_________\n(^١) في ص: \"لفظهما\".\n(^٢) معاني القرآن ٢/ ١٤٤، وخزانة الأدب ١١/ ٢٢٥، وقال: لم أقف على تتمته وقائله، مع أنه مشهور قلما خلا منه كتاب نحوي، واللَّه أعلم.\n(^٣) في ص: \"تومينني\".\n(^٤) في ص: \"رحيم\".","vol":"1","page":124},{"text":"عطِش: عَطْشانُ. فكذلك قولُهم: رحمنُ. مِن رحِم؛ لأن \"فعِل\" (^١) منه: رحِم يَرْحَمُ.\nوقيل: رَحيمٌ. وإن كانت عينُ \"فعِل\" منه (^٢) مكسورةً، لأنه مدحٌ، ومِن شأنِ العربِ أن يَحْمِلوا أبنيةَ الأسماءِ إذا كان فيها مدحٌ أو ذمٌّ على \"فعيلٍ\"، وإن كانت عينُ \"فعل\" منها مكسورةً أو مفتوحةً، كما قالوا مِن \"علِم\": عالمٌ وعليمٌ. ومِن \"قدَر\": قادرٌ وقديرٌ. وليس ذلك منها بناءً على أفعالِها؛ لأن البناءَ مِن \"فعِل يَفْعَل\" و\"فعَل يَفْعِل\" فاعلٌ، فلو كان الرحمنُ والرحيمُ خارجَيْن على (^٣) بناءِ أفعالِهما لَكانت صورتُهما الراحمَ.\nفإن قال قائلٌ: فإذ كان الرحمنُ والرحيمُ اسمَيْن مشتقَّيْن مِن الرحمةِ، فما وجهُ تَكريرِ ذلك وأحدُهما مُؤَدٍّ عن معنَى الآخَرِ؟\nقيل له: ليس الأمرُ في ذلك كما (^٤) ظنَنْتَ، بل لكلِّ كلمةٍ منهما معنًى لا تُؤَدِّي الأخْرى منهما عنها.\nفإن قال: وما المعنى الذي انْفَرَدَت به كلُّ واحدةٍ منهما، فصارت إحداهما غيرَ مُؤَدِّيةِ المعنى عن الأخرى؟\nقيل: أما مِن جهةِ العربيةِ، فلا تَمانُعَ بينَ أهلِ المعرفةِ بلغاتِ العربِ أن قولَ القائلِ: الرحمنُ. عن أبنيةِ الأسماءِ مِن \"فعِل ويَفْعَل\" أشدُّ عدولًا مِن قولِه: الرحيمُ. ولا خلافَ مع ذلك بينَهم أن كلَّ اسمٍ كان له أصلٌ في \"فعِل\n_________\n(^١) في ص: \"فعيل\".\n(^٢) في م: \"منها\".\n(^٣) في م: \"عن\".\n(^٤) في م: \"على ما\".","vol":"1","page":125},{"text":"ويَفْعَلُ\" ثم كان عن أصلِه من \"فعِل ويَفْعَلُ\" أشدَّ عدولًا، أن الموصوفَ به مُفَضَّلٌ على الموصوفِ بالاسمِ المبنيِّ على أصلِه مِن \"فعُل ويَفْعُل\" إذا كانت التسميةُ به مدحًا أو ذمًّا، فهذا ما في قولِ القائلِ: الرحمنُ. مِن زيادةِ المعنى على قولِه: الرحيمُ. في اللغةِ.\nوأما مِن جهةِ الأثرِ والخبرِ، ففيه بينَ (^١) أهلِ التأويلِ اختلافٌ (^٢)؛ فحدَّثني السَّرِيُّ بنُ يحيى التَّمِيميُّ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ زُفَرَ، قال: سمِعْتُ العَرْزميَّ (^٣) يقولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال: الرحمنُ بجميعِ الخلقِ، الرحيمُ، قال: بالمؤمنين (^٤).\nحدَّثنا إسماعيلُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن إسماعيلَ بنِ يحيى، عن ابنِ أبي مُلَيْكةَ، عمَّن حدَّثه، عن ابنِ مسعودٍ، ومِسْعَرِ بنِ كِدَامٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إنَّ عيسى ابنَ مَرْيَمَ قال: الرَّحْمَنُ رحمنُ الآخِرَةِ والدُّنيا، والرَّحِيمُ رَحِيمُ الآخِرَةِ\".\nفهذان الخبران قد أنبأا عن فرقِ ما بينَ تسميةِ اللَّهِ جل ثناؤُه باسمِه الذي هو رحمنٌ، وتسميتِه باسمِه الذي هو رحيمٌ، واختلافِ مَعْنَيَيِ (^٥) الكلمتين، وإن اخْتَلَفا\n_________\n(^١) في ص: \"عن\".\n(^٢) في ص: \"إخلاف\".\n(^٣) في م: \"العزرمي\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٦ عن المصنف. وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨ (٢٠) عن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد اللَّه بن أبي سليمان العرزمي، عن أبيه، عن جويبر، عن الضحاك مثله. ومحمد وأبوه وجويبر ضعفاء.\n(^٥) في م: \"معنى\".","vol":"1","page":126},{"text":"في معنى ذلك الفرقِ، فدلّ أحدُهما على أن ذلك في الدنيا، ودلَّ الآخرُ على أنه في الآخرةِ.\nفإن قال: فأيُّ هذين التأويلَيْن أولى عندَك بالصحةِ؟\nقيل: لجميعِهما عندَنا في الصحةِ مَخْرَجٌ، فلا وجهَ لقولِ قائلٍ: أيُّهما أولى بالصحةِ؟ وذلك أن المعنى الذي في تسميةِ اللَّهِ بالرحمنِ، دونَ الذي في تسميتِه بالرحيمِ، هو أنه بالتسميةِ بالرحمنِ موصوفٌ بعمومِ الرحمةِ جميعَ خلقِه، وأنه بالتسميةِ [بالرحيمِ موصوفٌ] (^١) بخصوصِ الرحمةِ بعضَ خلقِه، إمَّا في كلِّ الأحوالِ، وإمَّا في بعضِ الأحوالِ، فلا شكَّ - إذ كان ذلك كذلك - أن ذلك الخصوصَ الذي في وصفِه بالرحيمِ لا يَسْتَحِيلُ عن معناه، في الدنيا كان ذلك أو في الآخرةِ، أو فيهما جميعًا.\nفإذ كان صحيحًا ما قلنا مِن ذلك، وكان اللَّهُ جل ثناؤُه قد خصَّ عبادَه المؤمنين في عاجلِ الدنيا بما لطَف لهم (^٢) مِن توفيقِه إياهم لطاعتِه، والإيمانِ به وبرسلِه، واتباعِ أمرِه واجتنابِ مَعاصيه، مما خُذِل عنه مَن أشْرَك به وكفَر، وخالفَ ما أُمِر به، وركِب معاصيَه، وكان مع ذلك قد جعَل جل ثناؤُه ما أعَدَّ في آجلِ الآخرةِ في جنانِه مِن النعيمِ المقيمِ، والفوزِ المبينِ، لمَن آمَن به، مِن رحمتِه في الدنيا والآخرةِ، مع ما قد عمَّهم به والكفارَ في الدنيا، مِن الإفضالِ والإحسانِ إلى جميعِهم؛ في البَسْطِ في الرزقِ، وتَسْخيرِ السحابِ بالغَيْثِ، وإخراجِ النباتِ مِن الأرضِ، وصحةِ الأجْسامِ والعقولِ، وسائرِ النِّعَمِ التي لا تُحْصَى، التي يَشْتَرِكُ فيها المؤمنون والكافرون، فربُّنا جل ثناؤُه رحمنُ\n_________\n(^١) في ر: \"بالرحمن مخصوص\".\n(^٢) في م: \"بهم\".","vol":"1","page":127},{"text":"جميعِ خلقِه في الدنيا والآخرةِ، ورحيمُ المؤمنين خاصةً في الدنيا والآخرةِ.\nفأما الذي عمَّ جميعَهم به في الدنيا مِن رحمتِه فكان رحمانًا (^١) لهم به، فما ذكَرْنا مع نظائرِه التي لا سبيلَ إلى إحصائِها لأحدٍ مِن خلقِه، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤، والنحل: ١٨]. وأما في الآخرةِ، فالذي عمَّ جميعَهم به فيها مِن رحمتِه فكان لهم رحمانًا، في (^٢) تسويتِه بينَ جميعِهم جل ذكرُه في عدلِه وقضائِه، فلا يَظْلِمُ أحدًا منهم مثقالَ ذرةٍ، وإن تكُ حسنةً يضاعفْها (^٣)، ويُوَفِّي (^٤) كلَّ نفسٍ ما كسَبَت، فذلك معنى عمومِه في الآخرةِ جميعَهم برحمتِه الذي كان به رحمانًا في الآخرةِ.\nوأما ما خصَّ به المؤمنين في عاجلِ الدنيا مِن رحمتِه الذي كان به رحيمًا لهم فيها، كما قال جل ذكرُه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. فما وصَفْنا مِن اللُّطْفِ لهم في دينِهم، فخصَّهم به دونَ مَن خذَله مِن أهلِ الكفرِ به. وأما ما خصَّهم به في الآخرةِ فكان به رحيمًا لهم دونَ الكافرين، فما وصَفْنا آنفًا (^٥) مما أعَدَّ لهم دونَ غيرِهم مِن النعيمِ والكرامةِ التي تَقْصُرُ عنها الأمانيُّ.\nوأما القولُ الآخرُ في تأويلِه فهو ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، قال: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ الفعلانُ مِن الرحمةِ - وهو مِن كلامِ العربِ.\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ر، ت ٢: \"رحمن\". وهذه الكلمة تجيء تارة في بعض المخطوطات مصروفة وتارة غير مصروفة والوجهان جائزان، كما نبه على ذلك أبو حيان في أول البحر المحيط، وقد اخترنا صرفها فيما يأتي من مواضع.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) بعده في م: \"ويؤت من لدنه أجرا عظيما\".\n(^٤) في ص: \"توفي\"، وغير منقوطة في ر.\n(^٥) في ر: \"أيضًا\".","vol":"1","page":128},{"text":"قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: الرقيقُ الرفيقُ بمَن أحَبَّ أن يَرْحَمَه، والبعيدُ الشديدُ على مَن أحَبَّ أن يَعْنُفَ عليه، وكذلك أسماؤُه كلُّها (^١).\nوهذا التأويلُ مِن ابنِ عباسٍ يَدُلُّ على أن الذي به ربُّنا رحمنٌ، هو الذي به رحيمٌ، وإن كان لقولِه: ﴿الرَّحْمَنِ﴾. مِن المعنى ما ليس لقولِه: ﴿الرَّحِيمِ﴾. لأنه جعَل معنى الرحمنِ بمعنى الرَّقيقِ (^٢) على مَن رقَّ عليه، ومعنى الرحيمِ بمعنى الرَّفيقِ بمَن رفَق به.\nوالقولُ الذي روَيْناه في تأويلِ ذلك عن النبيِّ ﷺ، وذكَرْناه عن العرْزَميِّ (^٣)، أشبهُ بتأويلِه مِن هذا القولِ الذي روَيْناه عن ابنِ عباسٍ. وإن كان هذا القولُ مُوافقًا معناه معنى ذلك، في أن للرحمنِ مِن المعنى ما ليس للرحيمِ، وأن للرحيمِ تأويلًا غيرَ تأويلِ الرحمنِ.\nوالقولُ الثالثُ في تأويلِ ذلك ما حدَّثني به عِمرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلَاعيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنا أبو الأزهرِ نصرُ بنُ عمرٍو اللَّخْميُّ مِن أهلِ فِلَسْطينَ، قال: سمِعْتُ عطاءً الخُراسانيَّ يقولُ: كان الرحمنَ، فلما اختُزِل الرحمنُ مِن اسمِه، كان الرحمنَ الرحيمَ (^٤).\nوالذي أراد، إن شاء اللَّهُ، عطاءٌ بقولِه هذا، أن الرحمنَ كان مِن أسماءِ اللَّهِ التي لا يَتَسَمَّى بها أحدٌ مِن خلقِه، فلما تسَمَّى به الكذابُ مُسَيْلِمةُ - وهو اخْتِزالُه إياه، يعني اقْتِطاعَه مِن أسمائِه لنفسِه - أخْبَر اللَّهُ جل ثناؤُه أن اسمَه الرحمنُ الرحيمُ؛\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٧ عن هذا الموضع.\n(^٢) في ص: \"الرفيق\".\n(^٣) في م: \"العزرمي\". وقد تقدم قوله في ص ١٢٦.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٩ إلى المصنف. وينظر الفتح ٨/ ١٥٥.","vol":"1","page":129},{"text":"ليَفْصِلَ بذلك لعبادِه اسمَه مِن اسمِ مَن قد تسَمَّى بأسمائِه، إذ كان لا يُسَمَّى أحدٌ الرحمنَ الرحيمَ - فيُجْمَعَ له هذان الاسمان - غيرُه جل ذكرُه. وإنما يتسَمَّى (^١) بعضُ خلقِه إما رحيمًا أو يتَسَمَّى رحمانًا، فأما رحمنٌ رحيمٌ، فلم يَجْتَمِعا قطُّ لأحدٍ سواه، ولا يُجْمَعان لأحدٍ غيرِه، فكأن معنى قولِ عطاءٍ هذا، أن اللَّهَ جل ثناؤُه إنما فصَل بتكريرِ الرحيمِ على الرحمنِ، بينَ اسمِه واسمِ غيرِه مِن خلقِه، اخْتَلَف معناهما أو اتَّفَقا.\nوالذي قال عطاءٌ مِن ذلك غيرُ فاسدِ المعنى؛ بل جائزٌ أن يكونَ جل ثناؤُه خصَّ نفسَه بالتسميةِ بهما معا مُجْتمعَيْن، إبانةً لها مِن خلقِه؛ ليُعَرِّفَ عبادَه بذكرِهما مجموعَيْن أنه المقصودُ بذكرِهما دونَ مَن سواه مِن خلقِه، مع ما في تأويلِ كلِّ واحدٍ منهما مِن المعنى الذي ليس في الآخَرِ منهما.\nوقد زعَم بعضُ أهلِ الغَباءِ أن العربَ كانت لا تَعْرِفُ الرحمنَ، ولم يكنْ ذلك في (^٢) لغتِها، ولذلك قال المشركون للنبيِّ ﷺ: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان: ٦٠]. إنكارًا منهم لهذا الاسمِ. فكأنه كان (^٣) مُحالًا عندَه أن يُنْكِرَ أهلُ الشركِ ما كانوا بصحتِه عالِمِين، أو (^٤) كأنه لم يَتْلُ مِن كتابِ اللَّهِ قولَ اللَّهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾. يعني: محمدًا ﷺ، ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]. وهم مع ذلك به مُكَذِّبون، ولنبوتِه جاحِدون، فيُعْلَم بذلك أنهم قد كانوا يُدافِعون حقيقةَ ما قد ثبَت عندَهم صحتُه، واسْتَحْكَمَت لديهم معرفتُه، وقد أُنْشِد لبعضِ الجاهليةِ الجَهْلاءِ (^٥):\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"تسمى\".\n(^٢) في ص: \"من\".\n(^٣) في ص: \"قال\".\n(^٤) في ص: \"أولًا\".\n(^٥) البيت في المخصص ١٧/ ١٥٢ (المجلد الخامس) غير منسوب.","vol":"1","page":130},{"text":"ألا ضرَبَت تلك [الفتاةُ هَجينَها] (^١) … ألا قضَب الرحمنُ ربِّي يمينَها\nوقال سَلَامةُ بنُ جَنْدَلٍ السعديُّ (^٢):\nعجِلْتُم علينا عَجْلَتَيْنا (^٣) عليكمُ … وما يَشَإِ الرحمنُ يَعْقِدْ ويُطْلِقِ\nوقد زعَم أيضًا بعضُ مَن ضعُفَت معرفتُه بتأويلِ أهلِ التأويلِ، وقلَّت روايتُه لأقوالِ السلفِ مِن أهلِ التفسيرِ (^٤)، أن الرحمنَ مَجازُه ذو الرحمةِ، والرحيمَ مَجازُه الراحمُ. ثم قال: قد يُقَدِّرون اللفظَيْن مِن لفظٍ والمعنى واحدٌ، وذلك لاتِّساعِ الكلامِ عندَهم. قال: وقد فعَلوا مثلَ ذلك، فقالوا: نَدْمانُ ونَديمٌ. ثم اسْتَشْهَد [ببيتِ بُرْجِ] (^٥) بنِ مُسْهِرٍ الطائيِّ:\nونَدْمانٍ يَزيدُ الكأسَ طِيبًا … سقَيْتُ وقد تغَوَّرَتِ (^٦) النُّجومُ\nواسْتَشْهد بأبياتٍ نظائرِه له في النَّديمِ والنَّدْمانِ. ففرَّق بينَ معنى الرحمنِ والرحيمِ في التأويلِ، لقولِه: الرحمنُ ذو الرحمةِ، والرحيمُ الراحمُ. وإن كان قد ترَك بيانَ تأويلِ مَعْنَيَيْهِمَا (^٧) على صحتِه، ثم مثَّل (^٨) ذلك باللفظَيْن [يَأْتِيان بمعنًى] (^٩)\n_________\n(^١) في ت ١: \"القناة هجيتها\".\n(^٢) في النسخ: \"الطهوي\". والمثبت كما في طبقات فحول الشعراء ١/ ١٥٥، والشعر والشعراء ١/ ٢٧٢، والبيت في ديوانه ص ١٩.\n(^٣) في ت ٢: \"معجلينا\".\n(^٤) لعله أراد بذلك أبا عبيدة في كتابه مجاز القرآن ١/ ٢١، فأكثر الكلام الآتي منقول منه بنصه.\n(^٥) في ص: \"ببيت بزح\"، وفي م: \"قول برج\" وفي ت ٢: \"ببيت برح\"، وفي ت ١: \"ببيت نوح\". والبيت في المؤتلف والمختلف ص ٨٠، وشرح ديوان الحماسة ٣/ ١٢٧٢، واللسان (ع ر ق)، (ن د م).\n(^٦) في المؤتلف والمختلف، وشرح ديوان الحماسة: \"تعرضت\". وتغورت النجوم: غربت. اللسان (غ ور).\n(^٧) في ص، م: \"معنيهما\".\n(^٨) في ص: \"بين\".\n(^٩) في ص: \"بإثبات معنى\".","vol":"1","page":131},{"text":"واحدٍ، فعاد إلى ما قد جعَله بمعنيين، فجَعله مثالَ ما هو بمعنًى واحدٍ، مع اختلافِ الألفاظِ.\nولا شكَّ أن ذا الرحمةِ هو الذي قد (^١) ثبَت أن له الرحمةَ، وصحَّ أنها له صفةٌ، وأن الراحمَ هو الموصوفُ بأنه سيَرْحَمُ، أو قد رحِم فانْقَضَى ذلك منه، أو هو فيه، ولا دَلالةَ (^٢) فيه حينَئذٍ أن الرحمةَ له صفةٌ، كالدَّلالةِ على أنها له صفةٌ، إذا وُصِف بأنه ذو الرحمةِ. فأين معنى الرحمنِ الرحيمِ - على تأويله - مِن معنى الكلمتين تأْتِيان مُقَدَّرَتَيْن مِن لفظٍ واحدٍ باختلافِ الألفاظِ واتفاقِ المعاني؟ ولكن القولَ إذا كان على غيرِ أصلٍ مُعْتَمَدٍ عليه كان واضحًا عَوارُه.\nوإن قال لنا قائلٌ: ولمَ قدَّم اسمَ اللَّهِ الذي هو اللَّهُ على اسمِه الذي هو الرحمنُ، واسمَه الذي هو الرحمنُ على اسمِه الذي هو الرحيمُ؟\nقيل: لأن مِن شأنِ العربِ إذا أرادوا الخبرَ عن مُخْبَرٍ عنه أن يُقَدِّموا اسمَه، ثم يُتْبِعوه صفاتِه ونعوتَه، وهذا هو الواجبُ في الحكمِ، أن يكونَ الاسمُ مُقَدَّمًا قبلَ نعتِه وصفتِه؛ ليَعْلَمَ السامعُ الخبرَ عمَّن الخبرُ.\nفإذ كان ذلك، كذلك وكان للَّهِ جل ذكرُه أسماءٌ قد حرَّم على خلقِه أن يَتَسَمَّوْا بها، خصَّ بها نفسَه دونَهم، وذلك مثلُ اللَّهِ والرحمنِ والخالقِ، وأسماءٌ أباح لهم أن يُسَمِّيَ بعضُهم بعضًا بها، وذلك كالرحيمِ والسميعِ والبصيرِ والكريمِ وما أشْبَهَ ذلك مِن الأسماءِ - كان الواجبُ أن تُقَدَّمَ أسماؤُه التي هي له خاصةٌ دونَ جميعِ خلقِه؛ ليَعْرِفَ السامعُ ذلك مَن توَجَّه إليه الحمدُ والتمجيدُ، ثم يُتْبَعَ ذلك بأسمائِه التي قد تَسَمَّى بها غيرُه، بعدَ علمِ المُخاطَبِ أو السامعِ مَن توَجَّه إليه ما يَتْلُو ذلك مِن المعاني.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) بعده في م: \"له\".","vol":"1","page":132},{"text":"فبَدأ اللَّهُ جل ذكرُه باسمِه الذي هو اللَّهُ؛ لأن الأُلوهةَ ليست لغيرِه جل ثناؤُه من وجهٍ مِن الوجوهِ، لا مِن جهةِ التَّسَمِّي به، ولا مِن جهةِ المعنى، وذلك أنّا قد بيَّنا أن معنى \"اللَّهِ\" جلّ ثناؤُه معنَى (^١) المعبودِ، ولا معبودَ غيرُه جل ثناؤُه، وأن التَّسَمِّيَ به قد حرَّمه اللَّهُ جل ثناؤُه، وإن قصَد المُتَسَمِّي به ما قَصَد (^٢) المُتَسَمِّي بسعيدٍ وهو شقيٌّ، وبحسنٍ وهو قبيحٌ.\nأو لا تَرَى أن اللَّهَ جل ثناؤه قال في غيرِ آيةٍ من كتابِه: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠، ٦١، ٦٢، ٦٣، ٦٤]. فاسْتَكْبَر ذلك مِن المُقِرِّ به. وقال تعالى في خُصوصِه (^٣) نفسَه باللَّهِ وبالرحمنِ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. ثم ثنَّى ذلك (^٤) باسمِه الذي هو الرحمنُ، إذ كان قد منَع أيضًا خلقَه التَّسَمِّيَ به، وإن كان مِن خلقِه مَن قد يَسْتَحِقُّ تسميتَه ببعضِ مَعانيه، وذلك أنه قد يَجوزُ وصفُ كثيرٍ ممَّن هو دونَ اللَّهِ مِن خلقِه ببعضِ صفاتِ الرحمةِ، وغيرُ جائزٍ أن يَسْتَحِقَّ بعضَ الألوهةِ أحدٌ دونَه، فلذلك جاء الرحمنُ ثانيًا (^٥) لاسمِه الذي هو اللَّهُ.\nوأما اسمُه الذي هو الرحيمُ، فقد ذكَرْنا أنه مما هو جائزٌ وصفُ غيرِه به، والرحمةُ مِن صفاتِه جل ذكرُه، فكان - إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا - واقعًا مَواقعَ نعوتِ الأسماءِ اللواتي هن (^٦) توابعُها، بعدَ تقدمِ الأسماءِ عليها.\n_________\n(^١) في م: \"هو\".\n(^٢) في ص، م: \"يقصد\".\n(^٣) في م: \"خصوصية\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في ص: \"ثابتا\".\n(^٦) في ر، ت ١: \"هو\".","vol":"1","page":133},{"text":"فهذا وجهُ تقديمِ اسمِ اللَّهِ الذي هو اللَّهُ، على اسمِه الذي هو الرحمنُ، واسمِه الذي هو الرحمنُ، على اسمِه الذي هو الرحيمُ.\nوقد كان الحسنُ البصريُّ يقولُ في الرحمنِ مثلَ ما قلنا، أنه مِن أسماءِ اللَّهِ التي مُنِع التَّسَمِّيَ بها العبادُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ مَسْعَدةَ، عن عوفٍ (^١)، عن الحسنِ، قال: الرحمنُ اسمٌ ممنوعٌ (^٢).\nمع أن في إجماعِ الأمةِ مِن منعِ التَّسَمِّي به جميعَ الناسِ، ما يُغْني عن الاسْتِشْهادِ على صحةِ ما قلْنا في ذلك بقولِ الحسنِ وغيرِه.\n_________\n(^١) في ر: \"عون\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٤٣٧.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٧ عن المصنف.","vol":"1","page":134},{"text":"<span id=\"aya-2\"></span><span data-type='title' id=toc-64>القولُ في تأويلِ فاتحةِ الكتابِ</span>\n\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.\nقال أبو جعفرٍ: ومعنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. الشكرُ للَّهِ خالصًا دونَ سائرِ ما يُعْبَدُ مِن دونِه، ودونَ كلِّ ما برَأ (^١) مِن خلقِه، بما (^٢) أنْعَم على عبادِه مِن النِّعَمِ التي لا يُحْصِيها العددُ، ولا يُحِيطُ بعددِها غيرُه أحدٌ، في تصحيحِ الآلاتِ لطاعتِه، وتَمْكينِ جَوارحِ أجسامِ المكلَّفِين لأداءِ فَرائضِه، مع ما بسَط لهم في دُنْياهم مِن الرزقِ، وغذَاهم به مِن نعيمِ العيشِ، مِن غيرِ اسْتِحْقاقٍ منهم ذلك (^٣) عليه، ومع ما نبَّهَهم عليه ودعاهم إليه، مِن الأسبابِ المُؤَدِّيةِ إلى دَوامِ الخُلودِ في دارِ المُقامِ في النعيمِ المُقيمِ، فلربِّنا الحمدُ على ذلك كلِّه أولًا وآخرًا.\nوبما ذكَرْنا مِن تأويلِ قولِ ربِّنا جلّ ثناؤُه وتقَدَّسَت أسماؤُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. جاء (^٤) الخبرُ عن ابنِ عباسٍ وغيرِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ (^٥)، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال جبريلُ لمحمدٍ: قلْ يا محمدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. قال ابنُ عباسٍ:\n_________\n(^١) في م: \"يُرى\".\n(^٢) في ص: \"مما\".\n(^٣) في م: \"لذلك\".\n(^٤) بعده في م: \"عن\".\n(^٥) في ص: \"سعد\". وتقدم على الصواب. وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٣٧٩.","vol":"1","page":135},{"text":"الحمدُ (^١) هو الشكرُ للَّهِ (^٢)، والاسْتِخْذاءُ (^٣) للَّهِ، والإقْرارُ بنعمتِه وهدايتِه وابتدائِه، وغيرِ ذلك (^٤).\nحدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكونيُّ، قال: حدَّثنا بَقِيةُ بنُ الوليدِ، قال: حدَّثني عيسى بنُ إبراهيمَ، عن موسى بنِ أبي حَبيبٍ، عن الحكمِ بنِ عُمَيْرٍ، وكانت له صحبةٌ، قال: قال النبيُّ ﷺ: \"إِذا قُلْتَ: الحَمدُ للَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. فقد شَكَرْتَ اللَّهَ فَزادَك\" (^٥).\nقال: وقد قيل: إن قولَ القائلِ: الحَمدُ للَّهِ. ثناءٌ عليه بأسمائِه وصفاتِه الحسنَى. وقولَه: الشكرُ للَّهِ. ثناءٌ عليه بنِعَمِه (^٦) وأيادِيه.\nوقد رُوِي عن كعبِ الأحبارِ أنه قال: الحَمدُ للَّهِ ثناءُ (^٧) اللَّهِ. ولم يُبَيِّنْ في الروايةِ عنه مِن أيِّ معنَيَي (^٨) الثناءِ اللذين (^٩) ذكَرْنا ذلك.\n_________\n(^١) بعده في م، ت ٢: \"للَّه\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ت ٢: \"الاسحى\"، وفي ت ١: \"الاستحداء\". وفي تفسير ابن أبي حاتم: \"الاستجداء\". والاستخذاء: الخضوع. اللسان (خ ذ ا).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٦ (٩) من طريق محمد بن العلاء به.\n(^٥) إسناده ضعيف جدًّا. ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٨ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١١ إلى الحاكم في تاريخ نيسابور والديلمي. وقال أبو حاتم: الحكم بن عمير روى عن النبي ﷺ لا يذكر السماع ولا لقاء - أحاديث منكرة من رواية ابن أخيه موسى بن أبي حبيب، وهو شيخ ضعيف الحديث، ويروى عن موسى بن أبي حبيب عيسى بن إبراهيم، وهو ذاهب الحديث، روى هذه الأحاديث عن عيسى بن إبراهيم بقية بن الوليد. ينظر الجرح ٣/ ١٢٥، والميزان ٤/ ٢٠٢.\n(^٦) في ص، ت ١: \"بنعمته\".\n(^٧) بعده في م: \"على\".\n(^٨) في م: \"معنى\".\n(^٩) في ر، م: \"الذي\".","vol":"1","page":136},{"text":"حدَّثنا يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّدَفيُّ، قال: أنْبَأنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثني عمرُ (^١) بنُ محمدٍ، عن سُهَيْلِ بنِ أبي صالحٍ، عن أبيه، قال: أخْبَرَني السَّلوليُّ، عن كعبٍ، قال: مَن قال: الحَمْدُ للَّهِ. فذلك ثناءٌ على اللَّهِ (^٢).\nحدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ الخَرَّازُ (^٣)، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ عبدِ الرحمنِ الجَرْميُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُصْعَبٍ القَرْقَسانيُّ، عن مُبارَكِ بنِ فَضالةَ، عن الحسنِ، عن الأسودِ بنِ سَرِيعٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: \"ليس شيءٌ أحَبَّ إليه الحَمْدُ مِن اللَّهِ تعالى، ولذلك أثْنَى على نَفْسِه فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ \" (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: ولا تَمانُعَ بينَ أهلِ المعرفةِ بلغاتِ العربِ مِن الحُكْمِ لقولِ القائلِ: الحمدُ للَّهِ شكرًا. بالصحةِ، فقد تبَيَّن (^٥) - إذ (^٦) كان ذلك عندَ جميعِهم صحيحًا - أن الحمدَ (^٧) قد يُنْطَقُ به في موضعِ الشكرِ، وأن الشكرَ قد يُوضَعُ موضعَ الحمدِ؛ لأن ذلك لو لم يكنْ كذلك، لَما جاز أن يُقالَ: الحمدُ للَّهِ شكرًا. فيُخْرَجَ مِن قولِ القائلِ:\n_________\n(^١) في ص: \"عمرو\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٦ (١٠) من طريق سهيل به.\n(^٣) في تاريخ بغداد ١١/ ٣٧٤، وتاريخ الإسلام ٢٠/ ٤٠١ (حوادث ووفيات ٢٦١ - ٢٨٠): \"الخزاز\". بزايين. وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٣٤٢، ٢٦/ ٤٦١، والسير ١٣/ ١٨٤.\n(^٤) إسناده منقطع؛ الحسن لم يسمع من الأسود. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٢ إلى المصنف.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٨٣٦) من طريق مبارك به دون آخره.\nوأخرجه ابن سعد ٧/ ٤٢ من طريق آخر عن الحسن به نحوه.\nوالحديث - مقتصرًا على أوله - عند أحمد ٢٤/ ٣٥٢ (١٥٥٨٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٨٥٩)، والنسائي في الكبرى (٧٧٤٥)، وغيرهم من طريق الحسن به.\n(^٥) بعده في ر: \"سهو\".\n(^٦) في ص: \"أن\".\n(^٧) بعده في م: \"للَّه\".","vol":"1","page":137},{"text":"الحَمْدُ للَّهِ. مُصدرَ \"أشْكُرُ\"؛ لأن الشكرَ لو لم يكنْ بمعنى الحمدِ، كان خطأً أن يُصدرَ مِن الحمدِ غيرُ (^١) معناه وغيرُ لفظِه (^٢).\nفإن قال لنا قائلٌ: وما وجهُ إدخالِ الألفِ واللامِ في الحمدِ؟ وهلَّا قيل: حمدًا للَّهِ ربِّ العالمين؟\nقيل: إن لدخولِ الألفِ واللامِ في الحمدِ معنًى لا يُؤَدِّيه قولُ القائلِ: حمدًا للَّهِ (^٣). بإسقاطِ الألفِ واللامِ، وذلك أن دخولَهما في الحمدِ [مُنْبِئٌ عن] (^٤) أن معناه: جميعُ المحامدِ والشكرُ الكاملُ للَّهِ. ولو أُسْقِطَتا منه ما دلَّ إلا على أن حَمْدَ قائلِ ذلك للَّهِ دونَ المحامدِ كلِّها، إذ كان معنى قولِ القائلِ: حمدًا للَّهِ. أو: [حمدٌ للَّهِ] (^٥): أَحْمَدُ اللَّهَ حمدًا. وليس التأويلُ في قولِ القائلِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. تاليًا سورةَ أمِّ القرآنِ: أحْمَدُ اللَّهَ. بل التأويل في ذلك ما وصَفْنا قبلُ، مِن أن جميعَ المَحامدِ للَّهِ بأُلوهتِه وإنعامِه على خلقِه بما أنْعَمَ عليهم به مِن النِّعَمِ، التي لا كِفاءَ (^٦) لها في الدينِ والدنيا، والعاجلِ والآجِلِ.\nولذلك مِن المعنى تَتابَعَت قراءةُ القرأةِ وعُلماءِ الأمةِ على رفعِ الحمدِ مِن: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. دونَ نصبِها الذي يُؤَدِّي إلى الدَّلالةِ على أن معنى تاليه كذلك: أَحْمَدُ اللَّهَ حمدًا. ولو قرَأ قارئٌ ذلك بالنصبِ (^٧)، لكان عندي مُحِيلًا\n_________\n(^١) في ص: \"عن\".\n(^٢) تقدم كلام المصنف على التصدير في ص ١١٤، ١١٥.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"مبنى على\".\n(^٥) في ص: \"حمدا للَّه\"، وفي م: \"حمد اللَّه\".\n(^٦) في م: \"كفء\".\n(^٧) هي قراءة هارون العتكي ورؤبة وسفيان بن عيينة. ينظر البحر المحيط ١/ ١٨.","vol":"1","page":138},{"text":"معناه، ومُسْتَحِقًّا العقوبةَ على قراءتِه إياه كذلك، إذا تعَمَّد قراءتَه كذلك، وهو عالمٌ بخطئِه وفسادِ تأويلِه.\nفإن قال لنا قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؟ أحَمِد اللَّهُ نفسَه جل ثناؤُه، فأثْنَى عليها، ثم عَلَّمَناه لنقولَ ذلك كما قال ووصَف به نفسَه؟ فإن كان ذلك كذلك، فما وجهُ قولِه تعالى ذكرُه إذن: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وهو عزَّ ذكرُه معبودٌ لا عابدٌ؟ أم (^١) ذلك مِن قِيلِ (^٢) جبريلَ، أو محمدٍ رسولِ اللَّهِ ﷺ؟ فقد بطَل أن يكون ذلك للَّهِ كلامًا.\nقيل: بل ذلك كلُّه كلامُ اللَّهِ جل ثناؤُه، ولكنه جل ذكرُه حمِد نفسَه وأثْنَى عليها بما هو [له أهلٌ] (^٣)، ثم علَّم ذلك عبادَه، وفرَض عليهم تلاوتَه، اخْتِبارًا منه لهم وابْتِلاءً، فقال لهم: قولوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فقولُه (^٤): ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. مما علَّمهم جل ذكرُه أن يقولوه ويَدِينوا له بمعناه، وذلك موصولٌ بقولِه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وكأنه قال: قولوا هذا وهذا.\nفإن قال: وأين قولُه: قولوا. فيكونَ تأويلُ ذلك ما ادَّعَيْتَ؟\nقيل: قد دلَّلْنا فيما مضَى على (^٥) أن العربَ مِن شأنِها إذا عرَفَت مكانَ الكلمةِ، ولم تَشَكَّكْ (^٦) أن سامعَها يَعْرِفُ بما أظْهَرَت مِن مَنْطِقِها ما حذَفَت - حَذْفُ ما كفَى\n_________\n(^١) في ص: \"أمن\".\n(^٢) في ص، ر: \"قبل\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"أهله\".\n(^٤) في ص: \"فقولوا\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) في م: \"تشك\".","vol":"1","page":139},{"text":"منه الظاهرُ مِن مَنْطِقِها، ولا سِيَّما إن كانت تلك الكلمةُ التي حُذِفَت قولًا أو بتأويلِ (^١) قولٍ، كما قال الشاعرُ (^٢):\nوأعْلَمُ أنني سأكونُ (^٣) رَمْسًا (^٤) … إذا سار النَّواعِجُ (^٥) لا يَسِيرُ\nفقال السائلون (^٦) [لِمَن حفَرْتُم] (^٧) … فقال المُخْبِرون (^٨) لهم وَزيرُ\nقال أبو جعفرٍ: يُرِيدُ بذلك: فقال المُخْبِرون (^٨) لهم: الميتُ وزيرٌ. فأسْقَط الميتَ، إذ كان قد أتَى مِن الكلامِ بما يَدُلُّ على ذلك. وكذلك قولُ الآخرِ (^٩):\n[ورأيْتِ زوْجَكِ في الوَغَى] (^١٠) … مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحَا\n_________\n(^١) في م: \"تأويل\".\n(^٢) سيأتي البيتان في تفسير الآية ٨٧ من سورة \"المؤمنون\"، ونسبهما لبعض بني عامر، وكذلك في معاني القرآن للفراء ١/ ١٧٠، وهما في البيان والتبيين ٣/ ١٨٤ منسوبان للوزيري.\n(^٣) في م: \"لا أكون\".\n(^٤) الرمس: القبر إذا كان مستويا مع وجه الأرض. تاج العروس (ر م س). وفي البيان والتبيين:\n* وأعلم أنني سأصير ميتا *\n(^٥) في ص: \"النوائح\"، وفي معاني القرآن، والبيان والتبيين: \"النواجع\". والنواعج من الإبل: السراع، وقد نعجت الإبل في سيرها، بالفتح: أسرعت. اللسان (ن ع ج).\n(^٦) في ص، ومعاني القرآن: \"السائرون\".\n(^٧) في البيان والتبيين: \"من المسجى\".\n(^٨) في ر: \"المجمرون\".\n(^٩) البيت في تأويل مشكل القرآن ص ١٦٥، ومعاني القرآن للفراء ٣/ ١٢٣، والكامل ١/ ٣٣٤، ٣٧١، ٢/ ٢٧٥ ونسبه في نسخة منه لعبد اللَّه بن الزبعري.\n(^١٠) في معاني القرآن:\n* ولقيت زوجك في الوغى *\nوفي الكامل:\n* يا ليت زوجك قد غدا *","vol":"1","page":140},{"text":"وقد عَلِم أن الرمحَ لا يُتَقَلَّدُ، [وأنه إنما] (^١) أراد: وحاملًا رمحًا. ولكن لما كان معلومًا معناه اكتَفَى بما قد ظهَر مِن كلامِه عن إظهارِ ما حذَف منه. وقد يقولون للمسافرِ إذا ودَّعوه: مُصاحَبًا مُعافًى. [يُعْنى بذلك: سِرْ مُصاحبًا مُعافًى. فيَحذفون] (^٢): سِرْ، واخْرُجْ. إذ كان معلومًا معناه، وإن أُسْقِط ذكرُه.\nفكذلك ما حُذِف مِن قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. لمَّا عُلِم بقولِه جل ذكرُه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. ما أراد بقولِه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. مِن معنى أمرِه عبادَه، أغْنَت دَلالةُ ما ظُهِر عليه مِن القولِ عن إبداءِ ما حُذِف.\nوقد روَيْنا الخبرَ (^٣) الذي قدَّمنا ذكرَه مبتَدأً في تأويلِ (^٤) قولِ اللَّهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. عن ابنِ عباسٍ وأنه كان يقولُ: إن جبريلَ قال لمحمدٍ: قلْ يا محمدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وبيَّنا أن جبريلَ إنما علَّم محمدًا ﷺ ما أُمِر بتَعليمِه إياه، وهذا الخبرُ يُنْبِئُ عن صحةِ ما قلنا في تأويلِ ذلك (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-65>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿رَبِّ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: قد مضَى البيانُ عن تأويلِ اسمِ اللَّهِ الذي هو اللَّهُ في: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. فلا حاجةَ بنا إلى تَكرارِه في هذا الموضعِ (^٦).\n_________\n(^١) في ر: \"وأنه\"، وفي م: \"وإنما\".\n(^٢) في م، ت ٢: \"يحذفون\".\n(^٣) بعده في ص: \"عن\".\n(^٤) في م: \"تنزيل\".\n(^٥) ينظر ما تقدم في ص ١٣٥.\n(^٦) ينظر ما تقدم في ص ١٢١ وما بعدها.","vol":"1","page":141},{"text":"وأما تأويلُ قولِه: ﴿رَبِّ﴾. فإن الربَّ في كلامِ العربِ مُنصرِفٌ (^١) على معانٍ؛ فالسيدُ المُطاعُ فيهم (^٢) يُدْعَى ربًّا، ومِن ذلك قولُ لَبيدِ بنِ ربيعةَ (^٣):\nوأهْلَكْنَ يومًا ربَّ كِنْدَةَ وابنَه … وربَّ مَعَدٍّ بينَ خَبْتٍ (^٤) وعَرْعَرِ (^٥)\nيعني بربِّ كِنْدةَ: سيدَ كِنْدةَ. ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (^٦):\nتَخُبُّ إلى النُّعمانِ حتى تَنالَه … [فِدًى لك] (^٧) مِن ربٍّ طَرِيفِي (^٨) وتالِدِي (^٩)\nوالرجلُ المُصْلِحُ الشيءَ (^١٠) يُدْعَى ربًّا، ومنه قولُ الفَرَزْدَقِ بنِ غالبٍ (^١١):\nكانوا كسالِئَةٍ حمْقاءَ إذ حقَنَت … سِلاءَها (^١٢) في أَديمٍ غيرِ مَربوبِ\nيعني بذلك: في أديمٍ غيرِ مُصْلَحٍ. ومن ذلك قيل: إن فلانًا يَرُبُّ صَنيعتَه عندَ فلانٍ. إذا كان يُحاوِلُ إصلاحَها وإدامتَها. ومِن ذلك قولُ عَلْقمةَ بنِ عَبَدةَ (^١٣):\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"متصرف\".\n(^٢) في م: \"فيها\".\n(^٣) شرح ديوان لبيد ص ٥٥.\n(^٤) خبت: موضع بالشام، وقرية بزبيد، وماء لكلب. تاج العروس (خ ب ت).\n(^٥) عرعر: عدة مواضع نجدية وغيرها، وواد بنعمان قرب عرفة. تاج العروس (ع ر ر).\n(^٦) ديوانه ص ١٧٠.\n(^٧) ص، ر، ت ١: \"فذلك\".\n(^٨) الطريف والطارف من المال: المستحدث. اللسان (ط ر ف).\n(^٩) التالد: المال القديم الأصلي الذي ولد عندك. اللسان (ت ل د).\n(^١٠) في م: \"للشيء\".\n(^١١) ديوانه ص ٢٥.\n(^١٢) السلاء: السمن. اللسان (س ل أ).\n(^١٣) ديوان علقمة بشرح الأعلم ص ٤٣، وجمهرة اللغة ١/ ٢٨، والمخصص ١٧/ ١٥٤ (المجلد =","vol":"1","page":142},{"text":"[فكنتَ (^١) امرأً أفْضَتْ إليك رِبابَتي] (^٢) … وقبلَك ربَّتْني - فضِعْتُ - رُبوبُ (^٣)\nيعني بقولِه: أفْضَت إليك. أي وصلَت (^٤) إليك رِبابَتي، فصِرْتَ أنت الذي تَرْبُّ أمري فتُصْلِحُه، لمَّا خرجْتُ مِن رِبابةِ غيرِك مِن الملوكِ (^٥) كانوا قبلَك عليَّ، فضيَّعوا أمري وترَكوا تَفَقُّدَه. وهم الرُّبوبُ، واحدُهم ربٌّ، والمالكُ للشيءِ يُدْعَى ربَّه.\nوقد يَتَصَرَّفُ أيضًا معنى الربِّ في وجوهٍ غيرِ ذلك، غيرَ أنها تَعودُ إلى بعضِ هذه الوجوهِ الثلاثةِ.\nفربُّنا جل ثناؤُه السيدُ الذي لا شِبْهَ (^٦) له، ولا مِثْلَ في مثلِ (^٧) سُؤْدُدِه، والمُصْلِحُ أمرَ خلقِه بما أسْبَغ عليهم مِن نعمِه، والمالكُ الذي له الخلقُ والأمرُ.\nو[بنحوِ الذي] (^٨) قلْنا في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. جاءت الروايةُ عن ابنِ عباسٍ.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال جبريلُ لمحمدٍ: يا محمدُ قل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال ابنُ عباسٍ: يقولُ: قل: الحمدُ\n_________\n= الخامس)، واللسان (ر ب ب).\n(^١) في ر: \"فكنتُ\". بضم التاء، وكذا في اللسان، والضبط موافق لضبط الجمهرة والمخصص.\n(^٢) في الديوان:\n* وأنت امرؤ أفضت إليك أمانتي *\n(^٣) في الجمهرة، واللسان: ويروى: رَبوب. قال في اللسان: وعندى أنه اسم للجمع.\n(^٤) في م: \"أوصلت\".\n(^٥) بعده في م: \"الذين\".\n(^٦) في ص: \"شبيه\".\n(^٧) سقط من: ر، م، ت ٢.\n(^٨) في ر، ت ٢: \"بالذي\".","vol":"1","page":143},{"text":"للَّهِ الذي له الخلقُ كلُّه؛ السماواتُ كلُّهن ومَن فيهن، والأرَضُون (^١) كلُّهن ومَن فيهن، وما بينَهن مما [يُعْلَمُ ومما لا يُعْلَمُ] (^٢). يقولُ: اعْلَمْ يا محمدُ أن ربك هذا لا يُشْبِهُه شيءٌ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-66>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿الْعَالَمِينَ </span>(٢)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: والعالَمونُ جمعُ عالَمٍ، والعالَمُ جمعٌ لا واحدَ له مِن لفظِه، كالأنامِ والرَّهْطِ [والجيشِ] (^٤)، ونحوِ ذلك مِن الأسماءِ التي هي موضوعاتٌ على جِماعٍ لا واحدَ له مِن لفظِه.\nوالعالَمُ اسمٌ لأصنافِ الأممِ، وكلُّ صنفٍ منها عالَمٌ، وأهلُ كلِّ قرنٍ مِن كلِّ صنفٍ منها عالَمُ ذلك القرنِ وذلك الزمانِ، فالإنسُ عالَمٌ، وكلُّ أهلِ زمانٍ منهم عالَمُ ذلك الزمانِ، والجنُّ عالَمٌ، وكذلك سائر أجناسِ الخلقِ، كلُّ جنسٍ منها عالَمُ زمانِه (^٥)، ولذلك جُمِع فقيل: عالَمون. وواحدُه جمعٌ، لكونِ عالَمِ كلِّ زمانٍ مِن ذلك عالَمَ ذلك الزمانِ. ومِن ذلك قولُ العَجَّاجِ (^٦):\nفخِنْدِفٌ (^٧) هامَةُ هذا العالَمِ\nفجعَلهم عالمَ زمانِه.\n_________\n(^١) في النسخ: \"الأرض\". وسيأتي في الصفحة التالية.\n(^٢) في ر: \"تعلم وما لا تعلم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧ (١٤) من طريق أبي كريب به دون آخره.\n(^٤) سقط من: ر.\n(^٥) في ص: \"ذلك الزمان\".\n(^٦) ديوانه ص ٢٩٩.\n(^٧) خندف: امرأة إلياس بن مضر، واسمها ليلى، نسب ولد إلياس إليها، وهي أمهم. اللسان (خ ن د ف).","vol":"1","page":144},{"text":"وهذا القولُ الذي قلْناه قولُ ابنِ عباسٍ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، وهو معنى قولِ عامَّةِ المفسِّرين.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمان بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: الحمدُ للَّهِ الذي له الخلقُ كلُّه، السماواتُ والأرَضُون (^١)، ومَن فيهن، وما بينَهن (^٢)، مما يُعْلَمُ (^٣) ومما (^٤) لا يُعْلَمُ (٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: حدَّثنا أبو (^٥) عاصمٍ، عن شَبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: الجنُّ والإنسُ.\nحدَّثني عليُّ بن الحسنِ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا [محمدُ بنُ] (^٦) مصعبٍ، عن قيسِ بنِ الربيعِ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: ربِّ الجنِّ والإنسِ (^٧).\n_________\n(^١) في م: \"الأرض\".\n(^٢) في ص: \"يليهن\".\n(^٣) في ر: \"تعلم\".\n(^٤) سقط من: م، وفي ر: \"ما\".\n(^٥) سقط من: ر. وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٢٨١.\n(^٦) سقط من: م. وتقدم في ص ١٣٧.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨ (١٨) من طريق قيس به. وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٥٨ من طريق سفيان، عن عطاء به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٣ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"1","page":145},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ بنِ عيسى الأهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيريُّ، قال: حدَّثنا قيسٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ قولَه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: الجنُّ والإنسُ (^١).\nحدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، عن ابنِ لَهِيعةَ، عن عطاءِ بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ قولَه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: ابنُ آدمَ والجنُّ والإنسُ، كلُّ أُمَّةٍ منهم عالَمٌ على حِدَتِه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: الجنُّ والإنسُ (^٢).\n[حدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الاهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ العَقَديُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال (^٣): كلُّ صنفٍ عالَمٌ] (^٤) (^١).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: حدَّثنا عُبَيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: الإنسُ عالَمٌ، والجنُّ عالَمٌ، وما سوى ذلك ثمانيةَ عشَرَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٣ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨ عقب الأثر (٢٨) معلقا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) بعده في ص: \"رب\".\n(^٤) سقط من: ر.","vol":"1","page":146},{"text":"ألفَ عالَمٍ (^١)، أو أربعةَ عشَرَ ألفَ عالمٍ - هو يَشُكُّ - مِن الملائكةِ على الأرضِ، وللأرضِ أربعُ زَوايا، في كلِّ زاويةٍ ثلاثةُ آلافِ عالَمٍ وخمسُمائةِ عالَمٍ، خلَقهم لعبادتِه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ (^٣)، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ في قولِه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: الجنُّ والإنسُ (^٤).\n\n<span id=\"aya-3\"></span><span data-type='title' id=toc-67>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ </span>(٣)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: قد مضَى البيانُ عن تأويلِ قولِه: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في تأويلِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فأغْنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٥).\nولم نَحْتَجْ إلى الإبانةِ عن وجهِ تكريرِ (^٦) ذلك في هذا الموضع، إذ كنا لا نَرَى أن: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِن فاتِحةِ الكتابِ آيةٌ، فيكونَ علينا لسائلٍ مسألةٌ بأن يقولَ: ما وجهُ تكريرِ ذلك في هذا الموضعِ وقد مضَى\n_________\n(^١) سقط من: ص، ر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧ (١٥) عن أبيه، عن عبيد الله به. وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٢١٩ من طريق أبي جعفر به.\nوذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٦٧ - تحقيق أبي إسحاق الحويني - عن هذا الموضع، وقال: وهذا كلام غريب يحتاج مثله إلى دليل صحيح. اهـ. وأخرج أبو نعيم في الحلية ٤/ ٧٠ عن وهب بن منبه نحو أوله.\n(^٣) في ر: \"الحسين\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٩ عن ابن جريج.\n(^٥) ينظر ما تقدم في ص ١٢٤.\n(^٦) بعده في م: \"الله\".","vol":"1","page":147},{"text":"وصفُ اللَّهِ جلّ ثناؤُه به نفسَه في قولِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. مع قربِ مكانِ إحدى الآيتَيْن مِن الأخرى، ومُجاورتِها صاحبتَها؟ بل ذلك لنا حجةٌ على خطإِ دعْوَى مَن ادَّعى أن: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِن فاتحةِ الكتابِ آيةٌ، إذ لو كان ذلك كذلك، لكان ذلك إعادةَ آيةٍ بمعنًى واحدٍ ولفظٍ واحدٍ مرتين مِن غيرِ فاصلٍ يَفْصِلُ (^١) بينَهما. وغيرُ موجودٍ في شيءٍ مِن كتابِ اللَّهِ آيتان مُتَجاوِرتان مُكَرَّرتان بلفظٍ واحدٍ ومعنًى واحدٍ، لا فصلَ بينَهما مِن كلامٍ يُخالِفُ معناه معناهما، وإنما يأتي بتكريرِ آيةٍ بكمالِها في السورةِ الواحدةِ، مع فصولٍ تَفْصِلُ بينَ ذلك، وكلامٍ يُعْتَرَضُ به بغيرِ معنى الآياتِ المُكَرَّراتِ أو غيرِ ألفاظِها، ولا فاصِلَ بينَ (^٢) قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِن: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وقولِه: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِن: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nفإن قال (^٣): فإن: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فاصلٌ بين (٢) ذلك.\nقيل: قد أنْكَر ذلك جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ، وقالوا: إن ذلك مِن المُؤَخَّرِ الذي معناه التَّقديمُ، وإنما هو: الحمدُ للَّهِ الرحمنِ الرحيمِ ربِّ العالمين مَلِكِ يومِ الدينِ. واسْتَشْهَدوا على صحةِ ما ادَّعَوْا مِن ذلك بقولِه: (مَلِكِ يومِ الدِّينِ). فقالوا: إن قولَه: (مَلِكِ يومِ الدِّينِ) تعليمٌ مِن اللَّهِ عبدَه أن يَصِفَه بالمَلِكِ في قراءةِ مَن قرَأ: (مَلِكِ). وبالمِلْكِ في قراءةِ مَن قرَأ: ﴿مَالِكِ﴾. قالوا: فالذي هو أولى أن يكونَ مُجاوِرَ وَصْفِه بالمُلْكِ أو المِلْكِ ما كان نظيرَ ذلك مِن الوصفِ، وذلك هو قولُه:\n_________\n(^١) سقط من: ص.\n(^٢) في ص: \"من\".\n(^٣) بعده في م: \"قائل\".","vol":"1","page":148},{"text":"﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. الذي هو خبرٌ عن مِلْكِه جميعَ أجناسِ الخلقِ، وأن يكونَ مُجاورَ وصفِه بالعظمةِ والأُلوهةِ ما كان له نظيرًا في المعنى مِن الثناءِ عليه، وذلك قولُه: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فزعَموا أن ذلك لهم دليلٌ على أن قولَه: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بمعنى التقديمِ قبلَ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وإن كان في الظاهرِ مؤخَّرًا. وقالوا (^١): نظائرُ ذلك مِن التقديمِ الذي هو بمعنى التأخيرِ، والمؤخَّرِ الذي هو بمعنى التقديمِ - في كلامِ العربِ أفْشَى، وفي مَنْطِقِها أكثرُ مَن أن يُحْصَى؛ مِن ذلك قولُ جريرِ بنِ عَطِيةَ (^٢):\nطاف الخيالُ وأين منك لِمامَا (^٣) … فارْجِعْ لزَوْرِك بالسلامِ سلامَا\nبمعنى: طاف الخيالُ لِمامًا، وأين هو منك؟ وكما قال جل ثناؤُه في كتابِه العزيزِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: ١]. بمعنى: الحمدُ للَّهِ الذي أنزَل على عبدِه الكتابَ قَيِّمًا ولم يَجْعَلْ له عِوَجًا. وما أشبهَ ذلك. ففي ذلك دليلٌ شاهدٌ على صحةِ قولِ مَن أنْكَر أن تكونَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِن فاتحةِ الكتابِ آيةً.\n\n<span id=\"aya-4\"></span><span data-type='title' id=toc-68>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾</span>\nقال أبو جعفرٍ: القُرَّاءُ مُخْتَلِفون في تلاوةِ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. فبعضُهم يَتْلوه: (مَلِكِ يَومِ الدّينِ). وبعضُهم يَتْلُوه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. وبعضُهم يَتْلُوه: (مالكَ يَومِ الدّينِ). بنصبِ الكافِ (^٤). وقد اسْتَقْصَيْنا حكايةَ\n_________\n(^١) بعده في م، ت ٢: \"في\".\n(^٢) شرح ديوانه ص ٥٤١.\n(^٣) اللمام: الزيارة غِبًّا، ويقال: فلان يزورنا لماما. أي في الأحايين. اللسان (ل م م).\n(^٤) أما قراءة (مَلِكِ) فهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة، وأما قراءة (مالِكِ): فهي =","vol":"1","page":149},{"text":"الروايةِ عمَّن رُوِي عنه في ذلك قراءةٌ في كتابِ \"القِراءاتِ\"، وأخْبَرْنا بالذي نَخْتارُ مِن القراءةِ فيه، والعلةِ المُوجِبةِ صحةَ ما اخْتَرْناه مِن القراءةِ فيه، فكرِهنا إعادةَ ذلك في هذا الموضعِ، إذ كان الذي قصَدْنا له في كتابِنا هذا البيانَ عن وجوهِ تأويلِ آيِ القرآنِ دونَ وجوهِ قراءتِها.\nولا خلافَ بينَ جميعِ أهلِ المعرفةِ بلغاتِ العربِ أن المَلِكَ مِن المُلْكِ مشتقٌّ، وأن المالكَ مِن المِلْكِ مأخوذٌ، فتأويلُ قراءةِ مَن قرَأ ذلك: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ). أن للَّهِ المُلْكَ خالصًا يومَ الدينِ دونَ جميعِ خلقِه الذين كانوا قبلَ ذلك في الدنيا مُلوكًا جَبابرةً يُنازِعونه المُلْكَ، ويُدافِعونه الانفرادَ بالكِبْرياءِ والعظمةِ والسلطانِ والجَبْرِيةِ، فأيْقَنوا (^١) بلقاءِ اللَّهِ يومَ الدينِ أنهم الصَّغَرةُ الأذِلَّةُ، وأن له مِن (^٢) دونِهم ودونِ غيرِهم المُلْكَ والكبرياءَ والعزةَ والبَهاءَ، كما قال جل ذكرُه وتقَدَّسَت أسماؤُه في تنزيلِه: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]. فأخْبَر تعالى أنه المنفردُ يومَئذٍ بالمُلْكِ دون ملوكِ الدنيا الذين صاروا يومَ الدين مِن مُلْكِهم إلى ذلةٍ وصَغارٍ، ومِن دنياهم في المَعادِ إلى خَسارٍ.\nوأما تأويلُ قراءةَ مَن قرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. يقولُ: لا يَمْلِكُ أحدٌ في ذلك اليومِ معه حكمًا كمِلْكِهم في الدنيا. ثم قال: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]. وقال: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨].\n_________\n= قراءة عاصم والكسائي، وأما قراءة (مالِكَ) بفتح الكاف فهي رواية المطوعي عن الأعمش، وهي من الشواذ. ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ٧٦.\n(^١) سقط من: ر.\n(^٢) سقط من: م، ت ٢.","vol":"1","page":150},{"text":"وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (^١) [الأنبياء: ٢٨].\nقال أبو جعفرٍ: وأولى التأويلَيْن بالآيةِ وأصحُّ القِراءتَين في التلاوةِ عندي التأويلُ الأولُ، و(^٢) قراءةُ مَن قرَأ (مَلِكِ). بمعنى المُلْكِ؛ لأن في الإقْرارِ له بالانفرادِ بالمُلْكِ إيجابًا لانفرادِه بالمِلْكِ، وفضيلةَ زيادةِ المَلِكِ على المالكِ (^٣)، إذ كان معلومًا ألا مَلِكَ إلا وهو مالكٌ، وقد يكونُ المالكُ لا مَلِكًا.\nوبعدُ، فإن اللَّهَ جل ذكرُه قد أخْبَر عبادَه في الآيةِ التي قبلَ قولِه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أنه مالكُ جميعِ العالَمين، وسيدُهم، ومُصْلِحُهم، [والناظرُ لهم] (^٤)، والرحيمُ بهم في الدنيا والآخرةِ بقولِه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فإذ (^٥) كان جل ذكرُه قد أنْبَأهم عن مِلْكِه إياهم كذلك بقولِه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فأولى الصفاتِ مِن صفاتِه جل ذكرُه أن يَتبَعَ ذلك، ما لم يَحْوِه قولُه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مع قربِ ما بينَ الآيتَيْن مِن المُواصَلةِ والمُجاوَرةِ، إذ كانت حكمتُه الحكمةَ التي لا تُشْبِهُها حِكْمةٌ. وكان في إعادةِ وصفِه جل ذكرُه بأنه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ إعادةُ ما قد مضَى مِن وصفِه به في قولِه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. مع تقاربِ الآيتين وتجاوُرِ الصفتَيْن، وكان في إعادةِ ذلك تكرارُ ألفاظٍ مختلفةٍ بمعانٍ متفقةٍ، لا تُفِيدُ سامعَ ما كُرِّر منه فائدةً به إليها حاجةٌ. والذي لم يَحْوِه مِن صفاتِه جل\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩ (٢٤) من طريق أبي كريب به مختصرا.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢: \"هي\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"الملك\".\n(^٤) سقط من: ر.\n(^٥) في ص: \"فإن\"، وفي م: \"فإذا\"، وفي ت ١: \"وإذ\".","vol":"1","page":151},{"text":"ذكرُه ما قبلَ قولِه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ المعنى الذي في قولِه: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وهو وصفُه بأنه المَلِكُ.\nفبَيِّنٌ إذن أن أوْلَى القراءتَيْن بالصوابِ، وأحقَّ التأويلين بالكتابِ، قراءةُ مَن قرَأه: (مَلِكِ يَومِ الدِّينِ) بمعنى إخلاصِ المُلْكِ له يومَ الدينِ، دون قراءةِ مَن قرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بمعنى (^١) أنه يَمْلِكُ الحكمَ بينَهم وفَصْلَ القَضاءِ، مُتَفَرِّدًا به دونَ سائرِ خلقِه.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن قولَه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ نبأٌ عن مِلْكِه إياهم في الدنيا دونَ الآخرةِ، فوجَب (^٢) [وصلُ ذلك] (^٣) بالنبإِ عن نفسِه أنه مَن (^٤) ملَكهم في الآخرةِ على نحوِ مِلْكِه إياهم في الدنيا بقولِه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فقد أغْفَل (^٥) وظنَّ خطأً؛ وذلك أنه لو جاز لظانٍّ أن يَظُنَّ أن قولَه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ محصورٌ معناه على الخبرِ عن رُبوبيتِه (^٦) عالَمَ الدنيا دونَ عالَمِ الآخرةِ - مع عدمِ الدلالةِ على أن معنى ذلك كذلك في ظاهرِ التنزيلِ، أو في خبرٍ عن الرسولِ ﷺ به منقولٍ، أو بحُجةٍ موجودةٍ في المعقولِ - جاز (^٧) لآخرَ أن يَظُنَّ أن ذلك محصورٌ على عالَمِ الزمانِ الذي فيه نزَل قولُه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ دون سائرِ ما يَحْدُثُ بعدَه في الأزمنةِ الحادثةِ مِن العالَمين، إذ كان صحيحًا بما (^٨) قدَّمْنا مِن البيانِ أن عالَمَ كلِّ زمانٍ\n_________\n(^١) في ص: \"الذي بمعنى\".\n(^٢) في ص، م: \"يوجب\".\n(^٣) في م: \"وصله\".\n(^٤) في م، ت ٢: \"قد\".\n(^٥) قال الشيخ شاكر: قوله: أغفل. فعل لازم غير متعد، ومعناه: دخل في الغفلة والنسيان ووقع فيهما، وهي عربية معرقة وإن لم توجد في المعاجم.\n(^٦) في ر، م، ت ١، ت ٢: \"ربوبية\".\n(^٧) في م: \"لجاز\".\n(^٨) بعده في م، ت ٢: \"قد\".","vol":"1","page":152},{"text":"غيرُ عالَمِ الزمانِ الذي بعدَه.\nفإن غَبِي عن علمِ صحةِ ذلك بما قد قدَّمْنا ذو غَباءٍ، فإن في قولِ اللَّهِ جل ثناؤُه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ١٦]. دلالةً واضحةً على أن عالَمَ كلِّ زمانٍ غيرُ عالَمِ الزمانِ الذي كان قبلَه وعالَمِ الزمانِ الذي بعدَه، إذ كان اللَّهُ جل ثناؤُه قد فضَّل أمةَ نبيِّنا محمدٍ ﷺ على سائرِ الأمِ الخاليةِ، وأخْبَرَهم بذلك في قولِه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ١١٠]. فمعلومٌ بذلك أن بني إسرائيلَ في عصرِ نبيِّنا ﷺ لم يكونوا مع تكذيبِهم به ﷺ أفضلَ العالَمين، بل كان أفضلَ العالمين في ذلك العصرِ وبعدَه إلى قيامِ الساعةِ المؤمنون به المُتَّبِعون مِنْهاجَه، دونَ مَن سواهم مِن الأممِ المُكَذِّبةِ الضالَّةِ عن مِنْهاجِه.\nوإذ كان بينًا فسادُ تأويلِ مُتَأوِّلٍ لو تأوَّل قولَه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أنه معنيٌّ به أن اللَّهَ ربُّ عالَمِي زمنِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ، دون عالَمِي سائرِ الأزمنةِ غيرِه - كان واضحًا فسادُ قولِ مَن زعَم أن تأويلَه: ربُّ عالَمِ الدنيا دون عالَمِ الآخرةِ. وأن: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ اسْتَحَقَّ الوصلَ به ليُعْلَمَ أنه في الآخرةِ مِن مِلْكِهم ورُبوبيتِهم بمثلِ الذي كان عليه في الدنيا.\nويُسْألُ زاعمُ ذلك الفرقَ بينَه وبينَ مُتَحَكِّمٍ مثلَه في تأويلِ قولِه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تحكَّم فقال (^١): إنما عنَى بذلك أنه ربُّ عالَمِي زمانِ محمدٍ ﷺ دون عالَمِي غيرِه مِن الأزمنةِ الماضيةِ قبلَه والحادثةِ بعدَه، كالذي زعَم قائلُ (^٢) هذا القولِ\n_________\n(^١) بعده في م، ت ٢: \"إنه\".\n(^٢) سقط من: م، ت ٢.","vol":"1","page":153},{"text":"أنه [عنَى به عالَمِي] (^١) الدنيا دون عالَمِي (^٢) الآخرةِ - مِن أصلٍ أو دلالةٍ. فلن يقولَ في أحدِهما شيئًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه.\nوأما الزاعمُ أنَّ تأويلَ قولِه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أنه الذي يَمْلِكُ إقامةَ يومِ الدينِ، فإن الذي ألْزَمْنا قائلَ هذا القولِ الذي قبلَه له لازمٌ، إذ كانت إقامةُ القيامةِ إنما هي إعادةُ الخلقِ الذين قد بادوا لهيئاتِهم التي كانوا عليها قبلَ الهلاكِ في الدارِ (^٣) التي أعَدَّ (^٤) لهم فيها ما أعَدَّ، وهم العالَمون الذين قد أخْبَر جل ذكرُه عنهم أنه ربُّهم في قولِه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nوأما تأويلُ ذلك في قراءةِ مَن قرَأ: (مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ) فإنه أراد: يا (^٥) مالكَ يومِ الدينِ. فنصَبه بنيَّةِ النداءِ والدعاءِ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]. بتأويلِ: يا يوسُفُ أعْرِضْ عن هذا. وكما قال الشاعرُ من بني أسدٍ، وهو شعرٌ - فيما يقالُ - جاهليٌّ (^٦):\nإن كنتَ أزْنَنْتَني (^٧) بها كَذِبًا … جَزْءُ فلاقَيتَ مثلَها عَجِلًا\nيريدُ: يا جَزْءُ. وكما قال الآخرُ (^٨):\n_________\n(^١) في ر، ت ١، ت ٢: \"عُني به عالموا\"، وفي م: \"عنى به عالم\".\n(^٢) في ص، م، ت ٢: \"عالم\".\n(^٣) في ص: \"دار الدنيا\"، وفي ت ١: \"الدنيا\".\n(^٤) بعده في م، ت ٢: \"اللَّه\".\n(^٥) في ر: \"به\".\n(^٦) هو حضرمي بن عامر. ينظر أمالي القالي ١/ ٦٧، والكامل ١/ ٦٧ - ولم ينسبه - واللسان (ج ز أ)، (ن ب ل)، (ز ن ن).\n(^٧) أزننته بشيء: اتهمته به. اللسان (ز ن ن).\n(^٨) نسبه في مجاز القرآن ١/ ١٠٠، واللسان (ق ر ن) لرجل من بني أسد. وهو في الكتاب ٢/ ٨٥، ٣/ ٢٠٧، ٣٢٦.","vol":"1","page":154},{"text":"كذَبْتُم وبيتِ اللَّهِ لا تَنْكِحونها … بَنى شابَ قَرْناها (^١) تَصُرُّ (^٢) وتَحْلُبُ\nيريدُ: يا (^٣) بنى شابَ قَرْناها.\nوإنما أوْرَطه في قراءةِ ذلك بنصبِ الكافِ مِن: (مَالِكَ) - على المعنى الذي وصَفْتُ - حيرتُه في توجيهِ قولِه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وِجْهتَه، مع جرِّه (^٤) ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وخفضِه. فظنَّ أنه لا يَصِحُّ معنى ذلك بعدَ جرِّه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فنصَب: (مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ) ليكونَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ له خطابًا، كأنه أراد: يا مالكَ يومِ الدينِ إياك نَعْبُدُ وإياك نَسْتَعِينُ. ولو كان علِمَ تأويلَ أولِ السورةِ وأن: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أمرٌ مِن اللَّهِ عبدَه (^٥) بقِيلِ ذلك - كما ذكَرْنا قبلُ مِن الخبرِ عن ابنِ عباسٍ أن جبريلَ قال للنبيِّ ﷺ عن اللَّهِ: قلْ يا محمدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقلْ أيضَا يا محمدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (^٦) وكان عَقَل عن العربِ أن مِن شأنِها إذا حكَت أو أمَرَت بحكايةِ خبرٍ يَتْلُو القولَ - أن تُخاطِبَ ثم تُخْبِرَ [عن غائبٍ] (^٧)، وتُخْبِرَ عن غائبٍ ثم تَعودَ إلى الخطابِ؛ لما في الحكايةِ بالقولِ مِن معنى الغائبِ والمُخاطَبِ، كقولِهم للرجلِ: قد قلتُ لأخيك: لو قمتَ لقمتُ. و: قد قلتُ لأخيك: لو قام لَقمتُ.\n_________\n(^١) القرنان: الضفيرتان. اللسان (ق ر ن).\n(^٢) صر الناقة: شد ضرعها. اللسان (ص ر ر).\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"جر\".\n(^٥) في ص: \"عنده\".\n(^٦) تقدم في ص ١٣٥، ١٤٣، وينظر ما سيأتي في ص ١٥٩.\n(^٧) في ص: \"غائبا\".","vol":"1","page":155},{"text":"لَسَهُل (^١) عليه مخرجُ ما اسْتَصْعَب عليه وِجْهتُه مِن جرِّ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.\nومِن نظيرِ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ مجرورًا، ثم عَوْدِه إلى الخطابِ بـ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ كما (^٢) ذكَرْنا قبلُ - البيتُ السائرُ مِن شعرِ أبي كبيرٍ الهُذَليِّ (^٣):\nيا لَهْفَ نَفْسِي كان جِدَّة (^٤) خالدٍ … وبَياضُ وجهِك للترابِ (^٥) الأعْفَرِ\nفرجَع إلى الخطابِ بقولِه: وبياضُ وجهِك. بعدَ ما قد مضَى الخبرُ عن خالدٍ على معنى الخبرِ عن الغائبِ.\nومنه قولُ لَبيدِ بنِ ربيعةَ (^٦):\nباتَتْ تَشَكَّى إليَّ النفسُ (^٧) مُجْهِشَةً (^٨) … وقد حمَلْتُكِ سبعًا بعدَ سَبْعينَا\nفرجَع إلى مخاطبةِ نفسِه، وقد تقَدَّم الخبرُ عنها على وجهِ الخبرِ عن الغائبِ.\nومنه قولُ اللَّهِ، وهو أصدقُ قيلٍ وأثْبَتُ حجةٍ: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]. فخاطَب ثم رجَع إلى الخبرِ عن الغائبِ، ولم يقلْ: وجَرَيْن بكم. والشواهدُ مِن الشعرِ وكلامِ العربِ في ذلك أكثرُ مِن أن تُحْصَى، وفيما ذكَرْنا كفايةٌ لمنَ وُفِّق لفهمِه.\n_________\n(^١) قوله: لسهل. جواب قوله: ولو كان علم. في الصفحة الماضية.\n(^٢) في ص، م: \"لما\".\n(^٣) ديوان الهذليين ٢/ ١٠١.\n(^٤) في م: \"جلدة\". والجدة: نقيض البلى. اللسان (ج د د).\n(^٥) في ص: \"للثواب\"، وفي ت ٢: \"التراب\".\n(^٦) شرح ديوانه ص ٣٥٢، واللسان (ج هـ ش)، وقال ابن سلام في طبقات فحول الشعراء ١/ ٦١ وقد ذكر البيت: ولا اختلاف في أن هذا مصنوع تكثر به الأحاديث ......\n(^٧) في شرح الديوان: \"الموت\".\n(^٨) في ت ٢، ت ٣: \"مهجته\". وأجهشت النفس: همت بالبكاء. اللسان (ج هـ ش).","vol":"1","page":156},{"text":"فقراءةُ (^١): (مَالِكَ يومِ الدينِ). محظورةٌ غيرُ جائزةٍ؛ لإجماعِ (^٢) الحُجَّةِ مِن القرأةِ وعلماءِ الأمةِ على رفضِ القراءةِ بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-69>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ذكره: ﴿يَوْمِ الدِّينِ </span>(٤)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: والدينُ في هذا الموضعِ بتأويلِ الحسابِ والمُجازاةِ بالأعمالِ، كما قال كعبُ بنُ جُعَيْلٍ (^٣):\nإذا ما رَمَوْنا رمَيْناهُم … ودِنَّاهُمُ مثلَ ما يُقْرِضونا\nوكما قال الآخرُ (^٤):\n[واعْلَمْ وأَيْقِن أن مُلْكَك زائلٌ] (^٥) … واعْلَمْ بأنَّك ما تَدِينُ تُدانُ\nيعني: ما تَجْزِي تُجازَى.\nومِن ذلك قولُ اللَّهِ جل ثناؤُه: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ يعني بالجزاءِ ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ٩، ١٠]. يُحْصون ما تَعْمَلون مِن الأعمالِ. وقولُه تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦]. يعني غيرَ مَجْزِيِّين بأعمالِكم ولا مُحاسَبِين.\n_________\n(^١) في ر: \"قال وقراءة\".\n(^٢) بعده في ص، م: \"جميع\".\n(^٣) وقعة صفين ص ٥٧، والكامل ١/ ٣٢٧، والمخصص ١٧/ ١٥٥ (المجلد الخامس).\n(^٤) نسبه في مجاز القرآن ١/ ٢٣ لابن نفيل، وفي اللسان (ز ن أ)، (د ي ن) لخويلد بن نوفل الكلابي، ودون نسبة في الكامل ١/ ٣٢٨، والمخصص ١٧/ ١٥٥ (المجلد الخامس).\n(^٥) ورد هذا الشطر في اللسان (ز ن أ) هكذا:\n* يا حار إنك ميت ومحاسب *\nوفيه أيضًا (د ي ن):\n* يا حار أيقن أن ملكك زائل *","vol":"1","page":157},{"text":"وللدينِ معانٍ في كلامِ العربِ غيرُ معنى الحسابِ والجزاءِ سنَذْكُرُها في أماكنِها إن شاء اللَّهُ.\nوبما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ جاءت الآثارُ عن السلفِ مِن المفسِّرِين، مع تصحيحِ الشواهدِ تأويلَهم الذي تأوَّلوه في ذلك (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ محمدُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال: يومُ حسابِ الخَلائقِ، هو يومُ القيامةِ، يَدِينُهم بأعمالِهم، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا، إلا مَن عفا عنه، فالأمرُ أمرُه. ثم قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (^٢) [الأعراف: ٥٤].\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ الهَمْدانيُّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ القَنَّادُ، قال: حدَّثنا أسْباطُ بنُ نصرٍ الهَمْدانيُّ، عن إسماعيلَ بنِ عبدِ الرحمنِ السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: هو يومُ الحسابِ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال: يومَ يَدِينُ اللَّهُ\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١: \"ما\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩ (٢٥) من طريق أبي كريب به، دون آية الأعراف.\n(^٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٥٨ من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة. وصححه على شرط مسلم. وأخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (٣٤) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.","vol":"1","page":158},{"text":"العبادَ بأعمالِهم (^١).\nحدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال: يومَ يُدانُ الناسُ بالحسابِ.\n\n<span id=\"aya-5\"></span><span data-type='title' id=toc-70>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وتأويلُ قولِه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: لك اللهم نَخْشَعُ ونَذِلُّ ونَسْتَكِينُ، إقرارًا لك يا ربَّنا بالربوبيةِ لا لغيرِك.\nكما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، قال: قال جبريلُ لمحمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: إياك نُوَحِّدُ ونَخافُ ونَرْجُو يا ربَّنا لا غيرَك (^٢).\nوذلك مِن قولِ ابنِ عباسٍ بمعنى ما قلْنا، وإنما اخْتَرْنا البيانَ عن تأويلِه بأنه بمعنى: نَخْشَعُ ونَذِلُّ ونَسْتَكِينُ. دونَ البيانِ عنه بأنه بمعنى: نرجو ونَخافُ. وإن كان الرجاءُ والخوفُ لا يكونان إلا مع ذلةٍ؛ لأن العبوديةَ عندَ جميعِ العربِ أصلُها الذلَّةُ، وأنها تُسَمِّي الطريقَ المُذَلَّلَ الذي قد وطِئَته الأقْدامُ وذلَّلَته السابلةُ مُعَبَّدًا، ومِن ذلك قولُ طَرَفَةَ بنِ العَبْدِ (^٣):\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد. وسقط من مطبوع تفسير عبد الرزاق. وأخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (٣٣) من طريق مطر، عن قتادة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩ (٢٧) من طريق أبي كريب به.\n(^٣) ديوانه ص ٣٥.","vol":"1","page":159},{"text":"تُبارِي عِتاقًا (^١) ناجياتٍ (^٢) وأتْبَعت … وَظِيفًا وظيفًا (^٣) فوقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ\nيعني بالموْرِ الطريقَ، وبالمعبدِ المذللَ الموطوءَ (^٤). ومِن ذلك قيل للبعيرِ المذلَّلِ بالركوبِ في الحَوائجِ: معبَّدٌ. ومنه سُمِّي العبدُ عبدًا لذلتِه لمولاه. والشواهدُ على ذلك مِن أشعارِ العربِ وكلامِها أكثرُ مِن أن تُحْصَى، وفيما ذكَرْناه كفايةٌ لمن وُفِّق لفهمِه إن شاء اللَّهُ تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-71>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ </span>(٥)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: ومعنى قولِه: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: وإيَّاك يا (^٥) ربَّنا نَسْتَعِينُ على عبادتِنا إياك وطاعتِنا في (^٦) أمورِنا كلِّها، لا أحدًا سواك، إذ كان مَن يَكْفُرُ بك يَسْتَعِينُ في أمورِه معبودَه الذي يَعْبُدُه مِن الأوثانِ دونك، فنحن بك نَسْتَعِينُ في جميعِ أمورِنا، مُخْلِصِين لك العبادةَ.\nكالذي حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: إياك نَسْتَعِينُ على طاعتِك وعلى أمورِنا كلِّها (^٧).\n_________\n(^١) العتاق: الإبل النجيبة الكريمة. اللسان (ع ت ق).\n(^٢) الناجية: الناقة السريعة تنجو بمن ركبها. الصحاح (ن ج و).\n(^٣) الوظيف: من رسغى البعير إلى ركبتيه في يديه، وأما في رجليه فمن رسغيه إلى عرقوبيه. اللسان (وظ ف).\n(^٤) في ص: \"الموطن\".\n(^٥) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في م، ت ٢، ت ٣: \"لك وفي\"\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩ (٣٠) من طريق أبي كريب به.","vol":"1","page":160},{"text":"فإن قال قائلٌ: وما معنى أمرِ اللَّهِ عبادَه بأن يَسْألوه المعونةَ على طاعتِه؟ أوَ جائزٌ، وقد أمَرهم بطاعتِه، ألا يُعِينَهم عليها؟ أم هل يقولُ قائلٌ لربِّه: إياك نَسْتَعِينُ على طاعتِك. إلا وهو على قولِه ذلك مُعانٌ؟ وذلك هو الطاعةُ، فما وجهُ مسألةِ العبدِ ربَّه ما قد أعْطاه (^١) إياه؟\nقيل: إن تأويلَ ذلك على غيرِ الوجهِ الذي ذهبتَ إليه، وإنما الداعي ربَّه مِن المؤمنين أن يُعِينَه على طاعتِه إياه، داعٍ أن يُعِينَه فيما بقِي مِن عمرِه على ما كلَّفه مِن طاعتِه، دون ما قد تَقَضَّى ومضَى مِن أعمالِه الصالحةِ فيما خلا مِن عمرِه. وجازت مسألةُ العبدِ ربَّه ذلك؛ لأن إعْطاءَ اللَّهِ عبدَه ذلك مع تمكينِه جَوارحَه لأداءِ ما كلَّفه مِن طاعتِه وافْتَرَض عليه مِن فرائضِه - فضلٌ منه جل ثناؤُه تفَضَّل به عليه، ولُطْفٌ منه لطَف له فيه، وليس في تركِه التفضُّلَ على بعضِ عَبيدِه بالتوفيقِ، مع اشتغالِ عبدِه بمعصيتِه، وانصرافِه عن محبتِه، ولا في بَسْطِه فضلَه على بعضِهم مع إجهادِ العبدِ نفسَه في محبتِه، ومسارعتِه إلى طاعتِه - فسادٌ (^٢) في تدبيرٍ، ولا جَوْرٌ في حكمٍ، فيجوزَ أن يَجْهَلَ جاهلٌ موضعَ حُكمِ اللَّهِ أمرَه (^٣) عبدَه بمسألتِه عونَه على طاعتِه.\nوفي أمرِ اللَّهِ جل ثناؤُه عبادَه أن يقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. بمعنى مسألتِهم إياه المعونةَ على العبادةِ - أدلُّ الدليلِ على فسادِ قولِ القائلين بالتفويضِ مِن أهلِ القَدَرِ الذين أحالوا أن يَأْمُرَ اللَّهُ أحدًا مِن\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١: \"اللَّه\".\n(^٢) أي: ليس في تركه التفضل فسادٌ ....\n(^٣) في م: \"وأمره\".","vol":"1","page":161},{"text":"عبادِه (^١) بأمرٍ أو يُكَلِّفَه فرضَ عملٍ، إلا بعدَ إعطائِه المعونةَ [والقدرةَ] (^٢) على فعلِه وعلى تركِه.\nولو كان الذي قالوا مِن ذلك كما قالوا، لبَطلَت الرغبةُ إلى اللَّهِ في المعونةِ على طاعتِه، إذ كان على قولِهم، مع وجودِ الأمرِ والنهيِ والتكليفِ - حقًّا واجبًا على اللَّهِ للعبدِ إِعطاؤُه المعونةَ عليه، سأله ذلك عبدُه أو ترَك مسألتَه (^٣) ذلك، بل تَرْكُ إعطائِه ذلك عندَهم منه جَوْرٌ، ولو كان الأمرُ في ذلك على ما قالوا، لَكان القائلُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إنما يَسْألُ ربَّه ألا يجورَ.\nوفي إجماعِ أهلِ الإسلامِ جميعًا على تَصْويبِ قولِ القائلِ: اللهم إنا نَسْتَعِينُك. وتخطئتِهم قولَ القائلِ: اللهم لا تَجُرْ علينا - دليلٌ واضحٌ على خطإِ ما قال الذين وصفتُ قولَهم، إذ كان تأويلُ قولِ القائلِ عندَهم: اللهم إنا نَسْتَعِينُك: اللهم لا تَتْرُكْ مَعونتَنا التي تركُكها (^٤) جَوْرٌ منك.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فقُدِّم الخبرُ عن العبادةِ، وأُخِّرَت مسألةُ المعونةِ عليها بعدَها (^٥)، وإنما تكونُ العبادةُ بالمعونةِ، فمسألةُ المعونةِ كانت أحقَّ بالتقديمِ (^٦) قبلَ المُعانِ عليه مِن العملِ (^٧)، والعبادةُ بها؟.\nقيل: لمَّا كان معلومًا أن العبادةَ لا سبيلَ للعبدِ إليها إلا بمعونةٍ مِن اللَّهِ جل ثناؤُه،\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"عبيده\".\n(^٢) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م: \"مسألة\".\n(^٤) في م: \"تركها\".\n(^٥) سقط من: ص.\n(^٦) بعده في ص: \"بم\".\n(^٧) في ر: \"العقل\".","vol":"1","page":162},{"text":"وكان مُحالًا أن يكونَ العبدُ عابدًا إلا وهو على العبادةِ مُعانٌ، وأن يكونَ مُعانًا عليها إلا وهو لها فاعلٌ - كان سواءً تقديمُ ما قُدِّم منهما على صاحبِه، كما سواءٌ قولُك لرجلٍ (^١) قضَى حاجتَك فأحْسَن إليك في قضائِها: قضيتَ حاجتي فأحسنتَ إليَّ. فقدَّمْتَ ذكرَ قضائِه حاجتَك، أو قلتَ: أحسنتَ إليَّ فقضيتَ حاجتي. فقدَّمْتَ ذكرَ الإحسانِ على ذكرِ قضاءِ الحاجةِ؛ لأنه لا يكونُ قاضيًا حاجتَك إلا وهو إليك محسنٌ، ولا محسنًا إليك إلا وهو لحاجتِك قاضٍ. فكذلك سواءٌ قولُ القائلِ: اللهم إنّا إياك نَعْبُدُ فأعِنَّا على عبادتِك. وقولُه: اللهم أعِنَّا على عبادتِك فإنّا إياك نعبُدُ.\nقال أبو جعفرٍ: وقد ظنَّ بعضُ أهلِ الغَفْلةِ أن ذلك مِن المُقَدَّمِ الذي معناه التأخيرُ، كما قال امرُؤُ القيسِ (^٢):\nفلو أنَّ ما أسْعَى لأدْنَى مَعيشةٍ … كفاني - ولم أطْلُبْ - قليلٌ مِن المالِ\nيُريدُ بذلك: كفاني قليلٌ مِن المالِ، ولم أطْلُبْ كثيرًا. وذلك مِن معاني التقديمِ والتأخيرِ، ومِن مُشابهةِ بيتِ امرِئِ القيسِ بمعْزِلٍ، مِن أجلِ أنه قد يَكْفِيه القليلُ مِن المالِ ويَطْلُبُ الكثيرَ، فليس وجودُ ما يَكْفِيه منه بمُوجِبٍ له تركَ طلبِ الكثيرِ، فيكونَ نظيرَ العبادةِ التي بوجودِها وجودُ المعونةِ عليها، وبوجودِ المعونةِ عليها وجودُها، فيكونَ ذكرُ أحدِهما دالًّا على الآخرِ، فيعتدلَ في صحةِ الكلامِ تقديمُ ما قُدِّم منهما قبلَ صاحبِه أن يكونَ موضوعًا في درجتِه ومرتَّبًا في مرتَبتِه.\nفإن قال: فما وجهُ تَكرارِه: ﴿إِيَّاكَ﴾. مع قولِه: ﴿نَسْتَعِينُ﴾ وقد تقدَّم ذلك قبلَ: ﴿نَعْبُدُ﴾؟ وهلَّا قيل: إياك نعبُدُ ونستعينُ. إذ كان المُخْبَرُ عنه أنه المعبودُ هو المْخَبرُ عنه أنه المُسْتعانُ؟\n_________\n(^١) في م: \"للرجل إذا\".\n(^٢) ديوانه ص ٣٩.","vol":"1","page":163},{"text":"قيل له (^١): إن الكافَ التي مع \"إِيَّا\"، هي الكافُ التي كانت تَتَّصِلُ بالفعلِ - أعْنِي بقوله: ﴿نَعْبُدُ﴾ - لو كانت مؤخرةً بعدَ الفعلِ (^٢)، وهي كنايةُ اسمِ المخاطَبِ المنصوبِ بالفعلِ، فكُثِّرت بـ \"إيَّا\" مُتَقَدِّمةً (^٣)، إذ كانت الأسماءُ إذا انفَرَدَتْ بأنفسِها لا تكونُ في كلامِ العربِ على حرفٍ واحدٍ، فلمَّا كانت الكافُ مِن: ﴿إِيَّاكَ﴾ هي كنايةَ اسمِ المخاطَبِ التي كانت تكون كافًا وحدَها مُتَّصِلةً بالفعلِ، إذا كانت بعدَ الفعلِ، ثم كان حظُّها أن تُعادَ مع كلِّ فعلٍ اتَّصَلَتْ به، فيقالَ: اللهم إنا نَعْبُدُك، ونَسْتَعِينُك، ونَحْمَدُك، ونَشْكُرُك. وكان ذلك أفصحَ في كلامِ العربِ مِن أن يُقالَ: اللهم إنا نَعْبُدُك ونَسْتَعِينُ ونَحْمَدُ. كان كذلك إذا قُدِّمَت كنايةُ اسمِ المُخاطَبِ قبلَ الفعلِ موصولةً بـ \"إيا\"، كان الأفصحُ إعادتَها مع كلِّ فعلٍ، كما كان الفصيحُ مِن الكلامِ إعادتَها مع كلِّ فعلٍ، إذا (^٤) كانت بعدَ الفعلِ مُتَّصِلةً به، وإن كان تركُ إعادتِها جائزًا.\nوقد ظنَّ بعضُ مَن لم يُنْعِمِ (^٥) النظرَ أن إعادةَ: ﴿إِيَّاكَ﴾ مع ﴿نَسْتَعِينُ﴾ بعدَ تقدُّمِها في قولِه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بمعنى قولِ عديِّ بنِ زيدٍ العِبَاديِّ (^٦):\nوجاعِل (^٧) الشمسِ مِصْرًا (^٨) لا خَفاءَ به … بينَ النهارِ وبينَ الليلِ قد فصَلا\n_________\n(^١) زيادة من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص: \"الفصل\".\n(^٣) في ص: \"متعدية\".\n(^٤) في م، ت ١: \"إذ\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يمعن\".\n(^٦) أساس البلاغة ص ٩٠٣. وفي المخصص ١٣/ ١٦٤ (المجلد الرابع)، واللسان والتاج (م ص ر) منسوبا إلى أمية بن أبي الصلت. واستدركه ابن برى ونسبه إلى عدي بن زيد.\n(^٧) في المخصص، واللسان، والتاج: \"جعل\".\n(^٨) المصر: الحاجز بين الشيئين.","vol":"1","page":164},{"text":"وكقولِ أعْشَى هَمْدانَ (^١):\nبينَ الأشَجِّ وبين قيسٍ باذخٌ (^٢) … بَخْ بَخْ (^٣) لوالدِه (^٤) وللمولودِ\nوذلك مِن قائلِه جهلٌ، مِن أجلِ أن حظَّ \"إياك\" أن تكونَ مُكرَّرةً مع كلِّ فعلٍ؛ لما وصَفْنا آنفًا مِن العلةِ، وليس ذلك حُكمَ \"بين\"؛ لأنها لا تكونُ إذا اقتَضَت اثنين إلا تكريرًا إذا أُعِيدَت، إذ كانت لا تَنْفَرِدُ بالواحدِ، وأنها لو أُفْرِدَت بأحدِ الاسمين في حالِ اقتضائِها اثنين كان الكلامُ كالمستحيلِ، وذلك أن قائلًا لو قال (^٥): الشمسُ قد فصَلَت بينَ النهارِ. لكان مِن الكلامِ خَلْفًا (^٦)، لنُقصانِ الكلامِ عما به الحاجةُ إليه مِن تمامِه الذي يَقْتَضِيه \"بين\". ولو قال القائلُ: اللهمّ إيّاك نَعْبُدُ. لكان ذلك كلامًا تامًّا. فكان معلومًا بذلك أن حاجةَ كلِّ كلمةٍ - كانت نظيرةَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ - إلى \"إياك\" كحاجةِ: ﴿نَعْبُدُ﴾ إليها، وأن الصوابَ أن تكونَ (^٧) معها \"إياك\"، إذ كانت كلُّ كلمةٍ منها جملةَ خبرِ مبتدإٍ، وبيِّنًا حُكمُ مُخالفةِ ذلك حُكمَ \"بين\" فيما وَفَّق بينَهما الذي وصَفْنا قولَه.\n\n<span id=\"aya-6\"></span><span data-type='title' id=toc-72>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿اهْدِنَا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: ومعنى قولِه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ في هذا الموضعِ عندَنا: وَفِّقْنا للثباتِ عليه. كما رُوِي (^٨) ذلك عن ابنِ عباسٍ.\n_________\n(^١) ديوانه ص ١١٣.\n(^٢) في ص: \"نازح\". وشرف باذخ: عال. اللسان (ب ذ خ).\n(^٣) سقط من: ص.\n(^٤) في ص: \"لوالدة\".\n(^٥) بعده في ر: \"إن\".\n(^٦) الخَلف: الرديء من القول. التاج (خ ل ف).\n(^٧) في م: \"تكرر\".\n(^٨) بعده في ص، ت ١، ت ٣: \"في\".","vol":"1","page":165},{"text":"حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، قال: قال جبريلُ لمحمدٍ: قلْ يا محمدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. يقولُ (^١): ألْهِمْنا الطريقَ الهاديَ (^٢).\nوإلهامُه إياه ذلك هو توفيقُه له، كالذي قلْنا في تأويلِه. ومعناه نظيرُ معنى قولِه: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. في أنه مسألةُ العبدِ ربَّه التوفيقَ للثباتِ على العملِ بطاعتهِ، وإصابةِ الحقِّ والصوابِ فيما أمَره به ونهاه عنه، فيما يَسْتَقْبِلُ مِن عُمُرِه، دون ما قد مضَى مِن أعمالِه، وتقَضَّى فيما سلَف مِن عمُرِه، كما قولُه: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. مسألةٌ منه ربَّه المَعُونةَ على أداءِ ما قد كلَّفه مِن طاعتهِ فيما بقِي مِن عمُرِه. فكان معنى الكلامِ: اللهمَّ إياك نَعْبُدُ وحدَك لا شريكَ لك، مُخْلِصِين لك العبادةَ دونَ ما سواك مِن الآلهةِ والأوثانِ، فأعِنَّا على عبادتِك، ووفِّقْنا لما وفَّقْت له مَن أنْعَمْتَ عليه مِن أنبيائِك وأهلِ طاعتِك، مِن السبُلِ (^٣) والمِنْهاجِ.\nفإن قال قائلٌ: وأنَّى وجَدْتَ الهدايةَ في كلامِ العربِ بمعنى التوفيقِ؟\n[قيل له] (^٤): ذلك في كلامِها أكثرُ وأظهرُ مِن أن يُحْصَى عددُ ما جاء عنهم في ذلك مِن الشواهدِ، فمِن ذلك قولُ الشاعرِ (^٥):\nلا تَحْرِمَنِّي هداك اللَّهُ مَسْألتي … ولا أكُونَنْ كمَن أوْدَى به السَّفَرُ\n_________\n(^١) سقط من: ر.\n(^٢) سيأتي بتمامه في ص ١٧٤.\n(^٣) في م: \"السبيل\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"السبر\".\n(^٤) في ص، ر: \"قبل\".\n(^٥) لودفة الأسدي أبيات على نفس الوزن يقولها لمعن بن زائدة. ينظر أمالي المرتضى ١/ ٢٢٢.","vol":"1","page":166},{"text":"بمعنى (^١): وفَّقك اللَّهُ لقضاءِ حاجتي.\nومنه قولُ الآخرِ (^٢):\n[ولا تُعْجِلَنِّي] (^٣) هداك المَليكُ … فإن لكلِّ مَقامٍ مَقالَا\nفمعلومٌ أنه إنما أراد: وفَّقك اللَّهُ لإصابةِ الحقِّ في أمْرِي.\nومنه قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨، آل عمران: ٨٦، التوبة: ١٩، ١٠٩، الصف: ٧، الجمعة: ٥]. في غيرِ آيةٍ مِن تنزيلِه. وقد عُلِم بذلك أنه لم يَعْنِ أنه لا يُبَيِّنُ للظالمين الواجبَ عليهم من فرائضِه. وكيف يجوزُ أن يكونَ ذلك معناه، وقد عمَّ بالبيانِ جميعَ المكلَّفين مِن خلقِه، ولكنه عنَى جل ذكرُه أنه لا يُوَفِّقُهم، ولا يَشْرَحُ للحقِّ والإيمانِ صدورَهم.\nوقد زعَم بعضُهم أن تأويلَ قولِه: ﴿اهْدِنَا﴾: زِدْنا هدايةً.\nوليس يَخْلُو هذا القولُ مِن أحدِ أمْرَيْن؛ إما أن يكونَ قد ظنَّ قائلُه أن النبيَّ ﷺ أُمِر [بمسألةِ ربِّه] (^٤) الزيادةَ في البيانِ، أو (^٥) الزيادةَ في المعونةِ والتوفيقِ. فإن كان ظنَّ أنه أُمِر بمسألتِه (^٦) الزيادةَ في البيانِ، فذلك ما لا وجهَ له؛ لأن اللَّهَ جل ثناؤُه لا يُكَلِّفُ عبدًا فرضًا مِن فرائضِه إلا بعدَ تبيينهِ له وإقامةِ الحجةِ عليه به، ولو كان معنى ذلك معنى مسألتِه البيانَ، لَكان قد أُمِر أن يَدْعُوَ ربَّه أن يُبَيِّنَ له ما فرَض عليه، وذلك مِن الدعاءِ خَلْفٌ؛ لأنه لا يَفْرِضُ فرضًا إلا مبيَّنًا لمن فرَضه عليه، أو يكونَ أُمِر أن يَدْعُوَ ربَّه\n_________\n(^١) في م: \"يعني به\".\n(^٢) ديوان الحطيئة ص ٢٢٢، والأغاني ٢/ ١٨٧، واللسان (ق ول)، (ح ن ن)، وفي الفاخر ص ٣١٤ أن أول من قال ذلك طرفة بن العبد في شعر يعتذر فيه لعمرو بن هند. ولم نجد البيت في ديوانه.\n(^٣) في الديوان، والأغاني، واللسان: \"تحنن على\"، وفي الفاخر: \"تصدق على\".\n(^٤) في ص: \"بمسألته\".\n(^٥) في ص، ر، ت ١: \"و\".\n(^٦) في م: \"بمسألة\".","vol":"1","page":167},{"text":"أن يَفْرِضَ عليه الفرائضَ التي لم يَفْرِضْها. وفي فسادِ وجهِ مسألةِ العبدِ ربَّه ذلك ما (^١) يُوَضِّحُ عن أن معنى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. غيرُ معنى: بيِّن لنا فرائضَك وحدودَك.\nأو يكونَ ظنَّ أنه أُمِر بمسألةِ ربِّه الزيادةَ في المعونةِ والتوفيقِ، فإن كان ذلك كذلك، فلن تَخْلُوَ مسألتُه تلك الزيادةَ مِن أن تكونَ مسألةً للزيادةِ في المَعونةِ على ما قد مضى مِن عملِه، أو على ما يَحْدُثُ، وفي ارتفاعِ حاجةِ العبدِ إلى المعونةِ على ما قد تقَضَّى مِن عملِه، ما يُعْلِمُ أن معنى مسألةِ تلك الزيادةِ إنما هو مسألتُه الزيادةَ لما يَحْدُثُ مِن عملِه. وإذ كان ذلك كذلك، صار الأمرُ إلى ما وصَفْنا وقلْنا في ذلك مِن أنه مسألةُ العبدِ ربَّه التوفيقَ لأداءِ ما كُلِّف مِن [فرائضِ ربِّه] (^٢) فيما يَسْتَقْبِلُ مِن عمُرِه.\nوفي صحةِ ذلك فسادُ قولِ (^٣) أهلِ القدَرِ الزاعمين أن كلَّ مأمورٍ بأمرٍ أو مكلَّفٍ فرضًا، فقد أعْطِي مِن المعونةِ عليه ما قد ارتَفَعَت معه في ذلك الفرضِ حاجتُه إلى ربِّه؛ لأنه لو كان الأمرُ على ما قالوا في ذلك لَبَطل معنى قولِ اللَّهِ جل ثناؤه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. وفي صحةِ معنى ذلك على ما بيَّنا، فسادُ قولِهم.\nوقد زعم بعضُهم أن معنى قولِه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: أسْلِكْنا طريقَ الجنةِ في المَعادِ. أيْ: قدِّمْنا له وامْضِ بنا إليه. كما قال جل ثناؤُه: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]. أي: أدْخِلوهم النارَ. كما تُهْدَى المرأةُ إلى زوجِها،\n_________\n(^١) في ص: \"مما\".\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"فرائضه\".\n(^٣) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.","vol":"1","page":168},{"text":"يُعْنَى بذلك أنها تُدْخَلُ إليه، وكما تُهْدَى الهديَّةُ إلى الرجلِ، وكما تَهْدِي الساقَ القدمُ، نظيرَ قولِ طَرَفةَ بنِ العَبْدِ (^١):\nلعِبَتْ بَعْدِي السُّيولُ به … وجرَى في رَوْنَقٍ رِهَمُهْ (^٢)\nللفتى عَقْلٌ يَعِيشُ به … حيث تَهْدِي ساقَه قَدَمُهْ\nأي: تَرِدُ به المواردَ.\nوفي قولِ اللَّهِ جل ثناؤُه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ما يُنْبِئُ عن خطأ هذا التأويلِ، مع شهادةِ الحُجَّةِ مِن المفسِّرِين على تخطئتِه، وذلك أن جميعَ المفسِّرين مِن الصحابةِ والتابعين مُجْمِعون على أن معنى الصراطِ في هذا الموضعِ غيرُ المعنى الذي تأَوَّله قائلُ هذا القولِ، وأن قولَه: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. مسألةُ العبدِ ربَّه المعونةَ على عبادتِه، فكذلك قولُه: ﴿اهْدِنَا﴾. إنما هو مسألتُه (^٣) الثباتَ على الهدى فيما بقِي مِن عمُرِه.\nوالعربُ تقولُ: هدَيْتُ فلانًا الطريقَ، وهدَيْتُه للطريقِ، وهدَيْتُه إلى الطريقِ: إذا أرْشَدْتَه إليه (^٤)، وسدَّدْتَه له. وبكلِّ ذلك قد (^٥) جاء القرآنُ، قال اللَّهُ جل ثناؤُه: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]. وقال في موضع آخرَ: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١]. وقال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. وكلُّ ذلك فاشٍ في منطقِها، موجودٌ في كلامِها، من ذلك قولُ\n_________\n(^١) ديوانه ص ٧٥، ٨٠.\n(^٢) في ص، ت ١: \"دهمه\"، وفي ر: \"دَهَمُه\". والرهم جمع الرهمة: المطر الضعيف الدائم الصغير القطر. اللسان (ر هـ م).\n(^٣) في ص، م: \"مسألة\".\n(^٤) في ر: \"إلى الطريق\".\n(^٥) زيادة من: ر، ت ٢، ت ٣.","vol":"1","page":169},{"text":"الشاعرِ (^١):\nأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذنبًا لستُ مُحْصِيَه … ربَّ العبادِ إليه الوجهُ والعملُ\nيُرِيدُ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ لذنْبٍ. كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥].\nومنه قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (^٢):\nفيَصِيدُنا العَيْرَ (^٣) المُدِلَّ بحُضْرِه (^٤) … قبلَ الوَنَى والأشْعَبَ (^٥) النَّبَّاحا\nيُرِيدُ: فيصِيدُ لنا. وذلك كثيرٌ في أشعارِهم وكلامِهم، وفيما ذكَرْنا منه كفايةٌ. واللَّهُ الموفقُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-73>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ </span>(٦)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: أجْمَعَت الحُجَّةُ (^٦) مِن أهلِ التأويلِ جميعًا على أن الصراطَ المستقيمَ هو الطريقُ الواضحُ الذي لا اعْوِجاجَ فيه، وكذلك ذلك (^٧) في لغةِ جميعِ العربِ، فمِن ذلك قولُ جريرِ بنِ عَطِيةَ الخَطَفى (^٨):\nأميرُ المؤمنين على صراطٍ … إذا اعوَجَّ المواردُ مستقيمِ\n_________\n(^١) الكتاب ١/ ٣٧، والخزانة ٣/ ١١١. وقال: وهذا البيت أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها.\n(^٢) للنابغة قصيدة على نفس الوزن ليس منها هذا البيت. ينظر ديوان النابغة - تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم - ص ٢١٣ - ٢١٧.\n(^٣) العير: حمار الوحش. اللسان (ع ي ر).\n(^٤) الحضر: ارتفاع الدابة في العدو. اللسان (ح ض ر).\n(^٥) الأشعب: الظبي إذا تفرق قرناه فتباينا بينونة شديدة. اللسان (ش ع ب).\n(^٦) في ص، م، ت ١: \"الأمة\".\n(^٧) سقط من: ر.\n(^٨) ديوانه ١/ ٢١٨.","vol":"1","page":170},{"text":"يريدُ: على طريقِ الحقِّ.\nومنه قولُ الهُذَليِّ أبي ذُؤَيْبٍ (^١):\nصبَحْنا أرضَهم بالخيلِ حتى … ترَكْناها أدَقَّ مِن الصراطِ\nومنه قولُ الراجزِ (^٢):\nفصدَّ عن نَهْجِ الصِّراطِ القاصدِ (^٣)\nوالشواهدُ على ذلك أكثرُ مِن أن تُحْصَى، وفيما ذكَرْنا غِنًى عما ترَكْنا.\nثم تَسْتَعِيرُ العربُ الصراطَ فتَسْتَعْمِلُه في كلِّ قولٍ وعملٍ وُصِف باستقامةٍ أو اعْوِجاجٍ، فتَصِفُ المستقيمَ باستقامتِه، والمُعْوَجَّ باعْوِجاجِه. والذي هو أولى بتأويلِ هذه الآيةِ عندي، أعْنِي (^٤): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أن يَكونَ مَعْنِيًّا به: وَفِّقْنا للثباتِ على ما ارْتَضَيْتَه ووَفَّقْتَ له مَن أنعمْتَ عليه مِن عبادِك، مِن قولٍ وعملٍ، وذلك هو الصراطُ المستقيمُ؛ لأن مَن وُفِّق لما وُفِّق له مَن أنْعَم اللَّهُ عليه مِن النبيِّين والصديقين والشهداءِ [والصالحين] (^٥)، فقد وُفِّق للإسلامِ، وتصديقِ الرسلِ، والتمسكِ بالكتابِ، والعملِ بما أمَره (^٦) اللَّهُ به، والانْزجارِ عما زجَره عنه، واتباعِ منهاجِ (^٧) النبيِّ ﷺ، ومِنهاجِ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ، رضِي ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)﴾ [غافر: ٥٥] اللَّهُ عنهم أجمعين، وكلِّ عبدٍ للَّهِ صالحٍ، وكلُّ ذلك مِن الصراطِ المستقيمِ.\n_________\n(^١) ليس في ديوانه، ونسبه القرطبي في تفسيره ١/ ١٤٧ إلى عامر بن الطفيل.\n(^٢) في ص: \"الآخر\". والرجز في مجاز القرآن ١/ ٢٤، وتفسير القرطبي ١/ ١٤٧.\n(^٣) في تفسير القرطبي: \"الواضح\".\n(^٤) سقط من: ر.\n(^٥) زيادة من: ر.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"أمر\".\n(^٧) في م، ت ٢، ت ٣: \"منهج\".","vol":"1","page":171},{"text":"وقد اختَلف تَراجِمةُ القرآنِ في المعنيِّ بالصراطِ المستقيمِ، يَشْمَلُ معانيَ جميعِهم في ذلك ما أخْبَرْنا (^١) مِن التأويلِ فيه.\nومما قالته في ذلك ما رُوِي عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، ﵁، عن النبيِّ ﷺ، أنه قال، وذكَر القرآنَ، فقال: \"هو الصرَاطُ المُسْتَقِيمُ\".\nحدَّثنا بذلك موسى بنُ عبدِ الرحمن المسْروقيُّ، قال: حدَّثنا حسينٌ الجُعْفيُّ، عن حمزةَ الزيَّاتِ، عن أبي المُخْتارِ الطائيِّ، عن ابنِ أخي الحارثِ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ (^٢).\nوحُدِّثْتُ عن إسماعيلَ بنِ أبي كَريمةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَلَمةَ، عن أبي سِنانٍ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن أبي البَخْتريِّ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (^٣).\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"اخترنا\"، وفي ت ٢: \"أجزنا\". وفي حاشية المطبوعة إشارة إلى أنها كانت: \"أخبرنا\".\n(^٢) إسناده ضعيف جدًّا؛ أبو المختار الطائي وابن أخي الحارث مجهولان، والحارث ضعيف.\nوأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٨٢، والدارمي ٢/ ٤٣٥، والترمذي (٢٩٠٦)، والبيهقي في الشعب (١٩٣٥، ١٩٣٦)، والبغوي في تفسيره ١/ ٣٩، وفي شرح السنة (١١٨١) من طريق حسين به مطولا.\nوأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده - كما في النكت الظراف ٧/ ٣٥٧ - وابن نصر في قيام الليل ص ٧١، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٠ (٣٢) - مختصرا - والبزار (٨٣٦) - مطولا - والدارقطني في العلل ٣/ ١٤١، ١٤٢ من طرق عن حمزة الزيات به.\nواختلف على حمزة الزيات فيه، والصحيح الوجه الذي أورده المصنف. ينظر علل الدارقطني ٣/ ١٣٨ - ١٤٠. وقال الذهبي في ترجمة أبي المختار من الميزان ٤/ ٥٧١: حديثه في فضائل القرآن العزيز منكر.\nوقال ابن كثير في فضائل القرآن ص ١٥: والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور، وقد تكلموا فيه، بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده، أما أنه تعمد الكذب في الحديث، فلا، واللَّه أعلم. وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي ﵁، وقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح. وقال في تفسيره ١/ ٤٢: وقد رُوي هذا موقوفًا عن علي، وهو أشبه.\nورُوي من وجه آخر مختصرًا عند أحمد ٢/ ١١١ (٧٠٤)، وليس فيه تفسير الصراط المستقيم.\n(^٣) أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه (١٩٠) من طريق إسماعيل به. وأخرجه البزار (٨٣٥) - مختصرًا - =","vol":"1","page":172},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيريُّ، قال: حدَّثنا حمزةُ الزياتُ، عن أبي المختارِ الطائيِّ، عن ابنِ أخي الحارثِ الأعورِ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال: الصِّراطُ المستقيمُ كتابُ اللَّهِ تعالى.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، وحدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: الصراطُ المستقيمُ كتابُ اللَّهِ (^١).\nحدَّثنا محمودُ بنُ خِدَاشٍ الطالَقانيُّ، قال: حدَّثنا حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ الرُّؤاسيُّ، قال: حدَّثنا عليٌّ والحسنُ ابنا صالحٍ، جميعًا عن عبدِ اللَّهِ بن محمدِ بنِ عَقِيلٍ، عن جابرٍ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: الإسلامُ. قال: هو أوسعُ مما بينَ السماءِ و(^٢) الأرضِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا\n_________\n= والدارمي ٢/ ٤٣٥، ٤٣٦ من طريق محمد بن سلمة به.\nوأخرجه الخطيب (١٩١) من طريق محمد بن حميد، عن الحكم بن بشير بن سلمان، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة به.\nوأبو سنان صدوق له أوهام، وقد خولف فيه، فرواه غير واحد عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن ابن أبي الحارث، عن الحارث، عن علي. ينظر علل الدارقطني ٣/ ١٣٧، ١٣٨.\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٥٨، والبيهقي في الشعب (١٩٣٨) من طريق سفيان به. وصححه الحاكم.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٥ إلى وكيع وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف.\nوذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٢ عن الثوري به، وقال: وقيل: هو الإسلام. وهذا أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان ٢/ ١٠٣ من طريق مسعر، عن منصور به.\n(^٢) في ص، ر، ت ١، ت ٢: \"إلى\".\n(^٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٥٨، ٢٥٩ من طريق الحسن بن صالح به. وقال: صحيح الإسناد.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٥ إلى وكيع وعبد بن حميد وابن المنذر والمحاملي.","vol":"1","page":173},{"text":"بشرُ بنُ عُمارةَ (^١)، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، قال: قال جبريلُ لمحمدٍ: قلْ يا محمدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. يقولُ: ألْهِمْنا الطريقَ الهاديَ، وهو دينُ اللَّهِ الذي لا [عِوَجَ له] (^٢).\nحدَّثنا [سهلُ بنُ موسى] (^٣) الرازيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عوفٍ، عن الفُراتِ بنِ السائبِ، عن ميمونِ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: ذلك الإسلامُ (^٤).\nحدَّثنا محمودُ بنُ خِداشٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ربيعةَ الكِلابيُّ، عن إسماعيلَ الأزرقِ، عن أبي عُمرَ البزَّارِ، عن ابنِ الحَنَفيةِ في قولِه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: هو دينُ اللَّهِ الذي لا يَقْبَلُ مِن العبادِ غيرَه (^٥).\nحدَّثنا موسى بنُ هارونَ الهَمْدانيُّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ طلحةَ القَنَّادُ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (^٦): هو الإسلامُ (^٧).\n_________\n(^١) في م، ت ٣: \"عمار\".\n(^٢) في ر: \"اعوجاج فيه\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٠ (٣١، ٣٦) من طريق أبي كريب به.\n(^٣) في م: \"موسى بن سهل\". وينظر تاريخ المصنف ١/ ٣٢، ٣٢٩، ٣٣٧.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٥ إلى المصنف. والفرات بن السائب منكر الحديث.\nوسيأتي في تفسير الآية ١٢٦ من سورة الأنعام، بإسناد محمد بن سعد عن آبائه.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٣ عن ابن الحنفية. وإسماعيل الأزرق ضعيف.\n(^٦) بعده في ص، م، ت ١: \"قال\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٥ إلى المصنف.","vol":"1","page":174},{"text":"حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: الطريق (^١).\nحدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ أبو صديفٍ الآمُلِيُّ، قال: حدثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، قال: حدثنا [حمزةُ بنُ أبي المغيرةِ] (^٢)، عن عاصمٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: هو رسولُ اللَّهِ ﷺ وصاحباه مِن بعدِه؛ أبو بكرٍ وعمرُ. قال: فذكَرْتُ ذلك للحسنِ، فقال: صدَق أبو العاليةِ ونصَح (^٣).\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسْلَمَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: الإسلامُ (^٤).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، أن عبدَ الرحمنِ بنَ جُبَيْرٍ حدَّثه، عن أبيه، عن نَوَّاسِ بنِ سِمْعانَ الأنصاريِّ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ قال: \"ضرَب اللَّهُ مَثَلًا صِراطًا مُسْتَقِيمًا، والصِّرَاطُ الإسلَامُ\" (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) كذا في النسخ، والصواب: حمزة بن المغيرة. ينظر تهذيب الكمال ٧/ ٣٤٠.\n(^٣) أخرجه المروزي في السنة (٢٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٠ (٣٤)، وابن حبان في الثقات ٦/ ٢٢٩ - تعليقًا - وابن عدي ٣/ ١٠٢٣، وابن عساكر في تاريخه ١٨/ ١٧٠ من طريق هاشم بن القاسم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٥ إلى عبد بن حميد.\nوأخرجه الحاكم ٢/ ٢٥٩ - وصححه - من طريق هاشم، عن حمزة، عن عاصم، عن أبي العالية، عن ابن عباس. وذكر قول الحسن كذلك.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٣ عن عبد الرحمن.\n(^٥) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٩)، والطحاوي في المشكل (٢٠٤٣، ٢١٤١)، وابن أبي حاتم =","vol":"1","page":175},{"text":"حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ العَسْقلانيُّ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، عن أبيه، عن النَّوَّاسِ بنِ سِمْعانَ الأنصاريِّ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وإنما وصَفه اللَّهُ جل ثناؤُه بالاستقامةِ؛ لأنه صوابٌ لا خطأَ فيه. وقد زعَم بعضُ أهلِ الغَباءِ أنه سمَّاه اللَّهُ مستقيمًا، لاستقامتِه بأهلِه إلى الجنةِ، وذلك تأويلٌ لتأويلِ جميعِ أهلِ التفسيرِ خلافٌ، وكفى بإجماعِ جميعِهم على خلافِه جميعَهم (^٢) دليلًا على خطِئه.\n\n<span id=\"aya-7\"></span><span data-type='title' id=toc-74>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾.</span>\nوقولُه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. إبانةٌ عن الصراطِ المستقيمِ، أيُّ الصراطِ هو؟ إذ كان كلُّ طريقٍ مِن طرُقِ الحقِّ [صراطًا مستقيمًا] (^٣)، فقيل لمحمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ: اهْدِنا يا ربَّنا الصراطَ المستقيمَ، صراطَ الذين أنْعَمْتَ\n_________\n= في تفسيره ١/ ٣٠ (٣٣)، والآجري في الشريعة (١٤)، والرامهرمزي في الأمثال ص ١٠ من طرق عن أبي صالح به. وأخرجه الحاكم ١/ ٧٣ من طريق معاوية بن صالح به. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولا أعرف له علة.\nوأخرجه ابن أبي عاصم (١٨)، وأحمد ٢٩/ ١٨٤ (١٧٦٣٦)، والترمذي (٢٨٥٩)، والنسائي في الكبرى (١١٢٣٣)، والطحاوي (٢١٤٣)، والطبراني في مسند الشاميين (١١٤٧) من طريق خالد بن معدان، عن جبير بن نفير به، مطولا ومختصرا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٥ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه. وقال الترمذي: حسن غريب. وقال ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٣: إسناد حسن صحيح.\n(^١) في م: \"بمثله\".\nوالحديث أخرجه الطحاوي في المشكل (٢١٤٢)، والآجري في الشريعة (١٥)، والبيهقي في الشعب (٧٢١٦) من طريق آدم به. وأخرجه أحمد ٢٩/ ١٨١ (١٧٦٣٤)، والبيهقي (٧٢١٦) من طريق الليث به.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ر، ت ٢، ت ٣: \"فصراط مستقيم\".","vol":"1","page":176},{"text":"عليهم بطاعتِك عبادتِك، مِن ملائكتِك وأنبيائِك والصِّدِّيقِين والشهداءِ والصالحين. وذلك نظيرُ ما قال ربُّنا جل ثناؤُه في تنزيلِه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٩].\nقال أبو جعفرٍ: فالذي أُمِر محمدٌ ﷺ وأمتُه أن يَسْألوا (^١) ربَّهم مِن الهدايةِ للطريقِ المستقيمِ، هي الهدايةُ للطريقِ الذي وصَف اللَّهُ جل ثناؤُه صفتَه، وذلك الطريقُ هو طريقُ الذين (^٢) وصَفهم اللَّهُ بما وصَفَهم به في تنْزيلِه، ووعَد مَن سَلَكه فاسْتَقام فيه طائعًا للَّهِ ولرسولِه ﷺ، أن يُورِدَه (^٣) مَواردَهم، واللَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ.\nوبنحوِ ما قلْنا في ذلك رُوِي الخبرُ عن ابنِ عباسٍ وغيرِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا [بشرُ بنُ عُمارةَ] (^٤)، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: طريقَ مَن أنْعَمْتَ عليهم (^٥) مِن الملائكةِ والنبيين الصِّدِّيقِين والشهداءِ والصالحين، الذين أطاعوك وعبَدوك (^٦).\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"يسألوه\".\n(^٢) في م، ت ١: \"الذي\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"يوردهم\".\n(^٤) في ص: \"قيس بن عمارة\"، وفي م: \"بشر بن عمار\".\n(^٥) بعده في م: \"بطاعتك وعبادتك\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١ (٣٧، ٣٨) من طريق محمد بن العلاء به.","vol":"1","page":177},{"text":"حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: أخْبَرَنا عُبيدُ (^١) اللَّهِ بنُ موسى، عن أبي جعفرٍ، عن ربيعٍ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. قال: النبيون (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. قال: المؤمنين (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: قال وَكيعٌ: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: المسلمين (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. قال: النبيُّ ﷺ ومَن معه (^٥).\nقال أبو جعفرٍ: وفي هذه الآيةِ دليلٌ واضحٌ على أن طاعةَ اللَّهِ جل ثناؤُه لا يَنالُها المُطيعون إلا بإنعامِ اللَّهِ بها عليهم وتوفيقِه إياهم لها، أوَ لا يَسْمَعونه يقولُ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. فأضاف (^٦) ما كان منهم مِن اهْتِداءٍ وطاعةٍ وعبادةٍ إلى أنه إنعامٌ منه عليهم.\nفإن قال قائلٌ: وأين تَمامُ هذا الخبرِ؟ فقد علِمْتَ أن قولَ القائلِ لآخرَ: أنْعَمْتُ عليك. مقتضٍ الخبرَ عما أنْعَم به عليه، فأين ذلك الخبرُ في قولِه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾؟ وما تلك النعمةُ التي أنْعَمَها عليهم؟\nقيل له: قد قدَّمْنا البيانَ فيما مضَى مِن كتابِنا هذا عن اجْتِزاءِ العربِ في\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"عبد\". وقد تقدم على الصواب في ص ١٤٦. وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ١٦٤.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن كثير ١/ ٤٤ عن ابن جريج عن ابن عباس.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٤ عن وكيع.\n(^٥) ذكره ابن كثير ١/ ٤٤.\n(^٦) بعده في م: \"كل\".","vol":"1","page":178},{"text":"مَنْطِقِها ببعضٍ مِن بعضٍ، إذا كان البعضُ الظاهرُ دالًّا على البعضِ الباطنِ وكافيًا منه، فقولُه (^١): ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. من ذلك؛ لأن أمْرَ اللَّهِ جل ثناؤُه عبادَه مسألتَه المعونةَ، وطلبَهم منه الهدايةَ للصراطِ المستقيمِ، لمَّا كان متقدمًا قولَه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. الذي هو إبانةٌ عن الصراطِ المستقيمِ، وإبدالٌ منه - كان معلومًا أن النعمةَ التي أنْعَم اللَّهُ بها على مَن أمَرنا (^٢) بمسألتهِ الهدايةَ لطريقِهم، هو المنهاجُ القويمُ (^٣)، والصراطُ المستقيمُ، الذي قد قدَّمْنا البيانَ عن تأويلِه آنفًا، فكان ظاهرُ ما ظهَر مِن ذلك - مع قربِ تَجاوُرِ الكلمتَيْن - مُغْنِيًا عن تَكْرارِه، كما قال نابغةُ بني ذُبْيانَ (^٤):\nكأنك مِن جِمالِ بني أُقَيْشٍ … يُقَعْقَعُ (^٥) خلفَ رِجْلَيْه بشَنِّ (^٦)\nيريدُ: كأنك مِن جِمالِ بني أُقَيْشٍ، جملٌ يُقَعْقَعُ خلفَ رجليه بشَنٍّ. فاكْتَفَى بما ظهَر مِن ذكرِ الجِمالِ الدالِّ على المحذوفِ مِن إظهارِ ما حذَف.\nوكما قال الفَرَزْدَقُ بنُ غالبٍ (^٧):\nتَرَى أرْباقَهم (^٨) مُتَقَلِّدِيها … إذا صَدِئَ الحديدُ على الكُمَاةِ (^٩)\n_________\n(^١) في ص، ر: \"بقوله\".\n(^٢) في ر: \"أمر\".\n(^٣) في ر: \"القديم\".\n(^٤) ديوانه ص ١٩٨.\n(^٥) في المثل: فلان لا يقعقع له بالشنان. أي لا يخدع ولا يروع. وأصله من تحريك الجلد اليابس للبعير ليفزع. اللسان (ق ع ع).\n(^٦) الشن: القربة الخلَق. اللسان (ش ن ن).\n(^٧) ديوانه ص ١٣١.\n(^٨) الأرباق جمع الرِّبق: الحبل والحلقة تشد بها الغنم الصغار لئلا ترضع. اللسان (ر ب ق).\n(^٩) الكماة جمع الكمى: البطل الشجاع الجريء. التاج (ك م ى).","vol":"1","page":179},{"text":"يُرِيدُ: مُتَقَلِّدِيها هم. فحذَف \"هم\" إذا كان الظاهرُ مِن قولِه: أرباقَهم. دالًّا عليها.\nوالشواهدُ على ذلك مِن شعرِ العربِ وكلامِها أكثرُ مِن أن تُحْصَى، فكذلك ذلك في قولِه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-75>القولُ في تأويل قولِه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: والقَرَأةُ مُجْمِعةٌ على قراءةِ: ﴿غَيْرِ﴾. بجرِّ الراءِ منها. والخفضُ يأتيها مِن وجهين:\nأحدُهما، أن يكونَ ﴿غَيْرِ﴾ صفةً لـ ﴿الَّذِينَ﴾ ونعتًا لهم فتَخْفِضَها، إذا كان ﴿الَّذِينَ﴾ خفضًا، وهي لهم نعتٌ وصفةٌ. وإنما جاز أن يكونَ ﴿غَيْرِ﴾ نعتًا لـ ﴿الَّذِينَ﴾، و﴿الَّذِينَ﴾ معرفةٌ، و﴿غَيْرِ﴾ نكرةٌ؛ لأن ﴿الَّذِينَ﴾ بصلتِها ليست بالمعرفةِ المؤقتةِ، كالأسماءِ التي هي أماراتٌ بينَ الناسٍ، مثلَ زيدٍ وعمرٍو، وما أشْبَهَ ذلك، وإنما هي كالنكراتِ المجهولاتِ (^١)، مثلَ الرجلِ والبعيرِ، وما أشْبَهَ ذلك. فلما كان ﴿الَّذِينَ﴾ كذلك صفتُها، وكانت ﴿غَيْرِ﴾ مضافةً إلى مجهولٍ مِن الأسماءِ نظيرَ ﴿الَّذِينَ﴾ في أنه معرفةٌ غيرُ مؤقتةٍ، كما ﴿الَّذِينَ﴾ معرفةٌ غيرُ مؤقتةٍ، جاز مِن أجلِ ذلك أن يكونَ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ نعتًا لـ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [كما يقالُ: لا أَجْلِسُ إلا إلى العالمِ غير الجاهلِ. يُرادُ: لا أجْلِسُ إلا إلى مَن يَعْلَمُ، لا إلى مَن يَجْهَلُ. ولو كان ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ معرفةً مؤقتةً، كان غيرَ] (^٢)\n_________\n(^١) في ر: \"المجمولات\".\n(^٢) سقط من: ر.","vol":"1","page":180},{"text":"[جائزٍ أن يكونَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ لها نعتًا، وذلك أنه خطأٌ في كلامِ العربِ إذا وُصِفَت معرفةٌ مؤقتةٌ بنكرةٍ - أن تُلْزِمَ نعتَها النكرةَ إعرابَ المعرفةِ المنعوتِ بها، إلا على نيةِ تكريرِ ما أعربَ المنعوتَ بها. خطأٌ في كلامِهم أن يقالَ: مررْتُ بعبدِ اللَّهِ [غيرِ العالمِ. فتَخْفِضَ \"غير\" إلا على نيةِ تكريرِ الباءِ التي أعرَبَتْ عبدَ اللَّهِ. فكأنَّ معنى ذلك لو قيل كذلك: مرَرْتُ بعبدِ اللَّهِ] (^١)، مررتُ بغيرِ العالمِ. فهذا أحدُ وجْهَيِ الخفضِ في ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾] (^٢).\nوالوجهُ الآخرُ مِن وجهَيِ الخفضِ فيها، أن يكونَ ﴿الَّذِينَ﴾ بمعنى المعرفةِ المؤقتةِ، وإذا وُجِّه إلى ذلك، كانت ﴿غَيْرِ﴾ مخفوضةً بنيةِ تكريرِ الصراطِ الذي خُفِض ﴿الَّذِينَ﴾، عليها، فكأنك قلتَ: صراطَ الذين أنعَمْت عليهم، صراطَ غيرِ المغضوبِ عليهم.\nوهذان التأويلان في ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وإن اخْتَلَفا باختلافِ مُعْرِبِيهما، فإنهما يَتَقارَبُ معناهما، مِن أجلِ أن مَن أنْعَم اللَّهُ عليه فهداه لدينِه الحقِّ فقد سلِم مِن غضبِ ربِّه، ونجا مِن الضَّلالِ في دينِه.\nفسواءٌ - إذ كان سامعُ قولِه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ غيرَ جائزٍ أن يَرتابَ مع سماعِه ذلك مِن تاليه في أن الذين أنْعَم اللَّهُ عليهم بالهدايةِ للصراطِ غيرُ غاضبٍ ربُّهم عليهم، مع النعمةِ التي قد عظُمَت مِنَّتُه بها عليهم في دينِهم، ولا أن يكونوا ضُلَّالًا وقد هداهم الحقَّ (^٣) ربُّهم، إذ كان مستحيلًا في فِطَرِهم اجتماعُ الرِّضَا مِن اللَّهِ جل ثناؤُه عن شخصٍ والغضبِ\n_________\n(^١) سقط من: ص.\n(^٢) سقط من: ر.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"للحق\".","vol":"1","page":181},{"text":"عليه في حالٍ واحدةٍ، واجتماعُ الهُدَى والضَّلالِ له في وقتٍ واحدٍ - وُصِف القومُ - مع وَصْفِ اللَّهِ إياهم بما وصَفَهم به مِن توفيقِه إياهم وهدايتِه لهم، وإنعامِه عليهم بما أنْعَم اللَّهُ به عليهم في دينِهم بأنهم غيرُ مغضوبٍ عليهم ولا هم ضالُّون - أم لم يُوصَفوا بذلك؛ لأن الصفةَ الظاهرةَ التي وُصِفوا بها قد أنْبَأَت عنهم أنهم كذلك، وإن لم يُصَرِّحْ وصفَهم به. هذا إذا وجَّهْنا ﴿غَيْرِ﴾ إلى أنها مخفوضةٌ على نيةِ تكريرِ الصراطِ الخافضِ ﴿الَّذِينَ﴾، ولم نَجْعَلْ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ مِن صفةِ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بل إذا جعَلْناهم غيرَهم، وإن كان الفريقان لا شكَّ مُنْعَمًا عليهما في أدْيانِهما. فأما إذا وجَّهْنا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ إلى أنها مِن نعتِ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فلا حاجةَ بسامعِه إلى (^١) الاستدلالِ، إذ كان الصريحُ مِن معناه قد أغْنَى عن الدليلِ.\nوقد يَجوزُ نصبُ: ﴿غَيْرِ﴾ (^٢) في: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وإن كنتُ للقراءةِ بها كارهًا لشُذوذِها عن قراءةِ القُرَّاءِ، وأن ما شذَّ مِن القراءات عما جاءت به الأمةُ نقلًا ظاهرًا مُسْتَفيضًا، فرأيٌ للحقِّ مخالفٌ، وعن سبيلِ اللَّهِ وسبيلِ رسولِه ﷺ وسبيلِ المسلمين مُتجانِفٌ، وإن كان له - [لو كان جائزَ القراءةِ] (^٣) به - في الصوابِ مَخْرَجٌ.\nوتأويلُ وجهِ صوابِه إذا نصَبْتَ أن يُوَجَّهَ إلى أن يَكونَ صفةً للهاءِ والميمِ اللتين في\n_________\n(^١) في م: \"إلا\".\n(^٢) والنصب رواية عن ابن كثير - وهو من السبعة - وقرأ بها من الصحابة؛ عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن الزبير. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١١١، والبحر المحيط ١/ ٢٩.\n(^٣) في م: \"كانت القراءة جائزة\".","vol":"1","page":182},{"text":"﴿عَلَيْهِمْ﴾ العائدةِ على ﴿الَّذِينَ﴾ لأنها وإن كانت مخفوضةً بـ \"على\"، فهي في محلِّ نصبٍ بقولِه: ﴿أَنْعَمْتَ﴾. فكان (^١) تأويلُ الكلامِ - إذا نصَبْتَ (غَيْرَ) التي مع ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ - صراطَ الذين هدَيْتَهم إنعامًا منك عليهم، غيرَ مغضوبٍ عليهم - أي: لا مَغضوبًا عليهم - ولا ضالين. فيكونُ النصبُ في ذلك حينَئذٍ كالنصبِ في \"غيرِ\"، في قولِك: مرَرْتُ بعبدِ اللَّهِ غيرَ الكريمِ ولا الرشيدِ. فتَقْطَعُ غيرَ الكريمِ مِن عبدِ اللَّهِ، إذ كان عبدُ اللَّهِ معرفةً مؤقتةً، وغيرُ الكريمِ نكرةً مجهولةً.\nوقد كان بعضُ نحويِّي البصريين يَزْعُمُ أن قراءةَ مَن نصَب (غَيْرَ) في ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ على وجه استثناءِ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ مِن معاني صفةِ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ كأنه كان يرَى أن معنى الذين قرَءوا ذلك نصبًا: اهدنا الصراطَ المستقيمَ، صراطَ الذين أنعمتَ عليهم، إلا المغضوبَ عليهم، الذين لم تُنْعِمْ عليهم في أديانِهم ولم تَهْدِهم للحقِّ، فلا تَجْعَلْنا منهم.\nكما قال نابغةُ بني ذبيانَ (^٢):\nوقَفْتُ فيها أُصَيْلَالًا (^٣) أُسائِلُها … عَيَّت (^٤) جوابًا وما بالرَّبْعِ (^٥) مِن أحدِ\n_________\n(^١) في م: \"فكأن\".\n(^٢) ديوانه ص ٢، ٣.\n(^٣) الأصيل: العشى، والجمع أُصُل وأُصلان، وتصغيره أصيلان وأصيلال. اللسان (أ ص ل).\n(^٤) في م: \"أعيت\".\n(^٥) الربع: المنزل والدار. اللسان (ر ب ع).","vol":"1","page":183},{"text":"إلَّا أَوارِيَّ (^١) لَأْيًا (^٢) ما أُبَيِّنُها … والنُّؤْيُ (^٣) كالحوضِ بالمظلومةِ (^٤) الجَلَدِ (^٥)\nوالأوارِيُّ معلومٌ أنها ليست من عِدَادِ أحدٍ في شيءٍ. فكذلك عندَه اسْتَثْنَى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ مِن ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وإن لم يكونوا مِن معانيهم في الدينِ في شيءٍ.\nوأما نحويُّو الكوفيين فأنْكَروا هذا التأويلَ واستَخْطَئوه (^٦)، وزعَموا أن ذلك أو كان كما قاله الزاعمُ [ما زعَم] (^٧) مِن أهلِ البصرةِ، لكان خطأً أن يقالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ لأن \"لا\" نفيٌ وجَحْدٌ، ولا يُعْطَفُ بجحدٍ إلا على جحدٍ. وقالوا: لم نَجِدْ في شيءٍ مِن كلامِ العربِ استثناءً يُعْطَفُ عليه بجحدٍ، وإنما وجَدْناهم يَعْطِفون على الاستثناءِ بالاستثناءِ، وبالجحدِ على الجحدِ، فيقولون في الاستثناءِ: قام القومُ إلا أخاك وإلا أباك. وفي الجحدِ: ما قام أخوك ولا أبوك. وأما: قام القومُ إلا أباك ولا أخاك. فلم نَجِدْه في كلامِ العربِ. قالوا: فلما كان ذلك معدومًا في كلامِ العربِ، وكان القرآنُ بأفصحِ لسانِ العربِ نزولُه، علِمْنا - إذ كان قولُه: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ معطوفًا على قولِه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ - أن: ﴿غَيْرِ﴾ بمعنى الجحدِ لا بمعنى إلاستثناءِ، وأن تأويلَ مَن وجَّهَها إلى الاستثناءِ خطأٌ.\n_________\n(^١) الأواري جمع آرِيٍّ: محبس الدابة. اللسان (أ ر ى).\n(^٢) اللأى: المشقة والجهد. اللسان (ل أ ى).\n(^٣) النؤى: الحفير حول الخباء أو الخيمة يدفع عنها السيل يمينا وشمالا ويبعده. اللسان (ن أ ى).\n(^٤) المظلومة: يعني أرضا مروا بها في برية فتحوضوا حوضا سقوا فيه إبلهم، وليست بموضع تحويض. اللسان (ظ ل م).\n(^٥) الجلد: الغليظ من الأرض، والأرض الصلبة. اللسان (ج ل د).\n(^٦) ص: \"استخفوه\".\n(^٧) سقط من: م، ت ٣.","vol":"1","page":184},{"text":"فهذه أوجهُ تأويلِ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ باختلافِ أوجهِ إعرابِ ذلك.\nوإنما اعْتَرَضْنا بما اعتَرَضْنا في ذلك مِن بيانِ وُجوهِ إعرابِه - وإن كان (^١) قصدُنا في هذا الكتابِ الكشفَ عن تأويلِ آيِ القرآنِ - لما في اختلافِ وجوهِ إعرابِ ذلك مِن اختلافِ وجوهِ تأويلِه، فاضْطَرَّتْنا الحاجةُ إلى كشفِ وجوهِ إعرابِه، لتَنْكَشِفَ لطالبِ تأويلِه وجوهُ تأويلِه على قدرِ اختلافِ المُخْتَلِفةِ في تأويلِه وقراءتِه.\nوالصوابُ مِن القولِ في تأويلِه وقراءتِه عندَنا القولُ الأولُ، وهو قراءةُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بخفضِ الراءِ مِن ﴿غَيْرِ﴾ بتأويلِ أنها صفةُ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ونعتٌ لهم - لما قد قدَّمْنا مِن البيانِ - إن شئتَ، وإن شئتَ فبتأويلِ تكريرِ ﴿صِرَاطَ﴾، كلُّ ذلك صوابٌ حسنٌ.\nفإن قال لنا قائلٌ: فمَن هؤلاء المغضوبُ عليهم الذين أمَرَنا اللَّهُ جل ثناؤه بمسألتِه ألا يَجْعَلَنا منهم؟\nقيل: هم الذين وصَفَهم اللَّهُ جل ثناؤُه في تنزيلِه، فقال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠]. فأَعْلَمَنا جل ذكرُه بمنِّه (^٢) ما أحَلَّ بهم مِن عقوبتِه بمعصيتِهم إياه، ثم علَّمَنا، مِنَّةً (^٣) منه علينا، وجهَ السبيلِ إلى النجاةِ مِن أن يَحِلَّ بنا مثلُ الذي حلَّ بهم مِن المَثُلاتِ (^٤)، ورأفةً منه بنا.\nفإن قال: وما الدليلُ على أنهم أولاءِ الذين وصَفَهم اللَّهُ، وذكَر نبأَهم في تنزيلِه\n_________\n(^١) بعده في ص: \"ذلك\".\n(^٢) في ص: \"ثمة\".\n(^٣) في ر: \"منا\".\n(^٤) المثلات جمع مَثُلة: العقوبات. اللسان (م ث ل).","vol":"1","page":185},{"text":"على ما وصَفْتَ؟\nقيل: حدَّثني أحمدُ بنُ الوليدِ الرَّمْليُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ جعفرٍ الرَّقِّيُّ (^١)، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، عن عديِّ بنِ حاتمٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"المغْضُوبُ عليهم اليَهُودُ\" (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، قال: سمِعْتُ عَبَّادَ بنَ حُبَيْشٍ يُحَدِّثُ عن عَدِيِّ بنِ حاتمٍ، قال: قال لي رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إنَّ المغْضُوبَ عليهم اليَهُودُ\" (^٣).\nحدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مصعبٍ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن مُرِّيِّ بنِ قَطَريٍّ، عن عديِّ بنِ حاتمٍ، قال: سألْتُ النبيَّ ﷺ عن قولِ اللَّهِ - جلَّ وعزَّ -: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قال: \"هم اليَهُودُ\" (^٤).\n_________\n(^١) في ر: \"البرقي\". وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٣٧٦.\n(^٢) أخرجه تمام في الفوائد (١٣٢٥ - الروض البسام) من طريق أحمد بن الوليد به. وهكذا ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٦ عن ابن عيينة به. وأخرجه ابن عيينة في تفسيره - كما في الدر المنثور ١/ ١٦ - وعنه سعيد بن منصور في سننه (١٧٩ - تفسير) عن إسماعيل بن أبي خالد، أن النبي ﷺ قال لعدي بن حاتم، مرسل. وسيأتي باقي هذا الحديث في ص ١٩٤.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٩٥٤) عن محمد بن المثنى به. وأخرجه أحمد ٤/ ٣٧٨ (الميمنية)، والترمذي (٢٩٥٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١ (٤٠)، وابن حبان (٦٢٤٦، ٧٢٠٦)، والطبراني في الكبير ١٧/ ٩٩ (٢٣٧)، والبيهقي في الدلائل ٥/ ٣٣٩، ٣٤٠ من طريق محمد بن جعفر به.\nوأخرجه الترمذي (٢٩٥٣ م)، وابن أبي حاتم ١/ ٣١ (٤١)، والطبراني ١٧/ ٩٨ (٢٣٦) من طريق سماك به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب.\n(^٤) قد خولف حماد بن سلمة في إسناد هذا الحديث؛ خالفه شعبة، وتقدم في الحديث قبله. ورواه =","vol":"1","page":186},{"text":"حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ الساميُّ (^١)، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: حدَّثنا الجُرَيْريُّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شَقيقٍ (^٢)، أن رجلًا أتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ وهو مُحاصِرٌ (^٣) واديَ القُرَى، فقال: مَن هؤلاءِ الذين تُحاصِرُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: \"هؤلاء المَغْضُوبُ عليهم اليَهُودُ\" (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ الجُرَيْريِّ، عن عروةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شَقيقٍ، أن رجلًا أتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ. فذكَر نحوَه (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أنْبَأَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن بُدَيْلٍ العُقَيْليِّ، قال: أخْبَرَني عبدُ اللَّهِ بنُ شَقيقٍ، أنه أخْبَرَه مَن سَمِع النبيَّ ﷺ وهو بوادي القُرَى، وهو على فرسِه وسأَله رجلٌ مِن بني القَيْنِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، مَن هؤلاءِ؟ قال: \"المَغْضُوبُ عليهم\". وأشار إلى اليهودِ (^٦).\n_________\n= عمرو بن ثابت عن سماك، عمن سمع عدي بن حاتم. أخرجه الطيالسي (١١٣٥) عن عمرو بن ثابت.\nوقال ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٦: وقد رُوي حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها.\n(^١) سقط من: ص، ر، ت ١، وفي م، ت ٢، ت ٣: \"الشامي\". وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٣٩٥.\n(^٢) في ص: \"سفيان\". وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٨٩.\n(^٣) في ص، ت ١: \"يحاصر\".\n(^٤) أخرجه أبو عبيد في الأموال (٧٦٥) من طريق الجريري به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦ إلى وكيع وعبد بن حميد. وسيأتي باقي هذا الحديث في ص ١٩٥.\n(^٥) أشار ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٦ إلى رواية عروة، وقال: ووقع في رواية عروة تسمية عبد اللَّه بن عمر، فاللَّه أعلم.\n(^٦) تفسير عبد الرزاق - كما في الدر المنثور ١/ ١٦ - وعنه أحمد ٥/ ٣٢، ٣٣، ٧٧ (الميمنية).\nوعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد والبغوي في معجم الصحابة وابن المنذر وأبي الشيخ.\nوأخرجه البلاذري في أنساب الأشراف ١/ ٤٤٥، وأبو يعلى (٧١٧٩)، والطحاوي ٣/ ٣٠١، والبيهقي ٦/ ٣٢٤، ٣٣٦، ٩/ ٦٢ من طريقين عن بديل - زاد البيهقي: وخالد الحذاء والزبير بن الخريت - عن عبد اللَّه =","vol":"1","page":187},{"text":"حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا خالدٌ الواسطيُّ، عن خالدٍ الحَذَّاءِ، عن عبدِ اللَّهِ بن شَقِيقٍ، أن رجلًا سأَل النبيَّ ﷺ. فذكَر نحوَه (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. يعني اليهودَ الذين غضِب اللَّهُ عليهم (^٢).\nحدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: هم اليهودُ (^٣).\n_________\n= ابن شقيق، عن رجل من بلقَيْن، مطولًا ومختصرًا. وقال ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤: إسناد صحيح.\nوأخرجه ابن زنجويه في الأموال (١١٣٧) من طريق آخر عن عبد اللَّه بن شقيق مثله.\nورواه إبراهيم بن طهمان عن بديل، فقال: عن عبد اللَّه بن شقيق، عن أبي ذر. أخرجه ابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير ١/ ٤٦ - وقال الحافظ في الفتح ٨/ ١٥٩: إسناد حسن.\n(^١) أخرجه أحمد بن منيع في مسنده - كما في المطالب العالية (٢٢٣٦) - عن هشيم، عن خالد الحذاء، عن عبد اللَّه بن شقيق: حدثني رجل من بلقَيْن، أن رجلا أتى النبي ﷺ. وأخرجه البيهقي في الشعب (٤٣٢٩) من طريق يحيى بن يحيى، عن خالد الواسطي، عن خالد الحذاء، عن عبد اللَّه بن شقيق، عن رجل، عن ابن عم له. وأخرجه الطحاوي ٣/ ٣٠١ من طريق ابن المبارك، عن خالد الحذاء، عن عبد اللَّه بن شقيق، عن رجل من بلقَيْن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١ (٤٢) من طريق أبي كريب به. وسيأتي باقي هذا الأثر في ص ١٩٦.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٦ عن السدي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦ إلى المصنف عن ابن مسعود. وسيأتي باقي هذا الأثر في ص ١٩٦.","vol":"1","page":188},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مُجاهِدٍ، قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. قال: هم اليهودُ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ (^٢) اللَّهِ، عن أبي جعفرٍ، عن ربيعٍ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. قال: اليهودُ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. قال: اليهودُ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: اليهودُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثني ابنُ زيدٍ، عن أبيه، قال: المغضوبُ عليهم اليهودُ (^٥).\nقال أبو جعفرٍ: واختُلِف في صفةِ الغضبِ مِن اللَّهِ جل ذكرُه؛ فقال بعضُهم: غضبُ اللَّهِ على مَن غضِب عليه مِن خلقِه إحلالُ عقوبتِه بمَن غضِب عليه، إما في دنياه وإما في آخرتِه، كما وصَف به نفسَه جل ذكرُه في كتابِه فقال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥]. وكما قال: ﴿قُلْ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦ إلى المصنف وعبد بن حميد. وسيأتي باقي هذا الأثر في ص ١٩٥.\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"عبد\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦ إلى المصنف.\n(^٤) سيأتي باقي هذا الأثر في ص ١٩٦.\n(^٥) في حاشية ر: \"عند الفرعاني: اليهود. ولم تكن عند ابن داود\".\nوالصواب الفرغاني بالغين المعجمة. وينظر الأنساب ٤/ ٣٦٧، والسير ١٦/ ١٣٢.\nوينظر الأثر في تفسير ابن كثير ١/ ٤٦، والدر المنثور ١/ ١٦، وفتح القدير ١/ ٢٥. وما سيأتي في ص ١٩٦، ١٩٧.","vol":"1","page":189},{"text":"هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ [المائدة: ٦٠].\nوقال بعضُهم: غضَبُ اللَّهِ على مَن غضِب عليه مِن عبادِه ذمٌّ منه لهم ولأفعالِهم، وشَتْمٌ منه لهم بالقولِ.\nوقال بعضُهم: الغضبُ منه معنى مفهومٌ، كالذي يُعْرَفُ مِن معاني الغضبِ، غيرَ أنه - وإن كان كذلك مِن جهةِ الإثباتِ - فمخالفٌ معناه منه معنى ما يكونُ مِن غضبِ الآدميِّين الذي (^١) يُزْعِجُهم ويُحَرِّكُهم ويَشُقُّ عليهم ويُؤْذِيهم؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه لا تَحِلُّ ذاتَه الآفاتُ، ولكنه له صفةٌ، كما العلمُ له صفةٌ، والقدرةُ له صفةٌ، على ما يُعْقَلُ مِن جهةِ الإثباتِ، وإن خالفت معاني ذلك معانيَ علومِ العبادِ التي هي معارفُ القلوبِ، وقُواهم التي تُوجَدُ مع وجودِ الأفعالِ وتُعْدَمُ مع عَدَمِها (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-76>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ </span>(٧)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: كان بعضُ أهلِ البصرةِ (^٣) يَزْعُمُ أن ﴿لَا﴾ مع ﴿الضَّالِّينَ﴾ أُدْخِلَت تَتْميمًا للكلامِ، والمعنى إلغاؤُها (^٤)، ويَسْتَشْهِدُ على قِيله [في ذلك ببيتِ] (^٥) العَجَّاجِ (^٦):\nفي بِئْرٍ لَا حُورٍ سَرَى وما شَعَرْ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذين\".\n(^٢) وهذا القول هو الصحيح، وهو مذهب أهل السنة والجماعة. وينظر مجموع الفتاوى ٣/ ٣٣، ٦/ ٦٨، ١١٩، ١٢٠.\n(^٣) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٢٥ وما بعدها.\n(^٤) في مجاز القرآن: \"إلقاؤها\".\n(^٥) في ص، ت ٢، ت ٣: \"ذلك ببيت\"، وفي م: \"ذلك بيت\".\n(^٦) ديوانه ص ١٤.","vol":"1","page":190},{"text":"ويَتَأوَّلُه بمعنى: في بئرٍ حورٍ سَرى. أي: في بئرٍ هَلَكةٍ. وأن \"لا\" بمعنى الإلغاءِ والصلةِ (^١)، ويَعْتَلُّ أيضًا لذلك بقولِ أبي النَّجْمِ (^٢):\nفما أَلومُ البِيضَ ألا تَسْخَرا\nلمَّا رأَيْن الشَّمَطَ القَفَنْدَرَا (^٣)\nوهو يُريدُ: فما ألومُ البيضَ أن تَسْخَرَ. وبقولِ الأحْوصِ (^٤):\nويَلْحَيْنَنِي (^٥) في اللهْوِ ألا أُحِبَّه … وللهوِ داعٍ دائبٌ غيرُ غافِلِ\nيريدُ: ويَلْحَيْنَني في اللهوِ أن أُحِبَّه. وبقولِه تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]. يُريدُ: أن تَسْجُدَ.\nوحُكِي عن قائلِ هذه المقالةِ أنه كان يتَأَوَّلُ: ﴿غَيْرِ﴾ التي مع ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أنها بمعنى \"سِوى\". فكأن معنى الكلامِ كان عندَه: اهدنا الصراطَ المستقيمَ، صراطَ الذين أنعمتَ عليهم، الذين هم سوى المغضوبِ عليهم و(^٦) الضالين.\nوكان بعضُ نحويِّي الكوفيِّين (^٧) يَسْتَنْكِرُ ذلك مِن قولِه، ويَزْعُمُ أن ﴿غَيْرِ﴾ التي مع ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ لو كانت بمعنى \"سِوَى\"، لَكان خطأً أن يُعْطَفَ عليها بـ \"لا\"، إذ كانت \"لا\" لا يُعْطَفُ بها إلا على جَحْدٍ قد تقَدَّمَها، كما كان خطأً قولُ القائلِ: عندي \"سِوى\" أخيك ولا أبيك. لأن \"سوى\" ليست مِن\n_________\n(^١) يقصد بالصلة هنا الحرف الزائد. ينظر مصطلحات النحو الكوفي ص ٣٨.\n(^٢) ديوانه (مجموع) ص ١٢١.\n(^٣) القفندر: القبيح المنظر. اللسان (قفندر)، والبيت فيه.\n(^٤) شعر الأحوص ص ١٧٩.\n(^٥) في ر: \"تلحينني\". ولحاه يلحاه لحيا: لامه وعذله. اللسان (ل ح ا).\n(^٦) بعده في ص، ت ١: \"لا\".\n(^٧) في م: \"الكوفة\". ويعني بذلك الفراء. ينظر معاني القرآن له ١/ ٨.","vol":"1","page":191},{"text":"حروفِ النفيِ والجحودِ. ويقولُ: لمَّا كان ذلك خطأً في كلامِ العربِ، وكان القرآنُ بأفصحِ (^١) اللغاتِ مِن لغاتِ العربِ، كان معلومًا أن الذي زعَمه القائلُ أن ﴿غَيْرِ﴾ مع ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بمعنى: سوى المغضوبِ عليهم - خطأٌ، إذ كان قد كرَّ عليه الكلامَ بـ \"لا\"، وكان يَزْعُمُ أن ﴿غَيْرِ﴾ هنالك إنما هي بمعنى الجحدِ، و(^٢) كان صحيحًا في كلامِ العربِ وفاشيًا ظاهرًا في مَنْطِقِها تَوجيهُ \"غيرِ\" إلى معنى النفيِ، ومُسْتَعْمَلًا فيهم: أخوك غيرُ مُحْسِنٍ ولا مُجْمِلٍ. يُرادُ بذلك: أخوك لا مُحْسِنٌ ولا مُجْمِلٌ. ويَسْتَنْكِرُ أن تَأْتيَ \"لا\" بمعنى الحذفِ في الكلامِ مبتدأً ولمَّا يَتَقَدَّمْها جحدٌ. ويقولُ: لو جاز مجيئُها بمعنى الحذفِ مبتدأً قبلَ دلالةٍ تَدُلُّ على ذلك مِن جحدٍ سابقٍ، لصحَّ قولُ قائلٍ قال: أرَدْتُ ألا أُكْرِمَ أخاك. بمعنى: أردْتُ أن أكرمَ أخاك. وكان يقولُ: ففي شهادةِ أهلِ المعرفةِ بلسانِ العربِ على تخطئةِ قائلِ ذلك دَلالةٌ واضحةٌ على أنَّ \"لا\" لا تَأْتي مُبْتدأةً بمعنى الحذفِ ولمَّا يَتَقَدَّمْها جحْدٌ. وكان يَتَأوَّلُ في \"لا\" التي في بيتِ العجَّاجِ الذي (^٣) ذكَرْنا أن البصْريَّ اسْتَشْهَد به لقولِه (^٤) - أنها جحْدٌ صحيحٌ، وأن معنى البيتِ: سَرَى في بئرٍ لا تُحِيرُ عليه خيرًا، ولا يَتَبَيَّنُ له فيها أثرُ عملٍ، وهو لا يَشْعُرُ بذلك ولا يَدْرِي (^٥) به. مِن قولِهم: طحَنَتِ الطاحنةُ فما أحارَت شيئًا. أي: لم يتبيَّنْ لها أثرُ عملٍ. ويقولُ في سائرِ الأبياتِ الأُخَرِ، أعْني مثلَ بيتِ أبي النَّجْمِ:\nفما ألُومُ البِيضَ ألا تَسْخَرَا\n_________\n(^١) في ص: \"أفصح\".\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"إذ\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"التي\".\n(^٤) في م: \"بقوله\".\n(^٥) في ص: \"يرى\".","vol":"1","page":192},{"text":"إنما جاز أن تَكونَ \"لا\" بمعنى الحذفِ؛ لأن الجحدَ قد تقَدَّمَها في أولِ الكلامِ، فكان الكلامُ الآخرُ مُواصِلًا للأولِ، كما قال الشاعرُ (^١):\nما كان يَرْضَى رسولُ اللَّهِ فعلَهمُ … والطَّيِّبان أبو بكرٍ ولا عمرُ\nفجاز ذلك؛ إذ كان قد تقدَّم الجحدُ في أولِ الكلامِ.\nقال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الآخرُ أولى بالصوابِ مِن الأولِ، إذ كان غيرَ موجودٍ في كلامِ العربِ ابتداءُ الكلامِ مِن غيرِ جحدٍ تقدَّمه بـ \"لا\" التي معناها الحذفُ، ولا جائزٍ العطفُ بها على \"سوى\"، ولا على حرفِ الاستثناءِ. وإنما لـ \"غير\" في كلامِ العربِ معانٍ ثلاثةٌ؛ أحدُها الاستثناءُ، والآخرُ الجحدُ، والثالثُ سوى، فإذا [ثبَت خطأُ أن \"لا\" تكونُ] (^٢) بمعْنى الإلغاءِ مبتدأً، وفسَد أن يكونَ عطفًا على ﴿غَيْرِ﴾ التي مع ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، لو كانت بمعنى \"إلا\" التي هي استثناءٌ، ولم يَجُزْ أن يكونَ أيضًا عطفًا عليها لو كانت بمعنى \"سوى\"، وكانت \"لا\" موجودةً عطفًا بالواوِ التي هي عاطفةٌ لها على ما قبلَها - صحّ وثبَت ألا وجهَ لـ ﴿غَيْرِ﴾ التي مع ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ يَجوزُ توجيهُها إليه على صحةٍ، إلا بمعنى الجحدِ والنفيِ، وألا وجهَ لقولِه: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ إلا العطفُ على ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾.\nفتأويلُ الكلامِ إذن - إذ كان صحيحًا ما قلْنا بالذي عليه اسْتَشْهَدْنا: اهدنا الصراطَ المستقيمَ، صراطَ الذين أنعمْت عليهم، لا (^٣) المغضوبِ عليهم ولا\n_________\n(^١) ديوان جرير ١/ ١٥٩.\n(^٢) في م: \"بطل حظ لا أن يكون\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بطل حظ لا أن تكون\". والمثبت من: ص. وفيها أيضًا: \"حظ\". وينظر تعليق الشيخ شاكر.\n(^٣) في ص، ت ٣: \"غير\".","vol":"1","page":193},{"text":"الضالين.\nفإن قال لنا قائلٌ: ومَن هؤلاء الضالُّون الذين أمَرَنا اللَّهُ بالاستعاذةِ باللَّهِ أن يَسْلُكَ بنا سبيلَهم و(^١) نَضِلَّ ضلالتَهم؟\nقيل: هم الذين وصَفَهم اللَّهُ في تنزيلِه، فقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧].\nفإن قال: وما برهانُك على أنهم أُولاءِ؟\nقيل: حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ الرَّمْليُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، عن عَدِيِّ بنِ حاتمٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: \"النَّصَارَى\" (^٢).\nحدَّثنا محمدُ (^٣) بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، قال: سمِعْتُ عَبَّادَ بنَ حُبَيْشٍ يُحَدِّثُ عن عَدِيِّ بنِ حاتمٍ، قال: قال لي رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِنَّ الضَّالِّينَ النَّصَارَى\" (٢).\nحدَّثنا عليُّ بن الحسنِ، قال: حدَّثنا مسلمُ بن (^٤) عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مصعبٍ، عن حمادِ بنِ سَلَمةَ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن مُرِّيِّ بنِ قَطَريٍّ، عن عديِّ بنِ حاتمٍ، قال: سأَلْتُ النبيَّ ﷺ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أو\".\n(^٢) تقدم أوله في ص ١٨٦.\n(^٣) في ر: \"أحمد\".\n(^٤) في م: \"و\".","vol":"1","page":194},{"text":"الضَّالِّينَ﴾ قال: \"النَّصَارَى هم الضَّالُّونَ\" (^١).\nحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ الساميُّ (^٢)، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: حدَّثنا الجُرَيْريُّ (^٣)، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شَقيقٍ (^٤)، أن رجلًا أَتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ وهو مُحَاصِرٌ واديَ القُرَى، قال: قلتُ: مَن هؤلاء؟ قال: \"هؤلاء الضَّالُّونَ النَّصَارَى\" (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ الجُرَيْريِّ (٣)، عن عروةَ - يعني ابنَ عبدِ اللَّهِ (^٦) - عن عبدِ اللَّهِ بنِ شَقيقٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بنحوِه (٥).\nحدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن بُدَيْلٍ العُقَيْليِّ، قال: أخْبَرَني عبدُ اللَّهِ بنُ شَقيقٍ، أنه أخْبَرَه مَن سمِع النبيَّ ﷺ وهو بوادي القُرَى، وهو على فرسِه، وسأله رجلٌ مِن بني القَيْنِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، مَن هؤلاء؟ قال: \"هؤلاء الضَّالُّونَ\". يَعْنِي النَّصَارَى (٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا خالدٌ الواسطيُّ، عن خالدٍ الحَذَّاءِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شَقيقٍ، أنَّ رجلًا سأل النبيَّ ﷺ وهو مُحاصِرٌ واديَ القُرَى، وهو على فرسٍ: مَن هؤلاء؟ قال: \"الضَّالُّونَ\". يَعْنِي النَّصَارَى (^٧).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَلَا\n_________\n(^١) تقدم أوله في ح ١٨٦.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الشامي\".\n(^٣) في ص: \"الحريري\".\n(^٤) في ص، ت ١: \"سفيان\".\n(^٥) تقدم أوله في ص ١٨٧.\n(^٦) بعده في م، ت ٢، ت ٣: \"بن قيس\".\n(^٧) تقدم أوله في ص ١٨٨.","vol":"1","page":195},{"text":"الضَّالِّينَ﴾ قال: النصارى (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: وغيرِ طريقِ النصارى الذين أضلَّهم اللَّهُ بفِرْيتِهم عليه. قال: يقولُ: فألْهِمْنا دينَك الحقَّ، وهو لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، حتى لا تَغْضَبَ علينا كما غضِبْتَ على اليهودِ، ولا تُضِلَّنا كما أضْلَلْتَ النصارى، فتُعَذِّبَنا بما تُعَذِّبُهم به. يقولُ: امنَعْنا مِن ذلك برِفْقِك (^٢) ورحمتِك وقدرتِك (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ (^٤)، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿الضَّالِّينَ﴾: النصارى (١).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ الهَمْدانيُّ، قال: حدَّثَنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ بنُ نصرٍ، عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: هم النصارى (٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: أخْبَرَنا عُبيدُ (^٥) اللَّهِ بنُ موسى، عن أبي جعفرٍ، عن ربيعٍ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: النصارى (١).\nحدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ١٨٩.\n(^٢) في ر: \"برفدك\".\n(^٣) تقدم أوله في ص ١٨٨.\n(^٤) في ص: \"حماد\".\n(^٥) في ص، ت ١: \"عبد\".","vol":"1","page":196},{"text":"عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: النصارَى (^١).\nحدَّثني يونُسُ قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ، عن أبيه، قال: ﴿الضَّالِّينَ﴾: النصارَى (^١).\nقال أبو جعفرٍ: [فكلُّ جائرٍ] (^٢) عن قَصْدِ السبيلِ وسالكٍ غيرَ المنهجِ القويمِ، فضالٌّ عندَ العربِ؛ لإضْلالِه وجهَ الطريقِ، فلذلك سمَّى اللَّهُ جلَّ ذكرُه النصارى ضُلَّالًا، لخطئِهم في الحقِّ مَنْهجَ السبيلِ، وأخْذِهم مِن الدِّينِ في غيرِ الطريقِ المستقيمِ.\nفإن قال قائلٌ: أوَ ليس ذلك أيضًا مِن صفةِ اليهودِ؟\nقيل: بلى.\nفإن قال: فكيف خَصَّ النصارى بهذه الصفةِ، وخصَّ اليهودَ بما وصَفَهم به مِن أنهم مغضوبٌ عليهم؟\nقيل: إن (^٣) كِلَا الفريقين ضُلَّالٌ مغضوبٌ عليهم، غيرَ أن اللَّهَ جل ثناؤُه وَسَم كلَّ فريقٍ منهم مِن صِفَتِه لعبادِه بما يَعْرِفونه به إذا ذكَره لهم أو أخْبَرَهم عنه، ولم يُسَمِّ واحدًا مِن الفريقَيْن إلا بما هو له صفةٌ على حقيقتِه، وإن كان له من صفاتِ الذمِّ زياداتٌ عليه.\n[وقد ظنَّ] (^٤) بعضُ أهلِ الغَباءِ مِن القدريَّةِ أن في وصفِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه النصارَى بالضَّلالِ بقولِه: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وإضافتِه الضَّلالَ إليهم دون إضافةِ إضلالِهم\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ١٨٩.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"وكل حائد\".\n(^٣) سقط من: ص.\n(^٤) في ص: \"فيظن\".","vol":"1","page":197},{"text":"إلى نفسِه، وتركِه وصفَهم بأنهم المُضَلَّلون (^١)، كالذي وصَف به اليهودَ أنهم (^٢) المغضوبُ عليهم - دلالةً على صحةِ ما قاله إخوانُه مِن جَهَلةِ القَدَريةِ، جهلًا منه بسَعَةِ كلامِ العربِ وتصاريفِ وجُوهِه، ولو كان الأمرُ على ما ظَنَّه الغبيُّ الذي وصَفْنا شأنَه لَوجَب أن يكونَ شأنُ (^٣) كلِّ موصوفٍ بصفةٍ أو مضافٍ إليه فعلٌ، لا يجوزُ أن يكونَ فيه سببٌ لغيرِه، وأن يكونَ كلُّ ما كان [فيه مِن ذلك لغيرهِ] (^٤) سببٌ، فالحقُّ فيه أن يكونَ مُضافًا إلى مُسَبِّبِه، ولو وَجَب ذلك لوجَب أن يكونَ خطأً قولُ القائلِ: تحَرَّكَتِ الشجرةُ. إذا حرَّكَتها الرياحُ. واضْطَرَبَتِ الأرضُ. إذا حرَّكَتْها الزَّلْزَلةُ، وما أشبهَ ذلك مِن الكلامِ الذي يَطولُ بإحصائِه الكتابُ.\nوفي قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]. [وإضافتِه] (^٥) الجَرْيَ إلى الفُلْكِ، وإن كان جَرْيُها بإجراءِ غيرِها إياها - ما يَدُلُّ على خطإِ التأويلِ الذي تأوَّله مَن وصَفْنا قولَه في قولِه: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وادعائِه أن في نسبةِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه الضَّلالةَ إلى مَن نسَبها إليه مِن النصارى، تَصْحيحًا لما ادَّعى المُنْكِرون أن (^٦) للَّهِ في أفعالِ خلقِه سببًا مِن أجلِه (^٧) وُجِدَت أفعالُهم، مع إبانةِ اللَّهِ جل ثناؤُه نصًّا في آىٍ كثيرةٍ مِن تنزيله أنه المُضِلُّ الهادي؛ فمن ذلك قولُه - جلَّ وعزَّ -: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى\n_________\n(^١) في ص: \"الضالون\"، وفي ت ١: \"المضلون\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"وأنهم\".\n(^٣) سقط من: ر، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في ص: \"منه من ذلك بغيره\"، وفي ت ١: \"منه من ذلك لغيره\".\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣: \"بإضافته\".\n(^٦) بعده في ص، م، ت ٢، ت ٣، \"يكون\".\n(^٧) في ر، ت ١، ت ٣: \"أجلها\".","vol":"1","page":198},{"text":"بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]. فأنْبَأ جل ثناؤُه أنه المُضِلُّ الهادي دونَ غيرِه.\nولكنَّ القرآنَ نزَل بلسانِ العربِ على ما قد قدَّمْنا البيانَ عنه في أولِ الكتابِ، ومِن شأنِ العربِ إضافةُ الفعلِ إلى مَن وُجِد منه وإن كان مسبِّبُه غيرَ الذي وُجِد منه، أحيانًا، وأحيانًا إلى مُسَبِّبِه وإن كان الذي وُجِد منه الفعلُ غيرَه، فكيف بالفعلِ الذي يَكْتَسِبُه العبدُ كَسْبًا، ويُوجِدُه اللَّهُ جل ثناؤُه عَيْنًا [ونشأةً] (^١)! بل ذلك أحْرَى أن يُضافَ إلى مُكْتَسبِه كَسْبًا له بالقوةِ منه عليه والاختيارِ منه له، وإلى اللَّهِ جل ثناؤُه بإيجادِ عينِه (^٢) وإنشائِها تدبيرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-77>مسألةٌ يَسْألُ عنها أهلُ الإلحادِ الطاعِنون في القرآنِ</span>\nإن سأَلَنا منهم سائلٌ، فقال: إنك قد قدَّمْتَ (^٣) في أولِ كتابِك هذا في وصْفِ البيانِ، بأن أعلاه درجةً، وأشرفَه مَرْتَبةً، أبلغُه في الإبانةِ عن حاجةِ المُبَيِّنِ به عن نفسِه، وأبينُه عن مُرادِ قائلِه، وأقربُه مِن فَهمِ سامعِه، وقلتَ مع ذلك: إن أولى البيانِ بأن يكونَ كذلك كلامُ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه لفَضْلِه (^٤) على سائرِ الكلامِ (^٥)، بارتفاعِ درجتِه على أعلى درجاتِ البيانِ، فما الوجهُ - إذ كان الأمرُ على ما وصَفْتَ - في إطالةِ الكلامِ بمثلِ سُورةِ أمِّ القرآنِ بسبعِ آياتٍ، وقد حوَت معانيَ جميعِها منها آيتان،\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منشأة\".\n(^٢) في ص، ر: \"عينها\".\n(^٣) تقدم في ص ٨، ٩.\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣: \"بفضله\".\n(^٥) بعده في م، ت ٣: \"و\".","vol":"1","page":199},{"text":"وذلك قولُه: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). إذ كان لا شكَّ أن مَن عرَف مَلِكَ يومِ الدينِ، فقد عرَفه بأسمائِه الحُسْنَى، وصفاتِه المُثْلَي، وأن مَن كان للَّهِ مُطيعًا، فلا شكَّ أنه لسبيلِ مَن أنْعَم اللَّهُ عليه في دينِه مُتَّبِعٌ، وعن سبيلِ مَن غضِب عليه وضلَّ مُنعَدِلٌ، فما في زيادةِ الآياتِ الخمسِ الباقيةِ مِن الحكمةِ التي لم تَحْوِها الآيتان اللتان ذكَرْنا؟\nقيل له: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه جمَع لنبيِّنا محمدٍ ﷺ ولأمتِه بما أنْزَل إليه مِن كتابِه معانيَ لم يَجْمَعْهن بكتابٍ (^١) أنْزَلَه إلى نبيٍّ قبلَه، ولا لأُمةٍ مِن الأممِ قبلَهم، وذلك أن كلَّ كتابٍ أنْزَله جلَّ ذكرُه، على نبيٍّ مِن أنبيائِه قبلَه، فإنما أنْزَله ببعضِ المعاني التي يَحْوِي جميعَها كتابُه الذي أنْزَله إلى نبيِّنا محمدٍ ﷺ، كالتوراةِ التي هي مَواعِظُ وتَفصيلٌ، والزَّبُورِ الذي هو تَحْميدٌ وتَمْجيدٌ، والإنجيلِ الذي هو مَواعِظُ وتَذْكيرٌ، لا مُعجزةَ في واحدٍ منها تَشْهَدُ لمَن أُنْزِل إليه بالتصديقِ، والكتابُ الذي أُنْزِل على نبيِّنا محمدٍ ﷺ يَحْوِي معانيَ ذلك كلِّه، ويَزِيدُ عليه كثيرًا مِن المعاني التي سائرُ الكتبِ غيرِه منها خالٍ، وقد قدَّمْنا ذكرَها فيما مضَى مِن هذا الكتابِ (^٢).\nومِن أشرفِ تلك المعاني التي فضَل بها كتابُنا سائرَ الكتبِ قبلَه نظْمُه العجيبُ، ورصفُه (^٣) الغريبُ، وتأْليفُه البديعُ، الذي عجَزَتْ عن نظمِ مثلِ أصغرِ سورةٍ منه الخُطَباءُ، وكلَّتْ عن رَصْفِ (^٤) شكلِ بعضِه البُلَغاءُ، وتحيَّرَت في تأليفِه\n_________\n(^١) في ص: \"كتاب\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٦٥، ٦٦.\n(^٣) في ر، م، ت ١، ت ٣: \"وصفه\". والرصْف: ضم الشيء بعضه إلى بعض. اللسان (ر ص ف).\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وصف\".","vol":"1","page":200},{"text":"الشعراءُ، وتبَلَّدَت - قصورًا عن أن تَأْتيَ بمثلِه - لديه أفهامُ الفُهماءِ، فلم يَجِدوا له إلا التسليمَ والإقرارَ بأنه مِن عندِ الواحدِ القَهَّارِ، مع ما يَحْوِي مع ذلك مِن المعاني التى هي ترغيبٌ وترهيبٌ، وأمرٌ وزجرٌ، وقَصَصٌ وجَدَلٌ ومَثَلٌ، وما أشبهَ ذلك مِن المعاني التي لم تَجْتَمِعْ (^١) في كتابٍ أُنْزِل إلى الأرضِ مِن السماءِ. فمهما يَكُنْ فيه مِن إطالةٍ على نحوِ ما في أمِّ القرآنِ، فلِما وصَفْتُ قبلُ مِن أن اللَّهَ جلَّ ذكرُه أراد أن يَجْمَعَ برصفِه العجيبِ، ونظْمِه الغريبِ، المُنْعَدِلِ عن أوزانِ الأشعارِ، وسَجْعِ الكُهَّان، وخُطَبِ الخطباءِ، ورسائلِ البُلغاءِ، العاجزِ عن رصْفِ مثلِه جميعُ الأنامِ، وعن نظمِ نظيرِه كلُّ العبادِ - الدلالةَ على نبوةِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ.\nوبما فيه مِن تحْميدٍ وتمْجيدٍ وثناءٍ عليه، تنبيهَ العبادِ على عظمتِه وسلطانِه وقدرتِه وعِظَمِ مَملكتِه، ليَذْكُروه بآلائِه، ويَحْمَدوه على نَعْمائِه، فيَسْتَحِقُّوا به منه المزيدَ، ويَسْتَوْجِبوا عليه الثوابَ الجزيلَ.\nوبما فيه مِن نَعْتِ مَن أنْعَم عليه بمعرفتِه وتفضَّل عليه بتوفيقِه لطاعتِه، تعريفَ عبادِه أن كلَّ ما بهم مِن نعمةٍ في دينِهم ودُنْياهم فمنه، ليَصْرِفوا رغبتَهم إليه، ويَبْتَغوا حاجاتِهم مِن عندِه دونَ ما سواه مِن الآلهةِ والأندادِ.\nوبما فيه مِن ذكرِه ما أحَلَّ بمَن عَصَاه مِن مَثُلاتِه، وأنْزَل بمَن خالَف أمرَه مِن عقوباتِه، ترهيبَ عبادِه عن رُكوبِ مَعاصِيه، والتعرُّضِ لما لا قِبَلَ لهم به مِن سَخَطِه، فيَسْلُكَ بهم في النَّكالِ والنَّقِماتِ سبيلَ مَن ركِب ذلك مِن الهُلَّاكِ.\nفذلك وجهُ إطالةِ البيانِ في سورةِ أمِّ القرآنِ، وفيما كان نظيرًا لها مِن سائرِ سُورِ الفرقانِ، وذلك هو الحكمةُ البالغةُ والحجةُ الكاملةُ.\n_________\n(^١) في ص، ر، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تجمع\".","vol":"1","page":201},{"text":"حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا المُحارِبيُّ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: حدَّثني العَلاءُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ يعقوبَ، عن أبي السائبِ مولى زُهْرةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إذا قال العَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال: مَجَّدَنِي عبدِي، فهذا لي. وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. إلى أن يَخْتِمَ السُّورَةَ. قال: فذاك له\" (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عَبْدةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن العَلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي السائبِ، عن أبي هريرةَ، قال: إذا قال العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ثم ذكَر نحوَه، ولم يَرْفَعْه.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ كثيرٍ، قال: حدَّثني العَلاءُ بنُ عبدِ الرحمنِ مولى الحُرَقةِ، عن أبي السائبِ، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ مثلَه (^٢).\nحدَّثني صالحُ بنُ مِسْمارٍ المَرْوَزيُّ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ الحُبَابِ، قال: حدَّثنا عَنْبَسةُ بنُ سعيدٍ، عن مُطَرِّفِ بنِ طَرِيفٍ، عن سعدِ بنِ إسحاقَ بنِ كعبِ بنِ عُجْرةَ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"قال اللَّهُ ﷿: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ (^٣)، وله ما سَألَ، فإذا قال العَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١٣/ ٢٣٣ (٧٨٣٨)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (٧٣)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٥٧، ٥٨) من طرق عن ابن إسحاق به. وأخرجه مسلم (٣٩٥/ ٣٩، ٤٠)، والنحاس في القطع والائتناف ص ١٠١، ١٠٢، وغيرهما من طريق العلاء به. وينظر مسند الطيالسي (٢٦٨٤).\n(^٢) أخرجه البيهقي ٢/ ١٦٦، وفي القراءة خلف الإمام (٥٤) من طريق أبي أسامة به.\n(^٣) سقط من: ر، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"1","page":202},{"text":"رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال (^١): حَمِدَنِي عَبْدِي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال: مَجَّدَنِي عَبْدِي. قال: هَذَا لِي وله ما بَقِي\" (^٢).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ فاتحةِ الكتابِ\n_________\n(^١) بعده في م، ت ٢، ت ٣: \"اللَّه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨ (١٩)، والسهمي في تاريخ جرجان ص ١٤٤ من طريق زيد بن الحباب به، بنحوه دون آخره. وقال ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٥: وهذا غريب من هذا الوجه.","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type='title' id=toc-78>القولُ في تفسيرِ السورةِ التي يُذْكَرُ فيها البقرَةُ</span>\n\n<span id=\"aya-8\"></span><span data-type='title' id=toc-79>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الم </span>(١)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: اخْتَلَفَت تَراجِمةُ القرآنِ في تأويلِ قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿الم﴾؛ فقال بعضُهم: هي اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الم﴾. قال: اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ (^١).\nحدَّثني المثَنَّى بنُ إبراهيمَ الآمُلِيُّ، قال: حدَّثنا أبو حُذَيْفةَ موسى بنُ مسعودٍ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: ﴿الم﴾ اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: ﴿الم﴾ اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ.\nوقال بعضُهم: هي فَواتحُ يَفْتَحُ اللَّهُ بها القرآنَ.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق - كما في الدر المنثور ١/ ٢٢ - ومن طريقه النحاس في القطع، والائتناف ص ١١١، ومعاني القرآن ١/ ٧٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم. وهو عند ابن أبي حاتم ١/ ٣٣ معلقًا عقب الأثر (٥٠).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣ (٥٠)، والنحاس في معاني القرآن ١/ ٧٥ من طريق أبي حذيفة به.","vol":"1","page":204},{"text":"ذكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني هارونُ بنُ إدريسَ الأصَمُّ الكوفيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحاربيُّ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ، قال: ﴿الم﴾ فَواتِحُ يَفْتَحُ اللَّهُ بها القرآنَ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن مُجاهِدٍ، قال: ﴿الم﴾ فَواتِحُ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، عن يحيى بنِ آدمَ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: ﴿الم﴾ و﴿حم﴾ و﴿المص﴾ و﴿ص﴾ فواتحُ افْتَتَح اللَّهُ بها (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ (^٤)، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَ حديثِ هارونَ بنِ إدريسَ (^٥).\nوقال بعضُهم: هي اسمٌ للسورةِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣٧ (٨٢٠٤) من طريق ابن جريج به مقتصرًا على قوله: ﴿المص﴾. قال ابن جريج: قلت: ألم تكن تقول: هي أسماء؟ قال: لا.\n(^٢) أخرجه النحاس في معاني القرآن ١/ ٧٥ من طريق سفيان عن خصيف أو غيره، عن مجاهد.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٥٦ عن الثوري به.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ. وينظر تفسير ابن كثير تحقيق أبي إسحاق الحويني ٢/ ٥٢.\n(^٤) في ص، ت ١: \"الحسين\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣ (٥١) من طريق حجاج به.","vol":"1","page":205},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: أنْبَأنا عبدُ اللَّهِ بنُ وهبٍ، قال: سأَلْتُ عبدَ الرحمنِ بنَ زيدِ بنِ أسْلَمَ عن قولِ اللَّهِ: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، و﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و﴿المر تِلْكَ﴾. فقال: قال أبي: إنما هي أسماءُ السُّوَرِ (^١).\nوقال بعضُهم: هو اسمُ اللَّهِ الأعظمُ.\nذكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: سأَلْتُ السُّدِّيَّ عن ﴿حمَ﴾ و﴿طسَم﴾ و﴿الم﴾. فقال: قال ابنُ عباسٍ: هي اسمُ اللَّهِ الأعظمُ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثني أبو النُّعْمانِ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ، عن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، قال: قال عبدُ اللَّهِ. فذكَر نحوَه (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، عن عُبَيدِ (^٤) اللَّهِ بنِ موسى، عن إسماعيلَ، عن الشعبيِّ، قال: فَواتحُ السُّوَرِ مِن أسماءِ اللَّهِ (^٥).\nوقال بعضُهم: هو قَسَمٌ أقْسَم اللَّهُ به، وهو مِن أسمائِه.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣ عقب الأثر (٥٠) معلقًا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢ (٤٤) من طريق يحيى بن عباد، عن شعبة، عن السدي، قال: بلغني عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٦٠ من طريق السدي به. وقال: صحيح على شرط مسلم.\n(^٤) في ص، ت ٢: \"عبد\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢ (٤٧) من طريق إسماعيل بن سالم، عن الشعبي بلفظ: هي =","vol":"1","page":206},{"text":"ذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالحٍ السَّهْميُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: هو قَسَمٌ [أقْسَمه اللَّهُ] (^١)، وهو مِن أسماءِ اللَّهِ (^٢).\nوحدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا خالدٌ الحَذَّاءُ، عن عكرمةَ، قال: ﴿الم﴾ قسَمٌ (^٣).\nوقال بعضُهم: هو حروفٌ مُقَطَّعةٌ مِن أسماءٍ وأفعالٍ، كلُّ حرفٍ مِن ذلك لمعنًى غيرِ معنى الحرفِ الآخرِ.\nذكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، وحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا [أبي، عن شَريكٍ] (^٤)، عن عطاءِ بنِ السائبٍ، عن أبي الضُّحَى، عن ابنِ عباسٍ:\n_________\n= اسم من أسماء اللَّه مقطعة بالهجاء، فإذا وصلتها كانت اسما من أسماء اللَّه.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر، مطولا.\nورُوي عن الشعبي أنه قال: سر هذا القرآن فواتح السور. كما سيأتي.\nوأخرج البيهقي في الأسماء والصفات (١٦٩) من طريق محمد بن سليمان، عن عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن السدي: فواتح السور من أسماء الله. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢ إلى أبي الشيخ والبيهقي عن السدي.\n(^١) في م: \"أقسم اللَّه به\".\n(^٢) أخرجه النحاس في معاني القرآن ١/ ٧٤، وابن مردويه - كما في تخريج أحاديث الكشاف ١/ ٣٤، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٦٣) من طريق عبد اللَّه بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢، ٣/ ٦٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣ (٥٢) من طريق ابن علية به.\n(^٤) في م: \"ابن أبي شريك\".","vol":"1","page":207},{"text":"﴿الم﴾. قال: أنا اللَّهُ أعلمُ (^١).\nوحُدِّثْتُ عن أبي عُبيدٍ، قال: حدَّثنا أبو اليَقْظانِ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: قوله: ﴿الم﴾. قال: أنا اللَّهُ أعلمُ (^٢).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ الهَمْدانيُّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ القَنَّادُ، قال: حدَّثنا أسْباطُ بنُ نصرٍ، عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿الم﴾ قال: أما ﴿الم﴾ فهو حروفٌ (^٣) اشْتُقَّ مِن حُروفِ هِجاءِ أسماءِ اللَّهِ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، قال: حدَّثنا عَيَّاشُ (^٥) بنُ زيادٍ الباهليُّ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿الم﴾، و﴿حمَ]، و﴿ن﴾ قال: اسمٌ مُقَطَّعٌ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه وكيع - كما في الدر المنثور ١/ ٢٢ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢ (٤٣).\nوأخرجه النحاس في القطع والائتناف ص ١١١، وفي معاني القرآن ١/ ٧٣، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٦٧) من طريق شريك به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢، ٣/ ٦٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) ذكره النحاس في معاني القرآن ١/ ٧٣ عن أبي اليقظان به. وينظر تفسير البغوي ١/ ٥٨. وأبو اليقظان - هو عمار بن محمد - صدوق يخطئ.\n(^٣) في م، والأسماء والصفات: \"حرف\".\n(^٤) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١٦٨) من طريق عمرو بن حماد به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢ (٤٥) من طريق عمرو به، عن السدي من قوله. وسقط منه ذكر أسباط.\n(^٥) في ص، م: \"عباس\". والمثبت موافق لما في تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢ (٤٨) من طريق محمد بن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢ إلى ابن مردويه. وذكره البغوي في تفسيره ١/ ٥٩ عن سعيد قوله.","vol":"1","page":208},{"text":"وقال بعضُهم: هي حروفُ هِجاءٍ موضوعٍ.\nذكْرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثْتُ عن منصورِ بنِ أبي نُوَيْرةَ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ المُؤَدِّبُ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهدٍ، قال: فَواتحُ السورِ كلُّها: ﴿ق﴾ و﴿ص﴾ و﴿حم﴾ و﴿طسم﴾ و﴿الر﴾ وغيرُ ذلك هِجاءٌ موضوعٌ (^١).\nوقال بعضُهم: هي حروفٌ يَشْتَمِلُ كلُّ حرفٍ منها على معانٍ شتَّى مختلفةٍ.\nذكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي جعفرٍ الرازيِّ، قال: حدَّثني أبي، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿الم﴾. قال: هذه الأحرفُ مِن التسعةِ والعشرين حرفًا، دارَت فيها الألسُنُ كلُّها، ليس منها حرفٌ إلا وهو مِفتاحُ اسمٍ مِن أسمائِه، وليس منها حرفٌ إلا وهو في آلائِه وبلائِه، وليس منها حرفٌ إلا وهو في (^٢) مدةِ قومٍ وآجالِهم. وقال عيسى ابنُ مريمَ، وعجِب (^٣): يَنْطِقون في أسمائِه، ويَعِيشون في رزقِه، فكيف يَكْفُرون به (^٤)؟ قال: الألفُ مِفتاحُ اسمِه اللَّهِ، واللامُ مِفتاحُ اسمِه لطيفٍ، والميمُ مِفْتاحُ اسمِه مَجيدٍ؛ الألفُ آلاءُ اللَّهِ، واللامُ لُطْفُه، والميمُ مَجْدُه؛ الألِفُ سَنةٌ، واللامُ ثلاثون سنةً، والميمُ أربعون سنةً (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص، م: \"عجيب\".\n(^٤) زيادة من: ر.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣، ٢/ ٥٨٤ عقب الأثر (٣٣/ ٣١١٨) من طريق ابن أبي جعفر به =","vol":"1","page":209},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنحوِه.\nوقال بعضُهم: هي حروفٌ مِن حسابِ الجُمَّلِ (^١). كرِهْنا ذكرَ الذي حُكِي ذلك عنه، إذ كان الذي رواه ممَّن لا يُعْتَمَدُ على روايتِه ونقلِه، وقد مَضَتِ الروايةُ بنظيرِ ذلك مِن القولِ عن الربيعِ بنِ أنسٍ.\nوقال بعضُهم: لكلِّ كتابٍ سرٌّ، وسرُّ القرآنِ فَواتحُه (^٢).\nوأما أهلُ العربيةِ فإنهم اختَلَفوا في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: هي حُروفٌ مِن حروفِ المُعْجَمِ، اسْتُغْنِي بذكْرِ ما ذُكِر منها في أوائلِ السورِ عن ذكرِ بَواقِيها (^٣) التي هي تَتِمَّةُ الثمانيةِ والعشرين حرفًا، كما اسْتَغْنَى المُخبِرُ عمَّن أخْبَرَ عنه أنه في حروفِ المعجمِ الثمانيةِ والعشرين بذكرِ \"أ ب ت ث\" عن ذكرِ بَواقي حروفِها التي هي تَتِمَّةُ الثمانيةِ والعشرين، قال: ولذلك رُفِع ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ لأن معنى الكلامِ:\n_________\n= وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢ إلى عبد بن حميد عن الربيع مقتصرًا على قوله: ألف مفتاح … مجيد. وعزاه السيوطي ١/ ٢٣ إلى المصنف، وابن أبي حاتم عن أبي العالية. وهو عند ابن أبي حاتم ١/ ٣٣، ٢/ ٥٨٤ (٣٣، ٣١١٨) من طريق أبي جعفر عن الربيع عن أبي العالية. ولم يذكر في الدر المنثور قول عيسى ﵇. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٥٧.\n(^١) حساب الجمَّل: ضرب من الحساب يجمل فيه لكل حرف من الحروف الأبجدية عدد من الواحد إلى الألف على ترتيب خاص. الوسيط (ج م ل).\n(^٢) أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ - كما في الدر المنثور ١/ ٢٣ - عن داود بن أبي هند قال: كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور، قال يا داود، إن لكل كتاب سرا، وإن سر هذا القرآن فواتح السور، فدعها وسل عما بدا لك.\n(^٣) بعده في ص: \"منها\".","vol":"1","page":210},{"text":"الألفُ واللامُ والميمُ مِن الحروفِ المُقَطَّعةِ، ذلك الكتابُ الذي أنْزَلْتُه إليك مجموعًا لا ريبَ فيه.\nفإن قال قائلٌ: فإن \"أ ب ت ث\" قد صارت كالاسمِ في حروفِ الهِجاءِ، كما صارتِ \"الحمدُ\" اسمًا لفاتحةِ الكتابِ؟\nقيل له: لمَّا كان جائزًا أن يقولَ القائلُ: ابني في \"ط ظ\". وكان معلومًا بقِيلِه ذلك لو قاله أنه يُرِيدُ الخبرَ عن ابنه أنه في الحروفِ المُقَطَّعةِ، عُلم بذلك أن \"أ ب ت ث\" ليس لها باسمٍ، وإن كان ذلك آثرَ (^١) في الذكرِ مِن سائرِها.\nقال: وإنما خُولِف بينَ ذكْرِ حروفِ المُعْجَمِ في فَواتِحِ السورِ، فذُكِرَت في أوائلِها مختلفةً، وذِكْرِها إذا ذُكِرَت بأوائلِها التي هي \"أ ب ت ث\" مُؤْتَلِفةً، ليَفْصِلَ بينَ الخبرِ عنها إذا أُرِيد، بذكرِ ما ذُكِر منها مُخْتلِفًا، الدلالةُ على الكلامِ المتصلِ، وإذا أُرِيد بذكرِ ما ذُكِر منها مُؤْتَلِفًا الدلالةُ على الحروفِ المُقَطَّعةِ بأعيانِها.\nواسْتَشْهَد لإجازةِ قولِ القائلِ: ابني في \"ط ظ\". وما أشبهَ ذلك مِن الخبرِ عنه أنه في حروفِ المعجمِ، وأن ذلك مِن قيلِه في البيانِ يقومُ مَقامَ قولِه: ابني في \"أ ب ت ث\" برَجَزِ بعضِ الرُّجَّازِ مِن بني أسدٍ (^٢):\nلمَّا رأيْتُ [أمرَها في حُطِّي] (^٣)\n_________\n(^١) في م: \"يؤثر\".\n(^٢) الأبيات الثلاثة الأول في تهذيب اللغة ١٠/ ٢٨١، واللسان (ف ن ك).\n(^٣) في اللسان، ونسخة من تهذيب اللغة: \"أنها في خطى\".","vol":"1","page":211},{"text":"وفَنَكَتْ (^١) في كَذِبي (^٢) ولَطِّي (^٣)\nأخذْتُ منها بقُرونٍ (^٤) شُمْطِ (^٥)\nفلم يَزَلْ ضَرْبي (^٦) بها ومَعْطِي (^٧)\nحتى علَا الرأسَ دمٌ يُغَطِّي\nفزعَم أنه أراد بذلك الخبرَ عن المرأةِ أنها في \"أبي جاد\"، فأقام قولَه:\nلما رأيتُ أمرَها في حُطِّي\nمُقامَ خبرِه عنها أنها في \"أبي جاد\"، إذ كان ذلك مِن قولِه يَدُلُّ سامعَه على ما يَدُلُّه عليه قولُه: لما رأيْتُ أمرَها في \"أبي جاد\".\nوقال آخرون: بل ابْتُدئَت بذلك أوائلُ السورِ ليَفْتَحَ لاستماعِه أسماعَ المشركين، إذ تواصَوْا بالإعراضِ عن القرآنِ، حتى إذا اسْتَمَعوا له تُلِي عليهم المؤلَّفُ منه.\nوقال بعضُهم: الحروفُ التي هي فَواتحُ السورِ حروفٌ يَسْتَفْتِحُ اللَّهُ بها كلامَه.\n[وقال] (^٨): فإن قيل: هل يكونُ مِن القرآنِ ما ليس له معنًى؟ فإن (^٩) معنى هذا\n_________\n(^١) فنك في الكذب: مضى ولجَّ فيه. اللسان (ف ن ك).\n(^٢) في ص: \"كدى\"، وفي ت ٢: \"كيدى\"، وفي نسخة من تهذيب اللغة: \"كدنى\".\n(^٣) لط حقه: جحده. اللسان (ل ط ط).\n(^٤) القرن: الخصلة من الشعر. اللسان (ق ر ن).\n(^٥) الشمط في الشعر: اختلافه بلونين من سواد وبياض. اللسان (ش م ط).\n(^٦) في ص: \"صوني\".\n(^٧) المعط: الجذب. اللسان (م ع ط).\n(^٨) سقط من: م، وفي ت ٢: \"وقال آخرون\".\n(^٩) كذا في النسخ، ولعل صوابها: \"قيل\".","vol":"1","page":212},{"text":"أنه ابتدَأ (^١) بها ليُعْلَمَ أن السورةَ التي قبلَها قد انْقَضَت، وأنه قد أخَذ في أخرى، فجعَل هذا علامةَ انقطاعِ ما بينَهما، وذلك في (^٢) كلامِ العربِ، يُنْشِدُ الرجلُ منهم الشعرَ، فيقولُ (^٣):\nبل * وبَلدةٍ ما الإنسُ مِن آهالِها\nويقولُ (^٤):\nلا بَل * ما هاج أحزانًا وشَجْوًا قد شَجَا\nو\"بل\" ليست مِن البيتِ ولا تُعَدُّ في وزنِه، ولكن يَقْطَعُ بها كلامًا ويَسْتَأْنِفُ الآخرَ.\nقال أبو جعفرٍ: ولكلِّ قولٍ مِن الأقوالِ التي قالها الذين وصَفْنا قولَهم في ذلك وجهٌ معروفٌ.\nفأما الذين قالوا: ﴿الم﴾ اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ، فلقولِهم ذلك وجهان:\nأحدُهما: أن يَكونوا أرادوا أن ﴿الم﴾ اسمٌ للقرآنِ، كما الفُرقانُ اسمٌ له. وإذا كان معنى قائل ذلك كذلك، كان تأويلُ قولِه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ على معنى القَسَمِ، كأنه قال: والقرآنِ، هذا الكتابُ لا ريبَ فيه.\nوالآخرُ منهما: أن يَكُونوا أرادوا أنه اسمٌ مِن أسماءِ السورةِ (^٥) تُعْرَفُ به، كما\n_________\n(^١) في م: \"افتتح\".\n(^٢) سقط من: ر.\n(^٣) اللسان (أ هـ ل) غير منسوب.\n(^٤) الرجز للعجاج في ديوانه ص ٣٤٨.\n(^٥) بعده في م: \"التي\".","vol":"1","page":213},{"text":"تُعْرَفُ سائرُ الأشياءِ بأسمائِها التي هي لها أماراتٌ [تُعْرَفُ بها] (^١)، فيَفْهَمُ السامعُ مِن القائلِ يقولُ: قرأْتُ اليومَ ﴿المص﴾ و﴿ن﴾. أي السورةَ التي قرَأَها مِن سُورِ القرآنِ، كما يَفْهَمُ عنه إذا قال: لقيتُ اليومَ عَمْرًا وزيدًا. وهما بزيدٍ وعمرٍو عارفان - مَن الذي لقِي مِن الناسِ.\nوإن أشْكَل معنى ذلك على امرئٍ، فقال: وكيف (^٢) يَجوزُ أن يكونَ ذلك كذلك، ونَظائز ﴿الم﴾ ﴿الر﴾ في القرآنِ جماعةٌ مِن السورِ، وإنما تكونُ الأسماءُ أماراتٍ إذا كانت مُميِّزةً بينَ الأشخاصِ، فأما إذا كانت غيرَ مُميِّزةٍ فليست أماراتٍ؟\nقيل: إن الأسماءَ وإن كانت قد صارت لاشتراكِ كثيرٍ مِن الناسِ في الواحدِ منها، غيرَ مميِّزَةٍ إلَّا بمَعانٍ أُخَرَ معها؛ مِن ضَمِّ نسبةِ المُسَمَّى بها إليها، أو نعتِه أو وصفِه بما يُفَرِّقُ بينَه وبينَ غيرِه مِن أشكالِها، فإنها وُضِعَت (^٣) ابْتِداءً للتمييزِ لا شكَّ، ثم احْتِيج عندَ الاشتراكِ إلى المَعاني المُفَرِّقةِ بينَ المُسَمَّى بها، فكذلك ذلك في أسماءِ السورِ، جُعِل كلُّ اسمٍ - في قولِ قائلِ هذه المَقالةِ - أمارةً للمُسَمَّى به مِن السورِ، فلما شارَك المُسَمَّى به فيه غيرَه مِن سُورِ القرآنِ، احتاج المُخْبِرُ عن سورةٍ منها أن يَضُمَّ إلى اسمِها المُسَمَّى به مِن ذلك إلى (^٤) ما يُفَرِّقُ به السامعُ (^٥) بينَ الخبرِ عنها وعن غيرِها مِن نعتٍ وصفةٍ أو غيرِ ذلك، فيَقُولُ المُخْبِرُ عن نفسِه أنه تلا سورةَ البقرةِ، إذا سماها باسمِها الذي هو ﴿الم﴾: قرأتُ ﴿الم﴾ البقرة. وفي آلِ عِمْرانَ: قرأتُ\n_________\n(^١) في ص: \"تعرفونها\"، وفي ر: \"يعرفن\"، وفي ت ٢: \"يعرفونها\".\n(^٢) بعده في م: \"و\".\n(^٣) في ص: \"وصفت\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في م، ت ٢: \"للسامع\".","vol":"1","page":214},{"text":"﴿الم﴾ آل عمران. أو (^١) ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. و﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. كما لو أراد الخبرَ عن رجلين، اسمُ كلِّ واحدٍ منهما عمرٌو، غيرَ أن أحدَهما تَميميٌّ والآخرَ أزْديٌّ، لَلزِمه أن يقولَ لمن أراد إخبارَه عنهما: لقِيتُ عمرًا التميميَّ وعمرًا الأزديَّ. إذا (^٢) كان لا يفرِّق (^٣) بينَهما وبينَ غيرِهما ممَّن يُشارِكُهما في أسمائِهما إلا نسبتُهما (^٤) كذلك، فكذلك ذلك في قولِ مَن تأوَّل في الحروفِ المُقَطَّعةِ أنها أسماءٌ للسورِ.\nأما الذين قالوا: ذلك فَواتِحُ يَفْتَتِحُ اللَّهُ ﷿ بها كلامَه. فإنهم وجَّهوا ذلك إلى نحوِ المعنى الذي حكَيْنا عمَّن حكَيْنا ذلك عنه مِن أهلِ العربيةِ أنه قال: ذلك أدِلَّةٌ على انْقِضاءِ سورةٍ وابتداءٍ في أخرى، وعلامةٌ لانقطاعِ ما بينَهما. كما جُعِلَت \"بل\" في ابتداءِ قصيدةٍ دلالةً على ابتداءٍ فيها وانقضاءِ أخرى قبلَها، كما ذكَرْنا عن العربِ إذا أرادوا الابتداءَ في إنشادِ قصيدةٍ قالوا:\nبل * ما هاج أحْزانًا وشجْوًا قد شَجَا\nو\"بل\" ليست مِن البيتِ ولا داخلةً في وزنِه، ولكن ليَدُلَّ به على قطعِ كلامٍ وابتداءِ آخرَ.\nوأما الذين قالوا: ذلك حروفٌ مُقَطَّعةٌ، بعضُها مِن أسماءِ اللَّهِ ﷿، وبعضُها مِن صفاتِه، ولكلِّ حرفٍ مِن ذلك معنًى غيرُ معنى الحرفِ الآخرِ. فإنهم\n_________\n(^١) في ر، م: \"و\".\n(^٢) في م، ت ٢: \"إذ\".\n(^٣) في م، ت ٢: \"فرق\".\n(^٤) في ر، م: \"بنسبتهما\"، وفي ت ٢: \"بتسميتهما\".","vol":"1","page":215},{"text":"نحَوْا بتأويلِهم ذلك نحوَ قولِ الشاعرِ (^١):\nقلْنا لها قِفِي لنا (^٢) قالت قافْ\nلا تَحْسَبي أنَّا نَسِينا الإيجافْ (^٣)\nيعني بقولِه: قالت قاف. قالت (^٤): وقَفْتُ. فدَّلت بإظهارِ \"القافِ\" مِن \"وقَفْتُ\" على مُرادِها مِن تَمامِ الكلمةِ التي هي: \"وقَفْتُ\". فصرَفوا قولَه: ﴿الم﴾. وما أشبهَ ذلك إلى نحوِ هذا المعنى، فقال بعضُهم: الألفُ ألفُ أنا، واللامُ لامُ اللَّهِ، والميمُ ميمُ أعْلَمُ، وكلُّ حرفٍ منهن دالٌّ على كلمةٍ تامةٍ. قالوا: فجملةُ هذه الحروفِ المُقَطَّعةِ إذا ظهَر مع كلِّ حرفٍ منهن تَمامُ حروفِ الكلمةِ: أنا اللَّهُ أعلمُ. قالوا: وكذلك سائرُ جميعِ ما في أوائلِ سُورِ القرآنِ مِن ذلك، فعلى هذا المعنى وبهذا التأويلِ. قالوا: ومستفيضٌ ظاهرٌ في كلامِ العربِ أن يَنْقُصَ المتكلمُ منهم مِن الكلمةِ الأحرفَ إذا كان فيما بقِي دلالةٌ على ما حذَف منها، ويَزيدَ فيها ما ليس منها إذا لَمْ تكُنِ الزيادةُ مُلبِسةً معناها على سامعِها، كحذفِهم في النقصِ في الترخيمِ مِن حارثٍ الثاءَ، فيقولون: يا حارِ. ومِن مالكٍ الكافَ، فيقولون: يا مالِ. وما أشْبَهَ ذلك. وكقولِ راجزِهم (^٥):\nما لِلظَّليمِ (^٦) عالَ (^٧) كيف لا يا\n_________\n(^١) الرجز للوليد بن عقبة في شرح شواهد الشافية ملحق بالشافية ٤/ ٢٧١. والأول منه في الصاحبي ص ١٦١.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) الإيجاف: حثّ الدابة على سرعة السير. اللسان (وجـ ف).\n(^٤) بعده في م: \"قد\".\n(^٥) الرجز في تهذيب اللغة ١٥/ ٦٧٠، واللسان (يا)، وشرح شواهد الشافية ٤/ ٢٦٧.\n(^٦) الظليم: ذكر النعام. اللسان (ظ ل م).\n(^٧) في تهذيب اللغة واللسان: \"عاك\". وفسر الشيخ شاكر \"عال\" بأنها دعاء عليه من عال عوله: أي =","vol":"1","page":216},{"text":"يَنْقَدُّ عنه جِلْدُه إذا يا\nكأنه أراد أن يقولَ: إذا يَفعلُ كذا وكذا. فاكْتَفَى بالياءِ مِن \"يَفْعَلُ\". وكما قال آخرُ منهم (^١):\nبالخيرِ خيراتٍ وإن شرًّا فَا\nيريدُ: فشرًّا.\nولا أُرِيدُ الشرَّ إلا أن تا\nيُريدُ: إلا أن تَشاءَ. فاكْتَفَى بالتاءِ والفاءِ في الكلمتَيْن جميعًا مِن سائرِ حروفِهما، وما أشبهَ ذلك مِن الشواهدِ التي يَطولُ الكتابُ باستيعابِه.\nوكما حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ وابنِ عونٍ، عن محمدٍ، قال: لما مات يزيدُ بنُ معاويةَ قال لي عَبِيدَةُ (^٢): إني لا أُراها إلا كائنةً فتنةً فافْزَعْ مِن ضَيْعَتِك، والْحَقْ بأهلِك. قلتُ: فما تَأْمُرُني؟ قال: أحَبُّ إليَّ (^٣) لك أنْ تا - قال أيوبُ وابنُ عونٍ بيدِهِ تحت خدِّه الأيمنِ يَصِفُ الاضطجاعَ - حتى تَرَى أمرًا تَعْرِفُه.\nقال أبو جعفرٍ: يعني بـ \"تا\" تَضْطَجِع، فاجْتَزَأ بالتاءِ مِن \"تَضْطَجِع\". وكما قال الآخرُ في الزيادةِ في الكلامِ على النحوِ الذي وصَفْتُ (^٤):\n_________\n= ثكلته أمه. وفسرها محققو شرح شواهد الشافية بأنها من قولهم، عال عولا. بمعنى زاد في جريه. أما عاك فبمعنى كرّ. اللسان (ع وك).\n(^١) الكتاب ٣/ ٣٢١ ونسبه في شرح شواهد الشافية ٤/ ٢٦٤ للقيم بن أوس.\n(^٢) في ص، م: \"عبدة\". وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٢٦٦.\n(^٣) في ر: \"التي\".\n(^٤) تأويل مشكل القرآن ص ٢٣٤، والصاحبي ص ٣٨٠.","vol":"1","page":217},{"text":"أقولُ إذْ خَرَّتْ على الكَلْكالِ (^١) … يا ناقتي ما جُلْتِ من مَجالِ\nيريدُ: الكَلْكلَ. وكما قال الآخرُ (^٢):\nإنَّ شَكْلِي وإن شَكْلَك شَتَّى … فالْزَمي الخُصَّ واخْفِضِي (^٣) تَبْيَضِضِّي (^٤)\nفزاد ضادًا وليست في الكلمة.\nقالوا: فكذلك ما نقَص مِن تمامِ حروفِ كلِّ كلمةٍ مِن هذه الكلماتِ التي ذكَرْنا أنَّها تَتِمَّةُ حروفِ ﴿الم﴾ ونظائرِها، نظيرُ ما نقَص مِن الكلامِ الذي حكَيْناه عن العربِ في أشعارِها وكلامِها.\nوأما الذين قالوا: كلُّ حرفٍ مِن ﴿الم﴾ ونظائرِها دالٌّ على مَعانٍ شَتَّى - نحوَ الذي ذكرنا عن الربيع بنِ أنسٍ - فإنهم وجَّهوا ذلك إلى مثلِ الذي وجَّهه إليه مَن قال: هو بتأويل: أنا اللَّهُ أعلمُ. في أن كلَّ حرفٍ منه بعضُ حروفِ كلمةٍ تامةٍ اسْتُغْنِي بدَلالتِه على تَمامِه عن ذكرِ تمامِه - وإن كانوا له مخالفين في كلِّ حرفٍ مِن ذلك، أهو من الكلمةِ التي ادَّعَى أنه منها قائلو القولِ الأولِ أم مِن غيرِها؟ فقالوا: بل الألفُ مِن ﴿الم﴾ مِن كلماتٍ شَتَّى، هي دالةٌ على معاني جميعِ ذلك وعلى تمامِه. قالوا: وإنما أفْرد كلَّ حرفٍ مِن ذلك، وقصَّر به عن تمامِ حروفِ الكلمةِ، أن جميعَ حروفِ الكلمةِ لو أُظْهِرَت لم تَدُلَّ الكلمةُ التي تُظْهَرُ - التي (^٥) بعضُ هذه الحروفِ المُقَطَّعةِ بعضٌ لها - إلا على معنًى واحدٍ لا على معنيَيْن وأكثرَ منهما.\n_________\n(^١) الكلكال: المصدر أو ما بين الترقوتين. القاموس المحيط (ك ل ل).\n(^٢) تأويل مشكل القرآن ص ٢٣٥، واللسان (ب ي ض)، (خ ف ض).\n(^٣) الخفض: لين العيش وسعته. اللسان (خ ف ض).\n(^٤) أي: تبيضّي، من البياض، فزاد ضادًا أخرى ضرورة لإقامة الوزن. اللسان (ب ي ض).\n(^٥) سقط من: م.","vol":"1","page":218},{"text":"قالوا: وإذ كان لا دلالةَ في ذلك، لو أظْهَر جميعَها (^١)، إلا على معناها الذي هو معنًى واحدٌ، وكان اللَّهُ جلَّ ثناؤُه قد أراد الدلالةَ بكلِّ حرفٍ منها على مَعانٍ كثيرةٍ لشيءٍ واحدٍ - لَمْ يَجُزْ إلا أن يُفْرَدَ الحرفُ الدالُّ على تلك المعاني، ليَعْلَمَ المخاطَبون به أنه جلَّ ثناؤه لم يَقْصِدْ قصدَ معنًى واحدٍ ودلالةٍ على شيءٍ واحدٍ بما خاطَبَهم به، وأنه إنما قصَد الدلالةَ به (^٢) على أشياءَ كثيرةٍ.\nقالوا: فالألفُ مِن ﴿الم﴾ مُقْتَضِيةٌ معانيَ كثيرةً؛ منها تمامُ اسمِ الربِّ الذي هو اللَّهُ، وتمامُ اسمِ نعماءِ اللَّهِ التي هي آلاءُ اللَّهِ، والدلالةُ على أجَلِ قومٍ أنه سَنَةٌ، إذ كانت الألفُ في حسابِ الجُمَّلِ واحدًا. واللامُ مُقْتَضِيةٌ تمامَ اسمِ اللَّهِ الذي هو لَطيفٌ، وتمامَ اسمِ فَضْلِه الذي هو لُطْفٌ، والدلالةَ على أجَلِ قومٍ أنه ثلاثون سنةً. والميمُ مُقْتَضِيةٌ تمامَ اسمِ اللَّهِ الذي هو مَجيدٌ، وتمامَ اسمِ عظمتِه التي هي مَجْدٌ، والدلالةَ على أجَلِ قومٍ أنه أربعون سنةً.\nفكان معنى الكلامِ في تأويلِ قائلِ القولِ الأولِ، أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه افْتَتَح كلامَه بوَصْفِ نفسِه بأنه العالِمُ الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ، وجعَل ذلك لعبادِه مَنْهَجًا يَسْلُكونه في مُفْتَتحِ خُطَبِهم ورسائلِهم ومُهِمِّ أمورِهم، وابتلاءً منه لهم به (^٢) ليَسْتَوْجِبوا به عظيمَ الثوابِ في دارِ الجزاءِ، كما افْتَتَح بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ و﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]. وما أشْبَهَ ذلك مِن السورِ التي جعَل مَفاتحَها الحمدَ لنفسِه، وكما جعَل مَفاتحَ بعضِها تعظيمَ نفسِه وإجلالَها بالتسبيحِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]. وما أشبهَ ذلك مِن سائرِ سُورِ القرآنِ التي جعَل مَفاتحَ بعضِها\n_________\n(^١) في ص: \"جميعا\".\n(^٢) سقط من: م، ت ٢.","vol":"1","page":219},{"text":"تحميدَ نفسِه، ومفاتحَ بعضِها تمجيدَها، ومفاتحَ بعضِها تعظيمَها وتَنْزيهَها، فكذلك جعَل مفاتحَ السورِ الأُخَرِ التي أوائلُها بعضُ حروفِ المُعْجَمِ مدائحَ نفسِه أحيانًا بالعلمِ، وأحيانًا بالعدلِ والإنصافِ، وأحيانًا بالإفضالِ والإحسانِ، بإيجازٍ واختصارٍ، ثم اقتصاصَ الأمورِ بعدَ ذلك.\nوعلى هذا التأويلِ يَجِبُ أن تكونَ الألفُ واللامُ والميمُ في أماكنِ الرفعِ مرفوعًا بعضُها ببعضٍ، دون قولِه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، ويكونَ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، خبرًا (^١) مبتدأً مُنْقطِعًا عن مَعنى ﴿الم﴾ وكذلك ﴿ذَلِكَ﴾ في تأويلِ قولِ قائلِ هذا القولِ الثاني مرفوعٌ بعضُه ببعضٍ، وإن كان مخالفًا معناه معنى قولِ قائلِ القولِ الأولِ.\nوأما الذين قالوا: هنَّ حروفٌ مِن حروفِ حسابِ الجُمَّلِ دون ما خالَف ذلك مِن المعاني. فإنهم قالوا: لا نعرِفُ للحروفِ المُقَطَّعةِ معنًى يُفْهَمُ سوى حسابِ الجُمَّلِ، وسوى تَهَجِّي قولِ القائلِ: ﴿الم﴾. قالوا: وغيرُ جائزٍ أن يُخاطِبَ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه عبادَه إلا بما يَفْهَمون ويَعقِلون عنه، فلما كان ذلك كذلك - وكان قولُه: ﴿الم﴾. لا يُعْقَلُ لها وجهٌ تُوَجَّهُ إليه إلا أحدُ الوجهين اللذيْن ذكَرْنا، فبَطَل أحدُ وجهيْه، وهو أن يكونَ مُرادًا به تهجِّي: ﴿الم﴾ - صحَّ وثبَت أنه مرادٌ به الوجهُ الثاني، وهو حسابُ الجُمَّلِ؛ لأن قولَ القائلِ: ﴿الم﴾. لا يَجوزُ أن يَلِيَه مِن الكلامِ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ لاستحالةِ معنى الكلامِ وخروجِه عن المعقولِ إذا أُولِي ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾.\nواحْتَجُّوا لقولِهم ذلك أيضًا بما حدَّثنا به محمدُ بنُ حُميدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا\n_________\n(^١) في م: \"خبر\".","vol":"1","page":220},{"text":"سَلَمةُ بن الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثني الكَلْبيُّ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ رِئابٍ، قال: مرَّ أبو ياسرِ بنُ أخْطَبَ برسولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَتْلُو فاتحةَ (^١) سورةِ البقرة ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ فأتَى أخاه حُيَيَّ بنَ أخْطَبَ في رجالٍ مِن يهودَ، فقال: تَعْلَمُون (^٢) واللَّهِ، لقد سمِعْتُ محمدًا يَتْلُو فيما أنْزَل اللَّهُ عليه ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فقالوا: أنت سمِعْتَه؟ قال: نعم. فمشَى حُيَيُّ بنُ أخْطَبَ في أولئك النفرِ مِن يهودَ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقالوا: يا محمدُ، ألم يُذْكَرْ لنا أنك تَتْلُو فيما أُنْزِل عليك ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾؟ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"بَلَى\" قالوا. أجاءك بها (^٣) جبريلُ مِن عندِ اللَّهِ؟ فقال: \"نَعَمْ\". قالوا: لقد بعَث اللَّهُ قبلَك أنبياءَ ما نَعْلَمُه بيَّن لنبيٍّ منهم ما مُدَّةُ مُلْكِه، وما أُكْلُ (^٤) أمَّتِه غيرَك. فقال حُيَيُّ بنُ أخْطَبَ وأقبلَ على مَن كان معه، فقال لهم: الألفُ واحدةٌ، واللامُ ثلاثونَ، والميمُ أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنةً، أفتَدْخُلُونَ (^٥) في دينِ نبيٍّ إنما مدةُ مُلْكِه وأُكلُ (^٦) أُمَّتِه إحدى وسبعونَ سنةً؟ قال: ثم أقبلَ على رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال: يا محمدُ، هل مع هذا غيرُه؟ قال: \"نَعَمْ\". قال: ماذا؟ قال: \" ﴿المص﴾ \". قال: هذه أثقلُ وأطولُ؛ الألفُ واحدةٌ، واللامُ ثلاثون، والميم أربعون، والصادُ تسعون (^٧)، فهذه إحدى\n_________\n(^١) بعده في ص: \"الكتاب\".\n(^٢) في سيرة ابن هشام: \"تعلّموا\". أي: اعلموا.\n(^٣) في ص، م: \"بهذا\".\n(^٤) في م، ت ٢: \"أجل\". والأُكل: الرزق. ومنه قيل للميت: انقطع أكله. اللسان (أ ك ل). والمراد مدة الأمة التي يأكلون فيها رزقهم.\n(^٥) في م: \"قال: فقال لهم: أتدخلون\".\n(^٦) في م: \"أجل\".\n(^٧) في ر، ونسخة من سيرة ابن هشام: \"ستون\".","vol":"1","page":221},{"text":"وستون (^١) ومائةُ سنةٍ. هل مع هذا يا محمدُ غيرُه؟ قال: \"نَعَمْ\". قال: ماذا؟ قال: \" ﴿الر﴾ \". قال: هذه أثقلُ وأطولُ؛ الألفُ واحدةٌ، واللامُ ثلاثون، والراءُ مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنةٍ. فهل (^٢) مع هذا غيرُه يا محمدُ؟ قال: \"نَعَمْ، ﴿المر﴾ \". قال: فهذه أثقلُ وأطولُ؛ الألفُ واحدةٌ، واللامُ ثلاثون، والميمُ أربعون، والراءُ مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنةٍ. ثم قال: لقد لُبِّس علينا أمْرُك يا محمدُ حتى ما نَدْرِي أقليلًا أُعْطِيتَ أم كثيرًا. ثم قاموا عنه، فقال أبو ياسرٍ لأخيه حُيَيِّ بنِ أخْطَبَ ولمن معه مِن الأحبارِ: ما يُدْرِيكم لعلَّه قد جُمِع هذا كلُّه لمحمدٍ؛ إحدى وسبعون، وإحدى وستون (^٣) ومائةٌ، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعُمائةٍ وأربعٌ [وثلاثون] (^٤). فقالوا: لقد تَشابَه علينا أمرُه. فيَزْعُمون أن هؤلاء الآياتِ نزَلَت فيهم ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (^٥) [آل عمران: ٧].\nقالوا: قد صرَّح (^٦) هذا الخبرُ بصحةِ ما قلنا في ذلك مِن التأويلِ وفسادِ ما قاله مُخالِفونا فيه.\n_________\n(^١) في ت ٢، ونسخة من سيرة ابن هشام: \"ثلاثون\". وهو مبني على التقدير السابق للصاد.\n(^٢) في ر، م، ت ٢: \"فقال: هل\".\n(^٣) في ر: \"ثلاثين\"، وفي ت ٢: \"ثلاثون\".\n(^٤) في ص، ر، ت ٢، ونسخة من سيرة ابن هشام: \"سنين\".\n(^٥) أخرجه البخاري في التاريخ ٢/ ٢٠٨ معلقًا عن سلمة بن الفضل به. وقال ابن كثير في تفسيره ١/ ٥٩، ٦٠: حديث ضعيف … مداره على محمد بن السائب الكلبي، وهو مما لا يحتج بما انفرد به.\nواختلف فيه على ابن إسحاق. ينظر تاريخ البخاري، وسيرة ابن هشام ١/ ٥٤٥.\n(^٦) في ص: \"صح\".","vol":"1","page":222},{"text":"والصوابُ عندي مِن القولِ في تأويلِ مَفاتحِ السورِ التي هي حروفُ المُعْجَمِ، أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه جعَلها حروفًا مُقَطَّعةً، ولم يَصِلْ بعضَها ببعضٍ فيَجْعَلَها كسائرِ الكلامِ المتَّصِلِ الحروفِ؛ لأنه عزَّ ذكرُه أراد بلطفِه (^١) الدلالةَ بكلِّ حرفٍ منه على مَعانٍ كثيرةٍ لا على معنًى واحدٍ، كما قال الربيعُ بنُ أنسٍ، وإن كان الربيعُ قد اقتصَر به على معانٍ ثلاثةٍ دون ما زاد عليها.\nوالصوابُ في تأويلِ ذلك عندي أن كلَّ حرفٍ منه يَحْوِي ما قاله الربيعُ وما قاله سائرُ المُفَسِّرِين غيرُه فيه، سوى ما ذكَرْتُ مِن القولِ عمَّن ذكَرْتُ عنه مِن أهلِ العربيةِ أنه كان يُوَجِّهُ تأويلَ ذلك إلى أنه حروفُ هِجاءٍ استُغْنِي بذكرِ ما ذُكِر منه في مَفاتحِ السورِ عن ذكْرِ تَتِمَّةِ الثمانيةِ والعشرين الحرفِ (^٢) مِن حروفِ المُعْجَمِ، بتأويلِ: أن هذه الحروفَ ذلك الكتابُ، مجموعةً، لا ريبَ فيه. فإنه قولٌ خطأٌ فاسدٌ، لخروجِه عن أقوالِ جميعِ الصحابةِ والتابعين فمن بعدَهم مِن الخالِفين (^٣) مِن أهلِ التفسيرِ والتأويلِ، فكفَى دلالةً على خطئِه شهادةُ الحُجَّةِ عليه بالخطإِ، مع إبطالِ قائلِ ذلك قولَه الذي حكَيْناه عنه - إذ صار إلى البيانِ عن رفعِ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ - بقولِه مرةً: إنه مرفوعٌ كلُّ واحدٍ منهما بصاحبِه. ومرةً أخرى: إنه مرفوعٌ بالراجعِ مِن ذكرِه في قولِه: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. ومرةً بقولِه: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. وذلك تركٌ منه لقولِه: إن ﴿الم﴾ مرافعةٌ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. وخروجٌ من القولِ الذي ادَّعاه في تأويلِ ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. وأن تأويلَ ذلك: هذه الحروفُ ذلك الكتابُ.\n_________\n(^١) في م: \"بلفظه\".\n(^٢) في ر: \"الحروف\"، وفي م: \"حرفا\".\n(^٣) في ص: \"المخالفين\".","vol":"1","page":223},{"text":"فإن قال لنا قائلٌ: وكيف يَجوزُ أن يكونَ حرفٌ واحدٌ شاملًا الدلالةَ على معانٍ كثيرةٍ مختلفةٍ؟\nقيل: كما جاز أن تكونَ كلمةٌ واحدةٌ تَشْتَمِلُ على مَعانٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، نحوَ قولِهم للجماعةِ مِن الناسِ: أُمَّةٌ. وللحينِ مِن الزمانِ: أُمَّةٌ. وللرجلِ المُتَعَبِّدِ المُطيعِ للَّهِ: أُمَّةٌ. وللدِّينِ والمِلَّةِ: أُمَّةٌ. وكقولِهم للجَزاءِ والقِصاصِ: دِينٌ. وللسلطانِ والطاعةِ: دِينٌ. وللتَّذَلُّلِ: دينٌ. وللحسابِ: دِينٌ. في أشباهٍ لذلك كثيرةٍ يَطولُ الكتابُ بإحصائِها، مما يَكونُ مِن الكلامِ بلفظٍ واحدٍ، وهو مُشْتَمِلٌ على مَعانٍ كثيرةٍ، فكذلك قولُ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿الم﴾ و﴿الر﴾ و﴿المص﴾ وما أشْبَه ذلك مِن حروفِ المُعْجَمِ التي هي فَواتحُ أوائلِ السورِ، كلُّ حرفٍ منها دالٌّ على معانٍ شَتَّى، شاملٌ جميعُها مِن أسماءِ اللَّهِ ﷿ وصفاتِه ما قاله المفسِّرُون مِن الأقوالِ التي ذكَرْناها عنهم، وهنَّ مع ذلك فَواتِحُ السورِ، كما قاله مَن قال ذلك، وليس كونُ ذلك مِن حروفِ أسماءِ اللَّهِ جل ثناؤُه وصفاتِه، بمانعِها أن تكونَ للسورِ فَواتحَ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قد افْتَتَح كثيرًا مِن سورِ القرآنِ بالحمدِ لنفسِه والثناءِ عليها، وكثيرًا منها بتَمْجيدِها وتعظيمِها، فغيرُ مستحيلٍ أن يَبْتَدِئَ بعضَ ذلك بالقَسَمِ بها.\nفالتي ابتُدِئ أوائلُها بحروفِ المعجمِ، أحدُ معاني أوائلِها أنهنَّ فَواتحُ ما افتَتح بهن مِن سُوَرِ القرآنِ، وهن مما أَقْسَمَ بهن؛ لأن أحدَ معانيهنَّ أنهنَّ مِن حروفِ أسماءِ اللَّهِ تعالى ذكْرُه وصفاتِه، على ما قدَّمْنا البيانَ عنها، ولا شكَّ في صحةِ معنى القسَمِ باللَّهِ وأسمائِه وصفاتِه. وهن مِن حروفِ حسابِ الجُمَّلِ، وهن للسورِ التي افْتُتِحَت بهن شِعارٌ وأسماءٌ، فذلك يَحْوِي مَعانيَ جميعِ ما [وصَفْنا مما] (^١) بيَّنَّا مِن وُجوهِه؛ لأن\n_________\n(^١) في ر: \"ذكرنا ما\".","vol":"1","page":224},{"text":"اللَّهَ جلَّ ثناؤُه لو أراد بذلك أو بشيءٍ منه الدلالةَ على معنًى واحدٍ مما يَحْتَمِلُه (^١) ذلك، دون سائرِ المعاني غيرِه، لأبان ذلك لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ إبانةً غيرَ مُشْكِلةٍ، إذ كان جلَّ ثناؤُه إنما أنْزَل كتابَه على رسولِه ﷺ ليُبَيِّنَ لهم ما اخْتَلَفوا فيه، وفي تركِه ﷺ إبانةَ ذلك أنه مرادٌ به مِن وُجوهِ تأويلِه البعضُ دون البعضِ - أوضحُ الدليلِ على أنه مرادٌ به جميعُ وجوهِه التي هو لها مُحْتَمِلٌ، إذ (^٢) لم يكنْ مُسْتَحِيلًا في العقلِ وجهٌ منها أن يَكونَ مِن تأويلِه ومعناه، كما كان غيرَ مستحيلٍ اجتماعُ المعاني الكثيرةِ للكلمةِ الواحدةِ باللفظِ الواحدِ في كلامٍ واحدٍ.\nومَن أبَى ما قلْناه في ذلك، سُئِل الفرْقَ بينَ ذلك وبينَ سائرِ الحروفِ التي تَأْتِي بلفظٍ واحدٍ، مع اشتمالِها على المعاني الكثيرةِ المختلفةِ، كالأُمَّةِ والدِّينِ وما أشْبَه ذلك مِن الأسماءِ والأفعالِ، فلن يقولَ في أحدِ (^٣) ذلك قولًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه.\nوكذلك يُسْألُ كلُّ مَن تأوَّل شيئًا مِن ذلك على وجهٍ دن الأوجهِ الأُخَرِ التي وصَفْنا، عن البرهانِ على دَعْواه، من الوجهِ الذي يَجِبُ التسليمُ له، ثم يُعارَضُ بقولِ مُخالِفِه في ذلك، ويُسْألُ الفرقَ بينَه وبينَه، مِن أصلٍ، أو مما يَدُلُّ عليه أصلٌ. فلن يقولَ في أحدِهما قولًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه.\nوأما الذي زعَم مِن النحويِّين أن ذلك نظيرُ \"بل\" في قولِ المُنْشِدِ شِعرًا (^٤):\nبل * ما هاج أحْزانًا وشجوًا قد شَجَا\nوأنه لا معنًى له، وإنما هو زيادةٌ في الكلامِ معناه الطَّرْحُ. فإنه أخْطَأ مِن\n_________\n(^١) في ص، م: \"لا يحتمله\".\n(^٢) في ص: \"إذا\".\n(^٣) في ص: \"واحد من\".\n(^٤) تقدم في ص ٢١٥.","vol":"1","page":225},{"text":"وُجوهٍ شَتَّى:\nأحدُها: أنه وصَف اللَّهَ تعالى ذكرُه بأنه خاطَب العربَ بغيرِ ما هو مِن لغتِها، وغيرِ ما هو في لغةِ أحدٍ مِن الآدميِّين، إذ كانت العربُ وإن كانت قد كانت تَفْتَتِحُ أوائلَ إنشادِها ما أنْشَدَت مِن الشعرِ بـ \"بل\"، فإنه معلومٌ منها أنها لم تكنْ تَبْتَدِئُ شيئًا مِن كلامِها بـ ﴿الم﴾ و﴿الر﴾ و﴿المص﴾ [بمثلِ معنَى] (^١) ابتدائِها ذلك بـ \"بل\". وإذ كان ذلك ليس مِن ابتدائِها، وكان اللَّهُ جلَّ ثناؤُه إنما خاطَبهم بما خاطَبهم به (^٢) مِن القرآنِ بما يَعْرِفون مِن لغاتِهم، ويَسْتَعْمِلون بينَهم مِن مَنْطِقِهم في جميعِ آيِه - فلا شكَّ أن سبيلَ ما وصَفْنا مِن حروفِ المُعْجَمِ التي افتُتِحت بها أوائلُ السورِ التي هن لها فَواتحُ، سبيلُ سائرِ القرآنِ في أنه لم يَعْدِلْ بها عن لغاتِهم التي كانوا بها عارِفِين، ولها بينَهم في مَنْطِقِهم مُسْتَعْمِلين؛ لأن ذلك لو كان مَعْدولًا به عن سبيلِ لغاتِهم ومَنْطِقِهم، كان خارجًا عن معنى الإبانةِ التي وصَف اللَّهُ جلَّ ثناؤه بها القرآنَ، فقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]. وأنَّى يكونُ مُبِينًا ما لا يَعْقِلُه ولا يفهمُه (^٣) أحدٌ مِن العالمِين، في قولِ قائلِ هذه المقالةِ، ولا يُعْرَفُ في مَنْطِقِ أحدٍ مِن المخلوقين في قولِه؟ وفي إخبارِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه عنه أنه عربيٌّ مُبينٌ، ما يُكْذِبُ قائلَ (^٤) هذه المقالةِ، ويُنْبِئُ عنه أن العربَ كانوا به عالِمين، وهو لها مُسْتَبِينٌ، فذلك أحدُ أوجهِ خطئِه.\nوالوجهُ الثاني مِن خطئِه في ذلك: إضافتُه إلى اللَّهِ جلَّ ثناؤُه أنه خاطَب عبادَه بما\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢: \"بمعنى\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"يفقهه\".\n(^٤) سقط من: ص، م.","vol":"1","page":226},{"text":"لا فائدةَ لهم فيه، ولا معنَى له مِن الكلامِ، الذي سواءٌ الخطابُ (^١) به وتركُ الخطابِ به؛ وذلك إضافةُ العَبَثِ الذي هو مَنْفيٌّ في قولِ جميعِ المُوَحِّدين عن اللَّهِ، إلى اللَّهِ تعالى ذكرُه.\nوالوجهُ الثالثُ مِن خطئِه: أن \"بل\" في كلامِ العربِ مفهومٌ تأويلُها ومعناها، وأنها تُدْخِلُها في كلامِها رجوعًا عن كلامٍ لها قد تقَضَّى، كقولِهم: ما جاءني أخوك، بل أبوك، وما رأيتُ عمرًا، بل عبدَ اللَّهِ. وما أشْبَه ذلك مِن الكلامِ، كما قال أعْشَى بني ثَعْلبةَ (^٢):\nولَأَشْرَبَنَّ ثَمانِيًا وثَمانِيًا … وثلاثَ عشْرةَ واثنتَيْن وأربعَا\nومضَى في كلمتِه حتى بلَغ قولَه:\nبالجُلَّسَانِ (^٣) وطَيِّبٍ أرْدانُه (^٤) … بِالوَنِّ (^٥) يَضْرِبُ لي يَكُرُّ (^٦) الإصْبَعَا\nثم قال:\nبل عَدِّ هذا في قَريضٍ غيرِه … واذكُرْ فتًى سَمْحَ الخَليقةِ أرْوَعا\nفكأنه قال: دَعْ هذا، وخُذْ في قَريضٍ غيرِه. فـ \"بل\" (^٧) إنما يَأْتي في كلامِ العربِ على هذا النحوِ مِن الكلامِ. فأما افتتاحًا لكلامِها مُبْتَدَأً بمعنى\n_________\n(^١) بعده في ص: \"فيه\".\n(^٢) البيتان الأولان في الشعر والشعراء ١/ ٢٥٨.\n(^٣) الجلسان، فارسي معرب، يقال: إنه الورد. ويقال: قبة يصنعونها ويجعلون عليها الورد. المعرب ص ١٥٣، ١٥٤. والبيت فيه.\n(^٤) الأردان، جمع رُدْن: وهو كم القميص. اللسان (ر د ن).\n(^٥) الونُّ: الصنج الذي يضرب بالأصابع. اللسان (ون ن).\n(^٦) في ر، م: \"يكد\".\n(^٧) في ص، ر، ت ٢: \"قيل\".","vol":"1","page":227},{"text":"التطويلِ (^١) والحذفِ، مِن غير أن يَدُلَّ على معنًى، فذلك ما (^٢) لا نَعْلَمُ أحدًا ادَّعاه مِن أهلِ المعرفةِ بلسانِ العربِ ومَنْطِقِها، سوى الذي ذكَرْتُ قولَه، فيكونَ ذلك أصلًا يُشَبَّهُ به حُروفُ المُعْجَمِ التي هي فَواتحُ سورِ القرآنِ التي افْتُتِحَت بها، لو كانت له مُشْبِهةً، فكيف وهي مِن الشبهِ به بعيدةٌ؟\n\n<span id=\"aya-9\"></span><span data-type='title' id=toc-80>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾.</span>\nقال عامَّةُ المفسرين: تأويلُ قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾: هذا الكتابُ.\nذكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني هارونُ بنُ إدريسَ الأصَمُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحارِبيُّ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. قال: هو هذا الكتابُ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخْبَرَنا خالدٌ الحَذَّاءُ، عن عكرمةَ، قال: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾: هذا الكتابُ (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: حدَّثنا الحَكَمُ بنُ ظُهَيرٍ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. قال: هذا الكتابُ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ر: \"البطول\"، وفي ت ٢: \"التطول\".\n(^٢) في م: \"مما\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٦٠ عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣ (٥٣) من طريق ابن علية به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣ عقب الأثر (٥٣) من طريق أسباط، عن السدي. وأخرجه =","vol":"1","page":228},{"text":"حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ قولَه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. قال: هذا الكتابُ. قال: وقال ابنُ عباسٍ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾: هذا الكتابُ (^١).\nفإن قال قائلٌ: وكيف يَجوزُ أن يكونَ ﴿ذَلِكَ﴾ بمعنى \"هذا\"؟ و\"هذا\" لا شكَّ إشارةٌ إلى حاضرٍ مُعايَنٍ، و﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى غائبٍ غيرِ حاضرٍ ولا مُعايَنٍ؟\nقيل: جاز ذلك؛ لأن كلَّ ما تقَضَّى [وقَرُب] (^٢) تَقَضِّيه من الإخبارِ، فهو وإن صار بمعنى غيرِ الحاضرِ، فكالحاضرِ عندَ المخاطَبِ، وذلك كالرجلِ يُحَدِّثُ الرجلَ الحديثَ، فيقولُ السامعُ: إن ذلك واللَّهِ لكما قلتَ. و: هذا واللَّهِ كما قلتَ. و: هو واللَّهِ كما ذكَرْتَ. فيُخْبِرُ عنه مرةً بمعنى الغائبِ، إذ كان قد تقَضَّى ومضَى، ومرةً بمعنى الحاضرِ، لقُرْبِ جوابِه مِن كلامِ مُخْبِرِه، كأنه غيرُ مُنْقَضٍ، فكذلك ﴿ذَلِكَ﴾ في قولِه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. لأنه جلَّ ذكرُه لما قدَّم قبلَ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ﴿الم﴾ التي ذكَرْنا تصَرُّفَها في وجوهِها مِن المعاني على ما وصَفْنا، قال لنبيِّه ﷺ: يا محمدُ، هذا الذي ذكَرْتُه وبيَّنْتُه لك، الكتابُ. ولذلك حسُن وضعُ ﴿ذَلِكَ﴾ في مكانِ \"هذا\"؛ لأنه أُشِير به إلى الخبرِ عما تضَمَّنه قولُه ﴿الم﴾ مِن المعاني، بعدَ تقَضِّي الخبرِ عنه بـ ﴿الم﴾ فصار لقربِ الخبرِ عنه مِن تقَضِّيه، كالحاضرِ المشارِ إليه، فأخْبَر عنه بـ ﴿ذَلِكَ﴾ لانْقِضائِه، ومصيرِ الخبرِ عنه\n_________\n= الحاكم ٢/ ٢٦٠ من طريق أسباط، عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود. وقال: صحيح على شرط مسلم.\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٦٠، وفتح القدير ١/ ٣٣.\n(^٢) في ص: \"بقرب\"، وفي ر: \"فقرب\".","vol":"1","page":229},{"text":"كالخبرِ عن الغائبِ. وترْجَمه المفسِّرون أنه بمعنى \"هذا\"؛ لقربِ الخبرِ عنه مِن انقضائِه، فكان كالمُشاهَدِ (^١) المشارِ إليه بـ \"هذا\"، نحوَ الذي وصَفْنا مِن الكلامِ الجاري بينَ الناسِ في مُحاوراتِهم، وكما قال جلَّ ذكرُه: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ﴾ [ص: ٤٨، ٤٩]. فهذا ما في ﴿ذَلِكَ﴾ إذا عنى بها (^٢) \"هذا\".\nوقد يَحْتَمِلُ قولُه جلَّ ذكرُه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. أن يكونَ مَعنِيًّا به السورُ التي نزَلَت قبلَ سورةِ البقرةِ بمكةَ والمدينةِ، فكأنه قال جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ، اعْلَمْ أن ما تضَمَّنَتْه سورُ الكتابِ التي قد أنْزَلْتُها إليك هو الكتابُ الذي لا ريبَ فيه، ثم ترْجَمه المُفَسِّرون بأن معنى ﴿ذَلِكَ﴾: هذا الكتابُ، إذ كانت تلك السورُ التي نزَلَت قبلَ سورةِ البقرةِ مِن جملةِ جميعِ كتابِنا هذا الذي أنْزَلَه اللَّهُ ﷿ على نبيِّنا محمدٍ ﷺ.\nوكان التأويلُ الأولُ أولى بما قال المُفَسِّرون؛ لأن ذلك أظهرُ معاني قولِهم الذي قالوه في: ﴿ذَلِكَ﴾.\nوقد وجَّه معنى ﴿ذَلِكَ﴾ بعضُهم إلى نظيرِ معنى بيتِ خُفَافِ بنِ نُدْبَةَ السُّلَميِّ (^٣):\nفإن تَكُ خَيْلى قد أُصِيب صَمِيمُها … فعَمْدًا على عَيْنٍ تيَمَّمْتُ مالِكَا (^٤)\n_________\n(^١) في ص، ر، ت ٢: \"كالشاهد\".\n(^٢) في ر: \"بهذا\"، وفي ت ٢: \"به\".\n(^٣) الأغاني ٢/ ٣٢٩، الخزانة ٥/ ٤٣٨ - ٤٤٠. وسيأتي البيت الثاني في تفسير الآية ٨٥ من سورة البقرة.\n(^٤) هو مالك بن حمار الفزاري. ينظر الأغاني ٢/ ٣٢٩.","vol":"1","page":230},{"text":"أقولُ له والرُّمْحُ يَأْطِرُ (^١) مَتْنَه … تأمَّلْ خُفافًا إنني أنا ذلِكا\nكأنه أراد: تأمَّلْني أنا ذلك. فزَعَمَ (^٢) أن ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ بمعنى \"هذا\" [نظيرَ ما] (^٣) أظْهَر خُفافٌ مِن اسمِه على وجهِ الخبرِ عن الغائبِ، وهو مُخْبِرٌ عن نفسِه، فكذلك (^٤) أظْهَر ﴿ذَلِكَ﴾ بمعنى الخبرِ عن الغائبِ، والمعنى فيه الإشارةُ إلى الحاضرِ المُشاهَدِ.\nوالقولُ الأولُ أولى بتأويلِ الكتابِ؛ لما ذكَرْنا مِن العِلَلِ.\nوقد قال بعضُهم: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ يعني به التوراةَ والإنجيلَ (^٥). وإذا وُجِّه تأويلُ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى هذا الوجهِ، فلا مئونةَ فيه على مُتأوِّلِه كذلك؛ لأن ﴿ذَلِكَ﴾ يكونُ حينئذٍ إخبارًا عن غائبٍ على صحةٍ\n\n<span data-type='title' id=toc-81>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.</span>\nوتأويلُ قولِه: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شكَّ فيه.\nكما حدَّثني هارونُ بنُ إدريسَ الأصمُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ المُحارِبيُّ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ قال: لا شكَّ فيه (^٦).\nحدَّثني سَلَّامُ بنُ سالمٍ الخُزاعيُّ، قال: حدَّثنا خَلَفُ بنُ ياسِينَ الكوفيُّ،\n_________\n(^١) أطر الشيء: عطفه وثناه. تاج العروس (أ ط ر).\n(^٢) في م: \"فرأى\".\n(^٣) في ص: \"نظيره\".\n(^٤) في م: \"لذلك\".\n(^٥) قال ابن كثير في تفسيره ١/ ٦٧: ومن قال إن المراد بـ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ الإشارة إلى التوراة والإنجيل … فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع وتكلف ما لا علم له به.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤ إلى المصنف.","vol":"1","page":231},{"text":"عن عبدِ العزيزِ بنِ أبي رَوَّادٍ (^١)، عن عصاءٍ: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ قال: لا شكَّ فيه (^٢).\nحدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: حدَّثنا الحَكَمُ بنُ ظُهَيْرٍ، عن السديِّ، قال: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شكَّ فيه (^٣).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ الهَمْدانيُّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَرَه عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شكَّ فيه (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدِ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شكَّ فيه (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. يقولُ: لا شكَّ فيه.\n_________\n(^١) في ص: \"داود\". ينظر تهذيب الكمال ١٨/ ١٣٦.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤ عقب الأثر (٥٥) معلقًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤ عقب الأثر (٥٥) من طريق أسباط عن السدي.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٦١ عن السدي به. وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٦٠ من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود. وقال: صحيح على شرط مسلم.\n(^٥) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٠. وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤ عقب الأثر (٥٥) معلقًا. وأخرجه أيضًا ١/ ٦٣ (٢٣٤) - عند قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ - من طريق سلمة بن الفضل به.","vol":"1","page":232},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. يقولُ: لا شكَّ فيه (^١).\nوحُدِّثت عن عَمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ قولَه: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ يقولُ: لا شكَّ فيه (^٢).\nوهو مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: رابَني الشيءُ يَرِيبُني رَيْبًا. ومِن ذلك قولُ ساعدةَ بنِ جُؤَيَّةَ الهُذَليِّ (^٣):\nفقالوا ترَكْنا الحَيَّ قد حصِروا به … فلا ريبَ أن قد كان ثَمَّ لَحيمُ\nويُرْوَى: حصَروا، وحصِروا. والفتحُ أكثرُ، والكسرُ جائزٌ. يعني بقولِه: حصروا به: أطافوا به. ويعني بقولِه: لا رَيْبَ: لا شكَّ. وبقولِه: أن قد كان ثَمَّ لَحيم. يعني قَتيلًا. يقالُ: قد لُحِم. إذا قُتل.\nوالهاءُ التي في ﴿فِيهِ﴾ عائدةٌ على الكتابِ، كأنه قال: لا شكَّ في ذلك الكتابِ أنه مِن عندِ اللَّهِ هُدًى للمُتَّقِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-82>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿هُدًى﴾.</span>\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤ عقب الأثر (٥٥) معلقًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤ إلى عبد بن حميد. وعزاه أيضًا ١/ ٣٥ في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾. إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم. وهو عند ابن أبي حاتم ١/ ٦٣ عقب الأثر (٢٣٥) معلقًا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤ عقب الأثر (٥٥) من طريق ابن أبي جعفر به. وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم في هذا الحرف اختلافًا بين المفسرين.\n(^٣) ديوان الهذليين ١/ ٢٣٢.","vol":"1","page":233},{"text":"حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ الغفاريُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعيمٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن بَيَانٍ، عن الشعبيِّ: ﴿هُدًى﴾ قال: هُدًى مِن الضلالةِ (^١).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ بنُ نصرٍ، عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَرَه عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ يقولُ: نورٌ للمتقين (^٢).\nوالهُدى في هذا الموضعِ مصدرٌ مِن قولِك: هدَيْتُ فلانًا الطريقَ - إذا أرْشَدْتَه إليه، ودلَلْتَه عليه، وبَيَّنْتَه له - أَهْدِيه هُدًى وهِدايةً.\nفإن قال لنا قائلٌ: أوَ ما كتابُ اللَّهِ نورًا إلا للمُتَّقِين، ولا رَشادًا إلا للمؤمنين؟\nقيل: ذلك كما وصَفه ربُّنا ﷿، ولو كان نورًا لغيرِ المتقين، ورَشادًا لغيرِ المؤمنين، لم يَخْصُصِ اللَّهُ ﷿ المتقين بأنه لهم هدًى، بل كان يَعُمُّ به جميعَ المُنْذَرِين، ولكنه هُدًى للمتقين، وشفاءٌ لما في صدورِ المؤمنين، ووَقْرٌ في آذانِ المكذِّبين، وعمًى لأبصارِ الجاحدين، وحجةٌ للَّه بالغةٌ على الكافرين، فالمؤمنُ به مُهْتدٍ، والكافرُ به محجوجٌ.\nوقولُه: ﴿هُدًى﴾ يَحْتَمِلُ أوجهًا مِن المعاني:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٣٤ (٥٧) من طريق أبي نعيم به. وأخرجه أيضًا ١/ ٣٤ (٥٦، ٥٧) من طريقين عن سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤ إلى وكيع.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٦١ عن السدي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤ إلى المصنف عن ابن مسعود وحده. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤ (٥٨) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدي من قوله.","vol":"1","page":234},{"text":"أحدُها: أن يكونَ نصبًا، لمعنى القطعِ (^١) مِن ﴿الْكِتَابُ﴾؛ لأنه نكرةٌ و﴿الْكِتَابُ﴾ معرفةٌ، فيكونُ التأويلُ حينئذٍ: الم ذلك الكتابُ هاديًا للمتقِين. و﴿ذَلِكَ﴾ مرفوعٌ بـ ﴿الم﴾، و﴿الم﴾ به، و﴿الْكِتَابُ﴾ نعتٌ لـ ﴿ذَلِكَ﴾.\nوقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ نصبًا على القطعِ مِن راجِعِ ذكرِ ﴿الْكِتَابُ﴾ الذي في ﴿فِيهِ﴾ فيكونُ معنى ذلك حينَئذٍ: الم الذي لا ريبَ فيه هاديًا.\nوقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ أيضًا نصبًا على هذيْن الوجهَيْن، أعْنِي على وجهِ القطعِ مِن الهاءِ التي في ﴿فِيهِ﴾، ومِن ﴿الْكِتَابُ﴾ على أن ﴿الم﴾ كلامٌ تامٌّ، كما قال ابنُ عباسٍ: إن معناه: أنا اللَّهُ أعلمُ. ثم يكونُ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ خبرًا مُسْتَأْنَفًا، فيُرْفَعُ حينَئذٍ ﴿الْكِتَابُ﴾ بـ ﴿ذَلِكَ﴾، و﴿ذَلِكَ﴾ بـ ﴿الْكِتَابُ﴾، ويكونُ ﴿هُدًى﴾ قطعًا مِن ﴿الْكِتَابُ﴾، وعلى أن يُرْفَعَ ﴿ذَلِكَ﴾ بالهاءِ العائدةِ عليه التي في ﴿فِيهِ﴾، و﴿الْكِتَابُ﴾ نعتٌ له، والهدى قطعٌ مِن الهاءِ التي في ﴿فِيهِ﴾. وإن جُعِل الهدى في موضعِ رفعٍ، لم يَجُزْ أن يكونَ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ إلا خبرًا مُسْتَأْنَفًا، و﴿الم﴾ كلامًا تامًّا مكتفيًا بنفسِه، إلا مِن وجهٍ واحدٍ، وهو أن يُرْفَعَ حينئذٍ ﴿هُدًى﴾ بمعنى المدحِ، كما قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: (الم * تِلْكَ آياتُ الكتابِ الحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةٌ للمُحْسِنِينَ) [لقمان: ١ - ٣]. في قراءةِ مَن قرَأ (رَحْمَةٌ) بالرفعِ على المدحِ للآياتِ (^٢).\nوالرفعُ في ﴿هُدًى﴾ حينَئذٍ يَجوزُ مِن ثلاثةِ أوجهٍ؛ أحدُها: ما ذكَرْنا من أنه\n_________\n(^١) يريد بالقطع هنا الحال. ينظر معاني القرآن ١/ ١١، والمصطلح النحوي ص ١٧٠.\n(^٢) وهي قراءة حمزة وحده، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي، بالنصب. السبعة لابن مجاهد ص ٥١٢.","vol":"1","page":235},{"text":"مدحٌ مُسْتَأْنَفٌ. والآخرُ: على أن يُجْعَلَ مُرافعَ (^١) ﴿ذَلِكَ﴾، و﴿الْكِتَابُ﴾ نعتٌ لـ ﴿ذَلِكَ﴾. والثالثُ: أن يُجْعَلَ تابعًا لموضعِ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، ويكونَ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ مرفوعًا بالعائدِ في ﴿فِيهِ﴾، فيكونَ كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢، ١٥٥].\nوقد زعَم بعضُ المُتَقَدِّمِين في العلمِ بالعربيةِ مِن الكوفِيِّين (^٢) أن ﴿الم﴾ مرافعُ (^٣) ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ بمعنى: هذه الحروفُ مِن حروفِ المُعْجَمِ، ذلك الكتابُ الذي وعَدْتُك أن أُوحِيَه إليك. ثم نقَض ذلك مِن قولِه فأسْرع نَقْضَه، وهدَم ما بنَى فأسْرَع هَدْمَه، فزعَم أن الرفعَ في ﴿هُدًى﴾ مِن وجهَيْن، والنصبَ من وجهَيْن، وأن أحدَ وجهَيِ الرفعِ أن يكونَ ﴿الْكِتَابُ﴾ نعتًا لـ ﴿ذَلِكَ﴾، والهُدى في موضعِ رفعٍ خبرٌ (^٤) لـ ﴿ذَلِكَ﴾، كأنك قلتَ: ذلك هدًى (^٥) لا شكَّ فيه. قال: وإن جعَلْتَ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبرَه، رفَعْتَ أيضًا ﴿هُدًى﴾ بجعلِه تابعًا لموضع ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، كما قال اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاه مُبَارَكٌ﴾ كأنه قال: وهذا كتابٌ هُدًى، مِن صفتِه كذا وكذا. قال: وأما أحدُ وجهَيِ النصبِ، فأن تَجْعَلَ الكتابَ خبرًا لـ ﴿ذَلِكَ﴾ وتَنْصِبَ ﴿هُدًى﴾ على القطعِ؛ لأن ﴿هُدًى﴾ نكرةٌ اتَّصَلَت بمعرفةٍ، وقد تمَّ خبرُها فنصَبْتَها (^٦)؛ لأن النكرةَ لا تكونُ دليلًا على معرفةٍ، وإن شئتَ نصَبْتَ ﴿هُدًى﴾ على القطعِ مِن\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \" الرافع\".\n(^٢) يعتي الفراء في معاني القرآن ١/ ١٠.\n(^٣) في م، ت ٢: \"رافع\".\n(^٤) في ر: \"خبرا\".\n(^٥) سقط من النسخ، وأثبتناه من معاني القرآن.\n(^٦) في م: \"فتنصبها\".","vol":"1","page":236},{"text":"الهاءِ التي في ﴿فِيهِ﴾، كأنك قلتَ: لا شكَّ فيه هاديًا.\nقال أبو جعفرٍ: فترَك الأصلَ الذي أصَّله في ﴿الم﴾ وأنها مرفوعةٌ بـ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ونبَذه وراءَ ظهرِه، واللازمُ كان له على الأصلِ الذي أصَّله ألا يُجِيزَ الرفعَ في ﴿هُدًى﴾ بحالٍ إلا مِن وجهٍ واحدٍ، وذلك مِن قِبَلِ الاستئنافِ إذ كان مدْحًا. فأما على وجهِ الخبرِ لـ ﴿ذَلِكَ﴾، أو على وجهِ الاتباعِ لموضعِ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، فكان اللازمُ له على قولِه أن يكونَ خطأً، وذلك أن ﴿الم﴾ إذا رفَعَتْ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فلا شكَّ أن ﴿هُدًى﴾ غيرُ جائزٍ حينئذٍ أن يكونَ خبرًا لـ ﴿ذَلِكَ﴾ بمعنى المرافعِ له، أو (^١) تابعًا لموضع ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ لأن موضعَه حينَئذٍ نصبٌ، لتمامِ الخبرِ قبلَه وانقطاعِه - بمُخالفتِه إياه - عنه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-83>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لِلْمُتَّقِينَ </span>(٢)﴾.\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الحسنِ قولَه: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال: اتَّقَوْا ما حُرِّم عليهم، وأدَّوْا ما افتُرِض عليهم (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. أي: الذين يَحْذَرُون مِن اللَّهِ ﷿ عقوبتَه في ترْكِ ما يَعْرِفون مِن الهُدَى، ويَرْجُون رحمتَه بالتصديقِ بما جاء منه (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"و\".\n(^٢) إعراب القرآن لا يسلك فيه إلا الحمل على أحسن الوجوه، وأبعدها عن التكلف، وأسوغها في لسان العرب، فكما أن كلام الله أفصح كلام، فكذلك إعرابه يجب أن يحمل على أفصح الوجوه،\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٦١ عن سفيان الثوري به.\n(^٤) في ر، م: \"به\".\nوالأثر في سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٥ (٦٢) من طريق سلمة به.","vol":"1","page":237},{"text":"حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾: هم المؤمنون (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، قال: سأَلني الأعمشُ عن \"المتقين\"، قال: فأجَبْتُه، فقال لي: سَلْ عنها الكَلْبيَّ. فسألْتُه فقال: الذين يَجْتَنِبون كبائرَ الإثمِ. قال: فرجَعْتُ إلى الأعمشِ، فقال: نُرَى (^٢) أنه كذلك. ولم يُنْكِرْه (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ الطبريُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ الله، قال: حدَّثنا عمرُ أبو حفصٍ، عن سعيدِ بنِ أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾: مَن هم؟ نعَتَهم ووصَفَهم فأثْبَت صفتَهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ [بنُ عُمارةَ] (^٥)، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٦١ عن السدي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤، ٢٥ إلى المصنف عن ابن مسعود وحده. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٥ (٦٣) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.\n(^٢) في ر: \"ترى أي\"، وفي ت ٢: \"يرى\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٦٢ عن أبي بكر بن عياش به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٥ (٦٤) من طريق ابن أبي عروبة به.\n(^٥) في م: \"بن عمار\".","vol":"1","page":238},{"text":"للمؤمنين الذين يتَّقُون الشركَ (^١) ويَعْمَلون بطاعتي (^٢).\nوأوْلَى التأويلاتِ بقولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. تأويلُ مَن وصَف القومَ بأنهم الذين اتَّقَوُا اللَّهَ ﵎ في ركوبِ ما نهاهم عن ركوبِه، فتجَنَّبوا معاصِيَه، واتَّقوْه فيما أمَرَهم به مِن فرائضِه، فأطاعوه بأدائِها، وذلك أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه أبْهَم (^٣) وصفَهم بالتقْوَى، فلم يَحْصُرْ تَقْواهم إياه على [بعضِ ما هو جلَّ ثناؤه أهلٌ] (^٤) له (^٥) منهم دونَ بعضٍ، فليس لأحدٍ مِن الناسِ أن يَحْصُرَ معنى ذلك على وصْفِهم بشيءٍ مِن تقوى اللَّهِ ﷿ دون شيءٍ، إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها؛ لأن ذلك مِن صفةِ القومِ لو كان مَحْصورًا على خاصٍّ مِن معاني التقوى دونَ العامِّ (^٦)، لم يَدَعِ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه بيانَ ذلك لعبادِه، إما في كتابِه، وإما على لسانِ رسولِه ﷺ، إذ لم يَكُنْ في العقلِ دليلٌ على استحالةِ وصفِهم بعمومِ التقوى.\nفقد تبَيَّن إذن بذلك فسادُ قولِ مَن زعَم أن تأويلَ ذلك إنما هو الذين اتَّقَوُا الشركَ وبرِئوا مِن النِّفاقِ؛ لأنه قد يكونُ كذلك وهو فاسقٌ غيرُ مُسْتَحِقٍّ أن يكونَ مِن المتَّقِين، إلا أن يكونَ عندَ قائلِ هذا القولِ معنى النفاقِ ركوبَ الفَواحِشِ التي حرَّمها اللَّهُ جل ثناؤُه، وتَضْييعَ فرائضِه التي فرَضها عليه، فإن جماعةً مِن أهلِ العلمِ قد كانت تُسَمِّي مَن كان كذلك (^٧) مُنافِقًا، فيكونَ،\n_________\n(^١) بعده في ص: \"بي\"\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٦١ عن أبي روق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: ص، وفي م: \"إنما\".\n(^٤) في ص، م: \"بعضها من أهل\".\n(^٥) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٦) بعده في م: \"منها\".\n(^٧) في م: \"يفعل ذلك\".","vol":"1","page":239},{"text":"وإن كان مُخالِفًا في تسميتِه مَن كان كذلك بهذا الاسمِ - مُصِيبًا تأويلَ قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-10\"></span><span data-type='title' id=toc-84>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾.</span>\n\nحدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾. قال: يُصَدِّقون (^١).\nحدَّثني يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالحٍ السَّهْميُّ، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يُصَدِّقون (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجَّاجِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يَخْشَوْن (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّنْعانيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، قال: قال الزُّهريُّ: الإيمانُ العملُ (^٤).\nوحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن العَلاءِ بنِ المُسَيَّبِ بنِ رافعٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥ إلى المصنف وابن إسحاق.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٦٢ عن علي بن أبي طلحة به.\n(^٣) في ر: \"يخشعون\".\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٦٢ من طريق أبي جعفر به.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٦٢ عن معمر به.","vol":"1","page":240},{"text":"الإيمانُ التصديقُ (^١).\nومعنى الإيمانِ عندَ العربِ التصديقُ، فيُدْعَى المُصَدِّقُ بالشيءِ قولًا مؤمنًا به، ويُدْعَى المُصَدِّقُ قولَه بفعلِه مؤمنًا، ومِن ذلك قولُ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]. يعني: وما أنت بمُصَدِّقٍ لنا في قولِنا. وقد تَدْخُلُ الخشيةُ للَّهِ في معنى الإيمانِ الذي هو تَصديقُ القولِ بالعملِ.\nوالإيمانُ كلمةٌ جامعةٌ للإقرارِ باللَّهِ وكتبِه ورسلِه، وتصديقِ الإقرارِ بالفعلِ. فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويلِ الآيةِ وأشبهُ بصفةِ القومِ أن يَكُونوا موصُوفِين بالتصديقِ بالغيبِ قولًا واعتقادًا وعملًا؛ إذ كان جلَّ ثناؤُه لم يَحْصُرْهم مِن معنى الإيمانِ على معنًى دونَ معنًى، بل أجْمَل وصفَهم به، مِن غيرِ خُصوصِ شيءٍ مِن مَعانِيه أخْرَجَه من صفتِهم بخبرٍ ولا عقلٍ.\nالقولُ في تأويلِ قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿بِالْغَيْبِ﴾.\nحدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿بِالْغَيْبِ﴾. قال: بما جاء منه. يعني مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ ﴿بِالْغَيْبِ﴾: أما \"الغيبُ\"، فما غاب عن العبادِ مِن أمرِ الجنَّةِ وأمرِ النارِ، وما\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥ إلى المصنف مطولا.","vol":"1","page":241},{"text":"ذكرَ اللَّهُ ﵎ في القرآنِ، لم يكنْ تصديقُهم بذلك - يعني المؤمنين من العربِ - مِن قِبَلِ [أصلِ كتابٍ] (^١) أو عِلْمٍ كان عندَهم (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيريُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، قال: الغيبُ القرآنُ (^٣).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ العَقَديُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدِ بنِ أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. قال: آمَنوا بالجنةِ والنارِ والبَعْثِ بعدَ الموتِ وبيومِ القيامةِ، وكلُّ هذا غيبٌ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن عمَّارِ بِنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾: آمَنوا باللَّهِ وملائكتِه ورسلِه واليومِ الآخرِ وجنتِه ونارِه ولقائِه، وآمَنوا بالحياةِ بعدَ الموتِ، فهذا غيبٌ كلُّه (^٥).\nوأصلُ الغيبِ كلُّ ما غاب عنك مِن شيءٍ، وهو مِن قولِك: غاب فلانٌ يَغِيبُ غَيْبًا.\nوقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في أعيانِ القومِ الذين أنْزَل اللَّهُ جلَّ ثناؤُه هاتين الآيتَيْن\n_________\n(^١) في ص: \"أهل الكتاب\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٦٣ عن السدي به مختصرًا. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٥، ٣٦ (٦٥، ٦٨) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله مختصرًا.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥ إلى المصنف عن ابن مسعود وحده. وإلى الطستي في مسائله عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له … فذكره مختصرًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٦ (٦٩) من طريق أبي أحمد الزبيري به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم عن أبي العالية. وهو عند ابن أبي حاتم ١/ ٣٦ (٦٧) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٦٣ كذلك.","vol":"1","page":242},{"text":"مِن أولِ هذه السورةِ فيهم، وفي نعتِهم وصفتِهم التي وصَفهم بها مِن إيمانِهم بالغيبِ وسائرِ المعاني التي حوَتْها الآيتان مِن صفاتِهم غيرَه؛ فقال بعضُهم: هم مؤمنو العربِ خاصةً، دونَ غيرِهم مِن مؤمني أهلِ الكتابينِ (^١).\nواستَدَلُّوا على صحةِ (^٢) قولِهم ذلك وحقيقةِ تأويلِهم بالآيةِ التي تَتْلُو هاتين الآيتين، وهو قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قالوا: فلم يَكُنْ للعربِ كتابٌ قبلَ الكتابِ الذي أنْزَله اللَّهُ ﷿ على محمدٍ ﷺ، تَدِينُ بتصديقِه والإقرارِ والعملِ به، وإنما كان الكتابُ لأهلِ الكتابَيْن غيرِها. قالوا: فلما قصَّ اللَّهُ جلَّ ثناؤه نبأَ الذين يُؤْمِنون بما أُنْزِل إلى محمدٍ وما أُنْزِل مِن قبلِه، بعدَ اقْتِصاصِه نبأَ المؤمنين بالغيبِ - علِمْنا أن كلَّ صِنْفٍ منهم غيرُ الصنفِ الآخَرِ، وأن المؤْمنين بالغيبِ نوعٌ غيرُ النوعِ المُصَدِّقِ بالكتابَيْن اللذَّيْن أحدُهما مُنَزَّلٌ على محمدٍ ﷺ، والآخرُ منهما على مَن قَبلَه [مِن رسلِ] (^٣) اللَّهِ ﷿.\nقالوا: وإذ كان ذلك كذلك، صحّ ما قلْنا مِن أن تأويلَ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. إنما هو (^٤): الذين يُؤْمِنون بما غاب عنهم من الجنةِ والنارِ، والثوابِ والعقابِ، والبعثِ، والتصديقِ باللَّهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه، وجميعِ ما كانت العربُ لا تَدِينُ به في جاهليَّتِها، مما (^٥) أوْجَب اللَّهُ جلَّ ثناؤُه على\n_________\n(^١) في ص، م: \"الكتاب\".\n(^٢) في ر: \"حقيقة\".\n(^٣) في ص: \"رسول\"، وفي ت ٢: \"من رسول\".\n(^٤) في ص، ت ٢: \"هم\".\n(^٥) في م: \"بما\".","vol":"1","page":243},{"text":"عبادِه الدَّيْنُونةَ به، دونَ غيرِهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: أما ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ فهم المؤمنون مِن العربِ، ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: أما \"الغيبُ\"، فما غاب عن العبادِ مِن أمرِ الجنةِ والنارِ، وما ذكَر اللَّهُ في القرآنِ، لم يكُنْ تصديقُهم بذلك مِن قِبَلِ أصلِ كتابٍ أو علمٍ كان عندَهم ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ هؤلاء المؤمنون مِن أهلِ الكتابِ (^١).\nوقال بعضُهم: بل نزَلَتْ هذه الآياتُ الأربعُ في مؤمني أهلِ الكتابِ خاصةً؛ لإيمانِهم بالقرآنِ عندَ إخبارِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه إياهم فيه عن الغُيوبِ التي كانوا يُخْفُونها بينَهم ويُسِرُّونها، فعلِموا عندَ إظهارِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه نبيَّه ﷺ على ذلك منهم في تنزيلِه أنه مِن عندِ اللَّهِ - جلَّ وعز -، فآمَنوا بالنبيِّ ﷺ، وصدَّقوا بالقرآنِ وما فيه مِن الإخبارِ عن الغيوبِ التي لا عِلْمَ لهم بها؛ لِما استقرَّ عندَهم بالحُجَّةِ التي احْتَجَّ اللَّهُ ﵎ بها عليهم في كتابِه، مِن الإخبارِ فيه عمَّا كانوا يَكْتُمونه مِن ضَمائرِهم - أن جميعَ ذلك مِن عندِ اللَّهِ.\nوقال بعضُهم: بل الآياتُ الأربعُ مِن أولِ هذه السورةِ أُنْزِلَت على محمدٍ ﷺ بوصفِ جميعِ المؤمنين الذين ذلك صفتُهم، مِن العربِ، والعجمِ، وأهلِ الكتابَيْن\n_________\n(^١) ينظر ص ٢٤٢.","vol":"1","page":244},{"text":"سِواهم، وإنما هذه صفةُ صِنْفٍ مِن الناسِ، والمؤمنُ بما أنْزَل اللَّهُ على محمدٍ ﷺ وما أُنْزِل مِن قبلِه هو المؤمنُ بالغيبِ.\nقالوا: وإنما وصَفهم اللَّهُ بالإيمانِ بما أُنْزِل إلى محمدٍ وبما أُنْزِل إلى مَن قبلَه، بعدَ تقَضِّي وصفِه إياهم بالإيمانِ بالغيبِ؛ لأن وصفَه إياهم بما وصَفهم به مِن الإيمانِ بالغيبِ كان مَعْنِيًّا به أنهم يُؤْمنون بالجنةِ والنارِ والبعثِ وسائرِ الأمورِ التي كلَّفهم اللَّهُ جلَّ ثناؤُه الإيمانَ بها (^١)، مما لم يَرَوْه ولم يَأْتِ بعدُ مما هو آتٍ، دونَ الإخبارِ عنهم أنهم يُؤْمنون بما جاء به محمدٌ ﷺ ومَن قبلَه مِن الرسلِ ومن (^٢) الكتبِ.\nقالوا: فلما كان معنى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. غيرَ موجودٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. كانت الحاجةُ مِن العبادِ إلى معرفتِهم صفتَهم بذلك ليَعْرفوهم، نظيرَ حاجتِهم إلى معرفتِهم بالصفةِ التي وُصِفوا بها مِن إيمانِهم بالغيبِ؛ ليَعْلَموا ما يَرْضَى اللَّهُ مِن أفعالِ عبادِه، ويُحِبُّه مِن صفاتِهم، فيَكُونوا به (^٣)، إن وفَّقهم له ربُّهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بن عمرِو بنِ العباسِ (^٤) الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ الضَّحَّاكُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مَيْمونٍ المَكِّيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: أربعُ آياتٍ مِن سورةِ البقرة في نعتِ المؤمنين، وآيتان (^٥) في\n_________\n(^١) في ر، ت ٢: \"به\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أي بهذا الوصف.\n(^٤) في ص: \"العاص\".\n(^٥) في ت ٢: \"اثنان\"، وغير منقوطة في ص.","vol":"1","page":245},{"text":"نعتِ الكافرين، وثلاثَ عشْرةَ في المنافقين (^١).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مُجاهدٍ بمثلِه (^٢).\nوحدَّثني [المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ] (^٣)، قال: حدَّثنا موسى بنُ مسعودٍ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٤).\nوحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: أربعُ آياتٍ مِن فاتحةِ هذه السورةِ - يعني سورةَ البقرةِ - في الذين آمنوا، وآيتان (^٥) في قادةِ الأحْزابِ (^٦).\nوأولى القولين عندي بالصوابِ، وأشبهُهما بتأويلِ الكتابِ، القولُ الأولُ، وهو أن الذين وصَفَهم اللَّهُ تعالى ذِكرُه بالإيمانِ بالغيبِ، وما وصَفَهم به جلَّ ثناؤُه في الآيتين الأوَّلَتَيْن (^٧)، غيرُ الذين وصَفهم بالإيمانِ بالذي أُنْزِل على محمدٍ والذي أُنْزِل على (^٨) مَن قبلَه مِن الرسلِ؛ لما ذكَرْتُ مِن العللِ قبلُ لمن قال ذلك.\nومما يَدُلُّ أيضًا مع ذلك على صحةِ هذا القولِ، أنه جَنَّس - بعدَ وصفِ المؤمنين\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ١٩٥، من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن الضريس وابن المنذر. وينظر ما سيأتي في ص ٢٧٦.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣ إلى وكيع. وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٦٧ عن الثوري به.\nوهو في تفسير الثوري ص ٤١ من قوله.\n(^٣) في ص: \"ابن المثنى\".\n(^٤) أخرجه النحاس في القطع والائتناف ص ١١٥ من طريق شبل به.\n(^٥) في ص، ت ٢: \"اثنان\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤ إلى المصنف.\n(^٧) في ت ١، ت ٢: \"الأوليين\".\n(^٨) في ر، م، ت ٢: \"إلى\".","vol":"1","page":246},{"text":"بالصفتَيْن اللتين وصَف، وبعدَ تَصْنيفِه كلَّ صنفٍ منهما على ما صنَّف الكفارَ - جنسين، فجعَل أحدَهما مطبوعًا على قلبِه، مختومًا عليه، مأْيوسًا مِن إيمانِه، والآخرَ منافقًا يُرائي بإظهارِ الإيمانِ في الظاهرِ، ويَسْتَسِرُّ النفاقَ في الباطنِ، فصيَّر الكفارَ جنسين، كما صيَّر المؤمنين في أولِ السورةِ جنسين، ثم عرَّف عبادَه نعتَ كلِّ صنفٍ منهم وصفتَهم، وما أعدَّ لكلِّ فريقٍ منهم مِن ثوابٍ أو عقابٍ، وذمَّ أهلَ الذمِّ منهم، وشكَر سعْيَ أهلِ الطاعةِ منهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-85>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾.</span>\nوإقامتُها أداؤُها بحدودِها وفروضِها والواجبِ فيها، على مَن فُرِضَت عليه، كما يقالُ: أقام القومُ سُوقَهم. إذا لم يُعَطِّلوها مِن البيعِ والشراءِ فيها. وكما قال الشاعرُ (^١):\nأقَمْنا لأهلِ العراقَيْن (^٢) سُوقَ الضِّـ … ــرابِ فخاموا (^٣) وولَّوْا جميعَا\nوكما حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾. قال: الذين يقيمون الصلاةَ بفَرضِها (^٤).\n_________\n(^١) المحرر الوجيز ١/ ١٤٦.\n(^٢) العراقين: البصرة والكوفة.\n(^٣) في ص: \"فجأمرا\"، وفي م: \"خاسوا\".\nوخاموا في الحرب: جبنوا. اللسان (خ ي م).\n(^٤) في ص، م: \"بفروضها\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٤ (٧٤) من طريق سلمة بن الفضل به.","vol":"1","page":247},{"text":"حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ قال: إقامةُ الصلاةِ تمامُ الركوعِ والسجودِ، والتِّلاوةُ، والخشوعُ، والإقبالُ عليها فيها (^١).\nحدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا جُوَيْبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: يعني الصلاةَ المفروضةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-86>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الصَّلَاةَ﴾.</span>\nوأما الصلاةُ في كلامِ العربِ فإنها الدعاءُ، كما قال الأعْشَى (^٢):\nلها حارسٌ لا يَبْرَحُ الدهرَ بيتَها … وإن ذُبِحَت (^٣) صلَّى عليها وزَمْزَما (^٤)\nيعني بذلك: دعا لها. وكقولِه (^٥) الآخرِ أيضًا:\nوقابَلَها الرِّيحَ في دَنِّها (^٦) … وصلَّى على دَنِّها وارْتَسَمْ (^٧)\nوأرَى أن الصلاةَ المفروضةَ سُمِّيَت صلاةً؛ لأن المُصَلِّيَ مُتَعَرِّضٌ لاستنجاحِ (^٨) طَلِبتِه مِن ثوابِ اللَّهِ بعملِه، مع ما يَسْألُ ربَّه فيها مِن حاجاتِه، تَعَرُّضَ الداعي بدعائِه\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٧ إلى المصنف.\n(^٢) ديوانه ص ٢٩٣.\n(^٣) يذكر الخمر في دنها، يقال: ذبحت الدن: أي بزلته. اللسان (ذ ب ح).\n(^٤) الزمزمة: تراطن العلوج عند الأكل وهم صموت، لا يستعملون اللسان ولا الشفة في كلامهم، لكنه صوت تديره في خياشيمها وحلوقها. اللسان (ز م م).\n(^٥) في ص، م، ت ٢: \"قول\". والبيت في ديوان الأعشى ص ٣٥.\n(^٦) الدن: وعاء ضخم للخمر ونحوها.\n(^٧) ارتسم الرجل: كبَّر ودعا. اللسان (ر س م).\n(^٨) في ص: \"لاستخراج\"، وفي ر، ت ٢: \"استنجاح\".","vol":"1","page":248},{"text":"ربَّه استنجاحَ حاجاتِه وسُؤْلِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-87>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ </span>(٣)﴾.\nاخْتَلَف المُفَسِّرون في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زِيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. قال: يُؤْتُون الزكاةَ احتسابًا لها (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى (^٢)، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. قال: زكاةَ أموالِهم (^٣).\nحدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. قال: كانت النفقاتُ قُرْبانًا (^٤) يَتَقَرَّبون بها إلى اللَّهِ على قدرِ مَيْسورِهم وجُهْدِهم، حتى نزَلَت فرائضُ الصدقاتِ؛ سبعُ آياتٍ في سورةِ \"براءة\"، مما يُذْكَرُ فيهن الصدقاتُ، هن المُثْبَتاتُ الناسخاتُ (^٥).\nوقال بعضُهم بما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال:\n_________\n(^١) في ر، م، ت ٢: \"بها\".\nوالأثر في سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٧ (٧٧) من طريق سلمة به.\n(^٢) في ص: \"ابن المثنى\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٦٥ عن علي بن أبي طلحة به.\n(^٤) في م: \"قربات\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٧ إلى المصنف.","vol":"1","page":249},{"text":"حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَرَه عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعنِ مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: هي نفقةُ الرجلِ على أهلِه، وهذا قبلَ أن تَنْزِلَ الزكاةُ (^١).\nوأولى التأويلاتِ بالآيةِ وأحقُّها بصفةِ القومِ، أن يَكونوا كانوا لجميعِ اللازمِ لهم في أموالِهم مُؤَدِّين؛ زكاةً كان ذلك أو نفقةَ مَن لزِمته نفقتُه مِن أهلٍ وعِيالٍ وغيرِهم، ممَّن تَجِبُ عليهم نفقتُه بالقَرابةِ والمِلْكِ وغيرِ ذلك؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناوُه عمَّ وصْفَهم، إذ وصَفهم بالإنفاقِ مما رزَقهم، فمدَحهم بذلك مِن صفتِهم، فكان معلومًا أنهم (^٢) إذ لم يَخْصُصْ مدْحَهم ووصْفَهم بنوعٍ مِن النفقاتِ المحمودِ عليها صاحبُها دونَ نوعٍ، بخبرٍ ولا غيرِه - أنهم مَوْصوفون بجميعِ معاني النفقاتِ المحمودِ عليها صاحبُها، مِن طيبِ ما رزَقهم ربُّهم مِن أموالِهم وأمْلاكِهم، وذلك الحلالُ منه الذي لم يَشُبْهُ حرامٌ.\n\n<span id=\"aya-11\"></span><span data-type='title' id=toc-88>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناوُه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.</span>\n\nقد مضَى البيانُ عن المَنْعوتِين بهذا النعتِ، وأيُّ أجناسِ الناسِ هم، غيرَ أنَّا نَذْكُرُ ما رُوِي في ذلك عمن رُوِي عنه في تأويلِه قولٌ، فحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٦٥ عن السدي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٧ إلى المصنف عن ابن مسعود دون آخره. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٨ (٧٨) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.\n(^٢) في ص، م: \"أنه\".","vol":"1","page":250},{"text":"بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. أي: يُصَدِّقونك بما جئتَ به مِن (^١) اللَّهِ - جلَّ وعزَّ -، وبما جاء به مَن قبلَك مِن المُرْسَلِين، لا يُفَرِّقون بينَهم، ولا يَجْحَدون ما جاءوهم به مِن (^٢) ربِّهم (^٣).\nحدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾: هؤلاء المؤمنون مِن أهلِ الكتابِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-89>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ </span>(٤)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: أما الآخرةُ، فإنها صفةٌ للدارِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وإنما وُصِفَت بذلك لمصيرِها آخِرةً لأُولَى كان قبلَها، كما تقولُ للرجلِ: أنْعَمْتُ عليك مرةً بعدَ أخرى، فلم تَشْكُرْ لي الأُولَى ولا الآخرةَ. وإنما صارت الآخرةُ آخرةً للأولى؛ لتقدُّمِ الأولى أمامَها، فكذلك الدارُ الآخرةُ، سُمِّيَت آخِرةً لتقدُّمِ الدارِ الأولى أمامَها، فصارت التاليةُ (^٥) لها آخِرةً. وقد يَجوزُ أن تكونَ [وُصِفت بأنها] (^٦) آخرةً؛ لتأخُّرِها\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"عند\".\n(^٢) بعده في ص، م، ت ٢: \"عند\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٨ (٨٠) من طريق سلمة به.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٦٧ عن السدي به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٨ (٨٣) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.\n(^٥) في ص: \"الثانية\".\n(^٦) في ص، م: \"سميت\".","vol":"1","page":251},{"text":"عن الخلقِ، كما سُمِّيَت الدنيا دنيا (^١)؛ لدُنُوِّها مِن الخلقِ.\nوأما الذي وصَف اللَّهُ جلَّ ثناؤُه به المؤمنين بما أنْزَل إلى (^٢) نبيِّه محمدٍ ﷺ، وما أنْزَل إلى مَن قبلَه مِن المُرْسَلِين - مِن إيقانِهم به مِن أمرِ الآخِرةِ - فهو إيقانُهم بما كان المُشْرِكون به جاحِدِين، مِن البَعْثِ والنشرِ، والثوابِ والعقابِ، والحسابِ والميزانِ، وغيرِ ذلك مما أعَدَّ اللَّهُ لخلقِه يومَ القيامةِ.\nكما حدَّثنا به محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. أي: بالبَعْثِ والقِيامةِ، والجنةِ والنارِ، والحسابِ والميزانِ، أي لا هؤلاء الذين يَزْعُمون أنهم آمنوا بما كان قبلَك، ويَكْفُرون بما جاءك مِن ربِّك (^٣).\nوهذا التأويلُ مِن ابنِ عباسٍ قد صرَّح عن أن السورةَ مِن أولِها - وإن كانت الآياتُ التي في أولِها مِن نعتِ المؤمنين - تَعْريضٌ مِن اللَّهِ ﷿ بذمِّ الكفارِ أهلِ الكتابِ، الذين زعَموا أنهم بما جاءَت به رسلُ اللَّهِ ﷿ الذين كانوا قبلَ محمدٍ ﷺ مُصَدِّقون، وهم بمحمدٍ ﷺ مُكَذِّبون، ولِمَا جاء به مِن التنزيلِ جاحدون، ويدَّعون، مع جُحودِهم ذلك، أنهم مُهْتَدون، وأنه لن يَدْخُلَ الجنةَ إلا مَن كان هُودًا أو نَصارَي، فأكْذَبَ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه ذلك مِن قِيلِهم بقولِه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ\n_________\n(^١) في ص: \"قريبا\".\n(^٢) في ر: \"على\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٠، ٥٣١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٨ (٨٢) من طريق سلمة به.","vol":"1","page":252},{"text":"الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. وأخْبَر جلَّ ثناؤُه عبادَه أن هذا الكتابَ هُدًى لأهلِ الإيمانِ بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به، المُصَدِّقين بما أُنْزِل إليه وإلى مَن قبلَه مِن رسلِه مِن البيناتِ والهدى، خاصَّةً دون مَن كذَّب بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به، وادَّعى أنه مُصَدِّقٌ بمَن قبلَ محمدٍ ﷺ مِن الرسلِ، وبما جاء به مِن الكتبِ، ثم أكَّد جلَّ ثناؤُه أمرَ المؤمنين مِن العربِ ومِن أهلِ الكتابِ المُصَدِّقين بمحمدٍ ﷺ وبما أُنْزِل إليه وإلى مَن قبلَه مِن الرسلِ بقولِه: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فأخْبَر أنهم هم أهلُ الهدى والفلاحِ خاصَّةً دون غيرِهم، وأن غيرَهم هم أهلُ الضلالِ والخَسَارِ.\n\n<span id=\"aya-12\"></span><span data-type='title' id=toc-90>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾.</span>\n\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مَن عَنَى اللَّهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنَى بذلك أهلَ الصِّفتَيْن المتقدمتَيْن، أعْنِي المؤمنين بالغيبِ مِن العربِ، والمؤمنين بما أُنْزِل إلى محمدٍ ﷺ وإلى مَن قبلَه مِن الرسلِ، وإياهم جميعًا وصَف بأنهم على هُدًى منه، وأنهم هم المُفْلِحون.\nذكْرُ مَن قال ذلك مِن أهلِ التأويلِ\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: أما ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ فهم المؤمنون مِن العربِ، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ المؤمنون مِن أهلِ الكتابِ، ثم جمَع الفريقَيْن، فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ","vol":"1","page":253},{"text":"وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^١).\nوقال بعضُهم: بل عنَى بذلك المتقين الذين يُؤْمِنون بالغيبِ، وهم الذين يؤمنون بما أُنْزِل إلى محمدٍ ﷺ وبما أُنْزِل إلى مَن قبلَه مِن الرسلِ.\nوقال آخرون: بل عنَى بذلك الذين يؤمنون بما أُنْزِل إلى محمدٍ ﷺ وبما أُنْزِل إلى مَن قبلَه، وهم مُؤمنو أهلِ الكتابِ الذين صدَّقوا بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به، وكانوا مؤمنين مِن قبلُ بسائرِ الأنبياء والكتبِ.\nوعلى هذا التأويلِ (^٢) الآخرِ يَحْتَمِلُ أن يكونَ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ في مَحَلِّ خفضٍ، ومَحَلِّ رفعٍ؛ فأما الرفعُ فيه فإنه يَأْتِيها مِن وجهَيْن؛ أحدُهما، مِن قِبَلِ العطفِ على ما في ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ مِن ذِكْرِ ﴿الَّذِينَ﴾ والثاني، أن يكونَ خبرًا (^٣) مبتدأً، ويكونَ ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾. مرافعَها.\nوأما الخفضُ، فعلى العطفِ على \"المُتَّقِينَ\" وإذا كانت معطوفةً على ﴿الَّذِينَ﴾ اتَّجَه لها وجهان مِن المعنى؛ أحدُهما، أن تَكونَ هي و﴿الَّذِينَ﴾ الأولى مِن صفةِ المتقين. وذلك على تأويلِ مَن رأَى أن الآياتِ الأربعَ بعدَ ﴿الم﴾ نزَلَت في صِنفٍ واحدٍ مِن أصنافِ المؤمنين. والوجهُ الثاني، أن تكونَ ﴿الَّذِينَ﴾ الثانيةُ معطوفةً في الإعرابِ على \"المتَّقين\" بمعنى الخفضِ، وهم في المعنى صنفٌ غيرُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٦٩ عن السدي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥ إلى المصنف عن ابن مسعود وحده. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٥، ٣٨، ٤٠ (٦٥، ٨٣، ٨٩) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.\n(^٢) في ص: \"الوجه\".\n(^٣) في ص، م: \"خبر\". والمقصود: أن يكون خبرا مقدما.","vol":"1","page":254},{"text":"الصنفِ الأولِ. وذلك على مذهبِ مَن رأَى أن الذين نزَلَت فيهم الآيتان الأوَّلتان مِن المؤمنين بعدَ قولِه: ﴿الم﴾. غيرُ الذين نزَلَت فيهم الآيتان الآخِرتان اللتان تَلِيانِ الأوَّلَتَيْن (^١).\nوقد يَحْتَمِلُ أن تكونَ ﴿الَّذِينَ﴾ الثانيةُ مرفوعةً في هذا الوجهِ بمعنى الائتنافِ (^٢)، إذ كانت مُبْتَدَأً بها بعدَ تَمامِ آيةٍ وانْقِضاءِ قِصَّةٍ. وقد يَجوزُ الرفعُ فيها أيضًا بنيةِ الائتنافِ (^٢)، إذ كانت في مبتدإِ آيةٍ، وإن كانت مِن صفةِ المتقين.\nفالرفعُ إذن يَصِحُّ فيها مِن أربعةِ أوجهٍ، والخفضُ مِن وجهين.\nوأولَى التأويلاتِ عندي بقولِه: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾. ما ذكَرْتُ مِن قولِ ابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ، وأن تَكونَ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةً إلى الفريقَيْن، أعْني المتّقين، و﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وتكونَ ﴿أُولَئِكَ﴾ مرفوعةً بالعائدِ مِن ذكرِهم في قولِه: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾. وأن تكونَ ﴿أُولَئِكَ﴾ الثانيةُ معطوفةً على ما قبلُ مِن الكلامِ، على ما قد بيَّنَّاه.\nوإنما رأيْنا أن ذلك أولى التأويلاتِ بالآيةِ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه نعَت الفريقَيْن بنعتِهم المحمودِ، ثم أثْنَى عليهم، فلم يكنْ ﷿ لِيَخُصَّ أحدَ الفريقَيْن بالثناءِ مع تَساوِيهما فيما اسْتَحَقَّا به الثناءَ مِن الصفاتِ، كما غيرُ جائزٍ في عدلِه أن يَتَساوَيا فيما يَسْتَحِقَّان به الجزاءَ مِن الأعمالِ، فيَخُصَّ أحدَهما بالجزاءِ دونَ الآخرِ، ويَحْرِمَ الآخرَ جزاءَ عملِه، فكذلك سبيلُ الثناءِ\n_________\n(^١) في ص، ر، ت ٢: \"الأولين\".\n(^٢) في م: \"الاستئناف\" وهما بمعنى.","vol":"1","page":255},{"text":"بالأعمالِ؛ لأن الثناءَ أحدُ أقسامِ الجزاءِ.\nوأما معنى قولِه: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾. فإن معنى ذلك أنهم على نورٍ مِن ربِّهم، وبرهانٍ واستقامةٍ وسَدادٍ، بتسديدِ اللَّهِ إياهم، وتوفيقِه لهم.\nكما حدَّثني ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾. أي: على نورٍ مِن ربِّهم، واستقامةٍ على ما جاءهم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-91>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾.</span>\nوتأويلُ قولِه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، أيْ: أولئك هم المُنْجِحون المُدْرِكون ما طلَبوا عندَ اللَّهِ تعالى ذكرُه، بأعمالِهم وإيمانِهم باللَّهِ وكتبِه ورسلِه، مِن الفَوْزِ بالثوابِ، والخلودِ في الجنَانِ، والنَّجاةِ مما أعَدَّ اللَّهُ ﵎ لأعدائِه مِن العِقابِ.\nكما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الذين أدْرَكوا ما طلَبوا، ونجَوْا مِن شرِّ ما منه هرَبوا (^٢).\nومِن الدلالةِ على أن أحدَ معاني الفلاحِ إدراكُ الطَّلِبةِ والظَّفَرِ بالحاجةِ، قولُ لَبيدِ\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٩ (٨٤) من طريق سلمة به.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٩ (٨٨) من طريق سلمة به.","vol":"1","page":256},{"text":"ابنِ رَبيعةَ (^١):\nاعْقِلِي إن كُنْتِ لمَّا تَعْقِلي … ولقد أفْلَح مَن كان عَقَلْ\nيعني: ظفِر بحاجتِه وأصاب خيرًا. ومنه قولُ الراجزِ (^٢):\nعَدِمْتُ أُمًّا ولَدَتْ رياحَا (^٣)\nجاءَتْ به مُفَرْكَحًا فِرْكاحَا (^٤)\nتَحْسبُ أن قد ولَدَت نَجاحَا\nأَشْهَدُ لا يَزِيدُها فَلَاحَا\nيعني: خيرًا وقربًا مِن حاجتِها.\nوالفَلَاحُ مصدرٌ مِن قولِك: أفْلَح فلانٌ يُفْلِحُ إفلاحًا، وفَلاحًا، وفَلَحًا. والفلاحُ أيضًا البقاءُ. ومنه قولُ لبيدٍ (^٥):\nنَحُلُّ بلادًا كلُّها حُلَّ قبلَنا … ونَرْجُو الفلاحَ بعدَ عادٍ وحِمْيَرِ\nيريدُ: البقاءَ. ومنه أيضًا قولُ عَبيدٍ (^٦):\nأفْلِحْ بما شئتَ فقد يُدْرَكُ (^٧) بالضَّعْـ … ــفِ وقد يُخْدَعُ الأرِيبُ\nيريدُ: عِشْ وابْقَ بما شئتَ. وكذلك قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (^٨):\n_________\n(^١) شرح ديوان لبيد ص ١٧٧.\n(^٢) البيت الثاني منه في اللسان (فركح) غير منسوب.\n(^٣) في م: \"رباحا\".\n(^٤) الفركحة: تباعد ما بين الأليتين. اللسان (فركح).\n(^٥) شرح ديوان لبيد ص ٥٧.\n(^٦) ديوانه ص ١٤.\n(^٧) في م: \"يبلغ\".\n(^٨) ديوانه ص ٢١٤.","vol":"1","page":257},{"text":"وكلٌّ فتًى ستَشْعَبُه شَعُوبٌ (^١) … وإن أَثْرَى وإن لاقَى فَلاحَا\nأي: نجاحًا بحاجتهِ وبقاءً.\n\n<span id=\"aya-13\"></span><span data-type='title' id=toc-92>القولُ في تأويلِ قولِه جَلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.</span>\n\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مَن عُنِي بهذه الآيةِ، وفي مَن نزَلت؛ فكان ابنُ عباسٍ يقولُ كما حدَّثنا به محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفَضْلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مَوْلَى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. أَىْ: بما أُنْزِل إليك مِن ربِّك، وإنْ قالوا: إنَّا قد آمنَّا بما (^٢) جاءَنا مِن قَبْلِك (^٣).\nفكان ابنُ عباسٍ يَرى أنَّ هذه الآيةَ نزَلت في اليهودِ الذين كانوا بنواحِي المدينةِ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ؛ توبيخًا لهم في جُحودِهم نبوَّةَ محمدٍ ﷺ، وتكذيبِهم به، مع علمِهم به ومعرفتِهم بأنه رسولُ اللَّهِ إليهم وإلى الناسِ كافَّةً.\nوقد حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مَوْلَى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ صدرَ سورةِ البقرةِ إلى المائةِ منها نزَل في رجالٍ سمَّاهم بأعيانِهم وأنسابِهم مِن أحبارِ يهودَ، ومِن المنافقين مِن الأوسِ والخَزْرَجِ (^٤) كرِهنا تطويلَ الكتابِ بذكرِ أسمائِهم.\n_________\n(^١) الشعوب: المنية. القاموس المحيط (ش ع ب).\n(^٢) بعده في م: \"قد\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٠ (٩٢) من طريق سلمة به.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٠، ٥٣١. وسيأتي تمامه في ص ٢٧٢، ٢٧٥.","vol":"1","page":258},{"text":"وقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ في تأويلِ ذلك قولٌ آخَرُ، وهو ما حدَّثني به المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، [قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ] (^١)، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يَحْرِصُ على أنْ يؤمنَ جميعُ الناسِ ويتابعوه على الهُدَى، فأخْبَره اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه أنَّه لا يؤمنُ إلَّا مَن سبَق له مِن اللَّهِ السعادةُ في الذِّكْرِ الأولِ، ولا يَضِلُّ إلَّا مَن سَبق له مِن اللَّهِ الشقاءُ في الذِّكْرِ الأولِ (^٢).\nوقال آخرون بما حُدِّثتُ به عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ، قال: آيتان في قادةِ الأحزابِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قال: وهم الذين ذكَرهم اللَّهُ في هذه الآيةِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: ٢٨، ٢٩]. قال: فهم الذين قُتِلُوا يومَ بدرٍ (^٣).\nوأَوْلَى هذه التأويلاتِ بالآيةِ تأويلُ ابنِ عباسٍ الذي ذكَره محمدُ بنُ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عنه، وإن كان لكلِّ قولٍ مما قاله الذين\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨٤، ١٣٧١، ١٣٨٥ (٧٢٥٠، ٧٧٨٥، ٧٨٧٥)، والطبراني في الكبير (١٣٠٢٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٣٩) من طريق عبد اللَّه بن صالح به. وعند البيهقي مطولا بذكر آيات أخر.\n(^٣) سيأتي تمامه في ص ٢٧٧ من طريق آخر عن ابن أبي جعفر به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٠ (٩٣) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية. وكذلك ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٧٠ عن أبي جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٩ إلى ابن المنذر عن أبي العالية مطولا.","vol":"1","page":259},{"text":"ذكَرنا قولَهم في ذلك مَذْهبٌ.\nفأمَّا مَذْهبُ مَن تَأوَّل في ذلك ما قاله الرَّبيعُ بنُ أنسٍ، فهو أنَّ اللَّهَ تعالى ذِكْرُه لما أخْبَر عن قومٍ من أهلِ الكفرِ بأنهم لا يؤمنون، وأنَّ الإنذارَ غيرُ نافعِهم، ثم كان مِن الكفارِ مَن قد نفَعه اللَّهُ بإنذارِ النبيِّ ﷺ إيَّاه؛ لإيمانِه باللَّهِ وبالنبيِّ ﷺ وما جاء به مِن عندِ اللَّهِ بعدَ نزولِ هذه السورةِ، لم يَجُزْ أن تكونَ الآيةُ نزَلَت إلَّا في خاصٍّ مِن الكفارِ، وإذ كان ذلك كذلك، وكانت قادةُ الأحزابِ لا شكَّ أنهم ممن لم يَنْفَعْه اللَّهُ ﷿ بإنذارِ النبيِّ ﷺ إيَّاه، حتى قتَلهم اللَّهُ ﵎ بأيدي المؤمنين يومَ بدرٍ، عُلِم أنهم ممن عَنى اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه بهذه الآيةِ.\nوأمَّا عِلَّتُنا في اختيارِنا ما اخْتَرنا مِن التأويلِ في ذلك، فهي أن قولَ اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. عَقِيبَ خبرِ اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه عن مؤمني أهلِ الكتابِ، وعَقِيبَ نعتِهم وصفتِهم، وثنائِه عليهم بإيمانِهم به، وبكتبِه ورسلِه، فأَوْلَى الأمورِ بحكمةِ اللَّهِ أن يُتْلِيَ ذلك الخبرَ عن كُفَّارِهم ونعوتِهم، وذمَّ أسبابِهم وأحوالِهم، وإظهارَ شتمِهم، والبراءةَ منهم؛ لأنَّ مؤمنيهم ومشركيهم وإن اخْتَلَفت أحوالُهم باختلافِ أديانِهم، فإنَّ الجنسَ يَجْمَعُ جميعَهم بأنهم بنو إسرائيلَ.\nوإنما احتجَّ اللَّه جَلَّ ثناؤُه بأولِ هذه السورةِ لنبيِّه ﷺ على مشركي اليهودِ مِن أحبارِ بني إسرائيلَ الذين كانوا مع علمِهم بنبوَّتِه مُنْكِرين نبوَّتَه، بإظهارِ نبيِّه ﷺ على ما كانت تُسِرُّه الأحبارُ (^١) منهم وتَكْتُمُه، فيَجْهَلُه عُظْمُ اليهودِ وتَعْلَمُه الأحبارُ منهم؛ ليَعْلَموا أن الذي أطْلَعه على علمِ ذلك هو الذي أَنْزَل الكتابَ على موسى عليه\n_________\n(^١) في ر، ت ٢: \"الأخبار\".","vol":"1","page":260},{"text":"السلامُ؛ إذ كان ذلك مِن الأمورِ التي لم يكنْ محمدٌ ﷺ ولا قومُه ولا عشيرتُه يَعْلَمونه، ولا يَعْرِفونه مِن قبلِ نزولِ الفرقانِ على محمدٍ ﷺ، فيُمْكِنَهم ادعاءُ اللَّبْسِ في أمرِه ﷺ أنَّه نبيٌّ، وأن ما جاء به فمِن عندِ اللَّهِ. وأَنَّى يُمْكِنُهم ادعاءُ اللَّبْسِ في صدقِ أُمِّيٍّ نشَأ بيْن أُمِّيِّين، لا يَكْتُبُ، ولا يَقْرأُ، ولا يَحْسُبُ، فيقال: قرَأ الكتبَ فعلِم. أو: حسَب فنَجَّم؟ [انْبَعث على أحبارٍ قَرَأَةٍ كَتَبَةٍ] (^١)، قد درَسوا الكتبَ، ورأَسوا الأممَ، يُخْبِرُهم عن مستورِ عيوبِهم، ومَصونِ علومِهم، ومكتومِ أخبارِهم، وخَفِيّات أمورِهم التي جهِلها مَن هو دونَهم مِن أحبارِهم. إن أمْرَ مَن كان كذلك لغيرُ مُشْكِلٍ، وإنَّ صِدقَه، والحمدُ للَّهِ، لَبيِّنٌ.\nومما يُنْبئُ عن صحَّةِ ما قلنا - من أنَّ الذين عَنى اللَّهُ تعالى ذِكْرُه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. هم أحبارُ اليهودِ الذين قُتِلوا على الكفرِ وماتوا عليه - اقتصاصُ اللَّهِ تعالى ذِكْرُه نبأَهم، وتذكيرُه (^٢) إيَّاهم ما أخَذ عليهم مِن العهودِ والمواثيقِ في أمرِ محمدٍ ﷺ بعدَ اقتصاصِه تعالى ذِكْرُه ما اقْتَصَّ مِن أمرِ المنافقين، واعتراضِه بينَ (^٣) ذلك بما (^٤) اعْتَرض به مِن الخبرِ عن إبليسَ وآدمَ في قولِه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] الآيات. واحتجاجُه لنبيِّه عليهم [بما احْتَجَّ به عليهم] (^٥) فيها عندَ (^٦) جُحودِهم نبوَّتَه. فإذ كان الخبرُ أولًا عن مؤمني أهلِ الكتابِ،\n_________\n(^١) في م: \"وانبعث على أخبار قراء كتب\".\n(^٢) في ر: \"بذكره\".\n(^٣) في ص: \"من\".\n(^٤) في ص: \"لما\".\n(^٥) سقط من: ر.\n(^٦) في ص، م: \"بعد\".","vol":"1","page":261},{"text":"وآخرًا عن مشركيهم، فأَوْلَى أن يكونَ وَسَطًا عنهم، [إذ كان الكلامُ بعضُه لبعضٍ تَبَعٌ، إلا أنْ تأْتيَ (^١)] (^٢) دَلالةٌ واضحةٌ بعدولِ بعضِ ذلك عما ابْتَدَأ به مِن معانيه، فيكونَ معروفًا حينَئذٍ انصرافُه عنه.\nوأما معنى الكفرِ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. فإنه الجُحودُ، وذلك أن الأحبارَ مِن يهودِ المدينةِ جحَدوا نبوَّةَ محمدٍ ﷺ، وستَروه عن الناسِ، وكتَموا أمرَه، وهم يَعْرِفونه كما يَعْرِفون أبناءَهم.\nوأصلُ الكفرِ عندَ العربِ تغطيةُ الشيءِ، ولذلك سَمَّوُا الليلَ كافرًا؛ لتغطيةِ ظُلْمتِه ما لبِسَته، كما قال الشاعر (^٣):\nفتَذَكَّرَا ثَقَلًا (^٤) رَثيدًا (^٥) بَعْدَما … ألْقَتْ ذُكاءُ (^٦) يَمينَها في كافِرِ\nوكما قال لَبِيدُ بنُ ربيعةَ (^٧):\n* في لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمامُها *\nيعني: غَطَّاها.\nفكذلك الأحبارُ مِن اليهودِ، غطَّوا أمرَ محمدٍ ﷺ وكتَموه الناسَ، مع علمِهم بنبوَّتِه ووجودِهم صفتَه في كتبِهم، فقال اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ\n_________\n(^١) في م: \"تأتيهم\".\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) هو ابن صعير المازني، كما في المفضليات ص ١٣٠.\n(^٤) الثقل: بيض النعام المصون. اللسان (ث ق ل).\n(^٥) الطعام الرثيد: المنَضَّد بعضه فوق بعض، أو بعضه إلى جنب بعض. ينظر اللسان (ر ث د).\n(^٦) الذُّكاء: اسم للشمس. اللسان (ذ ك و).\n(^٧) شرح ديوان لبيد ص ٣٠٩.","vol":"1","page":262},{"text":"وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]. وهم الذين أَنْزَل اللَّه ﷿ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-93>القولُ في تأويلِ قولِه جَلَّ ثناؤُه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾.</span>\nوتأويلُ ﴿سَوَاءٌ﴾: معتدلٌ. مأخوذٌ مِن التَّساوي، كقولِك: مُتساوٍ هذان الأمران عندِي، وهما عندي سواءٌ. أي: هما متعادلان عندي. ومنه قولُ اللَّهِ جَلَّ ثناؤه: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]. يعني بذلك (^١): أعْلِمْهم وآذِنْهم بالحربِ، حتى يَسْتويَ [علمُك وعلمُهم] (^٢) بما عليه كلُّ فريقٍ منهم للفريقِ الآخرِ. فكذلك قولُه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾: معتدلٌ عندهم أيُّ الأمرين كان منك إليهم، الإنذارُ أم تركُ الإنذارِ؛ لأنهم لا يؤْمِنون، وقد خَتَمْتُ على قلوبِهم وسمعِهم. ومِن ذلك قولُ عبدِ اللَّهِ (^٣) بنِ قيسِ الرُّقَيَّاتِ (^٤):\nتقَدَّت (^٥) بِيَ الشَّهْباءُ (^٦) نَحْوَ ابْنِ جَعْفَرٍ … سَوَاءٌ عَلَيْها لَيْلُها ونَهَارُها\nيعني بذلك: معتدلٌ عندَها في السيرِ الليلُ والنهارُ؛ لأنه لا فُتورَ فيه. ومنه قولُ الآخرِ (^٧):\n_________\n(^١) زيادة من: ر.\n(^٢) في ص: \"عليك وعليهم\".\n(^٣) كذا في النسخ. وهو مختلف فيه، والراجح أنه عبيد الله، وينظر البداية والنهاية ١٢/ ١٧٥ حاشية (٧).\n(^٤) ديوانه ص ٨٢.\n(^٥) في م: \"تغذُّ\"، وهما بمعنى، قدى الفرس: أسرع. اللسان (ق د ى).\n(^٦) الشهبة في الخيل: لون بياض، يصدعه سواد في خلاله. اللسان (ش هـ ب).\n(^٧) البيت للأعشى في ديوانه ص ٣٧٣. ونسبه ابن الشجري في الحماسة ٢/ ٧١٠، ٧٢٨، والنويري في نهاية الأرب ١/ ١٤٢، إلى مضرس بن ربعي، ونسبه المرزوقي في الأزمنة والأمكنة ٢/ ٢٣٣ إلى مضرس بن لقيط، ونسبه الحصري في زهر الآداب ٢/ ٧٥١ إلى ابن محكان السعدي.","vol":"1","page":263},{"text":"وَلَيْلٍ يقولُ المَرْءُ مِن ظُلُماتِه … سَواءٌ صَحِيحاتُ (^١) العُيُونِ وعُورُها\nلأن الصحيحَ لا يُبْصِرُ فيه إلا بَصَرًا ضعيفًا مِن ظُلْمتِه.\nوأمَّا قولُه: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. فإنه ظهَر به الكلامُ ظهورَ الاستفهامِ وهو خبرٌ؛ لأنه وقَع مَوْقِعَ \"أيّ\"، كما تقولُ: ما نُبالي أقُمْتَ أم قَعَدْتَ. وأنت مخبرٌ لا مستفهمٌ؛ لوقوعِ ذلك موقعَ \"أَيّ\"، وذلك أن معناه إذا قلتَ ذلك: ما نبالي أيُّ هذين كان منك. فكذلك ذلك في قولِه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾. لما كان معنى الكلامِ: سواءٌ عليهم أيُّ هذين كان منك إليهم. حسُن في موضعِه مع ﴿سَوَاءٌ﴾: أفعَلْتَ أَم لم تَفْعَلْ.\nوقد كان بعضُ نحوِيِّي أهلِ البصرةِ يَزْعُمُ أن حرفَ الاستفهامِ إنما دخَل مع ﴿سَوَاءٌ﴾ وليس باستفهامٍ؛ لأن المُسْتَفهِمَ إذا اسْتَفْهَم غيرَه فقال: أزيدٌ عندَك أَمْ (^٢) عمرٌو؟ مستثبِتٌ صاحبَه أيُّهما عندَه، فليس أحدُهما أحقَّ بالاستفهامِ مِن الآخرِ. فلما كان قولُه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾. بمعنى التسويةِ، أشْبهَ ذلك الاستفهامَ، إذ أشْبَهه في التسويةِ. وقد بيَّنَّا الصوابَ في ذلك.\nفتأويلُ الكلامِ إذن: معتدلٌ يا محمدُ على هؤلاء الذين جحَدوا نبوَّتَك مِن أحبارِ يهودِ المدينةِ بعدَ علمِهم بها، وكتَموا بيانَ أمرِك للناسِ بأنك رسولي إلى خلقي، وقد أخذتُ عليهم العهدَ والميثاقَ ألا يَكْتُموا ذلك، وأن يبيِّنوه للناسِ، ويُخْبِروهم أنهم يجِدون صفتَك في كتبِهم - أأَنْذَرتَهم أم لم تُنْذِرْهم فإنهم لا يؤمنون، ولا يَرْجِعون إلى الحقِّ، ولا يُصَدِّقون بك وبما جئتَهم به.\n_________\n(^١) في ديوان الأعشى: \"بصيرات\".\n(^٢) في ص: \"أو\".","vol":"1","page":264},{"text":"كما حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مَوْلَى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أيْ أنهم قد كفَروا بما عندَهم (^١) مِن ذِكْرٍ، وجحَدوا ما أُخِذ عليهم مِن الميثاقِ لك، فقد كفَروا بما جاءك، وبما عندَهم مما جاءهم به غيرُك، فكيف يَسْمَعون منك إنذارًا وتحذيرًا وقد كفَروا بما عندَهم مِن علمِك (^٢)؟\n\n<span id=\"aya-14\"></span><span data-type='title' id=toc-94>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾.</span>\n\nقال أبو جعفرٍ: وأصلُ الخَتْمِ الطَّبْعُ. والخاتَمُ هو الطَّابَعُ. يقالُ منه: خَتَمْتُ الكتابَ. إذا طَبَعْتَه.\nفإن قال لنا قائلٌ: وكيف يَخْتِمُ على القلوبِ، وإنما الختمُ طبعٌ على الأوعيةِ والظروفِ والغُلُفِ (^٣)؟\nقيل: فإن قلوبَ العبادِ أوعيةٌ لما أُودِعت مِن العلومِ، وظروفٌ لما جُعِل فيها مِن المعارفِ بالأمورِ (^٤). فمعنى الختمِ عليها وعلى الأسماعِ التي بها تُدْرَكُ المسموعاتُ، ومِن قِبَلِها يُوصَلُ إلى معرفةِ حقائقِ الأنباءِ عن المغيَّباتِ - نظيرُ معنى الختمِ على سائرِ الأوعيةِ والظروفِ.\nفإن قال: فهل لذلك مِن صفةٍ تصِفُها لنا فنفْهَمَها أهي مثلُ الختمِ الذي يُعْرَفُ (^٥)\n_________\n(^١) بعده في م: \"من العلم\".\n(^٢) تقدم أول هذا الأثر في ص ٢٥٨.\n(^٣) الغلف جمع الغلاف: وهو الصوان وما اشتمل على الشيء. اللسان (غ ل ف).\n(^٤) في ص: \"بالعلوم\".\n(^٥) في ر: \"نعرف\".","vol":"1","page":265},{"text":"لما ظهَر للأبصارِ، أم هي بخلافِ ذلك؟\nقيل: قد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ ذلك، وسنُخْبِرُ بصفتِه بعدَ ذكرِنا قولَهم؛ فحدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بنِ عيسى الرَّمْليُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، قال: أرانا مجاهدٌ بيدِه، فقال: كانوا يُرَوْن أن القلبَ في مثلِ هذا - يعني الكفَّ - فإذا أذْنَب العبدُ ذنبًا ضُمَّ منه - وقال بإصْبَعِه الخِنْصَرِ هكذا - فإذا أذْنَب ضُمَّ - وقال بإصْبَعٍ أخرى - فإذا أذنَب ضُمَّ - وقال بإصبَعٍ أخرى هكذا - حتى ضَمَّ أصابعَه كلَّها. قال: ثم يُطْبَعُ عليه بطابَعٍ. قال مجاهدٌ: وكانوا يُرَوْن أن ذلك الرَّيْنُ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، قال: القلبُ مثلُ الكفِّ، فإذا أذْنَب ذنبًا قبَض إصْبَعًا حتى يَقْبِضَ أصابعَه كلَّها، وكان أصحابُنا يُرَوْن أنه الرانُ.\nحدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: حدَّثنا ابنُ جُريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: نُبِّئت أن الذنوبَ على القلبِ تَحُفُّ به مِن نواحيه حتى تلتقيَ عليه، فالتقاؤُها عليه الطبعُ، والطبعُ الختمُ. قال ابنُ جُريجٍ: الختمُ، الختمُ على القلبِ والسمعِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: حدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ كَثيرٍ أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: الرانُ أيسرُ مِن الطبعِ، والطبعُ أيسرُ مِن الأقفالِ، والأقفالُ أشدُّ ذلك كلِّه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤١ (٩٩) من طريق حجاج به.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٧٢١٠) من طريق حجاج به.","vol":"1","page":266},{"text":"وقال بعضُهم: إنما معنى قولِه: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. إخبارٌ مِن اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه عن تكبرِهم وإعراضِهم عن الاستماعِ لِما دُعوا إليه مِن الحقِّ، كما يقالُ: إن فلانًا لأصمُّ عن هذا الكلامِ. إذا امْتَنَع مِن سماعِه، ورفَع نفسَه عن تفهُّمِه تكبرًا.\nوالحقُّ في ذلك عندي ما صحَّ بنظيرِه الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، وهو ما حدَّثنا به محمدُ بنُ بَشارٍ، قال: حدثَّنا صفوانُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا ابنُ عَجْلانَ، عن القَعْقاعِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إنَّ المؤْمنَ إذا أذْنَب ذَنْبًا كانت نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ في قلبِه، فإنْ تاب ونزَع واسْتَغفر صُقِل (^١) قلبُه، فإنْ زاد زادت حتى تُغْلِقَ (^٢) قلبَه، فذلك الرَّانُ الذي قال اللَّهُ جَلَّ ثَناؤُه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].\nفأخْبَر ﷺ أن الذنوبَ إذا تَتابعت على القلوبِ أغْلَقَتْها (^٣)، وإذا أغْلَقَتْها (^٣) أتاها حينَئذٍ الختمُ مِن قِبَلِ اللَّهِ ﷿ والطبعُ، فلا يكونُ للإيمانِ إليها مسلكٌ، ولا للكفرِ منها مَخْلَصٌ، فذلك هو الطبعُ. والختمُ الذي ذكَره اللَّهُ ﵎ في قولِه: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾. نظيرُ الطبعِ والختمِ على ما تُدْرِكُه الأبصارُ مِن الأوعيةِ والظروفِ التي لا يُوصلُ إلى ما فيها إلا بفضِّ ذلك عنها ثم حَلِّها، فكذلك لا يصلُ الإيمانُ إلى قلوبِ مَن وصَف اللَّهُ أنه ختَم على قلوبِهم إلا بعدَ فضِّه خاتَمَه، وحَلِّه رِباطَه عنها.\nويقالُ لقائلي القولِ الثاني، الزاعمِين أن معنى قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، وفي ص، ر: \"صقلت\".\n(^٢) في ص: \"يغلق\"، وفي م: \"يغلف\".\n(^٣) في م: \"أغلفتها\".","vol":"1","page":267},{"text":"قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾. هو وصفُهم بالاستكبارِ والإعراضِ عن الذي دُعوا إليه مِن الإقرارِ بالحقِّ تكبُّرًا: أخْبِرونا عن استكبارِ الذين وصَفهم اللَّهُ جلَّ ثناؤُه بهذه الصفةِ، وإعراضِهم عن الإقرارِ بما دُعوا إليه مِن الإيمانِ وسائرِ المعاني اللواحقِ به، أفعلٌ منهم أم فعلٌ مِن اللَّهِ جلّ ثناؤُه بهم (^١)؟\nفإن زعَموا أن ذلك فعلٌ منهم - وذلك قولُهم - قيل لهم: فإن اللَّهَ - جلّ وعزّ - قد أخْبَر أنه هو الذي ختَم على قلوبِهم وسمعِهم، وكيف يجوزُ أن يكونَ إعراضُ الكافرِ عن الإيمانِ، وتكبُّرُه عن الإقرارِ به، وهو فعلُه عندَكم، ختمًا مِن اللَّهِ على قلبِه وسمعِه، وختمُه على قلبِه وسمعِه فعلُ اللَّهِ (^٢) جَل ذكرُه دونَ فعلِ الكافرِ. فإن زعَموا أن ذلك جاز (^٣) أن يكونَ كذلك لأن تكبُّرَه وإعراضَه كانا عن ختمِ اللَّهِ على قلبِه وسمعِه، فلما كان الختمُ سببًا لذلك جاز أن يُسَمَّى مسبِّبُه به - ترَكوا قولَهم، وأوْجَبوا أن الختمَ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه على قلوبِ الكفارِ وأسماعِهم معنًى غيرُ كفرِ الكافرِ، وغيرُ تكبُّرِه وإعراضِه عن قَبولِ الإيمانِ والإقرارِ به، وذلك الدخولُ (^٤) فيما أنْكَروه.\nوهذه الآيةُ مِن أوضحِ الدليلِ (^٥) على فسادِ قولِ المنكرين تكليفَ ما لا يُطاقُ إلا بمعونةِ اللَّهِ جلَّ ذكرُه؛ لأَنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعز - أخْبَر أنه ختَم على قلوبِ صِنْفٍ مِن كفارِ عبادِه وأسماعِهم، ثم لم يُسْقِطِ التكليفَ عنهم، ولم يَضَعْ عن أحدٍ منهم فرائضَه، ولم يُعْذِرْه في شيءٍ مما كان منه مِن خلافِ طاعتِه بسببِ ما فعَل به مِن الختمِ\n_________\n(^١) سقط من: ص.\n(^٢) في ص: \"للَّه\".\n(^٣) في ص، م: \"جائز\".\n(^٤) في م: \"دخول\".\n(^٥) في ر، م: \"الدلالة\".","vol":"1","page":268},{"text":"والطبعِ على قلبِه وسمعِه، بل أخْبَر أن لجميعِهم منه عذابًا عظيمًا على تركِهم طاعتَه فيما أمَرهم به ونهاهم عنه من حدودِه وفرائضِه، مع حَتْمِه القضاءَ عليهم مع ذلك أنهم (^١) لا يؤمنون.\n\n<span data-type='title' id=toc-95>القولُ في تأويلِ قولِه جَلَّ ثناؤُه: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وقولُه: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾. خبرٌ مبتدأٌ بعدَ تمامِ الخبرِ عمَّا ختَم اللَّهُ عليه مِن جوارحِ الكفارِ الذين مَضَت قصصُهم، وذلك أَنَّ ﴿غِشَاوَةٌ﴾ مرفوعةٌ بقولِه: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾. فذلك دليلٌ على أنه خبرٌ مبتدأٌ، وأن قولَه: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. قد تناهَى عندَ قولِه: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾. وذلك هو القراءةُ الصحيحةُ عندَنا لمَعْنَيين:\nأحدُهما: اتفاقُ الحُجَّةِ مِن القرأَةِ والعلماءِ على الشهادةِ بتصحيحِها، وانفرادُ المخالفِ لهم في ذلك، وشذوذُه عمَّا هم على تَخطئتِه مجمِعون، وكفَى بإجماعِ الحُجَّةِ على تَخطئةِ قراءةٍ (^٢) شاهدًا على خطئِها.\nوالثاني: أن الختمَ غيرُ موصوفةٍ به العيونُ في شيءٍ مِن كتابِ اللَّهِ (^٣)، ولا في خبرٍ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، ولا موجودٍ في لغةِ أحدٍ مِن العربِ، وقد قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه في سورةٍ أخْرى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾. ثم قال: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]. فلم يُدْخِلِ البَصَرَ في معنى الختمِ، وذلك هو المعروفُ في (^٤) كلامِ العربِ، فلم يَجُزْ لنا ولا لأحدٍ مِن الناسِ القراءةُ بنصبِ الغِشاوةِ (^٥)؛ لِما وصفتُ\n_________\n(^١) في م: \"بأنهم\".\n(^٢) في م: \"قراءته\".\n(^٣) زيادة من: م.\n(^٤) في ص: \"من\".\n(^٥) وبنصب الغشاوة قرأ المفضل عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ١٣٨، ١٣٩.","vol":"1","page":269},{"text":"مِن العِلَّتين اللتين ذكَرْتُ، وإن كان لنصبِها مَخْرَجٌ معروفٌ في العربيةِ.\nوبما قلنا في ذلك من القولِ والتأويلِ رُوي الخبَرُ عن ابنِ عباسٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي الحسينُ بنُ الحسنِ، عن أبيه، عن جدِّه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾: والغِشاوةُ على أبصارِهم (^١).\nفإن قال قائلٌ: وما وجهُ مَخْرَجِ النَّصْبِ فيها؟\nقيل له: [أن تَنْصِبَها] (^٢) بإضمارِ \"جعَل\"، كأنه قال: وجعَل على أبصارِهم غشاوةً. ثم أسْقَط \"جعَل\"، إذ كان في أولِ الكلامِ ما يدلُّ عليه. وقد يَحْتَمِلُ نصبُها على إتباعِها موضعَ السمعِ، إذ كان مَوضِعُه نصبًا، وإن لم يكنْ حسَنًا إعادةُ العاملِ فيه على ﴿غِشَاوَةٌ﴾ ولكنْ على إتباعِ الكلامِ بعضِه بعضًا، كما قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾. ثم قال: (وفاكهةٍ ممّا يتخيرون * ولحمِ طيرٍ ممّا يشتهون * [وَحُورٍ عِينٍ] (^٣» [الواقعة: ١٧ - ٢٢]. فخفَض اللحمَ والحورَ العينَ (^٤) على العطفِ به على الفاكهةِ؛ إتباعًا لآخرِ الكلامِ أوَّلَه. ومعلومٌ أن اللحمَ لا يُطافُ به ولا بالحورِ العينِ (^٤)، ولكن ذلك (^٥) كما قال الشاعرُ يصفُ فرسَه (^٦):\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤١ (١٠٠) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) في ر، ت ٢: \"أن ينصبها\"، وفي م: \"أن نصبها\".\n(^٣) ضبطهما في النسخة: \"ر\" بالرفع وبالخفض، والخفض شاهد المصنف، وهو قراءة حمزة والكسائي، ورواية الفضل عن عاصم، وقرأ الباقون بالرفع. السبعة لابن مجاهد ص ٦٢٢.\n(^٤) سقط من: ص، م.\n(^٥) سقط من: ص.\n(^٦) معاني القرآن للفراء ١/ ١٤ وقال: أنشدني بعض بني أسد يصف فرسه. وفي الخزانة ٣/ ١٣٩، ١٤٠: ولا يعرف قائله، ورأيت في حاشية نسخة صحيحة من الصحاح أنه لذي الرمة، ففتشت ديوانه فلم أجده فيه.","vol":"1","page":270},{"text":"عَلَفْتُها تِبْنًا وَماءً بارِدًا … حتَّى شَتَتْ (^١) هَمَّالَةً (^٢) عَيْناها\nومعلومٌ أن الماءَ يُشْرَبُ ولا يُعْلَفُ (^٣)، ولكنه نصَب ذلك على ما وصفتُ قبلُ. وكما قال الآخرُ (^٤):\nورَأيْتُ زَوْجَك في الوَغَى … مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحا\nوكان ابنُ جُريجٍ يقولُ في انتهاءِ الخبرِ عن الختمِ إلى قولِه: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ وابتداءِ الخبرِ بعدَه - بمثلِ الذي قلنا فيه، ويتأوَّلُ فيه من كتابِ اللَّهِ: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤].\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: حدَّثنا ابنُ جُريجٍ، قال: الختمُ على القلبِ والسمعِ، والغشاوةُ على البصرِ، قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾. وقال: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ (^٥).\nوالغشاوةُ في كلامِ العربِ الغطاءُ، ومنه قولُ الحارثِ بنِ خالدِ بنِ العاصِ (^٦):\nتَبِعْتُكَ (^٧) إذْ عَيْنِي عليه غِشاوَةٌ … فلمَّا انْجلتْ قَطَّعْتُ نَفْسِي ألُومُها\n_________\n(^١) شتا بالمكان: إذا أقام به شتاء. اللسان (ش ت و).\n(^٢) هملت العين: فاضت وسالت. اللسان (هـ م ل).\n(^٣) بعده في م: \"به\".\n(^٤) تقدم في ص ١٤٠.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٧١ عن المصنف.\n(^٦) شعر الحارث بن خالد ص ١٠١.\n(^٧) في شعر الحارث: \"صحبتك\".","vol":"1","page":271},{"text":"ومنه يقالُ: تغشَّاني (^١) الهمُّ. إذا تجلَّله وركِبه. ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (^٢):\nهَلَّا سألْتِ بَنِي ذُبْيانَ ما حَسَبي … إذَا الدُّخَانُ تَغَشَّى الأَشْمَطَ البَرَما (^٣)\nيعني بذلك (^٤): تجلَّله وخالَطه.\nوإنما أخْبَر اللَّهُ تعالى ذِكْرُه نبيَّه ﷺ عن الذين كفَروا به مِن أحبارِ اليهودِ، أنه قد ختَم على قلوبِهم وطبَع عليها، فلا يَعْقِلون للَّهِ موعظةً وعظَهم بها، فيما آتاهم مِن علمِ ما عندَهم مِن كتبِه، وفيما حدَّد في كتابِه الذي أوْحاه وأنْزَله إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، وعلى سمعِهم، فلا يَسْمَعون مِن محمدٍ نبيِّ اللَّهِ ﷺ تحذيرًا ولا تذكيرًا، ولا حُجةً أقامها عليهم بنبوَّتِه، فيتذكَّروا ويحذَروا عقابَ اللَّهِ في تكذيبِهم إيَّاه، مع علمِهم بصدقِه وصحَّةِ أمرِه. وأعْلَمه مع ذلك أن على أبصارِهم غِشاوةً عن (^٥) أن يُبْصِروا سبيلَ الهُدَى، فيَعْلَموا قَبيحَ (^٦) ما هم عليه من الضلالةِ والرَّدَى.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك رُوِي الخبرُ عن جماعةٍ مِن أهلِ التأويلِ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾. أي: عن الهُدَى أن يُصيبوه أبدًا [بغيرِ ما] (^٧) كذَّبوك به مِن الحقِّ الذي جاءك مِن ربِّك، حتى يؤمنوا\n_________\n(^١) في م: \"تغشاه\".\n(^٢) ديوانه ص ١٠٦.\n(^٣) البرم: الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. اللسان (ب ر م).\n(^٤) بعده في م: \"إذا\".\n(^٥) في ص: \"من\".\n(^٦) في ص، م: \"قبح\".\n(^٧) في سيرة ابن هشام: \"يعني بما\".","vol":"1","page":272},{"text":"به، وإن آمنوا بكلِّ ما كان قبلَك (^١).\nحدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾. يقولُ: فلا يَعْقِلون ولا يَسْمَعون. ويقولُ: وجعَل على أبصارِهم غِشاوةً. يقولُ: على أعينِهم فلا يُبْصِرون (^٢).\nوأما آخرون، فإنهم كانوا يتأوَّلون أنَّ الذين أخْبَر اللَّهُ عنهم مِن الكفارِ أنه فعَل ذلك بهم هم قادةُ الأحزابِ الذين قُتِلوا يومَ بدرٍ.\nحدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجَّاجِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ: هاتان الآيتان إلى قولِه (^٣): ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ هم ﴿لَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]. وهم الذين قُتِلوا يومَ بدرٍ، فلم يَدْخُلْ مِن القادةِ أحدٌ في الإسلامِ إلا رجلان؛ أبو سفيانَ، والحَكَمُ بنُ أبي العاصِ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤١ (٩٤) من طريق سلمة به، وتقدم طرف منه في ص ٢٥٨، وسيأتي تمامه في ص ٢٧٤.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٧١ عن السدي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٩ إلى المصنف عن ابن مسعود وحده. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤١، ٤٢ (٩٥، ١٠١) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدي من قوله. وينظر تفسير الثوري ص ٤١.\n(^٣) زيادة من: ر.\n(^٤) تقدم في ص ٢٥٩ من طريق آخر عن ابن أبي جعفر به.","vol":"1","page":273},{"text":"ابنِ أنسٍ، عن الحسنِ، قال: أما القادةُ فليس فيهم نجيبٌ (^١)، ولا ناجٍ، ولا مهتدٍ.\nوقد دلَّلنا فيما مضَى على أَوْلى هذين التأويلين بالصوابِ فكرِهنا إعادتَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-96>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾.</span>\nوتأويلُ ذلك عندي كما قاله ابنُ عباسٍ وتأوَّله.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ولهم بما هم عليه مِن خلافِك عذابٌ عظيمٌ. قال: فهذا في الأحبارِ مِن يهودَ فيما كذَّبوك به مِن الحقِّ الذي جاءك مِن ربِّك بعدَ معرفتِهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-15\"></span><span data-type='title' id=toc-97>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾.</span>\n\nقال أبو جعفرٍ: أما قولُه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ فإنَّ في (^٣) ﴿النَّاسِ﴾ وجهين؛ أحدُهما: أن يكونَ جمعًا لا واحدَ له مِن لفظِه، وإنما واحدُهم (^٤) إنسانٌ وواحدتُهم (^٥) إنسانةٌ. والوجهُ الآخرُ: أن يكونَ أصلُه \"أُناسٌ\"، أُسْقِطت (^٦) الهمزةُ منها لكثرةِ الكلامِ بها، ثم (^٧) دَخَلَتها الألفُ واللامُ المعرِّفتان، فأُدْغِمت (^٨) اللامُ التي دخَلت مع\n_________\n(^١) في م: \"مجيب\".\n(^٢) تقدم طرف منه في ص ٢٧٢.\n(^٣) في ر: \"من\".\n(^٤) في م: \"واحده\".\n(^٥) في م: \"واحدته\".\n(^٦) في ص: \"وأسقطت\".\n(^٧) في ص، ر، ت ٢: \"إذ\".\n(^٨) في ر، ت ٢: \"فاندغمت\".","vol":"1","page":274},{"text":"الألفِ فيها للتعريفِ في النونِ، كما قيل في (^١): ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨]. على ما قد بيَّنّا في اسمِ اللَّهِ الذي هو اللَّهُ (^٢).\nوقد زعَم بعضُهم أنَّ \"الناسَ\" لغةٌ غيرُ \"أُناسٍ\"، وأنه سمِع العربَ تُصَغِّرُه \"نُوَيْسٌ\" مِن الناسِ، وأن الأصلَ لو كان \"أُناسٌ\" لقيل في التصغيرِ: \"أُنَيْسٌ\". فرُدَّ إلى أصلِه.\nقال أبو جعفرٍ: وأجْمَع جميعُ أهلِ التأويلِ على أن هذه الآيةَ نزَلَت في قومٍ مِن أهلِ النفاقِ، وأن هذه الصفةَ صفتُهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-98>ذكرُ بعضِ (^٣) مَن قال ذلك مِن أهلِ التأويلِ بأسمائِهم</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾: يعني المنافقين مِن الأوْسِ والخَزْرَجِ ومَن كان على أمرِهم (^٤).\nوقد سُمِّي في حديثِ ابنِ عباسٍ هذا أسماؤُهم (^٥)، غيرَ أني ترَكْتُ تسميتَهم كراهةَ إطالةِ الكتابِ بذكرِهم.\nحدَّثنا الحسنُ (^٦) بنُ يحيى، قال: أنبأنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أنبأنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ\n_________\n(^١) زيادة من: م.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ١٢٤.\n(^٣) سقط من: ص.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٢ (١٠٤) من طريق سلمة به.\n(^٥) بعده في م: \"عن أبي بن كعب\".\n(^٦) في م، ت ٢: \"الحسين\".","vol":"1","page":275},{"text":"في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. حتى بلَغ: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. قال: هذه في المنافقين (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: هذه الآيةُ إلى ثلاثَ عَشْرةَ في نعتِ المنافقين (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن (^٤) ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾: هم المنافقون (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، عن ابنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٠ (١٥٦) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٢٤٥.\n(^٣) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ١٣ من طريق أبي حذيفة، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح به.\n(^٤) في م: \"وعن\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٩ إلى المصنف عن ابن مسعود وحده. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٢ عقب الأثر (١٠٥) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدي من قوله.","vol":"1","page":276},{"text":"﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾. قال: هؤلاء أهلُ النفاقِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ قال: هذا المنافقُ، يخالفُ قولُه فعلَه، وسرُّه علانيتَه، ومَدْخَلُه مَخْرَجَه، ومَشْهَدُه مَغِيبَه (^٢).\nوتأويلُ ذلك أن اللَّهَ ﵎ لما جمَع لرسولِه محمدٍ ﷺ أمرَه في دارِ هجرتِه، واسْتَقرَّ بها قرارُه، وأظْهَر اللَّهُ بها كلِمتَه، وفشا في دُورِ أهلِها الإسلامُ، وقهَر بها المسلمون مَن فيها مِن أهلِ الشركِ مِن عَبَدةِ الأوْثانِ، وذلَّ بها مَن فيها مِن أهلِ الكتابِ - أظْهَر أحبارُ يهودِها لرسولِ اللَّهِ ﷺ الضَّغائنَ، وأبْدَوا له العداوةَ والشنآنَ (^٣)، حسدًا وبَغيًا، إلا نفرًا منهم هداهم اللَّهُ للإسلامِ فأسْلَموا، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]. وطابَقهم سرًّا على معاداةِ النبيِّ ﷺ وأصحابِه وبغيِهم الغوائلَ (^٤) - قومٌ مِن أراهطِ (^٥) الأنصارِ الذين آوَوْا رسولَ اللَّهِ ﷺ ونصَروه، كانوا (^٦) قد عَسَوا (^٧) في شركِهم وجاهليَّتِهم\n_________\n(^١) أخرجه أبن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٢ (١٠٥) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٧٢ عن ابن جريج به.\n(^٣) في ص: \"الشنار\". والشنآن: البغض. اللسان (ش ن أ).\n(^٤) الغوائل: الدواهي. اللسان (غ ول).\n(^٥) الأراهط جمع الرهط: ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة. اللسان (ر هـ ط).\n(^٦) في م: \"وكانوا\".\n(^٧) في م: \"عتوا\".","vol":"1","page":277},{"text":"قد سُمُّوا لنا بأسمائِهم، كرِهنا تطويلَ الكتابِ بذكرِ أسمائِهم وأنسابِهم، وظاهَروهم على ذلك في خَفاءٍ غيرِ جِهارٍ؛ حِذارَ القتلِ على أنفسِهم والسِّباءِ مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه، وركونًا إلى اليهودِ، لما هم عليه من الشركِ وسوءِ البصيرةِ بالإسلامِ. فكانوا إذا لَقُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ وأهلَ الإيمانِ به مِن أصحابِه، قالوا لهم حِذارًا على أنفسِهم: إنَّا مؤمنون باللَّهِ وبرسولِه وبالبعثِ. وأعَطَوهم بألسنتِهم كلمةَ الحقِّ ليَدْرءوا عن أنفسِهم حكمَ اللَّهِ في من اعْتَقد ما هم عليه مقيمون من الشركِ، لو أَظْهروا بألسنتِهم ما هم معتقدوه مِن شركِهم، وإذا لَقُوا إخوانَهم مِن اليهودِ وأهلِ الشركِ والتكذيبِ بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به، فخَلَوا بهم: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. فإيَّاهم عَنى جلَّ ذكرُه بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. يعني بقولِه تعالى خبرًا عنهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾: صدَّقنا (^١) باللَّهِ.\nوقد دلَّلنا على أن معنى الإيمانِ التصديقُ، فيما مضَى مِن كتابِنا هذا قبلُ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يعني بالبعثِ يومَ القيامةِ، وإنما سُمِّي يومُ القيامةِ اليومَ الآخرَ؛ لأنه آخرُ يومٍ، لا يومَ بعدَه سواه.\nفإن قال قائلٌ: وكيف لا يكونُ بعدَه يومٌ، ولا انقطاعَ للآخرةِ ولا فناءَ ولا زوالَ؟\nقيل: إن اليومَ عندَ العربِ إنما يُسَمَّى يومًا بليلتِه التي قبلَه، فإذا لم يتقدَّمِ النهارَ ليلٌ لم يُسَمَّ يومًا. فيومُ القيامةِ يومٌ لا ليلَ (^٣) بعدَه، سوى الليلةِ التي قامت في\n_________\n(^١) في م: \"وصدقنا\".\n(^٢) زيادة من: ر. وينظر ما تقدم في ص ٢٤٠، ٢٤١.\n(^٣) بعده في ص، م: \"له\".","vol":"1","page":278},{"text":"صبيحتِها القيامةُ، فذلك اليومُ هو آخرُ الأيامِ، ولذلك سمَّاه اللَّهُ جلَّ ثناؤُه اليومَ الآخِرَ، ونعَته بالعُقْمِ (^١)، ووصَفه بأنه يومٌ عقيمٌ (^٢)؛ لأنه لا ليلَ بعدَه.\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. ونفيُه عنهم جلّ ذكرُه اسمَ الإيمانِ، وقد أخْبَر عنهم أنهم قد قالوا بألسنتِهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فإن ذلك مِن اللَّه جلَّ ذكرُه تكذيبٌ لهم فيما أخْبروا عن اعتقادِهم مِن الإيمانِ بقُلوبِهم (^٣)، والإقرارِ بالبعثِ، وإعلامٌ منه نبيَّه ﷺ أن الذي يُبْدُونه له بأفواهِهم خلافُ ما في ضمائرِ قلوبِهم، وضِدُّ ما في عزائمِ نفوسِهم.\nوفي هذه الآيةِ دلالةٌ واضحةٌ على بُطولِ ما زعَمَته الجَهْميَّةُ (^٤) أن الإيمانَ هو التصديقُ بالقولِ دونَ سائرِ المعاني غيرِه، وقد أخْبَر اللَّهُ جلَّ ذكرُه عن الذين ذكَرهم في كتابه من أهلِ النفاقِ أنهم قالوا بألسنتِهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. ثم نفَى عنهم أن يكونوا مؤمنين، إذ كان اعتقادُهم غيرَ مُصدِّقٍ قِيلَهم ذلك.\nوقولُه: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. يعني: بمصدِّقين بما (^٥) يَزْعُمون أنهم به مُصدِّقون.\n\n<span id=\"aya-16\"></span><span data-type='title' id=toc-99>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾.</span>\n\nقال أبو جعفرٍ: وخداعُ المنافقِ ربَّه والمؤمنين إظهارُه بلسانِه مِن القولِ والتصديقِ خلافَ الذي في قلبِه مِن الشكِّ والتكذيبِ؛ ليَدْرأَ عن نفسِه بما أظْهَر بلسانِه حكمَ\n_________\n(^١) في ص، م: \"بالعقيم\".\n(^٢) يشير إلى قوله جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٥].\n(^٣) زيادة من: ر.\n(^٤) بعده في ص، م: \"من\".\n(^٥) في ر، م: \"فيما\".","vol":"1","page":279},{"text":"اللَّهِ اللازمَ من كان بمثلِ حالِه مِن التكذيبِ، لو لم يُظْهِرْ بلسانِه ما أظْهَر مِن التصديقِ والإقرارِ - مِن القتلِ والسِّباءِ، فذلك خِداعُه ربَّه وأهلَ الإيمانِ باللَّهِ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف يكونُ المنافقُ للَّهِ وللمؤمنين مخادِعًا، وهو لا يُظْهِرُ بلسانِه خلافَ ما هو له معتقدٌ إلا تَقِيَّةً؟\nقيل: لا تَمْتَنِعُ العربُ (^١) أن تُسَمِّيَ مَن أعْطَى بلسانِه غيرَ (^٢) الذي هو في ضميرِه تَقِيَّةً - لينجوَ مما هو له خائفٌ، فنجا بذلك مما خافه - مخادِعًا لمن تَخَلَّص منه بالذي أظْهَر له مِن التقِيَّةِ، فكذلك المنافقُ، سُمِّي مخادعًا للَّهِ - جلّ وعزّ - وللمؤمنين، بإظهارِه ما أظْهَر بلسانِه تَقيَّةً، مما تَخَلَّص به مِن القتلِ والسِّباءِ في (^٣) العاجلِ، وهو لغيرِ ما أظْهَر مستبطِنٌ، وذلك من فعلِه وإن كان خِداعًا للمؤمنين في عاجلِ الدنيا، فهو لنفسِه بذلك مِن فعلِه خادعٌ؛ لأنه يُظْهِرُ لها بفعلِه ذلك بها أنه يُعْطِيها أمنيَّتَها، ويُسْقِيها كأسَ سرورِها، وهو (^٤) مُوردُها به حياضَ عَطَبِها، ومُجَرِّعُها به كأسَ عذابِها، ومُذيقُها (^٥) مِن غضبِ اللَّهِ وأليمِ عقابِه ما لا قِبَلَ لها به، فذلك خديعتُه نفسَه، ظنًّا منه - مع إساءتِه إليها في أمرِ مَعادِها - أنه إليها مُحْسِنٌ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ (^٦) إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. إعلامًا منه عبادَه المؤمنين أن المنافقين\n_________\n(^١) بعده في ص: \"من\".\n(^٢) في ر: \"خلاف\".\n(^٣) في ص، م: \"والعذاب\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في ر: \"مزيدها\"، وفي ت ١: \"مريرها\"، وفي ت ٢: \"مزبرها\"، وغير منقوطة في ص، وفي تفسير ابن كثير ١/ ٧٤ نقلًا عن المصنف \"مزيرها\"، وكذا استصوبها الشيخ شاكر في تعليقه على تفسير الطبري.\n(^٦) في ص: \"يخادعون\". وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي كالمثبت. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٣٩. وسيأتي كلام المصنف على هاتين القراءتين في ص ٢٨٣ وما بعدها. وينظر أيضًا حجة القراءات ص ٨٧.","vol":"1","page":280},{"text":"بإساءتِهم إلى أنفسِهم، و(^١) إسخاطِهم عليهم (^٢) ربَّهم، بكفرِهم وشكِّهم وتكذيبِهم، غيرُ شاعرين ولا دارِين، ولكنهم على عَمْياءَ مِن أمرِهم مُقيمون.\nوبنحوِ ما قلنا في تأويلِ ذلك كان ابنُ زيدٍ يقولُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبرنا ابنُ وهبٍ، قال: سألتُ عبدَ الرحمنِ بنَ زيدٍ عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: هؤلاء المنافقون يُخادِعون اللَّهَ ورسولَه والذين آمنوا، أنهم مؤمنون بما أظْهَروا (^٣).\nوهذه الآيةُ مِن أوضحِ الدليلِ على تكذيبِ اللَّهِ قولَ (^٤) الزاعِمِين أن اللَّهَ لا يُعذِّبُ مِن عبادِه إلا مَن كفَر به عنادًا، بعدَ علمِه بوحدانيتِه، وبعدَ تقرُّرِ صحةِ ما عانَد ربَّه عليه مِن توحيدِه، والإقرارِ بكتبِه ورسلِه عندَه (^٥)؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قد أخْبَر عن الذين وصَفهم بما وصَفهم به مِن النفاقِ، وخداعِهم إيَّاه والمؤمنين، أنهم لا يَشْعُرون أنهم مُبْطِلون فيما هم عليه مِن الباطلِ مُقِيمون، وأنهم بخداعِهم الذي يَحْسَبون أنهم به يُخادِعون ربَّهم وأهلَ الإيمانِ به - مخدوعون. ثم أخْبَر جلّ ذكرُه أن لهم عذابًا أليمًا بتكذيبِهم (^٦) بما كانوا يكذِّبون مِن نبوةِ نبيِّه ﷺ، واعتقادِ الكفرِ به، وبما كانوا يَكْذِبون في زعمِهم أنهم مؤمنون، وهم على الكفرِ مُصرُّون.\nفإن قال لنا قائلٌ: قد علِمْتَ أن المفاعلةَ لا تكونُ إلا مِن فاعلَيْن،\n_________\n(^١) في ص، م: \"في\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠ إلى المصنف، وسيأتي تمامه ص ٢٨٦.\n(^٤) سقط من: ص.\n(^٥) في ص: \"عنه\".\n(^٦) سقط من: ر.","vol":"1","page":281},{"text":"كقولِك: ضاربتُ أخاك، وجالَسْتُ أباك. إذا كان كلُّ واحدٍ منهما (^١) مجالسَ صاحبِه ومضاربَه، فأما إذا كان الفعلُ مِن أحدِهما فإنما يقالُ: ضرَبتُ أخاك. أو (^٢): جلَستُ إلى أبيك. فمَن خادع المنافقَ فجاز أن يقالَ فيه: يُخادِعُ (^٣) اللَّهَ والمؤمنين؟\nقيل: قد قال بعضُ المنسوبين إلى العلمِ بلغاتِ العربِ (^٤): إن ذلك حَرْفٌ جاء بهذه الصورةِ، أعني \"يُخادِعُ\" بصورةِ \"يُفاعِلُ\"، وهو بمعنى \"يَفْعَلُ\"، في حروفٍ أمثالِها شاذَّةٍ مِن منطقِ العربِ، نظيرَ قولِهم: قاتَلك اللَّهُ. بمعنى: قتَلك اللَّهُ.\nوليس القولُ في ذلك عندي كالذي قال، بل ذلك مِن التفاعُلِ (^٥) الذي لا يكونُ إلا مِن اثنين، كسائرِ ما يُعرفُ مِن معنى \"يُفاعِلُ ومُفاعِل\" في كلِّ كلامِ العربِ. وذلك أن المنافقَ يُخادِعُ اللَّهَ جلَّ ثناؤه بكَذِبِه بلسانِه - على ما قد تقدَّم وصفُه - واللَّهُ خادِعُه بخِذْلانِه عن حسنِ البصيرةِ بما فيه نجاةُ نفسِه في آجلِ مَعادِه، كالذي أخْبَر في قولِه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ (^٦) الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]. وبالمعنَى الذي أخْبَر أنه فاعلٌ به في الآخرةِ بقولِه: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] الآية. فذلك نظيرُ سائرِ ما يأتي من معاني الكلامِ بـ \"يُفاعلُ ومُفاعل\".\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"و\".\n(^٣) في ص، م: \"خادع\".\n(^٤) يعني أبا عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٣١.\n(^٥) في ر، ت ٢: \"المفاعل\".\n(^٦) في ر، ت ٢: \"تحسبن\". بالتاء، وتنظر هاتان القراءتان في موضعهما من التفسير.","vol":"1","page":282},{"text":"وقد كان بعضُ أهلِ النحوِ مِن أهلِ البصرةِ يقولُ: لا تكونُ المفاعلةُ إلا مِن شيئين، ولكنه إنما قيل: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ عندَ أنفسِهم بظنِّهم ألا يُعاقَبوا، فقد علِموا خلافَ ذلك في أنفسِهم، بحجةِ اللَّهِ - جلّ وعزّ - الواقعةِ على خلقِه بمعرفتِه، ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال: وقد قال بعضُهم: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ (^١)﴾. يقولُ: يَخْدَعون أنفسَهم بالتَّخْليةِ (^٢) بها، وقد تكونُ المفاعلةُ مِن واحدٍ في أشياءَ كثيرةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-100>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ (^٣) إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾.</span>\nإن قال لنا قائلٌ: أو ليس المنافقون قد خدَعوا المؤمنين بما أظْهَروا بألسنتِهم مِن قِيلِ الحقِّ - عن أنفسِهم وأموالِهم وذراريِّهم حتى سلِمَت لهم دنياهم، وإن كانوا قد كانوا مَخْدوعين في أمرِ آخرتِهم؟\nقيل: خطأٌ أن يقالَ: إنهم خدَعوا المؤمنين. لأنَّا إذا قلنا ذلك أوْجَبنا لهم حقيقةَ خدْعةٍ جازت (^٤) لهم على المؤمنين. كما أنَّا لو قلنا: قتَل فلانٌ فلانًا. أوْجَبنا له حقيقةَ قتلٍ كان منه لفلانٍ، ولكنا نقولُ: خادَع المنافقون ربَّهم [والمؤمنين ولم] (^٥) يَخْدَعوهم، بل خدَعوا أنفسَهم - كما قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه - دونَ غيرِها. نظيرَ ما تقولُ في رجلٍ قاتَل آخرَ فقتَل نفسَه ولم يَقْتُلْ صاحبَه: قاتلَ فلانٌ فلانًا ولم يَقْتُلْ إلا نفسَه. فتُوجبُ له مقاتلةَ صاحبِه، وتَنْفِي عنه قتلَه صاحبَه، وتُوجِبُ له قتلَ نفسِه. فكذلك تقولُ: خادَع المنافقُ ربَّه والمؤمنين فلم\n_________\n(^١) بعده في ر: \"به\".\n(^٢) في ر، ت ٢: \"بالتحلية\".\n(^٣) في ص: \"يخادعون\"\n(^٤) في م: \"جاءت\".\n(^٥) في ص: \"المؤمنون لم\".","vol":"1","page":283},{"text":"يَخْدَعْ إلا نفسَه. فتُثْبِتُ منه خِداعَه (^١) ربَّه والمؤمنين، وتَنْفِي (^٢) أن يكونَ خدَع غيرَ نفسِه؛ لأن الخادِعَ هو الذي قد صحَّت له الخديعةُ ووقَع منه فعلُها، والمنافقون لم يَخْدَعوا غيرَ أنفسِهم؛ لأن ما كان لهم من أهلٍ ومالٍ، فلم يكنِ المسلمون ملَكوه عليهم في حالِ خِداعِهم إيَّاهم (^٣) عنه بنفاقِهم ولا قبلَها، فيَسْتَنْقِذوه (^٤) بخِداعِهم منهم، وإنما دافعوا عنه بكَذِبِهم وإظهارِهم بألسنتِهم غيرَ الذي في ضمائرِهم، وبحُكْمِ (^٥) اللَّهِ لهم في أموالِهم وأنفسِهم وذراريِّهم في ظاهرِ أمورِهم بحكمِ ما انْتَسَبوا إليه مِن الملَّةِ، واللهُ بما يُخْفُون مِن أمورِهم عالمٌ، وإنما الخادعُ مَن ختَل (^٦) غيرَه عن شيئِه والمخدوعُ غيرُ عالِمٍ بموضعِ خديعةِ خادعِه. فأما والمخادَعُ عارفٌ بخِداعِ صاحبِه إيَّاه، و(^٧) غيرُ لاحقِه مِن خِداعِه إيَّاه مكروهٌ، بل إنما يَتجافى للظانِّ به أنه له مخادِعٌ؛ اسْتِدْراجًا ليَبْلُغَ غايةً يتكامَلُ له عليه الحُجَّةُ للعقوبةِ التي هو به (^٨) مُوقِعٌ عندَ بلوغِه إيَّاها، والمُستدرَجُ غيرُ عالمٍ بحالِ نفسِه عندَ مُسْتدرِجِه، ولا عارفٍ باطِّلاعِه على ضميرِه، وأنَّ إمهالَ مُستدرجِه [إياه، وتركَه معاجلةَ عقوبتِه] (^٩) على جُرْمِه؛ لِيَبْلُغَ المخاتِلُ المخادِعُ مِن استحقاقِه عقوبةَ مُستدرِجِه - بكثرةِ إساءتِه، [وطولِ عِصيانِه إيّاه، وكثرةِ صَفْحِ المستدرِجِ] (^١٠)، وطولِ عفوِه عنه - أقصَى غايةٍ، فإنما هو خادِعٌ نفسَه لا شكَّ، دونَ مَن حدَّثَته نفسُه أنه له مخادِعٌ،\n_________\n(^١) في م: \"مخادعة\"\n(^٢) بعده في م: \"عنه\".\n(^٣) في م: \"إياه\".\n(^٤) في ص: \"فيستبعدوه\".\n(^٥) في م: \"يحكم\". وغير منقوطة في ر، ت ٢.\n(^٦) ختل: خدع عن غفلة. اللسان (خ ت ل).\n(^٧) سقط من: ص.\n(^٨) في م: \"بها\".\n(^٩) في م: \"وتركه إياه معاقبته\".\n(^١٠) سقط من: ص.","vol":"1","page":284},{"text":"ولذلك نفَى اللَّهُ جلَّ ثناؤُه عن المنافقِ أن يكونَ خدَع غيرَ نفسِه، إذ كانت الصفةُ التي وصَفْنا صفتَه.\nوإذ كان الأمرُ على ما وصَفنا مِن خِداعِ المنافقِ ربَّه وأهلَ الإيمانِ به، وأنه غيرُ صائرٍ (^١) بخِداعِه ذلك إلى خديعةٍ صحيحةٍ إلا لنفسِه دونَ غيرِها؛ لِمَا يُوَرِّطُها بفعلِه مِن الهلاكِ والعَطَبِ، فالواجِبُ إذن أن يكونَ الصحيحُ مِن القراءةِ: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. دونَ: (وَمَا يُخَادِعُونَ). لأن لفظَ المخادِعِ غيرُ مُوجِبٍ تثبيتَ خديعةٍ على صِحَّةٍ، ولفظَ خادِعٍ مُوجِبٌ تثبيتَ خديعةٍ على صِحَّةٍ. ولا شكَّ أن المنافقَ قد أوْجَب تثبيتَ (^٢) خديعةِ اللَّهِ لنفسِه، بما رَكِب مِن خِداعِه ربَّه ورسولَه والمؤمنين بنفاقِه، فلذلك وَجَبت الصِّحَّةُ لقراءةِ مَن قرَأ: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾.\nومن الدَّلالةِ أيضًا على أن قراءةَ من قرَأ: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾. أوْلَى بالصحَّةِ مِن قراءةِ مَن قرَأ: (وَمَا يُخَادِعُونَ). أَنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قد أخْبَر عنهم أنهم يُخادِعون اللَّهَ والمؤمنين في أوَّلِ الآيةِ، فمُحالٌ أن يَنْفِيَ عنهم ما قد أثْبَت أنهم قد فعَلوه؛ لأن ذلك تضادٌّ في المعنى، وذلك غيرُ جائزٍ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-101>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾.</span>\nيعني جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: وَمَا يَدْرُون. يقالُ: ما شعَر فلانٌ بهذا الأمرِ، وهو لا يَشْعُرُ به - إذا لم يَدْرِ به (^٤) ولم يَعْلَمْ - شِعْرًا وشُعورًا.\n_________\n(^١) في م: \"سائر\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) القراءتان متواترتان كما تقدم في ص ٢٨٠، ولا تفاضل بين المتواتر، وينظر توجيه قراءة: (وما يخادعون) في البحر المحيط ١/ ٥٧.\n(^٤) سقط من: ص، م.","vol":"1","page":285},{"text":"و(^١) قال الشاعرُ (^٢):\nعقُّوا بِسَهمٍ فلم يَشْعُرْ به أحدٌ … ثم اسْتَفاءُوا (^٣) وقالوا حبَّذا الوَضَحُ (^٤)\nيعني بقولِه: لم يَشْعُرْ به أحدٌ (^٥): لم يَدْرِ به أحدٌ ولم يَعْلَمْ.\nفأخْبَر اللَّهُ جلّ ثناؤُه عن المنافقين أنهم لا يَشْعُرون بأن اللَّهَ خادِعُهم، بإملائِه لهم واستدراجِه إيَّاهم، الذي هو مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه إبلاغٌ إليهم في الحجةِ والمَعْذرةِ، ومنهم لأنفسِهم خديعةٌ، ولها في الآجلِ مَضرَّةٌ.\nكالذي حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: سألتُ ابنَ زيْدٍ عن قولِه: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ قال: ما يَشْعُرون أنهم ضَرُّوا أنفسَهم بما أسَرُّوا مِن الكفرِ والنفاقِ. وقرَأ قولَ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾. قال: هم المنافقون. حتى بلَغ: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ [المجادلة: ١٨]. وقد كان الإيمانُ يَنْفَعُهم عندَكم (^٦).\n\n<span id=\"aya-17\"></span><span data-type='title' id=toc-102>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.</span>\n\nقال أبو جعفرٍ: وأصلُ المرضِ السُّقمُ، ثم (^٧) يقالُ ذلك في الأجسادِ والأديانِ. فأخْبَر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أن في قلوبِ المنافقين مرضًا، وإنما عنَى جلّ ثناؤه بخبرِه عن مرضِ قلوبِهم الخبرَ عن مرضِ ما في قلوبِهم مِن الاعتقادِ. ولكن لما كان معلومًا بالخبرِ\n_________\n(^١) في م: \"كما\".\n(^٢) البيت للمتنخل الهذلي، كما في ديوان الهذليين ٢/ ٣١.\n(^٣) في ص: \"استفادوا\"، وفي ر: \"استقاموا\"، وفي ت ٢: \"استقادا\".\n(^٤) عقوا بسهم: أي رموا به في السماء، استفاءوا: رجعوا، الوضح: اللبن. ينظر شرح أشعار الهذليين ٣/ ١٢٧٩.\n(^٥) زيادة من: ر.\n(^٦) تقدم أول هذا الأثر في ص ٢٨١.\n(^٧) سقط من: ص.","vol":"1","page":286},{"text":"عن مرضِ القلبِ أنه مَعْنِيٌّ به مرضُ ما هم مُعْتقدوه مِن الاعتقادِ، اسْتَغْنى بالخبرِ عن القلبِ بذلك [والكنايةِ به] (^١) عن تصريحِ الخبرِ عن ضمائرِهم واعتقاداتِهم، كما قال عمرُ بنُ لَجَإٍ (^٢):\nوسبَّحَت المدينةُ لا تَلُمْهَا … رأَت قمرًا بسوقِهمُ نَهارَا\nيريد: وسبَّح أهلُ المدينةِ. فاستغْنى بمعرفةِ السامعين خبرَه بالخبرِ عن المدينةِ، عن الخبرِ عن أهلِها. ومثلُه قولُ عنترةَ العَبْسيِّ (^٣):\nهلَّا سألتِ الخيلَ يابنةَ مالكٍ … إن كنتِ جاهلةً بما لم تَعْلَمِي\nيريدُ: هلَّا سألتِ أصحابَ الخيلِ؟ ومنه قولُهم: يا خيلَ اللَّهِ اركبي. يرادُ: يا أصحابَ خيلِ اللَّهِ ارْكَبوا. والشواهدُ على ذلك أكثرُ مِن أن يُحْصِيَها (^٤) الكتابُ (^٥)، وفيما ذكَرنا كفايةٌ لمن وُفِّق لفهمِه.\nفكذلك معنَى قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. إنما يعني: في اعتقادِ قلوبِهم الذي يعتقِدُونه في الدينِ، والتصديقِ بمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به مِن عندِ اللَّهِ، مرَضٌ وسُقْمٌ. فاجْتَزأ بدَلالةِ الخبرِ عن قلوبِهم على معناه، عن تصريحِ الخبرِ عن اعتقادِهم.\nوالمرضُ الذي ذكَره اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أنه في اعتقادِ قلوبِهم الذي وصَفْناه، هو شكُّهم في أمرِ محمدٍ، وما جاء به مِن عندِ اللَّهِ، وتحيُّرُهم فيه، فلا هم به مُوقِنون إيقانَ إيمانٍ، ولا هم له مُنكِرون إنكارَ إشراكٍ، ولكنهم كما وصَفهم جلّ ذكرُه،\n_________\n(^١) في ص: \"الكفاية\".\n(^٢) البيت في التبيان ١/ ٤٩.\n(^٣) البيت من معلقته الشهيرة، وهو في ديوانه ص ١٠٢.\n(^٤) في ر، ت ٢: \"يحصيه\".\n(^٥) في م: \"كتاب\".","vol":"1","page":287},{"text":"مُذَبْذَبون بينَ ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء (^١)، كما يقالُ: فلانٌ يُمرِّضُ في هذا الأمرِ. أي يُضَعِّفُ العزمَ (^٢)، ولا يصحِّحُ الرَّوِيَّةَ فيه.\nوبمثلِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك تظاهَر القولُ في تفسيرِه مِن المفسِّرين.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. أي: شكٌّ (^٣).\nوحُدِّثتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بِشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: المرضُ النِّفاقُ (^٤).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. يقولُ: في قلوبِهم شكٌّ (^٥).\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال\n_________\n(^١) تضمين الآية ١٤٣ من سورة النساء.\n(^٢) في ر، ت ٢: \"للعزم\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٣ (١١٢) من طريق سلمة به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٣ (١١١) عن أبي زرعة، عن المنجاب به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠ إلى المصنف عن ابن مسعود وحده.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٣ عقب الأثر (١١٣) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله. وسيأتي تمام هذا الأثر في ص ٢٩١.","vol":"1","page":288},{"text":"عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: هذا مرضٌ في الدِّينِ، وليس مرضًا في الأجسادِ. قال: وهم المنافقون.\nحدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبَرنا ابنُ المباركِ قراءةً، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: في قلوبهم رِيبةٌ وشكٌّ في أمرِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه (^١).\nوحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: هؤلاء أهلُ النِّفاقِ، فالمرَضُ الذي في قلوبِهم الشكُّ في أمرِ اللَّهِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. حتى بلَغ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: المرضُ الشكُّ الذي دخَلهم في الإسلامِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-103>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾.</span>\nقد دلَّلنا آنفًا على أن تأويلَ المرضِ الذي وصَف اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه أنه في قلوبِ المنافقين هو الشكُّ في اعتقاداتِ قلوبِهم وأديانِهم، وما هم عليه في أمرِ محمدٍ رسولِ اللَّهِ ﷺ، وأمرِ نبوَّتِه وما جاء به، مُقِيمون.\nفالمَرَضُ الذي أخْبر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنه زادهم على مرضِهم، هو نظيرُ ما\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٣ عقب الأثر (١١٣) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) بعده في ر: \"فذلك هو المرض واللَّه أعلم\".","vol":"1","page":289},{"text":"كان في قلوبِهم مِن الشكِّ والحيرةِ قيلَ الزيادةِ، فزادهم (^١) اللَّهُ بما أحْدَث مِن حدودِه وفرائضِه التي لم يكنْ فرَضها قبلَ الزيادةِ التي زادَها المنافقين - مِن الشكِّ والحَيْرةِ، إذ (^٢) شكُّوا وارْتَابوا في الذي أحْدَث لهم مِن ذلك - إلى المرضِ والشكِّ الذي كان في قلوبِهم في السالفِ، مِن حدودِه وفرائضِه التي كان فرَضها قبلَ ذلك. كما زاد المؤمنين به إلى إيمانِهم الذي كانوا عليه قبلَ ذلك، بالذي أحْدَث لهم مِن الفرائضِ والحدودِ، إذْ آمنوا به، إلى إيمانِهم بالسالفِ مِن حدودِه وفرائضِه - إيمانًا، كالذي قال جلَّ ثناؤه في تنزيلِه: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]. فالزيادةُ التي زِيدها المنافقون مِن الرَّجاسةِ إلى رَجاستِهم هو ما وصَفنا، و(^٣) التي زِيدها المؤمنون إلى إيمانِهم هو ما بيَّنا، وذلك هو التأويلُ المُجْمعُ عليه.\nذكرُ بعضِ مَن قال ذلك مِن أهلِ التأويلِ\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾. قال: شكًّا (^٤).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: أخْبرنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ\n_________\n(^١) في م: \"فزاد\".\n(^٢) في م: \"إذا\".\n(^٣) بعده في م: \"الزيادة\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٣ (١١٤) من طريق سلمة به.","vol":"1","page":290},{"text":"الهَمْدَانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾. يقولُ: فزادهم اللَّهُ (^١) شكًّا (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبرنا ابنُ المباركِ قراءةً، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾. يقولُ: فزادهم اللَّهُ رِيبةً وشكًّا في أمرِ اللَّهِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾. قال: زادهم رِجْسًا. وقرَأ قولَ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾. قال: شرًّا إلى شرِّهم، وضلالةً إلى ضلالتِهم (^٤).\nوحُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾: فزادَهم (^٥) اللَّهُ شكًّا (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-104>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: والأليمُ (^٧) المُوجِعُ. ومعناه: ولهم عذابٌ مُؤْلِمٌ. فصُرِفَ مُؤْلِمٌ إلى أليمٍ، كما يقالُ: ضربٌ وَجيعٌ. بمعنى: مُوجِعٌ. واللَّهُ بديعُ السماواتِ والأرضِ. بمعنى: مُبْدِعٌ. ومنه قولُ عمرِو بنِ مَعْدِيكَرِبَ الزُّبيديِّ (^٨):\n_________\n(^١) بعده في م: \"ريبة و\".\n(^٢) تقدم أول هذا الأثر في ص ٢٧٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠ إلى المصنف وعبد بن حميد. وينظر الفتح ٨/ ١٦٢.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٧٤ عن ابن زيد.\n(^٥) في ص، م: \"قال زادهم\".\n(^٦) تقدم أول هذا الأثر في ص ٢٨٩.\n(^٧) بعده في م: \"هو\".\n(^٨) ديوان عمرو بن معديكرب (مجموع) ص ١٣٦.","vol":"1","page":291},{"text":"أَمِنْ رَيْحانةَ (^١) الداعِي السَّمِيعُ … يُؤَرِّقُني وأصحابي هُجُوعُ\nبمعنى: المُسْمِعُ. ومنه قولُ ذِي الرُّمَّةِ (^٢):\nوَنرْفَعُ (^٣) مِن صُدُورِ شَمَرْدَلَاتٍ (^٤) … يَصُدُّ (^٥) وجوهَها وَهَجٌ (^٦) ألِيمُ\nويُرْوى: يَصُكُّ (^٧).\nوإنما الأليمُ صفةٌ للعذابِ، كأنه قال: ولهم عذابٌ مُؤْلِمٌ. وهو مأخوذٌ مِن الألمِ، والألمُ الوَجَعُ.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، قال: الأليمُ المُوجِعُ (^٨).\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: حدثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا جُوَيْبرٌ، عن الضحَّاكِ، قال: العذابُ (^٩) الأليمُ؛ الموجعُ (^١٠).\n_________\n(^١) ريحانة: هي ريحانة بنت معديكرب أخت عمرو، وهي أم دريد بن الصمة، كان الصمة سباها ثم تزوجها. الأغاني ١٠/ ٤.\n(^٢) ديوان ذي الرمة ٢/ ٦٧٧.\n(^٣) في ص: \"بربع\"، وفي ر: \"ترفع\"، وفي ت ٢، م: \"يرفع\". والمثبت من الديوان.\nورفع البعير بنفسه في سيره: بالغ فيه. التاج (ر ف ع).\n(^٤) الشمردلة: الناقة الحسنة الجميلة الخلق القوية على السير. اللسان (شمردل).\n(^٥) يصد: يعترض. اللسان (ص د د).\n(^٦) الوهج: حرارة الشمس والنار من بعيد. اللسان (وهـ ج).\n(^٧) هذه رواية الديوان. والصك: الضرب الشديد. اللسان (ص ك ك).\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٤ (١١٩) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.\n(^٩) سقط من: م.\n(^١٠) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٤ عقب الأثر (١١٩) معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠ إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس.","vol":"1","page":292},{"text":"وحُدِّثت عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضّحَّاكِ في قولِه: ﴿أَلِيمٌ (^١)﴾. قال: هو العذابُ المُوجِعُ، وكلُّ شيءٍ في القرآنِ مِن الأليمِ فهو المُوجِعُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-105>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾.</span>\nاخْتَلفت القرَأَةُ (^٢) في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه (^٣) بعضُهم: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. مُخَفَّفةَ الذالِ، مفتوحةَ الياءِ، وهي قراءةُ [عُظمٍ قرَأةِ] (^٤) أهلِ الكوفةِ (^٥). وقرَأه آخرون: (يُكَذِّبُون). بضمِّ الياءِ وتشديدِ الذالِ، وهي قراءةُ [عُظمِ قرأةِ] (٤) أهلِ المدينةِ والحجازِ والبصرةِ (^٦).\nوكأنَّ الذين قرَءوا ذلك بتشديدِ الذالِ وضمِّ الياءِ رأَوْا أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه إنما أوْجَب للمنافقين العذابَ الأليمَ بتكذيبِهم [نبيَّهم محمدًا] (^٧) ﷺ وبما جاء به، وأن الكذِبَ لولا التكذيبُ لا يُوجِبُ لأحدٍ اليسيرَ مِن العذابِ، فكيف بالأليمِ منه؟\nوليس الأمرُ في ذلك عندي كالذي قالوا؛ وذلك أن اللَّهَ جلّ ثناؤُه أنْبَأ عن المنافقين في أولِ النبأ عنهم في هذه السورةِ بأنهم يَكْذِبون بدَعْواهم الإيمانَ، وإظهارِهم ذلك بألسنتِهم، خِداعًا للَّهِ ﷿ ولرسولِه وللمؤمنين، فقال: ﴿وَمِنَ\n_________\n(^١) في ص، ر، ت ٢: \"الأليم\".\n(^٢) في م: \"القراءة\".\n(^٣) في ر: \"فقراءة\".\n(^٤) في م: \"معظم\".\n(^٥) وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ٨٨.\n(^٦) وهي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ١٤٣.\n(^٧) في ص: \"نبيه\".","vol":"1","page":293},{"text":"النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بذلك مِن قِيلِهم، مع استسرارِهم الشكَّ والرِّيبةَ، ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ بصنيعِهم ذلكَ ﴿إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ دونَ رسولِ اللَّهِ ﷺ والمؤمنين، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ بموضعِ خديعتِهم أنفسَهم، واستدراجِ اللَّهِ إيَّاهم بإملائِه لهم، ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ شكُّ [النفاقِ ورِيبتُه] (^١)، واللَّهُ زائدُهم شكًّا ورِيبةً بما كانوا يَكْذِبون اللَّهَ ورسولَه والمؤمنين بقولِهم بألسنتِهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وهم في قِيلِهم (^٢) ذلك كَذَبةٌ؛ لاستسرارِهم الشكَّ والمرضَ في اعتقاداتِ قلوبِهم في أمرِ اللَّهِ وأمرِ رسولِه ﷺ. فأَوْلَى في حكمةِ اللَّهِ ﷻ أن يكونَ الوعيدُ منه لهم على ما افْتَتح به الخبرَ عنهم مِن قبيحِ أفعالِهم وذَميمِ أخلاقِهم، دونَ ما لم يَجْرِ له ذكرٌ مِن أفعالِهم، إذ كان سائرُ آياتِ تنزيلِه بذلك نزَل، وهو أن يَفْتَتحَ ذكرَ محاسنِ أفعالِ قومٍ، ثم يختِمَ ذلك بالوعدِ (^٣) على ما افْتَتحَ به ذكرَه مِن أفعالِهم، ويَفتتحَ ذكرَ مساوِي أفعالِ آخرين، ثم يختِمَ ذلك بالوعيدِ على ما ابْتَدأ به ذكرَه مِن أفعالِهم. فكذلك الصحيحُ مِن القولِ في الآياتِ التي افْتَتح فيها ذكرَ بعضِ مساوي أفعالِ المنافقين، أن يختِمَ ذلك بالوعيدِ على ما افْتَتح به ذكرَه مِن قبائحِ أفعالِهم.\nفهذا هذا (^٤)، مع دَلالةِ الآيةِ الأُخرى على صحةِ ما قلنا، وشهادتِها بأن الواجبَ من القراءةِ ما اخترْنَا، وأن الصوابَ مِن التأويلِ ما تَأَوَّلْنا، مِن أن وعيدَ اللَّهِ المنافقين في هذه الآيةِ العذابَ الأليمَ على الكذِبِ الجامعِ معنى الشكِّ والتكذيبِ، وذلك قولُ اللَّهِ جلّ ثَناؤُه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ\n_________\n(^١) في م: \"أي نفاق وريبة\".\n(^٢) في ص: \"قولهم\".\n(^٣) في م: \"بالوعيد\".\n(^٤) سقط من: ص، ر.","vol":"1","page":294},{"text":"يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١، ٢]. والآيةُ الأخرى في \"المجادَلةِ\": ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة: ١٦]. فأخْبر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أن المنافقين - بقِيلِهم ما قالُوا لرسولِ اللَّه ﷺ، مع اعتقادِهم فيه ما هم معتقدون - كاذِبون، ثم أخْبرَ تعالى ذكرُه أن العذابَ المُهِينَ لهم على ذلك مِن كَذِبِهم. ولو كان الصحيحُ مِن القراءةِ على ما قَرَأه القارئون في سورةِ \"البقرةِ\": (وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يُكَذِّبون). لكانتِ القراءةُ في السورةِ الأخرى: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لمُكذِّبون). ليكونَ الوعيدُ لهم [مِن العذابِ المهينِ] (^١) الذي هو عَقِيبَ ذلك وعيدًا على التكذيبِ لا على الكَذِبِ.\nوفي إجماعِ المسلمين على أن الصوابَ مِن القراءةِ في قولِه: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. بمعنى الكَذِبِ، وأنَّ إيعادَ اللَّهِ فيه المنافقين العذابَ الأليمَ على ذلك مِن كَذِبِهم - أوضحُ الدَّلالةِ على أن الصحيحَ مِن القراءةِ في سورةِ \"البقرةِ\": ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. بمعنى الكَذِبِ، وأن الوعيدَ مِن اللَّهِ تعالَى ذكرُه للمنافقين فيها على الكذبِ حقٌّ، لا على التكذيب الذي لم يَجْرِ له ذكرٌ - نظيرَ الذي في سورةِ \"المنافقين\" سواءً.\nوقد زعَم بعضُ نحويِّي البصرةِ أنَّ \"ما\" من قولِ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. اسمٌ للمصدرِ، كما أنَّ \"أَنْ\" والفعلَ اسمان للمصدرِ في قولِك (^٢): أُحبُّ أن تأتيَني. وأنَّ المعنى إنما هو: بكَذِبِهم وتكذيبِهم. قال: وأَدْخل \"كان\" ليُخْبِرَ أنه\n_________\n(^١) زيادة من: ر.\n(^٢) في ر: \"قوله\"، وفي ت ٢: \"مثل قوله\".","vol":"1","page":295},{"text":"كان فيما مضى، كما تقولُ (^١): ما أحسنَ ما كان عبدُ اللَّهِ. فأَنت تعجَبُ من عبدِ اللَّهِ لا من كَوْنِه، وإنما وقَع التعجُّبُ في اللفظِ على كونِه.\nوكان بعضُ نحوييِّ الكوفةِ يُنكرُ ذلك من قولِه ويَسْتَخْطِئُه، ويقولُ: إنما أُلْغِيَت \"كان\" في التعجُّبِ لأن الفعلَ قد تقدَّمها، فكأنه قال: حَسَنًا كان زيدٌ، وحسَنٌ كان زيدٌ (^٢). يُبْطِلُ \"كان\"، ويُعْمِلُ مع الأسماءِ والصفاتِ التي بألفاظِ الأسماءِ إذا جاءتْ قبلَ \"كان\"، ووقعَتْ \"كان\" بينها وبين الأسماءِ. وأما العِلَّةُ في إبطالِها إذا أُبطِلَت في هذه الحالِ، فتشبيهُ (^٣) الصفاتِ والأسماءِ بـ \"فعَل\" و\"يَفْعَلُ\" التي (^٤) لا يظهَرُ عملُ \"كان\" فيهما، ألا ترى أنك تقولُ: يقومُ كان زيدٌ. فلا يظهَرُ عملُ \"كان\" في \"يقومُ\"؟ وكذلك: قام كان زيدٌ. فلذلك أُبْطل عملُها مع \"فاعل\" تمثيلًا بـ \"فعَل\" و\"يفعلُ\"، وأُعْملت مع \"فاعل\" أحيانًا؛ لأنه اسمٌ، كما تُعْملُ في الأسماءِ. فأما إذا تقدَّمت \"كان\" الأسماءَ والأفعالَ، وكان الاسمُ والفعلُ بعدَها، فخطأٌ عندَه أن تكونَ \"كان\" مُبْطَلَةً. فلذلك أحال قولَ البصريِّ الذي حكَيناه، وتأوَّل قولَ اللَّهِ ﷿: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (^٥)﴾. أنه بمعنى: الذي يَكْذِبونه.\n\n<span id=\"aya-18\"></span><span data-type='title' id=toc-106>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾.</span>\n\nاختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ هذه الآيةِ؛ فرُوِي عن سلمانَ الفارسيِّ أنه كان يقولُ: لم يجئْ هؤلاء بعدُ.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، م: \"يقال\".\n(^٢) في ت ٢: \"في التعجب لا\".\n(^٣) في م: \"فشبه\".\n(^٤) في م: \"اللتين\".\n(^٥) ضبطه في \"ر\" بضم الياء.","vol":"1","page":296},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدثنا عَثَّامُ بنُ عليٍّ، قال: حدثنا الأعمشُ، قال: سمِعت المِنْهالَ بنَ عمرٍو يحدِّثُ عن عبَّادِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن سلمانَ، قال: ما جاء هؤلاء بعدُ، الذين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (^١).\nحدَّثني أحمدُ بنُ عثمانَ بنِ حَكيمٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ شَرِيكٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني الأعمشُ، عن زيدِ بنِ وهبٍ وغيرِه، عن سلمانَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. قال: ما جاء هؤلاء بعدُ (^٢).\nوقال آخرون بما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (^٣). أمَّا ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فإنَّ الفسادَ هو الكفرُ والعملُ بالمعصيةِ (^٤).\nوحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن\n_________\n(^١) أخرجه وكيع - كما في تفسير ابن كثير ١/ ٧٥، والدر المنثور ١/ ٣٠ - وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٥ (١٢٣) من طريق الأعمش به. وعباد بن عبد الله الأسدي ضعيف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٧٥ عن المصنف. وعبد الرحمن بن شريك ضعيف، وقد خولف فيه شريك كما في الإسناد قبله.\n(^٣) بعده في م: \"هم المنافقون\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠ إلى المصنف عن ابن مسعود وحده.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٥ (١٢٢) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.","vol":"1","page":297},{"text":"الرَّبيع: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، يقولُ: لا تَعْصُوا في الأرضِ، ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. قال: فكان فسادُهم على أنفسِهم ذلك معصيةَ اللَّهِ؛ لأن مَن عصَى اللَّهَ في الأرضِ أو أمَر [بمعصيتِه، فقد] (^١) أفْسَد في الأرضِ؛ لأن إصلاحَ الأرضِ والسماءِ بالطاعةِ (^٢).\nوأوْلى التأْويلين بالآيةِ تأويلُ مَن قال: إن قولَ اللَّهِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ نزَلت في المنافقين الذين كانوا على عهدِ رسولِ الله ﷺ، وإن كان معنيًّا بها كلُّ مَن كان بمثلِ صفتِهم (^٣) من المنافقين بعدَهم إلى يومِ القيامةِ. وقد يَحْتَمِلُ قولُ سلمانَ عند تلاوةِ هذه الآيةِ: ما جاء هؤلاء بعدُ. أن يكونَ قاله بعدَ فناءِ الذين كانوا بهذه الصفةِ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، خبرًا منه عمَّن هو (^٤) جاءٍ منهم بعدَهم ولمَّا يجئْ بعدُ، [لا أنه] (^٥) عنَى أنه لم يمضِ ممَّن ذلك (^٦) صفتُه أحدٌ.\nوإنما قلنا: أَوْلى التأويلين بالآيةِ ما ذكَرنا؛ لإِجماعِ الحُجَّةِ من أهلِ التأويلِ على أن ذلك صفةُ مَن كان بينَ ظهرَانَيْ أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، من المنافقين، وأن هذه الآياتِ فيهم نزَلت، والتأويلُ المُجْمَعُ عليه أَوْلى بتأويلِ القرآنِ من قولٍ لا دلالةَ على صحَّتِه من أصلٍ ولا نظيرٍ.\n_________\n(^١) في ر: \"بمعصية في\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٥ عقب الأثر (١٢٢) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) في ص: \"وصفهم\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في م: \"لأنه\".\n(^٦) في م: \"هذه\".","vol":"1","page":298},{"text":"والإفسادُ في الأرضِ العملُ فيها بما نهَى اللَّهُ - جلَّ وعزَّ - عنه، وتضييعُ ما أمرَ اللَّهُ بحفظِه، فذلك جملةُ الإفسادِ، كما قال جلَّ ثَناؤُه في كتابهِ مُخبرًا عن قِيلِ ملائكتِه: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] يَعْنُون بذلك: أتجعلُ في الأرضِ من يعصِيك ويُخالفُ أمرَك؟ فكذلك صفةُ أهلِ النفاقِ؛ مفسدون في الأرضِ بمعصيَتِهم فيها ربَّهم، ورُكوبِهم فيها ما نهاهم عن رُكوبِه، وتضييعِهم فرائضَه، وشكِّهم في دينِ اللَّهِ الذي لا يقبَلُ من أحدٍ عملًا إلا بالتصديقِ به، والإيقانِ بحقيقتِه، وكذِبِهم المؤمنين بدَعْواهم غيرَ ما هم عليه مقيمون من الشكِّ والرَّيبِ، ومُظاهرتِهم أهلَ التكذيب باللَّهِ وكتبِه ورسلِه على أولياءِ اللَّهِ إذا وجَدوا إلى ذلك سبيلًا. فذلك (^١) إفسادُ المنافقين في [أرضِ اللَّهِ] (^٢)، وهم يَحْسَبون أنهم بفعلِهم ذلك مُصلحونَ فيها، فلم يُسْقِطِ اللَّهُ جلَّ ثناؤه عنهم عقوبتَه، ولا خفَّف عنهم أليمَ ما أعدَّ من عقابِه لأهلِ معصيتِه، بحُسْبانِهم أنهم فيما أَتوْا من معاصي اللَّهِ مُصلحونَ، بل أوْجب لهم الدَّرْكَ الأسفلَ من نارِه، والأليمَ من عذابِه، والعارَ العاجلَ بسَبِّ اللَّهِ إيَّاهم وشَتْمِه لهم، فقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. وذلك من حُكمِ اللَّهِ فيهم أدلُّ الدليلِ على تكذيبِه جلّ ثناؤه قولَ القائلين: إن عقوباتِ اللَّهِ لا يَسْتَحِقُّها إلَّا المعاندُ ربَّه فيما لزِمه من حقوقِه وفروضِه، بعد علمِه وثُبوتِ الحُجَّةِ عليه بمعرفتِه بلزومِ ذلك إيَّاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-107>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾.</span>\nوتأويلُ ذلك كالذي قاله ابنُ عباس، الذي حدَّثنا به محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ\n_________\n(^١) في ص: \"وكذلك\"، وفي ر: \"فكذلك\".\n(^٢) في ص: \"الأرض\".","vol":"1","page":299},{"text":"ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. أي قالوا: إنما نريدُ الإصلاحَ بينَ الفريقين من المؤمنين وأهلِ الكتابِ (^١).\nوخالَفه في ذلك غيرُه، فَحدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾. قال: إذا ركِبوا معصيةَ اللَّهِ فقِيل لهم: لا تفعَلوا كذا وكذا. قالوا: إنما نحن على الهُدَى (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأيُّ الأمرين كان منهم في ذلك، أعني في دَعْواهم أنهم مصلحون، فهم لا شكَّ أنهم كانوا يَحْسَبون أنهم فيما أتَوْا من ذلك مصلحون - فسواءٌ بينَ اليهودِ والمسلمين كانت دَعْواهم الإصلاحَ، أو في أديانِهم، وفيما ركبوا من معصيةِ اللَّهِ، وكذِبهم المؤمنين فيما أظْهروا لهم من القولِ، وهم لغيرِ ما أظْهروا مُسْتبطِنون؛ لأنَّهم كانوا في جميعِ ذلك من أمرِهم عندَ أنفسِهم مُحْسِنين، وهم عندَ اللَّهِ مُسيئون، ولأمرِ اللَّهِ مُخالِفون، لأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُه قد كان فرَض عليهم عداوةَ اليهودِ وحربَهم مع المسلمين، وألْزمهم التصديقَ برسولِ اللَّهِ ﷺ، وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، كالذي ألْزم من ذلك المؤمنين، فكان لقاؤُهم اليهودَ على وجهِ الوِلايةِ منهم لهم، وشكُّهم في نبوَّةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وفيما جاء به أنه من عندِ اللَّهِ - أعظمَ الفسادِ، وإن كان ذلك كان عندَهم إصلاحًا وهُدًى في أديانِهم، أو فيما بينَ المؤمنين واليهودِ، فقال جلَّ ثناؤُه فيهم: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٥ (١٢٤) من طريق سلمة به.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، م: \"مصلحون\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠ إلى المصنف كاللفظ المثبت. وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٧٥ عن ابن جريج عن مجاهد، بزيادة: \"مصلحون\" في آخره.","vol":"1","page":300},{"text":"دونَ الذين يَنْهَوْنهم من المؤمنين عن الإفسادِ في الأرضِ، ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-19\"></span><span data-type='title' id=toc-108>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾.</span>\n\nوهذا القولُ من اللَّهِ جلَّ ثناؤُه تكذيبٌ للمنافقين في دَعْواهم إذا (^١) أُمِروا بطاعةِ اللَّهِ فيما أمَرهم اللَّهُ به، ونُهوا عن معصيةِ اللَّهِ فيما نهاهم اللَّهُ عنه، قالوا: إنما نحن مُصلحون لا مُفسدون، ونحن على رُشْدٍ وهُدًى فيما أنْكَرْتموه علينا دونَكم، لا ضالُّون. فكذَّبهم اللَّهُ - جلّ وعزّ - في ذلك من قِيلِهم، فقال: ألا إنهم هم المُفْسِدون المخالفون أمرَ اللَّهِ - جلَّ وعزَّ -، المتعدُّون، حدودَه، الراكبون معصيتَه، التاركون فروضَه، وهم لا يَشْعُرون ولا يَدْرُون أنهم كذلك، لا الذين يَأْمُرونهم بالقسطِ من المؤمنين، ويَنْهَوْنهم عن معاصي اللَّهِ - جلّ وعز - في أرضِه من المسلمين.\n\n<span id=\"aya-20\"></span>القولُ في تأويلِ قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾.\n\nقال أبو جعفرٍ: وتأويلُ قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ يعني: وإذا قيل لهؤلاء الذين وصَفَهم اللَّهُ ونَعَتهم بأنَّهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾: صَدِّقوا بمحمدٍ ﷺ (^٢) وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، كما صدَّق به الناسُ. ويعني بـ ﴿النَّاسُ﴾: المؤمنين الذين آمنوا بمحمدٍ ونبوَّتِه وما جاء به من عندِ اللَّهِ.\nكما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ (^٣) بنُ سعيدٍ، عن بِشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا\n_________\n(^١) في ر، ت ٢: \"إذ\".\n(^٢) بعده في ص: \"ونبوته\".\n(^٣) في ص: \"عمار\".","vol":"1","page":301},{"text":"آمَنَ النَّاسُ﴾. يقولُ: وإذا قيل لهم: صدِّقوا كما صدَّق أصحابُ محمدٍ ﷺ، قولوا (^١): إنه نبيٌّ ورسولٌ، وأن ما أُنْزِل عليه حقٌّ، وصدِّقوا بالآخرةِ، وأنكم مبعوثون من بعدِ الموتِ (^٢).\nوإنما أُدْخِلت الألفُ واللَّامُ في ﴿النَّاسُ﴾ وهم بعضُ الناسِ لا جميعُهم؛ لأنهم كانوا معروفين عندَ الذين خُوطبوا [بذلك في هذه] (^٣) الآيةِ بأعيانِهم. وإنما معناه: آمِنوا كما آمَن الناسُ الذين تعرِفونهم من أهلِ اليقينِ والتصديقِ باللَّهِ، وبمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، وباليومِ الآخرِ. فلذلك أُدْخِلت الألفُ واللامُ فيه، كما أُدْخِلتا في قولِه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. لأنه أُشِير بدخولِهما (^٤) إلى ناسٍ معروفين عند مَن خُوطِب بذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-109>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: والسفهاءُ جمعُ سَفِيهٍ، [كما العلماءُ] (^٥) جمعُ عليمٍ، والحكماءُ جمعُ حكيمٍ. والسفيهُ الجاهلُ الضعيفُ الرأيِ، القليلُ المعرفةِ بمواضعِ المنافعِ والمضارِّ. ولذلك سمَّى اللَّهُ - جلَّ وعزَّ - النساءَ والصبيانَ سفهاءَ، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]. فقال عامَّةُ أهلِ التأويلِ: هم النساءُ والصبيانُ؛ لضعفِ آرائِهم (^٦)، وقلةِ معرفتِهم بمواضعِ المصالحِ والمضارِّ التي\n_________\n(^١) في م: \"قالوا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٥ (١٢٦، ١٢٧) من طريق أبي كريب به.\n(^٣) في ص، م: \"بهذه\".\n(^٤) في م: \"بدخولها\".\n(^٥) في م: \"كالعلماء\".\n(^٦) في ت ٢: \"رأيهم\".","vol":"1","page":302},{"text":"تُصْرَفُ إليها الأموالُ.\nوإنما عَنى المنافقون بقيلِهم: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ - إذ دُعوا إلى التصديقِ بمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، والإقرارِ بالبعثِ، فقيل (^١) لهم: ﴿آمِنُوا﴾ -: كما آمَن أصحابُ محمدٍ وأتباعُه من المؤمنين المصدِّقين به مِن (^٢) أهلِ الإيمانِ واليقينِ، والتصديقِ باللَّهِ، وبما افْتَرض عليهم على لسانِ رسولهِ محمدٍ ﷺ وفي كتابِه، وباليومِ الآخرِ. فقالوا إجابةً لقائلِ ذلك لهم: أنؤمنُ كما آمنَ أهلُ الجهلِ، ونصدِّقُ بمحمدٍ كما صدَّق به هؤلاء الذين لا عقولَ لهم ولا أفهامَ!\nكالذي حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرو بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾: يعنُون أصحابَ النبيِّ ﷺ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجَّاجِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾: يعنُون أصحابَ محمدٍ ﷺ (^٤).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"فقال\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٧٦ عن السدي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠ إلى المصنف عن ابن مسعود وحده. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٦ عقب الأثر (١٣٠) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٦ (١٣٠) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.","vol":"1","page":303},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلمَ في قولِه: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾. قال: هذا قولُ المنافقين، يريدون أصحابَ النبيِّ ﷺ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ (^١)، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾: يقولون: أنقولُ كما يقولُ السفهاءُ؟ يعنُون أصحابَ محمدٍ ﷺ، لخِلافِهم لدينِهم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-110>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وهذا خبرٌ من اللَّهِ تعالى عن المنافقين الذين تقدَّم نعتُه لهم، ووصفُه إيّاهم بما وصَفهم به من الشكِّ والتكذيبِ - أنهم هم الجُهَّالُ في أديانِهم، الضعفاءُ الآراءِ في اعتقاداتِهم واختياراتِهم التي اختاروها لأنفسِهم، من الشكِّ [والتكذيبِ] (^٣) والرَّيبِ في أمرِ اللَّهِ - جلّ وعزّ - وأمرِ رسولِه وأمرِ نبوَّتِه، وفيما جاء به من عندِ اللَّهِ، وأمرِ البعثِ؛ لإساءتِهم إلى أنفسِهم بما أتَوْا من ذلك، وهم يحسَبون أنهم إليها يُحسنون (^٤)، وذلك هو عينُ السَّفَهِ؛ لأن السفيهَ إنما يُفْسِدُ من حيثُ يرى أنه يُصلِحُ، ويُضيِّعُ من حيثُ يرى أنه يحفَظُ، فكذلك المنافقُ، يعصِي ربَّه من حيثُ يرى أنه يُطيعُه، ويكفُرُ به من حيثُ يرى أنه يُؤمنُ به، ويُسيءُ إلى نفسِه من حيث\n_________\n(^١) في م: \"عمار\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٦ (١٢٩) من طريق أبي كريب به.\n(^٣) زيادة من: ر.\n(^٤) في ر، ت ٢: \"محسنون\".","vol":"1","page":304},{"text":"يَحْسَبُ (^١) أنه يُحسنُ إليها، كما وصَفهم به ربُّنا جلَّ ذكرُه فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. وقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ دونَ المؤمنين المصدِّقين باللَّهِ وبكتابِه وبرسولِه وثوابِه وعقابِه، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وكذلك كان ابنُ عباسٍ يتأوَّلُ هذه الآيةَ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: يقولُ اللَّهُ ﷿: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، يقولُ: الجهَّالُ، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكن لا يعقِلون (^٢).\nوأما وجهُ دخولِ الألفِ واللامِ في ﴿السُّفَهَاءُ﴾ فشبيهٌ بوجهِ دخولِهما في ﴿النَّاسُ﴾، في قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾. وقد بيَّنَّا العلَّةَ في دخولِهما هنالك، والعلَّةُ في دخولِهما في ﴿السُّفَهَاءُ﴾ نظيرتُها في دخولِهما في ﴿النَّاسُ﴾ هنالك، سواءٌ.\nوالدلالةُ التي تدلُّ عليه هذه الآيةُ من خطإِ قولِ مَن زعَم أن العقوبةَ من اللَّهِ - جلّ وعزّ - لا يَسْتَحِقُّها إلا المعاندُ ربَّه، بعدَ (^٣) علمِه بصحةِ ما عانَده فيه - نظيرةُ (^٤) دلالةِ الآياتِ الأُخَرِ التي قد تقدَّم ذكرُنا تأويلَها في قولِه: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ونظائِر (^٥) ذلك.\n_________\n(^١) في ر: \"يرى\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٦ (١٣١، ١٣٢) من طريق أبي كريب به. وهو تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٣) في م: \"مع\".\n(^٤) في ت ٢، م: \"نظير\".\n(^٥) في م: \"نظير\".","vol":"1","page":305},{"text":"<span id=\"aya-21\"></span><span data-type='title' id=toc-111>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾.</span>\n\nقال أبو جعفرٍ: وهذه الآيةُ نظيرةُ (^١) الآيةِ الأُخْرى التي أخْبر اللَّهُ جلّ ثناؤُه فيها عن المنافقين بخِداعِهم اللَّهَ ورسولَه والمؤمنين، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. ثم أكْذَبهم تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وأنهم بقيلِهم ذلك يُخادِعون اللَّهَ والذين آمنوا. وكذلك أخْبر عنهم في هذه الآيةِ أنهم يقولون للمؤمنين المصدِّقين باللَّهِ وكتابِه ورسولِه بألسنتِهم: آمنَّا وصدَّقنا بمحمدٍ، وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، خِداعًا عن دمائِهم وأموالِهم وذراريِّهم، ودرْءًا لهم عنها، وأنهم إذا خَلَوْا إلى مَرَدتِهم (^٢) وأهلِ العُتُوِّ والشرِّ والخُبْثِ منهم، ومن سائرِ أهلِ الشركِ، الذين هم على مثلِ ما (^٣) هم عليه من الكفرِ باللَّهِ وبكتابِه ررسولِه، وهم شَياطينُهم - وقد دلَّلنا فيما مضَى من كتابِنا (^٤) على أن شياطينَ كلِّ شيءٍ مَرَدتُه - قالوا لهم. ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أي: إنَّا معكم على دينِكم، وظُهراؤُكم على مَن خالَفكم فيه، وأولياؤُكم دونَ أصحابِ محمدٍ ﷺ، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ باللَّهِ وبكتابِه ورسولِه وأصحابِه.\nكالذي حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثَنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾. قال: كان رجالٌ من اليهودِ إذا لَقُوا أصحابَ النبيِّ\n_________\n(^١) في ر، ت ٢، م: \"نظير\".\n(^٢) في ص: \"أهل مودتهم\".\n(^٣) في ص، م: \"الذي\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ١٠٩.","vol":"1","page":306},{"text":"ﷺ أو بعضَهم، قالوا: إنَّا على دينِكم. وإذا خَلَوا إلى أصحابِهم، وهم شياطينُهم، ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي محمدٍ، مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. قال: إذا خَلَوا إلى شياطينهم من يهودَ، الذين يأمُرونهم بالتكذيبِ وخلافِ ما جاء به الرسولُ، ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾، أي: إنَّا على مثلِ ما أنتم عليه، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، و(^٣) عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾: أما شياطينُهم، فهم رُءُوسُهم في الكفرِ (^٤).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ العَقَديُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ (^٥)، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ أي: رُؤَسائِهم وقادتِهم في الشرِّ، قالوا:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٦ - ٤٨ (١٣٣، ١٣٦، ١٤٢) من طريق محمد بن العلاء به.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٧، ٤٨ (١٣٧، ١٤١) من طريق سلمة به.\n(^٣) في ص: \"أو\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٧٧ عن السدي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣١ إلى المصنف عن ابن مسعود وحده. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٧ عقب الأثر (١٤٠) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدي من قوله.\n(^٥) في ر: \"يزيد\".","vol":"1","page":307},{"text":"﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. قال: المشركون.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ - جلَّ وعزَّ -: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. قال: إذا خلا المنافقون إلى أصحابِهم من الكفارِ.\nحدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. قال: أصحابُهم من المنافقين والمشركين (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجَّاجِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. قال: إخوانُهم من المشركين، ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ قال: إذا أصاب المؤمنين رَخاءٌ قالوا (^٤): نحن معكم، إنما نحن إخوانُكم. وإذا خَلَوا إلى شياطينِهم اسْتَهْزَءوا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٧ (١٣٨) من طريق سعيد به.\nوأخرجه عبد بن حميد - كما في الفتح ٨/ ١٦١ - من طريق شيبان عن قتادة. وستأتي بقيته في ص ٣١٢.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ١٩٦، ومن طريقه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٤/ ١٧٢ - وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٧ (١٣٩).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٨ عقب الأثر (١٤٠) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) بعده في م: \"إنا\".","vol":"1","page":308},{"text":"بالمؤمِنين.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال (^١) مجاهدٌ: شَياطينُهم أصحابُهم من المنافقين والمشركين.\nفإن قال لنا قائلٌ: أرأيتَ قولَه: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. فكيف قيلَ: ﴿خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. ولم يقلْ: خَلَوا بشياطينِهم. فقد عَلِمْتَ أن الجاريَ بينَ الناسِ في كلامِهم: خَلَوتُ بفلانٍ. أكثرُ وأفْشَى من: خَلَوتُ إلى فلانٍ. ومن قولِك: إن القرآنَ أفصحُ البيانِ؟\nقيل: قد اخْتَلف في ذلك أهلُ العلم بلغةِ العربِ، فكان بعضُ نحْويِّي البصرةِ يقولُ: يقالُ: خَلَوتُ إلى فلانٍ. إذا أُرِيد به: خلَوتُ إليه في [الحاجةِ خاصَّةً] (^٢)، لا يَحْتَملُ - إذا قيل كذلك - إلا الخلاءَ إليه في قضاءِ الحاجةِ. فأما إذا قيل: خَلَوتُ به. احْتَمل معنيين: أحدُهما، الخلاءُ به في الحاجةِ. والآخرُ، في (^٣) السخريةِ به. فعلى هذا القولِ: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ لا شكَّ أفصحُ منه لو قيل: وإذا خَلَوا بشياطينِهم. لما في قولِ القائلِ: وإذا خَلَوا بشياطينِهم. من التباسِ المعنى على سامِعيه (^٤)، الذي هو مُنْتَفٍ عن قولِه: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. فهذا أحدُ الأقوالِ.\nوالقولُ الآخرُ: [أن تُوجِّهَ] (^٥) معنى قولِه: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾:\n_________\n(^١) في ص: \"وقال\".\n(^٢) في ص، ت ١، م: \"حاجة خاصة\".\n(^٣) سقط من: ص.\n(^٤) في ص: \"سامعه\".\n(^٥) في ص، ت ٢: \"فأن توجه\"، وفي م: \"أن توجيه\".","vol":"1","page":309},{"text":"و(^١) إذا خَلَوا مع شياطينِهم. إذ كانت حروفُ الصفاتِ (^٢) يُعاقِبُ بعضُها بعضًا، كما قال اللهُ مُخبرًا عن عيسى ابنِ مريمَ أنه قال للحواريين: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ﴾ [الصف: ١٤]. يريدُ: مع اللهِ. وكما تُوضعُ \"على\" في موضعِ \"مِن\" و\"في\" و\"عن\"، و\"الباء\"، كما قال الشاعرُ (^٣):\nإذا رَضِيَتْ عليَّ بنو قُشيرٍ … لَعَمْرُ اللهِ أعْجَبَني رِضَاها\nبمعنى: عَنِّي.\nوأما بعضُ نحْويِّي (^٤) الكوفةِ، فإنه كان يتأوَّلُ أن ذلك بمعنى: وإذا لَقُوا الذين آمَنوا قالوا آمَنَّا، وإذا صرَفوا خَلاءَهم إلى شياطينِهم. فيزعُمُ أن الجالبَ لـ ﴿إِلَى﴾ المعنى الذي دلَّ عليه الكلامُ من انصرافِ المنافقين عن لقاءِ المؤمنين إلى شياطينهم خالِين بهم، لا قولُه: ﴿خَلَوْا﴾. وعلى هذا التأويلِ لا يَصْلُحُ في (^٥) موضعِ ﴿إِلَى﴾ غيرُها؛ لتغيُّرِ الكلامِ بدخولِ غيرِها من الحروفِ مكانَها.\nوهذا القولُ عندي أوْلى بالصوابِ؛ لأن لكلِّ حرفٍ من حروفِ المعاني وجهًا هو به أوْلى من غيرِه، فلا يصلُحُ تحويلُ ذلك عنه إلى غيرِه إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"فإذا\"، وفي م: \"أي\".\n(^٢) حروف الصفات هي حروف الجر، وسميت بذلك لأنها تحدث صفة في الاسم، فقولك: جلست في الدار. دلت \"في\" على أن الدار وعاء للجلوس، وقيل: لأنها تقع صفات لما قبلها من النكرات. همع الهوامع ٢/ ١٩. وهى أيضًا حروف المعاني، كما سيأتي.\n(^٣) هو القحيف العجلي، وينظر البيت في النوادر لأبي زيد ص ١٧٦، والكامل ٢/ ١٩٠، ٣/ ٩٨، والخزانة ٢/ ١٣٢.\n(^٤) بعده في ص، م: \"أهل\".\n(^٥) سقط من: ص.","vol":"1","page":310},{"text":"لها، ولـ \"إلى\" (^١) في كلِّ موضعٍ دخَلت من الكلامِ حُكْمٌ، وغيرُ جائزٍ سَلْبُها معانيَها في أماكِنها.\n\n<span data-type='title' id=toc-112>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)﴾.</span>\nأجْمع أهلُ التأويلِ جميعًا لا خلافَ بينهم على أن معنى قولِه: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾: إنما نحن ساخرون. فمعنى الكلام إذن: وإذا انصرف المنافقون خالِين إلى مَرَدتِهم من المنافقين والمشركين قالوا: إنا معكم على (^٢) ما أنتم عليه، من التكذيبِ بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به، ومعاداتِه ومعاداةِ أتباعِه، إنما نحن ساخرون بأصحابِ محمدٍ ﷺ [في قيلِنا] (^٣) لهم إذا لَقِيناهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ (^٤) بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾: ساخرون بأصحابِ محمدٍ ﷺ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: إنما نحن نَسْتهزِئُ بالقومِ ونلعبُ بهم (^٦).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ العَقَديُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، عن سعيدٍ،\n_________\n(^١) في ص: \"الأولى\".\n(^٢) في م: \"عن\".\n(^٣) في ص: \"بقيلنا\".\n(^٤) في م: \"قيس\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٨ (١٤٢) من طريق محمد بن العلاء به. وهو تتمة الأثر المتقدم في ص ٣٠٦.\n(^٦) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣١. وهو تتمة الأثر المتقدم في ص ٣٠٧.","vol":"1","page":311},{"text":"عن قتادةَ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾: إنما نَسْتهزِئُ بهؤلاء القومِ ونَسْخَرُ بهم (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجَّاجِ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: نَسْتَهزِئُ بأصحابِ محمدٍ ﷺ (^٢).\n\n<span id=\"aya-22\"></span><span data-type='title' id=toc-113>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾.</span>\n\nقال أبو جَعفرٍ: اخْتُلِف في صفةِ استهزاءِ اللهِ تعالى ذكرُه الذي ذكَر أنه فاعلُه بالمنافقين الذين وصَف صفتَهم؛ فقال بعضهم: استهزاؤُه بهم كالذي أخْبرنا تبارك اسمُه أنه فاعلٌ بهم يومَ القيامةِ في قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الحديد: ١٣، ١٤] الآية. وكالذي أخبرنا أنه فعَل بالكفارِ بقولِه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]. فهذا وما أشْبهه من استهزاءِ اللهِ تعالى ذكرُه وسخريتِه ومكرِه وخديعتِه للمنافقين وأهلِ الشركِ به، عندَ قائلي هذا القولِ ومتأوِّلي هذا التأويلِ.\nوقال آخرون: بل استهزاؤُه بهم توبيخُه إياهم، ولومُه لهم على ما ركِبوا من معاصيه (^٣)\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٨ عقب الأثر (١٤٢) معلقا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣١ إلى عبد بن حميد. وهو تتمة الأثر السابق في ص ٣٠٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٨ عقب الأثر (١٤٢) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) في م: \"معاصى الله\".","vol":"1","page":312},{"text":"والكفرِ به، كما يقالُ: إن فلانًا ليُهْزَأُ منه (^١) اليومَ، ويُسخرُ منه. يُرادُ به توبيخُ الناسِ إيَّاه ولومُهم له. أو (^٢) إهلاكُه إيَّاهم وتدميرُه بهم، كما قال عَبِيدُ بنُ الأبْرَصِ (^٣):\nسَائِلْ بنا حُجْرَ ابنِ أُمِّ قَطَامِ إذْ … ظلَّت به السُّمْرُ النواهِلُ (^٤) تَلعبُ\nفزعَموا أن السُّمْرَ - وهي القَنَا - لا لَعِبَ منها، ولكنها لما قتَلَتهم وشرَّدتهم، جعَل ذلك من فعلِها لعبًا بمن فعَلَت ذلك به. قالوا: فكذلك استهزاءُ الله جلَّ ثناؤُه بمَن اسْتَهزَأ به من أهلِ النِّفاقِ والكفرِ به، إما إهلاكُه إيَّاهم وتدميرُه بهم، وإما إملاؤُه لهم ليأخُذَهم في حالِ أمنِهم عندَ أنفسِهم بَغتةً، أو توبيخُه لهم ولائمتُه إيَّاهم. قالوا: وكذلك معنى المكرِ منه والخديعةِ والسُّخريةِ.\nوقال آخرون: قولُه: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. على الجوابِ، كقولِ الرجلِ لمن كان يخدَعُه إذا ظَفِر به: أنا الذي خدَعتُك. ولم تكنْ منه خديعةٌ، ولكن قال ذلك إذ صار الأمرُ إليه. قالوا: وكذلك قولُه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، و﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾.\nعلى الجوابِ، واللهُ لا يكونُ منه المكرُ ولا الهُزْءُ. والمعنى عندَهم (^٥) أن المكرَ والهُزْءَ حاقَ بهم.\n_________\n(^١) بعده في ر: \"منذ\".\n(^٢) في ص، ر، ت ٢: \"و\".\nوالضمير في قوله: إهلاكه إياهم وتدميرهم. عائد على الله سبحانه، وهو معطوف على قوله: توبيخه إياهم.\n(^٣) ديوانه ص ٧.\n(^٤) النواهل، جمع الناهل والناهلة: وهي الإبل العطاش، تشبه بها الرماح، كأنها تعطش إلى الدم. التاج (ن هـ ل).\n(^٥) زيادة من: ر.","vol":"1","page":313},{"text":"وقال آخرون: قولُه: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. وقولُه: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]،. وقولُه: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]. و﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. وما أشْبه ذلك - إخبارٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه أنه مجازِيهم جزاءَ الاستهزاءِ، ومعاقبُهم عقوبةَ الخِداعِ، فأخْرج خبرَه عن جزائِه إيَّاهم وعقابِه (^١) لهم، مُخْرَجَ خبرِه عن فعلِهم الذي عليه استحقُّوا العقابَ في اللفظِ، وإن اخْتَلف المعنَيان، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. ومعلومٌ أن الأُولَى من صاحِبها سيئةٌ، إذ كانت منه للهِ ﵎ معصيةً، وأن الأخرى عَدْلٌ؛ لأنها من اللهِ جزاءٌ للعاصي على المعصيةِ، فهما - وإن اتَّفق لفظاهما - مختلفتا المعنى، وكذلك قولُه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]. فالعُدْوانُ الأولُ ظلمٌ، والثاني جزاءٌ لا ظلمٌ، بل هو عَدلٌ؛ لأنه عقوبةٌ للظالمِ على ظلمِه، وإن وافق لفظُه لفظَ الأولِ. وإلى مثلِ (^٢) هذا المعنى وَجَّهوا كلَّ ما في القرآنِ من نظائرِ ذلك، مما هو خبرٌ عن مكرِ اللهِ جلَّ وعزَّ بقومٍ، وما أشْبَه ذلك.\nوقال آخرون: إن معنى ذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبر عن المنافقين أنهم إذا خَلَوْا إلى مَرَدتِهم قالوا: إنا معكم على دينِكم في تكذيب محمدٍ ﷺ وما جاء به، وإنما نحن - بما نُظهرُ لهم من قولِنا لهم: صدَّقْنا بمحمدٍ ﷺ وما جاء به - مستهزِئون.\nيعنُون أنَّا نُظهرُ لهم ما هو عندَنا باطلٌ لا حَقٌّ ولا هُدًى. قالوا: وذلك هو معنًى من معاني الاستهزاءِ، فأخْبر اللهُ أنه يَسْتهزئُ بهم، فيُظهرُ لهم من أحكامِه في الدنيا خلافَ الذي لهم عندَه في الآخرةِ، كما أظْهروا للنبيِّ ﷺ والمؤمنين في الدينِ ما هم على خلافِه في سرائرِهم.\n_________\n(^١) في ص: \"معاقبته\".\n(^٢) زيادة من: ر.","vol":"1","page":314},{"text":"والصوابُ في ذلك من القولِ والتأويلِ عندَنا أن معنى الاستهزاءِ في كلامِ العربِ إظهارُ المستهزِئ للمستهزَأ به من القولِ والفعلِ ما يُرْضِيه ويُوافِقُه (^١) ظاهرًا، وهو بذلك من قيلِه وفعلِه به مُوَرِّطُه (^٢) مساءَتَه (^٣) باطنًا، وكذلك معنى الخِداعِ والسُّخريةِ والمكرِ.\nفإذ كان ذلك كذلك، وكان اللهُ جلَّ ثناؤُه قد جعَل لأهلِ النِّفاقِ في الدنيا من الأحكامِ - بما أظْهروا بألسنتِهم من الإقرارِ باللهِ وبرسولِه وبما جاء به من عندِ اللهِ، المُدْخِلِهم (^٤) في عِدادِ مَن يشمَلُهم (^٥) اسمُ الإسلامِ، وإن كانوا (^٦) لغيرِ ذلك مُستبطِنين (^٧) -أحكامَ المسلمين (^٨) المصدِّقين إقرارَهم بألسنتِهم بذلك، بضمائرِ قلوبهم، وصَحائحِ عزائمِهم، وحميدِ أفعالِهم المحققةِ لهم صحةَ إيمانِهم، مع علمِ الله جلَّ وعزَّ بكذبِهم، واطلاعِه على خُبْثِ اعتقادِهم، وشكِّهم فيما ادَّعَوا بألسنتِهم أنهم به (^٩) مصدِّقون، حتى ظنُّوا في الآخِرةِ - إذ حُشِروا في عِدادِ من كانوا في عِدادِهم في الدنيا - أنّهم وارِدُون مَوْرِدَهم، وداخِلون مَدْخَلَهم، واللهُ ﷻ مع إظهارِه ما قد أظْهر لهم من الأحكامِ المُلْحِقتِهم (^١٠) في عاجلِ الدنيا وآجلِ الآخرةِ\n_________\n(^١) سقط من: ص، وفي ر، ت ٢: \"يوفقه\".\n(^٢) في م: \"مورثه\".\n(^٣) في ص، م: \"مساءة\".\n(^٤) في م: \"المدخل لهم\".\n(^٥) في ص، م: \"يشمله\".\n(^٦) في ر: \"كان\".\n(^٧) بعده في م: \"من\".\n(^٨) في ر: \"الإسلام\".\n(^٩) سقط من: م.\n(^١٠) في م: \"الملحقهم\".","vol":"1","page":315},{"text":"إلى حالِ تمييزِه بينَهم وبينَ أوليائِه، وتفريقِه بينهم وبينهم - مُعِدٌّ لهم من أليمِ عقابِه ونَكالِ عذابِه، ما أعدَّ منه لأعْدى أعدائِه، وشرِّ (^١) عبادِه، حتى ميَّز بينهم وبينَ أوليائِه، فألحَقهم من طبقاتِ جحيمِه بالدركِ الأسفلِ [من النارِ] (^٢) - كان معلومًا (^٣) أنه جلَّ ثناؤُه بذلك من فعلِه بهم، وإن كان جزاءً لهم على أفعالِهم، وعدلًا ما فعَل من ذلك بهم؛ لاستحقاقِهم إيًّاه منه بعصيانِهم له كان بهم بما أظهَر لهم من الأمورِ التي أظْهرها لهم من إلحاقِه أحكامَهم في الدنيا بأحكامِ أوليائِه وهم له أعداءٌ، وحشرِه إيّاهم في الآخرةِ مع المؤمنين وهم به من المكذِّبين، إلى أن ميَّز بينَهم [وبينَهم - مستهزِئًا بهم] (^٤) وساخرًا، ولهم خادِعًا، وبهم ماكرًا؛ إذ كان معنى الاستهزاءِ والسُّخريةِ والمكرِ والخديعةِ ما وصَفنا قبلُ، دونَ أن يكونَ ذلك معناه في حالٍ فيها المستهزِئُ بصاحبِه له ظالمٌ، أو عليه فيها (^٥) عادلٌ، بل ذلك معناه في كلِّ أحوالِه، إذا (^٦) وُجدَت الصفاتُ التي قدَّمنا ذكرَها في معنى الاستهزاءِ وما أشْبَهه من نظائِرِه.\nوبنحوِ ما قلنا فيه رُوي الخبرُ عن ابنِ عباسٍ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ،\n_________\n(^١) في م: \"أشر\".\n(^٢) زيادة من: ر.\n(^٣) قوله: كان معلوما. جواب قوله: فإذ كان ذلك كذلك … المتقدم أول الفقرة.\n(^٤) في م: \"وبينهم مستهزئا\".\n(^٥) بعده في م: \"غير\".\n(^٦) في ر: \"إذا قد\".","vol":"1","page":316},{"text":"عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. قال: يسخَرُ بهم للنِّقمةِ منهم (^١).\nوأمّا الذين زعَموا أن قولَ اللهِ جلّ ثناؤُه: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. إنما هو على وجهِ الجوابِ، وأنه لم يكنْ من اللهِ استهزاءٌ ولا مكرٌ ولا خديعةٌ، فنافون عن اللهِ جلّ ثناؤُه ما قد أثْبَته اللهُ جلّ ثناؤُه لنفسِه وأوْجَبه لها. وسواءٌ قال قائلٌ: لم يكنْ من اللهِ جلَّ ذكرُه استهزاءٌ ولا مكرٌ (^٢) ولا سُخريةٌ بمن أخْبَر أنه يَسْتَهزِئُ ويسخَرُ ويمكُرُ به. أو قال: لم يخسِفِ اللهُ بمن أخْبَر أنه خسَف به من الأممِ، ولم يُغرقْ من أخْبَر أنه غرّقه منهم.\nويقالُ لقائلِ ذلك: إن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَرنا أنه مكَر بقومٍ مضَوا قبلَنا لم نَرَهم، وأخْبَر عن آخرين أنه خسَف بهم، وعن آخرين أنه غرّقهم، فصدَّقْنا اللهَ جلّ ثناؤُه فيما أخْبَرنا به من ذلك، ولم نفرِّقْ بين شيْءٍ منه، فما برهانُك على تفريقِك ما فرَّقْتَ بينَه، بزعمِك أنه قد غرّق وخسَف بمن قد (^٣) أخْبَر أنه غرّقه وخسَف به، ولم يمكُرْ بمن أخْبَر أنه قد مكَر به؟ ثم يُعكَس القولُ عليه في ذلك، فلن يقولَ في أحدِهما شيئًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه.\nفإن لجَأ إلى أن يقولَ: إن الاستهزاءَ عبثٌ ولعبٌ، وذلك عن اللهِ ﷿ منفيٌّ.\nقيل له: إن كان الأمرُ عندَك على ما وصَفْتَ من معنى الاستهزاءِ، أفَلسْتَ تقولُ: اللهُ يَسْتَهْزِئُ بهم، وسخِر اللهُ منهم، ومكَر اللهُ بهم. وإن لم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٨ (١٤٣) من طريق أبي كريب به.\n(^٢) بعده في م: \"ولا خديحة\".\n(^٣) زيادة من: ر.","vol":"1","page":317},{"text":"يكنْ من اللهِ عندَك هُزْءٌ ولا سخريةٌ؟ فإن قال: لا. كذَّب بالقرآنِ، وخرَج من (^١) ملَّةِ الإسلامِ. وإن قال: بلى. قيل له: أفتقولُ من الوجهِ الذي قلت: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، ﴿سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾: يلعَبُ اللهُ بهم ويعبَثُ. ولا لعبَ من اللهِ ولا عبثَ؟ فإن قال: نعم. وصَف اللهَ بما قد أجْمَع المسلمون على نفيِه عنه، وعلى تخطئةِ واصفِه به، وأضاف إليه ما قد قامت الحجةُ من العقولِ على ضلالِ مُضيفِه إليه. وإن قال: لا أقولُ: يلعبُ اللهُ بهم، ولا يعبَثُ. وقد أقولُ: يَسْتهزِئُ بهم، ويسخَرُ منهم. قيل: فقد فرَّقت بين معنى اللعبِ والعبثِ، والهُزْء والسخريةِ، والمكرِ والخديعةِ، ومن الوجهِ الذي جاز قيل هذا، ولم يَجُزْ قيلُ هذا، افْتَرق معنياهما، فعُلم أن لكلِّ واحدٍ منهما معنًى غيرَ معنى الآخرِ.\nوللكلامِ في هذا النوعِ موضعٌ غيرُ هذا، كرِهنا إطالَة الكتابِ باستقصائِه، وفيما ذكَرْنا كفايةٌ لمن وُفِّق لفَهمِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-114>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفر: اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾: يُملي لهم (^٢).\n_________\n(^١) في م: \"عن\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٧٨ عن السدي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣١ إلى المصنف عن ابن مسعود وحده. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٨ (١٤٤) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدي من قوله. وسيأتي بقية هذا الأثر في ص ٣٢١، ٣٢٢.","vol":"1","page":318},{"text":"وقال آخرون بما حدَّثني به المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا سويدُ بنُ نصرٍ، عن ابنِ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ قراءةً، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ قال: يَزيدُهم (^١).\nوكان بعضُ نحوييِّ (^٢) البصرةِ يتأوَّلُ ذلك أنه بمعنى: يَمُدُّ لهم. ويزعُمُ أن ذلك نظيرُ قولِ العربِ: الغلامُ يلعَبُ الكِعابَ. [يُراد به: يلعَبُ بالكِعابِ] (^٣). قال: وذلك أنهم قد يقولون: قد مدَدْتُ له، وأمْددْتُ له. في غيرِ هذا المعنى، وهو قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ﴾ [الطور: ٢٢]. وهذا من: أمْدَدناهم. قال: ويقالُ: قد مدَّ البحرُ فهو مادٌّ، وأمَدَّ الجُرْحُ فهو مُمِدٌّ.\nوحُكِي عن يونسَ الجَرْميِّ (^٤) أنه كان يقولُ: ما كان من الشرَّ فهو: مدَدْتُ، وما كان من الخيرِ فهو: أَمْدَدتُ. ثم قال: وهو كما فسَّرتُ لك، إذا أردتَ أنك ترَكْتَه فهو: مَدَدتُ له، وإذا أردتَ أنك أعْطيتَه قلت: أمْدَدتُ.\nوأما بعضُ نحوييِّ الكوفةِ فإنه كان يقولُ: كلُّ زيادةٍ حدَثت في الشيْءِ من نفسِه، فهو: مَدَدتُ، بغيرِ ألفٍ، كما تقولُ: مدَّ النهَرُ، [ومدَّه نهَرٌ] (^٥) آخرُ غيرُه. إذا اتَّصل به فصار منه، وكلُّ زيادةٍ حَدَثت في الشيْءِ من غيرِه فهو بألفٍ، كقولِك: أمدَّ الجُرْحُ؛ لأنَّ المِدَّةَ من غيرِ الجُرحِ، وأمْدَدتُ الجيشَ بمَدَدٍ.\nوأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ في قولِه: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾. أن يكونَ بمعنى:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٨ (١٤٥) من طريق ابن جريج به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣١ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) بعده في ر: \"أهل\".\n(^٣) سقط من: ص.\n(^٤) ينظر تهذيب اللغة ١٤/ ٨٥.\n(^٥) في ص: \"مده فهو\"، وفي ر: \"مد نهر\".","vol":"1","page":319},{"text":"يزيدُهم. على وجهِ (^١) الإملاءِ والتركِ لهم في عُتوِّهم وتمرُّدِهم، كما وصَف ربُّنا جلَّ ثناؤُه أنه فَعَل بنظرائِهم في قولِه: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]. [فكذلك قولُه: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾] (^٢). يعني: [يَذَرُهم ويَتركُهم فيه، ويُملي] (^٣) لهم ليزْدادوا إثمًا إلى إثمِهم.\nولا وجهَ لقولِ من قال: ذلك بمعنى: يَمُدُّ لهم. لأنَّه [لا تدافُعَ بين] (^٤) العربِ وأهلِ المعرفةِ بلغتِها أن يستجيزوا قولَ القائلِ: مدَّ النهَرَ (^٥) نَهَرٌ آخرُ.\nبمعنى: اتصل به فصار (^٦) زائدًا [ماءُ المتَّصَلِ] (^٧) به بماءِ المتَّصِلِ. مِن غيرِ تأوُّلٍ منهم ذلك (^٨) أن معناه: مدَّ النهَرَ (^٩) نهَرٌ آخرُ. فكذلك ذلك في قولِه جلّ وعزّ: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-115>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: والطغيانُ الفُعْلانُ، من قولِك: طغَى فلانٌ يطغَى طُغْيانًا. إذا تجاوَز في الأمرِ حدَّه فبغَى. ومنه قولُ اللهِ جلّ ثناؤُه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ\n_________\n(^١) في ر: \"معنى\".\n(^٢) سقط من: ص، م.\n(^٣) في ص، م: \"نذرهم ونتركهم فيه ونملي\".\n(^٤) في ص: \"تتدافع\".\n(^٥) في ص: \"إليهم\".\n(^٦) في ص: \"صارا\".\n(^٧) في ر، ت ٢: \"ما اتصل\"، وفي ت ١: \"بماء المتصل\".\n(^٨) في ص: \"وذلك\".\n(^٩) في ص: \"للنهر\".","vol":"1","page":320},{"text":"رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦، ٧] أي: يتجاوزُ حدَّه. ومنه قولُ أُمَيَّةَ بنِ أبي الصَّلْتِ (^١):\nودعا اللهَ دعوةً [لاتَ هَنَّا] (^٢) … بعدَ طُغْيانِه فظلَّ (^٣) مُشيرَا وإنما عنَى اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِم﴾ أي (^٤): يُملي لهم، ويذَرُهم يبغُون في ضلالَتِهم (^٥) وكفرِهم حَيارَى يتردَّدون.\nكما حُدِّثت عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بِشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. قال: في كفرِهم يتردَّدون (^٦).\nوحدَّثني موسى بنُ هارون، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: في كفرِهم (^٧). حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: في ضلالتِهم (^٨).\nحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن\n_________\n(^١) ديوانه ص ٤٤.\n(^٢) في الديوان: \"لا يهنا\".\n(^٣) في إحدى نسخ الديوان: \"فصار\".\n(^٤) في م: \"أنه\".\n(^٥) في ص، م: \"ضلالهم\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٩ (١٤٨، ١٥٠) عن أبي زرعة، عن المنجاب به.\n(^٧) تقدم أول هذا الأثر في ص ٣٢١، ٣٢٢.\n(^٨) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٩ عقب الأثر (١٤٨) معلقا.","vol":"1","page":321},{"text":"الرَّبيعِ: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: في ضلالتِهم (^١).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ قال: طغيانُهم كفرُهم وضلالتُهم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-116>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَعْمَهُونَ (١٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: والعَمَهُ نفسُه الضلالُ. يقالُ منه: عمِه فلانٌ يعمَهُ عَمَهانًا وعُموهًا، إذا ضلَّ. ومنه قولُ رؤْبةَ بنِ العجَّاجِ يصفُ مَضَلَّةً من المَهامِهِ (^٣):\nومَخْفَقٍ (^٤) من لُهْلُهٍ (^٥) ولُهْلُهِ\nمن (^٦) مَهْمَهٍ (^٧) يَجْتَبْنَهُ (^٨) في (^٩) مَهْمَهِ\nأعْمَى الهُدى بالجاهلين العُمَّهِ\nوالعُمَّهُ جمعُ عامِهٍ، وهم الذين يضلُّون فيه فيتحيَّرون.\nفمعنى قولِه جلَّ ثناؤُه إذن (^١٠): ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. في ضلالتِهم وكفرِهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٩ عقب الأثر (١٤٨) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٧٩ عن ابن زيد.\n(^٣) ديوان رؤبة (مجموعة أشعار العرب) ص ١٦٦.\n(^٤) المخفق: الأرض التي تستوي فيكون فيها السراب مضطربا. اللسان (خ ف ق).\n(^٥) في ص: \"أهله\". واللهله: الأرض الواسعة يضطرب فيها السراب. اللسان (لهله).\n(^٦) في الديوان: \"و\".\n(^٧) المهمه: الفلاة بعينها لا ماء بها ولا أنيس. اللسان (م هـ هـ).\n(^٨) في الديوان: \"أطرافه\"، وفي ص: \"يجتنه\"، وفي ت ١: \"يجبنه\". وجاب المفازة جوبًا: قطعها. تاج العروس (ج وب).\n(^٩) في ص، ر، ت ١، ت ٢: \"و\".\n(^١٠) سقط من: م.","vol":"1","page":322},{"text":"الذي قد غمَرَهم دَنَسُه، وعلاهم رِجْسُه، يتردَّدون حَيارَى ضُلَّالًا، لا يجدون إلى المَخْرَجِ منه سبيلًا؛ لأن اللهَ قد طبَع على قلوبِهم، وختَم عليها، وأَعْمَى أبصارَهم عن الهدَى وأغشاها (^١)، فلا يُبْصِرونَ رُشْدًا، ولا يهتَدون سبيلًا.\nوبنحوِ ما قلنا في العَمَهِ جاء تأويلُ المتأوِّلين.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿يَعْمَهُونَ﴾: يتمادَوْن في كفرِهم (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهِيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَعْمَهُونَ﴾. قال: يتمادَوْن (^٣).\nحُدِّثت عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَعْمَهُونَ﴾. قال: يتردَّدون (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿يَعْمَهُونَ﴾: المتلدِّدُ (^٥).\n_________\n(^١) في ص: \"أعشاها\"، وفي ت ٢: \"أعشاهم\".\n(^٢) تقدم أول هذا الأثر في ص ٣٢١، ٣٢٢.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٩ (١٤٩) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣١ إلى ابن المنذر.\n(^٤) تقدم في ص ٣٢١.\n(^٥) سقط من: ص، وفي ت ١: \"التلذذ\"، وفي ت ٢: \"المتلذذ\". وتلدد: تلفت يمينا وشمالا وتحير متبلدا. اللسان (ل د د).","vol":"1","page":323},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. قال: يتردَّدون (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفَة، قال حدَّثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا سويدُ بنُ نصرٍ، عن ابنِ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ قراءةً، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ قال: يتردَّدون (^٢).\n\n<span id=\"aya-23\"></span><span data-type='title' id=toc-117>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾.</span>\n\nقال أبو جعفرٍ: إن قال لنا (^٣) قائلٌ: وكيف اشترى هؤلاء القومُ الضلالةَ بالهدى، وإنما كانوا منافقين لم يتقدَّمْ نفاقَهم إيمانٌ فيقالَ فيهم: باعوا هداهم الذي كانوا عليه بضلالتِهم التي (^٤) اسْتَبدلوها منه. وقد علِمتَ أن معنى الشراءِ المفهومَ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ١٩٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣١ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٩ عقب الأثر (١٥٠) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"حتى\".","vol":"1","page":324},{"text":"اعتياضُ شيْءٍ ببذلِ شيْءٍ مكانَه عِوَضًا منه، والمنافقون الذين وصَفهم اللهُ بهذه الصفةِ لم يكونوا قطُّ على هُدًى فيتْرُكوه ويَعْتاضوا منه كفرًا ونفاقًا؟\nقيل: قد اخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك، فنذكُرُ ما قالوا فيه، ثم نبيِّنُ الصحيحَ من التأويلِ في ذلك إن شاء اللهُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ ابنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ أي: الكفرَ بالإيمانِ (^١).\nحدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾. يقولُ (^٢): أَخَذوا الضلالةَ وترَكوا الهدى (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾: اسْتَحبُّوا الضلالةَ على الهُدى (^٤).\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٩ (١٥٣) من طريق سلمة به.\n(^٢) في ص، ت ١: \"قال\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٧٩ عن السدي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢ إلى المصنف عن ابن مسعود وحده.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٠ (١٥٥) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.\n(^٤) بعده في ت ٢: \"وحدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾. استحبوا الضلالة على الهدى\". =","vol":"1","page":325},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾: آمَنوا ثم كفَروا (^١).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال أبو جعفرٍ: فكأنَّ (^٢) الذين قالوا في تأويلِ ذلك: أخَذوا الضلالةَ وترَكوا الهدى. وجَّهوا معنى الشِّراءِ إلى أنه أخْذُ المُشْترِي المُشْتَرَى (^٣) مكانَ الثمنِ المشترَى به، فقالوا: كذلك المنافقُ والكافرُ قد أخَذا مكانَ الإيمانِ الكفرَ، فكان ذلك منهما شراءً للكفرِ والضلالةِ اللذين أخَذاهما بتركِهما ما ترَكا من الهدى، وكان الهدى الذي ترَكاه هو (^٤) الثمنَ الذي جعَلاه عِوَضًا من الضلالةِ التي أخذاها.\nوأما الذين تأوَّلوا أن معنى قولِه: ﴿اشْتَرَوُا﴾: استحبُّوا. فإنهم لما وجَدوا اللهَ جلَّ ثناؤُه قد وصَف الكفارَ في موضعٍ آخرَ، فنسبَهم إلى استحبابِهم الكفرَ على الهدى، فقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. صرَفوا قولَه: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ إلى ذلك، وقالوا:\n_________\n= وأثر قتادة أخرجه عبد الرزاق في تفسيره، كما في الدر المنثور ١/ ٣٢ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٩ (١٥٢) - عن معمر عن قتادة. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وستأتي بقيته في ص ٣٣٠.\n(^١) تفسير مجاهد ص ١٩٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٠ (١٥٤). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"فكان\".\n(^٣) سقط من: ص، م.\n(^٤) في ر: \"من\".","vol":"1","page":326},{"text":"قد تدخُلُ الباءُ مكانَ \"عَلَى\"، و\"على\" مكانَ الباءِ، كما يقالُ: مَرَرْتُ بفلانٍ، ومَرَرْتُ على فلانٍ. بمعنًى واحدٍ، وكقولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]. يُريدُ (^١): على قنطارٍ. فكان تأويلُ الآيةِ على معنى هؤلاء: أولئك الذين اختاروا الضلالةَ على الهدى. وأُراهم وجَّهوا معنى قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿اشْتَرَوُا﴾ إلى معنى. اخْتاروا؛ لأن العربَ تقولُ: اشْتَريتُ كذا على كذا، واسْتَرَيتُه. يعنُون: اخترتُه عليه. ومن الاسْتِراءِ (^٢) قولُ أعْشى بني ثعلبةَ (^٣):\nفقد أُخْرِجُ الكاعبَ (^٤) المُسْتَرا … ةَ (^٥) من خِدْرِها وأُشِيعُ القِمَارَا\nيَعني بالمشتراةِ (^٦) المختارةَ.\nوقال ذو الرُّمَّةِ في الاشتراءِ بمعنَى الاختيارِ (^٧):\nيذُبُّ القَصَايا (^٨) عن شَرَاةٍ (^٩) كأنَّها … جَماهيرُ (^١٠) تحت المُدْجِناتِ (^١١) الهَوَاضِبِ (^١٢)\nيعني بالشَّراةِ المختارةَ.\n_________\n(^١) في م: \"أي\".\n(^٢) في ر، م: \"الاشتراء\".\n(^٣) ديوانه ص ٤٥.\n(^٤) الكاعب: الجارية التي نهد ثديها. اللسان (ك ع ب).\n(^٥) في م: \"المشتراة\".\n(^٦) في م: \"بالمشتراة\".\n(^٧) ديوان ذي الرمة ١/ ٢١٢.\n(^٨) القصايا: خيار الإبل، وقيل: القصية من الإبل رذالتها. وهو المراد هنا. اللسان (ق ص ى).\n(^٩) في الديوان، واللسان (ق ص ى): \"سراة\"، وفي اللسان (ش ر ى): \"شراة\".\n(^١٠) الجماهير جمع الجمهور: الرمل الكثير المتراكم الواسع. اللسان (جمهر).\n(^١١) أدجن المطر: دام فلم يقلع أياما. اللسان (د ج ن).\n(^١٢) الهضبة: المطرة الدائمة العظيمة القطر. اللسان (هـ ض ب).","vol":"1","page":327},{"text":"وقال آخرُ في مثلِ (^١) ذلك (^٢):\nإن الشَّرَاةَ رُوقةُ (^٣) الأَموالِ\nوحَزْرَةُ (^٤) القَلْبِ خِيارُ المَالِ\nقال أبو جعفرٍ: وهذا وإن كان وجهًا من التأويلِ، فلستُ له بمختارٍ؛ لأنَّ اللهَ جَلَّ ثناؤُه قال: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾. فدلَّ بذلك على أن معنَى قولِه:\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ معنَى الشراءِ الذي يتعارفُه الناسُ، من استبدالِ شيْءٍ مكانَ شيْءٍ، وأخذِ عِوَضٍ على عوضٍ.\nوأما الذين قالوا: إن القومَ كانوا مؤمنين فكفَروا. فإنه لا مؤنةَ عليهم لو كان الأمرُ على ما وصَفوا به القومَ؛ لأن الأمرَ إذا كان كذلك، فقد ترَكوا الإيمانَ، واسْتَبدلوا به الكفرَ عوضًا من الهدى، وذلك هو المعنى المفهومُ من معاني الشِّراءِ والبيعِ، ولكنّ دلائلَ (^٥) أولِ الآياتِ في نعوتِهم إلى آخرِها دالَّةٌ على أن القومَ لم يكونوا قطُّ استَضاءوا بنورِ الإيمانِ، ولا دخَلوا في ملَّةِ الإسلامِ، أوَ ما تسمَعُ اللهَ جلَّ ثناؤُه من لَدُنِ ابْتَدأ في نعتِهم إلى أن أتى على صفتِهم، إنما وصَفهم بإظهارِ الكذبِ بألسنتِهم بدَعْوَاهم التصديقَ بنبيِّنا محمدٍ ﷺ، وبما جاء به، خِداعًا للهِ ولرسولِه وللمؤمنين عندَ أنفسِهم، واستهزاءً في أنفسِهم بالمؤمنين، وهم لغيرِ ما كانوا يُظهِرون مُسْتبطنون، يقولُ (^٦) اللهُ ﷻ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ\n_________\n(^١) في ر: \"معنى\".\n(^٢) البيت الأول في أساس البلاغة ص ١٧٠، والبيت الثاني في الصحاح، واللسان، والتاج (ح ز ر).\n(^٣) الروقة: الجميل جدًّا من الناس. اللسان (ر وق).\n(^٤) حزرة القلب: نقاوته. ويقال: هذا حزْرة نفسي: أي خير ما عندي. التاج (ح ز ر).\n(^٥) في ر، ت ٢: \"دلالة\".\n(^٦) في م: \"لقول\".","vol":"1","page":328},{"text":"الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. ثم اقتصَّ قَصَصَهم إلى قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾. فأين الدلالةُ على أنهم كانوا مؤمنين فكفَروا؟\nفإن كان (^١) قائلُ هذه المقالةِ ظنَّ (^٢) أن قولَه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ هو الدليلُ على أن القومَ قد كانوا على الإيمانِ فانْتَقلوا عنه إلى الكفرِ، فلذلك قيل لهم: ﴿اشْتَرَوُا﴾. فإن ذلك تأويلٌ غيرُ مسلَّمٍ له؛ إذ كان الاشتراءُ عندَ مخالفيه قد يكونُ أخذَ شيْءٍ بتركِ آخرَ غيرِه، وقد يكونُ بمعنى الاختيارِ، وبغيرِ ذلك من المعاني، والكلمةُ إذا احْتَمَلت وجوهًا لم يكنْ لأحدٍ صَرْفُ معناها إلى بعضِ وجوهِها دونَ بعضٍ إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها.\nقال أبو جعفرٍ: والذي هو أَوْلى عندي (^٣) بتأويلِ الآيةِ ما رَوَينا عن ابنِ عباسٍ وابنِ مسعودٍ من تأويلِهما قولَه: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾: أخَذوا الضلالةَ وترَكوا الهدى. وذلك أن كلَّ كافرٍ باللهِ فإنه مستبدِلٌ بالإيمانِ كفرًا (^٤)، باكتسابِه الكفرَ الذي وُجد منه [بدلًا من الإيمانِ] (^٥) الذي أُمِر به، أوَ ما تسمَعُ اللهَ جَلَّ ثناؤُه يقولُ في من اكْتَسب كفرًا به مكانَ الإيمانِ به وبرسولِه: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨]. وذلك هو معنى الشراءِ؛ لأنَّ كلَّ مشترٍ شيئًا فإنما يستبدلُ مكانَ الذي يُؤخذُ منه من البدلِ آخرَ بديلًا (^٦) منه، [فكذلك المنافقُ والكافرُ] (^٧)، اسْتَبدلَا بالهُدى الضلالَ والنِّفاقَ، فأضلَّهما اللهُ، وسلَبهما نورَ\n_________\n(^١) في ص: \"ظن\"، وفي ر: \"قال\".\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) في ص: \"عندنا\".\n(^٤) بعده في ر: \"و\".\n(^٥) في ر: \"بالإيمان\".\n(^٦) في م: \"بدلا\".\n(^٧) في ص: \"وكان الكافر والمنافق\".","vol":"1","page":329},{"text":"الهدى، فترَك جميعَهم في ظلماتٍ لا يُبْصِرون.\n\n<span data-type='title' id=toc-118>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وتأويلُ ذلك أن المنافقين بشرائِهم الضلالةَ بالهُدَى، خسِروا ولم يربَحوا؛ لأنَّ الرابحَ من التُّجارِ المستبدِلُ من سلعتِه المملوكةِ عليه بدلًا هو أنفسُ من سلعتِه (^١)، أو أفضلُ من ثمنِها الذي ابتاعَها به، فأما المستبدِلُ من سلعتِه بدلًا (^٢) دونَها، ودونَ الثمنِ الذي ابتاعَها به، فهو الخاسرُ في تجارتِه لا شكَّ. فكذلك الكافرُ والمنافقُ؛ لأنهما اختارا الحَيْرَةَ والعمى على الرشادِ والهدى، والخوفَ والرعبَ على الخَفْضِ (^٣) والأمنِ، فاسْتَبدلا في العاجلِ بالرشادِ الحَيْرةَ، وبالهدى الضلالةَ، وبالخفضِ (^٤) الخوفَ، وبالأمنِ الرعبَ، مع ما قد أعدَّ لهما في الآجلِ من أليمِ العقابِ وشديدِ العذابِ، فخابا وخسِرا ذلك هو الخُسرانُ المبينُ. وبنحوِ ما قلنا في ذلك كان قتادةُ يقولُ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: قد واللهِ رأيتُموهم، خرَجوا من الهدَى إلى الضلالةِ، ومن الجماعةِ إلى الفُرقةِ، ومن الأمنِ إلى الخوفِ، ومن السُّنَّةِ إلى البدعةِ (^٦).\nقال أبو جعفرٍ: فإن قال قائلٌ: وما وجهُ قولِه: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾. وهل\n_________\n(^١) بعده في ص: \"المملوكة\".\n(^٢) في ص: \"ثمنا\".\n(^٣) في ص، م: \"الحفظ\". والخفض: الدعة وطيب العيش، التاج (خ ف ض).\n(^٤) في ص، م: \"بالحفظ\".\n(^٥) في ر، ت ٢: \"يقوله\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٠ (١٥٧) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد. وتقدم أول هذا الأثر في ص ٣٢٥.","vol":"1","page":330},{"text":"التجارةُ مما تَربَحُ أو تُوكَسُ (^١)، فيقالَ: رَبِحت أو وُضِعَت (^٢)؟\nقيل: إن وجهَ ذلك على غيرِ ما ظننتَ، وإنما معنى ذلك: فما ربِحوا في تجارتِهم، لا فيما اشْتَرَوا ولا فيما شَرَوا. ولكنّ اللهَ جلَّ ثناؤُه خاطَب بكتابِه عَربًا، فسلَك في خطابِه إيَّاهم وبيانِه لهم مسلَكَ خطابِ بعضِهم بعضًا وبيانِهم المستعمَلِ بينَهم. فلما كان فصيحًا لديهم قولُ القائلِ لآخرَ: خاب سعيُك، ونام ليلُك، وخَسِر بيعُك. ونحوُ ذلك من الكلامِ الذي لا يَخْفى على سامعِه ما يريدُ قائلُه، خاطَبهم بالذي هو في منطقِهم من الكلامِ، فقال: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾. إذ كان معقولًا عندَهم أن الربحَ إنما هو في التجارةِ، كما النومُ في الليلِ، فاكتفى بفَهمِ المخاطَبين بمعنى ذلك عن أن يقالَ: فما ربِحوا في تجارتِهم. وإن كان ذلك معناه، كما قال الشاعرُ (^٣):\nوشرُّ المنَايَا مَيِّتٌ (^٤) وَسْطَ (^٥) أهلِه … كهُلْكِ الفتاةِ (^٦) أسْلَمَ (^٧) الحيَّ حاضِرُهْ\nيعني بذلك: وشرُّ المنايا مَنيَّةُ (^٨) ميِّتٍ وسطَ أهلِه. فاكتفى بفهمِ سامعِ قيلِه مرادَه من ذلك عن إظهارِ ما ترَك إظهارَه. وكما قال رُؤْبةُ بنُ العجَّاجِ (^٩):\nحارثُ قد فرَّجتَ عنِّي همِّي\n_________\n(^١) في م: \"تنقص\". وهما بمعنى.\n(^٢) وُضِع في تجارته: غُبن. اللسان (وض ع).\n(^٣) هو الحطيئة، ينظر الكتاب ١/ ٢١٥، وطبقات فحول الشعراء ١/ ١١٢.\n(^٤) في الطبقات: \"هالك\".\n(^٥) في الكتاب: \"بين\".\n(^٦) في الكتاب: \"الفتى\".\n(^٧) في الطبقات: \"أيقظ\"، وفي الكتاب: \"قد أسلم\".\n(^٨) في ر، ت ٢: \"ميتة\".\n(^٩) ديوانه ص ١٤٢.","vol":"1","page":331},{"text":"فنام لَيْلِي وتجلَّى غمِّي\nفوصَف بالنومِ الليلَ، ومعناه أنه هو الذي نام. وكما قال جريرُ بنُ الخَطَفَي (^١):\nوأَعْوَرَ من نَبْهَانَ أما نهارُه … فأَعْمَى وأما ليلُه فبصيرُ\nفأضاف العمى والإبصارَ إلى الليلِ والنهارِ، ومرادُه وصفُ النَّبْهانيِّ (^٢) بذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-119>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾.</span>\nيعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: ما كانوا رُشداءَ في اختيارِهم الضلالةَ على الهدى، واستبدالِهم الكفرَ بالإيمانِ، واشترائِهم النفاقَ بالتصديقِ والإقرارِ.\n\n<span id=\"aya-24\"></span><span data-type='title' id=toc-120>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾.</span>\n\nقال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. وقد علمتَ أن الهاءَ والميمَ من قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ﴾ كنايةُ جماعٍ (^٣) من الرجالِ، أو الرجالِ والنساءِ، و﴿الَّذِي﴾ دلالةٌ على واحدٍ من الذكور، فكيف جعَل الخبرَ عن الواحدِ مثلًا لجماعةٍ؟ وهلَّا قيل: مثلُهم كمثلِ الذين اسْتَوقدوا نارًا؟ وإن جاز عندَك أن تُمثَّلَ الجماعةُ بالواحدِ، فتُجيزَ لقائلٍ رأَى جماعةً من الرجالِ فأعْجَبتْه صُوَرُهم وتمامُ خلقِهم وأجسامِهم أن يقولَ: كَأن هؤلاء، أو كأن أجسامَ\n_________\n(^١) ديوانه ٢/ ٨٧٧.\n(^٢) في ص: \"النهار\". والنبهاني: هو الأعور النبهاني، نزل بجرير فأهدى إليه جرير، ولكن الأعور أساء الأدب وأخذ يتفف على ما أهدى إليه، فتهاجيا، فكان ذلك مما أجابه به جرير.\n(^٣) في م: \"جماعة\".","vol":"1","page":332},{"text":"هؤلاء نخلةٌ؟\nقيل: أمّا في الموضعِ الذي مثَّل ربُّنا جلَّ ثناؤُه جماعةً من المنافقين بالواحدِ الذي جعَله لأفعالِهم مثلًا، فجائزٌ حسنٌ، وفي نظائرِه، كما قال جلَّ ثناؤُه في نظيرِ ذلك: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]. يَعْني: [كدَوْرِ أعينِ الذين يُغْشَى عليهم] (^١) من الموتِ. وكقولِه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]. بمعنى: إلا كبعثِ نفسٍ واحدةٍ.\nوأمّا في تمثيلِ أجسامِ الجماعةِ من الرجالِ في الطولِ وتمامِ الخلقِ بالواحدةِ من النخيلِ، فغيرُ جائزٍ، ولا في نظائرِه، لفرقٍ بينَهما.\nفأما تمثيلُ الجماعةِ من المنافقين بالمستوقِد الواحدِ، فإنما جاز لأن المرادَ من (^٢) الخبرِ عن مَثَلِ المنافقين (^٣) الخبرُ عن مثَلِ استِضاءتِهم بما أظهَروا بألسنتِهم من الإقرارِ (^٤) وهم لغيرِه مستبطِنون، من اعتقاداتِهم الرديَّةِ، وخلطِهم نفاقَهم الباطنَ بالإقرارِ بالإيمانِ الظاهرِ. والاستضاءةُ - وإن اخْتَلفَت أشخاصُ أهلِها - معنًى واحدٌ لا معانٍ مختلفةٌ، فالمَثَلُ لها (^٥) في معنى المثلِ للشخصِ الواحدِ من الأشياءِ المختلفةِ الأشخاصِ.\nوتأويلُ ذلك: مثَلُ استضاءةِ المنافقين بما أظْهَروا من الإقرارِ باللهِ ﷿ وبمحمدٍ ﷺ وبما جاء به، قولًا، وهم به مكذِّبون اعتقادًا، كمثَلِ استضاءة الموُقدِ\n_________\n(^١) في ت ١: \"كدوران الذي يغشى عليه\"، وفي م: \"كدوران عين الذي يغشى عليه\".\n(^٢) في ص: \"بمثل\".\n(^٣) في ص، ت ٢: \"المنافق\".\n(^٤) بعده في ت ٢: \"والمراد هم الأفراد\".\n(^٥) في ص، ت ١: \"له\".","vol":"1","page":333},{"text":"نارًا. ثم أُسقِط ذكرُ الاستضاءةِ وأُضِيف المثلُ إليهم، كما قال نابغةُ بني جَعْدةَ (^١):\nوكيف تواصِلُ من أصْبَحتْ … خِلالتُه (^٢) كأبي مَرْحَبِ (^٣)\nيريدُ: كخِلالةِ أبي مرحبٍ. فأسْقَط \"خِلالَةَ\"؛ إذ كان فيما أظْهَر من الكلامِ دلالةٌ لسامعيه على ما حذَف منه.\nفكذلك القولُ في قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ لما كان معلومًا عندَ سامعيه بما ظهَر (^٤) من الكلامِ أن المثَلَ إنما ضُرِب لاستضاءةِ القومِ بالإقرارِ دونَ أعيانِ أجسامِهم، حسُن حذفُ ذكرِ الاستضاءةِ وإضافةُ المثلِ إلى أهلِه، والمقصودُ بالمثَل ما ذكَرنا. فلِما وصَفنا جاز وحسُن قولُه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. وتَشْبيهُ (^٥) مثَلِ الجماعةِ في اللفظِ بالواحدِ، إذ كان المرادُ بالمثَلِ الواحدَ في المعنى. وأما إذا أُريد تشبيهُ الجماعةِ من أعيانِ بني آدمَ، أو أعيانِ ذوي الصورِ والأجسامِ بشيْءٍ، فالصوابُ من الكلامِ تشبيهُ الجماعةِ بالجماعةِ، والواحدِ بالواحدِ؛ لأن عينَ كلِّ واحدٍ منهم غيرُ أعيانِ الآخرينَ، ولذلك من المعنى افْتَرَق القولُ في تشبيهِ الأفعالِ والأسماءِ، فجاز تشبيهُ أفعالِ الجماعةِ من الناسِ وغيرهم - [إذا كانت] (^٦) بمعنًى واحدٍ - بفعلِ الواحدِ، ثم حذفُ أسماءِ الأفعالِ، وإضافةُ المثَلِ والتشبيهِ إلى الذين لهم الفعلُ، فيقالُ: ما أفعالُكم إلا كفعلِ الكلبِ. ثم\n_________\n(^١) شعر النابغة الجعدي ص ٢٦.\n(^٢) الخلالة والخلة: الصداقة المختصة التي ليس فيها خلل. اللسان (خ ل ل)، والبيت فيه.\n(^٣) أبو مرحب: كنية الظل. اللسان (ر ح ب)، والبيت فيه.\n(^٤) في ص، م، ت ١: \"أظهر\".\n(^٥) في ص، م، ت ٢: \"يشبه\".\n(^٦) في ت ٢: \"إذا كان\"، وفي ت ١: \"إذ كانوا\".","vol":"1","page":334},{"text":"يُحذفُ فيقالُ: ما أفعالُكم إلا كالكلبِ، أو (^١) كالكلابِ. وأنت تعني: إلّا كفعلِ الكلبِ، وإلّا كفعل الكلابِ. ولم يَجُزْ أن تقولَ: ما هم إلا نخلةٌ. وأنت تريدُ تشبيهَ أجسامِهم بالنخلِ في الطولِ والتمامِ.\nوأما قولُه: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. فإنه في تأويلِ: أوْقَد، كما قال الشاعرُ (^٢):\nودَاعٍ دَعَا يا من يُجيبُ إلى النَّدَى (^٣) … فلم يَسْتَجِبْه عندَ ذاك مُجيبُ\nيريدُ: فلم يُجِبْه.\nفكان معنى الكلامِ إذن: مثَلُ استضاءةِ هؤلاء المنافقين في إظهارِهم لرسولِ اللهِ ﷺ وللمؤمنين بألسنتِهم من قولِهم: آمنَّا باللهِ وباليومِ الآخرِ، وصدَّقنا بمحمدٍ وبما جاء به. وهم للكفرِ مستبطِنون، فيما (^٤) اللهُ فاعلٌ بهم، مثَلُ استضاءةِ موقِدٍ نارًا بنارِه، حتى أضاءت له النارُ ما حولَه. يعني ما حَولَ المستوقِدِ.\nوقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ أن ﴿الَّذِي﴾ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ بمعنى الذين، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]. وكما قال الشاعرُ (^٥):\n_________\n(^١) في ر: \"وإلا\".\n(^٢) هو كعب بن سعد الغنوي، والبيت في الأصمعيات ص ٩٦، وطبقات فحول الشعراء ١/ ٢١٣، وأمالي القالي ٢/ ١٥١.\n(^٣) الندى: الجود. الصحاح (ن د ى).\n(^٤) في ت ٢: \"مما\".\n(^٥) هو الأشهب ابن رميلة، والبيت في الكتاب ١/ ١٨٧، والمؤتلف والمختلف ص ٣٧.","vol":"1","page":335},{"text":"فإن الذي حانت بفَلْجٍ (^١) دماؤُهُمْ … هُمُ القومُ كلُّ القومِ يا أُمَّ خالدِ قال أبو جعفرٍ: والقولُ الأولُ هو القولُ؛ لِما وصَفْنا من العلةِ، وقد أغْفَل قائلُ ذلك فرقَ ما بينَ \"الذي\" في الآيتين وفي البيتِ؛ لأن ﴿الَّذِي﴾ في قولِه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ قد جاءت الدَّلالةُ عدي أن معناها الجمعُ، وهو قولُه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. وكذلك \"الذي\" في البيتِ، وهو قولُه: دماؤُهم. وليست هذه الدَّلالةُ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. فذلك فرقُ ما بينَ ﴿الَّذِي﴾ فما قولِه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ وسائرِ شواهدِه التي اسْتَشهد بها على أن معنى: ﴿الَّذِي﴾ في قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ بمعنى الجماعِ (^٢)، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ نقلُ الكلمةِ التي (^٣) الأغلبُ في استعمالِ العربِ على معنًى إلى غيرِه إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها.\nثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فرُوِي عن ابنِ عباسٍ فيه أقوالٌ: أحدُها: ما حدَّثني به محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ضرَب اللهُ للمنافقين مثلًا فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ أي: يُبصِرون (^٤) الحقَّ ويقولون به، حتى إذا خرَجوا به من ظُلمةِ الكفرِ، أطفئوه بكفرِهم به ونقاقِهم فيه، فترَكهم في ظلماتِ الكفرِ، فهم لا يُبصِرون هدًى،\n_________\n(^١) فلج: موضع بين البصرة وحمى ضرية. وقيل: هو واد بطريق البصرة إلى مكة، ببطنه منازل للحاج. التاج (ف ل ج).\n(^٢) في م: \"الجماعة\".\n(^٣) في ص: \"إلى\"، وفي م: \"التي هي\".\n(^٤) في سيرة ابن هشام: \"لا يبصرون\".","vol":"1","page":336},{"text":"ولا يَسْتقيمون على حقٍّ (^١).\nوالآخرُ: ما حدَّثنا به المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ إلى آخِرِ الآيةِ: هذا مثَلٌ ضرَبه اللهُ للمنافقين أنهم كانوا يعتزُّون (^٢) بالإسلامِ، فيناكحُهم المسلمون، [ويُوارِثونهم] (^٣)، ويقاسمونهم الفَيْءَ، فلما ماتوا سلَبهم اللهُ ذلك العزَّ، كما سلَب صاحبَ النارِ ضوءَه، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾. [يقولُ: في] (^٤) عذابٍ (^٥).\nوالثالثُ: ما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾: زعَم أن أُناسًا دخَلوا في الإسلامِ مقدَمَ النبيِّ ﷺ المدينةَ، ثم إنهم نافقوا، فكان مثَلُهم كمثَلِ رجلٍ كان في ظلمةٍ، فأوْقَد نارًا فأضاءت له (^٦) ما حولَه\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٢ (١٦٨) من طريق سلمة به، وستأتي بقية هذا الأثر في ص ٣٤٧، ٣٤٩، ٣٦٧، ٣٨١.\n(^٢) في ر: \"يغترون\"، وفي ت ٢: \"يعبرون\".\n(^٣) سقط من: ص.\n(^٤) في ت ١: \"قال\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٠ (١٥٨) من طريق أبي صالح به إلى قوله: ضوءه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢ إلى ابن المنذر والصابوني في المائتين. وستأتي بقية هذا الأثر في ص ٣٤٨.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١.","vol":"1","page":337},{"text":"من قَذًى أو أذًى، فأبْصَره حتى عرَف ما يَتَّقي، فبينا هو كذلك إذ طُفِئت نارُه، فأقْبَل لا يَدْرى ما يَتَّقي من أَذًى، فكذلك المنافقُ، كان في ظلمةِ الشركِ، فأسْلم فعرَف الحلالَ من الحرامِ، والخيرَ من الشرِّ، فبينا هو كذلك إذ كفَر، فصار لا يعرِفُ الحلالَ من الحرامِ، ولا الخيرَ من الشرِّ، وأما النورُ فالإيمانُ بما جاء به محمدٌ ﷺ، وكانت الظلمةُ نفاقَهم (^١).\nوالآخر: ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ (^٢)، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمِّي، عن أبيه، عن جدِّه (^٣)، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، إلى ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾: ضرَبه اللهُ مثلًا للمنافقِ، وقولُه: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾. قال: أما النورُ فهو إيمانُهم الذي يتكلَّمون به، وأما الظلمةُ فهي ضلالتُهم وكفرُهم الذي (^٤) يتكلَّمون به، وهم قومٌ كانوا على هدًى، ثم نُزِع منهم فعَتَوا (^٥) بعدَ ذلك (^٦).\nوقال آخرون بما حدَّثني به بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٨١ عن السدي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢ إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة، إلى قوله: من الشر. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥١ (١٦٢) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر. وستأتي بقية هذا الأثر في ص ٣٤٧، ٣٤٩، ٣٦٨.\n(^٢) في م: \"سعيد\".\n(^٣) في ص: \"أبيه\".\n(^٤) زيادة من: ر.\n(^٥) في ر: \"فعموا\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢ إلى المصنف إلى قوله: وكفرهم.\nوذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٨١ عن العوفي به. وستأتي بقية هذا الأثر في ص ٣٦٩.","vol":"1","page":338},{"text":"قتادةَ قولَه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾: وإن المنافقَ تكلَّم بـ \"لا إلَه إلا اللهُ\"، فأضاءت له في الدنيا، فناكَح بها المسلمين، وعادَّ (^١) بها المسلمين، ووارَث بها المسلمين، وحقَن بها دمَه ومالَه، فلما كان عندَ الموتِ سُلِبها المنافقُ؛ لأنَّه لم يكنْ لها أصلٌ في قلبِه، ولا حقيقةٌ في عمَلِه (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾: وهي لا إلَهَ إلا اللهُ، أضاءت لهم فأكلوا بها وشرِبوا، وأمِنوا في الدنيا، ونكَحوا النساءَ، وحقَنوا (^٣) دماءَهم، حتى إذا ماتوا ذهَب اللهُ بنورِهم وترَكهم في ظلماتٍ لا يُبْصِرون.\nحدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني أبو تُمَيلةَ (^٤)، عن عُبيدِ بنِ سليمانَ، عن الضحّاكِ بنِ مُزاحمٍ قولَه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾. قال: أما النورُ فهو إيمانُهم الذي يتكلَّمون به، وأما الظلماتُ فهي ضلالتُهم وكفرُهم (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"عادا\"، وفي ر، ت ١، والدر المنثور: \"غازى\". والمعنى: شارك. يقال: هم يتعادون. إذا اشتركوا فيما يعاد فيه بعضهم بعضا من مكارم أو غير ذلك من الأشياء كلها. تاج العروس (ع د د).\n(^٢) في ص، ر، م، ت ٢: \"علمه\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣ إلى المصنف وعبد بن حميد. وسيأتي تمامه في ص ٣٤٨، ٣٧١.\n(^٣) بعده في م: \"بها\".\n(^٤) في م: \"نميلة\". وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٢٢.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥١، ٥٢ (١٦٥، ١٦٩) من طريق علي بن الحكم، عن الضحاك.","vol":"1","page":339},{"text":"وقال آخرون بما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾. قال: أما إضاءةُ النارِ، فإقبالُهم إلى المؤمنين و(^١) الهدَى، وذهابُ نورِهم إقبالُهم إلى الكافرين و(^١) الضلالةِ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، عن شِبْلٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾: أما إضاءةُ النارِ، فإقبالُهم إلى المؤمنين والهدى، وذهابُ نورِهم إقبالُهم إلى الكافرين والضلالةِ.\nحدَّثني القاسمُ، قال: حدَّثني الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجَّاجِ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ، قال: ضرَب مثَلَ أهلِ النِّفاقِ فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. قال: إنما ضَوْءُ النارِ ونُورُها ما أوقدْتَها، فإذا خمَدت ذهَب نورُها، كذلك المنافقُ، كلما (^٣) تكلَّم بكلمةِ الإخلاصِ أضاء له، فإذا شكَّ وقَع في الظلمةِ (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ر، ت ١، ت ٢.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ١٩٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥١ (١٦١، ١٦٣). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣ إلى عبد بن حميد. وستأتي بقيته في ص ٣٧٠، ٣٧٨.\n(^٣) في ت ٢: \"كما\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٠ (١٥٩) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.","vol":"1","page":340},{"text":"حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ.\nقال: هذه صفةُ المنافقين، كانوا قد آمَنوا حتى أضاء الإيمانُ في قلوبِهم، كما أضاءت النارُ لهؤلاء الذين اسْتَوْقَدوا، ثم كفَروا فذَهب اللهُ بنورِهم، فانْتَزَعه كما ذهَب بضوءِ هذه النارِ، فترَكهم في ظلماتٍ لا يُبْصِرون (^١).\nوأوْلى التأويلاتِ بالآيةِ ما قاله قتادةُ والضحَّاكُ، وما رواه عليُّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما ضرَب هذا المثلَ للمنافقين الذين وصَف صفتَهم وقصَّ قَصَصَهم، من لدنِ ابْتَدأ بذكرِهم بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ (^٢)﴾ لا [للمُعالِنين بالكفرِ] (^٣) المجاهرين بالشركِ. ولو كان المثلُ لمن آمَن إيمانًا صحيحًا ثم أعْلن بالكفرِ (^٤) إعلانًا صحيحًا - على ما ظنَّ المتأوِّلُ قولَ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ أن ضوءَ النارِ (^٥) مثَلٌ لإيمانِهم الذي كان منهم عندَه على صحةٍ، وأن ذَهابَ نورِهم مثَلٌ لارتدادِهم وإعلانِهم الكفرَ على صحةٍ - لم يكنْ هناك من القومِ خِداعٌ ولا استهزاءٌ عندَ أنفسِهم ولا نِفاقٌ. وأنَّى يكونُ خِداعٌ ونفاقٌ ممَّن لم يُبدِ لك قولًا ولا فعلًا إلا ما أوْجَب لك العلمَ بحالِه التي هو لك عليها، وبعزيمةِ نفسِه التي هو مقيمٌ عليها؟ إن هذا لغيرِ (^٦) شكٍّ من النِّفاقِ بعيدٌ،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٨١ عن ابن زيد.\n(^٢) بعده في م: \"أي\".\n(^٣) في ر: \"المعالنين الكفر\"، وفي م: \"المعلنين بالكفر\".\n(^٤) في ص، ت ٢: \"الكفر\".\n(^٥) في ت ١: \"النهار\".\n(^٦) في ت ١، م: \"بغير\".","vol":"1","page":341},{"text":"ومن الخِداعِ برئٌ، وإن (^١) كان القومُ لم تكنْ لهم إلا حالتان؛ حالُ إيمانٍ ظاهرٍ، وحالُ كفرٍ ظاهرٍ، فقد سَقَط عن القومِ اسمُ النفاقِ؛ لأنهم في حالِ إيمانِهم الصحيحِ كانوا مؤمنين، وفي حالِ كفرِهم الصحيحِ كانوا كافرين، ولا حالةَ هنالك ثالثةً كانوا بها منافقين. وفي وصفِ اللهِ جلَّ ثناؤُه إيَّاهم بصفةِ النفاقِ ما يُنْبئُ عن أن القولَ غيرُ القولِ الذي زعَمه مَن زعَم أن القومَ كانوا مؤمنين ثم ارتدُّوا إلى الكفرِ فأقاموا عليه، إلا أن يكونَ قائلُ ذلك أراد أنهم انْتَقلوا من إيمانِهم الذي كانوا عليه إلى الكفرِ الذي هو نفاقٌ، وذلك قولٌ إن قاله، لم تُدرَكْ صحتُه إلَّا بخَبَرٍ مستفيضٍ، أو ببعضِ المعاني الموجبةِ صحَّتَه. فأما في ظاهرِ الكتابِ، فلا دلالةَ على صحَّتِه؛ لاحتمالِه من التأويلِ ما هو أوْلَى به منه.\nفإذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا في ذلك، فأوْلَى تأويلاتِ الآيةِ بالآيةِ: مثَلُ استضاءةِ المنافقين - بما أظْهَروا بألسنتِهم لرسولِ اللهِ ﷺ من الإقرارِ به، وقولِهم له وللمؤمنين: آمَنَّا باللهِ وكتُبِه ورسلِه واليومِ الآخرِ. حتى حُكِم لهم بذلك في عاجلِ الدنيا بحكمِ المسلمين في حقنِ الدماءِ والأموالِ، والأمنِ على الذرِّيَّةِ من السِّباءِ، وفي المناكحةِ والموارثةِ - كمثلِ استضاءةِ الموقِدِ النارَ بالنارِ، حتى (^٢) ارْتَفق بضيائِها، وأبْصَر به (^٣) ما حولَه مستضيئًا بنورِه من الظلمةِ، حتى خمَدت النارُ وانطفأت، فذهَب نورُه، وعاد المستضئُ به في ظلمةٍ وحَيْرةٍ.\nوذلك أن المنافقَ لم يزَلْ مستضيئًا بضوءِ القولِ الذي دافعَ عنه في حياتِه القتلَ والسِّباءَ، مع استبطانِه ما كان مستوجِبًا به القتلَ وسلبَ المالِ لو أظْهَره بلسانِه، تُخَيِّلُ\n_________\n(^١) في ر: \"فلو\"، وفي ت ٢، م: \"فإن\".\n(^٢) بعده في ت ١: \"إذا\".\n(^٣) سقط من: ص، م.","vol":"1","page":342},{"text":"إليه بذلك نفسُه أنه باللهِ ورسولِه والمؤمنين مستهزئٌ مخادعٌ، حتى سوَّلت له نفسُه إذ ورَد على ربِّه في الآخرةِ أنه ناجٍ منه بمثلِ الذي نجا به في الدنيا من الكذبِ والنفاقِ. أوَ ما تسمَعُ اللهَ جَلَّ ثناؤُه يقولُ إذ نعَتهم (^١)، ثم [أخْبَر خبرَهم] (^٢) عندَ ورودِهم عليه: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨]. ظنًّا من القومِ أن نجاءَهم (^٣) من عذابِ اللهِ في الآخرةِ، في مثلِ (^٤) الذي كان به نجاؤُهم (٣) من القتلِ والسِّباءِ (^٥) وسلبِ المالِ (^٦) في الدنيا، من الكذبِ والإفكِ، وأن خداعَهم نافعُهم هنالك نفعَه إيَّاهم في الدنيا، حتى عايَنوا من أمرِ اللهِ ما أيْقَنوا به أنهم كانوا من ظنونِهم في غرورٍ وضلالٍ، واستهزاءٍ بأنفسِهم وخداعٍ، إذ أطْفأ اللهُ نورَهم يومَ القيامةِ، فاسْتَنظروا المؤمنين ليقْتَبِسوا من نورِهم، فقيل لهم (^٧): ارْجِعوا وراءَكم فالتمِسوا نورًا، واصلَوْا سعيرًا. فذلك حينَ ذهَب اللهُ بنورِهم وترَكهم في ظلماتٍ لا يُبْصِرون، كما انطَفأت نارُ المستوقِدِ النارَ بعدَ إضاءتِها له، فبقِي في ظلمةٍ (^٨) حَيْرانَ تائهًا، يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"بعثهم\".\n(^٢) في م: \"أخبرهم\".\n(^٣) في م: \"نجاتهم\".\n(^٤) سقط من: ر، ت ٢.\n(^٥) بعده في ت ١: \"والكذب\".\n(^٦) في ص: \"الأموال\".\n(^٧) سفط من: ص، ت ١.\n(^٨) في م: \"ظلمته\".","vol":"1","page":343},{"text":"أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٣ - ١٥].\nفإن قال لنا قائلٌ: إنك ذكَرْتَ أن معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾: خمَدت وانطَفأت. وليس ذلك بموجودٍ في القرآنِ، فما دَلالتُك (^١) على أن ذلك معناه؟\nقيل: قد قلنا: إن من شأنِ العربِ الإيجازَ والاختصارَ إذا (^٢) كان فيما نطَقت به الدَّلالةُ الكافيةُ على ما حذَفت وترَكت، كما قال أبو ذُؤَيبٍ الهُذَلِيُّ (^٣):\nعَصَيْتُ (^٤) إليها القلبَ إِنِّي لأمرِها … سميعٌ فما أدْرِى أرُشْدٌ طِلابُها\nيعني بذلك: فما أدْرِى أرُشْدٌ طِلابُها أم غيٌّ. فحذَف ذكرَ \"أَمْ غيٌّ\"، إذ كان فيما نطَق به الدلالةُ عليها، وكما قال ذو الرُّمَّهِ في نعتِ حَميرٍ (^٥):\nفلمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ أو حينَ نصَّبَت (^٦) … له مِن خَذَا (^٧) آذانِها وَهْو جانِحُ\nيعني: أو حينَ أقْبَل الليلُ. في نظائرَ لذلك كثيرةٍ كرِهنا إطالةَ الكتابِ بذكرِها. فكذلك قولُه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ لمَّاَ كان فيه وفيما بعدَه من قولِه: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾\n_________\n(^١) في ت ١: \"دليلك\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"إذ\".\n(^٣) ديوان الهذليين ١/ ٧١.\n(^٤) في الديوان: \"عصاني\".\n(^٥) ديوان ذي الرمة ٢/ ٨٩٧.\n(^٦) نصبت: رفعت آذانها. اللسان (ن ص ب).\n(^٧) خذِيت الأذن: استرخت من أصلها وانكسرت مقبلة على الوجه، يكون ذلك في الناس والخيل والحمر، خلقة أو حدثا. اللسان (خ ذ ى).","vol":"1","page":344},{"text":"دَلالةٌ على المتروكِ كافيةٌ من ذكرِه، اخْتَصر الكلامَ طلبَ الإيجازِ، وكذلك حذفُ ما حذَف واختصارُ ما اخْتَصَر من الخبرِ عن مثَلِ المنافقين بعدَه، نظيرَ ما اخْتصر من الخبرِ عن مثَلِ المستوقِدِ النارَ؛ لأن معنى الكلامِ: فكذلك المنافقون ذهَب اللهُ بنورِهم وترَكهم في ظلماتٍ لا يُبْصِرون - بعدَ الضياءِ الذي كانوا فيه في الدنيا، بما كانوا يُظْهِرون بألسنتِهم من الإقرارِ بالإسلامِ، وهم لغيرِه مستبطِنون - كما ذهَب ضوءُ نارِ هذا المستوقِدِ بانطفاءِ نارِه وخمودِها، فبقِيَ في ظلمةٍ لا يُبْصِرُ.\nوالهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ عائدةٌ على الهاءِ والميمِ في قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ﴾.\n\n<span id=\"aya-25\"></span><span data-type='title' id=toc-121>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾.</span>\n\nقال أبو جعفرٍ: وإذ كان تأويلُ قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ هو ما وصَفْنا من أن ذلك خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه عمَّا هو فاعلٌ بالمنافقين في الآخرةِ، عندَ هَتْكِ أستارِهم، وإظهارِه فضائحَ (^١) أسرارِهم، وسلبِه ضياءَ أنوارِهم، من تركِهم في ظُلَمِ أهوالِ يومِ القيامةِ يتردَّدون، وفي حنادسِها لا يُبْصِرون، فبَيِّنٌ أن قولَه جلَّ ثناؤُه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، وأن معنى الكلامِ: أولئك الذين اشترَوُا الضلالةَ بالهدَى، فما رَبِحت تجارتُهم وما كانوا مُهْتدين، صُمٌّ بُكْمٌ عميٌ فهم لا يَرْجِعون، مثَلُهم كمثَلِ الذي اسْتوقَد نارًا، فلما أضاءَت ما حَوْلَه ذهب اللهُ بنورِهم وترَكهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرون، أوْ كمثَلِ صيِّبٍ من السماءِ.\nوإذ كان ذلك معنى الكلامِ، فمعلومٌ أنَّ قولَه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ يأتِيه الرفعُ\n_________\n(^١) في ت ١: \"قبائح\".","vol":"1","page":345},{"text":"من وجهين، والنصبُ من وجهين: فأما أحدُ وجهي الرفعِ: فعلى الاستئنافِ لما فيه من الذمِّ، وقد تفعَلُ العربُ ذلك في المدحِ والذمِّ، فتنصِبُ وترفَعُ وإن كان خبرًا عن معرفةٍ، كما قال الشاعر (^١):\nلا يَبْعَدَنْ (^٢) قَوْمِي الَّذين هُمُ … سَمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْرِ (^٣)\nالنازِلينَ بكُلِّ مُعْتَرَكٍ … والطَّيبِين مَعاقِدَ الأُزْرِ\nفيُرْوَى: \"النازلون\" و\"النازِلين\"، وكذلك \"الطيِّبون\" و\"الطيِّبين\"، على ما وصَفْتُ من المدحِ.\nوالوجهُ الآخرُ: على نيَّة التكريرِ من: ﴿أُولَئِكَ﴾. فيكونُ المعنى حينَئذٍ: أولئك الذين اشْتَرُوا الضلالةَ بالهدَى، فما رَبِحت تجارتُهم وما كانوا مهتدين، أولئك صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فهم لا يرجِعون.\nوأما أحدُ وجهي النصبِ: فأن يكون قطعَا مما في: ﴿مُهْتَدِينَ﴾ من ذكرِ ﴿أُولَئِكَ﴾، لأن الذي فيه من ذكرِهم معرفةٌ، والصمُّ نكرةٌ.\nوالآخرُ: أن يكونَ قطعًا من: ﴿الَّذِينَ﴾ لأنَّ ﴿الَّذِينَ﴾ معرفةٌ، والصمُّ نكرةٌ. وقد يجوزُ النصبُ فيه أيضًا على وجهِ الذمِّ، فيكونُ ذلك وجهًا من النصبِ ثالثًا.\nفأمَّا على تأويلِ ما رَوَينا عن ابنِ عباسٍ من غيرِ وجهِ روايةِ عليِّ بنِ أبي طلحةَ عنه، فإنه لا يجوزُ فيه الرفعُ إلا من وجهٍ واحدٍ، وهو الاستئنافُ. وأما النصبُ فقد\n_________\n(^١) البيتان للخرنق بنت بدر بن هفان، وهما في ديوانها ص ٢٩.\n(^٢) يبعدن: يهلكن، من بعِد يبعَد. اللسان (ب ع د).\n(^٣) الجزر؛ جمع الجزور: وهي الناقة التي تنحر. اللسان (ج ز ر).","vol":"1","page":346},{"text":"يجوزُ فيه من وجهين: أحدُهما، الذمُّ. والآخرُ، القطعُ من الهاءِ والميمِ اللتين في ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾، أو من ذكرِهم في ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾. وقد بيَّنا القولَ الذي هو أوْلَى بالصوابِ في تأويلِ ذلك.\nوالقراءةُ التي هي القراءةُ (^١)، الرفعُ دونَ النصبِ؛ لأنه ليس لأحدٍ خلافُ رسومِ مصاحفِ المسلمين، وإذا قرِئ نصبًا كانت قراءةً مخالفةً رسمَ مصاحِفِهم (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وهذا خبر من اللهِ جلَّ ثناؤُه عن المنافقين، أنهم باشترائِهم الضلالةَ بالهدى لم يكونوا للهدَى والحقِّ مُهْتدين، بل هم صُمٌّ عنهما فلا يسمَعونهما (^٣)؛ لغلبةِ خِذلانِ اللهِ عليهم، بُكْمٌ عن القيلِ بهما، فلا ينطِقون بهما - والبُكْمُ الخُرْسُ، وهو جِماعُ (^٤) أبكمَ - عُمْيٌ عن أن يُبْصِروهما فيعقِلوهما؛ لأنَّ اللهَ قد طبَع على قلوبِهم بنفاقِهم فلا يَهْتَدون.\nوبمثلِ ما قلنا في ذلك قالت علماءُ أهلِ التأويل.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ (^٥) بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سَلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾: عن الخيرِ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"قراءة\".\n(^٢) بعده في ر، ت ١، ت ٢: \"القول في تأويل قوله: صم بكم عمي\".\n(^٣) في ر: \"يسمعون بهما\".\n(^٤) في م: \"جمع\".\n(^٥) في م: \"عبد\".\n(^٦) تقدم أول هذا الأثر في ص ٣٣٦.","vol":"1","page":347},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾. يقولُ: لا يسمَعون الهدى، ولا يُبْصِرونه، ولا يعقِلونه (^١).\nحدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿بُكْمٌ﴾: هم (^٢) الخُرْسُ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾: صُمٌّ عن الحقِّ فلا يسمَعونه، عُمْيٌ عن الحقِّ فلا يُبصِرونه، بُكْمٌ عن الحقِّ فلا ينطِقون به (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-122>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وقولُه: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. إخبارٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه عن هؤلاء المنافقين الذين نعَتهم اللهُ باشترائِهم الضلالةَ بالهدَى، وصَمَمِهم عن سماعِ الخيرِ والحقِّ، وبَكَمِهمْ عن القيلِ بهما، وعَماهم عن إبصارِهما - أنهم لا يَرْجِعون إلى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٢ (١٧٢) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢ إلى ابن المنذر والصابوني في المائتين. وتقدم أول هذا الأثر في ص ٣٣٧. وسيأتي في ٣/ ٥١.\n(^٢) في ت ٢: \"هو\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢ إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٣ (١٧٥) من طريق أسباط، عن السدي، عن أبي مالك، ١/ ٥٣ (١٧٣) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله. وتقدم أول هذا الأثر في ص ٣٣٧.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٣ (١٧٤، ١٧٦) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣ إلى عبد بن حميد نحوه. وتقدم أوله في ص ٣٣٩. وسيأتي في ٣/ ٥٠.","vol":"1","page":348},{"text":"الإقلاعِ عن ضلالتِهم، ولا يثوبون (^١) إلى الإنابةِ من نفاقِهم، فآيَس المؤمنين من أن يُبْصِرَ هؤلاء رُشْدَا، ويقولوا حقًّا، أو يسمَعوا داعيًا إلى الهدَى، أو أن يذَّكَّروا فيتوبوا من ضلالتِهم، كما آيَس من توبةِ قادةِ كفارِ أهلِ الكتابِ والمشركين وأحبارِهم، الذين وصَفهم بأنه قد ختَم على قلوبهم وعلى سمِعهم، وغشَّى على أبصارِهم.\nوبمثلِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: لا يتوبون ولا يذَّكَّرون (^٢).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (^٣): إلى الإسلامِ (^٤).\nوقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ قولٌ يُخالِفُ معناه معنى هذا الخبرِ (^٥)، وهو ما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"يتوبون\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٣ (١٧٩) من طريق يزيد به. وهو تمام الأثر المتقدم في ص ٣٣٩.\n(^٣) بعده في ص، ر: \"فهم لا يرجعون\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢ إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٣ (١٧٨) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله. وتقدم أول هذا الأثر في ص ٣٣٧.\n(^٥) في ر، ت ٢: \"القول\".","vol":"1","page":349},{"text":"مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: فلا يَرْجِعونَ إلى الهدَى، ولا إلى خيرٍ، ولا يُصيبون نجاةً، ما كانوا على ما هم عليه (^١).\nوهذا تأويلٌ ظاهرُ التلاوةِ بخلافِه، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَر عن القومِ أنهم لا يَرْجِعون عن اشترائِهم الضلالةَ بالهدى، إلى ابتغاءِ الهدى وإبصارِ الحقِّ، من (^٢) غيرِ حصرٍ منه جلَّ ذكرُه ذلك من حالِهم على (^٣) وقتٍ دونَ وقتٍ، وحالٍ دونَ حالٍ. وهذا الخبرُ الذي ذكَرناه عن ابنِ عباسٍ يُنبِئُ عن (^٤) أن ذلك من صفتِهم محصورٌ على وقتٍ، وهو ما كانوا على أمرِهم مُقيمين، وأن لهم السبيلَ إلى (^٥) الرجوعِ عنه، وذلك من التأويلِ دعوَى باطلةٌ (^٦) لا دلالةَ عليها من ظاهرٍ، ولا من خبرٍ تقومُ بمثلِه الحجةُ فيُسَلَّم لها.\n\n<span id=\"aya-26\"></span><span data-type='title' id=toc-123>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ذكرُه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾.</span>\n\nقال أبو جعفرٍ: والصيِّبُ الفَيْعِلُ، من قولِك: صاب المطرُ يصوبُ صَوْبًا. إذا انحدَر ونزَل، كما قال الشاعرُ (^٧):\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٣ (١٧٧) من طريق سلمة به إلى قوله: الهدى. وتقدم أول هذا الأثر في ص ٣٣٦.\n(^٢) في ص: \"عن\".\n(^٣) في م: \"إلى\".\n(^٤) سقط من: ص، وفي ر: \"على\".\n(^٥) في ص: \"عن\".\n(^٦) في ص: \"ناطر\"، وفي ت ٢: \"باطل\".\n(^٧) البيت غير منسوب في الاشتقاق ص ٢٦، والمفردات في غريب القرآن ص ١٤٥، واللسان (أ ل ك، ل أ ك)، ونسبه في المفضليات ص ٣٩٤ إلى علقمة بن عبدة، وليس في ديوانه، ونسب في مجاز القرآن ١/ ٣٣ إلى رجل من عبد القيس، وفي شرح أشعار الهذليين ١/ ٢٢٢ إلى متمم بن نويرة، وذكر في اللسان (ص وب، =","vol":"1","page":350},{"text":"فَلسْتَ لإِنْسِيٍّ (^١) ولكنْ لمَلْأكٍ (^٢) … تَنَزَّلَ من جوِّ السماءِ يَصوبُ\nوكما قال علقمةُ بنُ عَبَدةَ (^٣):\nكأنَّهُمُ صابتْ عليهم سَحَابةٌ … صواعِقُها لطَيْرِهنَّ دَبيبُ\nفلا تَعْدِلي بَيْني وبينَ مُغَمَّرٍ (^٤) … سُقِيتِ (^٥) رَوَايا (^٦) المُزْنِ (^٧) حينَ (^٨) تَصوبُ\nيعني: حينَ تنحدِرُ.\nوهو في الأصلِ صَيْوِبٌ، ولكنَّ الواوَ لمّا سبَقتها ياءٌ ساكنةٌ، صُيِّرتا جميعًا ياءً مشددةً، كما قيل: سيِّدٌ، من سادَ يسودُ، وجيِّدٌ، من جاد يجودُ. وكذلك تفعَلُ العربُ بالواوِ إذا كانت متحرِّكةً وقبلَها ياءٌ ساكنةٌ، تصيِّرُهما جميعًا ياءً مشددةً.\nوبما قلنا من القولِ في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الأَحْمَسيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، قال:\n_________\n= م ل ك) الاختلاف في نسبته، وزاد عن السيرافي نسبته إلى أبي وجزة.\n(^١) في ص، ر، ت ١، ت ٢: \"بإنسي\".\n(^٢) في ص، ر، ت ١: \"ملكا\"، وفي ت ٢: \"ملاكا\".\n(^٣) ديوانه ص ٣٤، ٤٦.\n(^٤) المغمر من الرجال: من استجهله الناس. التاج (غ م ر).\n(^٥) في الديوان: \"سقتك\".\n(^٦) الروايا؛ جمع الراوية: وهو البعير أو البغل أو الحمار الذي يسقى عليه الماء. اللسان (ر وى).\n(^٧) المزن: السحاب عامة، وقيل: السحاب ذو الماء، واحدته مزنة، وقيل: المزنة السحابة البيضاء. اللسان (م ز ن).\n(^٨) في الديوان: \"حيث\".","vol":"1","page":351},{"text":"حدَّثنا هارونُ بنُ عنترةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال: القَطْرُ (^١).\nحدَّثني عباسُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريج: قال لي عطاءٌ: الصيِّبُ المطرُ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالح، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الصيِّبُ المطرُ (^٣).\nحدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: الصيِّبُ المطرُ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه (^٥)، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾. يقولُ: المطرُ (٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٤٧) من طريق محمد بن عبيد به.\nوأخرجه ابن أبي الدنيا في المطر - كما في فتح الباري لابن رجب ٩/ ٢٣١ - وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٤ (١٨٠) من طريق هارون بن عنترة به.\nوعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور ١/ ٣٣ إلى وكيع وعبد بن حميد وأبي يعلى وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٤ عقب الأثر (١٨٠) معلقًا.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم والصابوني في المائتين في أثر مطول، وسيأتي بطوله في ص ٣٦٩.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٨٢ عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من الصحابة، والسدي.\n(^٥) في م، ت ٢: \"جده\".","vol":"1","page":352},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ وعمرُو بنُ عليٍّ، قالا: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: الصيِّبُ المطرُ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: الصيِّبُ المطرُ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ: الصيِّبُ المطرُ (^٣).\nحُدِّثت عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الصيِّبُ المطرُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال: أو كغَيثٍ من السماءِ.\nحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ العَنْبَرِيُّ، قال: قال سفيانُ: الصيِّبُ الذي فيه المطرُ (^٤).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، قال: حدَّثنا ابنُ جُريج، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال: المطرُ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ر: \"الربيع\".\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٤٨) من طريق أبي حذيفة به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٤ عقب الأثر (١٨٠) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) تفسير الثوري ص ٤١ عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جبير: السحاب فيه المطر.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٨٢ عن عطاء.","vol":"1","page":353},{"text":"قال أبو جعفرٍ: وتأويلُ ذلك: مثَلُ استضاءةِ المنافقين بضوءِ إقرارِهم بالإسلامِ، مع استسرارِهم الكفرَ، مثَلُ اسْتِضاءَةِ (^١) موقدِ نارٍ (^٢) بضوءِ نارِه، على ما وصَف جلَّ ثناؤُه من صفتِه، أو كمثَلِ مطرٍ مُظلمٍ، وَدْقُه (^٣) تَحَدَّرَ من السماءِ، تحمِلُه مُزنةٌ ظلماءُ، في ليلةٍ مُظلمةٍ، وذلك هو الظلُماتُ التي أخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه أنها فيه.\nفإن قال لنا قائلٌ: أخْبِرْنا عن هذين المثَلين، أهما مثَلان للمنافقين، أو أحدُهما؟ فإن يكونا مثَلين للمنافقين، فكيف قيل: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ و\"أو\" تأتي بمعنى الشكِّ في الكلامِ، ولم يقلْ: وكصيِّبٍ. بالواوِ التي تُلحِقُ المثلَ الثانيَ بالمثلِ الأولِ؟ أو يكونَ مثلُ القومِ أحدَهما، فما وجهُ ذكرِ الآخرِ بـ ﴿أَوْ﴾ وقد علمتَ أن \"أو\" إذا كانت في الكلامِ، فإنما تدخُلُ فيه على وجهِ الشكِّ من المخبِرِ فيما أخْبَرَ عنه، كقولِ القائلِ: لقِيَني أخوك أو أبوك. وإنما لقِيَه أحدُهما، ولكنه جهِل عينَ الذي لقِيَه منهما، مع علمِه أن أحدَهما قد لقِيَه، وغيرُ جائزٍ في اللهِ جلَّ ثناؤُه أن يُضافَ إليه الشكُّ في شيْءٍ، أو عُزوبُ علمِ شيْءٍ عنه فيما أخْبَر أو ترَك الخبرَ عنه.\nقيل له: إن الأمرَ في ذلك بخلافِ (^٤) الذي (^٥) ذهبتَ إليه، و\"أو\" وإن كانت في بعضِ الكلامِ تأتي بمعنى الشكِّ، فإنها قد تأتي دالَّةً على مثلِ ما تدلُّ عليه الواوُ، إما بسابقٍ من الكلامِ قبلَها، وإما بما يأتي بعدَها، كقولِ توبةَ بنِ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"إضاءة\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"النار\".\n(^٣) الودق: المطر كله شديده وهينه. اللسان (ود ق).\n(^٤) في ص: \"خلاف\".\n(^٥) في ص: \"منا\"، وفي ت ١: \"ما\".","vol":"1","page":354},{"text":"الحُمَيِّرِ (^١):\nوقد زعَمتْ ليلى بأنِّيَ فاجرٌ … لنفسي تُقَاها أو عليها فُجورُها\nومعلومٌ أن ذلك من توبةَ على غيرِ وجهِ الشكِّ فيما قال، ولكن لما كانت \"أو\" في هذا الموضعِ دالَّةً على مثلِ الذي كانت تدلُّ عليه الواوُ لو (^٢) كانت مكانَها، وضَعها موضِعَها. وكذلك قولُ جريرٍ (^٣):\nنال (^٤) الخِلافَة أو كانتْ له قَدَرًا … كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ\nوكما قال الآخرُ (^٥):\nفلو كان البكاءُ يردُّ شيئًا … بَكَيْتُ عَلَى بُجَيْرٍ (^٦) أو عِفاقِ (^٧)\n[على المَرْأَيْن] (^٨) إذْ مَضَيَا (^٩) جَميعًا … لشأنِهما بحُزْنٍ (^١٠) واشْتِياقِ (^١١)\n_________\n(^١) الأضداد ص ٢٧٩، وأمالي القالي ١/ ٨٨، وأمالي المرتضى ٢/ ٥٧.\n(^٢) في م: \"ولو\".\n(^٣) ديوانه ١/ ٤١٦.\n(^٤) في م: \"جاء\".\n(^٥) هو متمم بن نويرة، والبيتان في الأضداد ص ٢٨٠، وأمالي المرتضى ٢/ ٥٨، واللسان (ع ف ق).\n(^٦) في النسخ: \"جبير\"، وفي اللسان: \"يزيد\". وقال ابن بري: صوابه بجير. وهو على الصواب في الأضداد وأمالي المرتضى.\n(^٧) في م: \"عناق\".\nوبجير أخو عفاق، ويقال: غفاق. وهو ابن مليك، ويقال: ابن أبي مليك. وكان بسطام بن قيس أغار على بني يربوع فقتل عفاقا، وقتل بجيرا بعد قتله أخاه عفاقا في العام الأول، وأسر أباهما ثم أعتقه وشرط عليه ألا يغير عليه. ذكره في اللسان عن ابن بري.\n(^٨) في اللسان. \"هما المرآن\".\n(^٩) في الأضداد، وأمالي المرتضى: \"ملكا\"، وفي اللسان: \"ذهبا\".\n(^١٠) في الأضداد، وأمالي المرتضى: \"بشجو\".\n(^١١) في اللسان: \"واحتراق\".","vol":"1","page":355},{"text":"فقد دلَّ بقولِه: على المَرْأَيْنِ. أن بكاءَه الذي أراد أن يَبكيَه لم يُرِدْ أن يقصِدَ به أحدَهما دونَ الآخرِ، بل أراد أن يَبكِيَهما جميعًا. فكذلك ذلك في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾. لمّا كان معلومًا أن ﴿أَوْ﴾ (^١) دالَّةٌ [في ذلك على مثلِ الذي كانت تدلُّ عليه الواوُ لو (^٢)] (^٣) كانت مكانَها، كان سواءً نطق فيه بـ \"أو\" أو بالواوِ. وكذلك وجهُ حذفِ المثَلِ من قولِه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ لمّا كان قولُه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ دالًّا على أن معناه: كمثلِ صيِّبٍ. حذَف المثلَ واكتَفى بدَلالةِ ما مضَى من الكلامِ في قولِه (^٤): ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ على أن معناه: أو كمثلِ صيِّبٍ - من إعادةِ ذكرِ المثلِ؛ طَلَبَ الإيجازِ والاختصارِ.\n\n<span id=\"aya-27\"></span>(*) القولُ في تأويلِ قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾.\n\nقال أبو جعفر: فأما الظلماتُ فجمعٌ، واحدُها ظلمةٌ.\nوأما الرعدُ، فإن أهلَ العلمِ اختلَفوا فيه؛ فقال بعضُهم: هو ملَكٌ يزجُرُ السحابَ.\n_________\n(^١) في ت ١: \"الواو\".\n(^٢) في ص، ر، م: \"ولو\".\n(^٣) في ت ١: \"على معنى يدل على مثله أو\".\n(^٤) في ت ١: \"أوله\".\n(*) من هنا يبدأ الجزء الثاني من نسخة جامعة القرويين، وسيشار إليها بـ\"الأصل\"، وسيجد القارئ أرقام صفحاتها بين معقوفين.","vol":"1","page":356},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ يزجُرُ السحابَ بصوتِه (^١).\nوحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: حدَّثنا فُضيلُ بنُ عِياضٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوحدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن أبي صالحٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ مِن الملائكةِ يُسبِّحُ (^٢).\nوحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْديُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يعلى، عن أبي الخطَّابِ البصريِّ، عن شهرِ بنِ حَوْشبٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ مُوَكَّلٌ بالسحابِ، يسوقُه كما يسوقُ الحادِي الإبلَ، يسبِّحُ، كلَّما خالفت سحابةٌ سَحَابةً صاح بها، فإذا اشتدَّ غضَبُه طارت النارُ من فِيه، فهي الصواعقُ التي رأيتُم (^٣).\nوحُدِّثت عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ،\n_________\n(^١) أخرجه البغوي في الجعديات (٢٥٥)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٨٤، ٢٨٥ من طريق شعبة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٩ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ. وينظر سنن البيهقي ٣/ ٣٦٣، والدر المنثور ٤/ ٥١.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥١ إلى المصنف والخرائطي وأبي الشيخ.\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٧٧) من طريق حرب بن شداد، عن شهر. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥١ إلى عبد بن حميد. وأخرجه أبو الشيخ (٨٨١) من طريق آخر عن شهر، عن كعب، نحوه. وسيأتي في ص ٣٥٩ من طريق شهر، عن ابن عباس، مختصرا.","vol":"1","page":357},{"text":"عن الضّحّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ من الملائكةِ اسمُه الرعدُ، وهو الذي تسمَعون صوتَه (^١).\nحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ حُسينٍ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ يزجُرُ السحابَ بالتسبيحِ والتكبيرِ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ (^٣) بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عاصمٍ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرعدُ اسمُ ملَكٍ، وصوتُه هذا تسبيحُه، فإدْا اشتدّ زجرُه السحابَ، اضطَرب السحابُ واحْتَكَّ، فتخرُجُ الصواعقُ مِن بيْنِه.\nحدَّثنا الحسنُ (^٣)، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا أبو عوانةَ، عن موسى البزازِ (^٤)، عن شهرِ بنِ حوشبٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ يسوقُ السحابَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٠ إلى المصنف وابن مردويه.\nوأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٧٠) من طريق جويبر، عن الضحاك من قوله. وعزاه السيوطي ٤/ ٥١ إلى ابن المنذر. وانظر ما سيأتي في ص ٣٦٠، ٣٦١.\nوبعد هذا الأثر اختلاف في ترتيب الآثار في المخطوط الأصل عن بقية النسخ، وما في النسخ الأخرى أليق بالسياق، ولذا سيجد القارئ اضطرابا في ترقيم ورقات الأصل.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٧٨) من طريق عبد الملك بن الحسين به. وعبد الملك بن حسين أبو مالك النخعي متروك.\nوأخرج أبو الشيخ أيضًا (٧٦٩) نحوه مرفوعا من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\nوأخرج أيضًا (٧٧٦) من طريق أسباط، عن السدي من قوله، مثل أثر شهر عن ابن عباس الآتي.\n(^٣) في الأصل: \"الحسين\".\n(^٤) في ر: \"البزار\".","vol":"1","page":358},{"text":"بالتسبيحِ، كما يسوقُ الحادِي الإبلَ بحُدائِه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ (^٢) بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبَّادٍ وشَبَابةُ، قالا (^٣): حدَّثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ يزجُرُ السحابَ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا عتَّابُ بنُ زيادٍ، عن عكرمةَ، قال: الرعدُ ملَكٌ في السماءِ (^٤) يجمَعُ السحابَ كما يجمَعُ الراعي الإبلَ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الرعدُ خَلْقٌ من خَلْقِ اللهِ سامعٌ مُطيعٌ للهِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا حسينٌ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عكرمةَ، قال: الرعدُ ملَكٌ يُؤمَرُ بإزجاءِ السحابِ، ويؤلِّفُ بينَه، فذلك الصوتُ تسبيحُه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ.\n_________\n(^١) أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق (٥٦٦ - المنتقى) من طريق عفان به. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٧٥) من طريق أبي عوانة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٠ إلى ابن المنذر. وتقدم في ص ٣٥٧ نحوه من قول شهر بن حوشب.\n(^٢) في الأصل: \"الحسين\".\n(^٣) في الأصل: \"قال\".\n(^٤) في م، ت ١: \"السحاب\".\n(^٥) أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق (٥٦٤ - المنتقى)، والبيهقي ٣/ ٣٦٣ من طريق آخر عن عكرمة نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"1","page":359},{"text":"حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن المغيرةِ بنِ سالمٍ (^١)، عن أبيه اُو غيرِه، أن عليَّ بنَ أبي طالبٍ قال: الرعدُ ملَكٌ (^٢).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ، قال: حدَّثنا حمادٌ، قال: أخْبَرنا موسى ابنُ سالمٍ أبو جَهْضَمٍ مولى ابنِ عباسٍ، قال: كتَب ابنُ عباسٍ إلى أبي الجَلْدِ يَسألُه عن الرعدِ؟ فقال: الرعدُ ملَكٌ (^٣).\nحدَّثنا المُثَنَّى، فال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ الوليدِ الشَّنيُّ (^٤)، عن عكرمةَ، قال: الرعدُ ملَكٌ يسوقُ السحابَ كما يسوقُ الراعِي الإبلَ.\nحدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحَكَمِ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا الحَكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ، قال: كان ابنُ عباسٍ إذا سمِع الرعدَ قال: سبحانَ الذي سبَّحتَ له. قال: وكان يقولُ (^٥): الرعدُ ملَكٌ ينعِقُ بالغيثِ، كما ينعِقُ الراعي بغنمِه (^٦).\n_________\n(^١) كذا في النسخ، وفي المصادر: \"مسلم\". وينظر تاريخ الدوري ٤/ ٢١٠ (٤٠٠٣)، والثقات ٧/ ٤٦٤.\n(^٢) أخرجه البيهقي ٣/ ٣٦٣، والخطيب في المتفق والمفترق ٣/ ١٩٣٦ من طريق حماد بن سلمة، عن المغيرة ابن مسلم، عن أبيه، عن علي. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٧٢) من طريق آخر عن علي بلفظ: البرق: مخاريق من نار بأيدي ملائكة السحاب يزجرون به السحاب.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٠ إلى ابن أبي الدنيا في المطر وابن المنذر.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"الملك\".\nوالأثر أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق (٥٦٣ - المنتقى) من طريق حماد به من قول ابن عباس. وينظر الدر المنثور ٤/ ٤٩.\n(^٤) في م: \"السنى\".\n(^٥) بعده في ر، م، ت ٢، ت ٣: \"إن\".\n(^٦) ينظر ص ٣٥٨.","vol":"1","page":360},{"text":"وقال آخرون: الرعدُ ريحٌ تختَنقُ تحتَ السحابِ فتصّاعدُ، فيكونُ منه ذلك الصوتُ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: حدَّثنا بشيرٌ (^١) أبو (^٢) إسماعيلَ، عن أبي كَثيرٍ (^٣)، قال: كنتُ عندَ أبي الجَلْدِ (^٤)، إذ جاءه رسولُ ابنِ عباسٍ بكتابٍ إليه، فكتَب (^٥) إليه: كتبتَ إليّ تسألُني عن الرعدِ، فالرعدُ الريحُ (^٦).\nحدَّثني إبراهيمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثنا عمرانُ بنُ ميسرةَ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بنِ الفراتِ، عن أبيه، قال: كتَب ابنُ عباسٍ إلى أبي الجَلْدِ (٤) يسألُه عن الرعدِ، فقال: الرعدُ ريحٌ (^٧).\nقال أبو جعفرٍ: فإن كان الرعدُ ما ذكَره ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ، فمعنَى الآية: أو كصيِّبٍ من السماءِ فيه ظلماتٌ وصوتُ رعدٍ؛ لأن الرعدَ إن كان ملَكًا يسوقُ السحابَ، فغيرُ كائنٍ في الصيِّبِ؛ لأن الصَّيِّبَ إنما هو ما تحدَّر من صَوْبِ (^٨) السحابِ، والرعدُ إنما هو في جوِّ السماءِ يسوقُ السحابَ. على أنه لو كان فيه\n_________\n(^١) في م، ص، ت ١: \"بشر\".\n(^٢) في النسخ: \"بن\" وهو خطأ. وهو بشير بن سلمان، أبو إسماعيل، والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٤/ ١٦٨.\n(^٣) في الأصل: \"كبير\".\n(^٤) في م: \"الخلد\".\n(^٥) في ت ١: \"فقال في كتاب\".\n(^٦) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٧٣) من طريق بشير به، وسيأتي تمامه في ص ٣٦٣، ٣٦٤.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٥ (١٨٧) من طريق ابن إدريس، به.\n(^٨) في ص، ت ١، ت ٢: \"صوت\".","vol":"1","page":361},{"text":"ثَمَّ (^١)، لم يكنْ له صوتٌ مسموعٌ، لم (^٢) يكنْ هنالك رعبٌ يُرْعَب به أحدٌ؛ لأنه قد قيل: إن مع كلِّ قطرةٍ من قَطْرِ المطرِ ملَكًا. فلا يَعْدُو الملَكُ الذي اسمُه الرعدُ لو كان مع الصيِّبِ، إذا لم يكنْ مسموعًا صوتُه - أن يكونَ كبعضِ تلك الملائكةِ التي تنزلُ مع القَطْرِ إلى الأرضِ، في ألا رُعبَ على أحدٍ بكونِه فيه. فقد عُلِم - إذ كان الأمرُ كما (^٣) وصَفْنا من قولِ ابنِ عباسٍ - أن معنَى الآيةِ: أو كمثَلِ غيْثٍ تحدَّر من السماءِ فيه ظلماتٌ وصوتُ رعدٍ. إن كان الرعدُ هو ما قاله ابنُ عباسٍ، وأنه اسْتَغْنَى بدَلالةِ ذكرِ الرعدِ باسمِه على المرادِ في الكلامِ من ذكرِ صوتِه، وإن كان الرعدُ ما قاله أبو الجلدِ (^٤)، فلا شيْءَ في قولِه: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ﴾. متروكٌ؛ لأن معنى الكلامِ حينَئذٍ: فيه ظلماتٌ ورعدٌ، الذي هو ما وصَفْنا صفتَه.\nوأما البرقُ، فإن أهلَ العلمِ اخْتَلفوا فيه؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا مطرُ بنُ محمدٍ الضبِّيُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، وحدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ ابنُ مهديٍّ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثني أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قالوا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ الثوريُّ، عن سَلَمةَ بنِ كُهيلٍ، عن سعيدِ بنِ أشْوعَ، عن ربيعةَ بنِ الأَبْيَضِ، عن عليٍّ، قال: البرقُ مخاريقُ (^٥) الملائكةِ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"يمر\".\n(^٢) في م: \"فلم\".\n(^٣) في ص، ر، م: \"على ما\".\n(^٤) في م: \"الخلد\".\n(^٥) المخاريق، جمع مخراق: وهو في الأصل ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضا، أراد أنه آلة تزجر بها الملائكة السحاب وتسوقه. النهاية ٢/ ٢٦.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٥ (١٩٠)، وأبو الشيخ في العظمة (٧٧١)، والبيهقي ٣/ ٣٦٣ من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٩، ٥٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\nوأخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق (٥٦٥ - المنتقى) من طريق المسعودي، عن سلمة، عن رجل، عن علي بلفظ: الرعد: ملك، والبرق: مخاريق بأيدي الملائكة. وينظر علل الدارقطني ٣/ ٢٠٠.","vol":"1","page":362},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ حسينٍ، عن السُّديِّ، عن أبي مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: البرقُ مخاريقُ بأيدي الملائكةِ يزْجُرون بها السحابَ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن المغيرةِ بنِ سالمٍ، عن أبيه أو غيرِه، أن عليَّ بنَ أبي طالبٍ قال: الرعدُ الملَكُ، والبرقُ ضربُه السحابَ بمِخْراقٍ من (^١) حديدٍ (^٢).\nوقال آخرون: هو سَوُطٌ من نورٍ، يزجُرُ به الملكُ السحابَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثت عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ بذلك (^٣).\nوقال آخرون: هو ماءٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا بشيرٌ (^٤) أبو (^٥) إسماعيلَ، عن أبي كَثيرٍ (^٦)، قال: كنتُ عند أبي الجَلْدِ (^٧)، إذ جاءه رسولُ ابنِ\n_________\n(^١) ليس في: الأصل.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٣٦٠.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٠ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٤) في م: \"بشر\".\n(^٥) في النسخ: \"بن\". وهو خطأ كما تقدم في ص ٣٦١.\n(^٦) في الأصل: \"كبير\".\n(^٧) في م: \"الخلد\".","vol":"1","page":363},{"text":"عباسٍ بكتابٍ إليه (^١)، [فكتَب إليه] (^٢): كَتَبْتَ (^٣) إليّ (^٤) تسألُني عن البرقِ، فالبرقُ الماءُ (^٥).\nحدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثنا عِمرانُ بنُ ميْسرةَ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ (^٦) بنِ الفراتِ، عن أبيه، قال: كتَب ابنُ عباسٍ إلى أبي الجلدِ يسألُه عن البرقِ، فقال: البرقُ ماءٌ (^٧).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن عطاءٍ، عن رجلٍ من أهلِ البصرةِ من قُرَّائِهم، قال: كتَب ابنُ عباسٍ إلى أبي الجَلْدِ (^٨) - رجلٍ مِن أهلِ هَجَرَ - يسألُه عن البرقِ، فكتَب إليه: كتَبتَ إليَّ تسألُني عن البرقِ، وإنه من الماءِ (^٩).\nوقال آخرون: هو مَصْعُ (^١٠) ملَكٍ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، عن مجاهدٍ، قال: البرقُ مَصْعُ\n_________\n(^١) ليس في: الأصل.\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) زيادة من: ص.\n(^٥) تقدم أول هذا الأثر في ص ٣٦١. وينظر الدر المنثور ٤/ ٤٩.\n(^٦) في الأصل: \"الحسين\"\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٥ (١٨٨) من طريق ابن إدريس به.\n(^٨) في م: \"الخلد\".\n(^٩) أخرج أبو الشيخ في العظمة (٧٨٢) من طريق ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن عامر، قال: أرسل ابن عباس إلى أبي الجلد. فذكره مطولًا، وفيه: وأما البرق فهو تلألؤ الماء. ينظر علل أحمد ١/ ٧٠ (١٩٤).\n(^١٠) سيأتي تعريف المصع في كلام المصنف، وينظر النهاية ٤/ ٣٣٧.","vol":"1","page":364},{"text":"ملَكٍ (^١)\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن محمدِ بنِ مسلمٍ الطائفيِّ، قال: بلَغني أن البرقَ ملَكٌ له أربعةُ أوجهٍ، وجهُ إنسانٍ، ووجهُ ثَوْرٍ، ووجهُ نَسرٍ، ووجهُ أسدٍ، فإذا مصَع بأجنحتِه فذلك البرقُ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن وهبِ بنِ سليمانَ، عن شُعيبٍ الجَبَائيِّ، قال: في كتابِ اللهِ؛ الملائكةُ حَملةُ العرشِ، لكل ملَكٍ منهم وجهُ إنسانٍ وثَورٍ وأسدٍ ونَسْرٍ، فإذا حرَّكوا أجنحتَهم، فهو البرقُ، وقال أميةُ بن أبي الصَّلْتِ (^٣):\nرجُلٌ وثورٌ تحتَ رجْلِ يمينِه … والنَّسْرُ للأُخرى ولَيْثٌ مُرْصَدُ (^٤)\nحدَّثنا الحسنُ (^٥) بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عاصمٍ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: البرقُ ملَكٌ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٦ (١٩٤) من طريق عثمان به، بزيادة: يسوق به السحاب.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٩ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ مثله. وعزاه أيضًا إلى المنذر مطولا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في البداية والنهاية ١/ ٨٧، وتفسير ابن كثير ٤/ ٣٦٣ - عن أبيه، عن هشام - هو ابن عبيد الله الرازي - به. وينظر الدر المنثور ٤/ ٤٩.\n(^٣) ديوانه ص ٢٩.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٩ إلى أبي الشيخ.\n(^٥) في الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢: \"الحسين\". وتقدم في ص ٣٥٨.\n(^٦) أخرج أبو الشيخ في العظمة (٧٨٠) من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس بلفظ: البرق ملك يترايا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٩ إلى ابن أبي الدنيا في المطر.","vol":"1","page":365},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ (^١)، قال: الصواعقُ ملَكٌ يَضْرِبُ (^٢) السحابَ بالمطارقِ (^٣)، فيُصيبُ به من يشاءُ.\nقال أبو جعفرٍ: وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ ما قاله عليُّ بنُ أبي طالبٍ وابنُ عباسٍ ومجاهدٌ بمعنى واحدٍ؛ وذلك أن تكونَ المخاريقُ التي ذكَر عليٌّ، ﵁، أنها هي البرقُ، هي (^٤) السِّياطُ التي هي من نورٍ، التي يُزْجِي بها الملَكُ السحابَ، كما قال ابنُ عباسٍ، ويكونُ إزجاءُ الملَكِ السحابَ مَصْعَه إيّاه بها. وذلك أن المِصاعَ عندَ العربِ أصلُه المجالدةُ بالسيوفِ، ثم تستعْمِلُه في كلِّ شيْءٍ جُولِد به، في حربٍ وغيرِ حربٍ، كما قال أعْشَى بني ثعلبةَ وهو يصفُ جَوارِيَ لَعِبْن بحَلْيِهن وتَجَالَدْن به (^٥):\nإذا هُنَّ نازَلْنَ أقرانَهُنَّ … وكان المِصاعُ بما في الجُوَنْ (^٦)\nيقالُ منه: ماصَعه مِصاعًا، وكأنَّ مجاهدًا إنما قال: مَصْعُ ملَكٍ. إذ كان\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"وهب بن سليمان\".\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) في م، ت ٢: \"بالمخارق\".\n(^٤) في ص، ت ٢: \"وهي\".\n(^٥) ديوان الأعشى ص ١٧.\n(^٦) الجونة - وربما همزت -: سلة مستديرة مغشاة أدما، يجعل فيها الطيب والثياب. اللسان (ج أ ن، ج ون).","vol":"1","page":366},{"text":"السحابُ لا يُماصِعُ الملَكَ، وإنما الرعدُ هو الماصِعُ (^١) له، فجعَله مصدرًا من: مصَعَه يمصَعُه مَصْعًا.\nوقد ذكَرنا في معنى الصاعقةِ ما قاله شهرُ بنُ حَوْشبٍ فيما مضَى (^٢).\nوأما تأويلُ الآيةِ، فإن أهلَ التأويلِ مختلِفون فيه؛ فرُوِي عن ابنِ عباسٍ في ذلك أقوالٌ؛ أحدُهما: ما حدَّثنا به محمدُ بن حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ أي: هم من ظلُمات ما هم فيه من الكفرِ والحذرِ من القتلِ على الذي هم عليه من الخلافِ والتخوُّفِ منكم - على مثلِ ما وَصَفَ من الذي (^٣) هو في ظلمةِ الصيِّبِ، فجعَل أصابعَه في أُذُنيه مِن الصواعقِ حذَرَ الموتِ، ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أي: لشدةِ ضوءِ الحقِّ، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: يعرِفون الحقَّ ويتكلَّمون به، فهم من قولِهم به على استقامةٍ، فإذا ارْتَكسوا منه إلى الكفرِ قامُوا متحيِّرين (^٤).\n_________\n(^١) في م: \" المماصع\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٣٥٧.\n(^٣) في الأصل: \"الذين\".\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٤، ٥٦، ٥٨ (١٨٣، ١٩٨، ٢٠٦، ٢٠٩) من طريق سلمة به، وتقدم أول هذا الأثر في ص ٣٣٦.","vol":"1","page":367},{"text":"والآخرُ: ما حدَّثنا به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: أما الصيِّبُ [فالمطرُ. كان] (^١) رجلان من المنافقين من أهلِ المدينةِ هرَبا من رسولِ اللهِ ﷺ إلى المشركين، فأصابَهما هذا المطرُ الذي ذكَر اللهُ، فيه رعدٌ شديدٌ وصواعقُ وبرقٌ، فجعَلا كلَّما أصابَهما (^٢) الصواعقُ جعَلا أصابِعَهما في آذانِهما، من الفَرَقِ أن تدخُلَ الصواعقُ في مسامعِهما فتقتُلَهما، وإذا لَمع البرقُ مَشَوا في ضوئِه، وإذا لم يلمَعْ لم يُبْصِرا، قاما مكانَهما لا يمشيان، فجعَلا يقولان: ليتنا قد أصْبَحنا فنأتيَ محمدًا فنضعَ أيديَنا في يدِه. فأصْبَحا، فأتَياه فأسْلَما، ووضَعا أيديَهما في يدِه، وحسُن إسلامُهما، فضرَب اللهُ شأنَ هذين المنافقَين الخارجَين مثَلًا للمنافقِين الذين بالمدينةِ، وكان المنافقون إذا حضَروا مجلسَ النبيِّ ﷺ جعَلوا أصابِعَهم في آذانِهم فرَقًا مِن كلامِ النبيِّ ﷺ أن يَنْزِلَ فيهم شيْءٌ، أو يُذْكَروا بشيْءٍ فيُقْتَلوا، كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعَلان أصابِعَهما في آذانِهما. ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، فإذا كَثُرت أموالُهم، ووُلِد لهم الغِلمانُ، [وأصابُوا] (^٣) غنيمةً أو فتحًا، مشَوْا فيه، وقالوا: إن دينَ محمدٍ ﷺ دينُ (^٤)\n_________\n(^١) في م: \"والمطر، كانا\".\n(^٢) في م: \"أضاء لهما\".\n(^٣) في الأصل: \"فأصابوا\"، وفي ر، ت ٢: \" أو أصابوا\".\n(^٤) في ص، والدر المنثور: \"حينئذ\"، وفي ت ١: \"حق و\".","vol":"1","page":368},{"text":"صدقٍ. فاستقامُوا عليه، كما كان (^١) ذانك المنافقان يَمْشِيَان، إذا أضاء لهما (^٢) البرقُ مشَوْا فيه، ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾. فكانوا إذا هلَكت أموالُهم، ووُلدِ لهم الجوارِي، وأصابهم البلاءُ، قالوا: هذا مِن أجلِ دينِ محمدٍ. فارْتَدُّوا كفارًا، كما قام ذانك المنافقان حينَ أظْلَم البرقُ عليهما (^٣).\nوالثالثُ: ما حدَّثَني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثَني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾:\nكمطرٍ، ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ إلى آخرِ الآيةِ: هو مثَلُ المنافقِ في ضوء ما تكلَّم بما معه من كتابِ اللهِ، وعمِل مُراءاةً للناسِ، فإذا خلا وحدَه عمِل بغيرِه، فهو في ظلمةٍ ما أقام على ذلك، وأمّا الظلماتُ فالضلالةُ، وأما البرقُ فالإيمانُ، وهم أهلُ الكتابِ، ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ﴾ فهو رجلٌ (^٤) يأخُذُ بطرَفِ الحقِّ لا يستطيعُ أن يُجاوزَه (^٥).\nوالرابعُ: ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثَني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾: وهو المطرُ، ضرَب مثَلَه في القرآنِ، يقولُ: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ يقولُ:\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"لهم\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢ إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة نحوه. وتقدم أول هذا الأثر في ص ٣٣٧.\n(^٤) بعده في ت ١: \"واحد\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢ إلى المصنف. وتقدم أوله في ص ٣٥٦.","vol":"1","page":369},{"text":"ابتلاءٌ، [﴿وَرَعْدٌ﴾ يقولُ: تخويفٌ، ﴿وَبَرْقٌ﴾] (^١). ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾. يقولُ: يكادُ مُحكَمُ القرآنِ أن يدلَّ على عَوْراتِ المنافقين، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ يقولُ: كلَّما أصاب المنافقون مِن الإسلامِ عزًّا اطمأنُّوا، وإن أصابَ الإسلامَ نكبةٌ [قاموا ليرْجِعوا] (^٢) إلى الكفرِ، يقولُ: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ كقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ [الحج: ١١]. إلى آخرِ الآيةِ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: ثم اخْتَلَف سائرُ أهلِ التأويلِ بعدُ في ذلك نظيرَ ما رُوي عن ابنِ عباسٍ مِن الاختلافِ فحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى بنِ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: إضاءةُ البرقِ وإظلامُه (^٤) على نحوِ ذلك المثَلِ (^٥).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا عمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) في الدر المنثور: \"ورعد وبرق - تخويف\".\n(^٢) في م: \"قالوا ارجعوا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٤، ٥٥، ٥٧، ٥٨ (١٨٢، ١٨٦، ٢٠٣، ٢٠٨) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢ إلى ابن المنذر والصابوني في المائتين.\n(^٤) في الأصل، ر: \"إظلامهم\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣ إلى عبد بن حميد. وينظر تفسير مجاهد ص ١٩٧. وتقدم أول هذا الأثر في ص ٣٥٧.","vol":"1","page":370},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ إلى قولِه: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾: فالمنافقُ (^١) إذا رأى في الإسلامِ رخاءً أو طمأنينةً أو سَلْوةً من عيشٍ، قال: أنا معكم وأنا منكم. وإذا أصابتْه شدَّةٌ (^٢) حَقْحَق (^٣) واللهِ عندَها، فانْقُطِع به، فلم يَصْبِرْ على بلائِها، ولم يَحتسِبْ أجرَها، ولم يرْجُ عاقبتَها (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ يقولُ: أجبنُ (^٥) قومٍ، لا يسمَعون شيئًا إلا ظنُّوا أنهم هالكون فيه؛ [حذَرًا من] (^٦) الموتِ، ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ ثم ضرَب لهم مثَلًا آخرَ، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾. يقولُ: هذا المنافقُ؛ إذا كثُر مالُه، وكثُرت ماشيتُه، وأصابَته عافيةٌ، قال: لم يُصِبْني مذُ دخلتُ في دينِي هذا إلا خيرٌ. ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ يقولُ: إذا ذهبَت أموالُهم، وهلَكت مواشِيهم، وأصابهم البلاءُ، قاموا متحيِّرين.\n_________\n(^١) في ت ١: \"قال\".\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢: \"شديدة\".\n(^٣) الحقحقة: أن يسار البعير ويحمل على ما يتعبه وما لا يطيقه حتى يبدع براكبه، وقيل: هو المتعب من السير. اللسان (ح ق ق).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣ إلى المصنف وعبد بن حميد نحوه، وتقدم أوله في ص ٣٣٩.\n(^٥) في م: \"أخبر عن\"، وفي ت ١: \"هم أجبن\".\n(^٦) في ص، ت ١: \"حذارا من\".","vol":"1","page":371},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ قال: مثلُهم كمثلِ قومٍ ساروا في ليلةٍ مظلمةٍ، ولها مطرٌ ورعدٌ وبرقٌ على جادَّةٍ، فلما أبْرَقت أبْصَروا الجادَّةَ فمضَوْا فيها، فإذا ذهَب البرقُ تحيَّروا، وكذلك المنافقُ، كلَّما تكلَّم بكلمةِ الإخلاصِ أضاء له، فإذا شكَّ تحيَّر ووقَع (^١) في الظُّلْمةِ، فكذلك قولُه: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾. ثم قال في أسماعِهم وأبصارِهم التي عاشُوا بها في الناسِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا أبو تميلةَ (^٣)، عن عُبيدِ بنِ سليمانَ الباهليِّ، عن الضحَّاكِ بنِ مُزَاحمٍ: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ قال: أما الظلماتُ فالضلالةُ، والبرقُ الإيمانُ (^٤).\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وَهبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [فقَرأ حتى بلَغْ] (^٥): ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال: هذا أيضًا مثَلٌ ضرَبه اللهُ للمنافقين، كانوا قد استنارُوا (^٦) بالإسلامِ، كما استنَار (^٧) هذا بنورِ هذا (^٨) البرقِ.\n_________\n(^١) بعده في ر: \"ورجع\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٩ عقب الأثر (١٢٠) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) في الأصل: \"ثميلة\"، وفي م: \"نميلة\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٤، ٥٦ (١٨٤، ١٩٥) من طريق علي بن الحكم عن الضحاك.\n(^٥) في ر: \"حتى قرأ\".\n(^٦) في ت ١: \"استضاءوا\".\n(^٧) في ت ١: \"استضاء\".\n(^٨) سقط من: ص، ت ١.","vol":"1","page":372},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: ليس في الأرضِ شيْءٌ يسمعُه المنافقُ إلا ظنَّ أنه يُرادُ به، وأنه الموتُ، كراهيةً له، والمنافقُ أكرَهُ خلقِ اللهِ للموتِ، كما إذا كانوا بالبرارِيِّ (^١) في المطرِ، فرُّوا من الصواعقِ.\nحدَّثنا عمرٌو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، قال: حدَّثنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ قال: مثَلٌ ضُرِب للكافرِين (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وهذه الأخبارُ (^٣) التي ذكَرْناها عمَّن رَوَيناها عنه، فإنها وإن اخْتَلفت فيها ألفاظُ قائليها متقارِباتُ المعاني؛ لأنها جميعًا تُنْبئُ عن أن اللهَ ضرَب الصَّيِّبَ لظاهرِ إيمانِ المنافقِ مثلًا، ومثَّل ما فيه من ظلماتٍ بضلالتِه، وما فيه من ضياءِ برقٍ بنورِ إيمانِه، واتِّقاءَه من الصواعقِ بتصييرِ أصابِعه في أُذُنَيه، لضعفِ (^٤) جَنانِه، ونَخْبِ (^٥) فؤادِه، من حُلولِ عقوبةِ اللهِ بساحتِه، ومشيَه في ضوءِ البرقِ باستقامتِه على نورِ إيمانِه، وقيامَه في الظلامِ بحيرتهِ في ضلالتِه وارتكاسِه في عَمَهِه.\nفتأويلُ الآيةِ (^٦) إذن - إذ (^٧) كان الأمرُ على ما وصَفْنا -: أو (^٨) مَثَلُ ما اسْتَضاء به المُنافِقون، مِن قيلِهم لرسولِ اللهِ ﷺ وللمؤمنين بألسنتِهم: آمنَّا باللهِ\n_________\n(^١) في ص: \"بالبر\"، وفي م، ر، ت ١، ت ٢: \"بالبراز\".\n(^٢) في ص، ر، م، ت ١: \"للكافر\"، وفي ت ٢: \"الكافر\".\n(^٣) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢: \"الأقوال\".\n(^٤) في م: \"بضعف\".\n(^٥) في م: \"تحير\". والنخب: الجبن وضعف القلب. اللسان (ن خ ب).\n(^٦) في ص: \"الكلام\".\n(^٧) في ص: \"إن\"، وفي م \"إذا\".\n(^٨) في الأصل: \"و\".","vol":"1","page":373},{"text":"وباليومِ الآخِرِ وبمحمدٍ وبما جاء به. حتى صار لهم بذلك في الدنيا أحكامُ المؤمنين، وهم - مع إظهارِهم بألسنتِهم ما يُظْهِرون - باللهِ وبرسولِه وما جاء به مِن عندِ اللهِ وباليومِ الآخرِ مُكَذِّبون، ولخلافِ ما يُظْهِرون بالألْسُنِ في قلوبهم مُعْتَقِدون، على عمًى منهم وجَهالةٍ بما هم عليه مِن الضَّلالةِ، لا يَدْرُون في (^١) أيِّ الأمْرَين اللذين قد شُرِعا لهم الهدايةُ، في (^٢) الكفرِ الذي كانوا عليه قبلَ إرسالِ اللهِ محمدًا ﷺ بما أرْسَله به إليهم، أم في الذي أتاهم به محمدٌ ﷺ مِن عندِ ربِّهم؟ فهم مِن وَعيدِ اللهِ إياهم على لسانِ محمدٍ ﷺ وَجِلون، وهم مع وَجَلِهم مِن ذلك في حقيقتِه شاكُّون، في قلوبِهم مرضٌ فزادَهم اللهُ مرضًا -كمثل غَيْثٍ سرَى ليلًا في مُزْنةٍ (^٣) ظَلْماءَ وليلةٍ (^٤) مُظْلِمةٍ، يَحْدُوها رَعْدٌ، ويَسْتَطِيرُ في حافاتِها برقٌ، شديدٌ لَمَعانُه، كثيرٌ خَطَرانُه (^٥)، يَكادُ سناه (^٦) يَذْهَبُ بالأبصارِ، ويَخْتَطِفُها مِن شدَّةِ ضِيائِه ونورِ شُعاعِه، وتَهْبِطُ منها تاراتٍ صَواعِقُ، تَكادُ تَدَعُ النفوسَ مِن شدةِ أهْوالِها زَواهِقَ.\nفالصَّيِّبُ مَثَلٌ لظاهرِ ما أظْهَر المُنافِقون بألسنتِهم مِن الإقْرارِ والتَّصْديقِ، والظلماتُ التي هي فيه لظُلُماتِ ما هم مُسْتَبِطنوه (^٧) من الشكِّ والتَّكْذِيبِ ومرضِ القلوبِ، وأما الرعدُ والصَّواعقُ فلِما هم عليه مِن الوَجَلِ مِن وَعيدِ اللهِ إياهم على لسانِ رسولِه ﷺ في آيِ كتابِه، إمَّا في العاجلِ وإمَّا في الآجِلِ، أن يَحُلَّ بهم، مع شكِّهم في ذلك، هل هو كائنٌ أم غيرُ كائنٍ، وهل له حقيقةٌ أم ذلك كذبٌ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢.\n(^٢) في الأصل، ص: \"أفي\".\n(^٣) في ت ١: \"برية\".\n(^٤) في م: \"ليل\".\n(^٥) الخطران: الارتفاع والانخفاض. انظر التاج (خ ط ر).\n(^٦) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢: \"سنا برقه\".\n(^٧) في م: \"مستنبطون\".","vol":"1","page":374},{"text":"وباطلٌ؟ مَثَلٌ (^١). فهم مِن وَجَلِهم أن يكونَ ذلك حقًّا، يتَّقُونه بالإقرارِ بما جاء به محمدٌ ﷺ بألسنتِهم، مخافةً على أنفسِهم مِن الهلاكِ ونزولِ النَّقِماتِ. وذلك تأويلُ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ يعْني بذلك: يَتَّقُون وَعيدَ اللهِ الذي أنْزَله في كتابِه على لسانِ رسولِه ﷺ بما يُبْدُونه بألسنتِهم مِن ظاهرِ الإقرارِ، كما يَتَّقِي الخائفُ (^٢) أصواتَ الصَّواعقِ بتغطيةِ أُذُنيه، وتَصْييرِ أصابِعِه فيهما (^٣)، حَذَرًا على نفسِه منها (^٤).\nوقد ذكَرْنا الخبرَ الذي رُوِي عن ابنِ مسعودٍ وعن ابنِ عباسٍ أنهما كانا يَقُولان: إن المنافقين كانوا إذا حضَروا مجلسَ رسولِ اللهِ ﷺ أدْخَلوا أصابعَهم في آذانِهم فَرَقًا مِن كلامِ رسولِ اللهِ ﷺ، أن يَنْزِلَ فيهم شيْءٌ، أو يُذْكَروا بشيْءٍ فيُقْتَلوا (^٥). فإن كان ذلك صحيحًا - ولستُ أعْلَمُه صحيحًا، إذ كنتُ بإسنادِه مُرتابًا - فإن القولَ الذي رُوِي عنهما هو القولُ. وإن يكنْ غيرَ صَحيحٍ، فأوْلَى بتأويل الآيةِ ما قُلْنا، لأنَّ اللهَ إنما قصَّ علينا مِن خبرِهم في أولِ مُبْتَدَأِ قَصَصِهم، أنهم (^٦) يُخادِعون اللهَ ورسولَه والمؤمنين بقولِهم: آمَنَّا باللهِ وباليومِ الآخِرِ. مع شكِّ قلوبهم ومرضِ أفئدتِهم في حقيقةِ ما زعَموا أنهم به مُؤْمنون، مما جاءَهم به رسولُ اللهِ ﷺ مِن عندِ ربِّهم، وبذلك وصَفهم في جميعِ آيِ القرآنِ التي ذكَر فيها صفتَهم، فكذلك ذلك في هذه الآيةِ.\n_________\n(^١) ليست في: الأصل، وفي ت ١: \"شك\".\n(^٢) بعده في ر: \"من\".\n(^٣) في ص، م، ت ١: \"فيها\".\n(^٤) في ت ٢: \"منهما\".\n(^٥) تقدم في ص ٣٦٨.\n(^٦) بعده في ص: \"عارفون\".","vol":"1","page":375},{"text":"وإنما جعَل اللهُ إدخالَهم أصابِعَهم في آذانِهم مَثَلًا لاتِّقائهم رسولَ اللهِ ﷺ والمؤمنين بما ذكَرْنا أنهم يتَّقُونهم به، كما يَتَّقِي سامعُ صوتِ الصاعقةِ بإدخالِ أصابعِه في أُذُنيه، وذلك مِن المثَلِ نظيرُ تَمثيلِ اللهِ ما أنْزَل (^١) فيهم مِن الوَعيدِ في آيِ كتابِه بأصواتِ الصَّواعقِ، وكذلك قولُه: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ جعَله جل ثناؤُه مَثَلًا لخوفِهم وإشفاقِهم مِن حُلولِ عاجلِ العِقابِ المُهْلِكِهم (^٢) الذي تُوُعِّدوه بساحتِهم، كما يَجْعَلُ سامعُ أصواتِ الصَّواعِقِ أصابِعَه في أُذُنيه حَذَرَ العَطَبِ والموتِ على نفسِه أن تَزْهَقَ مِن شدتِها.\nوإنما نصَب قولَه: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ على نحوِ ما تَنْصِبُ به التَّكْرِمةَ في قولِك: زُرْتُك تَكْرِمةً لك. تُرِيدُ بذلك: زُرْتُك (^٣) مِن أجلِ تَكْرِمتِك. وكما قال جلّ ثناؤُه: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. على التفسيرِ للفعلِ (^٤). وقد رُوي عن قتادةَ أنه كان يتأوَّلُ قولَه: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: حَذَرًا مِن الموتِ. حدَّثنا بذلك الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: حدَّثنا مَعْمَرٌ عنه.\nوذلك مذهبٌ مِن التأويلِ ضعيفٌ؛ لأنَّ القومَ لم يَجْعَلوا أصابعَهم في آذانِهم حَذَرًا مِن الموتِ، فيكونَ معناه ما قال: إنه يرادُ (^٥) به: حَذَرًا مِن الموتِ. وإنما جعَلوها\n_________\n(^١) في الأصل: \"نزل\".\n(^٢) في م: \"المهلك\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) يعني بالتفسير للفعل: المفعول لأجله. ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ١٧، والمصطلح النحوي ص ١٦٤.\n(^٥) في م: \"مراد\".","vol":"1","page":376},{"text":"مِن حِذارِ الموتِ في آذانِهم.\nوكان قتادةُ وابنُ جُرَيْجٍ يَتَأوَّلان قولَه: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ أن ذلك مِن اللهِ جل ثناؤُه صفةٌ للمنافِقِين بالهَلَعِ وضعفِ القلوبِ وكراهيةِ الموتِ ويَتَأوَّلان في ذلك قولَه: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون:٤].\nوليس الأمرُ في ذلك عندي كالذي قالا، وذلك أنه قد كان فيهم مَن لا تُنْكرُ شجاعتُه، ولا تُدْفَعُ بَسالتُه، كقُزْمانَ (^١) الذي لم يَقُمْ مَقامَه أحدٌ (^٢) مِن المؤمنين [يومَ أحُدٍ] (^٣)، ودونَه (^٤)، وإنما كانت كراهتُهم شُهودَ المشَاهِدِ مع رسولِ اللهِ ﷺ، وتَرْكُهم مُعاونتَه على أعدائِه؛ لأنهم لم يكونوا في أديانِهم مُسْتَبْصِرين، ولا برسولِ اللهِ ﷺ مُصَدِّقِين، فكانوا للحضورِ معه مَشاهدَه كارِهِين، إلا بالتَّخْذِيلِ عنه.\nولكنّ ذلك وصفٌ مِن اللهِ لهم بالإشْفاقِ مِن حُلولِ عقوبةِ اللهِ بهم على نفاقِهم، إما عاجلًا وإما آجِلًا.\nثم أخْبَر جلّ ثناؤُه أن المنافِقِين الذين نعَتَهم اللهُ النَّعْتَ الذي ذكَر، وضرَب لهم الأمثالَ التي وصَف، وإنِ اتَّقَوْا عقابَه، وأشْفَقُوا من عذابِه إشفاقَ الجاعلِ في أُذنيه أصابعَه حِذارَ حُلولِ الوَعيدِ الذي توَعَّدهم له في آيِ كتابِه - غيرُ مُنْجِيهم ذلك مِن نزولِه بعَقْوَتِهم (^٥)، وحُلولِه بساحتِهم، إما عاجلًا في الدنيا، وإما آجِلًا في الآخِرةِ،\n_________\n(^١) هو قزمان بن الحارث، حليف بني ظفر، كان منافقا معروفا بالشجاعة، وقاتل يوم أحد قتالا شديدا، حتى أصابته الجراحة، فقتل نفسه. ينظر الإصابة ٥/ ٤٤٠.\n(^٢) سقط من: ض، وفي ر: \"بأحد\"، وفي ت ٢: \"كأحد\".\n(^٣) في ص \"كثير أحد\" وفي ر، ت ٢: \"كبير أحد\"، وفي ت ١، م: \"بأحد\".\n(^٤) في الأصل، ر: \"ذويه\".\n(^٥) في ص: \"بعقولهم\"، وفي م: \"بعقوبتهم\". والعقوة والعقاة: الساحة وما حول الدار، والمحلة. اللسان (ع ق و).","vol":"1","page":377},{"text":"للذي في قلوبِهم مِن مرضِها، والشكِّ في اعتقادِها، فقال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ يَعْني (^١): جامِعُهم، فمُحِلٌّ بهم عُقوبتَه.\nوكان مجاهدٌ يَتَأوَّلُ ذلك كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال أخبرنا عيسى بنُ مَيمونٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ قال: جامِعُهم في جهنمَ (^٢).\nحدَّثني القاسمُ، قال: حدَّثنا حسينٌ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ قال: جامِعُهم (^٣).\nوأما ابنُ عباس فرُوِي عنه في ذلك ما حدَّثني به ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عِكْرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ يقولُ: اللهُ مُنْزِلٌ ذلك بهم مِن النِّقْمةِ (^٤).\nثم عاد جلّ ذكرُه إلى نعتِ إقرارِ المنافقين بألسنتِهم، والخبرِ [عنه و] (^٥) عنهم وعن نفاقِهم، وإتمامِ المثلِ الذي ابْتَدَأ ضَرْبَه لهم ولشكِّهم ومَرَضِ قلوبِهم، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾ يعْني بالبرقِ الإقرارَ الذي أظْهَروه بألسنتِهم باللهِ وبرسولِه وما جاء به\n_________\n(^١) في م: \"بمعنى\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ١٩٧، ومن طريقه عبد بن حميد - كما في تعليق التعليق ٤/ ١٧٢ - وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٧ (٢٠١). وتقدم أول هذا الأثر في ص ٣٤٠.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٧ (٢٠٠) من طريق ابن جريج به، بزيادة: يوم القيامة في جهنم.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٧ (١٩٩) من طريق سلمة به.\n(^٥) سقط من: ر، ت ١.","vol":"1","page":378},{"text":"مِن عندِ ربِّهم. فجعَل البرقَ له مثلَا على ما (^١) قدَّمْنا صفتَه، ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ يعني: يَذْهَبُ بها ويَسْتَلِبُها ويَلْتَمِعُها (^٢) مِن شدةِ ضِيائِه (^٣) ونُورِ شُعاعِه (^٤).\nكما حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾.\nقال: يَلْتَمِعُ أبْصارَهم ولمَّا يَفْعَلْ (^٥).\nوالخَطْفُ السَّلْبُ. ومنه الخبرُ الذي رُوِي عنِ النبيِّ ﷺ أنه نَهى عن الخَطْفةِ (^٦). يعني بها النُّهْبَةَ. ومنه قيل للخُطَّافِ الذي يُخْرَجُ به الدَّلْوُ مِن البئرِ: خُطَّافٌ؛ لاخْتِطافِه واسْتِلابِه ما علِق به. ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (^٧):\n_________\n(^١) بعده في ر: \"قد\".\n(^٢) التمع الشيْءَ: اختلسه. اللسان (ل م ع).\n(^٣) في الأصل، ص، ر، ت ٢: \"ضيائها\".\n(^٤) في الأصل، ص، ر، ت ٢: \"شعاعها\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٧ (٢٠٤) عن أبي زرعة، عن المنجاب به.\n(^٦) أخرجه الدارمي ٢/ ٨٥، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٢٠٩ (٥٥١)، والبيهقي ٩/ ٣٣٤ من طريق أبي أويس عبد الله بن عبد الله، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن أبي ثعلبة بلفظ: نهى رسول الله ﷺ عن الخطفة، والمجثمة، والنهبة، وعن أكل كل ذي ناب من السباع. وآخره في النهي عن كل ذي ناب من السباع في الصحيحين، وغيرهما من طرق عن الزهري به. وينظر علل الدارقطني ٦/ ٣١٦ - ٣١٨.\nوأخرجه الحميدي (٣٩٧)، وأحمد ٥/ ١٩٥، ٦/ ٤٥٥ (الميمنية) من طريق سهيل، عن عبد الله بن يزيد السعدي، عن أبي الدرداء، نحوه. وينظر علل الدارقطني ٦/ ٢٠٣، ٢٠٤.\nوالخطفة: ما اختطف الذئب من أعضاء الشاة وهي حية. والمراد ما يقطع من أطراف الشاة، والخطفة المرة الواحدة من الخطف، فسمى بها العضو المختطف. ينظر النهاية ٢/ ٤٩.\n(^٧) ديوانه ص ٥٢.","vol":"1","page":379},{"text":"خَطاطِيفُ حُجْنٌ (^١) في حِبالٍ متينةٍ … تَمُدُّ بها أيدٍ إليك نَوازِعُ\nفجعَل ضَوءَ البرقِ وشدةَ شُعاعِ نُورِه، لضَوْءِ (^٢) إقرارِهم بألسنتِهم باللهِ وبرسولِه ﷺ وبما جاء به مِن عندِ اللهِ واليومِ الآخِرِ وشُعاعِ نورِه - مَثَلًَا.\nثم قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾ يعني أن البرقَ كلَّما أضاء لهم. وجعَل البرقَ لإيمانِهم مَثَلًَا. وإنما أراد بذلك أنهم كلما أضاء لهم الإيمانُ. وإضاءتُه لهم أن يَرَوْا فيه ما يُعْجِبُهم في عاجلِ دُنْياهم مِن النُّصْرةِ على الأعداءِ، وإصابةِ الغَنائم في المَغازِي، وكثرةِ الفُتوحِ وتتابُعِها (^٣)، والثُّراءِ في الأموالِ، والسلامةِ في الأَبدانِ والأهلِ والأولادِ - فذلك إضاءتُه لهم؛ لأنهم إنما يُظْهِرون بألسنتِهم ما يُظْهِرونه مِن الإقرارِ ابْتغاءَ ذلك، ومُدافَعةً عن أنفسِهم وأموالِهم وأهليهم وذَرارِيِّهم، فهم كما وصَفَهم جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١].\nويعني بقولِه: ﴿مَشَوْا فِيهِ﴾: مشَوْا (^٤) في ضوءِ البرقِ. وإنما ذلك مَثَلٌ لإقرارِهم على ما وصَفْنا. فمعناه: كلما رأَوْا في الإيمانِ ما يُعْجِبُهم في عاجلِ دنياهم - على ما وصَفْنا - ثبتوا عليه، وأقاموا فيه، كما يَمْشِي السائرُ في ظُلمةِ الليلِ وظُلمةِ الصَّيِّبِ الذي وصَفه جلّ ذكرُه، إذا برَقَت فيها بارقةٌ [فأبصَر طريقَه بها] (^٥).\n﴿وَإِذَا أَظْلَمَ﴾ يعْني: ذهَب ضَوْءُ البرقِ عنهم (^٦). ويعني بقولِه: ﴿عَلَيْهِمْ﴾:\n_________\n(^١) الحجن جمع أحجن: وهو الشيْء المعوج. اللسان (ح ج ن).\n(^٢) في ص: \"بضوء\"، وفي م: \"كضوء\".\n(^٣) في ص، م: \"منافعها\".\n(^٤) في الأصل: \"يعني مشوا\".\n(^٥) في م: \"أبصر طريقه فيها\".\n(^٦) في الأصل، ر، ت ١: \"عليهم\".","vol":"1","page":380},{"text":"على السائرين في الصَّيِّبِ الذي وَصَف جلَّ ذكرُه، وذلك للمنافِقِين مَثَلٌ. ومعنى إظلامِ ذلك أن المنافقين كلما لم يَرَوْا في الإسلامِ ما يُعْجِبُهم في دنياهم - عندَ ابتلاءِ اللهِ مؤمِني عبادِه بالضَّرَّاءِ، وتَمْحيصِه إياهم بالشدائدِ والبلاءِ، مِن إخفاقِهم في مَغْزاهم، [أو إدالةِ] (^١) عدوِّهم منهم، أو إدبارٍ مِن دنياهم عنهم - أقاموا على نفاقِهم، وثبَتوا على ضَلالتِهم، كما قام السائرون في الصَّيِّبِ الذي وصَف جل ذكرُه إذا أظلَم (^٢) وخبَتَ (^٣) ضَوْءُ البرقِ، فحار في طريقِه فلم يَعْرِفْ مَنهجَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-124>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وإنَّما خَصَّ اللهُ جلَّ ذِكرهُ السمعَ والأبصارَ بأنَّه لو شاء أذهَبَها مِن المنافقين دونَ سائرِ أعضاءِ أجسامِهم - لِلذي جرَى مِن ذكرِها في الآيَتْين، أعْني قولَه: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾. وقوله: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ فجرَى ذكرُها في الآيتَيْنِ على وجهِ المثَلِ. ثم عقَّب جلّ ثناؤُه ذكرَ ذلك بأنه لو شاء أذْهَبه مِن المنافِقِين، عقوبةً لهم على نفاقِهم وكفرِهم، وعيدًا مِن اللهِ لهم، كما توَعَّدهم في الآيةِ التي قبلَها بقولِه: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ واصفًا بذلك جلّ ذكرُه نفسَه أنه المُقْتَدِرُ عليهم وعلى جمعِهم (^٤)، لإحْلالِ سُخْطِه بهم، وإنزالِ نِقْمتِه عليهم، ومُحَذِّرَهم بذلك سَطْوتَه، ومُخَوِّفَهم (^٥) عقوبتَه، ليَتَّقُوا بأسَه، ويُسارِعوا إليه بالتوبةِ.\nكما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ\n_________\n(^١) في ص: \"وإدالة\"، وفي م: \"وإنالة\". والإدالة: الغلبة. اللسان (د ول).\n(^٢) بعده في الأصل: \"عليهم\".\n(^٣) في ص: \"خف\"، وفي ر، م: \"خفت\"، وخبت وخفت بمعنى.\n(^٤) في الأصل، ص: \"جميعهم\".\n(^٥) بعده في ص، ر، م، ت ١، ت ٢: \"به\".","vol":"1","page":381},{"text":"إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾: لِمَا ترَكوا مِن الحقِّ بعدَ معرفتِه (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنس، قال: ثم قال - يعْني: قال اللهُ - في أسْماعِهم - يعني أسْماعَ المنافِقِين - وأبصارِهم التي عاشُوا بها في الناسِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ (^٢).\nوإنما معنَى قوله: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾: لأذهب سمعَهم وأبصارَهم. ولكنَّ العربَ إذا أدخلوا الباءَ في مثلِ ذلك قالوا: ذهبتُ ببصرِه. وإذا حذَفوا الباءَ قالوا: أذهبتُ بصرَه. كما قال جلّ ذكرُه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢]. ولو أدخلتِ الباءُ في الغداءِ لقيل: آتِنا بغدائِنًا.\nفإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ فوحَّد، وقال: ﴿وَأَبْصَارِهِمْ﴾ فجمَع، وقد علِمْتَ أن الخبرَ في السمعِ خبرٌ عن سمعِ جماعةٍ، كما الخبرُ في الأبصارِ خبرٌ عن أبصارِ جماعةٍ؟\nقيل: قد اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في ذلك، فقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: وحَّد السمعَ لأنه عَنَى به المصدرَ وقصَد به الخَرْقَ، وجمَع الأبصارَ لأنه عَنَى بها (^٣) الأعينَ.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٩ (٢١٣) من طريق سلمة به. وتقدم أول هذا الأثر في ص ٣٣٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٩ (٢١٢) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.\n(^٣) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢: \"به\".","vol":"1","page":382},{"text":"وكان بعضُ نحويِّي البصرةِ يَزْعُمُ أن السمعَ وإن كان في لفظِ واحدٍ، فإنه بمعنى جماعٍ. ويَحْتَجُّ في ذلك بقولِ اللهِ جلّ وعزّ: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣]. يُرُادُ (^١): لا تَرْتَدُّ إليهم أطْرافُهم. وبقولِه: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ [القمر: ٤٥]. يُرادُ به: أدْبارُهم.\nقال أبو جعفرٍ: وإنما جاز (^٢) ذلك عندي لأن في الكلامِ ما يَدُلُّ على أنه مُرادٌ به الجمعُ، فكان دَلالتُه (^٣) على المرادِ منه وأدَاءِ معنى الواحدِ مِن السمعِ عن معنى جماعةٍ، مُغْنِيًا (^٤) عن جِماعِه، ولو فُعِل بالبصرِ نظيرُ الذي فُعِل بالسمعِ، أو فُعِل بالسمعِ نظيرُ الذي فُعِل بالأبصارِ - مِن الجمعِ والتوحيدِ - كان فصيحًا صحيحًا؛ لما ذكرْنا مِن العلةِ، كما قال الشاعرُ (^٥):\nكُلُوا في بَعْضِ (^٦) بَطْنِكُمُ تعِفُّوا (^٧) … فإن زَمانَنا (^٨) زَمَنٌ خَمِيصُ\nفوحَّد البطنَ، والمرادُ به (^٩) البطونُ؛ لما وصَفْنا مِن العلةِ.\n_________\n(^١) في ص: \"ويراد\"، وفي م: \"يريد\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"جمع\"، وفي ر: \"جميع\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"في دلالته\"، وفي م: \"فيه دلالة\".\n(^٤) في ص، ر، ت ١، ت ٢: \"معنيا\".\n(^٥) بعده في ر: \"حيث قال\".\nوالبيت من أبيات سيبويه التي لا يعلم قائلها، ينظر الكتاب ١/ ٢١٠، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣١١، ٢/ ٢٥، ٣٨، ٣٤٣، والخزانة ٧/ ٥٣٧، ٥٥٩.\n(^٦) في الأصل، ص، ر، وأمالي ابن الشجري، والموضع الأول من الخزانة: \"نصف\". قال صاحب الكشاف - كما في الخزانة ٧/ ٥٦٣ -: أكل في بعض بطنه، إذا كان دون الشبع، وأكل في بطنه، إذا امتلأ وشبع.\n(^٧) في الأصل، ص، ر، والموضع الأول من الخزانة: \"تعيشوا\". وذكر صاحب الخزانة أنها رواية.\n(^٨) في مصادر التخريج: \"زمانكم\".\n(^٩) في ص، م: \"منه\".","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type='title' id=toc-125>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفر: وإنما وصَف نفسَه جلّ ذكرُه بالقُدرةِ على كلِّ شيْءٍ في هذا الموضعِ؛ لأنه حذّر المنافِقين بأسَه وسطْوتَه، وأخبَرهم أنه بهم محيطٌ، وعلى إذهابِ أسماعِهم وأبصارِهم قديرٌ، ثم قال جلّ ذكرُه: فاتَّقوني أيها المنافقون، واحذَرُوا خداعِي وخداعَ رسُولي وأهلِ الإيمانِ بي؛ لا (^١) أُحِلُّ بكم نَقَمِي، فإني على ذلك وعلى غيرِه من الأشياءِ قادرٌ (^٢). ومعنى ﴿قَدِيرٌ﴾: معنى قادرٍ، كما معنى عليمٍ (^٣): عالمٌ. على ما وصفْتُ فيما تقدّم من نظائِرِه مِن زيادةِ معنى \"فعيلٍ\" \"على\" \"فاعلٍ\" في المدحِ والذَّمِّ (^٤).\n\n<span id=\"aya-28\"></span><span data-type='title' id=toc-126>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.</span>\n\nفأمَر جلَّ ثناؤُه الفريقين اللذين أَخْبر عن أحدِهما أنه سواءٌ عليهم أُنْذِروا (^٥) أَمْ لم يُنذَروا (^٦) أنهم لا يؤمنون؛ لطبعِه على قلوبهم وسمعِهم (^٧)، وعن الآخَرِ أنه يُخادِعُ اللهَ والذين آمنوا بما يُبْدي بلسانِه من قيلِه: آمنَّا باللهِ وباليومِ الآخِرِ. مع استبطانِه خلافَ ذلك ومرضِ قلبِه وشكِّه في حقيقةِ ما يُبْدي مِن ذلك، وغيرَهم مِن سائرِ خلقِه المُكلَّفين - بالاستكانةِ والخضوعِ له بالطاعةِ، وإفرادِ الرُّبوبيَّةِ له والعبادةِ دود الأوثانِ والأصنامِ والآلهةِ؛ لأَنَّه جلَّ ذِكرُه هو خالقُهم وخالقُ مَن قبلَهم مِن\n_________\n(^١) في في الأصل: \"لأني\".\n(^٢) في ص، م: \"قدير\".\n(^٣) بعده في ر: \"معنى\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ١٢٥.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢ ت \"أأنذرتهم\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢: \"تنذرهم و\".\n(^٧) بعده في م: \"وأبصارهم\".","vol":"1","page":384},{"text":"آبائِهم وأجدادِهم، وخالقُ أوثانِهم وأصنامِهم وآلهتِهم.\nفقال لهم جلَّ ذِكرُه: فالذي خلَقكم وخلَق آباءَكم وأجدادَكم وسائرَ الخلقِ غيرَكم، وهو يقدِرُ على ضَرِّكم ونَفعِكم، أَوْلى بالطاعةِ ممَّن لا يقدِرُ لكم على نَفْعٍ ولا ضَرٍّ.\nوكان ابنُ عباسٍ فيما رُوِي لنا عنه يقولُ في ذلك نظيرَ ما قُلنا فيه، غيرَ أنه ذُكِر عنه أنه كان يقولُ في معنى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: وحِّدوا رَبَّكم.\nوقد دلَّلنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا على أن معنى العبادةِ؛ الخضوعُ للهِ بالطاعةِ، والتذلُّلُ له بالاستكانةِ (^١).\nوالذي أراد ابنُ عباسٍ - إن شاء اللهُ - بقولِه في تأويلِ قولِه: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: [وحِّدوه. أي] (^٢): أَفْرِدوا الطاعةَ والعبادةَ لرَبِّكم دونَ سائرِ خلقِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال اللهُ جلَّ ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُم﴾: للفريقين جميعًا من الكفارِ والمنافقين، أي: وحِّدوا ربَّكم الذي خلَقكم والذين مِن قبلِكم (^٣).\nوحدَّثني مُوسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرو بنُ حمادٍ، قال حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ١٥٩.\n(^٢) في ص: \"وحدوا له\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٥٩؛ ٦٠ (٢١٥، ٢١٦) من طريق سلمة به.","vol":"1","page":385},{"text":"اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. [يقولُ: خلَقكم وخلَق الذين مِن قبلِكم (^١).\nقال أبو جعفرٍ] (^٢): وهذه الآيةُ مِن أدلِّ الدليلِ على فسادِ قولِ مَن زعَم أن تكليفَ ما لا يُطاقُ إلَّا بمعونةِ اللهِ غيرُ جائزٍ، إلَّا بعدَ إعطاءِ الله المكلَّفَ المعونةَ على ما كلَّفه، وذلك أن اللهَ جلَّ وعزَّ أمَر مَن وصَفْنا بعبادتِه والتوبةِ مِن كفرِه، بعدَ إخبارِه عنهم أنهم لا يؤمنون، وأنهم عن ضلالتهم لا يَرْجِعون.\n\n<span data-type='title' id=toc-127>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾.</span>\nوتأويلُ ذلك: لعلَّكم تَتَّقون بعبادتِكم ربكم الذي خلَقكم، وطاعتِكم إيَّاه فيما أمَركم به ونهاكم عنه، وإفرادِكم له بالعبادةِ (^٣) - سخطَه وغضبَه أن يَحُلَّ عليكم (^٤)، وتكونوا مِن المتقين الذين رَضِي عنهم ربُّهم.\nوكان مجاهدٌ يقولُ في تأويلِ قولِه: ﴿تَتَّقُونَ﴾: تُطيعون.\nحدَّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثني أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. قال: لعلكم تُطيعون (^٥).\nوالذي أظنٌّ أن مجاهدًا أراد بقولِه هذا: لعلكم أن تتَّقوا رَبَّكم بطاعتِكم إيَّاه،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٠ (٢١٧) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"العبادة لتتقوا\"، وفي م: \"بالعبادة لتتقوا\".\n(^٤) في ر: \"بكم\".\n(^٥) تفسير الثوري ص ٤٢، ومن طرف أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٠ (٢٢٠)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤ إلى وكيع وعبد بن حميد وأبي الشيخ.","vol":"1","page":386},{"text":"وإقلاعِكم عن ضلالتِكم.\nفإن قال لنا قائلٌ: وكيف قال جلَّ ثناؤُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أوَ لم يكُن عالمًا بما يصيرُ إليه أمرُهم إذا هم عَبدوه وأطاعوه، حتى قال لهم: لعلكم إذا فعَلتم ذلك أن تَتَّقوا. فأخْرَج الخبرَ عن عاقبةِ عبادتِهم إيَّاه مُخْرَجَ الشكِّ؟\nقيل: ذلك على غيرِ المعنى الذي توهَّمتَ، وإنما معنى ذلك: اعبُدوا ربَّكم الذي خلَقكم والذين مِن قبلِكم لتَتَّقوه بطاعتِه وتوحيدِه وإفرادِه بالرُّبوبيةِ والعبادةِ، كما قال الشاعرُ (^١):\nوقُلْتُمْ لنَا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنا … نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنا كُلَّ مَوْثِقِ\nفلَمَّا كَفَفْنا الحَرْبَ كانَتْ عُهُودُكُمْ … كَلَمْحِ سَرَابٍ في المَلَا (^٢) مُتَألِّقِ\nيريدُ بذلك: قلتم لنا كفُّوا لنكفَّ. وذلك أن \"لعل\" في هذا الموضعِ لو كان شكًّا لم يكونوا وثَّقوا لهم كلَّ مَوْثِقٍ.\n\n<span id=\"aya-29\"></span><span data-type='title' id=toc-128>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾.</span>\n\nوقولُه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ مردودٌ على ﴿الَّذِي﴾ الأَوَّلِ في قولِه: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ وهما جميعًا مِن نعتِ ﴿رَبَّكُمُ﴾. فكأنَّه قال: اعبُدوا ربَّكم الخالِقَكم، والخالقَ الذين مِن قبلِكم، الجاعلَ لكم الأرضَ فِراشًا. يعني بذلك أنه جعَل لكم (^٣) الأرضَ مِهادًا تُوطَأُ، وقرارًا يُستقرُّ عليها. يُذكِّرُ ربُّنا جلَّ ذكرُه بذلك مِن قيلِه، عبادَه (^٤) نعمَه عندَهم وآلاءَه لديهم؛\n_________\n(^١) البيتان في أمالي ابن الشجري ١/ ٥١ غير منسوبين.\n(^٢) في ص، م: \"الفلا\". والفلا والملا: المتسع من الأرض، أو الصحراء الواسعة. اللسان (ف ل و، م ل و).\n(^٣) في ص: \"لهم\".\n(^٤) في م: \"زيادة\".","vol":"1","page":387},{"text":"لِيذكُروا أياديَه عندَهم، فيُنيبوا إلى طاعتِه، تَعطُّفًا منه بذلك عليهم، ورأفةً منه بهم، ورحمةً لهم، مِن غير ما حاجةٍ منه إلى عبادتِهم، ولكن ليُتِمَّ نعمتَه عليهم ولعلَّهم يَهتدُون.\nكما حدَّثني مُوسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالح، عن ابنِ عباسٍ، وعن [مُرَّةَ، عن] (^١) ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾: فهي فِراشٌ يُمشَى عليها، وهي المهادُ والقَرارُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ قال: مهادًا لكم (^٣).\nوحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ أي: مِهادًا (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-129>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وإنما سُمِّيت السماءُ سماءً؛ لعُلُوِّها على الأرضِ، وعلى سُكَّانِها مِن خلْقِه، وكلُّ شيْءٍ كان فوقَ شيْءٍ آخرَ، فهو لما تحتَه سماءٌ. ولذلك قيل لسقفِ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤ إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦١ (٢٢٢) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦١ عقب الأثر (٢٢٢) معلقا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦١ عقب الأثر (٢٢٢) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"1","page":388},{"text":"البيتِ: سماؤُه؛ لأنَّه فوقَه مرتفِعٌ عليه، وكذلك قيل: سما فلانٌ لفلانٍ: إذا أَشْرف له وقصَد نحوَه عاليًا عليه، كما قال الفرزدقُ (^١):\nسَمَوْنا لِنَجْرَانَ اليَمانِي وأهْلِهِ … وَنجْرَانُ (^٢) أرْضٌ لَم تُدَيَّثْ (^٣) مَقاوِلُهْ (^٤)\nوكما قال نابغةُ بني ذُبْيانَ (^٥):\n[سَمَتْ لي نَظْرَةٌ] (^٦) فَرأيْتُ مِنْها … تُحَيْتَ الخِدْرِ (^٧) وَاضِعَةَ القِرَامِ (^٨)\nيريدُ بذلك: أَشْرفتْ لي نظرةٌ وبدَت. فكذلك السماءُ سُمِّيت للأرضِ سماءً؛ لعُلُوِّها وإشرافِها عليها.\nكما حدَّثني مُوسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالك، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾: ابتنى (^٩) السماءَ على الأرضِ كهيئةِ القُبّةِ، وهي سَقْفٌ على الأرضِ (^١٠).\n_________\n(^١) ديوانه ص ٧٣٥.\n(^٢) نجران: من مخاليف اليمن من ناحية مكة. معجم البلدان ٤/ ٧٥١.\n(^٣) تديث: توطأ. وطريق مديث أي مذلل. اللسان (د ى ث).\n(^٤) المقول: الملك من ملوك حمير، والجمع مقاول ومقاولة. اللسان (ق ول).\n(^٥) ديوانه ص ١٥٩.\n(^٦) في الديوان: \"صفحت بنظرة\".\n(^٧) الخدر: ستر يمد للجارية في ناحية البيت. تاج العروس (خ د ر).\n(^٨) القرام: الستر الرقيق. اللسان (ق ر م).\n(^٩) في م: \"فبناء\" وفي ص، ر، ت ١، ت ٢: \"فبنى\"، وفي حاشية الأصل: \"في الأم: فبنى\".\n(^١٠) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤ إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦١ (٢٢٤) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.","vol":"1","page":389},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، غن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ قال: جعَل السماءَ سقفًا لك (^١).\nوإنما ذكَر السماءَ والأرضَ جلَّ ثناؤُه فيما عدَّد عليهم مِن نعَمِه التي أَنْعَمها عليهم؛ لأنَّ منهما أقواتَهم وأرزاقَهم ومعايشَهم، وبهما قِوامُ دنياهم. فأَعْلَمهم أن الذي خلَقهما وخلَق جميعَ ما فيهما وما هم فيه مِن النِّعمِ، هو المستحِقُّ عليهم الطاعةَ، والمستوجِبُ منهم الشكرَ والعبادةَ، دونَ الأصنامِ والأوثانِ التي لا تضُرُّ ولا تنفَعُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-130>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾.</span>\nيعني بذلك أنه جلَّ ثناؤُه أَنْزل مِن السماءِ مطرًا، فأَخْرج بذلك المطرِ ممّا أَنْبتوه (^٢) في الأرضِ مِن زروعِهم وغروسِهم ثمراتٍ رزقًا لهم؛ غِذاءً وأقواتًا. فنبَّههم بذلك جلَّ ثناؤُه على قدريه وسلطانِه، وذَكَّرهم به آلاءَه لديهم، وأنه هو الذي خلَقهم، وهو الذي يرزُقُهم ويكفُلُهم (^٣)، دونَ مَن جعَلوه له نِدًّا وعِدْلًا من الأوثانِ والآلهةِ. ثم زجَرهم عن أن يجعَلوا له نِدًّا مع علمِهم بأنَّ ذلك كما أَخْبَرهم، وأنُّه لا نِدَّ له ولا عِدْلَ، ولا لهم نافعٌ ولا ضارٌّ، ولا خالقٌ ولا رازقٌ سواه.\n\n<span data-type='title' id=toc-131>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: والأندادُ جمعُ نِدٍّ، والنِّدُّ العِدْلُ والمِثْلُ، كما قال حسانُ بنُ\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦١ عقب الأثر (٢٢٤) معلقا.\n(^٢) في ر: \"أثبتوه\".\n(^٣) في ص، ت ٢: \"يكلفهم\".","vol":"1","page":390},{"text":"ثابتٍ (^١):\nأَتَهْجُوه وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ (^٢) … فَشَرٌّ كما لخَيْرِكُما الفِداءُ\nيعني بقولِه: ولستَ له بنِدٍّ: لستَ له بمِثْلٍ ولا عِدْلٍ. وكلُّ شيْءٍ كان نظيرًا لشيءٍ وله شبيهًا، فهو له نِدٌّ.\nكما حَدَّثَنَا بشرٌ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي: عِدْلًا (^٣).\nحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا أبو حُذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي: عِدْلًا (^٤).\nحَدَّثَني مُوسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرٌو، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَرَه عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعود، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾.\nقال: أَكْفَاءً مِن الرجالِ تُطيعونهم في معصيةِ اللهِ (^٥).\nحَدَّثَنِي يونسُ بن عبدِ الأعلى، قال: أَخْبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في\n_________\n(^١) ديوانه ص ٧٦.\n(^٢) في الديوان: \"بكفو\".\n(^٣) في م: \"عدلاء\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥ إلى المصنّف.\n(^٤) في م: \"عدلاء\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥ إلى المصنّف ووكيع وعبد بن حميد. وأخرجه الثوري في تفسيره ص ٤٢ عن مجاهد. وستأتي بقيته في ص ٣٩٤.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤، ٣٥ إلى المصنّف عن ابن مسعود وحده.","vol":"1","page":391},{"text":"قولِ اللهِ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾. قال: الأندادُ الآلهةُ التي جعَلوها معه، وجعَلوا لها مثلَ ما جعَلوا له.\nوحُدِّثت عن المِنْجابِ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ عُمارةِ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ قال: أشْباهًا (^١).\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ سِنانٍ القزازُ، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن شَبيبٍ، عن عكرمةَ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾: أن تقولوا: لولا كلبُنا لدخَل علينا اللصُّ الدارَ، ولولا كلبُنا (^٢) في الدارِ. ونحو هذا (^٣).\nفنهاهم اللهُ جلَّ ذكرُه أن يُشرِكوا به شيئًا، وأن يعبُدوا غيرَه، أو يتَّخِذوا له نِدًّا أو عِدْلًا في الطاعةِ، فقال: كما لا شريكَ لي في خلقِكم، وفي رزقِي (^٤) الذي أَرْزُقُكم، ومِلْكي إيَّاكم، ونِعْمتي التي أنعمتُها عليكم، فكذلك فأَفْردوا لي الطاعةَ، وأَخْلِصوا لي العبادةَ، ولا تجعَلوا لي شريكًا ونِدًّا مِن خَلْقي، فإنكم تعلمون أن كُلَّ نعمةٍ عليكم فمنِّي.\n\n<span data-type='title' id=toc-132>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اخْتَلف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بها جميعُ المشركين مِن مُشرِكي العربِ وأهلِ الكتابِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٢ (٢٢٨) عن أبي زرعة، عن المنجاب به.\n(^٢) بعده في ص، ر، م، ت ١، ت ٢: \"صاح\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٢ (٢٢٩) من طريق إلى عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس، مطولًا. وينظر مسند أحمد ٣/ ٣٣٩ (١٨٣٩)، وتفسير ابن كثير ١/ ٨٧.\n(^٤) في م، ت ٢: \"رزقكم\".","vol":"1","page":392},{"text":"وقال بعضُهم: عُنِي بذلك أهل الكتابَينْ التوراةِ والإنجيلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-133>ذكرُ مَن قال: عُنِي بها جميعُ عَبَدةِ الأوثانِ مِن العربِ وكفارِ أهلِ الكتابيْن</span>\nحَدَّثَنَا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نزَل ذلك في الفريقَينْ جميعًا مِن الكفارِ والمنافِقين، وإنَّما عنَى بقولِه: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لا تُشرِكوا باللهِ غيرَه مِن الأندادِ التي لا تنفَعُ ولا تضُرُّ، وأنتم تعلمون أنه لا ربَّ لكم يرزُقكم غيرُه، وقد علِمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسولُ مِن توحيدِه هو الحقُّ لا شكَّ فيه (^١).\nحَدَّثَنَا بشرٌ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلَمون أن اللهَ خلَقكم وخلَق السماواتِ والأرضَ، ثم تجعَلون له أندادًا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-134>ذكرُ من قال: عُنِي بذلك أهلُ الكتابَيْن</span>\nحَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه إلهٌ واحدٌ في التوراةِ والإنجيلِ (^٣).\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٣. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٢ (٢٣١) من طريق سلمة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٢ (٢٣٣) من طريق يزيد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٢ (٢٣٢) من طريق سفيان به.","vol":"1","page":393},{"text":"وحدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا قَبِيصةُ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nوحدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: وأنتم تعلَمون أنه لا نِدَّ له في التوراةِ والإنجيلِ.\nقال أبو جعفرٍ: وأحسَبُ أن الذي دعا مجاهدًا إلى هذا التأويلِ، وإضافةِ ذلك إلى أنه خطابٌ لأهلِ التوراةِ والإنجيلِ دونَ غيرِهم، الظنُّ منه بالعربِ أنَّها لَمْ تكُنْ تعلَمُ أن اللهَ خالِقُها ورازِقُها بجحودِها وحدانيةَ رَبِّها، وإشراكِها معه في العبادةِ غيرَه، وإن ذلك لقولٌ، ولكنَّ اللهَ جلَّ ذكرُه قد أَخْبَر في كتابِه عنها أنَّها كانت تُقِرُّ بوحدانيتِه، غيرَ أنَّها كانت تُشرِكُ في عبادتِه ما كانت تُشركُ فيها، فقال تعالى ذِكرُه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. وقال تعالى ذِكرُه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس: ٣١].\nقال أبو جعفرٍ: والذي هو أَوْلى بتأويلِ قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ - إذ كان ما كان عندَ العربِ مِن العلمِ بوحدانيةِ اللهِ جلَّ وعزَّ، وأنه مُبدِعُ الخلقِ وخالِقُهم ورازِقُهم، نظيرَ الذي كان مِن ذلك عندَ أهلِ الكتابَيْن، ولم يكنْ في الآيةِ دَلالةٌ على أنَّ اللهَ عَنى بقولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أحدَ الحزبَيْن، بل مَخرَجُ الخِطابِ بذلك عامٌّ للناسِ كافَّةً (^٢)؛ لأنه تحدَّى الناسَ كلَّهم بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ\n_________\n(^١) تفسير الثوري ص ٤٢. وهذا الأثر تتمة الأثر المتقدم في ص ٣٩١.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢: \"لهم\".","vol":"1","page":394},{"text":"اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ - أن يكونَ تأويلُه ما قاله ابنُ عباسٍ وقتادةُ، مِن أنَّه معنيٌّ بذلك كلُّ مُكلَّفٍ عالمٍ بوحدانيةِ اللهِ وأنه لا شريكَ له في خلقِه، يشركُ (^١) معه في عبادتِه (^٢)، كائنًا مَن كان مِن الناسِ، عَربيًّا كان أو أعجميًّا، كاتبًا (^٣) أو أميًّا، وإن كان الخِطابُ لكفارِ أهلِ الكتابِ الذين كانوا حَوالَىْ دارِ هجرةِ رسولِ اللهِ ﷺ، وأهلِ النِّفاقِ منهم، وممن بينَ ظهرانَيْهم ممن كان مشركًا فانْتَقل إلى النِّفاقِ بِمَقْدَمِ رسولِ اللهِ ﷺ عليهم.\n\n<span id=\"aya-30\"></span><span data-type='title' id=toc-135>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾.</span>\n\nقال أبو جعفرٍ: وهذا مِن اللهِ جل ثناؤُه احتجاجٌ لنبيِّه محمدٍ ﷺ على مُشرِكي قومِه مِن العربِ ومُنافقيهم، وكفارِ أهلِ الكتابِ وضُلَّالِهم الذين افْتَتَح بقصصِهم قولَه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ وإيَّاهم يُخاطِبُ بهذه الآياتِ، [وضُرباءَهم يعني بها] (^٤)، قال اللهُ جلَّ ثناؤُه لهم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ﴾ أيها المشركون مِن العربِ والكفارِ مِن أهلِ الكتابَيْن، إنْ كنتم في شكٍّ، وهو الرَّيبُ، ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ محمدٍ ﷺ مِن النورِ والبرهانِ وآياتِ الفرقانِ، أنه مِن عندِي، وأَنِّي الذي أنْزلتُه إليه، فلم تؤمنوا به، ولم تصدِّقوه فيما يقولُ، فأْتوا بحُجةٍ تدفَعُ حُجتَه؛ لأنكم تعلَمون أن حجةَ كلِّ ذي نبوَّةٍ على صدقِه في دَعْواه النبوَّةَ أن يأتيَ ببرهانٍ يَعجِزُ عن أن يأتِيَ بمثلِه جميعُ الخلقِ. ومن حجةِ محمدٍ ﷺ\n_________\n(^١) في الأصل: \"مشرك\".\n(^٢) بعده في ص، ر، م، ت ١، ت ٢: \"غيره\".\n(^٣) في ص، ر، ت ٢: \"كتابيا\".\n(^٤) في م: \"وأخبر بأهم نعوتها\".","vol":"1","page":395},{"text":"على صِدْقِه، وبرهانِه على حقيقةِ نبوَّتِه، وأن ما جاء به مِن عندي، عجزُ جميعِكم وجميعِ مَن تستعينون به مِن أعوانِكم وأنصارِكم عن أن تأتوا بسورةٍ مِن مثلِه، وإذا عجَزتم عن ذلك وأنتم أهلُ البراعةِ في الفصاحةِ والبلاغةِ والذَّرابةِ (^١)، فقد علِمتم أن غيرَكم عما عجَزتم عنه مِن ذلك أعجَزُ، كما كان برهانُ مَن سلَف مِن رُسُلي وأنبيائي على صدْقِه، وحُجتُه على نبوَّتِه مِن الآياتِ ما يعجِزُ عن الإتيانِ بمثلِه جميعُ خلقي. فتقرَّر حينئدٍ عندَكم أن محمدًا ﷺ لَمْ يتقوَّلْه ولم يختلِقْه، لأنَّ ذلك لو كان منه اختلاقًا وتقوُّلًا لَمْ تعجِزوا وجميعُ خَلْقِي (^٢) عن الإتيانِ بمثلِه؛ لأنَّ محمدًا ﷺ لَمْ يَعْدُ أن يكونَ بشرًا مثلَكم، وفي مثلِ حالِكم في الجسمِ وبَسْطةِ الخَلقِ وذَرابةِ اللسانِ، فيُمكِن أن يُظنَّ به اقتدارٌ على ما عجَزتم عنه، أو يُتوهَّمَ منكم (^٣) عجزٌ عما اقْتَدر عليه.\nثم اخْتلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ (^٤) قولِه: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾؛ فحَدَّثَنَا بشرٌ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ يعني بذلك: مِن مثلِ هذا القرآنِ حقًّا وصدقًا، لا باطلَ فيه ولا كَذِبَ (^٥).\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أَخْبرنا مَعْمرٌ، عن\n_________\n(^١) في م: \"الدرابة\".\nوالذرابة: حِدَّةُ نحوِ السيف والسنان، وتستعار لطلاقة اللسان مع عدم اللكنة. التاج (ذ ر ب).\n(^٢) في م: \"خلقه\".\n(^٣) في ص: \"فيكم\".\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٣ (٢٣٨) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"1","page":396},{"text":"قتادةَ في قولِه: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾. يقولُ: بسورةٍ من (^١) مثلِ هذا القرآنِ (^٢).\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عميرو الباهليُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، قال: حَدَّثَنَا عيسى ابنُ ميمونٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾: مثلِ القرآنِ (^٣).\nحَدَّثَنَا المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا أبو حُذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ بن داودَ، قال: حَدَّثَنَا حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ قال: ﴿مِثْلِهِ﴾ مثل القرآنِ.\nفمعنى قولِ مجاهدٍ وقتادةَ الذي ذكَرناه عنهما أن اللهَ جلَّ ذِكْرُه قال لمن حاجَّه لنبيِّه (^٤) محمدٍ ﷺ مِن الكفارِ: فأتوا بسورةٍ مِن مثلِ هذا القرآنِ، مِن كلامِكم أيَّتُها العربُ، كما أتَى به محمدٌ بلغاتِكم ومعاني منطقِكَم.\nوقد قال قومٌ آخرون: إن معنى قولِه: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾: مِن مثلِ محمدٍ مِن البشرِ؛ لأنَّ محمدًا بشرٌ مثلُكم.\nوالتأويلُ الأَوَّلُ الذي قاله مجاهدٌ وقتادةُ هو التأويلُ الصحيحُ؛ لأنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه قال في سورةٍ أُخرى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾\n_________\n(^١) زيادة من: الأصل.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥ إلى عبد الرزاق.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٣ (٢٣٧) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٤) في م: \"في نبيه\".","vol":"1","page":397},{"text":"[يونس: ٣٨]. ومعلومٌ أن السورةَ ليست لمحمدٍ بنظيرٍ ولا شبيهٍ فيجوزَ أن يقالَ: فأْتوا بسورةٍ مثلِ محمدٍ.\nفإن قال لنا قائلٌ: إنك ذكَرت أن اللهَ عَنى بقولِه: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾: مِن مثلِ هذا القرآنِ، فهل للقرآنِ مِن مثلٍ فيقالَ: ائتوا بسورةٍ مِن مثلِه؟\nقيل: إنه لم يَعنِ به: ائتوا بسورةٍ مِن مثلِه في التأليفِ والمعاني التي بايَن بها سائرَ الكلامِ غيرَه. وإنما عَنَى: ائتوا بسورةٍ مِن مثلِه في البيانِ، لأن القرآنَ أَنْزله اللهُ بلسانٍ عربيٍّ، وكلامُ العربِ - لا شكَّ - له مثلٌ في معنى العربيةِ، فأما في المعنى الذي بايَن به القرآنُ سائرَ كلامِ المخلوقين، فلا مثلَ له مِن ذلك الوجهِ ولا نظيرَ ولا شبيهَ.\nوإنما احْتَجَّ جلَّ ثناؤُه عليهم لنبيِّه محمدٍ ﷺ بما احْتَجَّ به (^١) له عليهم مِن القرآنِ، إذ ظهَر عجزُ القومِ عن أن يأتوا بسورةٍ مِن مثلِه في البيانِ، إذ كان القرآنُ بيانًا مثلَ بيانِهم، وكلامًا نزَل بلسانِهم، فقال لهم جلَّ ثناؤُه: وإن كنتم في ريبٍ مِن أن ما أَنْزلتُ على عبدِي مِن القرآنِ مِن عندِي، فأْتوا بسورةٍ مِن كلامِكم الذي هو مثلُه في العربيةِ، إذ كنتم عربًا، وهو بيانٌ نظيرُ بيانِكم، وكلامٌ شبيهُ كلامِكم. فلم يُكلِّفْهم جلَّ ثناؤُه أن يأتوا بسورةٍ مِن غيرِ اللسانِ الذي هو نظيرُ اللسانِ الذي نزَل به القرآنُ، فيقدِروا أن يقولوا: كلَّفْتنا ما لو أحسنَّاه أتينا به، وإنا لا نقدِرُ على الإتيانِ به؛ لأنا لسنا مِن أهلِ اللسانِ الذي كلَّفتَنا الإتيانَ به، فليس لك علينا بهذا حجةٌ؛ لأنا وإن عجزنا عن أن نأتِيَ بمثلِه مِن غيرِ ألسُنِنا - لأنا لسنا مِن أهلِه - ففي الناسِ خلقٌ كثيرٌ مِن غيرِ أهلِ لسانِنا يقدِرُ على أن يأتِيَ بمثلِه مِن اللسانِ الذي كلَّفتنا الإتيانَ به. ولكنه جلَّ ثناؤُه قال لهم: ائتوا بسورةٍ مِن مثلِه؛ لأن مثلَه مِن الألسُنِ ألسنُكم،\n_________\n(^١) سقط من: م.","vol":"1","page":398},{"text":"وأنتم - إن كان محمدٌ اخْتَلقه وافْتَراه - إذا اجتَمَعتم وتظاهَرتم على الإتيانِ بمثلِ سورةٍ منه مِن لسانِكم وبيانِكم، أقدرُ على اختلاقِه ورصفِه (^١) وتأليفِه مِن محمدٍ ﷺ، وإن لم تكونوا أقدرَ عليه منه، فلن تعجِزوا وأنتم جميعٌ عما قدَر عليه محمدٌ مِن ذلك وهو وحيدٌ (^٢)، إن كنتم صادقين في دَعْواكم وزعمِكم أن محمدًا افْتَراه واخْتَلَقه وأنه مِن عندِ غيري.\n\n<span data-type='title' id=toc-136>[القولُ في تأويلِ قولِه جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ (^٣).</span>\n\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ فقال ابنُ عباسٍ ما حدَّثنا به محمدُ بن حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمَةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعني: أعوانَكم على ما أنتم عليه إن كنتم صادقين (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي (^٥) نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾: ناسٌ يَشْهَدون لكم (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"وضعه\".\n(^٢) في م: \"وحده\".\n(^٣) زيادة من: الأصل.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٣، ٥٣٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٣، ٦٤ (٢٤٠) من طريق سلمة به.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ١٩٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٤ (٢٤٢).","vol":"1","page":399},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، عن شبلٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ، قال: قومٌ يَشهَدون لكم.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ قال: ناسٌ يَشْهَدون. قال ابنُ جُريجٍ: ﴿شُهَدَاءَكُمْ﴾ عليها إذا أتيتم بها أنها مثلُه؛ مثلُ القرآنِ. وذلك قولُ اللهِ لمن شكَّ مِن الكفارِ فيما جاء به محمدٌ ﷺ (^١).\nوقولُه: ﴿وَادْعُوا﴾ يعني: اسْتَنصروا واستَعينُوا، كما قال الشاعرُ (^٢): فَلَمَّا الْتَقَمتْ فُرْسانُنا ورَجِالُهُم … دَعَوْا يا لَكَعْبٍ (^٣) واعْتَزَيْنا (^٤) لِعامِرِ يعني بقولِه: دَعَوا يا لَكَعْبٍ: اسْتَنصروا كعبًا واستغاثوا (^٥) بهم.\nوأما الشهداءُ، فإنها جمعُ شهيدٍ، كما الشركاءُ جمعُ شريكٍ، والخطباءُ جمعُ خطيبٍ. والشهيدُ يُسمَّى به الشاهدُ على الشيْءِ لغيرِه بما يُحقِّقُ دَعْواه، وقد يُسمَّى به المُشاهِدُ للشيْءِ، كما يقالُ: فلانٌ جليسُ فلانٍ، يَعْنِي به مُجالِسَه، ونديمُه، يَعْنِي به مُنادِمَه، وكذلك يقالُ: شهيدُه. يَعْني به مُشاهِدَه.\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٦٣ (٢٣٦).\n(^٢) البيت المراعي النميري، وهو في ديوانه ص ١٤٥.\n(^٣) في الديوان: \"لكلب\".\n(^٤) اعتزى: انتسب، صدقًا كان أو كذبًا. اللسان (ع ز و).\n(^٥) في ر، م: \"استعانوا\".","vol":"1","page":400},{"text":"فإذا كانت الشهداءُ مُحْتَمِلةً أن تكونَ جمعَ الشهيدِ الذي هو منصرِفٌ للمعنَيَيْن اللذين وصفتُ، فأَوْلى وجهيه بتأويلِ الآيةِ ما قاله ابنُ عباسٍ، وهو أن يكونَ معناه: واستنصِروا على أن تأتوا بسورةٍ مِن مثلِه أعوانَكم وشهداءَكم الذين يُشاهدونكم ويُعاونونكم على تكذيبِكم اللهَ ورسولَه، ويُظاهرونكم على كفرِكم ونفاقِكم، إن كنتم محقِّين في جحودِكم أن ما جاءكم به محمدٌ ﷺ اختلاقٌ وافتراءٌ؛ لتمتحنوا أنفسَكم وغيرَكم: هل تقدِرون على أن تأتوا بسورةٍ مِن مثلِه، فيقدِرَ محمدٌ على أن يأتِيَ بجميعِه من قِبَلِ نفسِه اختلاقًا؟\nوأما ما قاله مجاهدٌ وابنُ جُريجٍ في تأويلِ ذلك، فلا وجهَ له؛ لأن القومَ كانوا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ أصنافًا ثلاثةً؛ أهلَ إيمانٍ صحيحٍ، وأهلَ كفرٍ صحيحٍ، وأهلَ نفاقٍ بينَ ذلك. فأهلُ الإيمانِ كانوا باللهِ وبرسولِه مؤمنين، فكان مِن المُحالِ أن يَدَّعيَ الكفارُ أن لهم شهداءَ - على حقيقةِ ما كانوا يأتُون به، لو أتَوا باختلاقٍ مِن الرسالةِ، ثم ادَّعَوا أنه للقرآنِ نظيرٌ - مِن المؤمنين. فأما (^١) أهلُ النفاقِ والكفرِ، فلا شكَّ أنهم لو دُعُوا إلى تحقيقِ الباطلِ وإبطالِ الحقِّ لسارعوا إليه مع كفرِهم وضلالتِهم، فمن أيِّ الفِرَقِ (^٢) كانت تكونُ شهداؤُهم لو ادَّعَوا أنهم قد أتَوا بسورةٍ مِن مثلِ القرآنِ؟\nولكن ذلك كما قال اللهُ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].\nفأَخْبر جلَّ ثناؤُه في هذه الآيةِ أن مثلَ القرآنِ لا يأتي به الجنُّ والإِنسُ ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيانِ به، وتحدَّاهم بمعنى التوبيخِ لهم في سورةِ \"البقرة\"، فقال:\n_________\n(^١) بعده في الأصل، ر، ت ١، ت ٣: \"من\".\n(^٢) في م: \"الفريقين\".","vol":"1","page":401},{"text":"﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. يعني بذلك: إن كنتُم في شَكٍّ في صِدْقِ محمدٍ ﷺ فيما جاءكم به مِن عندي أنه مِن عندي، فَأْتُوا بسورةٍ من مثلِه، ولْيستَنْصِرْ بعضُكم بعضًا على ذلك، إن كنتم صادقين في زعمِكم، حتى تعلَموا أنكم إذ عجَزتم عن ذلك، أنه لا يقدِرُ على أن يأتيَ به محمدٌ ﷺ ولا مِن البشرِ أحدٌ، ويصحَّ عندَكم أنه تنزيلي ووَحْيي إلى عبدي.\n\n<span id=\"aya-31\"></span><span data-type='title' id=toc-137>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾.</span>\n\nويعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾: إن لم تأتوا بسورةٍ مِن مثلِه، وقد تظاهرتم أنتم وشركاؤُكم. عليه وأعوانُكم، فتبيَّن لكم بامتحانِكم واختبارِكم عَجْزُكم وعجزُ جميعِ خلقي عنه، وعلِمتم أنه مِن عندي، ثم أقَمْتم على التكذيبِ به.\nوقولُه: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ أي: ولن تأتوا بسورةٍ مِن مثلِه أبدًا.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ أي: لا تقدِرون على ذلك ولا تُطيقونه (^١).\nوحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾: [قد تبيَّنَ] (^٢) لكم الحقُّ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٤ (٢٤٣) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة به بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ص، ر، م: \"فقد بين\"، وضبطه في ر: \"بُين\" بضم الباء.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type='title' id=toc-138>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾: فاتَّقُوا أن تَصْلَوا النارَ بتكذيبِكم رَسُولي، بما جاءَكم به مِن عندي أنه مِن وَحْيي وتنزيلي، بعدَ تبيُّنِكم أنه كتابي ومن عندي، وقيامِ الحجةِ عليكم بأنه كلامي ووَحْيي، بعَجْزِكم وعَجْزِ جميعِ خَلْقي عن أن يأتُوا بمثلِه.\nثم وصَف جلَّ ذكرُه النارَ التي حذَّرهم صِلِيَّها، فأَخْبَرهم أن الناسَ وَقودُها، وأَن الحجارةَ وَقودُها، فقال: ﴿الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ يعني بقولِه: ﴿وَقُودُهَا﴾: حَطَبُها، والعربُ تجعَلُه مصدرًا، وهو اسمٌ إذا فتَحْتَ الواوَ بمنزلةِ الحطبِ، فإذا ضمَمْتَ الواوَ مِن \"الوقودِ\" كان مصدرًا مِن قولِ القائلِ: وقَدَت النارُ، فهي تقِدُ وُقودًا وقِدَةً ووَقَدانًا ووَقْدا، يُرادُ بذلك أنها التهبَتْ.\nقال أبو جعفرٍ: فإن قال قائلٌ: وكيف خُصَّت الحجارةُ فقُرِنت بالناسِ، حتى جُعلَت لنارِ جَهنَّمَ حطبًا؟ قيل: إنها حجارةُ الكِبْرِيتِ، وهي أشدُّ الحجارةِ فيما بلغَنا حرًّا إِذا أُحْمِيت.\nكما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، عن مِسعرٍ، عن عبدِ الملكِ بنِ ميسرةَ الزرَّادِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ قال: هي حجارةٌ مِن كِبريتٍ خلَقها اللهُ يومَ خلَق السماواتِ والأرضَ في السماءِ الدنيا يُعدُّها للكافرين (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٤ (٢٤٤)، والطبراني في الكبير (٩٠٢٦)، والحاكم ٢/ ٢٦١، ٤٩٤، والبيهقي في البعث والنشور (٥٠٣) من طريق مسعر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٦ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر. وينظر تفسير الثوري ص ٤٢.","vol":"1","page":403},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيينةَ، عن مِسعرٍ، عن عبدِ الملكِ الزرَّادِ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، عن ابنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ قال: حجارةُ الكِبْريتِ جعَلها اللهُ كما شاء (^١).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾: أما الحجارةُ فهي حجارةٌ في النارِ مِن كِبْريتٍ أسودَ يُعذَّبون به مع النارِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ في قولِه: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ قال: حجارةٌ مِن كِبْريتٍ أسودَ في النارِ. قال: وقال لي عمرُو بنُ دينارٍ: حجارةٌ أصلَبُ مِن هذه وأعظمُ (^٣).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن مسعرٍ، عن عبدِ الملكِ بنِ ميسرةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: حجارةُ (^٤) الكبريتِ. قال (^٥): خلَقها اللهُ عندَه كيف شاء وكما شاء (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٦ إلى عبد الرزاق.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٨٩ عن السدي به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٤ (٢٤٥) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٨٩ عن ابن جريج به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٥ (٢٤٧) من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار به.\n(^٤) بعده في م: \"من\".\n(^٥) سقط كما: ص، ر، م، ت ١، ت ٢.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٤ (٢٤٤)، والطبراني (٩٠٢٦)، والحاكم ٢/ ٢٦١ من طرق عن مسعر به.","vol":"1","page":404},{"text":"<span data-type='title' id=toc-139>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿أُعِدَّت لِلْكَفِرِينَ (٢٤)﴾.</span>\nقد دلَّلنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا على أنَّ الكافرَ في كلامِ العربِ هو الساترُ شيئًا بغطاءٍ، وأَن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما سَمَّى الكافرَ كافرًا لجحودِه آلاءَه عندَه، وتغطيتِه نَعْماءَه قِبَله (^١).\nفمعنى قولِه إذن: ﴿أُعِدَّت لِلْكَفِرِينَ﴾: أُعِدَّت النارُ للجاحدين أن اللهَ ربُّهم، المتوحِّدُ بخلقِهم وخلْقِ الذين مِن قبلِهم، الذي جعَل لهم الأرضَ فِراشًا، والسماءَ بناءً، وأَنْزَل مِن السماءِ ماءً، فأَخْرج به مِن الثمراتِ رزقًا لهم، المشركين معه في عبادتِه الأندادَ والآلهةَ، وهو المتفرِّدُ لهم بالإنشاءِ، والمتوحِّدُ بالأقواتِ والأرزاقِ.\nكما حَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسِ: ﴿أُعِدَّت لِلْكَفِرِينَ﴾ أي: لمن كان على مثلِ ما أنتم عليه مِن الكفرِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-32\"></span><span data-type='title' id=toc-140>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.</span>\n\nقال أبو جعفرٍ: أما قولُه: ﴿وَبَشِّرِ﴾. فإنه يعني: أَخْبِرْهم. والبشارةُ أصلُها الخبرُ بما (^٣) يُسَرُّ به المخبَرُ، إذا كان سابقًا به كلَّ مخبَرٍ سواه.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٢٦٢.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٥ (٢٤٨) من طريق سلمة به.\n(^٣) بعده في الأصل: \"بشر\".","vol":"1","page":405},{"text":"وهذا أمرٌ مِن اللهِ نبيَّه محمدًا ﷺ بإبلاغِ بشارته خلقَه الذين آمنوا به وبمحمدٍ ﷺ وبما جاء به مِن عندِ ربِّه، وصدَّقوا إيمانَهم ذلك وإقرارَهم بأعمالِهم الصالحةِ، فقال له: يا محمدُ، بشِّرْ مَن صدَّقك أنك رسولي، وأَنَّ ما جئتَ به مِن الهدى والنورِ فمن عندي، وحقَّق تصديقَه ذلك قولًا بأداءِ الصالحِ مِن الأعمالِ التي افترضْتُها عليه، وأوجبتُها في كتابي على لسانِك عليه - أن له جناتٍ تَجرى مِن تحتِها الأنهارُ، خاصَّةً، دونَ مَن كذَّب بك (^١)، وأنكَر ما جئتَه به مِن الهُدَى مِن عندي، وعانَدك، ودونَ مَن أَظْهَر تصديقَك وأقرَّ بأن ما جئتَه به فمِن عندي، قولًا، وجحَده اعتقادًا ولم يحقِّقْه عملًا، فإن لأولئك النارَ التي وَقودُها الناسُ والحجارةُ مُعَدّةً عندي.\nوالجناتُ جِماعُ جَنَّةٍ، والجنةُ البُستان.\nوإنما عَنَى جلَّ ذكرُه بذكرِ الجَنَّةِ ما في الجَنَّةِ مِن أشجارِها وثمارِها وغروسِها دونَ أرضِها، فلذلك قال: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾؛ لأنه معلومٌ أنه إنما أراد جلَّ ثناؤُه الخبرَ عن ماءِ أنهارِها أنه جارٍ تحتَ أشجارِها وغروسِها وثمارِها، لا أنه جارٍ تحتَ أرضِها؛ لأنَّ الماءَ إذا كان جاريًا تحتَ الأرضِ، فلا حظَّ فيها لعيونِ مَن فوقَها إلَّا بكشفِ الساترِ بينَه وبينَها. على أنَّ الذي تُوصَفُ به أنهارُ الجَنَّةِ أنَّها جاريةٌ في غيرِ أخاديدَ.\nكما حَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن أبي عُبيدةَ، عن مسروقٍ، قال: نخلُ الجَنَّةِ نَضيدٌ مِن أصلِها إلى فرعِها، وثمرُها أمثالُ القِلالِ، كلَّما نُزِعتْ ثمرةٌ عادت مكانَها أُخرَى، وماؤُها يَجري في غيرِ أخدودٍ (^٢).\n_________\n(^١) في الأصل: \"به\".\n(^٢) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٣٢٠) من طريق الثوري به. وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجَنَّة =","vol":"1","page":406},{"text":"حَدَّثَنَا مجاهدُ بنُ موسى، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا مِسعرُ بنُ كِدامٍ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن أبي عُبيدةَ بنحوِه (^١).\nحَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ مهديٍّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، قال: سمعتُ عمرَو بنَ مُرَّةَ يحدِّثُ عن أبي عُبيدةَ. فذكَر مثلَه. قال: فقلت لأبى عُبيدةَ: من حدَّثك؟ فغضِب وقال: مسروقٌ (^٢).\nفإذا كان الأمرُ كذلك في أن أنهارَها جاريةٌ في غيرِ أخاديدَ، فلا شكَّ أن الذي أُريدَ بالجناتِ أشجارُ الجناتِ وغروسُها وثمارُها دونَ أرضِها، إذ كانت أنهارُها تَجري فوقَ أرضِها وتحتَ غُروسِها وأشجارِها، على ما ذكَره مسروقٌ، وذلك أَوْلى بصفةِ الجَنَّةِ من أن تكونَ أنهارُها جاريةً تحتَ أرضِها.\nوإنما رغَّب اللهُ بهذه الآيةِ عبادَه في الإيمانِ، وحضَّهم على عبادتِه بما أَخْبَرهم أنه أَعدَّه لأهلِ طاعتِه والإيمانِ به عندَه، كما حذَّرهم في الآيةِ التي قبلَها بما أَخْبَر من إعدادِه ما أعدَّ لأهلِ الكفرِ به والجاعلين معه الآلهةَ والأندادَ من عقابِه عن إشراكِ غيرِه معه، والتعرُّضِ لعقوبتِه بركوبِ معصيتِه وتركِ طاعتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-141>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾.</span>\nيعني بقولِه جلَّ ذكرُه: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا﴾: من الجناتِ. والهاءُ راجعةٌ\n_________\n= (٤٩) من طريق عمرو بن مرة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٨ إلى هناد وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٩٧ من طريق مسعر به.\n(^٢) أخرجه حسين المروزي وابن صاعد في زوائدهما على الزهد لابن المبارك (١٤٨٩، ١٤٩٠)، وأبو نعيم في صفة الجَنَّة (٣١٥) من طريق ابن مهدي به.","vol":"1","page":407},{"text":"على الجناتِ، وإنما المَعنِيُّ أشجارُها. فكأنه قال: كُلَّما رُزقوا من أشجارِ البساتينِ التي أعدَّها اللهُ للذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ في جناتِه من ثمرةٍ من ثمارِها رزقًا، قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبلُ.\nثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: هذا الذي رُزقنا مِن قبلُ (^١) في الدنيا.\nذكرُ من قال ذلك\nحَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾. قال: إنهم أُتوا بالثمرِ في الجَنَّةِ، [فلما نظَروا] (^٢) إليها قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبلُ في الدنيا (^٣).\nوحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾: في الدنيا.\nوحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾.\n_________\n(^١) بعده في ص، ر، م، ت ١، ت ٢: \"هذا\".\n(^٢) في ص: \"فنظروا\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٩٠ عن السدي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٨ إلى المصنّف عن ابن مسعود، وناسٍ من الصحابة. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٦ (٢٥٧) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.","vol":"1","page":408},{"text":"يقولون: ما أشبهَه به (^١).\n[وحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنَا حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (^٢).\nوحَدَّثَنِي يونسُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدِ: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾: في الدنيا. قال (^٣): ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾: يعرِفونه (^٤).\nوقال آخرون: تأويلُ ذلك: هذا الذي رُزِقنا من [قَبلُ مِن] (^٥) ثمارِ الجَنَّةِ مِن قبلِ هذا؛ لشدةِ مشابهةِ بعضِ ذلك بعضًا في اللونِ والطعمِ. ومن علةِ قائلي هذا القولِ أن ثمارَ الجَنَّةِ كلَّما نُزِع منها شيْءٌ عاد مكانَه آخرُ مثلُه.\nكما حَدَّثَنَا ابنُ بشارٍ، قال: حَدَّثَنِي ابنُ مهديٍّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ مُرَّةَ يحدِّثُ عن أبي عُبيدةَ (^٦)، قال: نخلُ الجَنَّةِ نَضيدٌ من أصلِها إلى فرِعها، وثمرُها أمثالُ القِلالِ، كلما نُزِعتْ منها ثمرةٌ عادتْ مكانَها أُخرَى (^٧).\nقالوا: فإنما اشْتَبهت عندَ أهلِ الجَنَّةِ لأنَّ التي عادت نطيرةُ التي نُزِعتْ فأُكِلَت،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ١٩٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٦ (٢٥٨) بزيادة: يقول: من كل صنف مثل. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: ر.\n(^٣) في ص: \"قالوا\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٩٠ عن ابن زيد.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢.\n(^٦) بعده في ر: \"وذكر ثمار الجَنَّة\".\n(^٧) تقدم تخريجه في ص ٤٠٦.","vol":"1","page":409},{"text":"في كلِّ معانيها. قالوا: ولذلك قال اللهُ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾؛ لاشتباهِ جميعِه في كلِّ معانيه.\nوقال بعضُهم: بل قالوا: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾؛ لمشابهتِه الذي قبلَه في اللونِ وإن خالفه في الطعمِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحَدَّثَنَا القاسمُ بنُ الحسيِن، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حَدَّثَنَا شيخٌ من المَصِّيصَةِ (^١)، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى بنِ أبي كَثيرٍ، قال: يُؤْتَى أحدُهم بالصَّحْفةِ فيأكُلُ منها، ثم يُؤْتَى بأُخْرَى فيقولُ: هذا الذي أُتِينا به مِن قبلُ. فيقولُ الملَكُ: كُلْ، فاللونُ واحدٌ والطعمُ مُختَلِفٌ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وهذا التأويلُ مذهبٌ مِن تأويلِ (^٣) الآيةِ، غيرَ أنه يدفَعُ صحَّتَه ظاهرُ التلاوةِ. والذي يدلُّ على صحتِه ظَاهرُ الآيةِ ويُحقِّقُ صحَّتَه (^٤) قولُ القائلين: إن معنى ذلك: هذا الذي رُزِقنا مِن قبلُ في الدنيا. وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه قال: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾. فأَخْبَر جلَّ ثناؤُه أن مِن قِيلِ أهلِ الجنَّةِ كُلَّما رُزِقوا مِن ثمرِ الجَنَّةِ رزقًا أن يقولوا: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾. ولم يَخْصُصْ بأن ذلك من قيلِهم في بعضِ ذلك دونَ بعضٍ، فإذ كان قد أَخْبَر جلَّ ذكرُه عنهم أن\n_________\n(^١) المصيصة: مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب طرسوس. معجم البلدان ٤/ ٥٥٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٧ (٢٦١) من طريق عامر بن يساف، عن يحيى بن أبي كثير به بنحوه.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"تأول\".\n(^٤) في الأصل: \"صحة\".","vol":"1","page":410},{"text":"ذلك من قيلِهم في كلِّ ما رُزقوا من ثمرِها، فلا شكَّ أن ذلك من قيلِهم في أولِ رزقٍ رُزقوه من ثمارِها، وأُتوا به بعدَ دخولِهم الجنةَ واستقرارِهم فيها، الذي لَمْ يتقدَّمْه عندَهم من ثمارِها ثمرةُ.\nفإذ كان لا شكَّ أن ذلك من قيلِهم في أولِه، كما هو من قيلِهم في أوسَطِه وما يتلوه، فمعلْومٌ أنه مُحالٌ أن يكونَ من قيلِهم لأولِ رزقٍ رُزقوه من ثمارِ الجَنَّةِ: هذا الذي رُزِقنا من قبلِ هذا من ثمارِ الجَنَّةِ. وكيف يجوزُ أن يقولوا لأولِ رزقٍ رُزقوه من ثمارِها ولمَّا يتقدَّمْه عندَهم غيرُه منها: هذا الذي رُزقناه من قبلُ؟ إلَّا أن ينسِبَهم ذو عَتَهٍ (^١) وضلالٍ إلى قيلِ الكذبِ الذي قد طهَّرهم اللهُ منه، أو يدفَعَ دافعٌ أن يكونَ ذلك مِن قيلِهم لأولِ رزقٍ يُرزقونه منها من ثمارِها، فيَدفَعَ صحةَ ما أَوْجَب اللهُ صحّتَه بقولِه: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ من غيرِ نَصْبِ دَلالةٍ على أنه مَعنيُّ به حالٌ من أحوالِهم دونَ حالٍ. فقد تبيَّن بما بيَّنا أن معنى الآيةِ: كلما رُزِقَ الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ مِن ثمرةٍ من ثمارِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ رزقًا، قالوا: هذا الذي رُزِقنا من قبلِ هذا في الدنيا.\nفإن سأَلنا سائلٌ فقال (^٢): وكيف قال القومُ؛ هذا الذي رُزِقنا من قبلُ. والذي رُزِقوه من قبلُ قد عُدِم بأكلِهم إيَّاه؟ وكيف يجوزُ أن يقولَ أهلُ الجَنَّةِ قولًا لا حقيقةَ له؟\nقيل: إن الأمرَ على غيرِ ما ذهبتَ إليه في ذلك، وإنما معناه: هذا مِن النوعِ الذي رُزِقناه من قبلِ هذا من الثمارِ والرزقِ، كالرجلِ يقولُ لآخرَ: قد أعدَّ لك فلانٌ\n_________\n(^١) في م: \"غرة\".\n(^٢) سقط من: الأصل.","vol":"1","page":411},{"text":"مِن الطعامِ كذا وكذا مِن ألوانِ الطبيخِ والشِّواءِ والحلوى. فيقولُ المَقولُ له ذلك: هذا طعامي في منزلي. يعني بذلك أن النوعَ الذي ذكَر له صاحبُه أنه أعدَّه له من الطعامِ هو طعامُه، [لا أن] (^١) أعيانَ ما أَخْبَره صاحبُه أنه قد أعدَّه له هو طعامُه، بل ذلك مما لا يجوزُ لسامعٍ سمِعه يقولُ ذلك أن يتوهَّمَ أنه أراده أو قصَده؛ لأن ذلك خلافُ مَخرجِ كلامِ المتكلمِ، وإنما يُوجَّهُ كلامُ كلِّ متكلمٍ إلى المعروفِ في الناسِ من مخارجِه دونَ المجهولِ من معانيه، فكذلك ذلك في قولِه: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ إذ كان ما كانوا رُزقوه من قبلُ قد فنِي وعُدِم، فمعلومٌ أنهم عَنَوا بذلك: هذا من النوعِ الذي رُزقنا من قبلُ، ومن جنسِه في التسمياتِ (^٢) والألوانِ. على ما قد بيَّنا من القولِ في ذلك في كتابِنا هذا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-142>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾.</span>\nوالهاءُ في قولِه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ عائدةٌ على الرزقِ، فتأويلُه: وأُتُوا بالذي رُزقوا من ثمارِها متشابهًا.\nوقد اخْتَلَفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِ التشابهِ (^٤) في ذلك، فقال بعضُهم: تشابهُه أن كلَّه خِيارٌ لا رَذْلَ فيه.\n_________\n(^١) في الأصل: \"إلا أن\"، وفي م: \"لأن\".\n(^٢) في ص: \"السمات\".\n(^٣) بعده في ر، م، ت ١، ت ٢: \"وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى قوله: (وأتوا به متشابهًا) أنه متشابه في الفضل: أي كل واحد منه له من الفضل في نحوه مثل الذي للآخر في نحوه. قال أبو جعفر: وليس هذا قولًا نستجيز التشاغل بالدلالة على فساده لخروجه عن قول جميع علماء أهل التأويل. وحسب قول بخروجه عن قول أهل العلم دلالة على خطئه\"، وفي ت ١، ت ٢: \" أن كل\" بدلٌ من: \"أي كل\" وسيأتي في مكانه الصحيح في ص ٤١٨.\n(^٤) في ص، م: \"المتشابه\".","vol":"1","page":412},{"text":"ذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا خلادُ بنُ أسلمَ، قال: أَخْبَرنا النَّضْرُ بنُ شُميلٍ، قال: أَخْبَرنا أبو عامرٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿مُتَشَابِهًا﴾ قال: خِيارًا كلَّها لا رَذْلَ فيها (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أبي رَجاءٍ: قرأ الحسنُ آياتٍ من \"البقرة\" فأتى على هذه الآيةِ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال: ألم تَرَوا إلى ثمارِ الدنيا كيف تُرذلون بعضَه؟ وإن ذلك ليس فيه رَذْلٌ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أَخْبَرنا مَعْمرٌ، قال: قال الحسنُ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. قال: يُشبهُ بعضُه بعضًا ليس فيه مَرْذولٌ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾: أي خِيارٌ لا رَذْلَ فيه (^٣)، وإن ثمارَ الدنيا يُنْتَقَى منها ويُرذَلُ منها، وثمارُ الجَنَّةِ خِيارٌ كلُّه لا يُرذَلُ منه شيْءٌ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: ثمرُ الدنيا منه ما يُرذَلُ ومنه نقاوةٌ، وثمرُ الجَنَّةِ نقاوةٌ كلُّه، يُشبِهُ بعضُه بعضًا في الطِّيبِ، ليس فيه مرذولٌ (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في ص: \"من رذل\".\n(^٣) في ص: \"فيها\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٧ (٢٦٣) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) ذكره ابن القيم في حادي الأرواح ص ١٣٣ عن ابن جريج.","vol":"1","page":413},{"text":"وقال بعضُهم: تشابهُه في اللونِ وهو مختلفُ الطعمِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾: في اللونِ والمَرْآةِ، وليس يُشبِهُ الطعمَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾: مثلَ الخِيارِ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفَةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾: لونُه، مختلفًا طعمُه، مثلَ الخِيارِ من القِثَّاءِ (^٣).\nحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ ابنِ أنسٍ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾: يُشبهُ بعضُه بعضًا ويختلفُ الطعمُ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿مُتَشَابِهًا﴾. قال: مشتبهًا في\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٩١ عن المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٨ إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ١٩٨.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٨ إلى وكيع وعبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٧ عقب الأثر (٢٦٢) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"1","page":414},{"text":"اللونِ ومختلفًا في الطعمِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾: مثلَ الخيارِ.\nوقال بعضُهم: تشابهُه في اللونِ والطعمِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مُتَشَابِهًا﴾. قال: اللونُ والطعمُ.\nوحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزَّاقِ، عن الثوريِّ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ ويحيى بنِ سعيدٍ: ﴿مُتَشَابِهًا﴾. قالا: في اللونِ والطعمِ.\nوقال بعضُهم: تشابهُه تشابهُ ثمرِ الجَنَّةِ وثمرِ الدنيا في اللونِ، وإن اختلفت طعومُهما.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أَخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. قال: يُشبِهُ ثمرَ الدنيا، غيرَ أن ثمرَ الجَنَّةِ أطيبُ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٨ إلى عبد الرزاق، وينظر تفسير الثوري ص ٤٢.\n(^٢) أخرجه ابن الأنباري في الأضداد ص ٣٨٦ من طريق محمد بن ثور، عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"1","page":415},{"text":"حدَّثني الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. قال: يُشبِهُ ثمرَ الدنيا، غيرَ أن ثمرَ الجَنَّةِ أطيبُ (^١).\nوقال بعضُهم: لا يُشبِهُ شيْءٌ مما في الجَنَّةِ ما في الدنيا إلا الأسماءُ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا الأشجعيُّ، وحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا مُؤمَّلٌ، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، [عن أبي ظَبْيانَ] (^٢)، عن ابنِ عباسٍ - قال أبو كُريبٍ في حديثِه عن الأشجعيِّ -: لا يُشبِهُ شيْءٌ مما في الجَنَّةِ ما في الدنيا إلا الأسماءُ. وقال ابنُ بشَّارٍ في حديثه عن مؤمَّلٍ، قال: ليس في الدنيا مما في الجَنَّةِ إلَّا الأسماءُ (^٣).\nحدَّثنا عباسُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمد بنُ عُبيدٍ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ليس، في الدنيا من الجَنَّةِ شيْءٌ إلا الأسماءُ.\nوحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال. أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. قال: يعرِفون أسماءَه كما كانوا في الدنيا، التُّفَّاحُ بالتُّفَّاحِ، والرُّمَّانُ بالرُّمَّانِ، قالوا في الجَنَّةِ: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ في الدنيا ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ يعرِفونه، وليس هو مثلَه في الطعمِ (^٤).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٩١ عن عكرمة.\n(^٢) سقط من: الأصل، ر، ت ١، ت ٢.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٦ (٢٦٠)، والبيهقي في البعث والنشور (٣٦٨) من طرق عن الأعمش به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٨ إلى هناد ومسدد وابن المنذر. وينظر الصحيحة (٢١٨٨).\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٩١ عن ابن زيد.","vol":"1","page":416},{"text":"قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى هذه التأويلاتِ بتأويلِ الآيةِ تأويلُ مَن قال: وأتوا به متشابهًا في اللونِ والمنظرِ، والطعمُ مختلِفٌ. يعني بذلك اشتباهَ ثمرِ الجَنَّةِ وثمرِ الدنيا في المنظرِ واللونِ، مختلفًا في الطعمِ والذوقِ، لِماَ قَدَّمنا من العلَّةِ في تأويلِ قولِه: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾. وأن معناه: كلما رُزقوا مِن الجنِانِ مِن ثمرةٍ مِن ثمارِها رِزقًا قالوا: هذا الذي رُزِقنا مِن قبلِ هذا في الدنيا. فأَخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم قالوا ذلك مِن أجلِ أنهم أتُوا بما أتُوا به مِن ذلك في الجَنَّةِ مُتشابهًا، يعني بذلك تشابُه ما أُتُوا به منه في الجَنَّةِ والذي كانوا رُزِقوه في الدنيا، في اللونِ والمَرْآةِ والمنظرِ، وإن اختلفا في الطعمِ والذوقِ فتباينا، فلم يكنْ لشيْءٍ مما في الجَنَّةِ من ذلك في الدنيا نظيرٌ.\nوقد دلَّلنا على فسادِ قولِ مَن زعَم أن معنى قولِه: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾. إنما هو من قولِ أهلِ الجَنَّةِ في تشبيهِهم بعضَ ثمرِ الجَنَّةِ ببعضٍ، وتلك الدَّلالةُ على فسادِ ذلك القولِ هي الدَّلالةُ على فسادِ قولِ مَن خالَف قولَنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. لأَن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما أَخْبَر عن المعنى الذي مِن أجلِه قال القومُ: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾. بقولِه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾.\nويُسألُ مَن أَنْكَر ذلك فزعَم أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ شيْءٌ مما في الجَنَّةِ نطرًا لشيْءٍ مما في الدنيا بوجهٍ مِن الوجوهِ، فيقالُ له: أيجوزُ أن تكونَ أسماءُ ما في الجَنَّةِ من ثمارِها وأطعمتِها وأشربتِها نظائرَ أسماءِ ما في الدنيا منها؟\nفإن أَنْكَر ذلك خالَف نصَّ كتابِ اللهِ؛ لأن اللهَ إنما عرَّف عبادَه في الدنيا ما هو عتيدٌ (^١) في (^٢) الجَنَّةِ بالأسماءِ التي يُسمَّى بها ما في الدنيا مِن ذلك.\n_________\n(^١) في ص، م: \"عنده\". والعتيد: الحاضر المهيّأ. التاج (ع ت د).\n(^٢) في ر: \"فيها\".","vol":"1","page":417},{"text":"وإن قال: ذلك جائزٌ، بل هو كذلك.\nقيل: فما أَنْكَرْتَ أن يكونَ ألوانُ ما فيها من ذلك نظيرَ ألوانِ ما في الدنيا منه، بمعنى البياضِ والحمرةِ والصُّفرةِ وسائرِ صنوفِ الألوانِ، وإن تبايَنت فتفاضَلت بفضلِ، حسنِ المَرْآةِ والمنظرِ، فكان لما في الجَنَّةِ من ذلك مِن البهاءِ والجمالِ وحسنِ المَرْآةِ والمنظرِ، خلافُ الذي لما في الدنيا منه، كما كان جائزًا ذلك في الأسماءِ مع اختلافِ المسمَّياتِ بالفضل في أجسامِها؟ ثم يُعكَسُ عليه القولُ في ذلك، فلن يقولَ في أحدِهما شيئًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه.\nوكان أبو موسى الأشعريُّ يقولُ في ذلك بما حدَّثنا به محمد بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديٍّ وعبدُ الوهَّابِ ومحمدُ بن جعفرٍ، عن عوفٍ، عن قَسَامةَ، عن الأشعريِّ، قال: إن اللهَ لما أَخْرَج آدمَ من الجَنَّةِ زوَّده من ثمارِ الجَنَّةِ، وعلَّمه صنعةَ كلِّ شيْءٍ، فثمارُكم هذه من ثمارِ الجَنَّةِ، غيرَ أن هذه تَغَيَّرُ، وتلك لا تتغيَّرُ (^١).\n[وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أنَّ معنى قولِه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. أنه متشابةٌ في الفضلِ، أي كلُّ واحدٍ منه له مِن الفضلِ في نحوِه مثلُ الذي للآخرِ في نحوِه.\nوليس هذا قَولًا نستجيزُ التشاغلَ بالدَّلالةِ على فسادِه؛ لخرُوجِه عن قولِ جميعِ علماءِ أهلِ التأويلِ. وحسبُ قولٍ بخروجِه عن قولِ جميعِ أهلِ العلمِ دَلالةٌ على خَطَئِه] (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٢٣٤٥ - كشف) من طريق ابن أبي عدي به.\nوأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٤٣، والحاكم ٢/ ٥٤٣، والبيهقي في البعث والنشور (١٩٨) من طريق معمر وهوذة بن خليفة، عن عوف به.\nوأخرجه عبد الله بن أحمد - كما في حادي الأرواح ص ١٣٤ - والبزار (٢٣٤٤ - كشف) من طريق ربعي بن علية، عن عوف به مرفوعًا. وعزاه الهيثمي في المجمع ٨/ ١٩٧ إلى الطبراني، وقال: رجاله ثقات.\n(^٢) سقط من: ر، م، وتقدم مكانه فيهما في ص ٤١٢.","vol":"1","page":418},{"text":"<span data-type='title' id=toc-143>القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: والهاءُ والميمُ اللتان في ﴿لَهُمْ﴾ عائدتان على ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. والهاءُ والألفُ اللتان في ﴿فِيهَا﴾ عائدتان على الجنَّاتِ.\nوتأويلُ ذلك: وبشِّرِ الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ أن لهم جناتٍ فيها أزواجٌ مطهرةٌ.\nوالأزواجُ جمعُ زوجٍ، وهي امرأةُ الرجلِ. يقالُ: فلانَةُ زوجُ فلانٍ وزوجتُه.\nوأما قولُه: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾. فإن تأويلَه أنهن (^١) طُهِّرن مِن كلِّ أَذًى وقَذًى ورِيبةٍ، مما يكونُ في نساءِ أهلِ الدنيا مِن الحيضِ والنِّفاسِ والغائطِ والبولِ والمُخَاطِ والبُصاقِ والمنَيِّ، وما أَشْبَهَ ذلك مِن الأذَى والأدْناسِ والرِّيَبِ والمكارهِ.\nكما حَدَّثَنَا به موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسِ مِن أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ: أما ﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ فإنهن لا يَحِضْنَ ولا يُحدِثْنَ ولا يتنخَّمْنَ (^٢).\nوحدَّثني المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. يقولُ: مُطهّرةٌ مِن القَذَرِ والأذَى (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٩ إلى المصنّف عن ابن مسعود وحده.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٧ عقب الأثر (٢٦٧) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٧، ٣/ ٩٨٤ (٢٦٤، ٥٥٠٧) من طريق عبد الله بن صالح به.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٩ إلى ابن المنذر.","vol":"1","page":419},{"text":"حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا يحيى (^١) القطَّانُ (^٢)، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. قال: لا يبُلْنَ ولا يتغوَّطْنَ ولا يَمذِينَ (^٣).\nحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوازيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه، إلَّا أنه زاد فيه: ولا يُمْنينَ، ولا يَحِضْن.\nحَدَّثَنَي محمد بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. قال: مُطَهَّرةٌ مِن الحيضِ والغائطِ والبولِ والنُّخامِ والبصاقِ والمنَيِّ والوَلدِ (^٤).\nحَدَّثَنَا المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنَ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٥).\nوَحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أَخْبَرنا الثوريُّ، عن إبنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ [نحوَ حديثِ أحمدَ بنِ إسحاقَ عن الزبيريِّ، غيرَ أنه زاد فيه: ولا يَلِدْنَ ولا يَبْزُقْنَ] (^٦).\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"بن\".\n(^٢) في ص: \"العطار\".\n(^٣) تفسير الثوري ص ٤٣.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ١٩٨. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٧، ٣/ ٩٨٤، (٢٦٥، ٥٥٠٨)، والبيهقيُّ في البعث والنشور (٣٩٩). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٩ إلى وكيع وهناد في الزهد وعبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٤٣ - زوائد نعيم بن حماد)، ومن طريقه ابن أبي الدنيا في صفة الجَنَّة (٢٩٢).\n(^٦) سقط من ت ١، وفي ص، م: \"قال: لا يبلن ولا يتغوطن ولا يحضن ولا يلدن ولا يمنين ولا يبزقن\"، ومثله في ت ٢، إلَّا أن فيها: \"ولا ينزفن\" بدلا من: \"ولا يبزقن\". =","vol":"1","page":420},{"text":"حَدَّثَنَا المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا أبو حُذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي عاصمٍ.\nحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾: إى واللهِ، مِن الإثمِ والأذَى (^١).\nوحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال أخْبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولهِ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. قال: طَهَّرهن اللهُ من كلِّ بولٍ وغائطٍ وقَذَرٍ، ومن كلِّ مأثمٍ (^٢).\nحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ، قال: مُطهَّرةٌ من الحيضِ والحَبَلِ والأذى (^٣).\nحُدِّثت عن عمارٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: المطهَّرةُ من الحيضِ والحَبَلِ.\nحَدَّثَنِي يونسُ قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ زيدٍ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. قال: المطهَّرةُ التي لا تَحيضُ. قال: وأزواجُ الدنيا ليست بمطهَّرةٍ؛ ألا تراهنَّ يَدمَين ويتركن الصلاةَ والصيامَ؟ قال ابنُ زيدٍ: وكذلك خُلِقَتْ حوَّاءُ حتى عَصتْ، فلما عصتْ قال اللهُ: إنِّي خلقتكِ مطهَّرةً، وسأُدْمِيك كما دمَّيْتِ هذه الشجرةَ (^٤).\n_________\n= والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٩ إلى عبد الرزاق. وينظر تفسير الثوري ص ٤٣.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٧، ٣/ ٩٨٤ (٢٦٦، ٥٥٠٩) من طريق سعيد وأبان، عن قتادة.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٩ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٧ (٢٦٧) من طريق خليد، عن قتادة، بنحوه.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٩٢، وابن رجب في فتح الباري ٢/ ١٢ عن المصنف، وقال ابن كثير: وهذا غريب. وسيأتي بسياق أطول من هذا في ص ٥٦٥.","vol":"1","page":421},{"text":"وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، عن (^١) الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ يقولُ: مُطهَّرةٌ مِن الحيضِ (^٢).\nحَدَّثَنَا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بنُ يزيدَ، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. قال: مِن الحيضِ.\nوحَدَّثَنَا عمرٌو، قال: حَدَّثَنَا أبو معاويةَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. قال: من الولدِ والحيضِ والغائطِ والبولِ.\nوذكَر أشياءَ مِن هذا النحوِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-144>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾.</span>\nيعني بذلك: والذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ في الجناتِ خالدون. فالهاءُ والميمُ مِن قولِه: ﴿وَهُمْ﴾ عائدةٌ على ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.\nوالهاءُ والألفُ في ﴿فِيهَا﴾ الجناتِ. وخلودُهم فيها دوامُ بقائهم فيها على ما أعطاهم اللهُ فيها مِن الحَبْرَةِ (^٤) والنعيمِ المقيمِ.\n\n<span id=\"aya-33\"></span><span data-type='title' id=toc-145>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.</span>\n_________\n(^١) في الأصل: \"وعن\".\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٧ عقب الأثر (٢٦٧) معلقا.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٧ عقب الأثر (٢٦٧) معلقا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٩ إلى وكيع وهناد. وينظر البداية والنهاية ٢٠/ ٣٣٥.\n(^٤) في ر، ت ١: \"الخيره\". والحبرة: النعمة وسعة العيش. النهاية ١/ ٣٢٧.","vol":"1","page":422},{"text":"قال أبو جعفرٍ: اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي أنزَل اللهُ جلَّ ثناؤه فيه (^١) هذه الآيةَ وفي تأويلِها؛ فقال بعضُهم بما حدَّثَنِي به موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذَكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مرةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ: لمّا ضرَب اللهُ هذين المثَليْن للمنافقِين - يعني قولَه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. وقولَه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾.\nالآياتِ الثلاث - قال المنافقون: اللهُ أعلى وأجلُّ من أن يضرِبَ هذه الأمثالَ. فأنزَل اللهُ جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ إلى قولِه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (^٢).\nوقال آخرون بما حدَّثَنِي به أحمدُ بنُ إبراهيمَ (^٣)، قال: حَدَّثَنَا قُرادٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ قال: هذا مثلٌ ضَرَبه اللهُ للدنيا؛ أن البعوضةَ تحيا ما جاعتْ، فإذا سمِنتْ ماتتْ، وكذلك مثلُ هؤلاء القومِ الذين ضَرَبَ اللهُ لهم هذا المثلَ في القرآنِ، إذا امتلئوا من الدنيا رِيًّا، أخَذهم اللهُ عند ذلك. قال: ثم تلا ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية (^٤) [الأنعام: ٤٤].\n_________\n(^١) في الأصل: \"في\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤١ إلى المصنّف وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة. وهو عند ابن أبي حاتم ١/ ٦٨ (٢٧٣) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.\n(^٣) بعده في ر: \"الدورقي\".\n(^٤) قال ابن كثير في تفسيره ١/ ٩٣: هكذا رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، بنحوه، فالله أعلم.\nوهو عند ابن أبي حاتم ١/ ٦٨ (٢٧٠)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢ إلى أبي الشيخ.","vol":"1","page":423},{"text":"حَدَّثَنَا المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ بنحوِه، إلّا أنه قال: فإذا خلت آجالُهم، وانْقَطَعت مُدَّتُهم، صاروا كالبعوضةِ تحيا ما جاعت وتموتُ إذا رَوِيت، فكذلك هؤلاءِ الذين ضرَب اللهُ لهم هذا المثلَ، إذا امتلَئوا مِن الدنيا رِيًّا أخذَهم اللهُ فأهلَكهم، فذلك قولُه: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].\nوقال آخرون بما حَدَّثَنَا به بشرٌ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بن زريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ أي: إن اللهَ لا يستحيي من الحقِّ أن يَذْكُرَ منه شيئًا ما، قَلَّ منه أو كثُرَ، إن اللهَ جل ذكره لما ذكَر في كتابِه الذبابَ والعنكبوتَ، قال أهلُ الضلالةِ: ما أراد اللهُ من ذِكْرِ هذا؟ فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (^١).\nوحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: لمّا ذكَر اللهُ العنكبوتَ والذبابَ، قال المشركون: ما بالُ العنكبوتِ والذبابِ يُذْكَران؟ فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وقد ذهَب كلُّ قائلٍ ممن ذَكَرْنا قولَه في هذه الآيةِ وفي المعنى الذي أُنزلت فيه مذهبًا، غيرَ أن أوْلى ذلك بالصوابِ وأشبهَه بالحقِّ ما ذَكَرْنا مِن قولِ ابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ، وذلك أنْ اللهَ أخبرَ عبادَه أنه لا يستحيي أن يَضْرِبَ مثلًا\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٩٢ عن سعيد به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق - كما في الدر المنثور ١/ ١٤ - وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسير ١/ ٦٩ (٢٧٣) عن الحسن بن يحيى به. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\nوقال ابن كثير في تفسيره ١/ ٩٢: والعبارة الأولى - يعني رواية معمر عن قتادة - فيها إشعار أن هذه الآية مكية، وليس كذلك، وعبارة رواية سعيد عن قتادة أقرب، والله أعلم.","vol":"1","page":424},{"text":"ما بعوضةً فما فوقها، عقيبَ أمثالٍ قد تَقَدَّمَت في هذه السورةِ ضرَبها للمنافقِين دونَ الأمثالِ التي ضرَبها في سائرِ السور غيرِها - فلأنْ (^١) يكونَ هذا القولُ، أعني قولَه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾. جوابًا لنكيرِ الكفارِ والمنافقين ما ضرَب اللهُ لهم مِن الأمثالِ في هذه السورةِ، أحقُّ وأولى من أن يكَونَ ذلك جوابًا لنكيرِهم ما ضرَب اللهُ لهم من الأمثالِ في غيرِها من السورِ.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أنه إنما وجَب أن يكونَ ذلك جوابًا لنكيرِهم ما ضرَب من الأمثالِ في سائرِ السُّورِ؛ لأنَّ الأمثالَ التي ضرَبها اللهُ لهم ولآلهتِم في سائرِ السورِ أمثالٌ في مُوافقةِ المعنى لما أَخبَر اللهُ عنه أنه لا يستحيي أن يضربَه مثلًا؛ إذ كان بعضُها تمثيلًا لآلهتِهم بالعنكبوتِ، وبعضُها تشبيهًا لها في الضعفِ والمهانةِ بالذبابِ، وليس ذكرُ شيْءٍ من ذلك بموجودٍ في هذه السورةِ فيجوزَ أن يقالَ: إن اللهَ لا يستحيي أن [يضربَه مثلًا] (^٢). فإن ذلك بخلافِ ما ظنَّ، وذلك أن قولَ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ إنما هو خبرٌ منه جلَّ ذِكْرُه أنه لا يستحيي أن يضربَ في الحقِّ من االأمثالِ صغيرِها وكبيرِها ابتلاءً بذلك عبادَه، واختبارًا (^٣) منه لهم، ليَميزَ به أهلَ الإيمانِ والتصديقِ به من أهلِ الضلالةِ والكفرِ به، إضلالًا منه به لقومٍ وهدايةً منه به لآخرين.\nكما حدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرِو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾: يعني الأمثالَ صغيرَها وكبيرَها، يؤمنُ بها المؤمنون، ويعلَمون أنَّها الحقُّ مِن ربِّهم، ويهديهم اللهُ بها،\n_________\n(^١) في ص: \"فلا\".\n(^٢) في م: \"يضرب مثلا ما\".\n(^٣) في ص: \"إخبارا\"، وفي ر: \"اختيارا\".","vol":"1","page":425},{"text":"ويَضِلُّ بها الفاسقون. يقولُ: يعرِفُه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرِفُه الفاسقون فيكفرون به (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه.\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nلا أنه جلَّ ذِكْرُه قصَد الخبرَ (^٢) عن عينِ البعوضةِ أنه لا يستحيي مِن ضربِ المثلِ بها، ولكنَّ البعوضةَ (^٣) لما كانت أضعفَ الخلقِ - كما حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا أبو سفيانَ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ، قال: البعوضَةُ أضعفُ ما خلَق اللهُ (^٤).\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ نحوَه - خصَّها اللهُ بالذكرِ في القلةِ، فأخبَر أنه لا يستحيي أن يَضْرِبَ أقلَّ الأمثالِ في الحقِّ وأحقرَها وأعلاها إلى غيرِ نهايةٍ في الارتفاعِ، جوابًا منه جلَّ ذِكْرُه لمن أنكَر من منافقِي خلقِه ما ضرَب لهم من المثلِ بمُوقِدِ النارِ، والصَّيِّبِ من السماءِ على ما نَعَتهما به من نَعْتِهما.\nفإن قال لنا قائلٌ: وأين ذِكْرُ نكيرِ المنافقِين الأمثالَ التي وصفْتَ الذي هذا الخبرُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ١٩٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٨ (٢٧٢). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٢ إلى عبد بن حميد نحوه.\n(^٢) في الأصل: \"بالخبر\".\n(^٣) في الأصل، ص، ر، ت ١، ت ٢: \"البعوض\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤١ إلى المصنف.","vol":"1","page":426},{"text":"جوابُه، فنعلمَ أنَّ القولَ في ذلك ما قلتَ؟\nقيل: الدَّلالةُ على ذلك بَيِّنةٌ في قولِه جل ذكرُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. وإن القومَ الذين ضرَب لهم الأمثالَ في الآيتيْن المتقدِّمتيْن - اللتين مثَّلَ ما عليه المنافقون مقيمون فيهما (^١) بِمُوقِدِ النارِ وبالصَّيِّبِ من السماءِ على ما وصَف من ذلك قبلَ قولِه ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ - قد أنكَروا المثلَ، وقالوا: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. فأوضَحَ خطأَ قِيلِهم ذلك، وقبَّح لهم ما نطَقوا به وأخبرَهم بحكمِهم في قِيلِهم ما قالوا منه، وأنه ضلالٌ وفسوقٌ، وأن الصوابَ والهدَى ما قاله المؤمنون دونَ ما قالوه.\nوأما تأويلُ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾. فإن بعضَ المنسوبين إلى المعرفةِ بلغةِ العربِ كان يتأولُ معنى ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾: إن اللهَ لا يخشَى أن يضربَ مثلًا. ويَستشهدُ على ذلك من قولِه بقولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. ويَزْعُمُ أن معنى ذلك: وتستحيي الناسَ واللهُ أحقُّ أن تستحييَه. فيقولُ: الاستحياءُ بمعنى الخشيةِ، والخشيةُ بمعنى الاستحياءِ.\nوأما معنى قولِه: ﴿أَنْ يَضْرِبَ﴾. فهو: أن يُبَيِّنَ ويصفَ. كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]. بمعنى: وصَف لكم. وكما قال الكميتُ (^٢):\n_________\n(^١) قوله: \"فيهما\" متعلق بقوله: \"مثل\" يعني الآيتين اللتين مثل فيهما - ما عليه المنافقون مقيمون - بموقد النار.\n(^٢) شعر الكميت بن زيد (مجموع) ٢/ ١٢٢.","vol":"1","page":427},{"text":"وذلك ضربُ أخماسٍ أُرِيدتْ … لأسداسٍ عسى ألا تكونا (^١)\nبمعنى وصفِ أخماسٍ. والمثلُ الشَّبهُ، يقالُ: هذا مِثْلُ الشيْءِ ومَثَلُه، كما يقال: شِبْهُه وشَبَهُه. ومنه قولُ كعبِ بنِ زهيرٍ (^٢):\nكانت مواعيدُ عُرْقوبٍ لها مَثلًا … وما مواعيدُها إلا الأباطيلُ (^٣)\nيعني شَبَهًا.\nفمعنى قولِه إذن: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾: إن اللهَ لا يخشَى أن يصِفَ شبهًا لما شَبَّه به (^٤).\nوأما ﴿مَا﴾ التي مع \"مَثل\" فإنها بمعنى الذي؛ لأن معنى الكلامِ: إن اللهَ لا يستحيي أن يضربَ الذي هو بعوضةً في الصِّغرِ والقِلةِ فما فوقَها مَثلًا.\nفإن قال قائلٌ: فإن كان القولُ في ذلك ما قلتَ، فما وجهُ نصبِ \"البعوضة\"، وقد علمتَ أن تأويلَ الكلامِ على ما تأوّلتَ: أن اللهَ لا يستحيي أن يضربَ مثَلًا الذي هو بعوضةً؛ فالبعوضةُ على قولِك في محلِّ الرفعِ، فأنَّى أتاها النصبُ؟\nقيل: أتاها النصبُ من وجهين، أحدُهما: مِن أن ﴿مَا﴾ لما كانت في محلِّ نصبٍ بقولِه: ﴿يَضْرِبَ﴾ وكانتِ البعوضةُ لها صلةً، عُرِّبت (^٥) بتعريبِها فأُلزِمتْ\n_________\n(^١) البيت في أصله مثل يضرب لمن يرواغ ويظهر أمرا وهو يريد غيره. ينظر جمهرة الأمثال ٢/ ٥.\n(^٢) ديوانه ص ٨.\n(^٣) أصل البيت مثل يضرب في إخلاف الوعد. وعرقوب هو عرقوب بن معبد بن أسيد بن زيد مناة، وقيل: هو رجل من الأمم الماضية. الفاخر ١٣٣، ١٣٤.\n(^٤) هذا تتمة تفسير الكلمة على مذهب من قال: إن الاستحياء بمعنى الخشية، لا ما أخذ به الطبري. وأما تفسير الطبري فيأتي في آخر تفسير الآية.\n(^٥) في م: \"أعربت\". قال الشيخ شاكر: وقوله: عربت. أي أجريت مجراها في الإعراب، وهذا هو معنى التعريب في اصطلاح قدماء النحاة.","vol":"1","page":428},{"text":"إعْرابَها، كما قال حسانُ بنُ ثابتٍ (^١):\n[وكفى] (^٢) بنا فضلًا على مَن غيرِنا … حبُّ النبيِّ محمدٍ إيانا\nفعُرِّب \"غير\" (^٣) بإعرإب \"مَن\"، والعربُ تفعلُ ذلك خاصةً في \"مَن\" و\"ما\"؛ تُعَرِّبُ صِلاتِهما (^٤) بإعرابِهمَا؛ لأنهما يكونان معرِفةً أحيانا ونكرةً أحيانًا.\nوأما الوجهُ الآخرُ: فأن يكونَ معنى الكلام: إن اللهَ لا يستحيي أن يضربَ مثلًا ما بينَ بعوضةٍ إلى ما فوقَها. ثم حذَف ذِكْرَ \"بينَ\" و\"إلى\"؛ إذْ كان في نصبِ \"البعوضة\" ودخولِ الفاءِ في ﴿مَا﴾ الثانيةِ دَلالةٌ عليهما، كما قالتِ العربُ: مُطِرْنا ما زُبالةَ فالثَّعْلَبِيَّةَ (^٥). و: له عشرون ما (^٦) ناقةً فجَملًا. و: هي أحسنُ الناسِ ما قرنًا فقدمًا. يعنون بذلك: [ما بيْنَ] (^٧)\n_________\n(^١) ليس في ديوان حسان، وقد أورده المصنف في تفسير الآية ١٥٩ من سورة آل عمران غير منسوب، ونسبه في الكتاب ٢/ ١٠٥ إلى الأنصاري بدون تحديد، ونسبه في خزانه الأدب إلى كعب بن مالك قال: ونسب إلى حسان بن ثابت ﵁ أيضًا، ولم يوجد في شعره. قال اللخمي في شرح شواهد الجمل: وقيل: هو لعبد الله بن رواحة الأنصاري. وقيل: لبشير بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك. الخزانة ٦/ ١٢٢.\n(^٢) في الأصل، ر: \"لكفى\"، وفي ص: \" أكفا\".\n(^٣) في الأصل: \"غيرنا\".\n(^٤) في الأصل: \"صلاتها\".\n(^٥) المعنى إذا قلت: مُطِرْنا بين زبالة فالثعلبية. أنك أردت أن المطر انتظم الأماكن التي ما بين القريتين، وإذا قلت: مطِرنا ما بين زبالة فالثعلبية. فإنك تريد أن المطر وقع بينهما، ولم ترد أنه اتصل في هذه الأماكن كلها. والعرب إذا ألقت \"بين\" من كلام تصلح \"إلى\" في آخره، نصبوا الحرفين المخفوضين اللذين خفض أحدهما بـ \"بين\" والآخر بـ \"إلى\"، فيقولون: مطرنا ما زبالة فالثعلبية. ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٢٢، وخزانة الأدب ١١/ ١٠، ١١، ١٣، ١٦، ٢٠.\nوزبالة بضم أوله؛ منزل معروف بطريق مكة من الكوفة. والثعلبية ماء لبني أسد، وهي من أعمال المدينة منسوبة إلى ثعلبة بن مالك. معجم ما استعجم ١/ ٣٤١، ومعجم البلدان ٢/ ٩١٢.\n(^٦) سقط من: ص.\n(^٧) في ص: \"من\".","vol":"1","page":429},{"text":"قَرْنِها إلى قَدمِها. وكذلك يقولون في كلِّ ما حسُن فيه من الكلامِ دخولُ \"ما\" بين كذا إلى كذا. ينصِبون الأولَ والثانيَ، ليدلَّ النصبُ [في الأسماءِ] (^١) على المحذوفِ من الكلامِ. فكذلك ذلك في قولهِ: ﴿مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.\nوقد زعمَ بعضُ أهلِ العربيةِ أن ﴿مَا﴾ التي مع \"المثَل\" صِلةٌ في الكلامِ بمعنى التَّطوُّلِ (^٢)، وأن معنى الكلامِ: إن اللهَ لا يستحيي (^٣) أن يضربَ بعوضةً مثلًا فما فوقَها. فعلى هذا التأويلِ يجبُ أن تكونَ \"البعوضة\" منصوبةً بـ ﴿يَضْرِبَ﴾، وأن تكونَ ﴿مَا﴾ الثانية التي في ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ معطوفةً على البعوضةِ لا على ﴿مَا﴾.\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾. [فهو: ما] (^٤) هو أعظمُ منها عندِي؛ لما ذَكَرْنا قبلُ من قولِ قتادةَ وابنِ جُريجٍ أن البعوضةَ أضعفُ خلقِ اللهِ، فإن كانت أضعفَ خلقِ اللهِ فهي نهايةٌ في القلةِ والضعفِ، وإذا كانت كذلك فلا شكَّ أن ما فوقَ أضعفِ الأشياءِ لا يكونُ إلا أقوَى منه. فقد يجبُ أن يكونَ المعنى على ما قالاه: فما فوقَها في العِظَمِ والكِبَرِ، إذ (^٥) كانتِ البعوضةُ نهايةً في الضعفِ والقلةِ.\nوقيل في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾: في الصِّغَرِ والقلةِ. كما يُقالُ في الرجلِ يذكرُه الذاكرُ فيصِفُه باللؤمِ والشحِّ، فيقولُ السامعُ: نعم، وفوقَ ذلك. يعني\n_________\n(^١) في م: \"فيهما\".\n(^٢) في الأصل، ر: \"البطول\"، وفي ص: \"التطويل\". والتطول بمعنى الزيادة في الكلام.\n(^٣) بعده في ص: \"من الحق\".\n(^٤) في م: \"فما\"، وفي ت ١: \"فهو\".\n(^٥) في الأصل، ت ١: \"إذا\".","vol":"1","page":430},{"text":"به فوقَ الذي وصفتَ في الشحِّ واللؤمِ.\nوهذا قولٌ خلافُ تأويلِ أهلِ العلمِ الذين تُرتضَى معرفتُهم بتأويلِ القرآنِ، فقد تَبيَّنَ إذن بما وصفْنا أن معنى الكلامِ: إن اللهَ لا يستحيي أن يصِفَ شبهًا لما شَبَّه به الذي هو ما بينَ بعوضةٍ إلى ما فوقَ \"البعوضةِ\". فأما تأويلُ الكلامِ لو رُفعتِ \"البعوضة\"، فغيرُ جائزٍ في ﴿مَا﴾، إلا ما قلنا من أن تكونَ (^١) اسمًا لا صلةً، بمعنى التطولِ (^٢).\nالقولُ في تأويلِ قولِ اللهِ جلّ ثناؤُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.\nيعني بقولِه جلّ ذكرُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: فأما الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه.\nوقولُه: ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. يعني: فيعرِفونَ أن المثَلَ الذي ضرَبه اللهُ لما ضرَبه له مثلًا (^٣) مَثلٌ.\nكما حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: هذا المثَلُ الحقُّ من ربِّهم، وأنه كلامُ اللهِ ومِنْ عندِ اللهِ (^٤).\nوكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حَدَّثنا سعيدٌ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"يكون\".\n(^٢) في الأصل، ر: \"البطول\".\n(^٣) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٩ عقب الأثر (٢٧٧) من طريق ابن أبي جعفر به. وينظر تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٦٩ (٢٧٥)، والدر المنثور ١/ ٤٢","vol":"1","page":431},{"text":"عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: يعلَمون أنه كلامُ الرحمنِ، وأنه الحقُّ من اللهِ، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ (^١).\nوقولُه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يعني: الذين جحَدوا آياتِ اللهِ، وأنكَروا ما عرَفوا، وستَروا ما عَلِموا أنه الحقُّ. وذلك صفةُ المنافقين، وإيَّاهم عنَى اللهُ جلّ ثناؤُه ومَن كان من نُظرائِهم (^٢) وشركائِهم من المشركين مِن (^٣) أهلِ الكتابِ وغيرِهم، بهذه الآيةِ: ﴿فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.\nكما قد ذَكَرْنا قبلُ (^٤) من الخبرِ الذي روَيْناه عن مجاهدٍ الذي حَدَّثنا به محمدُ ابنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الآية. قال: يؤمنُ بها المؤمنون، ويعلَمون أنها الحقُّ من ربِّهم، ويهديهم اللهُ بها، ويَضِلُّ بها الفاسقون.\nيقولُ: يعرِفُه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرِفُه الفاسقون فيكفرون به.\nوتأويلُ قولِه: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾: ما الذي أراد اللهُ بهذا المثَلِ مثلًا؟ فـ \"ذا\" الذي مع \"ما\" في معنى \"الذي\"، وأرادَ صلته، و\"هذا\" إشارةٌ إلى \"المثل\".\n\n<span data-type='title' id=toc-146>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾.</span>\nومعنى قولِه جل ذكرُه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾: يُضلُّ اللهُ به كثيرًا من خلقِه. والهاءُ في ﴿بِهِ﴾ من ذِكْرِ \"المثَل\". وهذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤه مُبتدأٌ، ومعنى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٩ (٢٧٦) من طريق يزيد به دون آخره، ثم أخرجه (٢٧٧) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، وفيه: وأنه من عند الله.\n(^٢) في حاشية الأصل: \"وقع في غير الأم: نُصَرَائهم\".\n(^٣) في ر: \"و\".\n(^٤) تقدم في ص ٤٢٥، ٤٢٦.","vol":"1","page":432},{"text":"الكلامِ [قال اللهُ: يُضِلُّ اللهُ] (^١) بالمثلِ الذي يضْربُه كثيرًا من أهلِ النفاقِ والكفرِ.\nكما حَدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾: يعني المنافقين، ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾: يعني المؤمنين، فيزيدُ هؤلاء ضلالًا إلى ضلالِهم لتكذيبِهم بما قد علِموه حقًّا يقينًا من المثَلِ الذي ضرَبه اللهُ لِما ضرَبه له، وأنه لِما ضرَبه له موافقٌ، فذلك إضلالُ اللهِ إياهم به، ﴿وَيَهْدِي بِهِ﴾ - يعني بالمثلِ - كثيرًا من أهلِ الإيمانِ والتصديقِ، فيزيدهم هدًى إلى هداهم، وإيمانًا إلى إيمانِهم، لتصديقِهم بما قد علِموه حقًّا يقينًا أنه موافقٌ ما ضرَبه اللهُ له مثلًا، وإقرارِهم به، وذلك هدايةُ (^٢) اللهِ لهم به (^٣).\nوقد زَعمَ بعضُهم أن ذلك خبرٌ عن قولِ (^٤) المنافقين، كأنهم قالوا: ما أرادَ اللهُ بمَثَلٍ لا يعرفُه كلُّ أحدٍ، يُضِلُّ به هذا ويهدِي به هذا؟ ثم استؤنِف الكلامُ والخبرُ عن اللهِ، فقال اللهُ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ وفي ما في سورةِ \"المدثر\" من قولِ اللهِ: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١] - ما ينبئُ عن أنه في سورةِ \"البقرة\" كذلك مبتدأٌ، أعني قولَه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾.\n_________\n(^١) في م: \"أن الله يضل\".\n(^٢) بعده في ص، ر، م: \"من\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٢ إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٠ (٢٨٣) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله، مقتصرا على أوله.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"1","page":433},{"text":"<span data-type='title' id=toc-147>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعز: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾.</span>\nوتأويلُ ذلك مَا حَدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذَكرَه عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: هم المنافقون (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: فسَقوا فأضلَّهم اللهُ على فسقِهم (^٢).\nحَدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: هم أهلُ النفاقِ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وأصل الفِسقِ في كلامِ العربِ الخروجُ عن الشيْءِ، يقالُ منه: فَسقَتِ الرُّطَبَةُ، إذا خرَجت من قشرِها؛ ومن ذلك سُميتِ الفأرةُ فُوَيسِقةً؛ لخروجِها عن (^٤) جحرِها، فكذلك المنافقُ والكافرُ، سُمِّيا فاسقَيْن لخروجِهما عن طاعةِ ربِّهما، ولذلك قال جلَّ ذكرُه في صفةِ إبليسَ: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]. يعني به: خرَج عن طاعتِه واتباعِ أمرِه.\nكما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، دال: حدَّثني ابنُ إسحاقَ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٠ (٢٨٤) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٠ (٢٨٥) من طريق سعيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٠ عقب الأثر (٢٨٢) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) في ر: \"من\".","vol":"1","page":434},{"text":"داودَ بنِ الحصينِ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] أي: بما [تعدَّوا من] (^١) أمرِي (^٢).\nفمعنى قولِه: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: وما يُضِلُّ اللهُ بالمثَلِ الذي يضْرِبُه لأهلِ النفاقِ والضلالِ إلا الخارجِين عن طاعتِه والتاركِين اتباعَ أمرِه، من أهلِ الكفرِ به من أهلِ الكتابِ، وأهلِ الضلالِ من أهلِ النفاقِ.\n\n<span id=\"aya-34\"></span><span data-type='title' id=toc-148>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾.</span>\n\nقال أبو جعفرٍ: وهذا وصفٌ من اللهِ جلَّ ذِكرُه الفاسقين الذين أخبَر أنه لا يُضِلُّ بالمثلِ الذي ضرَبه لأهلِ النفاقِ غيرَهم، فقال: ومَا يُضلُّ اللهُ بالمثلِ الذي يضرِبُه، على ما وصَفَ قَبلُ في الآياتِ المتقدمةِ - إلا الفاسقين الذين يَنْقُضون عهدَ اللهِ من بعدِ ميثاقِه.\nثم اختلَف أهلُ المعرفةِ في معنى العهدِ الذي وصَف اللهُ هؤلاء الفاسقين بنقضِه؛ فقال بعضُهم: هو وصيةُ اللهِ إلى خلقِه، وأمرُه إياهم بما أمرَهم به من طاعتِه، ونهيُه إيّاهم عما نهاهُم عنه من معصيتِه في كُتُبِه وعلى لسانِ رسولِه ﷺ، ونقضُهم ذلك تركُهم العملَ به.\nوقال آخرون: إنما نزلَت هذه الآياتُ في كفارِ أهلِ الكتابِ والمنافقين منهم، وإياهم عنَى اللهُ جلَّ ذِكْرُه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾. وبقولهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فكلُّ\n_________\n(^١) في ص، ر، م، ت ٢: \"بعدوا عن\"، وفي ت ١، ت ٣: \"بعدوا من\".\n(^٢) وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٢٠ (٥٩٦) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق من قوله.","vol":"1","page":435},{"text":"ما في هذه الآياتِ فعَذْلٌ لهم وتوبيخٌ إلى انقضاءِ قَصَصِهم. قالوا: فعهدُ اللهِ الذي نقضُوه بعدَ ميثاقِه هو ما أخَذه اللهُ عليهم في التوراةِ؛ من العملِ بما فيها، واتباعِ محمدٍ ﷺ إذا بُعِث، والتصديقِ به وبما جاءَ به من عندِ ربِّهم، ونقْضُهم ذلك هو جُحودُهم به بعدَ معرفتِهم بحقيقتِه، وإنكارِهم ذلك، وكتمانِهم علمَ ذلك الناسَ، بعد إعطائِهم اللهَ مِن أنفسِهم الميثاقَ لَيُبَيِّنُتَّه للناسِ ولا يكتُمونه، فأخبَر جل ذكرُه أنهم نبَذوه وراء ظهورِهم واشترَوا به ثمنًا قليلًا.\nوقال بعضُهم: إن اللهَ عنَى بهذه الآيةِ جميعَ أهلِ الشركِ والكفرِ والنفاقِ، وعهدُه إلى جميعِهم في توحيدِه ما وضَع لهم من الأدلةِ (^١) الدالةِ على رُبوبِيَّتِه، وعهدُه إليهم في أمرِه ونهيِه ما احتج به لرسُلِه من المعجزاتِ التي لا يقدِرُ أحدٌ من الناسِ غيرُهم أن يأتيَ بمثلِها، الشاهدةِ لهم على صدقِهم. قالوا: ونقضُهم ذلك تركُهم الإقرارَ بما قد تبيَّنتْ لهم صحتُه بالأدلةِ (^١)، وتكذيبُهم الرسلَ والكتُبَ، مع علمِهم أن ما أتَوا به حقٌّ.\nوقال آخرون: العهدُ الذي ذكَره اللهُ هو العهدُ الذي أخَذه عليهم حينَ أخرَجهم من صُلْبِ آدمَ، الذي وصَفه في قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (^٢) الآيتين [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]. ونقضُهم ذلك تركُهم الوفاءَ به.\nقال أبو جعفرٍ: وأوْلى الأقوالِ عندي بالصوابِ في ذلك قولُ من قال: إنَّ هذه\n_________\n(^١) في الأصل: \"الدلالة\".\n(^٢) في الأصل، ص، ر، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذرياتهم\". والمثبت من: م، وهي قراءة ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي، وقراءة الجمع قرأ بها نافع وأبو عمرو وابن عامر. ينظر السبعة ص ٢٩٨.\nولم يشر المصنف في سورة الأعراف إلى هاتين القراءتين، فأثبتناه بالإفراد كرسم مصاحفنا.","vol":"1","page":436},{"text":"الآياتِ نزلتْ في كفارِ أحبارِ اليهودِ الذين كانوا بين ظَهْرانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ، وما قرُب منها من بقايا بني إسرائيلَ، ومن كان على شركِه من أهلِ النفاقِ الذين قد بيَّنا قَصَصَهم فيما مضَى من كتابِنا هذا.\nوقد دلَّلْنا على أن قولَ اللهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾. وقولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فيهم أُنْزِلت، وفي مَن كان على مِثْلِ الذي هم عليه من الشركِ باللهِ، غيرَ أن هذه الآياتِ عندي وإن كانت فيهم نزلَتْ، فإنه مَعْنيٌّ بها كلُّ مَن كان على مثلِ ما كانوا عليه من الضلالِة، ومعنيٌّ بما وافقَ منها صفةَ المنافقين خاصةً جميعُ المنافقين، وبما (^١) وافقَ منها صفةَ كفارِ أحبارِ اليهودِ جميعُ (^٢) مَن كان لهم نَطيرًا في كفرِهم، وذلك أن اللهَ جلَّ ذكرُه يَعُمُّ أحيانًا جميعَهم بالصفةِ لتقديمِه ذِكْرَ جميعِهم (^٣) في أولِ الآياتِ التي ذكَرتْ قَصَصَهم (^٤)، ويَخُصُّ بالصفة أحيانًا بعضَهم لِتفصيلِه في أولِ الآياتِ بينَ فَرِيقَيْهِم (^٥)، أعنِي فريقَ المنافقِين من عبدةِ الأوثانِ وأهلِ الشركِ باللهِ، وفريقَ كفارِ أحبارِ اليهودِ. فالذين ينقضون عهدَ اللهِ هم التاركونَ ما عهِد اللهُ إليهم من الإقرارِ بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به وتَبْيِينِ نُبوَّتِه للناسِ، والكاتمون بيانَ ذلك بعدَ علْمِهم به وبما قد أخَذ اللهُ عليهم في ذلك، كما قال جلَّ ثناؤُه: (﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ (^٦) لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ (^٧) فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. ونبذُهم ذلك\n_________\n(^١) في ص: \"ما\".\n(^٢) في ص: \"وجميع\".\n(^٣) في م: \"جميعها\".\n(^٤) سقط من: الأصل، ص.\n(^٥) في م: \"فريقهم\".\n(^٦) في ص: \"ليبيننه\". قراءة وستأتي في موضعها من التفسير.\n(^٧) في ص: \"يكتمونه\". وهي قراءة ستأتي.","vol":"1","page":437},{"text":"وراءَ ظهورِهم هو نقضُهم العَهدَ الذي عُهِد إليهم في التوراةِ، الذي وصفْناه، وتركُهم العملَ به.\nوإنما قلتُ: إنه عنَى بهذه الآيةِ (^١) مَن قلتُ إنه عنَى بها؛ لأن الآياتِ من مبتدأِ الآياتِ الخمسِ والستِّ من سورةِ \"البقرةِ\" فيهم نزلتْ إلى تمامِ قَصَصِهم، وفي الآيةِ التي بعدَ الخبرِ عن خلقِ آدمَ، وبيانِه (^٢) في قولِه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. وخطابِه جلَّ ذِكرُه إياهم بالوفاءِ بذلك خاصةً دونَ سائرِ البشرِ، ما يدلُّ على أن قولَه: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾. مقصودٌ (^٣) به كفارُهم ومنافقُوهم، ومَن كان من أشياعِهم مِن مُشرِكي عَبَدةِ الأوثانِ على ضلالتِهم، غيرَ أن الخطابَ وإن كان لمن وصفتُ من الفريقيْن، فداخلٌ في أحكامِهم وفي ما أوجَب اللهُ لهم من الوعيدِ والذمِّ والتوبيخِ، كلُّ من كان على سبيلِهم ومنهاجِهم من جميعِ الخلق وأصنافِ الأُممِ المخاطَبِين بالأمرِ والنهيِ.\nفمعنى الآيةِ إذن: وما يُضِلُّ به إلا التاركِين طاعةَ اللهِ، الخارجِين عن اتباعِ أمرِه ونهيِه، الناكثِين عهودَ اللهِ التي عهِدها إليهم في الكُتبِ التي أنزَلها إلى رسلِه وعلى ألْسُنِ أنبيائِه، باتباعِ أمرِ رسولِه محمدٍ ﷺ وما جاء به، وطاعةِ اللهِ فيما افتَرض عليهم في التوراةِ من تبْيِينِ أمرِه للناسِ، وإخبارِهم إياهم أنَّهم يجِدونه مكتوبًا عندَهم أنه رسولٌ من عندِ اللهِ مُفترضَةٌ طاعتُه، وتركِ كتمانِ ذلك لهم.\nونَكثُهم ذلك ونقضُهم إياه هو مخالفتُهم اللهَ في عهدِه إليهم فيما وصفتُ أنه عهِد إليهم، بعدَ إعطائِهم ربَّهم الميثاقَ بالوفاءِ بذلك، كما وصَفهم به ربُّنا جل ذِكْرُه\n_________\n(^١) في ر، م، ت ٣: \"الآيات\".\n(^٢) في م: \"أبنائه\". وفي ر: \"نبئه\". وقوله: وبيانه. معطوف على قوله: وفي الآية التي بعد الخبر.\n(^٣) في ص: \"مقصور\".","vol":"1","page":438},{"text":"بقولِه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٦٩].\nوأما قولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾. فإنه يَعني: من بعدِ توثُّقِ اللهِ منه (^١) بأخذِ (^٢) عهودِه بالوفاءِ له بما عهِد إليه في ذلك، غيرَ أن التوثُّقَ مصدرٌ من قولِك: توثَّقتُ من فلانٍ توثُّقًا. والميثاقُ اسمٌ منه، والهاءُ في \"الميثاق\" عائدةٌ على اسمِ \"الله\" جلَّ ذِكْرُه. وقد يدخُلُ في حكمِ هذه الآيةِ كلُّ من كان بالصفةِ التي وصَف اللهُ بها هؤلاء الفاسقين من المنافقين والكفارِ في نقضِ العهدِ، وقطْعِ الرحمِ، والإفسادِ في الأرضِ.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾: فإياكُم ونقضَ هذا الميثاقِ، [فإن اللهَ قد كرِه نقْضَه وأوْعَد فيه، وقدَّم فيه في آيٍ مِن (^٣) القرآنِ] (^٤)، حجةً وموعظةً ونصيحةً، وإنا لا نعلمُ اللهَ أوعَد في ذنبٍ ما أَوْعَد في نقضِ الميثاقِ، فمن أَعطَى عهدَ اللهِ وميثاقَه من ثمرةِ قلبِه فلْيفِ به للهِ (^٥).\nوحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. فهي\n_________\n(^١) في ص: \"فيه\".\n(^٢) في ص: \"يأخذ\".\n(^٣) سقط من: ر، م. وينظر الدر المنثور ١/ ٤٢.\n(^٤) سقط من: ص.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.","vol":"1","page":439},{"text":"ستٌّ خلالٍ في أهلِ النفاقِ، إذا كانت لهم الظَّهْرَةُ (^١) أظْهَروا هذه الخلالَ الستَّ جميعًا؛ إذا حدَّثوا كذَبوا، وإذا وعَدوا أخلَفوا، وإذا ائْتُمِنوا خانوا، ونقَضوا عهْدَ اللهِ مِن بعدِ ميثاقِه، وقطَعوا ما أَمَر اللهُ به أن يُوصلَ، وأفسَدوا في الأرضِ، وإذا كانت عليهم الظَّهْرَةُ أظهَروا الخِلالَ الثلاثَ؛ إذا حدَّثوا كَذَبوا، وإذا وعَدوا أخلَفوا، وإذا ائْتُمِنوا خانوا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-149>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: والذي رغَّب اللهُ في وَصْلِهِ وذمَّ على قطْعِه في هذه الآيةِ، الرحمُ، وقد بيَّن ذلك في كتابِه فقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]. وإنما عنَى بالرحمِ أهلَ الرجلِ (^٣) الذين جمعتْهم وإياه رحمُ والدةٍ واحدةٍ. وقطْعُ ذلك ظلمُها (^٤) في تركِ أداءِ ما ألزَم اللهُ من حقوقِها، وأوجَبَ من بِرِّها. ووصْلُها أداءُ الواجبِ لها إليها، من حقوقِ اللهِ التي أوجَب لها، والتعطُّفُ عليها بما يَحِقُّ التعطفُ به عليها.\nو﴿أَن﴾ التي مع ﴿يُوصَلَ﴾ في محلِّ خفضٍ، بمعنى ردِّها على موضعِ الهاءِ التي في ﴿بِهِ﴾. فكان معنى الكلامِ: ويقطَعون الذي أمَر اللهُ به (^٥) بأن يُوصَلَ. والهاءُ التي في ﴿بِهِ﴾ هي كنايةُ (^٦) ذكرِ ﴿مَا﴾ (^٧).\n_________\n(^١) الظهرة: الكثرة، ويريد هنا الغلبة، من قولك: ظهرت على فلان، إذا علوته وغلبته. اللسان (ظ هـ ر).\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٩٦ عن الربيع.\n(^٣) في الأصل، ص، ر: \"الرحم\".\n(^٤) في ص، م: \"ظلمه\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ظلمة\".\n(^٥) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢.\n(^٦) بعده في م: \"عن\".\n(^٧) في ص، ر، ت ١، ت ٢: \"أن\"، وفي م: \"أن يوصل\".","vol":"1","page":440},{"text":"وبما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾. وأنه الرحمُ، كان قتادةُ يقولُ.\nحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾: فقُطِعَ واللهِ ما أمَر اللهُ به أن يوصلَ بقطيعةِ الرحمِ والقرابةِ (^١).\nوقد تأوّل بعضُهم ذلك أن اللهَ ذمَّهم بقطعِهم رسولَه والمؤمنين به وأرحامَهم.\nواستَشهَد على ذلك بعمومِ (^٢) ظاهرِ الآيةِ، وألا (^٣) دلالةَ على أنَّه معنيٌّ بها بعضُ ما أمَر اللهُ بوصْلِه دونَ بعضٍ.\nوهذا مذهبٌ مِن تأويلِ الآيةِ غيرُ بعيدٍ من الصوابِ، ولكنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه قد ذكَر المنافقين في غيرِ آيةٍ من كتابهِ، فوصَفهم بقطْعِ الأرحامِ، فهذه نظيرةُ تلك، غيرَ أنَّها وإن كانت كذلك، فهي دالةٌ على ذمِّ اللهِ كلَّ قاطعٍ قطَع ما أمَر اللهُ أن يُوصلَ، رحِمًا كانت أو غيرَها.\n\n<span data-type='title' id=toc-150>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وفسادُهم في الأرضِ هو ما تقدَّم وَصْفُناهُ قبلُ من معصيتِهم ربَّهم، [وكُفرِهم به] (^٤)، وتكذيبِهم رسوله، وجَحْدِهم نبوَّتَه، وإنكارِهم ما أتاهم به من عندِ اللهِ أنه حقٌّ مِن عندِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-151>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٢ إلى المصنّف وعبد بن حميد.\n(^٢) في الأصل، ص، ر: \"عموم\".\n(^٣) في ص: \"لا\".\n(^٤) سقط من: الأصل.","vol":"1","page":441},{"text":"والخاسرون جمعُ خاسرٍ، والخاسرون؛ الناقصون أنفسَهم حظوظَها بمعصيتِهم اللهَ - من رحمتِه، كما يخسَرُ الرجلُ في تجارتِه بأن يوضَعَ من رأسِ مالِه في بيعِه (^١).\nفكذلك الكافرُ والمنافقُ خسِر بحِرْمانِ اللهِ إياه رحمَتَه التي خلَقها لعبادِه في القيامةِ أحوجَ ما كان إلى رحمتِه. يقالُ منه: خسِر الرجلُ يخسَرُ خُسْرًا وخُسرانًا وخَسارًا.\nكما قال جريرُ بنُ عطيةَ (^٢):\nإن سَلِيطًا في الخَسارِ إنَّهْ … أولادُ قومٍ خُلِقوا أقِنَّهْ (^٣)\nيعني بقولهِ: في الخَسارِ. أي: فيما يوكِسُهم حظوظَهم من الشرفِ والكرمِ.\nوقد قيل: إنَّ معنى ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: أولئك هم الهالِكون. وقد يجوزُ أن يكونَ قائلُ ذلك أرادَ ما قلنا من هلاكِ الذي وصَف اللهُ صفَتَه بالصفةِ التي وصَفه بها في هذه الآيةِ، بحِرْمانِ اللهِ إياه ما حرَمه من رحمتِهِ بمعصِيتِه إياه وكفرِه به.\nفحمَل تأويلَ الكلامِ على معناه دونَ البيانِ عن تأويلِ عينِ الكلمةِ بعينِها، فإن أهلَ التأويلِ ربما فعلوا ذلك لعللٍ كثيرةٍ تدعوهم إليه.\nوقال بعضُهم في ذلك بما حُدِّثت به عن المنِجابِ بنِ الحارثِ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ ابنُ عُمارةَ، عن أبي رَوقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كلُّ شيْءٍ نسَبه اللهُ إلى غيرِ أهلِ الإسلامِ من اسمٍ مثلَ خاسرٍ فإنما يعني به الكفرَ، وما نسَبه إلى أهلِ الإسلامِ فإنما يعني به الذَّنْبَ (^٤).\n_________\n(^١) وُضع الرجل في تجارته - بالبناء للمجهولَ كعُنِىَ: خسر فيها. التاج (وض ع).\n(^٢) ديوانه ٢/ ١٠١٧، والنقائض ص ٤.\n(^٣) أقنة جمع قن، وهو العبد، وهو جمع نادر. التاج (ق ن ن).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٢ إلى المصنّف وابن أبي حاتم.","vol":"1","page":442},{"text":"<span id=\"aya-35\"></span><span data-type='title' id=toc-152>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾.</span>\n\nقال أبو جعفرٍ: اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم بما حَدَّثَنِي به موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبير ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النَّبِيِّ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ يقولُ: لَمْ تكونوا شيئًا فخلَقكم، ثم يميتُكم، ثم يحيِيكم يومَ القيامةِ (^١).\nوحَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ في قوِله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]. قال: هي كالتي في \"البقرة\": ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.\nوحَدَّثَنِي أبو حُصينٍ [عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ (^٢) بنِ يونسَ، قال: حَدَّثَنَا عَبْثرٌ، قال: حَدَّثَنَا حُصينٌ] (^٣)، عن أبي مالكٍ في هذه الآيةِ: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: خلَقْتنا ولم نَكُنْ شيئًا، ثم أمَتَّنَا، ثم أحْيَيْتَنا.\nوحَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا هُشيمٌ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٢ إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة.\n(^٢) بعده في م: \"ابن عبد الله\". وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٢٨٤.\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢.","vol":"1","page":443},{"text":"في قولِه: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: كانوا أمواتًا فأحياهم اللهُ، ثم أماتهم، ثم أحياهم.\nوحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا [الحسينُ بنُ داودَ] (^١)، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾. قال: لَمْ تكونوا شيئًا حتى (^٢) خلَقكم، ثم يميتُكم الموتةَ الحقَّ، ثم يحييكُم، وقولُه: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ مثلُها (^٣).\nوحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي الحجاجُ، عن ابنِ جريج، قال: أخبرني عطاءٌ الخراسانيُّ، عن ابنِ عباسٍ، قال؛ هو قولُه: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (^٤).\nوحُدِّثْت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: حدثني أبو العاليةِ في قولِ اللهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ\n_________\n(^١) في ص: \"الحسن\".\n(^٢) في ر، م، ت ١: \"حين\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٢ إلى المصنّف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٣ (٣٠٢) من طريق ابن جريجٍ به بنحوه، وليس فيه تصريح ابن جريج بالسماع. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٢ إلى ابن المنذر. وفي رواية ابن جريج عن عطاء الخراساني ضعف، قال ابن المديني: سألت يحيى بن سيد عن حديث ابن جريج عن عطاء الخراساني، فقال: ضعيف. قلت ليحيى: إنه يقول: أخبرني؟ قال: لا شيْء، كله ضعيف إنما هو كتاب دفعه إليه. ينظر تهذيب التهذيب ٦/ ٤٠٦، وعطاء لم يسمع من ابن عباس. ينظر جامع التحصيل ص ٢٣٨.","vol":"1","page":444},{"text":"بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾. يقولُ: حينَ لَمْ يكونوا شيئًا، ثم أحياهُم [حين (^١) خلَقهم] (^٢)، ثم أماتهم، ثم أحياهم يومَ القيامةِ، ثم رجَعوا إليه بعدَ الحياةِ (^٣).\nوحُدِّثت عن المنِجابِ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ عُمارةَ، عمت أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾. قال: كنتم ترابًا قبلَ أن يخلُقَكم، فهذه مِيتةٌ، ثم أحياكم فخلَقكُم، فهذه حياةٌ (^٤)، ثم يميتُكم فتَرجِعون إلى القبورِ، فهذه مِيتةٌ أخرى، ثم يبعَثُكم يومَ القيامِة، فهذه حياةٌ (^٤)، فهما مِيتَتَان وحياتانِ، فهو قولُه (^٥): ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ (^٦).\nوقال آخرون بما حَدَّثَنَا به أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن السدِّيِّ، عن أبي صالحٍ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ قال: يُحييكُم في القبرِ، ثمُ يميتُكم (^٧).\n_________\n(^١) في ر: \"وحين\".\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٣ (٣٠٣) من طريق أبي جعفر به.\n(^٤) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢: \"إحياءة\".\n(^٥) في الأصل: \"كقوله\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٣ (٣٠١) عن أبي زرعة، عن منجاب به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٧ إلى ابن مردويه.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٢ إلى المصنّف. وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٣ عقب الأثر (٣٠١) معلقا.\nوقال ابن كثير في تفسيره ١/ ٩٧: هذا غريب.","vol":"1","page":445},{"text":"وقال آخرون بما حَدَّثَنَا به بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادَةَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [الآية. قال: كانوا أمواتًا] (^١) في أصْلُبةِ (^٢) آبائِهم، فأحياهم اللهُ وخلَقهم، ثم أماتَهم الموتَةَ التي لا بدَّ منها، ثم أحياهُم للبعثِ يومَ القيامةِ، فهما حياتان وموتَتان.\nوقال بعضُهم بما حدَّثَنِي به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: خلَقهم اللهُ من ظَهرِ آدمَ حينَ أخَذ عليهم الميثاقَ (^٣). وقرَأ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. حتى بلَغ: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]. قال: فكسَّبهم العقلَ وأخَذ عليهم الميثاقَ. قال؛ وانتزَع ضِلْعًا من أضلاعِ آدمَ القُصَيْرَي (^٤)، فخلَق منه حواءَ. ذكَره عن النَّبِيِّ ﷺ. قال: وذلك قولُ اللهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً (١)﴾ [النساء: ١]. قال: بثَّ منهما (^٥) بعدَ ذلك في الأرحامِ خلقًا كثيرًا. وقرأ: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦].\nقال: خلْقًا بعدَ ذلك. قال: فلما أخَذ عليهم الميثاقَ أماتهم، ثم خلَقهم في الأرحامِ، ثم أماتهم، ثم أحياهم يومَ القيامةِ، فذلك قولُ اللهِ: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا\n_________\n(^١) سقط من: ص.\n(^٢) في ر، م: \"أصلاب\"، والصلب يجمع على أصلب وأصلاب.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٩٧.\n(^٤) القصيري: الضلع التي تلي الشاكلة، وهي أسفل الأضلاع. التاج (ق ص ر).\n(^٥) في ص، ر، م: \"فيهما\".","vol":"1","page":446},{"text":"اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾. وقرأ قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤، والأحزاب: ٧]. قال: يومَئذٍ قال: وقرأ قولَ اللهِ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٧].\nقال أبو جعفرٍ: ولكلِّ قولٍ من هذه الأقوالِ التي حكَيْناها عمّن رَوَيناها عنه وجهٌ ومذهبٌ من التأويلِ. فأما وجهُ تأويلِ مَن تأوَّلَ قولَه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾. أي: لم تكونوا شيئًا. فإنه ذهَب إلى نَحوِ قولِ العربِ للشيْءِ الدَّارسِ والأمرِ الخاملِ الذِّكرِ: هذا شيْءٌ ميتٌ، وهذا أمرٌ ميتٌ. يُرادُ بوصفِه بالموتِ خمولُ ذِكْرِه ودُروسُ أثَرِه من الناسِ، وكذلك يقالُ في ضدِّ ذلك وخلافِه: هذا أمرٌ حيٌّ، وذِكْرٌ حيٌّ. يرادُ بوصفِه بذلك أنه نابِهٌ مُتعالمٌ في الناسِ، كما قال أبو نُخيلةَ السَّعديُّ (^١):\nفأحْييْتَ (^٢) لي ذِكْرِي وما كنتُ خاملًا … ولكنَّ بعضَ الذِّكْرِ أنْبَهُ من بعضِ\nيريدُ بقولِه: فأحيَيْتَ لي ذِكرِي. أي: رفعْتَه وشهَرْتَه في الناسِ حتى نَبُه فصار مذكورًا حيًّا بعدَ أن كان خاملًا ميتًا.\nفذلك (^٣) تأويلُ قولِ من تأوَّل في قولهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾: لم تكونوا شيئًا.\nأي: كنتم خُمولًا لا ذِكْرَ لكم، وذلك كان [موتَكم، ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ فجعلكم] (^٤)\n_________\n(^١) البيت في طبقات ابن المعتز ص ٦٤، والمؤتلف والمختلف ص ٢٩٧.\n(^٢) في ص، والمؤتلف والمختلف: \"وأحيت\"، وفي ابن المعتز: \"وأنبهت\".\n(^٣) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢: \"فكذلك\".\n(^٤) في الأصل: \"موتهم فأحياهم فجعلهم\".","vol":"1","page":447},{"text":"بشَرًا أحياءً [تُذكَرون وتعرَفون] (^١)، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ بقبضِ أرواحِكم، وإعادتِكم كالذي كنتم قبلَ أن يحييَكم من دروسِ ذكرِكم، وتَعفِّي آثارِكم، وخُمولِ أمورِكم، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بإعادةِ أجسامِكم إلى هيئاتِها، ونفخِ الروحِ فيها، وتَصْيِيرِكم بشرًا كالذي كنتم قبلَ الإماتةِ تتعارَفون في بعثِكم وعندَ حشْرِكم.\nوأما وجهُ تأويلِ مَن تأوَّل ذلك أنه الإماتةُ التي هي خروجُ الروحِ من الجسدِ، فإنه ينبغي أن يكونَ ذهَب بقولِه: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾. إلى أنه خطابٌ لأهلِ القبورِ بعدَ إحيائِهم في قبورِهم، وذلك معنًى بعيدٌ؛ لأن التوبيخَ هنالك إنما هو توبيخٌ على ما سلَف وفرَط من إجْرامِهم، لا استعتابٌ واسترجاعٌ. وقولُه جلَّ ذِكْرُه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾. توبيخُ مُستعتِبٍ عبْدَه (^٢)، وتأنيبُ مُسترجِعٍ خلْقَه من المعاصِي إلى الطاعَةِ، ومن الضلالِة إلى الإنابةِ، ولا إنابةَ في القبورِ بعدَ المماتِ، ولا توبةَ فيها بعدَ الوفاةِ.\nوأما وجهُ تأويلِ قولِ قتادةَ ذلك أنهم كانوا أمواتًا في أصلابِ آبائِهم. فإنه عنَى بذلك أنهم كانوا نُطَفًا لا أرواحَ فيها، فكانت بمعنى سائرِ الأشياءِ المَواتِ التي لا أرواحَ فيها، وإحياؤُه إياها جل ذِكْرُه، نَفْخُه الأرواحَ فيها، وإماتَتُه إياهم بعدَ ذلك؛ قبضُه أرواحَهُم، وإحياؤه إياهم بعد ذلك؛ نفخُ الأرواحِ في أجسامِهم يومَ يُنْفَخُ في الصورِ ويُبعَثُ الخلقُ للموعودِ.\nوأما ابنُ زيدٍ فقد أبان عن نفسِه ما قصَد بتأويلهِ ذلك، وأن الإماتةَ الأولَى\n_________\n(^١) في الأصل: \"يذكرون ويعرفون\".\n(^٢) في م: \"عباده\".","vol":"1","page":448},{"text":"عندَه (^١) إعادةُ اللهِ جلَّ ثناؤه عبادَه في أصلابِ آبائِهم بعدَما أخَذهم من صُلبِ آدمَ، وأن الإحياءَ الآخَرَ هو نفخُ الأرواحِ فيهم في بطونِ أمهاتِهم، وأن الإماتةَ الثانيةَ هي قبضُ أرواحِهم للعَوْدِ إلى الترابِ، والمصيرُ في البرْزَخِ إلى يومِ البعثِ، وأن الإحياءَ الثالثَ هو نفخُ الأرواحِ فيهم لبعثِ الساعةِ ونشرِ القيامةِ. وهذا تأويلٌ إذا تَدبَّره المتدبِّرُ وجَده خِلافًا لظاهرِ قولِ اللهِ الذي زعَم مفسِّرُه أن الذي وصَفْنَا من قولِه تفسيرُه، وذلك أن اللهَ جلَّ ذكرُه أخْبر في كتابِه عن الذين أخبَر عنهم من خلقِه أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾. وزعَم ابنُ زيدٍ أن (^٢) تفسيرَه أن اللهَ أحياهم ثلاثَ إحياءاتٍ، وأماتهم ثلاثَ إماتاتٍ.\nقال أبو جعفرٍ: والأمرُ عندنا وإن كان في ما وصَف من استخراجِ اللهِ جلَّ ثناؤُه من صُلْبِ آدمَ ذُريتَه، وأخذِه ميثاقَه عليهم، كما وصَف، فليس ذلك من تأويلِ هاتين الآيتين - أعني قولَه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ الآية.\nوقولَه: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ - ذي شيْءٍ؛ لأن أحدًا لم يدَّعِ أن اللهَ أمات من ذرَأ يومئذٍ غيرَ الإماتة التي صار بها في البرزخِ إلى البعثِ، فيكونَ جائزًا أن يوجَّهَ تأويلُ الآيةِ إلى ما وجَّههُ إليه ابنُ زيدٍ.\nوقال بعضُهم: الموتةُ الأولَى مُفارقةُ نُطفةِ الرجلِ جسدَه إلى رحمِ المرأةِ، فهي ميتةٌ من لَدُنْ فِراقِها جسدَه إلى نفخِ الروحِ فيها، ثم يُحييها اللهُ بنفخِ الروحِ فيها فيجعَلُها بشرًا سويًّا بعدَ تاراتٍ تأتي عليها، ثم يُميتُه المِيتةَ الثانيةَ بقبضِ الروحِ منه، فهو في البرزخِ ميتٌ إلى يومِ يُنْفَخُ في الصورِ، فيَرُدُّ في جسدِه روحَه، فيعودُ حيًّا سويًّا لبعثِ القيامةِ، فذلك موتَتان وحياتان.\n_________\n(^١) في م: \"عند\".\n(^٢) في م: \"في\".","vol":"1","page":449},{"text":"وإنما دعَا هؤلاء إلى هذا القولِ لأنهم قالوا: موتُ ذِي الروحِ مفارقةُ الروحِ إياه. فزعَموا أن كلَّ شيْءٍ من ابنِ آدمَ حيٌّ ما لم يفارقْ جسدَه الحيَّ ذا الروحِ، فكلُّ ما فارقَ جسدَه الحيَّ ذا الروحِ، فارقَتْه [الروحُ و] (^١) الحياةُ فصار ميتًا، كالعضوِ من أعضائِه؛ مثلُ اليدِ من يدَيْه أو الرِّجْلِ من رجلَيْه، لو قُطِعت فأُبينَتْ، والمقطوعُ ذلك منه حيٌّ، كان الذي بأن من جسدِه مَيِّتًا لا روحَ فيه بفراقِه سائرَ جسدِه الذي فيه الروحُ. قالوا: فكذلك نطفتُه حيةٌ بحياتِه، ما لم تفارقْ جسدَه ذا الروحِ، فإذا فارقَتْه مُبايِنةً له صارت مَيتةً، نطيرَ ما وصفْنَا من حكمِ اليدِ والرجلِ وسائرِ أعضائِه، وهذا قولٌ ووجهٌ من التأويلِ لو كان من أقوالِ أهلِ القُدْوةِ الذين يُرتضَى للقرآنِ تأويلُهم.\nوأوْلَى مما ذكَرْنا من الأقوالِ التي بيّنَّا بتأويلِ قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ الآية. القولُ الذي ذكَرْناه عن ابنِ مسعودٍ، وعن ابنِ عباسٍ، من أنَّ معنى قولِه: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾. أمواتَ الذِّكْرِ، خُمولًا في أصلابِ آبائِكم، نُطَفًا لا تُعرَفون ولا تُذكَرون، فأحياكُم بإنشائكُم بشرًا سويًّا، حتى ذُكِرتم وعُرِفتم وحَيِيتُم، ثم يميتُكم بقبضِ أرواحِكم وإعادتِكم رُفاتًا، لا تُعْرَفون ولا تُذْكرون في البرزخِ إلى يومِ تُبعثون، ثم يُحييكم بعدَ ذلك بنفخِ الأرواحِ فيكم لبعثِ الساعةِ وصَيحةِ القيامةِ، ثم إلى اللهِ تُرجَعون بعدَ ذلك، كما قال: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه يُحيِيهم في قبورِهم قبلَ حشرِهم، ثم يحشُرُهم لموقفِ الحسابِ، كما قال جلَّ ذكرُه ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]. وقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١].\nوالعِلةُ التي من أجلِها اختَرنا هذا التأويلَ، ما قدَّمنا ذِكْرَه للقائلين به،\n_________\n(^١) سقط من: م.","vol":"1","page":450},{"text":"وفسادُ ما خالَفه بما قد أوضَحْناه قبلُ.\nوهذه الآيةُ توبيخٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه للقائلين: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. الذين أخبَر اللهُ عنهم أنهم مع قِيلِهم ذلك بأفواهِهم، غيرُ مؤمنين به، وأنهم إنما يقولون ذلك خِداعًا للهِ وللمؤمنين، فعذَلهم اللهُ بقولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾. ووبَّخهم واحتجَّ عليهم في نكيرِهم ما أنكَروا من ذلك، وجُحودِهم ما جَحدوا بقلوبِهم المريضةِ، فقال: كيف تكفرون باللهِ فتَجْحَدون قدرتَه على إحيائِكم بعد إماتتِكم [لبعْثِ القيامةِ، ومجازاةِ المسئِ منكم بالإساءةِ، والمحسنِ بالإحسانِ، وقد كنتم نطفًا أمواتًا في أصلابِ آبائِكم، فأنشأتُكم (^١) خلقًا سويًّا، وجعلتُكم (^٢) بشرًا أحياءً، ثم أمتُّكم (^٣) بعد إنشائكم، فقد علِمتم أن من فعَل ذلك بقدرتِه، غيرُ معجزِه - بالقدرةِ التي فعَل ذلك بكم - إحياؤُكم بعد إماتتِكم] (^٤)، وإعادتُكم بعد إفنائِكم، وحشرُكم إليه لمجازاتِكم بأعمالِكم.\n\n<span id=\"aya-36\"></span><span data-type='title' id=toc-153>[القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾</span>\n\nقال أبو جعفرٍ] (^٥): ثم عدَّدَ ربُّنا عليهم، وعلى أوليائِهم من أحبارِ اليهودِ الذين جمَع بينَ قَصَصِهم وقَصصِ المنافقين في كثيرٍ من آيِ هذه السورةِ التي افتَتح الخبرَ\n_________\n(^١) في ص: \"فأنشأكم\".\n(^٢) في ص: \"فجعلكم\".\n(^٣) في ص: \"أماتكم\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٥) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢.","vol":"1","page":451},{"text":"عنهم فيها بقولهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ - نِعَمَه التي سلَفتْ منه إليهم وإلى آبائِهم، التي عظُمتْ منهم مواقِعُها، ثم سلْبُه (^١) كثيرًا منهم كثيرًا منها، بما ركِبوا من الآثامِ، واجتَرَموا من الأجْرامِ، وخالَفوا من الطاعةِ إلى المعصية، محذِّرَهم بذلك تعجيلَ العقوبةِ لهم، كالتي (^٢) عجَّلها للأسلافِ والأفراطِ قبلَهم، ومخوِّفَهم حُلولَ مَثُلاتِه بساحتِهم، كالذي أحلَّ بأوائلِهم (^٣)، ومعرِّفَهم ما لهم من النجاةِ في سرعةِ الأوْبةِ إليه وتعجيلِ التوبةِ؛ من الخلاصِ لهم يومَ القيامةِ من العقابِ. فبدأ بعدَ تعديدِه عليهم ما عدَّد من نِعَمِه التي هم فيها مُقيمون بذكرِ أبِينا وأبِيهم آدمَ أبي البشرِ، صلواتُ اللهِ عليه، وما سلَف منه من كرامتِه إليه وآلائِه لدَيه، وما أحلَّ به وبعدوِّه إبليسَ مِن عاجلِ عقوبتِه بمعصيتِهما التي كانت منهما، ومخالفتِهما أمْرَه الذي أمَرهما به، وما كان من تغمُّدِه آدمَ برحمتِه إذْ تاب وأناب إليه، وما كان من إحلالِه بإبليسَ من لعنتِه في العاجِل، وإعدادِه له ما أعدَّ له من العذابِ المقيمِ في الآجلِ، إذِ استكبرَ وأبَى التوبةَ إليه والإنابةَ، مُنبهًا لهم على حُكمِه في المُنيبين إليه بالتوبةِ، وقضائِه في المستكبرِين عن الإنابةِ، إعذارًا من اللهِ بذلك إليهم، وإنذارًا لهم لِيتدبَّروا آياتِه، ولِيَتذَكَّرَ منهم أُولو الألبابِ، وخاصًّا أهلَ الكتابِ بما ذكَر من قصَصِ آدمَ وسائرِ القصصِ التي ذكَرها معها وبعدَها، مما علِمه أهلُ الكتابِ وجهِلَتْه الأمةُ الأُميةُ مِن مشركِي عَبدَةِ الأوثانِ - بالاحتجاجِ عليهم - دونَ غيرِهم من سائرِ أصنافِ الأممِ الذين لا علْمَ عندَهم بذلك - لنبيِّه محمدٍ ﷺ؛ ليعلموا بإخبارِه إياهم بذلك أنه للهِ رسولٌ مبعوثٌ، وأن ما جاءهم به فمِن عندِه، إذْ كان ما اقتَصَّ عليهم من هذه القصصِ من مكنونِ\n_________\n(^١) في م: \"سلب\".\n(^٢) في الأصل: \"كالذي\".\n(^٣) في م: \"بأوليهم\".","vol":"1","page":452},{"text":"علومِهم، ومَصونِ ما في كُتبِهم، وخفيِّ أمورِهم، التي لم يكنْ يدَّعِي معرفَةَ عِلْمِها غيرُهم وغيرُ مَن أخَذ عنهم وقرَأ كُتُبَهم. وكان معلومًا من محمدٍ ﷺ أنه لم يكنْ قطُّ كاتبًا، ولا لأسفارِهم تاليًا، ولا لأحدٍ منهم مصاحبًا ولا مجالسًا، فيمكِنَهم أن يَدَّعُوا أنه أخَذ ذلك من كُتبِهم، أو عن بعضِهم، فقال جلَّ ذكرُه في تعدِيدِه عليهم ما هم فيه مقيمون من نِعَمِه مع كفرِهم به، وتركِهم شُكْرَه عليها بما يَجِبُ له عليهم منَ طاعتِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nفأخبَرهم جلَّ ذِكْرُه أنه خلَقَ لهم ما في الأرضِ جميعًا؛ لأن الأرضَ وجميعَ ما فيها لبني آدمَ منافعُ، أما في الدِّينِ فدليلٌ (^١) على وحدانيةِ ربِّهم (^٢)، وأما في الدنيا فمعاشٌ وبلاغٌ لهم (^٣) إلى طاعتهِ، وأداءِ فرائضِه، فلذلك قال جلَّ ثناؤُه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.\nوقولُه: ﴿هُوَ﴾ مَكْنِيٌّ (^٤) من اسمِ اللهِ جلَّ ذِكْرُه، عائدٌ على اسمِه في قولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾. ومعنى خلْقِه ما خَلق جلّ ثناؤُه؛ إنشاؤُه عينَه، وإخراجُه من حالِ العدَمِ إلى الوجودِ. و﴿مَا﴾ بمعنى \"الذي\"، فمعنى الكلامِ إذن: كيفَ تكفرون باللهِ وقد كنتم نُطَفًا في أصلابِ آبائِكم، فجعَلكم بشرًا أحياءً، ثم يميتُكم، ثم هو مُحيِيكم بعد ذلك، وباعثُكم يومَ الحشرِ للثوابِ\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"له\".\n(^٢) في الأصل: \"ربه\".\n(^٣) في ص: \"له\".\n(^٤) إنما أطلق الكوفيون على الضمير: \"المكني\" أو \"الكناية\". لأنه يرمز به عن الظاهر اختصارا، فهو اسم كنى به عن اسم. ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٥، ١٩، ٥٠، وشرح المفصل ٣/ ١٨٤، وشرح الرضى ٢/ ٩٣.","vol":"1","page":453},{"text":"والعقابِ، وهو المنُعمُ عليكم بما خلَق لكم في الأرضِ، من مَعايشِكم وأدِلَّتِكم على وحدانيةِ ربِّكم. و﴿كَيْفَ﴾ بمعنى التعجبِ والتوبيخِ، لا بمعنى الاستفهامِ، كأنه قال: ويْحَكُمْ كيفَ تكفرون باللهِ! كما قال: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦].\nوحلَّ قولُه: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ محلَّ الحالِ، وفيه ضميرُ (^١) \"قد\"، ولكنَّها حُذفت لما في الكلامِ من الدليلِ عليها، وذلك أن \"فَعل\" إذا حلَّت محلَّ الحالِ كان معلومًا أنها مُقتضيةٌ \"قد\"، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] يعني: قد حَصِرتْ صدُورُهم. وكما تقولُ للرجلِ: أصبحتَ كَثُرَتْ ماشيتُك. تريدُ: قَدْ كثُرتْ ماشيتُك.\nوبنحوِ ما قلنا في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ كان قتادةُ يقولُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: نَعَمْ واللهِ، سَخَّر لكم ما في الأرضِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-154>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾.</span>\nاختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: أقبلَ عليها. كما تقولُ: كان فلانٌ مُقبلًا على فلانٍ، ثم استوى عليَّ يُشاتمُني، واستوى إليَّ يُشاتمُني. يعني: أقبَل عليَّ وإليَّ\n_________\n(^١) الضمير هنا بمعنى التقدير. ينظر مصطلحات النحو الكوفي ص ١٤١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٥ (٣٠٧) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٢ إلى عبد بن حميد. وينظر تاريخ دمشق ٧/ ٣٩٩.","vol":"1","page":454},{"text":"يُشاتمُني. واستَشهد على أن معنى الاستواءِ بمعنى الإقبالِ بقولِ الشاعرِ (^١):\nأقولُ وقد قَطَعْنَ بنا شَرَوْرَى (^٢) … سَوامِدَ (^٣) واستوَيْنَ مِنَ الضَّجُوعِ (^٤)\nفزعَم أنه عنَى به انّهنَّ خرجْن من الضَّجوعِ، وكان ذلك عنده بمعنى \"أقبَلْن\".\nوهذا من التأويلِ في هذا البيتِ خطأٌ، وإنما معنى قولِه: واستوينَ من الضجوعِ - عندي -: استوَيْنَ على الطريقِ من الضَّجُوعِ خارجاتٍ. بمعنى: اسْتقَمْنَ عليه (^٥).\nوقال بعضُهم: لم يكن ذلك من اللهِ جلَّ ذكرُه بتحوُّلٍ، ولكنه يعني فِعْلَه، كما تقولُ: كان الخليفةُ في أهلِ العراقِ يُواليهم، ثم تحوَّلَ إلى أهلِ الشامِ. إنما يريدُ تحوُّلَ فعْلِه.\nوقال بعضُهم: قولُه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ يعني: استوتْ به. كما قال الشاعرُ:\nأقُولُ لَهُ لَمَّا استوَى في ترابِه … (^٦) على أيِّ دِينٍ [قَتَّل الناسَ] (^٧) مُصْعبُ\n_________\n(^١) البيت لابن مقبل، وهو في ديوانه ص ١٦٤.\n(^٢) شرورى: جبل بين العَمْق والمعدِن، في طريق مكة إلى الكوفة، وهي بين بني أسد وبني عامر. معجم ما استعجم ٣/ ٧٩٤، والبيت فيه.\n(^٣) رواية الديوان، ومعجم ما استعجم: \"ثوانى\". وسمدت الإبل: إذا جدت في السير. التاج (س م د).\n(^٤) الضجوع: موضع بين بلاد هذيل وبلاد بني سليم. معجم ما استعجم ٣/ ٨٥٧ والبيت فيه.\n(^٥) سقط من: الأصل.\n(^٦) في ص: \"ثراته\"، وفي ر: \"تراثه\".\n(^٧) في م: \"قبل الرأس\".","vol":"1","page":455},{"text":"وقال بعضُهم: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: عمَد لها. وقال: كلُّ تاركٍ عملًا كان فيه إلى آخرَ (^١) فهو مُستوٍ لما عمَد له ومُستوٍ إليه.\nوقال بعضُهم: الاستواءُ هو العلوُّ، والعلوُّ هو الارتفاعُ.\nوممن قال ذلك الربيعُ بنُ أنسٍ، حُدِّثْتُ بذلك عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ يقولُ: ارتفعَ إلى السماءِ (^٢).\nثم اختلَف متأوِّلُو الاستواءِ بمعنى العلوِّ والارتفاعِ في الذي استوَى إلى السماءِ؛ فقال بعضُهم: الذي استوَى إلى السماءِ وعلَا عليها خالِقُها ومُنشِئُها.\nوقال بعضُهم: بلِ العالي إليها (^٣) الدخانُ الذي جعَله اللهُ للأرضِ سماءً.\nقال أبو جعفرٍ: والاستواءُ في كلامِ العربِ منصرِفٌ على وجوهٍ؛ منها: انتهاءُ شبابِ الرجلِ وقوَّتِه، فيقالُ إذا صارَ كذلك: قدِ استوَى الرجلُ.\nومنها: استقامةُ ما كان فيه أوَدٌ (^٤) من الأمورِ والأسبابِ، يقالُ منه: استوَى لفلانٍ أمرُه: إذا استقام له بعدَ أوَدٍ (^٥). ومنه قولُ الطِّرِمَّاحِ بنِ حكيمٍ (^٦):\nطال على رسمٍ مُهَدَّدٍ أبَدُهْ … و(^٧) عفا واسْتَوَى به بَلَدُهْ\n_________\n(^١) في م: \"آخره\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٥ عقب الأثر (٣٠٨) من طريق ابن أبي جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٣ إلى المصنف عن أبي العالية. وستأتي بقيته في ص ٤٥٨.\n(^٣) في ص: \"عليها\".\n(^٤) الأود: العِوَج. ينظر التاج (أ ود).\n(^٥) في الأصل: \"درء\".\n(^٦) ديوانه ص ١٩٣.\n(^٧) في الأصل: \"ثم\".","vol":"1","page":456},{"text":"يعني: استقام به.\nومنها: الإقبالُ على الشيْءِ بالفعلِ، كما يقالُ: استوَى فلانٌ على فلانٍ بما يكرهُه ويسوءُه بعدَ الإحسانِ إليه.\nومنها: [الاستيلاءُ والاحتواءُ] (^١)، كقولِهم: استوَى فلانٌ على المملكةِ.\nبمعنى: احتوَى عليها وحازَها.\nومنها: العلوُّ والارتفاعُ، كقولِ القائلِ: استوَى فلانٌ على سريرِه. يعني به: عُلوَّه عليه.\nقال أبو جعفرٍ: وأوْلَى المعاني بقولِ اللهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾: علَا عليهن وارتفَع، فدبَّرهن بقدرتِه وخلَقهنَّ سبعَ سماواتٍ.\nوالعجبُ ممن أنكَرَ المعنى المفهومَ من كلامِ العربِ في تأويلِ قولِ اللهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ الذي هو بمعنَى العلوِّ والارتفاعِ هَرَبًا عندَ نفسِه من أنْ يلزَمَه بزعمِه - إذا تأوَّله بمعناه المفهومِ كذلك - أن يكونَ إنما علَا وارتفَع بعد أن كان تحتَها، إلى أنْ تأوَّلَه بالمجهولِ من تأويلِه المُسْتَنْكَرِ (^٢)، ثم لم ينجُ مما هرَب منه، فيقالُ له: أزعَمتَ أن تأويلَ قولِه: ﴿اسْتَوَى﴾: أقبَل، أفكانَ مُدْبرًا عن السماءِ فأقبَل إليها؟ فإن زعَمَ أن ذلك ليس بإقبالِ فعلٍ ولكنه إقبالُ تدبيرٍ. قيلَ له: فكذلك فقلْ (^٣): علَا عليها عُلوَّ مُلْكٍ وسلطانٍ لا علوَّ انتقالٍ وزوالٍ. ثم لن يقولَ في شيْءٍ من ذلك قولًا إلا أُلزِم في الآخَرِ مثلَه. ولولا أنَّا كرِهنا إطالةَ الكتابِ بما ليس من جنسِه لأَنبأْنا عن فسادِ قولِ كلِّ قائلٍ قال في ذلك قولًا لقولِ أهلِ الحقِّ فيه مخالفًا، وفيما بيَّنا منه ما يُشرِفُ\n_________\n(^١) في م: \"الاحتياز والاستيلاء\".\n(^٢) في ص: \"المستكره\".\n(^٣) في ر: \"تقل\".","vol":"1","page":457},{"text":"بذي الفهمِ على ما فيه له الكفايةُ إن شاء اللهُ.\nوإن قال لنا قائلٌ: أخبِرْنا عن استواءِ اللهِ جلَّ وعز إلى السماءِ، كان قبلَ خلْقِ السماءِ أم بعدَه؟\nقيل: بعدَه، وقبلَ أن يسوِّيَهن سبعَ سماواتٍ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١].\nفالاستواءُ كان بعد أن خلَقها دخانًا، وقبل أن يسَوِّيَها سبعَ سماواتٍ.\nوقال بعضُهم: إنما قال (^١): ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ولا سماءَ، كقولِ الرجلِ لآخَرَ: اعمَلْ هذا الثوبَ. وإنما معه غزلٌ.\nوأما قولُه: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. فإنه يعني: هيَّأَهُنَّ وخلَقهن ودبَّرهن وقوَّمهن.\nوالتسويةُ في كلامِ العربِ التقويمُ والإصلاحُ والتوطئةُ، كما يقالُ: سوَّى فلانٌ لفلانٍ هذا الأمرَ. إذا قوَّمه وأصلَحه ووطَّأَه له، فكذلك تسويةُ اللهِ جلَّ وعز سماواتِه، تَقويمُه إياهن على مشيئتِه، وتدبيرُه لهن على إرادتِه، وتفتيقُهن بعد ارْتِتاقِهن (^٢).\nكما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ يقولُ: سوّى خْلَقَهنّ، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٣).\nوقال جلّ ذكرُه: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. فأخرَج مَكنِيَّهن (^٤) مُخرجَ مَكْنيِّ الجميعِ،\n_________\n(^١) في الأصل، ر: \"قيل\".\n(^٢) في ص: \"بتامتهن\"، وفي م: \"ارتاقهن\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٥ (٣١٠) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٣ إلى المصنف عن أبي العالية. وتقدم أوله في ص ٤٥٦.\n(^٤) في ر: \"مكينهن\". والمكنى هو الضمير في اصطلاح نحويي الكوفة. ينظر ص ٤٥٣.","vol":"1","page":458},{"text":"وقد قال قبلُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ فأخرَجها على تقديرِ الواحدِ، وإنما أخرَج مَكنِيَّهن مُخرَجَ مَكْنيِّ الجميعِ؛ لأن السماءَ جمعٌ، واحدُها سماوَةٌ، فتقديرُ واحدتِها وجميعِها إذن تقديرُ بقرةٍ وبقرٍ، ونخلةٍ ونخلٍ، وما أشبهَ ذلك، ولذلك أُنِّثت السماءُ مرةً، فقيل: هذه سماءٌ. وذُكِّرت أُخرى، فقيل: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]. كما يُفعَلُ ذلك بالجميعِ الذي لا فرْقَ بينَه وبين واحدِه غيرُ دخولِ الهاءِ وخروجِها، فيقالُ: هذا بقرٌ، وهذه بقرٌ، وهذا نخلٌ، وهذه نخلٌ. وما أشبهَ ذلك.\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ يزعُمُ أن السماءَ واحدةٌ، غيرَ أنها تدُلُّ على السماواتِ، فقيل: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. يُراد بذلك التي ذُكرتْ وما دلَّتْ عليه من سائرِ السماواتِ التي لم تُذكرْ معها. قال: وإنما تُذكَّرُ إذا ذُكِّرتْ وهي مؤنثةٌ، فيقالُ: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾. كما يُذَكَّرُ المؤنثُ، وكما قال الشاعرُ (^١):\nفلا مُزْنةٌ ودَقَتْ وَدْقَها … ولا أرضَ أبْقَلَ إبْقالَها\nوكما قال أعْشى بني ثعلبةَ (^٢):\nفإمّا تَرَىْ لِمَّتِى بُدِّلَتْ … فإنَّ الحوادثَ أزْرَى بها\nوقال بعضُهم: السماءُ وإن كانت سماءً فوقَ سماءٍ، وأرضًا فوقَ أرضٍ، فهي في التأويلِ واحدةٌ إن شئتَ، ثم تكونُ تلك الواحدةُ جِماعًا، كما يقالُ: ثوبٌ\n_________\n(^١) البيت لعامر بن جوين الطائي، وهو في الكتاب ٢/ ٤٦، والخزانة ١/ ٤٥.\n(^٢) ديوانه ١٧١، وروايته:\nفإن تعهديني ولى لمة … فإن الحوادث ألوى بها","vol":"1","page":459},{"text":"أخلاقٌ وأسمالٌ (^١)، وبُرْمةٌ أعشارٌ (^٢). للمتكسِّرَةِ، وبُرْمةٌ أكسارٌ وأجبارٌ. وأخلاقٌ، أي أنّ نواحيَه أخلاقٌ.\nفإن قال لنا قائلٌ: فإنك (^٣) قد قلتَ: إن اللهَ استوَى إلى السماءِ وهي دخانٌ قبل أن يسوِّيَها سبعَ سماواتٍ ثم سوّاها سبعًا [بعد استوائِه إليها] (^٤)، فكيف زعَمتَ أنها جماعٌ؟\nقيل: إنهنَّ كُنَّ سبعًا غيرَ مُستوياتٍ، فلذلك (^٥) قال تعالى ذكرُه: فسواهنَّ سبعًا.\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: قال محمدُ بنُ إسحاقَ: كان أوّلَ ما خلَق اللهُ تعالى ذكرُه النورُ والظلمةُ، ثم ميَّزَ بينَهما فجعَل الظُلمةَ ليلًا أسودَ مُظلمًا، وجعَل النورَ نهارًا مضيئًا مُبصرًا، ثم سمَك السماواتِ السبعَ من دخانٍ، يقالُ - واللهُ أعلمُ -: من دخانِ الماءِ. حتى استقلَلْنَ ولم يُحْبَكن، وقد أغطَش في السماءِ الدنيا ليلَها وأخرَج ضُحاها، فجرَى فيها الليلُ والنهارُ، وليس فيها شمسٌ ولا قمرٌ ولا نجومٌ، ثم دحَا الأرضَ فأرْساها بالجبالِ، وقدَّر فيها الأقواتَ، وبثَّ فيها ما أراد من الخَلْقِ، ففرَغ من الأرضِ وما قدَّر فيها من أقواتِها في أربعةِ أيامٍ، ثم استَوى إلى السماءِ وهي دخانٌ، كما قال، فحبَكَهُنَّ، وجعَل في السماءِ الدنيا شمسَها وقمرَها ونجومَها، وأوْحَى في كلِّ سماءٍ أمْرَها،\n_________\n(^١) ثوب أخلاق: من قولهم: خلق الثوب. أي بلى كله. وأسمال من: سمل الثوب سمولا وسمولة: أخلق. التاج (خ ل ق، س م ل).\n(^٢) أي: مكسرة على عشر قطع. ينظر التاج (ع ش ر).\n(^٣) سقط من: ص، ر.\n(^٤) في ص: \"فقد استوى به إليها\".\n(^٥) في ص: \"فكذلك\".","vol":"1","page":460},{"text":"فأكمَل خَلْقَهن في يومين، ففرَغ من خلْقِ السماواتِ والأرضِ في ستةِ أيامٍ، ثم استوَى في اليومِ السابعِ فوقَ سَماواتِه، ثم قال للسّماواتِ والأرضِ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ لِمَا أردْتُ (^١) بكما، فاطمَئِنَّا عليه طوعًا أو كرهًا ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (^٢).\nفقد أخبَر ابنُ إسحاقَ أن اللهَ تعالى ذكرُه استوَى إلى السماءِ بعد خلقِه الأرضَ وما فيها وهنّ سبعٌ من دخانٍ، فسَوّاهُنَّ كما وصَف.\nوإنما استَشهدْنا لقولِنا الذي قُلْنا في ذلك بقولِ ابنِ إسحاقَ؛ لأنه أوضحُ بيانًا عن خبرِ (^٣) السماواتِ أنهنَّ كن سبعًا من دخانٍ قبلَ استواءِ ربِّنا إليها لتسويتِها (^٤) - من غيرِه، وأحسنُ شرحًا لما أردْنا الاستدلالَ به، من أن معنى السماءِ التي قال تعالى ذكرُه فيها: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بمعنى الجمعِ على ما وصفْنَا، وأنَّه إنما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. إذْ كانت السماءُ بمعنى الجمعِ، على ما بيَّنَّا.\nفإن قال لنا قائلٌ: فما صِفةُ تسويةِ اللهِ السماواتِ التي ذكَرها في قولِه: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. إذْ كنَّ قد كنّ خُلِقن سبعًا قبل تسويتِه إياهُنَّ؟ وما وجْهُ ذكْرِ خلْقِهنّ بعد ذكْرِ خلْقِ الأرضِ، أَلأنَّها (^٥) خُلِقتْ قبلَها أم لمعنًى (^٦) غيرِ ذلك؟\nقيل: قد ذكَرْنا ذلك في الخبرِ الذي رَوَيْناه عن ابنِ إسحاقَ، ونزيدُ ذلك توكيدًا بما نضُمُّ إليه من أخبارِ بعضِ السلفِ المتقدِّمين وأقوالِهم.\n_________\n(^١) في االأصل: \"أردته\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤ إلى قوله: مبصرا. وينظر تفسير الآيات ٩ - ١٢ من سورة فصلت.\n(^٣) في ص: \"خلق\".\n(^٤) في ص، ر، م: \"بتسويتها\".\n(^٥) في ص: \"لا أنها\"، وفي ر: \"لأنها\".\n(^٦) في ص، م: \"بمعنى\".","vol":"1","page":461},{"text":"فحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾. قال: إن اللهَ تعالى ذكرُه كان عرشُه على الماءِ، ولم يخلُقْ شيئًا غيرَ ما خلَق قبلَ الماءِ، فلمَّا أراد أن يَخْلُقَ الخْلقَ أخرَج من الماءِ (^١) دخانًا، فارتفَع فوق الماءِ فسَما عليه، فسمّاهُ سماءً، ثم أيبَس الماءَ فجعَله أرضًا واحدةً، ثم فتقَها فجعَل سبعَ أرَضينَ في يومين، في الأحدِ والاثنينِ، فخلَق الأرضَ على حوتٍ، والحوتُ هو النونُ الذي ذكَر اللهُ في القرآن: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١]. والحوتُ في الماءِ، والماءُ على ظَهْرِ صَفَاةٍ، والصفاةُ على ظهرِ مَلَكٍ، والمَلَكُ على صخرةٍ، والصخرةُ في الريحِ - وهي الصخرةُ التي ذكَر لقمانُ (^٢) - ليست في السماءِ ولا في الأرضِ، فتحرَّك الحوتُ فاضطرَب، فتزلزلتِ الأرضُ، فأرْسَى عليها الجبالَ فقرّتْ، فالجبالُ تفخَرُ على الأرضِ، وذلك قولُه: [﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ] (^٣) رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]. وخلَق الجبالَ فيها، وأقواتَ أهلِها، وشجرَها، وما ينبغي لها في يومين؛ في الثلاثاءِ والأربعاءِ، وذلك حينَ يقولُ: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾. يقولُ: أنبتَ شجرَها. ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) في ص: \"النار\".\n(^٢) يشير إلى الآية ١٦ من سورة لقمان.\n(^٣) في النسخ، والتوحيد، وتفسير ابن أبي حاتم، والدر المنثور: \" وجعل لها\"، والمثبت هو صواب تلاوة الآية، وهي كذلك في تاريخ المصنف.","vol":"1","page":462},{"text":"أقواتَها لأهلِها. ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾. يقول: [مَن سأل فهكذا] (^١) الأمرُ. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ٩ - ١١]. وكان ذلك الدخانُ من تنَفُّسِ الماءِ حينَ تنفَّس، فجعَلها سماءً واحدةً، ثم فتقَها فجعَلها سبعَ سماواتٍ في يومين؛ في الخميس والجمُعةِ، وإنما سُمِّيَ يومَ الجمُعةِ لأنه جُمِع فيه خلْقُ السماواتِ والأرضِ، ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾. قال: خلَق في كلِّ سماءٍ خلْقَها من الملائكةِ والخَلْقِ الذي فيها، من البحارِ وجبالِ البَرَدِ وما لا يُعلَمُ، ئم زيَّنَ السَّماءَ الدُّنْيا بالكواكبِ، فجَعَلها زينةً وحِفْظًا تَحْفَظُ من الشياطيِن، فلمّا فَرَغَ من خلْقِ ما أحبّ، استوَى على العرشِ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، هود: ٧]. يقولُ: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (^٢) [الأنبياء: ٣٠].\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾. قال: خلَق الأرضَ قبلَ السماءِ، فلمّا خلَق الأرضَ ثارَ منها دخانٌ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾. قال: بعضُهن فوقَ بعضٍ، وسبعُ أرَضين بعضُهن تحتَ (^٣)\n_________\n(^١) في م: \"قل لمن يسألك هكذا\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٢، ٥٣ عن موسى وغيره، عن عمرو به، إلى آية سورة النحل. وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ٢٤٣، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٠٧) من طريق عمرو به.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٤ (٣٠٦) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٢، ٤٣ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في ر: \"فوق\".","vol":"1","page":463},{"text":"بعضٍ (^١)\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولهِ: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ قال: بعضُهن فوق بعضٍ، بين كلِّ سماءيْن مَسِيرةُ خمسِمائةِ عامٍ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولهِ حيثُ ذكَر خلْقَ الأرضِ قبلَ السماءِ، ثم ذكَر السماءَ قبلَ الأرضِ -: وذلك أن اللهَ خلَق الأرضَ بأقواتِها من غيرِ أن يدْحُوَها قبلَ السماءِ، ثم استوَى إلى السماءِ فسوّاهُنّ سبعَ سماواتٍ، ثم دَحَا الأرضَ بعد ذلك، فذلك قولُه ﷿: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠].\nحدثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني أبو معشرٍ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ سلامٍ أنه قال: إن اللهَ بدَأ الخلْقَ يومَ الأحدِ، فخلَق الأرَضِين في الأحدِ والاثنينِ، وخلَق الأقواتَ والرواسِيَ في الثلاثاءِ والأربعاءِ، وخلَق السماواتِ في الخميس والجمُعةِ، وفرَغ في آخرِ ساعةٍ من يومِ الجمُعةِ، فخلَق فيها آدمَ على عَجَلٍ، فتلك الساعةُ التي تقومُ فيها الساعةُ (^٣).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق - كما في الدر المنثور ١/ ٤٢ - وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٥ (٣١١)، وأبو الشيخ في العظمة (٨٨٥) من طريق الحسن بن يحيى به.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٤ إلى المصنف وعبد الرزاق.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٤،٥٥،٥٤ مفرقا. =","vol":"1","page":464},{"text":"فمعنى الكلامِ إذن: هو الذي أنعَم عليكم، فخلَق لكم ما في الأرضِ جميعًا، وسخَّره لكم، تفضُّلًا منه بذلك عليكم؛ ليكونَ لكم بلاغًا في دنياكم، ومتاعًا إلى موافاةِ آجالِكم، ودليلًا لكُم على وحدانيةِ ربِّكم، ثم علَا إلى السماواتِ السبعِ وهنَّ دخانٌ، فسوّاهن وحَبَكهن، وأجرَى في بعضِهن (^١) [شمسَه وقمرَه ونجومَه] (^٢)، وقدَّر في كلِّ واحدةٍ منهنَّ ما قدَّر من خلْقِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-155>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَهُوَ﴾ نفسَه، وبقولِه: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أن الذي خلَقكم وخلَق لكم ما في الأرضِ جميعًا، وسوَّى السماواتِ السبعَ بما فيهن، فأحكَمهن مِن دخانِ الماءِ وأتقَن (^٣) صُنْعَهن، لا يخفَى عليه أيُّها المنافقون والملحدون والكافرون به مِن (^٤) أهلِ الكتابِ - ما تُبْدون وما تكتُمون في أنفسِكم، وإن أبدَى منافقوكم بألسِنتِهم قولَهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. وهم على التكذيبِ به مُنْطَوون، وكذَّبتْ أحبارُكم (^٥) بما أتاهم به رسولي من الهدَى والنورِ، [وهم] (^٦) بصحتِه عارِفون، وجحَدوا (^٧) وكتَموا ما\n_________\n= وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٨٨٤) من طريق محمد بن بكير، عن أبي معشر به.\nوأخرجه البيهقي في الأسماء والصافات (٨١١) من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن عبد الله بن سلام. وأخرج أحمد ٥/ ٤٥٠ (الميمنية) آخره من طريق آخر عن عبد الله بن سلام.\n(^١) في الأصل، ص: \"بعضها\".\n(^٢) في الأصل: \"شمسها وقمرها ونجومها\".\n(^٣) في ت ١: \"أيقن\".\n(^٤) في ص: \"و\".\n(^٥) في ص: \"أحبارهم\".\n(^٦) سقط من: ص.\n(^٧) الأصل، ر: \"جحدوه\".","vol":"1","page":465},{"text":"قد أخَذْتُ عليهم تبْيانَه (^١) لخلقِي من أمرِ محمدٍ ﷺ[ونُبُوَّتِه] (^٢) - المواثيقَ، وهم به عالمون، بل أنا عالمٌ بذلك [من أمْرِكم] (^٣) وغيرِه من أمورِكم وأمورِ غيرِكم؛ أي (^٤) بكلِّ شيْءٍ عليمٌ.\nوقولُه: ﴿عَلِيمٌ﴾. بمعنى عالمٍ. ورُوِي عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ. هو الذي قد كَمُلَ في علْمِه.\nحدَّثني المُثَنَّى بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ ابنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: العالِمُ الذي قد كَمُلَ في عِلْمِه (^٥).\n\n<span id=\"aya-37\"></span><span data-type='title' id=toc-156>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾.</span>\n\nزعَم بعضُ المنسوبين إلى العلمِ بلُغاتِ العَربِ من أهلِ البصرةِ (^٦) أن تأويلَ قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾: وقال ربُّك. وأنّ ﴿وَإِذْ﴾ من الحروفِ الزَّوائدِ، وأن معناها الحذفُ. واعتَلَّ لقولِه الذي وصَفْنا عنه في ذلك ببيتِ الأسودِ بنِ يَعْفُرَ (^٧):\nفإذا وذلك لا مَهاهَ لِذِكْرِه … والدهرُ يُعْقِبُ صالحًا بفسادِ\n_________\n(^١) في م: \"ببيانه\".\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ص، ر، م: \"إني\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٠ - من طريق عبد الله بن صالح به. وينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٥٤٧.\n(^٦) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٣٦، ٣٧.\n(^٧) البيت في المفضليات، ص ٢٢٠، واللسان (م هـ هـ).","vol":"1","page":466},{"text":"ثم قال: ومعناها: وذلك لا مَهاهَ لذِكْرِه. وببيتِ عبدِ منافِ بن رِبْعٍ (^١) الهُذليِّ (^٢):\nحتى إذا أسلَكوهم في قُتائِدَةٍ (^٣) … شَلًّا (^٤) كما تطْرُدُ الجَمّالةُ (^٥) الشُّرُدا (^٦)\nوقال: معناه: حتى أسْلَكُوهم.\nقال أبو جعفرٍ: والأمرُ في ذلك بخلافِ ما قال، وذلك أن \"إذْ\" (^٧) حرفٌ يأتي بمعنى الجزاءِ، ويَدُلُّ على مجهولٍ من الوقتِ، وغيرُ جائزٍ إبطالُ حرفٍ كان دليلًا على معنًى [في الكلامِ] (^٨). إذ سواءٌ قيلُ قائلٍ: هو بمعنى البُطولِ (^٩)، [وهو] (^٨) في الكلامِ دليلٌ على معنًى مفهومٍ. وقيلُ آخرَ في جميعِ الكلامِ الذي نطَق به دليلًا على ما أرِيدَ به: هو بمعنى البُطولِ (^٩).\nوليس [لما ادّعى] (^١٠) الذي وصَفْنا قولَه (^١١) - في بيتِ الأسودِ بنِ يَعفُرَ، أن \"إذا\" (^١٢) بمعنى البُطولِ (^٩) - وجهٌ مفهومٌ، بل ذلك لو حُذِف من الكلامِ لَبَطَل المعنَى\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"زريع\".\n(^٢) ديوان الهذليين ٢/ ٤٢، وسيأتي ١٤/ ٩، وفي الشعراء.\n(^٣) قتائدة: جبل بين المنصرف والروحاء. معجم ما استعجم ٣/ ١٠٤٨.\n(^٤) شل السائق الإبل شلًّا؛ إذا طردها، والشل: الطرد. التاج (ش ل ل).\n(^٥) في ص: \"الحمالة\"، والجمالة أصحاب الجمال.\n(^٦) شرد جمع شرود من قولهم: شرد الفرس أو البعير. إذا استعصى وذهب على وجهه. التاج (ش ر د).\n(^٧) في ر، ت ١، ت ٢: \"إذا\".\n(^٨) سقط من: ص.\n(^٩) في م: \"التطول\".\n(^١٠) في م: \"المدعى\".\n(^١١) في ر: \"في قوله\".\n(^١٢) في ت ٢: \"إذ\".","vol":"1","page":467},{"text":"الذي أراده الأسودُ من قولِه:\n* فإذا وذلك لا مَهاهَ لذِكْرِه *\nوذلك أنه أراد بقولِه: فإذا (^١): فإذا الذي نحن فيه وما قد مضَى من عَيْشِنا.\nوأشار بقولِه: [وذلك] (^٢). إلى ما تقدَّم وصْفُه من عيشِه الذي كان فيه. لا مَهاهَ لذِكْرِهِ، يعني: لا طَعْمَ له ولا فضْلَ؛ لإعقابِ الدهرِ صالحَ ذلك بفسادٍ. وكذلك معنى قولِ عبدِ منافِ بنِ رِبعٍ (^٣):\nحتى إذا أسلكوهم في قُتائدةٍ … شلًّا (^٤) .....................\nلو أُسقِط منه \"إذا\" بطَل معنى الكلامِ؛ لأن معناه: حتى إذا أسلَكوهم في قُتائدةٍ سلَكوا شَلًّا. فدلَّ (^٥) قولُه: أسلكوهم شلًّا (٤). على مَعْنَى المْحذُوفِ، فاسْتُغْنِي عن ذكْرِه بدَلالةِ \"إذا\" عليه فحُذِف - كما قد ذكَرْنا فيما مَضَى من كتابِنا (^٦) - على ما تفعَلُ العربُ في نظائرِ ذلك، وكما قال النَّمِرُ بنُ تَوْلَبٍ (^٧):\nفإن المنيةَ من يخْشَها … فسوف تصادِفُه أيْنَما\nوهو يريدُ: أينما ذهَب. وكما تقولُ العربُ: أتيتُك من قبلُ ومن بعدُ. تُرِيدُ:\n_________\n(^١) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢.\n(^٢) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢: \"ذلك\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"زريع\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"سلا\".\n(^٥) في ر: \"فذلك\".\n(^٦) ينظر ما تقدم في ص ١١١ - ١١٢، ٣٤٤.\n(^٧) البيت في الصناعتين ١٨٣، والخزانة ١١/ ١٠١ وشرح التصريح ٢/ ٢٥٣.","vol":"1","page":468},{"text":"من قبلِ ذلكَ ومن بعدِ ذلكَ. فكذلك ذلك في \"إذا\"، كما يقولُ القائلُ: إذا أكرَمك أخوك فأكرِمْه، وإذا لا فلَا. يريدُ: وإذا لم يُكرِمْك (^١) فلا تُكرِمْه. ومن ذلك قولُ الآخر (^٢).\nفإذا وذلك لا يضُرُّك ضُرُّه (^٣) … في يومِ أسألُ (^٤) نائلًا أو أنكَدَا\nنظيرَ ما ذكَرْنا من المعنى في بيتِ الأسودِ بنِ يَعفُرَ. وكذلك معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾. لو أُبْطِلَتْ \"إذْ\" وحذِفتْ من الكلامِ، لاستحالَ عن (^٥) معناه الذي هو به وفيه \"إذْ\".\nفإن قال قائلٌ: فما معنى ذلك، وما الجالبُ لـ \"إذ\"، إذا (^٦) لم يكنْ في الكلامِ قبلَه ما يُعطَفُ به عليه؟\nقيل له: قد ذكَرنا فيما مضَى أن اللهَ تعالى ذكرُه خاطَب الذين خاطَبهم بقولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾. بهذه الآياتِ والتي بعدَها مُوَبِّخَهم ومُقَبِّحًا إليهم سوءَ فِعالِهم ومُقامِهم على ضلالِهم مع النعمِ التي أنعَمها عليهم وعلى أسلافِهم، ومُذكِّرَهُم - بتعديدِ نِعَمِه عليهم وعلى أسلافِهم - بأسَه أن يسلُكوا سبيل مَن هلَك من أسلافِهم في معصيتِه، فيسلُكَ بهم سبيلَهم (^٧) في\n_________\n(^١) في ت ١: \"يكن معك\".\n(^٢) التبيان ١/ ١٣١.\n(^٣) في ص، والتبيان: \"ضرة\"، وفي ر: \"ضيرة\".\n(^٤) في ص، م: \"أثل\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢: \"من\".\n(^٦) في ص، م: \"إذ\".\n(^٧) في ت ١: \"سبيله\".","vol":"1","page":469},{"text":"عقوبتِه، ومُعرِّفَهم ما كان منه من تعطُّفِه على التائبِ منهم، استعتابًا منه لهم، فكان مما عدَّدَ من نِعَمِه عليهم، أنه خلَق لهم ما في الأرضِ جميعًا، وسخَّر لهم ما في السماواتِ؛ من شمسِها وقمرِها ونجومِها وغيرِ ذلك من منافعِها التي جعَلها لهم ولسائرِ بني آدمَ معهم منافعَ، فكان في قولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. معنى (^١): اذكُروا نعمتي (^٢) عليكم إذ خلَقتُكم ولم تكونوا شيئًا، وخلَقتُ لكم ما في الأرض جميعًا، وسوَّيتُ لكم ما في السماءِ. ثم عطَف بقولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ على المعنى المقتضَى بقولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ إذ كانَ مُقتضيًا ما وصفتُ من قولِه: اذكُروا نِعمتي إذْ فعلتُ بكم وفعلتُ، واذكُروا فِعْلِي بأبِيكم آدمَ، إذْ قلتُ للملائكةِ: إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةً.\nفإن قال قائلٌ: فهل لذلك من نظيرٍ في كلامِ العربِ نعلَمُ به صحةَ ما قلتَ؟\nقيل: نعم، أكثرُ مِن أن يُحصَى، من ذلك قولُ الشاعرِ (^٣):\nأجِدَّك لن تَرَى بثُعَيْلِباتٍ (^٤) … ولا بَيْدَانَ (^٥) ناجيةً (^٦) ذَمُولَا (^٧)\n_________\n(^١) في ر: \"معناه\".\n(^٢) بعده في م: \"التي أنعمت\".\n(^٣) البيتان للمرار بن سعيد الفقعسي، وهما في مجالس ثعلب ١/ ١٥٩، واللسان (ب ى د، ن ش غ، ط ف ل).\n(^٤) في ص: \"بتعيلنات\". وثعيلبات تصغير جمع ثعلبة: موضع. معجم البلدان ١/ ٩٢٧.\n(^٥) بيدان: جبل أحمر مستطيل من أخيلة حمى ضريّة. معجم البلدان ١/ ٧٨٣.\n(^٦) الناجية: الناقة السريعة. التاج (ن ج و).\n(^٧) الذميل: ضرب من سير الإبل، وقيل: هو السير اللين ما كان، وقيل: هو فوق العنق. اللسان (ذ م ل).","vol":"1","page":470},{"text":"ولا متدارَكٍ (^١) والشمسُ طِفْلٌ … ببعضِ نواشغِ (^٢) الوادي حُمُولَا\nفقال: ولا مُتدارَكٍ. ولم يتقدَّمْه فعلٌ بلفظِه يُعطَفُ (^٣) به عليه، ولا حرفٌ مُعرَبٌ إعرابَه فيُرَدَّ \"متدارك\" عليه في إعرابِه، ولكنه لما تقدَّمه فعلٌ مجحودٌ بـ \"لن\" (^٤) يَدُلُّ على المعنى المطلوبِ في الكلامِ من (^٥) المحذوفِ، استغْنَى بدَلالةِ ما ظَهَر منه عن إظهارِ ما حُذِف، وعامَل الكلامَ في المعنى والإعرابِ معاملتَه أن (^٦) لو كان ما هو محذوفٌ منه ظاهرًا؛ لأن قولَه:\n* أجِدَّك لن تَرَى بثُعَيْلِباتٍ *\nمعناه: أجِدَّك لستَ براءٍ. فردَّ \"مُتداركًا\" على مَوضعِ \"تَرَى\"، كأن \"لست\" والباءَ (^٧) موجودتان في الكلامِ. فكذلك قولُه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾.\nلمّا سلَف قبلَه تذكيرُ اللهِ جلّ وعزَّ المخاطَبين به ما سلَف قِبلَهم وقِبلَ آبائِهم من أيادِيه وآلائِه، وكان قولُه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ مع ما بعدَه من النِّعَمِ التي عدَّدَها عليهم، ونَبَّههم على مواقعِها - ردَّ \"إذْ\" على موضعِ ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾. لأن معنى ذلك: اذكُروا هذه من نِعَمِي (^٨)، وهذه التي قلتُ فيها للملائكةِ. فلمّا كانت الأولى مُقتضيةً \"إذ\"، عطَف\n_________\n(^١) في اللسان: \"متلاقيا\".\n(^٢) النواشغ: مجاري الماء في الوادي. التاج (ن ش غ).\n(^٣) في ر: \"يفعله\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"بأن\".\n(^٥) في م: \"وعلى\".\n(^٦) في ص: \"اذ\".\n(^٧) في ر، ت ١، ت ٢: \"الياء\".\n(^٨) في ص: \"نعمتي\".","vol":"1","page":471},{"text":"[بـ \"إذ\"] (^١) على موضعِها في الأولى، كما وصَفْنا من فِعْلِ (^٢) الشاعرِ في: ولا مُتداركٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-157>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾.</span>\nوالملائكةُ جمعُ مَلْأَكٍ (^٣)، غيرَ أن أحدَهم بغيرِ الهمزِ أكثرُ وأشهرُ في كلامِ العربِ منه بالهمزِ، وذلك أنهم يقولون في واحدِهم: مَلَكٌ من الملائكةِ.\nفيحذِفون الهمزَ منه، ويُحرِّكون اللامَ التي كانت مُسَكَّنةً لو هُمزَ الاسمُ، وإنما يُحرِّكونها بالفَتْحِ لأنهم ينقُلونَ حركةَ الهمزةِ التي فيه بسقوطِها (^٤) إلى الحرفِ الساكنِ قبلَها، فإذا جمَعوا واحدَهم ردُّوه (^٥) في (^٦) الجمعِ إلى الأصلِ [وهمَزُوا] (^٧)، فقالوا: ملائكةٌ. وقد تفعَلُ العربُ نحوَ ذلك كثيرًا في كلامِها، فتترُكُ الهمزَ في الكلمةِ التي هي مهموزةٌ فيجرِي كلامُهم بتَرْكِ هَمْزِها في حالٍ، وبهمزِها في أُخرى، كقولِهم: رأيتُ فلانًا. فجرَى كلامُهم بهمزِ \"رأيتُ\"، ثم قالوا: نرَى / وترَى ويَرى. فجرَى كلامُهم في \"يفعل\" ونظائرِها بتركِ الهمزِ، حتى صار الهمزُ معها شاذًّا، مع كونِ الهمزِ فيها أصلًا. فكذلك ذلك في \"مَلَك وملائكة\"، جرَى كلامُهم بتركِ الهمزِ من واحدِهم، وبالهمزِ\n_________\n(^١) في م: \"إذ\".\n(^٢) في م: \"قول\".\n(^٣) في ص، ر، م: \"ملك\".\n(^٤) في ص: \"فسقوطها\"، وفي ر: \"لسقوطها\".\n(^٥) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢: \"ردرا\".\n(^٦) سقط من: ص، م.\n(^٧) في الأصل: \"فهمزوا\".","vol":"1","page":472},{"text":"في جميعِهم، وربما جاء الواحدُ منهم (^١) مهموزًا، كما قال الشاعرُ (^٢):\nفلستَ بجنِّيٍّ (^٣) ولكنْ مَلْأَكًا (^٤) … تحدَّر من جوِّ السماءِ يَصُوبُ\nوقد يقالُ في واحدِهم: مألكٌ. فيكونُ ذلك مثلَ قولِهم: جبَذ وجذَب، وشَأْمَلَ وشمْأَل (^٥). وما أشبهَ ذلك من الحروفِ المقلوبةِ (^٦)، غيرَ أن الذي يجبُ إذا سُمِّيَ واحدُهم: مألكٌ (^٧)، أن يُجمَعَ إذا جُمِعَ على ذلك: مآلكُ، ولستُ أحفظُ جمعَهُم كذلك سماعًا، ولكنهم قد يَجمعون: ملائِكُ، وملائِكةٌ، كما يُجْمَعُ أشعثُ: أشاعثُ وأشاعِثةٌ، ومِسْمَعٌ: مَسامعُ ومَسامِعَةٌ. قال أميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ في جمعِهم كذلك (^٨):\nوفيها مِنْ عبادِ اللهِ قومٌ … ملائِكُ ذُلِّلوا وهُمُ صِعابُ\nوأصلُ الملأكِ (^٩) الرسالةُ، كما قال عديُّ بنُ زيدٍ العِبَادِيُّ (^١٠):\n_________\n(^١) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢.\n(^٢) تقدم تخريج البيت في ص ٣٥٠.\n(^٣) في م: \"لإنسى\".\n(^٤) في م: \"لملأك\".\n(^٥) في ص: \"شمل\".\n(^٦) قلب الشيْء: حوله ظهرًا لبطن. والقلب المكاني باب من أبواب التصريف، يقع فيه تقديم بعض حروف الكلمة على بعض، وأكثر ما يتفق القلب في المعتل والمهموز، وأكثر ما يكون بتقديم الآخر على متلوّه. وأنواعه كثيرة. ينظر التاج (ق ل ب)، وفهارس سيبويه، وفهارس المقتضب، والخصائص ٢/ ٨٨، وشرح الرضى على الشافية ١/ ٢١ فما بعدها. وينظر أيضًا القلب والإبدال لابن السكيت نشرة هفنر؛ ضمن مجموعة الكنز اللغوي.\n(^٧) في ص: \"ملك\".\n(^٨) ديوانه ص ٦٢.\n(^٩) في ص: \"الملك\".\n(^١٠) البيت في الأغاني ٢/ ١١٤، والعقد الفريد ٥/ ٢٦١، وكتاب ليس في كلام العرب لابن خالويه =","vol":"1","page":473},{"text":"أبلغِ النعمانَ عنى ملأكًا (^١) … أنه قد طال حَبْسِي وانتظارِي (^٢)\nوقد يُنشَدُ: مَأْلَكًا، على اللغةِ الأخْرَى. فمن قال: ملأَكًا. فهو \"مَفْعَل\"، من: [لأَك إليه يَلْأَكُ (^٣)] (^٤)، إذا أرسَل إليه رسالةً، مَلْأَكةً (^٥). ومن قال: مَأْلَكًا. فهو \"مَفْعَل\"، من: ألَكتُ إليه ألِكُه (^٦)، إذا أرسلتَ إليه، مأْلكةً وأَلُوكًا. كما قال لَبيدُ ابنُ (^٧) ربيعةَ (^٨):\nوغُلامٍ أرسلَتْه أُمُّه … بأَلوكٍ فبَذَلْنا ما سأَلْ\nفهذا من: ألَكت. ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبيانَ (^٩):\nألِكْنِي يا عُيَينَ إليك قولًا … [سأُهْدِيه (^١٠) إليك إليك عنِّيْ] (^١١)\nوقال عبدُ بني الحَسْحاسِ (^١٢):\nألِكْنى إليها عَمْرَك اللهَ يا فتى … بآيةِ ما جاءت إلينا تهادِيَا\n_________\n= ص ٤٧. والرواية فيهن جميعًا: \"مألكا\".\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"مألكا\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"انتظار\".\n(^٣) في م: \"يلئك\".\n(^٤) في ص: \"لاك إليه يلك\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"ملكه\".\n(^٦) في م: \"ألك\".\n(^٧) بعده في م: \"أبي\".\n(^٨) شرح ديوان لبيد ص ١٧٨.\n(^٩) ديوانه ص ١٩٧.\n(^١٠) في الديوان: \"سأبديه\".\n(^١١) في م: \"ستهديه الرواة إليك عني\".\n(^١٢) تقدم البيت وتخريجه في ص ١٠٤.","vol":"1","page":474},{"text":"يعني بذلك: أبْلِغها رسالتِي. فسُمِّيتِ الملائكةُ ملائكةً بالرسالةِ؛ لأنَّها رسُلُ اللهِ بينَه وبينَ أنبيائِه ومَن أُرسِلتْ إليه مِن عبادِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-158>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعز: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ (^١) قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ﴾؛ فقال بعضُهم: إني فاعلٌ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحَدَّثَنَا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن جريرِ بنِ حازمٍ (^٢) ومباركٍ، عن الحسنِ، وأبي بكرٍ - يعني الهُذَليَّ - عن الحسنِ وقتادةَ، قالوا: قال اللهُ تعالى ذِكْرُه لملائكتِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.\nقال لهم: إني فاعلٌ (^٣).\nوقال آخرون: إني خالقٌ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحُدِّثت عن المنِجابِ بنِ الحارثِ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، قال: كلُّ شيْءٍ في القرآنِ \"جعَل\" فهو \"خلَق\" (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ص: \"خازم\".\n(^٣) أخرجه المصنّف في تاريخه ١/ ٩٨، ١٠١ مطولا. وسيأتي بتمامه في ص ٤٩٢. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٦ (٣١٥) من طريق سعيد بن سليمان، عن مبارك، عن الحسن به.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٤ إلى المصنّف عن الحسن وحده.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٤ إلى المصنّف من قول الضحاك.","vol":"1","page":475},{"text":"قال أبو جعفرٍ: والصوابُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.\nإنِّي مُستخلِفٌ فيها (^١) خليفةً، ومُصَيِّرٌ فيها خُلَفاءَ (^٢). وذلك شبيهٌ بتأويلِ قولِ الحسنِ وقتادةَ.\nوقيل: إن الأرضَ التي ذكَرها اللهُ جل ثناؤُه في هذه الآيةِ هي مكةُ.\nذكرُ من قال ذلك\nحَدَّثَنَا ابنُ حميدٍ، قال: حَدَّثَنَا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن ابنِ سابطٍ، أن النَّبِيَّ ﷺ قال: \"دُحِيتِ الأرضُ مِن مكَّةَ، وكانت الملائكةُ تطُوفُ بالبيتِ، فهي أولُ من طاف به، وهي الأرضُ التي قال اللهُ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. وكان النبيُّ إذا هلَك قومُه ونَجا هُوَ والصالحون، أتاها (^٣) هو ومَن معه فعبَدوا اللهَ بها حتى يموتوا، فإنَّ قبرَ نوحٍ وهودٍ وصالحٍ وشعيبٍ بينَ زمزمَ والرُّكنِ والمَقامِ\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-159>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿خَلِيفَةً﴾.</span>\nوالخليفةُ الفَعِيلةُ، من قولِك: خلَف فلانٌ فلانًا في هذا الأمرِ (^٥)، إذا قام مَقامَه فيه بعدَه، كما قال تعالى ذكرُه. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ\n_________\n(^١) في ر، م، ت ١، ت ٢: \"في الأرض\".\n(^٢) في ص، ر: \"خلقا\".\n(^٣) في م: \"أتى\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٦ (٣١٧) من طريق عطاء به مختصرًا، وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور ١/ ٤٦ إلى ابن عساكر، وينظر مختصر تاريخ دمشق ٢٧/ ١٥٦، ١٥٧. وقال ابن كثير في تفسيره ١/ ١٠٠: وهذا مرسل، وفي سنده ضعف، وفيه مدرج، وهو أن المراد بالأرض مكة، والله أعلم، فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك.\n(^٥) في ر: \"الإقرار\".","vol":"1","page":476},{"text":"لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]. يَعْني بذلك أنه أبدَلكم في الأرضِ منهم، فجعلَكم خُلفاءَ [بعدَهم، ومن ذلك قيل للسلطانِ الأعظمِ: خليفةٌ. لأنه خلَف الذي كان قبلَه، فقام بالأمرِ مَقامَه، فكان منه خَلَفًا] (^١)، يقالُ منه: خَلَف الخليفةُ يخلُفُ خِلافةً وخِلِّيفَي (^٢).\nوكان ابنُ إسحاقَ يقولُ بما حَدَّثَنَا (^٣) به ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ - يقولُ: ساكنًا وعامرًا يَسكُنُها ويَعْمُرُها - ليسَ خَلْقًا (^٤) منكم (^٥).\nوليس الذي قال ابنُ إسحاقَ في معنى \"الخليفةِ\" بتأويلِها (^٦)، وإن كان اللهُ تعالى ذكرُه إنما أخبَر ملائكتَه أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةً يَسكُنُها، ولكن معناها ما وصفتُ قبلُ.\nفإن قال لنا قائلٌ: فما الذي كان في الأرضِ قبلَ بني آدمَ لها عامرًا، فكان بنو آدمَ منه بدلًا، وفيها منه (^٧) خَلَفًا؟\nقيلَ: قد اختَلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فحَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢.\n(^٢) الخليفي، بكسر الخاء وتشديد اللام المكسورة وفتح الفاء: الخلافة، وقيل: هو مبالغة في الخلافة لا نفسها، ويدل على كثرة الجهد في أمور الخلافة وتصريف أعنتها. التاج (خ ل ف).\n(^٣) في ر: \"حدثكم\".\n(^٤) في ر: \"خلفا\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٦ (٣١٦) من طريق سلمة به. وسيأتي بتمامه في ص ٤٩٦.\n(^٦) في ص: \"بتأويلهما\".\n(^٧) في الأصل: \"منهم\".","vol":"1","page":477},{"text":"عباسٍ، قال: أولُ من سكَن الأرضَ الجنُّ، فأفسَدوا فيها، وسفَكوا (^١) الدماءَ، وقتَل بعضُهم بعضًا. قال: فبعَث اللهُ إليهم إبليسَ في جندٍ مِن الملائكةِ، فقتَلهم إبليسُ ومن معه (^٢)، حتى ألحقُوهم (^٣) بجزائرِ البحورِ وأطرافِ الجبالِ، ثم خلَق اللهُ آدمَ فأسكَنه إياها، فلذلك قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (^٤).\n[فعلى هذا] (^٥) القولِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ من الجنِّ يَخلُفونهم (^٦) فيها فيسكُنونها ويَعْمُرُونها.\nحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآية. قال: إن اللهَ خلَقَ الملائكةَ يومَ الأربعاءِ، وخلَق الجنَّ يومَ الخميسِ، وخلَق آدمَ يومَ الجمُعةِ، قال: فكفَر قومٌ مِن الجنِّ، فكانتِ الملائكةُ تهبِطُ إليهم في الأرضِ فتُقاتِلُهم، فكانت الدماءُ وكان الفسادُ في الأرضِ (^٧).\nوقال آخرون في تأويلِ قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. أي: خُلَفاءَ (^٨)\n_________\n(^١) بعده في ر، م، ت ١، ت ٢: \"فيها\".\n(^٢) في الأصل: \"معهم\".\n(^٣) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢: \"ألحقهم\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٠١ عن المصنف.\nوأخرجه الحاكم ٢/ ٢٦١ من طريق مجاهد عن ابن عباس به بنحوه، وقال: صحيح الإسناد.\n(^٥) في ر: \"فعنى بها\".\n(^٦) في الأصل: \"يخلقونه\".\n(^٧) أخرجه المصنّف في تاريخه ١/ ٨٤. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٨٨٢) من طريق ابن أبي جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٥ إلى المصنّف وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن أبي العالية. وهو عند ابن أبي حاتم ١/ ٧٧ (٣٢٢).\n(^٨) في ر: \"خلقا\"، وفي م: \"خلفا\".","vol":"1","page":478},{"text":"يخلُفُ بعضُهم بعضًا، وهم ولدُ آدمَ الذين يَخْلُفون أباهم آدمَ، ويَخْلُفُ كلُّ قرنٍ منهم القرنَ الذي سلَف قبلَه. وهذا قولٌ حُكِي (^١) عن الحسنِ البصريِّ.\nونظيرٌ له ما حَدَّثَنَا به محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو أحمدَ الزّبيريُّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن ابنِ سابطٍ في قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قال: يَعنُون به بني آدمَ (^٢).\nحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال اللهُ للملائكةِ: إني أُرِيدُ أن أخلُقَ في (^٣) الأرضِ خَلْقًا، وأجعلَ فيها خليفةً. وليس للهِ يومئذٍ خَلْقٌ إلَّا الملائكةُ، والأرضُ ليس فيها خلقٌ (^٤).\nوهذا القولُ يَحْتَمِلُ ما حُكِي عن الحسنِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ أراد ابنُ زيدٍ أن اللهَ تعالى ذِكْرُه أخبَر الملائكةَ أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةً له، يَحْكُمُ فيها بينَ خلْقِه بحُكْمِه، نظيرَ مَا حَدَّثَنِي به موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو ابنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ [عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ] (^٥) وعن ناسٍ مِن أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ، أن اللهَ جلَّ ثناؤُه قال للملائكةِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.\nقالوا: ربَّنا وما يَكُونُ ذلك الخليفةُ؟ قال يكونُ له ذريةٌ يُفْسِدُون في الأرضِ\n_________\n(^١) في الأصل: \"يحكى\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٠١ عن الثوري به. وينظر ما سيأتي في ص ٤٩١.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٠١ عن ابن زيد. وهو جزء من الأثر الآتي في ص ٤٩٥.\n(^٥) سقط من: ص.","vol":"1","page":479},{"text":"وَيَتَحَاسَدونَ ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا (^١).\nفكان تأويلُ الآيةِ على هذه الروايةِ التي ذكَرناها عن ابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ: إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةً منِّي يَخْلُفُني في الحكمِ بمنَ خَلْقِي، وذلك الخليفةُ هو آدمُ وَمَن قامَ مَقامَه في طاعةِ اللهِ، والحكمِ بالعدلِ بينَ خَلْقِه. وأما الإفسادُ وسفكُ الدماءِ بغيرِ حَقِّها فمن غيرِ خلفائِه، ومن غيرِ آدمَ ومَن قام مَقامَه في عبادِ اللهِ؛ لأنهما أخبرَا أن اللهَ تعالى ذِكْرُه قال لملائكتِه إذْ سألوه: ما ذاك الخليفةُ؟: إنه خليفةٌ تكونُ له ذريةٌ يُفْسِدون في الأرضِ ويتحاسَدون ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا. فأضاف الإفسادَ وسفْكَ الدماءِ بغيرِ حقِّها إلى ذريةِ خَليفتِه دونَه، وأخرَج منه خليفتَه.\nوهذا التأويلُ وإن كان مخالفًا في معنى الخليفةِ ما حُكِي عن الحسنِ من وجهٍ، فموافقٌ له من وجهٍ، فأما موافقتُه إياه فصرْفُ متأوِّلِيه إضافةَ الإفسادِ في الأرضِ وسَفْكِ الدماءِ فيها إلى غيرِ الخليفةِ. وأما مخالفتُه إياه، فإضافتُهم الخلافةَ إلى آدمَ بمعنى استخلافِ اللهِ إياه فيها. وإضافةُ الحسنِ الخلافةَ إلى ولدِه، بمعنى خلافةِ بعضِهم بعضًا، وقيامِ قرْنٍ منهم مَقامَ قَرْنٍ قبلَهم، وإضافةِ الإفسادِ في الأرض وسَفْكِ الدماءِ إلى الخليفةِ.\nوالذي دعَا المتأوِّلين قولَه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾\nالتأويلَ (^٢) الذي ذُكِر عن الحسنِ - إلى ما قالوا في ذلك؛ أنّهم قالوا: إن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٠١ عن السدي به.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٧ (٣٢٤) من طريق السدي، عمن حدثه، عن ابن عباس وحده، نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٥ إلى عبد بن حميد. وسيأتي مطولا في ص ٤٨٦ - ٤٨٨، ٥٠٩، ٥١٠.\n(^٢) في م: \"في التأويل\".","vol":"1","page":480},{"text":"الملائكةَ إنما قالت لربِّها - إذ قال لهم ربُّهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ -: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. إخبارًا منها بذلك عن الخليفةِ الذي أخبَر اللهُ جلَّ ذِكْرُه أنه جاعِلُه في الأرضِ لا عن (^١) غيرِه؛ لأنَّ [المحاورةَ بين] (^٢) الملائكةِ وبين ربِّها عنه جرتْ. قالوا: فإذ كان ذلك كذلك، وكان اللهُ تعالى ذِكْرُه قد برَّأ آدمَ من الإفسادِ في الأرضِ وسفْكِ الدماءِ، وطهَّره من ذلك، عُلِمَ أن الذي عُنِي به غيرُه من ذرِّيتِه. فثبَت أن الخليفةَ الذي يفسِدُ في الأرضِ ويَسفِكُ الدماءَ هو غيرُ آدمَ، وأنهم ولدُه الذين فعلُوا ذلك، وأن معنى الخلافةِ التي ذكَرها اللهُ إنما هي خلافةُ قرْنٍ منهم قرنًا، عندَهم (^٣)؛ لما وصَفْنا. وأغفَل قائلُو هذه المقالةِ ومتأوِّلو الآيةِ هذا التأويلَ سبيلَ التأويلِ، وذلك أن الملائكةَ - إذ قال لها ربُّها: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ - لَمْ تُضِفِ (^٤) الإفسادَ وسفْكَ الدماءِ في جوابِها ربَّها إلى خليفتِه في أرضِه، بل قالت: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾. [وغيرُ مُنكرٍ أن يكونَ ربُّها أعلَمَها أنه يكونُ لخليفتِه ذلكَ ذريةٌ يكونُ منهم الإفسادُ وسفكُ الدماءِ [فقالت: يا ربَّنا، أتجعلُ فيها من يفسِدُ فيها ويسفِكُ الدماءَ] (^٥)] (^٦). كما قال ابنُ مسعودٍ وابنُ عباسٍ ومَن حكَيْنا ذلك عنه من أهلِ التأويلِ (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ر: \"المجاورة من\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"غيرهم\". وعندهم. يعني عند هؤلاء المتأولين.\n(^٤) في ص: \"تصف\"، وفي: ت ٢: \"يصف\".\n(^٥) سقط من: ر.\n(^٦) سقط من: الأصل.\n(^٧) بعده في ص: \"على الأصل المنقول منه بلغت من أوله قراءتي على القاضي أبي الحسن الخصيب بن عبد الله الخصيبي عن أبي محمد الفرغاني عن أبي جعفر الطبري. وسمع معي أخي على بن أحمد بن =","vol":"1","page":481},{"text":"<span data-type='title' id=toc-160>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه خبرًا عن ملائكتِه: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.</span>\nإن قال لنا قائلٌ: وكيف قالتِ الملائكةُ لربِّها، إذ أخبَرها أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةً: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ يكنْ آدمُ بعدُ مخلوقًا ولا ذريتُه، فيعلَموا ما يفعَلون عِيانًا؟ أعلِمتِ الغيبَ فقالت ذلك، أم قالت ما قالت مِن ذلك ظنًّا؟ فذلك شهادةٌ منها بالظنِّ، وقولٌ بما لا تعلمُ، وذلك ليس مِن صفتِها، أمْ ما وجهُ قِيلِها ذلك لربِّها؟\nقيل: قد قالتِ العلماءُ من أهلِ التأويلِ في ذلك أقوالًا، ونحن ذاكِرو أقوالِهم في ذلك، ثم مُخْبِرون بأصحِّها برهانًا وأوضحِها حُجةً.\nفرُوِي عن ابنِ عباسٍ في ذلك ما حدثنا به أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ مِن حيٍّ مِن أحياءِ الملائكةِ يقالُ لهم: الجنُّ (^١). خُلِقوا من نارِ السَّمومِ مِن بيِن الملائكةِ. قال: وكان اسمُه الحارثَ. قال: وكان خازنًا مِن خُزَّانِ الجَنَّةِ. قال: وخُلِقتِ الملائكةُ كلُّهم مِن نورٍ غيرَ هذا الحيِّ. قال: وخُلِقتِ الجنُّ الذين ذكِروا في القرآنِ من مارجٍ من نارٍ - وهو لسانُ النارِ الذي يكونُ في طرَفِها إذا أُلهِبَت - قال: وخلِق الإنسانُ [من طينٍ] (^٢)، فأولُ من سكَن الأرضَ الجنُّ، فأفسَدوا فيها وسفَكوا الدماءَ، وقتَل بعضُهم بعضًا. قال: فبعَث اللهُ جلَّ وعزَّ إليهم\n_________\n= عيسى ونصر بن الحسن الطبري. وسمع أبو الفتح أحمد بن عمر الجهاري من موضع سماعه. وكتب محمد بن أحمد بن عيسى السعدي في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربع مائة، بسم الله الرحمن الرحيم رب تمم\".\n(^١) في ص: \"الحن\".\n(^٢) سقط من: ص.","vol":"1","page":482},{"text":"إبليسَ في جندٍ مِن الملائكةِ - وهم (^١) هذا الحيُّ [الذين يُقالُ لهم: الجنُّ] (^٢) - فقتَلهم إبليسُ ومن معه حتى ألحَقَهم بجزَائرِ البُحورِ وأطرافِ الجبالِ، فلما فعَل إبليسُ ذلك اغترَّ (^٣) في نفسِه، وقال: قد صنَعْتُ شيئًا لم يَصْنَعْه أحدٌ. قال: فاطَّلع اللهُ على ذلك مِن قلبِه، ولم تطَّلِعْ عليه الملائكةُ الذين كانوا معه، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه للملائكةِ [الذين معه] (^٤): ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. فقالتِ الملائكةُ مجيبِين له: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، كما أفسَدتِ الجنُّ وسفَكتِ الدماءَ، وإنما بعَثْتَنا (^٥) عليهم لذلك، فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nيقولُ: إني قد اطَّلعتُ من قلبِ إبليسَ على ما لم تطَّلعوا عليه من كِبْرِه واغْتِرارِه (^٦).\nقال: ثم أمَر بتربةِ آدمَ فرُفِعَت، فخلَق اللهُ آدمَ مِن طينٍ لازِبٍ - واللازِبُ اللَّزِجُ الطيِّبُ (^٧) - مِن حمأٍ مَسْنونٍ مُنْتِنٍ. قال: وإنما كان حمأً مسنونًا بعدَ الترابِ.\nقال: فخلَق منه آدمَ ﵇ بيدِه. قال: فمكَث أربعينَ ليلةً جسدًا ملقًى، فكان إبليسُ يَأْتِيه فيَضْرِبُه برِجْلِه فيُصَلْصِلُ - أي (^٨): فيُصَوِّتُ - قال: فهو قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾ [الرحمن: ١٤]. يقولُ: كالشيْءِ المنفوخِ (^٩) الذي ليس بمُصمَتٍ (^١٠). قال: ثم يَدْخلُ في فِيه ويَخرجُ من دُبُرِه،\n_________\n(^١) في الأصل: \"هو\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في الأصل، ص: \"اعتز\".\n(^٤) سقط من: ص.\n(^٥) في ص، م: \"بعثنا\"، وفي ت ٢: \"بغينا\"، وفي ت ١: \"بقينا\".\n(^٦) في الأصل، ص: \"اعتزازه\".\n(^٧) في ص، ر، م، ت ١: \"الصلب\".\n(^٨) زيادة من: م.\n(^٩) في ر، ت ٢: \"المنفرج\".\n(^١٠) المصمت: الذي لا جوف له. اللسان (ص م ت).","vol":"1","page":483},{"text":"ويَدْخلُ من دُبُرِه، ويَخرُجُ من فِيه، ثم يقولُ: لستَ شيئًا للصلصلةِ، ولشيْءٍ ما خُلقتَ، لئن سُلِّطتُ عليك لأُهْلِكَنَّك، ولئن سُلِّطْتَ عليَّ لَأَعْصِيَنَّك. قال: فلما نفَخ اللهُ فيه من رُوحِه، أتَتِ النَّفخةُ مِن قِبلِ رأسِه فجعَل لا يَجرِي شيْءٌ منها في جسدِه إلا صار لحمًا ودمًا، فلما انتهتِ النفخةُ إلى سُرَّتِه نظَر إلى جسدِه، فأعْجَبه ما رأى مِن حُسنِه، فذهَب ليَنهضَ فلم يَقدِرْ، فهو قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَكَانَ (^١) الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ [الإسراء: ١١]. قال: ضجِرًا لا صبْرَ له على سَرَّاءَ ولاضَرّاءَ. قال: فلما تمَّتِ النفخةُ في جسدِه عطَس فقال: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين. بإلهامِ اللهِ له، فقال اللهُ له: يَرْحَمُك اللهُ يا آدمُ. قال: ثم قال اللهُ للملائكةِ الذين كانوا مع إبليسَ خاصةً دونَ الملائكةِ الذين في السماواتِ: اسْجُدوا لآدمَ. فسجَدوا كلُّهم أجمعون إلا إبليسَ أبَى واستكبر، لما كان (^٢) حدَّث به (^٣) نفسَه مِن كِبْرِه واغتِرارِه (^٤)، فقال: لا أسجدُ له، وأنا خيرٌ منه، وأكبر سنًّا وأقوى خلقًا، ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف: ١٢]،. يقولُ: إن النارَ أقْوَى مِن الطيِن. قال: فلما أبَى إبليسُ أن يسجدَ أبْلَسَه اللهُ، أي (^٥): آيَسَه مِن الخيرِ كلِّه، وجعَله شيطانًا رَجيمًا عقوبةً لمعصيتِه.\nثم علَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها، وهي هذه الأسماءُ التي يَتعارَفُ بها الناسُ؛ إنسانٌ ودابةٌ وأرضٌ وسهلٌ وبحرٌ وجبلٌ (^٦) وحمارٌ، وأشباهُ ذلك مِن الأممِ وغيرِها، ثم عرَض\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ر، ت ١، ت ٢: \"خلق\"، وفي الدر المنثور: \"خلق الإنسان من عجل\"، وفي تفسير ابن كثير تركت على الخطأ كما جاءت في المخطوطات الخمس المذكورة.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) سقط من: الأصل، ر.\n(^٤) في ص: \"اعتزازه\".\n(^٥) سقط من: الأصل، وفي م: \"و\".\n(^٦) في ص: \"حبل\".","vol":"1","page":484},{"text":"هذه الأسماءَ على أولئك الملائكةِ - يعني الملائكةَ الذين كانوا مع إبليسَ الذين خُلِقوا مِن نارِ السمومِ - وقال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾. يقولُ: أخْبِرُوني بأسماءِ هؤلاء، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: [إن كنتم] (^١) تَعلمون لمَ (^٢) أجعَلُ في الأرضِ خليفةً. قال: فلمّا علِمتِ الملائكةُ مُؤاخذةَ (^٣) اللهِ عليهم فيما تكلَّموا به من علمِ الغيبِ الذي لا يعلمُه غيرُه، الذي ليس لهم به علمٌ، قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ - تَنزيهًا للهِ مِن أن يكونَ أحدٌ يعلمُ الغيبَ غيرَه - تبنا إليك، ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ - تَبَرِّيًا منهم من علمِ الغيبِ - ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ كما علَّمْتَ آدمَ. فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾. يقولُ: أخبِرْهم بأسمائِهم، ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾. [يقولُ: أخبَرَهم] (^٤) بأسمائهم، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أيها الملائكةُ خاصةً: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولا يَعْلَمُه غيري، ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾. يقول: ما تُظْهِرون، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. يقول: أعلمُ السرَّ كما أعلمُ العَلانيةَ، يعني ما (^٥) كتَم إبليسُ في نفسِه مِن الكبْرِ والاغْتِرارِ (^٦).\nوهذه الروايةُ عن ابنِ عباسٍ تُنبئُ عن أن قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذْ قَالَ\n_________\n(^١) في ص، ر، م: \"أنكم\".\n(^٢) في ص، م، ت ٢: \"أنى\".\n(^٣) في ص: \"موجدة\".\n(^٤) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢.\n(^٥) في ص، ر: \"مما\".\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٨٤، ٩٠، ٩٢، ٩٥، ٩٧، ١٠٠ مفرقًا.\nوعزاه ابن كثير في تفسيره ١/ ١٠٨ إلى المصنف بطوله، وقال عقبه: هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر يطول مناقشتها، وهذا الإسناد إلى ابن عباس يروى به تفسير مشهور.","vol":"1","page":485},{"text":"رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. خطابٌ مِن اللهِ ﷿ لخاصٍّ مِن الملائكةِ دونَ الجميعِ، وأن الذين قيل لهم ذلك من الملائكةِ كانوا قبيلةَ إبليسَ خاصةً، الذين قاتَلوا معه جنَّ الأرضِ قبلَ خلقِ آدمَ، وأن اللهَ إنما خصَّهم بقيلِ ذلك امتحانًا منه لهم وابتلاءً؛ ليعرِّفَهم قصورَ علْمِهم وفضْلَ كثيرٍ ممَّن هو أضعفُ خَلْقًا منهم من خَلْقِه عليهم، وأن كرامتَه لا تُنالُ بقُوَى الأبدانِ وشدةِ الأجسامِ، كما ظنَّه إبليسُ عدوُّ اللهِ، ومُصَرِّحٌ (^١) بأن قِيلَهم لربِّهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. كانت هَفْوةً منهم ورَجْمًا بالغيبِ، وأن اللهَ أطْلَعَهم على مكروهِ ما نطَقوا به مِن ذلك، ووقَّفهم عليه حتى تابوا وأنابوا إليه مما قالوا ونطَقوا مِن رَجْمِ الغيْبِ بالظُّنونِ، وتبرَّءُوا إليه من أن يَعْلَمَ الغيبَ غيرُه، وأظْهَر لهم مِن إبليسَ ما كان مُنطوِيًا عليه من الكِبْرِ الذي قد كان عنهم مسْتَخْفِيًا.\nوقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ خلافُ هذه الروايةِ، وهو ما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: لما فرَغ اللهُ مِن خلقِ ما أحبَّ، استوى على العرشِ، فجعَل إبليسَ على مُلْكِ سماءِ الدنيا، وكان من قبيلةٍ من الملائكةِ يُقالُ لهم: الجنُّ. وإنما سُمُّوا الجنَّ لأنهم خُزَّانُ الجَنَّةِ، وكان إبليسُ مع مُلكِه خازنًا، فوقَع في صدرِه كِبْرٌ، وقال: ما أعطاني اللهُ هذا إلا لمزيدٍ (^٢) لي - هكذا قال موسى ابنُ هارونَ، وقد حدَّثني به (^٣) غيرُه (^٤) فقال: لمَزِيَّةٍ لي - على الملائكةِ. فلما وقَع\n_________\n(^١) في ر: \"تصرح\"، وفي م، ت ١، ت ٢: \"يصرح\".\n(^٢) في الأصل، وتاريخ المصنف: \"لمزية\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) هو أحمد بن أبي خيثمة، كما صرح المصنف باسمه في تاريخه ١/ ٨٦.","vol":"1","page":486},{"text":"ذلك الكِبْرُ في نفسِه، اطَّلَع اللهُ على ذلك منه، فقال اللهُ للملائكةِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. قالوا: ربَّنا، وما يكونُ ذلك الخليفةُ؟ قال: يكونُ له ذريةٌ يُفْسِدُون في الأرضِ ويتحاسَدون ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا. قالُوا: ربَّنا ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يعني من شأنِ إبليسَ. فبعَث جبريلَ ﵇ إلى الأرضِ ليَأْتِيَه بطِينٍ منها، فقالتِ الأرضُ: إني أعوذُ باللهِ منك أن تَنقُصَ مني أو تَشِينَني. فرجَع ولم يأخُذْ، وقال: ربِّ إنها عاذَت بك فأعذْتُها. فبعَث اللهُ مِيكائيلَ، فعاذَت منه فأعاذها، فرجَع فقال كما قال جبريلُ، فَبعَث مَلَكَ الموتِ، فعاذت منه، فقال: وأنا أَعوذُ باللهِ أن أرجِعَ ولم أُنْفِذْ أمْرَه. فأخَذ مِن وجهِ الأرضِ وخلَط، فلم يَأْخُذْ من مكانٍ واحدٍ، وأخَذ مِن تُرْبةٍ حمراءَ وبيضاءَ وسوداءَ، فلذلك خرَج بنو آدمَ مُخْتَلِفين، فصَعِد به فبلَّ الترابَ حتى عاد طينًا لازبًا - واللازبُ هو الذي يَلْتَزِقُ بعضُه ببعضٍ - ثم تُرِك حتى أنْتَن وتغَيَّر، فذلك حينَ يقولُ: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾ [الحجر: ٢٦]. قال: مُنْتِنٍ. ثم قال للملائكةِ: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ [ص: ٧١، ٧٢]. فخلَقه اللهُ بيدَيْه، لكَيْلا يَتكبَّرَ إبليسُ عنه ليقولَ له: تتكبَّرُ عما عمِلْتُ بيديَّ، ولم أتكبَّرْ أنا عنه؟ فخلَقه بشرًا، فكان جسدًا من طينٍ أربعين سنةً مِن مقدارِ يومِ الجمعةِ، فمرَّت به الملائكةُ، ففزِعوا منه لمَّا رأَوْه، وكان أشدَّهم منه فزَعًا إبليسُ، فكان يمرُّ به فيضرِبُه، فيُصَوِّتُ الجسدُ كما يُصَوِّتُ الفَخَّارُ، وتَكُونُ له صَلْصَلةٌ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾ [الرحمن: ١٤]. ويقولُ: لأمرٍ ما خُلِقْتَ. ودخَل مِن (^١) فِيه فخرَج مِن دُبُرِه. فقال للملائكةِ: لا تَرْهَبوا مِن هذا، فإن ربَّكم صَمَدٌ وهذا أجوفُ،\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، م.","vol":"1","page":487},{"text":"لئن سُلِّطْتُ عليه لَأُهْلِكَنَّه. فلمَّا بلَغ الحينَ الذي يُريدُ اللهُ جلَّ ثناؤُه أن يَنفُخَ فيه الرُّوحَ، قال للملائكةِ: إذا نفَخْتُ فيه مِن رُوحي فاسْجُدوا له. فلمّا نفَخ فيه الرُّوحَ فدخَل الرُّوحُ في رأسِه، عطَس، فقالت له الملائكهُ: قل: الحمدُ للهِ. فقال: الحمدُ للهِ. فقال له اللهُ: رحِمك ربُّك. فلما دخَل الروحُ في عينَيْهِ نظَر إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، فلمّا دخَل في جوفِه اشْتهَى الطعامَ، فوثَب قبلَ أن تَبْلُغَ الروحُ رجليْه عَجْلانَ إلى ثمارِ الجَنَّةِ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]. ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر ٣٠، ٣١] أي (^١): استكبر وكان من الكافرين. قال اللهُ له: ما منَعك أنْ تَسجدَ إذ أمَرتُك لِما خلقْتُ بيدَيَّ. قال: أنا خيْرٌ منه لم أَكُنْ لأَسْجُدَ لبشرٍ خلقتَه من طينٍ. قال اللهُ له: اخْرُجْ منها فما يَكُونُ لك - يعني: ما يَنْبغي لك - أنْ تَتَكَبَّرَ فيها، فاخْرُجْ إنك مِن الصاغِرين. والصَّغارُ هو الذُّلُّ. قال: وعلَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها، ثم عرَض الخلْقَ على الملائكةِ فقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ [البقرة: ٣١] أنَّ بني آدمَ يُفسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ. فقالوا له: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. قال اللهُ: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. قال: قولُهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾. فهذا الذي أبْدَوْا، وأَعْلمُ ما كنتم تكْتُمون، يعني ما أسَرَّ إبليسُ في نفسِه من الكِبْرِ (^٢).\n_________\n(^١) في م: \"أبي\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٨١، ٨٥، ٨٦، ٩٠، ٩٣، ٩٤، ١٠٠ مفرقا.\nوأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٧٧٣)، وابن عساكر في تاريخه ٧/ ٣٧٧، ٣٧٨ من طريق عمرو بن حماد به، دون قوله: قال الله له: اخرج منها فما يكون لك …","vol":"1","page":488},{"text":"فهذا الخبرُ أولُه مُخالِفٌ معْناه معنى الروايةِ التي رُوِيتْ عن ابنِ عباسٍ مِن روايةِ الضحاكِ التي قدمْنا ذِكْرَها قبلُ، وموافقٌ معنى آخرِه معناها، وذلك أنه ذُكِر في أوَّلِه أن الملائكةَ سأَلت ربَّها: ما ذاك الخليفةُ؟ حين قال لها: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. فأجابها أنه تكونُ له ذُرِّيةٌ يُفسِدُون في الأرضِ وَيَتَحَاسَدُون ويَقتلُ بعضُهم بعضًا، فقالت الملائكةُ حينئذٍ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. فكان قولُ الملائكةِ ما قالت لربِّها من ذلك بعدَ إعلامِ اللهِ إياها أن ذلك كائنٌ من ذريةِ الخليفةِ الذي يجعَلُه في الأرضِ. فذلك معنى خلافِ أولِه معنى خبرِ الضحاكِ الذي ذكرْناه.\nوأما موافقتُه إياه في آخرِه، فهو قولُهم في تأويلِ قولِه: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن بني آدمَ يفسِدون في الأرضِ ويَسْفِكون الدماءَ، وأن الملائكةَ قالت - إذ قال لها ربُّها ذلك - تَبَرِّيًا مِن علمِ الغيبِ: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.\nوهذا إذا تدَبَّره ذو الفهمِ، علِم أنَّ أولَه يُفْسِدُ آخرَه، وأن آخِرَه يُبطِلُ معنى أولِه، وذلك أن اللهَ تعالى ذكره إن كان أخبَر الملائكةَ أن ذريةَ الخليفةِ الذي يَجْعَلُه في الأرضِ تُفْسِدُ فيها وتَسْفِكُ الدماءَ، فقالتِ الملائكةُ لربِّها: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. فلا وجهَ لتوبيخِها على أن أخْبَرَت عمَّن أخبَرَها اللهُ عنه أنه يُفسِدُ في الأرضِ ويَسفِكُ الدماءَ، بمثلِ الذي أخْبَرَها عنهم ربُّها، فيَجُوزَ أن يُقالَ لها فيما طوَى عنها مِن العلومِ: إن كنتم صادقين فيما علِمْتُم بخبرِ اللهِ إياكم أنه كائنٌ مِن الأمورِ فأخْبَرْتُم به، فأخْبِرونا بالذي قد طوَى اللهُ عنكم علمَه، كما قد أخْبَرْتُمونا بالذي قد أطْلَعَكم اللهُ [على علمِه] (^١) - بل ذلك خُلْفٌ مِن التأويلِ، ودعوَى على اللهِ\n_________\n(^١) في م: \"عليه\".","vol":"1","page":489},{"text":"ما لا يَجوزُ أن يكونَ [له صفةً، وأخْشَى أن يَكُونَ بعضُ نَقَلةِ هذا الخبرِ هو الذي غَلِط على مَن رواه عنه مِن الصحابة] (^١)، وأن يكونَ التأويلُ منهم (^٢) كان في (^٣) ذلك: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما ظنَنْتم أنكم أدْرَكْتموه مِن العلمِ بخبَري إياكم أن بني آدمَ يُفسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ، حتى اسْتَجَزْتم أن تَقُولوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. فيكونُ التَّوْبيخُ حينئذٍ واقعًا على ما ظنُّوا أنهم قد أدْرَكوا بقولِ اللهِ لهم: إنه يكونُ له ذريةٌ يُفسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ. لا على إخبارِهم بما أخبرهم اللهُ به أنه كائنٌ، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤه وإن كان أخبَرهم عما يكونُ مِن بعضِ ذريةِ خليفتِه في الأرضِ، ما يكونُ منه فيها مِن الفسادِ وسَفْكِ الدماءِ، فقد كان طوَى عنهم الخبرَ عما يكونُ من كثيرٍ منهم بما يكونُ مِن طاعتِهم ربَّهم، وإصلاحِهم (^٤) في أرضِه وحَقْنِ الدماءِ، ورفعِه [منزلتَهم، وكرامتِهم] (^٥) عليه، فلم يُخْبِرْهم بذلك، فقالتِ الملائكةُ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ على ظنٍّ منها - على تأويلِ هذيْن الخبرَيْن اللذيْن ذكَرْتُ وظاهرِهما - أن جميعَ ذريةِ الخليفةِ الذي يُجعَلُ (^٦) في الأرضِ يُفسِدون فيها، ويَسفِكون فيها الدماءَ، فقال اللهُ لهم، إذ علَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تَعْلَمون أن جميعَ بني آدمَ يُفسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ، على ما\n_________\n(^١) سقط من: ر.\n(^٢) في الأصل: \"عنهم\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"على\".\n(^٤) في ر: \"إصلاحه\".\n(^٥) في ر: \"منزلته وكرامته\".\n(^٦) في م: \"يجعله\".","vol":"1","page":490},{"text":"ظننْتُم في أنفسِكم. إنكارًا منه لِقيلِهم ما قالوا مِن ذلك على الجميعِ والعمومِ، وهو مِن صفةِ خاصِّ ذريةِ الخليفةِ منهم. وهذا الذي ذكَرْنا هو صفةٌ منا لتأويلِ الخبرِ لا القولُ الذي نَخْتارُه في تأويلِ الآيةِ.\nومما يَدُلُّ على ما ذكَرْنا مِن توجيهِ مَخرجِ (^١) خبرِ الملائكةِ عن إفسادِ ذريةِ الخليفةِ وسَفْكِها الدماءَ على العمومِ ما حدَّثنا به أحمدُ (^٢) بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ قولَه: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.\nقال: يعْنون الناسَ (^٣).\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا به بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. فاستشارَ (^٤) الملائكةَ في خلقِ آدمَ، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. وقد علِمتِ الملائكةُ مِن علمِ اللهِ أنه لا شيْءَ أكْرَهُ إلى اللهِ مِن سَفْكِ الدماءِ والفسادِ في الأرضِ، ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فكان في علمِ اللهِ أنه سيكونُ مِن تلك (^٥) الخليفةِ أنبياءُ ورسلٌ، وقومٌ صالحون، وساكِنو (^٦) الجَنَّةِ. قال: وذُكِر لنا أن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: إن اللهَ لما أخَذ في خلقِ آدمَ قالتِ الملائكةُ: ما اللهُ خالقٌ خلقًا أكرمَ عليه منَّا، ولا أعلمَ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"بن أحمد\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٨ (٣٢٦) من طريق أبي أحمد الزبيري به. وينظر ما تقدم في ص ٤٧٩.\n(^٤) في م: \"فاستخار\".\n(^٥) سقط من: ص، وفي م: \"ذلك\".\n(^٦) في الأصل، ص: \"ساكن\".","vol":"1","page":491},{"text":"منَّا. فابْتُلوا بخلقِ آدمَ - وكلُّ خلقٍ مُبْتلًى -كما ابْتُلِيَتِ السماواتُ والأرضُ بالطاعةِ، فقال اللهُ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (^١) [فصلت: ١١].\nوهذا الخبرُ عن قتادةَ يَدُلُّ على أن قتادةَ كان يرَى أن الملائكةَ قالت ما قالت مِن قولِها: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. على غير (^٢) يقينِ علمٍ تقَدَّم منها بأن ذلك كائنٌ، ولكن على الرأيِ منها والظنِّ، وأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أنكَر ذلك مِن قيلِها، وردَّ عليها ما رأَت بقولِه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. مِن أنه يكونُ مِن ذريةِ ذلك الخليفةِ الأنبياءُ والرسلُ والمُجْتَهِدُ في طاعةِ اللهِ.\nوقد رُوِي عن قتادةَ خلافُ هذا التأويلِ، وهو ما حدَّثنا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾. قال: كان اللهُ أعلمَهم (^٣) إذا كان في الأرضِ خلقٌ أَفْسَدوا فيها، وسفَكوا الدماءَ، فذلك قولُه: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (^٤).\nوبمثلِ قول قتادةَ قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويل، منهم الحسنُ البصريُّ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن جريرِ بنِ حازمٍ ومبارَكٍ، عن الحسنِ، وأبي بكرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ، قالا: قال اللهُ لملائكتِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. قال لهم: إني فاعلٌ. فعرَضُوا برأيِهم، فعلَّمهم علمًا، وطوَى عنهم علمًا علِمه لا يَعْلَمونه، فقالوا بالعلم الذي علَّمهم: ﴿أَتَجْعَلُ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٠٠، ١٠١. وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٧/ ٣٩٩ من طريق شيبان، عن قتادة، نحوه. وينظر ما سيأتي في ص ٥١٠.\n(^٢) من هنا إلى قوله: \"قال: علمه اسم\". ص ٤٩٣ سقط من المخطوط الأصل.\n(^٣) بعده في ص، ر: \"أنَّه\"، وينظر تفسير ابن كثير ١/ ١٠٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٨ (٣٢٥) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"1","page":492},{"text":"فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. وقد كانت الملائكةُ علِمتْ مِن علمِ اللهِ أنه لا ذنبَ أعَظمَ عندَ اللهِ مِن سَفْكِ الدماءِ، ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فلما أخَذ في خلقِ آدمَ همَستِ الملائكةُ فيما بينَها، فقالوا: ليخْلُقْ ربُّنا ما شاء أن يَخْلُقَ، فلم يَخْلُقَ خَلقًا إلا كنّا أعلمَ منه، وأكرمَ عليه منه. فلمّا خلَقه ونفَخ فيه مِن روحِه، أمَرهم أن يَسجدوا له لِمَا قالوا، ففضَّله عليهم، فعلِموا أنهم ليسوا بخيرٍ منه، فقالوا: إن لم نَكنْ خيرًا منه، فنحن أعلمُ منه؛ لأنا كنا قبلَه، وخُلِقتِ الأممُ قبلَه. فلما أُعْجِبوا بعلمِهم ابْتُلُوا، ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنى لا أَخْلُقُ خلقًا إلا كنتم أعلمَ منه، فأَخْبروني بأسماءِ هؤلاء إنْ كنتم صادقينَ. قال: ففزِع القومُ إلى التوبةِ - وإليها يَفْزَعُ كلُّ مؤمنٍ - فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. لقولِهم: لِيَخْلُقْ ربُّنا ما شَاء، فلن يَخْلُقَ خلقًا أكرمَ عليه منا، ولا أعلمَ منا. قال: علَّمه اسمَ كلِّ شيْءٍ؛ هذه الخَيْلُ (^١)، وهذه البِغالُ، والإبلُ، والجنُّ، والوحشُ، وجعَل يُسمى كلَّ شيْءٍ باسمِه، وعُرِضَت عليه أمَّةً أمَّةً: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. قال: أما ما أبْدَوْا فقولُهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. وأمَّا ما كتَموا فقولُ بعضِهم لبعضٍ: نحن خيرٌ منه وأعلمُ (^٢).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"الجبال\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٩٨، ١٠١، ١٠٣ بتمامه. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٧ =","vol":"1","page":493},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ الآمُليُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن الحجاجِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآية. قال: إنَّ اللهَ خلَق الملائكةَ يومَ الأربعاءِ، وخلَق الجنَّ يومَ الخميسِ، وخلَق آدمَ يومَ الجمعةِ. قال: فكفَر قومٌ مِن الجنِّ، فكانتِ الملائكةُ تهْبِطُ إليهم في الأرضِ فتُقاتِلُهم، فكانتِ الدماءُ، وكان الفسادُ في الأرضِ، فمِن ثمَّ قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ الآية (^١).\n[حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ بمثلِه] (^٢).\nحدِّثتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن غيرِ (^٣) الربيع ابنِ أنسٍ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. إلى قولِه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. قال: وذلك حينَ قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. قال: فلما عرَفوا أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةَ، قالوا بينَهم: لن يَخلُقَ اللهُ خلقًا إلا كنا نحن أعلمَ منه وأكرمَ. فأراد اللهُ جلَّ ذكرُه أن يُخبرَهم أنه قد فضَّل عليهم آدمَ، وعلَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها، فقال للملائكةِ. ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. إلى قولِه: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. فكان\n_________\n= (٣٢٣) من طريق مبارك، عن الحسن به مختصرًا. وقد تقدم مختصرًا في ص ٤٧٥. وينظر تاريخ دمشق ٧/ ٣٩٩.\n(^١) تقدم في ص ٤٧٨.\n(^٢) في ص: \"حدثنا محمد بن جرير قال\".\n(^٣) سقط من: ر.","vol":"1","page":494},{"text":"الذي أبْدَوْا حينَ قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. وكان الذي كتَموا بينَهم قولَهم: لن يَخْلُقَ ربُّنا خلقًا إلا كنا نحن أعلمَ منه وأكرمَ. فعرَفوا أن اللهَ فضَّل عليهم آدمَ في العلمِ والكرمِ (^١).\nوقال ابنُ زيدٍ: لما حدَّثني به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لمّا خلَق اللهُ النارَ ذُعِرَت منها الملائكةُ ذُعْرًا شديدًا، وقالوا: ربَّنا لمَ خلَقْتَ هذه النارَ، ولأيِّ شيْءٍ خلَقْتَها؟ قال: لِمَن عصاني مِن خَلْقي. قال: ولمْ يَكُنْ للهِ (^٢) خَلْقٌ يومَئذٍ إلا الملائكةُ، والأرضُ ليس فيها خلقٌ، إنما خُلِق آدمُ بعدَ ذلك. وقرَأ قولَ اللهِ ﷿: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]. قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: يا رسولَ اللهِ، ليتَ ذلك الحينَ (^٣). ثم قال: وقالتِ الملائكةُ: يا ربِّ، أو يأتي علينا دهرٌ نعصِيك فيه! - لا يَرَون له خلقًا غيرَهم - قال: لا، إني أُرِيدُ أن أَخلُقَ في الأرضِ خلْقًا، وأَجعَلَ فيها خَليفةً (^٤)، يَسفِكون الدماءَ ويُفْسِدون في الأرضِ. فقالت الملائكةُ: أتَجعلُ في الأرض مَن يفسدُ فيها ويسفكُ الدماءَ وقد اختَرتَنا؟ فاجْعَلْنا نحن فيها، فنحن نُسبِّحُ بحمدِك ونُقدِّسُ لك، ونعمَلُ فيها بطاعتِك. وأعظَمت الملائكةُ أن يَجْعَلَ اللهُ في الأرضِ مَن يَعْصِيه، فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾. فقال: فلانٌ، وفلانٌ. قال: فلما رأَوْا ما أعْطاه اللهُ مِن العلمِ عليهم (^٥)،\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٠٢، ١٠٣ بهذا الإسناد عن الربيع. ووقع فيه: حدثنا عمار بن الحسن.\n(^٢) في الأصل، ر: \"الله\".\n(^٣) أي: ليت الإنسان بقى شيئا غير مذكور، خوفا من يوم القيامة.\nوقول عمر أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٣٥)، وأبو عبيد في الفضائل ص ٧٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في ص، م: \"خليقة\".\n(^٥) سقط من: م.","vol":"1","page":495},{"text":"أقرُّوا لآدمَ بالفضلِ عليهم، وأبي الخبيثُ إبليسُ أن يُقِرَّ له، قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ (^١) [الأعراف: ١٢، ١٣].\nوقال ابنُ إسحاقَ بما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: لما أراد اللهُ أن يَخلُقَ آدمَ بقدرتِه ليَبْتَليَه ويَبْتَليَ به، لعلمِه بما في ملائكتِه وجميعِ خلقِه - وكان أولَ بلاءٍ ابتُلِيَت به الملائكةُ مما لها فيه ما تحِبُّ وما تَكْرَهُ، للبلاءِ والتَّمْحيصِ لما فيهم مما لم يَعْلَموا، وأحاط به علمُ اللهِ منهم - جمَع (^٢) الملائكةَ مِن سكاتِ السماواتِ والأرضِ، ثم قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. يقول: ساكنًا وعامرًا ليَسْكنَها ويَعْمُرَها، خَلْقًا (^٣) ليس منكم. ثم أخْبَرَهم بعلمِه فيهم، فقال: يُفْسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ ويَعمَلون بالمعاصي. فقالوا جميعًا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. لا نَعْصِي، ولا نَأْتي شيئًا كرِهْتَه، ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٤) أي (^٥): فيكم ومنكم - ولم يُبْدِها لهم - مِن المعصيةِ والفسادِ وسفكِ الدماءِ وإتيانِ ما أَكْرَهُ منهم، مما يكونُ في الأرضِ مما ذكَرْتُ في بني آدمَ.\nقال اللهُ لمحمدٍ ﷺ: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِين﴾. إلى قولِه: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٦٩ - ٧٢].\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٥ إلى المصنف مختصرًا. وينظر الدر المنثور ٦/ ٢٩٧.\n(^٢) في الأصل، م: \"جميع\".\n(^٣) في ر: \"خلفا\".\n(^٤) بعده في ص، ١، م، ت ١، ت ٢: \"قال\".\n(^٥) بعده في م: \"إني أعلم\".","vol":"1","page":496},{"text":"فذكَر لنبيِّه ﷺ الذي كان مِن ذِكرِه آدمَ ﷺ حينَ أراد خلقَه، ومُراجعةِ الملائكةِ إياه فيما ذكَر لهم منه، فلما عزَم اللهُ تعالى ذكرُه على خلْقِ آدمَ قال للملائكةِ: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨]. بيدَيْه تَكْرِمةً له، وتَعْظيمًا لأمرِه، وتَشْريفًا له، حفِظَتِ الملائكةُ عهدَه، ووَعَوْا قولَه، وأجْمَعوا لطاعتِه، إلا ما كان مِن عدوِّ اللهِ إبليسَ، فإنه صمَت على ما كان في نفسِه مِن الحسدِ والبغْيِ والتكَبُّرِ والمعصيةِ.\nوخلَق اللهُ آدمَ ﵇ مِن أَدَمةِ الأرضِ؛ مِن طينٍ لازبٍ مِن حمَأٍ مسنونٍ بيديه، تكرِمةً له، وتَعْظيمًا لأمرِه، وتَشْريفًا له على سائرِ خلْقِه.\nقال ابنُ إسحاقَ: فيُقالُ واللهُ أعلمُ: خلَق اللهُ آدمَ، ثم وضَعه يَنْظُرُ إليه أربعين عامًا قبلَ أن يَنْفُخَ فيه الرُّوحَ حتى عاد صَلصالًا كالفَخارِ، ولم تَمسسْه نارٌ. قال: فيُقالُ واللهُ أعلمُ: إنه لمَّا انْتَهى الروحُ إلى رأسِه عطَس، فقال: الحمدُ للهِ. فقال له رُّبه: يَرْحَمُك (^١) ربُّك. ووقَع الملائكةُ حينَ اسْتَوَى سجودًا له؛ حفظًا لعهدِ اللهِ الذي عهِد إليهم، وطاعةً لأمرِه الذي أمَرهم به، وقام عدوُّ اللهِ إبليسُ مِن بينِهم فلم يَسْجُدْ، مُكابِرًا مُتَعَظِّمًا، بَغْيًا وحسدًا، فقال له: ﴿يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. إلى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٧٥ - ٨٥]. قال: فلمَّا فرَغ اللهُ مِن إبليسَ ومن مُعاتَبتِه، وأبَى إلا المعصيةَ، أوْقَع عليه اللعنةَ، وأخْرَجه مِن الجَنَّةِ، ثم أقْبَل على آدمَ وقد علَّمه الأسماءَ كلَّها، فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ أي: إنما أجَبْناك فيما علَّمْتَنا، فأما ما لم\n_________\n(^١) في الأصل: \"رحمك\".","vol":"1","page":497},{"text":"تُعَلِّمْنا فأنت أعْلَمُ به، فكان ما سمَّى آدمُ مِن شيْءٍ، كان إسمَه الذي هو عليه إلى يومِ القيامةِ (^١).\nوقال ابنُ جُرَيْجٍ بما حدَّثنا به القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: إنما تكَلَّموا بما أعْلَمَهم أنه كائنٌ مِن خلقِ آدمَ، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (^٢).\nوقال بعضُهم: إنما قالتِ الملائكةُ ما قالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. لأن الله تعالى ذكرُه أذِن لها في السؤالِ عن ذلك بعد ما أخْبَرَها أن ذلك كائنٌ مِن بني آدمَ، فسألَتْه الملائكةُ، فقالت على التعجبِ منها: وكيف يَعْصُونك يا ربِّ وأنتَ خالقُهم؟ فأجابهم ربُّهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nيعني أن ذلك كائنٌ منهم وإن لم تَعْلَموه أنتم، ومِن بعضِ مَن تَرَوْنه لي طائعًا، يُعَرِّفُهم بذلك قُصورَ علمِهم عن علمِه.\nوقال بعضُ أهلِ العربيةِ: قولُ الملائكةِ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾. على غيرِ وجهِ الإنكارِ منهم على ربِّهم، وإنما سأَلوه ليعْلَموا، وأخْبَروا عن أنفسِهم أنهم يُسَبِّحون. وقال: قالوا ذلك لأنهم كرِهوا أن يُعْصَى اللهُ؛ لأن الجنَّ قد كانت أُمِرَتْ قبلَ ذلك فعَصَتْ.\nوقال بعضُهم: ذلك مِن الملائكةِ على وجهِ الاسْتِرْشادِ عما لم يَعْلَموا مِن ذلك، فكأنهم قالوا: ياربِّ خَبِّرْنا. مسألةَ اسْتِخْبارٍ منهم للهِ، لا على وجهِ مسألةِ التوبيخِ. قال أبو جعفرٍ: وأولَى هذه التأويلاتِ بقولِ اللهِ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن ملائكتِه\n_________\n(^١) أخرج المصنف بعضه في تاريخه ١/ ٩٣، ٩٥، ١٠٤، وتقدم طرف منه في ص ٤٧٧.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ١٠٢.","vol":"1","page":498},{"text":"قيلَها له: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. تأويلُ مَن قال: إن ذلك منها اسْتِخْبارٌ لربِّها، بمعنى: أعْلِمْنا ياربَّنا، أجاعلٌ أنت في الأرضِ مَن هذه صفتُه، وتاركٌ أن تجْعَلَ [خليفتَك فيها] (^١) منا، ونحن نُسَبِّحُ بحمدِك ونُقَدِّسُ لك. لا إنكارًا منها لِما أعْلَمَها ربُّها أنه فاعلٌ، وإن كانت قد استَعظَمَتْ لمَّا أُخبِرَت بذلك أن يكونَ للهِ خلقٌ يَعْصِيه.\nوأما دَعْوى مَن زعَم أن اللهَ كان أذِن لها بالسؤالِ عن ذلك، فسأَلَتْ على وجهِ التعجبِ، فدَعْوى لا دَلالةَ عليها في ظاهرِ التنزيلِ، ولا خبرَ بها عن (^٢) الحُجَّةِ يَقْطَعُ العُذْرَ، وغيرُ جائزٍ أن يُقالَ في تأويلِ كتابِ اللهِ بما لا دَلالةَ عليه مِن بعضِ الوجوهِ التي تَقومُ بها الحُجَّةُ.\nوأما وصفُ الملائكةِ مَن وصَفَت - في استخبارِها ربَّها عنه - بالفسادِ في الأرضِ وسفْكِ الدماءِ، فغيرُ مُسْتحيلٍ فيه (^٣) ما رُوِي عن ابن عباسٍ وابنِ مسعودٍ مِن القولِ الذي رواه السديُّ، ووافَقَهما عليه قَتادةُ مِن التأويلِ، وهو أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه أخبَرهم أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةً تكونُ له ذريةٌ يفعَلون كذا وكذا، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾. على ما وصَفتُ من الاستخبارِ.\nفإن قال لنا قائلٌ: وما وجهُ اسْتِخْبارِها، والأمرُ على ما وصَفْتَ مِن أنها قد أُخْبرَت أن ذلك كائنٌ؟\nقيل: وجهُ اسْتِخْبارِها حينَئذٍ يكونُ عن حالِهم عندَ (^٤) وقوعِ ذلك، وهل\n_________\n(^١) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢: \"خلفاءك\".\n(^٢) في م: \"من\".\n(^٣) في ص: \"منه\".\n(^٤) في ر، م: \"عن\".","vol":"1","page":499},{"text":"ذلك منهم؟ ومسألتُهم ربَّهم أن يَجْعَلَهم الخلفاءَ في الأرضِ حتى لا يَعْصُموه.\nوغيرُ فاسدٍ أيضًا ما رواه الضحاكُ عن ابنِ عباسٍ، وتابَعه عليه الربيعُ بنُ أنسٍ، مق أن الملائكةَ قالت ذلك لِما كان عندها مِن علمِ سُكانِ الأرضِ قبلَ آدمَ من الجنِّ، فقالت لربِّها: أجاعلٌ فيها أنت مثلَهم مِن الخلْقِ يَفْعَلون مثلَ الذي كانوا يَفْعَلون؟ على وجهِ الاسْتِعلامِ منهم لربِّهم، لا على وجهِ الإيجابِ أن ذلك كائنٌ كذلك، فيَكونَ ذلك منها إخبارًا عما لم تَطَّلِعْ عليه مِن علمِ (^١) الغيبِ.\nوغيرُ خطأ أيضًا ما قاله ابنُ زيدٍ مِن أن يكونَ قِيلُ الملائكَةِ ما قالت كان (^٢) على وجهِ التعجبِ منها مِن أن يكونَ للهِ خلقٌ يَعْصِي خالقَه.\nوإنما ترَكْنا القولَ بالذي رواه الضحاكُ عن ابنِ عباسٍ، ووافَقه عليه الربيعُ، وبالذي قاله ابنُ زيدٍ في تأويلِ ذلك؛ لأنه لا خبرَ عندَنا بالذي قالوه مِن وجهٍ يَقْطَعُ مجيئُه العذرَ، ويَلْزَمُ سامعَه به الحجةُ، والخبرُ عما قد مضَى وما قد سَلَف لا يُدْرَكُ علمُ صحتِه إلا بمجيئِه مَجيئًا يَمْتَنِع منه التشاغُبُ (^٣) والتَّواطُؤُ، ويَسْتَحيلُ فيه (^٤) الكذبُ والخطأُ والسَّهْوُ، وليس ذلك بموجودٍ كذلك فيما حكاه الضحاكُ عن ابنِ عباسٍ، [ووافقه عليه الربيعُ] (^٥)، ولا فيما قاله ابن زيدٍ.\nفأولَى التأويلاتِ إذ كان الأمرُ كذلك بالآيةِ، ما كان عليه مِن ظاهرِ التنزيلِ دَلالةٌ مما يَصِحُّ مَخْرَجُه في المفهومِ.\n_________\n(^١) في ص: \"ظهر\".\n(^٢) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢: \"من ذلك\".\n(^٣) في ص: \"الشاعر\".\n(^٤) في ص، ر، م: \"منه\".\n(^٥) سقط من: الأصل، ص.","vol":"1","page":500},{"text":"فإن قال قائلٌ: فإن كان أوْلَى التأويلاتِ بالآيةِ هو ما ذكَرْتَ، مِن أن اللهَ تعالى ذِكْرُه أخْبَر الملائكةَ بأن ذريةَ خليفتِه في الأرضِ يُفسِدون فيها ويَسفِكون فيها الدماءَ، فمِن أجلِ ذلك قالتِ الملائكةُ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾. فأَين ذِكْرُ إخبارِ اللهِ تعالى ذِكْرُه إياهم بذلك في كتابِه؟\nقيل له: اكْتُفي بدَلالةِ ما قد ظهَر مِن الكلامِ عليه عنه، كما قال الشاعر (^١):\n[فلا تَدْفِنوني إنَّ دَفْني مُحَرَّمٌ] (^٢) … عليكم ولكنْ خامِرِي (^٣) أمَّ عامرِ\nفحذَف قولَه: دعُوني للتي يُقالُ لها [إذا أُريد] (^٤) صيدُها: خامِرِي أمَّ عامرٍ (^٥).\nإذ كان فيما ظهَر مِن كلامِه دلالةٌ على معنى مرادِه، فكذلك ذلك في قولِه: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ لمّا كان فيه دَلالةٌ على ما ترَك ذكرَه بعد قولِه ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ مِن الخبرِ عما يَكونُ مِن إفسادِ ذريتِه في الأرضِ، اكْتَفَى بدلالتِه، فحذَف وترَك ذِكْرَه، كما ذكَرْنا مِن قولِ الشاعرِ، ونظائرُ ذلك في القرآنِ وأشعارِ العربِ وكلامِها أكثرُ مَن أن يُحْصَى، فلِمَا ذكَرْنا مِن ذلك (^٦) اخْتَرْنا ما اخترْنا مِن القولِ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.\n_________\n(^١) في نسبة البيت خلاف، وأكثر الرواية تنسبه إلى الشَّنْفَري - ينظر الشعر والشعراء ١/ ٨٠، والأغاني ٢١/ ١٨٢، وشرح الحماسة للمرزوقي ٢/ ٤٨٧، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٦٠ - وبعضها ينسبه إلى تأبط شرًّا. ينظر الحيوان ٦/ ٤٥٠، وأمالي المرتضى ٢/ ٧٣.\n(^٢) رواية الحيوان: فلا تقبروني إن قبري محرم.\n(^٣) رواية الأصفهاني، والمرزوقي: \"أبشرى\".\n(^٤) في م: \"عند\".\n(^٥) أم عامر هي الضبع، ويضرب بها المثل فيُشَبَّه بها الأحمق فيقال: خامري أم عامر، ينظر عقلاء المجانين ص ٢٥، ٢٦، ومجمع الأمثال ١/ ٤٢٢.\n(^٦) بعده في ص: \"ما ذكرنا\".","vol":"1","page":501},{"text":"<span data-type='title' id=toc-161>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾.</span>\nأما قولُه: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾. فإنه يَعْني: إنا نعظِّمُك بالحمدِ لك والشكرِ، كما قال الله تعالى ذكرُه: [﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾] (^١) [النصر: ٣]. وكما قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥]. وكلُّ ذكرٍ للهِ عندَ العربِ فتَسْبيحٌ وصلاةٌ، يقولُ الرجلُ منهم: قضَيْتُ سُبْحَتِي (^٢) مِن الذكرِ والصلاةِ. وقد قيل: إن التسبيحَ صلاة الملائكةِ.\nحدَّثنا ابن حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرِ بنِ أبي المُغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ يُصَلِّي، فمرَّ رجلٌ مِن المسلمين على رجلٍ مِن المنافِقين، فقال له: النبيُّ ﷺ يُصَلِّي وأنت جالسٌ! فقال له: امْضِ إلى عملِك إن كان لك عملٌ. فقال: ما أَظنُّ إلا سيَمُرُّ عليك مَن يُنْكِرُ عليك. فمرَّ عليه عمرُ بنُ الخطابِ، فقال له: يا فلانُ، النبيُّ ﷺ يُصَلِّي وأنت جالسٌ! فقال له مثلَها، فقال: هذا مِن عمَلي. فوثَب عليه، فضرَبه حتى انْبَهَر (^٣)، ثم دخَل المسجدَ، فصلَّى مع النبيِّ ﷺ، فلما انْفَتل النبيُّ ﷺ قام إليه عمرُ، فقال: يا نبيَّ اللهِ، مرَرْتُ آنفًا على فلانٍ وأنت تُصَلِّي، فقلت له: النبيُّ ﷺ يُصَلِّي وأنت جالسٌ! فقال: مُرَّ (^٤) إلى عملِك إن كان لك عملٌ. فقال النبيُّ ﷺ: \"فَهَلَّا ضَرَبْتَ عُنُقَهُ\".\nفقام عمرُ مُسْرِعًا، فقال: \"يا عمرُ، ارجِعْ، فإن غضبَك عِزٌّ، ورضاك حُكمٌ، إن للهِ\n_________\n(^١) في ر: \"نسبح بحمدك\".\n(^٢) السبحة: الدعاء، وصلاة التطوع، والنافلة. التاج (س ب ح).\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"ابتهر\"، وفي م: \"انتهى\". والبُهرُ: انقطاع النفس من الإعياء، وقد انبهر وابتهر: أي تتابع نَفَسه. التاج (ب هـ ر).\n(^٤) في م: \"سر\".","vol":"1","page":502},{"text":"في السماواتِ السبعِ ملائكةً يُصلُّونَ له غِنًى (^١) عن صلاةِ فُلانٍ\". فقال عمرُ: يا نبيَّ اللهِ، وما صلاتُهم؟ فلم يَرُدَّ عليه شيئًا، فأتاه جبريلُ، فقال: يا نبيَّ اللهِ، سأَلك عمرُ عن صلاةِ أهلِ السماءِ؟ قال: \"نَعَمْ\". قال: اقْرَأْ على عمرَ السلامَ، وأخْبِرْه أن أهلَ سماءِ الدنيا سجودٌ إلى يومِ القيامةِ يَقُولون: سبحانَ ذي المُلكِ والملكوتِ. وأهلَ السماء الثانيةِ ركوعٌ (^٢) إلى يومِ القيامةِ يَقُولون: سُبْحانَ ذي (^٣) العزّةِ والجَبَروتِ. وأهلَ السماءِ الثالثةِ قيامٌ إلى يومِ القيامةِ يقولون: سبحانَ الحيِّ الذي لا يموتُ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وسهلُ بنُ موسى الرازيُّ، قالا: حدَّثنا ابنُ عُلَيةَ، قال: أخْبَرَنا الجُرَيْريُّ، عن أبي عبدِ اللهِ الجسْريِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ الصامتِ، عن أبي ذَرٍّ، أن رسولَ اللهِ ﷺ أو أن أبا ذَرٍّ عاد النبيَّ ﷺ فقال: \"يا رسولَ اللهِ، بأبي أنت، أيُّ الكلامِ أحبُّ إلى اللهِ جلَّ وعزَّ؟ فقال: \"ما اصطَفى اللهُ لملائكتِه؛ سبحانَ ربي وبحمدِه، سبحانَ ربِّي وبحمدِه\" (^٥).\nفي أشكالٍ لما ذكَرْنا مِن الأخبارِ، كرِهْنا إطالةَ الكتابِ باسْتِقْصائِها.\n_________\n(^١) في الأصل: \"غَناء\". وهما بمعنى.\n(^٢) في الأصل، ص، ر: \"قيام\".\n(^٣) كذا في الأصل، م، والحلية، وكتب فوقه في الأصل: \"رب\" وفي ص، ر، ت ١، ت ٢: \"رب\".\n(^٤) إسناده مرسل، ولا يصح وصله. أخرجه أبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٧٧ من طريق ابن حميد به. وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ص ٦٢ (ترجمة عمر طبعة الرسالة) من طريق يعقوب به، مختصرا. وأخرجه ابن عدي ٦/ ٢٢٨٩، وابن عساكر ص ٦١، ٦٢ من طريق يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، عن ابن عباس، وعن أنس، مختصرا. وصوب ابن عدي المرسل.\n(^٥) أخرجه الترمذي (٣٥٩٣) من طريق ابن علية به. وأخرجه أحمد ٥/ ١٤٨، ١٦١، ١٧٦ (الميمنية)، ومسلم (٢٧٣١)، من طرق عن الجريري به نحوه. وينظر العلل للدارقطني ٦/ ٢٤٥، ٢٤٦.","vol":"1","page":503},{"text":"وأصلُ التسبيحِ للهِ عندَ العربِ التنزيهُ له مِن إضافةِ ما ليس مِن صفاتِه إليه، والتبْرِئةُ له مِن ذلك، كما قال أعْشَى بني ثَعْلبةَ (^١):\nأَقُولُ لمَّا جاءني فخْرُه … سبحانَ مِن عَلْقَمةَ الفاخِرِ\nيريدُ: سبحانَ اللهِ مِن فخْرِ علقمةَ. أي: تنزيهًا (^٢) للهِ مما أتَى علقمةُ مِن الافْتِخارِ. على وجهِ النكيرِ (^٣) منه لذلك.\nوقد اختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك التسبيحِ والتقْدِيسِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: قولُهم (^٤): ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾: نُصَلِّي لك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: يَقُولون (^٥): نُصَلِّي لك (^٦).\nوقال آخَرون: نُسَبِّحُ لك التسبيحَ المعلومَ.\n_________\n(^١) ديوانه ص ١٤٣.\n(^٢) في ر: \"تبرئة\".\n(^٣) في ص، ر: \"التكبر\"، ت ٢: \"التنكير\".\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢: \"قوله\".\n(^٥) في الأصل: \"يقول\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٦ إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٩ (٣٣٠) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.","vol":"1","page":504},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾. قال: التسبيحُ: التسبيحُ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-162>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾.</span>\nوالتقْديسُ هو التطهيرُ والتعظيمُ، ومنه قولُهم: سُبُّوحٌ قُدّوسٌ. يعني بقولِهم: سُبُّوحٌ. تنزيهٌ للهِ جلَّ وعزَّ، وبقولِهم: قُدُّوسٌ. طهارةٌ له وتعظيمٌ. ولذلك قيل للأرضِ: أرضٌ مُقَدَّسةٌ. يعني بذلك المُطَهَّرةَ.\nفمعنى قولِ الملائكةِ إذن: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾: نُنَزِّهُك ونُبَرِّئُك مما يُضيفُه إليك أهلُ الشركِ بك، ونُصَلِّي لك. ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. نَنْسِبُك إلى ما هو مِن صفاتِك من الطهارةِ من الأدناسِ، وما أضاف إليك أهلُ الكفرِ بك.\nوقد قيل: إن تقديسَ الملائكةِ لربِّها صلاتُها له، كما حدَّثنا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. قال: التقديسُ: الصلاةُ (^٢).\nوقال بعضهم: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾: نُعَظِّمُك ونُمَجِّدُك.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، قال: حدَّثنا أبو\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق - كما في الدر المنثور ١/ ٤٦ - وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٩ (٣٢٩) عن الحسن بن يحيى به. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق - كما في الدر المنثور ١/ ٤٦ - وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٩ (٣٣٢) عن الحسن بن يحيى به. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.","vol":"1","page":505},{"text":"سعيدٍ المُؤَدِّبُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. قال: نُعَظِّمُك ونُمَجِّدُك (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني عيسى، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. قال: نُعَظِّمُك ونُكَبِّرُك (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾: لا نعصِي ولا نأتي شيئًا تَكرهُه (^٣).\nحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبي روقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. قال: التقديسُ: التطهيرُ (^٤).\nوأما قولُ مَن قال: التقديسُ: الصلاةُ، أو (^٥): التعظيمُ. فإن معنى قولِه ذلك راجعٌ إلى نحوِ (^٦) المعنى الذي ذكَرْنا مِن التطهيرِ، من أجلِ أن صلاتَها لربِّها تعظيمٌ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ص ١١٣ (٣٣٤، ٣٣٥ - تحقيق د. أحمد عبد الله العماري) من طريق سفيان، عن إسماعيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ١٩٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ص ١١٣ (٣٣٣ - تحقيق د. أحمد عبد الله العماري) من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٦ إلى عبد بن حميد. وينظر تفسير الثوري ص ٤٤.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٠٣، وتقدم بتمامه في ص ٤٩٦.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٠٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٩ (٣٣١) عن أبي زرعة، عن منجاب، عن بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس.\n(^٥) في ر، ت ١، ت ٢: \"و\".\n(^٦) سقط من: ر، م.","vol":"1","page":506},{"text":"منها له، وتطهيرٌ مما يَنسِبُه إليه أهلُ الكفرِ به.\nولو كان (^١) مكانَ: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾: ونُقَدِّسُك. كان فصيحًا مِن الكلامِ، وذلك أن العربَ تقولُ: فلانٌ يُسَبِّحُ اللهَ ويُقَدِّسُه، ويُسَبِّحُ للهِ ويُقَدِّسُ له.\nبمعنًى واحدٍ، وقد جاء بذلك القرآنُ، قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣]. وقال في موضعٍ آخرَ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١].\n\n<span data-type='title' id=toc-163>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾.</span>\nاختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: يعني بقولِه: ﴿أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ مما اطلَع عليه مِن إبليسَ، وإضمارِه المعصيةَ للهِ وإخْفائِه الكبْرَ، مما اطلَع عليه تعالى ذكرُه منه، وخفِي على ملائكتِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: إني قد اطلَعتُ مِن قلبِ إبليسَ على ما لم تَطَّلِعوا عليه مِن كِبْرِه [واغترارِه] (^٢).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ،\n_________\n(^١) في ص، م: \"قال\".\n(^٢) في الأصل: \"واعتزازه\". وتقدم الأثر بتمامه في ص ٤٨٢ وما بعدها.","vol":"1","page":507},{"text":"وعن مُرةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني: مِن شأنِ إبليسَ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمد، وحدَّثنا محمدُ ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا مؤمَّلٌ، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: علِم من إبليسَ المعصيةَ وخلَقَه لها (^٢).\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عليِّ بنِ بَذِيمةَ، عن مُجاهِدٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن عليِّ بنِ بذيمةَ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ عبد الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّة، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: علِم من إبليسَ المعصيةَ وخلَقه لها.\nحدَّثني جعفرُ (^٤) بنُ محمدٍ البُزُوريُّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ بشرٍ، عن حمزةَ\n_________\n(^١) تقدم بتمامه في ص ٤٨٦ - ٤٨٨.\n(^٢) أخرجه ابن عيينة في تفسيره -كما في الدر المنثور ١/ ٤٦ - وعنه سعيد بن منصور في سننه (١٨٤ - تفسير) عن ابن أبي نجيح وغيره، عن مجاهد. وهو في تفسير مجاهد ص ١٩٩. وأخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية ص ٦٠ من طريق ابن جريج، عن مجاهد. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٩٣٨) عن أبيه، عن محمد بن بشر به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٩ (٣٣٤) من طريق علي بن بذيمة به.\n(^٤) في الأصل: \"يعقوب\".","vol":"1","page":508},{"text":"الزياتِ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nقال: علِم مِن إبليسَ كتْمانَه الكِبْرَ ألا يسْجُدَ لآدمَ.\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ (^١)، قال: وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا ابو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nقال: علِم مِن إبليسَ المعصيةَ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، - عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، قال: قال مجاهدٌ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: علِم مِن إبليسَ المعصيةَ، وخلَقه لها. وقال مرةً: آدمَ.\nوحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا حجاجُ بنُ المنهالِ، قال: حدَّثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت عبدَ الوهابِ بنَ مجاهدٍ يُحدِّثُ عن أبيه في قولِه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٤). قال: علِم مِن إبليسَ المعصيةَ وخلَقه لها، وعلِم مِن آدمَ الطاعةَ وخلَقه لها.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ\n_________\n(^١) بعده في ر: \"عن ابن أبي نجيح عن مجاهد\".\n(^٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٨٩١) من طريق شبل به، بزيادة: وخلقه لها.\n(^٣) أخرجه وكيع - كما في الدر المنثور ١/ ٤٦ - ومن طريقه عبد الله بن أحمد في السنة (٩٣٨).\n(^٤) في ص: \"يعلمون\".","vol":"1","page":509},{"text":"طاوسٍ، عن أبيه والثورىِّ، عن علىِّ بنِ بَذِيمةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: علِم مِن إبليسَ المعصيةَ وخلَقه لها (^١).\nوحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ (^٢) إسحاقَ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: فيكم ومنكم -ولم يبْدِها لهم- مِن المعصيةِ والفسادِ وسَفْكِ الدماءِ (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: إنى أعلمُ ما لا تعلمونَ من أنَّه يكونُ من تلك (^٤) الخليفةِ أهلُ الطاعةِ والولايةِ للهِ جلَّ ذكْرُه.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: فكان في علمِ اللهِ أنه سيَكونُ مِن [تلك الخليفةِ] (^٥) أنبباءُ ورسلٌ وقومٌ صالحون وساكنو (^٦) الجنةِ (^٧).\nوهذا الخبرُ من اللهِ تعالى ذكرُه يُنبئُ عن أن ملائكتَه التى قالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. استَفْظَعَت أن يكونَ للهِ جلَّ ثناؤُه خَلْقٌ يَعْصِيه، وعَجِبَتْ منه إذ أخْبِرت أن ذلك كائنٌ فلذلك قال لهم ربهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق -كما في الدر المنثور ١/ ٤٦ - وأخرجه عبد الرزاق أيضًا في الأمالى (١٩٥).\n(^٢) في ر: \"أبي\".\n(^٣) تقدم مطولًا في ص ٤٩٦.\n(^٤) في م: \"ذلك\".\n(^٥) في م: \"ذلك الخليفة\"، وفى ت ١: \"تلك الخليقة\".\n(^٦) في الأصل، وتفسير ابن أبى حاتم: \"ساكن\"، وفى ر، ت ١: \"ساكنون\".\n(^٧) جزء من الأثر المتقدم في ص ٤٩١، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٧٩ (٣٣٥) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة. وعزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ٤٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"1","page":510},{"text":"تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنى بذلك واللهُ أعلمُ: إنكم لتَعْجَبون مِن أمرٍ (^١) وتَسْتَفْظِعونه، وأنا أعلمُ أنه في بعضِكم، وتصِفون أنفسَكم بصفةٍ أعلمُ خلافَها مِن بعضِكم، وتُعَرِّضون بأمرٍ قد جعَلْتُه لغيرِكم. وذلك أن الملائكةَ [قالت لربِّها] (^٢) -لمّا أخبَرها ربُّها بما هو كائنٌ مِن ذريةِ خليفتِه من الفسادِ وسَفْكِ الدماءِ- قالت لربِّها: ربَّنا، أجاعلٌ أنت في الأرضِ خليفةً مِن غيرِنا، [يكونُ مِن ذريَّتِه] (^٣) من يَعْصِيك أم منا، فإنا نعَظِّمُك ونصَلِّى لك ونُطِيعُك ولا نَعْصِيك؟ -ولم يكنْ عندَها علمٌ بما قد انطوى كَشْحًا عليه إبليسُ من استكبارِه على ربِّه- فقال لهم ربُّهم: إنِّى أعلمُ غيرَ الذى تقُولونَ من بعضِكم. وذلك هو ما كان مستورًا عنهم مِن أمرِ إبليسَ وانْطِوائِه على ما كان قد انْطَوَى عليه مِن الكِبْرِ، وعلى قِيلِهم ذلك، ووصْفِهم أنفسَهم بالعمومِ من الوصفِ، عُوتِبوا.\n\n<span id=\"aya-38\"></span><span data-type='title' id=toc-164>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾.</span>\n\nحدَّثنا محمدُ بنُ حُميْدٍ، قال: حدَّثنا يعقوبُ القُمِّىُّ، عن جعفرِ بنِ أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: بعَث ربُّ العِزَّةِ تعالى ذِكْرُه إبليسَ (^٤)، فأخَذ مِن أَديمِ الأرضِ مِن عذْبِها ومِلْحِها، فخلَق منه آدمَ، ومِن ثَمَّ سُمِّى آدمَ؛ لأنه خُلِق مِن أَديمِ الأرضِ (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"أمر الله\".\n(^٢) سقط من: ر، ت ١، ت ٢.\n(^٣) في الأصل: \"تكون ذريته تعصيك واجعله\".\n(^٤) في م: \"ملك الموت\".\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٩٠، ٩١، وفيه زيادة، وينظر تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٣.\nوأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٧/ ٣٨٠ من طريق يعقوب القمى به نحوه.\nوأخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٨١٦) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس=","vol":"1","page":511},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرىُّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ ثابتٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن علىٍّ، قال: إن آدمَ خُلِق مِن أديمِ الأرضِ، فيه الطَّيِّبُ والصالحُ والرَّدِئُ، فكلُّ ذلك أنت راءٍ في ولدِه، الصالحَ والردئَ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا مِسْعَرٌ، عن أبى حَصِينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: خُلِق آدمُ مِن أَدِيمِ الأرضِ، فسُمِّىَ آدمَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: إنما سُمِّىَ آدمَ لأنه خُلِق مِن أَدِيمِ الأرضِ (^٣).\nحدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ في خبرٍ ذكره عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبىِّ ﷺ، أن مَلَكَ الموتِ لمَّا بُعِث ليأْخُذَ مِن\n_________\n= مختصرًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٧ إلى المصنف وابن سعد وابن أبى حاتم وابن عساكر مطولًا. وأخرجه ابن سعد ١/ ٢٦ - ومن طريقه ابن عساكر ٧/ ٣٧٩، ٣٨٠ - من طريق آخر، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، عن ابن مسعود. وابن جبير لم يدرك ابن مسعود.\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٩١. وعمرو بن ثابت ضعيف.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٩١. وأخرجه ابن سعد ١/ ٢٦ من طريق مسعر به.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٩١. وأخرجه ابن سعد ١/ ٢٦ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٧/ ٣٨٧ - من طريق شعبة به. وأخرجه ابن عساكر ٧/ ٣٨٦ من طريق الثورى، عن أبي حصين أو غيره، عن سعيد بن جبير. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٩ إلى عبد بن حميد. وأخرجه ابن عساكر أيضا ٧/ ٣٨٧ من طريق إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد، عن ابن عباس، بزيادة ستأتى من طريق آخر عن سعيد في تفسير الآية ١١٥ من سورة طه.","vol":"1","page":512},{"text":"الأرضِ تُرْبةَ آدمَ، أخَذ مِن وجهِ الأرضِ وخلَط، فلم يَأْخُذْ مِن مكانٍ واحدٍ، وأخَذ مِن تربةٍ حمراءَ وبيضاءَ وسوداءَ، فلذلك خرَج بنو آدمَ مُخْتَلِفين، ولذلك سُمِّىَ آدمَ؛ لأنه أُخِذ مِن أَدِيمِ الأرضِ (^١).\nوقد رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ خبرٌ يُحَقِّقُ ما قال مَن حكَينا قولَه في معنى \"آدمَ\"، وذلك ما حدَّثنى به يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن عوفٍ، وحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ وعمرُ بنُ شَبَّةَ، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عوفٌ، وحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ ومحمدُ بنُ جعفرٍ وعبدُ الوهَّابِ الثَّقَفىُّ، قالوا: حدَّثنا عوفٌ، وحدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ الأسَدىُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبانٍ، قال: حدَّثنا عَنْبَسةُ، عن عوفٍ الأعْرابىِّ، عن قَسامةَ بنِ زُهَيْرٍ، عن أبى موسى الأشْعَرىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إنَّ اللهَ خَلَقَ آدمَ مِن قَبْضَةٍ قَبَضَها مِن جَميعِ الأرْضِ، فجاء بنو آدمَ على قَدْرِ الأرْضِ، جاء منهم الأحْمرُ والأسْودُ والأبْيضُ، وبينَ ذلك، [والسهْلُ والحَزْنُ] (^٢)، والخبَيثُ وَالطيِّبُ\" (^٣).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤٨٨.\n(^٢) في الأصل: \"الحزن والسهل\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٩١ بزيادة في آخره. وأخرجه الترمذى (٢٩٥٥)، وأبو الشيخ في العظمة (١٠١٤) من طريق ابن بشار به. وأخرجه أحمد ٤/ ٤٠٠، ٤٠٦ (الميمنية)، وأبو داود (٤٦٩٣)، وابن حبان (٦١٨١)، وأبو الشيخ (١٠١٥) من طريق يحيى بن سعيد به. وأخرجه أحمد ٤/ ٤٠٠ (الميمنية) عن محمد بن جعفر به.\nوأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٤٣، وابن سعد ١/ ٢٦، وأحمد ٤/ ٤٠٠، ٤٠٦ (الميمنية)، وعبد بن حميد (٥٤٨)، وأبو داود (٤٦٩٣)، وابن حبان (٦١٦٠)، والحاكم ٢/ ٢٦١، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ١٠٤، ٨/ ١٣٥، والبيهقى في الأسماء والصفات (٧١٥، ٨١٥)، وابن عساكر في تاريخه ٧/ ٣٧٤ من طرق أخرى عن عوف به. وقال الترمذى: حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد.","vol":"1","page":513},{"text":"قال أبو جعفرٍ: فعلى التأويلِ الذى تأوَّل \"آدمَ\" مَن تأَوَّله بمعنى أنه خُلِق مِن أَدِيمِ الأرضِ، يَجِبُ أن يكونَ أصلُ \"آدمَ\" فعلًا سُمِّىَ به أبو البَشرِ، كما سُمِّىَ أحمدُ بالفِعلِ من الإحْمادِ، وأسعدُ مِن الإِسعادِ، فلذلك لم يُجْرَ (^١). ويَكونُ تأويلُه حينَئذٍ: آدَمَ المَلَكُ الأرضَ. يعنى به: بلَغ أَدَمَتَها -وأَدَمَتُها: وجهُها الظاهرُ لرَأْىِ العينِ، كما (^٢) جِلْدةُ كلِّ [ذى جِلدٍ] (^٣) له أَدَمةٌ، ومِن ذلك سُمِّىَ الإدامُ إدامًا؛ لأنه صار كالجِلْدةِ العليا مما هى منه- ثم نُقِل مِن الفعلِ فجُعِل اسمًا للشخصِ بَعيْنِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-165>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الأسماءِ التى علَّمَها آدمَ ثم عرَضها على الملائكةِ؛ فقال ابنُ عباسٍ بما حدَّثنا به أبو كرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال (^٤): علَّم اللهُ آدمَ الأسماءَ كلَّها، وهى هذه الأسماءُ التى يَتَعارَفُ بها الناسُ؛ إنسانٌ، ودابةٌ، وأرضٌ، وسهلٌ، وبحرٌ، وجبلٌ، وحمارٌ، وأشباهُ ذلك مِن الأممِ وغيرِها (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، وحدَّثنى المُثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيْفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ\n_________\n(^١) أي لم يُصْرف، والإجراء الصرف. ينظر المصطلح النحوى ص ١٦٦.\n(^٢) بعده في م: \"أن\".\n(^٣) في ص: \"شيء\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"فلما\".\n(^٥) تقدم بتمامه في ص ٤٨٢ - ٤٨٥.","vol":"1","page":514},{"text":"في قولِ اللهِ تعالى ذِكرُه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. قال: [ما خلَق اللهُ كلَّه] (^١).\nحدَّثنا ابنُ وَكِيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. قال: علَّمه اسمَ كلِّ شيءٍ (^٢).\nحدَّثنا علىُّ بنُ الحسنِ (^٣)، قال: حدَّثنا مُسلمٌ الجَرْمِىُّ، عن محمدِ بنِ مُصْعَبٍ، عن قَيْسِ بنِ الربيعِ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهدٍ، قال: علَّمه اسمَ الغُرابِ والحَمامةِ، واسمَ كلِّ شيءٍ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى، عن شَريكٍ، عن سالمِ الأفْطَسِ، عن سعيدِ ابنِ جُبَيْرٍ، قال: علَّمه اسمَ كلِّ شيءٍ، حتى البعيرِ والبقرةِ والشاةِ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى، عن شَريكٍ، عن عاصمِ بنِ كُلَيبٍ، عن سعيدِ (^٦) بنِ مَعْبَدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: علَّمه اسمَ (^٧) القَصْعةِ والفَسْوةِ (^٨) والفُسَيَّةِ (^٩).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"علمه اسم كل شيء\".\nوالأثر أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٩٧، وهو في تفسير مجاهد ص ١٩٩.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٩٧. وأخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٨٠ (٣٣٨) من طريق سفيان، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، بلفظ: علمه كل دابة وكل طير وكل شيء.\n(^٣) في ص، ت ١: \"الحسين\".\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٨٢ (٣٥١) من طريق قيس به.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٩٨. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٩ إلى وكيع.\n(^٦) في الأصل: \"سعد\".\n(^٧) بعده في ت ١: \"كل شيء حتى\".\n(^٨) في ت ٢: \"القوس\".\n(^٩) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٨٠ (٣٣٧) من طريق عاصم به. وسعيد بن معبد مجهول.","vol":"1","page":515},{"text":"حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن عاصمِ ابنِ كُلَيْبٍ، عن الحسنِ بنِ سعدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. قال: حتى الفَسْوَةِ والفُسَيَّةِ (^١).\nحدَّثنا على بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا مسلمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُصْعبٍ، عن قيسٍ، عن (^٢) عاصمِ بنِ كُلَيْبٍ، عن سعيدِ بنِ مَعْبَدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. قال: علَّمه اسمَ كلِّ شيءٍ، حتى الهَنَةِ والهُنَيَّةِ، والفَسْوةِ والضَّرْطةِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا على بنُ مُسْهِرٍ، عن عاصمِ ابنِ كُلَيْبٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: علَّمه القَصْعةَ مِن القُصَيْعَةِ، والفَسْوةَ مِن الفُسَيَّةِ (^٤).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قَولَه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. حتى بلَغ: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾: فأنْبَأ كلَّ صنفٍ مِن الخلقِ باسمِه، وألْجأه إلى جنسِه (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. قال: علَّمه اسمَ كلِّ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٩٧.\n(^٢) في الأصل، ص: \"ابن\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٩٧.\n(^٤) عاصم بن كليب لم يدرك ابن عباس كما في الأسانيد قبله.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٩٨. وينظر تاريخ دمشق ٧/ ٣٩٩.","vol":"1","page":516},{"text":"شيءٍ؛ هذا جبلٌ، وهذا بحرٌ، وهذا كذا، وهذا كذا، لكلِّ شيءٍ، ثم عرَض تلك الأسماءَ (^١) على الملائكةِ، فقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن جَريرِ بنِ حازمٍ ومباركٍ، عن الحسنِ، وأبى بكرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ، قالا: علَّمه اسمَ كلِّ شيءٍ، هذه الخيلُ، وهذه البِغالُ، والإبلُ، والجنُّ، والوحشُ، وجعَل يُسَمِّى كلَّ شيءٍ باسمِه (^٣).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن غيرِ (^٤) الربيعِ، قال: اسمَ كلِّ شيءٍ.\nوقال آخَرون: علَّم آدمَ أسماءَ الملائكةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. قال: أسماءَ الملائكةِ (^٥).\nوقال آخَرون: إنما علَّمه أسماءَ ذُرِّيَّتِه.\n_________\n(^١) في م: \"الأشياء\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٩٨. وهو في تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٢، ٤٣.\n(^٣) تقدم بتمامه في ص ٤٩٣.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٩٩ عن عبدة المروزى، عن عمار بن الحسن به.","vol":"1","page":517},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. قال: أسماءَ ذُرّيتِه كلِّهم (^١) أجْمَعين (^٢).\nقال أبو جعفر: وأولَى هذه الأقوالِ بالصوابِ وأشْبهُها بما دلَّ على صحتِه ظاهرُ التِّلاوةِ، قولُ مَن قال في قولِه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. أنها أسماءُ ذرِّيَّتِه وأسماءُ الملائكةِ، دون أسماءِ سائرِ أجناسِ الخلقِ، وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾. يعْنى بذلك أعيانَ المُسَمَّيْن بالأسماءِ التى علَّمها آدمَ. ولا تَكادُ العربُ تَكْنى بالهاءِ والميمِ إلا عن أسماءِ بنى آدمَ والملائكةِ. فأما إذا كَنَتْ عن أسماءِ البَهائمِ وسائرِ الخلقِ سوى مَن وصَفْنا، فإنها تَكْنِى عنها بالهاءِ والألفِ، أو (^٣) بالهاءِ والنونِ، فقالت: عرَضَهنّ، أو عرَضَها. وكذلك تَفْعَلُ إذا كَنَتْ عن أصنافٍ مِن الخلْقِ، كالبَهائمِ والطيرِ وسائرِ أصنافِ الأممِ، وفيها أسماءُ بنى آدمَ أو (^٤) الملائكةِ، فإنها تَكْنى عنها بما وصَفْنا مِن الهاءِ والنونِ، و(^٥) الهاءِ والألفِ. وربما كَنَتْ عنها إذا كان ذلك (^٦) كذلك، بالهاءِ والميمِ، قال تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ (^٧) كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، وفى ص، ر: \"كلها\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٩٩ مطولا.\n(^٣) في ت ١: \"و\".\n(^٤) في ر، م، ت ١: \"و\".\n(^٥) في م: \"أو\".\n(^٦) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢.\n(^٧) في الأصل: \"خالق\". وهى قراءة حمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ٤٥٧.","vol":"1","page":518},{"text":"[النور: ٤٥]. فكنَى عنها بالهاءِ والميمِ، وهى أصنافٌ مختلِفةٌ، فيها الآدمىُّ وغيرُه، وذلك وإن كان جائزًا، فإن الغالبَ المُسْتَفيضَ في كلامِ العربِ ما وصَفْنا، مِن إخْراجِهم كنايةَ أسماءِ أجناسِ الأممِ -إذا اخْتَلَطَت- بالهاءِ والألفِ، و(^١) الهاءِ والنونِ؛ فلذلك قلتُ: أَولى بتأويلِ الآيةِ أن تَكونَ الأسماءُ التى عَلَّمها آدمَ أسماءَ أعيانِ بنى آدمَ وأسماءَ الملائكةِ. وإن كان ما قال ابنُ عباسٍ جائزًا، على مثالِ ما جاء في كتابِ اللهِ جل ثناؤه مِن قولِه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ (^٢) كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ الآية. وقد ذُكِر أنها في حرفِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: (ثم (^٣) عرَضَهن) (^٤). وأنها في حرفِ أُبَيٍّ: (ثم عرَضها) (^٤).\nولعلَّ ابنَ عباسٍ تأوَّل ما تأوَّل مِن قولِه: علَّمه اسمَ (^٥) كلِّ شيءٍ، حتى الفَسْوةِ والفُسَيَّةِ. على قراءةِ أُبَىٍّ، فإنه فيما بلغَنا كان يَقْرَأُ قراءةَ أُبَىٍّ. وتأويلُ ابنِ عباسٍ -على ما حُكِى عن أبيٍّ من قراءتِه- غيرُ مُسْتَنْكَرٍ، بل هو صحيحٌ مُسْتَفِيضٌ فى كلامِ العربِ، على نحوِ ما تقَدَّم وصْفِى ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-166>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: قد تقَدَّم ذكْرُنا التأويلَ الذى هو أوْلى بالآيةِ على قراءتِنا ورَسْمِ مُصْحَفِنا، وأن قولَه: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾. بالدَّلالةِ على بنى آدمَ والملائكةِ، أوْلَى منه بالدَّلالةِ على أجناسِ الخلقِ كلِّها، وإن كان غيرَ فاسدٍ أن يكون دالًّا على\n_________\n(^١) في م: \"أو\".\n(^٢) في الأصل، ر، ت ١: \"خالق\".\n(^٣) في النسخ: \"و\".\n(^٤) ينظر البحر المحيط ١/ ١٤٦.\n(^٥) زيادة من: م.","vol":"1","page":519},{"text":"جميعِ أصنافِ الأُممِ، للعللِ التى وصَفْنا.\nويعنى بقولِه: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾: ثم عرَض أهلَ الأسماءِ على الملائكةِ.\nوقد اخْتَلَف المفسِّرون في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ نحوَ اختلافِهم فى قوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. وسأذْكُرُ [قولَ بعضِ] (^١) مَن انتَهى إلينا عنه فيه قولٌ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بِشْرُ بنُ عُمارَةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾: ثم عرَض هذه الأسماءَ على الملائكةِ. يعنى أسماءَ جميع الأشياءِ التى علَّمها آدمَ مِن أصنافِ الخلقِ (^٢).\nحدثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ في خبرٍ ذكَره عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النَّبىِّ ﷺ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾: ثم عرَضَ الخلْقَ على الملائكةِ (^٣).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: أسماءَ ذريتِه كلِّها أخَذَهم مِن ظهرِه، ثم عرَضَهم على الملائكةِ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن\n_________\n(^١) في ص، م: \"قول\"، وفى ر، ت ١، ت ٢: \"بعض قول\".\n(^٢) تقدم بتمامه في ص ٤٨٥.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٠٥ عن السدى به. وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٨٠ (٣٤١) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدى من قوله. وتقدم بتمامه في ص ٤٨٨.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٥١٨.","vol":"1","page":520},{"text":"قتادةَ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾. قال: علَّمه اسمَ كلِّ شيءٍ، ثم عرَض تلك الأسماءَ على الملائكةِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهِدٍ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾: عرَض أصحابَ الأسماءِ على الملائكةِ (^٢).\nحدثنى علىُّ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا مسلمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُصْعَبٍ، عن قيسٍ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾. يعنى: عرَض الأسماءَ، الحَمامةَ والغرابَ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن جَريرِ بنِ حازمٍ ومباركٍ، عن الحسنِ، وأبى بكرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ، قالا: علَّمه اسمَ كلِّ شيءٍ، هذه الخيلُ، وهذه البغالُ، وما أشْبَهَ ذلك، وجعَل يُسَمِّى كلَّ شيءٍ باسمِه، وعُرِضَت عليه أُمَّةً أُمَّةً (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-167>القولُ في تأويل قولِه جلّ وعزّ: ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وتأويلُ قولِه ﷿: ﴿أَنْبِئُونِي﴾: أَخْبِرونى. كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَنْبِئُونِي﴾. يقولُ: أخْبِرونى بأسماءِ هؤلاء (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥١٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٩ إلى المصنف.\n(^٣) تقدم في ص ٥١٥.\n(^٤) تقدم بتمامه في ص ٤٩٣.\n(^٥) تقدم بتمامه في ص ٤٨٥.","vol":"1","page":521},{"text":"ومنه قولُ نابغةِ بنى ذُبْيانَ (^١):\nوأنبَأه المُنبّئُ أنَّ حيًّا … حُلُولًا من حَرامٍ (^٢) أو جُذَامِ\nيعنى بقولِه: أنبأَه: أخْبَرَه وأعْلَمَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-168>القولُ في تأويل قولِه: ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾.</span>\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، وحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، جميعًا عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولهِ: ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾. قال: بأسماءِ هذه التى حدَّثْتُ بها آدمَ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ بن داودَ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. يقولُ: بأسماءِ هؤلاءِ التى (^٤) حَدَّثتُ بها آدمَ (٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-169>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: إن كنتم تَعْلَمون لِمَ أجْعَلُ فى الأرضِ\n_________\n(^١) ديوانه ص ١٦٢.\n(^٢) في ت ٢: \"حزام\"، وفى ت ١: \"جذام\". وحرام: بطن من جذام.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ١٩٩، ومن طريقه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٨١ (٣٤٢).\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"الذين\".","vol":"1","page":522},{"text":"خليفةً (^١)؟\nحدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ في خبرٍ ذكَره عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبىِّ ﷺ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنَّ بنى آدمَ يُفْسِدون في الأرضِ ويَسْفِكون الدماءَ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجّاجٌ، عن جريرِ بنِ حازِمٍ ومباركٍ، عن الحسن، وأبى بكرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ: ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنى لم (^٣) أَخْلُق خَلْقًا إلا كُنتم أعلمَ منه، فأخْبِرونى بأسماءِ هؤلاءِ إن كنتم صادِقين (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ تأويلُ ابنِ عباسٍ ومَن قال بقولِه.\nومعنى ذلك: فقال: أنْبِئونى بأسماءِ مَن عرَضْتُه عليكم أيتُها الملائكةُ القائلون: [أتَجعَلُ فى الأرضِ] (^٥) مَن يُفسِدُ فيها ويَسفِكُ الدمَاءَ، مِن غيرِنا أم منا، شنحن نُسَبِّحُ بحمدِك ونُقَدِّسُ لك؟ إن كنتم صادقين في قِيلِكم أنى إن جعَلْتُ خليفتى في الأرضِ مِن غيرِكم، عَصَانى ذريتُه وأفْسَدوا فيها وسفَكوا الدماءَ، وإن جعَلْتُكم فيها، أطَعْتُمونى واتَّبَعْتُم أمرى، بالتعظيمِ لى والتقديسِ، فإنكم إذ كنتم لا تَعْلَمون أسماءَ هؤلاء الذين عرَضْتُهم عليكم مِن خَلْقى، وهم مَخْلوقون\n_________\n(^١) تقدم بتمامه في ص ٤٨٥.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٠٥ عن السدى به. وتقدم بتمامه في ص ٤٨٨.\n(^٣) فى الأصل: \"لن\".\n(^٤) تقدم في ص ٤٩٣.\n(^٥) في ص، م: \"فيها\".","vol":"1","page":523},{"text":"موجودون تَرَوْنهم وتُعايِنونهم، وعَلِمه غيرُكم بتَعْليمِى إياه، فأنتم بما هو غيرُ موجودٍ مِن الأمورِ الكائِنَةِ التى لم توجَدْ بعدُ، وبما هو مُتَستِّرٌ من الأُمورِ -التى هى موجودةٌ- عن أعينِكم، أحْرَى أن تكونوا غيرَ عالمين، فلا تَسْألونى ما ليس لكم به علمٌ، فإنى أعلمُ بما يُصْلِحُكم ويُصْلِحُ خَلْقى.\nوهذا الفعلُ مِن اللهِ تعالى ذكرُه بملائكتِه الذين قالوا له: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾. مِن جهةِ عِتابِه تعالى ذِكرُه إياهم -نظيرُ قولِه لنبيِّه نوحٍ صلّى اللهُ عليه، إذ قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ - ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٥، ٤٦]. فكذلك الملائكةُ سأَلت ربَّها أن تكونَ خُلفاءَه في الأرضِ ليُسَبِّحوه ويُقَدِّسوه فيها؛ إذ كان ذريةُ مَن أخْبَرهم أنه جاعلُه في الأرضِ خليفةً يُفْسِدون فيها ويَسْفِكون الدماءَ، فقال لهم تعالى ذكرُه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يعنى بذلك: إنى أعْلَمُ أن بعضَكم فاتحُ المعاصى وخاتِمُها. وهو إبليسُ، مُنْكِرًا بذلك (^١) تعالى ذِكرُه قولَهم. ثم عرَّفهم موضِعَ هَفْوتِهم، في قِيلهم ما قالوا مِن ذلك، بتعريفِهم قُصورَ علمِهم عمّا هم له شاهِدون عِيانًا -فكيف بما لم يَرَوْه ولم يُخْبَروا عنه؟ - بعرْضِه ما عرَض عليهم مِن خلقِه الموجودين يومَئذٍ، وقيلِه لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم إن اسْتَخْلَفْتُكم في أرْضى سبَّحْتمونى وقدَّسْتُمونى، وإن اسْتخْلَفْتُ فيها غيرَكم عَصانى ذُريتُه وأفْسَدوا وسَفَكوا الدماءَ. فلمَّا اتَّضَح لهم موضِعُ خطأِ قيلِهم، وبَدَت لهم هفوةُ زَلَّتِهم، أنابوا إلى اللهِ بالتوبةِ فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾. فسارَعوا الرَّجْعةَ مِن\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"بعد ذلك\".","vol":"1","page":524},{"text":"الهَفْوةِ، وبادَروا الإنابةَ مِن الزَّلَّةِ، كما قال نوحٌ ﵇ حِين عوتِب في مسألتِه، فقيل له: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ -: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^١) [هود: ٤٦، ٤٧]. وكذلك فعْلُ كلِّ مُسَدَّدٍ للحقِّ مُوَفَّقٍ له، سَريعةٌ إلى الحقِّ إنابتُه، قريبةٌ إليه أوْبتُه.\nوقد زعَم بعضُ نحْويِّى أهلِ البصرةِ أن قولَه: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. لم يكنْ ذلك لأن الملَائكةَ ادَّعَوْا شيئًا، إنما أخْبَر عن جهْلِهم بعلمِ الغيبِ وعلمِه بذلك وفضلِه، فقال: أنْبِئونى إن كنتم صادقين. كما يقولُ الرجلُ للرجلِ: أنْبِئْنى بهذا إن كنتَ تَعْلَمُ. وهو يَعْلَمُ أنه لا يَعْلَمُ، يُرِيد أنه جاهِلٌ.\nوهذا قولٌ إذا تدَبَّره متَدَبِّرٌ عَلِم أن بعضَه مفْسِدٌ بعضًا، وذلك أن قائلَه زعَم أن اللهَ تعالى ذكرُه قال للملائكةِ -إذ عرَض عليهم أهلَ الأسماءِ-: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾. وهو يَعْلَمُ أنهم لا يَعْلَمون ذلك (^٢)، ولا هم ادَّعَوْا [علمَ شيءٍ] (^٣) يوجِبُ أن يوبَّخوا بهذا القولِ. وزعَم أن قولَه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ نظيرُ قولِ القائل (^٤): أنْبِئْنى بهذا إن كنتَ تَعْلَمُ. وهو يَعْلَمُ أنه لا يَعْلمُ، يُرِيدُ أنه جاهلٌ. ولا شكَّ أن معنى قولِه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. إنما هو: إن كنتم صادقينَ، إمّا في قولِكم، وإمّا في فعلِكم، لأن الصدقَ في كلامِ العربِ إنما هو صِدقٌ في الخبرِ لا في العلمِ، وذلك أنه غيرُ معقولٍ في لغةٍ مِن اللغاتِ أن يُقالَ: صدَق\n_________\n(^١) سقطت هذه الآية من: ص، م، ت ١، ت ٢.\n(^٢) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢.\n(^٣) في ص: \"شيئًا\".\n(^٤) في ر، م: \"الرجل للرجل\".","vol":"1","page":525},{"text":"الرجلُ. بمعنى: عَلِم. فإذ كان ذلك كذلك، فقد وجَب أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه قال للملائكةِ -على تأويلِ قولِ هذا الذى حكَيْنا قولَه في هذه الآيةِ-: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وهو يَعْلَمُ أنهم غيرُ صادقين، يُرِيدُ بذلك أنهم كاذِبون، وذلك هو عينُ ما أنْكَره؛ لأنه زعَم أن الملائكةَ لم تَدَّعِ شيئًا، فكيف جاز أن يقالَ لها (^١)؛ إن كنتم صادقين فأنبِئونى بأسماءِ هؤلاء (^٢)؟ مع خروج هذا القولِ الذى حكَينا عن صاحبِه، مِن أقوالِ جميعِ المُتَقَدِّمين والمُتَأخِّرِين مِن أهلِ التأويلِ والتفسيرِ.\nوقد حُكِى عن بعضِ أهلِ التفسيرِ أنه كان يَتأوَّلُ قولَه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. بمعنى: إذ كنتم صادقين.\nولو كانت ﴿إِنْ﴾ بمعنى \"إذ\" في هذا الموضعِ، لَوجَب أن تكونَ قراءتُها بفتحِ ألفِها؛ لأن \"إذ\" إذا تقَدَّمها فعلٌ مُستَقبَلٌ، صارت علةً للفعل وسببًا له، وذلك كقولِ القائلِ: أقومُ إذ قمتَ. فمعناه: أقومُ مِن أجلِ أنك قمتَ. والأمرُ بمعنى الاستِقبالِ. فمعنى الكلامِ لو كانت ﴿إِنْ﴾ بمعنى \"إذ\": أنبِئونى بأسماءِ هؤلاءِ مِن أجلِ أنكم صادِقون. فإذا وُضِعَت \"إن\" مكان (^٣) ذلك، قيل: أنبِئونى بأسماءِ هؤلاءِ أن كنتم صَادقين. مفتوحةَ الألفِ. وفى إجماعِ جميعِ قَرأةِ أهلِ الإسلامِ على كسرِ الألفِ مِن ﴿إِنْ﴾ دليلٌ واضحٌ على خطأِ تأويلِ مَن تأوَّل ﴿إِنْ﴾ بمعنى \"إذ\" في هذا الموضعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-170>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ</span>\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، وفى م: \"لهم\".\n(^٢) بعده فى م، ت ١، ت ٢: \"هذا\".\n(^٣) في ص: \"في موضع\".","vol":"1","page":526},{"text":"أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾.\n\n<span id=\"aya-39\"></span>قال أبو جعفرٍ: وهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن ملائكته بالأوْبةِ إليه، وتسليمِ عِلْمِ ما [عَلِم ممّا] (^١) لم يَعْلَموه له، وتَبَرِّيهم (^٢) مِن أن يَعْلَموا أو يَعْلَمَ أحدٌ شيئًا إلا ما علَّمه تعالى ذِكرُه.\nوفى هذه الآياتِ الثلاثِ العِبْرةُ لمن اعْتَبر، والذكْرَى لمن ادَّكَر، والبيانُ لمن كان له قلبٌ أو ألقَى السمعَ وهو شهيدٌ، عما أوْدَع اللهُ تعالى ذكرُه آىَ هذا القرآن مِن لَطائفِ الحِكَمِ التى تَعْجِزُ عن أوصافِها الألسنُ. وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه احْتَجَّ فيها لنبيِّه ﷺ على مَن كان بين ظهرانَيْه مِن يهودِ بني إسرائيلَ، بإطلاعِه إياه مِن علومِ الغَيْبِ التى لم يكنْ تعالى ذكرُه أطْلَع عليها مِن خلقِه إلا خاصًّا، ولم يكنْ مُدْرَكًا علمُه إلا بالإنباءِ والإخبارِ؛ لتَتَقَرَّرَ عندَهم صحةُ نبوتِه، ويَعْلَموا أن ما أتاهم به فمِن عندِه، ودلَّ فيها على أن كلَّ مُخْبِرٍ خبرًا عما قد كان، أو عما هو كائنٌ مما لم يكنْ ولمّا يَأْتهِ به خبرٌ، ولم يُوضَعْ له على صحتِه بُرهانٌ، فمُتَقَوِّلٌ ما يَسْتَوْجِبُ به مِن ربِّه العقوبةَ.\nألا [تَرَى أن] (^٣) اللهَ ردَّ على ملائكتِه قِيلَهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وعرَّفهم أن قِيلَ ذلك لم يكنْ جائزًا لهم، بما عرَّفهم مِن قُصورِ علمِهم عندَ عَرْضِه ما عرَض عليهم مِن أهلِ الأسماءِ، فقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. فلم يَكُنْ لهم مَفْزَعٌ إلا الإقرارُ بالعجزِ والتَّبَرِّى إليه أن يعلَموا إلّا مَا علَّمَهم بقولِهم: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾. فكان في ذلك أوضحُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"إن\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"تنزيههم\".\n(^٣) في ر: \"تسمعون\"، وفى ت ١، ت ٢: \"يسمعون\".","vol":"1","page":527},{"text":"الدلالةِ وأبينُ الحُجَّةِ على كذبِ مَقالةِ كلِّ مَن ادَّعَى شيئًا مِن علومِ الغيبِ، مِن الحُزاةِ (^١) والكَهَنةِ والعافَةِ (^٢) والمُتنَجِّمةِ.\nوذكَّر بها الذين وصَفْنا أمرَهم مِن أهلِ الكتابِ، سَوالفَ نعمِه على آبائِهم، وأياديَه عندَ أسلافِهم، عندَ إنابتِهم إليه، وإقبالِهم إلى طاعتهِ، مُسْتَعْطِفَهم بذلك إلى الرَّشادِ، ومُسْتَعْتِبَهم به إلى النجاة، وحذَّرهم -بالإصرارِ والتمادى في الغَىِّ (^٣) والضَّلالِ- حلولَ العِقابِ بهم، نظيرَ ما أحلَّ بعدوِّه إبليسَ، إذ تمادَى في الغَىِّ (^٣) والخَسَارِ (^٤).\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾. فهو كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ تَنْزِيهًا للهِ مِن أن يكونَ أحدٌ يَعْلَمُ الغيبَ غيرَه، تُبْنا إليك، ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ تَبَرِّيًا منهم مِن علمِ الغيبِ، إلَّا ما علَّمتنا كما علَّمْتَ آدمَ (^٥).\nو\"سبحانَ\" مصدرٌ لا تصَرُّفَ له، ومعناه: تسبيحَكَ (^٦). كأنهم قالوا: نُسَبِّحُك تَسْبيحًا، ونُنَزِّهُك تَنْزيهًا، ونُبَرِّئُك مِن أن نَعْلَمَ شيئًا غيرَ ما علَّمْتَنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-171>القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وتأويلُ ذلك: إنك أنت يا ربَّنا العليمُ -مِن غيرِ تَعْليمٍ-\n_________\n(^١) الحزاة: جمع حاز، وهو الذى يحزر الأشياء ويقدرها بظنه. النهاية ١/ ٣٨٠.\n(^٢) في الأصل، م: \"القافة\". والعافة: جمع عائف، وهو المتكهن بالطير أو غيرها. التاج (ع ى ف).\n(^٣) في م: \"البغى\".\n(^٤) بعده في ص، ر، م: \"قال\".\n(^٥) تقدم بتمامه في ص ٤٨٥.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"نسبحك\".","vol":"1","page":528},{"text":"بجميعِ (^١) ما قد كان، وما هو كائنٌ، والعالمُ للغُيوبِ دون جميعِ خلقِك. وذلك أنهم نفَوْا عن أنفسِهم بقولِهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾. أن يكونَ لهم علمٌ إلا ما علَّمهم ربُّهم، وأثْبَتوا ما نَفَوْا عن أنفسِهم مِن ذلك لربِّهم بقولِهم: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. يَعْنون بذلك العالمَ مِن غيرِ تعليمٍ، إذ كان مَن سواك لا يَعْلَمُ شيئًا إلا بتعليمِ غيرِه إياه.\n﴿الْحَكِيمُ﴾: هو ذو الحِكْمةِ، كما حدَّثنى به المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ، قال: حدَّثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: العليمُ الذى قد كمُل في علمِه، والحكيمُ الذى قد كمُل في حِكْمتِه (^٢).\nوقد قيل: إن معنى ﴿الْحَكِيمُ﴾ الحاكمُ، كما (^٣) العليمُ بمعنى العالمِ، والخبيرُ بمعنى الخابرِ.\n\n<span id=\"aya-40\"></span><span data-type='title' id=toc-172>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: إن اللهَ تعالى ذكرُه عرَّف ملائكتَه الذين سأَلوه أن يَجْعَلَهم الخلفاءَ في الأرضِ ووصَفوا أنفسَهم بطاعتهِ والخضوعِ لأمرِه، دون غيرِهم الذين يفْسِدون فيها ويَسْفِكون الدماءَ - أنهم مِن الجهلِ بموَاقعِ تدْبيرِه ومحَلِّ قَضائِه، قبلَ إطْلاعِه إياهم عليه، على نحوِ جهلِهم بأسماءِ الذين عرَضهم عليهم، إذ كان ذلك مما لم يُعَلِّمْهم فيَعْلَموه، وأنهم وغيرَهم مِن العبادِ لا يَعْلَمون مِن العلمِ إلا ما\n_________\n(^١) في الأصل: \"لجميع\".\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره -كما في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٠ - وأبو الشيخ في العظمة (٩٨) من طريق عبد الله بن صالح به مطولا. وسيأتى في تفسير قوله: ﴿الصَّمَدُ﴾.\n(^٣) بعده في م: \"أن\".","vol":"1","page":529},{"text":"علَّمَهم إياه ربُّهم، وأنه يَخُصُّ بما شاء مِن العلمِ مَن شاء مِن الخلقِ، ويَمْنَعُه منهم مَن شاء، كما علَّم آدمَ أسماءَ من عرَض على الملائكةِ، ومنَعهم علمَها إلا بعدَ تعليمِه إياهم.\nفأما تأويلُ قولِه: ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ﴾: [قال اللهُ: يا آدمُ أنبِئْهم] (^١). يقولُ: أخْبِرِ الملائكةَ. والهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾ عائدتان على الملائكةِ. وقولُه: ﴿بِأَسْمَائِهِمْ﴾ يعنى: بأسماءِ الذين عرَضهم على الملائكةِ. والهاءُ والميمُ اللتان في ﴿بِأَسْمَائِهِمْ﴾ كنايةٌ عن ذكرِ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ التى في قولِه: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾. ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ﴾ يقولُ: فلمّا أخْبَر آدمُ الملائكةَ بأسماءِ الذين عرَضهم عليهم، فلم يَعْرِفوا أسماءَهم، وأيْقَنوا خطأَ قِيلِهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. وأنهم قد هفَوْا (^٢) في ذلك، وقالوا ما لا يَعْلَمون كيفيَّةَ وقوعِ قَضاءِ ربِّهم في ذلك، لو وقَع على ما نطَقوا به - قال لهم ربُّهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. والغيبُ: هو مما غاب عن أبصارِهم فلم يُعايِنوه. تَوبيخًا مِن اللهِ جلَّ وعزَّ لهم بذلك على ما سلَف مِن قيلِهم، وفرَط منهم مِن خطأِ مسألتِهم.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا بشرُ ابنُ عُمارة، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباس: ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾. يقولُ: أخْبِرْهم بأسمائِهم، ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أيُّها الملائكةُ خاصةً: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولا يَعْلَمُه غيرى (^٣).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قصةِ الملائكةِ\n_________\n(^١) سقط من: م، وفى ص: \"يقول أخبرهم\".\n(^٢) بعده في ص: \"عنده\".\n(^٣) تقدم بتمامه في ص ٤٨٥.","vol":"1","page":530},{"text":"وآدمَ: فقال اللهُ للملائكةِ: كما لم تَعْلَموا هذه الأسماءَ، فليس لكم علمٌ أنما (^١) أرَدْتُ أن أجْعَلَهم ليُفْسدوا فيها، هذا عِندِى (^٢) قد علِمْتُه، فكذلك أخْفَيْتُ عنكم أني أجْعَلُ فيها مَن يَعْصِيني ومَن يُطِيعُني. قال: وسبَق مِن اللهِ: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]،. قال: ولم تَعْلَمِ الملائكةُ ذلك ولم يَدْرُوه. قال: فلما رأَوْا ما أعْطَى اللهُ آدمَ مِن العلمِ، أقرُّوا لآدمَ بالفضل (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-173>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفر: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فرُوِى عن ابنِ عباسٍ في ذلك ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾. يقولُ: ما تُظْهِرون، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. يقولُ: أعْلَمُ السرَّ كما أَعْلَمُ العَلانيةَ. يعنى ما كتَم إبليسُ في نفسِه مِن الكِبْرِ والاغْتِرارِ (^٤).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباس، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. قال: قولُهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. فهذا الذى أبْدَوْا، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. يَعْنى ما أسَرَّ إبليسُ في نفسِه مِن الكبْرِ (^٥).\n_________\n(^١) في ص: \"بما\".\n(^٢) في ص، ر: \"عبدي\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٠٧ عن المصنف.\n(^٤) تقدم بتمامه فى ص ٤٨٥.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٠٦ عن السدي به. =","vol":"1","page":531},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازىُّ قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ قال: حدَّثنا عمرُو بنُ ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ قولَه: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. قال: ما أسَرَّ إبليسُ في نفسِه (^١).\nحدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ في قولِه: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تكْتُمُونَ﴾. قال: ما أسَرَّ إبليسُ في نفسِه مِن الكِبْرِ ألَّا يَسْجُدَ لآدمَ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ الأنْماطيُّ، قال: حدَّثنا مَهْديُّ بنُ مَيْمونٍ، قال سمِعْتُ الحسنَ بنَ دينارٍ قال للحسنِ ونحن جُلوسٌ عندَه في منزلِه: يا أبا سعيدٍ، أرأيْتَ قولَ اللهِ للملائكةِ: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. فما الذى كتَمَت الملائكةُ؟ فقال الحسنُ: إن اللهَ لمَّا خلَق آدمَ، رأَتِ الملائكةُ خلقًا عَجبًا، فكأنهم دخَلَهم مِن ذلك شيءٌ، فأقبَل بعضُهم إلى بعضٍ، وأسرُّوا ذلك بينَهم، فقالوا: ما يُهِمُّكم من هذا المخلوقِ! إن اللهَ لن يَخْلُقَ خلقًا إلا كُنَّا أكرمَ عليه منه (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. قال: أسَرُّوا بينَهم فقالوا:\n_________\n= وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٠ إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٨٢ (٣٥٤) من طريق الفضل بن خالد، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك عن ابن عباس بنحوه.\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٨٣ عقب الأثر (٣٥٧) معلقا. وعمرو بن ثابت ضعيف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٠٦ عن الثوري.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٨٥ - تفسير) من طريق مهدي بن ميمون به.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"1","page":532},{"text":"يَخْلُقُ اللهُ ما [يَشاءُ أن يَخْلُقَ] (^١)، فلن يَخْلُقَ خلقًا إلَّا ونحن أكرمُ عليه منه (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: فكان الذي أَبدَوا حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾. وكان الذي كتَموا بينَهم قولُهم: لن يَخْلُقَ ربُّنا خلقًا إلا كنا نحن أعلَمَ منه وأكرمَ. فعرَفوا أن اللهَ فضَّل آدمَ عليهم في العلمِ والكرمِ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ ما قاله ابنُ عباسٍ، وهو أن معنى قولِه: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾: وأعلمُ -مع علمِي غيبَ السماواتِ والأرضِ- ما تُظهِرون بألسنتِكم، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: وما كنتم تُخْفُونه في أنفسِكم، فلا يَخْفَى عليَّ شيءٌ، سواءٌ عندي سَرائرُكم وعَلانيَتُكم. والذي أظْهَروه بألسِنِتهم ما أخبَرَ اللهُ تعالى ذكرُه عنهم أنهم قالوه، وهو قولُه (^٤): ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. والذى كانوا يَكْتُمونه ما كان عليه منطويًا إبليسُ مِن الخلافِ على اللهِ في أمرِه، والتَّكَبُّرِ عن طاعتِه؛ لأنه لا خلافَ بينَ جميعِ أهلِ التأويلِ أن تأويلَ ذلك غيرُ خارجٍ مِن أحدِ الوجهَيْن اللذين وصَفْتُ، وهو ما قلْنا. والآخرُ ما ذكَرْنا مِن قولِ الحسنِ وقتادةَ، ومَن قال: إن معنى ذلك كِتْمانُ الملائكةِ بينَهم: لن يَخْلُقَ اللهُ خلقًا إلا كنا أكرمَ عليه منه. فإذ كان لا قولَ في\n_________\n(^١) في الأصل، ر: \"شاء\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٣.\n(^٣) بعده في ت ١، ت ٢: \"كتموا بينهم قولهم لن يخلق ربنا خلقا\".\nوالأثر أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٨٣ (٣٥٧) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) في م: \"قولهم\".","vol":"1","page":533},{"text":"تأويلِ ذلك إلا أحدُ القولين اللذين وصَفْتُ، ثم كان أحدُهما غيرَ موجودةٍ على صحتِه الدَّلالةُ مِن الوجهِ الذى يَجِبُ التسليمُ له -صَحَّ الوجهُ الآخرُ. والذى حُكِى عن الحسنِ وقتادةَ ومَن قال بقولِهما في تأويلِ ذلك، غيرُ موجودةٍ الدَّلالة على صحتِه من الكتابِ، ولا من خبرٍ تجبُ به حجةٌ. والذى قاله ابنُ عباسٍ يَدلُّ على صحتِه خبرُ الله عن إبليسَ وعِصْيانِه إياه، إذ دعاه إلى السجودِ لآدم ﵇ فأبَى واسْتَكْبَر، وإظهارُه لسائرِ الملائكةِ مِن معصيتِه وكِبْرِه ما كان له كاتمًا قبلَ ذلك.\nفإن ظَنَّ ظانٌّ أن الخبرَ عن كِتمانِ الملائكةِ ما كانوا يَكْتُمون، لمَّا كان خارجًا مَخْرَجَ الخبرِ عن الجميعِ، كان غيرَ جائزٍ أن يكونَ ما رُوِى في تأويلِ ذلك عن ابنِ عباسٍ ومَن قال بقولِه، مِن أن ذلك خبرٌ عن كِتْمانِ إبليسَ الكبْرَ والمعصيةَ، صحيحًا، فقد ظَنَّ غيرَ الصوابِ. وذلك أن مِن شأنِ العربِ إذا أخْبَرَتْ خبرًا عن بعض جماعةٍ بغيرِ تسميةِ شخصٍ بعينِه أن تُخْرِجَ الخبرَ عنه مُخرَجَ الخبرِ عن الجميعِ، وذلك كقولِهم: قُتِل الجيشُ وهُزِموا. وإنما قُتِل الواحدُ أو البعضُ، وهُزم الواحدُ أو البعضُ، فتُخْرِجُ الخبرَ عن المهزومِ منهم والمقتولِ مُخْرَجَ الخبرِ عن جميعِهم، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤]. ذُكِر أن الذي نادَى رسولَ الله ﷺ فنزَلَت هذه الآيةُ فيه، كان رجلًا مِن جماعةٍ مِن بني تَميمٍ، كانوا قدِموا على رسولِ الله ﷺ (^١). فأخْرَج الخبرَ عنه مُخْرَجَ الخبرِ عن الجماعةِ، فكذلك قولُه: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. أخْرَج الخبرَ مُخْرَجَ الخبرِ عن الجميعِ، والمرادُ به الواحدُ منهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-174>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا</span>\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في سورة الحجرات.","vol":"1","page":534},{"text":"إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾.\n\n<span id=\"aya-41\"></span>قال أبو جعفرٍ: أما قولُه ﷿: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾. فمعطوفٌ على قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾. كأنه قال لليهودِ الذين كانوا بينَ ظهرانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ من بنى إسرائيلَ، مُعَدِّدًا عليهم نعمَه، ومُذَكِّرَهم آلاءَه، على نحوِ الذي قد وصَفْنا فيما مضَى قبلُ -: اذْكُروا فِعْلى بكم إذ أنْعَمْتُ عليكم، فخلَقْتُ لكم ما في الأرضِ جميعًا، وإذ قلتُ للملائكةِ إني جاعِلٌ في الأرضِ خليفةً، فكرَّمْتُ أباكم آدمَ بما آتَيْتُه مِن عِلْمى وفَضْلي وكَرامتي، وإذ أسْجَدتُ له مَلائِكتي فسجَدوا له. ثم اسْتَثْنى مِن جميعِهم إبليسَ، فدلَّ باستثنائِه إياه منهم على أنه منهم، وأنه ممَّن قد أُمِر بالسجودِ معهم، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١١: ١٢]. فأخبر جل ثناؤه أنه قد أمَر إبليسَ في من أمَره مِن الملائكةِ بالسجودِ لآدمَ، ثم اسْتَثْناه مما أخْبَر عنهم أنهم فعَلوه مِن السجودِ لآدمَ، فأخْرَجه مِن الصفةِ التى وصَفهم بها مِن الطاعةِ لأمرِه، ونفَى عنه ما أثْبَته لملائكتِه مِن السجودِ لعبدِه آدمَ.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فيه؛ هل هو مِن الملائكةِ أم هو مِن غيرِهم؟ فقال بعضُهم بما حدَّثنا به أبو كَرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ مِن حيٍّ مِن أحياءِ الملائكةِ يقال لهم: الجِنُّ. خُلِقوا مِن نارِ السَّمومِ مِن بينِ الملائكةِ. قال: وكان اسمُه الحارثَ. قال: وكان خازنًا مِن خُزَّانِ الجنةِ. قال: وخُلِقَت الملائكةُ مِن نورٍ غيرَ هذا الحيِّ قال: وخُلِقَت الجِنُّ الذين ذُكِروا في القرآنِ مِن مارجٍ مِن نارٍ؛ وهو لسانُ النارِ الذي يَكونُ في طَرَفِها إذا الْتَهَبَت (^١).\n_________\n(^١) تقدم بتمامه في ص ٤٨٢.","vol":"1","page":535},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن خَلَّادِ بنِ (^١) عَطاءٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ قبلَ أن يَرْكَبَ المعصيةَ مِن الملائكةِ، اسمُه عَزَازيلُ (^٢)، وكان مِن سكانِ الأرضِ، وكان مِن أشدِّ الملائكةِ اجْتِهادًا وأكثرِهم علمًا، فذلك دعاه إلى الكبْرِ، وكان مِن حيٍّ يُسَمَّوْن جنًّا (^٣).\nوحدَّثنا به ابنُ حُميدٍ مرةً أخرى، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن خلادِ بن (١) عطاءٍ، عن طاوسٍ، أو مُجاهِدٍ أبى الحَجَّاجِ، عن ابنِ عباسٍ وغيرِه بنحوِه، إلا أنه قال: كان مَلَكًا مِن الملائكةِ اسمُه عَزَازِيلُ (^٤)، وكان مِن سكانِ الأرضِ وعُمَّارِها، وكان سكانُ الأرضِ فيهم يُسَمَّوْن الجنَّ مِن بينِ الملائكةِ (^٥).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ،\n_________\n(^١) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢، وتفسير ابن كثير ١/ ١١٠، والبداية والنهاية ١/ ١٢٩: \"عن\".\nوفي الرواة: خلاد بن عطاء بن رباح، يروى عن أبيه. التاريخ الكبير ٣/ ١٨٦.\nوخلاد بن عبد الرحمن الصنعاني، يروى عن طاووس ومجاهد. تهذيب الكمال ٨/ ٣٥٦.\nوالمثبت كما في الأصل، وكذلك هو في تاريخ المصنف، والأضداد، وتفسير ابن كثير ٥/ ١٦٥.\nوفى الرواة: خلاد بن عطاء بن الشَّيْج، يروى عن طاووس. وقال ابن إسحاق: هو الشامي. التاريخ الكبير ٣/ ١٨٦. وينظر ما سيأتي في تفسير الآية ٥٠ من سورة الكهف.\n(^٢) في الأصل: \"عزرائيل\".\n(^٣) أخرجه ابن إسحاق في المبتدأ، كما في تفسير ابن كثير ١/ ١١٠.\nوأخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٨٦. وينظر الدر المنثور ١/ ٥٠.\n(^٤) في ر: \"عزرايل\".\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٨٦. وأخرجه ابن الأنباري في الأضداد ص ٣٣٤ من طريق ابن حميد وابن غانم، عن سلمة به مطولا.","vol":"1","page":536},{"text":"وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: جُعِل إبليسُ على مُلْكِ سماءِ الدنيا، وكان مِن قبيلةٍ مِن الملائكةِ يُقالُ لهم: الجنُّ. وإنما سُمُّوا الجنَّ لأنهم خُزَّانُ الجنةِ، وكان إبليسُ مع مُلْكِه خازنًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسَيْنُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: كان إبليسُ مِن أشْرافِ الملائكةِ و(^٢) أكرمِهم قبيلةً، وكان خازنًا على الجنانِ، وكان له سلطانُ سماءِ الدنيا، وكان له سلطانُ الأرضِ. قال: قال ابنُ عباسٍ: وقولُه: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف:٥٠]. إنما سُمِّى بالجَنَّانِ أنه كان خازنًا عليها. كما يُقالُ للرجلِ: مَكِّيٌّ، ومدَنيٌّ، وكوفيٌّ، وبصريٌّ. قاله (^٣) ابنُ جُرَيْجٍ (^٤).\nوقال آخَرون: هم سِبْطٌ مِن الملائكةِ قَبيلَةٌ، وكان اسمُ قبيلتِه الجِنَّ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن صالحٍ مولى التوأمةِ وشريكِ بنِ أبى نَمِرٍ -أحدُهما أو كلاهما- عن ابنِ عباسٍ، قال: إن مِن الملائكةِ قبيلةً مِن الجنِّ، وكان إبليسُ منها، وكان يَسُوسُ ما بينَ السماءِ والأرضِ (^٥).\n_________\n(^١) تقدم بتمامه في ص ٤٨٦.\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) في النسخ: \"قال\". والمثبت مما سيأتي في تفسير سورة الكهف.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٨١ إلى قوله: \"وكان له سلطان الأرض\". وسيأتي في سورة الكهف بزيادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٧ إلى المصنف وابن المنذر، بزيادة نحوه.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٨١. وسيأتي في ص ٥٤١ من طريق آخر عن شريك، عن صالح، عن ابن عباس. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (١١٣١) من طريق سليمان بن بلال، عن شريك، عن كريب، عن ابن عباس.","vol":"1","page":537},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحُسَينِ بنِ الفَرَجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: أخْبَرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضَّحَّاكَ بنَ مُزَاحِمٍ يقولُ في قولِه: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: إن إبليسَ كان مِن أشرفِ الملائكةِ وأكرمِهم قبيلةً. ثم ذكَر مثلَ حديثِ ابنِ جُرَيْجٍ الأولِ سَواءً (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنى شَيْبانُ، قال: حدَّثنا سَلَّامُ بنُ مِسْكينٍ، عن قَتادةَ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: كان إبليسُ رئيسَ ملائكةِ سماءِ الدنيا (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾: قَبيلٌ مِن الملائكةِ يُقالُ لهم: الجنُّ. وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: لو لم يَكُنْ مِن الملائكةِ لم يُؤْمَرْ بالسجودِ، وكان على خِزانةِ سماءِ الدنيا. قال: وكان قَتادةُ يقولُ: جُنَّ عن طاعةِ رِّبه (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كان مِن قَبِيلٍ مِن الملائكةِ يقالُ لهم: الجنُّ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال حدَّثنا سَلَمةُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: أمَّا\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٨١ عن عبدان المروزى، عن الحسين بن الفرج به.\nوأخرجه أبو الشيخ في العظمة (١١٣٨) من طريق أبي معاذ به نحوه.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٨٦. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٠، ٤/ ٢٢٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٧ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبيه، إلى قوله: سماء الدنيا.\nوأخرج باقيه أبو الشيخ في العظمة (١١٣٢) من طريق سلام بن مسكين، عن أبيه، عن قتادة.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٤.","vol":"1","page":538},{"text":"العربُ فيقولون: ما الجنُّ إلَّا كلُّ ما اجْتَنَّ فلم يُرَ. قال: وأما قولُه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾. أى: كان مِن الملائكةِ، وذلك أن الملائكةَ اجْتنُّوا فلم يُرَوْا، وقد قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨]. وذلك لقولِ قريشٍ: إن الملائكةَ بناتُ اللهِ. فيقولُ اللهُ جلَّ ذكرُه: إن تكنِ الملائكةُ بناتى فإبليسُ منها، وقد جعَلوا بينى وبينَ إبليسَ وذريتِه نسَبًا. قال: وقد قال الأعْشَى؛ أعْشَى بنى قيسِ بنِ ثَعْلبةَ البَكْرىُّ، وهو يَذْكُرُ سليمانَ بنَ داودَ وما أعطاه اللهُ ﷿:\nفلو كان شيءٌ خالدًا أو مُعمَّرًا … لكان سليمانُ البرِئَ مِن الدَّهرِ\nبَرَاه إلهى واصطَفاه عِبادَه … وملَّكه ما بينَ ثريا (^١) إلى مِصْرِ\nوسخَّر من جنِّ الملائكِ تسعةً … قيامًا لديه يعملون بلا أجرِ\nقال: فأبَت العربُ في لغتِها إلا أن الجنَّ كلُّ ما اجتَنَّ، وتقولُ: ما سمَّى اللهُ الجنَّ إلا أنهم اجْتنُّوا فلم يُرَوا، وما سمَّى بنى آدمَ الإنسَ إلا أنهم ظهَروا فلم يجتنُّوا، فما ظهَر فهو إنسٌ، وما اجْتنَّ فلم يُر فهو جِنٌّ (^٢).\nوقال آخَرون بما حدَّثنا به محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى عَدِيٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: ما كان إبليسُ مِن الملائكةِ طَرْفةَ عينٍ قطُّ، وإنه لأصلُ\n_________\n(^١) في الأصل: \"تونا\"، وفى الأضداد: \"ترنا\".\n(^٢) أخرجه ابن الأنبارى في الأضداد ص ٣٣٥ من طريق ابن حميد وابن غانم، عن سلمة به مختصرا.\nوقال الحافظ ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٦٥: وقد روى في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التى تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته الحق الذى بأيدينا، وفى القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة.","vol":"1","page":539},{"text":"الجنِّ كما أن آدمَ أصلُ الإنسِ (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يَزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ في قولِه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾: ألجأه إلى نَسَبِه، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ الآية. وهم يَتَوالَدون كما يَتَوالَدُ بنو آدمَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ اليَحْمَدىُّ (^٣) إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا سَوَّارُ بنُ الجَعْدِ اليَحْمَدِيُّ، عن شَهْرِ ابنِ حَوشَبٍ قولَه: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كان إبليسُ مِن الجنِّ الذين طرَدَتهم الملائكةُ، فأسَرَه بعضُ الملائكةِ فذهَب به إلى السماءِ (^٤).\nحدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: إبليسُ أبو الجنِّ، كما آدمُ أبو الإنسِ (^٥).\nحدَّثنا علىُّ بنُ الحسنِ (^٦)، قال: حدَّثنى أبو نصرٍ أحمدُ بنُ محمدٍ الخَلَّالُ، قال: حدَّثنى سُنَيدُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنى هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، عن موسى بنِ نُمَيرٍ وعثمانَ بنِ سعيدِ بنِ كاملٍ، عن سعدِ بن مسعودٍ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١١٥٦) من طريق ابن أبى عدى به.\nوأخرجه ابن الأنبارى في الأضداد ص ٣٣٧، وأبو الشيخ (١١٤٠) من طريق عوف به. وقال ابن كثير في تفسيره ١/ ١١٠، ٥/ ١٦٤: هذا إسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١١٤٨) من طريق يزيد، عن سعيد، عن قتادة من قوله.\n(^٣) بعده في م: \"حدثنا\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٨٧. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ١١٠.\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحسين\".","vol":"1","page":540},{"text":"كانت الملائكةُ تُقاتِلُ الجنَّ، فسُبِى إبليسُ وكان صغيرًا، فكان مع الملائكةِ فتعبَّد معها، فلما أمِروا بالسجودِ لآدمَ سجَدوا، فأبى إبليسُ، فلذلك قال اللهُ: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا المباركُ بنُ مُجاهدٍ أبو الأزهرِ، عن شريكِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي نمِرٍ، عن صالحٍ مولى التَّوْأَمةِ، عن ابن عباسٍ، قال: إن مِن الملائكةِ قبِيلًا يقالُ لهم: الجنُّ. فكان إبليسُ منهم، وكان إبليسُ يسُوسُ ما بينَ السماءِ والأرضِ، فعصَى فمسَخه اللهُ شيطانًا رَجيمًا (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن شَريكٍ، [عن رجلٍ] (^٣)، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن اللهَ خلَق خلقًا فقال: اسْجُدوا لآدمَ. فقالوا: لا نَفْعَلُ. فبعَث اللهُ عليهم نارًا تَحْرِقُهم، ثم خلَق خلقًا آخَرَ، فقال: إنى خالقٌ بشرًا مِن طينٍ، فاسْجُدوا لآدمَ. قال: فأبَوْا، فبعَث اللهُ عليهم نارًا فأحْرَقَتهم. قال: ثم خلَق هؤلاءِ، فقال: اسْجُدوا لآدمَ. فقالوا: نعَم. قال: وكان إبليسُ مِن أولئك الذين أبَوا أن يَسجدوا لآدمَ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٨٧. وينظر العظمة (١١٤٣)، وتفسير ابن كثير ١/ ١١١.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٨٢. وأخرجه البيهقي في الشعب (١٤٤) من طريق زهير بن محمد، عن شريك به.\n(^٣) سقط من: الأصل، ص، ر.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١١١ عن المصنف. وقال: وهذا غريب، ولا يكاد يصح إسناده؛ فإن فيه رجلا مبهما، ومثله لا يحتج به.\nوأخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٨٧ عن محمد بن سنان، عن أبي عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس. وأخرجه ابن الأنبارى في الأضداد ص ٣٣٥، ٣٣٦ من طريق أبى عاصم به مثله. وينظر ما سيأتي في تفسير الآية ٢٨، ٢٩ من سورة الحجر.","vol":"1","page":541},{"text":"قال أبو جعفرٍ: وعلةُ مَن قال هذه المَقالةَ -[أن إبليسَ ليس هو مِن الملائكةِ] (^١) - أن اللهَ تعالى ذكرُهُ أخبَر في كتابِه أنه خلَق إبليسَ من نارِ السَّمومِ، ومِن مارجٍ مِن نارٍ، ولم يخبِرْ عن الملائكةِ أنه خلَقها مِن شيءٍ من ذلك، وأن اللهَ أخْبَر (^٢) أنه مِن الجن.\nقالوا: فغيرُ جائزٍ أن يُنْسَبَ إلى غيرِ ما نسَبه اللهُ إليه. قالوا: ولإبليسَ نَسْلٌ وذُرِّيةٌ، والملائكةُ لا تتَناسَلُ ولا تَتَوالَدُ.\nقال أبو جعفرٍ: وهذه عِللٌ تُنْبئُ عن ضعفِ معرفةِ أهلِها، وذلك أنه غيرُ مُسْتَنْكَرٌ أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه خلَق أصنافَ ملائكتِه مِن أصنافٍ مِن خلقِه شَتَّى. فخلَق بعضًا مِن نُورٍ، وبعضًا مِن نارٍ، وبعضًا مما شاء مِن غيرِ ذلك. وليس في تَرْكِ اللهِ تعالى ذكرُه الخبرَ عما خلَق منه ملائكتَه، وإخبارِه عما خلَق منه إبليسَ، ما يوجِبُ أن يكونَ إبليسُ خارجًا مِن (^٣) معناهم، إذ كان جائزًا أن يكونَ خلق صِنفًا مِن ملائكتِه مِن نارٍ كان منهم إبليسُ، وأن يكونَ أفْرَد إبليسَ بأن خلَقه مِن نارِ السَّمومِ دون سائرِ ملائكتِه. وكذلك غيرُ مخرجِه أن يكونَ كان مِن الملائكةِ بأن كان له نسلٌ وذريةٌ، لِما ركَّب فيه من الشهوةِ واللذةِ التى نُزِعتْ من سائرِ الملائكةِ، لِما أراد اللهُ به (^٤) مِن المَعْصيةِ.\nوأما خبرُ اللهِ تعالى ذكرُه عنه أنه مِن الجنِّ، فغيرُ مدفوعٍ أن يُسَمَّى (^٥) ما اجْتنَّ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) بعده في ص: \"في كتابه\".\n(^٣) في م: \"عن\".\n(^٤) في الأصل: \"منهم\"، وفى ص، ت ٣: \"بهم\".\n(^٥) بعده في ص: \"من الجن\".","vol":"1","page":542},{"text":"مِن الأشياءِ كلِّها عن الأبْصارِ جنًّا -كما قد ذكَرْنا قبلُ في شعرِ الأعْشَى- فيكونُ إبليسُ والملائكةُ منهم لاجْتِنانِهم عن أبصارِ بنى آدمَ.\nالقولُ في معنى: ﴿إِبْلِيسَ﴾.\nقال أبو جعفرٍ: وإبليسُ: إفْعِيلُ، مِن الإبْلاسِ، وهو الإياسُ مِن الخيرِ والندَمُ والحزنُ.\nكما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ ابنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إبليسُ أبْلَسَه اللهُ مِن الخيرِ كلِّه، وجعَله شيطانًا رجيمًا عُقوبةً لمعصيتِه (^١).\nحدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: كان اسمُ إبليسَ الحارثَ، وإنما سُمِّى إبليسُ حينَ أبْلِس فقيرًا (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وكما قال اللهُ ﵎: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]. يعنى به أنهم آيِسون مِن الخيرِ، نادِمون حُزْنًا، كما قال العجَّاجُ (^٣):\nيا صاحِ هل تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا (^٤)\nقال نَعَمْ أَعْرِفُه وأبْلَسَا\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٩٥. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٨٤ (٣٦٢)، وابن الأنباري في الأضداد ص ٣٣٦ من طريق بشر به بنحوه.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٠ إلى ابن المنذر. وتقدم بتمامه في ص ٤٨٢.\n(^٢) في م: \"فغير\"، وغير منقوطة في ص.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٨٤ عقب الأثر (٣٦٢) من طريق عمرو بن حماد به نحوه.\n(^٣) ديوانه ص ١٢٣.\n(^٤) رسم مكرِس ومكرَس: بعرت فيه الإبل وبوَّلت، فركب بعضه بعضًا. التاج (ك ر س).","vol":"1","page":543},{"text":"وقال رُؤْبةُ (^١):\nوحضَرَتْ (^٢) يومَ الخميسِ الأخْماسْ\nوفى الوُجوهِ صُفْرةٌ وإبْلاسْ\nيعنى به: اكْتئابًا وكُسوفًا.\nفإن قال قائلٌ: فإن كان إبليسُ كما قلتَ إفعيلَ مِن الإبْلاسِ، فهلَّا صُرِف وأُجْرِى؟\nقيل: تُرِك إجراؤُه اسْتِثْقالًا، إذ كان اسمًا لا نظيرَ له مِن أسماءِ العربِ، فشبَّهَته العرب -إذ كان كذلك- بأسماءِ العَجَمِ التى لا تُجْرَى، وقد قالوا: مرَرْتُ بإسحاقَ. فلم يُجْروه، وهو مِن: أسْحَقه اللهُ إسْحاقًا. إذ كان وقَع مبتدأً اسمًا لغيرِ العربِ، ثم تسَمَّت به العربُ، فجرَى مَجْراه -وهو مِن أسماءِ العجمِ- في الإعرابِ، فلم يُصْرَفْ، وكذلك أيوبُ، إنما هو فَيْعُولٌ (^٣)، مِن: آبَ يَئوبُ، [نظيرَ قَيُّومٍ من: قام يقومُ] (^٤).\nوتأويلُ قولِه: ﴿أَبَى﴾. يعنى بذلك إبليسَ، أنه امْتَنع مِن السجودِ لآدمَ فلم يَسْجُدْ له، ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾. يعنى بذلك أنه تكبَّر وتعَظَّم عن طاعةِ اللهِ في السجودِ لآدمَ.\nوهذا وإن كان مِن اللهِ تعالى ذكرُه خبرًا عن إبليسَ، فإنه تَقْرِيعٌ لضُرَبائِه مِن\n_________\n(^١) ديوانه (مجموع أشعار العرب) ص ٦٧.\n(^٢) في الديوان: \"عرفت\".\n(^٣) في ص، ر، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فعول\"، وفى م: \"فيعوع\". وأيوب زنة فيعول، وقيل: فعول.\n(^٤) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"1","page":544},{"text":"خلقِ اللهِ الذين يَتَكَبَّرون عن الخضوعِ لأمرِ اللهِ، والانْقِيادِ لطاعتِه فيما أمَرهم به وفيما نهاهم عنه، والتسليمِ له فيما أوْجَب لبعضِهم على بعضٍ مِن الحقِّ. وكان ممَّن تكَبَّر عن الخضوعِ لأمرِ اللهِ، والتَّذَلُّلِ لطاعتِه، والتسليمِ لقضائِه فيما ألْزَمَهم مِن حقوقِ غيرِهم - اليهودُ الذين كانوا بينَ ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ، وأحبارُهم الذين كذَّبوا (^١) برسولِ اللهِ ﷺ، [وهم بصفتِه عارفون] (^٢)، وبأنه للهِ رسولٌ عالمون. ثم اسْتَكْبَروا -مع علمِهم بذلك- عن الإقرارِ بنبوتِه، والإذْعانِ لطاعتِه، بَغْيًا منهم له وحسدًا. فقرَّعهم اللهُ بخبرِه عن إبليسَ الذى فعَل في استكبارِه عن السجودِ لآدمَ، حسدًا له وبَغْيًا، نظيرَ فعلِهم في التكبُّرِ عن الإذعانِ لمحمدٍ نبيَّ اللهِ ﷺ ونبوتِه، إذ جاءهم بالحقِّ مِن عندِ ربِّهم، حسدًا وبَغْيًا.\nثم وصَف إبليسَ بمثلِ الذى وصَف به الذين ضرَبه لهم مثلًا، في الاستكبارِ والحسدِ والاسْتِنْكافِ عن الخضوعِ لمَن أمَره اللهُ بالخضوعِ له، فقال: ﴿وَكَانَ﴾ -يعنى إبليسَ- ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. مِن الجاحِدِين نعمَ اللهِ عليه، وأياديَه عندَه، بخلافِه عليه فيما أمَره به من السجودِ لآدمَ، كما كفَرَت اليهودُ نعمَ ربِّها التى آتاها وآباءَها قبلُ، مِن إطعامِ اللهِ أسْلافَهم المنَّ والسَّلْوَى، وإظلالِ الغَمامِ عليهم، وما لا يُحْصَى مِن نعمِه التى كانت لهم خُصوصًا، وما خصَّ الذين أدْرَكوا محمدًا ﷺ بإدْراكِهم إياه، ومشاهدتِهم [حُجَّةَ اللهِ عليهم] (^٣)، فجَحَدت نبوتَه بعد علمِهم به، ومعرفتِهم بنبوتِه، حسدًا وبَغْيًا، فنسَبه اللهُ تعالى ذكرُه إلى الكافرين، فجعَله مِن عِدادِهم في الدِّينِ والمِلَّةِ، وإن خالَفهم في الجنسِ والنسبةِ، كما جعَل أهلَ\n_________\n(^١) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كانوا\".\n(^٢) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وصفته عارفين\".\n(^٣) في ص: \"محمد ﷺ\".","vol":"1","page":545},{"text":"النِّفاقِ بعضَهم مِن بعضٍ، لاجْتماعِهم على النفاقِ، وإن اخْتَلَفَت أنسابُهم وأجْناسُهم، فقال: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]. يعنى بذلك أن بعضَهم مِن بعضٍ في النفاقِ والضَّلالِ، فكذلك قولُه في إبليسَ: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. كان منهم في الكُفرِ باللهِ، والمخالفةِ لأمْرِه، وإن كان مخالِفًا جنسُه أجْناسَهم، ونِسْبتُه نِسْبتَهم. ومعنى قولِه: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. أى أنه كان حينَ أبَى السجودَ مِن الكافرين حينَئذٍ.\nوقد رُوِى عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبى العاليةِ أنه كان يَقولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. في هذا الموضعِ: وكان مِن العاصِين.\nحدَّثنى المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ العسقَلانيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. يعنى: من (^١) العاصِين (^٢).\nحدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثلِه.\nوذلك شَبيهٌ بمعنى (^٣) قولِنا فيه.\nوكان سجودُ الملائكةِ لآدمَ تَكْرِمةً لآدمَ، وطاعةً للهِ، لا عبادةً لآدمَ، كما حدثنا به بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريْعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾. فكانت الطاعةُ للهِ،\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ص، ر، م، ت ١، ت ٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٨٥ (٣٦٧) من طريق آدم به.\n(^٣) في الأصل: \"لمعنى\".","vol":"1","page":546},{"text":"والسَّجْدةُ لآدمَ، أكْرَم اللهُ آدمَ أن أسْجَدَ له ملائكتَه (^١).\n\n<span id=\"aya-42\"></span><span data-type='title' id=toc-175>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وفى هذه الآيةِ دَلالةٌ واضحةٌ على صحةِ قولِ مَن قال: إن إبليسَ أُخْرِج مِن الجنةِ بعدَ الاسْتكبارِ عن السجودِ ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾. فقد تبَينَّ أن إبليسَ إنما أزَلَّهما عن طاعةِ اللهِ بعدَ أن لُعِن وأظْهَر التكَبُّرَ؛ لأن سجودَ الملائكةِ لآدمَ كان بعدَ أن نُفخ فيه الروحُ، وحينئذٍ كان امْتِناعُ إبليسَ مِن السجودِ له، وعند الامتناعِ مِن ذلك حلَّت عليه اللعنةُ.\nكما حدَّثنى موسى بنُ هارون، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ في خبرٍ ذكرَه عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبىِّ ﷺ، أن عدوَّ اللهِ إبليسَ أقْسَم بعِزَّةِ اللهِ لَيُغْوِيَنَّ آدمَ وذريَّتَه وزوجَتَه، إلا [عبادَ اللهِ] (^٢) المُخْلَصِين منهم، بعد أن لعَنه اللهُ، وبعدَ أن أُخْرِج مِن الجنةِ، وقبلَ أن يَهْبِطَ إلى الأرضِ، وعلَّم اللهُ آدمَ الأسماءَ كلَّها.\nوحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لما فرَغ اللهُ مِن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم. وينظر تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٨٤ (٣٦٤)، وتاريخ دمشق ٧/ ٤٠٠.\nوأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٨٤ (٣٦٠) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن ابن عباس.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عباده\".","vol":"1","page":547},{"text":"إبليسَ ومُعاتَبتِه، وأبَى إلا المعصيةَ، أوقَع اللهُ عليه اللعنةَ، ثم أخْرَجه مِن الجنةِ، أقْبَل على آدمَ وقد علَّمه الأسماءَ كلَّها، فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾. إلى قولِه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (^١).\nثم اختلَفَ أهلُ التأويلِ في الحالِ التى خُلقت لآدمَ زوجتُه، والوقتِ الذى جُعِلَت له سكنًا؛ فقال ابنُ عباسٍ بما حدَّثنى به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ في خبرٍ ذكَره عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: فأُخْرِج إبْليسُ مِن الجنةِ حينَ لُعِن، وأُسْكِن آدمُ الجنةَ، فكان يَمْشِى فيها وَحْشًا (^٢)، ليس له زَوْجٌ يَسْكُنُ إليها، فنام نَوْمةً، فاسْتيقظ وإذا عند رأسِه امرأةٌ قاعدةٌ، خلَقها اللهُ من ضِلَعِه، فسَألَها: من أنْتِ؟ قالت: امْرَأةٌ. قال: ولمَ خُلِقْتِ؟ قالت: تسكنُ إلَىَّ. قالت له الملائكةُ -ينظُرون ما بلغَ علمُه-: ما اسْمُها يا آدمُ؟ قال: حواءُ. قالوا: ولِمَ سميت حواءَ؟ قال: لأنها خُلِقَتْ مِن شيءٍ حيٍّ. فقال اللهُ له: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ (^٣).\nفهذا الخبرُ يُنْبِئُ عن أن حَواءَ خُلِقَت بعدَ أن أُسكِن آدمُ الجنةَ، فجُعِلَت له سَكَنًا.\nوقال آخَرون: بل خُلِقَت قبلَ أن يُسْكَنَ آدمُ الجنةَ.\n_________\n(^١) تقدم بتمامه في ص ٤٩٦.\n(^٢) أى وحده ليس معه غيره. اللسان (وح ش).\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٠٣، ١٠٤. وأخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٨٢٠)، وابن عساكر في تاريخه ٧/ ٤٠٢ من طريق عمرو بن حماد به. وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٨٥ (٣٧٢) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدى من قوله.","vol":"1","page":548},{"text":"ذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لما فرَغ اللهُ مِن مُعاتَبةِ إبليسَ، أقْبَل على آدمَ وقد علَّمَه الأسْماءَ كلَّها، فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾. إلى قولِه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. ثم ألْقَى السِّنَةَ على آدمَ -فيما بلَغَنا عن أهلِ الكتابِ مِن أهلِ التَّوْراةِ، وغيرِهم مِن أهلِ العلمِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ وغيرِه- ثم أخَذ ضِلَعًا مِن أضْلاعِه مِن شِقِّه الأيسرِ، ولأَم مكانَه لحمًا، وآدمُ نائمٌ لم يَهْبُبْ مِن نَوْمِه حتى خلَق اللهُ مِن ضِلَعِه تلك زوجتَه حَوَّاءَ، فسوَّاها امرأةً ليَسْكُنَ إليها، فلما كشَف عنه السِّنَةَ وهبَّ مِن نومتِه رآها إلى جنبِه، فقال -فيما يزْعُمون واللهُ أعلمُ-: لحْمى ودمى وزوجتى. فسكَن إليها، فلمّا زوَّجه اللهُ، وجعَل له سكنًا من نفسِه، قال له قِبَلًا (^١): ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: ويقالُ لامرأةِ الرجل: زوْجُه وزَوْجتُه. والزوجةُ بالهاءِ أكثرُ في كلامِ العربِ منها بغيرِ الهاءِ، والزوجُ بغيرِ الهاءِ يقالُ: إنها لغةٌ لأزْدِ شَنُوءةَ. فأمّا الزوجُ الذى لا اختلافَ فيه بينَ العربِ فهو زوجُ المرأةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-176>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: أمّا الرَّغَدُ، فإنه الواسِعُ مِن العيشِ الهَنِئِ الذى لا يُعَنِّى صاحبَه، يقالُ: أرْغَد فلانٌ. إذا أصاب واسعًا مِن العيشِ الهَنِئِ، كما قال امرُؤُ القيسِ بنُ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فتلا\". وقِبلا: عيانا ومقابلة، لا من وراء حجاب، ومن غير أن يولى أمره أو كلامه أحدا من ملائكته. النهاية ٤/ ٨.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٠٤. وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١١٢ عن ابن إسحاق به.","vol":"1","page":549},{"text":"حُجْرٍ (^١):\nبينَما المرءُ تَراهُ ناعِمًا … يأمنُ الأحْداثَ في عيشٍ رغدْ\nوكما حدَّثنا به موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ فى خبرٍ ذكَره عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾: والرَّغَدُ الهنِئُ (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسَى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهِدٍ قولَه: ﴿رَغَدًا﴾. قال: لا حِسابَ عليهم (^٣).\nحدَّثنا المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾. أى: لا حسابَ عليهم.\nحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ،\n_________\n(^١) لم نجده في ديوان امرئ القيس بهذه الرواية، ولكن لامرئ القيس قصيدة على نفس الوزن بها بيت شبيه، لعله المراد وليس فيه موضع الشاهد، وهو:\nبينما المرء شهاب ثاقب … ضرب الدهر ثناه فخمد\nديوان امرئ القيس ص ٢١٧.\n(^٢) ذكره الحافظ في الفتح ٨/ ١٦٤ عن المصنف من طريق السدى عن رجاله. وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٨٦ (٣٧٥) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدى من قوله. وهو تمام الأثر المتقدم في ص ٥٤٧.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٠٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٨٦ (٣٧٤).","vol":"1","page":550},{"text":"عن الضَّحَّاكِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾. قال: الرَّغَدُ سَعَةُ المَعيشةِ (^١).\nفمعنى الآيةِ: وقلْنا يا آدمُ اسْكُن أنت وزوجُك الجنةَ، وكُلَا مِن الجنةِ رِزقًا واسعًا هَنيئًا مِن العيش حيثُ شئتُما.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يَزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾: ثم أتى (^٢) البلاءُ الذى كُتِب على الخلقِ على آدمَ، كما ابتُلِى الخلقُ قبلَه، إن اللهَ تعالى ذكرُه أحَلَّ له ما في الجنةِ أن يَأْكلَ منها رَغَدًا حيثُ شاءَ، غيرَ شجرةٍ واحدةٍ نُهِى عنها، وقَدَّم إليه فيها، فما زال به البلاءُ حتى وقَع بالذى نُهِى عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-177>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: والشجَرُ في كلامِ العربِ كلُّ ما قام على ساقٍ، ومنه قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]. يعنى بالنَّجْمِ ما نجَم مِن الأرضِ مِن نَبْتٍ، وبالشجَرِ ما اسْتَقَلَّ على ساقٍ.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في عينِ الشجَرةِ التى نُهِىَ عن أكلِ ثمرِها آدمُ ﵇؛ فقال بعضُهم: هى السُّنْبُلةُ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحْمَسيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ الحِمَانيُّ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٨٥ (٣٧٣) عن أبى زرعة، عن المنجاب به.\n(^٢) في م: \"إن\".","vol":"1","page":551},{"text":"عن النضرِ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الشجَرةُ التى نُهِىَ آدمُ عنها (^١) السُّنْبُلةُ (^٢).\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، وحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا عِمْرانُ بنُ عُيَيْنَةَ (^٣)، جميعًا عن حُصينٍ، عن أبى مالكٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. قال: هى السُّنْبلةُ (^٤).\nحدّثنا محمد بن بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ مَهْدىٍّ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازىُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرىُّ، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ، عن حُصَيْنٍ، عن أبى مالكٍ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كُرَيْب وابنُ وَكيعٍ، قالا: حدَّثنا ابنُ إدْريسَ، قال: سمِعْتُ أبى، عن عطيةَ العوفىِّ في قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. قال: السُّنْبُلةُ\".\nحدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يَزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الشجَرةُ التى نُهِى عنها آدمُ هى السُّنْبلةُ (^٥).\nحدَّثنى المثنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا\n_________\n(^١) في م: \"عن أكل ثمرها\".\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٨٦ (٣٧٧)، وأبو الشيخ في العظمة (١٠٥٩) من طريق محمد بن إسماعيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٢ إلى ابن المنذر وابن عساكر. والنضر بن عبد الرحمن متروك.\n(^٣) في م: \"عتيبة\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٣٤٥.\n(^٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٧/ ٤٠١ من طريق حصين به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٣ إلى وكيع وعبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٥) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٨٦ عقب الأثر (٣٧٧) معلقا.","vol":"1","page":552},{"text":"القاسمُ، قال: حدَّثنى رجلٌ مِن بنى تَميمٍ، أن ابنَ عباسٍ كتَب إلى أبى الجَلْدِ يَسْألُه عن الشجرةِ التى أكَل منها آدمُ، والشجرةِ التى تاب عندَها؟ فكتَب إليه أبو الجَلْدِ: سأَلْتَنى عن الشجرةِ التى نُهِىَ عنها آدمُ، وهى السُّنْبُلةُ، وسأَلْتَنى عن الشجرةِ التى تاب عندَها آدمُ، وهى الزَّيْتُونةُ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى إبنُ إسحاقَ، عن رجلٍ مِن أهْلِ العلمِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ: الشجرةُ التى نُهِىَ عنها آدمُ البُرُّ (^١).\nحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنى إسحاقُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا ابنُ عُيَيْنةَ وابنُ المباركِ، عن الحسنِ بنِ عُمارةَ، عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت الشجرةُ التى نَهَى اللهُ عنها آدمَ وزوجتَه السُّنبلةَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ اليمنِ، عن (^٣) وَهْبِ بنِ مُنَبِّهٍ اليَمانىِّ أنه كان يقولُ: هى البُرُّ، ولكنَّ الحَبَّةَ منها في الجنةِ ككُلَى البقرِ، ألينُ مِن الزُّبْدِ وأحْلَى مِن العسلِ، وأهلُ التَّوْراةِ يَقُولون: هى البُرُّ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن يعقوبَ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١١٣ عن ابن إسحاق به. وينظر الدر المنثور ١/ ٥٢.\n(^٢) سيأتى بتمامه في تفسير الآية ٢٢ من سورة الأعراف.\n(^٣) في الأصل: \"وعن\".\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٨٦ (٣٧٨) من طريق سلمة به.","vol":"1","page":553},{"text":"ابنِ عُتْبةَ، أنه حدَّث أنها الشجرةُ التى تَحَنَّكُ (^١) بها الملائكةُ للخَلْدَةِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا ابنُ يَمانٍ، عن جابرِ بنِ يزيدَ بنِ رِفاعةَ، عن مُحارِبِ بنِ دِثارٍ، قال: هى السنْبُلةُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ، قال: هى السنبلةُ التى جعَلها اللهُ رِزقًا لولدِه في الدنيا (^٣).\nوقال آخَرون: هى الكَرْمةُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا [عبيدُ اللهِ] (^٤)، عن إسرائيلَ، عن السدىِّ، عمَّن حدَّثه، عن ابنِ عباسٍ، قال: هى الكَرْمةُ (^٥).\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ في خبرٍ ذكره عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانىِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ\n_________\n(^١) في م: \"تحتك\".\n(^٢) في ص، م: \"للخلد\".\n(^٣) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٨٦ عقب الأثر (٣٧٧) معلقا.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبد الله\".\n(^٥) في ر، والمصادر: \"الكرم\".\nوالأثر أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٨٦ (٣٧٦) من طريق عبيد الله به.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\nوذكر السيوطي ١/ ٥٣ عن المصنف، عن ابن عباس: هى اللوز. وقال: كذا في النسخة، وهى قديمة، وعندى أنها تصحفت من الكرم.","vol":"1","page":554},{"text":"الشَّجَرَةَ﴾: هى الكَرْمُ، وَتَزْعُمُ اليهودُ أنها الحنْطةُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حَمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدىِّ، قال: الشجرةُ هى الكرْمُ.\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبىِّ، عن جَعْدةَ بنِ هُبَيْرةَ، قال: هو العِنَبُ. فى قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾.\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى، عن خَلَّادٍ الصَّفَّارِ، عن بَيانٍ، عن الشعبىِّ، عن جَعْدةَ بنِ هُبَيْرةَ: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. قال: الكَرْمُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ وابنُ وَكيعٍ، قالا: حدَّثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبىِّ، عن جَعْدةَ بنِ هُبَيْرةَ، قال: الشجرةُ التى نُهِى عنها آدمُ شجرةُ الخمرِ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرىُّ، قال: حدَّثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ حسينٍ (^٣)، عن يَعْلَى بنِ مُسْلِمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. قال: الكَرْمُ (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن السُّدِّىِّ، قال: العِنَبُ.\nحدَّثنا القاسمُ قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ، قال: عِنَبٌ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٣ إلى المصنف عن ابن مسعود. وينظر تاريخ دمشق ٧/ ٤٠١.\n(^٢) أخرجه وكيع -كما في الدر المنثور ١/ ٥٣ - وأخرجه ابن سعد ١/ ٣٤ من طريق بيان به. وعزاه السيوطي إلى أبى الشيخ.: وينظر تفسير ابن أبى حاتم ١/ ٨٦ (٣٧٦).\n(^٣) في ص: \"حصين\".\n(^٤) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٨٦ عقب الأثر (٣٧٦) معلقًا.","vol":"1","page":555},{"text":"حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا خالدٌ الواسطىُّ، عن بَيانٍ، عن الشعبىِّ، عن جَعْدةَ بنِ هُبَيْرةَ: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. قال: الكَرْمُ.\nوقال آخَرون: هى التِّينةُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن بعضِ أصحابِ محمدٍ ﷺ، قال: تينةٌ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: والقولُ في ذلك عندنا أن اللهَ تعالى ذكرُه أخْبَر عبادَه أن آدمَ وزوجَه قد أكَلا مِن الشجرةِ التى نهاهما عن الأكلِ منها، وأتَيا الخَطيئةَ التى نهاهما عن إتيانِها بأكلِهما ما أكَلا منها، بعدَ أن بيَّن اللهُ لهما عَينَ الشجرةِ التى نهاهما عن الأكلِ منها، وأشار لهما إليها بقولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. ولم يَضَعِ اللهُ لعبادِه المخاطَبِين بالقرآنِ دَلالةً على أىِّ أشجارِ الجنةِ كان نَهْيُه آدمَ ﵇ أن يَقْرَبَها، بنصٍّ عليها باسمِها، ولا بدَلالةٍ عليها، ولو كان للهِ جلّ ثناؤُه في العلمِ بأىِّ ذلك مِن أىٍّ رضًا، لم يُخْلِ عبادَه مِن نَصْبِ دَلالةٍ لهم عليها يَصِلون بها إلى معرفةِ عينِها، ليُطعوه بعلمِهم بها، كما فعَل ذلك في كلِّ ما في العلمِ به له رضًا.\nفالصوابُ في ذلك أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه نهَى آدمَ ﵇ وزوجتَه عن أكلِ شجرةٍ بعينِها مِن أشجارِ الجنةِ دون سائرِ أشجارِها، فخالَفا إلى ما نهاهما اللهُ عنه، فأكلا منها كما وصَفَهُما اللهُ به، ولا علمَ عندَنا [بأىِّ ذلك من أىٍّ] (^٢). وقد\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٣ إلى المصنف عن بعض الصحابة.\nوأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٨٦ (٣٧٩) من طريق ابن جريج عن مجاهد. وعزاه السيوطي إلى أبى الشيخ عن مجاهد. وينظر ما تقدم في ص ٢٠٤.\n(^٢) في م: \"أى شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن، ولا =","vol":"1","page":556},{"text":"قِيلَ: كانت شجرةَ البُرِّ. وقيل: كانت شجرةَ العِنَبِ. وقيل: كانت شجرةَ التِّينِ. وجائزٌ أن تكونَ واحدةً منها، وذلك [عِلْمٌ إذا عُلِم] (^١) لم يَنْفَعِ العالمَ به علمُه، وإنْ جَهِله جاهلٌ لم يضُرَّه جهلُه به.\n\n<span data-type='title' id=toc-178>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اخْتلَف أهلُ العربيةِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فقال بعضُ نحْوىِّى الكوفيين: تأويلُ ذلك: ولا تَقْرَبا هذه الشجرةَ، فإنكما إن قرِبْتُماها كنتما مِن الظالمين. فصار الثانى في موضعِ جوابِ الجزاءِ، وجوابُ الجزاءِ يَعْمَلُ فيه أؤَلُه، كقولِك: إن تَقُمْ أَقُمْ. فتَجْزِمُ الثانىَ بجزمِ الأوَّلِ، فكذلك قولُه: ﴿فَتَكُونَا﴾ لماّ وقَعَتِ الفَاءُ في موضعِ شرطِ الأوَّلِ نُصِب بها، وصُيِّرَت بمنزلةِ \"كى\" في نصبِها الأفعالَ المستقبلةَ، للزومِها الاستقبالَ، إذ كان أصلُ الجزاءِ الاستقبالَ.\nوقال بعضُ نحْويِّى أهلِ البصرةِ: تأويلُ ذلك: لا يكُنْ منكما قُرْبُ هذه الشجرةِ، فأن تكونا مِن الظالمين. غيرَ أنه زعَم أنّ \"أن\" غيرُ جائزٍ إظهارُها مع ﴿لَا﴾، ولكنَّها مُضْمَرةٌ لابد منها ليَصحَّ الكلامُ بعطفِ اسمٍ -وهى \"أن\"- على اسمٍ، كما غيرُ جائزٍ في قولِهم: عسى أن يَفْعَلَ: عسى الفعلُ. ولا في قولِك: ما كان لِيَفْعَلَ: ما كان لأن يَفْعَلَ.\nوهذا القولُ الثانى يُفْسِدُه إجماعُ جميعِهم على تخطئةِ قولِ القائلِ: سرَّنى\n_________\n= في السنة الصحيحة، فأنى يأتى ذلك من أتى\".\n(^١) في م: \"إن علمه عالم\".","vol":"1","page":557},{"text":"تقومُ يا هذا. وهو يُرِيدُ: سرَّنى قيامُك. فكذلك يجِبُ أن يكونَ خطأً على هذا المذهب قولُ القائلِ: لا تقمْ. إذا كان المعنى: لا يكن منك قيامٌ. وفى إجْماعِ جميعِهم على صحةِ قولِ القائلِ: لا تَقُمْ. وفسادِ قولِ القائلِ: سرَّنى تَقُومُ. بمعنى: سرَّنى قيامُك - الدليلُ الواضحُ على فسادِ دعوى المُدَّعِى أن مع ﴿لَا﴾ التى في قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. ضميرَ \"أن\"، وصحةِ القولِ الآخرِ.\nوفى قولِه: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وجهان مِن التأويلِ، أحدُهما: أن يَكونَ ﴿فَتَكُونَا﴾ فى نيةِ العطفِ على قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾ فيكونَ تأويلُه حينَئذٍ: ولا تَقْرَبا هذه الشجرةَ، ولا تكونا من الظالمين. فيكونَ ﴿فَتَكُونَا﴾ حينَئذٍ في معنى الجزمِ مجزومًا بما جُزِم به: ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾. كما يقولُ القائلُ: لا تُكَلِّمْ عَمْرًا وتُؤْذِه. كما قال امرُؤُ القيسِ (^١).\nفقلتُ له صوِّبْ ولا تَجْهَدَنَّهُ … فَيُذْرِكَ مِن أُخرَى القَطاةِ (^٢) فَتَزْلَقِ\nفجزَم \"يُذْرك\" بما جزَم به \"لا تَجْهَدَنَّه\"، كأنه كرَّر النهىَ.\nوالثانى: أن يكونَ ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. بمعنى جوابِ النهىِ، فيكونَ تأويلُه حينَئذٍ: تَقْرَبا هذه الشجرةَ، فإنكما إن قَرِبْتُماها كنتما مِن الظالمين. كما تقولُ: لا تَشْتُمْ زيدًا (^٣) فيَشْتُمَك مُجازاةً. فيكونَ ﴿فَتَكُونَا﴾ حينَئذٍ في موضعِ نَصبٍ إذ كان حرفًا عُطِفَ على غيرِ شكلِه، لمَّا كان فى ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾ حرفٌ عاملٌ فيه لا (^٤) يَصْلُحُ إعادتُه في ﴿فَتَكُونَا﴾، فنُصِب على ما قد بيَّنْتُ فى أولِ هذه المسألةِ.\n_________\n(^١) ديوانه ص ١٧٤.\n(^٢) القطاة: موضع الردف عن الدابة خلف الفارس. اللسان (ق ط و).\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عمرًا\".\n(^٤) في ص، م: \"ولا\".","vol":"1","page":558},{"text":"وأما تأويلُ قولِه: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. فإنه يعنى به: فتكونا من المُتَعدِّين إلى غيرِ ما أُذِن لهم فيه وأُبيح لهم. وإنما عَنَى بذلك أنكما إن قرِبْتُما هذه الشجرةَ كنتما على مِنْهاجِ مَن تَعدَّى حُدودي، وعَصَى أمري، واسْتَحلَّ مَحارِمي، لأنَّ الظالمين بعضُهم أولياءُ بعضٍ، واللهُ وليُّ المُتَّقِين.\nوأصلُ الظلمِ في كلامِ العربِ وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه، ومنه قولُ نابغةِ بنى ذُبْيانَ (^١):\nإلَّا أَوارِىَّ (^٢) لَأيًا ما أُبَيِّنُها … والنُّؤْىُ كالحوضِ بالمَظْلومةِ الجَلَدِ\nفجعَل الأرضَ مظلومةً؛ لأنَّ الذي حفَر فيها النُّؤْىَ حفَر في غيرِ موضعِ الحفرِ، فجعَلها مظلومةً [لوضعِ الحُفْرةِ] (^٣) منها في غيرِ موضعِها. ومِن ذلك قولُ ابنِ قَمِيئةَ في صفةِ غَيْثٍ (^٤):\nظلَم البِطاحَ (^٥) به (^٦) انْهلالُ (^٧) حَريصةٍ (^٨) … فَصَفَا النِّطافُ (^٩) له بُعَيْدَ المُقْلَعِ (^١٠)\n_________\n(^١) تقدم في ص ١٨٤.\n(^٢) في الأصل، م: \"الأوارى\". ويروى بالوجهين، وقد تقدم بدون الألف واللام في جميع النسخ في الموضع السابق.\n(^٣) في ص: \"لموضع الحفر\".\n(^٤) كذا نسبه المصنف، وورد هذا البيت في ديوان ابن قميئة ص ٢٠٧ على أنَّه من الشعر المنسوب إليه وليس\nفي مخطوطة الديوان. والصواب أنه للحادرة، ينظر المفضليات ص ٤٤، وديوان شعر الحادرة ص ٣٠٨.\n(^٥) البطاح: بطون الأودية. التاج (ب ط ح).\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بها\". وفى المفضليات: \"له\". والمثبت من الأصل، ص موافق لما في ديوان شعر الحادرة.\n(^٧) انهل المطر انهلالا: سال بشدة. اللسان (هـ ل ل).\n(^٨) الحريصة: السحابة التى تقشر وجه الأرض بمطرها. التاج (ح ر ص).\n(^٩) النطاف: القليل من الماء، وقيل: هى الماء الصافى قلَّ أو كثر. اللسان (ن ط ف).\n(^١٠) المقلع: الإقلاع؛ وهو الإمساك والكف. التاج (ق ل ع).","vol":"1","page":559},{"text":"وظلمُه إياه مَجِيئُه في غيرِ أوانِه، وانصبابُه في غيرِ مَصَبِّه. ومنه ظلمُ الرجلِ جَزورَه، وهو نحرُه إياه لغيرِ علَّةٍ، وذلك عندَ العربِ وَضْعُ النحرِ في غيرِ موضعِه.\nوقد يتفَرَّعُ الظُّلْمُ في معانٍ يَطولُ بإحْصائِها الكِتابُ، سنُبيِّنُها في أماكنِهِا إذا أتيْنا عليها، إنِ اللهُ شاء ذلك، وأصلُ ذلك كُلِّه ما وصَفْنا من وضعِ الشيءِ في غيرِ موضِعِه.\n\n<span id=\"aya-43\"></span><span data-type='title' id=toc-179>القولُ في تأويلِ قولِهِ ﷿: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اخْتَلَفتِ القَرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتْه عامَّتُهم: (﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾. بتشديدِ اللامِ (^١)، بمعنى: اسْتَزَلَّهما، مِن قولِك: زَلَّ الرجلُ في دينِه. إذا هفَا فيه وأخْطَأ، فأَتَى ما ليس له إتيانُه فيه، وأزلَّه غيرُه، إذا سبَّب له ما يَزِلُّ مِن أجلِه في دِينِه أو دنياه، ولذلك أضاف اللهُ تعالى ذكرُه إلى إبليسَ خروجَ آدمَ وزوجتِه مِن الجنةِ فقال: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾. يعنى: إبليسُ أخرَجهما (^٢) ﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾؛ لأنه كان الذى سبَّب لهما الخطيئةَ التى عاقَبَهما اللهُ عليها بإخْراجِهما مِن الجنةِ.\nوقرَأه آخَرون: (فأزَالهما) (^٣). بمعنى إزالةِ الشيءِ عن الشيءِ، وذلك تَنْحِيتُه عنه.\nوقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ في تأويلِ قولِه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ [ما حَدَّثَنَاهُ] (^٤) القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: قولُه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾. قال: أغواهما (^٥).\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبي عمرو والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ١٥٣.\n(^٢) سقط من ص، م، ت ٢.\n(^٣) وهى قراءة حمزة. المصدر السابق.\n(^٤) في ص: \"الشيطان عنها، قال: أغواهما. حدثنا\".\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٨٧ (٣٨٦) من طريق ابن جريجٍ به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٣ إلى ابن المنذر.","vol":"1","page":560},{"text":"وأولى القراءتَيْن بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذكرُه قد أخْبَر في الحرفِ الذى يتْلُوه بأنَّ إبليسَ أخرَجَهُما مما كانا فيه، وذلك هو مَعْنى قولِه: (فأزالهما) (^١). فلا وجهَ -إذ كان معنى الإزالةِ معنى التَّنْحِيةِ والإخْراجِ- أن يُقالَ: (فأزالهما الشيطانُ عنها فأخْرَجَهما مما كانا فيه) فيكونُ كقولِه: فأزالهما الشيطانُ عنها فأزالهما مما كانا فيه. ولكنِ المعنى المفهومُ أن يُقالَ: فاسْتَزَلَّهما إبليسُ عن طاعةِ اللهِ -كما قال تعالى ذكرُه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾. وقرَأَت به القَرأَةُ- فأخْرَجَهما باسْتِزْلالِه إياهما عن (^٢) الجنةِ.\nفإن قالَ قائلٌ: وكيف كان اسْتِزْلالُ إبليسَ آدمَ وزوجتَه ﵉، حتى أُضِيفَ إليه إخراجُهما مِن الجنةِ؟\nقيل: قد قالت العلماءُ في ذلك أقوالًا سنَذكُرُ بعضَها.\nفحُكِى عن وهبِ بنِ مُنبِّهٍ فى ذلك ما حَدَّثَنَا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا عمرُ (^٣) بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ مُهْرِبٍ، قال: سمِعْتُ وهْبَ ابنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: لمَّا أسْكَن اللهُ آدمَ وذريتَه، أو زوجتَه -الشكُّ مِن أبى جعفرٍ، وهو في أصلِ كتابِه: وذريتَه- ونهاه عن الشجرةِ، وكانت شجرةً غُصونُها مُتَشَعِّبٌ بعضُها في بعضٍ، وكان لها ثمرٌ تَأْكُلُه الملائكةُ لخُلدِهم، وهى الثمرةُ التى نهَى اللهُ عنها آدمَ وزوجتَه، فلمَّا أراد إبليسُ أن يَستَزِلَّهما، دخَل في جوفِ الحيَّةِ، وكانت للحيَّةِ أربعُ قَوائِمَ كأنها بُخْتيَّةٌ (^٤) مِن أحسنِ دابةٍ خلَقها اللهُ جلَّ ثناؤُه، فلمّا دخَلَت الحيةُ الجنةَ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فأزلهما\".\n(^٢) في م: \"من\".\n(^٣) في م: \"عمرو\".\n(^٤) البختية: الأنثى من الجمال البُخْتِ، والذكر بختيٌّ، وهى جمال طوال الأعناق، وتجمع على بُخْت وبخاتيِّ -غير مصروف- واللفظة معربة. النهاية ١/ ١٠١.","vol":"1","page":561},{"text":"خرَج مِن جوفِها إبليسُ، فأخَذ مِن الشجرةِ التى نهى اللهُ عنها آدمَ وزوجتَه، فجاء بها (^١) إلى حَوَّاءَ، فقال: انظُرى إلى هذه الشجرةِ، ما أطيبَ ريحَها، وأطيبَ طعمَها، وأحسنَ لونَها! فأخَذَت حواءُ فأكَلَت منها، ثم ذهَبَت بها إلى آدمَ، فقالت: انظُرْ إلى هذه الشجرةِ، ما أطيبَ ريحَها، وأطيبَ طعمَها، وأحسنَ لونَها! فأكَل منها آدمُ، فبدَت لهما سَوآتُهما، فدخَل آدمُ في جوفِ الشجرةِ، فناداه ربُّه: يا آدمُ، أين أنت؟ قال: أنا هذا (^٢) يا ربِّ. قال: ألا تَخرُجُ؟ قال: أَسْتَحْيِى منك يا ربِّ. قال: ملعونةٌ الأرضُ التى خُلِقْتَ منها لعنةً [تَتَحوَّلُ ثمارُها] (^٣) شوكًا. قال: ولم يَكُنْ في الجنةِ ولا في الأرضِ (^٤) شجرةٌ كان أفضلَ مِن الطَّلْحِ والسِّدْرِ. ثم قال: يا حَوَّاءُ، أنت التى غرَرْتِ عبدي، فإنك لا تَحْمِلين حَمْلًا إلَّا حَملْتِه كَرْهًا، فإذا أرَدْتِ أن تَضَعِى ما في بطنِكِ أشْرَفْتِ على الموتِ مِرارًا. وقال للحيَّةِ: أنت التى دخَل الملعونُ في جوفِكِ، حتى غرَّ عبدِي، ملعونةٌ أنتِ لعنةً تتَحَوَّلُ قَوائِمُك في بطنِكِ، [ولا يكونُ] (^٥) لك رزقٌ إلَّا الترابُ، أنت عدوَّةُ بنى آدمَ، وهم أعداؤُكِ، حيثُ لقيتِ أحدًا منهم أخَذْتِ بعَقِبِه، وحيثُ لقِيَكِ شدَخ رأسَكِ. قال عمرُ (^٦): قيل لوهبٍ: وما كانت الملائكةُ تَأْكُلُ؟ قال: يَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ (^٧).\nوقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ نحوُ هذه القصةِ.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"به\".\n(^٢) في م، ت ٢: \"هنا\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يتحول ثمرها\".\n(^٤) في ص: \"السماء\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، وتاريخ المصنّف: \"لا يكن\"، وفى ت ٣: \"لَمْ يكن\".\n(^٦) في م: \"عمرو\".\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٢٦، وأخرجه المصنّف في تاريخه ١/ ١٠٨، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٨٧ (٣٨٢) -مختصرا- عن الحسن بن يحيى به. وعندهم: لما أسكن الله آدم وزوجته الجَنَّة. بدون شك.","vol":"1","page":562},{"text":"حَدَّثَنِي موسي، قال: حَدَّثَنَا عمرٌو، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ: لما قال اللهُ لآدمَ: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. أراد إبليسُ أن يَدْخُلَ عليهما الجنةَ، فمنَعَه الخَزَنةُ، فأَتَى الحيةَ -وهى دابةٌ لها أربعُ قَوائِمَ، كأنَّها البعيرُ، وهى كأحسنِ الدوابِّ- فكلَّمها أن تُدْخِلَه في فُقْمِها (^١) حتى تَدْخُلَ به إلى آدمَ، فأدْخَلَته في فُقْمِها (^٢) - [قال أبو جعفرٍ: والفُقْمُ جانبُ الشِّدْقِ] (^٣) - فمرَّت الحيةُ على الخَزَنةِ فدخَلَت ولا يَعْلَمون، لِمَا أَراد اللهُ مِن الأمرِ. فكلَّمه مِن فُقْمِها (^٤)، فلم يُبالِ كلامَه (^٥)، فخرَج إليه، فقال: ﴿يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]. يقولُ: هل أَدُلُّك على شجرةٍ إن أكَلْت منها كنتَ مَلِكًا مثلَ اللهِ ﷿، أو تكونا مِن الخالدِين فلا تَموتان أبدًا. وحلَف لهما باللهِ: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]. وإنما أراد بذلك لِيُبْدِيَ لهما ما تَوارَى عنهما مِن سَوْءاتِهما بهَتْكِ لباسِهما، وكان قد علِم أن لهما سَوْأَةً، لِمَا كانَ يَقْرَأُ مِن كتبِ الملائكةِ، ولم يَكُنْ آدمُ يَعْلَمُ ذلك، وكان لِباسُهما الظُّفْرَ، فأبَى آدمُ أن يَأْكُلَ منها، فتقَدَّمَت حَوَّاءُ فأكَلَت، ثم قالت: يا آدمُ كُلْ، فإني قد أكَلْت فلم يَضُرَّنِي. فلمَّا أكَل آدمُ بَدَت لهما سوءاتُهما، وطفِقا يَخصِفَان عليهما مِن ورقِ الجنةِ (^٦).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، وتاريخ المصنّف، والدر المنثور: \"فمها\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، والتاريخ، والدر: \"فمها\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م، \"فمها\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فمه\".\n(^٥) في م، والدر: \"بكلامه\".\n(^٦) أخرجه المصنّف في تاريخه ١/ ١٠٦، ١٠٧. وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٧/ ٤٠٢ من طريق عمرو =","vol":"1","page":563},{"text":"حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: حَدَّثَنِي مُحدِّثٌ أن الشيطانَ دخَل الجنةَ في صورةِ دابةٍ ذاتِ قوائمَ، فكان يُرى أنه (^١) البعيرُ، قال: فلُعِن، فسقَطت قوائمُه فصار حيَّةً (^٢).\nحُدِّثت عن عمارٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: وحَدَّثَنَي أبو العاليةِ أن مِن الإبلِ ما كان أوَّلُها مِن الجنِّ. قال: فأُبِيحَت له الجنةُ كلُّها إلَّا الشجرةَ، وقيل لهما (^٣): ﴿لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قال: فأتَى الشيطانُ حَوَّاءَ، فبدَأ بها، فقال: أنُهِيتُما عن شيءٍ؟ قالت: نعم، عن هذه الشجرةِ. فقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠]. قال: فبدَأَت حواءُ فأكَلَت منها، ثم أمَرَت آدمَ فأكَل منها. قال: وكانت شجرةً مَن أكَل منها أحْدَث. قال: ولا يَنْبَغِى أن يَكونَ في الجنةِ حَدَثٌ. قال: ﴿فَأَزَلَّهُمَا (^٤) الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾. قال: فأخْرج آدمُ مِن الجنةِ (^٥).\nحَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سَلَمةُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، أن آدمَ حينَ دخَل الجنةَ ورأَى ما فيها مِن الكَرامةِ وما أعْطاه اللهُ منها، قال: لو\n_________\n= ابن حماد به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٥١ (٨٢٩٤، ٨٢٩٥، ٨٢٩٨) من طريق عمرو بن حماد به، عن السدى من قوله مختصرًا.\n(^١) في ت ٣: \"كأنه\".\n(^٢) أخرجه المصنّف في تاريخه ١/ ١٠٩.\n(^٣) في ص: \"له\".\n(^٤) في الأصل، ص: \"فأزالهما\". وهى قراءة حمزة كما تقدم.\n(^٥) أخرجه المصنّف في تاريخه ١/ ١٠٩، ١١٠.","vol":"1","page":564},{"text":"أن خُلْدًا كان. [فاغْتَمَز فيها] (^١) منه الشيطانُ لمَّا سِمعَها منه، فأتاه مِن قِبَلِ الخُلْدِ (^٢).\nحَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: حُدِّثْتُ أن أولَ ما ابْتَدَأهما به مِن كيدِه إياهما أنه ناح عليهما نِياحَةً (^٣) حَزَّنتهما (^٤) حينَ سمِعاها، فقالا له: ما يُبكِيك؟ قال: أَبْكِى عليكما؛ تَمُوتان فتُفارِقان ما أنتما فيه مِن النعمةِ والكَرامةِ. فوقَع ذلك في أنفسِهما، ثم أتاهما فوَسْوَس إليهما، فقال: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]. وقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠، ٢١]. أى: تكونان ملَكَين، أو تَخلُدان -إن لَمْ تكونا ملَكَين- في نعمةِ الجنةِ، فلا تَمُوتان. يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ (^٥) [الأعراف: ٢٢].\nوحَدَّثَنَي يونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَي، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: وسْوَس الشيطانُ إلى حَوَّاءَ في الشجرةِ حتى أتَى بها إليها، ثم حسَّنها في عينِ آدمَ. قال: فدعاها آدمُ لحاجتِه. قالت: لا، إلَّا أن تَأْتىَ ههنا. فلما أتَى قالت: لا، إلَّا أن تَأْكُلَ مِن هذه الشجرةِ. قال: فأكَلا منها فبدَت لهما سَوءاتُهما. قال: وذهَب آدمُ هاربًا في الجنةِ، فناداه ربُّه: يا آدمُ، أمنِّى تَفِرُّ؟ قال: لا يا ربِّ، ولكن حَياءً منك. قال: يا آدمُ، أَنَّى أُتِيتَ؟ قال: مِن قِبَلِ حواءَ أى ربِّ. فقال اللهُ: فإن لها عليَّ أن أُدْمِيَها\n_________\n(^١) في م: \"فاغتنمها\". وقوله اغتمز فيها: يقال: سمعت منه كلمة فاغتمزتها في عقله، وأغمزت فيه، أى: وجدت فيه ما يستضعف لأجله. أساس البلاغة (غ م ز).\n(^٢) أخرجه المصنّف في تاريخه ١/ ١١٠.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"مناحة\".\n(^٤) في م وتاريخ المصنّف: \"أحزنتهما\". وفى نسختين من نسخ التاريخ كالمثبت هنا.\n(^٥) أخرجه المصنّف في تاريخه ١/ ١١٠، ١١١.","vol":"1","page":565},{"text":"في كلِّ شهرٍ مرةً كما دَمَّتْ (^١) هذه الشجرةَ، وأن أَجْعَلَها سَفِيهةً، فقد كنتُ خلَقْتُها حَلِيمةً، وأن أَجْعَلَها تَحْمِلُ كَرْهًا وَتَضَعُ كَرْهًا، فقد كنتُ جعَلْتُها تَحْمِلُ يُسْرًا (^١) وتَضَعُ يُسْرًا (^٢). قال ابنُ زيدٍ: ولولا البَليَّةُ التى أصابَتْ حَوَّاءُ لَكان نساءُ الدنيا لا يَحِضْنَ، ولَكُنَّ حَليماتٍ، وكُنَّ يَحْمِلْنَ يُسْرًا (^٢) ويَضَعْنَ يُسْرًا (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ قُسَيْطٍ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: سمِعْتُه يَحْلِفُ باللهِ ما يَسْتَثْنى: ما أكَل آدمُ مِن الشجرةِ وهو يَعْقِلُ، ولكنّ حَوَّاءَ سقَتْه الخمرَ، حتى إذا سكِر قادَتْه إليها فأكَل (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن ليثِ بنِ أبي سُلَيْمٍ، عن طاوسٍ اليَمانىِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن عدُوَّ اللهِ إبليسَ عرَض نفسَه على دَوابِّ الأرضِ أنها تَحْمِلُه حتى تَدْخُلَ به (^٤) الجنةَ (^٥) حتى (^٦) يُكَلِّمَ آدمَ وزوجتَه، فكلُّ الدوابِّ أبَى ذلك عليه، حتى كلَّم الحَيَّةَ، فقال لها: أَمْنَعُكِ مِن ابنِ آدمَ، فأنتِ في ذِمَّتى إن أنتِ أدْخَلْتِنى الجنةَ. فجعَلَتْه بينَ نابينِ من أنيابِها، ثم دخَلَت به، فكلَّمَهما مِن فيها، وكانت كاسيةً تَمْشِى على أربعِ قَوائِمَ، فأعْراها اللهُ وجعَلها\n_________\n(^١) في م: \"أدميت\"، وفي تاريخ المصنف: \"أدمت\". والمثبت هنا والذي في التاريخ كلاهما بمعنى، وينظر التاج (د م ى).\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يسيرا\".\nوالأثر أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١١١. وتقدم طرف منه في ص ٤٢١.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١١١، ١١٢ مطولا.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) بعده في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"معه\"، وبعده في م: \"معها\".\n(^٦) في م: \"و\".","vol":"1","page":566},{"text":"تَمْشِى على بطنِها. قال: يقولُ ابنُ عباسٍ: اقْتُلُوها حيث وجَدْتُموها، أخْفِروا ذِمَّةَ عدوِّ اللهِ فيها (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ: وأهلُ التَّوراةِ يَدْرُسون: إنما كلَّم آدمَ الحيةُ. ولم يُفَسِّروا كتفسيرِ ابنِ عباسٍ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ، قال: نهَى اللهُ آدمَ وحوَّاءَ أن يَأْكُلا مِن شجرةٍ واحدةٍ في الجنةِ، ويَأْكُلا منها (^٢) رَغَدًا حيث شاءا، فجاء الشيطانُ فدخَل في جوفِ الحيةِ، فكلَّم حَوَّاءَ، ووسْوَس (^٣) إلى آدمَ، فقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠، ٢١]. قال: فقطَعت (^٤) حَوَّاءُ الشجرةَ، فدَمِيَت الشجرةُ، وسقَط عنهما رياشُهما الذي كان عليهما، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢]. لمَ أكَلْتَها وقد نهَيْتُك عنها؟ قال: ياربِّ، أطْعَمَتْنى حَوَّاءُ. قال لحَوَّاءَ: لمَ أطْعَمْتِه؟ قالت: أمَرَتْنِى الحيةُ. قال للحيةِ: لمَ أمَرْتِها؟ قالت: أمَرَنى إبليسُ. قال: ملعونٌ مَدْحورٌ؛ أما أنت يا حَوَّاءُ فكما أَدْمَيْتِ الشجرةَ، تَدْمَيْن (^٥) في كلِّ هلالٍ، وأما أنت يا حَيَّةُ فأَقْطَعُ قَوائمَك، فتَمْشِين جرًّا (^٦) على وجهِك، وسيَشْدَخُ رأسَك مَن\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٠٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٣ إلى عبد الرزاق.\n(^٢) في ر: \"من الجنة\".\n(^٣) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الشيطان\".\n(^٤) في م: \"فعضت\".\n(^٥) في م: \"فتدمين\".\n(^٦) سقط من: ر. وفي م، وتاريخ المصنف: \"جريا\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جرى\".","vol":"1","page":567},{"text":"لَقِيَكِ بالحجرِ، اهْبِطوا بعضُكم لبعضٍ عدُوٌّ (^١).\nفقد رُوِيَت هذه الأخبارُ -عمَّن روَيْناها عنه مِن الصحابةِ والتابعين وغيرِهم- في صفةِ استزلالِ إبليسَ عدوِّ اللهِ آدمَ وزوجتَه حتى أخْرَجَهما مِن الجنةِ.\nقال أبو جعفرٍ: وأولى ذلك بالحقِّ عندَنا ما كان لكتابِ اللهِ مُوافِقًا، وقد أخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه عن إبليسَ أنه وسْوَس لآدَمَ وزوجتِه ليُبْدِىَ لهما ما وُورِى عنهما مِن سَوْءاتِهما، وأنه قال لهما: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾. وأنه قاسَمهما: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾. مُدَلِّيًا لهما بغُرورٍ. ففى إخْبارِ اللهِ تعالى ذكرُه عن عدوِّ اللهِ أنه قاسَم آدمَ وزوجتَه بقيلِه لهما: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾. الدليلُ الواضحُ على أنه قد باشَر خطابَهما بنفسِه، إما ظاهرًا لأعينِهما، وإما مُسْتَجِنًّا في غيرِه، وذلك أنه غيرُ معقولٍ في كلامِ العربِ أن يُقالَ: قاسَم فلانٌ فلانًا في كذا وكذا. إذا سبَّب له سببًا وصَل به إليه دونَ أن يَحْلِفَ له، والحَلِفُ لا يكونُ بتَسَبُّبِ السببِ، فكذلك قولُه: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ [طه: ١٢٠]. لو كان ذلك كان منه إلى آدمَ على نحوِ الذي منه إلى ذريتِه -مِن تَزْيينِ أكلِ ما نهَى اللهُ آدمَ عن أكلِه مِن الشجرةِ، بغيرِ مباشرةِ خطابِه إياه بما اسْتَزَلَّه به مِن القولِ والحِيَلِ- لَما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾. كما غيرُ جائزٍ أن يَقولَ اليومَ قائلٌ ممَّن أتَى معصيةً: قاسَمَنى إبليسُ أنه لى ناصحٌ فيما زيَّن لى مِن المعصيةِ التى أتَيْتُها. فكذلك الذي كان مِن آدمَ وزوجتِه لو كان على النحوِ الذي يكونُ فيما بينَ إبليسَ اليومَ وذريةِ آدمَ، لما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾. ولكن\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٠٩.","vol":"1","page":568},{"text":"ذلك كان إن شاءَ اللهُ على نحوِ ما قال ابنُ عباسٍ ومَن قال بقولِه.\nفأما سببُ وصولِه إلى الجنةِ حتى كلَّم آدمَ بعدَ أن أخْرَجَه اللهُ منها وطرَده عنها، فليس فيما رُوى عن ابنِ عباسٍ ووهبِ بنِ مُنَبِّهٍ في ذلك معنًى يَجوزُ لذى (^١) فَهمٍ مُدافعتُه، إذ كان ذلك قولًا لا يَدْفَعُه عقلٌ (^٢)، ولا خبرٌ يَلزَمُ تَصْديقُه مِن حُجَّةٍ بخلافهِ، وهو مِن الأمورِ المُمْكنةِ. فالقولُ في ذلك أنه قد وصَل إلى خطابِهما على ما أخْبَرنا اللهُ تعالى ذكرُه، وممكنٌ أن يَكونَ وصَل إلى ذلك بنحوِ الذي قاله المتأوِّلون، بل ذلك -إن شاء اللهُ- كذلك؛ لتتابعِ أقوالِ أهلِ التأويلِ على تصحيحِ ذلك، وإن كان ابنُ إسحاقَ قد قال في ذلك ما حدَّثنا به ابنُ حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ (^٣) إسحاقَ في ذلك: [اللهُ أعلمُ، أكَمَا] (^٤) قال ابنُ عباسٍ وأهلُ التَّوْراةِ، أَمْ (^٥) خلَص إلى آدمَ وزوجتِه بسُلطانِه الذي جعَل اللهُ له ليَبْتَلِىَ به آدمَ وذريتَه؟ وأنه يَأْتى ابنَ آدمَ في نَوْمتِه وفي يَقَظتِه، وفي كلِّ حالٍ مِن أحوالِه، حتى يَخْلُصَ إلى ما أراد منه حتى يَدْعُوَه إلى المعصيةِ، ويُوقِعَ في نفسِه الشهوةَ وهو لا يَراه، وقد قال الله تعالى ذكرُه: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾. ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾. وقال: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]. وقد قال اللهُ جل ثناؤه لنبيِّه ﷺ: ﴿قُلْ أَعُوذُ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لذوى\".\n(^٢) في ص: \"قول\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبو\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"والله أعلم، كما\".\n(^٥) في م، ت ٢: \"إنه\".","vol":"1","page":569},{"text":"بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ١، ٢]. إلى آخرِ السورةِ. ثم ذكَر الأخبارَ التى رُوِيَت عن النبيِّ ﷺ أنه قال: \"إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ\" (^١). ثم (^٢) قال ابنُ إسحاقَ: وإنما أمْرُ ابنِ آدمَ فيما بينَه وبينَ عدوِّ اللهِ كأمْرِه فيما بينَه وبينَ آدمَ، فقال الله: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣]. ثم خلَص إلى آدمَ وزوجتهِ حتى كلَّمَهما (^٣) كما قصَّ اللهُ علينا مِن خبرِهما، فقال: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]. فخلَص إليهما (^٤) بما خلَص إلى ذريتِه مِن حيثُ لا يَرَيانِه -فاللهُ أعلمُ أيُّ ذلك كان- فتابا إلى ربِّهما.\nقال أبو جعفرٍ: وليس في يقينِ ابنِ إسحاقَ -لو كان قد أيْقَن في نفسِه- أن إبليسَ لم يَخْلُصْ إلى آدمَ وزوجتِه بالمُخاطَبةِ بما أخْبَر اللهُ عنه أنه قال لهما وخاطَبَهما به، ما يَجوزُ لذى فهمٍ الاعتراضُ به على ما ورَد مِن القولِ مُسْتَفِيضًا في أهلِ العلمِ، مع دَلالةِ الكتابِ على صحةِ ما اسْتَفاض مِن ذلك بينَهم، فكيف بشَكِّه؟ واللهَ نَسْأَلُ التوفيقَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-180>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾.</span>\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾. فإنه يعنى: فأخْرَج الشيطانُ آدمَ وزوجتَه، ﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ يعنى: مما كان فيه آدمُ وزوجتُه مِن رَغَدِ العيشِ في الجنةِ، وسَعَةِ نعيمِها الذي كانا فيه. وقد بيَّنَّا أن اللهَ تعالى ذكرُه إنما أضاف إخراجَهما مِن الجنةِ إلى\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٢٠٣٩)، ومسلم (٢١٧٥) من حديث صفية، ﵂.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص، ت ١: \"كلمها\".\n(^٤) في ص: \"إليها\".","vol":"1","page":570},{"text":"الشيطانِ، وإن كان اللهُ هو المُخْرِجَ لهما؛ لأن خروجَهما منها كان عن سببٍ مِن الشيطانِ، فأُضِيف ذلك إليه لتَسْبيبِه إياه، كما يقولُ القائلُ لرجلٍ وصَل إليه منه أذًى حتى تحَوَّل مِن أجلِه عن موضعٍ كان يَسْكُنهُ: ما حوَّلنى عن (^١) موضِعى الذي كنتُ فيه إلا أنت. ولم يَكُنْ منه له تحويلٌ، ولكنه لمّا كان تحوُّلُه عن سببٍ منه جاز له إضافةُ تحويلِه إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-181>القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.</span>\nيُقالُ: هبَط فلانٌ أرضَ كذا، ووادىَ كذا. إذا حَلَّ ذلك، كما قال الشاعرُ (^٢):\nما زِلْتُ أَرْمُقُهم حتَّى إذا هبَطَتْ … أَيْدِى الرِّكابِ بهم مِن راكِسٍ (^٣) فَلَقَا (^٤)\nوقد أبان هذا القولُ مِن اللهِ جل ثناؤُه عن صحةِ ما قلْنا مِن أن المُخْرِجَ آدمَ مِن الجنةِ هو اللهُ جل ثناؤُه، وأن إضافةَ اللهِ إلى إبليسَ ما أضاف إليه مِن إخراجِهما كان على ما وصَفْنا، ودلَّ بذلك أيضًا على أن هُبوطَ آدمَ وزوجتِه وعدوِّهما إبليسَ كان في وقتٍ واحدٍ، لجَمْعِ (^٥) اللهِ إياهم في الخبرِ عن إهْباطِهم، بعدَ الذي كان مِن خَطيئةِ آدمَ وزوجتِه، وتسبيبِ إبليسَ ذلك لهما، على ما وصَفَه ربُّنا تعالى ذكرُه عنهم.\n_________\n(^١) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٢) هو زهير بن أبي سلمى، شرح ديوانه ص ٣٧.\n(^٣) راكس: واد. معجم البلدان ٢/ ٧٣٥.\n(^٤) في ص: \"فلتا\"، وفي ت ١، ت ٣: \"قلقا\". والفلق: المطمئن من الأرض بين ربوتين. اللسان (ف ل ق).\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بجمع\"، وفي م: \"يجمع\".","vol":"1","page":571},{"text":"وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنىِّ بقولِه: ﴿اهْبِطُوا﴾. مع إجماعِهم على أن آدمَ وزوجتَه ممَّن عُنِى به.\nفحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، عن أبى عَوَانةَ، عن إسماعِيلَ بنِ سالمٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. قال: آدمُ وحواءُ (^١) والحيَّةُ (^٢).\n[حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ وموسى بنُ هارونَ، قالا: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. قال: فلعَن الحيةَ وقطَع قَوائمَها، وترَكها تَمْشِى على بطنِها، وجعَل رزقَها مِن الترابِ، وأهبَط إلى الأرضِ آدمَ وحواءَ وإبليسَ والحيةَ] (^٣).\nوحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميْمونٍ، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. قال: آدمُ وإبليسُ والحيةُ (^٤).\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وإبليس\". وسيأتى بهذه الزيادة من وجه آخر عن إسماعيل في ص ٥٨٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٩٢ (٤١٦) من طريق أبي عوانة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٥ إلى أبي الشيخ من طريق قتادة، عن أبي صالح.\n(^٣) سقط من ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٩٢ عقب الأثر (٤١٦) من طريق عمرو به.\nوأخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١١٢ بهذا الإسناد عن السدى بإسناده المعروف.\n(^٤) بعده في ت ١: \"وحواء\".\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٢٠٠ بلفظ: إبليس وآدم. وأخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١١٢ بزيادة: حواء. وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٧/ ٤٠٤ من طريق الثورى، عن مجاهد بلفظ: آدم والحية والشيطان. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٥ إلى أبي الشيخ عن مجاهد بهذا اللفظ.","vol":"1","page":572},{"text":"حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: آدمُ وإبليسُ والحيّةُ ذريةُ بعضِهم أعداءٌ لبعضٍ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾. قال: آدمُ وذريتُه، وإبليسُ وذريتُه.\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ بنُ أبى إياسٍ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ [في قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾. قال: يعنى آدمَ وإبليسَ.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن السُّدىِّ، عمَّن حدَّثه] (^١)، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. قال: [بعضُهم لبعضٍ عدو] (^٢)؛ آدمُ وحواءُ وإبليسُ والحيةُ.\nحدَّثنى يونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدىٍّ، عن إسرائيلَ، عن إسماعيلَ السدىِّ، قال: حدَّثنى مَن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. قال: آدمُ وحواءُ وإبليسُ والحيّةُ (^٣).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه:\n_________\n(^١) سقط من: ر.\n(^٢) في الأصل: \"بعضكم لبعض عدو قال\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١١٢، وابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٨٩، ٥/ ١٤٥٥ (٨٩٣، ٨٣٢٠) عن يونس به.","vol":"1","page":573},{"text":"﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. قال: لهما ولذريتِهما.\nقال أبو جعفرٍ: فإن قال قائلٌ: وما كانت عَداوةُ ما بينَ آدمَ وزوجتهِ وإبليسَ والحيةِ؟\nقيل: أما عَداوةُ إبليسَ آدمَ وذريتَه، فحسَدُه إيّاه، واسْتِكبارُه عن طاعةِ اللهِ في السجودِ له حينَ قال لرِّبه: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢، ص: ٧٦].\nوأما عَداوةُ آدمَ وذريتِه إبليسَ، فعداوةُ المؤمنين إيّاه؛ لكفرِه باللهِ وعِصْيانِه ربَّه في تكبُّرِه عليه ومُخالفتِه أمرَه، وذلك مِن آدمَ ومؤمنِى ذريتِه إيمانٌ باللهِ.\nوأما عَداوةُ إبليسَ آدمَ، فكفرٌ باللهِ.\nوأما عَداوةُ ما بينَ آدمَ وذريتِه والحيّةِ، فقد ذكَرْنا ما رُوِى في ذلك عن ابنِ عباسٍ ووهبِ بنِ مُنَبِّهٍ، وذلك هى العَداوةُ التى بينَنا وبينَها، كما رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"ما سَالَمْنَاهُنَّ منذ حارَبْنَاهُنَّ، فمن تَرَكَهُنَّ خَشْيَةَ ثَأْرِهِنَّ فليس منَّا\".\nحدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: حدَّثنا حجاجُ بنُ رِشدين (^١)، قال: حدَّثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ، عن ابنِ عَجْلانَ، عن أبيه، عن أبِى هُريرةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"ما سَالَمْنَاهُنَّ منذ حارَبْنَاهُنَّ، فمن تَرَكَ شَيئًا مِنْهُنَّ خِيفَةً فليس مِنَّا\" (^٢).\n_________\n(^١) في م: \"رشد\".\n(^٢) أخرجه أحمد ١٥/ ٣٦٠، ١٦/ ٤٣٣ (٩٥٨٨، ١٠٧٤١)، وأبو داود (٥٢٤٨)، والطحاوى في المشكل (١٣٣٨) من طرق عن ابن عجلان به. وأخرجه الحميدى (١١٥٦)، وأحمد ١٢/ ٣٢٤=","vol":"1","page":574},{"text":"وأحْسَبُ أن الحربَ التى بينَنا كان أصلُه ما ذكَره علماؤُنا الذين قدَّمْنا الروايةَ عنهم في إدخالِها إبليسَ الجنةَ بعدَ أن أخْرَجَه اللهُ منها، حتى اسْتَزَلَّه عن طاعةِ رِّبه في أكلِ (^١) ما نُهِى عن أكلِه مِن الشجرةِ.\nوقد حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بنُ هشامٍ، وحدَّثنا محمدُ بنُ خلفٍ العَسْقلانيُّ، [قال: حدَّثنا آدمُ، جميعًا عن شَيْبانَ] (^٢)، عن جابرٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سُئِل رسولُ اللهِ ﷺ عن قتلِ الحيَّاتِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"خُلِقَتْ هى والإنسَانُ، كُلُّ واحِدٍ منهما عَدُوٌّ لصَاحِبِه، إن رَآها أَفْزَعَتْه، وإِن لَدَغَتْهُ أوْجَعَتْهُ، فاقْتُلْهَا حيث وَجَدْتهَا\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-182>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلكِ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنى المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ العَسْقلانيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الرازىُّ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولهِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. قال: هو قولُه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ (^٤).\nوحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبِى جعفرٍ، عن أبيه،\n_________\n= (٧٣٦٦)، وابن حبان (٥٦٤٤) من طريق ابن عجلان أيضا، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عجلان به. وقال الدارقطنى في العلل ١١/ ١٣٨: ولعل محمد بن عجلان سمعه عن أبيه، واستثبته من بكير بن الأشج.\n(^١) في م: \"أكله\".\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) إسناده ضعيف؛ لضعف جابر الجعفى. وأخرجه الطيالسى (٢٧٤١)، والطبرانى في الأوسط (٤٥٠٠) من طريق جابر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٩٠، ٥/ ١٤٥٥ (٤٠١، ٨٣٢٣) من طريق آدم به.","vol":"1","page":575},{"text":"عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. قال: هو قولُه: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غافر: ٦٤].\nوقال آخَرون: معنى ذلك: ولكم في الأرضِ قَرارٌ في القبورِ (^١).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. قال (^٢): القبورُ (^٣).\nحدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، عن إسرائيلَ، عن إسماعيلَ السُّدىِّ، قال: حدَّثنى مَن سمِع ابنَ عباسٍ قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. قال: القبورُ (^٤).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. قال: مُقامُهم فيها.\nوالمستقرُّ في كلام العربِ هو موضعُ الاستقرارِ، فإذ كان ذلك كذلك، فحيثُ كان مِن (^٥) الأرضِ موجودًا حالًّا، فذلك المكانُ مِن الأرضِ مُسْتَقَرُّه.\nوإنما عنَى اللهُ جلّ وعزّ بذلك أن لهم في الأرضِ مستقرًّا ومَنْزِلًا بأماكنِهم\n_________\n(^١) بعده في ر: \"ولكم فيها بلاغ إلى الموت\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"يعنى\"، وفى ت ٣: \"أعنى\".\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٥٥ عقب الأثر (٨٣٢١) من طريق عمرو به.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٨٩ (٣٩٩) من طريق إسرائيل، عن السدى، عن ابن عباس.\n(^٥) بعده في م: \"في\".","vol":"1","page":576},{"text":"ومُسْتَقَرِّهم مِن الجنةِ والسماءِ، وكذلك قولُه: ﴿وَمَتَاعٌ﴾. يعنى به أنّ لهم فيها متاعًا بمتاعِهم في الجنةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-183>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: ولكم فيها بَلاغٌ إلى الموتِ.\nذِكر مَن قال ذلك\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدىِّ في قولِه: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. قال: يقولُ: بَلاغٌ إلى الموتِ (^١).\nحدَّثنى يونُسُ، قال أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، عن إسرائيلَ، عن إسماعيلَ السُّدىِّ، قال: حدَّثنى مَن سمِع ابنَ عباسٍ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. قال: الحياةُ.\n[حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عمّن حدّثه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. قال: الحياةُ] (^٢).\nوقال آخَرون: يعنى بقولِه: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾: إلى قيامِ الساعةِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٩٠، ٥/ ١٤٥٦ (٤٠٢، ٨٣٢٤) من طريق عمرو به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٩٠، ٥/ ١٤٥٦ (٤٠٣، ٨٣٢٥) من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدى، عن عكرمة، عن ابن عباس.","vol":"1","page":577},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. قال: إلى يومِ القيامةِ، إلى انقطاعِ الدنيا.\nوقال آخَرون: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ (^١): إلى أجلٍ.\nذكرُ من قال ذلك\nحُدِّثْت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. قال: إلى أجلٍ (^٢).\nوالمتاعُ في كلامِ العربِ كلُّ ما استُمْتِع به مِن شيءٍ، في (^٣) معاشٍ استُمْتِع به، أو رِياشٍ أو زينةٍ أو لذَّةٍ أو غيرِ ذلك. فإذ كان ذلك كذلك -وكان اللهُ تعالى ذكرُه قد جعَل حياةَ كلِّ حيٍّ متاعًا له يسْتَمتِعُ بها أيامَ حياتِه، وجعَل الأرضَ للإنسانِ مَتاعًا أيامَ حياتِه بقَرارِه عليها، واغْتِذائِه بما أخْرَج اللهُ ﷿ منها مِن الأقْواتِ والثِّمارِ، والتِذاذِه بما خلَق اللهُ فيها مِن الملاذِّ، وجعَلها مِن بعدِ وفاتِه لجثتِه كِفاتًا (^٤)، ولجسمِه منزلًا وقَرارًا، وكان اسمُ المتاعِ يَشْتَمِلُ جميعَ ذلك -كان أولى التأويلاتِ بالآيةِ- إذ (^٥) لم يَكُنِ اللهُ تعالى ذكرُه وضَع دَلالةً دَالَّةً على أنه قصَد بقولِه: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. بعضًا دونَ بعضٍ، وخاصًّا دونَ عامٍّ في عقلٍ ولا خبرٍ -أن يَكونَ ذلك في\n_________\n(^١) بعده في ص، م: \"قال\".\n(^٢) ذكره القرطبى في تفسيره ١/ ٣٢١ عن الربيع.\n(^٣) في م: \"من\".\n(^٤) كِفاتا: أى تحفظهم وتحرزهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم، وتحفظهم وتحرزهم أمواتا في بطنها. التاج (ك ف ت).\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إن\".","vol":"1","page":578},{"text":"معنى العامِّ، وأن يَكونَ الخبرُ أيضًا كذلك إلى وقتِ بُطولِ (^١) اسْتِمْتاعِ بنى آدمَ وبنى إبليسَ بها، وذلك إلى أن تُبَدَّلَ الأرضُ غيرَ الأرضِ.\nفإذ كان ذلك أولى التأويلاتِ بالآيةِ لما وصَفْنا، فالواجبُ إذن أن يَكونَ تأويلُ الآيةِ: ولكم في الأرضِ مَنازلُ ومَساكنُ تَسْتَقِرُّون فيها اسْتِقْرارَكم -كان- في السماواتِ، وفى الجنانِ في مَنازلِكم منها، واستمتاعٌ منكم بها وبما أخْرَجْتُ لكم منها، وبما جعَلْتُ لكم فيها مِن المَعاشِ والرِّياشِ والزَّينِ والملاذِّ، وبما أعطيتُكم على ظهرِها [من الحياةِ] (^٢) أيامَ حياتِكم، ومِن بعدِ وَفاتِكم لأرْماسِكم (^٣) وأجداثِكم تُدْفَنون فيها، وتَبْلُغون باستمتاعِكم بها إلى أن أُبَدِّلَكم بها غيرَها.\n\n<span id=\"aya-44\"></span><span data-type='title' id=toc-184>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾.</span>\nأما تأويلُ قولِه: ﴿فَتَلَقَّى﴾. فإنه: أخَذ وقَبِل (^٤). وأصلُه التَّفَعُّلُ مِن اللِّقاءِ، كما يَتَلَقَّى الرجلُ الرجلَ يستقبِلُه (^٥) عندَ قدومِه مِن [غَيْبةٍ أو سفرٍ، فكذلك ذلك] (^٦) في قولِه: ﴿فَتَلَقَّى﴾. كأنه اسْتَقْبَله فتلَقَّاه بالقَبولِ حينَ أُوحِى إليه أو أُخْبِر به، فمعنى ذلك إذن: فلقّى اللهُ آدمَ كلماتِ توبةٍ، فتلقَّاها آدمُ مِن ربه وأخَذها عنه تائبًا، فتاب اللهُ عليه بقِيلِه إياها وقبولِه إياها مِن رِّبه.\nكما حدَّثنى يونُسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ الآية. قال: لقَّاهما هذه الآيةَ: ﴿رَبَّنَا\n_________\n(^١) في ص، م: \"يطول\".\n(^٢) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) الرمس: القبر. التاج (ر م س).\n(^٤) في م، ر: \"قيل\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مستقبله\".\n(^٦) في ص: \"غيبته أو سفره فكان ذلك كذلك و\".","vol":"1","page":579},{"text":"ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^١) [الأعراف: ٢٣].\nوقد قرَأَ بعضُهم: (فَتَلَقَّى آدَمَ مِن ربِّهِ كَلماتٌ) (^٢). فجعَل \"الكلماتِ\" هى المُتَلَقِّيةَ آدمَ. وذلك وإن كان مِن جِهةِ العربيةِ جائزًا -إذ كان كلُّ ما تَلقَّاه الرجلُ فهو له مُتَلَقٍّ، وما لقِيه ففد لقِيه، فصار للمتكلمِ أن يُوَجِّهَ الفعلَ إلى أيِّهما شاء، ويُخْرِجَ مِن الفعلِ أيَّهما أحبَّ- فغيرُ جائزٍ عندى في القراءةِ إلَّا رفعُ \"آدمَ\" (^٣) على أنَّه المُتَلَقِّى \"الكلماتِ\"؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القَرأةِ وأهلِ التأويلِ مِن علماءِ السلفِ والخلفِ على توجيهِ التَّلَقِّى إلى آدمَ دونَ الكلماتِ، وغيرُ جائزٍ الاعْتراضُ عليها فيما كانت عليه مُجْمِعةً بقولِ مَن يجوزُ عليه السهوُ والخطأُ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في أعْيانِ الكلماتِ التى تَلقَّاها آدمُ مِن ربِّه؛ فقال بعضُهم بما حَدَّثَنَا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ عَطِيةَ، عن قيسٍ، عن ابنِ أبى ليلي، عن المِنْهالِ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. قال: أىْ ربِّ، ألم تَخْلُقْنى بيدِك؟ قال: بلى. قال: أيْ ربِّ، ألم تَنفُخْ فيَّ مِن رُوحِك؟ قال: بلى. قال: أىْ رَبِّ، أَلَمْ تُسْكِنِّى جنَّتَك؟ قال: بلى. قال: أىْ ربِّ، ألم تَسْبِقْ رحمتُك غضبَك؟ قال: بلى. قال: أرأَيْتَ إن (^٤) تُبْتُ وأصْلَحْتُ، أراجِعى أنت إلى الجنةِ؟ قال: بلى (^٥). قال: فهو قولُه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١١٦ عن ابن زيد.\n(^٢) هذه قراءة ابن كثير. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٥٣.\n(^٣) بل قراءة الرفع والنصب متواترتان.\n(^٤) بعده في م: \"أنا\".\n(^٥) في م: \"نعم\". وهو وجه الكلام، وتظاهرت النسخ على \"بلى\"، وكذا هو في التاريخ للمصنف، والمستدرك.","vol":"1","page":580},{"text":"مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (^١).\nحَدَّثَنِي عليُّ بنُ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا مسلمٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ مُصعبٍ، عن قيسِ بنِ الربيعِ، عن عاصمِ بنِ كُلَيْبٍ، عن سعيدِ بنِ مَعْبَدٍ (^٢)، عن ابنِ عباسٍ نحوَه (^٣).\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمِّي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾: فإنّ آدمَ قال لربِّه إذ عصاه: ربِّ، أَرأَيْتَ إن تُبْتُ وأصْلَحْتُ؟ فقال له ربُّه: إنى راجِعُك إلى الجنةِ (^٤).\nحَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾: ذُكِرَ لنا أنه قال: يا ربِّ، أَرأَيْتَ إن أنا تبتُ وأصلحتُ؟ قال: إذن أَرجِعَك إلى الجنةِ (^٥). قال: وقال\n_________\n(^١) أخرجه المصنّف في تاريخه ١/ ١٣٢. وأخرجه الآجرى في الشريعة (٧٥٥، ٩١٠) من طريق قيس بن الربيع به. وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٧/ ٤٣٣ من طريق ابن أبي ليلى به.\nوابن عطية هو الحسن بن عطية بن نجيح -كما سيأتي في ٢/ ٨٦ - وهو صدوق، وقد اختلف على قيس فيه.\nوقد أخرجه الحاكم ٢/ ٥٤٥ من طريق الحسن بن عطية، عن الحسن بن صالح، عن المنهال به. وقال: صحيح الإسناد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٩ إلى عبد بن حميد وابن أبى الدنيا في التوبة وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) بياض في ص، وفى م: \"جبير\"، وفى ت ١، ت ٢: \"معيد\" وينظر تفسير ابن كثير ١/ ١١٦.\n(^٣) سعيد بن معبد مجهول، وقد اختلف على قيس فيه.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١١٦ عن العوفى عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه المصنّف في تاريخه ١/ ١٣٢. وأخرجه البَيْهَقِيُّ في الشعب (٧١٧٤)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٧/ ٤٣٥ من طريق شيبان، عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. وسيأتى من وجه آخر عن قتادة في ص ٥٨٦.","vol":"1","page":581},{"text":"الحسنُ (^١): إنهما قالا: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^٢).\nحَدَّثَنِي المثنّي، قال: حَدَّثَنَا آدمُ العَسْقَلانِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾. قال: إن آدمَ لمَّا أصاب الخطيئةَ، قال: ياربِّ أرأَيْتَ إن تبتُ وأصلحتُ؟ فقال اللهُ: إذن أَرْجِعَك إلى الجنةِ. فهى مِن الكلماتِ. ومِن الكلماتِ أيضًا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^٣).\nحدَّثَنِي موسي، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾. قال: ربِّ، ألم تَخْلُقْنى بيدِك (^٤)؟ قيل له: بلى. قال: ونفَخْتَ فيَّ مِن رُوحِك؟ قيل له: بلى. قال: وسبَقَت رحمتُك (^٥) غضبَك؟ قيل له: بلى. قال: ربِّ، هل (^٦) كتبْتَ هذا عليَّ؟ قيل له: نعَم. قال: ربِّ، إن تبتُ وأصلحتُ هل أنت راجِعى إلى الجنةِ؟ قيل له: نعَم. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (^٧) [طه: ١٢٢].\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحسين\".\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٩١ عقب الأثر (٤١٠) معلقا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١١٦ عن أبي جعفر به.\n(^٤) في الأصل، ت ١: \"بيديك\".\n(^٥) بعده في الأصل: \"إلى\".\n(^٦) بعده في م: \"كنت\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٩٠ عقب الأثر (٤٠٧) من طريق عمرو به. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٨٦ - تفسير) -ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٧/ ٤٣٣ - عن الحسن بن يزيد الأصم، =","vol":"1","page":582},{"text":"وقال آخَرون بما حَدَّثَنَا به محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيْعٍ، قال: حَدَّثَنِي مَن سمِع عُبيدَ ابنَ عُميرٍ يقولُ: قال آدمُ ﵇: يا ربِّ، خَطيئتى التى أَخْطَأْتُها، أشيءٌ كتَبْتَه عليَّ قبلَ أن تَخْلُقَنِي، أو شيءٌ ابْتَدَعْتُه مِن قِبَلِ نفسِى؟ قال: بل (^١) شيءٌ كتَبْتُه عليك قبلَ أن أَخْلُقَك. قال: فكما كتَبْتَه عليَّ فاغْفِرْه لى. قال: فهو قول اللهِ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (^٢).\nحَدَّثَنَا ابنُ بشارٍ (^٣)، قال: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيْعٍ، [عن مجاهدٍ، عن] (^٤) عُبيدِ بنِ عُمَيْرٍ بمثلِه (^٥).\nحَدَّثَنَا ابنُ بشارٍ (٣)، قال: حَدَّثَنَا وَكيعُ بنُ الجراحِ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عبدِ العزبزِ بنِ رُفَيْعٍ، عمَّن سمِع عُبيدَ بنَ عُميرٍ يقولُ: قال آدمُ. فذكَر نحوَه (^٦).\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثورىُّ، عن\n_________\n= عن السدى. وأخرجه ابن أبي حاتم أيضًا (٤٠٧) من طريق إسرائيل، عن السدي، عمن حدثه، عن ابن عباس.\n(^١) في م: \"بلى\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٩١ (٤٠٩) من طريق ابن مهدى به. وأخرجه الدارميُّ في الرد على الجهمية ص ٧٢، عن محمد بن كثير، عن سفيان به.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سنان\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال أخبرني من سمع\".\n(^٥) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٧/ ٤٣٤ من طريق مؤمل به. وقد خولف مؤمل في إسناده.\n(^٦) أخرجه وكيع -كما في الدر المنثور ١/ ٥٩ - ومن طريقه الفريابي في القدر (١٢١)، والآجرى في الشريعة (٣٢٢)، وأبو الشيخ في العظمة (١٠٢٣)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٧٣.","vol":"1","page":583},{"text":"عبدِ العزيزِ بنِ رفيعٍ، عن عُبيدِ بنِ عُميرٍ مثلَه (^١).\nحَدَّثنِي المثني، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعَيْمٍ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيْعٍ، قال: أخْبَرَنى مَن سَمِع عُبيدَ بنَ عُميرٍ. بنحوِه.\nوقال آخَرون بما حَدَّثَنِي به أحمدُ بنُ عثمانَ بنِ حَكيمٍ الأوْدىُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بنُ شَريكٍ، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن حُميدِ بنِ نَبْهانَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ [يزيدَ بنِ معاويةَ] (^٢) أنه قال: قولُه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. قال آدمُ (^٣): اللهم لا إلهَ إلَّا أنت سبحانَك وبحمدِك، أَسْتَغْفِرُك وأَتوبُ إليك، فَتُبْ عليَّ إنك أنت التوابُ الرحيمُ (^٤).\nحَدَّثنِي المثنّى بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا أبو غَسَّانَ، قال: [حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ] (^٥)، وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازىُّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ وقيسٌ، جميعًا عن خُصَيْفٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾. قال: قولُه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾ حتى فرَغ منها (^٦).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٤. وأخرجه الآجرى في الشريعة (٣٢٣)، وابن عساكر في تاريخه ٧/ ٤٣٤ من طريق الحسن بن يحيى ومحمد بن حماد الطهراني، عن عبد الرزاق به.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"زيد عن\".\n(^٣) سقط من: ص.\n(^٤) عبد الرحمن بن شريك ضعيف، وحميد بن نبهان لَمْ يتعين لنا.\nوأخرجه البَيْهَقِيُّ في الشعب (٧١٧٥)، وابن عساكر في تاريخه ٧/ ٤٣٥، ٤٢/ ١١٥ (ترجمة عبد الرَّحمن، طبعة مجمع اللغة بدمشق) -من طريق البَيْهَقِيُّ والخطيب وغيرهما- من طريق العوام بن حوشب، عن عبد الكريم المكتب -وعند البَيْهَقِيُّ: عبد الرحيم- عن عبد الرَّحمن بن يزيد. وعبد الكريم هو ابن أبى المخارق المعلم، ضعيف.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أنبأنا أبو زهير\".\n(^٦) أخرجه المصنّف في تاريخه ١/ ١٣٢، عن أحمد بن إسحاق الأهوازى وحده. وأخرجه ابن أبي حاتم =","vol":"1","page":584},{"text":"حَدَّثَنِي المثني، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ كان يَقُولُ في قولِ اللهِ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ الكلماتُ: اللهمّ لا إلهَ إلَّا أنت سبحانَك وبحمدِك، ربِّ إنِّي ظَلَمتُ نفسِى، فاغْفِرْ لى إنك خيرُ الغافِرِين، اللهم لا إلهَ إلَّا أنت سُبحانَك وبحمدِك، ربِّ إنى ظلَمْتُ نفسى فارْحَمْنى إنك خيرُ الراحمين، اللهم لا إلهَ إلَّا أَنت سبحانَك وبحمدِك، ربِّ إنى ظلَمْتُ نفسي، فتُبْ عليَّ إنك أنت التَّوابُ الرَّحيمُ (^١).\nحَدَّثَنَا ابنُ وَكيعٍ، قال: حَدَّثَنَا أبي، عن النضرِ بنِ عربيٍّ (^٢)، عن مُجاهِدٍ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾. قال: هو قولُه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾ الآية (^٣).\nحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾. قال: أىْ ربِّ، أَتَتوبُ عليَّ إن تُبْتُ؟ قال: نعَم. فتاب آدمُ، فتاب عليه ربُّه.\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاق، قال أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾. قال: هو قولُه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^٤).\n_________\n= في تفسيره ١/ ٩١ (٤١٠) من طريق سفيان به، عن خصيف، عن مجاهد وسعيد ابن جبير.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٩١ (٤١١) من طريق أبى حذيفة، عن شبل، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد. وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١١٦ عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.\n(^٢) في ت ١: \"عمير\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"عتير\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٩ إلى وكيع وعبد بن حميد.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٤. وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٧/ ٤٣٥، من طريق محمد بن حماد =","vol":"1","page":585},{"text":"[حَدَّثَنِي يونُسُ بنُ عبدِ الأعلي، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: هو قولُه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾] (^١).\nوهذه الأقوالُ التى حكيْناها عمَّن حكيْناها عنه، وإن كانت مختلفةَ الألفاظِ، فإن معانيَها مُتَّفِقَةٌ في أن اللهَ تعالى ذكرُه لقَّى آدمَ كلماتٍ تلقَّاهن آدمُ مِن ربِّه فقبِلَهن، وعمِل بهن، وتاب -بقِيلِه إيَّاهن وعملِه بهن- إلى اللهِ مِن خطيئتِه، مُعْتَرفًا بذنبِه، مُتَنصِّلًا إلى رِّبه مِن خطيئتِه، نادمًا على ما سلَف منه مِن خلافِ أمرِه، فتاب اللهُ عليه بقبولِه الكلماتِ التى تَلقَّاهن منه، وندمِه على سالفِ الذنبِ منه.\nوالذى يَدُلُّ عليه كتابُ اللهِ جلّ ثناؤه أن الكلماتِ التى تَلقَّاهن آدمُ مِن ربِّه هن الكلماتُ التى أخْبَر جلّ ذكرُه عنه أنه قالها مُتَنَصِّلًا بقِيلِها إلى ربِّه، معترفًا بذنبِه، وهو قولُه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وليس ما قاله مَن خالَف قولَنا هذا -مِن الأقوالِ التى حكَيْناها- بمدفوعٍ قولُه، ولكنه قولٌ لا شاهدَ عليه مِن حجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها، فيَجوزَ لنا إضافتُه إلى آدمَ، وأنه مما تلَقَّاه مِن ربِّه عندَ إنابتِه إليه مِن ذنبِه.\nوهذا الخبرُ الذى أخْبَر اللهُ عن آدمَ -من قيلِه الذى لقَّاه اللهُ إيّاه، فقاله تائبًا إليه مِن خطيئتِه- تَعريفٌ منه جلَّ ذِكرُه جميعَ المخاطَبِين، بكتابِه كيفيةَ التوبةِ إليه مِن\n_________\n= الطهراني، عن عبد الرزاق به. وتقدم من وجه آخر عن قتادة في ص ٥٨١.\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١١٦ عن ابن زيد.","vol":"1","page":586},{"text":"الذنوبِ، وتنبيهٌ للمُخاطَبِينَ بقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾. على موضعِ التوبةِ ممّا هم عليه مِن الكفرِ باللهِ، وأن خَلاصَهم مما هم عليه مُقِيمون مِن الضَّلالةِ نظيرُ خَلاصِ أبيهم آدمَ مِن خطيئتِه، مع تذكيرِه إيّاهم به السالفَ إليهم مِن النِّعمِ التى خصَّ بها أباهم آدمَ وغيرَه مِن آبائِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-185>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾.</span>\nوقولُه: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. يعنى على آدمَ، والهاءُ التى في ﴿عَلَيْهِ﴾ عائدةٌ على آدمَ. وقولُه: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. يعْنى: رزَقه التوبةَ مِن خطيئتِه. والتوبةُ معناها الإنابةُ إلى اللهِ جلَّ ثناؤُه، والأَوْبةُ إلى طاعتِه مما يَكْرَهُ مِن معصيتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-186>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾.</span>\nوتأويلُ قولِه: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. أن اللهَ جل ثناؤُه هو التوابُ على مَن تاب إليه مِن عبادِه المُذْنبِين مِن ذنوبِه، التاركُ مُجازاتَه بإنابتِه إلى طاعتِه بعدَ معصيتِه بما سلَف مِن ذنبِه. وقد ذكَرْنا أن معنى التوبةِ مِن العبدِ إلى ربِّه إنابتُه إلى طاعتهِ، وأوْبتُه إلى ما يُرْضِيه، بتركِه ما يَسْخَطُه مِن الأمورِ التى كان عليها مُقيمًا مما يَكْرَهُه ربُّه. فكذلك توبةُ اللهِ على عبدِه، هو أن يَرْزُقَه ذلك، ويؤوبَ له (^١) مِن غضبِه عليه إلى الرضا عنه، ومِن العقوبةِ إلى العفوِ والصَّفْحِ عنه.\nوأما قولُه: ﴿الرَّحِيمُ﴾ فإنه يعنى أنه المُتَفَضِّلُ عليه مع التوبةِ بالرحمةِ، ورحمتُه إياه إقالتُه (^٢) عثرتَه وصَفْحُه عن عقوبةِ جُرْمِه.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"إقالة\".","vol":"1","page":587},{"text":"<span id=\"aya-45\"></span>وقد ذكَرْنا القول في تأويلِ قولِه: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾. فيما مضَى، فلا حاجةَ بنا إلى إعادتِه، إذ كان معناه في هذا الموضعِ هو معناه في ذلك الموضعِ.\nوقد حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ ابنُ سالمٍ، عن أبى صالحٍ في قولِه: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾. قال: آدمُ وحوَّاءُ والحيّةُ وإبليسُ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-187>القولُ في تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾.</span>\nوتأويلُ قولِه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾: فإن يأْتِكم، و\"ما\" التى مع \"إن\" توكيدٌ للكلامِ، ولدخولِها مع \"إن\" أُدخِلَت النونُ المشُدَّدةُ في ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ تفرقةً بدخولِها بينَ \"ما\" التى تَأْتى بمعنى توكيدِ الكلامِ -التى تُسَمِّيها أهلُ العربيةِ صِلةً وحَشْوًا- وبين \"ما\" التى تأتى بمعنى \"الذى\"، فتُؤْذِنُ بدخولِها في الفعلِ أنَّ \"ما\" التى مع \"إن\" التى بمعنى الجزاءِ توكيدٌ، وليست \"ما\" التى بمعنى \"الذى\".\nوقد قال بعضُ نحوِيِّى [أهلِ البصرةِ] (^٢): إنَّ \"إمَّا\": \"إنْ\"، زِيدَت معها \"ما\"، وصار الفعلُ الذى بعدَه بالنونِ الخفيفةِ أو الثقيلةِ، وقد يَكونُ بغيرِ نونٍ، وإنما حسُنَت فيه النونُ لمَّا دخَلَته \"ما\"؛ لأن \"ما\" نفىٌ، وهى مما ليس بواجبٍ، وهى الحرفُ الذى يَنْفِى الواجبَ، فحسُنَت فيه النونُ، نحوَ قولهم: بعينٍ ما أَرَيَنْكَ. حينَ أُدْخِلَت فيها \"ما\" حسُنَت النونُ فيما ههنا.\nوقد أنْكَر جماعةٌ مِن أهلِ العربيةِ دعوى قائلِ (^٣) هذه المقالةِ أن \"ما\" التى مع:\n_________\n(^١) تقدم في ص ٥٧٢ من طريق آخر عن إسماعيل.\n(^٢) في م: \"البصريين\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قائلى\".","vol":"1","page":588},{"text":"بعينٍ ما أرينك، بمعنى الجحدِ، وزعَموا أن ذلك بمعنى التوكيدِ للكلامِ.\nوقال آخَرون: بل هو حَشْوٌ في الكلامِ، ومعناها الحذفُ، وإنما معْنى الكلامِ: \"بعينٍ أراك. وغيرُ جائزٍ أن يُجْعَلَ مع الاختلافِ فيه أصلًا يُقاسُ عليه غيرُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-188>القولُ في تأويلِ قولِهِ جلّ ثناؤُه: ﴿مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾.</span>\nوالهُدَى في هذا الموضعِ البيانُ والرَّشادُ، كما حدَّثنى المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ العَسْقلانىُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾. قال: الهُدَى الأنبياءُ والرسلُ والبَيانُ (^١).\nفإن كان ما قال أبو العاليةِ في (^٢) ذلك كما قال، فالخِطابُ بقولِ: ﴿اهْبِطُوا﴾. وإن كان لآدمَ وزوجتِه، فيَجِبُ أن يَكونَ مُرادًا به آدمُ وزوجتُه وذريتُهما، فيَكونَ ذلك حينَئذٍ نظيرَ قولِه: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. بمعنى: أتَيْنا بما فينا مِن الخَلْقِ طائِعِين. ونظيرَ قولِه في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِهِم مَنَاسِكَهم) (^٣). فجمَع قبلَ أن تَكونَ ذريةٌ، وهو في قراءتِنا: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨]. وكما يقولُ القائلُ لآخرَ: كأنك قد تزَوَّجْتَ ووُلِد لك وكثُرتُم وعزَزْتُم. ونحوِ ذلك مِن الكلامِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٩٣ (٤١٩) من طريق آدم به.\n(^٢) في ص: \"من\".\n(^٣) سيأتى تخريج هذه القراءة في موضعها من التفسير.","vol":"1","page":589},{"text":"وإنما قلْنا: إن ذلك هو الواجبُ على التأويلِ الذى ذكَرْناه عن أبى العاليةِ؛ لأن آدمَ كان هو النبىَّ ﵇ أيامَ حياتِه بعدَ أن أُهْبِط إلى الأرضِ، والرسولَ مِن اللهِ تعالى ذكرُه إلى ولدِه، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ مَعْنِيًّا -وهو الرسولُ- بقولِه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾. خطابًا له ولزوجتِه: فإما يأتينّكم مِنى (^١) أنبياءُ ورسلٌ. إلا على ما وصَفْتُ مِن التأويلِ.\nوقولُ أبى العاليةِ في ذلك -وإن كان وجهًا مِن التأويلِ تَحْتَمِلُه الآيةُ- فأقربُ إلى الصوابِ منه عندى، وأشبهُ بظاهرِ التِّلاوةِ أن يكونَ تأويلُها: فإما يَأْتِيَنَّكم (^٢) يا معشرَ مَن أُهْبِطَ (^٣) إلى الأرضِ مِن سمائى -وهو آدمُ وزوجتُه وإبليسُ، كما قد ذكَرْنا قبلُ في تأويلِ الآيةِ التى قبلَها- إما يَأْتِيَنَّكم منى ييانٌ مِن أمرِى وطاعتى ورَشادٌ إلى سبيلى ودِينى، فمَن اتَّبَعه منكم فلا خوفٌ عليهم ولا هم يَحْزنون، وإن كان قد سلَف منهم قبلَ ذلك إلىَّ معصيةٌ وخلافٌ لأمْرى وطاعتى. يُعَرِّفُهم بذلك تعالى ذكرُه أنه التائبُ على مَن تاب إليه مِن ذنوبِه، والرحيمُ بمن (^٤) أناب إليه، كما وصَف نفسَه بقولِه: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.\nوذلك أن ظاهرَ الخِطابِ بذلك إنما هو للذين قال لهم جلَّ ثناؤُه: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾. والذين خُوطِبوا به هم مَن سَمَّيْنا في قولِ الحُجَّةِ مِن الصحابةِ والتابعين الذين قد قدَّمْنا الروايةَ (^٥) عنهم. وذلك وإن كان خطابًا مِن اللهِ تعالى ذِكرُه لمن أُهْبِط حينَئذٍ مِن السماءِ إلى الأرضِ، فهو سنَّةُ اللهِ في جميعِ خلقِه، وتعريفٌ منه بذلك\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هدى\".\n(^٢) بعده في م: \"منى\".\n(^٣) في م: \"أهبطته\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"لمن\".\n(^٥) بعده في ص: \"به\".","vol":"1","page":590},{"text":"الذين أخْبَر عنهم في أولِ هذه السورةِ بما أخْبَر عنهم في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وفى قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٦، ٨]. أن (^١) حُكْمَه فيهم -إن تابوا إليه وأنابوا، واتَّبَعوا ما أتاهم مِن البيانِ مِن عندِ اللهِ على لسانِ رسولِه محمدٍ ﷺ- أنهم عندَه في الآخرةِ ممَّن لا خوفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنون، وأنهم إن هلَكوا على (^٢) كُفرِهم وضَلالتِهم قبلَ الإنابةِ والتوبةِ، كانوا مِن أهلِ النارِ المُخَلَّدِين فيها.\nوقولُه: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾. يعنى: فمَن تبِع بَيانى الذى أُبَيِّنُه (^٣) على ألْسُنِ رُسُلى، أو مع رسلى.\nكما حدَّثنى به المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ العسقلانىُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ يعنى: بَيانى (^٤).\nوقولُه: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾. يعنى: فهم آمِنون في أهوالِ القيامةِ مِن عقابِ اللهِ، غيرُ خائِفِين عذابَه؛ بما أطاعوا اللهَ في الدنيا، واتَّبَعوا أمرَه وهُداه وسبيلَه ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يومَئذٍ على ما خلَّفوا بعدَ وفاتِهم في الدنيا.\nكما حدَّثنى يونُسُ ابنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: لا خوفٌ عليكم أمامَكم، وليس شيءٌ أعظمَ في صدرِ الذى يَموتُ ممَّا بعدَ الموتِ، فأمَّنهم منه وسلَّاهم عن الدنيا، فقال: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\n_________\n(^١) في ص، م: \"وأن\".\n(^٢) في الأصل: \"من\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"آتيته\".\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٩٣ (٤٢٢) من طريق آدم.","vol":"1","page":591},{"text":"<span id=\"aya-46\"></span>وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. يعنى: والذين جحَدوا آياتى وكذَّبوا رُسُلى. وآياتُ اللهِ حُجَجُه أدلَّتُه على وحدانيَّتِه وربوبيَّتِه، وما جاءت به الرسلُ مِن الأعْلامِ والشَّواهدِ على ذلك، وعلى صدقِها فيما أنبأَتْ عن ربِّها، وقد بيَّنا أن معنى الكفرِ التَّغْطيةُ على الشئِ (^١).\n﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، يعنى: أهلُها الذين هم أهلُها دونَ غيرِهم، المُخلَّدون فيها أبدًا (^٢) إلى غيرِ أمَدٍ ولا نهايةٍ.\nكما حدَّثنى عُقبةُ بنُ سِنانٍ البصرىُّ، قال: حدَّثنا غَسَّانُ بنُ مُضَرَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ يَزيدَ، وحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ العَنْبَرىُّ، قال: حدَّثنا بشرُ بن المُفَضَّلِ، قال: حدَّثنا أبو مَسْلَمةَ (^٣)، وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وأبو بكرِ بنُ (^٤) عونٍ، قالا: حدَّثنا إسماعيلُ ابنُ عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بنِ يزيدَ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبى سعيدٍ الخُدْرىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أمَّا أهْلُ النَّارِ الذِين هم أهْلُها، فإنَّهم لا يَمُوتُونَ فيها ولا يَحْيَوْنَ، ولكِنَّ أقْوَامًا أصَابَتْهم النَّارُ بخَطايَاهم -أو بذُنُوبهم- فأمَاتَتْهم إمَاتَةً، حتى إِذا صَارُوا فَحْمًا أُذِنَ في الشَّفَاعَةِ\" (^٥).\n_________\n(^١) تقدم في ص ٢٦٢.\n(^٢) في ر: \"هم فيها خالدون\".\n(^٣) بعده في م: \"سعيد بن يزيد\". وهو اسم أبى مسلمة.\n(^٤) بعده في الأصل، ص: \"أبى\".\n(^٥) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ١٨٢، وابن صاعد في زوائده على زهد ابن المبارك (١٢٦٩) من طريق عقبة بن سنان ويعقوب بن إبراهيم به.\nوأخرجه مسلم (١٨٥)، وابن ماجه (٤٣٠٩) من طريق بشر بن المفضل به. وأخرجه أحمد ١٧/ ١٣٤، ١٣٥ (١١٠٧٧)، وحسين المروزى وابن صاعد في زوائدهما على زهد ابن المبارك (١٢٦٩)، وأبو يعلى (١٠٩٧، ١٣٧٠)، وابن حبان (٧٤٨٥)، وابن منده في الإيمان (٨٣٢) من طريق ابن علية به.","vol":"1","page":592},{"text":"<span id=\"aya-47\"></span><span data-type='title' id=toc-189>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. ولدَ (^١) يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ. وكان يعقوبُ يُدْعَى إسرائيلَ، بمعنى: عبدُ اللهِ وصَفْوتُه مِن خلقِه. و\"إيلُ\" هو اللهُ تعالى ذكرُه، و\"إسْرَا\": هو العبدُ، كما قيل: جبريلُ. بمعنى: عبدُ اللهِ.\nوكما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن الأعمشِ، عن إسماعيلَ بنِ رَجاءٍ، عن عُمَيْرٍ مولَى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن إسرائيلَ كقولِك: عبدُ اللهِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن عبدِ اللهِ ابنِ الحارثِ قال: \"إيلُ\" اللهُ بالعِبْرانيةِ (^٣).\nوإنما خاطَب اللهُ جلّ وعزّ بقولِه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أَحبارَ اليهودِ مِن بنى إسرائيلَ الذين كانوا بينَ ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ، فنسَبهم إلى يعقوبَ، كما نسَب ذريةَ آدمَ إلى آدمَ، فقال: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. وما أشْبَه ذلك.\nوإنما خصَّهم بالخطابِ في هذه الآيةِ والتى بعدَها مِن الآىِ التى ذكَّرهم فيها نعَمَه -وإن كان قد تقدَّم ما أنْزَل فيهم وفى غيرِهم فى أولِ هذه السورةِ ما\n_________\n(^١) في ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يا ولد\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٨٢ (٩٦٣)، والبيهقى في الشعب (١٦٥)، والخطيب في المتفق والمفترق ١/ ٣٩٨ من طريق أبي معاوية، عن الأعمش به. وسيأتى في ٢/ ٢٩٦ بهذا الإسناد. وينظر تغليق التعليق ٤/ ١٧٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٨٢ (٩٦٧) من طريق جرير به. وسيأتى في ٢/ ٢٩٥ بهذا الإسناد.","vol":"1","page":593},{"text":"قد تقَدَّم -أن الذي احْتَجَّ به مِن الحُجَجِ في (^١) الآياتِ التى فيها أنباءُ أسْلافِهم وأخبارُ أوائلِهم، وقَصَصُ الأمورِ التى هم بعلمِها مَخْصوصون دونَ غيرِهم مِن سائرِ الأممِ، ليس عندَ (^٢) غيرِهم مِن العلمِ بصحتِه وحقيقتِه مثلُ الذي لهم مِن العلمِ به، إلا لمن اقتَبَس علمَ ذلك منهم، فعرَّفهم باطِّلاعِ محمدٍ ﷺ على علمِها -مع بُعْدِ قومِه وعَشيرتِه مِن معرفتِها، وقلَّةِ مُزاولةِ محمدٍ ﷺ دراسةَ الكتبِ التى فيها أنباءُ ذلك- أن محمدًا ﷺ لم يَصِلْ إلى علمِ ذلك إلا بوحىٍ مِن اللهِ تعالى ذكرُه وتنزيلٍ منه ذلك إليه، لأنهم مِن عِلْمِ صحةِ ذلك بمَحلٍّ ليس به مِن الأممِ غيرُهم، فلذلك تعالى ذكرُه خصَّ بقولِه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ خطابَهم.\nكما حدَّثنا به ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال: يا أهلَ الكتابِ، للأحْبارِ مِن يهودَ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-190>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾.</span>\nونعمتُه التى أنْعَمها على بنى إسرائيلَ (^٤) اصْطفاؤُه منهم الرسلَ، وإنزالُه عليهم الكتبَ، واسْتِنْقاذُه إياهم مما كانوا فيه مِن البلاءِ والضَّرَّاءِ مِن فرعونَ وقومِه، إلى التَّمْكينِ لهم في الأرضِ، وتَفْجيرِ عُيونِ الماءِ مِن الحجرِ، وإطعامِ المنِّ والسَّلْوَى، فأمَر جل ثناؤُه أعْقابَهم أن يَكونَ ما سلَف منه إلى آبائِهم على ذِكْرٍ منهم (^٥)، وألا يَنْسَوْا صَنيعَه إلى أسلافِهم وآبائِهم، فيُحِلَّ بهم مِن النِّقَمِ ما أحَلَّ بمَن نسِى نعمَه عندَه منهم\n_________\n(^١) في ص، م: \"و\".\n(^٢) في ص: \"عندهم\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٩٥ (٤٣٤) من طريق سلمة به.\n(^٤) بعده في ر: \"وتلك النعم\"، وبعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جل ذكره\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"1","page":594},{"text":"وكَفَرَها وجحَد صنائعَه عندَه.\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أى: بَلائى (^١) عندَكم وعند آبائِكم؛ لِمَا كان نجّاهم به مِن فرعون وقومِه (^٢).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ العسقلانيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ قال: نعمتُه أن جعَل منهم الأنبياءَ والرسلَ، وأنْزَل عليهم الكتبَ (^٣).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾: يعنى نعمتَه التى أنْعَم على بنى إسرائيلَ فيما سمَّى وفيما سِوَى ذلك؛ فجَّر لهم الحجرَ، وأنْزَل عليهم المنَّ والسلوى، وأنْجاهم مِن عُبوديةِ (^٤) آلِ فرعونَ (^٥).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ قال: نعمةٌ عامةٌ، ولا نعمةَ أفضلُ مِن نعمةِ الإسلامِ، والنِّعمُ بعدُ تبَعٌ لها. وقرَأ قولَ اللهِ تعالى ذِكْرُه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٧].\n_________\n(^١) في م: \"آلائى\".\n(^٢) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٩٥ (٤٣٥) من طريق آدم به.\n(^٤) في الأصل: \"عبودة\"، وفى ص: \"عيون\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٩٥ (٤٣٦) من طريق ابن أبي نجيح به.","vol":"1","page":595},{"text":"وتذكيرُ اللهِ تعالى ذكرُه الذي ذكَّر بهذه الآيةِ مِن نعَمِه على لسانِ رسولِه محمدٍ ﷺ، نظيرُ تَذْكيرِ موسى صلواتُ الله عليه أسلافَهم على عهدِه الذي أخْبَر اللهُ عنه أنه قاله لهم، وذلك قولُه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-191>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: قد تقَدَّم بَيانُنا عن معنى العهدِ فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، واختلافِ المُخْتَلِفِين في تأويلِه (^١)، والصوابِ عندَنا مِن القولِ فيه. وهو في هذا الموضعِ عهدُ الله ووصيتُه التى أخَذ على بنى إسرائيلَ في التَّوراةِ أن يُبيِّنوا للناسِ أمرَ محمدٍ ﷺ أنه رسولُ اللهِ، وأنهم يَجِدونه مَكتوبًا عندَهم أنه نبيُّ اللهِ، وأَن يُؤمِنوا به وبما جاءبه مِن عندِ اللهِ.\n﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ وعهدُه إليهم (^٢) أنهم إذا فعَلوا ذلك أدْخَلَهم الجنةَ، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ الآية [المائدة: ١٢]. وكما قال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٦، ١٥٧].\nوكما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ،\n_________\n(^١) تقدم في ص ٤٣٥ - ٤٣٩.\n(^٢) فى ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إياهم\".","vol":"1","page":596},{"text":"عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾: الذي أخَذْتُ في أعْناقِكم للنبىِّ محمدٍ إذ جاءكم، ثم ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ أى: أُنْجِزْ لكم ما وعَدْتُكم عليه بتصديقِه واتباعِه، بوضعِ ما كان عليكم مِن الإصْرِ والأغْلالِ التى كانت في أعْناقِكم بذنوبِكم التى كانت مِن أحداثِكم (^١).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾. قال: عهدُه إلى عبادِه؛ دينُه (^٢) الإسلامُ أن يَتَّبِعوه، ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾. يعنى الجنةَ (^٣).\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾: أمّا ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾، فما عهِدْتُ إليكم في الكتابِ، وأمّا ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، فالجنةُ، عهِدْتُ إليكم أنكم إن عمِلْتُم بطاعتى أدْخَلْتُكم الجنةَ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ في قولِه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قال: ذلك الميثاقُ الذي أخَذ عليهم في \"المائدةِ\": ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. فهذا عهدُ اللهِ الذي عهِد إليهم، وهو عهدُ اللهِ فينا، فمن أوْفَى بعهدِ اللهِ وفَى اللهُ له بعهدِه.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٤. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٩٥، ٩٦ (٤٣٨، ٤٤١) من طريق سلمة به.\n(^٢) في م: \"دين\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٩٥، ٩٦ (٤٣٩)، وعقب (٤٤١) من طريق آدم به.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١١٨ عن السدي.","vol":"1","page":597},{"text":"حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾. يقولُ: أَوْفوا بما أمَرْتُكم به مِن طاعتى، ونهَيْتُكم عنه مِن معصيتى في النبيِّ ﷺ وفى غيرِه، ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾. يقولُ: أَرْضَ عنكم وأُدْخِلْكم الجنةَ (^١).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾. قال: أَوْفوا بأمرِى أُوفِ بالذى وعَدْتُكم. وقرَأ: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ حتى بلَغ: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ [التوبة: ١١١]. قال: هذا عهدُه الذي عهِد لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-192>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وتأويلُ قولِه جلّ وعز: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾: وإياى فاخْشَوْا واتَّقُوا أيها المُضَيِّعون عَهْدى مِن بنى إسرائيلَ، والمُكَذِّبون رَسولى الذي قد أخَذْتُ ميثاقَكم فيما أنْزَلْتُ مِن الكتبِ على أنْبيائى أن تُؤْمِنوا به وتَتَّبِعوه -أن أُحِلَّ بكم مِن عقوبتى- إن لم تُنِيبُوا وتَتوبُوا إليَّ باتِّباعِه والإقرارِ بما أنْزَلْتُ إليه - ما أحْلَلْتُ بمَن خالف أمرى وكذَّب رُسلى مِن أسْلافِكم.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي محمد، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أى (^٢): أن أُنزِلَ بكم ما أَنْزَلْتُ بمَن كان قبلَكم مِن آبائِكم مِن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٩٥، ٩٦ (٤٣٧، ٤٤٠) من طريق المنجاب به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"1","page":598},{"text":"النَّقِماتِ التى قد عرَفْتُم مِن المَسْخِ وغيرِه (^١).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنى آدمُ العَسْقلانيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. يقولُ: فاخْشَوْنِ (^٢).\nحدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ يقولُ: وإياىَ فاخْشَوْنِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-48\"></span><span data-type='title' id=toc-193>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَآمِنُوا﴾: صدِّقوا، كما قد قدَّمْنا البيانَ عنه قبلُ (^٤). ويَعْنى بقولِه: ﴿بِمَا أَنْزَلْتُ﴾. ما أنْزَل على محمدٍ ﷺ مِن القرآنِ. ويعنى بقولِه: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾. أن القرآنَ مُصَدِّقٌ لما مع اليهودِ مِن بنى إسرائيلَ مِن التوراةِ، فأمَرهم بالتَّصْديقِ بالقرآنِ، وأخْبَرَهم أن في تصديقِهم بالقرآنِ تصديقًا منهم للتوراةِ، لأن الذي في القرآنِ مِن الأمرِ بالإقرارِ بنبوَّةِ محمدٍ ﷺ وتصديقِه واتِّباعِه، نظيرُ الذي مِن ذلك في التوراةِ والإنجيلِ، ففي تصديقِهم بما أُنْزل على محمدٍ ﷺ تصديقٌ منهم لما معهم مِن التوراةِ، وفى تكذيبِهم به تكذيبٌ منهم لما معهم مِن التوراةِ.\nوقولُه جل ثناؤُه: ﴿مُصَدِّقًا﴾. قطعٌ مِن الهاءِ المتروكةِ في ﴿أَنْزَلْتُ﴾ (^٥)\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٤. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٩٦ (٤٤٢) من طريق سلمة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٩٦ (٤٤٣) من طريق آدم به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٩٦ عقب الأثر (٤٤٣) من طريق عمرو به.\n(^٤) تقدم في ص ٢٥٤.\n(^٥) في ص، م: \"أنزلته\".","vol":"1","page":599},{"text":"مِن ذكر \"ما\". ومعنى الكلامِ: وآمِنوا بالذى أنْزَلْتُه مصدقًا لما معكم أيُّها اليهودُ. والذى معهم هو التوراةُ والإنجيلُ.\nكما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنى عيسى ابنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ الله تعالى ذكرُه: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾. يقولُ: ﴿بِمَا (^١) أَنْزَلْتُ﴾ القرآنُ، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ التوراةُ والإنجيلُ (^٢).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ العَسْقلانيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾. يقولُ: يا معشرَ أهلِ الكتابِ، آمِنوا بما أنْزَلْتُ على محمدٍ ﷺ مصدِّقًا لما معكم، يقولُ: لأنهم يَجِدون محمدًا ﷺ مكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-194>القولُ في تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: كيف قيل: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ والخطابُ خبرٌ (^٤) لجميعٍ، وقولُه (^٥): ﴿كَافِرٍ﴾ واحدٌ؟ وهل نُجِيزُ -إن كان ذلك\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إنما\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٠١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٩٦ (٤٤٥)، بدون ذكر التوراة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ص ١٦ (مخطوط) إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٩٦ (٤٤٤) من طريق آدم به.\n(^٤) في ص، م: \"فيه\".\n(^٥) سقط من: م.","vol":"1","page":600},{"text":"جائزًا- أن يَقولَ قائلٌ: لا تكونوا أولَ رجلٍ قام؟\nقيل له: إنما يَجوزُ توحيدُ ما أُضِيف إليه \"أفَعْل\" وهو خبرٌ لجميعٍ، إذا كان اسمًا مشتقًّا مِن \"فَعَلَ ويَفْعُلُ\"؛ لأنه يؤدِّى عن المرادِ معه المحذوفَ مِن الكلامِ، وهو \"مَن\"، ويَقومُ مَقامَه في الأداءِ عن معنى ما كان يؤَدِّى عنه \"مَن\"، مِن الجمعِ والتأنيثِ، وهو في لفظٍ واحدٍ. ألا تَرَى أنك تقولُ: ولا تكونوا أولَ مَن يَكْفُرُ به. فـ\"مَن\" بمعنى جمعٍ، وهو غيرُ مُتَصَرِّفٍ تَصَرُّفَ الأسماءِ للتثنيةِ والجمعِ والتأنيثِ، فإذا أُقِيم الاسمُ المشتقُّ مِن \"فَعَلَ ويَفْعُلُ\" مُقامَه، جرَى وهو موحَّدٌ مَجْراه في الأداءِ عما كان يُؤَدِّى عنه \"مَنْ\" مِن معنى الجمعِ والتأنيثِ، كقولِك: الجيشُ مُنْهَزِمٌ (^١)، والجُنْدُ مُقْبِلٌ (^٢). فتُوَحِّدُ الفعلَ لتوحيدِ لفظِ الجيشِ والجندِ، وغيرُ جائزٍ أن يُقالَ: الجيشُ رجلٌ، والجندُ غلامٌ. حتى تقولَ: الجندُ غِلْمانٌ، والجيشُ رجالٌ. لأن الواحدَ مِن عددِ الأسماءِ التي هى غيرُ مشتقةٍ مِن \"فَعَلَ ويَفْعُلُ\" لا يُؤَدِّى عن معنى الجماعةِ منهم، ومِن ذلك قولُ الشاعر (^٣):\nوإذا هُمُ طعِموا فأَلْأَمُ طاعِمٍ … وإذا هُمُ جاعوا (^٤) فشرُّ جِياعِ\nفوحَّد مرَّةً على ما وصَفْتُ مِن نيةِ \"مَن\"، وإقامةِ الظاهرِ مِن الاسمِ الذى هو مشتقٌّ مِن \"فَعَلَ ويَفْعُلُ\" مُقامَه، وجمَع أُخرى على الإخراجِ على عددِ الأسماءِ المُخْبَرِ عنهم، ولو وحَّد حيثُ جمَع أو جمَع حيثُ وحَّد، كان صوابًا جائزًا.\nوأما تأويلُ ذلك فإنه يَعْنى به: يا معشرَ أحبارِ أهلِ الكتابِ، صدِّقوا بما أنْزَلْتُ\n_________\n(^١) في م: \"ينهزم\".\n(^٢) في م: \"يقبل\".\n(^٣) ذكره أبو زيد في النوادر ص ١٥٢، والفراء في معانى القرآن ١/ ٣٣.\n(^٤) في النوادر: \"عاعوا\". وهى رواية في البيت.","vol":"1","page":601},{"text":"على رسولى محمدٍ ﷺ مِن القرآنِ المُصَدِّقِ كتابَكم، والذى عندَكم مِن التوراةِ والإنجيلِ المعهودِ إليكم فيهما أنه رسولى ونبيِّىَ المبعوثُ بالحقِّ، ولا تكونوا أولَ أُمّتِكم (^١) كذَّب به وجحَد أنه مِن عندِى، وعندَكم مِن العلمِ به ما ليس عندَ غيرِكم.\nوكفرُهم به جُحودُهم أنه مِن عندِ اللهِ.\nوالهاءُ التي في ﴿بِهِ﴾ مِن ذكرِ \"ما\" التي مع قولِه: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾.\nكما حدَّثني القاسمُ، قال: حدَّثنى الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾: بالقرآنِ (^٢).\nورُوِى عن أبي العاليةِ في ذلك ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾. يقولُ: ولا تكونوا أولَ مَن كفَر بمحمدٍ ﷺ (^٣).\nوقال بعضُهم: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾. يعنى: بكتابِكم. ويتَأَوَّلُ أن في تكذيبِهم بمحمدٍ ﷺ تكذيبًا منهم بكتابِهم؛ لأن في كتابِهم الأمرَ باتِّباعِ محمدٍ ﷺ.\nوهذان القولان مِن ظاهرِ ما تَدُلُّ عليه التلاوةُ بعيدانِ، وذلك أن اللهَ جَلَّ ثناؤُه أمَر المُخاطَبِين بهذه الآيةِ في أولِها بالإيمانِ بما أُنْزَل على محمدٍ ﷺ، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾. ومَعقولٌ أن الذى أنْزَلَه اللهُ في\n_________\n(^١) في م: \"من\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٦٤ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٩٧ (٤٤٧) من طريق آدم به.","vol":"1","page":602},{"text":"عصرِ محمدٍ ﷺ هو القرآنُ لا محمدٌ، لأن محمدًا صلواتُ اللهِ عليه رسولٌ مُرْسَلٌ لا تَنْزِيلٌ مُنْزَلٌ، والمُنْزَلُ هو الكتابُ، ثم نهاهم أن يكونوا أولَ مَن يَكْفُرُ بالذى أمَرهم بالإيمانِ به في أولِ الآيةِ -مِن أهلِ الكتابِ، فذلك هو الظاهرُ المفهومُ، ولم يَجْرِ لمحمدٍ ﷺ في هذه الآيةِ ذكرٌ ظاهرٌ فيُعادَ عليه بذكرِه مَكْنِيًّا في قولِه: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾. وإن كان غيرَ مُحالٍ في الكلامِ أن يُذكَرَ مَكْنِىُّ اسمٍ لم يَجْرِ له ذكرٌ ظاهرٌ في الكلامِ.\nوكذلك لا معنى لقولِ مَن زعَم أن العائدَ مِن الذِّكْرِ في ﴿بِهِ﴾ على \"ما\" التي في قوله: ﴿لِمَا مَعَكُمْ﴾. لأن ذلك وإن كان مُحْتَمِلًا ظاهرَ الكلامِ، فإنه بعيدٌ مما يَدُلُّ عليه ظاهرُ التِّلاوةِ والتنزيلِ؛ لما وصَفْنا قبلُ مِن أن الأمرَ (^١) بالإيمانِ به في أولِ الآيةِ هو القرآنُ، فكذلك الواجب أن يكونَ النهىُ عن الكفرِ به في آخرِها هو القرآنَ. فأما أن يكونَ المأمورُ بالإيمانِ به غيرَ المنهىِّ عن الكفرِ به في كلامٍ واحدٍ وآيةٍ واحدةٍ، فذلك غيرُ الأشهرِ الأظهرِ في الكلامِ، هذا مع بُعْدِ معناه في التأويلِ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾: وعندَكم فيه مِن العلمِ ما ليس عندَ غيرِكم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-195>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، فحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.\n_________\n(^١) فى م: \"المأمور\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٩٧ (٤٤٦) من طريق سلمة به.","vol":"1","page":603},{"text":"يقولُ: لا تَأْخُذوا عليه أجرًا. قال: وهو مَكتوبٌ عندَهم في الكتابِ الأولِ: يا بنَ آدمَ، علِّمْ مَجَّانًا كما عُلِّمْتَ مَجّانًا (^١).\nوقال آخَرون بما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. يَقولُ: لا تَأْخُذوا طَمعًا قليلًا وتَكْتُموا اسمَ اللهِ، فذلك الطَّمَعُ هو الثمنُ (^٢).\nفتأويلُ الآيةِ إذن: لا تَبِيعوا ما آتيْتُكم مِن العلمِ بكتابى وآياتِه بثمنٍ خَسيسٍ وعَرَضٍ مِن الدنيا قليلٍ. وبيعُهم إياه تركُهم إبانةَ ما في كتابِهم مِن أمرِ محمدٍ ﷺ للناسِ وأنه مَكتوبٌ فيه أنه النبيُّ الأميُّ الذى يَجِدونه مَكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ، بثمنٍ قليلٍ، وهو رِضاهم بالرِّياسةِ على أتْباعِهم مِن أهلِ ملَّتِهم ودينِهم، وأخذِهم الأجرَ ممَّن بيَّنوا له ذلك على ما بيَّنوا له منه.\nوإنما قلْنا: معنى ذلك: لا تَبِيعوا؛ لأن مُشْتَرِىَ الثمنِ القليلِ بآياتِ اللهِ بائعٌ الآياتِ بالثمنِ، فكلُّ واحدٍ مِن الثمنِ والمُثَمَّنِ مَبِيعٌ لصاحبِه، وصاحبُه به مُشْتَرٍ (^٣).\nوأما معنى ذلك على ما تأوَّله أبو العاليةِ: فبيِّنوا للناسِ أمرَ محمدٍ ﷺ، ولا تَبْتَغوا عليه منهم أجرًا. فيكونُ حينَئذٍ نهيُه عن أخذِ الأجرِ على تَبْيينِه هو النهىَ عن شراءِ الثمن القليلِ بآياتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-196>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعز: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾.\n_________\n(^١)</span> أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٩٧ (٤٤٩) والخطيب في الكفاية ص ١٥٣ من طريق آدم به. وأخرجه ابن على ٣/ ١٠٢٣ - ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه ١٨/ ١٧٩ -، وأبو نعيم في الحلية ٢/ ٢٢٠، والخطيب ص ١٥٤ من طريق أبي جعفر به نحوه. وأخرجه أبو خيثمة في العلم (٦٨) عن إسحاق بن سليمان الرازى عن أبى جعفر عن الربيع قوله.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٩٧ (٤٥١) من طريق عمرو به.\n(^٣) في الأصل: \"مُشْتَرًى\".","vol":"1","page":604},{"text":"قال أبو جعفرٍ: يقولُ: فاتَّقونِ في بيعِكم آياتى بالخَسِيسِ مِن الثمنِ، وشِرائِكم بها القليلَ مِن العِوضِ (^١)، وكفرِكم بما أنْزَلْتُ على رسولى، وجُحودِكم نبوَّةَ نبيِّى (^٢) - أن أُحِلَّ بكم ما أحْلَلْتُ بأسلافِكم (^٣) الذين سلَكوا سبيلَكم مِن المَثُلاتِ والنَّقِماتِ.\n\n<span id=\"aya-49\"></span><span data-type='title' id=toc-197>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يعنى بقولِه: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا﴾: لا تَخْلِطوا. واللَّبْسُ هو الخَلْطُ، يقالُ منه: لَبَسْتُ عليه هذا الأمرَ أَلْبِسُه لَبسًا، إذا خلَطْتَه عليه (^٤).\nكما حُدِّثْنا عن المِنْجابِ، عن بشرٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]. يقولُ: لخلَطْنا عليهم ما يَخْلِطون (^٥).\nومنه قولُ العَجَّاجِ (^٦)\nلَمَّا لَبَسْنَ الحَقَّ بالتَّجَنِّى\nغَنِينَ واسْتَبْدَلْنَ زَيْدًا مِنِّى\nيعنى بقوله: لبَسْنَ: خلَطْنَ. وأما اللُّبْسُ فإنه يقالُ. منه: لبِستُه ألبَسُه لُبْسًا ومَلْبَسًا. وذلك في الكِسْوةِ يَكْتَسِيها فيَلْبَسُها.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"العرض\".\n(^٢) في م: \"نبيه\".\n(^٣) في م: \"بأخلافكم\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عليهم\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٧ (٧١٣٤) عن أبي زرعة، عن منجاب به.\n(^٦) ديوانه ص ١٨٥.","vol":"1","page":605},{"text":"ومن اللُّبْسِ قولُ الأخطلِ (^١):\nولقد لبِسْتُ لهذا الدهرِ أعْصُرَه … حتى تجَلَّل رأسى الشَّيْبُ واشْتَعَلا\nومِن اللَّبْسِ قولُ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾.\nفإن قال لنا قائلٌ: وكيف كانوا يَلْبِسون الحقَّ بالباطلِ وهم كفارٌ؟ وأىُّ حقٍّ كانوا عليه مع كفرِهم باللهِ؟\nقيل: إنه كان فيهم مُنافِقون منهم يُظْهِرون التَّصْديقَ بمحمدٍ ﷺ ويَسْتَبْطِنون الكفرَ به، وكان عُظْمُهم يَقُولون: محمدٌ نبىٌّ مبعوثٌ، إلا أنه مبعوثٌ إلى غيرِنا. فكان لَبْسُ المنافقِ منهم الحقَّ بالباطلِ إظهارَه الحقَّ بلسانِه وإقرارَه بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به جِهارًا، وخلْطَه ذلك الظاهرَ مِن الحقِّ بالباطلِ الذى يَسْتَبْطِنُه، وكان لَبْسُ المُقِرِّ منهم بأنه مَبعوثٌ إلى غيرِهم، الجاحدِ أنه مبعوثٌ إليهم، إقرارَه بأنه مبعوثٌ إلى غيرِهم -وهو الحقُّ- وجحودَه أنه مَبعوثٌ إليهم وهو الباطلُ، وقد بعَثه اللهُ إلى الخلقِ كافَّةً، فذلك خلْطُهم الحقَّ بالباطلِ ولَبْسُهم إياه به.\nكما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. قال: لا تَخْلِطوا الصدقَ بالكذبِ (^٢).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. يقولُ: لا تَخْلِطوا الحقَّ بالباطلِ، وأدُّوا\n_________\n(^١) شرح ديوان الأخطل ص ٣٤٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٦٤ إلى المصنف.","vol":"1","page":606},{"text":"النَّصيحةَ لعبادِ اللهِ في أمرِ محمدٍ ﵊ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾: اليهوديةَ والنصرانيةَ بالإسلامِ.\nوحدَّثنى يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. قال: الحقُّ التوراةُ التي أنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه على موسى، والباطلُ الذى كتَبوه بأيديهم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-198>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه؛ ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وفى قولِه: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ وجهان مِن التأويلِ؛ أحدُهما: أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه نهاهم عن أن يَكْتُموا الحقَّ، كما نهاهم عن أن يَلْبِسوا الحقَّ بالباطلِ. فيَكونُ تأويلُ ذلك حينَئذٍ: ولا تَلْبِسوا الحقَّ بالباطلِ، ولا تكْتُموا الحقَّ. ويَكونُ قولُه: ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ عندَ ذلك مَجْزومًا بما جُزِم به ﴿تَلْبِسُوا﴾ عَطْفًا عليه.\nوالوجهُ الآخرُ منهما: أن يَكونَ النهىُ مِن اللهِ تعالى ذكرُه لهم عن أن يَلْبِسوا الحقَّ بالباطلِ، ويكونَ قولُه: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ خبرًا منه عنهم بكِتمانِهم الحقَّ الذى يَعْلَمونه. فيَكونُ قولُه حينَئذٍ: ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ منصوبًا لانْصرافِه عن معنى قولِه: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. إذ كان قولُه: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ﴾ نهيًا، وقولُه: ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ خبرًا معطوفًا عليه غيرَ جائزٍ أن يُعادَ عليه ما عمِل في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٩٨ (٤٥٤) من طريق آدم به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٦٤ إلى المصنف.","vol":"1","page":607},{"text":"قولِه: ﴿تَلْبِسُوا﴾ مِن الحرفِ الجازمِ، وذلك هو المعنى الذي يُسَمِّيه النَّحْويون صَرْفًا (^١). ونظيرُ ذلك في المعنى والإعرابِ قولُ الشاعرِ (^٢):\nلا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتَأْتِىَ مثلَه … عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ\nفنصَب \"تأتى\" على التأويل الذى قلْنا في قولِه: ﴿وَتَكْتُمُوا﴾؛ لأنه لم يَرِدْ: لا تَنْهَ عن خلقٍ ولا تأتِ مثلَه. وإنما معناه: لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وأنت تَأتى مثلَه. فكان الأولُ نهيًا والثانى خبرًا، إذ عطَفه على غيرِ شكلِه.\nفأما الوجهُ الأولُ مِن هذين الوجهين اللذين ذكَرْنا أن الآية تَحْتَمِلُهما، فهو على مذهبِ ابنِ عباسٍ الذي حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ ابنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾. يقولُ: لا تَكْتُموا الحقَّ وأنتم تَعْلَمون (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾. أى: ولا تَكْتُموا الحقَّ.\nوأما الوجهُ الثانى منهما، فهو على مذهبِ أبى العاليةِ ومُجاهدٍ.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن\n_________\n(^١) ينظر تعريف المصنف للصرف في ٦/ ٩٢، وينظر المصطلح الكوفى ص ١٠٥ وما بعدها.\n(^٢) البيت مختلف في نسبته؛ فقال صاحب الخزانة ٨/ ٥٦٤: المشهور أنه لأبى الأسود الدؤلى.\nونسبه سيبويه في الكتاب ٣/ ٤٢ للأخطل. وقد نسبه الآمدى في المؤتلف والمختلف ص ٢٧٣ للمتوكل الليثى.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٦٤ إلى المصنف.","vol":"1","page":608},{"text":"أبى العاليةِ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال: كتَموا نَعْتَ (^١) محمدٍ ﷺ (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى بنِ ميمونٍ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه (^٣).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ نحوَه.\nوأما تأويلُ الحقِّ الذي كتَموه وهم يَعْلَمونه، فإنه ما حدَّثنا به ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ مولى زيدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾. يقولُ: لا تَكْتُموا ما عندَكم مِن المعرفةِ برسولى، وما جاء به، وأنتم تَجِدونه عندَكم فيما تَعْلَمون مِن الكتبِ التى بأيديكم (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾. يقولُ: إنكم قد علِمْتُم أن محمدًا رسولُ اللهِ ﷺ، فنهاهم عن ذلك.\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال: يَكْتُمُ أهلُ الكتابِ\n_________\n(^١) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢: \"بعث\".\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٩٨ (٤٥٦) من طريق آدم به.\n(^٣) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٩٩ عقب الأثر (٤٥٨) معلقا.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٤، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٩٨ (٤٥٧) من طريق سلمة به.","vol":"1","page":609},{"text":"محمدًا ﷺ وهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ.\nحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال: الحقُّ هو محمدٌ ﷺ (^١).\nحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال: كتَموا نَعْتَ محمدٍ ﷺ وهم يَجِدونه مَكتوبًا عندَهم (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ (^٣)، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ: تَكْتُمون محمدًا وأنتم تَعْلَمون، وأنتم تَجِدونه عندَكم في التوراةِ والإنجيلِ.\nفتأويلُ الآيةِ إذن: ولا تَخْلِطوا على الناسِ أيُّها الأحبارُ مِن أهلِ الكتابِ في أمرِ محمدٍ ﷺ وما جاء به مِن عندِ ربِّه، وتزْعموا أنه مَبْعوثٌ إلى [بعضِ أجْناسِ الأممِ دون بعضٍ، أو تُنافِقوا في أمرِه، وقد علِمْتُم أنه مَبعوثٌ إلى] (^٤) جميعِكم، وجميعِ الأممِ غيرِكم، فتَخْلِطوا بذلك الصدقَ بالكذبِ، وتَكْتُموا به ما تَجِدونه في كتابِكم مِن نعْتِه وصفتِه، وأنه رسولى إلى الناسِ كافَّةً، وأنتم تَعْلَمون أنه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٩٩ (٤٥٨) عن أبى زرعة، عن عمرو به.\n(^٢) تقدم مختصرا في ص ٦٣٣.\n(^٣) في ر، ت ١، ت ٢: \"الحسن\".\n(^٤) سقط من: ص.","vol":"1","page":610},{"text":"رسولى، وأن ما جاء به إليكم فمِن عندى، وتَعْرِفون أن مِن عهدى الذي أخَذْتُ عليكم في كتابِكم الإيمانَ به وبما جاء به والتصديقَ به.\n\n<span id=\"aya-50\"></span><span data-type='title' id=toc-199>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: ذُكِر أن أحبارَ اليهودِ والمنافِقِين كانوا يَأْمُرون الناسَ بإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ ولا يَفْعَلونه، فأمَرهم اللهُ تعالى ذكرُه بإقامِ الصلاةِ مع المسلمين المُصدِّقِين بمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به، وإيتاءِ زكاةِ أموالِهم معهم، وأن يَخْضَعوا للهِ ﵎ ولرسولِه كما خضَعوا.\nكما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. قال: فَرِيضتان واجِبتان، فأدُّوهما إلى اللهِ جلّ ثناؤه.\nوقد بيَّنا معنى إقامةِ الصلاةِ فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، فكرِهْنا إعادتَه في هذا الموضعِ (^١).\nوأما إيتاءُ الزكاةِ فهو أداءُ الصدقةِ المفروضةِ، وأصلُ الزكاةِ نَماءُ المالِ وتَثْميرُه وزيادتُه. ومِن ذلك قيل: زكا الزرعُ، إذا كثُر ما أخْرَج اللهُ جلّ وعزّ منه، وزكَتِ النفقةُ، إذا كَثُرت. وقيل: زكا الفردُ، إذا صار زوجًا بزيادةِ الزائدِ عليه حتى صار به شَفْعًا، كما قال الشاعرُ (^٢):\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٢٤٧.\n(^٢) البيت في اللسان (خ س ى).","vol":"1","page":611},{"text":"كانوا خَسًا أو زَكًا مِن دونِ أربعةٍ … لم يُخْلَقوا وجُدودُ (^١) الناسِ تَعْتَلِجُ (^٢)\n[قال أبو جعفرٍ: خسًا: الوترُ، وزكًا: الشَّفْعُ] (^٣).\nوقال الرَّاجزُ (^٤):\nفلا خَسًا عَدِيدُه ولا زَكا\nكما شِرارُ البَقْلِ أطرافُ السَّفَا\nقال أبو جعفرٍ: السفا: شَوكُ البُهْمَى، والبُهْمى: الذي يكونُ مُدَوَّرًا في السُّلَّاءِ (^٥). يعنى بقولِه: ولا زكَا: لم يُصَيِّرْهم شَفْعًا مِن وِتْرٍ بحُدوثِه فيهم.\nوإنما قيل للزكاةِ: زكاةٌ، وهى مالٌ تَخْرُجُ مِن مالٍ؛ لتثميرِ اللهِ جلَّ وعزّ -بإخراجِها مما أُخْرِجَت منه- ما بِقى عندَ ربِّ المالِ مِن مالِه. وقد يَحْتَمِلُ أن تَكونَ سُمِّيت زكاةً لأنها تطهيرٌ لما بقِى مِن مالِ الرجلِ، وتخليصٌ له مِن أن تكونَ فيه مَظْلِمةٌ لأهلِ السُّهْمانِ، كما قال اللهُ جل ثناؤُه مخبرًا عن نبيه موسى صلواتُ اللهِ عليه: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤]. يعنى: بريئةً مِن الذنوبِ طاهرةً. وكما يقالُ للرجلِ: هو عَدْلٌ زَكِىٌّ. بذلك المعنى.\nقال أبو جعفرٍ: وهذا الوجهُ أعجبُ إلىَّ في تأويلِ زكاةِ المالِ مِن الوجهِ الأولِ،\n_________\n(^١) جدود: حظوظ. اللسان (ج د د).\n(^٢) تعتلج: تتصارع. اللسان (ع ل ج).\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢.\n(^٤) هو هريم بن جواس التميمى، والرجز بروايات مختلفة في الأغانى ٢١/ ٣٠، وطبقات فحول الشعراء ٢/ ٧٣٩، ومعجم الشعراء ص ٤٧٣.\n(^٥) في النسخ: \"السلى\". والصواب ما أثبتناه. والسلاء: جمع سلاءة وهو شوك النخل. اللسان (س ل أ). وينظر تعليق الشيخ شاكر.","vol":"1","page":612},{"text":"وإن كان الوجهُ الأولُ مقولًا (^١) في تأويلِها. وإيتاؤُها: إعطاؤُها أهلَها.\nوأما الركوعُ، فهو الخضوعُ للهِ جلّ ثناؤه بالطاعةِ، يُقالُ منه: ركَع فلانٌ لكذا وكذا إذا خضَع له. ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):\nبِيعَت بكَسْرٍ لَئِيمٍ واسْتَغاث بها … مِن الهُزالِ أبوها بعدَ ما رَكَعا\nيعنى: بعدَ ما خضَع مِن شدةِ الحاجةِ والجَهْدِ.\nوهذا أمرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه لمن ذكَر مِن أحبارِ بنى إسرائيلَ ومُنافقِيها - بالإنابةِ (^٣) والتوبةِ إليه، وبإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ، والدخولِ مع المسلمين في الإسلامِ، والخضوعِ له بالطاعةِ، ونَهْىٌ منه لهم عن كِتْمانِ ما قد علِموا مِن نبوَّةِ محمدٍ ﷺ بعدَ تَظاهُرِ حُجَجِه عليهم، مما قد وصَفْنا قبلُ فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، وبعدَ الإعْذارِ إليهم والإنْذارِ، وبعدَ تذكيرِهم نعمَه إليهم وإلى أسلافِهم؛ تَعَطُّفًا منه بذلك عليهم وإبلاغًا إليهم في المَعْذِرةِ.\n\n<span id=\"aya-51\"></span><span data-type='title' id=toc-200>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اخْتلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"البِرِّ\" الذي كان المخاطَبون بهذه الآيةِ يَأْمُرون الناسَ به، ويَنْسَوْن أنفسَهم، بعدَ إجماعِ جميعِهم على أن كلَّ طاعةٍ للهِ فهى تُسَمَّى بِرًّا.\nفرُوِى عن ابنِ عباسٍ ما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ، عن عِكْرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت، س: \"مقبولا\".\n(^٢) هو عصام بن عبيد الزمانى. والبيت في الوحشيات لأبى تمام ص ٨٦، والحيوان للجاحظ ٤/ ٢٨١،\nوالشطر الأول فيهما: بيعت بوكس قليل فاستقل بها\n(^٣) في م: \"بالإبانة\".","vol":"1","page":613},{"text":"عباسٍ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. أى: تَنْهَوْن الناسَ عن الكفرِ بما عندَكم مِن النبوةِ والعهدِ مِن التوراةِ، وتَتْرُكون أنفسَكم وأنتم تَكْفُرون بما فيها مِن عَهْدى إليكم في تصديقِ رسولى، وتَنْقُضون مِيثاقى، وتَجْحَدون ما تَعْلَمون مِن كتابى (^١).\nوحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾. يقولُ: أتَأْمُرُون الناسَ بالدخولِ في دينِ محمدٍ ﷺ وغيرِ ذلك مما أُمِرْتُم به مِن إقام الصلاةِ [وإيتاءِ الزكاةِ] (^٢)، ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٣).\nوقال آخَرون بما حدَّثنى به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنى عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: كانوا يَأْمُرُون الناسَ بطاعةِ اللهِ وهم يَعْصُونه (^٤).\nوحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: كان بنو إسرائيلَ يَأْمُرون الناسَ بطاعةِ اللهِ وبتَقْواه وبالبرِّ ويُخالِفون، فعيَّرهم اللهُ جلّ ثناؤه (^٥).\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا الحجاجُ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾: أهلُ الكتابِ والمنافِقون كانوا يَأْمُرون الناسَ\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٤، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٠١، ١٠٢ (٤٧٣، ٤٧٦، ٤٧٩) من طريق سلمة به.\n(^٢) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ٦٤ إلى المصنف، وسيأتى تمامه في ص ٦١٦، ٦١٧.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره (٤٧٨) من طريق عمرو به.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٤. وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٠١ (٤٧٧) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"1","page":614},{"text":"بالصومِ والصلاةِ، ويَدَعُون العملَ بما يَأْمُرون به الناسَ، فعيَّرهم اللهُ جلّ ثناؤه بذلك، فمن أمَر بخيرٍ فلْيَكُنْ أشدَّ الناسِ فيه مُسارَعةً (^١).\nوقال آخَرون بما حدَّثنى به يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ هؤلاء اليهودُ كان إذا جاء الرجلُ يَسْأَلهم ما ليس فيه حقٌّ ولا رِشْوةٌ ولا شيءٌ، أمَروه بالحقِّ، فقال اللهُ جلّ ثناؤه لهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (^٢).\nوحدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا مسلمٌ الجَرْمِيُّ، قال: حدَّثنا مَخْلَدُ ابنُ الحسينِ، عن أيوبَ السَّخْتِيانىِّ، عن أبي قِلَابةَ في قولِ اللهِ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾. قال: قال أبو الدَّرْداءِ: لا يَفْقَهُ الرجلُ كلَّ الفقهِ حتى يمقُتَ الناسَ في ذاتِ اللهِ، ثم يَرْجِعَ إلى نفسِه فيَكونَ لها أشدَّ مَقْتًا (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وجميعُ الذي قال في تأويلِ هذه الآيةِ مَن ذكَرْنا قولَه متقاربُ المعنى؛ لأنهم وإن اخْتَلَفوا في صفةِ \"البِرِّ\" الذي كان القومُ يَأمُرون به غيرَهم الذين وصَفَهم اللهُ جل ثناؤه بما وصَفَهم به، فهم مُتَّفِقون في أنهم كانوا يَأْمُرُون الناسَ بما للهِ فيه رضًا مِن القولِ والعملِ، ويُخالِفون ما أمَروهم به مِن ذلك إلى غيرِه بأفعالِهم.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٢١ عن ابن جريج.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٢١ عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه معمر في جامعه (٢٠٤٧٣)، وابن أبي شيبة ١٣/ ٣٠٦، والخطابى في العزلة ص ٨٢، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢١١، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦١٩) من طريق أيوب به بنحوه. وزاد معمر في أوله: لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهًا كثيرة. وأبو قلابة لم يدرك أبا الدرداء، قال الحافظ في الفتح ١٣/ ٣٨٣: رجاله ثقات إلا أنه منقطع.","vol":"1","page":615},{"text":"فالتأويلُ الذى يَدُلُّ على صحتِه ظاهرُ التِّلاوةِ إذن: أتَأْمُرون. الناسَ بطاعةِ اللهِ وتَتْركون أنفسَكم تَعْصِيه؟ فهلَّا تَأْمُرونها بما تَأْمُرُون به الناسَ مِن طاعةِ ربِّكم جلَّ وعز؟ مُعَيِّرَهم بذلك ومقبِّحًا [لهم قبيحَ] (^١) ما أتَوْا به (^٢).\nومعنى نسيانِهم أنفسَهم في هذا الموضعِ نظيرُ النسيانِ الذي قال جل ثناؤُه: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. بمعنى: ترَكوا طاعةَ اللهِ فترَكهم اللهُ مِن ثوابِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-201>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يعني بقولِه: ﴿تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾: تَدْرُسون وتَقْرَءون.\nكما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾. يقُولُ: تَدْرُسون الكتابَ بذلك (^٣).\nويعنى بـ ﴿الْكِتَابَ﴾: التَّوْراةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-202>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يعني بقولِه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أفلا تَفْقَهون وتَفْهَمون قُبْحَ ما تَأْتون مِن معصيتِكم ربَّكم التي تأْمُرون الناسَ بخِلافِها وتَنْهَونهم عن رُكوبِها، وأنتم راكبُوها، وأنتم تَعْلَمون أن الذي عليكم مِن حقِّ اللهِ وطاعتِه في اتباعِ محمد ﷺ والإيمانِ به وبما جاء به، مثلُ الذي على مَن تَأْمُرونه باتِّباعِه.\nكما حدَّثنا به محمدُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا\n_________\n(^١) في الأصل: \"لهم قبح\"، وفي م \"إليهم\".\n(^٢) في ص: \"منه\".\n(^٣) تقدم أوله في ص ٦١٤.","vol":"1","page":616},{"text":"بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: أفلا تَفقهون. فنهاهم عن هذا الخُلُقِ القَبيحِ (^١).\nوهذا يَدُلُّ على صحةِ ما قلْنا مِن أمرِ أحْبارِ يهودِ بني إسرائيلَ غيرَهم باتِّباعِ محمدٍ ﷺ، وأنهم كانوا يَقُولون: هو مَبعوثٌ إلى غيرِنا. كما ذكَرْنا قبلُ.\n\n<span id=\"aya-52\"></span><span data-type='title' id=toc-203>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يعني بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾: واستَعِينوا على الوفاءِ بعهدى الذي عاهَدتموني في كتابِكم -مِن طاعتى واتباعِ أمرى، وتركِ ما تَهْوَوْنه مِن الرِّياسةِ وحبِّ الدنيا، إلى ما تَكْرَهونه مِن التسليمِ لأمْرِي، واتباعِ رسولي محمدٍ ﷺ - بالصبرِ عليه والصلاةِ.\nوقد قيل: إن معنى الصبرِ في هذا الموضعِ الصومُ، والصومُ بعضُ معاني الصبرِ [عندَنا، بل تأويلُ] (^٢) ذلك عندَنا أن اللهَ تعالى ذكرُه أمَرهم بالصبرِ على كُلِّ ما كرِهَتْه نفوسُهم مِن طاعةِ اللهِ وترْكِ مَعاصِيه.\nوأصلُ الصبرِ منعُ النفسِ مَحابَّها وكفُّها عن هَواها؛ ولذلك قيل للصابرِ على المصيبةِ: صابرٌ، لكفِّه نفسَه عن الجَزَعِ. وقيل لشهرِ رمضانَ: شهرُ الصَّبرِ، لصبرِ صائميه عن المَطاعِمِ والمشَارِبِ نهارًا. وصَبرُه إياهم عن ذلك: حَبْسُه لهم وكفُّه إياهم عنه، كما تَصْبِرُ الرجلَ المسئَ للقتلِ، فتَحْبِسُه عليه حتى تَقْتُلَه، ولذلك قيل: قتَل فلانٌ فلانًا صَبْرًا. يعني به: حبَسه عليه حتى قتَله، فالمقتولُ مَصْبورٌ، والقاتلُ صابرٌ.\nوأما الصلاةُ فقد ذكَرْنا معناها فيما مضَى (^٣).\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٦١٤.\n(^٢) في ص: \"عند تأويل من تأول\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٢٤٨، ٢٤٩.","vol":"1","page":617},{"text":"فإن قال قائلٌ: قد علِمنا معنى الأمرِ بالاستعانةِ بالصبرِ على الوَفاءِ بالعهدِ والمحافظةِ على الطاعةِ، فما معنى الأمرِ بالاستعانةِ بالصلاةِ على طاعةِ اللهِ وتركِ مَعاصِيه، والتَّعَرِّى عن الرِّياسةِ وترْكِ الدنيا؟\nقيل: إن الصلاةَ فيها تلاوةُ كتابِ اللهِ جل ثناؤه، الداعيةِ آياتهُ إلى رفضِ الدنيا، وهجرِ نَعيمِها، المُسَلِّيةِ النفوسَ عن زينتِها وغُرورِها، المُذَكِّرةِ الآخرةَ وما أعدَّ اللهُ فيها لأهلِها، ففي الاعتبارِ بها المعونةُ لأهلِ طاعةِ اللهِ ﷻ على الجِدِّ فيها، كما رُوِى عن نبيِّنا ﷺ - أنه كان إذا حزَبَه أمرٌ (^١) فزِع إلى الصلاةِ.\nحدَّثنى بذلك إسماعيلُ بنُ موسى الفَزاريُّ، قال: أخبرنا الحسينُ (^٢) بنُ زياد (^٣) الهَمْدانيُّ، [عن ابنِ جُرَيجٍ] (^٤)، عن عكرمةَ بنِ عمارٍ، عن محمدِ بنِ عُبَيدِ بنِ أبي قُدامةَ، عن عبدِ العزيزِ بنِ اليمَانِ، عن حُذيفةَ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا حزَبه أمرٌ فزِع إلى الصلاةِ (^٥).\n_________\n(^١) حزَبه أمر: أي إذا نزل به مُهِمٌّ أو أصابه غم. النهاية ١/ ٣٧٧.\n(^٢) كذا في النسخ، والصواب: الحسن. كما في الثقات ٨/ ١٦٨ والمصادر، ولعله: الحسن بن زياد اللؤلؤى، وهو ضعيف، والله أعلم.\n(^٣) سقط من: ر، وفي م: \"رتاق\".\n(^٤) سقط من: ص، وفي م، ر: \"عن ابن جرير\".\n(^٥) إسناده ضعيف؛ عبد العزيز بن اليمان مجهول. وأخرجه ابن قانع في معجمه ٢/ ١٨٩ عن العنزى -هو الحسن بن عليل- عن إسماعيل به. وأخرجه ابن قانع أيضًا، وابن منده -كما في أسد الغابة ٣/ ٥٠٦، ٥٠٧ - من طريق عمر بن إبراهيم ومحمد بن إسحاق الثقفي، عن إسماعيل به، ولم يذكرا في إسناده حذيفة. وهكذا ذكره ابن حبان في الثقات ٨/ ١٦٨، والمزى في التحفة ٣/ ٥٠. ووقع في أسد الغابة، والتحفة: محمد بن عبد الله بن أبي قدامة. وينظر تعليق الشيخ أحمد شاكر على المسند ١٠/ ٥٧ (٦٥٤٨).\nوأخرجه البخاري في الكبير ١/ ١٧٢ معلقا عن النضر بن محمد الجرشى، عن عكرمة به موصولا.","vol":"1","page":618},{"text":"وحدَّثنى سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: حدَّثنا خلفُ بنُ الوليدِ الأزْديُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ زكريا، عن عكرمةَ بنِ عمارٍ، عن محمدِ بنِ عبدِ اللهِ الدُّؤَليِّ، قال: قال عبدُ العزيزِ أخو حُذَيْفةَ: قال حذيفةُ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا حزَبه أمرٌ صلَّى (^١).\nوكذلك رُوِى عنه ﷺ أنه رأَى أبا هريرة مُنْبَطِحًا على بطنِه فقال له: \"اشكَنْب دَرْد\" (^٢). قال: نعم. قال: \"قُمْ فَصَلِّ فإِنَّ في الصَّلاةِ شِفَاءً\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٣٨٨ (الميمنية) عن خلف بن الوليد به. وأخرجه أحمد -أيضًا- وأبو داود (١٣١٩)، والخطيب ٦/ ٢٧٤ من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة به. ووقع عند أبي داود: ابن أخي حذيفة.\nوأخرجه ابن قانع في معجمه ٢/ ١٨٩، وأبو نعيم -كما في أسد الغابة ٣/ ٥٠٧ - من طريق سريج بن يونس، عن ابن أبي زائدة به، ولم يذكر في إسناده حذيفة. وهكذا ذكره المزى في التحفة ٣/ ٥٠. ووقع في أسد الغابة: ابن أخي حذيفة. وصوبه أبو نعيم، والحافظ في الإصابة ٥/ ٢٥٠.\nوالصواب أنه أخو حذيفة. وينظر تفسير ابن كثير تحقيق أبي إسحاق الحوينى ٢/ ٣٥٦.\n(^٢) في الأصل \"اشتكيت ذرنا\". وفي المسند: \"اشكنب ذرد\" وفي سنن ابن ماجه: \"اشكمت درد\"، وفي التاريخ الصغير: \"أشكم درد\". وهي كلمة فارسية تعنى: أتشتكى بطنك؟ ينظر الذيل على النهاية ص ٢٧٤، والمعجم الذهبي ص ٣٧٥، وفيه \"شكم درد: مغص\".\n(^٣) حديث منكر، والصواب أنه موقوف. وأخرجه أحمد ١٥/ ٢٨، ٢٩، ١٣١ (٩٠٦٦، ٩٢٤٠)، وابن ماجه (٣٤٥٨)، والعقيلى ٢/ ٤٨، وابن على في الكامل ٣/ ٩٨٥، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ ص ٢٧٥، وابن شاهين في الجزء الخامس من الأفراد (٦٥)، وتمام في الفوائد (١١٤٣ - الروض البسام)، وابن الجوزى في العلل المتناهية ١/ ١٧٠، ١٧١، وغيرهم من طريق ذوَّاد بن عُلبة، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة، مرفوعًا. وذوَّاد ضعيف، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا.\nورواه الصلت بن الحجاج عن ليث مثل رواية ذوَّاد بن عُلبة. أخرجه أبو الشيخ ص ٢٧٦، وابن على ٤/ ١٤٠٠، وابن الجوزى ١/ ١٧١.\nوقال ابن عدى: هذا معروف بذوَّاد بن عُلبة عن ليث، أسنده، وغيره أوقفه على أبي هريرة. وهذا الصلت بن الحجاج رواه أيضًا كما رواه ذوَّاد مرفوعًا. . . والصلت في بعض أحاديثه ما ينكر عليه، بل عامته كذلك.\nوقال ابن الجوزى: ولعله أخذه من ذواد. . . وقد رُوى هذا الحديث عن أبي هريرة موقوفًا، وهو أصح.\nوالموقوف أخرجه البخاري في الصغير ٢/ ٢٣٥ - وعنه العقيلي، وابن عدى، وابن الجوزى ١/ ١٧٢ - =","vol":"1","page":619},{"text":"فأمَر اللهُ جلَّ ثناؤُه الذين وصَف أمرَهم مِن أحْبارِ بني إسرائيلَ أن يَجْعَلوا مَفْزَعَهم -في الوفاءِ بعهدِ اللهِ الذي عاهَدوه- إلى الاستعانةِ بالصبرِ والصلاةِ كما أمَر نبيَّه محمدًا ﷺ بذلك، فقال له: ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمدُ ﴿عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠]. فأمَره جل ثناؤُه في نَوائبِه بالفزَعِ إلى الصبرِ والصلاةِ.\nوقد حدَّثنا محمدُ بنُ العَلاءِ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ قالا: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا عُيَيْنةُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، أن ابنَ عباس نُعِى إليه أخوه قُثَمُ وهو في سفرٍ، فاسْتَرْجَع ثم تنَحَّى عن الطريقِ، فأناخ فصلَّى ركعتَيْن، أطال فيهما الجلوسَ، ثم قام يَمْشِي إلى راحلتهِ وهو يقولُ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (^١).\nوأما أبو العاليةِ فإنه كان يَقولُ بما حدَّثنى به المثنى بنُ إبراهيمُ، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفر، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ\n_________\n= عن ابن الأصبهانى، عن المحاربى، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة، موقوفًا.\nوقال ابن الأصبهانى: رفعه ذوَّاد، وليس له أصل، أبو هريرة لم يكن فارسيا، إنما مجاهد فارسى.\nوأخرجه العقيلي، وابن عدى -أيضًا- من طريقين آخرين عن ليث به موقوفًا. وليث ضعيف. وينظر التحديث بما قيل: لا يصح فيه حديث ص ١٣٩.\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٣١ - تفسير) -ومن طريقه البيهقي في الشعب (٩٦٨٢) - عن ابن علية به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٦٨ إلى ابن المنذر.\nوأخرجه سعيد أيضًا (١٨٩، ٢٣٢) عن هشيم، عن خالد بن صفوان، عن زيد بن علي، عن ابن عباس، وفيه: نعى إليه ابن له.\nوأخرجه البخاري في الكبير ٣/ ١٥٦ من طريق هشيم به عن ابن عباس، أنه أصابته مصيبة فصلى.\nوأخرجه الحاكم ٢/ ٢٦٩، ٢٧٠ - وعنه البيهقي في الشعب (٩٦٨١) - من طريق هشيم، عن خالد، عن زيد، عن أبيه، عن ابن عباس أنه جاءه نعى بعض أهله.","vol":"1","page":620},{"text":"وَالصَّلَاةِ﴾. قال: يَقولُ: اسْتَعينوا بالصبرِ والصلاةِ على مَرضاةِ اللهِ، واعْلَموا أنهما مِن طاعةِ اللهِ تعالى ذكرُه (^١).\nوقال ابنُ جُرَيْجٍ بما حدَّثنا به القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ في قولِه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. قال: إنهما مَعونتان على رحمةِ اللهِ (^٢).\nوحدَّثني يُونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية. قال: قال المشرِكون: واللهِ يا محمدُ إنك لَتَدْعُونا إلى أمرٍ كبيرٍ. قال: إلى الصلاةِ والإيمانِ باللهِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-204>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يعني جلّ وعزّ بقولِه: ﴿وَإِنَّهَا﴾: وإن الصلاةَ. والهاءُ والألفُ في ﴿وَإِنَّهَا﴾ عائدتان على الصلاةِ.\nوقد قال بعضُهم: إن قولَه: ﴿وَإِنَّهَا﴾. بمعنى: إن إجابةَ محمدٍ ﷺ. ولم يَجْرِ لذلك بلفظِ الإجابةِ ذِكْرٌ فتُجْعَلَ الهاءُ والألفُ كنايةً عنه، وغيرُ جائزٍ تركُ الظاهرِ المفهومِ مِن الكلامِ إلى باطنٍ لا دَلالةَ على صحتِه.\nويعنى بقولِه جلَّ وعزَّ: ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾: لَشديدةٌ ثقيلةٌ.\nكما حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخْبَرَنا يزيدُ (^٤)، قال: أخْبَرَنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٠٢ (٤٨١) من طريق آدم به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٢٤، عن ابن جريج.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٦٨ إلى المصنف.\n(^٤) في م: \"ابن زيد\".","vol":"1","page":621},{"text":"جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. قال: إنها لثَقيلةٌ (^١).\nويعنى بقولِه: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾: إلَّا على الخاضِعين لطاعتِه، الخائفِين سَطَواتِه، المُصَدِّقِين بوعدِه ووَعِيدِه.\nكما حَدَّثَنِي المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾: يعنى المُصَدِّقين بما أنْزَل اللهُ (^٢).\nوحَدَّثَني المثني، قال: حَدَّثَنَا آدمُ العَسْقلانِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾: يعنى الخائِفين (^٣).\nوحَدَّثني مُحمَّدُ بنُ عَمْرٍو (^٤) قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، قالِ: حَدَّثَنَا [عيسي، عن ابنِ أبي نجيحٍ] (^٥)، عن مُجاهدٍ: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. قال: المؤمنين حقًّا (^٦).\nوحَدَّثني المثني، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٠٣ (٤٨٧) معلقا عن يزيد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٠٣ (٤٨٩) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٠٣ (٤٩١) من طريق آدم به.\n(^٤) في م: \"جعفر\".\n(^٥) في م: \"سفيان عن جابر\".\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٢٠١، ومن طريقه عبد بن حميد -كما في تغليق التعليق ٤/ ١٧٢ - وابن أبي حاتم تفسيره ١/ ١٠٣ (٤٩٠) وينظر تفسير الثورى ص ٤٥.","vol":"1","page":622},{"text":"وحَدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَي، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ: الخشوعُ الخوفُ والخشيةُ للهِ ﷿. وقرَأ قولَ الله ﵎: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥]. قال: قد أذَلَّهم الخوفُ الذى نزَل بهم وخشَعوا له.\nوأصلُ الخشوعِ التَّواضعُ والتَّذللُ والاسْتِكانةُ، ومنه قولُ الشاعرِ (^١):\nلَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبيرِ تواضَعَتْ … سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ\nيعنى: والجبالُ خُشَّعٌ مُتَذَلِّلةٌ لعِظَمِ المُصيبةِ بفَقْدِه.\nفمعنى الآيةِ: واستَعِينوا أيُّها الأحبارُ مِن أهلِ الكتابِ بحبسِ أنفسِكم على طاعةِ اللهِ جل وعز، وكفِّها عن مَعاصى اللهِ، وبإقامةِ الصلاةِ المانعةِ مِن الفَحْشاءِ والمُنْكرِ، المُقَرِّبةِ مِن رضا اللهِ، العظيمةِ إقامتُها إلَّا على المُتَواضِعِين للهِ المُسْتَكِينين لطاعتِه المُتذَلِّلِين مِن مَخافتِه.\n\n<span id=\"aya-53\"></span><span data-type='title' id=toc-205>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: وكيف أخْبَر اللهُ جلَّ وعزَّ عمَّن قد وصَفه بالخشوعِ له بالطاعةِ أنه يَظُنُّ أنه مُلاقِيه، والظنُّ شكٌّ، والشاكُّ في لقاءِ اللهِ جلَّ ثناؤه عندَك باللهِ كافرٌ؟\nقيل: إن العربَ قد تُسَمِّى اليقينَ ظنًّا، والشكَّ ظنًّا، نظيرَ تسميتِهم الظُّلمةَ سُدْفةً، والضياءَ سُدفةً، والمُغيثَ صارخًا، والمُسْتَغِيثَ صارخًا، وما أشْبَهَ ذلك مِن الأسماءِ التى تُسمِّى بها الشيءَ وضدَّه، ومما يَدُلُّ على أنَّه يُسَمَّى به اليقينُ، قولُ دُرَيْدِ ابنِ الصِّمَّةِ (^٢):\n_________\n(^١) هو جرير، والبيت في ديوانه ٢/ ٩١٣.\n(^٢) الأصمعيات ص ١٠٧، وشرح ديوان الحماسة ٢/ ٨١٢.","vol":"1","page":623},{"text":"فقلتُ لهم ظُنُّوا بألْفَىْ مُدَجَّجٍ … سَراتُهمُ (^١) في الفارسيِّ المُسَرَّدِ (^٢)\nيعنى بذلك: تَيَقَّنوا ألفَىْ مُدَجَّجٍ تَأْتِيكم.\nوقولُ عَمِيرةَ بنِ طارقٍ (^٣):\nبأن تَغْتَزوا (^٤) قوْمى وأَقْعُدَ فيكمُ … وأَجْعَلَ منى الظنَّ غَيْبًا مُرَجَّمَا\nيعنى: وأجْعَل منى اليَقينَ غيبًا مُرَجَّمًا.\nوالشواهدُ مِن أشعارِ العربِ وكلامِها على أنَّ الظنَّ في معنى اليقينِ أكثرُ مِن أن تُحْصَي، وفيما ذكَرْنا لمَن وُفِّق لفهمِه كِفايةٌ.\nومنه قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]. وبمثلِ الذى قلْنا في ذلك جاء تفسيرُ المُفَسِّرِين.\nذكرُ من قال ذلك\nحَدَّثَنِي المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا آدمُ، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾. قال: الظنُّ ههنا يقينٌ (^٥).\nحَدَّثَنَا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن\n_________\n(^١) السراة، جمع سري، والسرى الرئيس، وهو جمع عزيز لا يكاد يوجد له نظير؛ لأنه لا يجمع فعيل على فعلة. المصباح (س ر ى).\n(^٢) السَّرْد: اسم جامع للدروع وسائر الحلق، والمسرد: تداخل الحلق بعضها في بعض. اللسان (س ر د).\n(^٣) الأضداد لابن الأنبارى ص ١٤، والنقائض ١/ ٥٣، ٢/ ٧٨٥.\n(^٤) في الأصل: \"تعتزوا\" وفى م: \"يعتزوا\"، وفى ت ١، ت ٢: \"تعبروا\". وغير منقوطة في ص والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤٩٣) من طريق آدم به.","vol":"1","page":624},{"text":"جابرٍ، عن مُجاهدٍ، قال: كلُّ ظنٍّ في القرآنِ يَقينٌ، ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾ [الحاقة: ٢٠]، و﴿ظَنُّوا﴾ (^١).\nحَدَّثَنِي المثني، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ الحَفَرىُّ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ ظنٍّ في القرآنِ فهو عِلْمٌ (^٢).\nحَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾: أمَّا ﴿يَظُنُّونَ﴾ فَيَسْتَيْقِنون (^٣).\nحَدَّثَنِي القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾: علِموا أنهم ملاقو ربهم. قال: هي كقولِه: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾. يقولُ: علِمْتُ (^٤). حَدَّثَنِي يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾. قال: لأنهم لَمْ يُعايِنوا، فكان ظنُّهم يَقينًا، وليس ظنًّا في شكٍّ. وقرَأ: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-206>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾. فأُضِيف المُلاقون إلى الربِّ جلَّ وعزَّ، وقد علِمْتَ أن معناه: الذين يَظُنُّون أنهم يَلْقَوْن ربَّهم؟ وإذا كان المعنى كذلك، فمِن كلامِ العربِ تركُ الإضافةِ وإثباتُ النونِ، وإنما تُسْقِطُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في التفسير ١/ ١٢٥ عن المصنف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٢٦ عن المصنف. وقال ابن كثير: وهذا سند صحيح. وأخرجه الثورى في تفسيره ص ٤٥، قال: قال مجاهد. . .\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٠٤ عقب الأثر (٤٩٤) من طريق عمرو به.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٢٦ عن ابن جريج.","vol":"1","page":625},{"text":"النونَ وتُضِيفُ في الأسماءِ المبْنِيَّةِ مِن الأفعالِ إذا كانت بمعنى \"فَعَل\"، فأما إذا كانت بمعنى \"يفْعَل\"، و\"فاعِل\"، فشأنُها إثباتُ النونِ وتركُ الإضافةِ.\nقيل: لا تَدافُعَ بينَ جميعِ أهلِ المعرفةِ بلغاتِ العربِ وأَلْسُنِها في إجازةِ إضافةِ الاسمِ المَبنيِّ من \"فَعَل\" و\"يفعَلُ\"، وإسقاطِ النونِ، وهو بمعنى \"يفْعَل\"، و\"فاعِل\" -أعْنِى بمعنى الاسْتِقْبالِ وحالِ الفعلِ- ولمَّا يَنْقَضِ، فلا وجهَ لمسألةِ السائلِ عن ذلك لمَ قيل.\nوإنما اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في السببِ الذى مِن أجلِه أُضِيفَ وأُسْقِطَت النونُ؛ فقال نحْويُّو البصرةِ: أُسْقِطَت النونُ مِن ﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ وما أشْبَهَه مِن الأفعالِ التى في لفظِ الأسماءِ، وهى في معنى \"يفعل\"، أو فى (^١) معنى ما لَمْ يَنْقَضِ [من الفعلِ] (^٢)، اسْتِثْقالًا لها، وهى مُرادةٌ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وكما قال: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر: ٢٧]. ولمَّا يُرْسِلْها بعدُ، وكما قال الشاعر (^٣):\nهل أنتَ باعثُ دينارٍ لحاجتِنا … أوَ عبدَ رَبٍّ أخا عَوْنِ بنِ مِخْراقِ\nفأضاف \"باعث (^٤) \" إلى \"الدينارِ\" ولمَّا يَبْعَثْ، ونصَب \"عبدَ ربٍّ\" عطفًا على موضعِ \"دينارٍ\"؛ لأنه في معنى (^٥) نصبٍ وإن خُفِض، وكما قال الآخرُ (^٦):\nوالحافظو عورةِ العَشِيرةِ لا … يَأْتِيهمُ مِن وَرائِهم نَطَفُ (^٧)\n_________\n(^١) في ص، ر، م: \"وفى\".\n(^٢) سقط من: ص، ر، م.\n(^٣) الكتاب لسيبويه ١/ ١٧١، وذكر الاختلاف في نسبته في الخزانة ومما قيل: إنه مصنوع. ثم قال: والله أعلم بالحال. الخزانة ٨/ ٢١٩.\n(^٤) في الأصل، م، ت ١، ت ٢: \"باعثا\".\n(^٥) في م: \"موضع\".\n(^٦) الكتاب ١/ ١٨٦، وينظر الخلاف في نسبته في الخزانة ٤/ ٢٨٣.\n(^٧) النطف: العيب والشر والفساد. القاموس المحيط (ن ط ف).","vol":"1","page":626},{"text":"بنصبِ \"العورةِ\" وخفضِها، فالخفضُ على الإضافةِ، والنصبُ على حذفِ النونِ اسْتِثْقالًا وهى مُرادةٌ. وهذا قولُ نحْويِّى البصرةِ.\nوأما نحْويُّو الكوفةِ فإنهم قالوا: جائزٌ في ﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ الإضافةُ، وهو في معنى \"يَلْقَوْن\"، وإسقاطُ النونِ منه؛ لأنه في لفظِ الأسماءِ، فله في الإضافةِ إلى الأسماءِ حظُّ الأسماءِ، وكذلك حكمُ كلِّ اسمٍ كان له نَظيرًا. قالوا: وإذا أُثْبِتت في شيءٍ من ذلك النونُ وتُركت الإضافةُ، فإنما تفعلُ ذلك به لأنَّ له معنى \"يفعل\" الذى لَمْ يَكنْ ولم يَجِبْ بعدُ. قالوا: فالإضافةُ فيه للفظِ، وتركُ الإضافةِ للمعنى.\nفتأويلُ الآيةِ إذن: واسْتَعِينوا على الوَفاءِ بعَهْدى بالصبرِ عليه والصلاةِ، وإن الصلاةَ لكبيرةٌ إلَّا على الخائِفِين عِقابي، المُتَواضِعِين لأمْرِي، المُوقِنين بلِقائى والرجوعِ إليَّ بعدَ مَماتِهم.\nوإنما أخْبَر اللهُ جل ثناؤُه أن الصلاةَ كبيرةٌ إلَّا على مَن هذه صفتُه؛ لأنَّ مَن كان غيرَ مُوقِنٍ بمَعادٍ، ولا مُصَدِّقٍ بمَرْجِعٍ ولا ثَوابٍ ولا عِقابٍ، فالصلاةُ عندَه عَناءٌ وضَلالٌ؛ لأنه لا يَرْجُو بإقامتِها إدراكَ نفعٍ، ولا دفعَ ضُرٍّ، وحُقَّ لمَن كانت هذه الصفةُ صفتَه أن تكونَ الصلاةُ عليه كبيرةً، وإقامتُها عليه ثقيلةً، وله فادحةً.\nوإنما خفَّت على المؤمنين المُصَدِّقِين بلقاءِ اللهِ ﷿، الراجِين عليها جَزيلَ ثَوابِه، الخائِفين بتَضْييعِها أليمَ عقابِه، لِمَا يَرْجُون بإقامتِها في مَعادِهم مِن الوصولِ إلى ما وعَد اللهُ عليها أهلَها، ولِمَا يَحْذَرون بتَضْييعِها ما أوْعَد مُضَيِّعِيها. فأمَر اللهُ تعالى ذكرُه أحبارَ بنى إسرائيلَ الذين خاطَبهم بهذه الآياتِ أن يَكونوا مِن مُقِيمِيها، الراجِين ثوابَها، إذا كانوا أهلَ يقينٍ أنهم إلى اللهِ جلَّ وعزَّ راجِعون، وإياه في القيامةِ مُلاقُون.","vol":"1","page":627},{"text":"<span data-type='title' id=toc-207>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: والهاءُ والميمُ اللتان في قولِه: ﴿وَأَنَّهُمْ﴾ مِن ذكرِ الخاشِعِين، والهاءُ التى في ﴿إِلَيْهِ﴾ مِن ذكرِ الربِّ جلَّ وعزَّ في قولِه: ﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ فتأويلُ الكلمةِ: وإنها لكبيرةٌ إلَّا على الخاشِعينِ المُوقِنينِ أنهم إلى ربِّهم راجِعون.\nثم اخْتُلِف في تأويلِ \"الرجوعِ\" الذى في قولِه: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾؛ فقال بعضُهم بما حَدَّثَنِي به المثنى بنُ إبراهيمَ، قال؛ حَدَّثَنَا آدمُ، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. قال: يَسْتَيْقِنون أنهم يَرْجعون إليه يومَ القيامةِ (^١).\nوقال آخَرون: معنى ذلك أنهم إليه يَرْجعون بموتِهم.\nوأولى التأويلَيْن بالآيةِ القولُ الذى قاله أبو العاليةِ؛ لأنَّ اللهَ جلَّ ثناؤه قال في الآية التى قبلَها: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨]. فأخْبَر جلَّ ثناؤُه أن مَرْجِعَهم إليه بعد نَشْرِهم وإحيائِهم مِن مَماتِهم، وذلك لا شكَّ يومَ القيامةِ، فكذلك تأويلُ قولِه: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-54\"></span><span data-type='title' id=toc-208>القولُ في تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وتأويلُ ذلك في هذه الآيةِ نظيرُ تأويلِه في التى قبلَها في قولِه: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾. وقد ذكَرْتُه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٠٤ (٤٩٥) من طريق آدم به.","vol":"1","page":628},{"text":"هنالك (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-209>القولُ في تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وهذا أيضًا مما ذكَّرهم اللهُ ﷻ مِن آلائِه ونعمِه عندَهم. ويَعْنى بقولِه: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: أنى فضَّلْتُ أسْلافَكم. فنَسَب نِعَمَه على آبائِهم وأسْلافِهم إلى أنها نِعَمٌ منه عليهم؛ إذ كانت مآثِرُ الآباءِ مآثِرَ للأبناءِ، والنعمُ عندَ الآباءِ نِعَمًا عند الأَبناءِ، لِكونِ الأبناءِ مِن الآباءِ. وأخْرَج جل ذكرُه قولَه: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ مُخْرَجَ العُمومِ وهو يُريدُ به خصوصًا، لأن المعنى: وأنى فضَّلْتُكم على عالَمِ مَن كنتم بينَ ظَهْرَيه وفى زمانِه.\nكالذى حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى الصَّنْعانىُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ قال: فضَّلهم على عالَمِ ذلك الزمانِ (^٢).\nحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. قال: بما أُعْطُوا مِن المُلكِ والرُّسلِ والكتبِ على عالَمِ مَن كان في ذلك الزمانِ، فإن لكل زمان عالَمًا (^٣).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: على مَن هم بينَ ظَهْرَانَيْه (^٤).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٥٩٣.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٤، ٤٥، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ٦٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره (٤٩٧) من طريق آدم به.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٠١، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ٦٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"1","page":629},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال مُجاهِدٌ في قولِه: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ قال: على مَن هم بينَ ظَهرَانَيْه (^١)\nوحدَّثنى يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سأَلْتُ ابنَ زيدٍ عن قولِ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. قال: عالَمِ ذلك الزمانِ. وقرَأ قولَ اللهِ ﵎: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]. قال: هذه لمَن أطاعَه واتَّبَع أمرَه، وقد كان فيهم القِرَدةُ، وهم أبْغَضُ خلقِه إليه. قال: وقال لهذه الأمةِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. قال: هذه لمَن أطاعه واتَّبَع أمرَه جل وعز واجْتَنَب مَحارمَه.\nقال أبو جعفرٍ: والدليلُ على صحةِ ما قلْنا مِن أن تأويلَ ذلك على الخصوصِ الذى وصَفْنا ما حدَّثنى به يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، وحدَّثنا الحسنُ ابنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، جميعًا عن بَهْزِ بنِ حَكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"ألَا إِنَّكم وَفَّيْتُم سَبْعين أُمَّةً\": قال يعقوبُ في حديثه: \"أنْتُم آخِرُها\". وقال الحسنُ: \"أنْتُم خَيْرُها وأكْرَمُها على اللهِ\".\nفقد أنْبَأ هذا الخبرُ عن النَّبىِّ ﷺ أن بنى إسرائيل لم يكونوا مُفَضَّلِين على أمةِ محمدٍ ﵊، وأن معنى قولِه: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ٢٦]. وقولِه: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. على ما بيَّنا مِن تأويلِه، وقد أتَيْنا على بيانِ تأويلِ قولِه: ﴿الْعَالَمِينَ﴾. بما فيه الكفايةُ في غيرِ هذا الموضعِ، فأغْنَى ذلك عن\n_________\n(^١) في الأصل، ص: \"ظهريه\".","vol":"1","page":630},{"text":"إعادتِه (^١).\n\n<span id=\"aya-55\"></span><span data-type='title' id=toc-210>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾.</span>\nوتأويلُ قولِه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾: واتَّقوا يومًا لا تَجْزِى فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا. وجائزٌ أيضًا أن يَكونَ تأويلُه: واتَّقُوا يومًا لا تَجْزِيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، كما قال الراجز (^٢):\nقد صبَّحَتْ صبَّحَها السلامُ\nبكَبِدٍ خالَطَها سَنامُ\nفي ساعةٍ يُحَبُّها الطَّعامُ\nوهو يعنى: يُحَبُّ فيها الطعامُ. فحُذِفَت الهاءُ الراجعةُ على \"اليومِ\"؛ إذ فيه اجتزاءٌ بما ظهَر مِن قولِه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ الدالِّ على المحذوفِ منه - عما حُذِف، إذ كان معلومًا معناه.\nوقد زعَم قومٌ مِن أهلِ العربيةِ أنه لا يَجوزُ أن يَكونَ المحذوفُ في هذا الموضعِ إلا الهاءَ.\nوقال آخَرون: لا يجوزُ أن يكونَ المحذوفُ إلا \"فيه\".\nوقد دلَّلْنا فيما مضَى على جَوازِ حذفِ كلِّ ما دل الظاهرُ [من الكلام] (^٣) عليه (^٤).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ١٤٤.\n(^٢) الرجز في الكامل للمبرد ١/ ٣٤.\n(^٣) سقط من: ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ١٣٩.","vol":"1","page":631},{"text":"وأما المعنى في قولِه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾. فإنه تحذيزٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عبادَه الذين خاطَبَهم بهذه الآيةِ، عقوبته أن تَحِلَّ بهم يومَ القيامةِ، وهو اليومُ الذى لا تَجْزِى فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، ولا يَجْزِى فيه والدٌ عن ولدِه، ولا مولودٌ هو جازٍ عن والدِه شيئًا.\nوأما تأويلُ قولِه ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ﴾. فإنه يعنى: لا تُغْنى.\nكما حدَّثنى به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾: أما ﴿تَجْزِي﴾ فتُغْنِى (^١).\nوأصلُ الجزاءِ في كلامِ العربِ القَضاءُ والتَّعْويضُ، يقالُ: جزَيْتُه قَرْضَه ودَيْنَه، أَجْزِيه جَزاءً. بمعنى: قضَيْتُه دَيْنَه. ومِن ذلك قيل: جزَى اللهُ فلانًا عنى خيرًا أو شرًّا. بمعنى: أثابه عنى، وقضاه عنى ما لزِمنى له بفعلِه الذى سلَف منه إلىَّ.\nوقد قال قومٌ مِن أهلِ العلمِ بلغةِ العربِ: يُقالُ: أجْزَيْتُ عنه كذا. إذا أعَنْتَه عليه، وجزَيْتُ عنك فلانًا. إذا كافَأْتَه.\nوقال آخَرون منهم: بل: جزَيْتُ عنك: قضَيْتُ عنك، وأجْزَيْتُ: كفَيْتُ.\nوقال آخَرون منهم: بل هما بمعنًى واحدٍ، يُقالُ: جزَتْ عنك شاةٌ وأجْزَتْ، وجزَى عنك درهمٌ وأجْزَى، ولا تَجْزِى عنك شاةٌ ولا تُجْزِى. بمعنًى واحدٍ. إلا أنهم ذكَروا أنَّ: جزَت عنك، ولا تُجْزِى عنك، مِن لغةِ أهلِ الحجازِ، وأن: أجْزَأ وتُجْزِئُ، مِن لغةِ غيرِهم. وزعَموا أن تميمًا خاصَّةً مِن بينِ قبائلِ العربِ تقولُ: أجْزَأَتْ عنك شاةٌ، وهى تُجْزِئُ عنك.\nوزعَم آخَرون أن \"جَزَى\" بلا همزٍ: قضَى، و\"أجْزَأ\" بالهمزِ: كافَأ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٠٤ (٤٩٨) من طريق عمرو بن حماد به.","vol":"1","page":632},{"text":"فمعنى الكلامِ إذن: واتَّقُوا يومًا لا تَقْضِى نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، ولا تُغْنى عنها غِنًى.\nفإن قال قائلٌ: وما معنى: لا تَقْضِى نفسٌ عن نفسٍ شيئًا (^١)، ولا تُغْنى عنها غِنًى؟\nقيل: هو أن أحدَنا اليومَ ربما قضَى عن ولدِه أو والدِه أو ذى الصَّداقةِ والقَرابةِ دَيْنَه، وأما في الآخرةِ -فإنه فيما أتَتْنا به الأخبارُ، عنها- يَسُرُّ الرجلَ أن يَبْرُدَ (^٢) له على ولدِه أو والدِه حقٌّ، وذلك أن قضاءَ الحقوقِ في القيامةِ مِن الحسناتِ والسيئاتِ.\nكما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ونصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدىُّ، قالا (^٣): حدَّثنا المُحاربيُّ، عن أبى خالدٍ الدالانىِّ (^٤) يزيدَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن زيدِ بنِ أبى أُنَيْسةَ، عن سعيدِ بنِ أبى سعيدٍ المَقْبُرىِّ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"رَحِمَ اللهُ عَبْدًا كانت عندَه لأَخيه مَظْلِمَةٌ فِى عِرْضٍ -قال أبو كُرَيْبٍ (^٥) في حديثِه: أو مَالٍ- جاءَه (^٦) فاسْتَحَلَّهُ قبلَ أَن يُؤْخَذَ منه وليس ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ، فإِن كانت له حَسَنَاتٌ أَخَذُوا مِن حَسَنَاتِه، وإن لم تكنْ لَه حَسَنَاتٌ حَمَلُوا عليه من سَيِّئَاتِهم\" (^٧).\n_________\n(^١) سقط من ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) برد لى حقى على فلان: وجب ولزم وثبت. تاج العروس (ب ر د).\n(^٣) في ر، م: \"قال\".\n(^٤) في م: \"الدولابى\".\n(^٥) في م: \"بكر\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢: \"أو جاه\".\n(^٧) أخرجه الترمذى (٢٤١٩) عن نصر بن عبد الرحمن به. وأخرجه الترمذى أيضا، وأبو يعلى (٦٥٣٩) من طريق المحاربى به. وأخرجه الطيالسى (٢٤٤٠، ٢٤٤٦)، وأحمد ١٥/ ٣٧٧، ١٦/ ٣٣٧ (٩٦١٥، ١٠٥٧٣)، والبخارى (٢٤٤٩) من طريق سعيد المقبرى به.","vol":"1","page":633},{"text":"وحدَّثنى أبو عثمانَ المُقَدَّمىُّ، قال: حدَّثنا الفَرَوىُّ (^١)، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن المَقْبُرىِّ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، عن النبىِّ ﷺ بنحوِه (^٢).\nحدَّثنا خَلَّادُ بنُ أسْلَمَ، قال: حدَّثنا أبو همامٍ الأهْوازىُّ، قال: أخْبَرَنا عبدُ اللهِ ابنُ سعيدٍ، عن سعيدٍ، عن أبى هريرةَ، عن النبىِّ ﷺ بنحوِه.\nحدَّثنى موسى بنُ سهلٍ الرَّمْلىُّ، قال: حدَّثنا نُعَيْمُ بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ الدَّراوَرْدىُّ، عن عمرِو بنِ أبى عمرٍو، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لا يَمُوتَنَّ أحدُكم وَعليه دَيْنٌ، فَإِنَّه ليس هناك دِينارٌ ولا دِرْهَمٌ؛ إِنَّما تَقْتَسِمُون هُناك (^٣) الحَسَنَاتِ والسَّيِّئَاتِ\". وأشار رسولُ اللهِ ﷺ بيدِه يمينًا وشمالًا.\nحدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا سلمُ بنُ قادمٍ، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ هاشمُ بنُ عيسى، قال: أخْبَرَنى الحارثُ بنُ مُسلمٍ، عن الزهرىِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِ حديثِ أبى هريرةَ (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: فذلك معنى قولِه: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾. يعنى أنها\n_________\n(^١) في ر، م، ت ٣: \"القروى\". وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٤٧١.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٣٤٤ من طريق إسحاق بن محمد الفروى به.\nوأخرجه ابن حبان (٧٣٦٢) من طريق خالد بن أبى يزيد، عن زيد بن أبى أنيسة، عن مالك به.\nوخالفه أبو خالد الدالانى، فرواه عن زيد، عن سعيد المقبرى، عن أبى هريرة، كما سبق.\nوأصحاب مالك يروونه عنه، عن سعيد، عن أبى هريرة. أخرجه البخارى (٦٥٣٤)، وغيره. وينظر علل الدارقطنى ١٠/ ٣٥٦ - ٣٥٨، ومسند الطيالسى (٢٤٤٠).\n(^٣) في ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هنالك\".\n(^٤) إسناده ضعيف؛ هاشم بن عيسى، هو ابن أبى هريرة، قال العقيلى: منكر الحديث، وهو وأبوه مجهولان بالنقل. وأخرجه الطبرانى في الأوسط (٥١٥٩) عن محمد بن الحسين الأنماطى، عن سلم به. وينظر المجمع ١٠/ ٣٥٥.","vol":"1","page":634},{"text":"لا تَقْضِى عنها شيئًا لزِمها لغيرِها؛ لأن القَضاءَ هنالك مِن الحسناتِ والسيئاتِ على ما وصَفْنا. وكيف يَقْضِى عن غيرِه غُرْمًا (^١) لزِمه مَن كان يَسُرُّه أن يَثْبُتَ له على ولدِه أو والدِه حقٌّ فيَأْخُذَه منه ولا يَتَجافَى له عنه؟\nوقد زعَم بعضُ نحويِّى البصرةِ أن معنى قولِه: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾: لا تَجْزِى منها أن تكونَ مكانَها.\nوهذا قولٌ يَشْهَدُ ظاهرُ القرآنِ على فَسادِه؛ وذلك أنه غيرُ معقولٍ في كلامِ العربِ أن يَقولَ القائلُ: ما أغْنَيْتَ عنى شيئًا. بمعنى: ما أغْنَيْتَ منى أن تكونَ مكانى. بل إذا أرادوا الخبرَ عن شيءٍ أنه لا يَجْزِى مِن شيءٍ، قالوا: لا يَجْزِى هذا مِن هذا. ولا يَسْتَجِيزون أن يَقولوا: لا يَجْزِى هذا مِن هذا شيئًا.\nفلو كان تأويلُ قولِه: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾. ما قاله مَن حكَيْنا قولَه، لقال: واتَّقوا يومًا لا تَجْزِى نفسٌ عن نفسٍ. كما يقالُ: لا تجزِى نفسٌ مِن نفسٍ. ولم يَقُلْ: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾. وفى صحةِ التنزيلِ بقولِه: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أوضحُ الدَّلالةِ على صحةِ ما قلْنا، وفسادِ قولِ مَن ذكَرْنا قولَه في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-211>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: و\"الشَّفاعةُ\" مصدرٌ مِن قولِ الرجلِ: شفَع لى فلانٌ إلى فلانٍ شَفاعةً. وهو طلَبُه إليه في قضاءِ حاجتِه، وإنما قيل للشفيعِ: شَفيعٌ وشافعٌ. لأنه ثنَّى المُسْتَشْفِعَ به (^٢)، فصار له شَفْعًا، وكان ذو الحاجةِ قبلَ اسْتِشْفاعِه به في حاجتِه فَردًا،\n_________\n(^١) في ر، م: \"ما\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"عن ما\".\n(^٢) في م: \"له\".","vol":"1","page":635},{"text":"فصار صاحبُه له فيها شافعًا، وطلبه فيه وفى حاجتهِ شَفاعةً، ولذلك سُمِّى الشفيعُ في الدارِ والأرضِ شفيعًا؛ لمصيرِ البائعِ به شَفْعًا.\nفتأويلُ الآيةِ إذن: واتَّقوا يومًا لا تَقْضِى نفسٌ عن نفسٍ حقًّا لزِمها للهِ ﷿ ولا لغيرِه، ولا يَقْبَلُ اللهُ منها شفاعةَ شافعٍ، فيَتْرُكَ لها ما لزِمها مِن حقٍّ.\nوقيل: إن اللهَ جل ثناؤُه خاطَب أهلَ هذه الآيةِ بما خاطَبهم به فيها؛ لأنهم كانوا مِن يهودِ بنى إسرائيلَ، وكانوا يقولون: نحن أبناءُ اللهِ وأَحبَّاؤُه وأولادُ أنبيائِه، وسيَشْفَعُ لنا عندَه آباؤُنا. فأخْبَرَهم اللهُ تعالى ذكرُه أن نفسًا لا تَجْزِى عن نفسٍ شيئًا في القيامةِ، ولا يُقْبَلُ منها شفاعةُ أحدٍ فيها حتى يُسْتَوْفَى لكلِّ ذى حقٍّ منها حقُّه.\nكما حَدَّثَنِي عباسُ بنُ أبى طالبٍ، قال: حَدَّثَنَا حجاجُ بنُ نُصَيْرٍ، عن شعبةَ، عن العَوَّامِ بنِ مُزَاحِمٍ (^١) -رجلٌ مِن بنى قيسِ بنِ ثَعْلَبةَ- عن أبي عثمانَ النَّهْدىِّ، عن عثمانَ بنِ عفانَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"إِنَّ الجَمَّاءَ لَتَقْتَصُّ مِن القرْنَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ\" (^٢).\nوكما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ\n_________\n(^١) هكذا في النسخ، وهو قول ابن معين. وفى ر: \"مراحم\". والصواب: مراجم. بالراء والجيم. ينظر المؤتلف للدارقطني ٤/ ٢٠٧٨، وتعجيل المنفعة ٢/ ٨٨.\n(^٢) إسناده ضعيف؛ حجاج بن نصير ضعيف. وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند ١/ ٥٤٢ (٥٢٠)، والبزار (٣٨٧)، والعقيلى في الضعفاء ١/ ٢٨٥، وابن عدى في الكامل ٢/ ٦٤٩، والدارقطني في العلل ٣/ ٦٤ من طرق عن حجاج بن نصير به.\nوأخرجه العقيلى ١/ ٢٨٥، ٢٨٦، وابن عدى ٢/ ٦٥٠، والدارقطني ٣/ ٦٥ من طريق غندر، عن العوام، عن أبي السليل، عن سلمان، موقوفًا. وهو الصواب. قال ابن عدى: قال لنا ابن صاعد: وليس هذا من حديث عثمان عن النبي ﷺ، إنما رواه أبو عثمان، عن سلمان من قوله. وينظر العلل لابن أبي حاتم (٢١٤٢، ٢١٦٦)، وعلل الدارقطنيّ.\nومعناه في صحيح مسلم (٢٥٨٢) عن أبى هريرة مرفوعًا.","vol":"1","page":636},{"text":"نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٧]. فآيَسَهم اللهُ جل ذكرُه مما كانوا أطْمَعوا فيه أنفسَهم مِن النجاةِ مِن عذابِ اللهِ -مع تكذيبهم بما عرَفوا مِن الحقِّ، وخلافِهم أمرَ اللهِ تعالى ذكرُه في اتباعِ محمدٍ ﷺ، وما جاءهم به مِن عندِه- بشفاعةِ آبائِهم وغيرِهم مِن الناسِ كلِّهم، وأخْبَرَهم أنه غيرُ نافعِهم عندَه إلَّا التوبةُ إليه مِن كفرِهم، والإنابةُ مِن ضَلالِهم، وجعَل ما سنَّ فيهم مِن ذلك إمامًا لكلِّ مَن كان على مِثل منهاجِهم؛ لئلا يَطْمَعَ ذوو الإلحادِ في رحمةِ اللهِ.\nقال أبو جعفر: وهذه الآيةُ وإن كان مَخْرَجُها عامًّا في التِّلاوةِ، فإن المرادَ بها خاصٌّ في التأويلِ؛ لتَظاهُرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"شَفَاعَتى لأَهْلِ الكَبَائِرِ مِن أُمَّتِى\" (^١). وأنه قال: \"ليس مِن نَبِيٍّ إِلَّا وقد أُعْطِىَ دَعْوَةً، وإنِّى اخْتَبَأْتُ دَعْوَتى شَفاعَةً لأُمَّتي، وهى نائِلَةٌ منهم من لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا\" (^٢). فقد تبَيَّن بذلك أنَّ اللهَ جل ثناؤُه قد يَصْفَحُ لعبادِه المؤمنين بشفاعةِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ لهم عن كثيرٍ مِن عُقوبةِ إجْرامِهم بينَهم وبينَه، وأن قولَه: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾. إنما هي لمن مات على كفرِه غيرَ تائبٍ إلى اللهِ ﷿. وليس هذا مِن مَواضِعِ الإطالةِ في القولِ في الشَّفاعةِ والوَعْدِ والوَعيدِ فَنَسْتَقْصِىَ الحِجاجَ في ذلك، وسنَأْتى على ما فيه الكفايةُ في مَواضِعِه إن شاء اللهُ تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-212>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: و\"العَدْلُ\" في كلامِ العربِ -بفتحِ العينِ- الفِدْيةُ.\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسى (٢١٣٨)، وأحمد ٢٠/ ٤٣٩ (١٣٢٢٢)، وأبو داود (٤٧٣٩)، والترمذى (٢٤٣٥)، وغيرهم من حديث أنس.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٣٠٤، ٧٤٧٤)، ومسلم (١٩٨، ١٩٩) من حديث أبى هريرة بنحوه.","vol":"1","page":637},{"text":"كما حدَّثني المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: أنبأنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ قال: يعنى فِداءً (^١).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدّىِّ: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾: أما ﴿عَدْلٌ﴾ فيَعْدِلُها، مِن العَدْلِ. يقولُ: لو جاءت بملْءِ الأرضِ ذهبًا تَفْتَدِى به ما تُقُبِّل منها.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾. قال: لو جاءت بكلِّ شيءٍ لَمْ يُقْبلْ منها (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال مُجاهِدٌ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾. قال: بَدَلٌ، والبَدَلُ الفِدْيةُ (^٣).\nحدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلي، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾. قال: لو أن لها مِلْءَ (^٤) الأرضِ ذهبًا لَمْ يُقْبَلْ منها؛ [لم يُؤْخَذْ منها] (^٥) فِداءٌ. قال: ولو جاءَت بكلِّ شيءٍ لَمْ يُقْبَلْ منها.\nحدَّثنا نَجيحُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا عليُّ بنُ حَكيمٍ، قال: أخبرنا حُميدُ بنُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٠٥ (٥٠١) من طريق آدم به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٥.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٦٨ إلى المصنّف وابن المنذر.\n(^٤) في ص: \"مثل\".\n(^٥) سقط من: ر، م.","vol":"1","page":638},{"text":"عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن عمرِو بنِ قيسٍ المُلَائيِّ، عن رجلٍ مِن بنى أُميةَ مِن أهلِ الشامِ، أحْسَن عليه الثناءَ، قال: قيل: يا رسولَ اللهِ، ما العَدْلُ؟ قال: \"العَدْلُ الفِدْيَةُ\" (^١).\nقال أبو جعفر: وإنما قيل للفِدْيةِ مِن الشئِ والبَدَلِ منه: عَدْلُه؛ لمُعادَلتِه إياه وهو مِن غيرِ جنسِه، ومَصِيرِه له مثلًا مِن وَجهِ الجَزاءِ، لا مِن وجهِ المُشابَهةِ في الصورةِ والخِلْقةِ، كما قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠]. بمعنى: وإن تَفْدِ كلَّ فِدْيةٍ لا يُؤْخَذْ منها. يقالُ منه: هذا عَدْلُه وعَدِيلُه. وأما العِدْلُ -بكسرِ العينِ- فهو مِثْلُ الحِمْلِ المَحْمولِ على الظهرِ، يقالُ مِن ذلك: عندى غلامٌ عِدْلُ غُلامِك، وشاةٌ عِدْلُ شاتِك. بكسرِ العينِ، إذا كان غلامًا يَعْدِلُ غلامًا، وشاةً تَعْدِلُ شاةً، وكذلك ذلك في كلِّ مثْلٍ للشيءِ مِن جنسِه، فإذا أُريد أن عندَه قيمتَه مِن غيرِ جنسِه نُصِبَت العينُ، فقيل: عندى عَدْلُ شاتِك مِن الدراهمِ. وقد ذُكِر عن بعضِ العربِ أنه يَكْسِرُ العينَ مِن العَدْلِ الذى هو بمعنى الفِديةِ [والمعادلةِ] (^٢) ما عادلَتْه مِن جهةِ الجَزاءِ؛ وذلك لتَقارُبِ معنى العَدْلِ والعِدْلِ عندَهم. وأما واحدُ الأعْدالِ فلم يُسْمَعْ فيه إلَّا عِدْلٌ بكسرِ العينِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-213>القولُ في تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾.</span>\nوتأويلُ قولِه ﷻ: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. يعنى: إنهم يومَئذٍ لا يَنْصُرُهم ناصرٌ، كما لا يَشْفَعُ لهم شافعٌ، ولا يُقْبَلُ منهم عَدْلٌ ولا فِديةٌ، بَطَلَت هنالك المُحاباةُ، واضْمَحَلَّت الرِّشَا والشَّفاعاتُ، وارْتَفَع مِن القومِ التعاوُنُ\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ عمرو بن قيس من أتباع التابعين، وشيخه مجهول. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٦٨ إلى المصنّف. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ١٢٧.\n(^٢) في ر، م، ت ٢: \"لمعادلة\"، وفى ت ١، ت ٣: \"المعادلة\".","vol":"1","page":639},{"text":"والتَّناصُرُ، وصار الحُكمُ إلى العَدلِ الجَبَّارِ الذى لا يَنْفَعُ لديه الشُّفَعاءُ والنُّصَراءُ، فيَجْزِى بالسيئةِ مثلَها، وبالحسنةِ أضْعافَها، وذلك نظيرُ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٤ - ٢٦].\nوكان ابنُ عباسٍ يقولُ فى معنى: ﴿لَا تَنَاصَرُونَ﴾. ما حُدِّثْتُ به عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾: ما لكم (^١) لا تَمانَعون منا، هَيْهاتَ (^٢)، ليس ذلك لكم اليومَ (^٣).\nوقد قال بعضُهم في معنى قولِه: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: وليس لهم مِن اللهِ يومَئذٍ نَصيرٌ يَنْتَصِرُ لهم مِن اللهِ إذا عَاقَبَهم.\nوقد قيل: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ بالطلبِ فيهم والشَّفاعةِ والفِدْيةِ.\nقال أبو جعفرٍ: والقولُ الأولُ أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لما وصَفْنا مِن أن اللهَ جل ثناؤُه إنما أعْلَم المخاطَبِين بهذه الآيةِ أن يومَ القيامةِ يومٌ لا فِدْيةَ فيه (^٤) لمن اسْتَحَقَّ مِن خلقِه عُقوبتَه، ولا شَفاعةَ فيه، ولا ناصرَ له، وذلك أن ذلك قد كان لهم في الدنيا، فأخْبَر أن ذلك يومَ القيامةِ مَعْدومٌ لا سبيلَ لهم إليه.\n\n<span id=\"aya-56\"></span><span data-type='title' id=toc-214>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾.</span>\n_________\n(^١) بعده في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"اليوم\".\n(^٢) في الأصل: \"أيهات\"، على إبدال الهاء همزة، مثل هراق وأراق.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٧٣ إلى المصنّف.\n(^٤) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"1","page":640},{"text":"وأما تأويلُ قولِه: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾. فإنَّه عَطْفٌ على قولِه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾. فكأنه قال: اذْكُروا نِعْمتى التى أنْعَمْتُ عليكم، واذْكُروا إنعامَنا عليكم إذ نَجَّيْناكم مِن آلِ فرعونَ، بإنجائِنا لكم منهم.\nوأما: [﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾] (^١) فإنهم أهلُ دينِه وقومُه وأشْياعُه.\nوأصلُ \"آل\": أهلٌ، أُبْدِلَت الهاءُ همزةً، كما قالوا: ماءٌ (^٢). فأبْدَلوا الهاءَ همزةً، فإذا صغَّروه قالوا: مُوَيْهٌ. فردُّوا الهاءَ في التَّصْغيرِ، وأخْرَجوه على أصلِه، وكذلك إذا صغَّروا \"آلًا\"، قالوا: أُهَيْلٌ. وقد حُكِى سَماعًا مِن العربِ في تَصْغيرِ \"آلٍ\"؛ أُوَيْلٌ. وقد يُقالُ: فلانٌ مِن آلِ النساءِ. يُرادُ أنه منهن خُلِق. ويقالُ ذلك أيضًا بمعنى أنه يُرِيدُهن ويَهْواهن، كما قال الشاعرُ (^٣):\nفإنكَ (^٤) مِن آلِ النِّساءِ وإنَّما … يَكُنَّ لِأَدْنَى لا وِصالَ لِغائبِ\nوأحسنُ أماكنِ \"آل\" أن يُنْطَقَ به مع الأسماءِ المشهورةِ، مثلَ قولِهم: آلُ النَّبِيِّ محمدٍ ﷺ، وآلُ عليٍّ، وآلُ العباسِ، وآلُ عَقيلٍ. وغيرُ مُسْتَحْسَنٍ استعمالُه مع المجهولِ وفى أسماءِ الأرَضِين وما أشبهَ ذلك. غيرُ حسنٍ عندَ أهلِ العلمِ بلسانِ (^٥) العربِ أن يُقالَ: رأيْتُ آلَ الرجلِ، وزارنى (^٦) آلُ المرأةِ. ولا: رأيْتُ آلَ البصرةِ، وآلَ\n_________\n(^١) سقط من: ر، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ر، م: \"ماه\".\n(^٣) البيت في الصاحبى ص ٤٣٤ غير منسوب، ونسبه في الخصائص ٣/ ٢٧ إلى كُثَيِّر، وليس في ديوانه، ونسبه في البحر المحيط ٢/ ٢٦٢ إلى جميل، وليس في ديوانه أيضًا.\n(^٤) في مصادر التخريج: \"بثينة\".\n(^٥) في الأصل: \"بلغات\".\n(^٦) في م: \"رآنى\".","vol":"1","page":641},{"text":"الكوفةِ. وقد ذُكِر عن (^١) العربِ سَماعًا أنَّها تقولُ: رأيْتُ آلَ مكةَ، وآلَ المدينةِ. وليس ذلك في كلامِهم بالمستعملِ الفاشى.\nوأما ﴿فِرْعَوْنَ﴾ فإنه يقالُ: إنه اسمٌ كانت مُلوكُ العَمالِقةِ بمصرَ تُسَمَّى به، كما كانت ملوكُ الرومِ يُسمَّى بعضُهم قيصَرَ، وبعضُهم هِرقْلَ، وكما كانت ملوكُ فَارسَ تُسَمَّى الأكاسِرةَ واحدُهم كِسْرَي، وملوكُ اليمنِ تُسَمَّى التَّبَابِعةَ، واحدُهم تُبَّعٌ.\nوأما فرعونُ موسى الذى أخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه عن بنى إسرائيلَ أنه نجَّاهم منه، فإنه يقالُ: إن اسمَه [الذى هو اسمُه] (^٢) الوَليدُ بنُ مُصْعبٍ. كذلك ذكَر محمدُ بنُ إسحاقَ أنه بلَغه عن اسمِه. حدَّثنا بذلك محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ (^٣).\n[وقد قيل: إن اسمَه] (^٤) مصعبُ بنُ الرّيَّانِ.\nوإنما جاز أن يقالَ: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. والخطابُ به لمن لَمْ (^٥) يُدْرِكْ فرعونَ ولا المُنَجَّيْنَ منه؛ لأنَّ المُخَاطَبِين بذلك كانوا أبناءَ مَن نجَّاهم مِن فرعونَ وقومِه، فأضاف ما كان مِن نعمِه على آبائِهم إليهم، وكذلك ما كان مِن كُفرانِ آبائِهم، على وجهِ الإضافةِ، كما يقولُ القائلُ لآخرَ: فعَلْنا بكم كذا وكذا (^٦)،\n_________\n(^١) بعده في ص، م: \"بعض\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٨٧.\n(^٤) في م: \"أن اسمه الوليد بن\".\n(^٥) سقط من: ص، ر، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"1","page":642},{"text":"وفعَلْنا بكم كذا، وقتَلْناكم وسبَيْناكم. والمُخْبِرُ إما أن يكونَ يعنى قومَه وعَشيرتَه بذلك، أو أهلَ بلدِه ووطنِه، كان المَقولُ له ذلك أدْرَكَ ما فُعِل بهم مِن ذلك أو لم يُدْرِكْه، كما قال الأخطلُ يُهاجِى جَريرَ بنَ عَطِيَّةَ (^١):\nولقد سَما (^٢) لكمُ الهُذَيْلُ (^٣) فنالَكم … بإرَابَ (^٤) حيث يُقَسِّمُ الأَنْفالَا (^٥)\nفي فَيْلَقٍ (^٦) يَدْعُو الأراقِمَ (^٧) لم تَكُنْ … فُرْسانُه عُزْلًا ولا أَكْفالَا (^٨)\nولم يَلْقَ (^٩) جَريرٌ هُذَيلًا ولا أدْرَكه، ولا أدْرَك إرَابَ ولا شهِدَه، ولكنه لما كان يومًا مِن أيامِ قومِ الأخْطَلِ على قومِ جَريرٍ، أضاف الخطابَ إليه وإلى قومِه، فكذلك خطابُ اللهِ ﷿ مَن خاطَبه بقولِه: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. لمَّا كان فعلُه ما فعَل مِن ذلك بقومِ مَن خاطَبه بالآيةِ وآبائِهم، [أضاف فعْلَه ذلك الذى فعَله بآبائِهم إلى المُخاطَبِين بالآيةِ] (^١٠) وقومِهم.\n_________\n(^١) ديوان الأخطل ص ٣٩١.\n(^٢) سما لهم: نهض لقتالهم، وتساموا: تباروا. اللسان (س م و).\n(^٣) الهذيل: هو الهذيل بن هبيرة التغلبى. النقائض ص ٧٧.\n(^٤) إراب: ماء من مياه بنى يربوع، كانت فيه لتغلب وقعة على بنى يربوع. معجم ما استعجم ١/ ١٣٣.\n(^٥) في الأصل، ص: \"الأثقالا\"، وفى ت ١، ت ٣: \"الأثقال\" والنفل: الغنيمة والهبة. اللسان (ن ف ل).\n(^٦) الفيلق: الكتيبة الكثيرة السلاح. اللسان (ف ل ق).\n(^٧) الأرقم من الحيات ما فيه بياض وسواد، والجمع أراقم. اللسان (ر ق م).\nوالأراقم هنا: هم من بنى تغلب، جشم ومالك وعمرو وثعلبة ومعاوية والحارث بنو بكر بن حبيب، مر كاهن بأمهم وهم في قطيفة لها فقالت: ينظر إلى ولدى هؤلاء. فقال: والله لكأنما رمونى بعيون الأراقم. النقائض ص ٧٨.\n(^٨) الكفل من الرجال: الذي يكون في مؤخر الحرب، وإنما همته في التأخير والفرار. اللسان (ك ف ل).\n(^٩) في ص: \"يلحق\".\n(^١٠) سقط من: ص، ر.","vol":"1","page":643},{"text":"<span data-type='title' id=toc-215>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وفى قولِه: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾. وجهان مِن التأويلِ؛ أحدُهما: أن يَكونَ خبرًا مُسْتَأْنَفًا عن فِعْلِ فرعونَ ببنى إسرائيلَ، فيَكونَ معناه حينَئذٍ: واذْكُروا نعمتى عليكم إذ نَجَّيناكم (^١) مِن آلِ فرعونَ، وكانوا مِن قبلُ يَسُومُونكم سُوءَ العذابِ.\nوإذا كان ذلك تأويلَه كان موضعُ ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ رفعًا (^٢).\nوالوجهُ الثانى: أن يَكونَ ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ حالًا، فيكونَ تأويلُه حينَئذٍ: وإذ نجَّيْناكم مِن آلِ فرعونَ سائميكم سُوءَ العذابِ. فيكونَ حالًا مِن ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾.\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾. فإنه: يُورِدُونَكم، ويُذِيقُونكم، ويُولُونكم. يقالُ منه: سامه خُطَّةَ ضَيْمٍ. إذا أولاه ذلك وأذاقه (^٣)، كما قال الشاعرُ (^٤):\n*إن سِيمَ خَسْفًا (^٥) وجهُه تَرَبَّدَا (^٦) *\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ فإنه يعنى: ما ساءَهم مِن العذابِ. وقد قال بعضُهم: أشدَّ العذابِ. ولو كان ذلك معناه لقيل: أسوأَ العذابِ.\nفإن قال لنا قائلٌ: وما ذلك العذابُ الذى كانوا يُسومُونهم (^٧)؟\nقيل: هو ما وصَفه اللهُ تعالى ذكْرُه في كتابِه فقال: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ\n_________\n(^١) في ص: \"نجيتكم\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وجها\".\n(^٣) سقط من: ر، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) هو عمرو بن سالم الخزاعى، من أبيات قالها يستنصر فيها النبي ﷺ على قريش وبنى بكر. والأبيات في سيرة ابن هشام ٢/ ٣٩٤، ٣٩٥.\n(^٥) الخسف: الإذلال، وأن يحملك الإنسان ما تكره. التاج (خ س ف).\n(^٦) تربد وجهه: تغير من الغضب. التاج (ر ب د).\n(^٧) بعده في ر، م، ت ٢، ت ٣: \"الذى كان يسوءهم\"، وفى ت ١: \"الذى يسوءهم\".","vol":"1","page":644},{"text":"وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾.\nوقد قال محمدُ بنُ إسحاقَ في ذلك ما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، قال: كان فرعونُ يُعَذِّبُ بني إسرائيلَ، فيَجْعَلُهم خَدَمًا وخَوَلًا (^١)، وصنَّفهم في أعمالِه (^٢)؛ فصِنفٌ يَبْنون، وصِنْفٌ يَزْرَعون له، فهم في أعمالِه، ومَن لم يَكُنْ منهم في صَنْعةٍ له مِن عملِه، فعليه الجزيةُ، فسامَهم كما قال اللهُ ﷿: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (^٣).\nوقال السُّدِّىُّ: جعَلهم في الأعمالِ القَذِرةِ، وجعَل يُقَتِّلُ أبناءَهم، ويستحيى نساءَهم. حدَّثنى بذلك موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-216>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾.</span>\nفأضاف اللهُ جل ثناؤُه ما كان مِن فعلِ آلِ فرعونَ ببنى إسرائيلَ مِن سَوْمِهم إياهم سُوءَ العذابِ، وذَبْحِهم أبناءَهم، واسْتِحْيائِهم نساءَهم، إليهم دونَ فرعونَ -وإن كان فعلُهم ما فعَلوا مِن ذلك كان بقوةِ فرعونَ وعن أمرِه- لمباشرتِهم ذلك بأنفسِهم، فبيِّنٌ بذلك أن كلَّ مباشرٍ قتْلَ نفسٍ أو تعذيبَ حىٍّ بنفسِه، وإن كان عن أمْرِ غيرِه، ففاعلُه المُتَولِّى ذلك هو المستحقُّ إضافةَ ذلك إليه، وإن كان الآمِرُ قاهرًا الفاعلَ المأمورَ بذلك- سلطانًا كان الآمرُ، أو لِصًّا حاربًا (^٥)، أو مُتَغَلِّبًا فاجرًا -كما أضاف جل ثناؤُه تذبيحَ أبناءِ بني إسرائيلَ واستحياءَ نسائِهم إلى آلِ فرعونَ دون فرعونَ، وإن كانوا بقوةِ فرعونَ وأمرِه إياهم بذلك فعَلوا ما فعَلوا، مع غلبتِه إياهم\n_________\n(^١) الخَوَل: حشم الرجل وأتباعه، ويقع على العبد والأمة. ينظر النهاية ٢/ ٨٨.\n(^٢) في الأصل: \"أعمالهم\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٨٧. وتقدم أوله في ص ٦٤٢.\n(^٤) سيأتي مطولا في ص ٦٤٩.\n(^٥) في م: \"خاربا\". والحارب: المُشلِّح، وهو قاطع الطريق. ينظر اللسان (ح ر ب، ش ل ح).","vol":"1","page":645},{"text":"وقهرِه لهم، فكذلك كلُّ قاتلٍ نفسًا بأمرِ غيرِه ظلمًا، فهو المقتولُ به عندَنا قِصاصًا، وإن كان قتلُه إياه بإكراهِ غيرِه له على قتلِه.\nوأما تأويلُ ذَبْحِهم أبناءَ بني إسرائيلَ، واستحيائِهم نساءَهم، فإنه كان فيما ذُكِر لنا عن ابنِ عباسٍ وغيرِه كالذى حدَّثنا به العباسُ بنُ الوليدِ الآمُلىُّ وتَميمُ بنُ المُنْتَصرِ الواسطىُّ، قالا: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخْبَرَنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: حدَّثنا القاسمُ بنُ أبى (^١) أيوبَ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: تذاكَر فرعونُ وجُلساؤُه ما كان اللهُ تعالى ذكرُه وعَد إبراهيمَ خليلَه ﵇ أن يجْعَلَ في ذريتِه أنبياءَ ومُلوكًا، فأْتمروا وأجْمَعوا أمرَهم على أن يَبعَثَ رجالًا معهم الشِّفَارُ (^٢)، يَطُوفون في بني إسرائيلَ، فلا يَجِدون مولودًا ذكرًا (^٣) إلا ذَبَحوه، ففعَلوا، فلمَّا رأَوْا أن الكبارَ مِن بني إسرائيلَ يَمُوتون بآجالِهم، وأن الصغارَ يُذَبَّحون، قال: تُوشكون أن تُفْنُوا بني إسرائيلَ، فتَصيروا إلى أن تُباشِروا مِن الأعمالِ والخِدْمةِ ما كانوا يَكْفُونكم، فاقْتُلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ، فَيقِلَّ (^٤) أبناؤُهم، ودَعُوا عامًا. فحمَلَتْ أمُّ موسى بهارونَ في العامِ الذى لا يُذْبَحُ فيه الغِلْمانُ، فولَدَته عَلانيةً آمنةً (^٥)، حتى إذا كان القابلُ حمَلَت بموسى (^٦).\nوقد حدَّثنا عبدُ الكريمِ بنُ الهَيْثمِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بَشارٍ الرَّمَادىُّ،\n_________\n(^١) سقط من النسخ، وينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٣٣٦.\n(^٢) الشفار جمع شفرة، وهو السكين العظيم وما عُرِّض من الحديد وحُدِّد. القاموس المحيط (ش ف ر).\n(^٣) سقط من: ص، ر.\n(^٤) في ص، ت ٣: \"فتقتل\"، وفى ت ١: \"فيقتل\".\n(^٥) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أمه\". وغير واضحة في الأصل، والمثبت موافق لما في تفسير ابن كثير ٥/ ٢٧٩، والدر المنثور ٤/ ٢٩٦، وغيرهما كما سيأتي.\n(^٦) سيأتي تخريجه في تفسير الآية ٤٠ من سورة طه، في حديث الفتون الطويل.","vol":"1","page":646},{"text":"قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، قال: حدَّثنا أبو سعدٍ (^١)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قالت الكَهَنةُ لفرعونَ: إنه يُولَدُ في هذا العامِ مولودٌ يَذْهَبُ بمُلْكِك. قال: فجعَل فرعونُ على كلِّ ألفِ امرأةٍ مائةَ رجلٍ، وعلى كلِّ مائةٍ (^٢) عشرةً، وعلى كلِّ عشرةٍ رجلًا، فقال: انْظُروا كلَّ امرأةٍ حاملٍ في المدينةِ، فإذا وضَعَت حَمْلَها فانْظُروا إليه، فإن كان ذكرًا فاذْبَحوه، وإن كان أنثى فخَلُّوا عنها (^٣). وذلك قولُه: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (^٤).\nحدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾. قال: إن فرعونَ ملَكهم أربعَمائةِ سنةٍ، فقالت الكَهَنةُ: إنه سيُولَدُ العامَ بمصرَ غلامٌ يَكونُ هلاكُك (^٥) على يديه. فبعَث في أهلِ مصرَ نساءً قَوابِلَ، فإذا ولَدَت امراةٌ غلامًا أُتِى به فرعونُ فقتَله، ويَسْتَحْيى الجَوارىَ (^٦).\nحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجَّاجِ، قال حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ الآية. قال: إن فرعونَ ملَكهم أربعَمائةِ سنةٍ، وإنه أتاه آتٍ، فقال: إنه سيَنْشَأُ في\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سعيد\". وهو أبو سعد سعيد بن المرزبان البقال الأعور. وليس هو أبا سعيد عبد الكريم بن مالك الجزرى، فقد جاء مصرحا بأنه أبو سعد الأعور في تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٧٣ (١٥٦٧٥).\n(^٢) بعده في الأصل: \"امرأة\".\n(^٣) في الأصل: \"عنه\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٦٩ إلى المصنف. وأبو سعد البقال ضعيف.\n(^٥) في ص، ر: \"هلاكه\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٠٥ (٥٠٥) من طريق آدم به.","vol":"1","page":647},{"text":"مصرَ غلامٌ مِن بني إسرائيلَ، فيَظْهَرُ عليك، ويَكونُ هَلاكُك على يديه. فبعَث في أهلِ مصرَ نساءً. فذكَر نحوَ حديثِ آدمَ.\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ بنُ نصرٍ، عن السُّدِّىِّ، قال: كان مِن شأنِ فرعونَ أنه رأَى رؤيا (^١) في مَنامِه، أن نارًا أقْبَلَت مِن بيتِ القدسِ حتى اشْتَمَلَت على بيوتِ مصرَ، فأحْرَقَت القِبْطَ وترَكَت بني إسرائيلَ، وأخْرَبَت بيوتَ مصرَ، فدعا السَّحَرةَ والكَهَنةَ (^٢) والقافَةَ والحازَةَ، فسأَلهم عن رُؤْياه، فقالوا له: يَخْرُجُ مِن هذا البلدِ الذى جاء بنو إسرائيلَ منه -يَعْنون بيتَ المقدسِ- رجلٌ يَكونُ على وجهِه هَلاكُ مصرَ. فأمَر ببنى إسرائيلَ ألا يُولَدَ لهم غلامٌ إلا ذبَحوه، ولا تُولَدَ لهم جاريةٌ إلا تُرِكَت. وقال للقِبْطِ: انظُروا مَمْلوكيكم الذين يَعْمَلون خارجًا فأدْخِلوهم، واجْعَلوا بنى إسرائيلَ يَلُون تلك الأعمالَ القَذِرةَ. فجعَل بنى إسرائيلَ في أعمالِ غلمانِهم، وأدْخَلوا غلمانَهم، فذلك حينَ يقولُ اللهُ ﵎: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: تجَبَّر في الأرضِ، ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ يعنى بني إسرائيلَ [حينَ جعَلهم في الأعمالِ القَذِرةِ، ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤]. فجعَل لا يُولَدُ لبنى إسرائيلَ] (^٣) مَوْلودٌ إلا ذُبِح، فلا يَكْبَرُ الصغيرُ، وقذَف اللهُ في مَشْيَخةِ بني إسرائيلَ الموتَ، فأسْرَع فيهم، فدخَل رءوسُ القِبْطِ على فرعونَ، فكلَّموه، فقالوا: إن هؤلاء القومَ (^٤) قد وقَع فيهم الموتُ، فيُوشِكُ أن يَقَعَ العملُ على غِلمانِنا بذبحِ أبنائِهم، فلا تَبْلُغُ الصِّغارُ وتَفْنَى\n_________\n(^١) سقط من: ر، م.\n(^٢) بعده في م: \"والعافة\".\n(^٣) سقط من: ص.\n(^٤) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"1","page":648},{"text":"الكِبارُ، فلو أنك كنتَ تُبْقِى مِن أولادِهم. فأمَر أن يُذَبَّحوا سنةً ويُتْرَكوا سنةً، فلما كان في السنةِ التى لا يُذَبَّحون فيها، وُلِد هارونُ فتُرِك، فلما كان في السنةِ التى يُذَبَّحون فيها حمَلت بموسى (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ذُكِر لى أنه لما تَقارَب زمانُ موسى أتى مُنَجِّمو فرعونَ وحُزَاتُه (^٢) إليه، فقالوا (^٣): تَعَلَّمْ (^٤) أنَّا نَجِدُ في علمِنا أن مولودًا مِن بني إسرائيلَ قد أظلَّك زمانُه الذى يُولَدُ فيه، يَسْلُبُك مُلْكَك، ويَغْلِبُك على سلطانِك، ويُخْرِجُك مِن أرضِك، ويُبَدِّلُ دينَك. فلما قالوا له ذلك أمَر بقتلِ كلِّ مولودٍ يُولَدُ مِن بني إسرائيلَ [مِن الغِلْمَانِ، وأمَر بالنساءِ يُسْتَحْيَيْنَ، فجمَع القَوابلَ مِن نساءِ أهلِ (^٥) مَمْلكتِه، فقال لهن: لا يَسْقُطُ على أيْدِيكُنَّ غلامٌ مِن بني إسرائيلَ] (^٦) إلا قَتَلْتموه (^٧). فكنَّ يَفْعَلْنَ ذلك، وكان يَذْبَحُ مَن فوقَ ذلك مِن الغلمانِ، ويَأْمُرُ بالحَبَالَى فيُعَذَّبْنَ حتى يطْرَحْنَ ما في بُطونِهنَّ (^٨).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بنِ\n_________\n(^١) في الأصل: \"موسى\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٠٦ (٥٠٦) من طريق عمرو به.\nوأخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٨٨ عن موسى بن هارون به عن السدى بإسناده المعروف. وسيفرق المصنف بقيته فيما يأتى.\n(^٢) في م: \"أحزابه\".\n(^٣) بعده في ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"له\".\n(^٤) في م: \"نعم\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) فى ص، م: \"قتلتنه\".\n(^٨) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٨٧. وتقدم أوله في ص ٦٤٥.","vol":"1","page":649},{"text":"أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ، قال: لقد ذُكِر أنه كان لَيَأْمُرُ بالقَصَبِ فيُشَقُّ حتى يُجعَلَ أمثالَ الشِّفَارِ، ثم يُصَفُّ بعضُه إلى بعضٍ، ثم يُؤْتَى بالحَبَالَى مِن بنى إسرائيلَ، فيُوقَفْنَ عليه فيَحُزُّ أقْدامَهن، حتى إن المرأةَ منهن لَتَمْصَعُ (^١) بولدِها فيَقَعُ (^٢) بينَ رِجْلَيْها، فَتَظَلُّ تَطَؤُه تَتَّقِى (^٣) به حَدَّ القَصَبِ عن (^٤) رِجْلَيْها (^٥)، لِمَا بلَغ مِن جَهدِها، حتى أسْرَف فى ذلك، وكاد يُفْنِيهم، فقيل له: أفْنَيتَ الناسَ، وقطَعْتَ النَّسْلَ، وإنهم خَوَلُك وعُمَّالُك (^٦). فأمَرَ (^٧) أن يُقْتَلَ الغِلْمانُ عامًا ويُسْتَحْيَوْا عامًا، فوُلِد هارونُ فى السنةِ التى يُسْتَحْيَا فيها الغِلْمانُ، ووُلِد موسى فى السنةِ التى فيها يُقْتَلون (^٨).\nفالذى قاله مَن ذكَرْنا قولَه مِن أهلِ العلمِ كان ذَبحَ آلِ فرعونَ أبناءَ بنى إسرائيلَ واستحياءَهم نساءَهم. فتأويلُ قولِه إذن -على ما تأوَّله الذين ذكَرْنا قولَهم- ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ (^٩)﴾: يسْتَبقُونَهن فلا يَقْتُلونهن.\nوقد يَجِبُ على تأويلِ مَن قال بالقولِ الذى ذكَرْنا عن ابنِ عباسٍ وأبى العاليةِ والربيعِ بنِ أنسٍ والسُّدىِّ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾. أنه تَرْكُهم الإناثَ مِن القتلِ عندَ وِلادتِهن إياهن -أن يكونَ جائزًا أن تُسَمَّى الطفلُ (^١٠) مِن\n_________\n(^١) مصعت المرأة بولدها: ألقت به. التاج (م ص ع).\n(^٢) بعده فى: ص، ر، م، ت ٢: \"من\".\n(^٣) فى الأصل: \"وتتقى\".\n(^٤) فى الأصل: \"من\".\n(^٥) فى ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رجلها\".\n(^٦) فى ص: \"غلمانك\".\n(^٧) فى الأصل، ص، ر، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فتأمر\". والمثبت موافق لما فى تاريخ المصنف.\n(^٨) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٣٨٧، ٣٨٨.\n(^٩) فى الأصل، ت ٢: \"نساءهم\".\n(^١٠) فى م، ت ٢: \"الطفلة\".","vol":"1","page":650},{"text":"الإناثِ فى حال صِباها وبعدَ وِلادتِها (^١) امرأةً، والصَّبايا الصغارُ وهن أطفالٌ نساءً؛ لأنهم تأوَّلوا قولَ اللهِ جل وعزّ: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾: يَسْتَبْقون الإناثَ مِن الوِلْدانِ عندَ الوِلادةِ فلا يَقْتُلونهن.\nوقد أنْكَر ذلك مِن قولِهم ابنُ جُرَيْجٍ، فقال بما حدَّثنا به القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ قولَه: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾. قال: يَسْتَرِقُّون نساءَكم.\nفحاد ابنُ جُرَيْجٍ بقولِه هذا عما قاله [مَن ذكَرْنا قولَه] (^٢) فى قولِه: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾. إنه اسْتِحْياءُ الصَّبايا الأطفالِ (^٣)، إذ لم يَجِدْهن يَلْزَمُهن اسمُ نساءٍ، ثم دخَل فيما هو أعظمُ مما أنْكَر بتأويلِه ﴿وَيَسْتَحْيُونَ﴾: ويَسْترِقُّون. وذلك تأويلٌ غيرُ موجودٍ فى لغةٍ عربيةٍ ولا أعْجَميةٍ، وذلك أن الاسْتِحياءَ إنما هو اسْتِفْعالٌ مِن الحياةِ، نظيرُ الاسْتِبْقاءِ مِن البَقاءِ، والاسْتِسْقاءِ مِن السَّقْىِ، وهو مِن معنى الاسْتِرقاقِ بمعزِلٍ.\nوقد تأوَّل (^٤) آخَرون قولَه: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾. بمعنى: يُذَبِّحون رجالَكم [أبناءَ آبائِكم] (^٥). وأنْكَروا أن يَكونَ المَذْبوحون الأطفالَ، وقد قرَن بهم النساءَ، فقالوا: فى إخبارِ اللهِ جل ثناؤُه أن المستحيَيْن هم النساءُ، الدَّلالةُ الواضحةُ على أن الذين كانوا يُذَبَّحون هم الرجالُ دون الصِّبْيانِ؛ لأن المُذَبَّحِين لو كانوا هم\n_________\n(^١) فى ص، ت ٢، ت ٣: \"ولادها\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) بعده فى ص، ر، م: \"قال\".\n(^٤) فى ر، م: \"قال\".\n(^٥) فى م: \"آباء أبنائكم\".","vol":"1","page":651},{"text":"الأطفالَ لَوَجَب أن يكونَ المُسْتَحْيَوْن هم الصَّبايا. قالوا: وفى إخبارِ اللهِ ﷿ أنهم النساءُ ما يُبينُ عن (^١) أن المُذَبَّحِين هم الرجالُ.\nوقد أغْفَل قائلو هذه المَقالةِ -مع خروجِهم مِن تأويلِ أهلِ التأويلِ مِن الصحابةِ والتابعين- موضعَ الصوابِ، وذلك أن الله جل ثناؤُه قد أخْبَر عن وَحيه إلى أمِّ موسى أنه أمَرها أن تُرْضِعَ موسى، فإذا خافَت عليه أن تُلْقِيَه فى التابوتِ، ثم تُلْقِيَه فى اليَمِّ، فمعلومٌ بذلك أن القومَ لو كانوا إنما كانوا (^٢) يَقْتُلون الرجالَ ويَتْرُكون النساءَ، لم يَكُنْ بأمِّ موسى حاجةٌ إلى إلقاءِ موسى فى اليَمِّ، أو لو أن موسى كان رجلًا لم تَجْعَلْه أمُّه فى التابوتِ.\nولكن ذلك عندَنا على ما تأوَّله ابنُ عباسٍ ومَن حكَيْنا قولَه قبلُ، مِن ذبْحِ آلِ فرعونَ الصِّبيانَ وترْكِهم مِن القتلِ الصَّبايا. وإنما قيل: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ إذ (^٣) كان الصَّبايا داخلاتٍ مع أُمهاتِهن -وأمهاتُهن لا شكَّ نساءٌ- فى الاسْتِحياءِ؛ لأنهم لم يكونوا يَقْتلون صغارَ النساءِ ولا كِبارَهن، فقيل: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ يعنى بذلك الوالداتِ والمولوداتِ، كما يُقالُ: قد أقبلَ الرجالُ. وإن كان فيهم صِبْيانٌ. فكذلك قولُه: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾. وأما مِن الذكورِ فإنه لمَّا لم يَكُنْ يُذْبَحُ إلا المولودون قيل: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ولم يَقُلْ: يُذَبِّحون رجالَكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-217>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: أما قولُه: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. فإنه يعنى: وفى الذى فعَلْنا بكم مِن إنجائِنا كم (^٤) مما كنتم فيه مِن عذابِ آلِ فرعونَ إياكم -على\n_________\n(^١) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) فى الأصل: \"إذا\".\n(^٤) فى ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إنجائنا إياكم\".","vol":"1","page":652},{"text":"ما وصَفْتُ- بلاءٌ لكم مِن ربِّكم عظيمٌ.\nويعنى بقولِه ﴿بَلَاءٌ﴾: نعمةٌ، كما حدَّثنى المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. قال: نعمةٌ (^١).\nوحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ فى قولِه: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾: أما البلاءُ فالنعمةُ (^٢).\nوحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. قال: نعمةٌ مِن ربِّكم عظيمةٌ (^٣).\nحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَ حديثِ سُفيانَ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. قال: نعمةٌ عظيمةٌ.\nوأصلُ البلاءِ فى كلامِ العربِ الاختبارُ والامتِحانُ، ثم يُسْتَعْمَلُ فى الخيرِ والشرِّ؛ لأن الامتحانَ والاختبارَ قد يَكونُ بالخيرِ كما يكونُ بالشرِّ، كما قال اللهُ جل\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٠٦ (٥٠٧) من طريق أبى صالح به.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٠٦ عقب الأثر (٥٠٧) من طريق عمرو به. وينظر ما تقدم فى ص ٦٤٨.\n(^٣) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٦٩ إلى وكيع. وذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٠٦ عقب الأثر (٥٠٧) معلقا.","vol":"1","page":653},{"text":"ثناؤُه: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]. يقول: اخْتَبَرْناهم. وكما قال جل ثناؤه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]. ثم تُسَمِّى العربُ الخيرَ بلاءً، والشرَّ بلاءً، غيرَ أن الأكثرَ فى الشرِّ أن يُقالَ: بلَوتُه أبْلُوه بلاءً، وفى الخيرِ: أبْلَيْتُه أبْلِيه إبلاءً وبلاءً. ومِن ذلك قولُ زُهَيْرِ بنِ أبى سُلْمَى (^١):\nجزَى اللهُ بالإحسانِ ما فعَلا بكم … فأبْلَاهما خيرَ البلاءِ الذى يَبْلُو\nفجمَع بينَ اللغتَيْنِ؛ لأنه أراد: فأنْعَم اللهُ عليهما خيرَ النِّعَمِ التى يَخْتَبِرُ بها عبادَه.\n\n<span id=\"aya-57\"></span><span data-type='title' id=toc-218>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾.</span>\nأما تأويلُ قولِه: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا﴾. فإنه عطفٌ على: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾، بمعنى: واذْكُروا نِعْمتىَ التى أنعمتُ عليكم، واذْكُروا إذ نجَّيناكم مِن آلِ فرعونَ، وإذ فرَقْنا بكم البحرَ.\nومعنى قولِه: ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ﴾: فصَلْنا بكم البحرَ؛ لأنهم كانوا اثنَىْ عشَرَ سِبْطًا، ففرَق البحرَ اثنَىْ عشَرَ طريقًا، فسلَك كلُّ سِبْطٍ منهم طريقًا منها، فذلك فَرْقُ اللهِ جلَّ ثناؤُه بهم البحرَ، وفصلُه بهم بتفريقِهم (^٢) فى طرُقِه الاثنَىْ عشَرَ (^٣).\nكما حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: لما أتَى موسى البحرَ كَنَاه أبا خالدٍ، وضرَبه فانْفَلَق، فكان كلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ\n_________\n(^١) شرح ديوان زهير ص ١٠٩.\n(^٢) فى الأصل، ص: \"بتفرقهم\".\n(^٣) فى الأصل: \"العشر\".","vol":"1","page":654},{"text":"العظيم، فدخَلَت بنو إسرائيلَ، وكان فى البحرِ اثنا عشَرَ طريقًا، فى كلِّ طريقٍ سِبْطٌ (^١).\nوقد قال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معنى قولِه: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾: فرَقْنا بينَ الماءِ وبينَكم، يريدُ بذلك: فصَلْنا بينَكم وبينَه وحجَزْنا حيث مرَرْتُم فيه.\nوذلك خلافُ ما فى ظاهرِ التلاوةِ؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما أخْبَر أنه فرَق البحرَ بالقومِ، ولم يُخْبِرْ أنه فرَق بينَ القَوْمِ وبينَ البحرِ فيَكونَ التأويلُ ما قاله قائلُ (^٢) هذه المَقالةِ. وفرقُه البحرَ بالقومِ إنما هو تفريقه البحرَ بهم على ما وصَفْنا مِن افتراقِ سُبُلِه (^٣) بهم على ما جاءت به الآثارُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-219>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾.</span>\nإن قال لنا قائلٌ: كيف غرَّق اللهُ آلَ فرعونَ ونجَّى بنى إسرائيلَ؟\nقيل: كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظىِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ شدَّادِ بنِ الهادِ، قال: لقد ذُكِر لى أنه خرَج فرعونُ فى طلبِ موسى على سبعين ألفًا مِن دُهْمِ الخيلِ سوى ما فى جندِه مِن شِيَةِ (^٤) الخيلِ، وخرَج موسى حتى إذا قابَله البحرُ فلم يكنْ له عنه مُنْصَرَفٌ، طلَع فرعونُ فى جندِه مِن خلفِهم، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ﴾ موسى ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢]. أى:\n_________\n(^١) سيأتى بتمامه فى ص ٦٨١.\n(^٢) فى ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قائلو\".\n(^٣) فى ص، م: \"سبيله\".\n(^٤) الشِّيَة: سواد فى بياض أو بياض فى سواد. اللسان (وش ى).","vol":"1","page":655},{"text":"للنجاةِ- وقد وعَدَنى ذلك، ولا خُلْفَ لوعدِه (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: أوْحَى اللهُ جلَّ وعزَّ -فيما ذُكر لى- إلى البحرِ: إذا ضرَبك موسى بعَصاه فانفلِقْ له. قال: فبات (^٢) البحرُ يَضْرِبُ بعضُه بعضًا فَرَقًا (^٣) مِن اللهِ وانتظارَه (^٤) أمرَه، فأوْحَى اللهُ إلى موسى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾، فضرَبه بها، وفيها سُلطانُ اللهِ الذى أعْطاه، ﴿فَانْفَلَقَ (^٥) فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]. أى: كالجبل على نَشَزٍ (^٦) مِن الأرضِ. يقول اللهُ لموسى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]. فلما اسْتَقَرَّ له (^٧) البحرُ على طريقٍ قائمةٍ يبَسٍ سلَك فيه موسى ببنى إسرائيلَ، وأتْبَعه فرعونُ بجنودِه (^٨).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظىِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ شَدَّادِ بنِ الهادِ الليثىِّ، قال: حُدِّثْتُ أنه لما دخَلت بنو إسرائيلَ (^٩)، فلم يَبْقَ منهم أحدٌ، أقبلَ فرعونُ وهو على حِصانٍ له مِن الخيلِ\n_________\n(^١) فى ر، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لموعوده\".\nوالأثر أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٤٢٠. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨/ ٢٧٦٩ (١٥٦٥٥) من طريق سلمة به.\n(^٢) فى م: \"فثاب\".\n(^٣) الفرق: الخوف. اللسان (ف ر ق).\n(^٤) فى م: \"انتظار\".\n(^٥) فى الأصل، ص: \"فانفرق\".\n(^٦) فى م: \"يبس\". والنشز: المتن المرتفع من الأرض. اللسان (ن ش ز).\n(^٧) فى ر، م: \"لهم\".\n(^٨) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٤٢٠. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨/ ٢٧٧٢، ٢٧٧٣ (١٥٦٧٠، ١٥٦٧٧) من طريق سلمة به.\n(^٩) بعده فى ص، م: \"البحر\".","vol":"1","page":656},{"text":"حتى وقَف على شَفِيرِ البحرِ، وهو قائمٌ على حالِه، فهاب الحصانُ أن يَنْفُذَ، فعرَض له جبريلُ ﵇ على فرسٍ أنثى وَدِيقٍ (^١)، فقرَّبَها منه فشمَّها الفحلُ، فلمَّا شمَّها قدَّمها (^٢)، فتقَدَّم معه (^٣) الحصانُ عليه فرعونُ، فلما رأَى جندُ (^٤) فرعونَ فرعونَ قد دخَل، دخَلوا معه، وجبريلُ أمامَه، وهم يَتْبَعون فرعونَ، وميكائيلُ على فرسٍ مِن خلفِ القومِ يَشْحَذُهم (^٥)، يقولُ: الْحَقُوا بصاحبِكم. حتى إذا فصَل جبريلُ مِن البحرِ ليس أمامَه أحدٌ، ووقَف مِيكائيلُ على ناحيتِه الأخرى ليس خلفَه أحدٌ، طبَّق عليهم البحرُ، ونادَى فرعونُ حينَ رأَى مِن سلطانِ اللهِ وقُدرتِه ما رأَى، وعرَف ذلَّه (^٦)، وخَذَلَتْه نفسُه -: ﴿[لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي] (^٧) آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (^٨) [يونس: ٩٠].\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن أبى إسحاقَ الهَمْدانىِّ، عن عمرِو بنِ مَيْمونٍ الأوْدىِّ في قولِه: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. قال: لمَّا خرَج موسى ببنى إسرائيلَ بلَغ ذلك فرعونَ، فقال: لا تَتْبَعوهم حتى يَصِيحَ الديكُ. قال: فواللهِ ما صاح ليلتَئذٍ ديكٌ حتى أصْبَحوا، فدعا بشاةٍ فذُبِحَت، ثم قال: لا أَفْرُغُ مِن كبدِها حتى يَجْتَمِعَ إلىَّ ستُّمائةِ ألفٍ مِن القِبْطِ. فلم يَفْرُغْ مِن كبدِها حتى اجتمَع إليه ستُّمائة ألفٍ من\n_________\n(^١) الفرس الوديق: هى التى تشتهى الفحل. النهاية ٥/ ١٦٨.\n(^٢) في م: \"تبعها\"، وقدَّمها: أى زجرها وأمرها بالتقدم. ينظر اللسان (ق د م).\n(^٣) في م: \"معها\".\n(^٤) في الأصل: \"جنود\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خيل\".\n(^٥) في م: \"يسوقهم\". ويشحذهم يسوقهم بمعنى.\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"زلته\".\n(^٧) في ر، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"آمنت بالذى\"، وفى م: \"آمنت أنه لا إله إلا الذى\".\n(^٨) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٢٠، ٤٢١. وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٧٥، ٢٧٧٦ (١٥٦٨٧) من طريق سلمة به.","vol":"1","page":657},{"text":"القبطِ، ثم سار، فلما أتى موسى البحرَ قال له رجل من أصحابِه يُقالُ له: يُوشَعُ بنُ نُونٍ: أين أمَرَك ربُّك يا موسى؟ قال: أمامَك. يُشِيرُ إلى البحرِ، فأقْحَم يُوشَعُ فرسَه في البحرِ حتى بلَغ الغَمْرَ (^١)، فذهَب به، ثم رجَع، فقال: أين أمَرَك ربُّك يا موسى؟ فواللهِ ما كذَبْتَ ولا كُذِبْتَ، ففعَل ذلك ثلاثَ مراتٍ، ثم أوْحَى اللهُ إلى موسى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ: مثلَ جبلٍ. ثم سار موسى ومَن معه، وأتْبَعَهم فرعونُ في طريقِهم، حتى إذا تَتامُّوا فيه أطْبَقه اللهُ عليهم، فلذلك قال: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. قال مَعْمَرٌ: قال قتادةُ: كان مع موسى ستُّمائةِ ألفٍ، وأتْبَعَه فرعونُ على ألفِ ألفٍ ومائتى (^٢) ألفِ حِصانٍ (^٣).\nحدَّثنا عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بَشَّارٍ الرَّمَادىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: قال [أبو سعدٍ] (^٤)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أوْحَى اللهُ إلى موسى أن أسْرِ بعبادى ليلًا إنكم متبَعون. قال: فسرَى موسى ببنى إسرائيلَ ليلًا، فأتْبَعهم فرعونُ في ألفِ ألفِ حِصانٍ سِوَى الإناثِ، وكان موسى في ستِّمائةِ ألفٍ، فلمَّا عايَنَهم فرعونُ، قال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا\n_________\n(^١) الغمر: معظم البحر. تاج العروس (غ م ر).\n(^٢) في م: \"مائة\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٥، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٠٦، ١٠٧ (٥٠٨) عن الحسن بن يحيى به. وأخرجه أيضا ٨/ ٢٧٧١ (١٥٦٦٧) من طريق إسرائيل، عن أبى إسحاق به، ببعضه. وينظر تاريخ المصنف ١/ ٤١٤.\nوأخرج ابن أبى حاتم أيضا ٨/ ٢٧٧٤، ٢٧٧٥ (١٥٦٨٢، ١٥٦٨٦) من طريق يونس وإسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود نحوه.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبو سعيد\". وينظر ما تقدم في ص ٦٤٧.","vol":"1","page":658},{"text":"لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤ - ٥٦]. فسرَى موسى ببنى إسرائيلَ حتى هجَموا على البحرِ، فالْتَفَتوا، فإذا هم برَهَجِ (^١) دوابِّ فرعونَ فقالُوا: يا موسى: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: ١٢٩]. هذا البحرُ أمامَنا، وهذا فرعونُ قد رَهِقَنا (^٢) بمَن معه: ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩]. قال: فأوْحَى اللهُ جل ثناؤُه إلى موسى ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾. وأوْحَى إلى البحرِ أنِ اسْمَعْ لموسى، وأَطِعْ إذا ضرَبك. قال: فبات (^٣) البحرُ له أَفْكَلٌ -يعنى: له رِعْدةٌ- لا يَدْرِى مِن أىِّ جَوانبِه يَضْرِبُه. قال: فقال يُوشَعُ لموسى: بما أُمِرْتَ؟ قال: أُمِرْتُ أن أَضْرِبَ البحرَ. قال: فاضْرِبْه. قال: فضرَب موسى البحرَ بعصاه، فانْفَلَق، فكان فيه اثنا عشَرَ طريقًا، كلُّ طريقٍ كالطَّوْدِ العظيمِ، فكان لكلِّ سِبْطٍ منهم طريقٌ يَأْخُذون فيه، فلمَّا أخَذوا في الطريقِ، قال بعضُهم لبعضٍ: ما لنا لا نَرَى أصحابَنا؟ قالوا لموسى: أين أصحابُنا لا نَرَاهم؟ قال: سِيروا فإنهم على طريقٍ مثلِ طريقِكم. قالوا: لا نَرْضَى حتى نَرَاهم.\nقال سفيانُ: قال عمارٌ الدُّهْنىُّ: قال موسى: اللهمَّ أعِنِّى على أخلاقِهم السيئةِ. قال: فأوْحَى اللهُ إليه أن قُلْ بعصاك هكذا. وأوْمَأ إبراهيمُ بيدِه يُدِيرُها على البحرِ، قال موسى بعَصاه على الحِيطانِ هكذا، فصار فيها كِواءٌ (^٤) يَنْظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ.\n_________\n(^١) الرهج: الغبار. اللسان (ر هـ ج).\n(^٢) رهق فلان فلانا: تبعه فقارب أن يلحقه. اللسان (ر هـ ق).\n(^٣) في م: \"فثاب\".\n(^٤) في م: كوى. وكِواء وكُوًى: جمع كُوَّة، وهى الخرق في الحائط. اللسان (ك وى).","vol":"1","page":659},{"text":"قال سفيانُ: قال أبو سعدٍ (^١)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: فساروا حتى خرَجوا مِن البحرِ، فلما جاز آخِرُ قومِ موسى هجَم فرعونُ على البحرِ هو وأصحابُه، وكان على فرسٍ أدهمَ ذَنُوبٍ (^٢) حِصانٍ، فلما هجَم على البحرِ هاب الحِصانُ أن يَتَقَحَّمَ (^٣) في البحرِ، فمثَل له جبريلُ ﵇ على فرسٍ أنثى وَدِيقٍ، فلما رآها الحِصانُ تَقَحَّم خلفَها، وقيل لموسى: اتْرُكِ البحرَ رَهْوًا -قال: طُرُقًا على حالِه- قال: ودخَل فرعونُ وقومُه البحرَ، فلمَّا دخَل آخِرُ قومِ فرعونَ، وجاز آخرُ قومِ موسى، أَطْبَق البحرُ على فرعونَ وقومِه فأُغرِقوا (^٤).\nوحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ، أن اللهَ أمَر موسى أن يَخْرُجَ ببنى إسرائيلَ، فقال: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾. فخرَج موسى وهارونُ في قومِهما، وأُلْقِى على القِبْطِ الموتُ، فمات كلُّ بِكْرِ رَجُلٍ، فأصْبَحوا يَدْفِنونهم، فشُغِلوا عن طلبِهم حتى طلَعَت الشمسُ، فذلك حينَ يقولُ اللهُ جل وعزَّ: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾. وكان موسى على سَاقةِ بنى إسرائيلَ، وكان هارونُ أمامَهم يَقْدُمُهم، فقال المؤمنُ لموسى: يا نبىَّ اللهِ، أين أُمِرْتَ؟ قال: البحرَ. فأراد أن يَقْتَحِمَ، فمنَعه موسى، وخرَج موسى في ستِّمائةِ ألفٍ وعشرين ألفَ مُقاتِلٍ - لا يَعُدُّون ابنَ العشرين لصِغَرِه، ولا ابنَ الستين لكِبَرِه، وإنما عَدُّوا ما بينَ ذلك سوى الذريةِ، وتبِعهم فرعونُ على مُقَدِّمتِه هامانُ في ألفِ ألفٍ وسبعِمائةِ ألفِ حِصانٍ، ليس فيها مادِيانةٌ (^٥) -يعنى الأنثى- وذلك حينَ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سعيد\". وينظر ما تقدم في ص ٦٤٧.\n(^٢) الذنوب: وافر شعر الذنب. النهاية ٢/ ١٧٠.\n(^٣) في م: \"يقتحم\".\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٧١، ٢٧٧٣ (١٥٦٦٥، ١٥٦٧٥) من طريق ابن عيينة به، مختصرًا. وينظر ما سيأتى في ص ٦٦٩ - ٦٧١.\n(^٥) في الأصل: \"ماذيانه\"، وفى م: \"ماذبانه\"، وفى ت ١، ت ٣: \"مادبانه\"، وفى ت ٢: \"ماربانه\".=","vol":"1","page":660},{"text":"يقولُ اللهُ: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٣، ٥٤]. يعنى بنى إسرائيلَ، فتَقدَّم هارونُ فضرَب البحرَ، فأبَى البحرُ أن يَنْفَتِحَ، وقال: مَن هذا الجبارُ الذى يَضْرِبُنى؟ حتى أتاه موسى، فكنَاه أبا خالدٍ وضرَبه، ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]. يقولُ: كالجبلِ العظيمِ. فدخَلَت بنو إسرائيلَ، وكان في البحرِ اثنا عشَرَ طريقًا، في كلِّ طريقٍ سِبْطٌ - وكانت الطرقُ انْفَلَقَت بجُدْرانٍ- فقال كلُّ سِبْطٍ: قد قُتِل أصحابُنا. فلمّا رأَى ذلك موسى، دعا اللهَ، فجعَلها (^١) لهم قَناطرَ كهيئةِ الطِّيقانِ، فنظَر آخرُهم إلى أولِهم، حتى خرَجوا جميعًا، ثم دنا فرعونُ وأصحابُه، فلما نظَر فرعونُ إلى البحرِ مُنْفَلِقًا، قال: ألا تَرَوْنَ البحرَ فَرِق منى؟ قد انْفَتَح لى حتى أُدْرِكَ أعْدائى فأَقْتُلَهم. فذلك قولُ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤]. يقولُ: قرَّبنا ثمَّ الآخَرين. يعنى آلَ فرعونَ. فلما قام فرعونُ على أفْواهِ الطُّرُقِ أبَتْ خيلُه أن تَقْتَحِمَ (^٢)، فنَزل جبريلُ ﵇ على ماديانةٍ (^٣)، فشامَّت (^٤) الحُصُنُ (^٥) رِيحَ الماديانةِ (^٦)، فاقْتَحَمت (^٧) في أَثَرِها، حتى إذا همَّ أوَّلُهم أن يَخْرُجَ ودخَل آخرُهم، أُمِر البحرُ أن يَأْخُذَهم، فالْتَطَم عليهم (^٨).\n_________\n= وماديانة: فارسية معربة. ينظر المعجم الذهبى ص ٥٣٢.\n(^١) في الأصل: \"فجعله\"\n(^٢) في الأصل: \"تتقحم\".\n(^٣) في الأصل، ص، ر: \"ماذيانه\"، في م: \"ماذبانة\"، وفى ت ٢: \"ماربانه\".\n(^٤) في الأصل: \"فشمت\".\n(^٥) فى م: \"الحصان\".\n(^٦) في الأصل: \"المازيانه\"، وفى ت ٢: \"الماربانه\".\n(^٧) في م: \"فاقتحم\".\n(^٨) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٧٠، ٢٧٧٢، ٢٧٧٣ - ٢٧٧٥ (١٥٦٦١، ١٥٦٦٩، ١٥٦٧٦، ١٥٦٧٩، ١٥٦٨٤) مفرقًا عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.=","vol":"1","page":661},{"text":"وحدَّثنى يُونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لما أخَذ عليهم فرعونُ الأرضَ إلى البحرِ قال لهم فرعونُ: قُولوا لهم يَدْخُلوا البحرَ إن كانوا صادِقِين. فلما رآهم أصحابُ موسى قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢]. فقال موسى للبحرِ: أَلسْتَ تَعْلَمُ أنِّى رسولُ اللهِ؟ قال: بَلَى. قال: وتَعْلَمُ أن هؤلاء عبادٌ مِن عبادِ اللهِ، أمَرَنى أن آتِىَ بهم؟ قال: بلى. قال: وتَعْلَمُ أن هذا عدوُّ اللهِ؟ قال: بلى. قال: فافرُقْ (^١) لى طريقًا ولمَن معى. قال: يا موسى، إنما أنا عبدٌ مملوكٌ، ليس لى أمْرٌ إلا أن يَأْمُرَنى اللهُ. فأوْحَى اللهُ إلى البحرِ إذا ضرَبك موسى بعصاه فانْفَرِقْ، وأوْحَى إلى موسى أن اضْرِبِ البحرَ. وقرَأ قولَ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]. وقرَأ قولَه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤]: سهلًا ليس فيه تَعَدٍّ، فانْفَرَق اثنتى عشْرةَ فِرْقةً، فسلَك كلُّ سِبْطٍ في طريقٍ. قال: فقالوا لفرعونَ: إنهم قد دخَلوا البحرَ. قال: ادْخُلوا عليهم. قال: وجبريلُ في آخرِ بني إسرائيلَ يقولُ لهم: لِيَلْحَقْ آخرُكم أولَكم. وفى أولِ آلِ فرعونَ يقولُ لهم: رُوَيْدًا يَلْحَقْ آخرُكم أولكم. فجعَل كلُّ سِبْطٍ في البحرِ يقولون للسِّبْطِ الذين دخَلوا قبلَهم: قد هلكوا. فلما دخَل ذلك قُلُوبَهم أوحى اللهُ إلى البحرِ فجعَل لهم قَناطرَ يَنْظُرُ هؤلاء إلى هؤلاء، حتى إذا خرَج آخِرُ هؤلاء، ودخَل آخرُ هؤلاء، أمَر اللهُ البحرَ فأطْبَقَ على هؤلاء.\nويعنى بقولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. أى: تَنْظُرون إلى فَرْقِ اللهِ بكم البحرَ، وإهلاكِه آلَ فرعونَ في الموضعِ الذى نجّاكم فيه، وإلى عظيمِ سُلطانِه في الذى أراكم مِن طاعةِ البحرِ إياه، مِن مَصيرِه رُكامًا فِرَقًا كهيئةِ الأطْوادِ الشامخةِ، غيرَ زائلٍ عن حَدِّه؛ انقيادًا لأمرِه، وإذْعانًا لطاعتِه، وهو سائلٌ ذائبٌ قبلَ ذلك.\n_________\n= وأخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤١٣ - ٤١٥ عن موسى بن هارون به عن السدى بإسناده المعروف. وتقدم أوله في ص ٦٤٩.\n(^١) في م: \"انفرق\".","vol":"1","page":662},{"text":"يُوقِفُهم بذلك جلَّ ذكرُه على موضعِ حُجَجِه عليهم، ويُذَكِّرُهم آلاءَه عندَ أوائلِهم، ويُحَذِّرُهم - [بتكذيبِهم] (^١) نبيَّنا محمدًا ﷺ- أن يَحِلَّ بهم ما حلَّ بفرعونَ وآلِهِ في تكذيبِهم موسى صلواتُ اللهِ عليه.\nوقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن معنى قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. كمعنى قولِ القائلِ: ضُرِبْتَ وأهلُك يَنْظُرون، فما أتَوْك ولا أغاثوك (^٢). يعنى: وهم قريبٌ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ. وكقولِ اللهِ ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥]. وليس هناك رؤيةٌ، إنما هو علمٌ.\nوالذى دعاه إلى هذا التأويلِ أنه وجَّه قولَه: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. إلى غَرَقِ آلِ فرعونَ، فقال: قد كانوا في شُغُلٍ مِن أن يَنْظُروا مما اكْتَنَفَهم مِن البحرِ من أن يَرَوْا فرعونَ وغَرَقَه.\nوليس الذى تأوَّله تأويلَ الكلامِ، إنما التأويلُ: وأنتم تنظرون إلى فَرْقِ اللهِ ﷿ البحرَ لكم -ممَّا قد وصَفتُ آنِفًا- والْتِطامِ أمْواجِ البحرِ بآلِ فرعونَ في الموضعِ الذى صيَّر لكم من البحرِ طريقًا يَبَسًا. وذلك لا شكَّ كان نظرَ عِيانٍ لا نظرَ علمٍ، على ما ظنَّه قائلُ هذا القولِ الذى حكَيْنا.\n\n<span id=\"aya-58\"></span><span data-type='title' id=toc-220>القولُ في تَأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا﴾.</span>\nاخْتَلَفَتِ القَرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم: ﴿وَاعَدْنَا﴾ (^٣). بمعْنى أن اللهَ تعالى واعَد موسى مُوافَاةَ (^٤) الطُّورِ لمُناجاتِه، فكانت المُواعَدةُ مِن اللهِ لموسى، ومِن موسى لربِّه. وكان مِن حجتِهم على اختيارِهم قراءةَ: ﴿وَاعَدْنَا﴾ على: (وعَدْنا)\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"في تكذيبهم\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أعانوك\".\n(^٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر والكسائى وحمزة. السبعة لابن مجاهد ص ١٥٤.\n(^٤) في ر: \"مراقاة\"، وفى م: \"ملاقاة\".","vol":"1","page":663},{"text":"أن قالوا: كلُّ اتِّعادٍ (^١) كان بينَ اثنين للالتقاءِ أو (^٢) للاجتماعِ، فكلُّ واحدٍ منهما مُواعِدٌ صاحبَه ذلك، فلذلك -زعَموا (^٣) - وجَب أن يُقضَى لقراءةِ مَن قرَأ: ﴿وَاعَدْنَا﴾ بالاختيارِ على قراءةِ مَن قرَأ: (وَعَدْنَا).\nوقرَأه بعضُهم: (وَعَدْنَا) (^٤). بمعْنى أن اللهَ تعالى ذكرُه الواعدُ موسى، والمنفردُ بالوعدِ دونَه. وكان مِن حجتِهم في اختيارِهم ذلك أن قالوا: إنما تكونُ المُواعَدةُ بينَ البشرِ، فأما اللهُ جل ثناؤُه، فإنه المنفردُ بالوعدِ والوَعيدِ في كلِّ خيرٍ وشرٍّ. قالوا: وبذلك جاء التنزيلُ في القرآنِ كلِّه، فقال اللهُ جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقال: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٧]. قالوا: فكذلك الواجبُ أن يكونَ هو المنفردَ بالوعدِ في قولِه: (وإذْ وَعَدْنا مُوسَى).\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ عندَنا في ذلك [مِن القولِ] (^٥) أنهما قِراءتان قد جاءَت بهما الأُمَّةُ، وقرَأَت بهما القرأةُ، وليس في القراءةِ بإحداهما إبطالُ معنى الأُخْرى، وإن كان في إحداهما زيادةُ معنًى على الأُخْرى مِن جهةِ الظاهرِ والتِّلاوةِ؛ فأما مِن جهةِ المفهومِ بهما، فإنهما متَّفِقتان، وذلك أن مَن أخْبَر عن شخصٍ أنه وعَد غيرَه اللقاءَ بموضعٍ مِن الموَاضعِ، فمَعْلُومٌ أن الموعودَ ذلك واعدٌ صاحبَه مِن لقائِه بذلك المكانِ مثلَ الذى وعَده مِن ذلك صاحبُه، [إذا كان راضيًا مُجيبًا صاحبَه إلى ما وعده مثلَ الذى وعده من ذلك صاحبُه] (^٦)، إذا كان وعدُه إياه ذلك عن اتفاقٍ منهما عليه. ومعلومٌ أن موسى صلواتُ اللهِ عليه لم يَعِدْه ربُّه الطورَ إلا عن رِضا موسى بذلك؛ إذ\n_________\n(^١) فى م: \"إيعاد\".\n(^٢) فى ص: \"و\".\n(^٣) بعده فى م: \"أنه\".\n(^٤) وهى قراءة أبى عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ١٥٤.\n(^٥) سقط من: ص.\n(^٦) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢.","vol":"1","page":664},{"text":"كان موسى غيرَ مَشْكوكٍ فيه، أنه كان بكلِّ ما أمَره اللهُ به راضيًا، وإلى محبتِه فيه مُسارِعًا، ومعقولٌ أن اللهَ تعالى لم يَعِدْ موسى ذلك إلا وموسى ﵇ له (^١) مُسْتَجِيبٌ، وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن اللهَ تعالى ذكرُه كان قد وعَد موسى الطورَ، ووعَده موسى اللقاءَ، فكان اللهُ عز ذكرُه لموسى واعدًا فواعِدًا له المُناجاةَ على الطُّورِ، وكان موسى واعدًا لربِّه مُواعِدًا له اللقاءَ، فبأىِّ القراءتَيْن مِن: \"وعَد وواعَد\" قرَأ القارئُ، فهو للحقِّ (^٢) في ذلك -مِن جهةِ التأويلِ واللغةِ- مُصِيبٌ؛ لما وصَفْنا مِن العِلَل قبلُ.\nولا معنى لقولِ القائلِ: إنما تكونُ المُواعَدةُ بينَ البشرِ، وإن اللهَ ﵎ بالوعدِ والوَعيدِ مُنْفَرِدٌ في كلِّ خيرٍ وشرٍّ. وذلك أن انفرادَ اللهِ بالوعدِ والوَعيدِ في الثوابِ والعِقابِ، والخيرِ والشرِّ، والنفعِ والضَّرِّ، الذى هو بيدِه، وإليه دونَ سائرِ خلقِه - لا يُحِيلُ الكلامَ الجارىَ بينَ الناسِ في استعمالِهم إياه عن وُجوهِه، ولا يُغَيِّرُه عن مَعانيه. والجارى بينَ الناسِ مِن الكلامِ المفهومِ ما وصَفْنا، مِن أنّ كلَّ اتِّعادٍ (^٣) كان بينَ اثنين، فهو وعدٌ مِن كُلِّ واحدٍ منهما، ومُواعَدةٌ بينَهما، وأن كلَّ واحدٍ منهما واعِدٌ صاحبَه مُواعِدُه (^٤)، وأن الوعدَ، الذى يكونُ به الانفرادُ مِن الواعِدِ دونَ الموعودِ، إنما هو ما كان بمعنى الوعدِ الذى هو خلافُ الوَعيدِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-221>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿مُوسَى﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وموسى -فيما بلَغَنا- كلِمتان بالقِبْطيةِ، يُعْنَى بهما: ماءٌ وشجرٌ. فـ \"مو\": هو الماءُ، و\"سا\": هو الشجرُ. وإنما سُمِّى بذلك -فيما\n_________\n(^١) في ر: \"له إليه\"، وفى م: \"إليه\".\n(^٢) في م: \"الحق\".\n(^٣) في م: \"إيعاد\".\n(^٤) في ص، ر، م: \"مواعد\".","vol":"1","page":665},{"text":"بلَغَنا- لأن أمَّه لما جعَلَتْه في التابوتِ -حينَ خافَت عليه مِن فرعونَ- وألْقَتْه في اليمِّ، كما أوْحَى اللهُ إليها، وقيل: إن اليَمَّ الذى ألْقَتْه فيه هو النّيلُ؛ دفَعَتْه أمواجُ اليمِّ حتى أدْخَلَته بينَ أشجارٍ عندَ بيتِ فرعونَ، فخرَج جَوارِى آسِيةَ امرأةِ فرعونَ يَغْتَسِلْنَ، فوجَدْن التابوتَ، فأخَذْنَه، فسُمِّى [باسمِ المكانِ] (^١) الذى أُصِيب فيه، وكان ذلك بمكانٍ (^٢) فيه ماءٌ وشجرٌ، فقيل: \"موسى\"، ماءٌ وشجرٌ.\nكذلك حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ (^٣). قال أبو جعفرٍ: وهو موسى بنُ عمرانَ بنِ يصهرَ (^٤) بنِ قاهثَ (^٥) بنِ لَاوِى بنِ يعقوبَ إسرائيلِ اللهِ بنِ إسحاقَ ذبيحِ اللهِ (^٦) بنِ إبراهيمَ خليلِ اللهِ، فيما زعَم ابنُ إسحاقَ، حدَّثنى بذلك ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ عنه (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-222>القولُ في تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: ومعنى ذلك: وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعينَ لَيْلَةً بتمامِها. فالأربعون الليلةِ (^٨) كلُّها داخلةٌ في الميعادِ.\nوقد زعَم بعضُ نحويِّى البصرةِ أن معناه: وإذ (^٩) واعَدْنا موسى\n_________\n(^١) في ر: \"بالمكان\".\n(^٢) في م: \"المكان\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٩٠ عن موسى بن هارون به عن السدى بإسناده. وفيه أن الشجر شا - بالشين المعجمة. وتقدم أوله في ص ٦٤٩.\n(^٤) في الأصل: \"يسهر\".\n(^٥) في ر: \"فاهث\".\n(^٦) سيأتى تعليقنا في تفسير سورة الصافات أن الصحيح في الذبيح أنه إسماعيل ﵇.\n(^٧) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٨٥.\n(^٨) في م: \"ليلة\".\n(^٩) في م: \"إذا\".","vol":"1","page":666},{"text":"انْقِضاءَ أربعين ليلةً، أى رأسَ الأربعين. ومثَّل ذلك بقولِه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وبقولِهم: اليومَ أربعون منذُ خرَج فلانٌ، واليومَ يومان. أى اليومُ تمامُ يومين وتمامُ أربعين.\nقال أبو جعفرٍ: وذلك خلافُ ما جاءَت به الروايةُ عن أهلِ التأويلِ، وخلافُ ظاهرِ التِّلاوةِ. فأما ظاهرُ التلاوةِ، فإن اللهَ جل وعز قد أخْبرَ أنه واعَد موسى أربعين ليلةً، فليس لأحدٍ إحالةُ ظاهرِ خبرِه إلى باطنٍ بغيرِ بُرْهانٍ دالٍّ على صحتهِ.\nوأما أهلُ التأويلِ، فإنهم قالوا في ذلك ما أنا ذاكرُه، وهو ما حدَّثنى به المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبى العاليةِ قولَه: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. قال: يعنى ذا القَعْدةِ وَعشرًا مِن ذى الحِجَّةِ، وذلك حينَ خلَّف موسى أصحابَه، واسْتَخْلَف عليهم هارونَ، فمكَث على الطُّورِ أربعين ليلةً، وأُنْزِل عليه التوراةُ في الألواحِ -وكانت الألواحُ مِن بَرَدٍ (^١) - فقرَّبه الربُّ (^٢) نَجِيًّا وكلَّمه، وسمِع صَريفَ (^٣) القلمِ، وبلَغَنا أنه لم يُحْدِثْ حَدَثًا في الأربعين ليلةً حتى هبَط مِن الطُّورِ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنحوِه.\n_________\n(^١) في م: \"زبرجد\".\n(^٢) بعده في م: \"إليه\".\n(^٣) في ر: \"صرير\". وهما بمعنى.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٠٧ (٥١١) من طريق آدم به، دون قوله: وكانت الألواح من برد. وأخرجه ابن أبى حاتم أيضا ٥/ ١٥٦٣ (٨٩٥٩). وفيه: من بردى.","vol":"1","page":667},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: وعَد اللهُ موسى -حينَ أهْلَك فرعونَ وقومَه، ونجَّاه وقومَه- ثلاثين ليلةً، ثم أتمَّها بعشرٍ، فتمَّ ميقاتُ ربِّه أربعين ليلةً، يَلْقاه (^١) فيها بما (^٢) شاء، واسْتَخْلَف موسى هارونَ على بنى إسرائيلَ، وقال: إنى مُتَعَجِّلٌ إلى ربى، فاخْلُفْنى في قومى، ولا تَتَّبِعْ سبيلَ المفسدين. فخرَج موسى إلى ربِّه مُتَعَجِّلًا للقائِه شوقًا إليه، وأقام هارونُ في بنى إسرائيلَ ومعه السامرىُّ، يَسِيرُ بهم على أَثَرِ موسى ليُلْحِقَهم به (^٣).\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: انْطَلَق موسى واسْتَخْلَف هارونَ على بنى إسرائيلَ، وواعَدَهم ثلاثين ليلةً، وأتَمّهَا اللهُ بعشرٍ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-223>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وتأويلُ قولِه: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾: ثم اتَّخَذْتُم في أيامِ مُواعَدَتى موسى العجلَ إلهًا مِن بعدِ أن فارَقَكم موسى مُتَوَجِّهًا إلىَّ للمَوْعِدِ. والهاءُ في قولِه: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ عائدةٌ على ذكرِ موسى.\nفأخْبَر جلَّ ثناؤُه المُخالِفِين نبينا محمدًا ﷺ مِن يهودِ بنى إسرائيلَ المُكَذِّبين به، المخاطَبِين بهذه الآيةِ عن فِعلِ آبائِهم وأسلافِهم، وتَكْذيبِهم رُسُلَهم، وخلافِهم أنبياءَهم، مع تَتابُعِ نِعَمِه عليهم، وسُبوغِ (^٥) آلائِه لديهم، مُعَرِّفَهم بذلك\n_________\n(^١) في م: \"تلقاه ربه\".\n(^٢) في ص: \"ما\".\n(^٣) ينظر تاريخ الطبرى ١/ ٤٢١، ٤٢٥. وما سيأتى في ص ٦٧١.\n(^٤) سيأتى بتمامه في ص ٦٧٠، ٦٧١.\n(^٥) في ص، ت ٣: \"شيوع\"، وفى ت ١، ت ٢: \"وبسيوغ\".","vol":"1","page":668},{"text":"أنهم -من [خلافِهم محمدًا] (^١) ﷺ، وتَكذيبِهم به (^٢)، وجُحودِهم رسالتَه، مع علمِهم بصدقِه- على مثلِ مِنْهاجِ آبائِهم وأسْلافِهم، ومُحَذِّرَهم مِن نزولِ سَطْوتِه بهم -بمُقامِهم على ذلك مِن تكذيبِهم- ما نزَل بأوائِلهم المُكَذِّبينَ بالرسلِ مِن المَسْخِ واللَّعْنِ وأنواعِ النَّقِماتِ.\nوكان سببَ اتخاذِهم العجلَ ما حدَّثنى به عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيينةَ، قال: حدَّثنا أبو سعدٍ (^٣)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما هجَم فرعونُ على البحرِ هو وأصحابُه، وكان فرعونُ على فَرَسٍ أدْهَمَ ذَنُوبٍ حِصانٍ، فلما هجَم على البحرِ هاب الحِصانُ أن يَتقحَّمَ (^٤) في البحرِ، فتَمَثَّل له جبريلُ على فرسٍ أنثى وَدِيقٍ، فلما رآها [حصانُ فرعونَ] (^٥) تقَحَّم خلفَها. قال: وعرَف السامرىُّ جبريلَ؛ لأن أمَّه حينَ خافَت أن يُذْبَحَ خلَّفَتْه في غارٍ وأطْبَقَت عليه، فكان جبريلُ يَأْتِيه فيَغْذُوه بأصابعِه، فيَجِدُ في إحْدى (^٦) أصابعِه لبنًا، وفى الأخْرى عسلًا، وفى الأخرى سمنًا، فلم يَزَلْ يَغْذُوه حتى نَشَأ، فلما عايَنه في البحرِ عرَفه، فقبَض قَبْضةً مِن أثرِ فرَسِه. قال: أخَذ مِن تحتِ الحافرِ قَبضةً -قال سفيانُ: وكان ابنُ مسعودٍ يَقْرَؤُها: (فقَبضْتُ قَبْضَةً مِن أَثَرِ فرسِ الرسولِ) - قال أبو سعدٍ: قال عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ: وأُلْقِى في رُوعِ (^٧) السامرىِّ أنك لا تُلْقِيها على\n_________\n(^١) في ص: \"خلاف محمد\".\n(^٢) سقط من: الأصل، ص.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سعيد\". وينظر ما تقدم في ص ٦٤٧.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقتحم\".\n(^٥) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحصان\".\n(^٦) سقط من: ص، وفى ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بعض\".\n(^٧) الروع، بالضم: القلب والعقل، ووقع ذلك في روعى. أى: في نفسى وخلَدى وبالى. اللسان (ر وع).","vol":"1","page":669},{"text":"شيءٍ فتقولُ: كُنْ كذا وكذا. إلا كان (^١)، فلم تَزَلِ القَبضةُ معه في يدِه حتى جاوَز البحرَ، فلما جاوَز موسى وبنو إسرائيلَ البحرَ، وأغْرَق اللهُ آلَ فرعونَ قال موسى لأخيه هارونَ: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢]. ومضَى موسى لموعدِ ربِّه، قال: وكان مع بنى إسرائيلَ حَلْىٌ مِن حَلْىِ آلِ فرعونَ قد تَعَوَّرُوه (^٢)، فكأنهم تَأثَّمُوا منه، فأخْرَجوه لتَنْزِلَ النارُ فتَأْكُلَه، فلما جمَعوه، قال السامرىُّ بالقبضةِ التى كانت في يدِه هكذا، فقذَفها فيه -وأوْمَأ أبو (^٣) إسْحاقَ بيدِه هكذا- وقال: كُنْ عِجْلًا جسدًا له خُوارٌ. فصار عجلًا جسدًا له خُوارٌ، فكان تَدْخُلُ الريحُ في دُبُرِه وتَخْرُجُ مِن فيه، ويُسْمَعُ له صوتٌ، فقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٨]. فعكَفوا على العجلِ يَعْبُدُونه، فقال هارونُ: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ (^٤) [طه: ٩٠، ٩١].\nحدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: لما أمَر اللهُ موسى أن يَخْرُجَ ببنى إسرائيلَ -يعنى مِن أرضِ مصرَ- أمَر موسى بنى إسرائيلَ أن يَخْرُجوا، وأمَرهم أن يَسْتَعِيروا الحَلْىَ مِن القِبْطِ، فلما نجَّى اللهُ موسى ومَن معه مِن بنى إسرائيلَ مِن البحرِ، وغرق آلَ فرعونَ، أتَى جبريلُ إلى موسى يَذْهَبُ به إلى اللهِ، فأقْبَل على فرسٍ، فرآه السامرىُّ فأنْكَره، ويقالُ (^٥): إنه فرَسُ الحياةِ. فقال حينَ رآه: إن لهذا لشأنًا. فأخَذ مِن تربةِ الحافرِ حافرِ الفرسِ، فانطَلَق موسى واسْتَخْلَف هارونَ\n_________\n(^١) فى ر، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يكون\".\n(^٢) تعوّر الشئَ: استعاره. اللسان (ع ور).\n(^٣) في ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ابن\". وأبو إسحاق هو إبراهيم بن بشار.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ٦٥٨ - ٦٦٠.\n(^٥) في ص، م: \"قال\".","vol":"1","page":670},{"text":"على بنى إسرائيلَ، وواعَدهم ثلاثين ليلةً، وأتمَّها اللهُ بعشرٍ، فقال لهم هارونُ: يا بنى إسرائيلَ: إن الغَنيمةَ لا تَحِلُّ لكم، وإن حَلْىَ القِبطِ إنما هو غَنيمةٌ، فاجْمَعوها [جميعًا، واحْفِروا] (^١) لها حُفْرةً (^٢) فادْفِنوها، فإن جاء موسى فأحَلَّها أخَذْتُموها، وإلا كان شيئًا لَمْ تَأْكُلوه. فجمَعوا ذلك الحلْىَ في تلك الحُفْرةِ، وجاء السامريُّ بتلك القَبْضةِ فقذَفها، فأخْرَج اللهُ مِن الحَلْىِ عِجْلًا جسدًا له خُوارٌ، وعدَّت بنو إسرائيلَ موعِدَ موسي، فعدُّوا الليلةَ يومًا واليومَ يومًا، فلما كان تمامُ العشرين، خرَج لهم العِجْلُ، فلما رأَوه قال لهم السامرىُّ: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾. يقولُ: ترَك موسى إلهَه ههنا وذهَب يَطْلُبُه. فعكَفوا عليه يَعْبُدونه، وكان يَخُورُ وَيمْشِي، فقال لهم هارونُ: يا بنى إسرائيلَ ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾. يقولُ: إنما ابْتُلِيتُم به. يقولُ (^٣): بالعِجْلِ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾. فأقام هارونُ ومَن معه مِن بنى إسرائيلَ لا يُقاتِلونهم، وانْطَلَق موسى إلى إلهِه يُكَلِّمُه، فلما كلَّمه قال له: ﴿مَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٣ - ٨٥]. فأخْبَرَه خبرَهم، قال موسى: يا ربِّ، هذا السامريُّ أمَرَهم أن يَتَّخِذوا العِجْلَ، أرأيْتَ الرُّوحَ مَن نفَخها فيه؟ قال الربُّ: أنا. قال: ربِّ، أنت إذن أضْلَلْتَهم (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال؛ حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: كان فيما ذُكِر لى\n_________\n(^١) في ص: \"جميعها فاحفروا\".\n(^٢) في الأصل: \"حفيرة\".\n(^٣) في ر: \"أى\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٦٨ (١٥٦٥٠) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به، بأوله. وأخرجه المصنّف في تاريخه ١/ ٤٢١، ٤٢٢ عن موسى بن هارون به، عن السدى بإسناده. وتقدم أوله في ص ٦٤٩.","vol":"1","page":671},{"text":"أن موسى قال لبنى إسرائيلَ فيما أمَره اللهُ ﷿ به: اسْتَعِيروا منهم -يعنى مِن آلِ فرعونَ- الأمتعةَ والحَلْىَ والثِّيابَ، فإنى مُنَفِّلُكم أموالَهم مع هَلاكِهم. فلما أذَّن فرعونُ في الناسِ، كان مما يُحَرِّضُ به على بنى إسرائيلَ أن قال حينَ [ساروا: لَمْ يَرْضَوْا أن خرَجوا] (^١) بأنفسِهم حتى ذهَبوا بأموالِكم معهم (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ إسحاقَ، عن حكيمِ بنِ جُبَيْرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان السامرىُّ رجلًا مِن أهلِ باجَرْمَا (^٣)، وكان مِن قومٍ يَعْبُدون البقرَ، وكان حُبُّ عبادةِ البقرِ في نفسِه، وكان قد أظْهَر الإسلامَ في بنى إسرائيلَ، فلما فصَل (^٤) هارونُ في بنى إسرائيلَ وفصَل موسى إلى ربِّه، قال لهم هارونُ: أنتم قد حُمِّلْتُم أوْزارًا مِن زينةِ القومِ -آلِ فرعونَ- وأمتعةً وحَلْيًا، فتَطهَّروا منها، فإنها نَجَسٌ. وأوْقَد لهم نارًا فقال: اقْذِفوا ما كان معكم مِن ذلك فيها. قالوا: نعم. فجعَلوا يَأْتُون بما كان فيهم (^٥) مِن تلك الأمتعةِ وذلك الحَلْىِ فيَقْذِفون به فيها، حتى إذا تكَسَّر الحَلْىُ فيها، ورأى السامريُّ أثرَ فرسِ جبريلَ، فأخَذ ترابًا مِن أثرِ حافرِه، ثم أقْبَل إلى النارِ (^٦)، فقال لهارونَ: يا نبيَّ اللهِ، أُلْقى ما فى يدى؟ قال: نعم. ولا يَظُنُّ هارونُ إلَّا أنه كبعضِ ما جاء به غيرُه مِن ذلك الحلْىِ والأمتعةِ، فقذَفه فيها وقال: كنْ عِجْلًا جسدًا له خُوَارٌ. فكان للبلاءِ\n_________\n(^١) في م: \"سار ولم يرضوا أن يخرجوا\".\n(^٢) أخرجه المصنّف في تاريخه ١/ ٤١٩.\n(^٣) باجرما؛ بفتح الجيم وسكون الراء وميم وألف مقصورة: قرية من أعمال البليخ قرب الرقة من أرض الجزيرة. معجم البلدان ١/ ٤٥٤.\n(^٤) في م: \"فضل\". وفصل فلان من عندى فصولا: إذا خرج. اللسان (ف ص ل).\n(^٥) في ر، م: \"معهم\".\n(^٦) في تاريخ المصنّف: \"الحفرة\".","vol":"1","page":672},{"text":"والفتنةِ، فقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾. فعكَفوا عليه، وأحبُّوه حبًّا لَمْ يُحِبُّوا مثلَه شيئًا قطُّ، يقولُ اللهُ جلَّ ذكرُه: ﴿فَنَسِيَ﴾. أى ترَك ما كان عليه مِن الإسلامِ -يعنى السامرىَّ- ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩]. قال (^١): وكان اسمُ السامرىِّ موسى بنَ ظَفَرَ، وقَع في أرضِ مصرَ فدخَل في بنى إسرائيلَ، فلما رأَى هارونُ ما وقَعوا فيه قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾. فأقام هارونُ في مَن معه مِن المسلمين ممَّن لَمْ يُفْتَتَنْ، وأقام مَن يَعْبُدُ العِجْلَ على عبادةِ العِجْلِ، وتخَوَّف هارونُ إن سار بمَن معه مِن المسلمين أن يقولَ له موسى: ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤]. وكان له هائبًا مُطِيعًا (^٢).\nحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لما أنْجَى اللهُ ﷿ بنى إسرائيلَ مِن فرعونَ، وأغْرَق فرعونَ ومَن معه، قال موسى لأخيه هارونَ: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. قال: لما خرَج موسى وأمَر هارونَ [ما أمَرَه] (^٣)، وخرَج موسى مُتَعَجِّلًا مَسْرورًا إلى اللهِ، قد عرَف موسى أن المرءَ إذا أنجَح (^٤) في حاجةِ سيدِه كان يَسُرُّه أن يَتَعَجَّلَ إليه. قال: وكان حينَ خرَجوا اسْتَعاروا حَلْيًا وثيابًا مِن آلِ فرعونَ، فقال لهم هارونُ: إن هذه الثيابَ والحَلْىَ لا تَحِلُّ لكم، فاجْمَعوا نارًا فألْقُوه فيها فأحْرِقوه. قال: فجمَعوا نارًا.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه المصنّف في تاريخه ١/ ٤٢٤، ٤٢٥.\n(^٣) في ص: \"بما أمره\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بما أمره به\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نجح\". يقال: نجح فلان، وأنجح: إذا أصاب طلبته. النهاية ٥/ ١٨.","vol":"1","page":673},{"text":"قال: فكان السامرىُّ قد نظَر إلى أثرِ دابَّةِ جبريلَ، وكان جبريلُ على فرسٍ أنثي، وكان السامريُّ في قومِ موسى. قال: فنظَر إلى أثرِه فقبَض منه قبضةً، فيبِسَت عليها يدُه، فلما ألْقَى قومُ موسى الحَلْىَ في النارِ، وألْقَى السامريُّ معهم القَبْضةَ، صوَّر اللهُ جلَّ وعزَّ ذلك لهم عِجْلًا ذهبًا، فدخَلَتْه الريحُ، فكان له خُوَارٌ، فقالوا: ما هذا؟ فقال السامرىُّ الخبيثُ: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾. الآية إلى قولِه: ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٨٨ - ٩١]. قال: حتى إذا أتَى موسى الموعدَ قال اللهُ: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ [طه: ٨٤ - ٨٦].\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. قال: العِجْلُ حَسيلُ (^١) البقرةِ. قال: حَلْىٌ اسْتَعارُوه مِن آلِ فرعونَ، فقال لهم هارونُ: أخْرِجوه فتَطَهَّروا منه وأحْرِقوه. وكان السامريُّ (^٢) أخَذ قَبْضةً مِن أثرِ فرسِ جبريلَ، فطرَحه فيه فانْسَبَك، وكان له كالجوفِ تَهْوِى فيه الرياحُ.\nحَدَّثَنِي المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: إنما سُمِّى العِجْلَ؛ لأنهم عَجِلوا فاتَّخَذوه قبلَ أن يَأْتِيَهم موسى (^٣).\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني\n_________\n(^١) الحسيل: ولد البقرة الأهلية، وعم به بعضهم فقال: هو ولد البقرة. اللسان (ح س ل).\n(^٢) بعده في م: \"قد\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٠٨ (٥١٢) من طريق آدم به.","vol":"1","page":674},{"text":"عيسي، [وحَدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبْلٌ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾: حسيلُ البقرةِ. قال: حَلْىٌ استَعارُوه من آلِ فرعونَ، فقال لهم هارونُ: أخرِجوه فتطهَّروا منه وأحْرِقُوه. وكان السامِرىُّ أخَذ قبْضةً من أثرِ فرسِ جبريلَ فطرَحه فيه فانْسَبَك، وكَان له كالجوفِ تَهْوِى فيه الرياحُ] (^١).\nوتأويلُ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾. يعنى: وأنتم واضعو العبادةِ في غيرِ موضعِها؛ لأنَّ العبادةَ لا تَنْبَغِى إلَّا للهِ تعالى ذكرُه، وعبَدْتُم أنتم العجلَ ظلمًا منكم، ووضعًا للعبادةِ في غيرِ موضعِها.\nوقد دلَّلْنا في غيرِ هذا الموضعِ مما مضَى مِن كتابِنا، أن أصْلَ كلِّ ظُلمٍ وضْعُ الشيءِ فى غيرِ مَوْضعِه، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-59\"></span><span data-type='title' id=toc-224>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وتأويلُ قولِه: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾. يقولُ: ثم (^٣) ترَكْنا مُعاجَلتَكم بالعقوبةِ مِن بعدِ ذلك. أى: مِن بعدِ اتخاذِكم العجلَ إلهًا.\nكما حَدَّثَنِي به المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ العَسْقلانيُّ، قال:\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحو حديث القاسم، عن الحسن، حدَّثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدَّثنا أبو حذيفة، قال: حدَّثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه\". وقوله: \"الحسن\". صوابه: الحسين، كما تقدم.\nوالأثر أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٠٨، ١٠٩، ٤/ ١١٠٤ (٥١٣، ٥٢٤، ٦١٩٦) مفرقا من طريق ورقاء، عن ابن أبى نجيح إلى قوله: فتطهروا منه.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٥٥٩.\n(^٣) سقط من: ص، م.","vol":"1","page":675},{"text":"حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾. يعنى: مِن بعدِ ما اتَّخَذْتُم العجلَ (^١).\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. فإنه يعنى به: لتَشْكُروا. ومعنى: \"لعل\" في هذا الموضعِ معنى \"كى\" (^٢). وقد بيَّنْتُ فيما مضَى قبلُ أن أحدَ معانى \"لعل\" معنى \"كى\" بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\nفمعنى الكلامِ إذن: ثم عَفَونا عنكم مِن بعدِ اتخاذِكم العجلَ إلهًا [لتَشْكُروا لى] (^٤) على عَفْوى عنكم، إذ كان العفوُ يُوجِبُ الشكرَ على أهلِ اللُّبِّ والعقلِ.\n\n<span id=\"aya-60\"></span><span data-type='title' id=toc-225>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يعنى بقولِه: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: واذْكُروا أيضًا إذ آتَيْنا موسى الكتابَ والفُرقانَ. ويعنى بالكتابِ التوراةَ، وبالفُرقانِ الفصلَ بينَ الحقِّ والباطلِ.\nكما حَدَّثَنِي المثني، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾. قال: فرَق فيه (^٥) بينَ الحقِّ والباطلِ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٠٨ (٥١٥) من طريق آدم به.\n(^٢) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٣٨٧.\n(^٤) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لتشكرونى\".\n(^٥) في ص: \"الله فيه\"، وفى م: \"به\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٠٩ (٥٢١) من طريق آدم به.","vol":"1","page":676},{"text":"حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسي، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾. قال: الكتابُ هو الفُرقانُ، فُرقانٌ بينَ الحقِّ والباطلِ (^١).\nحَدَّثَنِي المثني، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحَدَّثَنِي القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريْجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾. قال: الكتابُ هو الفُرقانُ، فرَق بينَ الحقِّ والباطلِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حَجاجٌ، عن ابنِ جُريْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: الفُرْقانُ جِماعُ اسمِ التوراةِ والإنجيلِ والزَّبورِ والفُرقانِ (^٢).\nوقال ابنُ زيدٍ في ذلك بما حَدَّثَنِي به يونسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سألْتُه -يعنى ابنَ زيدٍ- عن قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾. فقال: أما \"الفُرْقانُ\" الذى قال اللهُ جلَّ وعزَّ: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]. فذلك يومُ بدرٍ، يومَ فرَق اللهُ بينَ الحقِّ والباطلِ، والقضاءُ الذى فرَق به بينَ الحقِّ والباطلِ. قال: فكذلك أعْطَى اللهُ موسى الفُرقانَ، فرَق اللهُ بينَهم، وسلَّمه اللهُ وأنجاه، فرَق بينَهم بالنصرِ، فكما جعَل اللهُ ذلك بينَ محمدٍ و(^٣) المشركين، فكذلك جعَله بينَ موسى وفرعونَ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٠٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٦٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٦٩ إلى المصنّف وابن المنذر.\n(^٣) في ص: \"وبين\".","vol":"1","page":677},{"text":"قال أبو جعفرٍ: وأولى [هذيْن التأويلَيْن] (^١) بتأويلِ الآيةِ ما رُوِى عن ابنِ عباسٍ وأبى العاليةِ ومُجاهدٍ، مِن أن الفرقانَ الذى ذكَر اللهُ أنه آتاه موسى في هذا الموضعِ هو الكتابُ الذى فرَق به (^٢) بينَ الحقِّ والباطلِ، وهو نعتٌ للتوراةِ وصفةٌ لها. فيكونُ تأويلُ الآيةِ حينَئذٍ: وإذ آتينا موسى التوراةَ التى كتَبناها (^٣) له في الألواحِ، وفرَقْنا بها بينَ الحقِّ والباطلِ. فيكونُ الكتابُ نعتًا للتوراةِ أُقِيم مُقامَها اسْتِغْناءً به عن ذكرِ التوراةِ، ثم عطَف عليه الفرقانَ، إذ (^٤) كان مِن نعتِها. وقد بيَّنَّا معنى الكتابِ فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، وأنه بمعنى المكتوبِ (^٥).\nوإنما قلْنا: هذا التأويلُ أولى بالآيةِ -وإن كان مُحْتَمِلًا غيرُه مِن التأويلِ- لأن الذى قبلَه من (^٦) ذِكْرِ الكتابِ، وأن معنى الفرقانِ الفَصْلُ -وقد دلَّلْنا على ذلك فيما مضَى مِن كتابِنا هذا- فإلحاقُه، إذ كان كذلك، بصفةِ ما ولِيه أولَى مِن إلحاقِه بصفةِ ما بَعُد منه.\nوأما تأويلُ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. فنظيرُ قولِه تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ومعناه: لِتَهْتَدوا. فكأنه قال تعالى: واذْكُروا أيضًا إذ آتيْنا موسى التوراةَ التى تَفْرُقُ بينَ الحقِّ والباطلِ، لتَهْتَدوا بها وتَتَّبِعوا الحقَّ الذى فيها؛ لأنى جعَلْتُها كذلك هُدًى لمن اهْتَدَى بها واتَّبع ما فيها.\n\n<span id=\"aya-61\"></span><span data-type='title' id=toc-226>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ</span>\n_________\n(^١) في ص: \"هذه التأويلات\".\n(^٢) في ص: \"فيه\".\n(^٣) في ر: \"اكتتبناها\".\n(^٤) بعده في ر: \"الفرقان\".\n(^٥) ينظر ما تقدم في ص ٩٥.\n(^٦) سقط من: م.","vol":"1","page":678},{"text":"أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾.\nوتأويلُ ذلك: واذْكُروا أيضًا إذ قال موسى لقومِه مِن بنى إسرائيلَ: يا قومِ إنكم ظلَمْتُم أنفسَكم. وظلمُهم إياها كان فعلَهم بها ما لم يكنْ لهم أن يَفْعَلوه بها، مما أوْجَب لهم العقوبةَ مِن اللهِ تعالى، وكذلك كلُّ فاعلٍ فعلًا يَسْتَوْجِبُ به العقوبةَ مِن اللهِ تعالى، فهو ظالمٌ لنفسِه بإيجابِه العقوبةَ لها مِن اللهِ تعالى، وكان الفعلُ الذى فعَلوه فظلَموا به أنفسَهم، هو ما أخْبَر اللهُ عنهم مِن ارْتِدادِهم باتخاذِهم العجلَ ربًّا بعدَ فِراقِ موسى إياهم. ثم أمَرهم موسى بالمراجعةِ مِن ذنبِهم، والإنابةِ إلى اللهِ جلَّ وعزَّ مِن رِدَّتِهم بالتوبةِ إليه، والتسليمِ لطاعتِه فيما أمَرهم به، وأخْبَرَهم أن توبتَهم مِن الذنبِ الذى رَكِبوه قَتْلُهم أنفسَهم -وقد دلَّلْنا فيما مضَى على أن معنى التوبةِ الأوْبَةُ مما يَكْرَهُه اللهُ إلى ما يَرْضاه مِن طاعتِه (^١) - فاسْتَجاب القومُ لما أمَرهم به موسى مِن التوبةِ مما ركِبوا مِن ذنوبهم إلى ربِّهم، على ما أمَرَهم به.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ ابنُ الحجاجِ، عن أبى إسحاقَ، عن أبى عبدِ الرحمنِ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: عمَدوا إلى الخنَاجرِ، فجعَل يَطْعُنُ بعضُهم بعضًا.\nحدَّثنى عباسُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، قال ابنُ جُرَيْجٍ: أخْبَرَنى القاسمُ بن أبى بَزَّةَ، أنه سمِع سعيدَ بنَ جُبيرٍ ومُجاهِدًا قالا: قام بعضُهم إلى\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٥٨٧.","vol":"1","page":679},{"text":"بعضٍ بالخنَاجرِ يَقْتُلُ بعضُهم بعضًا، لا يَحِنُّ (^١) رجلٌ على رجلٍ قريبٍ ولا بَعيدٍ، حتى ألْوَى (^٢) موسى بثوبِه، فطرَحوا ما بأيديهم، فتكَشَّف عن سبعين ألفَ قَتيلٍ، وإن اللهَ أوْحَى إلى موسى أنْ حَسْبِى فقد اكْتَفَيْت. فذلك حينَ ألْوَى بثوبِه (^٣).\nحدَّثنى عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيَيْنةَ، قال: قال أبو سعدٍ (^٤)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال موسى لقومِه: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. قال: أمَر موسى قومَه -عن أمرِ ربِّه- أن يَقْتُلوا أنفسَهم. قال: فاحْتَبى (^٥) الذين عكَفوا على العجلِ فجلَسوا، وقام الذين لم يَعْكُفوا على العجلِ وأخَذوا الخنَاجرَ بأيديهم، وأصابَتهم ظلمةٌ شديدةٌ، فجعَل يَقْتُلُ بعضُهم بعضًا، فانْجَلَت الظلمةُ عنهم وقد أجْلَوْا عن سبعينَ ألفَ قتيلٍ، كلُّ مَن قُتِل منهم كانت له توبةٌ، وكلُّ مَن بَقِى (^٦) كانت له توبةٌ (^٧).\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدىِّ، قال: لما رجَع موسى إلى قومِه قال: ﴿يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾. إلى قولِه: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٦، ٨٧]. فألْقَى مُوسى\n_________\n(^١) في ر: \"يحزن\"، وفى تفسير ابن أبى حاتم: \"يحنو\". وحن عليه: عطف. اللسان (ح ن ن).\n(^٢) ألوى بثوبه: إذا لمع وأشار. اللسان (ل وى).\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١١٠ (٥٢٨) من طريق حجاج به.\n(^٤) في م: \"سعيد\". وينظر ما تقدم في ص ٦٤٧.\n(^٥) في م: \"فاختبأ\". والاحتباء: أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، ويشده عليها، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب. النهاية ١/ ٣٣٥.\n(^٦) بعده في ص: \"منهم\".\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٣١ عن المصنف. وينظر ما تقدم في ص ٦٤٧.","vol":"1","page":680},{"text":"الألْواحَ وأخَذَ برأسِ أخيه يَجُرُّه إليه ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾. إلى قولِه. ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤]. فترَك هارونَ ومال إلى السامرىِّ، فقال: ﴿مَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾. إلى قولِه: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٥ - ٩٧]. ثم أخَذه فذبَحه، ثم حرَقه (^١) بالمِبْردِ، ثم ذَرَّاه في اليَمِّ، فلم يَبْقَ بحرٌ يَجْرى يومَئذٍ إلا وقَع فيه شيءٌ منه، ثم قال لهم موسى: اشْرَبوا منه. فشرِبوا، فمَن كان يُحِبُّه خرَج على شاربِه (^٢) الذهبُ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣]. فلما سُقِط في أيدى بنى إسرائيلَ حينَ جاء موسى، ورَأوْا أنهم قدْ ضَلُّوا قالوا: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٩]. فأبَى اللهُ أن يَقْبَلَ توبةَ بنى إسرائيلَ إلا بالحالِ التى كرِهوا أن يُقاتِلوهم حينَ عبَدوا العجلَ، فقال لهم موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: فصَفُّوا صفَّيْن، ثم اجْتَلَدوا بالسيوفِ، فاجْتَلَد الذين عبَدوه والذين لم يَعْبُدوه بالسيوفِ، فكان مَن قُتِل مِن الفريقَيْن شهيدًا، حتى كثُر القتلُ، حتى كادوا أن يَهْلِكوا، حتى قُتِل بينَهم سبعون ألفًا، وحتى دعا موسى وهارونُ: ربَّنا هلَكَتْ بنو إسرائيلَ، ربَّنا البقيةَ البقيةَ. فأمَرهم أن يَضَعوا السلاحَ، وتاب عليهم، فكان مَن قُتِل شهيدًا، ومَن بَقِى كان مُكَفَّرًا عنه، فذلك قولُه: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) حرق الحديد بالمبرد: برده وحك بعضه ببعض. اللسان (ح ر ق).\n(^٢) في الأصل، م: \"شاربيه\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٢٣، ٤٢٤ عن موسى، عن عمرو، عن أسباط، عن السدى، عن عكرمة، عن ابن عباس.\nوأخرج آخره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١١١ (٥٣٣) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدى.","vol":"1","page":681},{"text":"حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو الباهلىُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾. قال: كان موسى أمَر قومَه -عن أمرِ ربِّه- أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا بالخنَاجرِ، فجعَل الرجلُ يَقْتُلُ أباه ويَقْتُلُ ولدَه، فتاب اللهُ عليهم (^١).\n[وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾. قال: كان أمَر موسى قومَه -عن أمرِ رِّبه- أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا، ولا يَقْتُلَ الرجلُ أباه ولا أخاه، فبلَغَ ذلك في ساعةٍ من نهارٍ سبعين ألفًا] (^٢).\nحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. قال: فصاروا صفَّيْن، فجعَل يَقْتُلُ بعضُهم بعضًا، فبلَغ القَتْلَى ما شاء اللهُ، ثم قيل لهم: قد تِيبَ على القاتلِ والمقتولِ.\nحدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثنى الليثُ، قال: حدَّثنى عُقَيْلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: لما أُمِرَت بنو إسرائيلَ بقتلِ أنفسِها برَزُوا ومعهم موسى، فاضْطَربُوا (^٣) بالسيوفِ، وتَطاعَنوا بالخنَاجرِ، وموسى رافعٌ يديه، حتى إذا فتَر، أتاه بعضُهم فقالوا: يا نبىَّ اللهِ، ادْعْ اللهَ لنا. وأخَذوا بعَضُدَيْه يَسنُدُون (^٤) يديه، فلم يَزَلْ أمرُهم على ذلك حتى إذا قبِل اللهُ توبتَهم، قبَض أيدىَ بعضِهم عن بعضٍ،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٠٢، وفيه: ففعلوا. بدل قوله: فجعل الرجل يقتل أباه ويقتل ولده.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"فتضاربوا\".\n(^٤) في م: \"يشدون\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يسدون\".","vol":"1","page":682},{"text":"فألْقَوُا السلاحَ، وحزِن موسى وبنو إسرائيلَ للذى كان مِن القتلِ فيهم، فأوْحَى اللهُ إلى موسى: ما (^١) يَحْزُنُك؟ أمّا مَن قُتِل منكم (^٢) فحىٌّ عندى يُرْزَقُ (^٣) وأمَّا مَن بقِى فقد قَبِلْتُ توبتَه. [فبشَّر بذلك موسى بنى] (^٤) إسرائيلَ (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنَا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن الزهرىِّ وقتادةَ في قولِه: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. قالا (^٦): قاموا صفَّيْنِ يقتُلُ بعضُهم بعضًا، حتى قيل لهم: كُفُّوا. قال قتادةُ: كانت شهادةً للمقتولِ، وتوبةً للحىِّ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال لى عطاءٌ: سمِعْتُ عُبَيدَ بنَ عُميرٍ يقولُ: قام بعضُهم إلى بعضٍ يَقْتُلُ بعضُهم بعضًا، ما يتوقَّى (^٧) الرجلُ أباه ولا أخاه ولا ابنَه [ولا] (^٨) أحدًا، حتى نزَلَتِ التوبةُ. قال ابنُ جُريجٍ: وقال ابنُ عباسٍ: بلَغ قَتلاهم سبعين ألفًا، ثم رفَع اللهُ عنهم القتلَ، وتاب عليهم.\n_________\n(^١) في م: \"لا\".\n(^٢) في الأصل: \"منهم\". والمثبت موافق لما في تفسير ابن كثير.\n(^٣) فى الأصل: \"يرزقون\".\n(^٤) في م، وتفسير ابن كثير: \"فسر بذلك موسى وبنو\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٣١ عن المصنف، وقال: إسناد جيد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٠ إلى المصنف وأحمد في الزهد.\n(^٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٧) في الأصل: \"يىدىا\"، وفى ص: \"تبرانا\".\nولعل ما في الأصل وص تصحف من: \"يترابأ\". كما أثبتها الشيخ شاكر، ورابأت الشئ ورابأت فلانا: حذرته واتقيته. ورابأ الرجلَ: اتقاه. اللسان (ر ب أ).\n(^٨) سقط من: الأصل.","vol":"1","page":683},{"text":"قال ابنُ جُرَيْجٍ: قاموا صفَّيْن فاقْتَتلوا بينَهم، فجعَل اللهُ القتلَ لمَن قُتِل منهم شَهادةً، وكانت توبةً لمن بقِى، وكان قتلُ بعضِهم بعضًا أن اللهَ علِم أن ناسًا منهم علِموا أن العِجْلَ باطلٌ، فلم يَمْنَعْهم أن يُنْكِروا عليهم إلا مخافةَ القتالِ، فلذلك أُمِرُوا (^١) أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لما رجَع موسى إلى قومِه، وأحْرَق العِجلَ وذَرَّاه في اليَمِّ، خرَج إلى ربِّه بمَن اخْتار مِن قومِه، فأخَذَتْهم الصاعقةُ ثم بُعِثوا، سأل موسى ربَّه التوبةَ لبنى إسرائيلَ مِن عبادةِ (^٢) العجلِ، فقال: لا، إلا أن يَقْتُلوا أنفسَهم. قال: فبلَغَنى أنهم قالوا لموسى: نَصْبِرُ لأمرِ اللهِ. فأمَر موسى مَن لم يكنْ عبَد العجلَ أن يَقْتُلَ مَن عَبدَه، فجلَسوا بالأفْنِيةِ، وأصلَت (^٣) عليهم القومُ السيوفَ، فجعَلوا يَقْتُلونهم، وبكَى موسى وبَهَش (^٤) إليه الصِّبْيانُ والنساءُ يَطْلُبون العفوَ عنهم، فتاب عليهم وعفا عنهم، وأمَر موسى أن [يُرْفَعَ عنهم السيفُ] (^٥).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لما رجَع موسى إلى قومِه، وكان (^٦) سبعون رجلًا قد اعْتَزَلوا مع هارونَ العجلَ لم يَعْبُدوه، فقال لهم\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أمر\".\n(^٢) بداية خرم في النسخة (ص) وينتهى في ص ٦٩١.\n(^٣) في م: \"سلت\". وأصلت السيف: جرده من غمده، اللسان (ص ل ت)،\n(^٤) بهَشْتُ إلى الرجل وبهش إلىّ: تهيأْتُ للبكاء وتهيأ له. اللسان (ب هـ ش).\n(^٥) في م، وتفسير ابن كثير: \"ترفع عنهم السيوف\".\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٣١، ١٣٢ عن ابن إسحاق.\nوأخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٢٧، ٤٢٨، عن ابن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن صدقة بن يسار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\n(^٦) في م، ت ٣: \"كانوا\".","vol":"1","page":684},{"text":"موسى: انْطَلِقوا إلى موعدِ ربِّكم. فقالوا: يا موسى، أمَا مِن توبةٍ؟ قال: بلى (^١)، اقْتُلُوا أنفُسَكم ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. فاخْتَرَطوا السيوفَ والجِرَزةَ (^٢) والخنَاجرَ والسَّكاكِينَ، قال: وبُعِثت عليهم ضَبابةٌ. قال: فجعَلوا يَتَلامَسون بالأيدى ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا. قال: ويَلْقَى الرجلُ أباه وأخاه فيَقْتُلُه ولا يَدْرِى، قال: ويَتَنادَوْن فيها: رحِم اللهُ عبدًا صبَر حتى يَبلُغَ اللهُ رضاه. وقرَأ قولَ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ٣٣] قال: فقَتْلاهم شُهداءُ، وتِيب على أحيائِهم. وقرَأ: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.\nفالذى ذكَرْنا -عمَّن روَيْنا عنه الأخبارَ التى روَيْناها- كان توبةَ القومِ مِن الذنبِ الذى أتَوْه فيما بينَهم وبينَ ربِّهم، بعبادتِهم العجلَ، مع ندمِهم على ما سلَف منهم مِن ذلك.\nوأما معنى قولِه: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾. فإنه يعنى: ارْجِعوا إلى طاعةِ خالقِكم وإلى ما يُرْضِيه عنكم.\nكما حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾. أى: إلى خالقِكم (^٣).\nوهو مِن: بَرَأ اللهُ الخلقَ [يَبْرَؤُهم بَرْءًا] (^٤)، فهو بارِئُهم (^٥). والبَرِيَّةُ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بل\".\n(^٢) الجرزة، جمع الجُرْز: العمود من الحديد. اللسان (ج ر ز).\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١١٠ (٥٢٦) من طريق آدم به.\n(^٤) في م: \"يبرؤه\".\n(^٥) في م: \"بارئ\".","vol":"1","page":685},{"text":"الخلقُ، وهى فَعِيلةٌ بمعنى مفعولةٍ، غيرَ أنها لا تُهْمَزُ، كما لا يُهْمَزُ \"مَلَكٌ\"، وهو مِن \" [لأكْتُ\"؛ لأنه] (^١) جرَى بتركِ الهمزِ كذلك. كما قال نابغةُ بنى ذُبْيانَ (^٢).\nإلا سُليمانَ إذ قال الإلهُ (^٣) له … قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها (^٤) عن الفَنَدِ (^٥)\nوقد قيل: إن البَرِيَّةَ إنما لم تُهْمَزْ لأنها فعيلةٌ مِن البَرَى، والبَرَى الترابُ، فكأنَّ تأويلَه على قولِ مَن تأوَّله كذلك أنه مخلوقٌ مِن الترابِ.\nوقال بعضُهم: إنما أُخِذَت البَرِيَّةُ مِن قولِك: بَرَيْتُ العودَ. فلذلك لم يُهْمَزْ.\nقال أبو جعفرٍ: وتركُ الهمزِ مِن \"بارئِكم\" جائزٌ، والإبْدالُ منها جائزٌ. فإذ كان ذلك جائزًا في \"بارِئِكم\"، فغيرُ مُسْتَنْكَرٍ أن تكونَ البَرِيَّةُ مِن: بَرَى اللهُ الخلقَ. بتركِ الهمزةِ.\nوأما قولُه: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾. فإنه يعنى بذلك: توبتُكم بقتلِكم أنفسَكم، وطاعتُكم ربَّكم، خيرٌ لكم عندَ بارئِكم؛ لأنكم تَنْجُون بذلك مِن عقابِه في الآخرةِ على ذنبِكم، وتَسْتَوْجِبون به الثوابَ منه.\nوقولُه: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾. [يقولُ: فتاب اللهُ عليكم] (^٦) بما فعَلْتُم مما أمَرَكم به\n_________\n(^١) في م: \"لأك، لكنه\".\n(^٢) ديوانه ص ١٣.\n(^٣) في ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المليك\".\n(^٤) حد الرجل عن الأمر يحده حدا: منعه وحبسه، تقول: حددت فلانا عن الشر. أى منعته. اللسان (ح د د). والبيت فيه.\n(^٥) الفَنَد: الخطأ في القول والرأى. تاج العروس (ف ن د).\n(^٦) في م: \"أى\".","vol":"1","page":686},{"text":"مِن قتْلِ بعضِكم بعضًا. وهذا مِن المحذوفِ الذى اسْتُغْنى بالظاهرِ منه عن المتروكِ؛ لأن معنى الكلامِ: فتُوبوا إلى بارئِكم فاقْتُلوا أنفسَكم، ذلكم خيرٌ لكم عندَ بارئِكم، فتُبْتم فتاب اللهُ عليكم. فترَك ذِكْرَ قولِه: فتبْتُم. إذ كان في قولِه: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾. دَلالَةٌ بينةٌ على اقْتِضاءِ الكلامِ: فتبْتُم.\nويعنى بقولِه: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾: رجَع لكم ربُّكم إلى ما أحْبَبْتُم مِن العفوِ عن ذنوبكم وعظيمِ ما ركِبْتُم، والصفحِ عن جُرْمِكم، ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. يعنى: الراجعُ لمن أناب إليه بطاعتِه إنى ما يُحِبُّ مِن العفوِ عنه. ويعنى بـ ﴿الرَّحِيمُ﴾: العائدُ عليه (^١) برحمتِه المُنْجيةِ مِن عقوبتِه.\n\n<span id=\"aya-62\"></span><span data-type='title' id=toc-227>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾.</span>\nوتأويلُ ذلك: واذْكُروا أيضًا إذ قلْتُم: يا موسى لن نُصَدِّقَك ولن نُقِرَّ بما جئْتَنا به حتى نَرَى اللهَ (^٢) عِيانًا، برفعِ الساترِ بينَنا وبينَه، وكشفِ الغِطاءِ دونَنا ودونَه، حتى نَنْظُرَ إليه بأبصارِنا. كما تُجْهَرُ الرَّكِيَّةُ (^٣)، وذلك إذا كان ماؤُها قد غطَّاه الطِّينُ، فنُقِّى (^٤) ما قد غطَّاه حتى ظهَر الماءُ وصفا. يقالُ منه (^٥): جَهَرْتُ الرَّكِيَّةَ أَجْهَرُها جَهْرًا وجَهْرةً. ولذلك قيل: قد جاهَر (^٦) فلانٌ بهذا الأمرِ\n_________\n(^١) في م: \"إليه\".\n(^٢) بعده في ر: \"جهرة أى\"، وبعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جهرة\".\n(^٣) الرَّكيَّة: البئر. اللسان (ر ك ى).\n(^٤) غير منقوطة في الأصل، وفى ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فنفى\"، والمثبت كما في اللسان نقلا عن الأخفش، ويحتمله ما في الأصل. وينظر اللسان (ج هـ ر).\n(^٥) بعده في ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قد\".\n(^٦) في م، ت ١: \"جهر\".","vol":"1","page":687},{"text":"مُجاهَرةً وجِهارًا. إذا أظْهَره لرأْىِ العينِ وأعلَنه، كما قال الفَرَزْدَقُ بنُ غالبٍ (^١):\nمِن اللائى يَظَلُّ (^٢) الألْفُ منه … مُنِيخًا (^٣) مِن مَخافتِه جِهارًا (^٤)\nوكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾. قال: علانيةً (^٥).\nوحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾. قال (^٦): عِيانًا (^٧).\nوحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾: حتى يَطْلُعَ إلينا (^٨).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾. أى: عِيانًا (^٩).\n_________\n(^١) شرح ديوان الفرزدق ص ٤٤٣.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يضل\".\n(^٣) في م، ت ٢: \"مسحا\"، وفى ت ٣: \"متيحا\".\n(^٤) في شرح الديوان: \"نهارا\". فلا شاهد فيه للمصنف.\nوالشاهد في بيت آخر للفرزدق من نفس القصيدة هو قوله:\nولكن اللئام إذا هجونى … غضبت فكان نصرتى الجهارا\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٣٢ عن ابن جريج به. وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١١١ (٥٣٤) من طريق أبى الحويرث، عن ابن عباس، وأبو الحويرث صدوق سيئ الحفظ.\n(^٦) في ر: \"قال علانية\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقول\".\n(^٧) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١١١ عقب الأثر (٥٣٥) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٨) سيأتى بتمامه في ص ٦٩٦، ٢/ ٤٧.\n(^٩) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١١١ (٥٣٥) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة.","vol":"1","page":688},{"text":"فذكَّرهم بذلك جلّ ذكرُه كثرةَ (^١) اختلافِ آبائِهم، وسُوءَ استقامةِ أسلافِهم لأنبيائِهم، مع كثرةِ مُعاينتِهم مِن آياتِ اللهِ وعِبَرِه (^٢) ما تَثْلُجُ (^٣) بأقلِّها الصدورُ، وتَطْمَئِنُّ بالتصديقِ معها النفوسُ، وذلك مع تَتابُعِ الحُجَجِ عليهم، وسُبوغِ النِّعَمِ مِن اللهِ لديهم، وهم مع ذلك مرةً يَسْألون نبيَّهم أن يَجْعَلَ لهم إلهًا غيرَ اللهِ، ومرَّةً يَعْبُدون العِجْلَ مِن دونِ اللهِ، ومرةً يقولون: لن (^٤) نُصَدِّقَك حتى نَرَى اللهَ جَهْرةً. وأخرى يقولون له إذا دُعُوا إلى القتالِ: اذْهَبْ أنت وربُّك فقاتِلا إنا ههنا قاعِدُون. ومرةً يُقالُ لهم: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨]. فيقولون: حِنْطةٌ في شَعيرةٍ. ويَدْخُلون البابَ مِن قِبَلِ أَسْتاهِهِم، مع غيرِ ذلك مِن أفعالِهم التى آذَوْا بها نبيَّهم ﵇ التى يَكْثُرُ إحْصاؤُها.\nفأعْلَمَ ربُّنا تبارك اسمُه وتعالى ذكرُه الذين خاطَبَهم بهذه الآياتِ مِن يهودِ بنى إسرائيلَ الذين كانوا بينَ ظَهْرانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ، أنهم لن يَعْدُوا أن يَكُونوا -في تكذيبِهم محمدًا ﷺ، وجُحودِهم نبوَّتَه، وتركهم الإقرارَ به، وبما جاء به، مع علمِهم به، ومعرفتِهم بحقيقةِ أمرِه- كأسْلافِهم وآبائِهم الذين [قصَّ اللهُ] (^٥) عليهم قَصَصَهم في ارْتِدادِهم عن دينِهم مرةً بعدَ أخرى، وتَوَثُّبِهم على نبيِّهم موسى صلوات اللهِ وسلامُه عليه تارةً بعدَ أخرى، مع عظيمِ بَلاءِ اللهِ عندَهم، وسُبوغِ آلائِه عليهم.\n_________\n(^١) سقط من: ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في الأصل، ت ٣: \"غيره\".\n(^٣) ثلِجت نفسى بالشئِ ثَلَجا، وثلَجت، تثلُج وتثلَج ثلوجا: اشتَفَتْ به واطمأنت إليه. اللسان (ث ل ج).\n(^٤) في ر، م: \"لا\".\n(^٥) في ر، م، ت ١، ت ٣: \"فصل\"، وفى ت ٢: \"فصل الله\".","vol":"1","page":689},{"text":"<span data-type='title' id=toc-228>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ الصاعقةِ التى أخَذَتْهم؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾. قال: ماتوا (^١).\nوحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ (^٢) الصَّاعِقَةُ﴾. قال: سمِعوا صوتًا فصَعِقوا. يقولُ: ماتوا (^٣).\nوقال آخَرون بما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ الهَمْدانيّ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾: والصاعقةُ نارٌ (^٤).\nوقال آخَرون بما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: أخذَتْهم الرَّجْفةُ، وهى الصاعقةُ، فماتوا جميعًا (^٥).\nوأصلُ الصاعقةِ كلُّ أمرٍ هائلٍ مَن (^٦) رآه أو عايَنه أو أصابه، حتى يَصِيرَ مِن هَوْلِه\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٦. وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١١٢ (٥٣٨) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٢) فى الأصل، ر، ت ٣: \"فأخذتهم\".\n(^٣) في ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فماتوا\".\nوالأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١١٢ (٥٣٩) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١١٢ (٥٤٠) من طريق عمرو به. وستأتى بقيته في ص ٦٩٥.\n(^٥) جزء من الأثر المتقدم في ص ٦٨٤.\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"1","page":690},{"text":"وعَظيمِ شأنِه إلى هلاكٍ وعطبٍ أو (^١) إلى ذَهابِ عقلٍ وغُمورِ فَهمٍ أو فقدِ بعض آلاتِ الجسمِ؛ صوتًا كان ذلك أو نارًا أو زَلْزَلَةً أو رَجْفًا. ومما يَدُلُّ على أنه قد يكونُ مَصْعوقًا وهو حَىٌّ غيرُ ميتٍ، قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. يعنى مَغْشِيًّا عليه. ومنه قولُ جَريرِ بنِ عَطِيَّةَ (^٢):\nوهل كان الفَرَزْدَقُ غيرَ قِرْدٍ … أصابَتْه الصَّواعِقُ فاسْتَدَارَا\nفقد عُلِم أن موسى لم يكنْ حين غُشِى عليه وصَعِق، ميِّتًا؛ لأن اللهَ جلّ ثناؤه قد أخْبَر عنه أنه لمَّا أفاق قال: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾. ولا شَبَّه جَريرٌ الفَرَزْدقَ وهو حىٌّ بالقِرْدِ ميتًا، ولكن معنى ذلك ما وصَفْنا.\nويعنى بقولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: وأنتم تَنظُرون إلى الصاعقةِ [التى أصابَتْكم. يقولُ: أخَذَتْكم الصاعقةُ عِيانًا] (^٣) جَهارًا وأنتم تَنْظُرون إليها (^٤).\n\n<span id=\"aya-63\"></span><span data-type='title' id=toc-229>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾.</span>\nيعنى بقولِه: ﴿بَعَثْنَاكُمْ﴾: أحْيَيْناكم.\nوأصلُ البعثِ إثارةُ الشئِ مِن مَحَلِّه. ومنه قيل: بعَث فلانٌ راحلتَه، إذا أثارها مِن مَبْرَكِها لِتسيرَ (^٥)، كما قال الشاعر (^٦):\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٢) ديوانه ٢/ ٨٨٧.\n(^٣) سقط من: ر.\n(^٤) إلى هنا ينتهى الخرم بالنسخة ص والمشار إلى بدايته في ص ٦٨٤.\n(^٥) في ر، م: \"للسير\".\n(^٦) هو النابغة الذبيانى، والبيت في ديوانه ص ٢٥١.","vol":"1","page":691},{"text":"فأبْعَثُها وَهِيَّ صَنِيعُ (^١) حَوْلٍ … كرُكْنِ الرَّعْنِ ذِعْلِبَةً وَقاحَا\nوالرَّعْنُ: مُنْقَطعُ أنفِ الجبلِ، والذِّعْلِبَةُ: الخفيفةُ، والوَقاحُ: الشديدةُ الحافرِ أو الخُفِّ. ومِن ذلك قيل: بعَثْتُ فلانًا لحاجتي. إذا أقَمْتَه مِن مكانِه الذي هو فيه للتَّوَجُّهِ فيها. ومنه قيل ليومِ القيامةِ: يومُ البعثِ؛ لأنه يومٌ يُثارُ الناسُ فيه مِن قبورِهم لموقفِ الحسابِ.\nويعني بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾: مِن بعدِ (^٢) موتِكم بالصاعقةِ التي أهْلكَتْكم.\nوقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: فعَلْنا ذلك بكم لِتَشْكروني على ما أَوْلَيْتُكم مِن نعمتِي عليكم (^٣)، بإحْيائي إياكم، [اسْتِيناءً مني لكم] (^٤)، لِتُراجِعوا التوبةَ مِن عظيمِ ذنبِكم، بعدَ إحلالي العقوبةَ بكم بالصاعقةِ التي أحْلَلْتُها بكم، فأماتَتْكم بعظيمِ [خطاياكم التي كانت] (^٥) منكم فيما بينَكم وبينَ ربِّكم.\nوهذا القولُ على تأويلِ مَن تأوَّل قولَه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾: ثم أحْيَيْناكم.\nوقال آخَرون: معنى قولِه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾. أى: بعَثْناكم أنبياءَ.\nحدَّثني بذلك موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ،\n_________\n(^١) صنيع حول: رعت وعلفت حولا حتى سمنت؛ وصنعة الفرس: حسن القيام عليه، اللسان (ص ن ع).\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) سقط من: ر، وفي م: \"استبقاء مني لكم\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"استثناء مني لكم\". واستأنيتُ بفلان: لم أعجله، ويقال: استأن في أمرك. أي لا تعجل. اللسان (أ ن ى).\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"خطئكم الذي كان\"، وفي ر: \"خطاياكم الذي كان\".","vol":"1","page":692},{"text":"عن السديِّ (^١)\nوتأويلُ الكلامِ على ما تأوَّله السديُّ: فأخَذَتْكم الصاعقةُ، ثم أحْيَيْناكم مِن بعدِ موتِكم، وأنتم (^٢) تَنْظُرون إلى إحيائِنا كم (^٣) مِن بعدِ موتِكم، ثم بعَثْناكم أنبياءَ لعلكم تَشْكُرون.\nوزعَم السُّديُّ أن ذلك مِن المُقَدَّمِ الذي معناه التأخيرُ، والمُؤَخَّرِ الذي معناه التقديمُ.\nحدَّثنا بذلك موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ.\nوهذا تأويلٌ يَدُلُّ ظاهرُ التلاوةِ على خلافِه، مع إجماعِ أهلِ التأويلِ على تخطئتِه، فالواجبُ على تأويلِ السديِّ الذي حكَيْناه عنه أن يكونَ معنى قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: تَشكروني (^٤) على تَصْيِيرى إياكم أنبياءَ.\nوكان سببَ قيلِهم لموسى ما أخْبَر اللهُ عنهم أنهم قالوه له مِن قولِهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾. ما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ (^٥)، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: لما رجَع موسى إلى قومِه، ورأَى ما هم فيه مِن عبادةِ العِجْلِ، وقال لأخيه وللسامريِّ ما قال، وحرَّق العجلَ وذرَّاه في البحرِ (^٦) اخْتار موسى منهم سبعين رجلًا؛ الخيِّرَ فالخيِّرَ، وقال: انْطَلِقوا إلى اللهِ\n_________\n(^١) سيأتي بتمامه في ص ٦٩٥.\n(^٢) في الأصل: \"لعلكم\".\n(^٣) في م: \"إحيائنا إياكم\".\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) في ر: \"مسلمة\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"اليم\".","vol":"1","page":693},{"text":"فتُوبوا إليه مما صنَعْتُم، وسَلُوه التوبةَ على مَن ترَكْتُم وراءَكم مِن قومِكم، صوموا وتطهَّروا وطهِّروا ثيابَكم. فخرَج بهم إلى طُورِ سَيْناءَ لميقاتٍ وقَّته له ربُّه، وكان لا يَأْتِيه إلا بإذنٍ منه وعلمٍ، فقال له السبعون -فيما ذُكِر لي- حينَ صنعوا ما أمَرهم به، وخرَجوا للقاءِ ربِّه، قالوا: يا موسى، اطْلُبْ لنا إلى ربِّك نَسْمَعْ كلامَ ربِّنا. فقال: أفْعَلُ. فلما دنا موسى مِن الجبلِ وقَع عليه [عمودُ الغَمامِ] (^١) حتى تغَشَّى الجبلَ كلَّه، ودنا موسى فدخَل فيه، وقال للقومِ: ادْنُوا. وكان موسى إذا كلَّمه (^٢) وقَع على جَبهتِه نورٌ ساطعٌ لا يَسْتطيعُ أحدٌ مِن بني آدمَ أن يَنْظُرَ إليه، فضُرِب دونَه بالحجابِ (^٣)، ودنا القومُ حتى إذا دخَلوا في الغَمامِ وقَعوا سُجودًا، فسمِعوه وهو يُكَلِّمُ موسى يَأْمُرُه ويَنْهاه: افْعَل ولا تَفْعَلْ. فلما فرَغ إليه (^٤) مِن أمرِه انْكَشَف (^٥) عن موسى الغَمامُ، فأقبل إليهم فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾. فأَخذَتْهم الرجفةُ، وهي الصاعقةُ، فماتوا جميعًا، وقام موسى يُناشِدُ ربَّه ويَدْعُوه ويَرْغَبُ إليه ويقولُ: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. قد سَفِهوا، أفتُهْلِكُ مَن ورائي مِن بني إسرائيلَ [بما فعَل] (^٦) السُّفهاءُ منا؟ -أى: إن هذا لهم هَلاكٌ- اخْتَرْتُ منهم سبعين رجلًا، الخيِّرَ فالخيِّرَ، أَرْجِعُ إليهم وليس معي منهم رجلٌ واحدٌ، فما الذي يُصَدِّقوني به أو يَأْمَنوني عليه بعدَ هذا؟ ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. فلم يَزَلْ موسى يُناشِدُ ربَّه [ويسْألُه] (^٧)\n_________\n(^١) في ص: \"عمود غمام\"، وفي م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الغمام\".\n(^٢) بعده في م: \"ربه\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحجاب\".\n(^٤) سقط من: ص، م.\n(^٥) في م: \"وانكشف\".\n(^٦) في م: \"بما تفعل\". وفي ت ١: \"مما يفعل\"، وفي ت ٢: \"بما تفعل\".\n(^٧) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"1","page":694},{"text":"ويَطْلُبُ إليه، حتى ردَّ إليهم (^١) أرْواحَهم، وطلَب إليه التوبةَ لبني إسرائيلَ مِن عبادةِ العِجْلِ، فقال: لا، إلا أن يَقْتُلوا أنفسَهم (^٢).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ بنُ نصرٍ، عن السديِّ: لما تابَت بنو إسرائيلَ مِن عبادةِ العِجْلِ، وتاب اللهُ عليهم بقتلِ بعضِهم بعضًا كما أمَرَهم به، أمَر اللهُ تعالى موسى أن يَأْتِيَه في ناسٍ مِن بني إسرائيلَ يَعْتَذِرون إليه مِن عبادةِ العِجْلِ، ووعَدَهم موْعِدًا، فاخْتار موسى مِن قومِه سبعين رجلًا على عَيْنِه، ثم ذهَب بهم ليَعْتَذِروا، فلما أتَوْا ذلك المكانَ قالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾. فإنك قد كلَّمْتَه فأرِناه، فأخَذَتْهم الصاعقةُ فماتوا، فقام موسى يَبْكِي ويَدْعُو اللهَ ويقولُ: ربِّ ماذا أقولُ لبني إسرائيلَ إذا أتَيْتُهم وقد أهْلَكْتَ خِيارَهم؟ ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾. فأوْحَى اللهُ إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممَّن اتَّخَذ العِجْلَ. فذلك حينَ يقولُ موسى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [إلى قَولِه] (^٣): ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (^٤) [الأعراف: ١٥٥، ١٥٦]. وذلك قولُه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾. ثم إن اللهَ أحْياهم فقاموا وعاشوا رجلًا رجلًا (^٥)، يَنْظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ كيف يَحْيَوْنَ، فقالوا: يا موسى أنت تَدْعُو اللهَ فلا تَسْألُه (^٦) شيئًا إلا أعْطاك، فادْعُه يَجْعَلْنا\n_________\n(^١) في ص: \"إليه\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٦٨٤.\n(^٣) زيادة من تاريخ الطبري.\n(^٤) بعده في تاريخ الطبري: \"يقول: تبنا إليك\".\n(^٥) سقط من: ص.\n(^٦) في ص: \"تطلب\".","vol":"1","page":695},{"text":"أنبِياءَ، فدعا اللهَ فجعَلهم أنبياءَ، فذلك قولُه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾. ولكنه قدَّم حرفًا وأخَّر حرفًا (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال لهم موسى -لما رجَع مِن عندِ ربِّه بالألواحِ قد كُتِب فيها التوراةُ، فوجَدَهم يَعْبُدون العِجْلَ، فأمَرَهم بقتلِ أنفسِهم ففعَلوا، فتاب اللهُ عليهم (^٢) -: إن هذه الألواحَ فيها كتابُ اللهِ، فيه أمرُه الذي أمَرَكم به (^٣)، ونَهْيُه الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومَن يَأْخُذُه بقولِك أنت! لا واللهِ حتى نَرَى اللهَ جَهْرةً، حتى يَطْلُعَ اللهُ إلينا (^٤) فيقولَ: هذا كتابي فخُذُوه، فما له لا يُكَلِّمُنا كما كَلَّمك (^٥) أنت يا موسى، فيقولُ: هذا كتابي فخُذوه؟ وقرَأ قولَ اللهِ تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾. قال: فجاءت غَضْبةٌ مِن اللهِ، فجاءَتْهم صاعقةٌ بعدَ التوبةِ، فصَعَقَتهم فماتوا أجْمَعُون. قال: ثم أحْياهم اللهُ مِن بعدِ موتِهم. وقرَأ قولَ اللهِ تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. فقال لهم موسى: خُذوا كتابَ اللهِ. فقالوا: لا. فقال: أيُّ شيءٍ أصابَكم؟ قالوا: أصابنا أنَّا مِتنا ثم حَيِينا. قال: خُذوا كتابَ اللهِ. فقالوا: لا. قال: فبعَث اللهُ ملائكةً فنَتَقتِ الجبلَ فوقَهم (^٦).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن\nقَتادةَ في قولِه: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٢٨، ٤٢٩ عن موسى بن هارون به عن السدي بإسناده.\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فقال\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"علينا\".\n(^٥) سقط من: ص، م.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٣٣ عن ابن زيد.","vol":"1","page":696},{"text":"مَوْتِكُمْ﴾. قال: أخَذَتْهم الصاعقةُ، ثم بعَثهم اللهُ ليُكْمِلوا بقيةَ آجالِهم (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ ابنِ أنسٍ في قولِه: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾. قال: هم السبعون الذين اخْتارَهم موسى فساروا معه. قال: فسمِعوا كلامًا، فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾. قال: فسمِعوا صوتًا فصَعِقوا. يقولُ: ماتوا (^٢). فذلك قولُه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾. فبُعِثوا مِن بعدِ موتِهم؛ لأن موتَهم ذاك كان عقوبةً لهم، فبُعِثوا لبقيةِ آجالِهم (^٣).\nفهذا ما رُوِى في السببِ الذي مِن أجلِه قالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾.\nولا خبرَ عندَنا بصحةِ شيءٍ مما قاله مَن ذكَرْنا قولَه في سببِ قِيلِهم ذلك لموسى تقومُ به حجةٌ [فيُسَلَّمَ له] (^٤)، وجائزٌ أن يكونَ ذلك بعضَ ما قالوه، فإذ كان لا خبرَ بذلك تقومُ به حُجةٌ، فالصوابُ مِن القوِل فيه أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه قد أخْبَر عن قومِ موسى أنهم قالوا له: ﴿يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾. كما أخْبَر عنهم أنهم قالوه، وإنما أخْبَر اللهُ بذلك عنهم الذين خُوطِبوا بهذه الآياتِ تَوْبيخًا\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٦. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١١٢ (٥٤٣) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٢) بعده في الأصل: \"قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾. قال: أخذتهم الصاعقة ثم بعثهم الله ليكملوا بقية آجالهم. . . حدَّثنا إسحاق، قال: حدثني ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾. قال: هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾. فصعقوا. يقول: ماتوا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١١٢ (٥٣٩، ٥٤٤) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) في م: \"فتسلم لهم\".","vol":"1","page":697},{"text":"لهم على كفرِهم بمحمدٍ ﷺ، [وقد] (^١) قامَت حجَّتُه على مَن احتَجَّ به عليه، ولا حاجةَ لمَن انْتَهَت إليه إلى معرفةِ السببِ الداعي كان (^٢) لهم إلى قيلِ ذلك، وقد قال الذين أخْبَرنا عنهم الأقوالَ التي ذكَرْناها، وجائزٌ أن يكونَ بعضُها حقًّا كما قالوا.\n\n<span id=\"aya-64\"></span><span data-type='title' id=toc-230>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾. عطفٌ على قولِه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾. فتأويلُ الآيةِ: ثم بعَثْناكم مِن بعدِ موتِكم، وظلَّلنا عليكم الغَمامَ -وعدَّد عليهم سائرَ ما أنْعَم به عليهم- لعلكم تَشْكُرون.\nوالغَمامُ جماعُ غَمامةٍ، كما السَّحابُ جماعُ سَحابةٍ، والغَمامُ هو ما غَمَّ السماءَ فألْبَسَها، مِن سَحابٍ وقَتَامٍ، وغيرِ ذلك مما يَسْتُرُها عن أعينِ الناظرين، وكلُّ مغطًّى [فإن العربَ] (^٣) تُسَمِّيه مَغْمومًا.\nوقد قيل: إن الغَمامَ التي ظلّلها اللهُ على بني إسرائيلَ لم تَكنْ (^٤) سَحابًا.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ قولَه: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾. قال: ليس بالسَّحابِ (^٥).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ،\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ر: \"فقد\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص: \"فالعرب\".\n(^٤) في الأصل، ر: \"يكن\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٣٤ عن الثوري به.","vol":"1","page":698},{"text":"عن مُجاهِدٍ قولَه: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾. قال: ليس بالسَّحابِ (^١)، هو الغَمامُ الذى يَأْتى اللهُ فيه يومَ القيامةِ، لم يكنْ إلا لهم (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾. قال: هو بمنزلةِ السَّحابِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسين، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾. قال: غَمامٌ أبْرَدُ مِن هذا وأطيبُ، وهو الذى يَأْتى اللهُ جلَّ وعزَّ فيه يومَ القيامةِ. في قولِه: ﴿فِي ظُلَلٍ (^٣) مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]. وهو الذى جاءَت فيه الملائكةُ يومَ بدرٍ. قال ابنُ عباسٍ: وكان معهم في التِّيهِ (^٤).\nوإذ كان معنى الغَمامِ ما وصَفْنا، مما غمَّ السماءَ مِن شيءٍ فغطَّى وجهَها عن الناظرِ إليها، فليس الذى ظلَّله اللهُ على بني إسرائيلَ فوصَفه بأنَّه كان غَمامًا، بأوْلَى بوصفِه إياه بذلك أن يكونَ سَحابًا، منه بأن يكونَ غيرَ ذلك مما ألْبَس وجهَ السماءِ مِن شيءٍ.\nوقد قيل: إنه ما ابيضَّ مِن السَّحابِ (^٥).\n_________\n(^١) بعده في ص: \"وبإسناده عن مجاهد قال ليس بالسحاب\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١١٣ (٥٤٩) من طريق أبي حذيفة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٠ إلى وكيع وعبد بن حميد.\n(^٣) في الأصل: \"ظل\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٣٤ عن الحسين به. وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١١٣ (٥٥٠) بإسناده عن ابن جريج، قال: قال آخرون: هو غمام أبرد من هذا وأطيب.\n(^٥) بعده في الأصل طمس مقداره ست كلمات.","vol":"1","page":699},{"text":"<span data-type='title' id=toc-231>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ المنِّ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنى به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾. قال؛ المَنُّ صَمْغةٌ (^١).\nوحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾. يقولُ: كان المنُّ يَنْزِلُ عليهم مثلَ الثلجِ (^٢).\nوقال آخَرون: هو شَرابٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: المنُّ شرابٌ كان يَنْزِلُ عليهم مثل العسلِ، فيَمْزُجونه بالماءِ ثم يَشْرَبونه (^٣).\nوقال آخَرون: المنُّ عسلٌ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٠٣، ومن طريقه عبد بن حميد والفريابى، كما في تغليق التعليق ٤/ ١٧٣.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١١٤ (٥٥٣) من طريق سفيان، عن ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٠ إلى وكيع.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٦. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١١٤ (٥٥٦) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، مطولا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١١٥ (٥٥٨) من طريق ابن أبى جعفر به.","vol":"1","page":700},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: المنُّ عسلٌ كان يَنْزِلُ لهم مِن السماءِ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: عَسلُكم هذا جزءٌ مِن سبعين جزءًا مِن المنِّ (^٢).\nوقال آخَرون: المنُّ الخبزُ (^٣) الرُّقَاقُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثنى عبدُ الصمدِ، قال: سمِعْتُ وهبًا، وسُئِل ما المَنُّ؟ قال: خبزُ الرُّقاقِ، مثلُ الذُّرَةِ، أو (^٤) مثلُ النَّقِىِّ (^٥).\nوقال آخَرون: المنُّ الزَّنْجبيلُ (^٦).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: المنُّ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٣٥. عن ابن زيد.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٣٥. عن المصنف.\n(^٣) في م: \"خبز\".\n(^٤) في م، ت ٢: \"و\".\n(^٥) النقى: هو الدقيق الحُوَّارى، وهو الذى يُنَقَّى من لُباب البُرّ. ينظر تاج العروس (ح ور).\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١١٥ (٥٥٧) من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٠ إلى عبد بن حميد. وسيأتى بتمامه في ص ٧٠٩.\n(^٦) في م: \"الترنجبين\". وسيأتى التعليق عليها.","vol":"1","page":701},{"text":"كان يَسْقُطُ على [الشجرِ الزنْجبيلِ] (^١).\nوقال آخَرون: المنُّ هو الذى يَسْقُطُ على الشجرِ الذى يَأْكُلُه الناسُ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا الحِمَّانىُّ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن مُجالِدٍ، عن عامرٍ في قولِه: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾. قال: المنُّ الذى يَقَعُ على الشجرِ.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرىُّ، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن مُجالدٍ، عن عامرٍ، قال: المنُّ هذا الذى يَقَعُ على الشجرِ.\nوحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿الْمَنَّ﴾. قال: المنُّ الذى يَسْقُطُ مِن السماءِ على الشجرِ فيأْكُلُه الناسُ.\nحدَّثنى القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: كان المنُّ يَنْزِلُ على شْجرِهم، فيَغْدُون إليه (^٢) فيَأْكُلون منه ما شاءوا (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"شجر الترنجبين\"، وفى تاريخ المصنف: \"الشجر الترنجبين\"، والمثبت موافق لما في تفسير ابن أبي حاتم، وتفسير ابن كثير ١/ ١٣٤.\nوالأثر أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٣٠ عن موسى بن هارون به عن السدى بإسناده، مطولا.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١١٤ (٥٥٥) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به. وسيأتى مطولا في ص ٧٠٧، ٧٠٨.\n(^٢) في ص، م: \"عليه\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١١٤ (٥٥٢) من طريق على بن أبى طلحة، عن ابن عباس، =","vol":"1","page":702},{"text":"[وقد قيل: إن المنَّ التَّرنْجَبينُ] (^١).\nوقال بعضُهم: المنُّ: الذى يَسْقُطُ على الثُّمامِ (^٢) والعُشَرِ (^٣)، وهو حُلْوٌ كالعسلِ، وإياه عَنَى الأعْشَى ميمونُ بنُ قيسٍ بقولِه (^٤):\nلو أُطعِموا المنَّ والسَّلْوَى مكانَهمُ … ما أبْصَرَ الناسُ طعْمًا فيهمُ نَجَعَا\nوتَظاهَرَت الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"الكَمْأةُ مِنَ المَنِّ، وماؤُها شِفاءٌ للعينِ\" (^٥).\nوقال بعضُهم: المنُّ شرابٌ حُلْوٌ كانوا يَطْبُخونه فيَشْرَبونه.\nوأما أُميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ الثقفىُّ فإنه جعَله في شِعْرِه عسلًا، فقال يَصِفُ أمرَهم في التِّيهِ وما رُزِقوا فيه (^٦):\nفرَأَى اللهُ أنهم بمَضِيعٍ … لا بذى مَزْرَعٍ ولا مَثْمُورا (^٧)\n_________\n= وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٠ إلى ابن المنذر.\n(^١) في ر: \"وقيل: المن عسل\".\nوالترنجبين: طل يقع من السماء، ندى شبيه بالعسل، جامد متحبب، وتأويله عسل الندى. الجامع لمفردات الأدوية والأغذية ١/ ١٣٧.\n(^٢) الثمام: نبت معروف في البادية، ولا تجهده النعم إلا في الجدوبة. اللسان (ث م م).\n(^٣) العشر: شجر له صمغ وفيه حراق مثل القطن يقتدح به. اللسان (ع ش ر).\n(^٤) زيادة من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. والبيت في ديوان الأعشى ص ١٠٩.\n(^٥) أخرجه البخارى (٥٧٠٨)، ومسلم (٢٠٤٩)، وغيرهما من حديث سعيد بن زيد. وينظر مسند الطيالسى (٢٥١٩)، وتفسير ابن كثير، تحقيق أبى إسحاق الحوينى ٢/ ٤٠٥ - ٤١٦.\n(^٦) ديوان أمية ص ٤٤.\n(^٧) المضيع والمِضيعَة: الاطراح والهوان. اللسان (ض ى ع).","vol":"1","page":703},{"text":"فسَنَاها (^١) عليهمُ غادياتٍ … ومرَى مُزْنَهم خَلايَا وخُورَا (^٢)\nعسلًا ناطفًا وماءً فُرَاتًا … وحَلِيبًا ذا بَهْجةٍ مُرْمُورَا (^٣)\nفجعَل المنَّ الذى كان يَنْزِلُ عليهم عسلًا ناطِفًا، والناطفُ هو القاطرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-232>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَالسَّلْوَى﴾.</span>\nو\"السَّلْوى\" اسمُ طائرٍ يُشْبِهُ السُّمَانَى، واحدُه (^٤) وجِماعُه بلفظٍ واحدٍ، وكذلك السُّمَانَى لفظُ جِماعِها وواحدِها سَواءٌ. وقد قيل: إن واحدَ السَّلْوَى سَلْواةٌ.\nذكرُ مَن قال ما قلنا في ذلك\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: أخبرنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ، [فى خبرٍ ذكَره عن أبى مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مرةَ الهَمْدانىِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبىِّ ﷺ] (^٥): السَّلْوَى طيرٌ يُشْبِهُ\n_________\n(^١) في م: \"فعناها\"، وهى رواية، وفى الديوان: \"فعفاها\". وسناها: سقاها. اللسان (س ن و).\n(^٢) غاديات جمع غادية: وهى السحابة التى تنشأ غدوة، ومرى الناقة مريا: مسح ضرعها للدرة. والخلايا: جمع خلية، وهى الناقة التى خليت للحلب. والخور: الإبل الحمر إلى الغبرة، رقيقات الجلود طوال الأدبار، ولها شعر ينفذ، ووبرها أطول من سائر الوبر. ينظر اللسان (غ د و، م ر ى، خ ل ى، خ ور).\n(^٣) في ص: \"مزمورا\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، والديوان: \"ممرورا\". وبعده في م: \"الممرور الصافى من اللبن\". وبعده في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المرمور الصافى من اللبن\"، وفى حاشية ص: \"المرمور الصافى من اللبن\". وفى القاموس مادة (مرمر): المُرمورة بالضم الجارية الناعمة الرِّجراجة.\n(^٤) في الأصل، م: \"واحدة\".\n(^٥) سقط من الأصل، ص.","vol":"1","page":704},{"text":"السُّمَانَى (^١)\nوحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ، قال: كان طيرًا أكبرَ مِن السُّمانَى.\nوحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ، قال: السَّلْوَى طيرٌ (^٢) كانت تَحْشُرُها عليهم الريحُ الجَنوبُ (^٣).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: السَّلْوَى طائرٌ (^٤).\nحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: السَّلْوَى طائرٌ (^٥).\nوحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: السَّلْوَى هو السُّمَانَى (^٦).\nحدَّثنى أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: أخْبَرَنا أبو أحمدَ، قال: أخبرنا شَريكٌ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٣٨ عن المصنف به. وسيأتى مطولا في ص ٧٠٧، ٧٠٨.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"طائر\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٦. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١١٥ (٥٦٢) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، مطولا.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٠٣.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"طير\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١١٥ (٥٦٠) من طريق على بن أبى طلحة، عن ابن عباس.\nوأخرجه ابن أبى حاتم أيضا (٥٥٩) من طريق جهضم، عن ابن عباس. وينظر تفسير ابن كثير، تحقيق أبى إسحاق الحوينى ٢/ ٤١٦، ٤١٧.","vol":"1","page":705},{"text":"مُجالِدٍ، عن عامرٍ، قال: السَّلْوَى السُّمانَى.\n[حدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن مُجالِدٍ، عن عامرٍ، قال: السلوى السُّمانَى] (^١).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ ابنِ أنسٍ: السلوى كان طيرًا يَأْتِيهم مثلَ السُّمانَى (^٢).\nوحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: السَّلْوَى طيرٌ.\nوحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثنى عبدُ الصمدِ، قال: سمِعْتُ وهبًا وسُئِل: ما السَّلْوَى؟ فقال: طيرٌ سَمِينٌ مثلُ الحَمامِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الضحاكِ، قال: السُّمانَى هو السلوى (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: فإن قال قائلٌ: وما كان سببُ تَظْليلِ اللهِ الغَمامَ وإنزالِه المنَّ والسلوى على هؤلاء القومِ؟\nقيل: قد اخْتَلَف أهلُ العلمِ في ذلك، ونحن ذاكِرون ما حضَرَنا منه.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ص.\nوالأثر ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١١٥ عقب الأثر (٥٦١) معلقا.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١١٥ عقب الأثر (٥٦١) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١١٦ (٥٦٣) من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧١ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"1","page":706},{"text":"فحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: لمّا تاب اللهُ على قومِ (^١) موسى وأحْيَا السبعين الذين اخْتارَهم موسى بعدَ ما أماتهم، أمَرهم اللهُ بالسيرِ (^٢) إلى أَرِيحا، وهى أرضُ بيتِ المقدسِ، فساروا حتى إذا كانوا قريبًا منها (^٣) بعَث موسى اثنَىْ عشَرَ نَقيبًا، فكان مِن أمرِهم وأمرِ الجبَّارِين وأمْرِ قومِ موسى ما قد قصَّ اللهُ في كتابِه، فقال قومُ موسى لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. فغضِب موسى فدعا عليهم، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، فكانت عَجْلةً من موسى عجِلَها، فقال اللهُ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٥، ٢٦]. فلما ضُرِب عليهم التيهُ ندِم موسى، وأتاه قومُه الذين كانوا معه يُطيعونه فقالوا له: ما صنَعْتَ بنا يا موسى؟ فلما ندِم أوْحَى اللهُ إليه: [لا تَأْسَ] (^٤) على القومِ الفاسِقِين -أى: لا تَحْزَنْ على القومِ الذين سمَّيْتُهم فاسِقِين- فلم يَحْزَنْ. فقالوا: يا موسى، فكيف لنا بماءٍ ههنا؟ أين الطعامُ؟ فأنْزَل اللهُ عليهم المنَّ، فكان يَسْقُطُ على [الشجرِ الزَّنْجبيلِ] (^٥)، والسَّلْوى وهو طيرٌ يُشْبِهُ السُّمانَى، فكان يَأْتى أحدُهم فيَنْظُرُ إلى الطيرِ فإن كان سَمينًا ذبَحه وإلا أرْسَله، فإذا سمِن أتاه. فقالوا: هذا الطعامُ، فأين الشرابُ؟ فأُمِر موسى، فضرَب بعصاه الحجرَ فانْفَجَرت منه اثنتا عشْرةَ عينًا، فشرِب كلُّ سِبْطٍ مِن عينٍ. فقالوا: هذا الطعامُ والشرابُ، فأين الظلُّ؟ فظلَّل عليهم الغَمامَ. فقلوا: هذا الظلُّ، فأين اللِّباسُ؟ فكانت ثيابُهم تَطولُ\n_________\n(^١) سقط من: ص.\n(^٢) في م: \"بالمسير\".\n(^٣) في ص، ونسخة من تاريخ المصنف: \"منهم\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أن لا تأس\".\n(^٥) في م، وتاريخ المصنف: \"شجر الترنجبين\". وينظر ما تقدم في ص ٧٠٢.","vol":"1","page":707},{"text":"معهم كما تَطولُ الصِّبْيانُ، ولا يَتَخَرَّقُ لهم ثوبٌ، فذلك قولُه: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾. وقولُه: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لما تاب اللهُ على بنى إسرائيلَ وأمَر موسى أن يَرْفعَ عنهم السيفَ مِن عبادةِ العجلِ، أمَر موسى أن يَسِيرَ (^٢) بهم إلى الأرضِ المقدسةِ، وقال: إنى قد كتَبْتُها لكم دارًا وقَرارًا ومَنْزِلًا، فاخْرُجْ إليها وجاهِدْ مَن فيها مِن العدوِّ، فإنى ناصرُكم عليهم. فسار بهم موسى إلى الأرضِ المقدَّسةِ بأمرِ اللهِ، حتى إذا نزَل التِّيهَ بينَ مصرَ والشامِ، وهى بلادٌ ليس فيها خَمَرٌ (^٣) ولا ظلٌّ، دعا موسى ربَّه حين آذاهم الحرُّ، فظلَّل عليهم بالغَمامِ، ودعا لهم بالرزقِ، فأنْزَل عليهم المنَّ والسَّلْوَى.\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع [بنِ أنسٍ، وحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع] (^٤) قولَه: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾. قال. ظلَّل عليهم الغَمامَ في التِّيهِ، [ما هو في قدرِ] (^٥) خمسةِ فَراسِخَ أو ستةٍ، كلما أصْبَحوا ساروا غادِين، فأمْسَوا فإذا هم في مكانِهم الذى ارْتَحَلوا منه، فكانوا كذلك حتى مرَّت أربعون سنةً. قال: وهم في ذلك يَنْزِلُ عليهم المنُّ والسلوى، ولا تَبْلَى ثيابُهم، ومعهم حجرٌ مِن حجارةِ الطُّورِ يَحْمِلونه معهم، فإذا\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٢٩، ٤٣٠ عن موسى بن هارون به عن السدى بإسناده.\n(^٢) في ص: \"يسبق\".\n(^٣) الخمر بالتحريك: ما واراك من شجر وغيره، كالجبل وغيره. التاج (خ م ر).\n(^٤) سقط من: الأصل، ص.\n(^٥) في ص: \"فإذا هو في قدر\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تاهوا في\".","vol":"1","page":708},{"text":"نزَلوا ضرَبه موسى بعصاه، فانْفَجَرَتْ منه اثنتا عشْرةَ عينًا.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثنى عبدُ الصمدِ، قال: سمِعْتُ وهبًا يقولُ: إن بنى إسرائيلَ لما حرَّم اللهُ عليهم أن يَدْخُلوا الأرضَ المُقَدَّسةَ أربعين سنةً يَتيهون في الأرضِ، شكَوْا إلى موسى فقالوا: ما نَأْكُلُ؟ فقال: إن اللهَ سيَأْتِيكم بما تَأْكُلون. قالوا: مِن أين لنا إلا أن يمْطِرَ علينا خُبزًا! قال: إن اللهَ ﷿ سيُنْزِلُ عليكم خُبزًا مَخْبوزًا. فكان يُنْزِلُ عليهم المنَّ -سُئِل وهبٌ: ما المنُّ؟ قال: خُبزُ الرُّقاقِ مثلُ الذرةِ أو مثلُ النَّقيِّ- قالوا: وما نَأْتدِمُ؟ وهل بُدٌّ لنا مِن لحمٍ؟ قال: فإن اللهَ يَأْتِيكم به. فقالوا: مِن أين لنا إلا أن تَأتِيَنا به الريحُ! قال: فإن [اللهَ يأتيكم] (^١) به. فكانت الريحُ تَأْتِيهم بالسَّلْوَى -فسُئِل وهبٌ: ما السلوى؟ قال: طيرٌ سَمِينٌ مثلُ الحَمامِ، كان يَأْتِيهم فيَأْخُذون منه مِن سبتٍ إلى سبتٍ- قالوا: فما نَلْبَسُ؟ قال: لا يَخْلَقُ لأحدِكم ثوبٌ أربعين سنةً. قالوا: فما نَحْتَذِى؟ قال: لا يَنْقَطِعُ لأحدِكم شِسْعٌ (^٢) أربعين سنةً. قالوا: فإنه يُولدُ فينا أولادٌ، فما نَكْسُوهم؟ قال: ثوبُ (^٣) الصغيرِ يَشِبُّ معه. قالوا: فمِن أين لنا الماءُ؟ قال: يَأْتِيكم به اللهُ. قالوا: فمِن أين إلا أن يَخْرُجَ لنا مِن الحجرِ! فأمَر اللهُ موسى أن يَضْرِبَ بعصاه الحجرَ. قالوا: فبمَ نُبْصِرُ إذ تَغْشانا الظُّلْمةُ؟ فضرَب لهم عمودًا (^٤) مِن نورٍ في وسَطِ عسكرِهم أضاء عسكرَهم كلَّه. قالوا: فبمَ نَسْتَظِلُّ، فإن الشمسَ (^٥) علينا\n_________\n(^١) غير واضحة في الأصل، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الريح تأتيكم\".\n(^٢) الشسع: سير يمسك النعل بأصابع القدم. الوسيط (ش س ع).\n(^٣) في ص، ر، ت ١، ت ٢: \"الثوب\".\n(^٤) في م: \"عمود\".\n(^٥) بعده في ص: \"قال\".","vol":"1","page":709},{"text":"شديدهٌّ؟ قال: يُظِلُّكم اللهُ بالغَمامِ (^١).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ. فذكَر نحوَ حديثِ موسى، عن عمرِو بنِ حمادٍ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال ابنُ عباسٍ: خُلِق لهم في التِّيهِ ثيابٌ لا تَخْلَقُ ولا تَدْرَنُ.\nقال: وقال ابنُ جُرَيْجٍ: إن أخَذ الرجلُ مِن المَنِّ والسَّلْوَى فوقَ طعامِ يومٍ فسَد، إلا أنهم كانوا يَأْخُذُون في يومِ الجمعةِ طعامَ يومِ السبتِ فلا يُصْبِحُ فاسدًا (^٣).\nالقولُ في تأويلِ قولِ اللهِ جلّ ثناؤُه: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.\nقال أبو جعفرٍ: وهذا مما اسْتُغْنِى بدَلالةِ ظاهرِه [عن ذكرِ] (^٤) ما تُرِك منه، وذلك أن تأويلَ الآيةِ: وظلَّلْنا عليكم الغَمامَ وأنْزَلْنا عليكم المنَّ والسَّلْوى، وقلْنا لكم: كلوا مِن طيباتِ ما رزَقْناكم. فتُرِك ذكرُ قولِه: وقلنا لكم. لِما بيَّنّا مِن دَلالةِ الظاهرِ في الخطابِ عليه.\nوعنَى جلَّ ذكرُه بقولِه: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾: كلوا مِن شَهِيّاتِ (^٥) رِزْقِنا\n_________\n(^١) تقدم طرف منه في ص ٧٠١، ٧٠٦.\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن أسباط عن السدى\".\n(^٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ١٣٩ عن الحسين به.\nوبعده في الأصل: \"تم الجزء الثانى والحمد لله حمدًا كثيرًا [. . .] وصلى الله على [. . . .] وأهله الطيبين وسلم تسليما. يتلوه الجزء الثالث القول في تأويل قول الله جلَّ ثناؤه كلوا من طيبات ما رزقناكم. قال أبو جعفر\".\n(^٤) في م: \"على\".\n(^٥) في م: \"مشتهيات\".","vol":"1","page":710},{"text":"الذى رزَقْناكموه.\nوقد قيل: عنَى بقولِه: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾: مِن حلالِه الذى أبَحْناه لكم فجعَلْناه لكم رزقًا.\nوالأولُ مِن القولَيْن أولَى بالتأويلِ؛ لأنه وصْفُ ما كان القومُ فيه مِن هَنِئَ العيشِ الذى أعْطاهم، فوصْفُ ذلك بالطَّيِّب الذى هو بمعنى اللَّذَّةِ أحْرَى مِن وصفِه بأنه حلالٌ مُباحٌ.\nو﴿مَا﴾ التى (^١) مع: ﴿رَزَقْنَاكُمْ﴾ بمعنى الذى، كأنه قال (^٢): كلوا مِن طيباتِ الرزقِ الذى رزَقْناكموه.\n\n<span data-type='title' id=toc-233>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾.</span>\nوهذا أيضًا مِن الذى اسْتُغْنى بدَلالةِ ظاهرِه على ما تُرِك منه، وذلك أن معنى الكلامِ: كلوا مِن طيباتِ ما رزَقْناكم، فخالَفوا ما أمَرْناهم به، وعصَوا ربَّهم، ثم رسولَنا إليهم، وما ظلَمونا. فاكْتُفِى بما أُظهِر عما تُرِك.\nوقولُه: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾. يقولُ: وما ظلَمونا بفعلِهم ذلك ومعصيتِهم، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.\nويعنى بقولِه: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾. وما وضَعوا فعلَهم ذلك وعِصْيانَهم إيانا موضعَ مَضَرَّةٍ علينا، ومَنْقَصةٍ لنا، [ولكنهم وضَعوه مِن أنفسِهم موضعَ مَضَرَّةٍ عليها ومَنْقَصةٍ لها] (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل: \"الذى\".\n(^٢) في ص، م: \"قيل\".\n(^٣) سقط من: الأصل.","vol":"1","page":711},{"text":"كما حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرٌ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. قال: يَضُرُّون (^١).\nوقد دلَّلْنا فيما مضَى على أن أصلَ الظلمِ وضعُ الشئِ في غيرِ موضعِه، بما فيه الكِفايةُ، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه (^٢).\nوكذلك ربُّنا جلَّ ثناؤُه لا تَضُرُّه معصيةُ عاصٍ، ولا يَتَحَيَّفُ خَزائنَه ظلمُ ظالمٍ، ولا تَنْفَعُه طاعةُ مُطيعٍ، ولا يَزِيدُ في مُلْكِه عدلُ عادلٍ، بل نفسَه يَظْلِمُ الظالمُ، وحظَّها يَبْخَسُ العاصى، وإياها يَنْفَعُ الطائعُ (^٣)، وحظَّها يُصِيبُ العادلُ.\n\n<span id=\"aya-65\"></span><span data-type='title' id=toc-234>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾.</span>\nوالقريةُ التى أمَرَهم اللهُ أن يَدْخُلوها فيَأْكُلوا منها رَغَدًا حيث شاءوا -فيما ذُكِر لنا- بيتُ المَقْدِس.\nذكرُ الروايةِ بذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾. قال: بيتُ المقدسِ (^٤).\nوحدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَإِذْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١١٦ (٥٦٧) عن أبى زرعة، عن المنجاب به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧١ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٥٥٩، ٥٦٠.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المطيع\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٦، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١١٦ (٥٦٩) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"1","page":712},{"text":"قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾: أما القريةُ فبيتُ (^١) المقدسِ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾: يعنى بيتَ المَقدِسِ (^٣).\nوحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سألْتُه -يعنى ابنَ زيدٍ- عن قولِه: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا﴾. قال: هى أَرِيحا، وهى قريبةٌ مِن بيتِ المَقْدِسِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-235>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾.</span>\nيعنى بذلك: فكُلوا مِن هذه القريةِ حيث شِئْتُم عيشًا هَنِيئًا واسعًا بغيرِ حِسابٍ.\nوقد بيَّنَّا معنى الرَّغَدِ فيما مضَى مِن الكتابِ (^٥)، وذكَرْنا أقوالَ أهلِ التأويلِ فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-236>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾.</span>\nأما البابُ الذى أُمِروا أن يَدْخُلوه، فإنه قيل: هو بابُ الحِطَّةِ مِن بيتِ المقدسِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فقرية بيت\".\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١١٦ عقب الأثر (٥٦٩) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١١٦ عقب الأثر (٥٦٩) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٣٩.\n(^٥) في ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كتابنا\". وينظرما تقدم في ص ٥٤٩، ٥٥٠.","vol":"1","page":713},{"text":"نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾. قال: بابُ الحِطَّةِ مِن بابِ إيلِياءِ (^١) بيتِ المقدسِ (^٢).\nوحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.\nحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾: أما البابُ فبابٌ مِن أبوابِ بيتِ المقدسِ (^٣).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾: فإنه أحدُ أبوابِ بيتِ المقدسِ، وهو يُدْعَى بابَ حِطَّةٍ.\nوأما قولُه: ﴿سُجَّدًا﴾. فإن ابنَ عباسٍ كان يَتأوَّلُه بمعنى الرُّكَّعِ.\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: ثنا سُفيانُ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾. قال: رُكَّعًا مِن بابٍ صغيرٍ (^٤).\nحدَّثنى الحسنُ بنُ الزِّبْرِقانِ النَّخَعىُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، وتفسير ابن أبى حاتم \"من\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٠٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١١٧ (٥٧٤). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١١٧ عقب الأثر (٥٧٤) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.\n(^٤) سيأتى مطولًا في ص ٧٢٥، ٧٢٦.","vol":"1","page":714},{"text":"سُجَّدًا﴾. قال: أُمِروا أن يَدْخُلوا رُكَّعًا (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وأصلُ السجودِ الانْحِناءُ لمن سُجِد له مُعَظَّمًا بذلك، فكلُّ مُنْحَنٍ لشيءٍ تَعْظيمًا له [وخُشُوعًا] (^٢) فهو له ساجدٌ، ومنه قولُ الشاعرِ (^٣):\nبجَمْعٍ (^٤) تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَراتِه … تَرَى الأُكْمَ فيه (^٥) سُجَّدًا للحَوافِرِ (^٦)\nيعنى بقولِه: سُجَّدًا: خاشعةً خاضعةً.\nومِن ذلك قولُ أعْشَى بنى (^٧) قيسِ بنِ ثَعْلَبةَ (^٨):\nيُراوِحُ مِن صلواتِ المَليـ … ـكِ طَوْرًا سُجودًا وطَوْرًا جؤَارَا\nفلذلك تأوَّل ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿سُجَّدًا﴾: رُكَّعًا؛ لأن الراكعَ مُنْحَنٍ، وإن كان الساجدُ أشدَّ انْحِناءً منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-237>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾.</span>\nوتأويلُ قولِه: ﴿حِطَّةٌ﴾: فِعْلةٌ. مِن قولِ القائلِ: حطَّ اللهُ عنك خَطاياك، فهو\n_________\n(^١) سيأتى مطولًا في ص ٧٢٥، ٧٢٦.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) هو زيد الخيل، والبيت له في المعانى الكبير ٢/ ٨٩٠، والكامل ٢/ ٢٠١، وغير منسوب في الصناعتين ص ٢٨٦.\n(^٤) فى الصناعتين، والكامل: \"بجيش\".\n(^٥) في المعانى الكبير، والكامل: \"منه\".\n(^٦) البلق: جمع أبلق وبلقاء، وهى الفرس التى يرتفع تحجيلها إلى الفخذين. والحجرات: جمع حَجْرة، وهى الناحية، والأكم جمع أكمة وهى التل. اللسان (ح ج ر، ب ل ق، أ ك م).\n(^٧) في م: \"بن\".\n(^٨) ديوانه ص ٥٣.","vol":"1","page":715},{"text":"يَحُطُّها حِطَّةً. بمنزلةِ الرِّدَّةِ والجِدَّةِ (^١) والمِدَّةِ، مِن: جدَدْتُ (^٢) ومدَدْتُ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ: ﴿حِطَّةٌ﴾؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذى قلْنا في ذلك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. قال: قال الحسنُ وقَتادةُ: أى: احْطُطْ عنا خَطايانا (^٣).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾: يحطُّ اللهُ بها عنكم ذنبَكم وخطيئتَكم (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. قال: يَحُطُّ اللهُ (^٥) عنكم خَطاياكم.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا وَكِيعٌ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾: مَغْفِرةٌ (^٦).\nوحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. قال: تُحَطُّ عنكم خَطاياكم (^٧).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحدة\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حددت\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٧. وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١١٩ (٥٨٤) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٤) في م: \"خطاياكم\".\n(^٥) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) سيأتى مطولًا في ص ٧٢٥، ٧٢٦.\n(^٧) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١١٨ عقب الأثر (٥٨٠) من طريق ابن أبى جعفر به.","vol":"1","page":716},{"text":"حدَّثَنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال لى عَطاءٌ في قولِه: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. قال: سمِعْنا أنه يَحُطُّ عنهم خَطاياهم (^١).\nوقال آخَرون: معنى ذلك: قولوا: لا إلهَ إلا اللهُ. كأنهم وجَّهوا تأويلَه: قولوا الذى يَحُطُّ عنكم خَطاياكم، وهو قولُ: لا إلهَ إلا اللهُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المثنى وسعدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحَكَمِ، قالا: حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. قال: قولوا: لا إلهَ إلا اللهُ (^٢).\nوقال آخَرون بمثلِ معنى قولِ عِكْرمةَ، إلا أنهم جعَلوا القولَ الذى أُمِروا بقيلِه الاسْتغفارَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ الزِّبْرِقانِ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ، عن سُفيانَ، عن الأعمشِ،\n_________\n(^١) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١١٨ عقب الأثر (٥٨٠) معلقا.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١١٨ (٥٨٢) من طريق حفص به. وأخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٢٠٥) من طريق حفص، عن الحكم، عن عكرمة، عن ابن عباس، مطولا.\nوأخرجه سلمة بن شبيب في زوائده على تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٧، والطبرانى في الدعاء (١٥٦٤) من طريق إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة قوله. وإبراهيم بن الحكم ضعيف.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧١ إلى عبد بن حميد. وسيأتى في سورة الأحزاب: ٧٠، وسورة فصلت: ٦، ٧، ٣٠، وسورة الفتح: ٢٦، وسورة النبأ: ٣٨، وسورة النازعات: ١٨، وسورة الأعلى: ١٤.","vol":"1","page":717},{"text":"عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. قال: أُمِرُوا أن يَستَغفِروا (^١).\nوقال آخَرون نحوَ (^٢) قولِ عِكْرمةَ، إلا أنهم قالوا: القولُ الذى أُمِروا أن يَقُولوه هو أن يَقُولوا: هذا الأمرُ حقٌّ كما قيل لكم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرٌ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. قال. قولوا: هذا الأمرُ حقٌّ كما قيل لكم (^٣).\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في المعنى الذى مِن أجلِه رُفِعَت \"الحِطَّةُ\"؛ فقال بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ: رُفِعَت \"الحِطًّةُ\" بمعنى قولوا: ليكنْ منك (^٤) حِطَّةٌ لذُنوبنا. كما تقولُ للرجلِ: سَمْعُك.\nوقال آخَرون منهم: هى كلمةٌ أمَرَهم اللهُ أن يقولوها مرفوعةً، وفرَض عليهم قِيلَها كذلك.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (^٥): رُفِعَت \"الحِطَّةُ\" بضَميرِ \"هذه\"، كأنه قال: وقولوا: هذه حطةٌ.\nوقال آخَرُ منهم: هى مرفوعةٌ بضَميرٍ معناه الخبرُ، كأنه قال: قولوا: ما هو\n_________\n(^١) سيأتى مطولًا في ص ٧٢٥، ٧٢٦.\n(^٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نظير\".\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١١٨ (٥٨١) عن أبى زرعة، عن منجاب.\n(^٤) في ص، ر، م، ت ٣: \"منكم\".\n(^٥) في ص، ر، م: \"الكوفيين\".","vol":"1","page":718},{"text":"حطةٌ. فتكونُ \"حطةٌ\" حينَئذٍ خبرًا لـ \"ما\".\nقال أبو جعفرٍ: والذى هو أقربُ عندى في ذلك إلى الصوابِ وأشْبَهُ بظاهرِ الكتابِ، أن يكونَ رفَع ﴿حِطَّةٌ﴾ بنيةِ خبرٍ محذوفٍ قد دلَّ عليه ظاهرُ التِّلاوةِ، وهو: دخولُنا البابَ سجدًا حطةٌ. فكفَى مِن تَكريرِه بهذا اللفظِ ما دل عليه الظاهرُ مِن التنزيلِ، وهو قولُه (^١): ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾. كما قال جلَّ ثناؤُه: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةٌ (^٢) إِلَى رَبِّكُمْ) [الأعراف: ١٦٤]. بمعنَى: مَوْعِظتُنا إياهم مَعْذِرةٌ إلى ربِّكما. فكذلك عندى تأويلُ قولِه: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾. يعنى بذلك: وإذ قلْنا: ادْخُلُوا هذه القريَةَ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا، وقولوا: دخولُنا ذلك سُجَّدًا حِطّةٌ لذنوبِنا. وهذا القولُ على نحوِ تأويلِ الربيعِ بنِ أنسٍ وابنِ [جُرَيْجٍ وابنِ] (^٣) زيدٍ، الذى ذكَرْناه آنِفًا.\nوأما على تأويلِ قولِ عكرمةَ، فإن الواجب أن تكونَ القراءةُ بالنصبِ في: ﴿حِطَّةٌ﴾؛ لأن القومَ إن كانوا أُمِروا أن يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ. أو أن يقولوا: نَسْتَغْفِرُ اللهَ. فقد قيل لهم: قولوا هذا القولَ. فـ\"قولوا\" حينَئذٍ واقعٌ على الحِطَّةِ؛ لأن الحِطَّةَ على قولِ عكرمةَ هى قولُ: لا إلهَ إلا اللهُ. وإذا (^٤) كانت هى قولَ: لا إلهَ إلا اللهُ. فالقولُ عليها واقعٌ، كما لو أمَر رجلٌ رجلًا بقولِ الخيرِ، لقال (^٥) له: قل خيرًا. نصبًا، ولم يكنْ صوابًا أن يقولَ له: قل خيرٌ. إلا على اسْتِكْراهٍ شَديدٍ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"قولوا\".\n(^٢) سيأتى تعليق المصنف على قراءة الرفع في سورة الأعراف.\n(^٣) سقط من: ص.\n(^٤) في ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إذ\".\n(^٥) في م، ت ٢: \"فقال\".","vol":"1","page":719},{"text":"وفى إجماعِ القرأةِ على رفعِ \"الحطة\" بيانٌ واضحٌ على خلافِ الذى قاله عكرمةُ مِن التأويلِ في قولِه: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾.\nوكذلك الواجبُ على التأويلِ الذى روَيْناه عن الحسنِ وقَتادةَ في قولِه: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. أن تكونَ القراءةُ في ﴿حِطَّةٌ﴾ نَصْبًا؛ لأنَّ مِن شأنِ العربِ إذا وضَعوا المصادرَ مَواضِعَ الأفعالِ، وحذَفوا الأفعالَ، أن يَنْصِبوا المصادرَ، كما قال الشاعرُ (^١):\nأُبِيدُوا (^٢) بأَيْدِى عُصْبَةٍ (^٣) وسُيوفُهم … على أُمَّهاتِ الهامِ ضربًا شآمِيَا\nوكقولِ القائلِ للرجلِ: سمعًا وطاعةً. بمعنى: أسمَعُ (^٤) سمعًا وأُطيعُ (^٥) طاعةً. وكما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿مَعَاذَ اللهِ﴾ [يوسف: ٢٣، ٧٩]. بمعنى: نَعوذُ باللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-238>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾: نَتَغَمَّدْ لكم بالرحمةِ خَطاياكم، ونَسْتُرْها عليكم، فلا نَفْضَحْكم بالعقوبةِ عليها.\nوأصلُ الغَفْرِ التغطيةُ والسترُ، فكلُّ ساترٍ شيئًا فهو غافرُه. ولذلك (^٦) قيل للبَيْضةِ مِن الحديدِ التى تُتَّخَذُ جُنَّةً للرأسِ: مِغْفَرٌ؛ لأنَّها تُغَطِّى الرأسَ وتجُنُّه. ومنه غِمْدُ\n_________\n(^١) هو الفرزدق، والبيت في ديوانه ص ٨٩٠.\n(^٢) في الديوان: \"أناخوا\".\n(^٣) في الديوان: \"طاعة\".\n(^٤) في الأصل، ر، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"اسمع\".\n(^٥) في الأصل، ر، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أطع\".\n(^٦) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ومن ذلك\".","vol":"1","page":720},{"text":"السيفِ، وهو ما [تَغَمَّدَه فواراه] (^١)، [ومن ذلك] (^٢) قيل لزِئْبِرِ (^٣) الثوبِ: غَفْرةٌ (^٤). لتغطيتِه الثوبَ (^٥)، وحئولِه (^٦) بينَ الناظرِ والنظرِ إليه (^٧). ومنه قولُ أوسِ بنِ حُجْرٍ (^٨):\nألا (^٩) أُعْتِبُ (^١٠) ابنَ العَمِّ إن كان جاهلًا … وأغْفِرُ عنه الجهلَ إن كان أجْهَلَا\nيعنى بقولِه: وأغفرُ عنه الجهلَ: أسْترُ عليه جهلَه بحِلْمى عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-239>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿خَطَايَاكُمْ﴾.</span>\nوالخَطايا جمعُ خَطِيَّةٍ بغيرِ هَمْزٍ، كما المَطايا جمعُ مَطِيَّةٍ، والحَشايَا جمعُ حَشِيَّةٍ، وإنما تُرِك جمعُ الخَطايا بالهمزِ؛ لأنَّ تركَ الهَمْزِ في خَطيةٍ أكثرُ مِن الهمزِ، فجُمِع على (^١١) خَطايَا، على أنَّ (^١١) واحدتَها غيرُ مَهْموزةٍ. ولو كانت الخطايا مَجْموعةً على خَطيئةٍ بالهمزِ لقيل: خَطائى. على مثالِ قبيلةٍ وقَبائِلَ، وصَحيفةٍ وصَحائفَ. وقد تُجْمَعُ خَطيئةٌ بالتاءِ فتُهْمَزُ، فيُقالُ: خَطيئاتٌ.\n_________\n(^١) في م: \"يغمده فيواريه\".\n(^٢) في ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ولذلك\".\n(^٣) الزئبر: ما يعلو الثوب الجديد مثل ما يعلو الخز. اللسان (زأبر).\n(^٤) في م: \"غفر\".\n(^٥) في م: \"العورة\"، وفي ت ١: \"العيون\"، وفي ت ٣: \"للعيون\".\nوبعده خرم في النسخة \"ص\" إلى ص ٦٧٢ من الجزء الثاني، أثناء تفسير الآية ١٤٦ من سورة البقرة.\n(^٦) في ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حوله\".\n(^٧) في م: \"إليها\".\n(^٨) ديوانه ص ٨٢.\n(^٩) في م: \"فلا\".\n(^١٠) أعتبه: أعطاه العتبى ورجع إلى مسرته، وتقول: قد أعتبنى فلان. أى ترك ما كنت أجد عليه من أجله، ورجع إلى ما أرضانى عنه، بعد إسخاطه إياى عليه. اللسان (ع ت ب).\n(^١١) سقط من: الأصل.","vol":"1","page":721},{"text":"والخَطيئةُ فَعِيلةٌ، مِن: خَطِئ الرجلُ يَخْطَأُ خِطأً. وذلك إذا عدَال عن سبيلِ الحقِّ. ومنه قولُ الشاعرِ (^١):\n[وإنَّ مُهاجِرَيْن] (^٢) تكَنَّفاه … [عبادَ (^٣) اللهِ قد] (^٤) خطِئا وحابا (^٥)\nيعنى: أضَلَّا الحقَّ وأثِما.\n\n<span data-type='title' id=toc-240>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾.</span>\nوتأويلُ ذلك ما رُوِى لنا عن ابنِ عباسٍ، وهو ما حدَّثنا به القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾: مَن كان منكم مُحْسِنًا زِيد في إِحْسانِه، ومَن كان مُخْطِئًا نَغْفِرْ له خَطيئتَه.\nفتأويلُ الآيةِ: وإذ قلنا: ادْخُلوا هذه القريةَ، مُباحًا لكم أكلُ (^٦) ما فيها مِن الطَّيِّباتِ، ومُوَسَّعًا عليكم بغيرِ حسابٍ، وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا، وقولوا: سُجودُنا هذا للهِ حِطَّةٌ مِن ربِّنا لذنوبِنا، يَحُطُّ به آثامَنا. نتَغَمَّد لكم ذُنوبَ المُذْنِبِ منكم، فنَسْتُرها عليه، ونَحُطّ أوْزارَها عنه، ونَزِيدُ (^٧) المحسِنَ (^٨) منكم -\n_________\n(^١) هو أمية بن الأسكر، والبيت في ذيل الأمالى ص ١٠٩، والأغانى ٢١/ ١٠، والخزانة ٦/ ١٩.\n(^٢) في الأغاني، والخزانة: \"أتاه مهاجران\".\n(^٣) في ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لعمر\".\n(^٤) في ذيل الأمالى: \"ليترك شيخه\"، وفى الأغاني، والخزانة: \"ففارق شيخه\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ومصادر التخريج: \"خابا\".\n(^٦) في ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كل\".\n(^٧) في م: \"سنزيد\".\n(^٨) في الأصل، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المحسنين\".","vol":"1","page":722},{"text":"إلى إحسانِنا (^١) السالفِ عندَه- إحْسانًا.\nثم أخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه عن عظيمِ جَهالتِهم، وسُوءِ طاعتِهم ربَّهم، وعِصْيانِهم لأنبيائِهم، واسْتِهْزائِهم برسلِهم (^٢)، مع عظيمِ آلاءِ اللهِ عندَهم وعَجائبِ ما أراهم مِن آياتِه وعِبَرِه، مُوبِّخًا بذلك أبناءَهم الذين خُوطِبوا بهذه الآياتِ، ومُعْلِمَهم أنهم [لن يَعْدوا] (^٣) -في تكذيبِهم محمدًا ﷺ، وجحودِهم نبوَّتَه، مع عظيمِ إحسانِ اللهِ بمَبْعَثِه فيهم إليهم، وعَجائبِ ما أظْهَر على يديه مِن الحُجَجِ بينَ أظْهُرِهم- أن يكونوا كأسْلافِهم الذين وصَف صفتَهم، وقصَّ عليهم (^٤) أنباءَهم في هذه الآياتِ، فقال جل ثناؤُه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-66\"></span><span data-type='title' id=toc-241>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.</span>\nوتأويلُ قولِه: ﴿فَبَدَّلَ﴾: فغيَّر. ويعني بقولِه: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: الذين فعَلوا ما لَمْ يكنْ لهم فعلُه. ويعنى بقولِه: ﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾: بدَّلوا قولًا غيرَ الذى أُمِروا أن يَقُولوه، فقالوا خِلافَه. وذلك هو التبديلُ والتَّغْييرُ الذى كان منهم.\nوكان تبديلُهم بالقولِ الذى أُمِروا أن يَقُولوه قولًا غيرَه، ما حدَّثني به محمدُ بنُ\n_________\n(^١) في الأصل: \"إحسانه\".\n(^٢) في م: \"برسله\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إن تعدوا\".\n(^٤) في م: \"علينا\".","vol":"1","page":723},{"text":"عُبيدٍ (^١) المُحاربيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ المبُاركِ، عن مَعْمرٍ، عن همامٍ، عن أبى هريرةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ في قولِه: ﴿حِطَّةٌ﴾. قال: \"بدَّلوا فقالوا: حبَّةٌ\" (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن همامِ بنِ مُنَبِّهٍ، أنه سمِع أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"قال اللهُ ﵎ لبنى إسرائيلَ: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ (^٣) لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾. فبدَّلوا، فدخَلوا البابَ يَزْحَفون (^٤) على أسْتاهِهم، وقالوا: حبَّةٌ في شَعَرةٍ (^٥) \" (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ وعليُّ بنُ مجاهدٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن صالحِ بنِ كيسانَ، عن صالحٍ مولى التوأمةِ، عن أبي هريرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ. قال (^٧): وحدَّثني (^٨) محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن سعيدِ\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"عبد الله\"، وفى ت ١، ت ٣: \"عبد\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٧٠.\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١٠٩٩٠)، وابن المقرئ في معجمه (١٥٨) من طريق محمد بن عبيد به.\nوأخرجه أحمد ١٣/ ٤٧١ (٨١١٠)، والبخارى (٤٤٧٩)، والنسائي (١٠٩٨٩) من طرق عن ابن المبارك به، إلَّا أنه في رواية النسائي موقوفًا.\n(^٣) في صحيح مسلم: \"يُغْفَر\". وهى قراءة نافع. ينظر حجة القراءات ص ٩٧.\n(^٤) في ر، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يرجعون\".\n(^٥) في ر، م: \"شعيرة\". وهى رواية الكشميهني. فتح البارى ٨/ ٣٠٤.\n(^٦) أخرجه أحمد ١٣/ ٥٣٥ (٨٢٣٠)، والبخارى (٣٤٠٣، ٤٦٤١)، ومسلم (٣٠١٥)، والترمذى (٢٩٥٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١١٧، ١١٩ (٥٧٥، ٥٨٧)، وابن حبان (٦٢٥١) من طريق عبد الرزاق به.\n(^٧) يعنى محمد بن إسحاق.\n(^٨) في م: \"حدثت عن\".","vol":"1","page":724},{"text":"ابنِ جبيرٍ، أو عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: \"دخَلوا البابَ الذى أُمِروا أن يدخُلوا منه سجّدًا، يزحَفون على أستاهِهم يقولون: حنطةٌ في شعيرةٍ\" (^١).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ مَهْديٍّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن السُّدِّيّ، عن أبى سعدٍ (^٢)، عن أبى الكَنودِ، عن عبدِ اللهِ: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. قالوا: حِنْطةٌ حمراءُ فيها شَعيرةٌ. فأنْزَل اللهُ: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (^٣).\nحدَّثني موسي، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾. فرفَعوا رُءوسَهم وبدَّلوا. فزعَم السُّدِّىُّ، عن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ أنه قال: إنهم قالوا: هِطى سُمْقاثا أزبه هَزْبا. وهو بالعربيةِ: حبةُ حنطةٍ حمراءُ مثقوبةٌ، فيها شعرةٌ سوداءُ. فذلك قولُه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٥، وفيه: عن ابن إسحاق قال: حدَّثني صالح بن كيسان، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، وعمن لا أتهم، عن ابن عباس. وصالح مولى التوأمة اختلط. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ١٤١.\n(^٢) في م: \"سعيد\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١١٩ (٥٨٨) من طريق ابن مهدى به، دون ذكر ابن مسعود. وأخرجه الطبرانى في الكبير (٩٠٢٧) من طريق الفريابي، عن سفيان به عن ابن مسعود. وينظر علل أحمد ٢/ ١٤٤، ١٤٥ (٩٢٢)، وتفسير ابن كثير ١/ ١٤٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١١٩ (٥٨٩) عن أبي زرعة، عن عمرو به، دون قول السدى.","vol":"1","page":725},{"text":"﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال: رُكَّعًا (^١) مِن بابٍ صغيرٍ، فجعَلوا يَدْخُلون مِن قِبَلِ أسْتاهِهم، ويقولون: حِنْطةٌ. فذلك قولُه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (^٢).\nحدَّثني الحسنُ (^٣) بنُ الزِّبْرِقانِ النَّخَعيُّ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ، عن سُفيانَ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أُمِروا أن يَدْخُلوا رُكَّعًا ويقولوا: ﴿حِطَّةٌ﴾. قال: أُمِروا أن يَسْتَغفِروا. قال: فجعَلوا يَدْخُلون مِن قِبَلِ أسْتاهِهم مِن بابٍ صغيرٍ، ويقولون: حِنطةٌ. يَسْتَهْزِئون، فذلك قولُه: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.\nحدَّثني الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ والحسنِ: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾. قالا: دخَلوها على غيرِ الجهةِ التى أُمِروا بها (^٤)، دخَلوها مُتَزَحِّفِين على أوْراكِهم، وبدَّلوا قولًا غيرَ الذى قِيل لهم، فقالوا: حبَّةٌ في شَعيرةٍ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسي، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ، قال: [أمَر موسى قومَه] (^٦) أن يَدْخُلوا البابَ سُجَّدًا ويقولوا:\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ركوعا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١١٧، ١١٩ (٥٧٢، ٥٧٦، ٥٩٠)، والحاكم ٢/ ٢٦٢ من طريق سفيان به. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وتقدم طرف منه في ص ٧١٦، ٧١٨.\n(^٣) في الأصل: \"الحسين\".\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) في الأصل: \"شعرة\". والأثر تقدم تخريجه في ص ٧١٦.\n(^٦) كذا. ومن المعلوم أن نبى الله موسى ﷺ قد مات في التيه الذى عاقبهم الله به بعد خذلانهم إياه وعصيانهم أمره في دخول بيت المقدس وقتال العمالقة. ولما انقضت المدة التى كتبها الله عليهم. دخلوا بيت المقدس وقاتلوا العمالقة وفتحها الله لهم على يد نبى الله يوشع بن نون. ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب =","vol":"1","page":726},{"text":"حِطَّةٌ. وطُؤْطِئَ لهم البابُ ليَسْجُدوا، فلم يَسْجُدوا، ودخَلوا على أدبارِهم، وقالوا: حِنْطةٌ (^١).\nحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: أمَر موسى قومَه أن يَدْخُلوا المسجدَ ويقولوا: حِطَّةٌ. وطُؤطِئَ لهم البابُ ليَخْفِضوا (^٢) رءوسَهم، فلم يَسْجُدوا، فدخَلوا على أجْنُبِهم (^٣) إلى الجبلِ -وهو الجبلُ الذي تجَلَّى له ربُّه جل ثناؤُه- وقالوا: حِنْطةٌ. فذلك التبديلُ الذي قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾. قال: فدخَلوا على أسْتاهِهم مُقْنِعى (^٤) رءوسِهم.\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى، عن (^٥) النضرِ بنِ عَربىٍّ (^٦)، عن عكرمةَ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾. قال (^٧): فدخَلوا مُقْنِعى رءوسِهم. ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. فقالوا: حِنْطةٌ، حبَّةٌ حمراءُ فيها شَعَرةٌ (^٨). قال (٥): فذلك قولُه: ﴿فَبَدَّلَ\n_________\n= سجدًا ويقولوا حطة. وينظر تاريخ المصنف ١/ ٤٣٢ - ٤٤٢، وتفسير ابن كثير ١/ ١٣٩، والبداية والنهاية ٢/ ٢٢١ - ٢٤٢.\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٧١٣.\n(^٢) في م: \"ليقولوا\".\n(^٣) في م: \"أستاههم\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"استهم\".\n(^٤) المُقْنِع: الرافع رأسَه في السماء. التاج (ق ن ع).\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) في م: \"عدى\".\n(^٧) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٨) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شعيرة\".","vol":"1","page":727},{"text":"الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، [قال: قال لى عطاءٌ في قولِه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، قال: أما تبديلُهم فسَمِعْنا أنهم قالوا: حنطةٌ. قال ابنُ جُرَيجٍ] (^٢): وقال ابنُ عباسٍ: لما دخَلوا قالوا: حبةٌ في شعَرةٍ (^٣).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما دخَلوا البابَ قالوا: حبةٌ في شعيرةٍ. فبدَّلوا قولًا غيرَ الذي قيل لهم.\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (^٤): فكان سجودُ أحدِهم على خَدِّه. ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ يحطُّ عنكم خطيئاتِكم (^٥). فقالوا: حِنْطةٌ. وقال بعضُهم: حبةٌ في شَعيرةٍ. ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (^٦).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾: يَحُطُّ اللهُ بها عنكم ذنبَكم وخَطيئاتِكم. قال: فاسْتَهْزَءوا\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٢٠ عقب الأثر (٥٩٠) معلقا.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شعيرة\".\n(^٤) بعده في م، ت ١: \"قال\".\n(^٥) في م: \"خطاياكم\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١١٨ (٥٧٨) من طريق ابن أبي جعفر به إلى قوله: على خده.","vol":"1","page":728},{"text":"به -يعنى بموسى- وقالوا: ما يَشاءُ موسى أن يَلْعَبَ بنا إلا لعِب بنا، حِطَّةٌ حِطَّةٌ! أىُّ شيءٍ حطةٌ؟ وقال بعضُهم لبعضٍ: حِنْطةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-242>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: على الذين فعَلوا ما لم يكنْ لهم فعلُه مِن تَبْديلِهم القولَ الذي أمَرهم اللهُ أن يَقُولوه قولًا غيرَه، ومَعْصيتِهم إياه فيما أمَرهم به، ورُكوبِهم ما قد نهاهم [عنه و] (^١) عن رُكوبِه ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.\nوالرِّجْزُ في لغةِ [أهلِ الحجازِ] (^٢) العذابُ، وهو غيرُ الرِّجْسِ (^٣)، وذلك أن [الرِّجْسَ هو النَّتْنُ] (^٤). ومنه الخبرُ الذي رُوِى عن النبيِّ ﷺ في الطاعونِ أنه قال: \"إنه رِجْزٌ عُذِّب به بعضُ الأممِ الذين قبلَكم\".\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَنى يونُسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخْبَرَنى عامرُ بنُ سعدِ بنِ أبى وَقَّاصٍ، عن أُسامةَ بنِ زيدٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: \"إن هذا الوَجَعَ -أو السُّقْمَ- رِجْزٌ عُذِّب به بعضُ الأممِ قبلَكم\" (^٥).\n_________\n(^١) زيادة من: ر.\n(^٢) في م: \"العرب\".\n(^٣) في م: \"الرجز\".\n(^٤) في م: \"الرجز: البثر\".\n(^٥) أخرجه مسلم (٢٢١٨/ ٩٦) من طريق ابن وهب به.\nوأخرجه أحمد ٥/ ٢٠٧، ٢٠٨ (الميمنية)، والبخارى (٦٩٧٤)، ومسلم (٢٢١٨/ ٩٦)، وغيرهم من طريق الزهرى به نحوه. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ١٤٢، ١٤٣.","vol":"1","page":729},{"text":"حدَّثنى أبو شَيْبةَ بنُ أبي بكرِ بنِ أبى شَيْبةَ، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، قال: حدَّثنى أبى، عن الشَّيْبانيِّ، عن رياحِ (^١) بنِ عَبِيدةَ، عن عامرِ بنِ سعدٍ، قال: شهِدْتُ أسامةَ بنَ زيدٍ عندَ سعدِ بنِ مالكٍ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إن الطاعونَ رِجْزٌ أُنْزِل على مَن كان قبلَكم -أو على بنى إسرائيلَ-\".\nوبمثلِ الذي قلْنا في (^٢) ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿رِجْزًا﴾. قال: عذابًا (^٣).\nحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾. قال: الرِّجْزُ الغضبُ (^٤).\nحُدِّثتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبى روقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿رِجْزًا﴾. قال: كلُّ شيءٍ في كتابِ اللهِ جل ثناؤُه من الرِّجزِ يعنى به العذابَ (^٥).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لما قيل لبنى إسرائيلَ: ادخُلوا البابَ سجَّدًا وقولوا: حطةٌ. فَبَدَّل الذين ظَلَموا منهم قولًا غيرَ\n_________\n(^١) في م: \"رباح\".\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تأويل\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٥.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٢٠ (٥٩٣) من طريق آدم به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٢٠ (٥٩٢) عن أبي زرعة، عن المنجاب به.","vol":"1","page":730},{"text":"الذي قيل لهم، بعَث اللهُ عليهم الطاعونَ، فلم يُبْقِ منهم أحدًا. وقرَأ: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. قال: وبقِى الأبناءُ، ففيهم الفضلُ والعبادةُ التى تُوصَفُ في بنى إسرائيلَ والخيرُ، وهلَك الآباءُ كلُّهم؛ أهلَكَهم الطاعونُ.\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: الرِّجْزُ العذابُ، وكلُّ شيءٍ في القرآنِ رِجْزٌ فهو عذابٌ.\nقال أبو جعفَرٍ: وقد دلَّلْنا على أن تأويلَ الرِّجْزِ العذابُ. وعذابُ اللهِ ﷿ أصنافٌ مختلفةٌ، وقد أخْبَر جل ثناؤُه أنه أنْزَل على الذين وصَفْنا أمْرَهم الرِّجْزَ مِن السماءِ، وجائزٌ أن يكونَ ذلك كان طاعونًا، وجائزٌ أن يكونَ ذلك كان غيرَه، ولا دَلالةَ في ظاهرِ القرآنِ ولا في أثرٍ عن الرسولِ صلى الله عليه ثابتٍ أىُّ أصنافِ العذابِ كان ذلك.\nفالصوابُ مِن القولِ فيه أن يُقالَ كما قال جل ثناؤُه: [أنزل اللهُ] (^١) عليهم رِجْزًا من السماءِ بفسقِهم. غيرَ أنه يَغْلِبُ على نَفْسى (^٢) صحةُ ما قاله ابنُ زيدٍ، للخبرِ الذي ذكَرْتُ عن رسولِ اللهِ ﷺ في إخبارِه عن الطاعونِ أنه رِجْزٌ، وأنه عُذِّب به قومٌ قبلَنا، وإن كنتُ لا أقولُ: إن ذلك كذلك يَقينًا؛ لأن الخبرَ عن رسولِ اللهِ ﷺ لا بَيانَ فيه أىُّ أمَّةٍ عُذِّبَت بذلك، وقد يجوزُ أن يكونَ الذين عُذِّبوا به كانوا غيرَ الذين وصَف اللهُ صفتَهم في قولِه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.\n_________\n(^١) في م: \"فأنزلنا\".\n(^٢) في ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"النفس\".","vol":"1","page":731},{"text":"<span data-type='title' id=toc-243>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾.</span>\n[ومعْنى ذلك: بفِسْقِهم] (^١).\nوقد دلَّلْنا فيما مضَى مِن كتابِنا (^٢) على أن معنى الفِسْقِ الخروجُ مِن الشئِ (^٣).\nفتأويلُ قولِه: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. إذن: بما كانوا يَتْرُكون طاعةَ اللهِ فيَخْرُجون عنها إلى معصيتِه وخلافِ أمرِه.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) بعده في ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هذا\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٤٣٤.","vol":"1","page":732},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-67\"></span><span data-type='title' id=toc-244>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾.</span>\nيعنى جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى﴾: وإذ اسْتَسْقانا موسى لقومِه؛ أى: سأَلَنا (^١) نَسْقِى قومَه ماءً. فترَك ذكرَ المسئولِ (^٢) ذلك، والمَعْنِىّ الذى سأَل موسى، إذ كان فيما ذكَر مِن الكلامِ الظاهرِ دَلالةٌ على معنى ما ترَك [وحذَف] (^٣).\nوكذلك قولُه: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾. مما اسْتُغْنِى بدَلالةِ الظاهرِ على المَتْروكِ منه، وذلك أن معنى الكلامِ: فقلْنا: اضْرِبْ بعصاك الحجرَ. فضرَبه فانْفَجَرَت. فترَك ذكْرَ الخبرِ عن ضَرْبِ موسى الحجرَ؛ إذ كان فيما ذكَر دَلالةٌ على المرادِ منه.\nوكذلك قولُه: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾. إنما معناه: قد علِم كلُّ أناسٍ منهم مَشْرَبَهم. فترَك ذكرَ \"منهم\" لدَلالةِ الكلامِ عليه.\nوقد دلَّلْنا على أن \"أناس\" (^٤) جمعٌ لا واحدَ له مِن لفظِه -فيما مضى- وأن\n_________\n(^١) بعده في ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أن\".\n(^٢) بعده في حاشية الأصل: \"في الأم: له\".\n(^٣) زيادة من: الأصل.\n(^٤) في م: \"الناس\". وهو ما تقدم في ١/ ٢٧٤.","vol":"2","page":5},{"text":"الإنسانَ لو جُمِع على لفظِه لَقيل: أناسينُ (^١) وأَناسِيَةٌ.\nوقومُ موسى هم بنو إسرائيلَ الذين قصَّ اللهُ ﷿ قَصَصَهم في هذه الآياتِ. وإنما اسْتَسْقَى لهم ربَّه جلَّ ثناؤُه الماءَ في الحالِ التى تاهوا فيها في التِّيهِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ الآية. قال: كان هذا إذ هم في البَرِّيَّةِ اشْتَكَوْا إلى نبيِّهم الظَّمأَ، فأُمِروا بحجرٍ طُورانىٍّ (^٢) مِن الطُّورِ، أن يَضْرِبَه موسى بعَصاه، فكانوا يَحْمِلونه معهم، فإذا نزَلوا ضرَبه موسى بعصاه، فانْفَجَرَت منه اثنتا عشْرةَ عينًا، لكلِّ سِبْطٍ عينٌ مَعلومةٌ، مُسْتَفيدٌ (^٣) ماؤُها لهم (^٤).\nحدَّثنى تَميمُ بنُ المُنْتَصِرِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا أصْبَغُ بنُ زيدٍ، عن القاسمِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ذلك فى التِّيهِ، ظُلِّل عليهم الغَمامُ، وأُنْزِل عليهم المنُّ والسَّلْوَى، وجُعل لهم ثيابٌ لا تَبْلَى ولا تَتَّسِخُ، وجُعِل بينَ ظَهْرانَيْهِم حجرٌ مُرَبَّعٌ، وأُمِر موسى فضَرب بعصاه الحجرَ، فانفجَرتْ منه اثنتا عشْرةَ عينًا، في كلِّ ناحيةٍ منه ثلاثُ عيونٍ، لكلِّ سبطٍ عينٌ، ولا يَرْتَحِلون مَنْقَلةً (^٥) إلا وجَدوا ذلك الحجرَ منهم (^٦) بالمكانِ الذى كان به منهم (^٦) في\n_________\n(^١) في م: \"أناسى\". وهو جمع صحيح بإبدال الياء من النون.\n(^٢) في م: \"طورى أى\"، وفى تفسير ابن حاتم: \"طورى\".\n(^٣) فى م: \"مستفيض\".\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٢١ (٥٩٧، ٦٠١) من طريق شيبان، عن قتادة، مختصرًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) المنقلة: المرحلة من مراحل السفر. اللسان (ن ق ل).\n(^٦) في م: \"معهم\".","vol":"2","page":6},{"text":"المنزلِ الأولِ.\nحدَّثنى عبدُ الكريمِ، قال: أخْبَرَنا إبراهيمُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن [أبى سَعْدٍ] (^١)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ذلك في التِّيهِ، ضرَب لهم موسى الحجرَ، فصار فيه اثنتا عشْرةَ عينًا مِن ماءٍ، لكلِّ سِبْطٍ منهم عينٌ يَشْرَبون منها (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾: [فانْفَجر لهم الحجَرُ بضربةِ موسى اثنتى] (^٣) عشْرَةَ عينًا، لكلِّ سِبْطٍ منهم عينٌ، كلُّ ذلك كان في تِيهِهم حينَ تاهوا (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ قولَه: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾. قال: خافوا الظَّمأَ في تِيهِهم حينَ تاهوا، فانْفَجَر لهم الحجرُ اثنتَىْ عشْرةَ عينًا، ضرَبه موسى. قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال ابنُ عباسٍ: الأسْباطُ بنو يَعقوبَ، كانوا اثْنَى عن عشَرَ رجلًا، كلُّ واحدٍ منهم ولَد\n_________\n(^١) في م، ت ٣، وتفسير ابن كثير: \"أبى سعيد\". والصواب المثبت، وهو أبو سعد البقال سعيد بن المرزبان، كما تقدم في ١/ ٦٤٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٢ إلى المصنف. وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٤٣ عن سفيان الثورى، عن أبى سعيد، عن عكرمة به.\nوسفيان هو ابن عيينة، كما جاء مصرحًا بذلك في ١/ ٦٤٧، وإبراهيم بن بشار الرمادى مشهور بالرواية عنه، ولا يعرف له رواية عن الثورى.\n(^٣) في م: \"فانفجرت منه اثنتا\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"2","page":7},{"text":"سِبْطًا (^١)؛ أُمَّةً مِن الناسِ (^٢).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ: اسْتَسْقَى لهم موسى في التِّيهِ، فسُقُوا في حَجرٍ مثلِ رأسِ الشاةِ. قال: يُلْقُونه في جانبِ (^٣) الجُوَالِقِ (^٤) إذا ارْتَحَلوا، ويَقْرَعُه موسى بالعصا إذا نزَل، فتَنْفَجِرُ منه اثنتا عشْرَةَ عينًا، لكلِّ سبطٍ منهم عينٌ، فكان بنو إسرائيلَ يَشْرَبون منه، حتى إذا كان الرحيلُ اسْتَمْسَكَت العُيونُ، وقيل به (^٥) فأُلْقِى في جانبِ الجُوَالِقِ، فإذا نزَل رمَى به، فقرَعه بالعصا، فتفَجَّرَت عينٌ مِن كلِّ ناحيةٍ مثلَ البحرِ.\nوحدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ، قال: كان ذلك في التِّيهِ (^٦).\nوأما قولُه: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾. فإنما أخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه بذلك عنهم، [فخصَّ بالنَّبأِ عنهم بذلك] (^٧)؛ لأن معناهم -في الذى أخْرَج اللهُ لهم مِن الحجرِ الذى وصَف في هذه الآيةِ صفتَه مِن الشربِ- كان مُخالِفًا معانىَ سائرِ الخلقِ فيما أخْرَج اللهُ لهم مِن المياهِ مِن الجبالِ والأرَضِينَ، التى لا مالكَ لها سوى اللهِ جلَّ وعزَّ. وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه كان جعَل لكلِّ سِبْطٍ مِن الأسباطِ الاثنَىْ عشَرَ،\n_________\n(^١) بعده في م: \"و\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٠ إلى المصنف مقتصرًا على آخره.\n(^٣) في م: \"جوانب\".\n(^٤) الجوالق: وعاء من الأوعية معروف، فارسى معرب. اللسان (ج ل ق).\n(^٥) قيل به. أى: رُفع وحُمل، والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتطلقه على غير الكلام واللسان، فتقول: قال بيده. أى أخذ، وقال برجله. أى مشى. ينظر النهاية ٤/ ١٢٤.\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٣٠، ٤٣١ عن موسى بن هارون به، عن السدى بإسناده، مطولًا.\n(^٧) سقط من: ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":8},{"text":"عينًا مِن الحجرِ الذى وصَف صفتَه فى هذه الآيةِ، يَشْرَبُ منها دونَ سائرِ الأسباطِ غيرِه، لا يَدْخُلُ سِبْطٌ منهم فى شِرْبِ سِبْطٍ غيرِه، فكان مع ذلك لكلِّ عينٍ مِن تلك العيونِ الاثنتَىِ العشْرةَ موضعٌ مِن الحجرِ، قد عرَفه السِّبْطُ الذى منه شِرْبُه (^١)، فلذلك خصَّ جلَّ ثناؤُه هؤلاء بالخبرِ عنهم أن كلَّ أناسٍ منهم كانوا عالِمِين بمَشْرَبِهم دونَ غيرِهم مِن الناسِ، إذ كان غيرُهم -فى الماءِ الذى لا يَمْلِكُه أحدٌ- شُركاءَ فى مَنابعِه ومَسايلِه، وكان كلُّ سِبْطٍ مِن هؤلاء [كان منفردًا] (^٢) بشرْبِ مَنبَعٍ مِن مَنابعِ الحجرِ -دونَ سائرِ مَنابعِه- خاصٍّ لهم دونَ سائرِ الأسْباطِ غيرِهم، فلذلك خصَّ بالخبرِ عنهم أن كلَّ أناسٍ منهم قد علِموا مَشْرَبَهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-245>القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ﴾.</span>\nوهذا أيضًا مما اسْتُغْنى بذكرِ ما هو ظاهرٌ منه عن ذكرِ ما تُرِك ذكرُه. وذلك أن تأويلَ الكلامِ: فقلنا: اضْرِبْ بعصاك الحجرَ. فضرَبه، فانْفَجَرَت منه اثنتا عشْرةَ عينًا، قد علِم كلُّ أناسٍ منهم (^٣) مَشْرَبَهم، فقيل لهم: كلوا واشْرَبوا مِن رزقِ اللهِ. أخْبَر جلَّ ثناؤُه أنه أمَرَهم بأكلِ ما رزَقهم فى التِّيهِ مِن المنِّ والسلوى، وبشربِ ما فجَّر لهم (^٤) مِن الماءِ مِن الحجرِ المُتعاوَرِ (^٥) الذى لا قَرارَ له فى أرضٍ، ولا سبيلَ إليه [لماءٍ، ولكنَّه] (^٦) يَتَدَفَّقُ بعيونِ الماءِ، ويَزْخَرُ بيَنابيعِ العَذْبِ الفُراتِ، بقدرةِ ذى الجَلالِ والإكْرامِ.\n_________\n(^١) الشرب، بالكسر: النصيب من الماء والحصة منه. المصباح المنير (ش ر ب).\n(^٢) فى ر، م: \"مفردا\".\n(^٣) زيادة من: ر.\n(^٤) بعده فى ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيه\".\n(^٥) اعتوَروا الشئ وتعوَّروه وتعاوَروه: تداولوه فيما بينهم. اللسان (ع ور).\n(^٦) فى ر: \"لماء لكنه\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لمالكيه\".","vol":"2","page":9},{"text":"ثم تقَدَّم جلَّ ثناؤُه إليهم -مع [إباحتِه لهم] (^١) ما أباح، وإنعامِه عليهم بما أنْعَم (^٢) مِن العيشِ الهَنِئِ- بالنهىِ عن السعْىِ فى الأرضِ فسادًا، والعَثَا فيها استكبارًا، فقال تعالى ذكرُه لهم: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-246>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾: لا تَطْغَوا، ولا تَسْعَوْا فى الأرضِ مُفْسِدِين.\nكما حدَّثنى به المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبى العاليةِ. ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: لا تَسْعَوا فى الأرضِ فَسادًا (^٣).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. [قال: لا تَطْغَوا فى الأرضِ مفسدين] (^٤). لا تَعْثَ: لا تَطْغَ.\nحدَّثنا بشرٌ، [قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ] (^٥)، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. أى: لا تَسِيروا فى الأرضِ مُفْسِدِين (^٦).\nحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ\n_________\n(^١) فى م: \"إباحتهم\".\n(^٢) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"به عليهم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٢٢ (٦٠٦) من طريق آدم به.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) سقط من: الأصل.\n(^٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٢٢ (٦٠٧) من طريق شيبان، عن قتادة.","vol":"2","page":10},{"text":"عباسٍ: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: لا تَسْعَوْا فى الأرضِ (^١).\nوأصلُ العَثَا شدةُ الإفسادِ، [بل هو أشدُّ الإفسادِ] (^٢)، يُقالُ منه: عَثِى فلانٌ فى الأرضِ -إذا تَجاوَز فى الإفسادِ إلى غايتِه- يَعْثَى عَثًا، مقصورٌ، وللجماعةِ: هم يَعْثَوْن. وفيه لُغَتان أُخْرَيان، إحداهما: عَثَا يَعْثُو عُثُوًّا (^٣). ومَن قرَأ بهذه اللغةِ، فإنه يَنْبَغِى له أن يَضُمَّ الثاءَ مِن \"يعثُو\"، ولا أعْلَمُ قارئًا يُقْتَدَى بقراءتِه قرَأ به. ومَن نطَق بهذه اللغةِ مُخْبِرًا عن نفسِه قال: عثَوْتُ أَعْثُو. ومَن نطَق باللغةِ الأولى قال: عَثيتُ أَعْثَى.\nوالأخرى منهما: عاث يَعِيثُ عَيْثًا وعُيُوثًا وعَيَثانًا، كلُّ ذلك بمعنًى واحدٍ. ومِن العَيْثِ قولُ رُؤْبةَ بنِ العَجَّاجِ (^٤):\nوعاثَ فِينَا مُسْتَحِلٌّ عَائِثُ\nمُصَدِّقٌ أو تاجِرٌ مُقاعِثُ (^٥)\nيعنى بقولِه: عاث فينا: أفْسَد فينا.\n\n<span id=\"aya-68\"></span><span data-type='title' id=toc-247>القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ٧٢ إلى المصنف وابن أبى حاتم.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) ضبطت فى الأصل هكذا: \"عَثْوًا\".\n(^٤) ديوانه ص ٣٠.\n(^٥) المصدق: الذى يقبض أموال الصدقة والزكاة. والمقاعث: الذى يستأصل المال ويستوعبه. اللسان (ص د ق، ق ع ث).","vol":"2","page":11},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: قد دلَّلْنا فيما مضَى قبلُ على معنَى الصبرِ، وأنه كَفُّ النفْسِ وحبسُها عن الشئِ (^١). فإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الآيةِ إذن: واذْكُروا إذ قلتم يا معشرَ بنى إسرائيلَ: لن نُطِيقَ حبسَ أنفسِنا على طعامٍ واحدٍ -وذلك الطعامُ الواحدُ هو ما أخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه أنه أطْعَمَهموه فى تِيهِهم، وهو السلْوى فى قولِ بعضِ أهلِ التأويلِ، وفى قولِ وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ هو الخبزُ النَّقِىُّ مع اللحمِ- فاسْألْ لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا مما تُنْبِتُ الأرضُ مِن البَقْلِ والقِثَّاءِ، وما سَمَّى اللهُ مع ذلك وذكَر أنهم سأَلوه موسى.\nوكان سببَ مسألتِهم موسى ذلك فيما بلَغَنا ما حدَّثنا به بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾. قال: كان القومُ فى البرِّيَّةِ قد ظُلِّل عليهم الغَمامُ، وأُنْزِل عليهم المنُّ والسَّلْوَى، فملُّوا ذلك، وذكَروا عيشًا كان لهم بمصرَ، فسأَلوه موسى، فقال اللهُ ﵎: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ فى قولِه: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾. قال: ملُّوا طعامَهم، وذكَروا عيشَهم الذى كانوا فيه قبلَ ذلك، قالُوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا﴾ (^٣).\nحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبى العاليةِ فى قولِه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾. قال: كان طعامُهم السلوى، وشرابُهم المنَّ، فسأَلوا ما ذُكِر، فقيل لهم: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم فى ١/ ٦١٧.\n(^٢) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٧٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٧، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٢٣ (٦١١) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"2","page":12},{"text":"لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾. قال أبو جعفرٍ الرازىُّ (^١): وقال قتادةُ: إنهم لما قدِموا الشامَ فقَدوا أَطْعماتِهم (^٢) التى كانوا يَأْكُلُونها، فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾. وكانوا قد ظُلِّل عليهم الغَمامُ، وأُنْزِل عليهم المنُّ والسلْوى، فملُّوا ذلك، وذكَروا عيشًا كانوا فيه بمصرَ (^٣).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (^٤) فى قولِ اللهِ: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾: المنُّ والسلْوى، فاسْتَبْدَلوا به البَقْلَ وما ذُكِر معه (^٥).\nوحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ بمثلِه سَواءً.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ بمثلِه.\nحدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: أُعْطُوا فى التِّيهِ ما أُعْطُوا، فأَجَمُوا (^٦) ذلك، فقالوا: ﴿يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أطعمتهم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٢٢، ١٢٣ (٦٠٩، ٦١٢) من طريق آدم به.\n(^٤) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٧٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فملوا\" وهما بمعنى. وانظر التاج (أ ج م).","vol":"2","page":13},{"text":"وَبَصَلِهَا﴾ (^١).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرنا ابنُ زيدٍ، قال: كان طعامُ بنى إسرائيلَ فى التِّيهِ واحدًا، وشرابُهم واحدًا، كان شرابُهم عسلًا يَنْزِلُ لهم مِن السماءِ، يُقالُ له: المنُّ. وطعامُهم طيرٌ يقالُ له: السَّلوى. يأكلُون الطيرَ، ويشربُون العسلَ، لم يكونوا يعرِفون خبزًا ولا غيرَه، فقالوا: يا موسى، إنَّا لن نَصْبِرَ على طعامٍ واحدٍ، ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾.\nوإنما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾. ولم يَذْكُرِ الذى سأَلوه أن يَدْعُوَ ربَّه ليُخْرجَه لهم مِن الأرضِ، فيقولوا (^٢): ادْعُ لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا كذا وكذا مما تُنْبِتُه الأرضُ مِن بقلِها وقِثَّائِها؛ لأن \"مِن\" تأتى بمعنى التبعيضِ لما بعدَها، فاكتُفِى بها مِن ذِكْرِ المُبَعَّضِ (^٣)، إذ كان معلومًا بدخولِها معنى ما أُرِيد بالكلامِ الذى هى فيه، كقولِ القائلِ: أصَبْتُ (^٤) اليومَ عندَ فلانٍ مِن الطعامِ. يُرِيدُ: أصبْتُ (^٥) شيئًا منه.\nوقد قال بعضُهم: \"مِن\" ههنا بمعنى الإلغاءِ والإسْقاطِ، كأنَّ معنى الكلامِ عندَه: يُخْرِجْ لنا ما تُنْبِتُ الأرضُ من بقلِها. واسْتَشْهَد على ذلك بقولِ العربِ: ما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٢٢ (٦١٠) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به. وينظر تاريخ المصنف ١/ ٤٣١.\n(^٢) فى م: \"فيقول: قالوا\".\n(^٣) فى م: \"التبعيض\".\n(^٤) فى م: \"أصبح\".\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":14},{"text":"رأيْتُ مِن أحدٍ. بمعنى: ما رأيْتُ أحدًا. وبقولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَيُكَفِّرُ (^١) عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. وبقولِهم: قد كان مِن حديثٍ، فخَلِّ عنى حتى أذْهَبَ. يُرِيدون: قد كان حديثٌ.\nوقد أنْكَر مِن أهلِ العربيةِ جماعةٌ أن تَكونَ \"مِنْ\" بمعنى الإلغاءِ فى شيءٍ مِن الكلامِ، وادَّعَوْا أن دخولَها فى كلِّ موضعٍ دخَلَت فيه [إيذانٌ بأنَّ] (^٢) المتكلمَ مُرِيدٌ بعضَ ما أُدْخِلَت فيه لا جميعَه، وأنها لا تَدْخُلُ فى موضعٍ إلا لمعنًى مفهومٍ.\nفتأويلُ الكلامِ إذن -على ما وصَفْنا مِن أمرِ مَن ذكَرْنا-: فادْعُ لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا بعضَ ما تُنْبِتُ الأرضُ من بَقْلِها وقِثَّائِها.\nوالبَقْلُ والقِثَّاءُ والعَدَسُ والبَصَلُ، هو ما قد عرَفه الناسُ بينَهم مِن نباتِ الأرضِ وحبِّها.\nوأما الفومُ، فإن أهلَ التأويلِ مختلِفون (^٣) فيه؛ فقال بعضُهم: هو الحِنْطةُ والخبزُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ ومُؤَمَّلٌ، قالا: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ (^٤)، عن عطاءٍ، قال: الفُومُ الخبزُ (^٥).\n_________\n(^١) فى الأصل: \"يكفر\". وينظر ما سيأتى عند تأويل هذه الآية.\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مؤذن أن\".\n(^٣) فى ر، م: \"اختلفوا\".\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبى نجيح\".\n(^٥) تفسير الثورى ص ٤٥.","vol":"2","page":15},{"text":"حدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سُفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ ومُجاهِدٍ قولَه: ﴿وَفُومِهَا﴾. قالا: خُبْزُها (^١).\nحدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبى زائدةَ ومحمدُ بنُ عمرٍو، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَفُومِهَا﴾. قال: الخبز (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ والحسنِ: الفومُ هو الحبُّ الذى يَخْتَبِزُ الناسُ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ والحسنِ مثلَه (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا حُصَيْنٌ، عن أبى مالكٍ في قولِه: ﴿وَفُومِهَا﴾. قال: الحنطةُ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّي، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن يونُسَ، عن الحسنِ وحُصَيْنٍ، عن أبى مالكٍ في قولِه: ﴿وَفُومِهَا﴾. الحِنْطةُ (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّي، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن قَتادةَ، قال: الفُومُ الحبُّ الذى يَخْتَبِزُ الناسُ منه.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٤٥ عن الثوري به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٢ إلى وكيع وعبد بن حميد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٠٤.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٧.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٩٠ - تفسير) عن خالد بن عبد الله، عن حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) سقط من الأصل.\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٤٥ عن هشيم به.","vol":"2","page":16},{"text":"حدَّثني موسي، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَفُومِهَا﴾: هو الحِنْطةُ (^١).\nحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال لى عَطاءُ بنُ أبى رَباحٍ قولَه: ﴿وَفُومِهَا﴾. قال: خبزُها. قالها مجاهدٌ.\nحدَّثني يحيى بنُ عثمانَ السَّهْميُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَفُومِهَا﴾. يقولُ: الحِنْطةُ والخبزُ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَفُومِهَا﴾ قال: هو البُرُّ بعينِه، الحِنْطةُ (^٣).\nحدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ، قال: ثنا مسلمٌ الجَرْميُّ، قال: ثنا عيسى بنُ يونُسَ، عن رِشْدينَ بنِ كُرَيْبٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَفُومِهَا﴾. قال: الفومُ الحِنْطةُ بلسانِ بنى هاشمٍ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال (^٥) ابنُ زيدٍ: الفُومُ الخبزُ (^٦).\nحدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ المصرىُّ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٢٣ عقب الأثر (٦١٤) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في الإتقان ٢/ ٦ - عن أبيه عن عبد الله بن صالح به، دون قوله: والخبز. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٢٣ (٦١٣) من طريق عكرمة، عن ابن عباس، بلفظ: الخبز.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٤٥ عن الضحاك به.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٤٥ عن المصنّف. ورشدين ضعيف.\n(^٥) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لى\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٤٥.","vol":"2","page":17},{"text":"منصورٍ اليَحْصَبيُّ، عن نافعِ بنِ أبى نُعَيْمٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ سُئِل عن قولِ اللهِ: ﴿وَفُومِهَا﴾. قال: الحِنْطةُ، أما سمِعْتَ قولَ أُحَيْحةَ بنِ الجُلَاحِ، وهو يقولُ:\nقد كنتُ أغْنَى الناسِ شخصًا واحدًا … ورَد المدينةَ عن زِراعةِ فُومِ (^١)\nوقال آخَرون: هو الثُّومُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ، قال: هو هذا الثُّومُ (^٢).\nحدَّثني المثنَّي، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: الفُومُ الثُّومُ (^٣).\nوهى في بعضِ القراءةِ: (وثومِها).\nوقد ذُكِر أن تسميةَ الحِنْطةِ والخبزِ جميعًا فُومًا مِن اللغةِ القديمةِ. حُكِى سماعًا مِن أهلِ هذه اللغةِ: فَوِّموا لنا. بمعنى: اخْتَبِزوا لنا.\nوذُكِر أن ذلك في (^٤) قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (وثومِها) (^٥). بالثاءِ. فإن كان\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٢٣ (٦١٤) من طريق نافع به. وهو لَمْ يدرك ابن عباس.\nوأخرجه الطبرانى في الكبير (١٠٥٩٧) من طريق جويبر، عن الضحاك في المسائل التى سألها نافع بن الأزرق لابن عباس، والأثر في مسائل نافع ص ٤٠.\nوالبيت في الأغاني ١٩/ ٢، واللسان (ف وم) منسوب إلى أبي محجن الثقفى. وفى الأغاني \"فول\" بدلًا من \"فوم\". وهو في المسائل مختلف عن ههنا.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٤٤ عن ليث بن أبى سليم، عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٢٣ عقب الأثر (٦١٥) من طريق عبد الله بن أبى جعفر به.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٩١ - تفسير)، وابن أبي داود في المصاحف ص ٥٤ =","vol":"2","page":18},{"text":"ذلك صحيحًا فإنه مِن الحروفِ المُبْدَلةِ، كقولِهم: وقَعوا في عاثُورِ (^١) شَرٍّ وعافورِ شرٍّ. وكقولِهم للأَثَافيِّ: أَثَاثيُّ، وللمَغافيرِ: مَغاثِيرُ، وما أشْبَهَ ذلك مما تُقْلَبُ فيه (^٢) الثاءُ فاءً، والفاءُ ثاءً؛ لتَقارُبِ مَخْرجِ الفاءِ مِن مَخْرَجِ الثاءِ. والمَغافيرُ شَبيهٌ [بالصَّمْغَةِ والعسلِ، ينزِلُ من السماءِ] (^٣) يَقَعُ على الشجرِ وغيرِها (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-248>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾. قال موسى لهم: أتَأْخُذون الذى هو أخسُّ خَطَرًا وقيمةً وقَدْرًا مِن العيشِ، بدلًا بالذى هو خيرٌ منه خطرًا وقيمةً وقدرًا؟ وذلك كان استبدالَهم.\nوأصلُ الاسْتِبْدالِ هو تركُ شيءٍ لآخرَ غيرِه مكانَ المتروكِ.\nومعنى قولِه: ﴿أَدْنَى﴾: أخَسُّ وأوضعُ وأصغرُ قَدْرًا وخَطَرًا. وأصلُه مِن قولِهم: هذا رجلٌ دَنِيٌّ بَيِّنُ الدَّناءةِ، وإنه ليُدَنِّى في الأمورِ. بغيرِ همزٍ. إذا كان يَتَتَبَّعُ خسائسَها (^٥). وقد ذُكِر الهمزُ عن بعضِ العربِ فيه سماعًا منهم، يقولون: ما كنتَ دَنِيئًا، ولقد دَنأْتَ. وأنْشَدنى بعضُ أصحابِنا عن غيرِه أنه سمِع بعضَ بنى كِلابٍ\n_________\n= بأسانيد ضعيفة.\n(^١) العاثور: ما أُعدَّ ليقع فيه أحد. التاج (ع ث ر).\n(^٢) سقط من: ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ر: \"بالشيء الحلو يشبه بالعسل ينزل من السماء حار\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بالشيء الحلو يشبه بالعسل ينزل من السماء حلوا\".\n(^٤) في ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نحوها\".\n(^٥) في م: \"خسيسها\".","vol":"2","page":19},{"text":"يُنْشِدُ بيتًا للأعْشَى (^١):\nباسِلةُ الوَقْعِ سَرابِيلُها … بِيضٌ إلى دانئِها (^٢) الظاهرِ\nيَهْمِزُ الدانئَ. وأنه سمِعهم يقولون: إنه لَدانئٌ خَبيثٌ. بالهمزِ. فإن كان ذلك عنهم صحيحًا، فالهمزُ فيه لغةٌ، وتركُه أخْرَى.\nولا شكَّ أن من اسْتَبْدَل بالمنِّ والسلْوى البَقْلَ والقِثَّاءَ والعَدَسَ والبَصَلَ والثُّومَ، فقد اسْتَبْدَلَ الوَضِيعَ مِن العيشِ بالرفيعِ منه.\nوقد تأوَّل بعضُهم قولَه: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ بمعنى: الذى هو أقربُ. ووجَّه قولَه: ﴿أَدْنَى﴾ إلى أنه أفْعَلُ؛ مِن الدُّنُوِّ الذى هو بمعنى القربِ.\nوبنحوِ الذى قلنا في معنى قولِه: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾. قاله عددٌ مِن أهلِ التأويلِ في تأويلِه.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يَزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾. يقولُ: أَتَسْتَبْدِلُونَ الذى هو شرٌّ بالذى هو خيرٌ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾. قال: أَرْدَأُ (^٤).\n_________\n(^١) ديوانه ص ١٤٧.\n(^٢) في الديوان: \"جانبها\".\n(^٣) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منه\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٢٤ (٦١٧) من طريق يزيد بن زريع به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٣ إلى المصنّف.","vol":"2","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-249>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾.</span>\nوتأويلُ ذلك: فدعا موسي، فاسْتَجَبْنا له، فقلْنا لهم: اهْبِطوا مصرًا. وهو مِن (^١) المحذوفِ الذى اجْتُزِئ بدَلالةِ ظاهرِه عن (^٢) ذِكْرِ ما حُذِف وتُرِك منه.\nوقد دلَّلْنا فيما مضَى على أنَّ معنى الهبوطِ إلى المكانِ إنما هو النزول إليه والحُلولُ به (^٣).\nفتأويلُ الآيةِ إذن: وإذ قلتُم: يا موسي، لن نصبِرَ على طعامٍ واحدٍ، فادْعُ لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا مما تُنْبِتُ الأرضُ من بقلِها وقثَّائِها وفُومِها وعدَسِها وبصلِها. قال موسى لهم: أَتَسْتَبْدِلُون الذى هو أَخَسُّ وأَرْدَأُ مِن العيشِ بالذى هو خيرٌ منه؟ فدعا لهم موسى ربَّه أن يُعْطِيَهم ما سأَلوه، فاسْتَجاب اللهُ له دعاءَه، فأعْطاهم ما طلَبوا، وقال اللهُ تعالى ذكره لهم: اهْبِطُوا مِصْرًا فإن لكم ما سألتُم.\nثم اخْتَلفت القَرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾. فقرَأته عامَّةُ القَرأةِ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ بتَنْوينِ \"المِصْرِ\" وإجْرائِه. وقرَأه بعضُهم بتركِ التنوينِ وحذفِ الألفِ منه (^٤). فأما الذين نَوَّنوه وأجْرَوْه، فإنهم عنَوْا به مصرًا مِن الأمصارِ لا مصرًا بعينِه. فتأويلُه على قراءتِهم: اهْبِطوا مصرًا مِن الأمصارِ، لأنكم في [البَرِّ و] (^٥) البَدْوِ، والذى طلَبْتُم لا يكونُ في البَوادِى والفَيافِي، وإنما يكونُ في القُرى والأمصارِ؛ فإنَّ لكم إذا هبَطْتُموه (^٦) ما سألْتُم مِن العيشِ. وقد يجوزُ أن يكونَ بعضُ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في م: \"على\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٧١.\n(^٤) وهذه قراءة الحسن وطلحة والأعمش وأبان بن تغلب، وهى كذلك في مصحف أُبيّ وابن مسعود وبعض مصاحف عثمان. المصاحف لابن أبي داود ص ٥٧، والبحر المحيط ١/ ٢٣٤.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) بعده في الأصل: \"به\".","vol":"2","page":21},{"text":"مَن قرَأ ذلك بالإجْراءِ والتَّنْوينِ، كان تأويلُ الكلامِ عندَه: اهْبِطوا مصرًا البلدةَ التى تُعْرَفُ بهذا الاسمِ، وهى مصرُ التى خرَجوا عنها. غيرَ أنه أجْراها ونوَّنها اتِّباعًا منه خَطَّ المصحفِ؛ لأنَّ في المصحفِ ألفًا ثابتةً في \"مصرَ\"، فيَكونُ سبيلُ قراءتِه ذلك بالإجْراءِ والتنوينِ سبيلَ قراءةِ مَن قرأ: (كَانَتْ قَوَارِيرًا (١٥) قَوَارِيرًا مِنْ فِضَّةٍ) [الإنسان: ١٥، ١٦]. مُنَوَّنةً (^١)، اتِّباعًا منه خطَّ المُصْحفِ.\nوأما الذى لَمْ يُنَوِّنْ \"مصرَ\"، فإنه لا شكَّ أنه عنَى \"مصرَ\" التى تُعْرَفُ بهذا الاسمِ بعينِها دونَ سائرِ البُلْدانِ غيرِها.\nوقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك نظيرَ اخْتِلافِ القَرأةِ في قراءتِه؛ فحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ أىْ: مِصرًا مِن الأمصارِ، ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ (^٢).\nحدَّثني موسي، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾: مِن الأمصارِ، ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾. فلمَّا خرَجوا مِن التِّيهِ رُفع المنُّ والسَّلْوَى وأكَلوا البُقولَ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثَنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾. قال: مِصْرًا مِن الأمصارِ، زعَموا أنهم لَمْ يَرْجِعوا إلى مصرَ.\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر، وقرأ ابن كثير بالتنوين في الأولي، وبغير تنوين في الثانية. السبعة لابن مجاهد ص ٦٦٣، ٦٦٤.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٢٤ عقب الأثر (٦١٨) معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٢٤ (٦٢١) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد، به مختصرًا.","vol":"2","page":22},{"text":"حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾. قال: يعنى مصرًا مِن الأمصارِ.\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾. قال: مِصْرًا مِن الأمصارِ، ومصرُ لا تُجْرَى في الكتابِ (^١). فقالوا: أىُّ مصرٍ؟ قال: الأرضُ المقدَّسةُ (^٢). وقرَأ قولَ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١].\nوقال آخَرون: هى مصرُ التى كان بها فرعونُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾. قال: يعنى به مصرَ فرعونَ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ مثلَه.\nومِن حُجَّةِ مَن قال: إن اللهَ تعالى ذكرُه إنما عنَى بقولِه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾. مصرًا مِن الأمصارِ دون مصرِ فرعونَ بعينِها - أن اللهَ ﵎ جعَل أرضَ الشامِ لبنى إسرائيلَ مَساكنَ بعدَ أن أخْرَجَهم مِن مصرَ، وإنما ابْتَلاهم بالتِّيهِ بامتناعِهم على موسى صلى اللهُ عليه في حربِ الجبَابرةِ، إذ قال لهم: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. ﴿قَالُوا يَامُوسَى (^٤) إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الكلام\".\n(^٢) بعده في م: \"التى كتب الله لهم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٢٤ (٦١٩) من طريق آدم به.\n(^٤) بعده في م: \"إن فيها قومًا جبارين. إلى قوله\".","vol":"2","page":23},{"text":"وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]. فحرَّم اللهُ ﷿ على قائلِى ذلك -فيما ذُكِر لنا- دخولَها حتى هلَكوا في التِّيهِ، وابْتَلاهم بالتَّيَهانِ في الأرضِ أربعين سنةً، ثم أهْبَط ذرِّيّتَهم الشامَ، فأسْكَنَهم الأرضَ المقدَّسةَ، وجعَل هلاكَ الجبَابرةِ على أيديهم مع يُوشَعَ بنِ نُونٍ، بعدَ وفاةِ موسى ﵇. قالوا (^١): فرَأَيْنا اللهَ جلَّ ثناؤُه قد أخْبَر عنهم أنه كتَب لهم الأرضَ المقدسةَ، ولم يُخْبِرْنا عنهم أنه ردَّهم إلى مصرَ بعدَ إخراجِه إيَّاهم منها، فيَجُوزَ لنا أن نَقْرَأَ: (اهبِطوا مصرَ). ونتَأَوَّلَه أنه ردَّهم إليها.\nقالوا: فإن احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بقولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩].\nقيل له (^٢): فإن اللهَ جلّ ثناؤُه إنما أوْرَثهم ذلك فملَّكهم إيَّاها، ولم يَرُدَّهم إليها، وجعَل مَساكنَهم الشامَ.\nوأما الذين قالوا: إنما عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿اهْبِطُوا﴾. مصرَ، فإن مِن حُجَّتِهم التى احْتَجُّوا بها الآيةَ التى قال فيها: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وقولَه: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨]. قالوا: فأخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه أنه قد ورَّثهم ذلك وجعَلها لهم، فلم يكونوا ليَرِثوها ثم لا يَنْتَفِعوا بها.\nقالوا: ولا يَكونون مُنْتَفِعِين بها إلا [بمصيرِهم أو] (^٣) بمَصيرِ بعضِهم إليها، وإلا فلا وجهَ للانتفاعِ بها إن لم يَصِيروا، أو يَصِرْ بعضُهم إليها.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"لهم\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":24},{"text":"قالوا: وأُخرى أنها في قراءةِ أبيِّ ابنِ كعبٍ وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: (اهبِطوا مصرَ). بغيرِ ألفٍ. قالوا: ففى ذلك الدَّلالةُ البينةُ على أنها مصرُ بعينِها.\nوالذى نقولُ به في ذلك أنه لا دَلالةَ في كتابِ اللهِ جلَّ ثناؤُه على الصوابِ مِن هذين التأويلَيْن، ولا خبرَ به عن الرسولِ ﷺ يَقْطَعُ مجيئُه العذرَ، وأهلُ التأويلِ مُتَنازِعون تأويلَه.\nفأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ (^١) أن يُقالَ: إن موسى سأَل ربَّه أن يُعْطِىَ قومَه ما سأَلوه مِن نباتِ الأرضِ -على ما بيَّنه اللهُ جلَّ ثناؤُه في كتابِه- وهم في الأرضِ تائِهون، فاسْتَجاب اللهُ لموسى دعاءَه، وأمَره أن يَهْبِطَ بمَن معه مِن قومِه قَرارًا مِن الأرضِ التى تُنْبِتُ (^٢) ما سأَل لهم مِن ذلك، إذ كان ما (^٣) سأَلوه لا يُنْبِتُه إلَّا القُرَى والأمصارُ، فإنَّه (^٤) قد أعْطاهم ذلك إذا (^٥) صاروا إليه. وجائزٌ أن يَكونَ ذلك القَرارُ مصرَ، وجائزٌ أن يكونَ الشامَ.\nفأما القراءةُ فإنها بالألفِ والتنوينِ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾. وهى القراءةُ التى لا يَجوزُ عندى غيرُها؛ لإجماعِ خُطوطِ مصاحفِ المسلمين، واتفاقِ قراءةِ القَرأَةِ على ذلك، ولم يَقْرَأْ بتركِ التنوينِ فيه وإسقاطِ الألفِ منه إلا مَن لا يَجوزُ الاعْتِراضُ به على الحُجَّةِ فيما جاءَت به مِن القراءةِ مُسْتَفِيضًا فيها (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-250>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾.</span>\n_________\n(^١) في ر، م: \"والصواب\".\n(^٢) بعده في ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لهم\".\n(^٣) في ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذى\".\n(^٤) في ر، م: \"وأنه\".\n(^٥) في ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إذ\".\n(^٦) في ر: \"بينها\"، وكتب فوقها: \"فيها\"، وأشار إلى نسخة، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بينها\". وإلى هنا ينتهى الجزء الموجود عندنا من النسخة \"ر\" وهو نهاية المجلد الأول منها.","vol":"2","page":25},{"text":"يعنى جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَضُرِبَتْ﴾. أى: فُرِضَت ووُضِعَت عليهم الذِّلةُ وأُلْزِمُوها، مِن قولِ القائلِ: ضرَب الإمامُ الجِزْيةَ على أهلِ الذِّمةِ، وضرَب الرجلُ على عبدِه الخَراجَ. يعنى بذلك [أنَّه فرَضه ووظَّفه وألزمه] (^١) إيَّاه، وهو من قولِهم: ضرَب الأميرُ على الجيشِ البَعْثَ. يُرادُ به: ألْزَمَهموه.\nوأما \"الذِّلةُ\" فإنَّها الفِعْلةُ، مِن قولِ القائلِ: ذلَّ فلانٌ يَذِلُّ ذُلًّا وذِلَّةً. كالصِّفْوةِ (^٢)، مِن: صفا (^٣) هذا الأمرُ. والقِعْدةِ، مِن: قعَد.\nو\"الذِّلةُ\" هى الصَّغارُ الذى أمَر اللهُ عبادَه المؤمنين ألا يُعْطُوهم أمانًا -على القَرارِ على ما هم عليه مِن كفرِهم به وبرسلِه (^٤) - إلا أن يَبْذُلوا الجزيةَ عليه لهم، فقال تبارك اسمُه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ (^٥)، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾. قالا: يُعْطُون الجِزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون (^٦).\nوأما \"المَسْكَنةُ\" فإنّها مصدرُ المِسْكينِ، يقالُ: ما فيهم أسْكَنُ مِن فلانٍ. و: ما كان مِسْكينًا. و: لقد تَمَسْكن تمَسْكُنًا (^٧). ومِن العربِ مَن يقولُ: تسكَّن (^٨)\n_________\n(^١) في م: \"وضعه فألزمه\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كالصغرة\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"صغر\".\n(^٤) في م: \"برسوله\".\n(^٥) في الأصل: \"عمار\".\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٧. وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٢٥ (٦٢٣) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٧) في م: \"مسكنة\".\n(^٨) في م: \"تمسكن\".","vol":"2","page":26},{"text":"تسكُّنًا (^١). و\"المَسْكَنةُ\" في هذا الموضعِ مَسْكَنةُ الفاقةِ والحاجةِ، وهى خُشوعُها وذُلُّها.\nكما حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾. قال: الفاقةُ (^٢).\nحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ قولَه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾. قال: الفقرُ (^٣).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾. قال: هؤلاء يهودُ بنى إسرائيلَ. قلتُ له: هم قِبْطُ مصرَ؟ قال: وما لقِبْطِ مصرَ وهذا، لا واللهِ ما هم هم، ولكنهم اليهودُ، يهودُ بنى إسرائيلَ.\nفأخْبَرَ (^٤) اللهُ ﷿ أنه أَبْدَلهم (^٥) بالعِزِّ ذُلًّا، وبالنِّعْمةِ بُؤْسًا، وبالرِّضا عنهم غَضَبًا، جَزاءً منه لهم على كُفرِهم بآياتِه، وقتلِهم أنبياءَه ورسلَه؛ اعتداءً وظلمًا منهم بغيرِ حقٍّ، و[عصيانًا منهم] (^٦) له، وخلافًا عليه، تعالى ربُّنا وجلَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-251>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾.</span>\nيعنى بقولِه: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾: انْصَرَفوا ورجَعوا. ولا يُقالُ: باءُوا. إلَّا موصولًا؛ إمَّا بخيرٍ وإما بشرٍّ، يُقالُ منه: باء فلانٌ بذنبِه، يَبُوءُ به بَوْءًا وبَواءً (^٧). ومنه\n_________\n(^١) في م: \"تمسكنًا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٢٥ (٦٢٧) من طريق آدم به.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٢٥ عقب الأثر (٦٢٧) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فأخبرهم\".\n(^٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يبدلهم\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عصيانهم\".\n(^٧) في الأصل، ت ٢: \"بُؤُوءًا\".","vol":"2","page":27},{"text":"قولُ اللهِ ﷿: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩]. يعنى: تَنْصَرِفَ مُتَحَمِّلَهما (^١) وتَرْجِعَ بهما، قد صارا عليك دُونى.\nفمعنى الكلامِ إذن: فرجَعوا مُنْصَرِفِين مُتَحَمِّلِين غَضَبَ اللهِ، قد صار عليهم مِن اللهِ غَضَبٌ، ووجَب عليهم منه سَخَطٌ. كما حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾. فحدَث عليهم غَضَبٌ مِن اللهِ (^٢).\nحدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخْبَرَنا يَزيدُ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾. قال: اسْتَحَقُّوا الغضَبَ مِن اللهِ (^٣).\nوقد بيَّنَّا معنى غضَبِ اللهِ جلَّ ثناؤُه على عبدِه فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، فأغْنَى عن إعادتِه في هذا المكانِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-252>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ﴾. ضرْبَ الذِّلةِ والمَسْكَنةِ عليهم، وإحلالَ (^٥) [غضبِه بهم] (^٦)، فدلَّ بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾ -وهو يعنى به ما وصَفْنا- على أن قولَ القائلِ: ذلك. يَشْمَلُ المعانىَ الكثيرةَ إذا أُشِير به إليها.\n_________\n(^١) في الأصل: \"محتملهما\".\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٢٦ (٦٣١) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٣) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٢٦ عقب الأثر (٦٣١) معلقًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٣ إلى المصنف.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ١٨٩، ١٩٠.\n(^٥) في م: \"إحلاله\".\n(^٦) في ت ٣: \"الغضب عليهم\".","vol":"2","page":28},{"text":"ويعنى بقولِه: ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾. مِن أجْلِ أنهم كانوا يَكْفُرون. يقولُ: فعَلْنا [الذى فعلْنا] (^١) بهم -مِن إحلالِ الذُّلِّ والمَسْكَنةِ والسَّخَطِ بهم- مِن أجْلِ أنهم كانوا يَكْفُرون بآياتِ اللهِ، ويَقْتُلون النَّبِيين بغيرِ الحقِّ. كما قال أعْشَى بنى ثَعْلبةَ (^٢):\nمَلِيكيَّةٌ جاوَرَتْ بالحِجَا … زِ قَوْمًا عُدَاةً وأرضًا شَطِيرَا\nبما قد ترَبَّعُ روْضَ القَطَا (^٣) … وروْضَ التَّناضِبِ (^٤) حتى تَصِيرَا (^٥)\nيعنى بذلك: جاوَرَتْ (^٦) هذه المرأةُ قومًا عُدَاةً وأرضًا بَعيدةً مِن أهلِه، مكانَ (^٧) قُرْبِها كان منه ومِن قومِه وبدلًا؛ مِن (^٨) تَرُّبعِها رَوْضَ القَطَا ورَوْضَ التَّناضِبِ.\nفكذلك قولُه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: كان ذلك منا [مِنْ أجلِ كفرِهم] (^٩) بآياتِنا، وجَزاءً لهم بقتلِهم أنْبياءَنا.\nوقد بيَّنَّا فيما مضَى مِن كتابِنا أن معنى الكفرِ تَغْطيةُ الشيءِ وسترُه، وأن آياتِ اللهِ حُججُه وأعلامُه وأدلتُه على توحيدِه وصدقِ رسلِه (^١٠).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ديوانه ص ٩٣.\n(^٣) روض القطا: من أشهر رياض العرب وأكثرها دورا في أشعارهم، وهى بين السّلى والعرمة شرق مدينة الرياض. معجم البلدان ٢/ ٨٥٦، ومعجم الأماكن الواردة في المعلقات العشر ص ٢٣٠ وما بعدها.\n(^٤) التناضب: من أضاة بنى غفار فوق سرف، على مرحلة من مكة. تاج العروس (ن ض ب).\n(^٥) حتى تصيرا: حتى تحضر المياه، والمصير: الموضع الذى تصير إليه المياه. اللسان (ص ى ر).\n(^٦) بعده في م: \"بهذا المكان\".\n(^٧) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بمكان\".\n(^٨) \"من\" هنا تعليلية، يريد: من أجل.\n(^٩) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بكفرهم\".\n(^١٠) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٦٢.","vol":"2","page":29},{"text":"فمعنى الكلامِ إذن: فعَلْنا بهم ذلك مِن أجْلِ أنهم كانوا يَجْحَدون حُجَجَ اللهِ على توحيدِه وتصديقِ رسلِه، [ويُدَافِعون حقيقتَها] (^١)، ويُكَذِّبون بها.\nويعنى بقولِه: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: ويَقْتُلون رسلَ اللهِ الذين ابْتَعَثَهم لإنباءِ ما أرْسَلَهم به عنه لمن أُرْسِلوا إليه.\nوهم جِماعٌ، واحدُهم نبىٌّ بغيرِ همزٍ، وأصلُه الهمزُ؛ لأنه مِن: أنْبَأ عن اللهِ، فهو يُنْبِئُ عنه إنْباءً. وإنما الاسمُ منه مُنْبِئٌ، ولكنه صُرِف وهو مُفْعِلٌ إلى فَعِيلٍ، كما صُرِف سَميعٌ إلى فَعِيلٍ مِن مُفْعِلٍ، وبَصِيرٌ مِن مُبْصِرٍ، وأشْبَاهُ ذلك. أُبْدِلَ مكانَ الهمزةِ مِن النبئِ الياءُ، فقيل: نبىٌّ. هذا ويُجْمَعُ النبىُّ أيضًا أنْبياءَ، وإنما جمَعوه كذلك لإلحاقِهم النبىَّ، بإبدالِ الهمزةِ منه ياءً، بالنُّعوتِ التى تَأْتى على تقديرِ فَعِيلٍ مِن ذَواتِ الياءِ والواوِ، وذلك أنهم إذا جمَعوا ما كان مِن النُّعوتِ على تقديرِ فَعِيلٍ مِن ذواتِ الياءِ والواوِ، جمَعُوه على أَفْعِلاءَ، كقولهم: ولىٌّ وأوْلِياءُ، ووَصِىٌّ وأَوْصِياءُ، ودَعِىٌّ وأَدْعِياءُ. ولو جمَعوه على أصلِه الذى هو أصلُه، وعلى أن الواحدَ نبئٌ مَهْموزٌ، لجَمَعوه على فُعَلاءَ، فقيل: همُ النُّبآءُ. على مثالِ النُّبَغاءِ (^٢)، لأن ذلك جمعُ ما كان على فَعِيلٍ مِن غيرِ ذَواتِ الياءِ والواوِ مِن النُّعوتِ، كجمعِهم الشريكَ شُرَكاءَ، والعليمَ عُلَماءَ، والحَكِيمَ حُكَماءَ، وما أشْبَهَ ذلك. قد حُكِى سَماعًا مِن العربِ في جمعِ النبىِّ: النُّبآءُ. وذلك مِن لغةِ الذين يَهْمِزون النبئَ ثم يَجْمَعونه النُّبآءَ، على ما قد بيَّنْتُ. ومِن ذلك قولُ عباسِ بنِ مِرْداسٍ السُّلَمىِّ، في مدحِ النبيِّ ﷺ (^٣):\n_________\n(^١) في م: \"ويدفعون حقيتها\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"النبآء\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٦١.","vol":"2","page":30},{"text":"يا خاتَمَ النُّبآءِ إنك مُرْسَلٌ … [بالحقِّ خيرُ هُدَى الإلهِ] (^١) هُدَاكا\nفقال: يا خاتمَ النُّبآءِ. على أن واحدَهم نبئٌ مَهْموزٌ.\nوقد قال بعضُهم: النبىُّ والنبوَّةُ غيرُ مَهْموزَيْنِ، لأنهما مأْخوذان مِن النَّبوَةِ، وهى مثلُ النَّجْوةِ، وهما (^٢) المكانُ المرتفعُ، وكان يقولُ: إن أصلَ النبيِّ الطريقُ. ويَسْتَشْهِدُ على ذلك ببيتِ القُطَاميِّ (^٣):\nلمَّا وَرَدْنَ نبِيًّا واسْتَتَبَّ لنا (^٤) … مُسْحَنْفِرٌ (^٥) كخُطوطِ السَّيْحِ (^٦) مُنْسَحِلُ (^٧)\nويقولُ: إنما سُمِّى الطريقُ نبيًّا؛ لأنه ظاهرٌ مُسْتَبِينٌ، مِن النَّبْوةِ. ويقولُ: لم أسْمَعْ أحدًا يَهْمِزُ النبيَّ (^٨). وقد ذكَرْنا ما في ذلك، وبيَّنَّا ما فيه الكفايةُ إن شاء اللهُ.\nويعنى بقولِه: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. أنهم كانوا يَقْتُلون رُسُلَ اللهِ بغيرِ إذنِ اللهِ لهم بقتلِهم، مُنْكِرِين رسالتَهم، جاحِدِين نبوتَهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-253>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾.</span>\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ﴾ ردٌّ على ﴿ذَلِكَ﴾ الأولِ. ومعنى الكلامِ: وضُرِبَت عليهم الذِّلَّةُ والمَسْكَنةُ، وباءوا بغضبٍ مِن اللهِ؛ مِن أجْلِ كفرِهم بآياتِ اللهِ وقتلِهم النبيِّين بغيرِ الحقِّ، ومِن أجْلِ عِصْيانِهم ربَّهم واعتدائِهم حدودَه. فقال جل ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ\n_________\n(^١) في م: \"بالخير كل هدى السبيل\"، وفى السيرة: \"بالحق كل هدى السبيل\".\n(^٢) في م: \"هو\".\n(^٣) ديوانه ص ٢٧.\n(^٤) في م: \"بنا\".\n(^٥) مسحنفر: ممتد. اللسان (سحفر).\n(^٦) في م: \"النسج\". والسيح: قيل: العباءة المخططة. وقيل: نوع من البرود. اللسان (س ى ح).\n(^٧) السحل: الكشط والقشر. اللسان (س ح ل).\n(^٨) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".","vol":"2","page":31},{"text":"بِمَا عَصَوْا﴾. والمعنى: ذلك بعصيانِهم وكونِهم (^١) مُعْتَدِين.\nوالاعتداءُ تَجاوُزُ الحدِّ الذى حدَّه اللهُ تعالى ذكرُه لعبادِه إلى غيرِه، وكلُّ مُتجاوِزٍ حدَّ شيءٍ إلى غيرِه فقد تَعَدَّاه إلى ما تجاوَز إليه. فمعنى الكلامِ: فعَلْتُ بهم ما فعَلْتُ مِن ذلك بما عصَوْا أمرى، وتَجاوَزوا حدِّى إلى ما نهَيْتُهم عنه.\n\n<span id=\"aya-69\"></span><span data-type='title' id=toc-254>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾.</span>\nأما ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فهم المُصَدِّقُون رسولَ اللهِ ﷺ فيما أتاهم به مِن الحقِّ مِن عندِ اللهِ، وإيمانُهم بذلك تصديقُهم به، على ما قد بيَّنَّا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا (^٢).\nوأما ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾، فهم اليهودُ، ومعنى ﴿هَادُوا﴾: تابوا، يقالُ منه: هادَ القومُ يَهودُون [هِوَادًا وَهِيَادةً] (^٣). وقيل: إنما سُمِّيَت اليهودُ يهودًا؛ مِن أجلِ قولِهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ (^٤)، قال: إنما سُمِّيَتِ اليهودَ؛ مِن أجْلِ أنهم قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-255>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه ﴿وَالنَّصَارَى﴾.</span>\n﴿وَالنَّصَارَى﴾ جمعٌ، واحدُهم نَصْرَانُ، كما واحدُ السَّكارَى سَكْرانُ، وواحدُ النَّشَاوَى نَشْوانُ، وكذلك جمعُ كلِّ نعتٍ كان واحدُه على فَعْلانَ، فإن جمعَه على فَعَالَى، إلا أن المستفيضَ مِن كلامِ العربِ في واحدِ النَّصارَى نَصْرانيٌّ،\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كفرهم\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٤٠.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"هودًا وهادة\".\n(^٤) بعده في ت ٢: \"قال مجاهد\".","vol":"2","page":32},{"text":"وقد حُكِى عنهم سَماعًا: نَصْرانُ. بطرحِ الياءِ، ومنه قولُ الشاعرِ (^١):\nتَرَاه إذا دَار (^٢) العَشِيُّ مُحَنِّفًا … [ويُضْحِى لَدَيْهِ وَهْوَ نَصْرانُ] (^٣) شامِسُ\nوسُمِع منهم في الأنثى نَصْرانةٌ. قال الشاعر (^٤):\n* [نَصْرانةٌ لم تَحَنَّفِ] (^٥) *\nوقد سُمِع في جَمْعِهم \"أنصارٌ\" بمعنى النَّصارَى. قال الشاعرُ (^٦):\nلمَّا رأيْتُ نَبَطًا أنْصارَا\nشَمَّرْتُ عن رُكْبَتِىَ الإزارَا\nكنتُ لهم مِن النَّصارَى جارَا\nوهذه الأبياتُ التى ذكَرْتُها تَدُلُّ على أنهم سُمُّوا نَصارَى لنُصْرةِ بعضِهم بعضًا، وتَناصُرِهم بينَهم. وقد قيل: إنهم إنما سُمُّوا نَصارَى؛ مِن أجْلِ أنهم نزَلوا أرضًا يقالُ لها: ناصِرةُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: النصارى إنما سُمُّوا نَصارَى؛ مِن أجلِ أنهم نزَلُوا أرضًا يقال لها: ناصِرةُ (^٧).\n_________\n(^١) البيت في الأضداد ص ١٨١، ونقله أبو حيان في البحر المحيط ١/ ٢٣٨ عن المصنف.\n(^٢) في م: \"زار\".\n(^٣) في الأضداد: \"تراه ويضحى وهو نفران\".\n(^٤) هو أبو الأخزر الحمانى، والبيت في الكتاب ٣/ ٢٥٦، ٤١١، واللسان (ح ن ف).\n(^٥) في م: \"فكلتاهما خرت وأسجد رأسها … كما سجدت نصرانة لم تحنف\nيقال: أسجد. إذا مال\".\n(^٦) الأبيات في معانى القرآن ١/ ٤٤، وأمالى ابن الشجرى ١/ ٧٩، ٣٧١، واللسان (ن ص ر).\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٤٧.","vol":"2","page":33},{"text":"ويقولُ آخَرون: لقولِه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ﴾ [الصف: ١٤].\nوقد ذُكِر عن ابنِ عباسٍ مِن طريقٍ غيرِ مُرْتَضًى أنه كان يقولُ: إنما سُمِّيَت النصارى نَصارَى؛ لأن قريةَ عيسى ابنِ مَرْيمَ كانت تُسَمَّى ناصِرةَ، وكان أصحابُه يُسَمَّوْن النَّاصِرِيِّين، وكان يقالُ لعيسى: الناصرىُّ.\nحُدِّثْتُ بذلك عن هشامِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، قال: إنما سُمُّوا نَصارَى؛ لأنهم كانوا بقريةٍ يقالُ لها: ناصِرةُ. يَنْزِلُها عيسى ابنُ مريمَ، فهو اسمٌ تَسَمَّوْا به، ولم يُؤْمَروا به (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢]. قال: تَسَمَّوْا بقريةٍ يقالُ لها: ناصِرةُ. كان عيسى ابنُ مريمَ صلى اللهُ عليه يَنْزِلُها (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-256>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾.</span>\nو\"الصابِئون\" جمعُ صابئ، وهو المُسْتَحْدِثُ سِوَى دينِه دينًا، كالمُرْتَدِّ مِن أهلِ الإسلامِ عن دينِه. وكلُّ خارجٍ مِن دينٍ كان عليه إلى آخَرَ غيرِه تُسَمِّيه العربُ صابِئًا، يقالُ منه: صبَأ فلانٌ يَصْبَأُ صَبْأً. ويقالُ: صبَأَتِ النُّجومُ. إذا طلَعَت، وصبَأ علينا فلانٌ مِنْ (^٤) موضعِ كذا وكذا. يعنى به: طلَع.\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد ١/ ٥٣، ٥٤ من طريق هشام بن محمد به مطولا.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٥ إلى المصنف.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٧.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":34},{"text":"واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مَن يَلْزَمُه هذا الاسمُ مِن أهلِ المِلَلِ، فقال بعضُهم: يَلْزَمُ ذلك كلَّ خارجٍ مِن دينٍ إلى غيرِ دينٍ. وقالوا: الذين عنَى اللهُ بهذا الاسمِ قومٌ لا دينَ لهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، جميعًا عن سُفيانَ، عن ليثٍ، عن مُجاهِدٍ: الصَّابِئُون ليسوا بيهودَ ولا نَصارَى، ولا دينَ لهم (^١).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الحجاجِ ابنِ أرْطاةَ، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن الحجاجِ، عن مُجاهِدٍ، قال: الصابئون بينَ المجوسِ واليهودِ، لا تُؤْكَلُ ذَبائحُهم، ولا تُنْكَحُ نساؤُهم (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن حجاجٍ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ مثلَ ذلك (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: بينَ اليهودِ والمجوسِ، لا دينَ لهم (^٢).\nحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٠٤، وتفسير عبد الرزاق ١/ ٤٧، ومصنفه (١٠٢٠٧)، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٢٧ (٦٣٨) من طريق وكيع، عن سفيان به. والأثر في تفسير الثورى ص ٤٦ من قوله.\n(^٢) ذكره القرطبى في تفسيره ١/ ٤٣٤.","vol":"2","page":35},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مُجاهِدٌ: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: بينَ المجوسِ واليهودِ، لا دينَ لهم. قال ابنُ جُرَيْجٍ: قلتُ لعَطاءٍ: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: زعَموا أنها قَبيلةٌ مِن نحوِ السَّوَادِ، ليسوا بمجوسٍ ولا يهودَ ولا نَصارَى. قال: قد سمِعْنا ذلك، وقد قال المشركون للنبيِّ ﷺ: قد صَبَأ (^١).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ (^٢). قال: الصابئون دينٌ مِن الأديانِ، كانوا [بالجزيرةِ، جزيرةِ] (^٣) المَوْصِلِ، يقولون: لا إلهَ إلا اللهُ. وليس لهم عملٌ ولا كتابٌ ولا نبيٌّ، إلا قولَ: لا إلهَ إلا اللهُ. قال: ولم يُؤْمِنوا برسولِ اللهِ، فمِن أجْلِ ذلك كان المشركون يقولون للنبيِّ ﷺ وأصحابِه: هؤلاء الصابِئون. يُشَبِّهُونهم بهم (^٤).\nوقال آخَرون: هم قومٌ يَعْبُدون الملائكةَ ويُصَلُّون (^٥) القبلةَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: حدَّثنا المُعْتَمِرُ، عن أبيه، عن الحسنِ، قال: نُبِّئَ (^٦) زيادٌ أن الصابئين يُصَلُّون (^٥) القِبْلةَ، ويُصَلُّون الخمسَ، فأراد أن يَضَعَ عنهم الجِزْيةَ، قال: فخُبِّر بعدُ أنهم يَعْبُدون الملائكةَ.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبى حاتم ١/ ١٢٧ عقب الأثر (٦٣٨) معلقًا.\n(^٢) في الأصل، م: \"الصابئون\". والمثبت هو القراءة هنا، وما في الأصل، م هو قراءة الآية ٦٩ من سورة المائدة.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بجزيرة\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٤٩ عن ابن وهب به.\n(^٥) بعده في م: \"إلى\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢: \"حدَّثنى\".","vol":"2","page":36},{"text":"حدَّثنا بشر، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾. قال: الصابئون قومٌ يَعْبُدون الملائكةَ، ويُصَلُّون (^١) القِبْلةَ، ويَقْرَءون الزَّبورَ (^٢).\nحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: الصابئون فرقةٌ مِن أهلِ الكتابِ يَقْرَءون الزَّبورَ. قال أبو جعفرٍ -يَعْنِى الرازىَّ-: وبلَغَنى أيضًا أن الصابئين قومٌ يَعْبُدون الملائكةَ، ويَقْرَءون الزَّبورَ، ويُصَلُّون (١) القِبْلَةَ (^٣).\nوقال آخَرون: بل هم طائفةٌ مِن أهلِ الكتابِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، قال: سألتُ (^٤) السُّدِّىَّ عن الصابِئِين، فقال: هم طائفةٌ مِن أهلِ الكتابِ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-257>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: مَن صدَّق باللهِ،\n_________\n(^١) بعده في م: \"إلى\".\n(^٢) ذكره ابن كثير ١/ ١٤٩ عن سعيد، عن قتادة. وسيأتى في سورة الحج، الآية ١٧ من طريق معمر عن قتادة، مطولا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٢٧، ١٢٨، (٦٣٩، ٦٤٢) من طريق آدم به.\n(^٤) في م: \"سئل\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٢٧ عقب الأثر (٦٣٩) من طريق أسباط، عن السدى. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٥ إلى وكيع.","vol":"2","page":37},{"text":"وأقَرَّ بالبَعْثِ بعدَ المَماتِ يومَ القيامةِ، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فأطاع اللهَ، ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. يعني بقولِه: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فلهم ثوابُ عملِهم الصالحِ عندَ ربِّهم.\nفإن قال لنا قائلٌ: فأين تمامُ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾؟ [قيل: تمامُه] (^١) جملةُ قولِه: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. لأن معناه: مَن آمَن منهم باللهِ واليومِ الآخِرِ. فترَك ذكرَ \"منهم\" لدلالةِ الكلامِ عليه؛ اسْتِغْناءً بما ذكَر عمَّا ترَك ذكْرَه.\nفإن قال: وما معنى هذا الكلامِ؟\nقيل معناه: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين، مَن يُؤْمِنْ منهم (^٢) باللهِ واليومِ الآخِرِ فلهم أجرُهم عندَ ربِّهم.\nفإن قال: وكيف يُؤْمِنُ المؤمنُ؟\nقيل: ليس المعنى في المؤمنِ المعنى الذي ظنَنْتَه، مِن انْتِقالٍ مِن دينِ إلى دينِ، كانتقالِ [اليهودِ والنصارى] (^٣) إلى الإيمانِ -وإن كان قد قيل: إن الذين عُنُوا بذلك مَن كان مِن أهلِ الكتابِ على إيمانِه بعيسى صلى اللهُ عليه، وبما جاء به، حتى أدْرَك محمدًا ﷺ: فآمَن به وصدَّقه، فقيل لأولئك الذين كانوا مؤمنين بعيسى وبما جاء به إذْ (^٤) أدْرَكوا محمدًا ﷺ: آمِنُوا بمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به- ولكن معنى إيمانِ المؤمنِ في هذا الموضعِ ثباتُه على إيمانِه وتركُه تَبديلَه.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٣: \"قبل إتمامه\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م: \"اليهودي والنصرانى\".\n(^٤) في الأصل: \"إذا\".","vol":"2","page":38},{"text":"وأما إيمانُ اليهودِ والنصارى والصابئين، فالتصديقُ بمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به، فمَن يُؤْمِنْ منهم بمحمدٍ وبما جاء به واليومِ الآخرِ، ويَعْمَلْ صالحًا، فلم يُبَدِّلْ ولم يُغَيِّرْ، حتى تُوُفِّى على ذلك كلِّه (^١)، فله ثوابُ عملِه وأجرُه عندَ ربِّه، كما وصَف جلَّ ثناؤُه.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قال: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. وإنما لفظُ ﴿مَنْ﴾ لفظُ واحدٍ، والفعلُ معه مُوَحَّدٌ؟\nقيل: إنَّ \"مَن\"، وإن كان الذي يليه مِن الفعلِ مُوَحَّدًا، فإن له معنى الواحدِ والاثنين والجمعِ، والتذكيرِ والتأنيثِ؛ لأنه في كلِّ هذه الأحوالِ على هيئةٍ واحدةٍ وصورةٍ واحدةٍ لا يَتَغَيَّرُ، فالعربُ تُوَحِّدُ معه الفعلَ وإن كان في معنى جَمْعٍ، للفظِه، وتَجْمَعُ أخرى معه الفعلَ لمعناه، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: ٤٢، ٤٣]. فجمَع مرةً مع ﴿مَنْ﴾ الفعلَ لمعناه، ووحَّد أخرى معه الفعلَ، لأنه في لفظِ واحدٍ (^٢)، كما قال الشاعرُ (^٣):\nألِمَّا (^٤) بسَلْمَى عنهما إنْ عرَضْتُما … وقُولَا لها عُوجِى على مَن تَخَلَّفوا\nفقال: تخَلَّفوا. فجمَع (^٥)، وجعَل \"مَن\" بمنزلةِ \"الذين\". قال الفَرَزْدَقُ (^٦):\n_________\n(^١) سقط من ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"الواحد\".\n(^٣) البيت لامرئ القيس، وهو في الديوان ص ٣٢٤ من قصيدة له، ويقال أيضًا: إنها لرجل من كندة.\n(^٤) الإلمام: الزيارة في الأحايين. اللسان (ل م م).\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) ديوانه ص ٨٧٠.","vol":"2","page":39},{"text":"[تَعالَ فإن عاهَدْتَنى] (^١) لا تَخُونُني … نَكُنْ مثلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ\nفثنَّى \"يصطحبان\" لمعنى \"مَن\". فكذلك قولُه: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. وحَّد ﴿آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ للفظِ ﴿مَنْ﴾، وجمَع ذكْرَهم في قولِه: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ لمعناه؛ لأنه في معنى جمعٍ.\nوأما قولُه: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فإنه يعني به جلَّ ذكرُه: ولا خوفٌ عليهم فيما قدِموا عليه مِن أهوالِ القيامةِ، ولا هم يَحْزَنون على ما خلَّفوا وراءَهم مِن الدنيا وعيشِها، عندَ مُعاينتِهم ما أعَدَّ اللهُ لهم مِن الثوابِ والنَّعيمِ المُقيمِ عندَه.\nذكْرُ مَن قال: عُنِى بقولِه: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾. مؤمنو أهلِ الكتابِ الذين أدْرَكوا رسولَ اللهِ ﷺ:\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية. قال: نزَلَت هذه الآيةُ في أصحابِ سَلْمانَ الفارسيِّ، وكان سلمانُ رجلًا مِن جُنْدَيْسَابُورَ (^٢)، وكان مِن أشرافِهم، وكان ابنُ الملكِ صديقًا له مؤاخيًا، لا يقضي واحدٌ منهما أمرًا دونَ صاحبِه، وكانا يَركبانِ (^٣) إلى الصيدِ جميعًا، فبينما هما في الصيدِ إذ رُفِع لهما بيتٌ مِن عَباءٍ (^٤)، فأتَياه فإذا هما فيه برجلٍ بينَ يديه مُصْحفٌ يَقرَأُ فيه وهو يَبْكِى،\n_________\n(^١) في الديوان: \"تعش فإن واثقتنى\".\n(^٢) في م: \"جندا يسابور\". وجنديسابور: من بلاد فارس. ينظر معجم ما استعجم ٢/ ٣٩٧.\n(^٣) في الأصل: \"يركنان\".\n(^٤) في م: \"خباء\". والعباء: ضرب من الأكسية فيه خطوط. تاج العروس (ع ب أ).","vol":"2","page":40},{"text":"فسأَلاه: ما هذا؟ فقال: الذى يُرِيدُ أن يَعْلَمَ هذا لا يَقِفُ موقفَكما، فإن كنتما تُرِيدانِ أن تَعْلَما ما فيه فانْزِلا حتى أُعَلِّمَكما. فنزَلا إليه، فقال لهما: هذا كتابٌ (^١) جاء مِن عندِ اللهِ، أمَر فيه بطاعتِه، ونهَى [فيه عن معصيتِه:] (^٢) ألا تزْنىَ، ولا تَسرِقَ، ولا تَأْخُذَ أموالَ الناسٍ بالباطلِ -فقصَّ عليهما ما فيه- وهو الإنجيلُ الذي أنْزَل اللهُ على عيسى. فوقَع فى قلوبهما وتابَعاه فأسْلَما، وقال لهما: إن ذبيحةَ [قومِكما عليكما] (^٣) حرامٌ. فلم يَزالا معه كذلك يَتَعَلَّمان منه، حتى كان عيدٌ للملكِ، فجعَل (^٤) طعامًا، ثم جمَع الناسَ والأشرافَ، وأرْسَل إلى ابنِ الملكِ، فدعاه إلى صَنِيعِه ليَأْكُلَ مع الناس، فأبَي الفتى وقال: إنى عنك مَشْغولٌ، فكلْ أنت وأصحابُك. فلما أكْثَر عليه مِن الرسلِ، أخْبَرَهم أنه لا يَأْكُلُ مِن طعامِهم، فبعث الملكُ إلى ابنِه، فدعاه وقال: ما أمْرُك هذا (^٥)؟ قال: إنا لا نَأْكُلُ مِن ذبائِحكم، إنكم كفارٌ، ليس تَحِلُّ ذبائحُكم. فقال له الملكُ: مَن أمَرَك بهذا؟ فأخْبَرَه أن الراهبَ أمَره (^٦) بذلك، فدعا الراهبَ فقال: ماذا يَقُولُ ابنى؟ قال: صدَق ابنُك. قال له: لولا أن الدمَ فينا عظيمٌ لقتَلْتُك، ولكن اخْرُجْ مِن أرضِنا. فأجَّلَه أجَلًا. قال سلمانُ: فقمْنا نَبْكِى عليه، فقال لهما: إن كنتما صادقَيْن، فإنا في بِيعةٍ بالموصلِ مع ستين رجلًا نَعْبُدُ اللهَ فيها، فائْتونا فيها. فخرَج الراهبُ، وبقِى سَلْمانُ وابنُ الملكِ، فجعَل سلمانُ يقولُ لابنِ الملكِ: انْطَلِقْ بنا. وابنُ الملكِ يقولُ: نعم. وجعَل ابنُ\n_________\n(^١) بعده في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الله\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن معصيته فيه\".\n(^٣) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قومكم عليكم\".\n(^٤) جعل هنا: صنع. والجعل والصنع واحد. التاج (ج ع ل).\n(^٥) سقط من: الأصل.\n(^٦) في ت ١: \"أخبره\".","vol":"2","page":41},{"text":"الملكِ يَبيعُ مَتاعَه يُرِيدُ الجَهازَ (^١)، فلمَّا أبْطَأ على سلمانَ، خرَج سلمانُ حتى أتاهم، فنزَل على صاحبِه، وهو ربُّ البِيعةِ، وكان أهلُ تلك البِيعةِ [أفضلَ مرتبةً مِن] (^٢) الرُّهْبانِ، فكان سَلْمانُ معه (^٣) يَجْتَهِدُ في العبادةِ، ويُتْعِبُ نفسَه، فقال له الشَّيخُ: إنك غلامٌ حَدَثٌ، تَكَلَّفُ (^٤) مِن العبادةِ ما لا تُطِيقُ، وأنا خائفٌ أن تَفْتُرَ وتَعْجِزَ، فارْفُقْ بنفسِك وخَفِّفْ عنها (^٥). فقال له سلمانُ: أرَأَيْتَ الذى تَأْمُرُنى به، أهو (^٦) أفضلُ أو الذي أَصْنَعُ؟ قال: لا (^٧)، بل الذي تَصْنَعُ؟ قال: فخلِّ عنى. قال: ثم إن صاحبَ البِيعةِ دعاه، فقال: أتَعْلَمُ أن هذه البِيعةَ لي، وأنا أحَقُّ الناسِ بها، ولو شئتُ أن أُخْرِجَ هؤلاء منها لَفعَلْتُ! ولكنى رجلٌ أضْعُفُ عن عبادةِ هؤلاء، وأنا أُرِيدُ أن أتحوَّلَ مِن هذه البِيعةِ إلى بِيعةٍ أخرى، هم أهونُ عبادةً مِن هؤلاء، فإن شئتَ أن تُقِيمَ هاهنا فأقِمْ، وإن شئتَ أن تَنْطَلِقَ معى فانْطَلِقْ. فقال له سلمانُ: أىُّ البِيعَتَيْن أفضلُ أهلًا؟ قال: هذه. قال سلمانُ: فأنا أكونُ في هذه. فأقام سلمانُ بها، وأوْصَى صاحبُ البِيعةِ عالِمَ البِيعةِ بسَلمانَ، فكان سلمانُ يَتَعَبَّدُ معهم. ثم إن الشيخَ العالِمَ أراد أن يَأْتىَ بيتَ المقدسِ، [فدعا سلمانَ، فقال: إنى أريدُ أن آتىَ بيتَ المقدسِ، فإن شئتَ] (^٨) أن تَنْطلِقَ معى فانطلِقْ، وإن شئتَ أن تُقِيمَ فأقِمْ. قال له سلمانُ: أيُّهما أفضلُ؛ أنْطَلِقُ معك أوْ (^٩) أُقِيمُ؟ قال: لا، بل تَنْطَلِقُ معى. فانْطَلَق\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الجهاد\".\n(^٢) في م: \"من أفضل\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أفضل من\".\n(^٣) في م: \"معهم\".\n(^٤) في م: \"تتكلف\"، وفى ت ٢: \"فكلف\".\n(^٥) في م: \"عليها\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هو\".\n(^٧) سقط من: م.\n(^٨) في م: \"فقال لسلمان: إن أردت\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فإن شئت\".\n(^٩) في م: \"أم\".","vol":"2","page":42},{"text":"معه، فمرُّوا بمُقْعَدٍ على ظهرِ الطريقِ مُلْقًى، فلما رآهما نادَى: يا سيدَ الرُّهْبانِ، ارْحَمْنى رحِمك (^١) اللهُ. فلم يُكَلِّمْه، ولم يَنْظُرْ إليه، وانْطَلَقا حتى أتَيَا بيتَ المقدسِ، فقال الشَّيخُ لسلمانَ: اخْرُجْ فاطْلُبِ العلمَ، فإنه يَحْضُرُ هذا المسجدَ عُلماءُ أهلِ الأرضِ. فخرَج سلمانُ يَسْمَعُ منهم، فرجَع يومًا حَزينًا، فقال له الشَّيخُ: ما لك يا سلمانُ؟ قال: أَرَى الخيرَ كلَّه قد ذهَب به مَن كان قبلَنا مِن الأنبياءِ وأتباعِهم. قال له الشَّيخُ: يا سلمانُ، لا تَحْزَنْ، فإنه قد بقِى نبيٌّ ليس مِن نبيٍّ أفضلَ تَبَعًا منه، وهذا زمانُه الذي يَخْرُجُ فيه، ولا أُرَانى أُدْرِكُه، وأما أنت فشابٌّ فلعلك أن تُدْرِكَه، وهو يَخْرُجُ في أرضِ العربِ، فإن أدْرَكْتَه فآمِنْ به واتَّبِعْه. فقال له سلمانُ: فأخْبِرْنى عن علامتِه بشيءٍ. قال: نعم، هو مَخْتومٌ في ظهرِه بخاتمِ النُّبُوةِ، وهو يَأْكُلُ الهَديَّةَ، ولا يَأْكُلُ الصدقةَ. ثم رجَعا حتى بلَغا مكانَ المُقْعَدِ، فناداهما فقال: يا سيدَ الرُّهْبانِ، ارْحَمْنى رحِمك (^١) اللهُ. فعطَف إليه حمارَه، وأخَذ بيدِه فرَفَعه، وضرَب به الأرضَ، ودعا له، وقال: قُمْ بإذنِ اللهِ. فقام صحيحًا يَشْتَدُّ (^٢). فجعَل سلمانُ يَتَعَجَّبُ وهو يَنْظُرُ إليه يَشْتَدُّ، وسار الراهبُ، فتغَيَّب عن سلمانَ، ولا يَعْلَمُ سَلْمانُ. ثم إن سلمانَ فزِع، فطلَب الراهبَ، [فلقِى رجلين] (^٣) مِن العربِ مِن كَلْبٍ، فسأَلهما: هل رأيْتُما الراهبَ؟ فأناخ أحدُهما راحلتَه، قال: نِعْمَ راعى الصِّرْمةِ (^٤) هذا (^٥)! فحمَله فانْطَلَق به إلى المدينةِ. قال سلمانُ: فأصابَنى مِن الحزنِ شيءٌ لم يُصِبْنى مثلُه قطُّ. فاشْتَرَتْه امرأةٌ مِن جُهَيْنةَ، فكان يَرْعَى عليها هو وغلامٌ لها يَتَراوَحان الغنمَ، هذا يومًا وهذا يومًا، وكان سلمانُ يَجْمَعُ الدراهمَ يَنْتَظِرُ خروجَ\n_________\n(^١) في م: \"يرحمك\".\n(^٢) يشتد: يسرع ويعدو. اللسان (ش د د).\n(^٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فلقيه رجلان\".\n(^٤) الصرمة: القطيع من الإبل والغنم. انظر اللسان (ص ر م).\n(^٥) في ت ١، ت ٢: \"هذه\".","vol":"2","page":43},{"text":"محمدٍ ﷺ؛ فبينا هو يومًا يَرْعَى، إذ أتاه صاحبُه الذى يَعْقُبُه، فقال له (^١): أشَعَرْتَ أنه (^٢) قدِم اليومَ المدينةَ رجلٌ يَزْعُمُ أنه نبىٌّ؟ فقال له سلمانُ: أَقِمْ في الغنمِ حتى آتِيَك. فهبَط سلمانُ إلى المدينةِ، فنظَر إلى النبيِّ ﷺ ودار حولَه، فلمَّا رآه النبيُّ ﷺ عرَف ما يُرِيدُ، فأرْسَل ثوبَه، حتى خرَج خاتمُه، فلمَّا رآه أتاه وكلَّمه، ثم انْطَلَق، فاشْتَرَى بدينارٍ، ببعضِه شاةً فشواها (^١)، وببعضِه خبزًا، ثم أتاه به، فقال: \"ما هذا؟ \" قال سلمانُ: هذه صدقةٌ، قال: \"لا حاجةَ لى بها، فأخْرِجْها فلْيَأْكُلْها المُسْلِمون\". ثم انْطَلَق فاشْتَرَى بدينارٍ آخرَ خبزًا ولحمًا، فأتَى به النبيَّ ﷺ، فقال: \"ما هذا؟ \" قال: هذه هديَّةٌ. قال: \"فاقْعُدْ فكُلْ (^٢) \". فقعَد فأكَلا جميعًا منها، فبينا هو يُحَدِّثُه إذ ذكَر أصحابَه، فأخْبَرَه خبرَهم، فقال: كانوا يَصُومون ويُصَلُّون ويُؤْمِنون بك، ويَشْهَدون أنك ستُبْعَثُ نبيًّا. فلما فرَغ سلمانُ مِن ثنائِه عليهم قال له نبىُّ اللهِ: \"يا سَلْمانُ، هم مِن أهلِ النارِ\". فاشْتَدَّ ذلك على سلمانَ، وقد كان قال له سلمانُ: لو أدْرَكوك صدَّقوك واتَّبَعوك. فأنْزَل اللهُ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فكان إيمانُ اليهودِ أنه مَن تمَسَّك بالتَّوْراةِ وسنةِ موسى [كان مؤمنًا] (^٣)، حتى جاء عيسى، فلما جاء عيسى كان مَن تمَسَّك بالتَّوْراةِ وأخَذ بسنةِ موسى فلم يَدَعْها، و(^٤) يَتَّبِعْ عيسى كان هالكًا. وإيمانُ النصارى أنه مَن تمَسَّك بالإنجيلِ منهم وشرائعِ عيسى، كان مؤمنًا مَقْبولًا منه، حتى جاء محمدٌ ﷺ، فمن لم يَتَّبِعْ محمدًا ﷺ\n_________\n(^١) سقط من م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٣: \"قد\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) بعده في م: \"لم\".","vol":"2","page":44},{"text":"منهم ويَدَعْ ما كان عليه مِن سنةِ عيسى والإنجيلِ، كان هالكًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية. قال: سأل (^٢) سلمانُ الفارسىُّ النبيَّ (^٣) ﷺ عن أولئك النصارى وما رأَى مِن أعمالِهم، قال: \"لم يَمُوتوا على الإسلامِ\". قال سلمانُ: فأظْلَمَت علىَّ الأرضُ، وذكرتُ (^٤) اجتهادَهم (^٥). فنزَلَت هذه الآيةُ، فدعا سلمانَ فقال: \"نَزَلَت هذه الآيةُ فى أصحابِك\". ثم قال النبىُّ ﷺ: \"مَن مات على دينِ عيسى، ومن (٢) مات على دينِ الإسلامِ قبلَ أن يَسْمَعَ بى، فهو على خيرٍ، ومَن سمِع بىَ اليومَ ولم يُؤْمِنْ بى فقد هلَك\" (^٦).\nوقال ابنُ عباسٍ بما حدَّثنى به المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثنى مُعاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾. إلى قولِه: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فأنْزَل\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٣ إلى المصنف -بلفظه- وابن أبى حاتم. وهو عند ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٢٧ (٦٣٦)، والواحدى في أسباب النزول ص ١٦ من طريق عمرو بن حماد به، مختصرا.\nوأخرجه الواحدى -أيضا- وابن عساكر في تاريخه ٢١/ ٤١٨، ٤١٩ من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدى، عن أبى مالك، وعن أبى صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ، مختصرا. وذكره الذهبى في السير ١/ ٥٢٢ - ٥٢٥ من طريق عمرو به عن السدى بإسناده، مطولا.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"للنبى\".\n(^٤) في م، ت ١: \"ذكر\".\n(^٥) في الأصل: \"أخبارهم\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٤ إلى المصنف. وأخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ١٥ من طريق ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال: لما قص سلمان. . . وأخرجه ابن أبى عمر المدنى في مسنده -كما في الدر المنثور ١/ ٧٣ - ومن طريقه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٢٦ (٦٣٤) من طريق ابن أبى نجيح، عن مجاهد، قال: قال سلمان:\n… ومجاهد لم يسمع من سلمان.","vol":"2","page":45},{"text":"اللهُ جلَّ ثناؤُه بعدَ هذا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^١) [آل عمران: ٨٥].\n[حدَّثنا ابنُ البَرْقىِّ قال: حدَّثنا عمرُو بنُ أبى سلمةَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ فى قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال: هى منسوخةٌ، نسخَتها: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾] (^٢).\nوهذا الخبرُ يَدُلُّ على أن ابنَ عباسٍ كان يَرَى أن اللهَ تعالى ذكرُه قد كان وعَد مَن عمِل صالحًا مِن اليهودِ والنصارى والصابئين على عملِه في الآخرةِ الجنةَ، ثم نسَخ ذلك بقولِه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.\nفتأويلُ الآيةِ إذن على ما ذكَرْنا عن مجاهدٍ والسدىِّ: إن الذين آمَنوا مِن هذه الأمةِ، والذين هادُوا والنصارى والصابئين -مَن آمَن مِن اليهودِ والنصارى والصابئين باللهِ واليومِ الآخرِ- فلهم أجرُهم عندَ ربِّهم، ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزَنون.\nوالذى قلْنا مِن التأويلِ الأولِ أشْبَهُ بظاهرِ التَّنْزيلِ؛ لأن اللهَ تعالى ذِكرُه لم يَخْصُصْ بالأجرِ على العملِ الصالحِ مع الإيمانِ بعضَ خلقِه دونَ بعضٍ منهم، والخبرُ بقولِه: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. عن جميعِ مَن (^٣) ذكَر في أولِ الآيةِ.\n\n<span id=\"aya-70\"></span><span data-type='title' id=toc-258>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾.</span>\nالميثاقُ المِفْعالُ، مِن الوَثيقةِ؛ إما بيمينٍ، وإما بعهدٍ، أو غيرِ ذلك مِن الوَثائقِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٢٦ (٦٣٥)، وابن الجوزى في ناسخه ص ١٣٠ من طريق أبى صالح به.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) سقط من: ت ١، وفى م، ت ٢، ت ٣: \"ما\".","vol":"2","page":46},{"text":"ويعنى بقولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾. الميثاقَ الذى أخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه أنه أخَذ منهم في قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣ - ٨٥]. الآيات التى ذكَر معها.\nوكان سببَ أخذِ الميثاقِ عليهم فيما ذكَر ابنُ زيدٍ ما حدَّثنى يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لما رجَع موسى مِن عندِ ربِّه بالألواحِ قال لقومِه بنى إسرائيلَ: إن هذه الألواحَ فيها كتابُ اللهِ، وأمْرُه الذى أمَرَكم به، ونَهْيُه الذى نهاكم عنه. فقالوا: ومَن يَأْخُذُه بقولِك أنت؟ لا واللهِ حتى نَرَى اللهَ جَهْرةً، حتى يَطلُعَ اللهُ إلينا (^١) فيقولَ: هذا كتابى فخُذُوه. فما لَه لا يُكَلِّمُنا كما كلَّمَك أنت يا موسى! فيقولُ: هذا كتابى فخُذُوه. قال: فجاءت غَضْبةٌ مِن اللهِ، فجاءَتهم صاعقةٌ فصَعَقَتْهم، فماتوا أجْمَعون. قال: ثم أحْياهم اللهُ مِن بعدِ موتِهم، فقال لهم موسى: خُذُوا كتابَ اللهِ. فقالوا: لا. قال: أىُّ شيءٍ أصابكم؟ قالوا: مِتْنا ثم حَيِينا. قال: خذُوا كتابَ اللهِ. قالوا: لا. فبعَث اللهُ ملائكةً، فنتَقَت الجبلَ فوقَهم. [وقرَأ: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٤]. قال: فرُفِع فوقَهم] (^٢). فقيل لهم: أتَعْرِفون هذا؟ قالوا: نعم، هذا الطُّورُ. قال: خُذُوا الكتابَ، وإلا طرَحْناه عليكم. قال: فأخَذوه بالميثاقِ. وقرَأ قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. حتى بلَغ: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. قال: ولو كانوا أخَذُوه أولَ مرةٍ لأخَذوه بغيرِ مِيثاقٍ (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"علينا\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تقدم هذا الأثر في ١/ ٦٩٦.","vol":"2","page":47},{"text":"<span data-type='title' id=toc-259>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾.</span>\nأمَّا الطُّورُ فإنه الجبلُ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ العَجَّاجِ (^١):\nدانَى جناحَيْهِ (^٢) مِن الطُّورِ فمَرّ\nتَقَضِّىَ (^٣) البازِى إذا البازِى كَسَرْ (^٤)\nوقيل: إنه اسمُ جبلٍ بعينه. وذكَروا (^٥) أنه الجبلُ الذى ناجَى اللهُ عليه موسى.\nوقيل: إنه مِن الجبالِ ما أنْبَتَ دون ما لم يُنْبِتْ.\nذكرُ مَن قال: هو الجبل كائنًا ما كان\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: أمَر موسى قومَه أن يَدْخُلُوا البابَ سُجَّدًا ويَقُولوا: حِطَّةٌ. وطُؤْطِئ لهم (^٦) البابُ ليَسْجُدوا، فلم يَسْجُدوا ودخَلوا على أدْبارِهم، وقالوا: حِنْطةٌ. فنتَق فوقَهم الجبلَ -يقولُ: أخْرَج أصْلَ الجبلِ مِن الأرضِ، فرفَعه فوقَهم كالظُّلَّةِ- والطُّورُ بالسُّريانيةِ الجبلُ -تخويفًا، [فدخَلوا سُجَّدًا على خوفٍ- أو حَرْفٍ، شكَّ أبو عاصمٍ] (^٧) -أعينُهم إلى الجبلِ، هو الجبلُ الذى تجَلَّى له ربُّه (^٨).\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢٨.\n(^٢) دانى جناحيه: ضمهما.\n(^٣) تقضى: أصلها: تقضَّض، فقلب الضاد الأخيرة ياء استثقالًا. وتقضض الطائر: هوى في طيرانه يريد الوقوع. تاج العروس (ق ض ض).\n(^٤) كسر: إذا ضم من جناحيه شيئا وهو يريد الوقوع أو الانقضاض. التاج (ك س ر).\n(^٥) في م: \"ذكر\".\n(^٦) في الأصل: \"عليهم\".\n(^٧) في م: \"أو خوفا، شك أبو عاصم، فدخلوا سجدا على خوف\".\n(^٨) تفسير مجاهد ص ٢٠٣، ٢٠٤، وتقدم أوله في ١/ ٧١٤.","vol":"2","page":48},{"text":"حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: رُفِع الجبلُ فوقَهم كالظُّلَّةِ (^١)، كالسَّحابةِ، فقيل لهم: لتُؤْمِنُنَّ أو ليَقَعَنَّ عليكم. فآمَنوا. والجبلُ بالسُّرْيانيةِ الطُّورُ.\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾. قال: الطورُ جبلٌ (^٢) كانوا بأصلِه، فرُفِع عليهم فوقَ رءوسِهم، فقال: لتَأْخُذُنَّ أمْرِى، أو لأَرْمِيَنَّكم به (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾. قال: الطورُ الجبلُ، اقْتَلَعه اللهُ، فرفَعه فوقَهم، فقال: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾. فأَقَرُّوا بذلك (^٤).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾. قال: رفَع فوقَهم الجبلَ، يُخَوِّفُهم به (^٥).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى، عن النَّضْرِ بنِ عَرَبىٍّ، عن عِكْرمةَ، قال: الطُّورُ الجبلُ (^٦).\nحدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: لما قال اللهُ تعالى ذكرُه لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. فأبَوْا أن يَسْجُدوا، وأمَر اللهُ جلَّ ذكرُه الجبلَ أن يَقَعَ عليهم، فنظروا إليه وقد غشِيَهم، فسقَطوا سُجَّدًا،\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الجبل\".\n(^٣) عزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ٧٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٧.\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٢٩ عقب الأثر (٦٥٢) من طريق أبى جعفر، عن الربيع من قوله.\n(^٦) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٢٩ عقب الأثر (٦٥٢) معلقًا.","vol":"2","page":49},{"text":"فسجَدوا (^١) على شِقٍّ، ونظَروا بالشقِّ الآخَرِ، فرحِمَهم اللهُ، فكشَفه عنهم، [فقالوا: ما سجدةٌ أحبَّ إلى اللهِ مِن سجدةٍ كشَف بها العذابَ عنكم. فهم يسجُدون لذلك على شقٍّ] (^٢)، وذلك قولُه: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١]. وقولُه: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ (^٣).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: الجبلُ بالسُّرْيانيةِ الطُّورُ، [وهو بالعربيةِ الجبلُ] (^٤).\nوقال آخَرون: الطورُ اسمٌ للجبلِ الذى ناجَى اللهُ ﷻ عليه موسى ﵇.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: الطُّورُ الجبلُ الذى أُنْزِلَت عليه -يعنى على موسى- التَّوْراةُ، وكانت بنو إسرائيلَ أسفلَ منه (^٥). قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال لى عَطاءٌ: رفَع الجبلَ على بنى إسرائيلَ، فقال: لتُؤْمِنُنَّ به أو ليَقَعَنَّ عليكم. فذاك قولُه: ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ (^٦).\nوقال آخَرون: الطُّورُ مِن الجبالِ ما أنْبَتَ خاصَّةً.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٠ (٦٥٤) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٥ إلى المصنف.\n(^٦) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٢٩ (٦٥٣) من طريق حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء.","vol":"2","page":50},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿الطُّورَ﴾ قال: الطورُ مِن الجبالِ ما أنْبَت، وما لم يُنْبِتْ فليس بطُورٍ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-260>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ العربيةِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: هو مما اسْتُغنِى بدلالةِ الظاهرِ المذكورِ عما تُرِك ذكرُه منه (^٢)، وذلك أن معنى الكلامِ: ورفَعْنا فوقَكم الطُّورَ، وقلْنا لكم: خُذُوا ما آتَيْناكم بقوةٍ، وإلا قذَفْناه عليكم.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: أخْذُ الميثاقِ قولٌ، فلا حاجةَ بالكلامِ إلى إضمارِ قولٍ فيه، فيكونَ مِن كلامَيْن، غيرَ أنه يَنْبَغِى لكلِّ ما خالَف القولَ مِن الكلامِ الذى هو بمعنى القولِ أن تكونَ معه \"أن\"، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١]. قال: ويجوزُ بحذْفِ (^٣) \"أن\".\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أن كلَّ كلامٍ نُطِق به، مفهومٌ به معنى ما أُرِيد منه (^٤)، ففيه الكِفايةُ مِن غيرِه.\nويعنى بقولِه: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ﴾: ما أمَرْناكم به في التَّوْراةِ. وأصلُ الإيتاءِ الإعطاءُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٢٩ (٦٥١) عن أبي زرعة، عن المنجاب به.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى م: \"له\".\n(^٣) في م: \"أن تحذف\".\n(^٤) سقط من: الأصل، م، ت ١، ت ٢.","vol":"2","page":51},{"text":"ويعنى بقولِه: ﴿بِقُوَّةٍ﴾: بجِدٍّ، و(^١) تأديةِ ما [أُمِرْتم به] (^٢) فيه وافْتُرِض عليكم.\nكما [حدَّثنا عبدُ الكريمِ، قال: حدَّثنا] (^٣) إبراهيمُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيَيْنةَ، قال: [حدَّثنا أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ قال: بجدٍّ (^٤).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال] (^٥): حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾. قال: بعَمَلٍ (^٦) بما فيه (^٧).\nحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.\nحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾. [أي: بطاعةِ اللهِ (^٨).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفارىُّ، قال: أخبَرنا عبيدُ اللهِ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾] (^٩). قال: بطاعةٍ (^١٠).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن\n_________\n(^١) في م: \"في\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أمركم\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حدثت عن\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٥ إلى المصنف.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في م: \"تعملوا\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يعمل\".\n(^٧) تفسير مجاهد ص ٢٠٥، ومن طريقه عبد بن حميد -كما في تغليق التعليق ٤/ ١٧٣ - وابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٠ (٦٥٧).\n(^٨) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٠ (٦٥٦) من طريق آدم به.\n(^٩) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٠ عقب الأثر (٦٥٦) من طريق أبى جعفر به.","vol":"2","page":52},{"text":"قَتادَةَ: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾. قال: القوةُ الجِدُّ، وإلا قَذَفْتُه (^١) عليكم. قال: فأقَرُّوا بذلك أنهم يَأْخُذُون ما أُوتُوا بقوةٍ (^٢).\nحدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿بِقُوَّةٍ﴾: يعنى بجِدٍّ واجْتِهادٍ (^٣).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وسألْتُه عن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾. قال: خُذُوا الكتابَ الذى جاء به موسى بصدقٍ وحقٍّ.\n[حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ﴾. قال: كتابُكم، لتأْخُذُنَّه أو لَيَقعَنَّ عليكم الطُّورُ. قالوا: نأخُذُه. وأقَرُّوا ثم نقَضُوا الميثاقَ بعدَ ذلك] (^٤).\nفتأويلُ الآيةِ إذن: خُذُوا ما افْتَرَضْنا عليكم في كتابِنا مِن الفرائضِ فاقْبَلوه، واعْمَلوا باجتهادٍ منكم في أدائِه، مِن غيرِ تَقْصيرٍ ولا تَوانٍ. وذلك هو معنى أخْذِهم إياه بقوةٍ وبجِدٍّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-261>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه: واذْكُروا ما فيما آتَيْناكم مِن كتابِنا مِن وعدٍ ووعيدٍ (^٥)، وتَرْغيبٍ وتَرْهيبٍ، فاتْلُوه واعْتَبِروا به، وتَدَبَّروه، [كى إذا فعَلْتم ذلك تَتَّقونى] (^٦)،\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قذفه\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٧، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٠ (٦٥٨) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) عزاه الحافظ في الفتح ٨/ ١٦١ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٢٩ (٦٥٣) من طريق حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء، نحوه.\n(^٥) بعده في م، ت ٢: \"شديد\".\n(^٦) في م: \"إذا فعلتم ذلك كى تتقوا\".","vol":"2","page":53},{"text":"وتَخافوا عِقابى، بإصْرارِكم على ضَلالِكم، فتُنيبُوا إلى طاعتى، وتَنْزِعوا عما أنتم عليه مِن مَعصيتى.\nكما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن داودَ بنِ الحُصينِ، عن عِكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. قال: تَنْزِعون عما أنتم عليه (^١).\nوالذى آتاهم اللهُ تعالى ذكرُه هو التوراةُ، كما حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾. يقولُ: واذْكُروا ما في التوراةِ [واعمَلُوا به] (^٢).\nحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾. يقولُ: [اقرَءوا ما] (^٣) في التَّوْراةِ (^٤).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سأَلْتُ ابنَ زيدٍ عن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾. قال: اعْمَلوا بما فيه بطاعةِ اللهِ تعالى ذكرُه وصدقٍ. قال: وقال: اذكُروا (^٥) ما فيه، ولا (^٦) تَنْسَوْه ولا تُغْفِلوه.\n\n<span id=\"aya-71\"></span><span data-type='title' id=toc-262>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعز: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾: ثم أعْرَضْتُم. وإنما هو \"تفَعَّلْتُم\"،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٥ إلى المصنف وابن إسحاق.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٠ (٦٥٩) من طريق آدم به بنحوه، وينظر تفسير ابن كثير ١/ ١٥٠.\n(^٣) في م: \"أمروا بما\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أمروا ما\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٠ عقب الأثر (٦٥٩) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"واذكروا\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لا\".","vol":"2","page":54},{"text":"مِن قولِهم: ولَّانى فلانٌ دُبُرَه. إذا اسْتَدْبَر عنه وخلَّفه خلفَ ظهرِه، ثم يُسْتَعْمَلُ ذلك في كلِّ تاركٍ طاعةَ أَمْرٍ، [وهاجرِ خِلٍّ] (^١)، ومُعْرِضٍ بوجهٍ (^٢)، فيقالُ: فلانٌ قد تَوَلَّى عن طاعةِ فلانٍ، وتوَلَّى عن مُواصلتِه. ومنه قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٦]. يعنى بذلك: خالَفوا ما كانوا وعَدوا اللهَ مِن قولِهم: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥]. ونبَذوا ذلك وراءَ ظُهورِهم.\nومِن شأنِ العربِ استعارةُ الكلمةِ ووضعُها مكانَ نَظيرتِها، كما قال أبو ذُؤَيْبٍ (^٣) الهُذَلىُّ:\nفليس كعَهْدِ (^٤) الدارِ يا أمَّ مالكٍ … ولكن أحاطَتْ بالرِّقابِ السَّلاسِلُ\nوعاد الفتى كالكَهْلِ ليس بقائِلٍ … سوى العَدْلِ (^٥) شيئًا واسْتَراح العَواذِلُ\nيعنى بقولِه: أحاطَت بالرِّقابِ السَّلاسلُ. أن الإسلام صار في منعِه إيانا ما كنا نَأْتِيه في الجاهليةِ مما حرَّمه اللهُ علينا في الإسلامِ، بمنزلةِ السَّلاسلِ المُحيطةِ برِقابِنا التى تَحُولُ بينَ مَن كانت في رقبتِه، مع الغُلِّ الذى في يدِه، وبينَ ما حاول أن يَتَناوَلَه.\nونَظائرُ ذلك في كلامِ العربِ أكثرُ مِن أن تُحْصَى. فكذلك قولُه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾. يعنى بذلك أنكم ترَكْتُم العملَ بما أخَذْنا ميثاقَكم وعهودَكم على العملِ به بجدٍّ واجْتهادٍ، بعدَ إعطائِكم ربَّكم المَواثيقَ على العملِ به، والقيامِ بما\n_________\n(^١) في م: \"بها ﷿\".\n(^٢) في م: \"بوجهه\".\n(^٣) كذا في النسخ، وكذا قال ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن ص ١١٢، والبيتان من قصيدة لأبى خراش\nالهذلى يرثى بها زهير ابن العجوة. ديوان الهذليين ٢/ ١٥٠.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لعهد\".\n(^٥) في الأصل: \"العذل\"، وفى م: \"الحق\". وينظر شرح أشعار الهذليين ٣/ ١٢٢٣.","vol":"2","page":55},{"text":"أمَرَكم به في كتابِكم، فنبَذْتُموه وراءَ ظهورِكم.\nوكنَى بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾. عن جميعِ ما قبلَه في الآيةِ المتقدمةِ، أعنى قولَه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-263>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾. فلولا أن اللهَ تفَضَّل عليكم بالتوبةِ بعدَ نَكثِكمُ (^١) الميثاقَ الذى واثَقْتُموه -إذ رفَع فوقَكم الطورَ- بأنكم تَجْتَهِدون في طاعتِه، وأداءِ فَرائضِه، والقيامِ بما أمَرَكم به، والانْتِهاءِ عما نَهاكم عنه في الكتابِ الذى آتاكم، فأنْعَم عليكم بالإسلامِ، ورحمتُه التى رحِمَكم بها، فتَجاوَز عنكم خَطيِئتَكم التى ركِبْتُموها، بمراجعتِكم طاعةَ ربِّكم - لكنتم مِن الخاسرين.\nوهذا وإن كان خطابًا لمن كان بينَ ظهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ مِن أهلِ الكتابِ أيامَ رسولِ اللهِ ﷺ، فإنما هو خبرٌ عن أسلافِهم، فأُخْرِج (^٢) مُخْرَجَ الخَبَرِ (^٣) عنهم، على نحوِ ما قد بيَّنَّا فيما مضَى، من أن القَبيلةَ مِن العربِ تُخاطِبُ القَبيلةَ عندَ الفَخارِ أو غيرِه، بما مضَى مِن فِعلِ أسْلافِ المخاطِب بأسْلافِ المخاطَبِ، فتُضِيفُ فِعْلَ أسْلافِ المُخاطِبِ إلى أنفسِها، فتقولُ: فعَلْنا (^٤) وفعَلْنا (^٤). [وما فُعِل بأسلافِ المخاطَبِ إلى المخاطِبِ لهم بقولِهم: فعَلنا بكمْ] (^٥) [وفعلْنا بكم] (^٦). وقد ذكَرْنا بعضَ\n_________\n(^١) فى ت ٢، ت ٣: \"نقضكم\"، وفى ت ١: \"نبذكم\".\n(^٢) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الخبر\".\n(^٣) فى م: \"المخبر\".\n(^٤) بعده فى م: \"بكم\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) زيادة من: ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":56},{"text":"الشواهِدِ في ذلك مِن شعرِهم فيما مضَى (^١).\nوقد زعَم بعضُهم أن الخطابَ في هذه الآياتِ إنما أُخْرِج بإضافةِ الفعلِ إلى المُخاطَبِين، والفعلُ لغيرِهم؛ لأن المخاطَبِين بذلك كانوا يَتَوَلَّوْن مَن كان فعَل ذلك مِن أوائلِ بني إسرائيلَ، فصيَّرهم اللهُ منهم مِن أجلِ وِلايتِهم لهم.\nوقال بعضُهم: إنما قيل ذلك كذلك؛ لأن سامِعيه كانوا عالِمين -وإن كان الخطابُ خرَج خطابًا للأحْياءِ مِن بني إسرائيلَ وأهلِ الكتابِ- أن (^٢) المعنى في ذلك إنما هو خبرٌ عما [قد مضَى] (^٣) مِن أنْباءِ أسلافِهم، فاسْتُغْنِى بعلم السامِعِين بذلك عن ذكرِ أسْلافِهم بأعْيانِهم. ومثَّل ذلك بقولِ الشاعرِ (^٤):\nإذا ما انْتَسَبْنا لم تَلِدْنى لَئِيمةٌ … ولم تَجِدِى مِن أن تُقِرِّى به بُدًّا\nفقال: إذا انْتَسَبْنا. و\"إذا\" تَقْتَضِى مِن الفعلِ مُسْتَقْبلًا، ثم قال: لم تَلِدْنى لَئِيمةٌ. فأخْبَر عن ماضٍ مِن الفعلِ، وذلك أن الوِلادةَ قد مَضَت وتقدَّمَت، وإنما فعَل ذلك -عندَ المُحْتَجِّ به- لأن السامعَ قد فهِم معناه.\nفجعَل ما ذكَرْنا مِن خطابِ اللهِ أهلَ الكتابِ الذين كانوا بينَ ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ أيامَ رسولِ الله ﷺ، بإضافةِ أفعالِ أسْلافِهم إليهم - نظيرَ ذلك.\nوالأولُ الذى قُلْنا هو المُسْتَفِيضُ في (^٥) كلامِ العربِ وخِطابِها.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٤٢، ٦٤٣.\n(^٢) في م: \"إذ\".\n(^٣) في م: \"قص الله\".\n* من هنا يبدأ خرم في المخطوطة الأصل وينتهى في ص ١٥٩.\n(^٤) معانى القرآن ١/ ٦١، وفى حاشية الأمير على مغنى اللبيب ١/ ٢٥: في حاشية السيوطي: قائله زائدة بن صعصعة الفقعسى. ولم ينسبه السيوطي في شرحه على شواهد المغنى ١/ ٨٩.\n(^٥) في م: \"من\".","vol":"2","page":57},{"text":"وكان أبو العاليةِ يقولُ في قولِه: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ -فيما ذُكِر لنا- نحوَ القولِ الذى قُلْناه.\nحدَّثنى المثنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ (^١)، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾. قال: فضلُ اللهِ الإسلامُ، ورحمتُه القرآنُ (^٢).\nوحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، [عن أبيه] (^٣)، عن الربيعِ بمثلِه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-264>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: فلولا فَضْلُ اللهِ عليكم ورَحْمَتُه إياكم، بإنقاذِه إياكم بالتوبةِ عليكم مِن خَطيئتِكم وجُرْمِكم، لكنتم الباخِسِين أنفسَكم حُظوظَها دائمًا، الهالِكِين بما اجْتَرَمْتُم مِن نَقْضِ ميثاقِكم، وخلافِكم أمرَه وطاعتَه.\nوقد تقَدَّم بيانُنا قبلُ بالشَّواهدِ عن (^٥) معنى الخَسارِ، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٦).\n\n<span id=\"aya-72\"></span><span data-type='title' id=toc-265>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) في النسخ: \"النضر\". وهو من الأسانيد الدائرة.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣١ عقب الأثر (٦٦٢) من طريق آدم به.\n(^٣) سقط من النسخ، وهو من الأسانيد الدائرة.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣١ عقب الأثر (٦٦٢، ٦٦٤) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٥) في ت ٢: \"على\".\n(^٦) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٤٢.","vol":"2","page":58},{"text":"يعنى بقولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾: ولقد عرَفْتُم، كقولِك: قد عَلِمْتُ أخاك، ولم أَكُنْ أَعْلَمُه. يعنى: عرَفْتُه ولم أَكُنْ أَعْرِفُه. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. يعنى: لا تَعْرِفونهم، اللهُ يَعْرِفُهم.\nوقولُه: ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾. أى: الذين تَجاوَزُوا حَدِّى، وركِبوا ما نهَيْتُهم عنه في يومِ السبتِ، وعصَوْا أمْرى.\nوقد دلَّلْتُ فيما مضَى على أن الاعْتِداءَ أصلُه تَجاوُزُ الحدِّ في كلِّ شيءٍ، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nقال: وهذه الآيةُ وآياتٌ بعدَها تَتْلُوها، مما عدَّد جلَّ ثناؤُه فيها على بنى إسرائيلَ -الذين كانوا بينَ خِلالِ دُورِ الأنصارِ زمانَ النبىِّ ﷺ، الذين ابْتَدَأ بذكرِهم في أولِ هذه السورةِ مِن نَكْثِ أسْلافِهم عهدَ اللهِ ومِيثاقَه- ما كانوا يُبْرِمون مِن العقودِ، وحذَّر المُخاطَبين بها أن يَحِلَّ بهم -بإصرارِهم على كفرِهم ومُقامِهم على جُحودِ نبوةِ محمدٍ ﷺ، وتركِهم اتباعَه والتصديقَ بما جاءَهم به مِن عندِ ربِّه- مثلُ الذى حلَّ بأوائلِهم مِن المَسْخِ والرَّجْفِ والصَّعْقِ، وما لا قِبَلَ لهم به مِن غَضَبِ اللهِ وسَخَطِه.\nكالذى حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ يقولُ: ولقد عرَفْتُم. وهذا تحذيرٌ لهم مِن المعصيةِ، يقولُ: احْذَرُوا أن يُصِيبَكم ما أصاب أصحابَ السبتِ إذ عصَوْنى، ﴿اعْتَدَوْا﴾، يقولُ: اجْتَرَءوا، ﴿فِي السَّبْتِ﴾. قال: لم يَبْعَثِ اللهُ نبيًّا إلا أمَره بالجُمُعةِ، وأخْبَرَه بفضلِها وعِظَمِها في السَّماواتِ وعندَ الملائكةِ، وأنَّ الساعةَ تَقُومُ فيها، فمَن اتَّبَع الأنبياءَ فيما\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٣٢.","vol":"2","page":59},{"text":"مضَى، كما اتَّبَعَتْ أمةُ محمدٍ ﷺ محمدًا، قَبِل الجُمُعةَ، وسمِع وأطاع وعرَف فضلَها، وثبَت عليها بما أمَره اللهُ تعالى به ونبيُّه ﷺ، ومَن لم يَفْعَلْ ذلك كان بمنزلةِ الذين ذكَر اللهُ في كتابِه، فقال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. وذلك أن اليهودَ قالت لموسى حين أمَرَهم بالجمعةِ، وأخْبَرَهم بفضلِها: يا موسى، كيف تَأْمُرُنا بالجُمُعةِ وتُفَضِّلُها على الأيامِ كلِّها، والسبتُ أفضلُ الأيامِ كلِّها؛ لأن اللهَ خلَق السماواتِ والأرضَ والأقْواتَ في ستةِ أيامٍ، وسبَت (^١) له كلُّ شيءٍ مُطِيعًا يومَ السبتِ، وكان آخرَ الستةِ؟\nقال: وكذلك قالت النصارَى لعيسى ابنِ مريمَ حينَ أمَرَهم بالجُمُعةِ، قالوا له: كيف تَأْمُرُنا بالجمعةِ، وأولُ الأيامِ أفضلُها وسيِّدُها، والأولُ أفضلُ، واللهُ واحدٌ، والواحدُ الأولُ أفضلُ؟ فأوْحَى اللهُ إلى عيسى أنْ دَعْهم والأحدَ، ولكن ليَفْعَلوا فيه كذا وكذا مما أمَرَهم به، فلم يَفْعَلوا، فقصَّ اللهُ تعالى قَصَصَهم في الكتابِ بمعصيتِهم.\nقال: وكذلك قال اللهُ لموسى حينَ قالت له اليهودُ ما قالوا في أمرِ السبتِ أنْ دَعْهم والسبتَ فلا يَصِيدوا فيه سمكًا ولا غيرَه، ولا يَعْمَلوا شيئًا، كما قالوا. قال: فكان إذا كان السبتُ ظهَرَتِ الحِيتانُ على الماءِ، فهو قولُه: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ [الأعراف: ١٦٣]. يقولُ: ظاهرةً على الماءِ -ذلك لمعصيتِهم موسى- وإذا كان غيرُ يومِ السبتِ صارت صيدًا كسائرِ الأيامِ، فهو قولُه: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾. ففعَلَت الحيتانُ ذلك ما شاء اللهُ، فلما رأَوْها كذلك طمِعوا في أخْذِها، وخافوا العقوبةَ، فتناوَل بعضُهم منها، فلم تَمْتَنِعْ\n_________\n(^١) سبت له: سكن وخشع وانقطع إلا عن العبادة. ينظر التاج (س ب ت).","vol":"2","page":60},{"text":"عليه، وحذِر العقوبةَ التى حذَّرهم موسى مِن اللهِ تعالى، فلما رأَوا أن العقوبةَ لا تَحِلُّ بهم عادوا وأخْبَرَ بعضُهم بعضًا بأنهم قد أخَذوا السمكَ ولم يُصِبهم شيءٌ، فكثَّروا في ذلك، وظنُّوا أن ما قال لهم موسى كان باطلًا، وهو قولُ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ يقولُ لهؤلاء الذين صادوا السمكَ: فمسَخهم اللهُ قِرَدةً بمعصيتِهم. يقولُ: إذن لم يَحْيَوْا في الأرضِ إلا ثلاثةَ أيامٍ، ولم تَأْكُلْ، ولم تَشْرَبْ، ولم تَنْسُلْ، وقد خلَق اللهُ القردةَ والخنازيرَ، وسائرَ الخلقِ في الستةِ الأيامِ التى ذكَر اللهُ في كتابِه، فمسَخ هؤلاءِ القومَ في صورةِ القِردةِ، وكذلك يَفْعَلُ بمَن شاء كما يَشاءُ، ويُحَوِّلُه كما يَشاءُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن داودَ بنِ الحُصينِ، عن عِكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: إن اللهَ إنما افْتَرَض على بنى إسرائيلَ اليومَ الذى افترض عليكم في عيدِكم، يومَ الجمعةِ، فخالَفوا إلى السبتِ فعظَّموه، وترَكوا ما أُمِروا به، فلمَّا أبَوْا إلا لزومَ السبتِ ابْتَلاهم اللهُ فيه، فحرَّم عليهم ما أحَلَّ لهم في غيرِه، وكانوا في قريةٍ بينَ أَيْلَةَ والطُّورِ يقالُ لها: مَدْيَنُ. فحرَّم اللهُ عليهم في السبتِ الحيتانَ؛ صيدَها وأكلَها، وكانوا إذا كان يومُ السبتِ أقْبَلَت إليهم شُرَّعًا إلى ساحلِ بَحْرِهم، حتى إذا ذهَب السبتُ ذهَبْنَ، فلم يَرَوْا حُوتًا صغيرًا ولا كبيرًا، حتى إذا كان يومُ السبتِ أتَينَ إليهم شُرَّعًا، حتى إذا ذهَب السبتُ ذهَبْنَ، فكانوا كذلك، حتى إذا طال عليهم الأَمَدُ، وقَرِموا (^٢) إلى الحيتانِ عمَد رجلٌ منهم، فأخَذ حوتًا سرًّا يومَ السبتِ، فخَزَمَه (^٣) بخيطٍ، ثم أرْسَله في\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٥، ٣/ ١٣٧ إلى المصنف مختصرًا، وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٥١ عن الضحاك به، نحوه.\n(^٢) القَرَمُ، بالتحريك: شدة الشهوة إلى اللحم. اللسان (ق ر م).\n(^٣) خزم الشئ يخزمه خزمًا: شكه. اللسان (خ ز م).","vol":"2","page":61},{"text":"الماءِ، وأوْتَد له وَتدًا في الساحلِ، فأوْثَقه ثم ترَكه، حتى إذا كان الغدُ جاء فأخَذَه -أى: إنى لم آخُذْه في يومِ السبتِ- ثم انْطَلَق به فأكَلَه، حتى إذا كان يومُ السبتِ الآخرِ عاد لمثلِ ذلك، ووجَد الناسُ ريحَ الحيتانِ، فقال أهلُ القريةِ: واللهِ لقد وجَدْنا ريحَ الحيتانِ. ثم عثَروا على ما صنَع ذلك الرجلُ، قال: ففعَلوا كما فعَل، وأكَلوا سرًّا زمانًا طويلًا، لم يَعْجَلِ اللهُ عليهم بعقوبةٍ حتى صادوها علانيةً وباعوها بالأسواقِ، وقالت طائفةٌ منهم مِن أهلِ البقيَّةِ (^١): ويحَكم! اتَّقُوا اللهَ. ونهَوْهم عما كانوا يَصْنَعون. وقالت طائفةٌ أُخرى لم تَأْكُلِ الحيتانَ، ولم تَنْهَ القومَ عما صنَعوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ لسخطِنا أعمالَهم (^٢)، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤].\nقال ابنُ عباسٍ: فبينما هم على ذلك أصْبَحَت تلك البَقِيَّةُ في أنديَتِهم ومساجدِهم، وفقَدوا الناسَ فلا يَرَوْنهم، فقال بعضُهم لبعضٍ: إن للناسِ لَشأنًا، فانْظُروا ما هو. فذهَبوا يَنْظُرون في دُورِهم، فوجَدوها مُغَلَّقةً عليهم، قد دخَلوا ليلًا، فغلَّقوها على أنفسِهم، كما يُغَلِّقُ الناسُ على أنفسِهم، فأصْبَحوا فيها قِرَدةً؛ إنهم لَيَعْرِفون الرجلَ بعينِه، وإنه لَقِرْدٌ، والمرأةَ بعينِها وإنها لَقِرْدةٌ، والصبىَّ بعينِه وإنه لَقِرْدٌ.\nقال: يقولُ ابنُ عباسٍ: فلولا ما ذكَر اللهُ أنه أنْجَى الذين نَهَوْا عن السُّوء لَقُلْنا: أهْلَك الجميعَ منهم. قالوا: وهى القريةُ التى قال اللهُ لمحمدٍ ﷺ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ الآية (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"التقية\". وأهل البقية: هم أهل الفهم والطاعة. قال القتيبى: أولو بقية من دين قوم لهم بقية: إذا كانت بهم مُسكة وفيهم خير. ينظر اللسان (ب ق ى).\n(^٢) في ت ٣: \"عليهم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٩٧ - ١٦٠٢ مفرقًا من طريق ابن إسحاق به. وعزاه السيوطي=","vol":"2","page":62},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾: أُحِلَّت لهم الحيتانُ، وحُرِّمَت عليهم يومَ السبتِ بَلاءً مِن اللهِ، ليَعْلَمَ مَن يُطِيعُه ممَّن يَعْصِيه، فصار القومُ ثلاثةَ أصنافٍ؛ فأما صِنفٌ فأمْسَك ونَهَى عن المعصيةِ، وأمَّا صِنْفٌ فأمْسَك عن حُرْمةِ اللهِ، وأما صِنفٌ فانْتَهَك حُرْمةَ اللهِ ومرَد على المعصيةِ، فلما أبَوْا إلا الاعْتِداءَ إلى ما نُهُوا عنه، قال اللهُ لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. فصاروا قِرَدةً لها أذْنابٌ تَعاوَى، بعدَ ما كانوا رجالًا ونساءً (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾. قال: نُهُوا عن صيدِ الحيتانِ يومَ السبتِ، فكانت تَشْرَع إليهم يومَ السبتِ، وبُلُوا بذلك فاعْتَدَوْا فاصْطادُوها، فجعَلَهم اللهُ قِرَدةً خاسِئِين (^٢).\nحدَّثنى موسى قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. قال: فهم أهلُ أَيْلةَ، وهى القريةُ التى كانت حاضرةَ البحرِ، فكانت الحيتانُ إذا كان يومُ السبتِ -وقد حرَّم اللهُ على اليهودِ أن يَعْمَلوا في السبتِ شيئًا- لم يَبْقَ في البحرِ حُوتٌ إلا خرَج حتى يُخْرِجْنَ خَراطِيمَهن مِن الماءِ، فإذا كان يومُ الأحدِ لزِمْنَ سُفْلَ البحرِ، فلم يُرَ منهن شيءٌ حتى يكونَ يومُ السبتِ، فذلك قولُه: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي\n_________\n= في الدر المنثور ٣/ ١٣٧ إلى أبى الشيخ.\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٥ إلى المصنف وعبد بن حميد. وأخرج آخره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٣ (٦٧١) من طريق شيبان، عن قتادة.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٢ (٦٦٧) عن الحسن بن يحيى به. وهو في تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٧، ٤٨ عن قتادة والكلبى.","vol":"2","page":63},{"text":"كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾. فاشْتَهَى بعضُهم السمكَ، فجعَل الرجلُ يَحْفِرُ الحَفِيرةَ، ويَجْعَلُ لها نهرًا إِلى البحرِ، فإذا كان يومُ السبتِ فتَح النهرَ، فأقْبَل الموجُ بالحيتانِ يَضْرِبُها حتى يُلْقِيَها في الحَفيرةِ، ويُريدُ الحوتُ أن يَخْرُجَ فلا يُطِيقَ مِن أجلِ قلَّةِ ماءِ النهرِ، فيَمْكُثُ، فإذا كان يومُ الأحدِ جاء فأخَذَه، فجعَل الرجلُ يَشْوِى السَّمكَ، فيَجِدُ جارُه ريحَه، فيَسْأَلُه فيُخْبِرُه، فيَصْنَعُ مثلَ ما صنَع جارُه، حتى إذا فشَا فيهم أكلُ السمكِ قال لهم علماؤُهم: ويحَكم إنما تَصْطادون السمكَ يومَ السبتِ، وهو لا يَحِلُّ لكم. فقالوا: إِنما صِدْناه يومَ الأحدِ حينَ أخَذْناه. فقال الفقهاءُ: لا، ولكنكم صِدْتُموه يومَ فتَحْتُم له الماءَ، فدخَل. فقالوا: لا. وعَتَوْا أن يَنْتَهُوا، فقال بعضُ الذين نهَوْهم لبعضٍ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. يقولُ: لمَ تَعِظُونهم وقد وعَظْتُموهم فلم يُطِيعوكم. فقال بعضهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. فلما أبَوْا قال المسلمون: واللهِ لا نُساكِنُكم في قريةٍ واحدةٍ. فقسَموا القريةَ بجدارٍ، ففتَح المسلمون بابًا والمُعْتَدون في السبتِ بابًا، ولعَنهم داودُ، فجعَل المسلمون يَخْرُجون من بابِهم، والكفارُ مِن بابِهم، فخرَج المسلمون ذاتَ يومٍ، ولم يَفْتَحِ الكفارُ بابَهم، فلمَّا أبْطَئُوا عليهم تسَوَّر المسلمون عليهم الحائطَ، فإذا هم قِرَدةٌ يَثِبُ بعضُهم على بعضٍ، ففتَحوا عنهم، فذهَبوا في الأرضِ، فذلك قولُ اللهِ ﷿: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦]. فذلك حينَ يقولُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨]. فهم القردةُ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٢ (٦٦٩) من طريق عمرو بن حماد به، إلى قوله: حتى يكون=","vol":"2","page":64},{"text":"حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. قال: لم يُمْسَخوا، إنما هو مَثَلٌ ضرَبه اللهُ لهم، مِثْلَ ما ضرَب مَثَلَ الحمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا (^١).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. قال: مُسِخَت قلوبُهم، ولم يُمْسَخوا قِرَدةً، وإنما هو مَثَلٌ ضرَبه اللهُ لهم، كمثلِ الحمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا (^٢).\nوهذا القولُ الذى قاله مُجاهِدٌ قولٌ لظاهرِ ما دل عليه كتابُ اللهِ مُخالِفٌ، وذلك أن اللهَ أخْبَر في كتابِه أنه جعَل منهم القِرَدةَ والخنَازيرَ وعَبَدَ الطاغوتَ، كما أخْبَر عنهم أنهم قالوا لنبيِّهم: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]. وأن اللهَ تعالى ذكرُه أصْعَقَهم عندَ مَسألتِهم ذلك ربَّهم، وأنهم عبَدوا العِجْلَ، فجعَل توبتَهم قتلَ أنفسِهم، وأنهم أُمِروا بدُخولِ الأرضِ المقدسةِ، فقالوا لنبيِّهم: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ١٢٤]. فابْتَلاهم بالتِّيهِ، فسواءٌ [قال قائلٌ] (^٣): هم لم يَمْسَخْهم قردةً. وقد أخْبَر جلَّ ذكرُه أنه جعَل منهم قِردةً وخنازيرَ - وآخرُ قال: لم يَكُنْ شيءٌ مما أخْبَر اللهُ عن بنى إسرائيلَ أنه كان منهم؛ مِن الخلافِ\n_________\n= يوم السبت. وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٥٢، ١٥٣ عن السدى بتمامه.\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٠٥ بنحوه.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٣ (٦٧٢) عن أبيه، عن أبى حذيفة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٥ إلى ابن المنذر، وانظر التاريخ الكبير لابن أبى خيثمة (١٨٤).\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال قائلهم\".","vol":"2","page":65},{"text":"وكان أبو العاليةِ يقولُ في قولِه: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ -فيما ذُكِر لنا- نحوَ القولِ الذى قُلْناه.\nحدَّثنى المثنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ (^١)، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾. قال: فضلُ اللهِ الإسلامُ، ورحمتُه القرآنُ (^٢).\nوحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، [عن أبيه] (^٣)، عن الربيعِ بمثلِه (^٤).\nالقولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: فلولا فَضْلُ اللهِ عليكم ورَحْمَتُه إياكم، بإنقاذِه إياكم بالتوبةِ عليكم مِن خَطيئتِكم وجُرْمِكم، لكنتم الباخِسِين أنفسَكم حُظوظَها دائمًا، الهالِكِين بما اجْتَرَمْتُم مِن نَقْضِ ميثاقِكم، وخلافِكم أمرَه وطاعتَه.\nوقد تقَدَّم بيانُنا قبلُ بالشَّواهدِ عن (^٥) معنى الخَسارِ، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٦).\nالقولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾.\n_________\n(^١) في النسخ: \"النضر\". وهو من الأسانيد الدائرة.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣١ عقب الأثر (٦٦٢) من طريق آدم به.\n(^٣) سقط من النسخ، وهو من الأسانيد الدائرة.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣١ عقب الأثر (٦٦٢، ٦٦٤) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٥) في ت ٢: \"على\".\n(^٦) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٤٢.","vol":"2","page":66},{"text":"يعنى: إن طرَدْتَه انْطَرَد ذَليلًا صاغرًا. فكذلك معنى قولِه: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. أى: مُبْعَدِين مِن الخيرِ أذِلَّاءَ صُغَراءَ.\nكما حدَّثنا ابنُ (^١) بشارٍ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. قال: صاغِرِين (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيْفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنى الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿خَاسِئِينَ﴾. قال: صاغِرِين (^٣).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. أى: أَذِلَّةً صاغِرِين (^٤).\nوحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: خاسِئًا: يعنى ذَليلًا (^٥).\n_________\n(^١) سقط من النسخ: وهو محمد بن بشار، وقد سبق مرارًا.\n(^٢) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٣ عقب الأثر (٦٧٤)، معلقًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٦ إلى المصنف.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٨.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٣ عقب الأثر (٦٧٤) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٦، ٦/ ٢٤٨ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم. وعزاه أيضا في ١/ ٧٦ إلى ابن المنذر بلفظ: صاغرين.","vol":"2","page":67},{"text":"<span id=\"aya-73\"></span><span data-type='title' id=toc-267>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ الهاءِ والألفِ في قولِه: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾. وعلامَ هى عائدةٌ؟ فرُوِى عن ابنِ عباسٍ فيها قولان:\nأحدُهما، ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾: فجعَلْنا تلك العقوبةَ، وهى المَسْخَةُ، نَكالًا (^١).\nفالهاءُ والألفُ من قولِه: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾. على قولِ ابنِ عباسٍ هذا، كنايةٌ عن المَسْخةِ، وهى \"فَعْلةٌ\" مِن: مسَخهم اللهُ مَسْخةً.\nفمعنى الكلامِ على هذا التأويلِ: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾: فصاروا قردةً مَمْسُوخِين. ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ (^٢): فجعَلْنا عُقوبتَنا ومَسْخَنا إياهم ﴿نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.\nوالقولُ الآخَرُ مِن قولَىِ ابنِ عباسٍ ما حدَّثنى به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾: يعنى الحِيتانَ.\nوالهاءُ والألفُ على هذا القولِ مِن ذكرِ الحيتانِ، ولم يَجْرِ لها ذكرٌ، ولكن لما كان في الخبرِ دلالةٌ كنَى عن ذكرِها، والدلالةُ على ذلك قولُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٦ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: ت ٢.","vol":"2","page":68},{"text":"وقال آخَرون: فجعَلْنا القريةَ التى اعْتَدَى أهلُها في السبتِ. فالهاءُ والألفُ في قولِ هؤلاءِ كِنايةٌ عن قريةِ القومِ الذين مُسِخوا.\nوقال آخَرون: معنى ذلك: فجعَلْنا القِرَدةَ الذين مُسِخوا نَكالًا لما بينَ يديها وما خلفَها. فجعَلوا الهاءَ والألفَ كنايةً عن القردةِ.\nوقال آخَرون: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ يعنى به: فجعَلْنا الأُمةَ التى اعْتَدَتْ في السبتِ نَكالًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-268>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿نَكَالًا﴾.</span>\nوالنَّكالُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: نكَّل فلانٌ بفلانٍ تَنْكيلًا ونَكالًا. وأصلُ النَّكالِ العقوبةُ، كما قال عدىُّ بنُ زيدٍ العِبادىُّ (^١):\nلا [يُسْخِطُ المليكَ] (^٢) ما يسعُ (^٣) الـ … ـعبدَ ولا في نَكالِه تَنْكيرُ\nوبمثلِ الذى قلْنا في ذلك رُوِى الخبرُ عن ابنِ عباسٍ.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿نَكَالًا﴾. يقولُ: عقوبةً (^٤).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنى إسحاقُ، قال: حدَّثنى ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه،\n_________\n(^١) التبيان ١/ ٢٩٢.\n(^٢) في م: \"يحط الضليل\"، وفى ت ١، ت ٢: \"تسحه العبيك\"، وفى ت ٣: \"تسخط العبليك\". والمثبت من التبيان. وينظر تعليق الشيخ شاكر.\n(^٣) في م: \"يصنع\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٦ إلى المصنف.","vol":"2","page":69},{"text":"عن الربيعِ في قولِه: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا﴾. أى: عقوبةً (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-269>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، فقال بعضُهم بما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾. يقولُ: ليَحْذَرَ مَن بعدَهم عُقوبتى، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾. يقولُ: الذين كانوا بقُوا معهم (^٢).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾: لِمَا خلا لهم مِن الذُّنوبِ، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾. أى: عِبْرةً لمن بقِى مِن الناسِ (^٣).\nوقال آخَرون بما حدَّثنى ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن داودَ بنِ الحُصَيْنِ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. أى مِن القُرَى (^٤).\nوقال آخَرون بما حدَّثنا به بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال الله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: مِن ذُنوبِ القومِ، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ أى: للحِيتانِ التى أصابوا.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٤ عقب الأثر (٦٧٧) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٦ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٤ عقب الأثر (٦٧٧، ٦٨١) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٣، ١٣٤ (٦٧٦، ٦٨٠) من طريق ابن إسحاق به.","vol":"2","page":70},{"text":"عن قتادةَ في قولِه: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: مِن ذنوبِها، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾: مِن الحيتانِ (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنى عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: ما مضَى مِن خَطاياهم إلى أن هلَكوا به.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. يقولُ: ﴿بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: ما مضَى مِن خَطاياهم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾: خَطاياهم التى هلَكوا بها (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه، إلا أنه قال: ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾: خَطيئتُهم التى هلَكوا بها.\nوقال آخَرون بما حدَّثنى به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. قال: أما ما ﴿بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: فما سلَف مِن عملِهم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾: فمَن كان بعدَهم مِن الأممِ أن يَعْصُوا، فيَصْنَعَ اللهُ بهم مثلَ ذلك (^٣).\nوقال آخَرون بما حدَّثنى به ابنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾: يعنى الحِيتانَ جعَلها نَكالًا لما بينَ يديها وما خلفَها مِن الذنوبِ التى\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٨. وينظر تفسير ابن أبى حاتم ١/ ١٣٤ (٦٧٧، ٦٧٨، ٦٨٢).\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٠٥، ومن طريقه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٤ (٦٨٢).\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٤ عقب الأثر (٦٧٧) من طريق عمرو به نحوه.","vol":"2","page":71},{"text":"عمِلوا قبلَ الحِيتانِ، وما عمِلوا بعدَ الحِيتانِ، فذلك قولُه: ﴿مَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ (^١).\nوأوْلَى هذه التأويلاتِ بتأويلِ الآيةِ ما رواه الضَّحَّاكُ عن ابنِ عباسٍ، وذلك لما وصَفْنا مِن أن الهاءَ والألفَ في قولِه: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا﴾. بأن تكونَ مِن ذِكْرِ العقوبةِ والمَسْخةِ التى مُسِخها القومُ أولى منها بأن تكونَ مِن ذكرِ غيرِها؛ مِن أجلِ أن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما يُحَذِّرُ خلقَه بأسَه وسَطْوتَه، وبذلك يُخَوِّفُهم، وفى إبانتِه عزَّ ذكرُه بقولِه: ﴿نَكَالًا﴾. أنه عنَى به العقوبةَ التى أحَلَّها بالقومِ - ما يُعْلِمُ أنه عنَى بقولِه: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. فجعَلْنا عقوبتَنا التى أحْلَلْناها بهم عُقوبةً لما بينَ يديها وما خلفَها، دونَ غيرِه مِن المعانى. وإذا كانت الهاءُ والألفُ بأن تكونَ مِن ذكرِ المَسْخةِ والعُقوبةِ أولى منها بأن تكونَ مِن ذكرِ غيرِها، فكذلك العائدُ في قولِه: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. مِن الهاءِ والألفِ، أن يكونَ مِن ذكرِ الهاءِ والألفِ اللتين في قولِه: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾. أولى مِن أن يَكونَ مِن غيرِه.\nفتأويلُ الكلامِ -إذا كان الأمرُ على ما وصَفْنا-: فقلنا لهم: كونوا قردةً خاسِئِين. فجعَلْنا عُقوبتَنا لهم عقوبةً لما بينَ يديها مِن ذنوبِهم السالفةِ منهم، مَسْخَنا إياهم، وعقوبتَنا لهم، ولما خلْفَ عقوبتِنا لهم مِن أمثالِ ذنوبهم، أن يَعْمَلَ بها عاملٌ، فيُمْسَخوا مثلَ ما مُسِخوا، وأن يَحِلَّ بهم مثلُ الذى حلَّ بهم. تَحْذيرًا مِن اللهِ تعالى ذكرُه عبادَه أن يَأْتوا مِن مَعاصِيه، مثلَ الذى أتَى المَمْسُوخون فيُعاقَبوا عقوبتَهم.\nوأما الذى قال في تأويلِ ذلك ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾: يعنى الحِيتانَ؛ عُقوبةً لما بينَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٦ إلى المصنف بنحوه.","vol":"2","page":72},{"text":"يدى الحِيتانِ مِن ذنوبِ القومِ وما بعدَها مِن ذنوبهم. فإنه أبْعَدَ في الانْتِزاعِ؛ وذلك أن الحِيتانَ لم يَجْرِ لها ذكرٌ فيُقالَ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن ذلك جائزٌ وإن لم يكنْ جرَى للحيتانِ ذكرٌ؛ لأن العربَ قد تَكْنِى عن الاسمِ ولم يَجْرِ له ذكرٌ، فإن ذلك وإن كان كذلك، فغيرُ جائزٍ أن يُتْرَكَ المفهومُ مِن ظاهرِ الكتابِ -والمعقولُ به ظاهرٌ في الخطابِ والتنزيلِ- إلى باطنٍ لا دلالةَ عليه مِن ظاهرِ التنزيلِ، ولا خبرٍ عن الرسولِ ﷺ منقولٍ، ولا فيه مِن الحجةِ إجماعٌ مُسْتَفِيضٌ.\nوأما تأويلُ مَن تأوَّل ذلك: لما بينَ يديها مِن القُرَى، وما خلفَها. فَيُنْظَرُ إلى تأويلِ مَن تأوَّل ذلك: بما بينَ يدى الحِيتانِ وما خلفَها.\n\n<span data-type='title' id=toc-270>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً﴾.</span>\nوالموعظةُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: وعَظْتُ الرجلَ أَعِظُه وَعْظًا ومَوْعِظةً. إذا ذكَّرْتَه.\nفتأويلُ الآيةِ: فجعَلْناها نَكالًا لمَا بينَ يديها وما خلفَها وتَذْكِرةً للمتقين، لِيَتَّعِظوا بها ويَعْتَبِرُوا ويَتَذَكَّروا بها.\nكما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَوْعِظَةً﴾. يقولُ: وتذكرةَ وعِبْرةً للمتقين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-271>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾.</span>\nوأما المُتَّقُون فهم الذين اتَّقَوْا بأداءِ فرائضِه واجْتِنابِ مَعاصِيه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٦ إلى المصنف.","vol":"2","page":73},{"text":"كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: للمؤمنين الذين يَتَّقُون الشِّركَ، ويَعْمَلون بطاعتى (^١).\nفجعَل تعالى ذكرُه ما أحَلَّ بالذين اعْتَدَوْا في السبتِ مِن عقوبتِه مَوْعِظةً للمتقين خاصَّةً، وعِبْرةً للمؤمنين دون الكافرين به إلى يومِ القيامةِ.\nكالذى حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن داودَ بنِ الحصينِ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾: إلى يومِ القيامةِ (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾. أى: بعدَهم (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: أما ﴿مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾: فهم أمةُ محمدٍ ﷺ (^٥).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال: فكانت موعظةً للمتقين خاصَّةً (^٦).\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ٢٣٨، ٢٣٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم ١/ ١٣٥ (٦٨٤) من طريق ابن إسحاق به.\n(^٣) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٥ عقب الأثر (٦٨٦) معلقا.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٨.\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٥ (٦٨٨) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.\n(^٦) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٥ (٦٨٥) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية.","vol":"2","page":74},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ في قولِه: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾. أى: لمَن بعدَهم.\n\n<span id=\"aya-74\"></span><span data-type='title' id=toc-272>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨)﴾.</span>\nوهذه الآيةُ مما وبَّخ اللهُ بها المخاطَبِين مِن بنى إسرائيلَ في نَقْضِ أوائلِهم الميثاقَ الذى أخَذه اللهُ عليهم بالطاعةِ لأنْبيائِه، فقال لهم: واذْكُروا أيضًا مِن نَكْثِكم مِيثاقى، ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ -وقومُه بنو إسرائيلَ، إذ ادَّارَءُوا في القَتيلِ الذى قُتِل فيهم إليه-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. والهُزُؤُ: اللَّعِبُ والسُّخْريةُ، كما قال الراجزُ (^١):\nقد هزِئَتْ منى أُمُّ طَيْسَلَهْ\nقالَتْ أَرَاهُ مُعْدِمًا لا شيءَ لَهْ\nيعنى بقولِه: قد هَزِئَت: قد سخِرَت ولعِبَت.\nولا يَنْبَغِى أن يَكونَ مِن أنْبياءِ اللهِ -فيما أخْبَرَتْ عن اللهِ مِن أمرٍ أو نهيٍ- هُزُؤٌ أو لعبٌ، فظنُّوا بموسى أنه في أمرِه إياهم -عن أمرِ اللهِ تعالى ذكرُه بذبحِ البقرةِ عندَ تَدَارُئِهم في القتيلِ إليه (^٢) - هازئٌ لاعبٌ، ولم يَكُنْ لهم أن يَظُنُّوا ذلك بنبىِّ اللهِ، وهو يُخْبِرُهم أن اللهَ هو الذى أمَرَهم بذبحِ البقرةِ.\n_________\n(^١) هو صخير بن عميرٍ التميمى، والرجز في الأصمعيات ص ٢٣٤، وأمالى القالى ٢/ ٢٨٤، وسمط اللآلى ص ٩٣٠، واللسان (ط س ل) على اختلاف في روايته.\n(^٢) بعده في م: \"أنه\".","vol":"2","page":75},{"text":"وحُذِفَت الفاءُ مِن قولِه: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. وهو جوابٌ، لاسْتِغْناءِ ما قبلَه مِن الكلامِ عنه، وحُسْنِ السكوتِ على قولِه: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. فجاز لذلك إسقاطُ الفاءِ مِن قولِه: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. كما جاز وحَسُن إسقاطُها مِن قولِه: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا﴾ [الحجر: ٥٧، ٥٨، والذاريات: ٣١، ٣٢]. ولم يَقُلْ: \"فقالوا: إنا أُرْسِلْنا\". ولو قيل: \"فقالوا\". كان حسنًا أيضًا جائزًا. ولو كان ذلك على كلمةٍ واحدةٍ لم تُسْقَطْ منه الفاءُ، وذلك أنك إذا قلتَ: قمتُ وفعَلتُ كذا وكذا. لم (^١) تَقُلْ: قمتُ فعلتُ كذا وكذا؛ لأنها عطفٌ لا استفهامٌ يُوقَفُ عليه.\nفأخْبَرَهم موسى -إذ قالوا له ما قالوا- أن المُخْبِرَ عن اللهِ جل ثناؤُه بالهُزْءِ والسخريةِ مِن الجاهِلِين، وبرَّأ نفسَه مما ظنُّوا به مِن ذلك، فقال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. يعنى: مِن السفهاءِ الذين يَرْوُون عن اللهِ الكذبَ والباطلَ.\nوكان سببَ قيلِ موسى لهم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ أيوبَ، عن محمد بنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: كان في بنى إسرائيلَ رجلٌ عَقيمٌ -أو عاقرٌ- قال: فقتَله وليُّه، ثم احْتَمَله، فألْقاه في سِبْطٍ غيرِ سِبْطِه. قال: فوقَع بينَهم فيه الشرُّ، حتى أخَذوا السلاحَ، قال: فقال أولو النُّهَى: أتَقْتَتِلون وفيكم رسولُ اللهِ؟ قال: فأتَوا نبىَّ اللهِ، فقال: اذْبَحوا بقرةً. فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾. قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ﴾. إلى قولِه: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال: فضُرِب، فأخْبَرَهم بقاتلِه. قال: ولم تُؤْخَذِ البقرةُ إلا بوزنِها ذهبًا. قال: ولو أنهم\n_________\n(^١) في النسخ: \"ولم\". والصواب ما أثبت.","vol":"2","page":76},{"text":"أخَذُوا أدْنى بقرةٍ لَأَجْزَأَت عنهم. فلم يُوَرَّثْ قاتلٌ بعدَ ذلك (^١).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: حدَّثنى أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قال: كان رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ، وكان غَنِيًّا، ولم يَكُنْ له ولدٌ، وكان له قريبٌ، وكان وارثَه، فقتَله ليَرِثَه، ثم ألْقاه على مَجْمَعِ الطريقِ، وأتَى موسى، فقال له: إن قريبى قُتِل، وأُتِى (^٢) إلىَّ أمرٌ عظيمٌ، وإنى لا أَجِدُ أحدًا يُبَيِّنُ لى مَن (^٣) قتَله غيرَك يا نبىَّ اللهِ. قال: فنادَى موسى في الناسِ: أَنْشُدُ اللهَ مَن كان عندَه مِن هذا علمٌ إلا بيَّنه لنا. فلم يَكُنْ عندَهم علمُه، فأقْبَل القاتلُ على موسى، فقال: أنت نبىُّ اللهِ، فاسْأَلْ لنا ربَّك أن يُبَيِّن لنا. فسأَل ربَّه، فأوْحَى اللهُ إليه: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. فعجِبوا وقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾. قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ﴾ -يعنى: لا هَرِمةٌ- ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾ -يعنى: ولا صغيرةٌ- ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ -أى: نَصَفٌ بينَ البِكْرِ والهَرِمةِ- قالوا ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾. قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ -أى: صافٍ لونُها- ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ -أى: تُعْجِبُ الناظِرِين- قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ -أى: لم يُذَلِّلْها العملُ- ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ -يعنى: ليستْ بذَلولٍ فتُثِيرَ الأرضَ- ﴿وَلَا تَسْقِي\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٤٨ عن معمر، عن أيوب به. وأخرجه آدم بن أبى إياس وعبد بن حميد في تفسيرهما -كما في تفسىير ابن كثير ١/ ١٥٤ - وابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٦ (٦٩٠)، والبيهقى ٦/ ٢٢٠ من طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في تفسير ابن كثير: \"وإنى\".\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":77},{"text":"الْحَرْثَ﴾ -يقولُ: ولا تَعْمَلُ في الحَرْثِ- ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ -يعنى: مُسَلَّمةٌ مِن العيوبِ- ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ -يقولُ: لا بَياضَ فيها- قالوا: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال: ولو أن القومَ حينَ أُمِرُوا أن يَذْبَحوا بقرةً اسْتَعْرَضوا بقرةً مِن البقرِ فذبَحوها، لَكانت إياها، ولكنَّهم شدَّدوا على أنفسِهم فشدَّد اللهُ عليهم، ولولا أن القومَ اسْتَثْنَوْا فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. لما هُدُوا إليها أبدًا، فبلَغَنا أنهم لم يَجِدوا البقرةَ التى نُعِتَت لهم إلا عندَ عَجوزٍ عندَها يَتامَى، وهى القَيِّمةُ عليهم، فلما علِمَت أنهم لا يَزْكو (^١) لهم غيرُها أضْعَفَت عليهم الثمنَ، فأتَوْا موسى فأخْبَروه أنهم لم يَجِدوا هذا النعتَ إلا عندَ فلانةَ، وأنها سأَلَتْهم أضعافَ ثمنِها، فقال لهم موسى: إن اللهَ قد كان خفَّف عليكم فشدَّدتُم على أنفسِكم، فأعْطُوها رِضاها وحُكْمَها. ففعَلوا واشْتَرَوْها، فذبَحوها، فأمَرَهم موسى أن يَأْخُذوا عَظْمًا منها فيَضْرِبوا به القَتيلَ، ففعَلوا، فرجَع إليه رُوحُه، فسمَّى لهم قاتلَه، ثم عاد ميتًا كما كان، فأخَذوا قاتلَه -وهو الذى كان أتَى موسى فشكَا إليه- فقتَله اللهُ على أسوأِ عملِه (^٢).\nحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. قال: كان رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ مُكْثِرًا مِن المالِ، وكانت له ابنةٌ، وكان له ابنُ أخٍ محتاجٌ، فخطَب إليه ابنُ أخيه ابنتَه، فأبَى أن يُزَوِّجَه إياها، فغضِب الفتى، وقال: واللهِ لَأَقْتُلَنَّ عمِّى، ولآخُذَنَّ\n_________\n(^١) أى لا يصلح.\n(^٢) أخرجه آدم بن أبى إياس في تفسيره -كما في تفسير ابن كثير ١/ ١٥٤ - ومن طريقه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤٠ عقب الأثر (٧١٦)، ١/ ١٤١، ١٤٢ (٧٢٤، ٧٢٩، ٧٣٠) مفرقا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٨، ٧٩ إلى المصنف مختصرًا.","vol":"2","page":78},{"text":"مالَه، ولأَنْكِحَنَّ ابنتَه، ولَآكُلَنَّ دِيتَه. فأتاه الفتى، وقد قَدِم تجارٌ في بعضِ أسْباطِ بنى إسرائيلَ، فقال: يا عمِّ، انْطَلِقْ معى، فخُذْ لى مِن تجارةِ هؤلاء القومِ لعلى أُصِيبُ فيها (^١)، فإنهم إذا رأَوْك معى أعْطَوْنى. فخرَج العمُّ مع الفتى ليلًا، فلمَّا بلَغ الشيخُ ذلك السِّبطَ قتَله الفتى، ثم رجَع إلى أهلِه، فلما أصْبَح جاء كأنه يَطْلُبُ عمَّه، كأنه لا يَدْرِى أين هو، فلم يَجِدْه، فانْطَلَق نحوَه، فإذا هو بذلك السِّبطِ مُجْتَمِعِين عليه، فأخَذَهم وقال: قتَلْتُم عمِّى، فأدُّوا إليَّ دِيَتَه. وجعَل يَبْكِى، ويَحْثُو الترابَ على رأسِه، ويُنادِى: واعمَّاه! فرفَعَهم إلى موسى، فقضَى عليهم بالديةِ، فقالوا له: يا رسول اللهِ، ادْعُ لنا حتى يَتَبَيَّنَ له مَن صاحبُه، فيُؤْخَذَ صاحبُ الجَريمةِ (^٢)، فواللهِ إن ديتَه علينا لَهَيِّنةٌ، ولكنا نَسْتَحِى أن نُعَيَّرَ به. فذلك حينَ يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. قالوا: نَسْأَلُك عن القَتيلِ، وعمَّن قتَله، وتَقولُ: اذْبَحوا بقرةً! أتَهْزَأُ بنا؟ قال موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ: فلو اعْتَرَضوا بقرةً فذبَحوها لَأَجْزَأَت عنهم، ولكنهم شدَّدُوا وتعَنَّتُوا موسى، فشدَّد اللهُ عليهم، فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾. قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ -والفارِضُ: الهَرِمةُ التى لا تَلِدُ، والبِكْرُ: التى لم تَلِدْ إلا ولدًا واحدًا، والعَوانُ: النَّصَفُ التى بينَ ذلك، التى قد وَلَدَت وولَد ولدُها- ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾. قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾. قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ -قال: تُعْجِبُ الناظرين- قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا\n_________\n(^١) في تفسير ابن كثير: \"منها\".\n(^٢) في ت ١، ت ٣: \"الفرجة\"، وفى ت ٢: \"المرحة\".","vol":"2","page":79},{"text":"ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ -مِن بَياضٍ، ولا سَوادٍ، ولا حُمْرةٍ- قالوا: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. فطلَبوها فلم يَقْدِروا عليها.\nوكان رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ مِن أبَرِّ الناسِ بأبيه، وأن رجلًا مرَّ به معه لؤْلُؤٌ يَبِيعُه، فكان أبوه نائمًا تحتَ رأسِه المِفْتاحُ، فقال له الرجلُ: تَشْتَرِى منى هذا اللؤلؤَ بسبعين ألفًا؟ فقال له الفتى: كما أنت حتى يَسْتَيْقِظَ أبي، فآخُذَه بثمانين ألفًا. فقال له الآخرُ: أيْقِظْ أباك، وهو لك بستين ألفًا. فجعَل التاجرُ يَحُطُّ له حتى بلَغ ثلاثين ألفًا، وزاد الآخرُ على أن يَنْتَظِرَ حتى يَسْتَيْقِظَ أبوه، حتى بلَغ مائةَ ألفٍ، فلما أكْثَر عليه قال: لا واللهِ، لا أَشْتَرِيه منك بشيءٍ أبدًا. وأبَى أن يُوقِظَ أباه، فعوَّضه اللهُ مِن ذلك اللؤلؤِ أن جعَل له تلك البقرةَ، فمرَّت به بنو إسرائيلَ يَطْلُبون البقرةَ، فأبْصَروا البقرة عندَه، فسأَلوه أن يَبِيعَهم إياها بقرةً ببقرةٍ، فأبَى. فأعْطَوْه ثنْتَيْن فأبَى، فزادُوه حتى بلَغوا عشرًا فأبَى، فقالوا: واللهِ لا نَتْرُكُك حتى نَأْخُذَها منك. فانْطَلَقوا به إلى موسى، فقالوا: يا نبيَّ اللهِ، إنا وجَدْنا البقرةَ عندَ هذا، فأبَى أن يُعْطِينَاها، وقد أَعْطَيْناه ثمنًا. فقال له موسى: أَعْطِهم بقرتَك. فقال: يا رسولَ اللهِ، أنا أحَقُّ بمالى. فقال: صدَقْتَ. وقال للقومِ، أرْضُوا صاحبَكم. فأعْطَوْه وزنَها ذهبًا فأبَى، فأضْعَفوا له مثلَ ما أعْطَوْه وزنَها، حتى أعْطَوْه وزنَها عشْرَ مراتٍ، فباعَهم إياها، وأخَذ ثمنَها، فقال: اذْبَحوها. فذبَحوها، فقال: اضْرِبوه ببعضِها، فضرَبوه بالبَضْعةِ التى بينَ الكَتِفَيْن فعاش، فسأَلوه: مَن قتَلك؟ فقال لهم: ابنُ أخى، قال: أَقْتُلُه، وآخُذُ مالَه، وأَنْكِحُ ابنتَه. فأخَذوا الغلامَ، فقتَلوه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال. ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، وحدَّثني يونُسُ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٦ - ١٤٣ (٦٩١، ٦٩٢، ٦٩٣، ٦٩٨، ٧٠٠، ٧١٦، ٧٢٨، ٧٣٨) مفرقا من طريق عمرو بن حماد به.","vol":"2","page":80},{"text":"أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، عن ابنِ زيدٍ، [وحدَّثني عن مُجاهِدٍ] (^١)، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، قال: حدَّثني خالدُ بنُ يزيدَ، عن مُجاهِدٍ، وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ (^٢) عبدِ الكَريمِ، قال: حدَّثني عبدُ الصَّمَدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبًا يَذْكُرُ، وحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ، وحَجَّاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ ومحمدِ بنِ قيسٍ، وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمى، قال: أخْبَرَني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ. فذكَر جميعُهم أن السببَ الذى مِن أجلِه قال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ نحوُ السببِ الذى ذكَره عَبيدةُ وأبو العاليةِ والسُّدىُّ، غيرَ أن بعضَهم ذكَر أن الذى قتَل القَتيلَ الذى اخْتُصِم في أمرِه إلى موسى كان أخا المقتولِ، وذكَر بعضُهم أنه كان ابنَ أخيه. وقال بعضُهم: بل كانوا جَماعةً وَرَثةً اسْتَبْطئوا حياتَه. إلا أنهم جميعًا مُجْمِعون على أن موسى إنما أمَرهم بذبحِ البقرةِ مِن أجلِ القَتيلِ إذ احْتَكموا إليه -عن أمرِ اللهِ إياهم بذلك- فقالوا له: وما ذَبْحُ البقرةِ يُبيِّنُ لنا خُصومَتَنا التى اخْتَصَمْنا فيها إليك في قتلِ مَن قُتِل، فادُّعِى على بعضِنا أنه القاتل، أتَهْزَأُ بنا؟\nكما حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قُتِل قَتيلٌ مِن بنى إسرائيلَ، فطُرِح في سِبْطٍ مِن الأسْباطِ، فأتَى أهلُ ذلك القَتيلِ إلى ذلك السِّبْطِ، فقالوا: أنتم واللهِ قتَلْتُم صاحبَنا؟ قالوا: لا واللهِ. فأتَوْا موسى، فقالوا: هذا قَتيلُنا بينَ أظْهُرِهم، وهم واللهِ قتَلوه. فقالوا: لا واللهِ يا نبيَّ اللهِ، طُرِح علينا. فقال لهم\n_________\n(^١) كذا في النسخ، والصواب حذفه. وتفسير ابن زيد مشهور.\n(^٢) في النسخ: \"عن\". وهو خطأ وقد تقدم في ١/ ٧٠١، ٧٠٩، وسيأتي في ص ١١٥ بهذا الإسناد على الصواب.","vol":"2","page":81},{"text":"موسى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. فقالوا: أتَسْتَهْزِئُ بنا؟ وقرَأ قولَ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. قالوا: نَأْتِيك فنَذْكُرُ قَتيلَنا والذى نحن فيه، فتَسْتَهْزِئُ بنا؟ فقال موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ، وحجاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ ومحمدِ بنِ قيسٍ: لمَّا أتَى أولياءُ القَتيلِ والذين ادَّعَوا عليهم قتلَ صاحبِهم، موسى، وقصُّوا قصتَهم عليه، أوْحَى اللهُ إليه أن يَذْبَحوا بقرةً، فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. قالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. قالوا: وما البقرةُ والقَتيلُ؟ قال: أقولُ لكم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. وتقولون: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-75\"></span>قال أبو جعفرٍ: فقال الذين قيل لهم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ -بعد أن عَلِموا واسْتَقَرَّ عندَهم أن الذى أمَرَهم به موسى ﵇ مِن ذلك عن أمرِ اللهِ مِن ذَبْحِ بقرةٍ، جِدٌّ وحقٌّ-: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾. فسأَلوا موسى أن يَسْأَلَ ربَّه لهم ما كان اللهُ قد كفاهم بقولِه لهم: اذبَحوا بقرةً. لأنه جلَّ ثناؤُه إنما أمَرهم بذبحِ بقرةٍ مِن البقرِ -أيُّ بقرةٍ شاءوا ذبْحَها، مِن غيرِ أن يَحْصُرَ لهم ذلك على نوعٍ منها دونَ نوعٍ، أو صِنفٍ دونَ صنفٍ- فقالوا بجَفاءِ أخْلاقِهم وغِلَظِ طَبائِعهم وسُوءِ أفهامِهم، وتكلُّفِ ما قد وضَع اللهُ عنهم مَئُونتَه؛ تَعنُّتًا منهم لرسولِ اللهِ ﷺ، كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثني عمى، قال: حدَّثني أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، مال: لما قال لهم موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ\n_________\n(^١) قال ابن كثير في تفسيره ١/ ١٥٧: هذه السياقات عن عبيدة وأبي العالية والسدي وغيرهم فيها اختلاف ما، والظاهر أنها مأخوذة من كتب بنى إسرائيل، وهى مما يجوز نقلها، ولكن لا نصدق ولا نكذب، فلهذا لا نعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا، والله أعلم.","vol":"2","page":82},{"text":"الْجَاهِلِينَ﴾. قالوا له يَتَعَنَّتونه: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾.\nفلمَّا تكَلَّفوا جهلًا منهم ما تكَلَّفوا -مِن البحثِ عما كانوا قد كُفُوه مِن صفةِ البقرةِ التى أُمِروا بذبحِها؛ تَعَنُّتًا منهم بنبيِّهم موسى، صلواتُ اللهِ عليه، بعدَ الذى كانوا أظْهَروا له مِن سُوءِ الظنِّ به فيما أخْبَرَهم عن اللهِ. جلَّ ثناؤُه بقولِهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ - عاقَبهم ﷿ بأن خصَّ بذبحِ ما كان أمَرهم بذبحِه مِن البقرِ، على نوعٍ منها دونَ نوعٍ، فقال لهم جلَّ ثناؤُه -إذ سأَلوه، فقالوا: ما هى، ما صفتُها، وما حِلْيتُها (^١)؟ حَلِّها لنا لنَعْرِفَها.- قال: ﴿يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾.\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَا فَارِضٌ﴾: لا مُسِنَّةٌ هَرِمةٌ. يقالُ منه: فَرَضَت البقرةُ تَفْرِضُ فُروضًا، [وفرُضت] (^٢). يعنى بذلك: أسَنَّتْ. ومِن ذلك قولُ الشاعرِ (^٣):\nيا رُبَّ ذى ضِغْنٍ علىَّ فارِضِ\nله قُروءٌ كقُروءِ الحائِضِ (^٤)\nيعنى بقولِه: \"فارض\". قديمٌ: يَصِفُ ضِغْنًا قديمًا. ومنه قولُ الآخَرِ (^٥)\nلها (^٦) زِجاجٌ (^٧) ولَهاةٌ فارِضُ (^٨)\n_________\n(^١) الحلية: الصفة. وحلِّها: صِفْها. انظر اللسان (ح ل ى).\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) مجالس ثعلب ص ٣٦٤، والمعاني الكبير ٢/ ٨٥٠، ٨٥١، والحيوان ٦/ ٦٧، والأضداد ص ٢٨ وغيرها.\n(^٤) القروء: جمع قرء، وهو وقت الحيض. قال الجاحظ: كأنه ذهب إلى أن حقده يخبو تارة ثم يستعر، ثم يخبو ثم يستعر.\n(^٥) البيت الأول في اللسان (ز ج ج)، والثانى في المخصص ١/ ١٦٢.\n(^٦) في م: \"له\"، والتصويب من اللسان.\n(^٧) الزِّجاج: هى الأنياب، على الاستعارة، وأصل الزُّجّ: الحديدة التي تركب أسفل الرمح، يركز به الرمح في الأرض. انظر التاج (ز ج ج).\n(^٨) معناها هنا: العظيمة الضخمة. وانظر اللسان (ف ر ض).","vol":"2","page":83},{"text":"حَدْلاءُ كالوَطْبِ نَحَاهُ الماخِضُ (^١)\nوبمثلِ الذى قلنا في تأويلِ ﴿فَارِضٌ﴾ قال المُتَأوِّلون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ الكِنْديُّ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿لَا فَارِضٌ﴾. قال: لا كبيرةٌ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ عَطِيَّةَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن خُصَيفٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أو عن عِكْرمةَ -شكَّ شَريكٌ-: ﴿لَا فَارِضٌ﴾. قال: الكبيرةُ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: أخْبَرَني أبي، قال: حدَّثني عمى، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا فَارِضٌ﴾. الفارضُ الهَرِمةُ.\nحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا فَارِضٌ﴾. يقولُ: ليست بكبيرةٍ هَرِمةٍ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا فَارِضٌ﴾: الهَرِمةُ (^٤).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هدلاء كالوطب تجاه الماخض\". والمثبت من المخصص. قال في المخصص: رجل أحدل وامرأة حدلاء. قال: والأحدل من الرجال الذى في منكبيه ورقبته انكباب إلى صدره.\nوالوطب: سقاء اللبن من جلد. ونحاه: صرفه وأماله. والماخض من: مخض اللبن، إذا أخذ زبده.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٧، ١٣٨ (٦٩٥، ٧٠١) من طريق عبد السلام بن حرب به.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٧ عقب الأثر (٦٩٤) معلقًا عن عكرمة.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٧ (٦٩٤) من طريق ابن جريج به. =","vol":"2","page":84},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: الفارضُ الكبيرةُ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿لَا فَارِضٌ﴾ قال: الكبيرةُ.\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿لَا فَارِضٌ﴾: يعنى: لا هَرِمةٌ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: الفارضُ الهَرِمةُ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال مَعْمَرٌ: قال قَتادةُ: الفارضُ الهَرِمةُ. يقولُ: ليست بالهَرِمةِ ولا البِكرِ، عَوانٌ بينَ ذلك (^٥).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: الفارضُ الهَرِمةُ التى لا تَلِدُ (^٦).\n_________\n= وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٧، ٧٨ إلى ابن المنذر وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس. وينظر التحفة ٥/ ٩٠، وتهذيب الكمال ٢٠/ ١١٥، والفتح ٨/ ٦٦٧، ٩/ ٤١٨، وهدى السارى ص ٣٧٤.\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٠٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٧ عقب الأثر (٦٩٤) من طريق آدم به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٧ عقب الأثر (٦٩٤) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٧ عقب الأثر (٦٩٤) معلقًا.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٨.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٧ عقب الأثر (٦٩٤) من طريق عمرو به.","vol":"2","page":85},{"text":"وحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: الفارضُ الكبيرةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-273>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾.</span>\nو\"البِكْرُ\" مِن إناثِ البَهائمِ وبنى آدمَ ما لم يَفْتَحِلْه الفَحْلُ، وهي مَكْسورةُ الباءِ، لم يُسْمَعْ منه \"فَعَل\" ولا \"يَفْعَل\". وأما \"البَكْرُ\" بفتحِ الباءِ فهو الفَتِىُّ مِن الإبلِ.\nوإنما عنَى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾: ولا صَغيرةٌ لم تَلِدْ.\nكما حدَّثنى علىُّ بنُ سعيدٍ الكِنْدىُّ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾: صغيرةٌ (^١).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: البِكْرُ الصغيرةُ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عَطِيَّةَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن خُصَيفٍ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ، أو عكرمةَ -شكَّ (^٣) -: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾. قال: الصغيرةُ (^٤).\nحدثَّنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ الخُراسانىِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾: الصغيرةُ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٧ (٦٩٥) من طريق عبد السلام بن حرب به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٠٦.\n(^٣) يعني شريكًا، كما تقدم في ص ٨٤.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٧ عقب الأثر (٦٩٨) معلقًا عن عكرمة.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٧ (٦٩٦) من طريق ابن جريج به.","vol":"2","page":86},{"text":"قَتادةَ: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾: ولا صَغيرةٌ (^١).\nحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾: ولا صغيرةٌ ضَعيفةٌ (^٢).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾: يعني: ولا صغيرةٌ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، مثلَه.\nوحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ في \"البكرِ\": لم تَلِدْ إلا ولدًا واحدًا (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-274>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿عَوَانٌ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: العَوانُ النَّصَفُ التي قد ولَدَت بَطْنًا بعدَ بطنٍ، وليست بنعتٍ للبِكْرِ. يقالُ منه: قد عوَّنَتْ. إذا صارت كذلك.\nوإنما معنى الكلامِ: قال: إنه يَقولُ: إنها بقرةٌ لا فارضٌ ولا بكرٌ (^٥)، عَوانٌ بينَ ذلك. ولا بَجوزُ أن يَكونَ ﴿عَوَانٌ﴾ إلا مبتدأً؛ لأنَّ قولَه: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ كِنايةٌ عن الفارِضِ والبِكْرِ، فلا يجوزُ أن يَكونَ مُتَقَدِّمًا عليهما. ومنه قولُ الأخْطَلِ (^٦):\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٧ عقب الأثر (٦٩٨) معلقًا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٧ (٦٩٧) عن أبي زرعة، عن منجاب به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٧ عقب الأثر (٦٩٨) من طريق آدم به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٧ (٦٩٨) من طريق عمرو به.\n(^٥) بعده في م: \"بل\".\n(^٦) شرح ديوان الأخطل ص ٨٣.","vol":"2","page":87},{"text":"وما بمكةَ (^١) مِن شُمْطٍ مُحَفِّلةٍ … وما بيَثْرِبَ مِن عُونٍ وأبْكارِ (^٢)\nوجمعُها عُونٌ، يُقالُ: امرأةٌ عَوانٌ مِن نِسوةٍ عُونٍ، ومنه قولُ تَمِيمِ بنِ مُقْبِلٍ (^٣):\nومَأْتَمٍ (^٤) كالدُّمَى حُورٍ مَدامِعُها … لم تَيْأَسِ (^٥) العَيْشَ أبْكارًا ولا عُونَا\nو\"بقرةٌ عَوانٌ\"، و\"بقرٌ عُونٌ\". قال: وربما قالت العربُ: \"بقرٌ عُونٌ\"، مثلَ \"رُسُلٍ\"؛ يَطْلُبون بذلك الفرقَ بينَ جمعِ \"عَوانٍ\" مِن البقرِ، وجمعِ \"عَانَةٍ\" مِن الحُمُرِ، ويقالُ: هذه حربٌ عَوانٌ. إذا كانت حربًا قد قُوتِل فيها مرةً بعدَ مرةٍ، يُمَثَّلُ ذلك بالمرأةِ التي قد ولَدَت بطنًا بعدَ بطنٍ، وكذلك يُقالُ: حاجةٌ (^٦) عَوَانٌ. إذا كانت قد قُضِيَت مرةً بعدَ مرةٍ.\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ أن ابنَ زيدٍ أنْشَدَه:\nقُعودٌ لَدَى الأبْوابِ طُلَّابُ حاجةٍ … عَوَانٍ مِن الحاجاتِ أو حاجةً بِكْرَا\nقال أبو جعفرٍ: والبيتُ للفَرَزْدقِ (^٧).\nوبنحوِ الذي قلْنا فى ذلك تأوَّله أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا علىُّ بنُ سعيدٍ الكِنْدىُّ، ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن خُصَيفٍ، عن\n_________\n(^١) في المصدر: \"بزمزم\".\n(^٢) الشمط، جمع أشمط وشمطاء، والشمط: بياض شعر الرأس يخالط سواده. ومحفلة: من الحفيل والاحتفال وهو الجد والاجتهاد.\n(^٣) ديوانه ص ٣٢٥.\n(^٤) المأتم: جماعة النساء أو الرجال في خير أو شر. اللسان (أ ت م).\n(^٥) في الديوان: \"تبأس\".\n(^٦) في م: \"حالة\".\n(^٧) ديوان الفرزدق ص ٢٢٧.","vol":"2","page":88},{"text":"مُجاهِدٍ: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وَسَطٌ، قد ولَدَتْ بطنًا أو بطنَيْن (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿عَوَانٌ﴾ قال: العَوانُ: العانِسُ النَّصَفُ (^٢).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: العوانُ: النَّصَفُ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ عَطِيةَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن خُصَيفٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أو عكرمةَ -شكَّ شَريكٌ- ﴿عَوَانٌ﴾. قال: بينَ ذلك (^٤).\nحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿عَوَانٌ﴾. قال: بينَ الصغيرةِ والكبيرةِ، وهي أقوى ما يكونُ مِن البقرِ والدَّوابِّ، وأحسنُ ما يكونُ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ الخُراسانىِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿عَوَانٌ﴾ قال: النَّصَفُ.\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٨ (٧٠١) من طريق عبد السلام بن حرب به. وأخرجه عبد بن حميد -كما في تفسير ابن كثير ٢/ ٥٠٦، تحقيق أبي إسحاق الحوينى- من طريق خصيف به.\n(^٢) أخرجه عبد بن حميد -كما في تفسير ابن كثير ٣/ ٥٠٦، تحقيق أبي إسحاق الحوينى- من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٠٦.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٨ عقب أثر (٦٩٩) معلقًا عن عكرمة.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٨ (٦٩٩) من طريق منجاب به.","vol":"2","page":89},{"text":"﴿عَوَانٌ﴾ نَصَفٌ (^١).\nوحُدِّثْتُ عن عمارٍ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ: العَوانُ نَصَفٌ بينَ ذلك (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال. ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرىُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿عَوَانٌ﴾: التي (^٣) تُنْتَجُ شيئًا بشرطِ [أن تَكونَ] (^٤) التي قد نُتِجَت بَكْرةً أو بَكْرتَيْن.\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: العَوانُ النَّصَفُ التي بينَ ذلك، التي قد وَلَدَت وولَدَ ولدُها (^٥).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: العَوانُ بينَ ذلك ليست ببكرٍ ولا كبيرةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-275>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾.</span>\nيعني بقولِه: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾: بينَ البِكْرِ والهَرِمةِ.\nكما حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾. أي: بينَ البِكْرِ والهَرِمةِ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٨ عقب الأثر (٦٩٩) من طريق آدم به.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٨ عقب الأثر (٦٩٩) معلقًا.\n(^٣) بعده في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لم\".\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٨ (٧٠٠) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٨ عقب الأثر (٦٩٩) من طريق آدم به.","vol":"2","page":90},{"text":"فإن قال قائلٌ: قد علِمْتَ أن \"بينَ\" لا تَصْلُحُ إلا أن تَكونَ مع شيئَيْن فصاعدًا، فكيف قيل: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾. و﴿ذَلِكَ﴾ واحدٌ في اللفظِ؟\nقيل: إنما صلَحَت مع كونِها واحدةً؛ لأنَّ \"ذلك\" بمعنى اثنين، والعربُ تَجْمَعُ في \"ذلك\" و\"ذاك\" شيئين ومعنيَيْن مِن الأفعالِ، كما يقولُ القائلُ: أَظُنُّ أخاك قائمًا، وكان عمرٌو أباك. ثمَّ يقولُ: قد كان ذاك، وأَظُنُّ ذلك. فيَجْمَعُ بـ\"ذاك\" و\"ذلك\" الاسمَ والخبرَ الذي كان لابد لـ \"أظنُّ\" (^١) و\"كان\" منهما.\nفمعنى الكلامِ: قال: إنه يقولُ: إنها بقرةٌ لا مُسِنَّةٌ هَرِمةٌ، ولا صَغيرةٌ لم تَلِدْ، ولكنها بقرةٌ نَصَفٌ قد وَلَدَت بطنًا بعدَ بطنٍ بينَ الهَرَمِ والشبابِ. فجمَع ﴿ذَلِكَ﴾ معنى الهَرَمِ والشبابِ، لما وصَفْنا، ولو كان مكانَ \"الفارِضِ والبِكْرِ\" اسمَا شخصَيْن لم يُجْمَعْ مع \"بينَ\" \"ذلك\"، وذلك أن \"ذلك\" لا يُؤَدِّى عن اسمِ شخصين، وغيرُ جائزٍ لمَن قال: كنتُ بينَ زيدٍ وعمرٍو. أن يقولَ: كنتُ بينَ ذلك. وإنما يَكونُ ذلك مع أسماءِ الأفعالِ دون أسماءِ الأشخاصِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-276>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨)﴾.</span>\nيقولُ اللهُ لهم جلَّ ثناؤُه: افْعَلوا ما آمُرُكم به تُدْرِكوا حاجاتِكم وطَلباتِكم عندي، واذْبَحوا البقرةَ التي أمَرْتُكم بذبحِها، تَصِلوا -بانتهائِكم إلى طاعتى بذبحِها- إلى العلمِ بقاتلِ قَتيلِكم.\n\n<span id=\"aya-76\"></span><span data-type='title' id=toc-277>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾.</span>\nومعنى ذلك: قال قومُ موسى لموسى: ادعُ لنا ربَّك يُبَيِّنْ لنا لونَ البقرةِ التي\n_________\n(^١) في النسخ: \"للظن\". والمثبت هو الصواب.","vol":"2","page":91},{"text":"أمَرْتَنا بذبحِها. وهذا أيضًا تعنُّتٌ آخرُ منهم بعدَ الأولِ، وتكلُّفُ طلبِ ما قد كانوا كُفوه في المرةِ الثانيةِ والمسألةِ الآخِرةِ، وذلك أنهم لم يكونوا حُصِروا في المرةِ الثانيةِ، إذ قيل لهم بعد مسألتِهم عن حِلْيةِ البقرةِ التي كانوا أُمِروا بذبحِها، فأبَوْا إلا تكلُّفَ ما قد كُفُوه مِن المسألةِ عن صفتِها، فحُصِروا على نوعٍ دونَ سائرِ الأنواعِ؛ عقوبةً مِن اللهِ لهم على مَسألتِهم التى سأَلوها نبيَّهم ﷺ تعنُّتًا منهم له، ثمَّ لم يَحْصُرْهم على لونٍ منها دونَ لونٍ، فأبَوْا إلا تَكَلُّفَ ما كانوا عن تَكَلُّفِه أغْنِياءَ، فقالوا -تعنُّتًا منهم لنبيِّهم ﷺ كما ذكَر ابنُ عباسٍ-: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ فقيل لهم عقوبةً لهم: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ فحُصِروا على لونٍ منها دونَ لونٍ، ومعنى ذلك: أن البقرةَ التي أمَرْتُكم بذبحِها صفراءُ فاقعٌ لونُها.\nقال ومعنى قولِه: ﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾: أىُّ شيءٍ لونُها؟ فلذلك كان اللونُ مرفوعًا؛ لأنه مُرافَعُ \"ما\"، وإنما لم يُنْصَبْ \"ما\" بقولِه: ﴿يُبَيِّنْ لَنَا﴾ لأنَّ أصلَ \"أىٍّ\" و\"ما\" جمعُ مُتَفَرِّقِ الاستفهامِ. يقولُ (^١) القائلُ: بَيِّنْ لنا أسوداءُ هذه البقرةُ أم صفراءُ؟ فلما لم يَكُنْ [لقولِه: بيِّنْ لنا. أن يقعَ على الاستفهامِ متفرِّقًا، لم يكنْ له أن يقعَ] (^٢) على \"أىٍّ\"؛ لأنه جمعُ ذلك المتفرِّقِ، وكذلك كلُّ ما كان مِن نظائرِه، فالعملُ فيه واحدٌ في \"ما\" و\"أىٍّ\".\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿صَفْرَاءُ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: سوداءُ شديدةُ السَّوادِ.\n_________\n(^١) في النسخ: \"كقول\". والمثبت يقتضيه السياق.\n(^٢) في النسخ: \"كقوله بين لنا ارتفع على الاستفهام منصرفا لم يكن له ارتفع\". والمثبت هو الصواب. وينظر معانى القرآن للفراء ١/ ٤٦ - ٤٨.","vol":"2","page":92},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك منهم\nحدَّثنى أبو مسعودٍ إسماعيلُ بنُ مسعودٍ الجَحْدرىُّ، قال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، عن محمدِ بنِ سيفٍ، عن الحسنِ: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ قال: سوداءُ شديدةُ السَّوادِ (^١).\nحدَّثنى أبو زائدةَ زكريا بنُ يحيى بنِ أبى زائدةَ والمثنى بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، عن محمدِ بنِ سيفٍ، عن أبى رَجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه (^٢).\nوقال آخَرون: معنى ذلك: صفراءُ القَرْنِ والظِّلْفِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى هشامُ بنُ يونُسَ النَّهْشَلىُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن أشْعثَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. قال: صفراءُ القَرنِ والظِّلْفِ.\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنى هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن كَثيرِ بنِ زيادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. قال: كانت وَحْشِيَّةً (^٣).\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن إبراهيمَ، عن أبى حفصٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١٩٢ - تفسير)، وابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٩ (٧٠٩) من طريق نوح بن قيس به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤٠ (٧١٥) من طريق مسلم بن إبراهيم به. وقال ابن كثير في تفسيره ١/ ١٥٨: وهذا غريب.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٨ (٧٠٤) من طريق هشيم به.","vol":"2","page":93},{"text":"مَغْراءَ، أو عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: ﴿بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. قال: صفراءُ القَرْنِ والظِّلْفِ (^١).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: هى صَفْراءُ.\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا الضَّحَّاكُ بنُ مَخْلَدٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ قال: لو أخَذُوا بقرةً صَفراءَ لأَجْزَأَت عنهم (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأَحْسَبُ أن الذى قال في قولِه: ﴿صَفْرَاءُ﴾: يَعْنى به سوداءَ. ذهَب إلى قولِه (^٣) في نعتِ الإبلِ السودِ: هذه إبلٌ صُفْرٌ، وهذه ناقةٌ صفراءُ. يعْنى بها سوداءَ، وإنما قيل ذلك في الإبلِ لأن سوادَها يَضْرِبُ إلى الصُّفْرةِ، ومنه قولُ الشاعرِ (^٤):\nتلك خَيْلِى منه (^٥) وتلك رِكابِى (^٦) … هن صُفْرٌ أولادُها كالزَّبِيبِ\nيعنى بقولِه: عن صُفْرٌ: هن سُودٌ، وذلك إن وُصِفَت الإبلُ به فليس مما تُوصَفُ به البقرُ، مع أن العربَ لا تَصِفُ السَّوادَ بالفُقوعِ، وإنما تَصِفُ السوادَ -إذا وصَفَتْه بالشِّدةِ- بالحُلوكةِ ونحوِها، فتقولُ: هو أسودُ\n_________\n(^١) إبراهيم هو ابن يزيد الخوزى متروك. وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٩ (٧٠٨) من طريق ليث بن أبى سليم، عن مغراء، عن سعيد بن جبير. وأخرجه ابن أبى حاتم أيضًا ١/ ١٣٩ (٧٠٧) من طريق شريك، عن الأعمش، عن مغراء، عن ابن عمر في قوله: ﴿صَفْرَاءُ﴾. قال صفراء الظلف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٠٥، ومن طريقه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٩ (٧٠٦).\n(^٣) كذا في النسخ، ولعل صوابها: \"قولهم\".\n(^٤) هو الأعشى الكبير، والبيت في ديوانه ص ٦٨.\n(^٥) في م: \"منها\".\n(^٦) الركاب: الإبل التى يسار عليها، واحدتها راحلة، ولا واحد لها من لفظها. التاج (ر ك ب).","vol":"2","page":94},{"text":"حالكٌ وحانِكٌ وحُلْكُوكٌ، وأسودُ غِرْبيبٌ ودَجُوجىٌّ. ولا تقولُ: هو أسودُ فاقعٌ. وإنما تقولُ: هو أصفرُ فاقعٌ. فوصْفُه إياه بالفُقوعِ مِن الدليل البينِ على خلافِ التأويلِ الذى تأوَّل قولَه: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ المتأوِّلُ بأن معناه سوداءُ شديدةُ السوادِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-278>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.</span>\nيعنى: خالصٌ لونُها. والفُقوعُ في الصُّفْرةِ نظيرُ النُّصُوعِ في البَياضِ، وهو شِدَّتُه وصَفاؤُه.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، قال: قال قَتادةُ: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾: هى الصافى لونُها (^١).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. أى: صافٍ لونُها (^٢).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثلِه (^٣).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿فَاقِعٌ﴾. قال: نَقِىٌّ لونُها (^٤).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾: شديدةُ الصُّفْرةِ، تَكادُ مِن\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٩ عقب الأثر (٧١١) من طريق آدم به.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٩ عقب الأثر (٧١١) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٩ عقب الأثر (٧١١) من طريق عمرو بن حماد به.","vol":"2","page":95},{"text":"صُفرتِها تَبْيَضُّ (^١). قال أبو جعفرٍ: أُراه أبيضَ.\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. قال: شديدةٌ صفرتُها.\nيقالُ منه: فقَع لونُه يَفْقَعُ، ويَفْقُعُ، فَقْعًا وفُقوعًا فهو فاقعٌ. كما قال الشاعرُ:\nحمَلْتُ عليه الوَرْدَ (^٢) حتى ترَكْتُه … ذَليلًا يَسُفُّ التُّرْبَ واللَّوْنُ فاقعُ\n\n<span data-type='title' id=toc-279>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾.</span>\nيعنى بقولِه: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾: تُعْجِبُ هذه البقرةُ، في حُسنِ خَلْقِها ومَنظرِها وهَيئتِها، الناظرَ إليها.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ أى: تُعْجِبُ الناظِرِين (^٣).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثنى عبدُ الصَّمَدِ بنُ مَعْقلٍ، أنه سمِع وهبًا: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾: إذا نظَرْتَ إليها يُخَيَّلُ إليك أن شُعاعَ الشمسِ يَخْرُجُ مِن جلدِها (^٤).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ قال: تُعْجِبُ الناظِرِين (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤٠ (٧١٤) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) الورد من الخيل: بين الكميت والأشعر.\n(^٣) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤٠ عقب الأثر (٧١٦) معلقًا.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤٠ (٧١٧) من طريق إسماعيل بن عبد الكريم به.\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤٠ (٧١٦) من طريق عمرو بن حماد به.","vol":"2","page":96},{"text":"<span id=\"aya-77\"></span><span data-type='title' id=toc-280>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يعنى بقوله: ﴿قَالُوا﴾: قال قومُ موسى الذين أُمِروا بذبحِ البقرةِ، لموسى. فترَك ذكرَ \"موسى\"، وذكَر عائدَ ذكرِه اكْتِفاءً بما دلَّ عليه ظاهرُ الكلامِ. وذلك أن معنى الكلامِ: قالوا له: ادْعُ لنا ربَّك. فلم يَذْكُرْ \"له\" لما وصَفْنا.\nوقولُه: ﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ خبرٌ مِن اللهِ عن القومِ بجَهْلةٍ منهم ثالثةٍ، وذلك أنهم لو كانوا إذ أُمِروا بذبحِ البقرةِ ذبَحوا أيَّتَها تَيَسَّرَتْ مما يَقَعُ عليه اسمُ بقرةٍ كانت عنهم مُجْزِئةً، ولم يَكُنْ عليهم غيرُها، لأنهم لم يَكُونوا كُلِّفوها بصفةٍ دون صفةٍ، فلمَّا سأَلوا بيانَها بأيَّةِ صفةٍ هى، فبيَّن لهم أنها بسِنٍّ مِن الأسْنانِ دونَ سِنِّ سائرِ الأسْنانِ، فقيل لهم: هى عَوانٌ بينَ الفارِضِ والبِكْرِ الضَّرَعِ (^١). فكانوا -إذ بُيِّنَتْ لهم سنُّها- لو ذبَحوا أدْنَى بقرةٍ بالسنِّ التى بُيِّنَت لهم كانت عنهم مُجْزِئةً؛ لأنهم لم يَكُونوا كُلِّفوها بغيرِ السنِّ التى حُدَّتْ لهم، ولا كانوا حُصِروا على لونٍ منها دونَ لونٍ، فلما أبَوْا إلا أن تكونَ مُعَرَّفةً لهم بنُعوتِها، مُبَيَّنةً بحُدودِها التى تُفَرِّقُ بينَها وبينَ سائرِ بَهائمِ الأرضِ، فشدَّدوا على أنفسِهم، شدَّد (^٢) اللهُ عليهم بكثرةِ سُؤالِهم نبيَّهم واختلافِهم عليه.\nولذلك قال نبيُّنا ﷺ لأُمَّتِه: \"ذرَونى ما ترَكْتُكم، فإنما أُهلك مَن كان قبلَكم بكثرةِ سؤالِهم واختلافِهم على أنبيائِهم، فإذا أمَرْتُكم بشيءٍ فأْتُوه، وإذا نهَيْتُكم عن\n_________\n(^١) الضَّرَعُ، بالتحريك، والضارع: الصغير من كل شيء. وقيل: الصغير السن الضعيف الضاوى النحيف. اللسان (ض ر ع).\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فشدد\".","vol":"2","page":97},{"text":"شيءٍ فانْتَهُوا عنه ما اسْتَطَعْتُم\" (^١).\nقال أبو جعفرٍ: ولكنَّ القومَ لما زادوا نبيَّهم موسى ﷺ أذًى وتَعنُّتًا، زادهم اللهُ عقوبةً وتشديدًا.\nكما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال؛ ثنا عَثَّامُ بنُ علىٍّ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لو أخَذوا أدْنَى بقرةٍ اكْتَفَوْا بها، لكنهم شدَّدوا فشدَّد اللهُ عليهم (^٢).\nحدَّثنا محمد (^٣) بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ، قال: سَمِعْتُ أيوبَ، عن محمدِ بنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: لو أنَّهم أخَذُوا أدْنَى بقرةٍ لأَجْزَأَت عنهم.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن هشامِ بنِ حسانَ، جميعًا عن ابنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ السَّلْمانىِّ، قال: سأَلوا وشدَّدوا، فشُدِّد عليهم.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا ابنُ عُيَيْنةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عكرمةَ، قال: لو أخَذ بنو إسرائيلَ بقرةً لأَجْزَأَت عنهم، ولولا قولُهم: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ما وجَدُوها (^٤).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١٢/ ٣٢٥، ٤٦٨ (٧٣٦٧، ٧٥٠١)، والبخارى (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧) من حديث أبى هريرة.\nوقوله: \"فإذا أمرتكم بشئ فأتوه، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه ما استطعتم\". خطأ، صوابه: \"فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم\". وانظر الفتح ١٣/ ٢٦٠ - ٢٦٣.\n(^٢) ذكره ابن كثير ١/ ١٥٨ عن المصنف. وقال: إسناد صحيح. وقد رواه غير واحد عن ابن عباس.\n(^٣) في م، ت ١: \"عمر\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"عمرو\". وتقدم على الصواب كما أثبتناه في ص ٧٦.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٠، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٩٣ - تفسير) عن ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، يبلغ به النبي ﷺ. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٧ إلى الفريابى وابن المنذر مرفوعًا.","vol":"2","page":98},{"text":"عن مُجاهِدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾: لو أخَذُوا بقرةً ما كانت لأَجْزَأَت عنهم، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾. قال: لو أخَذُوا بقرةً مِن هذا الوصفِ لأَجْزَأَت عنهم، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. قال: لو أخَذوا بقرةً صفراءَ لأجزأتْ عنهم، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ الآية (^١).\nحدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ بنحوِه، وزاد فيه: ولكنهم شدَّدوا فشُدِّد عليهم.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مُجاهِدٌ: لو أخَذُوا بقرةً ما كانت، أَجْزَأَت عنهم. قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال لى عَطاءٌ: لو أخَذُوا أدْنَى بقرةٍ كفَتْهم. قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إنما أُمِرُوا بأدْنى بقرةٍ، ولكنَّهم لما شَدَّدوا على أنفسِهم شدَّد اللهُ عليهم، وايْمُ اللهِ لو أنهم لم يَسْتَثْنوا ما بُيِّنَت لهم آخرَ الأبَدِ\" (^٢).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: لو أن القومَ حينَ أُمِروا أن يَذْبَحوا بقرةً اسْتَعْرَضوا بقرةً مِن البقرِ فذبَحوها لكانَت إيَّاها، ولكنهم شدَّدوا على أنفسِهم، فشدَّد اللهُ عليهم، ولولا أن القومَ اسْتَثْنَوا فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ لما هُدُوا إليها أبدًا (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٠٥، ومن طريقه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٩ (٧٠٦) مختصرًا.\n(^٢) عزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ٧٧ إلى المصنف عن ابن جريج مرفوعًا.\n(^٣) تقدم مطولا في ص ٧٧، ٧٨.","vol":"2","page":99},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن نبىَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"إنما أُمِر القومُ بأدْنَى بقرةٍ، ولكنَّهم لما شدَّدوا على أنفسِهم شُدِّد عليهم، والذى نفسُ محمدٍ بيدِه لو لم يَسْتَثْنُوا لَمَا بُيِّنَت لهم آخرَ الأبَدِ\" (^١).\nحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ في خبرٍ ذكَرَه عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لو أَعْرَضوا (^٢) بقرةً فذبَحوها لأَجْزَأَت عنهم، ولكنهم شدَّدوا وتعنَّتوا موسى، فشدَّد اللهُ عليهم (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: قال أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ: قال ابنُ عباسٍ: لو أن القومَ نظَروا أدْنى بقرةٍ -يعنى بنى إسرائيلَ- لأجزأت عنهم، ولكن شدَّدوا فشُدِّد عليهم، فاشْتَرَوها بملءِ جلدِها دَنانيرَ.\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لو أخَذُوا بقرةً كما أمَرَهم اللهُ كفاهم ذلك، ولكنَّ البلاءَ في هذه المسائلِ، فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ فشُدِّد عليهم، فقال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِين﴾. قال: وشُدِّد عليهم أشدَّ مِن الأولِ. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. فأبَوْا أيضًا فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾، فشُدِّد عليهم فقال: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٧ إلى المصنف.\n(^٢) في م: \"اعترضوا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٣٧ (٦٩٣) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدى، عن ابن عباس.","vol":"2","page":100},{"text":"لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. قال: فاضْطُرُّوا إلى بقرةٍ لا يُعْلَمُ على صفتِها غيرُها، هى صفراءُ ليس فيها سَوادٌ ولا بياضٌ.\nقال أبو جعفرٍ: وهذه الأقوالُ التى ذكَرْناها عمن ذكرناها عنه مِن الصحابةِ والتابعِين والخالِفِين بعدَهم، مِن قولِهم: إن بنى إسرائيلَ لو كانوا أخَذوا أدْنى بقرةٍ فذبَحوها أجْزَأَت عنهم، ولكنهم شدَّدوا فشدَّد اللهُ عليهم -مِن أوضحِ الدلالةِ على أن القومَ كانوا يَرَون أن حكمَ اللهِ فيما أمَر ونهَى في كتابِه وعلى لسانِ رسولِه ﷺ على العمومِ الظاهرِ دونَ الخُصوصِ الباطنِ، إلا أن يَخُصَّ بعضَ ما عمَّه ظاهرُ التَّنْزيلِ، كتابٌ مِن اللهِ أو رسولُ اللهِ، وأن التنزيلَ أو الرسولَ إن خصَّ بعضَ ما عمَّه ظاهرُ التنزيلِ بحكمٍ خلافِ ما دَلَّ عليه الظاهرُ، فالمخصوصُ مِن ذلك خارجٌ مِن حكمِ الآيةِ التى عمَّت ذلك الجنسَ خاصةً، وسائرُ حكمِ الآيةِ على العمومِ، على نحوِ ما قد بيَّناه في كتابِنا \"كتابِ الرِّسالةِ\" مِن \"لطيفِ القولِ في البيانِ عن أصولِ الأحكامِ\"- في قولِنا في العمومِ والخصوصِ، وموافقةِ قولِهم في ذلك قولَنا، ومذهبِهم مذهبَنا، وتَخْطئتِهم قولَ القائلين بالخصوصِ في الأحكامِ، وشَهادتِهم على فسادِ قولِ مَن قال: حُكمُ الآيةِ الجائيةِ مَجِئَ العمومِ على العُمومِ ما لم يُخْتَصَّ منها بعضُ ما عمَّته الآيةُ، فإن خُصَّ منها بعضٌ، فحُكمُ الآيةِ حينَئذٍ على الخصوصِ فيما خُصَّ منها، وسائرُ ذلك على العمومِ.\nوذلك أن جميعَ مَن ذكَرْنا قولَه آنِفًا -ممَّن عاب على (^١) بنى إسرائيلَ مسألتَهم نبيَّهم ﷺ عن صفةِ البقرةِ التى أُمِروا بذبحِها وسنِّها وحِلْيتِها- رأَوْا أنهم كانوا في مسألتِهم رسولَ اللهِ ﷺ موسى ذلك مُخْطِئِين، وأنهم لو كانوا اسْتَعْرَضوا أدْنى بقرةٍ مِن البقرِ -إذ أُمِروا بذبحِها بقولِه: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فذبَحوها-\n_________\n(^١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\".","vol":"2","page":101},{"text":"كانوا للواجبِ عليهم مِن أمرِ اللهِ في ذلك مُؤَدِّين، وللحقِّ مُطِيعِين، إذ لم يَكُنِ القومُ حُصِروا على نوعٍ مِن البقرِ دونَ نوعٍ، وسنٍّ دونَ سنٍّ.\nورأَوا مع ذلك أنهم إذ سأَلوا موسى عن سنِّها، فأخْبَرَهم عنها وحصَرَهم منها على سنٍّ دونَ سنٍّ، ونوعٍ دونَ نوعٍ، وخَصَّ مِن جميعِ أنواعِ البقرِ نوعًا منها، كانوا في مسألتِهم إياه المسألةَ الثانيةَ بعد الذى خصَّ لهم من أنواعِ البقرِ، من الخطأِ على مثلِ الذى كانوا عليه من الخطأِ في مسألتِهم إياه المسألةَ الأولى.\nوكذلك رَأَوْا أنهم في المسألةِ الثالثةِ على مثلِ الذى كانوا عليه مِن ذلك في الأولى والثانيةِ، وأن اللازمَ كان لهم في الحالةِ الأولى استعمالُ ظاهرِ الأمرِ، وذبحُ أىِّ بهيمةٍ شاءوا مما وقَع عليها اسمُ بقرةٍ.\nوكذلك رأَوْا أن اللازمَ كان لهم في الحالةِ الثانيةِ استعمالُ ظاهرِ الأمرِ، وذبحُ أىِّ بهيمةٍ شاءوا مما وقَع عليها اسمُ بقرةٍ عَوَانٍ لا فارضٍ ولا بِكْرٍ، ولم يَرَوْا أن حكمَهم -إذ خُصَّ لهم بعضُ البقرِ دونَ البعضِ فى الحالةِ الثانيةِ- انْتَقَل عن اللازمِ كان لهم في الحالةِ الأولى مِن استعمالِ ظاهرِ الأمرِ إلى الخصوصِ.\nففى إجماعِ جميعِهم على ما رَوَينا عنهم مِن ذلك -مع الروايةِ التى رَوَيناها عن رسولِ اللهِ ﷺ بالموافقةِ لقولِهم- دليلٌ واضحٌ على صحةِ قولِنا في العمومِ والخصوصِ، وأن أحكامَ اللهِ جل ثناؤُه في آىِ كتابِه -فيما أمَر ونهَى- على العمومِ مالم يَخُصَّ ذلك ما يَجبُ التسليمُ له، وأنه إذا خُصَّ منه شيءٌ فالمخصوصُ منه خارجٌ حكمُه مِن حكمِ الآيةِ العامةِ الظاهرِ، وسائرُ حكمِ الآيةِ على ظاهرِها العامِّ، ومُؤَيِّدٌ حقيقةَ ما قلْنا في ذلك، وشاهدٌ عَدْلٌ على فسادِ قولِ مَن خالَف قولَنا فيه.\nوقد زعَم بعضُ مَن عظُمَت جَهالتُه، واشْتَدَّت حَيْرتُه، أن القومَ إنما سأَلوا موسى ما سأَلوا بعدَ أمْرِ اللهِ إياهم بذبحِ بقرةٍ مِن البقرِ؛ لأنهم ظنُّوا أنهم أُمِروا بذبحِ بقرةٍ بعينِها","vol":"2","page":102},{"text":"خُصَّت بذلك، كما خُصَّت عصا موسى في معناها، فسأَلوه أن يُحَلِّيَها لهم ليَعْرِفوها.\nولو كان الجاهلُ تدبَّر قولَه هذا، لسهُل عليه ما اسْتَصْعَب مِن القولِ، وذلك أنه اسْتَعْظَم مِن القومِ مسألتَهم نبيَّهم ما سأَلوه تَشَدُّدًا منهم في دينِهم، ثم أضاف إليهم مِن الأمرِ ما هو أعْظَمُ مما اسْتَنْكَرَه أن يَكونَ كان منهم، فزعَم أنهم كانوا يرَوْن أنه جائزٌ أن يَفْرِضَ اللهُ عليهم فرضًا ويَتَعَبَّدَهم بعبادةٍ، ثم لا يُبَيِّنَ لهم ما يَفْرِضُ عليهم ويَتَعَبَّدُهم به، حتى يَسْأَلوا بيانَ ذلك لهم، فأضاف إلى اللهِ تعالى ذكرُه ما لا يَجوزُ إضافتُه إليه، ونسَب القومَ مِن الجهلِ إلى ما لا يُنْسَبُ المجانينُ إليه، فزعَم أنهم كانوا يَسْأَلون ربَّهم أن يَفْرِضَ عليهم الفَرائضَ، فنعوذُ باللهِ مِن الحَيْرةِ، ونَسْأَلُه التوفيقَ والهِدايةَ.\nوأما قولُه: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾. فإن البقرَ جِماعُ بقرةٍ.\nوقد قرَأ بعضُهم: (إن الباقرَ) (^١). وذلك وإن كان في الكلامِ جائزًا لمَجيئِه في كلامِ العربِ وأشعارِها، كما قال ميمونُ بنُ قيسٍ (^٢):\nوما ذنبُه أن عافَتِ الماءَ باقِرٌ … وما إن تَعافُ الماءَ إلا ليُضْرَبا (^٣)\nوكما قال أميةُ (^٤):\nويَسُوقون باقِرَ [السَّهْلِ للطَّوْ … دِ] (^٥) مَهازِيلَ خَشْيةً أن تَبُورَا\n_________\n(^١) وبها قرأ محمد ذو الشامة وعكرمة ويحيى بن يعمر. ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٤، والبحر المحيط ١/ ٢٥٣.\n(^٢) ديوان الأعشى ص ١١٥.\n(^٣) قال الجاحظ: وكانوا إذا أوردوا البقر فلم تشرب؛ إما لكدر الماء، أو لقلة العطش، ضربوا الثور ليقتحم الماء؛ لأن البقر تتبعه كما تتبع الشَّوْلُ الفحل. الحيوان ١/ ١٨.\n(^٤) ديوانه ص ٤٥.\n(^٥) في النسخ: \"الطود للسَّهْل\". والمثبت من الديوان. يقول الجاحظ في ذكر نيران العرب: \"ونار أخرى، وهى النار التى كانوا يستمطرون بها في الجاهلية الأولى، فإنهم كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات وركد عليهم البلاء، واشتد الجدب، واحتاجوا إلى الاستمطار، اجتمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من =","vol":"2","page":103},{"text":"- فغيرُ جائزةٍ القراءةُ به لمخالفتِه القراءةَ الجائيةَ مَجِئَ الحُجَّةِ، بنقلِ مَن لا يَجوزُ عليه -فيما نقَلوه مُجْمِعِين عليه- الخطأُ والسَّهْوُ والكذبُ.\nوأما تأويلُ: ﴿تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ فإنه يعنى به: الْتَبَس علينا.\nوالقَرَأَةُ مختلفةٌ في تِلاوتِه؛ فبعضُهم كانوا يَتْلُونه: ﴿تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾.\nبتخفيفِ الشينِ ونصبِ الهاءِ على مثالِ \"تَفَاعَلَ\" ويُذَكِّرُ الفعلَ وإن كان البقرُ جِماعًا؛ لأن مِن شأنِ العربِ تَذْكيرَ كلِّ فعلِ جمعٍ كانت واحدتُه بالهاءِ، وجمعُه بطرحِ الهاءِ وتأنيثَه، كما قال اللهُ تعالى في نظيرِه في التَّذْكيرِ: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]. فذكَّر \"المُنْقَعِرَ\"، وهو مِن صفةِ \"النخلِ\" لتذكيرِ لفظِ \"النخلِ\". وقال في موضعٍ آخرَ: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]. فأنَّث \"الخاويةَ\" وهى مِن صفةِ النخلِ -بمعنى النخلِ؛ لأنها وإن كانت في لفظِ الواحدِ المذكرِ -على ما وصَفْنا قبلُ- فهى جِماعُ نخلةٍ.\nوكان بعضُهم يَتْلُوه: (إنَّ البقَرَ تَشَّابَهُ علينا) (^١). بتشديدِ الشين وضمِّ الهاءِ، فيُؤَنِّثُ الفعلَ بمعنى تأنيثِ \"البقرِ\"، كما قال: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾. ويُدْخِلُ في أولِ \"تَشَابَه\" تاءً تَدُلُّ على تأنيثِها، ثم تُدْغَمُ التاءُ الثانيةُ في شينِ \"تَشَابَهَ\"؛ لتَقارُبِ مَخْرَجِها ومَخْرَجِ الشينِ، فتَصِيرُ شِينًا مُشَدَّدةً، وتُرْفَعُ الهاءُ بالاستقبالِ والسلامةِ مِن الجَوازمِ والنَّواصبِ.\nوكان بعضُهم يَتْلُوه: (إنَّ البقَرَ يَشَّابَهُ علينا) (^٢). فيُخْرِجُ \"يَشَّابَه\" مُخْرَجَ الخبرِ عن الذَّكَرِ؛ لِما ذكَرْنا مِن العلةِ في قراءةِ مَن قرَأ ذلك: ﴿تَشَابَهَ﴾ بالتخفيفِ،\n_________\n= البقر، ثم عقدوا في أذنابها وبين عراقيبها، السَّلَع والعُشَر، ثم صعدوا بها في جبل وعْر، وأشعلوا فيها النيران، وضجوا بالدعاء والتضرع، فكانوا يرون أن ذلك من أسباب السقيا. الحيوان ٤/ ٤٦٦.\n(^١) هى قراءة الأعرج، ورويت عن الحسن. البحر المحيط ١/ ٢٥٤.\n(^٢) هى قراءة ابن مسعود. السابق.","vol":"2","page":104},{"text":"ونصبِ الهاءِ، غيرَ أنه كان يَرْفَعُه بالياءِ التى يُحْدِثُها في أولِ \"تشَابَهَ\" التى تأتى بمعنى الاستقبالِ، وتُدْغَمُ التاءُ في الشينِ، كما فعَله القارئُ في (تَشَّابَهُ) بالتاءِ والتشديدِ.\nوالصوابُ في ذلك مِن القراءةِ عندَنا: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾. بتخفيفِ شينِ \"تَشَابَهَ\" ونصبِ هائِه، بمعنى \"تَفَاعَلَ\"، لإجماعِ الحُجُّةِ مِن القَرَأةِ على تَصْويبِ ذلك ورفعِهم (^١) ما سواه مِن القراءاتِ، ولا يُعْتَرَضُ على الحُجَّةِ بقولِ مَن يَجُوزُ عليه فيما نقَل السهوُ والغَفْلةُ والخطأُ.\nوأما قولُه: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. فإنهم عنَوْا: وإنا إن شاء اللهُ لمُبَيَّنٌ لنا ما الْتَبَس علينا وتَشَابَهَ مِن أمرِ البقرةِ التى أُمِرْنا بذبحِها. ومعنى \"اهْتِدائِهم\" في هذا الموضعِ معنى \"تَبَيُّنِهم\" أىُّ ذلك الذى لزِمهم ذَبْحُه مما سواه مِن أجناسِ البقرِ.\n\n<span id=\"aya-78\"></span><span data-type='title' id=toc-281>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾.</span>\nوتأويلُ ذلك: قال موسى: إن اللهَ يقولُ: إن البقرةَ التى أمَرْتُكم بذبحِها بقرةٌ لا ذَلولٌ. ويعنى بقولِه: ﴿لَا ذَلُولٌ﴾. أى: لم يُذَلِّلْها العملُ. فمعنى الآيةِ: إنها بقرةٌ لم تُذَلِّلْها إثارةُ الأرضِ بأظْلافِها، ولا سُنِىَ عليها (^٢) الماءُ، فيُسْقَى عليها الزرعُ، كما يقالُ للدابةِ التى قد ذلَّلها الركوبُ أو العملُ: دابةٌ ذَلولٌ بَيِّنةُ الذِّلِّ. بكسر الذَّالِ، ويُقالُ في مثلِه مِن بنى آدمَ: رجلٌ ذَليلٌ بَيِّنُ الذِّلِّ والذِّلَّةِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾. يقولُ: صعبةٌ لم يُذِلَّها عملٌ، ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) كذا بالنسخ، ولعل الصواب: \"دفعهم\".\n(^٢) سنِيت الدابة وغيرها تسنَى: إذا سقى عليها. اللسان (س ن ى).\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤١ (٧٢٧) من طريق شيبان، عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"2","page":105},{"text":"حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾. يقولُ: بقرةٌ ليست بذَلولٍ يُزرَعُ عليها، وليْسَت تَسقى الحرثَ (^١).\nحدثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾. أى: لم يُذِلَّها العملُ. ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾. يعنى: ليست بذَلولٍ فتُثِيرَ الأرضَ. ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾. يقولُ: ولا تَعْمَلُ (^٢) في الحرثِ (^٣).\nحُدثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾. يقولُ: لم يُذِلَّها العملُ، ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾. يقولُ: تُبِينُ الأرضَ (^٤) بأظْلافِها. ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾. يقولُ: ولا تعمَلُ (٢) في الحرثِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال الأعرجُ: قال مجاهدٌ قولَه: ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾. يقولُ: ليست بذَلولٍ فتفعَلَ ذلك (^٥).\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ليست بذَلولٍ تُثِيرُ الأرضَ، ولا تَسْقِى الحرثَ.\nويعنى بقولِه: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾: تَقْلِبُ الأرضَ للحرثِ، يقالُ منه: أثَرْتُ الأرضَ أُثِيرُها إثارةً، إذا قلَبتَها للزرعِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤٢ (٧٢٨) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تقدم مطولا في ص ٧٧.\n(^٤) أبانت الماشية الأرض، إذا فصلتها عن بعضها. اللسان (ب ى ن).\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤١ (٧٢٣) من طريق حجاج به.","vol":"2","page":106},{"text":"وإنَّما وصَفها جلَّ ثناؤُه بهذه الصفةِ؛ لأنَّها كانت -فيما قيل- وَحْشيَّةً.\nحَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا جُوَيْبِرٌ، عن كَثيرِ بنِ زيادٍ، عن الحسنِ، قال: كانت وَحْشيَّةً (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-282>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾.</span>\nومعنى ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: مُفَعَّلةٌ، مِن السلامةِ، يقالُ منه: سُلِّمَتْ تُسلَّمُ فهى مُسلَّمةٌ.\nثم اختَلف أهلُ التأويلِ في المعنى الذى سُلِّمَت منه، فوصَفَها اللهُ بالسلامةِ منه؛ فقال مجاهدٌ بما حَدَّثَنَا به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. يقولُ: مُسَلَّمةٌ مِن الشِّيَةِ، و﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: لا بياضَ فيها ولا سوادَ (^٢).\nحَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. قال: مُسَلَّمةٌ من الشِّيَةِ، ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: لا بياضَ فيها ولا سَوادَ.\nوقال آخَرون: مُسَلَّمةٌ مِن العيوبِ.\n_________\n(^١) تقدم في ص ٩٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٤٢ (٧٣٢، ٧٣٥) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ٧٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"2","page":107},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. أى: مُسلَّمةٌ مِن العيوبِ (^١).\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. يقولُ: لا عيبَ فيها (^٢).\nحَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. يعنى: مُسَلَّمةٌ مِن العيوبِ (^٣).\nحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثلِه (^٤).\nحَدَّثَنَا القاسِمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنَي حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال ابنُ عباسٍ: قولُه: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: لا عَوارَ فيها (^٥).\nوالذي قاله ابنُ عباسٍ وأبو العاليةِ ومن قال بمثلِ قولِهما في تأويلِ ذلك، أوْلَى بتأويلِ الآيةِ مما قاله مجاهدٌ؛ لأنَّ سَلامَتَها لو كانت مِن سائرِ أنواعِ الألوانِ سِوَى لونِ جلدِها، لكان في قولِه: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. مُكْتَفًى عن قولِه: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. وفى قولِه: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾، ما يُوَضِّحُ عن أن معنى قولِه: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. غيرُ معنى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٨ إلى المصنّف وعبد بن حميد.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٤٢ (٧٣٣) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤٢ عقب الأثر (٧٣٣) من طريق آدم به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٤٢ عقب الأثر (٧٣٣) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٨ إلى المصنّف.","vol":"2","page":108},{"text":"قولِه: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. وإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلامِ أنه يقولُ: إنها بقرةٌ لَمْ تُذَلِّلْها إثارةُ الأرضِ وقَلْبُها للحِراثةِ ولا السُّنُوُّ عليها للمزَارعِ، وهى مع ذلك صحيحةٌ مُسَلَّمةٌ مِن العيوبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-283>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾.</span>\nيعنى بقولِه: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: لا لونَ فيها يُخالِفُ لونَ جلدِها. وأصلُه مِن: وَشْىِ الثوبِ. وهو تحسينُ عُيوبِهِ التى تَكونُ فيه بضُروبٍ مختلفةٍ مِن ألوانِ سَدَاه ولُحْمتُه، يقالُ منه: وَشَيْتُ الثوبَ فأنا أَشِيه شِيَةً ووَشْيًا. ومنه قيل للساعى بالرجلِ إلى السلطانِ أو غيرِه: واشٍ. لكذبِه عليه عندَه وتحسينِه كذبَه بالأباطيلِ، يقالُ منه: وشَيْتُ به إلى السلطانِ وِشايةً. ومنه قولُ كعبِ بنِ زُهَيْرٍ (^١):\nتَسْعَى الوُشَاةُ بجنْبَيها (^٢) وقولُهمُ … إنك يا بنَ أبى سُلْمَى لَمَقْتولُ\nوالوُشاةُ جمع واشٍ، يعنى أنهم يَتقوَّلون بالأباطيلِ، ويُخبِرُونه أنه إن لحِق بالنبيِّ ﷺ قتَلَه.\nوقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن الوَشْىَ العلامةُ. وذلك لا معنى له، إلَّا أن يكونَ أراد بذلك تحسينَ الثوبِ بالأعْلامِ؛ لأنه معلومٌ أن القائلَ: وشَيْتُ بفلانٍ إلى فلانٍ. غيرُ جائزٍ أن يُتوهَّمَ عليه أنه أراد: جعَلْتُ له عندَه علامةً.\nوإنما قيل: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. وهى مِن: وَشَيْتُ؛ لأنَّ الواوَ لما أُسقِطَت مِن أولِها أُبدِلَتْ مكانَها الهاءُ في آخرِها، كما قيل: وزَنْتُه زِنةً و[وَسَيْتُه سِيَةً] (^٣)،\n_________\n(^١) ديوانه ص ١٩.\n(^٢) في م: \"جنابيها\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وشيته شية\". وسيته: حلَقته. ينظر اللسان (وس ى).","vol":"2","page":109},{"text":"ووَعَدْتُه عِدَةً، وودَيْته دِيَةً.\nوبمثلِ الذى قلنا في معنى قولِه: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ قال أهلُ التأويلِ.\nحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. أى: لا بياضَ فيها (^١).\nحَدَّثَنَا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، مثلَه (^٢).\nحَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. يقولُ: لا بَياضَ فيها (^٣).\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهِدٍ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. أى: لا بياضَ فيها ولا سَوادَ (^٤).\nحَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.\nحَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. قال: لونُها واحدٌ، ليس فيها لونٌ سِوَى لونِها (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٤٣ عقب الأثر (٧٣٦) معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٩.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٤٣ عقب الأثر (٧٣٦) من طريق آدم به.\n(^٤) تقدم في ص ١٠٧.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٤٣ عقب الأثر (٧٣٧) معلقا.","vol":"2","page":110},{"text":"حَدَّثَنِي موسي، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: مِن بياضٍ ولا سوادٍ ولا حُمرةٍ (^١).\nحَدَّثَنِي يونسُ بنُ عبدِ الأعلَي، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: هى صفراءُ ليس فيها بياضٌ ولا سوادٌ.\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. يقولُ: لا بياضَ فيها (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-284>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾.</span>\nاختَلف أهلُ التَّأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. فقال بعضُهم: معنى ذلك: الآن بيَّنْتَ لنا الحقَّ فتبَيَّنَّاه، [وعرَفْنا أيَّةَ بقرةٍ عَنيتَ] (^٣).\nوممَّن قال ذلك قتادةُ:\nحَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. أى: الآن بيَّنتَ لنا (^٤).\nوقال بعضُهم: ذلك خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عن القومِ أنهم نسَبوا نبيَّ اللهِ موسى صلواتُ اللهِ عليه إلى أنه لَمْ يَكُنْ يَأْتِيهم بالحقِّ في أمرِ البقرةِ قبلَ ذلك.\nوممَّن رُوِى عنه معنى هذا القولِ عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٤٣ (٧٣٨) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٤٣ عقب الأثر (٧٣٦) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) في م، ت ٢: \"وعرفناه، أنه بقرة عينت\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٤٣ (٧٣٩) من طريق شيبان، عن قتادة.","vol":"2","page":111},{"text":"حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: اضطُرُّوا إلى بقرةٍ لا يَعْلَمون على صفتِها غيرَها، وهى صفراءُ ليس فيها سَوادٌ ولا بياضٌ، فقالوا: هذه بقرةُ فلانٍ، ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. وقبلَ ذلك واللهِ قد جاءَهم بالحقِّ (^١).\nوأولى التأويلين عندَنا بقولِه: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. قولُ قتادةَ، وهو أن تأويلَه: الآن بيَّنتَ لنا الحقَّ في أمرِ البقرِ (^٢)، فعرَفْنا أيُّها (^٣) الواجبُ علينا ذبحُها منها؛ لأنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه قد أخبَر عنهم أنهم قد أطاعوه، فذبَحوها بعد قِيلِهم هذا مع غِلَظِ مؤنةِ ذبحِها عليهم وثِقَلِ أمْرِها، فقال: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. وإن كانوا قد قالوا -بقولِهم: الآن بيَّنْتَ لنا الحقَّ- هُراءً (^٤) مِن القولِ، وأتَوْا خطأً وجهلًا مِن الأمرِ، وذلك أن نبيَّ اللهِ موسى ﷺ كان مُبَيِّنًا لهم -في كلِّ مسألةٍ سأَلوها إياه، وردٍّ (^٥) رادُّوه في أمرِ البقرةِ- الحقَّ، وإنما يُقالُ: الآن بَيَّنْتَ لنا الحقَّ لمن لَمْ يَكُنْ مُبَيِّنًا قبلَ ذلك، فأما مَن كان كلُّ قِيلِه -فيما أبان عن اللهِ تعالى ذكْرُه- حقًّا وبيانًا، فغيرُ جائزٍ أن يقالَ له في بعضِ ما أبان عن اللهِ في أمرِه ونهيِه، وأدَّى عنه إلى عبادِه مِن فرائضِه التى أوجَبها عليهم: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. كأنَّه لم يَكُنْ جاءهم بالحقِّ قبلَ ذلك.\nوقد كان بعضُ مَن سلَف يَزعُمُ أن القومَ ارْتَدُّوا عن دينِهم، وكفَروا بقولِهم لموسى: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. ويَزعُمُ أنهم نفَوْا أن يكونَ موسى أتاهم بالحقِّ في أمْرِ البقرةِ قبلَ ذلك، وأن ذلك مِن فعْلِهم وقِيلِهم كفرٌ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٥٩ مقتصرًا على آخره. وتقدم بطوله في ص ١٠٠، ١٠١.\n(^٢) في النسخ: \"البقرة\". والمثبت يقتضيه السياق.\n(^٣) في م، ت ٢: \"أنَّها\"، وفى ت ١، ت ٣: \"أنه\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هزوا\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رده\".","vol":"2","page":112},{"text":"وليس الذى قال مِن ذلك عندَنا كما قال؛ لأنهم أذْعَنوا بالطاعةِ بذبحِها، وإن كان قيلُهم الذى قالوه لموسى جَهْلةً منهم وهَفْوَةً مِن هَفَواتِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-285>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾.</span>\nيعنى بقولِه: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾: فذبَح قومُ موسى البقرةَ التى وصَفها اللهُ لهم، وأمَرهم بذبحِها.\nويعنى بقولِه: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. أى: قارَبوا أن يَدَعوا ذبْحَها، ويترُكوا فرْضَ اللهِ عليهم في ذلك.\nثم اختَلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذى مِن أجلِه كادوا أن يُضِيعوا فرْضَ اللهِ عليهم في ذبحِ ما أمَرهم بذبحِه مِن ذلك؛ فقال بعضُهم: ذلك السببُ كان غلاءَ ثمنِ البقرةِ التى أُمِروا بذبحِها، وبُيِّنَت لهم صفتُها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا أبو معشرٍ المدنيُّ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ في قولِه: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال: لغلاءِ ثمنِها (^١).\nحَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُبيدٍ الهِلاليُّ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ الخطابِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرظيُّ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال: مِن كثرةِ قيمتِها.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٩.","vol":"2","page":113},{"text":"حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: أخبَرنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، وحجاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ ومحمدِ بنِ قيسٍ -في حديثٍ فيه طُولٌ، ذكَر أن حديثَ بعضِهم دخَل في حديثِ بعضٍ- قولَه: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾: لكثرةِ الثمنِ، أخَذوها بمِلْءِ مَسْكِها ذهبًا مِن مالِ المقتولِ، فكان سَواءً، لَمْ يَكُنْ فيه فَضْلٌ فذبَحوها (^١).\nحُدِّثتُ عن المنجابِ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. يقولُ: كادوا لا يَفعَلون، ولم يَكُنِ الذى أرادوا؛ لأنهم أرادوا أَلَّا يَذْبَحُوها، وكلُّ شيءٍ في القرآن \"أَكادُ (^٢) \" و(^٣) \"كادوا\" و(^٣) \"لو\"، فإنه لا يكونُ، وهو مثلُ قولِه: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ (^٤) [طه: ١٥].\nوقال آخَرون: لَمْ يكادوا أن يفعَلوا ذلك، خوفَ الفضيحةِ إن أطْلَع اللهُ على قاتلِ القتيلِ الذى اختَصَموا فيه إلى موسى.\nوالصوابُ مِن التَّأْويلِ عندَنا أن القومَ لَمْ يكادوا يفعَلون ما أمَرهم اللهُ به مِن ذبحِ البقرةِ للخَلَّتين كلتيهما؛ إحداهما: غَلاءُ ثَمنِها مع ما ذُكِر لنا من صِغَرِ خطَرِها وقلةِ قيمتِها. والأخرى: خوفُ عظيمِ الفضيحةِ على أنفسِهم بإظهارِ اللهِ نبيَّه موسى صلواتُ اللهِ عليه وأتباعَه على قاتلِه (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ١/ ١٤٤ (٧٤٣) من طريق أبى معشر، عن محمد بن كعب.\n(^٢) في م، ت ٢: \"كاد\".\n(^٣) في م، ت ٢: \"أو\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٤٣ (٧٤٢) عن أبي زرعة، عن المنجاب به. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ١٦٠.\n(^٥) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ١٦٠.","vol":"2","page":114},{"text":"فأما غلاءُ ثَمنِها فإنه قد رُوِى لنا فيه ضُروبٌ مِن الرِّواياتِ.\nفحَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ، قال: اشترَوْها بوزنِها عشْرَ مراتٍ ذهبًا، فباعَهم صاحبُها (^١) إياها وأخَذ ثَمنَها (^٢).\nحَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَي، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ أيوبَ، عن محمدِ بنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: اشترَوْها بمِلْءِ جلدِها دنانيرَ.\nحَدَّثَنَا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهِدٍ، قال: كانت البقرةُ لرجلٍ يَبَرُّ أُمَّه، فرزَقه اللهُ أن جعَل تلك البقرةَ له، فباعَها بمِلْءِ جلدِها ذهبًا (^٣).\nحَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، قال: حَدَّثَنِي خالدُ بنُ يزيدَ، عن مجاهِدٍ، قال: أعْطَوْا صاحبَها مِلْءَ مَسْكِها ذهبًا، فباعَها منهم.\nحَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ (^٤) عبدِ الكريمِ، قال: حَدَّثَني عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبًا يقولُ: اشترَوْها منه على أن يَمْلَئوا له جلدَها دنانيرَ، ثم ذبَحوها فعمَدوا إلى جلدِ البقرةِ فملئوه دنانيرَ، ثم دفَعوها إليه.\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ (^٥)، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمِّى (^٦)، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: وجَدوها عندَ رجلٍ يزعُمُ أنه ليس بائعَها\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"صاحبهم\".\n(^٢) تقدم مطولًا في ص ٨٠.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٨١.\n(^٤) في النسخ: \"عن\". وانظر ما تقدم في ص ٨١.\n(^٥) في م: \"سعيد\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٣: \"يحيى\".","vol":"2","page":115},{"text":"بمالٍ أبدًا، فلم يَزالوا به حتى جعَلوا له أن يَسْلُخوا له مَسْكَها، فيملئوه له دنانيرَ، فرضِى به فأعْطاهم إياها (^١).\nحَدَّثَنِي المُثَّني، قال: ثنا آدمُ، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: لَمْ يجِدُوها إلَّا عندَ عَجوزٍ، وإنها سألتْهم أضعافَ ثمنِها، فقال لهم موسى: أعْطُوها رِضاها وحُكْمَها. ففعَلوا، واشترَوْها فذبَحوها (^٢).\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: قال أيوبُ، عن ابنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: لَمْ يَجِدوا هذه البقرةَ إلَّا عندَ رجلٍ واحدٍ، فباعَها بوزنِها ذهبًا -أو مِلْءِ مَسْكِها ذهبًا- فذبَحوها (^٣).\nحَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن محمدِ بنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ السَّلْمانِيِّ، قال: وجَدوا البقرةَ عندَ رجلٍ، فقال: إنى لا أَبِيعُها إلَّا بمِلءِ جلدِها ذهبًا. فاشتَرَوْها بمِلءِ جلدِها ذهبًا.\nحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: جعَلوا يَزِيدون صاحبَها حتى ملئوا له مَسْكَها -وهو جلدُها- ذهبًا.\nوأما صِغَرُ خَطَرِها وقلةُ قيمتِها، فإن الحسنَ بنَ يحيى حَدَّثَنَا، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ عُيَيْنَةَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سُوقةَ، عن عكرمةَ، قال: ما كان ثمنُها إلَّا ثلاثةَ دنانيرَ (^٤).\n_________\n(^١) انظر ما تقدم في ص ٨٧.\n(^٢) تقدم مطولًا في ص ٧٨.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٩، وتقدم مطولًا في ص ٧٧.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٠، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤٤ (٧٤٤) عن الحسن بن يحيى به. وقال ابن كثير: إسناد جيد.","vol":"2","page":116},{"text":"وأما ما قلْنا مِن خوفِهم الفضيحةَ على أنفسِهم، فإن وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ كان يقولُ: إن القومَ إذ أُمِروا بذبحِ البقرةِ إنما قالوا لموسى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. لعِلْمِهم بأنهم سيَفتضِحون إذا ذُبِحَت، فحادُوا عن ذبحِها.\nحُدِّثْتُ بذلك عن إسماعيلَ بنِ عبدِ الكريمِ، عن عبدِ الصمدِ بنِ مَعْقِلٍ، عن وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ.\nوكان ابنُ عباسٍ يقولُ: إن القومَ بعدَ أن أحْيَا اللهُ الميتَ فأخبَرهم بقاتلِه، أنْكَرَت قَتَلَتُه قَتْلَه، فقالوا: واللهِ ما قتَلْناه. بعدَ أن رَأَوُا الآيةَ والحقَّ.\nحَدَّثَنِي بذلك محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-79\"></span><span data-type='title' id=toc-286>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾.</span>\nيعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾: واذْكُروا يا بنى إسرائيلَ إذ قتَلْتُم نفسًا. والنفسُ التى قتَلوها هى النفسُ التى ذكَرْنا قصتَها في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.\nوقولُه: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. يعنى: فاختَلَفْتُم وتنازَعْتُم. وإنما هو: فتَدارَأتُم فيها. على مثالِ \"تَفاعَلْتُم\"، مِن الدَّرْءِ، والدَّرْءُ العِوَجُ. ومنه قولُ أبى (^٢) النَّجْمِ العِجْليِّ:\nخَشْيةَ طغّامٍ إذا هَمَّ جَسَرْ\nيَأْكُلُ ذا الدَّرْءِ ويُقْصِى مَن حَقرْ\nيعنى ذا العِوَجِ والعُسْرِ، ومنه قولُ رُؤْبةَ بنِ العَجّاجِ (^٣):\n_________\n(^١) سيأتى في ص ١٢٩.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ديوان رؤبة ص ١٦٦.","vol":"2","page":117},{"text":"أدْرَكْتُها قُدّامَ كلِّ مِدْرَهِ (^١)\nبالدَّفْعِ عنى دَرْءَ كلِّ عُنْجُهِ (^٢)\nومنه الخبرُ الذى حَدَّثَنَا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ المقدامِ، عن إسرائيلَ، عن إبراهيمَ بنِ المهاجرِ، عن مجاهدٍ، عن السائبِ، قال: جاءنِي عثمانُ وزهيرٌ ابنا أميةَ (^٣)، فاسْتَأْذَنا لى على رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أنا أعْلَمُ به منكما، ألم تَكُنْ شَرِيكى في الجاهليةِ؟ \" قلتُ: نعم، بأبى أنت وأمي، فنِعْم الشَّريكُ، كنتَ لا تُمارِى ولا تُدارِى (^٤).\nيعنى بقولِه: لا تُدارِى. لا تخالِفُ رفيقَك وشريكَك ولا تُنازِعُه ولا تُشارُّه (^٥).\nوإنما أصلُ ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾: فتدَارَأْتُمْ. ولكنَّ التاءَ قريبةٌ (^٦) مِن مَخرجِ الدالِ -\n_________\n(^١) درهت عن القوم: دفعت عنهم، ومدره القوم، بالكسر: الدافع عنهم. اللسان (د ر هـ).\n(^٢) العنجه والعنجهي، بالضم: المتكبر ذو العظمة. التاج (ع ج هـ).\n(^٣) كذا في النسخ. والصواب: عثمان بن عفان، وزهير بن أبى أمية. انظر الآحاد والمثاني، والمسند، والإصابة ٢/ ٥٧٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٦٩٢) عن أبي كريب به، وسقط منه ذكر مجاهد.\nوأخرجه أحمد ٢٤/ ٢٥٨، ٢٥٩ (١٥٥٠٠) عن أسود بن عامر، عن إسرائيل به.\nواختلف في إسناده، فقيل: عن مجاهد، عن السائب. وقيل: عن مجاهد، عن قائد السائب، عن السائب. وقيل: عن مجاهد، عن قيس بن السائب. وقيل غير ذلك.\nوقال ابن عبد البر: مضطرب جدًّا، منهم من يجعل الشركة مع رسول الله ﷺ للسائب بن أبى السائب، ومنهم من يجعلها لأبي السائب أبيه، ومنهم من يجعلها لقيس بن السائب، ومن يجعلها لعبد الله بن السائب، وهذا اضطراب لا يثبت به شيء، ولا تقوم به حجة. وينظر العلل لابن أبي حاتم (٣٥٠)، والاستيعاب ٢/ ٥٧٢ - ٥٧٤، وأسد الغابة ٢/ ٣١٥، ٣١٦، ٤/ ٤٢٣، والتحفة ٣/ ٢٥٦، ونصب الراية ٣/ ٤٧٤، والإصابة ٣/ ٢٢، ٢٣، ٥/ ٤٧١ - ٤٧٣، وتهذيب التهذيب ٣/ ٤٤٩.\n(^٥) لا يشارِي، من المشاراة، وهى الملاجّة، وقيل: لا يشاري، من الشر. اللسان (ش ر ى).\n(^٦) بعده في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المخرج\".","vol":"2","page":118},{"text":"وذلك أن مَخرجَ التاءِ مِن طرفِ اللسانِ وأصولِ الثَّنيَّتَيْنِ (^١)، ومَخرجَ الدالِ مِن طرفِ اللسانِ وأطرافِ الثَّنيَّتَيْنِ - فأُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ، فجُعِلَت دالًا مُشدَّدةً، كما قال الشاعرُ (^٢):\nتُولِى الضَّجِيعَ إذا ما اسْتافَها (^٣) خَصِرًا (^٤) … عَذْبَ المَذَاقِ إذا ما اتَّابَعَ القُبَلُ\nيُرِيدُ: إذا ما تَتَابَعَ القُبَلُ. فأدْغَم إحدى التاءَيْن في الأخرى.\nفلما أُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ، فجُعِلَت دالًا مثلَها سكَنَت، فجلَبوا (^٥) ألفًا ليَصِلوا إلى الكلامِ بها، وذلك إذا كان قبلَه شيءٌ؛ لأنَّ الإدْغامَ لا يَكونُ إلَّا وقبلَه شيءٌ، ومنه قولُ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٣٨]. إنما هو: تَدَارَكوا. ولكنَّ التاءَ منها أُدْغِمَت في الدالِ، فصارَت دالًا مُشَدَّدةً، وجُعِلَت فيها ألفٌ -إذا وُصِلَت بكلامٍ- قبلَها ليَسْلَمَ الإدغامُ. وإذا لَمْ يَكُنْ قبلَ ذلك ما يُواصِلُه، وابْتُدِئَ به، قيل: تَدَاركوا وتَثاقَلوا. فأظهَروا الإدغامَ. وقد قيل: يقالُ: ادَّارَكوا وادَّارَأوا.\nوقد قيل: إن معنى قولِه: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾: فتدافَعْتُم فيها. مِن قولِ القائلِ: درَأْتُ هذا الأمرَ عنى. ومِن قولِ اللهِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨]. بمعنى: يَدفَعُ عنها العذابَ.\nوهذا قولٌ قريبُ المعنى مِن القولِ الأولِ؛ لأنَّ القومَ إنما تَدافَعوا قَتْلَ قَتيلٍ،\n_________\n(^١) في م: \"الشفتين\".\n(^٢) البيت في معانى القرآن للفراء ١/ ٤٣٨.\n(^٣) في م، ت ٢: \"اشتاقها\"، وفى ت ١، ت ٣: \"استاقها\"، والمثبت من معانى القرآن، واستافها: شمها. التاج (س وف).\n(^٤) الخصر: البارد من كلِّ شيء، ويريد هنا ريقها. التاج (خ ص ر).\n(^٥) في ت ١: \"يجعلها\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"فجعلنا\".","vol":"2","page":119},{"text":"فانْتَفَى كلُّ فريقٍ منهم أن يكونَ قاتِلَه، كما قد بيَّنَّا قبلُ فيما مضَى مِن كتابِنا هذا (^١).\nوبنحوِ الذى قلنا في معنى قولِه: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. قال أهلُ التأويلِ.\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال. حَدَّثَنِي عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. قال: اختَلَفتُم فيها.\nحَدَّثَنَا المثني، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٢).\nحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. قال بعضُهم: أنتم قتَلتُموه. وقال الآخَرون: أنتم قتَلتُموه (^٣).\nحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. قال: اختَلفتُم، وهو التنازُعُ؛ تَنَازَعوا فيه. قال: قال هؤلاء: أنتم قتلتموه. وقال هؤلاء: لا (^٣).\nوكان تدارُؤُهم في النفسِ التى قتَلُوها كما حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: صاحبُ البقرةِ رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ، قتَله رجلٌ، فألْقاه على بابِ ناسٍ آخَرِين، فجاء أوْلياءُ المقتولِ فادَّعَوْا دمَه عندَهم، [فانتفَوْا - أو انتَفَلوا] (^٤) - منه (^٥). شكَّ أبو عاصمٍ.\nحَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٧٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٤٤ (٧٤٦) من طريق أبى حذيفة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٦٠.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فانتقلوا أو انتقلوا\".\n(^٥) انتفلت من الشيء وانتفيت منه، تبرأت منه. اللسان (ن ف ل، ن ف ى).","vol":"2","page":120},{"text":"مجاهدٍ بمثلِه سواءً، إلا أنه قال: فادَّعَوْا دمَه عندَهم فانتَفَوْا. ولم يَشُكَّ فيه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قَتيلٌ كان في بنى إسرائيلَ، فقذَف كلُّ سِبْطٍ منهم، حتى تَفاقَم بينَهم الشرُّ، حتى تَرافَعوا في ذلك إلى نبىِّ اللهِ ﷺ، فأوحَى اللهُ إلى موسى أن اذْبَحْ بقرةً، فاضْرِبْه ببعضِها، فذُكر لنا أن وليَّه الذى كان يَطلُبُ بدمِه هو الذى قتَله مِن أجلِ ميراثٍ كان بينَهم (^٢).\nحدَّثنى ابنُ سعدٍ، [قال: حدثنى أبى] (^٣)، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ (^٤) في شأنِ البقرةِ: وذلك أن شيخًا مِن بنى إسرائيلَ على عهدِ موسى كان مُكْثِرًا مِن المالِ، وكان بنو أخيه فُقراءَ لا مالَ لهم، وكان الشيخُ لا ولدَ له، وكان (^٥) بنو أخيه ورَثَتَه، فقالوا: ليت عمَّنا قد مات فورِثْنا مالَه. وإنه لما تَطاوَل عليهم ألا يموتَ عمُّهم أتاهم الشيطانُ، فقال: هل لكم إلى أن تَقتُلوا عمَّكم فتَرِثوا مالَه، وتُغرِموا أهلَ المدينةِ التى لسْتُم بها دِيَتَه؟ -وذلك أنهما كانتا مدينتَيْن كانوا في إحداهما، فكان القتيلُ إذا قُتِل وطُرِح (^٦) بينَ المدينتَيْن، قِيس ما بينَ القَتيلِ وما بينَ المدينتَيْن، فأيُّهما كانت أقربَ إليه غَرِمَتِ الديةَ- وأنهم لما سوَّل لهم الشيطانُ ذلك، وتطاوَلَ عليهم ألا يموتَ عمُّهم، عَمَدوا إليه فقتَلوه، ثم عمَدوا فطرَحوه على بابِ المدينةِ التى ليسوا فيها، فلمّا أصبَح أهلُ المدينةِ جاء بنو أخى الشيخِ، فقالوا: عمُّنا قُتِل على بابِ مدينتِكم (^٧)، فواللهِ لَتَغْرَمُنَّ لنا دِيَةَ عمِّنا. فقال أهلُ المدينةِ: نُقسِمُ باللهِ ما\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٠٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤٤ (٧٤٥). وينظر ما تقدم في ص ٨١.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٨٠، ٨١.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) بعده في ت ١، ت ٢: \"قوله\".\n(^٥) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يطرح\".\n(^٧) في ت ٢: \"هذه المدينة\".","vol":"2","page":121},{"text":"قتَلْنا، ولا علِمْنا قاتلًا، ولا فتَحْنا بابَ مدينتِنا منذُ أغلِقَ حتى أصبَحْنا. وإنهم عمَدوا إلى موسى، فلمّا أَتَوْا قال بنو أخى الشيخ: عمُّنا وجَدناه مقتولًا على بابِ مدينتِهم. وقال أهلُ المدينةِ: نُقسِمُ باللهِ ما قتَلْناه، [ولا علِمنا قاتلًا] (^١)، ولا فتَحْنا بابَ المدينةِ مِن حينَ أغلَقْناه حتى أصبَحْنا. وأن جبريلَ جاء بأمرِ ربِّنا السميعِ العليمِ إلى موسى، فقال: قل لهم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فتَضْرِبوه ببعضِها (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا حسينٌ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، وحجاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ ومحمدِ بنِ قيسٍ -دخَل حديثُ بعضِهم في حديثِ بعضٍ- قالوا: إن سِبْطًا مِن بنى إسرائيل لمَّا رَأَوْا كثرةَ شُرورِ الناسِ بَنَوْا مدينةً فاعتزَلوا شُرُورَ الناسِ، فكانوا إذا أمسَوْا لم يترُكوا أحدًا منهم خارجًا إلّا أدخَلوه، وإذا أصبَحوا قام رئيسُهم فنظَر وتشرَّف (^٣)، فإذا لم يَرَ شيئًا فتَح المدينةَ فكانوا مع الناسِ حتى يُمْسوا، وكان رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ له مالٌ كثيرٌ، ولم يكن له وارثٌ غيرُ ابنِ (^٤) أخيه، فطال عليه حياتُه، فقتَله ليَرِثَه، ثم حمَله فوضَعه على بابِ المدينةِ، ثم كَمَن في مكانٍ هو وأصحابُه، قال: فتشرَّف رئيسُ المدينةِ على بابِ المدينةِ فنظَر فلم يَرَ شيئًا، ففتَح البابَ، فلمَّا رأى القتيلَ رَدَّ البابَ فناداه [ابنُ أخى] (^٥) المقتولِ وأصحابُه: هيهاتَ! قتلتُموه ثم تَرُدُّون البابَ. وكان موسى لمَّا رأى القَتْلَ كثيرًا في أصحابِه بنى إسرائيلَ، كان إذا رأى القتيلَ بين ظَهْرَىِ القومِ أخذَهم.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٥٥، ١٥٦ عن المصنف. وأخرجه ابن أبى الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت (٥٤) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه.\n(^٣) تشرف الشئ واستشرفه: وضع يده على حاجبه كالذى يستظل من الشمس حتى يبصره ويستبينه. اللسان (ش ر ف).\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أخو\".","vol":"2","page":122},{"text":"فكاد يكونُ بينَ أخى المقتولِ وبين أهلِ المدينةِ قتالٌ، حتى لبِس الفريقان السلاحَ، ثم كفَّ بعضُهم عن بعضٍ، فأتَوْا موسى فذكَروا له شأنَهم، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، إن هؤلاء قتَلوا قتيلًا ثم ردُّوا البابَ. وقال أهلُ المدينةِ: يا رسولَ اللهِ، قد عرَفْتَ اعتزالَنا الشرورَ، وبنَيْنا مدينةً -كما رأيتَ- نعتزِلُ شرورَ الناسِ، ما قتَلْنا ولا عَلِمْنا قاتلًا، فأوحَى اللهُ تعالى ذِكْرُه إليه أن يذبَحوا بقرةً، فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (^١).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: كان في بنى إسرائيل رجلٌ عقيمٌ وله مالٌ كثيرٌ، فقتَله ابنُ أخٍ له، فجرَّه فألقاه على بابِ ناسٍ آخَرِين (^٢)، ثم أصبَحوا فادَّعاه عليهم حتى تسلَّح هؤلاء وهؤلاء، فأرادوا أن يَقتَتِلوا، فقال ذَوُو النُّهَى منهم: أتقتَتلون وفيكم نبىُّ اللهِ؟ فأمسَكوا حتى أَتَوْا موسى، فقصُّوا عليه القصةَ، فأمرَهم أن يَذبَحوا بقرةً فَيَضْرِبوه ببعضِها، فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (^٣).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قتيلٌ مِن بنى إسرائيلَ طُرِح في سِبْطٍ مِن الأسباطِ فأتَى أهلُ ذلك السِّبْطِ إلى ذلك السبطِ، فقالوا: أنتم واللهِ قتلتُم صاحبَنا. فقالوا: لا واللهِ. فأتَوْا إلى موسى فقالوا: هذا قَتيلُنا بين أظهُرِهم، وهم واللهِ قتَلوه. فقالوا: لا واللهِ يا نبيَّ اللهِ، طُرِح علينا. فقال لهم موسى ﷺ: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (١).\nقال أبو جعفرٍ: فكان اختلافُهم وتنازعُهم وخصامُهم بينَهم في أمرِ القتيلِ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٨١، ٨٢.\n(^٢) بعده فى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أو فى آخرين\".\n(^٣) تقدم بطوله في ص ٧٧، ٧٨.","vol":"2","page":123},{"text":"الذى ذكرْنا أمْرَه على ما رَوَيْنا عن علمائِنا مِن أهلِ التأويلِ، هو الدَّرْءُ الذى قال اللهُ جلَّ ثناؤه لذُرِّيَّتِهم وبقايا أولادِهم: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-288>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾.</span>\nويعنى بقولِه: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: واللهُ مُعْلِنٌ ما كنتم تُسِرُّونه مِن قَتْلِ القتيلِ الذى قتَلتم ثم ادَّارَأْتُم فيه.\nومعنى \"الإخراجِ\" في هذا الموضعِ: الإظهارُ والإعلانُ لمن خفِى ذلك عنه، وإطْلاعُهم عليه، كما قال اللهُ تعالى ذكره: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥]. يعنى بذلك: يُظْهِرُه ويُطْلِعُه مِن مَخْبَئِه بعدَ خَفائِه.\nوالذى كانوا يَكْتُمونه فأخرَجه، هو قَتْلُ القاتلِ القتيلَ، كما كتَم ذلك القاتلُ ومَن علِمه ممَّن شايَعه على ذلك حتى أظهرَه اللهُ وأخرَجه، فأعَلن أمْرَه لمَن لا يَعلمُ أمْرَه.\nوعنَى جلَّ ذكرُه بقوله: ﴿تَكْتُمُونَ﴾: تُسِرُّون وتُغَيِّبون.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. قال: تُغَيِّبون (^١).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: ما كنتم تُغَيِّبون.\n\n<span id=\"aya-80\"></span><span data-type='title' id=toc-287>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾.</span>\nيعنى جلَّ ذكرُه بقولهِ: ﴿فَقُلْنَا﴾: لقومِ موسى الذين ادَّارَءوا في القتيلِ -\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٠٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤٤ (٧٤٨). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"2","page":124},{"text":"الذى قد تقدَّم وَصْفُنا أمْرَه-: اضرِبوا القتيلَ. والهاءُ التى في قوله: ﴿اضْرِبُوهُ﴾ مِن ذِكْرِ القتيلِ، ﴿بِبَعْضِهَا﴾ أى: ببعضِ البقرةِ التى أمرَهم اللهُ بذبْحِها فذبَحوها.\nثم اختَلف العلماءُ في البعض الذى ضُرِب به القتيلُ مِن البقرةِ، وأىِّ عُضْوٍ كان ذلك منها؛ فقال بعضُهم: ضُرِب بفَخِذِ البقرةِ القتيلُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، في مجاهدٍ، قال: ضُرِب بفخِذِ البقرةِ فقام حيًّا، فقال: قتلنى فلانٌ. ثم عاد في مِيتَتِه (^١).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ضُرِب بفَخِذِ البقرةِ. ثم ذكَر مثلَه.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن النَّضْرِ بنِ عَرَبىٍّ، عن عكرمةَ: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾. قال: [بفخِذِها، فلمَّا ضُرِب بها] (^٢) عاش وقال: قتلنى فلانٌ. ثم عاد إلى حالِه (^٣).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن خالدِ بنِ يزيدَ، عن مجاهدٍ، قال: ضُرب بفخِذِها الرجلُ فقام حيًّا، فقال: قتَلنى فلانٌ. ثم عاد في مِيتَتِه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٩ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في ت ٢: \"ضرب بفخذها\".\n(^٣) أخرجه وكيع -كما في الدر المنثور ١/ ٧٩ - وابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤٥ (٧٥٢) من طريق النضر ابن عربى به بنحوه.","vol":"2","page":125},{"text":"قال أيوبُ، عن ابنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ: ضرَبوا المقتولَ ببعضِ لحمِها. وقال معمرٌ: قال قتادةُ: ضرَبوه بلحمِ الفخِذِ فعاش، فقال: قتَلنى فلانٌ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكر لنا أنهم ضرَبوه بفخِذِها فأحياه اللهُ، فأنبأ بقاتلِه الذى قتَله وتكلَّم، ثم مات (^٢).\nوقال آخَرون: الذى ضُرب به منها هو البَضْعةُ (^٣) التى بين الكَتِفَيْنِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾: فضرَبوه بالبَضْعةِ التى بين الكتفينِ فعاش، فسألوه: مَن قتَلك؟ فقال لهم: ابنُ أخى (^٤).\nوقال آخَرون: الذى أُمِرُوا أن يَضرِبوه به منها عظمٌ مِن عظامِها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: أمرَهم موسى أن يأخذوا عظمًا منها فيَضْرِبوا به القتيلَ، ففعَلوا، فرجَع إليه رُوحُه، فسمَّى لهم قاتلَه ثم عاد ميتًا كما كان، فأُخذ قاتلُه -وهو الذى أتَى موسى فشكا إليه- فقتَله اللهُ على أسْوأِ عَمَلِه (^٥).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٩.\n(^٢) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤٥ عقب الأثر (٧٥٢) معلقًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٧٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) البضعة: القطعة من اللحم. اللسان (ب ض ع). والمراد به غضروف الكتف كما سيأتى في كلام المصنف.\n(^٤) تقدم مطولًا في ص ٨٠.\n(^٥) تقدم مطولًا في ص ٧٨.","vol":"2","page":126},{"text":"وقال آخَرون بما حدَّثنى به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ضرَبوا الميتَ ببعضِ آرابِها (^١)، فإذا هو قاعدٌ، قالوا: مَن قتَلك؟ قال: ابنُ (^٢) أخى. قال: وكان قتَله وطرَحه (^٣) على ذلك السِّبْطِ، أراد أن يَأخُذَ دِيَتَه (^٤).\nوالصوابُ مِن القولِ في تأويلِ قولِه عندنا: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾. أن يقالَ: أمرَهم اللهُ جلَّ ثناؤه أن يَضرِبوا القتيلَ ببعضِ البقرةِ لِيَحْيا المضروبُ. ولا دَلالةَ في الآيةِ، ولا خبرَ تقومُ به حُجَّةٌ، على أيِّ أبعاضِها التى أُمر القومُ أن يَضرِبوا القتيلَ به. وجائزٌ أن يكونَ الذى أُمروا أن يَضرِبوه به هو الفَخِذَ، وجائزٌ أن يكونَ ذلك الذَّنَبَ وغُضْروفَ الكَتِفِ وغيرَ ذلك مِن أبعاضِها. ولا يَضُرُّ الجهلُ بأىِّ ذلك ضرَبوا القتيلَ، ولا ينفَعُ العلمُ به، مع الإقرارِ بأن القومَ قد ضرَبوا القتيلَ ببعضِ البقرةِ بعدَ ذَبْحِها، فأحياه اللهُ.\nفإن قال قائلٌ: وما كان معنى الأمرِ بضرْبِ القتيلِ ببعضِها؟\nقيل: لِيَحْيا فَيُنْبِئَ نبيَّ اللهِ موسى ﷺ والذين ادَّارءوا فيه مَن قاتِلُه.\nفإن قال قائلٌ: وأين الخبرُ عن أن (^٢) اللهَ جلَّ ثناؤه أمرَهم بذلك لذلك؟ قيل: تُرك ذلك اكتفاءً بدلالةِ ما ذُكر مِن الكلامِ الدالِّ عليه، نحوَ الذى ذكَرْنا مِن نظائرِ ذلك فيما مضَى.\n_________\n(^١) الإرب: العضو، والجمع آراب. اللسان (أ ر ب).\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"طرح\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ٨١، ٨٢.","vol":"2","page":127},{"text":"ومعنى الكلامِ: فقُلْنا: اضْرِبوه ببعضِها لِيَحْيا. فضرَبوه فحَيى -كما قال جل ثناؤه: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]. والمعنى: فضُرب فانفَلَق- يدُلُّ على ذلك قولُه: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-289>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتَى﴾.</span>\nوقولُه: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتَى﴾. مُخاطبةٌ مِن اللهِ عبادَه المؤمنين، واحتجاجٌ منه على المشركين المكذِّبين بالبعثِ، [وأمرُهم بالاعتبارِ] (^١) بما كان منه جل ثناؤه مِن إحياءِ قتيلِ بني إسرائيلَ بعد مَماتِه في الدنيا، فقال لهم تعالى ذكرُه: أيُّها المكذِّبون بالبعثِ بعد المماتِ، اعتَبِروا بإحيائى هذا القتيلَ بعد مَماتِه، فإنى كما أحييتُه في الدنيا فكذلك أُحْيِى الموتى بعد مماتِهم، فأبعثُهم يومَ البعثِ.\nفإنما احتجَّ جل ذكرُه بذلك على مُشْرِكى العربِ وهم قومٌ أُمِّيُّون لا كتابَ لهم؛ لأن الذين كانوا يعلَمون علْمَ ذلك مِن بني إسرائيلَ كانوا بين أظهُرِهم وفيهم نزلتْ هذه الآياتُ، فأخبَرهم جل ذكرُه بذلك ليتعرَّفوا عِلْمَ مَن قِبَلَهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-290>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ذِكْرُه: ويُرِيكم اللهُ أيُّها الكافرون المُكذِّبون بمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به مِن عندِ اللهِ مِن آياتِه -وآياتُه: أعلامُه وحُجَجُه الدالَّةُ على نُبُوتِه- لِتَعْقِلوا وتَفْهَموا أنه مُحِقٌّ صادقٌ فتؤمنوا به وتتَّبِعوه.\n\n<span id=\"aya-81\"></span><span data-type='title' id=toc-291>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.</span>\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وأمر منهم بالاختبار\".","vol":"2","page":128},{"text":"يعنى بذلك كُفَّارَ بني إسرائيلَ، وهم -فيما ذُكر- بنو أخى المقتولِ، فقال لهم: ثم قسَتْ قلوبُكم. أي: جَفَتْ وغلُظتْ وعَسَتْ، كما قال الراجزُ (^١):\nوَقَدْ قَسَوْتُ وَقَسا لُدَّتى (^٢)\nيُقالُ: قسا وعسا وعتا، بمعنًى واحدٍ، وذلك إذا جفا وغلُظ وصلُب. يُقالُ منه: قسا قلبُه يَقسُو قَسْوًا وقَسوةً وقَساوةً وقَساءً.\nويعنى بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: مِن بعدِ أن أحيا المقتولَ لهم الذى ادَّارءوا في قتْلِه، فأخبرَهم بقاتلِه، وما السببُ الذى مِن أجْلِه قتَله. كما قد وصَفْنا قبلُ على ما جاءت به (^٣) الآثارُ والأخبارُ، وفصَل اللهُ تعالى ذكرُه بخبرِه بين المُحِقِّ منهم والمُبْطِلِ. وكانت قساوةُ قلوبِهم التى وصَفهم اللهُ بها أنهم -فيما بلَغَنا- أنكَروا أن يَكُونوا هم قتَلوا القتيلَ الذى أحياه اللهُ، فأخبَر بني إسرائيلَ بأنهم كانوا قَتَلَتَه بعدَ إخبارِه إيّاهم بذلك، وبعدَ مِيتَتِه الثانيةِ.\nكما حدثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمِّى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا ضُرِب المقتولُ ببعضِها -يعنى ببعضِ البقرةِ- جلَس حيًّا (^٤)، فقِيل له: مَن قتَلك؟ فقال: بنو أخى قتَلونى. ثم قُبِض، فقال بنو أخيه حينَ قُبِض: واللهِ ما قتَلْناه. فكذَّبوا بالحقِّ بعدَ إذ رأَوْه، فقال اللهُ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: يعنى بني أخى الشيخِ، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (^٥).\n_________\n(^١) مجاز القرآن ١/ ١٥٨.\n(^٢) في النسخ: \"لدنى\". والمثبت من مجاز القرآن، واللدة: التِّرب، وهو الذى يولد معك في وقت واحد. التاج (ول د).\n(^٣) سقط من: م، ت ٢.\n(^٤) بعده في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ما كان قط\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٦٢ عن عطية العوفى به.","vol":"2","page":129},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾. يقولُ: مِن بعدِ ما أراهم اللهُ مِن إحياءِ الموتى، وبعدَ ما أراهم مِن أمْرِ القَتيلِ ما أراهم، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (^١).\n[حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قولِه: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: من بعدِ هذه الآيةِ، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾] (^٢).\n[حدَّثنى المثنَّى، قال: حدثنا آدمُ، قال: حدثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-292>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾.</span>\nيعنى بقولِه: ﴿فَهِىَ﴾. قلوبَكم، يقولُ: ثم صلُبتْ قلوبُكم -بعدَ إذ رأيتُم الحقَّ فتبيَّنْتُموه وعَرَفْتُموه- عن الخُضوعِ له والإذعانِ لواجبِ حقِّ اللهِ عليكم، فقلوبُكم كالحجارةِ صلابةً ويُبْسًا، وغِلَظًا وشِدَّةً، أو أشدُّ صلابةً -يعنى قلوبَكم- عن الإذعانِ لواجبِ حقِّ اللهِ عليهم، والإقرارِ له باللازمِ مِن حقوقِه لهم من الحجارةِ.\nفإن سأل سائلٌ فقال: وما وجهُ قولِه: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ و\"أوْ\" عند أهلِ العربيةِ إنما تأتى في الكلامِ لمعنى الشكِّ، واللهُ تعالى جل ذكرُه غيرُ جائزٍ في خبرِه الشكُّ؟\nقيل: إن ذلك على غيرِ الوجهِ الذى توهَّمْتَه مِن أنه شكٌّ مِن اللهِ جل ذكرُه فيما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٤٦ (٧٥٧) من طريق شيبان، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: م، ت ٢. والأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٤٦ (٧٥٨) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"2","page":130},{"text":"أَخبَر عنه، ولكنه خبرٌ منه عن قلوبهم القاسيةِ أنها -عند عبادِه الذين هم أصحابُها الذين كذَّبوا بالحقِّ بعد ما رأوُا العظيمَ مِن آياتِ اللهِ- كالحجارةِ قسوةً أو أشدُّ مِن الحجارةِ عندهم وعند مَن عرَف شأنَهم، وقد قال في ذلك جماعةٌ من أهلِ العربيةِ أقوالًا؛ فقال بعضُهم: إنما أراد اللهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. وما أشبهَ ذلك من الأخبارِ التى تأتى بـ \"أو\" كقولِه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]. وكقولِ اللهِ جلَّ ذكرُه: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. فهو عالمٌ أىُّ ذلك كان. قالوا: ونظيرُ ذلك قولُ القائلِ: أكلتُ بُسْرَةً أوْ رُطَبَةً. وهو عالمٌ أىَّ ذلك أكَل، ولكنَّه أبْهَم على المخاطَبِ، كما قال أبو الأسودِ الدِّيلىُّ (^١):\nأُحِبُّ مُحَمّدَا حُبًّا شَدِيدًا … وعَبَّاسًا وحَمْزَةَ وَالوَصِيّا\nفإنْ يَكُ حُبُّهُمْ رَشَدًا أُصِبْه … وَلَسْتُ بِمُخْطئٍ إنْ كانَ غَيّا\nقالوا: ولا شكَّ أن أبا الأسودِ لم يكن شاكًّا في أن حُبَّ مَن سمَّى رَشَدٌ، ولكنه أَبْهَم على مَن خاطَبه به. وقد ذُكِرَ عن أبي الأسودِ أنه لما قال هذه الأبياتَ قيل له: شكَكتَ؟ فقال: كلَّا واللهِ. ثم انتزَع (^٢) بقولِ اللهِ ﷿: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. فقال: أوَ كان شاكًّا مَن أخبَر بهذا في الهادى من الضلالِ؟!\nوقال بعضُهم: ذلك كقولِ القائلِ: ما أطعمتُك إلَّا حُلْوًا أوْ حامضًا. وقد أطعَمه النوعين جميعًا. فقالوا: فقائلُ ذلك لم يكنْ شاكًّا أنه قد أطعَم صاحبَه الحُلْوَ والحامضَ كليهما، ولكنه أراد الخبرَ عمَّا أطعَمه إيَّاه أنه لم يَخرُجْ عن هذين النوعين.\n_________\n(^١) ديوانه (نفائس المخطوطات) ص ٣٢، ٣٣.\n(^٢) انتزع: تمثل. التاج. (ن ز ع).","vol":"2","page":131},{"text":"قالوا: فكذلك قولُه: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. إنما معناه: فقلوبُهم لا تَخرُجُ من أحدِ هذين المَثَليْنِ؛ إمّا أن تكونَ مَثلًا للحجارةِ في القسوةِ، وأما أن تكونَ أشدَّ منها قسوةً. ومعنى ذلك على هذا التأويلِ: فبعضُها كالحجارةِ قسوةً، وبعضُها أشدُّ قسوةً من الحجارةِ.\nوقال بعضُهم: \"أو\" في قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. بمعنى: وأشدُّ قسوةً. كما قال ﵎: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. بمعنى: وكفورًا. وكما قال جريرُ بنُ عطيةَ (^١)؛\nنال الخلافةَ أوْ كانَتْ له قَدَرًا … كمَا أتَى رَبَّهُ موسى على قَدَرِ\nيعنى: نال الخلافةَ وكانت له قَدَرًا. وكما قال النابغةُ (^٢):\nقالَتْ [ألا لَيْتَما] (^٣) هَذَا الحَمامُ لَنا … إلى حَمامَتِنا أوْ (^٤) نِصْفُهُ فَقَدِ (^٥)\nيريدُ: ونصفُه.\nوقال آخَرون: \"أو\" في هذا الموضعِ بمعنى \"بل\". فكان تأويلُه عندَهم: فهى كالحجارةِ بل أشدُّ قسوةً. كما قال جل ثناؤه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. بمعنى: بل يزيدون (^٦).\n_________\n(^١) تقدم البيت في ١/ ٣٥٥.\n(^٢) ديوانه ص ١٦.\n(^٣) في الديوان: \"فياليتما\".\n(^٤) في الديوان: \"و\".\n(^٥) فقد: حسب. اللسان (ق د د).\n(^٦) ينظر معانى القرآن للفراء ١/ ٧٢.","vol":"2","page":132},{"text":"وقال آخَرون: معنى ذلك: فهى كالحجارةِ أو أشدُّ قسوةً عندَكم.\nقال أبو جعفرٍ: ولكلٍّ ممَّا قيل مِن هذه الأقوالِ التى حكَيْنا وجهٌ ومَخرَجٌ في كلامِ العربِ، غيرَ أن أعجبَ الأقوالِ إلىَّ (^١) في ذلك ما قلْناه أوَّلا، ثم القولُ الذى ذكرْناه عمَّن وجَّه ذلك إلى أنه بمعنى: فهى أوْجُهٌ في القسوةِ من أن تكونَ كالحجارةِ أو أشدَّ. على تأويلِ أن منها كالحجارةِ، ومنها أشدَّ قسوةً؛ لأن \"أو\" وإن استُعمِلتْ في أماكنَ مِن أماكنِ \"الواوِ\" حتى يَلتبِسَ معناها ومعنى \"الواوِ\" -لتقارُبِ معنيَيْهما في بعضِ تلك الأماكنِ- فإن أصلَها أن تأتىَ بمعنى أحدِ الاثنينِ، فتوجيهُها إلى أصلِها -[مَن وجَد] (^٢) إلى ذلك سبيلًا- أعجبُ إلىَّ مِن إخراجِها عن أصلِها ومعناها المعروفِ لها.\nقال: وأمّا الرفعُ في قولِه: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. فمِن وجهينِ؛ أحدُهما: أن يكونَ عطفًا على معنى الكافِ التى في قوله: ﴿كَالْحِجَارَةِ﴾. لأن معناها الرفعُ؛ وذلك أن معناها معنى \"مِثْل\": فهى مثلُ الحجارةِ أو أشدُّ قسوةً من الحجارةِ.\nوالوجهُ الآخَرُ: أن يكونَ مرفوعًا على معنى تكريرِ \"هى\" عليه، فيكونَ تأويلُ ذلك: فهى كالحجارةِ أو هى أشدُّ قسوةً مِن الحجارةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-293>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ذكرُه: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾: وإن\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"التى\".\n(^٢) كذا في النسخ، ولعل الصواب: ما وجدنا، أو: متى وجدنا.","vol":"2","page":133},{"text":"مِن الحجارةِ لحجارةً (^١) يتَفجَّرُ منها الماءُ الذى تكونُ منه الأنهارُ. فاسْتُغْنى [بذكْرِ الأنهارِ عن ذكْرِ الماءِ] (^٢)، وإنما ذُكِّر فقيل: ﴿مِنْهُ﴾ للفظِ \"ما\".\nوالتفجُّرُ التفعُّلُ مِن: تفجَّر (^٣) الماءُ، وذلك إذا تنزَّل خارجًا مِن منبعِه، وكلُّ سائلٍ شخَص خارجًا من موضِعِه ومكانِه فقد انفجَر، ماءً كان ذلك أو دمًا أو صديدًا أو غيرَ ذلك، ومنه قولُ عُمرَ بنِ لَجَأٍ (^٤):\nوَلمَّا أنْ قُرِنْتُ (^٥) إلى جَرِيرٍ … أَبَى ذُو بَطْنِهِ [إلَّا انْفِجارَا] (^٦)\nيعنى: إلَّا خُروجًا وسَيَلانًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-294>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: وإن مِن الحجارةِ لَحِجارةً تَشَّقَّقُ. وتَشَقُّقُها تَصَدُّعُها، وإنما هى: لَما يَتَشَقَّقُ، ولكنَّ التاءَ أُدْغِمَتْ في الشِّين فصارتْ شِينًا مُشَدَّدةً.\nوقولُه: ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾. [يقولُ: فيخرُجُ منه الماءُ] (^٧) فيكونُ عينًا نابعةً [وأنهارًا] (^٨) جاريةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-295>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"حجارة\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٣: \"بذكر الماء عن ذكر الأنهار\".\n(^٣) في النسخ: \"فجر\". والمثبت هو الصواب.\n(^٤) البيت في طبقات فحول الشعراء ١/ ٤٣٢، والأغانى ٨/ ٧٢.\n(^٥) في النسخ: \"قربت\". والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٦) في مصدرى التخريج: \"إلا انحدارا\".\n(^٧) سقط من: م، ت ٣.\n(^٨) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لا أنهارًا\".","vol":"2","page":134},{"text":"قال أبو جعفرٍ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وإن مِن الحجارةِ لَمَا (^١) يَهْبِطُ -أى: يَتَرَدَّى- مِن رأسِ الجبلِ إلى الأرضِ والسَّفْحِ مِن خوفِ اللهِ وخشيتِه. وقد دلَّلْنا على معنى الهبوطِ فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\nوأُدْخِلَتْ هذه اللَّاماتُ اللواتى في \"ما\" توكيدًا للخَبرِ.\nوإنما وصَف اللهُ تعالى ذكرُه الحجارةَ بما وصفَها به -مِن أن منها (^٣) المتفجِّرَ منه (^٤) الأنهارُ، وأن منها المتشقِّقَ بالماءِ، وأن منها الهابطَ مِن خشيةِ اللهِ، بعدَ الذى جعَل منها لقلوبِ الذين أَخبَر عن قسوةِ قلوبهم مِن بنى إسرائيل مَثَلًا- معذرةً منه جلَّ ثناؤه لها دونَ الذين أخبَر عن قسوةِ قلوبهم من بنى إسرائيل؛ إذ كانوا بالصفةِ التى وصفَهم اللهُ بها من التكذيبِ برُسُلِه والجُحودِ لآياتِه بعد الذى أراهم من الآياتِ والعِبَرِ، وعايَنوا مِن عجائبِ الأدلةِ والحُجَجِ، مع ما أعطاهم تعالى ذكرُه مِن صحةِ العقولِ، ومَنَّ به عليهم من سلامةِ النفوسِ التى لم يُعْطِها الحَجَرَ والمَدَرَ، ثم هو مع ذلك منه ما يَتفجَّرُ بالأنهارِ، ومنه ما يتَشَقَّقُ بالماءِ، ومنه ما يَهبِطُ مِن خشيةِ اللهِ، فأخبَر تعالى ذِكْرُه أن مِن الحجارةِ ما هو أَلْيَنُ من قلوبِهم لِمَا (^٥) يُدْعَوْن إليه مِن الحقِّ. كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ (^٦).\nوبنحوِ الذى قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: الحجارة\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٧١.\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منها\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عما\".\n(^٦) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨١ إلى المصنف وابن إسحاق وابن أبى حاتم. وهو عند ابن أبى حاتم ١/ ١٤٧ (٧٦٥) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبى محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ١٦٢.","vol":"2","page":135},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾. قال: كلُّ حجَرٍ يتفجَّرُ منه الماءُ، أو يَتَشَقَّقُ عن ماءٍ، أو يَتَرَدَّى مِن رأسِ جبَلٍ، فهو مِن خشيةِ اللهِ ﷿، نزَل بذلك القرآنُ (^١).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنى بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. ثم عذَر الحجارةَ ولم يَعْذِرْ شَقىَّ ابنِ آدمَ، فقال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثلَه.\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: ثم عذَر اللهُ الحجارةَ فقال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٠٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤٧ (٧٦٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تقدم أوله في ص ١٣٠.\n(^٣) تقدم أوله منه في ص ١٢٩.","vol":"2","page":136},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ أنه قال فيها: كلُّ حجرٍ انفجَر منه ماءٌ، أو تشقَّقَ عن ماءٍ، أو تردَّى من جبلٍ، فمن خشيةِ الله، نزَل به القرآنُ.\nثم اختَلف أهلُ النحوِ في معنى هُبُوطِ ما هبَط مِن الحجارةِ مِن خَشيةِ اللهِ.\nفقال بعضُهم: إن هبوطَ ما هبَط منها من خشيةِ اللهِ: تَفَيُّؤُ ظلالِه (^١).\nوقال آخَرون: ذلك الجبلُ الذى صار دكًّا إذ تجلَّى له ربُّه (^٢).\nوقال بعضُهم: ذلك كان منه، ويكونُ بأن اللهَ جلَّ ذكرُه أعطَى بعضَ الحجارةِ المعرِفةَ والفَهمَ، فعقَل طاعةَ اللهِ فأطاعه، كالذى رُوِى عن الجِذْعِ الذى كان يَسْتَنِدُ إليه رسولُ الله ﷺ إذا خطَب، فلمَّا تحوَّل عنه حَنَّ (^٣). وكالذى رُوِى عن النبيِّ ﷺ أنه قال: \"إنَّ حَجَرًا كانَ يُسَلِّمُ عَلَىَّ في الجاهلِيَّةِ، إنِّى لَأَعْرِفُهُ الآنَ\" (^٤).\nوقال آخَرون: بل قولُه: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾. كقولِه: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]. ولا إرادةَ له. قالوا: وإنما أُرِيدَ بذلك أنه مِن عِظَمِ أمْرِ اللهِ يُرَى كأنه هابطٌ خاشِعٌ مِن ذُلِّ خشيةِ اللهِ، كما قال زيدُ الخَيْلِ (^٥):\nبِجَمْعٍ تضِلُّ البُلْقُ في حَجَرَاتِهِ … ترَىَ الأُكْمَ فِيها سُجَّدًا للحَوَافِرِ\n_________\n(^١) يشير إلى الآية ٤٨ من سورة النحل ٤٨.\n(^٢) يعنى الآية ١٤٣ من سورة الأعراف.\n(^٣) أخرجه أحمد ٢٢/ ١١٧، ١٨٧ (١٤٢٠٦، ١٤٢٨٢)، والبخارى (٣٥٨٤) من حديث جابر. وينظر البداية والنهاية ٨/ ٦٧٩.\n(^٤) أخرجه الطيالسى (٨١٨)، وأحمد ٥/ ٨٩ (الميمنية)، ومسلم (٢٢٧٧) من حديث جابر بن سمرة. وينظر البداية والنهاية ٨/ ٦٩٤.\n(^٥) تقدم البيت في ١/ ٧١٥.","vol":"2","page":137},{"text":"وكما قال سُوَيْدُ بنُ أبى كاهِلٍ يَصِفُ عَدُوًّا له يُرِيدُ أنه ذَلِيلٌ (^١):\nساجِدَ المَنْخَرِ إذْ يَرْفَعُهُ … خاشِعَ الطَّرْفِ أَصَمَّ (^٢) المُسْتَمَعْ\nوكما قال جريرُ بنُ عطيةَ (^٣):\nلَمَّا أتى خَبَرُ الرَّسُولِ تَضَعْضَعَتْ … سُورُ المَدِينَةِ والجبالُ الخُشَّعُ\nوقال آخَرون: معنى قولِه: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾. أى: يُوجبُ الخشيةَ لغيرِه بدلالتِه على صانعِه، كما قيل: ناقةٌ تاجرةٌ: إذا كانت مِن نَجابتِها وفراهتِها تدعو الناسَ إلى الرغبةِ فيها، كما قال جريرُ بنُ عطيةَ (^٤):\nوأَعوَرَ مِن نَبْهانَ أمّا نَهارُه … فأعْمَى وأمّا لَيْلُه فبَصِيرُ\nفجعَل الصفةَ لليلِ والنهارِ، وهو يُرِيدُ بذلك صاحبَه النَّبْهانىَّ الذى يَهْجُوه مِن أجْلِ أنه فيهما كان ما وصَفه به.\nوهذه الأقوالُ وإن كانت غيرَ بعيداتِ المعنى ممَّا تَحْتَمِلُه الآيةُ من التأويلِ، فإن تأويلَ أهلِ التأويلِ مِن علماءِ سلَفِ الأمةِ بخلافِها، فلذلك لم نَسْتَجِزْ صرْفَ تأويلِ الآيةِ إلى معنًى منها.\nوقد دلَّلْنا فيما مضَى على معنى الخشيةِ، وأَنها الرهبةُ والمخافةُ، فكرِهْنا إعادةَ ذلك في هذا الموضعِ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-296>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾.</span>\n_________\n(^١) البيت في المفضليات ص ٢٠١، والأضداد لابن الأنبارى ص ٢٩٥.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"أذل\".\n(^٣) تقدم البيت في ١/ ٦٢٣، والرواية هناك: \"خبر الزبير تواضعت\". وكذا في الديوان.\n(^٤) تقدم البيت في ١/ ٣٣٢.\n(^٥) تقدم البيت في ١/ ٥٩٨.","vol":"2","page":138},{"text":"يعنى بقولِه: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: وما اللهُ بغافلٍ -يا معشرَ المكذِّبينَ بآياتِه، والجاحدينَ نبوّةَ رسولِه محمدٍ ﷺ، والمتقوِّلِين عليه الأباطيلَ من بنى إسرائيلَ وأحبارِ اليهودِ- عما تعمَلون من أعمالِكم الخبيثةِ، وأفعالِكم الرديئةِ، ولكنه يُحصِيها عليكم، فيجازِيكم بها في الآخرةِ أو يعاقِبُكم بها في الدنيا.\nوأصلُ الغَفْلةِ عن الشئِ تَرْكُه على وجهِ السهوِ عنه والنسيانِ له. فأخبَرهم تعالى ذكرُه أنه غيرُ غافلٍ عن أفعالِهم الخبيثةِ ولا ساهٍ عنها، بل هو لها مُحْصٍ، ولها حافظٌ.\n\n<span id=\"aya-82\"></span><span data-type='title' id=toc-297>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾. أصحابَ (^١) محمدٍ. [يقولُ: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾] (^٢) أى: أفتَرْجُونَ يا معشرَ المؤمنين بمحمدٍ ﷺ، والمُصَدِّقِين ما جاءكم به مِن عندِ اللهِ، أن يُؤْمِنَ لكم يهودُ بنى إسرائيلَ.\nويعنى بقولِه: ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾: أن يُصَدِّقوكم بما جاءكم به نبيُّكم ﷺ محمدٌ مِن عندِ ربِّكم.\nكما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾: يعنى أصحابَ محمدٍ ﷺ أن يُؤْمِنوا لكم، يقولُ: أفتَطْمَعونَ أن يُؤْمِنَ لكم اليهودُ (^٣)؟\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ الآية. قال: هم اليهودُ (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"يا أصحاب\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤٨ (٧٦٩) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨١ إلى عبد بن حميد.","vol":"2","page":139},{"text":"<span data-type='title' id=toc-298>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: أما \"الفريقُ\" فَجَمْعٌ، كالطائفةِ، لا واحدَ له مِن لفظِه، وهو \"فَعيلٌ\" مِن \"التَّفَرُّقِ\"، سُمِّىَ به الجِماعُ كما سُمِّيَت الجماعةُ بـ \"الحِزْبِ\" مِن \"التَّحزُّبِ\"، وما أشْبَهَ ذلك، ومنه قولُ أعْشَى بنى ثَعْلبةَ (^١):\nأجَدُّوا (^٢) فلمَّا خِفْتُ أنْ يَتَفَرَّقُوا … فَرِيقَيْن مِنْهُمْ مُصْعِدٌ وَمُصَوِّبُ (^٣)\nيعنى بقولِه: ﴿مِنْهُمْ﴾: مِن بنى إسرائيلَ. وإنما جعَل اللهُ الذين كانوا على عهدِ موسى ومَن بعدَهم مِن بنى إسرائيلَ، مِن اليهودِ الذين قال اللهُ لأصحابِ محمدٍ ﷺ: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾. لأنهم كانوا آباءَهم وأسْلافَهم، فجعَلهم منهم إذ كانوا عَشائرَهم وفَرَطَهم وأسْلافَهم، كما يَذْكُرُ الرجلُ اليومَ الرجلَ، وقد مضَى على مِنهاجِ الذاكرِ وطريقتِه، وكان مِن قومِه وعَشيرتِه، فيقولُ: كان منا فلانٌ. يعنى أنه كان مِن أهلِ طريقتِه ومذهبِه، أو مِن قومِه وعَشيرتِه، فكذلك قولُه ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-299>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين عَنَى اللهُ بقولِه: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنى به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى\n_________\n(^١) ديوان الأعشى ص ٢٠١.\n(^٢) في م: \"أخذوا\". وأجد في السير: أسرع فيه. اللسان (ج د د).\n(^٣) التصويب: الانحدار وهو خلاف التصعيد. اللسان (ص وب).","vol":"2","page":140},{"text":"نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: فالذين يُحَرِّفونَه والذين يَكْتُمونَه هم العلماءُ منهم (^١).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾. قال: هى التوراةُ حرَّفوها (^٢).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾. قال: التوراةُ التى أنْزَلها عليهم يُحَرِّفونها، يَجْعَلون الحلالَ فيها حرامًا، والحرامَ فيها حلالًا، والحقَّ فيها باطلًا، والباطلَ فيها حقًّا؛ إذا جاءَهم المُحِقُّ برِشْوةٍ أخْرَجوا له كتابَ اللهِ، وإذا جاءَهم المُبْطِلُ برِشْوةٍ أخرجوا له ذلك الكتابَ فهو فيه مُحِقٌّ، وإن جاء أحدٌ يَسْأَلُهم شيئًا ليس فيه حقٌّ ولا رِشوةٌ ولا شيءٌ أَمَروه بالحقِّ، فقال لهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (^٣).\nوقال آخرون في ذلك بما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: أخْبَرَنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِه: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤٩ (٧٧٣) من طريق ابن أبى نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤٩ (٧٧٤) عن أبى زرعة، عن عمرو به.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٦٥ عن ابن وهب به.","vol":"2","page":141},{"text":"كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: فكانوا يَسْمَعون مِن ذلك كما يَسْمَعُ أهلُ النُّبوةِ، ثم يُحَرِّفونه مِن بعدِ ما عقَلوه وهم يَعْلَمون (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ في قولِه: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ﴾ الآية. قال: ليس قولُه: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ﴾: يَسْمَعون التوراةَ، كلُّهم قد سمِعها، ولكنَّهم الذين سألوا موسى رؤيةَ ربِّهم فأخَذَتْهم الصاعقةُ فيها (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: بلَغنى عن بعضِ أهلِ العلمِ أنهم قالوا لموسى: يا موسى، قد حِيلَ بيننا وبينَ رؤيةِ اللهِ ﷿، فأَسْمِعْنا كلامَه حين يُكَلِّمُك. فطلَب ذلك موسى إلى ربِّه، فقال: نعم، فَمُرْهم فليتَطَهَّروا، ولْيُطَهِّروا ثيابَهم، ويَصُوموا. ففعَلوا، ثم خرَج بهم حتى أتَى الطُّورَ، فلما غَشِيهم الغَمامُ أمرَهم موسى ﵇ فوقَعوا سجودًا، وكلَّمه ربُّه، فسمِعوا كلامَه يَأْمُرُهم ويَنْهاهم، حتى عَقَلوا ما سمِعوا، ثم انْصَرف بهم إلى بنى إسرائيلَ، فلما جاءوهم حرَّف فريقٌ منهم ما أمَرهم به، وقالوا حين قال موسى لبنى إسرائيلَ: إن اللهَ قد أمرَكم بكذا وكذا. قال ذلك الفريقُ الذى ذكَرهم اللهُ: إنما قال كذا وكذا. خلافًا لِما قال اللهُ ﷿ لهم، فهم الذين عَنَى اللهُ لرسولِه محمدٍ ﷺ (^٣).\nوأَوْلى التأويلين اللذين ذكرتُ بالآيةِ وأَشْبَهُهما بما دلَّ عليه ظاهرُ التلاوةِ، ما قاله الربيعُ بنُ أنسٍ، والذى حكاه ابنُ إسحاقَ عن بعضِ أهلِ العلمِ، مِن أن اللهَ تعالى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤٨ (٧٧١) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤٨ (٧٧٠) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبى محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤٨ (٧٧٢) من طريق سلمة به، إلى قوله: ثم انصرف بهم إلى بنى إسرائيل. وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٦٤ عن ابن إسحاق به، مطولا.","vol":"2","page":142},{"text":"ذِكْرُه إنما عَنَى بذلك مَن سمِع كلامَه مِن بنى إسرائيلَ سماعَ موسى إياه منه، ثم حرَّف ذلك وبدَّل مِن بعدِ سماعِه وعلمِه به وفهمِه إياه. وذلك أن اللهَ جل ثناؤُه إنما أخْبَر أن التحريفَ كان مِن فريقٍ منهم كانوا يَسْمَعون كلامَ اللهِ ﷿، اسْتِعْظامًا مِن اللهِ لِما كانوا يَأْتون مِن البهتانِ بعد توكيدِ الحجةِ عليهم والبرهانِ، وإيذانًا منه تعالى ذِكْرُه عبادَه المؤمنين، وقطَع أطماعَهم مِن إيمانِ بقايا نسلِهم بما أتاهم به محمدٌ مِن الحقِّ والنورِ والهُدَى، فقال لهم: كيف تَطْمَعون في تصديقِ هؤلاء اليهودِ إياكم، وإنما تُخْبِرونهم -بالذى تُخْبِرونهم مِن الأنْباءِ عن اللهِ ﷿ عن غيبٍ لم يُشاهِدوه ولم يُعاينِوه، وقد كان بعضُهم يَسْمَعُ مِن اللهِ كلامَه وأمْرَه ونهيَه، ثم يُبَدِّلُه ويُحَرِّفُه ويَجْحَدُه، فهؤلاء الذين بينَ أَظْهُرِكم مِن بقايا نسلِهم أحْرَى أن يَجْحَدوا ما أَتَيْتُموهم به مِن الحقِّ وهم لا يَسْمَعونه مِن اللهِ، وإنما يَسْمَعونه منكم -وأقربُ إلى أن يُحَرِّفوا ما في كُتُبِهم مِن صفةِ نبيِّكم محمدٍ ﷺ ونعتِه، ويُبَدِّلوه وهم به عالمون، فيَجْحَدوه ويُكَذِّبوا- مِن أوائلِهم الذين باشَروا كلامَ اللهِ مِن اللهِ جل ثناؤُه ثم حرَّفوه مِن بعدِ ما عقَلوه وعلِموه، مُتَعمِّدين التحريفَ.\nولو كان تأويلُ الآيةِ على ما قاله الذين زعَموا أنه عَنَى بقولِه: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ﴾: يَسْمَعون التوراةَ. لم يَكُنْ لِذِكْرِ قولِه: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ﴾. مَعْنًى مَفْهومٌ؛ لأن ذلك قد سمِعه المُحرِّفُ منهم وغيرُ المُحرِّفِ، فخصوصُ المحرِّفِ منهم بأنه كان يَسْمَعُ كلامَ اللهِ -إن كان التأويلُ على ما قاله الذين ذكَرنا قولَهم دونَ غيرِهم ممن كان يَسْمَعُ ذلك سماعَهم- لا مَعْنَى له.\nفإن ظنَّ ظانٌّ إنما صَلَح أن يُقالَ ذلك لقولِه: ﴿يُحَرِّفُونَهُ﴾. فقد أغْفَل وجهَ الصوابِ في ذلك، وذلك أن ذلك لو كان كذلك لقِيلَ: أفتَطْمَعون أن يُؤْمِنوا لكم","vol":"2","page":143},{"text":"وقد كان فريقٌ منهم يُحَرِّفون كلامَ اللهِ مِن بعدِ ما عقَلوه وهم يَعْلَمون. ولكنه جل ثناؤُه أخْبَر عن خاصٍّ من اليهودِ كانوا أُعْطوا، مِن مُباشَرَتِهم سَماعَ كلامِ اللهِ تعالى، ما لم يُعْطَه أحدٌ غيرُ الأنبياءِ والرُّسُلِ، ثم بدَّلوا وحرَّفوا ما سمِعوا مِن ذلك، فلذلك وصَفهم بما وصَفهم به للخصوصِ الذى كان خَصَّ به هؤلاء الفريقَ الذى ذكَرهم في كتابِه تعالى ذِكْرُه.\nويعنى بقولِه: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾: ثم يُبَدِّلون مَعْناه وتأويلَه ويُغَيرونه. وأصلُه مِن انحرافِ الشئِ عن جهتِه، وهو ميلُه عنها إلى غيرِها، فكذلك قولُه: ﴿يُحَرِّفُونَهُ﴾. أى: يُمِيلونه عن وجهِه ومَعْناه الذى هو مَعْناه إلى غيرِه. فأخْبَر اللهُ جل ثناؤُه أنهم فعَلوا ما فعَلوا مِن ذلك على علمٍ منهم بتأويلِ ما حرَّفوا، وأنه بخلافِ ما حرَّفوه إليه، فقال: ﴿يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾. يعنى: مِن بعدِ ما عقَلوا تأويلَه ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أى: يَعْلَمون أنهم في تحرِيفِهم ما حرَّفوا مِن ذلك مُبْطِلون كاذِبون. وذلك إخْبارٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عن إقدامِهم على البُهتِ، ومُناصَبتِهم العداوةَ له ولرسولِه موسى ﷺ، وأن بقاياهم -مِن مُناصَبتِهم العداوةَ للهِ ولرسولِه محمدٍ ﷺ بغيًا وحسدًا- على مثلِ الذى كان عليه أوائلُهم مِن ذلك فى عصرِ موسى ﵊.\n\n<span id=\"aya-83\"></span><span data-type='title' id=toc-300>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾</span>\nأما قولُه: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾. فإنه خبرٌ مِن اللهِ جل ذِكْرُه عن الذين أيْأَس أصحابَ محمدٍ ﷺ مِن إيمانهم -مِن يهودِ بنى إسرائيلَ الذين كان فريقٌ منهم يَسْمَعون كلامَ اللهِ ثم يُحرِّفونه مِن بعدِ ما عَقَلوه وهم يَعْلَمون- وهم الذين إذا لقُوا الذين آمنوا باللهِ ورسولِه محمدٍ ﷺ قالوا: آمنّا. يعنى","vol":"2","page":144},{"text":"بذلك أنهم إذا لقُوا الذين صَدَّقوا باللهِ وبمحمدٍ ﷺ رسولِه (^١)، وبما جاء به مِن عندِ اللهِ قالوا: آمنا. أى: صدَّقنا بمحمدٍ وبما صَدَّقتُم به، وأقْرَرنا بذلك. أَخْبر اللهُ ﷿ عنهم أنهم تَخَلقوا بأخلاق المنافقين وسلَكوا مِنهاجَهم.\nكما حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عَمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن جدِّه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾: وذلك أن نفرًا مِن اليهودِ كانوا إذا لَقُوا محمدًا ﷺ قالوا: آمنا. وإذا خلا بعضُهم إلى بعضٍ قالوا: أتُحدِّثونهم بما فتَح اللهُ عليكم.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾: يعنى المنافقين مِن اليهودِ كانوا إذا لَقُوا أصحابَ محمدٍ ﷺ قالوا: آمنا (^٢).\nوقد رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ في تأويلِ ذلك قولٌ آخرُ، وهو ما حدَّثنا به ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفَضْلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ، عن عِكْرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾. أى: بصاحبِكم (^٣) رسولِ اللهِ ﷺ، ولكنه إليكم خاصةً (^٤).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدَّىَّ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ الآية. قال: هؤلاء ناسٌ مِن اليهودِ آمنوا ثم نافقوا (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٦٥ عن الضحاك به.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"صاحبكم\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٦٥ عن ابن إسحاق به.\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٤٩ (٧٧٩) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.","vol":"2","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-301>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾.</span>\nيعنى بقولِه: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. أى: إذا خلا بعضُ هؤلاء اليهودِ الذين وصَف اللهُ صفتَهم - إلى بعضٍ منهم، فصاروا في خَلاءٍ مِن الناسِ غيرِهم، وذلك هو الموضعُ الذى ليس فيه غيرُهم، ﴿قَالُوا﴾ يعنى قال بعضُهم لبعضٍ: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾. يعنى: بما أمَركم اللهُ به. فيقولُ الآخَرون: إنما نَسْتَهْزِئُ بهم ونَضْحَكُ.\nوقال آخَرون بما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾. أى: بصاحبِكم (^١) رسولِ اللهِ، ولكنَّه إليكم خاصَّةً. وإذا خلا بعضُهم إلى بعضٍ قالوا: لا تُحَدِّثوا العربَ بهذا، فإنكم قد كنتُم تَسْتَفْتِحون به عليهم فكان منهم. فأنْزَل اللهُ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. أى: تُقِرُّون بأنه نبىٌّ، وقد علِمْتُم أنه قد أُخِذ له الميثاقُ عليكم باتِّباعِه، وهو يُخْبِرُهم أنه النبىُّ (^٢) الذى كُنَّا نَنْتَظِرُ ونَجِدُه في كتابِنا، اجْحَدُوه ولا تُقِرُّوا لهم به. يقولُ اللهُ:\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"صاحبكم\".\n(^٢) بعده فى النسخ: \"ﷺ\". ولا موضع لها هنا.","vol":"2","page":146},{"text":"﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾. أى: بما أنْزَل اللهُ عليكم في كتابِكم، مِن نَعْتِ (^٢) محمدٍ ﷺ (^٣).\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾. أى: بما مَنَّ اللهُ عليكم في كتابِكم من نَعْتِ (^٤) محمدٍ ﷺ، فإنكم إذا فَعَلْتُم ذلك احْتَجُّوا به عليكم، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ لِيَحْتَجُّوا به عليكم (^٦).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، قال: قال قتادةُ: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾. يعنى: بما أَنْزَلَ اللهُ عليكم من أمرِ محمدٍ ﷺ ونَعْتِه (^٧).\nوقال آخَرون في ذلك بما حدثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ\n_________\n(^١) تقدم طرف منه في ص ١٤٥.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بعث\".\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٥٠ (٧٨١) من طريق آدم به.\n(^٤) في ت ٣: \"بعث\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨١ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٠، بزيادة في أوله.\n(^٧) في ت ٢، ت ٣: \"بعثه\".","vol":"2","page":147},{"text":"رَبِّكُمْ﴾. قال: قولُ يهودَ من قُرَيظةَ حين سَبَّهُم النبىُّ ﷺ بأنهم إخوةُ القِردةِ والخنازيرِ، قالوا: مَن حَدَّثك؟ هذا حين أرسل إليهم عليًّا فآذَوْا محمدًا، فقال: يا إخوةَ القردةِ والخنازيرِ (^١).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه، إلَّا أنه قال: هذا حينَ أَرْسَلَ إليهم علىَّ بنَ أبى طالبٍ، ﵁، وآذَوُا النبىَّ ﷺ، فقال: \"اخْسَئُوا يا إخْوَةَ القِرَدَةِ والخنَازِيرِ\".\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنى الحسينُ، قال: حدثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: أخبرنى القاسمُ بنُ أبى بَزَّةَ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾. قال: قام النبىُّ ﷺ يومَ قُرَيْظَةَ تحتَ حُصونِهم، فقال: \"يا إخْوانَ القِردَةِ، ويا إخْوانَ الخنَازيرِ، ويا عَبَدَةَ الطّاغُوتِ\". فقالوا: مَن أخبر هذا محمدًا؟ ما خرَج هذا إلَّا منكم، ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾: بما حَكَمَ اللهُ للفتحِ ليكون لهم حُجَّةً عليكم. قال ابنُ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ: هذا حينَ أرسلَ إليهم عليًّا فآذَوْا محمدًا ﷺ (^٢).\nوقال آخَرون بما حدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السُّدَّىِّ: ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ -من العذابِ- ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾: هؤلاء ناسٌ من اليهودِ آمنوا ثم نافَقُوا، فكانوا يُحَدِّثُون المؤمنينَ من العربِ بما عُذِّبُوا به، فقال بعضُهم لبعضٍ: أَتُحدِّثونهم بما فتَح اللهُ عليكم مِن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٠٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٠ (٧٨٢)، وعزأه السيوطى في الدر المنثور ١/ ٨١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٦٦ عن ابن جريج به.","vol":"2","page":148},{"text":"العذابِ ليقولوا نحن أحبُّ إلى اللهِ منكم، وأكرمُ على اللهِ منكم (^١).\nوقال آخرون بما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. قال: كانوا إذا سُئِلُوا عن الشئِ قالوا: أَمَا تَعْلَمُونَ في التوراةِ كذا وكذا؟ قالوا: بَلَى. قال: وهم يهودُ. فيقولُ لهم رُؤَساؤُهم الذين يرجِعون إليهم: ما لَكم تُخْبِرُونهم بالذى أَنزل اللهُ عليكم فيُحاجُّوكم به عندَ ربِّكم، أَفَلا تعقِلون؟ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لا يَدْخُلَنَّ علينا قصَبَةَ المَدِينَةِ إلَّا مُؤْمِنٌ\". فقال رُؤَساؤُهم مِن أهلِ الكفرِ والنفاقِ: اذْهَبُوا فقولوا: آمنَّا. واكْفُرُوا إذا رَجَعْتُم. قال: فكانوا يأتون المدينةَ بالبُكَرِ ويَرجِعون إليهم بعدَ العصرِ. وقرأ قولَ اللهِ: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢]. وكانوا يقولون إذا دخَلوا المدينةَ: نحنُ مسلمون. ليعلموا خَبَرَ رسولِ اللهِ ﷺ وأَمْرَه، وإذا رجَعوا رجَعوا إلى الكفرِ. فلمَّا أَخْبَرَ اللهُ نبيَّه ﷺ بهم، قطَع ذلك عنهم فلم يكونوا يَدْخُلُون، وكان المؤمنون الذين مع رسولِ اللهِ ﷺ يَظُنُّون أنهم مؤمنونَ، فيقولون لهم: أليس قد قال اللهُ لكم كذا وكذا؟ فيقولون: بلى. فإذا رجَعوا إلى قومِهم قالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية (^٢).\nوأصلُ الفتحِ في كلامِ العربِ النصرُ والقضاءُ والحُكْمُ، يقالُ منه: اللهمَّ افتحْ بينى وبينَ فلانٍ: أى احْكُمْ بينى وبينَه. ومنه قولُ الشاعرِ (^٣):\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٥٠ (٧٨٣) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٦٥، ١٦٦.\n(^٣) نسب هذا البيت -على اختلاف في روايته- إلى الأسعر الجعفى، ومحمد بن حمران، والأعشى، وهو في جمهرة اللغة ٢/ ٤، وأمالى القالى ٢/ ٢٨١.","vol":"2","page":149},{"text":"أَلَا أبْلِغْ بنى عُصْمٍ رَسُولًا … بأنِّى عن فُتاحَتِكُمْ غنِيُّ\nقال: ويُقال للقاضى: الفتَّاح. ومنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]. أي: احْكُمْ بينَنا وبينَهم.\nفإذا كان معنى الفتحِ ما وَصَفْنا، تَبَيَّنَ أن معنى قولِه: ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. إنما هو: أَتُحدِّثونَهم بما حكَم اللهُ به عليكم وقَضَاه فيكم. ومِن حُكْمِه جلَّ ثناؤُه عليهم ما أخَذ به ميثاقَهم من الإيمانِ بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به في التوراةِ، ومن قضائِه فيهم أنْ جعل منهم القردةَ والخنازيرَ. وغيرُ ذلك من أحكامِه وقضائِه فيهم، وكلُّ ذلك كان لرسولِ اللهِ ﷺ وللمؤمنين به حُجَّةً على المكذِّبينَ به (^١) من اليهودِ المُقِرِّينَ بحُكْمِ التوراةِ وغيرِ ذلك.\nفإن كان كذلك، فالذى هو أَوْلَى عندى بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: أتُحدِّثونهم بما فتَح اللهُ عليكم مِن بَعْثِ (^٢) محمدٍ ﷺ إلى خَلْقِه؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤه إنما قَصَّ في أولِ هذه الآيةِ الخبرَ عن قولِهم لرسولِ اللهِ ﷺ ولأصحابِه: آمنَّا بما جاء به محمدٌ ﷺ. فالذى هو أَوْلَى بآخِرِها أن يكونَ نظيرَ الخبرِ عمَّا ابْتُدِئَ به أوَّلُها.\nوإذا كان ذلك كذلك، فالواجبُ أن يكونَ تلاوُمُهم كان فيما يينَهم فيما كانوا أظهَروه لرسولِ اللهِ ﷺ ولأصحابِه من قولِهم لهم: آمنَّا بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به. وكان قِيلُهم ذلك مِن أجْلِ أنهم كانوا (١) يجِدون ذلك في كُتُبِهم، وكانوا\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ت ١، ت ٣: \"نعت\".","vol":"2","page":150},{"text":"يُخْبِرون أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ بذلك، فكان تلاوُمُهم فيما بينهم إذا خَلَوْا على ما كانوا يُخْبِرونَهم بما هو حُجَّةٌ للمسلمينَ عليهم عندَ ربِّهم، وذلك أنهم كانوا يُخبرونهم عن وجودِ نَعْتِ محمدٍ ﷺ في كُتبِهم ويَكفرون به، وكان فتحُ اللهِ الذى فَتَحه للمسلمين على اليهودِ، وحُكمُه عليهم لهم في كتابِهم، أن يُؤمنوا بمحمدٍ ﷺ إذا بُعِث، فلما بُعث كفَروا به مع عِلْمِهم بنُبُوّتِه.\nوقولُه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. خبرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه عن اليهودِ اللائمينَ إخوانَهم على ما أخبَروا أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ بما فتَح اللهُ لهم عليهم، أنهم قالوا لهم: أفلا تَفْقَهون أيُّها القومُ وتَعْقِلُون أن إخبارَكم أصحابَ محمدٍ (^١) ﷺ بما في كُتُبِكم أنه نبىٌّ مبعوثٌ، حجةٌ لهم عليكم عندَ ربِّكم يحتجُّون بها عليكم؟! أى: فلا تفعلوا ذلك، ولا تقولوا لهم مثلَ ما قلتُم، ولا تُخبروهم بمثلِ ما أخبرتُموهم به من ذلك. فقال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-84\"></span><span data-type='title' id=toc-302>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: أَوَلا يَعْلَمُ هؤلاءِ اللائمونَ من اليهودِ إخوانَهم من أهلِ مِلَّتِهم -على كونِهم (^٢) إذا لَقُوا الذين آمنوا قالوا: آمنَّا. وعلى إخبارِهم المؤمنينَ بما في كتبِهم من نَعْتِ رسولِ اللهِ ﷺ، ومَبْعثِه، القائلون لهم: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ - أنَّ اللهَ عالمٌ بما يُسِرُّون فيُخْفُونه عن المؤمنين في خَلائِهم؛ من كفرِهم وتلاوُمِهم بينَهم على إظهارِهم ما أظهَروا لرسولِ\n_________\n(^١) في م: \"النبى\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قولهم\".","vol":"2","page":151},{"text":"اللهِ ﷺ وللمؤمنين به من الإقرارِ بمحمدٍ ﷺ، وعلى قِيلِهم لهم: آمنَّا. ونَهْىِ بعضِهم بعضًا أن يُخبروا المؤمنين بما فتَح اللهُ للمؤمنين عليهم، وقَضَى لهم عليهم في كتبِهم من حقيقةِ نُبُوَّةِ محمدٍ ﷺ وَنَعتِه ومَبْعَثِه، وما يُعْلِنون فيُظهرونه لمحمدٍ ﷺ ولأصحابه المؤمنين به إذا لَقُوهم من قِيلِهم لهم: آمنَّا بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به. نفاقًا وخِداعًا للهِ ولرسولِه وللمؤمنين.\nكما حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ من كفرِهم وتكذيبهم محمدًا ﷺ إذا خَلا بعضُهم إلى بعضٍ، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ إذا لَقُوا أصحابَ محمدٍ ﷺ قالوا: آمنَّا. ليُرْضُوهم بذلك (^١).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: يعنى ما أَسَرُّوا من كفرِهم بمحمدٍ ﷺ وتكذيبهم به، وهم يَجِدُونه مكتوبًا عندهم، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: يعنى ما أَعْلَنوا حينَ قالوا للمؤمنين: آمنَّا (^٢).\n\n<span id=\"aya-85\"></span><span data-type='title' id=toc-303>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾: ومن هؤلاءِ اليهودِ الذين قَصَّ اللهُ قَصَصَهم في هذه الآياتِ، وأَيْأَسَ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ من إيمانِهم، فقال لهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾. وهم إذا لَقُوكم قالوا: آمنَّا.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥١ عقب الأثر (٧٨٧) معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨١، ٨٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥١ (٧٨٦، ٧٨٨) من طريق آدم به.","vol":"2","page":152},{"text":"كما حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾: يعنى من اليهودِ (^١).\nوحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا [ابنُ أبى جعفرٍ] (^٢)، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾. قال: أُناسٌ من يهودَ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: يعنى بـ\"الأُمِّيِّين\" الذين لا يَكتبون ولا يَقرءون، ومنه قولُ النبيِّ ﷺ: \"إنّا أُمّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نحْسُبُ\" (^٤).\nيقالُ منه: رجُلٌ أميٌّ. أى: بيِّنُ الأُمِّيَّةِ.\nكما حدَّثنى المثنى، قال: حدثنى سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾. قال: منهم مَن لا يُحْسِنُ أن يَكْتُبَ (^٥).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾. قال: أُمِّيُّون لا يَقْرَءون الكتابَ من اليهودِ.\nورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ قولٌ خلافُ هذا القولِ، وهو ما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بِشْرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٢ (٧٨٩) من طريق آدم به.\n(^٢) في ت ٣: \"أبو جعفر\".\n(^٣) سيأتى بتمامه في ص ١٥٧.\n(^٤) أخرجه أحمد ٢/ ٤٣ (٥٠١٧)، والبخارى (١٩١٣)، ومسلم (١٠٨٠/ ١٥)، وأبو داود (٢٣١٩) من حديث ابن عمر.\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٢ (٧٩١) من طريق سفيان به نحوه.","vol":"2","page":153},{"text":"عباسٍ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾. قال: الأُمِّيون قومٌ لم يُصَدِّقوا رسولًا أرسَله اللهُ، ولا كتابًا أنزَله اللهُ، فكتبوا كتابًا بأيديهم، ثم قالوا لقومٍ سَفِلَةٍ جُهَّالٍ: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾. وقال: قد أَخبر أنهم يكتُبون بأيديهم، ثم سمَّاهم أُمِّيِّين لجُحُودِهم كتبَ اللهِ ورُسُلَه (^١).\nوهذا التأويلُ تأويلٌ على خلافِ ما يُعرَفُ من كلامِ العربِ المُستفيضِ بينَهم، وذلك أن الأُميَّ عندَ العربِ هو الذى لا يكتُبُ.\nقال أبو جعفرٍ: وأَرى أنه قِيلَ للأُميِّ: أُميٌّ. نسبةً له، بأنه لا يَكتُبُ، إلى أُمِّه؛ لأن الكتابَ كان في الرجالِ دُونَ النساءِ، فنُسِبَ مَن لا يَكتبُ ولا يَخُطُّ من الرجالِ إلى أُمِّه في جهْلِه بالكتابةِ دونَ أبيه، كما ذكرنا عن النبيِّ ﷺ من قولِه: \"إنّا أمةٌ أُمِّيّةٌ لا نَكْتُبُ وَلا نَحْسُبُ\". وكما قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢].\nفإذا كان معنى الأميِّ في كلامِ العربِ ما وَصَفْنا، فالذى هو أَوْلَى بتأويلِ الآيةِ ما قاله النَّخَعيُّ مِن أن معنى قولِه: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾: ومنهم مَن لا يُحْسِنُ أن يكتُبَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-304>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾.</span>\nيعنى بقولِه: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾: لا يعلمون ما في الكتابِ الذى أَنزَله اللهُ ولا يَدرون ما أَوْدَعه اللهُ من حُدودِه وأحكامِه وفرائِضِه، كهيئةِ البهائمِ.\nكالذى حدَّثنى الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾: إنما هم أمثالُ البهائمِ لا يَعْلَمُون شيئًا (^٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٢ إلى المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٦٧، وقال: في صحة هذا عن ابن عباس -بهذا الإسناد- نظر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٠.","vol":"2","page":154},{"text":"حدثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ يقولُ (^١): لا يدرون ما فيه (^٢).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾: لا يَدْرُونَ ما فيه (^٣).\nحدثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ قال: لا يدرون ما (^٤) فيه (^٥).\nحدثنا يونسُ (^٦)، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾. لا يَعْلَمُون شيئًا؛ لا يَقْرَءُون، التوراةُ ليست تُسْتَظْهَرُ، إنما تُقْرَأُ هكذا، فإذا لم يَكْتُبْ أحدُهم لم يَسْتَطِعْ أن يَقْرَأَه (^٧).\nحدثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بِشْرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾. يقولُ (^٨): لا يَعْرِفون الكتابَ الذى أنزَله اللهُ.\nقال أبو جعفرٍ: وإنما عَنَى بالكتابِ التوراةَ، ولذلك أُدْخِلَتْ فيه الألفُ واللامُ؛\n_________\n(^١) بعده في م: \"لا يعلمون الكتاب و\".\n(^٢) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٢ عقب الأثر (٧٩٠) معلقا.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٢ (٧٩٠) من طريق آدم به.\n(^٤) في م: \"بما\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٢ إلى ابن إسحاق.\n(^٦) في النسخ: \"بشر\". وهو إسناد دائر.\n(^٧) في م: \"يقرأ\".\n(^٨) سقط من: ت ٢، وفى م: \"قال\".","vol":"2","page":155},{"text":"لأنه قُصِد به كتابٌ معروفٌ بعينِه، ومعناه: ومنهم فريقٌ لا يَكْتُبون ولا يَدْرُون ما في الكتابِ الذى عَرَفْتُموه الذى هو عندَهم وهم يَنْتَحِلُونه، ويدَّعون الإقرارَ به من أحكامِ اللهِ وفرائضِه وما فيه من حُدُودِه التى بيَّنها فيه.\n[واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه] (^١): ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾؛ فقال بعضُهم بما حَدَّثَنَا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بِشْرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾. يقولُ: إلَّا قولًا يَقُولُونه (^٢) بأفواهِهم كذبًا (^٣).\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن (^٤) ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن مُجَاهدٍ: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾: إلا كذبًا (^٥).\nحَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخَرون بما حَدَّثَنَا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ يقولُ: يتمنَّوْن على اللهِ ما ليس لهم (^٦).\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن\n_________\n(^١) سقط من النسخ، وأثبتناها كنهج أبي جعفر في التفسير.\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"يقولون\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٢ إلى المصنّف.\n(^٤) بعده في ت ٢: \"محمد\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٢٠٧، ٢٠٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٥٢ (٧٩٤). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٥٢ عقب الأثر (٧٩٣) معلقًا.","vol":"2","page":156},{"text":"قتادةَ: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾. يقولُ: يتمنَّوْن على اللهِ الباطلَ وما ليس لهم (^١).\nحَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا أبو صالحٍ، [عن معاويةَ بنِ صالحٍ] (^٢)، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾. يقولُ: إلَّا أحاديثَ (^٣).\nحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾. قال: ناسٌ من يهودَ لَمْ يكونوا يعلَمون من الكتابِ شيئًا، وكانوا يتكلَّمون بالظنِّ بغيرِ ما في كتابِ اللهِ، ويقولون: هو من الكتابِ. أمانيُّ يتمنَّوْنها (^٤).\nحَدَّثَنَا المُثَنَّي، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾: يتمنَّوْن على اللهِ ما ليس لهم (^٥).\nحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾. قال: تمنَّوْا فقالوا: نحن من أهلِ الكتابِ. وليسوا منهم.\nوأَوْلَى مما رَوَيْنا في تأويلِ قولِه: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾. بالحقِّ، وأَشْبَهُه بالصوابِ، الذى قاله ابنُ عباسٍ، الذى رواه عنه الضحَّاكُ، وقولُ مجاهدٍ، أن الأُمِّيِّين الذين وصَفهم اللهُ بما وصَفهم به في هذه الآيةِ وأنهم لا يَفْقَهُون من الكتابِ الذى أنزله اللهُ على موسى شيئًا، ولكنهم يَتَخرَّصون الكذبَ ويَتقوَّلون الأباطيلَ كذبًا وزُورًا، والتمنِّى في هذا الموضعِ هو تَخَلُّقُ الكذبِ وتَخَرُّصُه وافتعالُه، يقالُ منه: تمنَّيتُ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٠.\n(^٢) سقط من النسخ. وهو إسناد دائر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٥٢ (٧٩٢) عن أبيه، عن أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٢ إلى ابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٢ إلى المصنّف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٥٢ (٧٩٣) من طريق آدم به.","vol":"2","page":157},{"text":"كذا. إذا افتعلتَه وتَخرَّصْتَه. ومنه الخبرُ الذى رُوِىَ عن عثمانَ بنِ عفانَ ﵁: ما تَعَتَّيْتُ (^١) ولا تَمَنَّيْتُ (^٢). يعنى بقولِه: ما تمنيتُ: ما تخرّصتُ الباطلَ ولا اخْتَلَقْتُ الكذبَ والإفْكَ.\nوالذى يَدُلُّ على صِحَّةِ ما قُلنا في ذلك وأنه أَوْلَى بتأويلِ قولِه: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾. من غيرِه من الأقوالِ، قولُ اللهِ جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾. فأخبَر عنهم جلَّ ثناؤُه أنهم يتمنَّوْن ما يتمنَّوْن من الأكاذيبِ ظنًّا منهم لا يقينًا، ولو كان معنى ذلك أنهم يَتْلونه، لَمْ يكونوا ظانِّين، وكذلك لو كان معناه: يَتشهُّونه؛ لأنَّ الذى يَتْلوه إذا تَدَبَّره عَلِمه، ولا يَسْتَحِقُّ الذى يَتْلو كتابًا قرَأه وإن لَمْ يَتَدَبرْه بتَرْكِه التدبيرَ أن يقال: هو ظانٌّ لما يَتْلو. إلَّا أن يكونَ شاكًّا في نفسِ ما يَتْلوه لا يَدْرِى أحقٌّ هو أم باطلٌ؟ ولم يكنِ القومُ الذين كانوا يَتْلون التوراةَ على عصرِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ من اليهودِ فيما بلَغَنا شاكِّين في التوراةِ أنَّها من عندِ اللهِ، وكذلك المتمنِّى الذى هو في معنى المتشهِّي، غيرُ جائزٍ أن يقالَ: هو ظانٌّ (^٣) تَمَنِّيَه. لأنَّ التَّمَنِّىَ من المتمنِّى إذا تمنَّى ما قد وُجِدتْ (^٤) عينُه، فغيرُ جائزٍ أن يقالَ: هو شاكٌّ فيما هو به عالمٌ؛ لأنَّ العلمَ والشكَّ معنيان يَنْفِى كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه لا يجوزُ اجتماعُهما في جُزْءٍ (^٥) واحدٍ، والمتمنِّى في حالِ تمنِّيه موجودٌ [تَمنِّيه، فغيرُ] (^٦) جائزٍ أن يقالَ: هو يَظُنُّ تمنِّيَه. وإنما\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"تغنيت\"، وفى ت ١، ت ٣: \"تعنيت\". والصواب ما أثبتناه. وعتا يعتو عتوًّا وعتيًّا: استكبر وجاوز الحد. اللسان (ع ت و).\n(^٢) أخرجه محمد بن عائذ الدمشقى -كما في البداية والنهاية ١٠/ ٢٩٦، ٢٩٧ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه (ص ٢٣، ٤٢٩ - ترجمة عثمان، طبعة مجمع اللغة بدمشق) - والفسوى في تاريخه ٢/ ٤٨٨، وفيه قصة.\n(^٣) بعده في م: \"في\".\n(^٤) في م: \"وجد\".\n(^٥) في م: \"حيز\".\n(^٦) في م: \"غير\". وينظر التبيان ١/ ٣٢٠.","vol":"2","page":158},{"text":"قيل: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾. والأمانيُّ من غيرِ نوعِ الكتابِ، كما قال ربُّنا جلَّ ثناؤُه ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]. والظنُّ من العلمِ بمَعْزِلٍ، وكما قال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩، ٢٠]. وكما قال الشاعرُ (^١):\n(*) ليس بينى وبين قيسٍ عتابٌ … غيرَ طَعْنِ الكُلَى وضَرْبِ الرِّقابِ\nوكما قال نابغةُ بنى ذُبْيانَ (^٢):\nحلَفْتُ يمينًا غيرَ ذى مَثْنوِيَّةٍ (^٣) … ولا عِلْمَ إلَّا حُسْنَ ظَنٍّ بصاحبِ (^٤)\nفي نظائرَ لما ذكرْنا يطولُ بإحصائِها الكتابُ.\nويَخْرُجُ بـ \"إلَّا\" ما بعدها من معنى ما قبلها، ومن صفتِه، وإن كان كلُّ واحدٍ منهما من غيرِ شكلِ الآخرِ ومن غيرِ نوعِه، ويسمِّى ذلك بعضُ أهلِ العربيةِ استثناءً منقطِعًا، لانقطاعِ الكلامِ الذى يأتى بعد \"إلَّا\" عن معنى ما قبلها، وإنما يكونُ ذلك كذلك في كلِّ موضعٍ حَسُنَ أن يوضعَ فيه مكانَ \"إلَّا\" \"لكن\"، فيُعْلَمُ حينئذٍ انقطاعُ معنى الثانى عن معنى الأولِ، ألا ترى أنك إذا قلْتَ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾. ثم أردْتَ وَضْعَ \"لكن\" مكانَ \"إلَّا\" وحَذْفَ\n_________\n(^١) البيت لعمرو بن الأيهم بن أفلت التغلبي، وهو في الوحشيات ص ٤٢، ومعجم الشعراء ص ٧٠، وسمط اللآلى ١/ ١٨٤.\n(*) إلى هنا ينتهى الخرم الذى في الأصل. والذى بدأ في أثناء ص ٥٧.\n(^٢) ديوان النابغة ص ٥٥.\n(^٣) حلفة غير ذات مثنوية: أى غير مُحَلَّلة. اللسان (ث ن ى).\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بغائب\". وهى رواية ابن السكيت، وأما الذى في الأصل فهو رواية الأصمعي وينظر ديوان النابغة برواية ابن السكيت ص ٥٥ وديوان النابغة بتحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم ص ٤١.","vol":"2","page":159},{"text":"\"إلَّا\"، وَجَدْتَ الكلامَ صحيحًا معناه صحتَه وفيه \"إلَّا\"، وذلك إذا قلْتَ: ومنهم أُمِّيُّون لا يَعْلَمُونَ الكتابَ، لكن أمانيَّ. يعنى: لكنهم يَتَمنَّوْن. وكذلك قولُه: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]: لكن اتِّباعَ الظنِّ. بمعنى: لكنَّهم يتَّبعون الظنَّ. وكذلك جميعُ هذا النوعِ من الكلامِ على ما وصَفْنا.\nوقد ذُكِر عن بعضِ القَرأةِ أنه قرَأ: (إلَّا أمانىَ). مخففةً (^١). ومن خَفَّف ذلك وجَّهه إلى نحوِ جَمْعِهم المفتاحَ مفاتحَ، والقُرْقورَ (^٢) قراقرَ، وأن ياءَ الجمعِ لمَّا حُذفت خُفِّفَتِ الياءُ الأصليةُ، أَعْنِى من \"الأمانيِّ\"، كما جَمَعوا الأُثْفِيَّةَ (^٣) أَثَافِىَ مخففةً، كما قال زهيرُ بنُ إلى سُلْمَى (^٤):\nأَثَافِىَ سُفْعًا (^٥) في مُعَرَّسِ (^٦) مِرْجَلٍ (^٧) … ونُؤْيًا (^٨) كجِذْمِ (^٩) الحَوْضِ لَمْ يَتَثلَّمِ (^١٠)\nوأما مَن ثَقَّل ﴿أَمَانِيَّ﴾ فشدَّد ياءَها، فإنه (^١١) نحوُ جَمْعِهم المفتاحَ مفاتيحَ،\n_________\n(^١) وهى قراءة أبي جعفر - وهو من العشرة. ينظر النشر لابن الجزرى ٢/ ١٦٤.\n(^٢) القرقور: السفينة أو الطويلة أو العظيمة. التاج (ق ر ر).\n(^٣) الأثفية: ما يوضع عليه القِدْرُ. اللسان (ث ف ى).\n(^٤) شرح ديوان زهير ص ٧.\n(^٥) السفعة: السواد المشرب حمرة، ومنه قيل للآثافى: سفع. وهى التى أوقد بينها النار فسودت صِفاحها التى تلى النار. اللسان (س ف ع).\n(^٦) المعرس: موضع التعريس، والتعريس: نزول القوم في السفر من آخر الليل يقعون وقعة للاستراحة. اللسان (ع ر س).\n(^٧) المرجل: القِدْرُ من الحجارة والنحاس. اللسان (ر ج ل).\n(^٨) النؤى، حفرة حول الخباء لئلا يدخله ماء المطر. اللسان (ن أ ى).\n(^٩) الجذم: أصل الشيء. اللسان (ج ذ م).\n(^١٠) ثلم الإناء والسيف ونحوه يثلِمُه ثلْمًا، وثلَّمَه فانْثَلم وتثَلَّم: كسر حرفه. اللسان (ث ل م).\n(^١١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وجه ذلك إلى\".","vol":"2","page":160},{"text":"والقُرْقورَ قَراقيرَ، والزُّنْبورَ زَنابيرَ، فاجتمعتْ ياءُ \"فَعاليلَ\" ولامُها وهما جميعًا ياءان، فأُدْغِمت إحداهما في الأخرى فصارتا ياءً واحدةً مشددةً.\nفأما القراءةُ التى لا يجوزُ غيرُها لقارئٍ عندي في ذلك، فتشديدُ ياءِ \"الأمانيِ\"، لإجماعِ القَرَأةِ على أنَّها القراءةُ التى مضى على القراءةِ بها السلفُ، مستفيضٌ ذلك بينهم غيرُ مدفوعةٍ صحتُه، وشذوذِ القارئِ بتخفيفِها عما عليه الحُجَّةُ مُجْمِعةٌ في ذلك، [وكفَى شاهدًا على خطأِ] (^١) قارئِ ذلك [بتخفيفِه إجماعُها] (^٢) على تخطئتِه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-305>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ هُمْ﴾: وما هم. كما قال جل ثناؤُه: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [إبراهيم: ١١]. يعنى بذلك: ما نحن إلَّا بشرٌ مثلُكم. ومعنى قولِه: ﴿إِلَّا يَظُنُّونَ﴾: إلَّا (^٤) يشكُّون ولا يَعْلمون حقيقتَه وصحتَه. والظنُّ في هذا الموضعِ شَكٌّ.\nفمعنى الآيةِ: ومنهم مَنْ لا يَكْتُبُ ولا يَخُطُّ ولا يَعْلَمُ كتابَ اللهِ ولا يَدْرِى ما فيه إلَّا تَخَرُّصًا وتَقَوُّلًا على اللهِ الباطلَ، ظنًّا منه أنه مُحِقٌّ في تَخَرُّصِه وتَقَوُّلِه الباطلَ، وإنما وصَفَهم اللهُ تعالى ذكرُه بأنهم في تَخَرُّصِهم على ظنٍّ، [هل هم فيه مُحِقُّون أم مُبْطِلونْ] (^٥)؛ لأنهم كانوا قد سَمِعوا من رؤسائِهم وأحبارِهم أمورًا حَسِبوها من كتابِ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وكفى خطأ على\".\n(^٢) في م: \"بتخفيفها إجماعًا\".\n(^٣) تقدم أن القراءة بتخفيف الياء قراءة أبى جعفر المدني، وهى قراءة متواترة.\n(^٤) في م: \"لا\".\n(^٥) في م: \"أنهم محقون وهم مبطلون\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أنهم محقون أم مبطلون\".","vol":"2","page":161},{"text":"اللهِ، ولم تكنْ من كتابِ اللهِ، فوصَفهم جل ثناؤُه بأنهم يَترُكون التصديقَ بالذى يُوقِنون به أنه من عندِ اللهِ مما جاء به محمدٌ ﷺ، ويَتَّبعون ما هم فيه شاكُّون، وفى حقيقتِه مُرْتابون، مما أخبَرهم به كُبراؤُهم ورُؤساؤُهم وأحبارُهم؛ عنادًا منهم للهِ ولرسولِه، ومخالفةً منهم لأمرِ اللهِ، واغترارًا منهم بإمهالِ اللهِ تعالى ذكرُه إياهم.\nوبنحوِ ما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾. قال فيه المتأَوِّلون من السلفِ.\nحَدَّثَنِي محمدُ بن عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسي، وحدثنى المثني، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شبلٌ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾: إلَّا يُكَذِّبون (^١).\nحَدَّثَنَا القاسمُ، [قال: حَدَّثَنَا الحسينُ] (^٢)، قال: حدثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحَدَّثَنَا ابنُ حميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ ابنُ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾. أى: لا يَعْلَمون الكتابَ ولا يَدْرُون ما فيه، وهم يَجْحَدون نبوتَك بالظنِّ (^٣).\nحَدَّثَنَا بشرٌ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٠٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٢ (٧٩٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٨. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ١٦٧.","vol":"2","page":162},{"text":"يَظُنُّونَ﴾ قال: يَظُنون الظنونَ بغيرِ الحقِّ (^١).\nحدثني المثنى، قال: حدثنا آدمُ، قال: حدثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: يَظُنون الظنونَ بغيرِ الحقِّ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٣).\n\n<span id=\"aya-86\"></span><span data-type='title' id=toc-306>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَوَيْلٌ﴾.</span>\nاختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَوَيْلٌ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدثنا به أبو كريبٍ، قال: حدثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾. يقولُ: فالعذابُ عليهم (^٤).\nوقال آخَرون بما حدثنا به ابنُ بشارٍ، قال: حدثنا ابنُ مهديٍّ، قال: حدثنا سفيانُ، عن زيادِ بنِ فياضٍ، قال: سمِعتُ أبا عياضٍ يقولُ: الويلُ ما يَسيلُ من صَديدٍ في أصلِ جهنمَ (^٥).\nحدثني مُشَرَّفُ (^٦) بنُ أبانٍ الحطابُ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن زيادِ بنِ\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٥٢ عقب الأثر (٧٩٥) معلقا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٥٢ (٧٩٥) من طريق آدم به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٥٢ عقب الأثر (٧٩٥) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) سيأتي مطولا في ص ١٧٠.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٥٣ (٧٩٩) من طريق ابن مهدي به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٣٣ - زوائد نعيم بن حماد)، ومن طريقه ابن أبي الدنيا في صفة النار (٣٣) عن سفيان به.\n(^٦) في م: \"بشر\"، وفي ت ١، ت ٢: \"شرف\".","vol":"2","page":163},{"text":"فياضٍ، عن أبي عياضٍ في قولِه: ﴿فَوَيْلٌ﴾. قال: صِهْرِيجٌ في أصلِ جهنمَ يَسيلُ فيه صديدُهم (^١).\nحدثني علىُّ بنُ سهلٍ الرَّمْليُّ، قال: حدثنا زيدُ بنُ أبي الزرقاءِ، قال: حدثنا سفيانُ، عن (^٢) زيادِ بنِ فياضٍ، عن أبي عياضٍ، قال: الويلُ وادٍ من صديدٍ في جهنمَ.\nحدثني ابنُ حميدٍ، قال: حدثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ (^٣)، قال: ﴿وَوَيْلٌ﴾: ما يَسيلُ من صديدٍ في أصلِ جهنمَ.\nوقال آخَرون بما حدثني به المثنى، قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ السلامِ بنِ صالحٍ القشيريُّ (^٤)، قال: حدثنا عليُّ بنُ جريرٍ، عن حمادِ بنِ سلَمةَ، عن (^٥) عبدِ الحميدِ بنِ جعفرٍ، عن كنانةَ العدويِّ، عن عثمانَ بنِ عفانَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ، قال: \"الويلُ جبَلٌ في النارِ\" (^٦).\nحدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن درّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: \"ويلٌ وادٍ في جهنمَ يَهْوِي فيه الكافرُ أربعين خريفًا قبل أن يَبْلُغَ قَعْرَه (^٧) \".\n_________\n(^١) ذكره ابن رجب في التخويف من النار ص ١١٨.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بن\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شقيق\". وانظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٥٩٥ - ٥٩٩.\n(^٤) في م: \"التستري\".\n(^٥) في م: \"بن\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٦٨ عن المصنف، وقال: غريب جدا. وينظر تفسير ابن كثير تحقيق أبي إسحاق الحويني ٢/ ٥٥٢، ٥٥٣.\n(^٧) إسناده ضعيف؛ لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم، والحديث أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٥٣ =","vol":"2","page":164},{"text":"قال أبو جعفرٍ: فمعنى الآيةِ على ما رُوِى عمن ذكرْتُ قولَه في تأويلِ ﴿فَوَيْلٌ﴾: فالعذابُ الذي هو شُرْبُ صديدِ أهلِ جهنمَ، الذي (^١) في أسفلِ الجحيمِ، لليهودِ الذين يَكْتُبون الباطلَ بأيديهم ثم يقولون: هذا من عندِ اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-307>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤه: الذين حَرَّفوا كتابَ اللهِ من يهودِ بني إسرائيلَ، وكتَبوا كتابًا على ما تأوَّلُوه من تأويلاتِهم، مخالفًا لما أنزَله اللهُ ﷿ على نبيِّه موسى ﵇، ثم باعوه من قومٍ لا علْمَ لهم بها، ولا بما في التوراةِ، جهالٍ بما في كُتُبِ اللهِ، طَلَبَ (^٢) عَرَضٍ من الدنيا خسيسٍ، فقال اللهُ تعالى ذكرُه لهم: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾.\nكما حدثنا موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. قال: كان ناسٌ من اليهودِ كتَبوا\n_________\n= (٧٩٨) عن يونس به. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٣٤ - زوائد نعيم بن حماد)، وفي المسند (١٤٤)، وأحمد ١٨/ ٢٤٠ (١١٧١٢)، وعبد بن حميد (٩٢٢)، والترمذي (٢٥٧٦، ٣١٦٤)، وأبو يعلى (١٣٨٣)، وابن حبان (٧٤٦٧)، والحاكم ٢/ ٥٠٧، ٥٤٣، ٤/ ٥٩٦، والبيهقي في البعث والنشور (٥١٢، ٥١٣، ٥٣٧)، وابن أبي الدنيا في صفة النار (٣١) من طريق دراج به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٢ إلى هناد في الزهد والطبراني وابن مردويه.\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"لطلب\".","vol":"2","page":165},{"text":"كتابًا من عندِهم يَبِيعونه من العربِ، ويُحَدِّثونهم أنه من عندِ اللهِ ليأخُذوا به ثمنًا قليلًا (^١).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: حدثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الأُمِّيون قومٌ لم يُصَدِّقوا رسولًا أرسلَه اللهُ ﷿، ولا كتابًا أنزَله اللهُ، فكتَبوا كتابًا بأيديهم، ثم قالوا لقومٍ سَفِلةٍ جُهّالٍ: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾. [قال: ليبتاعوا به] (^٢) ﴿ثَمَنًا﴾. قال: عَرَضًا من عَرَضِ الدنيا (^٣).\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾. قال: هؤلاء الذين عرَفوا أنه من عندِ اللهِ يُحرفونه (^٤).\nحدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: ثم يُحَرِّفونه.\nحدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ الآية: وهم اليهودُ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٥٣ (٨٠٢) من طريق عمرو به.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٦٧ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٢، ٨٣ إلى المصنف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٨٨٩ (٣٧٣٤) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر ٢/ ٤٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر والفريابي.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٦٨.","vol":"2","page":166},{"text":"حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾. قال: كان ناسٌ من بني إسرائيلَ كتَبوا كتابًا بأيديهم ليَتَأَكَّلوا الناسَ، فقالوا: هذا من عندِ اللهِ. وما هو من عندِ اللهِ (^١).\nحدثنا المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. قال: عمَدوا إلى ما أنزَل اللهُ تعالى ذكرُه في كتابِهم من نعتِ محمدٍ ﷺ، فحَرَّفوه عن مَواضِعِه، يَبْتغون بذلك عَرَضًا من عَرَضِ الدنيا، فقال اللهُ (^٢): ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (^٣).\nحدثني المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ السلامِ، قال: ثنا عليُّ بنُ جريرٍ، عن حمادِ بنِ سلَمةَ، عن عبدِ الحميدِ بنِ جعفرٍ، عن كنانةَ بنِ نعيمٍ العدويِّ، عن عثمانَ بنِ عفانَ ﵁، عن رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ قال: \"الويلُ جبلٌ في النارِ\". وهو الذي أُنْزِل في اليهودِ؛ لأنهم حَرَّفوا التوراةَ، زادُوا فيها ما يُحبون، ومَحَوْا منها ما يَكْرَهون، ومَحَوُا اسْمَ محمدٍ ﷺ من التوراةِ، فلذلك غَضِب اللهُ جل ثناؤه عليهم فرفَع بعضَ التوراةِ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٠، ٥١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٥٤، ١٥٥ (٨٠٨) عن الحسن ابن يحيى. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٣ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٥٥ (٨١١) من طريق آدم به.","vol":"2","page":167},{"text":"فقال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (^١).\nوحدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني سعيدُ بنُ أبي أيوبَ، عن محمدِ بنِ عجلانَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، قال: ويلٌ وادٍ في جهنمَ لو سُيِّرَتْ فيه الجبالُ لَامّاعت (^٢) من شدةِ حَرِّه (^٣).\nفإن قال لنا قائلٌ: فما وجهُ قولِه (^٤): ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾؟ وهل يكتبون (^٥) بغيرِ اليدِ حتى احتاج المخاطَبون (^٦) بهذه المخاطبةِ إلى أن يُخْبَروا عن هؤلاء القومِ الذين قَصَّ اللهُ تعالى ذكرُه قصتَهم أنهم كانوا يَكْتُبون الكتابَ بأيديهم؟\nقيل له: إن الكِتابَ من بني آدمَ وإن كان منهم باليدِ، فإنه قد يضافُ الكتابُ إلى غيرِ كاتبِه وغيرِ المتولِّي رسمَ خَطِّه، فيقالُ: كتَب فلانٌ إلى فلانٍ بكذا. وإن كان المتولِّي كتابتَه (^٧) غيرَ المضافِ إليه الكتابُ، إذا كان الكاتبُ كَتَبه بأمرِ المضافِ إليه الكتابُ، فأَعْلَم ربُّنا جلَّ ثناؤه بقولِه. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾. عبادَه المؤمنين أن أحبارَ اليهودِ تَلِي كتابةَ الكذبِ والفِرْيةِ على اللهِ بأيديهم على عِلْمٍ منهم وعَمْدٍ للكَذِبِ على اللهِ، ثم تَنْحَلُه (^٨) إلى أنه من عندِ اللهِ وفي كتابِ اللهِ جلَّ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١٦٤.\n(^٢) في م: \"لانماعت\"، وأماع وانماع: ذاب وسال. اللسان (م ى ع).\n(^٣) ابن المبارك في الزهد (٣٣٢ - زوائده نعيم بن حماد)، وابن أبي الدنيا في صفة النار (٣٢)، وابن أبي حاتم تفسيره ١/ ١٥٣ (٨٠٠)، والبيهقي في البعث والنشور (٥١٦)، من طريق سعيد بن أبي أيوب به.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في م: \"تكون الكتابة\".\n(^٦) في م: \"المخاطب\".\n(^٧) بعده في م: \"بيده\".\n(^٨) نحله القول ينحله: نسبه إليه. اللسان (ن ح ل).","vol":"2","page":168},{"text":"وعزَّ، تَكَذُّبًا على اللهِ وافتراءً عليه، فنفى اللهُ بقولِه: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾. أن يكونَ وَليَ كتابةَ ذلك بعضُ جُهّالِهم بأمرِ علمائِهم وأحبارِهم. وذلك نظيرُ قولِ القائلِ: باعني فلانٌ عينُه كذا (^١)، واشتَرى فلانٌ نفسُه كذا. يرادُ بإدخالِ النفسِ والعينِ في ذلك نَفيُ اللَّبْسِ عن سامعِه أن يكونَ المتولِّي بيعَ ذلك أو شراءَه غيرَ الموصوفِ به بأمرِه، ويُوجِبُ حقيقةَ الفعلِ للمُخْبَرِ عنه، فكذلك قولُه: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-308>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. أي: فالعذابُ في الوادِي السائلِ من صديدِ أهلِ النارِ في أسفلِ جهنمَ لهم. يعني: للذين كتَبوا الكتابَ الذي وصَفْنا أمْرَه من يهودِ بني إسرائيلَ محرَّفًا، ثم قالوا: هذا من عندِ اللهِ. ابتغاءَ عَرَضٍ من الدنيا (^٢) قليلٍ ممن يبتاعُه منهم.\nوقولُه: ﴿مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. يقولُ: من الذي كَتَبَتْ أيديهم من ذلك، ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ﴾ أيضًا ﴿مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ يعنى: مما يعمَلون من الخطايا، ويجتَرِحُون من الآثامِ، ويَكْسِبون من الحرامِ، بكتابِهم الذي يَكْتُبونه بأيديهم بخلافِ ما أَنزَل اللهُ، ثم يَأكُلون ثمنَه وقد باعُوه ممن باعُوه منهم (^٣) على أنه من كتابِ اللهِ.\nكما حدثني المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: حدثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وكذا\".\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"به\".\n(^٣) في الأصل: \"به\".","vol":"2","page":169},{"text":"العاليةِ: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾: يعنى من الخطيئةِ (^١).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾ يقولُ: فالعذابُ عليهم. قال: يقولُ: من الذى كَتَبوا بأيديهم من ذلك الكذبِ (^٢)، ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ يقولُ: مما يأكُلون به الناسَ (^٣) السَّفِلةَ وغيرَهم (^٤).\nوأصلُ \"الكَسْبِ\" العملُ، فكلُّ عاملٍ عملًا بمباشرةٍ منه لما عَمِل، ومعاناةٍ باحترافٍ، فهو كاسبٌ لما عَمِل، كما قال لبيدُ بنُ ربيعةَ (^٥):\nلِمُعَفَّرٍ (^٦) قَهْدٍ (^٧) تَنازَعَ شِلْوَه (^٨) … غُبْسٌ (^٩) كَواسبُ لا يُمَنُّ طَعامُها\n\n<span id=\"aya-87\"></span><span data-type='title' id=toc-309>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.</span>\nيعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَقَالُوا﴾: اليهودُ. يقولُ: وقالتِ اليهودُ: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾. يَعنى: لن تُلاقِىَ أجسامَنا النارُ، ولن ندْخُلَها إلا أيامًا معدودةً.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٥ (٨١٢) من طريق آدم به.\n(^٢) في ت ٢: \"الكتب\".\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى م: \"من\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في التفسير ١/ ١٦٩ عن الضحاك عن ابن عباس. وقد تقدم هذا الأثر مختصرًا في ص ١٦٣.\n(^٥) شرح ديوان لبيد ص ٣٠٨.\n(^٦) المعفر: الممرغ في التراب. اللسان (ع ف ر).\n(^٧) القهد: ضرب من الضأن. اللسان (ق هـ د).\n(^٨) شلو الحيوان: عضده، وشلو الشئ: بقيته. اللسان (ش ل و).\n(^٩) الغبس والغبسة: لون الرماد، وهو بياض فيه كدرة. اللسان (غ ب س).","vol":"2","page":170},{"text":"وإنما قيل: \"معدودة\". وإن لم يكن مُبَيَّنًا عددُها في التنزيلِ، لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخبرَ عنهم بذلك وهم عارفون عددَ الأيامِ التى يُوَقِّتونها لمُكْثِهم في النارِ، فلذلك ترَك ذِكْرَ تسميةِ عددِ تلك الأيامِ، وسمَّاها معدودةً لمِا وصَفنا.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مبلغِ الأيامِ المعدودةِ التى عنَتْها (^١) اليهودُ القائلون ما أخبرَ اللهُ عنهم مِن ذلك؛ فقال بعضهم بما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحَّاك، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [قالوا: هى أربعون يومًا لأمْرٍ عُذِّبوا فيه، ثم لا يُصيبُنا بعدها عذابٌ.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾] (^٢): قال ذلك أعداءُ اللهِ اليهودُ، قالوا (^٣): لن يُدْخلَنا اللهُ (^٣) النارَ إلا تَحِلَّةَ القَسَمِ؛ الأيامَ التى أَصَبْنا فيها العِجْلَ أربعينَ ليلةً (^٤)، فإذا تَقضَّت عنَّا تلك الأيامُ، انقَطع عنَّا العذابُ والقَسَمُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. قالوا: أيامًا معدودةً؛ ما أصبْنا في العِجْلِ (^٥).\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) في م: \"عينها\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) زيادة من: م.\n(^٤) في م: \"يوما\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥١، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٦ (٨١٦) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"2","page":171},{"text":"السُّديِّ: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. قال: قالتِ اليهودُ: إن اللهَ يُدْخِلُنا النارَ فنَمْكُثُ فيها أربعين ليلةً، حتى إذا أكلتِ النارُ خطايانا واستنقَيْنا (^١)، نادَى مُنادٍ: أَخْرِجوا كلَّ مختونٍ مِن وَلَدِ (^٢) إسرائيلَ. فلذلك أُمِرْنا أن نَخْتَتِنَ. قالوا: فلا يَدَعون في النارِ منا أحدًا إلا أخرَجوه.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: قالتِ اليهودُ: إن ربَّنا عتَب علينا في أمْرٍ (^٣)، فأقسم ليُعذِّبنَّنا أربعين ليلةً، ثم يُخْرِجَنا. فأكذَبهم اللهُ جلّ ثناؤه.\nحدثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن قتادةَ، قال: قالت اليهودُ: لن نَدْخُلَ النارَ إلا تَحِلَّةَ القَسَمِ، عَدَدَ الأيامِ التى عبَدْنا فيها العِجْلَ (^٤).\nحدثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمِّى، قال: حدثنى أبِى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ الآية. قال ابنُ عباسٍ: ذُكِر أن اليهودَ وجَدوا في التوراةِ مكتوبًا: إن ما بينَ طَرَفَيْ جهنمَ مسيرةُ أربعين سنةً، إلى أن يُنْتهَى إلى شجرةِ الزَّقُّومِ نابتًا في أصل الجحيمِ -وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: إن الجحيمَ سَقَرُ، وفيها شجرةُ الزَّقُّومِ- فزَعَم أعداءُ اللهِ أنه إذا خلَا العددُ الذى وَجَدُوا في كتابِهم أيامًا معدودةً -وإنما يعنى بذلك المسيرَ الذى\n_________\n(^١) في م: \"استنقتنا\"، وفى ت ٢: \"استيقنا\".\n(^٢) بعده فى م: \"بنى\".\n(^٣) في م: \"أمرنا\".\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٧ (٨١٨)، من طريق آدم به مطولًا. وسيأتى الأثر بتمامه في ص ١٧٦، ١٧٧.","vol":"2","page":172},{"text":"ينتهى إلى أصلِ الجحيم- فقالوا: إذا خلا العددُ انقَضَى (^١) الأجلُ، فلا عذابَ وتَذْهَبُ جهنَّمُ وتَهْلِكُ. فذلك قولُه: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. يَعْنُون بذلك الأَجَلَ، فقال ابنُ عباسٍ: لماَّ اقْتَحَموا مِن بابِ جهنَّمَ ساروا في العذابِ حتى انتهَوْا إلى شجرةِ الزَّقُّومِ آخرَ يومٍ مِن الأيامِ المعدودةِ، [وهى الأربعون سنةً، فلما أكلوا من شجرةِ الزَّقُّومِ وملئوا منها البطونَ آخِرَ يومٍ من الأيامِ المعدودةِ] (^٢)، قال لهم خُزَّانُ سَقَرَ: زعمتُم أنكم لن تَمَسَّكم النارُ إلَّا أيامًا معدودةً، فقد خلا العددُ وأنتم في الأَبَدِ، فأخذ بهم في الصَّعودِ في جهنَّم يُرْهَقون (^٣).\nحدَّثنى محمدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾: [فإنَّهم اليهودُ قالوا: لن تمسنا النار] (٢) إلَّا أربعين ليلةً (^٤).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حَفْصُ بنُ عمرَ، عن الحَكَمِ بنِ أَبانٍ، عن عكرمةَ، قال: خاصَمَت اليهودُ رسولَ الله ﷺ فقالوا: لن نَدْخُلَ النارَ إلَّا أربعين ليلةً، وسَيَخْلُفُنا فيها قومٌ آخَرون -يعنون محمدًا ﷺ وأصحابَه- فقال رسولُ اللهِ ﷺ بيدِه على رءوسِهم: \"بل أنْتُمْ فيها خالدونَ، لا يَخْلُفُكم إليها (^٥) أَحَدٌ\". فأنزَل اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ (^٦) الآية.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"انتهى\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"يزهقون\".\nوالأثر ذكره ابن رجب في التخويف من النار ص ٨١ عن العوفى عن ابن عباس وعزاه إلى المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٦ (٨١٧)، والواحدى في أسباب النزول ص ١٧ من طريق الضحاك، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٤ إلى ابن المنذر.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٦٩.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيها\".\n(^٦) إسناده ضعيف مرسل. أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٦ (٨١٥) من طريق حفص به، والأثر=","vol":"2","page":173},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا حَجَّاجٌ، عن ابنِ جرَيْجٍ، قال: أخبَرني الحَكَمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ، قال: اجتمعَتْ يهودُ يومًا تُخاصِمُ النبيَّ ﷺ فقالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ (^١)؛ أربعين يومًا ثم يَخْلُفُنا أو يَلْحَقُنا فيها أُناسٌ. فأشاروا إلى النبيِّ ﷺ وأصحابِه، فقال النبيُّ: \"كَذَبْتم بل أنتم فيها خالِدُونَ مُخَلَّدُونَ، لا نَلْحَقُكم أو (^٢) نَخْلُفُكم فيها إن شاء اللهُ أبَدًا\".\nحدَّثنى يونسُ بن عبدِ الأعلى، قال: حدثنا علىُّ بنُ مَعْبَدٍ، عن أبى معاويةَ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قوله: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ قال: قالت اليهودُ: لا نُعَذَّبُ في النارِ يومَ القيامةِ إلَّا أربعين يومًا مِقْدَارَ ما عبَدنا العِجْلَ.\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: حدَّثنى أبى، أن رسولَ الله ﷺ قال لهم: \"أَنْشُدُكم باللهِ وبَالتَّوْرَاةِ التى أنْزَلهَا اللهُ على مُوسَى يَوْمَ طُورِ سَيْناءَ، مَن أهْلُ النَّارِ الذين أنْزَلَهمُ اللهُ فى التّوْراةِ؟ \" قالوا: إن ربَّهم غضِب عليهم غَضْبَةً، فَنَمْكُثُ في النارِ أربعين ليلةً، ثم نَخْرُجُ فتَخْلُفوننا فيها. فقال النبيُّ ﷺ: \"كَذَبْتم واللهِ لا نَخْلُفُكم فيها أبَدًا\". فنزَل القرآنُ تصديقًا لقولِ النبيِّ ﷺ وتكذيبًا لهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾. إلى قولِه: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^٣).\n_________\n= عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سموا\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ولا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٤ إلى المصنف.","vol":"2","page":174},{"text":"وقال آخَرون في ذلك بما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: ثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت يهودُ يقولون: إنما هذه (^١) الدنيا سبعةُ آلافِ سنةٍ، وإنما يُعَذَّبُ الناسُ يومَ القيامةِ بِكُلِّ أَلفِ سَنَةٍ من أيامِ الدنيا يومًا واحدًا مِن أيامِ الآخرةِ، [وإنما هى] (^٢) سبعةُ أيامٍ. فأنزَل اللهُ في ذلك من قولِهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ الآية.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قدِم رسولُ اللهِ ﷺ المدينةَ ويهودُ تقولُ: إنما مدَّةُ الدنيا سبعة آلافِ سنةٍ، وإنما يُعَذَّبُ الناسُ في النارِ بكلِّ ألفِ سنةٍ مِن أيامِ الدنيا يومًا واحدًا في النارِ من أيامِ الآخرةِ، فإنَّما هى سَبْعةُ أيَّامٍ، ثم يَنْقَطِعُ العذابُ. فأنزَلَ اللهُ ﷿ في ذلك مِن قولِهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ الآية (^٣).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ قال: كانت تقولُ: إنما الدنيا سبعةُ آلافِ سنةٍ، فإنما نُعَذَّبُ مكانَ كلِّ ألفِ سنةٍ يومًا (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"مدة\".\n(^٢) في م:\"وإنها\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٨، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٥ (٨١٣) من طريق سلمة به. وأخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ١٧ من طريق ابن إسحاق به بدون ذكر سعيد.\nوأخرجه الطبرانى في الكبير (١١١٦٠) من طريق ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق عن سيف بن سليمان عن مجاهد عن ابن عباس.\nوسنده ضعيف جدا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٤ إلى ابن المنذر.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٠٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"2","page":175},{"text":"حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلَّا أنه قال: كانت اليهودُ تقولُ: إنما الدنيا. وسائرُ الحديثِ مثلُه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾: مِن الدهرِ. وسَمَّوْا عدةَ سبعةِ آلافِ سنةٍ، من كلِّ ألفِ سنةٍ يومًا. يهودُ تقولُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-310>القولُ في تأويلِ قولهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾.</span>\nولمَّا قالت اليهودُ ما قالتْ مِن قولِها: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. على ما قد بَيَّنَّا مِن تأويلِ ذلك، قال اللهُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لمعشرِ اليهودِ: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾ [بما تَقُولُون من أنّ النارَ لن تمسَّنا إلا أيامًا معدودةً، فلن يُخلفَ اللهُ عهدَه. ويعنى بقولِه: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾] (^١): أخَذتُم بما تقولون مِن ذلك مِن اللهِ ميثاقًا، فاللهُ لا يَنْقُضُ ميثاقَه، ولا يُبَدِّلُ وَعْده وَعَقْدَه، أم تَقُولون عَلَى اللهِ الباطِلَ جَهْلًا وجُرْأةً عليه؟\nكما حدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال، ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾. أى: موثقًا من اللهِ بذلك أنه كما تقولون (^٢).\nوحدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن قتادةَ، قال: قالت\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٠٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٧ (٨١٩)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"2","page":176},{"text":"اليهودُ: لن نَدْخُلَ النارَ إلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ عددَ الأيامِ التى عبَدنا فيها العِجْلَ. فقال اللهُ: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾ بهذا الذى تقولون، أَلَكُم بهذا حجةٌ وبرهانٌ، ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ﴾، فهاتُوا حجَّتَكم وبرهانَكم، ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما قالت اليهودُ ما قالت، قال اللهُ جلَّ ثناؤه لمحمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ﴾. يقولُ: أَدَّخَرْتُم ﴿عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾. يقولُ: أقلتُم: لا إلهَ إلا اللهُ. لم تُشْرِكوا، ولم تَكْفُروا به، فإن كُنتُم قُلْتُموها فارْجُوا بها، وإن كنتم لم تقولوها فَلِمَ تقولون على اللهِ ما لا تعلمون؟ يقولُ: لو كنتم قلتُم: لا إلهَ إلا اللهُ. ولم تُشْرِكوا به شيئًا، ثم مُتُّمْ على ذلك لكان لكم ذُخْرًا عندى، ولم أُخْلِفْ وعْدى لكم أنى أُجازِيكم بها (^٢).\nحدثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: لما قالت اليهودُ ما قالتْ، قال اللهُ ﷿: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ﴾. وقال في مكانٍ آخرَ: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤]. ثم أخبرَ الخبرَ فقال: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾.\nوهذه الأقوالُ التى رَوَيْناها عن ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ وقتادةَ، بنحوِ معنى ما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾؛ لأن مما أعطى اللهُ عبادَه مِن ميثاقِه أن مَن آمن به وأطاع أمْرَه نجَّاه مِن نارِه يومَ القيامةِ، ومِن الإيمانِ به الإقرارُ بأن لا إلهَ إلا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٧ (٨١٨) من طريق آدم به، وتقدم مختصرًا في ص ١٧٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٥ إلى المصنف.","vol":"2","page":177},{"text":"اللهُ،، كذلك من ميثاقِه الذى واثَقَهم به، أن مَن أتاه يومَ القيامةِ بحجَّةٍ تكون له نجاةً مِن النارِ [أن يُنْجيَه] (^١) منها، فكلُّ ذلك وإن اخْتَلَفَت ألفاظُ قائليه، فمتَّفِقُ المعانى على ما قُلنا فيه.\n\n<span id=\"aya-88\"></span><span data-type='title' id=toc-311>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾.</span>\nوقولُه جلّ ثناؤُه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ تكذيبٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه القائلين من اليهودِ: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، وإخْبارٌ منه لهم أنه مُعَذِّبٌ (^٢) مَن أشرَك وكفَر به وبرسُلِه، وأحاطتْ به ذنوبُه فمخلِّدُه (^٣) في النارِ، وأنَّ الجنةَ لا يَسْكُنُها إلا أهلُ الإيمانِ به وبرسلِه، وأهلُ الطاعةِ له، والقائمون بحُدودِه.\nكما حدثنا محمدُ بنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ بنُ الفضْلِ، قال: حدثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. أى: من عمِل مثلَ أعمالِكم وكفَر بمثْلِ ما كفَرتُم به حتى يُحِيطَ كفرُه بما لَه مِن حسنةٍ، ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) فى م: \"فينجيه\".\n(^٢) فى م: \"يعذب\".\n(^٣) فى م، ت ٢: \"فمخلد\".\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٩، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٧، ١٥٨، ١٥٩ (٨٢٢، ٨٢٦، ٨٣٠، ٨٣٢) من طريق سلمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٥ إلى ابن المنذر، وسيأتى أتم من هذا فى ص ١٨٧.","vol":"2","page":178},{"text":"وأما ﴿بَلَى﴾ فإنها إقرارٌ في كلِّ كلامٍ في أولِه جَحْدٌ، كما \"نَعَمْ\" إقرارٌ في الاستفهامِ الذى لا جَحْدَ فيه. وأصلُها \"بَلْ\" التى هى رجوعٌ عن الجَحْدِ المحْضِ في قولِك: ما قام عمْرٌو، بل زيدٌ. فزِيدَتْ فيها الياءُ (^١) لِيَصْلُحَ عليها الوقوفُ، إذ كانت (^٢) عطفًا ورُجوعًا عن الجَحْدِ، ولتكونَ -أعنى \"بَلَى\" (^٣) - رُجوعًا عن الجحْدِ فقطْ، وإقرارًا بالفعْلِ الذى بعدَ الجحْدِ، فدلَّت الياءُ منها على معنى الإقرارِ والأنعامِ (^٤)، ودَلَّ لفظُ \"بلْ\" على الرجوعِ عن الجحدِ.\nوأمَّا السيئةُ التى ذكَرها اللهُ في هذا المكانِ فإنها الشِّرْكُ باللهِ.\nكما حدَّثنى محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يَحْيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، قال: حدثنى عاصِمٌ، عن أبى وائلٍ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. قال: الشركُ (^٥).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾: شركًا (^٦).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. قال: أما السيئةُ فالشركُ (^٦).\n_________\n(^١) يعنى الألف المقصورة أو اللينة؛ حيث إنها ترسم ياءً.\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بل لا يصلح عليها الوقوف، إذ كانت\".\n(^٣) في الأصل: \"بَلْ\".\n(^٤) هو التصديق والإقرار، من قول القائل: نعم. إذا أقر ما سمع.\n(^٥) بعده في م: \"بالله\".\nوالأثر ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٧ عقب الأثر (٨٢٣) عن أبى وائل معلقًا.\n(^٦) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٧ عقب الأثر (٨٢٣) معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"2","page":179},{"text":"حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معْمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^١).\nحدثنى موسى، قال: ثنا عمْرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. قال: أمَّا السيئةُ فهى الذنوبُ التى وعَد اللهُ عليها النارَ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾، قال: الشركُ (^٣).\nقال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿سَيِّئَةً﴾: شركًا.\nحُدِّثْث عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾: يعنى الشركَ (^٤).\nوإنما قلنا: إن السيئةَ التى ذكَرَها اللهُ ﷿ أن من كسَبها وأحاطتْ به ذُنوبُه (^٥)، فهو مِن أهلِ النار -في هذا الموضعِ- المخلَّدِينَ فيها، إنما عنَى جلّ ذكرُه بها بعضَ السيئاتِ دونَ بعضٍ، وإن كان ظاهرُها في التلاوةٍ عامًّا؛ أَنَّ (^٦) اللهَ قضَى على أهلِها بالخُلودِ في النارِ. والخلودُ في النارِ لأهلِ الكفرِ باللهِ دونَ أهلِ الإيمانِ به؛ لتظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أن أهلَ الإيمانِ لا يُخَلَّدُون فيها، وأن الخُلودَ في النارِ لأهلِ الكفرِ باللهِ دونَ أهلِ الإيمانِ به.\nوبعدُ، فإن اللهَ جلّ ثناؤه قد قرَن بقولِه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥١.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٨ عقب الأثر (٨٢٤) من طريق عمرو به.\n(^٣) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٧ عقب الأثر (٨٢٣) معلقًا. وسيأتى مطولًا في ص ١٨٥.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٧ عقب الأثر (٨٢٣) عن طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٥) في م: \"خطيئته\".\n(^٦) فى م، ت ٢: \"لأن\".","vol":"2","page":180},{"text":"بِهِ خَطِيئَتُهُ (^١) فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. قولَه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. فكان معلومًا بذلك أن الَّذين لهم الخلودُ في النارِ مِن أهلِ السيئاتِ، غيرُ الذين لهم الخلودُ في الجَنَّةِ مِن أهلِ الإيمانِ.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن الذين لهم الخلودُ في الجَنَّةِ مِن الذين آمنوا هم الذين عَمِلوا الصالحاتِ دونَ الذين عَمِلوا السيئاتِ، فإن في إخْبارِ اللهِ تعالى ذكرُه بأنَّه مُكفِّرٌ -باجتنابِنا كبائرَ ما نُنْهى عنه- سيئاتِنا، ومُدْخِلُنا المُدْخلَ الكريمَ، ما يُنْبِئُ عن صِحَّةِ ما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. وأن ذلك على خاصٍّ من السيئاتِ دون عامِّها.\nفإن قال لنا قائلٌ: فإن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما ضمِن لنا تكفيرَ سيئاتِنا باجتنابِنا كبائرَ ما نُنْهَى عنه، فما الدلالةُ على أن الكبائرَ غيرُ داخلةٍ في قولِه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾؟\nقيل: لمَّا صحَّ مِن أن الصغائرَ غيرُ داخلةٍ فيه، وأن المَعْنىَّ بالآيةِ خاصٌّ دونَ عامٍّ، ثبَت وصحَّ أن القضاءَ والحُكْمَ بها غيرُ جائزٍ لأحدٍ على أحدٍ إلَّا على من وَقَفَه (^٢) اللهُ عليه بدَلالَةٍ مِن خبرٍ قاطعٍ عُذْرَ مَن بلَغه، وقد ثبَت وصحَّ أن اللهَ جلَّ ثناؤُه قد عنَى بذلك أهلَ الشركِ والكفرِ به بشهادةِ جميع الأمةِ، فوجب بذلك القضاءُ على أن أهلَ الشركِ والكفرِ ممَّن عنَاه اللهُ بالآيةِ، فأمَّا أهل الكبائرِ فإن الأخبارَ القاطعةَ عُذْرَ مَن بلَغتْه قد تظاهرتْ عندَنا بأنهم غيرُ مَعْنيِّينَ بها، ومَنْ أنكر ذلك ممَّن دافَع حُجَّةَ الأخبارِ المُسْتَفِيضةِ والأنباءِ المتَظاهِرةِ، فاللازِمُ له تَرْكُ قَطْعِ الشهادة على أهلِ الكبائرِ بالخُلودِ في النارِ بهذه الآيةِ ونظائرِها التى جاءتْ بعُمومِهِم في الوعيدِ؛ إذ كان تأويلُ القرآنِ غيرَ مُدْرَكٍ إلَّا ببيانِ مَن جعَل اللهُ إليه بيانَ القرآنِ، وكانت الآيةُ فيها تأتى\n_________\n(^١) في الأصل: \"خطيئاته\". وهى قراءة نافع، وقرأ الباقون بالإفراد. السبعة لابن مجاهد ص ١٦٢.\n(^٢) فى الأصل: \"وقف\".","vol":"2","page":181},{"text":"عامًّا في صِنْفٍ ظاهرُها، وهى خاصٌّ في ذلك الصنفِ باطنُها.\nويُسْألُ مدافِعو هذا الخبرِ بأن أهلَ الكبائرِ مِن أهلِ الاستثناءِ سؤالَنا مُنْكِرِى (^١) رجمِ الزانى المحصَنِ، وزوالِ فرض الصلاةِ عن الحائضِ في حالِ الحيضِ، فإن السؤالَ عليهم نظيرُ السؤالِ على أُولاءِ (^٢) سواءً.\n\n<span data-type='title' id=toc-312>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.</span>\nيعنى بقولِه ﷿: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: اجْتَمَعتْ عليه فمات عليها قبلَ الإنابةِ والتوبةِ منها. وأصلُ الإحاطةِ بالشئِ الإحداقُ به، بمنزلةِ الحائطِ الذى تُحاط به الدارُ فتُحْدِقُ به، ومنه قولُ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].\nفتأويلُ الآيةِ إذن: مَن أشرَكَ باللهِ واقتَرف ذنوبًا جَمَّةً فمات عليها قبلَ الإنابةِ والتوبةِ، فأولئك أصحابُ النارِ هم مُخَلَّدون فيها أبدًا.\nوبنحوِ الذى قلنا في تأويلِ ذلك قاله المُتَأَوِّلون.\nذكرُ مَن قال ذلك منهم\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ يمَانٍ، عن سفيانَ، في الأعْمَشِ، [عن أبى رَزِينٍ] (^٣): ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: مات بذَنْبِه (^٤).\n[حَدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حَدَّثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: حَدَّثنا الأعمشُ، عن أبى رَزِينٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: مات بذنبِه] (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"منكر\".\n(^٢) في م: \"هؤلاء\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن أبى روق\"، وفى م: \"عن أبى روق، عن الضحاك\".\n(^٤) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٨ عقب الأثر (٨٢٨) معلقًا.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":182},{"text":"حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن أبى رَزينٍ، عن الرَّبيعِ بنِ خُثَيْمٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: فمات عليها (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسْحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: يُحِيطُ كفْرُه بما لَه مِن حسنةٍ (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: [[ما وعَد اللهُ عليه النارَ (^٣).\nحدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال] (^٤): ما أَوْجَب اللهُ فيه النارَ.\nحدَّثنا بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال] (^٥): أمَّا الخطيئةُ فالكبيرةُ المُوجِبةُ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٣/ ٣٩٧، وابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٨ (٨٢٨) من طريق الأعمش به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٨ (٨٢٦) من طريق سلمة به. وينظر ص ١٧٨.\n(^٣) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٩ عقب الأثر (٨٢٩) معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٥ إلى عبد بن حميد، وهو في تفسير مجاهد ص ٢٠٨ بلفظ: الخطيئة يعنى ما يعذب الله عليها.\n(^٤) سقط من: م، ت ٣.\n(^٥) سقط من: ت ١، ت ٢.\n(^٦) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٥٩ عقب الأثر (٨٢٩) معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"2","page":183},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، [قال: أخبرَنا معمرٌ] (^١)، عن قتادةَ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: الخطيئةُ الكبائرُ (^٢).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا وكيعٌ ويحيى بنُ آدَمَ، عن سَلَّامِ بنِ مِسْكِينٍ، قال: سأل رَجلٌ الحسَنَ عن قولِه: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. فقال: ما نَدْرِى ما الخطيئةُ يا بُنَىَّ، اتْلُ القرآنَ، فكلُّ آيةٍ وعَد اللهُ عليها النارَ فهى الخطيئةُ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوَازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبَيْرىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: كلُّ ذنبٍ مُحِيطٍ فهو ما أوْعَد (^٤) اللهُ عليه النارَ (^٥).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعْمَشِ، عن أبى رَزِينٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: مات بخطيئتِه.\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا الأعمشُ، قال: ثنا مسعودٌ أبو رَزِينٍ، عن الربيعِ بنِ خُثَيْمٍ (^٦) فى قولِه: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: هو الذى\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥١.\n(^٣) فى الأصل: \"المحيطة\".\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢: \"وعد\".\n(^٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٥٩ عقب الأثر (٨٢٩) معلقًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ٨٥ إلى وكيع.\n(^٦) فى م: \"خيثم\".","vol":"2","page":184},{"text":"يموتُ على خطيئتِه قبلَ أن يتوبَ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: قال وكيعٌ: سمِعْتُ الأعمشَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: مات بذُنُوبِه (^١).\nحُدِّثْتُ عن عَمَّارٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعْفَرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: الكبيرةُ المُوجبةُ (^٢).\nحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمْرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: فمات ولم يَتُبْ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجّاجٌ (^٤)، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: الشركُ. ثم تلا: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-313>القولُ فى تأويلِ قولِه جَلَّ ثناؤُه: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه: فأولئك الذين كسَبُوا السّيئاتِ وأحاطَت بهم خَطِيئَاتُهم أصحابُ النارِ (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٥٨ عقب الأثر (٨٢٨) معلقًا، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٨٥ إلى وكيع.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٥٩ عقب الأثر (٨٢٩) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٥٨ عقب الأثر (٨٢٨) من طريق عمرو به.\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حسان\".\n(^٥) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هم فيها خالدون\".","vol":"2","page":185},{"text":"ويعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾: أهلُ النارِ. وإنما جعَلهم لها أصحابًا؛ لإيثارِهم -كان فى حياتِهم الدنيا- مِن الأعمالِ ما يُورِدُهُموها، ويُصْلِيهم (^١) سعيرَها، على الأعمالِ التى تُورِدُهم الجنةَ، فجعَلهم جلَّ ذكرُه بإيثارِهم أسبابَها على أسبابِ الجنةِ لها أصحابًا، كصاحبِ الرجلِ الذى يَصْحَبُه، مُؤْثِرًا صُحْبَتَه على صحبةِ غيرِه حتى يُعْرَفَ به.\n﴿هُمْ فِيهَا﴾. يعنى: هم فى النارِ خالدون. ويعنى بقوله: ﴿خَالِدُونَ﴾: مقيمون أبدًا (^٢).\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: [حدثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال] (^٣): حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أى: خالدون أبدًا (^٤).\nحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمْرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: لا يَخْرُجون منها أبدًا (^٥).\n\n<span id=\"aya-89\"></span><span data-type='title' id=toc-314>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. أى: صدَّقوا بما جاء به محمدٌ ﷺ. ويعنى بقولِه: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: أطاعوا اللهَ فأقامُوا حدودَه،\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يوردهم\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٥٩ (٨٣٠) من طريق سلمة به. وينظر ص ١٧٨.\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٥٩ عقب الأثر (٨٣٠) من طريق عمرو به.","vol":"2","page":186},{"text":"وأدَّوْا فرائضَه، واجْتَنَبوا محارمَه. ويعنى بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين هم كذلك، ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. يعنى: أهلُها الذين هم أهلُها، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ مقيمون أبدًا.\nوإنما هذه الآيةُ والتى قبلَها إخبارٌ مِن اللهِ عبادَه عن بقاءِ النارِ وبقاءِ أهلِها فيها، [وبقاءِ الجَنَّةِ وبقاءِ أهلِها فيها] (^١)، ودوامِ ما أَعَدَّ [اللهُ ﷿] (^١) فى كلِّ واحدةٍ منهما لأهلِها، تكذيبًا مِن اللهِ القائلين مِن يهودِ بنى إسرائيلَ أن النارَ لن تَمَسَّهم إلَّا أيامًا معدودةً، وأنَّهم صائرون بعدَ ذلك إلى الجَنَّةِ. فأخبرَهم بخلودِ كُفَّارِهم فى النارِ وخلودِ مؤمنيهم فى الجَنَّةِ.\nكما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أى: مَن آمَن بما كفَرتم به وعمِل بما تركتُم مِن دينِه، فلهم الجنةُ خالدين فيها، يُخْبِرُهم أن الثوابَ بالخيرِ والشرِّ مقيمٌ على أهلِه أبدًا، لا انقطاعَ له أبدًا (^٢).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: محمدٌ ﵇ وأصحابُه، ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-90\"></span><span data-type='title' id=toc-315>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٩، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٥٩ (٨٣٢) من طريق سلمة به. وتقدم أوله فى ص ١٧٨.","vol":"2","page":187},{"text":"قد دلَّلْنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا على أن الميثاقَ \"مِفْعَالٌ\"، مِن التوَثُّقِ باليمينِ ونحوِها مِن الأمورِ التى تُؤكدُ القولَ (^١).\nفمعنى الكلامِ إذن: واذكُرُوا أيضًا يا معشرَ بنى إسرائيلَ إذ أخذْنا ميثاقَكم لا تعبُدون إلَّا اللهَ.\nكما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. أى: ميثاقَكم ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾ (^٢).\nوالقَرَأَةُ مختلِفةٌ فى قراءةِ قولِه: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾؛ فبعضُهم يَقْرَؤُها بالتاءِ، وبعضُهم يَقْرَؤُها بالياءِ (^٣)، والمعنى فى ذلك واحدٌ، وإنما جازت القراءةُ بالياءِ والتاءِ، وأن يُقالَ: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾، و(لا يَعْبُدون). وهم غَيَبٌ (^٤)؛ لأن أخْذَ الميثاقِ بمعنى الاستحلافِ. فكما تقولُ: استَحْلَفْتُ أخاكَ لَيَقومَنَّ. فَتُخْبِرُ عنه خَبَرَكَ عن الغائبِ لغَيبتهِ عنك، وتقولُ: اسْتَحْلفتُه لَتَقُومَنَّ. فَتُخْبِرُ عنه خبرَكَ عن المخاطَبِ؛ لأنك قد كنتَ خاطبتَه بذلك، فيكونُ ذلك صحيحًا جائزًا. فكذلك قولُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ﴾. و(لا يَعْبُدون). مَن قرَأ ذلك بالتاءِ، فبمعنى (^٥) الخطابِ، إذ كان الخطابُ قد كان بذلك، ومَن قرَأ بالياءِ فلأنهم [كانوا غيرَ] (^٦) مخاطَبين بذلك فى وقتِ الخبرِ عنهم.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم فى ١/ ٤٣٩، ٢/ ٤٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٥٩ (٨٣٣) من طريق سلمة به.\n(^٣) قرأ بالتاء نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر، وقرأ بالياء ابن كثير وحمزة والكسائى. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٦٢.\n(^٤) ضبطها فى الأصل بفتح الياء، اسم جمع، ويجمع أيضا \"غُيَّب وغُيَّاب\". ينظر التاج (غ ى ب).\n(^٥) فى م: \"فمعنى\".\n(^٦) فى م: \"ما كانوا\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كانوا\".","vol":"2","page":188},{"text":"وأمَّا رفعُ (لا يَعبدون (^١». فبالياءِ (^٢) التى فى (يَعبدون (١». [ولم تُنْصَبْ] (^٣) بـ \"أن\" التى كانت تَصْلُحُ أن تَدْخُلَ معَ: (لا يَعبدُونَ (١) إلَّا اللهَ). لأنها إذا صَلحَ دخولُها على فعْلٍ فحُذِفت ولم تَدْخُلْ، كان وجهُ الكلامِ فيه الرفعَ؛ كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي (^٤) أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]. فرُفِع ﴿أَعْبُدُ﴾ -إذ لم تَدْخُلْ فيها \"أن\"- بالألِفِ الدَّالَّةِ على مَعْنى الاستِقْبالِ، وكما قال الشاعرُ (^٥):\nأَلا أَيُّهذا الزَّاجِرِى أَحْضُرُ الوَغَى … وأنْ أَشْهَدَ اللَّذاتِ هل أنتَ مُخْلِدِى\nفرفَع \"أَحْضُرُ\" -وإن كان يصلُح دخولُ \"أَنْ\" فيها، إذ حُذِفت- بالألفِ التى تأتى بمعنى الاستقبالِ.\nوإنما صلَح حذْفُ \"أن\" مِن قولِه: (وإذ أخَذْنا ميثاقَ بنى إسرائيلَ لا يعْبدُونَ). لدلالةِ ما ظهَر مِن الكلامِ عليها، فاكْتُفِى بدلالةِ الظاهرِ عليها منها.\nوقد كان بعضُ نحْويِّى أهلِ البصرةِ يقولُ: معنى قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾ حكايةٌ؛ كأنك قلتَ: استحلفْناهم لا تعبدون. أى: قلنا لهم: واللهِ لا تَعبُدون. أو قالوا: واللهِ لا يَعبُدون.\nوالذى قال مِن ذلك قريبٌ معناه مِن معنى القولِ الذى قلناه فى ذلك.\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تعبدون\".\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فبالتاء\".\n(^٣) فى م: \"ولا ينصب\".\n(^٤) فى الأصل: \"تأمروننى\". وهى قراءة ابن عامر. ينظر حجة القراءات ص ٦٢٥.\n(^٥) هو طرفة بن العبد، والبيت فى ديوانه ص ٣١.","vol":"2","page":189},{"text":"وبنحوِ التأويلِ الذى قُلْنا فى قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾ تأوَّلَه أهلُ التأويلِ.\nذكْرُ من تأوَّل ذلك كذلك\nحدَّثنى المثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: أخَذ مواثيقَهم أن يُخْلِصوا له وألا يعبُدوا غيرَه (^١).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾. قال: أخذْنا ميثاقَهم أن يُخْلِصوا للهِ وألا يعبُدوا غيرَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾. قال: الميثاقُ الذى أخَذ عليهم فى \"المائدةِ\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-316>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.</span>\nوقولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. عطفٌ على موضعِ \"أن\" المحذوفةِ فى ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾. فكأنَّ معنى الكلامِ: وإذ أخَذْنا ميثاقَ بنى إسرائيلَ بأن لا تعبُدوا إلا اللهَ وبالولدين إحسانًا. فرُفِع ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ لمَّا حُذِفت \"أن\"، ثم عُطِف ﴿بِالْوَالِدَيْنِ﴾ على موضعِها، كما قال الشاعر (^٣):\nمُعَاوىَ إنَّنا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ … فَلَسْنا بالجبالِ ولا الحَدِيدا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٦٠ (٨٣٤) من طريق آدم به بنحوه.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٦٠ (٨٣٥) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج.\n(^٣) قيل: عقيبة بن هبيرة، وقيل: عبد الله بن الزبير الأسدى، وقيل: عمر بن أبى ربيعة. ينظر الأزمنة والأمكنة ٢/ ٣١٧، والخزانة ٢/ ٢٦٠، وديوان عبد الله بن الزبير (مجموع) ص ١٤٥، وتنظر حاشيته.","vol":"2","page":190},{"text":"فنصَب \"الحديدَ\" على العطفِ به على موضعِ \"الجبالِ\"؛ لأنها لو لم تكن فيها باءٌ خافضةٌ كانت نصبًا، فعطَف بـ \"الحديدِ\" على موضعِ (^١) \"الجبالِ\" لا على لفظِها، فكذلك ما وصَفتُ مِن قولِه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.\nوأمَّا \"الإحسانُ\" فمنصوبٌ بفعلٍ مُضْمَرٍ يؤدِّى عن (^٢) معناه قولُه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (^٣). إذ كان مفهومًا معناه، فكأنَّ معنى الكلامِ لو أُظْهِر المحذوفُ: وإذ أخَذْنا ميثاقَ بني إسرائيلَ بأن لا تعبُدوا إلَّا اللهَ، وبأن تُحْسِنوا إلى الوالدينِ إِحْسانًا. فاكْتُفِى بقَولِه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ من أن يقالَ: وبأن تُحْسِنُوا إلى الوالِدَيْن إحْسَانًا؛ إذ كان مفهومًا أن ذلك معناه بما ظهَر مِن الكلامِ.\nوقد زعم بعضُ أهلِ العربيةِ في ذلك أن معناه: وبالوالدين فأحسِنوا إحسانًا. فجعَل الباءَ التى في \"الوالِدَين\" من صلةِ \"الإحسانِ\" مقدَّمةً عَليه.\nوقال آخَرون: بل معنى ذلك: ألا تعبُدوا إلَّا اللهَ، وأحْسِنوا بالوالدينِ إحسانًا. فزعَموا أن الباءَ التى في \"الوالدينِ\" مِن صلةِ المحذوفِ، أعنى مِن (٢) \"أَحْسِنوا\"، فجعَلوا ذلك مِن كلامينِ. وإنما يُصْرَفُ الكلامُ إلى ما ادَّعَوْا مِن ذلك إذا لم يُوجَدْ لاتِّساقِ الكلامِ على كلامٍ واحدٍ وجْهٌ. فأمَّا وللكلامِ وجْهٌ مفهومٌ على اتِّساقٍ (^٤) على كلامٍ واحدٍ، فلا وجهَ لصرفِه إلى كلامينِ. وأَحْرَى (^٥) أن القولَ فى ذلك لو كان على ما قالوا لقيل: وإلى الوالدَيْن إِحسانًا. لأنه إنما يقالُ: أحسَنَ فلانٌ إلى والديْه. ولا يقالُ:\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"معنى\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م: \"اتساقه\".\n(^٥) في م: \"أخرى\".","vol":"2","page":191},{"text":"أحسَن بوالديه. إلا على استكراهٍ للكلامِ، ولكنِ القولُ فيه ما قلنا، وهو: وإذ أخذْنا ميثاقَ بني إسرائيلَ بكذا وبالوالدينِ إحسانًا. على ما بيَّنَّا قبلُ، فيكونُ \"الإحسانُ\" حينَئذٍ مصدرًا مِن معنى (^١) الكلام لا مِن لفظِه، كما قد بَيَّنَّا فيما مضَى مِن نظائره (^٢).\nفإن قال قائلٌ: وما ذلك الإحسانُ الذى أخَذ عليهم بالوالدين الميثاقَ؟\nقيل: نظيرُ ما فرَض اللهُ على أُمَّتِنا لهما مِن فعْلِ المعروفِ بهما، والقولِ الجميلِ، وخفْضِ جَناحِ الذُّلِّ رحمةً بهما، والتَّحَنُّنِ عليهما، والرأفةِ بهما، والدعاءِ بالخيرِ لهما، وما أشبهَ ذلك مِن الأفعالِ التى ندَبَ اللهُ جلَّ وعزَّ عبادَه أن يفعَلوا بهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-317>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ تناؤُه: ﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾: وبذى القُربى أن يصلُوا قرابتَه منهم ورحمَه.\nوالقُرْبَى\" مصدرٌ على تقديرِ \"فُعْلَى\"، من قولِك: قرُبتْ منِّى رَحمُ فلانٍ قرابةً وقُرْبى [وقُربةً] (^٣) وقُرْبًا. بمعنًى واحدٍ.\nوأمَّا \"اليتامى\" فهو جمعُ يتيمٍ، مثلُ أسيرٍ وأَسارى، ويَدْخُلُ في اليتامى الذكورُ منهم وإلإناثُ.\nفمَعنى ذلك: وإذ أخذْنا ميثاقَ بني إسرائيلَ بأن لا تعبُدوا إلَّا اللهَ وحدَه دونَ مَا (^٤) سواه مِن الأندادِ، وبالوالدين إحسانًا، وبذى القُرْبَى، أن تَصِلوا رَحمَه، وتَعْرِفُوا حَقَّه، وباليتامى، أن تتَعَطَّفوا عليهم بالرحمةِ والرأفةِ، وبالمساكينِ؛ أن\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ١٣٧.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".","vol":"2","page":192},{"text":"تُؤْتُوهم حقوقَهم التى ألزمَها اللهُ ﷿ أموالَكم.\nو\"المسكينُ\" هو المُتَخَشِّعُ المُتَذَلِّلُ مِن الفاقةِ والحاجةِ، وهو \"مِفْعِيلٌ\" مِن المَسْكَنَةِ، والمسكنةُ هى ذُلُّ الحاجةِ والفاقةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-318>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.</span>\nإن قال لنا قائلٌ: كَيف قيل: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. فأُخْرِج الكلامُ أمرًا ولمَّا يَتَقَدَّمْه أمرٌ، بل الكلامُ جارٍ مِن أوَّلِ الآيةِ مَجْرَى الخبرِ؟\nقيل: إن الكلامَ وإن كان قد جرَى في أولِ الآيةِ مَجْرَى الخبرِ، فإنه مِمَّا يَحْسُنُ في موضعهِ الخطابُ بالأمرِ والنهىِ، فلو كان مكانَ ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾، \"لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ\". على وجْهِ النهىِ مِن اللهِ لهم عن عبادةِ غيرِه - كان حسنًا صوابًا، وقد ذُكِر أن ذلك كذلك في قراءةِ أُبَىِّ بنِ كعبٍ (^١)، وإنما حسُن ذلك وجاز لو كان مقروءًا به؛ لأن أخذَ الميثاقِ قولٌ، فكأنَّ (^٢) معنى الكلامِ -لو كان مقروءًا كذلك-: وإذ قلنا لبنى إسرائيلَ: لا تعبُدوا إلا اللهَ. كما قال جلَّ ثناؤُه في موضعٍ آخرَ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]. [فتُلُقِّى ذلك بالأمرِ، كما تقولُ: قُلنا لهم: خُذوا ما آتيناكم بقوةٍ] (^٣). فلما كان حَسَنًا وضعُ الأمرِ والنهىِ في موضعِ ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾ عطَف بقولِه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ على موضع ﴿تَعْبُدُونَ﴾ (^٤) -وإن كان مخالفًا لفظُ (^٥) كُلِّ واحدٍ منهما ومعناه معنى صاحبِه (^٦) - لما وصَفنا مِن جوازِ وضعِ الخطابِ بالأمرِ والنهىِ موضعَ\n_________\n(^١) وهى قراءة شاذة، ينظر البحر المحيط ١/ ٢٨٢.\n(^٢) في م: \"فكان\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لا تعبدون\".\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ما فيه\".","vol":"2","page":193},{"text":"﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾. فكأنه قيل: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيلَ لا تعبدوا إلا اللهَ، وقولوا للناسِ حسنًا. وهو نظيرُ ما قدَّمنا البيانَ عنه، مِن أن العربَ تَبْتَدِئُ الكلامَ أحيانًا على وجهِ الخبرِ عن الغائبِ في مواضعِ الحكاياتِ عَمّا (^١) أخْبَرَتْ عنه، ثم تعودُ إلى الخبرِ على وجهِ الخطابِ، وتَبْتَدِئُ أحيانًا على وجهِ الخطابِ، ثم تعودُ إلى الإخبارِ على وجهِ الخبرِ عن الغائبِ، لما في الحكايةِ مِن المَعْنَيَيْنِ، كما قال الشاعرُ (^٢).\nأَسِيئِى بِنا أوْ أَحْسِنِى لا مَلُومَةً … لَدَيْنا وَلَا مَقْلِيةً إنْ تَقَلَّتِ\nيعنى: تقلَّيْتِ.\nوأمَّا \"الحُسْنُ\" فإن القَرَأَةَ اخْتَلَفت في قراءتِه، فقرَأتْه عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ الكوفةِ غيرَ عاصمٍ: (وقُولُوا للنّاسِ حَسَنًا) بفتحِ الحاءِ والسينِ (^٣).\nوقرأتْه عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ: ﴿حُسْنًا﴾ بضمِّ الحاءِ وتسكينِ السينِ (^٤).\nوقد رُوِى عن بعضِ القَرَأَةِ أنه كان يقرؤُها: (وَقُولُوا للنَّاسِ حُسْنَى). على مثالِ \"فُعْلَى\" (^٥).\nواخْتَلف أهلُ العربيةِ في فرْقِ ما بينَ معنى قولِه: (حَسَنًا)، و﴿حُسْنًا﴾؛ فقال بعضُ البصريِّين: هو على أحدِ وجهينِ؛ إمَّا أن يكونَ يُرادُ بـ \"الحُسْنِ\": \"الحَسَنُ\"، لكنها (^٦) لغةٌ، كما تقولُ: \"البُخْلُ\" و\"البَخَلُ\". وإمَّا أن يكونَ جُعِلَ \"الحُسْنُ\" هو \"الحَسَنَ\" في التشبيهِ، وذلك أن الحُسنَ مصدرٌ،\n_________\n(^١) في م: \"كما\".\n(^٢) هو كثير عزة، والبيت في ديوانه (مجموع) ص ١٠١.\n(^٣) وهى قراءة حمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ١٦٢.\n(^٤) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو ونافع وعاصم وابن عامر. السابق.\n(^٥) وهى قراءة أُبى وطلحة بن مصرف. البحر المحيط ١/ ٢٨٤، ٢٨٥. وهى قراءة شاذة.\n(^٦) في م: \"كلاهما\"، وفى ت ٢: \"كلهما\"، وفى ت ١، ت ٣: \"وكلها\".","vol":"2","page":194},{"text":"و\"الحَسَنَ\" هو الشئُ الحَسَنُ، فيكونُ ذلك حينَئذٍ كقولِك: إنما أنت أَكْلٌ وشُرْبٌ. كما (^١) قال الشاعرُ (^٢):\nوَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ (^٣) لَهَا بِخَيْلٍ … تَحِيَّةُ بينهم ضَرْبٌ وَجِيعُ\nفجعَل التحيةَ ضربًا.\nوقال آخَرُ: بل \"الحُسْنُ\" هو الاسمُ العامُّ الجامعُ جميعَ معانى الحُسْنِ، و\"الحَسَنُ\" هو البعضُ مِن معانى \"الحُسْنِ\". قال: وكذلك (^٤) قال جلَّ ثناؤُه إذْ أوصَى بالوالدينِ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]. يعنى بذلك أنه وصَّاه فيهما (^٥) بجميعِ معانى \"الحُسْنِ\"، وأمَره في سائرِ الناسِ ببعضِ الذى أمَره به في والديْه، فقال: (وَقُولُوا للنَّاسِ حَسَنًا). يعنى بذلك بعضَ معانى الحُسْنِ.\nوالذى قاله هذا القائلُ في معنى \"الحُسْنِ\" -بضم الحاءِ وسكونِ السين- غيرُ بعيدٍ مِن الصوابِ، وأنه اسمٌ لنوعِه الذى سُمِّى به. وأَمَّا \"الحَسَنُ\" فهو صفةٌ [ونَعْتٌ] (^٦) لما وُصِف به، وذلك يَقَعُ لخاصٍّ (^٧). وإذا كان الأمرُ كذلك، فالصوابُ مِن القراءةِ في قولِه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾: (حَسَنًا)؛ لأن القومَ إنما أُمِروا -في هذا العهدِ الذى قيل لهم: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ - باستعمالِ الحَسَنِ من القولِ دونَ سائرِ معانى الحُسْنِ، الذى يكونُ بغيرِ القولِ، وذلك نَعْتٌ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كما\".\n(^٢) هو عمرو بن معديكرب، والبيت في ديوانه المجموع ص ١٣٠.\n(^٣) دلفت: مشيت.\n(^٤) في م، ت ١، ت ١، ت ٣: \"لذلك\".\n(^٥) في الأصل، ت ٢، ت ٣: \"فيه\".\n(^٦) في م: \"وقعت\".\n(^٧) في م، ت ٢، ت ٣: \"بخاص\".","vol":"2","page":195},{"text":"لخاصٍّ مِن معانى الحُسْنِ وهو القولُ، فلذلك اخترتُ قراءتَه بفتحِ الحاءِ والسينِ، على قراءتِه بضمِّ الحاءِ وسكونِ السينِ (^١).\nوأمَّا الذى قرَأ ذلك: (وَقولُوا للنَّاسِ حُسْنَى). فإنه خالَف بقراءتِه إيَّاه كذلك قراءةَ أهلِ الإسلامِ، وكفَى شاهدًا على خطأِ القراءةِ بها كذلك خروجُها مِن قراءةِ أهلِ الإسلامِ لو لم يكنْ على خطئِها شاهدٌ غيرُه. فكيف وهى مع ذلك خارجةٌ مِن المعروفِ مِن كلامِ العربِ، وذلك أن العربَ لا تَكادُ أن تَتَكَلَّمَ بـ \"فُعْلَى\" و\"أفْعَلَ\" إلا بالألفِ واللامِ أو بالإضافةِ، لا تقولُ: جاءنى أحسنُ. حتى يَقُولوا: الأحسنُ. ولا: أجملُ. حتى يَقولُوا: الأجملُ. وذلك أن \"الأفْعَل\" و\"الفُعْلَى\" لا يَكادان يُوجَدان صفةً إلا لمعْهودٍ معروفٍ، كما تقولُ: بل أخوك الأحسنُ، و: بل أختُك الحُسْنَى. وغيرُ جائزٍ أن يُقالَ: امرأةٌ حُسْنَى، ورجلٌ أحسنُ.\nوأمّا تأويلُ القولِ الحَسَنِ الذى أمَر اللهُ به جلَّ ثناؤُه الذين وصَف أمْرَهم مِن بني إسرائيلَ في هذه الآيةِ أن (^٢) يَقُولوه للناسِ، فهو ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أمَرَهم أيضًا بعدَ هذا الخُلُقِ أن يَقُولوا للناسِ حسنًا؛ أن يَأْمُروا بـ \"لا إلهَ إلا اللهُ\" مَن لم يَقُلْها ورغِب عنها، حتى يَقُولوها كما قالوها، فإن ذلك قُرْبةٌ لهم مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه. [قال: والحسَنُ] (^٣) أيضًا (^٤) ليِّن القولِ، مِن الأدبِ الحسنِ الجميلِ، والخُلُقِ الكريمِ، وهو مما ارْتَضاه اللهُ وأحَبَّه (^٥).\n_________\n(^١) القراءات واختياراتها لا تثبت بمثل هذا التعليل وإنما تثبت بالتواتر والنقل الصحيح عن النبي ﷺ.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لأن\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وقال الحسن\".\n(^٤) بعده في الأصل: \"من\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٥ إلى المصنف نحوه مختصرا، وأخرج ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٦١ (٨٤٦) نحو آخره عن الحسن.","vol":"2","page":196},{"text":"حدَّثنا المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. قال: يَقولُ: قولوا للناسِ معروفًا (^١).\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، في قولِه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. قال: صِدقًا في شأنِ محمدٍ ﷺ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن يزيدَ بنِ هارونَ، قال: سَمعْتُ سفيانَ الثَّوْرىَّ يقولُ في قولِه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. قال: مُرُوهم بالمعروفِ، وانْهَوْهم عن المُنكرِ (^٣).\nحدَّثنى هارونُ بنُ إدريسَ الأصَمُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحارِبِىُّ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ أبى سُليمانَ، قال: سأَلْتُ عطاءَ بنَ أبى رَباحٍ عن قولِ اللهِ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. قال: مَن لَقِيتَ مِن الناسِ، فقُلْ له حَسَنًا مِن القولِ. قال: وسأَلْتُ أبا جعفرٍ فقال مثلَ ذلك.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ (^٤)، قال: أخْبَرَنا عبدُ الملكِ، عن أبى جعفرٍ وعطاءِ بنِ أبى رَباحٍ في قولِه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. قال: للناسِ كلِّهم (^٥).\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا عبدُ الملكِ، عن عَطاءٍ مثلَه (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٦١ (٨٤٣) من طريق آدم به.\n(^٢) ذكره ابن الجوزى في ناسخه ص ١٣٢ معلقًا.\n(^٣) ذكره النحاس في ناسخه ص ١٠٣ معلقًا.\n(^٤) في م: \"القاسم\"، وفى ت ٢: \"نعيم\".\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٦١ (٨٤٤)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٣٠٤) من طريق عبد الملك بن سليمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٣٠٨)، وفى مداراة الناس (١٠٦) من طريق عبد الملك به.","vol":"2","page":197},{"text":"<span data-type='title' id=toc-319>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أدُّوها بحدودِها (^١) الواجبةِ عليكم فيها.\nكما حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ (^٢)، قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: [في هذه الأخلاقِ] (^٣)، وإقامةُ الصلاةِ تمامُ الركوعِ والسجودِ والتِّلاوةِ والخشوعِ، والإقْبالُ عليها فيها (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-320>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.</span>\nقد بيَّنَّا فيما مضَى قبلُ معنى الزكاةِ وما أصلُها (^٥).\nوأما الزكاةُ التى كان اللهُ جلَّ ثناؤُه أمَر بها بنى إسرائيلَ الذين ذكَر أمْرَهم في هذه الآيةِ، فهى ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ، عن بشرٍ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. قال: إيتاءُ الزكاةِ ما كان اللهُ فرَض عليهم في أموالِهم مِن الزكاةِ، وهى سُنَّةٌ كانت لهم غيرُ سُنَّةِ محمدٍ ﷺ، كانت زكاةُ أموالِهم قُربَانًا تَهْبِطُ إليه نارٌ فتَحْمِلُها، فكان ذلك تَقَبُّلَه، ومَن لم تَفْعَلِ النارُ به ذلك كان غيرَ مُتَقَبَّلٍ، وكان الذى قرَّب مِن مَكْسَبٍ لا يَحِلُّ مِن ظُلْمٍ أو غَشْمٍ، أو أخْذٍ بغيرِ ما أمَره اللهُ ﷿ به وبيَّنه له.\n_________\n(^١) في م: \"بحقوقها\".\n(^٢) في م: \"مسعود\".\n(^٣) فى م: \"هذه\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في هذه\" ثم بياض بمقدار كلمة.\n(^٤) تقدم تخريجه في ١/ ٢٤٨.\n(^٥) ينظر ما تقدم في ١/ ٦١١.","vol":"2","page":198},{"text":"حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: يعنى بالزكاةِ طاعةَ اللهِ تعالى ذكرُه والإخلاصَ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-321>القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن يهودِ بنى إسرائيلَ، أنهم نكَثوا عهدَه، ونقَضوا مِيثاقَه، بعدَ ما أخَذ مِيثاقَهم على الوفاءِ له بأن لا يَعْبُدوا غيرَه، وبأن يُحْسِنوا إلى الآباءِ والأمهاتِ، ويَصِلوا الأرْحامَ، ويَتَعَطَّفوا على الأيْتامِ، ويُؤَدُّوا حُقوقَ أهلِ المسكَنةِ إليهم، ويَأْمُرُوا عبادَه بما أمَرَهم اللهُ به، ويَحُثُّوهم على طاعتِه، ويُقِيموا الصلاةَ بحُدودِها وفَرائضِها، ويُؤتوا زَكَواتِ أموالِهم، فخالَفوا أمْرَه في ذلك كلِّه، وتوَلَّوْا عنه مُعْرِضِين، إلا مَن عصَم اللهُ منهم، فوَفَى للهِ بعهدِه وميثاقِه.\nكما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ، عن بشرٍ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا فرَض اللهُ عليهم -يعنى على هؤلاء الذين وصَف اللهُ أمْرَهم في كتابِه مِن بنى إسرائيلَ- هذا الذى ذكَر أنه أخَذ مِيثاقَهم به، أعْرَضوا عنه اسْتِثْقالًا لَه (^٢) وكَراهيةً، وطلَبوا ما خَفّ عليهم، إلا قليلًا منهم، وهم الذين استثْنَى اللهُ تعالى ذكرُه فقال: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾. يقولُ: أعْرَضْتُم عن طاعتى ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾. قال: القَلِيلُ الذين اخْتَرتُهم لطاعتى، وسيَحِلُّ عِقابى بمَن تَوَلَّى وأعْرَض عنها. يقولُ: ترَكها اسْتِخْفافًا بها (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٩٩ (٤٦٤) من طريق أبى صالح به.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٦ إلى المصنف.","vol":"2","page":199},{"text":"حدَّثنا ابن حُمَيْدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: [ثنا ابنُ إسحاقَ، قال] (^١): حدَّثنى محمدُ بن أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، أو عكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾: أى: ترَكْتُم ذلك كلَّه (^٢).\nوقال بعضُهم: عنَى اللهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ اليهودَ الذين كانوا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، وعنَى بسائرِ الآيةِ أسْلافَهم. كأنه ذهَب إلى أن معنى الكلامِ: ثم تولَّيتم إلا قليلًا، منكم، ثم توَلَّى سَلَفكم إلا قليلًا منهم. ولكنه جُعِل خطابًا لبَقايا نَسلِهم -على ما قد ذكَرْناه فيما مضَى قبلُ (^٣) - ثم قال: وأنتم معشرَ بَقاياهم مُعْرِضون أيضًا عن الميثاقِ الذى أخَذْته عليكم بذلك، وتارِكوه تَركَ أَوائلِكم.\nوقال آخَرون: بل قولُه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ خطابٌ لمَن كان بين ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ من يهودِ بنى إسرائيلَ، وذَمٌّ لهم بنقضِهم الميثاقَ الذى أُخِذ عليهم في التوراةِ وتبديلِهم أمرَ اللهِ وركوبِهم معاصيَه.\n\n<span id=\"aya-91\"></span><span data-type='title' id=toc-322>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾.</span>\nوقولُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾. في المعنى والإعرابِ نظيرُ قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾.\n_________\n(^١) سقط من الأصل.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٩، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٦٢ (٨٥٠) من طريق سلمة به.\n(^٣) تقدم فى ١/ ٦٤٢ - ٦٤٣.","vol":"2","page":200},{"text":"وأمّا سَفْكُ الدمِ، فإنه صَبُّه وإراقتُه.\nفإن قال قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾. وقال: أَوَ كان القومُ يَقْتُلُون أنفسَهم، ويُخْرِجُونَها من ديارِها، فيُنْهَوا عن ذلك؟\nقيل: ليس الأمرُ في ذلك على ما ظَنَنْتَ، ولكَن نُهُوا عن أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا، فكان في قتلِ الرجلِ منهم الرجلَ منهم قتلُ نفسِه، إذ كانت مِلَّتُهما [واحدةً، ودينُهما واحدًا، وكأنَّ أهلَ الدينِ الواحدِ في ولايةِ بعضِهم بعضًا] (^١) بمنزلةِ رجلٍ واحدٍ، كما قال ﷺ: \"إنّما المؤمنون في تَراحُمِهم وتَعاطُفِهم بينَهم بمنزلةِ [الجسدِ الواحدِ] (^٢)، إذا اشْتَكَى [منه عُضوٌ] (^٣) تدَاعَى له سائرُ الجسدِ بالحُمَّى والسَّهَرِ\" (^٤).\nوقد يجوزُ أن يكونَ معنى قولِه: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أى: لا يَقْتُلُ الرجلُ منكم [الرجلَ منكم] (^٥)، فَيُقادَ به قِصاصًا، فيكونَ بذلك قاتلًا نفسَه؛ لأنه كان الذى سبَّب لنفسِه ما استحقَّتْ به القتلَ، فأُضِيف إليه بذلك قتلُ ولىِّ المقتولِ إياه قِصاصًا بوليِّه، كما يقالُ للرجلِ يَرْكَبُ فعلًا من الأفعالِ يَستَحِقُّ به العقوبةَ فيعاقَبُ (^٦): أنت جَنَيْتَ هذا على نفسِك.\nوبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأْويلِ.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ت ٢: \"رجل واحد\".\n(^٣) في م \"بعضه\".\n(^٤) أخرجه البخارى (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير، وقد ذكره المصنف هنا بمعناه.\n(^٥) سقط من: ت ٢.\n(^٦) بعده في م، ت ١: \"العقوبة\"، وفى ت ٢: \"به العقوبة\".","vol":"2","page":201},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أى: لا يقتلُ بعضُكم بعضًا، ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ ونفسُك يا بنَ آدمَ أهلُ مِلَّتِك (^١).\nحدَّثنى المُثَنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جَعْفَرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾. يقول: لا يقتلُ بَعْضُكم بَعْضًا، ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾. يقولُ: لا يُخْرِجُ بعْضُكُم بعضًا من الديارِ (^٢).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾. يقولُ: لا يَقْتُلُ بعضُكم بعضًا.\n[حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾. يقولُ: لا يقتلُ بعضُكم بعضًا] (^٣) بغيرِ حقٍّ، ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ فتَسْفِك يا بنَ آدمَ دماءَ أهلِ ملَّتِك ودعوتِك.\n\n<span data-type='title' id=toc-323>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ [أى: أقرَرتُم] (^٣) بالميثاقِ الذى أَخَذْنا\n_________\n(^١) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٦٣ عقب الأثر (٨٥٢) معلقًا.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٦٢، ١٦٣ (٨٥١، ٨٥٣) من طريق آدم به.\n(^٣) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":202},{"text":"عليكم [ألا تَسْفِكُوا] (^١) دماءَكُم ولا تُخْرِجوا أنفسَكُم مِن ديارِكُم.\nكما حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾. يقولُ: أقررْتم بهذا الميثاقِ (^٢).\nحُدِّثْت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-324>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اختلَف أهلُ التأويلِ في من خُوطِب بقولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾؛ فقال بَعْضُهم: ذلك خطابٌ من اللهِ جلّ وعزّ لليهودِ الذين كانوا بين ظهرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ أيامَ هجرتِه إليه مُؤَنِّبًا لهم على تضييعِهم أحكامَ ما في أيدِيهم مِن التوراةِ التى كانوا يُقِرُّون بحُكْمِها، فقال اللهُ ﷿ لهم: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾. يعنى بذلك: أقرَّ (^٣) أَوائلُكم وسلفُكم، ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ على إقرارِهم بأخذِ الميثاقِ عليهم بأن لا يَسْفِكوا دماءَهم، ولا يُخْرِجوا أنفسَهم من ديارِهم، [وتُصَدِّقون] (^٤) بأنَّ ذلك حقٌّ مِن ميثاقى عليكم (^٥). وممن حُكِى هذا القول عنه ابنُ عباسٍ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"لا تسفكون\".\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٦٣ (٨٥٥) من طريق آدم به.\n(^٣) في م: \"إقرار\".\n(^٤) في م: \"ويصدقون\".\n(^٥) في م: \"عليهم\".","vol":"2","page":203},{"text":"وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: علَى أنَّ هذا حقٌّ من ميثاقِى عليكم (^١).\nوقال آخرون: بل ذلك خَبرٌ من اللهِ جلّ وعزّ عن أوائلِهم، ولكنه تعالى ذكرُه أخرَج الخبرَ بذلك عنهم مُخْرَجَ المخاطبةِ على النحوِ الذى وَصَفْنا في سائرِ الآياتِ التى هى نظائرُها، التى قد بَيَّنّا تأويلَها فيما مضَى (^٢).\nوتأوَّلُوا قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ بمعنى: وأنتم شُهودٌ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ يقولُ: وأنتم شهودٌ.\nوأولى الأقاويلِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ عندِى أن يكونَ ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ خبرًا عن أسلافِهم، وداخلًا فيه المخاطَبون به (^٣) الذين أَدْرَكُوا رسولَ اللهِ ﷺ، كما كان قولُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ خبرًا عن أسلافِهم وإن (^٤) كان خطابًا للذين أَدْرَكُوا رسولَ اللهِ ﷺ؛ لأن اللهَ عزّ ذكرُه أخَذ ميثاقَ الذين كانوا على عهدِ موسى ﵇ من بنى إسرائيلَ على سبيلِ ما قد بَيّنه لنا في كِتابِه، فأَلْزَمَ جَميعَ مَن بعدَهم مِن ذُرِّيَّتِهِم مِن حُكْمِ التوراةِ مثلَ الذى أَلْزَم منه مَن كان على عهدِ موسى ﵇ منهم، ثم أَنَّب الذين خاطبَهم بهذه الآياتِ على نقضِهم ونقضِ سلفِهم ذلك الميثاقَ، وتبديلهم (^٥) ما وَكَّدوا على أنفسِهم له بالوفاءِ من العهودِ بقولِه:\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٠، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٦٣ (٨٥٤) من طريق سلمة به.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٤٢، ٦٤٣.\n(^٣) في م: \"منهم\".\n(^٤) في م: \"بأن\".\n(^٥) في م، ت ٢: \"تكذيبهم\".","vol":"2","page":204},{"text":"﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ وإن كان خارجًا على وجهِ الخطابِ للذين كانوا على عهدِ نبيِّنا ﷺ منهم، فإنَّه معنيٌّ به كلُّ مَن أقَرّ (^١) بالميثاقِ منهم على عهدِ موسى ﵇ ومَن بعدَه، وكلُّ مَن شَهِد منهم بتصديقِ ما في التوراةِ، لأنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه لَمْ يَخْصُصْ بقولِه: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ وما أشبهَ ذلك من الآىِ بعضَهم دون بعضٍ، والآيةُ محتمِلةٌ أن يكونَ أُرِيدَ بها جميعُهم، فإذ كان ذلك كذلك، فليس لأحدٍ أن يَدَّعِىَ أنه أريدَ بها بعضٌ منهم دونَ بعضٍ، وكذلك حكمُ الآيةِ التى بعدَها، أعنِى قولَه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية؛ لأنه قد ذُكِر أن أوائلَهم قد كانوا يفعلُون من ذلك ما كان يفعلُه أواخرُهم الذين أدركوا عصرَ نبيِّنا ﷺ.\n\n<span id=\"aya-92\"></span><span data-type='title' id=toc-325>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.</span>\nوَيَتَّجِهُ قولُه جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ وجهين؛ أحدُهما، أن يكونَ أُريدَ به: ثم أنتم يا هؤلاء. فترَك \"يا\" استغناءً بدَلالةِ الكلامِ عليه، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]. وتأويلُه: يا يوسفُ أَعْرِضْ عن هذا. فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: ثم أنتم (^٢) يا معشرَ يهودِ بنى إسرائيلَ، بعد إقرارِكم بالميثاقِ الذى أخذْتُه عليكم [ألا تَسْفِكوا] (^٣) دماءَكم، ولا تُخْرِجوا (^٤) أنفسَكم من ديارِكم (^٥)، وبعد شهادتِكم على أنفسِكم بأن ذلك حقٌّ لى عليكم لازمٌ لكم الوفاءُ لى به -تَقْتلون\n_________\n(^١) في م: \"واثق\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في م: \"لا تسفكون\".\n(^٤) في م: \"تخرجون\".\n(^٥) بعده في م: \"ثم أقررتم\".","vol":"2","page":205},{"text":"أنفسَكم وتُخْرِجون فريقًا منكم من ديارِهم، متعاونين عليهم (^١) في إخراجِكم إياهم بالإثمِ والعدوانِ. والتعاونُ هو التظاهرُ. وإنما قيل للتعاونِ: التظاهرُ. لتقويةِ بعضِهم ظهرَ بعضٍ، فهو تفاعُلٌ من الظَّهْرِ، وهو مساندةُ بعضِهم ظهرَه إلى ظهرِ بعضٍ.\nوالوجهُ الآخرُ أن يكونَ معناه: ثم أنتم، القومَ (^٢)، تَقْتلون أنفسَكم، فيَرْجعُ إلى الخبرِ عن \"أنتم\"، وقد اعْتُرِضَ بينهم وبين الخبرِ عنهم بـ \"هؤلاء\"، كما تقولُ العربُ: أنا ذا أقوم، أنا ذا أَجْلِسُ. ولو قيل: أنا هذا يَجْلِسُ. كان صحيحًا جائزًا، وكذلك: أنت ذاك تقومُ.\nوقد زعَم بعضُ البصريين أن قولَه: ﴿هَؤُلَاءِ﴾. في قولِه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ [تنبيهٌ وتوكيدٌ] (^٣) لـ ﴿أَنْتُمْ﴾. وزعَم أنَّ \"أنتم\" وإن كانت كنايةَ أسماءِ جماعِ المخاطَبين، فإنما جاز أن يؤكَّدوا بـ \"هؤلاء\" - [و\"هؤلاء\" لا يؤكدُ بها] (^٤) عن مخاطَبين- كما قال خُفافُ ابنُ نُدْبةَ (^٥):\nأقولُ له والرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنَه … تأمَّلْ (^٦) خُفافًا إنّنِى أنا ذَلكا\nيريد: أنا هذا (^٧). وكما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢].\nثم اختلف أهلُ التأويلِ في مَن عُنِىَ بهذه الآيةِ نحوَ اختلافِهم في من عُنِىَ بقولِه:\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"عليه\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"قوم\".\n(^٣) في حاشية الأصل: \"في الأم: تنبيه لا توكيد\".\n(^٤) في م: \"وأولى لأنَّها كناية\"، وفى ت ١، ت ٢: \"وأولى لا يكنى بها\".\n(^٥) تقدم في ١/ ٢٣٠.\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تبين\".\n(^٧) في الأصل: \"هو\".","vol":"2","page":206},{"text":"﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-326>ذكْرُ اختلافِ المختلِفين في ذلك</span>\nحدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾: أَى: أهلَ الشركِ حتى تَسْفِكوا دماءَهم معهم وتُخْرِجوهم من ديارِهم معهم، فقال: ابْتَلاهُم (^١) اللهُ بذلك (^٢) مِن فعلِهم، وقد حَرَّم عليهم في التوراةِ سفكَ دمائِهم، وافترضَ عليهم فيها فداءَ أَسْراهم، فكانوا فريقَيْن؛ طائفةٌ منهم بنو قينقاعَ ولِفُّهم (^٣) حلفاءُ الخزرجِ، والنضيرُ وقريظةُ ولِفُّهم (^٣) حلفاءُ الأوسِ، فكانوا إذا كانت بين الأوْسِ والخزرجِ حربٌ خرجتْ بنو قينقاعَ مع الخزرجِ، وخرجتِ النضيرُ وقريظةُ مع الأوسِ، يُظاهرُ كلُّ واحدٍ من الفريقَيْن حلفاءَه على إخوانِه حتى يَتَسافكوا دماءَهم بينهم، وبأيديهم التوراةُ يَعْرفون منها ما عليهم وما لهم، والأوسُ والخزرجُ أهلُ شركٍ يَعبدون الأوثانَ لا يَعْرِفون جنةً ولا نارًا، ولا بعثًا ولا قيامةً، ولا كتابًا ولا حرامًا ولا حلالًا، فإذا وَضَعتِ الحربُ أوزارَها افتدَوْا أَسْراهم، تصديقًا لما في التوراةِ وأخذًا به بعضُهم من بعضٍ. يَفْتَدِى بنو قينقاعَ ما كان من أَسْراهم في أيدى الأوسِ، وتَفْتَدِى النضيرُ وقريظةُ ما كان في أيدى الخزرجِ منهم، ويُطِلُّون (^٤) ما أصابُوا من الدماءِ، وقتَلوا مَن قتَلوا منهم فيما بينهم، مظاهرةً لأهلِ الشركِ عليهم، يقولُ اللهُ ﷿ حين أنْبَأَهُم بذلك: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"أنبهم\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٣) سقط من: م. واللِّفُّ: الحزب والطائفة، والقوم المجتمعون. والجمع لُفوف وألفاف. التاج (ل ف ف).\n(^٤) الطلّ: هدر الدم، وقيل: هو ألا يثأر به أو تقبل ديته. اللسان (ط ل ل).","vol":"2","page":207},{"text":"بِبَعْضٍ﴾ أى: [يُفادِيه بحُكْمِ التوراةِ، ويقتُلُه، وفى حكمِ التوراةِ ألا يفعَلَ، ويُخرِجُه من دارِه، ويُظاهِرُ] (^١) عليه مَن يُشرِكُ باللهِ ويعبدُ الأوثانَ من دونِه ابتغاءَ عَرَضِ الدنيا. ففى ذلك من فعلِهم مع الأوسِ والخزرجِ -فيما بلغنى- نزلتْ هذه القصةُ (^٢).\nحَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. قال: إن اللهَ جلَّ ذكرُه أَخَذ على بنى إسرائيلَ في التوراةِ ألا يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا، وأيُّما عبدٍ أو أمةٍ وجَدْتموه من بنى إسرائيلَ فاشترُوه بما [قام ثَمَنُه] (^٣) فأَعْتِقوه، فكانت قريظةُ حلفاءَ الأوسِ، والنضيرُ حلفاءَ الخزرجِ، فكانوا يَقْتَتِلُون في حربِ سُمَيْرٍ (^٤)، فتقاتلُ بنو قريظةَ مع حلفائِها النضيرَ وحلفاءَها، وكانت النضيرُ تُقاتِلُ قريظةَ وحلفاءَها ويَغْلِبونَهم، فيُخْرِبون ديارَهم ويُخْرِجونَهم منها، فإذا أُسِر رجلٌ من الفريقَيْن كليهِما، جَمَعوا له حتى يَفْدُوه، فتُعَيِّرُهم العربُ بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتَفْدونهم؟ قالوا: إنا أُمِرْنا أن نَفْدِيَهم وحُرِّم علينا قتالُهم. قالوا: فَلِمَ تُقاتلُونهم؟ قالوا: إنا نَسْتَحْيِى أن يُستَذَلَّ حلفاؤُنا. فذلك حين عَيَّرهم اللهُ جلَّ وعزُّ، فقال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"تفادونه بحكم التوراةِ وتقتلونه وفى حكم التوراة ألا يقتل ولا يخرج من ذلك ولا يظاهر\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٦٣ - ١٦٦ (٨٥٦، ٨٥٩، ٨٦٠، ٨٦٤، ٨٦٧، ٨٧٠) مفرقًا من طريق سلمة به.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قدم يمينه\" وبما قام ثمنه. يريد: بما بلغه ثمنه. يقال: كم قامت ناقتك؟ أى كم بلغت. وقد قامت الأمةُ مائةَ دينار. أى بلغ قيمتها مائة دينار. اللسان (ق وم).\n(^٤) سمير: رجل من بنى عمرو بن عوف. وينظر خبر هذه الحرب في الكامل لابن الأثير ١/ ٦٥٨، والأغاني ٣/ ١٨. وسيذكره المصنّف مرّة أخرى في تفسير الآية ١٠٣ من سورة آل عمران.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٦٣ (٨٥٢، ٨٥٧) عن أبى زرعة، عن عمرو به.","vol":"2","page":208},{"text":"حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: كانت قريظةُ والنضيرُ أخوَيْن، وكانوا بهذه البلدةِ (^١)، وكان الكتابُ بأيديهم، وكانت الأوسُ والخزرجُ أخوَيْن فافترَقا، وافترَقَتْ قريظةُ والنضيرُ، فكانت النضِيرُ مع الخزرجِ، وكانت قريظةُ مع الأوسِ. قال: فاقْتَتلوا، وكان بعضُهم يَقْتُلُ بعضًا، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية.\nوقال آخرون بما حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: كان في بنى إسرائيلَ إذا اسْتَضْعَفوا قومًا أَخْرَجوهم من ديارِهم، وقد أُخِذ علَيْهم الميثاقُ ألا يَسْفِكوا دماءَهم، ولا يُخْرِجوا أنفسَهم من ديارِهم (^٢).\nوأما العُدْوانُ فهو الفُعْلانُ من التَّعَدِّي، يقالُ منه: عدا فلانٌ في كذا يَعْدُو فيه عَدْوًا وعُدْوانًا، واعْتَدَى فهو يَعْتَدِى اعتداءً. وذلك إذا جاوز حدَّه ظُلْمًا وبَغْيًا.\nوقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ﴿تَظَاهَرُونَ﴾؛ فقرَأها بعضُهم: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾. على مثالِ \"تَفاعَلُون\"، بحذفِ التاءِ الزائدة - وهى التاءُ الآخرةُ، وقرَأها آخرون: (تَظَّاهَرُونَ). مُشدَّدةً، بتأويلِ \"تَتَظاهَروُن\"، غيرَ أنهم أَدْغَموا التاءَ الثانيةَ في الظاءِ لتقاربِ مخرجَيْهما فصَيَّروهما ظاءً مشددةً (^٣).\nوهاتان القراءتان وإن اختلفتْ ألفاظُهما فهما مُتَّفِقَتَا المعني، فسواءٌ بأىِّ ذلك قرَأ به القارئُ؛ لأنهما جميعًا لغتان معروفتان وقراءتان مُسْتَفيضتان في أمْصارِ الإسلامِ بمعنًى واحدٍ، ليس في إحداهما معنًى تَسْتَحِقُّ به اختيارَها على الأخري، إلَّا\n_________\n(^١) في م: \"المثابة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٦٣ (٨٥٣) من طريق آدم به.\n(^٣) وبها قرأ الكوفيون: عاصم وحمزة والكسائي، وقرأ الباقون \"تظَّاهرون\" بالتشديد. ينظر النشر ٢/ ٢١٨.","vol":"2","page":209},{"text":"أن يختارَ مختارٌ (تَظَّاهَرُونَ) بالتشديدِ طلبًا منه تتمةَ الكلمةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-327>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾. اليهودَ، يُؤنِّبُهم (^١) بذلك، ويُعَرِّفُهم به قبيحَ أفعالِهم التى كانوا يَفْعَلونها، فقال لهم: ثم أنتم، بعد إقرارِكم بالميثاقِ الذى أخذْتُه عليكم ألا تَسْفِكوا دماءَكم، ولا تُخْرِجوا أنفسَكم من ديارِكم، تَقْتُلُونَ أنفُسَكم -يعنى به: يَقْتُلُ بعضُكم بعضًا- وأنتم مع قتلِكم مَن تَقْتلون منكم، إذا وجَدْتم الأسيرَ منكم في أيدى غيرِكم من أعدائِكم تَفْدُونهم ويُخْرِجُ بعضُكم بعضًا من دارِه، وقَتْلُكم إياهم وإخراجُكُموهم من ديارِهم حرامٌ عليكم، كما حرامٌ عليكم تَرْكُهم أَسْرى في أيدى عَدُوِّكم، فكيف تَسْتَجِيزونَ قتلَهم ولا تَسْتَجيزونَ تَرْكَ فدائِهم من عدوِّهم؟ أم كيف لا تَسْتَجيزون تَرْكَ فدائِهم، وتَسْتَجيزون قتلَهم، وهما جميعًا في اللازمِ لكم من الحكمِ فيهم سواءٌ؛ لأنَّ الذى حَرَّمْتُ عليكم مِن قَتْلِهم وإخراجِهم من دورِهم نظيرُ الذى حَرَّمْتُ عليكم من تَرْكِهم أَسْرَى في أيدى عدوِّهم، أتؤمنون ببعضِ الكتابِ الذى فرضْتُ عليكم فيه فرائضى وبَيَّنْتُ لكم فيه حُدُودى وأخذْتُ عليكم (^٢) بالعملِ بما فيه ميثاقى - فتُصَدِّقون به، فتُفادُون أَسْراكم مِن أيدِى عدوِّكم، وتَكْفُرونَ ببَعْضِه، فتَجْحَدونه فتَقْتُلُون مَن حرَّمْتُ عليكم قتلَه مِن أهلِ دينِكم ومِن قومِكُم، وتُخْرِجونهم مِن ديارِهم، وقد علِمْتُم أن الكفرَ منكم ببَعْضِه نقضٌ منكم عهدى ومِيثاقى؟!\n_________\n(^١) في م: \"يوبخهم\".\n(^٢) في م: \"عليه\".","vol":"2","page":210},{"text":"كما حَدَّثَنَا بشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ [أُسَارَى تُفَادُوهُمْ] (^١) وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: فادين، واللهِ إن فداءَهم لَلْإيمانُ، وإن إخراجَهم لَلْكفرُ، فكانوا يُخْرِجونهم مِن ديارِهم، وإذا رأَوْهم أُسارَى في أيدى عدوِّهم افتَكُّوهم (^٢).\nحَدَّثَنَا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: حَدَّثَنِي ابنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، أو عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾: قد علِمْتُم أن ذلكم عليكم في دينِكم ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ في كتابِكم ﴿إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: أتُفادُونهم مؤمنين بذلك، وتُخْرِجونهم كفرًا بذلك (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبي نجِيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾. يقولُ: إن وجدْتَه في يدِ غَيرِكَ فدَيْته وأنت تَقْتُلُه (^٤) بيدِك.\nحَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، قال: قال أبو جعفرٍ: كان قَتادةُ يقولُ في قولِه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: فكان إخراجُهم كفرًا وفداؤُهم إيمانًا.\nحَدَّثَنِي المثني، قال: حَدَّثَنَا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ\n_________\n(^١) في الأصل: \"أسرى تفدوهم\". وفى م، ت ١، ت ٢: \"أسارى تفدوهم\"، وهذه قراءات سيذكرها المصنّف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٦٦ (٨٦٨) من طريق يزيد به.\n(^٣) تقدم مطولًا في ص ٢٠٧.\n(^٤) بعده في الأصل: \"أو أنت تقتله\".","vol":"2","page":211},{"text":"في قولِه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، قال: كان في بنى إسْرائيلَ إذا اسْتَضْعَفوا قومًا أخْرَجوهم مِن ديارِهم، وقد أُخِذ عليهم الميثاقُ ألا يَسْفِكوا دماءَهم، ولا يُخْرِجُوا أنفسَهم مِن ديارِهم، وأُخِذ عليهم الميثاقُ إنْ أُسِر بعضُهم أن يُفادُوهم، فأخْرَجوهم مِن ديارِهم، ثم فادوهم، فآمَنوا ببعضِ الكتابِ وكفَروا ببعضٍ، آمَنوا بالفِداءِ ففدَوْا، وكفَروا بالإخراجِ مِن الديارِ فأَخْرَجوا (^١).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، قال: ثنا الربيعُ بنُ أنسٍ، قال: أخْبَرَنى أبو العاليةِ، أن عبدَ اللهِ بنَ سَلَامٍ مرَّ على رأسِ الجالوتِ بالكوفةِ وهو يُفادِى مِن النساءِ مَن لم يَقَعْ عليه العربُ، ولا يُفادِى مَن قد وقَع عليه العربُ، فقال له عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ: أما إنه مَكْتوبٌ عندَك في كتابِك: أن فَادُوهن كلَّهن (^٢).\nحدَّثنى القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. قال: كفرُهم القتلُ والإخْراجُ، وإيمانُهم الفِداءُ. قال ابنُ جُرَيْجٍ: يقولُ: إذا كانوا عندَكم تَقْتُلونهم، وتُخْرِجُونهم مِن ديارِهم، وأما إذا أُسِروا تَفْدُونهم؟ وبلَغَنى أن عمرَ بنَ الخطابِ قال في قصةِ بنى إسرائيلَ: إن بنى إسرائيلَ قد مضَوْا، وإنكم [يا أهلَ الإسلامِ] (^٣) تُعْنَوْن بهذا الحديثِ.\nواخْتَلَفت القَرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾؛ فقرَأه بعضُهم: (أَسْرَى تَفْدُوهم). وبعضُهم: (أُسارَى تُفادُوهم). وبعضُهم:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٦٥، ١٦٦ (٨٦٦، ٨٧٢) من طريق آدم به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٧٤ عن آدم بن أبى إياس في تفسيره. مصنف ابن أبى شيبة ١٣/ ١٣، وتفسير ابن أبى حاتم ١/ ١٦٥ (٨٦٥).\n(^٣) في م: \"أنتم\".","vol":"2","page":212},{"text":"(أُسارَى تَفْدُوهم). وبعضُهم: (أَسْرى تُفادُوهم) (^١).\nفمَن قرَأ ذلك: (وإن يأتوكم أسْرَى). فإنه أراد جمعَ الأسيرِ، إذ كان على \"فَعِيل\" على مثالِ جمعِ أسماءِ ذَوِى العاهاتِ التى يأتى واحدُها على تقديرِ \"فَعِيل\"؛ إذ كان الأسْرُ شَبيهَ المعنى -في الأذَى والمكروهِ الداخلِ به على الأسِيرِ- ببعضِ مَعانى العاهاتِ، وأُلْحِق جَمْعُ المسمى (^٢) به بجمعِ ما وصَفْنا، فقيل: أَسيرٌ وأسْرَى. كما قيل: مريضٌ ومَرْضَى، وكَسيرٌ وكَسْرَى، وجَريحٌ وجَرْحَى.\nوأما الذين قرَءوا ﴿أُسَارَى﴾ فإنَّهم أخرَجوه على مُخرجِ جمعِ \"فَعْلان\"؛ إذ كان جمعُ \"فعلان\" الذى له \"فَعْلَى\"، قد يُشاركُ جمعَ \"فعيلٍ\"، كما قالوا: سُكَارى وسَكْرى، وكُسالى وكَسْلى، فشبَّهوا أسيرًا -إذ جمَعوه مرةً أُسارى، وأُخرى أَسْرى- بذلك.\nوكان بعضُهم يَزْعُمُ أن معنى الأسْرَى مخالِفٌ معنى الأسارَى، ويَزْعُمُ أن معنى الأسْرَى اسْتِئْسارُ القومِ بغيرِ أسْرٍ مِن المُسْتَأْسِرِ لهم، وأن معنى الأسارَى معنى مَصيرِ القومِ المأْسُورِين في أيدى الآسِرِين بأسْرِهم إياهم وأخْذِهم قهرًا وغَلَبةً.\nقال أبو جعفرٍ: وذلك ما لا وجهَ له يُفْهَمُ في لغةِ أحدٍ مِن العربِ، ولكنَّ ذلك على ما وصَفْتُ مِن جمعِ الأسيرِ مرةً على \"فَعْلَى\" لِمَا بيَّنْتُ مِن العلةِ، ومرةً على \"فُعَالى\" لمَا ذكَرْتُ مِن تشبيهِهم جمعَه بجمعِ سَكْرانَ وكَسْلانَ وما أشْبَه ذلك.\nوأولى القراءات (^٣) بالصوابِ في ذلك (^٤) قراءةُ مَن قرَأ: (وَإنْ يأتُوكُم أسْرَى)؛\n_________\n(^١) القراءة الأولى قرأ بها حمزة، والثانية قرأ بها الكسائى وعاصم ونافع وأبو جعفر، والثالثة قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وخلف، والرابعة قراءة شاذة مما فوق العشرة. انظر النشر ٢/ ٢١٨.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المستلحق\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) القراءات المتواترة لا تفاضل بينها، قال أبو عمرو الدانى: وأئمة القراء لا يعمل في شيء من حروف القرآن =","vol":"2","page":213},{"text":"لأن \"فُعَالى\" في جمعِ \"فَعِيل\" غيرُ مُسْتَفيضٍ في كلامِ العربِ، فإذ كان ذلك غيرَ مُسْتَفِيضٍ في كلامِهم، وكان مُسْتَفِيضًا فاشيًا فيهم جمعُ ما كان مِن الصفاتِ -التي بمعنى الآلامِ والزَّمَانةِ- واحدُه على تقديرِ \"فَعيلٍ\" على \"فَعْلَى\" كالذى وصَفْنا قبلُ، وكان أحدُ ذلك الأسيرَ - كان الواجبُ أن يُلْحَقَ بنَظائرِه وأشْكالِه فيُجْمَعَ جمعَها دونَ غيرِها ممَّن خالَفَها.\nوأما مَن قرَأ: ﴿تُفَادُوهُمْ﴾. فإنه أراد: إنكم تَفْدُونهم ممن (^١) أسرَهم، ويُفْدَى منكم الذين أسَرُوهم؛ ففادُوكم بهم [أسْراهم منكم] (^٢).\nوأما مَن قرَأ ذلك: (تَفْدوُهُمْ) فإنه أراد أنكم يا معشرَ اليهودِ إن أتاكم الذين أخْرَجْتُموهم منكم مِن ديارِهم أسْرَى، فدَيْتُموهم فاسْتَنْقَذْتُموهم.\nوهذه القراءةُ أعجبُ إلىَّ مِن الأولى -أعْنِى: (أسْرَى تَفْدُوهم) - لأن الذى على اليهودِ في دينِهم فِداءُ أسْراهم بكلِّ حالٍ، فَدَى الآسِرون أسْراهم منهم أم لم يَفْدُوهم.\nوأمّا قولُه: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ فإن في قولِه: ﴿وَهُوَ﴾ وجهين مِن التأويلِ، أحدُهما: أن يكونَ كِنايةً عن الإخراجِ الذى تَقَدَّم ذكرُه، فكأنه قال: وتُخْرِجون فريقًا منكم مِن ديارِهم، وإخراجُهم مُحَرَّمٌ عليكم. ثم كرَّر الإخْراجَ الذي بعدَ ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ تكريرًا على \"هو\"، لمَّا حال بينَ \"الإخراجِ\" و﴿وَهُوَ﴾ كلامٌ.\nوالتأويلُ الثانى: أن يَكونَ عِمادًا (^٣) لمَّا كانت الواوُ التى مع ﴿وَهُوَ﴾ تَقْتَضِى\n_________\n= على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردها قياس عربية ولا فشوّ لغة؛ لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها. النشر ١/ ١٦.\n(^١) في م: \"من\".\n(^٢) في م: \"أمراكم منهم\".\n(^٣) هو ضمير الفصل ويسميه الكوفيون عمادا، لكونه حافظا لما بعده حتى لا يسقط عن الخبرية، أو كأنه =","vol":"2","page":214},{"text":"اسمًا يَلِيها دونَ الفعلِ (^١)، فلما قدَّم الفعلَ قبلَ الاسمِ -الذى تَقْتَضِيه الواوُ أن يَلِيَها- أُولِيَت \"هو\"؛ لأنه اسمٌ، كما تَقولُ في الكلامِ: أتَيْتُك، وهو قائمٌ أبوك. بمعنى وأبوك قائمٌ؛ إذ كانت الواوُ تَقْتَضِى اسمًا، فعُمِدَت بـ\"هو\"؛ إذ سبق الفعلُ الاسمَ ليَصْلُحَ الكلامُ به، كما قال الشاعرُ (^٢):\nفأَبْلِغْ أبا يحيى إذا ما لقِيتَه … على العِيسِ في آباطِها عَرَقٌ يَبْسُ\nبأنَّ السُّلاميَّ الذي بضَرِيَّةٍ (^٣) … أَميرَ الحِمَى قد باع حَقِّى بنى عَبْسِ\nبثوبٍ ودينارٍ وَشاةٍ ودِرْهَمٍ … فهل هو مرفوعٌ بما هاهنا راسُ\nفأُولِيَت \"هل\" (^٤) لطلبِها الاسمَ العِمادَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-328>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.</span>\nيعني بقولِه جل ثناؤُه: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾: فليس لمن قتَل منكم قَتيلًا -فكفَر بقتلِه إياه [ببعضِ حكمِ] (^٥) اللهِ الذى حكَم به عليه في التَّوْراةِ، وأخْرَج منكم فريقًا مِن ديارِهم مُظاهِرًا (^٦) عليهم أعداءَهم مِن أهلِ الشركِ ظُلمًا وعُدْوانًا، وخلافًا لمَا أمَرَه اللهُ به في كتابِه الذى أنْزَله إلى موسى- ﴿جَزَاءُ﴾، يعني بـ\"الجزاءِ\" الثوابَ، وهو العِوَضُ مما فعَل مِن ذلك والأجرُ عليه، ﴿إِلَّا خِزْيٌ\n_________\n= عمد الاسم وقواه بتحقيق الخبر. شرح المفصل ٣/ ١١٠، شرح الرضى على الكافية ٢/ ٢٤، ٢٥.\n(^١) المراد بالفعل هنا: المشتقات التى تعمل عمل الفعل. ينظر مصطلحات النحو الكوفى ص ٥٢ - ٥٤.\n(^٢) معانى القرآن للفراء ١/ ٥٢.\n(^٣) ضرية: أرض بنجد وينسب إليها حمى ضرية ينزلها حاج البصرة. معجم البلدان ٣/ ٢٧٢.\n(^٤) أى: أوليت هل الضمير \"هو\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢: \"بنقض عهد\".\n(^٦) في الأصل: \"مظاهرة\".","vol":"2","page":215},{"text":"فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. والخِزْىُ الذُّلُّ والصَّغارُ. يقالُ منه: قد خَزِى الرجلُ يَخْزَى خِزْيًا ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، يعنى: في عاجلِ الدنيا قبلَ الآخِرةِ.\nثم اخْتُلِف في الخِزْىِ الذى جزاهم (^١) اللهُ بما سلَف منهم (^٢) مِن معصيتِهم إياه؛ فقال بعضُهم: ذلك هو حُكْمُ اللهِ الذى أنْزَلَه إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ مِن أخْذِ القاتلِ بِمَن قتَل والقَوَدِ به قِصاصًا، والانتقامِ للمظلومِ مِن الظالِم.\nوقال آخرون: بل ذلك هو أخْذُ الجزيةِ منهم ما أقاموا على دينِهم ذِلَّةً لهم وصَغارًا.\nوقال آخرون: بل ذلك الخِزْىُ الذى جُوزُوا به في الدنيا إخراجُ رسولِ اللهِ ﷺ النَّضِيرَ عن دِيارهم لأولِ الحَشْرِ، وقَتْلُ مُقاتِلةِ قُرَيْظَةَ وسَبْيُ ذَراريِّهم، فكان ذلك لهم خِزْيًا في الدنيا، ولهم في الآخرةِ عذابٌ عظيمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-329>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾: ويومَ تَقومُ (^٣) الساعةُ، يُرَدُّ مَن يَفْعَلُ ذلك منكم بعدَ الخَزْىِ الذى يَحِلُّ به في الدنيا جَزاءً على معصيتِه اللهَ، إلى أشدِّ العذابِ الذى أعَدَّه اللهُ لأعْدائِه.\nوقد قال بعضُهم: معنى ذلك: ثم يومَ القيامةِ يُرَدُّونَ إلى أشدِّ مِن عذابِ الدنيا.\nولا معنى لقولِ قائلِ ذلك؛ لأن اللهَ جل ثناؤُه إنما أخْبَر أنهم يُرَدُّون إلى أشدِّ معانى العذابِ، ولذلك أدْخَل فيه الألفَ واللامَ؛ لأنه عَنَى به جنسَ العذابِ كلِّه دونَ نوعٍ منه.\n_________\n(^١) فى م: \"أخزاهم\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: الأصل.","vol":"2","page":216},{"text":"<span data-type='title' id=toc-330>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾.</span>\nاخْتَلَفت القَرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم: (وما اللهُ بغافلٍ عما يعملون). بالياءِ (^١) على وجهِ الإخْبارِ عنهم، فكأنَّهم نحَوْا بقراءتِهم معنى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ويومَ القيامةِ يُرَدُّ من يفعلُ ذلك منكم إلى أشدِّ العذابِ (وما اللهُ بغافلٍ عما يَعْمَلُونَ) يعنى: عَمَّا يَعْمَلُه الذين أخبَرَ اللهُ عنهم أنه ليس لهم جزاءٌ على فعلِهم إلَّا الخِزْىُ في الحياة الدنيا، ومرجِعُهم في الآخرةِ إلى أشدِّ العذابِ.\nوقرَأه آخَرون: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاءِ على وجهِ المخاطبةِ. قال: فكأنَّهم نَحَوْا بقراءتِهم: أفتُؤمنون ببعضِ الكتابِ وتكفُرون ببعضٍ، وما اللهُ بغافلٍ يا معشرَ اليهودِ عما تعملون أنتم.\nوأَعْجَبُ القراءتينِ في ذلك إليَّ قراءةُ من قرأ بالياءِ إِتباعًا لقولِه: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ ولقولِه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ﴾؛ لأن قولَه: (وما اللهُ بغافلٍ عما يَعْمَلُون). إلى ذلك أقربُ منه إلى قولِه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ فإتباعُه الأقربَ إليه أَوْلَى مِن إلحاقِه بالأبعدِ منه.\nوالوجهُ الآخَرُ غيرُ بعيدٍ مِن الصوابِ.\nوتأويلُ قولِه: [﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾] (^٢): وما اللهُ بساهٍ عن أعمالِهم الخبيثةِ، بل هو مُحْصٍ لها، وحافظُها عليهم حتى يُجَازِيَهم بها في الآخرةِ، ويُخْزِيَهم في الدنيا فَيُذِلَّهم ويَفْضَحَهم بها (^٣).\n_________\n(^١) قرأ بها نافع وابن كثير وأبو بكر ويعقوب، وقرأ بقية العشرة بالتاء، وكلتا القراءتين متواترة. النشر ٢/ ٢١٨.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":217},{"text":"<span id=\"aya-93\"></span><span data-type='title' id=toc-331>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين أخبَر عنهم أنهم يُؤمنون ببعضِ الكتابِ فيُفَادُون أسراهم مِن اليهودِ، ويَكْفُرون ببعضٍ فيَقْتُلون مَن حَرَّم اللهُ عليهم قتلَه مِن أهلِ مِلَّتِهم، ويُخْرِجُون مِن دارِه مَن حَرَّم اللهُ عليهم إخراجَه مِن دارِه، نقضًا لعهدِ اللهِ وميثاقِه في التوراةِ إليهم، فأخبرَ جل ثناؤه أن هؤلاء هم الذين اشتَرَوْا رياسةَ الحياةِ الدنيا على الضعفاءِ وأهلِ الجهلِ والغباءِ مِن أهلِ مِلَّتِهم، وابتاعُوا المآكلَ الخَسِيسةَ الرديئةَ فيها بالإيمانِ الذى كان يكونُ لهم به في الآخرةِ -لو كانوا أَتَوْا به مكانَ الكفرِ- الخلودُ في الجنَانِ. وإنما وصَفهم اللهُ جل ثناؤه بأنهم اشترَوْا الحياةَ الدنيا بالآخرةِ، لأنهم رَضُوا بالدنيا -بكُفْرِهم باللهِ فيها- عوضًا مِن نعيمِ الآخرةِ الذى أعدّه اللهُ للمؤمنين، فجعَل تركَهم (^١) حُظُوظَهم مِن نعيمِ الآخرةِ بكفرِهم باللهِ ثمنًا لما ابتاعوه به مِن خسيسِ الدنيا.\nكما حدَّثنا [بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا] (^٢) يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾: استحبُّوا قليلَ الدنيا على كثيرِ الآخرةِ (^٣).\nثم أخبرَ اللهُ جل ثناؤه أنهم إذ (^٤) باعوا حظوظَهم مِن نعيمِ الآخرةِ بترْكِهم\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٦٧ (٨٧٧) من طريق يزيد به.\n(^٤) في م: \"إذا\".","vol":"2","page":218},{"text":"طاعتَه، وإيثارِهم الكفرَ به والخسيسَ مِن الدنيا عليه، فلا (^١) حَظَّ لهم في نعيمِ الآخرةِ، وأن الذى لهم في الآخرةِ العذابُ، غيرُ مُخَفَّفٍ عنهم فيها العقابُ؛ لأنَّ الذى يُخَفَّفُ عنه فيها مِن العذابِ هو الذى له حَظٌّ في نَعِيمِها، ولا حَظَّ لهؤلاءِ لاشترائِهم (^٢) -كان في الدنيا (^٣) - دنياهم بآخرتِهم.\nوأمَّا قولُه: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. فإنه أخبر عنهم أنهم لا يَنْصُرُهم في الآخرةِ أحدٌ فَيَدْفَعَ عنهم بنُصْرَتِه عذابَ اللهِ، لا بقوَّةٍ (^٤)، ولا بشفاعةٍ (^٥) ولا غيرِهما.\n\n<span id=\"aya-94\"></span><span data-type='title' id=toc-332>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: أنزلناه إليه.\nوقد بَيَّنَّا أن معنى الإيتاءِ الإعطاءُ، فيما مضَى قبلُ (^٦).\nوالكتابُ الذى آتاه اللهُ موسى ﵇ هو التوراةُ.\nوأمَّا قولُه: ﴿وَقَفَّيْنَا﴾. فإنه يعنى: وأَرْدَفْنا وأَتْبَعْنا بعضَهم خلفَ بعضٍ، كما يَقْفُو الرجلُ الرجلَ إذا سار في أَثَرِه مِن ورائِه، وأصلُه مِن القَفَا، يقالُ منه: قَفَوْتُ فلانًا: إذا صِرْتَ خلفَ قفاه، كما يقالُ: دَبَرْتُه: إذا صِرْتَ في دُبُرِه.\nويعنى بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: مِن بعدِ موسى.\nويعنى ﴿بِالرُّسُلِ﴾: الأنبياءَ، وهم جَمْعُ رسولٍ، يقالُ: هو رسولٌ، وهم\n_________\n(^١) في م: \"لا\".\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذى\".\n(^٣) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٤) في م: \"بقوته\".\n(^٥) في م: \"بشفاعته\".\n(^٦) ينظر ما تقدم في ص ٥١.","vol":"2","page":219},{"text":"رُسُلٌ. كما يقالُ: هو رَجُلٌ صبورٌ، وهم قومٌ صُبُرٌ، وهو رَجُلٌ شَكورٌ، وهم قومٌ شُكُرٌ.\nوإنما يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾. أى: أَتْبَعْنا بعضَهم بعضًا على مِنهاجٍ واحدٍ وشريعةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ كلَّ مَن بعَثه اللهُ نبيًّا بعدَ موسى صلَوَاتُ اللهِ عليه إلى أزمانِ عيسى ابنِ مريمَ، فإنما بعَثه يَأْمُرُ بنى إسرائيلَ بإقامةِ التوراةِ والعمَلِ بما فيها والدعاءِ إلى ما فيها، فلذلك قيل: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ يعنى: على مِنهاجِه وشريعتِه، والعملِ بما كان يَعْمَلُ به.\n\n<span data-type='title' id=toc-333>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾: أعطينا عيسى ابنَ مريمَ. ويعنى بـ \"البَيِّناتِ\" \"التى آتاه اللهُ إيَّاها، ما أَظْهَرَ على يديه مِن الحُجَجِ له (^١)، والدلالةِ على نُبُوَّتِه؛ مِن إحياءِ الموتي، وإبراءِ الأكْمَهِ [والأَبْرَصِ] (^٢)، ونحوِ ذلك مِن الآياتِ التى أبانتْ منزلتَه مِن اللهِ، ودلَّت على صدقِه وصِحَّةِ نُبُوَّتِه.\nكما حَدَّثَنَا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حَدَّثَنِي ابنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾. أى: الآياتِ التى وضَع على يديه؛ مِن إحياءِ الموتي، وخلْقِه مِن الطينِ كهيئةِ الطيرِ، ثم ينفُخُ فيه فيكونُ طائرًا بإِذنِ اللهِ، وإبراءِ الأسقامِ، والخبرِ بكثيرٍ مِن الغُيُوبِ مِمَّا يَدَّخِرون في بيوتِهم، وما رَدَّ عليهم مِن التوراةِ مع الإنجيلِ الذى أحدَثَ اللهُ إليه (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٦٨، ٢/ ٤٨٣ (٨٨١، ٢٥٥٥) من طريق سلمة به.","vol":"2","page":220},{"text":"<span data-type='title' id=toc-334>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾.</span>\nأمَّا معنى قولِه: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ فإنه: قَوَّيْناه [وأَعَنَّاه بِهِ] (^١).\nكما حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾. يقولُ: نصَرْناه.\nيقال منه: أيَّدَك اللهُ، أى: قوَّاك اللهُ، وهو رجُلٌ ذو أيدٍ وذو آدٍ، يراد: ذو قوةٍ. ومنه قولُ العَجَّاجِ (^٢):\nمِنْ أنْ تَبَدَّلْتُ بآدِىَ آدا\nيعنى: [تَبدَّلتُ بقوَّةِ شَبابِى] (^٣) قوةَ المَشِيبِ. ومنه قولُ الشاعرِ (^٤):\nإنّ القِدَاحَ إذا اجْتَمَعْنَ فَرَامَها … بالكَسْرِ ذو جَلَدٍ (^٥) وبَطْشٍ أَيِّدِ\nيعنى بالأَيِّد: القَوِىّ.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾؛ فقال بعضُهم: الرُّوحُ (^٦) الذى أخبَر اللهُ تعالى ذكرُه أنه أيَّد عيسى به هو جبريلُ ﵇.\n_________\n(^١) في م: \"فأعناه\".\n(^٢) مجاز القرآن ١/ ٤٦.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بشبابي\".\n(^٤) التعازى والمراثى للمبرد ص ١٢٥.\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خلد\"، وفى التعازى والمراثى: \"حنق وكسر\".\n(^٦) في م: \"روح القدس\".","vol":"2","page":221},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. قال: هو جبريلُ (^١).\nحَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمْرُو بنُ حَمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ قولَه: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. قال: هو جبريلُ (^٢).\nحَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. قال: رُوحُ القُدُسِ: جبريلُ.\nوحُدِّثْتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. قال: أُيِّد عيسى بجبريلَ، وهو رُوحُ القُدُسِ (^٣).\nحَدَّثَنَا (^٤) ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلَمةُ، عن [ابنِ إسحاقَ] (^٥)، قال: حَدَّثَنِي عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي الحسينِ المَكِّيُّ، عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ الأشعرىِّ، أن نفرًا مِن اليهودِ سألوا رسولَ اللهِ ﷺ فقالوا: أخبِرْنا عن الرُّوحِ. قال: \"أَنْشُدُكم باللهِ وبِأَيَّامِه عندَ بَنِى إسْرَائِيلَ، هل تَعْلَمُونَ أَنَّه جِبْرِيلُ، وهو الذى يَأْتِينى\"؟ قالوا: نعم (^٦).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٦٨ عقب الأثر (٨٨٤) من طريق عمرو به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٦٨ عقب الأثر (٨٨٤) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وقال\".\n(^٥) في م: \"إسحاق\".\n(^٦) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٣ مطولًا. وسيأتى بتمامه في ص ٢٨٥، وينظر ص ٢٨٣.","vol":"2","page":222},{"text":"وقال آخَرون: الرُّوحُ الذى أيَّد اللهُ به عيسى هو الإنْجيلُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنِي يُونسُ بنُ عبدِ الأَعْلَي، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. قال: أَيَّد اللهُ عيسى بالإنجيلِ رُوحًا كما جعَل القرآنَ رُوحًا للهِ، كلاهما رُوحُ اللهِ، كما قال اللهُ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].\nوقال آخَرون: الرُّوحُ هو الاسمُ الذى كان عيسى يُحْيى به المَوْتَى.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثْتُ عن المِنْجَابِ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. قال: هو الاسمُ الذى كان يُحْيِى به عيسى الموتَى (^١).\nوأَوْلَى التأويلاتِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الرُّوحُ في هذا الموضعِ جبريلُ؛ لأنَّ اللهَ جل ثناؤه أخبرَنا أنه أيَّد عيسى به، كما أخبر في قولِه: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ١١٠]. [أنَّه أيَّده بهِ] (^٢)، فلو كان الرُّوحُ الذى أيَّده اللهُ به هو الإنجيلَ لكان قولُه: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ - ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٦٩ (٨٨٦) عن أبي زرعة، عن المنجاب به.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":223},{"text":"الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ تكريرَ قولٍ لا معنى له؛ وذلك أنه على تأويلِ قولِ مَن قال: معنى ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. [إذ أيَّدتُك بالإنجيلِ] (^١). إنَّما هو: إذ أيَّدتُك بالإنجيلِ، وإذ علَّمتُك الإنجيلَ. وهو لا يكونُ به مُؤَيَّدًا إلَّا وهو مُعَلَّمُه، فذلك تكريرُ كلامٍ واحدٍ [في آيةٍ واحدةٍ] (^٢) مِن غيرِ زيادةِ معنًى في أحدِهما على الآخَرِ، وذلك خُلْفٌ مِن الكلامِ، واللهُ تعالى ذكرُه يَتَعالَى عن أن يُخَاطِبَ عبادَه بما لا يُفِيدُهم به فائدةً.\nوإذ كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ فسادُ قولِ مَن زعَم أن الرُّوحَ في هذا الموضعِ الإنجيلُ، وإن كان جميعُ كتبِ اللهِ جلَّ ثناؤه التى أوحاها إلى رسلِه روحًا منه؛ لأنه تحيا بها القلوبُ الميِّتةُ، وتَنْتَعِشُ بها النفوسُ المُوَلِّيةُ، وتَهْتَدِى بها الأحلامُ الضالَّةُ.\nوإنما سَمَّى اللهُ جلَّ ثناؤه جبريلَ \"رُوحًا\" وأضافه إلى \"القُدُسِ\"؛ لأنه كان بتكوينِ اللهِ له رُوحًا مِن عندِه عن غيرِ ولادةِ والدٍ ولَده، فسمَّاه مِن أجلِ ذلك \"روحًا\"، وأضافه إلى \"القدسِ\" -والقدسُ هو الطُّهْرُ- كما سُمِّى عيسى ابنُ مريمَ روحَ اللهِ، مِن أجلِ تكوينِه له رُوحًا مِن عندِه مِن غيرِ ولادةِ والدٍ ولَده.\nوقد بيَّنَّا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا أن معنى التقديسِ التطهيرُ (^٣). والقدسُ الطُّهرُ مِن ذلك.\nوقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معناه في هذا الموضعِ نحوَ اختلافِهم في الموضعِ الذى ذكرْناه.\nحَدَّثَنِي موسي، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: القدسُ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٠٥ وما بعدها.","vol":"2","page":224},{"text":"البركةُ (^١).\nوحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، [عن الربيعِ] (^٢)، قال: القدسُ هو الربُّ (^٣).\nوحَدَّثَنِي يُونُس بنُ عبدِ الأَعلَي، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قال: اللهُ القُدُسُ، وأيَّد عيسى برُوحِه. قال: [واحتَجَّ في هذا بقولِ كعبٍ] (^٤): اللهُ القُدسُ. وقرَأ قولَ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣]. وقال: القُدُسُ والقُدُّوسُ واحدٌ.\nوحدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ (^٥)، قال: أخبرنى عمْرُو بنُ الحارِثِ، عن سعيدِ بنِ أبى [هلالٍ، عن] (^٦) هلالِ بنِ (^٧) أسامةَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، قال: قال كعبٌ (^٨): اللهُ القُدُسُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-335>القولُ في تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٦٩ (٨٨٨) من طريق عمرو به.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) بعده في م: \"تعالى ذكره\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٦٩ (٨٨٧) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٤) في م: \"نعت\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"واحتج بقول بعث\".\n(^٥) بعده في ت ٢: \"قال: قال ابن زيد\".\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) بعده في الأصل: \"أبى\". وهو هلال بن محمد بن على بن أسامة. وقد ينسب إلى جده كما في تهذيب الكمال ٣٠/ ٣٤٣.\n(^٨) في م: \"نعت\". وينظر تفسير ابن كثير ١/ ١٧٦.","vol":"2","page":225},{"text":"يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾. اليهودَ مِن بنى إسرائيلَ.\nحَدَّثَنِي بذلك محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حَدَّثَنَا عيسي، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ.\nقال أبو جعفرٍ: يقولُ اللهُ جل ثناؤه لهم: يا معشرَ يهودِ بنى إسرائيلَ، لقد آتيْنا موسى التوراةَ، وتابَعْنا مِن بعدِه الرسلَ (^١) إليكم، وآتينا عيسى ابنَ مريمَ البيناتِ والحُجَجَ إذ بعثْناه إليكم، وقَوَّيْناه برُوحِ القُدُسِ، وأنتم كُلَّما جاءكم رسولٌ مِن رُسُلى بغيرِ الذى تهواه نفوسُكم استكبرتُم عليه (^٢) -تجبُّرًا وبَغْيًا- استكبارَ إمامِكم إبليسَ، فكذَّبتُم مِنهم بعضًا، وقتَلْتُم بعضًا، أفهذا (^٣) فعلُكم أبدًا برسلى!\nوقولُه: ﴿أَفَكُلَّمَا﴾ وإن كان خرَج مَخْرَجَ التقريرِ في الخطابِ فهو بمعنى الخبرِ.\n\n<span id=\"aya-95\"></span><span data-type='title' id=toc-336>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾.</span>\nاختلفت القَرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُهم: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ مخفَّفةَ اللام ساكنةً، وهى قراءةُ عامَّةِ قرأةِ الأمصارِ في جميعِ الأقطارِ (^٤). وقرأه بعضُهم: (وقالوا قلوبُنا غُلُفٌ). مثقَّلةَ (^٥) اللامِ مضمومةً (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"بالرسل\".\n(^٢) في. م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عليهم\".\n(^٣) في م: \"فهذا\".\n(^٤) قرأ ذلك نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ١٦٤.\n(^٥) يريد بالتثقيل هنا التحريك لا التشديد.\n(^٦) وبذلك قرأ أبو عمرو. المصدر السابق.","vol":"2","page":226},{"text":"فأمَّا الذين قرءوها بسكون اللامِ وتخفيفِها، فإنهم تأوَّلوها أنهم قالوا: قلوبُنا في أكِنَّةٍ وأغطيةٍ وغُلْفٍ، فالغُلْفُ -على قراءةِ هؤلاء- جمعُ أغلَفَ، وهو الذى في غِلافٍ وغطاءٍ، كما يقالُ للرجلِ الذى لَمْ يَخْتَتِنْ: أغلَفُ. وللمرأةِ: غَلْفاءُ. وكما يقالُ للسيفِ إذا كان في غلافِه: سيفٌ أغلَفُ، وقوسٌ غَلْفاءُ. وجمعُها غُلْفٌ، وكذلك جمعُ ما كان من النعوتِ ذَكَرُه على \"أفعَلَ\" وأنثاه على \"فَعْلاءَ\"، يُجْمَعُ على \"فُعْل\" مضمومةَ الأولِ ساكنةَ الثاني، مثلَ أحمرَ [وحُمْرٍ، وصَفْراءَ] (^١) وصُفْرٍ، فيكونُ ذلك جماعًا للتأنيثِ والتذكيرِ، ولا يجوزُ تثقيلُ عينِ \"فُعْلٍ\" منه إلَّا في ضرورةِ شعرٍ، كما قال طَرَفَةُ بنُ العبدِ (^٢):\nأَيُّها الفِتْيانُ في مَجْلِسِنا … جَرِّدُوا مِنْها (^٣) وِرَادًا (^٤) وشُقُرْ\nيُرِيدُ: شُقْرًا. [إلّا أنَّ الروِىَّ] (^٥) اضْطَرَّه إلى تحريكِ ثانيه فحرَّكه.\nومنه الخبرُ الذى حَدَّثَنَا به ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ بَشِيرِ بنِ سلمانَ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائيُّ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ الجَمَليِّ، عن أبي البَخْتَرِيِّ، عن حُذَيْفَةَ، قال: القلوبُ أربعةٌ. ثم ذكَرها، فقال فيما ذكَر: وقلبٌ أغلَفُ مَعْصُوبٌ (^٦) عليه، فذاك قلبُ الكافرِ (^٧).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"وحمر وأصفر وصفر\".\n(^٢) ديوان طرفة بشرح الأعلم ص ٦٩.\n(^٣) منها: أى الخيل. وجردوا الخيل، يعنى: ألقوا عنها جلالها وأسرجوها استعدادًا للقتال واللقاء. المصدر السابق.\n(^٤) وراد: جمع وَرْد، وهو من الخيل ما كان بين الكميت - الأسمر - والأشقر - الأحمر - التاج (ورد، ش ق ر).\n(^٥) في م: \"لأن الشعر\".\n(^٦) في الأصل، ت ١: \"مغضوب\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٣٦، ١٥/ ١٠٨، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٧٦ من طريق الأعمش، عن عمرو ابن مرّة به، وأبو البخترى -سعيد بن فيروز- لَمْ يدرك حذيفة.\nورواه شيبان بن عبد الرَّحمن، عن ليث بن أبى سليم -وهو ضعيف- عن عمرو بن مرّة، عن أبي =","vol":"2","page":227},{"text":"<span data-type='title' id=toc-337>ذكْرُ مَن تأَوَّل (^١) ذلك بمعنى (^٢) أنَّها في أغطيةٍ</span>\nحَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حَدَّثَنِي ابنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أى: في أكِنَّةٍ (^٣).\nوحَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ بنُ صالحٍ، عن [عليِّ بنِ] (^٤) أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أى: في غطاءٍ (^٥).\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: فهى القلوبُ المطبوعُ عليها (٣).\nوحَدَّثَنِي عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: أخبرني عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: عليها غِشاوةٌ (^٦).\nوحَدَّثَنِي المُثَنَّى قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، قال: حَدَّثَنِي عبدُ اللهِ\n_________\n= البختري، عن أبي سعيد الخدرى مرفوعًا. أخرجه أحمد ١٧/ ٢٠٨ (١١١٢٩)، والطبراني في الصغير ٢/ ١١٠، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٣٨٥، وأبو البخترى لَمْ يدرك أبا سعيد الخدرى. وقال أبو نعيم: غريب من حديث عمرو وتفرد به شيبان، عن ليث.\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يعنى\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٧٦.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٧٠ (٨٩٥)، ٤/ ١١٠٨ (٦٢٢١) عن أبيه عن أبى صالح به.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر ١/ ٨٧ إلى المصنّف.","vol":"2","page":228},{"text":"ابنُ (^١) كَثِيرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: عليها غشاوةٌ.\nوحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوَازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن الأعمشِ قولَه: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال: هى في غُلْفٍ.\nوحَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أى: لا تَفْقَهُ (^٢).\nوحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. قال: هو كقولِه: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكنَّةٍ﴾ (^٣) [فصلت: ٥].\nحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. قال: عليها طابَعٌ. قال: هو كقولِه: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكنَّةٍ﴾ (^٣).\nوحَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أى: لا تَفْقَهُ (^٤).\nوحَدَّثَنِي موسي، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال: يقولون: عليها غِلافٌ، وهو الغِطاءُ (^٥).\n_________\n(^١) بعده في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبي\".\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٧٠، ٤/ ١١٠٨ عقب الأثر (٨٩٧، ٦٢٢٣) من طريق سعيد عن قتادة به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥١.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٧٠ (٨٩٧) من طريق آدم به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٧٠ عقب الأثر (٨٩٥) عن أبي زرعة عن عمرو به.","vol":"2","page":229},{"text":"وحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. قال: يقولُ: قلبى في غِلافٍ، فلا يَخْلُصُ إليه ما (^١) تقولُ. وقرأ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ (^٢).\nوأمَّا الذين قرَءوها: (غُلُفٌ). بتحريكِ اللامِ وضَمِّها، فإنهم تأوَّلوها أنهم قالوا: قلوبُنا غُلُفٌ للعلمِ. بمعنى أنَّها أوعيةٌ لها (^٣). والغُلُفُ -على قراءةِ (^٤) هؤلاء- جمعُ غِلافٍ، كما يُجْمَعُ الكِتابُ كُتُبًا، والحِجَابُ حُجُبًا، والشِّهَابُ شُهُبًا.\nفمعنى الكلامِ على تأويلِ مَن قرأه: (غُلُفٌ). بتحريكِ اللامِ وضَمِّها: وقالت اليهودُ: قلوبُنا غُلُفٌ للعلمِ، وأوعيةٌ له أَو (^٥) لغيرِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنِي عُبَيْدُ بنُ أسباطَ بنِ محمدٍ القرشيُّ (^٦)، قال: ثنا أبي، عن فُضَيْلِ بنِ مرزوقٍ، عن عطيةَ: (وقالوا قُلُوبنا غُلُفٌ). قال: أوعيةٌ للذِّكرِ (^٧).\nوحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عُمارةَ الأسدىُّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ موسي، قال: أخبرَنا فُضَيْلٌ، عن عطيةَ في قولِه: (غُلُفٌ). قال: أوعيةٌ للعلْمِ (^٨).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مما\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٧٧.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تأويل\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٧٠، ٤/ ١١٠٨ (٨٩٨، ٦٢٢٤) من طريق أسباط بن محمد به. وفيه: أوعية للمنكر.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٧٠، ٤/ ١١٠٨ (٨٩٤، ٦٢٢٠) من طريق فضيل به.","vol":"2","page":230},{"text":"وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوَازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فُضَيْلُ [ابنُ مَرزوقٍ] (^١)، عن عطيةَ مثلَه.\nوحُدِّثْتُ عن المِنْجَابِ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: (وقالوا قلوبُنا غُلُفٌ). قال: مملوءةٌ عِلمًا لا يُحتاجُ إلى عِلْمِ (^٢) محمدٍ ولا غيرِه (^٣).\nوالقراءةُ التى لا يجوزُ غيرُها في قولِه: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ هى قراءةُ مَن قرَأها: ﴿غُلْفٌ﴾. بتسكينِ اللامِ، بمعنى أنَّها في أغشيةٍ وأغطيةٍ؛ لاجتماعِ الحُجَّةِ مِن القَرَأَةِ وأهلِ التأويلِ على صِحَّتِها، وشذوذِ مَن شَذَّ عنهم بما خالفه مِن قراءةِ ذلك بضمِّ اللامِ. وقد دَلَّلْنا على أنَّ ما جاءت به الحُجَّةُ مُتَّفقةً عليه، حُجَّةٌ على مَن بلَغه، وما جاء به المُنْفَرِدُ فغيرُ جائزٍ الاعتراضُ به على ما جاءت به الجماعةُ التى تقومُ بها الحُجَّةُ نقلًا، [قولًا أو عملًا] (^٤)، فى غيرِ هذا الموضعِ، فأغنى ذلك عن إعادتِه في هذا المكانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-338>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ﴾: بل أقصاهم اللهُ وأبعَدهم وطرَدهم وأخزَاهم وأهلَكهم بكفرِهم، وهو (^٥) جُحودُهم آياتِ اللهِ وبيِّناتِه وما ابْتَعث به رسلَه، وتكذيبُهم أنبياءَه، فأخبَر اللهُ تعالى ذكرُه أنه أبعَدَهم منه ومِن رحمتِه بما\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٧٠، ٤/ ١١٠٨ (٨٩٣، ٦٢١٩) عن أبي زرعة عن منجاب به.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وقولا وعملا\".\n(^٥) سقط من: م.","vol":"2","page":231},{"text":"كانوا يفْعَلون مِن ذلك.\nوأصلُ \"اللَّعْنِ\" الطردُ والإبعادُ والإقصاءُ، يقال منه: لعَن فُلانٌ (^١) فلانًا يَلْعَنُه لَعْنًا، وهو ملعونٌ. ثم يُصَرَّفُ \"مفْعولٌ\" [منه إلى \"فَعِيلٍ\"] (^٢)، فيقال: هو لَعِينٌ. ومنه قولُ الشَّمَّاخ (^٣):\nذَعَرْتُ بهِ القَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ … مَقَامَ (^٤) الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللَّعِينِ\nوفي قولِ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾. تكذيبٌ منه للقائلينَ من اليهودِ: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. لأنَّ قولَه: ﴿بَلْ﴾. دلالةٌ على جَحْدِه جل ذكرُه، وإنكارِه ما ادَّعَوْا مِن ذلك، إذ كانت \"بل\" لا تدخُلُ في الكلامِ إلَّا نَقْضًا لمجحودٍ.\nفإذ (^٥) كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ أن معنى الآيةِ: وقالت اليهودُ: قلوبُنا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تدعونا إليه يا محمدُ. فقال اللهُ تعالى ذكرُه: ما ذلك كما زعَموا، ولكنّ اللهَ أقصَى اليهودَ وأبعَدَهم من رحمتِه، وطرَدهم عنها وأخزاهم، بجحودِهم [به وبرسلِه] (^٦) فقليلًا ما يؤمنون.\n\n<span data-type='title' id=toc-339>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ فقال بعضُهم:\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الله\".\n(^٢) سقط من: م، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منه\".\n(^٣) ديوانه ص ٣٢١.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مكان\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فإذا\".\n(^٦) في م: \"له ولرسله\".","vol":"2","page":232},{"text":"معناه: فقليلٌ منهم مَن يُؤْمِنُ. أى: لا يُؤْمِن منهم إلَّا قليلٌ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾: وَلَعَمْرِى، لمَن رجَع مِن أهلِ الشركِ أكثرُ مِمَّن رجَع مِن أهل الكتابِ، إنما آمن مِن أهلِ الكتابِ رهطٌ يسيرٌ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: لا يُؤْمِنُ منهم إلَّا قليلٌ (^١).\nوقال آخَرون: بل معنى ذلك: فلا يؤمنون إلَّا بقليلٍ مِمَّا في أيديهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: لا يُؤْمِنُ منهم إلَّا قليلٌ. قال معمرٌ: وقال غيرُه: لا يؤمِنون إلَّا بقليلٍ ممَّا في أيديهم.\nوأَوْلَى التأويلاتِ في قولِه: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ بالصوابِ ما نحن مُبَيِّنُوهُ (^٢) إن شاء اللهُ، وهو أن اللهَ جل ثناؤه أخبَر أنه لعَن الذين وصَف صفتَهم في هذه الآية، ثم أخبَر عنهم أنهم قليلو الإيمانِ بما أنزَل الله إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، ولذلك\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥١. وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٧١، ٤/ ١١٠٩ (٩٠٠، ٦٢٢٩) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"متقنوه\".","vol":"2","page":233},{"text":"نصَب قولَه: ﴿فَقَلِيلًا﴾ لأنه نعتٌ للمصدرِ المتروكِ ذكرُه، ومعناه: بل لعَنهم اللهُ بكفرِهم، فإيمانًا قليلًا ما يؤمنون. فقد تبيَّن إذن -بما بيَّنَّا- فسادُ القولِ الذى رُوِى عن قتادةَ في ذلك؛ لأن معنى ذلك لو كان على ما رُوِى عنه مِن أنه يعنى به: فلا يُؤْمِنُ منهم إلَّا قليلٌ، أو فقليلٌ منهم مَن يُؤْمِنُ. لكان \"القليلُ\" مرفوعًا لا منصوبًا، لأنه إذا كان ذلك تأويلَه كان \"القليلُ\" حينئذٍ مُرَافِعًا \"ما\"، وإن نُصِب \"القليلُ\" -و\"ما\" في معنى \"مَن\" أو \"الذى\"- بقِيت \"ما\" لا مُرَافِعَ لها، وذلك غيرُ جائزٍ في لغةِ أحدٍ مِن العربِ.\nفأمَّا أهلُ العربيةِ فإنهم اخْتَلَفُوا في معنى ﴿مَا﴾ التى في قولِه: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: هى زائدةٌ لا معنى لها، وإنما تأويلُ الكلامِ: فقليلًا يؤمنون. كما قال جل ثناؤُه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وما أشبهَ ذلك. فزعَم أن \"ما\" في ذلك زائدةٌ، وأن معنى الكلامِ: فبرحمةٍ مِن اللهِ لِنْتَ لهم. وأنشَد مُحْتَجًّا لقولِه ذلك بيتَ مُهَلْهِلٍ (^١):\nلَوْ بِأَبَانَيْنِ (^٢) [جَاءَ يَخْطُبُهَا] (^٣) .... خُضِّبَ (^٤) مَا أَنْفُ خَاطِبٍ بِدَمِ\nوزعَم أنه يعنى: خُضِّب أنفُ خاطبٍ بدمٍ. وأن \"ما\" زائدةٌ.\nوأنكَر آخَرون ما قاله قائلُ هذا القولِ في \"ما\" في الآيةِ، وفى البيتِ الذى أنشَده، وقالوا: إنما ذلك مِن المتكلِّم على ابتداءِ الكلامِ بالخبرِ عن عمومِ جميعِ الأشياءِ؛ إذ كانت \"ما\" كلمةً تَجْمَعُ كلَّ الأشياءِ، ثم تَخُصُّ [بعضَ ما عمَّته \"ما\" بما يُذْكَرُ] (^٥) بعدَها.\n_________\n(^١) شرح المفصل ١/ ٤٦، والكامل ٣/ ٩١.\n(^٢) أبانٌ جَبَلٌ، وهما أبانان: أبان الأسود وأبان الأبيض. قاله المبرد.\n(^٣) في الأصل، ت ١: \"جئت تخطبها\".\n(^٤) في المفصل: \"رُمِّل\"، وفى الكامل: \"ضرج\". وكل ذلك بمعنى.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وتعمُّ ما عمَّته بما تذكره\".","vol":"2","page":234},{"text":"وهذا القولُ عندَنا هو أولَى بالصَّوَابِ؛ لأن زيادةَ ما لا يُفِيدُ مِن الكلامِ معنًى في الكلامِ غيرُ جائزةٍ (^١) إضافتُه إلي اللهِ جل ثناؤه.\nولعل قائلًا أن يقولَ: هل كان للذينَ أخبَرَ اللهُ عنهم أنهم قليلًا ما يؤمنون، مِن الإيمانِ قليلٌ أو كثيرٌ، فيقالَ فيهم: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾؟.\nقيل: إن معنى الإيمانِ هو التصديقُ، وقد كانت اليهودُ التى أخبَرَ اللهُ عنها هذا الخبرَ تُصَدِّقُ بوَحْدَانِيَّةِ اللهِ وبالبعثِ والثوابِ والعقابِ، وتَكْفُرُ بمحمدٍ ﷺ وبنُبُوَّتِه، وكلُّ ذلك كان فرضًا عليهم الإيمانُ به؛ لأنه في كُتُبِهم وممَّا جاءهم به موسى، فصدَّقوا ببعضٍ، [وذلك هو] (^٢) القليلُ مِن إيمانِهم، وكذَّبوا ببعضٍ، وذلك هو الكثيرُ الذى أخبَرَ اللهُ عنهم أنهم يَكْفُرون به.\nوقد قال بعضُهم: إنهم كانوا غيرَ مؤمنين بشيءٍ، وإنما قيل: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾. وهم بالجميعِ كافرون، كما تقولُ العربُ: قلَّما رأيتُ مثلَ هذا قطُّ. [تُريدُ: ما رأيتُ مثلَ هذا قَطُّ] (^٣). ورُوِى عنها سماعًا منها: مرَرْتُ ببلدٍ (^٤) قلَّما يُنْبِتُ إلَّا الكُرَّاثَ والبصلَ. يعنى: ما يُنْبِتُ [شيئًا إلا] (^٥) الكُرَّاثَ والبصلَ. وما أشبهَ ذلك مِن الكلامِ الذى يُنْطَقُ به بوصْفِ الشئِ بالقلَّةِ، والمعنى فيه نفيُ جميعِه.\n\n<span id=\"aya-96\"></span><span data-type='title' id=toc-340>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"جائز\".\n(^٢) في م: \"هو ذلك\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ببلاد\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"غير\".","vol":"2","page":235},{"text":"يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾: ولمَّا جاء اليهودَ مِن بني إسرائيلَ الذين وصَف جلّ ثناؤُه صفتَهم ﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ يعنى بـ \"الكتابِ\" القرآنَ الذى أنزَله على محمدٍ ﷺ ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ يعنى: مصدِّقٌ للذي معَهم مِن الكتبِ التى أنزلها الله مِن قبلِ القرآنِ.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾: وهو القرآنُ الذى أنْزَله على محمدٍ ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [أى: للتوراةِ] (^١) والإنجيلِ (^٢).\nوحدِّثتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾: وهو القرآنُ الذى أُنْزِل على محمدٍ ﷺ مصدِّقٌ لما معَهم مِن التوراةِ والإنجيلِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-341>القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أى: وكان هؤلاءِ اليهودُ -الذين لمَّا جاءهم كتابٌ مِن عندِ اللهِ مصدِّقٌ لما معهم من الكتبِ التى أنزلها اللهُ قبلَ الفُرقانِ، كفَروا به -يَسْتَفْتِحون بمحمدٍ ﷺ- ومعنى الاسْتِفْتاحِ: الاسْتِنْصارُ- ويَسْتَنْصِرون اللهَ به على مُشْرِكى العربِ مِن قبلِ مَبْعَثِه. [وذلك قولُه: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾] (^٤) أى: مِن قبلِ أن يُبْعَثَ.\n_________\n(^١) في م: \"من التوراة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٧١ (٩٠١) من طريق شيبان، عن قتادة.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٧١ عقب الأثر (٩٠١، ٩٠٢) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":236},{"text":"كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ الأنصاريِّ، عن أشياخٍ منهم قالوا: فينا واللهِ وفيهم -يعنى: في الأنصارِ وفي اليهودِ الذين كانوا جيرانَهم- نزَلت هذه القصةُ -يعنى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ - قالوا: كُنَّا قد علَوْناهم دهرًا في الجاهليةِ، ونحن أهلُ شركٍ، وهم أهلُ كتابٍ، فكانوا يقولون: إن نبيًّا [يُبعَثُ الآنَ نتَّبِعُه] (^١) قد أظلَّ (^٢) زمانُه، [نَقْتُلكم معه] (^٣) قتلَ عادٍ وإرمَ، فلمَّا بعَث اللهُ تعالى ذكرُه رسولَه مِن قريشٍ واتَّبَعْناه، كفَروا به، يقولُ اللهُ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ (^٤).\nوحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى آلِ زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، أو سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن يهودَ كانوا يَسْتَفْتِحون على الأوسِ والخزرج برسولِ الله ﷺ قبلَ مَبْعَثِه، فلمَّا بعَثه اللهُ من العربِ، كفَروا به، وجحَدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذُ بنُ جَبَلٍ، وبشرُ بنُ البَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ أخو بنى سلِمةَ: يا معشرَ يهودَ، اتَّقوا اللهَ وأَسْلِموا، فقد كنتم تَسْتَفْتِحون علينا بمحمدٍ ﷺ ونحنُ أهلُ شركٍ، وتُخْبِروننا أنه مبعوثٌ، وتَصِفونه لنا بصفتِه. فقال سلَّامُ بنُ مِشْكَمٍ أخو\n_________\n(^١) في م: \"الآن مبعثه\".\n(^٢) في الأصل: \"أطل\".\n(^٣) في م: \"يقتلكم\".\n(^٤) أخرجه ابن إسحاق في سيرته ص ٦٣ (٦٢)، ومن طريقه البيهقى في الدلائل ٢/ ٧٥، ٤٣٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٧ إلى ابن المنذر. وينظر سيرة ابن هشام ١/ ٥٤١.","vol":"2","page":237},{"text":"بنى النَّضِيرِ: ما جاءنا بشيءٍ نَعْرِفُه، وما هو بالذى كُنَّا نَذْكُرُ لكم. فأنزَل اللهُ في ذلك مِن قولِهم: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (^١).\nوحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى آلِ (^٢) زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جُبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (١).\nوحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقولُ: يَسْتَنْصِرون بخُرُوجِ محمدٍ ﷺ على مشركى العربِ. يعنى بذلك أهلَ الكتابِ، فلمَّا بعَث اللهُ محمدًا ﷺ ورَأَوْه مِن غيرِهم كفَروا به وحسَدُوه (^٣).\nوحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن عليٍّ الأَزْدَىِّ في قولِ الله ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: اليهودُ، كانوا يقولون: اللهمَّ ابعثْ لنا هذا النبيَّ يَحْكُمْ بينَنا وبينَ الناسِ. ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾: يَسْتَنْصِرون به على الناسِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٧٢ (٩٠٥)، وأبو نعيم في الدلائل (٤٣) من طريق ابن إسحاق به.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٨ إلى المصنف.\n(^٤) تفسير مجاهد (ص ٢٠٩)، ومن طريقه البيهقى في الدلائل ٢/ ٧٦.","vol":"2","page":238},{"text":"وحدَّثنى المُثَنَّى قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن عليٍّ الأَزْدِىِّ -وهو البارِقيُّ- في قولِ اللهِ: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾. فذكَر مثلَه سواءً.\nوحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: كانت اليهودُ تَسْتَفْتِحُ بمحمدٍ ﷺ على كفَّارِ العربِ مِن قبلُ، وقالوا: اللهمَّ ابعثْ هذا النبيَّ الذى نَجِدُه مكتوبًا في التوراةِ يُعَذِّبْهم ويَقْتُلْهم. فلمَّا بعَث اللهُ نبيَّه محمدًا ﷺ فرأَوْا أنه بُعِث مِن غيرِهم، كفَروا به، حَسَدًا للعربِ، وهم يعلَمون أنه رسولٌ، يَجِدُونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (^١).\n[وحدّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال: كانوا يقولون: إنه سيأتى نبيٌّ. فلما جاءهم ما عرَفوا كفَروا بهِ] (^٢).\nوحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: كانت اليهودُ تَسْتَنْصِرُ بمحمدٍ ﷺ على مُشْرِكى العربِ، يقولون: اللهمَّ ابعثْ هذا النبيَّ الذى نَجِدُه مكتوبًا عندَنا حتى يُعَذِّبَ المشركين ويَقْتُلَهم، فلمَّا بعَث اللهُ محمدًا ﷺ ورَأَوْا أنه مِن غيرِهم كفَروا به، حسدًا للعربِ، وهم يعلمون أنه رسولُ اللهِ، فقال اللهُ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى نعيم.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٢، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٧١ (٩٠٤) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"2","page":239},{"text":"الْكَافِرِينَ﴾ (^١).\nوحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمْرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ قال: كانتِ العربُ تَمُرُّ باليهودِ فيُؤْذُونهم، وكانوا يَجِدون محمدًا ﷺ في التوراةِ، فيَسألون (^٢) اللهَ أن يبعثَه فيُقاتِلوا معه العربَ، فلما جاءَهم محمدٌ كفَروا به حين لم يكنْ مِن بنى إسرائيلَ (^٣).\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولُه: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؟ قال: كانوا يَسْتَفْتِحون على كفارِ العربِ بخروجِ النبيِّ ﷺ ويَرْجُون أن يكونَ منهم، فلما خرَج ورأَوْه ليس منهم كفَروا، وقد عَرَفوا أنه الحقُّ وأنه نبىُّ اللهِ ﷺ، قال اللهُ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.\n[قال ابنُ جريجٍ: وقال مجاهدٌ] (^٤): يَسْتَفتِحون بمحمدٍ، تقولُ: إنه يخرجُ. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ وكان من غيرِهم ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٧٢ (٩٠٦) من طريق آدم به.\n(^٢) في م: \"ويسألون\".\n(^٣) أخرجه البيهقى في الدلائل ٢/ ٥٣٦ من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدى، بإسناده المعروف.\n(^٤) فى م، ت ٢، ت ٣: \"قال حدثنا ابن جريج وقال مجاهد\"، وفى ت ١: \"قال حدثنا ابن جريج قال حدثنا مجاهد\".\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسير ١/ ١٧٢ (٩٠٧) من طريق حجاج عن ابن جريج، عن مجاهد نحوه.","vol":"2","page":240},{"text":"وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: وقال ابنُ عباسٍ: كانوا يَسْتَفْتِحون على كفارِ العربِ.\nوحدَّثنى المثنى، قال: حدثنى الحِمّانيُّ (^١)، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن أبي الجَحَّافِ (^٢)، عن مُسلمٍ البَطِينِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قولَه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ قال: هم اليهودُ، عَرَفوا محمدًا أنه نبىٌّ وكفَروا به (^٣).\nوحُدِّثت عن المنجابِ، قال: حدثنا بشرٌ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال: كانوا يَسْتَظْهِرون، يقولون: نحن نُعِينُ محمدًا عليهم (^٤). وليسوا كذلك، يَكْذِبون (^٥).\nوحدثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: سألتُ ابنَ زيدٍ عن قولِه: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾. قال: كانت يهودُ يَسْتَفْتِحون على كفارِ العربِ، يقولون: أما واللهِ لو قد جاء النبيُّ الذى بَشَّر به موسى وعيسى؛ أحمدُ، لكَان لنا عليكم. وكانوا يَظُنون أنه منهم، [وكانوا بالمدينةِ] (^٦) والعربُ حولَهم، وكانوا يَسْتَفتِحون عليهم به ويَسْتَنْصِرون به، فلما [كان مِن غيرِهم أَبَوْا أن يُؤمِنوا] (^٧) به وحَسَدوه. وقرأ قولَ\n_________\n(^١) فى الأصل: \"الجمانى\".\n(^٢) في النسخ: \"الحجاف\" وهو داود بن أبى عوف، أبو الجحاف الكوفى. ترجمته في تهذيب الكمال ٨/ ٤٣٤.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) في الأصل: \"عليكم\".\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٧١ (٩٠٣) عن أبى زرعة، عن منجاب به.\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جاءهم ما عرفوا كفروا\".","vol":"2","page":241},{"text":"اللهِ: ﴿كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] قال: قد تَبَيَّنَ لهم أنه رسولُ اللهِ، فمِن هنالك نَفَع اللهُ الأوسَ والخزرجَ بما كانوا يَسْمَعون منهم أن نبيًّا خارجٌ.\nفإن قال لنا قائلٌ: فأين جوابُ قولِه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾؟ قيل: قد اختلف أهلُ العربيةِ في جوابِه؛ فقال بعضُهم: هو مما تُرِك جوابُه استغناءً بمعرفةِ المخاطَبين به بمعناه وبما قد ذُكِر من أمثالِه في سائرِ القرآنِ، وقد تفعَلُ العربُ ذلك إذا طال الكلامُ، فتأتى بأشياءَ لها أجوبةٌ فتَحْذِفُ أجوبتَها لاستغناءِ سامعيها بمعرفتِهم بمعناها عن ذكرِ الأجوبةِ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١]. فترَك جوابَه. والمعنى: ولو أن قرآنًا سوى هذا القرآنِ سُيِّرَتْ به الجبالُ لَسُيِّرَتْ بهذا القرآنِ. [فترَك قولَه: لسُيِّرَتْ بهذا القرآنِ] (^١). استغناءً بعلمِ السامعين بمعناه. قالوا: فكذلك قولُه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾.\nوقال آخرون: جوابُ قولِه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾. في \"الفاءِ\" التى في قولِه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾. وجوابُ الجزاءَيْن في ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾. كقولِك: لما قُمْتَ فلما جِئْتَنا أحسَنْتَ. بمعنى: لما جِئْتَنا إذ قُمْتَ أحسنْتَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-342>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾.</span>\nقد دلَّلْنا على معنى \"اللعنةِ\" وعلى معني \"الكفرِ\" فيما مضَى بما فيه الكفايةُ (^٢).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ينظر معنى \"اللعنة\" في ص ٢٣١، وتقدم معنى الكفر في ١/ ٢٦٢.","vol":"2","page":242},{"text":"فمعنى الآيةِ: فخِزْىُ اللهِ وإبعادُه على الجاحدِين ما قد عَرَفوا من الحقِّ عليهم للهِ ولأنبيائِه، المنكِرين ما قد ثَبَت عندهم صحَّتُه من نبوةِ محمدٍ ﷺ، وفى إخبارِ اللهِ ﷿ عن اليهودِ بما أخبَر عنهم بقولِه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾: البيانُ الواضحُ أنهم تَعَمَّدوا الكفرَ بمحمدٍ ﷺ بعد قيامِ الحجةِ بنبوتِه عليهم وقَطْعِ اللهِ عُذْرَهم بأنه رسولُه إليهم.\n\n<span id=\"aya-97\"></span><span data-type='title' id=toc-343>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًا﴾.</span>\nومعنى قولِه جل ثناؤه: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾: ساء ما اشْتَرَوْا به أنفسَهم.\nوأصلُ \"بِئْس\" \"بَئِسَ\" من البُؤْسِ، سُكِّنَتْ همزتُها ثم نُقِلت حركتُها إلى الباءِ، كما قيل في: ظَلِلْتُ: ظِلْتُ. وكما قيل للكَبِدِ: كِبْدٌ. فنُقِلَتْ حركةُ الباءِ إلى الكافِ لما سُكِّنتِ الباءُ. وقد يَحْتَمِلُ أن تكونَ \"بِئْسَ\" -وإن كان أصلُها \"بَئِسَ\"- من لغةِ الذين ينقُلُون حركةَ العينِ من \"فَعِل\" إلى الفاءِ، إذا كانت عينُ الفعلِ أحدَ حروفِ الحلقِ الستةِ، كما قالوا من: لَعِبَ، لِعْبَ. ومن: سَئم، سِئْمَ. وذلك فيما يقالُ لغةٌ فاشِيَةٌ في تميمٍ، ثم جُعِلَتْ دَلالةً (^١) على الذمِّ والتوبيخِ ووُصِلَتْ بـ \"ما\".\nثم اختلَف أهلُ العربيةِ في معنى \"ما\" التى مع ﴿بِئْسَمَا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: هى وحدَها - اسمٌ، و﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ تفسيرٌ له، نحوَ: نِعْمَ رجلًا زيدٌ. و﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ﴾ بدلٌ مِن ﴿أَنْزَلَ اللهُ﴾.\n_________\n(^١) في م: \"دالة\".","vol":"2","page":243},{"text":"وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: معنى ذلك: بئس الشئُ اشتَرَوْا به أنفسَهم أن يَكْفُروا، فـ \"ما\" اسمُ \"بِئْسَ\"، و﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ الاسمُ الثانى. وزعَم أنَّ قولَه (^١): ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ (^٢) إن شِئْتَ جعلْتَ: ﴿أَنْ﴾ في موضِعِ رفعٍ، وإن شِئْتَ في موضعِ خفضٍ؛ أما الرفعُ: فبِئْسَ الشئُ هذا أن يَفْعلوا. وأما الخفضُ: فبِئْسَ الشئُ اشتَرَوْا به أنفسَهم بأن (^٣) يَكْفُروا بما أنزَل اللهُ بَغْيًا. قال: وقولُه: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٨٠] كمثلِ ذلك. قال (^٤): والعربُ تَجْعَلُ \"ما\" وحدَها في هذا البابِ بمنزلةِ الاسمِ التامِّ، كقولِه: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]. وبئسما أنت. واسْتَشْهد لقولِه ذلك برَجَزٍ لبعضِ (^٥) الرُّجّازِ (^٦):\nلا تَعْجَلا في السَّيْرِ وادْلُواها (^٧)\nلَبِئْسما بُطْءٌ ولا نَرْعاها (^٨)\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في النسخ: \"ينزل الله من فضله\"، والمثبت من معانى القرآن للفراء ١/ ٥٦، وينظر تفسير القرطبى ٢/ ٢٨.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أن\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في م: \"بعض\".\n(^٦) هو زفر بن الخيار المحاربى، والرجز في التكملة والذيل والصلة، واللسان، والتاج (ن ب ل)، واللسان (د ل و) باختلاف عما هنا.\n(^٧) دلوت الناقة والإبل دلوا: سقتها سوقا رفيقا رويدا.\n(^٨) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"انزعاها\"، وفى الموضع الأول من اللسان والتاج: \"ترعاها\".","vol":"2","page":244},{"text":"والعربُ تقولُ: لبِئْسَما تزويجٌ ولا مَهْرٌ. فيَجْعَلون \"ما\" وحدَها اسمًا بغيرِ صلةٍ.\nقال أبو جعفرٍ: وقائلُ هذه المقالةِ لا يُجيزُ أن يكونَ الذى يَلِى \"بئْسَ\" معرفةً مُوَقَّتةً، وخبرُه معرفةً موقتةً. قد زعَم أن \"بئسما\" بمعنى (^١): بِئْسَ الشئُ اشتَرَوْا به أنفسَهم. فقد صارتْ \"ما\" بصِفتِها اسمًا موقَّتًا؛ لأنَّ \"اشتَرَوْا\" فعلٌ ماضٍ من صلةِ \"ما\"، في قولِ قائلِ هذه المقالةِ، وإذا وُصِلَتْ بماضٍ من الفعلِ كانت معرفةً موقَّتةً معلومةً، فيصيرُ تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: بئس شراؤُهم كفرُهم. وذلك عنده غيرُ جائزٍ، فقد تبيَّنَ فسادُ هذا القولِ.\nوكان آخرُ منهم (^٢) يزعُمُ أنَّ ﴿أَن﴾ في موضعِ خفضٍ إن شِئْتَ، ورفعٍ إن شِئْتَ. فأما الخفضُ فأن تَرُدَّه على الهاءِ التى في ﴿بِهِ﴾. على التكريرِ على كلامَيْن، كأنك قُلْتَ: اشتَرَوْا أنفسَهم بالكفرِ. وأما الرفعُ فأن يكونَ مُكَرَّرًا (^٣) على موضعِ \"ما\" التى تَلِى \"بِئْسَ\". قال: ولا يجوزُ أن يكونَ رفعًا على قولِك: بئْس الرجلُ عبدُ اللهِ.\nوقال بعضُهم: ﴿بِئْسَمَا﴾ شيءٌ واحدٌ [يُعْرَبُ بما] (^٤) بعدَه، كما حُكِى عن العربِ: بئسما تَزويجٌ ولا مَهْرٌ. فرفَع \"تَزويجٌ\" بـ \"بئسما\"، كما يقالُ: بئسما زيدٌ. ونعمّا (^٥) عمرٌو. فيكونُ \"بئسما\" رفعًا بما عادَ عليها من الهاءِ، كأنك\n_________\n(^١) فى م: \"بمنزلة\".\n(^٢) هو الفراء في معانى القرآن ١/ ٥٦.\n(^٣) في معانى القرآن: \"مكرورا\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يعرف ما\".\n(^٥) في م، ت ١، ت، ٢، ت ٣: \"بئسما\".","vol":"2","page":245},{"text":"قُلْتَ: [شيءٌ بِئْس] (^١) الشئُ اشتَرَوْا به أنفسَهم. وتكونُ \"أنْ\" مترجِمةً (^٢) عن \"بئسما\".\nوأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ من جعَل: ﴿بِئْسَمَا﴾ مرفوعًا بالراجعِ من الهاءِ في قولِه: ﴿اشْتَرَوْا بِهِ﴾ كما رَفَعوا ذلك بـ \"عبدِ اللهِ\"، إذ قالوا: بئسما عبدُ اللهِ. وجَعَل ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ مترجِمةً عن ﴿بِئْسَمَا﴾. فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: بئس الشئُ باع اليهودُ به أنفسَهم كفرُهم بما أنزَلَ اللهُ بغيًا وحسدًا أن يُنَزِّلَ اللهُ من فضلِه. وتكونُ ﴿أَنْ﴾ التى في قولِه: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ﴾. في موضعِ نصبٍ؛ لأنه يَعْنِى به: أن يَكْفُروا بما أنزَل اللهُ من أجلِ أن يُنَزِّلَ اللهُ من فضلِه على مَن يشاءُ من عبادِه. وموضعُ ﴿أَنْ﴾ جَزاءٌ (^٣). وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من الكوفيِّين (^٤) يزعُمُ أنَّ ﴿أَنْ﴾ في موضِعِ خفضٍ بنيةِ الباءِ. وإنما اختَرْنا (^٥) فيها النصبَ لتمامِ الخبرِ قبلَها، ولا خافضَ معها يَخْفِضُها، والحرفُ الخافضُ لا يُخفَضُ به مُضْمَرًا.\nوأما قولُه: ﴿اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ فإنه يَعْنِى به: باعُوا به أنفسَهم. كما حدثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾. يقولُ: باعُوا به (^٦) أنفسَهم ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بئس شيء\".\n(^٢) الترجمة هى تسمية الكوفيين لما يسميه البصريون عطف البيان. همع الهوامع ١/ ١٢١.\n(^٣) في م: \"جر\". وينظر معانى القرآن ١/ ٥٨.\n(^٤) هو الكسائى. ينظر معانى القرآن الموضع السابق.\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أجزنا\".\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٧٢، ١٩٥ (٩٠٨، ١٠٣٠) من طريق عمرو به.","vol":"2","page":246},{"text":"وحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (^١)، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾: يهودُ، شَرَوُا الحقَّ بالباطلِ، وكتمانَ ما جاء به محمدٌ ﷺ بأن يُبَيِّنوه (^٢).\nوالعربُ تقولُ: [شَرَيْتُ الشئَ] (^٣). بمعنى: بِعْتُه. و﴿اشْتَرَوْا﴾ في هذا الموضِعِ \" افتَعلوا\" مِن \"شَرَيت\". وأكثرُ (^٤) كلامِ العربِ -فيما بلَغنا- أن يقولوا: شَرَيتُ. بمعنى: بِعْتُ، و: اشْتَريتُ. بمعنى: ابْتَعتُ. وقِيلَ: إنما سُمِّىَ الشارى (^٥) شاريًا؛ لأنه باع نفسَه ودنياه بآخرتِه. ومن ذلك قولُ يزيدَ بنِ مُفرِّغٍ الحِمْيرىِّ (^٦):\nوشَرَيْتُ بُرْدًا ليتنى … من قبلِ (^٧) بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ (^٨)\nومنه قولُ المُسيَّبِ بنِ عَلَسٍ (^٩):\nيُعْطَى بِها ثَمَنًا فَيَمْنَعُها … ويقولُ صاحِبُها (^١٠) ألا تَشْرِى (^١١)\nيعنى به: بِعْتُ بُرْدًا. وربما اسْتُعْمِلَ \"اشْتَريتُ\" [فى معنى] (^١٢): بِعْتُ،\n_________\n(^١) في م: \"الحسن\".\n(^٢) في م: \"بينوه\".\nوالأثر أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٧٢ (٩٠٩) من طريق حجاج به.\n(^٣) في م: \"شريته\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) الشارى واحد الشراة: وهم الخوارج. التاج (ش ر ى).\n(^٦) طبقات فحول الشعراء ٢/ ٦٨٩، وأمالى الزجاجى ص ٤٢، والأضداد ص ٧٣.\n(^٧) في مصادر التخريج: \"بعد\".\n(^٨) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كهامة\". يقال: هذا هامة اليوم أو غد. أى يموت اليوم أو غدا. اللسان (هـ وم).\n(^٩) الأضداد ص ٧٤، وهو في الخزانة ٣/ ٢٣٧ ضمن أبيات للأعشى.\n(^١٠) كذا في النسخ، وفى مصدرى التخريج: \"صاحبه\"، وهو الصواب، راجع الخزانة.\n(^١١) في ت ٢، ت ٣: \"تشترى\".\n(^١٢) في م: \"بمعنى\".","vol":"2","page":247},{"text":"و\"شَرَيتُ\" في معنى: ابْتَعتُ. والكلامُ المُسْتَفيضُ (^١) هو ما وصَفتُ.\nوأما معنى قولِه: ﴿بَغْيًا﴾ فإنه يعنى به: تعدِّيًا وحسدًا.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قأل: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَغْيًا﴾. قال: أى حسدًا، وهم اليهودُ (^٢).\nوحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿بَغْيًا﴾. قال: بَغَوْا على محمدٍ ﷺ وحسَدوه، وقالوا: إنما كانت الرسلُ مِن بنى إسرائيلَ، فما بالُ هذا مِن بنى إسماعيلَ؟ فحسَدوه أن يُنَزِّلَ اللهُ من فضلِه على مَن يشاءُ مِن عبادِه.\nوحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿بَغْيًا﴾ يعنى: حسدًا ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وهم اليهودُ، كفروا بما أُنْزِل على محمدٍ ﷺ (^٣).\nوحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.\nفمعنى الآيةِ: بئس الشئُ باعوا به أنفسَهم، الكفرُ بالذي أنْزَله اللهُ في كتابِه على موسى، مِن نبوَّةِ محمدٍ ﷺ والأمرِ بتصديقِه واتباعِه، من أجلِ أن أنْزَل اللهُ مِن فضلِه -وفضلُه حكمتُه وآياتُه ونبوَّتُه- ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ يعنى به: على محمدٍ ﷺ، بغيًا وحسدًا لمحمدٍ ﷺ مِن أجل أنه كان مِن ولدِ إسماعيلَ، ولم يكنْ مِن بنى إسرائيلَ.\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيهم\".\n(^٢) عزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ٨٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٧٣ (٩١٠، ٩١١) من طريق آدم به.","vol":"2","page":248},{"text":"فإن قال قائلٌ: وكيف باعت اليهودُ أنفسَها بالكفرِ، فقِيل: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾. وهل يُشْتَرى بالكفرِ شيءٌ؟\nقيل: إن معنى الشراءِ والبيعِ عندَ العربِ هو إزالةُ مالكٍ مِلْكَه إلى غيرِه بعِوَضٍ يَعْتَاضُه منه، ثم تَسْتَعملُ العربُ، ذلك فى كلِّ مُعْتاضٍ مِن عملِه عِوَضًا، شرًّا أو خيرًا، فتقولُ: نِعْمَ ما باع به فلانٌ نفسَه، وبئس ما باع به فلانٌ نفسَه. بمعنى: نِعْمَ الكَسْبُ أكْسَبها، وبئس الكَسْبُ أكْسَبها. إذا أوْرَثها بسَعْيِه عليها خيرًا أو شرًّا. فكذلك معنى قولِه جل ثناؤه: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾. لمّا أوْبقوا أنفسَهم بكفرِهم بمحمدٍ ﷺ فأهْلَكوها، خاطَبهم اللهُ والعربَ بالذى يَعْرِفونه في كلامِهم، فقال: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يعنى بذلك: بئس ما أكْسَبوا أنفسَهم بسعيِهم، وبئس العِوَض اعْتَاضُوا مِن كفرِهم باللهِ في تكذيبِهم محمدًا؛ إذ كانوا قد رَضُوا عِوضًا مِن ثوابِ اللهِ وما أعدَّ لهم -لو كانوا آمَنُوا باللهِ وما أنْزَل على أنبيائِه- بالنارِ وما أعدَّ لهم بكفرِهم بذلك.\nوهذه الآيةُ -وما أخْبَر اللهُ فيها عن حسدِ اليهودِ محمدًا ﷺ وقومَه مِن العربِ، مِن أجلِ أن اللهَ جعَل النبوةَ والحِكمةَ فيهم دونَ اليهودِ مِن بنى إسرائيلَ، حتى دعَاهم ذلك إلى الكفرِ به مع علمِهم بصدقِه، وأنه للهِ نبىٌّ مبعوثٌ ورسولٌ مُرْسَلٌ- نَظِيرةُ الآيةِ الأُخْرى فى سورةِ النساءِ، وذلك قولُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٤].","vol":"2","page":249},{"text":"<span data-type='title' id=toc-344>القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.</span>\nقد ذَكَرْنا تأويلَ ذلك وبَينَّا معناه، ولكنا نذكرُ الرِّوايةَ بتَصْحيحِ ما قلنا فيه:\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ الأنْصارىِّ، عن أشْياخٍ منهم قولَه: ﴿بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. أى: أن اللهَ تعالى جعلَه في غيرِهم (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: هم اليهودُ، لما بعَث اللهُ نبيَّه محمدًا ﷺ فرأَوا أنه بُعِث من غيرِهم، كفَروا به حسدًا للعربِ، وهم يَعْلمون أنه رسولُ اللهِ ﷺ، يَجِدونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ (^٢).\nوحدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ مثلَه.\nوحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.\nوحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ، قال: قالوا: إنما كانت الرسلُ مِن بنى إسرائيلَ، فما بالُ هذا مِن بنى إسماعيلَ؟\nوحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن علىٍّ الأَزْدَىِّ، قال: نزَلت في اليهودِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-345>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾.</span>\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢٣٦.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٢٣٨.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٢٣٧.","vol":"2","page":250},{"text":"يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾: فرجَعت اليهودُ من بنى إسرائيلَ -بعدَ الذى كانوا عليه مِن الاسْتِنصارِ بمحمدٍ ﷺ والاستفتاحِ به، وبعدَ الذى كانوا يُخْبِرون (^١) الناسَ مِن قبلِ مَبْعثِه أنه نبىٌّ مَبْعوثٌ- مُرْتَدين على أعقابِهم حين بعَثه اللهُ نبيًّا مرسلًا، [وانصرَفَت] (^٢) بغضبٍ من اللهِ، اسْتَحقوه منه بكفرِهم بمحمدٍ حينَ بعَثه (^٣)، وجُحودِهم بنبوَّتِه، وإنكارِهم إياه أن يكونَ هو الذى يَجِدون صفتَه فى كتابِهم، عِنادًا منهم له، وبغيًا وحسدًا له وللعربِ، عَلى غَضَبٍ سالفٍ كان مِن اللهِ عليهم قبلَ ذلك، سابقٍ غضبَه الثانىَ؛ لكفرِهم (^٤) كان قبلَ ذلك، بعيسى ابنِ مريمَ، أو لعبادتِهم العجلَ، أو لغيرِ ذلك مِن ذنوبٍ كانت لهم سَلَفت، اسْتحقُّوا (^٥) بها الغضبَ مِن اللهِ.\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ -فيما [يرَى أبو جعفرٍ الطبرىُّ] (^٦) - عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾: فالغضبُ على الغضبِ، غضبُه عليهم فيما كانوا ضَيَّعوا مِن التوراةِ وهى معهم، وغضبٌ بكفرِهم بهذا النبىِّ الذى أحْدَث اللهُ إليهم (^٧).\nوحدَّثنا ابنُ بشارٍ (^٨)، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ،\n_________\n(^١) بعده فى م: \"به\".\n(^٢) فى م: \"فباءوا\".\n(^٣) فى م: \"بعث\".\n(^٤) بعده فى م: \"الذى\".\n(^٥) فى م: \"يستحقون\".\n(^٦) فى م: \"أروى\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أرى\".\n(^٧) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٧٣ (٩١٥) من طريق سلمة به.\n(^٨) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يسار\".","vol":"2","page":251},{"text":"عن أبى بكرٍ (^١)، عن عكرمةَ: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾. قال: كُفْرٌ بعيسى وكفرٌ بمحمدٍ صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم.\nوحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى بكرٍ (^١)، عن عكرمةَ: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾. قال: كفرُهم بعيسى ومحمدٍ ﷺ.\nوحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا الثورىُّ، عن أبى بكرٍ (^١)، عن عكرمةَ مثلَه (^٢).\nوحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبىِّ، قال: الناسُ يومَ القيامةِ على أربعةِ مَنازلَ: رجلٌ كان مؤمنًا بعيسى فآمَن بمحمدٍ ﷺ، فله أجْران، ورجلٌ كان كافرًا بعيسى فآمَن بمحمدٍ صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم، فله أجرٌ، ورجلٌ كان كافرًا بعيسى فكَفَر بمحمدٍ ﷺ، فباءَ بغضبٍ على غضبٍ، ورجلٌ كان كافرًا بعيسى مِن مُشرِكى العربِ، فمات بكُفرِه قبلَ محمدٍ ﷺ، فباءَ بغضبٍ.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾: غَضِب اللهُ عليهم بكفرِهم بالإنجيلِ وبعيسى صلى الله عليه، وغَضِب عليهم بكفرِهم بالقرآنِ وبمحمدٍ ﷺ (^٣).\nوحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) فى الأصل، م، ت ١: \"بكير\". وينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ١٥٩.\n(^٢) فى الأصل: \"نحوه\".\nوالأثر فى تفسير عبد الرزاق ١/ ٥١. وأبو بكر هو الهذلى، ضعيف.\n(^٣) ذكره البغوى فى تفسيره ١/ ١٢١ عن قتادة، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٨٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"2","page":252},{"text":"مجاهدٍ: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾: اليهودُ، غضَبٌ (^١) بما كان مِن تبديلِهم التوراةَ قبلَ خروج النبيِّ ﷺ، ﴿عَلَى غَضَبٍ﴾ جُحودُهم النبيَّ ﷺ وكفرُهم بما جاء به (^٢).\nوحدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ يقولُ: غَضِب اللهُ عليهم بكفرِهم بالإنجيلِ وعيسى، ثم غضِب (^٣) عليهم بكفرِهم بمحمدٍ ﷺ وبالقرآنِ (^٤).\nوحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾: أما الغضبُ الأولُ، فهو حين غَضِب اللهُ عليهم فى العجلِ، وأما الغضبُ الثانى، فغَضِب عليهم حين كفَروا بمحمدٍ ﷺ (^٥).\nوحدَّثنى القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن (^٦) عطاءٍ وعبيدِ بنِ عميرٍ فى قولِه: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾. قال: غَضِب اللهُ عليهم فيما كانوا فيه مِن قبلِ خروجِ النبىِّ ﷺ من تبديلِهم وكفرِهم، ثم غَضِب عليهم فى محمدٍ ﷺ إذ خرَج فكَفَروا به.\nوقد بيّنّا معنى الغضَبِ من اللهِ على مَن غَضِب (^٧) من خلقِه، واختلافَ المختلِفِين فى صفتِه فيما مضَى من كتابِنا هذا بما أغْنَى عن إعادتِه (^٨).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ذكره البغوى فى تفسيره ١/ ١٢١ عن مجاهد.\n(^٣) فى م: \"غضبه\".\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٧٣ (٩١٤) من طريق آدم به.\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٧٤ (٩١٧) عن أبى زرعة، عن عمرو به.\n(^٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٧) بعده فى م: \"عليه\".\n(^٨) ينظر ما تقدم فى ١/ ١٨٩، ١٩٠.","vol":"2","page":253},{"text":"<span data-type='title' id=toc-346>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾.</span>\nيعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: وللجاحدِين نبوّةَ محمدٍ ﷺ من الناسِ كلِّهم عذابٌ من اللهِ، إمَّا في الآخرةِ وإمّا في الدنيا والآخرةِ، ﴿مُهِينٌ﴾: وهو المُذِلُّ صاحبَه المُخْزِى، المُلْبِسُه هوانًا وذِلّةً.\nفإن قال قائلٌ: وأيُّ عذابٍ هو غيرُ مُهِينٍ صاحبَه، فيكونَ للكافرين المُهِينُ منه؟\nقيل: إن المُهِينَ هو الذى قد بَيّنّا أنه المُورِثُ صاحبَه ذِلَّةً وهوانًا، الذى يَخْلُدُ فيه صاحبُه فلا ينتقلُ من هوانِه إلى عزٍّ وكرامةٍ أبدًا، وهو الذى خصَّ اللهُ به أهلَ الكفرِ به وبرسلِه، وأما الذى هو غيرُ مُهِينٍ لصاحبِه، فهو ما كان تمحيصًا لصاحبِه، وذلك (^١) كالسارقِ من أهلِ الإسلامِ، يَسْرِقُ ما يجِبُ عليه به القطعُ فتُقْطَعُ يدُه، والزانى منهم يَزْنِى فيقامُ عليه الحدُّ، وما أشبهَ ذلك من العذابِ والنَّكالِ الذى جعَله اللهُ كفاراتٍ للذنوبِ التى عَذَّبَ بها أهلَها، وكأهلِ الكبائر (^٢) من أهلِ الإسلامِ الذين يُعَذَّبُون في الآخرةِ بمقاديرِ أجرامِهم التى ارتكَبُوها ليُمَحَّصُوا من ذنوبهم، ثم يَدخُلون الجنةَ، فإن كلَّ ذلك وإن كان عذابًا، فغيرُ مُهِينٍ مَن عُذِّبَ به، إذ كان تعذيبُ اللهِ له (^٣) به ليُمَحِّصَه به (^٤) من آثامِه، ثم يُورِدُه مَعْدِنَ العزِّ والكرامةِ، ويُخَلِّدُه في نعيمِ الجِنانِ.\n\n<span id=\"aya-98\"></span><span data-type='title' id=toc-347>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾.</span>\nيَعْنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾: وإذا قيل لليهودِ من بني إسرائيلَ،\n_________\n(^١) بعده في م: ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هو\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الكتاب\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إياه\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":254},{"text":"الذين كانوا بين ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿آمِنُوا﴾ أي: صَدِّقُوا ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ يَعْنِى بقولِه: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ من القرآنِ على محمدٍ ﷺ ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ﴾ أي: نُصَدِّقُ ﴿بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ يعنى: بالتوراةِ التى أنزلَها اللهُ على موسى.\n\n<span data-type='title' id=toc-348>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَيَكْفُرُونَ﴾: ويَجْحَدُون، ﴿بِمَا وَرَاءَهُ﴾ يَعْنِى: بما وراءَ التوراةِ.\nوتأويلُ \"وراء\" في هذا الموضعِ: \"سوى\"، كما يقالُ للرجلِ يتكلَّمُ (^١) بالحَسَنِ: ما وراءَ هذا الكلامِ شيءٌ. يُرادُ به: ليس عندَ المتكلمِ به شيءٌ سِوَى ذلك الكلامِ. فكذلك معنى قولِه: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ أي: بما سوى التوراةِ وبما بعدَه من كتبِ اللهِ التى أنزلَهَا إلى رسلِه.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ يقولُ: بما بعده (^٢).\nوحدثنا المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ أي: بما بعدَه، يَعْنى: بما بعدَ التوراةِ (^٣).\nحدثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ يقولُ: بما بعده (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-349>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"المتكلم\".\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٧٤ عقب الأثر (٩٢١) معلقًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٧٤ (٩٢١) من طريق آدم به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٧٤ عقب الأثر (٩٢١) من طريق ابن أبى جعفر به.","vol":"2","page":255},{"text":"يَعْنِى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ أي: وما وراء الكتابِ الذى أُنْزِل عليهم، من الكتب التى أنزلها اللهُ إلى أنبيائِه، الحقُّ. وإنما يَعْنى بذلك تعالى ذكرُه القرآنَ الذى أنزَلَه إلى محمدٍ ﷺ.\nكما حدثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾: وهو القرآنُ، يقولُ اللهُ جل ثناؤُه: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ (^١).\nوإنما قال تعالى ذكرُه: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾. لأنَّ كتبَ اللهِ يُصَدِّق بعضُها بعضًا، ففى الإنجيلِ والقرآنِ من الأمرِ باتباعِ محمدٍ ﷺ، والإيمانِ به وبما جاء به، مثلُ الذى من ذلك في توراةِ موسى ﵇، فلذلك قال جل ثناؤُه لليهودِ -إذ أخْبرَهم عما وراءَ كتابِهم الذى أنزَلَه على موسى، من الكتبِ التى أنزَلَها إلى أنبيائِه- أنه الحَقُّ مُصدِّقًا للكتابِ الذى معهم. يَعْنى أنه له مُوافِقٌ فيما اليهودُ به مُكَذِّبون (^٢). وذلك خَبَرٌ من اللهِ جل ثناؤُه أنهم من التَّكْذِيبِ بالتوراةِ على مثلِ الذى هم عليه من التكذيبِ بالإنجيلِ والفرقانِ، عنادًا للهِ، وخلافًا لأمرِه، وبَغْيًا على رسلِه صلواتُ اللهِ عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-350>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾.</span>\nيَعْنِى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ﴾: قلْ يا محمدُ ليهودِ بني إسرائيلَ الذين إذا قُلْتَ لهم: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ قالوا لك: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٧٤ (٩٢٢) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به.\n(^٢) بعده في م: \"قال\".","vol":"2","page":256},{"text":"أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ -: لم تَقْتُلون -إن كنتم يا معشرَ اليهودِ مؤمنين بما أنزلَ اللهُ عليكم- أنبياءَه، وقد حَرَّم اللهُ في الكتابِ الذى أنزلَ عليكم قَتْلَهم، بل أمَركم فيه باتباعِهم وطاعتِهم وتصديقِهم. وذلك من اللهِ جل ثناؤُه تكذيبٌ لهم في قولِهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ وتَعْيِيرٌ لهم.\nكما حدثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: قال اللهُ تعالى ذكرُه وهو يُعَيِّرُهم، يعنى اليهودَ: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^١).\nفإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل (^٢): ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾ فابتدأ الخبرَ على لفظِ المستقبلِ، ثم أخبَر أنه قد مضَى؟\nقيل: إن أهلَ العربيةِ مُختلِفون في تأويلِ ذلك، فقال بعضُ البصريِّين: معنى ذلك: فلم قَتَلْتم أنبياءَ اللهِ من قبلُ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: ما تَلَتْ. وكما قال الشاعرُ (^٣):\nولقد أمُرُّ على اللئِيمِ يسُبُّنى … فمَضَيْتُ عنه وقلتُ لا يَعْنِينى\nيريدُ بقولِه: ولقد أمُرُّ: ولقد مَرَرْتُ. واستدلَّ على أن ذلك كذلك بقولِه: فمضَيْتُ عنه. ولم يَقُلْ: فأمْضِى عنه. وزعَم أن \"فعَل\" و\"يفعَلُ\" قد تَشْتَرِكُ في معنًى واحدٍ، واسْتَشْهَدَ على ذلك بقولِ الشاعرِ (^٤):\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٧٥ (٩٢٤) عن أبي زرعة، عن عمرو به.\n(^٢) بعده في م: \"لهم\".\n(^٣) البيت لشمر بن عمرو الحنفى في الأصمعيات ص ١٢٦، ولرجل من بني سلول في الكتاب ١/ ٢٤، وبلا نسبة في الصاحبى ص ٣٦٤، واللسان (ث م م، م ن ى).\n(^٤) هو الطرماح، والبيت في ذيل ديوانه (ملحق بالديوان) صفحة ٥٧٢.","vol":"2","page":257},{"text":"وإنى لآتِيكم تَشَكُّرَ (^١) ما مَضَى … من الأمرِ واسْتِيجابَ ما كانَ فِى غَدِ\nيعنى بذلك: ما يكونُ في غدٍ. وبقولِ الحُطَيْئَةِ (^٢):\nشَهِد الحُطَيئَةُ يومَ يَلْقَى ربَّه … أنَّ الوَلِيدَ أحَقُّ بالعُذْرِ\nيعنى: يَشْهَدُ. وكما قال الآخرُ (^٣):\nفما أُضْحِى ولا أَمْسَيتُ إلَّا … [أَرانى منكمُ] (^٤) في كُوَّفانِ (^٥)\nفقال: أُضْحِى. ثم قال: ولا أمْسَيْتُ.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفيِّين (^٦): إنما قيل: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾ فخاطَبهم بالمستقبلِ من الفعلِ ومعناه الماضى، كما يُعَنِّفُ الرجلُ الرجلَ على ما سلَف منه من فِعْلٍ، فيقولُ له: ويحكَ لِمَ تَكْذِبُ، ولِمَ تُبَغِّضُ نفسَك إلى الناسِ! كما قال الشاعرُ (^٧):\nإذا ما انْتَسَبْنا لم تَلِدْنى لَئيمَةٌ … ولم تَجِدِى من أن تُقِرِّى بها (^٨) بُدًّا\n_________\n(^١) فى م: \"بشكرى\".\n(^٢) ديوانه ص ٢٣٣.\n(^٣) البيت في الصاحبى ص ٣٦٤، واللسان (ك وف).\n(^٤) في الصاحبى: \"رأونى منهم\".\n(^٥) يقولون: وقعنا في كُوفَان وكُوَّفان. أي عناء ومشقة، كأنهم اشتقوا ذلك من الرمل المتكوف؛ لأن المشى فيه يُعنِّى. مقاييس اللغة ٥/ ١٤٧. وفى حاشية الأصل: \"كوفان من كيف\".\n(^٦) هو الفراء في معانى القرآن ١/ ٦٠، ٦١.\n(^٧) تقدم البيت في ص ٥٧.\n(^٨) في م: \"به\".","vol":"2","page":258},{"text":"فالجزاءُ للمستقبَلِ، والولادةُ كلُّها قد مضَت، وذلك أن المعنى معروفٌ، فجاز ذلك.\nقال: ومثلُه في الكلامِ: إذا نظَرْتَ في سيرةِ عمرَ لم يُسِئْ (^١). المعنى: لم تَجِدْه أساء. فلما كان أمرُ عمرَ لا يُشَكُّ في مُضِيِّه، لم يَقَعْ في الوَهْمِ أنه مُسْتَقْبَلٌ، فلذلك صَلَحت: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ مع قولِه: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾.\nقال: وليس الذين خوطِبوا بالقتلِ هم القَتَلةَ، إنما قتَل الأنبياءَ أسلافُهم الذين مَضَوْا، فتوَلَّوْهم (^٢) على ذلك ورَضُوا، فنُسِب القتلُ إليهم.\nوالصوابُ في ذلك من القولِ عندنا أن اللهَ تعالى ذكرُه خاطَب الذين أدرَكُوا رسولَ اللهِ ﷺ من يهودِ بني إسرائيلَ -بما خاطَبهم به (^٣) في سورةِ \"البقرةِ\" وغيرِها من سائرِ السورِ- بما سلَف من إحسانِه إلى أسلافِهم، وما (^٤) سلَف من كُفْرانِ أسلافِهم نِعَمَه، وارتكابِهم معاصيَه، واجترائِهم عليه وعلى أنبيائِه، فأضاف (^٥) ذلك إلى المخاطَبين به، نظيرَ قولِ العربِ بعضِها لبعضٍ: فعَلْنا بكم يومَ كذا (^٦) وكذا، وفعلْتُم بنا يومَ كذا (^٦) وكذا -على نحوِ ما قد بيّنّا في غيرِ موضعٍ من كتابِنا هذا (^٧) - يَعْنُون بذلك أن أسلافَنا فعَلُوا ذلك بأسلافِكم، وأن أوائلَنا فعَلُوا ذلك بأوائِلكم،\n_________\n(^١) في م: \"تجده يسئ\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قتلوهم\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م: \"بما\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وأضاف\".\n(^٦) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كذا\".\n(^٧) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٤٢، ٦٤٣.","vol":"2","page":259},{"text":"فكذلك ذلك في قولِه: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾. [وما أشبَهَه. فإذ كان ذلك معناه، وكان قولُه: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾] (^١) -وإن كان قد خرَج على لفظِ الخبرِ عن المخاطَبين به- خبرًا من اللهِ تعالى ذكرُه عن فعلِ السالفين منهم -على نحوِ الذى بَيَّنَّا- جاز أن يُقالَ: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾. إذ كان معناه: قل: فلمَ يَقْتُلُ أسلافُكم أنبياءَ اللهِ من قبلُ. وكان معلومًا بأن قولَه: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾ إنما هو خبرٌ عن فعلِ سَلَفِهم.\nوتأويلُ قولِه: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبلِ اليومِ.\nأما قولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فإنه يَعْنى: إن كنتم مؤمنين بما أنزَل اللهُ عليكم كما تَزْعُمون (^٢). وإنما يعْنِى (^٣) بذلك اليهودَ الذين أدركُوا رسولَ اللهِ ﷺ وأسلافَهم: إن كانوا وكنتم -كما تزعُمون أيها اليهودُ- مؤمنين. وإنما عَيَّرهم جل ثناؤُه بقتلِ أوائلِهم أنبياءَه عندَ قولِهم -حين قيل لهم: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ (^٤) قالوا: ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ لأنهم كانوا لأوائلِهم الذين تولَّوْا قَتْلَ أنبياءِ اللهِ مع قيلِهم: ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ مُتَوَلِّين، وبفعلِهم راضِين، فقال لهم: إن كنتم كما تزعُمون مؤمنين بما أُنزِلَ عليكم، فلمَ تَتَوَلَّوْن قَتَلَةَ أنبيائى (^٥)، وتَرْضَوْن أفعالَهم.\n\n<span id=\"aya-99\"></span><span data-type='title' id=toc-351>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ</span>\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"زعمتم\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عنى\".\n(^٤) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قالوا\".\n(^٥) في م: \"أنبياء الله، أي\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أنبياء الله\".","vol":"2","page":260},{"text":"الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾.\nيعْنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: جاءَكم بالبيناتِ الدالةِ على صدقِه وحقيقةِ (^١) نبوَّتِه، كالعصا التى تَحَوَّلَتْ ثعبانًا مُبينًا، ويدِه التى أخرَجها بيضاءَ للناظِرين، وفَلْقِ البحرِ، ومَصيرِ أرضِه له طريقًا يَبَسًا، والجرادِ والقُمَّلِ والضفادِعِ، وسائرِ الآياتِ التى بَيَّنَت صدقَه وحقيقةَ (^١) نبوَّتِه. وإنما سمّاها اللهُ جل ثناؤه بَيِّناتٍ، لتَبَيُّنِها للناظرِين إليها أنها مُعجزةٌ لا يَقْدِرُ على أن يَأْتِيَ بها بَشَرٌ إلا بتسخيرِ اللهِ ذلك له، وإنما هي جمعُ بَيّنةٍ مثلَ طَيِّبةٍ وطَيِّباتٍ.\nومعنى الكلامِ: ولقد جاءَكم يا معشرَ يهودِ بنى إسرائيلَ موسى بالآياتِ البَيِّناتِ على (^٢) أمرِه وصدقِه وحقيقةِ (^١) نبوتِه.\nوقولُه: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ يقولُ جل ثناؤُه لهم: ثم اتَّخَذْتُم العجلَ من بعدِ موسى (^٣). فالهاءُ التى في قولِه: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ من ذكرِ موسى. وإنما قال: من بعدِ موسى؛ لأنهم اتخَذُوا العجلَ من بعدِ أن فارَقَهم موسى ماضيًا إلى ربِّه لموعدِه، على ما قد بَيّنّا فيما مضَى من كتابِنا هذا (^٤). وقد يجوزُ أن تكونَ الهاءُ التى في: ﴿بَعْدِهِ﴾ من (^٥) ذكرِ المجئِ، فيكونُ تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: ولقد جاءكم موسى بالبيناتِ، ثم اتخذتمُ العجلَ من بعدِ مجئِ [موسى بالبيناتِ] (^٦) وأنتم ظالمون. كما تقولُ: جِئْتَنى فكَرِهْتُك (^٧). يَعْنى: فكَرِهْتُ مجيئَك.\n_________\n(^١) في م: \"حقية\".\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إلها\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٦٨ وما بعدها.\n(^٥) في م: \"إلى\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"البينات\".\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فكرهته\".","vol":"2","page":261},{"text":"وأما قولُه: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ فإنه يَعنى بذلك أنكم فعلْتُم ما فعلْتُم من عبادةِ العجلِ وليس ذلك لكم، وعبَدْتُم غيرَ الذي كان يَنْبَغى لكم أن تَعْبُدُوه؛ لأن العبادةَ لا تَنْبَغى لغيرِ اللهِ. وهذا تَوبيخٌ من اللهِ جل ثناؤُه لليهودِ، وتَعْييرٌ منه لهم، وإخبارٌ منه لهم أنهم [إذ كانوا قد] (^١) فعلُوا ما فعلُوا من اتخاذِ العجلِ إلهًا وهو لا يَمْلِكُ لهم ضَرًّا ولا نفعًا، بعدَ الذي عَلِموا أن ربَّهم هو الربُّ الذي يَفْعَلُ من الأعاجيبِ وبدائعِ الأفعالِ ما أجْراه على يَدَىْ موسى صلواتُ اللهِ عليه، من الأمورِ التى [عايَنُوها التى] (^٢) لا يَقْدِرُ عليها أحدٌ من خلقِ اللهِ، ولم يَقْدِر عليها فرعونُ وجندُه مع بطشِه وكثرةِ أتباعِه، وقُرْبِ عهدِهم بما عايَنُوا من عجائبِ حكمِ اللهِ فيهم، فهم إلى تكذيبِ محمدٍ ﷺ، وجحودِ ما في كتبِهم التى زعموا أنهم بها مؤْمِنون من صفتِه ونعتِه، مع بُعْدِ ما بينَهم وبين عهدِ موسى مِن المدةِ - أسرعُ، وإلى التكذيبِ بما جاءَهم به موسى مِن ذلك أقربُ.\n\n<span id=\"aya-100\"></span><span data-type='title' id=toc-352>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾.</span>\nيعني بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾: واذْكُروا إذ أخَذْنا عُهودَكم بأن خُذوا ما آتيناكم مِن التوراةِ التى أَنْزَلتُها إليكم أن تَعْملوا بما فيها مِن أمْرِى، وتَنْتهوا عما نَهَيْتُكم فيها بجدٍّ منكم في ذلك ونشاطٍ، فأعْطَيتم على العملِ بذلك مِيثاقَكم، إذ رفَعنا فوقَكم الجبلَ.\nوأما قولُه: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ فإن معناه: واسْمَعوا ما أمرتُكم به، وتَقَبَّلوه بالطاعةِ. كقولِ الرجلِ للرجلِ يأمرُه بالأمرِ: سمِعتُ وأطعتُ. يعني بذلك: سمِعتُ قولَك وأطَعتُ أمرَك. كما قال الراجِزُ (^٣):\n_________\n(^١) في م: \"إذا كانوا\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ذكره المصنف في تاريخه ٥/ ٢٩٩.","vol":"2","page":262},{"text":"السَّمْعُ والطَّاعَةُ والتَّسلِيمْ\nخَيْرٌ وأعْفى لبَنِى تَمِيمْ\nيعني بقولِه: السمعُ: قبولُ ما تسْمعُ، والطاعةُ لِما تُؤْمرُ. فكذلك معنى قولِه ﴿وَاسْمَعُوا﴾: اقْبَلُوا ما سمِعتم، واعْمَلوا به.\nقال أبو جعفرٍ: فمعنى الآيةِ إذن: وإذ أخَذْنا مِيثاقَكم أن خُذُوا ما آتيناكم بقوةٍ، واعْمَلوا بما سمِعتم، وأطيعوا اللهَ، ورفَعنا فوقَكم الطورَ مِن أجلِ ذلك.\nوأما قولُه: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾ فإن الكلامَ خرَج مَخْرجَ الخبرِ عن الغائبِ بعد أن كان الابتداءُ بالخطابِ، وذلك ما وصَفنا مِن أن ابتداءَ الكلامِ إذا كان حكايةً، فالعربُ تُخاطِبُ فيه ثم تَعودُ فيه إلى الخبرِ عن الغائبِ، وتُخْبِرُ عن الغائبِ ثم تُخاطِبُ، كما قد بَيَّنا ذلك فيما مضى قبلُ. فكذلك ذلك في هذه الآيةِ؛ لأن قولَه ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ بمعنى: قُلْنا لكم فأجَبْتمونا. وأما قولُه: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾ فإنه خبرٌ مِن اللهِ عن اليهودِ الذين أخَذ ميثاقَهم أن يَعْملوا بما في التوراةِ، وأن يُطيعوا اللهَ فيما يَسمعون منها، أنهم قالوا حين قِيلَ لهم ذلك: سمِعنا قولك، وعصَينا أمرَك.\n\n<span data-type='title' id=toc-353>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: وأُشْرِبوا في قلوبهم حبَّ العِجلِ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ قال: أُشْرِبوا حبَّه حتى خَلَص ذلك إلى","vol":"2","page":263},{"text":"قلوبِهم (^١).\nحدَّثنى المثني، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ قال: أُشْرِبوا حبَّ العِجلِ بكُفرِهم (^٢).\nحدَّثنى المثني، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ قال: أُشْربوا حبَّ العجلِ في قلوبِهم (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك أنهم سُقُوا الماءَ الذي ذُرِّىَ فيه سُحالةُ (^٤) العجلِ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: لمَّا رجَع موسى إلى قومِه أخَذ العجلَ الذي وجَدهم عاكفين عليه فذبحَه (^٥)، ثم حَرقَه (^٦) بالمبردِ، ثم ذَرَّاه في اليَمِّ، فلم يَبْقَ بحرٌ يومئذٍ يَجْرِى إلا وقَع فيه شيءٌ منه، ثم قال لهم موسى: اشْرَبوا منه. فشرِبوا منه، فمن كان يُحِبُّه خرَج على شاربِه الذَّهبُ، فذلك حين يَقولُ اللهُ ﷿: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ (^٧).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال:\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٧٦ (٩٣٤) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٧٦ عقب الأثر (٩٣٤) من طريق آدم به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٧٦ عقب الأثر (٩٣٤) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) السحالة: ما سقط من الذهب والفضة ونحوها إذا برد. التاج (س ح ل).\n(^٥) أي: شقه.\n(^٦) في م: \"خرقه\". وحرقه بالمبرد: برده. وينظر ما تقدم في ١/ ٦٨١.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٧٦ (٩٣٣) من طريق عمرو به.","vol":"2","page":264},{"text":"لما سُحِل فأُلْقِى في اليمِّ استقبلوا جِرْيةَ الماءِ، فشرِبوا حتى ملئوا بطونَهم، فأوْرَث ذلك مَن فعَله منهم جُبْنًا.\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى التأويلين اللذين ذكَرتُ بقولِ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ تأويلُ مَن قال: وأُشْرِبوا في قلوبِهم حبَّ العجلِ؛ لأن الماء لا يُقالُ منه: أُشْرِب فلانٌ في قلبِه. وإنما يُقالُ ذلك في حبِّ الشئِ، فيُقالُ منه: أُشْرِب قَلْبُ فلانٍ حبَّ كذا. بمعنى: سُقِىَ ذلك حتى غلَب عليه وخالطَ قلبَه. كما قال زُهيرٌ (^١):\nفَصَحَوْتُ عَنْهَا بَعْد حُبٍّ داخلٍ … والحُبُّ يُشْرَبُهُ فُؤَادُكَ دَاءُ\nولكنه ترَك ذِكْرَ \"الحبِّ\" اكْتِفاءً بفهمِ السامعِ لمعنى الكلامِ؛ إذ كان معلومًا أن العجلَ لا يُشْرِبُ القلبَ، وأن الذي يُشْرِبُ القلبَ منه حبُّه. كما قال جل ثناؤُه: [﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾] (^٢) [الأعراف: ١٦٣]. ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]. وكما قال الشاعر (^٣):\nحسِبتَ بُغامَ (^٤) راحلتى عَناقًا (^٥) … وما هي وَيْبَ (^٦) غيرِك بالعَناقِ\nيعني بذلك: حسبت بُغامَ راحلتى بُغامَ عناقِ.\n_________\n(^١) شرح ديوانه ص ٣٣٩.\n(^٢) ليست في: الأصل.\n(^٣) البيت في اللسان (وى ب) (ب غ م)، وفى النوادر ص ١١٦، ومعانى القرآن للفراء ١/ ٦٢، منسوب لذى الخِرَق الطهوى يخاطب ذئبا تبعه في طريقه، وفى اللسان (ع ن ق) منسوب لقريط بن أنيف، وغير منسوب في مجالس ثعلب ١/ ٧٦.\n(^٤) بغام الناقة: صوت لا تفصح به. اللسان (ب غ م).\n(^٥) العناق: الأنثى من المعز. اللسان (ع ن ق).\n(^٦) الويب: كلمة بمعنى ويل. اللسان (وى ب).","vol":"2","page":265},{"text":"وكما قال طَرفةُ بنُ العبدِ (^١):\nألا إِنَّنِى سُقِّيتُ أسودَ حالِكًا … ألا بَجَلِى (^٢) مِن الشّرَابِ ألا بَجَلْ\nيعني بذلك: سُقِيتُ سَمًّا أسودَ. فاكْتَفى بذكرِ \"أسودَ\" من ذِكْرِ \"السمِّ\" لمعرفةِ السامعِ معنى ما أراد بقولِه: سُقِيتُ أسودَ. ويُرْوَى:\nألا إِنَّنى سُقِّيتُ أسْوَدَ سالخًا (^٣)\nوقد تقولُ العربُ: إذا سرَّك أن تَنْظُرَ إلى السخاءِ فانْظُر إلى هَرمٍ أو إلى حاتمٍ. فتَجْتَزِئُ بذِكرِ الاسمِ مِن ذكرِ فعلِه، إذا كان معروفًا بشجاعةٍ أو سخاءٍ، أو ما أشْبَهَ ذلك مِن الصفاتِ، ومنه قولُ الشاعر (^٤):\nيَقُولون جاهِدْ يا جَمِيلُ بِغَزْوَةٍ … وإن جِهادًا طَيِّئٌ وَقِتالُهَا\n\n<span data-type='title' id=toc-354>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾.</span>\nيَعْنى بذلك جل ثناؤُه: قل يا محمدُ ليهودِ بنى إسرائيلَ: بئس الشئُ يَأْمرُكم به إيمانُكم، إذ كان يأمرُكم بقتلِ أنبياءِ اللهِ ورسلِه، والتكذيبِ بكُتُبِه، وجُحودِ ما جاء مِن عندِه. ومعنى إيمانِهم: تَصْديقُهم الذى زعَموا أنهم به مصدِّقون مِن كتابِ اللهِ، إذ قِيلَ لهم: آمِنوا بما أنزَل اللهُ. فقالوا: نُؤمنُ بما أُنزِلَ علينا.\nوقولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن كُنتُم مُصدِّقين -كما زعَمتم- بما\n_________\n(^١) ديوانه ص ١١٥.\n(^٢) بجلى: حسبى. التاج (ب ج ل).\n(^٣) السالخ: الأسود من الحيات شديد السواد وأقتل ما يكون من الحيات. اللسان (س ل خ).\n(^٤) معاني القرآن للفراء ١/ ٦٢، ومجالس ثعلب ١/ ٧٦، واللسان (غ ز ى).","vol":"2","page":266},{"text":"أنزَل اللهُ عليكم. وإنما كذَّبهم اللهُ بذلك لأن التوراةَ تَنْهَى عن ذلك كلِّه، وتَأْمُر بخلافِه، فأخْبَرهم أنّ تصديقَهم بالتوراةِ إن كان يأْمرُهم بذلك، فبئس الأمْرُ تَأْمرُ به. وإنما ذلك نَفْىٌ مِن اللهِ تعالى ذِكْرُه عن التوراةِ أن تكونَ تَأْمرُ بشيءٍ مِمَّا يَكْرهُه اللهُ مِن أفعالِهم، وأن يكونَ التصديقُ بها يدلُّ على شيءٍ مِن مخالفةِ أمرِ اللهِ، وإعلامٌ منه جل ثناؤُه أن الذي يَأْمرُهم بذلك أهواؤُهم، والذى يَحْمِلُهم عليه البغىُ والعدوانُ.\n\n<span id=\"aya-101\"></span><span data-type='title' id=toc-355>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وهذه الآيةُ مما احتجَّ اللهُ به لنبيِّه محمدٍ ﷺ على اليهودِ الذين كانوا بين ظَهْرَانَىْ مُهاجَرِه، وفضَح بها أحبارَهم وعلماءَهم، وذلك أن اللهَ جل ثناؤُه أمَر نَبيَّه ﷺ أن يَدْعوَهم إلى قضيةٍ عادلةٍ بينَه وبينَهم، فيما كان بينَه وبينَهم مِن الخلافِ، كما أمَره اللهُ أن يَدْعوَ الفريقَ الآخرَ مِن النَّصارَى -إذ خالفوه في عيسى صلواتُ اللهِ عليه، وجادلوه فيه- إلى فاصلةٍ بينَه وبينَهم مِن المُباهَلَةِ، وقال لفريقِ اليهودِ: إن كنتم مُحِقِّين فتَمنَّوُا الموتَ، فإن ذلك غيرُ ضارِّكم إن كنتم مُحِقِّين فيما تَدَّعون مِن الإيمانِ وقُربِ المنزِلةِ مِن اللهِ، بل إن أُعْطيتُم أُمْنِيتَكم مِن الموتِ إذا تمنَّيتم، فإنما تَصِيرون إلى الراحةِ مِن تَعبِ الدنيا ونصبِها وكَدَرِ عَيشِها، والفوزِ بجوارِ اللهِ في جِنانِه، إن كان الأمرُ كما تَزْعُمون، مِن أنّ الدارَ الآخرةَ لكم خالصةٌ دونَنا، وإن لم تُعْطَوْها علِم النَّاسُ أنكم المُبطِلون، ونحن المُحِقُّون في دعوانا، وانْكَشف أمرُنا وأمرُكم لهم. فامْتَنعت اليهودُ مِن إجابةِ النبيِّ ﷺ إلى ذلك لعلْمِها أنها إن تَمنَّت الموتَ هلَكَت، فذَهَبت دنياها، وصارت إلى خِزْى الأبدِ في آخرتِها، كما امتنع فريقُ النَّصارى الذين جادلوا النَّبيَّ ﷺ في عيسى، إذ دُعُوا إلى المبُاهلةِ -مِن المباهلةِ، فبلَغنا أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"لو أن اليهودَ تَمنَّوا الموتَ لماتوا، ولرأَوا","vol":"2","page":267},{"text":"مقاعدَهم مِن النارِ، ولو خرَج الذين يُباهِلون رسولَ اللهِ ﷺ لرجَعوا لا يَجِدون أهلًا ولا مالًا\".\nحدَّثنا بذلك أبو كريبٍ، قال: حدثنا (^١) زكريا بنُ عدىٍّ، قال: حدثنا عُبيدُ اللهِ ابنُ عمرٍو، عن عبدِ الكريمِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا عَثَّامُ بنُ عليٍّ، عن الأعْمشِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: لو تَمنَّوا الموتَ لشَرِقَ أحدُهم برِيقِه (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن عبدِ الكريمِ الجَزَرىِّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: قال ابنُ عباسٍ: لو تَمنَّى اليهودُ الموتَ لماتوا (^٤).\nحدَّثنى موسى، قال: أخْبَرنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بن أبي محمدٍ -قال أبو جعفرٍ: فيما أرى -أنا- عن سعيدٍ، أو عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لو تَمنَّوه يومَ قال لهم ذلك، ما بقِى على ظَهرِ الأرضِ\n_________\n(^١) بعده في م: \"أبو\".\n(^٢) إسناده صحيح. أخرجه البزار (٢١٨٩ - كشف)، وابن مردويه -كما في الفتح ٨/ ٧٢٤ - من طريق زكريا بن عدي به. وأخرجه أحمد ٤/ ٩٩ (٢٢٢٦)، والنسائى في الكبرى (١١٠٦١)، وأبو يعلى (٢٦٠٤) من طريق عبيد الله بن عمرو به.\n(^٣) الأعمش لم يدرك ابن عباس. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٧٧ (٩٣٦) من طريق عثام، عن الأعمش قال: لا أظنه إلا عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٧٧ (٩٣٨) عن الحسن بن يحيى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٩ إلى ابن المنذر وأبي نعيم.","vol":"2","page":268},{"text":"يهوديٌّ إلا مات (^١).\nقال أبو جعفرٍ: فانْكَشف -لمَن كان مُشْكِلًا عليه أمرُ اليهودِ يومَئذٍ- كَذِبُهم وبُهْتُهم وبَغْيُهم على رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابه، وظهَرت حُجَّةُ رسولِ اللهِ وحُجةُ أصحابِه عليهم، ولم تَزَلْ -والحمدُ للهِ- ظاهرةً عليهم وعلى غيرِهم مِن سائرِ أهلِ المللِ، وإنما أُمِرَ رسولُ اللهِ ﷺ أن يقولَ لهم: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ لأنهم -فيما ذكر لنا- قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]. فقال اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل لهم إن كنتم صادقين فيما تَزْعُمون فتَمنَّوُا الموتَ. فأبان اللهُ كَذِبَهم بامْتِناعِهم مِن تَمنِّى ذلك، وأفلَجَ حُجَّةَ رسولِ اللهِ ﷺ.\nوقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي مِن أجلِه أمَر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يَدْعوَ اليهودَ إلى أن يَتمنَّوُا الموتَ، وعلى أىِّ وجهٍ أُمِروا أن يَتمنَّوه؛ فقال بعضُهم: أُمِروا أن يَتمنَّوه على وجهِ الدعاءِ على الفريقِ الكاذبِ منهما.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ، عن سعيدٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال اللهُ لنبيِّه ﷺ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: ادْعُوا بالموتِ على أىِّ الفريقين أكْذَبُ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٧٧ (٩٤٠) من طريق سلمة به.\n(^٢) سيأتي بتمامه في ص ٢٧٢، ٢٧٣.","vol":"2","page":269},{"text":"وقال آخرون بما حدَّثنى بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾: وذلك أنهم قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. فقِيلَ لهم: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^١).\nحدَّثنى المثني، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: قالت اليهودُ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. فقال اللهُ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فلم يَفْعَلوا (^٢).\nحدَّثنى المثني، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنى [ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه] (^٣)، عن الربيعِ قولَه. ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ﴾ الآية: وذلك بأنهم قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (^٤).\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ﴾ فإنه يقولُ: قُلْ يا محمدُ: إن كان نعيمُ الدارِ الآخرةِ ولَذَّاتُها لكم يا مَعْشَرَ اليهودِ عندَ اللهِ. فاكْتَفى بذِكْرِ الدارِ مِن ذِكْرِ نعيمِها لمعرفةِ المُخاطبين بالآيةِ معناها.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٧٧ عقب الأثر (٩٣٥) معلقًا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٧٦، ١٧٧ (٩٣٥) من طريق آدم به.\n(^٣) في م: \"أبو جعفر\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٧٧ عقب الأثر (٩٣٥) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"2","page":270},{"text":"وقد بَينَّا مَعْنى الدارِ الآخرةِ فيما مضى بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿خَالِصَةً﴾ فإنه يعني به: صافيةً. كما يُقالُ: خَلَص لي [هذا الأمرُ] (^٢). بمعنى: صار لي وَحْدى وصَفَا لي، يُقالُ منه: خَلَصَ لى هذا الشئُ فهو يخْلُصُ خلوصًا وخالصةً. والخالصةُ مصدرٌ، مِثْلُ العافية، ويقالُ للرجلِ: هذا خُلْصَانى. يعني به: خالِصَتى مِن دونِ أصحابِى.\nوقد رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَتأولُ قولَه: ﴿خَالِصَةً﴾: خاصةً. وذلك تأويلٌ قريبٌ مِن مَعْنى التأويلِ الذي قُلْناه في ذلك.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بن سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بن عُمَارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ قال: قلْ يا محمدُ لهم -يَعْنى اليهودَ- إن كانت لكم الدارُ الآخرةُ، يَعْنِى الخيرَ (^٣) ﴿عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً﴾. يقولُ: خاصةً لكم (^٤).\nوأما قولُه: ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ فإن الذي يَدلُّ عليه ظاهِرُ التنزيلِ أنهم قالوا: لنا الدارُ الآخرة عندَ اللهِ خالصةً مِن دونِ جميعِ الناسِ. ويُبَيِّنُ أن ذلك كان قولَهم -مِن غيرِ اسْتِثناءٍ منهم مِن ذلك أحدًا مِن بنى آدمَ- إخْبارُ اللهِ عنهم أنهم قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. إلا أنه قد رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ قولٌ غير ذلك.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٥١، ٢٥٢.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فلان\".\n(^٣) كذا في النسخ، وفى الدر المنثور: \"الجنة\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٩ إلى المصنف.","vol":"2","page":271},{"text":"ذكرُ ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ يقولُ: مِن دونِ محمدٍ ﷺ وأصحابِه الذين اسْتَهزأتم بهم، وزَعَمْتم أن الحقَّ في أيدِيكم، وأن الدارَ الآخرةَ لكم دونَهم.\nوأما قولُه: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ فإن تأويلَه: تَشهَّوه وأَرِيدوه. وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ أنه قال في تأويلِه: فسَلُوا الموتَ. ولا يُعْرَفُ التَّمنى بمعنى المسألةِ في كلامِ العربِ. ولكنى أحْسِبُ أن ابنَ عباسٍ وجَّه مَعْنى الأُمْنِيةِ -إذ كانت محبةَ النفسِ وشهوتَها- إلى معنى الرَّغْبةِ والمسألةِ، إذ كانت المسألةُ هي رغبةَ السائلِ إلى اللهِ فيما سأله.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ يقولُ: فسَلُوا الموتَ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-102\"></span><span data-type='title' id=toc-356>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ جل ثناؤُه عن اليهودِ وكراهتِهم الموتَ، وامتناعِهم من الإجابةِ إلى ما دُعُوا إليه مِن تَمنِّى الموتِ؛ لعلمِهم بأنهم إن فعَلوا ذلك فالوعيدُ بهم نازلٌ، والموتُ بهم حالٌّ، ولمعرفتِهم بمحمدٍ ﷺ أنه رسولٌ مِن اللهِ إليهم مرسلٌ، وهم به مُكذِّبون، وأنَّه لن يُخْبرَهم خبرًا إلا كان حقًّا كما أخْبَر، فهم يَحذَرُون أن يتَمنَّوا الموتَ، خوفًا أن يَحِلَّ بهم عقابُ اللهِ بما كسَبت أيديهم مِن الذنوبِ.\nكالذى حدَّثنى محمدُ بنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ","vol":"2","page":272},{"text":"إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ -فيما يرَى أبو جعفرٍ- عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ الآية. أي: ادْعُوا بالموتِ على أىِّ الفريقين أكذبُ، فأبَوا (^١) ذلك على رسولِ اللهِ ﷺ. يقولُ اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: لعلمِهم بما عندَهم مِن العلمِ بك والكفرِ بذلك (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ يقولُ: يا محمدُ، ولن يتَمنَّوه أبدًا؛ لأنهم يَعْلَمون أنهم كاذبون، ولو كانوا صادقين لتَمنَّوه، ورَغِبوا في التعجيلِ إلى كَرامتى، فليس يتَمنَّونه أبدًا بما قدَّمت أيديهم (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: وكانت اليهودُ أشدَّ الناسِ (^٤) فرارًا مِن الموتِ، ولم يكونوا ليتَمنَّوه أبدًا.\nوأما قولُه: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. فإنه يَعْنى به: بما أسْلَفَتْه أيديهم. وإنما ذلك مَثَلٌ، على نحوِ ما تتَمَثَّلُ به العربُ في كلامِها، فتقولُ للرجلِ يُؤْخَذُ بجَرِيرةٍ جرَّها، أو جنايةٍ جَناها فيعاقبُ عليها: نالك هذا بما جَنَتْ يداك، وبما كَسبت يداك، وبما قَدَّمت يداك. فتُضِيفُ ذلك إلى اليدِ، ولعلَّ الجنايةَ التى جَناها فاستحقَّ عليها العقوبةَ كانت باللسانِ أو بالفَرْجِ أو بغيرِ ذلك مِن أعضاءِ جسدِه سِوَى\n_________\n(^١) في م: \"قالوا\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٧٧ (٩٣٧، ٩٤٠) من طريق سلمة به.\n(^٣) تقدم أول هذا الأثر في ص ٢٧١.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٣.","vol":"2","page":273},{"text":"اليدِ. وإنَّما قِيلَ ذلك بإضافتِه إلى اليدِ؛ لأن عُظْمَ جِناياتِ الناسِ بأيديهم، فجَرَى الكلامُ باستعمالِ إضافةِ الجناياتِ التى يجنيها النَّاسُ إلى أيديهم، حتى أُضِيفَ كلُّ ما عُوقِبَ عليه الإنسانُ مما جَناه بسائرِ أعضاءِ جسدِه إلى أنها عقوبةٌ على ما جَنَتْه يَداه (^١)، فلذلك قال جل ثناؤُه للعربِ: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني به: ولن يَتَمنَّى اليهودُ الموتَ بما قدَّموا أمامَهم في حياتِهم مِن كفرِهم باللهِ، في مخالفتِهم أمرَه وطاعتَه في اتباعِ محمدٍ ﷺ وما جاءهم (^٢) به مِن عندِ اللهِ، وهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ، ويَعْلمون أنه نبىٌّ مبعوثٌ. فأضاف جل ثناؤُه ما انْطَوت عليه قلوبُهم، وأضْمَرته نفوسُهم، ونَطَقت به ألسنتُهم؛ مِن حسدِ محمدٍ ﷺ والبغىِ عليه، وتكذيبِه وجُحودِ رسالتِه - إلى أيديهم، وأنَّه مما قدَّمته أيديهم لعلمِ العربِ بمعنى ذلك في منطقِها وكلامِها، إذ كان جل ثناؤُه إنما أنزَل القرآنَ بلسانِها، وبلغتِها خاطَبها (^٣).\nورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ في ذلك ما حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يقولُ: بما أسْلَفت أيديهم (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. قال: إنهم عَرَفوا أن محمدًا ﷺ نبىٌّ فكَتَموه.\nوأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ فإنه يعني جل ثناؤُه: واللهُ ذو علمٍ بظَلَمةِ بنى آدمَ -يهودِها ونَصارَاها وسائرِ أهلِ [مللِها غيرِهم] (^٥) - وما يَعْملون.\n_________\n(^١) في م: \"يده\".\n(^٢) في م: \"جاء\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) ليست في: الأصل.\n(^٥) في م: \"الملل غيرها\".","vol":"2","page":274},{"text":"وظلمُ اليهودِ كفرُهم باللهِ فى خلافِهم أمرَه وطاعتَه فى اتباعِ محمدٍ ﷺ، بعدَ أن كانوا يَسْتَفْتِحون به وبمبْعثِه، وجُحودِهم نبوتَه وهم عالمون أنه نبىُّ اللهِ ورسولُه إليهم.\nوقد دَلَّلْنا على معنى الظلمِ فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (^١).\n\n<span id=\"aya-103\"></span><span data-type='title' id=toc-357>القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾.</span>\nيَعْنِى جل ثناوُه بقولِه: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ اليهودَ. يقولُ: يا محمدُ، لتَجِدَنَّ أشدَّ الناسِ حِرصًا على الحياةِ فى الدنيا، وأشدَّهم كراهةً للموتِ، اليهودَ، كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ -فيما يرَى (^٢) أبو جعفرٍ- عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾. يعنى اليهودَ (^٣).\nوحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، [عن الربيعِ] (^٤)، عن أبى العاليةِ: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾. يعنى اليهودَ (^٥).\nوحدَّثنى المثنَّى، [قال: ثنا إسحاق] (٤)، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٦).\nوحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم فى ١/ ٥٥٩، ٥٦٠.\n(^٢) فى م: \"يروى\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٧٨ (٩٤٤، ٩٤٦)، والحاكم ٢/ ٢٦٣ من طريق مسلم البطين عن سعيد به بزيادة: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ قال: الأعاجم. وستأتى بقيته فى ص ٢٧٧، ٢٨١، ٢٨٢.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٧٨ عقب الأثر (٩٤٤) من طريق آدم به.\n(^٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٧٨ عقب الأثر (٩٤٤) من طريق ابن أبى جعفر به.","vol":"2","page":275},{"text":"نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوإنما كراهتُهم الموتَ لعلمِهم بما لَهم فى الآخرةِ من الخزْىِ والهَوانِ الطويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-358>القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾.</span>\nيَعْنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: وأحرصَ من الذين أشرَكُوا على الحياةِ. كما يقالُ: هو أَشجعُ الناسِ ومن عنترةَ. بمعنى: هو أشجعُ من الناسِ ومن عنترةَ. فكذلك قولُه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. لأن معنى الكلامِ: ولَتَجِدَنَّ يا محمدُ اليهودَ من بنى إسرائيلَ أحرصَ من (^١) الناسِ على حياةٍ ومن الذين أشركُوا. فلمّا أُضِيفَ ﴿أَحْرَصَ﴾ إلى ﴿النَّاسِ﴾، وفيه تأويلُ \"مِن\" - أُظْهِرَتْ بعدَ حرفِ العطفِ رَدًّا على التأويلِ الذى ذكَرْنا.\nوإنما وصَف اللهُ جل ثناؤُه اليهودَ بأنهم أحرصُ الناسِ على الحياةِ، لعِلْمِهم بما قد أَعَدَّ لهم فى الآخرةِ على كفرِهم، مما لا يُقِرُّ به أهلُ الشركِ، فهم للموتِ أكْرَهُ من أهلِ الشركِ الذين لا يُؤْمِنون بالبعثِ؛ لأنهم يُؤمنون بالبعثِ ويَعْلَمون ما لهم هنالك من العذابِ، وأنَّ المُشركِينَ لا يُصَدِّقُون ببعثٍ ولا عقابٍ، فاليهودُ أحرصُ منهم على الحياةِ وأكرَهُ للموتِ.\nوقيل: إن الذين أَشركُوا، الذين أخبرَ اللهُ تعالى ذكرُه أن اليهودَ أحرصُ منهم فى هذه الآيةِ على الحياةِ، هم المجوسُ. [وقيل: هم] (^٢) الذين لا يُصَدِّقُون بالبعثِ.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-359>ذكرُ من قال: هم المجوسُ</span>\nحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: يعنى المجوسَ (^١).\nوحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: المجوسُ.\nوحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنى ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. قال: يهودُ أحرصُ من هؤلاء على الحياةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-360>ذكرُ من قال: هم الذين يُنْكِرون البعثَ</span>\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ ابنُ أبى محمدٍ -فيما يَرَى (^٢) أبو جعفرٍ- عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: وذلك أن المشركَ لا يَرْجُو بعثًا بعد الموتِ، فهو يُحبُّ طولَ الحياةِ، وأن اليهودىَّ قد عَرَف ما له فى الآخرةِ من الخِزْىِ، [لما ما ضَيَّع بما] (^٣) عنده من العلمِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-361>القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.</span>\nوهذا خبرٌ من اللهِ جل ثناؤُه (^٥) عن الذين أشرَكُوا، الذين أخبَر أن اليهودَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٧٩ (٩٤٧) من طريق آدم به.\n(^٢) فى م: \"يروى\".\n(^٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بما ضيع مما\".\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٣، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٧٩ (٩٥٠) من طريق سلمة به.\n(^٥) بعده فى: م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بقوله\".","vol":"2","page":277},{"text":"أحرصُ منهم على الحياةِ، يقولُ جل ثناؤُه: يَوَدُّ أحدُ هؤلاءِ الذين أشرَكُوا - [ليأسِه بفناءِ] (^١) دنياه وانقضاءِ أيامِ حياتِه، من (^٢) أن يكونَ له بعد ذلك نُشورٌ أو مَحْيَا، أو فَرحٌ أو سُرُورٌ- لو يُعَمَّرُ [فى الدنيا] (^٣) ألفَ سنةٍ، حتى جعَل بعضُهم تحيةَ بعضٍ: [عِشْ ألفَ] (^٤) عامٍ. حرصًا منهم على الحياةِ.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ علىِّ بنِ الحسنِ بنِ شقيقٍ، قال: سمِعتُ أبى عليًّا يقولُ (٢): أخبرَنا أبو حمزةَ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: هو قولُ الأعاجمِ: هَزار (٢) سال زِه نَوْروز مِهْرْجان دَر (^٥) (^٦).\nوحُدِّثت عن نُعَيمٍ النحْوىِّ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: هو قولُ أهلِ الشركِ بعضِهم لبعضٍ إذا عَطِس: زِه هَزار سال (^٧).\nحدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا إسماعيلُ ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن قتادةَ فى قولِه. ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: حُبِّبَتْ إليهم الخطيئةُ طولَ العُمُرِ (^٨).\n_________\n(^١) فى م: \"إلا بعد فناء\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عشرة آلاف\".\n(^٥) فى النسخ: \"حر\".\nوهزار: ألف، وسال: سنة.، وزه: عِشْ، ونوروز ومهرجان: من أعياد الفرس، ودر: حرف جر بمعنى: فى. وينظر المعجم الذهبى ص ٢٥٨، ٣١٦، ٣٢٧، ٥٥١، ٦٠٣.\n(^٦) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ١٨٤ عن المصنف.\n(^٧) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٧٩ عقب الأثر (٩٤٩) معلقًا.\n(^٨) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٧٩ (٩٤٩) من طريق ابن علية، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد.","vol":"2","page":278},{"text":"حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدثنى ابنُ مَعْبَدٍ، عن ابنِ عُلَيَّةَ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ فى قولِه: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾. فذكَر مثلَه.\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ حتى بلَغ: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: ويهودُ أحرصُ من هؤلاء على الحياةِ، وقد وَدّ هؤلاءِ لو يُعَمَّرُ أحدُهم ألفَ سنةٍ. (^١)\nوحُدِّثت عن أبى معاويةَ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: هو قولُ أحدِهم إذا عَطَس: زِه هَزار سال. يقولُ: [عِشْ ألفَ] (^٢) سنةٍ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-362>القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾: وما التعميرُ وطولُ البقاءِ بمُزَحْزِحِه من عذابِ اللهِ.\nو(^٤) قوله: ﴿هُوَ﴾. عِمادٌ، لطلَبِ \"ما\" الاسمَ أكثرَ من طلبِها الفعلَ، كما\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ١٨٥.\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عشرة آلاف\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٠١ - تفسير)، والحاكم ٢/ ٢٦٣، من طريق أبى معاوية به. وأخرجه ابن أبى شيبة ١٠/ ٤٧٣، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٧٩ (٩٤٨)، من طريق ابن نمير، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٦٣، ٢٦٤ من طريق قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد به. وتقدم فى ص ٢٧٨ عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس. وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٨٩ إلى ابن المنذر.\n(^٤) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هو\".","vol":"2","page":279},{"text":"قال الشاعرُ (^١):\n*فهل هو مَرفُوعٌ بما هَاهُنا راسُ*\nو﴿أَنْ﴾ التى فى: ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ رَفْعٌ بـ ﴿مُزَحْزِحِهِ﴾، و(^٢) ﴿هُوَ﴾ التى مع ﴿مَا﴾ [من ذكرِه] (^٣)، عمادٌ للفعلِ؛ لاستقباحِ (^٤) العربِ النكرةَ قبل المعرفةِ.\nوقد قال بعضُهم: إن ﴿هُوَ﴾ التى مع ﴿وَمَا﴾ كنايةٌ مِن ذكرِ العُمُرِ. كأنه قال: يَوَدُّ أحدُهم لو يُعَمَّرُ ألفَ سنةٍ، وما ذلك العُمُرُ بمُزَحْزحِه من العذابِ. وجعَل: ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ مُتَرْجِمًا (^٥) عن ﴿هُوَ﴾. يُريدُ: ما هو بمُزَحْزِحِه التعميرُ.\nوقال بعضُهم: قولُه: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ نظيرُ قولِك: ما زيدٌ بمُزَحْزِحِه أن يُعَمَّرَ.\nوأقربُ هذه الأقوالِ عندنا إلى الصوابِ ما قلْناه، وهو أن يكونَ ﴿هُوَ﴾ عمادًا، نظيرُ قولِك: ما هو قائمًا (^٦) عمرٌو.\nوقد قال قومٌ من أهلِ التأويلِ: إنَّ ﴿أَنْ﴾ التى فى قولِه: ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ بمَعْنَى: وإنْ عُمِّرَ. وذلك قولٌ لمعانى كلامِ العربِ المعروفِ مخالفٌ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ:\n_________\n(^١) تقدم تخريج البيت فى ص ٢١٥، وينظر تعريف العماد هناك أيضًا.\n(^٢) فى م: \"أو\".\n(^٣) فى م: \"تكرير\".\n(^٤) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لاستفتاح\".\n(^٥) ينظر تعريف الترجمة فى ص ٢٤٦.\n(^٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قائم\".","vol":"2","page":280},{"text":"﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾. يقولُ: وإن عُمِّر (^١).\nوحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.\nوحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾: ولو عُمِّرَ (^٢).\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ فإنه: بمُبْعِدِه ومُنْجِيه (^٣)، كما قال الحُطَيئةُ (^٤):\nوقالُوا تَزَحْزَحْ لا بِنا فَضْلُ حاجةٍ … إليكَ ولا مِنّا لِوَهْيِكَ (^٥) راقِعُ\nيعنى بقولِه: تَزَحْزَحْ: تَباعَدْ. يقالُ منه: زَحْزَحَه يُزَحْزِحُه زَحْزَحَةً وزِحْزَاحًا، وهو عنك يُزَحْزَحُ. أى: هو مُتباعِدٌ.\nفتأويلُ الآيةِ: وما طولُ العمُرِ بمُبْعِدِه من عذابِ اللهِ ولا مُنْجِيه (٣) منه؛ لأنه لا بُدَّ للعُمُرِ من الفناءِ ومصيرِه إلى اللهِ.\nكما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ -قال أبو جعفرٍ: فيما أرى- عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو\n_________\n(^١) سيأتى بتمامه فى ص ٢٨٢.\n(^٢) سيأتى تخريجه فى ص ٢٨٣.\n(^٣) فى م: \"بمنحيه\".\n(^٤) البيت فى الاختيارين ص ٢٢٧، والأغانى ١٤/ ١٥٧، منسوب لقيس بن الحدادية، ونسب الشطر\nالأخير ابن برى -كما فى اللسان (وهـ ى) إلى الحطيئة. والشطر الأول فى الاختيارين:\n*وقالت تزحزح لابنا خلت خلة*\nوفى الأغانى:\n*فقالت تزحزح ما بنا كبر حاجة*\n(^٥) فى الاختيارين والأغانى: \"لفقرك\". والوهى: خرق قليل من السقاء. اللسان (وهـ ى).","vol":"2","page":281},{"text":"عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾. أى: ما هو بمُنْجِيه من العذابِ (^١).\nحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾. يقول: وإنْ عُمِّر، فما [ذلك بمُغْنيه] (^٢) من العذَابِ ولا منجِيه (^٣).\nوحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.\nوحَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمي، عن أبيه، عن جدِّه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ﴾: فهم الذين عادَوْا جبريلَ ﵇ (^٤).\nوحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾: ويهودُ أحرصُ على الحياةِ من هؤلاءِ، وقد وَدَّ هؤلاءِ لو يعَمَّرُ أحدُهم ألفَ سنةٍ، وليس (^٥) بمُزَحْزِحِه من العذابِ لو عُمِّر كما عُمِّر إبليسُ، لَمْ يَنْفَعْه ذلك إذا (^٦) كان كافرًا، لَمْ (^٧) يُزَحْزِحْه ذلك\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٢٧٥، ٢٧٧.\n(^٢) في م: \"ذاك بمغيثه\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٧٩ (٩٥١) من طريق آدم به.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٨٤ عن العوفى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٨٩ إلى المصنّف.\n(^٥) بعده في م، ت ١، ت ٣: \"ذلك\"، وفى ت ٢: \"ذاك\".\n(^٦) في م: \"إذ\".\n(^٧) في م: \"ولم\".","vol":"2","page":282},{"text":"من العذابِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-363>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾.</span>\nيَعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: واللهُ ذو إبصارٍ بما (^٢) يَعمَلون، لا يَخْفَى عليه شيءٌ من أعمالِهم، بل هو بجميعِها مُحيطٌ، ولها حافظٌ ذاكرٌ، حتى يُذِيقَهم بها من العقابِ جزاءَها.\nوأصلُ بصيرٍ مُبْصِرٌ، من قولِك (^٣): أبْصَرْتُ فأنا مُبْصِرٌ. ولكنّه صُرِف إلى \"فَعِيلٍ\"، كما صُرِفَ مُسْمِعٌ إلى سَميعٍ، وعذابٌ مؤلمٌ إلى أليمٍ، ومُبدِعُ السماواتِ إلى بَديعٍ، وما أشبهَ ذلك.\n\n<span id=\"aya-104\"></span><span data-type='title' id=toc-364>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.</span>\nأجمع أهلُ العلمِ بالتأويلِ جميعًا على أنَّ هذه الآيةَ نزَلتْ جوابًا لليهودِ مِن بنى إسرائيلَ، إذ زعَموا أنَّ جبريلَ عدوٌّ لهم، وأن ميكائيلَ وَلِيٌّ لهم. ثم اختلَفوا في السببِ الذى مِن أجلِه قالوا ذلك؛ فقال بعضُهم: إنما (^٤) كان سببُ قيلِهم ذلك مِن أجلِ مناظرةٍ جرَتْ بينهم وبين رسولِ اللهِ ﷺ في أمرِ نبوَّتِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ (^٥) بُكَيرٍ، عن عبدِ الحميدِ بنِ بَهْرامَ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٨٥.\n(^٢) في الأصل: \"ما\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قول القائل\".\n(^٤) ليست في: الأصل.\n(^٥) في م: \"عن\".","vol":"2","page":283},{"text":"شهرِ بنِ حَوْشَبٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: حضَرَتْ عِصابةٌ من اليهودِ رسولَ اللهِ ﷺ فقالوا: يا أبا القاسمِ، حدِّثْنا عن خِلالٍ نسألُك عنهنَّ لا يَعْلَمُهن إلَّا نبيٌّ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"سَلُوا عمَّا شِئْتُم، ولكن اجعَلُوا لى ذِمّةَ اللهِ وما أخَذ يَعْقُوبُ على بَنِيه، لَئِنْ أنا حَدَّثْتُكم شيئًا فعَرَفْتُموه لَتُتَابِعُنِّى (^١) على الإسلامِ\". فقالوا: ذلك لك. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"سَلُونى عمّا شِئْتُم\". فقالوا: أَخْبِرْنَا عن أَربعِ خِلالٍ نسألُك عنهن؛ أَخْبِرْنَا أيُّ الطعامِ حرَّم إسرائيلُ على نفسِه من قبلِ أن تُنَزَّلَ التوراةُ، وأَخْبِرْنَا كيف ماءُ المرأةِ وماءُ الرجلِ، وكيف يكونُ الذكرُ منه والأُنثي، وأَخْبِرْنَا بهذا النَّبِيِّ الأُمِّيِّ في [النومِ، ومن] (^٢) وَلِيُّه مِن الملائكةِ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"عليكم عَهْدُ اللهِ لَئِنْ أنا أَنْبأْتُكم لَتُتَابِعُنِّى (^٣) \". فأعطَوْه ما شاء مِن عهدٍ وميثاقٍ، فقال: \"نَشَدْتُكم بالذى أنْزَلَ التوْراةَ على موسي، هل تَعْلَمون أن إسْرائِيلَ يعقوبَ (^٤) مَرِض مَرَضًا شديدًا، فَطال سَقَمُه منه، فنَذر للهِ (^٤) نَذْرًا لئِن عافاه اللهُ مِن سَقَمِه، ليُحَرِّمَنَّ أَحبَّ الطعامِ والشرابِ إليه، وكانَ أحبَّ الطعامِ إليه لُحْمانُ (^٥) الإبِلِ\" -قال أبو جعفرٍ: فيما أرى أنا- \"وأحَبَّ الشرابِ إليه ألْبانُها؟ \" فقالوا: اللهمَّ نعم. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \" [اللهُمَّ اشْهَدْ عليهم] (^٦). وأنْشُدُكم باللهِ الذى لا إلهَ إلَّا هو، الذى أنْزَلَ التوراةَ على موسي، هل تَعْلَمون أنَّ ماءَ الرَّجُلِ أبيَضُ غليظٌ، وأن ماءَ المرأةِ أصفرُ رقيقٌ، فأيُّهما عَلا كان له الوَلَدُ والشَّبَهُ بإذنِ اللهِ، إذا (^٧) عَلا ماءُ الرجلِ ماءَ المرأةِ كان الولَدُ ذَكَرًا بإِذنِ اللهِ، وإذا علا ماءُ\n_________\n(^١) في ت ٢، ونسخ من الطيالسى: \"لتبايعنى\".\n(^٢) في الأصل، ت ١، ت ٢: \"التوراة و\".\n(^٣) في ت ١، ت ٣، ونسخ من الطيالسى: \"لتبايعنى\"، وفى ت ٢: \"لتبايعوه\"، وغير منقوطة في الأصل.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لحم\".\n(^٦) في م: \"أشهد الله عليكم\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أشهد عليكم\".\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فإذا\".","vol":"2","page":284},{"text":"المرأةِ ماءَ الرجلِ كان الولَدُ أُنْثَى بإذنِ اللهِ؟ \" قالوا: اللهُمَّ نعَم. قال: \"اللهُمَّ اشْهَدْ\". قال: \"وأَنْشُدُكم بالذى أنْزَل التوراةَ على موسي، هل تَعْلَمون أن هذا النَّبِيَّ الأُمِّيَّ تَنامُ عيناه ولا يَنامُ قلبُه؟ \" قالوا: اللهُمَّ نعَم. قال: \"اللهُمَّ اشْهَدْ\". قالوا (^١): أنت الآنَ، فحدِّثْنا مَن وَلِيُّك مِن الملائِكَةِ، فعندَها نجامِعُك (^٢) أو نُفَارِقُك. قال: \"فإن وَلِيِّى جبريلُ، ولم يَبْعَثِ اللهُ نبيًّا قَطُّ إلَّا وهو وليُّه\". قالوا: فعندَها نُفَارقُك؛ لو كان وليُّك سواه مِن الملائِكَةِ تابَعْناك وصدَّقْناك. قال: \"فما يَمْنَعُكُم أن تُصَدِّقوه؟! قالوا: إنه عدوُّنا. فأنْزَل اللهُ ﷿: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. إلى قولِه: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فعندَها باءوا بغضَبٍ على غضَبٍ (^٣).\nوحَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي الحسينِ المكِّيُّ، عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ الأشعرىِّ، أن نَفرًا مِن اليهودِ جاءوا رسولَ اللهِ ﷺ فقالوا له: يا محمدُ، أَخْبِرْنَا عن أربعِ خصالٍ (^٤) نسألُك عنهنَّ، فإن فعَلتَ اتَّبعْناكَ وصدَّقْناكَ وآمنَّا بكَ. فقال لهم (^٤) رسولُ اللهِ ﷺ: \"عليكم بذلك عهدُ اللهِ وميثاقُه، لئن أنا أخْبَرْتُكم بذلك لَتُصَدِّقُنِّى\" قالوا: نعم. قال: \"فسلُوا عمَّا بدَا لكم\". فقالوا: أَخْبِرْنَا كيف يُشْبِهُ الولدُ أُمَّه وإنما النطفةُ مِن الرجلِ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أنْشُدُكم باللهِ وبأيَّامِه (^٥) عندَ بَنى إسرائيلَ، هل تَعْلَمونَ أن نُطفةَ الرَّجُلِ بَيْضاءُ غليظةٌ، ونُطْفَةَ المَرْأةِ صفراءُ رَقيقَةٌ، فأيَّتُهما عَلَت (^٦) صاحبتَها\n_________\n(^١) في الأصل: \"فقالوا\".\n(^٢) في م: \"نتابعك\".\n(^٣) أخرجه الطيالسى (٢٨٥٤)، وابن سعد في الطبقات ١/ ١٧٤، وعبد بن حميد في تفسيره -كما في\nتفسير ابن كثير ١/ ١٨٦ - وأحمد ١/ ٢٧٣، ٢٧٨ (٢٤٧١، ٢٥١٤)، وعبد الله بن أحمد في زوائد\nالمسند ١/ ٢٧٨ (٢٥١٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ٧٠٣ (٣٨١٦)، والطبراني في الكبير (١٣٠١٢)،\nوالبيهقي في الدلائل ٦/ ٢٦٦، ٢٦٧ من طرق عن عبد الحميد بن بهرام به.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بآياته\".\n(^٦) في م: \"غلبت\".","vol":"2","page":285},{"text":"كان لها الشَّبَهُ؟ \" قالوا: اللهُمَّ نعم. قالوا: فأَخْبِرْنَا كيف نومُك؟ قال: \"أَنْشُدُكم باللهِ وبأيَّامِه عندَ بَنِى إسرائيلَ، هل تعْلَمون أن [نومَ هذا] (^١) النبيِّ الذى تزعُمون أنى لستُ به، تنامُ عينُه (^٢) وقلبُه يقظانُ؟ \" (^٣) قالوا: اللهُمَّ نعم. قال: \" [فكذلك نَوْمِى؛ تَنامُ عَينى وقَلْبى يقظانُ\". قالوا: فأَخْبِرْنَا عمَّا] (^٤) حرَّم إسرائيلُ على نفسِه (^٥)، فقال: \" [أنْشُدُكم باللهِ وبأيَّامِه عندَ بَنِى إسرائيلَ] (^٦)، هل تَعْلَمون أنه كان أحبَّ الطعامِ والشرابِ إليه ألْبانُ الإبلِ ولُحُومُها، وأنه اشْتَكَى شكوَى فعافاه اللهُ منها، فحرَّم أحَبَّ الطعامِ والشرابِ إليه شُكْرًا (^٧) للهِ، فحرَّم على نَفْسِه لُحُومَ الإبِلِ وأَلْبَانَها؟ \" قالوا: اللهمَّ نعَم. قالوا: فأَخْبِرْنَا عن الرُّوح. قال: \"أَنْشُدُكم باللهِ وبأيَّامِه عندَ بنى إسْرائيلَ، هل تَعْلَمون أنه جبريلُ، وهو الذى يَأْتِينى؟ \" قالوا: نعَم، ولكنه لنا عدوٌّ، وهو مَلَكٌ إنما يأتِي بالشِّدَّةِ وسفْكِ الدماءِ، فلولا ذلك اتبعْناك. فأنْزَل اللهُ فيهم: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٨).\nحَدَّثَنَا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: حَدَّثَنِي القاسمُ بنُ أبي بَزَّةَ، أن يهودَ سألوا النَّبِيَّ ﷺ مَن صاحبُه الذى يَنْزِلُ عليه بالوحىِ؟ فقال: \"جبريلُ\". قالوا: فإنه لنا عدوٌّ، ولا يأتى إلَّا بالحربِ والشدَّةِ والقتالِ. فنَزَل: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية. قال ابنُ جُرَيْجٍ: وقال\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"عيناه\".\n(^٣) في م: \"هذا النبي الأمى تنام عيناه ولا ينام قلبه\".\n(^٤) في م \"اللهم اشهد. قالوا: أخبرنا أى الطعام\".\n(^٥) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من قبل أن تنزل التوراة\".\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) في الأصل: \"تشكرا\".\n(^٨) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٣. وتقدم طرف منه في ص ٢٢٢.","vol":"2","page":286},{"text":"مجاهدٌ: قالت يهودُ: يا محمدُ، ما يَنْزِلُ جبريلُ إلَّا بشدَّةٍ وحربٍ وقتالٍ (^١)، وإنه لنا لعدوٌّ. فنزَل: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية (^٢).\nوقال آخَرون: بل كان سَبَبُ قِيلِهم ذلك مِن أجلِ مُناظرةٍ جرَت بين عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ وبينهم في أمرِ النَّبِيِّ ﷺ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا رِبْعِيُّ ابنُ عُلَيَّةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: نزَل عمرُ بنُ الخطابِ الرَّوْحَاءَ (^٣)، فرأَى رجالًا يَبْتَدِرُون أحجارًا يُصَلُّون إليها، فقال: ما بالُ (^٤) هؤلاءِ؟ قالوا: يَزْعُمون أن رسولَ اللهِ ﷺ صلَّى ههنا. قال: فكرِه ذاك، وقال: إنَّما رسولُ اللهِ ﷺ أدركَتْه الصلاةُ بوادٍ، فصلَّي، ثم ارتحل وترَكه. ثم أنشأ يُحَدِّثُهم فقال: كنتُ أشْهَدُ اليهودَ يومَ مِدْراسِهم (^٥)، فأعْجَبُ مِن التوراةِ كيف تُصَدِّقُ الفُرقانَ، ومِن الفرقانِ كيف يُصَدِّقُ التوراةَ، فبينما أنا عندَهم ذاتَ يومٍ قالوا: يا بنَ الخطابِ، ما مِن أصحابِك أحدٌ أحبَّ إلينا منك. قلتُ: ولمَ ذلك؟ قالوا: إنك تَغْشانا وتَأْتِينا. قال: قلتُ: إنِّي آتِيكم فأعْجَبُ مِن الفُرْقانِ كيف يُصَدِّقُ التوراةَ، ومِن التوراةِ كيف تُصَدِّقُ الفرقانَ. قال: ومرَّ رسولُ اللهِ ﷺ فقالوا: يا بنَ الخطابِ، ذاك صاحبُكم فالحَقْ به. قال: فقلتُ لهم عند ذلك: نَشَدْتكم باللهِ الذى لا إلهَ إلَّا هو، وما استرعاكم مِن حَقِّه واسْتَودَعَكم مِن كتابِه، أَتَعْلَمون أنه\n_________\n(^١) في م: \"قالوا\".\n(^٢) أخرجه سنيد في تفسيره -كما في تفسير ابن كثير ١/ ١٨٦ - عن حجاج بن محمد به.\n(^٣) الروحاء: بئر مأثورة ارتوى منها النبي ﷺ في غزوة بدر تبعد عن المدينة نحو ٧٥ كيلو متر. صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار ٥/ ١٧٩.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٥) المدراس: البيت الذى يدرس فيه اليهود التوراة. ينظر النهاية ٢/ ١١٣.","vol":"2","page":287},{"text":"رسولُ اللهِ؟ قال: فسكَتوا. قال: فقال عالمُهم وكبيرُهم: إنه قد عظَّم عليكم فأَجِيبوه. قالوا: أنت عالمُنا وسيدُنا، فأَجِبْه أنت. قال: أَمَّا إذ نشدْتَنا [بما نَشَدْتنا] (^١) به، فإنّا نَعْلَمُ أنه رسولُ اللهِ. قال: قلتُ: وَيْحَكم! فأنَّى (^٢) هلَكتُم! قالوا: إنَّا لَمْ نَهْلِكْ. قال: قلتُ: كيف ذاك وأنتم تَعْلَمون أنه رسولُ اللهِ، ثم لا تَتَّبِعونه ولا تُصَدِّقونه؟ قالوا: إن لنا عدوًّا مِن الملائكةِ وسِلْمًا مِن الملائكةِ، وإنه قُرِن بنبوَّتِه (^٣) عدُوُّنا مِن الملائكةِ. قال: قلتُ: ومَن عدوُّكم ومَن سِلْمُكم؟ قالوا: عدوُّنا جبريلُ وسِلْمُنا ميكائيلُ. قال: قلتُ: وفيمَ عاديْتُم جبريلَ وفيمَ سالمتم ميكائيلَ؟ قالوا: إن جبريلَ مَلَكُ الفظاظةِ والغلظةِ والإعسارِ والتشديدِ والعذابِ ونحوِ ذلك، وإن ميكائيلَ ملَكُ الرأفةِ والرحمةِ والتخفيف ونحوِ هذا. قال: قلتُ: وما منزِلتُهما مِن ربِّهما؟ قالوا: أحدُهما عن يمينِه والآخرُ عن يسارِه. قال: فقلتُ: فواللهِ الذى لا إلهَ إلَّا هو، إنهما والذى بينهما لعَدوٌّ لمَن عاداهما، وسِلْمٌ لمَن سالَمَهما، ما يَنْبَغى لجبريلَ أن يُسالمَ عدوَّ ميكائيلَ، و[ما ينْبَغِى] (^٤) لميكائيلَ أن يُسالمَ عدوَّ جبريلَ. قال: ثم قمتُ فاتَّبعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فلحِقْتُه وهو خارجٌ مِن خَوْخَةٍ (^٥) لبنى فلانٍ، فقال لى: \"يا بنَ الخطابِ، ألا أُقْرِئُك آياتٍ نزَلْنَ قبلُ (^٦) \"؟ فقرَأ عليَّ: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ حتى قرَأ الآياتِ. قال: قلتُ: بأبي وأمى يا رسولَ اللهِ، والذى بعَثك بالحقِّ، لقد جِئْتُ وأنا أُرِيدُ أن أُخْبِرَك\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م: \"أي\"\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"به\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لا\".\n(^٥) في م: \"خرقة\". والخوخة: باب صغير كالنافذة الكبيرة، وتكون بين بيتين ينصب عليها باب. النهاية ٢/ ٨٦.\n(^٦) سقط من: م.","vol":"2","page":288},{"text":"الخبرَ، فأسمعُ اللطيفَ الخبيرَ قد سبَقنى إليك بالخبرِ (^١).\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ (^٢) إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن الشَّعْبيِّ، قال: قال عمرُ: كنتُ رجلًا أغْشَى اليهودَ في يومِ مِدْراسِهم. ثم ذكَر نحوَ حديثِ رِبْعِيٍّ.\nوحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن عمرَ بنَ الخطابِ انْطَلَق ذاتَ يومٍ إلى اليهودِ، فلمَّا أبْصَروه رحَّبوا به، فقال لهم عمرُ: أمَا واللهِ ما جئْتُ لحُبِّكم ولا للرغبةِ فيكم، ولكن جئتُ لأسْمَعَ منكم. فسألهم وسألوه، فقالوا: مَن صاحبُ صاحبِكم؟ فقال لهم: جبريلُ. فقالوا: ذاك عدوُّنا مِن أهلِ السماءِ، يُطْلِعُ محمدًا على سرِّنا، وإذا جاء جاء بالحربِ والسَّنَةِ (^٣)، ولكنَّ صاحبَ صاحبِنا ميكائيلُ، وكان إذا جاء جاء بالخِصْبِ وبالسِّلْمِ. فقال لهم عمرُ: أفتَعْرِفون جبريلَ وتُنْكِرون محمدًا؟ ففارَقَهم عمرُ عندَ ذلك وتوجَّه نحوَ رسولِ اللهِ ﷺ ليُحَدِّثَه حديثَهم، فوجَده قد أُنْزِلت عليه هذه الآيةُ: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (^٤).\nوحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن قتادةَ، قال: بلغَنا أن عمرَ بنَ الخطابِ أقبلَ إلى (^٥) اليهودِ يومًا. فذكَر نحوَه.\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده -كما في المطالب العالية (٣٨٩١) - من طريق داود به. وقال السيوطي في الدر المنثور ١/ ٩٠: صحيح الإسناد، ولكن الشعبى لم يدرك عمر.\n(^٢) في م: \"قال: ثنا\".\n(^٣) السنة: القحط والجدب. اللسان (س ن هـ).\n(^٤) عزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ٩٠ إلى المصنف.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"على\".","vol":"2","page":289},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال: قالت اليهودُ: إن جبريلَ هو عدوُّنا؛ لأنه يَنْزِلُ بالشِّدَّةِ والحربِ والسِّنَةِ، وإن ميكائيلَ يَنْزِلُ بالرخاءِ والعافيةِ والخِصْبِ، فجبريلُ عدوُّنا. فقال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ (^١).\nوحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. قال: كان لعمرَ بنِ الخطابِ أرضٌ بأعلَى المدينةِ، فكان يأتيها، وكان مَمَرُّه على طريقِ مِدْراسِ اليهودِ، وكان كُلَّما [مرَّ عليهم] (^٢) دخَل عليهم فيسمَعُ (^٣) منهم، وإنه دخَل عليهم ذاتَ يومٍ، فقالوا: يا عمرُ، ما في أصحابِ محمدٍ أحدٌ أحبَّ إلينا منك، إنهم يَمُرُّون بنا فيُؤْذُوننا، وَتمُرُّ بنا فلا تُؤْذِينا، وإِنَّا لنَطْمَعُ فيك. قال لهم عمرُ: أيُّ يمينٍ فيكم أعظمُ؟ قالوا: الرحمنُ الذى أنزَل التوراةَ على موسى بطُورِ سَيْنَاءَ. قال لهم عمرُ: فأَنْشُدُكم بالرحمنِ الذى أنْزَل التوراةَ على موسى بطُورِ سَينَاءَ، أتجِدُون محمدًا ﷺ عندَكم. فأُسْكِتوا، فقال: تَكَلَّموا، ما شأنُكم؟ فواللهِ ماسألتُكم وأنا شاكٌّ في شيءٍ مِن دينى. فنظَر بعضُهم إلى بعضٍ، فقام رجلٌ منهم فقال: أخْبِروا الرجلَ، لَتُخْبِرُنَّه أو لأُخْبِرَنَّه. قالوا: نعم، إنَّا لَنجِدُه مكتوبًا عندَنا، ولكنَّ صاحبَه مِن الملائِكةِ الذى يأتيه بالوحىِ هو جبريلُ، وجبريلُ عدوُّنا، وهو صاحبُ كلِّ عذابٍ أو قِتالٍ أو خَسْفٍ، ولو أنه كان وليُّه ميكائيلَ إذن لآمنَّا به، فإن ميكائيلَ صاحبُ كلِّ رحمةٍ وكلِّ غَيْثٍ. قال لهم عمرُ: فأَنْشُدُكم بالرحمنِ الذى أنْزلَ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٢، ٥٣.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م: \"سمع\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فسمع\".","vol":"2","page":290},{"text":"التوراةَ على موسى بطُورِ سَيْنَاءَ، أين مكانُ جبريلَ مِن اللهِ؟ قالوا: جبريلُ عن يمينِه، وميكائيلُ عن يسارِه. قال عمرُ: فأشْهَدُ (^١) أن الذى هو عدوٌّ للذى عن يمينِه عدوٌّ للذى هو عن يسارِه، والذى هو عدوٌّ للذى هو عن يسارِه، عدوٌّ للذى هو عن يمينِه، وأنه مَن كان عدوَّهما فإنه عدوٌّ للهِ. ثم رجَع عمرُ ليُخْبِرَ النبيَّ ﷺ فوجَد جبريلَ قد سبَقه بالوحىِ، فدعاه النبيُّ ﷺ فقرَأه عليه، فقال عمرُ: والذى بعَثك بالحقِّ، لقد جئْتُك وما أُرِيدُ إلَّا أن أُخْبِرَك (^٢).\nوحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ الحَجَّاجِ الرازيُّ، قال: [ثنا أبو زُهَيْرٍ عبدُ الرحمنِ بنُ مَغْراءَ، عن مجالدٍ] (^٣)، عن الشَّعْبيِّ، قال: انْطَلق عمرُ إلى يهودَ، فقال: إنى أَنْشُدُكم بالذى أنزَل التوراةَ على موسى، هل تَجِدون محمدًا ﷺ في كتابِكم؟ فقالوا: نعَم. فقال: فما يَمنعُكم أن تَتَّبِعوه؟ فقالوا: إن اللهَ لم يَبْعَثْ رسولًا إلَّا كان له مِن الملائكةِ كِفْلٌ، وإن جبريلَ هو الذى يَتَكَفَّلُ بمحمدٍ ﷺ، وهو عدوُّنا مِن الملائكةِ، وميكائيلُ سِلْمُنا، فلو كان هو الذى يأتيه اتَّبَعْناه. قال: فإنى أَنْشُدُكم بالذى أنْزَل التوراةَ على موسى، ما منزلتُهما مِن ربِّ العالمين؟ قالوا: جبريلُ عن يمينِه، وميكائيلُ عن جانبِه الآخَرِ. فقال: إنى أَشْهَدُ ما يقولان إلَّا بإذنِ اللهِ، وما كان ميكائيلُ ليُعَادِىَ سِلْمَ جبريلَ، وما كان جبريلُ ليُسَالِمَ عدوَّ ميكائيلَ. إذ مرَّ نبيُّ اللهِ ﷺ، فقالوا: هذا صاحبُك يا بنَ الخطابِ. فقام إليه، فأتاه وقد أُنْزِل عليه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. إلى قولِه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فأشهدكم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٩٠ إلى المصنف.\n(^٣) في م: \"ثنا عبد الرحمن بن مغراء، قال: ثنا زهير، عن مجاهد\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٢٨٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٨١ من طريق مجالد به.","vol":"2","page":291},{"text":"وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا حُصَيْنُ (^١) بنُ عبدِ الرحمنِ، عن ابنِ أبي ليلى في قولِه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾. قال: قالت اليهودُ للمسلمين: لو أن ميكائيلَ كان الذى يَنْزِلُ عليكم لَتَبِعْناكم، فإنه يَنْزِلُ بالرحمةِ والغَيْثِ، وإن جبريلَ يَنْزِلُ بالعذابِ والنِّقْمَةِ، وهو لنا عدوٌّ. قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ (^٢).\nوحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا (^٣) عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ بنحوٍ مِن ذلك.\nوأمَّا تأويلُ الآيةِ، أعنى قولَه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. فهو أن اللهَ تعالى ذكرُه يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ لمعاشرِ اليهودِ مِن بنى إسرائيلَ الذين زعَموا أن جبريلَ لهم عدوٌّ، من أجلِ أنه صاحبُ عذابٍ وسطواتٍ وعقوباتٍ، لا صاحبُ وَحْيٍ وتنزيلٍ ورحمةٍ، فأَبَوُا اتِّباعَك، وجحَدوا نبوَّتَك، وأنكَروا ما جئتَهم به مِن آياتى وبيِّناتِ حُكْمِى، مِن أجلِ أن جبريلَ وليُّك وصاحبُ وحيىِ إليك، وزعَموا أنه لهم عدوٌّ-: مَن يكنْ مِن الناسِ لجبريلَ عَدُوًّا، ومُنْكِرًا أن يكونَ صاحبَ وحىِ اللهِ إلى أنبيائِه، وصاحبَ رحمتِه، فإنى له وليٌّ وخليلٌ، ومُقِرٌّ بأنه صاحبُ وحىِ اللهِ إلى أنبيائِه ورسلِه، وأنه هو الذى يُنَزِّلُ وحىَ اللهِ على قلبى مِن عند ربى، بإذنٍ من ربي له بذلك، فيَرْبِطُ به على قلبي ويَشْدُدُ به فؤادِى.\nكما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ ابنُ عُمارةَ،\n_________\n(^١) في الأصل: \"أبو حصين\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٨٢ (٩٦١) من طريق حصين بن عبد الرحمن به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ٩١ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في الأصل: \"وأخبرنا\".","vol":"2","page":292},{"text":"عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾. قال: وذلك أن اليهودَ قالت حين سألتْ محمدًا ﷺ عن أشياءَ كثيرةٍ، فأخبرَهم بها على ما هى عندَهم-: إلَّا جبريلَ، فإن جبريلَ كان عندَ اليهودِ صاحبَ عذابٍ وسَطْوةٍ، ولم يكنْ عندَهم صاحبَ وَحْىٍ -يعنى: تنزيلٍ مِن اللهِ على رسلِه- ولا صاحبَ رحمةٍ. فأخْبَرهم رسولُ اللهِ ﷺ فيما سألُوه عنه؛ أن جبريلَ صاحبُ وَحْىِ اللهِ، وصاحبُ نِقَمِه (^١)، وصاحبُ رحمتِه. فقالوا: ليس بصاحبِ وحىٍ ولا رحمةٍ، وهو لنا عدوٌّ. فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه إكذابًا لهم: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾. يقولُ: فإن جبريلَ ﴿نَزَّلَهُ﴾. يقولُ: نزَّل القرآنَ [مِن عندى ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾. يقولُ: على قلبِك يا محمدُ: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يقولُ] (^٢): بأمرِ اللهِ. يقولُ (^٣): يَشْدُدُ به فؤادَك، ويَرْبِطُ به على قلبِك -يعنى: بوحْيِنا الذى نَزَل به جبريلُ عليك مِن عندِ اللهِ- وكذلك يَفْعلُ بالمرسلينَ والأنبياءِ مِن قبلِك (^٤).\nوحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يقولُ: أنْزَل الكتابَ على قلبِك بإذنِ اللهِ.\nوحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾. يقولُ: نَزَّل الكتابَ على قلبِك جبريلُ (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"نقمته\"\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٨٠ (٩٥٣، ٩٥٥، ٩٥٦، ٩٥٧) من طريق أبي كريب به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٨٠ عقب الأثر (٩٥٤) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"2","page":293},{"text":"وإنما قال جل ثناؤُه: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾. وهو يعني بذلك قلبَ محمدٍ ﷺ، وقد أمَر محمدًا ﷺ في أولِ الآيةِ أن يُخْبِرَ اليهودَ بذلك عن نفسِه، ولم يَقُلْ: فإنه نَزَّله على قلبى. ولو قِيلَ: على قلبى. كان صوابًا مِن الكلامِ؛ لأن مِن شأنِ العرب إذا أمَرَت رجلًا أن يَحْكِىَ ما قِيلَ له عن نفسِه، أن تُخْرِجَ فعلَ المأمورِ مرَّةً مضافًا إلى [كنايتِه، كهيئةِ] (^١) المخبِرِ عن نفسِه، إذ كان هو المُخبرَ عن نفسِه، ومرَّةً مضافًا إلى اسمِه، كهَيْئةِ كنايةِ اسمِ المخاطبِ؛ لأنه به مُخاطبٌ. فتقولُ في نظيرِ ذلك: قُلْ للقومِ: إن الخيرَ عندِى كثيرٌ. فتُخْرِجُ كنايةَ اسمِ [المأمورِ كهيئةِ اسمِ] (^٢) المخبرِ عن نفسِه؛ لأنه المأمورُ أن يُخبرَ بذلك عن نفسِه. وقلْ للقومِ: إن الخيرَ عندَك كثيرٌ. فتُخْرجُ كنايةَ اسمِه أُخْرى (^٣) كهيئةِ كنايةِ اسمِ المُخاطَبِ؛ لأنه وإن كان مأمورًا بقيلِ ذلك، فهو مخاطبٌ مأمورٌ بحكايةِ ما قِيلَ له. وكذلك: لا تقلْ للقومِ: إنى قائمٌ. ولا تَقُلْ لهم: إنك قائمٌ. والياءُ مِن \"إنى\" اسمُ المأمورِ بقولِ ذلك على ما وَصَفنا. ومِن ذلك قولُ اللهِ ﷿: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ و(سَيُغْلَبُونَ) (^٤) [آل عمران: ١٢] بالياءِ والتاءِ [مثلَ الذى وصَفنا سواءً] (^٥).\nوأما جبريلُ، فإن للعربِ فيه لغاتٍ، فأما أهلُ الحجازِ فإنهم يقولون: جِبريلُ وميكالُ. بغيرِ همزٍ، بكَسْرِ الجيمِ والراءِ من جِبريلَ، وبالتخفيفِ. وعلى القراءةِ بذلك عامةُ قَرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"كناية نفس\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) سيأتى تخريج هاتين القراءتين في موضعها.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) وهى قراءة أبي عمرو وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ١٦٦.","vol":"2","page":294},{"text":"وأما تميمٌ وقيسٌ وبعضُ نجدٍ فإنهم يقولون: جَبْرَئيلُ ومِيكائيلُ. على مثالِ: جَبْرَعيل ومِيكاعيل. بفتحِ الجيمِ والراءِ، وبهمزٍ، وزيادةِ ياءٍ بعدَ الهمزةِ. وعلى القراءةِ بذلك عامةُ قَرأةِ أهلِ الكوفةِ (^١)، كما قال جرير بنُ عطيةَ (^٢):\nعَبَدُوا الصَّلِيبَ وَكَذَّبوا بمُحَمَّدٍ … وبجَبْرَئِيلَ وَكَذَّبُوا مِيكالَا\nوقد ذُكِرَ عن الحسنِ البصرىِّ وعبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ أنهما كانا يقرأان: (جَبْرِيل). بفتحِ الجيمِ وتركِ الهمزِ.\nوهى قراءةٌ غيرُ جائزةٍ القراءةُ بها (^٣)؛ لأن \"فَعْليلَ\" (^٤) في كلامِ العربِ غيرُ موجودٍ. وقد أجاز (^٥) ذلك بعضُهم، وزعَم أنه اسمٌ أعْجَميٌّ، كما يُقالُ: سَمْوِيلُ (^٦). وأنْشَد في ذلك (^٧):\nبحيث لو وُزِنَتْ لَخْمٌ بأجْمَعِها … [ما وَازَنَتْ] (^٨) ريشَةً مِن رِيشِ سَمْوِيلا (^٩)\nوأما بنو أسدٍ فإنها تقولُ: جِبْرِينُ. بالنونِ.\nوقد حُكِىَ عن بعضِ العربِ أنها تَزيدُ في جبريلَ أَلِفًا فتقولُ: جِبرائيلُ وميكائيلُ.\nوقد حُكِىَ عن يحيى بنِ يَعْمَرَ أنه كان يقرأُ: (جَبْرَئِلّ) بفتحِ الجيمِ، والهمزِ، وتركِ المدِّ، وتشديدِ اللامِ (^١٠).\n_________\n(^١) وهى قراءة حمزة والكسائى، ورواية عن أبي بكر عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ١٦٧.\n(^٢) ديوانه ١/ ٥٢.\n(^٣) بل هى قراءة متواترة مستفيض نقلها.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فعيل\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"اختار\".\n(^٦) في ت ٢، ت ٣: \"شمويل\"، وسمويل: طائر، وقيل: بلدة كثيرة الطير. اللسان (س م ل). والبيت فيه.\n(^٧) البيت للربيع بن زياد العبسى، وهو في الفاخر ص ١٧٣، والأغانى ١٧/ ١٨٦.\n(^٨) في مصادر التخريج: \"لم يعدلوا\".\n(^٩) في ت ١، ت ٣: \"شمويلا\"، بالشين، وهو رواية للبيت، ويروى أيضًا: \"قِتْميلا\".\n(^١٠) مختصر الشواذ لابن خالويه، والبحر المحيط ١/ ٣١٨.","vol":"2","page":295},{"text":"فأما \"جَبْر\" و\"ميك\"، فإنهما هما الاسمان اللذان أحدُهما بمعنى \"عَبْدٍ\"، والآخرُ بمعنى \"عُبَيدٍ\".\nوأما \"إيل\" فهو اللهُ تعالى ذِكْرُه، كما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ الحِمَّانِىُّ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: جبريلُ وميكائيلُ كقولِك: عبدُ اللهِ.\nوحدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النَّحْوِىِّ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جبريلُ: عبدُ اللهِ، وميكائيلُ: عُبَيدُ اللهِ، وكلُّ اسمِ \"إيلَ\" فهو اللهُ.\nوحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن إسماعيلَ بنِ رجاءٍ، عن عميرٍ (^١) مولى ابنِ عباسٍ، [عن ابنِ عباسٍ] (^٢)، أن إسرائيلَ وميكائيلَ وجبريلَ وإسرافيلَ، كقولِك: عبدُ اللهِ (^٣).\nوحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ بنِ عمرٍو، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ، قال: \"إيلُ\" اللهُ بالعِبْرانيةِ (^٣).\nوحدَّثنا الحسينُ بنُ يزيدَ الطَّحَّانُ (^٤)، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا قيسٌ، عن عاصمٍ، عن عِكْرِمةَ، قال: جبريلُ اسمُه عبدُ اللهِ، وميكائيلُ اسمُه عُبَيدُ اللهِ، \"إيل\" اللهُ (^٥).\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عمر\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٣٨١.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تقدم في ١/ ٥٩٣.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الضحاك\". وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٥٠١.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٨٧ عن المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٩١ إلى ابن المنذر.","vol":"2","page":296},{"text":"وحدَّثنى الحسينُ بنُ عمرِو بنِ محمدٍ العَنْقَزِىُّ (^١)، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرىُّ، قال: ثنا سفيانُ، من [محمدِ بنِ عمرِو بنِ علقمةَ، عن] (^٢) محمدِ ابنِ عمرِو بنِ عطاءٍ، عن علىِّ بنِ حسينٍ، قال: اسمُ جبريلَ عبدُ اللهِ، واسمُ ميكائيلَ عُبَيدُ اللهِ، واسمُ إسْرافيلَ عبدُ الرحمنِ، وكلُّ مُعَبَّدٍ بـ \"إيل\" فهو عبدُ اللهِ.\nحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا قَبيصةُ بنُ عُقْبةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمدٍ المَدنىِّ -قال المثنَّى: قال قبيصةُ: أُراه محمدَ بنَ إسحاقَ- عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ عطاءٍ، عن علىِّ بنِ حسينٍ، قال: ما تَعُدُّون جبريلَ في أسمائِكم؟ قال: جبريلُ عبدُ اللهِ، وميكائيلُ عُبيدُ اللهِ، وكلُّ اسمٍ فيه \"إيلُ\" فهو مُعَبَّدٌ للهِ.\n[وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ عطاءٍ، عن علىِّ بنِ حسينٍ، قال: اسمُ جبريلَ عبدُ اللهِ، وميكائيلَ عبيدُ اللهِ، وكلُّ اسمٍ فيه \"إيلُ\" فهو مُعَبَّدٌ للهِ] (^٢).\nوحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ عطاءٍ، عن علىِّ بنِ حسينٍ، قال: قال لى: هل تَدْرِى ما اسمُ جبريلَ مِن أسمائِكم؟ قال: قلت: لا. قال: عبدُ اللهِ. فهل تَدْرِى ما اسمُ ميكائيلَ مِن أسمائِكم؟ قلتُ: لا. قال: عُبيدُ اللهِ. قال: وقد سَمَّى لى إسرافيلَ (^٣) باسمٍ نحوِ ذلك فنَسِيتُه، إلَّا أنَّه\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"العبقرى\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م: \"إسرائيل\".","vol":"2","page":297},{"text":"قد قال لى: أرأيتَ كلَّ اسمٍ يَرْجِعُ إلى \"إيل\"، فهو مُعَبَّدٌ لله (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن عِكْرمةَ في قولِه: ﴿جِبْرِيلَ﴾. قال: \"جبر\" عبدٌ، \"إيلُ\" اللهُ، و\"ميكا\" قال: عبدٌ، \"إيلُ\" الله (^٢).\nفهذا تأويلُ مَن قرأ: (جَبْرَائيل). بالفتحِ، والهمزِ، والمدِّ، وهو إن شاء اللهُ معنى مَن قرَأ بالكسرِ، وتَرَكَ الهمْزَ.\nوأما تأويلُ مَن قرَأ ذلك بالهمزِ وتَرْكِ المدِّ وتشديدِ اللامِ، فإنه قصَد بقراءتِه ذلك كذلك، إلى إضافةِ \"جَبْر\" و\"ميكا\" إلى اسمِ اللهِ الذى يُسَمَّى به بلسانِ العربِ، دون السريانىِّ والعِبْرانىِّ، وذلك أن \"الإلّ\" بلسانِ العربِ: اللهُ، كما قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠]. فقال جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ: \"الإلُّ\" هو اللهُ. ومنه قولُ أبى بكرٍ الصديقِ ﵁ لوفدِ بنى حَنِيفةَ، حين سأَلهم عما كان مُسَيلِمةُ يقولُه، فأخبروه - فقال لهم: وَيحَكُم! أين ذُهِبَ بكم؟ فواللهِ، إن هذا الكلامَ ما خرَج مِن إلٍّ ولا بِرٍّ (^٣). يعنى بقولِه: مِن إِلٍّ: مِن اللهِ.\nوقد حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سليمانَ التيمىِّ، عن أبى مِجْلزٍ في قولِه: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾. قال: قولُه: \"جبريلُ\"\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"به\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٨٢ (٩٦٦)، وأبو الشيخ في العظمة (٣٨٤) من طريقين عن ابن إسحاق به.\n(^٢) علقه البخارى في باب قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ من كتاب التفسير. فتح البارى ٨/ ١٦٥، وعلقه أيضا ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٨٢ عقب الأثر (٩٦٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٩١ إلى وكيع.\n(^٣) ينظر تاريخ المصنف ٣/ ٣٠٠.","vol":"2","page":298},{"text":"\"ميكائيلُ\" \"إسرافيلُ\"، كأنه يقولُ حين يُضِيفُ \"جبر\" و\"ميكا\" و\"إسرا (^١) \" إلى \"إيلَ\" يقولُ: عبدُ اللهِ، فقال: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا﴾. كأنه يقولُ: لا يَرْقُبون اللهَ ﷿ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-365>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤُه بقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: القرآنَ. ونصب ﴿مُصَدِّقًا﴾ على القطعِ مِن \"الهاءِ\" التى في قوله: ﴿نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ فمعنى الكلامِ: فإن جبريلَ نزّل القرآنَ على قلبِك يا محمدُ، مصدقًا لما بين يَدَىِ القرآنِ. يعنى بذلك: مُصدِّقًا لما سلَف مِن كُتُبِ اللهِ أمامَه، ونزَل على رسلِه الذين كانوا قبلَ محمدٍ ﷺ. وتصديقُه إياها مُوافقةُ معانِيه معانيَها في الأمرِ باتِّباعِ محمدٍ ﷺ، وما جاء به مِن عندِ اللهِ، وفى (^٣) تصديقِه.\nكما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مُصَدِّقًا﴾ يقولُ: مصدِّقًا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. يقولُ: لما قبلَه مِن الكُتُبِ التى أنزَلَها اللهُ، والآياتِ، والرسلِ الذين بعَثهم اللهُ بالآياتِ، نحو موسى ونوحٍ وهودٍ وشعيبٍ وصالحٍ، وأشباهِهم مِن المرسلين (^٤).\nوحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (^٥): مِن التوراةِ والإنجيلِ (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: \"سرا فى\".\n(^٢) ينظر ما سيأتى في تفسير هذه الآية من سورة التوبة.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هى\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٨٠ (٩٥٧) من طريق أبي كريب به.\n(^٥) بعده إحالة غير واضحة في الأصل.\n(^٦) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٨١ عقب الأثر (٩٥٨) معلقًا.","vol":"2","page":299},{"text":"وحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرييعِ مثلَه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-366>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)﴾.</span>\nيعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَهُدًى﴾: ودليلٌ وبرهانٌ، وإنما سمَّاه اللهُ جل ثناؤُه هدًى لاهتداءِ المؤمنِ به، واهتداؤُه به اتخاذُه إياه هاديًا يَتْبعُه، وقائدًا يقْتادُ لأمرِه ونهيِه، وحلالِه وحرامِه. والهادى مِن كلِّ شيءٍ ما تَقدَّم أمامَه. ومِن ذلك قيل لأوائلِ الخيلِ: هَوادِيها. وهو ما تَقدَّم أمامَها، ولذلك (^٢) قِيلَ للعُنقِ: الهادى. لتَقدُّمِها أمامَ سائرِ الجسدِ.\nوأما البُشْرَى، فإنها البِشارةُ. أخْبَر اللهُ عبادَه المؤمنين أن القرآنَ لهم بُشْرَى منه؛ لأنه أعْلَمهم فيه ما أعدَّ لهم مِن الكرامةِ عندَه في جِنانِه، وما هم إليه صائرون في مَعادِهم مِن ثوابِه، وذلك هو البُشْرَى الذى (^٣) بَشَّر اللهُ المؤمنين بها في كتابِه؛ لأن البِشارَةَ في كلامِ العربِ إعلامُ الرجلِ [الرجلَ ما] (^٤) يكن به عالمًا مما يُسَرُّ به مِن الخيرِ، قبلَ أن يَسْمَعَه مِن غيرِه، أو يَعْلمَه مِن قِبَلِ غيرِه. وقد رُوِىَ عن قتادةَ في ذلك قولٌ قريبُ المعنى مما قُلْناه.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: [جعَل اللهُ هذا القرآنَ هُدًى وبُشْرَى للمؤمنين] (^٥)؛ لأن المؤمنَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٨١ عقب الأثر (٩٥٨) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) في م، ت ٢: \"كذلك\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"التى\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بما\".\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":300},{"text":"إذا سمِع القرآنَ حفِظه ووعاه (^١)، وانْتَفَع به، واطْمَأنَّ إليه، وصدَّق بموعودِ اللهِ الذى وعَد فيه، وكان على يقينٍ مِن ذلك (^٢).\n\n<span id=\"aya-105\"></span><span data-type='title' id=toc-367>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ (^٣) فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه [عن عداوتِه] (^٤) مَن عاداه وعادَى جميعَ ملائكتِه ورسلِه، وإعلامٌ منه أن مَن عادَى جبريلَ فقد عاداه وعادَى ميكائيلَ، وعادَى جميعَ ملائكتِه ورسلِه؛ لأنَّ الذين سمَّاهم اللهُ في هذه الآيةِ هم أولياءُ اللهِ وأهلُ طاعتِه، ومَن عادَى للهِ وَليًّا فقد عادَى اللهَ وبارَزه بالمحاربةِ، ومن عادَى اللهَ فقد عادَى جميعَ أهلِ طاعتِه وولايتِه؛ لأنَّ العدوَّ للهِ عدوٌّ أوليائِه، والعدوَّ لأوليائِه عدوٌّ له. فلذلك (^٥) قال اللهُ تعالى ذكرُه لليهودِ الذين قالوا: إنَّ جبريلَ عدوُّنا مِن الملائكةِ، وميكائيلَ وليُّنا منهم: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾. مِن أجلِ أنَّ عدوَّ جبريلَ عدوُّ كلِّ ولىٍّ للهِ، فأخبرَهم جلَّ ثناؤه أنَّ مَن كان عدوًّا لجبريلَ، فهو لكلِّ مَن ذكَره؛ مِن ملائكتِه ورسلِه وميكائيلَ، عدوٌّ، وكذلك عدوُّ بعضِ رسلِ اللهِ عدوٌّ للهِ ولكلِّ ولىٍّ للهِ (^٦).\nوقد حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ -يعنى العَتَكىَّ- عن رجلٍ مِن قريشٍ، قال: سأل النبىُّ ﷺ اليهودَ فقال: \" أسْألُكم\n_________\n(^١) في م: \"ورعاه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٨١ (٩٥٩) من طريق يزيد به.\n(^٣) في الأصل: \"ميكائل\"، وهى قراءة نافع. السبعة لابن مجاهد ص ١٦٦.\n(^٤) في م: \"من كان عدو لله\".\n(^٥) في م: \"فكذلك\".\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":301},{"text":"بكتابِكم الذى تَقْرَءُونَ، هل تَجِدُونى (^١) قد بشَّر بى عيسى أن يَأْتِيَكم رسولٌ اسمُه أحمدُ؟ \" فقالوا: اللهمَّ نعم (^٢)، وجَدْناك في كتابِنا، ولكنَّا كرِهْناك لأنَّك تَسْتَحِلُّ الأموالَ وتُهَرِيقُ الدِّماءَ. فأنزَل اللهُ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾. الآية (^٣).\nوحدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن حصينِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، قال: إنَّ يهوديًّا لقِى عمرَ فقال له: إنَّ جبريلَ الذى يَذْكُرُه صاحبُك هو عدوٌّ لنا. فقال له عمرُ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾. قال: فنزَلتْ (^٤) على لسانِ عمرَ (^٥).\nوهذا الخبرُ يدلُّ على أنَّ اللهَ تعالى ذكرُه أنزَل هذه الآيةَ توبيخًا لليهودِ فى كفرِهم بمحمدٍ ﷺ، وإخبارًا منه لهم أن من كان لمحمدٍ ﷺ عدوًّا فاللهُ له عدوٌّ، وأنَّ عدوَّ محمدٍ ﷺ مِن الناسِ كلِّهم مِن الكافرين باللهِ الجاحِدين آياتِه.\nفإن قال قائلٌ: أوَ ليس جبريلُ وميكائيلُ مِن الملائكةِ؟ قيل: بلى. فإن قال: فما معنى تَكريرِ ذِكرِهما بأسمائهما وقد مضَى ذِكرُهما في الآية في جملةِ أسماءِ الملائكةِ؟ قيل: معنى إفرادِ ذكرِهما بأسمائِهما أن اليهودَ لمَّا قالت: جبريلُ عدوُّنا وميكائيلُ وليُّنا. وزعَمتْ أنَّها تكْفُرُ (^٦) بمحمدٍ ﷺ مِن أجلِ أن جبريلَ صاحبُ محمدٍ ﷺ، أعلَمهم اللهُ أن من كان لجبريلَ عدوًّا، فإنَّ اللهَ له عدوٌّ، وأنَّه مِن\n_________\n(^١) في م: \"تجدون به\" وفى ت ١، ت ٢: \"تجدونه\"، وفى ت ٣: \"تجدون\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ٩١ إلى المصنف.\n(^٤) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فنزل\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٨٢ (٩٦١) من طريق أبى جعفر به.\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كفرت\".","vol":"2","page":302},{"text":"الكافرين. فنصَّ عليه باسمِه وعلى ميكائيلَ باسمِه، لئلا يقولَ منهم قائلٌ: إنما قال اللهُ: مَن كان عدوًّا للهِ وملائكتِه ورسلِه. ولسنا للهِ ولا لملائكتِه ورسلِه بأعداءٍ؛ لأنَّ الملائكةَ اسمٌ عامٌّ يَحتَمِلُ خاصًّا، وجبريلُ وميكائيلُ غيرُ داخِلَين فيه. وكذلك قولُه: ﴿وَرُسُلِهِ﴾. فلستَ يا محمدُ بداخلٍ فيهم. فنصَّ اللهُ تعالى ذكرُه على أسماءِ مَن زعَموا أنَّهم أعداؤُه بأعيانِهم؛ ليقطَعَ بذلك تلبيسَهم على أهلِ الضعفِ منهم، ويَحْسِمَ تمويهَهم أمورَهم على المنافقين.\nوأما إظهارُ اسمِ اللهِ فى قولِه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾. وتكريرُه فيه -وقد ابتَدَأ أوَّلَ الخبرِ بذكرِه فقال: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ - [فإرادةُ نَفْىِ الشكِّ عن سامعِ ذلك أن الذى هو عدوُّ من عادَى جبريلَ أو ملائكتَه أو رسلَه، اللهُ جلَّ ثناؤُه] (^١)، ولئلّا يلتبِسَ -لو ظهَر ذلك بكنايةٍ، فقيل: فإنه عدوٌّ للكافرين- على سامِعِهِ- مَن المعنىُّ بالهاءِ التى فى قولِه (^٢): فإنَّه. آللهُ (^٣)، أم جبريلُ، أم ميكائيلُ؟ إذ لو جاء ذلك بكنايةٍ على ما وصَفْنا -فإنه- لالتَبَس (^٤) معنى ذلك على مَن لم يُوقَّفْ على المعنىِّ بذلك؛ لاحتمالِ الكلامِ ما وصَفتُ.\nوقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ يوجِّهُ ذلك إلى نحوِ قولِ الشاعرِ (^٥):\nليت الغرابَ غداةَ يَنْعَبُ دائبًا (^٦) … كان الغرابُ مُقَطَّعَ الأوْدَاجِ (^٧)\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) بعده فى م: \"أم رسل الله جل ثناؤه\".\n(^٤) فى م: \"يلتبس\".\n(^٥) هو جرير بن عطية. والبيت فى ديوانه ١/ ١٣٦.\n(^٦) فى الديوان: \"بالنوى\".\n(^٧) الوَدَج: عرق فى العنق، وهما ودجان. تاج العروس (ود ج).","vol":"2","page":303},{"text":"وأنه إظهارُ الاسمِ الذى حظُّه الكنايةُ عنه.\nوالأمرُ فى ذلك بخلافِ ما قال؛ وذلك أن الغرابَ الثانىَ لو كان مَكْنيًّا عنه لما التبسَ على أحدٍ يعقِلُ كلامَ العربِ أنه كنايةُ اسمِ الغرابِ الأولِ؛ إذ كان لا شيءَ قبلَه يحتملُ الكلامُ أن يوجَّهَ إليه غيرُ كنايةِ اسمِ الغرابِ الأولِ، وأنَّ قبلَ (^١) قولِه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾. أسماءً (^٢) لو جاء اسمُ اللهِ تعالى ذكرُه مكنيًّا عنه، لم يُعْلَمْ مَن المقصودُ إليه بكنايةِ الاسمِ إلا بتوقيفٍ مِن حجةٍ، فلذلك اختَلف أمراهما.\n\n<span id=\"aya-106\"></span><span data-type='title' id=toc-368>القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. أى: أنزَلنا إليك يا محمدُ علاماتٍ واضحاتٍ دالَّاتٍ على نُبوَّتِك، وتلك الآياتُ هى ما حَواه كتابُ اللهِ الذى أنزَله إلى محمدٍ ﷺ مِن خَفايا علومِ اليهودِ، ومَكنونِ سرائرِ [أخبارِهم وأخبارِ] (^٣) أوائِلهم مِن بنى إسرائيلَ، والنبأِ عما تضمَّنتْه كتبُهم التى لم يكنْ يعلمُها إلا أحبارُهم وعلماؤُهم، وما حرَّفه أوائلُهم وأواخرُهم وبدَّلوه مِن أحكامِهم التى كانت فى التوراةِ، فأطلَع اللهُ تعالى ذكرُه فى كتابِه الذى أنزَله إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، فكان فى ذلك مِن أمرِه الآياتُ البيناتُ لمَن أنصَف نفسَه، ولم يدْعُه إلى إهلاكِها الحسدُ والبغىُ؛ إذ كان فى فطرةِ كلِّ ذى فِطرةٍ صحيحةٍ تصديقُ مَن أتَى بمثلِ الذى أتَى به محمدٌ ﷺ مِن الآياتِ البيناتِ التى وصفتُ، عن غيرِ تعلُّمٍ تعلَّمه مِن بشرىٍّ (^٤)، ولا أخْذِ شيءٍ منه عن آدمىٍّ.\nوبنحوِ الذى قلنا فى ذلك رُوِى الخبرُ عن ابنِ عباسٍ.\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قيل\".\n(^٢) فى م: \"اسما\".\n(^٣) فى الأصل: \"أحبارهم وأحبار\".\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بشر\".","vol":"2","page":304},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. يقولُ: فأنت تَتلوه عليهم وتُخبرُهم به غُدوةً وعشيةً وبينَ ذلك، وأنت عندَهم أمىٌّ لم تقرَأْ كتابًا، وأنت تُخبرُهم بما فى أيديهم على وجهِه، يقولُ اللهُ: ففى ذلك لهم عبرةٌ وبيانٌ، وعليهم حجةٌ لو كانوا يعلمون (^١).\nوحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، أو (^٢) عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال [ابنُ صُورِيَا] (^٣) الفِطْيَوْنى (^٤) لرسولِ اللهِ ﷺ: يا محمدُ، ما جئْتَنا بشيءٍ نعرِفُه، وما أنزَل اللهُ عليك مِن آيةٍ بينةٍ فنتَّبِعَك لها (^٥). فأنزَل اللهُ [فى ذلك من قولِه] (^٦): ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) فى الأصل: \"يعقلون\".\nوالأثر ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ١٩٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ٩٤ إلى المصنف.\n(^٢) فى م، ت ٢: \"و\".\n(^٣) فى سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٨: \"أبو صلوبا\"، وفى نسختين منها: \"ابن صلوبا\".\nوقد ذكر ابن إسحاق -كما فى سيرة ابن هشام ١/ ٥١٤ - الأعداء من بنى النضير فقال: ومن بنى ثعلبة بن الفطيون؛ عبد الله بن صوريا الأعور، ولم يكن بالحجاز فى زمانه أحد أعلم بالتوراة منه، وابن صلوبا. . .\n(^٤) فى م، ت ٢: \"القطيونى\". بالقاف. وضبط فى الأصل: \"الفَطْيُونى\". والمثبت موافق لما فى المعرب ص ٢٩٣، والروض الأنف ٤/ ٣٩٧ حيث ذكره: الفِطْيَوْن، وضبطه فى الجمهرة ٣/ ١١١: الفِطْيُون. وقال السهيلى: والفطيون كلمة عبرانية، وهى عبارة عن كل من ولى أمر اليهود وملَكهم.\n(^٥) فى م: \"بها\".\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٨.","vol":"2","page":305},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابثٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ ابنُ جبيرٍ أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ قال: قال ابنُ صُورِيا لرسولِ اللهِ ﷺ. فذكَر مثلَه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-369>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩)﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا﴾: وما يجحَدُ بها. وقد دلَّلنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا على أن معنى الكفرِ الجحودُ، بما أغنَى عن إعادتِه ههنا (^٢)، وكذلك بيَّنا معنى الفِسْقِ، وأنه الخروجُ من (^٣) الشئِ إلى غيرِه (^٤).\nفتأويلُ الآيةِ: ولقد أنزَلنا إليكَ -فيما أوحَينا إليك مِن الكتابِ- علاماتٍ واضحاتٍ، تُبيِّنُ لعلماءِ بنى إسرائيلَ وأحبارِهم، الجاحدين نبوَّتَك والمكذِّبين رسالتَك، أنك لى إليهم رسولٌ مُرْسَلٌ، ونبىٌّ مبعوثٌ، وما يجْحَدُ تلك الآياتِ الدالَّاتِ على صدقِك ونبوَّتِك، التى أنزَلتُها إليك فى كتابى، فيكذِّبَ بها منهم، إلا الخارجُ منهم مِن دينِه، التاركُ منهم فرائضى عليه فى الكتابِ الذى يَدينُ بتصديقِه، فأما المتمسكُ منهم بدينِه والمتَّبِعُ منهم حكمَ كتابِه، فإنه بالذى أنزَلتُ إليك مِن آياتى مصدِّقٌ، وهم الذين كانوا آمنوا باللهِ وصدَّقوا رسولَه محمدًا ﷺ مِن يهودِ بنى إسرائيلَ.\n\n<span id=\"aya-107\"></span><span data-type='title' id=toc-370>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٨٣ (٩٧٠) من طريق يونس بن بكير به.\n(^٢) ينظر ما تقدم فى ١/ ٢٦٢.\n(^٣) فى م: \"عن\".\n(^٤) ينظر ما تقدم فى ١/ ٤٣٤.","vol":"2","page":306},{"text":"بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾.\nاختلَف أهلُ العربيةِ فى حكمِ الواوِ التى فى قولِه: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصريين هى واوٌ تُجعَلُ مع حروفِ الاستفهامِ، وهى مثلُ الفاءِ فى قولِه: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ﴾ [البقرة: ٨٧]. قال: وهما زائدتان فى هذا الوجهِ، وهى مثلُ الفاءِ التى فى قولِه: أفاللهِ (^١) لتصنَعنَّ كذا وكذا. وكقولِك للرجلِ: أفلا تقومُ؟ قال (^٢): وإن شئتَ جعلتَ الواوَ والفاءَ هاهنا حرفَ عطفٍ.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفيِّينَ: هى حرفُ عطفٍ أدخِل عليها ألِفُ (^٣) الاستفهامِ.\nوالصوابُ عندى فى ذلك مِن القولِ أنها واوُ عطفٍ أدخِلت عليها ألفُ الاستفهامِ، كأنه قال جلّ ذكرُه: وإذ أخَذْنا ميثاقَكم ورفَعْنا فوقَكم الطورَ، خذوا ما آتيناكم بقوةٍ واسمَعوا، قالوا: سمِعنا وعصَينا و(^٤) كلما عاهَدوا عهدًا نبَذه فريقٌ منهم. ثم أدخَل ألفَ الاستفهامِ على \"وكلما\"، فقال: قالوا: سمِعْنا وعصَينا. أوَكلَّما عاهَدوا عهدًا نبَذه فريقٌ منهم.\nوقد بيَّنا فيما مضَى أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ فى كتابِ اللهِ حرفٌ لا معنَى له (^٥)، فأغنَى ذلك عن إعادةِ البيانِ على فسادِ قولِ مَن زعَم أن الواوَ والفاءَ مِن قولِه:\n_________\n(^١) فى م، ت ٢: \"فالله\".\n(^٢) سقط من: م، ت ٢.\n(^٣) فى م، ت ٢: \"حرف\".\n(^٤) فى م، ت ٢: \"أو\".\n(^٥) ينظر ما تقدم فى ١/ ٤٦٦ وما بعدها.","vol":"2","page":307},{"text":"﴿أَوَكُلَّمَا﴾. و﴿أَفَكُلَّمَا﴾. زائدتان لا معنَى لهما.\nوأما العهدُ، فإنه الميثاقُ الذى أعطَته بنو إسرائيلَ ربَّهم لَيعمَلُنَّ بما (^١) فى التوراةِ مرةً بعدَ أُخرى، ثم نقَض بعضُهم ذلك مرةً بعدَ أخرى، فوبَّخهم جلَّ ذكرُه بما كان منهم مِن ذلك، وعيَّر به أبناءَهم إذ سلَكوا منهاجَهم فى نقضِ (^٢) ما كان جلَّ ذكرُه أخَذ عليهم بالإيمانِ به مِن أمرِ محمدٍ ﷺ مِن العهدِ والميثاقِ، فكفَروا به (^٣)، وجحَدوا ما فى التوراةِ مِن نعتِه وصفتِه، فقال تعالى ذكرُه: أوَكلما عاهَد اليهودُ مِن بنى إسرائيلَ ربَّهم عهدًا، وأوثَقُوه ميثاقًا، نبَذه فريقٌ منهم فترَكه ونقَضه!\nكما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ قال: قال مالكُ بنُ الضَّيْفِ (^٤) حينَ بُعِث رسولُ اللهِ ﷺ، وذكَر لهم ما أُخِذ عليهم مِن الميثاقِ، وما عهِد اللهُ إليهم فيه: واللهِ ما عهِد اللهُ إلينا فى محمدٍ ﷺ عَهدًا، وما أخَذ له علينا ميثاقًا. فأنزَل اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى (^٦) زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، أو عن\n_________\n(^١) فى م، ت ٢، ت ٣: \"بها\".\n(^٢) فى م، ت ٢، ت ٣: \"بعض\".\n(^٣) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) فى م، ت ٢، ت ٣، ونسخة من سيرة ابن هشام: \"الصيف\"، وهما روايتان فيه.\n(^٥) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٧، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٨٣ (٩٧٣) من طريق يونس بن بكير به.\n(^٦) بعده فى م، ت ٢، ت ٣: \"آل\"، وانظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٣٨٢.","vol":"2","page":308},{"text":"سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.\nوأما \"النَّبْذُ\" فإن أصلَه فى كلامِ العربِ الطَّرْحُ، ولذلك قيل للملقوطِ: المنبوذُ. لأنه مطروحٌ مرمىٌّ به، ومنه سمِّى النبيذُ نبيذًا، لأنه زبيبٌ أو تمرٌ يُطرَحُ فى وعاءٍ، ثم يعالَجُ [بما عُولج به] (^١)، وأصلُه \"مفعولٌ\" صُرف إلى \"فعيلٍ\"، أعنى أن النبيذَ أصلُه منبوذٌ، ثم صُرِف إلى \"فعيلٍ\"، فقيل: نبيذٌ. كما قيل: كفٌّ خضيبٌ، ولحيةٌ دهينٌ. بمعنى مخضوبةٍ ومدهونةٍ. يقالُ منه: نبَذتُه أنبِذُه نَبذًا. كما قال أبو الأسودِ الدُّؤلىُّ (^٢):\nنظَرتَ إلى عُنوانِه فنبَذتَه … كنَبْذِكَ نعلًا أخلَقَتْ مِن نِعالِكا\nفمعنى قولِه جلَّ ذكرُه: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾: طرَحه فريقٌ منهم، فترَكه ورفَضه ونقَضه.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ يقولُ: نقَضه فريقٌ منهم (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾. قال: لم يكنْ فى الأرضِ عهدٌ يعاهِدون عليه إلا نقَضُوه، ويعاهِدونَ اليومَ ويَنقُضون غدًا. قال: وفى قراءةِ عبدِ اللهِ: (نقَضه فريقٌ منهم) (^٤).\n_________\n(^١) فى م: \"بالماء\".\n(^٢) فى م: \"الديلى\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"الديلمى\".\nوالبيت فى مجاز القرآن ١/ ٤٨، واللسان (خ ل ق، ع ن ن).\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٨٤ (٩٧٥) من طريق يزيد به.\n(^٤) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٩٥ إلى المصنف، وقراءة ابن مسعود ذكرها ابن عطية فى المحرر الوجيز ١/ ٣٣٦، وأبو حيان فى البحر المحيط ١/ ٣٢٤.","vol":"2","page":309},{"text":"والهاءُ التى في قولِه: ﴿نَبَذَهُ﴾ مِن ذكرِ \"العهدِ\"، فمعناه: أوَ كلما عاهَدوا عهدًا نبَذ ذلك العهدَ فريقٌ منهم!\nو\"الفريقُ\" الجماعةُ، لا واحدَ له مِن لفظِه، بمنزلةِ الجيشِ والرهطِ الذي لا واحدَ له مِن لفظِه.\nوالهاءُ والميمُ اللتان في قولِه: ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾. مِن ذكرِ اليهودِ مِن بنى إسرائيلَ.\nوأما قولُه: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. فإنه يعنى جلَّ ثناؤه: بل أكثرُ هؤلاءِ الذين كلَّما عاهَدوا اللهَ عهدًا (^١) ووَاثَقُوه موثقًا، نقَضه فريقٌ منهم لا يؤمنون.\nولذلك وجهان مِن التأويلِ: أحدُهما، أن يكونَ الكلامُ دلالةً على الزيادةِ والتكثيرِ في عددِ المكذِّبين الناقِضين عهدَ اللهِ على عددِ الفريقِ، فيكونَ الكلامُ حينَئذٍ معناه: أوَ كلما عاهَدِتِ اليهودُ مِن بنى إسرائيلَ ربَّها عهدًا نقَض فريقٌ منهم ذلك العهدَ؟ لا، ما ينقُضُ ذلك منهم فريقٌ، ولكن الذي ينقُضُ ذلك فيكفُرُ باللهِ أكثرُهم لا القليلُ منهم. فهذا أحدُ وجهَيْه.\nوالوجهُ الآخرُ، أن يكونَ معناه: أوَ كلما عاهَدتِ اليهودُ ربَّها عهدًا نبَذ ذلك العهدَ فريقٌ منهم؟ لا، ما ينبِذُ ذلك العهدَ فريقٌ منهم فينقُضُه، على الإيمانِ منهم بأن ذلك غيرُ جائزٍ لهم، ولكنَّ أكثرَهم لا يصدِّقون باللهِ ورسلِه، ولا بوعدِه ووعيدِه.\nوقد دلَّلْنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا على معنى الإيمانِ وأنه التصديقُ (^٢).\n_________\n(^١) ليست في: الأصل.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٤١.","vol":"2","page":310},{"text":"<span id=\"aya-108\"></span><span data-type='title' id=toc-371>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾: [ولمَّا جاء] (^١) أحبارَ اليهودِ وعلماءَها مِن بنى إسرائيل ﴿رَسُولٌ﴾ يعنى بالرسولِ محمدًا ﷺ.\nكما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾. قال: لمَّا جاءهم محمدٌ ﷺ (^٢).\nوأما قولُه: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾. فإنه يَعنى به أن محمدًا ﷺ يُصدِّقُ التوراةَ، والتوراةُ تصدِّقُه في أنه نبىٌّ للهِ مبعوثٌ إلى خلقِه.\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾ فإنه: للذِى (^٣) هو مع اليهودِ، وهو التوراةُ. فأخبَر اللهُ جلَّ ثناؤه أن اليهودَ لمَّا جاءهم رسولٌ (^٤) مِن اللهِ بتصديقِ ما في أيديهم مِن التوراةِ، بأن محمدًا ﷺ نبىٌّ للهِ؛ ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ﴾. يعنى بذلك أنهم جحَدوه ورفَضوه بعدَ أن كانوا به مقرِّين؛ حسدًا منهم له وبغيًا عليه.\nوقولُه: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. وهم علماءُ اليهودِ الذين أعطاهم اللهُ العلمَ بالتوراةِ وما فيها. ويعنى بقولِه: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾: التوراةَ. وبقولِه: نَبَذوه ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾: جعَلوه وراء ظهورِهم. وهذا مثَلٌ، يقالُ لكلِّ رافضٍ أمرًا\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٨٤ (٩٧٧) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٣) في الأصل: \"الذي\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رسول الله ﷺ\".","vol":"2","page":311},{"text":"كان منه على بالٍ: قد جعَل فلانٌ هذا الأمرَ منه بظَهْرٍ، وجعَله وراءَ ظهرِه. يعنى به: أعرَض عنه وصدَّ وانصرَف.\nكما حدَّثنى موسى قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾. قال: لمَّا جاءهم محمدٌ ﷺ عارَضوه بالتوراةِ فخاصَموه بها، فاتَّفَقتِ التوراةُ والقرآنُ، فنبَذوا التوراةَ وأخَذوا بكتابِ آصَفَ وسحْرِ هاروتَ وماروتَ، فذلك قولُ اللهِ: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^١).\nومعنى قولِه: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: كأنَّ هؤلاء الذين نبَذوا كتابَ اللهِ مِن علماءِ اليهودِ -فنقَضوا عهدَ اللهِ بتركِهم العملَ بما واثَقوا اللهَ على أنفسِهم العملَ [به مما] (^٢) فيه- لايعلَمون ما في التوراةِ مِن الأمرِ باتباعِ محمدٍ ﷺ وتصديقِه. وهذا مِن الله جلَّ ثناؤه إخبارٌ عنهم أنهم جحَدوا الحقَّ على علمٍ منهم به ومعرفةٍ، وأنهم عانَدوا أمرَ اللهِ فخالَفوه على علمٍ منهم بوجوبِه عليهم.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ قال: ثنا يزيدُ قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. يقولُ: نقَضه فريقٌ مِن الذين أوتوا الكتابَ ﴿كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. أى: أن القومَ قد (^٣) كانوا يعلَمون، ولكنهم أفسَدوا علمَهم و[جحَدوه وكتَموه وكفَروا به] (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٨٤ (٩٧٧، ٩٧٩) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣، م: \"بما\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"جحدوا وكفروا وكتموا\".\nوالأثر أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٨٥ (٩٨٠) من طريق يزيد به إلى قوله: وراء ظهورهم، وأخرج بقيته (٩٨١)، من طريق شيبان النحوى، عن قتادة.","vol":"2","page":312},{"text":"<span id=\"aya-109\"></span><span data-type='title' id=toc-372>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾. الفريقَ مِن أحبارِ يهودَ وعلمائِها الذين وصَفهم جلَّ ثناؤه بأنهم نبَذوا كتابَه الذي أنزَله إلى (^١) موسى وراءَ ظهورِهم، تجاهلًا منهم وكفرًا بما هم به عالِمون، كأنهم لا يعلَمون، فأخبَر عنهم أنهم رفَضوا كتابَه الذي يعلَمون أنه تنزِيلٌ (^٢) مِن عندِه على نبيِّه [موسى صلواتُ اللهِ عليه] (^٣)، ونقَضوا عهدَه الذي أخَذه عليهم في العملِ بما فيه، وآثَروا السحرَ الذي تلَتْه الشياطينُ في ملكِ سليمانَ بنِ داودَ صلى اللهُ عليه فاتَّبَعوه، وذلك هو الخَسارُ والضلالُ المبينُ.\nواختلف أهلُ التأويلِ في الذين عُنوا بقولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى اللهُ ﵎ بذلك اليهودَ الذين كانوا بينَ ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ لأنهم خاصَموا رسولَ اللهِ ﷺ بالتوراةِ، فوجَدوا التوراةَ للقرآنِ موافقةً، تأمُرُ مِن اتباعِ محمدٍ ﷺ وتصديقِه بمثلِ الذي يأمُرُ به القرآنُ، فخاصَموه بالكتبِ التى كان الناسُ اكتتَبوها مِن الكهنةِ على عهدِ سليمانَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (^٤). قال: كانت الشياطينُ تصعَدُ إلى السماءِ\n_________\n(^١) في م: \"على\".\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"منزل\".\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: ﷺ.\n(^٤) بعده في الأصل: \"على عهد سليمان\".","vol":"2","page":313},{"text":"فتقعُدُ منها مقاعدَ للسمعِ، فيستمِعون مِن كلامِ الملائكةِ فيما يكونُ في الأرضِ مِن موتٍ أو غيثٍ (^١) أو أمرٍ، فيأتون الكهنةَ فيُخبِرونهم، فتحدِّثُ الكهنةُ الناسَ فيجِدونه كما قالوا، حتى إذا أمِنَتْهم الكهنةُ كذَبوا لهم، فأدخَلوا فيه غيرَه، فزادُوا مع كلِّ كلمةٍ سبعينَ كلمةً، فاكتتَب الناسُ ذلك الحديثَ في الكتبِ، وفَشا في بنى إسرائيلَ أن الجنَّ تعلَمُ الغيبَ، فبعَث سليمانُ في الناسِ فجمَع تلك الكتبَ، فجعَلها في صندوقٍ، ثم دفَنها تحتَ كرسيِّه، ولم يكنْ أحدٌ مِن الشياطينِ يستطيعُ أن يدنُوَ مِن الكرسىِّ إلا احتَرق، وقال: لا أسمَعُ أحدًا يذكُرُ أن الشياطينَ تعلَمُ الغيبَ إلا ضرَبتُ عنقَه. فلما مات سليمانُ وذهَبتِ العلماءُ الذين كانوا يعرِفون أمرَ سليمانَ، وخلَف بعد ذلك خَلْفٌ، تمثَّل شيطانٌ (^٢) في صورةِ إنسانٍ، ثم أتَى نفرًا مِن بنى إسرائيلَ فقال لهم (^٣): هل أدلُّكم على كنزٍ لا تأكُلونه (^٤) أبدًا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفِروا تحتَ الكرسىِّ، وذهَب معهم فأَراهم المكانَ، وقام ناحيةً، فقالوا له: فادْنُ. قال: لا، ولكنِّى هاهنا في أيديكم، فإن لم تجِدوه فاقتُلونى. فحفَروا فوجَدوا تلك الكتبَ، فلمَّا أخرَجوها قال الشيطانُ: إن سليمانَ إنما كان يضبُطُ الإنسَ والشياطينَ والطيرَ بهذا السحرِ. ثم طار فذهَب، وفَشا في الناسِ أن سليمانَ كان ساحرًا، واتَّخَذتْ بنو إسرائيلَ تلك الكتبَ، فلمَّا جاء محمدٌ خاصَموه بها، فذلك حينَ يقولُ اللهُ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) في تفسير ابن أبى حاتم وابن كثير: \"غيب\".\n(^٢) فى م: \"الشيطان\".\n(^٣) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أكل فلان عمرَه: إذا أفناه. تهذيب اللغة ١٠/ ٣٦٩. والمراد: لا يفنى.\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٨٦ (٩٨٧) من طريق عمرو بن حماد به إلى قوله: \"إلا احترق\"، وذكره ابن كثير بتمامه في تفسيره ١/ ١٩٤.","vol":"2","page":314},{"text":"وحدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. قال (^١): إن اليهودَ سألوا محمدًا ﷺ زمانًا عن أمورٍ مِن التوراةِ، لا يسألونه عن شيءٍ مِن ذلك إلا أنزَل اللهُ عليه ما سألوا عنه فيخصِمُهم (^٢)، فلمَّا رأَوْا ذلك قالوا: هذا أعلمُ بما أُنزِل إلينا منَّا. وإنهم سألوه عن السحرِ وخاصَموه به، فأنزَل اللهُ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. وإن الشياطينَ عَمَدوا إلى كتابٍ فكتَبوا فيه السحرَ والكهانةَ وما شاء اللهُ مِن ذلك، فدفَنوه تحتَ مجلسِ سليمانَ -وكان سليمانُ لا يعلَمُ الغيبَ- فلما فارَق سليمانُ الدنيا استخرَجوا ذلك السحرَ، وخدَعوا به الناسَ وقالوا: هذا علمٌ كان سليمانُ يكتُمُه ويحسُدُ الناسَ عليه. فأخبرَهم النبىُّ ﷺ بهذا الحديثِ، فرجَعوا مِن عندِه وقد خَزُوا (^٣) وأدحَض اللهُ حجتَهم (^٤).\nوحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. قال: لمَّا جاءهم رسولُ اللهِ مُصَدِّقًا لِما معهم ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية. قال: اتَّبَعوا السحرَ، وهم أهلُ الكتابِ. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.\nوقال آخرون: بل عنى اللهُ بذلك اليهودَ الذين كانوا على عهدِ سليمانَ.\n_________\n(^١) فى م، ت ٢، ت ٣: \"قالوا\".\n(^٢) خصمه يخصمه خصمًا وخصومة: غلبه. تاج العروس (خ ص م).\n(^٣) فى م، ت ٣: \"حزنوا\"، وفى ت ٢: \"خزيوا\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٩٤، ١٩٥ عن الربيع. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٩٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم عن أبى العالية. وهو عند ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٨٦ (٩٨٥).","vol":"2","page":315},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: تَلَتِ الشياطينُ السحْرَ على اليهودِ على ملكِ سليمانَ، فاتَّبَعتْه اليهودُ على ملكِه. يعنى: اتَّبَعت السحْرَ على ملكِ سليمانَ.\nوحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: عمَدتِ الشياطينُ حين عَرَفت موتَ سليمانَ بنِ داودَ ﵇، فكتَبوا أصنافَ السحرِ: مَن كان يحبُّ أن يبلُغَ كذا وكذا، فليقُلْ (^١) كذا وكذا. حتى إذا صنَّفوا (^٢) أصنافَ السحْرِ، جعَلوه في كتابٍ ثم ختَموا عليه بخاتَمٍ على نقشِ خاتَمِ سليمانَ، وكتَبوا في عُنوانِه: هذا ما كتَب آصَفُ بنُ بَرْخِيَا الصديقُ للملكِ سليمانَ بنِ داودَ مِن ذخائرِ كنوزِ العلمِ. ثم دفَنوه تحتَ كرسيِّه. فاستَخرَجتْه بعدَ ذلك بقايا بنى إسرائيلَ حين أحدَثوا ما أحدَثوا، فلما عثَرُوا عليه قالوا: [واللهِ] (^٣) ما كان سليمانُ بنُ داودَ إلا بهذا. فأفشَوُا السحرَ في الناسِ، وتعلَّموه وعلَّموه، فليس في أحدٍ أكثرُ منه في يهودَ، فلما ذكَر رسولُ اللهِ ﷺ -فيما نزَل عليه مِن اللهِ- سليمانَ بنَ داودَ، وعدَّه في مَن عدَّه مِن المرسلين، قال مَن كان بالمدينةِ مِن يهودَ: ألَا تَعجَبون لمحمدٍ، يزعُمُ أن ابنَ داودَ كان نبيًّا، واللهِ ما كان إلا ساحرًا. فأنزَل اللهُ في ذلك مِن قولِهم على محمدٍ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [الآية (^٤).\nوحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ] (٣) عَلَى مُلْكِ\n_________\n(^١) في م: \"فليفعل\".\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"صنعوا\".\n(^٣) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٩٥. وهو في سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٤ مختصرًا.","vol":"2","page":316},{"text":"سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. قال: كان حينَ ذهَب مُلكُ سليمانَ، ارتدَّ فِئامٌ (^١) مِن الجنِّ والإنس واتّبَعُوا الشهواتِ، فلما رجَع اللهُ إلى سليمانَ ملكَه، أقام (^٢) الناسُ على الدِّينِ كما كان (^٣)، وإن سليمانَ ظهَر على كتبِهم فدفَنها تحتَ كرسيِّه، وتوفِّى سليمانُ حِدْثانَ (^٤) ذلك، فظهَرت الجنُّ والإنسُ على الكتبِ بعدَ وفاةِ سليمانَ، وقالوا: هذا كتابٌ مِن اللهِ نزَل على سليمانَ أخفاه مِنَّا؛ فأخَذوا به فجعَلوه دينًا، فأنزَل اللهُ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. واتّبَعُوا [الشهَواتِ التى كانت] (^٥) تَتْلو الشياطينُ، وهى المعازفُ واللعِبُ، وكلُّ شيءٍ يصُدُّ عن ذكرِ اللهِ (^٦).\nوالصوابُ مِن القولِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. أن ذلك من اللهِ جلَّ ذكرُه توبيخٌ لأحبارِ اليهودِ الذين أدرَكوا رسولَ اللهِ، فجحَدوا نبوَّتَه وهم يعلَمون أنه للهِ رسولٌ مرسَلٌ، وتأنيبٌ منه لهم في رفْضِهم. تنزيلَه، وهجْرِهم العملَ به، وهو في أيديهم يعلَمونه ويعرِفون أنه كتابُ اللهِ، واتباعِهم واتباعِ أوائلِهم وأسلافِهم ما تَلَتْه الشياطينُ في عهدِ سليمانَ. وقد بيَّنا وجهَ جوازِ إضافةِ أفعالِ أسلافِهم إليهم فيما مضَى، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا\n_________\n(^١) الفئام: الجماعة الكثيرة: اللسان (ف أ م).\n(^٢) في م: \"قام\"، وفى تفسير ابن أبى حاتم وابن كثير: \"وقام\".\n(^٣) في م: \"كانوا\".\n(^٤) حدثان الأمر، بالكسر: أوله وابتداؤه كحداثته. التاج (ح د ث).\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣: \"ما\".\n(^٦) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٨٥ (٩٨٤) عن محمد بن سعد به.","vol":"2","page":317},{"text":"الموضِعِ (^١).\nوإنما اختَرنا هذا التأويلَ؛ لأن المتَّبِعَةَ ما تَلَتْه الشياطينُ في عهدِ سليمانَ وبعدَه، إلى أن بعَث اللهُ نبيَّه بالحقِّ، [من السحرةِ لم تَزَلْ] (^٢) في اليهودِ، ولا دلالةَ في الآيةِ أن اللهَ أراد بقولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾. بعضًا منهم دونَ بعضٍ، إذ كان جائزًا فصيحًا في كلامِ العربِ إضافةُ ما وصَفنا مِن اتِّباعِ أسلافِ المُخبَرِ عنهم بقولِه: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ). إلى أخلافِهم بعدَهم، ولم يكنْ بخصوصِ ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ أثرٌ منقولٌ، ولا حجةٌ تدلُّ عليه، فكان الواجبُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: كلُّ مُتَّبِعٍ ما تَلَتْه الشياطينُ على عهدِ سليمانَ مِن اليهودِ داخلٌ في معنى الآيةِ. على النحوِ الذى قلنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-373>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾.</span>\nويعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿مَا تَتْلُو﴾: الذى تَتلو. فتأويلُ الكلامِ إذن: واتَّبَعوا الذى تَتلو الشياطينُ.\nواختلَف [أهلُ التأويلِ] (^٣) في تأويلِ قولِه: ﴿تَتْلُو﴾، فقال بعضُهم: يعنى بقولِه: ﴿تَتْلُو﴾: تُحدِّثُ وتَروِى وتتكلَّمُ به وتخبِرُ، نحوَ تلاوةِ الرجلِ القرآنَ، وهى قراءتُه. ووجَّه قائلو هذا القولِ تأويلَهم ذلك إلى أن الشياطينَ هى التى علَّمت الناسَ السحرَ ورَوَته لهم.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٤٢، ٦٤٣.\n(^٢) في م: \"وأمر السحر لم يزل\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":318},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. قال: كانت الشياطينُ تستَمِعُ الوحىَ، فما سمِعوا مِن كلِمةٍ زادوا فيها مائتين مثلَها، فأرسَل سليمانُ إلى ما كتَبوا مِن ذلك (^١)، فلما توفِّى سليمانُ وجَدَتْه الشياطينُ فعلَّمَته الناسَ، وهو السحرُ (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. قال (^٣): مِن الكهانةِ والسحرِ. قال (^٣): وذُكِر لنا، واللهُ أعلمُ، أن الشياطينَ ابتَدعتْ كتابًا فيه سحرٌ وأمرٌ عظيمٌ، ثم أفشَوْه في الناسِ وعلَّموهم إيَّاه (^٤).\nوحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال لى عطاءٌ: قولُه: ﴿مَا تَتْلُو﴾. قال: نُراه ما تُحدِّثُ (^٥).\nوحدَّثنى سَلْمُ (^٦) بنُ جُنادةَ السُّوائىُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: انطلَقت الشياطينُ في الأيامِ التى ابتُلى فيها سليمانُ، فكتبَتْ فيها كتبًا فيها سحرٌ وكفرٌ، ثم دفَنوها تحتَ كرسىِّ\n_________\n(^١) بعده في م: \"فجمعه\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٩٥.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٨٧ (٩٩٢) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة نحوه بزيادة في أوله ستأتى فى ص ٣٢٧، ٣٢٨.\n(^٥) عزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ٩٦ إلى المصنف.\n(^٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سالم\".","vol":"2","page":319},{"text":"سليمانَ، ثم أخرَجوها فقرَءوها على الناسِ (^١).\nوقال آخرون: معنى قولِه: ﴿مَا تَتْلُو﴾: ما [تتَّبِعُ وتأتمُّه] (^٢) وتعمَلُ به.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا [الحسينُ بنُ عمرِو بنِ محمدٍ العَنْقزىُّ] (^٣)، قال: حدَّثنا أبى، عن أسباطَ، عن السدىِّ، عن أبى مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿تَتْلُو﴾. قال: تتَّبِعُ (^٤).\nوحدَّثنى نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأودىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ إبراهيمَ، عن سفيانَ الثورىِّ، عن منصورٍ، عن أبى رزينٍ مثلَه.\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه أخبَر عن الذين أخبَر عنهم أنهم اتَّبعوا ما تَتلوا الشياطينُ على عهدِ سليمانَ؛ باتباعِهم ما تَلَته الشياطينُ. ولقولِ القائلِ: هو يتلو كذا. في كلامِ العربِ معنيان: أحدُهما: الاتِّباعُ، كما يقالُ: تَلوتُ فلانًا. إذا مشَيْتَ خلفَه وتبِعتَ أَثرَه، كما قال جلَّ ثناؤه: (هُنالِك تَتْلُو (^٥) كلُّ نفسٍ ما أسلَفَتْ) [يونس: ٣٠]. يعنى بذلك: تتَّبِعُ. والآخرُ: القراءةُ والدراسةُ، كما يقالُ: فلانٌ يَتلو القرآنَ. بمعنى أنه يقرَؤه ويدرُسُه، كما قال حسانُ بنُ ثابتٍ (^٦):\nنَبىٌّ يَرى ما لا يَرى الناسُ حولَه … ويَتْلو كتابَ اللهِ في كلِّ مَشهَدِ\n_________\n(^١) سيأتى بتمامه في ص ٣٢٣.\n(^٢) في م: \"تتبعه وترويه\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحسن بن عمرو العبقرى\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٩٦ إلى المصنف.\n(^٥) في م، ت ٣: \"تبلو\". وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبى عمرو وابن عامر. والمثبت قراءة حمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ٣٢٥.\n(^٦) ديوانه ص ٣٧٧.","vol":"2","page":320},{"text":"ولم يخبرْنا اللهُ تعالى ذكرُه بأىِّ مَعْنَيَىِ (^١) التلاوةِ كانت تلاوةُ الشياطينِ الذين تَلَوْا ما تَلَوْه مِن السحرِ على عهدِ سليمانَ، بخبرٍ يقطَعُ العذرَ، وقد يجوزُ أن تكونَ الشياطينُ تَلَت ذلك دراسةً وروايةً وعملًا به (^٢)، فتكونَ كانت له (^٢) متَّبِعةً (^٣) بالعملِ، ودِراسةً (^٤) بالروايةِ، فاتَّبعتِ اليهودُ منهاجَها في ذلك فعمِلتْ به ورَوَته.\n\n<span data-type='title' id=toc-374>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾: في ملكِ سليمانَ. وذلك أن العربَ تضَعُ \"فى\" موضعَ \"على\"، و\"على\" (^٥) موضعَ \"فى\". مِن ذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. يعنى به: على جذوعِ النخلِ، وكما يقالُ: فعلتُ كذا في عهدِ كذا، وعلى عهدِ كذا. بمعنًى واحدٍ.\nوبما قلنا فى (^٦) ذلك كان ابنُ جريجٍ وابنُ إسحاقَ يقولان في تأويلِه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. يقولُ: في ملكِ سليمانَ (^٧).\nوحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ في قولِه: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. أى: فى ملكِ سليمانَ (^٨).\n_________\n(^١) في م: \"معنى\".\n(^٢) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) فى م: \"متبعته\".\n(^٤) فى م: \"دارسته\".\n(^٥) بعده في م، ت ٢، ت ٣: \"فى\".\n(^٦) فى م، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٧) عزاه في الدر المنثور ١/ ٩٦ إلى المصنف.\n(^٨) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٨٦ (٩٨٨) من طريق سلمة به.","vol":"2","page":321},{"text":"<span data-type='title' id=toc-375>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.</span>\nإن قال لنا قائلٌ: وما هذا الكلامُ مِن قولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. ولا خبرَ مضَى (^١) قبلُ عن أحدٍ أنه أضاف الكفرَ إلى سليمانَ، بل إنما ذكَر اتباعَ مَن اتبعَ مِن اليهودِ ما تَلَته الشياطينُ، فما وجهُ نفىِ الكفرِ عن سليمانَ بعقبِ الخبرِ عن اتباعِ مَن اتبعَ (^٢) الشياطينَ في العملِ بالسحرِ وروايتِه مِن اليهودِ؟\nقيل: وجهُ ذلك أن الذين أضاف اللهُ جلّ ثناؤُه إليهم اتباعَ ما تلَته الشياطينُ على عهدِ سليمانَ من السحرِ والكفرِ من اليهودِ، نسَبوا ما أضافه الله تعالى ذكرُه إلى الشياطينِ من ذلك إلى سليمانَ بنِ داودَ، وزعَموا أن ذلك كان مِن عملِه (^٣) وروايتِه، وأنه إنما كان يستعبِدُ من كان (^٤) يستَعبِدُ من الإنسِ والجنِّ والشياطينِ وسائرِ خلقِ اللهِ بالسحرِ (^٥)، فحسَّنوا بذلك -من ركوبِهم ما حرَّم اللهُ عليهم مِن السحرِ- لأنفسِهم عندَ من كان جاهلًا بأمرِ اللهِ ونهيِه، وعندَ من كان لا علمَ له بما أنزَل اللهُ فى ذلك مِن التوراةِ. وتبرَّأ -بإضافةِ ذلك إلى سليمانَ- من سليمانَ، وهو نبىُّ اللهِ صلى الله عليه، منهم بشرٌ، وأنكَروا أن يكونَ كان للهِ رسولًا، وقالوا: بل كان ساحرًا. فبرَّأ اللهُ جلَّ ثناؤُه سليمانَ بنَ داودَ من السحرِ والكفرِ عندَ من كان منهم يَنْسِبُه إلى السحرِ والكفرِ، لأسبابٍ ادَّعَوْها عليه قد ذكَرنا بعضَها قبلُ، وسنذكُرُ\n_________\n(^١) فى م، ت ٢، ت ٣: \"معنا\".\n(^٢) في م: \"اتبعت\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"اتبعته\".\n(^٣) فى م، ت ٢: \"علمه\".\n(^٤) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) بعده في الأصل، ت ١: \"دون الشياطين\".","vol":"2","page":322},{"text":"باقىَ ما حضَرَنا ذكرُه منها، وأكذَبَ الآخرين الذين كانوا يعمَلون بالسحرِ، مُتَزيِّنِين عندَ أهلِ الجهلِ في علمِهم (^١) ذلك بأن سليمانَ كان يعمَلُه، فنفَى اللهُ عن سليمانَ ﵇ أن يكونَ كان ساحرًا أو كافرًا، وأعلَمهم أنهم إنما اتَّبَعوا في عملِهم بالسحرِ ما تَلته الشياطينُ في عهدِ سليمانَ، دونَ ما كان سليمانُ يأمُرُهم به (^٢) مِن طاعةِ اللهِ، واتِّباعِ ما أمَرهم به في كتابِه الذى أنزَله على موسى صلى اللهُ عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-376>ذكرُ الدّلالةِ (^٣) على صحةِ ما قلنا من الأخبارِ والآثارِ</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدثنا يعقوبُ القُمِّىُّ، عن جعفرِ بنِ أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: كان سليمانُ يتَتبَّعُ ما في أيدى الشياطينِ من السحرِ، فيأخُذُه فيدفِنُه تحتَ كرسيِّه في بيتِ خَزائنِه (^٤)، فلم تقدِرِ الشياطينُ أن يصِلوا إليه، فدنَت (^٥) إلى الإنسِ فقالوا لهم: أتريدون العلمَ الذى كان سليمانُ يسخِّرُ به الشياطينَ والرياحَ وغيرَ ذلك؟ قالوا: نعم. قالوا: فإنه فى بيتِ خَزائنِه (٤) وتحتَ كرسيِّه. فاستَثارته الإنسُ فاستَخرَجوه فعمِلوا به، فقال أهلُ الحِجا (^٦): كان سليمانُ يعمَلُ بهذا، وهذا سحرٌ. فأنزَل اللهُ على لسانِ نبيِّه محمدٍ ﷺ براءةَ سليمانَ فقال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ الآية. [فأبرَأ اللهُ] (^٧) سليمانَ على لسانِ نبيِّه ﷺ (^٨).\n_________\n(^١) في م: \"عملهم\".\n(^٢) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"الدلائل\".\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣ وتفسير ابن كثير: \"خزانته\".\n(^٥) في تفسير ابن كثير: \"فدبت\".\n(^٦) في م، ت ٢، ت ٣: \"الحجاز\"، والحجا: العقل والفطنة والمقدار. القاموس المحيط (ح ج ى).\n(^٧) في م، ت ٢، ت ٣، وتفسير ابن كثير: \"فأنزل الله براءة\".\n(^٨) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٩٥.","vol":"2","page":323},{"text":"حدَّثنى أبو السائبِ السُّوائىُّ، قال: حدّثناه أبو معاويةَ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان الذى أصاب سليمانَ بنَ داودَ فى سببِ أناسٍ من أهلِ امرأةٍ يقال لها: جَرادَةُ. وكانت مِن أكرمِ نسائِه عليه، قال: فكان هَوَى سليمانَ أن يكونَ الحقُّ لأهلِ الجَرادَةِ فيَقْضِىَ لهم، فعوقِب حينَ لم يكنْ هواه فيهم واحدًا. قال: وكان سليمانُ إذا أراد أن يدخُلَ الخلاءَ، أو يأتىَ شيئًا مِن نسائِه، أعطَى الجَرادَةَ خاتَمَه، فلما أراد اللهُ أن يَبْتَلِىَ سليمانَ بالذى ابتَلاه به، أعطَى الجَرادَةَ ذاتَ يومٍ خاتَمَه، فجاء الشيطانُ فى صورةِ سليمانَ فقال لها: هاتى خاتمى. فأخَذه فلبِسه، فلما أُلبسه دانتْ له الشياطينُ والجنُّ والإنسُ. قال: فجاء سليمانُ فقال: هاتى خاتمى. فقالت: كذَبتَ لسْتَ سليمانَ. قال: فعرَف سليمانُ أنه بلاءٌ ابتُلِى به. قال: فانطلَقت الشياطينُ فى تلك الأيامِ فكتَبتْ كُتُبًا فيها سحرٌ وكفرٌ، ثم دفَنوها تحتَ كرسىِّ سليمانَ، ثم أخرَجوها فقرءوها على الناسِ، وقالوا: إنما كان سليمانُ يغلِبُ الناسَ بهذه الكتبِ. قال: فبرِئ الناسُ مِن سليمانَ وأكفَروه حتى بعَث اللهُ محمدًا ﷺ، فأنزَل اللهُ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. يعنى: الذى كتَب الشياطينُ مِن السحرِ والكفرِ، ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. فأنزَل اللهُ عذرَه (^١).\nوحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصنعانىُّ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ عمرانَ بنَ حُدَيرٍ (^٢)، عن أبى مِجْلَزٍ، قال: أخَذ سليمانُ من كلِّ دابةٍ عهدًا،\n_________\n(^١) أخرجه النسائى فى الكبرى (١٠٩٩٣)، وفى تفسيره (١٣) من طريق أبى معاوية به بأطول مما هنا. وابن عساكر فى تاريخه ٢٢/ ٢٤٨ من طريق جعفر بن عون، عن الأعمش به مختصرًا. وذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ١٩٣ عن المصنف. وإسناده ضعيف لعنعنة الأعمش، والمتن فيه نكارة واضحة.\n(^٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جبير\".","vol":"2","page":324},{"text":"فإذا أصِيب رَجلٌ فسُئل (^١) بذلك العهدِ، خُلِّى (^٢) عنه، فزاد (^٣) الناسُ السَّجعَ والسحرَ وقالوا: هذا كان يعمَلُ به سليمانُ. فقال اللهُ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (^٤).\nوحدَّثنا ابنُ (^٥) حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن حُصينِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عمرانَ، [وهو عمرانُ] (^٦) بنُ الحارثِ، قال: بينا نحن عندَ ابنِ عباسٍ، إذ جاءه رجلٌ فقال له ابنُ عباسٍ: مِن أين جئتَ؟ قال: مِن العراقِ. قال: مِن أيِّه؟ قال: مِن الكوفةِ. قال: فما الخبرُ؟ قال: ترَكتُهم يتحدَّثون أن عليًّا خارجٌ إليهم. ففزِع [ثم قال] (^٧): ما تقولُ لا أبا لك! لو شعَرنا ما نكَحنا نساءَه، ولا قسَّمنا ميراثَه، أمَا [إنى سأُحدِّثُكم عن] (^٨) ذلك، إنَّه كانت الشياطينُ يَستَرِقون السمع مِن السماءِ، فيجِئُ (^٩) أحدُهم بكلمةِ حقٍّ قد سمِعها، فإذا جُرِّبَ (^١٠) منه صِدْقٌ، كذَب معها سبعين كِذْبةً. قال: فيُشرِبُها قلوبَ الناسِ، فأطلَع اللهُ عليها سليمانَ فدفَنها تحتَ كرسيِّه، فلمّا توفِّى سليمانُ قام شيطانٌ بالطريقِ فقال: ألَا أدلُّكم على كَنزِه المُمَنَّعِ الذى لا كنزَ له (^١١) مثلُه؟\n_________\n(^١) فى تفسير ابن كثير، والدر المنثور: \"فسأل\". وقوله: \"فسئل\". لعله يريد: فسئل له.\n(^٢) فى الأصل: \"خلت\".\n(^٣) فى م، ت ١، ت ٣، والدر المنثور \"فرأى\"، وفى ت ٢: \"فرأوا\".\n(^٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ١٩٦ عن المصنف. وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٩٦ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) فى م: \"أبو\".\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فقال\".\n(^٨) فى م: \"أحدثكم من\".\n(^٩) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيأتى\".\n(^١٠) فى م، ت ١، ت ٢: \"حدث\".\n(^١١) سقط من: م.","vol":"2","page":325},{"text":"تحتَ الكرسىِّ. فأخرَجوه فقالوا: هذا سحرٌ. فتَناسَخها الأممُ -حتى بَقاياها (^١) ما يتحدَّثُ به أهلُ العراقِ- فأنزَل اللهُ عذرَ سليمانَ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (^٢).\nوحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا، واللهُ أعلمُ، أن الشياطينَ ابتَدعَت كتابًا فيه سحرٌ وأمرٌ عظيمٌ، ثم أفشَوْه فى الناسِ وعلَّموهم (^٣) إياه، فلما سمِع بذلك سليمانُ نبىُّ اللهِ، تتَبَّع (^٤) تلك الكتبَ، فأتَى بها فدفَنها تحتَ كرسيِّه، كراهيةَ أن يَتَعَلَّمَها الناسُ، فلمَّا قبَض اللهُ نبيَّه سليمانَ، عمَدت الشياطينُ فاستَخرَجوها مِن مكانِها التى كانت فيه فعلَّموها الناسَ، فأخبَروهم أن هذا علمٌ كان يكتُمُه سليمانُ ويستأثِرُ به، فَعَذَرَ اللهُ (^٥) سليمانَ وبرَّأه مِن ذلك، فقال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ (^٦).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: كتَبت الشياطينُ كتُبًا فيها سحرٌ وشركٌ، ثم دفَنتْ تلك الكتبَ تحتَ كرسىِّ سليمانَ، فلما مات استَخرجَ الناسُ تلك الكتبَ فقالوا: هذا علمٌ كتَمَناه سليمانُ. فقال اللهُ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بقاياهم\".\n(^٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٦٥ وابن عساكر فى تاريخه ٢٢/ ٢٥٥ من طريق جرير به. وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٠٧ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٨٧ (٩٨٩) من طرق عن حصين به، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٩٥ إلى سفيان بن عيينة وابن المنذر.\n(^٣) فى م ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أعملوهم\".\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٣: \"فتتبع\".\n(^٥) بعده فى م ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نبيه\".\n(^٦) تقدم طرف منه فى ص ٣١٩، وسيأتى تخريجه فى ص ٣٢٩.\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٣، وأخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٢٢/ ٢٥٤ من طريق معمر به.","vol":"2","page":326},{"text":"وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا [الحسينُ، قال: حدَّثنى] (^١) حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ الآية (^٢). قال: كانت الشياطينُ تستَمِعُ الوحىَ من السماءِ، فما سمِعوا مِن كلِمةٍ زادوا فيها مثلَها، وإن سليمانَ أخَذ ما كتَبوا مِن ذلك فدفَنه تحت كرسيِّه، فلما توفِّى وجَدَته الشياطينُ فعلَّمَته الناسَ (^٢).\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن أبى بكرٍ، عن شهرِ بنِ حَوْشبٍ، قال: لمَّا سُلِب سليمانُ مُلكَه، كانتِ الشياطينُ تكتُبُ السحرَ فى غَيْبةِ سليمانَ، فكتَبَت: مَن أراد أن يأتىَ كذا وكذا، فليستَقبِلِ الشمسَ ولْيقلْ كذا وكذا، ومن أراد أن يفعَلَ كذا وكذا، فليستَدبِرِ الشمسَ ولْيقلْ كذا وكذا. فكتَبَتْه وجعلَتْ عُنوانَه: هذا ما كتَب آصَفُ بنُ بَرْخِيَا للملكِ سليمانَ بنِ داودَ مِن ذخائرِ كنوزِ العلمِ. ثم دفَنَته تحتَ كرسيِّه، فلما مات سليمانُ قام إبليسُ خطيبًا فقال: يا أيُّها الناسُ، إن سليمانَ لم يكنْ نبيًّا، إنما كان ساحرًا، فالتَمِسوا سحرَه فى متاعِه وبيوتِه. ثم دلَّهم على المكانِ الذى دُفِن فيه، فقالوا: واللهِ لقد كان سليمانُ ساحرًا، هذا سحرُه، بهذا تعبَّدَنا، وبهذا قهَرَنا. فقال المؤمنون: بل كان نبيًّا مؤمنًا. فلما بعَث اللهُ النبىَّ ﷺ، جعَل يذكُرُ الأنبياءَ حتى ذكَر داودَ وسليمانَ، فقالتِ اليهودُ: انظُروا إلى محمدٍ، يخلِطُ الحقَّ بالباطلِ، يذكُرُ سليمانَ مع الأنبياءِ، وإنما كان ساحرًا يركَبُ الريحَ. فأنزَل اللهُ عذرَ سليمانَ، فقال (^٣): ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ الآية (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) تقدم تخريجه من طريق عمرو بن دينار عن مجاهد فى ص ٣١٩.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ١٩٥ عن المصنف، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٩٥ إلى المصنف.","vol":"2","page":327},{"text":"وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدثنا سلمةُ، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾: وذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ -فيما بلَغنى- لمَّا ذكَر سليمانَ بنَ داودَ فى المرسَلين، قال بعضُ أحبارِ يهودَ: ألَا تعجَبون مِن محمدٍ، يزعُمُ أن ابنَ داودَ كان نبيًّا، واللهِ ما كان إلا ساحرًا. فأنزَل اللهُ فى ذلك مِن قولِهم: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. أى: باتباعِهم السحرَ، [وعملِهم] (^١) به، ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ (^٢).\nفإذ (^٣) كان الأمرُ فى ذلك ما وصَفنا، وتأويلُ قولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. ما ذكَرنا، فبيِّنٌ (^٤) أن فى الكلامِ متروكًا، ترِك ذكرُه اكتفاءً بما ذكِر منه، وأن معنى الكلامِ: واتَّبَعوا ما تَتْلو الشياطينُ مِن السحرِ على مُلْكِ سليمانَ، فتُضِيفُه إلى سليمانَ، وما كفَر سليمانُ فيعمَلَ بالسحرِ، ولكنَّ الشياطينَ كفَروا يعلِّمون الناسَ السحرَ.\nوقد كان قتادةُ يتأوَّلُ قولَه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. على [نحوِ ما ذكرْنا] (^٥).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن\n_________\n(^١) فى ت ٢، ت ٣: \"وعلمهم\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٤.\n(^٣) فى م: \"فإذا\".\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فتبين\".\n(^٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ما قلنا\".","vol":"2","page":328},{"text":"قتادةَ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: ما كان عن مشورتِه، ولا عن رضًا منه، ولكنه شيءٌ افتَعَلَته الشياطينُ دونَه (^١).\nوقد دلَّلنا فيما مضَى قبلُ على اختلافِ المختلِفين فى معنى: ﴿تَتْلُو﴾. وتوجيهِ مَن وجَّه ذلك إلى أنه (^٢) بمعنى \"تلَت\"، إذ كان الذى قبلَه خبرًا ماضيًا، وهو قولُه: ﴿تَتْلُو﴾. وتوجيهِ الذين وجَّهوا ذلك إلى خلافِ ذلك، وبيَّنا فيه وفى نظيرِه الصوابَ مِن القولِ، فأغنَى ذلك عن إعادتِه فى هذا الموضِعِ (^٣).\nوأمَّا معنى قولِه: ﴿مَا تَتْلُو﴾. فإنه: بمعنى: الذى تتلو، وهو السحرُ.\nكما (^٤) حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. أى: السحرَ.\nولعلَّ قائلًا أن يقولَ: أوَ ما كان السحرُ إلا أيامَ سليمانَ؟\nقيل له: بل (^٥) قد كان ذلك قبلَ ذلك، وقد أخبرَ اللهُ عن سَحَرةِ فرعونَ بما (^٦) أخبرَ عنهم، وقد كانوا قبلَ سليمانَ، وأخبرَ عن قومِ نوحٍ أنهم قالوا لنوحٍ إنه ساحرٌ.\nفإن (^٧) قال: فكيف أخبرَ عن اليهودِ أنهم اتبَعوا ما تَلَته الشياطينُ فى (^٨) عهدِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٨٧ (٩٩٠) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة.\n(^٢) فى م: \"أن تتلو\".\n(^٣) ينظر ما تقدم فى ص ٢٥٦.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بلي\".\n(^٦) فى م: \"ما\".\n(^٧) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٨) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"على\".","vol":"2","page":329},{"text":"سليمانَ، [دون الخبرِ عنهم أنهم اتَّبَعوا ما تَلَته الشياطينُ من ذلك أيامَ نوحٍ وأيامَ موسى؟\nقيل: إنما أخبَر اللهُ بذلك، تعالى ذكرُه، عن اتِّباعِهم ما تَلَتْهُ الشياطينُ على عهدِ سليمانَ] (^١)؛ لأنهم أضافوا ذلك إلى سليمانَ -على ما قد قدَّمنا البيانَ عنه- فأراد اللهُ تعالى ذكرُه تَبرئةَ سليمانَ مما نَحَلُوه وأضافوا إليه مما كانوا وجَدوه، إما فى خزائنِه (^٢) وإما تحتَ كرسيِّه، على ما جاءت به الآثارُ التى قد ذكَرناها من ذلك، فخصّ (^٣) الخبرَ عما كانت اليهودُ اتبَعتْه مما (^٤) تَلَته الشياطينُ أيَّامئذٍ (^٥) دونَ غيرِه لذلك من (^٦) السببِ، وإن كانت الشياطينُ قد كانت تاليةَ السحرِ والكفرِ قبلَ ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-377>القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اختَلف أهلُ التأويلِ (^٧) فى تأويلِ \"ما\" التى فى قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناها (^٨) الجحدُ، وهى بمعنى \"لَمْ\".\n_________\n(^١) فى م: \"قيل\".\n(^٢) فى الأصل: \"خزانته\".\n(^٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فحصر\".\n(^٤) فى م: \"فيما\".\n(^٥) فى م: \"أيام سليمان\".\n(^٦) سقط من: م، ت ١.\n(^٧) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"العلم\".\n(^٨) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"معناه\".","vol":"2","page":330},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قولَه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. فإنه يقولُ: لَمْ يُنزِلِ اللهُ السِّحرَ (^١).\nوحَدَّثَنَا ابنُ حميدٍ، قال: حَدَّثَنَا حكَّامٌ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. قال: ما أنزَل اللهُ عليهما السحرَ (^٢).\nفتأويلُ الآيةِ على هذا المعنى الذى ذكَرناه عن ابنِ عباسٍ والربيعِ -مِن توجيهِهما معنى قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. أى (^٣): ولم ينزِلْ على الملَكين: واتَّبَعوا الذى تَتلو الشياطينُ على مُلكِ سليمانَ مِن السحرِ، وما كفَر سليمانُ، ولا أنزَل اللهُ السحرَ على المَلَكَينِ، ولكنَّ الشياطينَ كفَروا، يعلِّمون الناسَ السحرَ ببابلَ هاروتَ وماروتَ. فيكونُ حينئذٍ قولُه: ﴿بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. مِن المؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ.\nفإن قال لنا قائلٌ: وكيف وجهُ تقديمِ ذلك؟\nقيل: وجهُ تقديمِه أن يقالَ: واتبَعوا ما تَتلو الشياطينُ على ملكِ سليمانَ، [وما كفَر سليمانُ] (^٤)، وما أنزِل على المَلَكَين، ولكنَّ الشياطينَ كفَروا، يعلِّمون الناسَ السحرَ ببابلَ هاروتَ وماروتَ. فيكونُ معنيًّا بـ ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ جبريلُ وميكائيلُ؛\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٨٨ (٩٩٧) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٨٨ عقب الأثر (٩٩٨) من طريق أبي جعفر به.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إلى\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":331},{"text":"لأَنَّ سحَرةَ اليهودِ، فيما ذكِر، كانت تزعُمُ أن اللهَ أنزَل السحرَ على لسانِ جبريلَ وميكائيلَ إلى سليمانَ بنِ داودَ، فأكذَبها اللهُ بذلك، وأخبرَ نبيَّه محمدًا ﷺ أن جبريلَ وميكائيلَ لَمْ ينزِلا بسحرٍ قطُّ، وبرَّأ سليمانَ مما نحَلوه من السحرِ، وأخبرَهم أن السحرَ مِن عملِ الشياطينِ، وأنها تعلِّمُ الناسَ ذلك (^١) ببابلَ، وأن الذين يعلِّمونهم ذلك رجُلان؛ اسمُ أحدِهما هاروتُ، واسمُ الآخرِ ماروتُ، فيكونُ هاروتُ وماروتُ على هذا التأويلِ ترجمةً عن (^٢) الناسِ وردًّا عليهم.\nوقال آخرون (^٣): تأويلُ \"ما\" التى في قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾: الذى.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال معمرٌ: قال قتادةُ والزهرىُّ، عن عُبيدِ (^٤) اللهِ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. كانا ملَكَينِ مِن الملائكةِ، فأُهبِطا ليحكُما بينَ الناسِ؛ وذلك أن الملائكةَ سخِروا مِن حكّامِ (^٥) بنى آدمَ. قال: فحاكَمتْ إليهما (^٦) امرأةٌ، فَحافَا (^٧) لها، ثم ذهَبا يصعَدان فحِيل بينَهما وبينَ ذلك، وخُيِّرا بينَ عذابِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ، فاخْتارا عذابَ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"على\".\n(^٣) بعده في م: \"بل\".\n(^٤) في م: \"عبد\"، وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٢٠٢، والدر المنثور ١/ ٩٩.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، وتفسير عبد الرزاق: \"أحكام\".\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إليهم\".\n(^٧) في تفسير عبد الرزاق: \"فحابيا\". والمثبت موافق لما في الدر. وقوله: \"فحافا\". ضبط في الأصل بتشديد الفاء، وضبطناه بالتخفيف على أصل الفعل، ومعناه: جارا وظلما ومالا عن القصد في الحكم. وانظر التاج (ح ى ف).","vol":"2","page":332},{"text":"الدنيا. قال معمرٌ: وقال قتادةُ: فكانا يعلِّمان الناسَ السحرَ، فأخِذ عليهما ألا يعلِّما (^١) أحدًا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (^٢).\nوحَدَّثَنِي موسي، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: أما قولُه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. فهذا سحرٌ آخرُ خاصَموه به أيضًا. يقولُ: خاصَموه بما أنزِل على المَلَكَين، وأن كلامَ الملائكةِ فيما بينَهم، إذا علِمتْه الإنسُ فصُنِع وعمِل به كان سحرًا (^٣).\nوحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾: فالسحرُ سِحران: سحرٌ تعلِّمُه الشياطينُ، وسحرٌ يعلِّمُه هاروتُ وماروتُ (^٤).\nوحَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. قال: التفريقُ بينَ المرءِ وزوجِه (^٥).\nوحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾. قال: الشياطينُ والمَلَكان يعلِّمون الناسَ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يعلمان\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٩٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٩٦ إلى المصنّف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٩٦ إلى المصنّف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٨٨ (٩٩٦) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٩٦ إلى ابن المنذر.","vol":"2","page":333},{"text":"السحرَ.\nفمعنى الآيةِ على تأويلِ هذا القولِ الذى ذكَرناه عمَّن ذكَرنا عنه: واتبَعتِ اليهودُ الذى تَلتِ الشياطينُ في مُلكِ سليمانَ والذى أنزِل على الملكَين ببابلَ هاروتَ وماروتَ.\n[وقال قائلو هذه المقالةِ: إن اللهَ أنزَل السحرَ على هاروتَ وماروتَ ببابلَ] (^١). وهما ملَكان مِن ملائكةِ اللهِ، سنذكُرُ ما روِى مِن الأخبارِ في شأنِهما بعدُ (^٢) إن شاء اللهُ.\nوقالوا: إن قال لنا قائلٌ: وهل يجوزُ أن يُنزِلَ اللهُ السحرَ، أم هل يجوزُ لملائكتِه أن تعلِّمَه الناسَ؟\nقلنا له: إنَّ اللهَ ﵎ قد أنزَل الخيرَ والشرَّ كلَّه، وبيَّن جميعَ ذلك لعبادِه، فأوحاه إلى رسلِه، وأمَرهم بتعليمِ خلقِه وتعريفِهم ما يحِلُّ لهم مما يحرُمُ عليهم، وذلك كالزِّنَا والسَّرَقِ (^٣) وسائرِ المعاصى التى عرَّفَهُموها (^٤) ونهَاهم عن ركوبِها، فالسحرُ أحدُ تلك المعانى (^٥) التى أخبرَهم بها ونَهاهم عن العملِ بها.\nوقالوا: ليس في العلمِ بالسحرِ إثمٌ، كما لا إثمَ في العلمِ بصنعةِ الخمرِ ونحتِ الأصنامِ والطَّنابيرِ (^٦) والملاعبِ، وإنما الإثمُ في عملِه وتسويتِه.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"السرقة\". وهما بمعنى.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عرفتمهوها\".\n(^٥) في م: \"المعاصى\".\n(^٦) الطنابير، جمع الطُّنْبُور والطِّنْبار: من آلات الطرب، ذو عنق طويل وستة أوتار، معرب تَنْبور. الألفاظ الفارسية المعربة ص ١١٣.","vol":"2","page":334},{"text":"قالوا: وكذلك لا إثمَ في العلمِ بالسحرِ، وإنما الإثمُ في العملِ به، وأن يَضُرَّ به مَن لا يَحِلُّ ضَرُّه به.\nقالوا: فليس في إنزالِ اللهِ إياه على الملَكَين، ولا في تعليمِ الملَكَين مَن علَّماه مِن الناسِ إثمٌ؛ إذ (^١) كان تعليمُهما مَن علَّما ذلك بإذنِ اللهِ لهما بتعليمِه، بعدَ أن يُخبِراه أنَّهما فتنةٌ، وينهياه عن السحرِ والعملِ به والكفرِ، وإنما الإثمُ على مَن يتعلَّمُه منهما ويعمَلُ به؛ إذ كان اللهُ تعالى ذكرُه قد نَهى (^٢) عن تعلُّمِه والعملِ به.\nقالوا: ولو كان اللهُ أباح لبنى آدمَ أن يتعلَّموا ذلك، لَمْ يكنْ مَن تعلَّمَه (^٣) حَرِجًا، كما لَمْ يكونا حَرِجَين (^٤) لعلمِهما به؛ إذ كان علمُهما بذلك عن تنزيلِ اللهِ إليهما.\nوقال آخرون: معنى \"مَا\"، معنى \"الذى\"، وهى عطفٌ على \"مَا\"، الأُولي، غيرَ أن الأُولى في معنى السحرِ، ومعنى (^٥) الآخِرةِ في معنى التفريقِ بينَ المرءِ وزوجِه.\nفتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ: واتَّبَعوا السحرَ الذى تَتلو الشياطينُ في مُلكِ سليمانَ، والتفريقَ (^٦) بينَ المرءِ وزوجِه الذى أُنزِل على المَلَكَين ببابلَ هاروتَ وماروتَ.\n_________\n(^١) في م: \"إذا\".\n(^٢) في م: \"نهاه\".\n(^٣) بعده في الأصل: \"منهما\".\n(^٤) الحِرْج والحَرَج: الإثم، والحارج: الآثم. قال ابن سيده: أراه على النسب؛ لأنه لا فعل له. اللسان (ح ر ج). وقال الشيخ شاكر عن استعمال الحرِج بمعنى الآثم: وأهل اللغة ينكرون ذلك، لا يقال للآثم إلَّا \"الحارج\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذى\".","vol":"2","page":335},{"text":"ذكر من قال ذلك\nحَدَّثَنِي المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾: وهما يعلِّمان ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، وذلك قولُ اللهِ - [وقالوا: كفَر سليمانُ] (^١) -: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. فكان يقولُ: أمَّا السحرُ فإنما تُعلِّمُه الشياطينُ، وأما الذى يعلِّمه الملَكان فالتفريقُ بينَ المرءِ وزوجِه، كما قال اللهُ تعالى (^٢).\nوقال آخرون: جائزٌ أن تكونَ \"مَا\" بمعنى \"الذى\"، وجائزٌ أن تكونَ بمعنى \"لَمْ\".\nذكرُ من قال ذلك\nحَدَّثَنِي يونسُ بنُ عبدِ الأعلي، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حَدَّثَنِي الليثُ بنُ سَعْدٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ، وسأله رجلٌ عن قولِ اللهِ: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. فقال الرجلُ: يعلِّمان الناسَ ما أنزِل عليهما، أم يعلِّمان الناسَ ما لَمْ يَنزِلْ عليهما؟ قال القاسمُ: ما أبالى أيَّتهما كانت (^٣).\nوحَدَّثَنِي يونسُ، قال: حَدَّثَنِي أنسُ (^٤) بنُ عياضٍ، عن بعضِ أصحابِه، أن\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) عزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ٩٦ إلى المصنّف.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٩٨ عن المصنّف. وينظر طبقات ابن سعد ٥/ ١٨٧.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بشر\". وينظر تهذيب الكمال ٣/ ٣٤٩.","vol":"2","page":336},{"text":"القاسمَ بنَ محمدٍ سُئل عن قولِ اللهِ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. فقيل له: أُنزِل أو لَمْ يُنزَلْ؟ فقال: لا أبالى أىَّ ذلك كان، إلَّا أنى آمنتُ به (^١).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندنا قولُ من وجَّه \"ما\" التى في قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. إلى (^٢) معنى \"الذى\" دونَ معنى \"ما\" التى هى بمعنى الجحدِ. وإنما اختَرتُ ذلك من أجلِ أن \"مَا\" إن وجِّهت إلى معنى الجَحدِ فنَفَى (^٣) عن الملَكَين أن يكونا مُنْزلًا إليهما، لَمْ (^٤) يَخلُ الاسمان اللذان بعدَهما -أعنى هاروتَ وماروتَ - مِن أن يكونا بدلًا منهما وترجمةً عنهما، أو بدلًا من \"الناسِ\" في قولِه: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. وترجمةً عنهم (^٥). فإن جُعِلا بدلًا من \"المَلَكَين\" وترجمةً عنهما، بطَل معنى قولِه: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾. لأنهما إذا لَمْ يكونا عالِمَين بما يُفرَّقُ به بينَ المرءِ وزوجِه، فما الذى يُتعلَّمُ منهما مما (^٦) يفرِّقُ بينَ المرءِ وزوجِه؟\nوبعدُ، فإن \"مَا\" التى في قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. إن كانت بمعنى (^٧) الجَحْدِ عطفًا على قولِه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾. فإن اللهَ جلّ ثناؤُه نفَى بقولِه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾. عن سليمانَ أن يكونَ السحرُ من عملِه أو من علمِه أو تعليمِه، فإن كان الذى نفَى عن الملَكَين من ذلك نظيرَ الذى نفَى عن سليمانَ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٩٨ عن المصنّف. وينظر طبقات ابن سعد ٥/ ١٨٧.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"التى\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٣: \"فتنفى\".\n(^٤) في م: \"ولم\".\n(^٥) في م: \"عنهما\".\n(^٦) في م: \"ما\".\n(^٧) في م، \"في معنى\".","vol":"2","page":337},{"text":"منه -وهاروتُ وماروتُ هما الملَكان- فمَن المتعلَّمُ منه إذن ما يفرَّقُ به بينَ المرءِ وزوجِه؟ وعمَّن الخبرُ الذي أخبرَ عنه بقولِه: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾؟ إنَّ خطأَ هذا القولِ لواضحٌ بيِّنٌ.\nوإن كان قولُه: ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. ترجمةً عن \"الناسِ\" الذين في قولِه: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. فقد وجَب أن تكونَ الشياطينُ هى التى تعلِّمُ هاروتَ وماروتَ السحرَ، وأن (^١) تكونَ السحرةُ إنما تعلَّمت السحرَ من هاروتَ وماروتَ عن تعليمِ الشياطينِ إياهما. فإن يكنْ ذلك كذلك، فلنْ يخلوَ هاروتُ وماروتُ عندَ قائلى (^٢) هذه المقالةِ من أحدِ أمرين؛ إما أن يكونا ملَكَين، فإن كانا عندَهم (^٣) ملَكَين، فقد أوجَبوا (^٤) لهما مِن الكفرِ باللهِ والمعصيةِ له - بنسبتِهم (^٥) إياهما إلى أنهما يتعلَّمان مِن الشياطينِ السحرَ [والكفرَ] (^٦) ويعلِّمانه الناسَ، وإصرارِهما على ذلك ومُقامِهما عليه- أعظمَ مما ذكِر عنهما أنهما أتَياه مِن المعصيةِ التى استَحقَّا عليها العقَابَ. وفي خبرِ اللهِ تعالى ذكرُه عنهما أنهما لا يعلِّمان أحدًا ما يَتعلَّمُ منهما حتى يقولا له: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. ما يُغنى عن الإكثارِ في الدَّلالةِ على خطأِ هذا القولِ، أو أن يكونا كانا (^٧) رجلين من بنى آدمَ، فإن يكن ذلك كذلك فقد كانا يجبُ أن يكونَ بهلاكِهما قد\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"قائل\"، وغير واضحة في: ت ١.\n(^٣) في م: \"عنده\".\n(^٤) في م: \"أوجب\".\n(^٥) في م: \"بنسبته\".\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":338},{"text":"ارتفَع السحرُ والعلمُ به والعملُ من بنى آدمَ؛ لأَنه إذا كان علمُ ذلك مِن قِبَلِهما يُؤخذُ، ومنهما يُتعلَّمُ، فالواجبُ أن يكونَ بهلاكِهما وعدمِ وجودِهما عدمُ السبيلِ إلى الوصولِ إلى المعنى الذي كان لا يوصَلُ إليه إلا بهما. وفي وجودِ السحرِ في كلِّ زمانٍ ووقتٍ، أبيَنُ الدَّلالةِ على فسادِ هذا القولِ. أو (^١) يزعُمُ قائلُو (^٢) ذلك أنهما رجلان مِن بنى آدمَ لم يُعْدَما مِن الأرضِ منذُ خُلِقت الأرضُ (^٣)، ولا يُعدَمان (^٤) ما وجِد السحرُ في الناسِ، فيدَّعى ما لا يَخفى بُطُولُه.\nفإذ (^٥) فسَدتْ هذه الوجوهُ التى دلَّلنا على فسادِها، فبيِّنٌ أن معنى \"ما\" التى في قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. بمعنى \"الذي\" وأن هاروتَ وماروتَ مُترجَمٌ بهما عن \"الملَكَين\"، ولذلك فُتِحت أواخرُ أسمائِهما؛ لأنهما في موضعِ خَفضٍ بالرَّدِّ (^٦) على \"الملَكَين\"، ولكنهما لمّا كانا لا يُجْريان (^٧) فُتِحت أواخرُ أسمائِهما.\nفإن التَبَس على ذى غباءٍ ما قلنا، فقال: وكيف يجوزُ لملائكةِ اللهِ أن تعلِّمَ الناسَ التفريقَ بينَ المرءِ وزوجِه؟ أم كيف يجوزُ أن يُضافَ إلى اللهِ إنزالُ ذلك على الملائكةِ؟\nقيل له: إن اللهَ جلّ ثناؤُه عرَّف عبادَه جميعَ ما أمَرهم به، وجميعَ ما نهاهم عنه، ثم أمَرهم ونهاهم بعدَ العلمِ منهم بما يؤمَرون به ويُنهَون عنه، ولو كان الأمرُ\n_________\n(^١) في م: \"وقد\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قائل\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بعد\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢: \"فإذا\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"على الرد\".\n(^٧) في م: \"يجران\". والإجراء هو الصرف. ينظر مصطلحات النحو الكوفى ص ٩٨ - ١٠١.","vol":"2","page":339},{"text":"على غيرِ ذلك، لَما كان للأمرِ والنهْىِ معنًى مفهومٌ، فالسحرُ مما قد نهَى عبادَه من بنى آدمَ عنه، فغيرُ منكَرٍ أن يكونَ جلّ ثناؤُه علَّمه الملَكَين اللذين سمَّاهما في تنزيلِه، وجعَلهما فتنةً لعبادِه من بنى آدمَ، كما أخبرَ عنهما أنهما يقولان لمَن يَتعلَّمُ ذلك منهما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. ليَختَبِرَ بهما عبادَه الذين نهاهم عن التفريقِ بينَ المرءِ وزوجِه، وعن السحرِ، فيمحِّصَ المؤمنَ بترْكِه التعلُّمَ منهما، ويُخزِىَ الكافرَ بتعلُّمِه السحرَ والكفرَ منهما، ويكونُ المَلَكان في تعليمِهما مَن علَّما ذلك، للهِ مُطِيعَين، إذ كانا عن إذنِ اللهِ لهما بتعليمِ ذلك من علَّماه يُعلِّمان، وقد عُبِد من دونِ اللهِ جماعةٌ من أولياءِ اللهِ، فلم يكنْ ذلك لهم ضائرًا، إذ لم يكنْ ذلك بأمرِهم إياهم به، بل عُبِد بعضُهم والمعبودُ عنه نَاهٍ، فكذلك المَلَكان غيرُ ضائرِهما سحرُ مَن سحَر ممن تعلَّم ذلك منهما بعدَ نهْيِهما إياه عنه، وعظَتِهما له بقولِهما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. إذ كانا قد أدَّيَا ما أمِرا به بقيلِهما ذلك.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. إلى قولِه: ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾. [قال: قولُه: ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾] (^١): أُخِذ عليهما ذلك (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-378>ذكرُ بعضِ الأخبارِ التى [جاءت في شأْنِ] (^٣) الملَكين [وأمرِهما] (١)، ومَن قال: إن هاروتَ وماروتَ هما الملَكان اللذان ذكَر اللهُ في قولِه: ﴿[وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ] (١) بِبَابِلَ﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: م ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٩٢ (١٠١١) من طريق عباد بن منصور، عن الحسن نحوه مطولا.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في بيان\".","vol":"2","page":340},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: حدَّثنى أبي، عن قتادةَ، قال: حدثنا أبو شعبةَ العدوىُّ في جنازةِ يونسَ بنِ جبيرٍ أبى غَلَّابٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن اللهَ ﵎ أفرَج السماءَ لملائكتِه ينظُرون إلى أعمالِ بنى آدمَ، فلما أبصَروهم يعمَلون بالخطايَا، قالوا: ياربِّ، هؤلاء بنو آدمَ الذي خلَقتَ بيدِك، وأسجَدتَ له ملائكتَك، وعلَّمتَه أسماءَ كلِّ شيءٍ، يعمَلون بالخطايا. قال: أمَا إنكم لو كنتم مكانَهم لعمِلتُم مثلَ أعمالِهم. قالوا: سبحانَك ما كان ينبغى لنا. قال: فأمِروا أن يَختاروا [ملَكين ليهبِطَا] (^١) إلى الأرضِ. قال: فاخْتاروا هاروتَ وماروتَ، فأُهبِطا إلى الأرضِ، وأحِلَّ لهما ما فيها مِن شيءٍ، غيرَ ألا يُشْرِكَا باللهِ شيئًا، ولا يسرِقا، ولا يزنِيا، ولا يشرَبا الخمرَ، ولا يقتُلا النفسَ التى حرَّم اللهُ إلا بالحقِّ. قال: فما أشْهرا (^٢) حتى عرِّض لهما بامرأةٍ (^٣) قد قُسِم لها نصفُ الحسنِ، يقالُ لها: بِيذُخْتْ (^٤). فلما أبصَراها كشَرا (^٥) بها إِرْبًا (^٦)، فقالت: لا، إلَّا أن تُشرِكا باللهِ، وتشرَبا الخمرَ، وتقتُلا النفسَ، وتسجُدا لهذا الصنمِ. فقالا: ما كنا لنشرِكَ باللهِ شيئًا. فقال أحدُهما للآخرِ: ارجِعْ إليها. فقالت: لا، إلَّا أن تشرَبا الخمرَ. فشرِبا حتى ثَمِلا (^٧)، ودخَل عليهما سائلٌ فقتَلاه، فلما وقَعا فيما وقَعا فيه مِن الشرِّ، أفرَج اللهُ\n_________\n(^١) في م: \"من يهبط\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"استمرا\". وأشهر: أتى عليه شهر. التاج (ش هـ ر).\n(^٣) في م: \"امرأة\".\n(^٤) في الأصل: \"بيدخت\". بالدال المهملة. وتقال بالوجهين. ينظر نهاية الأرب ١/ ٣٩.\n(^٥) كذا في الأصل، وفي م: \"أرادا\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كسرا\". وكتب في حاشية الأصل: \"في الأم: كُسرا\" وصححها.\nوكشَر عن أسنانه: إذا أبدى، يكون في الضحك وغيره. وقد كاشره: إذا ضحك في وجهه وباسطه. والكَشْرُ ضرب من النكاح. التاج (ك ش ر). ولعله كنى بذلك عن إرادة الزنا والمراودة.\n(^٦) في م: \"زنا\".\n(^٧) ثمِل يَثْمَل ثمَلا: إذا سكر وأخذ فيه الشراب. اللسان (ث م ل).","vol":"2","page":341},{"text":"السماءَ لملائكتِه، فقالوا: سبحانَك كنتَ أنتَ (^١) أعلمَ. قالْ فأوحَى اللهُ إلى سليمانَ ابنِ داودَ أن يُخيِّرَهما بينَ عذابِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ، فاخْتارا عذابَ الدنيا، فكُبِّلا مِن أكعبِهما إلى أعناقِهما بمثلِ أعناقِ البُخْتِ (^٢)، وجُعِلا ببابلَ (^٣).\nحدَّثنى المثنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: حدَّثنا حمادٌ (^٤)، عن (^٥) عليِّ بنِ زيدٍ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، عن ابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ أنهما قالا: لمّا كثُر بنو آدمَ وعصَوْا، دعَت الملائكةُ عليهم والأرضُ والسماءُ والجبالُ: ربَّنا [ألَا تهلِكُهم] (^٦)؟ فأوحَى اللهُ إلى الملائكةِ: إنى لو أنزَلتُ الشهوةَ والشيطانَ مِن قلوبِكم، ولو نزَلتم لفعَلتُم أيضًا قال: فحدَّثوا أنفسَهم أن لو (^٧) ابتُلوا اعتصَموا. فأوحَى اللهُ إليهم أن اختاروا ملَكين مِن أفضلِكم. فاختاروا هاروتَ وماروتَ، فأهبِطا إلى الأرضِ، وأنزِلت الزُّهَرةُ إليهما في صورةِ امرأةٍ مِن أهلِ فارسَ، كان أهلُ فارسَ يسمُّونها بِيذُختْ. قال: فوقَعا بالخطيئةِ، وكانت الملائكةُ يستغفِرون للذين آمنوا: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. فلما وقَعا بالخطيئةِ استغفَروا لمَن في الأرضِ: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥]. فخُيِّرا بينَ عذابِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ، فاخْتارا\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) البخت: الإبل الخراسانية. اللسان (ب خ ت).\n(^٣) عزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ١٠٠ إلى المصنف. وإسناده ضعيف لجهالة أبي شعبة العدوى.\n(^٤) في م: \"حجاج\"، وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٢٠٠.\n(^٥) في الأصل: \"بن\".\n(^٦) في العقوبات لابن أبي الدنيا: \"أهلكهم\"، وفي تفسير ابن كثير: \"لا تهلكهم\"، وفي الدر المنثور: \"لا تمهلهم\". وكذا في بعض طبعات ابن كثير كما أشار محققوه.\n(^٧) سقط من: الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":342},{"text":"عذابَ الدنيا (^١)\nحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا الحجاجُ، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن خالدٍ الحذَّاءِ، عن عميرِ (^٢) بنِ سعيدٍ، قال: سمِعتُ عليًّا يقولُ: كانت الزُّهَرةُ امرأةً جميلةً من أهلِ فارسَ، وإنها خاصَمت إلى الملَكَين هاروتَ وماروتَ، فراوَداها عن نفسِها، فأبَت عليهما إلا أن يعلِّمَاها الكلامَ الذي إذا تُكُلِّم به يُعرَجُ به إلى السماءِ، فعلَّماها، فتكلَّمَت، فعرَجَت إلى السماءِ فمُسِخَت كوكبًا (^٣).\nوحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المثنَّى، قالا: ثنا مُؤَمَّلُ بنُ إسماعيلَ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، جميعًا عن الثورىِّ، عن موسى (^٤) بنِ عقبةَ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ، عن كعبٍ، قال: ذكَرت الملائكةُ أعمالَ بنى آدمَ وما يأتُون من الذنوبِ، فقيل لهم: اخْتاروا منكم اثنين -وقال الحسنُ بنُ يحيى في حديثِه: اختاروا ملَكَين- فاختاروا هاروتَ وماروتَ، فقيل لهما: إنى أرسِلُ إلى بنى آدمَ رُسُلًا، وليس بينى وبينَكما رسولٌ، انزِلا، لا تُشرِكا بى شيئًا، ولا تزنِيا، ولا تشرَبا الخمرَ. قال كعبٌ: فواللهِ ما أمسَيا مِن (^٥) يومِهما الذي أُهبِطا فيه إلى الأرضِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٢١) من طريق حماد بن سلمة به.\n(^٢) في م: \"عمرو\".\n(^٣) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده -كما في المطالب العالية (٣٨٩٢) - وابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٢٣)، وأبو الشيخ في العظمة (٧٠٢)، والحاكم ٢/ ٢٦٥ من طريق عمير بن سعيد عن على مطولا، وصححه الحاكم على شرط الشيخين. وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٩٩ عن المصنف، وقال: وهذا الإسناد رجاله ثقات، وهو غريب جدا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٩٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في م: \"محمد\".\n(^٥) في الأصل: \"في\".","vol":"2","page":343},{"text":"حتى استكمَلا جميعَ ما نُهِيا عنه. وقال الحسنُ بنُ يحيى في حديثِه: فما استَكمَلا يومَهما الذي أنزِلا فيه حتى عَمِلا ما حرَّم اللهُ عليهما (^١).\nوحدَّثنى المثنى، قال: ثنا معلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ المختارِ، عن موسى بنِ عقبةَ، قال: حدَّثنى سالمٌ، أنه سمِع عبدَ اللهِ يحدِّثُ عن كعبِ الأحبارِ، أنه حدَّث أن الملائكةَ أنكَروا أعمالَ بنى آدمَ وما يأْتُون في الأرضِ مِن المعاصى، فقال اللهُ لهم: إنكم لو كنتم مكانَهم أتيتم ما يأتون مِن الذنوبِ، فاختاروا منكم ملَكَين. فاختاروا هاروتَ وماروتَ اخْتيارًا (^٢)، فقال اللهُ لهما: إنى أرسِلُ رُسلى إلى الناسِ، وليس بينى وبينَكما رسولٌ، انزِلا إلى الأرضِ، ولا تُشرِكا بى شيئًا ولا تزنِيَا. فقال كعبٌ: والذي نفسُ كعبٍ بيدِه، ما استكمَلا يومَهما الذي نزَلا فيه حتى أتَيا كلَّ (^٣) ما حُرِّم عليهما.\nوحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: إنه كان مِن أمرِ هاروتَ وماروتَ أنهما طعَنا على أهلِ الأرضِ في أحكامِهم، فقيل لهما: إنى أعطَيتُ بنى (^٤) آدمَ عشرًا مِن الشهواتِ فبها يعصوننى. قال هاروتُ وماروتُ: ربَّنا لو أعطَيتنا تلك الشهواتِ ثم نزَلنا، لحكمْنا بالعدلِ. فقال لهما: انزِلا، فقد أعطَيتُكما تلك الشهواتِ العشرَ، فاحكُما بينَ الناسِ. فنزَلا ببابلِ دُنْباوَنْدَ (^٥)،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٩٠ (١٠٠٦) من طريق مؤمل به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٥٣، وابن أبي شيبة ١٣/ ١٨٦، وابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٢٤)، والبيهقى في الشعب (١٦٤) من طريق الثورى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٩٨ الى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م: \"ابن\".\n(^٥) دُنْباوَند لغة في دُبَاوَنْد، ودُباوَنْد كورة من كور الرى بينها وبين طبرستان، ودُنْباوند جبل من نواحى=","vol":"2","page":344},{"text":"فكانا (^١) يحكُمان، حتى إذا أمسَيا عَرَجا، فإذا أصبَحا هبَطا، فلم يزالا بذلك حتى أتَتْهما امرأةٌ تخاصِمُ زوجَها، فأعجَبهما حسنُها -واسمُها بالعربيةِ الزُّهَرةُ، واسمُها (^٢) بالنَّبطيةِ بِيذُخْتْ، واسمُها بالفارسيةِ أناهِيذ- فقال أحدُهما لصاحبِه: إنها لتُعجِبُنى. قال الآخرُ: قد أردتُ أن أذكرَ لك ذلك (^٢) فاستحييتُ منك. فقال الآخرُ: هل لك أن أذكرَها لنفسِها؟ قال: نعم، ولكن كيف لنا بعذابِ اللهِ؟ قال الآخرُ: إنا نرجُو رحمةَ اللهِ. فلما جاءت تخاصِمُ زوجَها ذكَرا لها (^٣) نفسَها، فقالت: لا، حتى تقضِيا لى على زوجى. فقضَيا لها على زوجِها، ثم واعَدتْهما خَرِبةً من الخَرِبِ يأتيانها فيها، فأتياها لذلك، فلما أراد الذى يواقعُها، قالت: ما أنَا بالذى أفْعَلُ حتى تخبرانى بأىِّ كلامٍ تصعَدان إلى السماءِ، وبأىِّ كلامٍ تنزِلان منها. فأخبَراها فتكلَّمت فصعِدت، فأنساها اللهُ ما تَنْزِلُ به، فبقِيت مكانَها، وجعَلها اللهُ كوكبًا -فكان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ كلما رآها لعَنها وقال: هذه التى فتَنت هاروتَ وماروتَ- فلما كان الليلُ أرادا أن يصعَدا فلم يُطِيقا (^٤)، فعرَفا الهَلكةَ (^٥)، فخُيِّرا [عذابَ الدنيا من عذابِ] (^٦) الآخرةِ، فاختارا عذابَ الدنيا (^٧)، فعُلِّقا ببابلَ، وجعَلا يكلِّمان الناسَ كلامَهما، وهو السحرُ (^٨).\nوحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: لما وقَع الناسُ مِن بعدِ آدمَ فيما وقَعوا فيه مِن المعاصِى والكفرِ باللهِ، قالت\n_________\n= الرى. معجم البلدان ٢/ ٥٤٤، ٦٠٦.\n(^١) في الأصل: \"فكان\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) فى م، ت ٢، ت ٣: \"إليها\".\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يستطيعا\".\n(^٥) فى م، ت ١، ت ٣: \"الهلك\".\n(^٦) في م: \"بين عذاب الدنيا و\".\n(^٧) بعده في م: \"من عذاب الآخرة\".\n(^٨) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٠٢.","vol":"2","page":345},{"text":"الملائكةُ فى السماءِ: أىْ ربّ، هذا العالَمُ إنما خلقتَهم لعبادتِك وطاعتِك، وقد ركِبوا الكفرَ، وقتلَ النفسِ الحرامِ، وأكلَ المالِ الحرامِ، والسرقةَ، والزنا، وشرْبَ الخمرِ. فجعَلوا يدعون عليهم ولا يَعْذِرونهم، فقيل لهم: إنهم فى غَيْبٍ. فلم يعذِروهم، فقيل لهم: اختاروا منكم ملَكَين آمرُهما بأمرى، وأنْهاهما عن معصيتى. فاختاروا هاروتَ وماروتَ، فأُهبِطا إلى الأرضِ، وجعِل لهما (^١) شهواتُ بنى آدمَ، وأمِرا أن يعبُدا اللهَ، وألا يشرِكا به شيئًا، ونُهِيا عن قتلِ النفسِ الحرامِ، وأكلِ المالِ الحرامِ، والسرقةِ، والزنا، وشربِ الخمرِ، فلبِثا فى الأرضِ على ذلك زمانًا يحكُمان بينَ الناسِ بالحقِّ -وذلك فى زمانِ إدريسَ- وفى ذلك الزمانِ امرأةٌ حسنُها فى سائرِ النساءِ (^٢) كحسنِ الزُّهَرةِ فى سائرِ الكواكبِ، وأنها أتَت عليهما، فخضَعا لها بالقولِ، وأراداها على نفسِها، وأنها أبَت إلا أن يكونا على أمرِها ودينِها، وأنهما سأَلاها عن دينِها الذى (^٣) هى عليه، فأخرَجت لهما صنمًا، فقالت: هذا أعبُدُ. فقالا: لا حاجةَ لنا فى عبادةِ هذا. فذهَبا فصبَرا ما شاء اللهُ، ثم أتَيا عليها فخضَعا لها بالقولِ، وأراداها على نفسِها، فقالت: لا، إلَّا أن تكونا على ما أنا عليه. فقالا: لا حاجةَ لنا فى عبادةِ هذا. فلما رأتْ أنهما قد (^٤) أبَيا أن يعبُدا الصنمَ، قالت لهما: اختارا إحدَى الخِلالِ الثلاثِ؛ إما أن تعبُدا الصنمَ، أو تقتُلا النفسَ، أو تشرَبا هذه (^٤) الخمرَ. فقالا: كلُّ هذا لا ينبغى، وأهونُ الثلاثِ شُرْبُ الخمرِ. فسقَتْهما الخمرَ حتى إذا (^٥) أخَذتِ الخمرُ فيهما (^٦)، وقَعا بها، فمرَّ بهما إنسانٌ وهما فى ذلك، فخشِيا أن يُفشِىَ عليهما\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، والدر المنثور: \"بهما\".\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، والدر المنثور: \"الناس\".\n(^٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"التى\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) سقط من: الأصل.\n(^٦) بعده فى الأصل: \"وأنهما\".","vol":"2","page":346},{"text":"فقتَلاه، فلما أن ذهَب عنهما السكرُ، عرَفا ما قد (^١) وقَعا فيه مِن الخطيئةِ، وأرادا أن يصعَدا إلى السماءِ فلم يستطِيعا، فحِيل بينَهما وبينَ ذلك، وكُشِف الغطاءُ فيما (^٢) بينهما وبينَ أهلِ السماءِ، فنظَرتِ الملائكةُ إلى ما قد (١) وقَعا فيه مِن الذنبِ، فعجِبوا كلَّ العَجَبِ، و[عرَفوا أنه] (^٣) مَن كان فى غَيْبٍ فهو أقلُّ خشيةً (^٤)، فجعَلوا بعدَ ذلك يستغفِرون لمَن فى الأرضِ. وإنهما لمّا وقَعا فيما وقَعا فيه مِن الخطيئةِ، قيل لهما: اختارا عذابَ الدنيا أو عذابَ الآخرةِ. فقالا: أمَّا عذابُ الدنيا فإنه ينقطِعُ [ويذهَبُ] (^٥)، وأمَّا عذابُ الآخرةِ فلا انقطاعَ له. فاختارا عذابَ الدنيا، فجُعِلا ببابلَ، فهما يعذَّبان (^٦).\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا فرجُ بنُ فَضالةَ، عن معاويةَ ابنِ صالحٍ، عن نافعٍ، قال: سافَرتُ مع ابنِ عمرَ، فلما كان مِن آخرِ الليلِ، قال: يا نافعُ، انظُرْ، طلعتِ الحمراءُ؟ [قلتُ: لا] (^٧). مرَّتين أو ثلاثًا، ثم قلتُ: قد طلَعت. قال: لا مرحبًا بها (^٨) ولا أهلًا. قلت: سبحانَ اللهِ، نجمٌ مسخَّرٌ سامعٌ مطيعٌ! قال: ما قلتُ لك إلا ما سمِعتُ من رسولِ اللهِ ﷺ أو (^٩) قال: قال لى (^١٠) رسولُ اللهِ ﷺ:\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) فى م: \"علموا أن\".\n(^٤) فى م: \"غشية\".\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١٠٠ إلى المصنف. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٨٩ (١٠٠٥) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس قوله، وذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ٢٠١ عن ابن أبى حاتم، وقال: رواه الحاكم فى مستدركه مطولا عن. . . أبى جعفر الرازى به، ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فهذا أقرب ما روى فى شأن الزهرة، والله أعلم.\n(^٧) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قالها\".\n(^٨) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٩) فى م: \"و\".\n(^١٠) سقط من الأصل.","vol":"2","page":347},{"text":"\"إنَّ الملائكةَ قالت: يا ربِّ، كيف صبرُك على بنى آدمَ فى الخطايا والذنوبِ؟ قال: إنى ابتَليتُهم وعافَيتُكم. قالوا: لو كنا مكانَهم ما عصَيناك. قال: فاختارُوا ملَكَين منكم\". قال: \"فلم يألُوا أن يختارُوا، فاختارُوا هاروتَ وماروتَ\" (١).\nوحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: أمّا شأنُ هاروتَ وماروتَ، فإن الملائكةَ عجِبت من ظلمِ بنى آدمَ، وقد جاءتْهم الرسلُ والكتبُ والبيناتُ، فقال لهم ربُّهم: اختاروا منكم ملَكَين أُنزِلْهما يحكُمان فى الأرضِ بين بنى آدمَ. فاختاروا - [فلم يألُوا] (^٢) - هاروتَ وماروتَ. فقال لهما حينَ أنزَلهما: أَعجِبتما مِن بنى آدمَ ومِن ظلمِهم ومعصيتِهم، وإنما تأتِيهم الرسلُ والكتبُ مِن وراءَ وراءَ؟! وأنتما ليس بينى وبينَكما رسولٌ، فافعَلا كذا وكذا، ودعا كذا وكذا. فأمَرهما بأمرٍ ونهاهما، ثم نزَلا على ذلك، ليس أحدٌ أطوعَ للهِ منهما، فحكَما فعدَلا، فكانا يحكُمان النهارَ بين بنى آدمَ، فإذا أمسَيا عَرَجا وكانا مع الملائكةِ، وينزِلان حين يصبِحان فيحكُمان فيعدِلان، حتى أُنزِلت عليهما الزُّهَرةُ فى أحسنِ صورةِ امرأةٍ تخاصِمُ، فقضَيا عليها، فلما قامت وجَد كلُّ واحدٍ منهما فى نفسِه، فقال أحدُهما لصاحبِه: وجَدتَ مثلَ ما وجَدتُ؟ قال: نعم. فبعَثا إليها: أنِ ائتِينا نَقْضِ لكِ. فلما رجَعت، قالا لها -وقضيا لها-: ائتِينا. فأتتهما، فتكشَّفا لها عن عورتِهما، وإنما كانت شهوتُهما فى أنفسِهما، ولم يكونا كبنى آدمَ فى شهوةِ النساءِ ولذَّتِها، فلما بلَغا ذلك واستحلَّاه وافتُتِنا، طارتِ الزُّهَرةُ فرجَعت حيث كانت، فلما\n_________\n(أ) أخرجه سنيد -كما فى الدر المنثور ١/ ٩٧ - ومن طريقه الخطيب ٨/ ٤٢، وابن الجوزى فى الموضوعات\n١/ ١٨٦، والذهبى فى الميزان ٢/ ٢٣٦. وذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ١٩٩ عن المصنف، وقال: غريب\nجدا، وأقرب ما فى هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار، لا عن النبى ﷺ. . . وينظر تفسير\nابن كثير ١/ ١٩٨ - ٢٠٠، والدر المنثور ١/ ٩٧، ٩٨، والضعيفة (٩١٢).\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":348},{"text":"أمسَيا عَرَجا فزُجِرا (^١) فلم يؤذنْ لهما، ولم تحمِلْهما أجنِحَتُهما، فاستغاثا برجلٍ من بنى آدمَ، فأتَياه فقالا: ادعُ لنا ربَّك. فقال: كيف يشفَعُ أهلُ الأرضِ لأهلِ السماءِ؟ قالا: سمِعنا ربَّك يذكُرُك بخيرٍ فى السماءِ. فوعَدهما يومًا وعْدًا (^٢)؛ يدعو لهما، فدَعا لهما فاستُجيب له، فخيِّرا بين عذابِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ، فنظَر أحدُهما إلى صاحبِه [فقال: ألا تعلمُ] (^٣) أن أفواجَ (^٤) عذابِ اللهِ فى الآخرةِ كذا وكذا فى الخلدِ (^٥)، ومع الدنيا سبعَ (^٦) مراتٍ مثلَها. فأُمِرا أن ينزِلا ببابلَ، فثَمَّ عذابُهما، وزُعِم أنهما معلَّقان فى الحديدِ مَطويَّان؛ يصطَفِقان (^٧) بأجنِحَتِهما (^٨).\nقال أبو جعفرٍ: وحُكِى عن بعضِ القرأةِ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (وما أُنزِل على المَلِكينِ). يعنى به: رجلين مِن بنى آدمَ (^٩).\n_________\n(^١) فى م: \"فردا\"، وفى ت ١: \"فرجعا\"، وفى ت ٢: \"فرجوا\".\n(^٢) فى م: \"وغدا\".\n(^٣) فى م: \"فقالا نعلم\".\n(^٤) فى م: \"أنواع\".\n(^٥) بعده فى الأصل: \"نعم\". وعليها استشكال.\n(^٦) فى تفسير ابن كثير: \"تسع\".\n(^٧) فى تفسير ابن كثير: \"يصفقان\". واصطفق القوم: اضطربوا. اللسان (ص ف ق).\n(^٨) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٧٠٤) من طريق أبى حذيفة به مختصرًا. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٩٢ (١٠٠٩) من طريق ابن جريج، عن مجاهد مختصرا. وذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ٢٠٣ كاملًا ثم قال: وقد روى فى قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين، كمجاهد والسدى والحسن و. . . وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع فى تفصيلها إلى أخبار بنى إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذى لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد فى القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال.\n(^٩) قرأها كذلك ابن عباس والحسن وأبو الأسود الدؤلى والضحاك وابن أبزى، وهى قراءة شاذة. المحتسب ١/ ١٠٠، والبحر المحيط ١/ ٣٢٩. وأخرج قراءة ابن أبزى والضحاك ابن أبى حاتم فى تفسيره (١٠٠٠، ١٠٠٢).","vol":"2","page":349},{"text":"وقد دلَّلْنا على خطأِ القراءةِ بذلك مِن جهةِ الاستدلالِ (^١)، فأما مِن جِهَةِ النقلِ، فإجماعُ الحجةِ على خطأِ القراءةِ بها من الصحابةِ والتابعين وقرأةِ الأمصارِ. وكفَى بذلك شاهدًا على خطَئِها.\nوأما قولُه: ﴿بِبَابِلَ﴾. فإنه اسمُ قريةٍ أو موضعٍ مِن مواضعِ الأرضِ.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ فيها؛ فقال بعضُهم: إنها ببابلِ دُنْباوَنْدَ.\nحَدَّثنى بذلك موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ (^٢).\nوقال بعضُهم: بل ذلك ببابلِ العراقِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ أبى الزنادِ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ فى قصةٍ ذكَرتها عن امرأةٍ قدِمت المدينةَ، فذكَرت أنها صارت بالعراقِ ببابلَ، فأتَت بها هاروتَ وماروتَ، فتعلَّمت منهما السحرَ (^٣).\nواختُلف فى معنى السحرِ؛ فقال بعضُهم: هو خُدَعٌ ومَخاريقُ ومعانٍ يفعَلُه الساحرُ، حتى يُخَيَّلَ إلى المسحورِ الشئُ أنه بخلافِ ما هو به، نظيرَ الذى يرى السَّرابَ مِن بعيدٍ، فيُخَيَّلُ إليه أنه ماءٌ، ويرَى الشئَ مِن بعيدٍ [فيه، فيتبيَّنُه] (^٤) بخلافِ ما هو به (^٥) على حقيقتِه، وكراكبِ السفينةِ السائرةِ سيرًا حثيثًا يُخَيَّلُ إليه أن ما عاين مِن\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم فى ص ٣٣٨، ٣٣٩.\n(^٢) تقدم تخريجه فى ص ٣٤٥.\n(^٣) سيأتى تخريجه فى ص ٣٥٣.\n(^٤) فى م: \"فيثبته\".\n(^٥) سقط من: م.","vol":"2","page":350},{"text":"الأشجارِ والجبالِ سائرٌ معه. قالوا: فكذلك المسحورُ، ذلك صفتُه، يحسَبُ بعدَ الذى وصَل إليه مِن سحرِ الساحرِ أن الذى يراه أو يفعلُه بخلافِ الذى هو به على حقيقتِه.\nكالذى حدَّثنى أحمدُ بنُ الوليدِ وسفيانُ بنُ وكيعٍ، قالا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أن النبىَّ ﷺ لمّا سُحِر، كان يُخَيَّلُ إليه أنه يفعلُ الشئَ ولم يَفْعَلْه (^١).\nوحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نميرٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: سحَر رسولَ اللهِ ﷺ يهودىٌّ مِن يهودِ بنى زُرَيقٍ، يقالُ له: لبيدُ ابنُ الأعصمِ. حتى كان رسولُ اللهِ ﷺ يُخَيَّلُ إليه أنه يفعلُ الشئَ وما يَفْعَلُه (^٢).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَنى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: كان عروةُ بنُ الزبيرِ وسعيدُ بنُ المسيّبِ يحدِّثان أن يهودَ بنى زُرَيقٍ عقَدوا عُقَدَ سِحْرٍ لرسولِ اللهِ ﷺ، فجعَلوها فى بئرِ حَرْمٍ (^٣)، حتى كان رسولُ اللهِ ﷺ يُنكِرُ (^٤) بصرَه، ودلَّه اللهُ على ما صنَعوا، فأرسَل رسولُ اللهِ ﷺ إلى بئرِ حرْمٍ التى فيها العُقَدُ فانْتزَعها، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: \"سحرَتْنى يهودُ بنى زريقٍ\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٥٠ (٢٤٢٨٣)، والبخارى (٣١٧٥) من طريق يحيى بن سعيد به. وأخرجه أحمد ٦/ ٦٣ (٢٤٣٩٣)، والبخارى (٣٢٦٨)، ومسلم (٢١٨٩)، وغيرهم من طرق عن هشام به.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢١٨٩) من طريق ابن نمير به.\n(^٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حزم\" بالزاى، وفى صحيح مسلم: \"بئر ذى أروان\". قال الإمام النووى فى شرح مسلم ١٤/ ١٧٧: هكذا هو فى جميع نسخ مسلم: ذى أروان. وكذا وقع فى بعض روايات البخارى، وفى معظمها: \"ذروان\". وكلاهما صحيح، والأول أجود وأصح، وادعى ابن قتيبة أنه الصواب، وهو قول الأصمعى، وهى بئر بالمدينة فى بستان بنى زريق.\n(^٤) فى جامع معمر: \"يغض\".\n(^٥) أخرجه معمر فى جامعه (١٩٧٦٤) عن ابن شهاب به، ولم يذكر اسم البئر. وأخرجه ابن سعد ٢/ ١٩٨ من طريق ابن شهاب به، مقتصرا على آخره. =","vol":"2","page":351},{"text":"وأنكَر قائلو هذه المقالةِ أن يكونَ الساحرُ يَقدِرُ بسحْرِه على قلبِ شيءٍ عن حقيقتِه، أو (^١) استسخارِ (^٢) شيءٍ مِن خلقِ الله إلا نظيرَ الذى يقدِرُ عليه مِن ذلك سائرُ بنى آدمَ، أو إنشاءِ شيءٍ مِن الأجسامِ سوى المخاريقِ والخُدَعِ المتخيَّلةِ لأبصارِ الناظرين، بخلافِ حقائقِها التى وصَفنا. وقالوا: لو كان في وُسعِ السحرةِ إنشاءُ الأجسامِ، وقلبُ حقائقِ الأعيانِ عما هى به مِن الهيئاتِ، لم يكنْ بينَ الباطلِ والحقِّ فصلٌ (^٣)، ولجاز أن تكونَ جميعُ المحَسّاتِ (^٤) مما سحَرته السحرةُ فقلَبت أعيانَها. قالوا: وفى وصفِ الله جلَّ وعزَّ سحرَ (^٥) سحَرةِ فرعونَ بقولِه: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]. وفى خبرِ عائشةَ عن رسولِ الله ﷺ أنه كان إذ (^٦) سُحِر يخيَّلُ إليه أنه يفعَلُ الشئَ وهو لا يفعلُه -أوضحُ الدَّلالةِ على بُطُولِ دعْوَى المدَّعِين- أن الساحرَ يُنشئُ أعيانَ الأشياءِ بسحرِه، ويستسْخِرُ ما يتعذَّرُ استسخارُه على غيرِه مِن بنى آدمَ، كالمواتِ والجمادِ والحيوانِ- وصحةِ ما قلنا.\nوقال آخرون: قد يقدِرُ الساحرُ بسحرِه أن يحوِّلَ الإنسانَ حمارًا، وأن يَسحَرَ\n_________\n= وقال الحافظ في الفتح ١٠/ ٢٢٦، ٢٢٧: قال المازرى: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها. . . وهذا كله مردود؛ لأن الدليل قد قام على صدق النبى ﷺ فيما يبلغه عن الله تعالى، وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل، وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التى لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر، كالأمراض. . . وعقد القاضى عياض في هذا البحث فصلا جيدا في الشفا ٢/ ٨٦٥ وما بعدها.\n(^١) في م: \"و\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"استحسان\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فضل\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المحسوسات\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إذا\".","vol":"2","page":352},{"text":"[الحيوانَ والجمادَ] (^١)، وينشِئَ أعيانًا وأجسامًا.\nواعتلُّوا في ذلك بما حدَّثنا به الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَنى ابنُ أبى الزنادِ، قال: حدَّثنى هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ أنها قالت: قدِمت عليَّ امرأةٌ مِن أهلِ دُومَةِ الجندلِ (^٢)، جاءت تَبتغى رسولَ الله ﷺ بعدَ موتِه (^٣) حَدَاثةَ ذلك، تسألُه عن شيءٍ دخَلتْ فيه من أمرِ السحرِ ولم تعمَلْ به. قالت عائشةُ لعروةَ: يا بنَ أختى، فرأيتُها تبكى حينَ لم تجِدْ رسولَ الله ﷺ فيشفِيَها، كانت تبكى حتى إنى لأرحَمُها، وتقولُ: إنى لأخافُ أن أكونَ قد هلَكْتُ، كان لى زوجٌ فغاب عنى، فدخَلَت عليَّ عجوزٌ فشكَوتُ ذلك إليها، فقالت: إن فعَلتِ ما آمرُكِ به، فأجعلُه يأتيك. فلما كان الليلُ جاءتْنى بكلبَين أسودَين، فركِبتْ أحدَهما وركِبتُ الآخرَ، فلم يكنْ كشيءٍ (^٤) حتى وقَفنا ببابلَ، فإذا برجلَين، معلَّقَين بأرجلِهما، فقالا: ما جاء بكِ؟ فقلتُ: أتعلَّمُ السحرَ. فقالا: إنما نحن فتنةٌ، فلا تكفُرى وارجِعى. فأبَيْتُ، وقلتُ: لا. قالا: فاذهَبى إلى ذلك التنُّورِ فبُولى فيه. فذهَبتُ ففزِعتُ فلم أفعلْ، فرجَعتُ إليهما، فقالا: أفعَلتِ؟ فقلتُ: نعم. قالا: فهل رأيتِ شيئًا؟ قلتُ: لم أرَ شيئًا. فقالا: لم تفعَلى، ارجِعى إلى بلادِك ولا تكفُرى. [فأرْبَبْتُ وأبيتُ] (^٥)، فقالا: اذهَبى إلى ذلك التنورِ فبولى فيه. فذهَبتُ فاقشعرَرْتُ وخفتُ، ثم رجعتُ إليهما فقلتُ: قد فعلتُ.\n_________\n(^١) في م: \"الإنسان والحمار\".\n(^٢) دومة الجندل: هى ما بين برك الغماد ومكة. معجم ما استعجم ٢/ ٥٦٤.\n(^٣) بعده في الأصل: \"في\".\n(^٤) هذه اللفظة ليست عند ابن أبى حاتم، حيث أورده مختصرًا، وفى المستدرك: \"مكثى\"، وفى سنن البيهقى: \"كثير\".\n(^٥) في م: \"فأييت\". وأرب فلان بالمكان: إذا أقام به فلم يبرحه. التاج (ر ب ب).","vol":"2","page":353},{"text":"فقالا: فما رأيتِ؟ فقلتُ: لم أرَ شيئًا. فقالا: كذَبتِ لم تَفعَلى، ارجِعى إلى بلادِك ولا تكفُرى، فإنك على رأسِ أمرِكِ (^١). فأرْبَبْتُ وأبيتُ، فقالا: اذهَبى إلى ذلك التنُّورِ فبولى فيه. فذهَبتُ إليه فبُلتُ فيه، فرأيتُ فارسًا مُتقنِّعًا بحديدٍ خرَج منه (^٢) حتى ذهَب في (^٣) السماءِ، وغاب عنى حتى ما أراه. فجئتُهما فقلتُ: قد فعلتُ. فقالا: فما رأيتِ؟ فقلتُ: رأيتُ (^٤) فارسًا مُتقنِّعًا خرَج منه (٢)، فذهَب في السماءِ حتى ما أراه. فقالا: صدَقتِ، ذلك إيمانُكِ خرَج منك، اذهبى. فقلتُ للمرأةِ: واللهِ ما أعلمُ شيئًا، وما قالا لى شيئًا. فقالت: بلى، لن تريدى شيئًا إلا كان، خُذى هذا القمحَ فابذُرى. فبذَرتُ، فقلتُ: أطْلِعى. فأطْلَعتْ، وقلت: أحْقِلى. فأحْقَلت، ثم قلت: [أفْرِكى. فأفْرَكَتْ] (^٥)، ثم قلت: أيْبِسى. فأيْبَست، ثم قلت: أطْحِنى. فأطْحَنَتْ، ثم قلتُ: أخبزِى. فأخبَزتْ. فلمّا رأيتُ أنى لا أريدُ شيئًا إلا كان، سُقِط في يدِى وندِمتُ، واللهِ يا أمَّ المؤمنين (^٦) ما فعلتُ شيئًا قطُّ ولا أفعلُه أبدًا (^٧).\nفقال أهلُ هذه المقالةِ بما وصَفنا، واعتلُّوا بما ذكَرنا، وقالوا: لولا أن الساحرَ يقدِرُ على فعلِ ما ادّعى أنه يقدِرُ على فعلِه، ما قدَر أن يفرِّقَ بينَ المرءِ وزوجِه. قالوا: وقد أخبرَ اللهُ تعالى ذكرُه عنهم أنهم يتعلَّمون مِن الملَكَين ما يفرِّقون به بينَ المرءِ\n_________\n(^١) أى في أوله. التاج (ر أ س).\n(^٢) في م، ومصادر التخريج: \"منى\". وقولها: \"منه\". أى من البول.\n(^٣) في الأصل: \"إلى\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في المستدرك: \"أفرخى فأفرخت\".\n(^٦) بعده في م، ت ١، ت ٢:\"والله\".\n(^٧) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٩٤ (١٠٢٢)، والحاكم ٤/ ١٥٥، والبيهقى ٨/ ١٣٦ من طريق الربيع بن سليمان به مطولا ومختصرا. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٠٣، ٢٠٤ عن المصنف، وقال: أثر غريب، وسياق عجيب. وقال أيضًا: ١/ ٢٠٥: هذا إسناد جيد إلى عائشة.","vol":"2","page":354},{"text":"وزوجِه، وذلك لو كان على غيرِ الحقيقةِ، وكان على وجهِ التخييلِ والحُسبانِ، لم يكنْ تفريقًا على صحةٍ، وقد أخبَر اللهُ تعالى ذكرُه عنهم أنهم يفرِّقون على صحةٍ.\nوقال آخرون: بل السحرُ أخْذٌ بالعينِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-379>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.</span>\nوتأويلُ ذلك: وما يعلِّمُ الملَكان من أحدٍ مِن الناسِ الذى أُنزِل عليهما مِن التَّفريقِ بينَ المرءِ وزوجِه، حتى يقولا له: إنما نحن بلاءٌ وفتنةٌ لبنى آدمَ، فلا تكفُرْ بربِّك.\nكما حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: إذا أتاهما -يعنى هاروتَ وماروتَ- إنسانٌ يريدُ السحرَ، وعَظاه وقالا له: لا تكفُرْ، إنما نحن فتنةٌ. فإذا أبَى، قالا له: ائتِ هذا الرمادَ فبُلْ عليه. فإذا بال عليه خرَج منه نورٌ يسطَعُ حتى يدخُلَ السماءَ، وذلك الإيمانُ، وأقبَل (^١) شيءٌ أسودُ كهيئةِ الدُّخَانِ حتى يدخُلَ في مسامعِه وكلِّ شيءٍ منه، فذلك غضبُ الله، فإذا أخبرَهما بذلك علَّماه السحرَ، فذلك قولُ الله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ الآية (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ والحسنِ: ﴿حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. قالا: أُخِذ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قيل\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٠٦ عن السدى.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٠٣ إلى المصنف. وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٩٢ (١٠١١، ١٠١٢) من طريق عباد بن منصور عن الحسن، وأبى جعفر عن قتادة.","vol":"2","page":355},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: قال قتادةُ: كانا يعلِّمان الناسَ السحرَ، فأخِذ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، قال: قال غيرُ قتادةَ: أخِذ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يَتقدَّما إليه فيقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر﴾.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: أخِذ عليهما أن يقولا ذلك.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخِذ الميثاقُ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر﴾: لا يَجترِئُ على السحرِ إلا كافرٌ (^٢).\nوأما \"الفتنةُ\" في هذا الموضعِ، فإن معناها الاختبارُ والابتلاءُ، مِن ذلك قولُ الشاعرِ (^٣):\n[وقد فُتن] (^٤) الناسُ في دينِهم … وخَلَّى ابنُ عفّانَ شَرًّا طَوِيلا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٣٣٣.\n(^٢) ذكر آخره ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٠٦ عن الحسين به.\n(^٣) نسبه المصنف فى تاريخه ٤/ ٤٢٦ إلى الحباب بن يزيد المجاشعى عم الفرزدق. وفى الاستيعاب ١/ ٤١٢، والإصابة ٢/ ٢٩: الحتات بن يزيد، وفى الإصابة: زيد. ونسبه ابن قتيبة في معجم الشعراء ص ٢٤٠، والمبرد في الكامل ٣/ ٢٩، وابن حجر فى الإصابة ٥/ ٦٣٧، إلى ابن الغريرة -وفى الكامل: الغريزة- النهشلى، وذكر الخلاف فى نسبته فى أنساب الأشراف ٦/ ٢٢٨ فقال: وقال على بن الغدير بن المضرس الغنوى، ويقال: إهاب بن همام. . . المجاشعى. ويقال ابن الغريرة النهشلى.\n(^٤) رواية المصنف فى تاريخه: \"قد سفه\".","vol":"2","page":356},{"text":"ومنه يقالُ: فتَنتُ الذهبَ في النارِ -إذا امتَحنتَها لتعرِفَ جَوْدَتَها مِن رَداءتِها- أفتِنُها (^١) فتنةً وفتونًا.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾. أى: بلاءٌ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-380>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾.</span>\nوقولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾. خبرٌ مبتدأٌ عن المتعلِّمين مِن الملَكَين ما أُنزِل عليهما، وليس بجوابٍ لقولِه: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾. بل هو خَبرٌ مستأنفٌ، فلذلك رفِع فقيل: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾. فمعنى الكلامِ إذن: وما يعلِّمان مِن أحدٍ حتى يقولا: إنما نحنُ فتنةٌ. فيأبَون قبولَ ذلك منهما، فيتعلَّمون منهما ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه.\nوقد قيل: إن قولَه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾. خبرٌ عن اليهودِ معطوفٌ على قولِه: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ - ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وجعَلوا ذلك مِن المؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ.\nوالذى قلنا أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأن إلحاقَ ذلك بالذى يليه مِن الكلامِ، ما كان للتأويلِ وجهٌ صحيحٌ، أولَى مِن إلحاقِه بما قد حِيل بينه وبينه من معْترَضِ الكلامِ.\nوالهاءُ والميمُ والألفُ، مِن قولِه: ﴿مِنْهُمَا﴾. من ذكرِ الملَكَين. ومعنى ذلك: فيتعلَّمُ الناسُ من الملَكَين الذى يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه.\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢: \"أفتنه\". وقوله: \"أفتنها\". يريد القطعة من الذهب. كقوله: \"امتحنتها. . .\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ١٠٣ إلى المصنف. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٩٢ (١٠١٢) من طريق أبي جعفر، عن قتادة.","vol":"2","page":357},{"text":"و﴿مَا﴾ التى مع ﴿يُفَرِّقُونَ﴾ بمعنى الذى. وقيل: إن (^١) معنى ذلك: السحرُ الذى يفرِّقون به. وقيل: هو معنًى غيرُ السحرِ. وقد ذكَرنا اختلافَهم في ذلك فيما مضَى قبلُ (^٢).\nوأما \"المرءُ\"؛ فإنه بمعنى رجلٍ، من أسماءِ بنى آدمَ، والأُنثى منه المرأةُ. يوحَّدُ ويثنَّى، ولا يجمعُ ثلاثتُه (^٣) على صورتِه، يقالُ منه: هذا امرؤٌ صالحٌ، وهذان امرآن صالحان. ولا يقالُ: هؤلاء امرؤو صِدقٍ. ولكن يقالُ: هؤلاء رجالُ صِدقٍ، وقومُ صِدقٍ. وكذلك المرأةُ تُوحَّدُ وتُثنَّى، ولا تُجْمَعُ على صورتِها، يقالُ: هذه امرأةٌ، وهاتان امرأتان. ولا يقالُ: هؤلاء امرآتٌ. ولكن: هؤلاء نسوةٌ.\nوأما \"الزوجُ\"، فإن أهلَ الحجازِ يقولون لامرأةِ الرجلِ: هى زوجُه. بمنزلةِ الزوجِ الذَّكرِ، ومِن ذلك قولُ الله تعالى ذكرُه: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. وتميمٌ وكثيرٌ من قيسٍ وأهلُ نجدٍ يقولون: هى زوجتُه (^٤).\nقال الشاعرُ (^٥):\nفإن [الذى يمشِى يُحَرِّشُ (^٦)] (^٧) زَوْجَتى … كماشٍ إلى أُسْدِ الشَّرَى (^٨) يَسْتبِيلُها (^٩)\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٣٣٦، ٣٣٧.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ثلاثيه\".\n(^٤) بعده في م: \"كما\".\n(^٥) هو الفرزدق، والبيت في شرح ديوانه ص ٦٠٥.\n(^٦) حرش بينهم: أفسد وأغرى بعضهم ببعض. التاج (ح ر ش).\n(^٧) في شرح الديوان: \"امرأً يسعى يخبب\".\n(^٨) الشرى: موضع تنسب إليه الأسد، قال بعضهم: شرى موضع بعينه تأوى إليه الأسد، وقيل: هو شرى الفرات وناحيته، وبه غياض وآجام ومأسدة. اللسان (ش ر ى).\n(^٩) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يستقيلها\". والمراد يأخذ بولها في يده. اللسان (ب ول).","vol":"2","page":358},{"text":"فإن قال قائلٌ: وكيف يفرِّقُ الساحرُ بينَ المرءِ وزوجِه؟\nقيل: قد دلَّلنا فيما مضَى على أن معنى السحرِ تخييلُ الشئِ إلى المرءِ بخلافِ ما هو به في عَينِه وحقيقتِه، بما فيه الكفايةُ لمَن وفِّق لفهمِه (^١). فإذ كان ذلك صحيحًا بالذى عليه استشهَدْنا، فتفريقُه بينَ المرْءِ وزوجِه، تخييلُه بسحرِه إلى كلِّ واحدٍ منهما شخصَ الآخرِ على خلافِ ما هو به في حقيقتِه مِن حسنٍ وجمالٍ، حتى يقبِّحَه عندَه، فينصرِفَ بوجهِه ويعرِضَ عنه، حتى يُحدِثَ الزوجُ لامرأتِه فِراقًا. فيكونُ الساحرُ مفرِّقًا بينَهما بإحداثِه السببَ الذى كان عنه (^٢) فُرْقَةُ ما بينَهما. وقد دلَّلنا في غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا على أن العربَ تضيفُ الشئَ إلى مُسبِّبِه من أجلِ تَسْبِيبِه (^٣)، وإن لم يكنْ باشرَ فعل ما حدَث عن السببِ، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٤). فكذلك تفريقُ الساحرِ بسحْرِه بينَ الزوجَين (^٥).\nوبنحوِ الذى قلنا في ذلك قاله عددٌ مِن أهلِ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾: وتفريقُهما أن يؤَخَّذَ (^٦)\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٣٥٠ وما بعدها.\n(^٢) في م: \"منه\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تسببه\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ١٩٨، ١٩٩.\n(^٥) في م: \"المرء وزوجه\".\n(^٦) التأخيذ: أن تحتال المرأة بحيل في منع زوجها عن جماع غيرها وذلك نوع من السحر. اللسان (أ خ ذ).","vol":"2","page":359},{"text":"كلُّ واحدٍ منهما عن صاحبِه، ويُبغَّضَ كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبِه (^١).\nوأما الذين نفَوا (^٢) أن يكونَ الملَكان يعلِّمان الناسَ التفريقَ يينَ المرء وزوجِه، فإنهم وجَّهوا تأويلَ قولِه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾. إلى: فيتعلَّمون مكانَ ما علَّماهم ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، كقولِ القائلِ: ليت لنا [من كذا، كذا وكذا] (^٣)\nكما قال الشاعرُ (^٤):\nجَمَعْتَ من الخيراتِ وَطْبًا وعُلبَةً (^٥) … وصَرًّا لأخْلافِ (^٦) المُزَمَّمَةِ (^٧) البُزْلِ (^٨)\nومِن كلِّ أخْلاقِ الكِرامِ نَميمةً … وَسَعْيًا على الجارِ المُجاوِرِ بالمَحْلِ (^٩)\nيريدُ بقولِه: جَمَعْتَ (^١٠) مكانَ خيراتِ الدنيا هذه الأخلاقَ الرديئةَ والأفعالَ الدنيئةَ. ومنه قولُ الآخرِ:\nصَلَدَتْ (^١١) صَفَاتُك (^١٢) أن تَلِينَ حُيُودُها (^١٣) … وَوَرِثْتَ من سَلَفِ الكِرَامِ عُقُوقا\n_________\n(^١) أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٩٣ (١٠١٥، ١٠١٦) من طريق أبي جعفر وسعيد بن بشير، عن قتادة نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٠٣ الى عبد حميد.\n(^٢) في م: \"أبوا\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"بنوا\".\n(^٣) في م: \"كذا من كذا. أى مكان كذا\".\n(^٤) البيتان في أمالى المرتضى ١/ ٤٢١ دون نسبة.\n(^٥) العلبة: قدح ضخم من جلود الإبل. التاج (ع ل ب).\n(^٦) الأخلاف جمع الخِلف: وهو ضرع الناقة. اللسان (خ ل ف).\n(^٧) في م: \"المذممة\"، وفى نسختين من الأمالي: \"المزهمة\" والمزممة: النوق التى علقت عليها الأزمة. اللسان (ز م م).\n(^٨) البزل جمع بازل، ويقال ذلك للبعير إذا استكمل السنة الثامنة وطعن في التاسعة وفطر نابه. اللسان (ب ز ل).\n(^٩) في م، ت ٢: \"بالنجل\". والمحل: المكر والكيد. اللسان (م ح ل).\n(^١٠) بعده في م، ت ١، ت ٢: \"من الخيرات\"، وبعده في ت ٣: \"من الخبرات مكان هذه الخيرات\".\n(^١١) صلدت الأرض: صلبت فلم تنبت شيئا. التاج (ص ل د).\n(^١٢) الصفاة: الصخرة الملساء. اللسان (ص ف ا).\n(^١٣) في ت ١، ت ٣: \"جلودها\"، وفى ت ٢: \"جنودها\". وجبل ذو حيود: إذا كانت له حروف ناتئة=","vol":"2","page":360},{"text":"يعنى: وَرِثتَ مكانَ سلفِ الكرامِ عُقوقًا مِن ولدِك (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-381>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: وما المتعلِّمون مِن الملَكَين هاروتَ وماروتَ ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، بضارِّين بالذى تعلَّموه منهما مِن المعنى الذى يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، من أحدٍ من الناسِ، إلا من قد قضَى اللهُ عليه أن ذلك يضُرُّه، فأما مَن دفَع اللهُ عنه ضُرَّه وحفِظه مِن مكروهِ السحرِ والنَّفْثِ والرُّقى، فإن ذلك غيرُ ضارِّه ولا نائلِه أذَاه.\nوللإذْنِ في كلامِ العربِ أوجهٌ؛ منها الأمرُ على غيرِ وجهِ الإلزامِ، وغيرُ جائزٍ أن يكونَ منه قولُه: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ لأن اللهَ جلّ ثناؤُه قد حرَّم التفريقَ بينَ الرجلِ (^٢) وحليلتِه بغيرِ سحرٍ -فكيف به على وجهِ السحرِ- على لسانِ الأُمةِ؟ ومنها التخليةُ بينَ المأذونِ له والمخلَّى بينَه وبينَه. ومنها العلمُ (^٣) بالشئِ، يقالُ منه: قد أذِنْتُ بهذا الأمرِ، إذا علِمتَ به، آذَنُ به إذنًا. ومنه قولُ الحطيئةِ (^٤):\nألا يا هِنْدُ إن جَدَّدْتِ وَصْلًا … وإلَّا فائْذنِينى بانْصِرامِ\nيعنى: فأعلِمينى.\n_________\n= في أعراضه لا في أعاليه. التاج (ح ى د).\n(^١) في م: \"والديك\".\n(^٢) في م: \"المرء\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"العمل\".\n(^٤) البيت ليس في ديوانه،: هو في التبيان ١/ ٣٨٠.","vol":"2","page":361},{"text":"ومنه قولُه جلّ ثناؤُه: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. وهذا هو معنى الآيةِ، كأنه قال جلّ ثناؤُه: وما هم بضارين بالذى تعلَّموا مِن الملَكَين مِن أحدٍ إلا بعلمِ اللهِ. يعنى: بالذى سبَق له في علمِ اللهِ أنه يضرُّه.\nكما حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ في قولِه: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال: بقضاءِ اللهِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-382>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾.</span>\nيعنى [جلَّ ثناؤُه بقولِه] (^٢): ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ﴾. أى: الناسُ الذين يتعلَّمون من الملَكَين، ما أنزِل إليهما (^٣) من المعنى الذى يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، يتعلَّمون منهما السحرَ الذى يضرُّهم في دينِهم، ولا ينفعُهم في مَعادِهم؛ فأما في العاجلِ في الدنيا، فإنهم قد كانوا يكسِبون به ويُصيبون به معاشًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-383>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. الفريقَ الذين [أخبرَ عنهم أنهم] (^٤) لمَّا جاءهم رسولٌ من عندِ اللهِ مصدِّقٌ لما معهم، نبَذوا كتابَ اللهِ وراءَ ظهورِهم كأنهم لا يعلمون، واتَّبَعوا ما تتلو الشياطينُ على ملكِ سليمانَ. فقال جلَّ ثناؤُه: لقد علِم النابِذون مِن يهودِ بنى إسرائيلَ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ١٩٤ (١٠٢٠) من طريق ابن المبارك به.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٣: \"بذلك جلَّ ثناؤه\".\n(^٣) في م: \"عليهما\".\n(^٤) سقط من، م، وفى ت ١، ت ٣: \"أنهم\".","vol":"2","page":362},{"text":"كتابي وراءَ ظهورِهم تجاهلًا منهم، التاركون العملَ بما فيه، من اتباعِك يا محمدُ واتباعِ ما جئتَ به، بعدَ إنزالى إليك كتابى مصدِّقًا لما معهم، وبعدَ إرساليك إليهم بالإقرارِ بما معهم وما في أيديهم، المؤثِرون عليه اتباعَ السحرِ الذى تَلته الشياطينُ على عهدِ سليمانَ، والذى أنزِل على الملَكَين ببابلَ هاروتَ وماروتَ - لمن اشتَرى السحرَ بكتابي الذى أنزَلتُه على رسولى فآثرَه عليه ما له في الآخرةِ من خلاقٍ.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾. [أى: لمَن استحبَّه] (^١)، ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ يقولُ: قد علِم ذلك أهلُ الكتابِ في عهدِ اللهِ إليهم؛ أن الساحرَ لا خلاقَ له عندَ اللهِ يومَ القيامةِ (^٢).\nوحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ يعنى: اليهودَ، يقولُ: قد علِمَت اليهودُ أن من تعلَّمه و(^٣) اختاره ما له في الآخرةِ من خلاقٍ (^٤).\nوحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾: لمن اشتَرى ما يفرِّق به بينَ المرءِ وزوجِه (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٩٥ (١٠٢٤) من طريق يزيد به، إلى قوله: لمن استحبه. وأخرج باقيه ١/ ١٩٥ (١٠٢٣، ١٠٢٩) من طريق سعيد وغيره عن قتادة.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٣: \"أو\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٩٥ (١٠٣٠) من طريق عمرو بن حماد به، إلى قوله: اليهود.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٩٥ (١٠٢٥) من طريق أبي حذيفة عن شبل عن ابن أبي نجيح من قوله.","vol":"2","page":363},{"text":"وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: قد علِمت يهودُ أن في كتابِ اللهِ في التوراةِ، أن من اشتَرى السحرَ، وترَك دينَ اللهِ، ما له في الآخرةِ من خلاقٍ، [ومن لم يكنْ له خَلاقٌ] (^١)، فالنارُ مثْواه ومأْواه (^٢).\nوأما قولُه: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾. فإن \"مَن\" في موضعِ رفعٍ، وليس قولُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾. بعاملٍ فيها؛ لأن قولَه: ﴿عَلِمُوا﴾. بمعنى اليمينِ، فلذلك كانت \"مَن\" (^٣) في موضعِ رفعٍ؛ لأن الكلامَ بمعنى: واللهِ لَمن اشتَرى السحرَ ما له في الآخرةِ من خلاقٍ. ويكونُ (^٤) قولُه: ﴿عَلِمُوا﴾. بمعنى اليمينِ، أُجِيبَ (^٥) بلامِ اليمينِ، فقيل: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾. كما يقالُ: أقسِمُ لَمَن قام خيرٌ ممن قعَد. وكما يقالُ: قد علمتَ لعمرٌو خيرٌ من أبيك. وأما \"مَن\" فهو حرفُ جَزاءٍ، وإنما قيل: اشتَراه. ولم يقلْ: يشترِه (^٦)؛ لدخولِ لامِ القسمِ على \"مَن\"، ومِن شأنِ العربِ إذا أحدَثت على حرفِ الجزاءِ لامَ القسمِ، ألا ينطِقوا في الفعلِ معه إلا بـ \"فَعَل\" دونَ \" يفْعَل\" إلا قليلًا؛ كراهةَ أن يُحدِثوا على الجزاءِ حادثًا وهو مجزومٌ، كما قال اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ [الحشر: ١٢]. وقد يجوزُ إظهارُ فعلِه بعدَه على \"يفعلُ\" مجزومًا، كما قال الشاعرُ (^٧):\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٣.\n(^٢) ينظر التبيان للطوسي ١/ ٣٨١.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٣.\n(^٤) في م، ت ٢: \"لكون\".\n(^٥) في م: \"حققت\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خففت\".\n(^٦) في م: \"يشتروه\".\n(^٧) معانى القرآن للفراء ١/ ٦٦ ونسبه في ٢/ ١٣١ إلى الكميت بن معروف عن الكسائي، وهو في الخزانة ١٠/ ٦٨.","vol":"2","page":364},{"text":"لَئن تكُ قد ضاقَتْ عليكم بُيوتُكمْ … لَيَعْلَمُ ربِّى أنَّ بَيتىَ واسِعُ\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾؛ فقال بعضُهم: الخلاقُ في هذا الموضعِ النصيبُ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. يقولُ: من نصيبٍ (^١).\nوحدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: من نصيبٍ (^٢).\nوحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: قال سفيانُ: سمِعنا في قولِه: ﴿مَا (^٣) لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. أنه: ما له في الآخرةِ من نصيبٍ.\nوقال آخرون (^٤): الخَلاقُ هاهنا: الجِهةُ (^٥).\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٠٣ إلى المصنف، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٩٥ عقب الأثر (١٠٢٦) معلقا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٩٥ عقب الأثر (١٠٢٦) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٣) في الأصل، م، ت ١، ت ٣: \"وما\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٣: \"بعضهم\".\n(^٥) في م: \"الحجة\".","vol":"2","page":365},{"text":"قتادةَ: ﴿مَا (^١) لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: ليس له في الآخرةِ جهةٌ (^٢).\nوقال آخرون: الخَلاقُ الدينُ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: قال الحسنُ: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ قال: ليس له دينٌ (^٣).\nوقال آخرون: الخلاقُ هاهنا القِوامُ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: قِوامٌ (^٤).\nوأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ من قال: معنى الخلاقِ في هذا الموضعِ النصيبُ. وذلك أن ذلك معناه في كلامِ العربِ. ومنه قولُ النبيِّ ﷺ: \"لَيُؤيِّدنَّ اللهُ هذا الدينَ بأقوامٍ لا خلاقَ لهم\" (^٥). يعنى: لا نصيبَ لهم ولا حظَّ في الإسلامِ والدينِ. ومنه قولُ أميةَ بنِ أبي الصلتِ (^٦):\n_________\n(^١) في الأصل، م، ت ١، ت ٣: \"وما\".\n(^٢) في م: \"حجة\"، وفى تفسير عبد الرزاق: \"جنة\"، وفى تفسير ابن كثير ١/ ٢٠٧ عن عبد الرزاق: \"جهة\".\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٤، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٩٥ (١٠٢٧) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٤، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٩٥ (١٠٢٨) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٤) عزاه في الدر المنثور ١/ ١٠٣ إلى المصنف.\n(^٥) حديث صحيح: أخرجه النسائى في الكبرى (٨٨٨٥)، وابن حبان (٤٥١٧) من حديث أنس. وأخرجه\nأحمد ٥/ ٤٥ (الميمنية) من حديث أبى بكرة، ولفظه: \"إن الله ﵎ سيؤيد. . .\".\n(^٦) ديوانه ص ٥٤.","vol":"2","page":366},{"text":"يَدْعون بالوَيْلِ فيها لا خلاقَ لهم … إلا سرابيلُ مِن قِطْرٍ (^١) وأغلالُ\nيعنى بذلك: لا نصيبَ لهم ولا حظَّ إلا السرابيلُ [والأغلالُ] (^٢).\nفكذلك قولُه: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: ما له في الدارِ الآخرةِ حظٌّ من الجَنةِ، من أجلِ أنه لم يكنْ له إيمانٌ ولا دينٌ ولا عملٌ صالحٌ يجازَى به الجنةَ ويثابُ عليه، فيكونَ له حظٌّ ونصيبٌ من الجنةِ. وإنما قال جلَّ ثناؤه: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. فوصَفه بأنه لا نصيبَ له في الآخرةِ، وهو يعنى به: لا نصيبَ له من جزاءٍ وثوابٍ وجنةٍ، دونَ نصيبِه من النارِ؛ إذ كان قد دلَّ بذمِّه (^٣) جلَّ ثناؤه أفعالَهم التى نفَى من أجلِها أن يكونَ لهم في الآخرةِ نصيبٌ، على مرادِه من الخيرِ، وأنه إنما يعنى بذلك أنه لا نصيبَ لهم فيها من الخيراتِ، فأما من الشرورِ فإن لهم منها (^٤) فيها [أنصباءَ وأنصباءَ] (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-384>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾.</span>\nقد دلَّلنا فيما مضَى قبلُ على أن معني: ﴿شَرَوْا﴾: باعُوا (^٦). فمعنى الكلامِ إذن: ولبئسَ ما باع به نفْسَه مَن تعلَّم السحرَ لو كان يعلمُ سوءَ عاقبتِه.\nكما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ:\n_________\n(^١) القطر: النحاس الذائب. تاج العروس (ق ط ر).\n(^٢) زيادة من: م، ت ١، ت ٣.\n(^٣) في م: \"ذمه\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٣: \"نصيبا\".\n(^٦) ينظر ما تقدم في ص ٢٤٥.","vol":"2","page":367},{"text":"﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يقولُ: بئس ما باعوا به أنفسَهم (^١).\nفإن قال لنا قائل: وكيف قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وقد قال قبلُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. فكيف يكونون عالِمين بأن من تعلَّم السحرَ فلا خلاقَ له (^٢)، وهم يجهَلون أنهم بئسَ ما شرَوْا بالسحرِ أنفسَهم؟\nقيل: معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذى توهَّمتَه من أنهم مرصوفون [بجهلِ ما] (^٣) هم موصوفون بالعلمِ به، ولكنَّ ذلك من المؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ، وإنما معنى الكلامِ: وما هم بضارِّين به من أحدٍ إلا بإذنِ اللهِ، ويتعلَّمون ما يضرُّهم ولا ينفعُهم، ولبئس ما شرَوْا به أنفسَهم لو كانوا يعلَمون، ولقد علِموا لمن اشتَراه ما له في الآخرةِ من خلاقٍ. فقولُه: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. ذمٌّ من اللهِ تعالى ذكرُه فعْلَ المتعلِّمين من المَلَكَين التفريقَ بينَ المرءِ وزوجِه، وخبرٌ منه جلَّ ثناؤه عنهم أنهم بئس ما باعوا (^٤) أنفسَهم، برضاهم بالسحرِ عِوضًا من (^٥) دينِهم الذى به نجاةُ أنفسِهم من الهلكةِ، جهلًا منهم بسوء عاقبةِ فعلِهم، وخسارةِ صفقةِ بيعِهم؛ إذ كان قد يتعلَّمُ ذلك منهما من لا يعرِفُ اللهَ، ولا يعرِفُ حلالَه وحرامَه، وأمرَه ونهيَه. ثم عاد إلى الفريقِ الذى أخبَر عنهم أنهم نبَذوا كتابَه وراءَ ظهورِهم كأنهم لا يعلَمون، واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشياطِينُ على ملْكِ سليمانَ وما أُنْزِل على الملَكَينِ، فأخبَر عنهم أنهم قد علِموا أن من اشتَرى السحرَ ما له في الآخرةِ من\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢٤٦.\n(^٢) في م، ت ٣: \"لهم\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٣: \"بالجهل بما\".\n(^٤) في م: \"شروا به\".\n(^٥) في م: \"عن\".","vol":"2","page":368},{"text":"خلاقٍ، ووصَفهم بأنهم يركَبون معاصىَ اللهِ على علمٍ منهم بها، ويكفُرون باللهِ ورسلِه، ويُؤْثِرون اتباعَ الشياطينِ والعملَ بما أحدَثَتْهُ من السحرِ، على العملِ بكتابِه ووحيِه وتنزيلِه، عنادًا منهم له (^١)، وبغيًا على رسلِه، وتعدِّيًا منهم حُدودَه، على معرفةٍ منهم بما لِمَنْ فعَل ذلك عندَ اللهِ من العقابِ والعذابِ. فذلك تأويلُ ذلك (^٢).\nوقد زعَم بعضُ الزاعِمين أن قولَه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. معنىٌّ (^٣) به الشياطينُ، وأن قولَه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ معنيٌّ (^٣) به الناسُ.\nوذلك قولٌ [لقولِ جميعِ] (^٤) أهلِ التأويلِ مخالفٌ. وذلك أنهم مُجْمِعون على أن قولَه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾. معنىٌّ به اليهودُ دونَ الشياطينِ، ثم هو مع ذلك خلافُ ما دلَّ عليه التنزيلُ؛ لأن الآياتِ قبلَ قولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾. وبعدَ قولِه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ جاءت من اللهِ بذَمِّ اليهودِ، وتوبيخِهم على ضلالِهم [ذَهابِهم عن] (^٥) وحىِ اللهِ وآياتِ كتابِه (^٦)، مع علمِهم بخطأِ فعلِهم، فقولُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. أحدُ تلك الأخبارِ عنهم.\nوقال بعضُهم: إن الذين وصَف اللهُ بقولِه: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٣.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٣: \"قوله\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٣: \"يعنى\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٣: \"لجميع\".\n(^٥) في م: \"وذما لهم على نبذهم\"، وفى ت ١: \"وذما لهم من نبذهم\".\n(^٦) بعده في م: \"وراء ظهورهم\".","vol":"2","page":369},{"text":"أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فنفَى عنهم العلمَ، هم الذين وصَفهم اللهُ بقولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. وإنما نفَى عنهم جلّ ثناؤُه العلمَ بقولِه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. بعدَ وصفِه إياهم بأنهم قد علِموا بقولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾. من أجلِ أنهم لم يعمَلوا بما علِموا، وإنما العالِمُ، العاملُ بعلمِه، فأما إذا خالَف عملُه علمَه، فهو في معانى الجهَّالِ. قالوا (^١): وقد يقالُ للفاعلِ الفعلَ بخلافِ ما ينبغى أن يفعلَ، وإن كان بفعلِه عالِمًا: لو علِمتَ لأقصَرتَ. كما قال كعبُ بنُ زهيرٍ المزنيُّ، وهو يصِفُ ذئبًا وغُرابًا تبِعاه لينالا من طعامِه وزادِه (^٢):\nإذا حضَرانى قلتُ لو تَعْلَمانه … ألم تَعْلَما أنى مِن الزَّادِ مُرْمِلُ (^٣)\nفأخبرَ أنه قال لهما: لو تعلَمانه. فنفَى عنهما العلمَ، ثم استخبرَهما فقال: ألم تعلَما. قالوا: فكذلك قولُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾. و: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.\nوهذا تأويلٌ، وإن كان له مخرَجٌ ووجهٌ، فإنه خلافُ الظاهرِ المفهومِ بنفسِ الخطابِ، أعنى بقولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾. وقولِه ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وإنما هو استخراجٌ. وتأويلُ القرآنِ على المفهومِ الظاهرِ بالخطابِ دونَ الخفيِّ الباطنِ منه -حتى تأتىَ دَلالةٌ من الوجهِ الذى يجبُ التسليمُ له، بمعنًى خلافِ دليلِه الظاهرِ المتعارَفِ في أهلِ اللسانِ الذين بلسانِهم نزَل القرآنُ- أَولى (^٤).\n\n<span id=\"aya-110\"></span><span data-type='title' id=toc-385>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ</span>\n_________\n(^١) في م: \"قال\".\n(^٢) شرح ديوان كعب بن زهير ص ٥١.\n(^٣) المرمل: الذى نفد زاده، وأصله من الرمل، كأنه لصق بالرمل. اللسان (ر م ل).\n(^٤) سقط من: الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":370},{"text":"خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾\nيعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾: لو أن الذين يتعَلَّمون من الملَكَين ما يُفَرِّقون به بينَ المرءِ وزَوْجِه ﴿آمَنُوا﴾ فصدَّقوا اللهَ ورسولَه، وما جاءهم به من عندِ ربِّهم ﴿وَاتَّقَوْا﴾ ربَّهم فخافُوه، وخافوا عقابَه، فأطاعوه بأداءِ فرائِضه، وتجنُّبِ (^١) معاصِيه - لكان جزاءُ اللهِ إياهم، وثوابُه لهم على إيمانِهم به وتقواهم إياه، خيرًا لهم من السحرِ وما اكْتَسَبوا به، ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أن ثوابَ اللهِ إيَّاهم على ذلك خيرٌ لهم من السحرِ ومما اكْتَسَبوا به. وإنما نفَى بقولِه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. العلمَ عنهم أن يكونوا عالِمين بمَبْلَغِ ثوابِ اللهِ وقَدْرِ جزائِه على طاعتِه.\nوالمَثُوبَةُ في كلامِ العربِ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: أثَبْتُك إثابةً وثَوابًا ومَثوبةً. وأصلُ ذلك مِن: ثاب إليك الشئُ. بمعنى: رجَع. ثم يقال: أثَبتُه إليك. أى: أرجَعْتُه (^٢) إليك وردَدْتُه. فكأنَّ (^٣) معنى إثابةِ الرجلِ الرجلَ على الهَدِيَّةِ وغيرِها، إرجاعُه إليه (^٤) منها بَدَلًا، ورَدُّه عليه منها عِوَضًا. ثم جُعِل كلُّ مُعَوِّضٍ غيرَه من عملِه أو هديَّتِه أو يدٍ له سلَفت منه إليه مُثِيبًا له. ومنه ثوابُ اللهِ ﷿ عبادَه على أعمالِهم، بمعنى إعطائِه إياهم العِوَضَ والجزاءَ عليه، حتى يَرْجِعَ إليهم بَدَلٌ مِن عملِهم الذى عمِلوه له.\nوقد زعَم بعضُ نحويِّى أهلِ (^٥) البصرةِ أن قولَه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٣: \" تجنبوا\".\n(^٢) في م، ت ٣: \"رجعته\".\n(^٣) في م: \"فكان\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إليها\".\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":371},{"text":"مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾. مما اكْتُفى بدَلالةِ الكلامِ على معناه عن ذكرِ جوابِه، وأن معناه: ولو أنهم آمَنوا واتَّقَوْا لأُثِيبوا. ولكنه اسْتُغْنى بدَلالةِ الخبرِ على المثوبةِ عن قولِه: لأُثِيبوا.\nوكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ (^١) ينكِرُ ذلك، ويرَى أن جوابَ قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ - ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ وأن \"لو\" إنما أُجِيبت بالمثوبةِ، وإن كانت أجْوِبتُها (^٢) بالماضى مِن الفعلِ، لتقارُبِ معناها مِن معنى \"لئن\" في أنهما جزاءان، وأنهما جوابان للإيمانِ، فأُدْخِل جوابُ كلِّ واحدةٍ منهما على صاحبتِها، فأجِيبت \"لو\" بجوابِ \"لئن\" و\"لئن\" بجواب \"لو\"، لذلك، وإن اخْتَلَفت أجوبتُهما، وكانت \"لو\" مِن حكمِها وحظِّها أنْ تُجابَ بالماضى مِن الفعلِ، وكانت \"لئن\" مِن حكمِها وحظِّها أن تجابَ بالمستقبلِ مِن الفعلِ، لِما وصَفْنا من تقارُبهما. فكان يتَأوّلُ معنى قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾: ولئن آمَنوا واتَّقَوا لمثوبةٌ مِن عندِ اللهِ خيرٌ.\nوبما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يقولُ: ثوابٌ مِن عندِ اللهِ (^٣).\nوحدَّثنى موسى (^٤)، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: أما المثوبةُ فهو الثوابُ (^٥).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أهل البصرة\".\n(^٢) في م: \"أخبر عنها\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٤.\n(^٤) في م: \"يونس\".\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٩٦ عقب الأثر (١٠٣٣) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.","vol":"2","page":372},{"text":"وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾. يقولُ: لثوابٌ مِن عندِ اللهِ (^١).\n\n<span id=\"aya-111\"></span>*القولُ فى تأويلِ قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾.\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأْويلِ قولِه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: لا تقولوا خِلافًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾. قال: لا تقولوا خِلافًا (^٢).\nوحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾: لا تقولوا خِلافًا (^٣).\nوحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٩٦ عقب الأثر (١٠٣٣) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(*) من هنا بداية الجزء الرابع من مخطوطة جامعة القرويين بفاس وسيشار إليها بالأصل، وسيجد القارئ أرقام صفحاتها بين معقوفين.\n(^٢) تفسير الثورى ١/ ٤٧، ٤٨.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢١٠، ٢٨٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٩٧، ٣/ ٩٦٦ (١٠٤٠، ٥٣٩٩)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٠٤، ٢/ ١٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. وينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ١٠٥.","vol":"2","page":373},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازِىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخَرون: تأويلُه: أَرْعِنا سمْعَك. أىْ: اسْمَعْ مِنَّا ونسمَعَ منك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿رَاعِنَا﴾. أى: أرْعِنا سمْعَك (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو (^٢)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾. لا تقولوا: اسمعْ منَّا ونَسْمَعَ منك (^٣).\nوحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفَرَجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿رَاعِنَا﴾. قال: كان الرجلُ مِن المشركين يقول: أرْعِنى سمْعَك.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذى مِن أجْلِه نهَى اللهُ المؤمنين أن يقولوا:\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٦٠.\n(^٢) فى الأصل: \"عمر\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ١٠٤ إلى المصنف.","vol":"2","page":374},{"text":"راعِنا؛ فقال بعضُهم: هى كلمةٌ كانت اليهودُ تقولُها على وجْهِ الاستهزاءِ والسبِّ (^١)، فنهَى الله تعالى ذكرُه المؤمنين أن يقولوا ذلك للنبىِّ ﷺ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾: قولٌ كانت تقولُه اليهودُ استهزاءً، فزجَر اللهُ المؤمنين أن يقولوا كقولِهم (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيْرِىُّ، عن فُضَيْلِ (^٣) بنِ مرزوقٍ، عن عطيةَ: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾. قال: كان أناسٌ مِن اليهودِ يقولون: أرْعِنا سمْعَك. حتى قالها أناسٌ مِن المسلمين، فكرِه اللهُ لهم ما قالت اليهودُ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾. كما قالت اليهودُ والنصارَى (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾. قال: كانوا يقولون: راعِنا سمْعَك. فكان اليهودُ يأتون فيقولون مثلَ ذلك مستهْزِئين، فقال اللهُ: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ (^٥).\nوحُدِّثتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ،\n_________\n(^١) فى م: \"المسبة\".\n(^٢) عزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ١٠٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى نعيم في الدلائل.\n(^٣) في الأصل: \"فضل\". وينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٣٠٥.\n(^٤) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ١٩٧، ٣/ ٩٦٦ عقب الأثر (١٠٣٨، ٥٣٩٨) معلقًا عن عطية، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ١٠٤ إلى المصنف وأبى نعيم في الدلائل.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٤. وينظر ما سيأتى في ٧/ ١٠٧.","vol":"2","page":375},{"text":"عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾. قال: كانوا يقولون للنبيِّ ﷺ: راعِنا سمْعَك. وإنما ﴿رَاعِنَا﴾ كقولِك: عاطِنا (^١).\nوحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ (^٢) زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ قال: ﴿رَاعِنَا﴾ القولُ الذى قاله القومُ؛ قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦]. قال: قال: هذا الراعِنُ -والراعِنُ الخطأُ (^٣) - قال: فقال للمؤمنين: لا تقولوا خطأً (^٤) كما قال القومُ، وقولوا: انظُرْنا واسْمَعوا. قال: كانوا يَنْظُرون إلى النبىِّ ﷺ ويُكَلِّمونه ويَسْمَعُ منهم، ويسأَلونه ويُجِيبُهم.\nوقال آخَرون: بل هى كلمةٌ كانت الأنصارُ في الجاهليَّةِ تقولُها، فنهاهم اللهُ فى الإسلامِ أن يقولوها لنبيِّه ﷺ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ (^٥)، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ قال: كانت لغةً فى الأنصارِ فى الجاهليَّةِ، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ ولكن ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ إلى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٩٦، ٣/ ٩٦٦ (١٠٣٨، ٥٣٩٨)، والطبرانى في الكبير (١٢٦٥٩) من طريق المنجاب به. وينظر الدلائل لأبى نعيم ص ٤٤ (٦)، والفتح ٨/ ١٦٣.\n(^٢) فى الأصل: \"أبو\".\n(^٣) فى م: \"الخطاء\".\n(^٤) فى م: \"خطاء\".\n(^٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الرزاق\".","vol":"2","page":376},{"text":"آخرِ الآيةِ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾. قال: كانت لغةً في الأنصارِ.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه.\nوحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ فى قولِه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾. قال: إن مُشرِكى العربِ كانوا إذا حدَّث بعضُهم بعضًا يقولُ أحدُهم لصاحبِه: أرْعِنى سمْعَك. فنُهُوا عن ذلك (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: ﴿رَاعِنَا﴾ قولُ الساخِرِ، فنَهاهم أن يَسْخَروا مِن قولِ محمدٍ ﷺ.\nوقال بعضُهم: بل كان ذلك كلامَ يهودىٍّ مِن اليهودِ بعينِه، يقال له: رفاعةُ بنُ زيدٍ. كان يُكَلِّمُ النبيَّ ﷺ به (^٣) على وجْهِ السَّبِّ له، وكان المسلمون أخَذوا عنه ذلك، فنهَى اللهُ المؤمنين عن قِيلِه للنبيِّ ﷺ.\nذكر من قال ذلك\nحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿يَاأَيُّهَا\n_________\n(^١) أخرجه النحاس فى ناسخه ص ١٠٤ من طريق هشيم به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٩٧ (١٠٣٩) من طريق عبد الملك به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ١٠٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٩٧ عقب الأثر (١٠٣٨) من طريق أبى جعفر به.\n(^٣) سقط من: الأصل.","vol":"2","page":377},{"text":"الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾: كان رجلًا مِن اليهودِ، مِن قبيلةٍ مِن اليهودِ يقالُ لهم: بنو قَيْنُقَاعَ. كان يُدْعَى رفاعةَ بنَ زيدِ بنِ السائبِ -قال أبو جعفرٍ: هذا خطأٌ، إنما هو ابنُ التابوتِ، ليس ابنَ السائبِ- كان يأتى النبىَّ ﷺ، فإذا لقِيَه فكلَّمَه فقال: أرْعِنى سمْعَك، واسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ. فكان المسلمون يَحْسَبون أن الأنبياءَ كانت تُفَخَّمُ (^١) بهذا، فكان ناسٌ منهم يقولون: اسمعْ غيرَ مُسْمَعٍ. كقولِك: اسمعْ غيرَ صاغرٍ. هى (^٢) التى فى \"النساءِ\": ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ [النساء: ٤٦]. يقولُ: إنما يُرِيدُ بقولِه طَعْنًا فِى الدّينِ. ثم تقدَّم إلى المؤمنين فقال: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في نهْىِ اللهِ جلَّ ثناؤه المؤمنين أن يقولوا لنبيِّه: ﴿رَاعِنَا﴾ أن يقالَ: إنها كلمةٌ كرِهها اللهُ لهم أن يقولوها لنبيِّه ﷺ، نظيرَ الذى ذُكِر عن النبيِّ ﷺ أنه قال: \"لا تَقُولُوا للعِنَبِ الكَرْمَ، ولكِن قولوا الحَبَلَةَ\" (^٤). و\"لا تَقُولُوا عَبْدِى، ولكِنْ قُولُوا فتَاىَ\" (^٥).\nوما أشبهَ ذلك مِن الكلمتينِ اللَّتينِ تكونان مستعمَلتين بمعنًى واحدٍ فى كلامِ العربِ، فتأتى الكراهةُ أو النهىُ باستعمالِ إحداهما، واختيارِ الأُخْرَى عليها فى المخاطَباتِ.\n_________\n(^١) فى الأصل، ت ٢، ت ٣: \"تعجم\".\n(^٢) فى م: \"وهى\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ١٠٤ إلى المصنف وابن المنذر، وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٢١٤.\n(^٤) أخرجه الدارمى ٢/ ١١٨، ومسلم (٢٢٤٨) من حديث وائل بن حجر، وأخرجه البخارى (٦١٨٢)، ومسلم (٢٢٤٧)، وغيرهما من حديث أبى هريرة، دون قوله: \"ولكن قولوا الحبلة\".\n(^٥) أخرجه البخارى (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩) من حديث أبى هريرة نحوه.","vol":"2","page":378},{"text":"فإن قال (^١) قائلٌ: فإنَّا قد علِمْنا معنى نَهْىِ النبيِّ ﷺ فى العِنَبِ أن يقالَ له: كَرْمٌ. وفى العبدِ أن يقالَ له: عبدٌ. فما المعنى في قولِه: ﴿رَاعِنَا﴾. حينئذٍ الذى مِن أجلِه كان النهىُ مِن اللهِ جل ثناؤه المؤمنين عن أن يقولوه، حتى أمَرَهم أن يُؤْثِروا قولَهم (^٢): ﴿انْظُرْنَا﴾ عليه (^٣)؟\nقيل: الذى فيه مِن ذلك نظيرُ الذى فى قولِ القائلِ: الكَرْمُ. للعنبِ، و: العبدُ. للمملوكِ. وذلك أن قولَ القائلِ: عبدٌ. [صفةُ جميعِ] (^٤) عبادِ اللهِ، فكرِه النبىُّ ﷺ أن يُضَافَ بعضُ عبادِ اللهِ -بمعنى المعبودِ (^٥) - إلى غيرِ (^٦) اللهِ، وأمَر أنَ يُضَافَ ذلك إلى غيرِه، بغيرِ المعنى الذى يُضافُ إلى اللهِ ﷿، فيقال: [فتى اللهِ] (^٧). وكذلك وجهُ نهيِه في العنبِ أن يقالَ لها: كَرْمٌ. [لأن الكَرْمَ مصدرٌ من كرَم كرْمًا] (^٨)، وإن كانت راؤُها (٣) مُسَكَّنةً، فإن العربَ قد تُسَكِّنُ بعضَ الحركاتِ إذا تتابَعت على [نوعٍ واحدٍ] (^٩)، فَكرِه أن يُوصفَ (^١٠) بذلك العنبُ. فكذلك نهَى اللهُ ﷿ المؤمنين أن يقولوا: راعِنا. لما كان قولُ القائل: راعِنا. محتمِلًا أن يكونَ بمعنى: احْفَظْنا ونَحْفَظَك، وارْقُبْنا ونَرْقُبَك. مِن قولِ العربِ بعضِهم لبعضٍ: رعاك\n_________\n(^١) بعده فى م: \"لنا\".\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قوله\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لجميع\".\n(^٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"العبودية\".\n(^٦) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) فى م: \"فتاى\".\n(^٨) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى م: \"خوفًا من توهم وصفه بالكرم\".\n(^٩) فى الأصل ك \"تنوع واحدة\".\n(^١٠) فى م: \"يتصف\".","vol":"2","page":379},{"text":"اللهُ. بمعنى: حفِظك اللهُ وكَلأك. ومحتمِلًا أن يكونَ بمعنى: أرْعِنا سمْعَك. مِن قولِهم: أرْعَيتُ به (١) سمعِى إرعاءً. أو: راعَيْتُه سمعِى رِعاءً أو مُراعاةً. بمعنى: فرَّغْتُه لسماعِ كلامِه. كما قال الأَعْشى ميمونُ بنُ قيسٍ (٢):\nيُرْعِى إلى قَوْلِ ساداتِ الرِّجالِ إذَا … أبْدَوْا لهُ الحَزْمَ أو ما شاءَه ابْتَدَعا\nيعنى بقولِه يُرْعِى: يُصْغِى سمعَه إليه مُفَرِّغَه لذلك.\nوكأنَّ اللهَ جل ثناؤه قد أمَر المؤمنين بتوقيرِ نبيِّه ﷺ وتعظيمِه، حتى نهاهم جلّ ذكرُه فيما نهاهم عنه، عن رفعِ أصواتِهم فوقَ صوتِه، وأن يَجْهَرُوا له بالقوْلِ كجَهْرِ بعضِهم لبعضٍ، وخوَّفَهم على ذلك حبوطَ أعمالِهم، تقدَّم (٣) إليهم بالزجرِ لهم عن أن يقولُوا له من القولِ ما فيه جَفاءٌ، وأمَرَهم أن يَتَخَيَّرُوا لخطابِه من الألفاظِ أحسنَها، ومن المعاني أَرَقَّها، فكان من ذلك قولُهم: ﴿رَاعِنَا﴾. لِمَا فيه (٤) احتمالُ معنى: ارْعَنا نَرْعَك. إذ كانت المفاعلةُ لا تكونُ إلا مِن اثنين، كما يقولُ القائلُ: عاطِنا وحادِثْنا وجالِسْنا. بمعنى: افعَلْ بنا نَفْعَلْ بك. ومعنى: أَرْعِنا سمعَك حتى نَفهمَك وتَفهمَ عنا. فنَهَى اللهُ تعالى ذكرُه أصحابَ محمدٍ أن يقولوا ذلك كذلك، وأمرَهم (٥) أن يُفْرِدُوا مسألَتَه بانتظارِهم وإمهالِهم؛ ليَعْقِلوا عنه، بتَبْجِيلٍ منهم له وتعظيمٍ، وألَّا يَسألُوه ما سأَلوه من ذلك على وجهِ الجَفاءِ والتَّجَهُّمِ منهم له، ولا بالفظاظةِ والغِلْظةِ، تَشْبيهًا منهم باليهودِ في خطابِهم نبيَّ اللهِ ﷺ بقولِهم له: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا﴾ [النساء: ٤٦]. يَدُلُّ على صحةِ ما قُلْنا في ذلك قولُه:","vol":"2","page":380},{"text":"﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥]. فدلَّ بذلك أن الذي عاتَبهم (^١) عليه مما يَسُرُّ اليهودَ والمشركِين.\nفأما التأويلُ الذي حُكِى عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿رَاعِنَا﴾. أنه بمعنى: خِلافًا. فما (^٢) لا يُعْقَلُ في كلامِ العربِ، لأنَّ \"رَاعَيْتُ\" في كلامِ العربِ إنما هو على أحدِ وجهَيْن؛ أحدُهما، بمعنى: فاعَلْتُ، من الرِّعْيةِ، وهي [الرِّقْبةُ والكَلاءةُ] (^٣). والآخرُ، بمعنى إفراغِ السمعِ، بمعنى: أَرْعَيْتُه سمعى. وأما \"راعَيْتُ\" بمعنى: \"خالَفْتُ\"، [فما لا] (^٤) وجهَ له مفهومٌ في كلامِ العربِ، إلا أن يكونَ قَرأ ذلك بالتنوينِ، ثم وَجَّهه إلى معنى الرُّعُونةِ والجهلِ والخطأ، على النحوِ الذي قال في ذلك عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ، فيكونُ لذلك -وإن كان مخالفًا قراءةَ القَرَأةِ- معنى مفهومٌ حينئذٍ.\nوأما القولُ الآخرُ الذي حُكِيَ عن عطيةَ ومَن حُكِيَ ذلك عنه أن قولَه: ﴿رَاعِنَا﴾. كانت كلمةً لليهودِ بمعنى السبِّ والسخريةِ، فاستعملَها المؤمنون أَخْذًا منهم ذلك عنهم، فإن ذلك غيرُ جائزٍ في صفةِ المؤمنين أن يأخُذوا مِن كلامِ أهلِ الشركِ كلامًا لا يَعْرِفون معناه، ثم يَسْتعملُونه بينهم وفي خطابِ نبيِّهم ﷺ. ولكنه جائزٌ أن يكونَ ذلك كما (^٥) رُوِى عن قتادةَ، أنها كانت كلمةً صحيحةً مفهومةً من كلامِ العربِ، وافقَتْ كلمةً من كلامِ اليهودِ بغيرِ اللسانِ العربيِّ، هي عند اليهودِ\n_________\n(^١) في الأصل، ت ٣: \"عاقبهم\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٣: \"فمما\".\n(^٣) في الأصل: \"الوقفة والكلمة\"، وفي ت ١: \"الرتبة والكلية\"، وفي ت ٢: \"الرقبة والكلية\".\n(^٤) فى م: ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فلا\".\n(^٥) فى م: \"مما\".","vol":"2","page":381},{"text":"سَبٌّ، وهي عند العربِ: أَرْعِني سمعَك وفرِّغْه لي (^١)؛ لتَفْهَمَ عني. فعلَّم اللهُ جلَّ ثناؤُه معنى اليهودِ في قيلِهم ذلك للنبيِّ ﷺ، وأن معناها منهم خلافُ معناها في كلامِ العربِ، فنَهَى اللهُ ﷿ المؤمنين عن قيلِها للنبيِّ ﷺ، لئلا يَجْتَرِئَ مَن كان معناه في ذلك غيرَ معنى المؤمنين فيه، أن يُخاطِبَ رسولَ اللهِ ﷺ به. وهذا تأويلٌ لم يَأْتِ الخبرُ بأنه كذلك مِن الوجهِ الذي تقومُ به الحجةُ. وإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويلِ الآيةِ ما وصَفْنا، إذ كان ذلك هو الظاهرَ المفهومَ بالآيةِ دون غيرِه.\nوقد حُكِيَ عن الحسنِ البصريِّ أنه كان يقرؤُه: (لا تقولوا راعنًا) (^٢). بالتنوينِ، بمعنى: لا تقولوا قولًا راعنًا. من الرُّعونةِ، وهي الحُمْقُ والجهلُ.\nوهذه قراءةٌ لقَرأةِ المسلمين مخالِفةٌ، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ القراءةُ بها، لشذوذِها وخروجِها من قراءةِ المتقدِّمين والمتأخِّرين، وخلافِها ما جاءت به الحجّةُ من المسلمين. ومن نَوَّن (راعنًا) نَوَّنه بقولِه: ﴿لَا تَقُولُوا﴾، لأنه حينئذٍ عاملٌ فيه، ومن لم يُنَوِّنْه فإنه تَرَك تنوينَه لأنه أمرٌ مَحْكِيٌّ؛ لأن القومَ كأنهم كانوا يقولون للنبيِّ ﷺ: راعِنا. بمعنى مَسألتِه؛ إمّا أن يُرْعِيَهم سمعَه (^٣)؛ وإمّا أن يرعاهم ويَرْقُبَهم -على ما قد بَيَّنْتُ فيما مضَى- فقيل لهم: لا تقولُوا في مسألتِكم إياه: ﴿رَاعِنَا﴾. فتكونُ الدلالةُ على معنى الأمر في ﴿رَاعِنَا﴾ حينئذٍ سقوطَ الياءِ التي كانت تكونُ في \"راعَيتُه\" (^٤)، ويدلُّ عليها -أَعنى على الياءِ الساقطةِ- كسرةُ العينِ مِن ﴿رَاعِنَا﴾.\n_________\n(^١) زيادة من: الأصل.\n(^٢) إتحاف فضلاء البشر ص ٨٨.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في م: \"يراعيه\"، وفي ت ١ ت ٢، ت ٣: \"راعيه\".","vol":"2","page":382},{"text":"وقد ذُكر أن (^١) قراءةَ ابنِ مسعودٍ: (لا تقولوا راعونا) (^٢). بمعنى حكايةِ أميرٍ (^٣) صالحةٍ لجماعةٍ بمراعاتِهم (^٤). فإن كان ذلك من قراءتِه صحيحًا، وُجِّه (^٥) أن يكونَ القومُ كأنهم نُهُوا عن استعمالِ ذلك بينهم في خطابِ بعضِهم بعضًا، كان خطابُهم للنبيِّ ﷺ أو لغيرِه، ولا نعلمُ ذلك صحيحًا من الوجهِ الذي تصحُّ منه الأخبارُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-386>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾.</span>\nيعني بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾: وقولوا أيها المؤمنون لنبيِّكم ﷺ: انتظِرْنا وارقُبْنا، نَفْهَمْ ونتبيَّنْ ما تقولُ لنا وتُعلِّمُنا.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾: فقِّهْنا (^٦)، بَيِّنْ لنا يا محمدُ (^٧).\nحدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾: أفْهِمْنا، بَيِّنْ لنا يا محمدُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nيقالُ منه: نظَرْتُ الرجلَ، أَنظُرُه نَظِرةً. بمعنى: انتظرْتُه ورقَبْتُه. ومنه قولُ\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أنها\".\n(^٢) البحر المحيط ١/ ٣٣٨.\n(^٣) في الأصل: \"من\".\n(^٤) في الأصل: \"مراعاتهم\".\n(^٥) في الأصل: \"وجب\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فهمنا\".\n(^٧) تفسير مجاهد ص ٢١٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٩٨ (١٠٤٤).","vol":"2","page":383},{"text":"الحُطَيئةِ (^١):\nوقد نَظَرْتُكُمُ [أعْشاءَ صادِرَةٍ] (^٢) … للخِمْسِ (^٣) طالَ بها حَوْزِي (^٤) وتَنْساسِي (^٥)\nومنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. يَعنى به: انتظِرُونا. [وقد قُرِئ: (أنظِرونا نَقتَبِسْ من نُورِكم) (^٦). يعنى به: انْتَظِرونا. وقد قُرِئَ: (أنظِرونا)] (^٧). وقد قرِئ: (أنظِرْنا) (^٨). بقطْعِ الألفِ في الموضِعَيْن جميعًا. فمَن قَرأ ذلك كذلك، أراد: أَخِّرْنا. كما قال جلَّ ثناؤُه ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص: ٧٩]. أي: أخِّرْني. ولا وجهَ لقراءةِ ذلك كذلك في هذا الموضعِ؛ لأن أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ إنما أُمِروا بالدنوِّ من رسولِ اللهِ ﷺ، والاستماعِ منه، وإلطافِ الخطابِ له، وخَفْضِ الجناحِ، لا بالتأخُّرِ عنه، ولا بمسألتِه تأخيرَهم عنه. فالصوابُ -إذ كان ذلك كذلك- من القراءةِ، قراءةُ مَن وصَل الألفَ من قولِه: ﴿انْظُرْنَا﴾ ولم يَقْطَعْها، بمعنى: انتظِرْنا.\nوقد قيل: إن معنى: (أَنْظِرْنا) بقطعِ الألفِ بمعنى: أَمْهِلْنا. حُكِي عن بعضِ\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢٨٣.\n(^٢) في الأصل: \"إيناء عاشية\". والأعشاء، واحدتها عِشْيٌ، والعشى: ما يتعشى به. اللسان (ع ش ى).\n(^٣) الخمس: من أظماء الإبل، وهو أن ترعى ثلاثة أيام وترد اليوم الرابع، أو هو أن ترد الماء يوما فتشربه، ثم ترعى ثلاثة أيام، ثم ترد الماء اليوم الخامس. التاج (خ م س).\n(^٤) الحوز: السوق اللين. وقد حاز الإبل يحوزها ويحيزها وحوَّزها: ساقها سوقًا رويدًا. التاج (ح وز).\n(^٥) التنساس: سرعة الذهاب لورود الماء. التاج (ن س س).\n(^٦) هى قراءة حمزة، وقرأ الباقون بوصل الألف. حجة القراءات ص ٦٩٩.\n(^٧) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٨) هي قراءة أبيّ والأعمش. البحر المحيط ١/ ٣٣٩.","vol":"2","page":384},{"text":"العربِ سماعًا: أَنْظِرْني أكلِّمْك. وذكَر سامعُ ذلك من بعضِهم أنه استَثْبته في معناه، فأخبرَه أنه أراد: أَمْهِلْني. فإن لم (^١) يكُنْ ذلك صحيحًا عنهم، فـ \"انظُرْنا\" و\"أَنظِرْنا\"، بقطعِ الألفِ ووصلِها متقاربتا المعنى، غير أن الأمرَ وإن كان كذلك، فإن القراءةَ التي لا (^٢) أستجيزُ غيرَها قراءةُ مَن قرَأه: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾. بوصلِ الألِفِ، بمعنى: انتظِرْنا. لإجماعِ الحجةِ على تصويبِها، ورفضِهم غيرَها من القراءاتِ [في ذلك] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-387>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾.</span>\nيعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاسْمَعُوا﴾: اسمَعُوا ما يقالُ لكم، ويُتْلَى عليكم من كتابِ ربِّكم، وعُوه وافهمُوه.\nكما حدثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿وَاسْمَعُوا﴾: اسمَعُوا ما يقالُ لكم (^٤).\nفمعنى الآيةِ إذن: يأيُّها الذين آمنوا لا تقولوا لنبيِّكم: راعِنا سمعَك وفرِّغْه لنا، نَفْهَمْك وتَفْهَمْ عنا ما نقولُ، ولكن قولوا: انتظِرْنا وتَرَقَّبْنا حتى نَفهمَ عنك ما تُعلِّمُنا وتبينُه لنا. واسمَعوا منه ما يقولُ لكم فعُوه واحفظُوه وافهمُوه. ثم أخبرَهم جل ثناؤُه أن لمن جحَد منهم ومِن غيرِهم آياتِه، وخالفَ أمرَه ونَهْيَه، وكذَّب برسولِه -العذابَ الموجعَ في الآخرةِ، فقال: وللكافرين بي وبرسولي عذابٌ أليمٌ. يعنى بقولِه: \"الأليم\". الموجِعَ. وقد ذكَرْنا الدلالةَ على ذلك فيما مضَى قبلُ وما فيه مِن الآثارِ (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٠٤ إلى المصنف.\n(^٥) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٩١ - ٢٩٣.","vol":"2","page":385},{"text":"<span id=\"aya-112\"></span><span data-type='title' id=toc-388>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.</span>\nيعنى بقولِه: ﴿مَا يَوَدُّ﴾: ما يُحِبُّ. أي: ليس يَوَدُّ (^١) كثيرٌ مِن أهلِ الكتابِ. يقالُ منه: وَدَّ فلانٌ كذا، يَوَدُّ، وُدًّا ووَدًّا ووِدًّا (^٢) ومَودَّةً.\nوأما \"المشركون\" فإنهم في موضعِ خَفْضٍ بالعطفِ على \"أهلِ الكتابِ\".\nومعنى الكلامِ: ما يَوَدُّ (^٣) الذين كفروا من أهلِ الكتابِ ولا من (^٤) المشركين أن يُنَزَّلَ عليكم من خيرٍ من ربِّكم.\nوأما \"أنْ\" في قولِه: ﴿أَنْ يُنَزَّلَ﴾ فنُصِب بقولِه: ﴿يَوَدُّ﴾. وقد دلَّلْنا على (^٥) دخولِ \"مِن\" فى قولِه: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾. وما أَشبهَ ذلك من الكلامِ الذي يكونُ في أولِه جَحْدٌ فيما مضَى، فأغنى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٦).\nفتأويلُ الكلامِ: ما يحبُّ الكافرون من أهلِ الكتابِ ولا من (٤) المشركين باللهِ من عَبَدَةِ الأوثانِ، أن يُنَزِّلَ اللهُ (٤) عليكم شيئًا (٤) مِن الخيرِ الذي [هو عندَه. والخيرُ الذي كان] (^٧) اللهُ يُنزِّلُه عليهم فتَمنَّى المشركون، وكَفَرةُ أهلِ الكتابِ ألَّا يُنَزِّلَه (^٨) اللهُ عليهم -الفرقانُ وما أوحاه إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ من حُكْمِه وآياتِه، وإنما أحبَّتِ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يحب\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م: \"يحب\".\n(^٤) زيادة من: الأصل.\n(^٥) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وجه\".\n(^٦) ينظر ما تقدم في ص ١٤، ١٥.\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كان عند\".\n(^٨) في م: \"ينزل\".","vol":"2","page":386},{"text":"اليهودُ وأتباعُهم مِن المشركين ذلك حسدًا وبَغْيًا منهم على المؤمنين.\nوفى هذه الآيةِ دلالةٌ بَيِّنةٌ على أنَّ اللهَ ﵎ نَهَى المؤمنين عن الرُّكونِ إلى أعدائِهم من أهلِ الكتابِ والمشركين، والاستماعِ من قولِهم، وقَبولِ شيءٍ مما يَأتونهم (^١) به على وجهِ النصيحةِ لهم منهم، بإطْلاعِه جلّ ثناؤُه إياهم على ما يَستبطِنُه لهم أهلُ الكتابِ والمشركون مِن الضِّغْنِ والحسدِ، وإن أظهَرُوا بألسنتِهم خلافَ ما هم [مُستبطِنوه لهم] (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-389>القولُ في تأويلِ قولِهِ جلّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾.</span>\nيعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ واللَّهُ يختصُّ مَن يشاءُ لنبوَّتِه ورسالاتِه، فيُرسِلُه إلى من يشاءُ من خلقِه، ويتفضّلُ بالإيمانِ به (^٣) على مَن أحبَّ فيَهْديه له. واختصاصُه إياهم بها، إفرادُهم (^٤) بها دونَ غيرِهم من خلقِه. وإنما جعَل اللهُ رسالتَه إلى من أرسَل إليه من خلقِه، وهدايَتَه مَن هدَى من عبادِه رحمةً (^٥) منه له؛ ليُصَيِّرَه بها إلى رضاه ومحبتِه، وفوزِه بها بالجنةِ، واستحقاقِه بها ثناءَه (^٦)، وكلُّ ذلك رحمةٌ من اللهِ له.\nوأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. فإنه خبرٌ من اللهِ [جل ثناؤُه] (^٧)\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١: \"يأتوهم\"، وحذف النون لغة. ينظر صحيح مسلم بشرح النووى ٢/ ٣٦.\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مستبطنون\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في الأصل، ت ٢، ت ٣: \"إقرارهم\".\n(^٥) في الأصل: \"ورحمة\".\n(^٦) في الأصل: \"ثناء\".\n(^٧) سقط من: الأصل.","vol":"2","page":387},{"text":"[عن أن كلَّ خيرٍ ناله عبادُه فى دينِهم ودنياهم، فإنه مِن عندِه ابتداءً، وتفضُّلًا منه عليهم من غيرِ استحقاقٍ منهم ذلك عليه.\nوفي قولِه: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. تعريضٌ مِن اللهِ] (^١) تعالى ذِكرُه بأهلِ الكتابِ أن الذى آتى نبيَّه محمدًا ﷺ والمؤمنين به من الهدايةِ تَفَضُّلٌ (^٢) منه، وأن نعمَه لا تُدْرَكُ بالأمانيِّ، ولكنها مواهبُ منه يَختصُّ بها مَن يشاءُ من خلقِه.\n\n<span id=\"aya-113\"></span><span data-type='title' id=toc-390>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. [ما ننقُلْ مِن حكمِ آيةٍ] (^٣) إلى غيرِه، فنغيِّرْه ونبدِّلْه. وذلك أن يحوِّلَ الحلالَ حرامًا، والحرامَ حلالًا، والمباحَ محظورًا، والمحظورَ مباحًا. ولا يكونُ ذلك إلَّا في الأمرِ والنهىِ، والحظرِ والإطلاقِ، والمنعِ والإباحةِ. فأما الأخبارُ فلا يكونُ منها (^٤) ناسخٌ ولا منسوخٌ.\nوأصلُ النسخِ من نَسْخِ أصلِ (^٥) الكتابِ، وهو نقلُه مِن نسخةٍ إلى أُخرَى غيرِها. فكذلك معنى نَسْخِ الحكمِ إلى غيرِه، [إنما هو تحويلُه ونقلُ عبادِه (^٦) عنه إلى غيرِه] (^٧). فإذ كان ذلك معنى نسخِ الآيةِ، فسواءٌ -إذا نُسِخَ حكمُها فغُيِّر وبُدِّل فرضُها، ونُقِل (^٨) العبادُ عن اللازمِ كان لهم بها- [أُقِرَّ خطُّها] (^٩) فتُرِك، أو مُحِىَ أثرُها\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في م: \"تفضلا\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيها\".\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في م: \"عبارته\". وفى تفسير ابن كثير ١/ ٢١٥ عن المصنّف: عبادة إلى غيرها.\n(^٧) سقط من: الأصل.\n(^٨) بعده في م: \"فرض\".\n(^٩) في م: \"أوفر حظها\".","vol":"2","page":388},{"text":"فعُفِّىَ و(^١) نُسِي، إذ هى حينئذٍ في كلتى حالتَيْها منسوخةٌ، والحُكْمُ الحادثُ المُبْدَلُ به الحكمُ الأولُ والمنقولُ إليه فرضُ العبادِ هو الناسخُ. يقالُ منه: نسَخ اللهُ حكمَ (^٢) آيةِ كذا وكذا، يَنْسَخُه نَسْخًا، والنُّسخةُ الاسمُ.\nوبمثلِ الذى قلنا في ذلك كان الحسنُ البصرىُّ يقولُ (^٣).\nحَدَّثَنَا سَوّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا خالدٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ أنه قال في قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا (^٤) نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ قال (^٥): أُقْرِئَ قرآنًا ثم نُسِّيَه، فلم يكنْ شيئًا، ومن القرآنِ ما قد نُسِخ وأنتم تقرءُونه (^٦).\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ﴾؛ فقال بعضُهم بما حَدَّثَنِي به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: أما نسخُها فقبضُها (^٧).\nوقال آخرون بما حَدَّثَنِي به المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. ما نُبَدِّل من آيةٍ (^٨).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أو\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) بعده في الأصل: \"قال\".\n(^٤) في ت ٢، ت ٣: \"ننساها\"، وغير منقوطة في الأصل. وقراءة الحسن: (تَنْسها). ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ٨٨، وسيأتى ما في هذه الكلمة من قراءات.\n(^٥) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٦) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١٠٥ إلى المصنّف.\n(^٧) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٠ (١٠٥٧) عن أبى زرعة، عن عمرو به.\n(^٨) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٥، وابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٠١ (١٠٦٥)، والبيهقيُّ في الأسماء والصفات (٤٨٦) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" ١/ ١٠٤ إلى ابن المنذر.","vol":"2","page":389},{"text":"وقال آخرون بما حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن أصحابِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ أنهم قالوا: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. نُثْبِتْ خَطَّها، ونُبَدِّلْ حُكمَها (^١).\nوحَدَّثَنِي المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. نُثْبِتْ خطَّهَا، ونُبَدِّلْ حكمَها. حدِّثْت به عن أصحابِ ابنِ مسعودٍ،\nحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنِي بكرُ بنُ شرودٍ (^٢)، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن أصحابِ ابنِ مسعودٍ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: نُثْبِتْ خطَّها.\n\n<span data-type='title' id=toc-391>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾.</span>\nاختَلف أهلُ القراءةِ في قراءةِ ذلك، فقرَأها قَرَأةُ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ (^٣). ولقراءةِ مَن [قرأهَا كذلك] (^٤) وجهانِ من التأويلِ:\nأحدُهما، أن يكونَ تأويلُه: ما نَنْسَخْ يا محمدُ مِن آيةٍ فنُغَيِّرْ حكمَها أو نُنْسِكَها (^٥) - وقد ذُكِر أنَّها في مصحفِ عبدِ اللهِ (ما نُنْسِكَ من آيةٍ أو\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢١١، ومن طريقه البَيْهَقِيُّ في الأسماء والصفات (٤٨٧)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٩٩ (١٠٥٥)، والنحاس في ناسخه ص ٥٨ من طريق ابن أبي نجيح به، وليس عند النحاس ذكر أصحاب ابن مسعود، وأخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٦، وابن أبي حاتم ١/ ٢٠٠ (١٠٦٢) من طريق ابن جريجٍ، عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٠٥ إلى آدم بن أبي إياس وأبي داود في ناسخه.\n(^٢) في م، ت ١: \"شوذب\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"شودب\".\n(^٣) وهى قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ١٦٨.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قرأ ذلك\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ننسها\".","vol":"2","page":390},{"text":"نَنْسخْها) (^١) - نجِئْ بمثلِها. فذلك تأويلُ النسيانِ. وبهذا التأويلِ قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾: كان ينسَخُ الآيةَ بالآيةِ بعدَها، ويقرأُ نبيُّ اللهِ ﷺ الآيةَ أو أكثرَ مِن ذلك ثم يُنَسَّى وتُرْفَعُ (^٢).\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾. قال: كان اللهُ تعالى ذِكْرُه يُنْسِى نبيَّه ﷺ ما شاء، ويَنْسَخُ ما شاء (^٣).\nحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان عُبيدُ بنُ عُميرٍ يقولُ: ﴿نُنْسِهَا﴾: نَرْفَعْها مِن عندِكم (^٤).\nحَدَّثَنَا سوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ أنه قال في قولِه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا (^٥)﴾. قال: إن نبيَّكم ﷺ أُقْرِئ قرآنًا ثم نُسِّيه.\nوكذلك كان سعدُ بنُ أبى وقَّاصٍ [يتأوَّلُ الآيةَ] (^٦)، [إلَّا أنه] (^٧) كان يَقْرَؤها:\n_________\n(^١) ينظر المصاحف لابن أبي داود ص ٥٨، والناسخ والمنسوخ لأبي عبيد ص ١٠.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٠٥ إلى المصنّف وعبد بن حميد وأبي داود في ناسخه.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٥.\n(^٤) سيأتى بأتم مما هنا في ص ٤٠٠.\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ننساها\". وينظر ما تقدم في ص ٣٨٨.\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يتأوله\".\n(^٧) سقط من: الأصل.","vol":"2","page":391},{"text":"(أو تَنْسَها (^١». بمعنى الخطابِ لرسولِ الله ﷺ، كأنه عنَى: أو تَنْسَها أنت يا محمدُ.\nذكرُ الأخبارِ [عن ذلك] (^٢)\nحَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا يَعْلَى بنُ عطاءٍ، عن القاسمِ بنِ ربيعةَ، قال: سمِعتُ سعدَ بنَ أبى وقاصٍ يقولُ: (مَا نَنْسَخْ مِن آيةٍ أو تَنْسَها). قال (^٣): قلتُ له: فإن سعيدَ بنَ المُسَيِّبِ يقرؤُها: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾. قال: فقال سعدٌ: إن القرآنَ لَمْ يَنْزِلْ على المُسَيِّبِ ولا على آلِ المسيَّبِ، قال اللهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]. ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (^٤) [الكهف: ٢٤].\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرَنا هُشَيْمٌ، قال: حَدَّثَنَا يَعْلَى بنُ عطاءٍ، قال: حَدَّثَنَا القاسمُ بنُ ربيعةَ بنِ قانفٍ الثَّقَفيُّ، قال: سمِعتُ سعدَ بنَ أبى وقاصٍ يَذْكُرُ نحوَه (^٥).\nحَدَّثَنَا محمدُ بنُ المُثَنَّى، [قال: حَدَّثَنَا ابنُ مهديٍّ، وحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا] (^٦) آدمُ العَسْقلانِيُّ، قالا جميعًا: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن يَعْلَى بنِ عطاءٍ، قال: سمعتُ القاسمَ بنَ ربيعةَ الثقفيَّ يقولُ: قلتُ لسعدِ بنِ أبي وقاصٍ: إنى سمعتُ ابنَ المُسَيِّبِ\n_________\n(^١) في ت: \"تنساها\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"ننساها\"، وهذه القراءة شاذة. ينظر حجة القراءات ص ١١٠.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بذلك\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٢١ من طريق يعقوب بن إبراهيم به. وأخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ١٠، وسعيد بن منصور في سننه (٢٠٨ - تفسير)، وابن أبي داود في المصاحف ص ٩٦، والمزى في تهذيب الكمال ٢٣/ ٣٧٥ من طربق هشيم به. وصححه الحاكم، والقاسم مجهول. وفى المصادر اختلاف في حكاية قراءة سعد وسعيد فانظره فيها.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٥.\n(^٦) سقط من: م.","vol":"2","page":392},{"text":"يَقْرَأُ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾. فقال سعدٌ: إن اللهَ لَمْ يُنْزِلِ القرآنَ على المُسَيَّبِ ولا على ابنِه (^١)، إنما هى: (ما نَنْسَخْ مِن آيةٍ أو تَنْسَها) يا محمدُ. ثم قرَأ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (^٢).\nحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾. يقولُ: ﴿نُنْسِهَا﴾: نَرْفَعْها، وكان اللهُ تعالى ذكرُه أنْزَل أمورًا مِن القرآنِ ثم رفَعها (^٣).\nوالوجهُ الآخَرُ منهما، أن يكونَ بمعنى التركِ، مِن قولِ اللهِ جل ثناؤه: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. يعنى به: ترَكوا اللهَ فترَكهم. فيكونُ تأويلُ الآيةِ حينئذٍ على هذا التأويلِ: ما نَنْسَخْ مِن آيةٍ فنُغَيِّرْ حكمَها، [أو نتْرُكْها ولا نُغيِّرْ حُكمَها] (^٤) ولا (^٥) نُبَدِّلْ فرضَها، نأتِ بخيرٍ مِن التى نسَخْناها أو مثلِها.\nوعلى هذا التأويلِ تأوَّل ذلك (^٥) جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنِي المُثَنى، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾. يقولُ: أو نَتْرُكْها لا نُبَدِّلْها (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: \"أبيك\".\n(^٢) أخرجه أبو داود في ناسخه -كما في التحفة ٣/ ٣٠٩ - والنسائى في الكبرى (١٠٩٩٦)، وابن أبى داود في المصاحف ص ٩٦، وابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٠ (١٠٥٩)، والحاكم ٢/ ٢٤٢ من طريق شعبة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٠٤ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٠١ عقب الأثر (١٠٦٤) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) تقدم أول هذا الأثر في ص ٣٨٩.","vol":"2","page":393},{"text":"حدّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ قولَه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾: نَتْرُكْها لا نَنْسَخْها (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾. قال: الناسخُ والمنسوخُ (^٢).\nقال: وكان عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ يقولُ في ذلك بما حدَّثنى به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾. قال: نَمْحُها.\nوقرَأ ذلك آخَرون: (أو نَنْسَأْها) (^٣). بفتحِ النونِ وهمزةٍ بعدَ السينِ، بمعنى: نُؤَخِّرْها. مِن قولِك: نسَأْتُ هذا الأمرَ أَنْسَؤُه نَسْأً ونَساءً، إذا أخَّرْتَه. وهو مِن قولِهم: بعتُه بنسَاءٍ. يعنى: بتَأخيرٍ. ومِن ذلك قولُ طَرَفَةَ بنِ العَبْدِ (^٤):\nلَعَمْرُك إنَّ المَوْتَ ما أنسَأَ (^٥) الفَتَى … لَكَالطِّوَلِ (^٦) المُرْخَى وثِنْياهُ باليَدِ\nيعنى بقولِه: أَنْسَأ. أخَّر.\nومِمَّن قرَأ ذلك كذلك (^٧) [جماعةٌ مِن الصحابةِ والتابعين، وقرَأه] (^٨) جماعةٌ مِن قرأَةِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٠١ (١٠٦٦) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٠ (١٠٦١) من طريق هشيم به.\n(^٣) هى قراءة ابن كثير وأبى عمرو. حجة القراءات ص ١٠٩.\n(^٤) ديوانه ص ٣٧.\n(^٥) في الديوان: \"أخطأ\".\n(^٦) الطول: الحبل الطويل جدًّا. اللسان (ط ول)، والبيت فيه كرواية الديوان.\n(^٧) سقط من: م.\n(^٨) سقط من: الأصل. وهى قراءة عمر وابن عباس من الصحابة، وقراءة النخعى وعطاء ومجاهد وعبيد ابن عمير من التابعين. ينظر البحر المحيط ١/ ٣٤٣.","vol":"2","page":394},{"text":"المكِّيين (^١) والبصريين. وتأوَّله كذلك جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: (مَا نَنْسَخْ من آيةٍ أو نَنْسأْها (^٢». قال: نُؤَخِّرْها (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، قال: سمِعتُ ابنَ أبي نَجيحٍ يقولُ في قولِ اللهِ: (أو نَنْسَأْهَا). قال: نُرْجِئْها (^٤).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: (أو نَنْسَأْهَا): نُرْجِئْها ونُؤَخِّرْها (^٥).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيرىُّ، قال: ثنا فُضَيلٌ، عن عطيةَ: (أو نَنْسَأْهَا) قال: نُؤَخِّرْها فلا نَنْسَخْها.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبرني عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ، عن عُبيدٍ الأزْدِىِّ، عن عُبَيدِ بنِ عُمَيْرٍ: (أو نَنْسَأْهَا): إرجاؤُها [وتأخِيرُها] (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"الكوفيين\".\n(^٢) في الأصل، ت ٢، والناسخ والمنسوخ: \"ننسها\"، وفى سنن سعيد: \"ننسيها\".\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٦ عن هشيم به. وأخرجه أبو عبيد -أيضًا- وسعيد بن منصور في سننه (٢٠٩ - تفسير) عن مروان بن معاوية عن عبد الملك به.\n(^٤) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٤٨٧) من طريق ابن أبي نجيح عن أصحاب ابن مسعود. وهو تتمة الأثر المتقدم في ص ٣٩٠.\n(^٥) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٦، ٧ من طريق جرير بن حازم عن حميد الأعرج عن مجاهد به.\n(^٦) في الأصل: \"تأخيرها\".","vol":"2","page":395},{"text":"هكذا حدَّثنا القاسمُ: عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ، عن عُبيدٍ الأزْدِىِّ، وإنما هو: عن علىٍّ الأزدىِّ.\nحدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ، عن علىٍّ الأزدِىِّ، عن عُبيْدِ بنِ عُمَيْرٍ أنه قَرأها: (أو نَنْسَأْهَا) (^١).\nقال: فتأويلُ مَن قَرأ ذلك كذلك: ما نُبدِّلْ مِن آيةٍ أنزَلناها إليك يا محمدُ، فنبطِلْ حُكْمَها ونُثْبِتْ خَطَّها، أو نُؤخِّرْها فَنُرْجِئْها ونُقِرَّها فلا نُغَيِّرْها ولا نُبطِلْ حُكْمَها، نأتِ بخيرٍ مِنها أو مِثلِها.\nوقد قرأَ بعضُهم ذلك: (مَا نَنْسَخْ من آيةٍ أو تُنْسَها (^٢». وتأويلُ هذه القراءةِ نظيرُ تأويلِ قراءةِ (^٣) مَن قرأَ: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾. إلا أن معنى: [﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾: أو نُنْسِكَها يا محمدُ نحن. مِن: أَنْسَاه اللهُ يُنْسِيه. ومعنَى مَن قرأَ: (أو تُنْسَها)] (^٤). أو تنْسَها أنتَ يا محمدُ.\nوقد قرَأ بعضُهم: (مَا نُنْسِخْ (^٥) من آيةٍ). بضَمِّ النونِ وكَسْرِ السِّينِ. بمعنَى: ما نُنْسِخْكَ يا محمدُ نحنُ مِن آيةٍ. مِن: أَنْسَختُكَ فأنا أُنْسِخُك.\nقال: وذلك خطأٌ مِن القِراءةِ عندَنا، لخروجِه عما جاءتْ به الحجّةُ مِن القرأَةِ (^٦)\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٧.\n(^٢) رويت هذه القراءة عن سعيد بن المسيب. المحرر الوجيز ١/ ٣٨٢.\n(^٣) في الأصل: \"قوله\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) هى قراءة ابن عامر، من السبعة. حجة القراءات ص ١٠٩.\n(^٦) في م: \"القراءة\".","vol":"2","page":396},{"text":"بالنقلِ المستفيضِ. وكذلك قراءةُ مَن قَرَأ: (تَنْسَها) أو (تُنْسَها). لشذوذِها وخروجِها عن القراءةِ التى جاءتْ بها الحجةُ مِن قرأَةِ الأمةِ.\nوأولى القراءاتِ في قولِه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾. بالصوابِ، قراءةُ مَن قرأ: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾. بمعنى: نَترُكْها؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخبرَ نبيَّه ﷺ أنه مهما بدَّل حُكمًا أو غيَّرَه، أو لم يبدِّلْه ولم يغيِّرْه، فهو آتِيه بخيرٍ منه أو بمثلِه. فالذى هو أوْلَى بالآيةِ إذ كان ذلك معناها، أن يكونَ إذ قدَّم الخبرَ عما هو صانعٌ (^١) إذا هو غيَّر وبدّل حكمَ آيةٍ - أن يُعقِّبَ ذلك بالخبَرِ عما هو صانِعٌ إذا هو لم يُبدِّلْ ذلك ولم يُغيِّرْ. والخبرُ الذى يجِبُ أن يكونَ عَقيبَ قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. قولُه: أو نَترُكْ نَسْخَها. إذ كان ذلك المعروفَ الجارِىَ في كلامِ الناسِ، مع أن ذلك إذا قُرِئَ كذلك بالمعنى الذى وَصَفتُ، فهو يَشتَمِلُ على معنَى الإنْساءِ الذى هو بمعنى التَّرْكِ، ومعنى النَّسْءِ (^٢) الذى هو بمعنَى [التَّرْكِ. ومعنى النَّسْءِ الذى هو بمعنَى] (^٣) التأخيرِ، إذ كان كلُّ متروكٍ فمؤخَّرٌ فى (^٤) حالِ ما هو متروكٌ.\nوقد أنكَر قومٌ قراءةَ مَن قرأ: (أوْ تَنْسها). إذا عنَى به النسيانَ. وقالوا: غيرُ جائزٍ أن يكونَ رسولُ اللهِ ﷺ نَسِى مِن القرآنِ شيئًا مما نُسِخَ (^٥)، إلا أن يكونَ نَسِى منه شيئًا ثم ذكَره. قالوا: وبعدُ، فإنه لو نَسِى منه شيئًا لم يكنِ الذين قَرءُوه وحَفِظوه مِن أصحابِه بجائزٍ على جميعِهم أن يَنْسَوه. قالوا: وفى قولِ اللهِ جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦]. ما يُنْبِئُ عن أن اللهَ تعالى ذِكْرُه\n_________\n(^١) في الأصل: \"سايع\".\n(^٢) في م: \"النساء\".\n(^٣) سقط من ت م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م: \"على\".\n(^٥) في م: \"لم ينسخ\".","vol":"2","page":397},{"text":"لم يُنْسِ نبيَّه شيئًا (^١) آتاه مِن العلمِ.\nقال أبو جعفرٍ: وهذا قولٌ يَشهَدُ على بُطُولِه وفسادِه الأخبارُ المتظاهِرَةُ عن رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه بنحوِ الذى (^٢) حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: حدثنا أنسُ بنُ مالكٍ: إنَّ أولئكَ السَّبْعِين مِن الأنصارِ الذين قُتِلوا ببئرِ مَعُونةَ (^٣) قرَأْنا بهم وفيهم كتابًا: (بَلِّغوا عنَّا قَوْمَنا أنَّا لَقِينا ربَّنا فرَضِىَ عنَّا وأرْضَانا). ثم إن ذلك رُفِعَ (^٤).\nفالذى ذُكِرَ (^٥) عن أبى موسى الأشعَرىِّ أنهم كانوا يَقْرءون (^٦): (لو أن لابنِ آدمَ واديين مِن مَالٍ لابتغى لهما ثالثًا، ولا يَمْلأُ جوفَ ابنِ آدمَ إلا الترابُ، ويَتوبُ اللهُ على مَن تابَ) (^٧). ثم رُفِعَ.\nوما أشْبَهَ ذلك مِن الأخبارِ التى يَطُولُ بإحْصائِها الكتابُ.\nوغيرُ مستحيلٍ في فِطْرةِ ذِى عقلٍ صحيحٍ، ولا بحُجةِ خبرٍ، أن يُنْسِىَ اللهُ نبيَّه ﷺ بعضَ ما قد كان أنزَله إليه، فإذا كان ذلك غيرَ مستحيلٍ مِن أحدِ هذين الوجهين، فغيرُ جائزٍ لقائلٍ أن يقولَ: ذلك غيرُ جائزٍ.\nوأما قولُه: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. فإنه جل ثناؤُه لم يُخْبِرْه أنه لا يَذْهَبُ بشيءٍ منه، وإنما أخبرَه أنه لو يشاءُ لذَهَب بجَميعِه، فلم يَذْهَبْ\n_________\n(^١) بعده في م: \"مما\".\n(^٢) بعده في م: \"قلنا\".\n(^٣) بئر معونة: بين أرض بني عامر وحرَّة بني سليم. معجم البلدان ١/ ٤٣٥.\n(^٤) أخرجه البخارى (٤٠٩٠) من طريق يزيد به بنحوه.\n(^٥) فى م: \"ذكرنا\".\n(^٦) في الأصل: \"يقولون\".\n(^٧) أخرجه مسلم (١٠٥٠) بنحوه. وينظر مسند الطيالسى (٥٤١).","vol":"2","page":398},{"text":"به، والحمدُ للهِ، بل إنما ذَهَب منه (^١) بما (^٢) لا حاجةَ بهم إليه منه، وذلك أن ما نَسَخ منه فلا حاجةَ بالعبادِ إليه، وقد قال اللهُ تعالى ذِكْرُه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾ [الأعلى: ٦، ٧]. فأخبرَ أنه يُنْسِى نبيَّه منه ما شاء. فالذى ذَهَب منه الذى اسْتَثْناه اللهُ.\nفأما نحن، فإنما اخْتَرنا ما اخْتَرنا مِن التأويلِ طَلَبَ اتِّساقِ الكلامِ على نظامٍ في المعنى، لا إنكارَ أن يكونَ اللهُ تعالى ذِكرُه قد كان أنسى (^٣) نبيَّه بعضَ ما نَسَخ مِن وحيِه إليه وتنزيلِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-392>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾. فقال بعضُهم بما حدَّثنى به المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. يقولُ: خيرٍ لكم في المنفعةِ وأرفقَ بكم (^٤).\nوقال آخرون بما حدَّثنى به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. يقولُ: آيةٍ فيها تَخْفِيفٌ، فيها رُخْصَةٌ (^٥)، فيها أَمْرٌ، فيها نَهْىٌ (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"ما\".\n(^٣) في م: \"آتى\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٠١ (١٠٦٧) من طريق عبد الله بن صالح به. وينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٥٤، والفتح ٨/ ١٥٨.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رحمة\".\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٥.","vol":"2","page":399},{"text":"وقال آخرون: نأتِ بخيرٍ مِن التى نَسَخْناها، أو بخيرٍ مِن التى تَرَكْناها فلم نَنْسَخْها.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾. يقولُ: نأتِ بخيرٍ مِن التى نَسَخْناها، ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ أو مثلِ التى تَركْناها (^١).\nفالهاءُ والألفُ اللتان في: ﴿مِنْهَا﴾ عائدتان -على هذه المقالةِ- على الآيةِ في قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. والهاءُ والألفُ اللتان في قول: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ عائدتان على الهاءِ والألفِ اللتين في قولِه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾.\nوقال آخرون بما حدَّثنى به المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان عُبيدُ بنُ عُميرٍ يقولُ: ﴿نُنْسِهَا﴾: نرفعْها مِن عندِكم، فنأْتى (^٢) بمثلِها أو خيرٍ منها (^٣).\nحدَّثنى المثنَّى، قال: حدّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾: نَرْفعْها، نأتِ بخيرٍ منها أو بمثلِها (^٤).\nوحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ شرودٍ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن أصحابِ ابنِ مسعودٍ مثلَه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٠١ (١٠٦٩) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به.\n(^٢) في م: \"نأت\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢١٠، ٢١١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٠١ (١٠٦٤)، والبيهقى في الأسماء والصفات (٤٨٧) عن ابن أبي نجيح عن عبيد بن عمير.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٣٩٣.","vol":"2","page":400},{"text":"والصوابُ مِن القولِ في معنى ذلك عندَنا: ما نُبَدِّلْ مِن حُكْمِ آيةٍ فنُغَيِّرْه، أو نَتْرُكْ تَبْدِيلَه فنُقِرَّه بحالِه، نَأْتِ بخيرٍ (^١) لكم مِن حُكْمِ الآيةِ التى نَسَخْنا فغَيَّرنا حُكْمَها، إما في العاجلِ؛ لخِفَّتِه عليكم، مِن أجلِ أنه وَضْعُ فَرْضٍ كان عليكم، فأُسْقط ثِقَلُه عنكم، وذلك كالذى كان على المؤمنين مِن فَرْضِ قيامِ الليلِ، ثم نُسِخ ذلك فوضِع عنهم، فكان (^٢) خيرًا لهم في عاجلِهم، لسقوطِ عِبْءِ ذلك وثقلِ حِمْلِه عنهم، وإما في الآجلِ؛ لعِظَمِ ثوابِه مِن أجلِ مَشَقَّةِ حملِه، وثِقَلِ عِبْئِهِ على الأبدانِ. كالذى كان عليهم مِن صيامِ أيامٍ مَعْدوداتٍ في السنةِ، فنُسِخَ وفُرِضَ عليهم مكانَه صومُ شهرٍ كاملٍ في كلِّ حَوْلٍ. فكان فَرْضُ صومِ شهرٍ كاملٍ كلَّ سنةٍ أثقلَ على الأبدانِ مِن صيامِ أيامٍ مَعْدوداتٍ، غيرَ أن ذلك وإن كان كذلك، فالثوابُ عليه أجْزَلُ، والأجرُ عليه أكثرُ؛ لفَضْلِ مَشَقَّتِه على مُكَلَّفيه مِن صومِ أيامٍ معدوداتٍ بذلك (^٣)، وإن كان على الأبدانِ أشقَّ، فهو خيرٌ مِن الأوَّلِ في الآجلِ؛ لفضلِ ثوابِه وعِظَمِ أجْرِه الذى لَمْ يكنْ مثلُه لصومِ الأيامِ المعدوداتِ. فذلك معنى قولِه: ﴿نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا﴾. لأنه إما بخيرٍ منها في العاجلِ لخِفَّتِه على مَن كُلِّفَه، أو في الآجلِ لعِظَمِ ثوابِه وكثرةِ أجرِه. أو يكونُ مِثلَها في المشقَّةِ على البدنِ، واستواءِ الأجرِ والثوابِ عليه، نَظِيرَ نسخِ اللهِ تعالى ذِكْرُه فرضَ الصلاةِ شَطْرَ بيتِ المقدسِ إلى فرضِها شطرَ المسجدِ الحرامِ. فالتوجُّهُ شَطْرَ بيتِ المقدسِ وإن خالَف التوجهَ شطرَ المسجدِ الحرامِ (^٤)، فكُلْفةُ مؤنةِ (^٥) التوجهِ [شطرَ أيِّهما توجَّه] (^٦)\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منها\".\n(^٢) بعده في م: \"ذلك\".\n(^٣) في م، ت ٢: \"فذلك\".\n(^٤) زيادة من: ت ٢.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) في الأصل: \"فوجه شطرانهما\".","vol":"2","page":401},{"text":"شطرَه (^١) المُتوجِّهُ (^٢) - واحدةٌ؛ لأنَّ الذى على المتوجِّهِ شطرَ البيتِ المقدَّسِ مِن مُؤْنةِ تَوجُّهِه شطرَه، نَظِيرُ الذى على بدنِه (^٣) من (^٤) مؤنةِ توجُّههِ شطرَ الكعبةِ سواءٌ. فذلك هو معنى المِثْلِ الذى قال جل ثناؤُه: ﴿أَوْ مِثلِهَا﴾.\nوإنما عَنَى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾: ما نَنْسَخْ مِن حكمِ آيةٍ أو نُنْسِه. غيرَ أن المُخَاطبين بالآيةِ لمَّا كان مفهومًا عندَهم معناها، اكتَفى بدَلالةِ ذكرِ الآيةِ مِن ذِكْرِ حُكْمِها. وذلك نظيرُ سائرِ ما ذَكَرنا مِن نظائرِه فيما مَضَى مِن كتابِنا هذا، كقولِه: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾. بمعنى: حُبَّ العجلِ. ونحوِ ذلك (^٥).\nفتأويلُ الآيةِ إذن: ما نُغيِّرْ مِن حُكْمِ آيةٍ فنُبَدِّلْه، أو نَتْرُكْه فلا نُبَدِّلْه، نَأْتِ بخيرٍ لكم منه (^٦) -أيها المؤمنون- حُكْمًا منها، أو مِثْلِ حُكْمِها، في الخِفَّةِ والثِّقَلِ، والأجرِ والثوابِ.\nفإن قال قائلٌ: فإنا قد عَلِمنا أن العِجْلَ لا يُشْرَبُ (^٧) القلوبَ، وأنه لا يَلْتَبِسُ على مَن سمِع قولَه: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾. أن معناه؛ وأُشْرِبوا في قلوبِهم حبَّ العجلِ. فما الذى يَدُلُّ على أنَّ قولَه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ لذلك نظيرٌ؟\n_________\n(^١) في ت ٢: \"الشطر\"، وفى ت ١، ت ٣: \"شطره\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في، ٢: \"يده\"، وفى ت ١، ت ٣: \"يديه\".\n(^٤) بعده في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نظير\".\n(^٥) ينظر ما تقدم في ص ٢٦٥، ٢٦٦.\n(^٦) زيادة من: الأصل.\n(^٧) بعده في م: \"في\".","vol":"2","page":402},{"text":"قيل: الذى دلَّ على أن ذلك كذلك قولُه: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. وغيرُ جائزٍ أن يكونَ مِن القرآنِ شيءٌ خيرًا مِن شيءٍ، لأنَّ جميعَه كلامُ اللهِ، ولا يجوزُ في صفاتِ اللهِ تعالى ذِكرُه أن يقالَ: بعضُها أفضلُ مِن بعضٍ، أو (^١) بعضُها خيرٌ مِن بعضٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-393>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: ألم تَعْلَمْ يا محمدُ أنى قادرٌ على تعويضِك ممَّا نسَختُ مِن أحكامي، وغيَّرْتُه مِن فرائضِى التى كنتُ افتَرضْتُها عليك، ما أشاءُ ممَّا هو خيرٌ لك ولعبادى المؤمنين معك، وأنفعُ لك ولهم، إمَّا عاجلًا في الدنْيا، وإمَّا آجِلًا في الآخرةِ، أو بأن أبدِّلَ لكَ ولهم مكانَه مثلَه في النفعِ لهم، عاجلًا في الدنْيا وآجلًا في الآخِرَةِ، وشَبيهَه في الخِفَّةِ عليك وعليهم؟ فإنى -فاعلَمْ يا محمدُ- على ذلك وعلى كلِّ شيءٍ قديرٌ.\nومعنى قولِه: ﴿قَدِيرٌ﴾. في هذا الموضعِ: قَوىٌّ. يقالُ منه: قد قدَرْتُ على كذا وكذا -إذا قوِيتَ عليه- أقدِرُ عليه، وأَقْدُرُ عليه، قُدْرَةً وقِدْرانًا ومَقْدِرَةً. وبنو مُرَّةَ مِن غَطَفَانَ تقولُ خاصةً (^٢): قدِرتُ عليه. بكسرِ الدالِ.\nفأمَّا مِن التقديرِ مِن قولِ القائلِ: قدَرتُ الشيءَ. فإنه يقالُ منه: قدَرتُه أقْدُرُه قَدْرًا وقدَرًا.\n\n<span id=\"aya-114\"></span><span data-type='title' id=toc-394>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾.</span>\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٢) سقط من: م.","vol":"2","page":403},{"text":"قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: أوَ لم يكُنْ رسولُ اللهِ ﷺ يَعلَمُ أن اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأن اللهَ له مُلكُ السماواتِ والأرضِ حتى قيل له ذلك؟\nقيل: بَلَي، فقد كان بعضُهم يقولُ: إنما ذلك مِن اللهِ جل ثناؤه خبرٌ عن أن محمدًا ﷺ قد علِم ذلك، ولكنه (^١) أَخْرَجَ الكلامَ مُخْرَجَ التقريرِ، كما تفعَلُ مثلَه العربُ في خطابِ بعضِها بعضًا، فيقولُ أحدُهم لصاحبِه: ألم أُكْرِمْك، ألم أُفْضِلْ (^٢) عليك. بمعنى إخبارِه أنه قد أكرَمَه وأَفضَل (^٣) عليه. يُرِيدُ: أليس قد أكرمتُك، أليس قد أفْضلْتُ (^٤) عليك. بمعنى: قد علِمتَ ذلك.\nقال: وهذا قولٌ (^٥) لا وجهَ له عندنا، وذلك أن قولَه جل ثناؤه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾. إنما معناه: أمَا عَلِمتَ. وهو حَرْفُ جَحْدٍ أُدخِلَ عليه حرفُ استفهامٍ، وحروفُ الاستفهامِ إنما تَدْخُلُ في الكلامِ؛ إمَّا بمعنى الاسْتِثْباتِ، وإمَّا بمعنى النفىِ، فأمَّا بمعنى الإثباتِ، فذلك غيرُ معروفٍ في كلامِ العربِ، ولا سيَّما إذا أُدخِلتْ على حروفِ الجحدِ، ولكنَّ ذلك عندي، وإن كان ظهَر ظُهورَ الخطابِ للنبيِّ ﷺ، فإنما هو مَعْنِيٌّ به أصحابُه الذين قال لهم (^٦) اللهُ جل ثناؤه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾. والذى يَدُلُّ على أنَّ ذلك كذلك قولُه جل ثناؤه: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. فعاد بالخطابِ في آخرِ الآيةِ إلى جميعِهم، وقد ابتدأ أوَّلَها بخطابِ النبيِّ ﷺ بقولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. لأنَّ المرادَ بذلك الذين وصَفتُ أمرَهم مِن أصحابِه، وذلك مِن كلامِ\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قد\".\n(^٢) في م: \"أتفضل\".\n(^٣) في م: \"تفضل\".\n(^٤) في م: \"تفضلت\".\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) سقط من: م.","vol":"2","page":404},{"text":"العربِ مستفيضٌ بينهم فصيحٌ، أن يُخْرِجَ المتكلِّمُ منهم (^١) كلامَه على وجهِ الخطابِ منه لبعضِ الناسِ، وهو قاصدٌ به غيرَه، وعلى وجهِ الخطابِ لواحدٍ، وهو يَقْصِدُ به جماعةً غيرَه، أو جماعةٍ (^٢) المخاطَبُ به أحدُهم، وعلى وجهِ (^٣) الخطابِ للجماعةِ والمقصودُ به أحدُهم، مِن ذلك قولُ اللهِ جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ١، ٢]. فرجَع إلى خطابِ الجماعةِ، وقد ابتدَأ (^٤) الكلامَ بخطابِ النَّبِيِّ ﷺ. ونظيرُ ذلك قولُ الكُمَيْتِ بنِ زيدٍ في مدحِ رسولِ اللهِ ﷺ (^٥):\nإلى السِّراجِ المُنِيرِ أحْمَدَ لا … يَعْدلُنِى رَغْبَةٌ وَلا رَهَبُ\nعنه إلى غَيرِه ولو رَفَعَ النَّـ … ـاسُ إلىَّ العُيُونَ وارْتَقَبُوا\nوقِيلَ أفْرَطْتَ بل قَصَدْتُ ولو … عَنَّفَنى القائِلُونَ أَوْ ثَلَبُوا (^٦)\nلَجَّ بتَفْضِيلِكَ اللِّسانُ ولو … أُكْثِرَ فيك الضِّجَاجُ واللَّجَبُ (^٧)\nأنتَ المُصَفَّى (^٨) المَحْضُ المُهَذَّبُ فى النِّـ … ـسْبَةِ إنْ نَصَّ (^٩) قَوْمَك النَّسَبُ\nفأخرَجَ كلامَه على وجهِ الخطابِ للنبيِّ ﷺ، وهو قاصدٌ بذلك أهلَ بيتِه.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) بعده في م: \"و\".\n(^٣) في م: \"هذا\".\n(^٤) في ت ١: \"ابتدئ\".\n(^٥) الأبيات في الحيوان للجاحظ ٥/ ١٧٠.\n(^٦) ثلب: لام وعاب، وقيل: الثلب: شدة اللوم والأخذ باللسان. التاج (ث ل ب).\n(^٧) اللجب: ارتفاع الأصوات واختلاطها. التاج (ل ج ب).\n(^٨) في ت ١، ونسخ الحيوان: \"المصطفى\".\n(^٩) نص: رفع. اللسان (ن ص ص).","vol":"2","page":405},{"text":"فكنَى عن وصفِهم ومدحِهم بذكرِ النَّبِيِّ ﷺ، وعن بنى أُمَيَّةَ بالقائلين المُعَنِّفينَ؛ لأنه معلومٌ أنه لا أحدَ يُوصَفُ [من المسلمين] (^١) بتعنيفِ مادحِ النَّبِيِّ ﷺ وتفضيلِه، ولا بإكثارِ الضِّجاجِ واللَّجَبِ في إطنابِ القِيلِ بفضلِه. وكما قال جَمِيلُ (^٢) بنُ مَعْمَرٍ (^٣):\nألا إنَّ جِيرَانى العَشِيَّةَ رَائِحُ … دَعَتْهُم دَواعٍ مِن هَوًى ومَنادِحُ (^٤)\nفقال: ألا إن جيرانى العشيةَ. فابْتَدَأ الخبرَ عن جماعةِ جيرانِه، ثم قال: رائحُ؛ لأن قصْدَه في ابتدائِه ما ابْتَدَأ (^٥) مِن كلامِه الخبرُ عن واحدٍ منهم دونَ جماعتِهم. وكما قال جَمِيلٌ أيضًا في كلمتِه الأُخرَى (^٦):\nخَلِيليَّ فيما عِشْتُما هل رَأيْتُما … قَتِيلًا بَكَى من حُبِّ قاتِلِه قَبْلِى\nوهو يُريدُ قاتلتَه (^٧)؛ لأنه إنما يَصِفُ امرأةً، فكنَى بوصفِ (^٨) الرجلِ عنها وهو يَعْنِيها. فكذلك قولُه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وإن كان ظاهرُ الكلامِ على وجهِ الخطابِ للنبيِّ ﷺ، فإنه مقصودٌ به قصدُ أصحابِه، وذلك بيِّنٌ بدلالةِ قولِه: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ الآياتِ الثلاث بعدَها، على أنَّ ذلك كذلك.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في الأصل: \"جرير\".\n(^٣) التبيان ١/ ٤٠١.\n(^٤) المنادح: المفاوز، وأرض مندوحة: واسعة بعيدة. التاج (ن د ح).\n(^٥) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"به\".\n(^٦) البيت في أمالى القالى ٢/ ٧٤، والأغانى ١/ ١١٧.\n(^٧) في الأصل: \"قاتله\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قاتليه\".\n(^٨) في م: \"باسم\".","vol":"2","page":406},{"text":"وأمَّا قولُه: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ولم يقُلْ: مِلكُ السماواتِ. فإنه عنَى بذلك مُلْكَ السلطانِ والمملكةِ دونَ المِلْكِ، والعربُ إذا أرادت الخبرَ عن المملكةِ التى هى مملكةُ سلطانٍ، قالت: ملَك اللهُ الخلقَ مُلْكًا. وإذا أرادت الخبرَ عن المِلْكِ قالت: ملَك فلانٌ هذا الشئَ، فهو يَمْلِكُه مِلْكًا ومَلَكَةً ومَلْكًا.\nفتأويلُ الآيةِ إذن: ألم تعلَمْ يا محمدُ أن لى مُلكَ السماواتِ والأرضِ وسلطانَهما دونَ غيرِي، أحْكُمُ فيهما وفيما فيهما ما أشاءُ (^١)، وآمُرُ فيهما وفيما فيهما بما أشاءُ، وأنْهَى عمَّا أشاءُ، وأَنْسَخُ وأُبَدِّلُ وأغيِّرُ مِن أحكامى التى أحْكُمُ بها في عبادى ما أشاءُ إذا أشاءُ، وأُقِرُّ منها ما أشاءُ.\nوهذا الخبرُ وإن كان مِن اللهِ ﷿ خطابًا لنبيه محمدٍ ﷺ على وجهِ الخبرِ عن عَظَمتِه، فإنه منه جل ثناؤه تكذيبٌ لليهودِ الذين أنْكَروا نسْخَ أحكامِ التوراةِ، وجحَدوا نبوَّةَ عيسى ومحمدٍ (^٢) صلى الله عليهما، لمجيئِهما بما جاءا به مِن عندِ اللهِ بتغييرِ ما غيَّرَ اللهُ مِن أحكامِ (^٣) التوراةِ، فأخبَرهم اللهُ أن له مُلْكَ السماواتِ والأرضِ وسلطانَهما، [وأنَّ] (^٤) الخلقَ أهلُ مَمْلَكتِه وطاعتِه، عليهم السمعُ له والطاعةُ لأمرِه ونهيهِ، وأن له أمْرَهم بما شاءَ، ونهيَهم عمَّا شاءَ، وإقرارَ ما شاءَ، ونسْخَ ما شاءَ، وإنساءَ ما شاءَ مِن أحكامِه وأمْرِه ونهيهِ، ثم قال لنبيِّه ﷺ وللمؤمنين معه: انقادُوا لأمرِي، وانْتَهُوا إلى طاعتِى فيما أَنْسَخُ وفيما أتْرُكُ (^٥)، فلا\n_________\n(^١) بعده في ت ٣: \"إذا أشاء\".\n(^٢) في م: \"أنكروا محمدًا\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حكم\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فإن\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أنزل\".","vol":"2","page":407},{"text":"أنْسَخُ مِن أحكامى ولا (^١) حُدُودِى وفرائضِى، ولا يَهِيدَنَّكم (^٢) خلافُ مُخالفٍ لكم فى أمرِى ونهيى، وناسخِى ومنسوخِى، فإنه لا قَيِّمَ بأمرِكم (^٣) سواىَ، ولا ناصِرَ (^٤) لكم غيرى، وأنا المنفردُ بوَلايتِكم والدفاعِ عنكم، والمتوحِّدُ بنُصْرَتِكم بعزَّتى وسُلطانى وقوَّتى على مَن ناوَأَكم وحادَّكم، ونصَب حَرْبَ العداوةِ بينَه وبينَكم، حتى أُعْلِىَ حُجَّتَكم، [وأجعلَها عليهم] (^٥) لكم.\nو\"الوَلىُّ\" (^٦) فَعِيلٌ، مِن قولِ القائلِ: وَلِيتُ أمرَ فلانٍ. إذا صِرْتَ قيِّمًا به، فأنا أَلِيه، وهو (^٧) وَلِيُّه وقَيِّمُه. ومِن ذلك قِيل: فلانٌ ولىٌّ عهدِ المسلمين. يعنى به القيِّمَ بما عُهِد إليه مِن أمرِ المسلمينِ.\nوأمَّا \"النصيرُ\"، فإنه فَعِيلٌ، مِن قولِك: نصَرتُك أنصرُك، فأنا ناصرُك ونصيرُك. وهو المُؤَيِّدُ والمُقَوِّى.\nوأمَّا معنى قولِه: ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ فإنه: سِوَى اللهِ وبعدَ اللهِ. ومنه قولُ أُمَيَّةَ بنِ أبي الصَّلْتِ (^٨):\nيا نَفْسُ ما لَكِ دُونَ اللهِ مِن وَاقِى … ومَا عَلى حَدَثَانِ الدَّهْرِ مِنْ باقى\nيُريدُ: ما لكِ سوى اللهِ وبعدَ اللهِ مَن يَقِيكِ المكارهَ.\n_________\n(^١) زيادة من: الأصل.\n(^٢) فى الأصل: \"يهتدنكم\"، وفى ت ١: \"يهدينكم\". وهاده الشئ يَهيده: أفزعه. التاج (هـ ى د).\n(^٣) فى ت ١، ت ٣: \"يأمركم\".\n(^٤) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يأمر\".\n(^٥) فى الأصل: \"وأجمل الظفر عليكم\"، وفى ت ١، ت ٣: \"وأجعل عليهم\"، وفى ت ٢: \"وأجعله عليهم\".\n(^٦) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"معناه\".\n(^٧) فى ت ١: \"فأنا\".\n(^٨) ديوانه ص ٢١.","vol":"2","page":408},{"text":"فمعنى الكلامِ إذن: وليس لكم أيُّها المؤمنون بعدَ اللهِ مِن قَيِّمٍ بأَمْرِكم (^١)، ولا نصيرٍ يؤَيِّدُكم ويقوِّيكم، فيُعِينَكم علَى أعدائِكم.\n\n<span id=\"aya-115\"></span><span data-type='title' id=toc-395>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذى مِن أجلِه أُنْزِلَت هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ بُكَيْرٍ، وحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ بنُ الفضلِ، قالا: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رافعُ بنُ حُرَيْمِلَةَ ووهبُ بنُ زيدٍ لرسولِ الله ﷺ: ائتنا بكتابٍ تُنَزِّلُه علينا مِن السماءِ نَقْرَؤُه، وفجِّرْ لنا أنهارًا نَتَّبِعْك ونُصَدِّقْك. فأَنْزَل اللهُ [فى ذلك مِن قولِهم] (^٢): ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ الآية (^٣).\nوقال آخرون بما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾: وكان موسى سئِل فقيل له: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ (^٤).\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أن يُرِيَهم اللهَ\n_________\n(^١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يأمركم\"، وغير منقوطة فى الأصل.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٨، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٠٢ (١٠٧٤) من طريق سلمة به.\n(^٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٠٣ عقب الأثر (١٠٧٧) معلقا.","vol":"2","page":409},{"text":"جهرةً، فسألت العربُ محمدًا ﷺ أن يأْتيَهم باللهِ (^١) فيَرَوْنَه جهرةً (^٢).\nوقال آخَرون بما حدَّثنى به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أن يُرِيَهم اللهَ جهرةً، فسأَلت قريشٌ محمدًا ﷺ أن يَجْعَلَ لهم (^٣) الصَّفا ذهبًا، قال: \"نعم، [وهو] (^٤) لكم [كالمائدةِ لبَنِى] (^٥) إسرائيلَ (^٦) \". فأبَوْا ورجَعوا (^٧).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: سألتْ قريشٌ محمدًا ﷺ أن يَجْعَلَ لهم الصَّفَا ذهبًا، فقال: \"نَعَمْ، [وهو] (^٨) لكم كالمَائِدةِ لبَنى إسرائيلَ إن كفَرْتُم\". فأبَوْا ورجَعوا، فأَنْزَل اللهُ: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أن يُرِيَهم اللهَ جهرةً.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخَرون بما حدَّثنى به المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ،\n_________\n(^١) فى الأصل: \"الله\".\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٠٣ (١٠٧٧) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به. وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١٠٧ إلى ابن المنذر.\n(^٣) فى م: \"الله له\".\n(^٤) فى الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هو\".\n(^٥) فى م: \"كمائدة بنى\".\n(^٦) بعده فى م: \"إن كفرتم\".\n(^٧) تفسير مجاهد ص ٢١١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٠٣ (١٠٧٥). وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ١٠٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٨) فى الأصل: \"هو\".","vol":"2","page":410},{"text":"عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: قال رجلٌ: [يا رسولَ اللهِ] (^١)، لو كانت كفَّاراتُنا كفَّاراتِ بنى إسرائيلَ؟ فقال النبىُّ ﷺ: \"اللهمَّ لا نَبْغِيها، [اللهمَّ لا نبغيها] (^٢)، ما أعطَاكم اللهُ خيرٌ ممَّا أعطَى بنى إسرائيلَ؛ كانت بنو إسرائيلَ إذا أصابَ (^٣) أحدُهم الخَطيئةَ وجَدها مكتوبةً على بابِه وكفَّارتَها، فإن كفَّرها كانت له خِزْيًا فى الدنيا، وإن لم يُكَفِّرْها كانت له خِزيًا فى الآخرةِ، [وقد] (^٤) أعْطاكم اللهُ خيرًا ممَّا أعْطى بنى إسرائيلَ، قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ \" [النساء: ١١٠]. قال: وقال: \"الصلواتُ الخمسُ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، كَفَّاراتٌ لمَا بينَهنَّ\". وقال: \"مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فلم يَعْمَلْها كُتِبت له حسنةً، وإن عمِلها كُتِبت له عشْرَةَ أمثالِهَا، ولا يَهْلِكُ على اللهِ إلَّا هالكٌ\". فأنْزَل اللهُ: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ (^٥).\nواخْتَلف أهلُ العربيةِ فى معنى \"أمْ\" التى فى قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُون﴾.\nفقال بعضُ البصريِّين: هى بمعنى الاستفهامِ، وتأويلُ الكلامِ: أتُرِيدون أن تسألوا رسولَكم؟\nوقال آخَرُ (^٦) منهم: هى بمعنى استفهامٍ مُسْتَقْبَلٍ مُنْقَطِعٍ مِن الكلامِ، كأنك تَمِيلُ بها إلى أوَّلِه، كقولِ العربِ: إنها لإبلٌ -يا قومُ- أم شاءٌ، ولقد كان كذا وكذا أمْ حَدْسُ (^٧) نفسى.\n_________\n(^١) فى الأصل: \"لرسول الله ﷺ \".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى تفسير ابن أبى حاتم: \"ثلاثا\".\n(^٣) فى م: \"فعل\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وجد\".\n(^٤) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فقد\"، وفى تفسير ابن أبى حاتم: \"فما\".\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٠٣ (١٠٧٦) من طريق ابن أبى جعفر به. وهو مرسل.\nوقوله: \"الصلوات الخمس. . .\". أخرجه مسلم (٢٣٣) من حديث أبى هريرة.\nوقوله: \"من هم بحسنة فلم يعملها. . .\". أخرجه مسلم (١٣١) من حديث ابن عباس.\n(^٦) فى م: \"آخرون\".\n(^٧) فى الأصل: \"حدثت\".","vol":"2","page":411},{"text":"قال: وليس قولُه: ﴿أَمْ تُرِيدُون﴾ على الشكِّ، ولكنه قاله ليُقَبِّحَ له صنيعَهم. واسْتَشْهَد لقولِه ذلك ببيتِ الأَخْطَلِ (^١):\nكَذَبَتْكَ عَيْنُك أم رَأَيْتَ بوَاسِطٍ … غَلَسَ الظَّلامِ مِن الرَّبَابِ خَيَالَا\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفيِّين (^٢): إن شِئتَ جعَلتَ قولَه: ﴿أَمْ تُرِيدُون﴾ استفهامًا مُبتدأً (^٣) على كلامٍ قد سبَقه، كما قال جل ثناؤه: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ١ - ٣]. فجاءت \"أمْ\" وليس قبلَها استفهامٌ. فكان ذلك عندَه دليلًا على أنها استفهامٌ مبتدَأٌ على كلامٍ قد سبَقه.\nوقال قائلُ هذه المقالةِ: \"أم\" فى المعنى تكونُ ردًّا (^٤) على الاستفهامِ على جهتين: إحداهما، أن تُفَرِّقَ (^٥) معنى \"أىّ\"، والأُخْرَى، أن يُسْتَفْهَمَ بها، ويكونَ على جهةِ (^٦) النَّسَقِ، والذى يُنْوَى به الابتداءُ، إلَّا أنه ابتداءٌ مُتَّصلٌ بكلامٍ، فلو ابتدأتَ كلامًا ليس قبلَه كلامٌ ثم استَفْهمتَ، لم يكنْ إلَّا بالألفِ أو بـ \"هل\".\nقال: وإن شِئتَ قلتَ فى قولِه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾: قبلَه استفهامٌ فرُدَّ عليه، وهو فى قولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى -على ما جاءتْ به الآثارُ التى ذكَرْناها عن أهلِ التأويلِ- أنه استفهامٌ مُبْتدَأٌ بمعنى: أَتُرِيدون أيُّها القومُ أن تَسْأَلوا رسولَكم؟ وإنما جاز أن يَسْتَفْهِمَ القومَ بـ \"أم\" -وإن كانت \"أم\" أحدُ شروطِها أن تكونَ نَسَقًا\n_________\n(^١) شرح ديوانه ص ٣٨٥.\n(^٢) هو الفراء فى معانى القرآن ١/ ٧١.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في الأصل: \"تدل\".\n(^٥) في م: \"تعرف\".\n(^٦) في الأصل: \"وجه\".","vol":"2","page":412},{"text":"فى الاستفهامِ- لتقدُّمِ ما تقدَّمَها مِن الكلامِ؛ لأنها تكونُ استفهامًا مُبتَدأً إذا تقدَّمَها سابقٌ مِن الكلامِ، ولم يُسْمَعْ مِن العربِ استفهامٌ بها ولمَّا يتقدَّمْها كلامٌ. [ونظيرُه] (^١) قولُه جل ثناؤه: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (^٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾. وقد تكونُ \"أم\" بمعنى \"بل\" إذا سبَقها استفهامٌ لا تَصْلُحُ فيه \"أىّ\"، فيقولون: هل لك قِبَلَنا حقٌّ، أم أنت رجلٌ معروفٌ بالظلمِ؟ [يرادُ به: بل أنت رجلٌ مَعْروفٌ بالظُّلْمِ] (^٢). كما قال الشاعر (^٣):\nفَوَاللهِ ما أَدْرِى أسَلْمَى [تَغَوَّلَتْ … أمِ النَّوْمُ] (^٤) أمْ كُلٌّ إلىَّ حَبِيبُ\nيَعنى: بل كلٌّ إلىَّ حبيبٌ.\nوقد كان بعضُهم يقولُ -مُنْكِرًا قولَ مَن زعَم أن \"أم\" فى قولِه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ استِفهامٌ مُستقبَلٌ مُنقطِعٌ مِن الكلامِ، يَمِيلُ بها إلى أوَّلِه-: إن الأولَ خبرٌ، والثانىَ استفهامٌ، والاستفهامُ لا يكونُ فى الخبرِ، والخبرُ لا يكونُ فى الاستفهامِ، ولكن أدرَكه الشكُّ -بزَعمِه- بعدَ مُضِىِّ الخبرِ، فاسْتَفْهَمَ.\nفإذ كان بمعنى (^٥) \"أم\" ما وصَفْنا، فتأويلُ الكلامِ: أتُريدون أيُّها القومُ أن تَسْأَلوا رسولَكم مِن الأشياءِ نظيرَ ما سأَل قومُ موسى موسى (^٦) مِن قبلِكم، فتَكْفُروا إن مُنِعْتُموه، بمسألَتِكم (^١) ما لا يجوزُ فى حكمةِ اللهِ إعطاؤُكُموه، أو تَهْلِكوا إن كان\n_________\n(^١) فى الأصل: \"هو ونظير\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هو نظير\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) معانى القرآن للفراء ١/ ٧٢، والصاحبى ص ١٦٨.\n(^٤) فى النسخ: \"تقولت أم القوم\"، والتصويب من مصدرى التخريج وما سيأتى فى تفسير الآية ٦٦ من سورة النمل.\nوتغولت المرأة: تلونت. اللسان (غ ول).\n(^٥) فى م: \"معنى\".\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فى مسألتكم\".","vol":"2","page":413},{"text":"ممَّا يجوزُ فى حكمتِه (^٢) إعطاؤُكُموه، فأعْطاكُموه، ثم كفَرتُم مِن بعدِ ذلك، كما هلَك مَن كان قبلَكم مِن الأممِ التى سألت أنبياءَها ما لم يكنْ لها مسألتُها إيَّاهم، فلمَّا أُعْطِيَتْ كفَرَت، فعُوجِلَت بالعقوباتِ لكفرِها بعدَ إعطاءِ اللهِ إيَّاها سُؤْلَها.\n\n<span data-type='title' id=toc-396>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ﴾: ومَن يَسْتَبْدِلْ، ﴿الْكُفْرَ﴾، ويعنى بالكفرِ الجحودَ باللهِ وبآياتِه، ﴿بِالْإِيمَانِ﴾، يعنى بالتصديقِ باللهِ وبآياتِه والإقرارِ به.\nوقد قيل: عَنى بالكفرِ فى هذا الموضعِ الشدَّةَ، وبالإيمانِ الرخاءَ.\nولا أعرِفُ الشدةَ فى معانى الكفرِ، ولا الرخاءَ فى معنى الإيمانِ، إلَّا أن يكونَ قائلُ ذلك أراد -بتأويلِه الكفرَ بمعنى الشدَّةِ فى هذا الموضعِ، وبتأويلِه الإيمانَ فى معنى الرخاءِ- ما أعَدَّ اللهُ للكفارِ فى الآخرةِ مِن الشدائدِ، وما أعَدَّ اللهُ لأهلِ الإيمانِ فيها مِن النعمِ (^٣)، فيكونُ ذلك وجهًا وإن كان بعيدًا مِن المفهومِ بظاهرِ الخطابِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، [عن الربيعِ] (^٤)، عن أبى العاليةِ: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾. يقولُ: يَتَبَدَّلِ\n_________\n(^٢) فى ت ١، ت ٣: \"حكمه\".\n(^٣) فى م، ت ٢: \"النعيم\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":414},{"text":"الشدَّةَ بالرخاءِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن (^٢) أبى جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ بمثلِه.\nوفى قولِه: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. دليلٌ واضحٌ على صحةِ (^٣) ما قلنا مِن أن هذه الآياتِ مِن قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾. خطابٌ مِن اللهِ المؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، وعتابٌ منه لهم على أمرٍ سلَف منهم، ممَّا سُرَّ به اليهودُ، وكرِهه رسولُ اللهِ ﷺ لهم، فكرِهه اللهُ لهم، فعاتَبهم (^٤) على ذلك، وأعْلَمَهم أن اليهودَ أهلُ غِشٍّ لهم، وحسَدٍ وبَغْىٍ، وأنهم يتمنَّوْن لهم المكارِهَ، ويَبْغُونهم الغوائلَ، ونهاهم أن يَنْتَصِحوهم، وأخبرَهم أن مَن ارتدَّ منهم عن دينِه فاسْتَبْدَل بإيمانِه [باللهِ وبرسولِه] (^٥) كُفرًا، فقد أخْطَأ قصدَ السبيلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-397>القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾</span>\nأمَّا قولُه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾. فإنه يعنى به: ذهَب وجارَ (^٦). وأصلُ الضلالِ عن الشئِ: الذهابُ عنه والجورُ (^٧)، ثم يُسْتَعْمَلُ فى الشئِ الهالكِ والشئِ الذى لا يُؤْبَهُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٠٤ (١٠٧٨) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٢) بعده فى الأصل، م، ت ٣: \"ابن\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) فى الأصل: \"فعاقبهم\".\n(^٥) سقط من: م، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بالله\".\n(^٦) فى م، ت ١، ت ٢: \"حاد\".\n(^٧) فى م: \"الحيد\".","vol":"2","page":415},{"text":"له، كقولِهم للرجلِ الخاملِ الذى لا ذِكْرَ له ولا نباهةَ: ضُلُّ بنُ ضُلٍّ، وقُلُّ بن قُلٍّ. وكقولِ الأخطلِ فى الشئِ الهالكِ (^١):\nكُنْتَ القَذَى فى مَوْجِ أَكْدَرَ (^٢) مُزْبِدٍ … قَذَفَ الأَتِىُّ (^٣) بِهِ فَضَلَّ ضَلالا\nيعنى: هلَك فذهَب.\nوالذى عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: فقد ذهَب عن سواءِ السبيلِ وجارَ عنه.\nوأمَّا تأويلُ قولِه: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. فإنه يعنى بالسواءِ القصدَ والمَنْهَجَ. وأصلُ السواءِ الوَسَطُ. ذُكِر عن عيسى بنِ عُمرَ النحوىِّ أنه قال: مازِلْتُ أكتُبُ حتى انْقَطعَ سَوَائى. يعنى: وَسَطى. وقال حسَّانُ بنُ ثابتٍ (^٤):\nيا وَيْحَ أنْصَارِ النبىِّ ونَسْلِهِ … بَعْدَ المُغَيَّبِ فِى سَوَاءِ المُلْحَدِ\nيعنى بالسواءِ: الوسَطَ. والعربُ تقولُ (^٥): فى سواءِ الليلِ (^٦). يعنى: فى مُسْتَوى الليْلِ (^٦). وسواءُ الأرضِ مستواها عندَهم.\nوأمَّا \"السبيل\"، فإنها الطريقُ المسبولُ، صُرِف مِن مسبولٍ إلى سبيلٍ.\n_________\n(^١) شرح ديوانه ص ٣٩٢.\n(^٢) فى م: \"أكبر\".\n(^٣) الأتى: السيل لا يدرى من أين أتى. اللسان (أ ت ى).\n(^٤) البيت فى الأضداد ص ٤٢، ومجاز القرآن ١/ ١٥٧. وسيأتى البيت فى تفسير الآية ٥٨ من سورة الأنفال.\n(^٥) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هو\".\n(^٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"السبيل\".","vol":"2","page":416},{"text":"فتأويلُ الكلامِ إذن: ومَن يَسْتَبْدِلْ بالإيمانِ باللهِ وبرسولِه الكفرَ، فيَرْتَدَّ عن دينِه، فقد جار عن منهجِ الطريقِ ووسَطِه الواضحِ المسبولِ.\nوهذا القولُ ظاهرُه الخبرُ عن زوالِ المُسْتبدِل بالإيمانِ الكفرَ عن الطريقِ، والمعنىُّ به الخبرُ عنه أنه قد ترَك دينَ اللهِ الذى ارْتَضَاه لعبادِه، وجعَله لهم طريقًا يَسْلُكونه إلى رضاه، وسبيلًا (^١) يَرْكَبونها إلى محبَّتِه والفوزِ بجِنانِه. فجعَل جلَّ ثناؤه الطريقَ -الذى إذا ركِب مَحَجَّتَه السائرُ فيه، ولزِم وَسَطَه المجتازُ فيه، نجا وبلَغ حاجتَه، وأدرك طَلِبَتَه- لدِينِه الذى دعا إليه عبادَه مَثَلًا لإدراكِهم -بلزومِه واتِّباعِه- إدْراكَ (^٢) طَلِباتِهم فى آخرتِهم، كالذى يُدْرِكُ اللازمُ محجَّةَ السبيلِ -بلزومِه إيَّاها- طَلِبَتَه مِن النجاةِ منها، والوصولِ إلى الموضعِ الذى أمَّه وقصَده. وجعَل مثَلَ الجائرِ (^٣) عن دِينِه، والحائدِ عن اتِّباعِ ما دعا (^٤) إليه مِن عبادِه (^٥) فى خَيْبَتِه (^٦) ما رجا أن يُدْرِكَه بعمَلِه فى آخرتِه، وينالَ به فى مَعَادِه وذهابِه، عمَّا أمَّل مِن ثوابِ عملِه، وبُعْدِه به مِن ربِّه -مثلَ الجائرِ (٣) عن منهجِ الطريقِ، وقصدِ السبيلِ، الذى لا يزدادُ وُغُولًا فى الوجهِ الذى سلَكه، إلَّا ازدادَ مِن موضعِ حاجتِه بُعْدًا، وعن المكانِ الذى أمَّه وأرادَه نَأيًا.\nوهذه السبيلُ التى أخبَرَ اللهُ عنها، أن مَن يَتَبَدَّلِ الكفرَ بالإيمانِ فقد ضلَّ\n_________\n(^١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سبلا\".\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إدراكهم\".\n(^٣) فى م: \"الحائد\".\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"دعاه\".\n(^٥) فى م: \"عبادته\".\n(^٦) فى م: \"حياته\".","vol":"2","page":417},{"text":"سَواءها، هو (^١) الصراطُ المستقيمُ، الذى أُمِرْنا بمسألتِه الهدايةَ (^٢) له بقولِه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.\n\n<span id=\"aya-116\"></span><span data-type='title' id=toc-398>القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وقد صَرَّح هذا القولُ مِن قولِ اللهِ جل ثناؤُه، بأن خطابَه بجميعِ هذه الآياتِ مِن قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ وإن صرَف فى بعضِه الكلامَ إلى خطابِ النبىِّ ﷺ، إنما هو خطابٌ منه للمؤمنين [من أصحابِه] (^٣)، وعِتابٌ منه لهم، ونهىٌ عن انتصاحِ اليهودِ ونُظَرائِهم مِن أهلِ الشركِ، وقبولِ آرائِهم فى شيءٍ مِن أمورِ دينِهم، ودليلٌ على أنهم كانوا اسْتَعملوا، أو مَن اسْتَعمل منهم، فى [خطابِ ومسألةِ] (^٤) رسولِ اللهِ ﷺ الجفاءَ، وما لم يكنْ له استعمالُه معَه، تأسِّيًا فى ذلك باليهودِ أو ببعضِهم، قال لهم ربُّهم ناهيًا لهم (^٥) عن استعمالِ ذلك: لا تقولوا لنبيِّكم ﷺ كما تقولُ (^٦) اليهودُ: راعِنا. تأسِّيًا منكم بهم، ولكنْ قولوا: انْظُرْنا واسْمَعوا. فإن أذَى رسولِ اللهِ ﷺ كفرٌ بى وجحودٌ لحقِّى الواجبِ لى (^٧) عليكم فى تعظيمِه وتوقيرِه، ولمَن كفَر بى عذابٌ أليمٌ، فإن اليهودَ والمشركين ما يَوَدُّون أن يُنَزَّلَ عليكم مِن خيرٍ مِن ربِّكم، ولكنَّ كثيرًا منهم ودُّوا أنهم\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هى\".\n(^٢) فى م: \"نفسه\".\n(^٣) فى م: \"وأصحابه\".\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خطابه ومسألته\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"له\".\n(^٧) زيادة من: م.","vol":"2","page":418},{"text":"يَرُدُّونكم مِن بعدِ إيمانِكم كفَّارًا؛ حسَدًا مِن عندِ أنفسِهم لكم ولنبيِّكم محمدٍ ﷺ، مِن بعدِ ما تبيَّن لهم الحقُّ فى أمرِ محمدٍ ﷺ، وأنه نبىٌّ إليهم وإلى خلقى كافَّةً.\nوقد قيل: إن اللهَ جل ثناؤُه عنَى بقولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ كعبَ بنَ الأشرفِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِىِّ فى قولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: هو كعُب بنُ الأشرفِ (^١).\nوحدَّثنا القاسِمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ المعْمَرىُّ (^٢)، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِىِّ وقتادةَ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قال: كعبُ بنُ الأَشْرفِ (^٣).\nوقال بعضُهم بما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، وحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان حُيَىُّ بنُ أَخْطَبَ، وأبو ياسرِ ابنُ أَخْطَبَ، مِن أشدِّ يهودَ للعربِ حسدًا، إذْ خَصَّهم اللهُ برسولِه ﷺ، وكانا جاهدَيْن فى ردِّ الناسِ عن الإسلامِ بما استطاعا، فأنزَل اللهُ فيهما: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ الآية (^٤).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٥، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٠٤ (١٠٨٢) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٢) فى م: \"العمرى\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ١٠٩.\n(^٣) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١٠٧ إلى المصنف.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٨، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٠٤ (١٠٨١) من طريق سلمة.","vol":"2","page":419},{"text":"وليس لقولِ القائلِ: عَنَى بقولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ كعبَ بنَ الأشرفِ. معنًى مفهومٌ؛ لأن كعبَ بنَ الأشرفِ واحدٌ، وقد أخبرَ اللهُ جلّ ثناؤُه أن كثيرًا منهم يَوَدُّون لو يَرُدُّون المؤمنين كفارًا بعد إيمانِهم، والواحدُ لا يقالُ له: كثيرٌ. بمعنى الكثرةِ فى العددِ، إلا أن يكونَ قائلُ ذلك أرادَ توجيهَ (^١) الكثرةِ التى وصَف اللهُ بها مَن وصَفه بها فى هذه الآيةِ، الكثرةَ فى العزِّ ورفعةِ المنزلةِ فى قومِه وعشيرتِه، كما يقالُ: فلانٌ فى الناسِ كثيرٌ. يرادُ به كثرةُ المنزلةِ والقدْرِ. فإن كان أراد ذلك فقد أخطأَ؛ لأن اللهَ جل ثناؤُه قد وصَفَهم بصفةِ الجماعةِ، فقال: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾. فذلك دليلٌ على أنه عَنَى به (^٢) الكثرةَ فى العددِ. أو يكونَ ظَنَّ أنه من الكلامِ الذى يَخْرُجُ مَخْرَجَ الخبرِ عن الجماعةِ، والمقصودُ بالحبرِ عنه الواحدُ، نظيرَ ما قلْنا آنفًا فى بيتِ جَميلٍ، فيكونُ ذلك أيضًا خطأً. وذلك أن الكلامَ إذا كان بذلك المعنى فلابدَّ من دَلالةٍ فيه تدلُّ على أن ذلك معناه، ولا دلالةَ تدلُّ فى قولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أن المرادَ به واحدٌ دونَ جماعةٍ كثيرةٍ، فيجوزَ صرفُ تأويلِ الآيةِ إلى ذلك، وإحالةُ دليلِ ظاهرِها (^٣) إلى غيرِ الغالبِ فى الاستعمالِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-399>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾.</span>\nيعنى جلّ ذكرُه بقولِه: ﴿حَسَدًا﴾. أن كثيرًا من أهلِ الكتابِ يَوَدُّون للمؤمِنين ما أخبَر جل ثناؤُه عنهم أنهم يَوَدُّونه لهم، من الرِّدَّةِ عن إيمانِهم إلى الكفرِ، حسَدًا منهم وبَغْيًا عليهم. فالحسَد إذن منصوبٌ على غيرِ النعتِ للكفارِ، ولكن على\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بوجه\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ظاهره\".","vol":"2","page":420},{"text":"وجهِ المصدرِ الذى يأتى خارجًا من معنى الكلامِ الذى يخالفُ لفظُه لفظَ المصدرِ، كقولِ القائلِ لغيرِه: تمنَّيْتُ لك ما تمنَّيْتُ من السوءِ حسَدًا منى لك. فيكونُ الحسَدُ مصدرًا مِن معنى قولِه: تمنَّيْتُ [لك ما تمنَّيْتُ] (^١) من السوءِ. لأنَّ فى قولِه: تمنَّيْتُ لك ذلك. معنى: حَسَدْتُك على ذلك. فعلى هذا نَصْبُ الحسدِ؛ لأنَّ فى قولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾. معنى (^٢): حسَدكم أهلُ الكتابِ على ما أعْطاكم اللهُ من التوفيقِ، ووَهَب لكم من الرَّشادِ لدينِه والإيمانِ [به وبرسولِه ﷺ] (^٣)، وخَصَّكم بهِ من أن جعَل رسولَه إليكم رجلًا منكم، رَءُوفًا بكم رَحيمًا، ولم يجعَلْه منهم، فتكونوا لهم تبَعًا. فكان قولُه: ﴿حَسَدًا﴾. مصدرًا مِن ذلك المعنى.\nوأما قولُه: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾. فإنه يَعْنى بذلك (^٤): من قِبَلِ أنفسِهم. كما يقولُ القائلُ: لى عندك كذا وكذا. بمعنى: لى قِبَلَك.\nوكما حدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، [عن أبيه، عن الربيعِ] (^٥) قولَه: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾: [من قِبَلِ أنفسِهم] (^٦).\nوإنما أخبرَ اللهُ جل ثناؤُه عنهم المؤمنين أنهم وَدُّوا ذلك للمؤمنين من عندِ أنفسِهم، إعلامًا منه لهم أنهم لم يُؤْمَروا بذلك فى كتابِهم، وأنهم يَأتُونَ ما يَأتُون من\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) فى م: \"يعنى\".\n(^٣) فى م، ت ١، وفى ت ٢، ت ٣: \"برسوله\".\n(^٤) فى ت ١، ت ٣: \"به ذلك\".\n(^٥) سقط من: م، ت ٢، وفى ت ١، ت ٣: \"فى\".\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ١/ ٢٠٥ (١٠٨٥) من طريق ابن أبى جعفر به.","vol":"2","page":421},{"text":"ذلك على علمٍ منهم بنَهْىِ اللهِ إياهم عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-400>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾. أى: من بعدِ ما تَبَيَّنَ لهؤلاءِ الكثيرِ من أهلِ الكتابِ -الذين يَوَدُّون أنهم يَرُدُّونكم كفارًا من بعدِ إيمانِكم- الحقُّ في أمرِ محمدٍ ﷺ، وما جاء به من عندِ ربِّه، والملَّةِ التى دعا إليها، فأضاء لهم أن ذلك الحقُّ الذى لا (^١) يَمْتَرُون فيه.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾: من بعدِ ما تَبَيَّنَ لهم أن محمدًا رسولُ اللهِ، والإسلامَ دينُ اللهِ (^٢).\nوحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ (^٣): ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾. يقولُ: تَبَيَّن لهم أن محمدًا رسولُ اللهِ ﷺ، يَجِدُونه مكتوبًا عندهم في التوراةِ والإنجيلِ (^٤).\nوحدِّثْت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه، وزاد فيه: فكفَروا به حسدًا وبَغْيًا، إذ كان من غيرِهم.\nوحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾: فإنَّ (^٥) الحقَّ هو محمدٌ ﷺ، وتَبَيَّنَ لهم أنه هو الرسولُ (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: ت ٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٠٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) بعده في م: \"عن أبى العالية\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٥ عقب الأثر (١٠٨٧) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٥) في م: \"قال\".\n(^٦) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٥ عقب الأثر (١٠٨٧) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به.","vol":"2","page":422},{"text":"وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾. قال: قد تَبَيَّنَ لهم أنه رسولُ اللهِ.\nفدَلَّ جلَّ ثناؤُه بقيلِه ذلك أن كُفْرَ الذين قَصَّ قِصَّتَهم في هذه الآيةِ باللهِ وبرسولِه، عنادٌ، وعلى علمٍ منهم ومعرفةٍ بأنهم على اللهِ مُفْتَرُون.\nكما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾: يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: من بعدِ ما أضاءَ لهم الحقُّ لم يَجْهَلُوا منه شيئًا، ولكنَّ الحسدَ حملَهم على الجَحْدِ، فعيَّرهم اللهُ ولامَهم ووَبَّخَهم أشدَّ الملامةِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-401>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿فَاعْفُوا﴾: فتجاوَزُوا عما كان منهم من إساءةٍ وخطأٍ في رأىٍ أشارُوا به عليكم في دينِكم، إرادةَ صدِّكم عنه، ومحاولةَ ارتدادِكم بعد إيمانِكم، وعما سلَفَ منهم من قيلِهم لنبيِّكم ﷺ: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦]. ﴿وَاصْفَحُوا﴾ عما كان منهم من جهلٍ في ذلك ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾، فيُحْدِثَ لكم من أمرِه فيهم (^٢) ما يشاءُ، ويَقْضِىَ فيهم بما (^٣) يريدُ. فقضَى فيهم [بعدَ ذلك] (^٤) تعالى ذكرُه، وأتَى بأمرِه، فقال لنبيِّه ﷺ وللمؤمنين به: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٥ (١٠٨٦) من طريق أبي كريب به.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيكم\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ما\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":423},{"text":"حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. فنسَخ العفوَ جل ثناؤُه عنهم والصفحَ، بفرضِ قتالِهم على المؤمنين، حتى تصيرَ كلمتُهم وكلمةُ المؤمنين واحدةً، أو (^١) يُؤَدُّوا الجِزْيةَ عن يدٍ صَغارًا.\nكما حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. نسَخ ذلك قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٢) [التوبة: ٥].\nحدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾: فأتى اللهُ بأمرِه فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فقَرأ (^٣) حتى بلَغَ ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. أى: صَغارًا ونِقْمةً لهم، فنسَختْ هذه الآيةُ ما كان قبلَها ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ (^٤).\nوحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ قال: اعفُوا عن أهلِ الكتابِ حتى يُحْدِثَ اللهُ أمرًا، فأَحدَثَ اللهُ بعدُ فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (^٥).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن\n_________\n(^١) في الأصل: \"و\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٦ (١٠٨٩) من طريق أبي صالح به.\n(^٣) زيادة من: الأصل.\n(^٤) أخرجه ابن الجوزي في ناسخه ص ١٣٦ من طريق همام عن قتادة نحوه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٦ عقب الأثر (١٠٩٠) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"2","page":424},{"text":"قتادةَ في قولِه: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ قال: نسخَتْها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^١).\nحدّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾. قال: هذا منسوخٌ نسَخَه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-402>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: قد دَلَّلْنا فيما مضَى على معنى القديرِ وأنه القويُّ (^٣). فمعنى الآيةِ ههنا: إنَّ اللهَ على كلِّ ما يشاءُ [ويُريدُ] (^٤) -بالذين وصَفْتُ لكم (^٥) أمرَهم من أهلِ الكتابِ وغيرِهم- قديرٌ؛ إن شاء الانتقامَ منهم بعنادِهم ربَّهم، وإن شاء هِدايَتَهم (^٦) لما هداكم (^٧) له من الإيمانِ، لا يَتَعَذَّرُ عليه شيءٌ أرادَه، ولا يمتنعُ (^٨) عليه أمرٌ شاء قضاءَه؛ لأن له الخلقَ والأمرَ.\n\n<span id=\"aya-117\"></span><span data-type='title' id=toc-403>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: قد دلَّلْنا فيما مضَى قبلُ (^٩) على معنى إقامةِ الصلاةِ، وأنها أداؤُها\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٥، ومن طريقه ابن الجوزى في ناسخه ص ١٣٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٦ عقب الأثر (١٠٩٠)، والنحاس في ناسخه ص ١٠٦ من طريق عمرو به.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٤٠٣.\n(^٤) زيادة من: الأصل.\n(^٥) في ت ٢: \"لك\".\n(^٦) في م: \"هداهم\".\n(^٧) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الله\".\n(^٨) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يتعذر\".\n(^٩) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":425},{"text":"بحدودِها وفروضِها، وعلى تأويلِ الصلاةِ، وما أصلُها، وعلى معنى إيتاءِ الزكاةِ، وأنه إعطاؤُها بطِيبِ نفسِ مُؤْتيها، على ما فُرِضَت ووجَبَتْ، وعلى معنى الزكاةِ، واختلافِ المختلفين فيها، والشواهدِ الدالةِ على صحةِ القولِ الذي اختَرْنا في ذلك بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾. فإنه يَعنى جل ثناؤُه بذلك: ومَهْمَا تَعمَلُوا من عملٍ صالحٍ في أيامِ حياتِكم، فتُقَدِّموه قبلَ وفاتِكم ذُخْرًا لأنفسِكم في مَعادِكم، تَجِدُوا ثوابَه عند ربِّكم يومَ القيامةِ، فيُجازِيكم به.\nوالخيرُ: هو العملُ الذي يَرضاه اللهُ.\nوإنما قال: ﴿تَجِدُوهُ﴾. والمعنَى: تجِدُوا ثوابَه.\nكما حدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿تَجِدُوهُ﴾ يعنى: تَجِدُوا ثوابَه عند اللهِ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: لاستغناءِ سامِعِ (^٣) ذلك بدليلِ ظاهرِه على معنى المرادِ منه، كما قال عمرُ (^٤) بنُ لَجْأَ (^٥):\nوسبَّحَتِ المدِينةُ لا تَلُمْها … رَأَتْ قمَرًا بسُوقِهِمُ نهَارَا\nوإنما أراد: وسبَّح أهلُ المدينةِ.\nوإنما أمَرهم جل ثناؤُه في هذا الموضعِ بما أمَرهم به من إقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٤٧، ٦١١ وما بعدهما.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٧ عقب الأثر (١٠٩٢) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سامعى\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عمرو\".\n(^٥) تقدم تخريجه في ١/ ٢٨٧.","vol":"2","page":426},{"text":"وتقديمِ الخيراتِ لأنفسِهم؛ ليَتَطَهَّرُوا بذلك من الخطأِ الذي سَلَف منهم في استِنْصاحِهم اليهودَ، وركونِ من كان ركَن منهم إليهم، وجفاءِ من كان جَفَا منهم في خطابِه رسولَ اللهِ ﷺ بقولِه: ﴿رَاعِنَا﴾. إذ كانت إقامةُ الصلَواتِ كفارةً للذنوبِ، وإيتاءُ الزكاةِ تطهيرًا للنفوسِ والأبدانِ من أدناسِ الآثامِ، وفي تقديمِ الخيراتِ إدراكُ الفوزِ برِضْوانِ اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-404>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ من اللهِ جل ثناؤُه للذين خاطَبَهم بهذه الآياتِ من المؤمِنين، أنهم مَهْما فعَلُوا من خيرٍ أو (^١) شرٍّ، سرًّا و(^٢) عَلانيةً، فهو به بَصِيرٌ، لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ، فيَجْزِيهم بالإحسانِ جزاءَه، وبالإساءةِ مثلَها.\nوهذا الكلامُ وإن كان خرَج مَخْرَجَ الخبرِ، فإن فيه وعْدًا ووَعيدًا، وأمرًا وزَجْرًا، وذلك أنه أعلمَ القومَ أنه بَصِيرٌ بجميعِ أعمالِهم، لِيَجِدُّوا في طاعتِه؛ إذ كان ذلك مَذخورًا لهم عندَه حتى يُثِيبَهم عليه، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾. ولِيَحْذَرُوا معصيتَه، إذ كان مُطَّلِعًا على راكِبِها، بعد تَقَدُّمِه إليه فيها بالوعيدِ عليها، وما أوْعَدَ عليه ربُّنا جل ثناؤُه فمَنْهِىٌّ عنه، وما وعَد عليه فمأمورٌ به.\nأما قولُه: ﴿بَصِيرٌ﴾. فإنه مُبْصِرٌ، صُرِف إلى بَصيرٍ، كما صُرِف مُبْدِعٌ إلى بَدِيعٍ، ومُؤْلِمٌ إلى أَليمٍ.\n\n<span id=\"aya-118\"></span><span data-type='title' id=toc-405>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُم﴾.</span>\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أو\".","vol":"2","page":427},{"text":"يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَقَالُوا﴾: وقالت اليهودُ والنصارَى، ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾.\nفإن قال قائلٌ: وكيف جمعَ اليهودَ والنصارَى في هذا الخبرِ، مع اختلافِ مقالةِ الفريقَيْن، واليهودُ تَدْفَعُ النصارَى عن أن يكونَ لها في ثوابِ اللهِ نصيبٌ، والنصارَى تَدْفَعُ اليهودَ عن مثلِ ذلك؟\nقيل: إن معنى ذلك بخلافِ الذي ذهبْتَ إليه، وإنما عَنَى به: وقالت اليهودُ: لن يَدْخُلَ الجنةَ إلا من كان هودًا. وقالت النصارَى: لن يَدخُلَ الجنةَ إلا النصارَى. ولكنَّ معنى الكلامِ لما كان مفهومًا عند المخاطَبِين به معناه، جُمِع الفريقان في الخبرِ عنهما، فقيل: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾.\n[كما حدثنى موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ] (^١) إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ الآية. قالت اليهودُ: لن يدخُلَ الجنةَ إلا مَن كان يهوديًّا. وقالت النصارَى: لن يدخُلَ الجنةَ إلا مَن كان نصرانيًّا (^٢).\nوأما قولُه: ﴿مَنْ كَانَ هُودًا﴾. فإن في الهودِ قولين: أحدُهما، أن يكونَ جمعَ هائدٍ، كما عُوطٌ جمعُ عائطٍ (^٣)، وعُوذٌ جمعُ عائذٍ (^٤)، وحُولٌ جمعُ حائلٍ (^٥)، فيكونَ جمعًا للمذكرِ والمؤنثِ بلفظٍ واحدٍ، والهائدُ: التائبُ الراجعُ إلى الحقِّ.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٩٢ عقب الأثر (١٠٩٤) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به.\n(^٣) العُوط: الناقة إذا لم تحمل سنين من غير عُقْر. التاج (ع وط).\n(^٤) العُوذ: الحديثات النِّتاج من الظباء والإبل والخيل ومن كل أنثى. التاج (ع وذ).\n(^٥) الحُول: كل حامل ينقطع عنها الحمل سنة أو سنوات حتى تحمل. التاج (ح ول).","vol":"2","page":428},{"text":"والآخرُ، أن يكونَ مصدرًا أدَّى (^١) عن الجميعِ، كما يقالُ: رجلٌ صَوْمٌ، وقَوْمٌ صَوْمٌ، ورجلٌ فِطْرٌ، وقومٌ فِطرٌ، ونسوةٌ فِطْرٌ.\nوقد قيل: إن قولَه: ﴿إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾. إنما هو: إلا مَن كان يهودِيًّا. ولكنَّه حُذِفَت الياءُ الزائدةُ، ورجَع إلى الفعلِ من اليهوديةِ. وقيل: إنه في قراءةِ أُبيٍّ: (إلا من كان يهوديًّا أو نصرانيًّا) (^٢).\nوقد بَيَّنّا فيما مضَى معنى النصارَى، ولِمَ سُمِّيَت بذلك وجُمِعت كذلك، بما أَغْنَى عن إعادتِه (^٣).\nوأما قولُه: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾. فإنه خبرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه عن قولِ الذين قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. أنه أمانيُّ منهم يَتَمَنَّوْنها على اللهِ، بغيرِ حقٍّ ولا حُجَّةٍ ولا برهانٍ، ولا يقينِ علمٍ بصحةِ ما يَدَّعون، ولكنْ بادِّعاءِ الأباطيلِ وأمانيِّ النفوسِ الكاذبةِ.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾: أمانيُّ يَتَمَنَّوْنها على اللهِ كاذبةٌ (^٤).\nوحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾. قال: أمانيُّ تَمنَّوْا على اللهِ بغيرِ الحقِّ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-406>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾.\n_________\n(^١)</span> سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) معانى القرآن للفراء ١/ ٧٣، وفيه أنها قراءة ابن مسعود أيضًا.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٣٢ - ٣٤.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٧ عقب الأثر (١٠٩٥) معلقًا.\n(^٥) اْخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٧ عقب الأثر (١٠٩٥) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"2","page":429},{"text":"وهذا أمرٌ من اللهِ جل ثناؤُه لنبيِّه ﷺ بدعاءِ الذين قالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ إلى أمرٍ عَدْلٍ بين جميعِ الفِرَقِ؛ مُسلِمِيها ويهودِها ونصاراها، وهو إقامةُ الحجةِ على دَعْواهم التي ادَّعَوْا من أن الجنةَ لا يَدخُلُها إلا من كان هودًا أو نَصارَى. يقولُ اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ، قلْ للزاعمِين أن الجنةَ لا يدخُلُها إلا من كان هودًا أو نصارَى، دون غيرِهم من سائرِ البشرِ: هاتُوا حُجَّتَكم (^١) على ما تزعُمون من ذلك، فنُسَلِّمَ لكم دَعْواكم، إن كنتم في دَعْواكم -مِن أن الجنةَ لا يدخُلُها إلا من كان هودًا أو نصارى- مُحِقِّين.\nوالبرهانُ: هو البيانُ والحجةُ والبيِّنةُ.\nكما حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. يقولُ: هاتوا بَيِّنَتَكم (^٢).\nوحدثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾: هاتُوا حُجَّتَكم (^٣).\nوحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. قال: حُجَّتَكم (^٤).\nوحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن\n_________\n(^١) في م: \"برهانكم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٧ (١٠٩٧) من طريق شيبان، عن قتادة بنحوه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٧ عقب الأثر (١٠٩٦) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٧ عقب الأثر (١٠٩٦) معلقًا.","vol":"2","page":430},{"text":"الربيعِ: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. أى: حجَّتَكم (^١).\nوهذا الكلامُ وإن كان ظاهرُه ظاهرَ دعاءٍ للقائلين: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. إلى إحضارِ حجةٍ على دَعْواهم ما ادَّعَوا من ذلك، فإنه بمعنى تكذيبٍ من اللهِ لهم في دَعْواهم وقيلِهم؛ لأنهم لم يكونوا قادِرين على إحضارِ برهانٍ على دَعْواهم تلك أبدًا.\n\n<span id=\"aya-119\"></span>وقد أبان قولُه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾. على أن الذي ذُكِرَ (^٢) من الكلامِ بمعنى التكذيبِ لليهودِ والنصارَى في دَعْواهم ما ذكَر اللهُ عنهم.\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ فإنه: أَحْضِرُوا وأْتُوا به.\n\n<span data-type='title' id=toc-407>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ﴾: ليس الأمرُ (^٣) كما قال الزاعمون: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. ولكن مَن أَسلمَ وجهَه للهِ وهو مُحسِنٌ، فهو الذي يَدخُلُها ويُنَعَّمُ فيها.\nكما حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: أَخْبَرَهم (^٤) مَن يدْخُلُ الجنةَ [فقال: ﴿بَلَى] (^٥) مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ الآية.\nوقد بَيَّنَّا معنى \"بَلى\" فيما مضَى قبلُ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٧ عقب الأثر (١٠٩٦) من طريق ابن أبي جعفر.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذكرنا\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) بعده في م: \"أن\".\n(^٥) في م. \"هو\".\n(^٦) ينظر ما تقدم في ص ١٧٩.","vol":"2","page":431},{"text":"وأما قولُه: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾. فإنه يَعنى بإسلامِ الوجهِ التذلُّلَ لطاعتِه والإذعانَ لأمرِه. وأصْلُ الإسلامِ الاستسلامُ، لأنه مِن: اسْتَسْلَمتُ له (^١). وهو الخُضوعُ لأمرِه. وإنما سُمِّىَ المسلمُ مسلمًا؛ لخضوعِ جوارحِه لطاعةِ ربِّه.\nكما حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾. يقولُ: أَخْلَصَ للهِ (^٢).\nوكما قال زيدُ بنُ عمرِو بنِ نُفَيلٍ (^٣):\n[وأَسْلَمْتُ] (^٤) وَجْهِى لمن أسْلَمَتْ … له المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلالا\nيعنى بذلك: اسْتَسْلَمْتُ لطاعةِ من اسْتَسْلَم لطاعتِه المُزْنُ وانقَدْتُ (^٥) له.\nوخصَّ اللهُ جل ثناؤُه بالخبرِ عمن أخبرَ عنه بقولِه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ بإسلامِ وجهِه له دون سائرِ جوارحِه؛ لأن أكرمَ أعضاءِ ابنِ آدمَ وجوارحِه وجهُه، وهو أعظمُها عليه حرمةً وحقًّا، فإذا خضَع لشيءٍ وجهُه الذي هو أكرمُ أجزاءِ جسدِه عليه، فغيرُه من أجزأءِ جسدِه أَحْرَى أن يكونَ [قد خَضَعَ] (^٦) له. ولذلك تَذْكرُ العربُ في مَنْطقِها الخبرَ عن الشيءِ فتُضِيفُه إلى وجهِه، وهى تعني بذلك نَفْسَ الشيءِ وعَيْنَه، كقولِ الأعْشَى (^٧):\n_________\n(^١) في م: \"لأمره\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٨ عقب الأثر (١٠٩٩) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٢٣١، والأغاني ٣/ ١٢٨.\n(^٤) في الأصل، ت ٢، والأغاني: \"أسلمت\".\n(^٥) في م ت ١، ت، ٢، ت ٣: \"انقادت\".\n(^٦) في م: \"أخضع\".\n(^٧) ديوانه ص ١٤٣.","vol":"2","page":432},{"text":"أُؤَوِّلُ (^١) الحُكْمَ على وجْهِهِ … لَيْسَ قَضَائِي بالهَوَى الجائِرِ\nيعنى بقولِه: على وجهِه: على ما هو به مِن صحتِه وصوابِه. وكما قال ذو الرُّمَّةِ (^٢):\nفَطاوَعْتُ هَمِّى وَانْجَلَى وَجْهُ بازِلٍ (^٣) … مِن الأمْرِ لم يَتْرُكْ خِلاجًا (^٤) بُزُولُها (^٥)\nيريدُ: وانجلَى البازلُ (^٦) من الأمرِ فتَبيَّن. وما أشْبَهَ ذلك، إذ كان حُسْنُ كلِّ شيءٍ وقبحُه في وجهِه، فكان (^٧) وصْفُها مِن الشيءِ وجهَه بما تَصِفُه به، إبانةً عن عينِ الشيءِ ونفسِه. فكذلك معنى قولِه جل ثناؤُه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾. إنما يعني: بلى مَن أسلَم للهِ بدنَه، فخضَع له بالطاعةِ جَسدُه، وهو مُحسِنٌ في إسلامِه له جسدَه، فله أجرُه عندَ ربِّه. فاكْتَفَى بذكرِ الوجهِ مِن ذكرِ جسدِه، لدلالةِ الكلامِ على المعنى الذي أُرِيدَ به بذكرِ الوجهِ.\nوأما قولُه: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ فإنه يعني به: في حالِ إحسانِه. وتأويلُ الكلامِ: بلى مَن أخلَص طاعتَه [وعبادتَه للهِ] (^٨) محسنًا في فعلِه ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-408>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾.</span>\nيعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾: فللمُسْلمِ وجْهَه للهِ محسنًا، جزاؤه وثوابُه على إسلامِه وطاعتِه ربَّه، عندَ اللهِ في معادِه.\n_________\n(^١) في النسخ: \"وأوّل\". والمثبت من الديوان.\n(^٢) ديوانه ٢/ ٩٣٨.\n(^٣) في النسخ، ونسخة من الديوان: \"نازل\"، والمثبت من بقية نسخ الديوان، وأمر بازل: مستحكم، وخطب بازل: شديد. التاج (ب ز ل).\n(^٤) الخلاج: الشك. اللسان (خ ل ج).\n(^٥) في الأصل، م، ت: \"نزولها\"، وفي ت ٢: \"يرولها\". والمثبت من الديوان.\n(^٦) في النسخ: \"النازل\". والباء غير منقوطة في الأصل.\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وكان في\".\n(^٨) في م، ت ١، ت ٢: \"لله وعبادته له\".","vol":"2","page":433},{"text":"ويعنى بقولِه: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: [ولا خوفٌ] (^١) على المسلمين وجوهَهم\nللهِ وهم محسِنون، المخُلِصين للهِ الدينَ، في الآخرةِ مِن عقابِه وعذابِ جحيمِه، ومما\nقَدِموا عليه مِن أعمالِهم.\nويعنى بقولِه: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ولا هم يَحْزنون على ما خَلَّفوا وراءَهم في الدنيا، ولا أن يُمْنَعوا ما قَدِموا عليه مِن نعيمِ ما أعدَّ اللهُ لأهلِ طاعتِه.\nوإنما قال جل ثناؤُه: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وقد قال قبلُ: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّه﴾. لأن ﴿مَنْ﴾ التي في قولِه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ في لفظِ واحدٍ ومعنَى جمعٍ (^٢)، فالتوحيدُ في قولِه: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ للَّفظِ، والجميعُ (^٣) في قولِه: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾. للمعنى.\n\n<span id=\"aya-120\"></span><span data-type='title' id=toc-409>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾.</span>\nوذُكِرَ أن هذه الآيةَ نزَلَت في قومٍ مِن أهلِ الكتابين تنازَعوا عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال ذلك (^٤) بعضُهم لبعضٍ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونس بنُ بُكَيرٍ، قالا جميعًا: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جميع\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الجمع\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":434},{"text":"قَدِم أهلُ نَجْرانَ مِن النصارَى على رسولِ اللهِ ﷺ، أتَتْهم أحبارُ يهودَ، فتنازَعوا عندَ رسولِ الله ﷺ، فقال رافعُ بنُ حُرَيْمِلةَ: ما أنتم على شيءٍ. وكفَر بعيسى ابنِ مريمَ وبالإنجيلِ، فقال رجلٌ مِن أهلِ نجرانَ مِن النصارى: ما أَنتم على شيءٍ. وجحَد نبوَّةَ موسى وكفَر بالتوراةِ، فأنزَل اللهُ في ذلك مِن قولِهما: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ إلى قولِه: ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (^١).\nحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾. قال: هؤلاء أهلُ الكتابِ الذين كانوا على عهدِ النبيِّ ﷺ (^٢).\nوأما تأويلُ الآيةِ فإنه: وقالت اليهودُ: ليست النصارَى في دينِها على صوابٍ. وقالت النصارى: ليست اليهودُ في دينِها على صوابٍ.\nوإنما أخْبَر اللهُ عنهم بقيلِهم ذلك المؤمنين (^٣)، إعلامًا منه لهم تَضْييعَ (^٤) كلَّ فريقٍ منهم حُكمَ الكتابِ الذي يُظْهِرُ الإقرارَ بصِحتِه وأنه مِن عندِ اللهِ، وجحودَهم مع ذلك ما أنزَل اللهُ فيه مِن فروضِه؛ لأن الإنجيلَ الذي تَدينُ بصِحتِه وحقيقتِه النصارى، يُحققُ ما في التوراةِ مِن نبوَّةِ موسى، وما فرَض اللهُ على بنى إسرائيلَ فيها مِن الفرائضِ، وأن التوراةَ التي تَدينُ بصحتِها وحقيقَتِها اليهودُ، تُحققُ نبوَّةَ عيسى، وما\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٨ (١١٠٣) من طريق سلمة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٩ عقب الأثر (١١٠٥) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"للمؤمنين\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بتضييع\".","vol":"2","page":435},{"text":"جاء به مِن عندِ اللهِ مِن الأحكامِ والفرائضِ. ثم قال كلُّ فريقٍ منهم للفريقِ الآخرِ ما أخبرَ اللهُ عنهم في قولِه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾. مع تلاوةِ كلِّ واحدٍ مِن الفريقين كتابَه الذى يشهَدُ على كذبِه في قيلِه ذلك.\nفأخْبَر جل ثناؤُه أن كلَّ فريقٍ منهم قال ما قال مِن ذلك، على علمٍ منهم أنهم فيما قالوه مُبْطِلون، وأتَوْا ما أتَوْا مِن كفرِهم بما كفروا به، على معرفةٍ منهم بأنهم فيه مُلحِدون.\nفإن قال لنا قائلٌ: أوَ كانت اليهودُ أو النصارَى بعدَ أن بعَث اللهُ رسولَه ﷺ على شيءٍ، فيكونَ الفريقُ القائلُ ذلك منهم للفريقِ الآخرِ مُبطِلًا في قيلِه ما قال مِن ذلك؟\nقيل: قد روَينا الخبرَ الذى ذكَرْناه عن ابنِ عباسٍ قبلُ، مِن أن إنكارَ كلِّ فريقٍ منهم إنما كان إنكارًا لنبوَّةِ النبىِّ الذى كان يَنْتحِلُ التَّصْديقَ به وبما جاء به الفريقُ الآخرُ، لا دفعًا منهم أن يكونَ الفريقُ الآخرُ -في الحالِ التى بعَث اللهُ فيها نبيَّنا ﷺ- على شيءٍ مِن دينِه، بسببِ جحودِه نبوَّةَ نبيِّنا محمدٍ ﷺ. وكيف يجوزُ أن يكونَ معنى ذلك إنكارُ كلِّ فريقٍ منهم أن يكونَ الفريقُ الآخرُ على شيءٍ بعدَ ما بُعث نبيُّنا ﷺ، وكلُّ (^١) الفَرِيقين كان جاحدًا نبوَّةَ نبيِّنا ﷺ في الحالِ التى أنزَل اللهُ فيها هذه الآيةَ؟ ولكن مضى ذلك: وقالت اليهودُ: ليست النصارَى على شيءٍ مِن دينِها منذ دانَتْ دينَها. وقالت النصارى: ليست اليهودُ على شيءٍ منذ دانَتْ دينَها. وذلك هو معنى الخبرِ الذى روَيناه عن ابنِ عباسٍ آنِفًا. فكَذَّب اللهُ الفريقين في قيلِهما ما قالا.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كلا\".","vol":"2","page":436},{"text":"كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾: [ألَا وبلَى] (^١)! قد كانت أوائلُ النصارَى على شيءٍ، ولكنَّهم ابتدَعوا وتَفرَّقوا، ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾: [ألَا وبلَى! قد كانت أوائلُ اليهودِ علَى شيءٍ] (^٢)، ولكن القومَ [افتَروا وتفرَّقوا وابتدَعوا] (^٣).\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ (^٤): ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾. قال: قال مجاهدٌ؛ قد كانت أوائلُ اليهودِ والنصارى على شيءٍ (^٥).\nوأما قولُه: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾. فإنه يعنى كتابَ اللهِ التوراةَ والإنجيلَ، وهما شاهدانِ على فريقَىِ اليهودِ والنصارى بالكفرِ، وخِلافِهم أمرَ اللهِ الذى أمرَهم به فيه.\nكما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قالا جميعًا: ثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾. أي: كلٌّ يَتْلو في كتابِه تصديقَ ما كفَر به، أي: تَكْفُرُ اليهودُ بعيسى وعندَهم التوراةُ فيها ما أخَذ اللهُ عليهم مِن الميثاقِ على لسانِ موسى بالتصديِق بعيسى، وفى الإنجيلِ مما جاء\n_________\n(^١) في م: \"قال: بلى\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ابتدعوا وتفرقوا\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٠٨ إلى المصنف وعبد بن حميد، وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٢٢٣.\n(^٤) في ت ٢: \"أبى نجيح\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٢٣.","vol":"2","page":437},{"text":"به عيسى تصديقُ موسى، وما جاء به مِن التوراةِ مِن عندِ اللهِ، وكلٌّ يَكْفُرُ بما في يدِ صاحبِه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-410>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ في الذين عَنَى اللهُ بقولِه: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنى به المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾. قال: وقالت النصارى مِثلَ قولِ اليهودِ قبلَهم (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، [قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا] (^٣) سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ قال: قالت النصارى مِثلَ قولِ اليهودِ قبلَهم (^٤).\nوقال آخرون بما حدَّثنا به القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قلتُ لعطاءٍ: مَن هؤلاء الذين لا يعلمون؟ قال: أممٌ كانت قبلَ اليهودِ والنصارى، وقبلَ التوراةِ والإنجيلِ (^٥).\nوقال بعضُهم: عَنَى بذلك مُشرِكى العربِ، لأنهم لم يكونوا أهلَ كتابٍ، فنُسِبوا إلى الجهلِ، ونُفِى عنهم مِن أجلِ ذلك العلمُ.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٩، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٩ (١١٠٦) من طريق سلمة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٩ عقب الأثر (١١٠٩) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٩ عقب الأثر (١١٠٩) معلقا.\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٩ (١١٠٨) من طريق حجاج به.","vol":"2","page":438},{"text":"ذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: فهمُ العربُ، قالوا: ليس محمدٌ على شيءٍ (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يقالَ: إن اللهَ أخْبَر ﵎ عن قومٍ وصفَهم بالجهلِ، ونفَى عنهم العلمَ بما كانت اليهودُ والنصارى به عالِمين - أنهم قالوا بجهلِهم نظيرَ ما قالت اليهودُ والنصارى بعضُها لبعضٍ، مما أخْبَر اللهُ عنهم أنهم قالوه فى قولِه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾. وجائزٌ أن يكونوا هم المشركين مِن العربِ، وجائزٌ أن يكونوا أُمةً كانت قبلَ اليهودِ والنصارى، ولا أمَّةٌ هى (^٢) أوْلى أن يُقال هى التى عُنِيت بذلك من الأُخْرى، إذ لم يَكُنْ في الآيةِ دلالةٌ على أىٍّ من أىٍّ، ولا خبرَ بذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ تثْبُتُ (^٣) حجتُه من جهةِ النقلِ المُسْتفيضِ، ولا مِن جهةِ نقلِ الواحدِ العدْلِ.\nوإنما قصَد اللهُ جل ثناؤُه بقولِه: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾. إلى (^٤) إعلامِ المؤمنين أن اليهودَ والنصارَى قد أتَوْا -مِن قيلِ الباطلِ، وافتراءِ الكذبِ على اللهِ، وجُحودِ نبوَّةِ الأنبياءِ والرسلِ، وهم أهلُ كتابٍ يَعْلمون أنهم فيما يقولون مُبْطِلون، وبجُحودِهم ما يجحَدون مِن ملتِهم خارِجون، وعلى اللهِ مُفترون- مِثلَ الذى قاله أهلُ الجهلِ باللهِ وكتُبِه ورسلِه الذين لم يَبْعثِ اللهُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٩ (١١٠٧) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ثبتت\".\n(^٤) سقط من: م.","vol":"2","page":439},{"text":"إليهم (^١) رسولًا، ولا أوْحَى إليهم كتابًا.\nوهذه الآيةُ تُنْبئُ عن (^٢) أن مَن أتَى شيئًا مِن معاصِى اللهِ على علمٍ منه بنَهْىِ اللهِ عنها، فمُصيبتُه في دينِه أعظمُ مِن مصيبةِ مَن أتَى ذلك جاهلًا به؛ لأن اللهَ تعالى ذِكرُه عظَّم توبيخَ اليهودِ والنصارَى بما وبَّخَهم به -في قيلِهم ما أخبَر عنهم بقولِه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ - مِن أجلِ أنهم أهلُ كتابٍ، قالوا ما قالوا مِن ذلك على علمٍ منهم بأنهم فيه مُبْطِلون.\n\n<span data-type='title' id=toc-411>القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤُه: فاللهُ يَقْضِى فيَفْصِلُ بينَ هؤلاءِ المُختلفِين القائلِ بعضُهم لبعضٍ: لستم على شيءٍ مِن دينِكم. يومَ قيامِ الخلقِ لرِّبهم مِن قبورِهم، فيتبيَّنُ (^٣) المحقُّ منهم مِن المُبطلِ، بإيتائِه (^٤) المحقَّ ما وعَد أهلَ طاعتِه على أعمالِهم الصالحةِ، ومجازاتِه المُبطِلَ منهم بما أوْعَد أهلَ الكفرِ به على كفرِهم به، فيما كانوا فيه يَخْتَلِفون مِن أديانِهم ومِلَلِهم في دارِ الدنيا.\nوأما \"القيامةُ\"، فهى مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: قمتُ قِيامًا وقِيامةً. كما يقالُ: عُدْتُ فلانًا عِيادةً. و: صُنْتُ هذا الأمرَ صِيانةً. وإنما عنَى بالقيامةِ قيامَ الخلقِ مِن قبورِهم لربِّهم. فمعنى ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: يومَ قيامِ الخلائقِ مِن قبورِهم لمحشرِهم.\n_________\n(^١) في م. \"لهم\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"على\".\n(^٣) في متن الأصل: \"فيبين\"، وكتب مقابله: \"فتبين\".\n(^٤) في م: \"بإثابة\".","vol":"2","page":440},{"text":"<span id=\"aya-121\"></span><span data-type='title' id=toc-412>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾.</span>\nقد دَلَّلْنا فيما مضَى قبلُ على أن تأويلَ الظُلمِ وَضْعُ الشئِ في غيرِ موضعِه (^١).\nفتأويلُ قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾: وأىُّ امرِئ أشدُّ تَعدِّيًا وجُرأَةً على اللهِ وخلافًا لأمرِه، مِن امرئ منَع مساجدَ اللهِ أن يُعبدَ اللهُ فيها؟\nوالمساجدُ جمعُ مسجدٍ، وهو كلُّ مَوضِعٍ عُبِدَ اللهُ فيه. وقد بيَّنا معنى السجودِ فيما مضَى (^٢). فمعنى المسجدِ: المَوضعُ الذى يُسْجَدُ للهِ فيه. كما يقالُ للموضعِ الذى يُجْلَسُ فيه: المَجلِسُ. وللمَوضعِ الذى يُنزَلُ فيه: المنَزِلُ. ثم يُجمعُ مَنازلَ ومجالسَ، نَظيرَ [جمعِ مَسجدٍ؛ مَساجدَ] (^٣). وقد حُكِىَ سماعًا مِن بعضِ العربِ: مَسْجَدٌ (^٤). في واحدِ المساجدِ، وذلك كالخطأِ مِن قائلِه.\nوأما قولُه: ﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. فإن فيه وَجْهين مِن التأويلِ: أحدُهما، أن يكونَ معناه: ومَن أظلمُ ممن منَع مساجدَ اللهِ مِن أن يُذكرَ فيها اسمُه. فتكونَ ﴿أَنْ﴾ حينئذٍ نصبًا في (^٥) قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ بفَقْدِ الخافضِ، وتَعلُّقِ الفعلِ بها. [وفى قولِ بعضِهم خَفْضُها بمعنَى \"مِن\" وإن لم تكُنْ \"مِن\" ظاهرةً، إذْ كان في الكلامِ عليها دلالةٌ] (^٦).\nوالوجهُ الآخرُ، أن يكونَ معناه: ومَن أظلمُ ممن منَع أن يُذْكرَ اسمُ اللهِ في\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٥٩، ٥٦٠.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٧١٥.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مسجد ومساجد\".\n(^٤) في م: \"مساجد\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":441},{"text":"مساجدِه. فتكونَ ﴿أَنْ﴾ حينئذٍ في موضعِ نصبٍ تكريرًا على موضعِ \"المساجدِ\" وردًّا عليه.\nوأما قولُه: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾. فإن معناه: ومَن أظلمُ ممن منَع مساجدَ اللهِ أن يُذْكرَ فيها اسمُه، وممن سعَى في خرابِ مساجدِ اللهِ. فـ ﴿وَسَعَى﴾ إذن عطفٌ على ﴿مَنَعَ﴾.\nفإن قال لنا قائلٌ: ومَن الذين عَنَى اللهُ بقولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾؟ وأيُّ المساجدِ هى؟\nقيل: إن أهلَ التأويلِ في ذلك مُختلِفون؛ فقال بعضُهم: الذين مَنَعوا مساجدَ اللهِ أن يُذْكرَ فيها اسمُه هم النصارى، والمسجدُ بيتُ المقدسِ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أَبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾: فإنَّهم النصارى (^١).\nوحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾: النصارى، كانوا يَطْرَحون في بيتِ المقدسِ الأذَى، ويَمْنعون الناسَ أن يُصلُّوا فيه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢١٠ (١١١١) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢١٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢١٠ (١١١٢). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٠٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"2","page":442},{"text":"وحدَّثنى المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهد مثلَه.\nوقال آخرون: بل هو بُخْتُنَصَّرَ وجندُه، ومَن أعانَهم مِن النصارى، والمسجدُ مسجدُ بيتِ المقدسِ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ الآية: أولئك أعداءُ اللهِ النصارى، حملَهم بُغْضُ اليهودِ على أن أعانوا بُخْتَنَصَّرَ البابليَّ المجوسىَّ على تخريبِ بيتِ المقدسِ (^١).\nوحدَّثنا الحصنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: هو بُخْتُنَصَّرَ وأصحابُه، خرَّب بيتَ المقدسِ، وأعانَه على ذلك النصارى (^٢).\nوحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾: فإن (^٣) الرُّومَ كانوا ظاهروا بُخْتَنَصَّرَ على خرابِ بيتِ المقدسِ حتى خرَّبه، وأمَر به أن تُطْرَحَ فيه الجِيفُ، وإنما أعانَه الرومُ على خرابِه مِن أجلِ أن بنى إسرائيلَ قتَلوا يحيى بنَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ١٠٨ إلى عبد بن حميد، وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٢٢٤.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٦، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢١٠ (١١١٣) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".","vol":"2","page":443},{"text":"زَكَريا (^١).\nوقال آخرون: بل عَنَى اللهُ ﷿ بهذه الَايةِ مُشْرِكى قريشٍ، إذ مَنَعوا رسولَ اللهِ ﷺ مِن المسجدِ الحرامِ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾. قال: هؤلاء المشركون حين حالُوا بينَ رسولِ اللهِ ﷺ يومَ الحُدَيبيةِ وبينَ أن يَدْخُلَ مكةَ، حتى نحَر هديَه بذِى طُوًى وهادَنَهم، وقال لهم: \"ما كان أحدٌ يُرَدُّ عن هذا البيتِ، وقد كان الرجلُ يَلْقَى قاتلَ أبيه أو أخيه فيه فما يصدُّه! \" فقالوا: لا يَدْخلُ علينا مَن قتَل آباءَنا يومَ بدرٍ وفينا باقٍ. وفى قولِه: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال (^٢): إذا قطَعوا مَن يَعمُرُها بذِكْرِه، ويَأْتِيها للحجِّ والعمرةِ (^٣).\nوأوْلَى التأويلاتِ التى ذَكَرناها بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: عَنَى اللهُ ﷿ بقولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ النصارى، وذلك أنهم هم الذين سعَوا في خرابِ بيتِ المقدسِ، وأعانوا بُخْتَنَصَّرَ على ذلك، ومنَعوا مُؤْمنى بنى إسرائيلَ مِن الصلاةِ فيه بعدَ مُنْصرَفِ بختِنصَّرَ عنهم إلى بلادِه.\nوالدليلُ على صحةِ ما قلنا في ذلك، قيامُ الحُجةِ بأن لا قولَ في معنى هذه الآيةِ إلا أحدُ الأقوالِ الثلاثةِ التى ذكرناها، وأن لا مسجدَ عَنَى اللهُ ﷿ بقولِه: ﴿فِي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢١١ (١١١٦) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قالوا\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٢٤ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٠٨ إلى المصنف.","vol":"2","page":444},{"text":"خَرَابِهَا﴾ إلا أحَدُ المَسجدَيْن، إما مَسْجدُ بيتِ المقدسِ، وإما المسجدُ الحرامُ. وإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أن مُشرِكى قريشٍ لم يَسْعَوا قَطُّ في تخريبِ المسجدِ الحرامِ، وإن كانوا قد منَعوا في بعضِ الأوقاتِ رسولَ اللهِ ﷺ وأصحابَه مِن الصلاةِ فيه، صحَّ وثبَت أن الذين وصفَهم اللهُ ﷿ بالسعىِ في خرابِ مساجدِه، غيرُ الذين وصفَهم اللهُ بعمارتِها، إذ كان مُشْرِكو (^١) قريشٍ هم (^٢) بنَوا المسجدَ الحرامَ في الجاهليةِ، وبعِمارتِه كان افْتِخارُهم، وإن كان بعضُ أفعالِهم فيه كان منهم على غيرِ الوجهِ الذى يَرْضاه اللهُ منهم. وأُخرى أن الآيةَ التى قبلَ قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. مضَت بالخبرِ عن اليهودِ والنصارَى وذمِّ أفعالِهم، والتى بعدَها عقَّبَت (^٣) بدمِّ النصارَى والخبرِ عن افترائِهم على ربِّهم، ولم يَجْرِ لقريشٍ ولا لمُشركى العربِ ذِكْرٌ، ولا للمسجدِ الحرامِ قبلَها، فيُوجَّهَ الخبرُ بقولِ اللهِ ﷿: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. إليهم وإلى المسجدِ الحرامِ. وإذ كان ذلك كذلك، فالذى هو أوْلَى بالآيةِ أن يُوجَّهَ تأويلُها إليه، هو ما كان نَظيرَ قصةِ الآيةِ قبلَها والآيةِ بعدَها، إذ كان خبرُها لخبرِهما نظيرًا وشكلًا، إلا أن تقومَ حُجةٌ يجِبُ التسليمُ لها بخلافِ ذلك، وإن اتفَقت قصصُها فاشْتَبهت.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن ما قلنا في ذلك ليس كذلك -إذ كان المسلمون لم يَلْزمْهم قَطُّ فرضُ الصلاةِ في [مسجدِ بَيْتِ] (^٤) المقدسِ فَمُنِعوا مِن الصلاةِ فيه،\n_________\n(^١) في م: \"مشرك\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م: \"نبهت\".\n(^٤) في م: \"المسجد\".","vol":"2","page":445},{"text":"فيجوزَ (^١) توجيهُ قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. إلى أنه مَعْنىٌّ به مسجدُ بيتِ المقدسِ- فقد أخطَأ فيما ظَنَّ مِن ذلك. وذلك أن اللهَ تعالى ذِكْرُه إنما ظلَّمَ (^٢) مَن منَع مَن كان فرضَه الصلاةُ في مسجدِ بيتِ المقدسِ مِن مؤمنى بنى إسرائيلَ، وإياهم قصَد بالخبرِ عنهم بالظلمِ، والسَّعْىِ في خرابِ المسجدِ، وإن كان قد دلَّ بعمومِ قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أن كلَّ مانعٍ مصليًا في مسجدٍ للهِ، فرضًا كانت صلاتُه فيه أو تطوعًا، وكلَّ ساعٍ فى خرابِه (^٣)، فهو مِن المُعْتدين الظالمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-413>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عمَّن مَنَع مساجدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه، أنه قد حَرَّم عليهم دخولَ المساجدِ التى سَعَوا في تخريبِها، ومَنَعوا عبادَ اللهِ المؤمنين مِن ذكرِ اللهِ ﷿ فيها ما داموا على مُناصَبةِ الحربِ، إلا على خوفٍ ووَجَلٍ مِن العقوبةِ على دُخولِهموها.\nكالذى حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾: وهم اليومَ كذلك، لا يُوجَدُ نَصرانىٌّ في بيتِ المقدسِ إلا نُهِك ضربًا، وأُبْلِغ إليه في العقوبةِ.\nوحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾. وهم\n_________\n(^١) في م: \"فيلجئون\".\n(^٢) في م: \"ذكر ظلم\".\n(^٣) في م: \"إخرابه\".","vol":"2","page":446},{"text":"النَّصارَى، فلا يَدْخُلون المسجدَ (^١) إلا مُسارَقةً، إن قُدِرَ عليهم عُوقِبوا (^٢).\nوحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾: فليس في الأرضِ رومىٌّ يَدْخُلُه اليومَ إلا وهو خائفٌ أن تُضْرَبَ عُنقُه، أو قد أُخِيفَ بأداءِ الجِزْيةِ فهو يُؤَدِّيها (^٣).\nوحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدِ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾. قال: نادَى رسولُ اللهِ ﷺ: \"ألَّا (^٤) يَحُجَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بالبيتِ عُرْيانٌ\". قال: فجعَل المُشرِكون يقولون: اللهم إنا مُنِعْنا أن نُبِرَّك (^٥).\nوإنما قِيلَ: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ فأُخرِج على وجهِ الخبرِ عن الجميعِ وهو خبرٌ عمّن منَع مساجدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه؛ لأن \"مَن\" في مَعْنَى الجمعِ وإن كان لفظُه واحدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-414>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾.</span>\nأما قولُه: ﴿لَهُمْ﴾. فإنه يَعْنى: للذين أخْبَر عنهم أنهم مَنَعوا مساجدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه.\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"الحرام\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٦، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢١١ (١١١٧) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢١١ (١١١٦) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لا\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣:\"ننزل\".\nوقوله: \"ألّا يحج بعد العام مشرك. . .\". متفق عليه من حديث أبى هريرة، أن أبا بكر بعثه. . . يؤذن بمنى: ألا لا يحج. . . وينظر فتح البارى لابن رجب ٢/ ٤٠١، ٤٠٢، وسيأتى من طرق في أول سورة التوبة.","vol":"2","page":447},{"text":"وأما قولُه: ﴿فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾. فإنه يَعْنِى بالخزىِ الشرَّ والعارَ والذِّلةَ؛ إما القتلُ والسَّبيُ، وإما الذِّلةُ والصَّغارُ بأداءِ الجزيةِ.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾. قال: يُعْطُون الجِزيةَ عن يدٍ وهم صاغِرون (^١).\nوحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ قولَه: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾: أما خزيُهم في الدنيا، فإنهم إذا قام المَهْدىُّ وفُتِحَت القُسْطنطينيةُ قَتَلهم، فذلك الخزىُ (^٢).\n[وأما قولُه: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾. فإن الآخرةَ صفةٌ للدارِ. وقد بيَّنَّا فيما مضَى قبلُ لِمَ قيلَ لها: آخرةٌ] (^٣).\nوأما العذابُ العظيمُ، فإنه عذابُ جهنمَ الذى لا يُخَفَّفُ عن أهلِه، ولا يُقْضَى عليهم فيه (^٤) فيموتوا.\nوتأويلُ الآيةِ: لهم في الدنيا الذلةُ والهوانُ، والقتلُ والسبيُ، على مَنْعِهم مساجدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه، وسَعْيِهم في خرابِها، ولهم على مَعْصِميتِهم وكفرِهم بربِّهم، وسعيِهم في الأرضِ فسادًا، عذابُ جهنمَ، وهو العذابُ العظيمُ.\n\n<span id=\"aya-122\"></span><span data-type='title' id=toc-415>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.</span>\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٦، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢١١ (١١١٩) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢١١ (١١١٨) من طريق عمرو به.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. وينظر ما تقدم في ١/ ٢٥١.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيها\".","vol":"2","page":448},{"text":"يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾: للهِ مِلْكُهما وتَدْبيرُهما، كما يُقالُ: لفلانٍ هذه الدارُ. يَعْنى أنها له مِلْكًا، فكذلك قولُه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾. يَعْنِى أنهما له مِلْكًا وخَلْقًا.\nوالمَشْرِقُ: موضعُ شُروقِ الشمسِ، وهو موضعُ طلوعِها [منه. وكذلك المغربُ: الموضعُ الذى تَغْرُبُ فيه] (^١)، كما يُقالُ لموضعِ طلوعِها منه: مَطْلِعُ. بكسرِ اللَّامِ، كما بَينَّا في مَعْنَى المَسْجِدِ آنفًا.\nفإن قال قائلٌ: أَوَما للهِ إلا مشرِقٌ واحدٌ ومغرِبٌ واحدٌ، حتى قِيلَ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾؟\nقيل: إن معنى ذلك غيرُ الذى ذهَبتَ إليه، وإنما معنى ذلك: وللهِ المشرِقُ الذى تَشْرُقُ منه الشمسُ كلَّ يومٍ، والمغرِبُ الذى تَغْرُبُ فيه كلَّ يومٍ. فتأويلُه إذْ كان ذلك مَعْناه: وللهِ ما بينَ قُطْرىِ الشرقِ وما بينَ قُطْرىِ المغربِ. إذ كان شروقُ الشمسِ كلَّ يومٍ مِن موضعٍ منه لا تَعودُ لشروقِها منه إلى الحولِ إلذى بعدَه، وكذلك غروبُها كلَّ يومٍ.\nفإن قال قائلٌ: أَوَ ليس -وإن كان تأويلُ ذلك ما ذكرتَ- للهِ كلُّ ما دونَه، والخلقُ خلقُه؟ قيل: بَلَى.\nفإن قال: فكيف خصَّ المشارقَ والمغاربَ بالخبرِ عنها أنها له في هذا الموضعِ دونَ سائرِ الأشياءِ غيرِها؟\nقِيلَ: قد اخْتَلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذى مِن أجلِه خصَّ اللهُ ذِكْرَ ذلك بما خصَّه به في هذا الموضعِ، ونحن مُبَيِّنو الذى هو أوْلَى بتأويلِ الآيةِ بعدَ ذِكْرِنا أقوالَهم في ذلك؛ فقال بعضُهم: خصَّ اللهُ ذلك بالخبرِ عنه (^٢) مِن أجلِ أن اليهودَ كانت تُوَجِّهُ في صلاتِها وجوهَها قِبَلَ بيتِ المقدسِ، وكان رسولُ الله ﷺ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":449},{"text":"[وأصحابُه يَفْعلون] (^١) ذلك مُدَّةً، ثم حُوِّلوا إلى الكعبةِ، فاستَنْكرت اليهودُ ذلك مِن فعلِ النَّبِيِّ ﷺ فقالوا: ما ولَّاهم عن قِبْلَتِهم التى كانوا عليها. فقال اللهُ ﵎ لهم: المشارقُ والمغاربُ كلُّها لي، أصْرِفُ وجوهَ عِبادِى كيف أشاءُ منها، فأينَما (^٢) تُوَلُّوا فثَمَّ وَجْهُ اللهِ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنِي المثني، قال: حَدَّثَنَا أبو صَالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ بنُ صَالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان أولَ ما نَسَخَ اللهُ مِن القرآنِ القبلةُ، وذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ لما هاجَر إلى المدينةِ، وكان أكثرَ أهلِها اليهودُ، أمرَه اللهُ ﷿ أَنْ يَسْتَقبلَ بيتَ المقدسِ، ففَرِحت اليهودُ، فاسْتَقْبلها رسولُ اللهِ ﷺ بِضعةَ عشرَ شهرًا، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ قِبْلَةَ إبراهيمَ، فكان يَدْعُو ويَنْظرُ إلى السماءِ، فأَنْزَل اللهُ ﵎: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى قولِه: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. فارْتاب مِن ذلك اليهودُ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾. فأنْزَل اللهُ ﷿: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢]. وقال: ﴿فَأَيْنَمَا (^٣) تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (^٤).\nوحَدَّثَنِي موسي، قال: حَدَّثَنَا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ بنحوِه (^٥).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يفعل\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فحيثما\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أينما\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٨، ٢٥٣ (١٣٢٩، ١٣٥٥)، والنحاس في ناسخه ص ٧١، والبيهقيُّ ٢/ ١٢، ١٣ من طريق أبي صالح به. وأخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ١٦، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢١٢ (١١٢٣)، والبيهقيُّ ٢/ ١٢، وابن الجوزى في ناسخه ص ١٤٤ من طريق عطاء الخراساني، عن ابن عباس، نحوه. وعطاء لَمْ يسمع من ابن عباس، كما تقدم في ص ٨٤. وسيأتى في ص ٦١٦ - مختصرا -، ٦٢٢، ٦٥٧.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٢١٢ عقب الأثر (١١٢٣) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به. وينظر =","vol":"2","page":450},{"text":"وقال آخرون: بل أنزل اللهُ هذه الآيةَ قبلَ أن يَفْرِضَ على محمدٍ نبيِّه ﷺ وعلى المؤمنين به، التوجُّهَ شَطْرَ المسجدِ الحرامِ، وإنما أنزلها عليه مُعْلِمًا نبيَّه بذلك وأصحابَه أن لهم التوجُّهَ بوجُوهِهم للصلاةِ حيث شاءوا مِن نواحى المشرقِ والمغربِ؛ لأنهم لا يُوجِّهون وُجوهَهم وَجْهًا مِن ذلك وناحيةً، إلَّا كان جلَّ ثناؤُه في ذلك الوجهِ وتلك الناحيةِ؛ لأنَّ له المشارقَ والمغاربَ، وأنه لا يَخْلو منه مكانٌ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]. قالوا: ثم نَسَخَ ذلك بالفرضِ الذى فَرَضَ عليهم في التوجُّهِ شَطْرَ المسجدِ الحرامِ (^١).\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾: ثم نسَخ ذلك بعدَ ذلك، فقال اللهُ: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (^٢).\n[وحَدَّثَنِي الحسنُ بنُ يحيى] (^٣)، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. قال: هى القِبلةُ، ثم نسَختها القِبلةُ إلى المسجدِ الحرامِ.\n_________\n= الدر المنثور ١/ ١٠٨، ١٠٩.\n(^١) قال ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٢٧ تعليقا على قول المصنّف هذا: هكذا قال، وفى قوله: \"وإنه لا يخلو منه مكان\". إن أراد علمه تعالى فصحيح، فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالي، فلا تكون محصورة في شيء من خلقه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وهذا ما سيذكره المصنّف في تفسير الآية من سورة المجادلة.\n(^٢) أخرجه الترمذى (٢٩٥٨) من طريق يزيد به، وأخرجه ابن الجوزى في ناسخه ص ١٤٥ من طريق سعيد به نحوه. وأخرجه ابن الجوزى ص ١٤٦ من طريق شيبان، عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٠٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في م: \"حدثت عن الحسن\".","vol":"2","page":451},{"text":"حَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: حَدَّثَنَا الحجاجُ بنُ المِنهالِ، قال: حَدَّثَنَا همَّامُ بنُ (^١) يحيى، قال: سمِعتُ قتادةَ في قولِ اللهِ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. قال: كانوا يُصَلُّون نحوَ بيتِ المقدسِ ورسولُ اللهِ ﷺ بمكةَ قبلَ الهجرةِ، وبعدَ ما هاجَر رسولُ اللهِ ﷺ صلَّى نحوَ بيتِ المقدس ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وُجِّهَ بعدَ ذلك نحوَ الكعبةِ البيتِ الحرامِ، فنسَخها اللهُ في آيةٍ أُخرى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ إلى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. قال: فنسَخت هذه الآيةُ ما كان قبلَها مِن أمْرِ القِبلة (^٢).\nوحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: سمِعتُه -يعنى [ابنَ زيدٍ] (^٣) - يقولُ: قال اللهُ لنبيِّه ﷺ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"هؤلاءِ قومُ يهودَ يَسْتَقْبِلون بيتًا مِن بُيوتِ اللهِ - [لبيتِ المَقْدسِ] (^٤) - لو أنَّا اسْتَقْبلناه\". فاسْتَقْبله النَّبِيُّ ﷺ ستةَ عشرَ شهرًا، فبلَغه أن يهودَ تقولُ: واللهِ ما درَى محمدٌ وأصحابُه أين قِبلتُهم حتى هَدَيْناهم. فكَرِه ذلك النَّبِيُّ ﷺ، ورفَع وَجهَه إلى السماءِ، فقال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية (^٥).\nوقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ على النَّبِيِّ ﷺ إذْنًا مِن اللهِ ﷿ له أن يُصَلِّىَ التطَوعَ حيثُ توجَّه وجهُه مِن شرقٍ أو غربٍ، في مسيرِه في سفرِه، وفى حالِ المُسايفةِ وشدَّةِ الخوفِ والتقاءِ الزُّحوفِ - الفرائضَ، وأعلَمه أنه حيثُ وجَّه وجهَه فهو هنالك، بقولِه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال ثنا\".\n(^٢) أخرجه ابن الجوزى في ناسخه ص ١٤٥ من طريق همام به نحوه.\n(^٣) في م: \"زيدًا\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"زيد\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) ذكره النحاس في ناسخه ص ٧٦، ٧٧ معلقًا.","vol":"2","page":452},{"text":"ذِكْرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا أبو كريبٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ إدريسَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الملكِ، عن سعيدِ ابنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عمرَ أنه كان يُصَلِّى حيثُ تَوجَّهتْ به راحِلتُه، ويَذْكُرُ أن رسولَ اللهِ ﷺ كان يَفْعلُ ذلك، ويَتأوَّلُ هذه الآيةَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (^١).\nوحَدَّثَنِي أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جُنَادةَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ فُضيلٍ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبى سليمانَ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عمرَ أنه قال: لمَّا (^٢) نزَلت هذه الآيةُ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾: أن تُصَلِّىَ أينما (^٣) تَوجَّهتْ بك راحِلتُك في السفرِ تَطوعًا، كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا رجَع مِن مكةَ يُصَلِّى على راحلتِه تَطوعًا، يُومِئُ برأْسِه نحوَ المدينةِ (^٤).\nوقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ في قومٍ عَمِيت عليهم القِبلةُ فلم يَعْرِفوا شَطْرَها، فصلَّوا على أنحاءٍ مختلفةٍ، فقال اللهُ ﷿ لهم: لىَ المشارقُ والمغاربُ، فأينَ (^٥) ولَّيْتم وجوهَكم فهنالك وَجْهِي، وهو قِبلَتُكم. يُعْلِمُهم (^٦) بذلك أن صلاتَهم ماضيةٌ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٩/ ٤٨ (٥٠٠١) عن عبد الله بن إدريس به. وأخرجه أحمد ٨/ ٣٣٧ (٤٧١٤)، ومسلم (٧٠٠/ ٣٣، ٣٤)، والترمذى (٢٩٥٨)، والمروزى في السنة (٣٧٧)، والنسائى (٤٩٠)، وابن خزيمة (١٢٦٧)، والنحاس في ناسخه ص ٧٨، والحاكم ٢/ ٢٦٦، والبيهقيُّ ٢/ ٤، والواحدى في أسباب النزول ص ٢٥، وابن الجوزى في ناسخه ص ١٤١، من طرق عن عبد الملك به.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إنما\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حيثما\".\n(^٤) أخرجه ابن خزيمة (١٢٦٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢١٢ (١١٢١) من طريق ابن فضيل به.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فإن\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"معلمهم\".","vol":"2","page":453},{"text":"ذِكْرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو أحمدَ الزُّبَيرىُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الرَّبيعِ السَّمَّانُ، عن عاصمِ بنِ عبيدِ اللهِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عامرِ بنِ ربيعةَ، عن أبيه، قال: كنَّا مع رسولِ اللهِ ﷺ في ليلةٍ سوداءَ مظلمةٍ، فنزَلْنا مَنْزلًا، فجعَل الرجلُ يَأْخذُ الأحجارَ فيَعْملُ مسجدًا يُصَلِّى فيه، فلما أن أصْبَحْنا إذا نحن قد صلَّيْنا على غيرِ القبلةِ، فقلنا: يا رسولَ اللهِ، لقد صلَّيْنَا لَيْلتَنا هذه لغيرِ القبلةِ. فأنزل اللهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (^١).\nوحدَّثنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا الحجاجُ، قال: حَدَّثَنَا حمَّادٌ، قال [أخبرنا حمادٌ، قال] (^٢): قلتُ للنَّخَعِيِّ: إنى كنت اسْتَيْقَظتُ -أو قال: أُيْقظتُ (^٣). شكَّ أبو جعفرٍ- فكان في السماءِ سحابٌ، فصَلَّيتُ لغيرِ القِبلةِ، قال: مضَت صلاتُك، يقولُ اللهُ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (^٤).\nحَدَّثَنَا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حَدَّثَنَا أبي، عن أشعثَ السَّمَّانِ، عن عاصمِ بنِ عُبيدِ اللهِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عامرِ بنِ ربيعةَ، عن أبيه، قال: كنا مع النَّبِيِّ ﷺ في ليلةٍ مُظْلمةٍ في سفرٍ، فلم نَدْرِ أين القِبلةُ، فصَلَّيْنا؛ وصَلَّى كلُّ رجلٍ (^٥) منا على حِيالِه، ثم أصبَحْنا فذكَرْنا ذلك للنبيِّ ﷺ، فأنزَل اللهُ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ\n_________\n(^١) حديث ضعيف. أخرجه الطيالسى (١٢٤١)، وعبد بن حميد (٣١٦)، وابن ماجه (١٠٢٠)، والبزار (٣٨١٢)، والعقيلى ١/ ٣١، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢١١ (١١٢٠)، والطبراني في الأوسط (٤٦٠)، والدارقطني ١/ ٢٧٢، والبيهقيُّ ٢/ ١١، وأبو نعيم في الحلية ١/ ١٧٩، وابن الجوزى في ناسخه ص ١٣٨، ١٣٩ من طريق أبي الربيع السمان به، وأبو الربيع وعاصم ضعيفان. وقال العقيلى: حديث عامر بن ربيعة ليس يُروى من وجه يثبت متنه. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٢٢٨، ٢٢٩.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، وهو حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان.\n(^٣) في م: \"أوقظت\".\n(^٤) ذكره النحاس في ناسخه ص ٧٧ معلقا.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"واحد\".","vol":"2","page":454},{"text":"وَجْهُ اللهِ﴾ (^١).\nوقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ في سببِ النجاشيِّ؛ لأنَّ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ تَنازعوا في أمرِه؛ مِن أجلِ أنه مات قبلَ أن يُصَلِّىَ (^٢) القبلةَ، فقال لهم اللهُ: المشارقُ والمغاربُ كلُّها لي، فمَن وَجَّه وجهَه نحوَ شيءٍ منها يريدُنى به، ويَبْتَغِى به طاعتي، وجدَنى هنالك. يعنى بذلك أن النجاشيَّ وإن لَمْ يكن صَلَّى (^٢) القبلةَ، فإنه كان يُوجِّهُ إلى بعضِ وُجوهِ المشارقِ أو المغاربِ وجْهَه، يَبْتَغى بذلك رضا اللهِ في صلاتِه.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nوحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حَدَّثَنَا [معاذُ بنُ هشامٍ] (^٣)، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن قتادةَ أن النَّبِيَّ ﷺ قال: \"إن أخاكم النَّجاشيَّ قد مات فصَلُّوا عليه\". قالوا: أَنُصَلِّى على رجلٍ ليس بمسلمٍ! قال: فنزلَت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]. قال قتادةُ: فقالوا: وإنه كان لا يُصَلِّى (^٢) القبلةَ. فأنزَل اللهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (^٤).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك [أن يقالَ] (^٥): إن اللهَ تعالى ذِكْرُه إنما خصَّ الخبرَ عن المشرقِ والمغربِ في هذه الآيةِ بأنهما له مِلْكًا -وإن كان لا شيءَ إلَّا وهو له\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٤٥، ٢٩٥٧)، والدارقطني ١/ ٢٧٢، والواحدى في أسباب النزول ص ٢٥ من طريق وكيع به.\n(^٢) بعده في م: \"إلى\".\n(^٣) في م: \"هشام بن معاذ\"، وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٢١٥.\n(^٤) سيأتى تخريجه في سورة آل عمران.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":455},{"text":"مِلْكٌ- إعلامًا منه لعبادِه المؤمنين أن له مِلْكَهما ومِلكَ ما بينَهما مِن الخلائقِ، وأن على جميعِهم -إذ كان له مِلْكُهم- طاعتَه فيما أمرَهم ونهاهم، وفيما فرَض عليهم مِن الفرائضِ، والتوجيهَ (^١) نحوَ الوجهِ الذى وُجِّهوا إليه، إذ كان مِن حكمِ المماليكِ طاعةُ مالكِهم، فأخرَج الخبرَ عن المشرقِ والمغربِ، والمرادُ به ما (^٢) بينَهما مِن الخلقِ، على النحوِ الذى قد بَيَّنتُ مِن الاكْتفاءِ بالخبرِ عن سببِ الشيءِ مِن ذِكْرِه والخبرِ عنه، كما قِيل: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾. وما أشْبَهَ ذلك (^٣).\nفمَعْنَى الآيةِ إذن: وللهِ مِلْكُ الخلقِ الذى بينَ المشرقِ والمغربِ، [يستعبِدُهم بما يشاءُ] (^٤)، ويَحْكُمُ فيهم ما يُريدُ، عليهم طاعتُه، فولُّوا أيها المؤمنون وجوهَكم نحوَ وجهِي، فإنكم أينما تُوَلُّوا (^٥) وجوهَكم فهنالك وَجْهِى.\nفأما القولُ في: هل هذه الآيةُ ناسخةٌ أم منسوخةٌ؟ أم لا هى ناسخةٌ ولا منسوخةٌ؟ فإن الصوابَ فيه مِن القولِ أن يقالَ: إنها آيةٌ جاءت مجئَ العمومِ، والمرادُ منها الخاصُّ، وذلك أن قولِه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. مُحْتَمِلٌ: فأينما تُوَلُّوا في حالِ سيرِكم في أسفارِكم في صلاتِكم التَّطوعَ، وفى حالِ مسايفتِكم (^٦) عدوَّكم في تَطوُّعِكم ومكتوبتِكم - فثَمَّ وجهُ اللهِ. كما قال ابنُ عمرَ والنَّخَعيُّ ومَن قال ذلك ممن ذكَرنا ذلك عنه آنفًا.\nومُحْتَمِلٌ: فأينما تُوَلُّوا مِن أرضِ اللهِ فتَكونوا بها - فثَمَّ قِبلةُ اللهِ التى تُوجِّهون\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"التوجه\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"من\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٢٦٥، ٢٦٦.\n(^٤) في م: \"يتعبدهم بما شاء\".\n(^٥) في الأصل: \"تولون\".\n(^٦) في الأصل: \"مسابقتكم\".","vol":"2","page":456},{"text":"وُجُوهَكم إليها؛ لأن الكعبةَ مُمْكِنٌ لكم التوجُّهُ إليها منها.\nكما حدَّثنا (^١) أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن أبى سِنانٍ، عن الضحاكِ، والنضرِ بنِ عَرَبىٍّ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. قال: قِبلةُ اللهِ، فأينما كُنْتَ مِن شرقٍ أو غربٍ فاسْتَقْبِلْها (^٢).\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخْبَرنى إبراهيمُ (^٣) بنُ أبى بكرٍ، عن مجاهدٍ، قال: حيثُما كُنْتُم فلكم قِبلةٌ تَسْتقبِلُونها. قال: للكعبةِ (^٤).\nومُحْتمِلٌ: فأينما توَلُّوا وجوهَكم فى دُعائِكم لى، فهنالك وَجْهِى، أسْتَجبْ لكم دعاءَكم.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال مجاهدٌ: لمَّا نزَلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. قالوا: إلى أين؟ فنزَلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (^٥).\nفإذ كان قولُه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. مُحْتَمِلًا ما ذكَرنا مِن الأوجُهِ، لم يكنْ لأحدٍ أن يَزْعُمَ أنها ناسخةٌ ولا منسوخةٌ إلا بحُجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها؛ لأن\n_________\n(^١) فى م: \"قال\".\n(^٢) أخرجه الترمذى ٥/ ١٨٩ (٢٩٥٨) عن أبى كريب، عن وكيع، عن النضر، عن مجاهد. وأخرجه البيهقى ٢/ ١٣ من طريق أبى أسامة، عن النضر به.\nوعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١٠٩ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد.\n(^٣) بعده فى م: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٦٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢١٢ (١١٢٢) من طريق حجاج به.\n(^٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ٢٣٠ عن المصنف. وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١٠٩ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"2","page":457},{"text":"الناسخَ لا يكونُ إلا لمنسوخٍ (^١)، ولم تَقُمْ حُجةٌ يَجِبُ التسليمُ لها بأن قولَه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. مَعْنِىٌّ به: فأينما تُوَلُّوا وجوهَكم فى صلاتِكم فثَمُّ قِبلتُكم. ولا أنها نزَلت بعدَ صلاةِ رسولِ اللهِ وأصحابِه نحوَ بيتِ المقدسِ، أمرًا مِن اللهِ لهم بها أن يَتَوجَّهوا نحوَ الكعبةِ، فيَجُوزَ أن يقالَ: هى ناسخةٌ الصلاةَ نحوَ بيتِ المقدسِ. إذ كان مِن أهلِ العلمِ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ وأئمةِ التابعين مَن يُنْكِرُ (^٢) أن تكونَ نزَلت فى ذلك المعنى، ولا خبرَ عن رسولِ اللهِ ﷺ ثابتٌ بأنها نزَلت فيه، وكان الاخْتلافُ فى أمرِها موجودًا على ما وَصَفْتُ. ولا هى -إذ لم تكنْ ناسخةً لِما وَصَفْنا- قامَت حُجتُها بأنها منسوخةٌ، إذ كانت مُحْتمِلةً ما وَصَفنا مِن أن تكونَ جاءت بعمومٍ و(^٣) معناها فى حالٍ دونَ حالٍ -إن كان عُنِىَ بها التوجُّهُ فى الصلاةِ- وفى كلِّ حالٍ -إن كان عُنِىَ بها الدُّعاءُ- وغيرَ ذلك مِن المعانِى التى ذكَرنا.\nوقد دَلَّلنا فى كتابِنا \"كتابِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ\"، على ألا ناسخَ فى آىِ القرآنِ وأخبارِ رسولِ اللهِ ﷺ، إلا ما نَفَى حكمًا ثابتًا، قد لزِم العِبادَ فرضُه، غيرَ مُحْتَمِلٍ ظاهرُه (^٤) وباطنُه غيرَ ذلك، فأما ما احْتَمل غيرَ ذلك -مِن أن يكونَ بمَعْنى الاستثناءِ، أو الخصوصِ والعمومِ، أو المُجْمَلِ والمُفَسَّرِ- فمِن الناسخِ والمنسوخِ بمَعْزِلٍ، بما أغْنَى عن تكريرِه فى هذا الموضعِ. وألا منسوخَ إلا المَنْفىُّ الذى قد كان ثَبَت حُكمُه وفَرْضُه. ولم يَصِحَّ واحدٌ مِن هذين المعنيين لقولِه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. بحُجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها، فيُقالَ فيه: هو ناسخٌ أو منسوخٌ.\nوأما قولُه: ﴿فَأَيْنَمَا﴾. فإن مَعْناه: فحيثما.\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بمنسوخ\".\n(^٢) فى الأصل: \"يمكن\".\n(^٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أو\".\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لظاهره\".","vol":"2","page":458},{"text":"وأما قولُه: ﴿تُوَلُّوا﴾. فإن الذى هو أَوْلى بتأويلِه أن يكونَ: تُوَلُّون نحوَه وإليه. كما يقول القائلُ: وَلَّيتُ وَجْهِى نحوَ كذا، ووَلَّيتُه إليه. بمعنى: قابلتُه وواجهتُه.\nوإنما قُلْنَا: ذلك أوْلَى بتأويلِ الآيةِ؛ لإجماعِ الحُجةِ على أن ذلك تأويلُها، وشُذوذِ مَن تأوَّلَها بأنها بمَعْنَى: تُولُّون عنه فتَسْتَدْبرونه، [ففى الذى] (^١) تتَوجَّهون إليه وجهُ اللهِ. بمَعْنَى: قِبلةُ اللهِ.\n[وقولُه: ﴿تُوَلُّوا﴾. مجزومٌ بحرفِ الجزاءِ، وهو قولُه: ﴿فَأَيْنَمَا﴾] (^٢). وأما قولُه: ﴿فَثَمَّ﴾. فإنه بمَعْنَى: هنالك.\nواخْتُلِفَ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُ ذلك: فثَمَّ قِبلةُ اللهِ. يَعْنى بذلك: وَجْهُه الذى وَجَّههم إليه.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن النضرِ بنِ عَرَبىٍّ، عن مجاهدٍ: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. قال: قبلةُ اللهِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى الحجَّاجُ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخْبَرنى إبراهيمُ، عن مجاهدٍ، قال: حيثُما كنتُم فلكم قِبلةٌ تَسْتقبِلُونها.\nوقال آخرون: معنى قولِ اللهِ: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾: فثَمَّ اللهُ.\n_________\n(^١) فى م، ت ١: \"فالذى\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"فى الذى\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تقدم تخريجه فى ص ٤٥٧.","vol":"2","page":459},{"text":"وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾: فثَم تُدْرِكون بالتوجُّهِ إليه رضا اللهِ الذى له الوجهُ الكريمُ.\nوقالوا (^١): عَنَى بالوجهِ: ذو (^٢) الوجهِ. وقال قائلو هذه المقالةِ: وجهُ اللهِ له صفةٌ.\nفإن قال قائلٌ: وما هذه الآيةُ مِن التى قبلَها؟\nقيل: هى لها مُواصلةٌ، وإنما معنى ذلك: ومَن أظلمُ مِن النصارى الذين منَعوا عبادَ اللهِ مساجدَه أن يُذْكرَ فيها اسمُه، وسَعَوا فى خرابِها، وللهِ المشرقُ والمغربُ، فأينما وجَّهتم وجوهَكم فاذكُروه، فإن وجهَه هنالك، يَسَعُكم فَضْلُه وأرضُه وبلادُه، ويَعلمُ ما تعمَلون، ولا يَمْنعكم تخريبُ مَن خرَّب [مساجدَ اللهِ ببيتِ المقدسِ] (^٣)، ومَنْعُهم مَن مَنَعوا مِن ذكرِ اللهِ فيه - أن تَذْكروا اللهَ حيثُ كنتم مِن أرضِ اللهِ، تَبْتَغون به وجهَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-416>القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾.</span>\nيعنى بقولِه: ﴿وَاسِعٌ﴾: يَسَعُ خلقَه كلَّهم بالكِفايةِ والإفْضالِ والجودِ والتدبيرِ.\nوأما قولُه: ﴿عَلِيمٌ﴾. فإنه يعنى أنه عليمٌ بأعمالِهم (^٤)، لا يَغيبُ عنه منها شيءٌ، ولا يَعْزُبُ عنه (^٥) علمُه، بل هو بجميعِها عليمٌ.\n\n<span id=\"aya-123\"></span><span data-type='title' id=toc-417>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.</span>\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وقال آخرون\".\n(^٢) فى م: \"ذا\".\n(^٣) فى م: \"مسجد بيت المقدس\".\n(^٤) فى م: \"بأفعالهم\".\n(^٥) فى م، ت ١، ت ٢: \"عن\".","vol":"2","page":460},{"text":"يعنى بقولِه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾. الذين مَنَعوا مساجدَ اللهِ أن يُذْكرَ فيها اسمُه. و﴿قَالُوا﴾ معطوفٌ على قولِه: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾.\nوتأويلُ الآيةِ: ومَن أظلمُ ممن مَنَع مساجدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه وسَعَى فى خرابِها، وقالوا: اتخَذ اللهُ ولدًا. وهم النَّصارَى الذين زعَموا أن عيسى ابنُ اللهِ، فقال جلَّ ثناؤُه مُكَذِّبًا قِيلَهم ما قالوا مِن ذلك، ومُنْتفيًا مما نَحَلُوه، وأضافوا إليه بكَذِبِهم وفِرْيتِهم -: ﴿سُبْحَانَهُ﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: تنزيهًا للهِ، وتَبَرِّيًا (^١) مِن أن يكونَ له ولدٌ، وعلوًّا وارتفاعًا عن ذلك.\nوقد دَلَّلْنا فيما مضى على معنى قولِ القائلِ: سُبحانَ اللهِ. بما أغْنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (^٢).\nثم أخْبَر جلَّ ثناؤُه أن له ما فى السماواتِ والأرضِ مِلْكًا وخَلْقًا. ومعنى ذلك: وكيف يكونُ المسيحُ للهِ ولدًا، وهو لا يَخْلو مِن (^٣) أن يَكونَ فى بعضِ هذه الأماكنِ؛ إما فى السماواتِ، وإما فى الأرضِ، وللهِ مِلكُ ما فيهما، ولو كان المسيحُ ابنًا كما زعَمتم، لم يكنْ كسائرِ ما فى السماواتِ والأرضِ مِن خلقِه وعبيدِه، فى ظهورِ آثارِ (^٤) الصنعةِ فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-418>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ تْناؤُه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ فى قولِه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: [كلٌّ له] (^٥) مُطِيعون.\n_________\n(^١) فى م: \"تبريئا\".\n(^٢) ينظر ما تقدم فى ١/ ٥٠٤. ٥٠٥.\n(^٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إما\".\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"آيات\".\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":461},{"text":"ذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: مُطِيعون (^١).\nوحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ ﷿: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾. قال: مُطِيعون. وقال: طاعةُ الكافرِ فى سجودِ ظِلِّه (^٢).\nوحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه، إلا أنه زاد: يَسْجُدُ ظِلُّه وهو كارهٌ (^٣).\nوحدَّثنى موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾. يقولُ: كلٌّ له مُطِيعون يومَ القيامةِ (^٤).\nوحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عمَّن ذكَره، عن عكرمةَ: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾. قال: الطاعةُ.\nوحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بِشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَانِتُونَ﴾: مُطِيعون (^٥).\nوقال آخرون: معنى ذلك: كلٌّ له مُقِرُّون بالعُبودةِ (^٦).\n_________\n(^١) ينظر ما سيأتى فى ٤/ ٣٧٩ - ٣٨٣، وتفسير الآية ٢٦ من سورة الروم، والدر المنثور ١/ ١١٠.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢١٢.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢١٣ (١١٢٩) عن أبيه، عن أبى حذيفة به.\n(^٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ٢٣١ عن السدى.\n(^٥) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١١٠ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بالعبودية\".","vol":"2","page":462},{"text":"ذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: حدثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾. قال: كلٌّ له مُقِرٌّ بالعُبودةِ (^١).\nوقال آخرون بما حدَّثنى به المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾. يقولُ: كلٌّ له قائمٌ يومَ القيامةِ (^٢).\nوللقنوتِ فى كلامِ العربِ مَعانٍ: أحَدُها، الطاعةُ. والآخرُ، القِيامُ. والثالثُ، الكفُّ عن الكلامِ والإمساكُ عنه.\nوأوْلَى معانى القُنوتِ فى قولِه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: الطاعةُ والإقرارُ للهِ بالعبودةِ، بشَهادةِ أجسامِهم بما فيها مِن آثارِ الصنعةِ، والدلالةِ على وحدانيةِ اللهِ، وأن اللهَ تعالى ذِكْرُه بارئُها وخالقُها، وذلك أن اللهَ أكْذَبَ الذين زعَموا أن للهِ ولدًا بقولِه: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. مِلْكًا وخلقًا. ثم أَخْبَر عن جميعِ ما فى السماواتِ والأرضِ أنها مُقِرَّةٌ بدلالتِها على ربِّها وخالقِها، وأن اللهَ تعالى بارئُها وصانعُها -وإن جحَد ذلك بعضُهم بألسنتِهم (^٣) - مُذعِنةٌ له بالطاعةِ، بشَهادتِها له بآثارِ الصنعةِ التى فيها بذلك، وأن المسيحَ أحدُهم، فأنَّى يَكونُ للهِ ولدًا وهذه صفتُه!\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بالعبودية\". والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ٢١١ (١١٣٢) من طريق الحسين بن واقد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢١٤ (١١٣٣) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فألسنتهم\".","vol":"2","page":463},{"text":"وقد زعَم بعضُ مَن قَصُرت معرفتُه عن توجيهِ هذا الكلامِ وجْهتَه، أن قولَه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾. خاصةٌ لأهلِ الطاعةِ وليست بعامةٍ. وغيرُ جائزٍ ادِّعاءُ خصوصٍ في آيةٍ عامٌّ ظاهرُها، إلا بحُجةٍ يجبُ التسليمُ لها؛ لِما قد بينَّا في كتابِنا \"كتابِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ\".\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عن أن المسيحَ -الذى زعَمت النصارى أنه ابنُ اللهِ- مُكَذِّبُهم هو والسماواتُ والأرضُ وما فيهما، إما باللسانِ، وإما بالدلالةِ، وذلك أنَّه جلَّ ثناؤُه أخْبَر عن جميعِهم بطاعتِهم إيَّاه، وإقرارِهم له بالعبودةِ، عَقِيبَ قولِه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾. فدلَّ ذلك على صحةِ ما قلنا.\n\n<span id=\"aya-124\"></span><span data-type='title' id=toc-419>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مُبدِعُها. وإنما هو مُفْعِلٌ، فصُرِفَ إلى فعيلٍ، كما صُرِفَ المؤلمُ إلى الأليمِ، والمسمعُ إلى السميعِ.\nومعنى المبُدعِ: المُنْشِئُ والمُحْدِثُ ما لم يَسبِقْه إلى إنشاءِ مثلِه وإحداثِه أحدٌ. ولذلك سُمِّىَ المُبْتدِعُ في الدينِ مُبتدِعًا؛ لإحداثِه فيه ما لم يَسبِقْه إليه غيرُه. وكذلك كلُّ مُحدِثٍ فعلًا أو قولًا لم يَتَقدمْه فيه مُتَقدِّمٌ، فإن العربَ تُسَميه مُبتدعًا، مِن ذلك قولُ أعْشَى بنى ثَعْلبةَ في مدحِ هَوْذةَ بنِ علىٍّ الحنَفىِّ (^١):\nيُرْعِى إلى قَوْلِ ساداتِ الرجالِ إذا … أبْدَوْا له الحَزْمَ أو ما شاءَه ابْتَدَعا\nأى: يُحْدِثُ ما شاء.\nوقولُ رُؤْبةَ بنِ العجَّاجِ (^٢):\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٣٨٠.\n(^٢) ديوان رؤبة (مجموعة أشعار العرب) ص ٨٧.","vol":"2","page":464},{"text":"فأيُّها الغاشِى القِذافَ (^١) الأَتْيَعا (^٢)\nإن كُنْتَ للهِ التَّقِىَّ الأطْوعَا\nفليس وَجْهُ الحقِّ أن تَبَدَّعا\nيعنى: أن تُحْدِثَ في الدينِ ما لم يَكُنْ فيه.\nفمعنى الكلامِ: سُبحانَ اللهِ، أَنَّى يكونُ له ولدٌ وهو مالكُ ما في السماواتِ والأرضِ، تَشْهدُ له جميعُها بدلالتِها عليه بالوَحْدانيةِ، وتُقِرُّ له بالطاعةِ، وهو بارئُها وخالقُها، ومُوجدُها مِن غيرِ أصلٍ، ولا مِثالٍ احْتَذاها عليه!.\nوهذا إعلامٌ مِن اللهِ عبادَه أنَّ مما يَشْهَدُ له بذلك المسيحُ الذى أضافوا إلى اللهِ بُنُوَّتَه، وإخبارٌ منه لهم أن الذى ابْتَدع السماواتِ والأرضَ مِن غيرِ أصلٍ، وعلى غيرِ مِثالٍ، هو الذى ابْتَدع المسيحَ مِن غيرِ والدٍ بقُدْرتِه.\nوبنحوِ الذى قُلْنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا المثنى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: ابْتَدع خلقَها، ولم يَشْرَكْه في خلقِها أحدٌ (^٣).\nوحدَّثنى موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿بَدِيعُ\n_________\n(^١) القذاف: سرعة السير. التاج (ق ذ ف).\n(^٢) في الديوان: \"الأتبعا\". والأتيع: المتتابع: أى التسارع في الحمق. التاج (ت ى ع).\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢١٤ عقب الأثر (١١٣٥) من طريق ابن أبى جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١١٠ إلى المصنف وابن أبى حاتم عن أبى العالية. وهو عند ابن أبى حاتم ١/ ٢١٤ (١١٣٥) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية.","vol":"2","page":465},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يَقولُ: ابْتَدعها فخَلَقها، ولم يَخْلُقْ مثلَها شيئًا يتَمثَّلُ (^١) به (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-420>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾: وإذا أحْكَم أمرًا وحَتَمه. وأصلُ كلِّ قضاءٍ: الإحْكامُ والفراغُ منه. ومِن ذلك قِيلَ للحاكمِ بينَ الناسِ: القاضِى بينهم. لِفَصْلِه القضاءَ بينَ الخصومِ، وقَطْعِه الحكمَ بينَهم وفراغِه. ومنه قيل للميتِ: قد قضَى. يُرادُ به: فرَغ مِن الدنيا وفصَل منها. ومنه قيل: ما يَنْقضِى عَجَبِى مِن فلانٍ. يُرادُ: ما ينقطِعُ. ومنه قيل: تَقَضَّى النهارُ. إذا انْصَرم. ومنه قولُه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]. أى: فصَل الحكمَ فيه بينَ عبادِه بأمرِه إيَّاهم بذلك. وكذلك قولُه: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤]. أى: أعْلَمناهم بذلك وأخْبَرناهم به، ففَرَغْنا إليهم منه. ومنه قولُ أبى ذُؤَيبٍ (^٣):\nوعليهما مَسْرُودتَانِ (^٤) قَضَاهما … دَاودُ أو صَنَعُ (^٥) السوَابِغِ تُبَّعُ\nويُروَى:\n*وتَعاوَرَا مَسْرُودتَين قَضَاهما*\nويَعْنى بقولِه: قضاهما: أحْكَمهما. ومنه قولُ الآخرِ في مدحِ عمرَ بنِ\n_________\n(^١) في م: \"فتتمثل\"، وفى ت ١، ت ٣: \"فتمثل\".\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢١٤ (١١٣٦) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.\n(^٣) ديوان الهذليين ١/ ١٩.\n(^٤) مسرودتان: درعان. اللسان (س ر د).\n(^٥) الصنع: الحاذق بالعمل. التاج (ص ن ع).","vol":"2","page":466},{"text":"الخطابِ ﵁ (^١):\nقَضَيْتَ أُمُورًا ثُمَّ غادَرْتَ بعدَها … بوَائِقَ في أكْمامِها لم تَفَتَّقِ\nويُروَى: بوائجَ (^٢).\nوأما قولُه: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. فإنه يَعْنى بذلك: وإذا أحْكَم أمرًا فحَتَمه فإنما يَقولُ له: كُنْ. فيكونُ ذلك الأمرُ على ما أمرَه اللهُ أن يكونَ وأرادَه.\nفإنْ قال لنا قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾؟ وفى أىِّ حالٍ يقولُ للأمرِ الذى يَقْضِيه: كُنْ. أفى حال عدمِه -وتلك حالٌ لا يَجوزُ أمرُه، إذ كان مُحالًا أن يُؤْمرَ إلا مأمورٌ، فإذا لم يكنِ المأمورُ، اسْتَحال الأمرُ، كما محالٌ الأمرُ مِن غيرِ آمرٍ، فكذلك محالٌ الأمرُ مِن آمرٍ إلا لمأْمورٍ- أم يقولُ ذلك له في حالِ وجودِه، وتلك حالٌ لا يجوزُ أمرُه فيها بالحدوثِ؛ لأنه حادِثٌ موجودٌ، ولا يُقالُ للموجودِ: كُنْ موجودًا. إلا بغيرِ مَعْنَى الأمرِ بحدوثِ عَينِه؟.\nقيل: قد تَنازَع المتأوِّلون معنى ذلك، ونحن مُخْبِرون بما قالوا فيه، والعللِ التى بها اعتلَّ كلُّ قائلٍ (^٣) منهم لِقولِه في ذلك، فقال بعضهم: ذلك خبرٌ مِن اللهِ عن أمرِه المحتومِ -على وجهِ القضاءِ لمن قضَى عليه قضاءً مِن خلقِه الموجود- أنه إذا أمرَه بأمرٍ نفَذ فيه قضاؤُه، ومضى فيه أمرُه. نَظِيرُ أمرِه مَن أمَر مِن بنى إسرائيلَ بأن يكونوا قِرَدةَ خاسِئين، وهم موجودون في حالِ أمرِه إيَّاهم بذلك، وحَتْمِ قضائِه عليهم بما\n_________\n(^١) طبقات فحول الشعراء ١/ ١٣٣، وتأويل مشكل القرآن ص ٣٤٣، وزهر الآداب ٢/ ٩٦٨، وقد نسب البيت إلى الشماخ، والى أخيه جزء، ونسبوه أيضًا إلى الجن.\n(^٢) البوائج: جمع بائجة، وهى الداهية. التاج (ب وج).\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فريق\".","vol":"2","page":467},{"text":"قضَى فيهم، وكالذى خسَف به وبدارِه الأرضَ، وما أشْبَه ذلك مِن أمرِه وقضائِه، في من كان موجودًا مِن خلقِه في حالِ أمرِه المحتومِ عليه. فوجَّه قائِلو هذا القولِ قولَه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. إلى الخصوصِ دونَ العمومِ.\nوقال آخرون: بل الآيةُ عامٌّ ظاهِرُها، فليس لأحدٍ أن يُحِيلَها إلى باطنٍ بغيرِ حُجَّةٍ يجبُ التسليمُ لها. وقالوا: إن اللهَ جلَّ ثناؤُه عالمٌ بكلِّ ما هو كائنٌ قبلَ كونِه، فلما كان ذلك كذلك، كانت الأشياءُ التى لم تَكُن -وهى كائنةٌ، لعلمِه بها قبل كونِها- نَظائرَ التى هى موجودةٌ، فجاز أن يَقولَ لها: كونى. ويَأمرَها بالخروجِ مِن حالِ العدمِ إلى حالِ الوجودِ، لتَصوُّرِ جميعِها له، ولعلمِه بها في حالِ العدمِ.\nوقال آخرون: بل الآيةُ وإن كان ظاهِرُها ظاهِرَ عمومٍ، فتأويلُها الخصوصُ؛ لأن الأمرَ غيرُ جائزٍ إلا لمأمورٍ على ما وصَفْتُ قبلُ. قالوا: وإذْ كان ذلك كذلك، فالآيةُ تأويلُها: وإذا قضى أمرًا؛ من إحياءِ مَيِّتٍ، أو إماتةِ حىٍّ، ونحوِ ذلك، فإنما يقولُ للحى: كُنْ (^١) مَيتًا. وللميتِ: كُنْ حيًّا. وما أشْبَه ذلك مِن الأمرِ.\nوقال آخرون: بل ذلك مِن اللهِ جلّ ثناؤُه خبرٌ عن جميعِ ما يُنْشِئُه ويُكَوِّنُه، أنه إذا قضاه وخلَقه وأنشَأه كان ووُجِدَ. ولا قولَ هنالك عندَ قائلى هذه المقالةِ إلا وجودُ المخلوقِ، وحدوثُ المَقْضىِّ. وقالوا: إنما قولُ اللهِ: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. نَظيرُ قولِ القائلِ: قال فلانٌ برأْسِه، وقال بيدِه. إذا حرَّك رأسَه وأوْمأ بيدِه، ولم يَقُلْ شيئًا. وكما قال أبو النَّجْمِ (^٢):\n_________\n(^١) في الأصل: \"كان\".\n(^٢) اللسان (ح ن ق).","vol":"2","page":468},{"text":"قد (^١) قالتِ الأنْساعُ للبَطْنِ الْحَقِ (^٢)\nقِدْمًا فآضَتْ كالفَنِيقِ المُحنِقِ (^٣)\nولا قولَ هنالك، إنما عَنَى أن الظَّهْرَ قد لحق بالبطنِ. وكما قال عمرُو بنُ حُممةَ الدَّوْسِىُّ (^٤):\nفأصْبَحْتُ [مِثْلَ النّسْرِ طارَتْ فراخُه] (^٥) … إذا رَامَ تَطْيَارًا يُقالُ له قَعِ\nولا قولَ هنالك، وإنما معناه: إذا رام طَيَرانًا وقَع. وكما قال الآخرُ (^٦):\nامْتَلأَ الحَوْضُ وقال قَطْنِى\nمَهْلًا (^٧) رُوَيْدًا قَدْ مَلأْتَ بَطْنى\nوأولى الأقوالِ بالصوابِ في قولِه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. أن يُقالَ: هو عامٌّ في كلِّ ما قضاه اللهُ ودبَّره (^٨)، لأن ظاهِرَ ذلك ظاهِرُ عمومٍ، وغيرُ جائزٍ إحالةُ الظاهرِ إلى الباطنِ مِن التأويلِ بغيرِ برهانٍ؛ لما قد بَينَّا في كتابِنا \"كتابِ البيان عن أصولِ الأحكامِ\". وإذ كان ذلك كذلك، فأمرُ اللهِ تعالى\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٢) الأنساع: جمع نسع، وهو سير مضفور تشد به الرحال، ولحق البطن لحوقًا: ضمر. اللسان (ن س ع،\nل ح ق).\n(^٣) آضت: رجحت. والفنيق: هو الفحل المكرم من الإبل الذى لا يركب ولا يهان لكرامته عليهم. والمحنق: الضامر. اللسان (أ ى ض، ف ن ق، ح ن ق).\n(^٤) معجم الشعراء ص ١٧.\n(^٥) في معجم الشعراء: \"بين الفخ في العش ثاويا\".\n(^٦) أمالى ابن الشجرى ١/ ٣١٣، ومجالس ثعلب ص ١٨٩.\n(^٧) في الأصل، م، ت ٢، ت ٣: \"سيلا\".\n(^٨) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"برأه\".","vol":"2","page":469},{"text":"ذكرُه للشئِ إذا أراد تكوينَه موجودًا بقولِه: ﴿كُنْ﴾. في حالِ إرادتِه جل ثناؤُه إيّاه مُكَوَّنًا (^١)، لا يَتقدَّمُ وجودَ (^٢) الذى أراد إيجادَه وتكوينَه، إرادتَه إيَّاه، ولا أمرَه بالكونِ والوجودِ - ولا يَتأخَّرُ عنه، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ الشئُ مأمورًا بالوجودِ مرادًا كذلك إلا وهو موجودٌ، ولا أن يكونَ موجودًا إلا وهو مأمورٌ بالوجودِ مرادٌ كذلك. ونظيرُ قولِه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قولُه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]. بأن خروجَ القومِ مِن قبورِهم لا يَتقدَّمُ دُعاءَ اللهِ إيَّاهم ولا يتأخَّرُ عنه.\nويُسألُ مَن زعَم أن قولَه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ خاصٌّ في التأويلِ -اعْتِلالًا بأن أمْرَ غيرِ الموجودِ غيرُ جائزٍ- عن دَعْوةِ أهلِ القبورِ، أقبْلَ خُروجِهم مِن قبورِهم أم بعدَه (^٣)، أم هى في خاصٍّ مِن الخلقِ؟ فلن يقولَ في ذلك قولًا إلا أُلْزِم في الآخَرِ مثلَه.\nوأمَّا (^٤) الذين زعَموا أن معنى قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. نظيرُ قولِ القائلِ: قال فلانٌ برأسِه أو بيدِه. إذا حرَّكه أو أوْمَأ. ونَظيرُ قولِ الشاعرِ [مُخبرًا عن ناقتِه] (^٥):\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"تكوينا\".\n(^٢) في م: \"وجوده\".\n(^٣) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بعدها\".\n(^٤) في م: \"يسأل\".\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالبيت للمثقب العبدى، وهو في ديوانه ص ١٩٥.","vol":"2","page":470},{"text":"تقولُ إذا دَرَأْتُ (^١) لها وَضِينِى (^٢) … أهذا دِينُه أبدًا ودِينِى (^٣)\nوما أشْبَهَ ذلك، فإنهم لا صوابَ اللغةِ أصابوا، ولا كتابَ اللهِ وما دلَّت على صحتِه الأدلةُ اتَّبَعُوا، فيُقالُ لقائلى ذلك: إن اللهَ تعالى ذكرُه أخْبَر عن نفسِه أنه إذا قضَى أمرًا قال له: كُنْ. أفتُنْكِرون أن يكونَ قائلًا ذلك؟ فإن أنْكَروه كذَّبوا بالقرآنِ، وخرَجوا مِن الملةِ.\nوإن قالوا: بل نُقِرُّ به، ولكنا نَزْعُمُ أن ذلك نظيرُ قولِ القائلِ: قال الحائطُ فمال. ولا قولَ هنالك، وإنما ذلك خبرٌ عن مَيْلِ الحائطِ.\nقيل لهم: أفتُجِيزون للمُخْبِرِ عن الحائطِ بالمَيْلِ أن يقولَ: إنما قولُ الحائطِ إذا أراد أن يَميلَ أن يقولَ هكذا فيَمِيلَ؟\nفإن أجازوا ذلك، خرَجوا مِن معروفِ كلامِ العربِ، وخالفُوا مَنْطِقَها وما يُعْرَفُ فى لسانِها.\nوإن قالوا: ذلك غيرُ جائزٍ. قيل لهم: إن اللهَ تعالى ذكرُه أخْبرَ (^٤) عن نفسِه أن قولَه للشئِ إذا أراده أن يقولَ له: كُنْ. فيكونُ. فأعْلَم عبادَه قولَه الذى يكونُ به الشئُ، ووصَفه ووكَّده. وذلك عندَكم غيرُ جائزٍ فى العبارةِ عما لا كلامَ له ولا بيانَ، فى مثلِ قولِ القائلِ: قال الحائطُ فمال. فكيف لم تَعْلَموا بذلك فَرْقَ ما بينَ قولِ اللهِ: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وقولِ القائلِ: قال الحائطُ فمال؟ وللبيانِ عن فسادِ هذه المَقالةِ موضعٌ غيرُ هذا، نَأْتِى فيه على القولِ بما\n_________\n(^١) درأت وضين البعير: إذا بسطه على الأرض ثم أبركته عليه لتشده به. التاج (د ر أ).\n(^٢) الوضين: بطان عريض منسوج من سيور أو شعر. اللسان (وض ن).\n(^٣) الدين: العادة. اللسان (د ى ن).\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أخبرهم\".","vol":"2","page":471},{"text":"فيه الكِفايةُ إن شاء اللهُ.\nوإذْ كان الأمرُ فى قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. هو ما وصَفْنا، مِن أن حالَ أمْرِه الشئَ بالوجودِ حالُ وجودِ المأمورِ بالوجودِ، فَبَيِّنٌ (^١) بذلك أن الذى هو أولى بقولِه: ﴿فَيَكُونُ﴾. [أن يكونَ رفعًا] (^٢) على العطفِ على قولِه: ﴿يَقُولُ﴾. لأن القولَ والكونَ حالُهما واحدةٌ. وهو نظيرُ قولِ القائلِ: تاب فلانٌ فاهْتَدَى، واهْتَدَى فلانٌ فتاب. لأنه لا يكونُ تائبًا إلا وهو مُهْتَدٍ، ولا مُهْتَدِيًا إلا وهو تائبٌ. فكذلك لا يكونُ أن يَكونَ اللهُ آمِرًا شيئًا بالوجودِ إلا وهو موجودٌ، ولا موجودًا إلا وهو آمِرُه بالوجودِ.\nولذلك اسْتَجاز مَن استجاز نَصْبَ (فيكونَ) مَن قرَأ: (إنما قولُنا لشيءٍ إذا أرَدْناه أن نقولَ له كنْ فيكونَ) (^٣) [النحل: ٤٠]. بالمعنى الذى وصَفْنا على معنى: أن نقولَ فيكونَ.\nوأمَّا رَفْعُ مَن رفَع ذلك، فإنه رأَى أن الخبرَ قد تمَّ عندَ قولِه: ﴿إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ﴾. إذ كان معلومًا أن اللهَ إذا حتَم قضاءَه على شيءٍ، كان المحتومُ عليه موجودًا، ثم ابْتَدَأ بقولِه: ﴿فَيَكُونُ﴾. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: ٥]. وكما قال ابنُ أحْمرَ (^٤):\nيُعالِجُ عاقِرًا أَعْيَتْ علَيه … لِيُلْقِحَها فيَنْتِجُها حُوَارَا (^٥)\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فتبين\".\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رفع\".\n(^٣) النصب والرفع قراءتان سيأتى تخريجهما فى موضعه من التفسير.\n(^٤) المعانى الكبير ٢/ ٨٤٦، والكتاب ٣/ ٥٤.\n(^٥) الحوار: ولد الناقة ساعة تضعه أمه خاصة. التاج (ح ور).","vol":"2","page":472},{"text":"يُريدُ: فإذا هو يَنْتِجُها حُوَارَا.\nفمعنى الآيةِ: وقالوا اتَّخَذ اللهُ ولدًا. سبحانَه أن يكونَ له ولدٌ، بل هو مالكُ السماواتِ والأرضِ وما فيهما، كلُّ ذلك له مُقِرٌّ بالعبوديَّةِ، بدلالتِه على وَحْدانيتِه. فأنَّى يكونُ له ولدٌ، وهو ابْتَدَع السماواتِ والأرضَ مِن غيرِ أصلٍ، كما الذى ابْتَدَع المسيحَ مِن غيرِ والدٍ بقدرتِه وسلطانِه، الذى لا يَتَعَذَّرُ عليه به شيءٌ أراده، بل إنما يقولُ له إذا قضاه فأراد تكوينَه: كُنْ. فيكونُ موجودًا كما أراده وشاءَه، فكذلك كان ابتداعُه المسيحَ وإنشاؤُه، إذ أراد خَلْقَه مِن غيرِ والدٍ.\n\n<span id=\"aya-125\"></span><span data-type='title' id=toc-421>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى مَن عنَى اللهُ بقولِه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى اللهُ بذلك النَّصارَى.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾. قال: النَّصارَى تَقولُه (^١).\nوحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه، وزاد فيه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: النصارى.\nوقال آخَرون: بل عنى اللهُ بذلك اليهودَ الذين كانوا فى زمانِ رسولِ اللهِ ﷺ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢١٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢١٥ (١١٤٢). وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ١١٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"2","page":473},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، وحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، قالا جميعًا: حدثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، أو عِكْرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رافعُ بن حُريمِلةَ لرسولِ اللهِ ﷺ: إن كنتَ رسولًا مِن عندِ اللهِ كما تقولُ، فقلْ للهِ فلْيُكَلِّمْنا حتى نَسْمَعَ كلامَه. فأنْزَل اللهُ فى ذلك مِن قولِه (^١): ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾. الآية كلها (^٢).\nوقال آخَرون: بل عنَى اللهُ بذلك مُشْرِكى العربِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدثنا يَزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾: وهم كفارُ العربِ (^٣).\nوحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾. قال: هم كفارُ العربِ (^٤).\n_________\n(^١) فى الأصل: \"قولهم\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٩، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢١٥ (١١٤٠) من طريق سلمة به.\nوينظر تفسير ابن كثير ١/ ٢٣٢.\n(^٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢١٥ عقب الأثر (١١٤١) معلقًا.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢١٥ عقب الأثر (١١٤١) من طريق ابن أبى جعفر به.","vol":"2","page":474},{"text":"وحدَّثنى موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾: أما الذين لا يعلَمون فهم العربُ (^١).\nوأوْلَى هذه الأقوالِ بالصحةِ والصوابِ قولُ القائلِ: إن اللهَ تعالى ذكرُه عَنَى بقولِه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. النَّصارَى دونَ غيرِهم؛ لأن ذلك فى سياقِ خبرِ اللهِ عنهم، وعن افترائِهم عليه، وادِّعائهم له ولدًا، فقال جلَّ ثناؤُه مخبرًا عنهم فيما أخْبَر عنهم مِن ضلالتِهم، أنهم مع افترائِهم على اللهِ الكذبَ بقولِهم: ﴿اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾. تَمنَّوا على اللهِ الأباطيلَ، فقالوا جَهْلًا منهم باللهِ، وبمنزلتِهم عندَه، وهم باللهِ مُشْرِكون: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾ كما يُكَلِّمُ رسلَه وأنبياءَه، ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ كما أتَتْهم. ولا يَنْبَغِى للهِ أن يُكَلِّمَ إلَّا أولياءَه، ولا يؤْتِىَ آيةً مُعْجِزةً على دَعْوَى مُدَّعٍ إلا لمَن كان مُحِقًّا فى دعواه، وداعيًا إلى دينِه (^٢) وتوحيدِه. فأما مَن كان كاذبًا فى دعواه، وداعيًا إلى الفِريةِ عليه، وادِّعاءِ البنين والبناتِ له، فغيرُ جائزٍ أن يُكَلِّمَه جل ثناؤُه، أو يُؤْتِيَه آيةً مُعْجِزةً تكونُ مُؤَيدةً كَذِبَه وفِريتَه عليه.\nفأمَّا (^٣) الزاعمُ أنَّ اللهَ عَنَى بقولِه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. العربَ، فإنه قائلٌ قولًا لا خبرَ بصحتِه، ولا بُرهانَ على حقيقتِه فى ظاهرِ الكتابِ. والقولُ إذا صار إلى ذلك، كان واضحًا خطؤُه؛ لأنه ادَّعَى ما لا برهانَ على صحتِه. وادِّعاءُ مثلِ ذلك لن يَتَعذرَ على أحدٍ.\nوأما معنى قولِه: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾. فإنه بمعنى: هَلَّا يُكَلِّمُنا اللهُ. كما\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ٢٣٣ عن السدى.\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الله\".\n(^٣) فى م: \"وقال\"، وفى ت ٢: \"قول\".","vol":"2","page":475},{"text":"قال الأشْهَبُ بنُ رُمَيْلةَ (^١):\nتَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ (^٢) أفْضَلَ مَجْدِكُمْ (^٣) … بَنِى ضَوْطَرَى (^٤) لَوْلا الكَمِىَّ المُقَنَّعا\nيعنى: هلَّا تَعُدُّون الكمىَّ المُقَنَّعَا.\nوكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾. قال: فهلَّا يُكَلِّمُنا اللهُ (^٥).\nوأمَّا \"الآيَةُ\"، فقد [بيَّنتُ فيما مضى قبلُ] (^٦) أنها العلامةُ. وإنما أخْبَر اللهُ عنهم أنهم قالوا: هلَّا تَأْتينا آيةٌ على ما نُرِيدُ ونَسْألُ، كما أَتَت الأنبياءَ والرسلَ، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-422>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ فى من عَنَى اللهُ بقولِه: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم فى ذلك بما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾: هم\n_________\n(^١) البيت لجرير وليس للأشهب، ولعل المصنف قد تابع أبا عبيدة فى مجاز القرآن ١/ ٣٤، ولكن أبا عبيدة نسبه فى النقائض ٢/ ٨٣٣ إلى جرير، وهو فى ديوانه ٢/ ٩٠٧.\n(^٢) النيب: جمع ناب، والناب: الناقة المسنة، سموها بذلك حين طال نابها وعظم. التاج (ن ى ب).\n(^٣) فى الديوان والنقائض: \"سعيكم\".\n(^٤) بنو ضوطرى: يقال للقوم إذا كانوا لا يَغْنُون غَناء: بنو ضوطرى. اللسان (ض ط ر).\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢١٥ (١١٤٣) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٦) فى م: \"ثبت فيما قبل معنى الآية\". وينظر ما تقدم فى ١/ ١٠٤.","vol":"2","page":476},{"text":"اليهودُ (^١).\nوحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الذين من قبلهم اليهودُ.\nوقال آخرون: هم اليهودُ والنصارى؛ لأن الذين لا يَعْلَمون هم العربُ (^٢).\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يعنى: اليهودُ والنصارى وغيرُهم (^٣).\nوحدَّثنى موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: قالوا -يعنى العربَ- كما قالت اليهودُ والنصارى مِن قبلِهم (^٤).\nوحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾. يعنى: اليهودُ والنصارى (^٥).\nقال أبو جعفرٍ: قد دَلَّلنا على أن الذين عَنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾. هم النصارى، فالذين قالت النصارى (^٦) مثْلَ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢١٢.\n(^٢) فى م: \"اليهود\".\n(^٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢١٦ عقب الأثر (١١٤٤) معلقا.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢١٦ عقب الأثر (١١٤٤) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢١٦ عقب الأثر (١١٤٤) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٦) سقط من: م.","vol":"2","page":477},{"text":"قولِهم هم اليهودُ؛ [لأن اليهودَ] (^١) سأَلت موسى ﵇ أن يُرِيَهم ربَّهم جهرةً، وأن يُسْمِعَهم كلامَ ربِّهم -كما قد بيَّنا فيما مَضَى مِن كتابِنا هذا (^٢) - وسألوا مِن الآياتِ ما ليس لهم مسألتُه تَحكُّمًا منهم على ربِّهم، وكذلك تَمَنَّت النصارى على ربِّها تَحكُّمًا منها عليه، أن يُسْمِعَهم كلامَه، ويُرِيَهم ما أرادوا مِن الآياتِ، فأخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم قالوا مِن القولِ في ذلك مِثْلَ الذى قالَتْه اليهودُ، وتَمنَّت على ربِّها مِثْلَ أمانيِّها، وأن قولَهم الذى قالوه مِن ذلك إنما يُشابهُ قولَ اليهودِ، مِن أجلِ تَشابُهِ قلوبِهم في الضلالةِ والكفرِ باللهِ. فهم وإن اخْتَلفتْ مذاهبُهم في كذبِهم على اللهِ، وافترائِهم عليه، فقلوبُهم متشابهةٌ في الكفرِ بربِّهم والفِريةِ عليه، وتَحكُّمِهم على أنبياءِ اللهِ ورسلِه ﵈. وبمثلِ ما قلنا في ذلك قال مجاهدٌ.\nحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: قلوبُ النصارى واليهودِ.\nوقال غيرُه: معنى ذلك: تَشابَهت قلوبُ كفارِ العربِ واليهودِ والنصارى وغيرِهم.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. يعنى العربَ واليهودَ والنصارى وغيرَهم.\nوحدَّثنى المثنى، حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.\n_________\n(^١) في م: \"و\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٨٧ وما بعدها.","vol":"2","page":478},{"text":"وغيرُ جائزٍ في قولِه: ﴿تَشَابَهَتْ﴾. التَّثْقِيلُ؛ لأن التاءَ في أوَّلِها زائدةٌ، أُدْخِلت لقولِه: \"تفاعَل\". فإن ثُقِّلت صارت تاءَيْن، ولا يَجوزُ إدْخالُ تاءَيْن زائِدَتين علامةً لمعنًى واحدٍ، وإنما يَجوزُ ذلك في الاستقبالِ، لاختلافِ معنَى دُخولِهما؛ لأن إحداهما تَدْخُلُ عَلَمًا للاستقبالِ، والأُخْرَى منهما التى في \"تفاعَل\"، ثم تُدْغمُ إحداهما في الأخرى فتُثَقَّلُ، فيقالُ: تَشَّابَهُ بعدَ اليومِ قلوبُنا.\nفمعنَى الآيةِ: وقالت النصارى الجُهَّالُ باللهِ وبعَظمتِه: هَلَّا يُكَلمُنا اللهُ ربُّنا، كما كَلَّم أنبياءَه ورسلَه، أو تَجيئُنا علامةٌ مِن اللهِ نَعْرِفُ بها صدقَ ما نحن عليه، على ما نَسْألُ ونُريدُ. قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: فكما قال هؤلاء الجَهَلةُ مِن النصارى وَتمنَّوا على ربِّهم، قال مَن قَبْلَهم مِن اليهودِ، فسألوا ربَّهم أن يُرِيَهم نفسَه جَهْرةً، ويُؤْتِيَهم آيةً، واحْتَكموا عليه وعلى رسلِه، وتَمنَّوا الأمانِىَّ، فاشْتَبهت قلوبُ اليهودِ والنصارى في تَمرُّدِهم على اللهِ، وقِلَّةِ مَعرِفتِهم بعظمتِه، وجُرْأتِهم على أنبيائِه ورسلِه، كما اشْتَبهت أقوالُهم التى قالوها.\n\n<span data-type='title' id=toc-423>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾: قد بيَّنَّا العلاماتِ التى مِن أجلِها غَضِبَ اللهُ على اليهودِ، وجعَل منهم القِردةَ والخنازيرَ، وأعدَّ لهم العذابَ المُهينَ في معادِهم، والتى مِن أجلِها أخْزَى اللهُ النصارى في الدنيا، وأعدَّ لهم الخزىَ والعذابَ الأليمَ في الآخرةِ، والتى مِن أجلِها جعَل سُكَّانَ الجِنانِ الذين أسْلَموا وجوهَهم للهِ وهم محسنون - في هذه السورةِ وغيرِها، فأُعْلِموا الأسبابَ التى مِن أجلِها استحقَّ كلُّ فريقٍ منهم مِن اللهِ ما فعَل به مِن ذلك. وخصَّ اللهُ بذلك القومَ الذين يُوقِنون؛ لأنهم هم أهلُ التَّثبُّتِ في الأمورِ، والطالبون معرفةَ حقائقِ الأشياءِ على يقينٍ وصحةٍ. فأخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه أنه بَيَّن لمَن كانت هذه الصفةُ","vol":"2","page":479},{"text":"صفتَه ما بَيَّن مِن ذلك؛ ليزولَ شَكُّه، ويَعْلَمَ حقيقةَ الأمرِ، إذ كان ذلك خبرًا مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه، وخبرُ اللهِ الخبرُ الذى لا يُعذَرُ سامِعُه بالشكِّ فيه. وقد يَحْتَمِلُ غيرُه مِن الأخبارِ ما يَحْتَمِلُ مِن الأسبابِ العارضةِ فيه، مِن السَّهْوِ والغلَطِ والكذبِ، وذلك مَنْفِىٌّ عن خبرِ اللهِ.\n\n<span id=\"aya-126\"></span><span data-type='title' id=toc-424>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.</span>\nومعنى قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾: إنا أرسلناك يا محمدُ بالإسلامِ الذى لا أَقبَلُ مِن أحدٍ غيرَه مِن الأديانِ، وهو الحقُّ، مُبشِّرًا مَن اتَّبَعك فأطاعك، وقَبِل منك ما دَعوتَه إليه مِن الحقِّ، بالنصرِ في الدنيا، والظَّفَرِ بالثوابِ في الآخرةِ، والنعيمِ المُقيمِ فيها، ومُنْذِرًا مَن عصاك فخالفَك، وردَّ عليك ما دَعَوْتَه إليه مِن الحقِّ، بالخِزْىِ في الدنيا، والذلِّ فيها، والعذابِ المُهينِ في الآخرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-425>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: قَرَأت عامَّةُ القَرأةِ: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾. بِضَمِّ التاءِ مِن ﴿تُسْأَلُ﴾ ورَفْعِ اللامِ منها على الخبرِ، بمعنى: يا محمدُ، إنا أرْسَلناك بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا، فبلِّغْ (^١) ما أُرْسِلْتَ به، فإنما عليك البلاغُ والإنْذارُ، ولسْتَ مسئولًا عمَّن كفَر بما أتَيْتَه به مِن الحقِّ فكان مِن أهلِ الجحيمِ.\nوقرَأ ذلك بعضُ أهلِ المدينةِ. (ولا تَسألْ). جَزْمًا بمعنى النَّهْىِ، مفتوحَ التاءِ مِن (تَسْأَلْ)، وبجَزْمِ اللامِ منها (^٢). ومعنى ذلك على قراءةِ هؤلاء: إنا أرْسَلناك بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا؛ لتُبلِّغَ ما أُرْسِلْتَ به، لا لتسألَ عن أصحابِ الجحيمِ، فلا تَسْأَلْ عن حالِهم.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فبلغت\".\n(^٢) وهذه قراءة نافع، وقرأ الباقون كالوجه الأول. حجة القراءات ص ١١١.","vol":"2","page":480},{"text":"وتَأوَّل الذين قرَءوا هذه القراءةَ ما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن موسى بنِ عُبيدة (^١)، عن محمدِ بنِ كعبٍ، قال: قال رسول اللهِ ﷺ: \"ليتَ شِعْرِى ما فعَل أبواى\". فنزَلت: (ولا تَسْألْ عن أصحابِ الجَحيمِ) (^٢).\nوحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا الثورىُّ، عن موسى بنِ عُبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ليت شِعْرِى ما فعَل أبواى، ليت شِعْرِى ما فعَل أبواى، ليت شِعْرِى ما فعَل أبواى\" (^٣). فنزَلت: (إنا أرْسَلْناك بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا ولا تَسْألْ عن أصحابِ الجحيمِ). فما ذكَرهما حتى تَوفَّاه اللهُ (^٤).\nوحدَّثنى القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنا حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخبرنى داودُ بنُ (^٥) أبى عاصمٍ، أن النبىَّ ﷺ قال ذاتَ يومٍ: \"ليت شِعْرِى أين أبواى\". فنزَلت: (إنا أرْسَلْناك بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا ولا تَسْألْ عن أصحابِ الجحيمِ) (^٦).\nوالصوابُ عندى مِن القراءةِ في ذلك قراءةُ مَن قرَأ بالرفعِ (^٧)، على الخبرِ؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه قصَّ قَصصَ أقوامٍ مِن اليهودِ والنصارى، وذكَر ضلالتَهم وكفرَهم\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبدة\". وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ١٠٤.\n(^٢) أخرجه وكيع -كما في الدر المنثور ١/ ١١١ - ومن طريقه ابن الأعرابى في معجمه (٧٥١)؛ بالزيادة الآتية في الأثر بعده.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١١١ إلى ابن عيينة وعبد بن حميد وابن المنذر، وقال: هذا مرسل ضعيف الإسناد. . . لا يقوم به حجة. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٢٣٤.\n(^٣) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ثلاثا\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٩، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢١٧ (١١٥١) من طريق الثورى به.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ٨/ ٤٠٧.\n(^٦) إسناده مرسل. ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٣٤ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١١١ إلى المصنف، وقال: معضل الإسناد، ضعيف، لا يقوم به حجة.\n(^٧) القراءتان متواترتان، لا مدخل لترجيح إحداهما على الأخرى.","vol":"2","page":481},{"text":"باللهِ، وجُرْأتَهم على أنبيائِهم (^١)، ثم قال لنبيِّه ﷺ: إنا أرسلناك يا محمدُ بشيرًا مَن آمَن بك واتبعك، ممن قَصَصتُ عليك أنباءَه ومَن لم أقْصُصْ عليك أنباءَه، ونذيرًا مَن كفَر بك وخالفَك. فبَلِّغْ رسالتى، فليس عليك مِن أعمالِ مَن كفَر بك -بعدَ إبلاغِك إياه رسالتى- تَبِعةٌ، ولا أنت مسئولٌ عما عمِل (^٢) بعدَ ذلك. ولم يَجْرِ لمسألةِ رسولِ اللهِ ﷺ ربَّه عن أصحابِ الجحيمِ ذِكْرٌ فيكونَ لقولِه: (ولا تَسْألْ عن أصحابِ الجحيمِ). وجهٌ يُوَجَّهُ إليه. وإنما الكلامُ موجَّهٌ معناه إلى ما دلَّ عليه ظاهرُه المفهومُ، حتى تأتىَ دلالةٌ بينةٌ تَقومُ بها الحجةُ على أنا المرادَ به غيرُ ما دلَّ عليه ظاهرُه، فيكونَ حينَئذٍ مُسلَّمًا للحجةِ الثابتةِ بذلك. ولا خبرَ تَقومُ به الحجةُ على أن النبىَّ ﷺ نُهِىَ عن أن يَسْألَ في هذه الآيةِ عن أصحابِ الجحيمِ، ولا دلالةَ تدلُّ على أن ذلك كذلك في ظاهرِ التنزيلِ. فالواجبُ أن يكونَ تأويلُ ذلك الخبرَ عمّا (^٣) مَضَى ذِكْرُه قبلَ هذه الآيةِ، وعمَّن ذكَره بعدَها مِن اليهودِ والنصارى وغيرِهم مِن أهلِ الكفرِ، دونَ النهىِ عن المسألةِ عنهم.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن الخبرَ الذى رُوِىَ عن محمدِ بنِ كعبٍ صحيحٌ، فإن في استحالةِ الشكِّ مِن الرسولِ ﷺ -في أن أهلَ الشركِ مِن أهلِ الجحيم، وأن أبويه كانا منهم- ما يَدْفعُ صحةَ ما قاله محمدُ بنُ كعبٍ، إن كان الخبرُ عنه صَحيحًا. مع أن في ابتداءِ اللهِ الخبرَ بعدَ قولِه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. بالواوِ، بقولِه: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾. وتركِه وَصْلَ ذلك بأولِه بالفاءِ، وأن يقولَ (^٤): إنا أَرسْلناك بالحقِّ بشيرًا وتذيرًا فلا (^٥) تَسْأَلْ عن أصحابِ الجحيمِ -أوضحَ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أنبيائه\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فعل\".\n(^٣) في م: \"على ما\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يكون\".\n(^٥) في م: \"ولا\".","vol":"2","page":482},{"text":"الدلائلِ على أن الخبرَ بقولِه: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾. أوْلَى مِن النهىِ، والرفعُ أوْلَى به مِن الجزمِ.\nوقد ذُكِرَ أنها في قراءةِ أبىٍّ: (وما تُسْأَلُ). وفى قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (ولن تُسْألَ). وكلتا هاتين القراءتين تَشْهَدُ للرفعِ والخبرِ فيه بالصحةِ (^١)، دونَ النهىِ.\nوقد كان بعضُ نحويِّى البصرةِ يوُجِّهُ قولَه: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾. إلى الحالِ، كأنه كان يَرى أن معناه: إنا أرسلْناك بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا غيرَ مسئولٍ عن أصحابِ الجحيمِ. وذلك إذا ضَمَّ التاءَ، وقرَأه على معنى الخبرِ. وكان يُجيزُ على ذلك قراءتَه: (ولا تَسْأَلُ). بفتحِ التاءِ وضَمِّ اللامِ على وجهِ الخبرِ أيضًا، بمعنى: إنا أرسلْناك بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا غيرَ سائلٍ عن أصحابِ الجحيمِ.\nوقد بيَّنّا الصوابَ عندنا في ذلك.\nوهذان القولان اللذان ذكَرْتُهما عن البصرىِّ في ذلك تَدْفَعُهما (^٢) ما رُوِى عن ابنِ مسعودٍ وأبىٍّ من القراءةِ؛ لأن إدخالَهما ما أَدخلا في (^٣) ذلك من \"ما\"، و\"لن\"، يدلُّ على انقطاعِ الكلامِ عن أولِه وابتداءِ قولِه: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾. وإذا كان ابتداءً لم يكنْ حالًا.\nوأما أصحابُ الجحيمِ، [فإنهم أهلُ الجحيمِ، والجحيمُ] (^٤) هى النارُ بعينِها إذا شبَّ وقودُها، ومنه قولُ أميةَ بنِ أبى الصَّلْتِ (^٥):\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، وقراءة أُبى وابن مسعود شاذة. ينظر البحر المحيط ١/ ٣٦٧.\n(^٢) في م: \"يرفعهما\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فالجحيم\".\n(^٥) ديوانه ص ٥١.","vol":"2","page":483},{"text":"إذا شَبَّتْ جَهَنّمُ ثُمَّ دارَت (^١) … وأعْرَضَ عن قَوَابِسِها الجَحِيمُ\n\n<span id=\"aya-127\"></span><span data-type='title' id=toc-426>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾: وليست اليهودُ يا محمدُ ولا النصارَى براضيةٍ عنك أبدًا، فدَعْ طلبَ ما يُرضِيهم ويوافقُهم، وأقْبِلْ على طلبِ رضا اللهِ في دعائِهم إلى ما بعَثك اللهُ به من الحقِّ، فإن الذى تدعوهم إليه من ذلك لهو السبيلُ إلى الاجتماعِ فيه معك على الألفةِ والدين القيمِ، ولا سبيلَ لك إلى إرضائِهم باتباعِ ملتِهم؛ لأن اليهوديةَ ضدُّ النصرانيةِ، والنصرانيةَ ضدُّ اليهوديةِ، ولا تَجتمعُ النصرانيةُ واليهوديةُ في شخصٍ واحدٍ، في حالٍ واحدةٍ، واليهودُ والنصارى لا تجتمعُ على الرضا بك، إلا أن تكونَ يهوديًّا نصرانيًّا، وذلك مما لا يكونُ منك أبدًا؛ لأنك شخصٌ واحدٌ، ولن يَجْتَمِعَ فيك دينان متضادّان في حالٍ واحدةٍ، وإذا لم يكنْ لك إلى اجتماعِهما فيك في وقتٍ واحدٍ سبيلٌ، لم يكنْ إلى إرضاءِ الفريقَيْن سبيلٌ، وإذا لم يكنْ لك إلى ذلك سبيلٌ، فالزمْ هُدَى اللهِ الذى لجميعِ (^٢) الخلقِ إلى الألفةِ عليه سبيلٌ.\nوأما \"الملةُ\"، فإنها الدينُ، وجمعُها المِلَلُ.\nثم قال جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ -لهؤلاءِ النصارَى واليهودِ الذين قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ -: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾. يعنى أن بيانَ اللهِ هو البيانُ المُقنِعُ، والقضاءُ\n_________\n(^١) في الأصل: \"زارت\". وفى رواية للديوان: \"فارت\".\n(^٢) في م: \"لجمع\"، وفى ت ١، ت ٣: \"يجتمع\"، وفى ت ٢: \"يجمع\".","vol":"2","page":484},{"text":"الفاصلُ بينَنا، فهَلُمُّوا إلى كتابِ اللهِ وبيانِه الذى بيَّنَ فيه لعبادِه ما اختلَفوا فيه -وهو التوراةُ التى تُقِرُّون جميعًا بأنها من عندِ اللهِ- يَتَّضِحْ لكم فيها المُحِقُّ منا من المُبْطِلِ، وأيُّنا أهلُ الجنةِ وأيُّنا أهلُ النارِ، وأيُّنا على الصوابِ وأيُّنا على الخطأِ.\nوإنما أمَر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يَدعوَهم إلى هُدَى اللهِ وبيانِه، لأن فيه تكذيبَ اليهودِ والنصارَى فيما قالوا من أن الجنةَ لن يَدخُلَها إلا من كان هُودًا أو نصارَى، وبيانَ أمرِ محمدٍ ﷺ، [وأنه رسولُ اللهِ] (^١)، وأن المُكَذِّبَ به هو من أهلِ النارِ دونَ المصدِّقِ به.\n\n<span data-type='title' id=toc-427>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بذلك (^٢): ولئنِ اتَّبعتَ يا محمدُ هَوَى هؤلاءِ اليهودِ والنصارَى، فيما يُرضيهم عنك من تَهَوُّدٍ وتنَصُّرٍ، فصِرْتَ من ذلك إلى رضاهم، ووافقْتَ فيه محبتَهم، من بعدِ الذى جاءَك من العلمِ، بضلالتِهم وكفرِهم بربِّهم، ومن بعدِ الذى اقتصَصْتُ عليك من نبئِهم في هذه السورةِ، ﴿مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾. يعنى بذلك: ليس لك يا محمدُ من ولىٍّ يَلِى أمرَك، وقَيِّمٍ يقومُ به، ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ يَنصُرُك من اللهِ، فيدفَعَ عنك ما ينزِلُ بك منه من عقوبةٍ، ويمنَعُك من ذلك إن أحلَّ بك ذلك ربُّك.\nوقد بيَّنَّا معنى \"الولىِّ\" و\"النصيرِ\" فيما مضَى قبلُ (^٣).\nوقد قيل: إن اللهَ تعالى ذكرُه أنزلَ هذه الآيةَ على نبيِّه ﵇؛ لأن اليهودَ والنصارَى دعَتْه إلى أديانِها، وقال كلُّ حزبٍ منهم: إن الهُدَى هو ما نحن عليه،\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م: \"بقوله\".\n(^٣) ينظر ما تقدم ص ٤٠٨.","vol":"2","page":485},{"text":"دونَ ما عليه غيرُنا من سائرِ المللِ. فوعَظه اللهُ أن يفعلَ ذلك، وعلَّمه الحجةَ الفاصلةَ بينَهم فيما ادَّعى كلُّ فريقٍ منهم.\n\n<span id=\"aya-128\"></span><span data-type='title' id=toc-428>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويلِ في الذين عناهم اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ فقال بعضُهم؛ هم المؤمنون برسولِ اللهِ وبما جاء به من أصحابِه.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: هؤلاء أصحابُ نبىِّ اللهِ ﷺ، آمَنوا بكتابِ اللهِ وصدَّقُوا به (^١).\nوقال آخرون: بل عَنَى اللهُ بذلك علماءَ بني إسرائيلَ الذين آمنوا باللهِ وصدَّقوا رسلَه، فأقرُّوا بحكمِ التوراةِ، فعمِلوا بما أمَرهم اللهُ فيها من اتباعِ محمدٍ ﷺ، والإيمانِ به، والتصديقِ بما جاء به من عندِ اللهِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. [قال: مَن آمَن برسولِ اللهِ من بني إسرائيلَ وبالتوراةِ. وقرَأ] (^٢): ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢١٨ (١١٦١) من طريق شيبان، عن قتادة بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١١١ إلى المصنف وعبد بن حميد عن قتادة بنحوه، وفيه زيادة.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":486},{"text":"مَن كفر بالنبىِّ ﷺ من يهودَ، فأولئك هم الخاسرون (^١).\nوهذا القولُ أولى بالصوابِ من القولِ الذى قاله قتادةُ؛ لأن الآياتِ قبلَها مضَت بأخبارِ أهلِ الكتابَيْن، وتبديلِ مَن بدَّل منهم كتابَ اللهِ، وتأوُّلِهم إيَّاه على غيرِ تأويلِه، وادِّعائِهم على اللهِ الأباطيلَ، ولم يَجْرِ لأصحابِ محمدٍ ﷺ في الآيةِ التى قبلَها ذكْرٌ، فيكونَ قولُه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾. موجَّهًا إلى الخبرِ عنهم، ولا لهم بعدَها ذكرٌ في الآيةِ التى تَتْلُوها، فيكونَ مُوَجَّهًا ذلك إلى أنه خبرٌ مبتدأٌ عن قَصَصِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ بعدَ انقضاءِ قَصَصِ غيرِهما، ولا جاء بأن ذلك خبرٌ عنهم أثَرٌ يَجِبُ التسليمُ له.\nفإذْ كان ذلك كذلك، فالذى هو أوْلَى بمعنى الآيةِ أن يكونَ موجَّهًا إلى أنه خبرٌ عمن قصَّ اللهُ نبأَه (^٢) في الآيةِ قبلَها والآيةِ بعدَها، وهم أهلُ الكتابيْن؛ التوراةِ والإنجيلِ. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: الذين آتيْناهم الكتابَ الذى قد عرَفته يا محمدُ، وهو التوراةُ، فقرءُوه واتَّبَعوا ما فيه، فصدَّقوك وآمَنوا بك، وبما جئتَ به مِن عندى، فأولئك يتلونه حقَّ تلاوتِه. وإنما أُدخلت الألفُ واللامُ في ﴿الْكِتَابَ﴾ لأنه معرفةٌ، قد كان النبيُّ ﷺ وأصحابُه عرَفوا أىَّ الكتبِ عَنَى به.\n\n<span data-type='title' id=toc-429>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأْويلِ في تأويلِ قولِ اللهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: يتَّبعونه حقَّ اتِّباعِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ وعبدُ الأعلى،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٣٥.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جل ثناؤه\".","vol":"2","page":487},{"text":"وحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَدِىٍّ، جميعًا عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. قال: يَتَّبِعونه حَقَّ اتِّبَاعِه (^١).\nوحدَّثنى ابنُ (^٢) المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، قال: حدَّثنا داودُ، عن عكرمةَ بمثلِه (^٣).\nوحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ أبى هندٍ، عن عكرمةَ مثلَه (^٣).\nوحدَّثنى الحسينُ بنُ عمرٍو العَنْقَزىُّ، قال: حدَّثنا أبى، عن أسباطَ، عن السُّدِّىِّ، عن أبى مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. قال: يُحِلُّون حلالَه، ويُحَرِّمون حرامَه، ولا يُحَرِّفونه (^٤).\nوحدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: قال أبو مالكٍ: إن ابنَ عباسٍ قال في: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. فذكَر مثلَه، إلَّا أنه قال: ولا يُحَرِّفونه عن مواضعِه (^٥).\nوحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا المُؤَمَّلُ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢١٨ (١١٥٩)، وابن المقرئ في معجمه (١٠٥) من طريق داود به. وزاد ابن أبى حاتم: ثم قرأ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ يقول: اتبعها. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١١١ إلى ابن المنذر والهروى في فضائله.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٣٥٩.\n(^٣) ينظر ما سيأتي في ص ٤٩٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢١٨ (١١٥٧) من طريق عمرو بن محمد العنقزى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١١١ إلى ابن المنذر.\n(^٥) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٦٦ من طريق عمرو بن حماد به. وقال: صحيح الإسناد.","vol":"2","page":488},{"text":"زُبَيدٌ (^١)، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. قال: يَتَّبِعونه حَقَّ اتِّباعِه (^٢).\nوحُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: والذى نفسى بيدِه، إن حَقَّ تلاوتِه أن يُحِلَّ حلالَه، ويُحَرِّمَ حرامَه، ويَقْرَأَه كما أنزَلَه اللهُ، ولا يُحَرِّفَ الكَلِمَ عن مواضعِه، ولا يَتَأَوَّلَ منه شيئًا على غيرِ تأويلِه (^٣).\nوحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ ومنصورِ بنِ المُعْتَمِرِ، عن ابنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾: أن يُحَلَّ حلالُه، ويُحَرَّمَ حرامُه، ولا يُحَرَّفَ (^٤) عن مواضعِه (^٥).\nوحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، قال: حدَّثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عمَّن ذكَره، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾: يَتَّبِعونه حَقَّ اتِّباعِه (^٦).\nوحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا عبادُ بنُ العَوَّامِ، عن الحجَّاجِ، عن عطاءٍ مثلَه (^٧).\nوحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن\n_________\n(^١) في م: \"يزيد\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"زيد\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٢٨٩.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٣٦ عن سفيان.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٣٥ عن أبى العالية.\n(^٤) في م: \"يحرفه\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٦، ٥٧. وقتادة ومنصور لم يدركا ابن مسعود.\n(^٦) ينظر فضائل القرآن لأبى عبيد ص ٦١.\n(^٧) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢١٨ عقب الأثر (١١٥٩) معلقا.","vol":"2","page":489},{"text":"منصورٍ، عن أبى رَزِينٍ في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. قال: يَتَّبِعونه حَقَّ اتِّباعِه (^١).\nوحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا المُؤمَّلُ، قال: حدَّثنا سفيانُ، وحدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو نُعيمٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، وحدَّثنى نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدىُّ (^٢)، قال: حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيمَ، عن سفيانَ، قالوا جميعًا: عن منصورٍ، عن أبى رَزِينٍ مثلَه.\nوحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن مجاهدٍ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. قال: عمَلًا به.\nوحدَّثنى يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، [عن مجاهدٍ] (^٣): ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. قال: يَتَّبِعونه حَقَّ اتِّباعِه، ألم تَرَ إلى قولِه: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢]؟ يعنى الشمسَ إذا اتَّبعها (^٤) القمرُ (^٥).\nوحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المُباركِ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبى سليمانَ، عن عطاءٍ وقيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. قال: يعمَلون به حقَّ عمَلِه.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هُشيمٌ، عن\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ٤٨.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأزدى\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م: \"تبعها\".\n(^٥) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٦٢ عن هشيم به.","vol":"2","page":490},{"text":"عبدِ الملكِ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، عن مجاهدٍ، قال: يَتَّبعونه حَقَّ اتِّباعِه.\nوحَدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾: يعمَلون به حَقَّ عملِه (^١).\nوحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا مؤمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. قال: يَتَّبِعونه حَقَّ اتباعِه.\nوحدَّثنى عمرٌو، قال: حدَّثنا أبو قُتيبةَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ أبى جعفرٍ، عن (^٢) أيوبَ، عن أبى الخليلِ، عن مجاهدٍ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. قال: يَتَّبعونه حَقَّ اتباعِه.\nوحدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا يحيى القَطَّانُ، عن عبدِ الملِكِ، عن عطاءٍ قولَه: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. قال: يَتَّبعونه حَقَّ اتباعِه، يعمَلون به حقَّ عمَلِه (^٣).\nوحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكِيعٍ، قال: حدَّثنى أبى، عن المُباركِ، عن الحسنِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. قال: يعمَلون بمحكمِه، ويؤمنون بمتشابِهه، ويَكِلُون ما\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢١٢، ٢١٣، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢١١ - تفسير) من طريق خصيف عن مجاهد.\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبى\". وينظر تهذيب الكمال ٣/ ٤٥٧.\n(^٣) تقدم من وجه آخر عن عطاء في ص ٤٨٩.","vol":"2","page":491},{"text":"أَشْكَل عليهم إلى عالمِه (^١).\nوحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: أحَلُّوا حلالَه، وحرَّموا حرامَه، وعمِلوا بما فيه. ذُكِر (^٢) لنا أن ابنَ مسعودٍ كان يقولُ: إن حقَّ تلاوتِه أن يُحَلَّ حلالُه، ويُحَرَّمَ حرامُه، وأن يُقْرَأَ (^٣) كما أنزَلَه اللهُ، ولا يُحَرَّفَ (^٤) عن مواضعِه (^٥).\nحدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا الحكَمُ بنُ عَطِيَّةَ، قال: سمِعتُ قَتادةَ يقولُ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. قال: يتَّبِعونه حقَّ اتِّباعِه (^٦)، يحِلُّون حلالَه، ويحرِّمون حرامَه، ويقرءونه كما أُنْزِل.\nوحدَّثنى المُثَنَّى، قال: أخبرنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن داودَ، عن عكرمةَ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. قال: يَتَّبِعونه حَقَّ اتِّباعِه، أمَا سمِعتَ قولَ اللهِ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢]. قال: إذا اتَّبَعها (^٧).\nوقال آخَرون: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾: يَقْرَءونه حقَّ قراءتِه.\nوالصوابُ مِن القولِ في تأويلِ ذلك أنه بمعنى: يَتَّبِعونه حَقَّ اتباعِه. مِن قولِ\n_________\n(^١) أخرجه وكيع -كما في الدر المنثور ١/ ١١١ -، ومن طريقه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢١٨ (١١٥٨).\n(^٢) في ت ٢: \"قيل\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقرأه\".\n(^٤) في م: \"يحرفه\".\n(^٥) ينظر ما تقدم في ص ٤٨٦، ٤٨٩.\n(^٦) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال اتباعه\".\n(^٧) في م، ت ١، ت ٣: \"تبعها\"، وفى ت ٢: \"تبعتها\".\nوالأثر أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٦١ عن هشيم به. وأخرجه في غريب الحديث ٤/ ١٧٣ عن عباد بن العوام عن داود به. وينظر ما تقدم في ص ٤٨٨.","vol":"2","page":492},{"text":"القائلِ: ما زلتُ أَتلو أثرَه. إذا اتَّبَع أثرَه؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن أهلِ التأويلِ على أن ذلك تأويلُه. وإذ كان ذلك تأويلَه، فمعنى الكلامِ: الذين آتيناهم الكتابَ يا محمدُ، مِن أهلِ التوراةِ الذين آمنوا بك، وبما جئتَهم به مِن الحقِّ مِن عندى - يَتَّبِعون كتابى الذى أنزلْتُ على رسولى موسى صلواتُ اللهِ عليه، فيؤمِنون به، ويقِرُّون بما فيه مِن نعتِك وصفتِك، وأنك رسولى، فَرْضٌ عليهم طاعتى في الإيمانِ بك، والتصديقِ بما جئتَهم به مِن عندى، ويَعمَلون بما أحْلَلتُ لهم، ويتَجنَّبون (^١) ما حرَّمتُ عليهم فيه، ولا يُحَرِّفونه عن مواضِعِه، ولا يُبَدِّلونه، ولا يُغَيِّرونه عمَّا (^٢) أنزلتُه عليهم، بتأويلٍ ولا غيرِه.\nوقولُه: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. مبالغةٌ في صفةِ اتِّباعِهم الكتابَ، ولزومِهم العملَ به، كما يقالُ: إن فلانًا لعالمٌ حَقُّ عالمٍ. وكما يقالُ: إن فلانًا لفاضلٌ كلُّ فاضلٍ.\nوقد اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في إضافةِ \"حقّ\" إلى المعرفةِ؛ فقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: غيرُ جائزةٍ إضافتُه إلى معرفةٍ؛ لأنه بمعنى \"أىّ\"، وبمعنى قولِك: أفضلُ رجلٍ. قال (^٣): و\"أَفْعَلُ\" لا يُضافُ إلى واحدٍ معرفةٍ، لأنه مُبَعَّضٌ، ولا يكونُ الواحدُ [المعرفةُ مبعَّضًا] (^٤). فأحالوا أن يقالَ: مرَرتُ بالرجُلِ حقَّ الرجُلِ، ومرَرتُ بالرجُلِ جِدَّ الرجُلِ. كما أحالوا: مرَرتُ بالرجُلِ أىَّ الرجُلِ. وأجازوا ذلك في: كلّ الرجلِ، وعين (^٥) الرجلِ، ونفس الرجلِ. وقالوا: إنما أجَزْنا ذلك لأن هذه\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يجتنبون\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كما\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فلان\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المبعض معرفة\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"غير\".","vol":"2","page":493},{"text":"الحروفَ كانتْ في الأصلِ تواكيدَ، فلمَّا صِرْنَ مُدُوحًا تُرِكْنَ (^١) على أصولِهنَّ في المعرفةِ.\nوزعَموا أن قولَه: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. إنما جازت إضافتُه إلى \"التلاوةِ\" وهى مضافةٌ إلى معرفةٍ، لأن العربَ تعتدُّ بالهاءِ إذا عادت [بالنكرةِ نكرةً] (^٢)، فيقولون: مرَرتُ برجلٍ واحدِ أُمِّه، ونَسِيجِ وَحْدِه، وسيِّدِ قومِه. قالوا: فكذلك قولُه: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. إنما جازت إضافةُ \"حقّ\" إلى \"التلاوةِ\" وهى مضافةٌ إلى الهاءِ؛ لاعتدادِ العربِ بالهاءِ التى في نظائرِها في عِدَادِ النكِراتِ. قالوا: ولو كان تأويلُ (^٣) ذلك: حقَّ التلاوةِ. لوجَب أن يكونَ جائزًا: مرَرتُ بالرجُلِ حَقَّ الرجُلِ. فعلى هذا القولِ تأويلُ الكلامِ: الذين آتَيْناهم الكتابَ يَتْلونه حَقَّ تلاوةٍ.\nوقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: جائزةٌ إضافةُ \"حقّ\" إلى النكِراتِ مع النكراتِ، ومع المعارفِ إلى المعارفِ، وإنما ذلك نظيرُ قولِ القائلِ: مرَرتُ بالرجُلِ غُلامِ الرجُلِ، وبرجُلٍ غُلامِ رجلٍ. فتأويلُ الآيةِ على قولِ هؤلاء: الذين آتيناهم الكتابَ يتلُونه حقَّ التلاوةِ (^٤).\nوأَوْلَى ذلك بالصوابِ عندَنا القولُ الأولُ؛ لأن معنى قولِه: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾: أىَّ تلاوةٍ، بمعنى مَدْحِ التلاوةِ التى تلَوْها وتفضيلِها، و\"أىّ\" غيرُ جائزةٍ إضافتُها إلى واحدٍ معرفةٍ عندَ جميعِهم، فكذلك \"حقّ\" غيرُ جائزةٍ إضافتُها إلى واحدٍ معرفةٍ، وإنما أُضِيف في قولِه: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ إلى ما فيه الهاءُ؛ لِماَ وصفتُ مِن العلَّةِ التى\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مدوحا\".\n(^٢) في م:\"إلى نكرة بالنكرة\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣: \"تلاوته\".","vol":"2","page":494},{"text":"تقدَّمَ بيانُناها.\n\n<span data-type='title' id=toc-430>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاء الذين أخْبَر عنهم أنهم يَتْلون ما آتاهم مِن الكتابِ حقَّ تلاوتِه.\nوأمَّا قولُه: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. فإنه يعنى: يُصَدِّقون به. والهاءُ التى في قولِه: ﴿بِهِ﴾ عائدةٌ على الهاءِ التى في ﴿تِلَاوَتِهِ﴾. وهما جميعًا مِن ذكْرِ الكتابِ الذى قال اللهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾. فأخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤه أن المؤمنَ بالتوراةِ هو المُتَّبِعُ ما فيها مِن حلالِها وحرامِها، والعاملُ بما فيها مِن فرائضِ اللهِ التى فرَضها فيها على أهلِها، وأن أهلَها الذين هم أهلُها مَن كان ذلك صفتَه دونَ مَن كان مُحَرِّفًا لها، مُبَدِّلًا تأويلَها، مُغَيِّرًا سُنَنَها، تاركًا ما فرَض اللهُ فيها عليه.\nوإنما وصَف جلَّ ثناؤُه مَن وصَف بما وصَف به مِن مُتَّبِعى التوراةِ، فأَثْنَى عليهم بما أَثْنَى به عليهم؛ لأن في اتباعِها اتباعَ محمدٍ نبيِّ اللهِ ﷺ وتصديقَه؛ لأن التوراةَ تَأمُرُ أهلَها بذلك، وتُخْبِرُهم عن اللهِ تعالى ذكرُه بنُبُوَّتِه وفرْضِ طاعتِه على جميعِ خلْقِ اللهِ مِن بنى آدمَ، وأن في التكذيبِ بمحمدٍ ﷺ التكذيبَ بها (^١)، فأخبَر جلَّ ثناؤُه أن مُتَّبِعى التوراةِ هم المؤمنونَ بمحمدٍ ﷺ، وهم العاملون بما فيها.\nكما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. قال: مَن آمن برسولِ اللهِ ﷺ مِن بنى إسرائيلَ وبالتوراةِ، وأن الكافرَ بمحمدٍ ﷺ هو الكافرُ بها الخاسرُ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ\n_________\n(^١) في م: \"لها\".","vol":"2","page":495},{"text":"فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-431>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾</span>\nيعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾: ومَن يَكْفُرْ بالكتابِ الذى أخبَرَ أنه يَتْلُوه مَن آتاه مِن المؤمنين حَقَّ تلاوتِه.\nويعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَكْفُرْ﴾: يَجْحَدْ ما فيه مِن فرائضِ اللهِ ونُبُوَّةِ محمدٍ ﷺ وتصديقِه، ويُبَدِّلْه فيُحَرِّفْ تأويلَه، أولئك هم الذين خسِروا علْمَهم وعمَلَهم، فبَخَسوا أنفسَهم حُظوظَها مِن رحمةِ اللهِ، واسْتَبْدَلوا بها سَخَطَ اللهِ وغضَبَه.\nوقال ابنُ زيدٍ في ذلك (^١) بما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. قال: مَن كفَر بالنبيِّ ﷺ مِن يهودَ، فأولئك هم الخاسرون.\n\n<span id=\"aya-129\"></span><span data-type='title' id=toc-432>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢)﴾.</span>\nوهذه الآيةُ عِظَةٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه لليهودِ الذين كانوا بينَ ظَهْرَانَىْ مُهَاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ، وتذكيرٌ منه لهم بما سلَف مِن أَيَادِيه إليهم في صُنْعِه بأوائلِهم، استعطافًا منه لهم على دينِه، وتصديقِ رسولِه محمدٍ ﷺ، فقال: يا بنى إسرائيلَ، اذْكُروا أَيَادِىَّ لديكم، وصنائِعى عندَكم، واستنقاذى إيَّاكم مِن أَيْدِى عدوِّكم فرعونَ وقومِه، وإنزالى عليكم المَنَّ والسَّلْوَى في تِيهِكم، وتمكينى لكم في البلادِ، بعدَ أن كنتُم مُذَلَّلينَ مقهورين، واختصاصى الرسُلَ منكم، وتفضيلى إيَّاكم على\n_________\n(^١) في م: \"قوله\".","vol":"2","page":496},{"text":"عالَم مَن كنتُم بينَ ظَهْرَانَيْه، أيامَ أنتم في طاعتى [تَبْتَغون مرضاتى، فراجِعوا طاعتى] (^١)، باتِّباعِ رسولى إليكم، وتصديقِه وتصديقِ ما جاءكم به مِن عندى، ودَعُوا التمادىَ في الضلالِ والغيِّ.\nوقد ذكَرْنا فيما مضَى النِّعَمَ التى أنْعَم اللهُ بها على بنى إسرائيلَ، والمعانىَ التى ذكَّرهم اللهُ جلَّ ثناؤُه مِن آلائِه عندَهم، والعالَمَ الذى فُضِّلوا عليه فيما مضَى قبلُ، بالرِّواياتِ والشواهدِ، فكرِهْنا تطويلَ الكتابِ بإعادتِه؛ إذ كان المعنى في ذلك في هذا الموضعِ وهنالك واحدًا (^٢).\n\n<span id=\"aya-130\"></span><span data-type='title' id=toc-433>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾.</span>\nوهذه الآيةُ ترهيبٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه للذين سلَفت عِظَتُه إيَّاهم بما وعَظهم به في الآيةِ قبلَها، يقولُ اللهُ لهم: واتَّقوا يا معشرَ بنى إسرائيلَ المبُدِّلينَ كتابى وتنزيلى، المحرِّفين تأويلَه عن وجهِه، المكذِّبين برسولي محمدٍ ﷺ عذابَ يومٍ لا تَقْضِى فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، ولا تُغْنِى عنها غَناءً؛ أن تَهْلِكوا على ما أنتم عليه مِن كفرِكم، وتكذيبِكم رسولى، فتَمُوتوا عليه، فإنه يومٌ لا يُقْبَلُ مِن نفْسٍ فيما لزِمها فِدْيَةٌ، ولا يَشْفَعُ فيما وجَب عليها مِن حقٍّ لها شافعٌ، ولا هم يَنْصُرُهم ناصرٌ مِن اللهِ إذا انْتَقَم منها بمعصيتِها إيَّاه.\nوقد مضَى البيانُ عن كلِّ معانى هذه الآيةِ في نظيرتِها قبلُ، فأَغْنى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٩٤ - ٥٩٦، ٦٢٩، ٦٣٠.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٣١ وما بعدها.","vol":"2","page":497},{"text":"<span id=\"aya-131\"></span><span data-type='title' id=toc-434>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى﴾: وإذ اخْتَبَر. يقالُ منه: ابْتَلَيتُ فلانًا أَبْتَلِيه ابتلاءً. ومنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦]. يعنى به: اخْتَبِرُوهم. وكان اختبارُ اللهِ تعالى ذكرُه إبراهيمَ اختبارًا بفرائضَ فرَضها عليه، وأمرٍ أمَره به، وذلك هو الكلماتُ التى أوحاهنَّ إليه فكلَّفه العمَلَ بهنَّ، امتحانًا منه له واختبارًا.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ الكلماتِ التى ابْتَلى اللهُ بها إبراهيمَ خليلَه، صلواتُ الله عليه، فقال بعضُهم: هى شرائعُ الإسلامِ، وهى ثلاثون سهمًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ: لم يُبْتَلَ أحدٌ بهذا الدِّينِ فأقامه إلَّا إبراهيمُ؛ ابتلاه اللهُ بكلماتٍ فأتمهنَّ، قال: فكتَب اللهُ له البراءةَ، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]. قال: عَشْرٌ منها في \"الأحزابِ\"، وعشْرٌ منها في \"براءةَ\"، وعشرٌ منها في \"المؤمنين\"، و\"سأل سائل\". وقال: إن هذا الإسلامَ ثلاثون سهمًا (^١).\nوحدثنى إسحاقُ بنُ شاهينٍ الواسطىُّ، قال: ثنا خالدٌ الطَّحَّانُ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما ابتُلى أحدٌ بهذا الدِّينِ فقام به كلِّه غيرُ إبراهيمَ، ابْتُلى بالإسلامِ فأتمَّه، فكتَب اللهُ له البراءةَ، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. فذكَر\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٧٩، وأخرجه ابن أبى شيبة ١١/ ٥٢٢، وابن عساكر في تاريخه ٦/ ١٩٤ من طريق عبد الأعلى به. وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٢٠ (١١٦٦)، والحاكم ٢/ ٤٧٠، ٥٥٢ من طريق داود به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١١١ إلى ابن مردويه.","vol":"2","page":498},{"text":"عشرًا في \"براءةَ\"، فقال: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]. وعشرًا في \"الأحزابِ\": ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وعشرًا في سورةِ \"المؤمنين\"، إلى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ (^١) يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٩]، وعشرًا في \"سأل سائل\": ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (^٢) [المعارج: ٢٢ - ٣٤].\nوحدَّثنا عبدُ (^٣) اللهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُّويَه (^٤)، قال: ثنا علىُّ بنُ الحسنِ، قال: ثنا خارجةُ بنُ مُصْعَبٍ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الإسلامُ ثلاثون سهمًا، وما ابْتَلى اللهُ بهذا الدِّينِ أحدًا فأقامه إلَّا إبراهيمَ، قال اللهُ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. فكتب اللهُ له براءةً مِن النارِ (^٥).\nوقال آخَرون: هى خِصالٌ عَشْرٌ مِن سُنَنِ الإسلامِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: ابتلاه اللهُ بالطَّهارةِ؛ خمسٌ في الرأسِ، وخمسٌ في الجسدِ، في الرأسِ قصُّ الشاربِ، والمَضْمَضَةُ، والاسْتِنْشاقُ، والسِّواكُ، وفَرْقُ الرأسِ، وفى الجسدِ تقليمُ الأظفارِ، وحلْقُ العانةِ، والخِتَانُ، ونَتْفُ الإبطِ، وغَسْلُ أَثَرِ الغائطِ والبولِ بالماءِ (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١: \"صلاتهم\". وهما قراءتان، وسنذكر تخريجهما في موضعه من التفسير.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٧٩.\n(^٣) في م: \"عبيد\". وينظر تاريخ بغداد ٩/ ٣٧١، والثقات لابن حبان ٨/ ٣٦٦.\n(^٤) في م: \"شبرمة\". وينظر المصدر السابق.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٠.\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٧، ومن طريقه الحاكم ٢/ ٢٦٦ - وسقط منه أول الإسناد- والبيهقى ١/ ١٤٩.=","vol":"2","page":499},{"text":"وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الحَكَمِ بنِ أبانٍ، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن ابنِ عباسٍ بمثلِه، ولم يَذْكُرْ أَثَرَ البولِ (^١).\nوحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: ابتَلاه؛ أمَره (^٢) بالخِتَانِ، وحلْقِ العانةِ، وغسْلِ القُبُلِ والدُّبُرِ، والسواكِ، وقصِّ الشاربِ، وتقليمِ الأظفارِ، ونتْفِ الإبطِ. قال أبو هلالٍ: ونسِيتُ خَصْلةً (^٣).\nوحُدِّثتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن مَطَرٍ، عن أبى الجَلْدِ، قال: ابْتُلِى إبراهيمُ بعشَرةِ أشياءَ، هنَّ في الإنسانِ سُنَّةٌ؛ الاستنشاقُ، وقصُّ الشاربِ، والسواكُ، ونتْفُ الإبطِ، وتقليمُ الأظفارِ، وغسْلُ البراجِمِ (^٤)، والخِتَانُ، وحلْقُ العانةِ، وغسْلُ الدُّبُرِ والفرجِ (^٥).\nوقال بعضُهم: بل الكلماتُ التى ابْتُلِى بهنَّ عشْرُ خِلالٍ، بعضُهنَّ في تطهيرِ الجسدِ، وبعضُهنَّ في مناسكِ الحجِّ.\n_________\n= وأخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٠، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢١٩ (١١٦٥) عن الحسن بن يحيى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١١١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٧، وأخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٠.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٠.\n(^٤) البراجم: العقد التى في ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ، الواحدة بُرْجُمة. النهاية ١/ ١١٣.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٠، ٢٨١: حدثنى عبدان المروزى، ثنا عمار بن الحسن به.","vol":"2","page":500},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعةَ، عن ابنِ هُبَيْرَةَ، عن حَنَشٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾. قال: ستَّةٌ في الإنسانِ، وأربعةٌ في المشاعرِ؛ فالتى في الإنسانِ؛ حلْقُ العانةِ، والختانُ، ونتفُ الإبطَيْن (^١)، وتقليمُ الأظفارِ، وقصُّ الشاربِ، والغُسلُ يومَ الجمعةِ، وأربعةٌ في المشاعرِ؛ الطوافُ، والسعىُ بينَ الصَّفا والمروةِ، ورمىُ الجِمارِ، والإفاضةُ (^٢).\nوقال آخَرون: بل ذلك: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، و(^٣) مناسكُ الحجِّ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ إسماعيلَ بنَ أبى خالدٍ، عن أبى صالحٍ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾: فمنهنَّ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وآياتُ النُّسُكِ (^٤)\nوحدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ إسماعيلَ بنَ أبى خالدٍ، عن أبى صالحٍ مولى أُمِّ هانئ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: منهنَّ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، ومنهنَّ آياتُ النسكِ، و: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ (^٤).\nوحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الإبط\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨١، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٢٠ (١١٦٨) من طريق ابن لهيعة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١١١ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في م: \"في\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨١، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦/ ١٩٤ من طريق ابن إدريس به.","vol":"2","page":501},{"text":"نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾. قال: قال اللهُ لإبراهيمَ: إنى مُبْتَلِيك بأمرٍ، فما هو؟ قال: تَجْعَلُنِى للناسِ إمامًا؟ قال: نعم. قال: ومِن ذُرِّيَّتِى؟ قال: لا يَنالُ عهدى الظالمين. قال. تَجْعَلُ البيتَ مثابةً للناسِ؟ قال: نعم. وأَمْنًا؟ قال: نعم. وتَجْعَلُنا مُسْلِمَين لك ومِن ذُرِّيَّتِنا أمةً مسلمةً لك؟ قال: نعم. وتُرِينا مناسكَنا وتَتُوبُ علينا؟ قال: نعم. قال: وتَجْعَلُ هذا البلدَ آمِنًا؟ قال: نعم. قال: تَرْزُقُ أهلَه مِن الثمراتِ مَن آمَن (^١)؟ قال: نعم (^٢).\nوحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nوحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، أخبرَه به عن عكرمةَ، قال: فعرَضتُه على مجاهدٍ فلم يُنْكِرْه (^٣).\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. قال ابنُ جُرَيْجٍ: فاجتمَع على هذا القولِ مجاهدٌ وعكرمةُ جميعًا (^٤).\nوحدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنى أبى، عن سفيانَ، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال: ابْتُلِىَ بالآياتِ التى بعدَها: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) بعده في م: \"منهم\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٢، وهو في تفسير مجاهد ص ٢١٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٢١ (١١٧١).\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٢.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٢.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٢، وأخرجه ابن أبى شيبة ١١/ ٥٢١ عن وكيع به.","vol":"2","page":502},{"text":"وحُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾: فالكلماتُ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقولُه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾. وقولُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وقولُه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ الآية. وقولُه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾ الآية. قال: فذلك كلُّه (^١) مِن الكلماتِ التى ابْتُلِىَ بهنَّ إبراهيمُ (^٢).\nوحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾: فمنهنَّ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، ومنهنَّ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾، ومنهنَّ الآياتُ في شأنِ المَنسَكِ، والمقامُ الذى جُعِل لإبراهيمَ، والرزقُ الذى رُزِق ساكنو البيتِ، ومحمدٌ بُعِث (^٣) في ذُرِّيَّتِهما صلى اللهُ عليهم (٢).\nوقال آخَرون: بل ذلك مناسكُ الحَجِّ خاصَّةً.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ نَبْهانَ، عن قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: مناسكُ الحجِّ (^٤).\nوحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان\n_________\n(^١) في م: \"كلمة\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٣.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٣، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦/ ١٩٥ من طريق شيبان، عن قتادة به نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١١٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم.","vol":"2","page":503},{"text":"ابنُ عباسٍ يقولُ فى قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: هى المناسكُ (^١).\nوحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ابتلاه بالمناسكِ (^٢).\nوحُدِّثْتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، قال: بلغَنا عن ابنِ عباسٍ أنه قال: إن الكلماتِ التى ابْتُلِى بها إبراهيمُ، المناسكُ (^٣).\nوحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرىُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبى إسحاقَ، عن التَّمِيمىِّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: مناسكُ الحجِّ (١).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانىُّ (^٤)، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبى إسحاقَ، عن التَّمِيمىِّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: منهنَّ مناسكُ الحجِّ (١).\nوقال آخَرون: هى أمورٌ، منهن الخِتانُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، عن يونسَ بنِ أبى إسحاقَ، عن\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٤.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٤، وابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٢١ (١١٦٩) عن الحسن بن يحيى به. وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦/ ١٩٣ من طريق محمد بن حماد الطهرانى عن عبد الرزاق به.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٤.\n(^٤) في حاشية الأصل: \"الحمانى كذا وقع في الأم، وهو .. المثنى وعصره إلا أن طاهر. . . عنه على معنى. . . والله أعلم\". وينظر ترجمة الحمانى في تهذيب الكمال ٣١/ ٤١٩.","vol":"2","page":504},{"text":"الشَّعْبىِّ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: منهن الخِتانُ (^١).\nوحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبى إسحاقَ، قال: سمِعتُ الشعبىَّ يقولُ. فذكَر مثلَه (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبى إسحاقَ، قال: سمِعتُ الشعبىَّ -وسألَه أبو إسحاقَ عن قولِ اللهِ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ - قال: منهن الختانُ يا أبا إسحاقَ (^٢).\nوقال آخَرون: بل ذلك الخلالُ الستُّ؛ الكوكبُ، والقمرُ، والشمسُ، والنارُ، والهجرةُ، والختانُ، التى ابْتُلِى بهنَّ فصبَر عليهنَّ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى رجاءٍ، قال: قلتُ للحسنِ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾؟ قال: ابتلاه بالكوكبِ (^٣) فرضِى عنه، وابتلاه بالقمرِ فرضِى عنه، وابْتَلاه بالشمسِ فرضِى عنه، وابْتَلاه بالنارِ فرضِى عنه، وابتلاه بالهجرةِ، وابتلاه بالختانِ (^٤).\nوحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: إى واللهِ، لابتلاه (^٥) بأمرٍ فصبَر عليه، ابتلاه بالكوكبِ (^٣)، والشمسِ، والقمرِ، فأحسَنَ في ذلك، وعرَف أن ربَّه دائمٌ لا يَزولُ،\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٤، وأخرجه ابن أبى شيبة ١١/ ٥٢١ عن وكيع عن يونس به.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٤.\n(^٣) في الأصل: \"بالكواكب\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٥، وابن عساكر في تاريخه ٦/ ١٩٣ من طريق يعقوب به. وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٢١ (١١٧٠) من طريق ابن علية به.\n(^٥) في م: \"ابتلاه\".","vol":"2","page":505},{"text":"فوجَّه وجهَه للذى فطَر السماواتِ والأرضَ حنيفًا، وما كان مِن المشركينَ، ثم ابتلاه بالهجرةِ، فخرَج مِن بلادِه وقومِه حتى لحِق بالشامِ مهاجرًا إلى اللهِ، ثم ابتلاه بالنارِ قبلَ الهجرةِ، فصبَر على ذلك، وابتلاه الله بذَبْحِ ابنِه وبالختانِ، فصبَر على ذلك (^١).\nوحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عمَّن سمِع الحسنَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: ابتلاه بذَبْحِ ولدِه، وبالنارِ، وبالكوكبِ، والشمسِ، والقمرِ (^٢).\nوحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن الحسنِ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: ابتلاه بالكوكبِ، وبالشمسِ، وبالقمرِ، فوجَده صابرًا (^٣).\nوقال آخرون بما حدَّثنى به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: الكلماتُ التى ابتَلى بهنَّ إبراهيمَ ربُّه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ إلى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ (^٤).\nوالصوابُ في ذلك مِن القولِ عندَنا أن يقالَ: إن اللهَ ﷿ أخبَر عبادَه أنه اخْتَبَر إبراهيمَ خليلَه بكلماتٍ أوحاهنَّ إليه، وأمَره أن يَعمَلَ بهنَّ، [فعمِل بهن] (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٥، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦/ ١٩٥ من طريق شيبان، عن قتادة به.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٥، وهو تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٧، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٦/ ١٩٣ من طريق محمد بن حماد الطهرانى عن عبد الرزاق به.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٥، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦/ ١٩٣، ١٩٤ من طريق أبى هلال به نحوه مطولًا.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٤٠ عن السدى.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":506},{"text":"وأتمَّهنَّ، كما أخبرَ اللهُ جل ثناؤه عنه أنه فعَل. وجائزٌ أن تكونَ تلك الكلماتُ جميعَ ما ذكَره مَن ذكَرْنا قولَه في تأويلِ الكلماتِ، وجائزٌ أن تكونَ بعضَه؛ لأن إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه قد كان امْتُحِنَ فيما بلغَنا بكلِّ ذلك، فعمِل به، وقام فيه بطاعةِ اللهِ وأمرِه الواجبِ عليه فيه.\nوإذ كان ذلك كذلك، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ أن يقولَ: عنَى اللهُ بالكلماتِ اللواتى ابتَلى بهنَّ إبراهيمَ شيئًا مِن ذلك بعينِه دونَ شيءٍ، ولا عنَى به كلَّ ذلك. إلَّا بحُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها، مِن خبرٍ عن الرسولِ ﷺ، أو إجماعٍ مِن الحُجَّةِ، ولم يصحَّ بشيءٍ (^١) من ذلك خبرٌ عن الرسولِ بنقلِ الواحدِ، ولا بنقلِ الجماعةِ التى يَجِبُ التسليمُ لِما نَقَلَتْه. غيرَ أنه قد رُوِى عن النبيِ ﷺ في نظيرِ معنى ذلك خبران لو ثَبَتا أو أحدُهما، كان القولُ به في تأويلِ ذلك هو الصوابَ:\nأحدُهما ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا رِشْدِينُ (^٢) بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى زَبّانُ (^٣) بنُ فائدٍ، عن سهلِ بنِ مُعاذِ بنِ أنسٍ، عن أبيه، قال: كان النبىُّ ﷺ يقول: \"ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمَّى اللهُ، إبراهيمَ خَلِيلَه، الذى وفَّى؛ لأنَّه كان يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وكُلَّما أمْسَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] حتى يَخْتِمَ الآيةَ\".\nوالآخَرُ ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عطيَّةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جعفرِ بنِ الزبيرِ، عن القاسمِ، عن أبى أُمامةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ:\n_________\n(^١) في م: \"فيه شيء\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شيء\".\n(^٢) في م: \"راشد\"، وفى ت ٢: \"رشيد\"، وفى ت ١، ت ٣: \"رشد\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٢٨٢.\n(^٣) في الأصل، م، ت ٢، ت ٣: \"ريان\"، وفى ت ١: \"زياد\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٢٨١.","vol":"2","page":507},{"text":"﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]. قال: \"تدْرُونَ ما وَفَّى؟ \" قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: \"وَفَّى عَمَلَ يَوْمِه أربَعَ رَكَعاتٍ في النَّهَارِ\".\nفلو كان خبرُ سهلِ بنِ مُعاذٍ عن أبيه صحيحًا سَنَدُه، كان بَيِّنًا أن الكلماتِ التى ابْتُلِى بهنَّ إبراهيمُ، فقام بهنَّ، هى قولُه كُلَّما أصبَحَ وأمسَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾. أوْ كان خبرُ أبى أمامةَ عُدُولًا نَقَلَتُه، كان معلومًا أن الكلماتِ التى أُوحِينَ إلى إبراهيمَ فابْتُلى بالعمَلِ بهنَّ، أن يُصَلِّىَ كلَّ يومٍ أربعَ ركَعاتٍ، غيرَ أنهما خبرانِ في أسانيدِهما نَظَرٌ.\nفالصوابُ مِن القولِ في معنى الكلماتِ التى أخبَر اللهُ أنه ابتَلى بهنَّ إبراهيمَ، ما بيَّنَّا آنفًا.\nولو قال قائلٌ في ذلك: إن الذى قاله مجاهدٌ وأبو صالحٍ والربيعُ بنُ أنسٍ، أوْلَى بالصوابِ مِن القولِ الذى قاله غيرُهم. كان مذهبًا؛ لأن قولَه: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقولَه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾، وسائرَ الآياتِ التى هى نظيرةُ ذلك -كالبيانِ عن الكلماتِ التى ذكَر اللهُ أنه ابتَلى بهنَّ إبراهيمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-435>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾.</span>\nويعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾: فأتمَّ إبراهيمُ الكلماتِ. وإتمامُه إيَّاهنَّ إكمالُه إيَّاهنَّ بالقيامِ للهِ بما أوجَب عليه فيهنَّ، وهو الوفاءُ الذى قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. يعنى بذلك: وفَّى بما عَهِد إليه بالكلماتِ فأمَره به،","vol":"2","page":508},{"text":"مِن فرائِضه ومِحَنِه فيها.\nكما حدَّثنى محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾. أى: فأدَّاهنَّ (^١).\nوحدَّثنى بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾. أى: عمِل بهنَّ فأتمهنَّ (^٢).\nوحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾. أى: عمِل بهنَّ وأتمهنَّ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-436>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾: فقال اللهُ: يا إبراهيمُ، إنى مُصَيِّرُك للناسِ إمامًا يُؤْتَمُّ به ويُقْتَدَى به.\nكما حُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ ليُؤَمَّ به ويُقتَدى به (^٤).\nيقال منه: أمَمْتُ القومَ فأنا أَؤمُّهم أَمًّا وإمامةً. إذا كنتَ إمامَهم.\nوإنما أراد جلَّ ثناؤه بقولِه لإبراهيمَ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾: إنى مُصَيِّرُك\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦/ ١٩٤ من طريق عبد الأعلى به.\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦/ ١٩٥ من طريق شيبان، عن قتادة.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٢٢ عقب الأثر (١١٧٣) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٢٢ عقب الأثر (١١٧٤) من طريق ابن أبى جعفر به.","vol":"2","page":509},{"text":"تَؤُمُّ مَن بعدَك مِن أهلِ الإيمانِ بى وبرُسُلى، فتَقَدَّمُهم أنت، ويتَّبعون هَدْيَك، ويَستَنُّون بسُنَّتِك التى تَعْمَلُ بها، بأمرِى إيَّاك ووحْيى إليك.\n\n<span data-type='title' id=toc-437>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾.</span>\nيعْنى جلَّ ثناؤه بذلك: قال إبراهيمُ -لمَّا رفَع اللهُ منزلتَه وكرَّمه، وأعلَمَه ما هو صانعٌ به، مِن تصييرِه إمامًا في الخيراتِ لمن في عصرِه، ولمن جاء بعدَه مِن ذُرِّيَّته وسائرِ الناسِ غيرِهم، يُهْتَدَى بهدْيِه ويُقْتَدى بأفعالِه وأخلاقِه - يا ربِّ، ومِن ذُرِّيَّتى فاجعلْ أئمةً يُقْتَدَى بهم، كالذى جعَلْتنى إمامًا يُؤْتَمُّ بى ويُقْتَدَى بى. مسألةٌ مِن إبراهيمَ ربَّه سأله إيَّاها.\nكما حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع، قال: قال إبراهيمُ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾. يقولُ: واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتى مَن يُؤْتَمُّ ويُقْتَدَى به (^١).\nوقد زعَم بعضُ الناسِ أن قولَ إبراهيمَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ مسألةٌ منه ربَّه لعَقِبهِ أن يكونوا على عهدِه ودِينِه، كما قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]. فأخبَرَ اللهُ جلَّ ثناؤه أن في عَقِبِه الظالمَ المخالفَ له في دِينِه، بقولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.\nوالظاهرُ مِن التنزيلِ يَدُلُّ على غيرِ الذى قاله صاحبُ هذه المقالةِ؛ لأن قولَ إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾. في إثرِ قولِ اللهِ له جلَّ ثناؤه: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾. فمعلومٌ أن الذى سأَل إبراهيمُ لذُرِّيَّته لو كان غيرَ الذى أخبَره ربُّه أنه أعطاه إيَّاه، لكان مُبَيَّنًا، ولكنَّ المسألةَ لمَّا كانت ممَّا قد جرَى ذكرُه، اكْتُفِىَ بالذكْرِ الذى قد مضَى مِن تكريرِه وإعادتِه، فقال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾. بمعنى: ومِن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١١٨ إلى المصنف.","vol":"2","page":510},{"text":"ذُرِّيَّتى فاجْعَلْ مثلَ الذى جعَلْتنى به مِن الإمامةِ للناسِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-438>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ من اللهِ جل ثناؤُه عن أن الظالمَ لا يكونُ إمامًا يَقْتَدِى به أهلُ الخيرِ. وهو مِن اللهِ جلَّ ثناؤه جوابٌ لإبراهيمَ (^١) في مسألتِه إياه أن يجعلَ من ذرِّيتِه أئمةً مثلَه. فأخبَره أنه فاعلٌ ذلك إلا بمن كان من أهلِ الظلمِ منهم، فإنه غيرُ مُصَيِّرِه كذلك، ولا جاعلِه في محلِّ أوليائِه عنده بالتَّكْرمةِ بالإمامةِ؛ لأن الإمامةَ إنما هى لأوليائِه وأهلِ طاعتِه، دون أعدائِه والكافرين به.\nواختَلف أهلُ التأويلِ في العهدِ الذى حرَم اللهُ تعالى ذكرُه الظالمين أن ينالُوه؛ فقال بعضُهم: ذلك العهدُ هو النُّبوَّةُ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: (قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). يقولُ: عهدى: نبوّتى (^٢).\nفمعنى تأويلِ (^٣) هذا القولِ في تأويله (^٤) الآيةَ: لا ينالُ النُّبوَّةَ أهلُ الظلمِ والشركِ.\nوقال آخَرون: معنى العهدِ عهدُ الإمامةِ.\nفتأويلُ الآيةِ على قولِهم: لا أجعلُ من كان من ذرِّيتِك [يإبراهيمُ] (^٥) ظالمًا،\n_________\n(^١) في م: \"لما توهم\"، وفى ت ١: \"لا يوهم\"، وفى ت ٢: \"لا يتوهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٢٣ (١١٨٢)، من طريق عمرو به.\n(^٣) في م: \"قائل\".\n(^٤) في م: \"تأويل\".\n(^٥) في م: \"بأسرهم\".","vol":"2","page":511},{"text":"إمامًا لعبادى يُقْتَدَى به.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا يكونُ إمامًا ظالمٌ (^١).\nوحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا يكونُ [لى إمامًا ظالمٌ] (^٢).\nوحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن عكرمةَ بمثلِه.\nوحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامِرٍ (^٣)، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا يكونُ إمامًا (^٤) ظالمٌ يُقْتَدَى به (^٥).\nوحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوحدَّثنا مُشَرَّفُ (^٦) بنُ أبانٍ الخطّابُ (^٧)، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا أجعلُ إمامًا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١١٨ إلى المصنف وعبد بن حميد ووكيع.\n(^٢) في م: \"إمام ظالما\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عاصم\". وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٣٦٤.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إمام\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٤١ عن سفيان به. وينظر تفسير سفيان ص ٤٨، وتفسير ابن أبى حاتم ١/ ٢٢٣ (١١٧٩).\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مسروق\". وينظر تاريخ بغداد ١٣/ ٢٢٤.\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحطاب\".","vol":"2","page":512},{"text":"ظالمًا يُقْتَدَى به.\nوحدَّثنى محمدُ بنُ عُبيدٍ المحاربىُّ، قال: ثنا مُسلمُ بنُ خالدٍ الزنْجىُّ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا أجعلُ إمامًا ظالمًا يُقْتَدَى به (^١).\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا يكونُ إمامًا ظالمٌ.\nقال ابنُ جُريجٍ: وأما عطاءٌ فإنه قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ فأبَى أن يجعلَ من ذريته ظالمًا إمامًا. قلت لعطاءٍ: ما عهدُه؟ قال: أمرُه (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك أنه لا عهْدَ عليك لظالمٍ أن تطيعَه فى ظلمِه.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. يعنى: لا عهدَ لظالمٍ عليك فى ظلمِه أن تطيعَه فيه (^٣).\nوحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن مسلمٍ الأعورِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: ليس للظالمين عهدٌ، وإن عاهدْتَه فانقُضْه.\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢١٣ - تفسير) من طريق مسلم بن خالد الزنجي به.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٢٣ (١١٧٨) من طريق حجاج عن ابن جريج عن عطاء، وكذا ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ٢٤١.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٢٤١.","vol":"2","page":513},{"text":"وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن سفيانَ، عن هارونَ بنِ عنترةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: ليس لظالمٍ عهدٌ (^١).\nوقال آخرون: معنى العهدِ فى هذا الموضعِ الأمانُ.\nفتأويلُ الكلامِ على معنى قولِهم: قال اللهُ: لا ينالُ أمانى أعدائى وأهلَ الظلمِ لعبادى. أى: لا أُؤمِّنُهم مِن عذابى فى الآخرةِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: ذلكم يومَ القيامةِ عندَ اللهِ، لا ينالُ عهدَه ظالمٌ، فأما فى الدنيا فقد نالُوا عهدَ اللهِ، فوارثوا به المسلمين وعادُّوهم (^٢) وناكَحوهم به، فلما كان يومُ القيامةِ قصَر اللهُ عهدَه وكرامتَه على أوليائِه (^٣).\nوحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا ينالُ عهدَ اللهِ فى الآخرةِ الظالمون (^٤)، فأما فى الدنيا، فقد ناله الظالمُ [فأمِن به] (^٥)، وأكَل به وعاشَ (^٦).\nوحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ [بنُ عبدِ اللهِ] (٥)، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٢٤ (١١٨٦) من طريق سفيان به بلفظ: ليس لظالم عليك عهد فى معصية الله أن تطيعه. وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١١٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) فى الأصل: \"غازوهم به\".\n(^٣) أخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٦/ ١٩٥ من طريق شيبان، عن قتادة نحوه.\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، وتفسير ابن أبى حاتم: \"الظالمين\".\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٨، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٢٤ (١١٨٧) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"2","page":514},{"text":"إسرائيلَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا ينالُ عهدَ اللهِ فى الآخرةِ الظالمون، فأما فى الدنيا، فقد ناله الظالمُ فأَمِن به، وأكَل وأبصَر وعاشَ (^١).\nوقال آخرون: بل العهدُ الذى ذكَره اللهُ فى هذا الموضعِ دينُ اللهِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: قال اللهُ لإبراهيمَ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: فعهدُ اللهِ الذى عَهِد إلى عبادِه دينُه. يقولُ: لا ينالُ دينُه الظالمين، ألا ترى أنه قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]. يقولُ: ليس كلُّ ذرِّيتِك يا إبراهيمُ على الحقِّ (^٢).\nوحدَّثنى محمدُ (^٣) بنُ جعفرٍ، قال: أخبرَنا يزيدُ، قال: أخبرَنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ فى قولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا ينالُ طاعَتى (^٤) عدوٌّ لى يَعْصِينى، ولا أَنحَلُها إلا وَلِيًّا لى يُطيعُنى (^٥).\nوهذا الكلامُ وإن كان ظاهرُه ظاهرَ خبرٍ عن أنه لا ينالُ مِن ولدِ إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه عهدُ اللهِ -الذى هو النبوّةُ والإمامةُ لأهلِ الخيرِ، بمعنى الاقتداءِ به فى الدنيا، والعهدُ الذى بالوفاءِ [به للهِ] (^٦) ينجو فى الآخرةِ مَن وفَّى للهِ به فى الدنيا- مَن كان\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ٢٤٢ عن إبراهيم.\n(^٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٢٣ عقب الأثر (١١٨٠) معلقا، وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٢٤٢.\n(^٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يحيى\".\n(^٤) فى م، ت ٢، ت ٣: \" عهدى\"، وفى ت ١: \"عهد\".\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٢٣، ٢٢٤ (١١٨٣، ١١٨٥) من طريق جويبر به.\n(^٦) فى م، ت ٢: \"به\"، وفى ت ١، ت ٣: \"لله\".","vol":"2","page":515},{"text":"منهم ظالمًا مُعْتَدِيًا (^١)، جائرًا عن قصدِ سبيل الحقِّ، فهو إعلامٌ من اللهِ تعالَى ذكرُه لإبراهيمَ أنَّ مِن ولدِه من يُشرِكُ به، ويَزولُ (^٢) عن قصدِ السبيلِ، ويَظلِمُ نفسَه وعبادَه.\nكالذى حدثنى إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حبيبِ بنِ الشهيدِ، قال: ثنا عَتّابُ بنُ بشرٍ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: إنه سيكونُ فى ذرّيتِك ظالمون (^٣).\nوأما نَصْبُ ﴿الظَّالِمِينَ﴾، فلأن العهدَ هو الذى لا يَنالُ الظالمينَ. وقد ذُكر أنه فى قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (لا يَنَالُ عَهْدِى الظالمون) (^٤). بمعنى أن الظالمين هم الذين لا ينالون عهدَ اللهِ.\nوإنما جاز الرفعُ فى ﴿الظَّالِمِينَ﴾ والنصبُ، وكذلك فى \"العهدِ\"، لأن كلَّ ما نال المرءَ فقد ناله المرءُ. كما يقالُ: نالنى خيرُ فلانٍ، ونِلْتُ خيرَه. فيُوجَّهُ الفعلُ مرةً إلى الخيرِ، ومرةً إلى نفسِه.\nوقد بيّنّا معنى الظُّلمِ فيما مضَى فكَرِهْنا إعادتَه (^٥).\n\n<span id=\"aya-132\"></span><span data-type='title' id=toc-439>القول فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾.</span>\nأما قولُه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾. فإنه عطَف بـ ﴿إِذْ﴾ على قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. وقولُه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. معطوفٌ على قولِه: ﴿يَابَنِي\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"متعديا\".\n(^٢) فى م: \"يجور\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢١٢ - تفسير) من طريق عتاب بن بشر به.\n(^٤) ينظر تفسير القرطبى ٢/ ١٠٨.\n(^٥) ينظر ما تقدم فى ١/ ٥٥٩.","vol":"2","page":516},{"text":"إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾. واذكُروا إذ ابتَلَى إبراهيمَ رُّبه، وإذ جعَلْنا البيتَ مَثابةً.\nوالبيتُ الذى جعَله اللهُ مَثابةً للناسِ هو البيتُ الحرامُ.\nوأما المثابةُ، فإن أهلَ العربيةِ مختلِفون فى معناها، والسببِ الذى من أجلِه أُنِّثَتْ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أُلْحِقَت الهاءُ فى المثابةِ لمّا كَثُر مَن يَثوبُ إليه، كما يقالُ: سَيّارةٌ. لمن يُكْثِرُ ذلك، ونَسّابةٌ.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: بل المَثابُ والمثابةُ بمعنًى واحدٍ، نطيرُ المَقامِ والمَقامَةِ. والمَقامُ ذُكِّر -على قولِه- لأنه أُريدَ به الموضعُ الذى يُقامُ فيه، وأُنِّثَتِ المَقامَةُ لأنه أريد بها البُقْعَةُ. وأَنكرَ هؤلاء أن تكونَ المثابةُ للسيّارةِ (^١) والنّسّابةِ نَطيرَةً (^٢). وقالوا: إنما أُدخلتِ الهاءُ فى السيّارةِ والنسّابةِ تشبيهًا لها بالداهيةِ (^٣).\nوالمَثابةُ مَفْعَلَةٌ من: ثاب القومُ إلى الموضعِ، إذا رجَعوا إليه، فهم يَثُوبون إليه مَثابًا ومَثابةً وثوابًا.\nفمعنى قولِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾: وإذ جعَلْنا البيتَ مَرجِعًا للناسِ ومَعاذًا، يَأْتُونه كلَّ عامٍ، ويَرجِعون إليه فلا يَقْضُون منه وَطَرًا. ومن المثابِ قولُ وَرَقَةَ ابنِ نوفلٍ فما صفةِ الحَرَمِ (^٤):\nمَثابٌ لأفْنَاءِ القبائلِ كلِّها … تَخُبُّ إليه اليَعْمَلاتُ الطَّلائِحُ\nومنه قيل: ثاب إليه عقلُه، إذا رجَع إليه بعد عُزوبِه عنه. وبنحوِ ما قلْنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) فى م: \"كالسيارة\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) فى م: \"بالداعية\".\n(^٤) ينظر تخريج البيت فى البداية والنهاية ٣/ ٤٧٣.","vol":"2","page":517},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: لا يَقْضون منه وَطَرًا (^١).\nوحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٢).\nوحدثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: يثوبون إليه، لا يَقْضُون منه وَطَرًا.\nوحدثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: أما المثابةُ، فهو الذى يثوبون إليه كلَّ سنةٍ، لا يَدَعُه الإنسانُ إذا أتاه مرّةً أن يعودَ إليه.\nوحدثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ يقولُ: لا يَقْضُون منه وَطَرًا، يَأتونه، ثم يَرجِعون إلى أهليهم، ثم يَعُودون إليه (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢١٤، ومن طريقه البيهقى ٥/ ١٧٦، وفى الشعب (٣٩٩٥)، وأخرجه البيهقى أيضا فى سننه من طريق مسلم بن خالد الزنجى، عن ابن أبى نجيح به، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١١٨ إلى ابن عيينة وعبد بن حميد. وستأتى بقيته فى ص ٥٢١.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٨.\n(^٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ٢٤٢ عن العوفى به. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٢٥ (١١٩١) من طريق مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس نحوه.","vol":"2","page":518},{"text":"وحدثنى عبدُ الكريمِ بنُ أبى عُمَيرٍ، قال: حدثنى الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: قال أبو عمرٍو: حدثنى عَبْدةُ بنُ أبى لُبابةَ فى قولِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال لا يَنْصَرِفُ عنه مُنْصَرِفٌ وهو يَرى أنه قد قضَى منه وَطَرًا (^١).\nوحدثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: يَثوبون إليه من كلِّ مكانٍ، ولا يَقْضُون منه وَطَرًا (^٢).\nوحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه.\nوحدثنى محمدُ بنُ عُمارةَ الأسدىُّ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن عطيةَ فى قولِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: لا يَقْضون منه وَطَرًا (^٣).\nوحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى الهُذَيلِ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبيرٍ يقولُ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: يَحُجُّون ويَثُوبون (^٤).\nوحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنَا الثورىُّ، عن أبى الهُذَيلِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِه: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: يَحُجُّون [ويَثوبونَ] (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ٢٤٢ عن المصنف، وعبد الكريم بن أبى عمير ذكره الذهبى فى الميزان ٣/ ٦٤٤، والمغنى ١/ ٥٦٩، وينظر لسان الميزان ٤/ ٥٠، ٥١.\n(^٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٢٥ عقب الأثر (١١٩١) معلقا. وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١١٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٢٥ عقب الأثر (١١٩١) معلقا.\n(^٤) تفسير سفيان ص ٤٨ نحوه.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":519},{"text":"[وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا الثَّوريُّ، عن أبي الهُذَيْلِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ قولَه: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: يحُجُّون] (^١)، ثم يَحُجُّون، ولا يَقْضُون منه وَطَرًا (^٢).\nوحدثنى المثنى، قال: ثنا ابنُ دُكَيْنٍ (^٣)، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن غالبٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: يَثُوبون إليه.\nوحدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: مَجْمَعًا (^٤).\nوحدثنى المُثَنّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال حدثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحَةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: يَثُوبون إليه (^٥).\nوحُدِّثْت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: يَثُوبون إليه (^٦).\nوحدثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: يَثُوبون إليه من البُلْدانِ كلِّها ويَأتُونه (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٩.\n(^٣) في م: \"بكير\".\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٢٥ عقب الأثر (١١٩٢) معلقا.\n(^٥) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في الإتقان ٢/ ٧ - عن أبيه، عن عبد الله بن صالح به، بلفظ: يثوبون إليه ثم يرجعون.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٢٥ عقب الأثر (١١٩١) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٤٢ عن المصنف.","vol":"2","page":520},{"text":"<span data-type='title' id=toc-440>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَمْنًا﴾.</span>\nوالأمنُ مصدرٌ؛ من قولِ القائلِ: أَمِن يَأمَنُ أَمْنًا. وإنما سَمّاه اللهُ أَمْنًا؛ لأنه كان في الجاهليةِ مَعاذًا لمن اسْتعاذَ به، وكان الرجلُ منهم لو لَقِىَ به قاتلَ أبيه أو أخيه لم يَهِجْه ولم يَعْرِضْ له حتى يَخرُجَ منه، وكان كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].\nحدثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَمْنًا﴾. قال: مَن أَمَّ إليه فهو آمِنٌ، كان الرجلُ يَلقَى قاتلَ أبيه أو أخيه فلا يَعْرِضُ له (^١).\nحدثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما ﴿أَمْنًا﴾ فمَن دخَله كان آمنًا (^٢).\n[حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَأَمْنًا﴾] (^٣). قال: تحريمُه (^٤)، لا يخافُ فيه مَن دخَله (^٥).\nوحُدِّثْت عن عَمّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَأَمْنًا﴾. يقولُ: أمنًا مِن العدوِّ أن يَحْمِلَ فيه السلاحَ، وقد كان في الجاهليةِ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٤٣ عن ابن زيد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٢٥ عقب الأثر (١١٩٤) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في الأصل: \"عريمة\".\n(^٥) تقدم أوله في ص ٥١٨.","vol":"2","page":521},{"text":"يُتَخَطَّفُ الناسُ مِن حولِهم وهم آمنون لا يُسْبَوْنَ (^١).\nوحُدِّثْت عن المِنجابِ، قال: أخبرَنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَمْنًا﴾. قال: أمنًا للناسِ (^٢).\nوحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حَجّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَمْنًا﴾. قال: تحريمُه، لا يَخافُ فيه مَن دخَله.\n\n<span data-type='title' id=toc-441>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.</span>\nاختلف القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. بكسرِ الخاءِ على وجهِ الأمرِ باتخاذِه مصلًّى، وهى قراءةُ عامةِ قَرَأَةِ المِصْرَيْنِ؛ الكوفَةِ والبصرةِ، وقراءةُ عامةِ قَرَأَةِ أهلِ مكةَ، وبعضِ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ (^٣).\n[وذهَب الذين قرءوا ذلك إلى] (^٤) الخبرِ الذى حدَّثنا أبو كُريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا حُميدٌ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، لو اتخذْتَ المَقامَ مُصَلًّى! فأَنزل اللهُ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٢٥ عقب الأثر (١١٩٤) من طريق ابن أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١١٨ إلى المصنف عن أبي العالية.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٢٥ (١١٩٣) عن أبي زرعة، عن منجاب به.\n(^٣) وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء، وسيأتي، ينظر حجة القراءات ص ١١٣.\n(^٤) في م: \"وذهب إليه الذين قرءوه كذلك من\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وذهب إليه الذين قرءوه كذلك إلى أن\".\n(^٥) أخرجه أحمد ١/ ٢٣ (١٥٧)، والبخارى (٤٠٢)، والترمذى (٢٩٦٠)، والنسائي في الكبرى (١٠٩٩٨)، وابن ماجه (١٠٠٩) من طريق هشيم به. =","vol":"2","page":522},{"text":"وحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، جميعًا عن حُميدٍ، عن أنَسٍ، عن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (^١).\nوحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا حُمَيدٌ، عن أنسٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ. فذكَر مثلَه.\nقالوا: فإنما أنزَل اللهُ تعالى ذكرُه هذه الآيةَ أمرًا منه نبيَّه ﷺ باتِّخاذِ مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى، فغيرُ جائزةٍ قراءتُها وهى أمرٌ، على وجهِ الخبرِ.\nوقد زعَم بعضُ نحويِّى البصرةِ أن قولَه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. جزمٌ (^٢) معطوفٌ على قولِه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ واتَّخِذوا مصلًّى من مَقام إبراهيمَ. فكان الأمرُ بهذه الآيةِ، وباتخاذِ المصلَّى من مَقامِ إبراهيمَ -على قولِ هذا القائِلِ- لليهودِ مِن بنى إسرائيلَ الذين كانوا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ.\n[وقال] (^٣) الربيعُ بنُ أنسٍ بما حدِّثْت به عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، [عن الرَّبيع بنِ أنَسٍ] (^٤)، قال: من الكلماتِ التى ابتُلِىَ بها إبراهيمُ قولُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. يأمُرُهم أن يَتَّخِذُوا مِن مَقامِ\n_________\n= وأخرجه الترمذي (٢٩٥٩) من طريق حماد بن سلمة، عن حميد به. وينظر مسند الطيالسي (٤١).\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٢٤ (١٦٠)، وفي فضائل الصحابة (٤٣٤) من طريق ابن أبي عدي به.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م: \"كما حدثنا\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حدثنا\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":523},{"text":"إبراهيمَ مُصَلًّى، فهم يُصَلُّون خلفَ المَقامِ.\nفتأويلُ قائلِ هذا القولِ: وإذ ابتلَى إبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ فأتمهُنَّ، قال: إني جاعِلُك للناسِ إمامًا. قال: اتَّخِذوا من مَقامِ إبراهيمَ مصلًّى.\nوالخبرُ الذى ذكَرْناه عن عمرَ بنِ الخطابِ عن رسولِ اللهِ ﷺ قبلُ، يَدُلُّ على خلافِ الذى قاله هؤلاء، وأنه أمرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه بذلك رسولَ اللهِ ﷺ، والمؤمنين به، وجميعَ الخلقِ المكلَّفِين.\nوقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والشامِ: (واتَّخَذوا). بفتحِ الخاءِ، على وجهِ الخبرِ.\nثم اختُلِف في الذى عُطِف عليه بقولِه: (واتَّخَذوا). إذا قُرِئ كذلك على وجهِ الخبرِ، فقال بعضُ نحويِّى البَصْرةِ: تأويلُه إذا قُرِئ كذلك: وإذ جعَلْنا البيتَ مَثابةً للناسِ وأمْنًا، [وإذِ اتخَذُوا] (^١) من مقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: بل ذلك معطوفٌ على قولِه: ﴿جَعَلْنَا﴾. فكأن معنى الكلامِ على قولِه: وإذ جعَلْنا البيتَ مثابةً للناسِ، واتَّخَذُوه مُصَلَّى.\nوالصوابُ من القولِ والقراءةِ في ذلك عندنا: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾. بكسرِ الخاءِ (^٢)، على تأويلِ الأمرِ باتخاذِ مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى، للخبرِ الثابتِ عن رسولِ اللهِ ﷺ الذى ذكَرْناه آنفًا، وأن عمرَو بنَ عليٍّ حدثنا، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ محمدٍ، قال: حدثني أبي، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قرَأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"وإذ واتخذوا\".\n(^٢) القراءتان صواب لأنهما متواترتان.\n(^٣) أخرجه أحمد ٢٢/ ٣٢٥ (١٤٤٤٠)، وأبو داود (١٩٠٧، ١٩٠٩)، وابن خزيمة (٢٧٥٤) من طريق يحيى بن سعيد به مطولًا، وهو جزء من حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي ﷺ في صحيح مسلم (١٢١٨)، وينظر مسند الطيالسي (١٧٧٣).","vol":"2","page":524},{"text":"ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وفى مقامِ إبراهيمَ؛ فقال بعضُهم: مقامُ إبراهيمَ هو الحجُّ كلُّه.\nذكرُ من قال ذلك\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾. قال: الحجُّ كلُّه مقامُ إبراهيمَ (^١).\nوحدثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال: الحجُّ كلُّه.\nوحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: الحجُّ كلُّه مَقامُ إبراهيمَ.\nوقال آخرون: مَقامُ إبراهيمَ عَرَفةُ والمُزْدَلِفَةُ والجِمارُ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصِمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال: لأنى قد جعَلْتُه إمامًا، فمَقامُه عَرَفةُ والمُزْدَلِفَةُ والجِمارُ (^٢).\nوحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ (^٣)، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٢٦ (١١٩٧) من طريق حجاج، عن ابن جريج به مطولًا.\n(^٢) تفسير مجاهد ١/ ٢١٤.\n(^٣) بعده في م: \"عن قتادة\".","vol":"2","page":525},{"text":"مُصَلًّى﴾. قال: مَقامُه جَمْعٌ (^١) وعَرَفةُ ومِنًى. لا أعلمُه إلا وقد ذكَر مكةَ (^٢).\nوحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصِمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال: مَقامُه عَرفةُ.\nوحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، قال: نزلَتْ عليه وهو واقفٌ بعرفةَ مَقامِ إبراهيمَ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (^٣) الآية [المائدة: ٣].\nوحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفُضَّلِ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبىِّ مثلَه.\nوقال آخرون: مَقامُ إبراهيمَ الحرمُ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدِّثْتُ عن حمادِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال: الحرمُ كلُّه مَقامُ إبراهيمَ (^٤).\nوقال آخرون: بل مَقامُ إبراهيمَ هو الحَجَرُ الذى قام عليه إبراهيمُ حين ارتفَع بناؤُه، وضَعُف عن رَفْعِ الحِجارةِ.\n_________\n(^١) جمع: المزدلفة. اللسان (ج م ع).\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٨.\n(^٣) سيأتى هذا الأثر في سورة المائدة من طريق عبد الأعلى، وابن علية، وليس فيه: عرفة مقام إبراهيم.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٢٦ عقب الأثر (١١٩٨) معلقا.","vol":"2","page":526},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدثنا ابنُ (^١) سِنانٍ القَزّازُ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ عبدِ المجيدِ أبو عليٍّ الحنفيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ نافعٍ، قال: سمِعتُ كَثيرَ بنَ كَثيرٍ يُحدِّثُ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جعَل إبراهيمُ يَبْنيه، وإسماعيلُ يُناوِلُه الحجارةَ، ويقولان (^٢): ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فلمّا ارتفع البنيانُ وضعُف الشيخُ عن رَفْعِ الحجارةِ، قام على حجَرٍ، فهو مَقامُ إبراهيمَ (^٣).\nوقال آخرون: بل مَقامُ إبراهيمَ، هو مَقامُه الذى هو في المسجدِ الحرامِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بن زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: إنما أمِروا أن يُصلُّوا عندَه ولم يُؤْمَروا بمَسْحِه، ولقد تَكَلَّفَت هذه الأمةُ شيئًا ما (^٤) تَكَلَّفَتْه الأممُ قبلَها، ولقد ذكَر لنا بعضُ مَن رأى أثَرَ عَقِبِه وأصابِعِه (^٥)، فما زالت هذه الأمةُ يمسَحُونه حتى اخْلَوْلَق (^٦) وانْمَحَى (^٧)\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في الأصل: \"يقولون\".\n(^٣) أخرجه البخارى (٣٣٦٥) من طريق إبراهيم بن نافع به مطولًا، وليس فيه: فهو مقام إبراهيم. وكذلك أخرجه البخاري (٣٣٦٤) من طريق معمر، عن أيوب وكثير بن كثير، عن سعيد به مطولًا، وهذه العبارة عند الأزرقى في أخبار مكة ١/ ٢٧٣، ٢٧٤ من طريق مسلم بن خالد عن ابن جريج عن كثير به.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مما\".\n(^٥) بعده في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيها\"، وفى تفسير ابن كثير ١/ ٢٤٦ \"فيه\". والمثبت موافق لما في أخبار مكة والدر المنثور.\n(^٦) خلق الشئ خلقا واخلولق: املاسّ ولان واستوى. اللسان (خ ل ق).\n(^٧) في الأصل: \"امحى\".\nوالأثر أخرجه الأزرقى في أخبار مكة ١/ ٢٧٢ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١١٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"2","page":527},{"text":"وحدِّثْت عن عمّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: [يَأْمُرُهم أن يتَّخِذوا مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى] (^١)، فهم يُصلُّون خلفَ المقامِ.\nوحدثنى موسى (^٢)، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: وهو الصلاةُ عند مَقامِه في الحَجِّ. والمقامُ هو الحَجَرُ الذى كانت زوجةُ إسماعيلَ وَضَعَتْ (^٣) تحت قَدَمِ إبراهيمَ حين غسَلتْ رأسَه، فوضَع إبراهيمُ رِجْلَه عليه وهو راكِبٌ، فغسَلتْ شِقَّه، ثم رفَعتْه (^٤) من تحتِه وقد غابت رِجْلُه في الحَجَرِ، فوضَعتْه تحت الشِّقِّ الآخَرِ فغسَلتْه، فغابت رِجْلُه أيضًا فيه، فجعَلها اللهُ من شعائِرِه، فقال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (^٥).\nوأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ عندنا ما قاله القائلون: إنَّ مَقامَ إبراهيمَ هو المَقامُ المعروفُ بهذا الاسمِ، الذى هو في المسجدِ الحرامِ؛ لما روَيْنا آنفًا عن عمرَ بنِ الخطابِ، ولما حدَّثنا به يوسفُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا جعفرُ ابنُ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، قال: استلَم رسولُ اللهِ ﷺ الرُّكْنَ، فرَمَل ثلاثًا، ومشَى أربعًا، ثم نفَذ (^٦) إلى مَقامِ إبراهيمَ فقرَأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. فجعَل المَقامَ بينَه وبينَ البيتِ، فصلَّى ركعتين (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يونس\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وضعته\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"دفعته\".\n(^٥) أخرج ابن أبى حاتم أوله في تفسيره ١/ ٢٢٧ (١٢٠٢) من طريق عمرو به.\n(^٦) في الأصل: \"نفد\" بالدال المهملة.\n(^٧) أخرجه مسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥)، وابن ماجه (٣٠٧٤) من طريق حاتم بن إسماعيل به، وهو جزء من حديث جابر الطويل في صفة حجة النبى ﷺ، وينظر ص ٥٢٤.","vol":"2","page":528},{"text":"فهذان الخبرانِ يُنْبِئان أنَّ اللهَ تعالى ذِكْرُه إنما عَنَى بمَقامِ إبراهيمَ الذى أمَرنا (^١) باتخاذِه مصلًّى منه (^٢)، هو الذى وصَفْنا، ولو لم يكنْ على صِحَّةِ ما اختَرْنا في تأويلِ ذلك خبرٌ عن رسولِ اللهِ ﷺ، لكان الواجبُ من القولِ فيه ما قلْنا؛ وذلك أنَّ الكلامَ مَحْمولٌ معناه على ظاهِرِه المعروفِ دونَ باطِنِه المجهولِ، حتى يأتىَ ما يدلُّ على خِلافِ ذلك مما يَجِبُ التسليمُ له. ولا شكَّ أنَّ المعروفَ في الناسِ بمَقامِ إبراهيمَ، هو [ما وصَفتُ دونَ جميعِ الحَرَمِ، ودونَ مَواقِفِ الحجِّ كلِّها.\nوأمّا] (^٣) المُصَلَّى الذى قال الله تعالى ذِكْرُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. فإنَ أهلَ التأويلِ مُختلِفون في معناه؛ فقال بعضُهم: هو المُدَّعَى.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال: مصلَّى إبراهيمَ مُدَّعًى (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: بل اتخِذُوا مصلَّى تصلُّون عنده.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: أُمِروا أن يُصلُّوا عنده (^٥).\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الله\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢١٤ - تفسير) عن سفيان به، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٢٧ (١٢٠١) من طريق زكريا بن إسحاق، عن ابن أبى نجيح به.\n(^٥) تقدم تخريجه بتمامه في ص ٥٢٧.","vol":"2","page":529},{"text":"وحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: هو الصلاةُ عندَه (^١).\nفكأنَّ الذين قالوا: تأويلُ المُصَلَّى ههنا المُدَّعَى. وجَّهوا المُصَلَّى إلى أنه مُفَعَّل، مِن قولِ القائلِ: صلَّيتُ. بمعنى: دعوتُ. وقائلو هذه المقالةِ هم الذين قالوا: إن مَقامَ إبراهيمَ هو الحجُّ كلُّه.\nفكأنَّ معناهم في تأويلِ هذه الآيةِ: واتَّخِذوا عرفةَ والمُزْدَلِفَةَ والمَشْعرَ والجَمَراتِ (^٢) وسائرَ أماكنِ الحجِّ التى كان إبراهيمُ يقومُ بها، مُدَّعًى (^٣) تَدْعونَنى (^٤) عندَها، وتَأْتَمُّون (^٥) بإبراهيمَ خليلى صلواتُ اللهِ عليه فيها، فإنى قد جعَلتُه لمَن بعدَه -مِن أوليائى وأهلِ طاعَتى- إمامًا يَقْتَدون به وبآثارِه، فاقْتَدوا به.\nوأما تأويلُ القائلين القولَ الآخرَ، فإنه: اتَّخِذوا أيها الناسُ مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصلًّى تُصَلُّون عندَه، عِبادةً مِنكم لى، وتَكْرِمةً منى لإبراهيمَ.\nوهذا القولُ هو أوْلَى بالصوابِ عندَنا؛ لما ذَكَرنا مِن الخبَرِ عن عمرَ بنِ الخطّابِ وجابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن رسولِ اللهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-442>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَعَهِدْنَا﴾: وأَمَرْنا.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه بتمامه في ص ٥٢٨.\n(^٢) في م: \"الجمار\".\n(^٣) في م: \"مداعى\".\n(^٤) في الأصل: \"يدعوننى\".\n(^٥) في الأصل: \"يأتمون\".","vol":"2","page":530},{"text":"كما حدثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قُلتُ لعطاءٍ: ما عَهْدُه؟ قال: أَمْرُه (^١).\nوحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. قال: أَمَرْناه (^٢).\nفمعنى الآيةِ: وأَمَرْنا إبراهيمَ وإسماعيلَ بتطهيرِ بيتى للطائِفين. و\"التَّطهيرُ\" الذى أمَرَهما اللهُ به في البيتِ هو تطهيرُه مِن الأصنامِ، وعبادةِ الأوثانِ فيه، ومِن الشركِ باللهِ.\nفإن قال قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾؟ وهل كان أيامَ إبراهيمَ -قبلَ بنائِه البيتَ- بيتٌ يُطَهَّرُ مِن الشركِ وعبادةِ الأوثانِ في الحَرَمِ، فيجوزَ أن يكونا أُمِرا بتَطْهيرِه؟\nقِيل: لذلك وجهانِ مِن التأويلِ، قد [قال بكلِّ] (^٣) واحدٍ مِن الوَجْهين مِن أهلِ التأويلِ جماعةٌ؛ أحدُهما: أن يكونَ معناه: وعَهِدْنا إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ أن ابْنِيَا بَيْتىَ مُطَهَّرًا مِن الشركِ والرَّيْبِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩]. فكذلك قولُه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾. أى: ابْنِيا بَيْتىَ على طُهْرٍ مِن الشِّركِ بى والرَّيْبِ.\nكما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٤٧، عن ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٢١ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٤٨.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٣: \"كان لكل\".","vol":"2","page":531},{"text":"عن السُّدِّىِّ: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾. يقولُ: ابْنِيا بيتى للطائفين (^١).\nفهذا أحدُ وَجْهَيْهِ.\nوالوجهُ الآخرُ منهما: أن يكونا أُمِرا بأن يُطَهِّرا مكانَ البيتِ قبلَ بِنائِه (^٢) والبيتَ بعدَ بِنائِه (^٢)، مما كان أهلُ الشركِ باللهِ يَجْعَلونه فيه، على عهدِ نوحٍ ومَن قبلَه مِن الأوثانِ؛ ليكونَ ذلك سُنَّةً لمنَ بعدَهما، إذ كان اللهُ جلَّ ثناؤُه قد جعَل إبراهيمَ إمامًا يُقْتَدَى به (^٣) بعدَه.\nكما حدَّثنى يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾. قال: مِن الأصنامِ التى يَعْبُدون، التى كان المشركون يُعَظِّمونها (^٤).\n[ذكرُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ أى: طهِّراه من الشِّرْكِ والرَّيْبِ] (^٥)\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ، قال: ثنا\nسفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ (^٦)، عن عطاءٍ، عن عُبيدِ بنِ عُمَيرٍ: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾\n_________\n(^١) سقط من م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٢٧ (١٢٠٤) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٢) في م: \"بنيانه\".\n(^٣) بعده في م: \"من\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٤٨.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) في م: \"أبى نجيح\".","vol":"2","page":532},{"text":"قال: مِن الآفاتِ (^١) والرَّيْبِ (^٢).\nوحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، عن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: مِن الشركِ (^٣).\nوحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا (^٤) إسرائيلُ، عن أبى حَصينٍ، عن مجاهدٍ: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾. قال: مِن الأوثانِ (^٥).\nوحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾. قال: مِن الشركِ وعبادةِ الأوثانِ (^٦).\nحدثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ بمثلِه، وزاد فيه: وقولِ الزُّورِ (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-443>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾.</span>\nاختَلفَ أهلُ التأويلِ في معنى \"الطائِفين\" في هذا الموضِعِ؛ فقال بعضُهم: هم\n_________\n(^١) في م: \"الأوثان\".\n(^٢) أخرجه الأزرقى في أخبار مكة ١/ ١٩٩ من طريق عثمان بن ساج، عن ابن جريج به.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٢١٠.\n(^٤) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبو\". وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٥١٥.\n(^٥) ذكره القرطبى في تفسيره ٢/ ١١٤.\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٨، ٢/ ٣٦.\n(^٧) عزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ١٢١ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"2","page":533},{"text":"الغرباءُ الذين يَنْتابون (^١) البيتَ الحرامَ مِن غربةٍ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدثنا أبو كُريبٍ، قال ثنا أبو بكرِ بنُ عَياشٍ، قال: ثنا أبو حَصِينٍ، عن سعيدِ ابنِ جُبَيْرٍ في قولِه: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ قال: مَن أتاه مِن غربةٍ (^٢).\nوقال آخرون: بل الطائفون هم الذين يَطُوفون به، [غريبًا كان] (^٣) أو مِن أهلِه.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، عن عطاءٍ: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾. قال: إذا كان طائفًا بالبيتِ، فهو مِن الطائفين (^٤).\nوأوْلَى التأويلين بالآيةِ ما قاله عطاءٌ، لأن الطائفَ هو الذي يَطُوفُ بالشيءِ دونَ غيرِه، والطَّارِئُ مِن غربةٍ لا يَسْتحِقُّ اسمَ طائفٍ بالبيتِ إن لم يَطُفْ به.\n\n<span data-type='title' id=toc-444>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذِكْرُه بقولِه: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾: والمُقِيمين به. والعاكِفُ على الشيءِ: المُقِيمُ عليه، كما قال نابغةُ بنى ذُبْيانَ (^٥):\nعُكُوفًا لَدَى أبْياتِهِمْ يَثْمِدُونَهُم (^٦) … رَمَى اللهُ فِى تِلكَ الأكُفِّ الكوَانِعِ (^٧)\n_________\n(^١) في م: \"يأتون\". وينتابون: يأتون مرة بعد مرة. اللسان (ن وب).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٢٨ (١٢١١) من طريق أبي بكر بن عياش به.\n(^٣) في م، ت ١: \"غرباء كانوا\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٢٨ (١٢٠٩) من طريق أبي بكر الهذلي به نحوه.\n(^٥) ديوانه ص ١٨٩، وفيه: \"قعودا\" مكان \"عكوفا\".\n(^٦) يثمدونهم: يطلبون معروفهم في إلحاح. اللسان (ث م د)\n(^٧) الكوانع: الذليلة. اللسان (ك ن ع).","vol":"2","page":534},{"text":"وإنما قيل للمُعْتكِفِ: مُعْتكِفٌ. مِن أجلِ مُقامِه في الموضِعِ الذي حَبَس نفسَه فيه للهِ تعالى.\nثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في مَن عَنَى اللهُ بقولِه: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنَى به الجالسَ في البيتِ الحرامِ بغيرِ طوافٍ ولا صلاةٍ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي بكرٍ الهُذلِيِّ، عن عطاءٍ، قال: إذا كان طائفًا بالبيتِ، فهو مِن الطائفين، وإذا كان جالسًا، فهو مِن العاكفين (^١).\nوقال بعضُهم: العاكفون: هم المُعْتَكِفون المُجاوِرون.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن جابرٍ، عن مُجاهدٍ وعكرمةَ: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾. قال: العاكِفون (^٢) المُجاوِرون.\nوقال بعضُهم: العاكفون هم أهلُ البلد الحرامِ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، قال: ثنا أبو حَصينٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ قال: أهلُ البلدِ (^٣).\n_________\n(^١) الشطر الأول تقدم في ص ٥٣٤، والشطر الثاني ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٢٨ عقب الأثر (١٢١٢) معلقا.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٢٨ عقب الأثر (١٢١٣) معلقا.","vol":"2","page":535},{"text":"وحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: العاكفون أهلُه (^١).\nوقال آخرون: العاكفون هم المُصلُّون.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ قال: العاكِفون المصلون.\nوأوْلَى هذه التأويلاتِ بالصوابِ ما قاله عطاءٌ، وهو أن العاكفَ في هذا الموضِعِ المقيمُ في البيتِ مجاورًا فيه بغيرِ طوافٍ ولا صلاةٍ؛ لأن صِفَةَ العُكوفِ ما وصَفنا مِن الإقامةِ بالمكانِ؛ والمقيمُ بالمكانِ قد يكونُ مقيمًا به وهو جالسٌ ومصلٍّ وطائفٌ ونائمٌ (^٢)، وعلى غيرِ ذلك مِن الأحوالِ، فلما كان جلَّ ثناؤُه قد ذكَر في قولِه: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ المُصلِّين والطائفين، عُلِمَ بذلك أن الحالَ التي عَنَى جلَّ ثناؤُه مِن العاكِفِ غيرُ حالِ المُصلِّى والطائفِ، وأن الذي (^٣) عَنَى مِن أحوالِه هو العُكوفُ بالبيتِ على سبيلِ الجِوارِ فيه، وإن لم يَكُنْ مُصلِّيًا فيه ولا راكعًا ولا ساجدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-445>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَالرُّكَّعِ﴾ جماعةَ القومِ الراكعين فيه له،\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٢٨ عقب الأثر (١٢١٣) معلقا.\n(^٢) في م: \"قائم\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"التي\".","vol":"2","page":536},{"text":"واحدُهم \"راكِعٌ\". وكذلك ﴿السُّجُودِ﴾ هم جماعةُ القومِ الساجدين فيه له، واحدُهم \"ساجِدٌ\"، كما يُقالُ: رجلٌ قاعِدٌ، ورجالٌ قُعودٌ، ورجلٌ جالسٌ، ورجالٌ جُلوسٌ. وكذلك: رجلٌ ساجدٌ، ورجالٌ سجودٌ.\nوقيل (^١): عُنِى بـ ﴿الرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: المصلُّون.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن أبي بكرٍ الهُذليِّ، عن عطاءٍ: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ قال: إذا كان يُصَلِّى فهو مِن الرُّكَّعِ السُّجودِ (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، أهلُ الصلاةِ (^٢).\nوقد أتينا فيما مضَى على بيانِ معنى \"الركوعِ\" و\"السجودِ\"، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه (^٣).\n\n<span id=\"aya-133\"></span><span data-type='title' id=toc-446>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾: واذْكُروا إذ قال إبراهيمُ: ربِّ اجْعَل هذا البلدَ بلدًا آمنًا. يعنى بقولِه: ﴿آمِنًا﴾: آمنًا مِن الجبابرةِ وغيرِهم، أن يُسَلَّطوا عليه، ومِن عقوبةِ اللهِ أن تنالَه، كما تنالُ سائرَ البلدانِ، مِن خَسْفِ وائتفاكٍ (^٤) وغرقٍ، وغيرِ ذلك مِن سخطِ اللهِ ومَثُلاتِه التي تُصيبُ سائرَ\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢: \"بل\".\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٢٩ عقب الأثر (١٢١٦) معلقا.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٦١٣، ٧١٥.\n(^٤) في م: \"انتقال\". والائتفاك: الانقلاب، يقال منه: ائتفكت بهم الأرض، أي انقلبت. ينظر اللسان (أ ف ك).","vol":"2","page":537},{"text":"البلادِ غيرَه.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِرَ لنا أن الحرَمَ حُرِّمَ [بحيالِه إلى العرشِ] (^١). وذُكِر لنا أن البيتَ هبَط مع آدمَ حينَ هبَط، قال اللهُ له: أُهْبِطُ معك بيتي يُطافُ حولَه كما يُطافُ حولَ عَرْشِي. فطافَ حولَه آدمُ ومَن كان بعدَه مِن المؤمنين، حتى إذا كان زمنُ الطُّوفانِ -حين أغْرَق اللهُ قومَ نوحٍ- رفَعه وطَهَّره فلم تُصِبْه عُقوبةُ أهلِ الأرضِ، فتَتبَّع منه إبراهيمُ أثرًا، فبَناه على أساسٍ قديمٍ كان قبلَه (^٢).\nفإن قال لنا قائلٌ: أو ما كان الحرمُ آمنًا إلا بعدَ ما سأَل إبراهيمُ ربَّه له الأمانَ؟\nقيل: قد اخْتُلِفَ في ذلك؛ فقال بعضُهم: لم يَزَلِ الحرمُ آمنًا مِن عقوبةِ اللهِ وعقوبةِ جبابرةِ خلقِه، منذُ خُلِقَتِ السماواتُ والأرضُ.\nواعْتَلُّوا في ذلك بما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ المَقْبُريُّ، قال: سمِعت أبا شُريحٍ الخُزاعيَّ يقولُ: إن رسولَ اللهِ ﷺ لما افْتَتح مكةَ قَتَلت خُزَاعةُ رجلًا مِن هُذَيلٍ، فقام رسولُ اللهِ ﷺ خطيبًا فقال: \"يا أيُّها الناسُ، إن اللهَ حرَّم مكةَ يومَ خلَق السماواتِ والأرضَ، فهى حرامٌ بحرامِ (^٣) اللهِ إلى يومِ القيامةِ، لا يَحِلُّ لامرئٍ يُؤْمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ أن يَسْفِكَ فيها (^٤) دمًا، أو يَعْضِدَ بها شجرًا (^٥)، وإنها لا تَحِلُّ لأحدٍ بعدِي،\n_________\n(^١) في حاشية الأصل: \"في الأم: بحياله العرش\".\n(^٢) أخرجه الأزرقي في أخبار مكة ١/ ٣٥٥ من طريق يزيد به إلى قوله: \"العرش\".\n(^٣) في م، ت ٢: \"بحرمة\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بها\".\n(^٥) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ألا\".","vol":"2","page":538},{"text":"لا (^١) تَحِلُّ لي إلا هذه الساعةَ غضبًا (^٢) على أهلِها، ألا فهي قد رجَعت على حالِها بالأمسِ، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشاهدُ الغائِبَ، فمَن قال: إن رسولَ اللهِ ﷺ قد قتَل بها، فقولوا: إنَّ اللهَ قد أحلَّها لرسولِه ولم يُحِلَّها لك\" (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ، وحدَّثنا ابنُ حميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، جميعًا عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ لمكةَ حين افتتَحها: \"هذه حَرَمٌ حرَّمها اللهُ يومَ خلَق السماواتِ والأرضَ وخلَق الشمسَ [والقمرَ] (^٤) ووضَع هذين الأخْشَبَيْنِ، لم تَحِلَّ لأحدٍ قبلِي، ولا تَحِلُّ لأحدٍ بعدي، أُحِلَّت لى ساعةً من نهارٍ\" (^٥).\nقالوا: فمكةُ لم تَزَلْ منذ خُلِقت حرَمًا آمنًا مِن عقوبةِ اللهِ وعقوبةِ الجبابرةِ.\nقالوا: وقد أَخبَرَت عن صحةِ ما قلنا مِن ذلك الروايةُ الثابتةُ (^٦) عن رسولِ اللهِ ﷺ التي ذكرناها.\nقالوا: ولم يسألْ إبراهيمُ ربَّه أن يؤمِّنَه من عقوبتِه وعقوبةِ الجبابرةِ، ولكنه سأله أن يؤمِّنَ أهلَه من الجدوبِ والقحوطِ، وأن يرزُقَ ساكنيه (^٧) من الثمراتِ، كما أخبر ربُّه عنه أنه سأله بقولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لم\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عصى\".\n(^٣) أخرجه البيهقي في الدلائل ٥/ ٨٣ من طريق يونس بن بكير به، وأخرجه أحمد ٤/ ٣٠٠ (١٦٣٧٧)، والطحاوي ٢/ ٢٦٠، والطبراني في الكبير ٢٢/ ١٨٥ (٤٨٥) من طرق عن ابن إسحاق به بنحوه، كما أخرجه البخارى (١٠٤، ١٨٣٢، ٤٢٩٥)، ومسلم (١٦٥٤) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري به بنحوه.\n(^٤) سقط من: الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٤٩٦، ٤٩٧، والدارقطني ٤/ ٢٣٥ من طريق يزيد به.\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الثانية\".\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ساكنه\".","vol":"2","page":539},{"text":"الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.\nقالوا: وإنما سأل ربَّه ذلك؛ لأنه أَسْكَن فيه ذرِّيَّتَه، وهو غيرُ ذي زَرْعٍ ولا ضَرْعٍ، فاستعاذ بربِّه من أن يُهلكَهم بها جوعًا وعطشًا، فسأله أن يؤمِّنَهم مما حذِر عليهم منه.\nقالوا: وكيف يجوزُ أن يكونَ إبراهيمُ صلواتُ اللهِ عليه سأل ربَّه تحريمَ الحرمِ، وأن يؤمِّنَه من عقوبتِه وعقوبةِ جبابرةِ خلقِه، وهو القائلُ حينَ حلَّه ونزَله بأهلِه وولدِه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧].\nقالوا: فلو كان إبراهيمُ هو الذي حرَّم الحرمَ أو سأل ربَّه تحريمَه لَمَا قال: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، عندَ نزولِه به، ولكنه حُرِّم قبلَه وحُرِّم بعدَه.\nوقال آخرون: كان الحرَمُ حلالًا قبلَ دعوةِ إبراهيمَ كسائرِ البلادِ غيرِه، وإنما صار حرامًا (^١) بتحريمِ إبراهيمَ إياه، كما كانت مدينةُ رسولِ اللهِ ﷺ حلالًا قبل تحريمِ رسولِ اللهِ ﷺ إياها، [فصارت حرامًا بتحريمِ رسولِ اللهِ ﷺ إياها] (^٢).\nقالوا: والدليلُ على صحةِ ما قلنا في ذلك ما حدَّثنا به ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إن إبراهيمَ حرَّم بيتَ اللهِ وأمَّنه، وإني حرَّمت المدينةَ ما بينَ لابَتَيْها (^٣)، فلا يصادُ صَيْدُها، ولا تُقْطَعُ عِضاهُها (^٤) \" (^٥).\n_________\n(^١) في الأصل: \"حرما\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) اللابتان: تثنية لابة، وهي الحرَّة، وهي الأرض ذات الحجارة السود التي قد ألبستها لكثرتها. النهاية ٤/ ٢٧٤.\n(^٤) العضاه: أعظم الشجر، وقيل: ما عظم من شجر الشوك. اللسان (ع ض هـ).\n(^٥) أخرجه النسائي في الكبرى (٤٢٨٤) عن ابن بشار به، وأخرجه مسلم (١٣٦٢) من طريق سفيان به.","vol":"2","page":540},{"text":"حدثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: [حدثنا ابنُ إدريسَ، وحدثنا أبو كريبٍ، قال] (^١) ثنا عبدُ الرحيمِ الرازىُّ، [قالا جميعًا: سمِعنا] (^٢) أشعثَ، عن نافعٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إنَّ إبراهيمَ كانَ عبدَ اللهِ وخَلِيلَهُ، وإنى عبدُ اللهِ ورسولُه، وإنَّ إبراهيمَ حرَّم مكَّةَ وإنى حرَّمتُ المَدِينَةَ ما بينَ لابَتَيْها؛ عِضَاهَها وَصَيْدَها، ولا يُحْمَلُ فيها سلاحٌ لقتالٍ، ولا يُقْطَعُ منها شَجَرةٌ إلا لعَلَفِ بَعِيرٍ\" (^٣).\nوحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بكرُ بنُ مُضَرَ، عن ابنِ الهادِ، عن أبي بكرِ بنِ محمدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ عثمانَ، عن رافعِ بنِ خَديجٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إنَّ إبراهيمَ حرَّم مكةَ، وإنى أُحَرِّمُ (^٤) ما بينَ لابَتَيْها\" (^٥).\nوما أشبَه ذلك مِن الأخبارِ التي يطولُ باستيعابِ ذكرِها الكتابُ.\nقالوا: وقد أخبَر اللهُ تعالى ذكرُه في كتابِه أنَّ إبراهيمَ قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ ولم يخبرْ عنه أنَّه سأَله أن يجعَلَه آمنًا مِن بعضِ الأشياءِ دونَ بعضٍ، فليس لأحدٍ أن يَدَّعِىَ أن الذى سأَله مِن ذلك الأمانُ له مِن بعضِ الأشياءِ دونَ بعضٍ إلا بحُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها.\nقالوا: وأما خبرُ أبي شُرَيحٍ وابنِ عباسٍ فخبران لا تَثْبُتُ بمثلِهما في الدينِ حجةٌ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م: \"سمعت\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قالا سمعنا\".\n(^٣) عزاه المتقى الهندى في كنز العمال (٣٨١٥٦) إلى المصنف عن نافع به، وأخرجه مسلم (١٣٧٣)، والترمذى (٣٤٥٤) من طريق سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة بنحوه.\n(^٤) بعده في م: \"المدينة\".\n(^٥) أخرجه أحمد ٢٨/ ٥٠٩ (١٧٢٧٣)، ومسلم (١٣٦١) والبيهقى ٥/ ١٩٧، ١٩٨ من طريق قتيبة به، وأخرجه الطبرانى في الكبير (٤٣٢٦) من طريقين عن بكر به، وأخرجه أحمد ٢٨/ ٥٠٧، ٥٠٨ (١٧٢٧١)، والطحاوى ٤/ ١٩٣، والطبرانى (٤٣٢٥، ٤٣٢٧، ٤٣٢٨) من طرق عن يزيد به.","vol":"2","page":541},{"text":"لما في أسانيدِهما مِن الأسبابِ التي [يَجِبُ التثبتُ] (^١) فيها مِن أجلِها.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن اللهَ جلَّ ثناؤُه جعَل مكةَ حَرَمًا حينَ خلَقها وأنشأَها، كما أخبَر النبىُّ ﷺ أنه حرَّمها يومَ خلَق السماواتِ والأرضَ بغيرِ تحريمٍ منه لها على لسانِ أحدٍ مِن أنبيائِه ورسلِه، ولكنْ بمنعِه جلَّ ثناؤُه مَن أرادها بسوءٍ، وبدفعِه عنها مِن الآفاتِ والعقوباتِ وعن ساكنيها، ما أحلّ بغيرِها وغيرِ ساكنيها مِن النِّقْماتِ، فلم يَزَلْ ذلك أمرَها حتى بَوَّأَها اللهُ إبراهيمَ خليلَه، وأسكَن بها أهلَه هاجرَ وولدَه إسماعيلَ، فسأَل حينَئذٍ إبراهيمُ ربَّه إيجابَ (^٢) فرضِ تحريمِها على عبادِه على لسانِه؛ ليكونَ ذلك سنةً لمن بعدَه مِن خلقِه يَسْتَنُّون به (^٣) فيها، إذ كان جلَّ ثناؤُه قد اتَّخَذَه خليلًا، وأخبَرَه أنَّه جاعلُه للناسِ إمامًا يُقْتَدى به، فأجابَه ربُّه إلى ما سأَله، وألزَم عبادَه حينَئذٍ فرضَ تحريمِه على لسانِه.\nفصارت مكةُ بعدَ أن كانت ممنوعةً بمنعِ اللهِ إياها بغيرِ إيجابِ اللهِ فرضَ الامتناعِ منها على عبادِه، ومحرّمةً بدفعِ اللهِ عنها بغيرِ تحريمِه إياها على لسانِ أحدٍ مِن رسلِه -فرضًا تحريمُها على خلقِه على لسانِ خليلِه إبراهيمَ ﵇، وواجبًا على عبادِه الامتناعُ مِن استحلالِها، واستحلالِ صيدِها وعِضاهِها، بإيجابِه الامتناعَ مِن ذلك؛ ببلاغِ إبراهيمَ رسالةَ اللهِ إليه بذلك إليهم (^٤)، فلذلك أُضيف تحريمُها إلى إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إنَّ إبراهيمَ (^٥) حَرَّمَ مَكّةَ\"؛ لأن فرضَ تحريمِها الذى ألزَم اللهُ عبادَه على وجهِ العبادةِ له بِه- دونَ التحريمِ\n_________\n(^١) في م: \"لا يجب التسليم\".\n(^٢) في م، ت ٣: \"إيجاد\".\n(^٣) في م: \"بها\".\n(^٤) في م: \"إليه\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الله\".","vol":"2","page":542},{"text":"الذى لم يَزَلِ [اللهُ منفردًا] (^١) لها به على وجهِ الكِلاءَةِ والحفظِ لها قبلَ ذلك - كان عن مسألةِ إبراهيمَ ربَّه إيجابَ فرضِ ذلك على لسانِه، لزِم العبادَ فرضُه دونَ غيرِه.\nفقد تبيَّن إذن بما قلنا صحةُ معنى الخبرين؛ أعنى خبرَ أبي شريحٍ وابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: \"إنَّ اللهَ حرَّم مكةَ يومَ خلَق الشمسَ والقمرَ\". وخبرَ جابرٍ وأبى هريرةَ ورافعِ بنِ خَدِيجٍ وغيرِهم، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: \"اللهمَّ إنَّ إبراهيمَ حرَّم مكةَ\". وأنْ ليس أحدُهما دافعًا صحةَ معنى الآخرِ كما ظنَّه بعضُ الجهالِ.\nوغيرُ جائزٍ في أخبارِ رسولِ اللهِ ﷺ أنْ يكونَ بعضُها دافعًا بعضًا إذا ثبَت صحتُها، وقد جاء الخبران اللذان رُوِيا في ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ مَجيئًا ظاهرًا مستفيضًا يَقْطَعُ عذرَ مَن بلَغه.\nوأمَّا (^٢) قولُ إبرهيمَ صلواتُ اللهِ عليه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم ٣٧]. فإنَّه إنْ يَكُنْ قال ذلك (^٢) قبلَ إيجابِ اللهِ فرضَ تحريمِه على لسانِه على خلقِه، فإنما عنى بذلك تحريمَ اللهِ إياه الذى حرَّمه بحياطتِه إياه وكِلاءتِه (^٣)، مِن غيرِ تحريمِه إياه على خلقِه على وجهِ التعبدِ لهم بذلك، وإن يكنْ قال ذلك بعدَ تحريمِ اللهِ إياه على لسانِه على خلقِه على وجهِ التعبدِ، فلا مسألةَ لأحدٍ علينا في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-447>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.</span>\nوهذه مسألةٌ مِن إبراهيمَ ربَّه أن يَرْزُقَ مؤمنى أهلِ مكةَ مِن الثمراتِ دونَ\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"متعبدًا لها\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م، ت ١: \"كلائه\".","vol":"2","page":543},{"text":"كافريهم، وخصَّ بمسألةِ ذلك للمؤمنين دونَ الكافرين، لا أعلَمه اللهُ -عند مسألتِه إياه أن يَجْعَلَ مِن ذرِّيتِه أئمةً يُقْتَدَى بهم- أنَّ منهم الكافرَ الذى لا ينالُ عهدَه، والظالمَ الذى لا يُدْرِكُ وِلايتَه، فلما (^١) علِم أنَّ مِن ذرِّيتِه الظالمَ والكافرَ، خصَّ بمسألتِه ربَّه أن يَرْزُقَ مِن الثمراتِ مِن سكانِ مكةَ المؤمنَ منهم دونَ الكافرِ، وقال اللهُ له: قد أجَبت دعاءَك، وسأَرْزُقُ مع مؤمنى أهلِ هذا البلدِ كفَّارَهم، فأُمَتِّعُه به قليلًا.\nفأمَّا \"مَنْ\" في قولِه: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فإنه نصبٌ على الترجمةِ والبيانِ عن \"الأهلِ\"، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. بمعنى: يسألونك عن قتالٍ في الشهرِ الحرامِ. وكما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. بمعنى: وللهِ حِجُّ البيتِ على مَن استطاع إليه سبيلًا.\nوإنما سأَل إبراهيمُ ربَّه ما سأَل مِن ذلك؛ لأنه حلَّ بوادٍ غيرِ ذى زرعٍ ولا ماءٍ ولا أهلٍ، فسأَل أن يَرْزُقَ أهلَه ثمرًا، وأن يَجْعَلَ أفئدةً من (^٢) الناسِ تَهْوِى إليهم. فذُكِرَ أنَّ إبراهيمَ لما سأَل ذلك ربَّه، نقَل اللهُ الطائفَ مِن (^٣) فلسطينَ.\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، قال: ثنا هشامٌ، قال: قرَأتُ على محمدِ بنِ مسلمٍ الطائفىِّ أنَّ إبراهيمَ لما دعا للحَرَمِ: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: نقَل اللهُ الطائف مِن (^٣) فلسطينَ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-448>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويلِ في قائلِ هذا القولِ، وفى وجهِ قراءتِه؛ فقال بعضُهم: قائلُ\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أن\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) زيادة من مصدر التخريج.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٠ (١٢٢٢) من طريق هشام به.","vol":"2","page":544},{"text":"هذا القولِ ربُّنا تعالى ذكرُه. وتأويلُه على قولِهم: قال اللهُ: ومَن كفَر بى فأُمَتِّعُه برِزقى مِن الثمراتِ قليلًا في الدنيا إلى أن يَأْتِيَه أجلُه. وقرَأ قائلو هذه المقالةِ ذلك: ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ بتشديدِ التاءِ ورفعِ العينِ (^١).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: حدَّثنى أبو العاليةِ، عن أُبىِّ بنِ كعبٍ في قولِه: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾. قال: هو قولُ الربِّ ﵎ (^٢).\nوحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ: لما قال إبراهيمُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وعزَل (^٣) الدعوةَ عمن أبَى اللهُ أن يَجْعَلَ له الوِلايةَ؛ انقطاعًا إلى اللهِ ومحبتِه (^٤)، وفِراقًا لمن خالَف أمرَه، وإن كانوا مِن ذريتِه حينَ عرَف أنه كائنٌ (^٥) منهم ظالمٌ لا ينالُ عهدَه، بخبره عن ذلك حين أخبَره، فقال اللهُ: ومن كفر، فإنى أَرْزُقُ البَرَّ والفاجرَ فأُمَتِّعُه قَلِيلًا (^٦).\nوقال آخرون: بل قال ذلك إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ على وجهِ المسألةِ منه ربَّه أن يَرْزُقَ الكافرَ أيضًا مِن الثمراتِ بالبلدِ الحرامِ، مثلَ الذى يَرْزُقُ به المؤمنَ، ويُمَتِّعُه بذلك قليلًا [في حياتِه حتى تَخْتَرِمَه مَنِيَّتُه. وقرأ قائلو ذلك: (وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا] (^٧) ثُمَّ\n_________\n(^١) هى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبى عمرو وحمزة والكسائى، وقرأ ابن عامر: (فأُمْتِعُه). خفيفة من: أمْتَعْتُ. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٧٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٠ (١٢٢٤) من طريق أبي جعفر به.\n(^٣) في م: \"عدل\".\n(^٤) في م، ت ١: \"محبة\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كان\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٥٣ عن ابن إسحاق.\n(^٧) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":545},{"text":"اضْطَرَّه إِلَى عَذَابِ النَّارِ). بتخفيفِ التاءِ وجزمِ العينِ، وفتحِ الراءِ من (اضْطَرَّه)، ووصلِ (^١) (ثم اضطَرَّه) بغيرِ قطعِ ألفِها (^٢)، على وجهِ الدعاءِ مِن إبراهيمَ ربَّه لهم والمسألةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: قال أبو العاليةِ: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: ذلك قولُ إبراهيمَ يَسْأَلُ ربَّه أن (مَن كفَر فأَمْتِعْه قليلًا) (^٣).\nوحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، [عن أبيه] (^٤)، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: (وَمَنْ كَفَرَ فأَمْتِعْه قَلِيلًا). يقولُ: ومَن كفَر فارْزُقْه أيضًا (ثم اضْطَرَّه إلى عذابِ النارِ) (^٥).\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا والتأويلِ ما قاله أبىُّ بنُ كعبٍ [وقرَأ به] (^٦)، لقيامِ الحجةِ بالنقلِ المستفيضِ وراثةً (^٧) بتصويبِ ذلك، وشذوذِ ما خالَفه مِن القراءةِ، وغيرُ جائزٍ الاعتراضُ بمن كان جائزًا عليه في نقلِه الخطأُ والسهوُ على مَن كان ذلك غيرَ جائزٍ عليه في نقلِه.\nوإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: قال اللهُ: يا إبراهيمُ، قد أجبتُ دعوتَك ورزَقتُ مؤمنى أهلِ هذا البلدِ مِن الثمراتِ وكفارَهم متاعًا لهم إلى بلوغِ آجالهِم، ثم\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فصل\".\n(^٢) وهى قراءة ابن عباس ومجاهد. البحر المحيط ١/ ٣٨٤.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٠ (١٢٢٤) من طريق أبي جعفر به.\n(^٤) سقط من: م، ت ٢.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٥٣ عن مجاهد.\n(^٦) في م: \"وقراءته\".\n(^٧) في م، ت ١: \"دراية\".","vol":"2","page":546},{"text":"أضطرُّ كفارَهم بعدَ ذلك إلى عذاب النارِ.\nوأما قولُه: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ فإنه يعنى: فأَجْعَلُ ما أَرْزُقُه مِن ذلك في حياتِه متاعًا يَتَمَتَّعُ به إلى وقتِ مماتِه.\nوإنما قلنا: إنَّ ذلك كذلك؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما قال ذلك لإبراهيمَ جوابًا لمسألتِه ما سأل مِن رزقِ الثمراتِ لمؤمنى أهلِ مكةَ، فكان معلومًا بذلك أن الجوابَ إنما هو فيما سألَه إبراهيمُ لا في غيرِه. وبالذى قلنا في ذلك قاله مجاهدٌ، وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك عنه.\nوقال بعضُهم: تأويلُه: فأمتِّعُه بالبقاءِ في الدنيا.\nوقال غيرُه: فأمتِّعُه قليلًا في كفرِه ما أقام بمكةَ، حتى أبعَثَ محمدًا ﷺ فيَقْتُلَه إن أقام على كفرِه أو يُجْلِيَه عنها. وذلك وإن كان وجهًا يَحْتَمِلُه الكلامُ، فإن دليلَ ظاهرِ الكلامِ على خلافِه؛ لما وصَفنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-449>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾: ثم أَدْفَعُه إلى (^١) النارِ وأَسُوقُه إليها، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]. ومعنى الاضْطرارِ الإكراهُ. يقالُ: اضْطَرَرتُ فلانًا إلى هذا الأمرِ، إذا ألجَأْتَه إليه وحمَلتَه عليه. فكذلك معنى قولِه: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾: أَدْفَعُه إليه وأَسُوقُه سحبًا وجرًّا على وجهِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-450>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عذاب\".","vol":"2","page":547},{"text":"قد دلَّلنا على أنَّ \"بئس\" أصلُه \"بئِس\" مِن \"البُؤْسِ\"، سُكِّنَ ثانيه ونُقِلت حركةُ ثانيه إلى أولِه، كما قيل للكبِدِ: كِبْدٌ، وما أشبَه ذلك.\nفمعنى الكلامِ: وساء المصيرُ عذابُ النارِ، بعدَ الذى كانوا فيه مِن متاعِ الدنيا الذى مَتَّعْتُهم فيها.\nوأما \"المصيرُ\" فإنه \"مَفْعِلٌ\" مِن قولِ القائلِ: صِرْتُ مَصيرًا صِلْحًا (^١). وهو الموضعُ الذى يَصِيرُ إليه [من جهنمَ. فتأويلُ الكلامِ: وبئس المكانُ الذى يصيرُ إليه] (^٢) الكافرُ باللهِ (^٣) عذابُ النارِ.\n\n<span id=\"aya-134\"></span><span data-type='title' id=toc-451>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾: واذكروا إذ يرفَعُ إبراهيمُ القواعدَ مِن البيتِ، و\"القواعدُ\" جمعُ قاعدةٍ، يقالُ للواحدةِ من قواعدِ البيتِ: قاعدةٌ. وللواحدةِ مِن قواعدِ النساءِ -وهن (^٤) عجائزُهن- قاعدٌ. فتُلْقَى (^٥) هاءُ التأنيثِ؛ لأنَّها \"فاعلٌ\" مِن قولِ القائلِ: قد قعَدت عن الحيضِ. ولا حظَّ فيه للذكورِ، كما يقالُ: امرأةٌ طاهرٌ وطامثٌ؛ لأنه لا حظَّ في ذلك للذكورِ، ولو عُنِي به القُعودُ الذى هو خلافُ القيامِ لقيل: قاعدةٌ. ولم يَجُزْ حينَئذٍ إسقاطُ هاءِ التأنيثِ. وقواعدُ البيتِ: إساسُه (^٦).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"صالحا\"، وكلاهما بمعنًى.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) بعده في م: \"من\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في م: \"فتلغى\" وهما بمعنى.\n(^٦) الإساس: جمع، واحده الإس مثلثة، والإس أصل البناء كالأساس والأسَس. التاج (أ س س).","vol":"2","page":548},{"text":"ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في \"القواعدِ\" التى رفَعها إبراهيمُ وإسماعيلُ مِن البيتِ، أهما أحدَثا ذلك، أم هى قواعدُ كانت له قبلَهما؟ فقال قومٌ: هى قواعدُ بيتٍ كان بناه آدمُ أبو البشرِ بأمرِ اللهِ إياه بذلك، ثم درَس مكانُه وتَعَفَّى أثرُه بعدَه حتى بَوَّأَه اللهُ إبراهيمَ ﵇ فبناه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: قال آدمُ: أىْ (^١) ربِّ، إنى لا أسمعُ أصواتَ الملائكةِ. قال: خطيئتُك (^٢)، ولكنِ اهبِطْ إلى الأرضِ فابنِ لي بيتًا، ثم احْفُفْ به كما رأَيتَ الملائكةَ تَحُفُّ ببيتىَ الذى في السماءِ. فيَزْعُمُ (^٣) الناسُ أنه بناه مِن خمسةِ أجبُلٍ؛ من حِراءٍ، وطورِ زَيْتَا (^٤)، وطورِ سَيْناءَ، و(^٥) لُبنانٍ، والجُوديِّ، وكان رُبْضُه (^٦) من حِراءٍ، فكان هذا بناءَ آدمَ حتى بناه إبراهيمُ بعدُ (^٧).\nوحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ\n_________\n(^١) في م: \"يا\".\n(^٢) في م: \"بخطيئتك\".\n(^٣) في الأصل: \"فزعم\".\n(^٤) طور زيتا: علم مرتجل لجبل بقرب رأس عين عند قنطرة الخابور على رأسه شجر زيتون يسقيه المطر ولذلك سمى طور زيتا، وجبل زيتا: مطل على مسجد بيت المقدس شرقى وادى سلوان. معجم البلدان ٣/ ٥٥٨.\n(^٥) بعده في م: \"جبل\".\n(^٦) الرُّبْضُ: أساس البناء. وقيل: وسط الشئ. التاج (ر ب ض).\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٠٩٢)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٢٧، ١٣١ إلى ابن المنذر والبيهقى. وينظر أخبار مكة للأزرقى ١/ ٧، ونقله ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٥٩ عن عبد الرزاق، وقال: وهذا صحيح إلى عطاء، ولكن في بعضه نكارة، والله أعلم.","vol":"2","page":549},{"text":"الْبَيْتِ﴾. قال: القواعدُ التى كانت قواعدَ البيتِ قبلَ ذلك (^١).\nوقال آخرون: بل هى قواعدُ بيتٍ كان اللهُ جلَّ ثناؤُه أهبَطه لآدمَ مِن السماءِ إلى الأرضِ، يَطُوفُ به كما كان (^٢) يَطُوفُ بعرشِه في السماءِ، ثم رفَعه إلى السماءِ أيامَ الطوفانِ، فرفَع إبراهيمُ قواعدَ ذلك البيتِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهّابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن أبى قِلابةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو (^٣)، قال: لما أهبَط اللهُ آدمَ مِن الجنةِ قال: إنى مُهبِطٌ معك -أو منزِلٌ معك- بيتًا يُطافُ (^٤) حولَه، كما يُطافُ حولَ عرشى، ويُصَلَّى عندَه، كما يُصَلَّى عندَ عرشى. فلما كان زمنُ الطوفانِ رفِع، فكانت الأنبياءُ يَحُجونَه ولا يَعْلَمون مكانَه، حتى بَوَّأَه الله إبراهيمَ وأعلَمه مكانَه، فبناه مِن خمسةِ أجْبُلٍ: من حِراءٍ، وثَبِيرٍ، ولُبنانٍ، وجبلِ الطورِ، وجبلِ الخَمَرِ (^٥).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٨، ٥٩، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٣١ (١٢٣٢) من طريق محمد ابن ثور، عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٢٦، ١٢٧ إلى ابن المنذر، وصحح الحافظ إسناده في الفتح ٨/ ١٧٠.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عمر\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فطف\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحمر\". وبعده في حاشية الأصل: \"جبل بالشام\". وبعده في الدر المنثور: \"وهو جبل بيت المقدس\". وجبل الخمر يراد به جبل بيت المقدس، سمى بذلك لكثرة كرومه. معجم البلدان ٢/ ٢١.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم والطبرانى في الكبير عن عبد الله بن عمرو. ينظر مجمع الزوائد ٣/ ٢٨٨، والدر المنثور ١/ ١٢٧. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٠٩٣) عن معمر، عن أيوب قال: بنيت الكعبة من خمسة أجبل. فذكر نحو أثر عطاء السابق. وينظر البداية والنهاية ٣/ ٤٧٧.","vol":"2","page":550},{"text":"وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا إسماعيلُ ابنُ عليةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، قال: لما أُهبِط آدمُ. ثم ذكَر نحوَه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا هشامُ بنُ حسانَ، عن سَوّارٍ [ختَنِ عطاءَ، عن] (^٢) عطاءِ بنِ أبى رباحٍ، قال: لما أهبَط اللهُ آدمَ مِن الجنةِ كان رِجلاه في الأرضِ ورأسُه في السماءِ، يَسْمَعُ كلامَ أهلِ السماءِ ودعاءَهم، يأنَس إليهم، فهابَتِ (^٣) الملائكةُ حتى شكَت إلى اللهِ في دعائِها وفى صلاتِها، فخفَضه اللهُ (^٤) إلى الأرضِ، فلما فقَد ما كان يَسْمَعُ منهم، استوحَش حتى شكا ذلك إلى اللهِ في دعائِه وفى صلاتِه، فوجِّه إلى مكةَ، فكان موضعُ قدمِه قريةً وخَطْوُه مفازةً، حتى انتهى إلى مكةَ، وأنزَل اللهُ ياقوتةً مِن ياقوتِ الجنةِ، فكانت على موضعِ البيتِ الآنَ، فلم يَزَلْ يَطُوفُ به حتى أنزَل اللهُ الطوفانَ، فَرُفِعت تلك الياقوتةُ، حتى بعَث اللهُ إبراهيمَ فبناه، فذلك قول اللهِ: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ (^٥) [الحج: ٢٦].\nوحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: وضَع اللهُ البيتَ مع آدمَ (^٦)، أهبَط اللهُ آدمَ إلى الأرضِ، وكان مَهْبِطُه بأرضِ الهندِ، وكان رأسُه في السماءِ ورِجلاه في الأرضِ، فكانت الملائكةُ تَهابُه، فنُقِص إلى\n_________\n(^١) أخرجه الأزرقى في أخبار مكة ١/ ٣٠ من طريق أيوب به.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٣: \"عن\"، وفى ت ٢: \"ختن\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فهابته\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٢٣. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٠٩٠)، وابن عساكر في تاريخه ٧/ ٤٢١ من طريق هشام بن حسان به، وأخرجه الأزرقى في أخبار مكة ١/ ٧، وأبو الشيخ العظمة (١٠٢١) من طريق طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس، وطلحة متروك.\n(^٦) بعده في م: \"حين\".","vol":"2","page":551},{"text":"ستين ذِراعًا، فحزِن آدمُ إذ فقَد أصواتَ الملائكةِ وتسبيحَهم، فشكا ذلك إلى اللهِ تعالى، فقال اللهُ: يا آدمُ، إنى قد أهبَطتُ لك بيتًا تَطُوفُ به كما يُطافُ حولَ عرشى، وتصَلِّى عندَه كما يُصَلَّى عندَ عَرْشى. فانطَلَق إليه آدمُ، فخرَج ومُدّ له في خطوِه، فكان [بينَ كلِّ خُطوتين] (^١) مفازةٌ، فلم تَزَلْ تلك المفاوزُ بعدَ ذلك، فأتى آدمُ البيتَ فطاف به ومَن بعدَه مِن الأنبياءِ (^٢).\nوحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن أَبانٍ أنَّ البيتَ أُهبِط ياقوتةً واحدةً، أو دُرّةً واحدَةً، حتى إذا أغرَق اللهُ قومَ نوحٍ رفَعه وبقِىَ أساسُه، فبوَّأه اللهُ لإبراهيمَ، فبناه بعدَ ذلك (^٣).\nوقال آخرون: بل كان موضعُ البيتِ ربوةً حمراءَ كهيئةِ القبةِ، وذلك أن اللهَ لما أراد خلْقَ الأرضِ علا الماءَ زَبَدةٌ حمراءُ أو بيضاءُ، وذلك في موضعِ البيتِ الحرامِ، ثم دَحَا اللهُ الأرضَ مِن تحتِها، فلم يَزَلْ ذلك كذلك حتى بوَّأه اللهُ إبراهيمَ، فبناه على أساسِه. وقالوا: أساسُه على أركانٍ أربعةٍ في الأرضِ السابعةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال جريرُ بنُ حازمٍ: حدَّثنى حميدُ بنُ قيسٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان موضعُ البيتِ على الماءِ قبلَ\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كل خطوة بين\"، وفى التاريخ والمصنف: \"بين كل خطوة\". والمثبت موافق لما سيأتى في تفسير الآية (٢٦) من سورة الحج، وكذلك هو في الدر المنثور.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٢٣. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٠٩٦)، وهو في تفسيره ٢/ ٣٤، وأخرجه الأزرقى في أخبار مكة ١/ ١٢ من طريق معمر به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٣ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٠٩٦)، وأخرجه الأزرقى في أخبار مكة ١/ ١٠ من طريق معمر به.","vol":"2","page":552},{"text":"أن يَخْلُقَ اللهُ السماواتِ والأرضَ، مثلَ الزَّبَدةِ البيضاءِ، ومِن تحتِه دُحِيَت الأرضُ (^١).\nوحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا ابنُ جُرَيجٍ، قال: قال عطاءٌ وعمرُو بنُ دينارٍ: بعَث اللهُ رِياحًا فصَفَقت الماءَ، فأبْرزَتْ في موضعِ البيتِ عن حَشَفةٍ (^٢) كأنها القبّةُ، فهذا البيتُ منها، فلذلك هى أمُّ القُرَى. قال ابنُ جُريجٍ: قال عطاءٌ: ثم وَتَدها بالجبالِ كى لا تكَفَّأَ؛ تَمِيدَ (^٣)، فكان أولَ جبلٍ أبو قُبَيسٍ (^٤).\nحدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّىُّ، عن حفصِ بنِ حميدٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: وُضِعَ البيتُ على أركانِ الماءِ، على أربعةِ أركانٍ، قبلَ أن تُخْلَقَ الدُّنْيا بألفَى عامٍ، ثم دُحِيت الأرضُ مِن تحتِ البيتِ (^٥).\nوحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن هارونَ بنِ عنترةَ، عن عطاءِ بنِ أبى رباحٍ، قال: وَجَدوا بمكةَ حجرًا مكتوبًا فيه (^٦): إنى أنا اللهُ ذو بكةَ، بنَيْتُه يومَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٠٩٧) من طريق حميد به بمعناه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٢٨ إلى عبد بن حميد بآخره.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حسنة\". وفى مصنف عبد الرزاق: \"خشفة\"، وبالحاء والخاء روايتان، وتروى بالعين أيضًا بدل الفاء.\nوالخشفة: صخرة رخوة حولها سهل من الأرض. التاج (ح ش ف).\nوالخشفة واحدة الخشف: وهى حجارة تنبت في الأرض نباتا. ذكره ابن الأثير في النهاية ٢/ ٣٥ عن الخطابى.\n(^٣) في م: \"بميد\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٠٨٩)، وأخرجه الأزرقى في أخبار مكة ١/ ٤ من طريق آخر عن عطاء، عن ابن عباس، نحوه.\n(^٥) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٩٠١) من طريق يعقوب القمي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٢٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عليه\".","vol":"2","page":553},{"text":"صُغْتُ (^١) الشمسَ والقمرَ، وحفَفْتُه بسبعةِ أملاكٍ حنفاءَ (^٢).\nوحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: حدَّثنى عبدُ اللهِ بن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ وغيرِه مِن أهلِ العلمِ، أن اللهَ لمَّا بَوَّأ لإبراهيمَ مكانَ البيتِ، خرَج إليه مِن الشامِ، وخرَج معه بإسماعيلَ وبأمِّه هاجرَ، وإسماعيلُ طفلٌ صغيرٌ يَرْضَعُ، وحُمِلُوا -فيما حدَّثنى- علَى البُراقِ، ومعه جبريلُ يَدُلُّه على مَوْضعِ (^٣) البيتِ ومَعالمِ الحرمِ، فخرَج وخرَج معه جبريلُ -يقال: كان لا يمرُّ بقريةٍ إلا قال: أبهذه أُمِرْتَ يا جبريلُ؟ فيقولُ جبريلُ: امْضِهْ- حتى قَدِم به مكةَ، وهى إذ ذاك عِضَاهُ سَلَمٍ وسَمُرٍ (^٤)، وبها (^٥) أناسٌ يقالُ لهم: العَماليقُ خارجَ مكةَ وما حولَها، والبيتُ يومَئذٍ رَبوةٌ حمراءُ مَدَرَةٌ. فقال إبراهيمُ لجبريلَ: أههنا أُمِرتَ أن أضَعَهما؟ قال: نعم. فعمَد بهما (^٦) إلى موضعِ الحجرِ فأنزَلهما فيه، وأمر هاجرَ أمَّ إسماعيلَ أن تَتخِذَ فيه عريشًا، فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ إلى قولِه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (^٧) [إبراهيم: ٣٧].\nقال ابنُ حميدٍ: قال سلمةُ: قال ابنُ إسحاقَ: ويَزْعُمون -واللهُ أعلمُ- أن ملكًا مِن الملائكةِ أتَى هاجرَ أمَّ إسماعيلَ -حينَ أنزَلهما إبراهيمُ مكةَ قبلَ\n_________\n(^١) في م: \"صنعت\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حفا\".\n(^٣) في الأصل: \"مواضع\". وينظر مصدر التخريج.\n(^٤) السَّلَمُ شجر من العضاه وورقها القرَظ الذى يدبغ به الأديم، والسَّمُرُ ضرب من العضاه، وقيل من الشجر صغار الورق قصار الشوك وله بَرَمَةٌ صفراء يأكلها الناس. اللسان (س ل م، س م ر).\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يروبها\".\n(^٦) في الأصل: \"بها\".\n(^٧) أخرجه الأزرقى في أخبار مكة ١/ ٢١، ٢٢ من طريق محمد بن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وحده، وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٢٦٠.","vol":"2","page":554},{"text":"أن يَرْفعَ إبراهيمُ وإسماعيلُ القواعدَ مِن البيتِ -فأشار لها (^١) إلى البيتِ، وهو (^٢) رَبْوةٌ حمراءُ مَدَرَةٌ، فقال لها (^٣): هذا أولُ بيتٍ وُضِعَ للناسِ (^٤)، وهو بيتُ اللهِ العتيقُ، واعْلَمِى أن إبراهيمَ وإسماعيلَ هما يَرفعانه (^٥). فاللهُ أعلمُ.\nوحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا هشامُ بنُ حسانَ، قال: أخْبَرنى حُميدٌ، عن مجاهدٍ، قال: خلَق اللهُ مَوْضِعَ هذا البيتِ قبلَ أن يَخْلُقَ شيئًا مِن الأرضِ بأَلْفَى سنةٍ، وأركانُه في الأرضِ السابعةِ (^٦).\nوحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا ابنُ عُيَينةَ، قال: أخْبَرنى بِشْرُ بنُ عاصمٍ، عن ابنِ المسيّبِ، قال: حدَّثنا كعبٌ أن البيتَ كان غُثاءةً على الماءِ قبلَ أن يَخلُقَ اللهُ الأرضَ بأربعين سنةً، ومنه دُحِيَت الأرضُ. قال: وحدَّثنا (^٧) عليُّ بنُ أبي طالبٍ أن إبراهيمَ أقْبَل مِن إرمينيةَ ومعَه السكينةُ تَدُلُّه، [حتى تبوَّأَ] (^٨) البيتَ، كما تَتَبوأُ العنكبوتُ بيتَها. قال: فرَفَعت عن أحجارٍ يُطِيقُه -أو لا يُطيقُه- ثلاثون رجلًا. قال: قلت: يا أبا محمدٍ، فإن اللهَ يقُولُ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ قال: كان ذلك بعدُ (^٩).\n_________\n(^١) في النسخ: \"لهما\". والمثبت من أخبار مكة.\n(^٢) في الأصل: \"هي\". والمثبت من أخبار مكة.\n(^٣) في النسخ: \"لهما\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في الأرض\". وينظر مصدر التخريج.\n(^٥) أخرجه الأزرقى في أخبار مكة ١/ ٢٣ من طريق ابن إسحاق به بنحوه.\n(^٦) أخرجه عبد الرزَّاق في المصنف (٩٠٩٧)، وأخرجه الأزرقى في أخبار مكة ١/ ٣، ٤ من طريقين عن هشام به. وليس في الموضع الثاني ذكر حميد.\n(^٧) بعده في م: \"عن\".\n(^٨) في م، ت ١، ت ٢: \"علة تبوئ\".\n(^٩) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٠٩٨).","vol":"2","page":555},{"text":"والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يقالَ: إن اللهَ جلَّ ثناؤه أخْبَر عن إبراهيمَ خليلِه أنه وابنَه إسماعيلَ رفَعا القواعدَ مِن البيتِ الحرامِ. وجائزٌ أن يكونَ ذلك قواعدَ بيتٍ كان أهْبَطه مع آدمَ، فجَعله مكانَ البيتِ الحرامِ الذي بمكةَ. وجائزٌ أن يكونَ ذلك كان القُبَّةَ التى ذكَرها عطاءٌ مما أنْشَأه اللهُ مِن زَبَدِ الماءِ. وجائزٌ أن يكونَ كان ياقوتةً أو درةً أُهْبِطتا مِن السماءِ. وجائزٌ أن يكونَ كان آدمُ بناه ثم تَهَدَّم حتَّى رفَع قَواعِدَه إبراهيمُ وإسماعيلُ. ولا علمَ عندَنا بأيِّ ذلك كان من أيّ؛ لأن حقيقةَ ذلك لا تُدْركُ إلا بخبرٍ عن اللهِ أو (^١) عن رسولِه ﷺ بالنَّقْلِ المُسْتفيضِ. ولا خبرَ بذلك تقومُ به الحجةُ، فيَجِبَ التسليمُ لها، ولا هو -إذ لم يَكُنْ به خَبَرٌ على ما وصفنا- مما [يُدْرَكُ علمُه] (^٢) بالاستدلالِ والمقاييسِ، فيُمَثلَ بغيرِه، ويُسْتنبطَ عِلمُه مِن جهةِ الاجتهادِ. فلا قولَ في ذلك هو أوْلَى بالصوابِ مما قلنا واللهُ تعالى أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-452>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾.</span>\nيعني تعالى ذِكْرُه بذلك وإذْ يَرْفَعُ إبراهيمُ القواعِدَ من البيتِ وإسماعيلُ. يقولان: ربَّنا تقبَّلْ منا. وذُكِرَ أن ذلك كذلك في قراءةِ ابنِ مسعودٍ (^٣)، وهو قولُ جماعةٍ مِن أهلِ التأويلِ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n= وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٢ (١٢٣٥، ١٢٣٦)، والأزرقى في أخبار مكة ١/ ٣، ٢٩ من طريق ابن عيينة به. وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٦٧ من طريق بشر بن عاصم به، بأثر على وحده. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٢٦ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن علي وحده.\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٢) في م: \"يدل عليه\".\n(^٣) المصاحف ص ٥٧.","vol":"2","page":556},{"text":"السدىِّ، قال: بنَيا وهما يَدْعوان الكلماتِ التى ابْتَلى بها إبراهيمَ ربُّه، قال: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ - ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ (^١).\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخْبَرنى ابنُ كثيرٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ قال: قاما (^٢) يَرْفعان القواعدَ مِن البيتِ، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال: وإسماعيل يَحْمِلُ الحجارةَ على رقبتِه، والشَّيخُ يَبْنى (^٣).\nفتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ: وإذ يَرْفعُ إبراهيمُ القواعدَ مِن البيتِ وإسماعيلُ قائلين: ربنا تَقبَّلْ مِنَّا.\nوقال آخرون: بل قائلُ ذلك كان إسماعيلَ.\nفتأويلُ الآية على هذا القولِ: وإذ يَرفعُ إبراهيمُ القواعدَ مِن البيتِ، وإذ يقولُ إسماعيلُ: ربَّنا تَقبلْ مِنَّا. فيَصِيرُ حينئذٍ ﴿إِسْمَاعِيلُ﴾ مرفوعًا بالجملةِ التى بعدَه، و\"يقول\" حينئذٍ خبرٌ له دونَ إبراهيمَ.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ في الذي رفَع القواعدَ، بعدَ إجماعِهم على أن إبراهيمَ كان ممن رفَعها؛ فقال بعضُهم: رفَعها إبراهيمُ وإسماعيلُ جميعًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٢ (١٢٣٧) من طريق عمرو به.\n(^٢) في م: \"هما\".\n(^٣) أخرجه الأزرقى في أخبار مكة ١/ ٢٥، ٢٦ من طريق ابن جريج به مطولًا.","vol":"2","page":557},{"text":"السدىِّ: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾. قال: فانطلَق إبراهيمُ حتى أتَى مكَّةَ، فقام هو وإسماعيلُ وأخَذا المعاولَ لا يَدْرِيان أين البيتُ، فبعَث اللهُ ريحًا يقال لها: ريحُ الخَجُوجِ (^١)، لها جَناحان ورأسٌ، في صورةِ حيَّةٍ، فكنَست لهما ما حولَ الكعبةِ (^٢) عَنْ أساسِ البيتِ الأولِ، واتَّبَعاها بالمَعاولِ يَحْفِران حتى وضَعا الأساسَ، فذلك حين يقولُ: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]. فلما بنَيا القواعدَ فبلَغا مكانَ الرُّكنِ، قال إبراهيمُ لإسماعيلَ: يا بُنيّ، اطْلُبْ لي حجرًا حسنًا أضعْه ههنا. قال: يا أبَتِ إنى كسلانُ لَغِبٌ (^٣). قال: علىَّ ذلك. فانطلَق يطلُبُ حجرًا، فجاءه بحجرٍ فلم يَرْضَهْ، فقال: ائتنى بحجرٍ أحسنَ مِن هذا. فانْطَلق يَطْلُبُ له حجرًا، وجاءه جبريلُ بالحجرِ الأسودِ مِن الهندِ، وكان أبيضَ، ياقوتةً بيضاءَ مثلَ الثَّغامةِ (^٤)، وكان آدمُ هبَط به مِن الجنةِ فاسودَّ مِن خطايا الناسٍ، فجاءه إسماعيلُ بحجرٍ فوجدَه عندَ الركنِ، فقال: يا أبتِ، مَن جاءك بهذا؟ فقال: [جاء به] (^٥) مَن هو أنشطُ مِنك. فبنَياه (^٦).\nوحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن عمر (^٧) بنِ عبدِ اللهِ بنِ عروةَ (^٨)، عن (^٩) عبيدِ بنِ عميرٍ الليثىِّ، قال: بَلَغنى أن إبراهيمَ\n_________\n(^١) ريح خجوج: شديدة المرور في غير استواء. النهاية ٢/ ١١.\n(^٢) بعده في م: \"و\".\n(^٣) لَغَب يلغُب لَغْبًا: أعيا أشد الإعياء. اللسان (ل غ ب).\n(^٤) الثغامة: نبت أبيض الزهر والثمر يشبه به الشيب، وقيل: هي شجرة تبيض كأنها الثلج. النهاية ١/ ٢١٤.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٥٢ مختصرا، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٢ (١٢٣٧) من طريق عمرو به وأخرجه البيهقي في الدلائل ٢/ ٥٣ من طريق أسباط به نحوه.\n(^٧) في الأصل، م، ت ١، ت ٣: \"عمرو\".\n(^٨) في النسخ: \"عتبة\"، والمثبت من تاريخ المصنف ١/ ٢٦١. وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٤١٣.\n(^٩) في ت ٢، ت ٣: \"بن\".","vol":"2","page":558},{"text":"وإسماعيلَ هما رفَعا قواعدَ البيتِ (^١).\nوقال آخرون: بل رفَع قواعدَ البيتِ إبراهيمُ، وكان إسماعيلُ يُناوِلُه الحجارةَ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أحمدُ بنُ ثابتٍ الرازىُّ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن أيوبَ وكثيرِ بنِ كثيرِ بنِ المطلبِ بنِ أبي وداعةَ -يَزيدُ أحدُهما على الآخرِ- عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جاء إبراهيمُ وإسماعيلُ يَبْرِى نَبْلًا قريبًا مِن زمزمَ، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يَصْنعُ الوَالدُ بالولدِ، والوَلدُ بالوالدِ، ثم قال: يا إسماعيلُ، إن اللهَ أمَرنى بأمْرٍ. قال: فاصْنَعْ ما أمَرَك ربُّك. قال: وتُعِينُنى؟ قال: وأُعِينُك. قال: فإن اللهَ أمَرَنى أن أبنىَ ههنا بيتًا. وأشار إلى الكعبةِ مُرتفعةً على ما حولَها. قال: فعنَد ذلك رفعا القواعدَ من البيتِ. قال: فجعلَ إسماعيلُ يأتي بالحجارةِ وإبراهيمُ يَبْنى، حتى إذا ارتفَع البناءُ جاء بهذا الحجرِ فوضَعه له، فقام عليه وهو يَبنى، وإسماعيلُ يُناولُه الحجارةَ وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ حتى دَوَّر حولَ البيتِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ سنانٍ (^٣) القَزازُ، قال: ثنا عبيدُ (^٤) اللهِ بنُ عبدِ المجيدِ أبو عليٍّ الحنَفىُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ نافعٍ، قال: سمِعتُ كثيرَ بنَ كثيرٍ يُحدِّثُ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: جاء -يعني إبراهيمَ- فوجَد إسماعيلَ يُصْلحُ نَبْلًا له (^٥) مِن وراءِ زمزمَ،\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦١، مطولًا.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩١٠٧)، ومن طريقه البخاري (٣٣٦٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٢ (١٢٣٤)، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٤٦، ٥٢. وأخرجه الأزرقى في أخبار مكة ١/ ٢٥، ٢٦ من طريق معمر به. وينظر أخبار مكة ١/ ٢٢، والدر المنثور ١/ ١٢٥.\n(^٣) في م: \"بشار\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٣٢٣.\n(^٤) في ت ١، ت ٣: \"عبد\".\n(^٥) سقط من: م.","vol":"2","page":559},{"text":"فقال إبراهيمُ: يا إسماعيلُ، إن ربَّك قد أمرَنى أن أبنىَ له بيتًا. فقال له إسماعيلُ: فأطِعْ ربَّك فيما أمَرك به. فقال له إبراهيمُ: قد أمرَك أن تُعِينَنى عليه. قال: إذن أفْعَلَ. قال: فقام معه، فجَعل إبراهيمُ يَثنِيه وإسماعيلُ يُناولُه الحجارةَ، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فلما ارْتَفع البنيانُ، وضَعُف الشَّيخُ عن رفع الحجارةِ، قام على حجَرٍ فهو مَقامُ إبراهيمَ، فجعَل يُناولُه ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (^١).\nوقال آخرون: بل الذي رفَع قواعدَ البيتِ إبراهيمُ وحدَه، وإسماعيلُ يومئذٍ طفلٌ صغيرٌ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المثني، قالا: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن حارثةَ بنِ مُضَرِّبٍ (^٢)، عن عليٍّ، قال: لما أُمِرَ إبراهيمُ ببناءِ البيتِ، خرَجَ معه إسماعيلُ وهاجرُ، قال: فلما قَدِم مكَّةَ رأى على رأسِه في موضعِ البيتِ مثلَ الغَمامةِ فيه مثلُ الرأسِ فكَلَّمه، فقال: يا إبراهيمُ، ابْنِ على ظلِّى -أو على قَدْرى- ولا تَزِدْ ولا تَنْقُصْ. فلما بَنَى خرَج (^٣) وخَلَّف إسماعيلَ وهاجرَ، فقالت\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٥٩، ٢٦٠ عن محمد بن سنان به. وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٥١، ٥٥٢ من طريق محمد بن سنان به، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٢٥٦. وأخرجه البخاري (٣٣٦٥)، والنسائي في الكبرى (٨٣٨٠)، وابن أبي حاتم ١/ ٢٣٢ (١٢٣٣) من طريق إبراهيم بن نافع به. وأخرجه الأزرقى في أخبار مكة ١/ ٢٥، ٢٦، وابن مردويه -كما في التفسير لابن كثير ١/ ٢٥٦ - من طريق كثير بن كثير به.\n(^٢) في م: \"مصرف\". وينظر تهذيب الكمال ٥/ ٣١٧.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"2","page":560},{"text":"هاجرُ: يا إبراهيمُ إلى مَن تَكِلُنا؟ قال: إلى اللهِ. قالت: انْطَلِقْ فإنه لا يُضَيِّعُنا. قال: فعَطِش إسماعيلُ عَطَشًا شديدًا، قال: فصَعِدت هاجرُ الصَّفَا فنظَرت فلم تَرَ شيئًا، ثم أتَتِ المَروةَ فنَظَرتْ فلم ترَ شيئًا، ثم رجَعت إلى الصَّفَا فنَظَرت فلم تَر شيئًا، حتى فعَلت ذلك سبعَ مرارٍ، فقالت: يا إسماعيلُ مُتْ حيثُ لا أراك. فأتَتْه وهو يَفْحَصُ برجلِه مِن العطش، فناداها جبريلُ، فقال لها: مَن أنتِ؟ فقالت: أنا هاجرُ أمُّ ولدِ إبراهيمَ. قال: إلى مَن وَكَلكما؟ قالت: وَكَلنا إلى اللهِ. قال: وَكَلكما إلى كافٍ. قال: ففَحَص الغلامُ (^١) الأرضَ بأصبعِه، فنَبَعت زمزمُ، فجعَلت تحبسُ الماءَ، فقال: دَعيه، فإنها رَوَاءٌ (^٢).\nحدَّثنا [هنادُ بنُ السرىِّ] (^٣)، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةَ، أن رجلًا قام إلى عليٍّ فقال: ألا تُخْبرُنى عن البيتِ أهو أولُ بيتٍ وُضِعَ في الأرضِ؟ فقال: لا، ولكنه أولُ بيتٍ وُضِعَ فيه (^٤) البركةُ، مَقامُ إبراهيمَ، ومَن دخَله كان آمنًا، وإن شِئْتَ أنْبأتُك كيف بُنِىَ، إن اللهَ أوْحَى إلى إبراهيمَ أن ابْنِ لي بيتًا في الأرضِ. قال: فضاق إبراهيمُ بذلك ذَرْعًا، فأرسل اللهُ السكينةَ -وهي ريحٌ خَجُوجٌ، ولها رأسان- فأَتْبع أحدُهما صاحبَه حتى انْتَهت إلى مكَّةَ، فتَطوَّت على مَوضعِ البيتِ\n_________\n(^١) زيادة من تاريخ المصنف.\n(^٢) الماء الرواء: العذب. اللسان (روى).\nوالاُثر أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٥٢. وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٥١ من طريق مؤمل به. وقال: صحيح الإسناد. وأخرجه الأزرقى في أخبار مكة ١/ ٢٧، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٣١ (١٢٢٩) من طريق أبي إسحاق به، بأوله. ونقله ابن كثير ١/ ٢٥٧، ٢٥٨ عن المصنف، وقال: ففي هذا السياق أنه بنى البيت قبل أن يفارقهما، وقد يحتمل -إن كان محفوظًا- أن يكون أوّلًا وضع له حوطا وتحجيرا، لا أنه بناه إلى أعلاه، حتى كبر إسماعيل فبنياه معًا كما قال الله تعالى.\n(^٣) في م: \"عباد\".\n(^٤) في الأصل، م: \"في\". والمثبت من مصادر التخريج.","vol":"2","page":561},{"text":"كتَطوِّى الحَجَفَةِ (^١)، وأُمِر إبراهيمُ أن يبنىَ حيثُ تَستقرُّ السكينةُ. فبنى إبراهيمُ وبقِى حجرٌ، فذهب الغلامُ يَبْنى (^٢) شيئًا، فقال إبراهيمُ: لا، أبْغِنى حجرًا كما آمُرُك. قال: فانْطَلق الغلامُ يَلْتمِسُ له حجرًا، فأتاه به (^٣) فوجَده قد رَكَّب الحجرَ الأسودَ في مكانِه، فقال: يا أبَتِ، مَن أتاك بهذا الحجرِ؟ فقال: أتانى به مَن لم يَتَّكِلْ على بنائِك، جاء به جبريلُ مِن السماءِ. فأتَمَّاه (^٤).\nوحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ (^٥)، عن سماكٍ، قال: سمِعت خالدَ بنَ عرعرةَ يُحدِّث عن عليٍّ بنحوِه.\nوحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ وحمادُ بنُ سلمةَ وأبو الأحوصِ، كلُّهم عن سماكٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةَ، عن عليٍّ بنحوِه (^٦).\nفمن قال: رفَع القواعدَ إبراهيمُ وإسماعيلُ. أو قال: رفَعها إبراهيمُ وكان إسماعيلُ يناولُه الحجارةَ. فالصوابُ في قولِه أن يكونَ المضمرُ مِن القولِ لإبراهيمَ وإسماعيلَ، ويكونُ الكلامُ حينئذٍ وإذ يَرْفَعُ إبراهيمُ القواعِدَ من البيتِ وإسماعيلُ يقولان: ربَّنا تقبَّلْ منا.\n_________\n(^١) الحجفة: التُرْس. النهاية ١/ ٣٤٥.\n(^٢) في م: \"يبغى\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٥١.\nوأخرجه البيهقى في الدلائل ٢/ ٥٦ من طريق أبى الأحوص به.\nوأخرجه الحاكم ٢/ ٢٩٢، والبيهقى في الدلائل ٢/ ٥٥ من طريق سماك به.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٢٦ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد والحارث بن أبى أسامة. والحديث إسناده ضعيف لجهالة خالد بن عرعرة.\n(^٥) في م: \"سعيد\".\n(^٦) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده -كما في المطالب العالية (٣٩٢٣) - والأزرقى في أخبار مكة ١/ ٢٨ من طريق حماد به.","vol":"2","page":562},{"text":"وقد كان يَحْتمِل على هذا التأويلِ أن يكونَ المُضمرُ مِن القولِ لإسماعيلَ خاصةً دونَ إبراهيمَ، ولإبراهيمَ خاصةً دونَ إسماعيلَ، لولا ما عليه عامةُ أَهلِ التأويلِ مِن أن المُضمرَ مِن القولِ [في ذلك] (^١) لإبراهيمَ وإسماعيلَ جميعًا.\nوأما على التأويلِ الذى رُوِىَ عن علىٍّ -أن إبراهيمَ هو الذى رفَع القواعدَ دونَ إسماعيلَ- فلا يجوزُ أن يكونَ المضمرُ مِن القولِ عندَ ذلك إلا لإسماعيلَ خاصةً.\nوالصوابُ مِن القولِ عندَنا في ذلك أن المُضمرَ مِن القولِ لإبراهيمَ وإسماعيلَ، وأن قواعدَ البيتِ رفَعها إبراهيمُ وإسماعيلُ جميعًا، وذلك أن إبراهيمَ وإسماعيلَ إن كانا هما بنياها (^٢) ورفعاها، فهو ما قلنا. وإن كان إبراهيمُ تَفرَّد ببنائِها، وكان إسماعيلُ يُناولُه أحجارَها (^٣)، فهما أيضًا رفعاها، لأن رفعَها كان بهما؛ مِن أحدِهما البناءُ، ومِن الآخرِ نقلُ الحجارةِ إليها ومعونةُ وَضْعِ الأحجارِ مواضعَها. ولا تَمْتنِعُ العربُ مِن إضافةِ (^٤) البناءِ إلى مَن كان بسببِه البناءُ ومَعونتِه. وإنما قلنا ما قلنا مِن ذلك لإجماعِ جميعِ أهلِ التأويلِ على أن إسماعيلَ معنىٌّ بالخبرِ الذى أخْبَر اللهُ عنه وعن أبيه أنهما كانا يقولانه، وذلك قولُهما: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فمعْلُومٌ أن إسماعيلَ لم يَكُنْ ليقولَ ذلك إلا وهو إما رجلٌ كاملٌ، وإما غلامٌ قد فَهِم مواضعَ الضُّرِّ مِن النفعِ، ولزِمَته فرائضُ اللهِ وأحكامُه. وإذا كان [ذلك أمرَه] (١) في حالِ بناءِ أبيه ما أمَره اللهُ ببنائِه ورفعِه قواعدَ بيتِ اللهِ (^٥) -\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"بنياهما\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"نسبة\".\n(^٥) بعده في م: \"كذلك\".","vol":"2","page":563},{"text":"فمعلومٌ أنه لم يكن تاركًا معونةَ أبيه، إما على البناءِ، وإما على نقلِ الحجارةِ. وأىُّ ذلك كان منه، فقد دخَل في معنى مَن رفَع قواعدَ البيتِ، وثبَت أن القولَ المُضمرَ خبرٌ عنه وعن والدِه إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليهما. فتأويلُ الكلامِ: وإذ يَرفَعُ إبراهيمُ القواعدَ مِن البيتِ، يقولان: ربَّنا تَقَبلْ مِنَّا عملَنا، وطاعتَنا إياك وعبادَتنا لك، في انتهائِنا إلى أمرِك الذى أمَرتنا به في بناءِ بيتِك الذى أمَرْتنا ببنائِه، إنك أنت السميعُ العليمُ.\nوفى إخبارِ اللهِ جلَّ ثناؤُه أنهما رفَعا القواعدَ مِن البيتِ وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ دليلٌ واضحٌ على أن بناءَهما ذلك لم يَكُنْ بناءَ مَسكنٍ يَسْكُنانه ولا منزلٍ يَنْزلانِه، بل هو دليلٌ على أنهما بنياه ورفَعا قواعدَه لكلِّ مَن أراد أن يَعْبُدَ اللهَ، تَقرُّبًا منهما إلى اللهِ بذلك، ولذلك قالا: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ ولو كانا بنياه مسكنًا لأنفسِهما لم يكنْ لقولِهما: ﴿تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ وَجهٌ مفهومٌ، لأنه [كان يكونُ] (^١) -لو كان الأمْرُ كذلك- [سألا ربَّهما] (^٢) أن يَتقبَّلَ منهما ما لا قُرْبةَ فيه إليه. وليس [من صفتِهما] (^٣) مسألةُ اللهِ قبولَ ما لا قُربةَ إليه فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-453>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾.</span>\nوتأويلُ قولِه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: إنك أنت السميعُ دعاءَنا ومَسألتَنا إياك قَبولَ ما سألناك قَبولَه منا مِن [طاعتِنا لك] (^٤) في بناءِ بيتِك الذى أمَرْتنا ببنائِه، العليمُ بما في ضمائرِ نفوسِنا مِن الإذعانِ لك بالطاعةِ والمصيرِ إلى ما فيه لك\n_________\n(^١) في م: \"كانا يكونان\".\n(^٢) في م: \"سائلين\".\n(^٣) في م: \"موضعهما\".\n(^٤) في م: \"طاعتك\".","vol":"2","page":564},{"text":"الرضا والمحبةُ، وما نُبْدِى وما (^١) نُخْفِى مِن أعمالِنا.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: أخْبَرنى ابنُ (^٢) كثيرٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يقولُ: تَقبَّلْ مِنَّا إنك سميعُ الدعاءِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-135\"></span><span data-type='title' id=toc-454>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾.</span>\nوهذا أيضًا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن إبراهيمَ وإسماعيلَ، أنهما كانا يَرفعان القواعدَ مِن البيتِ وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾. يعنيان بذلك: واجْعَلْنا مُستسلِمَين لأمرِكَ، خاضعَيْنِ لطاعتِكَ، لا نُشْرِكُ معَك في الطاعةِ أحدًا سواك، ولا في العبادةِ غيرَك.\nوقد دلَّلْنا فيما مضَى على أن معنى \"الإسلامِ\" الخضوعُ للهِ بالطاعةِ (^٤).\nوأمَّا قولُه: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ فإنهما خصَّا بذلك بعضَ الذُّرِّيَّةِ؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه قد كان أعلمَ إبراهيمَ خليلَه قبلَ مسألتِه هذه أن مِن ذُرِّيَّته مَن لا يَنالُ عهدَه، لظلمِه وفجورِه، فخَصَّا بالدعوةِ بعضَ ذُرِّيَّتهما. وقد قيل: إنهما عنَيا بذلك العربَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) زيادة من: ت ٣.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبو\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٥٥٧.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ٤٣٢، ٤٣٣.","vol":"2","page":565},{"text":"السُّدِّىِّ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾: يَعنيانِ العربَ (^١).\nوهذا قولٌ يَدُلُّ ظاهرُ الكتابِ على خلافِه، لأن ظاهرَه يَدُلُّ على أنهما دَعَوَا اللهَ أن يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهما أهلَ طاعتهِ وولايتِه والمُسْتَجِيبينَ لأمرِه، وقد كان في ولدِ إبراهيمَ العربُ وغيرُ العربِ، والمستجيبُ لأمرِ اللهِ والخاضعُ له بالطاعةِ مِن الفريقين، فلا وجهَ لقولِ مَن قال: عنَى إبراهيمُ بدعائِه ذلك فريقًا مِن ولدِه بأعيانِهم دونَ غيرِهم، إلَّا التحكُّمَ الذى لا يعْجِزُ عنه أحدٌ.\nوأمَّا \"الأُمَّةُ\" في هذا الموضعِ، فإنه يَعني بها الجماعةَ مِن الناسِ، مِن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٥٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-455>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾.</span>\nاخْتَلَفتِ القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم. ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾. بمعنى رُؤيةِ العينِ، أى: أظهِرْها لأعيُنِنا حتى نراها. وذلك قراءةُ عامَّةِ قرأةِ (^٢) الحجازِ والكوفةِ. وكان بعضُ مَن يُوَجِّهُ تأويلَ ذلك إلى هذا التأويلِ يُسَكِّنُ الراءَ مِن (أرْنا) (^٣)، غيرَ أنه يُشِمُّها كسرةً (^٤).\nواختلف قائلُو هذه المقالةِ وقَرَأَةُ هذه القراءةِ في تأويلِ قولِه: ﴿مَنَاسِكَنَا﴾؛ فقال بعضُهم: هى مناسكُ الحجِّ ومعالِمُه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٤ (١٢٤٦) من طريق عمرو به.\n(^٢) في م: \"أهل\".\n(^٣) تسكين الراء قراءة ابن كثير المكى، والسوسى عن أبى عمرو، ويعقوب الحضرمى، وهو من العشرة. والاختلاس قراءة الدورى عن أبي عمرو، والباقون بكسر الراء. ينظر النشر ٢/ ٢٢٢، وإتحاف فضلاء البشر ص ٩٠.\n(^٤) المراد بالإشمام هنا: الاختلاس، أى: إخفاء الحركة، وهو الإتيان بثلثى الحرف بحيث يكون المنطوق به من الحركة أكثر من المحذوف منها. ينظر الوافى في شرح الشاطبية ص ٢٠٣.","vol":"2","page":566},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾: فأراهما اللهُ مناسِكَهما بالطوافِ بالبيتِ، والسعْىِ بينَ الصفا والمروةِ، والإفاضةِ مِن عَرَفاتٍ، والإفاضَةِ مِن جَمعٍ، ورمْىِ الجمارِ، حتى أكمل اللهُ الدِّينَ - أو: دِينَه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ قال: أرِنا نُسُكَنا وحِجَّنا (^٢).\nحدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: لمَّا فرَغ إبراهيمُ وإسماعيلُ مِن بنيانِ البيتِ أمَره اللهُ أن يُنادىَ، فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]،. فنادَى بينَ أَخْشَبَيْ مكةَ (^٣): يا أيُّها الناسُ، إن اللهَ يأمرُكم أن تَحُجُّوا بيتَه. قال: فوقَرت في قلبِ كلِّ مؤمنٍ، فأجابه كلُّ شيءٍ (^٤) سمِعه مِن جبلٍ أو شجرٍ أو دابَّةٍ: لبَّيْكَ لبَّيْك. فأجابوه بالتلبيةِ: لبَّيك اللهمَّ لبَّيْك. وأتاه مَن أتاه، فأمَره اللهُ أن يَخْرُجَ إلى عرفاتٍ ونعَتها فخرَج، فلمَّا بلَغ الشجرةَ عندَ العَقَبَةِ اسْتَقْبَله الشيطانُ فردَّه (^٥)، فرمَاه بسبعِ حَصَياتٍ يُكَبِّرُ معَ كلِّ حصاةٍ، فطار فوقَع على الجمرةِ الثانية أيضًا، فصدَّه فرماه وكبَّر، فطار فوقَع على الجمرةِ الثالثةِ، فرماه وكبَّر، فلمَّا رأى أنه\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٣٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٩.\n(^٣) الأخشب من الجبال الغليظ، والأخشبان: جبلان يضافان تارة إلى مكة، وتارة إلى منى، وهما واحد، أحدهما أبو قبيس والآخر قعيقعان، ويقال: أحدهما أبو قبيس، والآخر الجبل الأحمر المشرف هنالك. معجم البلدان ١/ ١٥٩، ١٦٣.\n(^٤) في م: \"من\".\n(^٥) سقط من: م.","vol":"2","page":567},{"text":"لا يُطيقُه، ولم يَدْرِ إبراهيمُ أين يذهبُ، فانطلق حتى أتى ذا المجازِ، فلمَّا نظَر إليه فلم يَعْرِفْه جاز، فسُمِّى ذا المجازِ، ثم انْطَلق حتى وقَع بعرفاتٍ، فلمَّا نظَر إليها عرَف النعتَ، قال: قد عرَفتُ. فسُمِّى عرفاتٍ، فوقَف إبراهيمُ بعرفاتٍ، حتى إذا أمسى ازْدَلَف إلى جَمْعٍ، فسُمِّيتِ المُزْدَلِفةَ، فوقَف بجمعٍ، ثم أقبل حتى أتى الشيطانُ حيثُ لقِيه أوَّلَ مرَّةٍ، فرمَاه بسبعِ حَصَياتٍ سبعَ مرَّاتٍ، ثم أقام بمِنًى حتى فرَغ مِن الحجِّ وأمرِه، وذلك قولُه: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ (^١).\nوقال آخَرون -ممَّن قرَأ هذه القراءةَ-: المناسكُ: المذابحُ. فكان تأويلُ هذه الآيةِ على قولِ مَن قال ذلك: وأرِنا كيف نَنْسُك لك يا ربَّنا نسائكَنا فنَذْبَحُها لك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ قال: ذَبْحَنا.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثورىُّ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، قال: مذابحَنا (^٢).\nوحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\nوحدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) ذكره البغوى في تفسيره ١/ ٢٢٨ بنحوه.\n(^٢) تفسير الثورى ١/ ٤٩، وتفسير عبد الرزاق ١/ ٥٩، ولفظ تفسير الثورى: \"ذبائحنا\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢١٤. وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٥ (١٢٥١) من طريق سفيان، عن ابن أبى نجيح به.","vol":"2","page":568},{"text":"حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال لى (^١) عطاءٌ: سمعتُ عُبيدَ بنَ عُميرٍ يقولُ: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾. قال: مذابحَنا.\nوقرأ ذلك آخَرون: (وأرْنا مَناسِكَنا). بتسكينِ الراءِ، وزعَموا أن معنى ذلك: وعَلِّمْنا ودُلَّنا عليها. لا أن معناها: أرِناها بأبصارِنا. وزعَموا أن ذلك نظيرُ قولِ حُطائِطِ بنِ يَعفُرَ أخى الأسودِ بنِ يَعْفُرَ (^٢):\nأَرِينِى جَوَادًا ماتَ هَزْلًا لأَنَّنِى (^٣) … أَرَى ما تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلَّدَا\nيعنى بقولِه: أرينى: دُلِّينى عليه وعَرِّفِينى مكانَه. ولم يَعْنِ به رؤيةَ العينِ. وهذه قراءةٌ رُوِيتْ عن بعضِ المُتَقدِّمين.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال عطاءٌ: (أَرْنَا مَناسِكَنا): أخرِجْها لنا، علِّمْناها (^٤).\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرَنا ابنُ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ المُسَيَّبِ، قال عليُّ بنُ أَبى طالبٍ: لَمَّا فرَغ إبراهيمُ مِن بناءِ البيتِ، قال: قد (^٥) فعَلتُ أىْ ربِّ، فأَرْنَا مناسِكَنا -أَبْرِزْها لنا، علِّمْناها- فبعَث اللهُ جبريلَ ﵇ فحجَّ به (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) البيت مختلف في نسبته: فهو لحطائط بن يعفر في الحماسة ٢/ ٣٥٨، ومجاز القرآن ١/ ٥٥، والشعر والشعراء ١/ ٢٤٨، ٢٥٦، وسمط اللآلى ٢/ ٧١٤، ولحاتم الطائى في ديوانه ص ٤٠، ولمعن بن أوس في ديوانه ٤٩، ولدريد بن الصمة أو حطائط أو حاتم أو معن في اللسان (أ ن ن)، وسيأتى ٩/ ٤٨٨ منسوبًا لدريد.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"أننى\"، وفى الشعر والشعراء وسمط اللآلى: \"لعلنى\".\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٤ (١٢٤٩) من طريق حجاج به.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في المصنّف (٩٠٩٩) مطولًا.","vol":"2","page":569},{"text":"والقولُ [عندى في ذلك أن تأويلَ (أرنا) بكسرِ الراءِ وتسكينِها] (^١) واحدٌ؛ فمَن كسَر الراءَ جعَل علامةَ الجزمِ سقوطَ الياءِ التى في قولِ القائلِ: [أريتُه، أُرِيه] (^٢). وأقرَّ الراءَ مكسورًا كما كانت قبلَ الجزمِ. ومَن سكَّن الراءَ مِن (أرْنا) توهَّم أن إعرابَ الحرفِ في الراءِ فسكَّنها للجزمِ (^٣)، كما فعَلوا ذلك في \"لم يكن\" \"ولم يكُ\"، وسواءٌ كان ذلك مِن رؤيةِ العينِ، أو مِن رؤيةِ القلبِ، ولا معنى لفرقِ مَن فرَّق بين رؤيةِ العينِ في ذلك وبين رؤيةِ القلبِ.\nوأمَّا \"المناسكُ\" فإنها جمعُ مَنْسِكٍ، وهو الموضعُ الذى يُنْسَكُ للهِ فيه، ويُتَقَرَّبُ إليه فيه بما يُرْضِيه مِن عملٍ صالحٍ؛ إمَّا بذبحِ ذبيحةٍ له، وإما بصلاةٍ أو طوافٍ أو سعْىٍ، وغيرِ ذلك مِن الأعمالِ الصالحةِ، ولذلك قيل لمشاعرِ الحجِّ: مناسكُه؛ لأنَّها أماراتٌ وعلاماتٌ يعتادُها الناسُ، ويَتَرَدَّدون إليها.\nوأصلُ \"المنسِك\" في كلامِ العربِ: الموضعُ المعتادُ الذى يَعتادُه الرجلُ ويألفُه، يقال: إن لفلانٍ منسِكًا. وذلك إذا كان له موضعٌ يعتادُه لخيرٍ أو لشرٍّ، ولذلك سُمِّيت المناسكُ مناسكَ؛ لأنَّها تُعْتَادُ ويُتَرَدَّدُ إليها بالحجِّ والعمرةِ، وبالأعمالِ (^٤) التى يُتَقَرَّبُ بها إلى اللهِ.\nوقد قيل: إن معنى النسكِ: عبادةُ اللهِ، وإن الناسكَ إنما سُمِّى ناسكًا بعبادتِه ربَّه. فتأوَّل قائلُو هذه المقالةِ قولَه: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾: وعلِّمْنا عبادتَك كيف نعبُدُك، وأين نعبدُك، وما يُرْضِيك عنَّا فنفعلُه. وهذا القولُ وإن كان مذهبًا يحتمِلُه الكلامُ، فإن الغالبَ على معنى المناسكِ ما وصَفْنا قبلُ مِن أنَّها مناسكُ الحجِّ التى\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"أرنيه\".\n(^٣) في م: \"في الجزم\".\n(^٤) في الأصل: \"للأعمال\".","vol":"2","page":570},{"text":"ذكَرْنا معناها، وخرَج هذا الكلامُ مِن قولِ إبراهيمَ وإسماعيلَ على وجهِ المسألةِ منهما ربَّهما لأنفسِهما، وإنما ذلك منهما مسألةُ ربِّهما لأنفسِهما وذُرِّيَّتِهما المسلمين، فلمَّا ضمَّا ذُرِّيَّتَهما المسلمين إلى أنفسِهما صارا كالمُخْبِرين عن أنفسِهما بذلك. وإنما قلنا: إن ذلك كذلك، لتقدم الدعاءِ منهما للمسلمين مِن ذُرِّيَّتِهما قبلُ في أوَّلِ الآيةِ، وتأخرِه بعدُ في الآيةِ الأُخرى.\nفأمَّا الذى في أوَّلِ الآيةِ فقولُهما: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾. ثم جَمَعَا أنفسَهما والأمَّةَ المسلمةَ مِن ذُرِّيَّتِهما في مسألتِهما ربَّهما أن يُرِيَهم مناسكَهم فقالا: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾.\nوأمَّا الذى (^١) في الآيةِ التى بعدَها: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾. فجعَلا المسألةَ لذُرِّيَّتِهما خاصَّةً.\nوقد ذُكِر أنَّها في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (وأَرِهِمْ مَنَاسِكَهُمْ) (^٢). يعنى بذلك: وأرِ ذُرِّيَّتَنا المسلمةَ مناسكَهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-456>القولُ في تأويلِ قولِهِ جلَّ ثناؤه: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾.</span>\nأمَّا التوبةُ فأصلُها الأَوْبَةُ مِن مكروهٍ إلى محبوبٍ، فتوبةُ العبدِ إلى ربِّه أوبتُه ممَّا يكرَهُه اللهُ منه بالندمِ عليه والإقلاعِ عنه، والعزمِ على تركِ العودِ فيه. وتوبةُ الربِّ على عبدِه عَوْدُه عليه بالعفوِ له عن جُرْمِه والصفحِ له عن عقوبةِ ذنبِه، مغفرةً منه له، وتَفَضُّلًا عليه.\n_________\n(^١) في م: \"التى\".\n(^٢) ينظر البحر المحيط ١/ ٣٩٠.","vol":"2","page":571},{"text":"فإن قال لنا قائلٌ: وهل كانت لهما ذنوبٌ فاحتاجا إلى مسألةِ ربِّهما التوبةَ؟\nقيل: إنه لا أحدَ مِن خلقِ اللهِ إلَّا وله مِن العملِ فيما بينه وبين ربِّه ما يَجِبُ عليه الإنابةُ منه والتوبةُ، فجائزٌ أن يكونَ ما كان مِن قيلِهما (^١) ما قالا مِن ذلك (^٢)، إنما خصَّا به الحالَ التى كانا عليها مِن رفْعِ قواعدِ البيتِ؛ لأنَّ ذلك كان أحْرَى الأماكنِ أن يستجيبَ اللهُ فيها دعاءَهما، وليَجْعَلا ما فعَلا مِن ذلك سُنَّةً يُقْتَدَى بها بعدَهما، وتَتَّخِذَ الناسُ تلك البقعةَ بعدَهما موضعَ تنَصُّلٍ مِن الذُّنُوبِ إلى اللهِ. وجائزٌ أن يكونا عَنَيا بقولِهما: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾: وتُبْ على الظَّلَمةِ مِن أولادِنا وذُرِّيَّتِنا، الذين أعلَمْتَنا أمرَهم مِن ظلمِهم وشِركِهم، حتى يُنِيبوا إلى طاعتِك. فيكونُ ظاهرُ الكلامِ على الدعاءِ لأنفسِهما، والمعنيُّ به ذُرِّيَّتُهما، كما يقالُ: أكرَمنى فلانٌ في ولدى وأهلي، وبرَّنى فلانٌ، إذا برَّ ولدَه.\nوأمَّا قولِه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فإنه يعنى به: إنك أنت العائدُ على عبادِك بالفضلِ، والمُتَفضِّلُ عليهم بالعفوِ والغفرانِ، الرحيمُ بهم، المستنقذُ مَن تشاءُ منهم برحمتِك مِن هَلكتِه، المُنجِى مَن تُرِيدُ نجاتَه منهم برأفتِك مِن سَخَطِك.\n\n<span id=\"aya-136\"></span><span data-type='title' id=toc-457>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾.</span>\nوهذه دعوةُ إبراهيمَ وإسماعيلَ صلواتُ اللهِ عليهما لنبيِّنا محمدٍ ﷺ خاصَّةً، وهى الدعوةُ التى كان نبيُّنا ﷺ يقولُ: \"أنا دعوةُ أبى إبراهيمَ، وبُشْرَى عيسى\".\nحَدَّثَنَا بذلك ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن ثورِ بنِ\n_________\n(^١) في م: \"قبلهما\".\n(^٢) بعده في م: \"و\".","vol":"2","page":572},{"text":"يزيدَ، عن خالدِ بنِ معدانَ الكَلاعىِّ، أن نفرًا مِن أصحابِ رسولِ الله ﷺ قالوا له: يا رسولَ اللهِ، أخْبِرْنا عن نفسِك. قال: \"نعم، أنا دعوةُ أبى إبراهيمَ، وبُشْرَى عيسى ﵇\" (^١).\nحَدَّثَنِي عمرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلاعيُّ، قال: ثنا أبو اليمانِ، قال: ثنا [أبو بكرِ بنُ] (^٢) أبى مريمَ، عن سعيدِ بنِ سُوَيْدٍ، عن العِرْبَاضِ بنِ سارِيَةَ السُّلَمِيِّ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"إنى عندَ (^٣) اللهِ في أُمِّ الكتابِ لخاتمُ النبيِّين، وإن آدَمَ لمُنْجَدِلٌ (^٤) في طِينتِه، وسوف أُنَبِّئُكم بتأويلِ ذلك (^٥)؛ دعوةُ أبى إبراهيمَ، وبشارةُ عيسى قومَه، ورُؤْيا أُمِّى\" (^٦).\nحَدَّثَنِي يونسُ بنُ عبدِ الأعلي، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَنى معاويةُ بنُ صالحٍ، وحَدَّثَنِي عُبَيْدُ بنُ آدمَ بنِ أبى إياسٍ العَسْقَلانيُّ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: ثنا الليثُ بن سعدٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، قالا جميعًا: عن سعيدِ بنِ سُوَيْدٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه المصنّف في تاريخه ٢/ ١٦٥، مطولًا. وأخرجه ابن إسحاق في السيرة ص ٢٨ - ومن طريقه الحاكم ٢/ ٦٠٠، والبيهقيُّ في الدلائل ١/ ٨٣، مطولًا. وصححه الحاكم.\n(^٢) في م: \"أبو كريب عن\". وينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ١٠٩.\n(^٣) في ت ١، ت ٣: \"عبد\".\n(^٤) المنجدل: الملقى على الجَدَالة، وهى الأرض. النهاية ١/ ٢٤٨.\n(^٥) بعده فى م: \"أنا\".\n(^٦) أخرجه أحمد ٢٨/ ٣٩٥ (١٧١٦٣)، والحاكم ٢/ ٦٠٠، والبيهقيُّ في الدلائل ١/ ٨٣ من طريق أبى اليمان به. وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٤٠٩)، والبزار (٢٣٦٥ - كشف)، والطبراني في الكبير ١٨/ ٢٥٣ (٦٣١)، وابن بشران في الأمالى (٤٠) من طريق أبي بكر به. وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبى بضعف أبى بكر. وقد خولف فيه.\nوقال البَيْهَقِيُّ: قصر أبو بكر بن أبى مريم بإسناده فلم يذكر فيه عبد الأعلى بن هلال، وقصر بمتنه فجعل الرؤيا بخروج النور منها وحده، وكذلك قال خالد بن معدان عن أصحاب النبي ﷺ.","vol":"2","page":573},{"text":"عبدِ اللهِ (^١) بنِ هلالٍ السُّلَمِيِّ، عن عِرْبَاضِ بنِ ساريةَ السُّلَمِيِّ، عن النَّبِيِّ ﷺ بنحوِه (^٢).\nوحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ، عن سعيدِ بنِ سُوَيْدٍ، عن عبدِ الأعلى بنِ هلالٍ السُّلَمِيِّ، عن عِرْبَاضِ بنِ سارِيَةَ أنه قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ. فذكَر نحوَه (^٣).\nوبمثلِ الذى قلنا في ذلك قال جماعةُ (^٤) أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾: ففعَل اللهُ ذلك، فبعَث فيهم رسولًا مِن أنفسِهم يعرِفون وَجهَه ونَسَبَه، يُخْرِجُهم مِن الظلماتِ إلى النورِ، ويَهْدِيهم إلى صراطِ العزيزِ الحميدِ (^٥).\n_________\n(^١) قوله: \"عبد الله\". هكذا قال ابن مهدى عند أحمد. والصواب: عبد الأعلى. كما قال عبد الله بن أحمد ٢٨/ ٣٨٦ (١٧١٥٤). وكذلك هو في المصادر.\n(^٢) أخرجه المصنّف في تفسير الآية ٦ من سورة الصف، عن يونس به. وفيه: عبد الأعلى بن هلال. على الصواب. وفيه زيادة بعد قوله: \"ورؤيا أمى\".\nوأخرجه ابن حبان (٦٤٠٤)، وأبو نعيم في الدلائل (٩)، والبغوى في تفسيره ١/ ١٥١، من طريق ابن وهب به. وأخرجه ابن سعد ١/ ١٤٨، ١٤٩، وأحمد ٢٨/ ٣٨٢ (١٧١٥١)، والطبراني في الكبير ١٨/ ٢٥٢ (٦٣٠) من طريق الليث به، بالزيادة. وأخرجه أحمد ٢٨/ ٣٧٩ (١٧١٥٠) -ومن طريقه أبو نعيم في الدلائل (١٠) - من طريق معاوية به.\n(^٣) أخرجه الفسوى في تاريخه ٢/ ٣٤٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٦ (١٢٥٤)، والطبراني في الكبير ١٨/ ٢٥٢ (٦٢٩)، والآجرى في الشريعة (٩٤٨)، والبيهقيُّ في الدلائل ١/ ٨٠، ٢/ ١٣٠ من طريق أبى صالح به. وينظر تعجيل المنفعة ١/ ٥٨٣، ٥٨٤، ولسان الميزان ٣/ ٣٣، ومسند الطيالسى (١٢٣٦)، والصحيحة (١٩٢٥)، والضعيفة (٢٠٨٥).\n(^٤) بعده في م: \"من\".\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم ١/ ٢٣٦ (١٢٥٧) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٣٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"2","page":574},{"text":"وَحَدَّثَنَا موسي، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾: وهو محمدٌ ﷺ (^١).\nوحُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾: هو محمدٌ ﷺ، فقيل له: قد [استجبتُ لك] (^٢)، وهو في آخرِ الزمانِ (^٣).\nويعْنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾: يَقْرَأُ عليهم كتابَك الذى تُوحِيه إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-458>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.</span>\nويعْنى بالكتابِ القرآنَ. وقد بيَّنتُ فيما مضَى لمَ سُمِّى القرآنُ كتابًا، وما تأويلُه (^٤). وهو قولُ جماعةِ (^٥) أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾: [قال: الكتاب] (^٦) القرآنُ.\nثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنى \"الحكمةِ\" التى ذكَرها اللهُ في هذا الموضعِ؛\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٦ (١٢٥٦) عن أبي زرعة، عن عمرو به.\n(^٢) في م: \"استجيب ذلك\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٣٩ إلى المصنّف وابن أبي حاتم عن أبي العالية، وهو عند ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٦ (١٢٥٥) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٣٨ - ٢٣١.\n(^٥) بعد فى م: \"من\".\n(^٦) سقط من: م.","vol":"2","page":575},{"text":"فقال بعضُهم: هى السُّنَّةُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قاال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾. أي: السُّنَّةَ (^١).\nوقال بعضُهم: الحكمةُ هى المعرفةُ بالدِّينِ والفقهُ فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قلتُ لمالكٍ: ما الحكمةُ؟ قال: المعرفةُ بالدِّينِ، والفقهُ فيه، والاتِّباعُ له (^٢).\nوحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ قال: الحكمةُ: الدِّينُ [التى لا يعرفونها] (^٣) إلَّا به ﷺ، يُعَلِّمُهم إيَّاها. قال: والحكمةُ: العقلُ في الدِّينِ. وقرَأ ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وقال لعيسى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨]. قال: وقرَأ ابنُ زيدٍ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥]. قال: لم يَنْتَفِعْ بالآياتِ حين (^٤) لم\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٧ عقب الأثر (١٢٦٢) معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٣٩ إلى المصنف وعبد بن حميد، مطولا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٣٢ (٢٨٢٩)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٧٠) من طريق ابن وهب به نحوه مطولا.\n(^٣) في م: \"الذى لا يعرفونه\".\n(^٤) في م: \"حيث\".","vol":"2","page":576},{"text":"تَكُنْ معَها حكمةٌ. قال: والحكمةُ شيءٌ يَجْعَلُه اللهُ في القلبِ يُنَوِّرُه (^١) له به (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ عندَنا في \"الحكمةِ\" أنها العِلْمُ بأحكامِ اللهِ التى لا يُدْرَكُ عِلْمُها إلَّا ببيانِ الرسولِ ﷺ والمعرفةِ بها، وما دَلَّ عليه ذلك مِن نظائرِه، وهو عندى مأخوذٌ مِن \"الحُكْمِ\" الذى بمعنى الفصلِ بين الحقِّ والباطلِ، بمنزلةِ \"الجِلْسةِ والقِعْدَةِ\" مِن الجلوسِ والقعودِ، يقال منه: إن فلانًا لحكيمٌ بيِّنُ الحِكمةِ. يعْنى بذلك أنه لبيِّنُ الإصابةِ في القولِ والفعلِ\nوإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: ربَّنا وابعَثْ فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياتِك، ويُعَلِّمُهم كتابَك الذى تُنزِّلُه عليهم، وفصلَ قضائِك، وأحكامَك التى تُعلِّمُه إيَّاها.\n\n<span data-type='title' id=toc-459>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾.</span>\nقد دلَّلْنا فيما مضَى قبلُ على أن معنى التزكيةِ التطهيرُ، وأن معنى الزكاهِ النماءُ والزيادةُ (^٣). فمعنى قولِه: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ في هذا الموضعِ: ويُطَهِّرُهم مِن الشركِ باللهِ، وعبادةِ الأوثانِ ويُنَمِّيهم ويُكَثِّرُهم بطاعةِ اللهِ.\nكما حدَّثنى المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ ويزكيهم﴾. قال: يعنى بالزكاةِ طاعةَ اللهِ والإخلاصَ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيْنُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ:\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ينور\".\n(^٢) ينظر تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٥٣٤ (٢٨٣٨)، وما سيأتي في تفسير، الآية (٢٦٩) من هذه السورة.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٦١١، ٦١٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٧ (١٢٦٥) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"2","page":577},{"text":"قولَه: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ قال: يُطَهِّرُهم مِن الشركِ ويُخَلِّصُهم منه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-460>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: إنك يا ربِّ أنت العزيزُ. يعنى: القوىُّ الذى لا يُعْجِزُه شيءٌ أرادَه، فافعلْ بنا وبذُرِّيَّتِنا ما سألْناه وطلَبْناه منك. والحكيمُ الذى لا يَدْخُلُ تدبيرَه خَلَلٌ ولا زَلَلٌ، فأعْطِنا ما يَنْفَعُنا وينفعُ ذُرِّيَّتَنا، ولا يَنْقُصُك ولا يَنْقُصُ خزائنَك.\n\n<span id=\"aya-137\"></span><span data-type='title' id=toc-461>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾.</span>\nيعْنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾: وأىُّ الناسِ يَزْهَدُ في ملَّةِ إبراهيمَ ويترُكُها رغبةً عنها إلى غيرِها. وإنما عنَى اللهُ بذلك اليهودَ والنصارَى لاختيارِهم ما اختارُوا مِن اليهوديَّةِ والنَّصْرانيةِ على الإسلامِ؛ لأن ملَّةَ إبراهيمَ هى الحنيفيَّةُ المُسْلِمةُ، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] فقال تعالى ذكرُه لهم: ومَن يَزْهَدُ في ملَّةِ إبراهيمَ الحنيفيَّةِ المسلمةِ إلَّا مَن سفِه نفسَه.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: رغِب عن ملَّتِه اليهودُ والنصارَى، واتَّخَذوا اليهوديةَ والنصرانيةَ بدعةً ليستْ مِن اللهِ، وترَكوا ملةَ إبراهيمَ، يعنى الإسلامَ حنيفًا، كذلك بعَث اللهُ نبيَّه محمدًا ﷺ بملةِ إبراهيمَ (^٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٣٩ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٨ عقب الأثر (١٢٧٠) معلقًا، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ١٣٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"2","page":578},{"text":"حُدِّثتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قال: رغِبت اليهودُ والنصارَى عن ملةِ إبراهيمَ وابْتَدَعوا اليهوديةَ والنصرانيةَ وليستْ مِن اللهِ، وترَكوا ملةَ إبراهيمَ الإسلامَ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-462>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾.</span>\nيعْنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: إلَّا مَن سفِهت نفسُه. وقد بَيَّنَّا فيما مضَى أن معنى السفَهِ الجهلُ (^٢). فمعنى الكلامِ: وما يَرْغَبُ عن ملةِ إبراهيمَ الحنيفيَّةِ إلَّا سفيهٌ جاهلٌ بموضعِ حظِّ نفسِه فيما يَنْفَعُها ويَضُرُّها في مَعَادِها.\nكما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قال: إلَّا مَن أخطأ حظَّه (^٣).\nوإنما نصَب \"النفسَ\" على معنى المفسِّرِ؛ وذلك أن \"السفَهَ\" في الأصلِ للنفسِ، فلمَّا نُقِل إلى \"مَن\" نُصِبت \"النفسُ\" بمعنى التفسيرِ (^٤)، كما يقالُ: هو أوسعُكم دارًا. فتدخلُ الدارُ في الكلامِ على أن السّعةَ فيها لا في الرجلِ، فكذلك النفسُ، أُدْخِلت لأن السفهَ للنفسِ لا لـ \"مَن\"، ولذلك لم يَجُزْ أن يقالَ: نفسَه (^٥) سَفِه أخوك. وإنما جاز أن يُفَسَّرَ بالنفْسِ وهى مضافةٌ إلى معْرفةٍ؛ لأنها في تأويلِ نكرةٍ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٨ (١٢٧٠) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية من قوله.\n(^٢) ينظر ما تقدم فى ١/ ٣٠٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٣٩ إلى المصنف.\n(^٤) يريد بالتفسير هنا التمييز. مصطحات النحو الكوفى ص ٢٩.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"2","page":579},{"text":"وقد قال بعضُ نحويِّى البصرةِ: إن قولَه: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ جرَت مَجْرَى \"سفه\" إذا كان الفعلُ غيرَ مُتَعَدٍّ، وإنما عدَّاه إلى \"نفسِه\" و\"رأيِه\" وأشباهِ ذلك ممَّا هو في المعنى نحوُ \"سَفِه\"، إذا هو لم يَتَعَدَّ، فأمَّا \"غبِن\" و\"خسِر\" فقد يَتَعَدَّى إلى غيرِه، يقال: غبِن خمسين وخسِر خمسين.\n\n<span data-type='title' id=toc-463>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾: ولقد اصطفَيْنا إبراهيمَ. والهاءُ التى في قولِه: ﴿اصْطَفَيْنَاهُ﴾ مِن ذكْرِ إبراهيمَ.\nوالاصطفاءُ الافتعالُ، مِن الصفوةِ، وكذلك \"اصطفيْنا\"؛ افتعلْنا، منه، صُيِّرت تاؤها طاءً لقربِ مخرجِها مِن مخرجِ الصادِ.\nويعْنى بقولِه: ﴿اصْطَفَيْنَاهُ﴾: اخترْناه، واجْتبيْناه للخُلَّةِ، ولنُصَيِّرَه في الدنيا لمَنْ بعدَه إمامًا. وهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن أن مَن خالف إبراهيمَ فيما سنَّ لِمَن بعدَه فهو للَّهِ مخالفٌ، وإِعلامٌ منه خلقَه أن مَن خالف ما جاء به محمدٌ ﷺ، فهو لإبراهيمَ مخالفٌ، وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه أخبرَ أنه اصطفاه لخُلَّتِه، وجعَله للناسِ إمامًا، وأخبرَ أن دينَه كان الحنيفيَّةَ المسلمةَ، ففى ذلك أوضحُ البيانِ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن أن مَن خالفه فهو للَّهِ عدوٌّ، لمخالفتِه الإمامَ الذى نصَبه لعبادِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-464>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: وإن إبراهيمَ في الدارِ الآخرةِ لمن الصالحين، والصالحُ مِن بني آدمَ هو المؤدِّى حقوقَ اللهِ عليه. فأخبرَ تعالى ذكرُه عن إبراهيمَ خليلِه أنه في الدنيا له صَفِىٌّ، وفى الآخرةِ ولىٌّ، وأنه واردٌ مواردَ أوليائِه المُوفِين بعهدِه.\n\n<span id=\"aya-138\"></span><span data-type='title' id=toc-465>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ</span>","vol":"2","page":580},{"text":"الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾.\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾: إذ قال لإبراهيمَ (^١) ربُّه: أَخْلِصْ لىَ العبادةَ، واخْضَعْ لى بالطاعةِ.\nوقد دلَّلنا فيما مضَى على معنى \"الإسلامِ\" في كلامِ العربِ، فأغْنى ذلك عن إعادتِه (^٢).\nوأمَّا معنى قولِه: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فإنه يعنى تعالى ذكرُه: قال إبراهيمُ مُجيبًا لربِّه: خضَعتُ بالطاعةِ، وأخلَصتُ العبادةَ لمالكِ جميعِ الخلائقِ ومُدَبِّرِها دونَ غيرِه.\nفإن قال قائلٌ: قد علِمتَ أنَّ \"إذ\" وقْتٌ، فما الذى وُقِّتَ به، وما الذى جلبَه (^٣)؟. قيل: هو صلةٌ لقولِه: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾. وتأويلُ الكلام [: ولقد اصْطَفَيناه في الدنيا حين قال ربُّه: أسلمْ. قال: أسْلَمْتُ لرب العالمين. وإنَّما معْنى الكلامِ] (^٤): ولقد اصْطَفَيناه في الدنيا حين قلنا له: أسْلِمْ. قال: أسلمتُ لربِّ العالمين. فأظْهَر اسمَ اللهِ تعالى ذكرُه في قولِه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ على وجهِ الخبرِ عن غائبٍ، وقد جرَى ذكرُه قبلُ على وجهِ الخبرِ عن نفسِه، كما قال خُفَافُ ابنُ نُدْبَةَ (^٥):\nأقْولُ لَهُ والرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنَهُ … تَأَمَّلْ خُفَافًا إنَّنِى أنا ذَالِكا\nفإن قال لنا قائلٌ: وهل دعا اللهُ جل ثناؤه إبراهيمَ إلى الإسلامِ. قيل له (^٦):\n_________\n(^١) في م: \"له\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٤٣١، ٤٣٢.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"صلته\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) تقدم تخريجه في ١/ ٢٣٠.\n(^٦) زيادة من: م.","vol":"2","page":581},{"text":"نعم، قد دعاه إليه.\nفإن قال: وفى أىِّ حالٍ دعاه إليه؟ قيل: حينَ قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٨، ٧٩]. وذلك هو الوقتُ الذى قال له ربُّه: أسلِمْ. مِن بعدِ ما امتحَنه بالكوكبِ (^١) والقمرِ والشمس.\n\n<span id=\"aya-139\"></span><span data-type='title' id=toc-466>القول في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾: ووصّى بهذه الكلمةِ، أعنى بالكلمةِ قولَه: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [وهى] (^٢) الإسلامُ الذى أمَر به نبيَّه ﷺ، وهى إخلاصُ العبادةِ والتوحيدِ للهِ، وخضوعُ القلبِ والجوارحِ له.\nويعنى بقولِه: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾: عهِد إليهم بذلك وأمرَهم به.\nوأمَّا قولُه: ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ فإنه يعنى: ووصَّى بذلك أيضًا يعقوبُ بَنِيه.\nكما حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ يقولُ: ووصَّى بها يعقوبُ بَنِيه بعد إبراهيمَ (^٣).\nوحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾: وصَّاهم بالإسلامِ، ووصَّى يعقوبُ بمثلِ ذلك (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"بالكواكب\".\n(^٢) في م: \"وهو\".\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٩ عقب الأثر (١٢٧٦) معلقًا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٩ (١٢٧٥، ١٢٧٦) عن محمد بن سعد به.","vol":"2","page":582},{"text":"وقال بعضُهم: قولُه ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ خبرٌ مُنْقَضٍ. وقولُه: ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ خبرٌ مُبْتَدَأٌ، كأنه (^١) قال: ووَصَّى بها إبراهيمُ بَنيه بأنْ يقولوا: أسلمْنا لربِّ العالمين. ووصَّى يعقوبُ بَنيه أنْ: يا بنيَّ إن اللهَ اصْصَفَى لكم الدينَ فلا تموتُنَّ إلَّا وأنتم مسلمون.\nولا معنى لقولِ مَن قال ذلك؛ لأنَّ الذى أوْصَى به يعقوبُ بَنيه نظيرُ الذى أوصَى به إبراهيمُ بَنيه مِن الحَثِّ على طاعةِ اللهِ والخضوعِ له والإسلامِ.\nفإن قال قائلٌ: فإنْ كان الأمرُ [على ما] (^٢) وصفتَ مِن أنَّ معناه: ووصَّى بها إبراهيمُ بَنِيه ويعقوبُ أن يا بنيَّ. فما بالُ \"أنْ\" محذوفةً مِن الكلامِ؟\nقيل: لأنَّ الوصيةَ قولٌ، فحُمِلت على معناها، وذلك أن ذلك لو جاء بلفظِ القولِ (^٣) لَمْ تَحْسُنْ معه \"أن\"، وإنما كان يقالُ: وقال إبراهيمُ لبَنِيه ويعقوبُ: يا بَنيَّ. فلمَّا كانت الوصيةُ قولًا حُملتْ على معناها دونَ لفظِها، فحُذفتْ \"أن\" التى تَحْسُنُ معَها، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. وكما قال الشاعرُ (^٤):\nإنِّى سَأُبْدى لَكَ فيما أُبْدِى\nلِى شَجَنانِ شَجَنٌ (^٥) بنَجْدِ\nوشَجَنٌ لى بِبِلادِ السِّنْدِ\n_________\n(^١) في م: \"فإنه\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كما\".\n(^٣) في الأصل: \"القرآن\".\n(^٤) معانى القرآن ١/ ٨٠، ١٨٠، واللسان (ش ج ن) بغير نسبة.\n(^٥) الشجَن: الحاجة أينما كانت. اللسان (ش ج ن).","vol":"2","page":583},{"text":"فحُذِفت \"أنْ\" إذ كان الإبداءُ باللسانِ في المعنى قولًا، فحمَله على معناه دونَ لفظِه.\nوقد قال بعصُ أهلِ العربيةِ: إنما حُذفتْ \"أن\" من قولِه: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ اكْتِفاءً بالنِّداءِ. يعنى بالنداءِ قولَه: ﴿يَابَنِيَّ﴾ وزعَم أن علَّتَه في ذلك أن مِن شأنِ العربِ الاكتفاءَ بالأدواتِ من (^١) \"أنْ\"، كقولِهم: ناديت هل قمتَ؟ وناديتُ أين زيدٌ؟. قال: وربَّما أدْخَلوها مع الأدواتِ فقالوا: ناديتُ أن هل قمتَ؟.\nوقد قرَأ جماعةٌ مِن القَرَأَةِ: (وأوصَى بها إبراهيمُ) (^٢). بمعنى: عهِد.\nوأمّا مَن قرَأ: ﴿وَوَصَّى﴾ مشدَّدةً، فإنه يعنى بذلك أنه عهِد إليهم عهدًا بعد عهدٍ، وأوصَى وصيةً بعد وصيةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-467>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾: إن اللهَ اختار لكم هذا الدِّينَ الذى [عَهِدنا فيه إليكم] (^٣)، واجتباه لكم. وإنما أدخَل الألفَ واللامَ في ﴿الدِّينَ﴾؛ لأنَّ الذين خُوطبوا مِن ولدِهما وبَنِيهما بذلك كانوا قد عرَفوه بتوصيتِهما إيَّاهم به، وعهدِهما إليهم فيه، ثم قالا لهم بعد أن عرّفاهموه: إنَّ اللهَ اصطفَى لكم هذا الدينَ الذى قد عهِدنا إليكم فيه، فاتَّقوا (^٤) أن تموتوا إلَّا وأنتم عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-468>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾.</span>\nإن قال لنا قائلٌ: أوَ إلى بنى آدمَ الموتُ والحياةُ فيُنْهَى أحدُهم أن يموتَ إلّا على حالةٍ دونَ حالةٍ؟\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"عن\".\n(^٢) وهى قراءة نافع وابن عامر، والباقون بدون همز وتشديد الصاد. السبعة لابن مجاهد ص ١٧١.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عهد إليكم فيه\".\n(^٤) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الله\".","vol":"2","page":584},{"text":"قيل له: إن معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذى ظننتَ، وإنما معناه: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أى: فلا تُفارِقُنَّ هذا الدِّينَ -وهو الإسلامُ- أيامَ حياتِكم، وذلك أن أحدًا لا يَدْرِى متى تأتِيه مَنِيَّتُه، فلذلك قالا لهم: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ لأنكم لا تدرون متى تأتيكم مَناياكم مِن ليلٍ أو نهارٍ، فلا تُفارِقوا الإسلامَ فتأتيَكم مناياكُم وأنتم على غيرِ الدِّينِ الذى اصطفاه لكم ربُّكم فتموتوا وربُّكم عليكم ساخطٌ، فتَهْلِكوا.\n\n<span id=\"aya-140\"></span><span data-type='title' id=toc-469>القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾: أكنتُم شهداءَ (^١). ولكنَّه اسْتَفْهم بـ \"أمْ\" إذ كان استفهامًا مستأنَفًا على كلامٍ قد سبَقه، كما قيل: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (^٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ١ - ٣]. وكذلك تفعلُ العربُ في كلِّ استفهامٍ ابتدأْته بعدَ كلامٍ قد سبَقه، تَستفهِمُ فيه بـ \"أمْ\".\nوالشهداءُ جمعُ شهيدٍ، كما الشُّرَكاءُ جمعُ شَرِيكٍ، والخُصَمَاءُ جمعُ خَصيمٍ.\nوتأويلُ الكلامِ: أكنتُم يا معشرَ اليهودِ والنصارى المُكَذِّبين بمحمدٍ ﷺ، الجاحدِين نبوَّتَه - حُضورَ يعقوبَ وشُهودَه إذ حضَره الموتُ. أى: إنَّكم لَمْ تَحْضُروا ذلك، فلا تَدَّعوا على أنَّبيائى ورُسُلى الأباطيلَ، وتَنْحُلوهم اليهوديَّةَ والنَّصرانيةَ، فإنِّى ابْتَعَثتُ خليلى إبراهيمَ وولدَه إسحاقَ وإسماعيلَ وذُرِّيَّتَهم بالحنيفيَّةِ المسلمةِ، وبذلك وصَّوْا بَنِيهم، وبه عهِدوا إلى أولادِهم مِن بعدِهم، فلو حضَرْتُموهم فسمِعتُم منهم علِمْتُم أنَّهم على غيرِ ما تَنْحُلونهم مِن الأديانِ والمِلَلِ (^٢).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) بعده في م: \"من بعدهم\".","vol":"2","page":585},{"text":"وهذهِ الآياتُ نزَلت تكذيبًا مِن اللهِ تعالى لليهودِ والنصارى في دعواهم إبراهيمَ وولدَه و(^١) يعقوبَ أنَّهم كانوا على ملَّتِهم، فقال لهم في هذه الآيةِ: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ فتَعْلَموا ما قال لولدِه، وقال له ولدُه؟ ثم أعلَمَهم ما قال لهم وقالوا له.\nوبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال؛ ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾: يعنى أهلَ الكتابِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-470>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثَناؤُه: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾: إذ قال يعقوبُ لبَنِيه. و﴿إِذْ﴾ هذه مُكَرَّرةٌ إبدالًا مِن ﴿إِذْ﴾ الأُولي، بمعنى: أم كنتُم شهداءَ يعقوبَ إذ قال يعقوبُ لبَنِيه حينَ حضورِ موتهِ؟.\nويعنى بقولِه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾: أىَّ شيءٍ تَعْبُدون مِن بعدِى؟ أى: مِن بعدِ وفاتى؟ ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ يعنى به: قال بَنُوه له: نَعْبُدُ معبودَك الذى تعبُدُه، ومعبودَ آبائِك إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أى: نُخْلِصُ له العبادةَ، ونُوَحِّدُ له الرُّبُوبيَّةَ، فلا نشرِكُ به شيئًا ولا نتَّخذُ دونَه ربًّا.\nويعنى بقولِه: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: ونحن له خاضِعون بالعبودةِ والطاعةِ.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٩ (١٢٧٨) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية من قوله.","vol":"2","page":586},{"text":"ويَحْتَمِلُ قولُه: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أن تكونَ بمعنى الحالِ، كأنهم قالوا: نعبُدُ إلهَكَ مُسلمينَ له بطاعتِنا وعبادتِنا إيَّاه. ويَحتمِلُ أن يكونَ خبرًا مُستأنفًا، فيكونَ بمعنى: نعبدُ إلهَك بعدَك، ونحن له الآن وفى كلِّ حالٍ مسلمون.\nقال أبو جعفرٍ: وأحسنُ هذين الوجهينِ في تأويلِ ذلك أن يكونَ بمعنى الحالِ، وأن يكونَ بمعنى: نعبُدُ إلهَك وإلهَ آبائِك إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ مسلمينَ لعبادتِه.\nوقيل: إنما قُدِّم ذكرُ إسماعيلَ على إسحاقَ؛ لأنَّ إسماعيلَ كان أسنَّ مِن إسحاقَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنِي يونسُ بنُ عبدِ الأعِلي، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ قال: يُقالُ: بدَأ بإسماعيلَ لأنه أكبرُ (^١).\nوقرَأ بعضُ القرأةِ (^٢): (وَإلَه أبيكَ إبْرَاهِيمَ) (^٣). ظنًّا منه أن إسماعيلَ إذ كان عمًّا ليعقوبَ، فلا يجوزُ أن يكونَ في من تُرْجِم به عنِ الآباءِ وداخلًا في عِدادِهم. وذلك من قارئِه (^٤) كذلك قِلَّةُ علمٍ منه بمجَارِى كلامِ العربِ، والعربُ لا تَمْتَنِعُ مِن أن تَجْعَلَ الأعمامَ بمعنى الآباءِ، والأخوالَ بمعنى الأُمَّهاتِ، فلذلك دخَل إسماعيلُ في مَن تُرْجِم به عن الآباءِ.\nو﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ترجمةٌ عن الآباءِ في موضعِ جرٍّ، ولكنَّهم نُصِبوا بأنهم (^٥) لا يُجْرَون.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٣٩ إلى المصنّف.\n(^٢) في م: \"المتقدمين\".\n(^٣) هى قراءة ابن عباس والحسن وابن يَعمر والجحدرى وأبى رجاء. ينظر البحر المحيط ١/ ٤٠٢.\n(^٤) في الأصل: \"قراءته\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢: \"لأنهم\".","vol":"2","page":587},{"text":"والصوابُ مِن القراءةِ عندنا في ذلك: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ لإجماعِ القَرَأةِ على تصويب ذلك وشذوذِ مَن خالَفه مِن القَرَأةِ ممَّن قرَأ خلافَ ذلك.\nونُصِب قولُه: ﴿إِلَهًا﴾ على الحالِ من قولِه: ﴿إِلَهَكَ﴾.\n\n<span id=\"aya-141\"></span><span data-type='title' id=toc-471>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ وولدَهم. يقولُ لليهودِ والنصارى: يا معشرَ اليهودِ والنصاري، دَعُوا ذكْرَ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والمسلمينَ مِن أولادِهم بغيرِ ما هم أهلُه، ولا تَنْحُلوهم [الكفرَ و] (^١) اليهوديَّةَ والنصرانيَّةَ فتُضِيفُوها إليهم، فإنهم أُمَّةٌ -ويعنى بالأُمَّةِ في هذا الموضعِ الجماعةَ والقرنَ مِن الناسِ- ﴿قَدْ خَلَتْ﴾: قد (^٢) مضَت لسبيلِها.\nوإنما يقالُ للذى قد مات فذهَب: قد خلَا. لتخلِّيه مِن الدنيا، وانفرادِه مما (^٣) كان مِن الأُنْسِ بأهلِه وقُرَنائِه في دنياه، وأصلُه مِن قولِهم: خلا الرجلُ. إذا صار إلى المكانِ الذى لا أنيسَ له فيه وانفرَد مِن الناسِ، فاسْتُعمِل ذلك فى الذى يموتُ على ذلك الوجهِ.\nثم قال تعالى ذكرُه لليهودِ والنصارى: إن لمَن نحَلْتُموه ضلالَكم (^٤) وكفرَكم الذى أنتم عليه مِن أنبيائى ورسلى ما كسَب (^٥).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كفر\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بما\".\n(^٤) في م، ت ٣: \"بضلالكم\".\n(^٥) في م: \"كسبت\".","vol":"2","page":588},{"text":"والهاء والألفُ في قوله: ﴿لَهَا﴾ عائدة إن شئتَ على ﴿تِلْكَ﴾، وإن شئتَ على ﴿أُمَّةٌ﴾.\n\nويعنى بقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أى: ما عملت من خير، ولكم يا معشر اليهود والنصارى مثل ذلك ما عمِلتم، ولا تُؤاخَذون أنتم أيها [الناحِلوهم ما تنحُلونهم] (^١) من الملل، فتُسألوا عمَّا كان إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وولدُهم يعملون فيكسِبون من خير وشرّ؛ لأن لكل نفس ما كسَبت، وعليها ما اكتسَبت، فدَعُوا انتحالهم وانتحالَ مِلَلِهم، فإن الدعاوَى غيرُ مُغْنِيَتِكم عندَ اللهِ شيئا (^٢)، وإنما يُغْنى عنكم عنده ما سلَف لكم مِن صالحِ أعمالِكم إن كنتم عمِلتموها وقدَّمْتُموها أمامَكم (^٢).\n\n<span id=\"aya-142\"></span>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾.\nيعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾: وقالتِ\nاليهود لمحمد ﷺ وأصحابه من المؤمنين: كونوا يهودًا تَهْتَدُوا. وقالتِ النصارى لهم: كونوا نصارَى تَهْتَدُوا. ويعنى بقوله: ﴿تَهْتَدُوا﴾. أى: تُصِيبوا طَريق الحقِّ.\n\nكما حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونُس بنُ بُكيرٍ، وحدثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، جميعا عن ابن إسحاقَ، قال: حدثني محمدُ بن أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباس، قال: قال عبدُ اللَّهِ ابنُ صُورِيا الأعورُ لرسولِ اللهِ ﷺ: ما الهُدَى إلا ما نحن عليه، فاتَّبِعْنا يا محمد تَهْتَد. وقالتِ النصارى مثلَ ذلك، فأنزل الله فيهم: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٣: «الناحلون ما نحلتموهم»، وفى ت: ٢ «الناحلون ما ينحلونهم».\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":589},{"text":"نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (^١).\nفاحتجَّ اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ أبلغَ حُجةٍ وأوجزَها وأكملَها، وعلَّمها محمدًا نبيَّه ﷺ فقال: يا محمدُ، قل للقائلين لك من اليهودِ والنصارَى ولأصحابِك: كونوا هُودًا أو نَصارَى تَهْتَدُوا-: بل تعالَوْا فلنَتَّبِعْ مِلَّةَ إبراهيمَ التي يُجْمِعُ (^٢) جميعُنا على الشهادةِ لها بأنها دينُ اللهِ الذي ارْتَضاه واجْتَباه وأمَر به، فإنَّ دينَه كان الحَنِيفيةَ المسلِمةَ، ونَدَعْ سائرَ المللِ التي نَخْتَلِفُ فيها فيُنكرُها بعضُنا ويُقِرُّ بها بعضُنا، فإن ذلك على اختلافِه لا سبيلَ لنا إلى (^٣) الاجتماعِ عليه، كما لنا السبيلُ إلى الاجتماعِ على ملةِ إبراهيمَ.\nوفي نَصْبِ قولِه: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ أوجُهٌ ثلاثةٌ:\nأحدُها: أن يُوَجَّهَ معنى قولِه: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ إلى معنى: وقالوا: اتَّبِعُوا اليهوديةَ والنصرانيةَ. لأنهم إذ قالوا: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ إلى اليهوديةِ والنصرانيةِ دَعَوْهم، ثمَّ يُعطَفُ على ذلك المعنى بالملةِ، فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: قلْ يا محمدُ: لا نتّبعُ اليهوديةَ والنصرانيةَ، ولا نتّخِذُها ملةً، بل نتّبعُ ملةَ إيراهيمَ حنيفًا. ثمَّ يُحذَفُ \"نَتّبعُ\" الثانيةُ، ويُعطَفُ بالملةِ على إعرابِ \"اليهوديةِ\" و\"النصرانيةِ\".\nوالآخرُ: أن يكونَ نَصْبُه بفعلٍ مُضْمَرٍ بمعنى \"نتّبعُ\".\nوالثالثُ: أن يكونَ أُريدَ: بل نكونُ أصحابَ ملةِ إبراهيمَ، أو أهلَ ملةِ إبراهيمَ. ثمَّ حذَف الأهلَ والأصحابَ، وأُقِيمتِ الملةُ مُقامَهم، إذ كانت مُؤَديةً عن\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٤١ (١٢٩٠) من طريق يونس به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٠ إلى ابن المنذر. وينظر تفسير البغوي ١/ ١٥٥، وتفسير ابن كثير ١/ ٢٧١.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تجمع\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"على\".","vol":"2","page":590},{"text":"معنى الكلامِ، كما قال الشاعرُ (^١):\nحَسِبْتَ بُغامَ راحلتى عَناقًا … وما هى وَيْبَ غيرِكَ بالعَناقِ\nيعني صوتَ عَناقٍ. فتكونُ الملةُ حينئذٍ منصوبةً عطفًا في الإعرابِ على اليهودِ والنصارَى. وقد يجوزُ أن يكونَ منصوبًا على وجهِ الإغراءِ باتباعِ ملةِ إبراهيمَ.\nوقرَأ بعضُ القَرَأةِ ذلك رفعًا (^٢)، فتأويلُه على قراءةِ من قرَأه رفعًا: بل الهُدى ملةُ إبراهيمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-472>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾.</span>\nوالملَّةُ الدينُ، وأما الحَنِيفُ فإنَّه المستقيمُ من كلِّ شيءٍ. وقد قيل: إن الرجلَ الذي تُقْبِلُ إحدى قدمَيْه على الأخرى إنما قيل له: أَحْنَفُ. نظرًا له إلى السلامةِ، كما قيل للمَهْلَكةِ من البلادِ: المَفازَةُ. بمعنى الفوزِ بالنجاةِ فيها (^٣) والسلامةِ، وكما قيل لِلَّديغِ: السَّلِيمُ. تفاؤُلًا له بالسلامةِ من الهلاكِ، وما أَشبهَ ذلك.\nفمعنى الكلامِ إذن: قلْ يا محمدُ: بل نَتَّبعُ ملةَ إبراهيمَ مستقيمًا. فيكونُ \"الحنيفُ\" حينئذٍ حالًا من \"إبراهيمَ\".\nوأما أهلُ التأويلِ، فإنهم اختلَفوا في تأويلِ ذلك، فقال بعضُهم: الحَنِيفُ الحاجُّ. وقال (^٤): إنما سُمِّى دينُ إبراهيمَ الإِسلامَ الحنَيِفيةَ؛ لأنه أوّلُ إمامٍ لَزِم العِبادَ الذين كانوا في عصْرِه، والذين جاءُوا بعدَه إلى يومِ القيامةِ - اتباعُه في مناسكِ الحجِّ، والائتمامُ به فيه. قالوا: فكلُّ من حجَّ البيتَ فنَسَك مَناسِكَ إبراهيمَ على ملتِه، فهو حَنِيفٌ مسلمٌ على دينِ إبراهيمَ.\n_________\n(^١) تقدم في ص ٢٦٥.\n(^٢) هى قراءة ابن هرمز الأعرج وابن أبي عبلة وابن جندب. ينظر مختصر ابن خالويه ص ١٧، والبحر المحيط ١/ ٤٠٦.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منها\".\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣: \"قيل\".","vol":"2","page":591},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٍّ، قال: ثنا القاسمُ بنُ الفضلِ، عن كَثيرٍ أبى سهلٍ، قال: سألتُ الحسنَ عن الحَنِيفيةِ، قال: حجُّ البيتِ.\nوحدثنى محمدُ بنُ عُمارةَ (^١) الأسدىُّ، قال: ثنا عبيدُ (^٢) اللهِ بنُ موسى، قال: أخبرَنا فُضَيلٌ، عن عطيةَ في قولِه: ﴿حَنِيفًا﴾ قال: الحَنِيفُ الحاجُّ (^٣).\nوحدثنى الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدائىُّ، قال: ثنا أبى، عن الفُضَيلِ، عن عطيةَ مثلَه.\nوحدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكّامُ بنُ سلمٍ (^٤)، عن عَنْبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ، قال: الحَنِيفُ الحاجُّ.\nوحدثنى الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ التَّيْمِىِّ، عن كَثيرِ بنِ زيادٍ، قال: سألتُ الحسنَ عن الحَنيفيةِ، قال: هو حَجُّ هذا البيتِ. قال ابنُ التَّيْمِىِّ: وأخبرَنى جُويبرٌ، عن الضحاكِ بنِ مُزاحِمٍ مثلَه (^٥).\nوحدثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ مَهْدِىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن السدىِّ، عن مجاهدٍ ﴿حُنَفَاءَ﴾ [الحج: ٣١] قال: حُجّاجًا (^٦).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبادة\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبد\".\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٤١، عقب الأثر (١٢٩١) معلقا.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سالم\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٩.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٩ إلى عبد بن حميد وهو في تفسير سفيان ص ٢١٢ عن السدى من قول ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٤١ عقب الأثر (١٢٩١) من طريق أسباط، عن السدى. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٠، ٤/ ٣٥٩ إلى ابن المنذر عن السدى.","vol":"2","page":592},{"text":"وحدثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿حَنِيفًا﴾ قال: حاجًّا (^١).\nحدِّثْت عن وكيعٍ، عن فُضَيلِ بنِ غَزْوانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ القاسمِ، قال: كان ناسٌ (^٢) من مُضَرَ يَحُجُّون البيتَ في الجاهليةِ يُسَمَّوْن حُنفاءَ، فأَنزَل اللهُ تعالى ذكرُه ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (^٣).\nوقال آخرون: الحَنِيفُ المتَّبِعُ. كما وصَفْنا قبلُ مِن قولِ الذين قالوا: إن معناه الاستقامةُ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حُنَفَاءَ﴾ قال: مُتَّبِعِين (^٤).\nوقال آخرون: إنما سُمِّى دينُ إبراهيمَ الحنيفيةَ؛ لأنه أوّلُ إمامٍ سَنَّ للعبادِ الخِتانَ، فاتَّبَعه مَن بعدَه عليه. قالوا: فكلُّ مَن اخْتَتَنَ على سبيلِ اخْتِتانِ إبراهيمَ، [وهو] (^٥) على ما كان عليه إبراهيمُ من الإِسلامِ، فهو حَنيفٌ على ملةِ إبراهيمَ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٤١ (١٢٩١) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"الناس\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٩ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير سفيان ص ٢١٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٤١ (١٢٩٢). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) في م: \"فهو\".","vol":"2","page":593},{"text":"وقال آخرون: قولُه: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾: بل ملةَ إبراهيمَ مُخلِصًا. فالحَنِيفُ على قولِهم، المُخْلِصُ دينَه للهِ وحدَه.\nذكرُ من قال ذلك\nحدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]. يقولُ: مخْلِصًا (^١).\nوقال آخرون: بل الحَنِيفيةُ الإِسلامُ، فكلُّ مَن ائْتَمَّ بإبراهيمَ في مِلَّتِه فاستقام عليها فهو حَنِيفٌ.\nقال أبو جعفرٍ: والحَنيفُ عندي هو الاستقامةُ على دينِ إبراهيمَ واتباعُه على مِلَّتِه، وذلك أن الحَنِيفيةَ لو كانت حجَّ البيتِ، لوجَب أن يكونَ الذين كانوا يَحُجُّونه في الجاهليةِ من أهلِ الشركِ كانوا حنفاءَ، وقد نَفَى اللهُ جل ثناؤه أن يكونَ ذلك تَحَنُّفًا بقولِه: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]. وكذلك القولُ في الختانِ؛ لأنَّ الحَنِيفيةَ لو كانت هى الخِتانَ، لوجَب أن يكونَ اليهودُ حنفاءَ، وقد أخرجَهمُ اللهُ من ذلك بقولِه: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]. فقد صحَّ إذن أن الحنيفيةَ ليست الختانَ وحدَه، ولا حجَّ البيتِ وحدَه، ولكنّه هو ما وصَفْنا من الاستقامةِ على ملةِ إبراهيمَ واتباعِه عليها والائتمامِ به فيها.\nفإن قال قائلٌ: أَوَما كان مَن كان قبلَ إبراهيمَ ﵇ من الأنبياءِ وأتباعِهم مستقيمِين على ما أُمِروا به من طاعةِ اللهِ استقامةَ إبراهيمَ وأتباعِه؟ قيل: بلى.\nفإن قال قائلٌ: فكيف أُضِيفَ الحَنِيفيةُ إلى إبراهيمَ وأتباعِه على مِلَّتِه خاصةً دونَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٤ (٦٠١١) من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"2","page":594},{"text":"سائرِ الأنبياءِ قبلَه وأتباعِهم؟\nقيل: إن كلَّ مَن كان قبلَ إبراهيمَ من الأنبياءِ كان حنيفًا مُتَّبِعًا طاعةَ اللهِ، ولكنَّ اللهَ تعالى ذكرُه لم يَجعلْ أحدًا منهم إمامًا لمن بعدَه من عِبادِه إلى قيامِ الساعةِ، كالذى فعَل مِن ذلك بإبراهيمَ، فجعَله إمامًا فيما بَيَّنه من مناسكِ الحجِّ والخِتانِ، وغيرِ ذلك من شرائعِ الإِسلامِ - يُقتدَى (^١) به أبدًا إلى قيامِ الساعةِ، وجعَل ما سنَّ من ذلك عَلَمًا مُمَيَّزًا بين مؤمِنى عبادِه وكفارِهم، والمطيعِ منهم له والعاصى، فسُمِّىَ الحنيفُ من الناسِ حنيفًا باتِّباعِه مِلَّتَه واستقامتِه على هَدْيِه ومِنهاجِه، وسُمِّى الضّالُّ عن ملَّتِه بسائرِ أسماءِ المللِ، فقيل: يهودىٌّ ونصرانىٌّ ومَجوسىٌّ، وغيرُ ذلك من صنوفِ المللِ.\nوأما قولُه: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. فإنَّه يقولُ: إنه لم يكنْ ممن يَدِينُ بعبادةِ الأوثانِ والأصنامِ، ولا كان من اليهودِ ولا من النصارَى، بل كان حنيفًا مسلمًا.\n\n<span id=\"aya-143\"></span><span data-type='title' id=toc-473>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: قولوا أيُّها المؤمنون لهؤلاء اليهودِ والنصارَى الذين قالوا لكم: كونوا هُودًا أو نصارَى تَهتدُوا -: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾. أي: صدَّقْنا.\nوقد دلَّلْنا فيما مضَى على أن معنى الإيمانِ التصديقُ، بما أَغنى عن إعادتِه (^٢).\n﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ يقولُ: وصدَّقْنا أيضًا بالكتابِ الذي أَنزَل اللهُ إلى نبيِّنا محمدٍ ﷺ. فأضاف الخطابَ بالتنزيلِ إليهم، إذ كانوا مُتَّبِعيه ومأمورِين مَنْهِيِّين به، فكان وإن كان تنزيلًا إلى رسولِ اللهِ ﷺ بمعنى التنزيلِ إليهم لِلذى لهم فيه من\n_________\n(^١) في م: \"تعبدا\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٤٠، ٢٤١.","vol":"2","page":595},{"text":"المعانى التي وَصَفْتُ.\nويعنى بقولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾: وصدَّقْنا أيضًا وآمَنّا بما أُنزِل إلى إبراهيمَ وإلى إسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ. وهم الأنبياءُ من ولدِ يعقوبَ.\nوقولُه: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ يعني: وآمَنّا أيضًا بالتوراةِ التي آتاها اللهُ موسى، وبالإنجيلِ الذي آتاه عيسى، والكتبِ التي آتى النبيِّين كلَّهم، وأَقْرَرْنا وصدَّقْنا أن ذلك كلَّه حقٌّ وهُدًى ونورٌ من عندِ اللهِ، وأن جميعَ مَن ذكَر اللهُ من أنبيائِه كانوا على حقٍّ وهُدًى يُصَدِّقُ بعضُهم بعضًا على مِنهاجٍ واحدٍ في الدعاءِ إلى توحيدِ اللهِ والعملِ بطاعتِه.\n﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: لا نؤمنُ ببعضِ الأنبياءِ ونكفُرُ ببعضٍ، ونتبرَّأُ من بعضٍ ونَتَوَلَّى بعضًا، كما تبرَّأتِ اليهودُ من عيسى ومحمدٍ ﵉ وأقرَّتْ بغيرِهما (^١) من الأنبياءِ (^٢)، وكما تَبَرَّأَتِ النصارَى من محمدٍ ﷺ، وأقرَّت بغيرِه من الأنبياءِ، بل نَشْهَدُ لجميعِهم أنهم كانوا رسلَ اللهِ وأنبياءَه، بُعِثوا بالحقِّ والهُدَى.\nوأما قولُه: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فإنَّه يعني تعالى ذكرُه: ونحن لله خاضِعون بالطاعةِ، مُذْعِنون له بالعبودةِ. فذُكِر أن رسولَ اللهِ ﷺ قال ذلك لليهودِ، فكَفروا بعيسى وبمن يُؤمِنُ به.\nكما حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جُبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أتَى رسولَ اللهِ ﷺ نفرٌ من يهودَ فيهم أبو ياسرِ بنُ أَخْطَبَ، ورافعُ بنُ أبي رافعٍ، وعازَرُ وخالدٌ، وزيدٌ، وإزارُ بنُ أبي إزارٍ، وأَشْيَعُ، فسألوه عمن يُؤمِنُ به من الرسلِ، فقال: \"أُومِن باللهِ وما أُنزِلَ إلينا، وما أُنزِلَ إلى\n_________\n(^١) في الأصل: \"بغيره\".\n(^٢) فوقها إحالة في الأصل، وفي الحاشية كلام غير مقروء.","vol":"2","page":596},{"text":"إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ، وما أُوتِىَ موسى وعيسى، وما أُوتِىَ النبيُّون من ربِّهم، لا نُفَرِّقُ بين أحدٍ منهم ونحن له مُسلِمُون\". فلما ذكَر عيسى جَحَدوا نُبُوَّتَه وقالوا: لا نُؤْمِنُ بعيسى، ولا نُؤْمِنُ بمن آمَن به. فأَنزَل اللهُ فيهم: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩].\nوحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أتَى رسولَ اللهِ ﷺ. فذكَر نحوَه، إلا أنه قال: ونافعُ بنُ أبى نافعٍ. مكانَ رافعِ بنِ أبى رافعٍ (^١).\nوقال قتادةُ: أُنزِلت هذه الآيةُ أمرًا من اللهِ تعالى ذكرُه للمؤمنين بتصديقِ رسلِه كلِّهم.\nحدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. إلى قولِه: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: أمَر اللهُ المؤمنين أن يُؤمِنوا ويُصَدِّقُوا بأنبيائِه ورسلِه كلِّهم (^٢)، ولا يُفَرِّقوا بين أحدٍ منهم (^٣).\nوأما الأسباطُ الذين ذكَرهمُ اللهُ، فهم اثنا عشَرَ رجلًا من ولدِ يعقوبَ بنِ\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٦٧، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٣، ٤/ ١١٦٤ (١٢٩٩، ٦٥٥٩) من طريق سلمة به.\n(^٢) في الأصل: \"كلها\".\n(^٣) أخرج آخره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٣ (١٣٠٥) من طريق يزيد به، وأخرج أوله (١٣٠٤) من طريق شيبان النحوى عن قتادة.","vol":"2","page":597},{"text":"إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، ولَد كلُّ رجلٍ منهم أُمةً من الناسِ، فسُمُّوا أسباطًا.\nكما حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الأسباطُ: يوسفُ وإخوتُه بنو يعقوبَ، ولَد اثنَىْ عشَرَ رجلًا، فولَد كلُّ رجلٍ منهم أُمةً من الناسِ، فسُمُّوا أسباطًا (^١).\nحدثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: أما الأسباطُ فهم بنو يعقوبَ؛ يوسفُ، وبِنْيامِينُ، ورُوبيلُ، ويهوذَا، وشَمْعُونُ، ولَاوِى، ودانُ، وقهاثُ (^٢)،\nحدثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ (^٣)، قال. ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: الأسباطُ: يوسفُ وإخوتُه بنو يعقوبَ اثنا عشَرَ رجلًا، فوُلِد لكلِّ رجلٍ منهم أُمةٌ من الناسٍ، فسُمُّوا الأسباطَ (^٤).\nحدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: نكَح يعقوبُ بنُ إسحاقَ -وهو إسرائيلُ- ابنةَ خالِه ليا ابنةَ ليانَ بنِ تبويلَ (^٥) بنِ إلياسَ، فولَدت له رُوبيلَ بنَ يعقوبَ، وكان أكَبرَ ولدِه، وشَمْعُونَ بنَ يعقوبَ، ولَاوِى ابنَ يعقوبَ، ويهوذا بنَ يعقوبَ، وربالونَ (^٦) بنَ يعقوبَ، ويشجرَ بنَ يعقوبَ، ودينةَ بنتَ يعقوبَ، ثم تُوُفِّيَت ليا بنتُ ليانَ، فخلَف يعقوبُ على أختِها راحيلَ بنت ليانَ بنِ\n_________\n(^١) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٣ عقب الأثر (١٣٠٠) معلقًا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٣ (١٣٠١) من طريق عمرو به.\n(^٣) في الأصل: \"أسباط\".\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٣ عقب الأثر (١٣٠٠) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٥) في م: \"توبيل\"، وفى ت ٣: \"يوبيل\"، وفى تاريخ المصنف: \"بتويل\".\n(^٦) في م: \"ريالون\".","vol":"2","page":598},{"text":"تبويلَ بنِ إلياسَ، فوَلَدتْ له يوسفَ بنَ يعقوبَ وبنْيامِينَ [بنَ يعقوبَ] (^١)، وهو بالعربيةِ شدادٌ (^٢)، ووُلِد له من سُرِّيَّتَينْ له، اسمُ إحداهما زلفةُ، واسمُ الأخرى بلهةُ (^٣)، أربعةُ نفرٍ: دانُ بنُ يعقوبَ، ونفثالى (^٤) بنُ يعقوبَ، وجادُ بنُ يعقوبَ، وأشرُ (^٥) بنُ يعقوبَ، فكان بنو يعقوبَ اثنَىْ عشَرَ رجلًا، نَشَر اللهُ منهم اثنَىْ عَشَرَ سِبْطًا لا يُحْصِى عددَهم ولا يعلمُ أنسابَهم إلا اللهُ، يقولُ اللهُ تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ (^٦) [الأعراف: ١٦٠].\n\n<span id=\"aya-144\"></span><span data-type='title' id=toc-474>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾: فإن صَدَّق اليهودُ والنصارَى باللهِ وما أُنزِل إليكم وما أُنزِل إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ، وما أُوتِىَ موسى وعيسى، وما أُوتِىَ النبيُّون من ربِّهم، وأقرُّوا بذلك مثلَ ما صدَّقْتم أنتم به أيُّها المؤمِنون وأقرَرْتم، فقد وُفِّقوا ورَشَدوا ولَزِموا طريقَ الحقِّ فاهتدَوا (^٧)، وهم حينئذٍ منكم وأنتم منهم لدخولِهم (^٨) في ملَّتِكم، بإقرارِهم بذلك. فدَلَّ تعالى ذكرُه بهذه الآيةِ على أنه لم يَقْبَلْ من أحدٍ عملًا إلا بالإيمانِ بهذه\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"أشد\".\n(^٣) في م: \"بلهية\".\n(^٤) في الأصل: \"تفثالى\".\n(^٥) في م: \"أشرب\".\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣١٧.\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"واهتدوا\".\n(^٨) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بدخولهم\".","vol":"2","page":599},{"text":"المعانى التى [عدَّها قبلَها] (^١).\nكما حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ونحو هذا. قال: أخبرَ اللهُ سبحانه أن الإيمانَ هو العروةُ الوُثْقَى، وأنه لا يَقْبَلُ عملًا إلا به، ولا يُحَرِّمُ الجنةَ إلا على مَن تَرَكه (^٢).\nوقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ في ذلك قراءةٌ جاءت مصاحفُ المسلمين بخلافِها، وأجمعت قَرَأةُ القرآنِ على تركِها.\nوذلك ما حدثنا به محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى حمزةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: لا تقولوا: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ -فإنه ليس للهِ مِثلٌ- ولكن قولوا: (فإن آمَنوا بالذى آمَنتم به). أو قال: (فإن آمَنوا بما آمَنتم به) (^٣).\nفكأن ابنَ عباسٍ في هذه الروايةِ -إن كانت صحيحةً عنه -وَجَّه تأويلَ قراءةِ من قرَأ: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾: فإن آمَنوا بمثلِ اللهِ، وبمثلِ ما أُنْزِل على إبراهيمَ وإسماعيلَ. وذلك إذا صُرِف إلى هذا الوجهِ شِرْكٌ -لا شكَّ- باللهِ العظيمِ؛ لأنه لا مثلَ للهِ تعالى ذكرُه فيُؤْمَنَ أو يُكْفَرَ به، ولكنَّ تأويلَ ذلك على غيرِ المعنى الذى وُجِّه إليه تأويلُه، وإنما معناه ما وصَفْنا، وهو: فإن صدَّقوا مثلَ تصديقِكم بما صدَّقْتم به مِن جميعِ ما عدَدْنا عليكم من كُتبِ اللهِ وأنبيائِه، فمد اهتدَوْا. فالتشبيهُ إنما وقَع\n_________\n(^١) في الأصل: \"عددها فيها\".\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٤ (١٣٠٧) من طريق أبى صالح به.\n(^٣) أخرجه ابن أبى داود في المصاحف ص ٧٦، وابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٤ (١٣٠٦)، والبيهقى في الأسماء والصفات (٦٠٣) من طريق شعبة به. عنه ابن أبى داود \"أبو جمرة\" وأبو حمزة هو عمران بن =","vol":"2","page":600},{"text":"بين التصديقَيْن والإقرارَيْن اللذين هما إيمانُ هؤلاءِ وإيمانُ هؤلاءِ، كقولِ القائلِ: مرَّ عمرٌو بأخيك مثلَ ما مرَرْتُ به. يعنى بذلك: مرَّ عمرٌو بأخيك مثلَ مرورِى به. فالتمثيلُ (^١) إنما دخَل تمثيلًا بين المرورَيْن، لا بين عمرٍو وبين المتكلِّمِ، فكذلك قولُه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ إنما وقَع التمثيلُ بين الإيمانَيْن لا بين المؤمَنِ به.\n\n<span data-type='title' id=toc-475>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: وإن تَوَلَّى هؤلاءِ الذين قالوا لمحمدٍ ﷺ وأصحابِه: كونوا هُودًا أو نَصارَى. فأعرَضوا، ولم يُؤمِنوا مثلَ إيمانِكم أيها المؤمنون باللهِ، وبما جاءت به الأنبياءُ، وابْتُعِثتْ به الرسلُ، وفرَّقُوا بين رسلِ اللهِ، وبين اللهِ ورسُولِه (^٢)، فصدَّقوا ببعضٍ وكَفروا ببعضٍ، فاعلَمُوا أيها المؤمنون أنهم إنما هم في عِصيانٍ وفِراقٍ وحربٍ للهِ ولرسولِه ولكم.\nكما حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، [قال: حدَّثنا سعيدٌ] (^٣) عن قتادةَ: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ أى: في فِراقٍ (^٤).\nوحدثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ يعنى: فِراقٍ (^٥).\nوحدثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا\n_________\n= أبى عطاء القصاب، وأبو جمرة نصر بن عمران كلاهما رويا عن ابن عباس، وروى عنهما شعبة.\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"والتمثيل\".\n(^٢) في م، ت ١: \"ورسله\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٤ عقب الأثر (١٣١١) معلقا.\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٤ عقب الأثر (١٣١١) من طريق ابن أبى جعفر به.","vol":"2","page":601},{"text":"هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ قال: الشِّقاقُ المنازعةُ والمحاربةُ، إذا شاقَّ فقد حارَبَ، وإذا حارَبَ فقد شاقَّ، وهما واحدٌ فى كلامِ العربِ. وقرَأ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥].\nوأصلُ الشِّقاقِ عندنا، واللهُ أعلمُ، مأخوذٌ من قولِ القائلِ: شقَّ عليَّ (^١) هذا الأمرُ، إذا كَرَثَه (^٢) وآذاه. ثم قيل: شاقَّ فلانٌ فلانًا. بمعنى: نال كلَّ واحدٍ منهما مِن صاحبِه ما كَرَثَه وآذاه وأَثقلَتْه مَساءتُه، ومنه قولُ اللهِ تعالى ذكرُه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥]. بمعنى: فِراقَ بينِهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-476>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾: فسيَكْفِيك اللهُ يا محمدُ هؤلاءِ الذين قالوا لك ولأصحابِك: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾. من اليهودِ والنصارَى، إن هم تَوَلَّوْا عن أن يُؤمِنوا مثلَ (^٣) إيمانِ أصحابِك باللهِ، وبما أُنزِل إليك، وما أُنزِل إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ وسائرِ الأنبياءِ غيرِهم، وفَرَّقوا بين اللهِ ورسلِه، إما بقتلٍ بالسيفِ، وإما بجَلاءٍ عن جِوارِك، وغيرِ ذلك من العقوباتِ، فإن اللهَ هو السميعُ لما يقولون لك بألسنتِهم، ويُبْدُون لك بأفواهِهم من الجهلِ والدعاءِ إلى الكفرِ والمِللِ الضالّةِ، العليمُ بما يَنْطُوون (^٤) لك ولأصحابِك من المؤمنين عليه (^٥) في أنفسِهم من الحسَدِ والبغضاءِ، ففعَل اللهُ بهم ذلك عاجلًا، وأَنجزَ وَعْدَه، فكفاهم (^٦) نبيَّه ﷺ بتسليطِه إياه عليهم حتى قَتَل بعضَهم، وأَجلَى بعضًا، وأَذلَّ بعضًا وأَخزاه بالجِزْيةِ والصَّغارِ.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عليه\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كربه\"، وكرثه الأمر يَكْرِثه ساءه واشتد عليه وبلغ منه المشقة. اللسان (كرث).\n(^٣) في م، ت ٢: \"بمثل\".\n(^٤) في م: \"يبطنون\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ينطرون\".\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٦) في م، ت ٢: \"فكفى\".","vol":"2","page":602},{"text":"<span id=\"aya-145\"></span><span data-type='title' id=toc-477>القول في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بالصِّبغةِ صبغةَ الإسلامِ، وذلك أن النصارَى إذا أرادت أن تُنَصِّرَ أطفالَهم جعَلتهم في ماءٍ لهم تزعُمُ أن ذلك لها تقديسٌ بمنزلةِ الخِتَانةِ (^١) لأهلِ الإسلامِ، وأنه صِبغةٌ لهم في النصرانيةِ، فقال اللهُ تعالى ذكرُه، إذ قالوا لنبيِّه محمدٍ ﷺ وأصحابِه المؤمنين به: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾: قل لهم يا محمدُ: أيُّها اليهودُ والنصارَى، بل اتَّبِعُوا ملةَ إبراهيمَ صِبغةَ اللهِ التى هى أحسنُ الصِّبَغِ، فإنها هى الحَنِيفيّةُ المُسلِمةُ، ودَعُوا الشركَ باللهِ والضلالَ عن مَحَجّةِ هُداه.\nونَصَب \"الصِّبغةَ\" مَن قرَأها نَصْبًا على الردِّ على \"الملةِ\"، وكذلك رفَع \"الصِّبغةَ\" مَن رفَع \"المِلةَ\" على ردِّها عليها. وقد يجوزُ رفعُها على غيرِ هذا الوجهِ، وذلك على الابتداءِ، بمعنى: هى صِبغةُ اللهِ. وقد يجوزُ نصبُها على غيرِ وجهِ الردِّ على \"الملةِ\"، ولكن على قولِه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ صبغةَ اللهِ، بمعنى: آمَنَّا هذا الإيمانَ. فيكونُ الإيمانُ حينئذٍ هو صِبغةَ اللهِ.\nوبمثلِ الذى قلنا في تأويلِ \"الصِّبغةِ\" قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾: إن اليهودَ تَصْبُغُ أبناءَها يهودَ، والنصارَى تَصْبُغُ أبناءَها نصارَى، وإن صبغةَ اللهِ الإسلامُ، فلا صِبْغةَ أحسنُ من الإسلامِ ولا أَطْهرُ، وهو دينُ اللهِ الذى بعَث به نوحًا والأنبياءَ بعدَه (^٢).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"غسل الجنابة\". وينظر معانى القرآن للفراء ١/ ٨٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"2","page":603},{"text":"حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال لى عطاءٌ: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾: صَبَغت اليهودُ أبناءَهم، خالَفُوا الفِطرةَ.\nواختلَف أهل التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾؛ فقال بعضُهم: دينَ اللهِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ قال: دينَ اللهِ (^١).\nوحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبى جعفر، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ قال: دينَ اللهِ، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾: ومَن أحسنُ من اللهِ دينًا (^٢)؟.\nوحدثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٣).\nوحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٤).\nوحدثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوحدثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٥ عقب الأثر (١٣١٣، ١٣١٥) من طريق أبى جعفر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٥ عقب الأثر (١٣١٣، ١٣١٥) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٤) أخرجه عبد بن حميد - كما في الفتح ٨/ ١٦١ من طريق منصور، عن مجاهد، وهو في تفسير سفيان ص ٤٩ من قوله.","vol":"2","page":604},{"text":"مجاهدٍ مثلَه.\nوحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيرىُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ قولَه: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ قال: دينَ اللهِ (^١).\nوحدثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ يقولُ: دينَ اللهِ، ومن أحسنُ من اللهِ دينًا (^٢)؟.\nوحدثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ قال: دينَ اللهِ (^٣).\nوحدثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ قال: دينَ اللهِ.\nوحدثنى ابنُ البَرْقيِّ، قال: ثنا عمرُو بن أبى سلمةَ، قال: سألتُ ابنَ زيدٍ عن قولِ اللهِ: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ [قال: دينَ اللهِ] (^٤).\nوقال آخرون: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾: فطرةَ اللهِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ،\n_________\n(^١) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٥ عقب الأثر (١٣١٣) معلقًا.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٥ عقب الأثر (١٣١٣، ١٣١٥) من طريق عمرو به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤١ إلى المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٥ (١٣١٣) من طريق الضحاك، عن ابن عباس.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فذكر مثله\".","vol":"2","page":605},{"text":"عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ قال: فطرةَ اللهِ التى فطَر الناسَ عليها (^١).\nوحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعةَ، عن جعفرِ بنِ ربيعةَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾. قال: الصِّبغةُ الفطرةُ.\nوحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾: الإسلامَ، فطرةَ اللهِ التى فطرَ الناسَ عليها. قال ابنُ جريجٍ: قال لى عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ قال: دينَ اللهِ، ومَن أحسنُ من اللهِ دينًا؟ قال: هى فطرةُ اللهِ.\nقال أبو جعفرٍ: ومن قال هذا القولَ فوجَّه الصِّبغةَ إلى الفطرةِ، فمعناه: بل نَتَّبعُ فطرةَ اللهِ وملَّتَه التى خلَق عليها خلقَه، وذلك الدينُ القيِّمُ، من قولِ اللهِ تعالى ذكرُه ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] بمعنى: خالقِ السماواتِ والأرضِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-478>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾.</span>\nوقولُه تعالى ذكرُه: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ أمرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه ﷺ أن يقولَه لليهودِ والنصارَى الذين قالوا له ولمَن تَبعه من أصحابِه: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ فقال لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ: بل نَتَّبِعُ ملةَ إبْرَاهيمَ حَنِيفًا صِبْغَةَ اللهِ، ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ - [ويعنى بالعابدين] (^٢): الخاضعِين للهِ المستكِينِين له- في اتّباعِنَا ملةَ إبْرَاهيمَ ودَيْنُونَتِنا له بذلك، غيرَ مستكبِرِين عليه (^٣) في اتِّباعِ أمرِه والإقرارِ برسالِة (^٤)\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢١٤، وعزاه الحافظ في الفتح ٨/ ١٦١، والسيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤١ إلى عبد بن حميد من طريق ابن أبى نجيح به.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يعنى ملة\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رسالته\".","vol":"2","page":606},{"text":"رُسلِه، كما استكْبَرت اليهودُ والنصارَى، فكفَروا بمحمدٍ ﷺ استكبارًا وبَغْيًا وحسَدًا.\n\n<span id=\"aya-146\"></span><span data-type='title' id=toc-479>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ﴾: قل يا محمدُ لمَعاشرِ اليهودِ والنصارَى الذين قالوا لك ولأصحابِك: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾. وزعَموا أن دينَهم خيرٌ من دينِكم، وكتابَهم خيرٌ من كتابِكم؛ لأنه كان قبلَ كتابِكم، وزعَموا أنهم من أجلِ ذلك أَوْلَى باللهِ منكم-: أتُحاجُّوننا في اللهِ وهو ربُّنا وربُّكم؟ بيدِه الخيراتُ، وإليه الثوابُ والعقابُ، والجزاءُ على الأعمالِ، الحسناتِ منها والسيئاتِ، فتزعُمون أنكم أوْلى باللهِ منا من أجلِ أن نبيَّكم قبلَ نبيِّنا، وكتابَكم قبلَ كتابِنا، وربُّكم وربُّنا واحدٌ، وإنّما (^١) لكلِّ فريقٍ منا ما عَمِل واكتسَب من صالحِ الأعمالِ وسيِّئها، وعليها (^٢) يُجازَى، فيُثابُ أو يُعاقَبُ، لا على الأنسابِ وقِدَمِ الدينِ والكتابِ.\nويعنى بقولِه: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾ قلْ: أتُخاصِموننا وتُجادِلُوننا؟\nكما حدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ﴾ قل: أتُخاصِمُوننا؟\nحدثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾: أتُخاصِمُوننا؟\nحدثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمِّى، قال: حدثنى\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"إن\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":607},{"text":"أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ [﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾: أتُجادِلوننا] (^١)؟\nفأمّا قولُه: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ فإنه يعنى: ونحنُ للهِ مُخْلِصو العبادةِ والطاعةِ، لا نشركُ به شيئًا، ولا نَعبُدُ غيرَه أحدًا، كما عبَد أهلُ الأوثانِ معه الأوثانَ، وأصحابُ العجلِ معه العجلَ. وهذا من اللهِ تعالى ذكرُه توبيخٌ لليهودِ واحتجاجٌ لأهلِ الإيمانِ، بقولِه تعالى ذكرُه للمؤمنين من أصحابِ محمدٍ ﷺ: قولوا -أيها المؤمنون لليهودِ والنصارَى الذين قالوا لكم: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ -: أَتُجادلوننا (^٢) في اللهِ. وإنما (^٣) يعنى بقولِه: ﴿فِي اللهِ﴾: في دينِ اللهِ الذى أمَرنا أن نَدِينَه به، وربُّنا وربُّكم واحدٌ عَدْلٌ لا يَجورُ، وإنما يُجازِى العبادَ على ما اكْتَسبوا، فتَزعُمون أنَّكم أَوْلَى باللهِ منا لقِدَمِ دينِكم وكتابِكم ونبيِّكم، ونحن مُخلِصون له العبادةَ لم نُشرِكْ به شيئًا، وقد أَشركْتُم في عبادتِكم إياه، فعَبد بعضُكم العجلَ، وبعضُكم المسيحَ، فأنَّى تكونوا خيرًا منا، وأَوْلَى باللهِ منا؟\n\n<span id=\"aya-147\"></span><span data-type='title' id=toc-480>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وفى قراءةِ ذلك وجهان؛ أحدُهما: ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ بالتاءِ (^٤)، فمَن قرَأه كذلك، فتأويلُه: قل يا محمدُ -للقائلين لك من اليهودِ والنصارَى: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ -: أتُجادِلُوننا في اللهِ؟ أمْ تَقُولُونَ: إن إبْرَاهيمَ؟\n_________\n(^١) في الأصل: \"تحاجون: تجادلون\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤١، إلى المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٥ (١٣١٦) من طريق الضحاك، عن ابن عباس بلفظ \"أتخاصموننا\".\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"أتحاجوننا\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) وهى قراءة حفص عن عاصم وابن عامر وحمزة والكسائى. ينظر حجة القراءات ص ١١٥.","vol":"2","page":608},{"text":"فيكونُ ذلك معطوفًا على قولِه ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾.\nوالوجهُ الآخرُ منهما: (أم يقولون) بالياءِ (^١). ومن قرَأ ذلك كذلك وجَّه قولَه: (أم يقولون) إلى أنه استفهامٌ مُستأنَفٌ كقولِه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [يونس: ٣٨]. وكما يقالُ: إنها لإبلٌ أم شاءٌ؟ وإنما جعَله استفهامًا مستأنَفًا لمجئِ خبرٍ مُستأنَفٍ، كما يقالُ: أتقومُ أم يقومُ أخوك؟ فيصيرُ قولُه: أم يقومُ أخوك؟ خبرًا مستأنَفًا بجُملةٍ (^٢) ليست من الأوّلِ واستفهامًا مبتدأً، ولو كان نَسَقًا على الاستفهامِ الأوّلِ لكان خبرًا عن الأوّلِ، فقيل: أتقومُ أم تقعدُ؟\nوقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن ذلك إذا قُرِئ كذلك بالياءِ، فإن كان الذى بعد \"أَمْ\" جملةً تامةً فهو عطفٌ على الاستفهامِ الأوّلِ؛ لأن معنى الكلامِ قيل: أىُّ هذين الأمرَيْن كائنٌ، أهذا أم هذا؟\nوالصوابُ من القراءةِ عندنا في ذلك: ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ بالتاءِ دون الياءِ (^٣)، عطفًا على قولِه: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾ بمعنى: أىَّ هذين الأمرَيْن تفعَلون؟ أتُجادِلُوننا في دينِ اللهِ؟ فتَزعُمون أنكم أَوْلَى منّا، وأَهْدَى منّا سبيلًا، وأمْرُنا وأمْرُكم ما وصَفْنَا على ما قد بَيّنّاه آنفًا (^٤)، أم تزعُمون أن إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ ومن سمَّى اللهُ كانوا هُودًا أو نَصارَى على مِلَّتِكم؟ فيَضِحُ (^٥) للناسِ بَهْتُكم وكَذِبُكم؛ لأن اليهوديةَ والنصرانيةَ حدَثَتْ بعدَ هؤلاءِ الذين سمّاهم اللهُ من أنبيائِه. وغيرُ جائزةٍ قراءةُ ذلك بالياءِ لشذوذِها عن قراءةِ القرَأةِ.\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو، وأبى بكر عن عاصم. حجة القراءات ص ١١٥.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لجملة\".\n(^٣) القراءتان كلتاهما صواب؛ لأنهما متواترتان.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أيضا\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يصح\".","vol":"2","page":609},{"text":"وهذه الآيةُ أيضًا احتجاجٌ من اللهِ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ على اليهودِ والنصارَى الذين ذكَر اللهُ قَصَصَهم، يقولُ اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ اليهودِ والنصارَى: أتُحاجُّوننا في اللهِ، وتزعُمون أن دينَكم أفضلُ من دينِنا، وأنَّكم على هُدًى ونحن على ضَلالةٍ ببُرْهانٍ من اللهِ تعالى ذكرُه فتَدْعُوننا إلى دينِكم؟ فهاتُوا برهانَكم على ذلك فنَتبِعَكم عليه. أم تقولون: إنّ إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ كانوا هودًا أو نصارَى على دينِكم؟ فهاتوا على دَعْواكم ما ادَّعيْتم من ذلك بُرْهانًا فنُصَدِّقَكم، فإن اللهَ قد جعَلَهم أئمةً يُقْتَدَى بهم، ثم قال تعالى ذكرُه لنبيه ﷺ: قل لهم يا محمدُ إن ادَّعَوا أن إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ كانوا هُودًا أو نَصارَى: أأنتم أَعْلمُ بهم وبما كانوا عليه من الأديانِ أم اللهُ؟\n\n<span data-type='title' id=toc-481>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤُه بذلك: فإن زعَمَتْ يا محمدُ اليهودُ والنصارَى الذين قالوا لك ولأصحابِك: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، أن إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ كانوا هُودًا أو نصارَى، فمن أظلمُ منهم؟! يقولُ: وأيُّ امرِئٍ أظلمُ منهم وقد كَتَموا شهادةً عندَهم من اللهِ بأن إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ كانوا مسلمين، فكَتَموا ذلك ونحَلُوهم اليهوديةَ والنصرانيةَ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فحدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾ قال: في قولِ يهودَ لإبراهيمَ وإسماعيلَ ومَن ذُكِر معهما: إنهم كانوا يهودَ أو نصارَى. فيقولُ اللهُ: لا تَكْتُموا منى شهادةً إن كانت عندَكم فيهم. وقد عَلِم أنهم كاذبون (^١).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢١٥، وعزاه السيوطي أيضا في الدر المنثور ١/ ١٤١ إلى عبد بن حميد.","vol":"2","page":610},{"text":"وحدثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾: في قولِ اليهودَ لإبراهيمَ وإسماعيلَ ومن ذُكِر معهما: إنهم كانوا يهودَ أو نصارَى. فقال اللهُ لهم: لا تَكْتُموا منى الشهادةَ فيهم إن كانت عندَكم فيهم، وقد عَلِم اللهُ أنَّهم كانوا كاذبين.\nوحدّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى إسحاقُ، عن أبى الأشهبِ، عن الحسنِ أنه تلا هذه الآيةَ: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾. إلى قولِه: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾ قال الحسنُ: واللهِ لقد كان عندَ القومِ من اللهِ شهادةٌ أن أنبياءَه بُرَآءُ من اليهوديةِ والنصرانيةِ، كما أن عندَ القوم من اللهِ شهادةً أن دماءَكم وأموالَكم حرامٌ بينكم، فبم استحَلُّوها (^١)؟.\nوحدِّثْت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾: أهلُ الكتابِ كَتَموا الإسلامَ، وهم يَعلمون أنه دينُ اللهِ، وهم يَجِدُونه مكتوبًا عندهم في التوراةِ والإنجيلِ، أنهم لم يكونوا يهودَ ولا نصارَى، وكانت اليهوديةُ والنصرانيةُ بعدَ هؤلاءِ بزمانٍ (^٢).\nوإنما عَنَى تعالى ذكرُه بذلك أن اليهودَ والنصارَى إن ادَّعَوْا أن إبراهيمَ ومن سُمِّىَ معه في هذه الآيةِ كانوا هودًا أو نصارَى، تَبَيَّنَ (^٣) لأهلِ الشركِ الذين هم نصراؤُهم كَذِبُهم وادِّعاؤُهم على أنبياءِ اللهِ الباطِلَ؛ لأن اليهوديةَ والنصرانيةَ حدَثت\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤١ إلى المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٦ (١٣٢٠) من طريق عباد بن منصور، عن الحسن بنحوه.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٦ عقب الأثر (١٣١٩) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٣) في م: \"بين\".","vol":"2","page":611},{"text":"بعدَهم، وإن هم نَفَوْا عنهم اليهوديةَ والنصرانيةَ، قيل لهم: فهَلُمّوا إلى ما كانوا عليه من الدينِ، فإنا وأنتم مُقِرُّون جميعًا بأنَّهم كانوا على حقٍّ، ونحن مختلِفون فيما خالَف الدينَ الذى كانوا عليه.\nوقال آخرون: بل عَنَى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾ اليهودَ في كتمانِهم أمرَ محمدٍ ﷺ ونبوَّتَه، وهم يَعلمون ذلك ويَجِدُونه في كُتُبِهم.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾: أولئك أهلُ الكتابِ، كَتَموا الإسلامَ وهم يَعلمون أنه دينُ اللهِ، واتَّخَذُوا اليهوديةَ والنصرانيةَ، وكَتَموا محمدًا ﷺ وهم يَعلمون أنه رسولُ اللهِ ﷺ، يَجِدُونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ (^١).\nوحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾ قال: الشهادةُ، النبيُّ ﷺ مكتوبٌ عندَهم، وهو الذى كَتَموا (^٢).\nوحدثنى المثنَّى [قال: حدثنى إسحاقُ] (^٣)، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ نحوَ حديثِ بشرِ بنِ معاذٍ، عن يزيد بنِ زريعٍ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤١ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٠.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٦ عقب الأثر (١٣١٩) من طريق ابن أبى جعفر به.","vol":"2","page":612},{"text":"حدثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾ قال: هم يهودُ يُسألون عن النبيِّ ﷺ وعن صفتِه في كتابِ اللهِ عندَهم، فيَكْتُمون الصفةَ.\nوإنما اخترْنا القولَ الذى قُلْناه في تأويلِ ذلك، لأنَّ قولَه تعالى ذكرُه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾ في إثْرِ قصةِ مَن سمَّى اللهُ من أنبيائِه، وأمامَ قَصِّه (^١) لهم، فأَوْلَى بالذى هو بيْن ذلك أن يكونَ من قَصصِهم دون غيرِه.\nفإن قال قائلٌ: وأيّةُ شهادةٍ عندَ اليهودِ والنصارَى من اللهِ في أمرِ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ؟\nقيل: الشهادةُ التى عندَهم من اللهِ في أمرِهم ما أنزل اللهُ إليهم في التوراةِ والإنجيِلِ، وأمَرَهم فيهما (^٢) بالاستنانِ بسنتِهم واتباعِ مِلَّتِهم، وأنهم كانوا حنفاءَ مسلمين، فتلك هى الشهادةُ التى عندهم من اللهِ التى كتَموها حين دعاهم نبيُّ اللهِ ﷺ إلى الإسلامِ، فقالوا له: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. وقالوا له ولأصحابِه: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾. فأنزَل اللهُ فيهم هذه الآياتِ بتكذيبِهم (^٣) وكتمانِهم الحقَّ، وافترائِهم على أنبياءِ اللهِ الباطلَ والزُّورَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-482>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)﴾.</span>\nيعْنى تعالى ذكرُه بذلك: وقل لهؤلاءِ اليهودِ والنصارَى الذين\nيحاجُّونك يا محمدُ: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من كتمانِكم الحقَّ\nفيما ألزَمَكم في كتابِه بيانَه للناسِ، من أمرِ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ\n_________\n(^١) في م: \"قصته\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"فيها\".\n(^٣) في م: \"في تكذيبهم\".","vol":"2","page":613},{"text":"والأسباطِ و(^١) أمرِ الإسلامِ، وأنهم كانوا مسلمين، وأن الحنِيفيّةَ المسلمةَ دينُ اللهِ الذى على جميعِ الخلقِ الدَّينُونة به دونَ اليهوديةِ والنصرانيةِ وغيرِهما من الملل، ولا هو ساهٍ عن عقابِكم على فعلِكم ذلك، بل هو مُحْصٍ عليكم حتى يُجازيَكم به من الجزاءِ ما أنتم له أهلٌ في عاجلِ الدنيا وآجلِ الآخرةِ. فجازاهم جلَّ ذكرُه عاجلًا في الدنيا بقَتْلِ بعضِهم [وتَشريدِ بعضِهم] (^٢) وإجلائِه عن وطنِه ودارِه، وهو مُجازِيهم في الآخرةِ العذابَ المُهِينَ.\n\n<span id=\"aya-148\"></span><span data-type='title' id=toc-483>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾.</span>\nيعْنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ.\nكما حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ يعنى: إبراهيمَ وإسماعيلَ وإِسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ (^٣).\nحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ بمثلِه (^٣).\nوقد بَيَّنَّا فيما مضَى أن الأُمةَ الجماعةُ (^٤).\nفمعنى الآيةِ إذن: قلْ يا محمدُ لهؤلاء الذين يُجادِلُونك في اللهِ من اليهودِ والنصارَى إن كَتَموا ما عندَهم من الشهادةِ في أمرِ إبراهيمَ ومَنْ سَمَّيْنا معه، وأنّهم\n_________\n(^١) في م: \"في\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤١ إلى المصنف.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٥٦٦.","vol":"2","page":614},{"text":"كانوا مسلمِينَ، وزَعَمُوا أنّهم كانوا هودًا أو نصارَى، فكَذَبوا: إنّ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ أمةٌ قد خَلَتْ؛ أى: مضَت لسبيلِها، فصارت إلى ربِّها، وخَلَت بأعمالِها، وإنما (^١) لها (^٢) عندَ اللهِ ما كانت (^٣) كَسَبت من خيرٍ في أيامِ حياتِها، وعليها ما اكْتَسَبت من شرٍّ، لا ينفعُها غيرُ صالحِ أعمالِها، ولا يضرُّها غيرُ سَيِّئِها، فاعلَموا أيها اليهودُ والنصارَى ذلك، فإنَّكم إن كان هؤلاءِ -و(^٤) هم الذين بهم تَفْتَخِرون وتزعُمون أن بهم تَرْجُون النجاة من عذابِ ربِّكم مع سيئاتِكم، وعظيمِ خطيئاتِكم- لا ينفعُهم عندَ اللهِ غيرُ ما قدَّمُوا من صالحِ الأعمالِ، ولا يضرُّهُمْ غيرُ سيِّئِها، فأنتم كذلك أَحْرَى ألا ينفعَكم عند اللهِ غيرُ ما قَدَّمْتُم من صالحِ الأعمالِ، ولا يضرُّكم غيرُ سَيِّئِها، فاحذَرُوا على أنفسِكم وبادِرُوا خروجَها بالتوبةِ وبالإنابةِ إلى اللهِ مما أنتم عليه من الكفرِ والضلالةِ والفِرْيةِ على اللهِ وعلى أنبيائِه ورسلِه، ودَعُوا الاتّكالَ على فضائلِ الآباءِ والأجْدادِ، فإنما لكم ما كسَبتم، وعليكم ما اكْتَسَبتم، ولا تُسألُون عمَّا كان إبراهيمُ وإسماعيلُ وإسحاقُ ويعقوبُ والأسباطُ يَعمَلون من الأعمالِ؛ لأن كلَّ نفسٍ قَدِمَتْ على اللهِ يومَ القيامةِ فإنما تُسألُ عما كسَبت وأَسْلَفت، دون ما أَسلفَ غيرُها.\n\n<span id=\"aya-149\"></span><span data-type='title' id=toc-484>القولُ في تأويلِ قوْلِه جل ثناؤُه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾: سيقولُ الجُهالُ من الناسِ، وهم اليهودُ وأهلُ النفاقِ. وإنما سمّاهم اللهُ ﷿ سفهاءَ؛ لأنهم سفِهوا الحقَّ،\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"آمالها\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) سقط من: م، ت ١.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"2","page":615},{"text":"فتجاهَلتْ أحبارُ اليهودِ، وتعاظمَت جُهّالُهم وأهلُ الغباءِ منهم عن (^١) اتباعِ محمدٍ ﷺ، إذ كان من العربِ ولم يكنْ من بنى إسرائيلَ، وتحيَّرَ المنافقون فتبلَّدوا.\nوبما قلنا في السفهاءِ أنهم هم اليهودُ وأهلُ النفاقِ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال: هم اليهودُ\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ قال: اليهودُ تقولُه حين ترَك بيتَ المقدسِ (^٢).\nوحدثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوحدثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾. قال: اليهودُ (^٣).\nوحدِّثتُ عن أحمدَ بنِ يونسَ، عن زهيرٍ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾. قال: اليهودُ (^٤).\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٣: \"عند\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢١٥. وأخرجه الثورى في تفسيره ص ٥٠ عن رجل، عن مجاهد. وينظر الفتح ٨/ ١٧١.\n(^٣) أخرجه وكيع -كما في الدر المنثور ١/ ١٤٢ - وأخرجه ابن المقرئ في معجمه (٧١٧) من طريق وكيع، عن سفيان، عن أبى إسحاق به. وأخرجه البخارى (٣٩٩)، وابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٧ (١٣٢٣)، والواحدى في أسباب النزول ص ٢٨ من طريق إسرائيل به. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وأبى داود في ناسخه وابن المنذر.\n(^٤) سيأتى مطولا في ص ٦٢٠.","vol":"2","page":616},{"text":"وحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا الحِمَّانيُّ، قال: حدَّثنا شريكٌ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ في قولِه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ قال: أهلُ الكتابِ (^١).\nوحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ ابنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: اليهودُ (^٢).\nوقال آخَرون: السفهاءُ المنافقون.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: نزلَت: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾: في المنافقين (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-485>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤُه بقولِه ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾: أيُّ شيءٍ صرفَهم عن قبلتِهم؟ وهو من قولِ القائلِ: ولانى فلانٌ دُبُرَه. إذا حوَّل وجهَه عنه واستدْبَره، فكذلك قولُه: ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾: أىُّ شيءٍ حوَّل وجوهَهم؟\nوأما قولُه: ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ فإن قبلةَ كلِّ شيءٍ ما قابلَ وجهَه، وإنما هى فِعْلةٌ، بمنزلةِ الجِلْسَةِ والقِعْدةِ [وصِفوةِ الشئِ] (^٤)، من قولِ القائلِ: قابلتُ فلانًا، إذا صرتَ قُبالتَه، أقابِلُه، فهو لى قِبلةٌ، وأنا له قِبلةٌ، إذا قابلَ كلُّ واحدٍ منهما بوجهِه وجهَ صاحبِه.\n_________\n(^١) أخرجه النسائى في الكبرى (١١٠٠١)، والبغوى في الجعديات (٢١٣٢) من طريق شريك به. وسيأتى مطولا في ص ٦٢٠.\n(^٢) تقدم مطولا في ص ٤٥٠.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٧ (١٣٢٤) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به. وسيأتى مطولا في ص ٦٤٠.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":617},{"text":"فتأويلُ الكلامِ إذن إذْ كان ذلك (^١) معناه: سيقولُ السفهاءُ من الناسِ لكم أيها المؤمنون باللهِ وبرُسلِه (^٢)، إذا حوّلْتم وجوهَكَم عن قبلةِ اليهودِ التى كانت لكم قبلةً، قبلَ أمرِى إياكم بتحويلِ وجوهِكم عنها شطرَ المسجدِ الحرامِ: أيُّ شيءٍ حوّل وجوهَ هؤلاء فصرَفها عن الموضعِ الذى كانوا يستقبِلونه بوجوهِهم في صلاتِهم؟\nفأعلمَ اللهُ جل ثناؤه نبيَّه ﷺ ما اليهودُ والمنافقون قائِلون من القولِ عند تحويلِ اللهِ (^٣) قبلتَه وقبلةَ أصحابِه، عن الشامِ إلى المسجدِ الحرامِ، وعلّمَه ما ينبغِى أن يكونَ مِن ردِّه عليهم من الجوابِ، فقال له: إذا قالوا ذلك لكَ يا محمدُ، فقلْ لهم: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وكان سببَ ذلك أن النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى نَحْوَ بيتِ المقدسِ مدةً سنذكُرُ مبلَغَها فيما بعدُ إن شاء اللهُ تعالي، ثم أرادَ اللهُ تعالى صرْفَ قبلةِ نبيِّه ﷺ إلى المسجدِ الحرامِ، فأخبرَه عما اليهودُ قائلُوه من القولِ عند صرْفِه وجهَه ووُجوهَ أصحابِه شَطْرَه، وما الذى ينبغِى أن يكون من مَردِّه (^٤) عليهم من الجوابِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-486>ذكرُ المدةِ التى صلّى (^٥) رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابُه نحوَ بيتِ المقدسِ، وما كان سببُ صلاتِه نحوَه، وما الذى دعا اليهودَ والمنافقين إلى قيلِ ما قالوا عند تحويلِ اللهِ قبلةَ المؤمنين عن بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ</span>\nاخْتلَفَ أهلُ العلْمِ في المدّةِ التى صلّى (^٥) رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ بعدَ الهجرةِ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، وحَدَّثَنَا ابنُ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م: \"رسوله\"، وفى ت ١، ت ٣: \"برسوله\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م: \"رده\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"صلاها\".","vol":"2","page":618},{"text":"حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلَمةُ، قالا جميعًا: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بن أبى محمدٍ مولَى زيدِ بن ثابتٍ، قال: حَدَّثَنِي سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ -شكَّ محمدُ بنُ أبى محمدٍ- عن ابنِ عباسٍ، قال: لما صُرِفت القبلةُ عن الشامِ إلى الكعبةِ -وصُرِفت في رجبٍ على رأسِ سبعةَ (^١) عشرَ شهرًا من مَقدَمِ رسولِ اللهِ ﷺ المدينةَ- أتى رسولَ اللهِ ﷺ رفاعةُ بنُ قيسٍ، وقَرْدَمُ بن عمرٍو، وكعبُ بنُ الأشرفِ، ونافعُ بنُ أبى نافعٍ -هكذا قال ابنُ حميدٍ، وقال أبو كُريبٍ: ورافعُ بنُ أبى رافعٍ- والحجاجُ بنُ عمرٍو، حليفُ كعبِ بنِ الأشرفِ، والربيعُ ابنُ الربيعِ بنِ أبى (^٢) الحُقَيقِ، وكِنانةُ [بنُ الربيعِ] (^٣) بنِ أبى الحُقَيقِ، فقالوا له: يا محمدُ، ما ولَّاك عن قبلتِك التى كنت عليها وأنت تزعُمُ أنك على ملةِ إبراهيمَ ودينِه، ارجِعْ إلى قبلتِك التى كنتَ عليها نتبِعْك ونصدِّقْك. وإنما يُريدون فتنتَه عن دينِه، فأنزَل اللهُ فيهم: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ إلى قولِه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ (^٤).\nحَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيّاشٍ، قال: قال البراءُ: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ سبعةَ عشرَ شهرًا. قال: وكان يشتهِى أن يُصرفَ إلى الكعبةِ. قال: فبينا نحن نصلِّى ذات يومٍ، فمرَّ بنا مارٌّ، فقال: ألا هل علِمتم أن النَّبِيَّ ﷺ قد صُرِف إلى الكعبةِ؟ قال: وقد صلّينا ركعَتين إلى ههنا، وصلّينا ركعَتين إلى ههنا.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تسعة\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) زيادة من: م. وهو كذلك في سيرة ابن هشام.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥٠، وأخرجه البَيْهَقِيُّ في الدلائل ٢/ ٥٧٥ من طريق يونس بن بكير به. وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٧، ٢٤٨ (١٣٢٧) من طريق سلمة به.","vol":"2","page":619},{"text":"قال أبو كريبٍ: فقيل له: فيه أبو إسحاقَ؟ فسكَت.\nوحَدَّثَنَا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن أبى بكرِ بنِ عياشٍ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ، قال: صلَّينا بعدَ قدومِ النَّبِيِّ ﷺ المدينةَ ستةَ (^١) عشرَ شهرًا إلى بيتِ المقدسِ (^٢).\nوحَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيي، عن سفيانَ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: صلَّيتُ مع النَّبِيِّ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا أو سبعةَ عشرَ شهرًا -شكّ سفيانُ- ثم صُرِفْنا إلى الكعبةِ (^٣).\nوحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا النُّفيليُّ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا زُهيرٌ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان أوّلَ ما قدِم المدينةَ نزلَ على أجدادِه أو أخوالِه من الأنصارِ، وأنه صلَّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ [أو سبعةَ عشرَ] (^٤) شهرًا، وكان يُعْجِبُه أن تكونَ قبلتُه قِبَلَ البيتِ، وأنه صلَّى صلاةَ العصرِ ومعه قومٌ، فخرَج رجلٌ ممن صلَّى معه، فمرَّ على أهلِ المسجدِ وهم ركوعٌ، فقال: أشهَدُ لقد صليتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ. فدارُوا كما هم قِبَلَ البيتِ، وكان يُعجِبُه أن يحوَّلَ قِبَلَ البيتِ، وكان اليهودُ قد (^٥) أعجَبَهم هذا (^٥)؛ أن كان رسولُ اللهِ ﷺ\n_________\n(^١) في م: \"سبعة\".\n(^٢) أخرجه ابن ماجة (١٠١٠)، والدارقطني ١/ ٢٧٣ من طريق أبي بكر بن عياش به.\nوأورد الحافظ في الفتح ١/ ٩٧ الخلاف في هذه المدة، وقال: وشذت أقوال أخري؛ ففى ابن ماجة من طريق إلى بكر بن عياش عن أبي إسحاق في هذا الحديث: \"ثمانية عشر شهرا\". وأبو بكر سيء الحفظ، وقد اضطرب فيه، فعند ابن جرير من طريقه في رواية: \"سبعة عشر\". وفى رواية: \"ستة عشر\".\n(^٣) تفسير سفيان ص ٥٢. وأخرجه النسائي (٤٨٧) عن ابن بشار به. وأخرجه أحمد ٣٠/ ٥١١ (١٨٥٣٩)، والبخارى (٤٤٩٢)، ومسلم (٥٢٥)، وابن خزيمة (٤٢٨) من طريق يحيى به.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":620},{"text":"يصلِّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ وأهلِ الكتابِ، فلما ولَّى وجْهَه قِبَلَ البيتِ أنكَروا ذلك (^١).\nوحَدَّثَنَا عمرانُ بنُ موسي، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ المسيَّبِ، قال: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ بعد أن قَدِم المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وُجِّه نحوَ الكعبةِ قبلَ بدرٍ بشهْرين (^٢).\nوقال آخَرون بما حَدَّثَنَا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عثمان بنُ سعدِ الكاتبُ، قال: حَدَّثَنَا أنسُ بنُ مالكٍ، قال: صُرِف (^٣) نبيُّ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ تسعةَ أشهرٍ أو عشرةَ أشهرٍ، فبينما هو قائمٌ يصلِّى الظهرَ بالمدينةِ، وقد صلَّى ركعتين نحوَ بيتِ المقدسِ، انصرفَ، بوجهِه إلى الكعبةِ، فقال السفهاءُ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ (^٤).\nوقال آخَرون بما حدَّثَنَا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا المسعودِىُّ، عن عمرِو بنِ مُرّةَ، عن ابنِ أبي ليلي، عن معاذِ بنِ جبلٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ قدِم المدينةَ، فصلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ ثلاثةَ عشرَ شهرًا (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البَيْهَقِيُّ في المعرفة (٦٥٨) من طريق النفيلى به. وأخرجه ابن سعد ١/ ٢٤٢، ٢٤٣، وأحمد ٣٠/ ٤٥٣، ٤٥٤ (١٨٤٩٦)، والبخارى (٤٠، ٤٤٨٦)، وابن منده في الإيمان (١٦٧)، والبيهقيُّ ٢/ ٣ من طريق زهير به. وينظر مسند الطيالسي (٧٥٥).\n(^٢) أخرجه سفيان في تفسيره ص ٥١، ومالك في الموطأ ١/ ١٩٦ - ومن طريقه الشافعي في مسنده (١٩٠)، والبيهقيُّ في المعرفة (٦٥٦)، وفى الدلائل ٢/ ٥٧٣ - عن يحيى بن سعيد به. وينظر علل الدارقطني ٤/ ٣٦٥، والتمهيد ٢٣/ ١٣٤، وفتح البارى لابن رجب ١/ ١٨٠، ١٨١.\n(^٣) في م: \"صلى\".\n(^٤) إسناده ضعيف؛ عثمان بن سعد ضعيف. وأخرجه البزار (٤٢٠ - كشف) عن عمرو بن على به. وأخرجه ابن خزيمة (٤٣٤) من طريق أبى عاصم به. وقال الهيثمى: حديث أنس بن مالك في الصحيح أن ذلك في صلاة الصبح. والذى في صحيح مسلم (٥٢٧) ليس فيه ذكر النبي ﷺ.\n(^٥) إسناده منقطع؛ ابن أبى ليلى لَمْ يدرك معاذا. وأخرجه أبو داود (٥٠٧) عن ابن المثنى به. والحديث في مسند الطيالسى (٥٦٧)، وفيه: فصلى سبعة عشر شهرا.","vol":"2","page":621},{"text":"وحَدَّثَنِي أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ أبي، قال: ثنا قتادةُ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ أن الأنصارَ صلَّت القبلةَ الأُولَى قبلَ قدومِ النَّبِيِّ ﷺ بثلاثِ حِجَجٍ، وأن النَّبِيَّ ﷺ صلَّى القبلةَ الأولَى بعد قُدومِه المدينةَ ستةَ (^١) عشرَ شهرًا (^٢). أو كما قال. وكِلا الحديثين يحدِّث قتادةُ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-487>ذكرُ السببِ الذى كان من أجلِه ﷺ يصلِّى (^٣) نحوَ بيتِ المقدسِ، قبل أن يُفرضَ عليه التوجُّهُ شطرَ الكعبةِ</span>\nاختلَف أهلُ العلمِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: كان ذلك باختيارٍ من النَّبِيِّ ﷺ، [من غيرِ أن يكونَ اللهُ فرَض ذلك عليه] (^٤).\nذِكرُ من قال ذلك\nحَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ أبو تُميلَةَ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، [عن عكرمةَ، و] (^٥) عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ، قالا: أوَّلُ ما نُسِخ من القرآنِ القبلةُ، وذلك أن النَّبِيَّ ﷺ كان يستقبِلُ صخرةَ بيتِ المقدسِ، وهى قبلةُ اليهودِ، فاستقبلَها النَّبِيُّ ﷺ سبعةَ عشرَ شهرًا، ليؤْمِنوا به ويتَّبِعوه، ويَدعُو بذلك الأمِّيين من العربِ، فقال اللهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٦)\n_________\n(^١) في الأصل: \"ثلاثة\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٣ إلى المصنّف.\n(^٣) في م: \"يصلى رسول الله ﷺ \".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) سقط من: الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٢ إلى المصنّف عن عكرمة وحده. وعزاه أيضًا إلى أبي داود في ناسخه عن ابن عباس بلفظه.","vol":"2","page":622},{"text":"وحَدَّثَنِي المثنَّى بنُ إبراهيمَ، [قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ] (^١)، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾: يعنُون بيتَ المقدسِ.\nقال الربيعُ: قال أبو العاليةِ: إن نبيَّ اللهِ ﷺ خُيِّرَ بين (^٢) أَنْ يُوجِّهَ وجهَه حيث شاء، فاختارَ بيتَ المقدسِ، لكى يتألَّفَ أهلَ الكتاب، فكانت قبلةً (^٣) ستةَ عشرَ شهرًا، وهو في ذلك يقلِّبُ وجْهَه في السماءِ، ثم وجَّهه اللهُ إلى البيتِ الحرامِ (^٤).\nوقال آخرون: بل كان فعل ذلك من النبيِّ ﷺ وأصحابِه بفرضِ اللهِ عليهم.\nذكرُ من قال ذلك\nحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنَا معاوية بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحة، عن ابنِ عباسٍ قال: لما هاجرَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ، وكان أكثرَ (^٥) أهلِها اليهودُ، أمرَه اللهُ أن يستقْبِلَ بيتَ المقدسِ، ففرِحت اليهودُ، فاستقبَلها رسولُ اللهِ ﷺ بضعةَ عشرَ شهرًا، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يحبُّ قبلةَ إبراهيمَ ﵇، وكان يدْعو وينظُرُ إلى السماءِ، فأنزلَ اللهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية. فارْتاب من ذلك اليهودُ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ فأنزَل اللهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ (^٦).\nحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، قال: قال ابنُ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م: \"قبلته\".\n(^٤) ينظر تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٢٤٨ (١٣٢٧).\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) تقدم تخريجه في ص ٤٥٠.","vol":"2","page":623},{"text":"جُريجٍ: صلّى رسولُ اللهِ ﷺ أوَّلَ ما صلَّى إلى الكعبةِ، ثم صُرِف إلى بيتِ المقدسِ، فصلَّت الأنصارُ نحوَ بيتِ المقدسِ قبلَ قدومِه ﵇ ثلاثَ حِجَجٍ، وصلَّى بعدَ قدومِه ستةَ عشرَ شهرًا، ثم ولاه اللهُ إلى الكعبةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-488>ذكرُ السببِ الذى من أجلِه قال [من قال] (^١) ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فرُوى عن ابنِ عباسٍ فيه قولان؛ أحدُهما، ما حَدَّثَنَا به ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمةُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال ذلك قومٌ من اليهودِ للنبيِّ ﷺ، فقالوا له: ارجِعْ إلى قبلتِك التى كنتَ عليها نَتَّبِعْك ونصدِّقك. يُريدون فتنتَه عن دينِه (^٢).\nوالقولُ الآخرُ: ما ذكَرتُ من حديثِ علىِّ بنِ أبى طلحةَ عنه الذى مضَى قبلُ (^٣).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ قال: صلَّت الأنصارُ نحوَ بيتِ المقدسِ حولَين قبلَ قدومِ نبيِّ اللهِ ﷺ المدينةَ، وصلَّى نبيُّ اللهِ ﷺ بعدَ قدومِه المدينةَ مهاجرًا نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وجَّهه اللهُ بعد ذلك إلى الكعبةِ البيتِ الحرامِ، فقال في ذلك قائلُون من الناسِ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ لقد اشتاق الرَّجلُ إلى مولدِه. فقال اللهُ ﷿: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) تقدم مطولًا في ص ٦١٨، ٦١٩.\n(^٣) تقدم في ص ٦٢٣.","vol":"2","page":624},{"text":"وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^١).\n[وقال آخَرون: بل قائِلو] (^٢) هذه المقالةِ المنافقون، وإنما قالوا ذلك استهزاءً بالإسلامِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحَدَّثَنِي موسي، قال: حَدَّثَنَا عمرٌو، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: لما وُجِّه النبيُّ ﷺ قِبلَ المسجدِ الحرامِ، اختلَفَ الناسُ فيها فكانوا أصنافًا، فقال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلةٍ زمانًا ثم ترَكوها وتوجَّهوا (^٣) غيرَها؟! فأنزَل اللهُ في المنافِقين: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾. الآية كلّها (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-489>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤُه بذلك: قلْ يا محمدُ -لهؤلاء الذين قالوا لك ولأصحابِك: ما ولّاكم عن قبلتِكم من بيتِ القدسِ التى كنتم على التوجُّهِ إليها، إلى التوجُّهِ شطرَ المسجدِ الحرامِ؟ -: للهِ مُلكُ المشرقِ والمغربِ -يعنى بذلك: مُلكُ ما بينَ قُطْرَىْ مَشرِقِ الشمسِ، وقُطْرَىْ مَغرِبها، وما بينهما من العالَمِ- يَهْدى من يشاءُ من خَلْقِه فيسدِّدُه ويوفِّقُه إلى الطريقِ القويمِ، وهو الصراطُ المستقيمُ -ويعنى بذلك: إلى قبلةِ إبراهيمَ الذى جعلَه للناسِ إمامًا- ويخذُلُ من يشاءُ منهم فيضِلُّه عن سبيلِ الحقِّ.\nوإنما عَنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: قلْ يا محمدُ: إنّ اللهَ هدانا بالتوجُّهِ شطرَ المسجدِ الحرامِ لقبلةِ إبراهيمَ، وأضلَّكم أيها\n_________\n(^١) سيأتى بتمامه في ص ٦٣٩، ٦٤٠.\n(^٢) في م: \"وقيل قائل\".\n(^٣) بعده في م: \"إلى\".\n(^٤) سيأتى بتمامه في ص ٦٤٠، ٦٤١، ٦٦٨.","vol":"2","page":625},{"text":"اليهودُ والمنافقون وجماعةُ الشركِ باللهِ، فخذَلكم عما هدَانا له من ذلك.\n\n<span id=\"aya-150\"></span><span data-type='title' id=toc-490>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾: كما هدَيْناكم أيها المؤْمنون بمحمدٍ ﵊، وبما جاءَكم به من عندِ اللهِ، فخصَصْناكم بالتوفيقِ لقبلةِ إبراهيمَ وملّتِه، وفضَّلناكم بذلك على من سواكم من أهلِ المللِ، كذلك خصَصْناكم أيضًا ففضَّلناكم على غيرِكم من أهلِ الأديانِ؛ بأن جعَلْناكم أمة وسطًا، وقد بيّنا أن \"الأمَّةَ\" هى القرنُ من الناسِ، والصِّنْفُ منهم وغيرهم (^١).\nوأما \"الوسطُ\" فإنه في كلام العربِ الخيارُ، يقالُ منه: فلانٌ واسِطُ (^٢) الحسَبِ في قومِه. أى: متوسِّطُ الحسَبِ، إذا أرادُوا بذلك الرفعَ في حسبِه، وهو وسطٌ في قومِه وواسطٌ. كما يقالُ: شاةٌ يابسةُ اللبنِ، ويَبَسةُ اللَبنِ. وكما قال جل ثناؤُه: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧]. وقال زهيرُ بنُ أبى سُلْمَى في \"الوسطِ\" (^٣):\nهُمُ وَسَطٌ يَرْضَى الأنامُ بحُكمِهمْ … إذا نَزَلَت إحدَى الليالى بمُعْظَمِ\nقال أبو جعفرٍ: وأنا أرَى أن \"الوسَطَ\" في هذا الموضعِ هو الوسَطُ الذى بمعنى الجزءِ الذي هو بين الطرفَين، مثلَ وسَطِ الدارِ، [محرِّكةُ الوسطِ مثقَّلتُه] (^٤)، غيرُ جائزٍ في سينِه التخفيفُ. وأرَى أن اللهَ ﵎ إنما وصَفهم بأنهم\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٢٤، ٢/ ٥٨٨.\n(^٢) في م: \"وسط\".\n(^٣) شرح ديوان زهير ص ٢٧. والبيت فيه هكذا:\nلحى حلال يعصم الناس أمرهم … إذا طرقت. . . . . . . .\nوأنشده الجاحظ في البيان والتبيين ٣/ ٢٥٥ غير منسوب هكذا:\nهم وسط يرضى الإله بحكمهم … إذا طرقت. . . . . . . .\n(^٤) في م: \"محرك الوسط مثقله\"، وفى ت ٢: \"محركة الوسط مثقلة\".","vol":"2","page":626},{"text":"وسَطٌ، لتوسُّطِهم في الدينِ، فلا هم أهلُ غلوٍّ فيه غلوَّ النصارَى الذين غَلوْا بالترهُّبِ، وقيلِهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهلُ تقصيرٍ فيه تقصيرَ اليهودِ الذين بدَّلوا كتابَ اللهِ، وقتَلوا أنبياءَهم، وكذَبوا على ربِّهم، وكفَروا به، ولكنهم أهلُ توسُّطٍ واعتدالٍ فيه، فوصَفهم اللهُ بذلك، إذْ كان أحبَّ الأمورِ إلى اللهِ أوساطُها (^١).\nوأما التأويلُ فإنه جاء بأن الوسَطَ العدْلُ، وذلك هو معنى الخيارِ؛ لأنَّ الخيارَ من الناسِ عُدولُهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-491>ذكر من قال: الوسطُ العَدْلُ</span>\nحدّثَنِي سلمُ (^٢) بنُ جُنادَةَ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ في قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: \"عدلًا\" (^٣).\nحَدَّثَنَا مجاهدُ بنُ موسى ومحمدُ بنُ بشارٍ، قالا: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى سعيدٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ مثلَه (^٤).\nوحَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حَدَّثَنَا مؤَمَّلٌ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى سعيدٍ الخُدرىِّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أوسطها\".\n(^٢) في م: \"سالم\".\n(^٣) في م: \"عدولا\".\nوالحديث أخرجه الإسماعيلى -كما في الفتح ٨/ ١٧٢ - من طريق حفص بن غياث به، مختصرا. وأخرجه أحمد ١٧/ ١٢٢، ٣٧٢ (١١٠٦٨، ١١٢٧١)، والترمذى (٢٩٦١)، والنسائى في الكبرى (١١٠٠٦)، وأبو يعلى (١٢٠٧)، وابن حبان (٧٢١٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٨، ٢٤٩ (١٣٣١)، والإسماعيلي، وأبو عمرو بن منده في فوائده (١) من طرق عن الأعمش به، مختصرًا. وسيأتى مطولًا في ص ٦٣٠.\n(^٤) سيأتى مطولا في ص ٦٣٠، ٦٣١.","vol":"2","page":627},{"text":"وَسَطًا﴾ قال: \"عدلًا\" (^١).\nوحَدَّثَنِي عليُّ بنُ عيسي، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ سليمانَ، عن حفصِ بنِ غِياثٍ، [عن الأعمشِ] (^٢)، عن أبي صالحٍ، عن أبى هريرةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ في قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: \"عدلًا\" (^٣).\nحَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عدلًا.\nوحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. قال: عدلًا (^٤).\nوحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال؛ حَدَّثَنَا أبو (^٥) حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه؛ ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عدلًا.\nوحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عُدولًا (^٦).\nوحدَّثنى المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه،\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عدولا\".\nوالأثر في تفسير الثورى ص ٥٠. وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٦٨ بإسناد منقطع عن الأعمش به.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٤ إلى المصنّف.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢١٥، بلفظ: عدولًا. وستأتى بقيته في ص ٦٣٣.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٠، ٦١.","vol":"2","page":628},{"text":"عن الربيعِ في قولِه: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عدلًا.\nوحدَّثَنِى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. يقولُ: جعَلكم أمة عدلًا (^١).\nوحدَّثَنِى المثنَّي، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن رِشْدِين (^٢) بنِ سعدٍ، قال: أخبرنى ابنُ أنْعُمٍ المَعافِرىُّ، عن حِبّانَ بنِ أبى جَبَلَةَ يُسْنِدُه (^٣) إلى رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. قال: \"الوسَطُ العدلُ\" (^٤).\nوحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ ومجاهدٍ وعبدِ اللهِ بنِ كَثيرٍ: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾. قالوا: عدلًا. قال مجاهدٌ: عدولًا.\nوحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. قال: هم وسطٌ بين النَّبِيِّ ﷺ وبين الأُممِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-492>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.</span>\nوالشهداءُ جمعُ شهيدٍ.\nفمعنى ذلك: وكذلك جعَلناكُم أُمةً [عدلًا لتكونوا] (^٥) شهداءَ لأنْبيائى ورُسلى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٤ إلى المصنّف.\n(^٢) في م: \"راشد\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رشد\".\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"بسنده\".\n(^٤) سيأتى مطولًا في ص ٦٣٥، ٦٣٦.\n(^٥) في م: \"وسطا عدولًا\".","vol":"2","page":629},{"text":"على أُمِمها بالبلاغِ، أنَّها قد بلَّغت ما أُمِرت ببلاغِه من رسالاتى إلى أُمَمِها، ويكونَ رَسولى محمدٌ ﷺ شهيدًا عليكم بإيمانِكم به، وبما جاءكم به من عندى.\n[وقيل: معْنى \"عَلَيْكُمْ\" في قولِه: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾: لكم. كأن تأويلَه عندهم: ويكونَ الرسولُ شهيدًا لكم.\nوقال قائلُ هذه المقالةِ: هذا نظيرُ قولِه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] إنما هو: وما ذبح للنصُبِ] (^١).\nحَدَّثَنِي أبو السّائبِ، قال: حَدَّثَنَا حفصٌ، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"يُدْعَى بنُوحٍ ﵇ يومَ القيامَةِ، فيُقالُ له: هل بَلَّغْتَ ما أرْسِلتَ به؟ فيقولُ: نعم. فيقالُ لقَومِه: هل بَلَّغَكم؟ فيقولُون: ما جاءنَا من نَذيرٍ. فيُقالُ له: من يَعْلَمُ ذاك؟ فيقولُ: محمَّدٌ وأُمَّتُه\". فهو قولُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (^٢).\nوحَدَّثَنَا مجاهدُ بنُ موسي، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ عوْنٍ، قال: أخبَرنا الأعمشُ، عن أبى صالحٍ، عن أبي سعيدٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ بنحوِه، إلَّا أنه زاد فيه: [\"فتُدْعَوْن فتَشْهَدون] (^٣) أنه قد بلَّغ\" (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٢٢ - تفسير)، وابن أبى شيبة ١١/ ٤٥٤، وأحمد ١٧/ ٣٨٣، ١٨/ ١١٢ (١١٢٨٣، ١١٥٥٨)، والبخارى (٣٣٣٩، ٤٤٨٧، ٧٣٤٩)، وفى خلق أفعال العباد (١٥٨)، وابن ماجه (٤٢٨٤)، والنسائى في الكبرى (١١٠٠٧)، وابن أبي الدنيا في الأهوال (١٩٦)، وأبو يعلى (١١٧٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٩، ٢٥٠ (١٣٣٢، ١٣٣٦)، والبيهقيُّ في الأسماء والصفات (٤٦٤) من طرق عن الأعمش به، مطولًا. وتقدم مختصرا في ص ٦٢٧.\n(^٣) في م: \"فيدعون ويشهدون\".\n(^٤) أخرجه الترمذى ٥/ ١٩١ (٢٩٦١) عن ابن بشار عن جعفر بن عون، مطولا. وتقدم في ص ٦٢٧ عن ابن بشار، مختصرًا. =","vol":"2","page":630},{"text":"وحَدَّثَنَا محمدُ بن بشارٍ، قال: حَدَّثَنَا مؤمَّلٌ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى سعيدٍ الخدرىِّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ بأن الرسلَ قد بلَّغُوا، ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ بما عمِلْتم أو فعَلْتم (^١).\nوحَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ فُضَيلٍ، عن أبى مالكٍ الأشْجعيِّ، عن المغيرةِ ابنِ عُتَيْبةَ (^٢) بنِ النَّهّاسِ، أن مُكْتِبًا (^٣) لهم حدَّثهم، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أن النَّبِيَّ ﷺ قال: \"إنِّى وأُمَّتى لعلى كَوْمٍ (^٤) يومَ القيامةِ مُشْرفين على الخلائقِ، ما أحدٌ من الأُمم إلَّا ودَّ أنه منا (^٥) أيَّتُها (^٦) الأُمَّةُ، وما من نبيٍّ كذَّبه قومُه إلَّا نحن شُهَداؤُه يومَ القيامةِ أنه قد بلَّغ رسالاتِ ربِّه ونصَح لهم. قال: [والرسولُ عليكم شهيدٌ] (^٧) \".\nوحَدَّثَنِي عصامُ بنُ رَوّادِ (^٨) بنِ الجرّاحِ العسقلانيُّ، قال: حدَّثنى أبي، قال:\n_________\n= وأخرجه عبد بن حميد (٩١١) -وعنه الترمذى ٥/ ١٩٠ (٢٩٦١) - والبيهقيُّ في الشعب (٢٦٤) من طريق جعفر به.\n(^١) تفسير سفيان ص ٥١.\n(^٢) في م: \"عيينة\". ينظر الجرح والتعديل ٨/ ٢٢٧.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مكاتبًا\". والمكتب: المعلِّم. التاج (ك ت ب).\n(^٤) الكوم: المواضع المشرفة، واحدها كومة. النهاية ٤/ ٢١١.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منها\".\n(^٦) هذه اللفظة تقال في الاختصاص، وتختص بالمخبر عن نفسه، كما في حديث كعب بن مالك: فتخلفنا أيَّتُها الثلاثة. يريد تخلفهم عن غزوة تبوك وتأخر توبتهم. ينظر النهاية ١/ ٨٨، واللسان (أيا).\n(^٧) في م: \"ويكون الرسول عليكم شهيدا\".\nوالحديث عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٤ إلى المصنّف. وأخرجه ابن مردويه وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ١/ ٢٧٦ - من طريق عبد الواحد بن زياد، عن أبي مالك الأشجعى به. وينظر المؤتلف للدارقطني ٤/ ٢١٣٢.\n(^٨) في م: \"وراد\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"داود\". ينظر الجرح والتعديل ٧/ ٢٦.","vol":"2","page":631},{"text":"حَدَّثَنَا الأوزاعىُّ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي (^١) الفضلِ، عن أبى هريرةَ، قال: خرَجْتُ مع النَّبِيِّ ﷺ في جِنازةٍ، فلما صُلِّى على الميت قال الناسُ: نِعمَ الرجلُ. فقال النَّبِيُّ ﷺ: \"وَجَبَتْ\". ثم خرَجْتُ معه في جِنازَةٍ أُخري، فلمّا صلَّوْا على الميتِ قال الناسُ: بئسَ الرجلُ. فقال النَّبِيُّ ﷺ: \"وَجَبَتْ\". فقام إليه أُبيُّ بن كعب فقال: يا رسولَ الله، ما قولُك: وَجَبَتْ؛ قال: \"قولُ اللهِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ \".\nوحَدَّثَنِي عليُّ بنُ سهلٍ الرمْليُّ، قال: حَدَّثَنَا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: حَدَّثَنِي أبو عمروٍ، عن يحيي، قال: حَدَّثَنِي عبدُ اللهِ بن أبى الفضلِ المدينيُّ، قال: حَدَّثَنِي أبو هريرةَ، قال: أُتى رسولُ اللهِ ﷺ بجِنازةٍ، فقال الناسُ: نِعمَ الرجلُ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ عصامٍ، عن أبيه (^٢).\n[حَدَّثَنَا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي الأوزاعيُّ، قال: حَدَّثَنِي يحيى بنُ أبى كثيرٍ، قال: حَدَّثَنِي عبدُ اللهِ، قال: حَدَّثَنِي أبو هريرةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه] (^٣).\nوَحَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا زيدُ بنُ حُبَابٍ، قال: حَدَّثَنَا عكرمةُ بنُ عمارٍ، قال: حَدَّثَنِي إياسُ بنُ سلمةَ بنِ الأكوعِ، عن أبيه، قال: كنا مع النَّبِيِّ ﷺ فمُرَّ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٩ (١٣٣٤) من طريق الوليد به. وعبد الله بن إلى الفضل مجهول. وأخرجه أحمد ١٢/ ٥١٣، ١٦/ ٢٨٧، ٤٨٧ (٧٥٥٢، ١٠٤٧١، ١٠٨٣٦)، وغيره عن أبي هريرة بمعناه دون ذكر أُبي بن كعب، وقال في آخره: \"إنكم شهداء الله في الأرض\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":632},{"text":"بجنازةٍ عليه فأُثْنِى عليها ثناءٌ (^١) حسنٌ، فقال: \"وَجَبَتْ\". ومُرَّ عليه بجِنازةٍ أُخْري، فأُثْنِى عليها دونَ ذلك، فقال: \"وَجَبَتْ\". قالوا: يا رسولَ اللهِ، ما \"وجَبَتْ؟ \" قال: \"الملائِكةُ شُهداءُ اللهِ في السماءِ، وأنتم شُهداءُ اللهِ في الأرضِ، فما شَهِدْتم عليه [من شيءٍ] (^٢) وَجَبَتْ\". ثم قرَأ: \" ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ \" (^٣) الآية [التوبة: ١٠٥].\nوحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: تكونوا شهداءَ لمحمدٍ ﷺ على الأُممِ؛ اليهودِ والنصارَى والمجوسِ (^٤).\nوحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبى نجيحٍ، قال: يأْتى النَّبِيُّ ﷺ يومَ القيامةِ بإذنِه (^٥) ليس معه أحدٌ، فتَشْهَدُ له أمةُ محمدٍ ﷺ أن قد (^٦) بلَّغهم.\nوحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شبلٌ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن أبيه، أنه سمِع عُبيد بنَ عُميرٍ [يقولُ. فذكَر] (٢) مثلَه (^٧).\n_________\n(^١) في م: \"بثناء\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ٣٦٨، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٧ (١٠٠٥٥)، والطبراني في الكبير (٦٢٥٩، ٦٢٦٢) من طرق عن إياس بن سلمة به.\n(^٤) تقدم أوله في ص ٦٢٧.\n(^٥) في ت ٢: \"بادية\"، وغير منقوطة في ت ١. وينظر الدر المنثور ١/ ١٤٦.\n(^٦) كتب مقابله في حاشية الأصل: \"ربه لا صلى\". ولم نهتد إلى صوابها.\n(^٧) تفسير مجاهد ص ٢١٥. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"2","page":633},{"text":"وحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسين، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: حَدَّثَنِي ابنُ أبى نَجيحٍ، عن أبيه، قال: يأتى النَّبِيُّ ﷺ يومَ القيامةِ. فذكَر مثلَه، ولم يذكُرْ عُبيدَ بنَ عُميرٍ (^١).\nوحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أى: أنَّ رسلَهم قد بلّغتْ قومَها عن ربِّها، ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ على أنَّه قد بلَّغ رسالاتِ رِّبه إلى أُمتِه.\nوحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادَةَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: لتكونَ هذه الأمةُ شهداءَ على الناسِ أن الرسُلَ قد بلَّغتهم، ويكونَ الرسولُ على هذه الأمةِ شهيدًا أن قد بلَّغ ما أُرْسِل به (^٢).\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن زيدِ ابنِ أسلمَ، أنّ قومَ نوحٍ يقولون يومَ القيامةِ: لَمْ يبلِّغْنا نوحٌ. فيُدْعَى نوحٌ فيُسألُ: هل بلَّغتَهم؟ فيقولُ: نعم، [قد بلَّغتُهم] (^٣). فيقالُ: من شُهودُك؟ فيقولُ: أحمدُ وأُمتُه. فتُدْعَوْن فتُسأَلون فتقولون: نعم قد بلَّغهم. فيقولُ قومُ نوحٍ: كيف تَشْهدون (^٤) علينا ولم تُدْرِكونا (^٥)؟ قالوا: قد جاءنا (^٦) نبيُّ اللهِ فأخبَرنا أنه قد بلَّغكم، وأُنزلَ عليه أنه قد بلَّغكم، فصدَّقْناه. قال: فيُصدَّق نوحٌ [ويكذبون هم] (^٧). قال: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (^٨).\n_________\n(^١) بعده في م: \"مثله\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٩/ ٦٠، ٦١.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في الأصل: \"يشهدون\".\n(^٥) في الأصل: \"يدركونا\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جاء\".\n(^٧) في م: \"ويكذبونهم\".\n(^٨) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦١.","vol":"2","page":634},{"text":"حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبد الرزّاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، أن الأممَ يقولون يومَ القيامةِ: واللهِ لقد كادت هذه الأمةُ أن يكونوا (^١) أنبياءَ كلَّهم. لِما يَرَوْن اللهَ أعطاهم (^٢).\nوحدَّثنى المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ المباركِ، عن رِشدِينَ (^٣) بنِ سعدٍ، قال: أخبَرنى ابنُ أنعمٍ المَعافرِىُّ، عن حِبّانَ بنِ أبى جَبَلةَ، يُسْنِدُه (^٤) إلى رسولِ اللهِ ﷺ قال: \"إذا جمَع اللهُ عبادَه يومَ القيامَة كان أوَّلَ من يُدْعَى إسْرافيلُ، فيقولُ له ربُّه: ما فعَلْتَ في عَهْدى؟ هل بَلَّغْتَ عَهْدى؟ فيقولُ: نعم رَبِّ، قد بَلَّغْتُه جبْريلَ. فيُدْعَى جبْرِيلُ فيقالُ له: هل بَلَّغَك (^٥) إسْرافيلُ عَهْدى؟ فيقولُ: نعم ربِّ، قد بَلَّغنى. فيُخَلَّى عن إسرافيلَ، ويقالُ لجبريلَ: هل بَلَّغْتَ عَهْدى؟ فيقولُ: نعم قد بَلَّغْتُ الرُّسُلَ. فتُدْعَى الرسلُ فيقالُ لهم: هل بَلَّغَكم جبريلُ عَهْدِى؟ فيقولون: نعم رَبَّنا. فيُخَلَّى عن جبريلَ، ثم يقالُ للرسلِ: ما فَعَلتم بعَهْدى؟ فيقولون: بلَّغْنا أُمَمَنا. فتُدْعى الأُممُ فيقالُ: هل بَلَّغَكم الرسلُ عَهْدى؟ فمنهم المُكَذِّبُ، ومنهم المُصدِّقُ، فتقولُ الرسلُ: إن لنا عليهم شُهودًا يَشْهَدون أنْ قد بَلَّغْنا مع شَهادتِك. فيقولُ: من يَشْهَدُ لكم؟ فيقولون: أُمَّةُ أحمدَ. فتُدْعَى أُمةُ أحمدَ. فيقولُ: أتَشْهَدُون أن رُسُلى هؤلاء قد بَلَّغوا عَهْدى إلى من أُرْسِلوا إليه؟ فيقولون: نعم رَبَّنا، شهِدْنا أنْ قد بَلَّغوا. فتقولُ تلك الأُممُ: ربَّنا (^٦)، كيف يَشْهَدُ علينا من لَمْ يُدْرِكْنا؟ فيقولُ لهم الرَّبُّ: كيف تَشْهَدون على من لَمْ تُدْرِكوا؟\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تكون\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦١.\n(^٣) في م: \"راشد\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رشد\".\n(^٤) في م: \"بسنده\".\n(^٥) في م: \"بلغت\".\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":635},{"text":"فيقولون: رَبَّنا بَعَثْتَ إلينا رسولًا، وأنزَلْت إلينا عهْدَك وكتابَك، وقصَصْتَ علينا أنهم قد بَلَّغُوا، فشهِدْنا بما عَهِدْتَ إلينا. فيقولُ الرَّبُّ: صَدَقُوا. فذلك قولُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. والوسطُ العدلُ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ \". قال ابنُ أنعمٍ: فبلَغنى أنه يشهَدُ يومئذٍ أمةُ محمدٍ إلَّا من كان في قلبِه حِنَةٌ (^١) على أخيه (^٢).\nحَدَّثَنَا المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنَا أبو زهيرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: يَعنى بذلك الذين استَقاموا على الهدَي، فهم الذين يكونون شهداءَ على الناسِ يومَ القيامةِ، لتكذيبِهم رسلَ اللهِ، وكفرِهم بآياتِ اللهِ.\nوحدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. يقولُ: لتكونوا شهداءَ على الأُمَمِ الذين خلَوْا من قبلِكم بما جاءتهم به (^٣) رسلُهم، وبما كذَّبوهم، فقالوا يومَ القيامةِ وعجِبوا: إن أمةً لَمْ يكونوا في زمانِنا، فآمَنوا بما جاءَت به رسلُنا، وكذَّبْنا نحن بما جاءُوا به! فعجِبوا كلَّ العجبِ (^٤).\nوقولُه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ يعنى: بإيمانِهم به، وبما أُنزِل عليه.\n_________\n(^١) الحنة: العداوة، وهى لغة قليلة في الإحنة. النهاية ١/ ٤٥٣.\n(^٢) إسناده مرسل ضعيف؛ رشدين وعبد الرَّحمن بن زياد بن أنعم ضعيفان. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٥٩٨)، ومن طريقه ابن أبى الدنيا في الأهوال (٢٣٧).\n(^٣) سقط من، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٤٩ (١٣٣٥) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية، بأوله.","vol":"2","page":636},{"text":"حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمِّي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: يعنى أنهم شهداءُ (^١) على القرونِ بما سمَّى اللهُ لهم.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ قال: أمةُ محمدٍ شُهداءُ (^١) على من ترَك الحقَّ حين جاءَه، [والإيمانَ] (^٢) والهدَى ممن كان قبلَنا. [وقالها] (^٣) عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ. قال: وقال عطاءٌ: هم (^٤) شهداءُ على من ترَك الحقَّ، من (^٥) ترَكه من الناسِ أجمعين، جاء ذلك أمةَ محمدِ في كتابِهم، ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ على أنَّهم قد آمَنوا بالحقِّ حين جاءهم، وصدَّقوا به (^٦).\nحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ قال: رسولُ الله ﷺ شاهدٌ على أمَّتِه، وهم شهداءُ على الأُمَمِ، وهم أحدُ الأشهادِ الذين قال اللهُ: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] [والأشهادُ أربعةٌ:] (^٧) الملائكةُ الذين يُحصُون أعمالَنا، لنا وعلينا. وقرَأ قولَه: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] وقال: هذا يومُ القيامةِ. قال: والنبيُّون شهداءُ على أُممِهم. قال: وأمةُ محمدٍ شهداءُ\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شهدوا\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الإيمان\".\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى م: \"قالها\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في م: \"ممن\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥٠ (١٣٣٧) من طريق حجاج به.\n(^٧) في م: \"الأربعة\".","vol":"2","page":637},{"text":"على الأُممِ. قال: والأطوارُ الأجسادُ والجلودُ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-493>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾: ولم نجعَلْ صرْفَك عن القبلةِ التى كنتَ على التوجُّهِ إليها يا محمدُ، فصرَفْناكَ عنها، إلَّا لنعلَمَ من يتَّبِعُك (^٢) ممن ينقلِبُ على عَقِبيه.\nوالقبلةُ التى كان ﷺ عليها، التى عناها اللهُ بقولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾، هى القبلةُ التى [كان يتوجَّهُ] (^٣) إليها قبلَ أن يَصْرِفَه (^٤) إلى الكعبةِ.\nكما حدَّثني موسى بنُ هارونَ قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، عن أسباطَ، عن السُّدِّىَّ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ يَعنى بيتَ المقدِس (^٥).\nحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾؟ قال: القبلةُ بيتُ المقدسِ (^٦).\nوإنما ترَك ذكرَ الصرفِ عنها اكتِفاءً بدَلالةِ ما قد ذُكِر من الكلامِ على معْناه،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٢ إلى المصنّف وابن أبي حاتم، بلفظ: الأشهاد أربعة. . . .\nوقوله: \"الأطوار\". لعل الصواب: \"الأطراف\". وفى التبيان ٢/ ٧: قال ابن زيد: الأشهاد أربعة. . . . والجوارح كما قال: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n(^٢) بعده في م: \"ممن لا يتبعك\".\n(^٣) في م: \"كنت تتوجه\".\n(^٤) في م: \"يصرفك\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥٠ عقب الأثر (١٣٤٠) عن أبي زرعة، عن عمرو به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥٠ (١٣٤٠) من طريق حجاج به.","vol":"2","page":638},{"text":"كسائرِ ما قد ذكرْنا فيما مضَى من نظائرِه (^١).\nوإنما قلنا ذلك معْناه؛ لأن محنةَ اللهِ أصحابَ رسولِه في القبلةِ إنما كانت -فيما تظاهَرَت به الأخبارُ- عند التحويلِ من بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ، حتى ارتدَّ -فيما ذُكر- رجالٌ ممن كان قد أسلَم واتَّبعَ رسولَ اللهِ ﷺ، وأظهَر (^٢) كثيرٌ من المنافقين من أجلِ ذلك نفاقَهم، وقالوا: ما بالُ محمدٍ يحوِّلُنا مرَّةً إلى ههنا، ومرَّةً إلى ههنا. ومرَّةً إلى ههنا. وقال المسلمون [في أنفسِهم وفي من] (^٣) مضَى من إخوانِهم المسلمين، وهم يصلُّون نحوَ بيتِ المقدسِ: بطَلَتْ أعمالُنا وأعمالُهم وضاعتْ. وقال المشرِكون: تحيّرَ محمدٌ في دينِه. فكان ذلك فتنةً للناسِ وتمحيصًا للمؤمنين، فلذلك قال جل ثناؤُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ بمعْنى (^٤): وما جعلْنا صرْفَك عن القبلةِ التى كنتَ عليها. وتحويلَك إلى غيرِها. كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] بمعنى: وما جعلْنا خبرَك عن الرُّؤْيا التى أرَيناك. وذلك أنه لو لم يكنْ أخبرَ القومَ بما كان أُرِىَ ﷺ، لم يكنْ فيه على أحد فتنةٌ. وكذلك القبلةُ الأُولى التى كانت نحوَ بيتِ المقدسِ لو لم يكنْ صرفٌ عنها إلى الكعبةِ، لم يكنْ فيها على أحدٍ فِتْنةٌ ولا محنةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-494>ذِكرُ الأخبارِ التى رُوِيت في ذلك بمعْنى ما قلنا</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال:\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ١٣٩ - ١٤١، ١٧٨ - ١٨٠.\n(^٢) في الأصل: \"أصر\".\n(^٣) في م: \"فيما\".\n(^٤) في م: \"أى\".","vol":"2","page":639},{"text":"كانت القبلةُ فيها بلاءٌ وتَمْحيصٌ، صلَّتِ الأنصارُ نحوَ بيتِ المقدسِ حولَيْن قبل قدومِ نبيِّ اللهِ ﷺ المدينةَ (^١)، وصلَّى نبيُّ اللهِ بعد قُدومِه المدينةَ مهاجرًا نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ (^٢) عَشرَ شهرًا، ثم وَجَّهه اللهُ بعدَ ذلك إلى الكعبةِ البيتِ الحرامِ، فقال في ذلك قائلُون من الناسِ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ لقد اشتاقَ الرجلُ إلى مولدِه! قال اللهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فقال أناسٌ لمّا صُرِفت القبلةُ نحوَ البيتِ الحرامِ: كيف بأعمالِنا التى كنا نعمَلُ في قبلتِنا الأُولَى؟ فأنزلَ اللهُ جل ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، وقد يَبْتلى اللهُ العبادَ بما شاء من أمرِه، الأمرَ بعدَ الأمرِ؛ ليعلمَ من يُطيعُه ممن يَعصِيه، وكلُّ ذلك مقبولٌ إذا كان في إيمانٍ باللهِ، وإخلاصٍ له، وتَسليمٍ لقضائِه (^٣).\nحدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: كان النبيُّ ﷺ يصلِّى قِبَلَ بيتِ المقدس، فنَسَختها الكعبةُ، فلمّا تَوجَّه قِبلَ المسجدِ الحرامِ، اختلفَ الناسُ فيها فكانوا أصنافًا؛ فقال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلةٍ زمانًا، ثم ترَكوها وتوجَّهُوا (^٤) غيرَها؟ وقال المسلمون: ليت شِعْرَنا عن إخوانِنا الذين ماتوا وهم يصلُّون قِبلَ بيتِ المقدسِ، هل تَقبَّل اللهُ منّا ومنهم أم لا؟ وقالت اليهودُ: إن محمدًا اشتاقَ إلى بلد أبيه ومولدِه، ولو ثبَت على قبلتِنا، لكنا نرجُو أن يكونَ هو صاحبَنا الذي ننتظِرُ. وقال المشرِكون من أهلِ مكةَ: تحيّرَ [محمدٌ على] (^٥) دينِه،\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"سبعة\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وتقدم أوله في ص ٦٢٤، ٦٢٥.\n(^٤) بعده في م: \"إلى\".\n(^٥) في م: \"على محمد\".","vol":"2","page":640},{"text":"فتوجَّه بقبلتِه إليكم، وعلِم أنكم كنتم أهدَى منه، ويوشِكُ أن يدخُلَ في دينِكم. فأنزَل اللهُ في المنافقين: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ إلى قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ وأنزلَ في الآخَرين الآياتِ بعدَها (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾؟ فقال عطاءٌ: يَبْتليهم ليعلمَ من يُسلِمُ لأمرِه. قال ابنُ جُريجٍ: بلَغنى أن ناسًا ممن أسلَم رجَعوا فقالوا: مرَّةً ههنا ومرَّةً ههنا (^٢)!\nفإن قال لنا قائلٌ: أوَ ما كان اللهُ عالمًا بمن يتَّبعُ الرسولَ ممن ينقلِبُ على عَقِبيه، إلا بعدَ اتِّباعِ المتَّبعِ، وانقلابِ المنْقلِبِ على عَقِبيه، حتى قال: ما فعَلْنا الذي فعَلْنا من تحويلِ القبلةِ إلا لنعلَمَ المتَّبِعَ رسولَ اللهِ من المنقلِبِ على عَقِبيه؟\nقيل: إن اللهَ جل ثناؤُه هو العالمُ بالأشياءِ كلِّها قبلَ كونِها، وليس قولُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [بخبرٍ عن] (^٣) أنه لم يعلَمْ ذلك إلا بعدَ وجودِه.\nفإن قال: فما معْنى ذلك؟\nقيل له: أمّا معْناه عندَنا فإنه: وما جعَلْنا القبلةَ التى كنتَ عليها إلا ليعلمَ رسولى وحِزْبى وأوْليائِي مَن يتَّبِعُ الرسولَ ممن ينقلِبُ على عَقِبيه، فقال جل ثناؤُه: ﴿إِلَّا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٢ إلى المصنف. وتقدم أوله في ص ٦٢٤. وينظر ما سيأتى في ص ٦٨٧.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥١ عقب الأثر (١٣٤٢) معلقًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٦ إلى المصنف.\n(^٣) في م: \"يخبر\".","vol":"2","page":641},{"text":"لِنَعْلَمَ﴾. ومعناه: ليعلَمَ رسولى وأوليائِى. إذْ كان رسولُه وأولياؤُه من حزْبِه، وكان من شأنِ العربِ إضافةُ ما فعَلته أتباعُ الرئيسِ إلى الرئيسِ، وما فعَل بهم إليه، نحوَ قولِهم: فتَح عمرُ بنُ الخطابِ سوادَ العراقِ، وجبَى خراجَها. وإنما فعَل ذلك أصحابُه عن سببٍ كان منه في ذلك.\nوكالذي رُوِى في نظيرِه عن النبيِّ ﷺ أنه قال: \"يقولُ اللهُ: مَرِضْتُ فلم يَعُدْنى عَبْدى، واسْتقْرَضْتُه فلم يُقْرِضْنى، وشَتَمَنى ولم يَنْبَغِ له أن يَشْتُمَنى\".\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن محمدِ بنِ جعفرٍ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"يقولُ (^١) اللهُ: استقْرَضْتُ عَبْدى فلم يُقْرِضنى، وشَتَمَنى ولم يَنْبَغِ له أن يَشْتُمَنى، يقولُ: وادَهْراه. [وأنا] (^٢) الدهْرُ، أنا الدهْرُ\".\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه.\nفأضاف تعالى ذكرُه الاستقراضَ والعيادةَ إلى نفسِه، وإن (^٣) كان ذلك بغيرِه، إذْ كان ذلك عن سَببِه.\nوقد حُكِى عن العربِ سماعًا: أجوعُ في غيرِ بطنى، وأعْرَى في غيرِ ظهرِى. بمعنى جوعِ أهلِه وعيالِه، وعُرْىِ ظهورِهم. فكذلك قولُه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ بمعنى:\n_________\n(^١) في م: \"قال\".\n(^٢) في الأصل: \"أنا\".\n(^٣) في م: \"قد\".","vol":"2","page":642},{"text":"يعلَمُ أوليائى وحِزْبى. وبنحوِ ما (^١) قلْنا في ذلك [قالت جماعةٌ من] (^٢) أهلِ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدثنى معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. قال ابنُ عباسٍ: لنَميزَ أهلَ اليقينِ من أهلِ الشكِّ (^٣) والرِّيبةِ (^٤).\nوقد (^٥) قال بعضُهم: إنما قيلَ ذلك من أجلِ أن العربَ تضَعُ العِلْمَ مكانَ الرؤْيةِ، والرؤيةَ مكانَ العلمِ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١]، فزعَم أن معنى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ألم تعْلَمْ؟ وزعَم أن معنى قولِه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ بمعنى: إلا لنَرى من يتّبعُ الرسولَ. وزعَم أن قولَ القائلِ: رأيْتُ وعلِمتُ وشهِدتُ. حروفٌ تتعاقَبُ، فيوضَعُ بعضُها موضعَ بعضٍ، كما قال جريرُ ابنُ عطيةَ (^٦):\nكأنّك لم تَشْهَدْ لَقِيطًا وحاجِبًا … وعمرَو بنَ عمرٍو إذ دعا (^٧) يا لدارِمِ\nبمعنى: كأنك لم تعلَمْ لقيطًا؛ لأن بينَ هُلْكِ لَقيطٍ وحاجبٍ وزمانِ جريرٍ ما لا يَخْفى بُعدُه من المُدَّةِ، وذلك أن الذين ذكَرهم هلَكوا في الجاهليةِ، وجريرٌ كان بعدَ\n_________\n(^١) في م: \"الذي\".\n(^٢) في م: \"قال\".\n(^٣) في م: \"الشرك\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥٠ (١٣٤١) من طريق أبي صالح به.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) ديوان جرير ٢/ ١٠٠٤.\n(^٧) في الديوان: \"دعوا\".","vol":"2","page":643},{"text":"بُرهةٍ مضَت من مجئِ الإسلامِ.\nوهذا تأويلٌ بعيدٌ؛ من أجلِ أن الرؤْيةَ وإن استُعْملت في موضعِ العلمِ، من أجلِ أنه مستحِيلٌ أن يَرَى أحدٌ شيئًا، فلا توجِبُ له (^١) رؤيتُه إياه علْمًا بأنه قد رآه، إذا كان صحيحَ الفِطرةِ، فجاز من الوجهِ الذي أثبَتَه رؤيةً أن يُضافَ إليه إثباتُه إياه علْمًا، وصحَّ أن يدُلَّ بذكرِ الرؤيةِ على معنى العلمِ من أجلِ ذلك، فليس ذلك وإن جاز (^٢) في الرؤيةِ -لما وصفْنا- بجائزٍ في العلمِ، فيدُلَّ بذكرِ الخبرِ عن العلمِ على الرؤْيةِ؛ لأن المرءَ قد يعلَمُ أشياءَ كثيرةً لم يرَها ولا يراها، ويستَحِيلُ أن يَرى شيئًا إلا علِمه، [على ما] (^٣) قد قدَّمنا البيانَ، مع أنه غيرُ موجودٍ في شيءٍ من كلامِ العربِ أن يقالَ: علِمتُ كذا. بمعنى: رأيتُه. وإنما يجوزُ توجيهُ معانى ما في كتاب اللهِ الذي أنزَله على محمدٍ ﷺ من الكلامِ، إلى ما كان موجودًا مثلَه في كلامِ العربِ، دونَ ما لم يكنْ موجودًا في كلامِها، فموجودٌ في كلامِها: رأيتُ (^٤) بمعنى: علِمتُ (^٥). وغيرُ موجودٍ في كلامِها: علِمتُ (^٥) بمعنى: رأيتُ (^٤). فيجوزُ توجيهُ قولِه (^١): ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ إلى معنى: إلَّا لنرَى.\nوقال آخرون: إنما قيل: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ من أجلِ أنّ المنافقين واليهودَ وأهلَ الكفرِ باللهِ أنكَروا أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه يعلَمُ الشئَ قبلَ كونِه، وقالوا -إذْ قيل لهم: إن قومًا من أهلِ القبلةِ سيرْتدُّون على أعقابِهم إذا حُوِّلت قبلةُ محمدٍ إلى الكعبةِ-: ذلك غيرُ كائنٍ. أو قالوا: ذلك باطلٌ. فلمَّا فعَل اللهُ ذلك، وحوَّل القبلةَ، وكفَر من أجلِ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"كان\".\n(^٣) في م: \"كما\".\n(^٤) في الأصل: \"أرأيت\".\n(^٥) في الأصل: \"أعلمت\".","vol":"2","page":644},{"text":"ذلك من كفَر، قال جل ثناؤه: ما فعَلتُ إلا ليُعلَمَ (^١) عندَكم -أيها (^٢) المنكِرون علْمِى بما هو كائنٌ من الأشياءِ قبل كونِه- أنى عالمٌ بما هو كائِنٌ مما لم يكنْ بَعدُ.\nفكأنّ معْنى قائِلِى (^٣) هذا القولِ في تأويلِ قولِه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾: إلا ليتبيَّن (^٤) لكم أنّا نعلمُ من يتَّبعُ الرسولَ ممّن ينقلبُ على عَقِبَيْه. وهذا وإنْ كانَ وجهًا لهُ مَخْرجٌ، فبعيدٌ من المفهومِ.\nوقال آخرون: إنّما قيل: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ -وهو بذلك عالمٌ قبلَ كونِه، وفي [حالِ كونِه] (^٥) - على وجهِ الترفُّقِ (^٦) بعبادِه واستمالتِهم إلى طاعتِه، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿قُلِ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] وقد عَلِم أنه على هدًى وأنهم على ضلالٍ مبينٍ، ولكنَّه رفَق بهم في الخطابِ، فلم يقُلْ: إنا على هدًى وأنتم على ضلالٍ. فكذلك قولُه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَم﴾ معناه عندَهم: إلا لتعلَموا أنتم إذْ كنتم جُهّالًا به قبلَ أن يكونَ. فأضاف العلمَ إلى نفسِه، رفقًا بخطابِهم.\nوقد بينَّا القولَ الذي هو أولَى (^٧) ذلك بالحقِّ.\nفأما قولُه: ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾. فإنه يعنى: الذي يتَّبعُ محمدًا ﷺ رسولَ اللهِ، فيما يأمرُه اللهُ به، فيتوَجَّهُ (^٨) نحوَ الوجهِ الذي يتوجَّهُ نحوَه محمدٌ ﷺ.\n_________\n(^١) في م: \"لنعلم ما\".\n(^٢) بعده في م: \"المشركون\".\n(^٣) في م: \"قائل\".\n(^٤) في م: \"لنبين\".\n(^٥) في م: \"كل حال\".\n(^٦) في م: \"الترفيق\".\n(^٧) بعده في م: \"في\".\n(^٨) في م: \"فيوجه\".","vol":"2","page":645},{"text":"وأما قولُه: ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ فإنه يعنى به (^١): من الذي يرتدُّ عن دينِه، فيُنافقُ، أو يكفُرُ، أو يخالفُ محمدًا ﷺ في ذلك، ممن يُظهِرُ اتِّباعَه.\nكما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ قال: من إذا دخَلته شبهةٌ رجَع عن اللهِ، وانقَلب كافرًا على عَقِبيْه.\nوأصلُ المرتدِّ على عَقِبيه - [وهو] (^٢) المنقلِبُ على عَقِبيه- الراجِعُ مستدبِرًا في الطريقِ الذي قد كان قطَعه، منصرِفًا عنه، فقيل ذلك لكلِّ راجعٍ عن أمرٍ كان فيه، من دينٍ أو خبرٍ (^٣)، ومن ذلك قولُه: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] بمعنى: رجَعا في الطريقِ الذي كانا سلَكاه.\nوإنما قيل للمرتدِّ: مُرتدٌّ. [من ذلك] (^٤)؛ لرُجوعِه عن دينِه وملَّتِه التى كان عليها. وإنما قيل: رجَع على عَقِبيه. لرُجوعِه دُبُرًا علَى عَقِبيْه (^٥) إلى الوجهِ الذي كان فيه بدءُ سيرِه قبلَ مرجِعِه عنه. فجُعل (^٦) ذلك مثلًا لكلِّ تاركٍ أمرًا وآخذٍ آخرَ غيرَه، إذا انصَرف عما كان فيه إلى الذي كان له تاركًا فأخذَه، فقيل: ارتدَّ فلانٌ على عَقِبيْه (٥)، وانقلَب على عَقِبيْه.\n\n<span data-type='title' id=toc-495>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"هو\".\n(^٣) في م: \"خير\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في م: \"عقبه\".\n(^٦) في م: \"فيجعل\".","vol":"2","page":646},{"text":"اختلَف أهلُ التأويلِ في التى وصَفها اللهُ جل ثناؤه بأنها كانت كبيرةً إلا على الذين هدَى اللهُ.\nفقال بعضُهم: عنَى جل ثناؤُه بالكبيرةِ التوليةَ من بيتِ المقدسِ شطرَ المسجدِ الحرامِ والتحويلةَ (^١)، وإنما أُنِّثت (^٢) الكبيرةُ لتأنيثِ التوليةِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ [قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ] (^٣)، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: قال اللهُ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ يعنى: تحويلَها (^٤).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا الضّحّاكُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ قال: ما أُمِروا به [من التَّحوُّلِ] (^٥) إلى الكعبةِ من بيتِ المقدسِ (^٦).\nحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) في م: \"التحويل\".\n(^٢) في م: \"أنث\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥١ (١٣٤٤) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٥) في الأصل: \"في التحويل\".\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٢١٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم ١/ ٢٥١ (١٣٤٣)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"2","page":647},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه. ﴿لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾. قال: كبيرةٌ حين حُوِّلتِ القبلةُ إلى المسجدِ الحرامِ، فكانت كبيرةً إلا على الذين هدَى اللهُ (^١).\nوقال آخرون: بل الكبيرةُ هى القبلةُ بعينِها التى كان ﷺ يتوجَّهُ إليها من بيتِ المقدسِ قبلَ التحويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، [عن الربيعِ] (^٢) عن أبى العاليةِ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾. أى قبلةَ بيتِ المقدسِ: ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ (^٣).\nوقال بعضُهم: بل الكبيرةُ هى الصلاةُ التى كانوا صلَّوْها (^٤) إلى القبلةِ الأُولى.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ قال: صلاتَكم حتى يَهِديَكم اللهُ القبلةَ (^٥).\nوقد حدَّثنى (^٦) يونسُ مرَّةً أُخرى فقال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ:\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦١، ٦٢.\n(^٢) سقط من النسخ، وهو من الأسانيد الدائرة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥١ عقب الأثر (١٣٤٣) من طريق أبي جعفر به.\n(^٤) في م: \"يصلونها\".\n(^٥) سيأتى بتمامه في ص ٦٥٠.\n(^٦) بعده في م: \"به\".","vol":"2","page":648},{"text":"﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾. قال: صلاتَكم (^١) ههنا -يعنى إلى بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا- وانحرافَكم (^٢) ههنا.\nوقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أُنِّثت الكبيرةُ لتأنيثِ القبلةِ، وإيّاها عنَى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: بل أُنِّثث الكبيرةُ لتأنيثِ التوليةِ والتحويلةِ.\nفتأويلُ الكلامِ على معنَى ما تأوَّلَه قائلُو هذه المقالةِ: وما جعلَنا تحويلَتَنا إيّاكَ عن القبلةِ التى كنتَ عليها وتولِيتَنَاكَ عنها، إلا لنعلَمَ من يتبِعُ الرسولَ ممن ينقلِبُ على عَقِبيْه، وإن كانت تحويلَتُنا إياك عنها وتولِيتُنَاكَ لكبيرةً إلا على الذين هدَى اللهُ.\nوهذا التأويلُ أولَى التأويلاتِ عندى بالصوابِ؛ لأن القومَ إنما كبُر عليهم تحويلُ النبيِّ ﷺ وجهَه عن القبلةِ الأولَى إلى الأُخْرى، لا عينُ القبلةِ، ولا الصلاةُ؛ لأن القبلةَ الأولَى والصلاةَ قد كانت وهى غيرُ كبيرةٍ عليهم. إلا أن يُوجِّهَ موجِّهٌ تأنيثَ الكبيرةِ إلى القبلةِ، ويقولَ: اجتُزِئ بذكرِ القبلةِ من ذكرِ التوليةِ والتحويلةِ؛ لدَلالةِ الكلامِ على معنى ذلك. كما قد وصفنا ذلك (^٣) في نظائرِه (^٤)، فيكونَ ذلك وجهًا صحيحًا، ومذهبًا مفهومًا.\nومعنَى قولِه: ﴿لَكَبِيرَةً﴾: عظيمةً.\n_________\n(^١) في م: \"صلاتك\".\n(^٢) في م: \"انحرافك\".\n(^٣) في م: \"لك\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٣٩ - ١٤١، ١٧٨ - ١٨٠، ٢/ ٦٣٨، ٦٣٩.","vol":"2","page":649},{"text":"كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ قال: كبيرةٌ في صدورِ الناسِ، فيما يدخُلُ الشيطانُ به ابنَ آدمَ، قال: ما لهم صلَّوْا إلى ههنا ستةَ عشرَ شهرًا ثم انحرفُوا! فكبُر (^١) في صُدورِ من لا يعرِفُ ولا يعقِلُ والمنافقين، قالوا: أيُّ شيءٍ هذا الدينُ؟ وأما الذين آمنوا فثبَّت اللهُ ذلك في قلوبهم. وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾. قال: صلاتُكم حتى يَهدِيَكم للقبلةِ.\nوأما قولُه: ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ فإنه يعنى به: وإن [كانت نَقْلَتُناكَ] (^٢) عن القبلةِ التى كنتَ عليها لعظيمةً إلا على من وفَّقه اللهُ فهَداه لتصديقِك، والإيمانِ (^٣) بذلك، واتباعِك فيه، وفيما أنزلَ اللهُ عليك.\nكما حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾. يقولُ: إلا على الخاشِعين، يعْنى المصدِّقين بما أنزَل اللهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-497>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قيل: عَنَى بالإيمانِ في هذا الموضعِ الصلاةَ.</span>\n<span data-type='title' id=toc-496>ذكرُ الأخبارِ التى رُوِيت بذلك وذكرُ قولِ من قاله</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ وعُبيدُ اللهِ، وحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، جميعًا عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن\n_________\n(^١) بعده في م: \"ذلك\".\n(^٢) في م: \"كان تقليبتناك\".\n(^٣) بعده في م: \"بك و\".","vol":"2","page":650},{"text":"ابنِ عباسٍ، قال: لما وُجِّه رسولُ اللهِ ﷺ إلى الكعبةِ قالوا: كيف بمن مات من إخوانِنا قبلَ ذلك وهم يصلُّون نحوَ بيتِ المقدسِ؟ فأنزلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنى إسماعيلُ بنُ موسى السُّدِّىُّ، قال: أخبرنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال: صلاتكُم نحوَ بيتِ المقدسِ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازِيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبيرِيُّ، قال: حدَّثنا شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ نحوَه.\nحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ نُفَيلٍ (^٣) الحرّانيُّ، قال: حدَّثنا زهيرٌ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ، قال: مات على القبلةِ قبلَ أن تُحوَّلَ إلى البيتِ رجالٌ وقُتلوا، فلم ندْرِ ما نقولُ فيهم، فأنزلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^٤).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٩٨ (٣٢٤٩) -ومن طريقه الخلال في السنة (١١٤٣) - والترمذى (٢٩٦٤)، وابن حبان (١٧١٧) من طريق وكيع به. وأخرجه الدارمي ١/ ٢٨١، والحاكم ٢/ ٢٦٩ من طريق عبيد الله بن موسى به. وأخرجه أحمد ٤/ ٤٢٦، ٤٩٥، ٥/ ١١٨ (٢٦٩١، ٢٧٧٤، ٢٩٦٤)، والطبراني في الكبير (١١٧٢٩) من طرق عن إسرائيل به. وأخرجه الطيالسي (٢٧٩٥ - طبعتنا)، وأبو داود (٤٦٨٠) من طريق سماك به.\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٧٥٨ - طبعتنا)، وسعيد بن منصور في سننه (٢٢٥ - تفسير)، والخلال في السنة (١١٤٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥١ (١٣٤٧)، وأبي عمر وعثمان بن محمد السمرقندي في الفوائد المنتقاة ص (٨٥)، وابن منده في الإيمان (١٦٨) من طرق عن شريك به.\n(^٣) بعده في م: \"عن\".\n(^٤) تقدم أوله في ص ٦٢٠.","vol":"2","page":651},{"text":"قال: قال أناسٌ من الناسِ لما صُرِفَت القبلةُ نحوَ البيتِ الحرامِ: كيف بأعمالِنا التى كنا نَعملُ في قبلَتِنا الأُولى (^١)؟. فأنزل اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: لما توجَّه رسولُ الله ﷺ قِبَلَ المسجدِ الحرامِ، قال المسلمون: ليت شِعْرَنا عن إخوانِنا الذين ماتوا وهم يصلُّون قِبَلَ بيتِ المقدسِ، هل تقبَّل اللهُ منَّا ومنهم أم لا؟ فأنزَل اللهُ فيهم: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال: صلاتَكم قِبَلَ بيتِ المقدسِ. يقولُ: إن تلك كانت (^١) طاعةً وهذه طاعةٌ.\nحُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيهِ، عن الربيعِ، قال: قال ناسٌ لما صُرِفت القبلةُ إلى البيتِ الحرامِ: كيف بأعمالِنا التى كنا نعملُ في قبلَتِنا الأولَى؟ فأنزلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريحٍ: أخبرَنى داودُ بنُ أبى عاصمٍ، قال: لما صُرِف [رسولُ اللهِ ﷺ] (^٢) إلى الكعبةِ، قال المسلمون: هلَك أصحابُنا الذين كانوا يصلُّون إلى بيتِ المقدسِ. فنزَلت: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبي، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يقولُ: صلاتَكم التى صلَّيتم (^٣) من قبلِ أن تكونَ القبلةُ. وكان المؤمنون قد أشفَقوا على من\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) في م: \"صليتموها\".","vol":"2","page":652},{"text":"صلَّى منهم أن لا تُقبلَ صلاتُهم (^١).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال (^٢): صلاتَكم.\nحدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الضِّرارىُّ (^٣)، قال: أخبرنا مؤمَّلٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ فى هذه الآيةِ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال: صلاتَكم نحوَ بيتِ المقدسِ.\nقال أبو جعفرٍ: قد دلَّلْنا فيما مضَى على أن معنَى (٢) الإيمانِ التصديقُ، وأن التصديقَ قد يكونُ بالقولِ وحدَه، وبالفعلِ وحدَه، وبهما جميعًا (^٤).\nفمعنى قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ -على ما تظاهَرتْ به الرِّوايةُ من أنه الصلاةُ-: وما كان اللهُ ليُضيعَ تصديقَكم (^٥) رسولَه ﵊ بصلاتِكم التى صلَّيتُموها نحوَ بيتِ المقدسِ عن أمرِه؛ لأن ذلك كان منكم تصديقًا لرسولى، واتِّباعًا لأمرِى، وطاعةً منكم لى (^٦). وإضاعتُه إياه جل ثناؤُه -لو أضاعَه- تركُ إثابةِ أصحابِه وعامليه عليه، فيذهَبُ ضياعًا، ويصيرُ باطلًا، كهيئةِ إضاعةِ الرجلِ مالَه، وذلك إهلاكُه إياه فيما لا يَعتاضُ منه عِوَضًا فى عاجلٍ ولا آجلٍ. فأخبرَ اللهُ جل ثناؤُه أنه لم يكنْ بالذى (^٧) يُبطِلُ عمَلَ عاملٍ عمِل له عملًا وهو له طاعةٌ، فلا يُثيبُه عليه، وإن نُسِخ ذلك الفرضُ بعدَ عملِ العاملِ إياه على ما كلَّفه من عملِه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١٤٦ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) فى م: \"الفزارى\". وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٤٨٢.\n(^٤) ينظر ما تقدم فى ١/ ٢٤٠، ٢٤١.\n(^٥) فى م: \"تصديق\".\n(^٦) بعده فى م: \"قال\".\n(^٧) سقط من ت م، وفى ت ١: \"عمل\".","vol":"2","page":653},{"text":"فإن قال لنا (^١) قائلٌ: وكيف قال اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ فأضاف الإيمانَ إلى الأحياءِ المخاطَبين، والقومُ المخاطَبون بذلك إنما كانوا أشفَقُوا على إخوانِهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلُّون نحوَ بيتِ المقدسِ، وفى ذلك من أمرِهم أُنزلت هذه الآيةُ؟\nقيل: إن القومَ وإن كانوا قد (^١) أشفَقوا من ذلك، فإنهم أيضًا قد كانوا مشفِقين من حُبوطِ ثوابِ صلاتِهم التى صلَّوْها إلى بيتِ المقدسِ قبلَ التحْويلِ إلى الكعبةِ، وظنُّوا أن عملَهم ذلك قد بطَل وذهَب ضياعًا، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ حينَئذٍ، فوجَّه الخطابَ بها إلى الأحياءِ ودخَل فيهم الموتَى منهم؛ لأن من شأنِ العربِ إذا اجتَمع فى الخبرِ المخاطَبُ والغائبُ، أن يُغَلِّبوا المخاطَبَ، فيُدْخلوا (^٢) الغائبَ في الخطابِ، فيقولُوا لرجلٍ خاطَبوه على وجهِ الخبرِ عنه، وعن آخرَ غائبٍ غيرِ حاضرٍ: فعلْنا بكما وصنعْنا بكما. كهيئةِ خِطابِهم لهما وهما حاضِران، ولا يَسْتجِيزون أن يقولوا: فعلْنا بهما. وهم يُخاطِبون أحدَهما، فردُّوا (^٣) المخاطَبَ إلى عدادِ الغائبِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-498>القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثثاؤُه: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾.</span>\nومعنى قولِه جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أن اللهَ بجميعِ عبادِه ذُو رأفةٍ. والرأفةُ على معانى الرحمةِ، وهى عامةٌ لجميعِ الخلقِ فى الدنيا ولبعضِهم فى الآخرةِ، وأمّا الرحيمُ، فإنه ذُو الرحمةِ للمؤمنين فى الدنيا والآخرةِ على ما قد بيَّنا فيما مضَى قبلُ (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) فى م: \"فيدخل\".\n(^٣) فى م: \"فيردوا\".\n(^٤) فى م: \"الغيب\". وهما بمعنى. وينظر ص ١٨٨.\n(^٥) ينظر ما تقدم فى ١/ ١٢٤ - ١٣٤.","vol":"2","page":654},{"text":"وإنما أراد جل ثناؤُه بذلك أن اللهَ أرحمُ بعبادِه من أن يُضِيعَ لهم طاعةً أطاعُوه بها فلا يُثِيبَهم عليها، وأرأفُ بهم من أن يُؤاخذَهم بتركِ ما لم يَفرِضْ عليهم، أى: فلا تأسَوْا على موتاكم الذين ماتوا وهم يصلُّون إلى بيتِ المقدسِ، فإنى لهم -على طاعتِهم إياىَ بصلاتِهم التى صلَّوها كذلك - مثيبٌ؛ لأنى أرحمُ بهم من أن أُضيعَ لهم عملًا عمِلوه لى، ولا تحزَنُوا عليهم، فإنى غيرُ مؤاخِذِهم بتركِهم الصلاةَ إلى الكعبةِ؛ لأنى لم أكنْ فرضْتُ ذلك عليهما، وأنا أرأفُ بخلقى من أن أعاقِبَهم على تركِهم ما لم آمرْهم بعملِه.\nوفى الرءوفِ لغاتٌ: إحداها، \"رَؤُفٌ\" على مثالِ (فعُل)، كما قال الوليدُ بنُ عقبةَ (^١):\nوشَرُّ الطّالبين (^٢) فلا تَكُنْهُ … بقاتِلِ (^٣) عَمِّه الرَّؤُفُ الرَّحيمُ\nوهى قراءةُ عامَّةِ قرَأةِ أهلِ الكوفةِ. والأُخْرى: رَءوفٌ على مثالِ (فَعولٍ). وهى قراءةُ عامةِ قَرَأَةِ أهلِ (^٤) المدينةِ. ورَئِفٌ، وهى لغةُ غَطَفَانَ، على مثالِ (فَعِل)، مثل \"حَذِر\". ورأْفٌ، على مثالِ (فعْل) بجزمِ الهمزِ (^٥)، وهى لغةٌ لبنى أسَدٍ.\n_________\n(^١) البيت فى تفسير القرطبى ٢/ ١٥٨، والبحر المحيط ١/ ٤٢٧.\nوللوليد بن عقبة أبيات يحض فيها معاوية على قتال على ﵄، وهذا البيت يدور معناه فى فلك هذه الأبيات، غير أنه ليس منها. ينظر هذه الأبيات فى تاريخ الطبرى ٤/ ٥٦٤، واللسان (ح ل م).\n(^٢) فى البحر المحيط: \"الظالمين\".\n(^٣) فى تفسير القرطبى: \"يقاتل\"، وفى البحر المحيط: \"يقابل\".\n(^٤) سقط من: م. وقراءة \"لرؤفٌ\" هى قراءة أبى عمرو وعاصم فى رواية أبى بكر، وحمزة والكسائى، وقراءة \"لرءُوفٌ\" هى قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم فى رواية حفص، وروَى الكسائى عن أبى بكر عن عاصم \"لرؤفٌ\".\n(^٥) فى م: \"العين\"، والقراءتان الأخيرتان شاذتان.","vol":"2","page":655},{"text":"والقراءةُ على أحدِ الوجْهين الأوَّلين.\n\n<span id=\"aya-151\"></span><span data-type='title' id=toc-499>القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: قد نرَى يا محمدُ نحن تقلُّبَ وجهِك فى السماءِ. ويعْنى بالتقلُّبِ التحوُّلَ والتصرُّفَ. ويعنى بقولِه: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ نحوَ السماءِ وقِبَلَها.\nوإنما قيل ذلك له ﷺ -فيما بلغَنا- لأنه كان قبلَ تحويلِ قبلتِه من بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ يرفعُ بصرَه إلى السماءِ، تَنظُّرًا (^١) من اللهِ جلَّ ثناؤُه أمْرَه بالتحولِ (^٢) نحوَ الكعبةِ.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ قال: كان النبيُّ ﷺ يقلِّبُ وجهَه إلى (^٣) السماءِ يحبُّ أن يَصرِفَه اللهُ إلى الكعبةِ حتى صرَفه اللهُ إليها (^٤).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فكان نبىُّ الله ﷺ يصلِّى نحوَ بيتِ المقدسِ، يهوَى ويشتَهِى القبلةَ نحوَ البيتِ الحرامِ، فوجَّهه اللهُ لقبلةٍ كان يهوَاها ويشتَهِيها (^٥).\nحدَّثثا المثنَّى، قال: حدَّثنى إسحاقُ، قال: حدَّثنى ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه،\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢: \"ينتظر\".\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بالتحويل\".\n(^٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فى\"\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٢.\n(^٥) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١٤٦ إلى المصنف وعبد بن حميد، نحوه.","vol":"2","page":656},{"text":"عن الربيعِ فى قولِه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ يقولُ: نظرَك فى السماءِ. وكان النبىُّ ﷺ يقلِّبُ وجهَه فى الصلاةِ وهو يصلِّى نحوَ بيتِ المقدسِ، وكان يهوَى قِبلةَ البيتِ الحرامِ، فولَّاه اللهُ قبلةً كان يهوَاها (^١).\nحدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: كان الناسُ يصلُّون قِبَلَ بيتِ المقدسِ، فلما قدِمَ النبىُّ ﷺ المدينةَ على رأسِ ثمانيةَ عشرَ شهرًا من مُهاجَرِه، وكان إذا صلَّى رفَع رأسَه إلى السماءِ ينظُرُ ما يُؤْمَرُ، وكان يصلِّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ، فنسَخَتْها الكعبةُ. وكان النبىُّ ﷺ يحبُّ أن يُصلِّىَ قِبلَ الكعبةِ، فأنزَل اللهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية.\nثم اختُلِف فى السببِ الذى من أجلِه كان النبىُّ ﷺ يهوَى قبلةَ الكعبةِ.\nفقال بعضُهم: كرِهَ قبلةَ بيتِ المقدسِ من أجلِ أن اليهودَ قالوا: يتَّبعُ قبلتَنا ويخالِفُنا فى دينِنا!\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قالت اليهودُ: يخالفُنَا محمدٌ ويتَّبعُ قبلَتَنا. فكان يدعوُ اللهَ [ويستفرِضُ القبلةَ] (^٢)، فنزَلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ -وانقطَع قولُ يهودَ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٥٣ (١٣٥٦، ١٣٥٨) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية.\n(^٢) فى م، ت ٢: \"يستعرض للقبلة\". قال الشيخ شاكر: ليست بشئ. وقال: أى يطلب فرضها عليه وعلى المؤمنين، وهذا ما لم تثبته كتب اللغة، ولكنه صحيح العربية.","vol":"2","page":657},{"text":"يخالِفُنا ويتَّبعُ قِبلَتَنا! - فى صلاةِ الظهرِ، فجعَل الرجالَ مكانَ النساءِ، والنساءَ مكانَ الرجالِ (^١).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: سمعتُه -يعنى ابنَ زيدٍ- يقولُ: قال اللهُ لنبيِّه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"هؤلاء قَوْمُ يَهُودَ يَسْتَقبِلُون بَيْتًا من بُيُوتِ اللهِ -لبيتِ المقدسِ- لو أنا استقْبلْناه\". فاستقْبَله النبيُّ ﷺ ستةَ عشرَ شهرًا، فبلَغه أن اليهودَ تقولُ: واللهِ ما دَرَى محمدٌ وأصحابُه أين قِبلتُهم حتى هدَيْناهم. فكرِه ذلك النبىُّ ﷺ، ورفَع وجهَه إلى السماءِ، فقال اللهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية (^٢).\nوقال آخرون: بل كان يهوَى ذلك من أجلِ أنه كان قبلةَ أبيه إبراهيمَ ﵇.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ لما هاجَر إلى (^٣) المدينةِ، وكان أكثرَ أهلِها اليهودُ، أمَرَه اللهُ أن يستقبلَ بيتَ المقدسِ، ففرِحت اليهودُ، فاستقبَلها رسولُ الله ﷺ بضعةَ (^٤) عشرَ شهرًا، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يحبُّ قبلةَ إبراهيمَ، فكان يدْعو وينظُرُ إلى السماءِ، فأنزَل اللهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي\n_________\n(^١) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١٤٧ إلى المصنف وعبد بن حميد. وأخرجه البغوى فى تفسيره ١/ ١٦١ من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد. والزنجي ضعيف.\n(^٢) تقدم فى ص ٤٥٢.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ستة\".","vol":"2","page":658},{"text":"السَّمَاءِ﴾ الآية (^١).\nوأما قولُه: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ فإنه يعنى: فلنَصرِفَنَّك عن بيتِ المقدسِ إلى قبلةٍ ترضاها. [ويَعنى بقولِه: ﴿تَرْضَاهَا﴾] (^٢) تهوَاها وتُحبُّها.\nوأما قولُه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ فإنه (^٣) يعنى به (^٣): اصرِفْ وجهَك وحوِّلْه.\nوقولُه: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يعنى بالشَّطرِ: النحوَ والقصدَ والتِّلقاءَ، كما قال الهُذَلىُّ (^٤):\nإن العَسيرَ (^٥) بها داءٌ مُخامِرُها (^٦) … فشَطْرَها نَظَرُ العَينَينْ مَحْسُورُ (^٧)\nيعنى بقولِه: شَطْرَها: نحوَها. وكما قال ابنُ أحمرَ (^٨):\nتَعْدُو بنا شَطْرَ جَمْعٍ (^٩) وهْى عاقِدَةٌ (^١٠) … قد كارَبَ (^١١) العَقْدُ من إيفادِها (^١٢) الحقَبا (^١٣)\n_________\n(^١) تقدم تخريجه فى ص ٤٥٠.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) هو قيس ابن العيزارة، والعيزارة أمه، واسمه قيس بن خويلد. البيت فى شرح أشعار الهذليين ٢/ ٦٠٧، واللسان (ح س ر، ش ط ر).\n(^٥) العسير: الناقة التى ركبت قبل تذليلها. اللسان (ع س ر).\n(^٦) خامره الداء: خالطه. اللسان (خ م ر).\n(^٧) حسر بصره: كَلّ وانقطع نظره من طول مدى وما أشبه ذلك. اللسان (ح س ر).\nورواية البيت فى شرح أشعار الهذليين هكذا:\nإن النعوس بها داء يخامرها … فنحوها بصر العينين مخزور\n(^٨) مجاز القرآن ١/ ٦٠، وسيرة ابن هشام ١/ ٥٥١، وخزانة الأدب ٦/ ٢٥٥.\n(^٩) جمع: المزدلفة، سميت بذلك لاجتماع الناس بها. اللسان (ج م ع)\n(^١٠) ناقة عاقد: تعقد بذنبها عند اللقاح. اللسان (ع ق د).\n(^١١) كارب الشئ: قاربه. اللسان (ك ر ب).\n(^١٢) فى ت ٣: \"إيقادها\". وهو لفظ رواية مجاز القرآن. والإيفاد: الإسراع. اللسان (وف د). فهما بمعنى.\n(^١٣) الحقب: حبل يشد به الرحل فى بطن البعير مما يلى ثيله، لئلا يؤذيه التصدير، أو يجتذبه التصدير، =","vol":"2","page":659},{"text":"وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى، عن سفيانَ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ، عن (^١) أبى العاليةِ: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال (^٢): تلقاءَه (^٣).\nحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ نحوَه (^٤).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ نحوَه (^٥).\nحدّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:\n_________\n= فيقدمه. اللسان (ح ق ب).\nوقال فى الخزانة: وروى أيضا:\nتعدو بنا شطر جمع وهى موفدة … قد قارب الغرض من إيفادها الحقبا\n(^١) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ابن\".\n(^٢) فى م: \"يعنى\".\n(^٣) أخرجه وكيع -كما فى الدر المنثور ١/ ١٤٧ - وعنه ابن أبى شيبة ١/ ٣٣٥. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٥٤ (١٣٦١، ١٣٦٢) من طريق داود به. وأخرجه ابن عيينة فى تفسيره -كما فى الدر المنثور- وعنه سعيد بن منصور سننه (٢٢٧ - تفسير) عن عاصم الأحول عن أبى العالية، وعزاه السيوطي أيضًا فى الدر المنثور ١/ ١٤٧ إلى عبد بن حميد والدينورى.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره -كما فى الإتقان ٢/ ٧ -، والبيهقى ٢/ ٣ من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٢١٦، ومن طريقه البيهقى ٢/ ٣.","vol":"2","page":660},{"text":"﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أى: تلقاءَ المسجدِ الحرامِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ (^٢) بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: نحوَ المسجدِ الحرامِ (^٣).\nحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أى: تلقاءَه (^٤).\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: أخبرنى عمرُو بنُ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: ﴿شَطْرَهُ﴾ نحوَه.\nحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا الحِمَّانىُّ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ قال: قِبَلَه (^٥).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿شَطْرَهُ﴾ ناحيتَه، جانِبَه. قال: وجوانبُه شُطورُه.\nثم اختلَفوا فى المكانِ الذى أمَر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يولِّىَ وجهَه إليه من المسجدِ الحرامِ: فقال بعضُهم: القِبلةُ التى حُوِّل إليها النبىُّ ﷺ، وعناها اللهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ حِيالَ مِيزابِ (^٦) الكعبةِ.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٥٤ عقب الأثر (١٣٦٤) معلقًا.\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٣: \"الحسين\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٢. بزيادة: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ -أى: تلقاءه.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٥٤ عقب الأثر (١٣٦١) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٥٤ عقب الأثر (١٣٦٣) معلقًا.\n(^٦) الميزاب: هو ما يسيل منه الماء من موضع عال. تاج العروس (وز ب).","vol":"2","page":661},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى عبدُ الله بنُ أبى زيادٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: أخبرَنا شعبةُ، عن يعلَى بنِ عطاءٍ، عن يحيى بنِ قمِطَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قال: حِيالَ ميزابِ الكعبةِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، عن يعلَى بنِ عطاءٍ، عن يحيى -يَعنى (^٢) ابنَ قمِطَّةَ- قال: رأيتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو جالسًا فى المسجدِ الحرامِ بإزاءِ الميزابِ، وتلا هذه الآيةَ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قال: هذه القِبلةُ (^٣)، هذه القِبلةُ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا هشيمٌ بإسنادِه، عن عبدِ اللهِ ابنِ عمرٍو، نحوَه، إلَّا أنه قال: استقبَل الميزابَ فقال: هذه القبلةُ التى قال اللهُ لنبيِّه: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾.\nوقال آخَرون: بل ذلك البيتُ كلُّه (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٦٩ من طريق شعبة به. وعزاه السيوطي أيضا فى الدر المنثور ١/ ١٤٧ إلى ابن المنذر وابن أبى شيبة والطبرانى. وقال الهيثمى فى المجمع ٦/ ٣١٦: رواه الطبرانى من طريقين، ورجال إحداهما ثقات.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هى\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٢، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٢٦ - تفسير)، وأحمد بن منيع فى مسنده -كما فى المطالب العالية (٣٥٧) - وابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٥٣ (١٣٥٧) من طريق هشيم به.\n(^٥) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قبلة وقبلة البيت الباب\".","vol":"2","page":662},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\n[حدَّثنى عمران بنُ موسى القزّازُ، قال: حدّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: البيتُ كلُّه قبلةٌ، وقبلةُ البيتِ البابُ (^١).\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه] (^٢).\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُليَّةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: البيتُ كلُّه قبلةٌ، وهذه قبلةُ البيتِ. يعنى التى فيها البابُ.\nوالصوابُ من القولِ فى ذلك عندى ما قال اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فالمولِّى وجهَه شطرَ المسجدِ الحرامِ (^٣) هو المصيبُ القبلةَ، وإنما على من توجَّه إليه النيةُ بقلبِه أنه متوجِّهٌ إليه، كما أن على مَن ائتمَّ بإمامٍ فإنما عليه الائتمامُ به وإن لم يكنْ مُحاذيًا بدَنُه بدَنَه، وإن كان فى طرَفِ الصفِّ والإمامُ فى طرَفٍ آخرَ، عن يمينِه أو عن يسارِه، بعد أن يكونَ مَن خلفَه مؤتمًّا به مصلِّيًا إلى الوجهِ الذى يُصلِّى إليه الإمامُ. فكذلك حكمُ القبلةِ، وإن لم يُحاذِها (^٤) كلُّ مصلٍّ ومتوجِّهٍ إليها ببدَنِه، غيرَ أنه متوجِّهٌ إليها. وإن كان عن يمينِها أو (^٥) عن يسارِها مقابلَها، فهو مستقبلُها، بَعُدَ ما بينَه وبينها أو قرُب، مِن عن يمينِها أو عن يسارِها، بعد أن يكونَ\n_________\n(^١) ذكره ابن رجب فى فتح البارى ٣/ ٨٠ عن المصنف من طريق عطاء به. وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١٤٧ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يكن يحاذيها\".\n(^٥) فى الأصل: \"و\".","vol":"2","page":663},{"text":"غيرَ مستدبِرِها، ولا منحرفٍ عنها ببدنِه ووجهِه.\nكما حدّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزبيرىُّ، قال: حدَّثنا إسرائيل، عن أبى إسحاقَ، عن عَمِيرةَ بنِ زيادٍ الكندىِّ، عن علىٍّ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: شطْرَه فينا قِبلَه (^١).\nوقبلةُ البيتِ الحرامِ (^٢) بابُه.\nكما حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ والفضلُ بنُ الصَّبَّاحِ، قالا: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: قال أسامةُ بنُ زيدٍ: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ حين خرَج من البيتِ أقبلَ بوجهِه إلى البابِ، فقال: \"هذه القبلةُ، هذه القبلةُ\" (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ وسفيانُ، قالا: حدَّثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبى سليمانَ، عن عطاءٍ، قال: حدَّثنى أسامةُ بنُ زيدٍ، قال: خرَج النبىُّ ﷺ من البيتِ، فصلَّى ركعَتَين مستقبِلًا بوجهِه الكعبةَ، فقال: \"هذه القبلةُ\". مرَّتين (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ نحوَه.\nحدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأُموىُّ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنا ابنُ جُريجٍ،\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قبلة\".\nوالأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٥٤ (١٣٦٣) من طريق إسرائيل به. وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٦٩ - وعنه البيهقى ٢/ ٣ - من طريق أبى إسحاق به. وعزاه السيوطي أيضا فى الدر المنثور ١/ ١٤٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر والدينورى فى المجالسة.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه النسائى (٢٩١٥)، وابن خزيمة (٣٠٠٥) عن يعقوب بن ابراهيم به. وأخرجه أحمد ٥/ ٢٠٩ (الميمنية) عن هشيم به. وأخرجه ابن خزيمة -أيضًا- من طرق عن عبد الملك به.\n(^٤) أخرجه ابن خزيمة (٣٠٠٦) من طريق جرير به.","vol":"2","page":664},{"text":"قال: قلتُ لعطاءٍ: أسمِعتَ ابنَ عباسٍ يقولُ: إنما أُمِرْتم بالطوافِ، ولم تُؤْمروا بدُخولِه؟ قال: لم يكنْ ينهَى عن دُخولِه، ولكنى سمِعتُه يقولُ: أخبرَنى أسامةُ بنُ زيدٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ لما دخَل البيتَ دعا فى نواحيه كلِّها، ولم يصلِّ حتى خرَج، فلما خرَج ركَع فى قُبُلِ القبلةِ ركعتين، وقال: \"هذه القبلةُ\" (^١).\nفأخَبر ﷺ أن البيتَ هو القبلةُ، وأن قبلةَ البيتِ بابُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-500>القولُ فى تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وأينما كنتم من الأرضِ أيها المؤمِنون، فحوِّلوا وجوهَكم فى صلاتِكم نحوَ المسجدِ الحرامِ وتلقاءَه. والهاءُ التى فى: ﴿شَطْرَهُ﴾ عائدةٌ إلى المسجدِ الحرامِ. فأوجَب جلَّ ثناؤُه بهذه الآيةِ على المؤمِنين فرضَ التوجُّهِ نحوَ المسجدِ الحرامِ فى صلاتِهم حيثما كانوا من أرضِ اللهِ، وأُدْخلت الفاءُ فى قولِه: ﴿فَوَلُّوا﴾ جوابًا للجزاءَ، وذلك أن قولَه: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ جزاءٌ، ومعناه: حيثما تكونوا فولُّوا وجوهَكم شطْرَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-501>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يَعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أحبارَ اليهودِ وعلماءَ النصارى.</span>\nوقد قيل: إنما عنَى بذلك اليهودَ خاصةً.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: ﴿وَإِنَّ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٩٠٥٦)، وأحمد ٥/ ٢٠١، ٢٠٨ (الميمنية)، ومسلم (١٣٣٠)، والنسائى (٢٩١٧)، والبيهقى ٢/ ٣٢٨ من طريق ابن جريج به. وينظر مسند الطيالسى (٢٧٧٥).","vol":"2","page":665},{"text":"الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال (^١): أُنزِل ذلك فى اليهودِ (^٢).\nوقولُه: ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعنى به (١) هؤلاءِ الأحبارَ والعلماءَ من أهلِ الكتابِ، يعلَمون أن التوجُّهَ نحوَ المسجدِ الحرامِ (١) الحقُّ الذى فرَضه اللهُ ﷿ على إبراهيمَ وذرِّيتِه وسائرِ عبادِه بعدَه.\nويَعنى بقولِه: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أنه الفرضُ الواجبُ على عبادِ اللهِ تعالى ذكرُه، وهو الحقُّ من عندِ ربِّهم، فرَضه عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-502>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تعْمَلُونَ </span>(^٣)﴾.\nيَعنى بذلك جل ثناؤُه: وليس اللهُ بغافلٍ عما تعملون أيها المؤمِنون فى اتِّباعِكم أمرَه، وانتهائِكم إلى طاعتِه، فيما ألزَمكم من فرائضِه، وإيمانِكم به فى صلاِتكم نحوَ بيتِ المقدسِ، ثم صلاتِكم من بعدِ ذلك شطرَ المسجدِ الحرامِ، ولا هو ساهٍ عنه، ولكنه جلَّ ثناؤه مُحصِيه لكم، ومُدَّخِرُه لكم عندَه، حتى يُجازيَكم به أحسنَ جزاءٍ، ويُثيبَكم عليه أفضلَ ثوابٍ.\n\n<span id=\"aya-152\"></span><span data-type='title' id=toc-503>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾.</span>\nيَعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولئن جئتَ يا محمدُ اليهودَ والنصارَى بكلِّ برهانٍ وحُجةٍ، وهى الآيةُ، بأن الحقَّ هو ما جئتَهم به من فرضِ التحوُّلِ من قِبلةِ ييتِ المقدسِ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ٢٥١ (١٣٦٥) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.\n(^٣) كذا فى الأصل، م، ت ١ بالتاء، وهى قراءة ابن عامر وحمزة والكسائى، وفى ت ٢، ت ٣ بالياء وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وعاصم. ينظر حجة القراءات ص ١١٦، ١١٧.","vol":"2","page":666},{"text":"فى الصلاةِ إلى قبلةِ المسجدِ الحرامِ، ما صدَّقوا به ولا تبِعوا -مع قيامِ الحُجَّةِ عليهم بذلك- قبلتَك التى حولتُك إليها، وهى التوجُّهُ شَطرَ المسجدِ الحرامِ.\nوأُجِيبتْ ﴿وَلَئِنْ﴾ بالماضى من الفعلِ، وحكْمُها الجوابُ بالمستقبلِ، تشبيهًا لها بـ \"لو\"، فأجِيبت بما تُجابُ به \"لو\" لتقارُبِ معنَيَيْهما. وقد مضَى البيانُ عن نظيرِ ذلك فيما مضَى (^١). وأُجِيبتْ ﴿وَلَئِنْ﴾ (^٢) بجوابِ الأيْمانِ، ولا تفعَلُ العربُ ذلك إلا فى الجزاءِ خاصةً؛ لأن الجزاءَ مُشابهُ اليمينِ فى أن كلَّ واحدٍ منهما لا يَتِمُّ أولُه إلا بآخرِه، ولا يتمُّ وحدَه، ولا يصِحُّ إلَّا بما يؤكَّدُ به بعدَه. فلما بدَأ باليمينِ فأُدخِلت على الجزاءِ، صارت اللامُ الأُولى بمنزلةِ يمينٍ، والثانيةُ بمنزلةِ جوابٍ لها، كما قيل: لعمرُكَ لتقُومَنَّ. إذْ كثُرت اللامُ من \"لعمرُك\" حتى صارت كحرفٍ من حروفِه، فأُجِيبتْ بما تجابُ به الأيمانُ، إذْ كانت اللامُ تنوبُ فى الأيْمانِ عن الأيمانِ دونَ سائرِ الحروفِ غيرِها (^٣) التى هى أجوبةُ الأيمانِ، فتدلُّ على الأيمانِ، وتعمَلُ عملَ الأجوبةِ، ولا تدُلُّ سائرُ أجوبةِ الأيمانِ (^٤) على الأيمانِ، فشُبهت اللَّامُ التى [هى جوابٌ للأيمانِ] (^٥) بالأيمانِ، لما وصفْنا، فأُجِيبتْ بأجوبتِها.\nفكان معنى الكلامِ، إذ كان الأمرُ على ما وصفْنا: [واللهِ] (^٦) لو أتيتَ الذين أُوتوا الكتابَ بكلِّ آيةٍ ما تبِعوا قبلتَك.\nوأما قولُه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ يقولُ: وما لكَ من سبيلٍ يا محمدُ إلى\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم فى ص ٣٧٢، وينظر معانى القرآن ١/ ٨٤.\n(^٢) فى م: \"لو\".\n(^٣) فى م، ت ٢، ت ٣: \"غير\".\n(^٤) بعده فى م، ت ٢، ت ٣: \"لنا\".\n(^٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فى جواب الأيمان\".\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":667},{"text":"اتِّباعِ قبلتِهم، وذلك أن اليهودَ تستقبِلُ بيتَ المقدسِ بصلاتها، وأن النصارى تستقبِلُ المشرِقَ، فأنَّى يكونُ لك السبيلُ إلى اتباعِ قبلتِهم مع اختلافِ وُجوهِها؟! يقولُ: فالزَمْ قبلتَك التى أُمرتَ بالتوجُّهِ إليها، ودعْ عنك ما تقولُه اليهودُ والنصارى، وتدعُوك إليه مِن قِبلتِهم واستقبالِها.\nوأما قولُه: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ فإنه يَعنى: وما اليهودُ بتابعةٍ قبلةَ النصارى، وما (^١) النصارَى بتابعةٍ قبلةَ اليهودِ، فمتوجِّهةٌ نحوَها.\nكما حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ يقولُ: ما اليهودُ بتابِعى قبلةِ النصارَى، ولا النصارَى بتابِعى قبلةِ اليهودِ (^٢). قال: وإنما أُنزِلت هذه الآيةُ من أجلِ أن النبيَّ ﷺ لما حُوِّل إلى الكعبةِ، قالت اليهودُ: إن محمدًا اشتاق إلى بلدِ أبيه ومَولِده، ولو ثبَت على قبلتِنا لكنا نَرْجُو أن يكونَ هو صاحبَنا الذى ننتَظِرُ. فأنزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه فيهم: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إلى قولِه: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (^٣).\nوحدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ مثلَ ذلك.\nوإنما قلنا (^٤): يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك أن اليهودَ والنصارَى لا تجتمِعُ على قبلةٍ واحدةٍ، مع إقامةِ كلِّ حزبٍ منهم على مِلَّتِه. فقال تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ لا تُشْعِرْ نفْسَك رضا هؤلاء اليهودِ والنصارَى، فإنه أمرٌ لا سبيلَ إليه؛ لأنهم\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لا\".\n(^٢) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١٤٧ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٥٥ (١٣٦٥) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به. وتقدم أوله فى ص ٦٢٤.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":668},{"text":"مع اختلافِ مِلَلِهم لا سبيلَ لك إلى إرضاءِ كلِّ حزْبٍ منهم، من أجْلِ أنك إن اتبَعتَ قبلةَ اليهودِ أسخَطتَ النصارَى، وإن اتبَعتَ قبلةَ النصارَى أسخَطتَ اليهودَ، فدعْ ما لا سبيلَ إليه، وادْعُهم إلى ما لهم السبيلُ إليه، من الاجتماعِ على مِلَّتِك الحنيفيَّةِ المُسلِمةِ، وقبلتِك قبلةِ إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه والأنبياءِ من بعدِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-504>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ذكرُه: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ولئن التمَستَ يا محمدُ رضَا هؤلاءِ اليهودِ والنصارَى الذين قالوا لك ولأصحابِك: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]. فاتبَعْتَ قبلَتَهم، يَعنى: فرجَعْتَ إلى قبلَتِهم.\nويَعنى بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ من بعدِ ما وصَل إليك من العلمِ، بإعلامِى إياك أنهم مقيمون على باطلٍ، على (^١) عنادٍ منهم للحقِّ، ومعرفةٍ منهم بأن (^٢) القبلةَ التى وجهتُك إليها هى القبلةُ التى فَرضْتُ على أبيكَ إبراهيمَ، صلواتُ اللهِ عليه وسائرِ ولدِه، [ومَن] (^٣) بعدَه من الرسلِ، التوجُّهَ نحوَها.\n﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ يعنى: إنك، إذا فعَلتَ ذلك، من عبادى الظلَمةِ أنْفسَهم، المخالِفين أمرى، والتارِكين طاعتى، وأحدُهم [وفى] (^٤) عِدادِهم.\n\n<span id=\"aya-153\"></span><span data-type='title' id=toc-505>القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾.</span>\n_________\n(^١) فى م: \"وعلى\".\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أن\".\n(^٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٤) فى الأصل: \"فى\".","vol":"2","page":669},{"text":"يَعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ أحبارَ اليهودَ وعلماءَ النصارَى. يقولُ: يعرِفُ هؤلاء الأحبارُ من اليهودِ، والعلماءُ من النصارَى، أن البيتَ الحرامَ قبلتُهم وقبلةُ إبراهيمَ وقبلةُ الأنبياءِ قبلك، كما يعرِفون أبناءَهم.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ يقولُ: يعرِفون أن البيتَ الحرامَ هو (^١) القبلةُ (^٢).\nحدَّثنى المثنّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِ اللهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ يَعنى القبلةَ (^٣).\nحُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ عرَفوا أن قبلة البيتِ الحرامِ هى قبلتُهم التى أُمِروا بها، كما عرَفوا أبناءَهم (^٤).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ يعنى بذلك الكعبةَ البيتَ الحرامَ (^٥).\n_________\n(^١) فى الأصل، ت ١، ت ٣: \"هى\".\n(^٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٥٥ عقب الأثر (١٣٦٨) معلقًا، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١٤٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٥٦ (١٣٧١) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٥٥ عقب الأثر (١٣٦٨) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٥٥ (١٣٦٧) عن محمد بن سعد به.","vol":"2","page":670},{"text":"حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ يعرِفون الكعبةَ [أنها هى] (^١) قبلةُ الأنبياءِ، كما يعرِفون أبناءَهم (^٢).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ قال: اليهودُ يعرِفون أنها هى القبلةُ، مكةُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ فى قولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ قال: القبلةُ والبيتُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-506>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: وإنَّ طائفةً من الذين أوتوا الكتابَ، وهم اليهودُ والنصارَى. وكان مجاهدٌ يقولُ: هم أهلُ الكتابِ.\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بذلك (^٣)\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ مثلَه.\nحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى\n_________\n(^١) فى النسخ: \"من\". والمثبت من تفسير ابن أبى حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٥٥ (١٣٦٨) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢١٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٥٦ (١٣٧٠).","vol":"2","page":671},{"text":"نَجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (^١) مثلَه.\n﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ وذلك الحقُّ هو القبلةُ التى وَجَّه اللهُ ﷿ إليها نبيَّه محمدًا ﷺ بقولِه (^٢): ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. التى كانت الأنبياءُ مِن قبلِ محمدٍ ﷺ يتوجَّهون إليها، فكَتَمتْها اليهودُ والنصارَى، فوجَّه بعضُهم شرقًا، وبعضُهم بيتَ المقدسِ، ورفَضوا ما أمَرهم اللهُ به، وكتَموا مع ذلك أمرَ محمدٍ ﷺ، وهم يجِدونه مكتوبًا عندَهم فى التوراةِ والإنجيلِ، فأطلعَ اللهُ ﷿ نبيَّه محمدًا ﷺ وأمَّتَه على خيانَتِهم اللهَ ﵎ و(^٣) عبادَه، بكتمانِهم (^٤) ذلك، وأخبَر أنهم يفعَلون ما يفعَلون من ذلك على علمٍ منهم بأن الحقَّ غيرُه، وأن الواجبَ عليهم من اللهِ جلَّ ثناؤه خلافُه، فقال: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنه (^٥) ليس لهم كتمانُه، فيتعمَّدون معصيةَ اللهِ ﵎ (^٦).\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فكتَموا محمدًا ﷺ.\nحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال: يكتُمون محمدًا ﷺ، وهم يجِدونه مكتوبًا عندَهم فى التوراةِ والإنجيلِ (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقول\".\n(^٣) بعده فى م، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"خيانتهم\".\n(^٤) فى م: \"وكتمانهم\".\n(^٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أن\".\n(^٦) هنا نهاية الخرم فى النسخة \"ص\"، والمشار إليه فى ١/ ٧٢١.\n(^٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٥٦ (١٣٧٢) من طريق أبى حذيفة به.","vol":"2","page":672},{"text":"حدَّثنا المثنَّى قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يَعنى القبلةَ.\n\n<span id=\"aya-154\"></span><span data-type='title' id=toc-507>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤه: اعلمْ يا محمدُ أنَّ الحقَّ ما أعلمَك ربُّك وأتاك من عندِه، لا ما يقولُ لك اليهودُ والنصارَى. وهذا من اللهِ جلَّ وعزَّ خبرٌ لنبيِّه ﷺ، عن أن القبلةَ التى وجَّهه نحوَها هى القبلةُ الحقُّ التى كان عليها إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ، ومَن بعدَه مِن أنبياءِ اللهِ. [يقولُ تعالى ذكرُه] (^١) له: فاعمَلْ بالحقِّ الذى أتاك من ربِّك يا محمدُ، ولا تكونَنَّ من الممْترِين. يَعنى بقولِه: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. أى: فلا تكونَنَّ من الشاكِّين فى أن القبلةَ التى وجَّهْتُك نحوَها قبلةُ إبراهيمَ خليلى وقبلةُ الأنبياءِ غيرِه.\nكما حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: قال اللهُ لنبيِّه ﷺ: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ يقولُ: لا تكنْ فى شكٍّ، فإنها قِبلَتُك وقبلةُ الأنبياءِ قبلَك (^٢).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ قال: من الشاكِّين (^٣)، لا تَشُكَّنَّ فى ذلك.\nوإنما (^٤) المُمْترِى مُفْتعِلٌ، من المِرْيةِ، والمِريةُ هى الشكُّ، ومنه قول الأعشَى (^٥):\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٥٦ (١٣٧٣) من طريق أبى جعفر به. وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١٤٧، ١٤٨ إلى المصنف وأبى داود فى ناسخه عن أبى العالية.\n(^٣) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) ديوان الأعشى ص ٢٣.","vol":"2","page":673},{"text":"تَدِرُّ (^١) على أسْؤُقِ (^٢) المُمْتَريـ … ـنَ (^٣) رَكْضًا إذا ما السَّرابُ ارْجَحَنْ (^٤)\nفإن قال قائلٌ: أوَ كان النبىُّ شاكًّا فى أن الحقَّ من ربِّه، أو (^٥) فى أن القبلةَ التى وجَّهه اللهُ إليها حقٌّ من اللهِ، حتى نُهِى عن الشكِّ فى ذلك، فقيل له: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.\nقيل: ذلك من الكلامِ الذى تُخْرِجُه العربُ مُخرَجَ الأمْرِ و(^٦) النهىِ للمخاطَبِ به، والمرادُ به غيرُه، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ١، ٢]. فخرَج الكلامُ مَخرَجَ الأمْرِ للنبىِّ والنَّهىِ له، والمرادُ به أصحابُه المؤمِنون به، وقد بيَّنَّا نظيرَ ذلك فيما مضَى قبلُ بما أغنَى عن إعادَتِه (^٧).\n\n<span id=\"aya-155\"></span><span data-type='title' id=toc-508>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.</span>\nيعنى بقولِه: [﴿وَلِكُلٍّ﴾] (^٨) ولكلِّ أهلِ مِلَّةٍ. فحذَف أهلَ مِلةٍ، واكتَفى بدَلالةِ الكلامِ عليه.\nكما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى،\n_________\n(^١) در الفرس يدِر دريرا ودرة: عدا عدوا شديدا. ومر على درته: أى لا يثنيه شيء. اللسان (د ر ر).\n(^٢) أسؤق: جمع ساق، ويجمع أيضا على سوق وسيقان. تاج العروس (س وق).\n(^٣) مِرْية الفرس: ما استخرج من جريه فدر لذلك عرقه، ومَرَيتُ الفرس: إذا استخرجتَ ما عنده من الجرى بسوط أو غيره. اللسان (م ر ى).\n(^٤) ارجحن السراب: ارتفع. اللسان (رجحن).\n(^٥) فى ص: \"و\".\n(^٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢: \"أو\".\n(^٧) ينظر ما تقدم فى ص ٤٠٤ - ٤٠٦.\n(^٨) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":674},{"text":"عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ قال: لكلِّ صاحبِ مِلَّةٍ (^١).\nوحدَّثنا المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ فلليهودِىِّ (^٢) وِجْهةٌ هو مُوَلِّيها، وللنصرانىِّ (^٣) وِجهةٌ هو مُوَلِّيها، وهَداكم اللهُ أنتم أيتُها الأمةُ للقبلةِ التى هى قبلةٌ (^٤).\nحدَّثنى القاسمُ، قال: حدَّثنى الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولُه: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ قال: كلُّ (^٥) أهلِ دينٍ؛ اليهودُ والنصارَى. قال ابنُ جُريجٍ: قال مجاهدٌ: لكلِّ صاحبِ مِلَّةٍ (^٦).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ قال: لليهودِ قبلةٌ. وللنصارَى قبلةٌ. ولكم قبلةٌ. يُريدُ المسلمين.\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾. يَعنى بذلك أهلَ الأديانِ، يقولُ: لكلٍّ قبلةٌ يَرضَوْنها، ووَجهُ اللهِ حيثُ توجَّه المؤمنون، وذلك أن اللهَ قال:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢١٦. وعزاه السيوطي أيضًا فى الدر المنثور ١/ ١٤٨ إلى عبد بن حميد. وستأتى بقيته فى ص ٦٧٦، ٦٧٧.\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢: \"فلليهود\".\n(^٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"للنصارى\".\n(^٤) فى م، ت ٣: \"قبلته\".\nوالأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٥٦ عقب الأثر (١٣٧٥) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٥) فى ص، م، ت ٢: \"لكل\".\n(^٦) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٥٦ عقب الأثر (١٣٧٥) معلقًا.","vol":"2","page":675},{"text":"﴿فَأَيْنَمَا (^١) تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٢) [البقرة: ١١٥].\nحدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾. يقولُ: لكلِّ قومٍ قبلةٌ قد وُلُّوها (^٣).\nفتأويلُ أهلِ هذه المقالةِ فى هذه الآيةِ: ولكلِّ أهلِ ملَّةٍ قبلةٌ هو مستقبِلُها ومُوَلٍّ وجهَه إليها.\nوقال آخرون بما حدَّثنا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾. قال: هى صلاتُهم إلى بيتِ المقدسِ، وصلاتُهم إلى الكعبةِ (^٤).\nوتأويلُ قائلى (^٥) هذه المقالةِ: ولكلِّ ناحيةٍ وجَّهكَ إليها ربُّك يا محمدُ قِبلةٌ، اللهُ مُولِّيها عبادَه.\nوأمّا الوِجهةُ، فإنها مصدرٌ مثلُ القِعدةِ والمِشيةِ، من التوَجُّهِ. وتأويلُها: مُتَوَجَّهٌ يَتوجَّهُ إليه (^٦) بوَجْهِه (^٧) فى صلاتِه.\nكما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى،\n_________\n(^١) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حيث ما\".\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٥٦ (١٣٧٤) عن محمد بن سعد به، ولم يذكر الآية آخره.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٥٦ عقب الأثر (١٣٧٥) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٥٧ (١٣٧٧) عن الحسن بن يحيى به. وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١٤٨ إلى أبى داود فى ناسخه.\n(^٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قائل\".\n(^٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إليها\".\n(^٧) فى ص: \"توجهه\". وينظر معانى القرآن ١/ ٩٠.","vol":"2","page":676},{"text":"عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وِجْهَةٌ﴾. قبلةٌ (^١).\nحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾. قال: وجهٌ.\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وِجْهَةٌ﴾. قبلةٌ.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، قال: قلتُ لمنصورٍ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾. قال: نحن نقرؤها: (ولكلٍّ جعَلْنا قبلةً يَرْضَونها) (^٢).\nوأَمَّا قولُه: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾. فإنَّه يَعنى: هو مولٍّ وجهَه إليها، [ومستقبِلُها] (^٣).\nكما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾. قال: هو مستقبلُها (١).\nحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nومعنى التوْليةِ ههنا: الإقبالُ، كما يقولُ القائلُ لغيرِه: انصرِفْ إلىَّ. بمعنى: أقْبِلْ إلىَّ. والانصِرافُ المستعمَلُ إنما هو الانصِرافُ عن الشئِ، ثم يقالُ: انصَرفَ إلى الشئِ. بمعنى: أقبَلَ إليه مُنصرِفًا عن غيرِه. وكذلك يقالُ: ولَّيْتُ عنه. إذا\n_________\n(^١) تقدم أول هذا الأثر فى ص ٦٧٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبى داود فى المصاحف ص ٥٥ من طريق جرير به، والقراءة بها شاذة لمخالفتها رسم المصاحف العثمانية.\n(^٣) فى م: \"مستقبلها\".","vol":"2","page":677},{"text":"أدْبَرْتَ عنه. ثم يقالُ: ولَّيتُ إليه. بمعنى: أقبلْتُ إليه مُوَلِّيًا عن غيرِه (^١).\nوالفعلُ - أَعني التوليةَ - في قولِه: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ لـ\"لكُلٍّ\" و(^٢) ﴿هُوَ﴾ التي مع ﴿مُوَلِّيهَا﴾ هي (^٣) الكلُّ، وُحِّدت للفظِ الكلِّ. فمعنى الكلامِ إذًا: ولكلِّ أهلِ ملةٍ وِجهةٌ، الكلُّ (^٤) منهم مولُّوها وُجُوهَهم.\nوقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ وغيرِه أنهم قرَءوها: (هو مُوَلَّاها) (^٥). بمعنى أنه مُوجَّهٌ نحوَها. ويكونُ الكلُّ (^٦) حينَئذٍ غيرَ مسمًّى فاعلُه، ولو سُمِّى فاعلُه لكان الكلامُ: ولكلِّ ذِي مِلَّةٍ وِجْهةٌ، اللهُ مولِّيه إياها. بمعنى: مُوجِّهُه إليها.\nوقد ذُكِر عن بعضِهم أنه قرَأ ذلك: (ولكُلِّ وِجْهةٍ هو موليها) بتَرْكِ التنوينِ والإضافةِ (^٧).\nوذلك لحنٌ لا (^٨) تجوزُ القراءةُ به؛ لأن ذلك إذا قُرِئ كذلك، كان الخبرُ غيرَ تامٍّ، وكان كلامًا لا معنَى له، وذلك غيرُ جائزٍ أن يكونَ من اللهِ تعالى ذكرُه (^٩).\n_________\n(^١) ينظر معاني القرآن ١/ ٨٥.\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) في ص: \"وهو\". وفي م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هو\".\n(^٤) في م: \"لكل\".\n(^٥) قراءة ابن عباس أخرجها ابن الأنباري في المصاحف كما في الدر المنثور ١/ ١٤٨، وذكرها القرطبي في تفسيره ٢/ ١٦٤، وأبو حيان في البحر المحيط ١/ ٤٣٧، وابن كثير في تفسيره ١/ ٢٨١، عن ابن عباس وأبي جعفر الباقر. ومن السبعة قرأها ابنُ عامر وحده، والباقون بكسر اللام وبعدها ياء. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٧١، وحجة القراءات ص ١١٧.\n(^٦) في م، ت ٢، ت ٣: \"الكلام\".\n(^٧) أخرج هذه القراءة ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥٧ (١٣٧٨) بإسناده إلى ابن عباس وذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ٤٥٠ أن أبا عمرو الداني حكاها عن ابن عباس، وذكرها أبو حيان في البحر المحيط ١/ ٤٣٧ غير معزوة إلى أحد، ووصفها بالشذوذ.\n(^٨) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ولا\".\n(^٩) وقال ابن عطية: وهي متجهة، أي: فاستبقوا الخيرات لكلِّ وجهةٍ ولاكموها، ولا تعترضوا فيما =","vol":"2","page":678},{"text":"والصوابُ عندنا من القراءةِ في ذلك: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ بمعنى (^١): ولكلٍّ وِجهةٌ وقِبلةٌ، ذلك الكلُّ مُوَلٍّ وَجْهَه نحوَها؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرَأةِ على قراءةِ ذلك كذلك، وتصويبِها إياها، وشُذوذِ مَن خالَف ذلك إلى غيرِه، وما جاء به النقلُ مستفِيضًا فحُجَّةٌ، وما انفرَد به مَن كان جائزًا عليه السهوُ والغَلطُ (^٢)، فغيرُ جائزٍ الاعتراضُ به على الحُجَّةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-509>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَاسْتَبِقُوا﴾: فبادِرُوا وسارِعُوا، من الاستِباقِ، وهو المبادرَةُ والإسراعُ.\nكما حدَّثني المُثَنَّى قال: حدَّثني إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾. يقولُ (^٣): فسارِعوا في الخيرات (^٤).\nوإنما يعني جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ أي: قد بيَّنتُ لكم أيها المؤمنون الحقَّ، وهدَيتُكم للقبلةِ التي ضلَّت عنها اليهودُ والنصارَى، وسائرُ أهلِ المللِ غيرِكم، فبادِرُوا بالأعمالِ الصالحةِ، شكرًا لربِّكم، وتزوَّدُوا في دنْياكم لآخرتِكم، فإنيِّ قد بيَّنتُ لكم سبيلَ النجاةِ، فلا عُذرَ لكم في التفْريطِ، وحافِظوا على قبلتِكم، فلا تُضيِّعوها كما ضيَّعَتْها الأمَمُ قبلَكم، فتضِلُّوا كما ضلَّتْ.\n_________\n= أمركم بين هذه وهذه …، وقدم قوله: (لكلِّ وجهةٍ). على الأمر في قوله: (فاستبقوا). للاهتمام بالوجهة …\nقال أبو حيان - بعد أن نقل عنه هذا التوجيه - في البحر المحيط ١/ ٤٣٨، ٤٣٩: وهو توجيه لا بأس به.\n(^١) ليست في الأصل، ت ٢.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الخطأ\".\n(^٣) في م: \"يعني\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥٧ عقب الأثر (١٣٧٩) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"2","page":679},{"text":"كالذي حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ يقولُ: لا تُغلَبُنَّ على قبلتِكم (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ قال: الأعمالُ الصالحةُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-510>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾.</span>\nومعنى قولِه: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾ في أيِّ مكانٍ وبقعةٍ تهلِكونَ فيه، يأتِ بكم اللهُ جميعًا يومَ القيامةِ: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nكما حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾ يقولُ: أينما تكونوا يأتِ بكم اللهُ جميعًا يومَ القيامةِ (^٣).\nحدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾. يعني يومَ القيامةِ (^٤).\nوإنما حَضَّ اللهُ المؤمِنين بهذه الآيةِ على طاعتِه، والتزوُّدِ في الدنيا للآخرةِ، فقال جلَّ ثناؤه لهم: فاستبِقُوا أيها المؤمنون إلى العملِ بطاعةِ ربِّكم، ولُزومِ ما هَداكم له من قبلةِ إبراهيمَ خليلِه، وشرائِعِ دينِه، فإن اللهَ يأتي بكم وبمن خالفَ قبلَتَكم (^٥) ودينَكم\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٨ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٨ إلى المصنف، وسقط متنه من المطبوع. وينظر فتح القدير ١/ ١٥٨.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥٨ عقب الأثر (١٣٨٢) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥٨ عقب الأثر (١٣٨٢) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به.\n(^٥) في م: \"قبلكم\".","vol":"2","page":680},{"text":"وشريعتَكم جميعًا يومَ االقيامةِ، من حيثُ كنتم من بقاعِ الأرضِ، حتى يوفِّيَ (^١) المحسنَ منكم جزاءَه بإحسانِه، والمسيءَ عقابَه بإساءتِه، أو يتفضّلَ فيصفَحَ.\nوأما قولُه: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فإنه تعالى ذكرُه يعني: إن اللهَ على جمعِكم - بعد مماتِكم - من قبورِكم إليه (^٢)، من حيثُ كنتم [وكانت قُبورُكم] (^٣)، وعلى غيرِ ذلك مما يشاءُ قادرٌ (^٤)، فبادِرُوا خُروجَ أنفسِكم بالصالحاتِ من الأعمالِ قبلَ مماتِكم، ليومِ بعثِكم وحشْرِكم.\n\n<span id=\"aya-156\"></span><span data-type='title' id=toc-511>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (^٥) (١٤٩)﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ ومن أيِّ موضعٍ خرَجْتَ إلى أَيِّ موضعٍ وجَّهْتَ، فولِّ يا محمدُ وجهَك. يقولُ: حوِّلْ وجْهَك.\nوقد دلَّلْنا على أن التَّوليةَ في هذا الموضعِ شطرَ المسجدِ الحرامِ، إنما هي الإقبالُ بالوجهِ نحوَه، وقد بينَّا مَعنى الشطرِ فيما مضَى (^٦).\nوأما قولُه: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ فإنه يعني به جلَّ ثناؤه: وإن التوجُّهَ شطرَه لَلحقُّ الذي لا شكَّ فيه من عندِ ربِّك، فحافِظوا عليه، وأطِيعوا اللهَ بتوجُّهِكمِ (^٧) قِبَلَه.\n_________\n(^١) في ص: \"يؤتى\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م، ت ٢: \"قدير\".\n(^٥) في ص: (يعملون). وهي قراءة أبي عمرو، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بالخطاب. إتحاف فضلاء البشر ص ٩١.\n(^٦) ينظر ما تقدم في ص ٦٥٩.\n(^٧) في ص: \"فتوجهكم\"، وفي م، ت ٢: \"في توجهكم\".","vol":"2","page":681},{"text":"وأما قولُه: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾ فإنه يقولُ: فإن اللهَ ليس بساهٍ عن أعمالِكم، ولا بغافلٍ عنها، ولكنه مُحصِيها لكم حتى يُجازيَكم بها يومَ القيامةِ.\n\n<span id=\"aya-157\"></span><span data-type='title' id=toc-512>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.</span>\nيَعني بقولِه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ومن أيِّ مكانٍ وبقعةٍ شَخَصْتَ فخرَجتَ يا محمدُ، فحوِّلْ (^١) وجهَك تلقاءَ المسجدِ الحرامِ، وهو شطرُه.\nويَعني بقولِه: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرضِ اللهِ، فولُّوا وُجوهَكم في صَلواتِكم تُجاهَه وقِبَلَهُ وقَصْدَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-513>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾.</span>\nفقال جماعةٌ من أهلِ االتأويلِ: عَنى اللهُ بالناسِ في قولِه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾ أهلَ الكتابِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ يَعني بذلك أهلَ الكتابِ، قالُوا حين صُرِف نبيُّ اللهِ إلى الكعبةِ البيتِ الحرامِ: اشتاقَ الرجلُ إلى بيتِ أبيه ودينِ قومِه (^٢).\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"فول\".\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥٨ عقب الأثر (١٣٨٧) معلقا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"2","page":682},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ يَعني بذلك أهلَ الكتابِ، قالوا حينَ صُرِف نبيُّ اللهِ إلى الكعبةِ: اشتاقَ الرجلُ إلى بيتِ أبيه ودينِ قومِه (^١).\nفإن قال قائلٌ: فأيَّةُ حُجَّةٍ كانت لأهلِ الكتابِ بصلاةِ رسولِ اللهِ وأصحابِه نحوَ بيتِ المقدسِ على رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه؟\nقيل: قد ذكَرْنا فيما مضَى ما رُوِي في ذلك، قيل: إنهم كانوا يقولون: ما درَى محمدٌ وأصحابُه أين قِبلتُهم حتى هدَيناهم نحن! وقولَهم: يخالِفُنا محمدٌ في دينِنا ويتَّبعُ قبلَتَنا (^٢)! فهي الحُجَّةُ التي كانوا يحتَجُّون بها على النبيِّ ﷺ وأصحابِه، على وجهِ الخُصومةِ منهم لهم، والتَّمويهِ منهم بها على الجُهّالِ وأهلِ الغَباءِ (^٣) من المشرِكين.\nوقد بينَّا فيما مضَى أن معنى حِجاجِ القومِ إيّاه الذي ذَكَره اللهُ في كتابِه إنما هو (^٤) الخُصوماتُ والجدالُ، فقطَع اللهُ ذلك من حُجَّتِهم وحسَمه، بتحويلِ قِبلةِ نبيِّه ﷺ والمؤمِنين به، من قِبلةِ اليهودِ إلى قِبلةِ خليلِه إبراهيمَ ﵇.\nفذلك هو معنى قولِ اللهِ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ يَعني بـ\"الناس\"، الذين كانوا يحتجون عليهم بما وصَفْتُ، وأما قولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ فإنهم مشرِكو العربِ من قريشٍ، فيما تأوَّله أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥٨ عقب الأثر (١٣٨٧) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٦٥٧.\n(^٣) في م: \"العناد\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هي\".","vol":"2","page":683},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾: قومُ محمدٍ ﷺ. حدَّثني موسى قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: هم المشركون من أهلِ مكةَ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾: يعني مشرِكي قريشٍ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، وابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قال: هم مشركو العربِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾: والذين ظلَموا مشرِكو قريشٍ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال عطاءٌ: هم مشرِكو قريشٍ. قال ابنُ جُريجٍ: وأخبرَني عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ أنه سمِع مجاهدًا يقولُ مثلَ قولِ عطاءٍ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥٩ عقب الأثر (١٣٨٩) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) سيأتي مطولا في ص ٦٨٦.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ١/ ١٦٥. وينظر ما سيأتي في ص ٦٨٧.","vol":"2","page":684},{"text":"فإن قال قائلٌ: فأيّةُ حُجةٍ كانت لمشرِكي قريشٍ على رسولِ اللهِ وأصحابِه في توجُّهِهم في صلاتِهم إلى الكعبةِ؟ وهل يجوزُ أن يكونَ للمشرِكين على المؤمنين - فيما أمَرهم اللهُ به أو نَهاهم عنه - حُجةٌ؟\nقيل: إن معنَى ذلك بخلافِ ما توهّمتَ وذهَبْتَ إليه، وإنما الحُجةُ في هذا الموضعِ الخصومةُ والجدلُ ومعنى الكلامِ: لئلَّا يكونَ لأحدٍ من الناسِ عليكم خُصومةٌ ودعوَى باطلٍ (^١)، غيرَ مشرِكي قريشٍ، فإن لهم عليكم دعوَى باطلٍ (^١) وخصومةً بغيرِ حقٍّ، بقيلِهم لكم: رجَع محمدٌ إلى قبلَتِنا، وسيرجِعُ إلى دينِنا. فذلك من قولِهم وأمانيِّهم الباطِلةِ، هي الحجةُ التي كانت لقريشٍ على رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه، ومن أجلِ ذلك استَثْنى اللهُ تعالى الذين ظلَموا من قريشٍ من سائرِ الناسِ غيرِهم، إذْ نفَى أن يكونَ لأحدٍ منهم في قبلتِهم التي وجَّههم إليها حُجَّةٌ.\nوبمثلِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك منهم\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قومُ محمدٍ ﷺ. قال مجاهدٌ: يقولُ: حُجَّتُهم قولُهم: قد راجعْتَ (^٢) قبلَتَنا (^٣).\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"باطلة\".\n(^٢) في م: \"رجعت\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٨ إلى المصنف وعبد بن حميد، بلفظ: حجتهم …، وفي تفسير مجاهد ص ٢١٦: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ يعني: أمة محمد ﷺ، وحجتهم قولهم: تركت قبلتنا.","vol":"2","page":685},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلّا أنه قال: قولُهم: قد رجعْتَ إلى قِبلَتِنا؟.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، وابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قالا: هم مشرِكو العربِ، قالوا حينَ صُرِفتْ القبلةُ إلى الكعبةِ: قد رجَع إلى قبلتِكم، فيوشِكُ أن يرجِعَ إلى دينِكم. قال اللهُ: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي (^١)﴾.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ قال: حدَّثنا سعيدٌ عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ والذين ظلَموا مشرِكو قريشٍ. يقولُ: إنهم سيحْتجُّون عليكم بذلك. فكانت حُجَّتُهم على نبيِّ اللهِ بانصرافِه (^٢) إلى البيتِ الحرامِ أنهم قالوا: سيرجِعُ إلى دينِنا كما رجَع إلى قِبلتِنا. فأنزَل اللهُ في ذلك كلِّه (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٤).\nحدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ فيما\n_________\n(^١) في الأصل، وتفسير عبد الرزاق: (واخشون) بحذف الياء، والقرأة متفقة على إثبات الياء. وينظر إتحاف فضلاء البشر ص ٩١.\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٢. وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور ١/ ١٤٨ إلى ابن المنذر وأبي داود في ناسخه. وينظر تفسير البغوي ١/ ١٦٥.\n(^٢) في ص: \"انصرافه\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٨ إلى المصنف وعبد بن حميد. وزاد فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.\n(^٤) تقدم مختصرًا في ص ٦٨٤.","vol":"2","page":686},{"text":"يَذكُرُ عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ قالوا (^١): لما صُرِف نبيُّ اللهِ نحوَ الكعبةِ بعدَ صلاتِه إلى بيتِ المقدسِ، قال المشركون من أهلِ مكةَ: تَحيّر على محمدٍ دينُه، فتوجَّهَ بقبلتِه إليكم، وعلِم أنكم كنتم أهدَى منه سبيلًا، ويوشِكُ أن يدخُلَ في دينِكم. فأنزَلَ اللهُ فيهم: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولَه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قال: قالت قريشٌ لمّا رجَع إلى الكعبةِ وأُمر بها: ما كان يستغْنى عنَّا، قد استقْبلَ قبلَتَنا. فهي حُجَّتُهم، وهمِ الذين ظلَموا. قال ابنُ جريجٍ: وأخبَرني عبدُ اللهِ بنُ (^٣) كثيرٍ أنه سمِع مجاهدًا يقولُ مثلَ قولِ عطاءٍ، فقال مجاهدٌ: حُجّتُهم: قولُهم: رجَعتَ إلى قِبلَتِنا (^٤).\nفقد أبان تأْويلُ من ذكَرنا تأْويلَه - من أهلِ التأويلِ - قولَه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ عن صحةِ ما قلنا في تأويلِه، وأنه استِثناءٌ على [صحةٍ، بمعنى] (^٥) الاستِثناءِ المعروفِ، الذي يَثْبُتُ فيه لما بعدَ حرفِ الاستثناءِ ما كان منفيًّا عما قبلَه، كما (^٦) قولُ القائلِ: ما سار من الناسِ أحدٌ إلّا أخوك. إثباتٌ للأخِ من السَّيرِ ما هو\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٨ إلى المصنف، وينظر ما تقدم في ص ٦٤٠، ٦٤١.\n(^٣) بعده في الأصل: \"أبي\". وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٤٦٨.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ٦٨٤، ٦٨٥.\n(^٥) في م: \"معنى\".\n(^٦) بعده في م: \"أن\".","vol":"2","page":687},{"text":"مَنفيٌّ عن كلِّ أحدٍ من الناسِ. فكذلك قولُه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ نَفْيٌ عن أن يكون لأحدٍ خُصومةٌ وجَدَلٌ قِبلَ رسولِ اللهِ ﷺ، ودعوَى باطلٍ (^١) عليه وعلى أصحابِه، بسببِ تَوجُّهِهم في صلاتِهم قِبلَ الكعبةِ، إلَّا الذين ظلَموا أنفسَهم من قريشٍ، فإن لهم قِبلَهُم خصومةً ودعوَى باطلٍ (^١)، بأن يقولوا: إنما توجّهتُمْ إلينا وإلى قبلتِنا لأنا كنا منكم أهدَى سبيلًا، وأنكم كنتم بتوجُّهِكم نحوَ بيتِ المقدسِ على ضلالٍ وباطلٍ.\nوإذْ كان ذلك معنَى الآيةِ بإجماعِ الحُجَّةِ من أهلِ التأويلِ، فبَيِّنٌ (^٢) خطأُ قولِ من زعَم أن معنَى قولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ ولا الذين ظلَموا منهم (^٣). وأن معنى (^٤) ﴿إِلَّا﴾ بمعنَى الواوِ؛ لأن ذلك لو كان معناه، لكان النفْيُ الأولُ عن جميعِ الناسِ - أن يكونَ لهم حُجةٌ على رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه في تحوُّلِهم نحوَ الكعبةِ بوُجوهِهم - مُبَيِّنًا عن المعنَى المرادِ، ولم يكنْ في ذكرِ قولِه بعدَ ذلك: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ إلا التلْبيسُ الذي يتعالَى عن أن يُضافَ إليه أو يُوصفَ به. هذا مع خروجِ معنَى الكلامِ إذا وُجِّهَت (^٥) ﴿إِلَّا﴾ إلى معنَى الواوِ وبمعنَى (^٦) العطفِ، من كلامِ العربِ. وذلك أنه غيرُ موجودةٍ \"إلا\" في شيْءٍ من كلامِها بمعنى الواوِ، إلَّا مع استثناءٍ سابقٍ قد تقدّمَها، كقولِ القائلِ: سارَ القومُ إلَّا عَمرًا إلَّا أخاك. بمعنى: إلّا عَمرًا وأخاك. فتكون \"إلّا\" حينئذٍ مؤدِّيةً عما تؤدِّي عنه الواوُ لتعلُّقِ \"إلا\"\n_________\n(^١) في م: \"باطلة\".\n(^٢) في ص: \"فتبين\".\n(^٣) كأنه يعني أبا عبيدة، فهذا القول له في مجاز القرآن ١/ ٦٠.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في ص: \"وجهه\".\n(^٦) في ص، م: \"معنى\".","vol":"2","page":688},{"text":"الثانيةِ [بـ\"إلّا\"] (^١) الأُولى. ويُجمعُ أيضًا فيها بينَ \"إلّا\" والواوِ، فيقالُ: سار القومُ إلّا عَمرًا، وإلّا أخاك. فتُحذفُ إحداهما فتنوبُ الأخرَى عنها، فيقالُ: سارَ القومُ إلّا عَمرًا وأخاك. أو: إلّا عَمرًا إلّا أخاك. لما وصَفْنا قبلُ.\nفإذْ كان ذلك كذلك، فغيرُ جائزٍ لمدَّعٍ (^٢) من الناسِ أن يدّعِيَ أن ﴿إِلَّا﴾ في هذا الموضعِ بمعنى الواوِ التي تأتي بمعنَى العطفِ.\nوواضحٌ فسادُ قولِ من زعَم أن معنى ذلك (^٣): إلّا الذين ظلَموا منهم، فإنهم لا حُجّةَ لهم، فلا تَخشَوْهم، كقولِ القائلِ في الكلامِ (^٤): الناسُ كلُّهم لك حامدون، إلّا الظالمَ (^٥) المعتدِيَ عليك، فإن ذلك لا يُعتدُّ بعُدْوانِه (^٦)، ولا بترْكِه الحمدَ لموضِعِ العداوةِ. وكذلك الظالمُ لا حُجةَ له، وقد سُمِّى ظالمًا - لإجماعِ جميعِ أهلِ التأويلِ على تخْطِئةِ ما ادَّعى من التأويلِ في ذلك. وكفَى شاهدًا على خطأِ مقالةٍ (^٧) إجماعُهم على تخطِئَتِها.\nوظاهرٌ بطولُ قولِ من زعَم أن الذين ظلَموا عهنا ناسٌ من العربِ كانوا يهودًا أو (^٨) نصارَى، فكانوا يحتَجُّون على النبيِّ، فأما سائرُ العربِ، فلم تكنْ لهم حُجّةٌ، وكانت حُجّةُ من يحتَجُّ مُنكسِرةً؛ لأنك تقولُ لمن تُريدُ أن تكَسِرَ عليه حُجَّتَه: إن لك\n_________\n(^١) في ص: \"إلى\".\n(^٢) هو أبو عبيدة معمر بن المُثَنَّى. ينظر مجاز القرآن ١/ ٦٠.\n(^٣) هو الفراء، وما سيأتي هو نص كلامه في معاني القرآن ١/ ٨٩.\n(^٤) في م، ت ٢: \"كلامه\".\n(^٥) بعده في معاني القرآن: \"لك\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بعداوته\".\n(^٧) في م، ت ٢: \"مقالته\".\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".","vol":"2","page":689},{"text":"عليَّ حُجّةً، ولكنها مُنكسِرَةٌ، إنَّك لتحتجُّ بلا حُجَّةٍ، وحُجّتُك ضعيفةٌ. ووَجَّه (^١) معنى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ إلى معنَى: إلّا الذين ظلموا منهم من أهلِ الكتابِ، فإن لهم عليكم حُجةً واهيةً، أو حُجةً ضعيفةً. ووَهَاءُ (^٢) قولِ من قال: \"إلّا\" في هذا الموضعِ بمعنى \"لكن\". وضَعْفُ قولِ من زعَم أنه ابتداءٌ بمعنَى: إلّا الذين ظلَموا منهم فلا تخشوهم؛ لأن تأويلَ أهلِ التأويلِ جاءَ في ذلك بأن ذلك من اللهِ خبرٌ عن الذين ظلَموا منهم أنهم يحتَجُّون على النبيِّ وأصحابِه بما قد ذكرْنا، ولم يقصِدْ في ذلك إلى الخبرِ عن صفةِ حُجّتِهم بالضعفِ ولا بالقوَّةِ - وإن كانت ضعيفةً لأنها باطلةٌ - وإنما قصَد فيه الإثباتَ للذين ظلَموا ما قد نَفَى عن الذين قبلَ حرفِ الاستثناءِ من الصفةِ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، قال: قال الربيعُ: إن يهوديًّا خاصمَ أبا العاليةِ فقال: إن موسى كان يُصلِّي إلى صخرةِ بيتِ المقدسِ. فقال أبو العاليةِ: كان يُصلِّي عند الصخرةِ إلى البيتِ الحرامِ. قال: قال فبيني وبينَك مسجدُ صالحٍ، فإنه نحَته من الجبلِ. قال أبو العاليةِ: قد صلّيتُ فيه وقبلتُه إلى البيتِ الحرامِ. قال الربيعُ: وأخبرَني أبو العاليةِ أنه مرَّ على مسجدِ ذِي القرنين وقِبلتُه إلى الكعبةِ.\nوأما قولُه: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ يعني: فلا تخشَوْا هؤلاء الذين وصَفْتُ لكم أمرَهم من الظلَمةِ (^٣)، في حُجّتِهم وجدالِهم وقولِهم ما يقولُون من (^٤) أن محمدًا\n_________\n(^١) التقدير: وظاهر بطلان قول من وجّه.\n(^٢) في النسخ عدا الأصل: \"وهي\" وهما بمعنى. وتقدير الكلام: وظاهر وهاء.\n(^٣) في م: \"الظلم\".\n(^٤) في ص: \"في\".","vol":"2","page":690},{"text":"قد رجَع إلى قبلتِنا، وسيَرْجِعُ إلى دينِنا، أو أن يقدِرُوا لكم على ضُرٍّ في دينِكم، أو صَدِّكم عما هَداكم اللهُ له من الحقِّ، ولكن اخشوْني، فخافوا عقابي في خلافِكم أمرِي إن خالَفتُموه.\nوذلك من اللهِ تقدُّمٌ إلى عبادِه المؤمنين، بالحضِّ على لزومِ قبلتِهم والصلاةِ إليها، وبالنَّهي عن التوجُّهِ إلى غيرِها. يقولُ جلَّ ثناؤُه: واخشَوْني أيها المؤمنون، في ترْكِ طاعتي فيما أمَرتُكم به من الصلاةِ شطرَ المسجدِ الحرامِ.\nوقد حُكِي عن السُّدِّيِّ في ذلك ما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ يقولُ: لا تخشَوْا أن أردَّكم في دينِهم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-514>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾.</span>\nيَعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ ومن حيث خرَجتَ من البلادِ والأرضِ إلى أيِّ بقعةٍ شَخَصْتَ، فولِّ وجْهَك شَطرَ المسجدِ الحرامِ، وحيثُ كنتَ أنت يا محمدُ والمؤمنون، فولُّوا وُجوهَكم في صلاتِكم شطْرَه، واتّخِذوه قِبلةً لكم، كيلا يكونَ لأحدٍ من الناسِ عليكم (^٢) سِوَى مشركِي قريشٍ حُجةٌ، وكي أُتِمَّ بذلك - من هِدايتي لكم إلى قبلةِ خليلِي إبراهيمَ، الذي جعَلْتُه إمامًا للناسِ - نعْمتي، فأُكمِلَ لكم به فضلي عليكم، وأتمِّمَ به شرائعَ ملَّتِكم الحنِيفيّةِ المسلمةِ التي وصَّيتُ بها نوحًا وإبراهيمَ وموسى وعيسى وسائرَ الأنبياءِ غيرَهم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥٩ (١٣٩٠) عن أبي زرعة، عن عمرو به. وإلى هنا انتهى المجلد الثاني من نسخة دار الكتب المصرية. وقد أشرنا في المقدمة إلى أن الجزء الثالث منها غير موجود وتستأنف عند قوله جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. من الآية ٢٢٠ من سورة البقرة.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":691},{"text":"وذلك هو نِعْمتُه التي أخبَرَ جلَّ ثناؤُه أنه مُتِمُّها على رسولِه والمؤمنين به من أصحابِه.\nوقولُه: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ يعني: وكي [تَهْتَدوا فتَرْشُدوا] (^١) للصوابِ من القِبَلِ (^٢). و﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾ عطفٌ على قولِه: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾، [وقولُه] (^٣) ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ عطفٌ على قولِه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-158\"></span><span data-type='title' id=toc-515>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾.</span>\nيَعني بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا﴾. ولأُتِمَّ نعمَتِي عليكم ببيانِ شرائِع ملّتِكم الحنيفيّةِ وأهديَكم لدينِ خليلِي إبراهيمَ، فأجعَلَ لكم دَعوتَه التي دعاني بها ومسألتَه التي سألَنِيها فقال: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨] كما جعَلتُ لكم دَعوَتَه التي دعانِي بها، ومسألَته التي سألَنيها فقال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] فابتعثْتُ منكم رسولِي الذي سألَني خليلي إبراهيمُ وابنُه إسماعيلُ أن أبعَثَه من ذُرِّيتِهما.\nفـ ﴿كَمَا﴾ إذن - إذ كان ذلك معنى الكلامِ - صلةٌ لقولِ اللهِ: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [وتأويلُه: ولأُتمَّ نعْمتي عليكم كما أرسلْنَا فيكم رسولًا منكم] (^٤).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ترشدوا\".\n(^٢) في م، ت ٢: \"القبلة\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"ولا يكون قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾. متعلقا بقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ \". وهو جيد أيضًا.","vol":"2","page":692},{"text":"وقد قال قومٌ (^١): إن مَعنى ذلك: فاذْكُروني كما أرسَلْنا فيكم رسولًا منكم أذكُرْكم. وزعَموا أن ذلك من المقدَّمِ الذي مَعناه التأْخيرُ، فأغرَقوا النَّزْعَ (^٢)، وبعُدوا من الإصابةِ، وحمَلوا الكلامَ على غيرِ معناه المعروفِ، وسِوَى وجهِه المفهومِ. وذلك أن الجاريَ من الكلامِ على ألسُنِ العربِ، المفهومَ في خطابِهم بينَهم، إذا قال بعضُهم لبعضٍ: كما أحسَنتُ إليك يا فلانُ فأحسِنْ. أن لا يشترطوا: لأُحسن (^٣). لأن الكافَ في \"كما\" شرطٌ، معناه: افعَلْ كما فعَلتُ. ففي مجئ جوابِ: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾. بعدَه، وهو قولُه: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ أوضحُ الدليلِ على أن قولَه: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا﴾ من صلةِ الفعلِ الذي قبلَه، وأن قولَه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ خبرٌ مبتدأٌ منقطِعٌ عن الأَولِ، وأنه من سببِ قولِه: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ بمعزِلٍ.\nوقد زعَم بعضُ النحْويين (^٤) أن قولَه: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ إذا جُعِل قولُه: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ جوابًا له جمع قولِه: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ نظيرُ الجزاءِ الذي يُجابُ بجوابين، كقولِ القائلِ: إذا أتاك فلانٌ فائْتِه تُرْضِه. فيصيرُ قولُه: فائْته (^٥) تُرْضِه جَوابين لقولِه: إذا أتاك. وكقولِه: إن تأتني أُحسِنْ إليكَ أُكْرِمْك.\nوهذا القولُ وإن كان مذهبًا من المذاهبِ، فليس بالأشهرِ (^٦) الأفصحِ في كلامِ العربِ، والذي هو أوْلَى بكتابِ اللهِ أن يوجَّهَ إليه من اللغاتِ الأفصحُ الأعرفُ من كلامِ العربِ، دونَ الأنْكَرِ الأجهلِ من منطقِها. هذا، مع بُعد وَجْهِه من المفهومِ في التأويلِ.\n_________\n(^١) هو الفراء في معاني القرآن ١/ ٩٢.\n(^٢) أغرق النازع في القوس: أي استوفى مدها، يضرب مثلا للغلو والإفراط. اللسان (غ ر ق).\n(^٣) في م: \"للآخر\".\n(^٤) هو من قول الفراء أيضًا، ينظر معاني القرآن ١/ ٩٢.\n(^٥) بعده في م: \"و\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بالأسهل\".","vol":"2","page":693},{"text":"ذكرُ من قال: إن قولَه: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ جوابٌ لقولِه: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، قال: سمِعتُ ابنَ أبي نَجيحٍ يقولُ في قولِ اللهِ: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾: كما فعَلتُ فاذْكرونِي.\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال. حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\n[وأمّا] (^٢) قولُه: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ فإنه يَعني بذلك العربَ، قال لهم: الزَموا أيها العربُ طاعتي، وتوجَّهوا إلى القِبلةِ التي أمَرْتكم بالتوجُّهِ إليها، لتنقطِعَ حُجَّةُ اليهودِ عنكم، فلا تكونُ لهم عليكم حُجّةٌ، ولأُتمَّ نعمتي عليكم وتهْتدوا، كما ابتدَأْتكم بنعمَتي، فأرسَلْتُ فيكم رسولًا إليكم منكم. وذلك الرسولُ الذي أرسَلَه إليهم منهم محمدٌ ﷺ.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ يعني محمدًا ﷺ (^٣).\nوأما قولُه: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ فإنه يعني آياتِ القرآنِ. وبقولِه: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ ويطهِّرُكم من دَنسِ الذنوبِ: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ﴾ وهو\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢١٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥٩ (١٣٩١)، وينظر تفسير البغوي ١/ ١٦٦، ١٦٧. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٤٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وقد سقط أوله من المطبوع.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٥٩ عقب الأثر (١٣٩٢) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"2","page":694},{"text":"القرآنُ (^١)، يعني أنه يعلِّمُهم أحكامَه. ويعني بالحكمةِ السُّننَ والفقهَ في الدينِ، وقد بيَّنا جميعَ ذلك فيما مضَى قبلُ بشواهِدِه (^٢).\nوأما قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ فإنه يَعني: ويعلِّمُكم من أخبارِ الأنبياءِ، وقَصصِ الأممِ الخاليةِ، والخبرِ عما هو حادثٌ وكائنٌ من الأمورِ التي لم تكنِ العربُ تعلَمُها. فعلَّمهموها (^٣) رسولُ اللهِ ﷺ. فأخبَرهم اللهُ أن ذلك كلَّه إنما يُدْرِكونه برسولِ الله ﷺ.\n\n<span id=\"aya-159\"></span><span data-type='title' id=toc-516>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾.</span>\nيَعني بذلك: فاذْكُروني أيها المؤمنون بطاعتِكم إيّايَ فيما آمُرُكم به وفيما أنْهاكم عنه، أذكُرْكم برحْمتي إيَّاكم ومغْفِرتي لكم.\nكما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ لَهيعَةَ، عن عطاءِ بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ في: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال: اذْكُروني بطاعتي، أذكُرْكم بمغفرتي (^٤).\nوقد كان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك أنه من الذِّكرِ بالثناءِ والمدحِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن\n_________\n(^١) في م: \"الفرقان\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٥٧٥.\n(^٣) في م: \"فعلموها من\".\n(^٤) أخرجه أبن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٦٠ (١٣٩٨) من طريق ابن لهيعة به. وأخرجه ١/ ٢٦١ (١٣٩٩) من طريق ابن لهيعة به، بلفظ: أذكركم برحمتي. وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور ١/ ١٤٨ إلى عبد بن حميد. وينظر تفسير البغوي ١/ ١٦٧.","vol":"2","page":695},{"text":"الربيعِ في قولِه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ إن اللهَ ذاكرٌ من ذكَره، وزائدٌ من شكَره، ومعذِّبٌ من كفَره (^١).\nحدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال: ليس مِن عبدٍ يذكُرُ اللهَ إلا ذكَره اللهُ، لا يذكُرُه مؤمنٌ إلا ذكَره برحمةٍ، ولا يذكُرُه كافرٌ إلا ذكَره بعذابٍ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-517>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾</span>\nيَعني: اشكُروا لي أيُّها المؤمنون فيما أنعَمتُ عليكم به من الإسلامِ، والهدايةِ للدينِ الذي شرَعتُه لأنبيائي وأصْفيائي، ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. يقولُ: ولا تجْحَدوا إحساني إليكم، فأسْلُبَكم نعمَتي التي أنعمْتُ عليكم، ولكنِ اشكُروا لي عليها، فأزيدَكم، وأُتَمِّمَ نعمَتي عليكم، وأهديَكم لما هَدَيتُ له من رَضِيتُ عنه من عبادي، فإني وَعَدتُ خلقي أن من شكَر لي زدْتُه، ومن كفَرني حرَمتُه وسلَبتُه ما أعطَيتُه.\nوالعربُ تقولُ: [شكَرْتُ لك صَنيعتَك. ولا تكادُ تقولُ: شكَرْتُك. وكذلك تقولُ. نصَحتُ لك] (^٣). ولا تكادُ تقولُ: نصَحتُك. وربما قالتْ: شكَرتُك ونصَحتُك. من ذلك قولُ الشاعرِ (^٤):\nهمُ جمَعوا بُؤسَي ونُعْمَي عليكُمُ … فهلَّا شَكَرْتَ القَوْمَ إذ (^٥) لم تُقاتِلِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٦٠، ٢٦١ عقب الأثر (١٣٩٦، ١٤٠٣) من طريق ابن أبي جعفر به، نحوه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٦٠ عقب الأثر (١٣٩٦، ١٣٩٧) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به، نحوه.\n(^٣) في م: \"نصحت لك وشكرت لك\".\n(^٤) نسبه أبو حيان في البحر المحيط ١/ ٤٤٧ إلى عمرو بن لجأ التميمي، وذكره الفراء في معاني القرآن ١/ ٩٢ ولم ينسبه.\n(^٥) في م: \"إن\".","vol":"2","page":696},{"text":"وقال النابغةُ في: نصَحْتُك (^١):\nنَصَحْتُ بني عَوْفٍ فلم يَتَقبَّلوا … رسولي (^٢) ولم تَنْجَحْ لَدَيْهِمْ وَسائِلي\nوقد دلَّلْنا على أن معنى الشكرِ الثناءُ على الرجلِ بأفعالِه المحمودَةِ، وأن معنى الكفرِ تغطيةُ الشيْءِ، فيما مضَى قبلُ، فأغنَى ذلك عن إعادتِه (^٣).\n\n<span id=\"aya-160\"></span><span data-type='title' id=toc-518>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾.</span>\nوهذه الآيةُ حَضٌّ من اللهِ على طاعتِه، واحتمالِ مَكْروهِها على الأبدانِ والأموالِ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا﴾ على القيامِ بطاعتي، وأداءِ فرائضِي في ناسخِ أحكامِي، والانصرافِ عما أنْسَخُه منها إلى الذي أُحْدِثُه لكم مِن فرائضِي، وأنقُلُكم (^٤) إليه مِن أحْكَامِي، والتسليمِ لأمرِي فيما آمرُكم به في حينِ إلزامِكم حُكْمَه، والتحوُّلِ عنه بعدَ تحويلي إيَّاكم عنه - وإنْ لحِقَكُم في ذلك مَكْروهٌ مِن مقالةِ أعدائِكم مِن الكفارِ [تَحَدُّلٌ منهم لكم بالباطلِ] (^٥)، أو مَشَقَّةٌ على أبدانِكم في قيامِكم به، أو نَقْصٌ في أموالِكم - وعلى جهادِ أعدائِكم وحربِهم في سبيلي، بالصبرِ مِنكم لي على مكروهِ ذلك، ومشقتِه عليكم، واحتمالِ عِبْئِه (^٦)\n_________\n(^١) ديوان النابغة صفحة ٦٧.\n(^٢) في ديوان النابغة تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم صفحة ١٤٣: \"وصاتى\". والرسول: الرسالة، يؤنث ويذكر. اللسان (ر س ل).\n(^٣) ينظر ما تقدم في معنى الشكر في ١/ ١٥٣ - ١٣٨، وفي معنى الكفر ما تقدم في ١/ ٢٦٢.\n(^٤) في حاشية الأصل: \"في الأم وأنقله\".\n(^٥) في م: \"بقذفهم لكم الباطل\"، وفي ت ١: \"يحد لهم منهم لهم الباطل\"، وفي ت ٢: \"لخذلهم منهم لكم بالباطل\"، وفي ت ٣: \"بخذلهم منهم لكم بالباطل\". وتحدُّل أي: ظلم. ينظر التاج (ح د ل).\n(^٦) في م: \"عنائه\".","vol":"2","page":697},{"text":"وثِقَلِه، [وبالعزاءِ منكم عمَّن قُتِل في سبيلي] (^١)، ثم بالفَزعِ منكم فيما ينوبُكم مِن مُفظِعاتِ الأمورِ إلى الصلاةِ لي، فإنَّكم بالصبرِ على المَكارِه تُدْرِكون مرضاتي، وبالصلاةِ لي تَسْتَنْجِحون طَلِباتِكم قِبَلي، وتُدْرِكون حاجاتِكم عندي، فإني مع الصابرين على القيامِ بأداءِ فرائضِي وتركِ معاصِيَّ، أنصُرُهم وأرعاهُم وأكلؤُهم حتى يظفَرُوا بما طلَبوا وأمَّلوا مِن قِبَلي، وقد بَيَّنْتُ معنى الصبرِ والصلاةِ فيما مضَى قبلُ فكرِهْنا إعادَتَه (^٢).\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ يقولُ: استعينوا بالصبرِ والصلاةِ على مرضاةِ اللهِ، واعلَموا أنَّهما مِن طاعةِ اللهِ (^٣).\nحُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ اعْلَموا أنهما عَوْنٌ على طاعةِ اللهِ.\nوأما قولُه: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فإن تأويلَه أن اللهَ ناصِرُه وظَهِيرُه، وراضٍ بفعلِه، كقولِ القائلِ لآخرَ: \"افعلْ يا فلانُ كذا وأنا معكَ\". يعني: إني ناصرُك على فعلِك ذلك ومعينُك عليه.\n\n<span id=\"aya-161\"></span><span data-type='title' id=toc-519>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾.</span>\nيعني بذلك: يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبرِ على طاعتي في جهادِ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٤٨، ٦١٧، ٦١٨.\n(^٣) تقدم في ١/ ٦٢٠، ٦٢١.","vol":"2","page":698},{"text":"عدوِّكم، وتركِ معاصيَّ، وأداءِ سائرِ فرائضِي عليكم، ولا تقولوا لمَن يُقتلُ مِنكم في سبيلي: هو ميِّتٌ. فإن اميتَ مِن خلْقِي هو مَن سلَبتُه حياتَه وأعدمْتُه حوَاسَّه، فلا يَلْتَذُّ لذَّةً ولا يُدركُ نعيمًا، وإنَّ مَن قُتِلَ مِنكم ومِن سائرِ خَلقِي في سبيلِي أحياءٌ عندِي في حَبْرةٍ (^١) و: نعيمٍ، وعيشٍ هنيٍّ، ورِزْقٍ سَنيٍّ، فَرِحين بما آتيْتُهم مِن فضلِي وحَبَوْتُهمْ به مِن كرامتي.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. [قال: يُرزَقون] (^٢) من ثمرِ الجَنَّةِ، ويجدون ريحَهَا وليسُوا فيها (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثلَه.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، [كنا نُحدَّثُ] (^٤) أنّ أرواحَ الشهداءِ تَعارفُ في طيرٍ بِيضٍ (^٥) يأْكُلْنَ من ثمارِ الجَنَّةِ، وأن مساكنَهم السِّدرةُ (^٦)، وأن للمجاهدِ في سبيلِ اللهِ ثلاثَ خَصَلاتٍ (^٧): مَن قُتِلَ في\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حياة\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢١٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٨١٣ (٤٤٩٥). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٥٥، ٢/ ٩٦ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في م: \"كما يحدث\".\n(^٥) في الأصل: \"خضر\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سدرة المنتهى\".\n(^٧) في م: \"خصال من خير\".","vol":"2","page":699},{"text":"سبيلِ اللهِ منهم صارَ حيًّا مَرْزوقًا، ومَن غلَب آتاه الله أجرًا عظيمًا، ومَن ماتَ رزَقَه اللهُ رِزقًا حَسنًا (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾. قال: أرواحُ الشهداءِ في صُوَرِ (^٢) طيرٍ بيضٍ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قولِه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾. [قال: أحياءٌ] (^٤) في صورِ طيرٍ خضرٍ يطيرون في الجَنَّةِ حيث شاءُوا منها، يأكلون مِن حيثُ شاءو (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، [قال: حدثنا إسحاقُ] (^٦)، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ غِياثٍ، قال: سمعتُ عكرمةَ يقول في قولِه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. قال: أرواحُ الشهداءِ في طيرٍ بِيضٍ (^٧) في الجَنَّةِ (^٨).\nفإن قال لنا قائلٌ: وما في قولِه ﷿: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٥٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في الأصل: \"صدور\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٣، وأخرجه كذلك في مصنفه (٩٥٥٣، ٩٥٥٨)، وينظر الدر المنثور ١/ ١٥٥.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) سيأتي نحوه عن الربيع في ٦/ ٢٣١، ٢٣٢. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٦٣ (١٤١٢)، والبيهقي في الشعب (٩٦٨٦) من طريق أبي جعفر عن الربيع، عن أبي العالية.\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) في م: \"خضر\".\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٣٣٧ من طريق عثمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٥٥ إلى=","vol":"2","page":700},{"text":"أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ مِن خصوصيةِ الخبرِ عن المقتولِ في سبيلِ اللهِ الذي لم يُعمَّ به غيرُه، وقد عَلِمتَ تَظاهرَ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه وصَف حالَ المؤمنينَ والكافرينَ بعدَ وفاتِهم، فأخبرَ عن المؤمنينَ أنهم تُفتحُ لهم مِن قبورِهم أبوابٌ إلى الجَنَّةِ يتَنَسَّمُون (^١) منها رَوْحَها، ويَسْتَعْجِلونَ اللهَ قيامَ الساعةِ؛ ليَصيروا إلى مساكنِهم منها، ويُجْمَعَ بينَهم وبينَ أهالِيهم وأولادِهم فيها، وعن الكافرين أنه (^٢) تُفْتَحُ لهم من قبورِهم أبوابٌ إلى النارِ يَنظُرونَ إليها ويُصيبُهم مِن نَتْنِها ومَكْروهِها، ويُسلَّطُ عليهم فيها إلى قيامِ الساعةِ مَن يَقمَعُهم فيها، ويسألون اللهَ فيها تأخيرَ قيامِ الساعةِ؛ حَذارًا مِن المصيرِ إلى ما أُعِدَّ لهم فيها، من (^٣) أشباهِ ذلك من الأخبارِ (^٤). فإذا كانت الأخبارُ بذلك مُتَظَاهرةً عن رسولِ الله ﷺ، فما الذي خُصَّ به القتيلُ في سبيلِ اللهِ مما لمْ يُعمَّ به سائرُ البشرِ غيرُه من الحياةِ، وسائرُ الكفارِ والمؤمنين غيرُه أحياءٌ في البَرْزَخِ، أما الكفارُ فمعذَّبونَ فيه بالمَعِيشَةِ الضَّنْكِ، وأما المؤمنون فمُنَعَّمون بالرَّوْحِ والرَّيْحانِ ونَسِيمِ الجِنَانِ؟\nقيل: إنّ الذي خَصَّ اللهُ به الشهداءَ في ذلك وأفادَ المؤمنين بخبرِه عنهم جلَّ ثناؤُه، إعلامُه إيَّاهم أنَّهم مَرزُوقون مِن مآكلِ الجَنَّةِ ومطاعِمِها في بَرْزَخِهم قَبلَ بَعْثِهم، ومُنعَّمُون بالذي يُنَعَّمُ به داخلُوها بعدَ البعثِ من سائرِ البشرِ مِن لَذيذِ مطاعمِها؛ [التي لم يُعْطِها] (^٥) اللهُ أحدًا غيرَهم في بَرْزَخِه قبلَ مَبْعَثِه (^٦)، فذلك هو\n_________\n= المصنف وابن أبي شيبة في المصنف. وعثمان بن غياث، كان يحيى بن سعيد يضعف حديثه عن عكرمة في التفسير.\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"يشمون\".\n(^٢) في م: \"أنهم\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مع\".\n(^٤) ينظر مسند الطيالسي (٧٨٩).\n(^٥) في م، ت ٣: \"الذي لم يطعمها\"، وفي ت ١، ت ٢: \"التي لم يعطها\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بعثه\".","vol":"2","page":701},{"text":"الفضيلةُ التي فضَّلهَم بها وخصَّهم بها مِن غيرِهم، والفائدةُ التي أفاد المؤمنين بالخبرِ عنهم، فقال جلَّ وعزَّ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩، ١٧٠].\nوبمثلِ ذلك جاء الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ.\nحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ وعَبْدَةُ بنُ سليمانَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن الحارثِ بنِ فُضيلٍ، عن محمودِ بنِ لَبِيدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"الشُّهَداءُ على بارقٍ (^١)؛ نهرٍ ببابِ الجنَّةِ، في قُبَّةٍ خَضْراءَ - وقال عَبْدَةُ: في رَوْضَةٍ خَضْراءَ - يَخْرُجُ عليهمْ رِزْقُهُمْ مِنَ الجنَّةِ بُكرَةً وَعَشِيًّا\" (^٢).\nحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن الإفْريقيِّ، عن ابنِ يسارٍ (^٣) السُّلَمِيِّ، أو أبي يسارٍ (^٣) - الطبريُّ يشكُّ - قال: أرواحُ الشهداءِ في قِبابٍ بِيضٍ مِن قِبابِ الجَنَّةِ، في كلِّ قُبةٍ زوجتانِ، رِزْقُهمْ في كلِّ يومٍ طلَعتْ فيه الشمسُ ثَوْرٌ وحُوتٌ؛ فأمّا الثورُ ففيه طَعْمُ كلِّ ثَمَرةٍ في الجَنَّةِ، وأما الحوتُ ففيهِ طَعْمُ كلِّ شرابٍ في الجَنَّةِ (^٤).\nفإن قال قائلٌ: فإن الخبرَ عمَّا ذكرتَ أن اللهَ أفاد المؤمنين بخبرِه عن الشهداءِ من النِّعمةِ التي خصَّهم بها في البرْزَخِ، غيرُ موجودٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ وإنما فيه الخبرُ عن حالِهم؛ أمواتٌ هُمْ أمْ أحياءٌ.\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ٢، ت ٣: \"على\".\n(^٢) سيأتي تخريجه في ٦/ ٢٣٠.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يشار\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٦ إلى المصنف.","vol":"2","page":702},{"text":"قيل: إن المقصودَ بذكرِ الخبرِ عن حياتِهم إنما هو الخبرُ عمَّا هُمْ فيه مِنَ النِّعمةِ، ولكنَّه جلَّ ذكرُه لمَّا كان قد أنبأ عبادَه عمَّا قد خصَّ به الشهداءَ - في قولِه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].\nوعلِمُوا حالَهم بخبرِه ذلك، ثم كان المرادُ من اللهِ في قولِه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ نَهْىَ خَلْقِه عن أن يقولوا للشهداءِ: إنَّهم مَوْتَى - ترَك إعادةَ ذكرِ ما قد بينَّ لهم مِن خبرِهم.\nوأما قولُه: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ فإنه يعني به: ولكنَّكم لا تَرونَهم، فتعلَموا أنّهم أحياءٌ، وإنما تعلَمون ذلك بخبرِى إيّاكم به.\nوإنما رفَع قولَه: ﴿أَمْوَاتٌ﴾ بإضمارِ مكنيٍّ من (^١) أسماءِ: \"من يُقتلُ في سبيلِ اللهِ\".\nومعنى ذلك: ولا تقولوا لمن يُقتلُ في سبيل اللهِ: هُم أمواتٌ. ولا يجوزُ النصبُ في \"الأمواتِ\"؛ لأنّ \"القولَ\" لا يعملُ فيهم، وكذلك قولُه: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ رَفعٌ بمعنى [بل هم] (^٢) أحياءٌ.\n\n<span id=\"aya-162\"></span><span data-type='title' id=toc-520>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾.</span>\nوهذا إخبارٌ من اللهِ أتباعَ رسولِه محمدٍ، أنه مُبتلِيهم فممتحنُهم بشدائدَ من الأمورِ؛ ليعلَمَ مَن يَتَّبعُ الرسولَ مِمَّن يَنْقَلِبُ على عَقِبَيْهِ، كما ابتلاهم فامتحَنهم بتحويلِ القِبلةِ مِن بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ، وكما امتحَن أصْفِياءَه قبلَهم، ووعَدهم\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أنهم\".","vol":"2","page":703},{"text":"ذلك في آيةٍ أخرى فقال لهم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ﴾ [البقرة: ٢١٤].\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك كان ابنُ عباسٍ وغيرُه يقولُ.\nحدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا عبدُ اللهِ، قال: حدثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قولَه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ ونحوِ هذا. قال: أخبرَ اللهُ سبحانَه المؤمنين أن الدنيَا دارُ بلاءٍ، وأنه مُبتَلِيهم فيها، وأمَرَهُم بالصبرِ وبشَّرهم، فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. ثم أخبرَهم أنه هكذا فعَل بأنبيائِه وصِفْوَتِه؛ لتَطِيبَ أنفسُهم، فقال: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ (^١).\nفمعنى قولِه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾: ولَنَخْتَبِرَنَّكم، وقد أتَيْنا على البيانِ عن أن معنى الابتلاءِ الاختبارُ، فيما مضَى قبلُ (^٢).\nوقولُه: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾، يعني: من الخوفِ مِن العدوِّ، وبالجوعِ، وهو القَحْطُ، يقولُ: لَنَخْتَبِرَنَّكُم بشيءٍ مِن خوفٍ ينالُكم مِن عدُوِّكم، وبسَنةٍ تُصيبُكم، ينالُكم فيها مجاعةٌ وشدَّةٌ وتَعَذُّرُ المطالبِ عليكم، فتنقُصُ لذلك أموالُكمْ، وحروبٍ تكونُ بينَكم، وبينَ أعدائِكم من الكفارِ، فينقُصُ لها عددُكم، وموتِ ذَرَاريِّكم وأولادِكم، وجُدوبٍ تحدُثُ، فتَنْقُصُ لها ثمارُكم، كلُّ ذلك امتحانٌ منِّي لكم، واختبارٌ منِّي لكم؛ ليتَبَيَّنَ صادقُوكُم في إيمانِهم مِن كاذِبِيكم فيه، ويُعرفَ أهلُ البصائرِ في دينِه (^٣) مِنكم مِن أهلِ النفاقِ فيه، والشكِّ والارتيابِ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٦٣، ٢٦٤ (١٤١٦، ١٤١٩) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) ينظر ما مضى في ١/ ٦٥٣، ٦٥٤.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"دينهم\".","vol":"2","page":704},{"text":"كلُّ ذلك خطابٌ منه لأتباعِ رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه.\nكما حدثني هارونُ بنُ إدريسَ الأصمُّ الكوفيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾. قال: هم أصحابُ محمدٍ ﷺ (^١).\nوإنما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾، ولم يقُلْ: بأشياءَ؛ لاختلافِ أنواعِ ما أعلمَ عبادَه أنه مُمتَحنُهم به، فلما كانَ ذلك مختلفًا - وكانتْ \"مِن\" تدلُّ على أن مع كلِّ نوعٍ منها مُضْمَرًا \"شيْءٌ\"، وأن معنى ذلك: ولَنَبْلونَّكم بشيْءٍ مِن الخوفِ، وبشيْءٍ من الجوعِ، وبشيْءٍ من نقصِ الأموالِ - اكتفَى بدَلالةِ ذِكرِ \"الشيْءِ\" في أولِه من إعادتِه مع كلِّ نوعٍ منها. ففعَل جلَّ ثناؤُه كلَّ ذلك بهِم، فامتحَنهم بضُروبِ المِحَنِ.\nكما حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾. قال: قد كان ذلك، وسيكونُ ما هو أشدُّ مِن ذلك، قال اللهُ عند ذلك: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ (^٢).\nثم قال جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ: وبشِّرْ، يا محمدُ، الصابرين على امتحانِي بما أمْتَحِنُهم (^٣) به، والحافظين أنفسَهم عن التقدّمِ على نهْيي عما أنهاهم عنه، والآخذِين\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٦٣ (١٤١٤، ١٤١٥)، من طريق عبد الملك به.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٩٦٨٦) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"امتحنتهم\".","vol":"2","page":705},{"text":"أنفُسَهم بأداءِ ما أكلِّفُهم مِن فرائضِي مع ابتلائِي إيَّاهم بما أبْتَلِيهم (^١) به، القَائلين إذا أصابتْهم مصيبةٌ: نحن (^٢) للهِ ونحن (^٢) إليه راجعون. فأمَره اللهُ ﷿ بأن يَخصَّ بالبشارَةِ على ما يَمْتَحِنُهم به من الشدائدِ، أهلَ الصبرِ الذين وصَف صِفتَهم.\nوأصلُ \"التبشيرِ\": إخبارُ الرجلِ الرجلَ الخبرَ يَسُرُّه أو يَسوءُه لم يَسْبِقْه به إليه غيرُه.\n\n<span id=\"aya-163\"></span><span data-type='title' id=toc-521>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾.</span>\nيعني بذلك: وبشِّرْ، يا محمدُ، [من الصابرين] (^٣)، الصابرين الذين يعلَمون أن جميعَ ما بهم مِن نعمةٍ فمنِّي، فيُقرُّون بعبودتي (^٤)، ويوحِّدونَني بالرُّبوبيةِ، ويصدِّقون بالمعادِ والرجوعِ إليَّ، فيَستسْلِمون لقضائِي، ويَرجُون ثَوابِي، ويخافون عقابِي، ويقولون - عندَ امتحانِي إيَّاهم ببعضِ مِحَنِي، وابتلائِي إيَّاهم بما وعَدتُهم أن أبتلِيَهم به من الخوفِ والجوعِ ونقصٍ من الأموالِ والأنفسِ والثمراتِ وغيرِ ذلك من المصائبِ التي أنا مُمْتَحِنُهم بها -: إنّا مماليكُ رِّبنا ومَعْبودِنا أحياءً ونحنُ عبيدُه، وإنّا إليه بعدَ مَماتِنا صائرونَ. تسليمًا لقضائِي ورضًا بأحكامِي.\n\n<span id=\"aya-164\"></span><span data-type='title' id=toc-522>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾.</span>\nيعني بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاءِ الصابرين الذين وصَفهم ونعَتهم.\n﴿عَلَيْهِمْ﴾ يعني: لهم ﴿صَلَوَاتٌ﴾ يعني: مغفرةٌ. وصلواتُ اللهِ على عبادِه:\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ابتليتهم\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إنا\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بعبوديتي\".","vol":"2","page":706},{"text":"غُفرانُه (^١)، كالذي رُوِي عن النبيِّ ﷺ أنه قال: \"اللّهُم صَلِّ على آلِ أبي أوْفَى\" (^٢).\nيعني: اغفرْ لهم.\nوقد بينَّا الصلاةَ وما أصلُها في غيرِ هذا الموضعِ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، يعني: ولهم مع المغفرةِ التي (^٤) صفَح عن ذنوبهم وتغمَّدها، رحمةٌ من اللهِ لهم ورأفةٌ.\nثم أخبَر ﷿ مع الذي ذكَر أنه مُعطيهم على اصطِبارِهم على مِحَنِه تسليمًا منهم لقضائِه من المغفرةِ والرحمةِ - أنهم هم المهتدون المصيبون طريقَ الحقِّ، والقائلون ما يُرْضِي عنهم ربَّهم (^٥)، والفاعلون ما استوجَبُوا به من اللهِ الجزيلَ مِن الثوابِ.\nوقد بيَّنا معنى الاهتداءِ فيما مضَى، وأنه بمعنى الرُّشْدِ للصوابِ (^٦).\nوبمعنى ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.\nذِكرُ مَن قال في لك\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ\n_________\n(^١) بعده في م: \"لعباده\"، وبعده في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عباده\".\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨). وينظر مسند الطيالسي (٨٥٧).\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٤٨.\n(^٤) بعده في م: \"بها\".\n(^٥) سقط من ت م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٣٤.","vol":"2","page":707},{"text":"الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾. قال: أخبرَ اللهُ أنّ المؤمنَ إذا سلَّم لأمرِ اللهِ، ورجَّع واسْتَرْجَعَ عندَ المصيبَةِ، كتَب اللهُ (^١) له ثلاثَ خصالٍ من الخيرِ: الصلاةَ مِن اللهِ، والرحمةَ، وتحقيقَ سبيلِ الهدَى. وقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"مَن اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ جَبَر اللهُ مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجعَل له خلَفًا صَالحًا يَرْضَاهُ\" (^٢).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾. يقولُ: الصلواتُ والرحمةُ على الذين صبرُوا واسْتَرْجعوا (^٣).\nحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ العُصْفُرِيِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: ما أُعطِيَ أحدٌ ما أُعطِيَتْ هذه الأُمةُ: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ ولو أُعطِيَها أحدٌ لأُعطِيَها يعقوبُ، ألمْ تسمَعْ إلى قولِه: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ (^٤) [يوسف: ٨٤].\n\n<span id=\"aya-165\"></span><span data-type='title' id=toc-523>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.</span>\nوالصَّفَا: جمعُ صَفَاةٍ، وهي الصخْرةُ المَلْساءُ، ومنه قولُ الطِّرِمُّاحِ بنِ حكيمٍ (^٥):\nأبَى لي ذُو القُوَى والطَّوْلِ ألَّا … يُؤِّبسَ (^٦) حافِرٌ أبَدًا صَفَاتِي\n_________\n(^١) ليس في: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٦٤ (١٤٢١)، والطبراني في الكبير (١٣٠٢٧)، والبيهقي في الشعب (٩٦٨٩) من طريق عبد الله بن صالح له.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٦٦ (١٤٢٨)، والبيهقي في الشعب (٩٦٨٦) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٦٥ (١٤٢٢)، والبيهقي في الشعب (٩٦٩١) من طريق سفيان العصفري به.\n(^٥) ديوانه ص ٢٤. وفيه يؤيس بدلا من يؤبس، وهما بمعنى. وينظر التاج (أ ب س، أ ي س).\n(^٦) ذو القوى والطول: هو الله تعالى ذكره، ويؤبس: يذلل ويكسر. ينظر التاج (أ ب س).","vol":"2","page":708},{"text":"وقد قيل: إن الصَّفَا واحدٌ، وأنه يُثنَّى صفَوَان، ويُجمعُ أصْفاءٌ وصُفِيًّا وصِفيًّا.\nواستشهَدوا على ذلك بقولِ الراجزِ (^١):\nكأنَّ مَتْنَيْه مِن النَّفِيِّ (^٢)\nمَوَاقِعُ الطَّيْرِ على الصُّفِيِّ\nوقالوا: هو نظيرُ عَصَا وعُصِيٍّ ورَحَا ورُحِيٍّ وأرْحَاءَ (^٣).\nوأمَّا المرْوَةُ فإنَّها الحصاةُ الصغيرةُ يُجمعُ قليلُها؛ مَرَوَاتٌ، وكثيرُها؛ المرْوُ مثلُ تمْرَةٍ وتمَراتٍ وَتمْرٍ. كما قال الأعشى ميمونُ بنُ قَيْسٍ (^٤):\n[وتُولِّى الأرْضَ] (^٥) خُفًّا زائِلًا (^٦) … فإذا ما صادَف المَرْوَ رَضَحْ (^٧)\nيعني بالمرْوِ: الحصَى (^٨) الصغارَ، ومِن ذلك قولُ أبي ذؤيبٍ الهُذَليِّ (^٩):\nحتى كأنّي للحَوَادِثِ مَرْوَةٌ … بصَفا المُشَرَّقِ (^١٠) كلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ\n[ويُقالُ: المشقَّرُ] (^١١). وإنما عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولهِ: ﴿إِنَّ الصَّفَا\n_________\n(^١) هو الأخيل الطائي. كما في اللسان (ن ف ى، هـ ى ص، هـ ى ض). وينظر أمالي القالي ٢/ ٨.\n(^٢) في الأصل، ت ١، ت ٣، وفي ت ٢: \"التقى\" والنفى: ما وقع عن الرِّشاء من الماء على ظهر المُستقى. وقيل: هو تطاير الماء عن الرشاء عند الاستقاء. اللسان (ن ف ى).\n(^٣) ينظر تفسير الطبري تحقيق الشيخ محمود شاكر ٢/ ٢٢٥.\n(^٤) ديوانه ص ٢٤١.\n(^٥) في م: \"وترى بالأرض\". وفي ت ٢: \"وترى الأرض\".\n(^٦) في الأصل: \"زابلا\"، وفي الديوان: \"مجمرًا\".\n(^٧) رضَح الحصى والنَّوى يَرْضَحه رَضْحا. كسره ودقَّه. التاج (ر ض ح).\n(^٨) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الصخر\". وينظر القاموس المحيط (م ر و).\n(^٩) ديوان الهذليين ١/ ٣ وشرح أشعار الهذليين ١/ ٩، واللسان: (ش ر ق).\n(^١٠) قال الضبي: المشرَّق المُصلَّى. قال ابن الأنباري: وإنما خص المشرق؛ لكثرة مرور الناس به. ديوان المفضليات ص ٨٥٧.\n(^١١) سقط من: الأصل. والمشقر: لفظ رواية أبي عبيدة، قال ابن الأنباري: يعني سوق الطائف.=","vol":"2","page":709},{"text":"وَالْمَرْوَةَ﴾. في هذا الموضعِ: الجَبَلَيْن المسمَّيَيْنِ بهذَيْنِ الاسْمَيْنِ اللذَيْنِ في حَرَمِه دونَ سائرِ الصَّفا والمرْوةِ (^١)، ولذلك أدخَل فيهما الألفَ واللَّامَ؛ ليُعْلِمَ عبادَه أنه عنَى بذلك الجبلَينْ المعروفَيْن بهذَيْن الاسمَيْن، دون سائرِ الأصفاءِ والمرْوِ.\nوأما قولُه: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾. فإنه يَعْني به: مِن معالم اللهِ التي جعَلَها جلَّ ثناؤُه لعبادِه مَعْلَمًا ومَشْعَرًا يعبدونَه عندَها إمَّا بالدُّعاءِ، وإمَّا بالذِّكرِ (^٢)، وإما بأداءِ ما فُرضَ عليهم من العملِ عندَها، ومنه قولُ الكُميْتِ (^٣) بنِ زيدٍ:\nنُقَتِّلُهُمْ جِيلًا (^٤) فجِيلًا نَرَاهُمُ (^٥) … شَعائِرَ قُرْبانٍ بِهِمْ نَتَقَرَّبُ (^٦)\nوكان مجاهدٌ يقولُ في الشعائرِ ما حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، حدثنا عيسى، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾. قال: من الخيرِ الذي أَخبَركم عنه (^٧).\nفكأنّ مجاهدًا كان يرى أن الشعائرَ إنما هو جمعُ شَعِيرةٍ من إشْعارِ اللهِ عبادَه أمْرَ الصفَا والمروةِ، وما عليهم في الطوافِ بهما، بمعنى (^٨) إعلامِهم ذلك، وذلك تأويلٌ من المَفْهومِ بعيدٌ.\n_________\n= ينظر المصدر السابق.\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المرو\".\n(^٢) في الأصل: \"الصلاة\". وفي ت ٣: \"بالفكرة\".\n(^٣) البيت في اللسان، والتاج (ش ع ر).\n(^٤) في م: \"جبيلا\".\n(^٥) في م، واللسان، والتاج: \"تراهم\". وينظر تفسير الطبري للشيخ محمود شاكر ٢/ ٢٢٦ حاشية (٣).\n(^٦) في م، ت ٢، ت ٣: \"يتقرب\".\n(^٧) تفسير مجاهد ص ٢١٧، بزيادة ستأتي في ص ٧١٦، ٧٢٣، ٧٢٨.\n(^٨) في م: \"فمعناه\".","vol":"2","page":710},{"text":"وإنما أعلَمَ اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾. عبادَه المؤمنين أن السَّعيَ بينهما مِن مَشاعرِ الحجِّ التي سنَّها لهم، وأمَر بها خليلَه إبراهيمَ ﷺ، إذْ سألَه أن يُرِيَه مناسكَ الحجِّ، وذلكَ وإنْ كان مَخرجُه مَخرَجَ الخبرِ، فإنه مرادٌ به الأمرُ؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه قد أمَر نبيَّه محمدًا ﷺ باتِّباعِ مِلةِ إبراهيمَ ﵇، فقال له: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وجعَل تعالى ذِكرُه إبراهيمَ إمامًا لمن بعدَه، فإذا كان صحيحًا أن الطوافَ والسعيَ بينَ الصفَا والمروةِ مِن شعائرِ اللهِ ومن مَناسِكِ الحجِّ، فمعلومٌ أنَّ إبراهيمَ ﷺ، قد عمِل به، وسنَّه لمَنْ بعدَه، وقد أُمِرَ نبيُّنا ﷺ وأُمَّتُه باتِّباعِه، فعليهمُ العملُ بذلكَ على ما بيَّنه رسولُ اللهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-524>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾.</span>\nيعني تعالى ذِكرُه: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ فمَن أتاه عائدًا إليه بعدَ بدءٍ، وكذلك كلُّ مَن أكثَرَ الاختلافَ إلى شيْءٍ فهو حاجٌّ إليه، ومنه قولُ الشاعرِ (^١):\nوأَشْهدَ مِن عَوْفٍ حُلُولًا كَثيرةً … يَحُجُّونَ بيتَ (^٢) الزِّبْرِقانِ (^٣) المُزَعْفَرَا\nيعني بقولِه يَحجُّون: يُكثِرون التردُّدَ إليه لسُؤْدَدِه ورِياسَتِه، وإنَّما قيل للحاجِّ: حاجٌّ. لأنه يأتي البيتَ قبلَ التعريفِ (^٤)، ثم يعودُ إليه للطوافِ (^٥) يومَ النَّحْرِ\n_________\n(^١) هو المخبل السعدى، والبيت في البيان والتبين ٣/ ٩٧، وفي التاج (س ب ب). واللسان (س ب ب، ح ج ج، ز ب ر ق).\n(^٢) كذا في النسخ، وفي مصادر التخريج: \"سِبّ\" والسب: هو العمامة كما ذهب إليه الجاحظ ووافقه الطبري، وذهب غيرهم إلى أن السب هنا هي الاست. ينظر تعليق الشيخ شاكر ٣/ ٢٢٨.\n(^٣) الزبرقان: هو حصين بن بدر الفزاري من سادات العرب. المصدر السابق (س ب ب).\n(^٤) التعريف: الوقوف بعرفات. اللسان (ع ر ف).\n(^٥) في م، ت ٣: \"لطواف\" وفي ت ٢: \"مرة بعد أخرى لطواف\".","vol":"2","page":711},{"text":"بعدَ التعريفِ، ثم يَنْصَرِفُ عنه إلى مِنًى، ثم يعودُ إليه لِطوافِ الصَّدَرِ (^١)، فلِتَكْرَارِه العَوْدَ إليه مرَّةً بعدَ أُخرى قيل له: حاجٌّ. وأما المعتمرُ فإنما قيلَ له: مُعْتَمِرٌ. لأنه إذا طاف به انْصَرَف عنه بعدَ زيارتِه إيّاه، وأما قولُه: ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ فإنه يعني: أو اعتمَرَ البيتَ، ويعني بالاعتمارِ الزيارَةَ، فكلُّ قاصدٍ لشيْءٍ فهو له مُعتمِرٌ، ومنه قولُ العَجَّاجِ (^٢):\nلَقَدْ سَمَا ابنُ مَعْمَرٍ حينَ اعْتَمَرْ\nمَغْزًى بَعيدًا مِن بَعيدٍ وضَبَرْ (^٣)\nيعني بقولِه حينَ اعْتَمر: حين قصَدَه وأَمَّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-525>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.</span>\nيعني تعالى ذِكرُه بقولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. يقولُ: فلا حَرَجَ عليه ولا مأْثَمَ في طوافِه بهما.\nفإن قال قائلٌ: وما وجهُ هذا الكلامِ، وقد قلْتَ لنا: إنّ قولَه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ وإنْ كان ظاهرُه ظاهرَ الخبرِ، فإنَّه في معنى الأمْرِ بالطوافِ بهما (^٤)؟ فكيف يكونُ أمْرًا بالطوافِ، ثم يقالُ: لا جُناحَ على مَن حَجَّ البيتَ أو اعْتَمر في الطوافِ بهما. وإنما يُوضعُ الجُناحُ عمن أتَى ما عليه بإتيانِه الجُناحَ والحَرَجَ،\n_________\n(^١) طواف الصدَر: هو طواف الوداع. وسمى بذلك؛ لأن الناس يصدرون عن مكة بهذا الطواف إلى أماكنهم بعد قضاء نسكهم. ينظر تاج العروس (ص د ر).\n(^٢) ديوانه ص ٥٠.\n(^٣) قال الأصمعي: إذا وثب الفرس فوقع مجموعة يداه، فذلك الضَّبْرُ. التاج (ض ب ر).\n(^٤) في الأصل: (بينهما).","vol":"2","page":712},{"text":"فالأمرُ بالطوافِ بهما، والترخيصُ في الطوافِ بهما غيرُ جائزٍ اجتماعُهما في حالٍ واحدةٍ؟! قيلَ: إنّ ذلك بخلافِ ما إليه ذهبتَ (^١)، وإنما معنَى ذلك عندَ أقوامٍ أن النبيَّ ﷺ لما اعتمَرَ عُمرةَ القضيَّةِ تَحَوَّبَ (^٢) أقوامٌ كانوا يَطُوفون بهما في الجاهليةِ قبلَ الإسلامِ لصَنَمَيْن كانا عليْهما؛ تعظيمًا منهم لهما فقالوا: وكيف نطوفُ بهما، وقد علِمْنَا أن تعظيمَ الأصنامِ وجميعِ ما كانَ مِن ذلك يُعبدُ مِن دونِ اللهِ باللهِ شِركٌ، [وطوافُنا] (^٣) بهذيْن الحَجَريْن أحدُ ذلك؛ لأن الطوافَ بهما في الجاهِليةِ إنما كان للصنمينِ اللذينِ كانَا عليهمَا، وقد جاء اللهُ اليومَ بالإسلامِ ولا سبيلَ إلى تعظيمِ شيْءٍ مع اللهِ بمعنى العبادةِ له؟! فأنزَل اللهُ تعالى ذِكرُه في ذلك مِن أمرِهمْ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ يعني: إنّ الطوافَ بهما. فترَك ذِكرَ الطوافِ بهما اكتفاءً بذكرِهما منه، إذْ كان معلومًا عند المخاطَبِينَ به أن معناهُ: من معالمِ اللهِ التي جعَلها عَلَمًا لعبادِه يَعبُدونَه عندَهما بالطوافِ بينَهما ويَذْكُرونه عليْهما وعندَهما، بما هو له أهلٌ من الذِّكرِ، فمَن حجَّ البيتَ أو اعتمَرَ فلا [يَتَحَوَّبَنَّ مِن] (^٤) الطوافِ بهما، مِن أجلِ ما كان أهلُ الجاهليةِ يَطوفُون بهما، مِن أجلِ الصنَمَيْن اللّذيْن كانَا عليهما، فإنّ أهلَ الشركِ كانوا يَطوفُون بهما كفرًا، وأنتم تَطوفُون بهما إيمانًا بي (^٥) وتصديقًا لرسولِي، وطاعةً لأمْرِي، فلا جُناحَ عليكم في الطوافِ بهما.\nوالجنُاحُ: الإثمُ. كما حدثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذهب\".\n(^٢) في م: \"تخوّف\"، والتَّحوُّبُ: التحوُّج والتأثُّم. وينظر اللسان (ح وب).\n(^٣) في م، ت ١، ت ٣: \"ففي طوافنا\". وفي ت ٢: \"بطوافين في صلواتنا\".\n(^٤) في م: \"يتخوفن\".\n(^٥) سقط من م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":713},{"text":"السُّديِّ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. يقولُ: ليس عليه إثمٌ ولكنْ له أجرٌ.\nوبمثلِ الذي قلْنا في ذلك تظاهرتِ الروايةُ عن السَّلفِ من الصحابةِ والتابعين.\nذِكرُ الأخبارِ التي رُويتْ بذلك\nحدثني محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبي الشواربِ: قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا داودُ، عن الشَّعبيِّ، أن وَثَنًا كان في الجاهليةِ على الصَّفَا يُسمَّى إسَافًا، ووَثَنًا على المَرْوةِ يُسمَّى نائلةَ، فكان أهلُ الجاهليةِ إذا طافوا بالبيتِ مسَحُوا الوثَنَيْن؛ فلمَّا جاء الإسلامُ وكُسرت الأوثانُ، قال المسلمون: إن الصّفا والمروةَ إنما كان يُطافُ بهما من أجلِ الوثَنينْ، وليس الطوافُ بهما مِن الشعائرِ. قال: فأنزَل اللهُ أنهما من الشعائرِ: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (^١).\nحدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشَّعبيِّ، نحوَه، وزادَ فيه، قال: فجعَله اللهُ تَطوُّعَ خيرٍ.\nحدثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: كان صَنمٌ بالصَّفا يُدعى إسافًا، ووَثَنٌ بالمروةِ يُدعَى نائلةَ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابنِ أبي الشواربِ، وزادَ فيه، قال: فذُكِّرَ الصَّفا من أجل الوثَنِ الذي كان عليه مذكَّرًا، وأُنِّث المروةُ من أجلِ الوثنِ الذي كان عليه مؤنَّثًا.\nحدثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن أبي زائدَةَ، قال: أخبَرني عاصمٌ الأحولُ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٣٤ - تفسير) من طريق داود بن أبي هند به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وعزاه الحافظ في الفتح ٣/ ٥٠٠ إلى الفاكهي وإسماعيل القاضي في الأحكام بإسناد صحيح عن الشعبي.","vol":"2","page":714},{"text":"قلتُ لأنسِ بنِ مالكٍ: أَكُنتم تكرهون الطوافَ بينَ الصَّفَا والمروةِ حتى نزَلتْ هذه الآيةُ؟ فقال: نعم كنّا نَكرَهُ الطوافَ بينَهما؛ لأنهما مِن شعائرِ الجاهليةِ حتى نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ (^١).\nحدثني عليُّ بنُ سهلٍ الرَّمْليُّ، قال: ثنا مُؤَمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، قال: سأَلتُ أنسًا عن الصفَا والمروةِ، فقال: كانتا من مشاعرِ أهلِ الجاهليةِ، فلما كان الإسلامُ أمْسَكوا عنهما، فنَزلتْ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ (^٢).\nحدثني عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ بنِ عبدِ الوارثِ [قال: حدثني أبي] (^٣)، قال: حدثني الحسينُ (^٤) المعلِّمُ، قال: ثنا شيبانُ (^٥) أبو معاويةَ، عن جابرٍ الجُعْفيِّ، عن عمرِو بنِ حُبشيٍّ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قال: انْطلِقْ إلى ابنِ عباسٍ فاسْألْه، فإنه أعلمُ مَن بقيَ بما أُنزِل على محمدٍ ﷺ، فأتيتُه فسألتُه، فقال: إنه كان عندَهما أصْنَامٌ (^٦)، فلمَّا حُرِّمْنَ أمسَكوا عن الطوافِ بينهما حتى أُنزلتْ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٤٨)، ومسلم (١٢٧٨)، والنسائي في الكبرى (٣١٥٩)، وابن خزيمة (٢٧٦٨) من طرق عن عاصم به. وينظر ما سيأتي في ص ٧١٧، ٧٢٣.\n(^٢) أخرجه عبد بن حميد (١٢٢٤ - منتخب)، والبخاري (٤٤٩٦)، والترمذي (٢٩٦٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٦٧ (١٤٣٢) من طريق سفيان به.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"أبو الحسين\". ينظر تهذيب الكمال ٦/ ٤٧٢.\n(^٥) في م: \"سنان\" وهو تحريف.\n(^٦) بعده في الأصل: \"وعند البيت أصنام\". وليس في مصدر التخريج.\n(^٧) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٣١ عن عمرو بن حبشي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٥٩ إلى المصنف.","vol":"2","page":715},{"text":"حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: حدثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾. وذلك أن ناسًا تَحرًّجُوا (^١) أن يَطَّوَّفُوا بينَ الصفَا والمروةِ، فأخبَر اللهُ أنهما مِن شعائرِه، والطوافُ بينَهما أحبُّ إليه (^٢)، فمضت السُّنةُ بالطوافِ بينَهما (^٣).\nحدثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. قال: زعَم أبو مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان في الجاهليةِ شياطينُ تعزِفُ (^٤) الليلَ أجمعَ بينَ الصفا والمروةِ، وكانت بينَهما آلهةٌ، فلمّا جاء الإسلامُ وظهَر، قال المسلمون: يا رسولَ اللهِ لا تَطُوفَنَّ (^٥) بينَ الصفَا والمروةِ، فإنه شِرْكٌ كنّا نَصْنَعُه (^٦) في الجاهليةِ فأنزَل اللهُ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (^٧).\nحدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ قال: قالت الأنصارُ: إن السعيَ بينَ هذينِ الحَجَريْن مِن أمرِ الجاهليةِ، فأنزَل اللهُ تعالى ذِكرُه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ (^٨).\n_________\n(^١) في م: \"كانوا يتحرّجون\".\n(^٢) في الأصل: \"إلى\". وينظر مصدر التخريج.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٥٩ إلى المصنف.\n(^٤) عزيف الجن: جرس أصواتها. اللسان (ع ز ف).\n(^٥) في م: \"نطوف\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نفعله\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٦٧ (١٤٣٥)، والحاكم ٢/ ٢٧١ من طريق عمرو عن أسباط به. كلاهما بزيادة في آخره \"يقول: ليس عليه إثم ولكن له أجر\". وأخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ١٠٠ من طريق عامر بن الفرات، عن أسباط به.\n(^٨) أخرجه سعيد بن منصور سننه (٢٣٥ - تفسير) عن ابن علية به. وتقدم أوله في ص ٧١٠.","vol":"2","page":716},{"text":"حدثني محمدُ بنُ عَمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\n[حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه] (^١).\nحدثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. قال: كان أهلُ الجاهليةِ قد وضَعوا على كلِّ واحدٍ منهما صنمًا يُعَظِّمونَهما؛ فلمَّا أسلَم المسلمون كرِهوا الطوافَ بالصفَا والمروةِ لمكانِ الصنَمينْ، فقال اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ وقرَأ: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] وسَنَّ رسولُ اللهِ ﷺ الطوافَ بهما.\nحدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، قال: قلت لأنسِ بنِ مالكٍ: الصفَا والمروةَ أكنتمْ تكرَهون أنْ تطوفُوا بهما مع الأصنام التي نُهيتُم عنها؟ قال: نعمْ حتى نزَلتْ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ (^٢).\nحدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، قال: سَمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: إن الصفَا والمروةَ كانا من مشَاعرِ قريشٍ في الجاهليةِ، فلمَّا كان الإسلامُ تَرَكْنَاهُما.\nوقال آخرون: بل أنزَل اللهُ تعالى ذكرُه هذه الآيةَ في سببِ قومٍ كانوا في الجاهليةِ لا يسعَوْنَ بينَهما، فلما جاءَ الإسلامُ تَحَوَّبوا (^٣) السعْيَ بينَهما كما\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٧١٥.\n(^٣) في م: \"تخوّفوا\".","vol":"2","page":717},{"text":"كانوا يَتَحَوَّبُونه (^١) في الجاهليةِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ الآيةَ، فكان حيٌّ مِن تِهامَةَ في الجاهليةِ لا يسعَوْن بينَهما، فأخبَرهمُ اللهُ أنّ الصفَا والمروةَ من شعائرِ اللهِ وكان من سُنةِ إبراهيمَ وإسماعيلَ الطوافُ بينَهما (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: كان ناسٌ من أهلِ تِهامةَ لا يَطُوفُونَ بين الصفَا والمروةِ، فأنزلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.\nحدَّثْنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبد اللهِ قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني عُقيلٌ، عن ابنِ شهابٍ، قال: حدَّثني عروةُ بنُ الزبيرِ، قال: سألتُ عائشةَ فقلتُ لها: أرأيتِ قولَ اللهِ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ وقلتُ لعائشةَ: واللهِ ما على أحدٍ جُناحٌ أن لا يطُوف بالصفَا والمروةِ؟ فقالتْ عائشةُ: بئسَ ما قلتَ يا ابنَ أختِي، إن هذه الآيةَ لو كانت كما أوَّلتَها كانت: لا جُناحَ عليه أن لا يطَّوَّفَ بهما، ولكنها إنما أُنزِلتْ في الأنصارِ كانوا قبلَ أنْ يُسْلموا يُهِلُّونَ لمنَاةَ الطاغيةِ التي كانوا يَعْبُدونَ بالمُشَلَّلِ (^٣)، وكان مَن أهَلَّ لها يَتَحرَّج أن يَطُوفَ بالصفَا والمروةِ، فلمّا أسلموا سألوا رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، إنّا كنّا نتحرّجُ أن نطوفَ بالصَّفَا والمروةِ. فلما\n_________\n(^١) في م: \"يتخوّفونه\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٠ إلى المصنف.\n(^٣) المشلّل، بالضم ثم الفتح: جبل يُهبط منه إلى قُديدٍ (موضع قرب مكة) من ناحية البحر. ينظر معجم البلدان ٤/ ٥٤٣، ومعجم ما استعجم ٣/ ١٠٥٥، ٤/ ١٢١٧، ١٢٣٣.","vol":"2","page":718},{"text":"سألوا رسولَ اللهِ عن ذلك؛ أنزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. قالت عائشةُ: ثم قدْ سنَّ رسولُ اللهِ ﷺ الطوافَ بينَهما، فليس لأحدٍ أن يترُكَ الطوافَ بينَهما (^١).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رجالٌ مِن الأنصارِ مِمَّن يُهِلُّ لمنَاةَ في الجاهليةِ، ومَناةُ صَنمٌ بينَ مكةَ والمدينةِ، قالوا: يا نبيَّ الله، إنّا كنا لا نطوفُ بينَ الصفَا والمروةِ تعظيمًا لمناةَ، فهلْ علينا مِن حَرَجٍ أن نطوفَ بهما؟ فأنزَل اللهُ تعالَى ذِكرُه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] قال عروةُ: فقلت لعائشةَ: ما أبالِي أن لا أطوفَ بينَ الصفَا والمروةِ، قال اللهُ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ قالت: يا ابنَ أختِي، ألَا ترى أنه يقولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾. قال الزهريُّ: فذكرتُ ذلك لأبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشام، فقال: هذا العلمُ! قال أبو بكرٍ: ولقد سمِعتُ رِجالًا مِن أهلِ العلمِ يقولون: لمّا أنزَل اللهُ الطوافَ بالبيتِ، ولم يُنزِلِ الطوافَ بينَ الصفَا والمروةِ، قيل للنبيِّ ﷺ: إنّا كُنا نطوفُ في الجاهليةِ بينَ الصفَا والمروةِ، وإنّ اللهَ قد ذكَر الطوافَ بالبيتِ، ولم يَذْكُرِ الطوافَ بينَ الصفَا والمروةِ، فهل علينا مِن حرَجٍ أن لا نطوفَ بهما؟ فأنزَل اللهُ تعالى ذِكرُه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ الآيةَ كلَّها. قال أبو بكرٍ: فأسمعُ هذه الآيةَ نزلتْ في الفريقينْ كلَيْهما؛ فيمن طافَ وفيمن لمْ يَطُفْ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢٧٧/ ٢٦٢)، والبيهقي ٥/ ٩٦، ٩٧ من طريق ليث به. وأخرجه أحمد ٦/ ١٤٤، ٢٢٧ (الميمنية)، والبخاري (١٦٤٣، ٤٨٦١)، ومسلم (١٢٧٧/ ٢٦١، ٢٦٣)، والترمذي (٢٩٦٥)، والنسائي (٢٩٦٧، ٢٩٦٨)، وأبن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٦٦ (١٤٣٠، ١٤٣١) من طريق الزهري به. وسيأتي من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه في ص ٧٢١، ٧٢٦.\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ١٦٢ (الميمنية)، وابن أبي داود في المصاحف ص ١٠٠ من طريق عبد الرزاق به.","vol":"2","page":719},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، [قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ] (^١)، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، قال: كان ناسٌ من أهلِ تِهامةَ لا يطوفون بينَ الصفَا والمروةِ، فأنزلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنَا، أن يُقال: إنّ اللهَ تعالى ذِكرُه قد جعَل الطوافَ بينَ الصفَا والمروةِ مِن شعائرِ اللهِ، كما جعَل الطوافَ بالبيتِ مِن شعائرِه، فأما قولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فجائزٌ أن يكونَ قيلَ لكلَا الفريقين اللّذيْنِ تَحَوَّب (^٣) بعضُهم الطوافَ بهما مِن أجلِ الصّنميِنْ اللَّذيْنِ ذكَرهما الشعبيُّ (^٤)، وبعضُهْم من أَجْلِ ما كان مِن كراهتِهم الطوافَ بهما (^٥) في الجاهليةِ على ما رُويَ عن عائشةَ. وأيُّ الأمريْنِ كان مِن ذلك فليس قولِ اللهِ تعالى ذِكرُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ دَلالةٌ [في الآيةِ] (^٦) على أنه عَنى به وضْعَ الحرَجِ عمَّن طاف بهما، مِن أجلِ أن الطوافَ بهما كان غيرَ جائزٍ بحظْرِ اللهِ ذلك، ثم جَعَل الطوافَ بهما رُخْصةً؛ لإجماعِ الجميعِ على أنَّ اللهَ تعالى ذِكرُه لم يَحظُرْ ذلك في وقتٍ، ثم رخَّص فيه بقولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.\nوإنما الاختلافُ في ذلك بينَ أهلِ العلمِ على أوْجُهٍ؛ فرأَى بعضُهم أن تاركَ الطوافِ بينَهما تاركٌ من مَناسكِ حَجِّهِ ما لا يُجزئُه منه غيرُ قضائِه بعَيْنِه، كما لا\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) تقدم في ص ٧١٨.\n(^٣) في م: \"تخوف\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ٧١٣.\n(^٥) في الأصل: \"بينهما\".\n(^٦) سقط من: م.","vol":"2","page":720},{"text":"يُجْزِئُ تاركَ الطوافِ، الذي هو طوَافُ الإفاضةِ إلا قَضاؤُه بعَيْنِه، وقَالوا: هما طوافانِ أمَر اللهُ بهما؛ أحدُهما بالبيتِ، والآخرُ بينَ الصفَا والمروةِ، [حُكْمُهما واحدٌ] (^١).\nورأَى بعضُهم أن تاركَ الطوافِ بهما يُجزئُه مِن تَرْكِه فِديةٌ، ورأَوْا أنَّ حُكمَ الطوافِ بهما حُكْمُ رَمْيِ بعضِ الجمَراتِ، والوقوفِ بالمشعَرِ، وطوافِ الصَّدَرِ، وما أشبهَ ذلك مما يُجزِئُ تارِكَه مِن تَرْكِه فديةٌ، ولا يَلْزَمُه العوْدُ لقضَائِه بعينِه.\nورأى آخرون أنَّ الطوافَ بهما تطوُّعٌ؛ إنْ فعَله فاعلٌ (^٢) كان مُحْسنًا، وإن ترَكه تاركٌ لم يلْزَمْه بترْكِه شيْءٌ. واللهُ تعالى أعلمُ.\nذِكرُ مَن قال: إنّ الطوافَ (^٣) بينَ الصفا والمروةِ واجبٌ ولا يُجزِئُ منه فديةٌ، ومَن ترَكهُ فعليه [العَوْدُ له] (^٤)\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالتْ: لعَمرِي ما حجَّ مَن لمْ يسْعَ بينَ الصَّفَا والمروةِ؛ لأنَّ اللهَ ﵎ يقولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ (^٥).\nحدثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال مالكُ بنُ أنسٍ: مَن نَسِيَ السعيَ بينَ الصفَا والمروةِ، حتى يَسْتَبْعِدَ مِن مكّةَ فلْيَرْجِعْ فلْيَسْعَ، وإن كان قد أصابَ النساءَ فعليه العُمْرةُ والهَدْيُ (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"صاحبه\".\n(^٣) في م: \"السعي\".\n(^٤) في م: \"العودة\".\n(^٥) أخرجه مسلم (١٢٧٧/ ٢٥٩، ٢٦٠)، وابن ماجه (٢٩٨٦) من طريق هشام بن عروة به. وسيأتي من طريق مالك عن هشام في ص ٧٢٦. وسبق من طرق عن الزهري في ص ٧١٨، ٧١٩.\n(^٦) الموطأ ١/ ٣٧٤ (١٣٠).","vol":"2","page":721},{"text":"وكان الشافعيُّ يقولُ: على مَن ترَك الطوافَ (^١) بينَ الصفا والمروةِ حتى (^٢) يرجعَ إلى بلدِه، العوْدُ إلى مكةَ حتى يطوفَ بينَهما، لا يُجزئُه غيرُ ذلك، حدَّثنا بذلك عنه الربيعُ (^٣).\nذِكرُ مَن قال: يُجزئُ منه دمٌ وليس عليه عَوْدٌ لقضائِه\nقال الثوريُّ فيما حدَّثني به عليُّ بنُ سهل، عن زيدِ بنِ أبي الزرقاءِ عنه (^٤)، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: إن عاد تاركُ الطوافِ بينَهما لقضائِه فحسنٌ، وإن لم يعُدْ فعليه دَمٌ (^٥).\nذِكرُ مَن قال: الطوافُ بينَهما تطوُّعٌ ولا شيْءَ على مَن ترَكه، ومَن كان يقرأُ: (فلا جُناحَ عليه أن لا يطَّوَّف بهما)\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابنُ جُريجٍ، قال: قال عطاءٌ: لو أن حاجًّا أفاض بعدَ رَمْي الجَمْرةِ؛ جَمرةِ العقبةِ فطاف بالبيتِ ولم يَسْعَ، فأصابَها، يعني امرأتَه، لم يكن عليه شيْءٌ؛ لا حجٌّ ولا عمرةٌ، من أجلِ قولِ اللهِ في مصحفِ ابنِ مسعودٍ: (فمَنْ حَجَّ البيتَ [أوِ اعتَمَرَ] (^٦) فلا جُناحَ عليه أن لا يَطَّوَّف بهما). فعاودْتُه بعدَ ذلك، فقلتُ له (^٧): إنه قد ترَك سُنةَ النبيِّ ﷺ قال: ألا تَسْمَعُه يقولُ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] فأبَى أن يَجْعَلَ عليه شيئًا (^٨).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"السعي\".\n(^٢) في ت ٢: \"حين\".\n(^٣) الأم ٢/ ٢١٠.\n(^٤) ذكره ابن عبد البر في الاستذكار ١٢/ ٢٠٢ (١٧٣٥١).\n(^٥) ذكره ابن عبد البر في الاستذكار ١٢/ ٢٠٢ (١٧٣٥٢).\n(^٦) سقط من: الأصل. والقراءة في مصحف ابن مسعود وأبي بن كعب، وهي أيضًا قراءة أنس وابن عباس وابن سيرين وشهر بن حوشب وهي قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط ١/ ٤٥٦.\n(^٧) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٨) ذكره ابن عبد البر في الاستذكار ١٢/ ٢٠٦ (١٧٣٧٣) عن عطاء، وروى ابن حزم القراءة في المحلى ٧/ ١١١ =","vol":"2","page":722},{"text":"حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه كان يقرأُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (^١).\nحدثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، قال: سمِعتُ أنسًا يقولُ: الطوافُ بهما (^٢) تطوُّعٌ (^٣).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، قال: أخبرنا عاصمٌ الأحولُ، قال: قال أنسُ بنُ مالكٍ: هما تطوُّعٌ (^٣).\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قال: فلم يُحرِّجْ من لم يَطفْ بهما (^٤).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ (^٥)، عن قيسٍ (^٦)، عن عطاءٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ الزبيرِ قال: هما تطوُّعٌ.\n_________\n= من طريق عبد بن حميد عن الضحاك عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن مسعود.\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الفضائل ص ١٦٣، وابن أبي داود في المصاحف ص ٧٣ من طريق هشيم به. وأخرجه أبو عبيد ص ١٦٣، والبيهقي في المعرفة (٢٩٨٤) من طريق عبد الملك به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بينهما\".\n(^٣) تقدم طرف منه في ص ٧١٤ - ٧١٧. وينظر تفسير الثوري ص ٥٣.\n(^٤) تقدم أوله في ص ٧١٠.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أحمد\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عيسى بن قيس\".","vol":"2","page":723},{"text":"حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، قال: قلتُ لأنسِ بنِ مالكٍ: السعيُ بينَ الصفَا والمروةِ تطوُّعٌ؟ فقال: تطوُّعٌ (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن الطوافَ بهما فرضٌ واجبٌ، وأن على مَن ترَكه العَوْدَ لقضائِه، ناسيًا كان ترَكهَ (^٢) أو عامدًا، لا يُجزِئُهُ غيرُ ذلك، لتظاهُرِ الأخبارِ عن النبيِّ ﷺ أنه حجَّ بالناسِ فكان مما علَّمهم من مناسكِ حجِّهم الطوافُ بهما.\nذِكرُ الروايةِ عنه بذلك\nحدثني يوسُفُ بنُ سلمانَ البصريُّ (^٣)، قال: ثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، قال: لما دنا رسولُ اللهِ ﷺ من الصفَا في حجَّتِه (^٤)، قال: \" ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾، ابدَءُوا بِمَا بَدأ اللهُ به (^٥) \".\nفبدأَ بالصفَا فرقِى عليه (^٦).\nحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا محمود بنُ ميمونٍ أبو الحسنِ، عن أبي بكرِ بنِ عياشٍ، عن ابنِ عطاءٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: \" ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ \". فأتَى الصفَا فبَدأَ بها، فقام عليها، ثم أتى المروةَ فقام عليها وطاف سَبْعًا (^٧).\n_________\n(^١) تقدم طرف منه في ص ٧١٦.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) زيادة من الأصل.\n(^٤) في م: \"حجة\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣. \"بذكره\".\n(^٦) أخرجه عبد بن حميد (١١٣٣)، ومسلم (١٢١٨/ ١٤٧)، وأبو داود (١٩٠٥)، وابن ماجه (٣٠٧٤) من طريق حاتم بن إسماعيل به. وهذا الحديث جزء من حديث جابر، الطويل المشهور. وينظر مسند الطيالسي (١٧٧٣).\n(^٧) في م: \"وسعى\".","vol":"2","page":724},{"text":"فإذ كان صحيحًا بإجماعِ الجميعِ مِن الأمَّةِ أن الطوافَ بهما [مما علَّم] (^١) النبيُّ أمَّتَه في مناسكِهم، وعَمِلَه في حجِّه وعُمرتِه، وكان بيانُه لأمَّتِه جُمَلَ ما نصَّ اللهُ في كتابِه، وفرَضه في تَنْزِيلِه، وأمَر به مما لا (^٢) يُدْرَكُ عِلْمُه إلَّا بِبَيانِه ﵇، لازمًا العملُ به أمَّتَه، لما قد بَيَّنَّا في كتابِنا \"كتابِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ\" إذا اخْتَلَفَت الأُمةُ في وُجُوبِه، ثم كان مُخْتَلَفًا في الطوافِ بينَهما: هل هو واجِبٌ أم غيرُ واجبٍ - كان بيِّنًا وُجوبُ فَرْضِه على مَن حجَّ أو اعْتَمَر لما وصَفْنا.\nوكذلك وجوبُ العوْدِ لقضاءِ الطوافِ بينَ الصفَا والمروةِ، لمَّا كان مُخْتَلَفًا فيها (^٣) على مَن ترَكه، مع إجماعِ جَميعِهم، على أنَّ ذلك مما فعَله رسولُ اللهِ ﷺ، وعلَّمه أُمتَه في حجِّهم (^٤)، إذْ علَّمَهُم مَناسِكَ حجِّهم، كما طافَ بالبيتِ، وعلَّمه أمتَه في حجِّهم وعُمرتِهم، إذْ علَّمهم مناسكَ حجِّهم وعمرتِهم. ثم أجمع الجميعُ على أن الطوافَ بالبيتِ لا تُجزِئُ منه فِديةٌ ولا بَدَلٌ، ولا يُجْزِئُ تاركَه إلا العوْدُ لقضائِه، كان نظيرًا له الطوافُ بالصفَا والمروةِ، لا تُجزِئُ منه فديةٌ ولا جزاءٌ، ولا يُجِزئُ تاركَه إلا العوْدُ لقضائِه، إذْ كانا كلاهُما طَوافين؛ أحدُهما بالبيتِ، والآخرُ بالصفَا والمروةِ، ومَن فرَّق بينَ حُكْميهما (^٥) عُكِس عليه القولُ فيه، ثم سُئلَ البرهانَ على التفرقةِ بينَهما.\nفإنِ اعْتَلَّ بقراءةِ مَن قرَأ: (فلا جُنَاحَ عليه أن لا يطَّوَّفَ بهما). قيل: ذلك قراءةُ (^٦) خلافِ ما في مصاحفِ المسلمينَ، غيرُ جائزٍ لأحدٍ أن يزيدَ في مصاحفِهم\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"على تعليم\". وفي ت ٣: \"على عمل\".\n(^٢) في م: \"لم\".\n(^٣) في م: \"فيما\".\n(^٤) بعده في م: \"وعمرتهم\".\n(^٥) في م: \"حكمهما\".\n(^٦) سقط من: م.","vol":"2","page":725},{"text":"ما ليس فيها، وسواءٌ قرَأ ذلك كذلك قارئٌ، أو قرَأ قارئٌ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، (فلا جُناحَ عليهم (^١) أن لا يطَّوَّفوا به) فإنْ جازتْ (^٢) إحدَى الزيادتينِ اللَّتيْن ليستَا في المصاحِفِ (^٣) كانت الأخْرَى نظيرتَها، وإلَّا كان مُجيزُ إحداهُما إذا منَع الأخرى مُتَحَكِّمًا، والتَّحَكُّمُ فلا يَعْجِزُ عنه أحدٌ، وقد رُوِيَ إنكارُ هذه القراءةِ وأن يكونَ التنزيلُ بها، عن عائشةَ.\nحدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني مالكُ بنُ أنسٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، قال: قلت لعائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ وأنا يومئذٍ حديثُ السِّنِّ: أرأيتِ قولَ اللهِ ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. فما نرَى على أحدٍ شيئًا أن لا يطوَّفَ بهما؟ فقالت عائشةُ: كلَّا لو كانتْ كما تقولُ كانتْ: فلا جُناحَ عليه أن لا يطوَّفَ بهما. إنما أُنزلتْ هذه الآيةُ في الأنصارِ؛ كانوا يُهِلُّونَ لِمَناةَ وكانتْ مَناةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ، وكانوا يَتحرَّجون أن يَطُوفُوا بينَ الصفَا والمروَةِ؛ فلمَّا جاء الإسلامُ سألوا رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك، فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (^٤).\nوقد يَحتمِلُ قراءةُ مَن قرَأ: (فلا جناحَ عليه أن لا يطَّوَّف) [أن يكونَ معناها: فلا جناحَ عليه أن يطَّوَّف ﴿بِهِمَا﴾] (^٥) - أن تكونَ \"لا\" التي هي مع \"أن\" صِلَةً في الكلامِ (^٦)،\n_________\n(^١) في م: \"عليه\".\n(^٢) في م: \"جاءت\".\n(^٣) في م: \"المصحف\".\n(^٤) الموطأ ١/ ٣٧٣ (١٢٩)، ومن طريقه البخاري (١٧٩٠)، وأبو داود (١٩٠١)، والنسائي في الكبرى (١١٠٠٩). وأخرجه أبو داود (١٩٠١) من طريق ابن وهب به. وسبق من طريق وكيع عن هشام في ص ٧٢١، ومن طرق عن الزهري عن عروة في ص ٧١٨، ٧١٩.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٩٥.","vol":"2","page":726},{"text":"إذْ كان قد تقدَّمَها جَحْدٌ في الكلامِ قبلَها، وهو قولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾، فيكونُ نظيرَ قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]. بمعنى ما منعكَ أن تسجدَ، كما قال الشاعر (^١):\nما كان يَرْضَى رسولُ اللهِ فعلَهمُ (^٢) … والطيِّبان أبو بَكْرٍ ولا عُمَرُ\nفلو كان رسمُ المصحفِ كذلك لم يكن فيه لمحتجٍّ به حجةٌ، مع احتمالِ الكلامِ ما وصفْنَا؛ لما بيَّنَّا من أنّ ذلك مما علَّم رسولُ اللهِ ﷺ أمَّتَه في مناسكِهم على ما ذَكَرْنا، ولدَلالةِ القياسِ على صحتِه، فكيف وهو خلافُ رُسومِ مصاحفِ المسلمين، ومما لوْ قرأ به اليومَ قارئٌ كان مُسْتَحِقًّا العقوبةَ؛ لزيادتِه في كتابِ اللهِ ﷿ ما ليس منه؟!\n\n<span data-type='title' id=toc-526>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.</span>\nاختَلَف القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامَّةُ قَرَأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ (^٣). على لفظِ المُضِيِّ؛ بالتاءِ وفَتْحِ العينِ. وقرأتْه عامةُ قرَأةِ الكوفيين: (ومَنْ يَطَّوَّعْ خيرًا) (^٤) بالياءِ وجَزْمِ العينِ وتشْديدِ الطاءِ، بمعنى: ومَن يتطوَّعْ. وذُكِر أنها في قراءةِ عبدِ اللهِ (ومَن يَتطوّعْ) (^٥). فقرأتْ ذلك قَرَأَةُ أهلِ الكوفةِ، على ما وصَفْنا، اعتبارًا بالذي ذكرْنا مِن قراءةِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، سوَى عاصمٍ فإنه وافَق المدنيِّينَ، فشدّدُوا الطاءَ طلبًا لإدغامِ التاءِ في الطاءِ. وكلْتَا القراءتَينْ معروفةٌ\n_________\n(^١) هو جرير بن عطية. والبيت تقدم في ١/ ١٩٣.\n(^٢) في م: \"فعلهما\".\n(^٣) هذه قراءة غير حمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ١١٨.\n(^٤) هذه قراءة حمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ١١٨.\n(^٥) حجة القراءات ص ١١٨. وقراءته: (ومن يتطوع بخير). وهي قراءة شاذة. ينظر المصاحف ص ٥٧، والبحر المحيط ١/ ٤٥٨.","vol":"2","page":727},{"text":"صحيحةٌ متفِقٌ مَعْنيَاهما غيرُ مُخْتَلِفَينْ؛ لأن الماضِيَ من الفعلِ مع حروفِ الجزاءِ بمعنى المستقبلِ، فبأيِّ هاتَينْ القراءتَينْ قرَأ ذلك قارئٌ فمصيبٌ.\nومعنى ذلك: فمَن تطوَّع بالحجِّ والعمرةِ بعدَ قضاءِ حَجَّتِه الواجبةِ عليه، فإن اللهَ شاكرٌ له على تطوُّعِه له بما تطوَّع به من ذلك ابتغاءَ وجهِه فمجازِيه به، عليمٌ بما قصَد وأرادَ بتطوُّعِه بما تطوَّع منه (^١).\nوإنما قلنا: إنَّ الصوابَ في معنى قولِه: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ هو ما وصفْنَا دونَ قولِ مَن زعَم أنه معنيٌّ به: فمَن تطوَّعَ بالسعي والطوافِ بينَ الصفا والمروةِ. لأن الساعيَ بينَهما لا يكونُ متطوعًا بالسعي بينَهما إلَّا في حجِّ تَطوُّعٍ أو عُمرةِ تطوُّعٍ، لمَا وصفْنَا قبلُ. وإذ كان ذلك كذلك كان معلومًا أنه إنما عنَى بالتطوُّعِ بذلك، التطوّعَ بما يُعمَلُ ذلك فيه من حجٍّ أو عمرةٍ.\nوأما الذين زعَمُوا أن الطوافَ بهما تطوُّعٌ لا واجبٌ، فإن الصوابَ أن يكونَ تأويلُ ذلك على قولِهم: فمَن تطوَّعَ بالطوافِ بهما فإن اللهَ شاكرٌ. لأنَّ للحاجِّ والمعتمرِ على قولِهم الطوافَ بهما إن شاءَ، وتَرْكَ الطوافِ، فيكونُ معنى الكلامِ على تأويلهم: فمَن تطوَّعَ بالطوافِ بالصفَا والمروةِ، فإنّ اللهَ شاكرٌ تطوعَه ذلك، عليمٌ بما أرادَ ونوَى الطائفُ بهما كذلك.\nكما حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. قال: مَن تطوَّعَ خيرًا فهو خيرٌ له، تطوَّع رسولُ اللهِ ﷺ فكانتْ من السُّنَنِ (^٢).\n_________\n(^١) في م: \"به\".\n(^٢) تقدم أوله في ص ٧١٠.","vol":"2","page":728},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك: ومَن تطوَّعَ خيرًا فاعتمرَ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾: ومَن تطوَّعَ خيرًا فاعتمرَ فإن اللهَ شاكرٌ عليمٌ؛ قال: فالحجُّ فريضَةٌ، والعمرةُ تطوُّعٌ، ليستِ العمرةُ واجبةً على أحدٍ من الناسِ.\n\n<span id=\"aya-166\"></span><span data-type='title' id=toc-527>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾.</span>\nوإنما يَعْني بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾: علماءَ اليهودِ وأحبارَها وعلماءَ النصارى؛ لكِتْمانِهم الناسَ أمرَ محمدٍ ﷺ، وتركِهم اتِّباعَه، وهم يَجِدُونه عندَهم مكتوبًا في التوراةِ والإنجيلِ.\nو(^١) \"البينات\" التي أنزَلها اللهُ ﷿؛ ما بَيَّنَ مِن أمْرِ نُبوَّةِ محمدٍ ﷺ، ومَبعَثِه وصِفَتِه، في الكتابيْنِ اللَّذيْنِ أخبَر اللهُ تعالى ذكرُه أن أهلَهما يَجِدون صفتَه فيهما.\nويعني جلَّ ثناؤه بـ ﴿وَالْهُدَى﴾: ما أوْضَحَ لهم مِن أمرِه في الكُتُبِ التي أنزَلَها على أنبيائِهم، فقال عزَّ ذِكرُه: إن الذين يكتمونَ الناسَ الذي أنزلْنا في كُتُبِهم من البيانِ عن أمرِ محمدٍ ونبوَّتِه وصحةِ الملَّةِ التي أرْسَلْتُه بها وحَقِيقتِها (^٢) فلا يُخْبِرُونَهم به [وهم يعلَمون تَبْيينِي] (^٣) ذلك للناسِ، وإيضاحِي لهم في الكتابِ الذي\n_________\n(^١) في م: \"من\".\n(^٢) في م: \"وحقيتها\".\n(^٣) في م: \"ولا يعلمون من تبييني\".","vol":"2","page":729},{"text":"أنزَلْتُه إلى أنبيائِهم - ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية.\nكما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قالَا جميعًا: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عِكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سأَل معاذُ بنُ جبلٍ أخو بنِي سَلِمَةَ، وسعدُ بنُ معاذٍ أخو بني عبدِ الأشهلِ، وخارجةُ ابنُ زيدٍ أخو بني الحارثِ بنِ الخَزْرَجِ - نَفَرًا مِن أحبارِ يَهودَ، مَال أبو كُريبٍ: عما في التَّوْراةِ. وقال ابنُ حميدٍ: عن بعضِ ما في التَّوْراةِ. فكَتَموهم إيَّاهُ، وأبَوْا أن يُخْبِرُوهم عنه، فأنزَل اللهُ تعالى ذِكرُه فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني عيسى، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فما قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾. قال: كتمُوا محمدًا ﷺ وهم يَجِدُونه مَكْتوبًا عندَهم، فكَتَموه حَسَدًا وبَغْيًا (^٣).\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٦٨ (١٤٣٩) من طريق سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢١٨، بزيادة: \"كتموا نعت محمد ﷺ وصفته\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٦٨ عقب الأثر (١٤٤١) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"2","page":730},{"text":"حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾. أولئِكَ أهل الكتاب، كَتَمُوا الإسلامَ وهو دينُ اللهِ، وكَتَمُوا محمدًا ﷺ، وهم يَجِدُونه مَكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ (^١).\nحدثني موسى، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾. زعَموا أن رجلًا مِن اليهودِ كان له صديقٌ من الأنصار يُقالُ له: ثَعلبةُ بنُ عَنَمةَ (^٢). قال له: هل تجِدون محمدًا عندَكم؟ قال: لا. قال: محمدٌ: البيناتُ (^٣).\n[ويَعْنى بقولِه] (^٤): ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ﴾. بعضَ الناسِ؛ لأن العلمَ بنبوَّةِ محمدٍ ﷺ وصفتِه، ومبعثِه لم يكنْ إلا عندَ أهلِ الكتابِ، دونَ غيرِهم، وإيَّاهم عَنَى بذلك ﷿. ويعني جلَّ ذِكرُه بالكتابِ التوراةَ والإنجيلَ، وهذه الآيةُ وإن كانت نزلتْ في خاصٍّ من الناسِ، فإنها مَعنيٌّ بها كلٌّ كاتمٍ علمًا فرَض اللهُ تعالَى عليه بيانَه للناسِ، وذلك نظيرُ الخبرِ الذي رُوِيَ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"مَن سُئِلَ عن عِلْمٍ يَعْلَمُه فَكَتَمَه، أُلْجِمَ يومَ القيامةِ بلجامٍ مِن نارٍ\" (^٥).\nوكان أبو هريرةَ يقولُ بما حدثنا به نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَمِيُّ، قال: ثنا حاتمُ بنُ وَرْدانَ، قال: ثنا، أيوبُ السَّخْتيانيُّ، [عن محمدٍ] (^٦)، عن أبي هريرةَ، قال: لولا\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد ١/ ٣٦٢، ٣٦٣ من طريق سعيد به نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦١ إلى عبد بن حميد. وستأتي بقيته في ص ٧٣٦.\n(^٢) في م: \"غنمه\"، وفي ت ١: \"عثمة\". وينظر الإصابة ١/ ٤٠٦.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٢ إلى المصنف.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"القول في تأويل قوله تعالى\".\n(^٥) أخرجه أحمد ١٣/ ١٧ (٧٥٧١)، وأبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩)، وابن ماجه (٢٦١، ٢٦٤، ٢٦٦) من حديث أبي هريرة وغيره.\n(^٦) سقط من: م.","vol":"2","page":731},{"text":"آيةٌ في كتابِ اللهِ ما حدَّثْتُكم. وتلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (^١).\nحدثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبو زُرعةَ وهْبُ اللهِ بنُ راشدٍ، عن يونسَ قال: قال ابنُ شهابٍ، قال ابنُ المسيَّبِ، قال أبو هريرةَ: لولا آيتان أنزَلهما اللهُ في كتابِه ما حَدَّثْتُ شيئًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾، إلى آخرِ الآيةِ (^٢). والآيةُ الأخرى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ (^٣) [آل عمران: ١٨٧] إلى آخرِ الآيةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-528>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾: هؤلاءِ الذين يَكْتُمون ما أنزَل اللهُ مِن أمرِ محمدٍ ﷺ وصفتِه وأمرِ دينِه، أنه الحقُّ، مِن بعدِ ما بيَّنَه اللهُ لهم في كتُبِهم، يَلْعَنُهم اللهُ بكِتْمانِهم ذلك وتَرْكِهم تَبْيِينَه للناسِ. واللعنةُ الفَعْلةُ. مِن: لَعَنه اللهُ، بمعنى: أقصاهُ اللهُ وأبعدَه وأسْحقَه. وأصلُ اللعنِ: الطَّرْدُ، كما قال الشَّماخُ بنُ ضِرارٍ، وذكَر ماءً ورَد عليه (^٤):\nذَعَرْتُ به القَطا ونَفَيْتُ (^٥) عنه … مَقامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللّعِينِ\nيعني به مَقامَ الذئبِ الطَّرِيدِ، و\"اللعينُ\" من نعتِ الذئبِ، وإنما أرادَ: مَقامَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١/ ٦٤، وابن سعد في الطبقات ٢/ ٣٦٢، ٣٦٣، وأحمد ١٢/ ٢٢١ (٧٢٧٦)، والبخاري (١١٨)، ومسلم (٢٤٩٢)، وغيرهم من طريق الأعرج عن أبي هريرة. وينظر الدر المنثور ١/ ١٦٣.\n(^٢) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الآيتين\". وهو لفظ مسلم في الموضع الآتي.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٤٩٢) عقب حديث عائشة، من طريق يونس به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٦٨ (١٤٤٠) من طريق ابن شهاب به. وعندهما بغير ذكر آية آل عمران.\n(^٤) ديوان الشماخ ص ٣٢١.\n(^٥) في الأصل: \"ونيت\".","vol":"2","page":732},{"text":"الذئبِ (^١) اللعينِ كالرَّجلِ.\nفمعنى الآيةِ إذًا: أولئِك يُبْعِدُهُم اللهُ منه ومِن رحمتِه، ويَسْأَلُ ربَّهم اللاعنون أن يَلْعَنَهم؛ لأن لعنةَ بني آدمَ وسائرِ خَلقِ اللهِ ما لَعنوا أن يقولوا: \"اللهمَّ الْعَنْه\". وإن كانَ معنى اللعنِ هو ما وصَفْنا مِن الإقْصَاءِ والإبْعادِ [وأما مِن اللهِ فالإبعادُ من رحمتِه] (^٢).\nوإنما قُلْنا: إنَّ لعنةَ اللاعنين هي ما وصفنا مِن مَسْألتِهم ربَّهم أن يَلْعَنَهم، وقولِهم: لعنهُ اللهُ. أو: عليه لعنةُ اللهِ. لأن محمدَ بنَ خالدِ بنِ خِداشٍ ويعقوبَ بنَ إبراهيمَ حدَّثاني، قالا: ثنا إسماعيلُ ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [قال: اللاعنون] (^٣): البهائمُ، قال: إذا أَسْنَتَتِ (^٤) السنةُ، قالتِ البهائمُ: هذا من أجْلِ عُصاةِ بني آدمَ، لعَن اللهُ عُصاةَ بني آدمَ (^٥).\nواختَلفَ أهلُ التأويلِ فيمنْ عنَى اللهُ تعالى ذِكرُه باللّاعِنين؛ فقال بعضُهم: عنى بذلك دوابَّ الأرضِ وهوامَّها.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: تَلْعَنُهم\n_________\n(^١) بعده في م: \"الطريد و\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م: \"أسنت\". وأسفتت السنة: أجدبت، من السنة وهو القحط: الجدب. ينظر اللسان (ج د ب).\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٣٦ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٦٩ (١٤٤٦) من طريق إسماعيل ابن علية به.","vol":"2","page":733},{"text":"دوابُّ الأرضِ وما شاء اللهُ من الخنافِسِ والعقاربِ، تقولُ: نُمْنَعُ القَطْرَ بذُنوبهم (^١).\nحدثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. قال: دوابُّ الأرضِ: العقاربُ والخنافسُ يقولون: مُنِعْنَا القَطْرَ بخطايا بني آدمَ (^٢).\nحدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ قال: تلعنهم الهوامُّ ودوابُّ الأرضِ، تقولُ: أُمْسِكَ القَطرُ عنا بخطايا بني آدمَ (^٣).\nحدثنا مُشَرَّفُ بنُ أبانٍ الخطَّابُ (^٤)، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. قال: يَلْعَنُهم كلُّ شيْءٍ حتى الخنافسُ والعقاربُ، يقولون: مُنِعْنَا القَطْرَ بذنوبِ بني آدمَ (^٥).\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: اللّاعنون: البهائمُ.\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾: البهائمُ تَلْعَنُ عُصاةَ بني آدمَ حينَ أمسكَ اللهُ\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٨٦ من طريق جرير به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٣٧ - تفسير)، وابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٧١)، والطبراني في الدعاء (٩٥٥)، من طريق منصور به.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٥٣. وأخرجه البيهقي في الشعب (٣٣١٧) من طريق عبد الرحمن به.\n(^٣) أخرجه ابن المقرئ في معجمه (٧٣٨) من طريق الأعمش عن مجاهد، بلفظ: يلعنهم كل شيء حتى هوام الأرض.\n(^٤) في الأصل: \"الحطاب\". وينظر الثقات ٩/ ٢٠٣، وتاريخ بغداد ١٣/ ٢٢٤. وقد تقدم قبل ذلك.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٦٩ عقب الأثر (١٤٤٧) معلقًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"2","page":734},{"text":"عنهم بذنوبِ بني آدمَ القَطْرَ (^١)، فتخرجُ البهائمُ فتَلْعَنُهم (^٢).\nحدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني مسلمُ بنُ خالدٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾: البهائمُ؛ الإبلُ والبقرُ والغنمُ، تلعنُ عصاةَ بني آدمَ إذا أجدبتِ الأرضُ (^٣).\nفإن قال قائلٌ: وما وجهُ [قولِ هؤلاءِ] (^٤) الذين وجَّهوا تأويلَ قولِه: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ إلى أنَّ اللّاعنين هُم الخنافسُ والعَقاربُ، وغيرُ ذلك مِن هوامِّ الأرضِ، وقد علمتَ [أن العربَ] (^٥) إذا جَمعتْ ما كانَ من نوعِ البهائمِ وغيرِ بني آدمَ، فإنما تَجْمَعُه بغيرِ الياءِ والنونِ وغيرِ الواوِ والنونِ، وإنما تجمَعُه بالتاءِ، وما خالف ما ذكرنَا، فتقولُ: \"اللاعِنَاتُ\". ونحوُ ذلك؟\nقيل: إن الأمرَ وإن كان كذلك، فإنَّ مِن شأنِ العربِ إذا وَصَفَتْ شيئًا من البهائمِ أو غيرِها مما حُكْمُ جَمعِه أن يكونَ \"بالتاءِ\"، أو (^٦) بغيرِ صُورةِ جَمْعِ ذُكرانِ بني آدمَ بما هو مِن صفةِ الآدميِّينَ - أن يَجمَعُوه جَمْعَ ذُكورِهم، كما قال ﷿: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١]. فأخرَج خطابَها (^٧) على مثالِ خطابِ ذكورِ (^٨) بني آدمَ إذ كلَّمَتْهم، وكلَّمُوها، وكما قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]. وكما قال: ﴿وَالشَّمْسَ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المطر\".\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٣٦ - تفسير) من طريق ابن أبي نجيح به نحوه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٠ (١٤٤٨) عن يونس بن عبد الأعلى به.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في م: \"أنها\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خطابهم\".\n(^٨) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"2","page":735},{"text":"وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].\nوقال آخرون: عنى اللهُ تعالى ذِكرُه بقولِه: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾: الملائكةَ والمؤمنين.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، [قال: حدثنا سعيدٌ] (^١)، عن قتادةَ: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. قال: يقولُ: اللاعنون مِن ملائكةِ اللهِ ومن المؤمنين (^٢).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [قال: اللاعنون] (^٣) الملائكةُ (^٤).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ ابنِ أنسٍ، قال: اللَّاعنون مِن ملائكةِ اللهِ والمؤمنين (^٥).\nوقال آخرون: يعني باللَّاعنِين: كلَّ ما عَدا بني آدمَ والجنَّ (^٦).\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ قال: قال البراءُ بنُ عازبٍ: إنَّ الكافرَ إذا وُضِعَ في قبرِه أتتْهُ دابةٌ كأن عيْنَيْها قِدرانِ مِن نُحاسٍ معها عمودٌ من حديدٍ، فتَضْرِبُه ضَرْبةً بينَ كَتِفَيْه فيَصِيحُ، فلا يَسْمَعُ أحدٌ صوتَه إلا لَعنَهُ، ولا يبقَى شيْءٌ إلا سمِع صوتَه، إلا الثقلين الجنَّ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) تقدم أوله في ص ٧٣١.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٥.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٦٩ عقب الأثر (١٤٤٥) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٦) في الأصل: \"الحن\".","vol":"2","page":736},{"text":"والإنْسَ (^١)\nحدثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. قال: الكافرُ إذا وُضِعَ في حفرَتِه ضُربَ ضَرْبةً بمِطْرَقٍ فيَصِيحُ صَيْحةً فيَسمَعُ صَوْتَه كلُّ شيْءٍ إلَّا الثَّقَلين؛ الجنَّ والإنسَ، فلا يَسْمَعُ صَيْحَتَه شيْءٌ إلَّا لعَنه (^٢).\nوأوْلَى هذه الأقوالِ بالصحةِ عندنا قولُ مَن قال: اللاعنون: الملائكةُ والمؤمنون؛ لأنّ اللهَ تعالى ذِكرُه قد وصَف الكفارَ بأن اللّعنةَ التي تَحِلُّ بهم إنما هي مِن اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ، فقال جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. فكذلك اللعنةُ التي أخبَر اللهُ جلَّ ذِكرُه أنها نازلةٌ (^٣) بالفريقِ الآخرِ: الذين يَكْتُمونَ ما أنزلَ اللهُ مِن البيِّناتِ والهُدى من بعدِ ما بيَّنه (^٤) للناسِ، هي لعنةُ اللهِ الذين (^٥) أخبرَ أن لعنتَهم حالَّةٌ بالذين كفروا وماتوا وهم كفارٌ، وهم اللاعنون؛ لأن الفريقَينْ جميعًا أهلُ كفرٍ.\nوأما قولُ مَن قال: إنّ اللَّاعنِين هم الخنافِسُ والعقاربُ وما أشبَه ذلك من دَبيبِ الأرضِ وهَوامِّها. فإنه قولٌ لا تُدرَكُ حقيقَتُه إلا بخبرٍ عن اللهِ أن ذلك مِن فعلِها [وقيلِها] (^٦)، تقومُ به الحجّةُ، ولا خبرَ بذلك عن نبيِّ اللهِ ﷺ، فيجوزَ أن\n_________\n(^١) هذا الحديث جزء من حديث البراء الطويل المشهور، وقد أخرجه الطيالسي (٧٨٩) فراجع تخريجه هناك. وسيأتي في تفسير سورة إبراهيم آية (٢٧).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٢ إلى المصنف.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حالة\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بيناه\".\n(^٥) في م: \"التي\".\n(^٦) سقط من: م. وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وفعلها\".","vol":"2","page":737},{"text":"يقالَ: إنَّ ذلك كذلك.\nوإذ كان ذلك كذلك، فالصوابُ مِن القولِ فيما قالوه أن يُقالَ: إن الدليلَ مِن ظاهرِ كتابِ اللهِ موجودٌ بخلافِ هذا (^١) التأويلِ، وهو ما وصفْنَا، وإن كان جائزًا أن تكونَ البهائمُ وسائرُ خلقِ اللهِ تَلْعَنُ الذين يكتُمونَ ما أنزلَ اللهُ في كتابِه من صِفَةِ محمدٍ ﷺ ونَعْتِه ونُبُوتهِ، بعدَ علْمِهم به، وتَلْعَنُ معهم جميعَ الظَّلَمَةِ، [غيرَ أنه غيرُ] (^٢) جائزٍ قطعُ الشهادةِ بأنَّ (^٣) اللهَ عَنى باللَّاعنين البهائمَ والهوامَّ ودَبيبَ الأرضِ، إلا بخبرٍ للعذرِ قاطعٍ، ولا خبرَ بذلك، وكتابُ اللهِ الذي ذكرناه دالٌّ على خِلافِه.\n\n<span id=\"aya-167\"></span><span data-type='title' id=toc-529>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾.</span>\nيعنِي بذلك جلَّ ثناؤه أنَّ اللهَ واللّاعنِينَ يَلْعَنونَ الكاتمِى الناسِ ما عَلِمُوا مِن أمْرِ نُبُوَّةِ محمدٍ ﷺ ونَعتِه وصِفَتِه في الكتابِ الذي أنْزَلَهُ اللهُ وبيَّنهُ للناسِ، إلَّا مَن أنابَ مِن كِتمانِه ذلك مِنهم، ورَاجعَ التوبةَ بالإيمانِ بمحمدٍ ﷺ، والإقرارِ به وبنُبُوَّتِه، وتَصْدِيقِه فيما جاء به مِن عندِ اللهِ، وبَيانِ ما أنزَل اللهُ في كُتُبِه التي أنزَلها إلى أنبيائِه من الأمرِ باتباعِه، وأصلَحَ حالَ نفسِه بالتقرُّبِ إلى اللهِ مِن صالحِ الأعمالِ بما يُرْضيهِ عنه، وبينَّ الذي علِم من وحْيِ اللهِ الذي أنزَله إلى أنبيائِه وعَهِد إليهم في كُتُبِه، فلم يكْتُمْه، وأظْهرَه فلم يُخْفِه، ﴿فَأُولَئِكَ﴾: فهؤلاء الذين فعَلوا هذا الذي وصَفْتُ منهم، هم الذين أتوبُ عليهم، فأجْعَلُهم من أهلِ الإيابِ إلى طاعتِي، والإنابةِ إلى مَرْضاتِي.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أهل\".\n(^٢) في م: \"فغير\".\n(^٣) في م: \"في أن\".","vol":"2","page":738},{"text":"ثم قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ﴾. يقولُ: وأنا الذي أَرجِعُ بقلوبِ عبيدِي المُنْصَرِفةِ عنِّي إليَّ، والرادُّها بعدَ إدبارِها عن طاعتي، إلى طلبِ مَحبَّتي، والرحيمُ بالمُقْبِلينَ بعدَ إقبالِهم إليَّ، أَتَغَمَّدُهم منِّي بعفوٍ، وأصْفَحُ عنهم (^١) عظيمَ ما كانوا اجترَمُوا فيما بيني وبينَهم بفضلِ رحمتِي لهم.\nفإنْ قال قائلٌ: وكيف يُتابُ على مَن قد تاب؟ وما وجهُ قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾؟ وهل يكونُ تائبٌ إلا وهو مَتوبٌ عليه، أو مَتوبٌ عليهِ إلَّا وهو تائبٌ؟ قيلَ: ذلك مما لا يكونُ أحدُهما إلَّا والآخرُ معه، فسواءٌ قيلَ: إلَّا الذين تِيبَ عليهم فتابُوا. أو قيلَ: إلَّا الذين تابوا فإنِّي أتوبُ عليهم.\nوقد بينَّا وجْهَ ذلك فيما جاءَ من الكلام هذا المجئَ في نطيرِه فيما مضَى من كتابِنا هذا، فكرِهْنا إعادتَه في هذا الموضِعِ (^٢).\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾. يقولُ: أصلَحوا فيما بينَهم وبينَ اللهِ، وبَيَّنُوا الذي جاءَهم من اللهِ فلم يكْتُموه، ولم يَجْحَدُوا به، ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (^٣).\nحدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾. قال: بيَّنُوا ما في كتابِ اللهِ للمؤمنين، ولِمَا\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"عن\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٤٧٢.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٠ (١٤٥٠) من طريق شيبان النحوي عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٣ إلى عبد بن حميد.","vol":"2","page":739},{"text":"سألوهُم عنه من أمرِ النبيِّ ﷺ، وهذا كلُّه في يهودَ.\nوقد زعَم بعضُهم أنَّ معنَى قولِه: ﴿وَبَيَّنُوا﴾. إنما هو: وبيَّنوا التوبةَ بإخلاصِ العملِ.\nودليلُ ظاهرِ الكتابِ والتنزيلِ بخلافِه؛ لأن القومَ إنما عُوتِبوا في (^١) هذه الآيةِ على كتمانِهم ما أنزَل اللهُ تعالى ذِكرُه وبيَّنه في كتابِه من (^٢) أمرِ محمدٍ ﷺ ودينِه، ثم استثنَى منهم جلَّ ثناؤه الذين يبيِّنون أَمْرَ محمدٍ ﷺ ودينَه، ويتوبونَ مما كانوا عليهِ من الجُحودِ والكتمانِ، فأخرَجَهم من عِدادِ (^٣) مَن يَلْعَنُه اللهُ ويَلْعَنُه اللّاعنون، ولم يكنِ العتابُ على ترْكِهم تبْيِينَ التوبةِ بإخلاصِ العملِ.\nوالذين استثنَى اللهُ مِن الذين يكتُمون ما أنْزَل اللهُ مِن البيناتِ والهدَى مِن بعدِ ما بيَّنه (^٤) للناسِ في الكتابِ، عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ وذَوُوه مِن أهلِ الكتابِ الذين أسْلَموا فحسُنَ إسْلامُهم واتَّبعوا رسولَ اللهِ ﷺ.\n\n<span id=\"aya-168\"></span><span data-type='title' id=toc-530>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: إنَّ الذين جَحدُوا نبوّةَ محمدٍ ﷺ وكذَّبوا به، مِن اليهودِ والنصارَى وسائرِ أهلِ المللِ، والمشركينَ مِن عَبَدَةِ الأوثانِ، ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. يعني: وماتوا وهم على جُحُودِهم ذلك وتكذيبِهم\n_________\n(^١) بعده في م: \"مثل\".\n(^٢) في م: \"من\".\n(^٣) في م: \"عذاب\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بيناه\".","vol":"2","page":740},{"text":"محمدًا ﷺ، ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ﴾. يعني [بـ ﴿أُولَئِكَ﴾] (^١): الذين كفروا وماتوا وهم كفارٌ، ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ﴾. يقولُ: أبْعَدَهم اللهُ وأسْحَقَهم مِن رحمتِه، ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾. يعني: ولعنَتْهم الملائكةُ والناسُ أجمعون.\nولعنةُ الملائكةِ والناسِ إيَّاهم قولُهم: عليهم لعنةُ اللهِ. وقد بينَّا معنَى اللعنةِ فيما مضَى قبلُ (^٢)، بما أغنَى عن إعادَتِه.\nفإن قال قائلٌ: وكيف تكونُ على الذي يموتُ كافرًا بمحمدٍ [لعنةُ جميع الناسِ، وقد عَلِمتَ أنَّ من يَكفُرُ بمحمدٍ] (^٣) ﷺ مِن أصنافِ الأُمَمِ، [أكثرُ ممَّن يؤمنُ] (^٤) به ويُصدِّقُه؟ قيل: إنّ معنَى ذلك على خلافِ ما ذهبتَ إليه.\nوقد اختلفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: عَنَى اللهُ بقولِه: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. أهلَ الإيمانِ به وبرسولِه خاصةً، دونَ سائرِ البشرِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. يعني بالناسِ أجمعينَ: المؤمنين (^٥).\nوحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. يعني بالناسِ أجمعينَ: المؤمنين.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فأولئك\".\n(^٢) تقدم في ص ٢٣٠.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م: \"وأكثرهم ممن لا يؤمن\".\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧١ عقب الأثر (١٤٥٦) معلقًا.","vol":"2","page":741},{"text":"وقال آخرون: بل ذلك يومَ القيامةِ، يُوقَفُ على رءوسِ الأشهادِ الكافرُ، فيَلْعَنُه الناسُ كلُّهم.\nذكرُ من قال ذلك\nحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، أن الكافرَ يُوقَفُ يومَ القيامةِ فيَلْعَنُه اللهُ، ثم يلعنُه الملائكةُ، ثم يلعنُه الناسُ أجمعونَ (^١).\nوقال آخرون: بل ذلك قولُ القائلِ كائنًا مَنْ كان: لعَن اللهُ الظالمَ. فيَلْحَقُ ذلك كلَّ كافرٍ؛ لأنه مِن الظَّلَمةِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: فإنه لا يتلاعَنُ اثنانِ مؤمنانِ ولا كافرانِ، فيقولُ أحدُهما: لعنَ اللهُ الظالمَ. إلّا وجبتْ تلك اللعنةُ على الكافرِ؛ لأنه ظالمٌ، فكلُّ أحدٍ من الخَلْقِ يَلْعَنُه (^٢).\nوأوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ عندَنا قولُ مَن قال: عنَى اللهُ بذلك جميعَ الناسِ، بمعنى لَعْنِهم إيّاه (^٣) بقولِهم: لعنَ اللهُ الظالمَ أو الظالمين. فإنَّ كلَّ أحدٍ مِن بني آدمَ لا يَمْتَنِعُ (^٤) مِن قِيلِ ذلك كائنًا مَن كان، ومِن أيِّ أهلِ مِلةٍ كان، فيَدخُلُ بذلك في لعنتِه كلُّ كافرٍ كائنًا مَن كان، وذلك بمعنَى ما قاله أبو العاليةِ؛ لأنّ اللهَ جلَّ ثناؤه أخبرَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧١ (١٤٥٦) من طريق أبي جعفر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧١ (١٤٥٧) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إياهم\". ويعني بـ\" إياه\": الظالم.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يمنع\".","vol":"2","page":742},{"text":"عمَّن شَهِدهم يومَ القيامةِ أنَّهم يَلعَنُونهم، فقال جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].\nوأمّا ما قاله قتادةُ مِن أنه عُنِي به بعضُ الناسِ، فقولٌ ظاهرُ التنزيلِ بخلافِه، ولا برهانَ على حقيقتِه من خبرٍ ولا نظرٍ، فإنْ كان ظَنَّ أنَّ المَعْنِيَّ به المؤمنون، مِن أجلِ أن الكفارَ لا يَلْعَنونَ أنفُسَهم ولا أولياءَهم، فإنَّ اللهَ جلَّ ثناؤه قد أخبرَ أنهم يَلْعَنونهم في الآخرةِ، ومعلومٌ منهم أنهم يَلْعَنون الظَّلَمةَ، وداخلٌ في الظَّلمةِ كلُّ كافرٍ بظُلمِه نفسَه، وجُحودِه نعمةَ ربِّه، ومخالفتِه أمرَه.\n\n<span id=\"aya-169\"></span><span data-type='title' id=toc-531>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: ما الذي نَصَب ﴿خَالِدِينَ﴾؟ قيل: نُصِب على الحالِ، من الهاءِ والميمِ اللَّتيْن في ﴿عَلَيْهِمْ﴾. وذلك أن معنى قولِه: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ﴾: أولئكَ يَلْعَنهم اللهُ، [فتأويلُ الكلامِ: أولئك يَلْعَنهم اللهُ] (^١) والملائكةُ والناسُ أجمعونَ، خالِدِين فيها. ولذلك قرأَ ذلك: (أولئِك عليهم لعنةُ اللهِ والملائكةُ والناسُ أجمعون) (^٢) مَن قَرَأه كذلك، توجيهًا منه إلى المعنَى الذي وَصَفتُ، وذلك وإن كان جائزًا في العربيةِ، فغيرُ جائزةٍ القراءةُ به؛ لأنه خلافُ القراءةِ (^٣) لمصاحفِ المسلمين، وما جاء به المسلمون مِن القراءةِ مُستفيضًا [فيهم، وغيرُ] (^٤) جائزٍ الاعتراضُ بالشاذِّ من القولِ على ما قد ثَبَتَتْ حُجَّتُه بالنقلِ المستفيضِ.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م: \"أجمعين\". وقراءة الرفع هذه هي قراءة الحسن. ينظر المحتسب ١/ ١١٦.\n(^٣) زيادة من: الأصل.\n(^٤) في م: \"فيها فغير\".","vol":"2","page":743},{"text":"وأمّا الهاءُ والألفُ اللتان في قوله: ﴿فِيهَا﴾، فإنهما عائدتان على اللعنةِ، والمرادُ بالكلامِ ما صار إليه الكافرُ باللعنةِ مِن اللهِ ومن ملائكتِه ومن النَّاسِ، والذي صار إليه بها، نارُ جهنمَ، فأجْرَى الكلامَ على اللعنةِ؛ والمرادُ بها ما صار إليه الكافرُ، كما قد بيَّنا مِن نظائرِ ذلك فيما مضَى قبلُ.\nكما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقول: خالدين في جهنمَ في اللَّعنةِ (^١).\nوأما قولُه: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾، فإنه خبرٌ من اللهِ عن دوامِ العذابِ لهم (^٢) أبدًا مِن غيرِ تَوْقيةٍ (^٣) ولا تخفيفٍ، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦].\nوكما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦].\nوأما قولُه: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾، فإنه يعني: ولا هم ينتظِرون (^٤) لمعذرةٍ (^٥) يَعْتَذِرُون.\nكما حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. يقولُ: لا ينظرون فيَعْتَذِرون، كقولِه ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (^٦) [المرسلات: ٣٥، ٣٦].\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧١ (١٤٥٨) من طريق أبي جعفر به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في الأصل: \"ترقيه\"، وفي م، ت ٣: \"توقيت\".\n(^٤) في م: \"ينظرون\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بمعذرة\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧١ من طريق أبي جعفر به نحوه.","vol":"2","page":744},{"text":"<span id=\"aya-170\"></span><span data-type='title' id=toc-532>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾.</span>\nقد بينَّا فيما مضَى معنى الأُلُوهةِ (^١)، وأنها اعْتِبادُ الخلقِ، فمعنى قولِه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ والذي يَسْتَحِقُّ عليكم أيها الناسُ الطاعةَ له، ويَسْتَوجِبُ منكم العبادةَ، معبودٌ واحدٌ وربٌّ واحدٌ، فلا تَعْبُدوا غيرَه ولا تُشْرِكُوا معه سِواه، فإن مَن تُشْرِكونَه معه في عبادتِكم إياه هو خلقٌ مِن خلقِ إلهِكم مثلُكم، وإلهُكم واحدٌ، لَا مِثْلَ له ولَا نطيرَ.\nواختُلِفَ في معنى وحدانيتِه جلَّ ذِكرُه؛ فقال بعضُهم: معنى وحدانيةِ اللهِ معنى نفيِ الأشباهِ والأمْثالِ عنه، كما يقالُ: فلانٌ واحدُ الناسِ، وهو واحدُ قومِه. يعني بذلك أنه ليسَ له في الناسِ مِثلٌ، ولا له في قومِه شبيهٌ ولا نظيرٌ. قالوا (^٢): فكذلك معنى قولِنا (^٣): اللهُ واحدٌ. نعْني (^٤) به: اللهُ جلَّ ثناؤه لا مِثلَ له ولا نظيرَ. فزَعمُوا أن الذي دلَّهم على صحةِ تأويلِهم ذلك، أن قولَ القائلِ: \"واحدٌ\". اسمٌ (^٥) لمعانٍ أربعةٍ: أحدُها، أن يكونَ واحدًا مِن جنسٍ، كالإنسانِ الواحدِ من الإنسِ. والآخَرُ، أن يكونَ غيرَ مُتَنَصِّفٍ (^٦)، كالجزءِ الذي لا يَنْقَسِمُ. والثالثُ، أن يكونَ معنيًّا به: المِثلُ والاتِّفاقُ، كقولِ القائلِ: هذان الشيئانِ واحدٌ. يرادُ بذلكَ أنهمَا متشابهانٍ\n_________\n(^١) في م: \"الألوهية\". وينظر ما تقدم في ١/ ١٢١ - ١٢٤.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م، ت ٢: \"قول\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يعني\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢: \"يفهم\".\n(^٦) في م: \"متصرف\". وقد أثبتها الشيخ شاكر في ٢/ ٢٦٥: \"متفرق\".","vol":"2","page":745},{"text":"حتى صارَا لاشتباهِهما في المعاني كالشيءِ الواحدِ. والرابعُ، أن يكون مرادًا به نَفْيُ النظيرِ عنه والشبيهِ (^١). قالوا: فلمّا كانتِ المعاني الثلاثةُ مِن معاني الواحدِ مُنْتَفِيَةً عنه، صحَّ المعنى الرابعُ الذي وَصَفْناه.\nوقال آخرون: معنى وحدانيتِه، عزَّ ذِكرُه، معنى انفرادِه مِن الأشياءِ، وانفرادِ الأشياءِ منه. وقالوا: إنما كان منفردًا وحدَه؛ لأنه غيرُ داخلٍ في شيْءٍ، ولا داخلٍ فيه شيْءٌ. قالوا: ولا صِفةَ (^٢) لقولِ القائلِ: \"واحدٌ\" مِن جميعِ الأشياءِ، إلَّا ذلكَ.\nوأنْكَر قائلو هذه المقالةِ المعانيَ الأربعةَ التي قالها الآخرون.\nوأما قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فإنه خبرٌ منه ﷻ أنْ لا ربَّ للعالمين غيرُه، ولا مُسْتَوْجِبَ (^٣) على العبادِ العبادةَ سواه، وأنّ كلَّ ما سواه فهُم خلقُه، والواجبُ على جميعِهم طاعتُه، والانقيادُ لأمرِه، وتركُ عبادةِ ما سواه مِن الأندادِ والآلهةِ، وهجرُ الأوثانِ والأصنامِ؛ لأنَّ جميعَ ذلك خلقُه، وعلى جميعِهم الدَّينُونَةُ له بالوحدانيةِ والأُلوُهَةِ، ولا تنبغي الأُلوهةُ إلا له، إذ كان ما بهم مِن نعمةٍ في الدنيا فمنه، دونَ ما يعبدونَه مِن الأوثانِ ويُشرِكون معه مِن الأشْراكِ (^٤)، وما يصيرون إليه مِن نعمةٍ في الآخرةِ فمنه، وأن ما أشركوا معه مِن الأشْراكِ لا يَضُرُّ ولا يَنفَعُ في عاجلٍ ولا آجلٍ، ولا في دنيا ولا آخرةٍ. وهذا تنبيهٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤه أهلَ الشِّركِ به على ضَلالِهم، ودعاءٌ منه لهم إلى الأَوْبَةِ مِن كفرِهم، والإنابةِ من شركِهم، ثم عرَّفهم جلَّ ذكرُه بالآيةِ التي تَتلُوها موضعَ استدلالِ ذوِي الألبابِ منهم،\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١: \"التشبيه\".\n(^٢) في م، ت ٢: \"صحبة\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يستوجب\".\n(^٤) الأشراك جمع شِرك وشريك. اللسان (ش ر ك).","vol":"2","page":746},{"text":"على حقيقةِ ما نَبَّهَهم عليه مِن توحيدِه وحُجَجِه الواضحةِ القاطعةِ عُذرَهم، فقال عزَّ ذِكرُه: أيها المشركون إنْ جَهِلْتم، أو شَكَكْتم في حقيقةِ ما أخبرتُكم مِن الخبرِ؛ من أنّ إلهَكم إلهٌ واحدٌ، دون ما تدَّعون أُلُوهتَه (^١) مِن الأنْدادِ والأوثانِ، فتَدَبَّروا حُجَجِي، وفَكِّروا فيها، فإن مِن حججي خَلْقَ السماواتِ والأرضِ، واختلافَ الليلِ والنهارِ، والفُلْكَ التي تجري في البحرِ بما ينفعُ الناسَ، وما أنزلتُ مِن السماءِ مِن ماءٍ فأحييتُ به الأرضَ بعدَ موتِها، وما بَثَثْتُ فيها مِنْ كلِّ دابةٍ، والسحابَ الذي سَخَّرْتُه بينَ السماءِ والأرضِ، فإن كانَ ما تَعْبُدونه مِن الأوثانِ والآلهةِ والأندادِ وسائرِ ما تُشْرِكون به، إذا اجْتَمَع جميعُه فتَظاهرَ، أو انْفَرَد بعضُه دونَ بعضٍ، يَقْدِرُ على أنْ يَخْلُقَ نظيرَ شيْءٍ مِن خَلْقي الذي سمَّيتُ لكم، فلكم بعبادتِكم ما تَعْبُدون مِن دونِي حينئذٍ عُذرٌ، وإلَّا فلَا عذرَ لكم في اتخاذِ إلهٍ سِوايَ، ولا إلهَ لكم ولما تَعْبدون غَيرِي.\nقال أبو جعفرٍ: فلْيَتَدَبَّرْ أولو الألبابِ إيجازَ اللهِ جلَّ ثناؤه، واحتجاجَه على جميعِ أهلِ الكفرِ به، والملحدين في توحيدِه، في هذه الآيةِ وفي التي بعدَها، بأوجزِ كلامٍ وأبلغِ حُجَّةٍ وألطفِ معنًى، يُشْرِفُ بهم على معرفةِ فضلِ حكمةِ اللهِ وبيانِه.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"ألوهيته\".","vol":"2","page":747},{"text":"﷽\nالقولُ في المعنَى الذي مِن أجلِه أنزلَ اللهُ علَى نبيِّه ﷺ قولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾.\n\n<span id=\"aya-171\"></span>اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي مِن أجلِه أنزلَ اللهُ تعالى ذِكرُه هذه الآيةَ على نبيِّه ﷺ؛ فقال بعضُهم: أنزلها جلَّ ثناؤه عليه احتجاجًا له على أهلِ الشركِ به من عَبَدَةِ الأَوثانِ، وذلك أنَّ الله تعالى ذكرُه لما أَنْزَل على نبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. فتلا ذلك على الصَّحابةِ، وسَمِع به المشركون من عبدةِ الأَوثانِ، قال المشركون: وما الحجةُ والبرهانُ على أنَّ ذلك كذلك، ونحن نُنْكِرُ ذلك، وَنَزْعُمُ أنَّ لنا آلهةً كثيرةً؟ فأنزلَ اللهُ عند ذلك: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ احتجاجًا لنبيِّه ﷺ على الذين قالوا ما ذكرْنا عنهم.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، أنَّ عطاءً قال: نَزَل على النبيِّ ﷺ بالمدينة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ فقال كفارُ قريشٍ بمكَّةَ: كيف يَسَعُ الناسَ إلهٌ واحدٌ؟ فأَنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى","vol":"3","page":5},{"text":"قولِه: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فبهذا تعلمون (^١) أنه إلهٌ واحدٌ، وأنه إلهُ كلِّ شيْءٍ، وخالقُ كلِّ شيْءٍ (^٢).\nوقال آخرون، بل أُنْزِلت هذه الآيةُ على النَّبِيِّ ﷺ مِن أجلِ أنَّ أهلَ الشركِ سألوا رسولَ اللهِ ﷺ آيةً (^٣)، فأنْزَلَ اللهُ هذه الآيةَ، يُعْلِمُهم فيها أنَّ لهم في خلقِ السماواتِ والأرضِ وسائرِ ما ذُكِر مع ذلك - آيةً بينةً على وحدانيةِ اللهِ، وأنه لا شريكَ له في مُلكِه لمن عَقَل وتَدَبَّر ذلكَ بفهمٍ صحيحٍ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثَنَا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي الضُّحَى، قال: لما نَزَلتْ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ قال المشركون: إنْ كان هذا هكذا فليَأْتِنا بآيةٍ. فأنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الآية (^٤).\nحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، قال: حَدَّثَنِي سعيدُ بنُ مسروقٍ، عن أبي الضُّحي، قال: لما نَزَلتْ هذه\n_________\n(^١) في م: \"يعلمون\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٢ (١٤٦٢)، وأبو الشيخ في العظمة (١١٨)، والواحدي في أسباب النزول ص ٣١، ٣٢ من طريق إلى حذيفة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٤ إلى ابن المنذر.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٣.\n(^٤) تفسير سفيان ص ٥٤. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٣ إلى وكيع. وبعده في م، ت ١، ت ٢: \"حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ الحَجّاجِ، قال، ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، قال: حَدَّثَنِي سعيدُ بنُ مسروقٍ، عن أبي الضُّحَى، قال: لما نَزَلَتْ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ قال المشركون: إن كان هذا هكذا فليَأْتنا بآيةٍ. فأنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الآية\".","vol":"3","page":6},{"text":"الآيةُ جَعَل المشركون يَعْجَبون ويقُولون: يقولُ: إلهُكم إلهٌ واحدٌ! فليَأْتِنا (^١) بآيةٍ إن كنتَ مِن الصادقين. فأنْزَل اللهُ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الآية (^٢).\nحَدَّثَنِي القاسمُ، قال: حدَّثَنِي الحسينُ، قال: حدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ، أنَّ المُشركين قالوا للنبيِّ ﷺ: أرِنا آيةً. فنَزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.\nحَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: سألتْ قريشٌ اليهودَ، فقالوا: حَدِّثونا عما جاءَكم به موسى مِن الآياتِ. فحَدَّثوهم بالعصا وبيدِه بَيْضاءَ للناظرين، وسألوا النصارى عما جاءَهم به عيسى مِن الآياتِ، فأحْبَروهم أنه كان يُبرِئُ الأكْمَهَ والأبرصَ ويُحيى الموتى بإذنِ اللهِ، فقالتْ قريشٌ عندَ ذلك للنبيِّ ﷺ: ادعُ اللهَ أن يَجْعَلَ لنا الصَّفا ذهبًا فنَزْدادَ يقينًا، ونَتَقَوَّى به على عدوِّنا. فسأل النبيُّ ﷺ ربَّه، فأوْحَى إليه: إنِّي مُعْطيهم، [أن أجْعَلَ] (^٣) لهم الصَّفا ذهبًا، ولكن إن كذَّبوا بَعْدُ (^٤)، عَذَّبْتُهم عذابًا لَمْ أُعَذِّبْه أحدًا مِن العالمين. فقال النَّبِيُّ ﷺ: \"ذَرْنِي وَقَوْمي فأدْعُوَهُمْ يَوْمًا بِيَوْمٍ\". فأنْزَل اللهُ عليه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. إنَّ في ذلك لآيةً لهم، إن كانوا إنما يريدون أن أجْعَلَ لهم الصَّفا\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"فلتأتنا\".\n(^٢) أخرجه آدم بن أبي إياس في تفسيره - كما في الدر المنثور ١/ ١٦٣ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٢ (١٤٦١)، والبيهقي في الشعب (١٠٤)، وفي الاعتقاد ص ٣٢ - عن أبي جعفر به. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٣٩ - تفسير)، وأبو الشيخ في العظمة (٣١)، والواحدي في أسباب النزول ص ٣٢ من طريق أبي الأحوص عن سعيد بن مسروق به.\n(^٣) في م: \"فاجعل\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":7},{"text":"ذهبًا ليَزْدادوا يَقينًا، فخَلْقُ (^١) السماواتِ والأرضِ، واختلافُ الليلِ والنهارِ، أعظمُ مِن أن أجعلَ لهم الصَّفا ذهبًا (^٢).\nحدَّثَنِي موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ فقال المشركون للنبيِّ ﷺ: غَيِّرْ لنا الصَّفا ذهبًا إن كنتَ صادقًا، [آيةً منك] (^٣). فقال اللهُ: إنَّ في هذا (^٤) لآياتٍ لقومٍ يَعْقِلون وقال: قد سأل الآياتِ قومٌ مِن قَبْلِكم، ثم أصْبَحوا بها كافرين.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن اللهَ تعالى ذِكرُه نَبَّه عبادَه على الدَّلالةِ على وحدانيتِه وتَفرُّدِه بالأُلوهةِ، دونَ كلِّ ما سواه مِن الأشياءِ، بهذه الآيةِ. وجائزٌ أن تكونَ نَزَلَتْ فيما قاله عطاءٌ، وَجائزٌ أن تكونَ نَزَلتْ فيما قاله سعيدُ بنُ جبيرٍ وأبو الضُّحَى، ولا خبرَ عندَنا بتصحيحِ قولِ أحدِ الفريقين يَقْطَعُ العذرَ، فيجوزَ أن يَقضيَ أحدٌ لأحدِ الفريقين بصحةِ قولِه على الآخَرَين، وأيِّ القولَينْ كان صحيحًا، فالمرادُ مِن الآيةِ ما قلنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-533>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.</span>\nيعني تعالى جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: إن في إنشاءِ اللهِ السماواتِ والأرضَ وابْتدَاعِهما. ومعنى خَلْقِ اللهِ الأشياءَ: ابتداعُه لإيجادُه إيَّاها بعدَ أن لَمْ تكل موجودةً.\n_________\n(^١) بعده في م: \"الله\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٣ إلى المصنّف وعبد بن حميد. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٣ (١٤٦٥) من طريق يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، عن ابن عباس. وأخرجه ابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير ١/ ٢٩٠ - من طريق جعفر به مثله.\n(^٣) في م، ت ١: \"أنه منه\"، وفي ت ٢: \"أنه منك\".\n(^٤) في م: \"هذه الآيات\".","vol":"3","page":8},{"text":"وقد دَلَّلْنا فيما مضَى على المعنى الذي مِن أجلِه قيلَ: الأرض. ولم تُجْمَعْ كما جُمِعَتِ السماواتُ، فأغْنَى ذلك عن إعادَتِهِ (^١).\nفإن قال لنا قائلٌ: وهل للسماواتِ والأرضِ خَلْقٌ هم غيرُها، فيقالَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾؟!\nقيل: قد اخْتُلِف في ذلك؛ فقال بعضُ الناسِ: لها خلقٌ هو غيرُها. واعْتَلُّوا في ذلك بهذه الآيةِ، وبالتي في سورةِ \"الكهفِ\": ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]، وقالوا: لَمْ يخْلُقِ اللهُ شيئًا إلَّا واللهُ له مريدٌ. قالوا: فالأشياءُ كانت، بإرادةِ اللهِ، والإرادةُ خَلْقٌ لها.\nوقال آخرون: خلْقُ الشيءِ صفةٌ لهُ، لَا هِي هُو، ولَا هي (^٢) غيرُه.\nوقالوا: لو كان غيرَه لوَجَب أن يكونَ مِثْلُه موصوفًا. قالوا: ولو جازَ أن يكونَ خَلْقُه غيرَه وأن يكونَ موصوفًا لوَجَب أن تكون له صفةٌ هي له خَلْقٌ، ولو وَجَب ذلك كذلكَ، لَمْ يكنْ لذلك نهايةٌ. قالوا: فكان معلومًا بذلك أنه صفةٌ للشيْءِ. قالوا: فخَلْقُ السماواتِ والأرضِ صفةٌ لهما، على ما وَصَفْنا. واعْتَلُّوا أيضًا بأن للشيْءِ خلقًا ليس هو به، من كتابِ اللهِ بنَحْوِ الذي اعْتَلَّ به الأَوَّلون.\nوقال آخرون: خَلْقُ السماواتِ والأرضِ، وخلقُ كلِّ مخلوقٍ، هو ذلك الشيْءُ بعينِه لا غيرُه. فمعنى قولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: إنَّ في السماواتِ والأرضِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-534>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾.</span>\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٥٩ وما بعدها.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢.","vol":"3","page":9},{"text":"يعنِي جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: وتَعاقُبِ الليلِ والنهارِ عليكم أيها، الناسُ، وإنَّما الاختلافُ في هذا الموضِعِ الافْتِعالُ، مِن خُلُوفِ كلِّ واحدٍ منهما الآخرَ، كما قال عز ذكرُه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢] بمعنى أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَخْلُفُ مكانَ صاحبِه، إذا ذهبَ الليلُ جاء النهارُ بعدَه، وإذا ذهبَ النهارُ جاء الليلُ خِلَافَه (^١).\nومِن ذلك قيل: خَلَف فلانٌ فلانًا في أهلِه بسوءٍ. ومنه قولُ زُهيرٍ (^٢):\nبها العِينُ والآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً … وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ (^٣)\nوأما \"الليلُ\" فإنه جمعُ لَيْلَةٍ، نظيرُ التَّمْرِ الذي هو جمعُ تَمْرَةٍ، وقد تُجمَعُ \"ليالٍ\"، فيَزِيدون في جمعِها ما لَمْ يكنْ في واحِدَتِها، وزيادتُهم الياءَ في ذلك نظيرُ زيادَتِهم إيَّاها في رَباعِيَةٍ وثَمانِيَةٍ وكَراهِيَةٍ.\nوأما \"النهارُ\" فإنه لا تكادُ العربُ تَجْمَعُه؛ لأنه بمنزلةِ الضَّوْءِ، وقد سُمِع في جمعِه \"النُّهُر\"، قال الشاعرُ (^٤):\nلَوْلا الثَّرِيدانِ هَلَكْنا بالضُّمُرْ … ثَريدُ لَيْلٍ وثَريدٌ بالنُّهُرْ\nولو قِيل في جمعِ قليلِه: أنْهِرَةٌ. كان قياسًا.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٣: \"خلفه\". وهما بمعنًى.\n(^٢) شرح ديوانه ص ٥.\n(^٣) العين: البقر، الواحدة عَيْناء، والذكر أعْيَن، وسميت عينا لسعة أعينها. والآرام: الظباء البيض الخوالص البياض. خلفة: يعني إذا مضى فوج جاء آخر. أطلاؤها: جمع طلا وهو ولد البقرة وولد الظبية الصغير. وينهضن من كل مجثم: أراد أنهن يُنِمن أولادهن إذا أرضعنهن ثم يرعين، فإذا ظنن أن أولادهن أنفدن ما في أجوافهن من اللبن صَوَّتن بأولادهن فينهضن ليشربن. المجثم من جَثَم: إذا لزم مكانه فام يبرح أو لصِق بالأرض. ينظر شرح ديوان زهير ص ٦، ٧.\n(^٤) البيت في: الأزمنة والأمكنة ص ٧٧، والمخصص ٩/ ٥١ واللسان (ن هـ ر).","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-535>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾.</span>\nيعني جل ثناؤُه: وإنَّ في الفُلكِ التي تجري في البحرِ. والفُلكُ هو السُّفنُ، واحدُه وجمعُه بلفظٍ واحدٍ، ويُذكَّرُ ويُؤنَّثُ، كما قال جلَّ ثناؤه في تذكيرِه في آيةٍ أُخرى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ (^١) فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] فذَكَّرَه، وقد قال في هذه الآيةِ: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾. [وإنما قِيل: تَجْري في البحرِ] (^٢). وهي مُجْراةٌ؛ لأنَّها إذا أُجْرِيَتْ فهي الجاريةُ، فأُضِيف إليها مِن الصِّفةِ ما هو لها.\nوأما قولُه: ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ فإنَّ معناه: بنَفْعِ (^٣) الناسِ. [فتأويلُ الكلامِ: وإنَّ في جَرْيِ الفُلكِ بنَفْعِ الناسِ] (^٢) في البَحرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-536>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.</span>\nيعني جلّ ذكرُه بقولِه: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾: وفيما أنزَل اللهُ مِن السماءِ من ماءٍ؛ وهو المطرُ الذي يُنزِلُه اللهُ مِن السماءِ.\nوقولُه: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. وإحياؤُها: عِمارتُها وإخراجُ نباتِها.\n_________\n(^١) في الأصل: \"ذرياتهم\". وهي قراءة نافع وابن عامر، وقرأ الباقون بالإفراد. ينظر حجة القراءات ص ٦٠٠.\n(^٢) سقط كما: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"ينفع\".","vol":"3","page":11},{"text":"والهاءُ التي في ﴿بِهِ﴾ عائدةٌ على \"الماءِ\"، والهاءُ والألفُ في قولِهِ: ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ على الأرضِ. وموتُ الأرضِ: خرابُها ودُثُورُ عمارتِها، وانقطاعُ نباتِها الذي هو للعبادِ أقْواتٌ، وللأنامِ أرزاقٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-537>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾.</span>\nيعني بقوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾: وإنَّ فيما بَثَّ في الأرضِ من دابةٍ.\nومعنى قوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾: وفَرَّقَ فيها، مِن قولِ القائلِ: بَثَّ الأميرُ سَراياه.\nيعني: فَرَّقَ.\nوالهاءُ والألفُ في قولِه: ﴿فِيهَا﴾ عائدَتانِ على \"الأرضِ\".\nوالدَّابَّةُ: الفاعِلَةُ، من قولِ القائلِ: دَبَّتِ الدَّابَّةُ تَدِبُّ دَبيبًا فهي دابَّةٌ. والدَّابَّةُ اسمٌ لكلِّ ذي رُوحٍ كان غيرَ طائرٍ بِجَناحٍ؛ لدَبِيبهِ على الأرضِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-538>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾.</span>\nيعني بقولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾: وفي تصريفه الرياحَ. فأسْقَطَ ذكْرَ الفاعلِ وأضاف الفِعلَ إلى المفعولِ، كما يقال: يُعْجِبني إكرامُ أخيك. يُرادُ: إكرامُك أخاك.\nوتصريفُ اللهِ إيَّاها أن يُرْسِلهَا مرةً لَواقِحَ، ومرةً يَجْعَلُها عَقِيمًا، ويَبْعَثُها عذابًا تُدّمِّرُ كلَّ شيْءٍ بأمرِ ربِّها.\nكما حَدَّثَنَا بشرُ بن مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾ قال: قادرٌ واللهِ ربُّنَا على ذلك، إذا شاءَ جَعَلَها عذابًا ريحًا عَقيمًا لا تُلْقِحُ، إنما هي عذابٌ على من (^١) أُرسِلَتْ\n_________\n(^١) في ص: \"ما\".","vol":"3","page":12},{"text":"عليه (^١).\nوزَعم بعضُ أهلِ العربيةِ (^٢) أنَّ معنى قولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾. أنَّها تأتي مرَّةً جنوبًا، وشمالًا، وقبولًا، ودَبورًا. ثم قال: وذلك تصريفُها (^٣).\nوهذه الصفةُ التي وصَف الرياحَ بها صفةُ تَصَرُّفِها لا صفةُ تَصْرِيفها؛ لأنَّ تصريفَها تصريفُ اللهِ لها، وتصرُّفَها اختلافُ هُبُوبِها.\nوقد يجوزُ أن يكونَ معنى قولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾: وتصريفِ اللهِ هبوبَ الرياحِ باختلافِ مَهابِّها.\n\n<span data-type='title' id=toc-539>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾.</span>\nيعني بقوله: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾: وفي السحاب المُسخَّرِ.\nو\"السحابُ\" جمعُ سحابةٍ. يَدُلُّ علَى ذلك قولُه جل ذكرُه: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢].\nووحَّدَ المُسخَّرِ وذَكَّره، كما يُقالُ: هذه تمرةٌ، وهذا تمرٌ كثيرٌ، في جمعِه، وهذه نخلةٌ، وهذا نخلٌ.\nوإنما قيل للسحاب: سحابٌ - إنْ شاء اللهُ - لجرِّ بعضِه بعضًا، وسَحْبِه إيَّاهُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٥ (١٤٧٤) من طريق شيبان، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ١/ ٩٧.\n(^٣) في الأصل: \"تصرفها\".","vol":"3","page":13},{"text":"مِن قولِ القائلِ: مَرَّ فلانٌ يَسْحَبُ (^١) ذيلَه. [بمَعْنى: يَجُرُّه] (^٢).\nفأمّا معنى قولِه: ﴿لَآيَاتٍ﴾: فإنه: علاماتٍ ودلالاتٍ على أنَّ خالقَ ذلك كلِّه ومُنْشِئَه إلهٌ واحدٌ. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ لمن عَقَل مواضعَ الحُجَجِ، وفَهِم عن اللهِ أدِلَّتَه على وحدانيَّتِه.\nفأعلَم عزّ ذِكرُه عبادَه بأنَّ الأدلةَ والحُجَجَ إنما وُضعتْ مُعْتبَرًا لذوِي العقولِ والتمييزِ، دونَ غيرِهم مِن الخلْقِ، إذ كانوا هم المخصوصين بالأمرِ والنهيِ، والمُكَلَّفين الطاعةِ والعبادةَ، ولهم الثوابُ، وعليهم العقابُ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف احْتَجَّ على أهلِ الكفرِ بقولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. في توحيدِ اللهِ، وقد عَلِمْتَ أن أصنافًا من أصنافِ الكُفْرِ (^٣) تَدْفَعُ أن تكونَ السماواتُ والأرضُ وسائرُ ما ذُكِر في هذه الآيةِ مخلوقةً؟\nقيل: إنَّ إنكارَ مَن أنْكَر ذلك غيرُ دافعٍ أن يكونَ جميعُ ما ذَكَر جل ثناؤُه في هذه الآيةِ دليلًا على خالقِه وصانعِه، وأنَّ له مُدَبِّرًا لا يُشبِهُه، وبارئًا لا مِثْلَ له، وذلك وإن كان كذلك، فإن اللهَ إنما حاجَّ بذلكَ قومًا كانوا مُقِرِّين بأن اللهَ خالِقُهم، غيرَ أنهم كانوا يُشرِكون في عبادَتِه عبادةَ الأصنامِ والأوثانِ، فحاجَّهم تعالى ذِكرُه فقال - إذ أنكروا قولَه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. وزَعَموا أنَّ له شركاءَ مِن الآلِهةِ -: إنّ إلهَكم الذي خَلَق السماواتِ والأرضَ، وأجْرَى فيها الشمسَ والقمرَ لكم بأرزاقِكم دائِبَيْن في سيرِهما - وذلك هو معنى اختلافِ الليلِ\n_________\n(^١) في م: \"يجر\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت؛: \"يعني يسحبه\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"الكفرة\".","vol":"3","page":14},{"text":"والنهارِ -[وحَمَلَكم في البَرِّ والبحرِ] (^١) - وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ - وأنْزَل لكم الغيثَ مِن السماءِ، فأخْصَب به جَنابَكم (^٢) بعدَ جُدُوبِه، وأَمْرَعَه (^٣) بعدَ دُثُورِه، فنَعَشَكم (^٤) به بعدَ قُنوطِكم - وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ - وسخَّر لكم الأنعامَ فيها لكم مطاعِمُ ومآكلُ، ومنها جَمالٌ ومَراكِبُ، ومنها أثاثٌ وملابسُ - وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ - وأرسلَ لكم الرِّياحَ لَواقِحَ لأشجارِ ثمارِكم وغذائِكم وأقْواتِكم، وسَيَّر لكم السحابَ الذي بوَدْقِه (^٥) حياتُكم، وحياةُ نَعَمِكم ومواشِيكم، وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.\nفأخْبَرَهم أن إلهَهم هو اللهُ الذي أنْعَم عليهم بهذه النِّعمِ، وتَفَرَّد لهم بها، ثم قال: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]، فتُشْرِكوه في عبادتِكم إياي، وتَجْعلوه لي نِدًّا وعِدْلًا؟ فإنْ لَمْ يكنْ مِن شركائكم مَن يَفْعَلُ من ذلكم مِن شيْءٍ، ففي الذي عدَدْتُ عليكم مِن نِعْمتي، وتَفَرَّدتُ لكم بأياديَّ دَلالاتٌ لكم إنْ كنتم تَعْقِلون مواقعَ الحقِّ والباطلِ، والجَوْرِ والإنصافِ، وذلك أنِّي لكم بالإحسانِ إليكَم مُتفرِّدٌ دونَ غيري، وأنتم تَجْعَلون لي في عبادتِكم إيَّايَ أنْدادًا. فهذا هو معنى الآيةِ.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في الشمس والقمر\".\n(^٢) الجناب: الناحية، والفناء وما قرب من محلة القوم. اللسان (ج ن ب).\n(^٣) أمرع: أخصَب وأكْلأ. اللسان (م ر ع).\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فينعشكم\".\n(^٥) الوَدْق: المطر كله شديده وهَيِّنُه. اللسان (ود ق).","vol":"3","page":15},{"text":"والذين، ذُكِّروا بهذه الآيةِ، واحْتُجَّ عليهم بها، هم القومُ الذين، وَصَفْتُ صفتَهم دونَ المعطِّلةِ والدَّهْرِيةِ، وإن كان في أصغرٍ ما عدَّد اللهُ في هذه الآيةِ مِن الحُجَجِ البالغةِ، المَقْنَع لجميعِ الأنامِ، تَرَكْنا البيانَ عنه كراهةَ إطالةِ الكتابِ بذِكرِه.\n\n<span id=\"aya-172\"></span><span data-type='title' id=toc-540>القولُ في تأويلِ قولِه جلُّ ثناؤُه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾.</span>\nيعني جلُّ ثناؤُه بذلك أنَّ مِن الناسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دونِ اللهِ أندادًا الله. وقد بَيَّنَا فيما مضَى أن النِّدَّ العِدْلُ: بما يَدُلُّ على ذلك مِنْ الشواهدِ، فكَرِهْنا إعادتَه (^١)، وأنَّ الذين اتَّخذوا هذه الأندادَ مِن دونِ اللهُ، يُحِبون أندادَهم كحبِّ المؤمنين اللهَ، ثم أخْبَرَهم أن المؤمنين أشدُّ حبًّا للهِ من متَّخذِي هذه الأندادِ لأندادِهم.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في \"الأندادِ\" التي كان القومُ اتَّخذوها، وما هي؟ فقال بعضُهم: هي آلهتُهم التي كانوا يَعْبُدونها مِن دون اللهِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾: من الكفارِ لأوثانِهم (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٣٩٠ - ٣٩٢.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٦ عقب الأثر (١٤٨٤) معلقًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":16},{"text":"نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾: مباهاةً ومضاهاةً للحقِّ بالأندادَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِن الكفارِ لآلهتِهم (^١).\nحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾. قال: هي الآلهةُ التي تُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ، يقولُ: يُحِبُّون أوثانَهم كحبِّ اللهِ. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. أي: مِن الكفارِ لأوثانِهم (^٢).\nحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال بن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾. قال: هؤلاءِ المشركون، أندادُهم آلهتُهم التي عَبَدوا مع الله، يُحِبُّونهم كما يُحِبُّ الذين آمنوا اللهَ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِن حُبِّهم همْ آلهتَهم (^٣).\nوقال آخرون: بل الأندادُ في هذا الموضعِ إنما هم سادَتُهم الذين كانوا يُطيعونهم في معصيةِ اللهِ تعالى.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"لأوثانهم\".\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٢١٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٦ (١٤٨٣). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٦ عقب الأثر (١٤٨٢، ١٤٨٤) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٦ إلى المصنف، وسقط من المطبوع.","vol":"3","page":17},{"text":"ذِكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنِي موسى، قال: [حدَّثنا عمرٌو، قال] (^١) ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾. قال. الأندادُ مِن الرجالِ، يُطيعونهم كما يطيعون اللهَ، إذا أمروهم أطاعوهم وعَصَوُا اللهَ (^٢).\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿كَحُبِّ اللهِ﴾؟! وهل يحبُّ اللهُ الأندادَ؟! أو هل كان مُتَّخِذو الأندادِ يُحِبون اللهَ فيقالَ: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾؟! قيل: إنَّ معنى ذلك بخلافِ ما ذَهَبْتَ إليه، وإنما نَظيرُ ذلك قولُ القائِلِ: بِعتُ غلامِي كبَيْعِ غلامِك. بمعنى: بِعْتُه كما بِيعَ غُلامُك، وكبَيْعِك غلامَك. واسْتَوْفَيْتُ حقِّي منه استِيفاءَ حقِّك. بمعنى: استيفائِك حقَّكَ. فتَحْذِفُ مِن الثاني كنايةَ اسمِ المخاطَبِ اكتفاءً بكنايتِه في \"الغلامِ\" و\"الحقِّ\"، كما قال الشاعرُ (^٣):\nفلستُ مُسَلِّمًا ما دُمْتُ حَيًّا … على زَيْدٍ بتَسْلِيمِ الأميرِ\nيعني بذلك: كما يُسَلَّمُ على الأميرِ.\nفمعنى الكلامِ إذن: ومِن الناسِ مَن يَتَّخِذُ - أيها المؤمنون - مِن دونِ اللهِ أندادًا يُحِبُّونهم كحُبِّكم (^٤) اللهَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-541>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى (^٥) الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٦ (١٤٨١) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٣) معاني القرآن للفراء ١/ ١٠٠، والبيان والتبيين ٤/ ٥١، وأمالي المرتضى ١/ ٢١٥.\n(^٤) في م: \"كحب\".\n(^٥) في الأصل: \"ترى\". وينظر ما سيأتي في الآية من قراءات.","vol":"3","page":18},{"text":"اخْتَلَفَتِ القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقَرَأتْه عامَّةُ قَرَأةِ أهلِ المدينةِ والشامِ: (وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) بالتاءِ، (إذْ يَرَون العذابَ) بالياءِ، (أنَّ القوَّةَ للهِ جميعًا وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ) (^١) بفتح \"أنَّ\" و\"أنَّ\" كلتيهما بمعنى: ولوْ تَرى يا محمدُ الذين كفروا وظلَموا أنْفُسَهم حينَ يَرَوْن عذابَ اللهِ ويُعايِنُونه، أنَّ القوةَ للهِ جميعًا، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ.\nثم في نَصْبِ \"أنّ\" و\"أنَّ\" في هذه القراءةِ وجهانِ: أحدُهما، أن تُفْتَحَ بالمحذوفِ مِن الكلامِ الذي هو مطلوبٌ فيه. فيكونُ تأويلُ الكلامِ حينَئذٍ: ولو ترى يا محمدُ الذين ظَلَموا إذ يَرَوْن عذابَ اللهِ لَأَقَرُّوا. ومعنى (تَرَى). معنى: تُبصِرُ أن القوَّةَ للهِ جميعًا، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ. ويكونُ الجوابُ حينئذٍ - إذا فَتَحْتَ \"أنَّ\" على هذا الوجْهِ - متروكًا قد اكْتُفِيَ بدَلالةِ الكلامِ عليه، ويكونُ المعنى ما وَصَفْتُ. فهذا أحدُ وَجْهَي فَتْحِ \"أنّ\" على قراءةِ من قرَأ: (وَلَوْ تَرَى) بالتاءِ.\nوالوجهُ الآخرُ في الفتحِ، أن يكونَ معناه: ولو تَرَى يا محمدُ إذ يَرى الذين ظلَموا عذابَ اللهِ؛ لأنَّ القوَّةَ للهِ جميعًا، وأنَّ الله شديدُ العذابِ، لَعَلِمْتَ مبلغَ عذابِ اللهِ. ثم تُحْذَفُ اللامُ، فتُفتَحُ بذلك المعنى، لدلالةِ الكلامِ عليها.\nوقَرَأ ذلك آخرون مِن سَلَفِ القَرَأةِ: ولو تَرَى الذين ظلَموا إذ يَرَون العذابَ إنَّ القوةَ للهِ جميعًا وإنَّ اللهَ شديدُ العذابِ) (^٢). بمعنى: ولو تَرَى يا محمدُ الذينَ ظلَمُوا حينَ يعاينُونَ عذابَ اللهِ، لَعَلِمتَ الحالَ التي يَصيرون إليها. ثم أخْبَر جل ثناؤُه خبرًا مُبْتَدأً عن قدرتِه وسلطانِه بعدَ تمامِ الخبرِ الأوَّلِ، فقال: إنَّ القوةَ للهِ جميعًا في الدنيا\n_________\n(^١) وهي قراءة: نافع وابن عامر، إلَّا أن ابن عامر قرأ بضم الياء من: (يُرَون العذابَ). وقرأ نافع بفتحها. حجة القراءات ص ١١٩، ١٢٠.\n(^٢) وهي قراءة أبي جعفر المدني ويعقوب. النشر ٢/ ٢٢٤.","vol":"3","page":19},{"text":"والآخرةِ، دونَ مَن سواه مِن الأندادِ والآلهة، وإنَّ اللهَ شديدُ العذابِ لمن أَشْرَك به، وادَّعَى معه شِرْكًا (^١)، وجَعَل له نِدًّا.\nوقد يَحْتَمِلُ وجهًا آخرَ في قراءةِ من كَسَر \"إنَّ\" [وقَرَأ] (^٢) بالتاء، وهو أن يكونَ معناه: ولو تَرَى يا محمدُ الذين ظلَموا إذ يَرَوْن العذابَ، يقولون: إنَّ القوَّةَ للهِ جميعًا، وإنَّ اللهَ شديدُ العذابِ. ثم يُحْذَفُ القولُ ويُكْتَفَى منه بالمقولِ.\nوقَرَأ ذلك آخرون: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالياء، ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ بفتحِ الألفِ من ﴿أَنَّ﴾ و﴿أَنَّ﴾ (^٣)، بمعنى: ولو يَرَى الذين ظلَموا عذابَ الله الذي أُعِدَّ لهم في جهنمَ، لعَلِموا حينَ يَرَوْنَه فيُعايِنونَه، أنَّ القوةَ للهِ جميعًا، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ، إذ يَرَوْن العذابَ. فتكونُ ﴿أَنَّ﴾ الأُولَى منصوبةً لتَعَلُّقِها بجوابِ ﴿وَلَوْ﴾ المحذوفِ، ويكونُ الجوابُ متروكًا، وتكونُ الثانيةُ معطوفةً على الأُولى. وهذه قراءةُ عامَّةِ القَرَأةِ الكوفيين والبصريين وأهلِ مكَّةَ.\nوقد زعم بعضُ نَحْويِّى أهلِ البصرة أن تأويلَ قراءةِ مَن قَرَأَ: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ بالياءِ في ﴿يَرَى﴾ وفَتْحِ الألفينِ في ﴿أَنَّ﴾ وَ﴿أَنَّ﴾: ولو يَعْلَمون؛ لأنَّهم لَمْ يكونوا عَلِموا قَدْرِ ما يُعايِنون مِن العذابِ، وقد كان النبيُّ ﷺ عَلِم. فإذا قال: (ولو تَرَى). فإنما يُخاطِبُ النَّبِيَّ ﷺ. قال: ولو كُسِرَتْ \"إنَّ\" على الابتداءِ إذا قال: (ولو يَرَى). جاز؛ لأنَّ (لو يَرَى): لو يَعْلَمُ. وقد يكون \"لو يعلمُ\" في معنًى لا يَحتاجُ معها إلى\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"شريكا\". والشِّرْك كالشريك. اللسان (ش ر ك).\n(^٢) في م: \"في ترى\".\n(^٣) وهي قراءة ابن كثير وعاصم وأبي عمرو وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ١٢٠.","vol":"3","page":20},{"text":"شيْءٍ، تقولُ للرجلِ: أمَا واللهِ لو تَعْلَمُ، ولو يَعلَمُ. كما قال الشاعرُ (^١):\nإنْ يَكُنْ طِبُّك (^٢) الدلالَ فلَوْ في … سَالِفِ الدَّهْرِ والسِّنِينَ الخَوَالي\nهذا ليس له جوابٌ إلَّا في المعنى. وقال الشاعرُ (^٣):\nوبحَظٍّ مِمَّا نَعِيشُ ولا تَذْ … هَبْ بَكِ التُّرَّهاتُ في الأهْوالِ\nفأضْمَر: عِيشي.\nقال: وقال بعضُهم: (ولو تَرَىَ). وفَتَح (أنّ) على (تَرَى)، وليس ذلك؛ لأن النَّبيَّ ﷺ (^٤) يَعْلَمُ، ولكن أرادَ أن يَعْلَمَ ذلك الناسُ، كما قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ٣] ليُخْبِرَ (^٥) الناسَ عن جهلِهم، وكما قال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧].\nقال أبو جعفرٍ: وأنْكَر قومٌ أن تكونَ \"أنَّ\" عاملًا فيها قولُه: ﴿وَلَوْ يَرَى﴾.\nوقالوا: إنَّ الذين ظلَموا قد علِموا حينَ يَرَوْن العذابَ أنَّ القوَّةَ للهِ جميعًا، فلا وجهَ لقولِ مَن تَأَوَّل ذلك: ولو يَرَى الذين ظلمُوا أنَّ القوةَ للهِ. وقالوا: إنما عَمِل في \"أنَّ\" جوابُ \"لو\" الذي هو بمعنى العِلْمِ، لتقدُّمِ العلمِ الأولِ.\nوقال بعضُ نَحْوِيِّى الكوفةِ: مَن نَصَب ﴿أَنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ﴾، ﴿وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ ممَّن قرَأ: ﴿وَلَوْ يَرَى﴾ بالياءِ، فإنّما نَصَبها بإعمالِ الرؤيةِ فيها، وجَعَل الرؤيةَ واقعةً عليه. وأمَّا مَن نَصَبها مِمَّن قرأَ: (ولو تَرَى) بالتاء؛ فإنه نَصَبها على\n_________\n(^١) هو عَبيد بن الأبرص، والبيت في ديوانه ص ١٠٧.\n(^٢) الطِّب: الدَّأْب والعادة. اللسان (ط ب ب).\n(^٣) هو عَبيد أيضًا، ديوانه ص ١٠٨.\n(^٤) بعده في الأصل: \"لم\".\n(^٥) في الأصل: \"لتخبر\".","vol":"3","page":21},{"text":"تأويلِ: لأنَّ القوّةَ للهِ جميعًا؛ ولأنّ اللهَ شديدُ العذابِ. قال: ومَن كَسَرهما ممن قرأَ بالتاءِ، فإنه يَكْسِرُهما على الخبرِ.\nوقال آخرون منهم (^١): فتْحُ \"أنَّ\" في قراءةِ مَن قَرَأ: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالياءِ، بإعمالِ \"يَرَى\"، وجوابُ الكلامِ حينئذٍ متروكٌ، كما تُرِك جوابُ ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ [الرعد: ٣١]. لأنَّ معنَى الجَنَّةِ والنارِ مُكرَّرٌ معروفٌ. وقالوا: جائزٌ كسرُ \"إنَّ\" في قراءةِ من قرأَ بالياءِ، وإيقاعُ الرؤيةِ على \"إذْ\" في المعنى. وأجازوا نَصْبَ \"أنَّ\" على قراءةِ مَن قَرَأ ذلك بالتاءِ، بمعنى (^٢) نيةِ فعلٍ آخرَ، وأن يكونَ تأويلُ الكلامِ: ولو تَرَى الذين ظلَموا إذ يَرَون العذابَ يَرَوْن (^٣) أن القوةَ للهِ جميعا. وزَعَموا أنَّ كَسْرَ \"إنَّ\" الوجهُ، إذا قُرِئَتْ (ولو تَرَى) بالتاءِ على الاستئنافِ؛ لأنَّ قولَه: (ولو تَرى) قد وَقَع على (الذين ظَلموا).\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القراءةِ عندَنا في ذلك: (ولو تَرَى الذين ظلَموا). بالتاءِ مِن (تَرَى)، (إذ يرون العذابَ أن القوَّةَ للهِ جميعًا وأن اللهَ شديدُ العذابِ). بمعنى: لرَأَيْت أنَّ القوَةَ للهِ جميعًا، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ. فيكونُ قولُه: لَرَأَيْتَ. الثانيةُ محذوفًا مُستَغْنًى بدلالةِ قولِه: (ولو تَرَى الذينَ ظلمُوا). عن ذكرِه، وإن كان جوابًا لـ \"لو\"، ويكونُ الكلامُ وإن كانَ مَخرَجُه مَخْرَجَ الخطابِ لرسولِ اللهِ ﷺ، مَعْنِيًّا به غيرُه؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان لاشكَّ عالمًا بأنَّ القوةَ للهِ جميعًا، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ، ويكونُ ذلك نظيرَ قولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧]. وقد بَيَّنْتُه في موضعِه (^٤).\n_________\n(^١) هو الفراء في معاني القرآن ١/ ٩٧.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لمعنى\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) تقدم في ٢/ ٤٠٣ - ٤٠٦.","vol":"3","page":22},{"text":"وإنما اخْتَرْنا ذلك على قراءةِ الياءِ؛ لأنَّ القومَ إذا رَأَوُا العذابَ فقد أيْقَنوا أنَّ القوَّةَ للهِ جميعًا، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ، فلا وجهَ لأنَّ يُقالَ: لو يَرَوْن أن القوَّةَ للهِ جميعًا. حينئذٍ؛ لأنه إنما يقالُ: لو رَأَيْتَ. لمن لَمْ يَرَ. فأمَّا مَن قد رآه، فلا معنَى لأنَّ يُقالَ له: لو رأيتَ.\nومعنى قولِه: ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾: إذ يُعايِنون العذابَ.\nكما حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ يقولُ: لو قد عايَنوا العذابَ (^١).\nوإنما عَنَى جل ثناؤُه بقولِه: (ولو ترى الذين ظَلَموا): ولو تَرَى يا محمدُ الذين ظلَمُوا أنفسَهم، فاتَّخَذوا مِن دُوني أندادًا يُحِبونهم كحُبِّكم إيَّايَ، حينَ يُعايِنون عذابِي يومَ القيامةِ الذي أعْدَدْتُ لهم، لَعَلِمْتم أنَّ القوَّةَ كلَّها لي دونَ الأندادِ والآلهةِ، وأنَّ الأندادَ والآلهةَ لا تُغنِي عنهم هنالك شيئًا، ولا تَدْفَعُ عنهم عذابًا أحْلَلْتُ بهم، وأيْقَنتم أنِّي شديدٌ عذابي لمن كَفَر بي، وادَّعَى معي إلهًا غيري.\n\n<span id=\"aya-173\"></span><span data-type='title' id=toc-542>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾.</span>\nيعني بقولِه جل ذكرُه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾: [وأنَّ اللهَ شديدُ العقابِ] (^٢) إذ تَبَرَّأ الذين اتُّبِعوا مِن الذين اتَّبَعوا.\nثم اخْتَلَف أهل التأويلِ في الذين عَنَى اللهُ بقولِه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾. فقال بعضُهم بما حَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٧ عقب الأثر (١٤٨٦) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"ورأوا العذاب\".","vol":"3","page":23},{"text":"قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾: وهم الجبابرةُ والقادةُ والرءوسُ في الشِّركِ [والشَّرِّ] (^١)، ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾: وهم الأتباعُ الضعفاءُ، ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾. قال: تَبَرَّأَتِ القادةُ مِن الأتباعِ يومَ القيامةِ (^٣).\nحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال (^٤): قال ابنُ جُريجٍ: قلتُ لعطاءٍ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ قال: تَبَرَّأ رؤساؤُهم وقادتُهم وسادَتُهم من الذين اتَّبَعوهم (^٥).\nوقال آخرون بما حدَّثني به موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾: أمّا الذين اتُّبِعوا فهم الشياطينُ، تَبَرَّءُوا من الإنْسِ (^٦).\nوالصوابُ مِن القولِ عندي في ذلك أنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَرَ أنَّ المتَّبَعِين على\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٧ (١٤٩٠) من طريق يزيد به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٧ (١٤٨٩) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، بزيادة: إذا رأت العذاب.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٧ عقب الأثر (١٤٩٠)، وابن عبد البر في الاستذكار ٨/ ١٧٣، ١٧٤ معلقًا.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٨ (١٤٩١) من طريق عمرو بن حماد به.","vol":"3","page":24},{"text":"الشِّرْكِ باللهِ يَتَبَرَّءُون مِن أتباعِهم حينَ يُعايِنون عذابَ اللهِ، ولم يَخْصُصْ بذلك منهم بعضًا دونَ بعضٍ، بل عَمَّ جميعَهم، فداخِلٌ (^١) في ذلك كلُّ متبوعٍ على الكفرِ باللهِ والضلالِ، أنه يَتَبَرَّأُ مِن تُبّاعِه الذين كانوا يَتَّبِعونه على الضلالِ في الدنيا، إذ عاينوا عذابَ اللهِ في الآخرِة.\nوأمّا دَلالةُ الآيةِ في مَن عَنَى بقولِه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾. فإنها إنما تَدُلُّ على أنَّ الأندادَ الذين اتَّخَذَهم مِن دونِ اللهِ مَن وَصَف جل ذكرُه صفتَه بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا﴾. هم الذين يَتَبَرَّءون مِن أتْباعِهم.\nوإذ كانتِ الآيةُ على ذلك دَالَّةً، صحَّ التأويلُ الذي تَأَوَّلَه السُّدِّيُّ (^٢) في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا﴾. أنَّ \"الأنْدادَ\" في هذا الموضعِ إنما أُرِيد بها الأندادُ مِن الرجالِ الذين يُطيعونهم فيما أمَروهم به مِن أمرٍ، ويَعْصُون اللهَ في طاعتِهم إيَّاهم، كما يُطِيعُ اللهَ المؤمنون ويَعْصُون غيرَه - وفَسَد تأويلُ قولِ مَن قال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ أنهم الشياطينُ تَبَرَّءوا مِن أوليائِهم مِن الإنسِ؛ لأنَّ هذه الآيةَ إنما هي في سياقِ الخبرِ عن مُتَّخذي الأندادِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-543>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾.</span>\nيعني جل ثناؤُه بذلك، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ إذ تَبَرَّأ الذين اتُّبِعوا مِن الذِين اتَّبَعوا، وإذ تَقَطَّعَتْ بهم الأسبابُ.\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"فدخل\".\n(^٢) كذا ذكر المصنف، وقول السدي هو القول الذي سيردُّه المصنف من أن الذين اتُّبِعوا هم الشياطين، والقول الآخر الذي اختاره المصنف هو قول قتادة والربيع وعطاء، كما ذكر المصنف نفسه.","vol":"3","page":25},{"text":"ثم اخْتَلَف أهل التأويلِ في معنى \"الأسبابِ\"؛ فقال بعضُهم بما حدَّثني به يحيى ابنُ طلحةَ اليَرْبُوعِيُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ عياضٍ، وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عُبيدٍ المُكْتِبِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: الوِصالُ الذي كان بينَهم في الدنيا (^١).\nحدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حَبيبِ بنِ الشَّهيدِ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن عُبيدٍ المكتِبِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: تَواصُلُهم في الدنيا (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازِيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قالا جميعًا: ثنا سفيانُ، عن عُبيدٍ المُكْتِبِ، عن مجاهدٍ بمثلِه.\nحدثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: المَوَدَّةُ (^٣).\nحدثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني القاسمُ، قال: ثني الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: تَواصُلٌ كان بينهم بالمودَّةِ في الدنيا.\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٤٠ - تفسير)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٨٥ من طريق فضيل به. وأخرجه سعيد بن منصور - أيضًا - (٢٤١) عن جرير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٦ إلى وكيع وعبد بن حميد.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٥٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٨ (١٤٩٣).\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢١٨.","vol":"3","page":26},{"text":"حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، قال: أخبرني قيسُ ابنُ سعدٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: المودَّةُ (^١).\nحدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾: أسبابُ الندامةِ يومَ القيامةِ، وأسبابُ المُواصَلَةِ التي كانت بينَهم في الدنيا يَتَواصَلون بها، ويَتخالُّون (^٢) بها، فصارتْ عليهم عَداوةً يومَ القيامةِ ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾: [العنكبوت: ٢٥] ويَتَبَرَّأُ بعضُكم مِن بعضٍ (^٣). وقال اللهُ: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] فصارتْ كلُّ خُلَّةٍ عداوةً على أهلِها، إلا خُلَّةَ المتقين.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: هو الوَصْلُ الذي كان بينَهم في الدنيا (^٤).\nوحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾. يقولُ: أسبابُ (^٥) النّدامةِ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٨ (١٤٩٢)، والحاكم ٢/ ٢٧٢ من طريق أبي عاصم به، وصححه الحاكم، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"يتحابون\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٦ إلى عبد بن حميد والمصنف.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٥.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأسباب\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٨ عقب الأثر (١٤٩٦) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"3","page":27},{"text":"وقال بعضُهم: بل معنى الأسبابِ: المنازلُ التي كانت لهم مِن أُهلِ الدنيا،\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ يقولُ: تقطَّعت بهم المنازلُ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، عن أبي جعفرٍ الرازِيِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾. قال: الأسبابُ: المنازلُ (^٢).\nوقال آخرون: الأسبابُ: الأرْحامُ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ (^٣)، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: وقال ابنُ عباسٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: الأرحامُ (^٤).\nوقال آخرون: الأسبابُ: الأعمالُ التي كانوا يَعْمَلُونها في الدنيا.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أمّا ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ فالأعمالُ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٨ (١٤٩٤) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٨ (١٤٩٧) من طريق أبي جعفر به.\n(^٣) بعده في م: \"قال: ثنا الحسن\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٦ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٩ عقب الأثر (١٤٩٨) من طريق عمرو بن حماد به.","vol":"3","page":28},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ، وهبٍ: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: أسبابُ أعمالِهم؛ فأهلُ التقوَى أُعْطُوا أسبابَ أعمالِهم (^١) وثيقةً فيَأْخُذون بها فيَنْجُون، والآخرون أُعْطُوا أسبابَ أعمالِهم الخبيثةِ فتَتَقَطَّعُ (^٢) بهم فيَذْهَبونَ في النارِ (^٣). قال: والأسبابُ: الشيْءُ يُتَعَلَّقُ به. قال: والسببُ: الحبلُ.\nوالأسبابُ: جمعُ سببٍ، وهو كل ما تَسَبَّبَ به الرجلُ إلى طَلِبَتِه وحاجَتِه، فيقالُ للحبلِ: سببٌ؛ لأنه يُتَسبَّبُ بالتَّعَلُّقِ به إلى الحاجةِ التي لا يُوصَلُ إليها إِلَّا بالتعلُّقِ به. ويقالُ للطريقِ: سببٌ؛ للتَّسَبُّبِ برُكوبِه إلى ما لا يُدرَكُ إلَّا بقَطْعِه.\nوللمُصاهَرَةِ: سببٌ؛ لأنها سببٌ للحُرْمَةِ. وللوسِيلةِ: سببٌ؛ للوصولِ بها إلى الحاجةِ. وكذلك كلُّ ما كان به إدراكُ الطَّلِبَةِ، فهو سببٌ لإدراكِها.\nفإذ كان ذلك كذلك، فالصوابُ من القولِ في في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ أن يقالَ: إنَّ اللهَ أخْبَرَ أنَّ الذين ظَلَموا أنفسَهم من أهلِ الكُفرِ الذين ماتوا وهم كفارٌ، يتبَرَّأُ عندَ مُعاينَتهِم عذابَ اللهِ المَتبوعُ مِن التابعِ، وتَتَقَطَّعُ بهم الأسبابُ، وقد أَخْبَر اللهُ جل ثناؤُه في كتابِه أن بعضَهم يَلْعَنُ بعضًا، وأخْبَر عن الشيطانِ أنه يقولَ لأوليائِه: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. وأخْبَر جل ثناؤُه أنَّ الأخِلَّاءَ يومئذٍ بعضُهم لبعضٍ عدوٌّ إلَّا المتقين، وأن الكافرين لا يَنْصُرُ يومئذٍ بعضُهم بعضًا، فقال تعالى ذِكرُه:\n_________\n(^١) في الأصل: \"أعمال\".\n(^٢) في م، ت ٣: \"فتقطع\"، وفي ت ١: \"فيقطعون\"، وفي ت ٢: \"فيعطون\".\n(^٣) ينظر المحرر الوجيز ١/ ٤٧٥.","vol":"3","page":29},{"text":"﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٤، ٢٥]. وأن الرجلَ منهم لا يَنْفَعُه نَسِيبُه ولا ذو رَحِمِه، وإن كان نَسيبُه للهِ وليًّا، فقال جل ثناؤُه في ذلك: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]. وأخبر جل ذِكرُه أن أعمالَهم تَصيرُ عليهم حسراتٍ.\nوكلُّ هذه المعاني أسبابٌ يُتَسبَّبُ في الدنيا بها إلى مطالبَ، فقَطَع اللهُ منافعَها في الآخرةِ عن الكافرين به [في الدنيا] (^١)؛ لأنها كانت بخلافِ طاعتِه ورضاه، فهي منقطعةٌ بأهلِها، فلَا خِلالُ بعضِهم بعضًا نَفَعهم عند وُرودهِم على ربِّهم، ولا عِبادتُهم أَنْدادَهم، ولا طاعتُهم شياطِينَهم، ولا دافَعَتْ عنهم أرحامٌ فنَصَرَتْهم مِن انتقامِ اللهِ منهم، ولا أغنَتْ عنهم أعمالُهم، بل صارتْ عليهم حسراتٍ، فكلُّ أسبابِ الكفارِ منقطعةٌ، فلَا معنى أبلغُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ مِن صفةِ اللهِ، وذلك ما بيَّنَّا مِن جميعِ أسبابِهم دونَ بعضِها، على ما قلنا في ذلك.\nومن ادَّعَى أن المَعْنيَّ بذلك خاصٌّ مِن الأسبابِ، سُئِل البُرهانَ (^٢) على دعواه مِن أصلٍ لا تَنازُعَ فيه، وعُورِضَ بقولِ مخالِفِه فيه، فلن يقولَ في شيْءٍ من ذلك قولًا إلَّا أُلزِم في الآخَرِ مِثلَه.\n\n<span id=\"aya-174\"></span><span data-type='title' id=toc-544>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: م. ت ١، ت ٢.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن البيان\".","vol":"3","page":30},{"text":"يعني جلَّ ثناؤُه لقولِه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾: وقال تُبَّاعُ الرجالِ الذين كانوا اتَّخَذوهم أندادًا من دونِ اللهِ، يُطيعونهم في معصيةِ اللهِ، ويَعْصُون ربَّهم في طاعتِهم، إذ يَرَوْن عذابَ اللهِ في الآخرةِ: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾. يعني بالكَرَّةِ: الرَّجْعَةَ إلى الدنيا. مِن قولِ القائلِ: كررتُ على القومِ أَكُرُّ عليهم (^١) كَرًّا [ومَكَرًّا] (^٢). والكرَّةُ: المَرَّةُ الواحدةُ. وذلك إذا حَمَل عليهم راجعًا بعدَ الانصرافِ عنهم، كما قال الأخْطَلُ (^٣):\nولقد عَطَفْنَ على فزَارَةَ عَطْفَةً … كَرَّ المَنيحِ (^٤) وجُلْنَ ثَمَّ مَجَالَا\nوكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ أي (^٥): رجعةً إلى الدنيا (^٦).\nوحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثني إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ قال: قالت الأتْباعُ: لو أن لنا كرةً إلى الدنيا فنَتَبَرَّأَ منهم كما تَبَرَّءُوا منا (^٧).\nوقولُه: ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ منصوبٌ؛ لأنه جوابٌ للتَّمَنى بالفاءِ؛ لأنَّ القومَ تَمَنَّوا رجعةً إلى الدنيا ليَتَبَرَّءُوا مِن الذين كانوا يُطيعونهم في معصيةِ اللهِ، كما تَبَرَّأ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) شرح ديوانه ٣٩١.\n(^٤) المنيح: قدح لا حظ له في الميسر، ولكنه يعاد مع القداح في كل ضربة. نقائض جرير والأخطل ص ٨٠.\n(^٥) بعده في م: \"لنا\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٩ (١٤٩٩) من طريق أبي جعفر عن الربيع، عن أبي العالية.","vol":"3","page":31},{"text":"منهم رؤساؤُهم الذين كانوا في الدنيا، المَتْبوعون فيها على الكفرِ باللهِ، إذ عاينُوا عظيمَ النازلِ بهم مِن عذابِ اللهِ، فقالوا: يا ليتَ لنا كَرَّةً إلى الدنيا، فنَتَبَرَّأَ منهم، و﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-545>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾.</span>\nومعنى قولِه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ﴾. يقولُ: كما أراهم العذابَ الذي ذَكَره في قولِه: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ الذي كانوا يُكَذِّبون به في الدنيا، فكذلك يُريهم أيضًا أعمالَهم الخبيثَةَ التي اسْتَحَقُّوا بها العقوبةَ مِن اللهِ ﴿حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: نَداماتٍ.\nوالحَسَراتُ جمعُ حَسْرَةٍ، وكذلك كلُّ اسمٍ كان واحِدُه على \"فَعْلَةٍ\" مفتوحُ الأوَّلِ ساكِنُ الثاني، فإنَّ جمعَه على \"فَعَلاتٍ\"، مثل: شَهْوَةٍ وتَمْرةٍ، تُجْمَعُ: شَهَواتٍ وتَمَراتٍ. مُثَقَّلَةُ الثَّواني مِن حروفِها. فأمَّا إذا كان نعتًا فإنَّك تَدَعُ ثانِيَه ساكنًا، مِثلَ: ضَخْمةٍ، تَجْمَعُها: ضَخْماتٍ، وعَبْلَةٍ تَجْمعُها عَبْلاتٍ.\nوربما سُكِّن الثاني في الأسماءِ، كما قال الشاعرُ (^١):\nعَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أو دُولاتِها (^٢) … يُدِلْنَنا اللَّمَّةَ مِن لَماَّتِها\nفتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِن زَفْرَاتِها\nفسَكَّن الثاني مِن \"الزَّفْراتِ\" وهي اسمٌ.\n_________\n(^١) اللسان (ل م م)، (ع ل ل)، (ز ف ر).\n(^٢) الدولات: مفردها دَوْلة ودُولة وهي: العُقبَى، في المال والحرب سواء. وقيل: الدُّولة بالضم، في المال. والدَّولة بالفتح، في الحرب. اللسان (د ول).","vol":"3","page":32},{"text":"وقيل: إنَّ الحسرةَ أشَدُّ الندامةِ.\nفإن قال لنا قائلٌ: فكيف يَرَوْن أعمالَهم حسراتٍ عليهم، وإنما يَتَنَدَّمُ (^١) المُتنَدِّمُ على تَرْكِ الخيراتِ وفَوْتِها إيَّاه، وقد عَلِمْتَ أنَّ الكفارَ لم يكنْ لهم مِن الأعمال ما يتَنَدَّمون على تركِهم الازديادَ منه، فيُريَهم اللهُ قليلَةً، بل كانت أعمالُهم كلُّها معاصيَ للهِ، ولا حسرةَ عليهم في ذلك، وإنما الحسرةُ عليهم فيما لم يَعْملوا مِن طاعةِ اللهِ؟\nقِيل له: إنَّ أهلَ التأويلِ في تأويلِ ذلك مُخْتَلِفون، فنَذْكُرُ في ذلك ما قالوا، ثم نُخْبِرُ بالذي هو أوْلَى بتأويلِه إن شاء اللهُ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: كذلك يُريهم اللهُ أعمالَهم التي فَرَضها عليهم في الدنيا، فضَيَّعوها ولم يَعْملوا بها، حتى اسْتَوْجَب ما كان اللهُ أعَدَّ [له - لو كان عمِل بها في حياتِه] (^٢)، مِن المساكنِ والنِّعَمِ - غيرُه (^٣) بطاعتِه ربَّه، فصار ما فاته (^٤) مِن الثوابِ - الذي كان اللهُ أعدَّه [له عندَه، لو كان أطاعه في الدنيا، إذ عاينه] (^٥) عندَ دخولِ النارِ، أو قبلَ ذلك - أسًى وندامةً وحسرةً عليه (^٦).\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:\n_________\n(^١) في الأصل: \"يندم\".\n(^٢) في م: \"لهم لو كانوا عملوا بها في حياتهم\".\n(^٣) في م: \"غيرهم\".\n(^٤) في م: \"فاتهم\".\n(^٥) في م: \"لهم عنده، لو كانوا أطاعوه في الدنيا، إذ عاينوه\".\n(^٦) في م: \"عليهم\".","vol":"3","page":33},{"text":"﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾. زَعَم أنه تُرْفَعُ لهم الجنةُ، فيَنْظُرون إليها وإلى بيوتِهم فيها، لو أنَّهم أطاعوا اللهَ، فيقالُ لهم: تلك مساكنكم لو أطَعْتم اللهَ. ثم تُقَسَّمُ بينَ المؤمنين، فيَرِثُونهم، فذلك حينَ يَنْدَمون (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمةَ بنِ كُهَيلٍ، قال: ثنا أبو الزَّعْراءِ، عن عبدِ اللهِ في قصةٍ ذَكَرها فقال: فليس نفسٌ إلَّا وهي تَنْظُرُ إلى بيتٍ في الجَنَّةِ وبيتٍ في النارِ، وهو يومُ الحسرةِ. قال: فيَرَى أهلُ النارِ [البيتَ الذي] (^٢) في الجنَةِ، فيقالُ لهم: لو عَمِلْتم؟ فتَأْخُذُهم الحسرةُ. قال: ويرَى أهلُ الجَنَّةِ البيتَ الذي في النارِ، فيقالُ: لولا أن مَنَّ اللهُ عليكم (^٣).\nفإن قال قائلٌ: وكيف يكونُ مضافًا إليهم من العمل مالم يَعْمَلوه على هذا التأويلِ؟\nقِيل: كما يُعْرَضُ على الرجلِ العملُ، فيقالُ قبلَ أن يَعْمَلَه: هذا عملُك.\nيعني: هذا الذي يَجبُ عليك أن تَعْمَلَه. كما يقالُ للرجلِ يَحْضُرُ غداؤُه قبلَ أن يَتَغَدَّى به: هذا غَداؤك اليومَ. يَعْني به: هذا ما تتَغَدَّى به اليومَ. فكذلكَ قولُه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: كذلك يُريهم اللهُ أعمالَهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٩ من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذين\".\n(^٣) حديث منكر. أخرجه العقيلي ٢/ ٣١٤، والطبراني في الكبير (٩٧٦١)، والحاكم ٤/ ٤٩٦، ٥٩٨، والبيهقي في البعث (٦٥٧)، من طريق سفيان به. وقال البخاري في التاريخ ٥/ ٢٢١: أبو الزعراء … روى عن ابن مسعود، ﵁ في الشفاعة، ولا يتابع في حديثه. وقال ابن كثير في النهاية في النهاية ٢٠/ ٢٣٠: حديث غريب جدا. وستأتي أجزاء متفرقة من هذا الأثر بهذا الإسناد في تفسير الآية ٧٩ من سورة الإسراء، والآية ١٠٠ من سورة الكهف، والآية ٩٦ من سورة الأنبياء، والآية ٩ من سورة فاطر، والآية ٢٤ من سورة الصافات، والآية ٤٩ من سورة المدثر، والآية ٤٢ من سورة القلم.","vol":"3","page":34},{"text":"التي كان لازمًا لهم العملُ بها في الدنيا، حسراتٍ عليهم.\nوقال آخرون: كذلك يُريهم اللهُ أعمالَهم السيئةَ حسراتٍ عليهم: لم عَمِلوها؟ وهَلَّا عَمِلوا بغيرِها مما يُرْضِي اللهَ تعالى؟\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾: فصارتْ أعمالُهم الخبيثةُ حسرةً عليهم يومَ القيامةِ (^١).\nحدَّثني يونسُ قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ قال: أو ليسَ أعمالُهم الخبيثةُ التي أدْخَلَهم اللهُ بها النارَ حسراتٍ عليهم؟ قال: وجَعَل أعمالَ أهلِ الجَنَّةِ لهم. وقَرَأ قولَ اللهِ: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤].\nقال أبو جعفرٍ: وأوْلَى التأويليْن بالآيةِ تأويلُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾: كذلك يُرِي اللهُ الكافرين أعمالَهم الخبيثةَ حسراتٍ عليهم، لم عَمِلوا بها؟ وهَلَّا عَمِلوا بغيرِها؟ فَندِموا على ما فَرَط منهم مِن أعمالِهم الرَّديئةِ إذ (^٢) رَأَوْا جزاءَها مِن اللهِ وعقابَها؛ لأنَّ اللهَ أخْبر أنه يُرِيهم أعمالَهم نَدمًا عليهم. فالذي هو أوْلَى بتأويلِ الآيةِ ما دلَّ عليه الظاهرُ دونَ ما احْتَمَلَه الباطنُ الذي لا دَلالةَ على أنه المَعْنِيُّ بها. والذي قاله السُّدِّيُّ في ذلك، وإن كان مَذهبًا تَحْتَمِلُه الآيةُ، فإنه مَنْزَعٌ بعيدٌ، ولا أثرَ بأنَّ ذلك كما ذكَر تقومُ له حجةٌ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٩ عقب الأثر (١٤٩٩) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) في م، ت ٢: \"إذا\".","vol":"3","page":35},{"text":"فيُسَلَّمَ له (^١)، ولا دلالةَ في ظاهرِ الآيةِ أنه المرادُ بها، فإذ (^٢) كان الأمرُ كذلك لم يُحَلْ ظاهرُ تنزيلٍ إلى باطنِ تأويلٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-546>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾.</span>\nيعني جل ذِكرُه بذلك: وما هؤلاءِ الذين وَصَف صفتَهم مِن الكفارِ - وإن نَدِموا بعدَ مُعايَنتِهم ما عايَنوا من عذابِ اللهِ، فاشْتَدَّتْ نَدامَتُهم على ما سَلَف منهم مِن أعمالِهم الخبيثةِ، وتَمَنَّوْا إلى الدنيَا كَرَّةً لِيُنيبوا فيها، ويَتَبَرَّءُوا مِن مُضِلِّيهم وسادَتِهم الذين كانوا يُطيعونهم في معصيةِ اللهِ فيها - بخارجين من النارِ التي أَصْلاهُموها اللهُ بكفرِهم به في الدنيا، ولا نَدَمُهم فيها بمُنْجِيهم مِن عقاب اللهِ حينئذٍ، ولكنهم فيها مُخلَّدون.\nوفي هذه الآيةِ الدَّلالةُ على تكذيبِ اللهِ الزاعمين أنَّ عذابَ اللهِ أهلَ النارِ مِن أهلِ الكفرِ به مُنْقَضٍ، وأنه إلى نهايةٍ، ثم هو بعدَ ذلك فانٍ؛ لأنّ اللهَ تعالى ذكرُه أخْبَرَ عن هؤلاء الذين وَصَف صفتَهم في هذه الآيةِ، ثم خَتَم الخبرَ عنهم بأنَّهم غيرُ خارجين من النارِ، بغيرِ استثناءٍ منه وقتًا دونَ وقتٍ، فذلك إلى غيرِ حدٍّ ولا نهايةٍ.\n\n<span id=\"aya-175\"></span><span data-type='title' id=toc-547>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾.</span>\nيعني بذلك جلّ ثناؤه: يا أيها الناسُ كلُوا ممَّا أحَللْتُ لكم مِن الأطعمةِ على لسانِ رسولِي محمدٍ ﷺ، فَطَيَّبْتُهُ لكُمْ، مما تُحرِّمُونَه على أنْفُسِكم من البحائرِ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لها\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فإذا\".","vol":"3","page":36},{"text":"والسوائبِ والوصائلِ، وما أشبهَ ذلك مما لم أحرِّمْهُ علَيْكم، دونَ ما حرَّمْتُه عليكُم مِن المطاعمِ والمآكلِ فنجَّستُه، من مَيْتةٍ ودمٍ ولحمِ خنزيرٍ، وما أُهِلَّ به لِغيرِي، ودَعُوا خطواتِ الشيطانِ التي تُوبِقُكُم فتُهلِكُكم وتُورِدُكُم مواردَ العَطَبِ، وتُحرِّمُ عليكم أموَالَكم فلا تَتَّبِعُوها ولا تَعمَلُوا بها. ﴿إِنَّهُ﴾ يَعنِي بقولِه: ﴿إِنَّهُ﴾: إنَّ الشيطانَ، والهاءُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ﴾ عائدةٌ على الشيطانِ ﴿لَكُمْ﴾ أيها الناسُ ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ يعني جلّ ثناؤه أنه قد أبانَ لكم عدَاوَتَه بإبائِه (^١) السجودَ لأبيكم وغُرورِه إيَّاه حتى أخرجَه من الجَنَّةِ واستزَلّهُ بالخطيئة، وأكَل من (^٢) الشجرةِ. يقولُ جلّ ثناؤُه: فلا تَنْتَصِحُوه أيها الناسُ مع إِبانتِه لكم العداوةَ، ودعُوا ما يأمرُكُم به، والزَمُوا طاعَتي فيما أمرْتُكم به ونَهيتُكُم عنه مما حلّلْتُه لكم، وحرَّمتُه عليكُم، دونَ ما حرَّمتُمُوه أنتم علَى أنفُسِكم وحلَّلْتمُوه طاعةً منكُم للشيطانِ واتباعًا لأمرِه. ومعنَى قولِه: ﴿حَلَالًا﴾: طِلْقًا، وهو مصدرٌ من قولِ القائلِ: قد حلَّ لكَ هذا الشيْءُ. أي: صارَ لك مُطْلَقًا، فهو يَحِلُّ لك حلَالًا وحِلًّا. ومن كلامِ العربِ: هو لكَ حِلٌّ بِلٌّ طِلْقٌ.\nوأمّا قولُه: ﴿طَيِّبًا﴾ فإنه يعني به: طاهرًا غيرَ نجِسٍ ولا مُحرَّمٍ.\nوأما \"الخُطواتُ\" فهي جمعُ خُطوةٍ، والخُطوةُ بُعدُ ما بينَ قدمَي الماشِي، والخَطوةُ بفتحِ الخاءِ: الفَعلةُ الواحدةُ، من قولِ القائلِ: خطوتُ خَطْوةً واحدةً. وقد تُجمعُ الخُطوةُ خُطًا، والخَطوة تُجمعُ خَطَوَاتٍ وخِطاءً.\nوالمعنى في النهي عن اتباعِ خُطواتِه، النهيُ عن طريقهِ وأثرِه فيما دعا إليه مما هو خلافُ طاعةِ اللهِ.\n_________\n(^١) بعده في م: \"عن\".\n(^٢) سقط من: ص.","vol":"3","page":37},{"text":"واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الخُطواتِ؛ فقال بعضُهم: خُطواتُ الشيطانِ عملُه.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ يقولُ: عملُه (^١).\nوقال بعضُهم: خُطواتُ الشيطانِ (^٢): خَطاياه.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قالَ: خطيئَتُه (^٣).\nحدثني المُثَنَّى، قالَ: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قالَ: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ، قال: خَطاياهُ.\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قال: خَطاياه (^٤).\nحدثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبرَنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا جُوَيْبِرٌ، عن الضَّحاكِ في قولِه: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قال: خَطايا الشيطانِ التي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧١ (١٩٥١) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢١٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٠ (١٥٠٥)، بلفظ: خطأه. زاد ابن أبي حاتم: أو قال: خطاياه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٢.","vol":"3","page":38},{"text":"يأمرُ بها.\nوقال آخرون: خطواتُ الشيطانِ: طاعتُه.\nذكرُ من قال ذلك\nحدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ يقولُ: طاعتُه (^١).\nوقال آخرون: خُطواتُ الشيطانِ: النذورُ في المعاصِي.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن سليمانَ، عن أبي مِجلَزٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قال: هي النذورُ في المعاصِي (^٢).\n\n<span id=\"aya-176\"></span>وهذه الأقوالُ التي ذكرناهَا عمَّن ذكرْنَاها عنه في تأويلِ قولِه: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قريبٌ معنَى بعضِها من بعضٍ؛ لأنّ كلَّ قائلٍ منهم قولًا في ذلك فإنه أشارَ إلى نَهْي اتباعِ الشيطانِ في آثارِه وأعمالِه، غيرَ أن حقيقةَ تأويلِ الكلمةِ هو ما بَيَّنْتُ من أنها بُعْدُ ما بينَ قدَميه، ثم تُستعملُ في جميعِ آثارِه وطُرُقِه على ما قد بَيَّنْتُ. القول في تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾.\nيعني جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ﴾: الشيطانُ، ﴿بِالسُّوءِ﴾. والسوءُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧١ (١٩٥٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨١ (١٥٠٧) من طريق جرير به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٤٢ - تفسير) عن معتمر بن سليمان، عن أبيه به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٧ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.","vol":"3","page":39},{"text":"الاسمُ (^١) مثلُ الضُّرِّ من قولِ القائلِ: ساءك هذا الأمرُ يسوءُك سُوءًا. وهو ما يسوءُ الفاعلَ.\nوأما الفحشاءُ فهي مصدرٌ مثلُ السرّاءِ والضرّاءِ، وهي كلُّ ما اسْتُفْحِشَ ذِكرُه وقَبُحَ مَسموعُه.\nوقيلَ: إنّ السوءَ الذي ذكرَه اللهُ هو معاصِي اللهِ. فإن كان ذلك كذلك، فإنّما سماها اللهُ سوءًا؛ لأنّها تَسوءُ صاحبَها بسوءِ عاقِبتِها له عندَ اللهِ.\nوقيل: إنّ الفحشاءَ الزنا. فإنْ كان ذلك كذلك، فإنما [سمِّى بذلك] (^٢) لِقُبْحِ مَسمُوعِه، ومكرُوهِ ما يُذكرُ به فاعلُه.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾: أما \"السوءُ\" فالمعصيةُ، وأما \"الفحشاءُ\" فالزنا (^٣).\nوأما قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فهو ما كانوا يُحرِّمون من البحائرِ والسوائبِ والوصائلِ والحوامِي، ويَزعُمون أنّ اللهَ حرّمَ ذلك، فقال جلّ ثناؤه لهم: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ [المائدة: ١٠٣] وأخبَرهم جلّ ثناؤه في\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الإثم\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يسمى\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨١ (١٥١٠) من طريق عمرو بن حماد به.","vol":"3","page":40},{"text":"هذه الآيةِ أنّ قِيلَهُم: إن اللهَ حرَّم هذا. من الكذبِ الذي يأمرُهم به الشيطانُ، وأنه قد أحلَّه لهم وطَيَّبه، ولم يحرِّمْ أكلَه عليهم، ولَكِنَّهم يقولونَ على اللهِ ما لا يعلمونَ حقيقتَه، طاعةً منهم للشيطانِ، واتباعًا منهم خُطواتِه، واقتفاءً منهم آثارَ أسلافِهم الضُّلَّالِ، وآبائِهم الجهّالِ، الذين كانوا باللهِ وبما أنزَل على رسلِه جُهّالًا، وعن الحقِّ ومنهاجِه ضُلَّالًا، وانصرافًا (^١) منهم عمّا أنزلَ الله في كتابِه على رسولِه ﷺ، فقال جلّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾.\n\n<span id=\"aya-177\"></span><span data-type='title' id=toc-548>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾.</span>\nفي هذه الآيةِ وجهان من التأويلِ؛ أحدُهما، أن تكونَ الهاءُ والميمُ من قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ عائدةً على ﴿مَن﴾ في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا﴾. فيكونُ معنى الكلامِ: ومن الناسِ مَن يتخذُ من دونِ اللهِ أندادًا، وإذا قيلَ لهم: اتّبعوا ما أنزَلَ اللهُ، قالوا: بلْ نتبعُ ما ألفينا عليه آباءَنا. والآخرُ، أن تكونَ الهاءُ والميمُ اللتان في قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ من ذكرِ \"الناسِ\" الذين في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ فيكونُ ذلك انصرافًا من الخطابِ إلى الخبرِ عن الغائبِ، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢].\nوأشبهُ عندِي وأوْلَى بالآيةِ أن تكونَ الهاءُ والميمُ في ﴿لَهُمُ﴾ من ذكرِ\n_________\n(^١) في م: \"إسرافا\". وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إصدافا\".","vol":"3","page":41},{"text":"\"الناسِ\" [في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾] (^١)، وأن يكونَ ذلك رجوعًا من الخطابِ إلى الخبرِ عن الغائبِ؛ لأنَّ ذلك عَقيبَ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ فَلأنْ يكون خبرًا عنهم أوْلَى مِن أنْ يكونَ خبرًا عن الذين أخبَر عنهم (^٢) أنّ منهم مَن يَتخِذُ من دونِ اللهِ أندادًا، معَ ما بينَهما من الآياتِ وانقطاعِ قَصَصِهم بقصَّةٍ مُستأنَفةٍ غيرِها، وإنما نزَلتْ في قومٍ من اليهودِ قالوا ذلك إذ دُعوا إلى الإِسلامِ.\nحدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: دعَا رسولُ الله ﷺ اليهودَ من أهلِ الكتابِ إلى الإِسلامِ ورغَّبهم فيه، وحذَّرَهم عذابَ (^٣) اللهِ ونِقمتَه، فقال له رافعُ بنُ خارجةَ ومالكُ بنُ عَوفٍ: بل نتَّبِعُ ما وجَدْنا (^٤) عليه آباءَنا، فهم (^٥) كانوا أعلمَ وخيرًا منَّا. فأنزَل اللهُ [في ذلك من قولِهما] (^٦): ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (^٧).\nحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ مِثلَه، إلا أنه قال: فقال له أبو رافعِ بنُ خارجةَ وخالدُ بنُ عوفٍ.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عقاب\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ألفينا\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فإنهم\".\n(^٦) في م: \"من قولهم ذلك\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذلك من قولهم\". والمثبت من الأصل وكتب في حاشيته: \"في الأم: قولهم\". يعني: بدلا من \"قولهما\".\n(^٧) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨١ (١٥١١) من طريق سلمة به.","vol":"3","page":42},{"text":"وأما تأويلُ قولِه: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ فإنه: اعمَلوا بما أنزَل اللهُ في كتابِه على رسولِه، فأَحِلُّوا حلالَه وحرِّمُوا حرامَه، واجعلوه لكم إمامًا تأتُّمونَ به، وقائدًا تتَّبِعون أحكامَه.\nوقولُه: ﴿أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ يعني: وجَدْنا. كما قال الشاعرُ (^١):\nفألْفَيْتُهُ غيرَ مُسْتَعْتِبٍ (^٢) … وَلا ذَاكرِ اللهَ إلَّا قلِيلا\nيعني: وجدْتُه.\nوكما حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي: ما وجدْنا عليه آباءَنا (^٣).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٤).\nفمعنى الآيةِ: وإذا قيلَ لهؤلاءِ الكفارِ: كُلُوا مما أحَلَّ الله لكم ودَعُوا خطواتِ الشيطانِ وطريقَه، واعمَلُوا بما أنزَل اللهُ علَى نبيِّه في كتابِه، استكبَرُوا عن الإذعانِ للحقِّ، وقالوا: بل نأتمُّ بآبائِنا، فنتَّبعُ ما وجدناهُم عليه من تحليلِ ما كانوا يُحِلُّون، وتَحريمِ ما كانوا يحُرِّمون. قال اللهُ جلّ ثناؤه: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ يعني آباءَ هؤلاءِ الكافرين الدين مضَوا على كفرِهم باللهِ العظيمِ ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾\n_________\n(^١) هو أبو الأسود الدئلي، والبيت في الكتاب ١/ ١٦٩، والأغاني ١٢/ ٣١٠، واللسان (ع ت ب)، والخزانة ١/ ٢٨٤.\n(^٢) الاستعتاب: طلب العتبى، وهي الرضا. تقول: استعتبته فأعتبني. أي: استرضيته فأرضاني. التاج (ع ت ب).\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨١ عقب الأثر (١٥١٢) معلقًا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨١ عقب الأثر (١٥١٢) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"3","page":43},{"text":"من دينِ اللهِ وفرائضِه وأمرِه ونهيِه، فيُتَّبَعوا على ما سلَكُوا من الطريقِ ويُؤتَمَّ بهم في أفعالِهم، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ لرُشدٍ فيَهتدِيَ بهم غيرُهم، ويقتدِيَ بهم مَن طلَبَ الدِّينَ، وأراد الحقَّ والصوابَ!\nيقولُ جلّ ثناؤه لهؤلاء الكفارِ: فكيفَ أيها الناسُ تتبِعون ما وجَدتُم عليه آباءَكم فتترُكونَ ما يأمرُكم به ربُّكم، وآباؤكم لا يعقِلون من أمرِ اللهِ شيئًا، ولا هم مُصيبون حقًّا ولا مُدرِكون رُشدًا، وإنما يتَّبعُ المتَّبعُ ذا المعرفةِ بالشيْءِ المستعملَ له في نفْسِه، فأما الجاهلُ فلا يتّبعُه فيما هو به جاهلٌ إلَّا مَن لا عقلَ له ولا تمييزَ.\n\n<span id=\"aya-178\"></span><span data-type='title' id=toc-549>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: مثلُ الكافرِ في قلَّةِ فَهمِه عن اللهِ ما يُتلَى عليه من (^١) كتابِه، وسوءِ قبولِه لما يُدعَى إليه من توحيدِ الله، ويوعَظُ به - مثلُ البهيمةِ التي تسمعُ الصوتَ إذا نُعِقَ بها ولا تعقِلُ ما يقالُ لها.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثنا هنَّادُ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ قال: مثلُ البعيرِ أو مثلُ الحمارِ تدْعُوه فيسمَعُ الصوتَ ولا يفقَهُ ما تقولُ (^٢).\n_________\n(^١) في م: \"في\".\n(^٢) أخرجه سفيان في تفسيره ص ٥٥ عن خصيف، عن عكرمة، نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٧، ١٦٨ إلى وكيع.","vol":"3","page":44},{"text":"حدثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزِيعٍ (^١)، [قال: ثنا يوسفُ بنُ خالدٍ السَّمْتيُّ] (^٢)، قال: ثنا نافعُ بنُ مالكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ قال: هو مثلُ (^٣) الشاةِ ونحوِ ذلك (^٤).\nحدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾: كمثلِ البعيرِ والحمارِ والشاةِ، إن قلتَ لبعضِها: كُلْ. لا يعلَمُ ما تقولُ غيرَ أنه يسمَعُ صوتَك، كذلك الكافرُ إن أمرْتَه بخيرٍ أو نهيتَه عن شرٍّ أو وعَظْتَه لم يعقِلْ ما تقولُ، غيرَ أنه يسمَعُ صوتَك (^٥).\nحدثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: مثلُ الدابةِ تُنادَى فتسمَعُ ولا تعقِلُ ما يُقالُ لها، كذلك الكافرُ يسمَعُ الصوتَ ولا يعقِلُ (^٦).\nحدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ قال: مَثَلُ الكافرِ مَثلُ البهيمةِ تسمَعُ الصوتَ ولا تعقِلُ (^٧).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) في م: \"زريع\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٤٥٣.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م: \"كمثل\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ص ٣٩ و(مخطوط) إلى المصنف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٢ (١٥١٣) عن محمد بن سعد به.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٧ إلى المصنف.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":45},{"text":"مجاهدٍ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾: مَثلٌ ضرَبه اللهُ للكافرِ يسمَعُ ما يُقالُ له ولا يَعقِلُ، كمَثلِ البهيمةِ تسمَعُ النَّعيقَ ولا تعِقلُ.\nحدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ (^١): مثلُ الكافرِ كمثلِ البعيرِ والشاةِ، تَسمَعُ الصوتَ (^٢) ولا تدرِي (^٣) ما عُنِي به.\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ قال: هو مَثلٌ ضرَبه اللهُ للكافرِ، يقولُ: مَثلُ هذا الكافرِ مَثلُ هذه البهيمةِ التي تسمَعُ الصوتَ ولا تدرِي ما يقالُ لها، فكذلك الكافرُ [يُقال له و] (^٤) لا يَنْتفِعُ بما يُقالُ له (^٥).\nحدثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: هو مثلُ الكافرِ يسمَعُ الصوتَ ولا يعقِلُ ما يقالُ له (^٦).\nحدثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنا حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: وسألتُ عطاءً، ثم قلتُ له: يُقالُ: لا تعقِلُ، يعني البهيمةَ، إلّا أنها تسمَعُ دعاءَ الرَّاعِي (^٧) حين يَنعِقُ بها، فهُم كذلك لا يعقِلون، وهم يسمعون؟! فقال: كذلك. قال: وقال مجاهدٌ: ﴿الَّذِي يَنْعِقُ﴾ الراعِي، يَنعِقُ (^٨) ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ من\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقول\".\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ولا يعقل\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يدري\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٥.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٢ عقب الأثر (١٥١٣) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الداعي\".\n(^٨) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":46},{"text":"البهائمِ (^١).\nحدثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾: الراعِي: ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ البهائمُ.\nحدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بن حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾: لا يعقِلُ ما يقالُ له، إلا أن تُدعَى فتأتيَ، أو ينادَى بها فتذهَبَ، وأما ﴿الَّذِي يَنْعِقُ﴾ فهو الراعِي الغنمَ، كما ينعِقُ الراعِي ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ ما يُقالُ له، إلَّا أن يُدعَى أو يُنادَى، فكذلك محمدٌ ﷺ يدعُو من لا يسمعُ إلّا حَويرَ (^٢) الكلامِ، يقولُ اللهُ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ (^٣).\nومَعْنَى قائلِي هذا القولِ في تأويلِهم ما تأوَّلوُا على ما حكيتُ عنهم: ومَثَلُ وعْظِ الذين كفَروا وواعظِهم، كمثَلِ نَعْقِ الناعِقِ بغنمِه ونَعيقِه به (^٤). فأُضيف المثَلُ إلى الذين كفَروا، وترَك ذكرَ الوعظِ والواعظِ، لدلالةِ الكلامِ على ذلك، كما يقالُ: إذا لقِيتَ فلانًا فعظِّمْه تعظيمَ السلطانِ. يرادُ به: كما تُعظِّمُ السلطانَ. وكما قال الشاعرُ (^٥):\nفَلَسْتُ مُسَلِّمًا ما دُمْتُ حيًّا … علَى زَيْدٍ بِتَسْلِيمِ الأمِيرِ\nيرادُ به: كما يُسلَّمُ على الأميرِ.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٢ عقب الأثر (١٥١٣) معلقًا.\n(^٢) في م: \"خرير\". وعند ابن أبي حاتم: \"جويز\".\nوالحوير: الجواب. يقال: كلمته فما رجَع إليّ حوارًا وحويرًا، أي جوابا، والاسم من المحاورة الحوير، تقول: سمعت حويرهما وحوارهما. التاج (ح ور).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٢ (١٥١٤) عن أبي زرعة، عن عمرو به.\n(^٤) في م: \"بها\".\n(^٥) تقدم في ص ١٨.","vol":"3","page":47},{"text":"وقد يَحتمِلُ أن يكونَ المعنَى على هذا التأويلِ الذي تأوَّله هؤلاءِ: ومَثلُ الذين كفَرُوا في قلّةِ فَهمِهم عن اللهِ وعن رسولهِ كمَثلِ المنْعوقِ به من البهائمِ الذي لا يفقَهُ من الأمرِ والنَّهْىِ غيرَ الصوتِ؛ وذلك أنه لو قيلَ له: اعْتلِفْ. أو: رِدِ الماءَ. لم يدرِ ما يقالُ له غيرَ الصوتِ الذي يسمَعُه من قائلِه، فكذلك الكافرُ، مَثلُه في قلَّةِ فَهمِه لما يُؤمرُ به ويُنهَى عنه، بسوءِ تدَبُّرِه إيَّاه، وقلةِ نظرِه وفكرِه فيه، مَثلُ هذا المنعوقِ به فيما أُمِرَ به ونُهِيَ عنه، فيكونُ المعنى للمنعوقِ به، والكلامُ خارجٌ على الناعقِ، كما قال نابغةُ بني ذُبيانَ (^١):\nوَقَدْ خِفْتُ حتَّى ما تَزِيدُ مَخافَتِي … على وَعِلٍ في ذِي المَطارَةِ (^٢) عاقِلٍ (^٣)\nوالمعنَى: حتى ما تَزيدُ مخافةُ الوعِلِ على مخافتِي. وكما قال الآخرُ (^٤):\nكانَتْ فَريضَةُ ما تَقُولُ كمَا … كانَ الزِّناءُ فَريضَةَ الرَّجْمِ\nوالمعنى: كما كان الرجمُ فريضةَ الزِّنا. فجعلَ الزِّنا فريضةَ الرَّجْمِ لوضوحِ معنى الكلامِ عندَ سامعِيه (^٥)، وكما قال الآخرُ (^٦):\nإنَّ سِرَاجًا لَكَريمٌ مَفْخَرُهْ … تَحْلَى به العَيْنُ إذا ما تَجْهَرُهْ (^٧)\nوالمعنى: يَحْلى بالعينِ. فجعلَه: تحْلَى به العينُ. ونظائرُ ذلك من كلامِ العربِ\n_________\n(^١) ديوانه ص ٦٨.\n(^٢) ذو المطارة: جبل. اللسان (ط ي ر).\n(^٣) وَعِل عاقل: إذا تحصن بوزره عن الصياد. تهذيب اللغة ١/ ٢٤١.\n(^٤) هو النابغة الجعدي، والبيت في شرح ديوانه ص ٢٣٥.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سامعه\".\n(^٦) معاني القرآن للفراء ١/ ٩٩، وأمالي المرتضى ١/ ٢١٦.\n(^٧) جهَر الرجلَ: رآه بلا حجاب بينه وبينه، أو جهَره: نظر إليه. وما في العين أحد تجهره عيني، أي تأخذه. التاج (ج هـ ر).","vol":"3","page":48},{"text":"أكثرُ من أن تُحصى، مما تُوَجِّهُه العربُ من خبرِ ما تخبِرُ عنه إلى ما صاحَبَه؛ لظهورِ معنى ذلك عند سامعِيه (^١)، فتقولُ: اعرضِ الحوضَ على الناقةِ. وإنما تُعرَضُ الناقةُ على الحوضِ، وما أشبهَ ذلك من كلامِها.\nوقال آخرون: معنى ذلك: ومثلُ الذين كفَروا في دعائِهم آلهتَهم وأوثانَهم التي لا تسمَعُ ولا تعقِلُ، كمثلِ الذي يَنْعِقُ بما لا يسمَعُ إلا دعاءً ونداءً، وذلك الصَّدَى الذي يُسمَعُ صوتُه، ولا يُفْهِمُ [عن الناعقِ به] (^٢) شيئًا.\nفتأويلُ الكلامِ على قولِ قائلِ ذلك: ومثَلُ الذين كفَروا وآلهتِهم في دعائِهم إيّاها وهي لا تفقَهُ ولَا تعقِلُ، كمَثلِ الناعقِ بما لا يَسْمَعُه الناعقُ إلا دعاءً ونداءً. أي: لا يسمعُ منه الناعقُ إلا دعاءَه [ونداءَه] (^٣).\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ قال: الرجلُ الذي يصيحُ في جوفِ الجبالِ فيجيبُه فيها صوتٌ يراجعُه يقالُ له: الصَّدَى. فمثلُ آلهةِ هؤلاءِ لهم، كمَثلِ الذي يُجيبُه بهذا الصّوتِ ولا ينفعُه؛ لا يسمعُ إلّا دعاءً ونداءً.\nقال: والعربُ تسمِّي ذلك الصَّدَى.\nوقد تَحتمِلُ الآيةُ على هذا التأويلِ وجهًا آخرَ غيرَ ذلك، وهو أن يكونَ معناها: ومَثلُ الذين كفَروا في دعائِهم آلهتَهم التي لا تفقَهُ دعاءَهم، كمَثلِ الناعقِ بغنمٍ له من\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سامعه\".\n(^٢) في م: \"به عنه الناعق\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":49},{"text":"حيثُ لا تسمَعُ صوتَه غنمُه، فلا تَنتفعُ من نَعيقِه (^١) بشيْءٍ، غيرَ أنه في عَناءٍ من دعاءٍ ونداءٍ، فكذلك الكافرُ في دعائِه آلهتَه، إنما هو في عَناءٍ من دُعائِه إيَّاها وندائِه لها، ولا تنفعُه شيئًا (^٢).\nوأوْلى التأويلَيْن (^٣) عندي بالآيةِ التأويلُ الأولُ الذي قاله ابنُ عباسٍ ومَنْ وافَقه عليه، وهو أن معنى الآيةِ: ومَثلُ وَعْظِ الكافِر وَوَاعِظِه، كمثلِ الناعِقِ بغنمِه ونعيقِه، فإنه يسمَعُ نعيقَه ولا يعقِلُ كلامَه. على ما قد بينَّا قبلُ.\nفأما وجْهُ جوازِ حذفِ الوعظِ اكتفاءً بالمثَلِ منه، فقد أتينَا على البيانِ عنه في قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] وفي غيرِه من نظائرِه من الآياتِ بما فيه الكفايةُ عن إعادَتِه. وإنما اختَرنا هذا التأويلَ؛ لأن هذه الآيةَ نزَلت في اليهودِ، وإيّاهُم عَنَى اللهُ بها، ولم تكنِ اليهودُ أهلَ أوثانٍ يَعبدونها ولا أهلَ أصنامٍ يُعظِّمونَها، ويَرجونَ نَفْعَها أو دفعَ ضُرِّها، فلا وجهَ، إذْ كان ذلكَ كذلكَ، لتأويلٍ من تأوَّلَ ذلك أنه بمعنى: مَثَلُ الذين كفَروا في ندائِهم الآلهةَ ودُعائِهم إيّاها.\nفإن قال قائلٌ: وما دليلُك على أن المقصودَ بهذه الآيةِ اليهودُ؟\nقيل: دليلُنا على ذلك ما قبْلَها من الآياتِ وما بعدَها، [وأنهم] (^٤) هم المعنيُّون به، فكان ما بينَهما بأن يكونَ خبرًا عنهم أحقَّ وأوْلَى من أن يكونَ خبرًا عن غيرِهم، حتى تأتيَ الأدلةُ واضحةً بانصرافِ الخبرِ عنهم إلى غيرِهم، هذا مع ما قد ذكَرنا من الأخبارِ عمَّن ذكَرناها عنه أنها فيهم نزَلتْ، والروايةِ التي روَينا عن ابنِ عباسٍ أن الآيةَ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نعقه\".\n(^٢) في م: \"شيء\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"التأويل\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فإنهم\".","vol":"3","page":50},{"text":"التي قبلَ هذه الآيةِ نزَلتْ فيهم.\nوبما قلنا من أن هذه الآيةَ معنىٌّ بها اليهودُ، كان عطاءٌ يقولُ.\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال لي عطاءٌ في هذه الآيةِ: هم اليهودُ الذين أنزَل اللهُ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى قولِه: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ (^١).\nوأما قولُه: ﴿يَنْعِقُ﴾. فإنه: يُصوِّتُ بالغنمِ، [يُقالُ لتصويتِ الراعي بالغنمِ] (^٢): النَّعيقُ والنُّعَاقُ. ومنه قولُ الأخطلِ (^٣):\nفانعِقْ بضَأْنِكَ ياجَريرُ فإنَّما … مَنَّتْكَ نفسُكَ في الخلاءِ ضَلَالا\nيعني: صوِّتْ به.\n\n<span data-type='title' id=toc-550>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾.</span>\nيعني بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿صُمٌّ﴾: هؤلاءِ الكفارُ الذين مَثلُهم كمثَلِ الذي يَنْعِقُ بما لا يسمَعُ إلّا دعاءً ونداءً صُمٌّ عن الحقِّ فهم لا يسمَعونه ﴿بُكْمٌ﴾ يعني: خُرْسٌ عن قيلِ الحقِّ والصوابِ، والإقرارِ بما أمرَهم اللهُ أن يُقِرُّوا به، وتَبْيينِ ما أمرَهم اللهُ تعالى ذكرُه أن يُبيِّنوه من أمرِ محمدٍ ﷺ للناسِ، فلا ينطِقُون به ولا يقُولونه ولا يبيِّنونه للناسِ، ﴿عُمْيٌ﴾ عن الهدَى وطريقِ الحقِّ لا يُبصِرونه.\nكما حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿صُمٌّ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٨ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) شرح ديوانه ص ٣٩٢.","vol":"3","page":51},{"text":"بُكْمٌ عُمْيٌ﴾. يقولُ: صمٌّ عن الحقِّ فلا يسمَعونَه ولا ينتفِعونَ به ولا يعقِلونَه، عُميٌ عن الحقِّ والهدَى فلا يبصِرُونه، بكمٌ عن الحقِّ فلا ينطِقونَ به (^١).\nحدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾. يقولُ: عن الحقِّ.\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾. يقولُ: لا يَسمَعون الهدَى ولا يُبصِرونَه ولا يَعقِلونَه (^٢).\nوأما الرفعُ في قولِه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾. فإنه أتاه من قِبَلِ الابتداءِ والاستئنافِ، يدُلُّ على ذلك قولُه: ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ كما يقالُ في الكلامِ: هو أصمُّ فلا يسمَعُ، وهو أبكمُ فلا يتكلَّمُ.\n\n<span id=\"aya-179\"></span><span data-type='title' id=toc-551>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾.</span>\nيعني بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه، وأقَرُّوا للهِ بالعبودةِ (^٣)، وأذعَنوا له بالطاعةِ.\nكما حدثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: صدَّقوا (^٤).\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ٣٤٨.\n(^٢) تقدم في ١/ ٣٤٨.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"العبودية\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٨ إلى المصنف إلى قوله: وطيَّبها لكم. على أنه من كلام الضحاك، والصواب أنه من كلام المصنف.","vol":"3","page":52},{"text":"﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ يعني: اطْعَموا من حلالِ الرزقِ الذي أحلَلْناه لكُم، فطابَ لكم بتحليلي إيَّاه لكم مما كنتم تُحَرِّمونه أنتم ولم أكنْ حرَّمْتُه عليكم، من المطاعم والمشاربِ، ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ يقولُ: وأَثنُوا على اللهِ جلّ ثناؤه بما هو [أهلٌ منكم] (^١)، على النِّعمِ التي رزَقكم، وطيَّبها لكُمْ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ يقولُ: إن كنتم منقادِين لأمرِه سامعِين له مطيعِين، فكلوا مما أباحَ لكم أكلَه وحلَّله وطيَّبه لكم، ودَعوا في تحريمِه خطواتِ الشيطانِ.\nوقد ذكَرنا بعضَ ما كانوا في جاهليتِهم يحرِّمونه من المطاعمِ، وهو الذي ندَبهم إلى أكلِه، ونهاهُم عن اعتقادِ تحريمِه، إذْ كان تحريمُهم إيَّاه كان في الجاهليةِ طاعةً منهم للشيطانِ، واتباعًا لأهلِ الكفرِ منهم باللهِ من الآباءِ والأسلافِ. ثم بيَّن لهم جلّ ثناؤه ما حرَّم عليهم، وفصَّله (^٢) لهم مفسَّرًا.\n\n<span id=\"aya-180\"></span><span data-type='title' id=toc-552>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾.</span>\nيعني جلّ ثناؤه بذلك: لا تحرِّموا على أنفُسِكم ما لم أحرِّمْه عليكم أيها المؤمنون باللهِ وبرسولِه من البحائرِ والسوائبِ ونحوِ ذلك، بل كُلُوا ذلك، فإني لم أحرِّمْ عليكم غيرَ المَيْتةِ والدمِ ولحمِ الخنزيرِ وما أُهِلَّ به لغيرِي.\nومعنى قولِه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾: ما حرَّم عليكم إلّا الميْتةَ.\nو﴿إِنَّمَا﴾ حرفٌ واحدٌ، ولذلك نُصِبت \"الميتةُ والدمُ\"، وغيرُ جائزٍ في \"الميتةِ\" إذا جعَلتَ \"إنما\" حرفًا واحدًا إلا النصبُ، ولو كانت \"إنما\"\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"أهله منكم\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فصل\".","vol":"3","page":53},{"text":"حرفين، [فكانت \"ما\"] (^١) منفصلةً من \"إنّ\" لكانت \"الميتةُ\" مرفوعةً وما بعدَها، وكان تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: إن الذي حرَّم اللهُ عليكم من المطاعمِ الميتةُ والدمُ ولحمُ الخنزيرِ لا غيرُ ذلك.\nوقد ذُكِر عن بعضِ القرَأةِ أنه قرَأ ذلك كذلك على هذا التأويلِ (^٢)، ولستُ للقراءةِ به مُستجيزًا، وإن كان له في التأويلِ والعربيةِ وجهٌ مفهومٌ؛ لاتفاقِ الحجةِ من القرأةِ على خلافِه، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ الاعتراضُ عليهم فيما نقَلوه مجمِعين عليه، ولو قُرِئ (^٣) (حُرِّم) (^٤) بضمِّ الحاءِ من ﴿حَرَّمَ﴾ لكان في \"الميتةِ\" وجهانِ من الرفعِ؛ أحدُهما، من أن الفاعلَ غيرُ مسمًّى، و\"إنما\" حرفٌ واحدٌ.\nوالآخَرُ: أنّ \"إنّ\" و\"ما\" في معنى حرفيْن، و\"حُرِّم\" من صلةِ \"ما\"، و\"الميتة\" خبرُ \"الذي\" مرفوعٌ على الخبرِ. ولستُ - وإن كان لذلك أيضًا وجهٌ - مُستجيزًا القراءةَ به؛ لما ذكرتُ.\nوأما ﴿الْمَيْتَةَ﴾، فإن القرأةَ مختلفةٌ في قراءتِها، فقرَأها بعضُهم بالتَّخفيفِ (^٥)، ومعناه فيها التشديدُ، ولكنه يُخفِّفُها كما يخفِّفُ القائلون: هو هيْن ليْن، الهيِّنُ الليِّنُ. كما قال الشاعرُ (^٦):\nليسَ مَن مات فاسْتَراح بمَيْتٍ … إنَّما الميتُ مَيِّتُ الأحياءِ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وكانت\".\n(^٢) وهم أبو جعفر بن القعقاع - وهو من العشرة - وابن أبي عبلة وأبو عبد الرحمن السلمي. ينظر معجم القراءات القرآنية ١/ ١٣٦.\n(^٣) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".\n(^٤) وهي قراءة أبي جعفر كما في البحر المحيط ١/ ٤٨٦ وهي قراءة شاذة.\n(^٥) هي قراءة أبي جعفر المدني. ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ٩٢.\n(^٦) البيت لعدي ابن الرعلاء الغساني، وهو في الأصمعيات ص ١٥٢، ومعجم الشعراء ص ٨٦.","vol":"3","page":54},{"text":"فجمَع بين اللُّغتين في بيتٍ واحدٍ، في معنًى واحدٍ.\nوقرَأها بعضُهم بالتشديدِ وحمَلوها على الأصلِ، وقالوا: إنما هو \"مَيْوِت\"، \"فَيْعِل\"، من الموتِ، ولكنَّ الياءَ الساكنةَ والواوَ المتحركةَ لماّ اجتمعتَا، والياءُ مع سكونِها متقدِّمةٌ، [قُلبتِ الواوُ ياءً و] (^١) شُدِّدَتْ، فصارَتَا ياءً مشدَّدَةً، كما فعَلوا ذلك بـ \"سيِّد وجيِّد\". قالوا: ومَن خفَّفَها فإنما طلَب الخِفَّةَ، والقراءةُ بها على أصلِها الذي هو أصلُها أوْلَى.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندي أن التَّشديدَ والتَّخفيفَ في ياءِ \"الميتة\" لغتان [وقراءتان] (^٢) معروفتان في القراءةِ وفي كلامِ العربِ، فبأيِّهما قرَأ ذلكَ القارئُ فمصيبٌ، لانّه لا اختلافَ في مَعْنَيَيْهما.\nوأما قولُه: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾. فإنه يعني به: وما ذُبِح للآلهةِ والأوثانِ، فسُمِّي عليه غيرُ اسمِه، أو قُصِد به غيرُه من الأصنامِ.\nوإنما قيلَ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ﴾ لأنهم كانوا إذا أرادُوا ذبْحَ ما قرَّبوه لآلهتِهم، سمَّوُا اسمَ آلهتِهم التي قرَّبوا ذلك لها، وجهَروا بذلكَ أصْواتَهم، فجرَى ذلك من أمرِهم على ذلك، حتى قيل لكلِّ ذابحِ ذبْحٍ (^٣)، سَمَّى أو لم يُسمِّ، جهَر بالتسميةِ أو لم يَجهَرْ: مُهِلٌّ. فرفْعُهم أصواتَهم بذلك هو الإهلالُ الذي ذكَره اللهُ ﷻ فقال: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ ومن ذلك قيلَ للمُلَبِّي في حَجةٍ أو عمرةٍ:\nمُهِلٌّ. لرَفْعِه صوتَه بالتلْبيةِ. ومنه استهلالُ الصَّبِيِّ، إذا صاحَ عند سقوطِه من بطنِ أمِّهِ، واستهلالُ المطرِ، وهو صوتُ وقوعِه على الأرضِ، كما قال عَمرُو بنُ\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قبل الواو\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ليست في: م، ت ١، ت ٢.","vol":"3","page":55},{"text":"قَمِيئةَ (^١):\nظَلَم البِطاحَ له انْهِلالُ حَرِيصَةٍ … فَصَفا النِّطافُ له بُعَيْدَ المُقْلَعِ\nواختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: يعني بقولِه: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾: وما ذُبح لغيرِ اللهِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾: ماذُبح لغيرِ اللهِ.\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاق، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ قال: ما ذُبح لغيرِ اللهِ مما لم يُسمَّ عليه (^٢).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾: ما ذُبح لغيرِ اللهِ (^٣).\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾. قال: ذُبح (^٤).\nحدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ:\n_________\n(^١) تقدم هذا البيت في ١/ ٥٥٩ وأن صواب نسبته إلى الحادرة.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٣ (١٥١٩) من طريق أبي حذيفة به.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ما أهل به للطواغيت\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٨ إلى ابن المنذر.","vol":"3","page":56},{"text":"﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾. قال: ما أُهِلَّ به للطواغيتِ (^١).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾. يعني: ما أُهِلَّ للطواغيتِ كُلِّها (^٢).\nيعنِي: ما ذُبحَ لغيرِ اللهِ من أهلِ الكفرِ غيرَ اليهودِ والنصارَى.\nحدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ قال: هو ما ذُبح لغيرِ اللهِ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: ما ذُكِرَ عليه غيرُ اسمِ اللهِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾. يقولُ: ما ذُكر عليه غيرُ اسمِ اللهِ (^٣).\nحدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ - وسألتُه عن قولِ اللهِ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ - قال: ما يُذبَحُ لآلهتِهم، الأنصابُ التي يعبُدونها، و(^٤) يُسمُّون أسماءَها عليها. قال: يقولون: باسمِ فلانٍ. كما تقولُ أنت: باسمِ اللهِ. قال: فذلك ما أُهِلَّ به لغيرِ اللهِ.\nحدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا حَيْوَةُ، عن عُقبةَ بنِ مُسلمٍ التُّجِيبيِّ وقيسِ بنِ رافعٍ الأشْجعيِّ، أنهما قالَا: أُحِلَّ لنا ما ذُبحَ لعيدِ الكنائسِ، ومَا\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٣ عقب الأثر (١٥١٩) معلقًا.\n(^٢) أخرجه البيهقي ٩/ ٢٤٩ من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٣ عقب الأثر (١٥١٨) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) في م: \"أو\".","vol":"3","page":57},{"text":"أُهدِيَ لها مِن خبزٍ أو لحمٍ، فإنما هو طعامُ أهلِ الكتابِ. قال حَيوةُ: فقلتُ: أرأيتَ قولَ اللهِ ﵎: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾. قال: إنما ذلك المجوسُ وأهلُ الأوثانِ والمشركون.\n\n<span data-type='title' id=toc-553>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.</span>\nيعني بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: فمن حلّتْ به ضرورةُ مجاعةٍ إلى ما حرَّمتُ عليكم، من الميْتةِ والدمِ ولحمِ الخنزيرِ وما أُهِلَّ به لغيرِ اللهِ، وهو بالصِّفةِ التي وصَفْنا، فلا إثمَ عليه في أكْلِه إن أكَلَه.\nوقولُه: ﴿اضْطُرَّ﴾: افتُعِل، من الضرورةِ.\nو: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ نَصْبٌ على الحالِ مِن \"مَن\"، كأنه قيلَ: فمنِ اضْطُرَّ لا باغيًا ولا عاديًا فأكَلَه، فهو له حلالٌ.\nوقد قيل: إن معنى قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: فمن أُكرِه على أكْلِه فأكَله، فلَا إثْمَ عليه.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرِيُّ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. قال: الرجلُ يأخذُه العدوُّ فيدْعُونَه إلى معصيةِ اللهِ.\nوأما قولُه: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. فإن أهلَ التأويلِ في تأْويلِه مختلِفون؛ فقال بعضُهم: يعني بقولِه: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: غيرَ خارجٍ على الأُمَّةِ (^١)\n_________\n(^١) في م: \"الأئمة\".","vol":"3","page":58},{"text":"بسيفِه، باغيًا عليهم بغيرِ حَقٍّ (^١)، ولا عاديًا عليهم بحربٍ [ظُلمًا وعُدْوانًا] (^٢)، فمُفْسدٌ عليهم السبيلَ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ ليثًا، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قال: غيرَ قاطعِ سبيلٍ، ولا مفارقِ جماعةٍ، ولا خارجٍ في معصيةِ اللهِ، فله الرخصةُ (^٣).\nحدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ يقولُ: لا قاطعًا للسبيلِ، ولا مفارِقًا للأئمةِ، ولا خارجًا في معصيةِ اللهِ، فله الرخصةُ، ومَن خرَج باغيًا أو عاديًا، أو (^٤) في معصيةِ اللهِ، فلا رخصةَ له وإنِ اضطُرَّ إليه (^٥).\nحدثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. قال: هو الذي يقطعُ الطريقَ، فليس له رخصةٌ إذا جاعَ أن يأكُلَ الميْتةَ، وإذا عَطِشَ أن يشرَبَ الخمرَ (^٦).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن شَرِيكٍ،\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جور\".\n(^٢) في م: \"وعدوان\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وعدوانا\".\n(^٣) أخرجه محمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة (١٠٧٦، ١٠٧٧) من طريق ليث بن أبي سليم به.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٣ (١٥٢٣) من طريق أبي حذيفة به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٤ (١٥٢٤) من طريق شريك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٨ إلى أبي الشيخ.","vol":"3","page":59},{"text":"عن سالمٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. قال: الباغِي العادِي الذي يقطَعُ الطريقَ، فلا رخصةَ له ولا كرامةَ.\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قال: إذا خرَج في سبيلٍ من سُبلِ اللهِ فاضْطُرَّ إلى (^١) الخمرِ شَرِب، وإذا اضْطُرَّ إلى الميتةِ أكَل، وإذا خرَج يقطَعُ الطريقَ فلَا رخصةَ له. حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حفصُ بنُ غياثٍ، عن الحجّاجِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: على الأئمةِ، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ قاطعُ السبيلِ (^٢).\nحدثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قال: غيرَ قاطعٍ السبيلَ، ولا مفارقٍ الأئمةَ، ولا خارجٍ في معصيةِ اللهِ، فله الرخصةُ (^٣).\nحدثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الحجّاجِ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قال: غيرَ باغٍ على الأئمةِ، ولا عادٍ على ابنِ السبيلِ.\nوقال آخرون: بل تأويلُ قولِه: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: غيرَ باغٍ الحرامَ في أكْلِه، ولا مُعتدٍ الذي أبيحَ له منه.\n_________\n(^١) بعده في م: \"شرب\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٣، ٢٨٤ (١٥٢٢، ١٥٢٨) من طريق الحجاج به.\n(^٣) أخرجه آدم بن أبي إياس - كما في الدر المنثور ١/ ١٦٨ - عن ورقاء به. وهو في تفسير مجاهد ص ٢١٨، ٢١٩ - ومن طريقه البيهقي ٣/ ١٥٦ - دون قوله: فله رخصة. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٤٣ - تفسير)، ومن طريقه البيهقي في المعرفة (١٦٢٠) - عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"3","page":60},{"text":"ذِكرُ من قال ذلك\nحدثنا بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: غيرَ باغٍ في أكْلِه، ولا عادٍ أن يتعدَّى حلَالًا إلى حرامٍ، وهو يجدُ عنه مندوحةً (^١).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قال: غيرَ باغٍ فيها، ولا معتدٍ فيها، يأكُلُها وهو غنيٌّ عنها.\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزَّاقِ، عن مَعمرٍ، عمّن سمِعَ الحسنَ يقولُ ذلك (^٢).\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنا أبو تُمَيْلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ قولَه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ ييتغِيه، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ يتعدَّى على ما يُمسِكُ نفْسَه.\nوحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ يقولُ: مِن غيرِ أن يبتغِيَ حرامًا ويتعدَّاه، ألا ترَى أنه يقولُ: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧، المعارج: ٣١].\nحدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَنِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٤، ٢٨٥ (١٥٣٠) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٥.","vol":"3","page":61},{"text":"اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. قال: غيرَ (^١) أن يأكُلَ ذلك بغْيًا وتعدِّيًا عن الحلالِ إلى الحرامِ، ويتركَ الحلالَ وهو عندَه، ويتعدَّى بأكلِ هذا الحرامِ؛ هذا التعدِّي. يُنكِرُ أن يكونا مختلِفَيْن، ويقولُ: هذا وهذا واحدٌ.\nوقال آخرون: تأويلُ ذلك: فمن اضطُرَّ غيرَ باغٍ في أكلِه شهوةً، ولاعادٍ فوقَ ما لابدَّ له منه.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: أما \"باغ\" فيبتغِي (^٢) فيه شهوتَه، وأما \"العادي\"، فيتعدَّى في أكلِه، يأكُلُ حتى يشبَعَ، ولكن يأكُلُ منه قوتًا (^٣)، ما يُمسِكُ به نفْسَه حتى يبلُغَ حاجتَه (^٤).\nوأوْلى هذه الأقاويلِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: فَمَن اضْطُرَّ غيرَ باغٍ بأكلِه ما حُرِّم عليه من أكلِه، ولا عادٍ في أكلِه، وله عن تركِ أكلِه - بوجودِه (^٥) غيرَه مما أحلَّه اللهُ له - مندوحةٌ وغنًى؛ وذلك أن اللهَ لم يرخِّصْ لأحدٍ في قتلِ نفسِه بحالٍ. فإذْ كان ذلك كذلكَ، فلا شكَّ أن الخارجَ على الإمامِ والقاطعَ الطريقَ، وإن كانا قد أتيَا ما حرَّمَ اللهُ عليهما - من خروجِ هذا على من خرَج عليه، وسَعْي هذا بالإفسادِ في الأرضِ - فغيرُ مُبيحٍ لهما فِعلُهما ما فعَلا - مما حرَّمَ اللهُ عليهما - ما كان حرامًا (^٦)\n_________\n(^١) سقط من ت م، ت ١، ت ٢.\n(^٢) في م، ت ٢: \"فيبغي\".\n(^٣) في م: \"قدر\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٤ (١٥٢٦، ١٥٢٩) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٥) في م: \"بوجود\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حرم الله\".","vol":"3","page":62},{"text":"عليهما قبلَ إتيانِهما ما أتيَا من ذلك، من قتلِ أنفسِهما، بل ذلك مِن فعلِهما، [إذ لم يَزِدْهما لمحارمِ] (^١) اللهِ عليهما تحريمًا، فغيرُ مُرَخِّصٍ لهما ما كان عليهما قبلَ ذلك حرامًا. فإذْ كان ذلك كذلك، فالواجبُ على قُطَّاعِ الطرقِ، والبُغاةِ على الأئمةِ العادلةِ، الأوبةُ إلى طاعةِ اللهِ، والرجوعُ إلى ما ألزَمهم (^٢) اللهُ الرجوعَ إليه، والتوبةُ مِن معاصِي اللهِ، لا قتلُ أنفسِهما بالمجاعةِ، فيزدَادَانِ إلى إثمِهما إثمًا، وإلى خِلافِهما أمرَ اللهِ خِلافًا.\nوأما الذي وجَّهَ تأويلَ ذلك إلى أنه غيرُ باغٍ في أكلِه شهوةً، فأكَل ذلك شهوةً لا لدفعِ الضرورةِ المَخُوفِ منها الهلاكُ، مما قد دخَل فيما حرَّمه اللهُ عليه، فهو بمعنى ما قلنا في تأويلِه، وإن كان للفظِه مُخالِفًا.\nفأما توجيهُه تأويلَ قولِه: ﴿وَلَا عَادٍ﴾: ولا آكلٍ منه شِبَعَه، ولكن ما يُمسِكُ به نفسَه. فإن ذلك بعضُ معاني الاعتداءِ في أكلِه، ولم يَخْصُصِ اللهُ ﷿ من معاني الاعتداءِ في أكْلِه معنًى فيقالَ: عنَى به بعضَ معانيه. فإذ كان ذلك كذلك، فالصَّوابُ من القولِ ما قلنا من أنه الاعتداءُ في كلِّ معانيه المحرَّمةِ.\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْه﴾. يقولُ: مَن أكَل ذلك على الصِّفةِ التي وصَفْنا، فلا تَبِعةَ عليه في أكلِه ذلك كذلك ولا حرجَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-554>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾.</span>\nيعني جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾: إن اللهَ غفورٌ - إن أطَعتم اللهَ في إسلامِكم، فاجْتنَبتم أكْلَ ما حرَّم عليكم، وترَكْتم اتباعَ الشيطانِ فيما كنتم تحرِّمونه\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وإن لم يؤدهما إلى محارم\".\n(^٢) في م: \"ألزمهما\".","vol":"3","page":63},{"text":"في جاهليَّتِكم؛ طاعةً منكم للشيطانِ واقتفاءً منكم خُطواتِه، مما لم (^١) أُحرِّمْه عليكم - لما سلَف منكم في كفرِكم، وقبلَ إسلامِكم في ذلك، من خطأٍ وذنبٍ ومعصيةٍ، فَصافِحٌ عنكم، وتاركٌ عقوبتَكم عليه، ﴿رَحِيمٌ﴾ بكم إن أطَعتمُوه.\n\n<span id=\"aya-181\"></span><span data-type='title' id=toc-555>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.</span>\nيعني جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أحبارَ اليهودِ الذين كتَمُوا الناسَ أمرَ محمدٍ ونبوَّتَه، وهم يجِدونَه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ، برِشًا كانوا أُعطوها على ذلك.\nكما حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية كلها: هم أهلُ الكتابِ، كتَمُوا ما أنزَل اللهُ عليهم وبيَّن لهم من الحقِّ والهدَى، من نعتِ (^٢) محمدٍ ﷺ وأمرِه (^٣).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ، كتَموا ما أنزَل اللهُ عليهم من الحقِّ والإسلامِ وشأنِ محمدٍ ﷺ (^٤).\nحدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"بعث\".\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم تفسيره ١/ ٢٨٥ عقب الأثر (١٥٣٣) معلقًا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٥ عقب الأثر (١٥٣٣) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"3","page":64},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾: فهؤلاء اليهودُ، كتَموا اسمَ محمدٍ ﷺ (^١)\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ والتي في \"آل عمرانَ\": ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]: نزَلتا جميعًا في يهودَ (^٢).\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ﴾ فإنه يعني: يَبْتاعون به. والهاءُ التي في ﴿بِهِ﴾ من ذِكرِ الكتمانِ. فمعناه: ويبتاعون (^٣) بكتمانِهم ما كتَمُوا الناسَ من أمرِ محمدٍ ﷺ وأمرِ نبوَّتِه ثمنًا قليلًا. وذلك أنّ الذي كانوا يُعطَون على تحريفِهم كتابَ اللهِ، وتأوُّلِهمُوه على غيرِ وجْهِه، وكتمانِهم الحقَّ في ذلك، اليسيرُ من عرَضِ الدنيا.\nكما حدثنا موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ قال (^٤): كتَموا اسمَ محمدٍ ﷺ، وأخَذوا عليه طمعًا قليلًا، فهو الثمنُ القليلُ (^٥).\nوقد بينتُ فيما مضَى معنى (^٦) اشترائِهم ذلك، بما أغنَى عن إعادتِه (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-556>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٥ عقب الأثر (١٥٣٣) من طريق عمرو به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٨ إلى المصنف.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ابتاعوا\".\n(^٤) في الأصل: \"قالوا\".\n(^٥) تقدم أول هذا الأثر في ص ٦٢.\n(^٦) في م: \"صفة\".\n(^٧) ينظر ما تقدم في ١/ ٣٢٤ وما بعدها.","vol":"3","page":65},{"text":"يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾.\nيعني جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاءِ الذين يكتُمون ما أنزَل اللهُ من الكتابِ في شأنِ محمدٍ ﷺ، بالخسيسِ من الرِّشوةِ يُعْطَوْنَها، فيحرِّفون لذلك آياتِ اللهِ، ويُغيّرونَ معانِيَها، ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ بأكلِهم ما أكَلُوا من الرِّشَا على ذلك والجَعالةِ (^١)، وما أخَذُوا عليه من الأجرِ، ﴿إِلَّا النَّارَ﴾ يعني: إلا ما يُورِدُهم النارَ ويُصْلِيهمُوها. كما قال جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠].\nمعناه: ما يأكُلون في بطونِهم إلّا ما يُورِدُهم النارَ بأكْلِهم. فاستغنَى بذكرِ النارِ وفَهمِ السامعين معنَى الكلامِ، من (^٢) ذكرِ ما يُوردُهم أو يُدخِلُهم.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ يقولُ: ما أخَذُوا عليه من الأجرِ (^٣).\nفإن قال قائلٌ: وهل يكونُ الأكْلُ في غيرِ البطنِ فيُقالَ: ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾؟\nقيلَ له: قد تقولُ العربُ: جُعتُ في غيرِ بطنِي، وشبِعتُ في غير بطنِي.\nفقيلَ: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ لذلك، كما يقالُ: فعَل فلانٌ هذا نفسَه. وقد بينَّا ذلك في\n_________\n(^١) الجعاله مثلثة الجيم: الرشوة في الحكم. التاج (ج ع ل).\n(^٢) في م: \"عن\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٦ (١٥٣٥) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.","vol":"3","page":66},{"text":"غيرِ هذا الوضعِ فيما مضَى (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يقولُ: ولا يكلِّمُهم بما يُحبُّون ويَشْتَهون، فأمَّا بما يسوءُهم ويَكرَهون، فإنه سيكلِّمُهم، لأنّه قد أخبَر جلّ ثناؤه أنه يقولُ لهم - إذا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ (^٢) -: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٧، ١٠٨] الآيتين.\nوأما قولُه: ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ فإنه يعني: ولا يطهِّرُهم من دَنسِ ذُنوبِهم وكفرِهم، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يعنِي: موجِعٌ.\n\n<span id=\"aya-182\"></span><span data-type='title' id=toc-557>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾.</span>\nيعني بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾: أولئك الدين أخَذُوا الضّلالَة وترَكُوا الهدَى، وأخَذوا ما يوجِبُ لهم عذابَ اللهِ يومَ القيامةِ، وترَكوا ما يوجِبُ لهم غُفرانَه ورِضوانَه. فاستغنَى بذكرِ العذابِ والمغفرةِ من ذكرِ السببِ الذي يُوجِبُهما؛ لفَهْمِ سامعِي ذلكَ لمعناه والمرادِ منه. وقد بينّا نظائرَ ذلك فيما مضَى، وكذلك بينَّا وجْهَ اشتراءِ الضَّلالَةِ بالهُدَى، باختلافِ المختلِفينَ، [والأدلةَ الشاهدةَ لما] (^٣) اختَرنا من القولِ فيما مضَى قبلُ، فكرِهنا إعادتَه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-558>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ١٦٨، ١٦٩، ٦٤١ - ٦٤٣.\n(^٢) بعده في م: \"قال\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"والدلالة الشاهدة بما\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٣٢٤ وما بعدها.","vol":"3","page":67},{"text":"اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فما أجرأَهم على العملِ الذي يقرِّبُهم إلى النارِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ يقولُ: فما أجرأَهم على العملِ الذي يقرِّبُهم إلى النارِ!\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ يقولُ: فما أجْرَأَهم عليها (^١)!\nحدثني (^٢) المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن يُونُسَ (^٣)، عن الحسنِ في قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ قال: واللهِ ما لهم عليها من صبرٍ، ولكن ما أجْرَأَهم على النارِ (^٤)!\nحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيريُّ، قال: ثنا مِسعرٌ، وحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا [ابنُ دُكينٍ] (^٥)، قال: ثنا مِسعرٌ، عن حمادٍ، عن مجاهدٍ، أو سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو بعضِ أصحابِه: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾: ما أجْرَأَهم (^٦)!\nحُدثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٦.\n(^٢) بعده في الأصل: \"محمد بن\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"بشر\"، ومطموسة في الأصل، والمثبت مما سيأتي في ص ٣١٦.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ص ٤٠ (مخطوط) إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) في م: \"أبو بكير\"، وفي ت ١، ت ٣: \"أبو بكر\".\n(^٦) أخرجه سفيان في تفسيره ص ٥٥ عن عبد الملك بن أبي سليمان عن مجاهد، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٦ عقب الأثر (١٥٣٧) معلقًا عن سعيد.","vol":"3","page":68},{"text":"قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ يقولُ: ما أجْرَأَهم وأصْبَرَهم على النارِ (^١)! وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما أعْملَهم بأعمالِ أهلِ النارِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ قال: ما أعملَهم بالباطلِ (^٢).\nحدثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nواختلفوا في تأويلِ \"ما\" الذي في قولِه: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ﴾. فقال بعضُهم: هو بمعنى الاستفهامِ، وكأنه قال: فما الذي صَبَّرهم؟ أيُّ شيْءٍ صبَّرهم؟.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾: هذا على وجهِ الاستفهامِ، يقولُ: ما الذي أصْبَرهم على النارِ (^٣)؟\nحدثنا العباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجٌ الأعْورُ، قال: أخبَرنا ابنُ جُريجٍ، قال: قال لي عطاءٌ: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ يقولُ: ما يُصبِّرُهم على النارِ حينَ ترَكوا الحقَّ واتَّبَعوا الباطلَ (^٣)؟\nحدثنا أبو كُريبٍ، قال: سُئل أبو بكرِ بنُ عياشٍ عن قولِه: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٦ عقب الأثر (١٥٣٧) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢١٩.\n(^٣) أخرجه البغوي في تفسيره ١/ ١٨٥ من طريق عمرو بن حماد وابن جريج به.","vol":"3","page":69},{"text":"النَّارِ﴾ قال: هذا استفهامٌ، ولو كانت من الصَّبْرِ قال: فما أصْبَرُهم. رفعًا. قال: يقالُ للرجلِ: ما أصبَرَكَ؟ ما الذي فعَل بكَ هذا؟\nحدثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ قال: هذا استفهامٌ، يقولُ: ما هذا الذي صَبَّرهم علي النارِ حتى جَرَّأهم فعمِلوا بهذا؟\nوقال آخرون: هو تعجُّبٌ، بمعنى: فما أشدَّ جُرْأتَهم على النارِ لعَملِهم أعمالَ أهلِ النار!\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابنِ عُيَينةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ قال: ما أعملَهم بأعمالِ أهلِ النارِ (^١)!\nوهو قولُ الحسنِ البصريِّ وقتادةَ، وقد ذكَرناه قبلُ.\nفمَن قال: هو تعجُّبٌ. وجَّه تأويلَ الكلامِ إلى: أولئك الذين اشترَوُا الضلالَةَ بالهدَى والعذابَ بالمغفرةِ، فما أشدَّ جُرْأتَهم بفعلِهم ما فعَلُوا من ذلك، على ما يوجِبُ لهم النارَ! كما قال تعالى ذكرُه: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧].\nتَعجُّبًا من كفرِه بالذي خلَقه وسوَّى خلْقَه.\nفأما الذين وجَّهوا تأويلَه إلى الاستفهامِ فمعناهم (^٢): هؤلاء الذين اشترَوُا\n_________\n(^١) أخرجه ابن عيينة - كما في الدر المنثور ١/ ١٦٩ - ومن طريقه سعيد بن منصور في سننه (٢٤٤ - تفسير، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٩٠، وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"فمعناه\".","vol":"3","page":70},{"text":"الضلالَةَ بالهدَى والعذابَ بالمغفرةِ، فما الذي (^١) أصبرَهم على النارِ؟ والنارُ لا صبرَ عليها لأحدٍ، حتى استبدَلُوها بمغفرةِ اللهِ فاعتاضُوها منها بدلًا.\nوأوْلى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ من قال: ما أجْرَأَهُم على النارِ! بمعنى: ما أجرَأَهم على عذابِ النارِ، وأعملَهم بأعمالِ أهلِها! وذلك أنه مسموعٌ من العربِ: ما أصبَرَ فلانًا على اللهِ! بمعنى: ما أجرَأَ فلانًا على اللهِ! وإنما يُعجِّبُ جلّ ثناؤه خَلْقَه بإظهارِه الخبرَ عن القومِ الذين يكتُمون ما أنزَل اللهُ ﵎ من أمرِ محمدٍ ﷺ ونبوَّتِه، باشترائِهم (^٢) - بكتمانِ ذلك - ثمنًا قليلًا، من السُّحتِ والرِّشَا التي أُعطُوها، على وجهِ التعحبِ من تقدُّمِهم على ذلك، مع علمِهم بأن ذلك مُوجِبٌ لهم سَخطَ اللهِ ﵎ وأليمَ عقابِه.\nوإنما معنى ذلك: فما أجرَأَهُم على عذابِ النارِ. ولكن اجْتُزِئَ بذكرِ النارِ من ذكرِ عذابِها، كما يقالُ: ما أشبهَ سخاءَك بحاتمٍ. بمعنى: ما أشبَهَ سخاءَك بسخاءِ حاتمٍ، وما أشبَهَ شَجاعتَكَ بعنترةَ.\n\n<span id=\"aya-183\"></span><span data-type='title' id=toc-559>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾.</span>\nأما قولُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾: فإنه اخْتُلِفَ في المعنيِّ بـ ﴿ذَلِكَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ﴿ذَلِكَ﴾: فعلُهم هذا الذي يفعَلون - مِن جُرأتِهم على عذابِ النارِ في مخالفتِهم أمرَ اللهِ، وكتمانِهم الناسَ ما أَنْزلَ اللهُ في كتابِه وأمرَهم ببيانِه لهم من أمرِ محمدٍ ﷺ، وأمرِ دينهِ - من أجلِ أنَّ اللهَ نزَّل\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"واشترائهم\".","vol":"3","page":71},{"text":"الكتابَ بالحقِّ، وتنزيلُه الكتابَ بالحقِّ هو خبرُه عنهم في قولِه لنبيِّه محمدٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٦، ٧] فهم - مع ما قد أخبرَ اللهُ عنهم من أنهم لا يؤمنون - لا يكون منهم غيرُ اشتراءِ الضلالةِ بالهدَى والعذابِ بالمغفرةِ.\nوقال آخرون: معنى ﴿ذَلِكَ﴾: معلومٌ لهم بأن اللهَ نزَّل الكتابَ بالحقِّ؛ لأنَّا قد أُخْبِرْنا في الكتابِ أن ذلك لهم، والكتابُ حقٌّ.\nكأن قائِلِي هذا القولِ كان تأويلُ الآيةِ عندَهم: ذلك العذابُ - الذي قال اللهُ ﷿: فما أَصْبرَهم عليه - معلومٌ أنه لهم؛ لأن اللهَ ﵎ قد أَخْبَر في مواضعَ من تنزيلِه أن النارَ للكافرين، وتنزيلُه حقٌّ، فالخبرُ عن ذلك عندَهم مُضمرٌ.\nوقال آخرون: معنى ﴿ذَلِكَ﴾ أن اللهَ جلَّ ثناؤُه وصَف أهلَ النارِ، فقال: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّار﴾. ثم قال: هذا العذابُ بكفرِهم. و\"هذا\" ههنا عندَهم هي التي يجوزُ مكانَها \"ذلك\"، كأَنَّه قال: فعَلْنا ذلك بأن اللهَ نزَّل الكتابَ بالحقِّ فكفَروا به. قالوا (^١): فيكونُ ﴿ذَلِكَ﴾ - إذا كان ذلك معناه - نصبًا، ويكونُ رفعًا بالباءِ (^٢).\nوأولى الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ عندِي أنّ اللهَ جلَّ ثناؤُه أشارَ بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى جميعِ ما حواه قولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾. إلى قولِه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ من خبرِه عن أفعالِ أحبارِ اليهودِ\n_________\n(^١) في م: \"قال\".\n(^٢) أي: بالجار والمجرور وهما الخبر، ورفع \"ذلك\" بالابتداء.","vol":"3","page":72},{"text":"وذكْرِه ما أعَدَّ لهم جلَّ وعزَّ منَ العقابِ عليه (^١) على ذلك، فقال: هذا الذي فعَلَتْه هؤلاءِ الأحبارُ من اليهودِ بكتمانِهمُ الناسَ ما كتَمُوا من أمرِ محمدٍ ونبوَّتِه، مع علمِهم به، طلبًا منهم لعرَضٍ من الدنيا خَسيسٍ، وبخلافِهم أمرِي وطاعتي، وذلك من ترْكِي تطهيرَهم وتزكيتَهم وتكليمَهم، وإعدادِي لهمُ العذابَ الأليمَ بأنِّي أنزلتُ كتابي بالحقِّ فكفَروا به واخْتَلفوا فيه.\nفيكونُ في ﴿ذَلِكَ﴾ حينَئذٍ! وجهان من الإعرابِ: رفعٌ، ونصبٌ، فالرفعُ بالباءِ، والنصبُ بمعنى: فعَلتُ ذلك بأنِّي أنزَلتُ كتابي بالحقِّ، فاخْتَلفُوا فيه وكفَروا به. وترَك ذكْرَ: فكفَروا به، واخْتَلفوا. اجتزاءً بدلالةِ ما ذكَر من الكلامِ عليه.\nوأمّا قولُه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. يعني بذلك اليهودَ والنصارَى، اخْتَلفوا في كتابِ اللهِ، فكفَرتِ اليهودُ بما قصَّ اللهُ ﵎ فيه من قَصصِ عيسى ابنِ مريمَ وأمِّه، وصدَّقتِ النصارَى ببعضِ ذلك وكفَروا ببعضِه، وكفَروا جميعًا بما أنْزَل اللهُ فيه من الأمرِ بتصديقِ محمدٍ ﷺ، فقال جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إنّ هؤلاء الذين اخْتَلفوا فيما أنزلتُ عليك (^٢) يا محمدُ لفِي مُنازعةٍ ومُفارقةٍ للحقِّ، بعيدةٍ من الرُّشدِ والصوابِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧].\nكما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمزو بنُ حمادٍ، قال حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. يقولُ: همُ اليهودُ والنصارَى، يقولُ: هم في عداوةٍ بعيدةٍ (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"إليك\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٢٨٦، ٢٨٧ (١٥٣٨) من طريق عمرو به.","vol":"3","page":73},{"text":"وقد بيَّنتُ معنى \"الشِّقاقِ\" فيما مضَى (^١).\n\n<span id=\"aya-184\"></span><span data-type='title' id=toc-560>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ (^٢) أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ليس البرَّ الصَّلاةُ وحدَها، ولكنَّ البرَّ الخصالُ التي أُبَيِّنُها لكم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمِّي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾. يعني الصلاةَ، يقوْلُ: ليسَ البِرَّ أن تصلُّوا ولا تعمَلُوا، فهذا منذُ تحوَّلَ من مكَّةَ إلى المدينةِ، ونَزلتِ الفرائضُ، وحُدَّ الحدودُ، فأمرَ اللهُ بالفرائِضِ، وعُمِل (^٣) بها (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾: ولكنَّ البرَّ ما ثَبَت في القلوبِ من طاعةِ اللهِ (^٥).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٦٠١، ٦٠٢.\n(^٢) ضبطها في الأصل بالرفع، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو والكسائي وابن عامر، وأبي بكر عن عاصم، وقرأ حمزة وحفص بالنصب. السبعة لابن مجاهد ص ١٧٥.\n(^٣) في م: \"العمل\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٧ (١٥٤٠) عن محمد بن سعد به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٧ (١٥٤٢) من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":74},{"text":"حدثني المُثَنَّى (^١)، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدثني القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: هذه الآيةُ نزَلت بالمدينةِ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾. يعني الصلاةَ، يقولُ: ليس البرَّ أن تصلُّوا ولا تعمَلُوا غيرَ ذلك. قال ابنُ جُريجٍ: وقال مجاهدٌ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾: يعني السجودَ. ولكنَّ البرَّ ما ثبَت في القلبِ من طاعةِ اللهِ (^٢).\nحدثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنا أبو تُميْلةَ، عن عُبيدِ بنِ سليمانَ، عن الضحاكِ بنِ مُزاحمٍ أنه قال فيها، قال: يقولُ: ليس البرَّ أن تصلُّوا ولا تعمَلُوا غيرَ ذلك، وهذا حينَ تحوَّل من مكَّةَ إلى المدينةِ، فأَنْزَلَ اللهُ الفرائضَ وحدَّ الحدودَ بالمدينةِ، وأمرَ بالفرائضِ أن يُؤخذَ بها (^٣).\nوقال آخرون: عنَى اللهُ بذلك اليهودَ والنصارَى، وذلك أن اليهودَ تُصلِّي فتتوجَّهُ قِبلَ الغرِبِ، والنصارَى تصلِّي فتتوجَّهُ قِبلَ المشرقِ، فأَنْزَلَ اللهُ فيهم هذه الآيةَ يُخْبرُهم فيها أن البرَّ غيرُ العملِ الذي يعمَلُونه، ولكنَّه ما بيَّنه (^٤) في هذه الآيةِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معْمرٌ، عن قتادةَ، قال: كانتِ اليهودُ تصلِّي قِبلَ المغربِ، والنصارَى تصلِّي قِبلَ المشرقِ،\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"القاسم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٩ إلى المصنف عن ابن عباس، نحوه، دون ذكر مجاهد.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٧ عقب الأثر (١٥٤٠) معلقًا.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بيناه\".","vol":"3","page":75},{"text":"فنزَلت: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: ذُكرَ لنا أنّ رجلًا سأل نبيَّ اللهِ ﷺ عن البرِّ، فأَنْزَلَ اللهُ هذه الآيةَ. وذُكرَ لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ دعا الرجلَ فتَلاها عليه، وقد كان الرجلُ قبلَ الفرائضِ إذا شهِدَ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، ثم مات على ذلك يُرجَى له ويُطمعُ له في خيرٍ. فأَنْزلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾. وكانتِ اليهودُ تَوجَّهتْ قِبلَ المغربِ، والنصارَى قِبلَ المشرقِ، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: كانتِ اليهودُ تصلِّي قِبلَ المغربِ، والنصارَى قِبلَ المشرقِ، فنزَلت: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ (^٣).\nوأوْلى هذين القولَين بتأويلِ الآيةِ القولُ الذي قاله قتادةُ والربيعُ بنُ أنسٍ أن يكونَ عَنَى بقولِه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾. اليهودَ والنصارَى؛ لأن الآياتِ قبلَها مَضَتْ بتوبيخِهم ولوْمِهم، والخبرِ عنهم وعمَّا أُعِدَّ لهم من أليمِ العذابِ، وهذه في سياقِ ما قبلَها - فتأويلُها (^٤) إذْ كان الأمرُ كذلك - ليس البرَّ أيُّها اليهودُ والنصارَى أن يُولِّيَ بعضُكم وجهَه قِبلَ المشرقِ، وبعضُكم قِبلَ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٦.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٧ عقب الأثر (١٥٤١) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"3","page":76},{"text":"المغربِ، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ برُّ ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾ الآية.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾. وقد علِمتَ أن \"البر\" فعلٌ (^١)، و\"مَنْ\" اسمٌ، فكيفَ يكونُ الفعلُ هو الإنسانُ؟\nقيل: إن معنى ذلك على غيرِ ما توهَّمْتَه، وإنما معناه: ولكنَّ البرَّ [برُّ مَن] (^٢) آمَن باللهِ واليومِ الآخرِ. فوضَع \"مَن\" موضعَ الفعلِ اكتفاءً بدَلالِته ودلالَةِ صِلَتِه التي هي له صِفةٌ، مِن الفعلِ المحذوفِ، كما تفعَلُه العربُ، فتضعُ الأسماءَ مواضعَ أفعالِها التي هي بها مشهورَةٌ فتقولُ: الجودُ حاتمٌ، والشجاعةُ عنترةُ (^٣). ومعناها: الجودُ جودُ حاتمٍ، والشجاعةُ شجاعةُ عنترةَ. فتستغنِي بذكرِ حاتمٍ - إذْ كان معروفًا بالجودِ - مِن إعادةِ ذكرِ الجودِ بعدَ الذي قد ذكرتَه فتضعُه موضعَ جودِه، لدلالةِ الكلامِ على ما حذَفتَه؛ استغناءً بما ذكَرتَه عما لم تذكُرْه، كما قيل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] والمعنى: أهلَ القريةِ. وكما قال الشاعرُ، وهو ذو الخِرَقِ الطُّهَوِيُّ (^٣):\nحَسِبْتَ بُغامَ رَاحِلَتي عَناقًا … ومَا هِيَ وَيْبَ غَيرِك بالعَناقِ\nيريدُ: بُغامَ عَناقٍ أو صوتَ. كما تقولُ: حَسبتَ صياحِي أخاكَ. يعني به: حَسبتَ صياحِي صياحَ أخيك.\nوقد يجوزُ أن يكونَ معنى الكلامِ: ولكنَّ البارَّ مَن آمَن باللهِ. فيكونُ \"البرّ\" مصدرًا وُضِع موضعَ الاسمِ.\n_________\n(^١) يريد بالفعل هنا المصدر. مصطلحات النحو الكوفي ص ٥٣.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كمن\".\n(^٣) تقدم في ٢/ ٢٦٥.","vol":"3","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-561>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾: وأعطَى مالَه في حينِ محبَّتِه إيَّاه وضَنِّه به وشُحِّه عليه.\nكما حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: حدثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ ليثًا، عن زُبيدٍ، عن مُرَّةَ بنِ شراحيلَ البَكِيليِّ، عن عَبدِ الله بنِ مسعودٍ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾: أن (^١) يُؤتِيَه وهو صحيحٌ شحيحٌ يأمُلُ العيشَ ويخشَى الفقرَ.\nحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ، وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قالَا جميعًا عن سفيانَ، عن زُبيدٍ الياميِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾. قال: وأنتَ شحيحٌ (^٢) تأمُلُ العيشَ وتخشَى الفقرَ (^٣).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"أي\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"صحيح\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٦، ومصنفه (١٦٣٢٤)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٨٥٠٣). وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٤٥ - تفسير) عن مصعب بن ماهان، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٨ (١٥٤٦) من طريق وكيع، كلاهما عن سفيان - زاد وكيع: والأعمش - به. وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٧٢ من طريق أبي حذيفة، عن سفيان، عن منصور، عن زبيد به. وصححه على شرط الشيخين. وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٩٧ عن الحاكم مرفوعًا، وقال: وقد رواه وكيع، عن الأعمش وسفيان، عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود، موقوفًا، وهو أصح. وقال ابن صاعد في زوائده على زهد ابن المبارك (٢٤): رفع بعض هذا الحديث مخلد بن يزيد، عن سفيان، عن زبيد. وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٧/ ٢٣٨ من طريق مسعر، عن زبيد به. وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور ١/ ١٧٠ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والفريابي وابن مردويه.\nومعناه ثابت مرفوعًا من حديث أبي هريرة، أخرجه البخاري (١٤١٩)، ومسلم (١٠٣٢)، وغيرهما.","vol":"3","page":78},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّي، قال حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدثنا شعبةُ، عن زُبيدٍ الياميِّ، [عن مرةَ] (^١) عن عبدِ اللهِ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾. قال: وأنتَ حريصٌ صحيحٌ (^٢) تأمُلُ العيشَ (^٣) وتخشَى الفقرَ (^٤).\nحدثني أحمدُ بنُ نُعمةَ المصريُّ (^٥)، قال: حدثنا أبو صالحٍ، قال: حدثني الليثُ، قال حدثنا إبراهيمُ بنُ أعينَ، عن شعبةَ بنِ الحجاجِ، عن زُبيدٍ الياميِّ، عن مُرَّةَ الهمْدَانيِّ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾. قال: حريصًا شحيحًا يأمُلُ العيشَ (٣) ويخشَى الفقرَ.\nحدثنا أبو كُريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالَا: حدثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن الشَّعبيِّ سمِعتُه سُئِل: هل على الرجلِ حقٌّ في مالِه سوَى الزكاةِ؟ قال: نَعمْ. وتلا هذه الآيةَ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ (^٦).\nحدثنا أبو كُريبٍ، قال حدثنا سويدُ بنُ عَمرٍو الكلبيُّ، قال: حدثنا حمادُ بنُ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شحيح\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الغني\".\n(^٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٤)، وأخرجه البيهقي ٤/ ١٩٠، وفي الشعب (٣٤٧٢) من طريق وهب ابن جرير ويزيد بن هارون - ثلاثتهم - عن شعبة به. وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٧٢ - مقرونًا بطريق أبي حذيفة عن سفيان، كما سبق - من طريق أبي النضر عن شعبة، عن منصور، عن زبيد به.\n(^٥) في الأصل: \"البصري\". وشيخ ابن جرير هذا لم أجد له ترجمة، وإنما رجحنا أنه مصري لأن شيخه أبا صالح هو عبد الله بن صالح المصري. والله أعلم.\n(^٦) أخرجه أبو عبيد في الأموال (٩٣٠) عن هشيم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٢ إلى عبد بن حميد. وأخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٩١ من طريق بيان عن الشعبي قال: في المال حق سوى الزكاة.","vol":"3","page":79},{"text":"سلمةَ، قال: أخبَرنا أبو حمزةَ، قال: قلتُ للشعبيِّ: إذا زكَّى الرجلُ مالَه أيطيبُ له مالُه؟ فقرَأ هذه الآيةَ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾. إلى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾. إلى آخرِها. ثم قال: حدَّثتني فاطمةُ بنتُ قيسٍ أنها قالت: يا رسولَ اللهِ، إن لي سبعين مِثقالًا من ذهبٍ، فقال: \"اجْعَلِيها في قرابتِك\" (^١).\nحدَّثنا الربيعُ، قال: حدثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدثنا شَريكُ (^٢) بنُ عبدِ اللهِ، عن أبي حمزةَ، عن عامرٍ، عن فاطمةَ بنتِ قيسٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: \"في المالِ حَقٌّ سوَى الزَّكاةِ\". وتلا هذه الآيةَ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾. إلى آخرِ الآيةِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شَريكٍ، قال: حدثنا أبو حمزةَ - فيما أعلمُ - عن عامرٍ، عن فاطمةَ بنتِ قيسٍ أنها سمِعَتْه يقولُ: \"إنَّ في المالِ لحقًّا سوَى الزكاةِ\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الأموال (٩٢٩)، وابن زنجويه في الأموال (١٣٦٨) من طريق حماد به دون قوله: وحدثتني فاطمة .... وذكر السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧١ المرفوع وعزاه إلى ابن المنذر. وأخرجه الدارقطني ٢/ ١٠٧ من طريق أبي بكر الهذلي، عن شعيب بن الحبحاب، عن الشعبي، عن فاطمة، نحوه. وينظر نصب الراية ٢/ ٣٧٣.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سويد\".\n(^٣) أخرجه الدارمي ١/ ٣٨٥، والترمذي (٦٥٩، ٦٦٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٨ (١٥٤٨)، والدارقطني ٢/ ١٢٥، وابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير ١/ ٢٩٨ - وابن عدي ٤/ ١٣٢٨، والبيهقي ٤/ ٨٤ من طرف عن شريك به، مطولًا ومختصرًا. وقال الترمذي: هذا حديث إسناده ليس بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف، وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله، وهذا أصح.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (١٧٨٩) عن علي بن محمد عن يحيى بن آدم به، بلفظ: \"ليس في المال حق سوى الزكاة\". وذكره الحافظ في التلخيص ٢/ ١٤٩، ١٦٠، والسيوطي في الجامع عن ابن ماجه بلفظه هذا. والذي في التحفة ١٢/ ٤٦٥، وجامع المسانيد ١٦/ ٣١ عن الترمذي وابن ماجه باللفظ الأول. وقال البيهقي ٤/ ٨٤: والذي يرويه أصحابنا في التعاليق: ليس في المال حق سوى الزكاة، فلست أحفظ فيه إسنادًا.","vol":"3","page":80},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا ابنُ عُليةَ، عن أبي حيانَ، قال: حدثني مزاحمُ بنُ زُفَرَ، قال: كنتُ جالسًا عندَ عطاءٍ، فأتاه أعرابيٌّ فقال له: إنّ لِي إبلًا، فهل عليَّ فيها حقٌّ بعدَ الصَّدقةِ؟ قال: نعم. قال: ماذا؟ قال: عاريَّةُ الدَّلوِ (^١)، وطَرْقُ (^٢) الفحلِ، والحلَبُ.\nحدثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ، ذكَرَه عن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، في: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾.\nقال: قال عبدُ اللهِ بنُ مسعود: تُعطيهِ وأنتَ صحيحٌ شحيحٌ تُطيلُ الأملَ وتخافُ الفقرَ (^٣).\nوذكر أيضًا عن السُّدِّيِّ أن هذا شيْءٌ واجبٌ في المالِ حقٌّ على صاحبِ المالِ أن يفعَلَه سوَى الذي عليه من الزكاةِ.\nوحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن زُبيدٍ الياميِّ، عن مُرَّةَ ابنِ شَراحيلَ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾. قال: أن يُعطِيَ الرجلُ وهو صحيحٌ شحيحٌ (^٤) يأمُلُ العيشَ ويخافُ الفقرَ.\nفتأويلُ الآيةِ: وأعطَى المالَ - وهو له محبٌّ حريصٌ [على جمعِهْ] (^٥) شحيحٌ به - ذوِي قرابَتِه، فوصَل به أرحامَهم.\nوإنما قلتُ: عنَى بقولِه: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾. ذوِي قرابةِ مُؤتِي المالَ على\n_________\n(^١) في م: \"الذلول\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"طروق\". والطرق: ماء الفحل.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٧٨، ٧٩.\n(^٤) بعده في م: \"به\".\n(^٥) سقط من: الأصل.","vol":"3","page":81},{"text":"حُبِّه؛ للخبرِ الذي رُوي عن رسولِ اللهِ ﷺ [الذي ذكَرناه عنه] (^١)، من أمرِه فاطمةَ بنتَ قيسِ، وقولِه ﷺ حينَ سُئِل: أيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قال: \"جُهْدُ المُقلِّ على ذِي القرابةِ الكاشحِ\" (^٢).\nوأما ﴿الْيَتَامَى﴾ و﴿الْمَسَاكِينَ﴾، فقد بيَّنا معناهما فيما مضَى (^٣).\nوأما ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ فإنه المجتازُ بالرَّجلِ.\nثم اخْتَلف أهلُ العلمِ في صفتِه؛ فقال بعضُهم: هو الضيفُ [ينزلُ بالرّجلِ] (^٤).\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. قال: هو الضيفُ (^٥). قال: وذُكرَ لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"من كان يؤْمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ [فلْيُكرمْ ضيفَه، ومَن كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ] (^٦) فَلْيقلْ خيرا أو لِيسكتْ\" (^٧). قال: وكان يقالُ (^٨): حقُّ الضيافةِ ثلاثُ ليالٍ، فكلُّ شيْءٍ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه أحمد ١٤/ ٣٢٤ (٨٧٠٢)، وأبو داود (١٦٧٧)، وابن خزيمة (٢٤٤٤)، وابن حبان (٣٣٤٦)، والحاكم ١/ ٤١٤، من حديث أبي هريرة، بلفظ: \"جهد المقل، وابدأ بمن تعول\". وأخرجه الحاكم ١/ ٤٠٦ من حديث أم كلثوم بنت عقبة، بلفظ: \"أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٢/ ١٩٢، ١٩٣.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢: \"من ذلك\".\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٨٩ عقب الأثر (١٥٥٤) معلقا.\n(^٦) سقط من: م، ت ١: ت ٢، ت ٣.\n(^٧) أخرجه البخاري (٦٠١٨، ٦٠١٩)، ومسلم (٤٧، ٤٨)، وغيرهما من حديث أبي هريرة وأبي شريح الخزاعي. وينظر مسند الطيالسي (٢٤٦٨).\n(^٨) في م: \"يقول\".","vol":"3","page":82},{"text":"أصابه (^١) بعد ذلك صدقةٌ (^٢).\nوقال بعضُهم: هو المسافرُ يمرُّ عليك.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثنا ابنُ وكيعٍ، قال ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. قال: المجتازُ مِن أرضٍ إلى أرضٍ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، عن معمرٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، وقتادةَ في قولِه: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. قال: الذي يَمرُّ عليكَ وهو مسافرٌ (^٤).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عمَّن ذَكَره، عن ابنِ [أبي نَجيحٍ] (^٥)، عن مجاهدٍ، وقتادةَ مثلَه (^٦).\nوإنما قيل للمسافرِ: ابنُ السبيلِ. لملازَمتِه الطريقَ، والطريقُ هو السبيلُ، فقيل لملازمتِه إيَّاه في سفرِه: ابنُه. كما يقالُ لطيرِ الماءِ: ابنُ الماء. لملازمتِه إيَّاه، وللرجلِ الذي قد أتَت عليه الدهورُ: ابنُ [الأيامِ والليالي] (^٧). ومنه قولُ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أضافه\".\n(^٢) ثبت مرفوعا من حديث أبي شريح العدوي. أخرجه البخاري (٦٠١٩، ٦١٣٥)، وينظر مسند الطيالسي (٢٦٨٣).\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٠ عقب الأثر (١٥٥٥) معلقًا.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٠، ٣/ ٩٥٠ (١٥٥٥، ٥٣٠٩) عن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق به.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جريج\".\n(^٦) البر والصلة (٢١٥) عن معمر به.\n(^٧) في م: \"الأيام والليالي والأزمنة\"، وفي ت ١، ت ٢: \"الأيام والأزمنة\".","vol":"3","page":83},{"text":"ذِي الرُّمَّةِ (^١):\nوَرَدْتُ (^٢) اعْتِسافًا (^٣) والثُّرَيَّا كأنَّها … على قمةِ الرأسِ ابْنُ ماءٍ مُحَلِّقُ\nوأمَّا قولُه: ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾. فإنه يعني به: المسْتطْعِمِين الطالبِينَ.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ إدريسَ، عن حُصينٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾. قال: السائلُ (^٤) الذي يسألُكَ (^٥).\nوأما قولُه: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾. فإنه يعني بذلك جلَّ ذكرُه: وفي فكِّ الرقابِ من العبودةِ، وهمُ المُكاتَبون الذين يَسعَوْن في فكِّ رقابِهم من العبودَةِ بأداءِ كتاباتِهم التي فارَقوا عليها سادتَهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-562>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾.</span>\nيعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾: أدامَ العملَ بها بحدودِها.\nوبقولِه جلَّ ذكْرُه: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾: أعطاها على ما فرَضها اللهُ عليه.\nفإن قال قائلٌ: وهل من حقٍّ يجبُ في المالِ إيتاؤُه فرضًا غيرَ الزكاةِ؟\nقيل: قد اخْتَلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: فيه حقوقٌ تجبُ سوَى الزكاةِ. واعْتلُّوا لقولِهم ذلك بهذه الآيةِ. وقالوا: لماّ قالَ اللهُ ﵎: ﴿وَآتَى\n_________\n(^١) ديوانه ١/ ٤٩٠.\n(^٢) في الأصل: \"وزدت\".\n(^٣) الاعتساف: السير بغير هداية ودون توخِّى صَوْب.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧١ إلى المصنف.","vol":"3","page":84},{"text":"الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾. ومَن سمَّى اللهُ معهم، ثم قال بعدَ ذلك: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾. علِمنا أن المالَ الذي وصَف المؤمنين به أنهم يُؤتُونه ذوِي القُرْبى ومَن سمَّى معهم، غيرُ الزكاةِ التي ذَكَر أنهم يُؤْتونها؛ لأنَّ ذلك لو كان مالًا واحدًا لم يكنْ لتكريرِه معنًى مفهومٌ. قالوا: فلمَّا كان غيرَ جائزٍ أن يقولَ جلَّ ثناؤُه قولًا لا معنى له، علِمنا أن حكمَ المالِ الأوَّلِ غيرُ الزكاةِ، وأن الزكاةَ التي ذكَرها (^١) بعدَه غيرُه. قالوا: وبعدُ، فقد أبانَ تأويلُ أهلِ التأويلِ صحةَ ما قلنا في ذلك.\nوقال آخرون: بل المالُ الأولُ هو الزكاةُ، ولكنَّ اللهَ وصَف إيتاءَ المؤمنين من آتَوْه ذلك في أولِ الآيةِ، فعرَّف عبادَه بوصْفِه ما وصَف مِن أمرِهم، المواضعَ التي يجبُ عليهم أنْ يضَعوا فيها زكَوَاتِهم، ثم دلَّهم بقولِه بعدَ ذلك: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾.\nأن المالَ الذي آتاه القومُ هو الزكاةُ المفروضةُ كانت عليهم، إذْ كان أهلُ سُهْمانِهم الذين أَخْبَر في أولِ الآيةِ أن القومَ آتَوْهم أموالَهم.\nوأما قولُه: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾. فإنه يعني جلَّ ثناؤُه: والذين لا ينقُضون عهدَ اللهِ بعدَ المعاهدَةِ، ولكن يُوفون به ويتمِّمونه على ما عاهدوا عليه مَن عاهَدُوه عليه.\nكما حُدِّثت به عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾. قال: فمَنْ أعطَى عهدَ اللهِ ثم نقضَه، فاللهُ ينتقِمُ منه، ومن أعطَى ذِمّةَ النبيِّ ﷺ ثم غدَرَ بها، فالنبيُّ ﷺ خَصْمُه يومَ القيامةِ (^٢).\n_________\n(^١) في الأصل: \"ذكره\". وما أثبت هو الصواب.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩١ عقب الأثر (١٥٦١) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"3","page":85},{"text":"وقد بيَّنتُ معنى \"العهدِ\" فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-563>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾.</span>\nقد بيَّنا تأويلَ \"الصَّبرِ\" فيما مضَى قَبلُ (^٢).\nفمعنى الكلامِ: والمانِعين أنفسَهم في البأساءِ والضرَّاءِ وحينَ البأسِ مما يكْرَهُه اللهُ لهم، والحابِسيها على ما أمَرهم به من طاعتِه.\nثم قال أهلُ التأويلِ في معنى ﴿الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، بما حدثني به الحسينُ بنُ عَمرِو بنِ محمدٍ العَنْقزيُّ، قال: حدثنا أبي، وحدَّثني موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قالَا جميعًا: حدثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، عن مُرَّةَ الهَمدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ أنه قال: أمَّا البأساءُ فالفقرُ، وأمَّا الضرَّاءُ فالسُّقْمُ (^٣).\nحدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ قال: حدثنا أبي، وحدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا الحِمَّانيُّ، قالَا جميعًا: حدثنا شَريكٌ، عن السُّدِّيِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾. قال: البأساءُ الجوعُ، والضراءُ المرضُ (^٤).\nحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدثنا أبو أحمدَ، قال: حدثنا شَريكٌ، عن السُّديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: البأساءُ الحاجةُ، والضرَّاءُ المرضُ.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٣٥، ٤٣٦.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٦١٧.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩١ (١٥٦٥) من طريق عمرو العنقزي به. وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٧٣ من طريق عمرو بن حماد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٢ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ. وستأتي بقيته في ص ٩١.\n(^٤) أخرجه وكيع - كما في الدر المنثور ١/ ١٧٢ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩١ (١٥٦٣) بلفظ: ﴿الْبَأْسَاءِ﴾ قال: الفقر.","vol":"3","page":86},{"text":"حدثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كنا نتحدَّثُ أن البأساء البؤسُ والفقرُ، وأن الضرَّاء السُّقْمُ، وقد قال نبيُّ اللهِ أيوبُ ﷺ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (^١) [الأنبياء: ٨٣].\nحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾. قال: البؤسُ الفاقةُ والفقرُ، والضرَّاءُ في النفسِ من وجعٍ أو مرضٍ يُصيبُه في جسدِه (^٢).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾. قال: البأساءُ البؤسُ، والضراءُ الزَّمانةُ في الجسدِ (^٣).\nحدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو نُعيمٍ، قال: حدثنا عُبيدٌ، عن الضحاكِ، قال: البأساءُ الفقرُ (^٤)، والضراءُ المرضُ.\nحدثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾. قال: البأساءُ البؤسُ والفقرُ، والضراءُ السُّقْمُ والوجَعُ.\nحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدثنا أبو أحمدَ، قال: حدثنا عُبيدُ بنُ الطُّفَيلِ أبو سِيدانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ بنَ مُزَاحِمٍ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿الْبَأْسَاءِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٢ إلى المصنف وعبد بن حميد، بلفظ: … السقم والوجع. دون آخره، وستأتي بقيته في ص ٩١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩١ عقب الأثر (١٥٦٣، ١٥٦٥) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٦، ليس فيه قتادة. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩١ (١٥٦٦) عن الحسن بن يحيى به، بآخره. وستأتي بقيته في ص ٩٢.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":87},{"text":"وَالضَّرَّاءِ﴾ قال: البأساءُ الفقرُ، والضراءُ المرضُ (^١).\nوأما أهلُ العربيةِ فإنهم اخْتَلفوا في ذلك؛ فقال بعضُهم: البأساءُ والضرَّاءُ مصدرٌ جاءَ على \"فَعْلاء\" ليس له \"أَفعل\"؛ لأنه اسمٌ، كما قد جاء \"أفعل\" في الأسماءِ ليس له \"فَعْلاء\"، نحو \"أحمد\". وقد قالوا في الصِّفةِ: \"أفعل\" ولم يجئْ له \"فَعْلاء\"، فقالوا: أنتَ من ذلك أَوْجلُ. ولم يقولوا: \"وجْلاء\".\nوقال بعضُهم: هو اسمٌ للفعلِ، كأنَّ (^٢) البأساءَ البؤسُ، والضراءَ الضُّرُّ، وهو اسمٌ يقعُ إن شئتَ لمؤنثٍ، وإن شئتَ لمذكرٍ، كما قال زهيرٌ (^٣):\nفتُنْتَجْ لَكُمْ غِلْمانَ أشْأمَ كُلُّهُمْ … كأحْمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فتَفْطِمِ\nيعني: فتُنْتَجْ لكم غلمانَ شُؤْمٍ.\nوقال بعضُهم: لو كان ذلك اسمًا يجوزُ صرفُه إلى مؤنثٍ ومُذكرٍ، لجازَ إجراءُ \"أَفْعل\" في النكرةِ، ولكنه اسمٌ قام مقامَ المصْدَرِ، والدليلُ على ذلك قولُهم: لئن طلبتَ نُصرتَهم لَتجِدنَّهمْ غيرَ أبعدَ. بغيرِ إجراءٍ. قال: وإنما كان اسمًا للمصدرِ؛ لأنه إذا ذُكر عُلمَ أنه يُرادُ به المصدرُ.\nوقال غيرُهم: لو كان ذلك مصدرًا فوقَع بتأنيثٍ لم يقعْ بتذكيرٍ، ولو وقَع بتذكيرٍ لم يقعْ بتأنيثٍ؛ لأن من سُمِّيَ \"بأفعل\" لم يُصرفْ إلى \"فُعْلَى\"، ومن سُمِّيَ \"بفُعْلَى\" لم يُصرَفْ إلى \"أفعل\"؛ لأن كلَّ اسمٍ يَبْقى بهيئتِه لا يُصرفُ إلى غيرِه، ولكنهما لغتان، فإذا وقَع التذكيرُ، كان: بأمرٍ أَشْأمَ، وإذا وقَع البأساءُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصبر (٥٧) من طريق عبيد بن الطفيل به، بزيادة. وستأتي في ص ٩٢.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فإن\".\n(^٣) شرح ديوانه ص ٢٠.","vol":"3","page":88},{"text":"والضرَّاءُ، وقَع الخَلَّةُ البأساءُ، والخَلَّةُ الضرَّاءُ، وإنْ كان لم يُبنَ على الضرَّاءِ \"الأضرّ\"، ولا على الأشأم \"الشَّأْماء\"؛ لأنه لم يرِدْ مِن تأنيثِه التذكيرُ، ولا مِن تَذْكيرِه التأنيثُ، كما قالوا: امرأةٌ حسناءُ. ولم يقولوا: رجلٌ أحسنُ. وقالوا: رجلٌ أمردُ. ولم يقولوا: امرأةٌ مَرْداءُ. فإذا قيلَ: الخَصْلةُ الضرَّاءُ. والأمرُ الأَشْأمُ. دلَّ على المصدرِ، ولم يحتجْ إلى أن يكونَ اسمًا، وإن كان قد كفَى من المصدرِ.\nوهذا قولٌ مخالفٌ تأويلَ مَنْ ذكَرْنَا تأويلَه من أهلِ العلمِ في تأويلِ: ﴿الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ وإن كان صحيحًا على مذهبِ العربيةِ، وذلك أن أهلَ التأويلِ تأولوا البأساءَ بمعنَى البؤسِ، والضرَّاءَ بمعنى الضُّرِّ في الجسدِ، وذلك من تأويلِهم يُنبئُ عن أنهم وجَّهوا البأساءَ والضراء إلى أسماءِ الأفعالِ دونَ صفاتِ الأسماءِ ونُعوتِها، فالذي هو أوْلَى بـ ﴿الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ على قولِ أهلِ التأويلِ، أن تكونَ البأساءُ والضَّرَّاءُ أسماءَ أفعالٍ، فتكونَ البأساءُ اسمًا للبؤسِ، والضراءُ اسمًا للضُّرِّ.\nوأمّا ﴿الصَّابِرِينَ﴾ فنصبٌ، وهو من نعتِ ﴿مَنْ﴾ على وجْهِ المدحِ؛ لأنَّ مِن شأنِ العربِ إذا تطاولت صفةُ الواحدِ الاعتراضَ بالمدحِ والذمِّ بالنّصبِ أحيانًا، وبالرفعِ أحيانًا، كما قال الشاعرُ (^١):\nإلى الملِكِ القَرْمِ (^٢) وابنِ الهُمامِ … وليثَ الكتيبةِ في المُزْدَحَمْ\nوذا الرأْيِ حينَ تُغَمُّ الأمورُ … بذاتِ الصَّليلِ وذاتِ اللُّجُمْ\nفنصَب \"ليثَ الكتيبة\"، و\"ذَا الرأي\" على المدحِ، والاسمُ قبلَهما\n_________\n(^١) معاني القرآن للفراء ١/ ١٠٥، ٢/ ٥٨، وخزانة الأدب ١/ ٤٥١.\n(^٢) القرم: السيد العظيم.","vol":"3","page":89},{"text":"مخفوضٌ؛ لأنه من صفةِ واحدٍ، ومنه قولُ الآخرِ (^١):\nفلَيْتَ التي فيها النُّجومُ تَوَاضَعت (^٢) … على كلِّ غَثٍّ منهمُ وسَمِينِ\nغيوثَ الحَيَا (^٣) في كلِّ مَحْلٍ ولَذْبةٍ (^٤) … أسُودَ الشَّرَى يَحْمِين كلَّ عَرينِ\nوقد زعَمَ بعضُهم أن قولَه: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾. نصبٌ عطفًا على ﴿السَّائِلِينَ﴾. كأنَّ معنى الكلامِ عندَه: وآتَى المالَ على حبِّه ذوِي القُرْبَى واليتامَى والمساكينَ وابنَ السبيلِ والسائلين والصابرين في البأساءِ والضراءِ.\nوظاهرُ كتابِ اللهِ يدلُّ على خطأِ هذا القولِ، وذلك أن الصابرين في البأساءِ والضراءِ هم أهلُ الزَّمانَةِ في الأبدانِ، وأهلُ الإقتارِ مِن (^٥) الأموالِ، وقد مضَى وصفُ القومِ بإيتاءِ مَن كان ذلك صِفتَه المالَ في قولِه: ﴿وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ﴾. وأهلُ الفاقةِ والفقرِ هم أهلُ البأساءِ والضرَّاءِ، لأنَّ مَن لم يكنْ مِنْ أهلِ الضَّراءِ ذا بأساءَ، لم يكنْ ممَّن لهُ قَبولُ الصدقةِ، وإنما له قَبولُها إذا كان جامعًا إلى ضرَّائِه بأساءَ، وإذا جمَع إليها بأساءَ كان من أهل المَسْكنَةِ الذين قد دخَلوا في جملةِ المساكين الذين قد مضَى ذكرُهم قبلَ قولِه: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾. وإذا كان ذلك كذلك، ثم نصَبَ ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ بقولِه: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾. كان الكلامُ تكريرًا بغيرِ فائدةِ معنًى، كأنه قيلَ: وآتى المالَ على حُبِّه ذوِي القُرْبَى واليتامى والمساكينَ [والمساكينَ] (^٦). واللهُ يتعالى عن أن يكونَ ذلك في\n_________\n(^١) معاني القرآن للفراء ١/ ١٠٦، وأمالي المرتضى ١/ ٢٠٦.\n(^٢) تواضعت: تساقطت وانحطت.\n(^٣) في م: \"الورى\". والحيا: المطر والخصب.\n(^٤) في م: \"أزمة\". واللذبة: شدة السنة، وهي القحط.\n(^٥) في م: \"في\".\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢.","vol":"3","page":90},{"text":"خطابِه عبادَه، ولكن معنى ذلك: ولكنَّ البرَّ مَن آمَن باللهِ واليومِ الآخرِ (^١)، الموفون بعهْدِهم إذا عاهَدوا، والصابرين في البأساءِ والضراءِ. و﴿الْمُوفُونَ﴾ رفعٌ؛ لأنه من صفةِ ﴿مَنْ﴾، و﴿مَنْ﴾ رفعٌ، فهو معربٌ بإعرابِه، و﴿الصَّابِرِينَ﴾ نصبٌ - وإن كان من صفتهِ - على وجهِ المدحِ الذي وصَفنا قبلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-564>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾.</span>\nيعني جلَّ ذِكرُه بقولِه: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: والصابرين في وقتِ البأسِ. وذلك وقتُ شدةِ القتالِ في الحربِ.\nكما حدثني الحسينُ بنُ عمرِو بنِ محمدٍ العَنْقَزيُّ، قال حدثنا أبي، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ في قولِه ﵎: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾. قال. حينَ القتالِ (^٢).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرٌو، قال حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ مثلَه (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: القتالِ (^٤).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾. أي: عندَ مَواطنِ القتالِ.\n_________\n(^١) بعده في م: \"و\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٢ (١٥٦٩) من طريق عمرو العنقزي به، وتقدم أوله في ص ٨٦.\n(^٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٧٣ من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٢ عقب الأثر (١٥٦٩) معلقًا.","vol":"3","page":91},{"text":"حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: القتالِ (^١).\nحُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: عندَ لقاءِ العدوِّ (^٢).\nحدثني المُثَنَّى قال: حدثنا أبو نُعيمٍ، قال: حدثنا عُبيدٌ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾. القتالُ.\nحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدثنا أبو أحمدَ، قال: حدثنا عُبيدُ بنُ الطُّفيلِ أبو سِيدانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ بنَ مُزاحمٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾.\nقال: القتالِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-565>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾.</span>\nيعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾. من آمَن باللهِ واليومِ الآخرِ، ونَعتَهم النعتَ الذي نعَتَهم به في هذه الآيةِ، يقولُ: فمن فعَل هذه الأشياءَ فهم الذين صدَقوا اللهَ في إيمانِهم به، وحقَّقوا قولَهم بأفعالِهم، لا مَن ولَّى وجهَه قِبلَ المشرقِ والمغربِ وهو يُخالِفُ اللهَ في أمرِه، وينقُضُ عهدَه وميثاقَه، ويكتُمُ الناسَ وإنَ ما أمَره بِبَيانِه ويكذِّبُ رسلَه.\nوأما قولُه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. فإنه يعني: أولئك هم الذين اتَّقَوا\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٨٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٢ عقب الأثر (١٥٦٩) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به. وتقدم أوله في ص ٨٧.\n(^٣) تقدم أوله في ص ٨٧، ٨٨.","vol":"3","page":92},{"text":"عقابَ اللهِ، فتجنَّبوا عصيانَه، وحذِروا وعيدَه (^١)، فلم يتعدَّوا حدودَه، وخافوه فقاموا بأداءِ فرائضِه.\nوبمثلِ الذي قلنا في قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾. كان الربيعُ بنُ أنسٍ يقولُ.\nحُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، بن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾. قال: فتكلَّموا بكلامِ الإيمانِ، فكانت حقيقَتُه العملَ، صدَقوا اللهَ. قال: وكان الحسنُ يقولُ: هذا كلامُ الإيمانِ، وحقيقتُه العملُ، فإن لم يكنْ مع القولِ عملٌ فلا شيْءَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-185\"></span><span data-type='title' id=toc-566>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.</span>\nيعني جلَّ ذِكرُه بقولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾: فُرِض عليكم.\nفإن قال قائلٌ: أَفرضٌ على وليِّ القتيلِ القِصاصُ مِن قاتِل وَلِيِّه؟\nقيل: لَا، ولكنَّه مباحٌ له ذلك، والعفوُ، وأخذُ الدِّيَةِ.\nفإن قال: وكيفَ قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾؟\nقيل: إن معنَى ذلك على خلافِ ما ذهَبتَ إليه، وإنما معناه: يا أيها الذين آمَنوا كُتب عليكم في القتْلَى قِصاصٌ؛ الحرُّ بالحرِّ، والعبدُ بالعبدِ، والأُنْثى كفْءُ الأنثى. أي أن الحرَّ إذا قتَل الحرَّ، فدمُ القاتلِ كفءٌ لدمِ القتيلِ بالقِصاصِ (^٣) منه\n_________\n(^١) في م: \"وعده\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٢ عقب الأثر (١٥٧٠) من طريق ابن أبي جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٢ إلى المصنف.\n(^٣) في م: \"والقصاص\".","vol":"3","page":93},{"text":"دونَ غيرِه مِن الناسِ، ولا تُجاوِزوا بالقتلِ إلى غيرِه ممن لم يقتُلْ؛ فإنه حرامٌ عليكم أن تقتُلوا بقتيلِكم غيرَ قاتلِه.\nوالفرضُ الذي فرَضه اللهُ علينا في القِصاصِ هو ما وصَفتُ، من تَرْكِ المجاوزةِ بالقِصاصِ قتلَ القاتلِ بقتيلِه إلى غيرِه، لا أنه وجَب علينا القِصاصُ فرضًا، وجوبَ فرضِ الصلاةِ والصيامِ، حتى لا يكونَ لنا تركُه، ولو كان ذلك فرضًا لا يجوزُ لنا تركُه لم يكنْ لقولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾. معنًى مفهومٌ؛ لأنه لا عفوَ بعدَ القِصاصِ فيقالَ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾.\nوقد قيل: إن معنى القِصاصِ في هذه الآيةِ مُقاصَّةُ دِياتِ بعضِ القتْلَى بدِياتِ بعضٍ. وذلك أن الآيةَ عندَهم نزَلتْ في حزبين تحاربوا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقتَل بعضُهم بعضًا، فأُمِر النبيُّ ﷺ أن يُصلِحَ بينَهم، بأن يُسقِطَ (^١) ديَاتِ نساءِ أحدِ الحزبين بدياتِ نساءِ الآخرين، ودياتِ رجالِهم بدياتِ رجالِهم، ودياتِ عبيدِهم بدياتِ عبيدِهم، قِصاصًا. فذلك عندَهم مَعنى القِصاص في هذه الآيةِ.\nفإن قال قائلُ: فإنّه جلَّ ثناؤُه قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. أفما لنا أن نقتصَّ للحُرِّ إلَّا من الحُرِّ، ولَا للأُنثى إلَّا من الأُنثى؟\nقيل: بلى (^٢)، لنا أن نقتصَّ للحرِّ من العبدِ، وللأنثى من الذكرِ، يقولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. وبالنقلِ\n_________\n(^١) في م: \"تسقط\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٣: \"بل\".","vol":"3","page":94},{"text":"المستفيضِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"المؤمنون (^١) تتكافأُ دماؤُهم\" (^٢).\nفإن قال: فإذ كان ذلك كذلك، فما وجهُ تأويلِ هذه الآيةِ؟\nقيل: اخْتَلفَ أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: نزَلتْ هذه الآيةُ في قومٍ كانوا إذا قتَل الرجلَ منهم عبدُ قومٍ آخرين، لم يرضَوْا من قتيلِهم بدمِ قاتلِه، من أجلِ أنه عبدٌ حتى يقتُلُوا به سيدَه، وإذا قتَلتِ المرأةُ من غيرِهم رجلًا منهم، لم يرضَوْا بالقِصاصِ (^٣) بالمرأةِ القاتلةِ حتى يقتُلوا رجلًا من رهطِ المرأةِ وعشيرَتِها، فأَنْزَل اللهُ جلَّ وعزَّ هذه الآيةَ، فأَعْلَمهم أن الذي فُرِض لهم من القِصاصِ أن يقتُلوا بالرجلِ الرجلَ القاتلَ دونَ غيرِه، وبالأُنثى الأُنثى القاتلةَ دونَ غيرِها من الرجالِ، وبالعبدِ العبدَ القاتلَ دونَ غيرِه من الأحرارِ، ونهاهم أن يتعدَّوا القاتلَ إلى غيرِه في القِصاصِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو الوليدِ، وحدثنا المُثَنَّى، قال: حدثنا الحجاجُ، قالَا جميعًا: حدثنا حمادٌ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشَّعْبيِّ في قولِه: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. قال: نزَلت في قبيلتين من قبائِلِ العربِ اقْتتلَتا قتالَ عِمِّيَّةٍ (^٤)، فقالوا: نقتُلُ بعبدِنا فلانَ بنَ فلانٍ، وبفلانةَ فلانَ بنَ فلانٍ. فأَنْزَل اللهُ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"المسلمون\".\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٢٣٧٢)، وابن أبي شيبة ٩/ ٤٣٢، وأحمد ١١/ ٤٠٢ (٦٧٩٧)، وغيرهم من حديث عبد الله بن عمرو. وينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٨٥، ٨٦.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من دم صاحبهم\".\n(^٤) العمية: من العماء: الضلالة، كالقتال في العصبية والأهواء، وحكى بعضهم فيها ضم العين. النهاية ٣/ ٣٠٤.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"3","page":95},{"text":"حدثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾: وكان أهل الجاهليةِ فيهم بغيٌ وطاعةٌ للشيطانِ، فكان الحيُّ إذا كان فيهم عزةٌ (^١) ومنَعةٌ، فقتَل عبدُ قومٍ آخرين عبدًا لهم، قالوا: لا نقتُلُ به إلَّا حُرًّا. تَعزُّزًا، لفضلِهم على غيرِهم في أنفسِهم، وإذا قُتِلتْ لهم امرأةٌ قتَلتْها امرأةُ قومٍ آخرين، قالوا: لا نقتُلُ بها إلَّا رجلًا. فأَنْزَل اللهُ هذه الآيةَ يُخْبرُهم أن العبدَ بالعبدِ، والأنثى بالأنثى، فنهاهم عن البَغْيِ، ثم أَنْزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه في سورةِ \"المائدة\" بعدَ ذلك فقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (^٢) [المائدة: ٤٥].\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ قال: لم يكنْ لمن قبلَنا دِيةٌ، إنما هو القتلُ أو العفوُ إلى أهلِه، فنزَلتْ هذه الآيةُ في قومٍ كانوا أكثرَ مِن غيرِهم، وكانوا إذا قُتِل من الحيِّ الكثيرِ عبدٌ قالوا: لا نقتُلُ به إلَّا حرًّا. وإذا قُتلتْ منهم امرأةٌ قالوا: لا نقتُلُ بها إلَّا رجلًا. فأَنْزَل اللهُ تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدثنا معتمرٌ، قال: سمِعتُ داودَ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. قال: إنما ذلك في قتالِ عِمِّيةٍ، إذا أُصِيبَ مِن هؤلاءِ عبدٌ ومن هؤلاءِ عبدٌ\n_________\n(^١) في م: \"عدة\".\n(^٢) أخرجه البيهقي ٨/ ٢٦، وابن الجوزي في ناسخه ص ١٥٧ من طريق شيبان، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٣ إلى عبد بن حميد، وأبي داود في ناسخه وأبي القاسم الزجاجي في أماليه.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٦.","vol":"3","page":96},{"text":"تَكافَأ (^١)، وفي المرأتين كذلك، وفي الحُرَّين كذلك، هذا معناه إن شاء اللهُ.\nوحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قد دخَل في قولِ اللهِ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ الرجلُ بالمرأةِ، والمرأةُ بالرجلِ. وقال عطاءٌ: ليس بينَهما فَضلٌ (^٢).\nوقال آخرون: بل نزَلتْ هذه الآيةُ في فريقين كان بينَهم قتالٌ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقُتل مِن كلَا الفريقين جماعةٌ من الرجالِ والنساءِ، فأُمِر النبيُّ ﷺ أن يُصلِحَ بينَهم، بأن يجعَلَ ديَاتِ النساءِ من كلِّ واحدٍ من الفريقين قِصاصًا بدياتِ النساءِ من الفريقِ الآخرِ، ودياتِ الرجالِ بالرجالِ، ودياتِ العبيدِ بالعبيدِ، فذلك معنى قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا موسى، قال: حدثنا عمرُو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. قال: اقتتَل أهلُ ماءين (^٣) من العربِ، أحدُهما مسلمٌ والآخرُ مُعاهَدٌ، في بعضِ ما يكونُ بينَ العربِ من الأمرِ، فأَصْلحَ بينَهم النبيُّ ﷺ وقد كانوا قَتَلوا الأحرارَ والعبيدَ والنساءَ - على أن يؤدِّيَ الحرُّ ديةَ الحرِّ، والعبدُ ديةَ العبدِ، والأنثى ديةَ الأنثى، فقاصَّهم بعضَهم مِن بعضٍ (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل، ت ٣: \"كانا\"، وفي ت ١: \"كافأ\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (١٧٩٧٣)، وابن أبي شيبة ٩/ ٢٩٦، ٤٣٤ من طريق ابن جريج، عن عطاء.\n(^٣) في م: \"ملتين\".\n(^٤) ذكره النحاس في ناسخه ص ٨٤ معلقا عن السدي.","vol":"3","page":97},{"text":"حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن السُّديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: كان بينَ حَيَّيْن من الأنصارِ قتالٌ، كان لأحدِهما على الآخرِ الطَّوْلُ، فكأنَّهم طلَبوا الفضلَ، فجاء النبيُّ ﷺ ليصلِحَ بينَهم، فنزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. فجعَل النبيُّ ﷺ الحرَّ بالحرِّ، والعبدَ بالعبدِ، والأنثى بالأنثى (^١).\nحدثنا المُثَنَّى، قال: حدثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن شعبةَ، عن أبي بشرِ، قال: سمِعتُ الشَّعْبيَّ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾. قال: نزَلتْ في قتالِ عِمِّيَّةٍ - قال شعبةُ: كأنَّه في صلحٍ - قال: اصْطَلحُوا على هذا (^٢).\nحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال. حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، قال: سمِعتُ الشَّعْبيَّ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. قال: نزَلتْ في قتالِ عِمِّيةٍ، قتالٌ (^٣) كان على عهدِ النبيِّ ﷺ.\nوقال آخرون. بل ذلك أمرٌ مِن اللهِ بمقاصَّةِ ديةِ الحرِّ وديةِ العبدِ، وديةِ الذكرِ وديةِ الأُنثى، في قتلِ العمدِ، إن اقتُصَّ للقتيلِ من القاتلِ، والتراجعِ بالفضلِ والزيادةِ بين ديتيِ القتيلِ والمقتصِّ منه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٤ عقب الأثر (١٥٧٦) معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٢ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٣ (١٥٧٥) من طريق شعبة عن مغيرة عن الشعبي، بنحوه دون قول شعبة.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".","vol":"3","page":98},{"text":"ذِكرُ من قال ذلك\nحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. قال: حُدِّثنا عن عليٍّ بنِ أبي طالبٍ أنه كان يقولُ: أيُّما حرٍّ قتَل عبدًا فهو به قَوَدٌ، فإن شاءَ موالى العبدِ أن يقتُلوا الحرَّ قتَلوه وقاصُّوهم بثمنِ العبدِ من دِيةِ الحرِّ، وأدَّوا إلى أولياءِ الحرِّ بقيةَ دِيَتِه، وأيُّ (^١) عبدٍ قتَل حرًّا فهو به قَوَدٌ، فإن شاء أولياءُ الحرِّ قتَلوا العبدَ وقاصُّوهم بثمنِ العبدِ، وأخَذوا بقيةَ ديةِ الحرِّ، وإن شاءُوا أخَذُوا الديةَ كلَّها واستحيَوُا العبدَ، وأيُّ حرٍّ قتَل امرأةً فهو بها قَوَدٌ، فإن شاء أولياءُ المرأةِ قتَلُوه وأدَّوا نصفَ الديةِ إلى أولياءِ الحُرِّ، وأيُّ (^١) امرأةٍ قتَلتْ حرًّا فهي به قَوَدٌ، فإن شاء أولياءُ الحرِّ قتَلُوها وأخَذوا نصفَ الديةِ، وإن شاءوا أخَذوا الديةَ كلَّها واسْتحْيَوْها، وإن شاءُوا عفَوْا (^٢).\nحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدثنا هشامُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدثنا حمادُ ابنُ سلَمةَ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، أن عليًّا قال في رجلٍ قتَل امرأتَه، قال: إن شاءُوا (^٣) قتَلوه وغَرِموا نصفَ الديَةِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدثنا يحيى بنُ (^٤) سعيدٍ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: لا يُقتَلُ الرجلُ بالمرأةِ حتى يُعطُوا نصفَ الديَةِ (^٥).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إن\".\n(^٢) أخرجه البيهقي ٨/ ٣٥، ٣٨ مفرقًا من طريق الحكم ومحمد بن علي عن علي. وقوله: وأيُّ حرٍ قتَل امرأة … أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٢٩٦، ٢٩٧ من طريق الحكم والشعبي عن علي.\n(^٣) في الأصل: \"شاء\".\n(^٤) في م: \"عن\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٢٩٧ من طريق عوف به.","vol":"3","page":99},{"text":"حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن سماكٍ، عن الشَّعْبيِّ، قال في رجلٍ قتَل امرأتَه عمدًا، فأتَوا به عليًّا، فقال: إن شئتُم فاقتُلوه وردُّوا فضلَ ديةِ الرجلِ على ديَةِ المرأةِ (^١).\nوقال آخرون: بل نزَلتْ هذه الآيةُ في حالِ ما نزَلتْ والقومُ لا يقتُلون الرجلَ بالمرأةِ، ولكنهم كانوا يقتُلونَ الرجلَ بالرجلِ، والمرأةَ بالمرأةِ، حتى سوَّى اللهُ بين حكمِ جميعِهم بقولِه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].\nفجعَل جميعَهم قَوَدًا بعضَهم ببعضٍ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثنا المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾: وذلك أنهم كانوا لا يقتُلون الرجلَ بالمرأةِ، ولكن يقتُلون الرجلَ بالرجلِ، والمرأةَ بالمرأةِ، فأَنْزَل اللهُ سبحانه: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. فجعَل الأحرارَ في القِصاصِ سواءً فيما بينَهم في العمدِ، رجالُهم ونساؤُهم، في النفسِ وما دونَ النفسِ، وجعَل العبيدَ مُستوين فيما بينَهم في العمدِ، في النفسِ وما دونَ النفسِ، رجالُهم ونساؤُهم (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: فإذا كان مُختَلَفًا الاختلافُ الذي وصَفتُ فيما نزَلتْ فيه (^٣) هذه الآيةُ، فالواجبُ علينا استعمالُها فيما دلَّت عليه من الحكمِ بالخبرِ القاطِعِ العذرَ. وقد تَظاهرتِ الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ بالنقلِ العامِّ أن نفْسَ الرجلِ الحرِّ قوَدٌ قِصاصًا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٢٩٦، ٢٩٧ عن جرير به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٤ (١٥٧٨)، والبيهقي ٨/ ٤٠ من طريق أبي صالح به. وينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٨٣.\n(^٣) في الأصل: \"في\".","vol":"3","page":100},{"text":"بنفسِ المرأةِ الحرَّةِ. فإذ كان ذلك كذلك - وإن كانت الأمَّةُ مختلفةً في التراجُعِ بفضلِ ما بينَ ديةِ الرجلِ والمرأةِ، على ما قد بيَّنا من قولِ عليٍّ وغيرِه - وكان واضحًا فسادُ قولِ من قالَ بالقِصاصِ في ذلك، والتراجعِ بفضلِ ما بينَ الدِّيتين، بإجماعِ جميعِ أهلِ الإسلامِ على أن حرامًا على الرجلِ أن يُتلِفَ من جسدِه عضوًا بعوضٍ يأخُذُه على إتلافِه - [فدعْ ما] (^١) جميعَه - وعلى أن حرامًا على غيرِه إتلافُ شيْءٍ منه - مثلَ الذي حُرِّمَ من ذلك عليهِ بعوضٍ يُعطيه عليه - فالواجبُ أن تكونَ نفسُ الرجلِ الحرِّ بنفسِ المرأةِ الحرَّةِ قوَدًا.\nوإذا كان ذلك كذلك، كان بَيِّنًا بذلك أنه لم يُرِدْ بقولِه: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. ألا يُقادَ العبدُ بالحرِّ، ولا (^٢) ألا تُقتلَ الأُنثى بالذَّكرِ، ولا الذَّكرُ بالأُنثى.\nوإذا كان كذلك، كان بَيِّنًا - [على ما ذكَرنا] (^٣) - أن الآيةَ معنيٌّ بها أحدُ المعنيين الآخرين؛ إمّا [ما قلنا] (^٤) من ألا يُعَدَّى بالقِصاصِ إلى غيرِ القاتلِ والجانِي، فيُؤخذَ بالأنثى الذكرُ، وبالعبدِ الحرُّ. وإما القولُ الآخرُ، وهو أن تكونَ الَايةُ نزَلتْ في قومٍ بأعْيانِهم خاصَّةً، أُمِرَ النبيُّ ﷺ أن يجعَلَ دياتِ قتلَاهم قِصاصًا. بعضُها من بعضٍ، كما قاله السُّديُّ ومَن ذكَرنا قولَه.\nوقد أجْمع الجميعُ - لا خلافَ بينَهم - على أن المقُاصَّةَ في (^٥) الحقوقِ غيرُ واجبةٍ، وأَجْمعوا على أنَّ اللهَ ﷿ لمْ يقضِ في ذلك قضاءً ثم نسَخه. وإذا كان\n_________\n(^١) في م: \"فدع\"، وفي ت ١: \"فدفعنا\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٤) في م: \"قولنا\".\n(^٥) سقط من الأصل.","vol":"3","page":101},{"text":"كذلك، وكان قولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. ينبئُ على (^١) أنه فرضٌ، كان معلومًا أن القولَ خلافُ ما قالَه قائلُ هذه المقالَةِ؛ لأنَّ ما كان فرضًا على أهلِ الحقوقِ أن يفعَلوه، فلا خِيارَ لهم فيه، والجميعُ مجمِعون على أن لأهلِ الحقوقِ الخِيارَ في مقاصَّتِهم حقوقَهم بعضَها من بعضٍ. فإذْ تبيَّن فسادُ هذا الوجهِ الذي ذكَرنا، فالصحيحُ من القولِ في ذلك هو ما قلنا.\nفإن قال قائلٌ: إذ ذكَرتَ أن معنى قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. بمعنى: فُرِضَ عليكم القِصاصُ. ولا يُعرفُ لقولِ القائلِ: كتَب. معنًى إلَّا بمعنى. خطَّ ذلك ورسَم خطًّا وكتابًا، فما برهانُك على أن معنَى قولِه: ﴿كُتِبَ﴾: فُرِض؟\nقيل: ذلك في كلامِ العربِ موجودٌ، وفي أشعارِهم مستفيضٌ، ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):\nكُتِب القتلُ والقتالُ علينا … وعلى المحصناتِ جرُّ الذيولِ\nوقولُ نابغةِ بني جَعْدةَ (^٣):\nيا بنتَ عمِّي كتابُ اللهِ أَخْرَجني … [عنكم فهل] (^٤) أمنعَنَّ اللهَ ما فعَلا\nوذلك أكثرُ في أشعارِهم وكلامِهم من أن يُحصَى. غيرَ أن ذلك وإن كان بمعنى \"فُرِض\"، فإنه عندِي مأخوذٌ من الكتابِ الذي هو رسمٌ وخطٌّ، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه قد كتَبَ جميعَ ما فَرَض على عبادِه، وجميعَ ما هُم عامِلوه\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"عن\".\n(^٢) هو عمر بن أبي ربيعة. ينظر: ملحقات ديوانه ص ٤٩٨، والكامل ٣/ ٢٤٦، والعقد الفريد ٤/ ٤٠٧، ٦/ ١١٨، ونسب لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت في بهجة المجالس ٢/ ٥٥.\n(^٣) شرح ديوانه ص ١٩٤.\n(^٤) في الديوان: \"كرها وهل\".","vol":"3","page":102},{"text":"في اللوحِ المحفوظِ، فقال جلَّ ذكرُه في القرآنِ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]. وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧، ٧٨]. [فأَخْبرَ أن القرآنَ في اللَّوحِ المحفوظِ، وفي كتابٍ مكنونٍ] (^١). فقد تبينَ بذلك أن كلَّ ما فرَضَه علينا في (^٢) اللوحِ المحفوظِ مكتوبٌ.\nفمعنى قولِه - إذ كان ذلك كذلك -: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾: كُتب عليكم في اللوحِ المحفوظِ القِصاصُ في القتلَى فرضًا، ألا تقْتُلوا بالمقتولِ غيرَ قاتلِه.\nوأما \"القِصاصُ\"، فإنه من قولِ القائلِ: قاصصْتُ فلانًا حَقِّي قِبَلَه من حقِّه قِبَلي، [وقاصَّني] (١) قِصاصًا ومُقاصَّةً. فقَتلُ القاتِلِ بالذي قتَله قِصاصٌ به (^٣)؛ لأنه مفعولٌ به مثلُ الذي فعَل مِن (^٤) قتلِه، وإن كان أحدُ الفعلين عُدوانًا والآخرُ حقًّا، فهما وإن اخْتَلفا من هذا الوجهِ، فهما متَّفِقانِ في أن كلَّ واحدٍ قد فعَل بصاحبِه مثلَ الذي فعَل صاحبُه به. وجعَل فعْلَ وليِّ القتيلِ الأولِ إذا قتَل قاتلَ ولِيِّه قِصاصًا، إذ كان بسببِ قتيله (^٥) استحقَّ قتلَ مَن قتَلَه، فكأنَّ وليَّه المقتولَ هو الذي وَلِي قتلَ قاتلِه، فاقتصَّ منه.\nوأمَّا \"القتلَى\" فإنها جمعُ قتيلٍ، كما الصرعَى جمعُ صَريعٍ، والجرحَى جمعُ جريحٍ. وإنما يُجمعُ الفَعِيلُ على الفَعْلَى ما (^٦) كان صفةً للموصوفِ به، بمعنى الزَّمانةِ والضررِ الذي لا يقدِرُ معه صاحبُه على البَراحِ من موضِعِه ومصرَعِه، نحوُ: القتلى في\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ففي\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بمن\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قتله\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إذا\".","vol":"3","page":103},{"text":"معاركِهم، والصرْعَى في أماكِنِهم (^١)، والجرحَى، وما أشبهَ ذلك.\nفتأويلُ الكلامِ إذن: فُرِض عليكم أيها المؤمنون القِصاصُ في القَتلَى، أن يقتصَّ الحرُّ بالحرِّ، والعبدُ بالعبدِ، والأنثى بالأنثى. ثم ترَك ذكْرَ \"أن يقتصَّ\"، اكتفاءً بدلالةِ قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. عليه [من ذكرِه] (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-567>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: فمَن تُرِك له من القَتَلةِ (^٣) ظُلمًا من الواجبِ كان لأخيه عليه من القِصاصِ - وهو الشيْءُ الذي قال اللهُ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ - فاتِّباعٌ بالمعروفِ من العافِي للقاتلِ بالواجبِ له قِبَلَه من الديةِ، وأداءٌ من المعفوِّ عنه ذلك إليه بإحسانٍ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثنا أبو كُريبٍ وأحمدُ بنُ حمادٍ الدُّولَابيُّ، قالا: حدثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن عمرٍو، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: فالعفوُ أن يقبَلَ الدِّيةَ في العمدِ، واتباعٌ بالمعروفِ، أن يطلُبَ هذا بمعروفٍ ويؤدِّيَ هذا بإحسانٍ (^٤).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"مواضعهم\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٣: \"القتل\".\n(^٤) أخرجه الإسماعيلي - كما في الفتح ١٢/ ٢٠٨ - من طريق أبي كريب وغيره به، وأخرجه الشافعي في مسنده ٢/ ١٩٧، وعبد الرزاق في تفسيره ١/ ٦٧، وفي مصنفه - (١٨٤٥١)، وسعيد بن منصور في سننه (٢٤٦ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٩/ ٤٣٣، والبخاري (٤٤٩٨، ٦٨٨١)، والنسائي (٤٧٩٥)، =","vol":"3","page":104},{"text":"حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا حجَّاجُ بنُ المنهالِ، قال: حدثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، قال: أخبَرنا عَمرُو بنُ دينارٍ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ فقال: هو العمدُ يَرْضَى أهلُه بالديةِ، ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أُمِر به الطالبُ، ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ من المطلوبِ (^١).\nحدثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ الحسنِ بنِ شقيقٍ، قال: حدثنا أبي، وحدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قالا جميعًا: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن محمدِ بنِ مُسلمٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ: عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الذي يقبَلُ الديةَ ذلك منه (^٢) عفوٌ، فاتباعٌ بالمعروفِ، ويؤدِّي إليه الذي عُفي له من أخيه بإحسانٍ (^٣).\nحدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾: وهي الديةُ، أن يُحسِنَ الطالبُ الطلبَ، ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾، وهو أن يحسِنَ المطلوبُ الأداءَ.\nحدثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ\n_________\n= والطحاوي ٣/ ١٧٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٤ (١٥٧٩)، والنحاس في ناسخه ص ٨٦، ٨٧، والدارقطني ٣/ ١٩٩، والحاكم ٢/ ٢٧٣، والبيهقي ٨/ ٥١ من طرق عن ابن عيينة به.\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٧٣ من طريق حجاج به مختصرًا، وأخرجه البيهقي ٨/ ٥٢ من طريق حماد به. وصححه الحاكم على شرط مسلم. وقد خالف حمادُ بنُ سلمةَ ابنَ عيينة ومحمدَ بنَ مسلم - كما في الأثر السابق والآتي - وتابعهما ابن أبي نجيح عن مجاهد - كما سيأتي في ص ١١٣ - وذكرهما الحافظ في النكت الظراف ٥/ ٢٢٣ عن المصنف، وقال: والأول أصح.\n(^٢) في الأصل: \"منهم\".\n(^٣) أخرجه ابن حبان (٦٠١٠) من طريق ابن المبارك به.","vol":"3","page":105},{"text":"أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾: والعَفُوُّ الذي يعفو عن الدَّمِ ويأخذُ الدِّيةَ (^١).\nحدثني سفيانُ، قال: حدثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾. قال: الديةُ.\nحدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: حدثنا أبي، عن يزيدَ بنِ (^٢) إبراهيمَ، عن الحسنِ: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: على هذا الطالبِ أن يطلُبَ بالمعروفِ، وعلى هذا المطلوبِ أن يؤدِّيَ بإحسانٍ (^٣).\nحدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾: والعَفُوُّ الذي يعفُو عن الدَّمِ ويأخُذُ الديةَ.\nحدثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو الوليدِ، قال: حدثنا حمادٌ، عن داودَ ابنِ أبي هندٍ، عن الشَّعْبيِّ في قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: هو العمدُ يَرضَى أهلُه بالدِّيةِ (^٤).\nحدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا الحجاجُ، قال: حدثنا حمادٌ، عن داودَ، عن الشعبيِّ مثلَه.\nحدثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنْ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢١٩.\n(^٢) في م: \"عن\".\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٥ عقب الأثر (١٥٨١) معلقًا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٣٤، ٤٣٥ من طريق ابن أشوع عن الشعبي نحوه مطولا.","vol":"3","page":106},{"text":"عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. يقولُ: من قَتَل عمدًا فعُفي عنه، وقُبِلت منه الديةُ، يقولُ: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فأمَر المتَّبِعَ أن يتَّبِعَ بالمعروفِ، وأمَر المؤدِّيَ أن يؤدِّيَ بإحسانٍ، فالعمدُ قَودٌ إليه قِصاصٌ، لا عَقْلَ (^١) فيه، إلَّا أن يرضَوْا بالديةِ، فإن رَضُوا بالديةِ فمائةُ خَلِفةٍ (^٢)، فإن قالوا: لا نرضَى إلَّا بكذَا وكذَا. فذلك لهم.\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: يَتَّبعُ (^٣) الطالبُ بالمعروفِ، ويؤدِّي المطلوبُ بإحسانٍ (^٤).\nحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.\nيقولُ: فمن قتَل عمدًا فعُفِيَ عنه، وأُخذتْ منه الدِّيةُ، يقولُ: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. أمَر صاحبَ الدِّيةِ الذي (^٥) يأخُذُها أن يتبِعَ بالمعروفِ، وأمَر المؤدِّيَ أن يؤدِّيَ بإحسانٍ (^٦).\nحدثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولُه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ\n_________\n(^١) العقل: الدية. اللسان (ع ق ل).\n(^٢) الخلفة: الحامل من النوق. اللسان (خ ل ف).\n(^٣) بعده في م: \"به\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٧.\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣: \"التي\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٥ عقب الأثر (١٥٨١) من طريق ابن أبي جعفرٍ به.","vol":"3","page":107},{"text":"بِإِحْسَانٍ﴾. قال: ذلك إذا أخَذ الدِّيةَ، فهو عَفوُه (^١).\n[حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ] (^٢)، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخبَرني القاسمُ. بنُ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ، قال: إذا قبِل الديةَ فقد عفَا عن القِصاصِ، فذلك قولُه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾. قال ابنُ جُريجٍ: وأخبرني الأعرجُ، عن مجاهدٍ مثلَ ذلك، وزادَ فيه: فإذا قبِل الديةَ فإنَّ عليه أن يتَّبعَ بالمعروفِ، وعلى الذي عُفِيَ عنه أن يؤدِّيَ بإحسانٍ.\nحدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو عَقيلٍ، قال: قال الحسنُ: أخذُ الديةِ عفوٌ حسنٌ (^٣).\nحدثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: أنت أيها المعفوُّ عنه (^٣).\nوقال آخرون: معنى قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾: فمَن فضَل له فضْلٌ، وبقِيتْ له بقيَّةٌ. وقالوا: معنى قولِه: ﴿مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: من ديةِ أخيه شيْءٌ، أو من أَرْشِ (^٤) جراحتِه، فاتباعٌ منه القاتلَ أو الجارحَ الذي بقِيَ ذلك قِبَلَه بمعروفٍ، وأداءٌ من القاتلِ أو الجارحِ إليه ما بقِي قِبَلَه له من ذلك بإحسانٍ.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٤ عقب الأثر (١٥٧٩) معلقًا.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حدثنا الحسن\".\n(^٣) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. وهو الدية، أن يحسن الطالب، وأداء إليه بإحسان هو أن يحسن المطلوب الأداء\". وقد تقدم هذا الأثر بتمامه في ص ١٠٥.\n(^٤) الأرش: دية الجراحة. التاج (أ ر ش).","vol":"3","page":108},{"text":"وهذا قولُ من زعَم أن هذه الآيةَ نزَلتْ - أعني قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ - في الذين تحارَبوا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فأُمِر رسولُ اللهِ ﷺ أن يُصلِحَ بينَهم، فَتُقاصَّ دياتُ بعضِهم من بعضٍ، ويُردَّ بعضُهم على بعضٍ بفضلٍ إن بقِيَ لهم قِبلَ الآخرين. وأحسَبُ أن قائِلي هذا القولِ وجَّهوا تأويلَ العفوِ في هذا الموضعِ إلى الكثرةِ، من قولِ اللهِ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]. فكأنَّ معنى الكلامِ عندَهم: فمن كثُر له قِبلَ أخيه القاتلِ شيْءٌ (^١).\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثني موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾. يقولُ: بقِيَ له من ديةِ أخيه شيْءٌ، أو من أَرْشِ جراحتِه، فلْيتَّبعْ بمعروفٍ، ولْيؤدِّ إليه الآخرُ بإحسانٍ (^٢).\nوالواجبُ على تأويلِ القولِ الذي رَوَينا عن عليٍّ والحسنِ في قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. أنه بمعنى: مُقاصَّةِ ديةِ نفسِ الذَّكرِ مِن ديةِ نفسِ الأنثى، والعبدِ من الحرِّ، والتراجعِ بفضلِ ما بينَ ديتى أنفُسِهما - أن يكونَ معنى قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: فمَن عُفي له منَ الواجبِ لأخيه عليه من قِصاصِ ديةِ نفسِ (١) أحدِهما بديةِ نفسِ الآخرِ، إلى الرضَا بديةِ نفسِ المقتولِ، فاتباعٌ من الوليِّ بالمعروفِ، وأداءٌ من القاتلِ إليه بإحسانٍ.\nوأوْلى الأقوالِ عندي بالصوابِ في قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: فمَن صُفِح له مِن الواجِبِ كان لأخيه عليه من القَوَدِ، عن شيْءٍ من الواجبِ على ديةٍ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٥ (١٥٨٠) من طريق عمرو له.","vol":"3","page":109},{"text":"يأخُذُها منه، فاتباعٌ بالمعروفِ من العافي عن الدَّمِ الراضِي بالدِّيةِ من دمِ ولِيِّه، وأداءٌ إليه من القاتلِ (^١) بإحسانٍ. لما قد بيَّنَّا من العللِ فيما مضَى قبلُ، من أنَّ معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. إنما هو القِصاصُ من النفوسِ القاتلةِ أو الجارحةِ والشَّاجَّةِ عمدًا، فكذلك العفوُ أيضًا عن ذلك.\nوأما معنَى قولِه: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فإنه يعني: فاتباعٌ على ما أوجبَه اللهُ له من الحقِّ قِبَلَ [قاتلِ وَليِّه] (^٢)، من غيرِ أن يزدادَ عليه ما ليس له عليه في أسنانِ الفرائضِ أو غيرِ ذلك، أو يكلِّفَه ما لم يوجِبْه اللهُ له عليه.\nكما حدثني بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: بلَغنا عن نبيِّ اللهِ ﷺ أنه قال: \"مَن زاد أو ازداد بعيرًا - يعني في إبلِ الدِّياتِ وفرائضِها - فمِن أمرِ الجاهليةِ\".\nوأما إحسانُ الآخرِ في الأداءِ، فهو أداءُ ما لزِمَه بقتلِه لوليِّ القتيلِ، على ما ألزمَه اللهُ وأوجَبه عليه، من غيرِ أن يبخَسَه حقًّا له قِبَلَه بسببِ ذلك، أو يُحوِجَه إلى اقتضاءٍ ومطالبةٍ.\nفإن قال لنا قائل: وكيف قِيلَ: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.\nولم يقلْ: فاتباعًا بالمعروفِ وأداءً إليه بإحسانٍ. كما قال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]؟\nقيلَ: لو كان التنزيلُ جاءَ بالنصبِ، وكان: فاتباعًا بالمعروفِ وأداءٌ إليه بإحسانٍ. كان جائزًا في العربيةِ صحيحًا على وجهِ الأمرِ، كما يقالُ: ضربًا ضربًا،\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذلك\".\n(^٢) في الأصل: \"قاتله\".","vol":"3","page":110},{"text":"وإذا لقيتَ فلانًا فتبجيلًا وتعظيمًا. غيرَ أنه جاءَ رفعًا، وهو أفصحُ في كلامِ العربِ من نصبِه. وكذلك ذلك في كلِّ ما كانَ نظيرًا له، مما يكونُ فرضًا عامًّا - في مَن قد فَعَل، وفي من لم يفعَلْ إذا فعَل - لا ندبًا وحثًّا. ورفعُه على معنى: فمَن عُفي له من أخيه شيْءٌ، فالأمرُ فيه اتباعٌ بالمعروفِ، وأداءٌ إليه بإحسانٍ. أو: فالقضاءُ والحكمُ فيه اتباعٌ بالمعروفِ.\nوقال بعضُ أهلِ العربيةِ (^١): رفعُ ذلك على معنى: فمَن عُفي له من أخيه شيْءٌ فعلَيه اتباعٌ بالمعروفِ.\nوهذا مذهبٌ (^٢)، والأولُ الذي قلناه هو وجهُ الكلامِ. وكذلك كلُّ ما كان من نظائرِ ذلك في القرآنِ، فإن رفعَه على الوجهِ الذي قلناه، وذلك مثلُ قولِه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقولِه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].\nوأما قولُه: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾. فإن الصوابَ فيه النصبُ، وهو وجهُ الكلامِ؛ لأنه على وجهِ الحثِّ من اللهِ عبادَه على القتلِ عندَ لقاء العدوِّ، كما يقالُ: إذا لقِيتم العدوَّ فتكبيرًا وتهليلًا. على وجهِ الحضِّ على التكبيرِ، لا على وجهِ الإيجابِ والإلزامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-568>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذا الذي حكَمتُ به وسَنَنتُه لكم، من إباحتي لكم أيتها الأمةُ العفوَ عن القصاصِ من قاتلِ قَتيلِكم، على ديةٍ تأخُذونها، فتملِكُونها مِلكَكم سائرَ أموالِكم، التي كنتُ منَعتُها من قبْلَكم من الأممِ السالفةِ، ﴿تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: تخفيفٌ مني لكم مما كنتُ ثَقَّلتُه على\n_________\n(^١) هو الزجاج في معاني القرآن ١/ ٢٣٤.\n(^٢) في م: \"مذهبي\".","vol":"3","page":111},{"text":"غيرِكم، بتحريمِ ذلك عليهم، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ منى بكم.\nكما حدثنا أبو كُريبٍ وأحمدُ بنُ حمادٍ الدُّولابيُّ، قالا: حدثنا سفيانُ، عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان في بني إسرائيلَ القِصاصُ، ولم تكنْ فيهم الدِّيةُ، فقال اللهُ في هذه الآيةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾. إلى قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾. فالعفوُ أن يقبَلَ الديةَ في العمدِ، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. [يقولُ: خفَّفَ عنكم ما كان] (^١) على من كان قبلَكم، أن يطلُبَ هذا بمعروفٍ، ويؤدِّيَ هذا بإحسانٍ (^٢).\nحدثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ الحسنِ بنِ شقيقٍ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن محمدِ بنِ مُسلمٍ، عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان مَن قبلَكم يقتُلون القاتلَ بالقتيلِ لَا تُقبلُ منهم الديةُ، فأنْزلَ اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يقولُ: خفَّفَ عنكم ما (^٣) كان على من قبلَكم؛ أي (^٤) الديةُ، لم تكنْ تُقبلُ، فالذي يَقبَلُ الديةَ ذلك منه عَفوٌ (٢).\nحدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: حدثنا حمادُ بنُ سلمةَ، قال: أخبَرنا عمرٌو بنُ دينارٍ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾: مما كان على بني إسرائيلَ. يعني: من تَحريمِ الديةِ عليهم (٢).\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ١٠٥.\n(^٣) في م: \"و\".\n(^٤) في م: \"أن\".","vol":"3","page":112},{"text":"حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان على بني إسرائيلَ قِصاصٌ في القتلى، ليسَ بينَهم ديةٌ في نفسٍ ولا جُرحٍ، وذلك قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ الآية كلها [المائدة: ٤٥]. وخفَّف اللهُ عن أمةِ محمدٍ ﷺ، فقبِل منهمُ الديةَ في النفسِ وفي الجراحةِ، وذلك قولُه: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بينَكم (^١).\nحدثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾: وإنما هي رحمةٌ رحِمَ اللهُ بها هذه الأمةَ، أَطْعَمهم الديةَ، وأحلَّها لهم، ولم تحِلَّ لأحدٍ قبلَهم، وكان أهلُ التوراةِ إنما هو قِصاصٌ أو عفوٌ، ليس بينَهم (^٢) أرْشٌ، وكان أهلُ الإنجيلِ إنما هو عفوٌ أُمِروا به، وجعَلَ اللهُ لهذه الأمةِ القوَدَ والعفوَ، والديةَ إن شاءوا، أحلَّها لهم، ولم تكنْ لأمةٍ قبلَهم (^٣).\nحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بمثلِه سواءً، غيرَ أنه قال: ليس بينَهما شيْءٌ (^٤).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾. قال: لم تكنْ لمن قبلَنا ديةٌ، إنما\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٦٧، وفي مصنفه (١٨٤٥٠)، والنحاس في ناسخه ص ٨٦، ٨٧، والطبراني في الكبير (١١١٥٥)، والدارقطني ٣/ ٨٦ من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بينهما\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٦ (١٥٨٦) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٣ إلى الزجاجي في أماليه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٦ عقب الأثر (١٥٨٦) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"3","page":113},{"text":"هو القتلُ أو العفوُ إلى أهلِه، فنزَلتْ هذه الآيةُ في قومٍ كانوا أكثرَ من غيرِهم (^١).\nحدثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: وأخبَرني عَمرُو بنُ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن بني إسرائيلَ كان كُتِب عليهمُ القِصاصُ، وخُفِّف عن هذه الأمةِ. وتلا عمرُو بنُ دينارٍ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (^٢).\nوأما على قولِ من قال: القِصاصُ في هذه الآيةِ معناه قِصاصُ الدِّياتِ بعضِها من بعضٍ. على ما قاله السُّديُّ، فإنه ينبغي أن يكونَ تأويلُه: هذا الذي فعَلتُ بكم أيها المؤمنون من قصاصِ دياتِ قتلَى بعضِكم بدياتِ بعضٍ، وتَركِ إيجابِ القَودِ من (^٣) الباقين منكم بقتيلِه الذي قتلَه أو (^٤) أخذِه بديتِه، تخفيفٌ منِّي عنكم ثِقْلَ ما كان عليكم من حكمي عليكم بالقوَدِ أو الديةِ، ورحمةٌ منِّي لكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-569>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾.</span>\nيعني بقولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾: فمن تَجاوز ما جعَله اللهُ له بعدَ أخذِه الديةَ، اعتداءً وظلمًا، إلى ما لم يَجْعلِ اللهُ له من قتلِ قاتلِ وليِّه وسفكِ دمِه، فله بفعلِه ذلك، [وتقدُّمِه على] (^٥) ما قد حرمتُه عليه، عذابٌ أليمٌ.\nوقد بَيَّنتُ معنى الاعتداءِ فيما مضَى بما أغنَى عن إعادَتِه (^٦).\n_________\n(^١) تقدم مطولا في ص ٩٦، ٩٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٣، ٢٩٦ (١٥٧٣، ١٥٨٥) من طريق عمرو بن دينار، عن مجاهد، عن ابن عباس بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٣ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"على\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٥) في م: \"وتعديه إلى\".\n(^٦) ينظر ما تقدم في ٢/ ٢٠٩.","vol":"3","page":114},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾: فقتَل، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^١).\nحدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾: بعد أخذِ الديةِ ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nحدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه] (^٢): ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: فمن اعتدَى بعد أخذِه الديةَ فقَتَلَ، فله عذابٌ أليمٌ. قال: وقد ذُكِر لنا أن رسولَ الله ﷺ كان يقولُ: \"لا أُعافي رجلًا قتَل بعدَ أخذِه الديةَ\" (^٣).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢١٩.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٣ إلى المصنف وابن المنذر. والمرفوع أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٦٧، ٦٨، وفي مصنفه (١٨٢٠٠) عن معمر، عن قتادة. وقال ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٠١: وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال رسول الله ﷺ: \"لا أعافي. . . .\". ورُوي من وجه آخر مرفوعا. أخرجه أحمد ٢٣/ ١٨٢ (١٤٩١١) من طريق حماد، عن مطر، عن رجل - أحسبه الحسن - عن جابر. وأخرجه البيهقي ٨/ ٥٤ من طريق ابن أبي عروبة، عن مطر، عن الحسن، مرسلا. وينظر ضعفاء العقيلي ٤/ ٢١٩، ومسند الطيالسي (١٨٧٢).","vol":"3","page":115},{"text":"قتادةَ في قولَه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾. قال: هو القتلُ بعدَ أخذِ الديةِ. يقولُ: مَن قتَل بعدَ أن يأخُذَ الديةَ فعليه القتلُ، لَا تُقبَلُ منه الديةُ (^١).\nحُدِّثت عن عمارٍ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: فمن اعتدَى بعد أخذِه الديةَ، فله عذابٌ أليمٌ (^٢).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدثنا أبي، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ، قال: كان الرجلُ إذا قتلَ قتيلًا في الجاهليةِ فرَّ إلى قومِه، فيجئُ قومُه فيصالحون عنه بالديةِ. قال: فيخرُجُ الفارُّ وقد أمِنَ على نفسِه. قال: فيقتَلُ ثم يُرْمَى إليه بالديةِ، فذلك الاعتداءُ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا مُسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا أبو عَقيلٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ في هذه الآيةِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾. قال: القاتلُ إذا طُلِب فلم يُقدَرْ عليه، وأُخِذ من أوليائِه الديةُ، ثم أَمِن، فأُخِذ فقُتِل. قال الحسنُ: ما أكَل عُدوانٌ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا هارونُ بنُ سلمانَ (^٤)، قال: قلت لعكرمةَ: مَن قتَل بعد أخذِه الديةَ؟ قال: إذن يُقتلَ، أما سمِعتَ اللهَ يقولُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٧ عقب الأثر (١٥٩٠) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٣ إلى المصنف ووكيع وعبد بن حميد.\n(^٤) في النسخ: \"سليمان\". والمثبت من تهذيب الكمال ٣٠/ ٩٢.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٦١ وابن حزم في المحلى ٢/ ٢٦٥ من طريق القاسم به.","vol":"3","page":116},{"text":"حدَّثني موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾: بعد ما يأخُذُ الديةَ، فيَقْتُلُ ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾. يقولُ: فمن اعتدى بعدَ أخذِه الديةَ، فله عذابٌ أليمٌ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: أخَذَ العقلَ، ثم قتَل بعدَ أن أخَذ العقلَ قاتلَ قتيلِه، فله عذابٌ أليمٌ.\nواخْتَلفوا في معنى \"العذاب الأليم\" الذي جعَله اللهُ لمن اعْتَدى بعد أخذِه الديةَ من قاتلِ وليِّه؛ فقال بعضُهم: ذلك العذابُ هو القتلُ، بمَن (^٣) قتَله بعدَ أخذِه الديةَ منه وعفوِه عن القِصاصِ منه بدمِ وليِّه.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقيُّ، قال: حدثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا جُويبرٌ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: يُقتلُ، وهو العذابُ الأليمُ. يقولُ: العذابُ المُوجِعُ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: حدثني هشيمٌ، قال: حدثنا أبو إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٧ عقب الأثر (١٥٩٠) من طريق عمرو به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٧ (١٥٩٠) من طريق مجاهد، عن ابن عباس.\n(^٣) في الأصل: \"فمن\".\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٧ عقب الأثر (١٥٩٢) معلقًا.","vol":"3","page":117},{"text":"جُبيرٍ أنه قال ذلك (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا هارونُ بنُ سلمانَ (^٢)، عن عكرمةَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: القتلُ (^٣).\nوقال بعضُهم: ذلك العذابُ عقوبةٌ يعاقبُه بها السلطانُ على قدرِ ما يرى من عقوبتِه.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: أخبرني إسماعيلُ بنُ أميةَ، عن الثَّبَتِ (^٤) - غيرَ أنه لم ينسِبْه، وقال: ثقةٌ - أن النبيَّ ﷺ أَوْجب بقَسَمٍ أو غيرِه ألا يُعفَى عن رجلٍ عفا عن الدَّمِ، وأخذَ الديةَ، ثم عدَا فقتَل.\nقال ابنُ جُريجٍ: وأخبرني عبدُ العزيزِ بنُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، قال: في كتابٍ لعمرَ عن النبيِّ ﷺ قال: \"والاعتداءُ الذي ذكَر اللهُ أن الرجلَ يأخُذُ العقلَ، أو يقتصُّ، أو يقضي السلطانُ فيما بينَ الجرحِ، ثم يعتدي بعضُهم من بعدِ أن يستوعبَ حقَّه، فمن فعَل ذلك فقد اعتدَى، والحكمُ فيه إلى السلطانِ بالذي يرَى فيه من العقوبةِ. قال: ولو عفَا عنه لم يكنْ لأحدٍ من طلبةِ الحقِّ أن يَعْفُوَ (^٥)،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٧ (١٥٩٢) من طريق عطاء بن دينار، عن سعيد.\n(^٢) في النسخ: \"سليمان\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ١١٦.\n(^٤) في م، ت ١: \"الليث\".\n(^٥) كذا في النسخ، ولعل الصواب: \"يقتل\".","vol":"3","page":118},{"text":"إنَّ (^١) هذا من الأمرِ الذي أنزَل اللهُ فيه قولَه: فإن اختَلَفتم (^٢) في شيْءٍ فردُّوه إلى اللهِ وإلى (^٣) الرسولِ وإلى أُولي الأمرِ منكم\".\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، عن يونسَ، عن الحسنِ، في رجلٍ قَتَل فأُخِذتْ منه الديةُ، ثم إن وَليَّه قتلَ به القاتلَ؟ قال الحسنُ: تُؤخذُ منه الديةُ التي أخَذ ولا يُقتلُ به (^٤).\nوأولى التأويلين بقولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. تأويلُ مَن قال: فمن اعتدَى بعدَ أخذِه الديةَ، فقتَل قاتلَ وليِّه، فله عذابٌ أليمٌ في عاجلِ الدنيا، وهو القتلُ؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه جعَل لوليِّ كلِّ قتيلٍ ظُلمًا السلطانَ على قاتلِ وَليِّه، فقال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]. فإذ كان ذلك كذلك، وكان الجميعُ من أهلِ العلمِ مُجمعين على أن مَن قتَل قاتلَ وليِّه بعدَ عفوِه عنه، وأخذِه منه ديةَ قتيلِه، أنه بقتلِه إيَّاه له ظالمٌ في قتلِه - كان بيِّنًا أن (^٥) يُولَّى من قتَله ظلمًا كذلك السلطانَ عليه في القصاصِ والعفوِ وأخذِ الديةِ، أيَّ ذلك شاء. وإذا كان ذلك كذلك كان معلومًا أن ذلك عذابُه، لأن من أُقيم عليه حدُّه في الدنيا كان ذلك عقوبتَه مِن ذنبِه، ولم يكنْ به مُتَّبعًا في الآخرةِ، على ما قد ثبَت به الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"لأن\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تنازعتم\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٦٢، وابن حزم في المحلى ١٢/ ٢٦٥ من طريق يونس به نحوه.\n(^٥) بعده في م: \"لا\".\n(^٦) أخرجه البخاري (٣٨٩٢)، ومسلم (١٧٠٩)، وغيرها من حديث عبادة. وينظر مسند الطيالسي (٥٨٠).","vol":"3","page":119},{"text":"وأما ما قاله ابنُ جُريجٍ، من أن حكمَ من قتَل قاتلَ وَليِّه بعدَ عفوِه عنه، وأخذِه ديةَ وليِّه المقتولِ، إلى الإمامِ دونَ أولياءِ المقتولِ - فقولٌ خلافٌ لما دلَّ عليه ظاهرُ كتابِ اللهِ، وأَجْمع عليه علماءُ الأمةِ، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه جعَل لوليِّ كُلِّ مقتولٍ ظلمًا السلطانَ دونَ غيرِه، مِن غيرِ أن يخصَّ من ذلك قتيلًا دونَ قتيلٍ، فسواءٌ كان ذلكَ قتيلَ وليِّ مَن قتَله أو غيرَه، ومن خصَّ من ذلك شيئًا سُئِل البرهانَ عليه من أصلٍ أو نظيرٍ، وعُكِس عليه القولُ فيه، ثم لن يقولَ في شيْءٍ من ذلك قولًا إلَّا أُلزِم في الآخَرِ مثلَه. ثم في إجماعِ الحجةِ على خلافِ ما قال في ذلك مُكتفًى من (^١) الاستشهادِ على فسادِه بغيرِه.\n\n<span id=\"aya-186\"></span><span data-type='title' id=toc-570>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾.</span>\nيعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾: ولكم يا أُولي العقولِ فيما فرَضتُ عليكم وأوجبتُ لبعضِكم على بعضٍ، من القِصاصِ في النفوسِ والجراحِ والشِّجاجِ، ما مَنع (^٢) بعضَكم مِن قتلِ بعضٍ، [ووزَع] (^٣) بعضَكم عن بعضٍ، فحَيِيتم بذلك، فكان لكم في حكمِي بينَكم بذلك حياةٌ.\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك، فقال بعضُهم في ذلك نحوَ الذي قلنا فيه. ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا\n_________\n(^١) في م: \"في\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"على\".\n(^٢) بعده في م، ت ٣: \"به\".\n(^٣) في م: \"قدع\"، وفي ت ١، ت ٣: \"ويدع\"، وفي ت ٢: \"وفدع\". ووزع وقدع بمعنى: كف.","vol":"3","page":120},{"text":"عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. قال: نَكالٌ، تَناهٍ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾. قال: نَكالٌ، تَناهٍ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾: جعَل اللهُ هذا القِصاصَ حياةً ونكالًا وعظةً لأهل السَّفهِ والجهلِ من الناسِ، وكم من رجلٍ قد همَّ بداهيةٍ لولَا مخافةُ القِصاصِ لوقَع بها، ولكنَّ اللهَ حجَز بالقِصاصِ بعضَهم عن بعضٍ، وما أمَر اللهُ بأمرٍ قطُّ إلَّا وهو أمرُ صلاحٍ في الدنيا والآخرةِ، ولا نهَى اللهُ عن أمرٍ إلَّا وهو أمرُ فسادٍ في الدنيا والدِّينِ، واللهُ كان أعلمَ بالذي يُصلِحُ خلْقَه (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾. قال: جعَل اللهُ في القِصاصِ حياةً، إذا ذكَره الظالمُ المعتدي (^٣) كفَّ عن القتلِ (^٤).\nحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ الآية. يقولُ: جعَل اللهُ هذا القِصاصَ حياةً\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٢٠.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المتعدي\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٨.","vol":"3","page":121},{"text":"وعبرةً لكم، كم من رجلٍ قد همَّ بداهيةٍ فمنَعه مخافةُ القصاصِ أن يقعَ بها، وإنَّ اللهَ قد حجَز عبادَه بعضَهم عن بعضٍ بالقِصاصِ (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾. قال: نكالٌ، تَناهٍ. قال ابنُ جُريجٍ: حياةٌ، مَنعةٌ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾. قال: حياةٌ، تَقيَّةٌ (^٢)، إذا خافَ هذا أن يُقتلَ بي، كَفَّ عنِّي، لعله يكونُ عدوًّا لي يريدُ قتلِي، فيتذكرُ أنه يُقتلُ بالقصاصِ، فخشِي أنْ يُقتَلَ بِي، وكفَّ بالقِصاصِ الذي خاف أن يُقتلَ، لولا ذلك قتَل هذا.\nحُدِّثت عن يعلَى بنِ عُبيدٍ، قال: حدثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾. قال: بقاءٌ (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ولكم في القصاصِ من القاتِل بقاءٌ لغيرِه؛ لأنه لا يُقتلُ بالمقتولِ غيرُ قاتلِه في حكمِ اللهِ، وكانوا في الجاهليةِ يقتُلون بالأنثى الذكورَ (^٤)، وبالعبدِ الحرَّ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني موسى، قال: حدثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٧ عقب الأثر (١٥٩٤) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) في م: \"بقية\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٨ (١٥٩٥) من طريق يعلى به.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذكر\".","vol":"3","page":122},{"text":"السُّدِّيِّ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾. يقولُ: بقاءٌ، لا يُقتلُ إلا القاتلُ بجنايتِه (^١).\nوأما تأويلُ قوله: ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. فإنه: يا أولي العقولِ. والألبابُ جمعُ اللُّبِّ، واللبُّ العقلُ. وخصَّ اللهُ جلَّ ثناؤُه بالخطابِ أهلَ العقولِ؛ لأنهم هم الذين يعقِلون عن اللهِ أمرَه ونهيَه، ويتدبَّرون آياته وحُججَه دونَ غيرِهم.\nوتأويلُ قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. أي: تتقون القِصاصَ فتنتهون عن القتلِ.\nكما حدثني به يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. قال: لعلك تتَّقي أن تقتُلَه فتُقتلَ به (^٢).\n\n<span id=\"aya-187\"></span><span data-type='title' id=toc-571>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾.</span>\nيعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾: فُرِض عليكم أيها المؤمنون الوصيةُ، ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ والخيرُ المالُ، ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الذين لا يرِثونه، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، وهو ما أذِن اللهُ فيه وأجازه في الوصيةِ، مما لم يجاوزِ الثلثَ، ولم يتعمَّدِ الموصِي ظلمَ ورَثتِه ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ يعني بذلك: فَرَض عليكم هذا وأوجَبه، وجعَله حقًّا واجِبًّا على من اتقى اللهَ فأطاعَه أن يعمَلَ به.\nفإن قال قائلٌ: أَوَ فرضٌ على الرجلِ ذِي المالِ أن يوصِيَ لوالديه وأقربيه الذين لا يرِثونه؟ قيل: نعم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٨ عقب الأثر (١٥٩٥) من طريق عمرو بن حمادٍ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٤ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ص ٤٠ (مخطوط) إلى المصنف.","vol":"3","page":123},{"text":"فإن قال: فإن هو فرَّط في ذلك فلم يوصِ لهم، أيكونُ مُضيِّعًا فرضًا يَحرَجُ بتضييعه؟ قيل: نعَم.\nفإن قال: وما الدلالةُ على ذلك؟\nقيل: قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. فأَعْلَمنا أنه قد كتَبه علينا وفرَضه، كما قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. فلا خلافَ بين الجميعِ أن تاركَ الصيامِ وهو عليه قادرٌ، مُضيِّعٌ بتركِه فرضًا للهِ عليه، فكذلك هو بتركِ الوصيةِ لوالديه وأقربيه وله ما يُوصى لهم فيه، مُضيِّعًا فرضًا للهِ.\nفإن قال قائلٌ (^١): قد علِمتَ أن جماعةً من أهلِ العلمِ قالوا: الوَصِيَّةُ للوالِدَين والأقربين منسوخةٌ بآيةِ الميراثِ؟\nقيل له: وخالَفهم جماعةٌ غيرُهم فقالوا: هي محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ. وإذْ كان في نسخِ ذلك تنازعٌ بيَنَ أهلِ العلمِ، لم يَكُنْ لنا القضاءُ عليه بأنه منسوخٌ إلا بحُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها؛ إذ كان غيرَ مستحيلٍ اجتماعُ حكمِ هذه الآيةِ وحكمِ آيةِ المواريثِ في حالٍ واحدةٍ على صحة، بغيرِ مدافعةِ حكمِ إحداهما حكمَ الأخرى - وكان الناسخُ والمنسوخُ هما المعنيَانِ اللَّذان لا يجوزُ اجتماعُ حكمِهما على صحةٍ في حالٍ واحدةٍ، لنفْي أحدِهما صاحبَه.\nوبما قلنا في ذلك قال جماعةٌ من المتقدِّمين والمتأخِّرين.\n_________\n(^١) في م: \"فإنك\".","vol":"3","page":124},{"text":"ذِكرُ بعضِ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا هُشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ أنه كان يقولُ: من مات ولم يُوصِ لذي (^١) قرابتِه، فقد ختَم عملَه بمعصيةٍ (^٢).\nحدَّثني سَلْمُ بنُ جُنادةَ السُّوائيُّ، قال: حدثنا أبو معاويةَ، عن الأعمش، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، أنه حضَر رجلًا يُوصِي (^٣) بأشياءَ لا تنبَغي، فقال له مسروقٌ: إن اللهَ قد قسَم بينكم فأحسنَ القَسْمَ، وإنه مَن يرغَبْ برأيِه عن رأي اللهِ يَضِلّ (^٤)، أوصِ لذي قرابتِك ممن لا يرِثُك، ثم دَعِ المالَ على ما قسَمه اللهُ عليه (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا أبو تُميلةَ يحيى بنُ واضِحٍ، قال: حدثنا عُبيدٌ، عن الضحاكِ، قال: لا تجوزُ وصيةٌ لوارثٍ، ولا يُوصِي إلُّا لذِي قرابةٍ، فإن أوصَى لغير ذِي قرابةٍ فقد عمِل بمعصيةٍ، إلَّا أن لا يكونَ قرابةٌ، فيوصِيَ لفقراءِ المسلمين.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، قال: العجَبُ لأبي العاليةِ؛ أَعْتقتْه امرأةٌ من بني رِياحٍ، وأوصَى بماله لبني هاشمٍ (^٦)!\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن رجلٍ، عن الشَّعبيِّ، قال: لم يكنْ\n_________\n(^١) في م: \"لذوي\".\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور (٣٥٦) عن هشيم به.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فوصى\".\n(^٤) في م: \"يضله\".\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٦١)، وابن حزم في المحلى ١٠/ ٤٢٢ من طريق أبي معاوية به. وأخرجه سعيد بن منصور (٣٦٠، ٣٦٢) من طريق الأعمش به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ١٩٨ عن جرير به نحوه.","vol":"3","page":125},{"text":"له ذاك (^١)؛ ولا كرامةَ (^٢)\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبرنا أيوبُ، عن محمدٍ، قال: قال [عبيدُ اللهِ بنُ عبيدِ اللهِ] (^٣) بنِ معمرٍ في الوصيةِ: من سمَّى جعَلناها حيث سَمَّى، ومن قال: حيثُ أمَر اللهُ. جعَلناها في قرابتِه (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى الصَّنعانيُّ، قال: حدثنا المعتمرُ، قال: حدثنا عِمرانُ بنُ حُديرٍ (^٥)، قال: قلت لأبي مجْلَزٍ: الوصيةُ على كلِّ مسلمٍ (^٦)؟ قال: على من ترَك خيرًا (^٧).\nحدَّثنا سَوّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدثنا عبدُ الملكِ بنُ الصَّبَّاحِ، قال: حدثنا عِمرانُ بنُ حُديرٍ (٥)، قال: قلتُ للاحِقِ بنِ حُميدٍ: الوصيةُ (^٨) على كلِّ مسلمٍ؟ قال: هي حقٌّ على من ترَك خيرًا.\nواخْتَلف أهلُ العلمِ في حكمِ هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: لم ينسخِ اللهُ شيئًا من حكمِها، وإنما هي آيةٌ ظاهرُها ظاهرُ عمومٍ في كلِّ والدٍ ووالدةٍ وقريبٍ، والمرادُ بها في الحكمِ البعضُ منهم دونَ الجميعِ، وهو مَن لا يرثُ منهم الميتَ دونَ من يرثُ.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حال\".\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ٢/ ٢٦٤.\n(^٣) في م: \"عبد الله\". وينظر التاريخ الكبير ٥/ ٣٩٨، ٣٩٩، وتعجيل المنفعة ١/ ٨٤٦.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ١٦٣، ووكيع في أخبار القضاة ١/ ٣٠٣ من طريق ابن علية به. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٤٣٠) من طريق أيوب به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٥٤)، ووكيع من طريق ابن سيرين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جرير\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٣١٤.\n(^٦) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"واجبة\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٨) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حق\".","vol":"3","page":126},{"text":"وذلك قولُ من ذكَرتُ قولَه، وقولُ جماعةٍ أُخَرَ غيرِهم معهم.\nذِكرُ قولِ من لم نذكُرْ قولَه منهم في ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: حدثني أبي، عن قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، في رجلٍ أوصَى لغيرِ ذِي قرابةٍ، وله قرابةٌ محتاجون، قال: يُرَدُّ ثُلثَا (^١) الثُّلثِ عليهم، وثلثُ (^٢) الثلثِ لمن أوصَى له به.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدثنا معاذٌ، قال: حدثنا أبي، عن قتادةَ، عن الحسنِ وجابرِ بن زيدٍ وعبدِ الملكِ بنِ يعلى، أنهم قالوا في الرجلِ يُوصِي لغير ذِي قرابتِه، وله قرابةٌ ممن لا يرثُه، قال: كانوا يجعَلون ثلثي الثلثِ لذوي القرابةِ، وثلثَ الثلثِ لمن أوصَى له به (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حُميدٌ، عن الحسنِ أنه كان يقولُ: إذا أوصَى الرجلُ لغير ذِي قرابتِه بثلثِه، فلهم ثلثُ الثُّلثِ، وثُلثَا الثلثِ لقرابتِه (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، قال: من أوصَى لقومٍ وسمَّاهم وترَك ذوِي قرابتِه مُحتاجينَ،\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ثلث\". وينظر الأثر الآتي، والمغني ٨/ ٣٩٥.\n(^٢) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ثلثا\".\n(^٣) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٠ من طريق معاذ به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٥٥)، (٢٥٤ - تفسير)، والبيهقي ٦/ ٢٦٥ من طريق هشيم به، وأخرجه سعيد بن منصور (٢٥٤ - تفسير، وابن أبي شيبة ١١/ ١٦٥ من طريق حميد به. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٤٣٣) عن معمر، عن قتادة، عن الحسن.","vol":"3","page":127},{"text":"انتُزِعتْ منهم ورُدَّت إلى ذَوِي قرابتِه (^١)\nوقال آخرون: بل هي آيةٌ قد كان الحكمُ بها وجَب، وعُمِل به بُرهةً، ثم نسَخ اللهُ منها بآيةِ المواريثِ الوصيةَ لوَالدَي الموُصِي وأقربائهِ الذين يرِثُونه، وأقرَّ فرضَ الوصيةِ لمن كان منهم لا يرِثُه.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: فجُعلت الوصيةُ للوالدين والأقربين، ثم نُسِخ ذلك بعدَ ذلك، فجُعِل لهما نصيبٌ مفروضٌ، فصارت الوصيةُ لذوي القرابةِ الذين لا يَرِثون، وجُعِل للوالدين نصيبٌ معلومٌ، فلا تجوزُ وصيةٌ لوارِثٍ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. قال: نُسِخ الوالدان منها، وتُرِك الأقربون ممن لا يرِثُ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٤٢٦) عن معمر به. وأخرجه عبد الرزاق (١٦٤٢٧)، وابن أبي شيبة ١١/ ١٦٦ من طريق ابن جريج، عن ابن طاوس به.\n(^٢) أخرجه ابن الجوزي في ناسخه ص ١٦٥ من طريق سعيد به، وأخرجه الدارمي ٢/ ٤١٩، وابن الجوزي ص ١٦٤ من طريق همام، عن قتادة نحوه.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٨.","vol":"3","page":128},{"text":"قال: نسَخ من يرثُ، ولم ينسَخِ الأقربين الذين لا يرثون (^١).\nحدَّثنا بحرُ (^٢) بنُ نصرٍ، قال: حدثنا يحيى بنُ حسانَ، قال: حدثنا سفيانُ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، قال: كانت الوصيةُ قبلَ الميراثِ للوالدَين والأقربين، فلما نزَل الميراثُ، نسَخَ الميراثُ مَن يَرِثُ، وبَقِيَ مَن لا يرثُ، فمن أوصى [لذي قرابتِه لم تجُزْ وصيتُه] (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: حدثنا ابنُ المباركِ، عن إسماعيلَ المكِّيِّ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. قال: نسَخ الوالدَين، وأثبتَ الأقربين الذين يُحرَمون ولا يرثون (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن المباركِ بنِ فَضَالةَ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. قال: للوالدَينِ منسوخةٌ، والوصيةُ للقرابةِ وإن كانوا أغنياءَ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: فكان لا يرِثُ مع الوالدَين غيرُهم، إلا وصيةً، إن كان، للأقربين، فأَنْزل اللهُ بعدَ هذا: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٥ إلى المصنف. وينظر نواسخ القرآن لابن الجوزي ص ١٦٤.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"يحيى\". وسيأتي على الصواب في ص ٥١٦، وينظر تهذيب الكمال ٤/ ١٦.\n(^٣) في المصادر: لغير ذي قرابة، لم تجز وصيته، لأن رسول الله ﷺ قال: \"لا تجوز لوارث وصية\". وينظر نواسخ القرآن لابن الجوزي ص ١٦٣. والأثر أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٥٨)، (٢٥٣ - تفسير) - ومن طريقه البيهقي ٦/ ٢٦٥ - عن سفيان به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٧٨)، (٢٤٧ - تفسير) - ومن طريقه البيهقي ٥/ ٢٦٥ - وابن الجوزي في ناسخه ص ١٦٤ من طريقين عن الحسن نحوه.","vol":"3","page":129},{"text":"فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء:١١]. فبيَّنَ اللهُ سبحانَه ميراثَ الوالدَين، وأقرَّ وصيةَ الأقربين في ثلثِ مالِ الميتِ (^١).\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. فنسَخ من الوصيةِ الوالدَين، فجعَل لهما الميراثَ، وأثبتَ الوصيةَ للأقربينَ الذين لا يرِثون.\nوحُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: كان هذا من قبلِ أن تَنْزِلَ سورةُ \"النساء\"، فلمَّا نزَلتْ آيةُ الميراثِ نسَخ شأنَ الوالدين، فألْحَقهما بأهلِ الميراثِ، وصارت الوصيةُ لأهلِ القرابةِ الذين لا يرِثون (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ بنُ المنِهالِ، قال: حدثنا حمادُ بنُ سلَمةَ، قال: أخبَرنا عطاءُ بنُ أبي ميمونةَ، قال: سألتُ مُسلمَ بنَ يسارٍ والعلاءَ بنَ زيادٍ عن قولِ اللهِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. قالَا: في القرابةِ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا الحجاجُ، قال: حدثنا حمادٌ، عن إياسِ بنِ معاويةَ، قال: في القرابةِ (^٤).\nوقال آخرون: بل نُسِخ ذلك كلُّه بآيةِ الفرائضِ والمواريثِ، فلَا وصيةَ تجبُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٤، ١٧٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٠ عقب الأثر (١٦٠٥) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ١٦٦، وابن الجوزي في ناسخه ص ١٦٣، ١٦٤ من طريق حماد به.\n(^٤) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ١/ ٣٣٣ من طريق حجاج به.","vol":"3","page":130},{"text":"لأحدٍ على أحدٍ قريبٍ ولا بعيدٍ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال: ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية. قال: فنسَخ اللهُ ذلك كلَّه، وفرَض الفرائضَ.\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا ابنُ عُلَيةَ، عن يونسَ، عن ابنِ سيرينَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قام فخطَب الناسَ ههُنا، فقرأ عليهم سورةَ \"البقرةِ\" يبيِّنُ لهم منها، فأتى على هذه الآيةِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. فقال: نُسِخت هذه (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبي، قال: حدثنى عمى، قال: حدثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: نسَخت الفرائضُ التى للوالدين والأقربين الوصيةَ (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، قال: حدثنا سفيانُ، عن جَهْضَمٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ بدرٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. قال: نسَختها آيةُ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ٧/ ٤٢٧، ٤٢٨ من طريق يعقوب به. وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٧٣، والبيهقى ٦/ ٢٦٥ من طريق ابن علية به. وأخرجه سعيد ابن منصور فى سننه (٢٥٢ - تفسير) عن هشيم عن يونس به. وأخرجه عبد بن حميد، كما في الدر المنثور ١/ ١٧٤ - ومن طريقه ابن الجوزى في ناسخه ص ١٦١ - من طريق ابن عون عن ابن سيرين به. وعزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن سيرين لم يسمع من ابن عباس. وينظر الفتح ٩/ ٥٤٥، ٥٤٦.\n(^٢) أخرجه ابن الجوزى في ناسخه ص ١٥٩، ١٦٠ من طريق محمد بن سعد به.","vol":"3","page":131},{"text":"الميراثِ (^١). قال ابنُ بشارٍ: قال عبدُ الرحمنِ: فسألتُ جَهْضمًا عنه فلم يحفَظْه.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: حدثنا الحسينُ بن واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ، قالا: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: فكانت الوصية كذلك حتى نسَختها آيةُ الميراثِ (^٢).\nحدَّثنى أحمدُ بنُ المقدامِ، قال: حدثنا المعتمرُ، قال: سمعتُ أبى، قال: زعَم قتادةُ عن شُريحٍ في هذه الآيةِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. قال: كان الرجلُ يوصِي بمالِه كلِّه حتى نزَلتْ آياتُ المواريثِ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ المقدامِ، قال: حدثنا المعتمرُ، قال: سمعت أبى، قال: زعَم قتادةُ أنه نَسَختْ آيتا المواريثِ في سورةِ \"النساءِ\" الآيةَ في سورةِ \"البقرةِ\" في شأنِ الوصيةِ (^٤).\nحدَّثنى محمدُ بن عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. قال: كان الميراثُ للولدِ، والوصيةُ للوالدين والأقربين، وهى منسوخةٌ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه وكيع -كما في الدر المنثور ١/ ١٧٥ - ومن طريقه ابن أبي شيبة ١١/ ٢٠٩، والبيهقي ٦/ ٢٦٥ عن سفيان به. وأخرجه ابن الجوزى في ناسخه ص ١٦٢ من طريق جهضم به. وعزاه السيوطى إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن الجوزى في ناسخه ص ١٦٢ من طريق أشعث، عن الحسن.\nوأخرجه أبو داود (٢٨٦٩)، والبيهقى ٦/ ٢٦٥، وابن الجوزى ص ١٦١ من طريق الحسين بن واقد عن يزيد النحوى عن عكرمة عن ابن عباس.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٥ إلى المصنف.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٩ عقب الأثر (١٦٠٤) معلقًا.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٢٢٠، ومن طريقه ابن الجوزى في ناسخه ص ١٦٢، ١٦٣، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ١٧٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":132},{"text":"حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان الميراثُ للولدِ، والوصيةُ للوالدينِ والأقربين، وهى منسوخةٌ، نسَختها آيةٌ في سورةِ \"النساءِ\": ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١].\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: أما \"الوالدين والأقربين\" فيومَ نزَلتْ هذه الآيةُ كان الناسُ ليس لهم ميراثٌ معلومٌ، إنما يُوصِى الرجلُ لوالدِه ولأهلِه فيُقْسَمُ بينَهم، حتى نسَخَتْها \"النساءُ\"، فقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: حدثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبرنا أيوبُ، عن نافعٍ، أن ابنَ عُمرَ لم يُوصِ، وقال: أمَّا مالى، فاللهُ أعلمُ ما كنتُ أصنَعُ فيه في الحياةِ، وأمَّا رِباعِى (^٢)، فما أُحبُّ أن يَشْرَكَ ولدى فيها أحدٌ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ خلفٍ العَسْقلانيُّ، قال: حدثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال سفيانُ: عن نُسيرِ (^٣) بنِ ذُعْلوقٍ، قال: قال عَزْرةُ (^٤) -يعنى ابنَ ثابتٍ- لربيعِ بنِ خُثَيمٍ (^٥): أوْصِ لي بمصحفِك. قال: فنظَر إلى ابنِه (^٦) فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (^٧) [الأنفال: ٧٥، الأحزاب: ٦].\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٩ عقب الأثر (١٦٠٤) من طريق عمرو به.\n(^٢) الرباع، جمع الربع: الدار بعينها حيث كانت. التاج (ر ب ع).\n(^٣) في الأصل: \"يسير\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بشر\". وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٣٣٩.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عروة\". وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٩.\n(^٥) في م: \"خيثم\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبيه\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٢٢٨ عن ابن مهدى عن سفيان به.","vol":"3","page":133},{"text":"حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: حدثنا زيدٌ (^١)، عن سفيانَ، عن الحسنِ بنِ [عبيدِ اللهِ] (^٢)، عن إبراهيمَ، قال: ذكَرنا له أن زبيرًا (^٣) وطلحةَ كانا يُشدِّدان في الوصيةِ، فقال: ما كان عليهما أن لا (^٤) يفعَلا، مات النبيُّ ﷺ ولم يُوصِ، وأوصى أبو بكرٍ، أىَّ ذلك فعلتَ فحسنٌ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا الثورىُّ، عن الحسنِ (^٥) بنِ [عُبيدِ اللهِ] (٢) عن إبراهيمَ، قال: ذُكِر عنده طلحةُ وزبيرٌ (٣). فذكَر مثلَه (^٦).\nوأما \"الخيرُ\" الذى إذا ترَكه التاركُ وجَبت عليه الوصيةُ فيه لوالديه، أقربيه الذين لا يرِثونه، فهو المالُ.\nكما حدثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾: يعنى مالًا (^٧).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾: مالًا (^٨).\n_________\n(^١) في م: \"يزيد\". وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٧٠.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٣: \"عبد الله\". وينظر تهذيب الكمال ٦/ ١٩٩.\n(^٣) في م: \"زيد\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٣.\n(^٥) في الأصل: \"الحسين\".\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٨، ٦٩.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٩ (١٦٠٠) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٤ إلى ابن المنذر.\n(^٨) تفسير مجاهد ص ٢٢٠.","vol":"3","page":134},{"text":"حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا [أبو حذيفةَ] (^١)، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾. كان يقولُ: الخيرُ في القرآنِ كلِّه مالٌ؛ ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]. الخيرُ المالُ. و﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢] المالُ، ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]. المالُ، و﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾: مالًا (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾. أى: مالًا (^٣).\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عَمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾: أما ﴿خَيْرًا﴾ فالمالُ (^٤).\nحُدِّتْت عن عمارٍ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾. قال: إن ترَك مالًا (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾. قال: الخيرُ المالُ (^٦).\nحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سويدٌ، قال: أخبرنى ابنُ المباركِ، عن الحسنِ بنِ يحيى، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾. قال: المالُ، ألا ترى أنه\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبو جعفر\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٤ إلى المصنف.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٩ عقب الأثر (١٦٠٠) معلقًا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٩ عقب الأثر (١٦٠٠) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٩ عقب الأثر (١٦٠٠) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٤ إلى المصنف.","vol":"3","page":135},{"text":"يقولُ: قال شعيبٌ لقومِه: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ [هود:٨٤]. يعنى: الغِنى (^١).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرنى محمدُ بنُ عَمرٍو اليافِعيُّ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾. قال عطاءٌ: الخيرُ فيما يُرى (^٢) المالُ (١).\nثم اخْتَلفوا في مبلغِ المالِ الذى إذا ترَكه الرجلُ كان ممن لزِمه حكمُ هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: ذلك ألفُ درهمٍ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: حدثنا همامُ بنُ يحيى، عن قتادةَ في هذه الآيةِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾. قال: الخيرُ ألفٌ فما فوقَه (^٣).\nحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا الحجاجُ، قال: حدثنا حمادٌ، قال: أخبرنا هشامُ ابنُ عروةَ، عن عروةَ، أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ دخَل على ابنِ عمٍّ له يعودُه، فقال: إنى أريدُ أن أُوصِىَ؟ فقال عليٌّ: لا توصِ؛ فإنك لم تترُكْ خيرًا فتوصِىَ. قال: وكان ترَك مِن السَّبعِمائة إلى التسعِمائة (^٤).\nحدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: حدثنى عثمانُ بنُ الحكمِ الجُذامىُّ (^٥) وابنُ أبي الزِّنادِ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن علىِّ بنِ أبي\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٩ عقب الأثر (١٦٠٠) معلقًا.\n(^٢) في الأصل: \"ترى\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٩ (١٦٠٣) من طريق همام به.\nوأخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٢٠٨ من طريق خثيم، عن قتادة.\n(^٤) أخرجه الدارمى ٢/ ٤٠٥ من طريق حماد به. وعروة لم يسمع من على.\n(^٥) في م: \"الحزامى\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحزمى\". وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٣٥٢.","vol":"3","page":136},{"text":"طالبٍ، أنه دخَل على رجلٍ مريضٍ، فذكَر له الوصيةَ؟ فقال: لا توصِ، إنما قال اللهُ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾. وأنت لم تترُكْ شيئًا (^١). قال ابنُ أبى الزِّنادِ فيه: فدعْ مالَك لبنيك (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدثنا سفيانُ، عن منصورِ ابنِ صفيَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ [عتبةَ أو غَنيَّةَ] (^٣) -الشكُّ منى- أن رجلًا أرادَ أن يُوصِىَ وله ولدٌ كثيرٌ، وترَك أربَعَمائةِ دينارٍ، فقالتْ عائشةُ: ما أرَى فيه فضلًا (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، قال: دخل علىٌّ على مولًى لَهم في الموتِ، وله سبعُمائةِ درهمٍ أو ستُّمائةِ درهمٍ، فقال: ألَا أُوصِى؟ فقال: لَا، إنما قال اللهُ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾. وليس لك كثيرُ مالٍ (^٥).\nوقال بعضُهم: ذلك ما بينَ الخَمسِمائة الدرهمِ إلى الألفِ.\n_________\n(^١) في م: \"خيرًا\".\n(^٢) أخرجه سفيان في تفسيره ص ٥٥، ٥٦، وعبد الرزاق في مصنفه (١٦٣٥٢)، وابن أبى شيبة ١١/ ٢٠٨، وسعيد بن منصور في سننه (٢٥١ - تفسير) والدارمى ٢/ ٤٠٥، وابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٢٩٨ (١٥٩٩)، والحاكم ٢/ ٢٧٣، ٢٧٤، والبيهقى ٦/ ٢٧٠ من طرق عن هشام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٤ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر. وصححه الحاكم على شرط الشيخين، وتعقبه الذهبى بقوله: فيه انقطاع.\n(^٣) في م، ت ٣: \"عيينة أو عتبة\"، وفى ت ١: \"عتيبة أو عتبة\"، وفى ت ٢: \"عتبة أو عتبة\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٣٥٤) عن الثورى، عن منصور، عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عائشة، وخالف ابنُ جريج الثورىَّ فرواه عن منصور، عن أمه، عن عائشة، أخرجه عبد الرزاق (١٦٣٥٥) عن ابن جريج به. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٤٨ - تفسير) وابن أبى شيبة ١١/ ٢٠٨، والبيهقى ٦/ ٢٧٠ من طريق أبى معاوية، عن محمد بن شريك، عن ابن أبى مليكة، عن عائشة.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٨، ومصنفه (١٦٣٥١).","vol":"3","page":137},{"text":"ذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، [عن أبانٍ، عن إبراهيمَ النَّخَعىِّ] (^١) في قولِه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾. قال: ألفُ درهمٍ إلى خَمسِمائة درهمٍ (^٢).\nوقال بعضُهم: الوصيةُ واجبةٌ من قليلِ المالِ وكثيرِه.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزُّهرىِّ، قال: جعَل اللهُ الوصيةَ حقًّا، مما قلَّ منه وممَّا كثُر (^٣).\nوأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾. ما قال الزُّهرىُّ؛ لأنَّ قليلَ المالِ وكثيرَه يقعُ عليه اسمُ (^٤) \"خيرٍ\"، ولم يحُدَّ اللهُ ذلك بحدٍّ، ولا خصَّ شيئًا فيجوزَ أن يُحالَ ظاهرٌ إلى باطنٍ، فكلُّ مَن حضَرتْه منيَّتُه وعندَه مالٌ، قلَّ أو كثُرَ، فواجبٌ عليه أن يُوصِىَ منه لمن لا يرِثُه من آبائِه وأمهاتِه وأقربائِه الذين لا يرِثونَه، بالمعروفِ، كما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه وأمَرَ به.\n\n<span id=\"aya-188\"></span><span data-type='title' id=toc-572>القولُ في تأويلِ قولِهِ تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"عن قتادة عن أبان بن إبراهيم النخعى\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٩. وأبان هو ابن أبى عياش، متروك.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٨.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":138},{"text":"يقولُ جلَّ ثناؤُه: فمن غيَّر ما أوصَى به الموصِى من وصيَّتِه بالمعروفِ لوالديه أو أقربيهِ الذين لا يَرثونه بعدَ ما سمِع الوصيةَ، فإنما إثمُ التبديلِ على من بدَّلَ وصيَّتَه.\nفإن قال لنا قائلٌ: وعلامَ عادت الهاءُ التى في قولِه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾؟\nقيل: على محذوفٍ من الكلامِ يدلُّ عليه الظاهرُ، وذلك هو أمرُ الميتِ وإيصاؤُه مَن أوصَى إليه، بما أوصَى به، لمن أوْصَى له.\nومعنى الكلامِ: كُتِب عليكم إذا حضَر أحدَكم الموتُ إن ترَك خيرًا الوصيةُ للوالدين والأقْرَبين بالمعروفِ حقًّا على المتَّقين، فأوْصُوا لهم، فمن بدَّل ما أَوْصيتُم به لهم بعدَ ما سَمِعكم توصونَ لهم، فإنما إثمُ ما فعَل من ذلك عليه دُونَكم.\nوإنما قلنا: إن الهاءَ في قولِه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ عائدةٌ على محذوفٍ من الكلامِ يدلُّ عليه الظاهرُ؛ لأن قولَه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ من قولِ اللهِ، وإنّ تبديلَ المبُدِّلِ إنما يكونُ لوصيةِ الموصِى، فأما أمرُ اللهِ بالوصيةِ فلَا يقدِرُ هو ولا غيرُه أن يُبدِّلَه فيجوزَ أن تكونَ الهاءُ في قولِه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ عائدةً على الوصيةِ.\nوأما الهاءُ في قولِه: ﴿بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ فعائدةٌ على الهاءِ الأُولى في قولِه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾. وأما الهاءُ التى في قولِه: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾ فإنها مَكنىُّ \"التبديل\"، كأنه قال: فإنما إثمُ ما بدَّلَ من ذلك على الذين يُبدِّلونَه.\nوبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى","vol":"3","page":139},{"text":"نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾. قال: الوصيةُ (^١).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾: وقد وقَع أجرُ الميِّتِ (^٢) على اللهِ وبرِئَ من إثْمِه، وإن كان أوصَى في ضِرارٍ لم تجُزْ وصيَّتُه، كما قال: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢] (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾. قال: من بدّلَ الوصيةَ بعدَ ما سمِعها فإثمُ ما بدَّلَ عليه (^٤).\nحدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾: فمن بدّلَ الوصيةَ التى أوْصَى بها وكانت بمعروفٍ، فإنما إثمُهَا على من بدَّلَها؛ أنه قد ظلَم.\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا حجاجُ بنُ مِنهالٍ، قال: ثنا حمادٌ، عن قتادةَ، أن عطاءَ بنَ أبى رباحٍ قال في قولِه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٢٠.\n(^٢) في م، ت ١: \"الموصى\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"الوصى\".\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٠ (١٦٠٩) من طريق أبى صالح به مختصرًا. وعزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ١٧٥ إلى ابن المنذر.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٩، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٠ (١٦٠٨) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"3","page":140},{"text":"يُبَدِّلُونَهُ﴾. قال: تُمْضَى (^١) كما قال.\nحدَّثنى سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدثنى أبى، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾. قال: مَن بدَّل وصيَّةً بعدَ ما سمِعها (^٢).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حجَّاجٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ إبراهيمَ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾. قال: هذا في الوصيةِ، مَن بدَّلها مِن بعدِ ما سمِعها، فإنما إثمُه على مَن بدَّل.\nحدَّثنا ابنُ بشَّارٍ وابنُ المُثَنَّى، قالَا: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: حدثنى أبى، عن قتادةَ، عن عطاءٍ وسالمِ بنِ عبدِ اللهِ وسليمانَ بنِ يسارٍ، أنهم قالوا: تُمْضَى الوصيَّةُ لمن أوْصَى لَه به. إلى ههنا انتهى حديثُ ابنِ المُثَنَّى، وزادَ ابنُ بشَّارٍ في حديثِه: قال قتادةُ: وقال [عبيدُ اللهِ بنُ عبيدِ اللهِ] (^٣) بنِ مَعْمَرٍ: أعجبُ إلىَّ لو أوْصَى لذوِى القرابةِ، وما يُعْجِبُنى أنْ أنْزِعَه مِمن أوْصَى له به. قال قتادةُ: وأعجبُه إلىَّ لمن أوْصَى له به، قال اللهُ: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-573>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن اللهَ سميعٌ لوَصيَّتِكم التى أمَرتُكم أن تُوصوا لآبائِكم وأمهاتِكم وأقربائِكم حينَ تُوصُون لهم بها؛ أَتَعْدِلون فيها على ما أذِنتُ لكم مِن فعلِ ذلك بالمعروفِ، أم تَحِيفون فتَمِيلونَ عن الحقِّ وتَجُورون عن القصدِ، عليمٌ بما تُخْفِيه صدورُكم مِن الميلِ إلى الحقِّ والعدلِ، أم إلى الجَوْرِ والحَيْفِ.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يمضى\".\n(^٢) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٠ عقب الأثر (١٦٠٨) معلقا.\n(^٣) في م: \"عبد الله\". وتقدم الكلام عليه في ص ١٢٦.","vol":"3","page":141},{"text":"<span id=\"aya-189\"></span><span data-type='title' id=toc-574>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: تأويلُها: فمَن حضَر مريضًا وهو يُوصِى عندَ إشرافِه على الموتِ، فخاف أن يُخْطِئَ في وصيَّتِه فيَفْعَلَ ما ليس له، أو أن يَعْمَدَ جورًا فيها، فيَأْمُرَ بما ليس له الأمرُ به، فلا حرجَ على مَن حضَره فسمِع ذلك منه أن يُصْلِحَ بينَه وبينَ ورثتِه، بأن يَأْمُرَه بالعدلِ في وصيَّتِه، وأنْ يَنْهاهم عن منعِه ممَّا أذِن اللهُ له فيه وأباحه له.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾. قال: هذا حينَ يُحْضَرُ الرجلُ وهو يموتُ، فإذا أسْرَف أمَروه بالعدلِ، وإذا قصَّر قالوا: افْعَلْ كذا، أعطِ فلانًا كذا (^١).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾. قال: هذا حينَ يُحْضَرُ الرجلُ وهو في الموتِ، فإذا أشرفَ على الموتِ أمَروه بالعدلِ، وإذا قصَّر عن حقٍّ قالوا: افْعَلْ كذا، أعطِ فلانًا كذَا.\nوقال آخَرون: بل معنى ذلك: فمَن خاف -مِن أوصياءِ ميتٍ، أو والِى أمرِ المسلمين- مِن موصٍ جنفًا في وصيَّتِه التى أوْصَى بها الميتُ، فأصْلَحَ بينَ ورثتِه وبينَ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٢٠، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ١٧٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":142},{"text":"الموصَى لهم بما أوْصَى لهم به، فردَّ الوصيةَ إلى العدلِ والحقِّ، فلا حرَج عليه (^١) ولا إثمَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو صالحٍ كاتبُ الليثِ، قال: حدثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾: يعنى إثمًا، يقولُ: إذا أخطَأ الميتُ في وصيَّتِه، أو حاف فيها، فليس على الأولياءِ حرجٌ أن يرُدُّوا خطأَه إلى الصوابِ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾. قال: هو الرجلُ يُوصِى فيَجْنَفُ (^٣) في وصيَّتِه، فيَرُدُّها الوالى إلى الحقِّ والعدلِ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾. وكان قتادةُ يقولُ: مَن أوْصَى بجوْرٍ أو جَنَفٍ (^٥) في وصيَّتِه، فردَّها ولىُّ المتوفَّى إلى كتابِ اللهِ وإلى العدلِ فذاكَ له، أو إمامٌ من أئمةِ المسلمين (^٦).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بن سعدٍ وابنُ أبى جعفرٍ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ فمَن\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣٠١، ٣٠٣ (١٦١١، ١٦١٩) من طريق أبى صالح به.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يحيف\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٩.\n(^٥) في م، ت ١: \"حيف\".\n(^٦) عزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ١٧٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":143},{"text":"أوْصَى بوصيَّةٍ بجوْرٍ فردَّه الوصيُّ إلى الحقِّ بعدَ موتِه ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال عبدُ الرحمنِ في حديثهِ: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: ردَّه الوصىُّ إلى الحقِّ بعدَ موتِه فلا إثمَ عليه (^١).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن إبراهيمَ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾. قال: ردَّه إلى الحقِّ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سعيدِ بنِ مسروقٍ، عن إبراهيمَ، قال: سألتُه عن رجلٍ أوْصَى بأكثرَ مِن الثلثِ، قال: ارْدُدْها (^٣). ثم قرَأ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾.\nحدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ يزيدَ صاحبُ اللؤْلؤِ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازىُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: رَدَّه الوصىُّ إلى الحقِّ بعدَ موتِه فلا إثمَ على الوصيِّ.\nوقال بعضُهم: بل معنى ذلك: فمَن خاف من موصٍ جنَفًا أو إثمًا في عطيتِه عندَ حضورِ أجلِه بعضَ ورثتِه دونَ بعضٍ، فلا إثمَ على مَن أصْلَح بينَهم، يعنى: بينَ الورثةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٣ (١٦٢٠) من طريق عبد الرحمن بن سعد به.\n(^٢) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٣ عقب الأثر (١٦١٩) معلقًا.\n(^٣) في الأصل: \"أردها\".","vol":"3","page":144},{"text":"قال: قلتُ لعطاءٍ: قولَه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾. قال: ذاك الرجلُ يَجْنَفُ (^١) أو يَأْثَمُ عندَ موتِه، فيُعْطِى ورثتَه بعضَهم دونَ بعضٍ، يقولُ اللهُ: فلا إثمَ على المصلحِ بينَهم. فقلتُ لعطاءٍ: أله أن يُعْطِىَ وارثَه عندَ الموتِ، إنما هى وصيةٌ، ولا وصيةَ لوارثٍ؟ قال: ذلك فيما يَقْسِمُ بينَهم.\nوقال آخَرون: معنى ذلك: فمَن خافَ مِن موصٍ جنفًا أو إثمًا في وصيَّتِه لمن لا يَرِثُه بما يَرْجِعُ نفعُه على مَن يَرِثُه، فأصْلَح بينَ ورثتِه فلا إثمَ عليه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: أخبرَنى ابنُ طاوسٍ، عن أبيه أنه كان يقولُ: جنفُه: [تَوْليجُه، وتَوْليجُه] (^٢): أن يُوصِىَ الرجلُ لبنى ابنِه؛ ليكونَ المالُ إلى أبيهم، وتُوصِىَ المرأةُ لزوجِ ابنتِها؛ ليكونَ المالُ لابنتِها، وذو الوارثِ الكثيرِ والمالُ قليلٌ، فيُوصِى بثلثِ مالِه كلِّه، فيُصْلِحُ بينَهم الوصىُّ (^٣) أو الأميرُ. قلتُ: أفى حياتِه أم بعدَ موتِه؟ قال: ما سمِعْنا أحدًا يقولُ إلا بعدَ موتِه، وإنه ليُوعَظُ عندَ ذلك.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه في قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾. قال: هو الرجلُ يُوصِى لولدِ ابنتِه (^٤).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٣: \"يحيف\".\n(^٢) في م: \"وإثمه\".\n(^٣) في م: \"الموصى إليه\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٩، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٥٧ - تفسير)، وابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣٠١ (١٦١٣) عن سفيان به.","vol":"3","page":145},{"text":"وقال آخَرون: بل معنى ذلك: فمَن خاف مِن موصٍ لآبائِه وأقربائِه جَنَفًا على بعضِهم لبعضٍ، فأصْلَح بينَ الآباءِ والأقرباءِ، فلا إثمَ عليه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: أما ﴿جَنَفًا﴾: فخَطأً في وصيَّتِه؛ وأما ﴿إِثْمًا﴾: فعمدًا؛ يعْمِدُ في وصيتِه الظلمَ، فإن هذا أعظمُ لأجرِه ألا يُنْفِذَها، ولكن يُصْلِحُ بينهم على ما يَرَى أنه الحقُّ، يَنْقُصُ بعضًا ويَزِيدُ بعضًا. قال: ونزَلت هذه الآيةُ في الوالدينِ والأقربينَ (^١).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولهِ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: الجنَفُ أن يَجْنَفَ (^٢) لبعضِهم على بعضٍ في الوصيةِ، والإثمُ أن يكونَ قد أثِم في أَثَرَتِه (^٣) بعضَهم على بعضٍ، ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ الموُصَى إليه بينَ الوالدين وبينَ (^٤) الابنِ، والبنون هم الأقربون، فلا إثمَ عليه. فهذا الوصيُّ (^٥) الذى أوصِى إليه بذلك، وجُعِل إليه، فرأى هذا قد جنِف (^٦) لهذا على هذا، فأصْلَح بينَهم، فلا إثمَ عليه، فعجَز الموصِى أن يوصِىَ كما أمَره اللهُ، وعجَز الموصَى إليه أن يُصْلِحَ، فانْتَزع اللهُ ذلك منه (^٧) ففرَض الفرائضَ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٢ عقب الأئر (١٦١٥، ١٦١٧) من طريق عمرو بن حماد به ببعضه.\n(^٢) في م: \"يحيف\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبويه\".\n(^٤) في م: \"الأقربين\".\n(^٥) في م: \"الموصَى\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أجنف\".\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منهم\".","vol":"3","page":146},{"text":"وأوْلى الأقوالِ بتأويل هذه الآيةِ أن يكونَ تأويلُها: فمَن خاف مِن موصٍ [حضَرته الوفاةُ] (^١) جنفًا أو إثمًا، وهو أن يَمِيلَ إلى غيرِ الحقِّ خطأً منه، أو يَتَعَمَّدَ إثمًا في وصيَّتِه بأنْ يُوصِىَ لوالدَيْه وأقربيه الذين لا يَرِثُونه بأكثرَ مما يَجُوزُ له أن يُوصِىَ لهم به مِن مالِه، وغيرِ ما أذِن اللهُ له به مما جاوَز الثلثَ، أو بالثلثِ كلِّه، وفى المالِ قِلَّةٌ، أو (^٢) في الورثةِ كثرةٌ، فلا بأسَ على مَن حضَره أن يُصْلِحَ بينَ الذين يُوصَى لهم وبينَ ورثةِ الميتِ وبينَ الميتِ، بأن يَأْمُرَ الميِّتَ في ذلك بالمعروفِ، ويُعَرِّفَه ما أباح اللهُ له في ذلك، فأذِن له فيه مِن الوصيةِ في مالِه، وينهاه أن يُجَاوِزَ في وصيتِه المعروفَ الذى قاله جلَّ ثناؤُه في كتابه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وذلك هو الإصلاحُ الذى قال جل ثناؤه: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. وكذلك إن كان في المالِ فضلٌ وكثرةٌ وفى الورثةِ قلَّةٌ فأراد أن يَقْصِرَ في وصيَّتِه لوالدَيْهِ وأقربيه عن ثلثِه، فأصْلَح مَن حضَره بينَه وبينَ ورثتِه، وبينَ والديه وأقربيه الذين يُرِيدُ أن يُوصِىَ لهم، بأن يَأْمُرَ المريضَ أن يَزِيدَ في وصيَّتِه لهم، ويَبْلُغَ بها ما رخَّص اللهُ فيه مِن الثلثِ، فذلك أيضًا هو مِن الإصلاحِ بينَهم بالمعروفِ.\nوإنما اختَرْنا هذا القولَ، لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه قال: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾. يعنى بذلك: فمَن خاف مِن موصٍ أن يَجْنَفَ أو يَأْثَمَ، فخوفُ الجنفِ والإثمِ مِن الموُصِى إنما هو كائنٌ منه قبلَ وقوعِ الجنفِ والإثمِ، فأمّا بعدَ وجودِه منه فلا وجهَ للخوفِ منه بأن يَجْنَفَ أو يَأْثَمَ، بل تلك حالُ مَن قد جنِف أو أثِم، ولو كان ذلك معناه لقيلَ: فمَن تبيَّن مِن موصٍ جنفًا أو إثْمًا، أو أيْقَن أو علِم،\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"و\".","vol":"3","page":147},{"text":"ولم يَقُلْ: فمَن خاف منه جَنفًا.\nفإن أشْكَل ما قلنا مِن ذلك على بعضِ الناسِ فقال: فما وجهُ الإصلاحِ حينئذٍ، والإصلاحُ إنما يكونُ بين المختلفين في الشيءِ؟\nقيل: إن ذلك -وإن كان مِن معانى الإصلاحِ- فمِن الإصلاحِ بينَ فريقين (^١) فيما كان مخوفًا حدوثُ الاختلافِ بينَهم فيه بما يُؤْمَنُ معه حدوثُ الاختلافِ؛ لأن الإصلاحَ إنما هو الفعلُ الذى يكونُ معَه صلاحُ ذاتِ البَيْنِ، فسواءٌ كان ذلك الفعلُ الذى يكونُ معه صلاحُ ذاتِ البينِ قبلَ وقوعِ الاختلافِ أو بعدَ وقوعِه.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾. ولم يَجْرِ للورثةِ ولا للمختلفين أو الخوفِ اختلافُهم ذكرٌ؟\nقيل: بل قد جرَى ذكرُ الذين أمَر جلَّ ثناؤُه بالوصيَّةِ لهم، وهم والدَا المُوصِى وأقرَبُوه، والذين أُمِروا بالوصيَّةِ في قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ثم قال جلَّ ذكرُه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ﴾. لمن أمَرته بالوصيَّةِ له - ﴿جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ وبيْنَ مَن أَمرتُه بالوصيةِ له ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. والإصلاحُ بينَه وبينَهم هو إصلاحٌ بينَهم وبينَ ورثةِ المُوصِى.\nوقد قُرِئ قولُه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ﴾ بالتخفيفِ في الصادِ والتسكين في الواوِ (^٢)، و(^٣) بتحريكِ الواوِ وتشديدِ الصادِ (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"الفريقين\".\n(^٢) هى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وحفص. حجة القراءات ص ١٢٤.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) قراءة حمزة والكسائى وأبى بكر. المصدر السابق.","vol":"3","page":148},{"text":"فمَن قرَأ ذلكَ بتخفيفِ الصادِ وتسكين الواوِ فإنما قرَأه بلغةِ مَن قال: أوْصَيتُ فلانًا بكذا. ومَن قرَأ بتحريكِ الواوِ وتشديدِ الصادِ قرَأه بلغةِ مَن يقول: وصَّيتُ فلانًا بكذا. وهما لغتان للعربِ مشهورتان: وصَّيتُك. و: أَوْصَيتُك.\nوأما الجَنَفُ فهو الجَوْرُ والعدولُ عن الحقِّ، في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعر (^١):\nهمُ المَوْلى (^٢) وقَدْ (^٣) جنِفوا علينا … وَإنَّا مِن لقائِهمُ لَزُورُ (^٤)\nيقالُ منه: جنِف الرجلُ على صاحبِه يَجْنَفُ، إذا مال عليه وجارَ، جَنفًا.\nفمعنى الكلامِ: فمَن خاف من موصٍ جنفًا له بموضعِ الوصيةِ، ومَثلًا عن الصوابِ فيها، وجورًا عن القصدِ و(^٥) إثْمًا، بتعمدِه ذلك على علمٍ منه بخطأِ ما يأتى مِن ذلك، فأصْلَح بينَهم - فلا إثمَ عليه.\nوبمثلِ الذى قلنا في معنى الجنَفِ والإثمِ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾: يعنى بالجنفِ الخطأَ (^٦).\n_________\n(^١) البيت لعامر الخصفى، وهو في مجاز القرآن ١/ ٦٦، ٦٧، وتأويل شكل القرآن ٢١٩.\n(^٢) المولى: بنو العم. اللسان (ول ى).\n(^٣) في م: \"إن\".\n(^٤) الزُّور، جمع أزور، وهو المائل عن الشئ. ينظر اللسان (ز ور)\n(^٥) في م، ت ١، ت ٣: \"أو\".\n(^٦) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٢ (١٦١٥) عن محمد بن سعد به.","vol":"3","page":149},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾. قال: مَيْلًا (^١).\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه.\nحدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ ويزيدُ بنُ هارونَ، قالا: ثنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه.\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحَّاكِ، قال: الجنفُ الخطأُ، والإثمُ العمدُ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمد الزُّبَيْريُّ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ (^٣) مثلَه.\nحدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾: أمَّا ﴿جَنَفًا﴾: فخطأً في وصيتِه؛ وأمّا ﴿إِثْمًا﴾: فعَمْدًا؛ يَعْمِدُ في وصيتِه الظلمَ (^٤).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾. قال: حَيْفًا ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٢ (١٦١٤) من طريق عبد الملك به.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٥٦ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٣) في م: \"عطاءٍ\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ١٤٦.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٢٢٠.","vol":"3","page":150},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ وابنُ أبي جعفرٍ عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾. قال: الجنَفُ الخطأُ، والإثمُ العمدُ (^١).\nحدَّثنا عَمْرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ يزيدَ صاحبُ اللؤلؤِ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن إبراهيمَ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾. قال: الجنفُ الخطأُ، والإثمُ العمدُ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾. قال: خطأً، أو إثمًا: مُتعمَّدًا.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنِ عُيَيْنةَ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾. قال: مَيْلًا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿جَنَفًا﴾. [قال: ميلًا] (^٢)، والإثمُ: ميلُه لبعضِهم على بعضٍ، وكلُّه يَصِيرُ إلى واحدٍ، كما يكونُ عفوًّا غفورًا، وغفورًا رحيمًا.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: الجنفُ الخطأُ، والإثمُ العمدُ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٢ عقب الأثر (١٦١٥، ١٦١٧) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حيفا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر ١/ ١٧٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":151},{"text":"حُدِّثت عن الحسينِ (^١) بنِ الفرجِ، قال: ثنا الفضلُ بنُ خالدٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحَّاكِ، قال: الجنفُ الخطأُ، والإثمُ العمدُ.\nوأمَّا قولُه ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فإنه يعنى: واللهُ غفورٌ للموصِى فيما كان حدَّث به نفسَه من الجنفِ والإثمِ، إذا ترَك أن يَجْنَفَ ويَأْثَمَ في وصيَّتِه، فتجاوز له عما كان حدَّثَ به نفسَه من الجوْرِ؛ إذْ (^٢) لم يُمْضِ ذلك فيَفْعَلَ، أنْ يُؤَاخِذَه به، رحيمٌ بالمُصْلِحِ بينَ الموصِى وبينَ مَن أراد أن يَجْنَفَ (^٣) عليه لغيرِه أو يَأْثَمَ فيه له.\n\n<span id=\"aya-190\"></span><span data-type='title' id=toc-575>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا أيها الذين آمَنوا باللهِ ورسولِه، وصدَّقوا بهما وأقرُّوا.\nويعنى بقولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾: فُرِض عليكم الصيامُ.\nوالصيامُ مصدرٌ من قولِ القائلِ: صمتُ عن كذا وكذا -يعنى: كفَفْتُ عنه- أصومُ عنه صومًا وصيامًا. ومعنى الصيامِ الكفُّ عما أَمَر اللهُ بالكفِّ عنه. ومن ذلك قيل: صامت الخيلُ. إذا كفَّتْ عن السيرِ، ومنه قولُ نابغةِ بنى ذُبيانَ (^٤):\nخَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غيرُ صَائمَةٍ … تحتَ العَجاجِ (^٥) وأخْرَى (^٦) تَعْلُكُ اللُّجُما (^٧)\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحسن\".\n(^٢) في الأصل: \"إذا\".\n(^٣) في م، ت ١: \"يحيف\".\n(^٤) ديوانه ص ١١٢.\n(^٥) العجاج: الغبار. اللسان (ع ج ج).\n(^٦) في الديوان: \"خيل\".\n(^٧) علَكت الدابةُ اللجامَ: لاكته وحركته في فيها. اللسان (ع ل ك).","vol":"3","page":152},{"text":"ومنه قول اللهِ: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]. يعنى: صَمْتًا عن الكلامِ.\nوقولُه: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فإنه يعنى به: فُرِض ذلك عليكم مثلَ الذى فُرِض على الذين مِن قبلِكم.\nثم اختلفَ أهلُ التأويلِ في الذين عنَى اللهُ بقولِه: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. وفى المعنى الذى وقَع فيه التشبيهُ بينَ فَرضِ صومِنا وصومِ الذين مِن قبلِنا؛ فقال بعضُهم: الذين أخبرَنا اللهُ عن الصومِ الذى فرَضه علينا أنه علينا مثلَ الذى كان عليهم، هم النصارَى. وقالوا: التشبيهُ الذى شُبِّه من أجلِه أحدُهما بصاحبِه هو اتفاقُهما في الوقتِ والمقدارِ الذى هو لازمٌ لنا اليومَ فَرْضُه.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثتُ عن يحيى بنِ زيادٍ، عن محمدِ بنِ أبانٍ، عن أبي أُميةَ الطَّنافِسيِّ، عن الشَّعبيِّ أنه قال: لو صمْتُ السَّنَةَ كلَّها لأفطرْتُ اليومَ الذى يُشَكُّ فيه فيقالُ: مِن شعبانَ. ويقالُ: من رمضانَ. وذلك أن النصارَى فُرِض عليهم شهرُ رمضانَ كما فُرِض علينا فحوَّلوه إلى الفصلِ، وذلك أنهم كانوا رُبّما صامُوه في القيظِ يعدُّون ثلاثين يومًا، ثم جاء بعدَهم قرنٌ منهم فأخَذوا بالثِّقةِ في (^١) أنفسِهم فصامُوا قبلَ الثلاثينَ يومًا وبعدَها يومًا، ثم لم يزَلِ الآخِرُ يَسْتَنُّ سُنةَ القرنِ الذى قبلَه، حتى صارتْ إلى خمسينَ، فذلك قولُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (^٢).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٢) معاني القرآن للفراء ١/ ١١١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٦ إلى المصنف مختصرًا، ومحمد=","vol":"3","page":153},{"text":"وقال آخرون: بل التشبيهُ إنما هو من أجلِ أنّ صومَهم كان من العشاءِ الآخِرةِ إلى العشاءِ الآخِرةِ، وذلك كان فرضَ اللهِ على المؤمنين في أوَّلِ ما افترضَ عليهم الصومَ. ووافقَ قائلُو هذا القولِ القائلى القولِ الأولِ في أن الذين عنَى اللهُ بقولِه: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. النصارَى.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: أما الذين مِن قَبلِنا: فالنصارَى، كُتِب عليهم رمضانُ، وكُتِب عليهم ألا يأكُلوا ولا يشرَبوا بعدَ النومِ، ولا يَنكِحوا النساءَ شهرَ رمضانَ، فاشتدَّ على النصارَى صيامُ رمضانَ، وجعَل يُقَلَّبُ عليهم في الشتاءِ والصيفِ، فلمَّا رأوْا ذلك اجتمعُوا فجعَلوا صيامًا في الفصلِ بينَ الشتاءِ والصيفِ، وقالوا: نَزيدُ عشرينَ يومًا نُكفِّرُ بها ما صنَعْنا. فجعَلوا صيامَهم خمسينَ يومًا، فلم يَزَلِ المسلمونَ على ذلك يصنَعونَ كما تصنعُ النصارَى، حتى كان من أمرِ أبي قَيسِ بنِ صِرمَةَ وعُمرَ بنِ الخطابِ ما كان، فأحلّ اللهُ لهم الأكلَ والشربَ والجماعَ إلى طلوعِ الفجرِ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال: كُتِب عليهم الصومُ مِن العتَمةِ إلى العتمَةِ (^٢).\n_________\n= ابن أبان القرشي ضعيف، وقد أخرج ابن أبي شيبة ٣/ ٧١، ٧٢ من طرق عن الشعبي كراهيته لصوم يوم الشك.\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٦ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٥ عقب الأثر (١٦٢٧) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"3","page":154},{"text":"وقال آخرون: الذين عنَى اللهُ بقولِه: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: أهلَ الكتابِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: أهلُ الكتابِ (^١).\nوقال بعضُهم: بل ذلك كان على الناسِ كلِّهم.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال: كُتِب شهرُ رمضانَ على الناسِ كما كُتِب على الذين مِن قبلِهم. قال: وقد كتَب اللهُ على الناسِ قبلَ أن يُنزِلَ رمضانَ صومَ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: رمضانَ كتَبه اللهُ على مَن كان قبلَهم.\nوأوْلى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى الآيةِ: يا أيها الذين آمنوا فُرِض عليكم الصيامُ كما فُرِض على الذين مِن قبلِكم مِن أهلِ الكتابِ أيَّامًا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٦ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٧ بنحوه إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":155},{"text":"معدوداتٍ، وهى شهرُ رمضانَ كلُّه؛ لأنّ مَن بعدَ إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه كان مأمورًا باتباعِ إبراهيمَ، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه كان جعَله للناسِ إمامًا، وقد أخبرنا اللهُ أن دينَه كان الحنَيفيَّةَ المسلمةَ، وأُمِرَ نبيُّنا محمدٌ ﷺ [مِن اتِّباعِه] (^١) بمثلِ الذى أُمِرَ به مَنْ قبلَه مِن الأنبياءِ.\nوأمَّا التشبيهُ فإنما وقَع على الوقتِ، وذلك أنَّ مَنْ كان قَبْلَنا إنما كان فُرِض عليهم صومُ شهرِ رمضانَ، مثلَ الذى فُرِض علينا سواءً.\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فإنه يعنى به: لِتتقُوا أكلَ الطعامِ وشربَ الشرابِ وجِماعَ النساءِ فيه. يقولُ: فرَضتُ عليكم الصومَ والكفَّ عما تكونون بتركِ الكَفِّ عنه مُفطرِين؛ لتتَّقُوا ما يُفْطِرُكُم في وقتِ صومِكم.\nوبمثلِ الذى قُلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: أما قولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. يقولُ: فتتقونَ مِن الطعامِ والشّرابِ والنساءِ مثلَ ما اتقَوْا. يعنى: مثلَ الذى اتقى النصارَى قَبلَكم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-576>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه: كُتِب عليكم أيها الذين آمنوا الصيامُ أيامًا معدوداتٍ.\nونصَب ﴿أَيَّامًا﴾ بمضمرٍ من الفعلِ، كأنه قيلَ: كُتِب عليكم الصيامُ كما\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٥ (١٦٢٩) من طريق عمرو بن حماد به.","vol":"3","page":156},{"text":"كُتب على الذين مِن قبلِكم، أن تصومُوا أيامًا معدوداتٍ. كما يقالُ: أعجبَنى الضربُ زيدًا.\nوقولُه: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من صلةِ (^١) الصيامِ، كأنه قيل: كُتِب عليكم الذى هو مثلُ الذى كُتِب على الذين مِن قبلِكم أن تصوموا أيامًا معدوداتٍ.\n\n<span id=\"aya-191\"></span>ثم اختلفَ أهلُ التأويلِ فيما عنَى اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾؛ فقال بعضُهم: الأيامُ المعدوداتُ صومُ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ. قال: وكان ذلك الذى فُرِض على الناسِ من الصيامِ قبلَ أن يُفرضَ عليهم شهرُ رمضانَ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، قال: كان عليهم الصيامُ ثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ -ولم يُسَمَّ الشهرُ- أيامًا معدوداتٍ. قال: وكان هذا صيامَ الناسِ قبلَ ذلك، ثم فرَض اللهُ ﷿ على الناسِ شهرَ رمضانَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمى، عن أبيه،\nعن جدِّه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: وكان ثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، ثم نُسِخ ذلك بالذى أَنزلَ اللهُ من صيامِ رمضانَ، فهذا الصومُ الأولُ من\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٥، ٣٠٦ (١٦٣٠) من طريق أبي حذيفة به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٦١ - تفسير)، والبخاري في الكبير ٤/ ١٦٨ من طريق آخر عن عطاء مختصرًا.","vol":"3","page":157},{"text":"العتَمَةِ (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدثنا يونسُ (^٢) بنُ بُكيرٍ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ، عن عَمرِو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلَى، عن مُعاذِ بنِ جبلٍ، قال: إن رسولَ اللهِ ﷺ قدِم المدينةَ فصام يومَ عاشوراءَ وثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، ثم أنزَل اللهُ جلَّ وعزَّ فَرضَ شهرِ رمضانَ، فأنزَل اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ (^٣)﴾ (^٤).\nحدّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: قد كتَب اللهُ تعالى ذكرُه على الناسِ قبلَ أن يُنزِلَ رمضانَ، صومَ ثلاثةِ أيامٍ مِن كلِّ شهرٍ (^٥).\nوقال آخرون: بلِ الأيامُ الثلاثةُ التى كان رسولُ اللهِ ﷺ يصومُها قبلَ أن يُفْرَضَ شهرُ رمضانَ، كان تطوُّعًا صوْمُهُنَّ، وإنما عنَى اللهُ جلَّ وعزَّ بقولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ - ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٤ (١٦٢٣) عن محمد بن سعد به، دون قوله: فهذا الصوم الأول من العتمة.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بشر\".\n(^٣) في الأصل: \"مساكين\". وكذا فيما يأتى من مواضع، وهى قراءة نافع وابن عامر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٧٦.\n(^٤) إسناده منقطع؛ ابن أبى ليلى لم يدرك معاذا. وأخرجه أحمد ٥/ ٢٤٦ (الميمنية)، وأبو داود (٥٠٧)، وابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٤ (١٦٢٢)، والحاكم ٢/ ٢٧٤، والبيهقى ٤/ ٢٠٠ من طريق عبد الرحمن المسعودى به، مطولًا في أحوال الصلاة والصيام، والحديث في مسند الطيالسى (٥٦٧)، وينظر الإرواء ٤/ ٢٠، ٢١، وتقدم طرف منه في ٢/ ٦٢١، وسيأتى في ص ١٦١.\n(^٥) تقدم في ص ١٥٥.","vol":"3","page":158},{"text":"أيامَ شهرِ رمضانَ، لا الأيامَ التى كان يصومُهنَّ قبلَ وجوبِ فرضِ صيامِ شهرِ رمضانَ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن عَمرِو بنِ مُرَّةَ، قال: حدثنا أصحابُنا، أن رسولَ اللهِ ﷺ لما قدِمَ عليهم، أمَرهم بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ تطوُّعًا لا فريضةً، قال: ثم أُنْزِلَ صيامُ رمضانَ (^١).\nقال أبو موسى (^٢): قولُه: قال عَمرُو بنُ مُرَّةَ: حدثنا أصحابُنا. يريدُ ابنَ أبى ليلَى، كأنَّ ابنَ أبى ليلَى القائلُ: حدَّثنا أصحابُنا.\nحدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: حدثنا أبو داودَ، قال: حدثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ مُرةَ، قال: سمعتُ ابنَ أبى ليلَى. فذكَر نحوَه.\nوقد ذكَرنا قولَ من قال: عنَى بقولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ شهرَ رمضانَ.\nوأوْلَى ذلك بالصوابِ عندِى قولُ من قال: عنَى اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ أيامَ شهرِ رمضانَ، وذلك أنه لم يأتِ خبرٌ تقومُ به حجةٌ بأن صومًا فُرِض على أهلِ الإسلامِ غيرَ صومِ شهرِ رمضانَ، ثم نُسِخ بصومِ شهرِ رمضانَ، وبأن اللهَ تعالى قد بيَّنَ في سياقِ الآيةِ أن الصيامَ الذى أوجَبه علينا، هو صيامُ شهرِ رمضانَ دونَ غيرِه من الأوقاتِ، بإبانتِه عن الأيامِ التى أخبَرنا أنه كتَب علينا صوْمَها بقولِه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. فمن ادّعى أن صومًا كان قد\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٠٦)، وابن خزيمة (٣٨٣)، والبيهقى ٤/ ٢٠١ من طريق شعبة به.\n(^٢) هو محمد بن المثنى شيخ المصنف، كما سيأتي في ص ١٦٢، وتقدمت ترجمته في المقدمة.","vol":"3","page":159},{"text":"لزِم المسلمينَ فَرضُه غيرَ صومِ شهرِ رمضانَ الذى هم على وجوبِ فرضِ صومِه مُجْمِعون، ثم نُسِخ ذلك - سُئِل البرهانَ على ذلك من خبرٍ تقومُ به حجةٌ، إذْ كان ذلك لا يُعْلَمُ إلا بخبرٍ يَقْطَعُ العذرَ.\nوإذا كان الأمرُ في ذلك على ما وصفْنا للذى بيَّنَّا، فتأويلُ الآيةِ: كُتِب عليكم أيها المؤمنون الصيامُ كما كُتِب على الذين من قبلِكم، لعلكُم تتقونَ، أيامًا معدوداتٍ، هن شهرُ رمضانَ.\nوجائزٌ أيضا أن يكونَ معناهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾: كُتِب عليكم شهرُ رمضانَ.\nوأما \"المعدوداتُ\" فهى التى تُعدُّ مبالِغُها وساعاتُ أوقاتِها.\nويعنى بقولِه ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾: مُحصَيَاتٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-577>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ ممن كُلِّف صومَه، أو (^١) كان صحيحًا غيرَ مريضٍ و(^٢) كان على سفرٍ، ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يقولُ: فعليه صومُ عدَّةِ الأيامِ التى أفطرَها في مرضِه أو في سفرِه ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يعنى: من أيامٍ أُخرَ غيرِ أيامِ مرضِه أو سفرِه [إن هو أفطر في مرضِه أو سفرِه] (^٣).\nوالرفعُ في قولِه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ نظيرُ الرفعِ في قولِه: ﴿فَاتِّبَاعٌ\n_________\n(^١) في الأصل: \"لو\".\n(^٢) في الأصل: \"أو\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت.٢، ت ٣.","vol":"3","page":160},{"text":"بِالْمَعْرُوفِ﴾. وقد مضَى بيانُ ذلك هنالك بما أغنَى عن إعادتِه (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فإن قراءةَ كَافَّةِ المسلمين ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ وعلى ذلك خطوطُ مصاحفِهم، وهى القراءةُ التى لا يجوزُ لأحدٍ من أهلِ الإسلامِ خلافُها، لنقلِ جميعِهم تصويبَ ذلك قرنًا عن قرنٍ، وكان ابنُ عباسٍ يقرؤُها فيما رُوِى عنه: (وعَلى الذين يُطَوَّقونه).\nثم اختلَف قرأةُ ذلك: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ في معناه، فقال: بعضُهم: كان ذلك في أوَّلِ ما فُرِض الصومُ، وكان مَن أطاقَه من المقيمين صامَه إن شاءَ، وإن شاءَ أفطرَه وافْتدَى، فأطعمَ لكلِّ يومٍ أفطرَه مسكينًا حتى نُسِخ ذلك.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ، عن عَمرِو بني مُرةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبى ليلى، عن مُعاذِ بنِ جبلٍ، قال: إن رسولَ اللهِ ﷺ قدِم المدينةَ، فصامَ يومَ عاشوراءَ وثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، ثم إنَّ اللهَ فرَض شهرَ رمضانَ، فأنزلَ اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاءَ صامَ، ومن شاءَ أفطَر وأطعَم مسكينًا، ثم إن اللهَ أوْجَبَ الصيامَ على الصحيحِ المقيمِ، وثبَت الإطعامُ للكبيرِ الذى لا يستطيعُ الصومَ، فأنزَل اللهُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٢).\n_________\n(^١) سيذكر المصنف الأسانيد بذلك في ص ١٧٢ وما بعدها.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ١٥٨.","vol":"3","page":161},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن عمرِو ابنِ مُرَّةَ، قال: حدثنا أصحابُنا أن رسولَ اللهِ ﷺ لما قدِمَ عليهم أمَرَهم بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ تطوعًا غيرَ فريضةٍ. قال: ثم نزَل صيامُ رمضانَ. قال: وكانوا قومًا لم يتعوَّدُوا الصيامَ. قال: وكان يشتدُّ عليهم الصومُ. قال: فكان مَن لم يَصُمْ أطعَم مِسكينًا، ثم نزَلت هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فكأنما الرخصةُ للمريضِ والمسافرِ، وأُمِرنا بالصيامِ (^١).\nقال محمدُ بنُ المثنَّى: قولُه: قال عَمرٌو: حدثنا أصحابُنا. يريدُ ابنَ أبى ليلى، كأن ابنَ أبى ليلى القائلُ: حدثنا أصحابُنا.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدثنا أبو داودَ، قال: حدثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ مُرَّةَ، قال: سمِعتُ ابنَ أبي ليلى. فذكَر نحوَه.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: كان من شاءَ صامَ، ومن شاءَ أفطرَ وأطعمَ نصفَ صاعٍ مسكينًا، فنسَخها ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ بنحوِه، وزادَ فيه قال: فنَسختْها هذه الآيةُ، وصارت الآيةُ الأولى للشيخِ الذى لا يستطيعُ الصومَ، يتصدَّقُ مكانَ كلِّ يومٍ على مسكينٍ نصفَ صاعٍ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١٥٩.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧٥٧٨)، وأبو عبيد في ناسخه ص ٤٩ من طريق منصور به مختصرًا.","vol":"3","page":162},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا يحيى بنُ واضحٍ أبو تُمَيْلةَ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ النحوىِّ، عن عِكرمةَ والحسنِ البصرىِّ قولَه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: فكان مَن شاءَ منهم أن يصومَ صامَ، ومن شاء منهم أن يفتدِىَ بطعامِ مسكينٍ افتدَى وتمَّ له صومُه، ثم قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. ثم استثنَى من ذلك فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعىُّ، قال: حدثنا ابنُ إدريسَ، قال: سألتُ الأعمشَ عن قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فحدثنا عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: نَسخَتْها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^١).\nحدَّثنا محمدُ (^٢) بنُ المثنى، قال: حدثنا عبدُ الوهاب، قال: حدثنا عبيدُ (^٣) اللهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ، قال: نسَختْ هذه الآيةَ، يَعْنى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ التى بعدها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ الأعمشَ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: نَسختْها ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٩، وابن الجوزى في ناسخه ص ١٧٢ من طريق ابن إدريس به.\n(^٢) في م، ت ١: \"عمر\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"عمرو\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبد\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٩ - ومن طريقه البيهقى ٤/ ٢٠٠ - عن عبد الوهاب الثقفى به.\nوأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٧٠ - تفسير)، والبخارى (٤٥٠٦) من طريق عبيد الله به، مختصرًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٨ إلى وكيع وابن المنذر.","vol":"3","page":163},{"text":"حدثنا الوليدُ بنُ شجاعٍ أبو همامٍ، قال: حدثنا علىُّ بنُ مُسهِرٍ، عن عاصمٍ، عن الشعبىِّ، قال: نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان الرجلُ يُفطِرُ فيتصدَّقُ عن كلِّ يومٍ على مسكينٍ طعامًا، ثم نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فلم تَنْزِلِ الرخصةُ إلَّا للمريضِ والمسافِرِ (^١).\nحدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِىِّ، قال: حدثنا علىُّ بنُ مُسهِرٍ، عن عاصمٍ، عن الشعبىِّ، قال: نزَلتْ هذه الآيةُ للناس عامة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. وكان الرجلُ يُفْطِرُ ويتصدَّقُ بطعامِه على مسكينٍ، ثم نزلتْ هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ قال: فلم تَنْزِلِ الرخصةُ إلَّا للمريضِ والمسافرِ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن ابنِ أبي ليلى، قال: دخلتُ على عطاءٍ وهو يأكُلُ في شهرِ رمضانَ فقال: إنى شيخٌ كبيرٌ، إن الصومَ نزَل، فكان مَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أفطَر وأطعَم مسكينًا، حتى نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فوجَب الصومُ على كلِّ أحدٍ إلا مريضٍ أو مسافرٍ أو شيخٍ كبيرٍ مثلى يَقْتدِى (^٢).\nحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثنى الليثُ، قال: أخبرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: قال اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن الجوزى في ناسخه ص ١٧٣ من طريق ابن شبرمة، عن الشعبى نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٨ إلى عبد بن حميد ووكيع.","vol":"3","page":164},{"text":"الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال ابنُ شهابٍ: كتَب اللهُ الصيامَ علينا، فكان من شاءَ افتدَى ممن يُطيقُ الصيامَ من صحيحٍ أو مريضٍ أو مسافرٍ، ولم يكنْ عليه غيرُ ذلك، فلما أوجَب اللهُ على من شهِد الشهرَ الصيامَ، فمن كان صحيحًا يُطيقُه وضَع عنه الفديةَ، وكان مَن كان على سفرٍ أو كان مريضًا فعدةٌ من أيامٍ أخرَ. قال: وبقِيت الفديةُ التى كانت تُقبلُ قبلَ ذلك للكبيرِ الذى لا يُطيقُ الصيامَ، والذى يَعرِضُ له العطشُ أو العِلَّةُ التى لا يستطيعُ معها الصيامَ (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: جعَل اللهُ في الصومِ الأولِ فديةً طعامَ مِسكينٍ (^٢)، فمن شاءَ مِن مُسافرٍ أو كل مقيمٍ أن يُطعِمَ مسكينًا ويُفْطِرَ، كان ذلك رخصةً له، فأنزل اللهُ في الصومِ الآخرِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ولم يذكرِ اللهُ في الصومِ الآخرِ فديةً طعامَ مسكينٍ (^٢)، فنُسِخَتْ الفديةُ، وثبَت في الصومِ الآخرِ، ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وهو الإفطارُ في السفرِ، وجعْلُه عدةً من أيامٍ أُخَر (^٣).\nحدَّثنى أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ وهبٍ، قال: أخبَرنى عمى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى عَمرُو بنُ الحارثِ، [عن بُكَيرِ] (^٤) بنِ عبدِ اللهِ، عن يزيدَ مولى سَلَمةَ بنِ الأكوعِ، عن سلمةَ بنِ الأكوعِ أنه قال: كنا في عهدِ رسولِ اللّهِ ﷺ مَن شاءَ صامَ، ومن شاءَ أفطَر وافتدى بطعامِ مسكينٍ (^٥)، حتى أُنزلتِ الآيةُ: ﴿فَمَنْ شَهِد\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٥٠، ٥١ عن أبى صالح به مختصرًا.\n(^٢) في الأصل: \"مساكين\".\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٤ (١٦٢٣) عن محمد بن سعد به.\n(^٤) في م: \"قال بكر\". وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٢٤٢.\n(^٥) سقط من: الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":165},{"text":"مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^١).\nحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن الشعبىِّ في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: كانت للناسِ كلِّهم، فلمَّا نزلتْ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ أُمِروا بالصومِ والقضاءِ، فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ (^٢).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا عليُّ بنُ مُسهِرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: نسَخَتْها الآيةُ التى بعدها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن محمدِ بنِ سُلَيمٍ (^٣)، عن ابنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال: نَسخَتْها الآيةُ التى تَليها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ (^٥) بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: حدثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحَّاكِ قولَه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الآية: فُرِض الصومُ مِن العَتَمةِ إلى مِثلِها مِن القابلةِ؛ فإذا صلَّى الرجلُ العَتَمةَ حرُمَ عليه الطعامُ والجماعُ إلى مثلها من القابلَةِ، ثم نزَل الصومُ الآخِرُ بإحلالِ الطَّعامِ والجِماعِ بالليلِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (١٩٠٣) عن أحمد بن عبد الرحمن به. وأخرجه مسلم (١١٤٥) من طريق ابن وهب به. وأخرجه البخارى (٤٥٠٧)، ومسلم (١١٤٥)، وأبو داود (٢٣١٥)، والترمذى (٧٩٨)، والنسائى (٢٣١٥) من طريق عمرو بن الحارث به.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ١٦٤.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"سليمان\"، وفى ت ١: \"سلمان\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٢٩٢.\n(^٤) أخرجه ابن الجوزى في ناسخه ص ١٧٢، ١٧٣ من طريق وكيع به.\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣: \"الحسن\".","vol":"3","page":166},{"text":"كلِّه، وهو قولُه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ إلى قولِه: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. وأحَلَّ الجِماعَ أيضًا فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. وكان في الصومِ الأولِ الفديةُ، فمن شاءَ مِن مسافرٍ أو مقيمٍ أن يُطعِمَ مسكينًا ويُفطِرَ، فعَل ذلك، ولم يذكرِ اللهُ في الصومِ الآخِرِ الفديةَ، وقال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. فنسَخ هذا الصومُ الآخِرُ الفديةَ.\nوقال آخرون: بل كان قولُه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ حُكمًا خاصًّا للشيخِ الكبيرِ والعجوزِ اللَّذَيْن يُطيقان الصومَ، كان مرخَّصًا لهما أن يَفْدِيا صومَهما بإطعامِ مسكينٍ ويُفْطِرَا، ثم نُسِخ ذلك بقولِه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. فلزِمهما من الصومِ مثلُ الذى لزِم الشابَّ، إلَّا أن يَعْجِزَا عن الصومِ فيكونَ ذلك الحكمُ الذى كان لهما قبلَ النسخِ ثابتًا لهما حينَئذٍ بحالِه.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عَزْرَةَ (^١)، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان الشيخُ الكبيرُ والعجوزُ الكبيرةُ وهما يُطيقان الصومَ رُخِّص لهما أن يُفطرَا إن شاءَا ويُطعِما لكلِّ يومٍ مسكينًا، ثم نسَخ ذلك بعدَ ذلك: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. وثبَت للشيخِ الكبيرِ والعجوزِ الكبيرةِ إذا كانا لا يطيقان الصومَ، وللحُبْلَى والمُرضِعِ إذا خافَتَا (^٢).\n_________\n(^١) في النسخ: \"عروة\"، والصواب ما أثبت، كما سيأتى في الأثر الثانى عن الأصل. وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٥١.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٣١٨)، وابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٧ (١٦٣٥)، والبيهقى ٤/ ٢٣٠ من طريق سعيد به، وأخرجه البخارى (٤٥٠٥) من طريق، عطاء، عن ابن عباس بمعناه. وعزاه السيوطي في الدر=","vol":"3","page":167},{"text":"حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن عَزْرَةَ (^١)، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال: الشيخُ الكبيرُ والعجوزُ الكبيرةُ. ثم ذكَر مثلَ حديثِ بشرٍ، عن يزيدَ.\nحدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: حدثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: حدثنى أبى، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، قال: كان الشيخُ والعجوزُ لهما الرخصةُ أن يُفْطِرا ويُطعِما بقولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال: فكانت لهم الرخصةُ، ثم نُسِخت بهذه (^٢) الآيةِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. فنسِخت الرخصةُ عن الشيخِ والعجوزِ إذا كانا يطيقان الصومَ، وبقِيت الحاملُ والمرُضِعُ أنْ تُفْطِرَا وتُطعِمَا (^٣).\nحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا حجاجُ بن المنهالِ، قال: حدثنا همَّامُ بنُ يحيى، قال: سمِعتُ قتادةَ يقولُ في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال: كان فيها رخصةٌ للشيخِ الكبيرِ والعجوزِ الكبيرةِ، وهما يُطيقانِ الصومَ، أن يُطعِما مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا ويُفْطِرَا، ثم نُسِخ ذلك في الآيةِ التى بعدَها فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ نسَختْها هذه الآيةُ. فكان أهل العلمِ يرَون ويَرجُون الرُّخصةَ ثبتت (^٤) للشيخِ الكبيرِ والعجوزِ الكبيرةِ، إذا لم يُطيقا الصومَ أن يُفْطِرَا ويُطعِما عن كلِّ يومٍ مسكينًا، وللحُبلَى إذا\n_________\n= المنثور ١/ ١٧٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. وينظر ما سيأتى في ص ١٧١.\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عروة\".\n(^٢) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هذه\".\n(^٣) ذكره ابن الجوزى في ناسخه ص ١٧٦ معلقا عن قتادة به مختصرًا.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تثبت\".","vol":"3","page":168},{"text":"خشِيتْ على ما في بطنها، وللمُرضعِ إذا ما خشِيتْ على ولدِها (^١).\nحُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: فكان الشيخُ والعجوزُ يُطيقانِ صومَ رمضانَ، فأحلَّ اللهُ لهما أن يُفْطِراه إنْ أرادا ذلك، وعليهما الفديةُ لكلِّ يومٍ [يُفطران فيه] (^٢)؛ طعامُ مسكينٍ، فأنزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه بعدَ ذلك فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. إلى قولِه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\nوقال آخرون ممن قرَأ ذلك: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: لم يُنسخْ ذلك ولا شيءٌ منه، وهو حُكمٌ مُثبَتٌ من لَدُنْ نزَلتْ هذه الآيةُ إلى قيام الساعةِ. وقالوا: إنما تأويلُ ذلك: [وعلى الذين كانوا يُطيقونه في حالِ شبابِهم] (^٣) وحداثَتِهم، وفى حالِ صحتِهم وقوتِهم، إذا مرِضوا أو (^٤) كَبِروا فعجَزوا من الكِبَرِ عن الصومِ - فديةٌ طعامُ مسكينٍ، لا أن القومَ كان رُخِّص لهم في الإفطارِ وهم على الصومِ قادرون إذا افْتدَوا.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال: أما ﴿الَّذِينَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٦٩، ومصنفه (٧٥٨٤)، عن معمر، عن قتادة.\n(^٢) في م: \"يفطرانه\".\n(^٣) في م: \"على الذين يطيقونه وفى حال شبابهم\"، في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وعلى الذين يطيقونه في حال شبابهم\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".","vol":"3","page":169},{"text":"يُطِيقُونَهُ﴾ فالرجلُ كان يُطيقُه وقد صام قبلَ ذلك، ثم يَعْرِضُ له الوَجَعُ أو العَطَشُ أو المرضُ الطويلُ، أو المرأةُ المرضِعُ لا تستطيعُ أن تصومَ، فإن أولئك عليهم مكانَ كلِّ يومٍ إطعامُ مسكينٍ، فإنْ أطعم مسكينيْن (^١) فهو خيرٌ له، ومَن تكلَّف الصيامَ فصامه فهو خيرٌ له.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: حدَّثنا عبدةُ، عن سعيدِ بنِ أبى عَروبةَ، عن قتادةَ، عن عَزْرَةَ (^٢)، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا خافت الحاملُ على نفسِها والمرضِعُ على ولدِها في رمضانَ، قال: تُفْطِران وتُطْعِمان مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا، ولا تقضيان صومًا (^٣).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عبدةُ، [عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن عَزْرةَ] (^٤)، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه رأى أمَّ ولدٍ له حاملًا أو مُرضِعًا، فقال: أنتِ بمنزلةِ الذى لا يُطيقُه، عليك أن تُطْعِمى مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا ولا قضاءَ عليك.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عبدةُ، عن سعيدٍ، عن [علىِّ بنِ ثابتٍ، عن نافعٍ] (^٥)، عن ابنِ عمرَ مثلَ قولِ ابنِ عباسٍ في الحاملِ والمرضِعِ (^٦).\n_________\n(^١) فى م: \"مسكينا\"، وفى ت ١، ت ٣: \"مسكين\". وينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٩٥، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٠٨.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عروة\".\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٨١، والدارقطنى ٢/ ٢٠٦ من طريق سعيد به. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧٥٦٧)، والدارقطنى ٢/ ٢٠٧ من طريق قتادة به. وينظر ما تقدم في ص ١٦٧.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في م: \"نافع عن على بن ثابت\".\n(^٦) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٧ (١٦٣٦) من طريق سعيد به. وأخرجه الدارقطنى ٢/ ٢٠٧ من طريقين عن نافع به نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":170},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن ابنَ عباسٍ قال لأمِّ ولدٍ له حُبْلَى أو مُرضِعٍ: أنتِ بمنزلةِ الذين لا يُطِيقونه، عليك الفداءُ ولا صومَ عليك. هذا إذا خافت على نفسِها.\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: هو الشيخُ الكبيرُ كان يُطِيقُ صومَ شهرِ رمضانَ وهو شابٌّ، فكبِر وهو لا يَسْتَطِيعُ صومَه، فَلْيَتَصَدَّقْ على مسكينٍ واحدٍ لكلِّ يومٍ أفْطَره، حينَ يُفْطِرُ وحين يَتَسَحَّرُ (^١).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: حدثنا عَبيدةُ (^٢)، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ نحوَه، غيرَ أنه لم يَقُلْ: حين يُفْطِرُ وحين يَتَسَحَّرُ.\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ حَرْمَلَةَ، عن سعيدِ بنِ المسُيَّبِ أنه قال في قولِ اللهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: هو الكبيرُ الذى كان يصومُ فكبِر وعجَز عنه، وهى الحاملُ التى ليس عليها الصيامُ، فعلى كلِّ واحدٍ منهما طعامُ مسكينٍ، مُدٌّ مِن حِنْطَةٍ لكلِّ يومٍ حتى يَنْقَضِىَ رمضانُ (^٣).\nوقرَأ ذلك آخَرون: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه (^٤) فديةٌ طعامُ مسكينٍ) وقالوا: إنه\n_________\n(^١) أخرجه ابن الجوزى في ناسخه ص ١٧٥ من طريق محمد بن سعد به.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"عبدة\". وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٢٥٧.\n(^٣) أخرجه سفيان في تفسيره ص ٥٦، وسعيد بن منصور في سننه (٢٦٣ - تفسير)، وابن حزم في المحلى ٦/ ٤٠٢، والبيهقى ٤/ ٢٧١، ٢٧٢، وابن الجوزى في ناسخه ص ١٧٦، ١٧٧ من طرق عن عبد الرحمن ابن حرملة به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧٥٨٥) من طريق آخر عن سعيد.\n(^٤) وهى قراءة ابن عباس بخلاف، وعائشة، وسعيد بن المسيب، وطاوس بخلاف، وسعيد بن جبير، =","vol":"3","page":171},{"text":"الشيخُ الكبيرُ والمرأةُ العجوزُ اللذان قد كبِرا عن الصومِ، فهما يُكَلَّفانِ الصومَ ولا يُطِيقانِه، فلهما أن يُفْطِرا ويُطْعِما مكانَ كلِّ يومٍ أفْطَراه مسكينًا. وقالوا: الآيةُ ثابتةُ الحكمِ منذُ أُنْزِلت لم تُنْسَخْ. وأنْكَروا قولَ مَن قال: إنها منسوخةٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابنُ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرَؤُها: (يُطَوَّقُونَه) (^١)\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: حدثنا علىُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن عاصمٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ: (وعلى الذين يُطَوَّقُونَه فِدْيَةٌ طعامُ مسكينٍ). قال: فكان يقولُ: هى للناسِ اليومَ قائمةٌ.\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقرؤها: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه فديةٌ طَعامُ مسكينٍ). [هو الشيخُ الكبيرُ يُفطِرُ ويُطعِمُ] (^٢).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا قَبيصَةُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرأُ: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه) ويقولُ: هو الشيخُ\n_________\n= ومجاهد بخلاف، وعكرمة، وأيوب السختيانى، وعطاء، وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة: (يَطّوّقونه)، وعنهم أيضا: (يَطَّيَّقونه)، وعن ابن عباس أيضا: (يُطَيَّقونه). المحتسب ١/ ١١٨، وينظر تفسير القرطبى ٢/ ٢٨٦، ٢٨٧، والبحر المحيط ٢/ ٣٥، وستأتى الآثار بعد ذلك ليس فيها إشارة إلى ضبط هذه القراءات فضبطنا المشهور وتركنا الباقى بلا ضبط.\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧٥٧٥) عن ابن جريج به.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"قال: وكان يقول: هى للناس اليوم قائمة\".\nوالأثر في تفسير سفيان ص ٥٦، ومن طريقه أبو عبيد في ناسخه ص ٥٣، وفى فضائل القرآن ص ١٦٣، وعبد الرزاق في مصنفه (٧٥٧٤) والدارقطنى ٢/ ٢٠٧، وابن الجوزى في ناسخه ص ١٧٦.","vol":"3","page":172},{"text":"الكبيرُ [يُفطِرُ و] (^١) يُطْعمُ عنه.\n[حدثنا محمدُ بن بَشَّارٍ، قال: حدثنا عبدُ الوهابِ، قال: حدثنا أيوبُ، عن عِكْرِمَةَ أنه قال في هذه الآيةِ: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه) -وكذلك كان يَقْرَؤُها-: إنها ليست منسوخةً، كُلِّف الشيخُ الكبيرُ أن يُفْطِرَ ويُطْعِمَ مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا] (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدثنا شعبةُ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه قرَأ: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه) (^٣)\nحدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن عمرانَ بنِ حُديرٍ، عن عكرمةَ، قال: ﴿الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: يصومُونَه، ولكن (الذين يُطوَّقونه) يعجِزون عنه (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبرنا ابنُ جُريجٍ، قال: حدثنى محمدُ بنُ عبادِ بنِ جعفرٍ، عن أبى عَمرٍو مولى عائشةَ، أن عائشةَ كانت تَقْرَأُ: (يُطَّوَّقُونَه) (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ أنه كان، يَقْرَؤُها: (يُطَّوّقُونَه). قال ابنُ جُريجٍ: وكان مجاهدٌ يَقْرَؤُها\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) سقط من: الأصل.\nوالأثر أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٥١، ٥٢ عن عبد الوهاب، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، وأخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٧٥٧٣) عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه ابن أبى داود فى المصاحف ص ٨٩ عن ابن بشار به، وأخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٥٢ من طريق آخر عن سعيد.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٦٥، ٢٦٦ - تفسير) من طريق عمران به، نحوه، وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٦٣ من طريق أيوب، عن عكرمة به. وينظر ما سيأتى فى ص ١٧٧.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٠، وأخرجه مصنفه (٧٥٧٦)، وأخرجه البيهقى ٤/ ٢٧٢ من طريق ابن جريج به.","vol":"3","page":173},{"text":"كذلك (^١).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: حدثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا خالدٌ، عن عكرمةَ (وعلى الذين يطيقُونَه) قال: قال ابنُ عباسٍ: هو الشيخُ الكبيرُ.\nحدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسَى السُّدِّىُّ، قال: أخبرنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: (وَعلى الّذين يُطَوَّقُونَه). قال: يتجشّمونه، يَتكلّفُونَه (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدثنا ابنُ إدريسَ، عن مسلمٍ المُلائىِّ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: (وعلى الذين يَطيقونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ). قال: الشيخُ الكبيرُ الذى لا يُطيقُ فيُفْطِرُ ويُطعِمُ كلَّ يومٍ مسكينًا (^٣).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ (وعلى الذين يَطيقونه) قال: يُكلَّفونه، (فديةٌ طعامُ مسكينٍ) واحدٍ، قال: فهذه [ليست بمنسوخةٍ] (^٤) لا يرخّصُ فيها إلا للكبيرِ الذى لا يُطيقُ الصيامَ، أو مريضٍ يعلمُ أنه لَا يُشْفَى. [هذا عن مجاهدٍ] (^٥).\nحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: (الذين يَطيقُونه) يتكلَّفونه\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٠.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ١٧٨ إلى المصنف وابن الأنبارى.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٨ (١٦٤١) من طريق مسلم به بنحوه.\n(^٤) فى م: \"آية منسوخة\".\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر أخرجه الدارقطنى ٢/ ٢٠٥ من طريق شبل، عن ابن أبى نجيح به، وهو فى تفسير مجاهد ص ٢٢٠، ومن طريقه البيهقى ٤/ ٢٧١ عن عطاء -وحده- عن ابن عباس، وسيأتى باقى هذا الأثر فى ص ١٨٣.","vol":"3","page":174},{"text":"(فديةٌ طعامُ مسكينٍ) واحدٍ، ولم يُرخَّصْ هذا إلا للشيخ الكبيرِ (^١) الذى لا يُطِيقُ الصومَ، أو المريضِ الذى يعلمُ أنه لا يُشْفَى (^٢). هذا عن مجاهدٍ (^٣).\nحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ، ليستْ بمنسوخةٍ.\nحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو صالحٍ، قال: حدثنى معاويةُ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ) يقولُ: من لم يُطقِ الصومَ إلَّا على جَهدٍ فله أن يُفطِرَ ويُطعِمَ كلَّ يومٍ مسكينًا، والحاملُ والمرضعُ والشيخُ الكبيرُ والذى به سقمٌ دائمٌ (^٤).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا عَبيدةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِ اللهِ تعالى ذِكرُه: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ) قال: هو الشيخُ الكبيرُ [أو المرأةُ] (^٥) الذى كان يصومُ فى شبابِه، فلما كَبِر ضعُف (^٦) عن الصومِ قبلَ أن يموتَ، فهو يُطعِمُ كلَّ يومٍ مسكينًا. قال هنادٌ: قال عَبيدةُ: فقلتُ (^٧) لمنصورٍ: الذى يُطعَمُ كلَّ يومٍ نصفُ صاعٍ؟ قال: نعم.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه الطبرانى (١١٣٨٨)، والدارقطنى ٢/ ٢٠٥، والحاكم ١/ ٤٤٠ من طريق ابن أبى نجيح به، وأخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٧٥٧٧)، والبخارى (٤٥٠٥)، والنسائى (٢٣١٦)، والدارقطنى ٢/ ٢٠٥، والبيهقى ٤/ ٢٧١، وابن الجوزى فى ناسخه ص ١٧٥ من طرق عن عمرو، وسيأتى باقى هذا الأثر فى ص ١٨٤.\n(^٣) كذا فى النسخ، وليس فى هذا الإسناد ذكر لمجاهد.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ١٧٨ إلى المصنف.\n(^٥) فى م: \"والمرء\".\n(^٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عجز\".\n(^٧) فى م: \"قيل\".","vol":"3","page":175},{"text":"حدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، قال: سألتُ مجاهدًا عن امرأةٍ لى وافقَ تاسِعُها شهرَ رمضانَ، ووافق حرًّا شديدًا، فأمرنى أن تُفْطِرَ وتُطعِمَ. قال: وقال مجاهدٌ: وتلك الرخصةُ أيضًا في المسافرِ والمريضِ، فإن اللهَ يقولُ: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ) (^١).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الحاملُ والمرضعُ والشيخُ الكبيرُ الذى لا يَسْتَطيعُ الصومَ يُفْطِرون فى رمضانَ، ويُطْعِمون عن كلِّ يومٍ مسكينًا. ثم قرَأ: (وعَلى الَّذينَ يُطوَّقُونَهُ (^٢) فدْيَةٌ طَعامُ مِسْكينٍ\" (^٣).\nحدَّثنا علىُّ بنُ سعيدٍ (^٤) الكِندىُّ، قال: حدثنا حفصٌ، عن حجاجٍ، عن أبى إسحاقَ، عن الحارثِ، عن علىٍّ في قولِه: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ) قال: الشيخُ الكبيرُ الذى لا يستطيعُ الصومَ يُفْطِرُ ويُطْعِمُ مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا (^٥).\nحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ) قال: هم الذين يَتكلّفونَه (^٦) ولا يُطيقونه، الشيخُ والشيخةُ (^٧).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن الحجاجِ، عن أبى\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٧٩ من طريق عثمان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ١٧٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يطيقونه\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ١٧٠.\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سعد\". ينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٥٠.\n(^٥) عزاه السيوطى في الدر ١/ ١٧٨ إلى المصنف، وينظر المحلى ٦/ ٤٠٢.\n(^٦) فى الأصل: \"يستكلفونه\".\n(^٧) أخرجه ابن الجوزى فى ناسخه ص ١٧٦ من طريق حماد بن سلمة به.","vol":"3","page":176},{"text":"إسحاقَ، عن الحارثِ، عن علىٍّ، قال: هو الشيخُ والشيخةُ.\nحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا الحجاجُ، قال: حدثنا حمادٌ، عن عمرانَ بنِ حُديرٍ، عن عكرمةَ أنه كان يَقْرَؤُها: (وعلى الذين يطيقُونه) فأفطر (^١).\nحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سُويدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن عاصمٍ، عمن حدَّثه، عن ابنِ عباسٍ، قال: هى مثبتةٌ للكبيرِ والمرضعِ والحاملِ وعلى الذين يُطيقُون الصيامَ.\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال، أخبرنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُه: (وعلى الذين يطيقُونه)؟ قال: بلَغنا أن الكبيرَ إذا لم يَسْتَطِع الصومَ يَفتدِى من كلِّ يومٍ بمسكينٍ. قلت: الكبيرُ الذى لا يَسْتَطِيعُ الصومَ، أو الذى لا يَسْتَطيعُه إلا بالجَهْدِ؟ قال: بل الكبيرُ الذى لا يَسْتَطِيعُه بجهدٍ ولا بشيءٍ، فأما من استطاع بجَهدٍ فليصُمْه ولا عذرَ له فى ترْكِه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبَرنى عبيدُ (^٣) اللهِ بنُ أبى يزيدَ: (وعلى الذين يطيقُونه) الآية. كأنه يعنى الشيخَ الكبيرَ.\nقال ابنُ جُريجٍ: وأخبرنى ابنُ طاوسٍ، عن أبيه أنه كان يقولُ: نزَلت في الكبيرِ الذى لا يستطيعُ صيامَ رمضانَ، فيفتدِى من كلِّ يومٍ بطعامِ مسكينٍ. قلتُ له: كمْ\n_________\n(^١) فى م: \"فأفطروا\".\nوالأثر أخرجه ابن أبى داود فى المصاحف ص ٨٩ من طريق الحجاج به، وتقدم فى ص ١٧٣ من طريق آخر عن عمران بنحوه.\n(^٢) تقدم أوله فى ص ١٧١.\n(^٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبد\".","vol":"3","page":177},{"text":"طعامُه؟ قال: لا أدرى، غيرَ أنه قال: طعامُ يومٍ (^١).\nحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن الحسنِ بنِ يحيى، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: الشيخُ الكبيرُ الذى لا يُطِيقُ الصومَ يُفطِرُ ويُطعِمُ عن (^٢) كلِّ يومٍ مسكينًا.\nقال أبو جعفرٍ: وأوْلَى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ منسوخٌ بقولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾؛ لأن الهاءَ التى في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ من ذكرِ \"الصيامِ\". ومعناه: وعلى الذين يُطِيقونَ الصيامَ فديةٌ طعامُ مسكينٍ. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الجميعُ من أهلِ الإسلامِ مُجْمعينَ على أن مَن كان مُطِيقًا من الرجالِ الأصحَّاءِ المقيمينَ غيرِ المسافرينَ صومَ شهرِ رمضانَ، فغيرُ جائزٍ له الإفطارُ فيه والافتداءُ منه بطعامِ مسكينٍ، كان معلومًا أن الآيةَ منسوخةٌ، هذا مع ما يُؤيدُ هذا القولَ من الأخبارِ التى ذكرناها آنفًا عن معاذِ بنِ جبلٍ وابنِ عمرَ وسلَمةَ بنِ الأكوعِ، من أنهم كانوا بعدَ نزولِ هذه الآيةِ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ فى صومِ شهرِ رمضانَ بالخيارِ بينَ صومِه وسقوطِ الفديةِ عنهم، وبينَ الإفطارِ والافتداءِ من إفطارِه بإطعامِ مسكينٍ لكلِّ يومٍ أفطَره، وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزَلت: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فأُلْزِموا فرضَ صومِه، وبطَل الخيارُ والفديةُ.\nفإن قال قائلٌ: وكيفَ تدَّعى إجماعًا من أهلِ الإسلامِ على أنَّ من أطاقَ صومَه وهو بالصِّفةِ التى وصَفْتَ فغيرُ جائزٍ له إلَّا صومُه، وقد علمتَ قولَ مَن قال: للحاملِ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧٥٧١) عن معمر، عن ابن طاوس به.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":178},{"text":"والمرضعِ إذا خافتا على أولادِهما لهما الإفطارُ، وإن أطاقتا الصومَ بأبدانِهما، مع الخبرِ الذى رُوِى في ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ الذى حدثنا به هنّادُ بنُ السَّرىِّ، قال: حدثنا قبيصةُ، عن سفيانَ، عن أيوبَ، عن أبى قِلابةَ، عن أنسٍ، قال: أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ وهو يتغدَّى فقال: \"تعَالَ أُحَدِّثْكَ؛ إن اللهَ وضَع عن المُسافِرِ والحاملِ والمُرْضِعِ الصومَ وشَطْرَ الصَّلاةِ\" (^١).\nقيل: إنّا لم ندَّعِ إجماعًا في الحاملِ والمرضعِ، وإنما ادَّعينَا في الرجالِ الذين وصفْنَا صِفَتَهم. فأما الحاملُ والمرضعُ فإنما علِمْنا أنهنَّ غيرُ مَعنياتٍ بقولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ إذ (^٢) خَلَا الرجالُ أن يكونوا معنيِّينَ به؛ لأنهنَّ لو كنَّ مَعنياتٍ بذلك دونَ غيرِهنَّ من الرجالِ لقيل: وعلى اللواتِى يُطِقْنه فديةٌ طعامُ مسكينٍ؛ لأن ذلك كلامُ العربِ إذا أُفرِد الكلامُ بالخبرِ عنهن دونَ الرجالِ، فلمّا قيل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ كان معلومًا أنَّ المعنىَّ به الرجالُ دونَ النساءِ، أو الرجالُ والنساءُ، فلمَّا صحَّ بإجماعِ الجميعِ على أنَّ من أطاقَ من الرجالِ المقيمينَ الأصِحّاءِ صومَ شهرِ رمضانَ فغيرُ مرخَّصٍ له في الإفطارِ والافتداءِ، فخرَج الرجالُ من أن يكونوا معنيِّين بالآيةِ، وعُلِمَ أن النساءَ لم يُرَدْنَ بها؛ لما وصَفْنا من أن الخبرَ عن النساءِ إذا انفَرد الكلامُ بالخبرِ عنهن: وعلى اللواتى يُطِقْنَه. والتنزيلُ بغيرِ ذلك.\nوأما الخبرُ الذى رُوى عنِ النبىِّ ﷺ، فإنه إن كان صحيحًا، فإنما معْناه أنه وُضِع عن الحاملِ والمرضعِ الصومُ ما دامتا عاجزتينِ عنه حتى تُطِيقَا فتَقْضِيَا، كما\n_________\n(^١) أخرجه البخارى في الكبير ٢/ ٢٩، والفسوى في تاريخه ٢/ ٤٦٩، والخطيب في المتفق والمفترق ١/ ١٢٨ من طريق قبيصة به، وأخرجه البخارى في الكبير ٢/ ٢٩، والنسائى (٢٢٧٣)، وابن خزيمة (٢٠٤٣) من طريق سفيان به. وأنس هو ابن مالك الكعبى، ليس يروى عن النبى ﷺ إلا هذا الحديث. وقال الفسوى: اضطربت الرواية في هذا الحديث. وينظر علل ابن أبى حاتم (٤٤٧)، والتحفة ١/ ٤٥٠ - ٤٥٢.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".","vol":"3","page":179},{"text":"وُضِع عن المسافرِ في سفرِه حتى يقيمَ فيقضيَه، لا أنهمَا أُمِرَتَا بالفديةِ والإفطارِ بغيرِ وجوبِ قضاءٍ، ولو كان في قولِ النبىِّ ﷺ: \"إنَّ اللهَ وضَع عن المُسافِرِ والمُرْضِعِ والحامِلِ الصومَ\". دَلالةٌ على أنه ﷺ إنما عنَى أنَّ اللهَ تعالى ذكرُه وضَع عنهم بقولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ لوجَبَ ألا يكونَ على المسافرِ إذا أفطرَ في سفرِه قضاءٌ، وألا يَلْزَمَه بإفطارِه ذلك إلا الفديةُ؛ لأن النبىَّ ﷺ قد جمَع بينَ حكمِه وبينَ حُكمِ الحاملِ والمرضِعِ، وذلك قولٌ إن قاله قائلٌ خلافٌ لظاهرِ كتابِ اللهِ، ولِمَا أجمَع عليه جميعُ أهلِ الإسلامِ.\nوقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ أنّ معْنى قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: وعلى الذين يُطيقونَ الطعامَ. وذلك تأويلٌ لتأويلِ أهلِ العلمِ مخالفٌ.\nوأمّا قراءةُ مَن قرَأ ذلك: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه). فقراءةٌ لمصاحفِ أهلِ الإسلامِ خلافٌ (^١)، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ من أهلِ الإسلامِ الاعتراضُ بالرأىِ على ما نقَله المسلمونَ وراثةً عن نبِّيهم ﷺ نقلًا ظاهرًا قاطعًا للعذرِ؛ لأن ما جاءت به الحجَّةُ من الدينِ هو الحقُّ الذى لا شكَّ فيه أنه من عندِ اللهِ، ولا يُعْتَرَضُ على ما قد ثبَت وقامتْ به حجةٌ أنه مِن عندِ اللهِ بالآراءِ والظنونِ والأقوالِ الشاذَّةِ.\nوأمّا معْنى \"الفديةِ\" فإنه الجزاءُ، من قولِك: فديتُ هذا بهذا. أى: جَزيتُه به، وأعطتُه بدلًا منه.\nومعْنى الكلامِ: وعلى الذين يُطيقونَ الصيامَ جزاءُ طَعامِ مسكينٍ منه؛ لكلِّ يومٍ أفطرَه من أيامِ صيامِه الذى كُتِب عليه.\nوأمّا قولُه: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فإن القرأةَ مختلفةٌ في قراءتِه؛ فبعضٌ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.","vol":"3","page":180},{"text":"يقرأُ بإضافةِ \"الفديةِ\" إلى \"الطعامِ\"، وخفضِ \"الطعامِ\"، وذلك قراءةُ عُظْمِ قرأةِ أهلِ المدينةِ (^١)، بمعْنى: وعلى الذين يُطيقونه أنْ يَفدُوه طعامَ مسكينٍ. فلمَّا جعَل مكانَ \"أنْ يفديَه\" \"الفديةَ\" أُضيفَت إلى \"الطعامِ\"، كما يقالُ: لزِمَتْنى غرامةُ درهمٍ لك. بمعنى: لزمنى أنْ أَغرَم لك درهمًا.\nوآخرون يقرَءونه بتنوينِ \"الفديةِ\" ورفعِ \"الطعامِ\"، بمعنى الإبانةِ بالطعامِ (^٢) عن معنى الفديةِ الواجبةِ على مَن أفطر في صومِه الواجبِ، كما يقالُ: لزِمَتْنى غرامةٌ درهمٌ لك. فيُبينُ بالدرهم عن معنى الغرامةِ؛ ما هى وما حدُّها. وذلك قراءةُ عُظْمِ قرأةِ أهلِ العراقِ (^٣).\nوأوْلَى القراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن قرأ: (فِدْيَةُ طَعَامِ) بإضافةِ \"الفديةِ\" إلى \"الطعامِ\"، [وتركِ تنوينِها وخفضِ \"الطعامِ\"] (^٤)؛ لأن الفديةَ اسمٌ للفعلِ، وهى غيرُ الطعامِ المَفْدِىِّ به الصومُ، وذلك أن الفديةَ مصدرٌ من قولِ القائلِ: فديتُ صومَ هذا اليومِ بطعامِ مسكينٍ، أَفديه فِدْيةً. كما يقالُ: جلستُ جِلسَةً، وَمَشَيْتُ مِشيةً. [فالفديةُ \"فِعلةٌ\"] (^٥)، والطعامُ غيرُها.\nفإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ (^٦) أنَّ أصحَّ القراءتين إضافةُ الفديةِ إلى الطعامِ. وواضحٌ خطأُ قولِ مَن قال: إن تَرْكَ إضافةِ الفديةِ إلى الطعامِ أصحُّ في المعنَى، من\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وابن عامر. حجة القراءات ص ١٢٤.\n(^٢) فى م: \"في الطعام\".\n(^٣) وهى قراءة ابن كثير وعاصم وأبى عمرو وحمزة والكسائى. المصدر السابق.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في م، ت ١: \"والفدية فعل\"، وفى ت ٢: \"فعلى\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تبين\".","vol":"3","page":181},{"text":"أجْلِ أن الطعامَ عندَه هو الفديةُ. فيقالُ لقائلِ ذلك: قد علِمْنا أنّ الفديةَ مُقتضيةٌ مُفدِيًا ومُفْدًى به وفديةً، فإنْ كان الطعامُ هو الفديةَ، والصومُ هو المفدَى به، فأين اسمُ فعلِ المفتدِى (^١) الذى هو فديةٌ؟ إنّ هذا القولَ بَيِّنٌ خطؤُه غيرُ مُشكلٍ.\nوأما \"الطعامُ\" فإنه مضافٌ إلى \"المسكينِ\". والقرأةُ في قراءةِ ذلك مختلِفون؛ فقرَأه بعضُهم بتوحيدِ المسكينِ (^٢)، بمعنَى: وعلى الذين يُطِيقونه فديةُ طعامِ مسكينٍ واحدٍ لكلِّ يومٍ أَفْطَره.\nكما حدَّثنى محمدُ بنُ يزيدَ الرفاعىُّ، قال: حدثنا حسينٌ الجُعْفىُّ، عن أبى عَمرٍو أنه قرَأ: ﴿فِدْيَةٌ﴾ رفعٌ منونٌ، ﴿طَعَامُ﴾ رفعٌ بغير تنوينٍ ﴿مِسْكِينٍ﴾. وقال: عن كلِّ يومٍ مسكينٌ.\nوعلى ذلك عُظْمُ قرأةِ أهلِ العراقِ.\nوقرَأه آخرون بجمعِ المساكينِ: (فديةُ طعام مساكينَ) (^٣). بمعنى: وعلى الذين يُطيقونه فديةُ طعامِ مساكينَ عنِ الشهرِ إذا أفطرَ الشهرَ كلَّه.\nكما حدَّثنى أبو هشامٍ محمدُ بنُ يزيدَ الرفاعىُّ، قال: حدثنا يعقوبُ، عن بشارٍ، عن عَمرٍو، عن الحسنِ: طعامُ مساكينَ عنِ الشهرِ كلِّه.\nوأَعجبُ القراءتينِ إلىَّ في ذلك قراءةُ مَن قرَأ: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. على الواحدِ، بمعنى: وعلى الذين يُطيقونَه عن كلِّ يومٍ أفطروه فديةٌ طعامُ مسكينٍ؛ لأن في إبانةِ حكمِ المفطرِ يومًا واحدًا وُصُولًا إلى معرفةِ حُكمِ المفطرِ جميعَ الشهرِ، وليس\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢: \"ومفدى\".\n(^٢) هى قراءة ابن كثير وعاصم وأبى عمرو وحمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ١٧٦.\n(^٣) هى قراءة نافع وابن عامر. المصدر السابق.","vol":"3","page":182},{"text":"في إبانةِ حُكمِ المفطرِ جميعَ الشهرِ وصولٌ إلى إبانةِ حكمِ المفطرِ يومًا واحدًا وأيّامًا هى أقلُّ من أيامِ جميعِ الشهرِ، وأنّ كلَّ واحدٍ يُترجِمُ عن الجميعِ، وأن الجميعَ لا يُترْجَمُ به عنِ الواحدِ، فلذلك اخترْنا قراءةَ ذلك بالتوحيدِ.\nواختلفَ أهلُ العلمِ في مبلغِ الطعامِ الذى كانوا يُطعِمون في ذلك إذا أَفطَروا؛ فقال بعضُهم: كان الواجبُ من طعامِ المسكينِ لإفطارِ اليومِ الواحدِ نصفَ صاعٍ من قمحٍ.\nوقال بعضُهم: كان الواجبُ (^١) مُدًّا من قمحٍ ومن سائرِ أقواتِهم.\nوقال بعضُهم: كان ذلك نصفَ صاعٍ من قمحٍ أو صاعًا من تمرٍ أو زبيبٍ.\nوقال بعضُهم: ما كان المفطِرُ يَتَقَوَّتُه يومَه الذى أفطَره.\nوقال بعضُهم: كان ذلك سَحورًا وعَشاءً يكونُ للمسكين إفطارًا. وقد ذكَرنا بعضَ هذه المقالاتِ فيما مضَى قبلُ، فكرِهنا إعادةَ ذِكرِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-578>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾.</span>\nاختَلفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فزادَ طعامَ مسكينٍ آخرَ فهو خيرٌ له، ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (^٢)\nحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ،\n_________\n(^١) بعده في م، ت ٢: \"من طعام المسكين لإفطار اليوم\".\n(^٢) تقدم أوله في ص ١٧٤.","vol":"3","page":183},{"text":"عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (^١).\nحدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِىِّ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قال: مَن أَطْعَمَ المسكينَ صاعًا (^٢).\nحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ قال: إطعامُ مساكينَ عن كلِّ يومٍ فهو خيرٌ له (^٣).\nحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن حنظلةَ، عن طاوسٍ نحوَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قال: طعامُ مسكينَيْنِ (^٤).\nحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا الحجاجُ، قال: حدثنا حمادٌ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ مثلَه.\n[حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدثنا سفيانُ، عن عبدِ الكريمِ، عن عطاءٍ مثلَه] (^٥).\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ١٧٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٩ (١٦٤٣) من طريق وكيع به.\n(^٣) بعده في م، ت ١، ت ٣: \"حدثنى المثنى قال حدثنا سويد قال أخبرنا ابن المبارك عن حنظلة عن طاوس ﴿فمن تطوع خيرا﴾ قال طعام مسكين\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مسكين\".\n(^٥) سقط من: م، ت ٣.","vol":"3","page":184},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عُمرُ بنُ هارونَ، قال: ثنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ أنه قرَأ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ بالتاءِ، خفيفةً (^١) ﴿خَيْرًا﴾. قال: زاد على مسكينٍ.\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾. فإن أطعَم مسكينَيْنِ فهو خيرٌ له (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: أخبَرنى ابنُ طاوسٍ، عن أبيه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾. قال: من أطعَم مسكينًا آخرَ (^٣).\nوقال آخرون: معْنى ذلك: فمن تطوَّع خيرًا فصامَ مع الفديةِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو صالحٍ، قال: حدثنى الليثُ، قال: أخبَرنى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾: يريدُ أنَّ مَن صامَ مع الفديةِ فهو خيرٌ له (^٤).\nوقال آخرون: معنَى ذلك: فمن تطوَّع خيرًا فزادَ المسكينَ على قدرِ طعامِه.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ\n_________\n(^١) أى مخففة الطاء.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٩ عقب الأثر (١٦٤٢) من طريق عمرو به.\n(^٣) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٩ عقب الأثر (١٦٤٢) معلقًا.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٩ (١٦٤٤) من طريق أبى صالح به.","vol":"3","page":185},{"text":"جُريجٍ. قال مجاهدٌ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾. فزاد طعامًا ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ (^١).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه عمَّ بقولِه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فلمْ يَخْصُصْ بعضَ معانى الخيرِ دونَ بعضٍ، وجمعُ الصومِ مع الفديةِ من تطوُّعِ الخيرِ، وزيادةُ مسكينٍ على جزاءِ الفديةِ من تطوُّعِ الخيرِ، [وزيادةُ المسكينِ على قدرِ قوتِ يومِه مِن تطوُّعِ الخيرِ] (^٢).\nوجائزٌ أن يكونَ جلَّ ثناؤُه عنَى بقولِه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أىَّ هذه المعانِى تطوَّع به المفتدِى مِن صومِه ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾؛ لأنّ كلَّ ذلك من تطوُّعِ الخيرِ ونوافلِ الفضلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-579>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وأن تَصوموا ما كُتِب عليكم من صومِ (١) شهرِ رمضانَ خيرٌ لكم مِن أن تُفطِروه وتَفْتدُوا.\nكما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾: ومَن تكلَّفَ الصيامَ فصامَه فهو خيرٌ له.\nحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو صالحٍ، قال: حدثنى الليثُ، قال: حدثنى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أى: إن الصيامَ خيرٌ لكم مِن الفديةِ.\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧٥٨٢) من طريق عبد الكريم عن مجاهد.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":186},{"text":"أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: وأنْ تَصُومُوا هو (^١) خَيْرٌ لكمْ (^٢).\nوأما قولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فإنه يعنى: إن كنتم تعلَمون خيرَ الأمرَين لكم أيّها الذين آمنوا؛ من الإفطارِ والفديةِ أو الصومِ على ما أمرَكم اللهُ به.\n\n<span id=\"aya-192\"></span><span data-type='title' id=toc-580>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: والشهرُ فيما قيلَ مأخوذٌ (^٣) أصلُه من الشُّهرةِ، يقالُ منه: قد شَهَر فلانٌ سيفَه. إذا أخرَجه من غِمدِه فاعترَض به مَن أراد ضربَهُ، يَشْهَرُه شَهْرًا. وكذلك: شهَر الشهرُ. إذا طلَعَ هلالُه، وأشهَرْنا نحن، إذا دخَلنا في الشهرِ.\nوأما \"رمضانُ\"، فإن بعضَ أهلِ المعرفةِ بلغةِ العربِ كان يزعُمُ أنه سُمِّى بذلك لشدةِ الحرِّ الذى كان يكونُ فيه حتى تَرمَضَ فيه الفِصالُ، كما قيل للشهرِ الذى يُحَجُّ: ذو الحِجةِ. والذى يُرتَبَعُ فيه: رَبيعٌ الأولُ وربيعٌ الآخرُ.\nوأما مجاهدٌ فإنه كان يَكْرَهُ أن يقالَ: رمضانُ. ويقولُ: لعله اسمٌ من أسماءِ اللهِ.\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو نُعيم، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ أنه كرِه أن [يقول: رمضانُ] (^٤). لعله اسمٌ من أسماءِ اللهِ، ولكن يقولُ كما قال اللهُ:\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٠٩ عقب الأثر (١٦٤٥) معلقًا.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م: \"يقال: رمضان. ويقول\".","vol":"3","page":187},{"text":"﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ (^١).\nوقد بينتُ فيما مضَى (^٢) أن ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ مرفوعٌ على قولِه: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ هنَّ شهرُ رمضانَ. وجائزٌ أن يكونَ رفعُه بمعنى: ذلك شهرُ رمضانَ. وبمعنى: كُتِبَ عليكم شهرُ رمضانَ.\nوقد قرأه بعضُ القرأةِ: (شَهْرَ رمضانَ) نصبًا (^٣)، بمعنى: كُتِبَ عليكم الصيامُ أنْ تصوموا شهرَ رمضانَ. وقرَأه بعضُهم نصبًا بمعنى: وأنْ تصوموا شهرَ رمضانَ خيرٌ لكم إن كنتم تعلَمون. وقد يجوزُ أيضًا نصبُه على وجهِ الأمرِ بصومِه، كأنه قيل: شهرَ رمضانَ فصومُوه. وجائزٌ نصبُه على الوقتِ، كأنه قيلَ: كُتِب عليكم الصيامُ في شهرِ رمضانَ.\nوأما قولُه: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. فإنه ذُكِر أنه نزَل في ليلةِ القدرِ من اللوحِ المحفوظِ إلى السماءِ الدنيا، في ليلةِ القدرِ من شهرِ رمضانَ، ثم أُنزِل إلى محمدٍ ﷺ على ما أراد اللهُ إنزالَه إليه.\nكما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن الأعمشِ، عن حسانَ [بنِ أبى الأَشْرَسِ] (^٤)، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أُنزِلَ القرآنُ\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١٠ عقب الأثر (١٦٤٨) معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٨٣ إلى المصنف ووكيع. وفى الباب حديث مرفوع بإسناد ضعيف، وقال ابن الجوزي في الموضوعات ٢/ ١٨٧: لم يذكر أحد في أسماء الله تعالى رمضان، ولا يجوز أن يسمى به إجماعا. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: \"إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة\". وينظر سنن البيهقي ٤/ ٢٠٢، والفتح ٤/ ١١٢.\n(^٢) بعده في الأصل: \"من\". وتقدم في ص ١٥٩.\n(^٣) وهى قراءة مجاهد وشهر بن حوشب وهارون الأعور عن أبي عمرو، وأبي عمارة عن حفص عن عاصم. البحر المحيط ٢/ ٣٨.\n(^٤) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبي الأشرس\".","vol":"3","page":188},{"text":"جملةً مِن الذكرِ في ليلةِ أربعٍ (^١) وعشرين من رمضانَ، فجُعِل في بيتِ العزَّةِ (^٢). قال أبو كريبٍ: قال أبو بكرٍ: وقال ذلك السُّدِّىُّ.\nحدَّثنى عيسى بنُ عثمانَ، قال: ثنا يحيى بنُ (^٣) عيسى، عن الأعمشِ، عن حسانَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: نزَل القرآنُ جملةً واحدةً في ليلةِ القدرِ في شهرِ رمضانَ، فجُعِل في السماءِ الدنيا (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ، قال: ثنا عمرانُ القطانُ، عن قتادةَ، عن ابنِ أبى المليحِ، عن واثِلةَ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"نزَلتْ صحفُ إبراهيمَ أولَ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ، وأُنزِلتِ التوراةُ لستٍّ مضَينَ من رمضانَ، وأُنزِل الإنجيلُ لثلاثَ عشرةَ خلتْ، وأُنزل القرآنُ لأربعٍ وعشرين من رمضانَ\" (^٥).\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أربعة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥٣٣، والنسائى في الكبرى (٧٩٩١)، والطبرانى في الكبير (١٢٣٨١، ١٢٣٨٢)، والحاكم ٢/ ٢٢٣ من طرق عن الأعمش به بنحوه. وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٦٨٩)، وابن الضريس في فضائله (١١٨)، والحاكم ٢/ ٢٢٢، ٥٣٠، والبيهقى في الدلائل ٧/ ١٣١، وفي الأسماء والصفات (٤٩٥) من طريق منصور، عن سعيد نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٨٩ إلى الفريابي ومحمد بن نصر وابن مردويه والضياء في المختارة.\n(^٣) في م: \"عن\".\n(^٤) أخرجه ابن الضريس في فضائله (١١٩) من طريق يحيى بن عيسى به.\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣١٠ (١٦٤٩)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٧٥ (١٨٥)، والأوسط (٣٧٤٠)، والبيهقى ٩/ ١٨٨، وفي الشعب (٢٢٤٨)، وفى الأسماء والصفات (٤٩٤) من طريق عبد الله ابن رجاء به. وأخرجه أحمد ٢٨/ ١٩١ (١٦٩٨٤) من طريق عمران به. وعزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ١٨٩ إلى محمد بن نصر والأصبهانى في الترغيب. وقد تفرد عمران بهذا الإسناد، وفيه ضعف.\nورواه عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي مليح، عن جابر موقوقًا، عند أبي يعلى (٢١٩٠)، وعبيد الله متروك.\nورواه إبراهيم بن طهمان، عن قتادة من قوله ولم يجاوز به، قاله البيهقى في الأسماء والصفات. وإبراهيم لم يلق قتادة.","vol":"3","page":189},{"text":"حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾: أما ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. فإن ابنَ عباسٍ قال: شهرُ رمضانَ، والليلةُ المباركةُ: ليلةُ القدرِ، فإن ليلةَ القدرِ هى الليلةُ المباركةُ، وهى في رمضانَ، نزَل القرآنُ جملةً واحدةً من الزُّبُرِ إلى البيتِ المعمورِ، وهو موقعُ (^١) النجومِ في السماءِ الدنيا، حيث وقَع القرآنُ، ثم نُزِّل على محمدٍ ﷺ بعد ذلك في الأمرِ والنَّهىِ، وفى الحروبِ (^٢) رَسَلًا (^٣) رَسَلًا (^٤).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أنزَل اللهُ القرآنَ إلى السماءِ الدنيا في ليلةِ القدرِ، فكان اللهُ إذا أرادَ أن يُوحِىَ منه شيئًا أوْحاهُ، فهو قولُه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (^٥) [القدر: ١].\nحدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي عدىٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، فذكرَ نحوَه. وزاد فيه: فكان بين أولِه وآخرِه عشرون سنةً (^٦).\nحدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نزَل القرآنُ كلُّه جملَةً واحدةً في ليلةِ القدرِ، في رمضانَ إلى السماءِ الدنيا، فكان اللهُ إذا أرادَ أن يُحدِثَ في الأرضِ شيئًا أنزَله منه حتى جمعَه (^٧).\n_________\n(^١) في م: \"مواقع\".\n(^٢) بعده في الأصل: \"وفى الرجال\".\n(^٣) الرسَل واحد الأرسال: وهي الأفواج والفرق المتقطعة يتبع بعضها بعضا. ينظر النهاية ٢/ ٢٢٢.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٨٩ إلى المصنف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥٣٣، وأبو عبيد في الفضائل ص ٢٢٢، وابن الضريس في الفضائل (١١٦)، والنسائي في الكبرى (٧٩٩٠)، والحاكم ٢/ ٢٢٢، والبيهقى في الدلائل ٧/ ١٣١، ١٣٢، وفي الأسماء والصفات (٤٩٧) من طرق عن داود به.\n(^٦) أخرجه النسائى في الكبرى (٧٩٨٩) من طريق ابن أبي عدى به.\n(^٧) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٢٢ - وعنه البيهقى في الأسماء والصفات (٤٩٨) - من طريق ابن المثنى. وأخرجه ابن الضريس (١١٧) من طريق عبد الأعلى به.","vol":"3","page":190},{"text":"حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن حكيمِ بنِ جُبيرٍ (^١)، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نزَل القرآنُ في ليلةِ القدرِ من السماءِ العُلْيا إلى السماءِ جملةً واحدةً، ثم فُرِّقَ في السنين بعدُ. قال: وتلا ابنُ عباسٍ هذه الآيةَ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] قال: نزَل مُتفرِّقًا (^٢).\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليّةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، قال: بلَغنا أن القرآنَ نزَل جملةً واحدةً إلى السماءِ الدنيا.\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، قراءةً (^٣) عن (^٤) ابنِ جُريجٍ في قولِه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ قال: قال ابنُ عباسٍ: نزَل القرآنُ جملةً واحدةً على جبريلَ في ليلةِ القدرِ، فكان لا يُنزِلُ منه إلا [ما أُمِر] (^٥). قال ابنُ جُريجٍ: كان يُنزَّلُ من القرآنِ في ليلةِ القدرِ كلُّ شيءٍ يُنزَّلُ من القرآنِ في تلك السنةِ، فيتنَزّلُ (^٦) ذلك من السماءِ السابعةِ على جبريلَ في السماءِ الدنيا، فلا يُنزِّلُ جبريلُ مِن ذلك علَى محمدٍ إلَّا ما أمَرهُ به ربُّه، ومثلُ ذلك: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. و: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (^٧) [الدخان: ٣].\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ،\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جبر\".\n(^٢) في م: \"مفرقا\". والأثر أخرجه الحاكم ٢/ ٥٣٠ - وعنه البيهقى في الشعب (٢٢٥٠) - من طريق هشيم به.\n(^٣) في م: \"قرأة\".\n(^٤) سقط من النسخ.\n(^٥) في م: \"بأمر\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فنزل\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٨٩ إلى المصنف.","vol":"3","page":191},{"text":"عن السُّدىِّ، عن محمدِ بنِ أبى المجالدِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال له رجلٌ: إنه قد وقَع في قلبى الشكُّ من قولِه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وقولِه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. وقولِه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. وقد أنزَل اللهُ في شوالٍ وذى القَعدةِ وغيرِه. قال: إنما نزَل في رمضانَ في ليلةِ القدرِ، وليلةٍ مباركةٍ جملةً واحدةً، ثم أُنزِل على مواقعِ النجومِ رَسَلًا في الشهورِ والأيامِ (^١).\nوأما قولُه: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ فإنه يعنى: رشادًا للناسِ إلى سبيلِ الحقِّ وقَصدِ المنهجِ.\nوأما قولُه: ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾ فإنه يعنى: واضحاتٍ، ﴿مِنَ الْهُدَى﴾ يعنى: من البيانِ الدالِّ على حدودِ اللهِ وفرائضِه وحلالِه وحرامِه.\nوقولُه: ﴿وَالْفُرْقَانِ﴾ يعنى: والفَصلِ بين الحقِّ والباطلِ.\nكما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: أما ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ فبيناتٍ من الحلالِ والحرامِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-581>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويلِ في معنى شهودِ الشهرِ؛ فقال بعضُهم: هو مُقامُ المقيمِ في دارِه. قالوا: فمن دخَل عليه شهرُ رمضانَ وهو مقيمٌ في دارِه، فعليه صومُ الشهرِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم ١/ ٣١٠ (١٦٥٠)، والبيهقى في الأسماء والصفات (٥٠١) من طريق عبيد الله به، وأخرجه الطبرانى في الكبير (١٢٠٩٥) من طريق مقسم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٨٩ إلى محمد بن نصر وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١١ (١٦٥٤) من طريق عمرو به.","vol":"3","page":192},{"text":"كلِّه، غابَ بعدُ فسافرَ أو أقام فلم يَبْرَحْ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ حُميدٍ ومحمدُ بنُ عيسى الدَّامَغانىُّ، قالا: ثنا ابنُ المباركِ، عن الحسنِ بنِ يحيى، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ قال: هو إهلالُه بالدَّارِ. يريدُ إذا هَلَّ وهو مقيمٌ (^١).\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا حصينٌ، عمّن حدَّثه، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في قولِه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾: فإذا شهِده وهو مقيمٌ فعليه الصومُ، أقامَ أو سافرَ، وإن شهِده وهو في سفرٍ، فإن شاء صامَ، وإن شاءَ أفطرَ (^٢).\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، عن عَبيدةَ في الرجل يُدركُه رمضانُ ثم يسافِرُ، قال: إذا شهِدتَ أولَه فَصُمْ آخرَه، ألا تراه يقولُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٣)؟\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن هشامٍ القُرْدوسيِّ (^٤)، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: سألتُ عَبيدةَ عن رجلٍ أدرَك رمضانَ وهو مقيمٌ، قال: من صامَ أولَ الشهرِ فلْيصُمْ آخرَه، ألا تراه يقولُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾؟\nحدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمرٌو قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، أما: ﴿فَمَنْ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩٠ إلى المصنف، وعبد بن حميد.\n(^٢) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣١٢ عقب الأثر (١٦٥٦) معلقًا.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧٧٥٩)، وابن أبى شيبة ٣/ ١٨ من طريق أيوب به، والأثر في تفسير سفيان ص ٥٧ قال: قال عبيدة. . . نذكره مختصرًا.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الفردوسى\".","vol":"3","page":193},{"text":"شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. فمن دخَل عليه رمضانُ وهو مقيمٌ في أهلِه فلْيصُمْه، فإن خرَج فيه فلْيَصُمْه، فإنه دخَل عليه وهو في أهلِه (^١).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا حجاجٌ قال: ثنا حمادٌ، قال: أخبرَنا قتادةُ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ السلمانيِّ، عن عليٍّ -فيما يحسَبُ حمادٌ- قال: مَن أدرَكه (^٢) رمضانُ وهو مقيمٌ لم يخرُجْ فقد لزِمه الصومُ، لأن اللهَ جلّ وعزّ يقولُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٣).\nحدَّثنا هنّادُ بنُ السَّرىِّ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ (^٤)، عن إسماعيلَ بنِ مُسلمٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: سألتُ عَبيدةَ السلمانيَّ عن قولِ اللهِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ قال: من كان مقيمًا فلْيصُمْه، ومن أدْرَكَه ثم سافرَ فيه فلْيصُمْهُ.\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن ابنِ عونٍ، عن ابنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: من شهِد أولَ رمضانَ فليصمْ آخرَهُ.\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عَبْدَةُ، عن سعيدِ بنِ أبى عَروبةَ، عن قتادةَ، أن عليًّا كان يقولُ: إذا أدرَكه رمضانُ وهو مقيمٌ ثم سافرَ فعليه الصومُ (^٥).\nحدَّثنا هنّادٌ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ، عن عُبيدَةَ الضبيِّ، عن إبراهيمَ، قال: كان\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣١٢ عقب الأثر (١٦٥٦) من طريق عمرو به.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أدرك\".\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٣١٢ (١٦٥٦) من طريق حماد به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩٠ إلى وكيع وعبد بن حميد.\n(^٤) في م: \"الرحمن\".\n(^٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ١٨ من طريق سعيد به، وأخرجه عبد الرزاق (٧٧٦١) عن معمر، عن قتادة بمعناه، وقتادة لم يدرك عليًّا ﵁ ولم يسمع منه. ينظر تحفة التحصيل ص ٢٦٢، ٢٦٣. وتهذيب الكمال ٢٣ / الترجمة ٤٨٤٨.","vol":"3","page":194},{"text":"يقولُ: إذا أدْرَكَك رمضانُ فلا تسافِرْ فيه، فإن صُمتَ فيه يومًا أو اثنين ثم سافرتَ فلا تُفطِرْه، صُمْهُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عَمرِو بنِ مُرّةَ، عن أبى البَخْترىِّ، قال: كنا عند عَبيدةَ فقرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ قال: مَن صام شيئًا منه في المصرِ فلْيَصُمْ بقيتَه إذا خرَج. قال: وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: إن شاءَ صامَ، وإن شاءَ أفطرَ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قالا جميعًا: ثنا أيوبُ، عن أبى يزيدَ، عن أمِّ ذَرَّةَ (^٣)، قالتْ: أتيتُ عائشةَ في رمضانَ، قالت: من أين جئتِ؟ قلتُ: من عند أخى حُنينٍ. قالت: ما شأنُه؟ قلتُ: ودَّعْتُه يريدُ يرتحِلُ. قالت: فأقرئيه السلامَ ومُرِيه فلْيُقِمْ، فلو أدرَكنى رمضانُ وأنا ببعضِ الطريقِ لأَقَمْتُ له (^٤).\nحدَّثنا هنّادٌ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ عيسى، عن أفلحَ، عن عبدِ الرحمنِ، قال: جاءَ إبراهيمُ بنُ طلحةَ إلى عائشةَ يسلِّمُ عليها (^٥)، قالت: وأين تريدُ؟ قال (^٦): أرَدتُ العمرةَ. قالت: فجلَستَ حتى إذا دخَل عليك الشهرُ خرجتَ فيه! قال: قد خرَج\n_________\n(^١) ذكره ابن حزم في المحلى ٦/ ٣٧١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ١٨ عن غندر به نحوه، وأخرجه البيهقى ٤/ ٢٤٦ من طريق شعبة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"درة\".\n(^٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ١٩ عن عبد الوهاب به، وأخرجه عبد الرزاق (٧٧٦٤) عن معمر عن أيوب به بنحوه -وفى إسناده سقط-، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩١ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) بعده في الأصل: \"ثم\".\n(^٦) في الأصل: \"قالت\".","vol":"3","page":195},{"text":"ثَقَلِى (^١). قالت: اجلِسْ حتى إذا أفطرتَ فاخرُجْ. يعنى شهرَ رمضانَ (^٢).\nوقال آخرون: معنى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾: فمن شهِدَ منكم الشهرَ فليصُمْ ما شهِدَ منه.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِىِّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن أبى إسحاقَ، أن أبا مَيسرةَ خرَج في رمضانَ حتى إذا بلَغ القنطرةَ دعا بماءٍ فشرِب.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، قال: خرَج أبو مَيسرةَ في رمضانَ مسافرًا، فمرّ بالفُراتِ وهو صائمٌ، فأخَذ منه كفًّا فشرِبه وأفطَر (^٣).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبى إسحاقَ، عن مَرثدٍ، أن أبا ميسرةَ سافرَ في رمضانَ فأفطرَ عند بابِ الجسرِ. هكذا قال هنادٌ: عن مَرثدٍ. وإنما هو مَزْيَدٌ (^٤).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبرَنا إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ، عن مَزيدٍ (^٥) أنه خرَج معَ أبى مَيسرةَ في رمضانَ، فلما انتهى إلى الجسرِ أفطرَ.\nحدَّثنا هنادٌ وأبو هشامٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن المسعودىِّ، عن الحسنِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، قال: كنتُ مع عليٍّ في ضَيعةٍ له على ثلاثٍ من المدينةِ، فخرَجْنا نريدُ\n_________\n(^١) الثقل: المتاع. اللسان (ث ق ل).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ١٩ عن جرير به بنحوه.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبو مرثد\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مرثد\".","vol":"3","page":196},{"text":"المدينةَ في شهرِ رمضانَ وعلىٌّ راكبٌ وأنا ماشٍ، قال: فصام. قال هنادٌ: وأفطرتُ. وقال أبو هشامٍ: وأمَرنى فأفطَرتُ (^١).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عُتْبةَ، عن الحسنِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، قال: كنتُ مع عليِّ بنِ أبى طالبٍ، وهو جائىٌ (^٢) من أرضٍ له، فصامَ وأمَرنى فأفطرتُ، فدخَل المدينةَ ليلًا وكان راكبًا وأنا ماشٍ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ مهدىٍّ، قالا جميعًا: ثنا سفيانُ، عن عيسى بنِ أبى عَزَّةَ، عن الشعبيِّ أنه سافر في شهرِ رمضانَ، فأفطرَ عند بابِ الجسرِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: قال لى سفيانُ: أحَبُّ إليَّ أن تُتِمَّه.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، قال: سألتُ الحكمَ وحمادًا، وأردتُ أن أسافِرَ في رمضانَ، فقالا: اخْرُجْ. وقال حمادٌ: قال إبراهيمُ: أما إذا كان العَشْرُ فأحَبُّ إلىَّ أن يقيمَ.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا حمادٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ وسعيدِ بنِ المسيَّبِ، قالا: من أدرَكه الصومُ وهو مقيمٌ رمضانَ ثم سافرَ، قالا: إن شاءَ أفطرَ (^٤).\n_________\n(^١) ينظر في المحلى ٦/ ٣٧٢.\n(^٢) في م: \"جاءٍ\"، والذى في الأصل بإثبات الياء جائز فصيح.\n(^٣) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ٣/ ١٤ عن ابن نمير عن زكريا عن الشعبى أنه كان لا يصوم في السفر. وأخرج عبد الرزاق معناه في المصنف ٤/ ٢٧٠ (٧٧٦٦) من قول الشعبى.\n(^٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ١٩ من طريق حماد به. وأخرج عبد الرزاق في المصنف (٧٧٦٦) عن معمر عن الحسن معناه مطولًا.","vol":"3","page":197},{"text":"وقال آخرون: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ يعنى: فمَن شهِده عاقلًا بالغًا مكلَّفًا فلْيصُمْه.\nوممن قال ذلك أبو حنيفةَ وأصحابُه، كانوا يقولُون: من دخَل عليه شهرُ رمضانَ وهو صحيحٌ عاقلٌ بالغٌ فعليه صَومُه، فإن جُنَّ بعدَ دخولِه عليه، وهو بالصفةِ التى وصَفْنا، ثم أفاقَ بعدَ انقضائِه، لزِمه قضاءُ ما كان فيه مِن أيامِ الشهرِ مغلوبًا على عقلِه، لأنه كان ممَّنْ شهِده وهو مِمَّنْ عليه فُرِض.\nقالوا: فكذلك لو دخَل عليه شهرُ رمضانَ وهو مجنونٌ إلا أنه ممَّنْ لو كان صحيحَ العقلِ كان عليه صومُه، [فلم يَنْقَضِ] (^١) الشهرُ حتى صَحَّ وبرَأ و(^٢) أفاقَ قبل انقضاءِ الشهرِ بيومٍ أو أكثرَ من ذلك، فإن عليه قضاءَ صومِ الشهرِ كلِّه سوى اليومِ الذى صامَه بعد إفاقَتِه، لأنه ممّن قد شهِد الشهرَ.\nوقالوا: ولو دخَل عليه شهرُ رمضانَ وهو مجنونٌ فلم يُفِقْ حتى انقضى الشهرُ كلّه ثم أفاق، لم يَلْزَمْه قضاءُ شيءٍ منه، لأنه لم يكن ممّن شهِده مكلَّفًا صومَه.\nوهذا تأويلٌ لا معنى له؛ لأن الجنونَ إن كان يُسقِطُ عمّن كان به فرضَ الصومِ من أجلِ فَقْدِ صاحبِه عقلَه جميعَ الشهرِ، فقد يَجِبُ أن يكونَ ذلك سبيلَ كلِّ من فَقَد عقلَه جميعَ شهرِ الصومِ. [وقد أجمَع الجميعُ على أنّ مَن فقَد عقلَه جميعَ شهرِ الصومِ] (^٣) بإغماءٍ أو بِرسامٍ (^٤)، ثم أفاقَ بعد انقضاءِ الشهرِ، أنّ عليه قضاءَ الشهرِ كلِّه.\n_________\n(^١) في م: \"فلن ينقضى\".\n(^٢) في م: \"أو\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) البِرْسام: ورم حار يعرض للحجاب الذى بين الكبد والأمعاء، ثم يتصل إلى الدماغ حتى يهذى من=","vol":"3","page":198},{"text":"لم يخالِفْ ذلك أحدٌ يجوزُ الاعتراضُ به على الأُمّةِ. وإذا كان ذلك (^١) إجماعًا، فالواجبُ أن يكونَ سبيلُ كلِّ مَن كان زائلَ العقلِ جميعَ شهرِ الصومِ سبيل المغمَى عليه. وإذا كان ذلك كذلك، كان معلومًا أن تأويلَ الآيةِ غيرُ الذى تأوَّلَها به (^١) قائلو هذه المقالةِ من أنه شُهودُ الشهرِ أو بعضِه مُكلَّفًا صومَه. فإذا بطَل ذلك فتأويلُ المتأوِّلِ الذى زعَم أن معناه: فمن شهِد أولَه مقيمًا حاضرًا فعليه صومُ جميعِه. أبْطَلُ وأفْسَدُ، لتظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه خرَج عامَ الفتحِ من المدينةِ في شهرِ رمضانَ بعد ما صامَ بعضَه فأفطر وأمرَ أصحابَه بالإفطارِ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سافرَ رسولُ اللهِ ﷺ في رمضانَ من المدينةِ إلى مكةَ، حتى إذا أتى عُسْفانَ (^٢) نزَل به، فدعا بإناءٍ فوضَعه على يدِه ليراهُ الناس، ثم شرِبَه ﷺ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ وسفيانُ بنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه (^٤).\n_________\n= يصاب به. التاج (برسم).\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) عسفان: منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة، وقيل: بين المسجدين، وهى من مكة على مرحلتين، وقيل: قرية جامعة على ستة وثلاثين ميلا من مكة وهى حد تهامة. سميت عسفان لتعسف الليل بها. معجم البلدان ٣/ ٦٧٣.\n(^٣) أخرجه الطيالسى (٢٧٦٦)، وأحمد ٥/ ٢٤٩ (٣١٦٢)، والنسائى (٢٢٨٩)، وابن ماجة (١٦٦١)، والمصنف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ٩٥، ٩٦، والبغوى في الجعديات (٨٢٠)، والطحاوى في شرح المعانى ٢/ ٦٤، ٦٥، من طرق عن منصور به. وأخرجه النسائى (٢٢٨٧)، والطبرانى (١١٠٥٣)، وابن عبد البر في التمهيد ٩/ ٦٧، ٦٨ من طريق الحكم، عن مجاهد، به.\n(^٤) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ٩٣، وأخرجه البخارى (٤٢٧٩)، ومسلم (١١١٣)، والنسائى (٢٢٩٠)، وابن خزيمة (٢٠٣٦) من طريق جرير به.","vol":"3","page":199},{"text":"حدَّثنا هنادٌ، ثنا عُبيدةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه (^١).\nحدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا ابنُ إسحاقَ، قال: وحدثنى الزهرىُّ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: مضَى رسولُ اللهِ ﷺ لسفرِه عامَ الفتحِ لعشرٍ مَضَين من رمضانَ، فصامَ رسولُ اللهِ ﷺ، وصام الناسُ معَه، حتى (^٢) أتى الكَدِيدَ (^٣)، ما بين عُسفانَ وأمَجَ (^٤)، ثم (^٥) أفطَر (^٦).\nحدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا عَبدةُ (^٧)، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن الزُّهرِىِّ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ قال: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ لعشرٍ أو لعشرينَ مضَتْ من رمضانَ عامَ الفتحِ، فصام حتى إذا كان بالكَدِيدِ أفطرَ (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٨٢، ١٨٣ (٢٣٥٠)، وابن خزيمة (٢٠٣٦) من طريق عبيدة به.\n(^٢) بعده في م: \"إذا\".\n(^٣) الكديد: موضع بالحجاز على اثنين وأربعين ميلا من مكة. معجم البلدان ٤/ ٢٤٥.\n(^٤) أمج: بلد من أعراض المدينة، وقيل: أمج وغُرّان واديان يأخذان من حرة بنى سليم ويفرغان في البحر. معجم البلدان ١/ ٣٥٧.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٩٩، ٤٠٠، وأخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٠١، وأخرجه البيهقى في الدلائل ٥/ ١٩، ٢٠ من طريق يونس بن بكير به، وأخرجه أحمد ٤/ ٢٢٢، ٥/ ٦٦ (٢٣٩٢، ٢٨٨٢) من طريق ابن إسحاق به، وفى الموضع الثانى: فلما نزل مَرَّ الظهران.\nوالحديث أخرجه مالك ١/ ٢٩٤، والشافعى ١/ ٤٦٨، وعبد الرزاق (٤٤٧٢، ٧٧٦٢، ٩٧٣٨)، والبخارى (١٩٤٤، ٢٩٥٣، ٤٢٧٥، ٤٢٧٦)، ومسلم (١١١٣) وغيرهم من طريق الزهرى به. وينظر مسند الطيالسى (٢٨٤١).\n(^٧) في ت ١: \"عبيدة\".\n(^٨) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٠١.","vol":"3","page":200},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سالمُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا عُمرُ بنُ عامرٍ، عن قتادةَ، عن أبى نضرةَ، عن أبى سعيدٍ الخدرىِّ، قال: خرَجنا مع النبىِّ ﷺ لثمانِ عشرةَ مضَتْ من رمضانَ، فمِنَّا الصائمُ، ومنَّا المفطرُ، فلم يَعِبِ الصائمُ على المفطرِ، ولا المفطرُ على الصائمِ (^١).\n[فإذ كان فاسدًا] (^٢) هذان التأويلان بما عليه دللنا من فسادِهما، فبَيِّنٌ (^٣) أن الصحيحَ من التأويلِ هو الثالثُ، وهو قولُ من قال: فمن شهِد منكم الشهرَ فليصُمْ جميعَ ما شهِد منه مقيمًا، ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعِدَّةٌ من أيامٍ أُخَرَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-582>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.</span>\nيعنى جلّ ثناؤه بذلك: ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فى الشهرِ فأفطَر فعليه صيامُ عدَّةِ الأيامِ التى أفطرَها من أيامٍ أُخَرَ غيرِ أيامِ شهرِ رمضانَ.\nثم اختلَف أهلُ العلمِ فى المرضِ الذى أباحَ اللهُ به الإفطارَ، وأوجَب معه عدّةً من أيامٍ أُخرَ؛ فقال بعضُهم: هو المرضُ الذى لا يُطيقُ صاحبُه معه القيامَ لصلاتِه.\n_________\n(^١) أخرجه المصنف فى تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٠٩، وأخرجه مسلم (١١١٦) من طريق سالم بن نوح به. وأخرجه الطيالسى (٢٢٧١)، وابن أبى شيبة ٣/ ١٧، وأحمد ١٧/ ٢٨٦، ١٨/ ١٢، ٢١٨، ٢٣٥، ٣٧٥ (١١١٩١، ١١٤١٣، ١١٦٨٤، ١١٧٠٥، ١١٨٧٠)، ومسلم (١١١٦)، وأبو يعلى (١٠٣٥)، والمصنف فى تهذيب الآثار ص ١٠٩، ١١٠، وابن حبان (٣٥٦٢)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢/ ٦٨ من طرق عن قتادة به.\nوفى بعض ألفاظه \"لست عشرة\" وفى أخرى \"لسبع عشرة\"، وفى غيرهما \"لثنتى عشرة\"، وفى رواية: \"لسبع عشرة أو ثمان عشرة\". وينظر علل الدارقطنى ١١/ ٣٣٠ - ٣٣٢.\n(^٢) فى م ت \"فإذا كان فاسدين\".\n(^٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فتبين\".","vol":"3","page":201},{"text":"ذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا مُعاذُ بنُ شعبةَ البصرىُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، وإسماعيلَ ابنِ مُسلمٍ، عن الحسنِ، [أنهما قالا] (^١): إذا لم يَستطعِ المريضُ أن يُصلِّىَ قائمًا أفطَر (^٢).\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ أو عُبيدةَ، عن إبراهيمَ فى المريضِ إذا لم يَسْتَطعِ الصلاةَ قائمًا: فلْيُفطِرْ. يعنى فى رمضانَ.\nحدَّثنا هنّادٌ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن إسماعيلَ، قال: سألتُ الحسنَ: متى يفطِرُ الصائمُ؟ قال: إذا جَهَده الصومُ. قال: إذا لم يَستطعْ أن يصلِّىَ الفرائضَ كما أمِر (^٣).\nوقال بعضُهم: هو كلُّ مرضٍ كان الأغلَبُ من أمْرِ صاحبِه بالصومِ الزيادةَ فى علَّتِه زيادةً غيرَ المحتمَلةِ. وذلك هو قولُ محمدِ بنِ إدريسَ الشافعىِّ (^٤)، حدثنا بذلك عنه الربيعُ.\nوقال آخرون: هو كُلُّ (^٥) مرضٍ يسمَّى مرضًا.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا الحسنُ بنُ خالدٍ الربعىُّ، قال: ثنا طريفُ بنُ\n_________\n(^١) فى م: \"أنه قال\".\n(^٢) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١٩٠ إلى المصنف، وينظر تفسير البغوى ١/ ١٩٩، وفتح البارى ٨/ ١٧٩.\n(^٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مر\".\n(^٤) الأم ٢/ ١٠٤.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":202},{"text":"شهابٍ (^١) العُطاردىُّ، أنه دخَل على محمدِ بنِ سيرينَ فى رمضانَ وهو يأكُلُ فلمْ يسألْه، فلمّا فرَغ قال: إنه وَجِعتْ إصبَعى هذه (^٢).\nوالصوابُ من القولِ فى ذلك عندنا أن المرضَ الذى أذِنَ اللهُ ﷿ بالإفطارِ معه فى شهرِ رمضانَ، من كان الصومُ جاهدَه جَهدًا غيرَ مُحتمَلٍ، فكلُّ من كان كذلك فله الإفطارُ، وقضاءُ عدّةٍ من أيامٍ أُخرَ، وذلك أنه إذا بلَغ ذلك الأمرَ، فإن لم يكنْ مأذونًا له فى الإفطارِ فقد كُلِّفَ عُسرًا، ومُنِعَ يُسرًا. وذلك غيرُ الذى أخبرَ اللهُ أنه أراده بخلقِه بقولِه: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. وأمّا منْ كانَ الصومُ غيرَ جاهدِه، فهو بمعنى الصحيحِ الذى يُطيقُ الصومَ، فعليه أداءُ فَرْضِه.\nوأما قولُه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ فإن معناها: أيامًا معدودةً سوى هذه الأيامِ.\nوأما \"الأُخرُ\" فإنها جمعُ \"أُخرَى\"، كجمعِهم (^٣) \"الكُبرَى\" على \"الكُبَرِ\"، و\"القُربى\" على \"القُرَبِ\".\nفإن قال قائلٌ: أو ليست \"الأُخرُ\" من صفةِ الأيامِ؟ قيل: بلَى.\n[فإن قال: أوَليس واحدَ \"الأيامِ\" يومٌ وهو مذكَّرٌ؟ قيل: بلى] (^٤).\n_________\n(^١) فى النسخ: \"تمام\". وهو طريف بن شهاب العطاردى. ينظر الجرح والتعديل ٣/ ١٠، وتهذيب الكمال ١٣/ ٣٧٧ - ٣٧٩.\n(^٢) علقه البغوى فى تفسيره ١/ ١٩٩ عن طريف به. وطريف ضعيف.\n(^٣) فى م: \"بجمعهم\".\n(^٤) سقط من: الأصل.","vol":"3","page":203},{"text":"فإن قال: فكيف يكون واحدُ \"الأُخر\" \"أخْرى\" وهى صفةٌ لليومِ ولم يكُنْ \"آخر\"؟\nقيل: إنّ واحدَ \"الأيامِ\" وإنْ كان إذا نُعِت بواحدِ \"الأُخر\" فهو \"آخر\"، فإنّ الأيامَ فى الجمعِ تصيرُ إلى التأنيثِ، فتصيرُ نعوتُها وصفاتُها كهيئةِ صفاتِ المؤنثِ، كما يقالُ: مضَت الأيامُ جُمعُ. ولا يقالُ: أجمعاتٌ (^١)، ولا: أيامٌ أخرات (^٢).\nفإن قال لنا قائلٌ: فإن اللهَ جلّ ثناؤه قال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ومعنى ذلك عندك: فعليه عدَّةٌ من أيامٍ أُخرَ. كما قد وصفتَ فيما مضَى، فإن كان ذلك تأويلَه، فما قولُك فى من كان مريضًا أو على سفرٍ فصامَ الشهرَ وهو ممن له الإفطارُ، أمُجزيه ذلك من صيامِ عدَّةٍ من أيامٍ أُخَر، أم غيرُ مُجزِيه ذلك؟ وفرضُ صومِ عدَّةٍ من أيامٍ أُخرَ ثابتٌ عليه بهيئتِه وإن صامَ الشهرَ كلَّه؟ وهل لمن كان مريضًا أو على سفرٍ صيامُ شهرِ رمضانَ، أم ذلك محظورٌ عليه، وغيرُ جائزٍ له صومُه؟ والواجبُ عليه الإفطارُ فيه حتى يُقيمَ هذا ويَبرأَ هذا؟\nقيل: قد اختلَفَ أهلُ العلمِ فى كلِّ ذلك، ونحن ذاكرُو اختلافِهم فى ذلك، ومخبرونَ بأَوْلاهُ بالصَّوابِ إنْ شاءَ اللهُ؛ فقال بعضُهم: الإفطارُ فى المرضِ عَزْمةٌ من اللهِ واجِبةٌ، وليس بترخيصٍ.\n_________\n(^١) فى م: \"أجمعون\".\n(^٢) فى م: \"آخرون\".","vol":"3","page":204},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ، وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، جميعًا عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الإفطارُ فى السفرِ عزمةٌ (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: أخبرَنا شعبةُ (^٢)، عن يَعْلَى، عن يوسفَ بنِ الحَكَمِ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ -أو سُئِل- عن الصومِ فى السفرِ، فقال: أرأيت لو تصدّقتَ على رجُلٍ بصدقةٍ فردَّها عليك، ألم تغضَبْ؟ فإنها صدقةٌ مِن اللهِ تصدَّقَ بها عليكم (^٣).\nحدَّثنا نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأودىُّ، قال: ثنا المحاربىُّ، عن عبدِ الملكِ بنِ حُمَيدٍ، قال: قال أبو جعفرٍ: كان أبى لا يصومُ فى السَّفرِ وينهى عنه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبَيْدٌ، عن الضَّحَّاكِ أنه كرِه الصومَ فى السفرِ (^٥).\nوقال أهلُ هذه المقالةِ: مَن صام فى السفرِ فعليه القضاءُ إذا أقام.\n_________\n(^١) أخرجه المصنف فى تهذيب الآثار ص ١٣٧ (مسند ابن عباس)، والبزار (٩٨٦ - كشف) من طريق ابن أبى عدى به. وأخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ١٤، وعبد بن حميد -كما فى الدر المنثور ١/ ١٩١ - ومن طريقهما ابن حزم فى المحلى ٦/ ٣٨٨ من طريق سعيد به.\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سعيد\".\n(^٣) أخرجه المصنف فى تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٣٨، وأخرجه الدولابى فى الكنى ١/ ١٥٤، ١٥٥، وابن حزم فى المحلى ٦/ ٣٨٨ من طريق شعبة به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ١٩١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه المصنف فى تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٤٢.\n(^٥) أخرجه المصنف فى تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٤٣.","vol":"3","page":205},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا (^١) نصرُ بنُ علىٍّ الجَهْضَمِىُّ (^٢)، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ربيعةُ ابنُ كُلْثومٍ، عن أبيه، عن رجلٍ، أن عمرَ أمَر الذى صام فى السفرِ أن يُعِيدَ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى عَدِىٍّ، عن [شعبةَ، عن] (^٤) عمْرِو بنِ دينارٍ، عن رجلٍ مِن بنى تميمٍ، عن أبيه، قال: أمَر عُمرُ رجُلًا صام فى السفرِ أن يُعِيدَ صومَه (^٥).\nحدَّثنى أبو (^٦) حميْدٍ الحِمْصِىُّ، قال: ثنا علىُّ بنُ مَعْبَدٍ، عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عمْرٍو، عن عبدِ الكريمِ، عن عطاءٍ، عن المُحَرَّرِ بنِ أبى هريرةَ، قال: كنتُ معَ أبى فى سفرٍ فى رمضانَ، فكنتُ أصومُ ويُفْطِرُ، فقال لى أبى: أمَا إنَّك إذا أقمتَ قضيتَ (^٧).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا سليمانُ بنُ داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن عاصمٍ مولى قُرَيْبَةَ، قال: سمِعتُ عروةَ يَأْمُرُ رجلًا صام فى السفرِ أن يَقْضِىَ (^٨).\n_________\n(^١) بعده فى الأصل: \"محمد بن\".\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الخثعمى\".\n(^٣) أخرجه ابن حزم فى المحلى ٦/ ٣٨٧ من طريق كلثوم به، وأخرجه عبد الرزاق ٤/ ٢٧٠ (٧٧٦٣)، وعبد بن حميد -كما فى الدر المنثور ١/ ١٩١ -، وابن حزم من طريق عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن عمر.\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سعيد بن\".\n(^٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ١٨ من طريق شعبة به، وأخرجه عبد الرزاق ٤/ ٧٠ (٧٧٦٣) من طريق عمرو بن دينار عن كلثوم بن جبر، عن عمر، وكلثوم لم يدرك عمر.\n(^٦) فى م: \"ابن\".\n(^٧) أخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ١٨، والطحاوى فى شرح المعانى ٢/ ٦٣ من طريق عبد الكريم به بنحوه، وأخرجه ابن حزم فى المحلى ٦/ ٣٨٩ من طريق عطاء به بنحوه، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١٩١ إلى عبد بن حميد.\n(^٨) أخرجه ابن حزم فى المحلى ٦/ ٣٨٩ من طريق شعبة به بنحوه.","vol":"3","page":206},{"text":"حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن عاصمٍ مولى قُريبةَ أن رجلًا صام في السفرِ فأمَره عروةُ أن يَقضىَ.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ صَبِيحٍ، قال: ثنا رَبيعةُ بنُ كُلْثومٍ، عن أبيه كلثومٍ أن قومًا قدِموا على عمرَ بنِ الخطابِ، وقد صاموا شهرَ رمضانَ في سفرٍ، فقال لهم: واللهِ، لكَأَنَّكم كنتُم تصومون. فقالوا: واللهِ يا أميرَ المؤمنين، لقد صُمْنا. قال: فأطَقْتُموه؟ قالوا: نعم. قال: فاقْضُوه، فاقضوه، فاقضوه.\nوعِلَّةُ مَن قال هذه المقالةَ أن اللهَ فرَض بقولِه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ صومَ شهرِ رمضانَ على مَن شهِده مقيمًا غيرَ مسافرٍ، وجعَل على مَن كان مريضًا أو مسافرًا صومَ عِدَّةٍ مِن أيامٍ أُخَرَ غيرِ أيامِ شهرِ رمضانَ بقولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. قالوا: فكما غيرُ جائزٍ للمقيم إفطارُ أيامِ شهرِ رمضانَ وصومُ عِدَّةِ أيامٍ أُخَرَ مكانَها؛ لأن الذى فرَضه اللهُ عليه بشهودِه الشهرَ صومُ الشهرِ دونَ غيرِه، فكذلك غيرُ جائزٍ لمَن لم يَشْهَدْه مِن المسافرينَ مقيمًا صومُه؛ لأن الذى فرَضه اللهُ عليه عِدَّةٌ مِن أيامٍ أُخَرَ.\nواعتلُّوا أيضًا مِن الخبرِ بما حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سعيدٍ الواسطىُّ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ محمدٍ الزُّهْرِىُّ، قال: ثنا عبدُ (^١) اللهِ بنُ موسى، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"الصّائِمُ في السَّفَرِ كالمُفْطِرِ في الحَضَرِ\" (^٢).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبيد\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٢٣، وأخرجه البزار (١٠٢٥) من طريق يعقوب بن محمد به.=","vol":"3","page":207},{"text":"حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ (^١) اللهِ بنِ سعيدٍ، قال: ثنا [زيدُ، قال: أخبرنا] (^٢) يزيدُ بنُ عِيَاضٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"الصّائِمُ في السَّفَرِ كالمُفْطِرِ في الحَضَرِ\" (^٣).\nوقال آخرون: إباحةُ الإفطارِ في السفرِ رُخْصَةٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه رخَّصها لعبادِه، والفرضُ الصومُ، فمَن صام ففَرْضَه (^٤) أدَّى، ومَن أفطَر فبرخصةِ اللهِ له أفطَر. قالوا: وإن صام في سفرِه (^٥) فلا قضاءَ عليه إذا أقام.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا أيوبُ، قال: حدّث عُرْوَةُ وسالمٌ أنهما كانا عندَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ -إذ هو أميرٌ على المدينةِ- فتذاكَروا الصومَ في السفرِ، فقال سالمٌ: كان ابنُ عمرَ لا يصومُ في السفرِ. قال عروةُ: كانت عائشةُ تصومُ. فقال سالمٌ: إنما أُحَدِّثُ (^٦) عن ابنِ عمرَ. وقال عروةُ: إنما أُحَدِّثُ (^٦) عن\n_________\n= وأخرجه ابن ماجة (١٦٦٦)، والهيثم بن كليب في مسنده، والضياء في المختارة -كما في السلسلة الضعيفة (٤٩٨) - من طريق أسامة بن زيد به، وأبو سلمة لم يسمع من أبيه. وأخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ١٤، والنسائى (٢٢٨٣، ٢٢٨٤) من طريق عن ابن أبى ذئب، عن الزهرى به موقوفًا. وأخرجه النسائى (٢٢٨٥) من طريق أبى معاوية، عن ابن أبى ذئب، عن الزهرى، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه موقوفًا. والموقوف أصح، وينظر علل ابن أبى حاتم ١/ ٢٣٩، وعلل الدارقطنى ٤/ ٢٨٣، وسنن البيهقى ٤/ ٢٤٤، والضعيفة للألبانى ١/ ٧١٣.\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبيد\".\n(^٢) سقط من م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٢٤، وأخرجه ابن عدى ٧/ ٢٧٢٠ من طريق يزيد بن هارون به. ويزيد بن عياض متروك.\n(^٤) في م: \"فرضه\".\n(^٥) في م: \"سفر\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أخذت\".","vol":"3","page":208},{"text":"عائشةَ. حتى ارتفَعتْ أصواتُهما، فقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: اللهمَّ غَفْرًا (^١)، إذا كان يُسْرًا فصوموا، وإذا كان عُسْرًا فأفْطِروا (^٢).\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، قال: حدَّثنى رجلٌ، قال: ذُكِر الصومُ في السفرِ عندَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابنِ بَشَّارٍ (^٣).\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، ثنا ابنُ إسحاقَ، عن الزُّهْرِىِّ، عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: خرَج عمرُ بنُ الخطابِ في بعضِ أسفارِه في ليالٍ بَقِيتْ من رمضانَ، فقال: إن الشهرَ قد تَسَعْسَعَ (^٤) -قال أبو كُرَيْبٍ في حديثه: أو تَسَغْسَغَ (^٥)، ولم يَشُكَّ يعقوبُ- فلو صُمْنا! فصام وصام الناسُ مَعَه، ثم أقبَل مرةً قافلًا حتى إذا كان بالرَّوْحاءِ (^٦) أهلَّ هلالُ شهرِ رمضانَ، فقال: إن اللهَ قد قضَى السفَرَ، فلو صُمْنا ولم نَثلِمْ (^٧) شهرَنا! قال: فصام وصام الناسُ معَه (^٨).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ بَشيرٍ، قال: حدَّثنى أبى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عفوا\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٣٦، وينظر المحلى ٦/ ٣٧٢.\n(^٣) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٢٩، ١٣٠.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢: \"تشعشع\". وبالسين والشين روايتان، وتسعسع: أدبر وفنى إلا أقله. وتشعشع: كأنه ذهب به إلى رقة الشهر وقلة ما بقى منه، كما يشعشع اللبن بالماء. ينظر النهاية ٢/ ٣٦٨، ٤٨١.\n(^٥) في م: \"تسعسع\". والمثبت موافق لما في تهذيب الآثار للمصنف، وله مجاز في اللغة.\n(^٦) بفتح أوله، وبالحاء المهملة، ممدود: قرية جامعة لمزينة، على ليلتين من المدينة، بينهما أحد وأربعون ميلا. معجم ما استعجم ٢/ ٦٨١.\n(^٧) ثلَم الإناءَ والسيفَ ونحوه يَثلِمه ثَلْمًا، كسر حرفه، والثُّلْمةُ الموضع الذى قد انثلم. اللسان (ث ل م).\n(^٨) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٣٥، ١٣٦.","vol":"3","page":209},{"text":"محمدُ بنُ عُمارَةَ (^١)، قال: حدثنا عُبَيْدُ اللهِ، قال: أخبرَنا بَشِيرُ بن سلمانَ، عن خَيْثَمَةَ، قال: سألتُ أنسَ بنَ مالكٍ عن الصومِ في السفرِ، فقال: قد أمَرتُ غلامى أن يصومَ فأبَى، قلتُ: فأين هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ قال: نزَلت ونحنُ يومئذٍ نَرْتَحِلُ جِياعًا ونَنْزِلُ على غيرِ شِبَعٍ، وإنَّا اليومَ نَرْتَحِلُ شِباعًا، ونَنْزِلُ على شِبعٍ (^٢).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن بَشيرِ بنِ سلمانَ، عن خَيْثَمَةَ، عن أنسٍ نحوَه.\nحدَّثنا هنَّادٌ وأبو السائبِ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن عاصمٍ، عن أنسٍ أنه سُئِل عن الصومِ في السفرِ فقال: من أفطَرَ فبرخصةِ اللهِ، ومن صام فالصومُ أفضلُ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أشعثَ بنِ عبدِ الملكِ، عن محمدِ بنِ عثمانَ بنِ أبى العاصِ، قال: الفطرُ في السفرِ رخصةٌ، والصومُ أفضلُ (^٤).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدثنى عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو الفَيْضِ، قال: [كان علينا أميرٌ] (^٥) بالشامِ، فنهانا عن الصومِ في السفرِ، فسألتُ أبا قِرْصَافَةَ؛\n_________\n(^١) في م: \"بشار\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بشارة\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٤٥، ١٤٦، وأخرجه البخارى في تاريخه ٣/ ٢١٦، والنسائى في الكبرى (١١٠٢٠) من طريق بشير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩١ إلى عبد بن حميد، وخيثمة بن أبى خيثمة ضعيف.\n(^٣) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٢٧ عن أبى السائب -وحده- به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ١٥ عن أبى معاوية ومروان به. وأخرجه الطحاوى في معانى الآثار ٢/ ٦٧، والبيهقى ٤/ ٢٤٥ من طرق عن عاصم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٣٠، وأخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ١٦ عن أبى أسامة به بنحوه، وأخرجه هو، والطبرانى (٨٣٨٩)، وفى الأوسط (١٤٦٠) من طريق أشعث به، وأخرجه الطبرانى في الكبير (٨٣٩٠)، والبيهقى ٤/ ٢٤٥ من طريق ابن سيرين به.\n(^٥) في م: \"كان علىٌّ علينا أميرًا\".","vol":"3","page":210},{"text":"رجُلًا مِن أصحابِ النبى ﷺ مِن بنى ليثٍ -قال عبدُ الصمدِ: سَمِعتُ رجُلًا مِن قومِه يقولُ: إنه واثلةُ بنُ الأسْقَعِ- قال: لو صُمْتُ في السفرِ ما قضيتُ (^١).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن بِسْطامَ بنِ مسلمٍ، عن عطاءٍ، قال: إن صُمْتُم أجْزَأَ عنكم، وإن أفطَرتم فرُخصةٌ.\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن كَهْمَسٍ، قال: سألتُ سالمَ بنَ عبدِ اللهِ عن الصومِ في السفرِ، قال: إن صُمْتُم أجزَأَ عنكم، وإن أفطَرْتُم فرُخصةٌ (^٢).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ، عن طلحةَ بنِ عمْرٍو، عن عطاءٍ، قال: مَن صام فحقٌّ أدَّاه، ومَن أفطَرَ فرُخصةٌ أخَذ بها.\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: الفطرُ في السفرِ رُخصةٌ، والصومُ أفضلُ (^٣).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن حَجَّاجٍ، عن عطاءٍ، قال: هو تعليمٌ، وليس بعَزْمٍ (^٤)، قولُ اللهِ جلّ وعزّ: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ إن شاء صام، وإن شاء لم يَصُمْ (^٥).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ في الرجلِ يُسافِرُ في\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٤٢، وأخرجه الحاكم ٣/ ٥٦٩، والبيهقى ٤/ ٢٤٤ من طريق شعبة به، ووقع في رواية الحاكم والبيهقى تسمية الأمير مسلمة بن عبد الملك.\n(^٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ١٦، والمصنف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٣٤، من طريق كهمس به بنحوه.\n(^٣) أخرجه الطحاوى في معانى الآثار ٢/ ٧٠ من طريق سفيان به.\n(^٤) بعده في م: \"يعنى\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٤/ ٢٦٩ عقب الأثر (٧٧٦٠) عن ابن جريج عن عطاء نحوه.","vol":"3","page":211},{"text":"رمضانَ، قال: إن شاء صام، وإن شاء أفطَر (^١).\nحدَّثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ حبيبٍ، قال: ثنا العَوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: قلتُ لمجاهدٍ: الصومُ في السفرِ؟ قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ فيه ويُفْطِرُ، قال: قلتُ: فأيُّهما أحبُّ إليكَ؟ قال: إنما هى رُخصةٌ، وأن تصومَ رمضانَ أحبُّ إلىَّ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ (^٣)، قال: ثنا شعبةُ، عن حمَّادٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ وإبراهيمَ ومجاهدٍ أنهم قالوا: الصومُ في السفرِ، إن شاء صام، وإن شاء أفطَرَ، والصومُ أحبُّ إليهم (^٤).\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، [حدثنا أبو داودَ] (^٥)، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى إسحاقَ، قال: قال لى مجاهدٌ في الصومِ في السفرِ -يعنى صومَ شهرِ رمضانَ-: واللهِ، ما منهما إلَّا حلالًا (^٦)؛ الصومُ والإفطارُ، وما أراد اللهُ بالإفطارِ إلَّا التيسيرَ لعبادِه (^٧).\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن [الأشعثِ ابنِ سُلَيمٍ] (^٨)، قال: صحِبْتُ أبى والأسودَ بنَ يزيدَ وعمْرَو بنَ ميمونٍ وأبا وائلٍ إلى\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٤/ ٢٦٩ (٧٧٦٠) من طريق قتادة عن الحسن بنحوه مطولًا.\n(^٢) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٢٧، وأخرجه النسائى (٢٢٩١) عن حميد ابن سعدة به مختصرًا، وأخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ١٦ من طريق العوام به دون المرفوع، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حفص\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٣٤، وأخرجه الطحاوى في معانى الآثار ٢/ ٧٠ من طريق شعبة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩١ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال حدثنا محمد بن جعفر\".\n(^٦) كذا في النسخ، وفى م: \"حلال\".\n(^٧) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٣٤، ١٣٥.\n(^٨) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأعمش عن سليمان\".","vol":"3","page":212},{"text":"مكةَ، فكانوا (^١) يصومون رمضانَ وغيرَه في السفرِ (^٢).\nحدَّثنى علىُّ بنُ الحسنِ الأزْدِىُّ، قال: ثنا مُعَافَى بنُ عِمرانَ، عن سفيانَ، عن حمَّادٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، قال: الفطرُ في السفرِ رُخصةٌ، والصومُ أفضلُ (^٣).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سعيدٍ الواسطىُّ، قال: ثنا يعقوبُ الزُّهْرِىُّ، قال: ثنا صالحُ بنُ محمدِ بنِ صالحٍ، عن أبيه، قال: قلتُ للقاسمِ بنِ محمدٍ: إنا نُسافِرُ في الشتاءِ في رمضانَ، فإن صمتُ فيه كان أهْوَنَ علىَّ مِن أن أقْضِيَه في الحَرِّ؟ فقال: قال اللهُ: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ما كان أيسرَ عليك فافعلْ (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ أوْلَى عندنا بالصوابِ؛ لإجماعِ الجميعِ على أن مريضًا لو صام شهرَ رمضانَ -وهو مِمَّن له الإفطارُ لمرضِه- أن صومَه ذلك مُجْزِئٌ عنه، ولا قضاءَ عليه إذا برَأ مِن مرضِه بعدَّةٍ مِن أيامٍ أُخَرَ، فكان معلومًا بذلك أن حُكْمَ المسافرِ حكمُه في ألا قضاءَ عليه إن صامه في سفرِه؛ لأن الذى جُعِل للمسافرِ مِن الإفطارِ وأُمِر به مِن قضاءِ عِدَّةٍ مِن أيامٍ (^٥) أُخَرَ، مثلُ الذى، جُعِلَ مِن ذلك للمريضِ وأُمِر به مِن القضاءِ. ثم في دلالةِ الآيةِ كفايةٌ مُغْنِيةٌ عن استشهادِ شاهدٍ على صحةِ ذلك بغيرِها، وذلك قولُ اللهِ جلّ ثناؤه: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وكانوا\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٤٧، وأخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ١٦، ١٧ من طريق محمد بن جعفر به، وفيه: عن أبى الشعثاء. وهو خطأ، والصواب: عن ابن أبى الشعثاء. وهو الأشعث ابن سليم.\n(^٣) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٣١.\n(^٤) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٣٢.\n(^٥) بعده في م: \"من\".","vol":"3","page":213},{"text":"الْعُسْرَ﴾. فلا (^١) عُسْرَ أعظمُ مِن أن يُلْزَمَ مَن صامَه في سفرِه عِدَّةً مِن أيامٍ أُخَرَ، وقد تكلَّفَ أداءَ فرْضِه في أثقلِ الحالينِ عليه حتى قضاه وأدَّاه.\nفإن ظنَّ ذو غَبَاوةٍ أن الذى صامه لَمْ يكن فَرْضَه الواجبَ، فإنَّ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ما يُنْبِئُ عن (^٢) أن المكتوبَ صومُه مِن الشهورِ على كلِّ مؤمنٍ هو شهرُ رمضانَ، مسافرًا كان أو مقيمًا؛ لعمومِ اللهِ جلّ وعزّ المؤمنين بذلك بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ وأن قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ معناه: ومَن كَان مريضًا أو على سفرٍ فأفطرَ برُخصةِ اللهِ، فعليه صومُ عِدَّةٍ من أيامٍ أُخَرَ مكانَ الأيامِ التى أفطرَ في سفرِه أو مرضِه. ثم في (^٣) تظاهُرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بقولِه -إذ (^٤) سُئِل عن الصومِ في السفرِ-: \"إنْ شِئْتَ فَصُمْ، وإنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ\" الكفايةُ الكافيةُ عن الاستدلالِ على صحَّةِ ما قُلْنا في ذلك بغيرِه.\nحَدَّثَنَا هنَّادٌ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ ووكيعٌ وعَبْدَةُ، عن (^٥) هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أن حمزةَ سأل رسولَ اللهِ ﷺ عن الصومِ في السفرِ، وكان يَسْرُدُ الصومَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إن شِئْتَ فَصُمْ، وإن شِئْت فأفْطِرْ\" (^٦).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ولا\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في م: \"إذا\".\n(^٥) في م: \"بن\".\n(^٦) أخرجه مسلم (١١٢١/ ١٠٦) من طريق عبد الرحيم، وأخرجه أحمد ٦/ ٢٠٧ (الميمنية) عن وكيع، وأخرجه الترمذى (٧١١)، والنسائى (٢٣٠٧) من طريق عبدة، ثلاثتهم عن هشام به، وأخرجه البخاري =","vol":"3","page":214},{"text":"حَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ وعُبَيْدُ بنُ إسماعيلَ الهبَّارىُّ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، أن حمزةَ سأل رسولَ اللهِ ﷺ. فذكَر نحوَه (^١).\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكَمِ المصريُّ، قال: ثنا أبو زُرْعَةَ [وهبُ اللهِ] (^٢) بنُ راشدٍ، قال (^٣): أخبرَنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ، قال: أخبرَنا أبو الأسودِ، أنه سمِع عروةَ بنَ الزبيرِ يُحَدِّثُ عن أبي مُرَاوحٍ، عن حمزةَ الأسلميِّ صاحبِ رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: يا رسولَ اللهِ، إنى أَسْرُدُ الصيامَ (^٤)، فأصومُ في السفرِ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إنَّما هِىَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ للعبادِ، فمَنْ قبِلها (^٥) فَحَسَنٌ جميلٌ، ومَن تَرَكَهَا فَلا جُناحَ عليه\". فكان حمزةُ يصومُ الدهرَ، فيصومُ في السفرِ والحَضَرِ، وكان عروةُ بنُ الزبيرِ يصومُ الدهرَ، فيصومُ في السفرِ والحضرِ، حتى إن كان لَيَمْرَضُ فما (^٦) يُفْطِرُ، وكان أبو مُراوحٍ يصومُ الدهرَ، فيصومُ في السفرِ والحضرِ (^٧).\nففى هذا، مع نظائرِه مِن الأخبارِ التى يطولُ باستيعابِها الكتابُ، الدلالةُ الدالَّةُ على صِحَّة ما قُلنا مِن أن الإفطارَ رُخصةٌ لا عَزْمٌ، والبيانُ الواضحُ على صِحَّةِ ما قُلنا\n_________\n= (١٩٤٢، ١٩٤٣) ومسلم (١١٢١/ ١٠٣ - ١٠٥)، والنسائى (٢٣٠٤، ٢٣٠٥، ٢٣٠٦) من طرق أخرى عن هشام به.\n(^١) أخرجه المصنّف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١١٨، وأخرجه أيضًا في ص ١٦٦، ١٦٧ من طريق أيوب عن هشام به، وأخرجه النسائي (٢٣٠٣) من طريق هشام به.\n(^٢) في م: \"وعبد الله\". ينظر الجرح والتعديل ٩/ ٢٧.\n(^٣) في م: \"قال\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الصوم\".\n(^٥) في م: \"فعلها\". ينظر شرح معانى الآثار.\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فلا\".\n(^٧) أخرجه الطحاوى في شرح معانى الآثار ٢/ ٧١ من طريق حيوة به، وأخرج المرفوع منه مسلم (١١٢١/ ١٠٧) من طريق أبي الأسود به.","vol":"3","page":215},{"text":"في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\nفإن قال قائلٌ: فإن الأخبارَ بما قلتَ، وإن كانت متظاهرةً، فقد تظاهرتْ أيضًا بقولِه: \"لَيْسَ مِن البِرِّ الصِّيامُ في السَّفَرِ\".\nقيل: ذلك إذا كان [الصائمُ بمثلِ] (^١) الحالِ التى جاء الأثرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال في ذلك لمن قاله (^٢) له.\nحَدَّثَنِي الحسينُ بنُ يزيدَ السَّبِيعيُّ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ الحسنِ، عن جابرٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ رأَى رجُلًا في سفرٍ (^٣)، قد ظُلِّلَ عليه، وعليه جماعةٌ فقال: \"ما (^٤) هَذَا؟ \" قالوا: صائمٌ. قال: \"ليس [مِن البِرِّ] (^٥) الصَّوْمُ في السَّفَرِ\" (^٦).\n[قال أبو جعفر: أخشى أن يكونَ هذا الشيخُ غلِط، وبين ابن إدريسَ ومحمدِ ابنِ عبدِ الرحمنِ شعبةُ] (^٧).\nحَدَّثَنَا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن [محمدِ بنِ] (^٨) عبدِ الرحمنِ بنِ سعدِ بنِ زُرَارَةَ الأنصارىِّ، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ الحسنِ بنِ عليٍّ،\n_________\n(^١) في م: \"الصيام في مثل\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٣) في م: \"سفره\".\n(^٤) في م: \"من\".\n(^٥) في الأصل: \"البر في\".\n(^٦) أخرجه المصنّف في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) ص ١٥٦ عن الحسين بن يزيد وسَلْم بن جنادة فذكرا الإسناد على الصواب.\n(^٧) سقط من الأصل.\n(^٨) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":216},{"text":"عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: رأى رسولُ اللهِ ﷺ رجلًا قد اجْتَمَع الناسُ عليه، وقد ظُلِّلَ عليه، فقالوا: هذا رجلٌ صائمٌ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ليس مِن (^١) البِرِّ أن تَصُومُوا في السَّفرِ\" (^٢).\nفمَن بلَغ منه الصومُ ما بلَغ مِن الذى قال له النبيُّ ﷺ ذلك، فليس مِن البرِّ صومُه؛ لأنَّ اللهَ جلّ ثناؤه قد حرَّم على كلِّ أحدٍ تعريضَ نفْسِه لما فيه هلاكُها، وله إلى نجاتِها سَبِيلٌ، فإنما يُطْلَبُ البِرُّ بما ندَب اللهُ إليه، وحضَّ عليه مِن الأعمالِ، لا بما نهَى عنه.\nوأَمَّا الأخبارُ التى رُوِيت عنه ﷺ مِن قولِه: \"الصَّائِمُ في السَّفَرِ كالمُفْطِرِ في الحَضَرِ\". فقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ قِيل لمن بلَغ منه الصومُ ما بلَغ من هذا الذى ظُلِّل عليه، إن كان قيل (^٣) ذلك، وغيرُ جائزٍ أن يُضافَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قيلُ ذلك؛ لأنَّ الأخبارَ التى جاءت بذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ واهيةُ الأسانيدِ لا يجوزُ الاحتجاجُ بها في الدِّينِ.\nوإن قال قائلٌ: وكيف عطَف على \"المريضِ\" -وهو اسمٌ- بقولِه: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ و\"على\" صفةٌ لا اسمٌ؟\nقِيل: جاز أن يُنْسَقَ [بـ\"على\"] (^٤) على \"المريضِ\"؛ لأنَّها في معنى الفعلِ،\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢٢/ ١٠٣ (١٤١٩٣)، ومسلم (١١١٥)، وغيرهما من طريق محمد بن جعفر به. وأخرجه البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥)، وغيرهما من طريق شعبة به. وينظر مسند الطيالسى (١٨٢٧).\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"قبل\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فعلا\".","vol":"3","page":217},{"text":"وتأويلُ ذلك: أو مسافرًا. كما قال جلّ ثناؤه: ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس: ١٢] فعطَف بالقاعدِ والقائمِ على اللامِ التى في ﴿لِجَنْبِهِ﴾ لأنَّ معناها الفعلُ، كأنه قال: دعانا مُضْطَجِعًا أو قاعدًا أو قائمًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-583>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤه: يُرِيدُ اللهُ بكم أيُّها المؤمنون -بترخيصِه لكم في حالِ مرضِكم وسفرِكم في الإفطارِ، وقضاءِ عِدَّةٍ مِن أيامٍ أُخَرَ مِن الأيامِ التى أفطَرْتُموها بعدَ إقامتِكم وبعدَ بُرْئِكم مِن مرضِكم- التخفيفَ عليكم، والتسهيلَ عليكم؛ لعلمِه بمشقَّةِ ذلك عليكم في هذه الأحوالِ.\n﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ يقولُ: ولا يُرِيدُ بكم الشدَّةَ والمشقَّةَ عليكم، فيُكَلِّفَكم صومَ الشهرِ في هذه الأحوالِ، مع علْمِه بشدَّةِ ذلك عليكم، وثِقَلِ حِمْلِه عليكم لو حمَّلكم صومَه.\nكما حَدَّثَنِي المثُنَّي، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ ابنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ قال: اليُسْرُ الإفطارُ في السفرِ، والعُسْرُ الصِّيامُ في السفرِ (^١).\nحَدَّثَنَا محمدُ بنُ المُثَنَّي، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي حمزةَ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن الصومِ في السفرِ، فقال: يُسْرٌ وعُسْرٌ، فَخُذْ بيُسرِ اللهِ (^٢).\nحَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المبارَكِ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١٣ (١٦٦٠، ١٦٦٣) من طريق أبي صالح به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٤ عن محمد بن جعفر به.","vol":"3","page":218},{"text":"شِبْلٍ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ قال: هو الإفطارُ في السفرِ، وجَعْلُ عِدَّةٍ مِن أيامٍ أُخَرَ، ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.\nحَدَّثَنَا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾: فأريدُوا لأنفسِكم ما (^١) أراد اللهُ بكم (^٢).\nحَدَّثَنَا المُثَنَّي، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ عُيَيْنَةَ، عن عبدِ الكريمِ الجَزَرِيِّ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا تَعِبْ على مَن صام ولا على مَن أفطَرَ -يعنى في السفرِ في رمضانَ- ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: ثنا الفَضْلُ (^٣) بنُ خالدٍ، قال: ثنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ بنَ مُزَاحِمٍ فى قولِه: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾: الإفطارُ في السفرِ، ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾: الصيامُ في السفرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-584>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ عِدَّةَ ما أفطرْتُم، [من أيامِ شهرِ رمضانَ في سفرِكم أو مرضِكم] (^٤)، مِن أيامٍ أُخَرَ، أوْجَبْتُ عليكم قضاءَ عِدَّةٍ مِن أيامٍ أُخرَ بعدَ بُرْئِكم مِن مرضِكم، أو إقامتِكم مِن سفرِكم.\nكما حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المُبَارَكِ، عن\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذى\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لكم\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الفضيل\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":219},{"text":"جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ قال: عِدَّةَ ما أفطرَ المريضُ والمسافرُ (^١).\nحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ قال: إكمالُ العدةِ أن يصومَ ما أفطَرَ مِن رمضانَ في مرضٍ أو سفرٍ أن يُتِمَّه، فإذا أتمَّه فقد أكمَل العدةَ.\nفإن قال لنا قائلٌ: ما الذى عليه بهذه الواوِ التى في قولِه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ عُطِفَتْ؟\nقيل: اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: هى عاطفةٌ على ما قبلَها، كأنه قيل: ويُرِيدُ لِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللهَ.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (^٢): هذه اللامُ التى في قولِه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾ لامُ \"كى\"، لو أُلْقِيتْ كان صوابًا. قال: والعربُ تُدْخِلُها في كلامِها على إضمارِ فعلٍ بعدَها، ولا يكونُ شرطًا للفعلِ الذى قبلَها وفيها الواوُ، ألا تَرَى أنك تقولُ: جئتُك لتُحْسِنَ إليَّ. ولا تقولُ: جئتُك وَلِتُحْسِنَ إليَّ. فإذا قلتَه فأنت تُرِيدُ: ولِتُحْسِنَ جئتُك. قال: وهذا في القرآنِ كثيرٌ، منه قولُه: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ﴾ [الأنعام: ١١٣]. وقولُى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]. لو لَمْ تكن فيه الواوُ كان شرطًا على قولِك: أرَيْناه ملكوتَ السماواتِ والأرضِ ليكونَ. فإذا كانت الواوُ فيها فلها فِعلٌ مُضْمَرٌ بعدَها: وليكونَ مِن المُوقِنين أرَيْناه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩٤ إلى المصنّف.\n(^٢) هو الفراء في معانى القرآن ١/ ١١٣.","vol":"3","page":220},{"text":"وهذا القولُ أوْلَى بالصوابِ فى العربيةِ؛ لأن قولَه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ ليس قبلَه لامٌ بمعنى اللامِ التى فى قولِه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ فيعطفَ بقولِه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ عليها، وأن دخولَ الواوِ معَها يُؤْذِنُ بأنها شرطٌ لفعلٍ بعدَها، إذ كانت الواوُ لو حُذِفت كانت شرطًا لما قبلَها مِن الفعلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-585>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.</span>\nيعنى بذلك: ولِتُعَظِّموا اللهَ بالذكْرِ له بما أنعَمَ عليكم به مِن الهدايةِ التى خذَّل عنها غيرَكم مِن أهلِ المِلَلِ الذين كتَب عليهم مِن صومِ شهرِ رمضانَ مثلَ الذى كتَب عليكم منه (^١)، فضلُّوا عنه بإضلالِ اللهِ إيَّاهم، وخصَّكم بكرامتِه فهداكم له، ووفَّقكم لأداءِ ما كتَب عليكم مِن صومِه، وتَشْكُروه على ذلك بالعبادةِ له. والذكرُ الذى حضَّهم اللهُ جلّ ثناؤه على تعظيمِه به (^٢) التكبيرُ يومَ الفطرِ فيما تأوَّله جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المُبَارَكِ، عن داودَ بنِ قيسٍ، قال: سمِعتُ زيدَ بنَ أسلمَ يقولُ: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ قال: إذا رُئى (^٣) الهلالُ، فالتكبيرُ مِن حين يُرَى الهلالُ حتى يَنْصَرِفَ الإمامُ فى الطريقِ والمسجدِ، إلَّا أنه إذا حضَر الإمامُ كُفَّ فلا يُكَبَّرُ إلَّا بتكبيرِه (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، وفى م: \"فيه\".\n(^٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"له\".\n(^٣) فى م: \"رأى\".\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٣١٤ (١٦٦٦) من طريق ابن المبارك به بلفظ: التكبير يوم الفطر. وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١٩٨ إلى ابن المنذر والمروزى فى كتاب \"العيدين\".","vol":"3","page":221},{"text":"حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخبرَنا ابنُ المبُاركِ، قال: سمِعتُ سفيانَ يقولُ: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ قال: بلَغَنا أنه التكبيرُ يومَ الفطرِ.\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: حقٌّ على المسلمين إذا نَظروا إلى هلالِ شَوَّالٍ أن يُكَبِّروا اللهَ حتى يَفْرُغوا مِن عيدِهم؛ لأن اللهَ يقولُ: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (^١).\nقال ابنُ زيدٍ: يَنْبَغِى لهم إذا غَدَوْا إلى المُصَلَّى كَبَّروا، فإِذا جلَسوا كبَّروا، فإذا جاء الإمامُ صمَتوا، فإذا كبَّر الإمامُ كبَّروا، لا يُكَبِّرون إذا جاء الإمامُ إلَّا بتكبيرِه، حتى إذا فرَغ وانْقَضَتِ الصلاةُ فقد انقضى العيدُ. قال يونسُ: قال ابنُ وهبٍ: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ: والجماعةُ عندَنا على أن يَغْدُوا بالتكبيرِ إلى المُصَلَّى.\n\n<span data-type='title' id=toc-586>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾.</span>\nيعنى جلّ ثناؤه بذلك: ولِتَشْكُروا اللهَ على ما أنعَم به عليكم مِن الهدايةِ والتوفيقِ، وتيسيرِ ما لو شاء عسَّره عليكم.\nو\"لعلّ\" فى هذا الموضعِ بمعنى \"كى\"، ولذلك عُطِف به على قولِه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.\n\n<span id=\"aya-193\"></span><span data-type='title' id=toc-587>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤه: وإذا سألك يا محمدُ عبادى عنِّى أين أنا؟ فإنى قريبٌ منهم، أَسْمَعُ دعاءهم، وأُجِيبُ دعوةَ الداعى منهم.\nوقد اخْتَلَفوا فيما أُنْزِلتْ فيه هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزَلت فى سائلٍ سأل\n_________\n(^١) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١٩٤ إلى المصنف.","vol":"3","page":222},{"text":"النبىَّ ﷺ، فقال: يا محمدُ، أقريبٌ ربُّنا فَنُناجِيَه، أمْ بعيدٌ فَنُنادِيَه؟ فأَنْزَل اللهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ الآية.\nحدَّثنا بذلك ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عَبْدَةَ السِّجِسْتانِىِّ (^١)، عن الصُّلْبِ (^٢) بنِ حَكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّه (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: سأل أصحابُ النبىِّ ﷺ النبىَّ ﷺ: أينَ ربُّنا؟ فأنْزَل اللهُ جلّ وعزّ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية (^٤).\nوقال آخَرون: بل نزَلت جوابًا لمسألةِ قومٍ سأَلوا النبىَّ ﷺ: أىُّ ساعةٍ يدعُون اللهَ فيها؟\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، قال: لماَّ نزَلت: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قال: قالوا: فى أىِّ ساعةٍ؟ قال: فنزَلت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ إلى\n_________\n(^١) فى الأصل: \"السختيانى\".\n(^٢) فى م، والعظمة: \"الصلت\". وينظر المؤتلف والمختلف ٣/ ١٤٣٥.\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة ص ٧٧ (١٩٠)، وابن مردويه -كما فى تفسير ابن كثير ١/ ٣١٣ - من طريق محمد بن حميد به، وأخرجه ابن أبى حاتم ١/ ٣١٤ (١٦٦٧)، والدارقطنى فى المؤتلف ٣/ ١٤٣٥ من طريق جرير به، وزاد الدارقطنى بين الصلب وأبيه: عن رجل من الأنصار.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٣.","vol":"3","page":223},{"text":"قولِه: ﴿يَرْشُدُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوَازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ قالوا: لو علِمْنا أىَّ ساعةٍ ندعو؟ فنزَلت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ الآية.\nحدَّثنى القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: زعَم عطاءُ بنُ أبى رَبَاحٍ أنه بلَغه لمَّا نزَلت: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قال الناسُ: لو نَعْلَمُ أىَّ ساعةٍ ندعو؟ فنزَلت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.\nحدّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ قال: ليس مِن عبدٍ مؤمنٍ يدعُو اللهَ إلَّا اسْتَجَاب له، فإن كان الذى يَدْعو به هو له رزقٌ فى الدنيا أعطاه إياه (^٢)، وإن لم يكنْ له رزقًا فى الدنيا ذخَره له إلى يومِ القيامةِ، أو (^٣) دفَع به عنه مكروهًا (^٤).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: [حدثنا أبو المهنَّا، قال] (^٥): ثنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن [عبدِ اللهِ] (^٥) ابنِ صالحٍ، عمَّن حدَّثه، أنه بلَغه أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"ما أُعْطِىَ أَحَدٌ الدُّعاءَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى فى الدعاء (١٠) من طريق سفيان به. وفى (١١) من طريق آخر عن ابن جريج به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ١٩٤ إلى وكيع وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الله\".\n(^٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم ١/ ٣١٤ (١٦٦٨) من طريق عمرو به.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":224},{"text":"فَمُنِعَ (^١) الإجابَةَ؛ لأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^٢) [غافر: ٦٠].\nومعنى مُتأوِّلى هذا التأويلِ: وإذا سألك [يا محمدُ] (^٣) عبادى عنِّى؛ أىُّ ساعةٍ يدعوننى، فإنى منهم قريبٌ فى كلِّ وقتٍ أُجِيبُ دعوةَ الداعِى إذا دعانِى.\nوقال آخَرون: بل نزَلت جوابًا لقولِ قومٍ قالوا -إذ قال اللهُ لهم: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ -: إلى أين نَدْعوه؟\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال مجاهدٌ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قالوا: إلى أين؟ فنزلتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٤) [البقرة: ١١٥].\nوقال آخرون: بل نزَلتْ جوابًا لقومٍ قالوا: كيف ندْعو.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أنه لمَّا أنْزَل اللهُ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قال رجالٌ: كيفَ ندعو يا نبىَّ اللهِ؟ فأنْزَل اللهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ إلى قولِه: ﴿يَرْشُدُونَ﴾ (^٥).\nوأمَّا قولُه: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾. فإنه يعنى به: فَلْيَسْتَجِيبوا لى بالطاعةِ. يقالُ منه: استجبتُ له واستجبتُه. بمعنى: أجبتُه. كما قال كعبُ بنُ سعدٍ\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ومنع\".\n(^٢) أخرجه البيهقى فى الشعب (٤٥٢٧) من طريق الليث به مطولا.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) تقدم فى ٢/ ٤٥٧.\n(^٥) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ١٩٤ إلى المصنف.","vol":"3","page":225},{"text":"الغَنَوىُّ (^١):\nوَدَاعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدَى … فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عندَ ذَاكَ مُجِيبُ\nيُرِيدُ: فلم يُجِبْه.\nوبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال [أهلُ التأويلِ] (^٢)؛ مجاهدٌ وجماعةٌ غيرُه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى الحَجَّاجُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال مجاهدٌ قولَه: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ قال: فَلْيُطِيعوا لى. قال: الاستجابةُ الطاعةُ (^٣)\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ المباركِ عن قولِه: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ قال: طاعةُ اللهِ.\nوقال بعضُهم: معنى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾: فَلْيَدْعُونى.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى منصورُ بنُ هارونَ، عن أبى رجاءٍ الخُراسانىِّ، قال: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾: فَلْيَدْعونى.\nوأمَّا قولُه: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ فإنه يعنى: وَلْيُصَدِّقوا (^٤) -إذا هم استجابوا لى بالطاعة- أنى لهم مِن وراءِ طاعتِهم لى فى الثوابِ عليها وإجزالى الكرامةَ لهم عليها.\nوأمَّا الذى تأوَّل قولَه: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ بمعنى: فَلْيَدْعونى. فإنه كان يَتَأَوَّلُ\n_________\n(^١) تقدم فى ١/ ٣٣٥.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٣١٥ (١٦٧٠) من طريق حجاج به.\n(^٤) بعده فى م: \"أى وليؤمنوا بى\".","vol":"3","page":226},{"text":"قولَه: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ أى: وَلْيُؤْمِنوا بى أنى أَسْتَجِيبُ لهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى منصورُ بنُ هارونَ، عن أبى رجاءٍ الخُراسانىِّ: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ يقولُ: أنى أَسْتَجِيبُ لهم.\nوأمَّا قولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ فإنه يعنى: فَلْيَسْتَجِيبوا لى بالطاعةِ، وَلْيُؤْمِنوا بى فَيُصَدِّقوا على طاعتِهم إيَّاى بالثوابِ منِّى لهم؛ ليَهْتَدوا (^١) بذلك مِن فعلِهم [ويَرْشُدوا] (^٢).\nكما حدَّثنى به المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بن سعدٍ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ فى قولِه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ يقول: لعلَّهم يَهْتَدون (^٣).\nفإن قال لنا قائلٌ: وما معنى هذا القولِ مِن اللهِ، فأنت تَرَى كثيرًا مِن البشرِ يَدْعون اللهَ فلا يُستجابُ لهم دعاءٌ، وقد قال: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾؟!\nقيل: إن لذلك وجهينِ مِن المعنى؛ أحدُهما: أن يكونَ مَعْنِيًّا بالدعوةِ العملُ بما ندَب اللهُ إليه أو أمَر به، فيكونَ تأويلُ الكلامِ: وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريبٌ ممَّن أطاعنى وعمِل بما أمَرتُه به؛ أُجِيبُه بالثوابِ على طاعتِه إيَّاى إذا أطاعنى. فيكونُ معنى الدعاءِ مسألةَ العبدِ ربَّه ما وعَد أولياءَه على طاعتِهم بعمَلِه (^٤) بطاعتِه، ومعنى الإجابةِ\n_________\n(^١) فى م: \"وليهتدوا\".\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيرشدوا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٣١٥ (١٦٧٢) من طريق أبى جعفر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ١٩٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بعملهم\".","vol":"3","page":227},{"text":"مِن اللهِ التى ضمِنها له الوفاءَ له بما وعَد العاملين له بما أمَرهم به، كما رُوِى عن النبىِّ ﷺ مِن قولِه: \"إنَّ الدُّعاءَ هُوَ العِبَادَةُ\".\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا جريرٌ (^١)، عن الأعمشِ، عن ذَرٍّ، عن يُسَيْعٍ (^٢) الحَضْرَميِّ، عن النعمانِ بنِ بَشيرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إنَّ الدُّعاءَ هُوَ العِبَادَةُ\". ثُمَّ قرَأ: \" ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (^٣).\nفأخْبَر ﷺ أن دعاءَ اللهِ إنما هو عبادتُه ومسألتُه بالعملِ له والطاعةِ.\nوبنحوِ الذى قلنا في ذلك ذُكِر أن الحسنَ كان يقولُه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني منصورُ بنُ هارونَ، عن عبدِ اللهِ بنِ المباركِ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن الحسنِ أنه قال فيها: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. قال: اعْمَلُوا وأبْشِروا، فإنه حقٌّ على اللهِ أن يَسْتَجِيبَ للذينَ آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ ويَزِيدَهم مِن فضلِه (^٤).\nوالوجهُ الآخَرُ: أن يكونَ معناه: أجِيبُ دعوةَ الداعي إذا دعانِ إن شئتُ، فيكونُ ذلك -وإن كان عامًّا مخرجُه في التلاوةِ- خاصًّا معناه (*).\n_________\n(^١) في م: \"جويبر\".\n(^٢) في م: \"سبيع\". وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٣٠٦.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٢٠٠، وأحمد ٣٠/ ٢٨٢، ٢٩٧، ٢٩٨، ٣٣٦، ٣٤٠، ٣٨٠ (١٨٤٣٦، ١٨٣٥٢، ١٨٣٨٦، ١٨٣٩١، ١٨٤٣٢)، والترمذي (٢٩٦٩، ٣٢٤٧)، والنسائي في الكبرى (١١٤٦٤)، وابن ماجه (٣٨٢٨)، والطبراني في الدعاء (٤ - ٧)، وأبو نعيم ٨/ ١٢٠، والبيهقي في الدعوات الكبير (٤) من طرق عن الأعمش به.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الدعاء (٩) من طريق ابن المبارك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٦ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.\n(*) إلى هنا ينتهى الجزء الرابع من المخطوط الأصل، ويتلوه الجزء الخامس وبأوله خرم ينتهى في أثناء ص ٢٦٩=","vol":"3","page":228},{"text":"<span id=\"aya-194\"></span><span data-type='title' id=toc-588>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾: أُطْلِقَ لكم وأُبِيحَ.\nويعنى بقولِه: ﴿لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾: في ليلةِ الصيامِ.\nفأمَّا ﴿الرَّفَثُ﴾ فإنه كنايةٌ عن الجمَاعِ في هذا الموضعِ، يقال: هو الرَّفَثُ والرُّفُوثُ. وقد رُوِى أنها في قراءةِ عبدِ اللهِ: (أُحِلَّ لكم ليلةَ الصيامِ الرُّفوثُ إلى نسائِكم) (^١).\nوبمثلِ الذى قُلْنا في تأويلِ \"الرَّفَثِ\" قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ المصريُّ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سُوَيْدٍ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن بكرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزَنيِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرفثُ الجماعُ، ولكنَّ اللهَ كريمٌ يَكْنِى (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، عن بكرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمِّى، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرفثُ النكاحُ.\n_________\n= وستجد أرقام المخطوط ت ١، بين معقوفين حتى ينتهى هذا الخرم.\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٤٨.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٦٣، ٦٤، ومن طريقه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٨٢٦)، ووكيع -كما في الدر المنثور ١/ ١٩٨ - وعنه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٥٨. وأخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٤٦ (١٨٢٤) من طريق عاصم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر.","vol":"3","page":229},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: الرفثُ غِشيانُ النساءِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. قال: الجِماعُ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرفثُ هو النكاحُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الكبيرِ البصريُّ، قال: ثنا الضَّحَّاكُ بنُ عثمانَ، قال: سألتُ سالمَ بنَ عبدِ اللهِ عن قولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. قال: هو الجماعُ.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمْرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. يقولُ: الجماعُ (^٣).\nوالرفثُ في غيرِ هذا الموضعِ الإفحاشُ في المنطِقِ، كما قال العَجّاجُ (^٤):\nعَنِ اللَّغا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧١.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٢١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١٥ عقب الأثر (١٦٧٤) من طريق عمرو به.\n(^٤) ديوانه ص ٢٩٦.","vol":"3","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-589>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: نساؤُكم لباسٌ لكم، وأنتم لباسٌ لهنَّ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف يكونُ نساؤُنا لباسًا لنا ونحن لهنَّ لباسًا، واللباسُ إنما هو ما لُبِسَ؟\nقيل: لذلك وجهان من المعاني: أحدُهما: أن يكونَ كلُّ واحدٍ منهما جُعِل لصاحبِه لباسًا، لِتخرُّجِهما (^١) عندَ النومِ واجتماعِهما في ثوبٍ واحدٍ وانضمامِ جسدِ كلِّ واحدٍ منهما لصاحبِه، بمنزلةِ ما يَلْبَسُه على جسدِه مِن ثيابِه، فقيل لكلِّ واحدٍ منهما: هو لباسٌ لصاحبِه. كما قال نابغةُ بني جَعْدَةَ (^٢):\nإذَا ما الضَّجِيعُ ثَنَى جِيدَها (^٣) … تَدَاعَتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسَا\nويُرْوَى: تَثَنَّت. فكَنَى عن اجتماعِهما مُتَجَرِّدَينِ في فراشٍ واحدٍ باللباسِ، كما يُكْنَى بالثيابِ عن جسدِ الإنسانِ، كما قالت ليلى (^٤) وهي تَصِفُ إبِلًا ركِبها قومٌ:\nرَمَوها بأثْوَابٍ خِفافٍ فلَا تَرَى … لَهَا شَبَهًا إلَّا النَّعامَ المنُفَّرَا\nيعني: رمَوها بأنفسِهم فركِبوها. وكما قال الهُذَليُّ (^٥):\nتَبَرَّأُ مِنْ دَمِّ القَتِيلِ وبَزِّه (^٦) … وقَدْ عَلِقَتْ دَمَّ القَتِيلِ إزَارُها\n_________\n(^١) يعني به لخروجهما من ثيابهما.\n(^٢) شعر النابغة الجعدي ٨١.\n(^٣) في م: \"عطفها\".\n(^٤) هي ليلى الأخيليةُ والبيت في: المعاني الكبير ١/ ٤٨٦، والصناعتين ص ٣٥٣.\n(^٥) هو أبو ذؤيب، والبيت في ديوان الهذليين ١/ ٢٦.\n(^٦) في م: \"وتره\".","vol":"3","page":231},{"text":"يعني بـ \"إزارُها\" نفسَها، وبذلك كان الربيعُ يقولُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾. يقولُ: هنَّ لحافٌ لكم، وأنتم لحافٌ لهنَّ (^١).\nوالوجهُ الآخَرُ: أن يكونَ جُعِل كلُّ واحدٍ منهما لصاحبِه لباسًا؛ لأنه سكَنٌ له، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [الفرقان: ٤٧]. يعني بذلك: سكنًا تسكُنون فيه. وكذلك زوجةُ الرجلِ سَكَنُه، يَسْكُنُ إليها، كما قال تعالى ذكرُه:\n﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. فيكونَ كلُّ واحدٍ منهما لباسًا لصاحبِه، بمعنى سكونِه إليه. وبذلك كان مجاهدٌ وغيرُه يقولون في ذلك.\nوقد يُقالُ لِما ستَر الشيْءَ وواراه عن أبصارِ الناظِرِين إليه: هو لباسُه وغشاؤُه.\nفجائزٌ أن يكونَ قيلَ: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾. بمعنى أن كلَّ واحدٍ منكم سِتْرٌ لصاحبِه فيما يكونُ بينَكم مِن الجماعِ عن أبصارِ سائرِ الناسِ.\nوكان مجاهدٌ وغيرُه يقولون في ذلك بما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ يقولُ: سَكَنٌ لهنَّ (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾. قال قتادةُ: هنَّ سَكَنٌ لكم، وأنتم سَكَنٌ لهنَّ (^٢).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٧٦)، من طريق أبي جعفر به.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١٦، عقب الأثر (١٦٧٥) معلقًا.","vol":"3","page":232},{"text":"السُّدِّيِّ: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ يقولُ: سَكَنٌ لكم. ﴿وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ يقولُ: سكنٌ لهنَّ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ في قولِه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ قال: المُواقَعَةُ.\nحدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إبراهيمُ، عن يزيدَ، عن عمْرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ قال: هنَّ سَكَنٌ لكم، وأنتم سَكَنٌ لهنَّ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-590>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ذكرُه: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾.</span>\nإن قال لنا قائلٌ: وما هذه الخيانةُ التي كان القومُ يَخْتانونها أنفسَهم التي تاب اللهُ منها عليهم فعفا عنهم؟\nقيل: كانت خيانتُهم أنفسَهم، التي ذكَرها اللهُ، في شيئين: أحدُهما، جماعُ النساءِ. والآخَرُ، المَطْعَمُ والمشرَبُ في الوقتِ الذي كان حرامًا ذلك عليهم.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، قال: ثنا ابنُ أبي ليلى، أن الرجلَ كان إذا أفطَر فنام لم يأتِها، وإذا نام لم يَطْعَمْ، حتى جاء عمرُ بنُ الخطابِ يُرِيدُ امرأتَه فقالتِ امرأتُه: قد كنتُ نمتُ. فظنَّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١٦ عقب الأثر (١٦٧٥) من طريق عمرو به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١٦ (١٦٧٥)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٢٧٥ من طريق طاوس عن ابن عباس. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩٨ إلى الفريابي.","vol":"3","page":233},{"text":"أنها تَعْتَلُّ فوقَع بها. قال: وجاء رجُلٌ مِن الأنصارِ فأراد أن يَطْعَمَ فقالوا: نُسَخِّنُ لك شيئًا؟ قال: ثم أُنْزِلَت هذه الآيةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا حُصَيْنُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، قال: كانوا يصومون ثلاثةَ أيامٍ مِن كلِّ شهرٍ، فلمَّا دخَل رمضانُ كانوا يصومون، فإذا لم يَأْكُلِ الرجلُ عندَ فِطْرِه حتى ينامَ، لم يَأْكُلْ إلى مثلِها، وإن نام أو نامتِ امرأتُه، لم يَكُنْ له أن يأتيَها إلى مثلِها، فجاء شيخٌ مِن الأنصارِ يقالُ له: صِرْمةُ بنُ مالكٍ (^٢). فقال لأهلِه: أطْعِموني. فقالت: حتى أجْعَلَ لك شيئًا سُخْنًا. قال: فغلَبتْه عينُه فنام. ثم جاء عمرُ فقالت له امرأتُه: إني قد نمتُ.\nفلم يَعْذِرْها، وظنَّ أنها تَعْتَلُّ فواقَعَها، فبات هذا وهذا يَتَقَلَّبان ليلتَهما ظَهْرًا وبطنًا، فأنْزَلَ اللهُ في ذلك: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. وقال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾. فعفا اللهُ عن ذلك، وكانت سُنَّةً (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ [عبدِ اللهِ ابنِ] (^٤) عُتبةَ، عن عمْرِو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن مُعاذِ بنِ جبلٍ، قال: كانوا يأكُلون ويَشْرَبون ويأتون النساءَ ما لم يناموا، فإذا ناموا ترَكوا الطعامَ والشرابَ وإتيانَ النساءِ، فكان رجُلٌ مِن الأنصارِ يُدْعَى أبا صِرْمةَ يَعْمَلُ في أرضٍ له. قال: فلمَّا كان عندَ فِطْرِه نام، فأصبَح صائمًا قد جهِد، فلمَّا رآه النبيُّ ﷺ قال: \"مَا لي أرَى بكَ\n_________\n(^١) تمام الأثر المتقدم في ص ١٥٩.\n(^٢) اختلف في اسم الصحابي الذي نزلت فيه الآية، وقد ذكر الحافظ في الإصابة هذا الاختلاف، فلينظر هناك. الإصابة ٣/ ٤٢٢ - ٤٢٥، ٤٦٧، ٥/ ٤٧٨، ٥٠٠.\n(^٣) أخرجه ابن قانع في الصحابة ٢/ ٢٤، والخطب في الأسماء المبهمة ص ٤٦٧ من طريق حصين به.\n(^٤) في النسخ: \"عبيد الله عن\". وتقدم على الصواب في ص ١٥٨، ينظر تهذيب الكمال ١٧/ ٢٢١.","vol":"3","page":234},{"text":"جَهْدًا؟ \" فأخبَرَه بما كان مِن أمْرِه. واختان رجُلٌ نفسَه في شأنِ النساءِ، فأنزَلَ اللهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. إلى آخرِ الآيةِ (^١).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ نحوَ حديث ابنِ أبي ليلى [الذي حدَّث به عمرُو بنُ مُرَّةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى] (^٢)، قال: كانوا إذا صاموا ونام أحدُهم لم يَأْكُلْ شيئًا حتى يكونَ مِن الغدِ، فجاء رجلٌ مِن الأنصارِ، وقد عمِل في أرضٍ له، وقد أعْيا وكَلَّ، فغلَبَتْه عينُه فنام، وأصبَح مِن الغدِ مجهودًا، فنزلت هذه الآيةُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ البصريُّ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، قال: كان أصحابُ محمدٍ ﷺ إذا كان الرجلُ صائمًا فنام قبلَ أن يُفْطِرَ لم يأكلْ إلى مثلِها، وإن قيسَ بنَ صِرْمةَ الأنصاريَّ كان صائمًا، وكان توجَّه ذلك اليومَ فعمِل في أرضِه، فلمَّا حضَر الإفطارُ أتَى امرأتَه، فقال: هل عندكم طعامٌ؟ قالت: لا، ولكن أَنْطَلِقُ فأَطْلُبُ لك. فغَلَبَتْه عينُه فنام، وجاءتِ امرأتُه قالت: قد نمتَ؟! فلم يَنْتَصِفِ النهارُ حتى غُشِىَ عليه، فذكَرت ذلك للنبيِّ ﷺ، فنزَلت فيه هذه الآيةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. إلى: ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾. ففرِحوا بها فرحًا شديدًا.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليَّ ابنِ أبي\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١٥٨.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٣. وفي ت ٢: \"عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى\".\n(^٣) أخرجه أحمد ٣٠/ ٥٧٣، ٥٧٤ (١٨٦١١)، والبخاري (١٩١٥)، وأبو داود (٢٣١٤)، والترمذي (٢٩٦٨) من طريق إسرائيل به بنحوه.","vol":"3","page":235},{"text":"طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾: وذلك أن المسلمين كانوا في شهرِ رمضانَ إذا صلَّوُا العشاءَ حرُم عليهم النساءُ والطعامُ إلى مثلِها مِن القابلةِ، ثم إن أُناسًا مِن المسلمين أصابوا الطعامَ والنساءَ في رمضانَ بعدَ العِشاءِ، منهم عمرُ بنُ الخطابِ، فشكَوْا ذلك إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فأنزَل اللهُ: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾. يعني: انْكِحُوهنَّ، ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المبُارَكِ، عن ابنِ (^٢) لَهِيعَةَ، قال: حدَّثني موسى بنُ جبيرٍ مولى بني سَلِمةَ، أنه سمِع عبدَ اللهِ بنَ كعبِ بنِ مالكٍ يُحَدِّثُ عن أبيه، قال: كان الناسُ في رمضانَ إذا صام الرجلُ فأمسى فنام، حرُم عليه الطعامُ والشرابُ والنساءُ حتى يُفْطِرَ مِن الغدِ، فرجَع عمرُ بنُ الخطابِ مِن عندِ النبيِّ ﷺ ذاتَ ليلةٍ وقد سمَر عندَه، فوجَد امرأتَه قد نامت فأرادها، فقالت: إني قد نِمْتُ. فقال: ما نمتِ. ثم وقَع بها. وصنَع كعبُ بنُ مالكٍ مثلَ ذلك، فغدا عمرُ بنُ الخطابِ إلى النبيِّ ﷺ فأخْبَره، فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحَجَّاجُ، قال: ثنا حمّادُ بنُ سلَمةَ، قال: ثَنا ثابتٌ أن عمرَ بنَ الخطابِ واقَع أهلَه ليلةً في رمضانَ، فاشتدَّ ذلك عليه، فأنزَل اللهُ: ﴿أُحِلَّ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) بعده في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبي\".\n(^٣) أخرجه أحمد ٢٥/ ٨٦ (١٥٧٩٥) من طريق ابن المبارك به، وأخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٤٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١٦ (١٦٧٧) من طريق ابن لهيعة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩٧ إلى ابن المنذر.","vol":"3","page":236},{"text":"لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمِّي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ إلى: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾: كان الناسُ أوَّلَ ما\nأسلَموا إذا صام أحدُهم يَصومُ يومَه، حتى إذا أمسى طعِم مِن الطعامِ فيما بينَه وبينَ العَتَمةِ، حتى إذا صُلِّيَتْ حَرُم عليهم الطعامُ حتى يُمْسِىَ مِن الليلةِ القابلةِ، وإن عمرَ بنَ الخطابِ بينما هو نائمٌ، إذ سوَّلتْ له نفسُه، فأتَى أهلَه لبعضِ حاجتِه، فلمَّا اغْتَسَل أخَذ يَبْكِي ويلومُ نفسَه، كأشدِّ ما رأيت مِن المَلامةِ، ثم أتَى رسولَ اللهِ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، إني أعْتَذِرُ إلى اللهِ وإليك مِن نفسِي هذه الخاطئةِ، فإنها زيَّنت لي فواقعتُ أهلي، هل تَجِدُ لي مِن رُخصةٍ يا رسولَ اللهِ؟ قال: \"لم تَكُنْ حَقِيقًا بذلك يا عُمَرُ\". فلمَّا بلَغ بيتَه، أرسَلَ إليه فأنبأه بعُذْرِه في آيةٍ مِن القرآنِ، وأمَر اللهُ رسولَه أن يَضَعَها في المائةِ الوُسْطى مِن سورةِ \"البقرةِ\"، فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني بذلك الذي فعَل عمرُ بنُ الخطابِ، فأنزَل اللهُ عَفْوَه، فقال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ إلى: ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ فأحَلَّ لهم المُجامعةَ والأكْلَ والشُّربَ حتى يَتَبَيَّنَ لهم الصبحُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩٧ إلى المصنف.\n(^٢) أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١٦، ٣١٧، ٣١٨ (١٦٨٠، ١٦٨٤) آخره عن محمد بن سعد به.","vol":"3","page":237},{"text":"كان الرجلُ مِن أصحابِ محمد ﷺ يصومُ الصيامَ بالنهارِ، فإذا أمسَى أكَل وشرِب وجامَع النساءَ، فإذا رقَد حرُم ذلك كلُّه عليه إلى (^١) مثلِها مِن القابلةِ، وكان منهم رجالٌ يختانون أنفسَهم في ذلك، فعفا اللهُ عنهم، وأَحَلَّ لهم (^٢) بعدَ الرُّقَادِ وقبلَه في الليلِ كلِّه (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان أصحابُ النبيِّ ﷺ يصومُ الصائمُ في رمضانَ، فإذا أَمْسَى. ثم ذكَر نحوَ حديثِ محمدِ بنِ عمْرٍو، وزاد فيه: وكان منهم رجالٌ يَخْتانُون أنفسَهم، وكان عمرُ بنُ الخطابِ ممَّن يَختانُ (^٤) نفسَه، فعفا اللهُ عنهم، وأَحَلَّ ذلك لهم بعدَ الرُّقادِ وقبلَه، وفي الليلِ كُلِّه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، قال: أخبَرني إسماعيلُ بنُ شَرُوسٍ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، أن رجُلًا قد سمَّاه مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ مِن الأنصارِ جاء ليلةً وهو صائمٌ، فقالت له امرأتُه: لا تَنَمْ حتى نَصْنَعَ لك طعامًا. فنام، فجاءت فقالت: نِمْتَ واللهِ! قال: لا واللهِ.\nقالت: بلى واللهِ. فلم يَأْكُلْ تلك الليلةَ وأصبَحَ صائمًا، فغُشِيَ عليه وأُنْزِلَت الرُّخصةُ فيه (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حتى\". وينظر مصدر التخريج.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣ وبعده في مصدر التخريج: \"الطعام والشراب والجماع\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٢١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في م: \"ختان\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧١. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٧٥ - تفسير) - ومن طريقه الخطيب في الأسماء المبهمة ص ٤٦٦ - من طريق عمرو بن دينار، عن عكرمة به بمعناه.","vol":"3","page":238},{"text":"كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾: وكان بدءَ (^١) الصيامِ أُمِروا [بصيامِ ثلاثةِ] (^٢) أيامٍ مِن كلِّ شهرٍ، وركعتين غُدْوَةً، وركعتينِ عشيَّةً، فأحَلَّ اللهُ لهم في صيامِهم في ثلاثةِ أيامٍ، وفي أوَّلِ ما افْتَرَض اللهُ عليهم في رمضانَ إذا أفْطَروا، وكان الطعامُ والشرابُ، وغِشيانُ النساءِ لهم حلالًا ما لم يَرْقُدوا، فإذا رقَدوا حَرُم عليهم ذلك إلى مثلِها مِن القابلةِ، وكانت خيانةُ القومِ أنهم كانوا يُصِيبون، أو يَنالون، مِن الطعامِ والشرابِ وغِشْيانِ النساءِ بعدَ الرقادِ، وكانت تلك خيانةَ القوم أنفسَهم، ثم أحَلَّ اللهُ لهم ذلك الطعامَ والشرابَ وغِشيانَ النساءِ إلى طلوعِ الفجرِ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ قال: كان الناسُ قبلَ هذه الآيةِ إذا رقَد أحدُهم مِن الليلِ رقدةً، لم يَحِلَّ له طعامٌ ولا شرابٌ، ولا أن يأتيَ امرأتَه إلى الليلةِ المُقْبِلةِ، فوقَع بذلك بعضُ المسلمين؛ فمنهم مَن أكَل بعدَ هَجْعتِه (^٤) أو شرِب، ومنهم مَن وقَع على امرأتِه، فرخَّص اللهُ ذلك لهم (^٥).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: كُتِبَ على النصارَى رمضانُ، وكُتِب عليهم ألا يأكُلوا ولا يشرَبوا بعد النومِ، ولا يَنكِحوا النساءَ شهرَ رمضانَ، فكُتِب على المؤمنين كما كُتِب عليهم، فلم يَزَلِ المسلمون على ذلك يَصْنَعون كما تصنعُ النصارَى، حتى أقبَلَ رجلٌ مِن\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بدو\".\n(^٢) في م: \"بثلاثة\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ضجعته\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٠.","vol":"3","page":239},{"text":"الأنصارِ يُقالُ له: أبو قيسِ بنُ صِرْمةَ. وكان يعمَلُ في حِيطانِ (^١) المدينةِ بالأجْرِ، فأتَى أهلَه بتمرٍ، فقال لامرأتِه: استَبدِلي بهذا التمرِ طَحِينًا فاجْعَلِيه سَخينةً (^٢) لعلِّي أن آكُلَه، فإن التمرَ قد أحْرَق جَوْفي. فانْطَلَقَتْ فاسْتَبْدَلتْ له، ثم صنَعتْ، فأبطأتْ عليه فنام، فأيْقَظَتْه، فكرِه أن يَعْصِيَ اللهَ ورسولَه، وأبَى أن يَأكُلَ، وأصبَح صائمًا، فرآه رسولُ اللهِ ﷺ بالعَشِيِّ، فقال: \"مَا لَكَ يا أبا قَيْسٍ أَمْسَيْتَ طَلِيحًا (^٣)؟ \" فقصَّ عليه القصةَ، وكان عمرُ بنُ الخطابِ وقَع على جاريةٍ له في ناسٍ مِن المؤمنين لم يَمْلِكوا أنفسَهم، فلمَّا سمِع عمرُ كلامَ أبي قيسٍ رهِب أن يَنْزِلَ (^٤) في أبي قيسٍ شيْءٌ، فتذكَّر هو، فقام فاعْتَذَر إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إني أَعُوذُ باللهِ، إني وقَعْتُ على جاريتي، ولم أَمْلِكْ نفسي البارحةَ. فلمَّا تكلَّم عمرُ تكلَّم أولئك الناسُ، فقال النبيُّ ﷺ: \"ما كُنْتَ جَدِيرًا بذلك يا بْنَ الخَطَّابِ\". فنُسِخ ذلك عنهم، فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يقولُ: أنكم تَقَعُون عليهنَّ خيانةً، ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ يقولُ: جامِعوهنَّ. ورجَع إلى أبي قيسٍ فقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. قال: كانوا في\n_________\n(^١) الحيطان: جمع حائط، وهو البستان من النخل إذا كان عليه جدار. ينظر التاج (ح وط).\n(^٢) السخينة: طعام رقيق يتخذ من سمن ودقيق، وهو دون العصيدة في الرقة، وفرق الحساء. التاج (س خ ن).\n(^٣) طلَح يطَح طُلوحا فهو طليح: إذا أعيا. ينظر النهاية ٢/ ١٣١.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقول\".\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ١٥٤.","vol":"3","page":240},{"text":"رمضانَ لا يَمَسُّون النساءَ ولا يَطْعَمون ولا يَشْرَبون بعدَ أن يَناموا حتى الليلِ مِن القابلةِ، فإن مَسُّوهنَّ قبلَ أن يَناموا لم يَرَوْا بذلك بأسًا، فأصاب رجلٌ مِن الأنصارِ امرأتَه بعدَ أن نام، فقال: قد اخْتَنتُ نفسي. فنزَل القرآنُ، فأحَلَّ لهم النساءَ والطعامَ والشرابَ حتى يَتَبَيَّنَ لهم الخيطُ الأبيضُ مِن الخيطِ الأسودِ مِن الفجرِ.\nقال: وقال مجاهدٌ: كان أصحابُ محمدٍ ﷺ يَصومُ الصائمُ منهم في رمضانَ، فإذا أمسَى أكَل وشرِب وجامَع النساءَ، فإذا رقَد حَرُم عليه ذلك كلُّه حتى كمثلِها مِن القابلةِ، وكان منهم رجالٌ يَخْتَانون أنفسَهم في ذلك، فعفا عنهم وأَحلَّ لهم بعدَ الرقادِ وقبلَه في الليلِ، فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ مثلَ قولِ مجاهدٍ، وزاد فيه أن عمرَ بنَ الخطابِ قال لامرأتِه: لا تَرْقُدِي حتى أَرْجِعَ مِن عندِ رسولِ اللهِ ﷺ. فرقَدت قبلَ أن يَرْجِعَ، فقال لها: ما أنتِ براقدةٍ. ثم أصابها حتى جاء إلى النبيِّ ﷺ فذكَر ذلك له، فنزَلت هذه الآيةُ.\nقال عكرمةُ: نزَلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآية. في أبي قيسِ بنِ صِرْمةَ مِن بني الخَزْرَجِ أكَل بعدَ الرُّقادِ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجَّاجُ، قال: ثنا حمَّادٌ، قال: أخبرَنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حِبَّانَ أن صِرْمةَ بنَ أنسٍ أتَى أهلَه ذاتَ ليلةٍ وهو\n_________\n(^١) تقدم في ص ٢٣٨.","vol":"3","page":241},{"text":"شيخٌ كبيرٌ وهو صائمٌ، فلم يُهَيِّئوا له طعامًا، فوضَع رأسَه فأَغْفَى، وجاءته امرأتُه بطعامِه، فقالت له: كُلْ. فقال: إني قد نمتُ. قالت: إنك لم تَنَمْ. فأصبَح جائعًا مجهودًا، فأنزَل اللهُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (^١).\nفأمَّا المبُاشرةُ في كلامِ العربِ، فإنه مُلاقاةُ بَشَرَةٍ ببَشَرَةٍ، وَبَشَرَةُ الرجلِ: جلدتُه الظاهرةُ. وإنما كنَى اللهُ بقولِه: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ عن الجماعِ، يقولُ: فالآن إذ أحْلَلتُ لكم الرَّفَثَ إلى نسائِكم، فجامِعوهنَّ في ليالي شهرِ رمضانَ حتى يَطْلُعَ الفجرُ. وهو تَبَيُّنُ الخيطِ الأبيضِ مِن الخيطِ الأسودِ مِن الفجرِ.\nوبالذى قُلْنا في المباشرةِ قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ (^٢)، قال: ثنا إسحاقُ، عن سفيانَ، وحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ابنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سُوَيْدٍ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن بكرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزَنيِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: المباشرةُ الجماعُ، ولكنَّ اللهَ كريمٌ يَكْنِى (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، عن بكرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزَنيِّ، عن ابنِ عباسٍ نحوَه.\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في الإصابة ٣/ ٤٢٥ عن المصنف.\n(^٢) في م: \"سنان\"، وفي ت ١، ت ٣: \"تبان\". وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٤١٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١٧ (١٦٨١) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩٨ إلى ابن المنذر.","vol":"3","page":242},{"text":"حدَّثني (^١) المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ ابنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾: انْكِحُوهنَّ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدِ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: المباشرةُ النكاحُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولَه: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ قال: الجماعُ، وكلُّ شيْءٍ في القرآنِ مِن ذكرِ المباشرةِ فهو الجماعُ نفسُه. وقالها عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ مثلَ قولِ عطاءٍ في الطعامِ والشرابِ والنساءِ.\nحدَّثنا حُمَيْدُ (^٣) بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا شعبةُ، وحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: المباشرةُ الجماعُ، ولكنَّ اللهَ يَكْنِى ما شاء: بما شاء (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال أبو بشرٍ: أُخْبِرْنا عن سعيدِ ابنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ يقولُ: جامِعوهنَّ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن\n_________\n(^١) بعده في ت ١، ت ٣: \"ابن\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩٨ إلى المصنف.\n(^٣) في النسخ: \"محمد\". وتقدم على الصواب في ١/ ١٨٧، ١٩٥.\n(^٤) أخرجه البيهقي ٧/ ٣٢١ من طريق سعيد بن جبير به بنحوه.","vol":"3","page":243},{"text":"مجاهدٍ، قال: المباشرةُ الجماعُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخبرَنا ابنُ المبُارَكِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المُبارَكِ، عن الأَوْزاعيِّ، قال: حدَّثني عَبدَةُ بنُ أبي لُبَابةَ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ: المباشرةُ في كتابِ اللهِ: الجماعُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ البَرْقيِّ، ثنا عمرُو بنُ أبي سلَمةَ، قال: قال الأَوْزاعيُّ: ثنا مَن سمِع مجاهدًا يقولُ: المباشرةُ في كتابِ اللهِ الجماعُ.\nواخْتَلَفوا في تأويلِ قولِه: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾، فقال بعضُهم: الولدُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عَبْدَةُ بنُ عبدِ اللهِ الصَّفَّارُ البصريُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ زيادٍ الكاتبُ، عن شعبةَ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ قال: الولدُ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنُّى، قال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ وأبو داودَ، عن شعبةَ، قال: سمعتُ الحكمَ: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾. قال: الولدُ (^٣).\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١٧، عقب الأثر (١٦٨١) معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه الثوري في تفسيره ص ٥٨ عن رجل، عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٧٦ - تفسير)، والبغوي في الجعديات (٢٨٧)، من طريق شعبة به.","vol":"3","page":244},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيْلَةَ، قال: ثنا عُبَيْدُ اللهِ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾. قال: الولدُ (^١).\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، ثنا أبو مودودٍ بحرُ بنُ موسى، قال: سمِعتُ الحسنَ بنَ أبي الحسنِ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾. قال: الولدُ (^١).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾: فهو الولدُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عمِّي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾: يعني الولدَ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمْرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثني عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ قال: الولدُ، فإن لم تَلِدْ هذه فهذه (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، أخبرَنا مَعْمَرٌ، عمَّن سمِع الحسنَ في قولِه: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ قال: هو الولدُ (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١٧، عقب الأثر (١٦٨٢) معلقًا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١٧ عقب الأثر (١٦٨٣) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١٧ (١٦٨٢) من طريق مجاهد عن ابن عباس به.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٢٢.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧١.","vol":"3","page":245},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ قال: مِن الولدِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾. قال: الجماعُ (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ (^٢) بنِ الفرجِ، قال: ثنا الفضلُ بنُ خالدٍ، قال: ثنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ (^٣)، قال، سمِعتُ الضَّحَّاكَ بنَ مُزَاحِمٍ قولَه: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ قال: الولدُ.\nوقال بعضُهم: معنى ذلك ليلةُ القدرِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثني أبي، عن عمْرِو بنِ مالكٍ، عن أبي الجوزاءِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ قال: ليلةُ القدرِ. قال أبو هشامٍ: هكذا قرَأها معاذٌ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا الحسنُ بنُ أبي جعفرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ مالكٍ، عن أبي الجوزاءِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ قال: ليلةُ القدرِ.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١٧، عقب الأثر (١٦٨٢) معلقًا.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"الحسن\".\n(^٣) في م: \"سلمان\".\n(^٤) أخرجه أحمد في العلل ١/ ٤١٢ (٢٦٨٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١٧ (١٦٨٣) من طريق معاذ ابن هشام به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩٨ إلى ابن المنذر.","vol":"3","page":246},{"text":"وقال آخرون: بل معناه: ما أحلَّه اللهُ لكم ورخَّصه لكم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ يقولُ: ما أحلَّه اللهُ لكم.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، قال: قال قتادةُ في ذلك: ابتغوا الرُّخصةَ التي كُتِبت لكم (^١).\nوقرَأ ذلك بعضُهم: (اتَّبِعوا مَا كَتَبَ اللهُ لكم) (^٢).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ عُيَيْنَةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: كيف تُقْرَأُ هذه الآيةُ: ﴿وَابْتَغُوا﴾ أو (واتَّبِعُوا)؟ قال: أيَّتَهما شئتَ. قال: عليك بالقراءةِ الأولى (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في تأويلِ ذلك عندي أن يُقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه قال: ﴿وَابْتَغُوا﴾ بمعنى: اطْلُبوا ما كتَب اللهُ لكم. يعني الذي قضَى اللهُ تعالى لكم، وإنما يُرِيدُ اللهُ تعالى ذكرُه: اطلُبوا الذي كتَبتُ لكم في اللوحِ المحفوظِ أنه يُباحُ فَيُطْلَقُ لكم، وطلبُ الولدِ إن طلَبه الرجلُ بجماعِه المرأةَ ممَّا كتَب اللهُ له في اللوحِ المحفوظِ،\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧١.\n(^٢) وهي قراءة الحسن ومعاوية بن قرة ورويت عن ابن عباس، وهي قراءة شاذة. البحر المحيط ٢/ ٥٠.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧١. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩٩ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":247},{"text":"وكذلك إن طلَب ليلةَ القدرِ، فهو ممَّا كتَب اللهُ له، وكذلك إن طلَب ما أحلَّ اللهُ وأباحه، فهو مِمَّا كتَبه اللهُ له في اللوحِ المحفوظِ.\nوقد يَدْخُلُ في قولِه: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ جميعُ معاني الخيرِ المطلوبةِ، غيرَ أنَّ أشبَهَ المعاني بظاهرِ الآيةِ قولُ مَن قال: معناه: وابْتَغوا ما كتَب اللهُ لكم مِن الولدِ؛ لأنه عَقِيبَ قولِه: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾. بمعنى: جامِعوهنَّ. فلَأَنْ يكونَ قولُه: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ بمعنى: وابْتَغوا ما كتَب اللهُ في مباشرتِكم إيَّاهنَّ مِن الولدِ والنسلِ - أشبهُ بالآيةِ مِن غيرِه مِن التأويلاتِ التي ليس على صحَّتِها دلالةٌ مِن ظاهرِ التنزيلِ، ولا خبرٌ عن الرسولِ ﷺ. القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، فقال بعضُهم: يعني بقولِه: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾: ضوءَ النهارِ. وبقولِه: ﴿الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾: سوادَ الليل.\nفتأويلُه على قولِ قائلي هذه المقالةِ: وكُلُوا بالليلِ في شهرِ صومِكم، واشْرَبوا، وباشِروا نساءَكم، مبتغِين ما كتَب اللهُ لكم مِن الولدِ، مِن أوَّلِ الليلِ إلى أن يَقَعَ (^١) لكم ضوءُ النهارِ بطلوعِ الفجرِ مِن ظُلمةِ الليلِ وسوادِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عَرَفَةَ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبَادةَ، قال: ثنا أشعثُ، عن الحسنِ\n_________\n(^١) كذا في النسخ، ولعلها: يَضِحَ.","vol":"3","page":248},{"text":"في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر﴾ قال: الليلُ مِن النهارِ.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر﴾ قال: حتى يَتَبَيَّنَ لكمُ النهارُ مِن الليلِ، ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾: فهما عَلَمانِ وحدَّان بيِّنان، فلا يَمْنَعْكم أذانُ مُؤَذِّنٍ مُراءٍ أو قليلِ العقلِ مِن سَحورِكم، فإنهم يُؤَذِّنون بهَجيعٍ (^١) مِن الليلِ طويلٍ، وقد يُرَى بياضُ ما على السَّحَرِ، يقالُ له: الصبحُ الكاذبُ. كانت تُسمِّيه العربُ، فلا يَمنعْكم ذلك من سَحورِكم، فإن الصبحَ لا خفاءَ به، طريقةٌ معترِضةٌ في الأفقِ، وكُلُوا واشْرَبوا حتى يتبيَّنَ لكم الصبحُ، فإذا رأيتُم ذلك فأمْسِكوا.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ يعني: الليلُ مِن (^٢) النهارِ، فأُحِلَّ لكم المجامعةُ والأكلُ والشربُ حتى يتبيَّنَ لكم الصبحُ، فإذا تبيَّنَ الصبحُ حرُم عليهم المجامعةُ والأكلُ والشربُ حتى يُتِمُّوا الصيامَ إلى الليلِ، فأمَر بصومِ النهارِ إلى الليل، وأمَر بالإفطارِ بالليلِ (^٣).\n_________\n(^١) الهجيع: الطائفة من الليل. اللسان (هـ ج ع).\n(^٢) في تفسير ابن أبي حاتم: \"و\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١٨ (١٦٨٤) عن محمد بن سعد به مختصرًا.","vol":"3","page":249},{"text":"حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، وقيل له: أرأيتَ قولَ اللهِ تعالى: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. قال: \"إنك لعريضُ القَفا\".\nقال: \"هذا ذَهابُ الليلِ ومجيءُ النهارِ\". قيل له: الشَّعْبِيُّ، عن عَدِىِّ بنِ حاتمٍ؟ قال: نعم (^١)، حدَّثنا حُصَينٌ (^٢).\nوعِلَّةُ مَن قال هذه المقالةَ، وتأوَّلَ الآيةَ هذا التأويلَ ما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِيَاثٍ، عن مجالدِ بنِ سعيدٍ، عن الشعبيِّ، عن عديِّ بنِ حاتمٍ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، قولُ اللهِ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾؟ قال: \"هو بياضُ النهارِ وسوادُ الليلِ\" (^٣).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ نميرٍ وعبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ، عن مجالدِ بنِ (^٤) سعيدٍ، عن عامرٍ، عن عديٍّ بنِ حاتمٍ، قال: أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فعلَّمنِي الإسلامَ، ونعَت ليَ الصلواتِ كيف أصلِّى كلَّ صلاةٍ لوَقْتِها، ثم قال: \"إذا جاء رمضانُ فكُلْ واشرَبْ، حتى يتبيَّنَ لك الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجرِ، ثم أتمَّ الصيامَ إلى الليلِ\". ولمْ أدْرِ ما هوَ، ففتَلْتُ خيطيْنِ من أبيضَ وأسودَ، فنظرَتُ فيهما عندَ الفجرِ، فرأيتُهما سواءً، فأتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، كلَّ شيءٍ أوصَيْتَني قد حفِظتُ، غيرَ الخيطِ الأبيضِ من الخيطِ الأسودِ، قال: \"وَمَا مَنَعَكَ يا بنَ حاتمٍ؟ \" وتبسَّمَ كأنه قد علِم ما فعلتُ. قلتُ: فتَلْتُ خيطين من أبيضَ وأسودَ،\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٨، والبخاري (١٩١٦، ٤٥٠٩)، ومسلم (١٠٩٠)، والمروزي في السنة (١١٩) من طريق حصين به.\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ٣٧٧ (الميمنية)، والترمذي (٢٩٧٠، ٢٩٧١)، والمروزي في السنة (١٢٠) من طريق مجالد به بنحوه.\n(^٤) في النسخ: \"عن\".","vol":"3","page":250},{"text":"فنظرَتُ فيهما من الليلِ، فوجدتُهما سواءً. فضحِك رسولُ اللهِ ﷺ حتى رُئي نواجِذُه، ثم قال: \"ألم أقل لك: مِن الفَجْرِ؟ إنما هُوَ ضَوْءُ النَّهارِ وَ(^١) ظُلْمَةُ الليْلِ\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا داودُ و(^٣) ابنُ عُلَيَّةَ، جميعًا عن مُطرِّفٍ، عن الشعبيِّ، عن عديِّ بنِ حاتمٍ، قال: قلتُ لرسولِ اللهِ ﷺ: ما الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ، أهما خيطان أبيضُ وأسودُ؟ فقال: \"إنّكَ لَعرِيضُ القفا أنْ أبْصَرْتَ الخيْطَيْن\". ثم قال: \"لا، ولَكِنَّهُ سَوَادُ اللَّيْلِ وبيَاضُ النَّهارِ\" (^٤).\nحدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحيم البَزقيُّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: ثنا أبو غسَّانَ، قال: ثنا أبو حازمٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ، قال: نزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾. فلم ينزِلْ: ﴿مِنَ الْفَجْر﴾ قال: فكان رجالٌ إذا أرادُوا الصومَ ربَطَ أحدُهم في رجلَيْه الخيطَ الأسودَ والخيطَ الأبيضَ، فلا يزالُ يأكُلُ ويشربُ حتى يَتبيَّنَ له، فأنزَل اللهُ بعد ذلك: ﴿مِنَ الْفَجْر﴾ فعلِموا أنما يعني بذلك الليلَ والنهارَ (^٥).\nوقال متأوِّلُو قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾: إنه بياضُ النهارِ وسوادُ الليلِ: صفةُ ذلك البياضِ أن يكونَ مُنتشرًا مُستفيضًا في السماءِ يملأُ بياضُه وضَوْءُه الطرقَ، فأما الضوءُ الساطعُ في السماءِ،\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١٨ (١٦٨٦) من طريق مجالد به.\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٥١٠)، والنسائي (٢١٦٨)، وابن خزيمة (١٩٢٦)، من طريق مطرف به بنحوه.\n(^٥) أخرجه البخاري (١٩١٧، ٤٥١١)، ومسلم (١٠٩١/ ٣٥) من طريق ابن أبي مريم به، وأخرجه البخاري (١٩١٧)، ومسلم (١٠٩١/ ٣٤) من طريق أبي حازم به.","vol":"3","page":251},{"text":"فإن ذلك غيرُ الذي عناه اللهُ بقولِه: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّنْعانيُّ، قال: ثنا مُعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ عِمرانَ بنَ حُدَيرٍ، عن أبي مِجْلَزٍ: الضوءُ الساطعُ في السماءِ ليس بالصبحِ، ولكنْ ذاك الصبحُ الكاذبُ، إنما الصبحُ إذا انفضَح الأفقُ (^١).\nحدَّثني سَلْمُ بنُ جُنادةَ السُّوائيُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، قال: لم يكونوا يعُدُّون الفجرَ فجْرَكم هذا، كانوا يعُدُّون الفجرَ الذي يملأُ البيوتَ والطُّرُقَ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثامٌ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ: ما كانوا يرَونَ إلَّا أنَّ الفجرَ الذي يستفيضُ في السماءِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا روحُ بنُ عبادةَ، قال: ثنا ابنُ جُريجٍ، قال: أخبَرني عطاءٌ أنه سمِعَ ابنَ عباسٍ يقولُ: هما فَجْرانِ؛ فأمَّا الذي يَسطَعُ في السماءِ فليس يُحِلُّ ولا يُحرِّمُ شيئًا، ولكنَّ الفجرَ الذي يستبينُ على رءوسِ الجبالِ هو الذي يُحرِّمُ الشَّرابَ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ الزِّبرقانِ النَّخعيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن محمدِ بنِ أبي ذئبٍ (^٤)، عن الحارثِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ ثَوْبانَ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٧ من طريق عمران بن حدير به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٧ عن أبي معاوية به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٤٧٦٥) عن ابن جريج به مطولًا. وأخرجه البيهقي ١/ ٣٧٧ من طريق سفيان، عن ابن جريج به بمعناه.\n(^٤) في م: \"ذؤيب\".","vol":"3","page":252},{"text":"الفجرُ فَجْران، فالذي كأنه ذَنَبُ السِّرْحانِ لا يُحرِّمُ شيئًا، وأمّا المستطيرُ الذي يأخُذُ الأفُقَ، فإنه يُحِلُّ الصلاةَ ويُحرِّمُ الطعامَ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ وإسماعيلُ بنُ صَبيحٍ وأبو أسامةَ، عن أبي هلالٍ، عن سَوَادَةَ بنِ حنظلةَ، عن سَمُرةَ بنِ جُندُبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لَا يَمْنَعْكُمْ مِن سَحُورِكم أذَانُ بِلالٍ ولَا، الفَجْرُ المستَطِيلُ، ولكِنِ الفَجْرُ المسْتَطِيرُ فِي الأُفُقِ\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ الأسديُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن سوادةَ، قال: سمِعتُ سَمُرةَ بنَ جُندُبٍ يذكُرُ عن النبيِّ ﷺ أنه سمِعَه وهو يقولُ: \"لا يَغُرَّنَّكم نِدَاءُ بِلالٍ ولا هذا البياضُ حتى يَبْدُوَ الفَجْرُ وَيَنْفَجِرَ\" (^٣).\nوقال آخَرون: الخيطُ الأبيضُ هو ضَوْءُ الشمسِ، والخيطُ الأسودُ هو سوادُ الليلِ.\n_________\n(^١) في النسخ: \"الصوم\". والمثبت كما في مصادر التخريج.\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٢١ عن المصنف، وفيه: \"عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ. وكذا عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٠ إلى المصنف وغيره. وأخرجه وكيع - كما في الدر المنثور ١/ ٢٠٠ - وعنه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٧، والدارقطني ١/ ٢٦٨، ٢/ ١٦٥، والبيهقي ١/ ٣٧٧، ٤/ ٢١٥ من طريق ابن أبي ذئب به. مرفوعًا مرسلًا. وفي إسناد ابن أبي شيبة تصحيف.\nوأخرجه الحاكم ١/ ١٩١ - وعنه البيهقي ١/ ٣٧٧ - من طريق يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث، عن ابن ثوبان، عن جابر مرفوعًا، وصحح الحاكم إسناده، وصوب البيهقي وغيره إرساله. وينظر السلسلة الصحيحة (٢٠٠٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٩، ٢٧ عن أبي أسامة به، وأخرجه أحمد ٥/ ١٣ (الميمنية)، والترمذي (٧٠٦) من طريق وكيع به.\n(^٣) أخرجه الطيالسي (٩٣٩)، وأحمد ٥/ ٧، ١٨ (الميمنية)، ومسلم (١٠٩٤)، والنسائي (٢١٧٠)، وفي الكبرى (٢٤٨١) من طريق شعبة به.","vol":"3","page":253},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا هنّادُ (^١) بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا عَبيدةُ (^٢) بنُ حُميدٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ التَّيْميِّ، قال: سافَر أبي مع حُذيفةَ. قال: فسارَ، حتى إذا خشِينا أن يَفْجَأَنَا الفجرُ قال: هل منكم من أحدٍ آكلٌ أو شاربٌ؟ قال: قلتُ له: أمَّا مَن يريدُ الصومَ فلَا. قال: بلى. قال: ثم سار حتى إذا استَبْطأْنا الصلاةَ نزَل فتسحَّرَ.\nحدَّثنا هنَّادٌ وأبو السائبِ، قالَا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ التَّيْمِيِّ، عن أبيه، قال: خرَجْتُ مع حُذيفةَ إلى المدائنِ في رمضانَ، فلمَّا طلَع الفجرُ، قال: هل منكم مِن أحدٍ آكلٌ أو شاربٌ؟ قلنا: أمَّا رجلٌ يريدُ أن يصومَ فلَا. قال: لكنِّي. قال: ثم سِرْنا حتى اسْتَبْطَأْنا الصلاةَ قال: هل منكم أحدٌ يريدُ أن يتسحَّرَ؟ قال: قُلْنا: أمَّا مَن يريدُ الصومَ فلَا. قال: لكنِّي. ثم نزَل فتسحَّرَ، ثم صلَّى (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ربَّما شرِبتُ بعدَ قولِ المؤذِّنِ - يعْني في رمضانَ -: قد قامتِ الصلاةُ. قال: وما رأيتُ أحدًا كان أفعلَ له مِن الأعمشِ، وذلك لِما سمِع قال: حدثنا إبراهيمُ التيميُّ، عن أبيه، قال: كنا مع حُذيفةَ نسيرُ ليلًا، فقال: هل منكم مُتسحِّرٌ الساعةَ؟ قال: ثم سارَ، ثم قال حذيفةُ: هل منكم مُتسحِّرٌ الساعةَ؟ قال: ثم سار حتى اسْتَبطأْنا الصلاةَ، قال: فنزَل فتسحَّرَ. حدَّثنا هارونُ بنُ إسحاقَ الهمْدانيُّ، قال: ثنا مصعبُ بنُ المِقدامِ، قال: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن هُبيرةَ، عن عليٍّ أنه لمَّا صلَّى الفجرَ، قال: هذا\n_________\n(^١) في م: \"هشام\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبادة\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١١ عن أبي معاوية به.","vol":"3","page":254},{"text":"حينُ يَتَبيَّنُ الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجرِ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا [ابنُ الصَّلْتِ] (^٢)، قال: ثنا إسحاقُ بنُ حذيفةَ العطارُ، عن أبيه، عن البراءِ، قال: تسحَّرْتُ في شهرِ رمضانَ، ثم خرجتُ فأتيتُ ابنَ مسعودٍ، فقال: اشرَبْ. فقلت: إني قد تسحَّرْتُ. فقال: اشرَبْ. فشرِبْنا ثم خرَجْنا والناسُ في الصلاةِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الشيبانيِّ، عن جَبَلةَ بنِ سُحيمٍ، عن عامرِ بنِ مَطَرٍ، قال: أتيتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ في دارِه، فأخرَج فضْلًا من سَحُورِه، فأكلْنا معه، ثم أُقيمتِ الصلاةُ فخرَجْنا فصلَّيْنا (^٣).\nحدَّثنا خَلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ (^٤) اللهِ بنِ معقلٍ، عن سالمٍ مولَى أبي حُذيفةَ، قال: كنتُ أنا وأبو بكرٍ الصديقُ فوق سطحٍ واحدٍ في رمضانَ، فأتيتُ ذاتَ ليلةٍ فقلتُ: ألَّا تأكُلُ يا خليفةَ رسولِ اللهِ ﷺ؟ فأوْمأَ بيدِه أنْ كُفَّ، ثم أتيتُه مرةً أخرى، فقلتُ له: ألا تأكُلُ يا خليفةَ رسولِ اللهِ؟ فأومأَ بيدِه أنْ كُفَّ، ثم أتيتُه مرةً أخرى، فقلتُ: ألا تأكُلُ يا خليفةَ رسولِ اللهِ؟ فَنَظَرَ إلى الفجرِ ثمَّ أومَأ بيدِه أن كُفَّ، ثمَّ أتيتُه فقلتُ: ألا تأكلُ يا خليفةَ رسولِ اللهِ؟ قال: هاتِ غَداءَك. قال: فأتيتُه به فأكَلَ ثم صلَّى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٩٩ إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد. وعزاه الحافظ في فتح الباري ٤/ ١٣٦، ١٣٧ إلى ابن المنذر وصحح إسناده.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبو صلت\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٠ - ومن طريقه ابن حزم في المحلى ٦/ ٣٤٨ - عن أبي معاوية به، وأخرجه عبد الرزاق (٧٦١٩) - ومن طريقه الطبراني في الكبير (٩٥٧٧) - من طريق جبلة بن سحيم، عن عامر، عن أبيه.\n(^٤) في النسخ:\"عبيد\". والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ١٠٥.","vol":"3","page":255},{"text":"ركعتين، ثم قام إلى الصلاةِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: الوِترُ بالليلِ والسَّحورُ بالنهارِ.\nوقد رُوِيَ عن إبراهيمَ غيرُ ذلك.\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، قال: السَّحورُ بليلٍ، والوِترُ بليلٍ (^٢).\nحدَّثنا حَكّامٌ، عن ابنِ (^٣) أبي جعفرٍ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: السَّحورُ والوِترُ ما بينَ التَّثْوِيبِ والإقامةِ.\nحدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن شبيبِ بنِ غَرقدَةَ (^٤)، عن حبّانَ، قال: تسحَّرنا مع عليٍّ ثم خرجْنا وقد أقيمتِ الصلاةُ فصلَّيْنا (^٥).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن شبيبٍ، عن حبّانَ بنِ الحارثِ، قال: مرَرْتُ بعليٍّ، وهو في دَير (^٦) أبِي موسى وهو يتسحَّرُ، فلما انتهيتُ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (٦٣٧٨ - ٦٣٨٠) من طرق عن أبي إسحاق به مختصرًا. وينظر مجمع الزوائد ٣/ ١٥٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٨ من طريق مغيرة، عن إبراهيم.\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) بعدها في م، ت ١، ت ٣: \"عن عروة\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٠، وعبد الرزاق (٧٦٠٩)، والبخاري في تاريخه ٣/ ٨٣، وابن حزم في المحلى ٦/ ٣٤٨ من طرق عن شبيب به. وفي بعض طرقه عند البخاري شبيب، عن طارق بن قرة، وحبان بن الحارث.\n(^٦) في م: \"دار\"، وينظر مصنف عبد الرزاق (٧٦٠٩)، ودير أبي موسى: مكان في العراق عسكر فيه أمير المؤمنين عليٌّ عندما سار لقتال الخوارج. البداية والنهاية ١٠/ ٥٨٥.","vol":"3","page":256},{"text":"إلى المسجدِ أقيمت الصَّلاةُ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي السَّفَرِ، قال: صلَّى عليُّ بنُ أبي طالبٍ الفجرَ، ثم قال: هذا حينُ يَتبيَّنُ الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجرِ (^١).\nوعلةُ من قال هذا القولَ أن الوقتَ إنما هو النهارُ دونَ الليلِ. قالوا: وأوَّلُ النَّهارِ طلوعُ الشمسِ، كما أن آخرَه غرُوبُها. قالوا: ولو كان أوَّلُه طلوع الفجرِ لوجبَ أن يكونَ آخِرُه غروبَ الشَّفَقِ. قالوا: وفي إجماعِ الحجَّةِ على أن آخِرَ النَّهارِ غروبُ الشمسِ دليلٌ واضحٌ على أن أوَّلَه طلوعُها. قالوا: وفي الخبرِ عن النبيِّ ﷺ أنه تسحَّر بعد طلوعِ الفجرِ، أوضحُ الدليلِ على صحةِ قولِنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-591>ذِكرُ الأخبارِ التي رُوِيَت عن النبيِّ ﷺ في ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن حذيفةَ، قال: قلتُ: تسحَّرتَ مع النبيِّ ﷺ؟ قال: نعم. قال: لو أشاءُ لَأقولُ: هو النهارُ إلَّا أن الشَّمسَ لم تطلُعْ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ما كذَبَ عاصمٌ على زِرٍّ، ولا زِرٌّ على حذيفةَ، قال: قلتُ له: يا أبا عبدِ اللهِ، تسحَّرتَ مع النبيِّ ﷺ؟ قال: نعم، هو النهارُ إلَّا أن الشَّمسَ لم تطلُعْ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، [قال: ثنا مؤمَّلٌ] (^٣)، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن\n_________\n(^١) تقدم في ص ٢٥٤، ٢٥٥.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٦٩٥) من طريق أبي بكر به.\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":257},{"text":"حذيفةَ، قال: كان النبيُّ ﷺ يَتَسَحَّرُ وأنا أرَى مواقعَ النَّبْلِ. قال: قلتُ: أبعدَ الصبحِ؟ قال: هو الصبحُ إلَّا أنه لم تطلُعِ الشَّمسُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا الحكمُ [بنُ بشيرٍ] (^٢)، قال: حدثنا عمرُو بنُ قيسٍ وخلّادٌ الصفارُ، عن عاصمِ بنِ بَهدَلةَ، عن زِرِّ بنِ حُبيشٍ، قال: أصبحتُ ذاتَ يومٍ فغدوتُ إلى المسجدِ، فقلتُ: لو مررْتُ على بابِ حذيفةَ ففتَح لي، فدخلتُ فإذا هو يُسخَّن له طعامٌ، فقال: اجلسْ حتى تَطعَمَ. فقلتُ: إني أريدُ الصومَ. فقرَّبَ طعامَه فأكَل وأكلتُ معه، ثم قام إلى لِقحةٍ (^٣) في الدارِ، فأخَذ يحلُبُ من جانبٍ وأحلُب أنا من جانبٍ، فناولَني، فقلتُ؛ ألا ترى الصبحَ؟ فقال: اشربْ. فشرِبتُ، ثم جئتُ إلى باب المسجدِ فأُقيمتِ الصلاةُ، فقلتُ له: أخبرِنْي بآخِرِ سَحورٍ تسحَّرتَه مع رسولِ اللهِ ﷺ؟ فقال: هو الصبحُ إلَّا أنه لم تطلُعِ الشَّمسُ (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازيُّ!، قال: ثنا روحُ بنُ عبادةَ (^٥)، قال: ثنا حمادٌ، عن محمدِ بنِ عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: \"إذا سَمِعَ أحَدُكم النِّدَاءَ وَالإناءُ على يَدِهِ فلا يَضَعْهُ حتَّى يَقْضِيَ حاجَتَهُ منه\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد ٥/ ٣٩٩ (الميمنية) من طريق مؤمل به بنحوه. وأخرجه النسائي (٢١٥١) من طريق عاصم به بنحوه.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن بشر\".\n(^٣) اللقحة، بالكسر، هي الناقة اللَّقوح، أي الحلوب الغزيرة اللبن. التاج (ل ق ح).\n(^٤) أخرجه أحمد ٥/ ٣٩٦ (الميمنية)، والطحاوي في شرح المعاني ٢/ ٥٢، وابن حزم ٦/ ٣٤٥ من طريق عاصم به بنحوه.\n(^٥) في م: \"جنادة\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٢٣٨.\n(^٦) أخرجه أحمد ١٦/ ٣٦٨ (١٠٦٢٩)، والبيهقي ٤/ ٢١٨ من طريق روح بن عبادة به. وأخرجه أبو داود (٢٣٥٠)، والدارقطني ٢/ ١٦٥، والحاكم ١/ ٢٠٣ من طرق عن حماد بن سلمة به. والحديث أعله أبو حاتم بالوقف، ينظر العلل ١/ ١٢٣، ١٢٤، ٢٥٦، ٢٥٧.","vol":"3","page":258},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا روحُ بنُ عبادةَ (^١)، قال: ثنا حمادٌ، عن عمارِ ابن أبي عمارٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه، وزاد فيه: وكان المؤذِّنُ يُؤذِّنُ إذا بزَغ الفجرُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، وحدثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ الحسنِ بنِ شقيقٍ، قال: سمِعتُ أبي، قال: أخبَرنا الحسينُ بنُ واقدٍ - قالَا جميعًا: عن أبي غالبٍ، عن أبي أُمامةَ، قال: أقيمتِ الصَّلاةُ والإناءُ في يدِ عُمرَ، قال: أشربُها يا رسولَ اللهِ؟ قال: \"نعم\". فشرِبها (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونسُ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ، قال: قال بلالٌ: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ أُوذِنُه بالصَّلاةِ وهو يريدُ الصومَ، فدعا بإناءٍ فشرِبَ، ثم ناوَلَني فشرِبتُ، ثم خرَج إلى الصلاةِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ أحمدَ الطُّوسيُّ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بن موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بنِ مَعقِلٍ (^٥)، عن بلالٍ قال: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ أُوذِنُه بصلاةِ الفجرِ وهو يريدُ الصيامَ، فدعا بإناءٍ فشَرِب، ثْم ناوَلَني فشرِبتُ، ثم خرَجْنا إلى الصلاةِ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"جنادة\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٢٣٨.\n(^٢) أخرجه أحمد ١٦/ ٣٦٨ (١٠٦٣٠)، وابن حزم ٦/ ٣٤٦، والبيهقي ٤/ ٢١٨ من طريق روح به. وأخرجه الحاكم ١/ ٢٠٣ من طريق حماد بن سلمة به. وقوله: وكان المؤذِّن يؤذن إذا بزغ الفجر. عند ابن حزم من قول عمَّار.\n(^٣) أخرجه أبو يعلى - كما في جامع المسانيد ١٣/ ٢٢٩ (١٠٤٨٥) - من طريقين عن أبي غالب به.\n(^٤) أخرجه الطبراني (١٠٨٣) من طريق يونس به، وعبد الله بن معقل تابعي ثقة لكنَّه لم يدرك بلالًا ﵁.\n(^٥) في م: \"مغفل\".\n(^٦) أخرجه أحمد ٦/ ١٢ (الميمنية)، والطبراني (١٠٨٢) من طريق إسرائيل به بنحوه. وينظر مجمع الزوائد ٣/ ١٥٢.","vol":"3","page":259},{"text":"وأوْلى التأويلَيْن بالآيةِ التأويلُ الذي رُوِي عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"الخَيْطُ الأبْيَضُ بَياضُ النَّهارِ، والخَيْطُ الأسْوَدُ سَوَادُ اللَّيْلِ\". وهو المعروفُ في كلامِ العربِ، قال أبو دُؤادَ (^١) الإياديُّ (^٢):\nفَلَمَّا أضَاءَتْ لَنا سُدْفَةٌ (^٣) … ولاحَ مِن الصُّبحِ خَيْطٌ أنارَا (^٤)\nوأمَّا الأخبارُ التي رُوِيَت عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه شرِب أو تسحَّر ثم خرَج إلى الصلاةِ، فإنه غيرُ دافعٍ صحةَ ما قُلْنا في ذلك؛ لأنه غيرُ مُستنكَرٍ أن يكونَ ﷺ شرِب قبلَ الفجرِ، ثم خرَج [إلى الصلاةِ، إذْ كانت الصَّلاةُ - صلاةُ الفجرِ - هي على عهدِه كانت تُصلَّى] (^٥) بعد ما يطلُعُ الفجرُ ويَتبينُ طلوعُه، ويؤذَّنُ لها قبلَ طلوعِه.\nوأما الخبَرُ الذي رُوي عن حذيفةَ أن النَّبيَّ ﷺ كان يتسحَّرُ وأنا أرَى مواقعَ النَّبْلِ. فإنه قد اسْتُثبِت فيه، فقيل له: أبَعْدَ الصبحِ؟ فلم يُجِبْ في ذلك بأنه كان بعدَ الصبحِ، ولكنه قال: هو الصبحُ. وذلك من قولِه يَحتمِلُ أن يكونَ معناه هو الصبحَ لقُرْبِه منه، وإن لم يكنْ هو بعَيْنِه، كما تقولُ العربُ: هذا فلانٌ شبهًا. وهي تُشيرُ إلى غيرِ الذي سمَّتْه، فتقولُ: هُو هُو. تشبيهًا منها له به. فكذلك قولُ حذيفةَ: هو الصبحُ. معناه: هو الصبحُ شبهًا به وقربًا منه.\nوقال ابنُ زيدٍ في معنى \"الخيطِ الأبيضِ والأسودِ\" ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"داود\". وينظر الشعر والشعراء ١/ ٢٣٧.\n(^٢) شعر أبي دؤاد الإيادي ص ٣٥٢ (ضمن دراسات في الأدب العربي).\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"غدوة\". والسدفة في لغة تميم: الظلمة، وفي لغة قيس: الضوء. تهذيب اللغة ١٢/ ٣٦٧.\n(^٤) في ت ٢: \"فنارا\".\n(^٥) سقط من: ت ١، ت ٢.","vol":"3","page":260},{"text":"الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ قال: الخيطُ الأبيضُ الذي يكونُ مِن تحت الليلِ يكشِفُ الليلَ، والأسودُ ما فوقَه.\nوأمَّا قولُه: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. فإنه تعالى ذكرُه يعْنِي: حتَّى يتبيَّنَ لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ الذي هو من الفجرِ، وليس ذلك هو جميعَ الفجرِ، ولكنه إذا تبيَّنَ لكم أيُّها المؤمنون (^١) من الفجرِ ذلك الخيطُ الأبيضُ الذي يكون من تحتِ الليلِ الذي فوقَه سوادُ الليلِ، فمِن حينئذٍ فصُوموا، ثم أتمُّوا صيامَكم من ذلك إلى الليلِ.\nوبمثلِ ما قلنا في ذلك كان ابنُ زيدٍ يقولُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. قال: ذلك الخيطُ الأبيضُ هو من الفجرِ نسبةً إليه، وليس الفجرَ كلَّه، فإذا جاء هذا الخيطُ وهو أوَّلُه، فقد حلَّتِ الصَّلاةُ، وحرُمَ الطعامُ والشرابُ على الصائمِ.\nوفي قولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. أوضحُ الدَّلالةِ على خطأَ قولِ مَن قال: حلالٌ الأكلُ والشربُ لمن أرادَ الصومَ، إلى طلوعِ الشمسِ. لأن الخيطَ الأبيضَ من الفجرِ يتبيَّنُ عندَ ابتداءِ طلوعِ أوائلِ الفجرِ، وقد جعَل اللهُ تعالى ذكرُه ذلك حدًّا لمن لزِمه الصومُ في الوقتِ الذي أباح إليه الأكلَ والشربَ والمباشرةَ، فمَن زعَم أن له أن يتجاوزَ ذلك الحدَّ، قيل له: أرأيتَ إن أجاز له آخَرُ ذلك ضَحوةً أو نصفَ النَّهارِ؟ فإن قال: إنَّ قائلَ ذلك مخالفٌ للأُمةِ. قيل له: وأنت لما دلَّ عليه كتابُ اللهِ ونقْلُ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"الناس\".","vol":"3","page":261},{"text":"الأُمةِ مخالفٌ، فما الفرقُ بينَك وبينَه من أصلٍ أو قياسٍ؟ فإن قال: الفرقُ بيني وبينَه أن اللهَ أمرَ بصومِ النَّهارِ دونَ الليلِ، والنهارُ من طلوعِ الشمسِ. قيل له: كذلك يقولُ مُخالِفوك، والنهارُ عندهم أوَّله طلوعُ الفجرِ، وذلك هو ضوءُ الشمسِ وابتداءُ طلوعِها دونَ أن يتتامَّ طلوعُها، كما أن آخِرَ النَّهارِ ابتداءُ غروبِها دونَ أن يتتامَّ غروبُها.\nويقالُ لقائلي ذلك: إن كان النهارُ عندَكم كما وصفتُم هو ارتفاعُ الشمسِ وتكاملُ طلوعِها، وذَهابُ جميعِ سُدْفةِ الليلِ وغَبَسِ (^١) سوادِه، فكذلك عندكم الليلُ، هو تتَامُّ غروبِ الشَّمسِ وذَهابُ ضيائِها، وتكاملُ سوادِ الليلِ وظلامِه.\nفإن قالوا: ذلك كذلك. قيل لهم: فقد يجِبُ أن يكونَ الصومُ إلى مَغيبِ الشَّفَقِ، وذَهابِ ضوءِ الشمسِ وبياضِها من أُفقِ السماءِ.\nفإن قالوا: ذلك كذلك. أوجَبوا الصومَ إلى مَغيبِ الشفقِ الذي هو بياضٌ، وذلك قولٌ إن قالوه مدفوعٌ بنَقلِ الحجَّةِ التي لا يجوزُ فيما نَقلَتْه مُجمِعةً عليه الخطأُ والسهوُ، [وكفى بذلك شاهدًا] (^٢) على (^٣) تخطئتِه.\nوإن قالوا: بل أوَّلُ الليلِ ابتداءُ سُدْفَتِه وظلامِه، ومَغيبُ عينِ الشمسِ عنا. قيل لهم: وكذلك أوَّلُ النَّهارِ، طلوعُ أوَّلِ ضياءِ الشَّمسِ، ومَغيبُ، أوائلِ سُدْفةِ الليلِ، ثم يُعكَسُ عليه القولُ في ذلك، ويُسألُ الفرقَ بين ذلك، فلن يقولَ في أحدِهما قولًا إلَّا أُلزِمَ في الآخَرِ مثلَه.\nوأما الفجرُ، فإنه مصدرٌ من قولِ القائلِ: تفجَّرَ الماءُ يتفَجَّرُ فَجْرًا. إذا انبعَثَ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"عبس\"، والغبس: ظلام في آخر الليل. التاج (غ ب س).\n(^٢) سقط من النسخ، وأثبتناه كالشيخ شاكر.\n(^٣) في م: \"عن\".","vol":"3","page":262},{"text":"وجرَى. فقيلَ للطالعِ من تباشيرِ ضياءِ الشمسِ من مَطلَعِ الشمسِ: فَجْرٌ. لانبعاثِ ضَوئِه عليهم وتورُّدِه عليهم بطُرُقِهم ومحاجِّهم (^١)، تفجُّرَ الماءِ المنفَجِرِ من مَنْبعِه.\nوأمّا قولُه: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. فإنه تعالى ذكرُه حدَّ الصومَ بأنَّ آخِرَ وقتِه إقبالُ الليلِ، كما حدَّ الإفطارَ وإباحةَ الأكلِ والشربِ والجماعِ وأوَّلَ الصومِ بمجيءِ أوَّلِ النهارِ وأوَّلِ إدبارِ آخرِ الليلِ، فدلَّ بذلك على ألا صَوْمَ بالليلِ كما لا فِطْرَ بالنهارِ في أيامِ الصومِ، وعلى أنَّ الموُاصِلَ (^٢) مُجوِّعٌ (^٣) نفسَه في غيرِ طاعةِ ربِّه.\nكما حدَّثنا هَنادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ ووكيعٌ وعَبْدةُ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عاصمِ بنِ عمرٍو، عن عمرَ، قال: قال رسول اللهَ ﷺ: \"إذَا أقْبَلَ اللَّيْلُ وأدْبَرَ النَّهارُ وغَابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أفْطَرَ الصَّائمُ\" (^٤).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، قال: ثنا أبو إسحاقَ الشيبانيُّ، وحدثنا هنّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو عُبيدةَ وأبو معاويةَ، [عن الشيبانيِّ] (^٥)، وحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو معاويةَ، وحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن\n_________\n(^١) المحاج جمع محجة، وهي الطريق. التاج (ح ج ج).\n(^٢) في ت ١: \"الواصل\"، وفي ت ٢: \"المواصلة\".\n(^٣) في ت ٢: \"محوج\".\n(^٤) أخرجه مسلم (١١٠٠)، والترمذي - كما في تحفة الأشراف (١٠٤٧٤) - وابن خزيمة (٢٠٥٨)، والبزار (٢٥٩)، وابن حبان (٣٥١٣)، من طريق أبي معاوية به. وأخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١١، وأحمد ١/ ٣٢٣، ٤٤٥ (١٩٢، ٣٨٣)، وأبو داود (٢٣٥١)، والنسائي في الكبرى (٣٣١٠)، وأبو يعلى (٢٤٠)، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ٣٧١، ٣٧٢ من طريق وكيع به. وأخرجه الدارمي ٢/ ٧، والترمذي (٦٩٨)، وابن خزيمة (٢٠٥٨) من طريق عبدة به. وأخرجه عبد الرزاق (٧٥٩٥)، والحميدي (٢٠)، وأحمد ١/ ٣٥٤، ٣٥٥، ٤١٨ (٢٣١، ٣٣٨)، والبخاري (١٩٥٤)، وأبو داود (٢٣٥١)، والترمذي - كما في التحفة - وابن الجارود (٣٩٣)، والبيهقي ٤/ ٢١٦، ٢٣٧، ٢٣٨، والبغوي (١٧٣٥) من طريق هشام به.\n(^٥) سقط من: ت ١، ت ٢. وفي م: \"عن شيبان\".","vol":"3","page":263},{"text":"الشيبانيِّ، قالوا جميعًا في حديثِهم: عن عبدِ اللهِ بنِ أبي أوْفَى قال: كنا مع النبيِّ ﷺ في مسيرٍ وهو صائمٌ، فلمَّا غَربتِ الشمسُ قال لرجلٍ: \"انْزِلْ فاجْدَح (^١) لي\". قالوا: لو أمسيتَ يا رسولَ اللهِ. فقال: \"انْزِلْ فاجْدَحْ لي\". فقال الرجلُ: يا رسولَ اللهِ، لو أمسيتَ. قال: \"انْزِلْ فاجْدَحْ لي\" قال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ علينا نهارًا. فقال له الثالثةَ، فنزَل فجَدَحَ له، ثم قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إذَا أقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ ههنا\" - وضرَبَ بيدِه نحوَ المشرقِ - \"فَقَدْ أفْطَرَ الصَّائمُ\" (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن رُفَيعٍ، قال: فرَض اللهُ الصيامَ إلى الليلِ، فإذا جاءَ الليلُ فأنت مُفطِرٌ، إن شئتَ فكُلْ، وإن شئتَ فلا تأكُلْ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا داودُ، عن أبي العاليةِ أنه سُئِلَ عن الوصالِ في الصومِ، فقال: افترَض اللهُ على هذه الأُمةِ صومَ النهارِ، فإذا جاء الليلُ فإن شاءَ أكَل وإن شاءَ لم يأكُلْ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثني ابنُ عُلَيَّةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، قال: قال أبو العاليةِ في الوصالِ في الصومِ، قال: قال اللهُ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. فإذا جاء الليلُ فهو مُفطِرٌ، فإن شاءَ أكلَ وإن شاء لم يأكُلْ (^٣).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا ابنُ دُكينٍ، عن مِسعرٍ، عن قتادةَ، قال: قالت عائشةُ: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. يعني أنها كرِهَتِ الوصالَ (^٤).\n_________\n(^١) الجدح: أن يحرك السويق بالماء ويخوض فيه حتى يستوي. النهاية ٢/ ٢٤٣.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٤١، ١٩٥٥، ١٩٥٦، ١٩٥٨، ٥٢٩٧)، ومسلم (١١٠١) من طرق عن الشيباني به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٨٣، ٨٤، عن إسماعيل ابن علية به بنحوه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٨٣ من طريق مسعر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٠ إلى عبد بن =","vol":"3","page":264},{"text":"فإن قال قائلٌ: فما وجهُ وصالِ من واصَل، فقد علِمتَ بما حدَّثكم به أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، عن هشامِ بنِ عروةَ، قال: كان عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ يواصِلُ سبعةَ أيامٍ، فلمَّا كبِر جعَلها خمسًا، فلما كبِر جدًّا جعَلها ثلاثًا (^١).\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، عن عبدِ الملكِ، قال: كان ابنُ أبي يَعمَرَ يُفْطِرُ في كلِّ شهرٍ مرةً.\nحدَّثنا ابنُ أبي بكرٍ المقدَّميُّ، قال: ثنا الفَرْويُّ، قال: سمِعتُ مالكًا يقولُ: كان عامرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ يواصلُ ليلةَ ستَّ عشْرةَ وليلةَ سبْعَ عشْرةَ من رمضانَ لا يُفطِرُ بينهما، فلَقِيتُه فقلتُ له: يا أبا الحارثِ ماذا تجِدُه يُقوِّيك في وصالِك؟ قال: السمنُ أشرَبُه أجِده يَبُلُّ عروقِي، فأمَّا الماءُ فإنه يخرُجُ من جسدِي.\nوما أشبهَ ذلك ممن فعَل ذلك، ممن يطولُ بذكرِهم الكتابُ؟\nقيلَ: وجهُ من فعَل ذلك إن شاء اللهُ تعالى، على طلبِ الخُموصةِ (^٢) لنفسِه والقوَّةِ، لا على طلبِ البِرِّ للهِ بفعلِه، وفِعْلُهم ذلك نظيرُ ما كان عمرُ بنُ الخطابِ يأمرُهم به بقولِه: اخْشَوْشِنوا وتمَعْدَدوا (^٣)، وانْزُوا على الخيلِ نَزْوًا، واقطعوا\n_________\n= حميد. وفي إسناد ابن أبي شيبة: \"قدامة\" بدلا من قتادة.\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٨/ ١٧٥ - ١٧٧ من طريقين عن ابن الزبير وفيه ذكر مواصلته سبعة أيام فقط دون باقي الأثر.\n(^٢) في ت ٢: \"الحموصة\". قال الشيخ شاكر: الخموصة مصدر خمص بطنه خمصا، بسكون الميم وفتحها، وخماصة. ولم يذكروا الخموصة في كتب اللغة، وهو عربي عريق. وخمص بطنه: ضَمَر. التاج (خ م ص).\n(^٣) التمعدد: الصبر على عيش معد بن عدنان، والتشبه بهم في خشونة لباسهم وتقشفهم وغلظ معاشهم. التاج (م ع د).","vol":"3","page":265},{"text":"الرُّكُبَ (^١)، وامشُوا حفاةً (^٢). يأمرُهم في ذلك بالتخشُّنِ في عَيْشِهم، لئلا يتنعَّموا فيَرْكَنوا إلى خفْضِ العيشِ، ويَميلُوا إلى الدَّعةِ فيجبُنوا ويَحتمُوا عن أعدائِهم، وقد رغِب - لمن واصل - عن الوصالِ كثيرٌ من أهلِ الفضلِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، أن ابنَ أبي نُعْمٍ (^٣) كان يواصلُ من الأيامِ حتى لا يستطيعَ أن يقومَ. فقال عمرُو بنُ ميمونٍ. لو أدرَك هذا أصحابُ محمدٍ ﷺ رَجَموه (^٤).\nثم في الأخبارِ المتواترةِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بالنهي عن الوصالِ التي يطولُ بإحصائِها الكتابُ، ترَكْنا ذكْرَ أكثرِها استغناءً بذكْرِ بعضِها، إذ كان في ذكرِ ما ذكرنَا مُكتفًى عن الاستشهادِ - على كراهةِ الوصالِ - بغيرِه.\nحدُّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عبيدِ (^٥) اللهِ، قال: أخبرَني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ نهى عن الوصالِ، قالوا: إنك تواصلُ يا رسولَ اللهِ! قال: \"إنِّي لَسْتُ كأحدٍ مِنْكم، إنِّي أبِيتُ أُطْعَمُ وأُسْقَى\" (^٦).\nوقد رُوِي عن النبيِّ ﷺ الإذنُ بالوِصالِ من السَّحَرِ إلى السَّحَرِ.\nحدّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ المصريُّ، قال: ثنا شعيبٌ (^٧)، عن\n_________\n(^١) الركب جمع ركاب، وهو من السرج كالغرز من الرحل. التاج (ر ك ب).\n(^٢) مسند الفاروق ١/ ٢١٦، وغريب الحديث ٣/ ٣٢٥. والحديث في المسند ١/ ٣٩٤ (٣٠١) بمعناه.\n(^٣) في م: \"نعيم\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٨٤ من طريق بكر بن عامر، عن ابن أبي نعم، وليس فيه ذكر قول عمرو بن ميمون.\n(^٥) في م: \"عبد\".\n(^٦) أخرجه أحمد ٨/ ٣٤٥ (٤٧٢١)، والنسائي في الكبرى (٣٢٦٣) من طريق يحيى بن سعيد به نحوه، وأخرجه البخاري (١٩٦٢)، ومسلم (١١٠٢)، من طريق نافع به نحوه.\n(^٧) في م: \"أبو شعيب\"، وفي ت ١: \"ابن شعيب\"، وفي ت ٢: \"أبي شعيب\". وهو شعيب بن الليث بن سعد.","vol":"3","page":266},{"text":"الليثِ، عن يزيدَ بنِ الهادِ، عن عبدِ اللهِ بنِ خَبّابٍ (^١)، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنه سمِع رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"لا تُواصِلُوا، فأيُّكم أراد أن يُواصِلَ فَلْيُواصِلْ حتَّى السَّحَرِ\". قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنَّك تواصلُ! قال: \"إنِّي لَسْتُ كهَيْئَتِكُم، إني أبِيتُ لي مُطْعِمٌ يُطْعِمُني وساقٍ يَسْقِيني\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا أبو إسرائيلَ العبسيُّ، عن أبي بكرِ ابنِ حفصٍ، عن أمِّ ولدِ حاطبِ بنِ أبي بلْتَعةَ أنها مرَّتْ برسولِ اللهِ ﷺ وهو يتسَحَّرُ، فدعاها إلى الطعامِ فقالت: إني صائمةٌ. قال: \"وكيف تَصومين؟ \" فذكرَتْ ذلك للنبيِّ ﷺ، فقال: \"أينَ أنتِ من وصالِ آلِ محمدٍ ﷺ، من السَّحَرِ إلى السَّحَرِ؟ \" (^٣).\nفتأويلُ الآيةِ إذن: ثم أتمُّوا الكفَّ عمَّا أمرَكم اللهُ بالكفِّ عنه، من حيِن يتبيَّنُ لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجرِ إلى الليلِ، ثم حَلَّ لكم ذلك بعده، إلى مثلِ ذلك الوقتِ.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. قال: من هذه الحدودِ الأربعةِ. فقرَأ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. وكان أبي وغيرُه من مَشْيختِنا يقولون هذا ويتلونَه علينا.\n\n<span data-type='title' id=toc-592>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.</span>\n_________\n(^١) في ت ٢: \"حباب\". وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٤٤٩.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٦٣) من طريق الليث به، وأخرجه أحمد ١٧/ ١٠٨، ١٠٩، ٣٤٠ (١١٠٥٥، ١١٨٢٢)، والبخاري (١٩٦٧) من طريق يزيد به.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٢٣ عن المصنف.","vol":"3","page":267},{"text":"يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾: لا تجامِعوا نساءَكم. وبقولِه: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. يقولُ: في حالِ عُكُوفِكم في المساجدِ. وتلك حالُ حَبْسِهم أنفسَهم على عبادةِ اللهِ في مساجدِهم. و\"العكوفُ\" أصلُه المُقامُ وحبْسُ النفس على الشيءِ، كما قال الطِّرِمَّاحُ بنُ حَكيمٍ (^١):\nفبات (^٢) بناتُ اللَّيْلِ حَوْلِيَ عُكَّفًا … عُكُوفَ البَواكي بينَهن صَريعُ\nيعني بقولِه: عكفًا: مقيمةً. وكما قال الفرزدقُ (^٣):\nترى حولَهنَّ المُعْتَفِينَ (^٤) كأنهم … على صَنمٍ في الجاهليةِ عُكَّفُ\nوقد اختلفَ أهلُ التأويلِ في معنى \"المباشرَةِ\" التي نهى اللهُ عنها بقولِه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك الجماعُ دون غيرِه من معاني المباشرةِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾: في رمضانَ أو في غيرِ رمضانَ، فحرَّم اللهُ أن يَنكِحَ النساءَ ليلًا ونهارًا حتى يقضيَ اعتكافَه (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ، قال:\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢٩٥.\n(^٢) في الديوان: \"فباتت\".\n(^٣) ديوانه ص ٥٦١.\n(^٤) المعتفى: كل طالب فضل أو رزق. التاج (ع ف و).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١٩ (١٦٩١) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"3","page":268},{"text":"قال لي عطاءٌ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. قال: الجماعُ (^١).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبِي، عن سفيانَ، عن عَلْقمةَ بنِ مَرْثَدٍ، عن الضحاكِ، قال: كانوا يجامِعون وهم معتكِفون حتى نزلت: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، [عن سفيانَ] (^٣)، عن علقمةَ بنِ مَرْثَدٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. قال: كان الرجلُ إذا اعتكَف فخرَج من المسجدِ جامع إن شاء، فقال اللهُ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. يقولُ: لا تقربوهُنَّ ما دُمتم عاكفينَ في مسجدٍ [ولا] (^٤) غيرِه (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ نحوَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: كان أناسٌ يصيبون نساءَهم وهم عاكفونَ (^٦)، فنهاهُم اللهُ عن ذلك (^٧).\n_________\n(^١) تقدم في ص ٢٤٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٩٢ عن وكيع به.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) في م: \"أو\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٢٤ عن الضحاك.\n* إلى هنا ينتهي الخرم الذي في الأصل، والمشار إلى بدايته ص ٢٢٩.\n(^٦) بعده في م: \"فيها\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠١ إلى المصنف.","vol":"3","page":269},{"text":"وحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. قال: كان الرجلُ إذا خرَج من المسجدِ وهو معتكفٌ فلقِي امرأتَه باشرَها إن شاء، فنهاهُم اللهُ ﷿ عن ذلك، وأخبرَهم أن ذلك لا يصلُحُ حتى يقضيَ اعتكافَه (^١).\nحَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. . يقولُ: من اعتكَف فإنه يصومُ ولا يَحِلُّ له النساءُ ما دام معتكفًا (^٢).\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. قال: الجوارُ، فإذا خرَج أحدُكم من بيتِه إلى بيتِ اللهِ فلا يقرَبِ النساءَ (^٣). حَدَّثَنَا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: من خرَج من بيتِه إلى بيتِ اللهِ فلا يقرَبِ النساءَ (^٤).\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. قال: كان الناسُ إذا اعتكَفوا يخرجُ الرجلُ فيباشرُ أهلَه ثم يرجعُ إلى المسجدِ، فنهاهم اللهُ عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠١ إلى المصنّف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١٩ عقب الأثر (١٦٩١) من طريق عمرو به.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١٩ عقب الأثر (١٦٩١) معلقًا.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٢٢، ومن طريقه البَيْهَقِي ٤/ ٣٢١، نحوه.","vol":"3","page":270},{"text":"ذلك (^١).\nحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: كانوا إذا اعتكَفوا فخرَج الرجلُ إلى الغائطِ جامَع امرأتَه ثم اغتسَل، ثم رجَع إلى اعتكافِه، فنُهوا عن ذلك. قال ابنُ جُريجٍ: قال مجاهدٌ: نُهوا عن جماعِ النساءِ في المساجدِ، حيثُ كانت الأنصارُ تجامِعُ، فقال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾: قال: ﴿عَاكِفُونَ﴾: الجوارُ. قال ابنُ جريجٍ: فقلتُ لعطاءٍ: الجماعُ المباشرةُ؟ قال: الجماعُ نفسُه. فقلتُ له: فالقُبلةُ في المسجدِ واللمسةُ (^٢)؟ قال: أمّا الذي حُرِّمَ فالجماعُ، وأنا أكرهُ كلَّ شيءٍ مِن ذلك في المسجدِ (^٣).\nحُدِّثتُ عن حسينِ بنِ الفرجِ المروزيِّ (^٤)، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾: يعني الجماعَ (^٥).\nوقال آخَرون: معنى ذلك على جميعِ معاني المباشرةِ مِن لمسٍ وقُبلةٍ وجماعٍ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال مالكُ بنُ أنسٍ: لا يمَسُّ المعتكِفُ امرأتَه ولا يباشِرُها ولا يتلذَّذُ منها بشيءٍ؛ قُبلةٍ ولا غيرِها (^٦).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٢.\n(^٢) في م: \"المسة\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢٠٨٢) عن ابن جريجٍ عن عطاء نحوه. وأخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٩٢ من طريق سفيان، عن عطاء نحوه.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣١٧ عقب الأثر (١٦٨١) معلقا.\n(^٦) الموطأ ١/ ٣١٨.","vol":"3","page":271},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. قال: المباشرةُ الجماعُ وغيرُ الجماعِ، كلُّه محرَّمٌ عليه. قال: المباشرةُ بغيرِ جماعٍ: إلصاقُ الجلدِ بالجلدِ.\nوعلةُ من قال بهذا القولِ أن اللهَ تعالى ذِكرُه عمَّ بالنَّهي عن المباشرةِ ولم يَخْصُصْ منها شيئًا دون شيءٍ، فذلك على ما عمَّه حتى تأتيَ حجةٌ يجِبُ التسليمُ لها بأنه عنَى به مباشرةً دون مباشرةٍ.\nوأوْلَى التأويلين (^١) عندي بالصواب قولُ من قال: معنى ذلك الجماعُ أو ما قام مَقامَ الجماعِ، مما أوجب غُسلًا إيجابُه؛ وذلك أنه لا قولَ في ذلك إلَّا أحدُ قولين؛ إمّا مِن جعلِ حُكْمِ الآيةِ عامًّا، أو جعلِ حُكْمِها في خاصٍّ من معاني المباشرةِ. وقد تظاهرتِ الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ أن نساءَه كُنَّ يُرَجِّلْنَه وهو معتكفٌ، فلمّا صحَّ ذلك عنه ﷺ، عُلِم أن الذي عُنِيَ به من معاني المباشرةِ البعضُ دونَ الجميعِ.\nحَدَّثَنِي عليُّ بنُ شعيبٍ، قال: ثنا مَعْنُ بنُ عيسى القَزّازُ، قال: أخبَرنا مالكٌ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عَمْرَةَ، عن عائشةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان إذا اعتكَف يُدْنِي إليَّ رأسَه فأُرَجِّلُه (^٢).\nحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ بنِ الزُّبيرِ وعَمْرةَ، أن عائشةَ قالت: إن رسولَ اللهِ ﷺ لم يكنْ يَدخُلُ البيتَ إلَّا لحاجةِ الإنسانِ، وكان يُدْخِلُ عليَّ رأسَه وهو في المسجدِ\n_________\n(^١) في م: \"القولين\".\n(^٢) الموطأ ١/ ٣١٢، ومن طريقه أحمد ٦/ ١٠٤ (الميمنية)، ومسلم (٢٩٧/ ٦)، وأبو داود (٢٤٦٧)، وغيرهم. والصواب: عروة وعمرة، كما في الحديث الذي بعده. ينظر الأحاديث التي خولف فيها مالك للدارقطني (٢)، ومسند الطيالسي (١٥٤٦).","vol":"3","page":272},{"text":"فأُرَجِّلُه (^١).\nحَدَّثَنَا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كان النبيُّ ﷺ يُدْنِي إليَّ رأسَه وهو مجاورٌ في المسجدِ وأنا في حجرتِي وأنا حائضٌ، فأغسلُه وأُرَجِّلُه (^٢).\nحَدَّثَنَا سُفيانُ بن وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ ويعلَى بنُ عُبيدٍ، عن الأعمشِ، عن تميمِ بنِ سَلَمةَ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان النَّبِيُّ ﷺ يعتكِفُ فيُخرِجُ إليَّ رأسَه مِن المسجدِ وهو عاكفٌ فأغسلُه وأنا حائضٌ (^٣).\nحَدَّثَنِي محمدُ بن معمرٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسعدةَ، قال: ثنا مالكُ بن أنسٍ، عن الزهريِّ وهشامِ بنِ عروةَ، جميعًا عن عروَةَ، عن عائشةَ أن النَّبِيَّ ﷺ كان يُخْرِجُ رأسَه فأرجِّلُه وهو معتكفٌ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (٢٢٣٠) عن يونس (٢٢٣١) عن ابن عبد الحكم، كلاهما عن ابن وهب - زاد ابن عبد الحكم: ومالك والليث - عن الزهري به. وأخرجه أحمد ٦/ ٨١ (الميمنية)، والبخاري (٢٠٢٩)، ومسلم (٢٩٧/ ٧)، وغيرهم من طريق الزهري به.\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٢٠٤، ٢٠٨ (الميمنية)، وابن ماجة (٦٣٣، ١٧٧٨) من طريق وكيع به. وأخرجه أحمد ٦/ ٥٠ (الميمنية)، والبخاري (٢٩٦، ٢٠٢٨)، ومسلم (٢٩٧/ ٩)، وغيرهم من طريق هشام به.\n(^٣) أخرجه أحمد ٦/ ٣٢ (الميمنية) عن ابن فضيل به، وأخرجه أيضًا ٦/ ٢٣٠ (الميمنية)، والدارمي ١/ ٢٤٨ عن يعلى به. وأخرجه أحمد ٦/ ٢٣٠ (الميمنية)، والنسائي (٣٨٦) من طريق الأعمش به، وأخرجه الدارمي ١/ ٢٤٧ من طريق تميم به.\n(^٤) أخرجه الدارقطني في الموطآت - كما في الفتح ١٠/ ٣٦٨ - من طرق عن مالك به. وأخرجه أحمد ٦/ ١٨١ (الميمنية)، والدارمي ١/ ٢٤٦، والبخاري (٥٩٢٥)، والنسائي في الكبرى (٢٧١) من طريق مالك عن الزهري به.\nوأخرجه مالك ١/ ٦٠، ومن طريقه الدارمي ١/ ٢٤٦، والبخاري (٢٩٥، ٥٩٢٥)، والنسائي في الكبرى (٢٧٠) عن هشام به. وينظر التهذيب ٢٢/ ١٣٦، والتحفة ١٢/ ٧٩، والنكت الظراف.","vol":"3","page":273},{"text":"فإذ (^١) كان صحيحًا عن رسولِ اللهِ ﷺ ما ذكرنَا من غَسلِ عائشةَ رأسَه وهو مُعتكفٌ، فمعلومٌ أن المرادَ بقولِه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ غيرُ جميعِ ما لزِمه اسمُ المباشرةِ وأنه معنيٌّ به البعضُ من معاني المباشرةِ دونَ الجميعِ، فإذا كان ذلك كذلك، وكان مُجمَعًا على أنَّ الجماعَ مما عُنِي به، كان واجبًا تحريمُ الجماعِ على المعتكفِ وما أشبَههُ، وذلك كلُّ ما قامَ في الالتذاذِ مَقامَه مِن المباشرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-594>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: هذه الأشياءُ التي بَيَّنْتُها من الأكلِ والشربِ والجماعِ في شهرِ رمضانَ نهارًا في غيرِ عذرٍ، وجماعِ النساءِ في الاعتكافِ في المساجدِ.\nيقولُ: هذه أشياءُ حدَّدْتُها لكُم، وأمَرْتُكُم أن تَجتنِبوها في الأوقاتِ التي أمَرْتُكم أن تَجْتنِبوها وحرَّمْتُها فيها عليكم، فلا تقْرَبوها وابعُدوا منها أن تركَبوها، فتَستحِقُّوا بها من العقوبةِ ما يستحِقُّه مَن تعدَّى حُدودِي وخالَفَ أمْرِي وركِب معاصيَّ.\nوكان بعضُ أهلِ التأويلِ يقولُ: حدودُ اللهِ شُروطُه.\nوذلك معنًى قريبٌ من المعنَى الذي قلْنا، غيرَ أنَّ الذي قلْنا في ذلك أشبهُ بتأويلِ الكلمةِ، وذلك أنّ حدَّ كلِّ شيءٍ ما حصَره مِن المعاني وميَّز بينَه وبينَ غيرِه، فقولُه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ من ذلك، يعْني به: المحارمَ التي ميَّزها من الحلالِ المطلقِ، فحدَّدَها بنُعوتِها وصفاتِها وعرَّفَها عبادَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-593>ذِكرُ من قال: إن ذلك بمعنى الشروطِ</span>\nحَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) في م: \"فإذا\".","vol":"3","page":274},{"text":"السُّدِّيِّ، قال: أمّا حدودُ اللهِ فشروطُه (^١).\nوقال بعضُهم: حدودُ اللهِ: معاصِيه.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ المروزيِّ، قال: سمِعتُ [أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا] (^٢) عُبيدٌ، قال سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾. يقولُ: معصيةُ اللهِ، يعْني: المباشرةَ في الاعتكافِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-595>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: كما بينتُ لكم أيُّها الناسُ واجِبَ فرائِضي عليكُم من الصومِ، وعرَّفْتُكم حدودَه وأوقاتَه، وما عليكم منه في الحضرِ، وما لكم فيه في السفرِ والمرضِ، وما اللازمُ لكم تجنُّبُه في حالِ اعتكافِكُم في مساجدِكم، فأوضحتُ جميعَ ذلك لكم، فكذلك أُبَيِّنُ أحْكامِي وحلَالِي وحرامِي وحدُودِي وأمْرِي ونهْيي في كتابِي وتنزيلي، وعلى لسانِ رسولي للناسِ.\nويعني بقولِه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يقول: أُبيِّنُ ذلك لهم ليتَّقوا محارمِي ومعاصيَّ، ويتجنَّبوا سَخطِي وغَضبِي بتركِهم ركوبَ ما أبيِّنُ لهم في آياتِي أنِّي قد حرَّمتُه عليهم، وأمرْتُهم بهجرِه وترْكِه.\n\n<span id=\"aya-195\"></span><span data-type='title' id=toc-596>القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢٠ (١٦٩٤) من طريق عمرو به.\n(^٢) في م: \"الفضل بن خالد قال ثنا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢٠ (١٦٩٥) من طريق إلى معاذ به.","vol":"3","page":275},{"text":"الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾.\nيعني جلَّ ثناؤُه بذلك: ولا يأكُلْ بعضُكم مالَ بعضٍ بالباطلِ. فجعَل تعالى ذكرُه آكِلَ مالِ أخِيه بالباطلِ كالآكلِ مالَ نفسِه بالباطلِ. ونظيرُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]. وقولُه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. بمعنى: لا يَلْمِزْ بعضُكم بعضًا، ولا يقتُلْ بعضُكم بعضًا؛ لأنّ اللهَ تعالى ذكرُه جعَل المؤمنين إخوةً، فقاتلُ أخيه كقاتلِ نفسِه، ولامِزُه كلامِزِ نفسِه. وكذلك تفعلُ العربُ، تَكنى عن أنْفُسِها بإخوتِها، وعن إخوتِها بأَنْفُسِها، فتقولُ: أخي وأخوك أيُّنَا أبْطشُ. يعني: أنا وأنت نصْطَرِعُ فنَنْظُرُ أيُّنَا أشَدُّ. فيَكنى المتكلمُ عن نفْسِه بأخِيه؛ لأنّ أخَا الرجلِ عندَها كنفسِه، ومِن ذلك قولُ الشاعرِ (^١): أخِي وأخُوكَ بِبَطْنِ النُّسَيْـ … ــرِ (^٢) لَيْسَ لَنا (^٣) مِنْ مَعَدٍّ عَرِيبْ (^٤) فتأويلُ الكلامِ: ولا يأكلْ بعضُكُم أموالَ بعضٍ فيما بيْنَكم بالباطلِ. وأكلُه بالباطلِ: أكلُه مِن غيرِ الوجهِ الذي أباحَه اللهُ تعالى ذكرُه لآكِلِيه.\nوأما قولُه: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ فإنه يعني: وتُخاصِمُوا بها، يعني: بأموالِهم (^٥) ﴿إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا﴾. يعني: طائفةً ﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\n_________\n(^١) هو ثعلبة بن عمرو، والبيت في المفضليات ص ٢٥٤، تأويل مشكل القرآن ١/ ١١٤، معجم ما استعجم ٤/ ١٣٠٨.\n(^٢) النسير: تصغير نَسر موضع في بلاد العرب كان فيه يوم من أيامهم. معجم البلدان ٤/ ٧٨٣. وقال ابن الأنباري في شرح المفضليات ص ٥١٣: غير الأصمعي: ببطى المسيب. وقال: هو واد.\n(^٣) في المصادر السابقة: \"به\".\n(^٤) ليس لنا عريب: ليس لنا أحد. المصدر السابق.\n(^٥) في م، ت ١: \"بأموالكم\".","vol":"3","page":276},{"text":"ويعني بقوله: ﴿بِالْإِثْمِ﴾ أي: بالحرامِ الذي قد حرَّمَه اللهُ عليكم.\n﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: وأنتُم تَعَمَّدون أكلَ ذلك بالإثمِ على قَصْدٍ منكم إلى ما حرَّم اللهُ عليكم منه، ومَعرفةٍ بأنّ فِعلَكم ذلك معصيةٌ للهِ وإثمٌ.\nكما حَدَّثَنِي المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾: فهذا في الرجلِ يكونُ عليه مالٌ وليس عليه فيه بينةٌ، فيجحَدُ المالَ فيخاصِمُهم فيه إلى الحكامِ وهو يعرفُ أنَّ الحقَّ عليه، وهو يعلمُ أنه آثمٌ آكلٌ حرامًا (^١).\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾. قال: لا تُخاصِمْ وأنت ظالمٌ (^٢).\nحدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾: وقد كان يقالُ: من مشَى مع خَصمِه وهو له ظالمٌ فهو آثمٌ حتى يرجِعَ إلى الحقِّ. واعلمْ يا بنَ آدمَ أنّ قضاءَ القاضِي لا يُحِلُّ لك حرامًا، ولا يُحِقُّ لك باطلًا، وإنما يقضِي القاضِي بنحوِ ما يرَى ويشهَدُ به\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٢١ (١٧٠٤) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٣ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٢٢، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٨٢ - تفسير) عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٣ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":277},{"text":"الشهودُ، والقاضي بشرٌ يخطئُ ويصيبُ. واعلَموا أنه مَن قد قُضِي له بباطلٍ، فإنَّ خصومتَه لَمْ تنقَضِ حتى يجمَعَ اللهُ بينَهما يومَ القيامةِ، فيقضِيَ على المبطلِ للمحقِّ بأجودَ (^١) مما قُضِيَ به للمبطِلِ على المحقِّ في الدنيا (^٢).\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾. قال: لَا تُدْلِ بمالِ أخيكَ إلى الحاكمِ وأنت تعَلمُ أنك ظالمٌ، فإنّ قضاءَه لا يُحِلُّ لك شيئًا كان حرامًا عليك (^٣).\nحَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أما \"الباطلُ\"، يقولُ: يظلِمُ الرجلُ منكم صاحبَه، ثم يُخاصِمُه ليقْطعَ مالَه وهو يعلمُ أنه ظالمٌ، فذلك قولُه: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ (^٤).\nحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني خالدٌ الواسطيُّ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. قال: هو الرجلُ الذي يشترِي السِّلْعةَ فيردُّها ويَردُّ معها درَاهمَ (^٥).\nحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾. قال: يكونُ\n_________\n(^١) في م: \"ويأخذ\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٢٦ عن قتادة، دون أوله.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٢. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٣ إلى ابن المنذر.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٢٥ عن السدي نحوه.\n(^٥) سيأتي في تفسير الآية (٢٩) من سورة النساء من طريق داود عن عكرمة عن ابن عباس.","vol":"3","page":278},{"text":"أجدَلَ منه، وأعرفَ بالحجةِ، فيخاصِمُه في مالِه بالباطلِ، ليأكلَ مالَه بالباطلِ.\nوقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. قال: هذا القِمارُ الذي كان يعملُ به أهلُ الجاهليةِ (^١).\nوأصلُ \"الإدلاءِ\" إرسالُ الرَّجُلِ الدَّلوَ في سببٍ (^٢) مُتعلقًا به في البئرِ. فقيل للمُحْتَجِّ لِدَعواهُ (^٣): أدْلَى بحجةِ كَيتَ وكَيتَ. إذ كانت حُجَّتُه التي يحتجُّ بها سبَبًا له هو به مُتعلِّقٌ في خُصومَتِه، كتعلُّقِ المستقِي من بئرٍ بدَلو قد أرسلَها فيها بسبَبِها الذي الدَّلوُ به مُتعلقةٌ، يقالُ فيهما جميعًا - أعني من الاحتجاجِ، ومِن إرسالِ الدَّلوِ في البئرِ بسببٍ -: أدلَى فلانٌ بحجَّتِه فهو يُدْلي بها إدلاءً، وأدْلَى دلْوَه في البئرِ فهو يُدْليها إدلاءً.\nوأما قولُه: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾. فإنّ فيه وجهين من الإعرابِ؛ أحدُهما، أن يكونَ قولُه ﴿وَتُدْلُوا﴾ جَزْمًا عطفًا على قولِه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (^٤): ولَا تُدلوا بها إلى الحكَّامِ. وقد ذُكرَ أن ذلك كذلكَ في قراءةِ أُبيٍّ، بتكريرِ حرف النَّهْي: (وَلَا تُدْلوا بها إلى الحكَّامِ) (^٥).\nوالآخرُ منهما، النصبُ على الصرفِ (^٦)، فيكونُ معناه حينئذٍ: لا تأكُلوا\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٣٢٥.\n(^٢) السبب: الحبل.\n(^٣) في م: \"بدعواه\".\n(^٤) بعده في م، ت ١، ت ٣: \"أي\".\n(^٥) تفسير القرطبي ٢/ ٣٤٠، والبحر المحيط ٢/ ٥٦.\n(^٦) في م: \"الظرف\". وينظر كلام المصنّف على الصرف في ١/ ٦٠٨، وفي تفسير الآية (١٤٣) من سورة آل عمران.","vol":"3","page":279},{"text":"أموالَكم بينكم بالباطلِ وأنتم تُدلُون بها إلى الحكَّامِ، كما قال الشاعر (^١):\nلا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأتيَ مِثْلَهُ … عارٌ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ\nبمعنى: لا تنْهَ عن خلقٍ وأنت تأتي بمثلِه، عارٌ عليك.\nوهو أنْ يكونَ في موضعِ جزمٍ - على ما ذُكرَ من (^٢) قراءةِ أُبيٍّ - أحسنُ منه أن يكونَ نصبًا.\n\n<span id=\"aya-196\"></span><span data-type='title' id=toc-597>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾.</span>\nذُكرَ أن رسولَ اللهِ ﷺ سُئلَ عن زيادةِ الأهلَّةِ ونُقصانِها، واختلافِ أحوالِها، فأَنْزَل اللهُ هذه الآيةَ جوابًا لهم فيما سألوا عنه.\nذِكرُ الأخبارِ بذلك\nحَدَّثَنَا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. قال قتادةُ: سألوا نبيَّ اللهِ ﷺ عن ذلك: لمَ جُعِلتْ هذه الأهلةُ؟ فأنزل اللهُ فيها ما تسمَعون: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾. فجعَلها لصومِ المسلمِين ولإفطارِهم، ولمناسِكِهم وحَجِّهم، ولعِدَّةِ نسائِهم، ومحِلِّ دَينِهم، و(^٣) في أشياءَ، واللهُ أعلمُ بما يُصلحُ خلقَه (^٤).\nحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ،\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ٦٠٨.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بمعنى\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٣ إلى المصنّف عبد بن حميد.","vol":"3","page":280},{"text":"قال: ذُكرَ لنا أنهم [سألوا النَّبِيَّ] (^١) ﷺ: لَمْ خُلقتِ الأهلةُ؟ فأنزل اللهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. جعلَها اللهُ مواقيتَ لصومِ المسلمِين وإفطارِهم، ولحجِّهم ومناسِكِهم، ولعدَّةِ نسائهِم، وحَلِّ ديونِهم (^٢).\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾. قال: هي مواقيتُ لهم (^٣) في حجِّهم وصوْمِهم وفطرِهم ونُسكِهم (^٤).\nحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال الناسُ: لِمَ [جعِلت هذه] (^٥) الأهلةُ؛ فنزَلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾؛ لصومِهم وإفطارِهم، وحجِّهم ومناسِكِهم. قال: قال ابنُ عباسٍ: ووقتِ حجِّهم، وعِدَّةِ نسائِهم، وحَلِّ ديونِهم (^٦).\nحَدَّثَنِي موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾: فهي مواقيتُ للطلاقِ والحيضِ والحجِّ (^٧).\nوحدِّثتُ عن الحسيِن بنِ الفرجِ، قال: ثنا الفضلُ بنُ خالدٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ يعْني:\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قالوا للنبي\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢٢ عقب الأثر (١٧٠٨) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"للناس\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٢.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خلقت\".\n(^٦) في م، ت ا، ت ٢، ت ٣: \"دينهم\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢٢ عقب الأثر (١٧٠٨) من طريق عمرو به.","vol":"3","page":281},{"text":"حَلَّ دَيْنِهم، ووقتَ حجِّهم، وعِدَّةَ نسائهم (^١).\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمِّي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: سأل الناسُ رسولَ اللهِ ﷺ عن الأهلةِ، فنزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾: يعلَمون بها حَلَّ دَيْنِهم، وعِدَّةَ نسائِهم، ووقتَ حجِّهم (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ نجيٍّ (^٣)، عن عليٍّ أنه سُئلَ عن قولِه: ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾. قال: هي مواقيتُ الشهرِ هكذا وهكذا وهكذا - وقبَض إبهامَه - فإذا رأيتمُوه فصوموا، وإذا رأيتموه فأَفطِرُوا، فإنْ غُمَّ عليكم فأتِمُّوا ثلاثِين (^٤).\nفتأويلُ الآيةِ - إذا كان الأمرُ على ما ذكَرناه عمَّن ذكَرنَا عنه قولَه في ذلك -: يسألُونك يا محمدُ عن الأهلةِ ومحاقِها (^٥) وسِرَارِها وتمامِها واستوائِها وتغيرِ أحوالِها بزيادةٍ ونقصانٍ ومُحاقٍ واسْتِسرارٍ، وما المعنى الذي خالفَ بينَه وبينَ الشمسِ التي هي دائمةٌ أبدًا على حالٍ واحدةٍ لا تتغيرُ بزيادةٍ ولا نقصانٍ؟ فقلْ يا محمدُ: خالفَ بينَ ذلك ربُّكم ﷿ لتصييرِه الأهلةَ - التي سألتم عن أمرِها ومخالفةِ ما بينَها وبينَ غيرِها فيما - خالف بينَها وبينَه - مواقيتَ لكم ولغيرِكم من بني آدمَ في معايشِهم، تُوَقِّتون (^٦) بزيادتِها ونقصانِها ومحاقِها واسْتسرارِها وإهلالِكم\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢٢ في تفسيره عقب الأثر (١٧٠٨) معلقا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢٢ (١٧٠٧) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يحيى\"، وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٢١٩.\n(^٤) عبد الله بن نجى لم يسمع من علي؛ بينه وبين علي أبوه.\n(^٥) المحِاق والمُحاق: آخر الشهر إذا امَّحق الهلال فلم ير. اللسان (م ح ق).\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ترقبون\".","vol":"3","page":282},{"text":"إيَّاها، أوقاتَ حَلِّ ديونِكم، وانقضاءِ مدةِ إجارةِ من استأجَرْتُموه [مِن أُجَرائِكم] (^١)، وتَصرُّمِ عِدةِ نسائِكم، ووقتَ صومِكم وإفطارِكم، فجعَلَها مواقيتَ للناسِ.\nوأمّا قولُه: ﴿وَالْحَجِّ﴾ فإنه يعني: وللحجِّ. يقولُ: وجعَلها أيضًا ميقاتًا لحجِّكم تعرِفون بها وقتَ مناسكِكم وحَجِّكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-598>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾.</span>\nقيل: نزَلتْ هذه الآيةُ في قومٍ كانوا لا يدخُلون إذا أحْرَمُوا بُيوتَهم من قِبلِ أبوابِها.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا محمدُ بنُ المثنَّي، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ البراءَ يقولُ: كانت الأنصارُ إذا حَجُّوا فرجَعوا، لَمْ يدْخُلوا البيوتَ إلَّا من ظُهورِها. قال: فجاءَ رجلٌ من الأنصارِ فدخَل من بابِه، فقيل له في ذلك، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ (^٢).\nحدَّثني سفيانُ بنُ وكيع، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، قال: كانوا في الجاهليةِ إذا أحرَموا أتَوا البيوتَ من ظهورِها، ولم يأتُوا من\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٠٢٦) من طريق محمد بن جعفر به. وأخرجه البخاري (١٨٠٣)، وابن أبي حاتم ١/ ٣٢٣ (١٧٠٩) من طريق شعبة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. وينظر مسند الطيالسي (٧٥٢).","vol":"3","page":283},{"text":"أبوابِها، فنزَلت: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ داودَ، عن قيسِ بنِ جُبَيْرٍ (^٢) أنّ الناسَ كانوا إذا أحْرَمُوا لم يدخُلوا حائطًا من بابِه ولا دارًا من بابِها أو بيتًا، فدخَل رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابُه دارًا، وكان رجلٌ من الأنصارِ يقالُ له: رفاعةُ بنُ تابوتٍ. فجاء فتسوَّرَ الحائطَ، ثمَّ دخَل على رسولِ اللهِ ﷺ، فلمَّا خرَج من بابِ الدارِ - أو قال: بابِ البيتِ - خرَج معه رِفاعةُ. قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ما حَمَلك على ذلك\"؟ قال: يا رسولَ اللهِ، رأيتُك خرَجتَ منه فخرَجتُ منه. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \" إنِّي رَجلٌ أحْمَسُ (^٣) \". فقال: إن تكنْ رجلًا أحْمسَ، فإنّ دِينَنا واحدٌ. فأنزل اللهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥١٢)، وابن حبان (٣٩٤٧) من طريق إسرائيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٤ إلى وكيع.\n(^٢) كذا في النسخ، وأسد الغابة ٢/ ٢٤٤، وقال ابن الأثير عن أبي موسى: كذا قال: قيس بن جبير، بالجيم. قال: ولا أدرى هو قيس بن حبتر أم غيره. والصواب: حبتر. ينظر الإكمال ٢/ ٢٣، وتهذيب الكمال ٢٤/ ١٧.\n(^٣) ينظر معنى الحمس في ص ٥١١ وما بعدها.\n(^٤) أخرجه ابن بشكوال في المبهمات - كما في التعليق على المستفاد للعراقي ١/ ٦٣٤ - من طريق محمد بن عبد الأعلى به. وأخرجه عبد بن حميد - كما في الفتح ٣/ ٦٢١ - من طريق داود به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر. واختلف في من نزلت فيه هذه الآية، فقيل: قطبة بن عامر. أخرجه ابن خزيمة، وابن أبي حاتم، والحاكم عن جابر. وذكره الحافظ والخلاف في إسناده، وذكر رواية قيس بن حبتر، وقال: هذا مرسل، والذي قبله - يعني حديث جابر - أقوى إسنادًا، فيجوز أن يحمل على التعدد في القصة، إلا أن في هذا المرسل نظرا من وجه آخر؛ لأن رفاعة بن تابوت معدود في المنافقين، وهو الذي هبت الريح العظيمة لموته، كما وقع مبهما في صحيح مسلم، ومفسرا في غيره من حديث جابر، فإن لم يحمل على أنهما رجلان توافق اسمهما واسم أبويهما، وإلا فكونه =","vol":"3","page":284},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾. يقولُ: ليس البرُّ بأن تأتُوا البيوتَ من كَوّاتٍ (^١) في ظهورِ البيوتِ، وأبوابٍ في جُنُوبها، تجعَلُها أهلُ الجاهليةِ، فنُهوا أن يَدْخُلوا منها، وأُمروا أنْ يدخُلوا من أبوابِها (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: كان ناسٌ من أهلِ الحجازِ إذا أحْرَمُوا لم يدخُلوا من أبوابِ بيوتِهم ودخَلوا من ظُهورِها، فنزَلت: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ الآية (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا﴾. قال: كان المشركون إذا أحْرمَ الرجُلُ منهم نَقَب كَوَّةً في ظهرِ بيتِه فجعَل سُلَّمًا، فجعَل يدخُلُ منها. قال: فجاء رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ ومعه رجلٌ من المشركين. قال: فأتى البابَ ليدخُلَ (^٤) منه. قال: فانطَلق الرجلُ ليدخلَ من الكَوَّةِ. قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ما شأنُكَ؟ \" قال: فقال: إني أحْمسُ. فقال\n_________\n= قطبة ابن عامر أولى، ويؤيده أن في مرسل الزهري عند الطبري - سيأتي -: فدخل رجل من الأنصار من بني سلمة، وقطبة من بني سلمة بخلاف رفاعة. وينظر البداية والنهاية ٥/ ١٤، ٦/ ١٨٦، والإصابة ٢/ ٤٨٨.\n(^١) الكَوَّة: الخرق في الحائط، والثقب في البيت ونحوه. اللسان (ك وى).\n(^٢) انظر تفسير ابن كثير ١/ ٣٢٧.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٨٣ - تفسير) عن هشيم، عن مغيرة به، مطولا.\n(^٤) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فدخل\".","vol":"3","page":285},{"text":"رسولُ اللهِ: \"وأنا أحْمَسُ\" (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ، قال: كان ناسٌ من الأنصارِ إذا أهلُّوا بالعمرةِ لم يَحُلْ بينَهم وبينَ السماءِ شيْءٌ، يتحرَّجُون من ذلك. وكان الرجلُ يخرُجُ مُهِلًّا بالعُمرةِ، فتبدُو له الحاجةُ بعدَ ما يخرُجُ من بيتِه، فيرجِعُ ولا يدخُلُ من بابِ الحجرةِ من أجلِ سقفِ البابِ أن يحولَ بينَه وبين السماءِ، فيفتحُ الجدارَ من ورائِه، ثم يقومُ في حجرتِه فيأمرُ بحاجَتِه، فتُخرَجُ إليه من بيتِه، حتى بلغَنا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أهلَّ زمنَ الحديْبِيةِ بالعُمرةِ، فدخَل حجرةً، فدخَل رجلٌ على أثَرِه من الأنصارِ من بني سَلِمةَ، فقال له النبيُّ ﷺ: \"إنِّي أحْمَسُ\" - قال الزهريُّ: وكانت الحُمْسُ لا يبالون ذلك - فقال الأنصاريُّ: وأنا أَحْمسُ. يقولُ: وأنا على دينِك. فأنزَل اللهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ﴾ الآية كلّها. قال قتادةُ: كان هذا الحيُّ من الأنصارِ في الجاهليةِ إذا أهلَّ أحدُهم بحجٍّ أو عمرةٍ لا يدخُلُ دارًا من بابِها إلَّا أن يتسوَّرَ حائطًا تسوُّرًا، وأسلَمُوا وهم كذلك، فأنزَل اللهُ في ذلك ما تسمَعون، ونهاهُم عن صنيعِهم ذلك، وأخبرَهم أنه ليس من البرِّ صنيعُهم ذلك، وأمَرَهُم أن يأتُوا البيوتَ من أبوابِها (^٣).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في الفتح ٣/ ٦٢٢ عن مجاهد، وعزاه إلى المصنف.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٢، ٧٣.\n(^٣) عزاه الحافظ في الفتح ٣/ ٦٢١ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":286},{"text":"السُّدِّيِّ قولَه: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾: فإنَّ ناسًا من العربِ كانوا إذا حَجُّوا لم يدخُلوا بيوتَهم من أبوابِها، كانوا يَنْقُبونَ في أدْبارِها، فلما حجَّ رسولُ اللهِ ﷺ حجةَ الوداعِ، أقبلَ يَمشِي ومعه رجلٌ من أولئك وهو مسلمٌ، فلما بلَغ رسولُ اللهِ ﷺ بابَ البيتِ، احتبسَ الرجلُ خلْفَه وأبَى أنْ يَدخُلَ، قال: يا رسولَ اللهِ، إني أحْمسُ. يقولُ: إني مُحرِمٌ - وكان أولئك الذين يفعَلون ذلك يُسمَّون الحُمسَ - قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"وأنا أيْضًا أحْمَسُ، فادْخُلْ\". فدخَل الرجلُ، فأنزل اللهُ: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾: وإن رجالًا من أهلِ المدينةِ كانوا إذا خاف أحدُهم من عَدوِّه شيئًا أحرَم فأمِنَ، فإذا أحْرَمَ لم يَلِجْ من بابِ بيتِه، واتخذَ نَقْبًا من ظهرِ بيتِه، فلمَّا قدِم رسولُ الله ﷺ المدينةَ، كان بها رجلٌ محرمٌ كذلك. وإنَّ أهلَ المدينةِ كانوا يُسمُّون البستانَ الحُشَّ. وإنّ رسولَ اللهِ ﷺ دخَل بستانًا، فدخَله من بابِه، ودخَل معه ذلك المحرِمُ، فناداه رجلٌ من ورائِه: يا فلانُ، إنك محرمٌ وقد دخلْتَ [مع الناسِ] (^٢). فقال: أنا أحمسُ. [وقال] (^٣): يا رسولَ اللهِ، إنْ كنتَ محرمًا فأنا محرمٌ، وإنْ كنتَ أحْمسَ فأنا أحْمسُ. فأنزَل اللهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. فأحلَّ اللهُ للمؤمنين أن يدخُلوا من أبوابِها (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٤ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م، ت ٣: \"فقال\"، وفي ت ١: \"قال\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢٣ (١٧١١) عن محمد بن سعد به.","vol":"3","page":287},{"text":"حدثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾. قال: كان أهلُ المدينةِ وغيرُهم إذا أحرَمُوا لم يدْخُلوا البيوتَ إلَّا من ظُهورِهَا، وذلك أن يَتَسَوَّرُوها، فكان إذا أحرَم أحدُهم لا يدخُلُ البيتَ إلَّا أن يتَسوَّرَه من قِبلِ ظهرِه، وأنّ النبيَّ ﷺ دخَل ذاتَ يومٍ بيتًا لبعضِ الأنصارِ، فدخَل رجلٌ على أثَرِه ممّنْ قد أَحْرَمَ، فأنكَروا ذلك عليه، وقالوا: هذا رجلٌ فاجرٌ فقال النبيُّ ﷺ: \"لِمَ دَخَلْتَ مِنَ البابِ وَقَدْ أحْرَمْتَ؟ \" قال: رأيتُكَ يا رسولَ اللهِ دخلتَ فدخلتُ على أثَرِكَ. فقال النبيُّ ﷺ: \"إنِّي أحْمَسُ\" - وقريشٌ يومَئذٍ تُدعَى الحُمْسَ - فلمَّا أن قال ذلك النبيُّ ﷺ، قال الأنصاريُّ: إنّ دِيني دِينُك. فأنزَل اللهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قلتُ لعطاءٍ: قولُه: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾.\nقال: كان أهلُ الجاهليةِ يأْتونَ البيوتَ من ظهورِها ويَروْنه بِرًّا، فقال: \"البرُّ\"، ثم نعَت \"البرَّ\"، وأَمرَ أنْ يأتُوا البيوتَ من أبوابِها. قال ابنُ جُريجٍ: وأخبرني عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ أنه سمِعَ مجاهدًا يقولُ: كانت هذه الآيةُ في الأنصارِ يأتُونَ البيوتَ من ظهورِها يتبرَّرُون بذلك.\nفتأويلُ الآيةِ إذن: وليس البرُّ أيُّها الناسُ بأن تأتُوا البيوتَ في حالِ إحرامِكم من ظُهورِها، ولكن البرَّ من اتقى اللهَ ﷿ فخافَه، وتجنَّبَ مَحارمَه فأطاعَهُ بأداءِ فرائضِه التي أمرَه بها. فأما إتيانُ البيوتِ من ظهورِها فلا برَّ للهِ فيه، فأْتوهَا من حيثُ\n_________\n(^١) عزاه الحافظ في الفتح ٣/ ٦٢١ إلى المصنف.","vol":"3","page":288},{"text":"شئتُم مِن أبوابِها وغيرِ أبوابِها، ما لم تعتقِدوا تحريمَ إتيانِها من أبوابِها في حالٍ من الأحوالِ، فإنّ ذلك غيرُ جائزٍ لكم اعتقادُه؛ لأنَّه مما لم أحرِّمْه عليكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-599>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾.</span>\nيعني بذْلك جلَّ ثناؤُه: واتقُوا اللهَ أيّها الناسُ، فاحذَرُوه وارهَبُوه، بطاعتِه فيما أمَركم به من فرائضِه، واجتنابِ ما نهاكم عنه؛ لتفلِحُوا فتُنْجِحُوا في طَلِباتِكم لديه، وتُدرِكُوا به البقاءَ في جِنانِه، والخلودَ في نَعيمِه.\nوقد بينَّا معنى \"الفلاحِ\" فيما مضَى قَبلُ بما يدلُّ عليه (^١).\n\n<span id=\"aya-197\"></span><span data-type='title' id=toc-600>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: هذه الآيةُ هي أوّلُ آيةٍ نزَلتْ في أمْرِ المسلمين بقتالِ المشركين. وقالوا: أُمِر فيها المسلمون بقتالِ مَن قاتَلَهم من المشركينَ، والكَفِّ عمَّن كفَّ عنهم منهم (^٢)، ثم نُسِخَتْ بعدُ بـ \"براءةَ\".\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ وابنُ أبي جعفرٍ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. قال: هذه أوّلُ آيةٍ نزَلتْ في القتالِ بالمدينةِ، فلمَّا نزَلتْ كان رسولُ اللهِ ﷺ يقاتِلُ من قاتَله (^٣)، ويكفُّ\n_________\n(^١) ينظر ما مضى في ١/ ٢٥٦، ٢٥٧.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقاتله\".","vol":"3","page":289},{"text":"عمَّن كفَّ عنه، حتى نزَلتْ \"براءةُ\". قال: ولم يَذكُرُ عبدُ الرحمنِ المدينةَ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: قد نُسِخَ هذا. وقرأ قولَ اللهِ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. وهذه الناسخةُ. وقرأ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾. حتى بلَغ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ إلى ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢) [التوبة: ١ - ٥].\nوقال آخَرون: بل ذاك أمرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه المسلمين بقتالِ الكفارِ لم يُنْسَخْ، وإنما الاعتداءُ الذي نهاهُم اللهُ عنه، هو نهيُه عن قتلِ النساءِ والذَّرَارِيِّ. قالوا: والنهيُ عن قتلِهم ثابتٌ حكمُه اليومَ. قالوا. ولا شيْءَ نُسِخَ من حكمِ هذه الآيةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن صَدقةَ الدمشقيِّ، عن يحيى بنِ يحيى الغسانيِّ، قال: كتبتُ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أسألُه عن قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. قال: فكتَب إليَّ أَنَّ ذلك في النساءِ والذُّرِّيةِ، [ومن] (^٣) لمْ يَنْصِبْ لك الحربَ منهم (^٤).\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٢/ ١٤٣، والبغوي في تفسيره ١/ ١٤٣ معلقا عن الربيع. وعزاه السيوطي في الإتقان ١/ ٩٩، والأوائل ص ٩٤ إلى المصنف عن أبي العالية. وأخرجه آدم بن أبي إياس في تفسيره - كما في الدر المنثور ١/ ٢٠٥ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢٥ (١٧١٩) - عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٢٧ عن ابن زيد.\n(^٣) في الأصل، والدر المنثور ١/ ٢٠٥: \"من\".\n(^٤) أخرجه وكيع - كما في الدر المنثور ١/ ٢٠٥ - وعنه ابن أبي شيبة ١٢/ ٣٨٥. وينظر الاستذكار ١٤/ ٦٣، وسيرة عمر لابن الجوزي ص ٩٦.","vol":"3","page":290},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسَى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾: لأصحابِ محمدٍ ﷺ أُمِرُوا بقتالِ الكفارِ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. يقولُ: لا تقتُلوا النساءَ والصبْيانَ والشيخَ الكبيرَ، ولا مَنْ ألْقَى إليكم السَّلَمَ وكفَّ يدَه، فإنْ فعلتُم (^٢) فقد اعتديتُم (^٣).\nحدَّثني ابنُ البرْقىِّ، قال: ثنا عَمرُو بنُ أبي سلَمةَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، قال: كتَب عُمرُ بنُ عبدِ العزيز إلى عديٍّ بنِ أرطاةَ: إنِّي وجَدتُ آيةً في كتابِ اللهِ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. أي: لا تقاتِلْ من لا يُقاتلُ (^٤). يعني النساءَ والصبيانَ والرهبانَ. وأوْلَى هذين القولين بالصوابِ القولُ الذي قاله عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ؛ لأن دَعوَى المدَّعِي نَسْخَ آيةٍ مُحْتملٍ أن تكونَ غيرَ منسوخةٍ، بغيرِ دَلالةٍ على صحَّةِ دعْواه - تَحكُّمٌ، والتحَكُّمُ لَا يَعجِزُ عنه أحدٌ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢٥ (١٧٢٠) من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح به.\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هذا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢٥ (١٧٢١) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٥ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقاتلك\".","vol":"3","page":291},{"text":"وقد دلَّلنَا على معنى \"النسخِ\"، والمعنى الذي من قِبَلِه ثبَتت صحةُ النَّسخِ، بما قد أغنَى عن إعادَتِه في هذا الموضعِ (^١).\nفتأويلُ الآيةِ - إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا -: وقاتلُوا أيُّها المؤمنون في سبيلِ اللهِ. وسَبيلُه: طريقُه الذي أوضحَه، ودينُه الذي شرَعَه لعبادِه، يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه. وقاتلوا في طاعتِي، وعلى ما شرَعتُ لكم من دينِي، وادْعُوا إليه مَن وَلَّى عنه واستكبرَ، بالأيدِي والألسنِ، حتى يُنِيبُوا إلى طاعتِي، أو يُعطوكم الجزيةَ صَغارًا إنْ كانوا أهلَ كتابٍ. وأمَرهم جلَّ ثناؤُه بقتالِ مَن كان فيه قتالٌ من مُقاتِلةِ أهلِ الكفرِ، دونَ مَن لم يكنْ فيه قِتالٌ، من نسائِهم وذَراريِّهم، فإنهم أموالٌ وخَوَلٌ لهم، إذا غُلبَ المقاتلون منهم فقُهِرُوا. فذلك معنى قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [لا أنه] (^٢) أباح الكفَّ عمَّنْ كفَّ فلم يقاتلْ مِن مشركِي أهلِ الأوثانِ، أو (^٣) الكافِّينَ عن قتالِ المسلمينَ مِن كفارِ أهلِ الكتابِ على غير (^٤) إعطاءِ الجزيةِ صَغارًا.\nفمعنى قولِه: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾: لا تقتُلوا وليدًا ولا امرأةً، ولا مَن أعطاكُم الجزيةَ مِن أهلِ الكتابيْن والمجوسِ، ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، الذين يتجاوزون حدودَه، فيَسْتحلُّون ما حرَّمه عليهم من قَتلِ هؤلاءِ الذين حرَّمَ قتلَهم، من نساءِ المشركين وذَرارِيِّهم.\n\n<span id=\"aya-198\"></span><span data-type='title' id=toc-601>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾.</span>\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٣٨٨ وما بعدها.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لأنه\".\n(^٣) في م: \"و\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":292},{"text":"يعنِي بذلك جلَّ ثناؤه: واقتُلوا أيُّها المؤمنون الذين يقاتلونكم من المشركين حيث أصبتم مَقاتلَهم (^١)، وأمكَنكم قتلُهم، وذلك هو معنى قولِه: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾.\nومعنى الثَّقافةِ (^٢) بالأمرِ: الحِذْقُ به والبصرُ، يقالُ: إنَّه لثَقِفٌ لَقِفٌ. إذا كان جَيِّدَ الحذرِ في القتالِ، بصيرًا بمواضِعِ (^٣) القَتلِ.\nوأمّا التَّثقيفُ فمعنًى غيرُ هذا، وهو التقويمُ.\nفمعنى ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾: اقتُلوهم في أيِّ مكانٍ تَمكَّنتُم من قتلِهم، وأبصرْتُم مَقاتلَهم.\nوأما قولُه: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ فإنه يعني بذلك المهاجرين الذين أُخرِجُوا من ديارِهم ومنازِلهم بمكّةَ، فقال لهم جلَّ ثناؤُه: وأَخرِجُوا هؤلاء الذين يقاتلونَكم وقد أخْرجوكم مِن ديارِكم، مِن مساكنِهم وديارِهم كما أخرَجوكم منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-602>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾: والشركُ باللهِ أشدُّ مِن القتلِ.\nوقد بيَّنتُ فيما مضَى أن أصلَ الفتنةِ الابتلاءُ والاختبارُ (^٤).\nفتأويلُ الكلامِ: وابتلاءُ المؤمنِ في دينِه حتى يرجِعَ عنه فيصيرَ مشركًا بالله مِن\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، ت ٣: \"مقاتلتهم\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الثقفة\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بمواقع\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٢/ ٣٥٦، ٣٥٧.","vol":"3","page":293},{"text":"بعدِ إسلامِه، أشدُّ عليه وأضرُّ من أن يُقتلَ مقيمًا على دينِه، مُتمسِّكًا بمِلَّتِه (^١) محقًّا فيه.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. قال: ارتدادُ المؤمنِ إلى الوَثنِ أشدُّ عليه من [أنْ يُقْتلَ] (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. يقولُ: الشِّرْكُ أشدُّ من القتلِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادة مثلَه (^٣).\nحدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. يقول: الشركُ أشدُّ من القتلِ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. قال: الشركُ (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"عليه\".\n(^٢) في م: \"القتل\".\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٢٢٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢٦ عقب الأثر (١٧٢٦) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢٦ عقب الأثر (١٧٢٦) معلقًا.","vol":"3","page":294},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: أخبرني عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. قال: الفتنةُ الشركُ.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. قال: الشركُ أشدُّ من القتلِ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. قال: فتنةُ الكفرِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-603>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١)﴾</span>\nوالقرأةُ مختلفةٌ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ ومكةَ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (^٢). بمعنى: ولا تَبْدءوا أيُّها المؤمنون المشركينَ بالقتالِ عندَ المسجدِ الحرامِ حتى يَبدَءوكم به، فإن بَدءوكم به هنالِك عندَ المسجدِ الحرامِ في الحَرَمِ فاقتلُوهم، فإن اللهَ ﷿ جعَل ثوابَ الكافرينَ على كفرِهم وأعمالِهم السيئةِ القتلَ في الدنيا، والخزيَ الطويلَ في الآخرةِ.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يَزِيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾: كانوا لا يُقاتِلون فيه حتى يُبدَءُوا بالقتالِ، ثم نسَخَ بعدُ ذلكَ، فقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ حتى لا يكونَ\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٢/ ١٤٦.\n(^٢) وهي قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبي عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ١٧٩.","vol":"3","page":295},{"text":"شركٌ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾: أن يُقالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ. عليها قاتَل نبيُّ اللهِ، وإليها دَعَا (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾: فأمَر اللهُ جلَّ ثناؤُه نبيَّه ألا يقاتلَهم عندَ المسجدِ الحرامِ، إلا أن يُبدَءُوا فيه بقتالٍ، ثم نَسَخ اللهُ ذلك بقولَه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. فأمَر اللهُ نبيَّه إذا انقضَى الأجلُ أن يُقاتِلَهُم في الحِلِّ والحرمِ، وعند البيتِ، حتى يَشهدوا أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ اللهِ (^٢).\nحدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا عبد اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه، ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾: فكانوا لا يقاتِلونَهم فيه، ثم نسَخَ ذلك بَعدُ، فقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (^٣).\nوقال بعضُهم: هذه آيةٌ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه النحاس في ناسخه ص ١١١ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٥ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن أبي حاتم. وهو عند ابن أبي حاتم ١/ ٣٢٧، ٣٢٨ عقب الأثر (١٧٣٤، ١٧٣٥، ١٧٣٨) معلقا مفرقا ببعضه.\n(^٢) أخرجه ابن الجوزي في ناسخه ص ١٨٢ من طريق شيبان عن قتادة، نحوه. وأخرجه أيضا من طريق همام عن قتادة بزيادة: ثم قال: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾، ثم نُسخت الآيتان في براءة، فقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٥٢، ٣٥٣ من طريق سعيد عن قتادة، نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٥ إلى عبد بن حميد وأبي داود.\n(^٣) ذكره ابن الجوزي في ناسخه ص ١٨٢ معلقا.","vol":"3","page":296},{"text":"مجاهدٍ: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ﴾: في الحرمِ، ﴿فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ لا تقاتِلْ أحدًا فيه أبدًا، فمن عدَا عليكَ فَقاتَلكَ فقاتِلْه كما يُقاتِلُك (^١).\nوقرَأ ذلك عُظْمُ قَرأةِ الكوفيِّينَ: (ولَا تَقْتُلُوهم عِنْدَ المسْجِدِ الحرامِ حتى يَقْتُلُوكم فيه فإنْ قَتَلُوكم (^٢) فاقْتُلُوهم) (^٣). بمعنى: ولا تبدَءوهُم بقتلٍ حتى يبدَءوكم به.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حمادٍ. (^٤)، عن حمزةَ الزياتِ، قال: قلتُ للأعمشِ: أرأيتَ قراءَتَك: (وَلَا تَقْتُلُوهم عِنْدَ المسجِدِ الحَرَامِ حتَّى يَقْتُلوكم فيه فإن قَتَلُوكم فاقْتُلُوهم كَذلِكَ جَزَاءُ الكافِرِينَ فإِنِ انْتَهَوْا فإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) إذا قتَلوهم كيف يقتُلونَهم؟ قال: إنَّ العربَ إذا قُتل منهم رجلٌ (^٥) قالوا: قُتِلنا. وإذا ضُرب منهم رجلٌ قالوا: ضُربنَا (^٦).\nوأوْلَى هاتين القراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾؛ لأن اللهَ جل ثناؤه لم يأمرْ نبيَّه وأصحابَه في حالٍ - إذا قاتلَهم المشركون - بالاستسلامِ لهم حتى يَقتُلوا منهم قتيلًا، بعدَ ما أذِن له ولهم بقتالِهم، فتكونَ القراءةُ بالإذنِ بقتلِهم بعدَ أنْ يَقتُلوا منهم، أوْلى من القراءةِ بما\n_________\n(^١) ذكره النحاس في ناسخه ص ١٠٩ عن ابن أبي نجيح به.\n(^٢) في م: \"قاتلوكم\".\n(^٣) وهي قراءة حمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ١٧٩.\n(^٤) بعده في م: \"عن أبي حماد\".\n(^٥) سقط من: الأصل، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) ذكره النحاس في ناسخه ص ١١٣ معلقا، مختصرا. وينظر البحر المحيط ٢/ ٦٧.","vol":"3","page":297},{"text":"اختَرنا. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه قد كان جلَّ ثناؤُه أذِن لهم بقتالِهم، إذا كان ابتداءُ القتالِ من المشركين قبلَ أن يَقتلُوا منهم قتيلًا، وبعدَ أنْ يقتُلوا (^١).\nوقد نسَخ اللهُ هذه الآيةَ بقولِه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. وقولِه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ونحو ذلك من الآياتِ.\nوقد ذكَرنا قولَ بعضِ من قال: هي منسوخةٌ. وسنذكُرُ قولَ من حضَرَنا ذكرُه ممَّن لَمْ نذكُرْه.\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ قال: نسَخها قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٢).\nحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾. قال: حتى يبدَءوكم، كان هذا قد حُرِّم، فأحلَّ اللهُ جلَّ ثناؤُه ذلك له، فلم يزَلْ ثابتًا حتى أمَره اللهُ ﵎ بقتالِهم بعدُ (^٣).\n\n<span id=\"aya-199\"></span><span data-type='title' id=toc-604>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢)﴾.</span>\nيعني بذلك جلَّ ثناؤُه: فإن انتهى الكافرون الذين يُقاتلونكم عن قتالِكم وكُفرِهم باللهِ، فتَركوا ذلك وتابوا، فإن اللهَ غفورٌ لذنوبِ مَن آمَن منهم وتابَ من شِرْكِه، وأنابَ إلى اللهِ مِن معاصِيه التي سلَفتْ منه، وآثامِه (^٤) التي\n_________\n(^١) بعده في م: \"منهم قتيلا\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٣.\n(^٣) ينظر نواسخ القرآن لابن الجوزي ص ١٨٢.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أيامه\".","vol":"3","page":298},{"text":"مَضتْ، رحيمٌ به في آخرتِه بتفَضُّلِه (^١) عليه، وإعطائِه ما يُعْطِي أهلَ طاعتِه مِن الثوابِ بإنابتِه إلى محبتِه من مَعصيتِه.\nكما حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾: فإن تابوا، ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-200\"></span><span data-type='title' id=toc-605>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وقاتِلُوا المشركين الذين يقاتِلونكُم ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. يعني: حتى لا يكونَ شركٌ باللهِ، وحتى لا يُعبدَ دونَه أحدٌ، وتَضْمحِلَّ عبادةُ الأوثانِ والآلهةِ والأندادِ، وتكونَ العبادةُ والطاعةُ للهِ وحدَه دونَ غيرِه من الأصنامِ والأوثانِ.\nكما قال قتادةُ فيما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: حتى لا يكونَ شركٌ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيَى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: حتى لا يكونَ شِركٌ (^٣).\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: الشركُ، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بفضله\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢٧ (١٧٣١) من طريق أبي حذيفة.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٣.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٢٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":299},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السَّدِّيِّ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: أمّا الفتنةُ فالشِّركُ (^١).\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. يقولُ: قاتلِوا حتى لا يكونَ شِركٌ (^٢).\nحُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. أي: شِركٌ (^٣).\nحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال: ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: حتى لا يكونَ كفرٌ. وقرَأ: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ (^٤) [الفتح: ١٦].\nحَدَّثَنِي عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ، عن ابنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: شِركٌ (^٥).\nوأما \"الدِّينُ\" الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ، فهو العبادةُ والطاعةُ للهِ في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢٧ عقب الأثر (١٧٣٤) من طريق عمرو به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢٧ (١٧٣٤) من طريق الضحاك، عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢٧ عقب الأثر (١٧٣٤) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) ينظر التبيان ٢/ ١٤٦.\n(^٥) أخرجه البَيْهَقِي في الدلائل ٢/ ٥٨٢ من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"3","page":300},{"text":"أمرِه ونهيِه، مِن ذلك قولُ الأعْشَى (^١):\nهُوَ دَانَ الرِّبابَ (^٢) إذْ كَرِهُوا الدِّيـ … ــنَ دِرَاكًا بغزْوَةٍ وَصِيالِ\nيعني بقولِه: [إذ كرِهوا الدِّينَ] (^٣): إذ كرِهوا الطاعةَ وأبَوْها.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾. يقولُ: حتى لا يُعبدَ إلَّا اللهُ، وذلك: لا إلهَ إلَّا اللهُ. عليه قاتل النبيُّ ﷺ، وإليه دعَا، فقال النبيُّ ﷺ: \"إنِّي أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَقُولُوا: لا إلَهَ إلَّا اللهُ. ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ، فإذَا فَعَلُوا ذلك فَقَدْ عَصَمُوا (^٤) دِماءَهم وأمْوالَهم إلَّا بِحَقِّها، وَحِسابُهم على اللهِ\" (^٥).\nحَدَّثَنَا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾: أن يقالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إلَهَ إلَّا اللهُ\" (^٦). ثم ذكرَ مثلَ حديثِ الربيعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-606>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) ديوانه ص ١١.\n(^٢) الرباب: أحياء ضبَّة، وهم تيم وعدي وعُكْل، وقيل: تيم وعدي وعوف وثور وأشيب. التاج (ر ب ب).\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) بعده في م، ت ٣: \"منى\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٥ إلى المصنّف، بلفظ: حتى لا يعبد إلَّا الله. وينظر تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٣٢٨ عقب الأثر (١٧٣٥). والمرفوع أخرجه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢) من حديث ابن عمر.\n(^٦) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥٥٨) من طريق سعيد به. وتقدم أوله في ص ٢٩٦.","vol":"3","page":301},{"text":"يعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾: فإن انتهَى الذين يقاتِلونَكم من الكفارِ عن قتالِكم، ودخَلُوا في ملّتِكم، وأقرُّوا بما أَلْزَمهم (^١) اللهُ تعالى ذكرُه من فرائضِه، وترَكوا ما هم عليه من عبادةِ الأوثانِ، فدَعُوا الاعتداءَ عليهم وقتالَهم وجِهادَهم، فإنه لا ينبغي أن يُعتدَى إلَّا على الظالمين، وهم المشركون باللهِ، الذين ترَكوا عبادةَ ربِّهم، وعبَدوا غيرَ خالقِهم.\nفإن قال قائلٌ: وهل يجوزُ الاعتداءُ على الظالمِ، فيقالَ: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؟\nقيل: إن المعنى في ذلك غيرُ الوجهِ الذي ذهبتَ إليه، وإنما ذلك على وجهِ المجازاةِ لما كان من المشركين من الاعتداءِ. يَقولُ: افعَلوا بهم مثلَ الذي فعلُوا بكم. كما يقالُ: إن تعاطيتَ منِّي ظلمًا تعاطيتُه منكَ: والثاني ليس بظلمٍ، كما قال عَمرُو ابنُ شأسٍ الأسديُّ (^٢):\nجَزَيْنا ذَوي العُدْوَانِ بالأمسِ قَرْضَهُمْ … قِصَاصًا سَوَاءً حَذْوَكَ النَّعْلَ بالنَّعْلِ\nوإنما (^٣) ذلك نظيرُ قولِه: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]. ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩].\nوقد بينَّا وجهَ ذلك ونظائرَه فيما مضَى قبلُ (^٤). وبالذى قلنا في ذلك من التأويلِ قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ألزمكم\".\n(^٢) التبيان ٢/ ١٤٩.\n(^٣) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كان\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٣١٢ - ٣١٨.","vol":"3","page":302},{"text":"قتادةَ قولِه: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: والظالمُ الذي أبَى أن يقولَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ (^١).\nحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. قال: هم المشركون (^٢).\nحَدَّثَنِي ابنُ (^٣) المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عثمانُ (^٤) بنُ غِياثٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ في هذه الآيةِ: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. قال: هم مَن أبَى أن يقولَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ\".\nوقال آخرون: معنى قولِه: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: فلا تُقاتِلْ إلَّا مَنْ قاتلَ.\nذِكرُ مَن قال ذلك (^٥).\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: لا تُقاتلُوا إلَّا مَن قاتلَكم (^٦).\nحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٢٩٦.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٣٠١.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في الأصل: \"محمد\". ينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٤٧٣.\n(^٥) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥٥٦)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٣٣٤ من طريق عثمان به.\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٢٢٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢٨ (١٧٣٦). وتقدم أوله في ص ٢٩١.","vol":"3","page":303},{"text":"حدَّثنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: فإن اللهَ لَا يحبُّ العدوانَ على الظالمين ولا على غيرِهم، ولكن يقولُ: اعتدُوا عليهم بمثلِ ما اعتدَوْا عليكم (^١).\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ يقولُ في قوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: لا يجوزُ أن يقولَ: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾. إلَّا وقد علِمَ أنهم لا ينتَهُونَ إلَّا بعضَهم. قال: فكأنه قال: فإن انتهى بعضُهم فلا عدوانَ إلَّا على الظالمين منهم.\nفأَضْمرَ كما قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] يريدُ: فعليه ما اسْتيسرَ. وكما تقولُ إلى مَن تقصِدُ: أقصِدُ. يعني: إليه.\nوكان بعضُهم يُنكِرُ الإضمارَ في ذلك ويتأوّلُه: فإن انْتهَوْا فإنّ اللهَ غفورُ رحيمٌ لمن انتهَى، فلا عُدوانَ إلَّا على الظالمين الذين لَمْ يَنْتَهوا.\n\n<span id=\"aya-201\"></span><span data-type='title' id=toc-607>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾.</span>\nيعني بقولِه جَلَّ ثناؤُه؛ ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ ذا القَعدةِ، وهو الشهرُ الذي كان رسولُ اللهِ ﷺ اعتمرَ فيه عمرةَ الحديبيةِ، فصدَّه مُشركو أهلِ مكةَ عن البيتِ ودخولِ مكّةَ، وكان ذلك سنةَ ستٍّ من هجرتِه، وصالَح رسول اللهِ ﷺ المشركين في تلك السنةِ على (^٢) أن يعودَ من العامِ المقبلِ، فيدخُلَ مكَّةَ ويقيمَ ثلاثًا، فلمَّا كان من العامِ المقبلِ، وذلك سنةَ سبعٍ من هجرَتِه، خرَج مُعتمرًا هو وأصحابُه في ذي القَعدةِ - وهو الشهرُ الذي كان المشركون صَدُّوه عن البيتِ فيه في سنةِ ستٍّ - وأخلَى له أهلُ مكةَ البلدَ، حتى دخَلها رسولُ اللهِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢٨ (١٧٣٧) من طريق عمرو به.\n(^٢) بعده في الأصل: \"إلى\".","vol":"3","page":304},{"text":"ﷺ، فقضَى حاجتَه منها، وأتمَّ عُمرتَه، وأقامَ بها ثلاثًا، ثم خرَج منها مُنصرِفًا إلى المدينةِ، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه وللمسلمين معه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ يعْني ذا القَعدةِ الذي أوْصلَكم اللهُ فيهِ إلى حرمِه وبيتِه على كراهةِ مُشركِي قُرَيْشٍ ذلك حتى قَضَيْتم منه وطرَكم، ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الذي صدَّكم مُشركو قُريشٍ العامَ الماضي قبلَه فيه، حتى انصرفتُم على كُرْهٍ منكم عن الحرمِ، فلم تدْخُلوه ولم تَصِلُوا إلى بيتِ اللهِ، فأقَصَّكُم اللهُ أيُّها المؤمنون مِن المشركين بإدخالِكم الحرمَ في الشهرِ الحرامِ على كُرْهٍ منهم لذلك، بما كان منهم إليكم في الشهرِ الحرامِ من الصَّدِّ والمنعِ من الوصولِ إلى البيتِ.\nكما حدَّثني محمد بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزِيعٍ، قال: ثنا يوسفُ، يعني ابنَ خالدٍ السَّمْتيَّ (^١)، قال: ثنا نافعُ بنُ مالكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾. قال: هم المشركونَ، حَبَسُوا محمدًا ﷺ في ذي القَعدةِ، فرجَعة اللهُ في ذي القَعدةِ، فأَدخلَه البيتَ الحرامَ، فاقتصَّ له منهم (^٢).\nحدَّثني محمدُ بن عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾.\nقال: فَخَرَت قريشٌ بردِّها رسولَ اللهِ ﷺ يومَ الحُديبيةِ محرِمًا في ذي القَعدةِ عن البلدِ الحرامِ، فأدخلَه اللهُ مكةَ في العامِ المقبلِ في ذي القَعدةِ، فقضَى عُمرَته، وأقَصَّه بما حِيلَ بينَه وبينَه (^٣) يومَ الحُدَيبيةِ (^٤).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"السهمي\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٦ إلى المصنف نحوه. والسمتي ضعيف جدًّا. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٣٣٠.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بينها\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٢٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":305},{"text":"حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾: أقبلَ نبيُّ اللهِ ﷺ وأصحابُه فاعتمَرُوا في ذي القَعدةِ ومعهم الهديُ، حتى إذا كانوا بالحديبيةِ صَدَّهم المشركون، فصالحَهم نبيُّ اللهِ ﷺ على أن يرجِعَ من عامِه ذلك، حتى يرجِعَ من العامِ المقبلِ، فيكونَ بمكةَ [ثلاثَ ليالٍ] (^١)، ولا يَدْخُلَها إلَّا بسلاحِ راكبٍ، ولا يخرُجَ بأحدٍ من أهلِ مكةَ، فنحَروا الهديَ بالحديبيةِ، وحلَقُوا وقصَّرُوا، حتى إذا كانَ من العامِ المقبلِ، أقبلَ نبيُّ اللهِ وأصحابُه حتى دخَلوا مكّةَ، فاعتمَرُوا في ذي القَعدةِ، فأقاموا بها ثلاثَ ليالٍ.\nفكان المشركون قد فَخَروا عليه حينَ ردُّوه يومَ الحديبيةِ، فأقَصَّه اللهُ منهم، فأدخلَه مكّةَ في ذلك الشهرِ الذي كانوا ردُّوه فيه؛ في ذي القَعدةِ، فقال اللهُ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، وعن عثمانَ، عن مِقْسَمٍ في قولِه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾. قالا: كان هذا في سَفَرِ الحديبيةِ، صَدَّ المشركون النبيَّ ﷺ وأصحابَه عن البيتِ في الشهرِ الحرامِ، فقاضُوا المشركين يومَئذٍ قضيةً: إنَّ لكم أن تعتمِرُوا في العام المقبِلِ؛ في هذا الشهرِ الذي صدُّوهم فيه. فجعَل اللهُ تعالى ذكرُه لهم شهرًا حرامًا يعتمِرونَ فيه مكانَ شهرِهم الذي صُدُّوا، فلذلك قال: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"ثلاثة أيام\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٣٠ عن قتادة ومقسم. وهو في تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٣ عن معمر، عن رجل، عن قتادة، عن عكرمة.","vol":"3","page":306},{"text":"حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾. قال: لما اعتمَر رسولُ اللهِ ﷺ عُمرةَ الحُديبيةِ في ذي القَعدةِ سنةَ ستٍّ من مُهاجَرِه صدَّه المشركون، وأبَوْا أن يَتركوه، ثم إنهم صالحُوه في صلْحِهم على أن يُخلُّوا له مكةَ في عامِ قابلٍ ثلاثةَ أيامٍ يَخْرجُونَ ويَتركونَه فيها، فأتاهُم رسولُ اللهِ ﷺ بعدَ فتحِ خيبرَ في السنةِ السابعةِ، فَخَلَّوْا له مكةَ ثلاثةَ أيامٍ، ونكَح في عُمرتِه تلكَ مَيمونةَ بنتَ الحارثِ الهلاليةَ (^١).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾: وأَحْصَرُوا النبيَّ ﷺ في ذي القَعدةِ عن البيتِ الحرامِ، فأدخلَه اللهُ البيتَ الحرامَ العامَ المقبلَ، واقتصَّ له منهم، فقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: أقبلَ نبيُّ اللهِ ﷺ وأصحابُه، فأحْرمُوا بالعمرةِ في ذي القَعدةِ ومعهم الهديُ، حتى إذا كانوا بالحديبيةِ صَدَّهم المشركون، فصالحَهم رسولُ اللهِ ﷺ أن يرجِعَ ذلك العامَ حتى يرجِعَ العامَ المقبلَ، فيقيمَ بمكةَ ثلاثةَ أيامٍ، ولا يخرُجَ معه بأحدٍ من أهلِ مكةَ، فنحَرُوا الهدْيَ بالحديبيةِ، وحلَقوا وقصَّرُوا، حتى إذا كانوا من العامِ المقبلِ، أقبلَ النبيُّ ﷺ [وأصحابُه] (^٣) حتى دخَلوا مكةَ، فاعتمَرُوا في ذي القَعدةِ وأقاموا بها ثلاثةَ أيامٍ، وكان المشركون قد فخَروا عليه حينَ ردُّوه يومَ الحديبيةِ، فقصَّ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير ١/ ٣٣٠ عن السدي.\n(^٢) ذكره ابن كثير ١/ ٣٣٠ عن الضحاك.\n(^٣) سقط من: الأصل.","vol":"3","page":307},{"text":"اللهُ له منهم، وأدخلَه مكةَ في ذلك الشهرِ الذي كانوا ردُّوه فيه في ذي القَعدةِ، قال اللهُ جلّ ثناؤُه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾: فهم المشركون، كانوا حبَسوا محمدًا ﷺ في ذي القَعدةِ عن البيتِ، ففخَروا عليه بذلك، فرجَعه اللهُ في ذي القَعدةِ، فأدْخَله البيتَ الحرامَ، فاقتصَّ له منهم (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ حتى فرَغ من الآيةِ. قال: هذا كلُّه قد نُسِخَ، أمَره أن يجاهِدَ المشركين. وقرَأ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. وقرَأ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] العربَ، فلمّا فرَغ منهم قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. حتى بلَغ قولَه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. قال: وهم الرومُ. قال: فوجَّه إليهم رسولُ اللهِ ﷺ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ الثقفيُّ، قال: ثنا أيوبُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾. قال: أمرَكم اللهُ بالقصاصِ، ويأخُذُ منكم العُدْوانَ (^٣).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٣٠ عن الربيع، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم عن أبي العالية، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٣٢٨ عقب الأثر (١٧٣٨) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.\n(^٢) أخرجه ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ١٨٧، ١٨٨ من طريق محمد بن سعد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٢٩ (١٧٣٩) من طريق أيوب به بنحوه.","vol":"3","page":308},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ وسألتُه عن قولِه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾. قال: نزَلتْ في الحديبيةِ، مُنِعوا في الشهرِ الحرامِ، فنزَلتْ ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾: عُمرةٌ في شهرٍ حرامٍ بعمرةٍ في شهرٍ حرامٍ (^١).\nوإنما سمَّى اللهُ جلَّ ثناؤُه ذا القَعدةِ الشهرَ الحرامَ؛ لأنّ العربَ في الجاهليةِ كانت تُحرِّمُ فيه القتالَ والقتلَ، وتضَعُ فيه السلاحَ، فلا يقْتُلُ فيه أحدٌ أحدًا، ولَو لقِيَ الرجلُ قاتلَ أبيه أو ابنِه، وإنما كانُوا سمَّوْه ذا القَعدةِ، لقُعودِهم فيه عن المغازِي والحروبِ، فسمَّاه اللهُ بالاسمِ الذي كانت العربُ تُسمِّيه به.\nوأما الحرماتُ فإنها جمعُ حُرمةٍ، كما الظُّلُماتُ جمعُ ظُلْمةٍ، والحجُراتُ جمعُ حُجرَةٍ.\nوإنما قال ﵎: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ فجمَع، لأنه أرادَ الشهرَ الحرامَ والبلدَ الحرامَ وحُرمةَ الإحرامِ. فقال جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ والمؤمنين معه: دخولُكم الحرمَ، بإحرامِكم هذا في شهرِكم الحرامِ، قصاصٌ مما مُنِعتم مِن مثلِه عامَكم الماضي. وذلك هو الحرماتُ التي جعلَها اللهُ قصاصًا.\nوقد بينَّا أن القصاصَ هو المجازاةُ من جهةِ الفعلِ أو القولِ أو البدَلِ (^٢)، وهو في هذا الوضعِ من جهةِ الفعلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-608>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ فيما نزَل فيه قولُه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا\n_________\n(^١) أخرجه النحاس في ناسخه ص ١١٤ من طريق حجاج به.\n(^٢) في م، ت ١: \"البدن\"، وينظر ما تقدم في ص ٩٣ وما بعدها.","vol":"3","page":309},{"text":"عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ ابنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾: فهذا ونحوُه نزَل بمكةَ والمسلمونَ يومَئذٍ قليلٌ، ليسَ لهم سلطانٌ يَقهَرُ المشركينَ، وكان المشركونَ يَتعاطَوْنهم بالشَّتْمِ والأذَى، فأمرَ اللهُ المسلمين مَن يُجازِي منهم أن يُجازِيَ بمثلِ ما أُتِي إليه أو يصبِرَ، أو يَعفُوَ فهو أمثلُ، فلمَّا هاجَر رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ، وأعزَّ اللهُ سلطانَه، أمَر المسلمين أن يَنتهُوا في مظالِمهم إلى سُلطانِهم، وألا يعدوَ بعضُهم على بعضٍ كأهلِ الجاهليةِ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: فمن قاتلَكم أيُّها المؤمنون من المشركين، فقاتِلوهم كما قاتَلوكُم. وقالوا: نزَلتِ الآيةُ علَى رسولِ اللهِ ﷺ بالمدينةِ وبعدَ عُمرةِ القَضِيَّةِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾: فقاتِلوهم فيه كما قاتَلوكم (^٢).\nوأشبهُ التأويليِن بما دلَّ عليه ظاهرُ الآيةِ القولُ الذي حُكِي عن مجاهدٍ؛ لأنّ الآياتِ قبلَها إنما هي أمرٌ من اللهِ للمؤمنِين بجهادِ عدوِّهم علَى صفةٍ، وذلك قولُه:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢٩ (١٧٤٠)، والبيهقي ٨/ ٦١ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٧ إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٧ إلى المصنف.","vol":"3","page":310},{"text":"﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ والآيات بعدَها، وقولُه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ إنّما هو في سياقِ الآيات التي فيها الأمرُ بالقتالِ والجهادِ، واللهُ إنما فرَض القتالَ على المؤمنين بعدَ الهجرةِ. فمعلومٌ بذلك أن قولَه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ مدنيٌّ لا مكيٌّ، إذْ كَان فرضُ قتالِ المشركين لم يكنْ وجَب علَى المؤمنين بمكةَ، وأنّ قولَه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ نظيرُ قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ وأن معناه: فمن اعتدَى عليكم في الحرمِ فقاتَلكم فاعتَدُوا عليه بالقتالِ نحوَ اعتدائِه عليكم بقتالِه إيَّاكم؛ لأني قد جعَلتُ الحرماتِ قصاصًا، فمَن استحلَّ منكم أيُّها المؤمنون من المشركين حُرْمةً في حَرَمى، فاستحِلُّوا منه مثلَه فيه.\nوهذه الآيةُ منسوخةٌ بإذنِ اللهِ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه ﷺ بقتالِ أهلِ الحرمِ ابتداءً في الحرمِ، وقولُه: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ على نحوِ ما ذكَرنا [من القولِ في ذلك عن ابنِ زيدٍ.\nوأما قولُه: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ فإنّ فيه وجهَين مِن التأويلِ؛ أحدُهما، ما قد ذكَرنا قبلُ] (^١) مِن أنه بمعنَى المجازاةِ وإتباعِ لفظٍ لفظًا وإنِ اختلَف معنياهما، كما قال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقال: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] وما أشبهَ ذلك مما أَتْبَع لفظٌ لفظًا واختلفَ المعْنيانِ.\nوالآخرُ، أن يكونَ بمعْنى العَدْوِ الذي هو شدٌّ ووثوبٌ، من قولِ القائلِ: عدَا الأسدُ على فريستِه. فيكونُ معنى الكلامِ: فمَن عدَا عليكم، أيْ: فمَن\n_________\n(^١) سقط من م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":311},{"text":"شدَّ عليكم ووثَب بظلمٍ، فاعْدُوا عليه، أيْ: فشُدُّوا عليه وثِبوا بحقٍّ (^١)؛ قِصاصًا لما فعَل بكم لا ظلمًا. ثم تَدْخُلُ التاءُ في \"عَدا\"، فيقالُ: افتعَل مكانَ \"فعَل\"، كما يقالُ: اقترَب هذا الأمرُ. بمعنى: قرُب، واجتلَب كذا. بمعْنى: جلَب، وما أشبَهَ ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-609>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤُه بذلك: واتّقُوا اللهَ أيُّها المؤمنونَ في حُرُماتِه وحدودِه أن تعَدَّوا فيها، فتَتَجاوَزُوا فيها ما بَيَّنَه وحدَّه لكم، واعلَمُوا أنَّ اللهَ يحِبُّ المتقين الذين يَتَّقونه بأداءِ فرائضِه وتجنُّبِ محارمِه.\n\n<span id=\"aya-202\"></span><span data-type='title' id=toc-610>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ هذه الآيةِ، ومَن عُنِي بقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾. وسبيلُ اللهِ طريقُه الذي أمَر أن يُسْلَكَ فيه إلى عدوِّه مِن المشركِين لجهادِهم وحربِهم، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. يقولُ: ولا تَتْرُكُوا النفقةَ في سبيلِ اللهِ، فإنَّ اللهَ يعوِّضُكم منها أجرًا، ويَرزُقُكم عاجلًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني أبو السائبِ والحسنُ بنُ عرفةَ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن شقيقٍ (^٢)، عن حذيفةَ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: يَعْني في تركِ\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"نحوه\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سفيان\".","vol":"3","page":312},{"text":"النفقةِ [في سبيلِ اللهِ] (^١)،\nحدَّثني محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، وحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن حذيفةَ، وحدَّثني محمدُ بنُ خلَفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الأعمشِ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، جميعًا عن شَقيقٍ، عن حذيفةَ، قال: هو تَركُ النفقةِ في سبيلِ اللهِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ أنَّه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: تُنْفِقُ في سبيلِ اللهِ وإن لم يَكُنْ لك إلَّا مِشقَصٌ (^٣) أو سهمٌ (^٤). شعبةُ الذي يَشُكُّ في ذلك.\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ الذي كان يحدِّثُ عنه الكلبيُّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن لم يَكُنْ لك إلا سهمٌ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٤٠٤) وفي (٢٨٥ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣١ (١٧٤٤) من طريق أبي معاوية به.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٥١٦)، والبيهقي ٩/ ٤٥ من طريق شعبة به، وأخرجه سعيد بن منصور (٢٨٥ - تفسير) عن سفيان بن عيينة عن الأعمش به. والأثر في تفسير سفيان ص ٥٨ عن أبي عمر، عن أبي وائل، عن حذيفة، بلفظ: ألَّا تنفق. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٧ إلى وكيع وسفيان بن عيينة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) المِشْقَص: نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض، فإذا كان عريضا فهو المِعْبَلة. النهاية ٢/ ٤٩٠.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٠ (١٧٤٢) من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٧ إلى وكيع وعبد بن حميد.","vol":"3","page":313},{"text":"أو مِشْقَصٌ أنفِقْه (^١).\nحدَّثني ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيىَ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: في النفقةِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، عن عمرِو بنِ أبي قيسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ. ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: ليسَ التَّهْلُكةُ أن يُقْتَلَ الرجلُ في سبيلِ اللهِ، ولكنِ الإمساكُ عن النفقةِ في سبيلِ اللهِ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن عِكْرمةَ، قال: نزَلتْ في النفقاتِ في سبيلِ اللهِ. يعْني قولَه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني أبو صَخْرٍ، عن محمدِ ابنِ كَعْبٍ القُرظيِّ أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.\nقال: كان القومُ في سبيلِ اللهِ، فيتَزوَّدُ الرجلُ، فكان أفضلَ زادًا من الآخَرِ، أنفَق البائسُ مِن زادِه حتى لا يبقَى مِن زادِه شيْءٌ، أحبَّ أن يُواسِيَ صاحبَه، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ خلَفٍ العَسقلانيُّ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا شَيْبانُ، عن\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"أنفقته\".\n(^٢) تفسير سفيان ص ٥٩.\n(^٣) رواه ورقاء عن عطاء بن السائب عن سعيد بنحوه - كما في تفسير مجاهد ص ٢٢٤ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٧ إلى المصنف والفريابي وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ٣٨ من طريق هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣١، ٣٣٢ (١٧٤٦) من طريق يونس بن عبد الأعلى به.","vol":"3","page":314},{"text":"منصورِ بنِ المُعْتَمِرِ، عن أبي صالحٍ مولى أُمِّ هانئٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: لا يَقولَنَّ أحدُكم: إنِّي لا أجِدُ شيئًا. إن لم يَجِدْ إلا مِشْقَصًا فلْيَجَّهَّزْ (^١) به في سبيلِ اللهِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتمِرُ، قال: سمِعتُ داودَ - يعني ابنَ أبي هندٍ - عن عامرٍ أن الأنصارَ كان احْتَبَس عليهم بعضُ الرزقِ، وكانوا قد أنفَقوا نفقاتٍ. قال: فساء ظنُّهم وأمسَكوا. قال: فأنزَل اللهُ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: وكانت التَّهْلُكةُ سوءَ ظنِّهم وإمساكَهم (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: [لا تَمْنَعنَّكم] (^٤) نفقةً في حقِّ خِيفَةُ العَيْلةِ (^٥).\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: كان قتادةُ يُحَدِّثُ أنَّ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٣: \"فليتجهز\".\n(^٢) أخرجه البيهقي ٩/ ٤٥ من طريق آدم به.\n(^٣) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ٣٧ من طريق هشيم عن داود بن أبي هند به. وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢١٣١)، والجهاد ١/ ٢٨٠ (٨٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٢ (١٧٥٠)، وابن قانع في معجم الصحابة ٢/ ٣٣، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٣٩٠ (٩٧٠)، والأوسط (٥٦٧١) من طريق حماد بن سلمة، عن داود، عن الشعبي، عن الضحاك بن أبي جبيرة.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تمنعكم\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٢٢٤، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٤٠٥) وفي (٢٨٦ - تفسير) عن سفيان ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح به، وأخرجه سفيان في تفسيره ص ٥٩ عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد نحوه.","vol":"3","page":315},{"text":"الحسنَ حدَّثه أنَّهم كانوا يسافِرون ويَغْزُون ولا يُنْفِقُون مِن أموالِهم. أو قال: لا يُنْفِقون في ذلك، فأمرَهم اللهُ أن يُنْفِقُوا في مغازِيهم في سبيلِ اللهِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ يَقولُ: لا تُمْسِكوا بأيدِيكم عن النفقةِ في سبيلِ اللهِ (^٢).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾. يقولُ: أنْفِقْ في سبيلِ اللهِ ولو عِقالًا، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ تقولُ: ليس عندي شيْءٌ\" (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو غَسّانَ، قال: ثنا زُهَيرٌ، قال: ثنا خُصَيفٌ، عن عِكْرِمةَ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: لما أمَر اللهُ بالنفقةِ فكانوا أو بعضُهم يقولون: نُنْفِقُ فيَذْهَبُ مالُنا ولا يَبقَى لنا شيْءٌ (^٤)؟ قال: فقال: أنْفِقُوا ولا تُلْقُوا بأيدِيكم إلى التَّهْلُكةِ. قال: أنفِقُوا وأنا أرزُقُكم.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن يونسَ، عن الحسنِ، قال: نزَلت في النفقةِ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبَرَنا أبوْ (^٥) هَمّامٍ الأهوازيُّ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (١٠٩٠٢) من طريق ميمون، عن الحسن. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٤.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣١ عقب الأثر (١٧٤٤) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ابن\"، وينظر تهذيب الكمال ٣٤/ ٣٧٩.","vol":"3","page":316},{"text":"أخبَرَنا يونسُ، عن الحسنِ في التَّهْلُكةِ، قال: أمَرهم اللهُ بالنفقةِ في سبيلِ اللهِ، وأخبَرهم أنَّ تَرْكَ النفقةِ في سبيلِ اللهِ التَّهْلُكَةُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: سأَلتُ عطاءً عن قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: يقولُ: أنْفِقُوا في سبيلِ اللهِ ما قلَّ وكثُر. قال: وقال لي عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: نزَلت في النفقةِ في سبيلِ اللهِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا يَقولَنَّ الرجلُ: لا أجِدُ شيئًا، قد هلَكتُ. فَلْيتَجَهَّزْ ولو بمِشْقَصٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: ثنِي عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. يقولُ: أنْفِقُوا ما كان مِن قليلٍ أو كثيرٍ، ولا تَسْتَسْلِموا ولا تُنْفِقوا شيئًا فتَهلِكوا.\nحدَّثني المثُنَىَّ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبِرٍ، عن الضحّاكِ، قال: التَّهْلُكةُ أن يُمْسِكَ الرجلُ نفسَه ومالَه عن النفقةِ في الجهادِ في سبيلِ اللهِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، عن يونسَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. [قال: أمَر أن تُنْفِقوا في سبيلِ اللهِ، وقال: لا تُلقُوا بأيديكم إلى التهلُكةِ] (^٣)، فَتَدَعُوا النفقةَ في سبيلِ اللهِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣١ عقب الأثر (١٧٤٤) معلقًا عن عطاء.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣١ عقب الأثر (١٧٤٤) معلقًا عن الضحاك.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":317},{"text":"[حدَّثنا ابنُ سِنانٍ القزَّازُ، قال: نا الحسينُ بنُ الحسنِ الأشقرُ، قال: أنا أبو حذيفةَ، عن عَطَاءٍ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: ليس في القتالِ، ولكنْ حَبْسُكَ النَّفقةَ في سبيلِ اللهِ؛ لأنه عُرْضَةُ تَهْلُكةٍ] (^١).\n[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: نا جريرٌ، عن منصورٍ؛ عن أبي صالحٍ مَوْلَى أُمِّ هانِئٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: إن لم تجِدْ شيئًا إلا مِشْقَصًا فلْتَجَّهَّزْ به في سبيلِ اللهِ، ولا تقولَنّ: لا أجِدُ شيئًا قد هلكتُ] (^٢).\nوقال آخرون ممن وجَّه (^٣) تأويلَ ذلك إلى أنه معنيةٌ به النفقةُ: معنى ذلك: وأنفِقُوا في سبيلِ اللهِ ولا تُلْقُوا بأيدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ، فتَخْرُجوا في سبيلِ اللهِ بغيرِ نفقةٍ ولا قُوَّةٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زَيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: إذا لم يَكُنْ عندَك ما تُنْفِقُ، فلا تَخْرُجْ بنفسِك بغيرِ نفقةٍ [وقوةٍ] (^٤)، فَتُلْقِيَ بيدَيك إلى التهلكةِ.\n[حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عَبْدُ اللهِ بنُ عَيّاشٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسْلَمَ في قولِ اللهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وذلك أنّ رجالًا كانوا يَخرُجون في بُعوثٍ يَبْعَثُها رسولُ اللهِ ﷺ بغيرِ] (٢)\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٧ إلى الفريابي والمصنف وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وجهوا\".\n(^٤) في م: \"ولا قوة\".","vol":"3","page":318},{"text":"[نفَقَةٍ فإمّا يُقْطَعُ بهم، وإمّا كانوا عيالًا، فأمَرهم اللهُ أن يَستَنْفِقُوا مما رزَقهم اللهُ ولا يُلْقوا بأيدِيهم إلى التَّهْلُكَةِ؛ [والتَّهْلُكَةُ] (^١): أن يَهْلِكَ رجالٌ مِن الجُوعِ والعَطَشِ، أو مِن المشي، وقال لمن بيدِه فضلٌ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾] (^٢).\nوقال آخرون: بل معناه: أنْفِقوا في سبيلِ اللهِ، ولا تُلْقُوا بأيدِيكم فيما أصَبْتُم مِن الآثامِ إلى التَّهْلُكَةِ، فتَأيسُوا مِن رحمةِ اللهِ، ولكنِ ارْجُوا رحمتَه، واعمَلوا الخيراتِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحُاربِيُّ، قال: ثنا أبو الأحْوَصِ، عن أبي إسحاقَ، عن البرَاءِ بنِ عازِبٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: هو الرجلُ يصيبُ الذنوبَ فيُلْقِي بيدِه إلى التَّهْلُكةِ، يقولُ: لا توبةَ لي (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيّاشٍ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البرَاءِ، قال: سأَله رجلٌ: أَحْمِلُ على المشركين وَحْدِي فيَقْتُلوني، أَكنتُ ألقَيْتُ بيَدِي إلى التَّهْلُكةِ؟ فقال: لا، إنما التَّهْلُكةُ في النفقةِ، بعَث اللهُ رسولَه، فقال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ (^٤) [النساء: ٨٤].\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عَرَفةَ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا وَكيعُ بنُ الجَرّاحِ، عن سفيانَ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. والأثر أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٣١ (١٧٤٥) من طريق يونس به.\n(^٣) أخرجه البيهقي ٩/ ٤٥، وفي الشعب (٧٠٩٤) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٨ إلى سفيان بن عيينة والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه أحمد ٣٠/ ٤٢٧ (١٨٤٧٧)، وابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير ١/ ٣٣٢ - من طريق أبي بكر بن عياش به. وينظر الفتح ٨/ ١٨٥.","vol":"3","page":319},{"text":"الثوريِّ، عن أبي إسحاقَ السَّبِيعيِّ، عن البراءِ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: هو الرجلُ يُذْنِبُ الذنبَ فيقولُ: لا يَغْفِرُ اللهُ لي (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ البراءَ وسأَله رجلٌ فقال: يا أبا عُمارةَ، أرأيتَ قولَ اللهِ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾: أهو الرجلُ يَتَقَدَّمُ فيُقاتِلُ حتى يُقْتَلَ؟ قال: لا، ولكنَّه الرجلُ يَعْمَلُ بالمعاصي، ثم يُلْقِي بيدِه ولا يَتوبُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ البَراءَ وسأَله رجلٌ، فقال: الرجلُ يَحْمِلُ على كتيبةٍ وحدَه فيُقاتِلُ، أهو ممن ألْقَى بيدِه إلى التهلكةِ؟ قال: لا، ولكنَّ التَّهْلُكةَ أن يُذْنِبَ الذَّنْبَ فيُلْقِيَ بيدِه، فيَقولَ: لا تُقْبَلُ لي توبةٌ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، عن الجَرّاحِ، عن أبي إسحاقَ، قال: قلتُ للبَراءِ بنِ عازبٍ: يا أبا عُمارةَ، الرجلُ يَلْقَى ألفًا مِن العدوِّ فيَحْمِلُ عليهم وإنَّما هو وحدَه، أفيكونُ ممن قال اللهُ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؟ فقال: لا، لِيُقَاتِلْ حتى يُقْتَلَ، قال اللهُ لنبيِّه ﷺ: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾.\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا هشامٌ، وحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن هشامٍ، عن محمدٍ، قال: سأَلتُ عَبيدةَ عن قولِ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"له\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٨ إلى وكيع.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٢ (١٧٤٨)، والحاكم ٢/ ٢٧٥، والبيهقي في الشعب (٧٠٩٣) من طرق عن إسرائيل به، وعند ابن أبي حاتم: عن إسرائيل وأبيه، عن أبي إسحاق.","vol":"3","page":320},{"text":"اللهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ الآية. فقال عَبيدةُ: كان الرجلُ يُذْنِبُ الذنبَ - قال: حسِبتُه قال: العظيمَ - فيُلْقِي بيدِه فيَسْتَهْلِكُ، زاد يعقوبُ في حديثِه: فنُهوا عن ذلك، فقيل: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرَنا هشامٌ، عن ابنِ سِيرينَ، قال: سأَلتُ عَبيدةَ السلمانيَّ عن ذلك، فقال: هو الرجلُ يُذْنِبُ الذنبَ فيَسْتَسْلِمُ فيُلْقِي بيدِه إلى التَّهلُكةِ، ويقولُ: لا توبةَ له. يعني قولَه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن محمدٍ، عن عَبيدةَ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: كان الرجلُ يُصيبُ الذنبَ فيُلْقِي بيدِه.\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابنِ عَونٍ، عن ابنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: القُنوطُ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيمٌ، عن يونسَ وهشامٍ عن ابنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ السلمانيِّ، قال: هو الرجلُ يُذْنِبُ الذنبَ فيَسْتَسْلِمُ، يقولُ: لا توبةَ لي. فيُلْقِي بيدِه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٢ عقب الأثر (١٧٤٨)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٨ إلى وكيع.","vol":"3","page":321},{"text":"حدَّثني أيوبُ، عن ابنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ أنه قال: هي في الرجلِ يصيبُ الذنبَ العظيمَ، فيُلْقِي بيَدِه ويَرَى أنَّه قد هلَك (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنْفِقُوا في سبيلِ اللهِ ولا تَتْرُكوا الجهادَ في سبيلِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهبٍ، قال: أخبَرَني حَيْوَةُ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ، عن أسلمَ أبي عِمرانَ، قال: غزَوْنا المدينةَ، يُرِيدُ القُسْطَنْطينيَّةَ، وعلى أهلِ مصرَ عُقْبةُ بنُ عامرٍ، وعلى الجماعةِ عبدُ الرحمنِ بنُ خالدِ بنِ الوليدِ. قال: فصفَفْنا صَفَّين، لم أرَ صفَّين قَطُّ أعرَضَ ولا أطوَلَ منهما، والرومُ مُلصِقون ظُهورَهم بحائطِ المدينةِ. قال: فحمَل رجلٌ منا على العدوِّ، فقال الناسُ: مَهْ! لا إلهَ إلا اللهُ، يُلْقِي بيدِه إلى التَّهْلُكَةِ. فقال أبو أيوبَ الأنصاريُّ: إنما تَأوَّلون هذه الآيةَ هكذا أنْ حمَل رجلٌ (^٢) يُقاتِلُ يَلْتَمِسُ الشهادةَ أو يُبْلِي مِن نفسِه، إنما نزَلت هذه الآيةُ فينا معشرَ الأنصارِ، إنا لماّ نصَر اللهُ نبيَّه، وأظهرَ الإسلامَ، قلنا بينَنا معشرَ الأنصارِ خَفِيًّا مِن رسولِ اللهِ ﷺ: إنّا قد كنّا ترَكنا أهلَنا وأموالَنا أنْ نُقيمَ فيها ونُصْلِحَها حتى نصَر اللهُ نبيَّه، هَلُمَّ نقيمُ في أموالِنا ونُصْلِحُها. فأنزَل اللهُ الخبرَ مِن السماءِ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ الآية. والإلقاءُ بالأيدي إلى التَّهْلُكَةِ أن نُقيمَ في أموالِنا ونُصْلِحَها، ونَدَعَ الجهادَ. قال أبو عِمرانَ: فلم يَزَلْ أبو أيوبَ يُجاهدُ في سبيلِ اللهِ حتى دُفِن بالقُسْطَنْطِينِيَّةِ (^٣).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٤.\n(^٢) بعده في الأصل: \"على رجل\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٠ من طريق يونس، عن ابن وهب، عن حيوة وابن لهيعة به. =","vol":"3","page":322},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسَديُّ وعبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ، قالا: ثنا أبو عبدِ الرحمنِ (^١) عبدُ الله بنُ يزيدَ، قال: أخبرَني حَيْوةُ وابنُ لَهيعةَ، قالا: ثنا يزيدُ بنُ أبي حَبيبٍ، قال: حدَّثني أسلمُ أبو عِمرانَ مولى تُجَيبَ (^٢)، قال: كنا بالقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وعلى أهلِ مصرَ عُقْبةُ بنُ عامرٍ الجُهَنيُّ صاحبُ رسولِ اللهِ ﷺ، وعلى أهلِ الشامِ فَضالةُ بنُ عُبَيدٍ صاحبُ رسولِ اللهِ ﷺ، فخرَج مِن المدينةِ صفٌّ عظيمٌ مِن الرومِ. قال: وصفَفْنا صفًّا عظيمًا مِن المسلِمينَ، فحمَل رجلٌ مِن المسلِمينَ على صفِّ الرومِ حتى دخَل فيهم، ثم خرَج إلينا مُقبِلًا، فصاح الناسُ وقالوا: سبحانَ اللهِ، ألْقَى بيدِه إلى التَّهْلُكَةِ! فقام أبو أيوبَ الأنصاريُّ صاحبُ رسولِ اللهِ ﷺ فقال: أيُّها الناسُ، إنكم تتَأوَّلون هذه الآيةَ على هذا التأويلِ، وإنَّما أُنْزِلَت هذه الآيةُ فينا معشرَ الأنصارِ، إنا لما أعزَّ اللهُ دينَه وكثَّر ناصرِيه، قلنا فيما بينَنا بعضُنا لبعضِ سِرًّا مِن رسولِ اللهِ ﷺ: إنَّ أموالَنا قد ضاعت، فلو أنَّا أَقَمْنا فيها فأصْلَحْنا ما ضاع منها. فأنزَل اللهُ في كتابِه يَرُدُّ علينا ما همَمْنا به، فقال: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.\nبالإقامةِ التي أرَدْنا أن نُقِيمَ في الأموالِ ونُصْلِحَها، فأمرَنا بالغزوِ. فما زال أبو أيوبَ غازيًا في سبيلِ اللهِ حتى قبَضه اللهُ (^٣).\n_________\n= وأخرجه أبو داود (٢٥١٢)، والحاكم ٢/ ٨٤، والبيهقي ٩/ ٩٩ من طرق عن ابن وهب عن حيوة به، ورواية أبي داود مقرونة بابن لهيعة. وأخرجه الطيالسي (٦٠٠)، والترمذي (٢٩٧٢)، والنسائي في الكبرى (١١٠٢٨، ١١٠٢٩)، وابن حبان (٤٧١١)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٦٩، ٢٧٠ من طرق عن حيوة به.\nوأخرجه الثعلبي في تفسيره - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ١/ ١٢٠ من طريق الليث عن يزيد به.\nوعزاه الزيلعي إلى أحمد وإسحاق بن راهويه والسيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٧ إلى عبد بن حميد وأبي يعلى وابن المنذر وابن مردويه.\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٣٢٠.\n(^٢) في الأصل، ت ٢، ت ٣: \"تجوب\". وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٥٢٨.\n(^٣) أخرجه الطبراني (٤٠٦٠) من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، عن حيوة وابن لهيعة به. =","vol":"3","page":323},{"text":"والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أن يُقالَ: إن اللهَ جلَّ ثناؤُه أمَر بالإنفاقِ في سبيلِه بقولِه. ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وسبيلُه: طريقُه الذي شرَعه لعبادِه وأوضَحَه لهم.\nومعنى ذلك: [﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾] (^١): وأنْفِقوا في إعزازِ دينِي الذي شرَعْتُه لكم بجهادِ عدوِّكم النّاصِبينَ لكم الحربَ على الكفرِ بي. ونهاهم أن يُلْقُوا بأيدِيهم إلى التَّهْلُكةِ، فقال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وذلك مَثَلٌ، والعربُ تقولُ للمُسْتَسْلمِ للأمرِ: أعطَى فلانٌ بيَدَيْه. وكذلك يُقالُ للمُمَكِّنِ مِن نفسِه مما أُرِيد به: أعطَى بيدَيْه.\nفمعنى قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾: ولا تَسْتَسْلِموا للهَلَكَةِ فتُعْطُوها أَزِمَّتَكم فتَهْلِكوا، والتاركُ النفقةِ في سبيلِ اللهِ عندَ وجُوبِ ذلك عليه مُسْتَسْلِمٌ للهَلَكَةِ بتركِه أداءَ فرضِ اللهِ عليه في مالِه، وذلك أنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه جعَل أحدَ سِهامِ الصدقاتِ المفروضاتِ الثمانيةِ في سبيلِه، فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠].\nفمن ترَك إنفاقَ ما لزِمه مِن ذلك في سبيلِ اللهِ على ما لزِمه كان للهَلَكَةِ مستسلِمًا، وبيدَيْه للتَّهْلُكةِ مُلْقِيًا، وكذلك الآيِسُ مِن رحمةِ اللهِ لِذنبٍ سلَف منه مُلْقٍ بيدَيه إلى التَّهْلُكةِ؛ لأنَّ اللهَ قد نَهى عن ذلك فقال: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. وكذلك التاركُ غزوِ المشركين وجهادِهم في حالِ وُجوبِ ذلك عليه في حالِ حاجةِ المسلمين إليه، مُضَيِّعٌ فرضًا،\n_________\n= وأخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٦٩، ٢٧٠، والحاكم ٢/ ٢٧٥، والبيهقي ٩/ ٤٥، والواحدي في أسباب النزول ص ٣٨ من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، عن حيوة - وحده - به.\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":324},{"text":"مُلْقٍ بيدِه إلى التَّهْلُكَةِ.\nفإذا كانت هذه المعاني كلُّها يَحْتَمِلُها قولُه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ولم يكنِ اللهُ ﷿ خصَّ منها شيئًا دون شيْءٍ، فالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: إنَّ اللهَ تعالى ذكرُه نهى عن الإلقاءِ بأيدِينا لِما فيه هلاكُنا والاستسلامِ للهَلَكَةِ - وهي العذابُ - بتركِ ما لزِمَنا مِن فرائضِه، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ منا الدخولُ في شيْءٍ يَكْرَهُه اللهُ منا مما نَسْتَوْجِبُ بدُخولِنا فيه عذابَه، غيرَ أنَّ الأمرَ وإن كان كذلك، فإنَّ الأغلبَ مِن تأويلِ الآيةِ: وأنْفِقُوا أيها المؤمنون في سبيلِ اللهِ، ولا تَتْرُكوا النفقةَ فيها فتَهْلِكُوا باستحقاقِكم بتركِكم ذلك عذابي.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: التَّهْلُكةُ عذابُ اللهِ (^١).\nفيكونُ ذلك إعلامًا منه لهم، بعد أمرِه إياهم بالنفقةِ، ما لمن ترَك النفقةَ المفروضةَ عليه في سبيلِه مِن العقوبةِ في المعادِ.\nفإن قال قائلٌ: وما وجهُ إدخالِ الباءِ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ وقد علِمتَ أنَّ المعروفَ مِن كلامِ العربِ: ألقَيتُ إلى فلانٍ درهمًا. دونَ: ألقَيتُ إلى فلانٍ بدرهمٍ؟\nقيل: قد قِيل: إنها زِيدت نحوَ زيادةِ القائلِ (^٢) الباءَ في قولِه: جذَبتُ الثوبَ، وجذَبتُ بالثوبِ، وتعَلَّقْتُ به، وتعلَّقتُه، و﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. وإنما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٢ (١٧٤٩) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".","vol":"3","page":325},{"text":"هو: تُنبِتُ الدُّهْنَ.\nوقال آخرون: الباءُ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أصلٌ للكَلِمةِ؛ لأنَّ كلَّ فعلٍ واقعٍ (^١) كُنِي عنه فهو مُضْطرٌّ إليها، كنحوِ قولِك في رجلٍ كلَّمتَه، فأرَدتَ الكنايةَ عن فعلِه، فإذا أرَدتَ ذلك، قلتَ: فعلتُ به. قالوا؛ فلما كانت الباءُ هي الأصلَ جاز إدخالُ الباءِ وإخراجُها في كلِّ فعلٍ سبيلُه سبيلُ كَلِمَتِه.\nوأمّا التَّهْلُكةُ، فإنها التَّفْعُلةُ مِنْ الهلاكِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-611>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾: أحسِنوا أيُّها المؤمنون في أداءِ ما ألزَمْتُكم مِنْ فرائضي، وتَجَنُّب ما أمَرتُكم بتَجَنُّبِه مِنْ معاصيَّ، وفي (^٢) الإنفاقِ في سبيلي، وعَوْدِ القويِّ فيكم (^٣) على الضعيفِ ذي الخَلَّةِ (^٤)، فإني أُحبُّ المحسنين في ذلك.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبَابِ، قال: أخبَرَنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ مِنْ الصحابةِ في قولِ اللهِ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: أداءُ الفرائضِ (^٥).\n_________\n(^١) الفعل الواقع أو المجاوز، هو الفعل المتعدي؛ لأنَّ أثره لم يقتصر على الفاعل، وإنما جاوزه إلى المفعول به، فوقع مدلوله عليه. ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ١٦، وشرح ابن عقيل ١/ ٥٣٤، والمصطلح النحوي ص ١٨٠.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منكم\".\n(^٤) الخلة: الحاجة والفقر. اللسان (خ ل ل).\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٨ إلى المصنّف.","vol":"3","page":326},{"text":"وقال بعضُهم: معناه: أحسِنوا الظنَّ باللهِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبَرَنا حفصُ بنُ عمرَ، عن الحَكَمِ ابنِ أبانٍ، عن عِكْرمةَ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: أحسِنوا الظنَّ باللهِ [يَبَرَّ بكم] (^١).\nوقال آخرون: أحسِنوا بالعَوْدِ على المحتاجِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: عُودُوا على مَن ليس بيدِه شيْءٌ.\n[حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرَني عبدُ اللهِ بنُ عَيَّاشٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ: قال لِمَن في يدِه فضْلٌ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾] (^٢).\n\n<span id=\"aya-203\"></span><span data-type='title' id=toc-612>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، فقال بعضُهم: معنى ذلك: أتمُّوا الحجَّ بمناسكِه وسننِه، وأتمُّوا العمرةَ [إلى البيتِ] (^٣) بحدودِها وسننِها.\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"يبركم\"، وفي، ٢: \"بتركم\"، وفي ت ٣: \"تبركم\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٣ (١٧٥٢) من طريق حفص بن عمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: م. وتقدم الأثر بأطول من هذا في ص ٣١٨، ٣١٩.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"3","page":327},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنِي عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبَّاريُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ نُمَيرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقَمةَ في قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: هي في قراءةَ عبدِ اللهِ: (وأتِمُّوا (^١) الحجَّ والعمرةَ إلى البيتِ) قال: لا تَجاوَزوا بالعمرةِ البيتَ. قال إبراهيمُ: فذكَرتُ ذلك لسعيدِ بنِ جُبَيرٍ، فقال: كذلك قال ابنُ عباسٍ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ أنه قرَأ: (وأقِيمُوا (^٣) الحَجَّ والعُمْرَةَ إلى البَيْتِ) (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقَمةَ أنه قرَأ: (وأتِمُّوا (١) الحَجَّ والعُمْرَةَ إلى البَيْتِ).\nحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ يقولُ: مَن أحرَم بحجٍّ أو بعُمرةٍ فليس له أن يَحِلَّ حتى يُتِمَّها، تمامُ الحجِّ يومُ النحرِ، إذا رمَى جمرةَ العقبةِ وزارَ البيتَ، فقد حلَّ مِن إحرامِه كلِّه، وتمامُ العُمرةِ إذا طاف بالبيتِ والصفا والمروةِ، فقد حَلَّ (^٥).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أقيموا\".\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٦٣، ١٦٤، وسعيد بن منصور في سننه (٢٨٧ - تفسير)، وابن أبي شيبة ص ١٣٣، ١٣٤، ٢٤٩، ٢٨٠ (القسم الأول من الجزء الرابع)، والطحاوي ٢/ ٢٥٠، ٢٥١، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٤، ٣٣٥، ٣٤٠، ٣٤١ (١٧٥٩، ١٧٦٦، ١٧٧٦، ١٧٨٧، ١٧٩٤) من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري.\n(^٣) في الأصل: \"وأتموا\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ٥٥ من طريق عبد الرحمن به ص ٥٦ من طريق قبيصة عن سفيان به، والقراءة شاذة.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٨ إلى المصنّف وابن المنذر، وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٣٣٤.","vol":"3","page":328},{"text":"حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني عيسى، وحَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: ما أُمِروا فيهما (^١).\nحُدِّثْتُ عن عمّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: قال إبراهيمُ، عن عَلْقَمةَ بنِ قَيْسٍ، قال: الحجُّ: مناسكُ الحجِّ، والعمرةُ لا تُجاوِزْ بها البيتَ (^٢).\nحَدَّثَنَا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: تقضى مناسكَ الحجِّ؛ عرفةَ والمزدلِفَةَ ومواطنَها، والعمرةُ للبيتِ [إنما هي تَطَّوَّفُ] (^٣) بالبيتِ وبينَ الصفا والمروةِ ثم تَحِلُّ.\nوقال آخرون: تمامُهما أن تُحْرِمَ بهما مفردَينِ من دُوَيرةِ أهلِك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا ابنُ المُثَنَّي، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ سلمةَ، عن عليٍّ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: أن تُحرِمَ مِن دُوَيرةِ أهلِك (^٤).\nحَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عَنْبَسةَ، عن شعبةَ، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٢٤، وتفسير سفيان ص ٦٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٣) في م: \"أن يطوف\"، وفي، ١، ت ٢، ت ٣: \"أما يطوف\".\n(^٤) أخرجه البغوي في الجعديات (٦٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٣ (١٧٥٥)، والنحاس في ناسخه ص ١٢٦، ١٢٧، والحاكم ٢/ ٢٧٦، والبيهقي ٥/ ٣٠ من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٨ إلى وكيع وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي شيبة، وعبد الله بن سلمة صدوق تغير حفظه.","vol":"3","page":329},{"text":"عمرو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ سلمةَ، قال: جاء رجلٌ إلى عليٍّ، فقال: أرأيتَ قولَ اللهِ ﷿: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: أن تُحرِمَ من دُوَيرَةَ أهلِك.\nحَدَّثَنَا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن محمدِ بنِ سُوقةَ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: من تمامِ العُمرةِ أن تُحرِمَ من دُوَيرَةِ أهلِك (^١).\nحَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن ثَوْرِ بنِ يزيدَ، عن سليمانَ بنِ موسَي، عن طاوسٍ، قال: تمامُهما إفرادُهما مُؤْتَنَفَيْنِ (^٢) مِن أهلِك.\nحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا [أبو نُعيمٍ الفَضْلُ بنُ دُكَينٍ، قال: ثنا] (^٣) سفيانُ، عن ثورٍ، عن سليمانَ بنِ موسَى، عن طاوسٍ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: تُفْرِدُهما مُؤْتَنَفَين (^٤) مِن أهلِك، فذلك تمامُهما (^٥).\nوقال آخرون: تمامُ العُمرةِ أن تُعْمَلَ في غيرِ أشهرِ الحَجِّ، وتمامُ الحجِّ أن يُؤْتَى بمناسِكِه كلِّها حتى لا يَلْزَمَ عاملَه دمٌ بسببِ قِرانٍ ولا مُتعةٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: تمامُ العُمرةِ ما كان في غيرِ أشهرِ الحجِّ، وما كان في أشهرِ الحجِّ، ثم أقامَ حتى يَحُجَّ فهي مُتْعةٌ، عليه فيها الهَدْيُ إن وجَدَ، وإلا صامَ\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٦٠.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مؤتنفتين\". والائتناف والاستئناف بمعنى الابتداء، واستأنفت الشيء: أخذت فيه وابتدأته. المصباح المنير (أ ن ف).\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م: \"موقتتين\"، وفي ت ١: \"مرتقتين\".\n(^٥) تفسير سفيان ص ٦٠.","vol":"3","page":330},{"text":"ثلاثةَ أيامٍ في الحجِّ، وسبعةً إذا رجَع (^١).\nحَدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: ما كان في غيرِ أشهرِ الحجِّ فهي عُمرةٌ تامَّةٌ، وما كان في أشهرِ الحجِّ فهي مُتْعةٌ وعليه الهَدْيُ.\nحَدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن ابنِ عَونٍ، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ: إنَّ العُمرةَ في أشهرِ الحجِّ ليست بتامَّةٍ. قال: فقيل له: العُمرةُ في المُحرَّمِ؟ قال: كانوا يَرَوْنَها تامَّةً (^٢).\nوقال آخرون: إتمامُهما أن تَخْرُجَ مِن أهلِك ولا تُريدُ غيرَهما.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني رجلٌ، عن سفيانَ، قال: هو - يعني تمامَهما - أن تَخْرُجَ مِن أهلِك لا تريدُ إلا الحجَّ والعُمرةَ، وتُهِلَّ مِن الميقاتِ، ليس أن نَخْرُجَ لتجارةٍ ولا لحاجةٍ، حتى إذا كُنْتَ قريبًا مِن مكةَ قلتَ: لو حَجَجْتُ أو اعتَمَرْتُ. وذلك يُجزِئُ، ولكنَّ التَّمامَ أن تَخْرُجَ له لا تَخْرُجُ لغيرِه (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أتمُّوا الحَجَّ والعُمرةَ للَّهِ إذا دخَلتم فيهما.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ليست العُمرةُ واجبةً على أحدٍ مِن الناسِ. قال: فقلتُ له: قولُ اللَّهِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ١/ ٢١٧ عن قتادة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٦ من طريق ابن عون به مقتصرًا على آخره.\n(^٣) ذكره النحاس في ناسخه ص ١٢٧، والبغوي في تفسيره ١/ ٢١٧ مختصرًا.","vol":"3","page":331},{"text":"لِلَّهِ﴾. قال: ليس مِن الخَلقِ أحدٌ ينبَغي له [إذا دخَلَ] (^١) في أمرٍ إلا أن يُتِمَّه، فإذا دخَل (^٢) فيها لَمْ يَنْبَغِ له أن يُهِلَّ يومًا أو يومَين ثم يَرْجِعَ، كما لو صامَ يومًا لَمْ يَنْبَغِ له أن يُفْطِرَ في نصفِ النهارِ.\nوكان الشعبيُّ يَقْرَأُ ذلك رفعًا (^٣):\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ أبي بُرْدةَ، أن الشعبيَّ وأبا بُرْدةَ تذاكرَا العُمرةَ، قال: فقال الشعبيُّ: تَطوُّعٌ: (وأتموا الحَجَّ والعُمْرةُ للهِ). وقال أبو بُرْدَةَ: هي واجبةٌ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابنُ عَونٍ، عن الشعبيِّ أنه كان يَقْرؤُها: (وأتمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةُ لِلَّهِ) (^٥).\nوقد روِي عن الشعبيِّ خلافُ هذا القولِ، وإن كان المشهورُ عنه مِن القولِ هو هذا.\nوذلك ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن المُغيرةِ، عن الشعبيِّ، قال: العُمرةُ واجبةٌ (^٦).\nفقراءةُ مَن قال: العُمرةُ واجبةٌ. نَصْبُها بمعنى: أَقِيمُوا فرضَ الحجِّ والعُمرةِ.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في الأصل: \"خرج\".\n(^٣) أي برفع التاء في \"العمرة\"، وهي قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط ٢/ ٧٢.\n(^٤) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ١٧ من طريق شعبة به.\n(^٥) أخرجه أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٦٨، وسعيد بن منصور في سننه (٢٨٨ - تفسير)، وابن أبي شيبة ص ٢٢٠ (القسم الأول من الجزء الرابع)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٥ (١٧٦٥)، والبيهقي ٤/ ٣٤٩ من طريق ابن عون به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) أخرجه ابن حزم في المحلى ٧/ ١٤ من طريق المغيرة به.","vol":"3","page":332},{"text":"كما حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ أبا إسحاقَ يَقُولُ: سمِعتُ مَسروقًا يقولُ: أُمِرْتم في كتابِ اللَّهِ بأربعٍ؛ بإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، والحجِّ، والعمرةِ. قال: ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] (وأتموا الحج والعمرة إلى البيت) (^١).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعْتُ لَيْثًا يَرْوِي عن الحسنِ، عن مَسروقٍ، قال: أُمِرنا بإقامةِ أربعةٍ؛ الصلاةِ، والزكاةِ، والعمرةِ، والحجِّ، فنُزِّلَت العُمرةُ مِن الحجِّ منزلةَ الزكاةِ مِن الصلاةِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: ثنا ابنُ جُرَيجٍ، قال: قال عليُّ بنُ حسينٍ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، وسئِلا: أواجبةٌ العُمرةُ على الناسِ؟ فكلاهما قال: ما نَعْلَمُها إلا واجبةً، كما قال اللَّهُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٣).\nحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ العَنْبريُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ، قال: سأَل رجلٌ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ عن العُمرةِ فريضةٌ هي أم تَطَوُّعٌ؟ قال: فريضةٌ. قال: فإن الشعبيَّ يقولُ: هي تطوُّعٌ. قال: كذَب (^٤) الشعبيُّ. وقرَأ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق - كما في المحلى ٧/ ١٣، والتمهيد ٢٠/ ١٥ - عن الثوري، عن أبي إسحاق به، وأخرجه ابن عبد البر أيضًا من طريق إسرائيل وأبي الأحوص، عن أبي إسحاق به، وأخرجه ابن أبي شيبة ص ٢٢٢ (الجزء الأول من القسم الرابع) عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق به مختصرًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ١٥ من طريق أبي إسحاق، عن مسروق.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٢٢١ (الجزء الأول من القسم الرابع) من طريق ابن جريج به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في الأمالي (١٢٩)، ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ١٨ - عن عبد الملك بن أبي سليمان به.\n(^٥) كذب هنا بمعنى أخطأ. المصباح المنير (ك ذ ب).","vol":"3","page":333},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، وعمّن سمِع عطاءً يَقُولُ في قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: هما واجبانِ؛ الحجُّ والعُمرةُ (^١).\nفتأويلُ هؤلاءِ في قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ في أنهما واجِبانِ: أمَر (^٢) اللَّهُ بإقامتِهما كما أَمر بإقامِ الصلاةِ، وأنهما فريضتان، وأوجَبَ العُمرةَ وجوبَ الحجِّ. وهم عددٌ كثيرٌ مِن الصحابةِ والتابِعين، ومَن بعدَهم مِن الخالفِين كرِهنا تطويلَ الكتابِ بذكرِهم وذكرِ الرواياتِ عنهم. وقالوا: معنى قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: وأَقِيمُوا الحَجَّ والعُمرةَ.\nذكرُ بعضِ مَن قال ذلك\nحدَّثنا موسَى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. يقولُ: أقِيموا الحجَّ والعُمرةَ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ثُوَيرٍ، عن أبيه، عن عليٍّ: (وأقيمُوا الحجَّ والعُمْرَةَ للبيْتِ): ثم هي واجبةٌ مِثلُ الحجِّ (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ثُويرٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّهِ: (وَأَقيمُوا الحجَّ والْعُمْرَةَ إلى الْبَيْتِ). ثم قال عبدُ اللَّهِ: لولا التَّحَرُّجُ وأني لم أَسْمَعْ مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ فيها شيئًا، لقُلتُ: إن العُمرةَ واجبةٌ مثلُ الحجِّ (^٥).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٤.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٤ (١٧٥٧) من طريق عمرو به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ٥٥، ٥٦ من طريق أبي نعيم به، وأخرجه البيهقي ٤/ ٣٥١ من =","vol":"3","page":334},{"text":"وكأنهم عَنَوا بقولِهم: (وأقيموا الحجَّ والعُمرةَ): ائْتوا بهما بحدودِهما وأحكامِهما على ما فُرِضَ عليكم.\nوقال آخرون ممن قرَأ قراءةَ هؤلاءِ بنصبِ العُمرةِ: العُمرةُ تطوُّعٌ. ورأوْا أنه لا دَلالةَ على وُجوبِها في نصبِهم العُمرةَ في القراءةِ، إذ كان مِن الأعمالِ ما قد يَلْزَمُ العبدَ عملُه، وإتمامُه بدخولِه فيه، ولم يَكُنِ ابتداءُ الدخولِ فيه فرضًا عليه، وذلك كالحَجِّ التطوُّعِ، لا خلافَ بين الجميعِ فيه أنه إذا أحرَم به أنَّ عليه المُضِيَّ فيه وإتمامَه، ولم يكنْ فرضًا عليه ابتداءُ الدخولِ فيه. وقالوا: فكذلك العُمرةُ غيرُ فرضٍ واجبٍ الدخولُ فيها ابتداءً، غيرَ أنَّ على مَن دخَل فيها وأوجَبها على نفسِه إتمامَها بعدَ الدخولِ فيها.\nقالوا: ليس في أمرِ اللَّهِ بإتمامِ الحجِّ والعمرةِ دَلالةٌ على وجوبِ فرضِهِما (^١).\nقالوا: وإنما أوجَبنا فَرْضَ الحَجِّ بقولِ اللَّهِ تعالى ذِكرُه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].\nوممن قال ذلك جماعةٌ مِن الصحابةِ والتابعين ومَن بعدَهم مِن الخالِفين.\nذكرُ بعضِ من قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ أبي عَروبةَ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: الحجُّ فريضةٌ، والعُمرةُ تطوُّعٌ (^٢).\n_________\n= طريق إسرائيل به. وعزاه السيوطي في الدر ١/ ٢٠٩ إلى عبد بن حميد. وثوير بن أبي فاختة ضعيف.\n(^١) في م: \"فرضها\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق - كما في التمهيد ٢٠/ ١٨ - وابن أبي شيبة ص ٢٢٠ (الجزء الأول من القسم =","vol":"3","page":335},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن النَّخَعِيِّ، عن ابنِ مسعودٍ مثلَه.\nوحدَّثنا ابنُ بَشارٍ، قال: ثنا ابنُ عَثْمَةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشيرٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: العُمرةُ ليستْ بواجبةٍ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن سماكٍ (^١)، قال: سألتُ إبراهيمَ عن العُمرةِ فقال: سنةٌ حسنةٌ (^٢).\nحدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سُفيانُ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا الحَجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عَونٍ، عن الشَّعبيِّ، قال: العُمرةُ تطوُّعٌ (^٣).\nفأما الذين قرَءوا ذلك برفعِ \"العُمرةِ\"، فإنَّهم قالوا: لا وَجْهَ لنصبِها؛ لأنَّ العُمرةَ إنما هي زيارةُ البيتِ، ولا يكونُ مستحِقًّا اسمَ مُعْتَمِرٍ إلا وهو له زائِرٌ. قالوا: وإذا كان لا يَسْتَحِقُّ اسمَ مُعْتَمِرٍ إلا بزيارتِه - وهو متى\n_________\n= الرابع) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٩ إلى عبد بن حميد.\n(^١) في الأصل: \"شباك\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ١١٥.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق - كما في التمهيد ٢٠/ ١٩ من طريق الثوري عن سماك به.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٣٣٢.","vol":"3","page":336},{"text":"بلَغه فطاف به وبالصفا والمروةِ، فلا عَملَ يبقى بعدَه يُؤمَرُ بإتمامِه بعدَ ذلك، كما يُؤمَرُ الحاجُّ بعدَ بُلوغِه والطوافِ به وبالصفا والمروةِ بإتيانِ عرفةَ والمُزدَلِفةِ، والوقوفِ بالمواضعِ التي أُمِر بالوقوفِ بها، وعَمَلِ سائِرِ أعمالِ الحجِّ الذي هو مِن تمامِه بعدَ إتيانِ البيتِ - لم يكنْ لِقولِ القائلِ للمعتمرِ: أَتِمَّ عُمرتَك. وجهٌ مفهومٌ. قالوا (^١): وإذا لم يَكُنْ له وَجْهٌ مفهومٌ، فالصوابُ مِن القراءةِ في \"العُمرةِ\" بالرفعِ على أنها (^٢) من أعمالِ البرِّ للَّهِ، فتكونُ مَرفوعةً بخبرِها الذي بعدَها، وهو قولُه: ﴿لِلَّهِ﴾.\nوأَوْلى القِراءَتين بالصوابِ في ذلك عندَنا قراءةُ مَن قرَأ بنصبِ \"العُمرةِ\" على العطفِ بها على \"الحجِّ\"، بمعنى الأمرِ [بإتْمامِها للَّهِ] (^٣)، ولا معنى لاعتلالِ من اعتَلَّ في رفعِها بأنَّ العمرةَ زيارةُ البيتِ، وأن (^٤) المُعْتَمِرَ متى بلَغه فلا عمَل بقِي عليه يؤمَرُ بإتمامِه؛ وذلك أنه إذا بلَغ البيتَ، فقد انْقَضَتْ زيارتُه وبقِي عليه تمامُ العمَلِ الذي أمَره اللَّهُ به في اعتمارِه وزيارتِه البيتَ، وذلك هو الطوافُ بالبيتِ، والسعيُ بينَ الصفا والمروةِ، وتَجَنُّبُ ما أمَر اللَّهُ بتَجَنُّبِه إلى إتمامِه ذلك. وذلك عمَلٌ - وإن كان مما لزِمه بإيجابِه (^٥) الزيارةَ على نفسِه - غيرُ الزيارةِ. هذا، مع إجماعِ الحجةِ على قراءةِ \"العمرةِ\" بالنصبِ، ومخالفةِ جمبعِ قرأةِ الأمصارِ قراءةَ مَن قرَأ ذلك بالرفعِ، ففي ذلك مُسْتَغْنًى عن الاستشهادِ على خطإِ قِراءةِ (^٦) مَن قرَأ ذلك رفعًا.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أنه\".\n(^٣) في م: \"بإتمامهما له\".\n(^٤) في م: \"فإن\".\n(^٥) في م، ت ٢: \"بإيجاب\".\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":337},{"text":"وأما أَولى القولين اللذين ذكَرنا بالصوابِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ على قراءةِ مَن قرَأ ذلك نصبًا، فقولُ عبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ ومَن قال بقولِه، من أن معنى ذلك: وأتموا الحجَّ والعمرةَ للَّهِ إلى البيتِ بعدَ إيجابِكم إياهما. لا أنَّ ذلك أمرٌ مِن اللَّهِ بابتداءِ عملِهما والدخولِ فيهما وأداءِ عملِهما بتمامِه بهذه الآيةِ؛ وذلك أن الآيةَ مُحْتَمِلةٌ المعنيين اللذين وصَفنا؛ من أن يكون أمرًا مِن اللَّهِ بإقامتِهما بتَمامِهما (^١) ابتداءً، وإيجابًا منه على العبادِ فرضَهما. وأن يكونَ أمرًا منه بإتمامِهما بعد الدخولِ فيهما، وبعد إيجابِ موجبِهما على نفسِه. فإذا كانت الآيةُ مُحْتَمِلةً المعنيين اللذين وصَفنا، فلا حجةَ فيها لأحدِ الفريقين على الآخَرِ، إلا وللآخَرِ عليه فيها مثلُها. وإذا كان ذلك (^١) كذلك ولم يكنْ بإيجابِ فرضِ العُمرةِ خبرٌ عن الحجةِ للعذرِ قاطعًا، وكانت الأمةُ في وجوبِها متنازعةً، لم يكنْ لقولِ قائلٍ: هي فرضٌ. بغيرِ برهانٍ دالٍّ على صحةِ قولِه - معنًى، إذ كانت الفروضُ لا تَلْزَمُ العبادَ إلا بدلالةٍ على لزومِها إياهم واضحةٍ.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أنها واجبةٌ وُجوبَ الحجِّ، وأنَّ تأويلَ مَن تأوَّل قولَه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. بمعنى: أقِيمُوا حدودَهما وفُروضَهما. أولى مِن تأويلِنا، لما (^٢) حدَّثني به حاتمُ بنُ بكرٍ (^٣) الضبيُّ، قال: ثنا أشهلُ بنُ حاتمٍ الأرطبانيُّ (^٤)، قال: ثنا ابنُ عونٍ، عن محمدِ بنِ جُحادةَ، عن رجلٍ، عن زميلٍ له، عن أبيه - وكان أبوه يُكنَى أبا المُنْتَفِقِ - قال: أتَيتُ النبيَّ ﷺ بعرفةَ، فدنَوتُ منه، حتى اختلَفَت عنقُ راحِلَتي\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بما\".\n(^٣) في م، ت ٢: \"بكير\". وينظر تهذيب الكمال ٥/ ١٩١.\n(^٤) في م: \"الأرطبائي\".","vol":"3","page":338},{"text":"وعنقُ راحلتِه، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أنْبِئْني بعملٍ يُنْجِيني مِن عذابِ اللَّهِ ويُدْخِلُني جنتَه؟ قال: \"اعْبُدِ اللَّهَ ولَا تُشْرِكْ به شيئًا، وأقمِ الصلاةَ المكتوبةَ، وأدِّ الزكاةَ المفروضةَ، وحُجَّ واعْتَمِرْ\" - قال أشهلُ: وأظنُّه قال: \"وصُمْ رمضانَ\" - \"وانْظُرْ ما تُحِبُّ مِن الناسِ أن يَأْتُوه إليك فافْعَلْه بهم، وما تَكْرَهُ مِن الناسِ أن يَأْتُوه إليك فذَرْهُم منه\" (^١).\nوما حدَّثني به يعقوبُ بنُ إبراهيمَ (^٢)، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ ومحمدُ بنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن النعمانِ بنِ سالمٍ، عن عمرِو بنِ أوسٍ، عن أبي رَزينٍ العُقَيليِّ، رجلٍ مِن بني عامرٍ، قال: قلت يا رسولَ اللَّهِ، إن أبي شيخٌ كبيرٌ لا يَسْتَطِيعُ الحجَّ ولا العُمرةَ ولا الظَّعْنَ، وقد أدرَكَه الإسلامُ، أفأَحُجُّ عنه؟ قال: \"حُجَّ عن أبيك واعْتَمِرْ\" (^٣).\nوما حدَّثني به يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ خطَب فقال: \"اعْبُدُوا اللَّهَ ولَا تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا، وأقِيمُوا الصلاةَ، وآتُوا الزكاةَ، وحُجُّوا وَاعْتَمِرُوا، واسْتَقِيموا يَسْتَقِم لكم\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٦٩٦) - ومن طريقه ابن الأثير في أسد الغابة ٦/ ٣٠٢ والطبراني في الكبير ١٩/ ٢١٠ (٤٧٤) - من طريق ابن عون به، وقال الطبراني: اضطرب ابن عون في إسناد هذا الحديث، ولم يضبطه عن محمد بن جحادة، وضبطه همام. ورواية همام أخرجها أحمد ٦/ ٣٨٣ (الميمنية) - والطبراني في الكبير ١٩/ ٢٠٩ (٤٧٣) - من طريقه عن محمد بن جحادة، عن المغيرة بن عبد الله اليشكري، عن أبيه عن ابن المنتفق. وينظر الإصابة ٧/ ٣٨٦.\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال: ثنا ابن إبراهيم\". وينظر تهذيب الكمال ١٧/ ٤٣٠، ٣٢/ ٣١١.\n(^٣) أخرجه أحمد ٢٦/ ١٠٣، ١١٠، ١١٧ (١٦١٨٤، ١٦١٨٥، ١٦١٩٠، ١٦١٩٩)، وأبو داود (١٨١٠)، والترمذي (٩٣٠)، والنسائي (٢٦٢٠، ٢٦٣٦)، وابن ماجه (٢٩٠٦). وابن خزيمة (٣٠٤٠) عن شعبة به. وينظر مسند الطيالسي (١١٨٧).\n(^٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٠٣١)، وعبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٩٢ من طريق أيوب به مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٧، ٣٠٨ إلى ابن المنذر.","vol":"3","page":339},{"text":"وما أشبَهَ ذلك مِن الأخبارِ. فإنَّ هذه أخبارٌ لا يَثْبُتُ بمثلِها في الدينِ حُجَّةٌ لوَهْيِ أسانيدِها، وأنها مع وَهْيِ أسانيدِها لها مِن (^١) الأخبارِ أشكالٌ تُنْبئُ عن أنَّ العُمرةَ تَطَوُّعٌ، لا فرضٌ واجبٌ.\nوهو ما حدَّثنا به محمدُ بنُ حُمَيدٍ ومحمدُ بن عيسى الدَّامَغانيُّ، قالا: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المُبَارَكِ، عن الحَجَّاجِ بنِ أرْطاةَ، عن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن النَّبِيِّ ﷺ أنه سُئِل عن العُمرةِ أواجبةٌ هي؟، فقال: \"لا، وأن تَعْتَمِروا خيرٌ لكم\" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حَمْيدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، وحدَّثني يحيى بنُ طَلْحَةَ اليربوعِيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن مُعاويةَ بنِ إسحاقَ، عن أبي صالحٍ الحنفيِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"الحَجُّ جهادٌ، والعُمرةُ تَطَوُّعٌ\" (^٣).\nوقد زعَم بعضُ أهلِ الغباءِ أنه قد صَحَّ عندَه أنَّ العُمرةَ واجبةٌ؛ بأنه لم يَجِدْ تَطَوُّعًا إلا وله إمامٌ مِن المكتوبةِ، فلما صَحَّ أن [للعُمْرَةِ تَطَوُّعًا] (^٤) وجَب أن يَكُونَ لها فرضٌ؛ لأن الفرضَ إمامُ التطوُّعِ في جميعِ الأعمالِ.\nفيقالُ لقائلِ ذلك: قد جُعِل للاعتكافِ (^٥) تطوُّعٌ، فما الفرضُ منه (^٦) الذي هو\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٣١٦، ٣٥٧، ٢٢/ ٢٩٠، ٢٣/ ١٣٨ (١٤٣٩٧، ١٤٨٤٥)، والترمذي (٩٣١)، وابن خزيمة (٣٠٦٨) من طريق الحجاج به نحوه.\n(^٣) أخرجه الشافعي في الأم ٢/ ١١٣، وفي المسند ١/ ٤٨٣ - ومن طريقه البيهقي ٤/ ٣٤٨، وفي المعرفة ٣/ ٥٠٢ -، من طريق معاوية بن إسحاق به، وروى موصولًا من حديث طلحة بن عبيد الله وأبي هريرة، وينظر نصب الراية ٣/ ١٤٩، ١٥٠.\n(^٤) في م، ت: \"العمرة تطوع\".\n(^٥) في م: \"الاعتكاف\".\n(^٦) سقط من: م، ت ٣.","vol":"3","page":340},{"text":"إمامُ تَطوُّعِه (^١)؟ ثم يُسْأَلُ عن الاعتكافِ أواجبٌ هو أم غيرُ واجبٍ؟ فإن قال: واجبٌ. خرَج مِن قولِ جميعِ الأمةِ. وإن قال: تَطَوُّعٌ. قيل: فما الذي أوجَب أن يكونَ الاعتِكافُ تَطَوُّعًا والعُمرةُ فرضًا مِن الوجهِ الذي يَجِبُ التسليمُ له؟ فلن يَقُولَ في أحدِهما قَولًا (^٢) إلا أُلزِم في الآخَرِ مِثلَه.\n[وبما اسْتَشْهَدْنا مِن الأدلَّةِ، فإنَّ] (^٣) أولى القراءَتين بالصوابِ في \"العُمرةِ\" قراءةُ مَن قرَأها نصبًا. وأن أولى التأويلين في قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. تأويلُ ابنِ عباسٍ الذي ذكَرناه عنه مِن روايةِ عليِّ بنِ أبي طلحةَ عنه، مِن أنه أمْرٌ مِن اللَّهِ جلّ ثناؤُه بإتمامِ أعمالِهما بعدَ الدخولِ فيهما وإيجابِهما، على ما أَمَر به مِن حدودِهما وسُنَنِهما. وأنَّ أولى القولين في العُمرةِ بالصوابِ قولُ مِن قال: هي تَطَوُّعٌ لا فرضٌ. وأنَّ معنى الآيةِ: وأتمُّوا أيُّها المؤمنون الحجَّ والعمرةَ للَّهِ بعدَ دخولِكم فيهما وإيجابِكموهما على أنفسِكم على ما أمَركم اللَّهُ به مِن حدودِهما.\nوإنما أنزَل اللَّهُ ﵎ هذه الآيةَ على نبيِّه ﷺ في عمرةِ الحُدَيْبِيَةِ التي صُدَّ فيها عن البيتِ، [مُعَرِّفَه والمؤمنين] (^٤) فيها ما عليهم في إحرامِهم إن خُلِّيَ بينَهم وبينَ البيتِ، ومبيِّنًا لهم فيها ما المَخرجُ لهم مِن إحرامِهم إن أُحْصِروا (^٥) فصُدُّوا عن البيتِ، وبذكرِ اللازمِ لهم مِن الأعمالِ في عُمْرَتِهم التي اعْتَمَرُوها عامَ الحُديبيةِ وما يَلْزَمُهم فيها بعدَ ذلك في عُمَرِهم وحجِّهم افتَتَح قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾.\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"متطوعه\"\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شيئًا\".\n(^٣) في الأصل: \"وإنما استشهدنا من الأدلة بأن\".\n(^٤) في م: \"معرفة المؤمنين\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"والمؤمنون\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أحرموا\".","vol":"3","page":341},{"text":"وقد دلَّلنا فيما مضى على معنى \"الحجِّ\" و\"العمرةِ\" بشواهدِ ذلك، فكرِهْنا تطويلَ الكتابِ بإعادتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-613>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في \"الإحصارِ\" الذي جعَل اللَّهُ على مَن ابتُلِي به في حجِّه وعُمرتِه ما اسْتَيْسَر مِن الهديِ؛ فقال بعضُهم: هو كلُّ مانعٍ و(^١) حابسٍ منَع المحرِمَ وحبَسه عن العملِ الذي فرَضه اللَّهُ عليه في إحرامِه ووصولِه إلى البيتِ الحرامِ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ أنه كان يقولُ: الحَصْرُ الحبسُ كلُّه. يقولُ: أيُّما رجلٍ اعتُرِض له في حجتِه أو عمرتِه فإنه يَبْعَثُ بهديِه مِن حيثُ يُحْبَسُ. قال: وقال مجاهدٌ في قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: فإن أحصِرتُم: يَمْرَضُ إنسانٌ أو يُكْسَرُ أو يَحْبِسُه أمرٌ فغَلَبَه، كائنًا ما كان، فلْيُرْسِلْ بما اسْتَيْسَرَ مِن الهَديِ، ولا يَحْلِقْ رأسَه، ولا يَحِلَّ حتى يومِ النحرِ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو نُعيمٍ الفضلُ بنُ دُكَينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ\n_________\n(^١) في م: \"أو\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٣ إلى المصنف مقتصرًا على أوله، والشطر الأخير منه في تفسير مجاهد ص ٢٢٤، ٢٢٥.","vol":"3","page":342},{"text":"جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: الإحصارُ مِن (^١) كلِّ شيءٍ يَحْبِسُه (^٢).\nوحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أنه قال في المُحصَرِ: هو الخوفُ والمرضُ والحابسُ، إذا أصابه ذلك بَعث بهديِه، فإذا بلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّه حَلَّ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: نا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: هذا رجلٌ أصابه خوفٌ أو مرضٌ أو حابسٌ حبَسه عن البيتِ، يَبْعَثُ بهَدْيِه، فإذا بلَغ مَحِلَّه صار حلالًا.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، قال: كلُّ شيءٍ حبَس المُحرِمَ فهو إحصارٌ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن إبراهيمَ - قال أبو جعفرٍ: أحسَبُه عن شريكٍ، عن إبراهيمَ بنِ المهاجرِ، عن إبراهيمَ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾. قال: مرضٌ أو كَسْرٌ أو خَوْفٌ (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. يَقُولُ: مَن أحرَم بحجٍّ أو بعُمرةٍ، ثم حُبِس عن البيتِ بمرضٍ يُجْهِدُه، أو عذرٍ يَحْبِسُه، فعليه\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) أخرجه عبد بن حميد في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٣/ ١٢٢ - عن أبي نعيم به، وهو في تفسير سفيان ص ٦١.\n(^٣) سيأتي مطولا في ص ٤١٤.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٢٠٦ (الجزء الأول من القسم الرابع) عن أبي معاوية به.\n(^٥) تفسير سفيان ص ٦١ عن إبراهيم بن المهاجر به.","vol":"3","page":343},{"text":"قضاؤُها (^١).\nوعِلَّةُ مَن قال بهذه المقالةِ أن الإحصارَ معناه في كلامِ العربِ منعُ العِلةِ من المرضِ وأشباهِه غيرِ القهرِ والغلبةِ من قاهرٍ أو غالبٍ، إلا غلبةَ علةٍ من مرضٍ أو لدغٍ أو جِراحٍ، أو ذَهابِ نفقةٍ، أو كسرِ راحلةٍ. فأما منعُ العدوِّ، وحبسُ حابسٍ في سجنٍ، وغلبةُ غالبٍ حائلٍ بينَ المحرمِ والوصولِ إلى البيتِ من سلطانٍ أو إنسانٍ قاهرٍ مانعٍ، فإن ذلك إنما تُسَمِّيه العربُ حصْرًا لا إحصارًا.\nقالوا: ومما يَدُلُّ على ذلك قولُ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]. يعني به: حاصرًا، أي: حابسًا.\nقالوا: ولو كان حبسُ القاهرِ الغالبِ مِن غيرِ العللِ التي وصَفنا يُسَمَّى إحصارًا، لوجَب أن يُقالَ: قد أُحْصِرَ العدوُّ. قالوا: وفي اجتماعِ (^٢) لغاتِ العربِ على: حوصِر العدوُّ، والعدوُّ محاصَرٌ، دون: أُحْصِر العدوُّ، فهم (^٣) مُحصَرون، وأُحصِر الرجلُ بالعلةِ من المرضِ والخوفِ - أكبرُ الدَّلالةِ على أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه إنما عنَى بقولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: بمرضٍ أو خوفٍ أو علةٍ مانعةٍ.\nقالوا: وإنما جعَلْنا حبْسَ العدوِّ ومنعَه المُحرمَ مِن الوصولِ إلى البيت بمعنى حَصْرِ المرضِ، قياسًا على ما جعَل اللَّهُ جلَّ ثناؤُه من ذلك للمريضِ الذي منعَه المرضُ من الوُصولِ إلى البيتِ، لا بدَلالةِ ظاهرِ قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. إذ كان حبسُ العدوِّ والسلطانِ والقاهرِ عِلَّةً مانعةً، نظيرةَ العلةِ المانعةِ مِن المرضِ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في المعرفة ٤/ ٢٤١، من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٢ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في الأصل: \"إجماع\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وهم\".","vol":"3","page":344},{"text":"والكَسْرِ.\nوقال آخرون: معنى قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: فإن حبَسكم عدوٌّ عن الوُصولِ إلى البيتِ، أو حابسٌ قاهرٌ مِن بني آدمَ. قالوا: فأما العللُ العارضةُ في الأبدانِ؛ كالمرضِ والجراحِ وما أشبَهها، فإن ذلك غيرُ داخلٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾.\nذِكرُ مَنْ قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: الحَصْرُ حَصْرُ العدوِّ، فَيَبْعَثُ الرجلُ بهَدْيَتِه، فإن كان لا يَسْتَطِيعُ أن يَصِلَ إلى البيتِ مِن العدوِّ، فإن وجَدَ مَن يُبَلِّغُها عنه إلى مكةَ، فإنه يَبْعَثُ بها ويُحْرِمُ - قال محمدُ بنُ عمرٍو: قال أبو عاصِمٍ: لا ندري، قال: يُحْرِمُ أو يَحِلُّ - مِن يومِ يُواعِدُ فيه صاحبَ الهَدْيِ إذا اشترى، فإذا أمِن فعليه أن يَحُجَّ و(^١) يَعْتَمِرَ، فإذا أصابه مَرَضٌ يَحْبِسُه وليس معه هَدْيٌ، فإنه يَحِلُّ حيثُ يُحْبَسُ، فإن كان معه هَدْيٌ فلا يَحِلُّ حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه، فإذا بعَث به فليس عليه أن يَحُجَّ قابِلًا، ولا يَعْتَمِرَ إلا أن يَشاءَ (^٢).\nحدِّثتُ عن أبي عبيدٍ القاسمِ بنِ سَلَّامٍ، قال: ثنى يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا حصْرَ إلا من حبْسِ عدوٍّ (^٣).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أو\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٢٦، وأخرجه إسحاق بن راهويه في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٣/ ١٢٢ - بن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد - وحده - به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٢٠٥ (الجزء الأول من القسم الرابع) عن يحيى بن سعيد به، ووقع فيه: \"عذر\" بدلًا من: \"عدو\".","vol":"3","page":345},{"text":"حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن ابن عباسٍ، وابنِ طاوُسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، وابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الحَصْرُ حَصْرُ العدوِّ، فأما مَن أصابه مرضٌ أو ضلالٌ أو كَسْرٌ، فلا شيءَ عليه، إنما قال اللَّهُ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾. فلا يكونُ الأمنُ إلا مِن الخوفِ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي عاصمٍ، إلا أنه قال: يَبْعَثُ بها ويُحْرِمُ مِن يومِ واعَد فيه صاحبَ الهَدْيَةِ إذا اشْتَرَى. ثم ذكَر سائرَ الحديثِ مثلَ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي عاصمٍ.\nوقال مالكُ بنُ أنسٍ (^١): بلغني أن رسولَ اللَّهِ ﷺ حلَّ هو وأصحابُه بالحُدَيْبِيَةِ، فنَحَرُوا الهَدْيَ، وحلَقوا رُءوسَهم، وحلُّوا مِن كلِّ شيءٍ قبلَ أن يَطُوفُوا بالبيتِ، وقبلَ أن يَصِلَ إليه الهَدْيُ، ثم لم نَعْلَمْ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ أمَر أحدًا مِن أصحابِه ولا ممن كان معه أن يَقْضُوا شيئًا، ولا أن يَعُودوا لشيءٍ.\nحدَّثني بذلك يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ عنه.\nقال: وسئل مالكٌ عمَّن أُحصِر بعدوٍّ وحيلَ بينَه وبينَ البيتِ؟ فقال: يَحِلُّ مِن كلِّ شيءٍ، ويَنْحَرُ هَدْيَه، ويَحْلِقُ رأسَه حيثُ حُبِسَ (^٢)، وليس عليه قضاءٌ، إلا أن يَكُونَ لم يَحُجَّ قَطُّ، فعليه أن يَحُجَّ حَجَّةَ الإسلامِ. قال: والأمرُ عندَنا في من أُحْصِر بغيرِ عدوٍّ، بمرضٍ أو ما أشبَهَه، أن يَتَداوَى (^٣) بما لا بدَّ له (^٤)، ويَفْتَدِيَ، ثم\n_________\n(^١) الموطأ برواية يحيى ١/ ٣٦٠، وهو في رواية أبي مصعب ١/ ٤٦٠.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يحبس\".\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"يبدأ\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منه\".","vol":"3","page":346},{"text":"يَجْعَلَها عُمْرةً، ويحجَّ عامًا قابَلا ويُهْدِيَ (^١).\nوعِلَّةُ مَن قال هذه المقالةَ - أَعْنِي مَن قال قولَ مالكٍ - أَنَّ هذه الآيةَ نزَلتْ في حَصْرِ المشركينَ رسولَ اللَّهِ ﷺ وأصحابَه عن البيتِ، فأمَر اللَّهُ جل ثناؤُه نبيَّه ﷺ ومَن معه بنَحْرِ هداياهم والإحلالِ. قالوا: فإنما أنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ في حصرِ العدوِّ، فلا يَجُوزُ أن يُصْرَفَ حُكْمُها إلى غيرِ المعنى الذي نَزَلت فيه. قالوا: وأما المريضُ فإنه إذا لم يُطِقْ لمرضِه السيرَ حتى فاتَتْه عرفةُ، فإنما هو رجلٌ فاتَه الحَجُّ، عليه الخُروجُ مِن إحرامِه بما يَخْرُجُ به مَن فاته الحَجُّ، وليس مِن مَعْنى المحصَرِ الذي نزَلت هذه الآيةُ [فيه في شيءٍ] (^٢).\nوأولى التأويلين بالصوابِ في قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ تأويلُ مَن تأوَّلَه بمعنى: فإن أحصَرَكم خوفُ عدوٍّ أو مرضٌ أو علةٌ عن الوُصولِ إلى البيتِ، أي: صيَّرَكم خوفُكم أو مرضُكم تَحْصُرون أنَفُسَكم فتَحْبِسُونها عن النُّفوذِ لِما أوْجَبْتُموه على أنْفُسِكم مِن عملِ الحجِّ والعمرةِ؛ فلذلك قيل: ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾. لمّا أسقَط ذكرَ الخوفِ والمرضِ، يقالُ منه: أحصَرني خَوْفي مِن فلانٍ عن لقائِك، ومَرَضي عن فُلانٍ. يرادُ به: جَعَلَني أَحْبِسُ نفسي عن ذلك. فأما إذا كان الحابسُ الرجلَ والإنسانَ، قيل: حصَرني فلانٌ عن لقائِك. بمعنى: حبَسني عنه. فلو كان معنى الآيةِ ما ظنَّه المتأوّلُ مِن قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: فإن حبَسكم حابسٌ مِن العدوِّ عن الوُصولِ إلى البيتِ. لوجَب أن يكونَ: فإن حصِرتم.\nومما يُبَينُ صحةَ ما قلناه مِن أن تأويلَ الآيةِ مرادٌ بها إحصارُ غيرِ العدوِّ، وأنه إنما يُرادُ بها الخوفُ مِن العدوِّ قولُه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾. والأمنُ إنما يكونُ بزَوالِ الخوفِ: وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الإحصارَ الذي عنَى اللَّهُ في هذه الآيةِ هو الخوفُ الذي يكونُ بزوالِه الأمنُ.\n_________\n(^١) ينظر الموطأ ١/ ٤٦١ برواية أبي مصعب.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في شأنه\".","vol":"3","page":347},{"text":"وإذ كان ذلك كذلك، لم يَكُنْ حَبْسُ الحابسِ الذي ليس مع حَبْسِه خوفٌ على النفسِ من حَبْسِه داخلًا في حكمِ الآيةِ بظاهرِها المتلوِّ، وإن كان قد يُلحقُ حُكْمُه عندَنا بحكمِه مِن وجهِ القياسِ مِن أجلِ أن حَبْسَ مَن لا خوفَ على النفسِ مِن حَبسِه - كالسلطانِ غيرِ المَخُوفةِ عقوبتُه، والوالدِ وزوجِ المرأةِ، وإن كان منهم أو مِن بعضِهم حبسٌ، ومَنْعٌ عن الشخوصِ لعملِ الحجِّ، أو الوُصولِ إلى البيتِ بعدَ إيجابِ الممنوعِ الإحرامَ (^١) - غيرُ داخلٍ في ظاهرِ قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾. لِما وصَفنا مِن أن معناه: فإن أحصَركم خوفُ عدوٍّ. بدَلالةِ قولِه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾. وقد بَيَّنَ الخبرُ الذي ذكَرناه آنفًا عن ابنِ عباسٍ أنه قال: الحصرُ حصرُ العدوِّ.\nوإذ كان ذلك أولى التأويلين بالآيةِ لِما وصَفنا، وكان ذلك منعًا مِن الوُصولِ إلى البيتِ، فكلُّ مانعٍ عرَضَ للمحرمِ فصدَّه عن الوُصولِ إلى البيتِ، فهو نظيرٌ له في الحُكمِ.\nثم اختلَف أهلُ العلمِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾؛ فقال بعضُهم: هو شاةٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ القَنّادُ، قال: أخبَرَنا إسحاقُ الأزرقُ، عن يونسَ بنِ أبي إسحاقَ السَّبيعيِّ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ (^٢)\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣١١ - تفسير) - ومن طريقه البيهقي ٥/ ٢٢٨ - عن هشيم، عن يونس، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: من الأزواج الثمانية. وأخرجه سعيد أيضًا (٣١٦ - تفسير) من طريق خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: شاة.","vol":"3","page":348},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرَنا إسحاقُ، قالا: ثنا سفيانُ، عن حبيب، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ شاةٌ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، [عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: شاةٌ.\nحدَّثنا ابنُ المُثَنّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ بنِ أبي زِيادٍ] (^٢)، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.\nحدَّثني ابنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن النعمانِ بنِ مالكٍ، قال: تَمَتَّعتُ فسألتُ ابنَ عباسٍ، فقال: ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ. قال: قلتُ: شاةٌ؟ قال: شاةٌ (^٣).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: أخبَرَنا إسحاقُ، عن شَريكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن النعمانِ بنِ مالكٍ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ؟ قال: مِن الأزواجِ الثمانيةِ؛ مِن الإبلِ والبقرِ والمَعْزِ والضَّأْنِ (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هُشَيمٌ، قال: الزهريُّ أخبَرَنا - وسُئل عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ - قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: مِن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٦ (١٧٧٠) من طريق سفيان به.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٩٣ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق أبي إسحاق به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٦ (١٧٧١) من طريق إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٣ إلى وكيع وعبد بن حميد.","vol":"3","page":349},{"text":"الغنمِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبي إسحاقَ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ مِن الأزواجِ الثمانيةِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا خالدٌ، قال: قيل للأشعثِ: ما قولُ الحسنِ فيما (^٣) اسْتَيْسر من الهديِ؟ فقال: شاةٌ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا سعيدٌ (^٥)، عن قتادةَ، قال: أعلاه بَدَنَةٌ، وأوسَطُه بقرةٌ، وأخَسُّه شاةٌ.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه، إلا أنه قال (^٦): كان يقالُ: أعلاه بَدَنَةٌ. ثم ذكَر سائرَ الحديثِ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن زُرارةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما (^٧) اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهّابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن أبي جمرةَ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (^٨).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣١٧ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣١١ - تفسير) من طريق يونس بن أبي إسحاق به.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فما\".\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٠٥ - تفسير) عن يونس ومنصور، عن الحسن به.\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣: \"شعبة\"، وفي ت ١: \"معبد\".\n(^٦) سقط من: م، ت ٣.\n(^٧) في م: \"فما\"\n(^٨) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣١٨ - تفسير) من طريق أبي جمرة به نحوه.","vol":"3","page":350},{"text":"مِنَ الْهَدْيِ﴾: شاةٌ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ يَمانٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ نُفَيعٍ (^٢)، عن عطاءٍ مثلَه.\nحدَّثنا موسَى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: المُحصَرُ يَبْعثُ بشاةٍ (^٣) فما فوقَه (^٤).\nحدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبَّاريُّ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، قال: إذا أهَلَّ الرجلُ بالحجِّ فأُحصِرَ، بعَث بما استيسَر مِن الهَدْيِ؛ شاةٍ. قال: فذكَرتُ ذلك لسعيدِ بنِ جُبيرٍ، فقال: كذلك قال ابنُ عباسٍ (^٥).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ما استيسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ فما فوقَها.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، وحدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا آدمُ العَسْقلانيُّ، عن شعبةَ، قال: ثنا أبو جَمْرةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما استيْسَر مِن الهَدْيِ جَزُورٌ أو بقرةٌ أو شاةٌ أو شِرْكٌ في دمٍ (^٦).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٠٤ - تفسير) من طريق حجاج، عن عطاء.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نقيع\"، وغير منقوطة في الأصل. وينظر الجرح والتعديل ٨/ ١١٠.\n(^٣) كذا في الأصل، وكتب فوقها: \"بهدى\"، وفي م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بهدى شاة\".\n(^٤) في م: \"فوقها\".\n(^٥) تقدم أوله في ص ٣٢٨.\n(^٦) أخرجه البخاري (١٦٨٨) - ومن طريقه ابن حزم في المحلى ٧/ ٢٠٤ - من طريق شعبة به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣١٩ - تفسير) من طريق أبي جمرة به.","vol":"3","page":351},{"text":"سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ: إنّ ابنَ عباسٍ كان يَرَى أن الشاةَ ما استيْسَر مِن الهَدْيِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن خالدٍ الحذَّاءِ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: ما استيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: شاةٌ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن دَلْهَمِ بنِ صالحٍ، قال: سَأَلتُ أبا جعفرٍ عن قولِه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. فقال: شاةٌ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، أن مالكَ بنَ أنسٍ حدَّثه عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، أن عليَّ بنَ أبي طالبٍ كان يقولُ: ما استَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مُطرِّفُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ مثلَه (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٩٨ (القسم الأول من الجزء الرابع)، وسعيد بن منصور في سننه (٢٩٨ - تفسير) من طريق يحيى بن سعيد نحوه، وأخرجه البيهقي ٥/ ٢٤ من طريق موسى بن عقبة عن القاسم به.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٠٦، ٣٠٩ - تفسير)، وابن أبي شيبة ص ٩٣ (الجزء الأول من القسم الرابع) من طريق مغيرة به.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٠٢ - تفسير) من طريق عمرو بن دينار، عن عطاء به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٦ عقب الأثر (١٧٧٠) معلقا، ودلهم بن صالح ضعيف.\n(^٥) الموطأ ١/ ٣٨٥، ومن طريقه البيهقي ٥/ ٢٤، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٠١ - تفسير)، وابن أبي شيبة ص ٩٤ (الجزء الأول من القسم الرابع)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٦ (١٧٦٩) من طرق عن جعفر به. وإسناده منقطع بين محمد بن علي وعلي بن أبي طالب.","vol":"3","page":352},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرَني مالكُ بنُ أنسٍ، أنه بلَغه أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عباسٍ كان يقولُ: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال مالكٌ: وذلك أحبُّ إليّ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ فيما (^٢) استَيسَرَ مِن الهديِ، قال: عليه - يعني المُحْصَرَ - هَدْيٌ، إن كان موسِرًا فمِن الإبلِ، وإلا فمِن البقرِ، وإلا فمِن الغنمِ (^٣).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا آدمُ العسقلانيُّ، قال: أخبَرنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن شعبةَ مولى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ، وما عَظَّمْتَ شعائرَ اللَّهِ فهو أفضلُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا أشهبُ، قال: أخبَرَني ابنُ لَهيعةَ، أن عطاءَ بنَ أبي رباحٍ حدَّثه، أنَّ ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا حميدٌ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبيدِ بنِ عُمَيرٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: الهديُ شاةٌ. فقيل له: [لا يكونُ] (^٤) دونَ بقرةٍ. قال: فأنا أقرأُ عليكم من كتابِ اللَّهِ ما تُصدِّقون (^٥) أن الهدْيَ شاةٌ، ما في الظبيِ؟ قالوا: شاةٌ. قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (^٦) [المائدة: ٩٥].\n_________\n(^١) الموطأ ١/ ٣٨٥.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"قال فما\"، وفي ت ١: \"فما\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أيكون\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٣: \"تدرون به\"، وفي ت ٢: \"تقرون به\"، وفي فتح الباري: \"تقوون به\".\n(^٦) ذكره الحافظ في الفتح ٣/ ٥٣٥ وصحح إسناده.","vol":"3","page":353},{"text":"وقال آخرون: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ مِن الإبلِ والبقرِ، سنٌّ دونَ سنٍّ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا مُعْتَمِرٌ، قال: سمِعتُ عُبَيدَ اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: ما اسْتَيْسَر من الهَدْيِ، البقرةُ دونَ البقرةِ، والبعيرُ دونَ البعيرِ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي مِجْلَزٍ، قال: سأَل رجلٌ ابنَ عمرَ: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ؟ قال: أتَرْضَى شاةً؟ كأنه لا يَرْضَاه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ ونافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ ناقةٌ أو بقرةٌ. فقيل له: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ؟ قال: الناقةُ دونَ الناقةِ، والبقرةُ دونَ البقرةِ.\nحدَّثني [ابنُ المُثنَّى] (^٢)، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عمرَ، أنه قال فيما (^٣) اسْتَيْسَر من الهدْيِ، قال: جَزورٌ أو بقرةٌ (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريب ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هُشيمٌ، قال: الزهريُّ أخبَرَنا - وسُئِل عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ - قال: قال ابنُ عمرَ: مِن الإبلِ والبقرِ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٣٨٦ - ومن طريقه البيهقي ٥/ ٢٤ - عن نافع بلفظ: بدنة أو بقرة. وينظر الاستذكار ١٢/ ٣١٤.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المثنى\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فما\".\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣١٦ - تفسير) من طريق خصيف، عن مجاهد به.\n(^٥) تقدم في ص ٣٤٩، ٣٥٠.","vol":"3","page":354},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبَرنا أيوبُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ في قولِه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. قال: الناقةُ دونَ الناقةِ، والبقرةُ دونَ البقرةِ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن القاسمِ، عن ابنِ عمرَ في قولِه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. قال: الإبلُ والبقرُ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ: كان عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ وعائشةُ يَقولان: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ، مِن الإبلِ والبقرِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا الوليدُ بنُ أبي هشامٍ، عن زيادِ بنِ جُبيرٍ، عن أخيه عبدِ اللَّهِ أو عُبيدِ اللَّهِ بنِ جُبَيْرٍ، قال: سأَلتُ ابنَ عمرَ عن المتعةِ عن (^٢) الهَدْيِ؟ فقال: ناقةٌ. قلت: ما تَقولُ في الشاةِ؟ قال: أكلُّكم شاةٌ؟ أكلُّكم شاةٌ (^٣)؟\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ وطاوسٍ، قالا: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ بقرةٌ.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. قال: في قولِ ابنِ عمرَ بقرةٌ فما فوقَها.\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٩٩ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٦ (١٧٧٢) من طريق يحيى بن سعيد به. وأخرجه البيهقي ٥/ ٢٤ من طريق آخر عن القاسم، عن ابن عمر وحده. وقال الحافظ في الفتح ٣/ ٥٣٥: إسناد قوي.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣١٣، ٣١٤ - تفسير) من طرق عن ابن عمر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٣ إلى وكيع وسفيان بن عيينة وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عمر.","vol":"3","page":355},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى أبو مَعْشَرٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ بَدنةٌ أو بقرةٌ، فأما شاةٌ فإنما هي نُسُكٌ.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا الحجَّاجُ، قال: ثنا حمَّادٌ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، قال: البدنةُ دونَ البدنةِ، والبقرةُ دونَ البقرةِ، وإنما الشاةُ نُسُكٌ. وقال: تكونُ البقرةُ بأربعين وبخمسينَ (^١).\nحدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى أسامةُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، كان يقولُ: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ بقرةٌ.\nحدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى أسامةُ بنُ زيدٍ، أن سعيدَ بنَ أبي هندٍ حدَّثه قال: رأيتُ ابنَ عمرَ وأهلُ اليمنِ يَأْتُونه فيَسْأَلُونه عمَّا اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ ويقولون: [الشُّوهُ؟ الشُّوهُ] (^٢)؟، قال: فيردُّ عليهم: [الشُّوهُ! الشُّوهُ] (^٣)! [يَحْكِيهم، لأن] (^٤) الجزورَ دونَ الجزورِ، والبقرةَ دونَ البقرةِ، ولكن ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ بقرةٌ.\nوأولى القولين بالصوابِ قولُ مَن قال: ما استَيْسر مِن الهَدْيِ شاةٌ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه (^٥) أوجَب ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ، فذلك على كلِّ ما تَيَسَّر للمُهْدِي أن يُهْدِيَه، كائنًا ما كان ذلك الذي يُهْدَى، إلا أن يكونَ اللَّهُ - جلَّ وعَزَّ - خَصَّ مِن ذلك شيئًا، فيكونَ ما خَصَّ مِن ذلك خارجًا مِن جملةِ ما احتمَله ظاهرُ التنزيلِ، ويكونَ سائِرُ الأشياءِ غيرُه مُجْزِئًا إذا أهداه المُهْدِي، بعد أن يَسْتَحِقَّ اسمَ هَدْىٍ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٧ (١٧٧٤) من طريق هشام به.\n(^٢) في م: \"الشاة الشاة\" والشوه جمع الشاة. ينظر اللسان (ش وهـ).\n(^٣) في الأصل: \"الشوه\"، وفي م: \"الشاة الشاة\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يحضهم إلا أن\".\n(^٥) بعده في م: \"إنما\".","vol":"3","page":356},{"text":"فإن قال قائلٌ: فإنَّ الذين أبَوا أن تَكُونَ الشاةُ مما اسْتَيْسَر مِن الهديِ؛ لأنه (^١) لا يَسْتَحِقُّ اسمَ هَدْيٍ، كما أنه لو أهدَى دجاجةً أو بيضةً لم يكن مُهْدِيًا هَدْيًا مُجْزِئًا؟\nقيل: لو كان في المُهْدِي الدجاجةَ والبيضةَ مِن الاختلافِ نحوُ الذي في المُهْدِي الشاةَ، لكان سبيلُهما واحدةً، في أن كلَّ واحدٍ منهما قد أدَّى ما عليه بظاهرِ التنزيلِ، إذا لم يكنْ أحدُ المُهْدَيَيْنِ (^٢) يُخْرِجُه مِن أن يكونَ مؤدِّيًا (^٣) - بإهدائِه ما أَهْدَى مِن ذلك - ما (^٤) أوجَبَه اللَّهُ عليه [في إحصارِه] (^٥)، ولكن لمّا أَخْرَج المُهْدِي ما دونَ الجَذَعِ مِن الضأنِ، والثَّنِيِّ من المَعْزِ والإبلِ والبقرِ فصاعدًا مِن الأسنانِ، من أن يَكُونَ مُهْدِيًا ما أوجَبه اللَّهُ عليه في إحصارِه أو (^٦) مُتْعتِه - الحُجَّةُ (^٧) القاطعةُ العذرَ، نقلًا عن نبيِّها (^٨) ﷺ وِراثةً، كان ذلك خارجًا مِن أن يكونَ مرادًا بقولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. وإن كان مما اسْتَيْسَر لنا مِن الهَدَايا. ولمّا اخْتُلِف في الجَذَعِ مِن الضأنِ، والثَّنِيِّ مِن المعْزِ، كان مُجْزِئًا ذلك عن مُهدِيه؛ لظاهرِ التنزيلِ، لأنه مما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ.\nفإن قال قائلٌ: ما مَحَلُّ \"ما\" التي في قولِه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾؟ قيل: رَفْعٌ.\n_________\n(^١) في م: \"بأنه\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فإنه\".\n(^٢) في حاشية الأصل: \"المهدين\".\n(^٣) في الأصل: \"مهديا\".\n(^٤) في م: \"مما\".\n(^٥) سقط من: الأصل، ت ٣، وفي ت ١: \"في حصره\"، وفي ت ٢: \"في إحصار\".\n(^٦) في الأصل: \"و\".\n(^٧) في م: \"بالحجة\".\n(^٨) في م: \"نبينا\".","vol":"3","page":357},{"text":"فإن قال: بماذا؟ قيل: بمَتْروكٍ، وذلك: فعليه. لأن تأويلَ الكلامِ: وأتمُّوا الحَجَّ والعمرةَ للَّهِ أيُّها المؤمنون، فإنْ حبَسكم عن إتمامِ ذلك حابسٌ مِن مرضٍ أو كسرٍ أو خوفِ عدوٍّ، فعليكم لإحلالِكم إن أَرَدْتُم الإحلالَ مِن إحرامِكم - ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ.\nوإنما اخْتَرْنا الرفْعَ في ذلك؛ لأن أكثرَ القرآنِ جاء برفعِ نظائرِه؛ وذلك كقولِه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾. وكقولِه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾. وما أشْبَه ذلك، مما يَطُولُ بإِحصائِه الكتابُ، تَرَكْنا ذِكْرَه استِغْناءً بما ذكَرنا عنه.\nولو قيل: موضعُ \"ما\" نَصْبٌ، بمعنى: فإن أحصِرتم فأَهْدُوا ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ. لكان غيرَ مُخْطئٍ قائِلُه.\nوأما الهَدْيُ، فإنه جمعٌ، واحدُها هَدْيَةٌ، على تقديرِ جَدْيةِ السَّرْجِ (^١)، والجمعُ الجَدْيُ، مخففٌ.\nحُدِّثْتُ عن أبي عُبَيْدةَ مَعْمَرِ بنِ المُثَنَّى، عن يونسَ، قال: كان أبو عمرِو بنُ العلاءِ يقولُ: لا أعْلَمُ في الكلامِ حرفًا يُشْبِهُه (^٢).\nوبتَخفيفِ الياءِ قرَأه القَرأَةُ في كلِّ مِصرٍ، وتسكينِ الدالِ ﴿مِنَ الْهَدْيِ﴾. إلا ما ذُكِر عن الأعرجِ؛ فإن أبا هشامٍ الرفاعيَّ حدَّثنا، قال: ثنا يعقوبُ، عن بشارٍ، عن أَسِيدٍ (^٣)، عن الأعرجِ أنه قرَأ: (هَدِيًّا بالِغَ الكَعْبَةِ). بكسرِ الدالِ مُثَقَّلًا، وقرَأ:\n_________\n(^١) جدية السرج: القطعة من الكساء المحشُوة تحت دفتى السرج وظلِفة الرجل. اللسان (ج د ى).\n(^٢) مجاز القرآن ١/ ٦٩.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أسد\". وينظر تهذيب الكمال ٣/ ٢٣٧.","vol":"3","page":358},{"text":"(حتَّى يَبْلُغَ الهَدِيُّ مَحِلَّه) بكسرِ الدالِ [في \"الهدِيّ\"] (^١) مثقَّلةً (^٢).\nواخْتُلِف في ذلك عن عاصمٍ، فرُوِي عنه موافقةُ الأعرجِ، ومخالفتُه إلى قراءةِ سائرِ القَرَأَةِ (^٣).\nوالهَدْيُ عندَنا إنما سُمِّي هَدْيًا؛ لأنه تقرَّبَ به إلى اللَّهِ تعالى ذكرُه مُهْدِيه، بمنزلةِ الهَدِيَّةِ يُهْدِيها الرجلُ إلى غيرِه مُتَقَرِّبًا بها إليه. يُقالُ منه: أَهْدَيْتُ الهَدْيَ إلى بيتِ اللَّهِ، فأنا أُهْدِيه إهداءً. كما يُقالُ في الهدِيَّةِ يُهْدِيها الرجلُ إلى غيرِه: أَهْدَيْتُ إلى فلانٍ هَدِيَّةً، فأنا أُهْدِيها إِهْداءً (^٤). ويُقالُ للبَدَنَةِ: هَدْيةٌ. ومنه قولُ زُهيرِ بنِ أبي سُلْمَى يَذْكُرُ رجلًا أُسِر، يُشَبِّهُه في حُرْمتِه بالبَدَنَةِ التي تُهْدَى (^٥):\nفلم أرَ مَعْشَرًا أسَرُوا هَدِيًّا … ولم أرَ جارَ بَيْتٍ يُسْتَبَاءُ\n\n<span data-type='title' id=toc-614>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.</span>\nيعني بذلك جلَّ وعزَّ: فإن أُحْصِرْتم فأرَدْتُم الإحلالَ مِن إحرامِكم، فعليكم ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ، ولا تُحِلُّوا مِن إحرامِكم إذا أُحْصِرتم حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ الذي أوجَبْتُه عليكم، لإحْلالِكم مِن إحْرامِكم الذي أُحْصِرْتم فيه، قبلَ تَمامِه وانْقِضاءِ مَشاعرِه ومناسِكِه - مَحِلَّه. وذلك أنَّ حَلْقَ الرأسِ إحلالٌ مِن الإحرامِ الذي كان المحرِمُ قد أوجَبَه على نفسِه، فنهاه اللَّهُ عن الإحلالِ مِن إحرامِه بحِلاقِه حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ الذي أباح اللَّهُ له الإحلالَ - جلَّ ثناؤُه - بإهدائِه، مَحِلَّه.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) وهي قراءة شاذة. البحر المحيط ٢/ ٧٤، ٤/ ٢٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٣ إلى المصنف.\n(^٣) الذي روى عن عاصم موافقة الأعرج هو عصمة كما في البحر المحيط ٢/ ٧٤.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) شرح ديوان زهير ص ٧٩.","vol":"3","page":359},{"text":"ثم اختلَف أهلُ العلمِ في مَحِلِّ الهَدْيِ الذي عناه اللَّهُ، الذي متى بلَغه كان للمُحْصَرِ الإحلالُ مِن إحرامِه الذي أُحْصِر فيه؛ فقال بعضُهم: مَحِلُّ هَدْيِ المُحْصَرِ الذي يَحِلُّ به ويجوزُ له ببُلوغِه إياه حَلْقُ رأسِه، إذا كان إحصارُه مِن خوفِ عدوٍّ منَعه ذَبْحَه، إن كان مما يُذْبَحُ، أو نَحْرَه، إن كان مما يُنْحَرُ - في الحِلِّ، ذبَح أو نَحَر، أو في الحَرَمِ، وإن كان من غيرِ خوفِ عدوٍّ، فلا يَحِلُّ حتى يَطُوفَ بالبيتِ ويَسْعَى بينَ الصَّفا والمروةِ. وهذا قولُ مَن قال: الإحصارُ إحصارُ العدوِّ دونَ غيرِه (^١).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثني مالكُ بنُ أنسٍ، أنه بلَغه أن رسولَ اللَّهِ ﷺ حلَّ هو وأصحابُه بالحديبيةِ، فنحَروا الهَدْيَ، وحَلَقوا رُءوسَهم، وحَلُّوا مِن كلِّ شيءٍ قبلَ أن يَطُوفوا بالبيتِ، وقبلَ أن يَصِلَ إليه الهَدْيُ، ثم لم نَعْلَمْ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ أمَر أحدًا مِن أصحابِه، ولا ممن كان معه، أن يَقْضُوا شيئًا، ولا أن يَعُودُوا لشيءٍ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرَني مالكٌ، عن نافعٍ، أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ خرَج إلى مكةَ مُعْتَمِرًا في الفتنةِ (^٣)، فقال: إن صُدِدْتُ عن البيتِ صنَعنا كما صنَعْنَا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ. فأَهَلَّ بعمرةٍ مِن أجلِ أن النبيَّ ﷺ كان أَهَلَّ بعمرةٍ عامَ الحديبيةِ، ثم إن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ نظَر في أمرِه فقال: ما أمرُهما إلا واحدٌ. قال: فالتَفَت إلى أصحابِه فقال: ما أمرُهما إلا واحدٌ، أُشْهِدُكم أني قد أوجَبْتُ\n_________\n(^١) في م: \"غير\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣٤٦.\n(^٣) وذلك حين حاصر الحجاج بن يوسف الثقفي عبدَ اللَّهِ بن الزبير وهو بمكة إلى أن قتله. ينظر خبر هذه الفتنة في البداية والنهاية ١٢/ ١٧٧ وما بعدها.","vol":"3","page":360},{"text":"الحَجَّ مع العمرةِ. قال: ثم طاف طَوَافًا واحدًا. ورأى أن ذلك مُجْزٍ عنه وأَهْدَى (^١).\nقال يونسُ: قال ابنُ وهبٍ: قال مالكٌ: وعلى هذا الأمرِ عندَنا في من أُحْصِر بعدوٍّ كما أُحْصِر نبيُّ اللَّهِ ﷺ وأصحابُه، فأما مَن أحصِر بغيرِ عدوٍّ، فإنه لا يَحِلُّ دونَ البيتِ.\nقال: وسُئِل مالكٌ عمَّن أُحْصِرَ بعدوٍّ وحِيل بينَه وبينَ البيتِ، فقال: يَحِلُّ مِن كلِّ شيءٍ، ويَنْحَرُ هَدْيَه، ويَحْلِقُ رأسَه حيثُ حُبِس، وليس عليه قضاءٌ، إلا أن يَكُونَ لم يَحُجَّ قَطُّ، فعليه أن يَحُجَّ حَجَّةَ الإسلامِ (^٢).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني مالكٌ، قال: ثنى يحيى بنُ سعيدٍ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ ومرْوانَ بنَ الحَكَمِ وعبدَ اللَّهِ بنَ الزبيرِ أفْتَوْا ابنَ حُزابةَ المَخْزُوميَّ، وصُرِعَ في الحَجِّ ببعضِ الطريقِ، أن يتَداوَى (^٣) بما لا بدَّ له (^٤)، ويَفْتَدِيَ، ثم يَجْعَلَها عمرةً، ويحُجَّ عامًا قابلًا ويُهْدِيَ (^٥).\nقال يونسُ: قال ابنُ وهبٍ: قال مالكٌ: وذلك الأمرُ عندَنا في من أُحْصِرَ بغيرِ عدوٍّ.\nقال: وقال مالكٌ: وكلُّ مَن حُبِس عن الحجِّ بعدَ ما يُحْرِمُ؛ إما بمرضٍ أو خطإٍ من (^٦) العددِ، أو خَفِي عليه الهلالُ، فهو مُحْصَرٌ، عليه ما على المحْصَرِ، يعني مِن\n_________\n(^١) الموطأ ١/ ٣٦٠ ومن طريقه البخاري (١٨٠٦، ١٨١٣، ٤١٨٣)، ومسلم (١٢٣٠/ ١٨٠).\n(^٢) تقدم في ص ٣٤٦، ٣٤٧.\n(^٣) في م: \"يبدأ\".\n(^٤) في م: \"منه\".\n(^٥) الموطأ ١/ ٣٦٢ - ومن طريقه الشافعي في الأم ٢/ ١٦٤ - وأخرجه ابن أبي شيبة ص ١٣٥ (الجزء الأول من القسم الرابع) من طريق يحيى بن سعيد به.\n(^٦) في م: \"في\".","vol":"3","page":361},{"text":"المُقامِ على إحرامِه حتى يَطُوفَ و(^١) يَسْعَى، ثم الحجُّ مِن قابلٍ والهَدْيُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: سمِعت يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: أخبرَني أيوبُ بنُ موسى، أن داودَ بنَ أبي عاصمٍ أخبرَه أنه حَجَّ مرةً فاشْتَكَى، فرجَع إلى الطائفِ ولم يَطُفْ بينَ الصفا والمروةِ، فكتَب إلى عطاءِ بنِ أبي رباحٍ يَسْأَلُه عن ذلك، وأن عطاءً كتَب إليه: أن أَهْرِقْ دمًا.\nوعلَّةُ مَن قال بقولِ مالكٍ في أن مَحِلَّ الهديِ في الإحصارِ بالعدوِّ نَحْرُه حيثُ حُبِس صاحبُه، ما حدَّثنا به أبو كريبٍ ومحمدُ بنُ عُمارةَ الأسَدِيُّ، قالا: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا موسى بنُ عُبيدَةَ، قال: أخبرَني أبو مُرَّةَ مولى أمِّ هانئٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: لما كان الهَدْيُ دونَ الجبالِ التي تَطْلُعُ على وادي الثَّنِيَّةِ، عرَض له المشركون فرَدُّوا وجهَه، قال: فنحَر النبيُّ ﷺ الهَدْيَ حيثُ حبَسوه، وهي الحديبيةُ، وحلَق، وتأسَّى به أناسٌ، فحَلَقُوا حين رَأَوْه حَلَق، وتَرَبَّص آخرون فقالوا: لعلَّنا نَطُوفُ بالبيتِ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"رحِم اللَّهُ المُحَلِّقين\". قيل: والمقُصِّرين. قال: \"رحِم اللَّهُ المُحَلِّقِين\". قيل: والمقصرين. قال: \"والمقُصِّرِين\" (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المبارَكِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمةَ\n_________\n(^١) في م: \"أو\".\n(^٢) الموطأ ١/ ٤٥٨، ٤٥٩ برواية أبي مصعب، وينظر رواية يحيى ١/ ٣٦٢.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٤٥٢ عن عبيد الله بن موسى به، ومعناه ثابت من حديث ابن عمر أخرجه أحمد ٢/ ١٢٤ (٦٠٦٧)، والبخاري (٢٧٠١، ٤٢٥٢)، والدعاء للمحلقين أخرجه أحمد ٢/ ١٦ (٤٦٥٧)، والبخاري (١٧٢٧)، ومسلم (١٣٠١/ ٣١٩). وينظر مسند الطيالسي (١٩٤٤).","vol":"3","page":362},{"text":"ومروانَ بنِ الحَكَمِ، قالا: لما كتَب رسولُ اللَّهِ ﷺ كتابَ القَضِيَّةِ بينَه وبين مُشركي قريشٍ، وذلك بالحديبيةِ عامَ الحديبيةِ، قال لأصحابِه: \"قُومُوا فانْحَرُوا واحْلِقُوا\". قال: فواللَّهِ ما قام منهم رجلٌ، حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ، قام فدخَل على أمِّ سَلَمةَ، فذكَر ذلك لها، فقالت أمُّ سلمةَ: يا نبيَّ اللَّهِ، اخْرُجْ، ثم لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم بكلمةٍ حتى تَنْحَرَ بُدْنَك (^١)، وتَدْعُوَ حَلَّاقَك فتَحْلِقَ. فقام فخرَج فلم يُكلِّمْ منهم أحدًا، حتى فعَل ذلك، فلما رَأَوْا ذلك قاموا فنَحَروا، وجعَل بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا، حتى كاد بعضُهم يَقْتُلُ بعضًا غمًّا (^٢).\nقالوا: فنحَر النبيُّ ﷺ هَدْيَه حين صدَّه المشركون عن البيتِ بالحديبيةِ، وحلَّ هو وأصحابُه. قالوا: والحديبيةُ ليست مِن الحرمِ. قالوا: ففي (^٣) ذلك دليلٌ واضحٌ على أن معنى قولِه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾: حتى يَبْلُغَ بالذبحِ أو النحرِ مَحِلَّ أكلِه، والانتفاعُ به في مَحِلِّ ذَبْحِه ونحرِه، كما رُوِي عن نبيِّ اللَّهِ ﵊ في نظيرِه، إذ أُتِيَ بلحمٍ أهدَتْه (^٤) بَرِيرَةُ مِن صَدَقَةِ كان تُصُدِّقَ بها عليها، فقال: \"قَرِّبُوهُ فقد بلَغ مَحِلَّهُ\" (^٥). يعني: فقد بلَغ مَحِلَّ طيبِه وحلالِه له بالهدِيَّةِ إليه بعد أن كانت\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بدنتك\".\n(^٢) جزء من حديث طويل أخرجه أحمد ٤/ ٣٣١ (الميمنية) من طريق يحيى بن سعيد القطان به، وأخرجه البخاري (١٦٩٤، ١٦٩٥)، والنسائي في الكبرى (٨٨٤٠) من طريق ابن المبارك به.\n(^٣) بعده في م: \"مثل\".\n(^٤) في م: \"أتته\".\n(^٥) الثابت في الصحيحين في حديث بريرة؛ أن النبي ﷺ قال: \"هو لها صدقة ولنا هدية\". أو: \"هو عليها صدقة وهو لنا هدية\". ينظر البخاري (١٤٩٣، ١٤٩٥، ٢٥٧٧، ٢٥٧٨، ٥٠٩٧، ٥٢٨٤)، ومسلم (١٠٧٤، ١٠٧٥).\nوجاء نحو اللفظ الذي ذكره المصنف من حديث أم عطية الأنصارية أنها أهدت إلى عائشة هدية لحمًا، فقال النبي ﷺ: \"إنها بلغت محلها\" ينظر البخاري (١٤٤٦، ١٤٩٤، ٢٥٧٩). =","vol":"3","page":363},{"text":"صدقةً على بَريرةَ.\nوقال بعضُهم: مَحِلُّ هَدْيِ المُحْصَرِ الحَرَمُ، لا مَحِلَّ له غيرُه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن الأعمشِ، عن عُمارةَ بنِ عُميرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، أن عميرَ (^١) بنَ سعيدٍ النَّخَعيَّ أهلَّ بعمرةٍ، فلما بلَغ ذاتَ الشُّقوقِ (^٢) لُدِغ بها، فخرَج أصحابُه إلى الطريقِ يتشرَّفون (^٣) الناسَ، فإذا هم بابنِ مسعودٍ، فذكَروا ذلك له، فقال: لِيَبْعَثْ بهَدْيٍ، واجعَلوا بينَكم يومَ أمارٍ (^٤)، فإذا ذبَح الهَدْيَ فلْيُحِلَّ، وعليه قضاءُ عمرتِه (^٥).\nحدَّثنا تميمُ بنُ المنتَصِرِ، قال: أخبرنا إسحاقُ، عن شَريكٍ، عن سليمانَ بنِ مهرانَ، عن عُمارةَ بنِ عُمَيرٍ وإبراهيمَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ أنه قال: خرَجنا مُهِلِّين بعمرةٍ، فينا الأسودُ بنُ يزيدَ، حتى نَزَلنا ذاتَ الشُّقوقِ، فلُدِغ صاحبٌ لنا، فشَقَّ ذلك عليه مَشقَّةً شديدةً، فلم ندرِ كيف نَصْنَعُ به، فخرَج بعضُنا إلى الطريقِ، فإذا نحن برَكْبٍ فيهم عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ، فقلنا: يا أبا عبدِ الرحمنِ، رجلٌ منا لُدِغ، فكيف نَصْنَعُ به؟ قال: يَبْعَثُ معكم بثمنِ هَدْيٍ، فتَجْعَلونَ بينَكم وبينَه يومَ\n_________\n= ومن حديث مولاة جويرية بنت الحارث أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ قال: \"قربيه فقد بلغت محلها\". ينظر مسلم (١٠٧٣).\n(^١) في النسخ: \"عمرو\"، والمثبت مما سيأتي في شرح معاني الآثار، وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٣٧٦. وينظر في ٢/ ٣٤٢.\n(^٢) ذات الشقوق: منزل بطريق مكة بعد واقصة من الكوفة. معجم البلدان ٣/ ٣٠٩.\n(^٣) التشرف: التطلع والنظر إلى الشيء. اللسان (ش ر ف).\n(^٤) في م: \"أمارة\". والأمار والأمارة: العلامة. وقيل: الأمار جمع أمارة. النهاية ١/ ٦٧.\n(^٥) أخرجه الطحاوي في شرح المعاني ٢/ ٢٥١ من طريق الأعمش به.","vol":"3","page":364},{"text":"أمارٍ، فإذا نُحِر الهَدْيُ فلْيُحِلَّ، وعليه عمرةٌ في قابلٍ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عُمارةَ بنِ عُمَيرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، قال: بينَا نحن بذاتِ الشُّقوقِ، فلَبَّى رجلٌ منا بعمرةٍ، فلُدِغ، فمرَّ علينا عبدُ اللَّهِ فسألناه، فقال: اجعلوا بينَكم وبينَه يومَ أمارٍ، ويَبْعَثُ بثمنِ الهَدْيِ، فإذا نُحِرَ حلَّ، وعليه العمرةُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، قال: سمِعت إبراهيمَ النَّخَعيَّ يُحَدِّثُ عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، قال: أهَلَّ رجلٌ منا بعمرةٍ، فلُدِغ، فاطَّلَع رَكْبٌ فيهم عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ، فسأَلوه، فقال: ابعَثُوا (^١) بهَدْيٍ، واجْعَلُوا بينَكم وبينَه يومَ أمارٍ، فإذا كان ذلك اليومُ فلْيُحِلَّ. وقال عُمارةُ بنُ عُمَيرٍ - وكان حَسْبُك به - عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، عن عبدِ اللَّهِ: وعليه العمرةُ مِن قابلٍ (^٢).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن عُمارةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، قال: خرَجْنا عمّارًا، فلما كنا بذاتِ الشُّقوقِ لُدِغ صاحبٌ لنا، فاعترَضْنا الطريقَ لنسأَلَ ما نَصْنَعُ به، فإذا عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ في رَكْبٍ، فقلنا له: لُدِغ صاحبٌ لنا. فقال: اجعَلُوا بينَكم وبينَ صاحبِكم يومًا، ولْيُرْسِلْ بالهَدْيِ، فإذا نُحِر الهَدْيُ، فلْيَحْلِلْ، ثم عليه العُمْرةُ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن الحجاجِ، قال: حدَّثني\n_________\n(^١) في م: \"يبعث\".\n(^٢) أخرجه الطحاوي في شرح المعاني ٢/ ٢٥١ من طريق شعبة به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٣٥ (الجزء الأول من القسم الرابع) عن أبي معاوية به.","vol":"3","page":365},{"text":"عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ، عن أبيه، عن ابنِ مسعودٍ، أنّ عميرَ (^١) بنَ سعيدٍ (^٢) النَّخَعيَّ أهَلَّ بعمرةٍ، فلما بلَغ ذاتَ الشُّقوقِ لُدِغ بها، فخرَج أصحابُه إلى الطريقِ يَتَشَرَّفون (^٣) الناسَ، فإذا هم بابنِ مسعودٍ، فذكَروا ذلك له، فقال: لِيَبْعَثْ بهَدْيٍ، واجعَلوا بينَكم (^٤) يومَ أمارٍ، فإذا ذُبِح الهَدْيُ فلْيَحِلَّ، وعليه قضاءُ عمرتِه (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. يقولُ: مَن أحرَم بحجٍّ أو بعمرةٍ، ثم حُبِس عن البيتِ بمرَضٍ يُجْهِدُه، أو عُذْرٍ يَحْبِسُه، فعليه ذَبْحُ ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ، شاةٍ فما فوقَها يُذْبَحُ عنه، فإن كانت (^٦) حَجَّةَ الإسلامِ، فعليه قضاؤُها، وإن كانت حَجَّةً بعد حَجَّةِ الفريضةِ أو عمرةً، فلا قضاءَ عليه. ثم قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. فإن كان أحرَم بالحجِّ فمَحِلُّه يومَ النَّحْرِ، وإن كان أحرَم بعمرةٍ فمَحِلُّ هَدْيِه إذا أتى البيتَ (^٧).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عَمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: فهو الرجلُ مِن أصحابِ محمدٍ ﷺ كان يُحْبَسُ عن البيتِ فيُهْدِي إلى البيتِ ويَمْكُثُ على إحرامِه حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه، فإذا بلَغ الهَدْيُ مَحِلَّه حلَق رأسَه، فأتمَّ اللَّهُ له حَجَّه. والإحصارُ أيضًا أن يُحَالَ بينَه وبينَ الحَجِّ، فعليه هَدْىٌ؛ إن كان موسِرًا مِن الإبلِ،\n_________\n(^١) في النسخ: \"عمرو\".\n(^٢) في الأصل: \"مسعود\".\n(^٣) في م: \"يتشوفون\". وهما بمعنى.\n(^٤) بعده في م: \"وبينه\".\n(^٥) أخرجه البيهقي ٥/ ٢٢١ من طريق أبان بن تغلب عن عبد الرحمن بن الأسود به.\n(^٦) في الأصل: \"كان\".\n(^٧) تقدم تخريجه في ص ٣٤٤.","vol":"3","page":366},{"text":"وإلا فمِن البقرِ، وإلا فمِن الغنَمِ، ويَجْعَلُ حَجَّه عمرةً، ويَبْعَثُ بهَدْيِه إلى البيتِ، فإذا نُحِرَ الهَدْيُ فقد حَلَّ، وعليه الحَجُّ مِن قابلٍ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا بشرُ بنُ السَّرِيِّ، عن شعبةَ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ سلِمةَ، قال: سئِل عليٌّ عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: فإذا أُحْصِرَ الحاجُّ بعَث بالهَدْيِ، فإذا نُحِرَ عنه حلَّ، ولا يحِلُّ حتى يُنْحَرَ هَدْيُه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، قال: سمِعت عطاءً يقولُ: مَن حُبِس في عمرتِه، فبعَث بهَدْيَةٍ فاعْتُرِضَ لها، فإنه يَتَصَدَّقُ بشيءٍ أو يَصومُ، ومن اعتُرض لهَدْيَتِه وهو حاجٌّ، فإن محِلَّ الهَدْيِ والإحرامِ (^٢) يومُ النَّحْرِ، وليس عليه شيءٌ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ مثلَه.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾: الرجلُ يُحْرِمُ ثم يَخْرُجُ فيُحْصَرُ، إما بلَدْغٍ [وإما بمرضٍ] (^٤)، فلا يُطِيقُ السَّيْرَ، وإما تَنْكَسِرُ راحلتُه، فإنه يُقيمُ، ثم يَبْعَثُ بهَدْىٍ، شاةٍ فما فوقَها، فإن هو صحَّ فسار فأدْرَكَ، فليس عليه هَدْيٌ، وإن فاته الحجُّ، فإنها تكونُ عُمرةً، وعليه من قابلٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٢، ٢١٣ إلى المصنف.\n(^٢) في الأصل: \"الحرام\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٢٦، ٢٢٧.\n(^٤) في م، ت ١: \"أو مرض\"، وفي ت ٢: \"أو بمرض\".","vol":"3","page":367},{"text":"حَجَّةٌ، فإن هو رجَع، لم يَزَلْ مُحْرِمًا حتى يُنْحَرَ عنه يومَ النَّحْرِ، فإن هو بلَغه أن صاحبَه لم يَنْحَرْ عنه، عاد مُحْرِمًا، وبعَث بهَدْيٍ آخرَ، فواعَد صاحبَه يومَ يَنْحَرُ عنه (^١)، فنَحَرَ عنه بمكةَ، ويَحِلُّ، وعليه مِن قابلٍ حَجَّةٌ وعمرةٌ، ومِن الناسِ مَن يقولُ: عُمرتان. وإن كان أحْرَم بعمرةٍ، ثم رجَع، وبعَث بهَدْيِه، فعليه مِن قابلٍ عُمْرَتان. وأناسٌ يَقُولون: لا، بل ثلاثُ عُمَرٍ، نحوًا مما صنَعوا في الحجِّ حين صنَعوا، عليه حَجَّةٌ وعُمْرَتان.\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ القَنّادُ، قال: أخبَرَنا إسحاقُ الأزرقُ، عن أبي بشرٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا أُحْصِرَ الرجلُ بعَث بهَدْيِه، إذا كان لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَصِلَ إلى البيتِ مِن العدوِّ، فإن وجَد مَن يُبْلِغُها عنه إلى مكةَ، فإنه يَبْعَثُ بها مكانَه، ويُواعِدُ صاحبَ الهَدْيِ، فإذا أمِن فعليه أن يَحُجَّ ويَعْتَمِرَ، فإن أصابَه مَرَضٌ يَحْبِسُه وليس معه هَدْيٌ، فإنه يَحِلُّ حيثُ يُحْبَسُ، وإن كان معه هَدْيٌ، فلا يَحِلُّ حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه إذا بعَث به، وليس عليه أن يَحُجَّ قابِلًا ولا يَعْتَمِرَ، إلا أن يَشَاءَ (^٢).\nوعِلَّةُ مَن قال هذه المقالةَ - أن مَحِلَّ الهَدَايَا والبُدْنِ الحَرَمُ - أنَّ اللَّهَ - جلَّ وعزَّ - ذكَر البُدْنَ والهَدَايَا فقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٢، ٣٣]. فجعَل مَحِلَّها الحَرَمَ، فلا مَحِلَّ للهَدْيِ دُونَه.\nقالوا: وأما ما ادَّعى المُحْتَجُّون بنَحْرِ النبيِّ ﷺ هَدَاياه بالحُدَيْبيةِ حين صُدَّ عن البيتِ، فليس ذلك بالقولِ المُجْتَمَعِ عليه؛ وذلك أن الفضلَ بنَ سهلٍ حدَّثني، قال: ثنا مُخَوَّلُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن مَجْزَأةَ بنِ زاهرٍ الأسْلَمِيِّ، عن أبيه،\n_________\n(^١) بعده في م: \"بمكة\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٢٦.","vol":"3","page":368},{"text":"عن ناجِيَةَ بنِ جُنْدَبٍ الأسْلَمِيِّ، قال: أتَيْتُ النبيَّ ﷺ حين صُدَّ (^١) الهَدْيُ، فقلت: يا رسولَ اللَّهِ، ابْعَثْ معي بالهَدْيِ فلْنَنْحَرْه في الحَرَمِ. قال: \"كيف تَصْنَعُ به؟ \". قلتُ: آخُذُ به أوديةً فلا يَقْدِرون عليه. فانْطَلَقْتُ به حتى نَحَرْتُه بالحَرَمِ (^٢).\nقالوا: فقد بيَّن هذا الخبرُ أن النبيَّ ﷺ نحَر هدَايَاه في الحرَمِ، فلا حُجَّةَ لمُحْتَجٍّ بنَحْرِه بالحُدَيْبِيةِ في غيرِ الحرَمِ.\nوقال آخرون: معنى هذه الآيةِ وتأويلُها على غيرِ هذين الوَجْهَين اللذَيْن وصَفْنا، مِن قولِ الفريقين اللذَيْن ذكَرْنا اختلافَهم على ما ذكَرْنا. وقالوا: إنما معنى ذلك: فإن أُحْصِرْتم أيها المؤمنون عن حَجِّكم، فمُنِعْتُم مِن المُضِيِّ لإحرامِه؛ بعائقِ مرضٍ أو خوفِ عدوٍّ، وأداءِ اللازمِ لكم في (^٣) حَجِّكم، حتى فاتَكم الوقوفُ بعرفةَ - فإن عليكم ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ لِما فاتَكم مِن حَجِّكم، مع قضاءِ الحَجِّ الذي فاتَكم.\nوقال أهلُ هذه المقالةِ: ليس للمُحْصَرِ في الحجِّ بالمرَضِ والعِلَلِ غيرِه الإحلالُ إلا بالطوافِ بالبيتِ والسعْيِ بينَ الصفا والمروةِ، إن فاتَه الحجُّ. قالوا: فأما إن أطاقَ شُهودَ المشاهدِ، فإنه غيرُ مُحْصَرٍ. قالوا: وأما العُمْرةُ، فلا إحصارَ فيها؛ لأن وقتَها موجودٌ أبدًا. قالوا: والمُعْتَمِرُ لا يَحِلُّ إلا بعملِ آخرِ ما يَلْزَمُه في إحرامِه. قالوا: ولم يَدْخُلِ المُعْتَمِرُ في هذه الآيةِ، وإنما عُنِي بها الحاجُّ.\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\".\n(^٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٢٤٢، وابن منده - كما في الإصابة ٦/ ٤٠٠، ٤٠١ - من طريق مخول بن إبراهيم، وأخرجه النسائي في الكبرى (٤١٣٥) من طريق إسرائيل به، وعنده: عن مجزأة عن ناجية - مباشرة دون ذكر أبيه، وقال ابن منده: تفرد به مخول بن إبراهيم عن إسرائيل عنه.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".","vol":"3","page":369},{"text":"ثم اختلَف أهلُ هذه المقالةِ؛ فقال بعضُهم: لا إحصارَ اليومَ بعدوٍّ، كما لا إحصارَ بمرَضٍ يَجُوزُ لمن ناله (^١) أن يَحِلَّ مِن إحرامِه قبلَ الطوافِ بالبيتِ والسعْيِ بينَ الصفا والمروةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ [وطاوسٍ، قالا] (^٢): قال ابنُ عباسٍ: لا إحصارَ اليومَ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: أخبَرَني عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ، أن عائشةَ قالت: لا أعْلَمُ المُحْرِمَ يَحِلُّ بشيءٍ دونَ البيتِ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا حصرَ إلا مَن حبَسه عدوٌّ، فيحِلُّ بعمرةٍ، وليس عليه حَجٌّ ولا عمرةٌ.\nوقال [آخرون منهم] (^٥): حِصارُ العدوِّ ثابتٌ اليومَ وبعدَ اليومِ. على نحوِ ما ذكَرْنا مِن أقوالِهم الثلاثةِ التي حكَيْنا عنهم.\n_________\n(^١) في م: \"فاته\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قاله\".\n(^٢) في م: \"عن طاوس قال\".\n(^٣) ينظر ما تقدم تخريجه في ص ٣٤٥.\n(^٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٥/ ٢٢٠ من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم، عن عائشة.\n(^٥) في الأصل: \"بعضهم\"، وكتب فوقها كالمثبت.","vol":"3","page":370},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك، وقال: معنى هذه الآيةِ: فإن أُحْصِرْتُم عن الحَجِّ حتى فاتَكم، فعليكم ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ لفَوْتِه إياكم\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالمٍ، قال: كان عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ يُنْكِرُ الاشْتِراطَ في الحَجِّ، ويقولُ: أليس حَسْبُكم (^١) سنةُ رسولِ اللَّهِ ﷺ! إن حُبِس أحدُكم عن الحَجِّ، طاف بالبيتِ وبالصفا والمروةِ، ثم حلَّ مِن كلِّ شيءٍ حتى يَحُجَّ عامًا قابِلًا، ويُهْدِي أو يصومُ إن لم يجِدْ هَدْيًا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: أخبَرَنا عبيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: المُحْصَرُ لا يَحِلُّ من شيءٍ حتى يَبْلُغَ البيتَ، ويُقيمُ على إحرامِه كما هو، إلا أن تُصِيبَه جِراحةٌ أو جُرْحٌ، فيتَداوى بما يُصْلِحُه ويفتَدِيَ، فإذا وصَل إلى البيتِ، فإن كانت عمرةً قضاها، وإن كانت حَجَّةً فسَخها بعمرةٍ، وعليه الحجُّ مِن قابِلٍ والهَدْيُ، فمن (^٣) لم يَجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحَجِّ وسبعةٍ إذا رجَع.\nحدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عُبيدِ اللَّهِ، قال: أخبَرَني نافعٌ، أن ابنَ عمرَ مرَّ على ابنِ حُزابةَ وهو بالسُّقْيا، فرَأى به كَسْرًا فاسْتَفْتَاه، فأمَرَه أن يَقِفَ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"حبسكم\". وفي حاشية الصحيح: رسم حسبكم في الأصل الذي بيدنا بنقطة سوداء بين الحاء والسين من تحت، ونقطة حمراء تحت الباء بعد السين، فصارت محتملة لأن تكون حبسكم وحسبكم، وكتب بهامش الأصل ما نصه: كذا صورته في اليونينية، والذي في الفرع حسبكم لا غيره.\n(^٢) أخرجه النسائي (٢٧٦٨)، والبيهقي ٥/ ٢٢٣ من طريق ابن وهب به، وأخرجه البخاري (١٨١٠)، والبيهقي ٥/ ٢٢٣ من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب به، وأخرجه أحمد ٨/ ٤٨٧ (٤٨٨١)، والبخاري (١٨١١)، والترمذي (٩٤٢)، والنسائي (٢٧٦٩) من طريق الزهري به.\n(^٣) في م: \"فإن\".","vol":"3","page":371},{"text":"كما هو، ولا يَحِلَّ مِن شيءٍ حتى يَأْتِيَ البيتَ، إلا أن يُصِيبَه أذًى فيَتَداوى، وعليه ما اسْتَيْسَر مِن الهدْيِ. وكان أهَلَّ بالحَجِّ.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليْثُ، قال: ثنى عُقَيْلٌ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبَرَني سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ قال: مَن أُحْصِرَ بعدَ أن يُهِلَّ بحَجٍّ، فحبَسه خوفٌ أو مرَضٌ، أو ضَلَّ (^١) له ظَهْرٌ يَحْمِلُه، أو شيءٌ مِن الأمورِ كلِّها، فإنه يَتَعَالَجُ (^٢) بحبسِه (^٣) ذلك بكلِّ شيءٍ لا بدَّ له منه، غيرَ أنه لا يَحِلُّ مِن النساءِ والطيبِ، ويَفْتَدي بالفِدْيةِ التي أمَر اللَّهُ بها؛ صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ، فإن فاتَه الحَجُّ وهو بمحبَسِه ذلك، أو فاتَه أن يَقِفَ بمواقفِ (^٤) عرفةَ قبلَ الفجرِ مِن ليلةِ المُزْدَلِفةِ، فقد فاتَه الحجُّ، وصارَت حَجَّتُه عمرةً؛ يَقْدَمُ مكةَ، ويَطُوفُ بالبيتِ وبالصفا والمَرْوَةِ، فإن كان معه هَدْيٌ نحَره بمكةَ قريبًا مِن المسجدِ الحرامِ، ثم حلَق رأسَه أو قصَّر، ثم حلَّ مِن النساءِ والطِّيبِ وغيرِ ذلك، ثم عليه أن يَحُجَّ قابلًا ويُهْدِيَ ما اسْتَيْسر مِن الهَدْيِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثني مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالمِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، أنه قال: المُحْصَرُ لا يَحِلُّ حتى يَطُوفَ بالبيتِ وبين الصفا والمروةِ، وإن اضْطُرَّ إلى شيءٍ من لُبسِ الثيابِ التي لا بُدَّ له منها أو الدواءِ، صنَع ذلك وافْتَدَى (^٥).\nفهذا ما رُوِي عن ابنِ عمرَ في الإحصارِ بالمرضِ وما أشبَهَه. وأما في الحَصْرِ (^٦)\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"خلَأ\".\n(^٢) عالج الشيء: زاوله ومارسه. التاج (ع ل ج).\n(^٣) في م: \"لحبسه\".\n(^٤) في م: \"في مواقف\".\n(^٥) الموطأ ١/ ٣٦١، ومن طريق مالك أخرجه البيهقي ٥/ ٢١٩.\n(^٦) في م: \"المحصر\".","vol":"3","page":372},{"text":"بالعدوِّ، فإنه كان يقولُ فيه بنحوِ القولِ الذي ذكَرْناه قبلُ عن مالكِ بنِ أنسٍ أنه كان يقولُه (^١).\nحدَّثنا تميمُ بنُ المُنْتَصِرِ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نُمَيرٍ، قال: أخبَرَنا عُبيدُ اللَّهِ، عن نافعٍ، أن ابنَ عمرَ أراد الحَجَّ حين نزَل الحَجّاجُ بابنِ الزبيرِ، فكلَّمه ابناه سالمٌ وعبدُ (^٢) اللَّهِ، فقالا: لا يَضُرُّك ألا تَحُجَّ العامَ، إنا نَخافُ أن يكونَ بينَ الناسِ قِتالٌ، فيُحالَ بينَك وبينَ البيتِ. قال: إن حِيلَ بيني وبينَ البيتِ، فَعَلْتُ كما فعَلْنا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ حينَ حال (^٣) كفارُ قريشٍ بينَه وبينَ البيتِ، فحلَق ورجَع (^٤).\nوأما ما ذكَرْنا عنهم في العمرةِ مِن قولِهم: إنه لا إحصارَ فيها ولا حَصْرَ. فإنه حدَّثني به يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ الشِّخِّيرِ، أنه أهلَّ بعُمْرةٍ فأُحْصِر، قال: فكتَب إلى ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ، فكتَبا إليه أن يَبْعَثَ بالهَدْيِ، ثم يُقيمَ حتى يَحِلَّ مِن عُمْرتِه. قال: فأقام ستةَ أشهرٍ أو سبعةَ أشهرٍ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبَرَنا أيوبُ (^٥)، عن أبي العَلاءِ بنِ الشِّخِّيرِ، قال: خرَجتُ مُعْتَمِرًا فصُرِعتُ عن بعيرِي فكُسِرَت رِجْلي، فأَرْسَلْنا إلى ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ [من سَأَلهما] (^٦)، فقالا: إن العمرةَ ليس لها وقتٌ\n_________\n(^١) تقدم في ص ٣٦١.\n(^٢) في م: \"عبيد\". وهما روايتان في البخاري، وينظر الفتح ٤/ ٥.\n(^٣) في الأصل: \"حالت\".\n(^٤) أخرجه أحمد ١٠/ ٣٧٦ (٦٢٦٨)، ومسلم (١٢٣٠/ ١٨١) من طريق عبد الله بن نمير به، وأخرجه البخاري (١٨٠٧، ١٨٠٨، ١٨١٢، ٤١٨٥)، والنسائي (٢٨٥٩) من طريق جويرية عن نافع مطولا.\n(^٥) في م: \"يعقوب\".\n(^٦) في م: \"نسألهما\".","vol":"3","page":373},{"text":"كوقتِ الحجِّ، لا تَحِلَّ حتى تَطُوفَ بالبيتِ. قال: فأقَمتُ بالدثينَةِ (^١) أو قريبًا منه سبعةَ أشهرٍ أو ثمانيةَ أشهرٍ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن أيوبَ بنِ أبي تَمِيمةَ السَّخْتِيانيِّ، عن رجلٍ مِن أهلِ البصرةِ كان قديمًا، أنه قال: خرَجتُ إلى مكةَ، حتى إذا كُنْتُ ببعضِ الطريق كُسِرَت فَخِذي، فأرْسَلْتُ إلى مكةَ (^٣) وبها عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ وعبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ والناسُ، فلم يُرَخِّصْ لي أحدٌ منهم (^٤) أن أَحِلَّ، فأقَمتُ على ذلك الماءِ (^٥) سبعةَ أشهرٍ حتى أَحْلَلْتُ بعمرةٍ (^٦).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبَرَنا ابنُ المباركِ، عن مَعْمَرٍ، عن ابنِ شهابٍ، في رجلٍ أصابَه كَسْرٌ وهو مُعْتَمِرٌ، قال: يَمْكُثُ على إحرامِه حتى يَأْتِيَ البيتَ فيَطُوفَ به وبالصفا والمروةِ، ويَحْلِقَ أو يُقَصِّرَ، وليس عليه شيءٌ.\nوأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ هذه الآيةِ قولُ مَن قال: إنَّ اللَّهَ عَنَى بقولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ كلَّ مُحْصَرٍ في كلِّ (^٧) إحرامٍ، بعمرةٍ كان إحرامُ المُحْصَرِ أو بحَجٍّ، وجعَل مَحِلَّ هَدْيِه الموضِعَ الذي أُحْصِرَ فيه، وجعَل له الإحلالَ مِن إحرامِه ببُلوغِ هَدْيِه مَحِلَّه. وتأوَّل\n_________\n(^١) الدثينة؛ كجهينة أو كسفينة: موضع لبني سليم على طريق حاج البصرة بين الزجيج وقبا. التاج (د ث ن). وينظر معجم البلدان ٢/ ٥٥٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٣٥ (الجزء الأول من القسم الرابع) عن ابن علية به، والبيهقي ٥/ ٢٢٠ من طريق أيوب به.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إلى عبد الله بن عباس\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في م: \"إلى\".\n(^٦) أخرجه مالك ١/ ٣٦١، ومن طريقه الشافعي في الأم ٢/ ١٦٤، والبيهقي ٥/ ٢١٩، وفي المعرفة ٤/ ٢٤٣.\n(^٧) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":374},{"text":"بالمَحِلِّ المَنْحَرَ أو المذبحَ، وذلك حين حلَّ نَحْرُه أو ذَبْحُه، في حَرَمٍ كان أو في حِلٍّ، وألزَمَه قضاءَ ما حَلَّ منه مِن إحرامِه قبلَ إتمامِه إذا وجَد إليه سبيلًا، وذلك لتَواتُرِ الأخبارِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه صُدَّ عامَ الحُدَيْبِيةِ عن البيتِ وهو مُحرِمٌ وأصحابُه بعمرةٍ، فنحَر هو وأصحابُه بأمرِه الهَدْيَ، وحَلُّوا مِن إحرامِهم قبلَ وُصولِهم إلى البيتِ، ثم قضَوا إحرامَهم الذي حلُّوا منه في العامِ الذي بعدَه، ولم يَدَّعِ أحدٌ مِن أهلِ العلمِ بالسِّيَرِ ولا غيرِهم أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ ولا أحدًا مِن أصحابِه أقام على إحرامِه انتظارًا للوُصولِ إلى البيتِ، والإحلالِ بالطَّوافِ به، والسعيِ بينَ الصفا والمروةِ، ولا على (^١) وُصولِ هَدْيِه إلى الحَرَمِ. فأولى الأفعالِ أن يُقْتَدَى به فِعْلُ رسولِ اللَّهِ ﷺ، إذ لم يَأْتِ بحَظْرِه خبرٌ، ولم تَقُمْ بالمنعِ منه حُجَّةٌ. فإذ كان ذلك كذلك، وكان أهلُ العلمِ مُخْتَلِفِين فيما اخْتَرْنا مِن القولِ في ذلك؛ فمِن متأوِّلٍ معنى الآيةِ تأويلَنا، ومِن مخالِفٍ ذلك، ثم كان ثابتًا بما قُلْنا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ النقلُ - كان الذي نُقِل عنه أولى الأمورِ بتأويلِ الآيةِ، إذ كانت هذه الآيةُ لا يَتَدافعُ أهلُ العلمِ أنها يومئذٍ نزَلت، [وفي] (^٢) حكمِ صَدِّ المشركين إياه عن البيتِ أُوحِيَتْ.\nوقد رُوِي بنحوِ الذي قُلْنا في ذلك خبرٌ.\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدثني الحجاجُ بنُ أبي عثمانَ، قال: حدَّثني يحيى بنُ أبي كثيرٍ، أن عِكْرِمةَ مولى ابنِ عباسٍ حدَّثه، قال: حدَّثني الحجاجُ بنُ عمرٍو الأنصاريُّ، أنه سمِع رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: \"مَن كُسِر أو عَرِج فقد حَلَّ، وعليه حَجَّةٌ أُخرى\". قال: فحَدَّثْتُ ابنَ عباسٍ وأبا هريرةَ بذلك فقالا: صدَق (^٣).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يخفى\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ٤٥٠ (١٥٧٦٩)، وابن ماجه (٣٠٧٧)، والطبراني في الكبير (٣٢١١) من طريق ابن علية به، وأخرجه أحمد ٣/ ٤٥٠ (١٥٧٦٩)، والدارمي ٢/ ٦١، وأبو داود (١٨٦٢)، وابن ماجه =","vol":"3","page":375},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مروانُ، قال: ثنا حجّاجٌ الصوَّافُ، وحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ حَبيبٍ، عن الحجاجِ الصوَّافِ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن عِكْرِمةَ، عن الحجاجِ بنِ عمرٍو، عن النبيِّ ﷺ نحوَه، وعن ابنِ عباسٍ وأبي هريرةَ (^١).\nومعنى هذا الخبرِ في (^٢) الأمرِ بقضاءِ الحَجَّةِ التي حَلَّ منها [النبيُّ ﷺ] (^٣)، نظيرَ فعلِ النبيِّ ﷺ وأصحابِه في قضائِهم عمرتَهم التي حَلُّوا منها عامَ الحُدَيبيةِ مِن القابلِ، في عامِ عُمرةِ القضيةِ.\nويُقالُ لمن زعَم أن الذي حَصَرَه عدوٌّ، إذا حَلَّ مِن إحرامِه التطوُّعِ فلا قضاءَ عليه، وأن المُحْصَرَ بالعِللِ عليه القضاءُ: ما العلةُ التي أوجَبَت على أحدِهما القضاءَ وأسْقَطَت عن الآخرِ، وكلاهما قد حلَّ مِن إحرامٍ كان عليه إتمامُه لولا العلةُ العائقةُ؟\nفإن قال: لأن الآيةَ إنما نَزَلَت في الذي حصَره العدوُّ، فلا يَجُوزُ لنا نَقلُ حُكْمِها إلى غيرِ ما نزَلت فيه.\nقيل له: قد دافَعك عن ذلك جماعةٌ مِن أهلِ العلم، غيرَأنا نُسَلِّمُ لك ما قُلْتَ في ذلك، فهلَّا كان حُكْمُ المنعِ بالمرضِ والإحصارِ به (^٤) حُكْمَ المنعِ بالعدوِّ، إذ هما\n_________\n= (٣٠٧٧)، والترمذي (٩٤٠)، والنسائي (٢٨٦١)، والطحاوي في المشكل (٦١٥، ٦١٦)، وفي شرح المعاني ٢/ ٢٤٩، والطبراني (٣٢١١، ٣٢١٢)، والحاكم ١/ ٤٨٣، والبيهقي ٥/ ٢٢٠ من طرق عن حجاج بن أبي عثمان به.\n(^١) أخرجه الحاكم ١/ ٤٧٠ من طريق مروان به. وأخرجه النسائي (٢٨٦٠) من طريق حميد بن مسعدة به.\n(^٢) سقط من: م، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نظير\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"له\".","vol":"3","page":376},{"text":"مُتَّفِقان في المنعِ مِن الوُصولِ إلى البيتِ وإتمامِ عملِ إحرامِهما (^١)، وإن اختلَفت أسبابُ منعِهما، فكان أحدُهما ممنوعًا بعلَّةٍ في بَدَنِه، والآخرُ بمنعِ مانعٍ؟ ثم يُسَأَلُ عن الفرقِ بينَ ذلك مِن أصلٍ أو قياسٍ، فلن يقولَ في أحدِهما قولًا (^٢) إلا أُلزِم في الآخرِ مِثلَه.\nوأما الذين قالوا: لا إحصارَ في العمرةِ. فإنه يُقالُ لهم: قد علِمتم أن النبيَّ ﷺ إنما صُدَّ عن البيتِ وهو مُحرِمٌ بالعُمْرةِ، فحَلَّ مِن إحرامِه، فما بُرهانُكم على [ألا إحصارَ] (^٣) فيها؟ أوَ رأَيتم إن قال قائلٌ: لا إحصارَ في حَجٍّ، وإنما فيه فَوْتٌ، وعلى الفائتِ الحَجَّ المُقامُ على إحرامِه حتى يَطُوفَ بالبيتِ ويسعى بينَ الصفا والمروةِ؛ لأنه لم يَصِحَّ عن النبيِّ ﷺ أنه سَنَّ في الإحصارِ في الحجِّ سُنَّةً - فقد قال ذلك جماعةٌ مِن أئمةِ الدينِ - فأما العمرةُ فإنَّ النبيَّ ﷺ قد سَنَّ فيها ما سَنَّ، وأنزَل اللَّهُ في حُكْمِها ما بيَّن مِن الإحلالِ والقضاءِ الذي فعَله رسولُ اللَّهِ ﷺ، ففيها الإحصارُ دونَ الحجِّ، هل بينَها (^٤) وبينَه فرقٌ؟ ثم يُعْكَسُ عليه القولُ في ذلك، فلن يَقولَ في أحدِهما شيئًا إلا أُلزِم في الآخرِ مثلَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-615>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤُه بذلك: فإن أُحْصِرْتم فما اسْتَيْسر من الهدْيِ، ولا تحْلِقُوا رءُوسَكم حتى يَبْلُغَ الهدْيُ محِلَّه، إلا أنْ يُضْطَرَّ إلى حَلْقِه منكم مُضْطَرٌّ؛ إما لمرَضٍ،\n_________\n(^١) في الأصل: \"إحرامها\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شيئًا\".\n(^٣) في م: \"عدم الإحصار\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ألا حصار\".\n(^٤) في م: \"بينك\".","vol":"3","page":377},{"text":"وإما لأذًى برأسِه، من هوامَّ أو غيرِها، فيَحْلِقَ هنالك للضرورةِ النازلةِ به وإن لم يَبْلُغِ الهَدْيُ مَحِلَّه (^١)، فيَلْزَمَه بحِلاقِه رأسَه وهو كذلك فديةٌ مِن صيامٍ أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابنُ جُرَيجٍ، قال: قُلْتُ لعطاءٍ: ما ﴿أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾؟ قال: القَمْلُ وغيرُه، الصُّداعُ (^٢) وما كان في رأسِه (^٣).\nوقال آخرون: لا يَحْلِقُ إن أراد أن يَفْتَدِيَ (^٤) بالنَّسْكِ أو الإطعامِ إلا بعدَ التكفيرِ، وإن أراد أن يَفْتَدِيَ بالصَّومِ، حلَق ثم صامَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\n[حُدِّثتُ عن] (^٥) عُبيدِ اللَّهِ بنِ معاذٍ، عن أبيه، عن أشعثَ، عن الحسنِ، قال: إذا كان بالمُحرِمِ أذًى مِن رأسِه، فإنه يَحْلِقُ حينَ يَبْعَثُ بالشاةِ أو يُطْعِمُ المساكينَ، وإن كان صومٌ، حلَق ثم صامَ بعدَ ذلك (^٦).\nحدَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبّارِيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نميرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: إذا أهلَّ الرجلُ بالحجِّ فأُحْصِر، بعَث بما اسْتَيْسَر مِن\n_________\n(^١) في م: \"محلين\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"والصداع\". والمثبت من الأصل موافق لما ذكره السيوطي.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٨ (١٧٨٢) من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٤ إلى وكيع وعبد بن حميد.\n(^٤) بعده في م، ت ١، ت ٣: \"الحج\".\n(^٥) في م، ت ١: \"حدثنا\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"حدثنا عن\".\n(^٦) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذكر من قال ذلك\".","vol":"3","page":378},{"text":"الهَدْيِ؛ شاةٍ، فإن عجّل قبلَ أن يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه، فحلَق رأسَه، أو مَسَّ طِيبًا، أو تَداوَى، كان عليه فِدْيةٌ مِن صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ. قال إبراهيمُ: فذكَرتُ ذلك لسعيدِ بنِ جُبيرٍ فقال: كذلك قال ابنُ عباسٍ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. قال: مَن أُحْصِر بمرَضٍ أو كَسْرٍ فلْيُرْسِلْ بما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ، ولا يَحْلِقْ رأسَه، ولا يَحِلَّ حتى يومِ النَّحْرِ، فمَن كان مريضًا، أو اكْتَحَل، أو ادَّهَن، أو تَداوَى، أو كان به أذًى مِن رأسِه، فحلَق، ففِدْيةٌ مِن صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾: هذا إذا كان قد بعَث بهَدْيِه، ثم احتاج إلى حَلْقِ رأسِه مِن مَرَضٍ، وإلى طِيبٍ، وإلى ثوبٍ يَلْبَسُه؛ قميصٍ أو غيرِ ذلك، فعليه الفِدْيةُ.\nحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ كاتبُ الليثِ، قال: حدَّثني الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شهابٍ، قال: مَن أُحْصِرَ عن الحجِّ فأصابه في حَبْسِه (^٣) ذلك مَرَضٌ أو أذًى برأسِه، فحلَق رأسَه في مَحْبَسِه ذلك، فعليه فِدْيَةٌ مِن صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ.\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٣٢٨.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣٢٩، وأخرج آخره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٨ (١٧٨٠) من طريق حجاج، عن ابن حرة - وصوابه ابن جريج - عن مجاهد.\n(^٣) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جسده\".","vol":"3","page":379},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبَرَني سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، أنّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ قال: مَن أُحْصِرَ بعدَ أن يُهِلَّ بالحَجِّ، فحبَسه مَرَضٌ أو خوفٌ، فإنه يَتَعالجُ في حَبْسِه ذلك بكلِّ شيءٍ لا بُدَّ له منه، غيرَ أنه لا يَحِلُّ له النساءُ والطِّيبُ، ويَفْتَدِي بالفديةِ التي أمَر اللَّهُ بها؛ صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ السَّرِيِّ، عن شعبةَ، عن عمرِو بنِ مرةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ سلِمةَ، قال: سُئِل عليٌّ عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال: هذا قبلَ أن يُنْحَرَ الهَدْيُ، إن أصابه شيءٌ فعليْه الكفارةُ.\nوقال آخرون: معنَى ذلك: فمَن كان منكم مريضًا أو به أذًى مِن رأسِه، فعليه فِدْيةٌ مِن صيامٍ أو صدقَةٍ أو نُسُكٍ، قبلَ الحِلاقِ إذا أراد حِلاقَه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبِي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبِي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾: فمَن اشْتَدَّ مرَضُه أو آذاه رأسُه وهو مُحْرِمٌ، فعليْه صيامٌ أو إطعامٌ أو نُسُكٌ، ولا يَحْلِقُ رأْسَه حتى يُقَدِّمَ فِدْيَتَه قبلَ ذلك (^٢).\nوعلَّةُ مَن قال هذه المقالةَ ما حدَّثنا به المثنى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن يعقوبَ، قال: سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ\n_________\n(^١) تقدم في ص ٣٧٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٨ (١٧٧٩) عن محمد بن سعد به نحوه دون قوله: ولا يحلق.","vol":"3","page":380},{"text":"أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. فقال: إنَّ كعبَ بنَ عُجْرةَ مرَّ بالنبيِّ ﷺ وبرأسِه مِن الصِّئْبانِ (^١) والقَمْلِ كثيرٌ، فقال له النبيُّ ﵊: \"هل عندَك شاةٌ؟ \". فقال كعبٌ: ما أجدُها. فقال له النبيُّ ﷺ: \"إن شِئْتَ فأَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكينَ، وإن شِئْتَ فصُمْ ثلاثةَ أيامٍ، ثم احْلِقْ رأسَك\" (^٢).\nفأما المرضُ الذي أُبِيحَ له معه العلاجُ بالطِّيبِ وحَلْقِ الرأسِ، فكلُّ مرضٍ كان صلاحُه بحَلْقِه؛ كالبِرْسامِ (^٣) الذي يكونُ من صلاحِ صاحبِه حلقُ رأسِه، وما أشبهَ ذلك، والجِراحاتِ التي تكونُ بجسَدِ الإنسانِ، التي يُحتاجُ معها إلى العلاجِ بالدواءِ الذي فيه الطِّيبُ، ونحوِ ذلك من القروحِ والعِلَلِ العارِضَةِ للأبدانِ.\nوأما الأذَى الذي يكونُ - إذا كان برأسِ الإنسانِ خاصةً - له حَلْقُه، فنحوُ الصُّداعِ والشَّقيقةِ (^٤)، وما أشبهَ ذلك، وأن يكثُرَ صِئبانُ الرأسِ، وكلِّ ما كان للرأسِ مُؤذيًا، مما في حَلْقِه صلاحُه، ودفْعُ المضرَّةِ الحالَّةِ به، فيكونُ ذلك له بعمومِ قولِ اللَّهِ: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾. وقد تَظاهرتِ الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنّ هذه الآيةَ نزَلَتْ عليه بسببِ كعبِ بنِ عُجْرةَ، إذْ شَكَا كثْرةَ أذًى برأسِه من صِئْبانِه، وذلك عامَ الحُدَيبيةِ.\nذِكرُ الأخبارِ التي ذُكِرت (^٥) في ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبي الشَّواربِ وحُميدُ بنُ مَسْعدةَ، قالا: ثنا يزيدُ\n_________\n(^١) الصئبان: بيض القمل. التاج (ص أ ب).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير ١٩/ ١٥٧ (٣٤٩) من طريق محمد بن عبيد الله العرزمي، عن عطاء به بنحوه.\n(^٣) تقدم تعريف البرسام في ص ١٩٨، ١٩٩.\n(^٤) الشقيقة: وجع يأخذ نصف الرأس والوجه. التاج (ش ق ق).\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رويت\".","vol":"3","page":381},{"text":"ابنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن كعبِ بنِ عُجْرةَ، قال: مرّ بيَ النَّبِيُّ ﷺ بالحديبيَةِ، ولِي وَفْرةٌ (^١) فيها هوامُّ، ما بينَ أصلِ كلِّ شعَرةٍ إلى فَرْعِها قَمْلٌ وصِئبَانٌ، فقال: \"إن هذا لَأذًى\". قلتُ: أجل يا رسولَ اللَّهِ، شديدٌ. قال: \"أمعك دَمٌ؟ \". قلتُ: لا. قال: \"فإنْ شِئْتَ فصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وإن شِئْتَ فتَصَدَّقْ بثَلاثَةِ آصُعٍ مِن تَمْرٍ على سِتَّةِ مَسَاكِينَ، على كُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ\" (^٢).\nحدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينَ الواسِطيُّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الطحّانُ، عن داودَ، عن عامرٍ، عن كعبِ بنِ عُجْرةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أسدُ بنُ عَمرٍو، عن أشعثَ، عن عامرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مَعقلٍ، عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ، قال: خرَجتُ مع النبيِّ ﷺ زمنَ الحديبِيَةِ، ولِي وَفْرةٌ مِن شعَرٍ قد قَمِلتْ، وأكلَني الصِّئبانُ، فرآني رسولُ اللَّه ﷺ فقال: \"احْلِقْ\". ففعلتُ، فقال: \"هل لك هَدْيٌ؟ \". قلتُ: ما أَجِدُ. فقال: \"إنَّه ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ\". فقلتُ ما أجِدُ. فقال: \"صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكينَ، كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ\". قال: ففيَّ نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وقيرة\". والوفرة: شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن. النهاية ٥/ ٢١٠.\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٨٥٨) من طريق يزيد بن زريع به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٧٥، وأحمد ٣٠/ ٤٨ (١٨١٢٤)، وأبو داود (١٨٥٨)، والطبراني ١٩/ ١١٧، ١١٨ (٢٤٥ - ٢٤٩) من طريق معمر وابن علية وابن أبي عدي وعبد الوهاب الثقفي وشعبة وغيرهم عن داود بن أبي هند به، وصرح الشعبي بسماعه من كعب بن عجرة عند الطبراني. وخالفهم حماد بن سلمة؛ فرواه عن داود عن الشعبي عن ابن أبي ليلى عن كعب. أخرجه أحمد ٣٠/ ٤٧ (١٨١٢٢)، وأبو داود (١٨٥٧)، والطبراني ١٩/ ١١٧ (٢٤٤)، والبيهقي ٥/ ١٨٥. ورواه يزيد بن هارون عن داود، واختلف عليه؛ فأخرجه الدارقطني ٢/ ٢٩٩ من طريق أحمد بن سنان عن يزيد بن هارون عن داود عن عامر عن كعب، فوافق رواية الأكثر عن داود، وأخرجه الطبراني ١٩/ ١١٧ (٢٤٣) من طريق إدريس بن جعفر عن يزيد عن داود عن الشعبي عن ابن أبي ليلى عن كعب، فوافق رواية حماد بن سلمة. وينظر تاريخ ابن معين (٢٥٦١)، والتمهيد ٢/ ٢٣٦، والفتح ٤/ ١٣.","vol":"3","page":382},{"text":"أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^١).\nوهذا الخبرُ يُنْبئُ عن أنّ الصحيحَ من القولِ أنّ الفِديةَ إنما تجِبُ على الحالقِ بعدَ الحلْقِ، وفسادِ قولِ مَن قال: يَفْتَدِي ثم يَحلِقُ. لأن كعبًا يُخبِرُ أن النبيَّ ﷺ أمرَه بالفديةِ بعدَما أمرَه بالحلْقِ فحلَق.\nحدَّثني محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ الأصبهانيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مَعقلٍ، عن كعبِ بنِ عُجرةَ، أنه قال: أمَرني رسولُ اللَّهِ ﷺ بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ، أو فَرَقٍ من طعامٍ بينَ ستَّةِ مساكينَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأصبهانيِّ، عن عبدِ اللَّه بنِ مَعقلٍ، قال: قعَدتُ إلى كعبٍ وهو في المسجدِ، فسألتُه عن هذه الآيةِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. فقال كعبٌ: نزَلتْ فيَّ؛ كان بي أذًى من رأسِي، فحُمِلتُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ والقملُ يتناثرُ علَى وجْهِي، فقال: \"ما كُنْتُ أُرَى أنَّ الجَهْدَ بَلَغَ (^٣) مِنْكَ ما أرَى، أتجِدُ شاةً؟ \". فقلتُ: لَا، فنزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال: فنزَلتْ فيَّ خاصةً، وهي لكم عامَّةً (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣٠/ ٤٨ (١٨١٢٣)، والترمذي ٥/ ١٩٧ عقب الحديث (٢٩٧٣) من طريق أشعث به. وخالف أشعث مغيرة بن مقسم فرواه عن الشعبي عن كعب أخرجه إبراهيم بن طهمان في مشيخته ص ٢٠٥ (١٦٧).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٤٥ (١٨١١٩)، والطحاوي في شرح المعاني ٣/ ١٢٠ من طريق مؤمل به نحوه.\n(^٣) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يبلغ\". وهو رواية للبخاري والنسائي.\n(^٤) أخرجه مسلم (١٢٠١/ ٨٥)، والنسائي في الكبرى (٤١١٣) من طريق محمد بن المثنى به، وأخرجه أحمد ٣٠/ ٣٧ - ٣٩ (١٨١٠٩ - ١٨١١١)، والبخاري (١٨١٦، ٤٥١٧)، وابن ماجه (٣٠٧٩)، والنسائي في الكبرى (١١٠٣١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٨ (١٧٨١)، والواحدي في أسباب النزول ص ٣٩ من طريق شعبة به، وينظر الطيالسي (١١٥٨).","vol":"3","page":383},{"text":"حدَّثني تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخبرنا إسحاقُ الأزرقُ، عن شَريكٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأصبهانيِّ، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ معقلٍ المُزَنيَّ (^١) يقولُ: سمِعتُ كعبَ بنَ عُجرةَ يقولُ: حجَجْتُ مع نبيِّ اللَّهِ ﵇ فقَمِلَ رأسِي ولحيَتي وشارِبي وحاجبَيَّ، فذُكِرَ ذلك للنبيِّ ﷺ، فأرسَلَ إليَّ فقال: \"ما كُنْتُ أُرَى أنَّ هَذَا أصَابَكَ\". ثم قال: \"ادْعُوا لي حَلَّاقًا\". فدعَوْه، فحلَقَنِي، ثم قال: \"أعنْدَكَ شيءٌ تَنْسُكُه عنك؟ \". قال: قلتُ: لَا. قال: \"فَصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أو أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ، كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ طَعامٍ\". قال كعبٌ: فنزَلتْ هذه الآيةُ فيَّ خاصةً: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. ثم كانت للناسِ عامَّةً (^٢).\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَمِيُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدَّثني أيوبُ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلَى، عن كعبِ بنِ عُجرةَ، قال: مَرَّ بيَ النبيُّ ﷺ وأنا أُوقِدُ تحتَ قِدْرٍ، والقَمْلُ يتَناثرُ على وجْهِي، فقال: \"أيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رأْسِكَ؟ \". قال: قلتُ: نَعم. قال: \"احْلِقْه وصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أو أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ، أو اذْبَحْ شاةً\" (^٣).\nحدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: ثنا أيوبُ بإسنادِه عن النبيِّ ﷺ مثلَه، إلّا أنه قال: والقمْلُ يَتناثرُ عليَّ. أو قال: علَى حاجِبَيَّ. وقال أيضًا. \"أو\n_________\n(^١) في م: \"المري\". وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ١٦٩.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٨٩ - تفسير)، وأحمد ٣٠/ ٤٦ (١٨١٢٠)، ومسلم (١٢٠١/ ٨٦)، والبغوي في الجعديات (٦١٠)، والواحدي في أسباب النزول ص ٣٩، والطبراني في الكبير ١٩/ ١٣٧ (٣٠٠ - ٣٠٢) من طرق عن عبد الرحمن بن الأصبهاني به.\n(^٣) أخرجه ابن حبان (٣٩٧٨) من طريق نصر بن علي به، وأخرجه أحمد ٣٠/ ٥٤ (١٨١٣١)، والبخاري (٤١٩٠، ٥٧٠٣)، ومسلم (١٢٠١/ ٨٠)، والطبراني في الكبير ١٩/ ١١٣، ١١٤ (٢٣٢، ٢٣٤، ٢٣٥)، والبيهقي ٥/ ٢٤٢ من طريق أيوب به.","vol":"3","page":384},{"text":"انْسُكْ نَسيكَةً (^١) \". قال أيوبُ: لا أدرِي بأيَّتِهنَّ بدَأَ (^٢).\nحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عَوْنٍ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلَى، عن كعبٍ، قال: فيَّ نزَلتْ هذه الآيةُ. قال: فقال لي: \"ادْنُه\". فدنَوْتُ [فقال لي: \"ادْنُ\". فدنوْتُ] (^٣)، فقال: \"أيُؤْذيكَ هوامُّك؟ \". قال: أظُنُّه قال: نَعم. قال: [فأمَرني بصيامٍ أو صَدقةٍ، أو] (^٤) نَسْكِ ما تيسَّرَ (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن صالحٍ (^٦) أبي الخليل، عن مجاهدٍ، عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ، أن النَّبِيَّ ﷺ أتَى عليه زمنَ الحديبيةِ وهو يُوقِدُ تحتَ قِدرٍ له، وهوامٌ رأسِه تَتَناثَرُ علَى وجهِه، فقال: \"أيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ \". قال: نعَم. قال: \"احْلِقْ رأسَكَ، وعليك فِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ، تَذبَحُ ذَبِيحَةً، أو تَصُومُ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أو تُطْعِمُ سِتَّةَ مَسَاكِينَ\".\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن (^٧) أبي الخليلِ، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلَى، قال: ذُكِرَ لنا أنَّ نبيَّ اللَّهِ ﷺ أَتَى علَى\n_________\n(^١) في الأصل: \"تنسكة\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"نسكة\".\n(^٢) أخرجه أحمد ٣٠/ ٣٦ (١٨١٠٧)، ومسلم (١٢٠١/ ٨٠)، والترمذي (٢٩٧٤)، والنسائي في الكبرى (٤١١٠)، والطبراني في الكبير ١٩/ ١١٤ (٢٣٤) من طريق إسماعيل بن علية به.\n(^٣) سقط من: م، وبعده في الأصل: \"فقال: ادن، فدنوت\". والمثبت موافق لرواية مسلم.\n(^٤) في ت ٢: \"احلق رأسك وعليك فدية\".\n(^٥) أخرجه البخاري (٦٧٠٨)، ومسلم (١٢٠١/ ٨١)، والنسائي في الكبرى (١١٠٣٠)، والطحاوي ٣/ ١٢٠، والطبراني في الكبير ١٩/ ١١٢، ١١٣ (٢٣٠، ٢٣١)، وابن حبان (٣٩٨٢)، والواحدي في أسباب النزول ص ٣٩.\n(^٦) بعده في النسخ: \"ابن\". وسيأتي على الصواب في الإسناد بعده، وهو صالح بن أبي مريم أبو الخليل. ينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٨٩.\n(^٧) بعده في م: \"ابن\".","vol":"3","page":385},{"text":"كعبِ بنِ عُجرةَ زمنَ الحديبيةِ. ثم ذكرَ نحوَه (^١).\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، قال: وأخبرَني سيفٌ، عن مُجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلي، عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ، قال: مرَّ بي رسولُ اللَّهِ ﷺ وأنا بالحديبيةِ، ورأسِي يتَهافَتُ قملًا، فقال: \"أيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ \". قال: فقلتُ: نَعم. قال: \"فاحْلِقْ\". قال: ففيَّ نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ وأيوبَ السَّخْتِيانيِّ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن كعبِ بنِ عُجْرةَ، قال: مرَّ بي رسولُ اللَّهِ ﷺ يومَ الحديبيةِ وأنا أُوقِدُ تحتَ قدرٍ، والقمْلُ يتهافَتُ عليَّ، فقال: \"أيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ \". قال: قلتُ: نعم. قال: \"فاحْلِقْ، وانْسُكْ نَسِيكَةً، أو صُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أو أطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مسَاكِينَ\". قال: قال أيوبُ: \"انسُكْ نسيكةً\". وقال ابنُ أبي نَجيحٍ: \"اذبحْ شاةً\". قال سفيانُ: والفَرَقُ ثلاثةُ آصُعٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلى، عن\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني ١٩/ ١١٥ (٢٣٨) من طريق يزيد بن زريع به.\n(^٢) أخرجه أحمد ٣٠/ ٥٢ (١٨١٢٨)، والبخاري (١٨١٥)، ومسلم (١٢٠١/ ٨٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٨ (١٧٨٣)، والدارقطني ٢/ ٢٩٨، ٢٩٩ من طريق سيف به.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٩١ - تفسير)، والبخاري (٥٦٦٥)، ومسلم (١٢٠١/ ٨٣)، والترمذي (٩٥٣) من طريق سفيان بن عيينة به. والفَرَق بالتحريك: مكيال يسع ستة عشر رطلًا، وهي اثنا عشر مُدًّا، أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز، فأما الفَرْق بالسكون فمائة وعشرون رطلًا، والصاع: مكيال يسع أربعة أمداد. ينظر النهاية ٣/ ٦٠، ٤٣٧.","vol":"3","page":386},{"text":"كعبِ بنِ عُجرةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ رآه وقمْلُه يسقُطُ علَى وجْهِهِ، فقال: \"أيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ \". قال: نعم. فأمَره أن يحلِقَ وهو بالحديبيةِ، [ولم] (^١) يتبيَّنْ لهم أنهم يحِلُّون بها، وهم على طمَعٍ أن يدخُلوا مكَّةَ، فأنزَلَ اللَّهُ ﵎ الفديةَ، فأمَره رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُطعِمَ فَرَقًا بينَ ستةِ مساكينَ، أو يُهدِيَ شاةً، أو يصومَ ثلاثةَ أيامٍ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلَى، عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ، قال: كنا مع النبيِّ ﷺ بالحديبيةِ ونحن محرمون، وقد حَصَرَنا المشركون، قال: وكانت لي وفرةٌ، فجعَلت الهوامُّ تَساقَطُ علَى وجهِي، فمرّ بي النبيُّ ﷺ فقال: \"أيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رأسِكَ؟ \". قال: قلتُ: نعم. قال (^٣): ونزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن مجاهدٍ، عن كعبِ بنِ عُجرَةَ، قال: لَفِيَّ نَزَلتْ، وإيّايَ عُني بها: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال: قال النبيُّ ﷺ وهو بالحديبيةِ، وهو عندَ الشجرةِ، وأنا محرِمٌ: \"أيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ (^٥)؟ \". قلتُ: نعم - أو كلمةً لا أحفظُها عنَى بها ذاكَ - فأنزَل اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لم\".\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير ١٩/ ١١٢ (٢٢٨) من طريق أبي عاصم به.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) أخرجه الطيالسي (١١٦١)، وسعيد بن منصور في سننه (٢٩٠ - تفسير)، وأحمد ٣٠/ ٢٥ (١٨١٠١)، والبخاري (٤١٩١)، والترمذي ٥/ ١٩٧ عقب الحديث (٢٩٧٣) من طريق هشيم به.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هوامه\".","vol":"3","page":387},{"text":"رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾: والنُّسُكُ شاةٌ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن مغيرةَ، عن مجاهدٍ، قال: قال كعبُ بنُ عُجْرَةَ: والذي نفسِي بيدِه، لَفيَّ نزَلت هذه الآيةُ، وإيايَ عُنِي بها. ثم ذكَر نحوَه. قال: وأمرَه أنْ يحلِقَ رأسَه (^١).\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني مالكُ بنُ أنسٍ، عن عبدِ الكريمِ بنِ مالكٍ الجَزَرِيِّ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ، أنه كان مع رسولِ اللَّهِ ﷺ، فآذاه القملُ في رأسِه، فأمَره رسولُ اللَّهِ ﷺ أن يحلِقَ رأسَه وقال: \"صُمْ ثلاثَةَ أيَّامٍ، أَوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ؛ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لكلِّ إنْسانٍ، أو انْسُكْ بشاةٍ، أيَّ ذلك فعلتَ أَجزأَ عنك\" (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، أن مالكَ بنَ أنسٍ حدَّثه عن حُميدِ بنِ قيسٍ، عن مجاهدٍ، عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال له: \"لَعَلَّه آذَاكَ هَوَامُّكَ؟ \". يعني القمْلَ. قال: قلتُ: نَعم يا رسولَ اللَّهِ. فقال رسولُ اللَّهِ: \"احْلِقْ رأسَكَ، وصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أو أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكينَ، أو انْسُكْ بِشاةٍ\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٩٢ - تفسير)، والترمذي (٢٩٧٣) من طريق هشيم به.\n(^٢) الموطأ (٥٠٤) - رواية الشيباني - ومن طريقه أحمد ٣٠/ ٣٤ (١٨١٠٦)، والنسائي (٢٨٥١)، والبيهقي ٥/ ٥٥، وأخرجه الطحاوي في شرح المعاني ٣/ ١٢٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٩ (١٧٨٥) عن يونس بن عبد الأعلى به، وأخرجه ابن الجارود (٤٥٠)، والبيهقي ٥/ ١٦٩ من طريق ابن وهب به، وأخرجه مسلم (١٢٠١/ ٨٣)، والترمذي (٩٥٣)، والطحاوي في شرح المعاني ٣/ ١٢٠، والطبراني في الكبير ١٩/ ١١٠، ١١٤ (٢٢٢، ٢٣٦) من طرق عن عبد الكريم الجزري به.\n(^٣) الموطأ ١/ ٤١٧ - ومن طريقه البخاري (١٨١٤) - عن حميد بن قيس، عن مجاهد عن ابن أبي ليلي، عن كعب، وأخرجه مسلم (١٢٠١/ ٨٣)، والترمذي (٩٥٣)، والطبراني في الكبير ١٩/ ١١٤ (٢٣٦)، والبيهقي ٥/ ٥٥ وغيرهم من طريق سفيان بن عيينة عن حميد بن قيس عن مجاهد عن ابن أبي ليلى به، قال ابن عبد البر في التمهيد ٢/ ٢٣٣: ورواه ابن وهب وابن القاسم وابن عفير عن مالك عن حميد عن مجاهد =","vol":"3","page":388},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، أن مالكَ بنَ أنسٍ حدَّثه عن عطاءِ بنِ عبدِ اللَّهِ الخُراسانيِّ، أنه قال: أخبرني شيخٌ بسوقِ البُرَمِ بالكوفةِ، عن كعبِ بنِ عُجرةَ، أنه قال: جاءَني رسولُ اللَّهِ ﷺ وأنا أنفُخُ تحتَ قِدْرٍ لأصحابي، وقد امتلأَ رأْسِي ولحيتي قمْلًا، فأخَذ بجبْهَتي ثم قال: \"احْلِقْ هذا، وصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أو أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ\". وقد كان رسولُ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ أنه ليس عندي ما أَنسُكُ به (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرني ابنُ نافعٍ، قال: أخبَرني أسامةُ بنُ زيدٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القرظيِّ، عن كعبِ بنِ عُجْرةَ، قال كعبٌ: أمَرني النبيُّ ﷺ حين آذاني القملُ أن أحلِقَ رأسِي، ثم أصومَ ثلاثةَ أيامٍ، أو أطعِمَ ستةَ مساكينَ، وقد علِمَ أنه ليس عندي ما أنسُكُ منه (^٢).\nحدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهريُّ، قال: ثنا روحٌ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، قال: سمِعتُ كعبَ بنَ عُجرةَ يقولُ: أمرَنِي - يعني رسولَ اللَّهِ ﷺ أن أحلِقَ وأَفتديَ بشاةٍ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عَنْبَسَةَ، عن الزبيرِ بنِ عديٍّ، عن أبي وائلٍ شقيقِ بنِ سلَمةَ، قال: لقِيتُ كعبَ بنَ عُجْرَةَ في هذه السوقِ، فسألتُه\n_________\n= عن كعب بن عجرة، لم يذكروا ابن أبي ليلى … والحديث لمجاهد عن ابن أبي ليلى صحيح لا شك فيه، عند أهل العلم … وهو الصحيح من رواية حميد بن قيس وعبد الكريم الجزري عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة.\n(^١) الموطأ ١/ ٤١٧، ٤١٨، ومن طريقه الطبراني في الكبير ١٩/ ١٢٠ (٢٥٦).\n(^٢) في م: \"به\".\nوالأثر أخرجه الطحاوي في شرح المعاني ٣/ ١٢٠ عن يونس به، وأخرجه ابن ماجه (٣٠٨٠)، والطبراني في الكبير ١٩/ ١٥٨ (٣٥٢) من طريق عبد الله بن نافع به.\n(^٣) أخرجه الطبراني ١٩/ ١٥٨ (٣٥١) من طريق روح به.","vol":"3","page":389},{"text":"عن حلْقِ رأسِه، فقال: أحرَمْتُ فآذاني القملُ، فبلَغ ذلك النبيَّ ﷺ، فأتانِي وأنا أطبخُ قِدرًا لأصحابي، فحَكَّ بأُصبُعِه رأسِي فانْتَثَرَ منه القملُ، فقال النبيُّ ﷺ: \"احْلِقْه، وأطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ\" (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخْبَرنا ابنُ جُريجٍ، قال: أخبرني عطاءٌ، أن النبيَّ ﷺ لما (^٢) كان بالحديبيةِ عامَ حُبسوا بها، وقَمِل رأسُ رجلٍ منهم (^٣) من أصحابِه، يقالُ له: كعبُ بنُ عُجْرةَ. فقال له النبيُّ ﷺ: \"أتُؤْذِيكَ هذه الهَوَامُّ؟ \". قال: نعم. قال: \"فاحْلِقْ وَاجْزُزْ، ثُمَّ صُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أو أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ؛ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ\". قال: قلتُ: أَسَمَّى النبيُّ ﷺ مُدَّين مُدَّينِ؟ قال: نعم. كذلك بلَغنا أن النبيَّ ﷺ سمَّى ذلك لكعبٍ، ولم يسمِّ النسُكَ. قال: وأخبَرني أن النبيَّ ﷺ أخبَر كعبًا بذلك في الحديبيةِ، قبلَ أن يؤذَنَ للنبيِّ ﷺ وأصحابِه بالحلقِ والنحرِ، لا يدرِي عطاءٌ كمْ بينَ الحلْقِ والنَّحرِ.\nحدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ وهبٍ، قال: ثنى عَمِّي عبدُ اللَّهِ بنُ وهبٍ، قال: أخبَرني الليثُ، عن ابنِ مُسافرٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن فضالةَ بنِ محمدٍ الأنصاريِّ، أنه أخبَره من (^٤) لا يَتَّهمُ من قومِه، أنّ كَعبَ بنَ عُجرةَ أصابَه أذًى في رأسِه، فحلَقَ قبلَ أن يبلُغَ الهديُ مَحِلَّه، فأمَره النبيُّ ﷺ بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني ١٩/ ١٠٦ (٢١٣) من طريق ابن حميد به، وفيه عمرو بن أبي قيس بدلا من: عنبسة، والنسائي (٢٨٥٢) من طريق عمرو بن أبي قيس، عن الزبير بن عدي به.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م: \"عمن\".\n(^٥) أشار إليه البخاري في التاريخ الكبير ٧/ ١٢٦، وابن أبي حاتم في الجرح ٧/ ٧٧، في ترجمة فضالة بن محمد.","vol":"3","page":390},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو الأسودِ، قال: أخبرني ابنُ لَهيعةَ، عن مَخْرمَةَ، عن أبيه، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ شُعيبٍ يقولُ: سمِعتُ شُعيبًا يحدِّثُ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ لكعبِ بنِ عُجرةَ: \"أَيُؤْذِيكَ دَوَابُّ رأسِكَ؟ \". قال: نَعم. قال: \"فاحْلِقْهُ، وَافْتَدِ؛ إمَّا بصَوْمِ (^١) ثَلاثَةِ أيَّامٍ، وإمَّا أنْ تُطْعِمَ سِتَّةَ مَساكِينَ، أوْ نَسْكِ شاةٍ\". ففعَلَ (^٢).\nوقد بيَّنا قبلُ معنى \"الفديةِ\"، وأنها بمعنى الجزاءِ والبدلِ (^٣).\nواختلَف أهلُ العلمِ في مبلغِ الصيامِ والطعامِ اللَّذَين أوجَبهما اللَّهُ على من حلَق شعرَه من المحْرِمِين في حالِ مرضِه، أو مِن أذًى برأسِه؛ فقال بعضُهم: الواجبُ عليه من الصيامِ ثلاثةُ أيامٍ، ومن الطعامِ ثلاثةُ آصُعٍ بينَ ستةِ مساكينَ؛ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ. واعتلُّوا بالأخبارِ التي ذكرْناها قبلُ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال: الصيامُ ثلاثةُ أيامٍ، والطعامُ إطعامُ ستةِ مساكينَ، والنُّسكُ شاةٌ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ، عن عطاءٍ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ يمانٍ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، ت ٣: \"صوم\".\n(^٢) أخرجه الطبراني ١٩/ ١٠٤، ١٠٥ (٢١١) من طريق مخرمة به.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ١٨٠.\n(^٤) ينظر المحلى ٧/ ٣١٧.","vol":"3","page":391},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبرإهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ ومجاهدٍ، أنهما قالا في قولِه: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قالا: الصيامُ ثلاثةُ أيامٍ، والطعامُ إطعامُ ستةِ مساكينَ، والنُّسكُ شاةٌ فصاعدًا (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أشعثَ، عن الشَّعبيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مَعْقِلٍ، عن كعبِ بنِ عُجْرةَ، أنه قال في قولِه: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال: الصيامُ ثلاثةُ أيامٍ، والطعامُ إطعامُ ستةِ مساكينَ، والنُّسكُ شاةٌ فصاعدًا. إلَّا أنه قال في إطعامِ المساكينِ: ثلاثةُ آصُعٍ مِن تَمرٍ بين ستةِ مساكينَ (^٢).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾: إن صنَع واحدًا فعليه فديةٌ، وإن صنَع ثنتين فعليه فديتان، وهو مخيَّرٌ أن يصنَعَ أيَّ الثلاثةِ شاءَ؛ أما الصيامُ فثلاثةُ أيامٍ، وأما الصدَقةُ فستةُ مساكينَ؛ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، وأما النسُكُ فشاةٌ فما فوقَها، أُنزِلتْ هذه الآيةُ في كعبِ بنِ عُجْرةَ الأنصاريِّ، كان أُحصِرَ، فقمِلَ رأسُه فحلَقه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ: عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾: أو اكتحَلَ، أو ادَّهنَ، أو تداوَى ﴿أَوْ﴾ كان ﴿بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ مِن قملٍ فحلَقَ، ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ ثلاثةِ أيامٍ، ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ فَرَقٍ بينَ ستةِ مساكينَ، ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ والنسكُ شاةٌ (^٣).\nحدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ:\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٩٤ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٢) أخرجه أحمد ٣٠/ ٤٨ (١٨١٢٣) عن هشيم به مرفوعًا.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٢٥، ٢٢٦. وينظر ما تقدم في ص ٣٧٩.","vol":"3","page":392},{"text":"﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. قال: فإن عجّلَ من (^١) قبلِ أن يبلُغَ الهديُ محلَّه، فحلَق، ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ. قال: فالصيامُ ثلاثةُ أيامٍ، والصدقةُ طعَامُ ستةِ مساكينَ؛ بينَ كلِّ مسكينيْنِ (^٢) صاعٌ، والنسُكُ شاةٌ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن عبدِ الكريمِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: يصومُ صاحبُ الفديةِ مكانَ كلِّ مُدَّينِ يومًا. قال: مُدًّا لطعامِه، ومُدًّا لإدَامِه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عنبسةَ بإسنادِه مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا بشرُ بنُ السَّريِّ، عن شعبةَ، عن عَمرِو بنِ مُرةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ سلِمةَ، قال: سُئِلَ عليٌّ عن قولِ اللَّهِ ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال: الصيامُ ثلاثةُ أيام، والصدقةُ ثلاثةُ آصُعٍ على ستةِ مساكينَ، والنُّسكُ شاةٌ (^٤).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ، عن حربِ بنِ قيسٍ مَولَى يحيى بنِ (^٥) طلحةَ، أنه سمِعَ محمدَ بنَ كعبٍ وهو يذكرُ الرجلَ الذي أُنزِلَتْ فيه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾. قال: فأَفتاهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أمَّا الصيامُ فثلاثةُ أيامٍ، وأما المساكينُ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مسكين\".\n(^٣) المُدُّ في الأصل: ربع الصاع، وهو رطل وثلث بالعراقي عند الشافعي وأهل الحجاز، ورطلان عند أبي حنيفة. ينظر النهاية ٤/ ٣٠٨.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٤ إلى المصنف.\n(^٥) بعده في م: \"أبي\". وينظر ثقات ابن حبان ٦/ ٢٣٠.","vol":"3","page":393},{"text":"فستةٌ، وأمّا النُّسُكُ فشاةٌ\".\nحدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبّارِيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نُميرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: إذا أهَلَّ الرجلُ بالحجِّ فأُحصِرَ، بعَث بما استيسرَ من الهدْيِ؛ شاةٍ، فإنْ عجَّلَ قبلَ أن يبلُغَ الهدْيُ مَحِلَّه؛ حلَقَ رأسَه، أو مَسّ طيبًا، أو تَداوَى، كان عليه فديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ، والصيامُ ثلاثةُ أيامٍ، والصدقةُ ثلاثةُ آصُعٍ على ستةِ مساكينَ، لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، والنُّسكُ شاةٌ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ ومجاهدٍ قولَه: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قالا: الصيامُ ثلاثةُ أيامٍ، والصدقةُ ثلاثةُ آصُعٍ على ستةِ مساكينَ، والنُّسكُ شاةٌ (^٢).\nوقال آخرون: الواجبُ عليه إذا حلَقَ رأسَهُ من أذًى، أو تَطيَّبَ لعلةٍ من مرضٍ، أو فعَل ما لم يكنْ له فعلُه في حالِ صحتِه، وهو محرمٌ، من الصومِ؛ صيامُ عشرةِ أيامٍ، ومن الصدقةِ؛ إطعامُ عشرةِ مساكينَ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ أبي عمرانَ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ بنُ معاذٍ، عن أبيه، عن أشعثَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال: إذا كان بالمحْرِمِ أذًى مِن رأسِه، حلَقَ وافتدَى بأيِّ هذه الثلاثةِ شاءَ؛ فالصيامُ عشَرةُ أيامٍ، والصدقةُ على عشَرةِ مساكينَ؛ كلَّ مسكينٍ مكُّوكَين (^٣)؛ مكُّوكًا من تمرٍ، ومكوكًا مِن بُرٍّ،\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٣٢٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٢٤٩ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق جرير به.\n(^٣) في الأصل: \"مكوكان\". والمكوك: مكيال لأهل العراق. اللسان (م ك ك).","vol":"3","page":394},{"text":"والنُّسكُ شاةٌ (^١).\nحدَّثني عبدُ الملكِ بنُ محمدٍ الرَّقاشِيُّ، قال: ثنا بشرٌ بنُ عمرَ (^٢)، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن الحسنِ وعِكرمةَ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال: إطعامُ عشَرةِ مساكينَ (^٣).\nوقاسَ قائلُو هذا القولِ كلَّ صيامٍ وجَبَ على مُحْرِمٍ أو صدقةِ جزاءٍ، مِن نقصٍ دخَلَ في إحرامِه، أو فِعلِ ما لمْ يكنْ له فعلُه، بدَلًا من دَمٍ، على ما أوجبَ اللَّهُ ﵎ على المتمتعِ من الصومِ إذا لم يجدِ الهدْيَ. وقالوا: جعَلَ اللَّهُ على المُتمتعِ صيامَ عشَرَةِ أيامٍ مكانَ الهدْيِ إذا لمْ يَجدْه. قالوا: فكلُّ صومٍ وجَبَ مكانَ دمٍ فمثلُه. قالوا: وإذا لم يصُمْ فأرادَ الإطعامَ، فإن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه أقامَ إطعامَ مسكينٍ مكانَ صومِ يومٍ لمن عجَزَ عن الصومِ في رمضانَ. قالوا: فكلُّ مَن جُعِلَ الإطعامُ له مكانَ صومٍ لَزِمَه، فهو نَظيرُه. فلذلك أوجَبوا إطعامَ عشَرةِ مساكينَ في فديةِ الحلْقِ.\nوقال آخرون: بل الواجبُ على الحالقِ النُّسكُ، شاةٌ إن كانتْ عندَه، فإن لم تكنْ عندَه، قُوِّمتِ الشاةُ دراهمَ، والدراهمُ طعامًا، فتصدَّق به، وإلَّا صامَ لكلِّ نصفِ صاعٍ يومًا.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، قال: ذَكَر الأعمشُ قال: سألَ إبراهيمُ سعيدَ بنَ جُبيرٍ عن هذه الآيةِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٩٥ - تفسير) من طريق منصور عن الحسن بنحوه، وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٣٣٨.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عمرو\". وينظر تهذيب الكمال ٤/ ١٣٨.\n(^٣) أخرجه ابن حزم في المحلى ٧/ ٣١٧ من طريق بشر بن عمر به بنحوه.","vol":"3","page":395},{"text":"فأجابَه: يقولُ (^١): يُحكَمُ عليه طعامٌ، فإن كان عندَه اشترَى شاةً، فإن لم يكنْ، قُوِّمتِ الشاةُ دراهِمَ، فجُعِلَ مكانَه طعامٌ فتَصدّقَ به، وإلَّا صامَ لكلِّ نصفِ صاعٍ يومًا. فقال إبراهيمُ: كذلك سمِعتُ علقمةَ يَذكُرُ. قال: لما قامَ قال لي سعيدُ بنُ جبيرٍ: مَن (^٢) هذا؟ ما أظرفَه! قال: قلتُ: هذا إبراهيمُ. فقال: ما أظرفَه، كان يُجالِسُنَا. قال: فذكرتُ ذلك لإبراهيمَ. قال: فلمَّا قلتُ: يُجالسُنا. انْتفضَ منها (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنْبَسةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: يُحكَمُ علَى الرجلِ في الصيدِ، فإن لم يجِدْ جزاءَه قُوِّمَ طعامًا، فإن لم يكنْ طعامٌ، صامَ مكانَ كلِّ مُدَّينِ يومًا، وكذلِك الفديةُ (^٤).\nوقال آخرون: بل هو مخيَّرٌ بينَ الخِلالِ الثلاثِ يَفتدِي بأيِّها شاءَ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثَنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سيفِ بنِ سليمانَ، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: \"أوْ، أوْ\". فهو بالخيارِ، مثلُ الجرابِ فيه الخيطُ الأبيضُ والأسودُ، فأيُّهما خرَجَ أخذْتَه (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن\n_________\n(^١) في م: \"بقوله\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٣٨ عن المصنف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٠٨ (٦٨١٣، ٦٨١٥) من طريق ابن أبي نجيح به بنحوه.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٩ عقب الأثر (١٧٨٦) معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":396},{"text":"ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: \"أوْ، أوْ\". فصاحبُه بالخيارِ، يأخُذُ [الأوَّلَ فالأوَّلَ] (^١).\nحدَّثنا أبو كريب، قال: تنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ ليْثًا، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ ما كان في القرآنِ: \"كذا، فمن لم يجِدْ فكذَا\". فالأوَّلَ الأوَّلَ، [وما] (^٢) كان في القرآنِ: \"أوْ كذا، أو كذا\". فهو فيه بالخيارِ.\nحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْدِيُّ، قال: ثنا المحارِبيُّ، عن يحيى بنِ أبي أُنيسةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وسُئِلَ عن قولِه: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. فقال مجاهدٌ: إذا قال اللَّهُ ﵎ لشيءٍ: \"أو، أو\". فإن شِئتَ فخُذْ بالأوَّلِ، وإن شئْتَ فخُذْ بالآخرِ.\nحدّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابنُ جُريجٍ، قال: قال لي عطاءٌ و(^٣) عَمرُو بن دينارٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قالا: له أيَّتُهُنَّ شاءَ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا ابن جُريجٍ، قال: قال لي عطاءٌ: كلُّ شيءٍ في القرآنِ \"أو، أو\". فلصاحبِه أن يختارَ أيَّه شاءَ. قال: قال ابنُ جُريجٍ: وقال لي عَمرُو بن دينارٍ: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: \"أو، أو\". فلصاحبِه أن يأخُذَ بما شاءَ (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"الأولى فالأولى\".\n(^٢) في الأصل: \"فما\"، وفي م: \"وكل ما\".\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"أو\".\n(^٤) أخرجه سفيان بن عيينة في تفسيره - كما في الفتح ١١/ ٥٩٤ - والشافعي في الأم ٢/ ١٨٨، والبيهقي ٥/ ١٨٥، وفي المعرفة ٤/ ١٩٢، ١٩٣ عن ابن جريج به، قال الحافظ: وسنده صحيح.","vol":"3","page":397},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا ليثٌ، عن عطاءٍ ومجاهدٍ، أنهما قالا: ما كانَ في القرآنِ: \"أو كذا، أو كذا\". فصاحبُه بالخيارِ، أيَّ ذلك شاءَ فعَلَ.\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدٌ (^١)، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن (^٢) مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: \"أو، أو\". فهو مُخَيَّرٌ فيه، فإن كان: \"فمَن، فمَن\". فالأولَ فالأولَ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ القرشيُّ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: \"أو، أو\". فلْيتخَيَّرْ أيَّ الكفاراتِ شاءَ، فإذا كان: \"فمَن لم يجِدْ\". فالأولَ فالأولَ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو النعمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، قال: نُبِّئْتُ عن عطاءٍ، قال: كلُّ شيء في القرآنِ: \"أو، أو\". فهو خيارٌ.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا ما ثبَتَ به الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، وتظاهرَتْ به عنه الروايةُ، أنه أَمَر كعبَ بنَ عُجرَةَ بحلْقِ رأسِه من الأذَى الذي كان برأسِه، ويفْتدِي إن شاءَ؛ بنسكٍ شاةٍ، أو صيامِ ثلاثةِ أيامٍ، أو إطعامِ فَرَقٍ من طعامٍ (^٥) ستةَ مساكينَ؛ كلَّ مسكينٍ نصفَ صاعٍ. وللمفتدِي الخيارُ بين أيِّ ذلك شاءَ؛ لأنَّ\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"يزيد\".\n(^٢) في م: \"و\".\n(^٣) تفسير سفيان ص ٦١ - ومن طريقه عبد الرزاق في مصنفه (٨١٩٢) - وأخرجه ابن أبي شيبة ص ٤٥ (القسم الأول من الجزء الرابع)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٩ (١٧٨٦)، والبيهقي ١٠/ ٦٠ من طريق ليث به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٤ إلى ابن المندر وأبي الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٤٥ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن أسباط به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٤، ٢/ ٣٣٠ إلى ابن المنذر.\n(^٥) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بين\".","vol":"3","page":398},{"text":"اللَّهَ لمْ يحصُرْه على واحدةٍ منهن بعينِها فلا يجوزَ له أن يعدُوَها إلى غيرِها، بل جعَلَ إليه فعْلَ أيِّ الثلاثِ شاءَ.\nومَن أبَى ما قُلنا في (^١) ذلك، قيلَ له: ما قلتَ في المكفِّرِ عن يمينِه، أمخيَّرٌ إذا كان موسِرًا في أن يكفِّرَ بأيِّ الكفاراتِ الثلاثِ شاءَ؟ فإن قال: لَا. خرَج من قولِ جميعِ الأُمةِ. وإن قال: بلَى. سُئلَ الفَرْقَ بينَه وبينَ المفتدِي مِن حلْقِ رأسِه وهو مُحْرِمٌ من أذًى به، ثم لن يقولَ في أحدِهما شيئًا إلَّا أُلزِمَ في الآخرِ مثلَه. على أن ما قلنا في ذلك إجماعٌ من الحُجَّةِ، ففي ذلك مُستَغنًى عن الاستشهادِ على صحتِه بغيرِه.\nوأمَّا الزاعمون أن كفارةَ الحلْقِ قبلَ الحلْقِ، فإنه يقالُ لهم: أخبِرونا عن الكفارةِ للمُتَمتِّع، قبلَ التَّمتعِ أو بعدَه؟ فإن زَعَموا أنها قبلَه، قيل لهم: وكذلك الكفارةُ عن اليميِن قَبلَ اليمينِ. فَإن زعَموا أن ذلك كذلك، خرَجُوا من قولِ الأُمةِ. وإن قالوا: ذلك غيرُ جائز. قيل لهم: وما الوجهُ الذي من قِبَلِه وجَب أن تكونَ كفارةُ الحلْقِ قبلَ الحلْقِ وهدْيُ المتعةِ قبلَ التَّمتُّعِ، ولم يَجِبْ أن تكونَ كفارةُ اليمينِ قبلَ اليمينِ، وهل بينَكم وبينَ مَن عكَس عليكم الأمرَ في ذلك، فأوجَبَ كفارةَ اليمينِ قبلَ اليمينِ، وأبطلَ أن تكونَ كفارةُ الحلْقِ كفارةً له إلَّا بعدَ الحلقِ - [فرقٌ من أصلٍ أو نظيرٍ] (^٢)؟ فلن يقولوا (^٣) في أحدِهما شيئًا إلَّا أُلزِموا (^٤) في الآخرِ مثلَه.\nفإن اعتَلَّ في كفارةِ اليمينِ قبلَ اليمينِ أنها غيرُ مجزئةٍ قبلَ الحلف بإجماعِ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٢) سقط من: الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقول\".\n(^٤) في م: \"ألزم\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لزم\".","vol":"3","page":399},{"text":"الأمةِ، قيل له: فَرُدَّ الأخرى قياسًا عليها إذ (^١) كان فيها اختلافٌ.\nوأما القائلونَ: إن الواجب على الحالقِ رأسَه من أذًى؛ من الصيامِ عشَرةُ أيامٍ، ومن الإطعامِ عشَرةُ مساكينَ. فمخالفون نصَّ الخبرِ الثابتِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، فيقالُ لهم: أرأيتم مَن أصاب صيدًا فاختارَ الإطعامَ أو الصيامَ، أتسوُّون بينَ جميعِ [ما يجِبُ عليه] (^٢) بقتْلِه الصيدَ صغيرَه وكبيرَه من الإطعامِ والصومِ، أم تفرِّقون بين ذلك على قدرِ افتراقِ المقتولِ من الصيدِ في الصِّغرِ والكِبرِ؟ فإنْ زعَمُوا أنهم يسوُّون بينَ جميعِ ذلك، سوَّوا بين ما يجِبُ على مَن قتَلَ بقرةً وحشِيَّةً وبين ما يجِبُ على مَن قتَلَ وَلدَ ظَبيةٍ، من الإطعامِ والصيامِ. وذلك قولٌ - إن قالوه - لقولِ الأُمةِ مخالفٌ.\nفإن قالوا: بل نُخالِفُ (^٣) بينَ ذلك، فنوجِبُ ذلك عليه على قدرِ قيمةِ المصابِ من الطعامِ والصيامِ.\nقيل لهم: فكيف ردَدتُم الواجبَ على الحالقِ رأسَه مِن أذًى من الكفارةِ، على الواجبِ على المتَمتِّعِ من الصومِ، وقد علِمتم أنَّ المتمتِّعَ غيرُ مُخَيَّرٍ بينَ الصيامِ والإطعامِ والهدْيِ، ولا هو مُتلِفٌ شيئًا وجبَت عليه منه كفارةٌ، وإنما هو تاركٌ عملًا من الأعمالِ، وترَكتم رَدَّ الواجبِ عليه وهو مُتلِفٌ، بحلْقِه رأسَه، ما كان ممنوعًا من إتلافِه، ومُخيَّرٌ بين الكفاراتِ الثلاثِ، نظيرَ المصيبِ الصيدَ، الذي هو بإصابتِه إياه له متلِفٌ ومخيَّرٌ في تكفيرِه بين الكفاراتِ الثلاثِ، وهل بينَكم وبينَ مَن خالفَكم في ذلك، وجعَل الحالقَ قياسًا لمُصيبِ الصيدِ، وجمَع بينَ حُكميْهِما\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إن\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، وفي م: \"ذلك\".\n(^٣) في الأصل: \"يخالف\"، وفي ت ٢: \"مخالف\".","vol":"3","page":400},{"text":"لاتفاقِهما في المعاني التي وصَفْنا، وخالَفَ بينَ حكمه وحكمِ المتمتعِ في ذلك لاختلافِ أمرِهما فيما وصَفْنا - فرقٌ من أصلٍ أو نظيرٍ؟ فلن يقولوا في ذلك قولًا إلَّا أُلزِمُوا في الآخَرِ مثلَه، مع أن في اتفاقِ الحجةِ على تخطئةِ قائلِ هذا القولِ في قولِه هذا، كفايةً عن الاستشهادِ على فسادِه بغيرِه، فكيف وهو مع ذلك خلافٌ لما جاءتْ به الآثارُ عن رسولِ الله ﷺ، والقياسُ عليه بالفسادِ شاهدٌ.\nواختلف أهلُ العلمِ في الموضعِ الذي أمرَ اللَّهُ ﵎ أن يَنسُكَ نُسُكَ الحلْقِ، ويُطعِمَ فديتَه؛ فقال بعضُهم: النُّسُكُ والإطعامُ بمكةَ، لا يُجزِئُ بغيرِها من البلدانِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ عياضٍ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، قال: ما كان من دمٍ أو صدقةٍ فبمكةَ، وما سوَى ذلكَ حيثُ شاءَ.\nحدَّثني يحيى بنُ طلحةَ، قال: ثنا فُضيلٌ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ، قال: كلُّ شيءٍ من الحجِّ فبمكةَ، إلَّا الصومَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا ابنُ جُريجٍ، قال: سألتُ عطاءً عن النُّسُكِ، قال: النُّسُكُ بمكةَ لا بُدَّ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنبسَةَ، عن ابنِ أبي نَجيح، عن عطاءٍ، قال: الصدقةُ والنُّسكُ في الفديةِ بمكةَ، والصومُ حيثُ شئتَ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: ثنا ليثٌ، عن طاوسٍ، أنه كان يقولُ:\n_________\n(^١) ذكره ابن حزم في المحلى ٧/ ٣١٩.","vol":"3","page":401},{"text":"ما كان مِن دمٍ أو طعامٍ فبمكةَ، وما كان مِن صيامٍ فحيثُ شاءَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا (^٢) عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: النسكُ بمكةَ أو بمنًى (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: النُّسكُ بمكةَ أو بمنًى، والطعامُ بمكةَ.\nوقال آخرون: النُّسكُ في الحلْقِ والإطعامُ والصومُ حيثُ شاءَ المفْتدِي.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن يعقوبَ بنِ خالدٍ، قال: أخبَرني أبو أسماءَ مَولَى ابنِ جعفرٍ، قال: حَجَّ عثمانُ بنُ عفانَ ومعه عليٌّ والحسينُ بنُ عليٍّ، فارتَحلَ عثمانُ - قال أبو أسماءَ: وكنتُ معَ ابنِ جعفرٍ - قال: فإذا نحن برجلٍ نائمٍ وناقتُه عندَ رأسِه. قال: فقلنا له: أيُّها النَّئُومُ (^٤). فاسْتيقَظَ، فإذا الحسينُ بنُ عليٍّ. قال: فحمَلَه ابنُ جعفرٍ حتى أتَى به السُّقيَا. قال: فأرسَل إلى عليٍّ، فجاء ومعه أسماءُ بِنتُ عُميسٍ. قال: فمرَّضْناه نحوًا من عشرينَ ليلةً. قال: فقال عليٌّ للحسينِ: ما الذي تجِدُ؟ قال: فأَومَأَ إلى رأسِه. قال: فأَمَرَ به عليٌّ فحُلِق رأسُه، ثم دعَا ببدَنةٍ فنحَرَها (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن حزم في المحلى ٧/ ٣١٩.\n(^٢) بعده في م: \"شبل عن\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٢٦.\n(^٤) في م: \"النائم\".\n(^٥) أخرجه مالك ١/ ٣٨٨، والطحاوي في شرح المعاني ٢/ ٢٤٢، ٢٤٣، والبيهقي ٥/ ٢١٨، وفي المعرفة ٤/ ٢٤٤، ٢٤٥ من طريق يحيى بن سعيد به. وعند الطحاوي: \"الحسن\" بدل \"الحسين\".","vol":"3","page":402},{"text":"حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى (^١)، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن يعقوبَ بنِ خالدِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ المسيَّبِ المخزوميِّ، أخبرَه أنه سمِعَ أبا أسماءَ مَولَى عبدِ اللَّهِ بنِ جعفرٍ يحدِّثُ أنه خرَج مع عبدِ اللَّهِ بنِ جعفرٍ يريدُ مكةَ مع عثمانَ، حتى إذا كنا بينَ السُّقيا والعَرْجِ (^٢) اشتكَى الحسينُ بنُ عليٍّ، فأصبَح في مَقيلِه الذي قالَ فيه بالأمسِ. قال أبو أسماءَ: فصحِبتُه أنا وعبدُ اللَّهِ بنُ جعفرٍ، وإذا راحلةُ حسينٍ قائمةٌ وحسينٌ مُضطجعٌ، فقال عبدُ اللَّهِ بنُ جعفرٍ: إنّ هذه لراحِلَةُ حُسينٍ. فلمَّا دنا منه قال له: أيها النَّئُومُ. وهو يظُنُّ أنه نائمٌ، فلمَّا دَنا منه وجَده يَشْتكِي، فحمَله إلى السُّقيا، ثم كتَب إلى عليٍّ، فقدِم إليه إلى السقيا، فمرَّضَه قريبًا من أربعين ليلةً، ثم إن عليًّا قيل له: هذا حسينٌ يشيرُ إلى رأسِه. فدعا عليٌّ بجزورٍ فنحَرها [في الماءِ] (^٣)، ثم حلَق رأسَه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: ثنا ابنُ جُريجٍ، قال: أخبَرني يحيى بنُ سعيدٍ، قال: أقبلَ حُسينُ بنُ عليٍّ مع عثمانَ حرامًا، حسِبتُ أنه اشْتكَى بالسُّقيا، فذُكِرَ ذلك لعليٍّ، فجاء هو وأسماءُ بنتُ عميسٍ، فمرَّضوه عشرينَ ليلةً، وأشارَ حُسينٌ إلى رأسِه، فحلَقه ونحَر عنه جَزُورًا. قلتُ: فرجَع به؟ قال: لا أَدْرِي.\nوهذا الخبرُ يحتَمِلُ أن يكونَ ما ذُكِر فيه مِن نحرِ عليٍّ عن الحسينِ الناقةَ قبلَ حلْقِه رأسَه، ثم حلْقِه رأسَه بعدَ النحرِ - إن كان على ما رواه مجاهدٌ، عن يزيدَ - كان على وجْهِ الإحلالِ من الحسينِ من إحرامِه للإحصارِ عن الحجِّ بالمرضِ الذي أصابه. وإن كان على ما رواه يعقوبُ، عن هُشيمٍ من نحرِ عليٍّ عنه الناقةَ بعدَ حلْقِه رأسَه، أن يكونَ على وجهِ الافتداءِ من الحلْقِ، وأن يكونَ كان يرَى أنَّ نُسُكَ\n_________\n(^١) في م: \"يونس\".\n(^٢) العرج: قرية جامعة في واد من نواحي الطائف. معجم البلدان ٣/ ٩٣٧.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"3","page":403},{"text":"الفديةِ يُجزِئُ نحرُه دونَ مكةَ والحرَمِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: الفديةُ حيثُ شئتَ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حجاجٌ، عن الحَكمِ، عن إبراهيمَ في الفديةِ؛ في الصدقةِ والصومِ والدمِ: حيثُ شاءَ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عَبِيدةُ، عن إبراهيمَ، أنه كان يقولُ. فذكَر مثلَه.\nوقال آخرون: ما كان من دمِ نُسكٍ فبمكةَ، وما كان من إطعامٍ وصيامٍ فحيثُ شاءَ المفْتَدِي.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حجاجٌ وعبدُ الملكِ وغيرُهما، عن عطاءٍ، أنه كان يقولُ: ما كان من دمٍ فبمكةَ، وما كان من طعامٍ وصيامٍ فحيثُ شاءَ.\nوعلةُ مَن قال: الدمُ والإطعامُ بمكةَ. القياسُ على هَدْيِ جزاءِ الصّيدِ، وذلك أن اللَّهَ ﵎ شَرَط في هدْيِه بلوغَ الكعبةِ فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. قالوا: فكلُّ هَدْيٍ وجَبَ مِن جزاءٍ أو فديةٍ في إحرامٍ، فسبيلُه سبيلُ جزاءِ الصيدِ في وجوبِ بُلوغِه الكعبةَ. قالوا: وإذا كان ذلكَ حكمَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن حزم في المحلى ٧/ ٣٢٠ من طريق منصور به.\n(^٢) ذكره ابن حزم في المحلى ٧/ ٣١٩.","vol":"3","page":404},{"text":"الهدْيِ، كان حُكمُ الصدقةِ مثلَه؛ لأنها واجبةٌ لمن وجَب عليه (^١) الهدْيُ، وذلك أن الإطعامَ فديةٌ وجزاءٌ كالدَّمِ، فحكمُهما واحدٌ.\nوأمَّا عِلَّةُ مَن زعَمَ أن للمُفْتدِي أن يَنسُكَ حيثُ شاءَ ويتصدَّقَ ويصومَ، أن اللَّهَ ﵎ لم يشترِطْ على الحالِقِ رأسَه من أذًى هَدْيًا، وإنما أوجَب عليه نُسُكًا أو إطعامًا أو صيامًا، وحيثما نَسَكَ أو أطعَم أو صام فهو ناسِكٌ ومُطْعِمٌ وصائمٌ. وإذا دخَلَ في عدادِ من يستحِقُّ ذلك الاسمَ، كان مؤدِّيًا ما كلَّفه اللَّهُ ﷿؛ لأنَّ اللَّهَ جلّ ثناؤُه لو أراد من إلزامِ الحالقِ رأسَه في نُسكِه بلوغَ الكعبةِ لشرَطَ ذلك عليه كما شرَط في جزاءِ الصيدِ، وفي تركِ اشتراطِ ذلك عليه دليلٌ واضحٌ أنه حيثُ نَسَكَ أو أطعَم أجزأَ.\nوأما عِلّةُ مَن قال: النُّسُكُ بمكَّةَ، والصيامُ والإطعامُ حيثُ شاءَ. [فإنّ النُّسُكَ] (^٢) دمٌ كدمِ الهَدْيِ، فسبيلُه سبيلُ هدْيِ قاتلِ الصَّيدِ. وأما الإطعامُ، فلم يَشترطِ اللَّهُ تعالى ذكرُه في (^٣) أن يُصرفَ إلى أهلِ مسكنةِ مكانٍ دونَ مكانٍ، كما شرَطَ في هدْيِ الجزاءِ بلوغَ الكعبةِ، فليس لأحدٍ أن يدَّعِيَ أن ذلك لأهلِ مكانٍ دونَ مكانٍ، إذا لم يكنِ اللَّهُ تعالى ذكرُه شرَطَ ذلكَ لأهلِ مكانٍ بعينِه، كما ليس لأحدٍ أن يدَّعِيَ أن ما جعَله اللَّهُ مِن الهَدْيِ لساكنِي الحرمِ لغيرِهم، إذ كان اللَّهُ ﵎ قد خَصَّ بأنّ ذلك لمن به مِن أهلِ المسكنةِ.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن اللَّهَ - جلَّ وعزَّ - أوجَبَ على حالقِ رأسِه من أذًى من المحرِمين فِديةً مِن صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ، ولم يشترِطْ أنّ عليه ذلك بمكانٍ دونَ\n_________\n(^١) في الأصل: \"له\".\n(^٢) في م: \"فالنسك\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيه\".","vol":"3","page":405},{"text":"مكانٍ، بل أَبْهمَ ذلك وأطلَقَه، ففي أيِّ مكانٍ نَسَكَ أو أَطْعَم أو صام فيُجْزِئُ عن المفتدِي؛ وذلك لقيامِ الحُجَّةِ على أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه إذ حرَّم أمهاتِ نسائِنا فلم يَحصُرْهُنَّ علَى أنهنَّ أمهاتُ النساءِ المدخولِ بهنَّ، لم يجِبْ أن يكُنَّ مَردُوداتِ الأحكامِ على الربائبِ المحصوراتِ على أن المحرَّمةَ منهن المدخولُ بأمِّها. فكذلك كلُّ مُبهَمةٍ في القرآنِ، غيرُ جائزٍ ردُّ حُكمِها على المفسَّرةِ قياسًا. ولكنَّ الواجبَ أن يُحكَمَ لكلِّ واحدةٍ منهما بما احتمَلَه ظاهرُ التنزيلِ، إلَّا أن يأتيَ في بعضِ ذلك خبرٌ عن الرسولِ ﷺ بإحالةِ حكمِ ظاهرِه إلى باطنِه، فيجِبَ التسليمُ حينئذٍ لحكمِ الرسولِ ﷺ، إذ كان هو المبيِّنَ عن مرادِ (^١) اللَّهِ تعالى ذكرُه.\nوأجمَعوا على أنَّ الصيامَ مُجْزِئٌ عن الحالقِ رأسَه من أذًى، حيث صام من البلادِ.\nواختلَفوا فيما يجِبُ أن يُفعلَ بنُسُكِ الفديةِ من الحلْقِ، وهل يجوزُ للمفتدِي الأكلُ منه أم لا؟ فقال بعضُهم: ليس للمفتدِي أن يأكُلَ منه، ولكن عليه أن يتصدَّقَ بجميعِه.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ عبدَ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: ثلاثةٌ لَا يؤكلُ منهنَّ؛ جزاءُ الصيدِ، وجزاءُ النُّسُكِ، ونَذْرُ المساكينِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ وهارونُ، عن عَنْبسةَ، عن سالمٍ، عن عطاءٍ، قال: لا تأكُلْ مِن فديةٍ، ولا من جزاءٍ، ولا من نَذْرٍ، وكُلْ مِن المتعةِ، ومن الهدْيِ التَّطَوُّعِ.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"أمر\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٥٣ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن ابن إدريس به.","vol":"3","page":406},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا (^١) هارونُ، عن عَنْبسةَ، عن سالمٍ، عن مجاهدٍ، قال: جزاءُ الصيدِ والفديةُ والنَّذرُ لا يأكُلُ منها صاحبُها، ويأكُلُ من التطوُّعِ والتَّمتُّعِ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَمرٍو، عن الحجاجِ، عن عطاءٍ، قال: لا تأكُلْ مِن جزاءٍ، ولا من فديةٍ، وتَتَصدَّقُ به.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا ابنُ جُريجٍ، قال: قال عطاءٌ: لا يأكلُ مِن بدَنتِه الذي يُصيبُ أهلَه حرامًا، والكفاراتُ كذلك (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ والحجاجُ وغيرُهما، عن عطاءٍ، أنه كان يقولُ: لا يؤكلُ مِن جزاءِ الصيدِ، ولا مِن النَّذرِ، ولا مِن الفديةِ، ويُؤكلُ مما سوَى ذلك (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ليثٍ، عن عطاءٍ وطاوسٍ ومجاهدٍ، أنهم قالوا: لا يؤكلُ من الفديةِ - وقال مرّةً: من هدْيِ الكفارةِ - ولا من جزاءِ الصيدِ (^٤).\nوقال بعضُهم: له أن يأكُلَ منه.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يحيى، عن عُبيدِ اللَّهِ، قال: أخبَرني نافعٌ، عن ابنِ\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حكام و\".\n(^٢) ذكره ابن عبد البر في الاستذكار ١٢/ ٢٨٤ عن عبد الرزاق عن ابن جريج به نحوه مطولا. وينظر التغليق ٣/ ٩٤، والفتح ٣/ ٥٥٨.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور - كما في التغليق ٣/ ٩٤ - عن هشيم، عن عبد الملك وحجاج عن عطاءٍ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٥٣ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن ابن علية به. وينظر الاستذكار ١٢/ ٢٨٤.","vol":"3","page":407},{"text":"عُمرَ، قال: لا يُؤكَلُ من جزاءِ الصيدِ والنذْرِ، ويؤكَلُ مما سوَى ذلك (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنبسةَ، عن ابنِ أبي ليلى، قال: كلْ (^٢) من الفديةِ وجزاءِ الصيدِ والنذْرِ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن حمادٍ، قال: الشاةُ بينَ ستةِ مساكينَ، يأكُلُ منه إن شاءَ، ويتصدَّقُ على ستةِ مساكينَ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرني عبدُ الملكِ، قال: ثنى مَن سمِعَ الحسنَ يقولُ: كُلْ مِن ذلكَ كلِّه. يعني: من جزاءِ الصيدِ والنذْرِ والفديةِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا الأشعثُ، عن الحسنِ، أنه كان لا يرَى بأسًا بالأكلِ من جزاءِ الصيدِ ونذْرِ المساكينِ.\nوعلةُ مَن حظَرَ على المفتدِي الأكلَ مِن فديةِ حِلَاقِه، وفديةِ ما لزِمَتْه منه الفديةُ، أن اللَّهَ ﵎ أوجَبَ على الحالقِ والمتطيِّبِ ومَن كان بمثلِ حالِهم، فديةً من صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ، فلن يخلُوَ ذلكَ الذي أوجَبه اللَّهُ عليه من الإطعامِ والنُّسُكِ من أحدِ أمرَيْن؛ إمَّا أن يكونَ أوجَبه عليه لنفسِه أو لغيرِه، أو له ولغيرِه؛ فإن كان أوجَبه لغيرِه، فغيرُ جائزٍ له أن يأكُلَ منه؛ لأنَّ ما لَزِمه لغيرِه فلا يُجزِئُه فيه إلا الخروجُ منه إلى مَن وجَب له. أو يكونَ له وحدَه، وما وجَبَ له فليسَ عليه؛ لأنه غيرُ مفهومٍ في لغةٍ أن يقالَ: وجَبَ على فلانٍ لنفسِه دينارٌ أو درهمٌ أو شاةٌ. وإنما يجِبُ له على غيرِه، فأمَّا على نفسِه فغيرُ مفهومٍ وجوبُه. أو يكونَ وجَبَ عليه له ولغيرِه، فنصيبُه الذي وجَبَ من ذلكَ غيرُ جائزٍ أن يكونَ عليه؛ لما وصَفْنا. وإذا كانَ ذلك\n_________\n(^١) ذكره ابن حزم في المحلى ٧/ ٤٢٦ عن يحيى القطان به. وأخرجه ابن أبي شيبة ص ١٥٣ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن ابن نمير، عن عبيد الله به بمعناه. وينظر التغليق ٣/ ٩٣، والفتح ٣/ ٥٥٨.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":408},{"text":"كذلكَ، كان الواجبُ عليه ما هو لغيرِه، وما هو لغيرِه بعضُ النُّسكِ، وإذا كان ذلك كذلك، فإنما وجَبَ عليه بعضُ النُّسُكِ لا النُّسكُ كلُّه.\nقالوا: وفي إلزامِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه إيَّاه النسكَ تامًّا ما يَبِينُ (^١) عن فسادِ هذا القولِ.\nوعلةُ من قال: له أن يأكُلَ من ذلك. أن اللَّهَ ﵎ أوجَبَ على المفْتدِي نُسكًا، والنُّسكُ في معاني الأضاحِي، وذلك هو ذَبْحُ ما يُجزِئُ في الأضاحِي من الأزواجِ الثمانيةِ. قالوا: ولم يأمُرْه اللَّهُ ﵎ بدفعِه إلى المساكينِ. قالوا: فإذا ذبَح فقد نَسَك، وفعَل ما أمَرَه اللَّهُ جل ثناؤُه، وله حينئذٍ الأكلُ منه، والصدقةُ منه بما شاءَ، وإطعامُ ما أحَبَّ منه مَن أحبَّ، كما له ذلك في أُضْحِيَتِه.\nوالذي نقولُ به في ذلك أن اللَّهَ جل ثناؤُه أوجَبَ على المفتدِي النُّسُكَ إن اختارَ التكْفيرَ بالنُّسكِ، ولن يَخلوَ الواجبُ عليه في ذلك مِن أن يكونَ ذَبْحَه دونَ غيرِه، أو ذبْحَه والصدقةَ (^٢) به؛ فإن كان الواجبُ عليه في ذلك ذبْحَه، فالواجبُ أن يكونَ إذا ذبَح نُسكًا فقد أدَّى ما عليه وإنْ أكَل جميعَه ولم يُطعِمْ مِسكينًا منه شيئًا، وذلك ما لا نعلَمُ أحدًا من أهلِ العلمِ قاله. أو يكونَ الواجبُ عليه ذَبْحَه والصدقةَ به؛ فإنْ كان ذلك عليه، فغيرُ جائزٍ له أكْلُ ما عليه أن يتصدَّقَ به، كما لو لَزِمتْه زكاةٌ في مالِه، لم يكنْ له أن يأكُلَ منها، بل كانَ عليه أن يُعطيَها أهلَها الذين جعلَها اللَّهُ لهم، ففي إجماعِهم على أن ما ألزمَه اللَّهُ من ذلك، فإنَّما ألزَمه لغيرِه - دَلالةٌ واضحةٌ على حكمِ ما اختلَفوا فيه من غيرِه.\nومعنى النُّسكِ الذَّبحُ للَّهِ ﵎ في لغةِ العربِ، يقالُ: نسَكَ فلانٌ للَّهِ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"ينبئ\".\n(^٢) في م: \"التصدق\".","vol":"3","page":409},{"text":"نَسيكةً - بمعنَى: ذبَح للَّهِ ذبيحةً - ينسُكها نَسْكًا.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: النُّسكُ أن يذبَحَ (^١) شاةً (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-616>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فإذا برَأْتُم من مرَضِكم الذي أحْصَرَكم عن حجِّكم أو عُمرتِكم.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّارِيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نميرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علْقمةَ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾: فإذا برَأْتُم (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾. يقولُ: إذا أَمِنتَ حينَ تُحصَرُ، إذا أَمِنْتَ مِن كسرِك ومِن وجَعِكَ، فعليك أنْ تأتيَ البيتَ فتكونَ لك متعةٌ، فلا تَحِلَّ حتى تأتيَ البيتَ (^٤).\nوقال آخرون: معنى ذلك: فإذا أمنْتُم من (^٥) خوفِكم.\n_________\n(^١) في الأصل: \"تذبح\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٤ إلى المصنف.\n(^٣) تقدم أوله في ص ٣٢٨.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٥، ٧٦.\n(^٥) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وجع\".","vol":"3","page":410},{"text":"ذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾: لِتعلَموا أنّ القومَ كانوا خائفين يومئذٍ (^١).\nحدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾. قال: إذا أمِنَ من خوفِه، وبَرَأَ من مَرضِه.\nوهذا القولُ أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأنَّ الأمنَ هو خلافُ الخوفِ، لا خلافُ المرضِ، إلَّا أن يكونَ مرضًا مَخُوفًا منه الهلاكُ، فيقالَ: فإذا أمِنتم الهلاكَ من خوفِ المرضِ وشِدَّتِه. وذلك معنًى بعيدٌ.\nوإنما قلنا: إن معناه الخوفُ من العدوِّ؛ لأنّ هذه الآياتِ نزَلتْ على رسولِ اللَّهِ ﷺ أيامَ الحديبيةِ، وأصحابُه من العدوِّ خائفونَ، فعرَّفَهم اللَّهُ ﵎ بها ما عليهم إذا أحْصَرَهم خوفُ عدوِّهم عن الحجِّ، وما الذي عليهم إذا هم أَمِنوا من ذلك، فزالَ منهم (^٢) خَوْفُهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-617>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.</span>\nيعني بذلك جَلَّ ثناؤُه: فإن أُحصِرْتُم أيُّها المؤمنون، فما استيسَرَ مِن الهدْيِ، فإذا أمِنتُم فزالَ عنكم خوفُكم من عَدُوِّكم، أو هلاكِكم من مَرضِكم، فتمتَّعتُم بعُمرتِكم إلى حجِّكم، فعليكم ما استيسَرَ من الهَدْيِ.\nثم اختلفَ أهلُ التأويلِ في صفةِ التَّمتُّعِ الذي عنَى اللَّهُ جل ثناؤُه بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: هو أن يَحصُرَه خَوفُ العدوِّ وهو مُحْرمٌ بالحجِّ، أو مرضٌ، أو عائقٌ من\n_________\n(^١) ينظر المحرر الوجيز ١/ ٥٤٦، وتفسير القرطبي ٢/ ٣٨٦، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٣٥.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عنهم\".","vol":"3","page":411},{"text":"العِلَلِ، حتى يفوتَه الحجُّ، فيَقدَمَ مكةَ، فيخرُجَ من إحرامِه بعملِ عمرتِه (^١)، ثم يحِلَّ فيستمتِعَ بإحلالِه من إحرامِه ذلكَ إلى السنةِ المسْتقبلةِ، ثم يَحُجَّ ويُهْدِيَ، فيكونَ متمتِّعًا بالإحلالِ من لَدُنْ يحِلُّ من إحرامِه الأوَّلِ إلى إحرامِه الثاني من القابِلِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عمرانُ بنُ موسى البصريُّ، قال: ثنا عبدُ الوارث بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُويدٍ، قال: سمِعتُ ابنَ الزُّورِ وهو يخطُبُ، وهو يقولُ: يا أيُّها النَّاسُ، واللَّهِ ما التمتُّعُ بالعمرةِ إلى الحجِّ كما تصنَعون، إنما التمتُّعُ أنْ يُهِلَّ الرجلُ بالحجِّ فَيحصُرَه عدوٌّ أو مرضٌ أو كَسْرٌ، أو يحبِسَهُ أمرٌ، حتى تذهبَ أيامُ الحجِّ، فيقدَمَ فيجعلَها عمرةً، فيتمتَّعَ بحِلِّه إلى العامِ المقبلِ، ثم يحُجَّ ويُهدِيَ هدْيًا، فهذا التمتعُ بالعمرةِ إلى الحجِّ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، قال: كان ابنُ الزبيرِ يقولُ: المتعةُ لمَن أُحصِرَ. قال: وقال ابنُ عباسٍ: هي لمَن أُحصِرَ و(^٣) خُلِّيتْ (^٤) سبيلُه (^٥).\nحدَّثني ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبَرنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: أخبرَني ابنُ جُريجٍ، قال: قال عطاءٌ: كان ابنُ الزبيرِ يقولُ: إنما المتعةُ للمُحْصَرِ،\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عمرة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٣٤، ٢٠٦ (القسم الأول من الجزء الرابع)، والطحاوي في شرح المعاني ٢/ ١٥٦ من طريق إسحاق به. وينظر التمهيد ٨/ ٣٥٩، ٣٦٠، والاستذكار ١١/ ٢١١، والمحلى ٧/ ٢١٨، ٢١٩.\n(^٣) بعده في م: \"من\".\n(^٤) في الأصل: \"خليته\".\n(^٥) أخرجه ابن حزم في المحلى ٧/ ٢١٩ من طريق عبد الرزاق به، دون ذكر ابن عباس، وينظر ما سيأتي في ص ٤١٥.","vol":"3","page":412},{"text":"وليست لمن خُلِّيَ سبيلُه (^١).\nوقال آخرون (^٢): معنى ذلك: فإن أُحصِرتُم في حَجِّكُم، فما استيسَرَ من الهدْيِ، فإذا أمِنتم وقد حلَلْتُم مِن إحرامِكُم، ولم تَقضُوا عمرةً تخرُجون بها من إحرامِكم لحجِّكم (^٣)، ولكن حلَلْتُم حينَ أُحصِرْتُم بالهدْيِ، وأَخَّرْتُم العمرةَ إلى السنةِ القابلةِ، فاعتمَرتُم في أشهرِ الحجِّ، ثم حلَلْتُم فاستمتعتُم بإحلَالِكم إلى حجِّكم، فعلَيكم ما استيسرَ مِن الهدْيِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبّاريُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نُميرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن (^٤) علقمةَ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾. قال: إذا أهلَّ الرجلُ بالحجِّ فأُحصِرَ. قال: يبعَثُ بما استيسرَ من الهدْيِ؛ شاةٍ، فإن عَجَّلَ قبلَ أن يبلُغَ الهدْيُ محلُّه؛ حلَقَ (^٥) رأسَه، أو مسَّ طِيبًا، أو تداوَى، كان عليه فديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ، ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾: فإذا بَرَأَ فمضَى من وجهِه ذلك حتى أتى البيتَ، حَلَّ من حجِّه بعمرةٍ، وكان عليه الحجُّ من قابِلٍ، وإنْ هو رجعَ ولم يُتِمَّ إلى البيتِ مِن وجْههِ ذلك، فإنَّ عليه حَجَّةً وعمرةً، ودمًا لتأخيرِه العمرةَ، فإن هو رجَعَ مُتمتِّعًا في أشهرِ الحجِّ، فإنّ عليه ما استيسرَ من الهدْيِ شاةً، فإن (^٦) لم يجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ وسبعةٍ إذا رجَع. قال إبراهيمُ: فذكَرتُ ذلك لسعيدِ بنِ جُبيرٍ فقال: كذلك قال\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤١ (١٧٩٥) من طريق ابن جريج به، وذكر قول ابن عباس.\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بل\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بحجكم\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بن\".\n(^٥) في م: \"وحلق\".\n(^٦) في م: \"فمن\".","vol":"3","page":413},{"text":"ابنُ عباسٍ في ذلك كلِّه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: هذا رجلٌ أصابه خوفٌ، أو مرضٌ، أو (^٢) حابسٌ حبَسه (^٣)، يبعثُ بهدْيِه، فإذا بلَغتْ محِلَّها صارَ حلالًا، فإنْ أمِنَ أو بَرَأَ ووصَلَ إلى البيتِ، فهي له عمرةٌ، وأحَلَّ، وعليه الحجُّ عالمًا قابلًا، فإن هو لم يصِلْ إلى البيتِ حتى يرجِعَ إلى أهلِه، فعليه عُمرةٌ وحَجةٌ وهَدْيٌ. قال قتادةُ: والمتعةُ التي لا يتعاجَمُ (^٤) النَّاسُ فيها أن أصلَها كانَ هكذا (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ إلى ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قال: هذا المحصَرُ إذا أمِنَ فعليه المتعةُ [والحجُّ] (^٦)، وهدْيُ المتمتِّعِ، فإن لم يجِدْ فالصيامُ، فإن عَجَّلَ العمرةَ قبلَ أشهرِ الحجِّ، فعليه فيها هَدْيٌ (^٧).\nحدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا بشرُ بنُ السَّرِيِّ، عن شعبةَ، عن عَمرِو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ سلِمةَ، عن عليٍّ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾: فإن أخّرَ العمرةَ حتى يجمَعَها مع الحجِّ فعليه الهدْيُ (^٨).\n_________\n(^١) تقدم أوله ص ٣٢٨.\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حتى\".\n(^٤) لا يتعاجم: لا يشك ولا يتمارى.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٧٥ عن معمر عن قتادة. وينظر ما تقدم في ص ٣٤٣.\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في الحج\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٢٥ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق مغيرة به. وينظر المحلى ٧/ ٢٢١.\n(^٨) ينظر البحر المحيط ٢/ ٧٧.","vol":"3","page":414},{"text":"وقال آخرون: عنَى بذلكَ المحصَرَ وغيرَ المحصَرِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مَرْيمَ، قال: أخبَرنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: أخبرني ابنُ جُريجٍ، قال: أخبَرني عطاءٌ أن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: المتعةُ لمن أُحصِرَ، ولمن خُلِّيت (^١) سبيلُه. فكان (^٢) ابنُ عباسٍ يقولُ: أصابتْ هذه الآيةُ المحصرَ ومن خُلِّيتْ سبيلُه (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: فمن فَسَخ حجَّه بعمرةٍ، فجعَلَه عمرةً، واستَمتعَ بعمرتِه إلى حَجِّه، فعليه ما استيسَرَ من الهدْيِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: أما المتعةُ، فالرجلُ يُحرِمُ بحَجَّةٍ، ثم يَهدِمُها بعمرةٍ، وقد خرَجَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بالمسلمين حاجًّا، حتى إذا أتوْا مكةَ، قال لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"من أحَبَّ منكم أن يَحِلَّ فَلْيَحِلَّ\". قالوا: فما لك يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: \"أنَا مَعِي الهدْيُ\".\nوقال آخرون: بل ذلك الرجلُ يقدَمُ مُعتمرًا من أُفقٍ من الآفاقِ في أشهرِ الحجِّ، فإذا قضَى عُمرتَه، أقامَ حلالًا بمكةَ حتى يُنشئَ منها الحجَّ، فيحُجَّ من عامِه ذلك، فيكونَ مُسْتمتِعًا بالإحلالِ إلى إحرامِه بالحجِّ.\n_________\n(^١) في م: \"خلى\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وكان\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٠ (١٧٨٩) من طريق ابن جريج به.","vol":"3","page":415},{"text":"ذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﵎: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾: مِن يومِ الفطرِ إلى يومِ عرفةَ، فعليه ما استيسرَ من الهدْيِ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، وحدَّثني يعقوبُ ابنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبَرَنا أيوبُ، عن نافعٍ، قال: قدِمَ ابنُ عُمرَ مرَّةً في شوالٍ، فأقمنا حتى حجَجْنا، فقال: إنكم قد استمتَعتُم إلى حجِّكم بعمرةٍ، فمَن وجَد منكم أن يُهدِيَ فلْيُهدِ، ومَن لا، فليَصُمْ ثلاثةَ أيامٍ، وسبعةً إذا رجَعَ إلى أهلِه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ وعبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ [السُّكَّريُّ، قالا: حدَّثنا] (^٣) يزيدُ، قال: أخبَرني يحيى بنُ سعيدٍ، عن نافعٍ، أنه أخبَره أنه خرَجَ مع ابنِ عمرَ مُعْتمرَيْن في شوالٍ، فأدْرَكَهُما الحجُّ وهما بمكَّةَ، فقال ابنُ عمرَ: مَن اعتمرَ معنا في شوالٍ ثم حجَّ فهو متمتعٌ، عليه ما استيسَر من الهدْيِ، فمن لم يجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ وسبعةٍ إذا رجَعَ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٢٧.\n(^٢) أخرجه مالك ١/ ٣٤٤ عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر نحوه. وينظر المحلى ٧/ ٢٢١.\n(^٣) في م: \"قال ابن بشار: حدثنا، وقال عبد الحميد: أخبرنا\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قالا: حدثنا ابن بشار، قال عبد الحميد: أخبرنا\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٢٤ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق يحيى به. وينظر التمهيد ٨/ ٣٤٦، والمحلى ٧/ ٢٢٠.","vol":"3","page":416},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، عن عطاءٍ في رجلٍ اعتمرَ في غيرِ أشهرِ الحجِّ، فساق هديًا تطوُّعًا، فقدِمَ مكةَ في أشهرِ الحجِّ، قال: إن لم يكُنْ يريدُ الحجَّ، فلْيَنحَرْ هدْيَه، ثم ليرْجِعْ إن شاءَ، فإنْ هو نحَر الهديَ وحَلَّ، ثم بدَا له أن يُقيمَ حتى يحُجَّ، فلينْحَرْ هدْيًا آخرَ لمُتعتِه (^١)، فإن لَمْ يجِدْ فلْيصُمْ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عنبسةَ، عن ابنِ أبي ليلَى مثلَ ذلك.\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا يحيَى بنُ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ أنه كان يقولُ: مَن اعتمرَ في شوّالٍ أو في ذي القَعدةِ، ثم أقامَ بمكةَ حتى يحُجَّ، فهو مُتمتعٌ، عليه ما علَى المتمتعِ (^٣).\n[حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ مثلَه] (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن حجاجٍ، عن عطاءٍ مثلَ ذلك.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. قال: مَن أحرَم بالعمرةِ في أشهرِ الحجِّ، فما استيسرَ من الهدْيِ (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"لتمتعه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٢٥ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق ليث به. وينظر التمهيد ٨/ ٢٤٦، والمحلى ٧/ ٢٢٠.\n(^٣) أخرجه مالك ١/ ٣٤٥، وابن أبي شيبة ص ١٢٤، ١٢٥ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق يحيى به. وينظر المحلى ٧/ ٢٢٠.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر ذكره ابن عبد البر في التمهيد ٨/ ٣٤٦ والاستذكار ١١/ ٢٢٠ عن هشيم به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٠ (١٧٩٠) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"3","page":417},{"text":"حدَّثنا ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبَرنا نافعٌ، قال: أخبَرني ابنُ جُريجٍ، قال: كان عطاءٌ يقولُ: المتعةُ لخلقِ اللَّهِ أجمعينَ؛ الرجلِ والمرأةِ، والحرِّ والعبدِ، هي لكلِّ إنسانٍ اعتمرَ في أشهرِ الحجِّ ثم أقامَ ولم يبرَحْ حتى يحُجَّ، ساقَ (^١) هديًا مقلَّدًا أو لم يَسُقْ، وإنما سُمِّيتِ المتعةَ مِن أجلِ أنه اعتمرَ في شهورِ الحجِّ، فتمَتَّعَ بعمرةٍ إلى الحجِّ، ولم تُسَمَّ المتعةَ من أجلِ أنه يَحِلُّ بتمتُّعِ النِّساءِ (^٢).\nوأوْلى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: عنَى بها: فإن أُحْصِرتُم أيها المؤمنون في حَجِّكم، فما استيسرَ من الهديِ، فإذا أمِنتُم، فمن تمتَّعَ ممن حَلَّ من إحرامِه بالحجِّ - بسببِ الإحْصارِ بعمرةٍ اعتمرَها، لفَوْتِه الحجَّ في السنةِ القابلةِ في أشهرِ الحجِّ - إلى قضاءِ الحَجَّةِ التي فاتَتْه حينَ أُحْصِرَ عنها، ثم [حَلَّ مِن] (^٣) عُمرتِه فاستمتعَ بإحلَالِه من عُمرتِه إلى أن يحُجَّ، فعليه ما استيسرَ من الهدْيِ. وإن كان قد يكونُ متمتِّعًا مَن أنشأَ عمرةً في أشهرِ الحجِّ وقضاها، ثم حَلَّ من عُمرتِه وأقامَ حلَالًا بمكةَ (^٤) حتى حجَّ من عامِه. غيرَ أن الذي هو أولَى بالذي ذكَره اللَّهُ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ هو ما وصَفنا، من أجلِ أنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبَر عما على المحصَرِ عن الحجِّ والعمرةِ من الأحكامِ في إحصارِه، فكان مما أخبَر ﷻ أنه عليه - إذا أمِنَ مِن إحصارِه، [إن تمتَّع] (^٥) بالعمرةِ إلى الحجِّ - ما استيسرَ من الهدْيِ، فإن لم يجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ. فكان معلومًا بذلك أنه معنِيٌّ به اللازمُ له - عندَ أمْنِه من\n_________\n(^١) في الأصل: \"وساق\".\n(^٢) ينظر المحلى ٧/ ٢٢٠، ٢٢٢.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"دخل في\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في م: \"فتمتع\".","vol":"3","page":418},{"text":"إحصارِه - من العملِ بسببِ الإحلالِ الذي كان منه من (^١) حجِّه الذي أُحصِر فيه، دونَ المتمتِّعِ الذي لَمْ يتَقدَّمْ عُمرتَه ولا حجَّه إحصارُ مرضٍ ولا خوفٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-618>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.</span>\nيعني بذلك جلَّ ثناؤُه: [فعليه ما] (^٢) استيسرَ من الهدْيِ، يُهْدِيه جزاءً لاستمتاعِه بإحلالِه من إحرامِه الذي حَلَّ منه حينَ عادَ لقضاءِ حَجَّتِه التي أُحصِر فيها، وعمرتِه التي كانت لزِمته بفوتِ حجَّتِه. فإن لم يجِدْ هَدْيًا، فعليه صيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ في حَجِّه، وسبعةِ أيامٍ (^٣) إذا رجَعَ إلى أهلِه.\nثم اختلَفَ أهلُ التأويلِ في الثلاثةِ الأيامِ التي أوجَبَ اللَّهُ عليه صومَهنَّ في الحجِّ؛ أىُّ أيامِ الحجِّ هُنَّ؟ فقال بعضُهم: هُنَّ ثلاثةُ أيامٍ مِن أيامِ حَجِّه (^٤)، أيَّ أيامٍ شاءَ، بعدَ ألا يُجاوِزَ بآخرِهن يومَ عَرفةَ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني الحسينُ بنُ محمدٍ الذّارعُ، قال: ثنا حُميدُ بنُ الأسودِ، قال: ثنا جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ قال: قبلَ التَّرويةِ يومًا، ويومَ التَّرْويةِ، ويومَ عرفةَ (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"في\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فما\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٢ (١٨٠٠)، والبيهقي ٥/ ٢٥ من طريق جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٥ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد. وستأتي بقيته في ص ٤٢٤.","vol":"3","page":419},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ بنِ نصرٍ، عن ابنِ أبي حبيبةَ، عن داودَ بنِ حُصينٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ أنه قال: الصيامُ للمتمتِّعِ ما بينَ إحرامِه إلى يومِ عرفَةَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ في قولِه: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾. قال: يومٌ قبلَ الترويةِ، ويومُ الترويةِ، ويومُ عرفةَ، وإذا فاتَه صيامُها (^٢) صامَها أيامَ مِنًى (^٣).\nحدَّثني الحسينُ بنُ محمدٍ الذارعُ، قال: ثنا حُميدُ بنُ الأسودِ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن عروةَ، قال: المتمتعُ يصومُ قبلَ الترويةِ يومًا، ويومَ الترويةِ، ويومَ عرفةَ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ قال: آخِرُهنَّ يومُ عرفةَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، قال: سألتُ الحكمَ عن صومِ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ، قال: يصومُ قبلَ الترويةِ يومًا، ويومَ الترويةِ، ويومَ عرفةَ (^٤).\nحدَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبّارِيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نميرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾. أنه قال: آخِرُها يومُ عرفةَ (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٥ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣ من طرق عن ابن عمر بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٥ إلى وكيع وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٢ عقب الأثر (١٨٠٠) معلقًا.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣ من طريق الأعمش به، وتقدم أوله في ص ٣٢٨.","vol":"3","page":420},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ (^١)، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ أنه قال في المتمتعِ إذا لم يجدِ الهدْيَ: صامَ يومًا قبلَ (^٢) الترويةِ، ويومَ الترويةِ، ويومَ عرفَةَ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامُ بنُ سَلْمٍ وهارونُ، عن عَنبسَةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، قال: يصومُ المتمتعُ الثلاثةَ الأيامِ لمتعتِه في العشرِ إلى يومِ عرفَةَ. قال: وسمِعتُ مجاهدًا وطاوسًا يقولان: إذا صامَهنَّ في أشهرِ الحجِّ أجزأهُ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ وهارونُ، عن عَنبسةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: صومُ ثلاثةِ أيامٍ للمتمتِّعِ إذا لم يجِدْ ما يُهدِي، يصومُ في العشرِ إلى يومِ عرفةَ، متى ما (^٥) صامَ أجزأهُ، فإن صامَ الرجلُ في شوّالٍ أو ذي القَعدَةِ أجزأَه (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا بشرُ بنُ بكرٍ، عن الأوزاعيِّ، قال: ثنى يعقوبُ بنُ عطاءٍ، أن عطاءَ بنَ أبي رباحٍ كان يقولُ: مَن استطاعَ أن يصُومَهُنّ فيما بينَ أوَّلِ يومٍ من ذي الحِجَّةِ إلى يومِ عرفةَ فلْيصُمْ.\n_________\n(^١) في م: \"بشير\".\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يوم\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٢١ - تفسير) عن هشيم به نحوه، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢ من طريق حبيب، عن سعيد.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (تفسير - ٣٢٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٣ (١٨٠٤) من طريق سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وطاوس بنحوه، وقول عطاء ذكره ابن عبد البر في التمهيد ٨/ ٣٤٩.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٢٠ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق ابن أبي نجيح به بنحوه، وزاد: وقال طاوس وعطاء: لا يصوم المتمتع إلا في العشر.","vol":"3","page":421},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن يونُسَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾. قال: آخرُها يومُ عرفَةَ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن داودَ، وحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾. قال: قبلَ (^٢) الترويةِ يومًا، ويومَ الترويةِ، ويومَ عرفةَ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾: آخرُهنَّ يومُ عرفةَ مِن ذِي الحِجَّةِ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾: كان يقالُ: عرفةُ وما قبلَها يومين من العشْرِ.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾. قال: آخِرُها يومُ عرفةَ (^٥).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾. قال: آخرُها يومُ عرفةَ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣ عن ابن علية به.\n(^٢) بعده في م: \"يوم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢ من طريق داود به.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٢٧.\n(^٥) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٣٣٩.","vol":"3","page":422},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فِطْرٌ، عن عطاءٍ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾. قال: آخرُها يومُ عرفةَ (^١).\nحُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾. قال: عرفةُ وما قبلَها من العشرِ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ وإبراهيمَ، قالَا: صيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ (^٢)، آخِرُهنَّ عرفةُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ بنِ خُمَيرٍ (^٤)، قال: سألتُ طاوسًا عن صيامِ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ، قال: آخرُهنَّ يومُ عرفةَ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ إلى ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾: وهذا على المتمتِّعِ بالعمرةِ إذا لَمْ يجِدْ هدْيًا، فعليه صيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ قبلَ يومِ عَرفَةَ، فإنْ كان يومُ عرفةَ الثالثَ، فقد تمَّ صومُه، وسبعةٍ إذا رجَعَ إلى أهلِه (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١ من طريق حجاج، عن عطاء.\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في العشر\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١ عن جرير وابن فضيل وعياض، عن منصور به، وأخرجه ٤/ ٢ من طريق القاسم بن نافع، عن مجاهد وحده.\n(^٤) في م: \"خير\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حمير\". وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ١١٦.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣ من طريق إبراهيم بن ميسرة وابن طاوس، عن طاوس.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٣٩.","vol":"3","page":423},{"text":"حدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا زيادُ بنُ المنذرِ، عن أبى جعفرٍ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾. قال: آخِرُها يومُ عرفةَ (^١).\nوقال آخرون: بل آخِرُهُنَّ انقضاءُ أيامِ (^٢) مِنًى.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ الرَّمْلِيُّ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، أن عليًّا كان يقولُ: مَن فاتَه صيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ، صامَهنَّ أيامَ التشريقِ (^٣).\nحدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ ابنُ أخِي ابنِ وهبٍ، قال: ثنى عَمِّي عبدُ اللَّهِ بنُ وهبٍ، قال: ثنى يونسُ، عن الزهريِّ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، قال: قالت عائشةُ: يصُومُ المتمتِّعُ الذي يَفُوتُه الصيامُ أيامَ مِنًى (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن نافعٍ، قال: قال ابنُ عمرَ: مَن فاتَه صيامُ الثلاثةِ الأيامِ في الحجِّ، فليَصُمْ أيامَ التشريقِ، فإنَّهنَّ مِن الحجِّ (^٥).\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرني ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا عُمرُ بنُ محمدٍ، أن نافعًا حدَّثه، أن عبدَ اللَّهِ بنَ عُمرَ قال: من اعتمرَ في أشهرِ الحجِّ فلم يكنْ معه هدْيٌ، ولم يَصُمِ الثلاثةَ الأيامِ قبلَ أيامِ التشريقِ، فلْيصُمْ أيامَ مِنًى.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ١ من طريق حجاج، عن أبي جعفر.\n(^٢) في م: \"يوم\".\n(^٣) تقدم أوله في ص ٤١٩. وينظر معرفة السنن والآثار ٣/ ٥٢٧.\n(^٤) أخرجه مالك ١/ ٤٢٦ - ومن طريقه البخاري (١٩٩٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٢ (١٨٠١)، والبيهقي ٥/ ٢٤ - عن الزهري به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٢٢ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن ابن علية به.","vol":"3","page":424},{"text":"حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عيسى بنِ أبي ليلى يُحدِّث عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، وعن سالمٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ، أنهما قالا: لم يُرخَّصْ في أيامِ التشريقِ أن يصُومَ إلَّا لمن لم (^١) يجِدْ هدْيًا (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا هشامٌ، عن عُبيدِ اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: إذا لَمْ يَصُمِ الثلاثةَ الأيامِ قبلَ النحرِ صام أيامَ التشريقِ، فإنها من أيامِ الحجِّ. وذكَره (^٣) هشامُ [بنُ عروةَ، عن أبيه] (^٤)، عن عائشةَ (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه في هذه الآيةِ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾. قال: هي أيامُ التشريقِ (^٦).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن يونسَ [بنِ أبي] (^٧) إسحاقَ، عن وَبَرةَ، عن ابنِ عمرَ، قال: يصومُ يومًا قبلَ الترويةِ، ويومَ الترويةِ، ويومَ عرفةَ. قال: وقال عُبيدُ بنُ عُميرٍ: يصومُ أيامَ التشريقِ (^٨).\nوعلةُ من قال: آخرُ الثلاثةِ الأيامِ التي أوجبَ اللَّهُ صومَهنَّ (^٩) على من لم يجِدِ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٢٣، والبخاري (١٩٩٧، ١٩٩٨)، والبيهقي ٥/ ٢٥ من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الدارقطني ٢/ ١٨٥ من طريق شعبة به.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وذكر\".\n(^٤) في الأصل: \"أيضًا\".\n(^٥) بعده في م: \"قال\". وقول ابن عمر أخرجه البيهقي ٥/ ٢٥ من طريق عبيد الله به بنحوه.\n(^٦) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٢ عقب الأثر (١٨٠٣) معلقًا.\n(^٧) في الأصل: \"بن\"، وفي م: \"عن أبي\". وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٤٨٨.\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٤ عن وكيع به.\n(^٩) بعده في م: \"في الحج\".","vol":"3","page":425},{"text":"الهدْيَ من المتمتِّعينَ، يومُ عرفةَ. أن اللَّهَ ﵎ أوجبَ صومَهنَّ في الحجِّ بقولِه: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾. قالوا: وإذا انقضَى يومُ عرفةَ فقد انقضَى الحجُّ؛ لأنَّ يومَ النحرِ يومُ إحلالٍ من الإحرامِ. قالوا: وقد أجمَع الجميعُ أنه غيرُ جائزٍ له صومُ يومِ النحرِ. قالوا: فإنْ يكنْ إجماعُهم على أن ذلك له غيرُ جائزٍ من أجلِ أنه ليس من أيامِ الحجِّ، فأيامُ التشريقِ بعدَه أحْرَى ألا تكونَ من أيامِ الحجِّ؛ لأن أيامَ الحجِّ متى انقضَتْ من سنةٍ، فلن تعودَ إلى سنةٍ أُخرَى بعدَها، أو يكونَ إجماعُهم على أن ذلكَ له غيرُ جائزٍ من أجلِ أنه يومُ عيدٍ، فأيامُ التشريقِ التي بعدَه في معناه؛ لأنها أَيامُ عيدٍ، وأن النبيَّ ﷺ قد نهَى عن صومِهنَّ (^١)، كالذي (^٢) نهَى عن صومِ يومِ النَّحرِ. قالوا: وإذا كان يفُوتُ صومُهنّ بمضيِّ يومِ عرفَةَ، لم يكنْ إلى صيامِهنَّ في الحجِّ سبيلٌ؛ لأنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه شرَطَ صومَهنَّ في الحجِّ، [فلن يُجْزِئَ] (^٣) عنه إلا الهدْيُ الذي فوضَه اللَّهُ عليه لتمتُّعِه (^٤).\nوعلَّةُ مَن قال: آخرُ الأيامِ الثلاثةِ التي ذكَرها اللَّهُ في كتابِه انقضاءُ آخرِ أيامِ منًى. أن اللَّهَ ﵎ أوجَبَ على المتمتعِ ما استَيسَر من الهدْيِ، ثم الصيامَ إن لم يجِدْ إلى الهدْيِ سبيلًا. قالوا: وإنما يجِبُ عليه نحْرُ هدْيِ المتعةِ يومَ النحرِ ولو كان له واجدًا قبلَ ذلك. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، فإنما رُخِّصَ له في الصومِ يومَ يلزَمُه نحرُ الهدْيِ فلا يجِدُ إليه سبيلًا. قالوا: والوقتُ الذي يلزَمُه فيه نحْرُ الهديِ يومُ النحرِ، والأيامُ التي بعدَه من أيامِ النحرِ، فأما قبلَ ذلك فلم [يكنْ عليه نحرٌ] (^٥). قالوا:\n_________\n(^١) ينظر ما سيأتي في ص ٥٥٥، ٥٥٦.\n(^٢) في م: \"كما\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فلم يجز\".\n(^٤) في م: \"لمتعته\".\n(^٥) في م: \"يمكن نحره\".","vol":"3","page":426},{"text":"فإذا كان النحرُ لم يكنْ له لازمًا قبلَ ذلك، وإنما لزِمَه يومَ النحرِ، فإنما لَزِمَه الصومُ يومَ النحرِ، وذلك حينَ عَدِمَ الهدْيَ فلم يجِدْه، فوجَب عليه الصومُ. قالوا: وإذا كان (^١) كذلك، فالصومُ إنما يلزَمُه أولُه في اليومِ الذي يلي يومَ النحرِ، وذلك أن النحرَ إنما كان لزِمَه من بعدِ طلوعِ الفجرِ، ومن ذلك الوقتِ إذا لم يجِدْه يكونُ له الصومُ. قالوا: وإذا طلَعَ فجرُ يومٍ ولم يلزَمْه صومُه قبلَ ذلك - إذ كان الصومُ لا يكونُ في بعضِ نهارِ يومٍ في واجبٍ - عُلِمَ أن الواجبَ عليه من (^٢) الصومِ، من اليومِ الذي يَليه إلى انقضاءِ الأيامِ الثلاثةِ بعدَ يومِ النحرِ من أيامِ التشريقِ. قالوا: ولا معنى لقولِ القائلِ: إنَّ أيامَ مِنًى ليستْ من أيامِ الحجِّ؛ لأنهنّ يُنسَكُ فيهنَّ بالرميِ والعكوفِ على عَملِ الحجِّ، كما يُنسَكُ غيرُ ذلك من أعمالِ الحجِّ في الأيامِ قبلَها.\nقالوا: وهذا مع شهادةِ الخبرِ الذي حدَّثني به محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكمِ المصريُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سلَّامٍ، أن شعبةَ حدَّثه عن ابنِ أبي ليلَى، عن الزهريِّ، عن سالمِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، عن أبيه، قال: رَخَّصَ رسولُ اللَّهِ ﷺ للمتمتِّع إذا لم يجِدِ الهدْيَ ولم يَصُمْ حتى فاتَته أيامُ العشرِ، أن يَصومَ أيامَ التشريقِ مكانَها (^٣). بصحةِ ما قلنا في ذلك من القولِ، وخطإِ قولِ مَن خالفَ قولَنا فيه.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، عن سفيانَ بنِ حُسينٍ، عن الزهريِّ، قال: بعَث رسولُ اللَّهِ ﷺ عبدَ اللَّهِ بنَ حُذافةَ بنِ قيسٍ، فنادَى في أيامِ التشريقِ، فقال: \"إنَّ هذه أيامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكرِ اللَّهِ، إلَّا مَن كان عليه صومٌ من\n_________\n(^١) بعده في م: \"ذلك\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٣) أخرجه الطحاوي في شرح المعاني ٢/ ٢٤٣، والدارقطني ٢/ ١٨٦، والبيهقي ٥/ ٢٥ من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم به. وقال الدارقطني: يحيى بن سلام ليس بالقوي.","vol":"3","page":427},{"text":"هدْيٍ\" (^١).\nواختلَف أهلُ العلمِ في أولِ الوقتِ الذي يجِبُ على المتمتِّعِ الابتداءُ في صومِ الأيامِ الثلاثةِ التي قال اللَّهُ ﵎: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ والوقتِ الذي يجوزُ له فيه صومُهنَّ، وإن لم يكنْ واجبًا عليه فيه صومُهنَّ؛ فقال بعضُهم: له أن يصومَهنَّ من أولِ أشهرِ الحجِّ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ وهارونُ، عن عَنْبَسةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وطاوسٍ أنهما كانا يقولان: إذا صامَهنَّ في أشهرِ الحجِّ أجزأه. قال: وقال مجاهدٌ: إذا لم يجِدِ المتَمتعُ ما يُهدِي، فإنه يصومُ في العشْرِ إلى يومِ عَرفةَ، متى ما صامَ أجزَأَه، فإن صامَ الرجلُ في شوّالٍ أو ذِي القَعدَةِ أجْزأَه (^١).\nحدَّثني أحمدُ بنُ المغيرةِ أبو المغيرةِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمٍ الطائفيُّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: مَن صام يومًا في شوَّالٍ، ويومًا في ذي القَعدةِ، ويومًا في ذي الحِجةِ، أجزأَه عنه مِن صومِ التَّمتُّعِ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: إن شاء صام أوّلَ يومٍ من شوّالٍ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾. قال: إن شاء صامها في العشرِ، وإن شاء في ذِي القَعدةِ، وإن شاء في شوّالٍ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني ٢/ ١٨٧ من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن حذافة بنحوه.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٤٢١.","vol":"3","page":428},{"text":"وقال آخرون: يصومُهنَّ في عَشْرِ ذي الحِجَّةِ دونَ غيرِها.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ وهارونُ، عن عَنْبَسةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، قال: يصومُ المُتمتِّعُ (^١) الثلاثةَ الأيامِ لمتعتِه في العشرِ إلى يومِ عرفةَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا بشرُ بنُ بكرٍ، عن الأوزاعيِّ، قال: حدَّثني يعقوبُ [بنُ عطاءٍ] (^٣)، أن عطاءَ بنَ أبي رباحٍ كان يقولُ: مَن استطاعَ أن يصومَهنّ فيما بينَ أوَّلِ يومٍ من ذي الحِجةِ إلى يومِ عرفةَ فليصُمْ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ، قال: لا بأْسَ أن يَصومَ المتمتِّعُ في العشْرِ وهو حَلالٌ (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا أبو شهابٍ، عن الحجاجِ، عن أبي جَعفرٍ، قال: لا يُصامُ إلَّا في العشْرِ.\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا الربيعُ، عن عطاءٍ أنه كان يقولُ في صيامِ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ، قال: في تسعٍ من ذي الحِجةِ، أيَّها شئتَ، فمن صام قبلَ ذلك في شوّالٍ وفي ذي القَعدةِ، فهو بمنزلةِ مَن لَمْ يَصُمْ.\nوقال آخرون: له أن يَصومَهنَّ قبلَ الإحرامِ بالحجِّ.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٤٢١.\n(^٣) سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٣٥٣.\n(^٤) تفسير سفيان ص ٦٢.","vol":"3","page":429},{"text":"ذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قال: أخبرنا أيوبُ، عن عكرمةَ، قال: إذا خَشِي أَلا يُدْرِكَ الصومَ بمكةَ، صام بالطريقِ يومًا أو يوميْن (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ، قال: لا بأسَ أن تَصُومَ الثلاثةَ الأيامِ في المتعةِ وأنت حَلالٌ.\nوقال آخرون: لا يجوزُ له أن يَصومَهنَّ إلَّا بعدَ ما يُحرِمُ بالحجِّ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ، قال: لا يَصومُهُنَّ إلَّا وهو حَرامٌ (^٢).\nوحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ بنِ نصرٍ، عن ابنِ أبي حَبِيبةَ، عن داودَ بنِ حُصينٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: الصيامُ للمتمتِّعِ ما بينَ إحرامِه إلى يومِ عرفةَ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ، قال: لا يُجزئُه صومُ ثلاثةِ أيامٍ وهو مُتمتعٌ إلَّا أنْ يُحرِمَ. وقال مجاهدٌ: يُجزِئُه إذا صام في ذي القَعدةِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٢١ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن ابن علية به.\n(^٢) أخرجه البيهقي ٥/ ٢٥ من طريق سفيان به.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٤٢٠.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٢١ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٥ إلى عبد الرزاق وابن المنذر، وليس في هذه المصادر قول مجاهد.","vol":"3","page":430},{"text":"والصوابُ من القولِ في ذلك عندي أن للمتمتِّعِ أن يصومَ الأيامَ الثلاثةَ التي أوجَبَ اللَّهُ عليه صومَهنَّ لمتعتِه إذا لم يَجِدْ ما استيسرَ من الهدْيِ، من أولِ إحرامِه بالحجِّ بعدَ قضاءِ عمرتِه واستمتاعِه بالإحلالِ إلى حجِّه، إلى انقضاءِ آخرِ عملِ حجِّه، وذلك (^١) انقضاءُ أيامِ مِنًى سوَى يومِ النحرِ، فإنه غيرُ جائزٍ له صومُه، ابتدَأَ صومَهُنَّ قبلَه، أو ترَكَ صومَهنَّ فأخَّره (^٢) حتى انقضاءِ يومِ عرفةَ.\nوإنما قلنا: له صومُ أيامِ التشريقِ؛ لما ذكَرنا من العلَّةِ لقائلي (^٣) ذلك قبلُ (^٤). فإن صامَهنّ قبلَ إحرامِه بالحجِّ، فإنه غيرُ مُجزِئٍ صومُه ذلك من الواجبِ عليه، من الصومِ الذي فرَضه اللَّهُ عليه لمتعتِه، وذلك أنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه إنما أوجَبَ الصومَ على من لم يجِدْ هدْيًا، ممن استمتَعَ بعمرتِه إلى حجِّه، فالمعتمرُ قبلَ إحلالِه من عُمرتِه وقبلَ دخولِه في حَجِّه غيرُ مُستحقٍّ اسمَ متمتعٍ بعمرتِه (^٥) إلى حجِّه، وإنما يُقالُ له قبلَ إحرامِه: معتمِرٌ. حتى يدخُلَ بعدَ إحلالِه في الحجِّ قبلَ شُخوصِه عن مكةَ، فإذا دخَل في الحجِّ محرِمًا به بعدَ قضاءِ عُمرتِه في أشهرِ الحجِّ ومُقامِه بمكةَ بعدَ قضاءِ عُمرتِه حَلالًا حتى يَحُجَّ (^٦) من عامِه، سُمِّي مُتمتِّعًا، فإذا استحَق اسمَ مُتمتِّعٍ لزِمه الهدْيُ، وحينئذٍ يكونُ له الصومُ بِعدَمِه الهدْيَ إن عدِمَه فلم يجِدْه. فأمَّا إن صامه قبلَ دخولِه في الحجِّ، وإن كان من نيتِه الحجُّ، فإنما هو رجلٌ صام صومًا ينوي به قضاءً عما عسَى أن\n_________\n(^١) بعده في م: \"بعد\".\n(^٢) في الأصل: \"وأخَّر\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لقائل\".\n(^٤) في م: \"قيل\".\n(^٥) في الأصل: \"بعمرة\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حج\".","vol":"3","page":431},{"text":"يلزمَه أو لا يلزمَه، فسبيلُه سبيلُ رجلٍ مُعسرٍ صام ثلاثةَ أيامٍ ينوِي بصومِهنَّ كفارةً (^١) ليمينٍ يريدُ أن يَحلِفَ بها ويَحنَثَ فيها، وذلك ما لا خلافَ بينَ الجميعِ أنه غيرُ مُجزِئٍ من كفارةِ يمينٍ (^٢)، إن حلَفَ بها بعدَ الصومِ فحنِثَ.\nفإن ظَنَّ ظانٌّ أنّ صومَ المعتمرِ بعدَ إحلالِه من عُمرتِه، أو قبلَه وقبلَ دخولِه في الحجِّ - مُجزِئٌ عنه من الصومِ الذي أوجَبه اللَّهُ عليه، إن تمتعَ (^٣) بعمرتِه إلى الحجِّ، نظيرَ ما أجزَأ الحالفَ بيمينٍ إذا كفَّرَ عنها قبلَ حِنثِه فيها بعدَ حَلِفِه بها، فقد ظَنَّ خطأً؛ لأنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُه جعَلَ لليمينِ تحليلًا هو غيرُ تكفيرٍ، فالفاعلُ فيها قبلَ الحِنْثِ فيها ما يفعَلُه المُكَفِّرُ بعدَ حِنْثِه فيها، مُحلِّلٌ غيرُ مُكفِّرٍ، والمتمتعُ إذا صام قبلَ تمتُّعِه، صائمٌ تكفيرًا لما يَظُنُّ أنه يلزَمُه ولَمَّا يلزمْه، فهو كالمكفِّرِ عن قتلِ صيدٍ يريدُ قتْلَه وهو مُحرمٌ قبلَ قتلِه، وعن تَطيُّبٍ قبلَ تَطيُّبِه.\nومَن أبَى ما قلنا في ذلك، ممن زعَمَ أن للمعتمرِ الصومَ قبلَ إحرامِه بالحجِّ، قيلَ له: ما قلتَ في مَن كفَّرَ مِن المحرِمينَ عن الواجبِ علَى مَن ترَكَ رمْيَ الجمراتِ أيامَ مِنًى يومَ عرفةَ، وهو ينوِي تركَ رَمْيِ (^٤) الجمراتِ، ثم أقامَ بمنًى أيامَ مِنًى حتى انقضَتْ تاركًا رَمْيَ الجمراتِ، هل يُجزِئُه تكفيرُه ذلكَ عن الواجبِ عليه في تركِه ما ترَك من ذلك؟ فإن زعَمَ أن ذلك يُجزِئُه، سُئلَ عن مثلِ ذلكَ في جميع مناسِكِ الحجِّ التي (^٥) أوجَبَ اللَّهُ في تضييعِها (^٦) على المحْرِمِ أو في فعلِه كفارةً، فإن سوَّى بين جميعِ ذلك\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يمين\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في الأصل: \"يتمتع\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في الأصل: \"الذي\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تضييعه\".","vol":"3","page":432},{"text":"قادَ (^١) قولُه، وسُئِلَ عن نظيرِ ذلك في العازمِ على أن يُجامِعَ في شهرِ رمضانَ وهو مقيمٌ صحيحٌ، إذا كفَّرَ قبلَ دخولِ الشهرِ، ثم (^٢) دخَلَ الشهرُ ففعَلَ ما كان عازمًا عليه، هل تُجزئُه كفارَتُه التي كفَّرَ عن الواجبِ مِن وَطْئِه ذلك؟ وكذلك يُسئلُ عمن أرادَ أنْ يُظاهِرَ من امرأتِه، فإنْ قاد (١) قولُه في ذلك، خرَجَ من قولِ جميعِ الأمَّة. وإن أبَى شيئًا من ذلك، سُئِلَ الفرْقَ بينَه وبينَ الصائمِ لمتعتِه قبلَ تمتعِه وقَبلَ إحرامِه بالحجِّ، ثم عُكِسَ عليه القولُ في ذلك، فلن يقولَ في أحدِهما قولًا (^٣) إلَّا أُلزِمَ في الآخرِ مثلَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-619>القولُ في تأويل قولِه: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾.</span>\nيعني بذلك جلَّ ثناؤُه: فمَن لم يجِدْ ما استَيْسرَ من الهدْيِ، فعليه صيامُ ثلاثةِ أيامٍ في حَجِّه، وصيامُ سبعةِ أيامٍ إذا رجَعَ إلى أهلِه ومِصْرِه.\nفإن قال لنا قائلٌ: أوَ ما يجِبُ عليه صومُ السبعةِ الأيامِ بعدَ الأيامِ الثلاثةِ التي يَصومُهنَّ في الحجِّ إلَّا بعدَ رُجوعِه إلى مِصرِه وأهلِه؟\nقيلَ: بلى (^٤)، قد وجَب (^٥) عليه صومُ الأيامِ العشرةِ بعدَمِ ما اسْتَيْسرَ من الهدْيِ لمتعتِه، ولكنَّ اللَّهَ ﵎ رأفةً منه بعبادِه رخَّص لمن أوجَبَ ذلك عليه [أن يُؤَخِّرَ صَوْمَ الأيامِ السبعةِ إلى رُجوعِه إلى منزلِه؛ تَيْسِيرًا منه عليه] (^٦)، كما رخَّصَ للمسافرِ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فاد\". يقال: تقاود المكان: استوى. أساس البلاغة (ق ود).\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٣) في م: \"شيئًا\".\n(^٤) في م: \"بل\".\n(^٥) في م: \"أوجب الله\".\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":433},{"text":"والمريضِ في شهرِ رمضانَ الإفطارَ وقضاءَ عدَّةِ ما أفطرَ من الأيامِ من أيامٍ أُخَرَ، ولو تحمَّلَ المتمتعُ فصامَ الأيامَ السبعةَ في سفَرِه قبلَ رُجوعِه إلى وطَنِه، أو صامَهنَّ بمكةَ، كان مؤدِّيًا ما عليه من فرضِ الصومِ في ذلك، وكان بمنزلةِ الصائمِ شهرَ رمضانَ في سفَرِه أو مرَضِه، مختارًا للعسرِ على اليسرِ.\nوبالذي قلنا في ذلك قالت علماءُ الأمةِ.\nذِكرُ بعضِ (^١) من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. قال: هي رُخْصَةٌ، إن شاءَ صامها في الطريقِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. قال: هي رُخصةٌ، إن شاءَ صامَها في الطريقِ، وإن شاءَ صامَها بعدَ ما يرجِعُ إلى أهلِه.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. قال: إن شاءَ صامَها في الطريقِ، وإنما هي رُخصةٌ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن منصورٍ،\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٣ (١٨٠٨) من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة ص ١٢٣ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق منصور وليث، عن مجاهد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦ إلى وكيع وعبد بن حميد.","vol":"3","page":434},{"text":"عن مجاهدٍ، قال: إن شئتَ صُمْتَ (^١) السبعةَ في الطريقِ، وإن شئتَ إذا رجَعتَ إلى أهلِك.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن فِطرٍ، عن عطاءٍ، قال: يصومُ السبعةَ إذا رجَعَ إلى أهلِه أَحَبُّ إليَّ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. قال: إن شِئتَ في الطريقِ، وإن شِئتَ بعدَ ما تَقدَمُ (^٣).\nفإن قال قائلٌ (^٤): وما برهانُك على أن معنى قولِه: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾: إذا رجَعتم إلى أهلِيكم وأمصارِكم. دونَ أن يكونَ معناه: إذا رجَعتم من مِنًى إلى مكةَ؟\nقيل: إجماعُ جميعِ أهلِ العلمِ على أن معناه ما قلنا دونَ غيرِه.\nذِكرُ بعضِ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. قال: إذا رجَعْتَ إلى أهلِك.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾: إذا رجَعتُم إلى أمْصارِكُم (^٥).\nحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٦).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"صم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٦ إلى وكيع.\n(^٣) بعده في م: \"إلى أهلك\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٣ عقب الأثر (١٨٠٥) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"3","page":435},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. قال: إلى أهلِك (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-620>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿كَامِلَةٌ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فصيامُ الثلاثةِ الأيامِ في الحجِّ، والسبعةِ الأيامِ بعد ما يرجِعُ إلى أهلِه، عشَرةٌ كاملةٌ من الهدْيِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن عَبّادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾. قال: كاملةٌ من الهدْيِ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عبّادٍ، عن الحسنِ مثلَه.\nوقال آخرون: بل معنَى ذلك: كَمَّلَتْ لكم أجرَ مَن أقام على إحرامِه، فلم يَحِلَّ ولم يتمتَّعْ تَمتُّعَكُم بالعمرَةِ إلى الحجِّ.\nوقال آخرون: معنَى ذلك الأمرُ وإن كان مُخرجُه مُخرجَ الخبرِ، وإنما عنَى بقولِه: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾: تلك عشَرةُ أيامٍ فأَكْمِلُوا صومَها لا تُقصِّرُوا عنها؛ لأنه فرضٌ عليكم صومُها.\nوقال آخرون: بل قولُه: ﴿كَامِلَةٌ﴾. توكيدٌ للكلامِ، كما يقولُ القائلُ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٢٣ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق قتادة، عن سعيد بنحوه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٣ (١٨٠٩) من طريق هشيم به.","vol":"3","page":436},{"text":"سَمِعتُه بأُذُنِي، ورأيتُه بعينِي. وكما قال: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]. ولا يكونُ الخَرُّ إلَّا من فوقٍ، فأمّا مِن موضعٍ آخرَ، فإنما يجوزُ على سَعَةِ الكلامِ.\nوقال آخرون: إنما قال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾. وقد ذكَرَ سبعةً وثلاثةً؛ لأنه إنما أخبَر أنها مُجزِئةٌ وليس يُخبرُ عن عدَّتِها. وقالوا: ألا ترَى أن قولَه: ﴿كَامِلَةٌ﴾ إنما هو: وافيةٌ.\nوأوْلى هذه الأقوالِ عندي بالصوابِ (^١) قولُ من قال: معنَى ذلك: تِلكَ عشَرةٌ كاملةٌ عليكم فَرْضُ (^٢) إكمالِها. وذلك أنه جلّ ثناؤُه قال: فمن لم يجِدِ الهدْيَ فعليه صيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ، وسبعةٍ إذا رجَعْتُم (^٣). ثم قال: تلك عَشَرةُ أيامٍ عليكم إكمالُ صومِها لتَمتُّعِكم بالعمرةِ إلى الحجِّ. فأخرَجَ ذلك مُخرَجَ الخبرِ، ومعناه الأمرُ بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-621>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.</span>\nيعني جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾ (^٤): التمتُّعُ بالعمرةِ إلى الحجِّ لمن لم يكنْ أهلُه حاضرِي المسجدِ الحرامِ.\nكما حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. يعني: المتعةَ أنها لأهلِ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م، ت ١: \"فرضنا\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"فرضا\".\n(^٣) في م: \"رجع\".\n(^٤) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أي\".","vol":"3","page":437},{"text":"الآفاقِ، ولا تصلُحُ لأهلِ مكةَ (^١).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: إنما (^٢) هذا لأهلِ الأمصارِ؛ ليكونَ عليهم أيْسرَ من أنْ يَحُجَّ أحدُهم مرةً ويعتمِرَ أخرَى، فيَجْمَعَ حَجَّتَه وعمرتَه في سنةٍ واحدةٍ.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ في من عنَى بقولِه: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. بعد إجماع جميعِهم على أن أهلَ الحرَمِ معنيُّونَ به، وأنه لَا مُتعةَ لهم؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك أهلَ الحرمِ خاصةً دونَ غيرِهم.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: قال ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ: هم (^٣) أهلُ الحرَمِ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: أهلُ الحرَمِ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، قال: بلَغنا عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: هم أهلُ الحرمِ والجماعةُ عليه (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٤ عقب الأثر (١٨١١) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) في م: \"أن\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤١ عن المصنف، وقول ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٧ إلى المصنف وابن المنذر، وسيأتي تخريج قول مجاهد.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤١ عن ابن المبارك به.","vol":"3","page":438},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال قتادةُ: ذُكِرَ لنا أن (^١) ابنَ عباسٍ كان يقولُ: يا أهلَ مكةَ، إنه لا متعةَ لكم، أُحِلَّت لأهلِ الآفاقِ وحُرِّمت عليكم، إنما يقطعُ أحدُكم واديًا - أو قال: يجعَلُ بينَه وبينَ الحرمِ واديًا - ثم يُهلُّ بعمرةٍ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، أن أهلَ مكَّةَ كانوا يَغزُون ويَتَّجِرونَ، فيقدَمون في أشهرِ الحجِّ ثم يَحُجُّون، ولا يكونُ عليهم الهدْيُ ولا الصيامُ، أرْخصَ لهم في ذلك؛ لقولِ اللَّهِ - جلَّ وعزَّ -: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (^٣).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: أهلُ الحرمِ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، قال: المتعةُ للناس، إلا لأهلِ مكةَ ممن (^٥) لم يكنْ أهلُه من الحرَمِ، وذلك قولُ اللَّهِ ﵎: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: وبلَغني عن ابنِ عباسٍ مثلُ قولِ طاوسٍ (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: \"بأن\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٦ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ينظر ما علقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٤ عقب الأثر (١٨١٤).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٤ (١٨١٤) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٧ إلى وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد.\n(^٥) في الأصل: \"من\".\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٦.","vol":"3","page":439},{"text":"وقال آخرون: بل عنَى بذلك أهلَ الحرمِ ومَن كان منزلُه دونَ المواقيتِ إلى مكةَ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ، عن مكحولٍ [في قولِه] (^١): ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: مَن كان دونَ المواقيتِ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ بإسنادِه مثلَه، إلَّا أنه قال: ما كانَ دونَ المواقيتِ إلى مكةَ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيَى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن رجلٍ، عن عطاءٍ، قال: من كان أهلُه مِن دونِ المواقيتِ، فهو كأهلِ مكةَ لا يتمتَّعُ.\nوقال بعضُهم: بل عنَى بذلك أهلَ الحرمِ ومَن قَرُب منزِلُه منه (^٣).\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: عرَفةُ (^٤)، وعُرَنةُ (^٥)، والرجيعُ (^٦)، وضَجَنانُ (^٧)، ونخلتانِ (^٨).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤١ عن ابن المبارك به.\n(^٣) سقط من الأصل.\n(^٤) بعده في م: \"مر\". وستأتي في الأثر بعده.\n(^٥) عرنة: واد بحذاء عرفات. معجم البلدان ٣/ ٦٥٧.\n(^٦) الرجيع: ماء لهذيل قرب الهَدْءة بين مكة والطائف. معجم البلدان ٢/ ٧٥٦.\n(^٧) ضجنان: جبل بناحية تهامة. معجم البلدان ٣/ ٤٦٥.\n(^٨) نخلتان: تثنية نخلة وهي عن يمين بستان ابن عامر وشماله، يقال لهما: النخلة اليمانية والنخلة الشامية. =","vol":"3","page":440},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفَاريُّ والمثنَّى، قالا: ثنا أبو نُعيمٍ الفضلُ بنُ دُكَينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: عرفةُ، ومَرٌّ (^١)، وعُرَنَةُ، وضَجَنانُ، والرجيعُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن مَعمرٍ، عن الزهريِّ في هذه الآيةِ، قال: اليومَ واليومين (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمَرٌ، قال: سمِعتُ الزهريَّ يقولُ: مَن كان أهلُه على يومٍ أو نحوِه تمتَّعَ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ جريجٍ، عن عطاءٍ، أنه جعَل أهلَ عرفةَ من أهلِ مكةَ في قولِه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: أهلُ مكةَ وفَجٍّ (^٤) وذي طُوًى (^٥)، وما يلي ذلك فهو مِن مكةَ.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ عندَنا قولُ من قال: إن حاضِري المسجدِ\n_________\n= معجم البلدان ٤/ ٧٦٨.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٤ (١٨١٣) من طريق وكيع به.\n(^١) مر: بينها وبين مكة خمسة أميال. معجم البلدان ٤/ ٤٩٣.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤١ عن الزهري.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٦.\n(^٤) فج: هو فج الروحاء، وهو بين مكة والمدينة، كان طريق رسول الله ﷺ إلى بدر وإلى مكة عام الفتح وعام الحج. معجم البلدان ٣/ ٨٥١.\n(^٥) ذو طُوى: بالضم موضع عند مكة. معجم البلدان ٣/ ٥٥٣.","vol":"3","page":441},{"text":"الحرامِ مَن هو حولَه ممن بينَه وبينَه من المسافةِ ما لا تُقْصَرُ إليه الصلاةُ؛ لأن الحاضِرَ الشيءِ في كلامِ العربِ هو الشاهدُ له بنفْسِه. وإذا كان ذلك كذلك، وكان لا يَستحِقُّ أن يُسمَّى غائبًا إلَّا مَن كان مسافرًا شاخصًا عن وطنِه، وكان المسافرُ لا يكونُ مسافرًا إلَّا بشخوصِه عن وطنِه إلى ما تُقصَرُ في مثلِه الصلاةُ، وكان مَن لم يكنْ كذلكَ لا يَستحِقُّ اسمَ غائبٍ عن وطنِه ومنزِلِه، كان كذلك مَن لم يكنْ من المسجدِ الحرامِ على ما تُقصَرُ إليه الصلاةُ غيرَ مُستحِقٍّ أن يقالَ: هو من غيرِ حاضرِيه. إذ كان الغائبُ عنه هو مَن وصَفْنا صِفتَه.\nوإنما لم تكنِ المتعةُ لمن كان من حاضرِي المسجدِ الحرامِ، من أجلِ أن التَّمتعَ إنما هو الاستمتاعُ بالإحلالِ من الإحرامِ بالعمرةِ إلى الحجِّ، مرتفِقًا في ترْكِ العودِ إلى المنزلِ والوطنِ، بالمقامِ بالحرَمِ حتى يُنشِئَ منه الإحرامَ بالحجِّ، وكان المعتمرُ متى قضَى عُمرتَه في أشهرِ الحجِّ، ثم انصرَفَ إلى وطنِه، أو شَخَص عن الحرمِ إلى ما تُقصَرُ فيه الصلاةُ، ثم حَجَّ من عامِه ذلك، بطَل أن يكونَ مُسْتَمْتِعًا؛ لأنه لم يَسْتَمْتِعْ بالمِرْفَقِ الذي جُعِل للمُستمتِعِ؛ مِن ترْكِ العَوْدِ إلى الميقاتِ، والرجوعِ إلى الوطنِ، بالمُقامِ في الحرَمِ، وكان المكِّيُّ [ومَن هو] (^١) من حاضرِي المسجدِ الحرامِ لا [مَرْفِقَ له في ذلك] (^٢) من أجلِ أنه متى قضَى عُمْرَتَه أقام في وطنِه بالحرمِ، فهو غيرُ مُرْتَفِقٍ بشيءٍ مما يَرْتَفِقُ به مَن لَم يكنْ أهلُه من حاضِرِي المسجدِ الحرامِ، فيكونَ [مُسْتَمْتِعًا به بإحلالِه] (^٣) من عمرتِه إلى حجِّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-622>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: م، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وهو\".\n(^٢) في م: \"يرتفق بذلك\".\n(^٣) في م: \"متمتعًا بالإحلال\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مستمتعا بالإحلال\".","vol":"3","page":442},{"text":"يعني بذلك جل ثناؤُه: واتقُوا اللَّهَ بطاعتِه فيما أَلزَمَكم من (^١) فرائضِه وحدودِه، واحْذَرُوا أن تَعْدُوا (^٢) ذلك، [وأن] (^٣) تَتجاوزوا ما (^٤) بَيَّن لكم في (^٥) مناسكِكم، فتَسْتَحِلُّوا ما حَرَّم فيها عليكم، واعلَموا فتيقَّنوا (^٦) أنه تعالى ذِكْرُه شديدٌ عقابُه لمَن عاقَبه على ما انتَهك مِن محارمِه، ورَكِب مِن معاصِيه.\n\n<span id=\"aya-204\"></span><span data-type='title' id=toc-623>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤُه بذلك: وقتُ الحجِّ أشهرٌ معلوماتٌ. فـ \"الأشهرُ\" مرفوعاتٌ بـ \"الحَجِّ\"، وإن كنَّ (^٧) له وقتًا لا صفةً ونعتًا، إذ (^٨) لم تكنْ محصوراتٍ بتعريفٍ، بإضافةٍ إلى معرفةٍ أو معهودٍ، فصار الرفعُ فيهن كالرفعِ في قولِ العربِ في نظيرِ ذلك من المَحِلِّ: المسلمون جانبٌ، والكفارُ جانبٌ. برفعِ الجانبِ إذ (^٩) لم يكنْ محصورًا على حدٍّ معروفٍ. ولو قيل: جانبَ أرضِهم أو بلادِهم. لكان النصبُ هو الكلامَ.\nثم اختلَفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾؛ فقال بعضُهم: يعني بالأشهرِ المعلوماتِ، شوَّالًا، وذا القَعدةِ، وعشرَ (^١٠) ذي الحِجةِ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".\n(^٢) في م، ت ٢: \"تعتدوا في\"، وفي ت ١، ت ٣: \"تعدوا في\".\n(^٣) في م: \"و\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أو\".\n(^٤) في م: \"فيما\".\n(^٥) في م: \"من\".\n(^٦) في م: \"تيقنوا\".\n(^٧) في م: \"كان\".\n(^٨) في الأصل: \"إذا\".\n(^٩) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذي\".\n(^١٠) في م: \"عشرا من\".","vol":"3","page":443},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّه قولَه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. قال: شوالٌ، وذو القَعدةِ، وعشرُ ذي الحجةِ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ وشَرِيكٌ، عن خُصيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن خُصَيفٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ بنِ نصرٍ السُّلَميُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ بنِ أبي حبيبةَ، عن داودَ بنِ حُصَينٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: أشهرُ الحجِّ، شوالٌ، وذو القَعدةِ، وعشرُ (^٤) ذي الحِجةِ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾: وهنَّ شوالٌ، وذو القَعدةِ، وعشرُ (^٤) ذي الحِجةِ، جعَلَهُنَّ اللَّهُ سبحانه للحجِّ، وسائرَ الشهورِ\n_________\n(^١) أخرجه وكيع - كما في الدر المنثور ١/ ٢١٨ - وعنه ابن أبي شيبة ص ٢١٨ (القسم الأول من الجزء الرابع)، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٢٨ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٥ (١٨١٧)، والدارقطني ٢/ ٢٢٦، والبيهقي ٤/ ٣٤٢ من طريق شريك به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٢١٨ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق سفيان به.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٦٢، ومن طريقه الدارقطني ٢/ ٢٢٦، والبيهقي ٤/ ٣٤٢.\n(^٤) في م: \"عشر من\".","vol":"3","page":444},{"text":"للعُمْرَةِ، فلا يَصلُحُ أن يُحْرِمَ أحدٌ بالحَجِّ إلا في أشهرِ الحَجِّ، والعمرةُ يُحرَمُ بها في كلِّ شهرٍ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثني الحِمَّانيُّ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. قال: شوالٌ، وذو القَعدةِ، وعشرٌ من (^١) ذي الحِجةِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ وأبو عامرٍ، قالا: حدَّثنا سفيانُ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: [حدَّثنا أبو أحمدَ، قال] (^٥): حدَّثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ مثلَه.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ وإسرائيلُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nحدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ مثلَه (^٦).\n_________\n(^١) زيادة من: م.\n(^٢) أخرجه الدارقطني ٢/ ٢٢٦ من طريق شريك به.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٦٣، ومن طريقه ابن أبي شيبة ص ٢١٩ (القسم الأول من الجزء الرابع)، والأثر في تفسير مجاهد ص ٢٢٨، من طريق مغيرة به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٣٢ - تفسير) عن أبي عوانة وهشيم به.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٥ عقب الأثر (١٨١٧) من طريق عمرو به.","vol":"3","page":445},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثني القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا الحجاجُ، عن الحكمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال (^٢)، وأخبرَنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ، وأخبرَنا يونسُ، عن الحسنِ، وأخبرَنا جويبرٌ، عن الضحاكِ، وأخبرَنا حجاجٌ، عن عطاءٍ ومجاهدٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن عبيدِ اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: شوالٌ، وذو القَعدةِ، وعشرُ ذي الحِجةِ. في: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (^٤).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيمٍ، قال: حدَّثنا ورقاءُ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. قال: شوالٌ، وذو القَعدةِ، وعشرُ ذي الحِجةِ (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٢٨.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) قول إبراهيم والشعبي تقدم تخريجه من طريق مغيرة في الصفحة السابقة. وأما قول الحسن فأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٣٣ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٤) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٧٦، والبيهقي ٤/ ٣٤٢، وابن حجر في تغليق التعليق ٣/ ٥٨، ٥٩ من طريق عبيد الله به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٣١ - تفسير) من طريق نافع به.\n(^٥) أخرجه الدارقطني ٢/ ٢٢٦، ومن طريقه البيهقي ٤/ ٣٤٢، من طريق ورقاء به، وأخرجه مالك ١/ ٣٤٤ (٦٢) عن عبد الله بن دينار به بمعناه. وأخرجه وكيع - كما في الدر المنثور ١/ ٢١٨ - ومن طريقه ابن أبي شيبة ص ٢١٩ (القسم الأول من الجزء الرابع)، وأخرجه الدارقطني ٢/ ٢٢٦ من طريق أبي شيخ الهنائي، عن ابن عمر بنحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"3","page":446},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيمٍ، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ عُقَيلٍ (^١) عن الضحاكِ، قال: شوالٌ، وذو القَعدةِ، وعشرُ ذي الحِجةِ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا حسينُ بنُ عُقَيلٍ الخُراسانيُّ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحِمٍ يقولُ. فذكَر مثلَه.\nوقال آخرون: بل يعني بذلك شوَّالًا وذا القَعدةِ، وذا الحِجةِ كلَّه.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ جريجٍ، قال: قلت لنافعٍ: أكان عبدُ اللَّهِ يُسمَّى أشهرَ الحجِّ؟ قال: نعم؛ شوالٌ، وذو القَعدةِ، وذو الحِجةِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ جريجٍ، قال: قلت لنافعٍ: أسمِعتَ ابنَ عمرَ يُسمِّي أشهرَ الحجِّ؟ قال: نعم، كان يُسمِّي شوالًا، وذا القَعدةِ، وذا الحِجةِ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: شوالٌ، وذو القَعدةِ، وذو الحِجةِ (^٤).\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نفيل\". وينظر المؤتلف والمختلف ٣/ ١٥٨٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٢١٩ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق حسين بن عقيل به.\n(^٣) أخرجه الشافعي في مسنده ١/ ٤٩١ (٧٤٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٥ (١٨١٦) من طريق ابن جريج به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٢٩ - تفسير)، وابن أبي شيبة ص ٢١٨ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق شريك به.","vol":"3","page":447},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ بكرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ جريجٍ، قال: قال عطاءٌ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾: قال عطاءٌ: فهي شوالٌ، وذو القَعدةِ، وذو الحِجةِ (^١).\nحُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾: أشهرُ الحجِّ شوالٌ، وذو القَعدةِ، وذو الحِجةِ. وربما قال: وعشرٌ من (^٢) ذي الحِجةِ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. قال: شوالٌ، وذو القَعدةِ، وذو الحِجةِ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه مثلَه (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني عُقَيْلٌ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أشهرُ الحجِّ شوالٌ، وذو القَعدةِ، وذو الحِجةِ (^٦).\nفإن قال لنا قائلٌ: وما وجهُ قولِ (^٧) قائلي هذه المقالةِ، وقد علِمتَ أن عملَ الحجِّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٢١٨ من طريق ابن جريجٍ به.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٥ عقب الأثر (١٨١٧) معلقًا باللفظ الثاني.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٧.\n(^٥) أخرجه الشافعي في الأم ٢/ ١٥٥ من طريق ابن جريج، عن طاوس.\n(^٦) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٥ عقب الأثر (١٨١٦) معلقًا.\n(^٧) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":448},{"text":"لا يُعمَلُ بعدَ تقضِّي أيامِ مِنًى؟\nقيل: إن معنى قولِهم ذلك غيرُ الذي توهَّمتَه، وإنما عَنَوا بِقيلِهم: الحجُّ ثلاثةُ أشهرٍ كواملَ. أنهُنَّ أشهرُ الحجِّ لا أشهرُ العمرةِ، وأن أشهرَ العمرةِ سِواهنَّ من شهورِ السنةِ.\nومما يدُلُّ على أنَّ ذلك معناهم في قِيلِهم ذلك ما حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبرَنا أيوبُ، عن نافعٍ، قال: قال عمرُ (^١): أن تفصِلوا بينَ (^٢) الحجِّ والعمرةِ، فتجعَلوا العمرةَ في غيرِ أشهرِ الحجِّ، [أتمُّ لحجِّ] (^٣) أحدِكم، وأتمُّ لعمرتِهِ (^٤).\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَمِيُّ، قال: أخبرَني أبي، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: ما لَقِيني أيوبُ - أو قال: ما لقِيتُ أيوبَ - إلا سألني عن حديثِ قيس بنِ مسلمٍ، عن طارقِ بنِ شهابٍ، قال: قلتُ لعبدِ اللَّهِ: امرأةٌ منا قد حجَّت، و(^٥) هي تريدُ أن تحُجَّ، أفتجعلُ مع حجِّها عمرةً؟ فقال: ما أُرى هؤلاء الأشهرَ (^٦) إلا هي (^٦) أشهرَ الحجِّ. قال: فيقولُ لي أيوبُ: ومن عندَه مثلُ هذا الحديثِ، حدَّثك قيسُ بنُ مسلمٍ، عن طارقِ بنِ شهابٍ، أنه سأل عبدَ اللَّهِ (^٧)!\n_________\n(^١) في م: \"ابن عمر\".\n(^٢) بعده في م: \"أشهر\".\n(^٣) سقط من: ت ٣، وفي م: \"أتم الحج\"، وفي ت ١: \"لا أشهر العمرة سواء عند\"، وفي ت ٢: \"سواهن\".\n(^٤) أخرجه مالك ١/ ٣٤٧ عن نافع به، وزاد في آخره: أن يعتمر في غير أشهر الحج. وأخرجه ابن أبي شيبة ص ١٢٩ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق نافع به بنحوه مختصرًا.\n(^٥) في م: \"أو\".\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) أخرجه البيهقي ٥/ ٢٣ من طريق قيس بن مسلم به بنحوه، وسيأتي في ص ٤٥٠، ٤٥١ مختصرًا.","vol":"3","page":449},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن ابنِ عونٍ، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ: إن العمرةَ في أشهرِ الحجِّ ليست بتامةٍ. قال: فقيل له: العمرةُ في المحرَّمِ؟ فقال: كانوا يَرَونها تامَّةً (^١).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيَانٍ، قال: أخبرَنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، عن ابنِ عونٍ، قال: سألتُ القاسمَ بنَ محمدٍ عن العمرةِ في أشهرِ الحجِّ، قال: كانوا لا يَرَونها تامَّةً.\nحدَّثنا ابنُ بَيَانٍ الواسطيُّ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن ابنِ عونٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ أنه كان يَسْتحبُّ العمرةَ في المحرَّمِ، قال: تكونُ في [غيرِ أشهرِ الحجِّ] (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بَيَانٍ الواسطيُّ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن ابنِ عونٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: قال ابنُ عمرَ للحكمِ بنِ الأعوجِ أو غيرِه: إن أطعتَني انتظَرْتَ حتى إذا أهلَلْتَ (^٣) المحرَّمَ خرَجتَ إلى ذاتِ عِرْقٍ (^٤) فأهلَلْتَ منها بعمرةٍ.\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبي يَعْفُورٍ (^٥)، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: لَأنْ أعتمِرَ في عشرِ ذي الحِجةِ أحبُّ إليَّ من أن أعتمِرَ في العشرين.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٢٩ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق ابن عون به.\n(^٢) في م: \"أشهر الحج، قال: كانوا لا يرونها تامة\".\n(^٣) في م: \"أهل\".\n(^٤) ذات عرق: مهل أهل العراق، وهو الحد بين نجد وتهامة، وقيل: عرق جبل بطريق مكة. معجم البلدان ٣/ ٦٥١.\n(^٥) في م: \"يعقوب\"، وفي ت ٢: \"أيوب\". وينظر الجرح والتعديل ٩/ ٤٦٠.","vol":"3","page":450},{"text":"مسلمٍ، عن طارقِ بنِ شهابٍ، قال: سألتُ ابنَ مسعودٍ عن امرأةٍ منا أرادت أن تجمَعَ مع حَجِّها عمرةً، فقال: أسمَعُ اللَّهَ يقولُ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. ما أراها إلا أشهرَ الحَجِّ (^١).\nحدَّثني أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا حَزْمٌ (^٢) القُطَعِيُّ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ سيرينَ يقولُ: ما أحدٌ من أهلِ العلمِ شكَّ (^٣) أن عمرةً في غيرِ أشهرِ الحجِّ أفضلُ من عمرةٍ في أشهرِ الحجِّ (^٤).\nونظائرُ ذلك مما يطولُ باستيعابِ ذكرِه الكتابُ، مما يدُلُّ على أن معنى قِيلِ مَن قال: وقتُ الحجِّ ثلاثةُ أشهرٍ كواملَ. أنهنَّ من غيرِ شهورِ العمرةِ، وأنهنّ شهورٌ لعملِ الحجِّ دونَ عملِ العمرةِ، وإن كان عملُ الحجِّ إنما يُعمَلُ في بعضِهنَّ لا في جميعِهنَّ.\nوأمَّا الذين قالوا: تأويلُ ذلك: شوالٌ، وذو القَعدةِ، وعشرُ ذي الحِجةِ. فإنهم قالوا: إنما قصَد اللَّهُ جل ثناؤُه بقولِه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. إلى تعريفِ خلقِه ميقاتَ حجِّهم، لا الخبرَ عن وقتِ العمرةِ.\nقالوا: فأما العمرةُ، فإن السَّنةَ كلَّها وقتٌ لها؛ لتَظاهُرِ الأخبارِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه اعتمَرَ في بعضِ شهورِ الحجِّ، ثم لم يصِحَّ عنه بخلافِ ذلك خبرٌ.\nقالوا: فإذ كان ذلك كذلك، وكان عملُ الحجِّ ينقضي وقتُه بانقضاءِ العاشرِ مِن أيامِ ذي الحِجةِ، عُلِم أن معنى قولِه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. إنما هو: ميقاتُ الحجِّ شهران وبعضُ الثالثِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٢٩ (القسم الأول من الجزء الرابع).\n(^٢) في م: \"حزام\".\n(^٣) في الأصل: \"يشك\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٢٩ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق آخر عن ابن سيرين بنحوه.","vol":"3","page":451},{"text":"والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا قولُ من قال: إن معنى ذلك: الحجُّ شهران وعشرٌ من الثالثِ. لأن ذلك من اللَّهِ خبرٌ عن ميقاتِ الحَجِّ، ولا عملَ للحَجِّ يُعملُ بعد انقضاءِ أيامِ مِنًى، فمعلومٌ أنه لم يَعْنِ بذلك جميعَ الشهرِ الثالثِ. وإذا لم يكنْ معنيًّا به جميعُه، صحَّ قولُ من قال: وعشرُ ذي الحجةِ.\nفإن قال قائلٌ: فكيف قيل: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. وهو شهران وبعضُ الثالثِ؟\nقيل: إن العربَ لا تمتنِعُ - خاصةً في الأوقاتِ - من استعمالِ مثلِ ذلك، فتقولُ: له اليومَ يومان منذ لم أرَه. وإنما يَعني بذلك يومًا وبعضَ آخرَ، وكما قال جل ثناؤُه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وإنما يَتَعجَّلُ في يومٍ ونصفٍ. وقد يفعلُ الفاعلُ منهم الفعلَ في الساعةِ، ثم يُخْرِجُه عامًّا على (^١) السَّنةِ والشهرِ، فيقولُ: زرتُه العامَ وأتيتُه اليومَ. وهو لا يريدُ بذلك أنَّ فعلَه أخَذ من أولِ الوقتِ الذي ذكَره إلى آخرِه، ولكنه يعني أنه فعَله إذ ذاك، وفي ذلك الحينِ، [فلذلك قيل] (^٢): ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ والمرادُ منه: الحجُّ. شهران وبعضُ آخرَ.\nفمعنى الآيةِ إذن ميقاتُ حَجِّكم أيُّها الناسُ شهران وبعضُ الثالثِ، وهنَّ (^٣) شوالٌ وذو القَعدةِ وعشرُ ذي الحِجةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-624>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾.</span>\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"فاعل\".\n(^٢) في م: \"فكذلك\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هو\".","vol":"3","page":452},{"text":"يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾: فمن أوجَب الحجَّ على نفسِه، وألزَمها إياه فيهنَّ، يعني في الأشهرِ المعلوماتِ التي بيَّنَّاها (^١). وإيجابُه إياه على نفسِه العزْمُ على عملِ جميعِ ما أوجَب اللَّهُ على الحاجِّ عَمَلَه، وتَرْكِ جميعِ ما أمَره اللَّهُ بتركِه.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي يكونُ به الرجلُ فارضًا الحَجَّ، بعدَ إجماعِ جميعِهم على أن معنى الفرضِ الإيجابُ والإلزامُ؛ فقال بعضُهم: فرْضُ الحجِّ الإهلالُ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا ورقاءُ المدائنيُّ (^٢)، عن عبدِ اللَّهِ (^٣) بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمرَ قولَه: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾. قال: من أهَلَّ بحَجٍّ (^٤).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، [عن سفيانَ] (^٥)، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن العلاءِ بنِ المسيَّبِ، عن عطاءٍ، قال: التَّلْبيةُ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"بينها\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) بعده في م: \"المدني\"، وبعده في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المدائني\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٦ (١٨٢٠)، والدارقطني ٢/ ٢٢٧، والبيهقي ٤/ ٣٤٣ من طريق ورقاء به بنحوه.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) تفسير سفيان ص ٦٣، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (تفسير - ٣٣٥)، وابن أبي شيبة ص ٢١٩ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق العلاء به.","vol":"3","page":453},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، وحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: حدَّثنا زيدٌ، جميعًا عن سفيانَ الثوريِّ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾. قال: فالفريضةُ الإحرامُ، والإحرامُ التَّلْبيةُ (^١).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: [حدَّثنا أبو نُعَيْمٍ، قال] (^٢): حدَّثنا ورقاءُ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمرَ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ قال: أهَلَّ (^٣).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعيمٍ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: الفرضُ التلبيةُ، ويَرجِعُ إن شاء ما لم يُحرِمْ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثني الحِمَّانيُّ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن إبراهيمَ - يعني ابنَ مهاجرٍ - عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾. قال: الفريضةُ التلبيةُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾. قال: الفرضُ الإهلالُ (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾. قال: التلبيةُ (^٦).\nحدَّثني إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: حدَّثنا أبو عمرَ (^٧) الضريرُ، قال: أخبرَنا حمادُ\n_________\n(^١) ذكره ابن عبد البر في الاستذكار ١١/ ٩٤.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تقدم في ص ٤٥٣.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٨ إلى ابن أبي شيبة.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٧.\n(^٦) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٦ عقب الأثر (١٨٢١) معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٨ إلى ابن أبي شيبة.\n(^٧) في م: \"عمرو\".","vol":"3","page":454},{"text":"ابنُ سَلَمةَ، عن جَبْرِ بنِ حبيبٍ، قال: سألتُ القاسمَ بنَ محمدٍ عمن فرَض فيهنَّ الحجَّ، قال: إذا اغتسَلتَ ولبِستَ ثَوبَيْكَ (^١) ولبَّيْتَ، فقد فرَضتَ الحَجَّ (^٢).\nوقال آخرون: فرضُ الحَجِّ [الإحرامُ به] (^٣).\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثَني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾: يقولُ: من أحرَم بحَجٍّ أو عمرةٍ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، وحدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو نُعيمٍ، قالوا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾: فمن أحرَم (^٥). واللفظُ لحديثِ ابنِ بشارٍ.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ والحسنُ بنُ صالحٍ، عن ليثٍ، عن عطاءٍ، قال: الفرضُ الإحرامُ (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، قال: حدَّثنا الحجاجُ، عن عطاءٍ، وبعضُ أشياخِنا، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ\n_________\n(^١) في م: \"ثوبك\".\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٦ عقب الأثر (١٨٢١) معلقًا.\n(^٣) في م: \"إحرامه\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٤ عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٨ إلى المصنف.\n(^٥) تفسير سفيان ص ٦٣.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٤ عن عطاء.","vol":"3","page":455},{"text":"الْحَجَّ﴾. قالا: فرضُ الحجِّ الإحرامُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾: فهذا عندَ الإحرامِ.\nحدَّثنا أحمدُ بن حازمٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعيمٍ، قال: حدَّثنا حُسَينُ بنُ عُقَيلٍ، عق الضحاكِ (^١)، قال: الفرضُ الإحرامُ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا حسينُ بنُ عُقَيلٍ الخراسانيُّ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مزاحمٍ يقولُ. فذكَر مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، قال: أخبرَني المغيرةُ، عن إبراهيمَ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾. قال: من أحرَم.\nوهذا القولُ الثاني يحتمِلُ أن يكونَ بمعنى ما قلنا من أن يكونَ الإحرامُ كان عندَ قائلِه الإيجابَ بالعزمِ ويحتملُ أن يكونَ كان [عندَ الإيجابِ] (^٣) بالعزمِ والتلبيةِ، كما قال القائلو القولِ الأولِ.\nوإنما قلنا: إن فرْضَ الحَجِّ الإحرامُ؛ لإجماعِ الجميعِ على ذلك. وقلنا: إن الإحرامَ هو إيجابُ الرجلِ ما يَلْزَمُ المحرمَ أن يوجِبَه على نفسِه، على ما وصَفنا آنفًا؛ لأنه لا يخلو القولُ في ذلك من أحدِ أمورٍ ثلاثةٍ:\nإما أن يكونَ الرجلُ غيرَ حرمٍ إلا بالتلبيةِ، وفعلِ جميعٍ ما يجِبُ على المُوجِبِ الإحرامَ على نفسِه فعلُه، فإن يكنْ ذلك كذلك، فقد يجِبُ ألا يكونَ محرِمًا إلا\n_________\n(^١) بعده في م: \"عن ابن عباس\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٢١٩ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق حسين بن عقيل به.\n(^٣) في م: \"عنده\".","vol":"3","page":456},{"text":"بالتجرُّدِ للإحرامِ، وأن يكونَ من لم يكنْ له متجرِّدًا فغيرُ محرمٍ. وفي إجماعِ الجميعِ على أنه قد يكونُ محرِمًا، وإن لم يكنْ متجرِّدًا من ثيابِه، بإيجابِه الإحرامَ، ما يدلُّ على أنه قد يكونُ محرِمًا وإن لم يُلَبِّ، إذ كانت التلبيةُ بعضَ مشاعرِ الإحرامِ، كما التجرُّدُ له بعضُ مشاعرِه. وفي إجماعِهم على أنه قد يكونُ محرِمًا بترْكِ بعضِ مشاعرِ حَجِّه، ما يدلُّ على أن حكمَ غيرِه من مشاعرِه حكمُه.\nأو يكونَ - إذ فسَد هذا القولُ - قد يكونُ محرِمًا وإن لم يُلَبِّ ولم يتجرَّدْ ولم يَعزِمِ العزمَ الذي وصَفنا. وفي إجماعِ الجميعِ على أنه لا يكونُ محرِمًا من لم يعزِمْ على الإحرامِ ويوجِبْه على نفسِه، إذا كان من أهلِ التكليفِ، ما يُنْبِئُ عن فسادِ هذا القولِ.\nوإذ فسَد هذان الوجهان، فبيِّنَةٌ صحةُ الوجهِ الثالثِ، وهو أن الرجلَ قد يكونُ محرمًا بإيجابِه الإحرامَ بعزمِه، على سبيلِ ما بيَّنَّا، وإن لم يظهَرْ ذلك بالتجرُّدِ والتلبيةِ وصُنْعِ (^١) بعضِ ما عليه عملُه من مناسكِه. وإذا صحَّ ذلك، صحَّ ما قلنا من أن فرضَ الحَجِّ هو ما [وصَفْنا من] (^٢) إيجابِه بالعزمِ على نحوِ ما قد (^٣) بيَّنَّا قبلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-625>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"الرَّفَثِ\" في هذا الموضعِ، فقال بعضُهم: هو الإفحاشُ للمرأةِ في الكلامِ، وذلك [نحو أن] (^٤) يقولَ: إذا أحلَلْنا فعلتُ بكِ كذا (^٥). ولا يَكْنى عنه، وما أشبَهَ ذلك.\n_________\n(^١) في م: \"صنيع\".\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"مر\"، وفي ت ١: \"أمر\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"بأن\".\n(^٥) بعده في م، ت ١، ت ٢: \"وكذا\".","vol":"3","page":457},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني أحمدُ بنُ حمادٍ الدُّولابيُّ ويونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قالا: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن الرَّفَثِ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾. قال: هو التعريضُ بذكرِ الجماعِ، وهي العَرابةُ (^١) في (^٢) كلامِ العربِ، وهو أدنى الرَّفَثِ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن رَوْحِ بنِ القاسمِ، عن ابنِ طاوسٍ، [عن أبيه] (^٤)، في قولِه: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾. قال: الرَّفَثُ العَرابةُ؛ التعريضُ (^٥) للنساءِ بالجماعِ (^٦).\nحدَّثنا ابنُ بشارِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن عوفٍ (^٧)، قال: حدَّثني زيادُ بنُ حُصَينٍ، قال: حدَّثني أبي حصينُ بنُ قيسٍ، قال: أصْعَدتُ (^٨) مع ابنِ عباسٍ في الحاجِّ، وكنتُ خليلًا له، فلما كان بعد ما أحرَمنا، قام (^٩) ابنُ عباسٍ فأخَذ بذَنَبِ\n_________\n(^١) العرابة بفتح العين وكسرها: ما قبح من الكلام. التاج (ع ر ب).\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٣) أخرجه سفيان بن عيينة - كما في الدر المنثور ٢/ ٢١٩ - ومن طريقه سعيد بن منصور في سننه (٣٣٨ - تفسير)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٦ (١٨٢٣) عن يونس بن عبد الأعلى وأحمد بن شيبان الرملي، عن سفيان به، وأخرجه البيهقي ٥/ ٦٧ من طريق ابن طاوس به نحوه، وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد، وسيأتي في ص ٤٦١، وأخرجه الطبراني في الكبير (١٠٩١٤) من طريق روح بن القاسم، عن ابن طاوس به مرفوعًا، ولا يصح رفعه.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) سقط من: ت ٢، وفي م: \"والتعريض\".\n(^٦) ذكره البغوي في تفسيره ١/ ٢٢٦.\n(^٧) في م: \"عون\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٤٥٦.\n(^٨) أصعد في الأرض: ذهب. التاج (ص ع د).\n(^٩) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".","vol":"3","page":458},{"text":"بعيرِه، فجعَل يَلويه، وهو يرتجزُ ويقولُ (^١):\nوهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسَا (^٢)\nإن تَصْدُقِ الطيرُ نَنِكْ لَمِيسَا (^٣)\nقال: فقلت: أترفُثُ وأنت مُحرِمٌ؟! قال: إنما الرفثُ ما قيل عند النساءِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن رجلٍ، عن أبي العاليةِ الرِّياحِيِّ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يحْدُو وهو محرمٌ، ويقولُ:\nوهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسَا\nإن تَصْدُقِ الطيرُ نَنِكْ لَمِيسَا\nقال: قلتُ: تكلَّمُ بالرَّفَثِ وأنت مُحرِمٌ؟! قال: إنما الرَّفَثُ ما قيل عند النساءِ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني يونسُ، أن نافعًا أخبرَه أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: الرَّفَثُ إتيانُ النساءِ، والتكلُّمُ بذلك للرجالِ والنساءِ، إذا ذكَروا ذلك بأفواهِهم (^٦).\n_________\n(^١) الرجز بلا نسبة في المحرر الوجيز ١/ ٥٥٥، والبحر المحيط ٢/ ٢٧، وتفسير البغوي ١/ ٢٦٦.\n(^٢) الهميسُ: هو صوت نقل أخفاف الإبل. اللسان (هـ م س). وينظر كلام المصنف في تفسير الآية ١٠٨ من سورة طه.\n(^٣) اللَّمِيس: المرأة الناعمة الملمس، وعلم للنساء. التاج (ل م س). وينظر تعريف المصنف للَّميس في تفسير الآية ٤٣ من سورة النساء.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٤٥ - تفسير)، ومن طريقه البيهقي ٥/ ٦٧ - والبخاري في الكبير ٣/ ٣ من طريق عوف به، ولم يذكر البخاري متنه.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٤ عن المصنف.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٦ (١٨٢٢) عن يونس بن عبد الأعلى به. وذكره ابن كثير في =","vol":"3","page":459},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني أبو صخرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ مثلَه (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرَنا ابنُ جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أيحِلُّ للمحرمِ أن يقولَ لامرأتِه: إذا حللتُ أصبتُكِ؟ قال: لا، ذلك الرفَثُ. قال: وقال عطاءٌ: الرفَثُ ما دونَ الجماعِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ بكرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ جريجٍ، قال: قال عطاءٌ: الرفَثُ الجماعُ، وما دونَه من قولِ الفحشِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولُ الرجلِ لامرأتِه: إذا حللتُ أصبتُكِ. قال: ذلك الرفَثُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن زيادِ بنِ حُصَينٍ، عن أبي العاليةِ، قال: كنتُ أمشي مع ابنِ عباسٍ وهو مُحرِمٌ، وهو يرتجزُ ويقولُ:\nوهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسا\nإنْ تَصْدُقِ الطَّيرُ نَنِكْ لَمِيسا\nقال: قلتُ: أترفُثُ يا ابنَ (^٤) عباسٍ وأنت محرمٌ؟! فقال: إنما الرفثُ ما روجِع به النساءُ (^٥).\n_________\n= تفسيره ١/ ٣٤٤.\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٤ عن ابن وهب به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٥، وعلق ابن أبي حاتم أوله في تفسيره ١/ ٣٤٦ عقب الأثر (١٨٢٤).\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ١/ ٢٢٦.\n(^٤) في الأصل: \"أبا\".\n(^٥) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٧٦ - ومن طريقه البيهقي ٥/ ٦٧ - من طريق جرير به، وأخرجه ابن أبي شيبة =","vol":"3","page":460},{"text":"حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا سفيانُ ويحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبرَني أبو (^١) الزبيرِ إيايَّ (^٢)، وعطاءٌ، أنه سمِع طاوسًا قال: سمِعتُ ابنَ الزبيرِ يقولُ: لا يحِلُّ للمُحرِمِ الإعرابةُ. فذكَرْتُه لابنِ عباسٍ، فقال: صدَق. فقلت لابنِ عباسٍ: وما الإعرابُ؟ قال: التعريضُ (^٣).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: أخبرَنا ابنُ جريجٍ، قال: أخبرَنا الحسنُ بنُ مسلمٍ، عن طاوسٍ أنه كان يقولُ: لا يحِلُّ للمحرمِ الإعرابةُ. قال طاوسٌ: والإعرابةُ أن يقولَ وهو محرمٌ: إذا حللتُ أصبتُكِ (^٤).\nحدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا فِطْرٌ، عن زيادِ بنِ حصينٍ، بن أبي العاليةِ، قال: لا يكونُ رفَثٌ إلا ما واجَهتَ به النساءَ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن علقمةَ بنِ مرثدٍ، عن عطاءٍ، قال: كانوا يكرَهون الإعرابةَ - يعني التعريضَ بذكرِ الجماعِ - وهو محرمٌ (^٥).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن ابنِ جريجٍ، عن ابنِ طاوسٍ أنه سمِع أباه أنه كان يقولُ: لا تحِلُّ الإعرابةُ. والإعرابةُ التعريضُ.\n_________\n= ص ٣٤٣ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق الأعمش به، وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١٩/ ٥٤ من طريق فطر، عن زياد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٩ إلى ابن المنذر.\n(^١) في م: \"ابن\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"السبائي\".\n(^٣) أخرجه البيهقي ٥/ ٦٧ من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن طاوس، وأخرجه ابن أبي شيبة ص ٣٤٣ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن عطاء، عن طاوس.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٣٤٣ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن يحيى بن سعيد به.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٥ عن عطاء.","vol":"3","page":461},{"text":"حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عيينةَ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾. قال (^١): الرفَثُ الذي ذُكِر ههنا ليس بالرفَثِ الذي ذكِر في (^٢): ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ومن الرفَثِ التعريضُ بذكرِ الجماعِ، وهي الإعرابةُ [في كلامِ] (^٣) العربِ (^٤).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، قال: حدَّثنا ابنُ جريجٍ، عن عطاءٍ أنه كرِه التعريبَ للمحرمِ (^٥).\nحدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبرَني ابنُ طاوسٍ أن أباه كان يقولُ: الرفثُ الإعرابةُ [فما وَرّاه] (^٦) من شأنِ النساءِ، والإعرابةُ الإفصاحُ (^٧) بالجماعِ.\nحدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن ابنِ جريجٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ مسلمٍ أنه سمِع طاوسًا يقولُ: لا يحِلُّ للمحرمِ الإعرابةُ.\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾. قال: الرفَثُ غشيانُ النساءِ،\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"إن\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، وفي الأصل: \"ههنا\".\n(^٣) في م: \"بكلام\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٤٥٨.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٣٤٣ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن أبي معاوية به.\n(^٦) في م: \"مما رواه\".\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الإيضاح\".","vol":"3","page":462},{"text":"والقُبَلُ، والغَمْزُ، وأن يعرِّضَ لها بالفُحْشِ من الكلامِ، ونحوُ ذلك (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان ابنُ عمرَ يقولُ للحادِي: لا تعرِّضْ بذكرِ النساءِ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ وابنُ جريجٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرفَثُ في الصيامِ الجماعُ، والرفَثُ في الحَجِّ الإعرابةُ. وكان يقولُ: الدخولُ والمسيسُ [والجماعُ] (^٣).\nوقال آخرون: الرفَثُ في هذا الموضعِ الجماعُ نفسُه.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن خُصيفٍ، عن مِقْسَمٍ، [عن ابنِ عباسٍ] (^٤)، قال: الرفَثُ الجماعُ (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن خُصيفٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٩ إلى المصنف وابن المنذر، وذكره البغوي في تفسيره ١/ ٢٢٦، وابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٥ عن علي بن أبي طلحة به.\n(^٢) أخرجه البيهقي ٥/ ٦٧ من طريق الثوري به.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الجماع\".\n(^٤) سقط من م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه سفيان بن عيينة - كما في الدر المنثور ١/ ٢١٩ - ومن طريقه سعيد بن منصور في سننه (٣٣٩ - تفسير)، وابن أبي شيبة ص ١٥٧ (القسم الأول من الجزء الرابع)، وأبو يعلى (٣٨٢)، وعزاه السيوطي إلى وكيع والفريابي وعبد بن حميد.\n(^٦) أخرجه البيهقي ٥/ ٦٧ من طريق الثوري به.","vol":"3","page":463},{"text":"حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن خُصيفٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرفَثُ إتيانُ النساءِ.\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن الرفَثِ، فقال: الجماعُ.\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن بكرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرفَثُ هو الجماعُ، ولكنّ اللَّهَ كريمٌ يَكْنِي عما شاء (^١).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن الأعمشِ، عن زيادِ بنِ حُصَينٍ، عن أبي العاليةِ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يرتجِزُ وهو محرمٌ، يقولُ:\nخرَجْنَ يَسْرينَ بنا هَمِيسا\nإنْ تَصْدُقِ الطَّيرُ (^٢) - قال شريكٌ: ألا إنه لم يَكْنِ عن الجماعِ - لَمِيسا.\nفقلتُ: أليس هذا الرفثَ؟ قال: لا، إنما الرفثُ إتيانُ النساءِ والمجامعةُ.\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن عوفٍ (^٣)، عن زيادِ بنِ حصينٍ، عن أبي العاليةِ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه، إلَّا أن عوفًا (^٤) صرَّح به.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن بكرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرفثُ الجماعُ.\n_________\n(^١) تقدم في ص ٢٢٩.\n(^٢) بعده في م: \"ننك لميسا\".\n(^٣) في م: \"عون\".\n(^٤) في م: \"عونا\".","vol":"3","page":464},{"text":"حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ قولَه: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ قال: الرفَثُ إتيانُ النساءِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا حمادُ بن مَسْعَدةَ، قال: حدَّثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾. قال: الرفَثُ غِشْيانُ النساءِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ جريجٍ، قال: قال عمرُو بنُ دينارٍ: الرفَثُ الجماعُ فما دونَه من شأنِ النساءِ (^٣).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن ابنِ جريجٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ بنحوِه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي زائدةَ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ قال: الرفَثُ الجماعُ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيعٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾. قال: الرفَثُ الجماعُ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾. قال: كان قتادةُ يقولُ: الرفَثُ غِشْيانُ النساءِ.\nحدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ مثلَه.\nحدَّثنا أحمدُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: أخبرَنا إسرائيلُ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٠ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٦ عقب الأثر (١٨٢٤) معلقًا.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ١/ ٢٢٦، وابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٥.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٥٩ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق عبد العزيز به.","vol":"3","page":465},{"text":"أبي إسحاقَ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرفَثُ الجماعُ.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: أخبرَنا إسرائيلُ، عن الحسنِ بنِ عبيدِ اللَّهِ، عن أبي الضُّحَى، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرفَثُ الجماعُ.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: الرفَثُ الجماعُ.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: الرفَثُ المجامعةُ (^١).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾: فلا جماعَ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾. قال: الرفَثُ الجماعُ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾. قال: جِماعُ النساءِ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ قال: الرفَثُ الجماعُ.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٦ عقب الأثر (١٨٢٤) معلقًا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٦ عقب الأثر (١٨٢٤) من طريق عمرو به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٦ عقب الأثر (١٨٢٤) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٢٩، وأخرجه ابن أبي شيبة ص ١٥٩ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق شبل، عن ابن أبي نجيح به.","vol":"3","page":466},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: حدَّثنا حمَّادٌ، عن الحجاجِ، عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، قال: الرفَثُ الجماعُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: الرفَثُ الجماعُ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن يحيى بنِ بشرٍ، عن عكرمةَ قال: الرفَثُ الجماعُ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: حدَّثني أبي، عن النضرِ بنِ عربيٍّ، عن عكرمةَ، قال: الرفَثُ الجماعُ (^٢).\nحدَّثني ابنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن حسينِ بنِ عُقَيلٍ، وحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: حدَّثنا أبو نعيمٍ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قالا (^٣): أخبَرنا حسينُ بنُ عُقَيلٍ، عن الضحاكِ، قال: الرفَثُ الجماعُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حجاجٌ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه. قال: وأخبَرنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا يونسُ، عن الحسنِ. وأخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ، قالا مثلَ ذلك (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٧٦ - ومن طريقه البيهقي ٥/ ٦٧ - من طريق محمد بن إسحاق به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٥٧ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن وكيع به.\n(^٣) في الأصل: \"قال\".\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٤٠، ٣٤١ - تفسير) عن هشيم به، وأخرجه ابن أبي شيبة ص ١٥٨ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق عبد الملك، عن عطاء، وليس فيه تفسير الرفث.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٤٢، ٣٤٣ - تفسير) عن هشيم به، وأخرجه ابن أبي شيبة ص ١٥٧، ١٥٨ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق يونس ومغيرة به.","vol":"3","page":467},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ (^١)، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرفَثُ النكاحُ (^٢).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيمٍ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، قال: حدَّثني ثُوَيرٌ (^٣)، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: الرفَثُ الجماعُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الرفَثُ غِشْيانُ النساءِ. قال معمرٌ: وقال مثلَ ذلك الزهريُّ [وقتادةُ] (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: الرفَثُ إتيانُ النساءِ. وقرَأ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾. قال: الرفَثُ الجماعُ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندي أن اللَّهَ جل ثناؤُه نهَى مَن فرَض الحجَّ في أشهرِ الحجِّ عن الرفَثِ، فقال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾. والرفَثُ في\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وأخبرنا مغيرة\".\n(^٢) تقدم في ص ٢٣٧.\n(^٣) في ت ٢: \"جوبير\"، وفي ت ٣: \"يونس\".\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، وفي م: \"عن قتادة\"، والأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٧.","vol":"3","page":468},{"text":"كلامِ العربِ أصلُه الإفحاشُ في المنطقِ، على ما قد بيَّنَّا فيما مضَى (^١)، ثم تستعْمِلُه في الكنايةِ عن الجماعِ. فإذ (^٢) كالن ذلك كذلك، وكان أهلُ العلمِ مختلفِين في تأويلِه، وفي هل (^٣) النهْيُ من اللَّهِ عن بعض معاني الرفَثِ، أم عن جميعِ معانيه؟ وجَب أن يكونَ على جميعِ معانيه؛ إذ لم يأتِ خبرٌ بخصوصِ الرفَثِ الذي هو بالمنطقِ عندَ النساءِ، من سائرِ معاني الرفَثِ يجِبُ التسليمُ له، إذ كان غيرَ جائزٍ نقْلُ حكمِ ظاهرِ آيةٍ إلى تأويلٍ باطنٍ إلا بحجةٍ ثابتةٍ.\nفإن قال قائلٌ: فإن حكمَها من عمومِ ظاهرِها إلى الباطنِ من تأويلِها منقولٌ بإجماعٍ، وذلك أن الجميعَ لا خلافَ بينَهم في أن الرفثَ عند غيرِ النساءِ غيرُ محظورٍ على مُحْرِمٍ، فكان معلومًا بذلك أن الآيةَ معنيٌّ بها بعضُ الرفثِ دونَ بعضٍ، وإذا كان ذلك كذلك، وجَب ألا يَحرُمَ من معاني الرفثِ على المُحرِمِ شيءٌ، إلا ما أُجمِع على تحريمِه عليه، أو قامت بتحريمِه حجةٌ يجبُ التسليمُ لها؟\nقيل: إن ما خُصَّ من الآيةِ فأُبِيح خارجٌ من التحريمِ، والحظرُ ثابتٌ لجميعِ ما لم تَخْصُصْه الحُجَّةُ من معنى الرفثِ بالآيةِ، كالذي كان عليه حكمُه لو لَمْ يُخَصَّ منه شيءٌ؛ لأنَّ ما خُصَّ من ذلك فأخرِج من عصومِه إنما لزِمَنا إخراجُ حكمِه من الحظرِ بأمرِ من لا يجوزُ خلافُ أمرِه، فكان حكمُ ما شمِله معنى الآيةِ - بعدَ الذي خُصَّ منها - على الحكمِ الذي كان يَلْزَمُ العبادَ فرضُه بها، لو لَمْ يُخْصَصْ منها شيءٌ؛ لأن العلةَ فيما لم يُخْصَصْ منها بعدَ الذي خُصَّ منها، نظيرُ العلةِ فيه قبل أن يُخَصَّ منها شيءٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-626>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾.</span>\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٢٣٧، ٢٣٨.\n(^٢) في م: \"فإن\".\n(^٣) في م: \"هذا\".","vol":"3","page":469},{"text":"اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"الفسوقِ\" التي نهَى اللَّهُ عنها في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هي المعاصي كلُّها.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن خُصيفٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الفسوقُ المعاصي (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ، عن عطاءٍ: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾. قال: الفُسوقُ المعاصي.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ بكرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ جريجٍ، قال: قال عطاءٌ: الفسوقُ المعاصي كلُّها، قال اللَّهُ: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ مَسْعدةَ، قال: حدَّثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾. قال: الفسوقُ المعاصي (^٢).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، قال: الفسوقُ المعصيةُ (^٢).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: ثنا إسحاقُ، عن أبي بشرٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الفسوقُ المعاصي كلُّها.\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٤٦٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٧ (١٨٢٧)، والبيهقي ٥/ ٦٧ من طريق الثوري، عن خصيف به.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٧ عقب الأثر (١٨٢٧) معلقًا، وتقدم تخريجه في ص ٤٦٧ عند سعيد بن منصور.","vol":"3","page":470},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ (^١)، عن روحِ بنِ القاسمِ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾. قال: الفسوقُ المعاصي.\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ في قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾. قال: الفسوقُ المعاصي كلُّها.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، وحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، جميعًا عن سعيدِ بنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾. قال: الفسوقُ المعاصي (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾. قال: المعاصي (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: الفسوقُ المعاصي. قال: وقال مجاهدٌ مثلَ قولِ سعيدٍ.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: الفسوقُ المعاصي (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"عيينة\". وينظر تهذيب الكمال ٣/ ٢٣.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٧ عقب الأثر (١٨٢٧) معلقًا، وينظر تفسير البغوي ١/ ٢٢٦.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٢٩.\n(^٤) تفسير سفيان ص ٦٣ بلفظ: الفسوق السباب.","vol":"3","page":471},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾. قال: الفسوقُ عصيانُ اللَّهِ.\nحدَّثني ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾. قال: الفسوقُ المعاصي (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمَّادٌ، عن الحجاجِ، عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، قال: الفسوقُ المعاصي.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ، وقتادةَ، وابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا الحجاجُ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾. قال: المعاصي. قال: وأخبَرنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه (^٣).\nحدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن النضرِ بنِ عَرَبِيٍّ، عن عكرمةَ مثلَه (^٥).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن يحيى بنِ بشرٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾. قال: الفسوقُ معصيةُ اللَّهِ، لا صغيرَ من معصيةِ اللَّهِ.\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٤٣ - تفسير) من طريق المغيرة به.\n(^٢) تقدم أوله في ص ٤٦٨.\n(^٣) تقدم أوله في ص ٤٦٧.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٧ عقب الأثر (١٨٢٧) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٧ عقب الأثر (١٨٢٧) معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٠ إلى ابن أبي شيبة.","vol":"3","page":472},{"text":"حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾. قال: الفسوقُ معاصي اللَّهِ كلُّها (^١).\nحدَّثني الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، وعن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الفسوقُ المعاصي. وقال مثلَ ذلك الزهريُّ وقتادةُ (^٢).\nوقال آخرون: بل الفسوقُ في هذا الموضعِ ما عُصِي اللَّهُ به في الإحرامِ مما نهَى عنه فيه من قتْلِ صيدٍ، وأخْذِ شعَرٍ، وقَلْمِ ظُفُرٍ، وما أشبَهَ ذلك مما خصَّ اللَّهُ به الإحرامَ، وأمَر بالتَّجنُّبِ منه في حالِ (^٣) الإحرامِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ أن نافعًا أخبَره أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: الفسوقُ إتيانُ معاصي اللَّهِ في الحرَمِ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: الفسوقُ ما أصيبَ من معاصي اللَّهِ به؛ صيدٍ أو غيرِه (^٥).\nوقال آخرون: بل الفسوقُ في هذا الموضعِ السِّبابُ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤٦٢.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٤٦٨ دون قول طاوس.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خلال\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٧ (١٨٢٦) عن يونس بن عبد الأعلى به.\n(^٥) تقدم أوله في ص ٤٦٧.","vol":"3","page":473},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: الفسوقُ السِّبابُ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الفسوقُ السِّبابُ.\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا ثُوَيرٌ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: الفسوقُ السِّبابُ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيعٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾. قال: الفسوقُ السِّبابُ (^٢).\nحدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾. قال: أمَّا الفسوقُ فهو السِّبابُ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا المُعلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: الفسوقُ السِّبابُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مُعَلّى، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، عن موسى بنِ عقبةَ، قال: سمعتُ عطاءَ بنَ يسارٍ يحدِّثُ نحوَه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٥٩ (القسم الأول من الجزء الرابع)، والطبراني في الأوسط (٧٠٦٠) من طريق شريك به، وعند الطبراني زيادة مرفوعة في أوله.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٥٩ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق عبد العزيز به ولفظه: المعاصي.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٧ عقب الأثر (١٨٢٧) من طريق عمرو به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٥٧ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق موسى به، ولفظه: الفسوق المعاصي.","vol":"3","page":474},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا يونسُ، عن الحسنِ (^١). وأخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ، قالا: الفسوقُ السِّبابُ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن خُصيفٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الفسوقُ السِّبابُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾. قال: الفسوقُ السِّبابُ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nوقال آخرون: الفسوقُ الذَّبحُ للأصنامِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ (^٤): الفسوقُ الذَّبحُ للأنصابِ. وقرَأ: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. فقُطِع ذلك أيضًا. يعني (^٥): قُطِع الذَّبحُ للأنصابِ بالنبيِّ ﷺ حينَ حجَّ البيتَ (^٦) فعَلَّم أمَّتَه المناسكَ (^٧).\n_________\n(^١) بعده في م: \"قال\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٤٦٧، ولفظه عند سعيد: الفسوق المعاصي.\n(^٣) أخرجه البيهقي ٥/ ٦٧ من طريق الثوري به، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٧ عقب الأثر (١٨٢٧) عن الثوري به.\n(^٤) تفسير سفيان ص ٦٣ عن ليث، عن مجاهد.\n(^٥) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٥ مختصرًا.","vol":"3","page":475},{"text":"وقال آخرون: الفسوقُ التَّنابُزُ بالألقابِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن حسينِ بنِ عُقَيلٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾. قال: الفسوقُ التنابزُ بالألقابِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا حسينُ بنُ عُقَيلٍ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحمٍ يقولُ. فذكَر مثلَه.\nوأولى الأقوالِ التي ذكَرنا بتأويلِ الآيةِ في ذلك قولُ من قال: معنى قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾: النهيُ عن معصيةِ اللَّهِ في إصابةِ الصيدِ، وفعلِ ما نهَى اللَّهُ المُحرِمَ عن فعلِه في حالِ إحرامِه؛ وذلك أن اللَّهَ قال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾. يعني بذلك: فلا يَرفُثْ، ولا يَفْسُقْ، أي: لا يفعلْ ما نهاه اللَّهُ عنه (^٢)، ولا يخرجْ عن طاعةِ اللَّهِ في إحرامِه. وقد علِمنا أن اللَّهَ قد حرَّم معاصيَه على كلِّ أحدٍ، مُحْرِمًا كان أو غيرَ مُحْرِمٍ، وكذلك حرَّم التنابُزَ بالألقابِ في حالِ الإحرامِ وغيرِها بقولِه: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١]. وحرَّم على المسلمِ سِبابَ أخيه في كلِّ حالٍ، فرَضَ الحجَّ أو لم يفرِضْه.\nفإذ كان ذلك كذلك، فلا شكَّ أن الذي نهَى اللَّهُ عنه العبدَ من الفسوقِ في حالِ إحرامِه وفَرْضِه الحجَّ، هو ما لم يكنْ فسوقًا في حالِ إحلالِه، وقبلَ إحرامِه بحجِّه، كما أن الرفَثَ الذي نهاه عنه في حالِ فَرْضِه الحجَّ، هو الذي كان له مطلقًا\n_________\n(^١) سقط من: م.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٧ (١٨٢٨) من طريق وكيع به.\n(^٢) في م: \"عن فعله في حال إحرامه\".","vol":"3","page":476},{"text":"قبلَ إحرامِه؛ لأنه لا معنى لأن يقالَ - فيما قد حرَّم اللَّهُ على خلقِه في كلِّ الأحوالِ -: لا يفعَلنَّ أحدُكم في حالِ الإحرامِ ما هو حرامٌ عليه فعلُه في كلِّ حالٍ. لأنَّ خصوصَ حالِ الإحرامِ به لا وجهَ له، وقد عُمَّ به جميعُ الأحوالِ من الإحلالِ والإحرامِ.\nفإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الذي نُهِي عنه المُحرِمُ من الفسوقِ - فخُصَّ به حالَ إحرامِه، وقيل له: إذا فرَضتَ الحجَّ فلا تفعَلْه - هو الذي كان له مطلقًا قبلَ حالِ فَرْضِه الحجَّ، وذلك هو ما وصَفنا وذكَرنا، أن اللَّهَ خَصَّ بالنهيِ عنه المُحرِمَ في حالِ إحرامِه، مما نهاه عنه؛ من الطِّيبِ واللباسِ والحلقِ وقصِّ الأظفارِ وقَتلِ الصيدِ، وسائرِ ما خصَّ اللَّهُ بالنهيِ عنه المُحرِمَ في حالِ إحرامِه.\nفتأويلُ الآيةِ إذن: فمن فرَض الحجَّ في أشهرِ الحَجِّ فأحرَمَ فيهن، فلا يرفُثْ عند النساءِ، فيُصرِّحَ لهن بجماعِهن، ولا يجامِعْهن (^١)، ولا يفسُقْ (^٢) بإتيانِ ما نهاه اللَّهُ عنه (^٣) في حالِ إحرامِه لحجِّه (^٤)؛ من قتلِ صيدٍ، وأخْذِ شعَرٍ، وقَلْمِ ظُفُرٍ، وغيرِ ذلك مما حرَّم اللَّهُ عليه فعلَه وهو محرِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-627>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك النهيُ عن أن يجادِلَ المحرِمُ أحدًا.\nثم اختلَف قائلو هذا القولِ؛ فقال بعضُهم: نُهِي عن أن يجادِلَ صاحبَه\n_________\n(^١) في الأصل: \"يجامعنهن\".\n(^٢) في الأصل: \"يفسقن\".\n(^٣) سقص من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بحجه\".","vol":"3","page":477},{"text":"حتى يُغضِبَه.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، عن شَرِيكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأَحْوَصِ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: أن تمارِيَ صاحبَك حتى تُغضِبَه (^١).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: ثنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن الجدالِ، فقال: المِراءُ (^٢)؛ تمارِي صاحبَك حتى تُغضِبَه (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَينةَ، عن خُصيفٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الجدالُ أن تمارِيَ صاحبَك حتى تُغضِبَه (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ، عن عطاءٍ، قال: الجدالُ أن يمارِيَ الرجلُ أخاه حتى يُغضِبَه (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنبسةَ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: أن تَمْحَكَ (^٦) صاحبَك حتى تُغضِبَه (^٧).\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٤٦٤، وهذا اللفظ ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٦ عن المصنف.\n(^٢) في م: \"أن\"، وفي ت ١: \"إمراء\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٦ عن المصنف.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٤٦٣، وينظر ما سيأتي في ص ٤٦٩.\n(^٥) تقدم أوله في ص ٤٦٧، ٤٧٢.\n(^٦) المَحْك: المشارَّة والمنازعة في الكلام. اللسان (م ح ك).\n(^٧) ينظر تفسير البغوي ١/ ٢٢٧، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٤٦.","vol":"3","page":478},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن (^١) شعيبِ بنِ خالدٍ، عن سَلَمةَ بنِ كُهَيلٍ، قال: سألتُ مجاهدًا عن قولِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: أن تمارِيَ صاحبَك حتى تُغضِبَه (^٢).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: الجدالُ هو أن تمارِيَ صاحبَك حتى تُغضِبَه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسعدةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ، قال: الجدالُ المراءُ (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الجدالُ أن تجادِلَ صاحبَك حتى تغضِبَه.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: الجدالُ أن تَصْخَبَ على (^٥) صاحبِك.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: المراءُ (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: \"بن\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٥٢١.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٦٣ عن ليث، عن مجاهد.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٨ عقب الأثر (١٨٣١) معلقًا.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٤٢ - تفسير) من طريق يونس، عن الحسن، وتقدم أوله في ص ٤٦٧، ٤٧٥.\n(^٥) زيادة يستقيم بها المعنى؛ لأن الفعل صخب لازم.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٥٩ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق عبد العزيز بن رفيع، عن مجاهد.","vol":"3","page":479},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، وحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قالا (^١): ثنا حسينُ بنُ عُقَيلٍ، عن الضحاكِ، قال: الجدالُ أن تمارِيَ صاحبَك حتى تُغضِبَه (^٢).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا واقدٌ الخُلْقَانِيُّ، عن عطاءٍ، قال: أما الجدالُ فتُمارِي صاحبَك حتى تُغضِبَه.\nحدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: الجدالُ المِراءُ؛ أن تمارِيَ صاحبَك حتى تُغضِبَه (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا المُعَلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال (^٤): الجدالُ المراءُ (٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا المُعَلَّى، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، عن موسى بنِ عُقبةَ، قال: سمِعتُ عطاءَ بنَ يسارٍ يحدِّثُ نحوَه (^٥).\nحدَّثني ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ (^٦) جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ بمثلِه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن الحجاجِ، عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، قال: الجدالُ أن يمارِيَ بعضُهم بعضًا حتى يَغْضَبوا (^٧).\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٢) تقدم أوله في ص ٤٦٧.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٨ عقب الأثر (١٨٣١) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) بعده في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ٤٧٤ ولفظه عند ابن أبي شيبة: والجدال السباب.\n(^٦) بعده في م: \"أبي\".\n(^٧) تقدم أوله في ص ٤٦٧.","vol":"3","page":480},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن يحيى بنِ بِشرٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾: الجدالُ الغضبُ؛ أن تُغضِبَ عليك مسلمًا، إلا أن تستعتبَ مملوكًا فتَعِظَه من غيرِ أن تَضرِبَه (^١)، [فلا بأسَ] (^٢) عليك في ذلك إن شاء اللَّهُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن النضرِ بنِ عربيٍّ، عن عِكرمةَ، قال: والجدالُ أن تمارِيَ صاحبَك حتى يُغضِبَك أو تُغضِبَه (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن الزهريِّ وقتادةَ، قالا: الجدالُ هو الصَّخَبُ والمِراءُ وأنت مُحرِمٌ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثني محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ جُرَيجٍ، قال: قال عطاءٌ: الجدالُ ما أغضَبْتَ (^٦) صاحبَك من الجدالِ.\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: الجدالُ المِراءُ والملاحاةُ حتى تُغضِبَ أخاك وصاحبَك، فنهَى اللَّهُ عن ذلك (^٧).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن خُصيفٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الجدالُ أن تمارِيَ صاحبَك حتى\n_________\n(^١) في م: \"تغضبه\".\n(^٢) في م: \"ولا أمر\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ولا تأمر\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٧ عن ابن المبارك به.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٨ عقب الأثر (١٨٣١) معلقًا.\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ٤٦٨.\n(^٦) في م: \"أغصُب\".\n(^٧) تقدم تخريجه في ص ٤٦٢، وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٧ عن علي بن أبي طلحة به.","vol":"3","page":481},{"text":"تُغضِبَه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: الجدالُ المراءُ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن الزهريِّ وقتادةَ قالا: هو الصَّخَبُ والمِراءُ وأنت مُحرِمٌ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾: كانوا يكرَهون الجدالَ (^٤).\nوقال آخرون منهم: الجدالُ في هذا الموضعِ معناه السِّبابُ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، أن نافعًا أخبَره، أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: الجدالُ في الحجِّ السِّبابُ والمراءُ والخصوماتُ (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: الجدالُ السِّبابُ والمنازعةُ (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٨ (١٨٣١)، والبيهقي ٥/ ٦٧ من طريق الثوري به، وينظر ما تقدم في ص ٤٧٨.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٦٣.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٤٦٨.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٧.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٨ (١٨٣١) من طريق يونس بن عبد الأعلى به.\n(^٦) تقدم أوله في ص ٤٦٧.","vol":"3","page":482},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: الجدالُ السِّبابُ.\nحدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، جميعًا عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: الجدالُ السِّبابُ (^١).\nوقال آخرون منهم: بل عُنِي بذلك خاصٌّ من الجدالِ والمِراءِ، وإنما عُنِي به (^٢) الاختلافُ في من هو أتمُّ حَجًّا من الحجَّاجِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني أبو صَخرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ، قال: الجدالُ؛ كانت قريشٌ إذا اجتَمعت بمِنًى قال هؤلاء: حَجُّنا أتمُّ مِن حَجِّكم. وقال هؤلاء: حَجُّنا أتمُّ مِن حَجِّكم (^٣).\nوقال آخرون منهم: بل ذلك اختلافٌ كان يكونُ بينَهم في اليومِ الذي فيه الحَجُّ، فنُهُوا عن ذلك.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ بنُ المِنهالِ، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن جَبْرِ بنِ حبيبٍ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ أنه قال: الجدالُ في الحَجِّ أن يقولَ بعضُهم: الحجُّ اليومَ. ويقولَ بعضُهم: الحَجُّ غدًا (^٤).\n_________\n(^١) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ٥٥٥، ٥٥٦.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٦ عن ابن وهب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٠ إلى المصنف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٩ (١٨٣٦) من طريق حجاج به، وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٦ عن حماد به.","vol":"3","page":483},{"text":"وقال آخرون: بل ذلك اختلافُهم في (^١) مَواقفِ الحَجِّ أيُّهم المصيبُ مَوْقفَ إبراهيمَ ﵇.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: كانوا يَقِفون مواقفَ مختلفةً يتجادَلون، كلُّهم يدَّعي أن موقفَه مَوْقفُ إبراهيمَ، فقطَعه اللَّهُ حينَ أعلَم نبيَّه ﷺ بمناسكِهم (^٢).\nوقال آخرون: بل قولُه جل ثناؤُه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. خبرٌ من اللَّهِ تعالى عن استقامةِ وقتِ الحَجِّ على ميقاتٍ واحدٍ لا يَتقدَّمُه ولا يتأخرُه، وبُطولِ فعْلِ النَّسيءِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيعٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: قد استقام الحجُّ فلا جدالَ فيه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: لا شهرَ يُنسَأُ، ولا شكَّ في الحَجِّ، قد بُيِّنَ. كانوا يُسقِطون المُحرَّمَ ثم يقولون: صَفَرانِ. لصفرٍ وشهرِ ربيعٍ\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أمر\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٦ عن ابن وهب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٠ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٥٨ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن ابن مهدي به، وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٦ عن سفيان به.","vol":"3","page":484},{"text":"الأولِ. ثم يقولون: شَهْرا ربيعٍ. لشهرِ ربيعٍ الآخرِ وجُمادى الأُولى. ثم يقولون: جُماديانِ. لجُمادى الآخرةِ ولرجبٍ. ثم يقولون لشعبانَ: رجبٌ. ثم يقولون لرمضانَ: شعبانُ. ثم يقولون لشوّالٍ: رمضانُ. ويقولون لذي القَعدةِ: شوَّالٌ. ثم يقولون لذي الحِجةِ: ذو القَعدةِ. ثم يقولون للمُحرَّمِ: ذو الحِجةِ. فيحُجُّون في المحرَّمِ، ثم يأتَنِفون، فيَحسُبُون على ذلك عِدَّةً مُستقبَلَةً على وجهِ ما ابتَدءُوا، فيقولون: المحرَّمُ، وصفرٌ، وشهرا ربيعٍ. فيحُجُّون في المحرَّمِ ليحجُّوا في كلِّ سنةٍ مرَّتَين، [ثم يُسقِطون] (^١) شهرًا آخرَ، فيَعُدُّون على العِدَّةِ الأُولى، فيقولون: صَفرانِ وشَهْرا ربيعٍ. نحوَ عِدَّتِهم في أولِ ما أسقَطوا (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: صاحبُ النَّسيءِ (^٣) الذي يَنسأُ لهم أبو ثمامةَ (^٤)، رجلٌ من بني كِنانةَ (^٥).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ (^٦)، عن أبي بشرٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: لا شبهةَ في الحَجِّ، قد بَيَّنَ اللَّهُ أمرَ الحَجِّ.\n_________\n(^١) في م: \"فيسقطون\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٢٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٨ (١٨٣٢)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٠ إلى عبد بن حميد، وهو في تفسير مجاهد مختصر.\n(^٣) في الأصل: \"السنين\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تمامة\".\n(^٥) ينظر ما سيأتي تخريجه في ١١/ ٤٥٣.\n(^٦) في م: \"ابن إسحاق\". وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٤٩٦، ١٦/ ٤١٣.","vol":"3","page":485},{"text":"حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: قد استقام أمرُ الحجِّ فلا تجادِلوا فيه (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: لا شهرَ يُنسَأُ، ولا شكَّ في الحجِّ، قد بُيِّنَ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: قد عُلِم وقتُ الحَجِّ فلا جدالَ فيه، ولا شكَّ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ والعلاءِ، عن مجاهدٍ، قال: هو شهرٌ معلومٌ لا ينازَعُ (^٤) فيه.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سالمٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: لا شكَّ في الحَجِّ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا حَجاجٌ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: المِراءُ [في الحَجِّ] (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾: قد تبيَّنَ\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٣٤٦.\n(^٢) أخرجه ابن عيينة - كما في الدر المنثور ١/ ٢٢٠ - ومن طريقه ابن أبي شيبة ص ١٥٧ (القسم الأول من الجزء الرابع) - عن ابن أبي نجيح به نحوه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٩ (١٨٣٥) من طريق العلاء به.\n(^٤) في م: \"تنازع\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بالحج\". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٦ عن هشيم به.","vol":"3","page":486},{"text":"الحَجُّ. قال: كانوا يحجُّون في (^١) ذي الحِجةِ عامين، وفي المحرَّمِ عامين، ثم حجُّوا في صَفرٍ عامين، وكانوا يحجُّون في كلِّ سنةٍ في كلِّ شهرٍ عامين، حتى (^٢) وافَقتْ حَجَّةُ أبي بكرٍ من العامَين في ذي القَعدةِ قبلَ حَجةِ النبيِّ ﷺ بسَنةٍ، ثم حجَّ النبيُّ ﷺ مِن قابلٍ في ذي الحِجَّةِ، فذلك حينَ يقولُ رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إن الزَّمانَ قد استَدارَ كهَيئَتِه يومَ خلَق اللَّهُ السماواتِ والأرضَ\" (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: بيَّن اللَّهُ أمرَ الحَجِّ ومعالِمَه، فليس فيه كلامٌ.\nوأولى هذه الأقوالِ في قولِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: قد بطَل الجدالُ في الحَجِّ ووقتِه، واستقام أمرُه ووقتُه على وقتٍ واحدٍ، ومناسكَ مُتفِقةٍ غيرِ مختلِفةٍ، فلا (^٤) تنازُعَ فيه ولا مِراءَ. وذلك أن اللَّهَ أخبَر أن وقتَ الحَجِّ أشهُرٌ معلوماتٌ، ثم نفَى عن وقتِه الاختلافَ الذي كانتِ الجاهليةُ في شِرْكِها تختلِفُ فيه.\nوإنما اخترنا هذا التأويلَ في ذلك ورأيناه أولى بالصوابِ مما خالَفه؛ لِما قد قدَّمنا من البيانِ آنفًا في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾. مِن (^٥) أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ اللَّهُ خصَّ بالنهيِ [عنه عن معنى حالِ الإحرامِ وحالِ فرضِ الحاجِّ الحجَّ، إلا وذلك الذي خَصَّ بالنهيِ] (^٦) عنه في تلك الحالِ مُطْلقٌ مباحٌ، في الحالِ التي يخالفُها، وهي حالُ\n_________\n(^١) في م: \"وفي\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ثم\".\n(^٣) سيأتي تخريجه في ١١/ ٤٥٥.\n(^٤) في م: \"ولا\".\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":487},{"text":"الإحلالِ، وذلك أن حكمَ ما خُصَّ به مِن ذلك (^١) حالَ الإحرامِ، إن كان سواءً فيه حالُ الإحرامِ وحالُ الإحلالِ، فلا وجهَ لخصوصِه به حالًا دونَ حالٍ وقد عمَّ به جميعَ الأحوالِ.\nفإذ كان ذلك كذلك، وكان لا معنى لقولِ القائلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. أن تأويلَه: لا تُمارِ صاحبَك حتى تُغضِبَه. إلا أحدَ معنيَين: إما أن يكونَ أراد: لا تُمارِه بباطلٍ حتى تُغضِبَه. فذلك ما لا وجهَ له؛ لأن اللهَ ﷿ قد نهَى عن المِراءِ بالباطلِ في كلِّ حالٍ؛ محرِمًا كان المُمارى أو مُحِلًّا، فلا وجهَ لخصوصِ حال الإحرامِ بالنهيِ عنه؛ لاستواءِ حالِ الإحرامِ والإحلالِ في نهيِ اللَّهِ عنه. أو أن يكونَ أراد: لا تمارِه بحقٍّ. وذلك أيضًا ما لا وجهَ له؛ لأن المحرمَ لو رأى رجلًا يرومُ فاحشةً، كان الواجبُ عليه مِراءَهُ في دفعِه عنها، أو رآه يُحاولُ ظلمَه والذهابَ منه بحقٍّ له قد غصَبه عليه، كان عليه مِراؤُه فيه وجدالُه حتى يَتخلَّصَه منه.\nوالجدالُ والمراءُ لا يكونُ بينَ الناس إلا من أحدِ وجهين: إما من قِبَلِ ظلمٍ، وإما من قِبَل حقٍّ. فإذا كان من أحدِ وجهَيْه غيرَ جائزٍ فعلُه بحالٍ، ومن الوجهِ الآخرِ غيرَ جائزٍ تركُه بحالٍ، فأيُّ وجوهِه التي خُصَّ بالنهيِ عنه حالَ الإحرامِ؟ وكذلك لا وجهَ لقولِ مَن تأوَّل ذلك أنه بمعنى السِّبابِ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه قد نهَى المؤمنين بعضَهم عن سِبابِ بعضٍ على لسانِ رسولِه ﷺ في كلِّ حالٍ، فقال ﷺ: \"سِبابُ المسلمِ فُسوقٌ، وقِتالُه كُفْرٌ\" (^٢). فإذ كان المسلمُ عن سبِّ المسلمِ مَنْهِيًّا في كلِّ حالٍ من أحوالِه، مُحْرِمًا كان أو غيرَ مُحْرِمٍ، فلا وجهَ لأنْ يقالَ له: لا تَسُبَّه في حالِ الإحرامِ إذا أحرَمتَ.\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حكم\".\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٠٤٤، ٧٠٧٦)، ومسلم (٦٤) من حديث ابن مسعود، وينظر تخريجه في مسند الطيالسي (٢٤٥، ٢٥٦، ٣٠٤).","vol":"3","page":488},{"text":"وفيما رُوِي عن رسولِ اللَّهِ ﷺ من الخبرِ الذي حدَّثنا به محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سَيَّارٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَن حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، رَجَع (^١) مثلَ يومِ وَلدَتْه أُمُّه\" (^٢).\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ الرَّمْلِيُّ، قال: ثنا حجّاجٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن سَيَّارٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَن حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، خرَج مِن ذنُوبِه كيومِ وَلَدتْه أُمُّه\".\nحدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سيارٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ. وذكَر (^٣) مثلَ حديثِ ابنِ المثنى، عن وهبِ بنِ جريرٍ (^٤).\nحدَّثني ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه أيضًا (^٥).\nحدَّثني ابنُ المثنَّى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرني منصورٌ، قال: سمِعتُ أبا حازمٍ يُحدِّثُ عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه.\nحدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: أخبرَنا محمدُ بنُ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خرج\".\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٢٦٤١)، وابن راهويه (٢٢٤)، والبخاري (١٥٢١)، والبغوي في الجعديات (٩٠٠، ١٧٥٧، ١٧٥٨)، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ٣١٦، والخطيب ١٣/ ١٥، والبغوي (١٨٤١) من طريق شعبة به.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه أحمد ١٥/ ١٧٩ (٩٣١٢) عن محمد بن جعفر به.\n(^٥) أخرجه مسلم (١٣٥٠) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أحمد ١٥/ ١٧٩ (٩٣١١) عن محمد بن جعفر به، وأخرجه الطيالسي (٢٦٤١) - ومن طريقه البغوي في الجعديات (١٧٥٨)، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ٣١٦، وأخرجه الدارمي (١٨٠٣)، والبخاري (١٨١٩)، ومسلم (١٣٥٠)، والبغوي في الجعديات (٩٠٠، ١٧٥٧)، والبيهقي ٥/ ٢٦١، ٢٦٢ من طريق شعبة به.","vol":"3","page":489},{"text":"عبيدِ اللَّهِ، عن الأعمشِ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَن حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، خرَج مِن ذنونِه كما ولدَتْه أمُّه\" (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ وأبو أسامةَ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال: رسولُ اللَّهِ ﷺ. فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: \"رجَع كما ولَدتْه أُمُّه\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شعبةَ، عن سَيّارٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ [أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال] (^٣). فذكَر نحوَه، إلا أنه قال: \"رجَع إلى أهلِه مثلَ يومِ ولَدتْه أُمُّه\".\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي بُكَيرٍ (^٤)، عن إبراهيمَ بنِ طهمانَ، عن منصورٍ، عن هلالِ بنِ يِسَافٍ (^٥)، عن أبي حازمٍ (^٦)، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَن حَجَّ هذا البيتَ - يعني الكعبةَ - فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، رجَع كيومِ ولَدتْه أمُّه\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني في سننه ٢/ ٢٨٤ من طريق الأعمش به نحوه.\n(^٢) أخرجه إسحاق بن راهويه (١٩٥)، وأحمد ١٦/ ١٩٢ (١٠٢٧٤)، ومسلم (١٣٥٠)، وابن ماجه (٢٨٨٩)، وابن حبان (٣٦٩٤) من طريق وكيع به، وأخرجه البخاري (١٨٢٠)، والبيهقي ٥/ ٢٦١ من طريق سفيان به، وأخرجه عبد الرزاق (٨٨٠٠) عن الثوري، عن منصور، عن جابر، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، وأخرجه الحميدي (١٠٠٤)، وابن راهويه (١٩٤)، وأحمد ١٢/ ٣٣٦ (٧٣٨١)، والترمذي (٨١١)، والنسائي (٢٦٢٦)، وأبو يعلى (٦١٩٨)، وابن خزيمة (٢٥١٤)، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ٢٦٤، ٨/ ١٢٦ من طريق منصور به.\n(^٣) في م: \"قال: قال رسول الله ﷺ\".\n(^٤) في م: \"كثير\". وينظر تهذيب الكمال ٢/ ١٠٨.\n(^٥) في م: \"يسار\" وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٣٥٣.\n(^٦) بعده في م: \"عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال، فذكر نحوه، إلا أنه قال: \"رجع إلى أهله مثل يوم ولدته أمه\". حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن طهمان، عن منصور، عن هلال بن يسار، عن أبي حازم.\n(^٧) أخرجه البيهقي ٥/ ٢٦٢ من طريق يحيى بن أبي بكير به.","vol":"3","page":490},{"text":"حدَّثنا الفضلُ بنُ الصَّبَّاحِ، قال: ثنا هُشيمُ بنُ بَشيرٍ، عن سَيَّارٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَن حجَّ للَّهِ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، رجَع كهيئةِ يومِ (^١) ولَدتْه أمُّه\" (^٢).\nدلالةٌ واضحةٌ (^٣) على أن قولَه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. بمعنى النَّفْيِ عن الحَجِّ أن يكونَ [فيه و] (^٤) في وقتِه جدالٌ ومِراءٌ، دونَ النهيِ عن جدالِ الناسِ بينَهم فيما يَعْنِيهم من الأمورِ أو لا يَعْنِيهم، وذلك أنه ﷺ أخبرَ أن (^٥) مَن حَجَّ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُق، استحقَّ مِن اللَّهِ مِن (^٦) الكرامةِ ما وصَف أنه استحقَّه بحجِّه، تاركًا للرفثِ والفسوقِ اللَّذَينِ نهَى اللَّهُ الحاجَّ عنهما في حجِّه مِن غيرِ أن يَضُمَّ إليهما الجدالَ. فلو كان الجدالُ الذي ذكَره اللَّهُ في قولِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. مما نهاه اللَّهُ عنه بهذه الآيةِ على نحوِ الذي تأوَّل ذلك مَن تأوَّله مِن أنه المِراءُ والخصوماتُ، أو السِّبابُ وما أشبَه ذلك، لمَا كان ﷺ لِيخُصَّ باستحقاقِ الكرامةِ التي ذُكِر أنه يستحقُّها الحاجُّ الذي وصَف أمرَه باجتنابِ خَلَّتَين مما نهاه اللَّهُ عنه في حجِّهِ دونَ الثالثةِ التي هي مقرونةٌ بهما.\nولكن لما كان معنى الثالثةِ مخالفًا معنى صاحبتَيها في أنها خبرٌ على المعنى الذي\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه أحمد ١٢/ ٣٨ (٧١٣٦)، ومسلم (١٣٥٠)، والبغوي في الجعديات (١٧٥٧) من طريق هشيم به.\n(^٣) قوله: \"دلالة واضحة … \" خبر لقوله المتقدم في ص ٤٨٩: \"وفيما روى عن رسول الله ﷺ من الخبر\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أنه\".\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":491},{"text":"وصَفنا، وأن الأُخريَين بمعنى النهيِ (^١)، أخبَر النبيُّ ﷺ أن مُجْتَنِبَهما في حجِّه مستوجبٌ ما وصَف من إكرامِ اللَّهِ إياه بما (^٢) أخبَر أنه مُكْرِمُه به، إذ كانتا بمعنى النهْيِ، وكان المُنتهِي عنهما للَّهِ مُطِيعًا بانتهائِه عنهما، وترَك ذِكْرَ الثالثةِ معهما (^٣)، إذ لم تكنْ في معناهما، وكانت مخالِفةً سبيلُها سبيلَهما.\nفإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بالقراءةِ من القراءاتِ، المخالَفَةُ بينَ إعرابِ \"الجدالِ\"، وإعرابِ \"الرَّفَثِ\" و\"الفسوقِ\"؛ ليعلمَ سامعُ ذلك - إذا كان من أهلِ الفهمِ باللغاتِ - أن الذي من أجلِه خُولِف بينَ إعرابَيهما اختلافُ مَعْنَيَيْهما، وإن كان صوابًا قراءةُ جميعِ ذلك باتفاقِ إعرابِه على اختلافِ معانِيه، إذ كانت العربُ قد تُتْبِعُ بعضَ الكلامِ بعضًا بإعرابٍ، مع اختلافِ المعانِي، وخاصّةً في هذا النوعِ من الكلامِ.\nفأعجَبُ القراءاتِ في ذلك عندي - إذ كان الأمرُ على ما وصَفتُ - قراءةُ من قرَأ: (فلا رفثٌ ولا فسوقٌ ولا جدالَ في الحجِّ). برفعِ \"الرَّفَثِ\" و\"الفسوقِ\" وتنوينِهما، وفتحِ الجدالِ بغيرِ تنوينٍ، وذلك هو قراءةُ جماعةِ البصريين، وكثيرٍ من أهلِ مكةَ؛ منهم عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، وأبو عمرِو بنُ العلاءِ (^٤).\nوأما قولُ من قال: معناه النهيُ عن اختلافِ المختلِفين في أتَمِّهم حجًّا. والقائلين: معناه النهيُ عن قولِ القائلِ: غدًا الحَجُّ. مخالِفًا به قولَ الآخرِ: اليومَ الحجُّ. فقولٌ في حكايتهِ الكفايةُ عن الاستشهادِ على وَهائِه وضعفِه، وذلك أنَّه قولٌ\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذي\".\n(^٢) في م: \"مما\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) بصرى وقرأ على ابن كثير المكي. ينظر سير أعلام النبلاء ٦/ ٢٠٧، وحجة القراءات ص ١٢٨.","vol":"3","page":492},{"text":"لا تُدْرَكُ صحَّتُه إلا بخبرٍ مستفيضٍ، أو (^١) خبرٍ صادقٍ يوجِبُ العلمَ أن ذلك كان كذلك، فنزلت الآيةُ بالنهيِ عنه، أو أن معنى ذلك في بعضِ معاني الجدالِ دون بعضٍ، ولا خبرَ بذلك بالصفةِ التي وصَفنا.\nوأما دَلالتُنا على ما قلنا - من أنه نَفْيٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن شهورِ الحَجِّ - الاختلافُ الذي كانت الجاهليةُ تختلفُ فيها (^٢) بينَها قبلُ كما وصَفنا.\nوأما دَلالتُنا على أن الجاهليةَ كانت تفعلُ ذلك، فالخبرُ المستفيضُ في أهلِ الأخبارِ أن الجاهليةَ كانت تفعلُ ذلك، مع دَلالةِ قولِ اللَّه تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ الآية [التوبة: ٣٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-628>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾.</span>\nيعني بذلك جلَّ ثناؤُه: افعَلوا أيُّها المؤمنون ما أمَرتُكم به في حَجِّكم من إتمامِ مناسكِكم فيه، وأداءِ فرْضِكم الواجبِ عليكم في إحرامِكم، وتجنُّبِ ما أمرتُكم بتجنُّبِه من الرفَثِ والفسوقِ في حجِّكم؛ لتَستوجِبوا به الثوابَ الجزيلَ منِّي (^٣)، فإنكم مهما تفعَلوا من ذلك وغيرِه من خيرٍ وعملٍ صالحٍ، ابتغاءَ مرضاتي وطلبَ ثوابي، فإنِّي به عالمٌ، ولجميعِه مُحْصٍ حتى أوفِّيَكم أجرَه، وأجازِيَكم عليه، فإني لا تخفَى عليَّ خافيةٌ، ولا يَنكتِمُ عني ما أردتُم بأعمالِكم؛ لأني مُطَّلِعٌ على سرائرِكم، وعالمٌ بضمائرِ نفوسِكم.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٢) في الأصل: \"فيه\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":493},{"text":"<span data-type='title' id=toc-629>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.</span>\nذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت في قومٍ كانوا يحُجُّون بغيرِ زادٍ، وكان بعضُهم إذا أحرَم رمَى بما معه من الزادِ، واستأنَف غيرَه من الأَزْوِدَةِ، فأمَر اللَّهُ مَن لم يكنْ يتزوَّدُ منهم بالتزوُّدِ لسفرِه، ومَن كان منهم ذا زادٍ أن يَتحفَّظَ بزادِه ولا يَرميَ به.\nذكرُ الأخبارِ التي رُوِيَت بذلك\nحدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ عبدِ الغفارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ سُوقةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: كانوا إذا أحرَموا ومعهم أَزْوِدَةٌ رمَوا بها، واستأنَفوا زادًا آخرَ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، فنُهوا عن ذلك وأمِروا أن يتزوَّدوا الكعكَ والدقيقَ والسَّوِيقَ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُخَرِّمِيُّ (^٢)، قال: ثنا شَبابةُ بنُ سَوّارٍ، قال: ثنا ورقاءُ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانوا يحُجُّون ولا يتزوَّدُون، فنزَلت: ﴿اوَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (^٣).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ سُوقةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٨ عن المصنف وابن مردويه، وليس فيه: محمد بن سوقة.\n(^٢) في م: \"المخزومي\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٥٣٤.\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٧٣٠)، وابن حبان (٢٦٩١) من طريق محمد بن عبد الله به، وأخرجه عبد بن حميد - كما في تفسير ابن كثير ١/ ٣٤٨ - والبخاري (١٥٢٣)، والبيهقي ٤/ ٣٣٢ من طريق شبابة به. وأخرجه النسائي في تفسيره (٥٣)، وابن حجر في تغليق التعليق ٣/ ٤٥ من طريق سعيد بن عبد الرحمن، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو به، وأخرجه الحاكم في تاريخه - كما في الفتح ٣/ ٣٨٤ - من طريق الثوري، عن ورقاء به، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٥٠ عقب الأثر (١٨٣٩) عن ورقاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٠ إلى ابن المنذر، وسيأتي من طرق عن ابن عيينة بدون ذكر ابن عباس.","vol":"3","page":494},{"text":"قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: الكعكُ والزيتُ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ عُيَينةَ، عن ابنِ سُوقةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: هو الكعكُ والسَّويقُ (^٢).\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن عِكْرمةَ، قال: كان أناسٌ يحُجُّون ولا يتزوَّدون، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (^٣).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَينةَ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عطاءٍ، كُوفيٌّ (^٤)، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ عُيَينةَ، عن عبدِ الملكِ بنِ عطاءٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: التمرُ والسَّويقُ (^٥).\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا حنظلةُ، قال: سُئل سالمٌ عن زادِ الحاجِّ، فقال: الخبزُ واللحمُ والتمرُ. قال عمرٌو: وسمِعتُ أبا عاصمٍ (^٦) مرةً يقولُ: ثنا حنظلةُ، سُئل سالمٌ عن زادِ الحاجِّ، فقال: الخبزُ والتمرُ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه سفيان بن عيينة - كما في الدر المنثور ١/ ٢٢١ - ومن طريقه سعيد بن منصور في سننه (٣٤٩ - تفسير).\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٨.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٧٧، وسعيد بن منصور في سننه (٣٤٧ - تفسير) عن سفيان ابن عيينة به.\n(^٤) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لنا\".\n(^٥) أخرجه سفيان بن عيينة - كما في الدر المنثور ١/ ٢٢١ - وعنه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٧٨، وسعيد بن منصور في سننه (٣٤٨ - تفسير)، وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، ولفظ سعيد: الكعك والسويق.\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عمرو\".\n(^٧) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٥٠ عقب الأثر (١٨٤٠) معلقًا، وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٣٤٨.","vol":"3","page":495},{"text":"حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن هُشيمٍ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: كان ناسٌ من الأعرابِ يحُجُّون بغيرِ زادٍ ويقولون: نتوكَّلُ على اللَّهِ. فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (^١).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن عمرَ بنِ ذَرٍّ، عن مجاهدٍ، قال: كان الحاجُّ منهم لا يتزوَّدُ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى، عن عمرَ بنِ ذرٍّ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا عمرُ بنُ ذرٍّ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يسافِرون ولا يتزوَّدون، فنزَلت: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. وقال الحسنُ بنُ يحيى في حديثِه: كانوا يحُجُّون ولا يتزوَّدون (^٢).\nحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْديُّ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن عمرَ بنِ ذرٍّ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا عمرُ بنُ ذرٍّ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يحدِّثُ. فذكَر نحوَه.\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن أبي بِشرٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان أهلُ الآفاقِ يخرُجون إلى الحَجِّ يَتوصَّلون بالناسِ بغيرِ زادٍ، يقولون: نحن مُتوَكِّلون. فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في (٣٤٦ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٧. وأخرجه ابن أبي شيبة ص ٢٤٨ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن وكيع، عن عمرو - كذا فيه - بن ذر به بنحوه، وهو في تفسير سفيان ص ٦٤ عن عمرو، عن مجاهد بنحوه.","vol":"3","page":496},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾. قال: كان أهلُ الآفاقِ يخرُجون إلى (^١) الحجِّ يتوصَّلون بالناسِ بغيرِ زادٍ، فأُمِروا أن يتزوَّدُوا (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: كان أهلُ اليمنِ [يقولون: لا (^٣) نتَزوَّدُ. فيتوكَّلونَ] (^٤)، يتوصَّلون بالناسِ، فأُمِروا أن يتزوَّدوا، ولا يستَغنِموا (^٥). قال: وخيرُ الزادِ التقوى.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حكَّامٌ، عن عَنبسةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: كانوا لا يتزوَّدون، فأُمِروا بالزادِ، وخيرُ الزادِ التقوى.\nحدَّثنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. فكان الحسنُ يقولُ: إن ناسًا مِن أهلِ اليمنِ كانوا يحُجُّون ويسافِرون ولا يتزوَّدُون، فأمَرهم اللَّهُ بالزادِ والنفقةِ في سبيلِ اللَّهِ، ثم أنبَأَهم أن خيرَ الزادِ التقوى (^٦).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بنِ أبي عَرُوبةَ في\n_________\n(^١) في الأصل: \"في\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٢٩،\n(^٣) سقط من النسخ.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يستمتعوا\". والغُنم: الفوز بالشيء دون مشقة. اللسان (غ ن م).\n(^٦) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٥٠ عقب الأثر (١٨٣٩) معلقًا.","vol":"3","page":497},{"text":"قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: قال قتادةُ: كان ناسٌ من أهلِ اليمنِ يحُجُّون ولا يتزوَّدون. ثم ذكَر نحوَ حديثِ بِشرٍ، عن يزيدَ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: كان ناسٌ من أهلِ اليمنِ يخرُجون بغيرِ زادٍ إلى مكةَ، فأمَرهم اللَّهُ أن يتزوَّدوا، وأخبرَهم أن خيرَ الزادِ التقوى (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: كان أناسٌ يخرُجون من أهلِيهم ليست معهم أزْوِدَةٌ، يقُولون: نَحُجُّ بيتَ اللَّهِ ولا يُطْعِمُنا؟ فقال اللَّهُ: تَزوَّدوا ما يكُفُّ وجوهَكم عن الناسِ (^٢).\nحُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: أخبرنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾: فكان ناسٌ باليمنِ يحُجُّون ولا يتزوَّدون، فأمَرهم اللَّهُ أن يتزوَّدوا، وأنبَأ أن خيرَ الزادِ التقوى (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمدِ بنِ سُوقةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ قال: السَّويقُ والدقيقُ والكعكُ (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن محمدِ بنِ سُوقةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال:\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٩ (١٨٣٨) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٥٠ عقب الأثر (١٨٣٩) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) تفسير سفيان ص ٦٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٥٠ (١٨٤٠) من طريق أبي نعيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢١ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":498},{"text":"الخُشْكَنَانجُ (^١) والسَّويقُ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عبدِ الملكِ بنِ عطاءٍ البَكّائِيِّ (^٣)، قال: سمعتُ الشعبيَّ يقولُ في قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: هو الطعامُ، وكان يومَئذٍ الطعامُ قليلًا. قال: قلتُ: وما الطعامُ؟ قال: التمرُ والسَّويقُ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾: وخيرُ زادِ الدنيا المنفعةُ من [الحَمولةِ و] (^٥) اللباسِ والطعامِ والشرابِ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: كان ناسٌ يتزوَّدون إلى عقبةٍ، فإذا انتَهَوا إلى تلك العقبةِ، توكَّلوا ولم يتزوَّدوا [طعامًا، فأُمِروا أن يَتَزَوَّدوا] (^٦).\nحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْدِيُّ، قال: ثنا المُحاربيُّ، قال: قال سفيانُ في قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: أُمِروا بالسَّويقِ والكعْكِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَني أبي، أنه سمِع\n_________\n(^١) الخشكنانج هو الخشكنان: وهو خبزة تصنع من خالص دقيق الحنطة وتملأ بالسكر واللوز أو الفستق وتقلى (فارسي). الوسيط (خ ش ك)، وينظر صبح الأعشى ٣/ ٥١٠.\n(^٢) أخرجه وكيع في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ١/ ٣٤٨ - وعنه ابن أبي شيبة ص ٢٤٨ (القسم الأول من الجزء الرابع).\n(^٣) في النسخ: \"البكالي\". والمثبت من التاريخ الكبير ٥/ ٤٢٦.\n(^٤) أخرجه وكيع - كما في الدر المنثور ١/ ٢٢١ - وعنه ابن أبي شيبة ص ٢٤٧ (القسم الأول من الجزء الرابع).\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) سقط من: م.","vol":"3","page":499},{"text":"عكرمةَ يقولُ في قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾. قال: هو السَّويقُ والدقيقُ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: كانت قبائلُ مِن العربِ يُحَرِّمون الزادَ إذا خرَجوا حُجَّاجًا وعُمَّارًا؛ [إلا أن] (^٢) يَتضيَّفوا الناسَ، فقال اللَّهُ لهم: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (^٣).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُليُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن عِكرمةَ، قال: كان الناسُ يقدَمون مكةَ بغيرِ زادٍ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (^٤).\nفتأويلُ الآيةِ إذن: فمَن فرَض في أشهرِ الحَجِّ الحَجَّ فأحرَم فيهن، فلا يَرْفُثَنَّ ولا يَفْسُقَنَّ، فإنَّ أمْرَ الحَجِّ قد استقام لكم، وعرَّفكم ربُّكم ميقاتَه وحدودَه، فاتَّقُوا اللَّهَ فيما أمَركم به ونَهاكم عنه من أمرِ حَجِّكم ومناسكِكم، فإنكم مهما تفعَلوا من خيرٍ أمَركم به، أو ندَبكم إليه يعلَمْه، وتزوَّدوا من أقواتِكم ما فيه بلاغُكم إلى أداءِ فرضِ ربِّكم عليكم في حَجِّكم ومناسكِكم؛ فإنَّه لا بِرَّ للهِ في تركِكم التزوُّدَ لأنفسِكم ومسألتِكم الناسَ، ولا في تَضْييعِ أقواتِكم وإفسادِها، ولكنَّ البرَّ في تقوى ربِّكم باجتنابِ ما نهاكم عنه في سفرِكم لحَجِّكم، وفعلِ ما أمَركم فيه (^٥)، فإنه خيرُ الزادِ، فمنه تزوَّدُوا.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٧.\n(^٢) في م: \"لأن\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لا\".\n(^٣) ينظر المحرر الوجيز ١/ ٥٥٧.\n(^٤) أخرجه سفيان بن عيينة - كما في الدر المنثور ١/ ٢٢١ - ومن طريقه ابن أبي شيبة ص ٢٤٧ (القسم الأول من الجزء الرابع).\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"به\".","vol":"3","page":500},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك رُوِي الخبرُ عن الضحاكِ بنِ مُزاحمٍ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: والتقوى عملٌ بطاعةِ اللَّهِ.\nوقد بيَّنا معنى \"التقوى\" فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-630>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤُه بذلك: اتقونِ يا أهلَ العقولِ والأفهامِ، بأداءِ فرائضِي عليكم التي أوجبتُها عليكم في حَجِّكم ومناسكِكم، وغيرِ ذلك من دِيني الذي شرَعتُه لكم، وخافُوا عقابي باجتنابِ محارمي التي حرَّمتُها عليكم - تَنْجُوا بذلك مما تخافُون من غضبي عليكم وعقابي، وتُدركوا [به ما تَأمُلُون وتَرجُون مِن رِضايَ عنكم وجزيلِ ثوابي لكم، وتُدرِكوا] (^٢) ما تطلُبون من الفوزِ بجنَّاتي.\nوخَصَّ جلَّ ذِكرُه بالخطابِ بذلك أُولي الألبابِ؛ لأنهم أهلُ التمييزِ بينَ الحقِّ والباطلِ، وأهلُ الفكرِ الصحيحِ والمعرفةِ بحقائقِ الأشياءِ التي بالعقولِ تُدْرَكُ، وبالألبابِ تُفْهَمُ، ولم يَجعلْ لغيرِهم من أهلِ الجهلِ في الخطابِ بذلك حظًّا، إذ كانوا أشباحًا كالأنعامِ، وصُوَرًا كالبهائمِ، بل هم منها أضلُّ سبيلًا.\nوالألبابُ: جمعُ لُبٍّ، وهو العقلُ.\n\n<span id=\"aya-205\"></span><span data-type='title' id=toc-631>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤُه بذلك: ليس عليكم أيُّها المؤمنون جُناحٌ. والجُنَاحُ الحَرَجُ.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٣٧ - ٢٤٠.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":501},{"text":"كما حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ، قال: حدثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾: وهو لا حَرَجَ عليكم في الشراءِ والبيعِ قبلَ الإحرامِ وبعدَه (^١).\nوقولُه: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: أن تَلْتَمِسوا فضلًا من عندِ ربِّكم. يقالُ منه: ابْتَغَيْتُ فضلًا من اللَّهِ، ومن فضلِ اللَّهِ، أبتَغِيه ابتغاءً، إذا طلبتَه والتمستَه، وبَغَيتُه أبغِيه بُغَاءً (^٢). كما قال عبدُ بني الحَسْحاسِ (^٣):\nبَغاكَ وما تَبْغيه حتى (^٤) وَجَدْتَه … كأنَّك قد وَاعَدْتَه أمسِ مَوْعِدا\nيعني: طَلَبَك والتمسَكَ.\nوقيل: إن معنى ابتغاءِ الفضلِ من اللَّهِ، التماسُ رزقِ اللَّهِ بالتجارةِ، وإن هذه الآيةَ نزَلت في قومٍ كانوا لا يَرَوْن أن يَتَّجِروا إذا أَحرَموا، يَلْتَمِسون البِرَّ بذلك، فأَعلَمهم جلَّ ثناؤُه إلا بِرَّ في ذلك، وأنَّ لهم التماسَ فضلِه بالبيعِ والشراءِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْدِيُّ، قال: ثنا المُحارِبيُّ، عن عمرَ بنِ ذَرٍّ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يَحُجُّون ولا يتَّجِرون، فأنزَل اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: في المواسمِ (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرَنا عمرُ بنُ ذَرٍّ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٥١ (١٨٤٧) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) في م: \"بغيا\".\n(^٣) ديوانه ص ٤١.\n(^٤) رواية الديوان: \"إلا\". و\"حتى\" هنا بمعنى \"إلا\". ينظر مغني اللبيب ص ١١١.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٣: \"الموسم\".","vol":"3","page":502},{"text":"سمعتُ مجاهدًا يُحدِّثُ، قال: كان ناسٌ لا يتَّجِرون أيامَ الحَجِّ، فنزَلت فيهم: ﴿[لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ] (^١) أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرَنا أبو ليلي، عن بُرَيدةَ (^٣) في قولِ اللَّهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: إذا كنتم مُحْرِمِين أن تَبِيعوا وتَشْتَروا.\nحدَّثني طَلِيقُ بنُ محمدٍ الواسِطيُّ، قال: أخبرَنا أسباطُ، قال: أخبرَنا الحسنُ (^٤) بن عمرٍو، عن أبي أُمَامةَ التيْميِّ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ: إنّا قومٌ نُكْرِي (^٥)، فهل لنا حَجٌّ؟ قال: أليس تَطوفون بالبيتِ، وتأتون المُعَرَّفَ (^٦)، وتَرْمون الجِمارَ، وتحلِقُون رُءوسَكم؟ فقلنا: بلى. قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فسأله عن الذي سألتَني عنه، فلم يَدْرِ ما يقولُ له، حتى نزَل جبريلُ ﵇ بهذه الآيةِ. ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. فقال النبيُّ ﷺ: \"أنتم حُجَّاجٌ\" (^٧).\n_________\n(^١) في النسخ: \"لا جناح عليكم\". والمثبت صواب التلاوة، والذي في النسخ قراءة ابن عباس وابن الزبير وعطاء. ينظر المصاحف لابن أبي داود ص ٥٥، ٧٤، ٨٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٧٧ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق عمر بن ذر به بلفظ بنحوه، وينظر ما سيأتي في ص ٤٩٣، ٤٩٤.\n(^٣) في الأصل: \"مزيده\".\n(^٤) في الأصل: \"الحسين\". وينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ٥٢.\n(^٥) أي نكري دوابنا للحجاج ونكون معهم في جميع الشاهد، ينظر الفتح الرباني ١٨/ ٨٤.\n(^٦) في م: \"المعروف\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المغرب\".\nوالمعرف يراد به الوقوف بعرفة، وهو التعريف أيضًا. والمعرف في الأصل: موضع التعريف، ويكون بمعنى المعروف. النهاية ٣/ ٢١٨. وينظر ما تقدم في ٢/ ٧١١ حاشية (٤).\n(^٧) أخرجه أحمد ١/ ٤٧٣ (٦٤٣٤)، وابن خزيمة (٣٠٥٢)، والدارقطني ٢/ ٢٩٣ من طريق أسباط به. =","vol":"3","page":503},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهابِ، قال: أخبرَنا أيوبُ، عن عكرمةَ، قال: كانت تُقرَأُ هذه الآيةُ: (ليس عليكم جُناحٌ أن تَبْتَغُوا فَضْلًا من ربِّكم في مواسمِ الحَجِّ) (^١).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن منصورِ بنِ المُعْتمرِ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: هو التجارةُ في البيعِ والشراءِ، والبيعُ والاشتراءُ لا بأسَ به (^٢).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقرَؤُها: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا من ربِّكم في مواسمِ الحجِّ) (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن عليِّ بنِ مُسْهِرٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان مَتْجَرَ الناسِ في الجاهليةِ عُكاظٌ وذو المَجازِ (^٤)، فلمَّا جاء الإسلامُ كأنهم كرِهوا ذلك، حتى أنزَل اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: حدَّثنا شَبابةُ بنُ سَوَّارٍ، قال: حدثنا شعبةُ، عن\n_________\n= وينظر ما سيأتي في ص ٥٠٩.\n(^١) أخرجه أبو عبيد في فضائله ص ١٦٤، وابن أبي شيبة ص ١٧٧ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن عبد الوهاب به، قال أبو حيان: والأولى جعل هذا تفسيرا؛ لأنه مخالف لسواد المصحف. البحر المحيط ٢/ ٩٤.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٣٤٩.\n(^٣) أخرجه وكيع - كما في تفسير ابن كثير ١/ ٣٤٩ - وابن أبي داود في المصاحف ص ٧٤ من طريق طلحة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) عكاظ: اسم سوق من أسواق العرب في الجاهلية، تجتمع فيه القبائل كل سنة، وذو المجاز: موضع سوق بعرفة على ناحية كبكب، على فرسخ من عرفة. ينظر معجم البلدان ٣/ ٧٠٤، ٤/ ٢١٦.\n(^٥) أخرجه البخاري (١٧٧٠) من طريق ابن جريج به.","vol":"3","page":504},{"text":"أبي أُمَيمةَ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ، وسُئِل عن الرجلِ يَحُجُّ ومعه تحارةٌ، فقرَأ ابنُ عمرَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، وحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا يزيدُ بنُ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانوا لا يَتَّجِرون في أيامِ الحَجِّ، فنزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا حجاجٌ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: (ليس عليكم جُناحٌ أن تَبْتَغُوا فضلًا من ربِّكم في مواسمِ الحَجِّ) (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: حدَّثنا طلحةُ بنُ عمرٍو الحَضْرَميُّ، عن عطاءٍ قولَه: (ليس عليكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في مواسمِ الحَجِّ). هكذا قرَأها ابنُ عباسٍ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا ليثٌ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: التجارةُ في الدنيا، والأجرُ في الآخرةِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٩ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة ص ١٧٧ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق شعبة، عن أبي ميمونة، عن ابن عمر بنحوه.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٥١ - تفسير)، وأبو داود (١٧٣١) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٢ إلى وكيع وعبد بن حميد وابن أبي شيبة.\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في فضائله ص ١٦٤، وابن أبي داود في المصاحف ص ٧٤ من طريق هشيم به، وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٤٩ عن المصنف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٢ إلى المصنف وابن عيينة.","vol":"3","page":505},{"text":"رَبِّكُمْ﴾. قال: التجارةُ في المواسمِ، أُحِلَّت لهم في المواسمِ. قال: فكانوا لا يَبِيعون أو يَبْتَاعون في الجاهليةِ بعرفةَ [ولا بمنًى] (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: كان هذا الحيُّ من العربِ لا يُعَرِّجون على كسيرٍ ولا على ضالَّةٍ [ليلةَ النَّفْرِ] (^٢)، وكانوا يُسمُّونها ليلةَ الصَّدَرِ (^٣)، ولا يطلُبون فيها تجارةً ولا بيعًا، فأحلَّ اللَّهُ ذلك كلَّه للمؤمنين، أن يُعَرِّجوا على حوائجِهم، ويَبْتَغوا من فضلِ ربِّهم (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ عُيَينةَ، عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ أبي يزيدَ، قال: سمِعتُ ابنَ الزبيرِ يقولُ: (ليس عليكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكم في مواسمِ الحَجِّ) (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٢٣٠ بنحوه، وينظر ما تقدم في ص ٥٠٢، ٥٠٣.\n(^٢) سقط من: الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣. ويقال: يوم النفر وليلة النفر. لليوم الذي ينفر الناس فيه من منى. ينظر اللسان (ن ف ر).\n(^٣) الصدر: اليوم الرابع من أيام النحر، لأن الناس يصدرون فيه عن مكة إلى أماكنهم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٨، وأخرجه ابن أبي شيبة ص ١٧٧ (القسم الأول من الجزء الرابع)، وابن أبي داود في المصاحف ص ٨٢ من طريق سفيان بن عيينة به، وأخرجه عبد بن حميد - كما في تفسير ابن كثير ١/ ٣٤٩ - وابن أبي داود في المصاحف ص ٨٢، وابن خزيمة (٣٠٥٥) من طرق عن عبيد الله بن أبي يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٢ إلى ابن المنذر، وهو في تفسير عبد الرزاق والدر المنثور عن أبي الزبير.","vol":"3","page":506},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ عُيَينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: كانت ذو المَجازِ وعُكاظٌ مَتْجَرًا للناسِ في الجاهليةِ، فلما جاء الإسلامُ ترَكوا ذلك حتى نزَلت: (ليس عليكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكم في مواسمِ الحَجِّ) (^١).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ والمثنى بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا أبو نُعَيمٍ، قال: حدثنا سفيانُ، عن محمدِ بنِ سُوقةَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ: كان بعضُ (^٢) الحَاجِّ يُسَمَّوْن الدَّاجَّ (^٣)، فكانوا ينزِلون في الشِّقِّ الأيسرِ من مِنًى، وكان الحَاجُّ ينزِلون عندَ مسجدِ مِنًى، فكانوا لا يتَّجِرون، حتى نزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فحَجُّوا.\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعيمٍ، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ ذَرٍّ، عن مجاهدٍ، قال: كان الناسُ يَحُجُّون ولا يَتَّجِرون، حتى نزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فرُخِّص لهم في المَتْجَرِ والرُّكوبِ والزادِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه سفيان - كما في الدر المنثور ١/ ٢٢٢ - ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٧٨، وسعيد بن منصور في سننه (٣٥٠ - تفسير)، وابن أبي شيبة ص ١٧٧ (القسم الأول من الجزء الرابع)، والبخاري (٢٠٥٠، ٢٠٩٨، ٤٥١٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٥١ (١٨٤٦)، والطبراني (١١٢١٣)، والبيهقي ٤/ ٣٣٣. وأخرجه أبو داود (١٧٣٤)، وابن أبي داود في المصاحف ص ٧٤، والحاكم ١/ ٤٤٩، ٤٨١، ٢/ ٢٧٦، وابن خزيمة (٣٠٥٤)، والبيهقي ٤/ ٣٣٤ من طريق عبيد بن عمير، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) الداج: الذين مع الحاج من الأجراء والمكارين والأعوان ونحوهم؛ لأنهم يدجون على الأرض، أي: يدبون ويسعون في السفر. اللسان (د ج ج).\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٥٠٣.","vol":"3","page":507},{"text":"حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾: هي التجارةُ، يقولُ: اتَّجِرُوا في الموْسمِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عمي، قال: حدثنا أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: كان الناسُ إذا أحرَموا لم يَتبايَعوا حتى يَقضُوا حَجَّهم، فأحَلَّه اللَّهُ لهم (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: حدثنا أبو نُعَيمٍ، قال: حدثنا سفيانُ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانوا يَتَّقُون البيوعَ والتجارةَ أيامَ المَوسمِ، يقولون: أيامُ ذِكْرٍ. فأنزَل اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. فحَجُّوا (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقرَؤُها: (ليس عليكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُم في مواسمِ الحَجِّ) (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: حدثنا الحِمَّانيُّ، قال: حدثنا شَرِيكٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: لا بأسَ بالتجارةِ في الحَجِّ. ثم قرَأ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١).\nحُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٣٤٩.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٥٠٥.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٥٠٤.","vol":"3","page":508},{"text":"أنسٍ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: كان هذا الحيُّ من العربِ لا يُعَرِّجون على كسيرٍ، ولا على ضالَّةٍ، ولا ينتظِرون لحاجةٍ، وكانوا يسمُّونها ليلةَ الصَّدَرِ، ولا يطْلُبون فيها تجارةً، فأحلَّ اللَّهُ ذلك كلَّه أن يُعرِّجوا على حاجتِهم (^١)، وأن يَبْتَغُوا (^٢) فضلًا مِن ربِّهم (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مَنْدَلٌ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ المُهاجِرِ، عن أبي صالحٍ مولى عمرَ، قال: قلتُ لعمرَ: يا أميرَ المؤمنين، كنتم تَتَّجِرون في الحَجِّ؟ قال: وهل كانت معايِشُهم إلا في الحَجِّ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن العلاءِ بنِ المُسيَّبِ، عن رجلٍ من بني تَيمِ اللَّهِ، قال: جاء رجلٌ إلى عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، فقال: يا أبا عبدِ الرحمنِ، إنَّا قومٌ نُكْرِي، فيزعُمون أنَّه ليس لنا حَجٌّ! قال: ألسْتم تُحرِمُون كما يُحرِمُون، وتَطوفون كما يَطوفون، وتَرْمون كما يَرْمون؟ قال: بلى. قال: فأنتم (^٥) حاجٌّ؛ جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فسأله عما سألتَ عنه، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: \"صاحبهم\".\n(^٢) في م: \"يطلبوا\".\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٣٤٩.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٥٠ عن المصنف.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أنت\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق - كما في تفسير ابن كثير ١/ ٣٥٠ - ومن طريقه عبد بن حميد - كما في تفسير ابن كثير - وأحمد ١٠/ ٤٧٤ (٦٤٣٥)، والدارقطني ٢/ ٢٩٢، ٢٩٣، وابن بشران في الأمالي (٤٣٥) من طريق سفيان به. وأخرجه الطيالسي (٢٠٢١)، وسعيد بن منصور في سننه (٣٥٢ - تفسير)، وابن أبي شيبة ص ٤٤٤ (القسم الأول من الجزء الرابع)، وأبو داود (١٧٣٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٥١ (١٨٤٥)، والدارقطني ٢/ ٢٩٢، والحاكم ١/ ٤٤٩، والبيهقي ٤/ ٣٣٣، وابن خزيمة (٣٠٥١) من طريق العلاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٢ إلى ابن المنذر. وينظر ما تقدم في ص ٥٠٣.","vol":"3","page":509},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: كانوا إذا أفاضوا من عرفاتٍ لم يَتَّجِروا بتجارةٍ، ولم يُعَرِّجوا على كَسيرٍ، ولا على ضالَّةٍ، فأحلَّ اللَّهُ ذلك، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. إلى آخرِ الآيةِ (^١).\nحدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت عُكاظٌ ومَجَنَّةُ (^٢) وذو المَجازِ أسواقًا في الجاهليةِ، فكانوا يَتَّجِرون فيها، فلمَّا كان الإسلامُ كأنهم تأثَّمُوا منها، فسألوا النبيَّ ﷺ، فأنزَل اللَّهُ: (ليس عليكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم في مواسمِ الحَجِّ) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-632>القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾: فإذا رجَعتم من حيثُ بدَأتُم. ولذلك قيل للذي يضرِبُ القِداحَ بينَ الأَيْسارِ (^٤): مُفِيضٌ. لجمعِه القداحَ، ثم إفاضتِه إياها بينَ الياسِرين (^٥). ومنه قولُ بشرِ بنِ أبي خازمٍ (^٦) الأسديِّ (^٧):\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٨.\n(^٢) مَجَنَّةُ: اسم سوق للعرب في الجاهلية بمر الظهران قرب جبل يقال له: الأصفر وهو بأسفل مكة. معجم البلدان ٤/ ٤٣١.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٥٠٢، ٥٠٥.\n(^٤) الأيسار: جمع ياسر، وهم الضاربون بالقداح والمتقامرون على الجزور وهو الذي يلي قسمة جزور الميسر. تاج العروس (ي س ر).\n(^٥) في النسخ: \"المياسرين\". وينظر تهذيب اللغة ١٣/ ٥٩.\n(^٦) في الأصل، ت ١، ت ٢: \"حازم\".\n(^٧) ديوانه ص ١٠٧.","vol":"3","page":510},{"text":"فَقُلتُ لها رُدِّي إليه (^١) حَياتَه (^٢) … فَرَدَّتْ كما رَدّ المَنِيحَ (^٣) مُفِيضُ\nثم اختلَف أهلُ العربيةِ في \"عرفاتٍ\"، والعلةِ التي من أجلِها صُرِفت وهي مَعْرِفةٌ، وهل هي اسمٌ لبقعةٍ واحدةٍ، أم هي لجماعةِ بِقاعٍ؟ فقال بعضُ نحويِّي البصريين (^٤): هي اسمٌ كان لجماعةٍ مثل مُسلماتٍ ومُؤمناتٍ، سُمِّيَت به بُقعةٌ واحدةٌ، فَصُرِفت لمَّا سُمِّيَت به البقعةُ الواحدةُ، إذ كان مصروفًا قبلَ أن تسمَّى به البقعةُ، ترْكًا منهم له على أصلِه؛ لأن التاءَ فيه صارت بمنزلةِ الياءِ والواوِ في \"مسلمين ومسلمون\"؛ لأنه تذكيرُه، فصار التنوينُ بمنزلةِ النونِ، فلمَّا سُمِّي به تُرِك على حالِه، كما يُترَكُ \"مسلمون\" إذا سُمِّي به على حالِه.\nقال: ومِن العربِ مَن لا يصرِفُه إذا سمَّى به، ويشبِّهُ \"التاءَ\" بهاءِ التأنيثِ، وذلك قبيحٌ ضعيفٌ. واستَشهد بقولِ الشاعرِ (^٥):\nتَنَوَّرْتُها مِن أذْرِعاتٍ (^٦) وأهْلُها … بيَثربَ أدْنى دارِها نَظَرٌ عَالِ\nقال: ومنهم مَن لا يُنوِّنُ \"أذرِعات\"، وكذلك \"عانات\" (^٧)، وهو مكانٌ.\nوقال بعضُ نحويِّي الكوفيين: إنما انصرَفت عرفاتٌ؛ لأنهن على جماعٍ مؤنثٍ بـ \"التاءِ\".\n_________\n(^١) في الديوان: \"عليه\".\n(^٢) في م: \"جنانه\".\n(^٣) المنيح: سهم من سهام الميسر مما لا نصيب له، إلا أن يمنح صاحبه شيئا. الصحاح (م ن ح).\n(^٤) ينظر الكتاب ٣/ ٢٣٣.\n(^٥) هو امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص ٣١.\n(^٦) أذرعات: بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وعمان. معجم البلدان ١/ ١٧٥.\n(^٧) عانات: موضع من أرياف العراق، قال الخليل: مما يلي ناحية الجزيرة. معجم ما استعجم ٣/ ٩١٤.","vol":"3","page":511},{"text":"قال: وكذلك ما كان على (^١) جماعٍ مؤنثٍ بـ \"التاءِ\"، ثم سَمَّيتَ به رجلًا أو مكانًا أو أرضًا أو امرأةً، انصرَفتْ.\nقال: ولا تكادُ العربُ تُسمِّي شيئًا من الجماعِ إلا جِماعًا، ثم تجعلُه بعدَ ذلك واحدًا.\nوقال آخرُ (^٢) منهم: ليست عرفاتٌ حكايةً، ولا هي اسمٌ منقولٌ، ولكنَّ الموضعَ سُمِّي هو وجوانبُه بعرفاتٍ، ثم سُمِّيت بها البُقْعةُ، فهي (^٣) اسمٌ للموضعِ، لا ينفردُ واحدُها. قال: وإنما يجوزُ هذا في الأماكنِ والمواضعِ، ولا يجوزُ ذلك في غيرِها من الأشياءِ. قال: ولذلك نَصَبتِ العربُ \"التاءَ\" في ذلك؛ لأنه موضعٌ، ولو كان مَحْكِيًّا لم يكنْ ذلك فيه جائزًا؛ لأنَّ مَن سَمَّى رجلًا بـ \"مسلماتٍ\" أو \"مسلمين\" لم يَنقُلْه في الإعرابِ عمَّا كان عليه في الأصلِ، فلذلك خالَف \"عاناتٍ\" و\"أذرِعاتٍ\" ما سُمِّي به من الأسماءِ على وجْهِ الحكايةِ.\nواختلَف أهلُ العلمِ في المعنى الذي مِن أجلِه قيل لعرفاتٍ: عرفاتٌ؛ فقال بعضُهم: قِيل لها ذلك مِن أجلِ أنَّ إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ لمَّا رآها عرَفها بنعتِها الذي كان لها عندَه، فقال: قد عَرَفتُ. فسُمِّيت عرفاتٍ بذلك.\nوهذا القولُ مِن قائلِه يدلُّ على أنَّ عرفاتٍ اسمٌ للبُقْعةِ، وإنما سمِّيتْ بذلك لنفسِها وما حولَها، كما يقالُ: ثوبٌ أخلاقٌ، وأرضٌ سَباسبُ (^٤). فتُجمَعُ بما حولَها.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٢) في م، ت ٢: \"آخرون\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) السباسب: الجدبة، والأرض القفار. اللسان (سبسب).","vol":"3","page":512},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لما أذَّن إبراهيمُ في الناسِ بالحَجِّ، فأجابُوه بالتلبيةِ، وأتاه مَن أتاه، أمَره اللَّهُ أن يخرُجَ إلى عرفاتٍ، ونعَتَها، فخرَج، فلما بلَغ الشجرةَ عندَ العقبةِ، استقبَله الشيطانُ يرُدُّه، فرماه بسبعِ حَصَياتٍ، يُكبِّرُ مع كلِّ حصاةٍ، فطار فوقَع على الجمرةِ الثانيةِ، فصدَّه أيضًا، فرَماه وكبَّر، فطار فوقَع على الجمرةِ الثالثةِ، فرماه وكبَّر، فلما رأى أنَّه لا يطيعُه، فلم يدْرِ إبراهيمُ أين يذهَبُ، فانطلَق حتى أتَى ذا المَجازِ، فلمَّا نظَر إليه فلم يعرِفْه، جاز، فلذلك سُمِّي ذا المَجازِ، ثم انطلَق حتى وقَع بعرفاتٍ، فلما نظَر إليها عَرَف النَّعتَ، قال: قد عَرَفتُ. فسُمِّي عرفاتٍ. فوقَف إبراهيمُ بعرفاتٍ، حتى إذا أمسَى ازدَلف إلى جَمْعٍ، فسمِّيَت المُزْدَلِفةَ، فوقَف بجمعٍ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن سليمانَ التَّيميِّ، عن نُعَيمِ بنِ أبِي هندٍ، قال: لما وقَف جبريلُ بإبراهيمَ ﵉ بعرفاتٍ، قال: عَرَفتُ. فسُمِّيت عَرفاتٍ لذلك (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا ابنُ جريجٍ، قال: قال ابنُ المُسَيَّبِ: قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ: بعَث اللَّهُ جبريلَ إلى إبراهيمَ فحَجَّ به، حتى إذا أتَى عرفةَ، قال: قد عَرَفتُ. وكان قد أتاها مرَّةً قبلَ ذلك، ولذلك\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٢/ ٥٦٨، وفيه: \"لا يطيقه، ولم\". مكان: \"لا يطيعه، فلم\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٩.","vol":"3","page":513},{"text":"سُمِّيت عَرَفةَ (^١).\nوقال آخرون: بل سُمِّيت بذلك بنفسِها، وببقاعٍ أُخَرَ سواها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ قال: ثنا وَكيعٌ، [عن الربيعِ] (^٢) بنِ مسلمٍ القُرَشيِّ، عن ابنِ (^٣) طِهْفةَ، عن أبي الطُّفَيلِ، عن ابنِ عباسٍ قال: إنما سُمِّيت عرفاتٍ؛ لأن جبريلَ كان يقولُ لإبراهيمَ: هذا موضعُ كذا، وهذا موضعُ كذا. فيقولُ: قد عَرَفتُ، [قد عرَفتُ] (^٤). فلذلك سُمِّيت عَرفاتٍ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ، عن عطاءٍ، قال: إنما سُمِّيت عَرفةَ أن جبريلَ كان يُرِي إبراهيمَ المناسكَ، فيقولُ: عَرَفتُ، عَرَفتُ. فسُمِّي عَرفاتٍ (^٦).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن زكريا، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: أصلُ الجبلِ الذي يلي عُرَنَة (^٧) وما وراءَه موقفٌ، حتى يأتيَ الجبلَ جبلَ عَرفةَ (^٨).\n_________\n(^١) مصنف عبد الرزاق ٥/ ٩٦ مطولًا.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. وينظر تهذيب الكمال ٩/ ١٠٢.\n(^٣) في م، ت ١: \"أبي\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ١٠٢.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٢ إلى المصنف ووكيع وابن المنذر.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٢٩١ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق عبد الملك به.\n(^٧) في الأصل: \"عرفة\".\n(^٨) أخرجه الأزرقي في أخبار مكة ١/ ٤١٨ من طريق ابن أبي نجيح به.","vol":"3","page":514},{"text":"وقال ابنُ أبي نجيحٍ: عرفاتٌ: [النَّبْعَةُ والنُّبَيْعَةُ] (^١)، وذاتُ النابتِ، وذلك قولُ اللَّهِ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾. وهو الشِّعْبُ الأوسطُ.\nوقال زكريا: ما سال مِن الجبلِ الذي يقِفُ عليه الإمامُ إلى عَرَفةَ، فهو مِن عَرَفةَ، وما دَبَرَ ذلك الجبلِ فليس من عَرفةَ.\nوهذا القولُ يدلُّ على أنها سمِّيت بذلك نظيرَ ما يُسمَّى الواحدُ باسمِ الجماعةِ المختلفةِ الأشخاصِ.\nوأولى الأقوالِ بالصوابِ في ذلك عندي أن يقالَ: هو اسمٌ لواحدٍ سُمِّي بجماعٍ، فإذا صُرِف ذُهِب به مَذْهبَ الجِماعِ الذي كان له في الأصلِ، وإذا تُرِك صَرْفُه ذُهِب به إلى أنه اسمٌ لبقعةٍ واحدةٍ معروفةٍ، فتُرِك صَرْفُه كما يُترَكُ صرفُ أسماءِ الأمصارِ والقرَى المعارفِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-633>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤه بذلك: فإذا أفضْتُم فَكَرَرْتُم راجِعين مِن عَرفةَ إلى حيثُ بدأتُم الشخوصَ إليها منه ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾. يعني بذلك الصلاةَ والدعاءَ عندَ المَشْعرِ الحرامِ.\nوقد بيَّنا قبلُ أن المشاعرَ هي المعالمُ، من قولِ القائلِ: شَعَرتُ بهذا الأمرِ. أي: علِمتُ (^٢).\nوالمَشْعَرُ هو المَعْلمُ، سُمِّي بذلك لأن الصلاةَ عندَه والمُقَامَ والمَبِيتَ والدُّعاءَ مِن معالمِ الحَجِّ وفروضِه التي أمَر اللَّهُ تعالى ذكرُه بها عبادَه، وقد\n_________\n(^١) في الأصل: \"التبعة والتبيعة\". وينظر معجم البلدان ٤/ ٧٤١.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٧١٠.","vol":"3","page":515},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن زكريا، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، قال: يُستحبُّ للحاجِّ أن يُصلِّيَ في منزلِه بالمُزْدلفةِ إن استطاع، وذلك أن اللَّهَ قال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾.\nفأما المَشْعَرُ، فإنه هو ما بينَ جَبلي (^١) المُزْدلفةِ من [حدِّها إلى مُفْضَى] (^٢) مَأْزِمَيْ (^٣) عَرفةَ إلى مُحَسِّرٍ، وليس مَأْزِمَا عَرفةَ من المشعرِ.\nوبالذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: حدثنا إسرائيلُ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: رأى ابنُ عمرَ الناسَ يزدَحِمون على الجُبيلِ بجَمْعٍ، فقال: أيُّها الناسُ، إن جَمْعًا كلَّها مَشْعَرٌ (^٤).\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا حجاجٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أنه سُئِل عن قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾. قال: هو الجبلُ وما حولَه (^٥).\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: أخبرَنا إسرائيلُ، عن\n_________\n(^١) في الأصل: \"جبل\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. وينظر أخبار مكة ٢/ ٩٦.\n(^٣) المأزمان تثنية المأزِم: وهو شعب بين جبلين يفضي آخره إلى بطن عرنة. معجم البلدان ٤/ ٣٩١.\n(^٤) سيأتي تخريجه في ص ٥١٩.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٥٣ - تفسير)، والبيهقي ٥/ ١٢٣ من طريق هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٤ إلى ابن المنذر.","vol":"3","page":516},{"text":"حكيمِ بنِ جُبَيرٍ، [عن سعيدِ بنِ جبيرٍ] (^١)، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما بينَ الجبلَين اللذيْن بجَمْعٍ مَشْعَرٌ (^٢).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن السُّدِّيِّ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، وحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّدِّيِّ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: سألتُه عن المشعرِ الحرامِ، فقال: ما بينَ جبلي المُزْدَلفةِ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمرٌ، عن الزهريِّ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: المَشعرُ الحرامُ المُزْدَلفةُ كلُّها (^٥). قال مَعْمرٌ: وقاله قتادةُ (^٦).\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: عن سفيانَ، عن السُّدِّيِّ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾. قال: ما بينَ جَبلي المُزْدَلفةِ هو المشعرُ الحرامُ (^٧).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: أخبرَنا [أبي، عن] (^٨) أبي إسحاقَ،\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٦٤.\n(^٤) أخرجه البيهقي ٢/ ١٢٣ من طريق سفيان به.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق - كما في تفسير ابن كثير ١/ ٣٥٢ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٥٣ (١٨٥٦)، والحاكم ٢/ ٢٧٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٨ بنحوه.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٣٨٩ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن وكيع به.\n(^٨) في الأصل: \"ابن\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ١٠٣.","vol":"3","page":517},{"text":"عن عمرِو بنِ ميمونٍ، قال: سألتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عمروٍ (^١) عن المشعرِ الحرامِ، فقال: إنِ انطلقتَ معي أعلمْتُكَه. قال: فانطلقتُ معه، فوقَفنا، حتى إذا أفاض الإمامُ سار وسِرْنا معه، حتى إذا هبَطَت أيدي الرِّكابِ وكُنا في أقصى الجبالِ مما يلي عرفاتٍ قال: أين السائل عن المشعرِ الحرامِ؟ أخذتَ فيه؟ قلتُ: ما أخذتُ فيه. قال: كلُّها مَشاعِرُ إلى أقصى الحَرَمِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا إسرائيلُ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ الأوْدِيِّ، قال: سألتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو عن المشعرِ الحرامِ، قال: إن تَلْزَمْني أُرِكَه قال: فلما أفاضَ الناسُ من عَرفةَ، تَهَبَّطَتْ (^٢) أيدي الرِّكابِ في أدنى الجبالِ، قال: أين السائلُ عن المشعرِ الحرامِ؟ قال: قلتُ: ها أنا ذا (^٣). قال: أخذتَ فيه؟ قلتُ: ما أخذتُ فيه. قال: حينَ تَهَبَّطَتْ (٢) أيدي الركابِ في أدنى الجبالِ، فهو مَشْعَرٌ إلى مكةَ (^٤).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عُمارةَ بنِ زاذانَ، عن مكحولٍ الأزْدِيِّ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ يومَ عرفةَ عن المَشْعَرِ الحرامِ؟ فقال: الْزَمْنِي. فلما كان من\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"عمر\". وقال البيهقي بعد إيراده الأثر: كذا قال: عبد الله بن عمروٍ. وقيل: عبد الله بن عمر.\n(^٢) في م: \"هبطت\". وتهبَّطت: تحدَّرت. النهاية ٥/ ٢٣٩.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذاك\".\n(^٤) أخرجه وكيع - كما في الدر المنثور ١/ ٢٢٤ - ومن طريقه ابن أبي شيبة ص ٣٨٩ (القسم الأول من الجزء الرابع)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٥٣ (١٨٥٥) عن إسرائيل به، وأخرجه الأزرقي في أخبار مكة ١/ ٤١٥، والبيهقي ٥/ ١٢٣ من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي إلى سفيان وعبد بن حميد، ولفظه في هذه المصادر قريب من لفظ الأثر قبله.","vol":"3","page":518},{"text":"الغدِ وأتَينا المُزْدَلفةَ، قال: أين السائلُ عن المشعَرِ الحرامِ؟ هذا المشعَرُ الحرامُ.\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال ثنا ابن أبِي زائدةَ، قال: أخبَرَنا داودُ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: المشعرُ الحرامُ المزْدَلفةُ كلُّها.\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: أخبَرنا (^١) ابنُ جُرَيجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أين المُزْدَلفةُ؟ قال: إذا أفَضتَ من مَأْزِمَي عَرفةَ، فذلك إلى مُحَسِّرٍ. قال: وليس المَأْزِمان مَأْزِما عَرفةَ مِن المُزْدَلفةِ، ولكن مُفْضَاهما (^٢). قال: فقِفْ بينَهما (^٣) إنْ شئتَ، وأحبُّ إليَّ أنْ تَقِفَ دونَ قُزَحَ (^٤)، هلُمَّ إلينا من أجلِ طريقِ الناسِ (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: رَآهم ابنُ عمرَ يزدَحمون على قُزَحَ، فقال: علامَ يزدَحِمُ هؤلاء؟ كلُّ (^٦) ما ههنا مَشْعَرٌ (^٧).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: المشعَرُ الحرامُ المُزْدَلفةُ كلُّها.\n_________\n(^١) بعده في م: \"داود عن\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مفاضاهما\".\n(^٣) في أخبار مكة: \"بأيهما\".\n(^٤) قزح: موقف قريش في الجاهلية، وهو القرن الذي يقف الإمام عنده بالمزدلفة عن يمين الإمام. معجم البلدان ٤/ ٨٤.\n(^٥) أخرجه الأزرقي في أخبار مكة ١/ ٤١٦ من طريق ابن جريج به مطولًا، وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٥٣ عن ابن جريج به كما هنا.\n(^٦) في الأصل: \"وكل\".\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق - كما في تفسير ابن كثير ١/ ٣٥٣ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":519},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾: وذلك ليلةُ جَمْعٍ. قال قتادةُ: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: ما بينَ الجبلَين مَشْعَرٌ.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: المشعَرُ الحرامُ هو ما بينَ جبالِ المزدَلفةِ، ويقالُ: هو قَرْنُ قُزَحَ.\nحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾: وهي المُزْدَلفةُ، وهي جَمْعٌ.\nوذُكِر عن عبدِ الرحمن بنِ الأسودِ ما حدَّثنا به هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأسودِ، قال: لم أجِدْ أحدًا يُخبِرُني عن المشعَرِ الحرامِ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال. ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّدِّيِّ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ يقولُ: المَشْعَرُ الحرامُ ما بينَ جبلي المُزْدَلفةِ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا قيسٌ، عن حكيمِ بنِ جُبَيرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن المشعَرِ الحرامِ؟ فقال: ما أدري. وسألتُ ابنَ عباسٍ، فقال: ما بينَ الجبلَين.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٣٨٩ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن وكيع به.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٥١٧.","vol":"3","page":520},{"text":"إسحاقَ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ قال: الجبيلُ وما حولَه مشاعِرُ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ثُوَيرٍ، قال: وقَفتُ مع مجاهدٍ على الجُبَيلِ، فقال: هذا المشعَرُ الحرامُ.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا حسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبِي إسحاقَ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: الجُبَيلُ وما حولَه مشاعِرُ.\nقال أبو جعفر: وإنما جعَلْنا أوَّلَ حدِّ المشعَرِ مما يلي مِنًى مُنْقطعَ وادي مُحَسِّرٍ مما يلي المُزْدَلفةَ؛ لأن المثنى حدَّثني، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن النبيِّ ﷺ قال: \"عَرَفةُ كُلُّها مَوْقِفٌ إلا عُرَنَةَ، وجَمْعٌ كُلُّها مَوْقِفٌ إلا مُحَسِّرًا\" (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنى هُشَيمٌ، عن حَجَّاجٍ، عن ابن أبي مُلَيكَةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ الزبيرِ أنه قال: كلُّ مُزْدَلفةَ مَوقِفٌ إلا واديَ مُحَسِّرٍ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن حَجاجٍ، قال: أخبرَني مَن سمِع عُرْوةَ بنَ الزبيرِ يقولُ مثلَ ذلك.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ في خطبتِه: تَعَلَّمُنَّ أن عرفةَ كلَّها مَوْقِفٌ إلا بطنَ عُرَنَةَ، تَعَلَّمُنَّ أن المُزْدَلفةَ كلَّها مَوقِفٌ إلا بطنَ مُحَسِّرٍ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٤ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٥٣ عن ابن المبارك به، وقال: هذا حديث مرسل. وهو في الموطأ ١/ ٣٨٨ بلاغا، وينظر التمهيد ٢٤/ ٤١٧.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٧٩ من طريق أيوب، عن ابن أبي مليكة نحوه.\n(^٤) أخرجه مالك ١/ ٣٨٨ عن هشام بن عروة به، وأخرجه ابن أبي شيبة ص ٢٥١، ٢٥٢ (القسم الأول =","vol":"3","page":521},{"text":"غيرَ أن ذلك وإن كان كذلك فإني أختارُ للحَاجِّ أنْ يجعَلَ وقوفَه لذكْرِ اللَّهِ من المشعَرِ الحرامِ على قُزَحَ وما حولَه؛ لأن أبا كريبٍ حدَّثنا، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ بنِ مُجَمِّعٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ المخزوميِّ، عن زيدِ بنِ عليٍّ، [عن أبيه] (^١)، عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ أبي رافعٍ (^٢)، عن عليٍّ، قال: لما أصبَح رسولُ اللَّهِ ﷺ بالمُزْدَلفةِ، غدا فوقَف على قُزَحَ، وأردَف الفضلَ (^٣)، ثم قال: \"هذا الموقِفُ، وكلُّ مُزْدَلفةَ مَوقِفٌ\" (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: أخبَرنا إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ بنِ مُجَمِّعٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ، عن زيدِ بنِ عليِّ بنِ الحسينِ، عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ أبي رافعٍ، عن أبي رافعٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بنحوِه.\nحدَّثنا هَنَّادٌ وأحمدُ بنُ حَمّادٍ الدُّولابيُّ، قالا: ثنا سفيانُ، عن ابنِ المُنْكَدِرِ، عن سعيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ يَرْبوعٍ، عن ابنِ (^٥) الحويرثِ، قال: رأيتُ أبا بكرٍ واقِفًا على قُزَحَ وهو يقولُ: أيُّها الناسُ، أصْبِحوا، أيُّها الناسُ، أصْبِحوا. ثم دفَع (^٦).\n_________\n= من الجزء الرابع) عن وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن ابن الزبير.\n(^١) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٢) بعده في الأصل: \"عن أبي رافع\".\n(^٣) بعده في الأصل: \"قال\".\n(^٤) أخرجه أحمد ٢/ ٥، ٤٥٤ (٥٦٢، ١٣٤٨)، وأبو داود (١٩٣٥)، والترمذي (٨٨٥)، وعبد الله في زوائد المسند ٢/ ٨، ٥٠ (٥٦٤، ٦١٣)، وأبو يعلى (٣١٢، ٥٤٤)، والطحاوي في شرح المشكل (١١٩٦)، والبيهقي ٥/ ١٢٢ من طريق عبد الرحمن بن الحارث به.\n(^٥) في الأصل: \"أبي\".\n(^٦) أخرجه الشافعي ٢/ ٢١٣، وابن سعد ٥/ ٥، وابن أبي شيبة ص ٢٥٢ (القسم الأول من الجزء الرابع)، والبيهقي ٥/ ١٢٥ من طريق سفيان به، وقال ابن سعد: هكذا قال سفيان بن عيينة: سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، وهذا وهم وغلط في نسبه، إنما هو عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي.","vol":"3","page":522},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عثمانَ، عن يوسفَ بنِ مَاهَكَ، قال: حَجَجْتُ مع ابنِ عمرَ، فلما أصبَح بجَمْعٍ صلَّى الصُّبْحَ، ثم غدَا وغدَونا معه حتى وقَف مع الإمامِ على قُزَحَ، ثم دفَع الإمامُ، فدفَع بدَفْعتِه.\nوأمَّا قولُ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو (^١) حينَ صار بالمُزْدَلفةِ: هذا كلُّه مشاعِرُ إلى مكةَ. فإن معناه أنها معالِمُ من معالِمِ الحَجِّ، يُنْسَكُ في كلِّ بقعةٍ منها بعضُ مناسكِ الحَجِّ، لا أن كلَّ ذلك المشعَرُ الحرامُ الذي يكونُ الواقفُ حيثُ وقَف منه إلى بطنِ مكةَ قاضِيًا ما عليه من الوقوفِ بالمشعَرِ الحرامِ من جَمْعٍ.\nوأما قولُ عبدِ الرحمنِ بنِ الأسودِ: لم أجِدْ أحدًا يُخبِرُني عن المشعَرِ الحرامِ. فإنه يَحتملُ أن يكونَ أراد: لم أجِدْ أحدًا يُخبِرُني عن حدِّ أوّلِه ومُنْتَهَى آخِرِه على حقِّه وصِدْقِه؛ لأن حدودَ ذلك على صحتِها حتى لا يكونَ فيها زيادةٌ ولا نقصانٌ لا يحيطُ بها إلا القليلُ من أهلِ المعرفةِ بها، غيرَ أن ذلك وإن لم يقِفْ على حَدِّ أوّلِه ومُنْتَهَى آخرِه وقوفًا لا زيادةَ فيه ولا نقصانَ إلا مَن ذكرتُ، فموضِعُ الحاجةِ للوقوفِ لا خفاءَ به على كبيرِ (^٢) أحدٍ من سكانِ تلك الناحيةِ وكثيرٍ مِن غيرِهم، وكذلك سائرُ مشاعرِ الحَجِّ والأماكنِ التي فرَض اللَّهُ على عبادِه أن يَنْسُكوا عندَها كعرفاتٍ ومِنًى والحَرَمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-634>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤُه بذلك: واذكُروا اللَّهَ أيُّها المؤمنون عندَ المشعرِ الحرامِ بالثناءِ عليه، والشكرِ له على أياديه عندَكم، وليكنْ ذكرُكم إياه بالخضوعِ لأمرِه، والطاعةِ\n_________\n(^١) في م: \"عمر\". وينظر ما تقدم في ص ٥١٨.\n(^٢) سقط من: م","vol":"3","page":523},{"text":"له، والشكرِ له على ما أنعَم عليكم من التوفيقِ، لِما وفَّقكم له من سننِ إبراهيمَ خليلِه، بعدَ الذي كنتم (^١) فيه مِن الشركِ والحَيْرةِ والعمَى عن طريقِ الحقِّ، وبعدَ الضلالةِ، كذكرِه إيَّاكم بالهدَى، حتى اسْتَنْقَذَكم من النارِ به، بعدَ أن كنتم على شفا حُفرةٍ منها، فنَجَّاكم منها، وذلك هو معنى قولِه: ﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾.\nوأما قولُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾. فإن من أهلِ العربيةِ مَن يوجِّهُ تأويلَ \"إن\" إلى (^٢) \"ما\"، وتأويلَ اللامِ التي في ﴿لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ إلى \"إلا\".\nفتأويلُ الكلامِ على هذا المعنى: وما كنتم من قبلِ هدايةِ اللَّهِ إيَّاكم لِما هداكم له من ملةِ خليلِه إبراهيمَ التي اصطفاها لمَنْ رضِي عنه من خلْقِه إلا من الضالين.\nومنهم مَن يوجِّهُ تأويلَ \"إن\" إلى \"قد\"، فمعناه على قولِ قائلي (^٣) هذه المقالةِ: واذكُروا اللَّهَ أيُّها المؤمنون كما ذكَركم بالهدَى، فهداكم لِما رضِيَه من الأديانِ والمِلَلِ، وقد كنتم من قبلِ ذلك مِن الضالين.\n\n<span id=\"aya-206\"></span><span data-type='title' id=toc-635>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، ومَن المَعْنِيُّ بالأمرِ بالإفاضةِ من حيثُ أفاض الناسُ؟ ومَن الناسُ الذين أُمِروا بالإفاضةِ مِن مَوْضعِ إفاضتِهم؟ فقال بعضُهم: المَعْنِيُّ بقولِه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾: قريشٌ ومَن ولَدَته قريشٌ، الذين كانوا يُسَمَّون في\n_________\n(^١) بعده في: م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيما كنتم\".\n(^٢) بعده في م: \"تأويل\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قائل\".","vol":"3","page":524},{"text":"الجاهليةِ الحُمْسَ، أُمِروا في الإسلامِ أن يُفيضوا من عرفاتٍ، وهي البقعةُ (^١) التي أفاض منها سائرُ الناسِ غيرَ الحُمْسِ، وذلك أن قريشًا ومَن ولَدَته قريشٌ، كانوا يقولون: لا نخرُجُ من الحرَمِ. فكانوا لا يشهَدون مَوقِفَ الناسِ بعَرفةَ معهم، فأمرَهم اللَّهُ بالوقوفِ معهم.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصنعانيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ الطُّفاويُّ، قال: ثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كانت قريشٌ ومَن كان على دينِها، وهم الحُمْسُ، يقِفون بالمُزْدَلفةِ، يقولون: نحن قَطِينُ اللَّهِ (^٢). وكان مَن سِواهم يقِفُون بعَرفةَ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (^٣).\nحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ بنِ عبدِ الوارثِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا أبانٌ، قال: ثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن عُرْوةَ أنه كتَب إلى عبدِ الملكِ بنِ مروانَ: كتبتَ إليَّ في قولِ النبيِّ ﷺ لرجلٍ من الأنصارِ: \"إني أحْمَسُ\". وإني لا أدري أقالها النبيُّ أم لا؟ غيرَ أني سمِعتُها تُحدَّثُ عنه. والحُمْسُ ملةُ قريشٍ، وهم مشركون، ومَن\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أي: سكان حرم الله. عارضة الأحوذي ٤/ ٩٢.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٨٨٤) عن محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه الطيالسي (١٥٧٤)، والبخاري (١٦٦٥، ٤٥٢٠)، ومسلم (١٢١٩)، وأبو داود (١٩١٠)، والنسائي (٣٠١٢)، وفي التفسير (٥٤)، وابن ماجه (٣٠١٨)، وابن خزيمة (٣٠٥٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٥٤ (١٨٦٠)، وابن حبان (٣٨٥٦)، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ١٣٨، والبيهقي ٥/ ١١٣، والبغوي (١٩٢٥) من طرق عن هشام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٦ إلى ابن المنذر وأبي نعيم في الدلائل، وعند الطيالسي وابن حبان أنهم كانوا يقفون بمنى.","vol":"3","page":525},{"text":"ولَدَت قريشٌ من (^١) خُزاعةَ، وبنو (^٢) كِنانةَ، كانوا لا يدفَعون من عَرفةَ، إنما كانوا يدفَعون من المُزْدَلفةِ، وهو المشعَرُ الحرامُ، وكانت بنو عامرٍ حُمْسًا، وذلك أن قريشًا ولَدَتهم، ولهم قيل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. وأن العربَ كلَّها كانت تُفِيضُ من عَرفةَ إلا (^٣) الحُمْسَ، وكانوا يدفَعون إذا أصبَحوا من المُزْدَلفةِ (^٤).\nحدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسِيُّ، قال: ثنا أبو تَوْبةَ، قال: ثنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن سفيانَ، عن حسينِ بنِ عُبيدِ اللَّهِ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت العربُ تَقِفُ بعَرفةَ، وكانت قريشٌ تقفُ دون ذلك بالمزدَلفةِ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. فرفَع النبيُّ ﷺ الموقفَ إلى مَوْقِفِ العربِ بعَرفةَ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال. ثنا حَكَّامٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. [قال: كان جماعةُ الناسِ يُفيضون من عرفاتٍ، ويقولُ أهلُ الحرمِ: إنا حُمْسٌ. فكانوا يُفيضون من جمعٍ، فقال اللَّهُ ﷿: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾] (^٦): من حيثُ يُفِيضُ جماعةُ الناسِ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ،\n_________\n(^١) في م: \"في\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بني\".\n(^٣) في م: \"إلى\".\n(^٤) ينظر في المرفوع منه ما تقدم تخريجه في ص ٢٨٤ وما بعدها.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٧ إلى المصنف.\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":526},{"text":"عن [عبدِ اللَّهِ بنِ أبي المُجالِدِ] (^١)، عن مجاهدٍ، قال: إذا كان يومُ عَرفةَ، هَبَط اللَّهُ إلى السماءِ الدنيا في الملائكةِ، فيقولُ: هلمَّ إليَّ عبادي، آمَنوا بوَعدي، وصدَّقوا رسلي. فيقولُ: ما جزاؤُهم؟ فيقالُ: أن تغفِرَ لهم. فذلك قولُه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. قال: عَرفةُ. قال: كانت قريشٌ تقولُ: نحن الحُمْسُ أهلُ الحرمِ، ولا نخلِفُ (^٣) الحرمَ (^٤) المزدلفةَ. فأُمِروا أن يبلغُوا عَرفةَ (^٥).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. قال قتادةُ: وكانت قريشٌ وكلُّ حَليفٍ لهم وبَني أختٍ لهم لا يُفِيضون من عرفاتٍ، إنما يُفِيضون من المُغَمَّسِ (^٦)، ويقولون: إنما نحن أهلُ اللَّهِ فلا نخرُجُ من حَرمِه. فأمَرهم اللَّهُ أن يُفِيضوا من حيثُ أفاض الناسُ من عرفاتٍ، وأخبَرهم أن (^٧) سُنَّةَ إبراهيمَ وإسماعيلَ هكذا الإفاضةُ من عرفاتٍ (^٨).\n_________\n(^١) في الأصل: \"عبد الملك بن أبي المجالد\"، وكتب فوق \"الملك\": \"الله\"، وفي م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبد الله بن أبي طلحة\". وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٢٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٧ إلى المصنف.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٣: \"تحلف\"، وفي ت ٢: \"تختلف\".\n(^٤) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ونفيض من\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٢٣٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) المغمس: موضع قرب مكة في طريق الطائف. معجم البلدان ٤/ ٥٨٣.\n(^٧) في الأصل: \"أنه\".\n(^٨) عزاه في الدر المنثور ١/ ٢٢٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":527},{"text":"حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. قال: كانت العربُ تَقِفُ بعرفاتٍ، فتُعظِمُ قريشٌ أن تَقِفَ معهم، فتَقِفُ قريشٌ بالمزدلفةِ، فأمَرهم اللَّهُ أن يُفِيضوا مع الناسِ من عرفاتٍ.\nحدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. قال: كانت قريشٌ وكلُّ ابنِ أختٍ وحليفٍ لهم لا يُفِيضون مع الناسِ من عرفاتٍ، يَقِفون في الحرَمِ ولا يخرُجون منه، يقولون: إنما نحن أهلُ حرَمِ اللَّهِ، فلا نخرُجُ من حرَمِه. فأمَرهم اللَّهُ أن يُفِيضوا من حيثُ أفاض الناسُ، وكانت سنةُ إبراهيمَ وإسماعيلَ الإفاضةَ من عرفاتٍ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي نجيحٍ، قال: كانت قريشٌ - لا أدري قبلَ الفيلِ أم بعدَه - ابتَدعَت أمْرَ الحُمْسِ رأيًا رأوه بينَهم، قالوا: نحن بنو إبراهيمَ، وأهلُ الحَرَمِ (^١)، وولاةُ البيتِ، وقاطِنو مكةَ وساكِنوها، فليس لأحدٍ من العربِ مثلُ حقِّنا، ولا مثلُ مَنْزِلتِنا (^٢)، ولا تعرِفُ له العربُ مثلَ ما تَعرِفُ لنا، فلا تُعَظِّموا شيئًا من الحِلِّ كما تُعَظِّمون الحرَمَ، فإنكم إن فعلْتُم ذلك استَخفَّت العربُ بحُرمِكم، وقالوا: قد عظَّموا من الحِلِّ مثلَ ما عظَّموا من الحَرَمِ. فتَرَكوا الوقوفَ على عَرفةَ والإفاضةَ منها، وهم يعرِفون ويُقِرُّون أنها من المشاعِرِ والحَجِّ ودينِ إبراهيمَ، ويَرون لسائرِ العرب (^٣) أن يَقِفوا عليها وأن يُفِيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهلُ الحرَمِ، فليس ينبغي لنا أن نخرُجَ من الحُرْمةِ،\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحرمة\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منزلنا\".\n(^٣) في م: \"الناس\".","vol":"3","page":528},{"text":"ولا نُعظِّمَ غيرَها كما نُعظِّمُها نحن الحُمْسَ - والحُمْسُ أهلُ الحرَمِ - ثم جعَلوا لمَن ولَدوا من العربِ من ساكِني الحِلِّ مثلَ الذي لهم بولادتِهم إياهم، فيَحِلُّ لهم ما يَحِلُّ لهم، ويَحْرُمُ عليهم ما يَحْرُمُ عليهم، وكانت كِنانةُ وخُزاعةُ قد دخلوا معهم في ذلك. ثم ابتَدعوا في ذلك أمورًا لم تكنْ، حتى قالوا: لا ينبغي للحُمْسِ أن يَأْتَقِطُوا (^١) الأقِطَ، ولا يَسلَئُوا السَّمْنَ وهم حُرُمٌ، ولا يَدخُلوا بيتًا من شَعَرٍ، ولا يستَظِلُّوا إن استظلُّوا إلا في بيوتِ الأدَمِ ما كانوا حُرُمًا (^٢). ثم رفَعوا في ذلك فقالوا: لا ينبغي لأهلِ الحِلِّ أن يأكُلوا من طعامٍ جاءوا به معهم من الحِلِّ في الحَرَمِ، إذا جاءوا حُجَّاجًا أو عُمَّارًا، ولا يطوفوا بالبيتِ إذا قدِموا أوَّلَ طوافِهم إلا في ثيابِ الحُمْسِ، فإن لم يَجِدوا منها شيئًا طافوا بالبيتِ عُراةً. فحمَلوا على ذلك العربَ فدانَت به، وأخَذوا بما شرَعوا لهم من ذلك، فكانوا على ذلك حتى بعَث اللَّهُ محمدًا ﷺ، فأنزَل اللَّهُ حينَ أحكَم له دينَه، وشرَع له حَجَّتَه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يعني قريشًا، والناسُ العربُ، فرفَعهم في سُنَّةِ الحَجِّ إلى عرفاتٍ والوقوفِ عليها والإفاضةِ منها، فوضَع اللَّهُ أمرَ الحُمْسِ، وما كانت قريشٌ ابتَدعَت منه عن الناسِ بالإسلامِ حينَ بعَث اللَّهُ رسولَه ﷺ (^٣).\nحدَّثنا بحرُ بنُ نصرٍ الخَوْلانيُّ (^٤)، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَنا أبنُ أبي الزنادِ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة [أنها قالت] (^٥): كانت قريشٌ تَقِفُ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يأقطوا\". وائْتقطتُ: اتخذت الأقط. الصحاح (أ ق ط).\n(^٢) في م: \"حراما\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ١٩٩، ٢٠٢، ٢٠٣.\n(^٤) ليس في: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، وغير منقوطة في الأصل. ينظر تهذيب الكمال ٤/ ١٦.\n(^٥) في م: \"قال\".","vol":"3","page":529},{"text":"بقُزَحَ، وكان الناسُ يَقِفون بعَرفةَ. قالت: فأنزَل اللَّهُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (^١).\nوقال آخرون: المخاطبون بقولِه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ المسلمون كلُّهم، والمَعْنِيُّ بقولِه: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ مِن جَمْعٍ، وبالناسِ إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ ﵇.\nذكرُ منَ قال ذلك\nحُدِّثتُ عن القاسمِ بنِ سلَّامٍ، قال: ثنا مروانُ (^٢) بنُ معاويةَ الفَزاريُّ، عن أبي بِسْطامَ، عن الضَّحاكِ، قال: هو إبراهيمُ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: والذي نراه صَوابًا في تأويلِ هذه الآيةِ [التأويلُ الذي رُوِي عن عائشةَ وابنِ عباسٍ] (^٤)، أنه عُنِي بهذه الآيةِ قريشٌ ومَن كان مُتَحَمِّسًا معها من سائرِ العربِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من أهلِ التأويلِ على أن ذلك تأويلُه.\nوإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: فمَن فرَض فيهن الحَجَّ فلا رَفَثٌ ولا فسوقٌ ولا جدالَ في الحَجِّ، ثم أفِيضوا من حيثُ أفاض الناسُ، واستغفِروا اللَّهَ إن اللَّهَ غفورٌ رحيمٌ، وما تَفعَلوا من خيرٍ يعلَمْه اللَّهُ.\nوهذا إذ كان ما وصَفْنا تأويلَه، فهو مِن المُقدَّمِ الذي معناه التأخيرُ، والمؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، على نحوِ ما تقدَّم بيانُناه في مثلِه، ولولا إجماعُ مَن (^٥) وصَفتُ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٢٥.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هارون\". وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٤٠٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٥٤ (١٨٦١) من طريق مروان به.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في الأصل: \"ما\".","vol":"3","page":530},{"text":"إجماعَه على أن ذلك تأويلُه، لقلتُ: أولى التأويلَين بتأويلِ الآيةِ ما قاله الضَّحاكُ، من أن اللَّهَ عنَى بقولِه: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾: من حيثُ أفاض إبراهيمُ؛ لأن الإفاضةَ من عرفاتٍ لا شَكَّ أنها قبلَ الإفاضةِ من جَمْعٍ، وقبلَ وجوبِ الذِّكْرِ عندَ المشعرِ الحرامِ. وإذ كان ذلك لا شكَّ كذلك، وكان اللَّهُ ﷿ إنما أمَر بالإفاضةِ من الموضعِ الذي أفاض منه الناسُ بعدَ انقضاءِ ذِكْرِ الإفاضةِ من عرفاتٍ، وبعدَ أمْرِه بذكرِه عندَ المشعرِ الحرامِ [بقولِه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾] (^١). ثم قال بعدَ ذلك: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ - كان معلومًا بذلك أنه لم يأمُرْ بالإفاضةِ إلا من الموضعِ الذي لم يُفِيضوا منه دونَ الموضعِ الذي قد أفاضوا منه، إذ (^٢) كان الموضعُ الذي قد أفاضوا منه، فانقضَى وقتُ الإفاضةِ منه، لا وجهَ لأنْ يقالَ: أفِضْ منه. فإذ كان لا وجهَ لذلك، وكان غيرُ جائزٍ أن يأمُرَ اللَّهُ - جل وعز - بأمرٍ لا معنى له، كانت بيِّنةً صحةُ ما قاله من التأويلِ في ذلك، وفسادُ ما خالَفه، لولا الإجماعُ الذي وصَفناه، وتظاهرُ الأخبارِ بالذي ذكَرنا عمن حكَينا قولَه من أهلِ التأويلِ.\nفإن قال لنا قائلٌ: وكيف يجوزُ أن يكونَ ذلك معناه، والناسُ جماعةٌ، وإبراهيمُ واحدٌ، واللَّهُ تعالى ذكرُ يقولُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾؟\nقيل: إن العربَ تفعَلُ ذلك كثيرًا، فَتدُلُّ بذكرِ الجماعةِ على الواحدِ [وبذكرِ الواحدِ على الجماعةِ] (^٣)، ومن ذلك قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٣) سقط من: م، وفي ت ١: \"وبذكر الواحد\"، وفي ت ٣: \"وبذكر الواحد على الواحد\".","vol":"3","page":531},{"text":"النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. والذي قال ذلك واحدٌ، وهو - فيما تظاهَرَت به الروايةُ من أهلِ السِّيَرِ - نُعَيمُ بنُ مسعودٍ الأشجعيُّ. ومنه قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]. قيل: عُنِي بذلك النبيُّ ﷺ. ونظائرُ ذلك في كلامِ العربِ أكثرُ مِن أن تُحْصَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-636>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾.</span>\nيعني جل ثناؤه بذلك: فإذا أفَضْتُم من عَرَفاتٍ مُنصرِفِين إلى مِنًى، فاذْكُروا اللهَ عندَ المشْعَرِ الحرامِ، وادعوه واعبُدوه عندَه، كما ذكَركم بهدايتِه، فوفَّقكم لِما ارتَضَى لخليلِه إبراهيمَ، فهَداه له من شريعةِ دينهِ بعدَ أن كنتم ضُلَّالًا عنه.\nوفي ﴿ثُمَّ﴾ في قولِه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ من التأويلِ وجهان: أحدُهما: ما قاله الضحاكُ من أن معناه: ثم أفيضوا فانصرِفوا راجِعين إلى مِنًى من حيثُ أفاض إبراهيمُ خليلي من المشعَرِ الحرامِ، وسَلوني المغفرةَ لذنوبِكم؛ فإني لها غفورٌ، وبكم رحيمٌ.\nكما حدَّثني إسماعيلُ بنُ سيفٍ العجليُّ، قال: ثنا عبدُ القاهرِ بنُ السِّرِيِّ السُّلَمِيُّ، قال: حدَّثني ابنٌ لكِنانةَ (^١) - ويُكْنَى أبا كِنانةَ - عن أبيه، عن العباسِ بنِ مِرْداسٍ السُّلَمِيِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"دعَوتُ اللَّهَ يومَ عَرَفةَ أن يَغْفِرَ لأمَّتي ذنوبَها، فأجابَني: إني (^٢) قد غَفَرتُ، إلا ذنوبَها بينَها وبينَ خَلْقي. فأعَدتُ الدعاءَ يومَئذٍ، فلم أُجَبْ بشيءٍ، فلما كان غداةَ المُزْدَلفةِ قلتُ: يا ربِّ، إنك قادرٌ أن تُعَوِّضَ هذا المظلومَ مِن ظُلامتِه، وتَغْفِرَ لهذا الظَّالمِ. فأجابني: إني (^٢) قد غفرتُ\".\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كنانة\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أن\".","vol":"3","page":532},{"text":"قال: فضحِك رسولُ اللَّهِ ﷺ. قال: فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ، رأيناك تضحَكُ في يومٍ لم تَكُنْ تضحَكُ فيه. قال: \"ضحِكتُ مِن عدوِّ اللَّهِ إبليسَ لمَّا سمِع بما سمِع، أهوى (^١) يَدْعُو بالوَيلِ والثُّبورِ، ويَضَعُ الترابَ على رأسِه\" (^٢).\nحدَّثني مسلمُ بنُ حاتمٍ الأنصاريُّ، قال: ثنا بَشَّارُ بنُ بُكَيرٍ الحنفيُّ، قال (^٣): ثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي رَوَّادٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: خطَبَنا رسولُ اللَّهِ ﷺ عَشيَّةَ عَرفةَ، فقال: \"أيُّها الناسُ، إن اللَّهَ تَطَوَّلَ عليكم في مَقامِكم هذا، فقَبِل مِن مُحْسِنِكم، وأعطَى مُحْسِنَكم ما سأل، ووَهَب مُسِيئَكم لمُحْسِنِكم إلا التَّبِعاتِ فيما بينَكم، أفِيضوا على اسمِ اللَّهِ\". فلما كان غداةَ جَمْعٍ قال: \"أيُّها الناسُ، إن اللَّهَ قد تَطَوَّلَ عليكم في مَقامِكم هذا، فقبِل من مُحسِنِكم، ووَهَب مُسِيئَكم لمُحْسِنِكم، والتَّبِعاتُ بينَكم عَوَّضها من عندِه، أفِيضوا على اسمِ اللَّهِ\". فقال أصحابُه: يا رسولَ اللَّهِ، أفَضتَ بنا بالأمسِ كئيبًا حزينًا، وأفَضتَ بنا اليومَ فَرِحًا مسرورًا. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إني سألتُ ربِّي بالأمسِ شيئًا لم يَجُدْ لي به؛ سألتُه التَّبِعاتِ فأبَى عليَّ، فلمَّا كان اليومُ أتاني جبريلُ، وقال: إن ربَّك [يَقْرأُ عليك] (^٤) السلامَ، ويقولُ:\n_________\n(^١) في م: \"إذا هو\".\n(^٢) إسناده ضعيف، أخرجه البخاري في تاريخه ٧/ ٢، وأبو داود (٥٢٣٤)، وابن ماجه (٣٠١٣)، والفسوي في المعرفة ١/ ٢٩٥، وابن أبي عاصم (١٣٩٠، ١٣٩١)، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند ٢٦/ ١٣٦ (١٦٢٠٧)، وأبو يعلى (١٥٧٨)، والعقيلي ٤/ ١٠، وابن عدي ٦/ ٢٠٩٤، والبيهقي ٥/ ١١٨، وفي الشعب (٣٤٦)، والمزي في تهذيب الكمال ١٤/ ٢٥١ من طرق عن عبد القاهر بن السري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٠ إلى الحكيم الترمذي والطبراني والضياء المقدسي في المختارة.\n(^٣) في م: \"قالا\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقرئك\".","vol":"3","page":533},{"text":"التَّبِعاتُ ضَمِنتُ عِوَضَها من عندي\" (^١).\nفقد بيَّن هذان الخبران أن غفرانَ اللَّهِ التَّبِعاتِ التي بينَ خلقِه فيما بينَهم، إنما هو غداةَ جَمْعٍ، وذلك في الوقتِ الذي قال جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾. لذنوبِكم؛ فإنه غفورٌ لها حينَئذٍ، تَفَضُّلًا منه عليكم، رحيمٌ بكم.\nوالآخرُ منهما: ثم أفِيضوا من عَرفةَ إلى المشعَرِ الحرامِ، فإذا أفَضْتم إليه منها، فاذكُروا اللَّهَ عندَه كما هداكم.\n\n<span id=\"aya-207\"></span><span data-type='title' id=toc-637>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.</span>\nيعني جل ثناؤه بقولِه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾: فإذا فرَغتم من حَجِّكم، فذبَحتم نَسائِكَكم فاذْكُروا اللهَ.\nيقالُ منه: نَسَك الرجلُ يَنْسُكُ نُسْكًا ونُسُكًا ونَسِيكةً ومَنْسَكًا. إذا ذبَح نُسُكَه. والمَنْسِكُ اسمٌ مثلُ المشرقِ والمغربِ.\nفأما النُّسْكُ في الدِّينِ، فإنه يقالُ منه: ما كان الرجلُ نَاسِكًا، ولقد نَسَك ونَسُك نَسْكًا ونِسْكًا ونَساكةً. وذلك إذا تَقَرَّأ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٨/ ١٩٩ - ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات ٢/ ٢١٣ - من طريق مسلم بن حاتم به، وأخرجه ابن الجوزي من طريق عبد الرحيم بن هارون، عن عبد العزيز بن أبي رواد به. قال ابن الجوزي: تفرد به عبد العزيز بن أبي رواد، ولم يتابع عليه … وقد رواه عنه اثنان؛ عبد الرحيم بن هارون، قال الدارقطني: متروك الحديث يكذب. والثاني بشار بن بكير، وهو مجهول.\n(^٢) أي: تنسك وتفقه. الوسيط (ق ر أ).","vol":"3","page":534},{"text":"وبمثلِ الذي قلنا في معنى المناسكِ في هذا الموضعِ قال مجاهدٌ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثني أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾. قال: إِهْراقَةُ الدِّماءِ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوأما قولُه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختَلفوا في صفةِ ذكْرِ القومِ آباءَهم الذين أَمَرهم اللَّهُ أن يجعَلوا ذكْرَهم إياه كذكرِهم إياهم (^٢) أو أشدَّ ذكرًا؛ فقال بعضُهم: كان القومُ في جاهليتِهم بعدَ فراغِهم من حَجِّهم ومناسكِهم يجتَمعون فيتَفاخَرون بمآثرِ آبائِهم، فأمَرهم اللَّهُ في الإسلامِ أن يكونَ ذكْرُهم بالثناءِ والشكرِ والتعظيمِ لربِّهم دونَ غيرِه، وأن يُلْزِموا أنفسَهم من الإكثارِ من ذكرِه نظيرَ ما كانوا ألزَموا أنفسَهم في جاهليتِهم من ذكرِ آبائِهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا تميمُ بنُ المُنْتصِرِ، قال: أخبرنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، عن القاسمِ بنِ عثمانَ، عن أنسٍ في هذه الآيةِ، قال: كانوا يذكُرون آباءَهم في الحَجِّ، فيقولُ بعضُهم: كان أبي يُطْعِمُ الطعامَ. ويقولُ بعضُهم: كان أبي يَضرِبُ بالسيفِ. ويقولُ بعضهم: كان أبي جَزَّ نواصِيَ بني فلانٍ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٥٥ (١٨٦٧) من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"آباءهم\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٢ إلى الفاكهي.","vol":"3","page":535},{"text":"وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يقولون: كان آباؤُنا ينحَرون الجُزُرَ، ويفعَلون كذا. قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. قال: كان أهلُ الجاهليةِ يذكُرون فَعَالَ آبائِهم (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: سمِعتُ أبا بكرِ بنَ عَيَّاشٍ، قال: كان أهلُ الجاهليةِ إذا فرَغوا من الحَجِّ قاموا عندَ البيتِ، فيذكُرون آباءَهم وأيامَهم: كان أبي يُطْعِمُ الطعامَ، وكان أبي يفعَلُ. فذلك قولُه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾. قال أبو كُرَيبٍ: قلتُ ليحيى بنِ آدمَ: عمَّن هو؟ قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَني حجاجٌ، عمَّن حدَّثه، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾. قال: كانوا إذا قَضَوا مناسكَهم وقَفوا عندَ الجَمرةِ، فذكَروا آباءَهم، وذكَروا أيامَهم في الجاهليةِ وفَعالَ آبائِهم. قال: فنزَلت هذه الآيةُ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾. قال: كانوا إذا قَضَوا\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٥٦ عقب الأثر (١٨٧٠) معلقًا، وينظر تفسير القرطبي ٢/ ٤٣٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٢ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"3","page":536},{"text":"مناسكَهم وقَفوا عندَ الجمرةِ، وذكَروا أيامَهم في الجاهليةِ وفَعالَ آبائِهم. قال: فنزلت هذه الآيةُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾. قال: تفَاخَرَت العربُ بينَها بفعلِ آبائِها يومَ النحرِ حينَ فرَغوا، فأُمرُوا بذكْرِ اللَّهِ مكانَ ذلك (^١).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾. قال قتادةُ: كان أهلُ الجاهليةِ إذا قَضَوا مناسكَهم بمِنًى قعَدوا حِلَقًا، فذكَروا صنيعَ آبائِهم في الجاهليةِ وفَعالَهم، به يخطُبُ خطيبُهم، ويُحدِّثُ محدِّثُهم، فأمَر اللَّهُ ﷿ المسلمين أن يذكُروا اللَّهَ كذكرِ أهلِ الجاهليةِ آباءَهم أو أشدَّ ذكرًا.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. قال: كانوا إذا قَضَوا مناسكَهم اجتمَعوا فافتَخروا وذكَروا آباءَهم وأيامَها، فأُمِروا أن يجعَلوا مكانَ ذلك ذكْرَ اللَّهِ، يذكُرونه كذكرِهم آباءَهم أو أشدَّ ذكرًا (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن سعيدِ بنِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٢ إلى المصنف وعبد بن حميد، من تمام الأثر المتقدم في ص ٥٣٥.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٩.","vol":"3","page":537},{"text":"جُبيرٍ وعِكْرمةَ، قالا: كانوا يذكُرون فعلَ آبائِهم في الجاهليةِ إذا وقَفوا بعَرفةَ، فنزلَت هذه الآيةُ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، [قال: ثنا الحسينُ] (^٢)، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: أخبرَني عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: ذلك يومَ النحرِ حينَ ينحَرون. قال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾. قال: كانت العربُ يومَ النحرِ حينَ يفرُغون يَتفاخَرونَ بفَعَالِ آبائِها، فأُمِروا بذكرِ اللَّهِ ﷿ مكانَ ذلك.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: فاذكُروا اللَّهَ كذكرِ الأبناءِ والصِّبيانِ الآباءَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عثمانَ بنِ أبي رَوَّادٍ، عن عطاءٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾. قال: هو قولُ الصبيِّ: [يا أباه] (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو (^٤) زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾: يعني بالذِّكْرِ ذكرَ الأبناءِ الآباءَ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٢ إلى المصنف ووكيع.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في الأصل: \"يأ باباه\".\n(^٤) سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال ١٧/ ٤١٨.\n(^٥) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٣٥٥.","vol":"3","page":538},{"text":"قال لي عطاءٌ: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾: أبَهْ أُمَّهْ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا صالحُ بنُ عمرَ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: كالصبيِّ يَلْهَجُ [بأبيه وأمِّه] (^٢).\nحدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. يقولُ: كذكرِ الأبناءِ الآباءَ أو أشدَّ ذِكْرًا (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. يقولُ: كما يذكُرُ الأبناءُ الآباءَ (^٤).\nحدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾: يعني ذكْرَ الأبناءِ الآباءَ.\nوقال آخرون: بل قيل لهم: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾. لأنهم كانوا إذا قَضَوا مناسكَهم فدَعَوا ربَّهم، لم يذكُروا غيرَ آبائِهم، فأُمِروا من ذكرِ اللَّهِ نظيرَ ذكْرِ آبائِهم.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٥٥ عن ابن جريج به.\n(^٢) في الأصل، ت ٣: \"بأبيه بأمه\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٥٦ (١٨٧١) من طريق عبد الملك به\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦ عقب الأثر (١٨٧٠) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٥٥ عن المصنف.","vol":"3","page":539},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. قال: كانت العربُ إذا قضَت مناسكَها وأقاموا بمِنًى، يقومُ الرجلُ فيسألُ اللَّهَ ويقولُ: اللهمَّ إن أبي كان عظيمَ الجَفْنةِ، عظيمَ القُبَّةِ، كثيرَ المالِ، فأعطِني مثلَ ما أعطيتَ أبي. ليس يذكُرُ اللَّهَ، إنما يذكُرُ آباءَه، ويسألُ أن يُعْطَى في الدنيا (^١).\nوالصوابُ من القولِ عندي في تأويلِ ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ جل ثناؤه أمَر عبادَه المؤمنين بذكرِه بالطاعةِ له و(^٢) الخضوعِ لأمرِه والعبادةِ له بعدَ قضاءِ مناسكِهم، وذلك الذكرُ جائزٌ أن يكونَ هو التكبيرَ الذي أمَر به جل ثناؤه بقولِه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. الذي أوجَبه على مَن قضَى نُسُكَه بعدَ قضائِه نُسُكَه، فألزَمه حينَئذٍ مِن ذكْرِه ما لم يكنْ له لازمًا قبلَ ذلك، وحَثَّ على المحافظةِ عليه محافظةَ الأبناءِ على ذكرِ الآباءِ في الإكثارِ منه، بالاستكانةِ له، والتَّضَرُّعِ إليه بالرغبةِ منهم إليه في حوائجِهم، تَضَرُّعَ الولدِ لوالدَيه، والصبيِّ لأمِّه وأبيه، أو أشدَّ من ذلك، إذ كان ما كان بهم وبآبائِهم مِن نعمةٍ فمنه، وهو وَلِيُّه.\nوإنما قلنا: الذِّكْرُ الذي أمَر اللَّهُ جل ثناؤه به الحاجَّ بعدَ قضاءِ مناسكِه بقولِه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. جائزٌ أن يكونَ هو التكبيرَ الذي وصَفنا؛ من أجلِ أنه لا ذكرَ للَّهِ أمَر\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٥٦ عقب الأثر (١٨٧٠) من طريق عمرو به.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".","vol":"3","page":540},{"text":"العبادَ به بعدَ قَضاءِ مناسكِهم لم يكنْ عليهم من فرضِه قبلَ قضائِهم مناسكَهم، سوى التكبيرِ الذي خصَّ اللَّهُ به أيامَ مِنًى.\nفإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أنه جل ثناؤه قد أوجَب على خلقِه بعدَ قضائِهم مناسكَهم من ذكرِه ما لم يكنْ واجبًا عليهم قبلَ ذلك، وكان لا شيءَ من ذكرِه خَصَّ به ذلك الوقتَ سوى التكبيرِ الذي ذكَرناه، كانت بَيِّنةً صحةُ ما قلنا في تأويلِ ذلك على ما وصَفنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-638>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)﴾.</span>\nيعني جل ثناؤه بذلك: فإذا قَضَيتُم مناسِكَكم أيها المؤمنون، فاذْكُروا اللهَ كذِكْرِكم آباءَكم أو أشدَّ ذكرًا، وارغَبوا إليه فيما لديه من خيراتِ الدنيا والآخرةِ بابتهالٍ وَتَمَسْكُنٍ، واجعَلوا أعمالَكم لوجهِه خالصًا ولطلبِ مرضاتِه، وقولوا: ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النارِ. ولا تكونوا كمَن اشترى الحياةَ الدنيا بالآخرةِ، فكانت أعمالُهم للدنيا وزينتِها، فلا يسألون ربَّهم إلا متاعًا (^١)، ولا حظَّ لهم في ثوابِ اللَّهِ، ولا نصيبَ لهم في جِنانِه وكريمِ ما أعدَّ لأوليائِه. كما قال في ذلك أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾:\n_________\n(^١) في م: \"متاعها\".","vol":"3","page":541},{"text":"هَبْ لنا غَنَمًا، هَبْ لنا إبلًا، ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ، قال: كانوا في الجاهليةِ يقولون: هَبْ لنا غَنَمًا (^٢). ثم ذكَر مثلَه.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: سمِعتُ أبا بكرِ بنَ عياشٍ يقولُ (^٣) في قولِه: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: كانوا - يعني أهلَ الجاهليةِ - يقِفُون - يعني بعدَ قضاءِ مناسكِهم - فيقولون: اللهمَّ ارزقْنا إبلًا، اللهمَّ ارزقْنا غَنمًا. فأنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال أبو كُرَيبٍ: قلتُ ليحيى بنِ آدمَ: عمَّن هو؟ قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ (^٤).\nحدَّثنا تميمُ بنُ المُنْتصِرِ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن القاسمِ بنِ عثمانَ، عن أنسٍ: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: كانوا يطوفون بالبيتِ عُراةً فيَدْعُون فيقولون: اللهمَّ اسقِنا المطرَ، وأعطِنا على عدوِّنا الظَّفَرَ، ورُدَّنا صالحِين إلى صالحِين (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حَدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٥٧ عقب الأثر (١٨٧٤) معلقًا.\n(^٢) في م: \"إبلا\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٢ إلى المصنف.","vol":"3","page":542},{"text":"الدُّنْيَا﴾: نصرًا ورزقًا، ولا يَسألون لآخرتِهم شيئًا (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: فهذا عبدٌ نوَى الدنيا؛ لها عمِل ولها نَصِب (^٢).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: كانت العربُ إذا قَضَت مناسكَها وأقامت بمِنًى، لا يذكُرُ اللَّهَ الرجلُ منهم، إنما يذكُرُ أباه، ويسألُ أن يُعْطَى في الدنيا (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. قال: كانوا أصنافًا ثلاثةً في تلك المواطنِ يومَئذٍ؛ رسولُ اللَّهِ ﷺ، وأهلُ الكفرِ، وأهلُ النفاقِ، فمِن الناسِ مَن يقولُ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. إنما حَجُّوا للدنيا والمسألةِ، لا يريدون الآخرةَ ولا يؤمنون بها، ومنهم مَن يقولُ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الآية. قال: والصنفُ الثالثُ وهو: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٣٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) سيأتي بتمامه في ص ٥٤٨.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٥٧ عقب الأثر (١٨٧٤) من طريق عمرو به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٣ إلى المصنف.","vol":"3","page":543},{"text":"وأما معنى \"الخَلَاقِ\" فقد بيَّناه في غيرِ هذا الموضعِ، وذكَرنا اختلافَ المختلِفين في تأويلِه، والصحيحَ لَدينا من معناه بالشواهدِ من الأدلةِ، وأنه النصيبُ، بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\n\n<span id=\"aya-208\"></span><span data-type='title' id=toc-639>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويلِ في معنى \"الحسنةِ\" التي ذكَر اللَّهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: يعني بذلك: ومِن الناسِ مَن يقولُ: ربَّنا أَعْطِنا عافيةً في الدنيا، وعافيةً في الآخرةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾. قال: في الدنيا عافيةً، وفي الآخرةِ عافيةً. قال قتادةُ: وقال رجلٌ: اللهمَّ ما كنتَ مُعاقِبِي به في الآخرةِ فعجِّلْه لي في الدنيا. فمَرِض مرضًا شديدًا (^٢)، حتى أَضْنَى على فراشِه، فذُكِر للنبيِّ ﷺ شأنُه، فأتاه النبيُّ ﷺ، فقيل له: إنه دعا بكذا وكذا. فقال النبيُّ ﷺ: \"إنَّه لا طاقةَ لأحدٍ بعُقُوبةِ اللَّهِ، ولكن قُلْ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ \". قال (^٢): فقالها، فما لَبِث إلا أيامًا أو يسيرًا حتى بَرَأ (^٣).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٣٦٥ وما بعدها.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٠.","vol":"3","page":544},{"text":"حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سعيدُ بنُ الحكمِ، قال: أخبرَنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: ثنى حُميدٌ، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: عاد رسولُ اللَّهِ ﷺ رجلًا قد صار مثلَ الفَرْخِ المَنْتوفِ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"هل كنتَ تَدعُو اللَّهَ بشيءٍ، أو تَسألُ اللَّهَ شيئًا؟ \". قال: قلتُ: اللهمَّ ما كنتَ مُعاقِبي به في الآخرةِ فعاقِبْني به في الدنيا. قال: \"سبحانَ اللَّهِ! هل يَستطيعُ ذلك أحدٌ أو يُطيقُه، فهَلَّا قُلْتَ: اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النارِ؟ \" (^١).\nوقال آخرون: بل عَنَى اللَّهُ بالحسنةِ في هذا الموضعِ؛ في الدنيا العلمَ والعبادةَ، وفي الآخرةِ الجنةَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عَبّادٌ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن الحسنِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾. قال: الحسنةُ في الدنيا العلمُ والعبادةُ، وفي الآخرةِ الجنةُ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (١٣٩٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٢٨)، وأبو يعلى (٣٧٥٩، ٣٨٠٢، ٣٨٣٧) من طرق عن حميد، عن أنس، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٩٧٣)، وابن أبي شيبة ١٠/ ٢٦١، وأحمد ١٩/ ١٠٥ (١٢٠٤٩)، ومسلم (٢٦٨٨)، والترمذي (٣٤٨٧)، والنسائي في الكبرى (٧٥٠٦)، والطحاوي في شرح المشكل (٢٠٤٨)، وابن حبان (٩٣٦، ٩٤١)، وأبو نعيم في الحلية ٢/ ٣٢٩، والبغوي (١٣٨٣)، وفي التفسير ١/ ١٧٧، والبيهقي في الشعب (١٠١٤٧) من طرق عن حميد، عن ثابت، عن أنس، وأخرجه أحمد ٢١/ ٤٥٤ (١٤٠٦٧)، ومسلم (٢٦٨٨)، والطحاوي في شرح المشكل (٢٠٤٩)، وأبو يعلى (٣٥١١) من طريق حماد، عن ثابت، عن أنس.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٢٩، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٥٨، ٣٥٩ (١٨٧٩، ١٨٨٤) من طريق عباد به، وأخرجه الترمذي (٣٤٨٨)، والبيهقي في الشعب (١٨٨٧) من طريق هشام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٤ إلى عبد بن حميد والمرهبي في فضل العلم.","vol":"3","page":545},{"text":"حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن سفيانَ بنِ حسينٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. قال: العبادةُ في الدنيا، والجنةُ في الآخرةِ.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ واقدٍ العطّارُ، قال: ثنا عبّادُ بنُ العوَّامِ، عن هشامٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾. قال: الحسنةُ في الدنيا الفهمُ في كتابِ اللَّهِ والعلمُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سمِعتُ سفيانَ الثوريَّ يقولُ في (^١) هذه الآيةِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾. قال: الحسنةُ في الدنيا العلمُ والرزقُ الطيّبُ، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾: الجنةُ (^٢).\nوقال آخرون: الحسنةُ في الدنيا المالُ، وفي الآخرةِ الجنةُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. قال: فهؤلاء النبيُّ ﷺ والمؤمنون (^٣).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾:\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) عزاه الحافظ في الفتح ١١/ ١٩٢ إلى ابن المنذر، وهو في تفسير سفيان ص ٦٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٥٨ (١٨٨٠) عن رجل، عن الحسن به.\n(^٣) تقدم تخريجه ص ٥٤٣.","vol":"3","page":546},{"text":"هؤلاء المؤمنون، أما حسنةُ الدنيا فالمالُ، وأما حسنةُ الآخرةِ فالجنةُ (^١).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندي أن يقالَ: إن اللَّهَ جل ثناؤُه أخبَر عن قومٍ من أهلِ الإيمانِ به وبرسولِه، ممن حجَّ بيتَه، أنهم (^٢) يَسألُون ربَّهم الحسنةَ في الدنيا، والحسنةَ في الآخرةِ، وأن يَقِيَهم عذابَ النارِ. وقد تَجْمَعُ الحسنةُ من اللَّهِ ﷿ العافيةَ في الجسمِ والمعاشِ والرزقِ، وغيرِ ذلك، والعلمَ والعبادةَ. وأما في الآخرةِ فلا شكَّ أنها الجنةُ؛ لأن مَن لم يَنَلْها يومَئذٍ، فقد حُرِم جميعَ الحسناتِ، وفارَقَ جميعَ معانِي العافيةِ.\nوإنما قلْنا: إن ذلك أَوْلَى التأويلاتِ بالآيةِ؛ لأن اللَّهَ ﷿ لم يَخْصُصْ بقولِه مُخْبِرًا عن قائلِ ذلك من معاني الحسنةِ شيئًا، ولا نَصَب على خصُوصِه دَلالةً دالَّةً على أن المرادَ من ذلك بعضٌ دونَ بعضٍ، فالواجبُ من القولِ فيه ما قلنا، من أنه لا يجوزُ أن يُخَصَّ من معاني ذلك شيءٌ، وأن يُحْكَمَ له (^٣) بعمومِه على ما عمَّه اللَّهُ.\nوأما قولُه: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. فإنه يَعني بذلك: اصْرِفْ عنّا عذابَ النارِ. يقالُ منه: وَقَيْتُه كذا أَقِيه وِقايةً ووَقايةً (^٤)، ووِقاءً ممدودًا. ورُبَّما قالوا: وقَاك اللَّهُ وَقْيًا. إذا دافعتَ عنه أذًى أو مكروهًا.\n\n<span id=\"aya-209\"></span><span data-type='title' id=toc-640>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٤ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"واقية\".","vol":"3","page":547},{"text":"يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾. الذين يقولون بعدَ قضاءِ مَناسِكِهم: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. رغبةً منهم إلى اللَّهِ جل ثناؤُه فيما عندَه، وعِلمًا منهم بأن الخيرَ كلَّه من عندِه، وأن الفضلَ بيدِه يُؤْتِيه مَن يشاءُ. فأَعْلَمَ جل ثناؤُه أن لهم نصيبًا وحظًّا من حَجِّهم ومناسِكِهم، وثوابًا جزيلًا على عملِهم الذي كسَبوه وباشَرُوا معاناتِه بأموالِهم (^١) وأنفسِهم، خاصًّا ذلك لهم دونَ الفريقِ الآخرِ الذين عانَوْا ما عانَوْا من نَصَبِ أعمالِهم وتَعَبِها، وتكَلَّفوا ما تَكَلَّفوا من أسفارِهم بغيرِ (^٢) رغبةٍ منهم فيما عندَ ربِّهم من الأجرِ والثوابِ، ولكن رجاءَ خَسِيسٍ من عَرَضِ الدنيا، وابتغاءَ عاجلِ حُطامِها.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: فهذا عبدٌ نَوَى الدنيا، لها عَمِلَ ولها نَصِب. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾. أي: حظٌّ من أعمالِهم (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: إنما حَجُّوا للدنيا والمسألةِ، لا يُريدُون الآخرةَ ولا يُؤمِنون بها. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. قال:\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، ت ٣: \"بأبدانهم\".\n(^٢) في الأصل، ت ١، ت ٣: \"لغير\".\n(^٣) أخرج أوله ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٥٧، ٣٥٨ (١٨٧٥، ١٨٨٣)، من طريق شيبان، عن قتادة بنحوه، وعلق آخره في ٢/ ٣٦٠ عقب الأثر (١٨٨٩)، وتقدم أوله في ص ٥٤٣.","vol":"3","page":548},{"text":"فهؤلاء النبيُّ ﷺ والمؤمِنون. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: لهؤلاء الأجرُ بما عَمِلوا في الدنيا.\nوأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. فإنه يَعني جل ثناؤُه أنه مُحيطٌ بعملِ الفريقَيْن كلَيْهما اللذَيْن مِن مسألةِ أحدِهما: ربَّنا آتِنا في الدنيا. ومن مسألةِ الآخَرِ: ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النارِ. فمُحْصٍ له بأسرعِ الحسابِ، ثم إنه مُجازٍ كلا الفريقَيْن على عملِه.\nوإنما وصَف جل ثناؤُه نفسَه بسرعةِ الحسابِ؛ لأنه جل ذكرُه يُحْصِي ما يُحْصِي من أعمالِ عبادِه بغيرِ عقدِ أصابعَ ولا فكرٍ ولا رَوِيّةٍ، فِعْلَ العَجَزةِ الضَّعَفةِ من الخلقِ، ولكنه لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ، ولا يَعْزُبُ عنه مثقالُ ذَرَّةٍ فيهما، ثم هو مُجازٍ عبادَه على كلِّ ذلك، فلذلك امْتَدَح بسرعةِ الحسابِ، وأخْبَرَ خَلْقَه أنه ليس لهم بمثلٍ فيَحتاجَ في حسابِه إلى عقدِ كفٍّ أو وَعْيِ صَدْرٍ.\n\n<span id=\"aya-210\"></span><span data-type='title' id=toc-641>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾.</span>\nيعني جل ثناؤُه: اذكُرُوا اللَّهَ بالتوحيدِ والتعظيمِ في أيامٍ مَحْصِيّاتٍ، وهُنَّ أيامُ رَمْيِ الجِمارِ، أمَر عبادَه يومئذٍ بالتكبيرِ أدبارَ الصلَواتِ، وعندَ الرَّمْيِ مع كلِّ حصاةٍ من حَصَى الجِمارِ يُرْمى بها جَمْرةٌ من الجِمارِ.\nوبمثلِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. قال: أيامُ","vol":"3","page":549},{"text":"التشريقِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ نافعٍ البصريُّ، قال: أخبرنا غُنْدَرٌ، قال: أخبرنا شعبةُ، عن هُشَيمٍ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾: يعني بالأيامِ المعدوداتِ أيامَ التشريقِ، وهي ثلاثةُ أيامٍ بعدَ النَّحْرِ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال ثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾: يعني أيامَ التَّشْريقِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مَخْلَدٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ سمِعه يومَ الصَّدَرِ بعدَما صدَر يُكَبِّرُ في المسجدِ، ويَتَأَوَّلُ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (^٤).\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي ٥/ ٢٢٨، وفي الشعب (٣٧٧٠) من طريق هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٤ إلى الفريابي وعبد بن حميد والمروزي في العيدين وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه الضياء في المختارة (٧٠) من طريق غندر به.\n(^٣) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٤/ ٢٩٨، والبيهقي في المعرفة (٣٢٧٦) من طريق محمد بن جعفر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٠ (١٨٩٢)، والبيهقي ٥/ ٢٢٨، من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٤ إلى المروزي.","vol":"3","page":550},{"text":"عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾: يعني أيامَ التَّشْريقِ.\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ السُّكَّريُّ، قال: أخْبَرَنا إسحاقُ، عن شَريكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. قال: هي أيامُ التَّشْريقِ (^١).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن طَلْحةَ بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ، مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. قال: أيامُ التشريقِ بمنًى.\nحدَّثنا محمدُ بنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، عن مُجاهِدٍ وعطاءٍ، قالا: هي أيامُ التشريقِ.\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مَنْصورٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن المنذر في الأوسط ٤/ ٢٩٧، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦١ عقب الأثر (١٨٩٥) معلقًا.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٥٦، ومن طريقه البيهقي ٥/ ٢٢٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٤ إلى ابن أبي الدنيا والمحاملي في أماليه.","vol":"3","page":551},{"text":"إبراهيمَ، قال: الأيامُ المعْدوداتُ أيامُ التَّشْريقِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخْبَرَنا يونُسُ، عن الحسنِ، قال: الأيامُ المعدوداتُ الأيامُ بعدَ النَّحْرِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سأَلْتُ إسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ عن الأيامِ المعدوداتِ، فقال: أيامُ التَّشْريقِ.\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾: كنا نُحَدَّثُ أنها أيامُ التَّشْريقِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. قال: هي أيامُ التشريقِ (^٣).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أما الأيامُ المعدوداتُ فهي أيامُ التشريقِ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٥).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، عن مالكٍ، قال: الأيامُ المعدوداتُ\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٦٦.\n(^٢) ذكره ابن المنذر في الأوسط ٤/ ٢٩٧، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦١ عقب الأثر (١٨٩٥) معلقًا.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨١.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦١ عقب الأثر (١٨٩٥) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦١ عقب الأثر (١٨٩٥) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"3","page":552},{"text":"ثلاثةُ أيامٍ بعدَ يومِ النحرِ (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: أخْبَرَنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. قال: أيامُ التشريقِ الثلاثةُ (^٢).\nحدَّثني ابنُ البَرْقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلَمةَ، قال: سألتُ ابنَ زيدٍ عن الأيامِ المعدوداتِ والأيامِ المعلوماتِ، فقال: الأيامُ المعدوداتُ أيامُ التَّشْريقِ، والأيامُ المعلوماتُ يومُ عرَفةَ، ويومُ النحرِ، وأيامُ التَّشْريقِ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وإنما قلْنا: إن الأيامَ المعدوداتِ هي أيامُ مِنًى، وأيامُ رَمْيِ الجِمارِ؛ لتظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه كان يقولُ فيها: إنها أيامُ ذِكْرِ اللَّهِ.\nذكرُ بعضِ الأخبارِ التي رُوِيَتْ بذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وخَلّادُ بن أَسلمَ، قالا (^٤): ثنا هُشَيمٌ، عن عمرَ بنِ أبي سلَمةَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"أيامُ التَّشْريقِ أيامُ طُعْمٍ وذِكْرٍ\" (^٥).\n_________\n(^١) الموطأ ١/ ٤٠٤.\n(^٢) ذكره ابن المنذر في الأوسط ٤/ ٢٩٧، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦١ عقب الأثر (١٨٩٥) معلقًا.\n(^٣) ينظر تفسير القرطبي ٣/ ٣.\n(^٤) في م، ت ١: \"قال\".\n(^٥) أخرجه ابن حبان (٣٦٠٢) من طريق يعقوب - وحده - به. وأخرجه أحمد ١٢/ ٣٥ (٧١٣٤)، وأبو يعلى (٦٠٢٤)، والطحاوي في شرح المعاني ٢/ ٢٤٥ من طريق هشيم به، وأخرجه أحمد ١٥/ ٧ (٩٠٢٠) من طريق عمر به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢١، وابن ماجه (١٧١٩)، وأبو يعلى (٥٩١٣)، وابن حبان (٣٦٠١) من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة به.","vol":"3","page":553},{"text":"حدَّثنا خَلَّادٌ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا صالحٌ، قال: ثنى ابنُ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ بعَث عبدَ اللَّهِ بنَ حُذافةَ يطوفُ في مِنًى: \"لا تَصُومُوا هذه الأيامَ؛ فإنَّها أيامُ أكلٍ وشُربٍ وذِكْرٍ للَّهِ\" (^١).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيّةَ، قالا (^٢) جميعًا: ثنا خالدٌ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي المَلِيحِ، عن نُبَيْشةَ (^٣)، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"إنَّ هذه الأيامَ أيّامُ أكْلٍ وشُربٍ وذِكْرِ اللَّهِ\" (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيم، عن ابنِ أبي ليلَى، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، قالت: نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عن صومِ أيّامِ التشريقِ، وقال: \"هي أيّامُ أكلٍ وشُربٍ وذكرِ اللَّهِ\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ١٦/ ٣٨٩، ٥٣٤ (١٠٦٦٤، ١٠٩١٧)، والنسائي في الكبرى (٢٨٨٣)، وابن المنذر في الأوسط ٤/ ٢٩٨، والطحاوي في شرح المعاني ٢/ ٢٤٤، من طريق روح به. وقال النسائي: صالح هذا هو ابن أبي الأخضر وحديثه هذا خطأ، وهو كثير الخطأ عن الزهري، وروح بن عبادة ليس بالقوى، وأخرجه مالك ١/ ٣٧٦ - ومن طريقه النسائي في الكبرى (٢٨٨٤) - عن الزهري، أن رسول الله ﷺ. فذكره.\n(^٢) في م: \"قال\".\n(^٣) في م: \"عائشة\". وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٣١٥.\n(^٤) أخرجه النسائي (٤٢٤٣)، وفي الكبرى (٤١٨٢) من طريق يعقوب به، وأخرجه أبو داود (٢٨٣٠)، والنسائي (٤٢٤٠) من طريق بشر بن المفضل به، وأخرجه أحمد ٥/ ٧٥ (الميمنية)، ومسلم (١١٤١)، والبيهقي في المعرفة (٢٥٩٩) من طرق عن ابن علية به، وأخرجه أحمد ٥/ ٧٦ (الميمنية)، ومسلم (١١٤١)، وأبو داود (٢٨١٣)، والدارمي (١٩٦٤)، والنسائي (٤٢٤١، ٤٢٤٢)، وابن ماجه (٣١٦٠، ٣١٦٧)، والطحاوي ٢/ ٢٤٥، والبيهقي ٩/ ٢٩٢، وفي المعرفة (٢٥٩٨)، وابن عبد البر في التمهيد ٣/ ٢١٧ من طرق عن خالد به.\n(^٥) أخرجه الطحاوي في شرح المعاني ٢/ ٢٤٤ من طريق هشيم به.","vol":"3","page":554},{"text":"حدثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ بعَث بشرَ بنَ سُحَيْمٍ، فنادَى في أيامِ التشريقِ، فقال: \"إنَّ هذه الأيامَ أيامُ أكلٍ وَشُربٍ وذكرِ اللَّهِ\" (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن سفيانَ بنِ حسينٍ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: بعث رسولُ اللَّهِ ﷺ عبدَ اللَّهِ بنَ حُذافةَ بنِ قيسٍ، فنادَى في أيامِ التشريقِ، فقال: \"إنّ هذه الأيامَ أيامُ أكلٍ وشُربٍ وذِكْرٍ للَّهِ، إلّا مَن كان عليه صَوْمٌ مِنْ هَدْيٍ\" (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيّةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن حَكيمِ بنِ حَكيمٍ، عن مسعودِ بنِ الحكمِ الزُّرَقِيِّ، عن أمِّه، قالت: لَكأنِّي أَنظُرُ إلى عليٍّ، على بغلةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ البيضاءِ حينَ وقَف على شِعْبِ الأنصارِ وهو يقولُ: \"أيُّها الناسُ، إنَّها ليستْ بأيامِ صيامٍ، إنَّما هي أيامُ أكْلٍ وشُربٍ وذِكْرٍ\" (^٣).\nفإن قال قائلٌ: إن النبيَّ ﷺ إذ قال في أيامِ مِنًى: \"إنها أيامُ أكْلٍ وشُربٍ وذِكْرِ اللَّهِ\". لم يُخْبِرْ أُمّتَه أنها الأيامُ المعدوداتُ التي ذكَرها اللَّهُ في كتابِه، فما تُنْكِرُ أن\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الكبرى (٢٨٩٨) من طريق داود بن عمرو به، وأخرجه أحمد ٤/ ٣٣٥ (الميمنية)، والدارمي (١٧٧٣)، والنسائي (٥٠٠٩)، وفي الكبرى (٢٨٩٥)، وابن أبي عاصم (٩٩٧)، وابن خزيمة (٢٩٦٠)، وابن قانع ١/ ٧٩، والطبراني (١٢١٣ - ١٢١٥) من طرق عن عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير، عن بشر به، وينظر مسند الطيالسي (١٣٩٥).\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٤٢٧، ٤٢٨.\n(^٣) أخرجه ابن سعد ٢/ ١٨٧ من طريق ابن علية به. وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١٩، والنسائي في الكبرى (٢٨٨٦)، وأبو يعلى (٤٦١)، وابن خزيمة (٢١٤٧)، والطحاوي في شرح المعاني ٢/ ٢٤٦، والحاكم ١/ ٤٣٤، ٤٣٥ من طرق عن محمد بن إسحاق به.\nوأخرجه أحمد ٢/ ١١٦ (٧٠٨)، والنسائي في الكبرى (٢٨٨٧، ٢٨٨٨) من طرق عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن مسعود بن الحكم به.","vol":"3","page":555},{"text":"يكونَ النبيُّ ﷺ عَنَى بقولِه: \"وذكرِ اللَّهِ\" (^١). الأيامَ المعلوماتِ؟\nقيل: غيرُ جائزٍ أن يكونَ عَنَى اللَّهُ ذلك؛ لأن اللَّهَ لم يكنْ يُوجبُ في الأيامِ المعلوماتِ مِن ذِكْرِه فيها ما أَوْجب في الأيامِ المعدوداتِ، وإنما وصَف المعلوماتِ جل ذكرُه بأنها أيامٌ يُذْكَرُ فيها اسمُ اللَّهِ على بهائمِ الأنعامِ، فقال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]. فلم يُوجب في الأيامِ المعلوماتِ مِن ذِكْرِه كالذي أَوْجَبه في الأيامِ المعدوداتِ مِن ذِكْرِه، بل أَخبَر أنها أيامُ ذكرِه على بهائمِ الأنعامِ، فكان معلومًا - إذ قال ﷺ لأيامِ التشريقِ: \"إنَّها أيامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرِ اللَّهِ\". فَأَخرَج قولَه: \"وذكرِ اللَّهِ\". مُطْلَقًا بغيرِ شرطٍ ولا إضافةٍ إلى أنه الذكرُ على بهائمِ الأنعامِ - أنه عَنَى بذلك الذكرَ الذي ذكَره اللَّهُ في كتابِه، فأَوْجَبه على عبادِه مُطْلَقًا بغيرِ شرطٍ، ولا إضافةٍ إلى معنًى في الأيامِ المعدوداتِ، وأنه لو كان أرادَ بذلك ﷺ وَصْفَ الأيامِ المعلوماتِ به، لوَصَل قولَه: \"وذكرٍ\". إلى أنه ذِكْرُ اسمِ (^٢) اللَّهِ على ما رزَقنا من بهائمِ الأنعامِ، كالذي وصَفَ اللَّهُ به ذلك، ولكنه أَطلَقَ ذلك باسمِ الذكْرِ من غيرِ وَصْلِه بشيءٍ، كالذي أَطْلَقه ﵎ باسمِ الذكرِ، فقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. فكان ذلك من أوضحِ الدليلِ على أنه عَنَى بذلك ما ذكَره اللَّهُ في كتابِه وأَوْجَبه في الأيامِ المعدوداتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-642>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾.</span>\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"في\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":556},{"text":"اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فمن تَعَجَّلَ في يومَيْن من أيام التَّشْريقِ، فَنَفَر في اليومِ الثاني، فلا إِثْمَ عليه في نَفْرِه وتَعَجُّلِه في النَّفْرِ، ومن تأخَّر عن النَّفْرِ في اليومِ الثاني مِن أيامِ التَّشْريقِ إلى اليومِ الثالثِ حتى يَنْفِرَ في اليومِ الثالثِ، فلا إثْمَ عليه في تأخُّرِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرِيُّ، قال: ثنا هُشَيمٌ (^١)، عن عطاءٍ، قال: لا إثمَ عليه في تعجيلِه، ولا إثمَ عليه في تأخيرِه (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ مثلَه (^٣).\nحدثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مُغيرةَ، عن عكرمةَ مثلَه (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾: يوم النَّفْرِ ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: لا حرَجَ عليه ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (^٥).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"عن الحجاج\". وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٨٨، ٣٠/ ٢٧٣.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٢ عقب الأثر (١٩٠١) معلقًا.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٥٦ - تفسير) عن هشيم به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٦٠ من طريق أشعث بن عبد الله، عن الحسن.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٢ عقب الأثر (١٩٠١) معلقًا.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٢٣٠.","vol":"3","page":557},{"text":"السدِّيِّ: أمّا ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ﴾. يقولُ: مَن نَفَر في يومَيْن فلا جُناحَ عليه، ومَن تأخَّر فنَفَر في الثالثِ فلا جُناحَ عليه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾. أي: من أيامِ التشريقِ فلا إثمَ عليه، ومَن أَدركَه الليلُ بمِنًى من اليومِ الثاني من قبلِ أن يَنْفِرَ، فلا نَفْرَ له حتى تزولَ الشمسُ من الغدِ، ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: مَن تأخَّر إلى اليومِ الثالثِ من أيامِ التَّشْريقِ فلا إثمَ عليه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: رخَّص اللَّهُ في أن يَنْفِرُوا في يومَيْن منها إن شاءوا، ومَن تأخَّر في اليومِ الثالثِ فلا إثمَ عليه (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: في تَعْجِيلِه (^٣).\nحدَّثنا هَنّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: لا إثمَ (^٤) على مَن تَعَجَّل، ولا إثمَ على مَن تأخَّر.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: هذا في التعجيلِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٢ عقب الأثر (١٩٠١) من طريق عمرو به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨١.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٥٧ - تفسير) عن أبي عوانة، عن منصور به.\n(^٤) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عليه لا إثم\".","vol":"3","page":558},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ وإسرائيلُ، عن زيدِ بنِ جبيرٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: حلَّ النَّفْرُ في يومَيْن لمن اتَّقَى (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن ابنِ أبي ليلَى، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: في تعجيلِه (^٢)، ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: في تأخيرِه (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أَلِلْمَكِّيِّ أن يَنْفِرَ في النَّفْرِ الأولِ؟ قال: نعم، قال اللَّهُ ﷿: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾. فهي للناسِ أجمعين (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: ليس عليه إثمٌ.\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾: بعدَ يومِ النَّحْرِ، ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: مَن نفَر مِن مِنًى في يومَيْن بعدَ النَّحْرِ فلا إثمَ عليه، ومَن تأخَّر\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٦ إلى المصنف والفريابي.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تعجله\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تأخره\".\nوالأثر أخرجه وكيع - كما في الدر المنثور ١/ ٢٣٦ - ومن طريقه ابن أبي شيبة ٤/ ٥٩، ٦٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٢ (١٩٠٢)، وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ٣/ ١٣ عن عطاء.","vol":"3","page":559},{"text":"﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (^١): فلا حرَجَ عليه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. في تَعَجُّلِه، ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: في تأخُّرِه.\nوقال آخرون: بل معناه: فمَن تَعَجَّل في يومَيْن فهو مغفورٌ له لا إثمَ عليه، ومَن تأخَّر فكذلك (^٣).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أحمدُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ثُوَيرٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: ليس عليه إثمٌ.\nحدَّثنا ابنُ بشّارٍ (^٤)، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَمّادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: غُفِر له، ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: غُفِر له (^٥).\n_________\n(^١) بعده في م: \"في تأخيره\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦١، ٣٦٢ (١٨٩٦، ١٩٠٤) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٦ إلى وكيع وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"كذلك\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يسار\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٥٩، والطبراني (٩٠٢٨) من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦١، ٣٦٢ (١٨٩٨، ١٩٠٣) من طريق حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٦ إلى وكيع والفريابي.","vol":"3","page":560},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغفاريُّ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن حَمّادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ نحوَه.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، جميعًا عن سفيانَ، عن حَمّادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: قد غُفِر له.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن سفيانَ، عن حَمّادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: قد غُفِر له (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن حَمّادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال في هذه الآيةِ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: بَرِئَ من الإثمِ.\nحدَّثنا ابنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن الحسنِ، عن ابنِ عمرَ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: رجَع مغفورًا له (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلَيّةَ، عن لَيثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال:\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦١، ٣٦٢ عقب الأثر (١٨٩٨، ١٩٠٣) معلقًا.\n(^٢) سقط من: الأصل.\nوالأثر أخرجه البيهقي ٥/ ١٥٢ من طريق حماد بن سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"3","page":561},{"text":"قد غُفِر له (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن جابرٍ، عن أبي عبدِ اللَّهِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: قد غُفِر له، إنهم يَتأوَّلُونها على غيرِ تأويلِها، إن العُمرةَ لَتُكَفِّرُ ما معها من الذنوبِ، فكيف بالحجِّ (^٢)؟\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي حَصينٍ، عن إبراهيمَ وعامرٍ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قالا: غُفِر له (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: ثنى مَن أصدِّقُه، عن ابنِ مسعودٍ قولَه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: خرَج من الإثْمِ كلِّه. ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: بَرِئَ من الإثمِ كلِّه، وذلك في الصَّدَرِ عن الحجِّ. قال ابنُ جريجٍ: وسَمِعْتُ رجلًا يُحدِّثُ (^٤) عطاءَ بنَ أبي رَباحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، أنه قال: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: غُفِر له ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: غُفِر له (^٥).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا [أسودُ بنُ سَوادةَ] (^٦)\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٥٨ - تفسير) من طريق يزيد بن أبي مريم عن مجاهد به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٦ إلى المصنف.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦١، ٣٦٢ عقب الأثر (١٨٩٨، ١٩٠٣) معلقًا.\n(^٤) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\".\n(^٥) قول ابن مسعود عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٦ إلى المصنف وسفيان بن عيينة وعبد بن حميد، وقول عليٍّ عزاه إلى المصنف.\n(^٦) كذا في النسخ، والصواب: \"سوادة بن أبي الأسود\". ينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٢٣١ ومصدر التخريج.","vol":"3","page":562},{"text":"القَطّانُ، قال: سمِعتُ معاويةَ بنَ قُرَّةَ قال: خرَج مِن ذنوبِه (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: فمَن تَعَجَّلَ في يومَيْن فلا إثمَ عليه، ومَن تأخَّر فلا إثمَ عليه فيما بينه وبين السَّنةِ التي بعدَها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسحاقُ (^٢) بنُ يحيى بنِ طلحةَ، قال: سألتُ مجاهدًا عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: لمَن في الحجِّ، ليس عليه إثمٌ حتى الحجِّ من عامِ قابلٍ (^٣).\nوقال آخرون: بل معناه: فلا إثمَ عليه إن اتَّقَى اللَّهَ فيما بَقِيَ من عُمُرِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: ذهَب إثمُه كلُّه إن اتَّقَى فيما بَقِيَ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٦٠ من طريق سوادة بن أبي الأسود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٦ إلى وكيع وابن المنذر.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \" أبو إسحاق\". وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٤٨٩.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٦٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦١، ٣٦٢ (١٨٩٩، ١٩٠٥) من طريق إسحاق بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٦ إلى وكيع.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٣ (١٩٠٨) من طريق أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":563},{"text":"العاليةِ مثلَه.\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: لمن اتَّقَى، بشرطٍ.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: لا جُناحَ عليه، ومَن تأخَّر إلى اليومِ الثالثِ فلا جُناحَ عليه لمن اتَّقَى. وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: وَدِدْتُ أنِّي من هؤلاء ممن يُصيبُه اسمُ التَّقْوَى.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: هي في مصحفِ عبدِ اللَّهِ: (لمَن اتَّقَى اللهَ) (^١).\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: فلا حرَجَ عليه. يقولُ: لمن (^٢) اتَّقَى معاصيَ اللَّهِ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: فمَن تَعَجَّل في يومَيْن من أيامِ التَّشْريقِ فلا إثمَ عليه. أي: فلا حَرَجَ عليه في تعجيلِه النَّفْرَ إن هو اتَّقَى قتلَ الصيدِ حتى يَنْقَضِيَ اليومُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٦ إلى المصنف وابن المنذر. والقراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٣ (١٩٠٦) من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح به.","vol":"3","page":564},{"text":"الثالثُ، ومَن تأخَّر إلى اليومِ الثالثِ فلم يَنْفِرْ، فلا حرَجَ عليه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا محمدُ بنُ أبي صالحٍ: لمن اتَّقَى أن يُصِيبَ شيئًا من الصيدِ حتى يَمْضِيَ اليومُ الثالثُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: ولا يحِلُّ له أن يَقْتُلَ صيدًا حتى تَخْلُوَ أيامُ التَّشْريقِ.\nوقال آخرون: بل معناه: فمَن تَعَجَّلَ في يومَيْن من أيامِ التشريقِ فنفَر فلا إثمَ عليه، أي: مغفورٌ له، ومَن تأخَّر فنفَر في اليومِ الثالثِ فلا إثمَ عليه، أي: مغفورٌ له، إن اتَّقَى على حَجِّه أن يُصيبَ فيه شيئًا نهاه اللَّهُ عنه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾. قال: يقولُ: لمن اتَّقَى على حَجِّه. قال قتادةُ: ذُكِر لنا أن ابنَ مسعودٍ كان يقولُ: مَن اتَّقَى في حَجِّه غُفِر له ما تَقَدَّم من ذنبِه، أو ما سلَف من ذنبِه (^١).\nوأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصحةِ قولُ من قال: تأويلُ ذلك: فمن تَعَجَّل في يومَيْن من أيامِ مِنًى الثلاثةِ، فنفَر في اليومِ الثاني، فلا إثمَ عليه لِحَطِّ اللَّهِ ذنوبَه، إن كان قد اتَّقَى اللَّهَ في حجِّه، فاجتنَب فيه ما أمَره اللَّهُ باجتنابِه، وفعَل فيه ما أمَره اللَّهُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٦ إلى المصنف.","vol":"3","page":565},{"text":"بفعلِه، وأطاعَه بأدائِه على ما كَلَّفه من حدودِه. ومَن تأخَّر إلى اليومِ الثالثِ منهن، فلم يَنْفِرْ إلى النَّفْرِ الثاني حتى نفَر من غدٍ النَّفْرَ الأولَ، فلا إثمَ عليه لتكفيرِ اللَّهِ له ما سلَف من آثامِه وأجرامِه، إن كان اتَّقَى اللَّهَ في حجِّه بأدائِه بحدودِه.\nوإنما قلْنا: إن ذلك أَوْلَى تأويلاتِه به؛ لتظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: \"مَن حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، خَرَجَ مِن ذُنُوبِه كيومِ وَلَدَتْه أُمُّه\" (^١).\nوأنه قال ﷺ: \"تابِعُوا بينَ الحَجِّ والعُمرَةِ، فإنهما يَنْفِيان الذُّنُوبَ كما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحديدِ والذهبِ والفِضَّةِ\".\nحدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ سعيدٍ الكِنْديُّ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن عاصمٍ، عن شَقيقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"تابِعُوا بينَ الحَجِّ والعُمرةِ، فإنَّهما يَنْفِيان الفَقرَ وَالذُّنُوبَ كما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحديدِ والذهبِ والفِضَّةِ، وليس للحَجَّةِ المَبْرُورةِ ثوابٌ دُونَ الجَنَّةِ\" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكَمُ بنُ بَشيرٍ، عن عمرِو بنِ قيسٍ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه.\nحدَّثنا الفضلُ بنُ الصّبّاح، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن عاصمِ بنِ عُبيدِ اللَّهِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عامرِ بنِ ربيعةَ، عن أبيه، عن عمرَ يَبْلُغُ به النبيَّ ﷺ قال: \"تابعُوا بينَ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم تخريجه في ص ٤٨٩ وما بعدها.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٧٤، وأحمد ١٦/ ١٨٥ (٣٦٦٩)، والترمذي (٨١٠)، والنسائي (٢٦٣٠)، وفي الكبرى (٣٦١٠)، وأبو يعلى (٤٩٧٦، ٥٢٣٦)، وابن خزيمة (٢٥١٢)، وابن حبان (٣٦٩٣)، والطبراني (١٠٤٠٦)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ١١٠، والبغوي (١٨٤٣) من طرق عن أبي خالد الأحمر سليمان بن حيان به. وينظر السلسلة الصحيحة (١٢٠٠).","vol":"3","page":566},{"text":"الحَجِّ والعُمرةِ، فإنَّ [المتابعةَ بينهمَا] (^١) ينفيان (^٢) الفَقْرَ والذُّنوبَ كما يَنفِي الكِيرُ الخَبثَ، أوْ خبثَ الحديدِ\" (^٣).\nحدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سعدُ بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا ابنُ أبي الزِّنادِ، عن موسى بنِ عُقبةَ، عن صالحٍ مولى التَّوْأمةِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إذا قَضَيْتَ حَجَّكَ فأنتَ مِثْلُ ما وَلَدَتْكَ أُمُّكَ\".\nوما أَشبهَ ذلك من الأخبارِ التي يطولُ بذكرِ جميعِها الكتابُ، مما يُنْبِئُ عن أنَّ مَن حجَّ فقضاه بحدودِه على ما أمَره اللَّهُ، فهو خارجٌ مِن ذنوبِه، كما قال جل ثناؤه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (^٤) في حجِّه، فكان في ذلك من قولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ما يُوَضِّحُ عن أن معنَى قولِه - جل وعز -: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أنه خارجٌ من ذنوبِه، محطوطةٌ عنه آثامُه، مغفورةٌ له أَجرامُه. و[أنه لا] (^٥) معنى لقولِ مَن تأوَّل قولَه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: فلا حرَج عليه في نَفْرِه في اليومِ الثاني، ولا حرَجَ عليه في مُقامِه إلى اليومِ الثالثِ؛ لأن الحرَجَ إنما يُوضَعُ عن العاملِ فيما كان عليه تَركُ عملِه، فيُرَخَّصُ له في عملِه بوضعِ الحَرَجِ عنه في عملِه، أو فيما كان عليه عملُه، فيُرَخَّصُ له في تركِه بوضعِ الحرجِ عنه (^٦). فأما ما كان على العاملِ عملُه، فلا\n_________\n(^١) في م: \"متابعة ما بينهما\".\n(^٢) في م، ت ٢: \"ينفي\".\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٢٨٨٧)، والحميدي (١٧)، وأبو يعلى في (١٩٨) من طريق سفيان بن عيينة به، وأخرجه ابن ماجه (٢٨٨٧) من طريق عبيد الله بن عمر، عن عاصم به، وأخرجه أحمد ١/ ٣٠٣ (١٦٧) عن سفيان به، ولم يذكر في الإسناد عامر بن ربيعة.\n(^٤) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الله\".\n(^٥) في الأصل: \"ألا\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"أن لا\".\n(^٦) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في تركه\".","vol":"3","page":567},{"text":"وَجْهَ لوضعِ الحرَجِ عنه فيه إن هو عَمِله، وفرضُه عملُه؛ لأنه محالٌ أن يكونَ المؤدِّي فرضًا عليه حَرِجًا بأدائِه، فيجوزَ أن يقالَ: قد وضَعْنا عنك فيه الحَرجَ.\nوإذا كان ذلك كذلك، وكان الحاجُّ لا يخلُو عندَ مَن تأوَّلَ قولَه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: فلا حَرَجَ عليه، أو فلا جُناحَ عليه؛ من أن يكونَ فرضُه النَّفْرَ في اليومِ الثاني من أيامِ التشريقِ، فوُضِع عنه الحرَجُ في المُقامِ، أو أن يكونَ فرضُه المُقامَ إلى اليومِ الثالثِ منها، فوُضِع عنه الحَرجُ في نفرِه في اليومِ الثاني، فإن يَكُنْ فرضُه في اليومِ الثاني من أيامِ التشريقِ المُقامَ إلى اليومِ الثالثِ منها، فوُضِع عنه الحَرجُ في نَفْرِه في اليومِ الثاني منها، وذلكَ هو التَّعَجُّلُ الذي قيل: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. فلا معنى لقولِه على تأويلِ مَن تأوَّلَ ذلك: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: فلا جُناحَ عليه، ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ لأن المتأخِّرَ إلى اليومِ الثالثِ إنما هو متأخِّرٌ عن (^١) أداءِ فرضٍ عليه، تاركٌ قَبولَ رخصةِ النَّفْرِ، فلا وجهَ لِأَنْ يُقالَ: لا حرَجَ عليك في مُقامِك على أداءِ الواجبِ عليك. لما وصَفْنا قبلُ، أو يكونَ فرضُه في اليومِ الثاني النَّفْرَ، فرُخِّص له في المُقامِ إلى اليومِ الثالثِ، فلا معنى أن يُقالَ: لا حرَجَ عليك في تَعَجُّلِكَ النَّفْرَ الذي هو فَرَضُك وعليك فعلُه. للذي قَدَّمْنا من العِلّةِ.\nوكذلك لا معنى لقولِ مَن قال: معناه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: فلا حرَجَ عليه في نَفْرِه ذلك، إن اتَّقَى قتلَ الصيدِ إلى انقضاءِ اليومِ الثالثِ؛ لأن ذلك لو كان تأويلًا مسلَّمًا لقائلِه، لكان في قولِه: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. ما يُبْطِلُ دَعْواه؛ لأنه لا خلافَ بينَ الأُمّةِ في أن الصيدَ للحاجِّ بعدَ نَفْرِه من مِنًى في اليومِ الثالثِ حلالٌ، فما الذي من أجلِه وُضِع عنه الحرَجُ بقولِه:\n_________\n(^١) في الأصل: \"على\".","vol":"3","page":568},{"text":"﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. إذا هو تأخَّر إلى اليومِ الثالثِ ثم نَفَر، هذا معَ إجماعِ الحُجَّةِ على أن المُحْرمَ إذا رمَى وذبَح وحلَق وطاف بالبيتِ فقد حَلَّ له كلُّ شيءٍ، وتَصْريحُ الروايةِ المرويَّةِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بنحوِ ذلك، التي حدَّثنا بها هَنّادُ بنُ السَّريِّ الحَنْظَلِيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ، عن حَجّاجٍ، عن أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حزمٍ، عن عَمرةَ، قالت: سألتُ عائشةَ أمَّ المؤمنين، متى يُحِلُّ المُحْرِمُ؟ فقالت: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إذا رَمَيْتُمْ، وذَبَحْتُم وحَلَقْتُم حَلَّ لكم كُلُّ شيءٍ إلا النساءَ\" (^١). قال: وذكَر الزُّهْرِيُّ، عن عَمرةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (^٢).\nوأما الذي تأوَّل ذلك أنه بمعنى: فلا إثمَ عليه إلى عامِ قابلٍ. فلا وجهَ لتحديدِ ذلك بوقتٍ، وإسقاطِه الإثمَ عن الحاجِّ سنةً مستقبَلَةً، دونَ آثامِه السالفةِ؛ لأنَّ اللَّهَ جل ثناؤُه لم يَحْصُرْ ذلك على نَفْيِ إثمِ وقتٍ مستقبَلٍ بظاهرِ التنزيلِ، ولا على لسانِ الرسولِ ﵊، بل دَلالةُ ظاهرِ التنزيلِ تُبِينُ عن أنَّ المتعجِّلَ في اليومَيْن والمتأخِّرَ لا إثمَ على كلِّ واحدٍ منهما في حالِه التي هو بها دونَ غيرِها من الأَحوالِ، والخبرُ عن النبيِّ ﷺ يُصرِّحُ بأنه بانقضاءِ حجِّه على ما أُمِر به خارجٌ من ذنوبِه كيومِ ولَدَتْه أمُّه. ففي ذلك من دلالةِ ظاهرِ التنزيلِ، وصريحِ قولِ الرسولِ ﷺ دلالةٌ واضحةٌ على فسادِ قولِ من قال: معنى قولِه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: فلا إثمَ عليه من وقتِ انقضاءِ حجِّه إلى عامِ قابلٍ.\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني ٢/ ٢٧٦ من طريق عبد الرحيم بن سليمان به، وأخرجه الدارقطني ٢/ ٢٧٦، والبيهقي ٥/ ١٣٦ من طرق عن الحجاج بن أرطاة به.\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٩٧٨) من طريق الزهري به، وقال أبو داود: هذا حديث ضعيف، الحجاج لم ير الزهري ولم يسمع منه.","vol":"3","page":569},{"text":"فإن قال لنا قائلٌ: ما الجالبُ للَّامِ في قولِه: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ وما معناها؟\nقيل: الجالبُ لها معنى قولِه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ لأن في قولِه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ معنى: حطَطْنا ذُنوبَه وكفَّرْنا آثامَه، فكان في ذلك معنى: جعَلْنا تكفيرَ الذنوبِ لمن اتَّقَى اللَّهَ في حجِّه. فتُرك ذِكْرُ: جعَلْنا تكفيرَ الذنوبِ. اكتفاءً بدَلالةِ قولِه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.\nوقد زعَم بعضُ نحويِّي البصرةِ أنه كأنه إذا ذكَر هذه الرخصةَ فقد أخبَر عن أمرٍ، فقال: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي: هذا لمن اتَّقَى.\nوأنكَرَ بعضُهم ذلك من قولِه، وزعَم أن الصفةَ (^١) لا بدَّ لها من شيءٍ تَتَعلَّقُ به؛ لأنها لا تقومُ بنفسِها، ولكنها فيما زعَم من صلةِ قولٍ متروكٍ، فكان معنى الكلامِ عنده (^٢): قلْنا: مَن تأخَّر فلا إثمَ عليه لمن اتَّقَى. وقام قولُه: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ مَقامَ القولِ.\nوزعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن موضعَ طَرْحِ الإثمِ في المتعجِّلِ، فجُعِل في المتأخِّرِ - وهو الذي أَدَّى ولم يُقَصِّرْ - مثلُ ما جُعِل على المقصِّرِ، كما يقالُ في الكلامِ: إن تصدَّقْتَ سرًّا فحَسَنٌ، وإن أظْهرْتَ فحَسَنٌ. وهما مختلِفان؛ لأن المتصدِّقَ علانيةً إذا لم يَقْصِدِ الرياءَ فحَسَنٌ، وإن كان الإسرارُ أحسنَ، وليس في وصفِ حالتَيِ المتصدِّقَيْن بالحُسْنِ وصفُ إحداهما بالإثمِ، وقد أخبرَ اللَّهُ ﷿ عن النافرَيْن بنفيِ الإثمِ عنهما، ومُحالٌ أن يَنْفِيَ عنهما إلا ما كان في تَرْكِه الإثمُ، على ما تأوَّله قائلو هذه المقالةِ. وفي إجماعِ الجميعِ على أنهما جميعًا لو تَرَكا النَّفْرَ، وأقاما بمِنًى لم يكونا\n_________\n(^١) يعني بالصفة: حرف الجر.\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ما\".","vol":"3","page":570},{"text":"آثمَيْن، ما يدُلُّ على فسادِ التأويلِ الذي تأوَّلَه مَن حَكَيْنا عنه هذا القولَ.\nوقال أيضًا: وفيه وجهٌ آخرُ، وهو معنى نَهْيِ الفريقَيْن عن أن يُؤثِّمَ أحدُ الفريقَيْن الآخرَ، كأنه أراد بقولِه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: لا يَقُلِ المتعجِّلُ للمتأخِّرِ: أنتَ آثمٌ. ولا المتأخِّرُ للمتعجِّلِ: أنتَ آثمٌ. بمعنى: فلا يُؤَثِّمَنّ أحدُهما الآخرَ.\nوهذا أيضًا تأويلٌ لقولِ جميعِ أهلِ التأويلِ مخالِفٌ، وكَفَى بذلك شاهدًا على خَطَئِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-643>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾.</span>\nيعني بذلك جل ثناؤُه: واتقوا اللَّهَ أيها المؤمنون فيما فرَض عليكم مِن فرائضِه، فخافُوه في تَضْيِيعِها والتفريطِ فيها، وفيما نهاكم عنه في حَجِّكم ومَناسِكِكم أن تَرْتَكِبُوه أو تَأْتُوه، وفيما كَلَّفكم في إحرامِكم لحجِّكم أن تُقَصِّرُوا في أدائِه والقيامِ به، واعلَموا أنكم إليه تُحشَرون، فمُجازِيكم هو بأعمالِكم؛ المحسنَ منكم بإحسانِه، والمُسِيءَ بإساءتِه، ومُوَفٍّ كلَّ نفسٍ منكم ما عَمِلتْ وأنتم لا تُظْلَمون.\n\n<span id=\"aya-211\"></span><span data-type='title' id=toc-644>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾.</span>\nوهذا نعتٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه للمنافقِين، يقولُ جلَّ ثناؤُه: ومن الناسِ مَن يُعجِبُك يا محمدُ ظاهرُ قولِه وعلانيتُه، ويَستشهِدُ اللَّهَ على ما في قلبِه، وهو ألدُّ الخصامِ، جَدِلٌ بالباطلِ.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ في مَن نزَلت فيه هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزَلتْ في الأَخْنَسِ بنِ شَرِيقٍ، قَدِم على النبيِّ ﷺ، فزعَم أنه يريدُ الإسلامَ، وحلَف أنه ما قَدِم","vol":"3","page":571},{"text":"إلا لذلك، ثم خرَج فأفسدَ أموالًا من أموالِ المسلمين.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ قال: نزَلتْ في الأخنسِ بنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، وهو حليفٌ لبني زُهْرةَ، وأقبَلَ إلى النبيِّ ﷺ بالمدينةِ، فأظهَر له الإسلامَ، فأعجَب النبيَّ ﷺ ذلك منه، وقال: إنما جئتُ أريدُ الإسلامَ، واللَّهُ يعلَمُ أني صادقٌ. وذلك قولُه: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. ثم خرَج من عندِ النبيِّ ﷺ، فمرَّ بزَرْعٍ لقومٍ من المسلمين وحُمُرٍ، فأَحرَقَ الزرعَ، وعقَر الحُمُرَ، فأنزلَ اللَّهُ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾. وأما ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾: فأعْوَجُ (^١) الخِصامِ، وفيه نزَل: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]. ونزَلتْ فيه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ إلى (^٢) ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ (^٣) [القلم: ١٠ - ١٣].\nوقال آخرون: بل نزَل ذلك في قومٍ من أهلِ النفاقِ، تكلَّموا في السَّرِيّةِ التي أُصِيبتْ لرسولِ اللَّهِ ﷺ بالرَّجِيعِ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"فاعوجاج\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٤ - ٣٦٧ (١٩١٣، ١٩١٧، ١٩٢٣) وعقب (١٩٣٠) من طريق عمرو به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٨ إلى ابن المنذر دون الآيات في آخره، وقد عزاها السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥٠، ٣٩٢ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"3","page":572},{"text":"ذكر مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو (^١) عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما أُصِيبت هذه السَّرِيةُ، أصحابُ خُبَيْبٍ، بالرَّجيعِ بينَ مكةَ والمدينةِ، قال (^٢) رجالٌ من المنافقِين: يا ويحَ هؤلاء المقتولِين الذين هَلَكوا هكذا، لا هم قعَدوا في بيوتِهم، ولا هم أدَّوْا رسالةَ صاحبِهم. فأَنزل اللَّهُ في ذلك من قولِ المنافقِين، وما أصاب أولئك النَّفَرَ من الشهادةِ والخيرِ من اللَّهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: بما (^٣) يُظهِرُ بلسانِه من الإسلام، ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ أي: من النفاقِ، ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ أي: ذو جدالٍ إذا كلَّمَك وراجَعَك، ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ أي: خرَج من عندِك، ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي: لا يُحِبُّ عملَه ولا يرضاه، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. الذين شَرَوْا أنفسَم للَّهِ بالجهادِ في سبيلِه، والقيامِ بحقِّه حتى هلَكوا على ذلك؛ يعني هذه السَّرِيةَ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما أُصيبتِ السَّريةُ التي كان فيها عاصمٌ ومَرثدٌ\n_________\n(^١) في الأصل: \"و\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فقال\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ما\".","vol":"3","page":573},{"text":"بالرَّجيعِ، قال رجالٌ من المنافقِين. ثم ذكَر نحوَ حديثِ أبي كُريبٍ (^١).\nوقال آخرون: بل عَنَى بذلك جميعَ المنافقِين، وعَنَى بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. اختلافَ سَريرتِه وعَلانيتِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ أبي مَعْشَرٍ، قال: أخبرَني أبي أبو مَعْشَرٍ نَجيحٌ، قال: سَمِعْتُ سعيدًا المَقْبُرِيَّ يُذاكرُ محمدَ بنَ كعبٍ، فقال سعيدٌ: إن في بعضِ الكتبِ أن للَّهِ عبادًا ألسنتُهم أحلى من العسلِ، وقُلوبُهم أمرُّ من الصَّبِرِ، لَبِسوا لِباسَ (^٢) مُسُوكِ (^٣) الضَّأنِ من اللِّينِ، يَجْتَرُّون الدنيا بالدينِ، قال اللَّهُ: أعليَّ يَجْتَرِئُون، وبي يَغْتَرُّون؟ وعِزَّتي لأَبْعَثَنَّ عليهم فتنةً تترُكُ الحليمَ منهم حيرانَ. فقال محمدُ بنُ كعبٍ: هذا في كتابِ اللَّهِ. فقال سعيدٌ: وأين هو من كتابِ اللَّهِ؟ قال: قولُ اللَّهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. فقال سعيدٌ: قد عرَفْتُ في مَن أُنزِلتْ هذه الآيةُ. فقال محمدُ بنُ كعبٍ: إن الآيةَ تَنزِلُ في الرجلِ، ثم تكونُ بعدَه عامّةً (^٤).\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ١٧٤، ١٧٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٩، (١٩١٠، ١٩١٤، ١٩١٨، ١٩٢٤، ١٩٣٥، ١٩٤١) من طريق سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في م: \"للناس\".\n(^٣) المسوك، جمع المَسْك، وهو الجلد. اللسان (م س ك).\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٦١ - تفسير) - ومن طريقه البيهقي في الشعب (٦٩٥٦) - =","vol":"3","page":574},{"text":"حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني الليثُ بنُ سعدٍ، عن خالدِ بنِ يزيدَ، عن سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، عن القُرَظِيِّ، عن نَوْفٍ، وكان يقرأُ الكتبَ، قال: إني لأَجِدُ صفةَ ناسٍ من هذه الأُمّةِ في كتابِ اللَّهِ المنزَّلِ، قومٌ يحتالون الدنيا بالدينِ، ألسنتُهم أحلى من العسلِ، وقلوبُهم أمرُّ من الصَّبِرِ، يَلْبَسون (^١) لباسَ مُسُوكِ الضّأنِ، وقلوبُهم قلوبُ الذئابِ، فعليَّ يَجْتَرِئون، وبي يَغْتَرُّون؟ حلَفْتُ بنفسي لأَبْعَثَنَّ عليهم فتنةً تترُكُ الحليمَ فيها (^٢) حيرانَ. قال القُرَظِيُّ: تَدَبَّرْتُها في القرآنِ فإذا هم المنافقون، فوجَدْتُها: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ (^٣) [الحج: ١١].\nحدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. قال: هو المنافقُ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾. قال: علانيتُه في الدنيا، ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ﴾ في الخصومةِ أنما يريدُ الحقَّ (^٥).\n_________\n= عن أبي معشر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٤ (١٩١٢) من طريق حمزة بن جميل الربذي، عن أبي معشر به مرفوعًا.\n(^١) بعده في م: \"للناس\".\n(^٢) في م: \"فيهم\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٥٩ عن المصنف.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٤ (١٩١٦) عن الحسن به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٤ (١٩١٥) من طريق ابن أبي نجيح به.","vol":"3","page":575},{"text":"حُدِّثْتُ عن عمّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾. قال: هذا عبدٌ كان حسنَ القولِ سيِّئَ العملِ، كان (^١) يَأْتِي رسولَ اللَّهِ ﷺ فيُحسِنُ له القولَ، ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. قال: يقولُ قولًا، في قلبِه غيرُه، واللَّهُ يعلَمُ ذلك.\nقال أبو جعفرٍ: وفي قولِه: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ وجهان مِن القراءةِ؛ فقرأته عامةُ القرأةِ: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. بمعنى أن المنافقَ الذي يُعْجِبُ رسولَ اللَّهِ ﷺ قولُه، يَسْتَشْهِدُ اللَّهَ على ما في قلبِه أن قولَه موافقٌ اعتقادَه، وأنه مؤمنٌ باللَّهِ ورسولِه، وهو كاذبٌ.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾: كان رجلٌ (^٣) يَأتِي إلى النبيِّ ﷺ، فيقولُ: أَيْ رسولَ اللَّهِ، أَشهدُ أنك جئتَ بالحقِّ والصدقِ من عندِ اللَّهِ. قال: حتى يُعْجَبَ النبيُّ ﷺ بقولِه، ثم يقولُ: أما واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ، إن اللَّهَ ليَعلمُ أن ما في قلبي مثلُ ما نطَق به لساني. فذلك قولُه: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. قال: هؤلاء المنافقون. وقرَأ قولَ اللَّهِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾. حتى بلَغ:\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٣ (١٩١١) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.\n(^٣) سقط من: الأصل، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":576},{"text":"﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. بما يَشْهَدُون أنك رسولي (^١).\nوقال السديُّ: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. يقولُ: اللَّهُ يَعلَمُ أني صادقٌ، أني أريدُ الإسلامَ.\nحدَّثني بذلك موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عنه (^٢).\nوقال مجاهدٌ: ويُشهِدُ اللَّهَ في الخصومةِ أنما يريدُ الحقَّ.\nحدَّثني بذلك محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عنه (^٣).\nوقرأ ذلك آخرون: (وَيَشْهَدُ اللَّهُ على ما في قلبه). بمعنى: واللَّهُ يَشْهَدُ على الذي في قلبِه من النفاقِ، وأنه مُضْمِرٌ في قلبِه غيرَ الذي يُبدِيه بلسانِه، وعلى كذبِه في قيلِه (^٤). وهو قراءةُ ابنِ مُحَيْصِنٍ (^٥). وعلى ذلك المعنى تأوَّله ابنُ عباسٍ، وقد ذكَرْنا الروايةَ عنه بذلك فيما مضى في حديثِ أبي كُريبٍ، عن يونسَ بنِ بُكَيرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ الذي ذكَرْناه آنفًا.\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٣٥٩.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٤ (١٩١٧) من طريق عمرو به. وينظر ما تقدم في ص ٥٧٢.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٥٧٥.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قلبه\".\n(^٥) قرأ بها أيضًا الحسن، ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ٩٤، وابن محيصن هو محمد بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي، مقرئ أهل مكة مع ابن كثير. مات سنة ثلاث وعشرين ومائة بمكة، وقال القصاع وسبط الخياط: سنة اثنتين وعشرين. ينظر غاية النهاية ٢/ ١٦٧.","vol":"3","page":577},{"text":"والذي نختارُ في ذلك من القراءةِ (^١) قراءةُ مَن قرَأ: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. بمعنى: يَسْتشهِدُ اللَّهَ على ما في قلبِه؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-645>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾.</span>\nوالأَلَدُّ من الرجالِ: الشديدُ الخصومةِ، يقالُ في \"فعَلْتَ\" منه: قد لَدِدْتَ يا هذا ولم تكنْ أَلَدَّ، فأنت تَلَدُّ لَدَدًا ولَدادةً. فأما إذا غلَب مَن خاصمَه، فإنما يقالُ فيه: لدَدْتَ يا فلانُ فلانًا فأنتَ تلُدُّه لَدًّا، ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):\nثُمَّ [ارْدِ بي وبهما] (^٣) مَنْ تُرْدِي\nنَلُدُّ (^٤) أَقْرانَ الخُصُومِ اللُّدِّ\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه أنه ذو جِدالٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾. أي: ذو جدالٍ إذا كلَّمَك وراجعَك (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾. يقولُ: شديدُ القسوةِ في معصيةِ اللَّهِ، جَدِلٌ بالباطلِ، إذا شِئْتَ رأيتَه\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قول القرأة\".\n(^٢) معاني القرآن للفراء ١/ ١٢٣ بتقديم الثاني على الأول، غير منسوبين، والبيت الثاني في اللسان (ل د د).\n(^٣) في م، ت ١: \"أردى وبهم\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"أردى وبهما\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تلد\"، وفي معاني القرآن: \"اللد\"، وفي اللسان: \"ألد\".\n(^٥) تقدم مطولًا في ص ٥٧٣.","vol":"3","page":578},{"text":"عالمَ اللسانِ، جاهلَ العملِ، يتكلَّمُ بالحكمةِ، ويعملُ بالخطيئةِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾. قال: جَدِلٌ بالباطلِ (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك أنه غيرُ مستقيمِ الخصومةِ ولكنه مُعْوَجُّها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾. قال: ظالمٌ لا يَستقيمُ (^٣).\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبرَني عبدُ اللَّهِ بنُ كَثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: \"الأَلَدُّ الخصامِ\": الذي لا يستقيمُ على خصومةٍ (^٤).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾: أَعْوَجُ الخصامِ (^٥).\nقال أبو جعفرٍ: وكلا هذين القولين متقارِبُ المعنى؛ لأنَّ الاعوجاجَ في الخصومةِ من الجدالِ واللَّدَدِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٥ (١٩٢٢) من طريق شيبان، عن قتادة بنحوه.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ص ٨١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٥ (١٩٢١) من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ص ١١٤ بنحوه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٥ (١٩٢٣) من طريق عمرو به.","vol":"3","page":579},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك: وهو كاذبٌ في قولِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن بعضِ أصحابِه، عن الحسنِ، قال: \"الأَلَدُّ الخِصامِ\": الكاذبُ القولِ (^١).\nوهذا القولُ يَحتمِلُ أن يكونَ معناه معنى القولَيْن الأَوَّلَيْن، إن كان أراد به قائلُه أنه يُخاصِمُ بالباطلِ من القولِ والكذبِ منه؛ جدَلًا واعْوِجاجًا عن الحقِّ.\nوأما الخِصامُ، فهو مصدرٌ من قولِ القائلِ: خاصَمْتُ فلانًا خِصامًا ومُخاصمةً. وهذا خبرٌ من اللَّهِ ﵎ عن المنافقِ الذي أخبَر نبيَّه محمدًا ﷺ أنه يُعجِبُه - إذا تكلَّمَ - قيلُه ومَنْطِقُه، ويَسْتشهِدُ اللَّهَ على أنه مُحِقٌّ في قيلِه ذلك؛ بشدةِ خصمومتِه وجدلِه بالباطلِ والزُّورِ من القولِ.\n\n<span id=\"aya-212\"></span><span data-type='title' id=toc-646>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى﴾: وإذا أَدْبَر هذا المنافقُ من عندِك يا محمدُ مُنْصَرِفًا عنك.\nكما حدَّثنا به ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾. قال: يعني: وإذا خرَج من عندِك سَعَى (^٢).\nوقال بعضُهم: معناه: وإذا غَضِب.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٥ (١٩٢٠) من طريق عاصم، عن الحسن به.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٥٧٤.","vol":"3","page":580},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾. قال: إذا غَضِب.\nفمعنى الآيةِ: وإذا خرَج هذا المنافقُ من عندِك يا محمدُ غَضْبانَ، عَمِل في الأرضِ بما حرَّم اللَّهُ عليه، وحاول فيها معصيةَ اللَّهِ، وقَطْعَ الطريقِ، وإفسادَ السُّبلِ على عبادِ اللَّهِ، كما قد ذكَرْنا آنفًا من فعلِ الأخنسِ بنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، الذي ذكَر السدِّيُّ أن فيه نزلَتْ هذه الآيةُ؛ من إحراقِه زُروعَ المسلمِين وقَتْلِه حُمُرَهم.\nوالسَّعْيُ في كلامِ العربِ: العملُ، يقالُ منه: فلانٌ يَسْعَى على أهلِه. يعني به: يعْمَلُ فيما يعودُ عليهم نفعُه. ومنه قولُ الأعشى (^١):\nوسَعَى لِكِنْدَةَ سَعْيَ غيرِ مُوَاكِلٍ … قَيْسٌ فضَرَّ عَدُوَّها وبَنَى لهَا\nيعني بذلك: عَمِل لها في المكارمِ.\nوكالذي قلْنا في ذلك كان مجاهدٌ يقولُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾. قال: عَمِل (^٢).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الإفسادِ الذي أضافَه اللَّهُ إلى هذا المنافقِ؛ فقال بعضُهم: تأويلُه ما قلْنا فيه من قَطْعِه الطريقَ وإخافتِه السبيلَ، على ما قد ذكَرْنا\n_________\n(^١) ديوانه ص ٣١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٦ (١٩٢٦) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٩ إلى عبد بن حميد مطولًا.","vol":"3","page":581},{"text":"قبلُ من فعلِ الأخنسِ بنِ شَرِيقٍ.\nوقال بعضُهم: بل معنى ذلك: قَطْعُ الرَّحِمِ وسَفْكُ دماءِ المسلمين.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ في قولِه: ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾: قَطَعَ الرَّحِمَ، وسَفَكَ الدماءَ؛ دماءَ المسلمين، فإذا قيل: لِمَ تَفعلُ كذا وكذا؟ قال: أَتقرَّبُ به إلى اللَّهِ.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ وصَف هذا المنافقَ بأنه إذا تولَّى مُدبِرًا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ عَمِل في أرضِ اللَّهِ بالفسادِ، وقد يَدخُلُ في الإفسادِ جميعُ المعاصي، وذلك أن العملَ بالمعاصي إفسادٌ في الأرضِ، ولم يَخْصُصِ اللَّهُ وصْفَه ببعضِ معاني الإفسادِ دونَ بعضٍ. وجائزٌ أن يكونَ ذلك الإفسادُ منه كان بمعنى قَطْعِ الطريقِ، [وجائزٌ أن يكونَ كان يقطَعُ الرحمَ ويسفِكُ الدماءَ] (^١)، وجائزٌ أن يكونَ كان غيرَ ذلك، وأيُّ ذلك كان منه فقد كان إفسادًا في الأرضِ؛ لأن ذلك كان منه للَّهِ معصيةٌ، غيرَ أن الأَشبهَ بظاهرِ التنزيلِ أن يكونَ كان يقطعُ الطريقَ، ويُخِيفُ السبيلَ؛ لأن اللَّهَ وصَفَه في سياقِ الآيةِ بأنه يسعَى في الأرضِ ليُفسِدَ فيها، ويُهلِكَ الحرثَ والنَّسْلَ، وذلك بفعلِ مُخيفي السُّبُلِ، أشبهُ منه بفعلِ قُطّاعِ الرَّحِمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-647>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في وجهِ إهلاكِ هذا المنافقِ - الذي وصَفَه اللَّهُ بما وصَفَه به\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":582},{"text":"من صفتِه (^١) - الحرثَ والنسلَ؛ فقال بعضُهم: كان ذلك منه إحراقًا لزرعِ قومٍ من المسلمين، وعَقْرًا لحُمُرِهم.\nحدَّثني بذلك موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ (^٢).\nوقال آخرون بما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عَثّامٌ، قال: ثنا النَّضْرُ بنُ عَرَبيٍّ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ الآية. قال: إذا ولَّى (^٣) سعى بالعَدَاءِ (^٤) والظلمِ، فيَحبِسُ اللَّهُ بذلك القطرَ، فيُهْلِكُ الحرثَ والنسلَ، واللَّهُ لا يحبُّ الفسادَ. قال: ثم قرأ مجاهدٌ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]. قال: ثم قال: أَمْ (^٥) واللَّهِ ما هو بَحْرَكم هذا، ولكنْ كلُّ قريةٍ على ماءٍ جارٍ فهو بَحْرٌ (^٦).\nوالذي قاله مجاهدٌ وإن كان مذهبًا من التأويلِ تَحتمِلُه الآيةُ، فإن الذي هو أشبهُ بظاهرِ التنزيلِ من التأويلِ ما ذكَرْنا عن السدِّيِّ، فلذلك اخترْناه.\nوأما الحرثُ فإنه الزرعُ، والنسلُ: العَقِبُ والولَدُ، وإهلاكُه الزرعَ: إحراقُه. وقد يجوزُ أن يكونَ كما قال مجاهدٌ باحتباسِ القطرِ من أجلِ معصيتهِ ربَّه، وسَعْيِه بالإفسادِ في الأرضِ. وقد يحتمِلُ أن يكونَ كان بقَتْلِه القُوَّامَ به والمتعاهدِين له، حتى\n_________\n(^١) في م: \"صفة إهلاك\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٥٧٢.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تولى\". وهما بمعنى.\n(^٤) في م: \"في الأرض بالعدوان\".\n(^٥) في م، ت: \"أما\". و\"أم\" هنا حرف افتتاح للتنبيه بمنزلة \"ألَا\" و\"أما\". ينظر خزانة الأدب ١١/ ٦٤.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٧ (١٩٣١) من طريق النضر بن عربي به مختصرًا، وسيأتي مرة أخرى في تفسير الآية (٤١) من سورة الروم.","vol":"3","page":583},{"text":"فسَد فهلَك. وكذلك جائزٌ في معنى إهلاكِه النسلَ أن يكونَ كان بقَتْلِه أُمّهاتِه أو آباءَه التي منها يكونُ النسلُ، فيكونُ في قتلِه الآباءَ والأمهاتِ انقطاعُ نسلِهما. وجائزٌ أن يكونَ كما قال مجاهدٌ، غيرَ أن ذلك وإن كان محتمِلتُه الآيةُ، فالذي هو أَوْلَى بظاهرِها ما قاله السديُّ، غيرَ أن السديَّ ذكَر أن الذي نزلتْ فيه هذه الآيةُ إنما نزَلتْ فيه (^١) في قتلِه حُمُرًا لقومٍ مسلمين، وإحراقِه زرعًا لهم. وذلك وإن كان جائزًا أن يكونَ كذلك، فغيرُ فاسدٍ أن تكونَ الآيةُ نزَلتْ فيه والمرادُ بها كلُّ مَن سلَك سبيلَه في قَتْلِ كلِّ ما قَتَل من الحيوانِ الذي لا يَحِلُّ قتلُه بحالٍ، والذي يحِلُّ قتلُه في بعضِ الأحوالِ، إذا قتَله بغيرِ حقٍّ، بل ذلك كذلك عندي؛ لأن اللَّهَ لم يَخْصُصْ من ذلك شيئًا دونَ شيءٍ، بل عَمَّه.\nوبالذي قلْنا في عمومِ ذلك قالتْه جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بَشّارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميمِيِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾. قال: [الحرثُ الحرثُ، والنسلُ] (^٢) نَسْلُ كلِّ دابّةٍ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، أنه سأل ابنَ عباسٍ، قال: قلتُ: أرأيتَ قولَه: ﴿الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾؟ قال: الحرثُ حرثُكم، والنسلُ نسلُ كلِّ دابّةٍ (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٧ (١٩٣٠، ١٩٣٣) من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٩ إلى وكيع والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"3","page":584},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن الحرثِ والنسلِ، فقال: الحرثُ مما تَحرُثُون، والنسلُ نسلُ كلِّ دابّةٍ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عمرٍو، عن مُطرِّفٍ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ من تميمٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾: أمَّا النسلُ، فنَسْلُ كلِّ دابّةٍ، والناسِ أيضًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنى عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ﴾. قال: نباتَ الأرضِ، ﴿وَالنَّسْلَ﴾: مِن كلِّ شيءٍ (^٢) من الحيوانِ، من الناسِ والدوابِّ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ قال: [الحرثُ الحرثُ] (^٤)، والنّسلُ نسلُ كلِّ شيءٍ (^٥).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاكِ، قال: الحرثُ النباتُ، والنسلُ نسلُ كلِّ دابّةٍ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٧ (١٩٣٤) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) في م: \"دابة تمشي\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"دابة شيء\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٣٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نبات الأرض\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨١.","vol":"3","page":585},{"text":"حدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ﴾. قال: الحرثُ الذي يَحْرُثُه الناسُ؛ نباتُ الأرضِ، ﴿وَالنَّسْلَ﴾: نسلُ كلِّ دابّةٍ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾. قال: الحرثُ الزرعُ، والنَّسلُ من الناسِ والأنعامِ. قال: يَقتُلُ نسلَ الناسِ والأنعامِ (^٢). قال: وقال مجاهدٌ: يَبْتَغِي في الأرضِ هلاكَ الحرثِ؛ نباتِ الأرضِ، والنسلِ مِن كلِّ شيءٍ من الحيوانِ (^٣).\nحدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبرَنا يزيدُ، قال: أخبرَنا جويبرٍ، عن الضّحّاكِ في قولِه: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾. قال: الحرثُ الأصل، والنسلُ نسلُ (^٤) كلِّ دابّةٍ، والناسُ منهم (^٥).\nحدَّثني ابنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا عمرُو (^٦) بنُ أبي سلَمةَ، قال: سُئل سعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ عن فسادِ الحرثِ والنسلِ، وما هما، و(^٧) أيُّ حرثٍ وأيُّ نسلٍ؟ قال سعيدٌ: قال مكحولٌ: الحرثُ ما تحرُثون، وأما النسلُ فنسلُ كلِّ دابةٍ (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٧ عقب الأثر (١٩٣٣) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٦ (١٩٢٧) من طريق حجاج به مختصرًا.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٧ عقب الأثر (١٩٣٤) معلقًا.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٧ (١٩٣٢) من طريق علي بن الحكم، عن الضحاك مختصرًا.\n(^٦) في م: \"عمر\".\n(^٧) سقط من: م.\n(^٨) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شيء\".\nوالأثر ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٧ عقب الأثر (١٩٣٠، ١٩٣٣) معلقًا.","vol":"3","page":586},{"text":"وقد قرأ بعضُ القرأةِ: (ويُهْلِكُ الحَرْثَ والنَّسْلَ) (^١) برفعِ \"يُهْلِكُ\" بمعنى: ومن النَّاسِ مَنْ يُعجِبُك قولُه فِي الحياةِ الدُّنيا، ويُشهِدُ اللَّهَ على ما فِي قلبِه وهو ألَدُّ الخصامِ، ويُهْلِكُ الحرثَ والنَّسلَ، وإذا تولَّى سعَى في الأرضِ ليُفسِدَ فِيها، واللَّهُ لا يُحِبُّ الفسادَ. فيَرُدُّ \"وَيُهْلِكُ\" على ﴿وَيُشْهِدُ﴾ عطفًا به عليه.\nوذلك قراءةٌ عندي غيرُ جائزةٍ وإن كان لها مَخرجٌ في العربيةِ؛ لمخالفتِها ما عليه الحجةُ مُجمِعةٌ من القراءةِ في ذلك (^٢)، وأن ذلك في قراءةِ أُبيِّ بنِ كعبٍ ومُصْحفِه فيما [ذُكِر لنا] (^٣): (ليُفْسِدَ فيها ولِيُهْلِكَ الحرثَ والنسلَ) (^٤). وذلك من أدلِّ الدليلِ على تصحيحِ قراءةِ من قرَأ ذلك: ﴿وَيُهْلِكَ﴾ بالنصبِ عطفًا به على ﴿لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-648>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤُه بذلك: واللَّهُ لا يحبُّ المعاصيَ، وقطعَ السبلِ، وإخافةَ الطرقِ، [والفسادَ] (^٥).\nوالفسادُ: مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: فسَد الشيءُ يفسُدُ. نظيرُ قولِهم: ذهَب يَذهَبُ ذَهابًا. ومن العربِ مَن يجعَلُ مصدرَ \"فسَد\" فُسُودًا، ومصدرَ \"ذَهَب يَذهَبُ\" ذُهوبًا.\n\n<span id=\"aya-213\"></span><span data-type='title' id=toc-649>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ</span>\n_________\n(^١) البحر المحيط ٢/ ١١٦.\n(^٢) بعده في م: \"قراءة ويهلك الحرث والنسل\"، وبعده في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ويهلك الحرث والنسل\".\n(^٣) في م: \"ذكرنا\".\n(^٤) القراءة غير متواترة، ينظر إعراب القرآن للنحاس ١/ ٢٥٠، والبحر المحيط ٢/ ١١٦.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":587},{"text":"جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)﴾.\nيعني جلَّ ثناؤُه بذلك: وإذا قيل لهذا المنافقِ الذي نَعَت نعتَه لنبيِّه ﷺ، وأخبرَه أنه يُعجِبُه قولُه في الحياةِ الدنيا: اتَّقِ اللَّهَ، وخَفْه في إفسادِك في أرضِ اللَّهِ، وسَعْيِك فيها بما حرَّم اللَّهُ عليك من معاصِيه، وإهلاكِك حُروثَ المسلمين ونسلَهم. اسْتَكْبرَ ودخلَتْه عِزَّةٌ وحَمِيّةٌ بما حرَّم اللَّهُ عليه، فتمادَى في غَيِّه وضلالِه. قال اللَّهُ جل ثناؤُه: فكفاه عقوبةً من غَيِّه وضلالِه صِلِيُّ نارِ جهنمَ، وبئسَ المِهادُ هي لصالِيها.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في مَن عَنَى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عَنَى بها كلَّ فاسقٍ (^١) منافقٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بَزِيعٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا بِسْطامُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو رَجاءٍ العُطارِديُّ، قال: سمِعتُ عليًّا في هذه الآيةِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال عليٌّ: اقْتَتَلا وربِّ الكعبةِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال: كان عمرُ بنُ الخطابِ إذا صلّى السُّبْحَةَ (^٣) وفرَغ، دخَل\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٢) أخرجه الخطيب ١١/ ١٣٥ من طريق جعفر بن سليمان به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٨ (١٩٣٧) من طريق أبي رجاء العطاردي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤١ إلى وكيع وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه.\n(^٣) السبحة: صلاة النافلة. اللسان (س ب ح).","vol":"3","page":588},{"text":"مِرْبَدًا (^١) له، فأَرْسَل إلى فتيانٍ قد قرَءوا القرآنَ، منهم ابنُ عباسٍ وابنُ أخي عُيَيْنَةَ. قال: فيَأْتُون فيَقْرَءون القرآنَ وَيَتدارَسونه، فإذا كانت القائلةُ انْصَرف. قال: فمرُّوا بهذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال ابنُ زيدٍ: وهؤلاء المجاهدون في سبيلِ اللَّهِ. فقال ابنُ عباسٍ لبعضِ مَن كان إلى جنبِه: اقْتَتَل الرجلان. فسمِع عمرُ ما قال، فقال: وأيَّ شيءٍ قلتَ؟ قال: لا شيءَ يا أميرَ المؤمنين. قال: ماذا قلتَ: اقْتَتل الرجلان؟ قال: فلمَّا رأَى ذلك ابنُ عباس قال: أَرَى ههنا مَن إذا أُمِر بتقوى اللَّهِ أخَذتْه العِزَّةُ بالإثمِ، وأَرَى مَن يَشْرِي نفسَه ابتغاءَ مرضاةِ اللَّهِ، يَقومُ هذا فَيأْمُرُ هذا بتقوى اللَّهِ، فإذا لم يَقْبَلْ وأخَذتْه العزَّةُ بالإثمِ، قال هذا: وأنا أَشْرِي نفسي. فقاتَلَه، فاقْتَتَل الرجلان. فقال عمرُ: للَّهِ تِلادُك (^٢) يابنَ عباسٍ (^٣).\nوقال آخَرون: بل عنَى بها الأخنسَ بنَ شَرِيقٍ، وقد ذكَرْنا مَن قال ذلك فيما مضَى.\nوأمَّا قولُه: ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، فإنه يعني به: لبِئسَ الفِراشُ والوِطاءُ جهنَمُّ التي أَوْعَدها جلَّ ثناؤُه هذا المنافقَ، ووطَّأها لنفسِه بنفاقِه وفجورِه وتمرُّدِه على ربِّه.\n\n<span id=\"aya-214\"></span><span data-type='title' id=toc-650>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤُه بذلك: ومِن الناسِ مَن يبيعُ نفسَه بما وعَد اللَّهُ المجاهدين في\n_________\n(^١) المربد: كالحجرة في الدار. اللسان (ر ب د).\n(^٢) في ت ٢: \"بلادك\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤١ إلى المصنف.","vol":"3","page":589},{"text":"سبيلِه، وابتاع به أنفسَهم بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]\nوقد دلَّلْنا على أن معنى \"شرَى\": \"باع\"، في غيرِ هذا الموضعِ بما أغنَى عن إعادتِه (^١).\nوأمَّا قولُه: ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. فإنه يعني أن هذا الشاريَ يَشْرِي إذا شرَى، طلَبَ مرضاةِ اللَّهِ. ونُصِب قولُه: ﴿ابْتِغَاءَ﴾ بقولِه: ﴿يَشْرِي﴾. كأنه قال: ومِن الناسِ مَن يَشْرِي مِن أجلِ ابتغاءِ مرضاةِ اللَّهِ. ثم ترَك \"من أجلِ\" وعمِل فيه الفعلُ.\nوقد زَعم بعضُ أهلِ العربيةِ أنه نصَب ذلك على الفعلِ (^٢) على ﴿يَشْرِي﴾. كأنه قال: لابتغاءِ مرضاةِ اللَّهِ. فلمَّا نزَع اللامَ عمِل الفعلُ. قال: ومثلُه: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ١٩]. قال: وقال الشاعرُ وهو حاتمٌ (^٣):\nوأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ ادِّخَارَهُ … وَأُعْرِضُ عَنْ قَوْلِ اللَّئِيمِ تَكَرُّما\nوقال: لمَّا أذْهَب اللامَ أعْمَل فيه الفعلَ.\nوقال بعضُهم: [إنما ذلك] (^٤) مصدرٌ وُضِع موضعَ الشرطِ وموضعَ \"أن\"، فيَحْسُنُ فيها الباءُ واللامُ، فيقولُ: أتيتُك مِن خوفِ الشرِّ، ولخوفِ الشرِّ، وبأن خِفتُ الشرَّ. فالصفةُ غيرُ معلومةٍ، فحُذِفت وأقِيمَ المصدرُ مُقامَها. قال: ولو كانت الصفةُ حرفًا واحدًا بعينِه لم يَجُزْ حذفُها، كما غيرُ جائزٍ لمَن قال: فعلتُ هذا لك\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٢٤٦، ٢٤٧.\n(^٢) أي: على أنه مفعول لأجله.\n(^٣) ديوانه ص ٨١.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أيما\".","vol":"3","page":590},{"text":"ولفلانٍ. أن يُسْقِطَ اللامَ.\nثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في مَن نزَلت هذه الآيةُ فيه ومَن عُنِي بها؛ فقال بعضُهم: نزَلت في المهاجرين والأنصارِ، وعُنِي بها المجاهدون في سبيلِ اللَّهِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. قال: هم المهاجرون والأنصارُ (^١).\nوقال بعضُهم: بل نزَلت في رجالٍ مِن المهاجرين بأعيانِهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْحٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. قال: أُنْزِلت في صُهَيْبِ بنِ سِنَانٍ وأبي ذرٍّ الغفاريِّ جُنْدُبِ بن السَّكَنِ، أخَذ أهلُ أبي ذَرٍّ أبا ذَرٍّ، فانْفَلت منهم، فقدِم على النبيِّ ﷺ، فلمّا رجَع مُهاجِرًا عرَضُوا له، وكانوا بِمَرِّ الظَّهرانِ، فانفلَت أيضًا حتى قَدِمَ على النبيِّ ﷺ، وأمَّا صُهَيْبٌ فأخَذه أهلُه، فافْتَدى منهم بمالِه، ثم خرَج مهاجرًا فأدركَه قُنفذُ (^٢) بنُ عُمَيرِ بنِ جُدْعَانَ، فخرَج له ممّا بقِي من مالِه، وخلَّى سبيلَه (^٣).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ص ٨١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٩ (١٩٤٢) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٢) في م: \"منقذ\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤٠ إلى المصنف والطبراني عن عكرمة. وأخرجه الطبراني (٧٢٨٩) - ومن طريقه ابن عساكر ٢٤/ ٢٢٩ - من طريق محمد بن ثور، عن ابن جريج به ليس فيه =","vol":"3","page":591},{"text":"حُدِّثتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ الآية. قال: كان رجلٌ مِن أهلِ مكةَ أسْلَمَ، فأراد أن يأتيَ النبيَّ ﷺ ويُهَاجرَ إلى المدينةِ، فمنَعوه وحبَسوه، فقال لهم: أُعْطِيكم داري ومالي وما كان لي من شيءٍ فخَلُّوا عنِّي، فأَلْحَقَ بهذا الرجلِ. فأبَوْا، ثم إن بعضَهم قال لهم: خُذوا منه ما كان له مِن شيءٍ، وخَلَّوا عنه. ففعَلوا، فأعطاهم دارَه ومالَه، ثم خرَج فأنْزَل اللَّهُ على النبيِّ ﷺ بالمدينةِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ الآية. فلمَّا دنا مِن المدينةِ تلقَّاه عُمرُ في رجالٍ، فقال له عُمرُ: ربِح البيعُ. قال: وبيعُك فلا يَخْسَرُ، وما ذاك؟ قال: أنْزَل اللَّهُ فيك كذا وكذا (^١).\nوقال آخَرون: بل عُنِي بذلك كلُّ شارٍ نفسَه في طاعةِ اللَّهِ وجهادٍ في سبيلِه، أو أمرٍ بمعروفٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدثني حسينُ بنُ الحسنِ أبو عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا ابنُ عَوْنٍ، عن محمدٍ، قال: حمَل هشامُ بنُ عامرٍ على الصفِّ حتى خرَقه، فقالوا: أَلْقَى بيدِه. فقال أبو هريرةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مُصْعَبُ بنُ المِقْدَامِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن\n_________\n= عكرمة. وأخرجه الطبراني أيضًا (٧٢٩٠) - ومن طريقه ابن عساكر ٢٤/ ٢٢٩ - من طريق محمد بن ثور، عن ابن جريج، عن عكرمة بقصة صهيب وحده مختصرًا.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٨، ٣٦٩ عقب الأثر (١٩٣٩) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤٠ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"3","page":592},{"text":"طارقِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن قيسِ بنِ أبي حازمٍ، عن المغيرةِ، قال: بعَث عمرُ جيشًا فحاصَروا أهلَ حصنٍ، فتقدَّم رجلٌ مِن بَجيلةَ فقَاتَلَ، فقُتِل، فأكثَرَ الناسُ فيه؛ يقولون: أَلْقَى بيدِه إلى التهلُكةِ. قال: فبلَغ ذلك عمرَ بنَ الخطابِ، فقال: كذَبوا، أليس اللَّهُ يقولُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (^١)؟.\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا هشامٌ، عن قتادةَ، قال: حمَل هشامُ بنُ عامرٍ على الصفِّ حتى شقَّه، فقال أبو هريرةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.\nحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّه العَنْبَرِيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيِّ، قال: ثنا حزمُ (^٢) بنُ أبي حزمٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ قرَأ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. أَتدرون فيمَ أُنْزِلت؟ أنْزِلت في أن المسلمَ لقِي الكافرَ فقال له: قلْ: لا إلهَ إلا اللَّهُ، فإذا قلتَها عصَمتَ دمَك ومالَك إلَّا بحقِّهما. فأبَى أن يقولَها، فقال المسلمُ: واللَّهِ، لَأشْرِيَنَّ نفسي للَّهِ. فتقدَّم فقاتَل حتى قُتِل (^٣).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا زيادُ بنُ أبي مسلمٍ، عن أبي الخليلِ، قال: سمِع عمرُ إنسانًا قرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. قال: اسْترجَعَ عمرُ فقال: إنا للَّهِ وإنَّا إليه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٩ (١٩٤٠) من طريق إسرائيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤٠ إلى وكيع والفريابي وعبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"حزام\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤١ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"3","page":593},{"text":"راجعون، قام رجلٌ يأمُرُ بالمعروفِ ويَنْهَى عن المنكرِ فقُتِل (^١).\nوالذي هو أولى بظاهر هذه الآيةِ مِن التأويلِ ما رُوِي عن عمرَ بنِ الخطابِ وعن عليِّ بنِ أبي طالبٍ وابنِ عباسِ، رحمةُ اللَّهِ عليهم، مِن أن يكونَ عُنِي بها الآمِرُ بالمعروفِ، والناهي عن المنكرِ، وذلك أن اللَّهَ وصَف صفةَ فريقين؛ أحدُهما منافقٌ يقولُ بلسانِه خلافَ ما في نفسِه، وإذا اقْتَدَر على معصيةِ اللَّهِ ركِبها، وإذا لم يَقْتَدِرْ رامَها، وإذا نُهِي أخَذتْه العزةُ (^٢) بما هو به آثمٌ، والآخرُ منهما بائعٌ نفسَه طلبَ رضا اللَّهِ. فكان الظاهرُ مِن التأويلِ أن الفريقَ الموصوفَ بأنه شرَى نفسَه للَّهِ، وطلَب رضاه، إنما شراها للوثوبِ بالفريقِ الفاجرِ طلبَ رضا اللَّهِ، فهذا هو الأغلبُ الأظهرُ مِن تأويلِ الآيةِ.\nوأمَّا ما رُوِي مِن نزولِ الآيةِ في أمرِ صُهَيْبٍ، فإن ذلك غيرُ مُسْتَنْكَرٍ، إذ كان غيرَ مدفوعٍ جوازُ نزولِ آيةٍ من عندِ اللَّهِ على رسولِ اللَّهِ ﷺ بسببٍ مِن الأسبابِ، والمعنيُّ بها كلُّ مَن شمِله ظاهرُها.\nفالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ وصَف شاريًا نفسَه ابتغاءَ مرضاتِه، فكلُّ مَن باع نفسَه في طاعتِه حتى قُتل فيها، أو (^٣) اسْتَقْتَل وإن لم يُقْتَلْ، فمَعْنيٌّ بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. في جهادِ عدوِّ المسلمين كان ذلك منه، أو في أمرٍ بمعروفٍ أو نهيٍ عن منكرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-651>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤١ إلى المصنف ووكيع وعبد بن حميد.\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بالإثم\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".","vol":"3","page":594},{"text":"قد دلَّلْنا فيما مضَى على معنى الرأفةِ بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ، وأنها رِقَّةُ الرحمةِ (^١). فمعنى ذلك: واللَّهُ ذو رحمةٍ واسعةٍ بعبدِه الذي شرَى نفسَه له في جهادِ مَن حادَّه في أمرِه، مِن أهلِ الشركِ والفسوقِ، وبغيرِه مِن عبادِه المؤمنين في عاجلِهم وآجلِ مَعَادِهم، فمُجزلٌ لهم الثوابَ على ما أبْلَوْا في طاعتِه في الدنيا، ومُسْكِنُهم جِنانَه على ما عمِلوا فيها مِن مرضاتِه.\n\n<span id=\"aya-215\"></span><span data-type='title' id=toc-652>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنى السِّلْمِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناه: الإسلامُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. قال: ادْخُلوا في الإسلامِ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. قال: ادْخُلوا في الإسلام (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٦٥٤.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٣١.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٢.","vol":"3","page":595},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾. قال: السِّلْمُ الإسلامُ (^١).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾. يقولُ: في الإسلامِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن النَّضْرِ بنِ عَرَبيٍّ، عن مجاهدٍ: ادْخُلُوا في الإسلامِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾. قال: السِّلمُ الإسلامُ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾: في الإسلامِ (^٤).\nوقال آخَرون: بل معنى ذلك: ادْخُلوا في الطاعةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾. يقولُ: ادْخُلوا في الطاعةِ (^٥).\nوقد اختَلَفت القَرأةُ في قراءةِ ذلك، فقرَأته عامَّةُ قرأةِ أهلِ الحجازِ: (ادْخُلُوا فِي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٠ (١٩٤٧) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٠ عقب الأثر (١٩٤٧) من طريق عمرو به.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٣٦١.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٠ عقب الأثر (١٩٤٧) معلقًا.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٠ عقب الأثر (١٩٤٦) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"3","page":596},{"text":"السَّلْمِ) بفتحِ السينِ. وقرَأته عامَّةُ قَرَأَةِ الكوفيين بكسرِ السينِ (^١). فأمَّا الذين فتَحوا السينَ مِن \"السَّلْمِ\"، فإنهم وجَّهوا تأويلَها إلى المسالمةِ، بمعنى: ادْخُلوا في الصلحِ والمسالمةِ (^٢) وترْكِ الحربِ بإعطاءِ الجزيةِ. وأما الذين قرَءوا ذلك بالكسرِ مِن السينِ فإنهم مختلِفون في تأويلِه؛ فمنهم مَن يُوَجِّهُه إلى الإسلامِ، بمعنى: ادْخُلوا في الإسلامِ كافَّة. ومنهم مَن يُوَجِّهُه إلى الصلحِ، بمعنى: ادخلوا في الصلحِ. ويَسْتَشْهِدُ على أن السينَ تُكْسَرُ وهي بمعنى الصلحِ، بقولِ زُهَيْرِ بنِ أبي سُلْمَى (^٣):\nوَقَدْ قُلْتُما إنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعًا … بِمَالٍ وَمَعْروفٍ مِنَ الأَمْرِ نَسْلَمِ\nوأَوْلَى التأويلاتِ بقولِه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾. قولُ مَن قال: معناه: ادْخُلوا في الإسلامِ كافَّةً.\nوأمَّا الذي هو أَوْلَى القراءتينِ بالصوابِ (^٤) في قراءةِ ذلك، فقراءةُ مَن قرَأ بكسرِ السينِ؛ لأن ذلك إذا قُرِئ كذلك وإن كان قد يَحْتَمِلُ معنى الصلحِ، فإن معنى الإسلامِ ودوامِ الأمر الصالحِ عندَ العربِ عليه أغلبُ مِن الصلحِ والمسالمةِ، ويُنْشَدُ بيتُ أخي كِنْدَةَ (^٥):\nدَعَوْتُ عَشِيرَتي للسِّلْمِ لمَّا … رَأَيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينا\n_________\n(^١) بفتح السين قرأ ابن كثير ونافع والكسائي، وبكسر السين قرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو وابن عامر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٨٠.\n(^٢) في م: \"المساومة\".\n(^٣) ديوانه ص ١٦.\n(^٤) القراءتان صواب، مقروء بهما.\n(^٥) هو امرؤ القيس بن عابس الكندي، المؤتلف والمختلف للآمدي ص ٥، والوحشيات ص ٥٩ وفيه ابن عامر الكندي.","vol":"3","page":597},{"text":"بكسرِ السينِ، بمعنى: دعوتُهم للإسلامِ لمَّا ارتدُّوا. وكان ذلك حينَ ارتدَّت كندةُ مَع الأشعثِ بعدَ وفاةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ.\nوقد كان أبو عَمرِو بنُ العلاءِ يقرأُ سائرَ ما في القرآنِ مِن ذكْرِ \"السلمِ\" بالفتحِ، سوى هذه التي في سورةِ \"البقرةِ\"، فإنه كان يَخُصُّها بكسرِ سينِها، توجيهًا منه لمعناها إلى الإسلامِ دونَ ما سواها.\nوإنما اختَرْنا مما اخْتَرنا مِن التأويلِ في قولِه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. وصرَفْنا معناه إلى الإسلامِ؛ لأن الآيةَ مخاطَبٌ بها المؤمنون، فلن يعدوَ الخطابُ - إذ كان خطابًا للمؤمنين - مِن أحدِ أمرينِ؛ إمَّا أن يكونَ خطابًا للمؤمنين بمحمدٍ المُصَدِّقين به وبما جاء به، فإن يكنْ كذلك، فلا معنى لأن يقالَ لهم وهم أهلُ إيمانٍ: ادْخُلوا في صلحِ المؤمنين ومُسالمتِهم. لأن المسالمةَ والمصالحةَ إنما يُؤْمَرُ بها مَن كان حَرْبًا بتركِ الحربِ. فأمَّا الوليُّ فلا يجوزُ أن يقالَ له: صالِحْ فلانًا. ولا حربَ بينَهما ولا عداوةَ. أو يكونَ خطابًا لأهلِ الإيمانِ بمَن قبلَ محمدٍ ﷺ مِن الأنبياءِ، المصدِّقين بهم وبما جاءوا به مِن عندِ اللَّهِ، المنكرين محمدًا ﷺ ونُبُوَّتَه، فقيل لهم: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾. يعني به الإسلامَ لا الصلحَ؛ لأن اللَّهَ إنما أمَر عبادَه بالإيمانِ به وبنبيِّه محمدٍ ﷺ وما جاء به، وإلى ذلك دعاهم دونَ المسالمةِ والمصالحةِ، بل نهَى نبيَّه ﷺ في بعضِ الأحوالِ عن دعاءِ أهلِ الكفرِ إلى السَّلْمِ (^١)، فقال: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]. وإنما أباح له ﷺ في بعضِ الأحوالِ إذا دعَوْه إلى الصلحِ ابتداءً المصالحةَ، فقال له - جلَّ وعزَّ -: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]. فأمَّا دعاؤُهم إلى الصلحِ ابتداءً فغيرُ موجودٍ في القرآنِ، فيجوزَ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الإسلام\".","vol":"3","page":598},{"text":"توجيهُ قولِه: (ادْخُلُوا في السَّلْمِ) إلى ذلك.\nفإن قال قائلٌ: فأيَّ هذين الفريقينِ دعَا إلى الإسلامِ كافَّةً؟\nقيل: قد اخْتُلِف في (^١) ذلك؛ فقال بعضُهم: دُعِي إليه المؤمنون بمحمدٍ ﷺ وما جاء به.\nوقال آخَرون: قيل: بل دُعِى إليه المؤمنون بمَن قبلَ محمدٍ ﷺ مِن الأنبياءِ، المُكَذِّبون بمحمدٍ ﷺ.\nفإن قال: فما وجهُ دعاءِ المؤمنين (^٢) بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به إلى الإسلامِ؟\nقيل: وجهُ دعائِه إلى ذلك الأمرُ له بالعملِ بجميعِ شرائعِه، وإقامةِ جميعِ أحكامِه وحدودِه، دونَ تضييعِ بعضِه والعملِ ببعضِه، وإذا كان ذلك معناه، كان قولُه: ﴿كَافَّةً﴾ مِن صفةِ السِّلْمِ، ويكونُ تأويلُه: ادْخُلوا في العملِ بجميعِ معاني السلمِ، ولا تُضَيِّعوا شيئًا منه يا أهلَ الإيمانِ بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به.\nوبنحوِ هذا المعنى كان يقولُ عكرمةُ في تأويلِ ذلك.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. قال: نزَلت في ثَعْلَبَةَ وعبدِ اللَّه بنِ سَلَامٍ وابنِ يَامِينَ وأسدِ وأُسَيْدِ ابْنَيْ كعبٍ وسَمْيَةَ (^٣) بنِ عمرٍو (^٤) وقيسِ بنِ زيدٍ،\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تأويل\".\n(^٢) في م: \"المؤمن\".\n(^٣) في الأصل، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شعبة\"، وفي الدر المنثور: \"سعيد\". وينظر فهارس سيرة ابن هشام، ونصب الراية ٣/ ٤٠٠.\n(^٤) في الأصل: \"عمر\".","vol":"3","page":599},{"text":"كلُّهم مِن يهودَ، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، يومُ السبتِ يومٌ كنَّا نُعَظِّمُه، فدَعْنا فَلْنَسْبِتْ فيه، وإن التوراةَ كتابُ اللَّهِ، فدَعْنا فَلْنَقُمْ بها بالليلِ. فنزَلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (^١).\nفقد صرَّح عكرمةُ بمعنى ما قلنا في ذلك مِن أن تأويلَ ذلك دعاءٌ للمؤمنين إلى رفضِ جميعِ المعاني التي ليست مِن حكمِ الإسلامِ، والعملِ بجميعِ شرائعِ الإسلامِ، والنهيِ عن تضييعِ شيءٍ مِن حدودِه.\nوقال آخَرون: بل الفريقُ الذي دعَا إلى السِّلْمِ فقيل لهم: ادْخُلوا فيه. بهذه الآيةِ، هم أهلُ الكتابِ، أُمِروا بالدخولِ في الإسلامِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. يعني: أهلَ الكتابِ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: أخبرَنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. قال: يعني أهلَ الكتابِ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أن يقالَ: إن اللَّهَ جل ثناؤُه أمَر الذين\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤١ إلى المصنف. وقال ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٦٢: وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر، إذ بعد أن يستأذن في إقامة السبت، وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه وبطلانه والتعويض عنه بأعياد الإسلام.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤١ إلى المصنف. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٩ (١٩٤٤) من طريق عكرمة، عن ابن عباس: مطولًا، وفيه أنه قرأها بالنصب.","vol":"3","page":600},{"text":"آمَنوا بالدخولِ في العملِ بشرائعِ الإسلامِ كلِّها، وقد يَدْخُلُ في الذين آمَنوا المُصَدِّقون بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به، والمصدِّقون بمَن قبلَه مِن الأنبياءِ والرسلِ وما جاءوا به، وقد دعا اللَّهُ كلا الفريقينِ إلى العملِ بشرائعِ الإسلامِ وحدودِه، والمحافظةِ على فرائضِه التي فرَضها، ونهاهم عن تضييعِ شيءٍ من ذلك، فالآيةُ عامةٌ (^١) لكلِّ مَن شمِله اسمُ الإيمانِ، فلا وجهَ لخصوصِ بعضٍ بها دونَ بعضٍ.\nوبمثلِ التأويلِ الذي قلنا في ذلك كان مجاهدٌ يقولُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. قال: ادْخُلوا في الإسلامِ كافَّةً، ادْخُلوا في الأعمالِ كافَّةً (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-653>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كَافَّةً﴾.</span>\nيعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿كَافَّةً﴾: عامَّةً جميعًا.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. قال: جميعًا (^٣).\nحدَّثنا موسى بنُ هارون، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. قال: جميعًا (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عام\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٧٠ (١٩٤٨) من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح به بلفظ: \"في أنواع البر كلها\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٠ عقب الأثر (١٩٥٠) من طريق عمرو به.","vol":"3","page":601},{"text":"وحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. قال: جميعًا (^١). وعن أبيه، عن قتادةَ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعُ بنُ الجَرَّاحِ، عن النَّضْرِ، عن مجاهدٍ: ادخلوا في الإسلامِ ﴿كَافَّةً﴾: جميعًا.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿كَافَّةً﴾: جميعًا (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿كَافَّةً﴾: جميعًا. وقرَأ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾: جميعًا.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ يقولُ: أخبرَنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. قال: جميعًا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-654>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾.</span>\nيعني جل ثناؤُه بذلك: اعمَلُوا أيُّها المؤمنون بشرائعِ الإسلامِ كلِّها، وادْخُلوا في التصديقِ به قولًا وعملًا، ودَعُوا طريقَ الشيطانِ وآثارَه أن تَتَّبِعوها، فإنه لكم عدوٌّ مُبِينٌ لكم عداوتَه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٠ عقب الأثر (١٩٥٠) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤١ إلى المصنف.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٠ عقب الأثر (١٩٥٠) معلقًا.","vol":"3","page":602},{"text":"وطريقُ الشيطانِ الذي نهاهم أن يَتَّبعوه هو ما خالَف حكمَ الإسلامِ وشرائعَه، ومنه تسبيتُ السبتِ وسائرُ سُنَنِ أهلِ المِلَلِ التي تُخَالِفُ ملَّةَ الإسلامِ، وقد بيَّنْتُ معنى الخطواتِ بالأدلَّةِ الشاهدةِ على صحَّتِه فيما مضَى، فكرِهْتُ إعادتَه في هذا المَوضِعِ (^١).\n\n<span id=\"aya-216\"></span><span data-type='title' id=toc-655>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤُه بذلك: فإن أخْطَأتم الحَقَّ، فضَلَلْتُم عنه، وخالَفتم الإسلامَ وشرائعَه، مِن بعدِ ما جاءتكم حُجَجي وبيِّنَاتُ هدايَ، واتَّضَحت لكم صحةُ أمرِ الإسلامِ بالأدلةِ التي قطَعت عذرَكم أيُّها المؤمنون، فاعْلَموا أن اللَّهَ ذو عزَّةٍ، لا يمنعُه مِن الانتقامِ منكم مانعٌ، ولا يَدْفَعُه عن عُقوبتِكم على مخالفتِكم أمرَه ومعصيتِكم إيَّاه دافعٌ، حكيمٌ فيما يفعلُ بكم مِن عقوبةٍ، على معصيتِكم إيَّاه بعدَ إقامةِ الحُجَّةِ عليكم، وفي غيرِه مِن أمورِه.\nوقد قال عددٌ مِن أهلِ التأويلِ: إن البيناتِ هي محمدٌ ﷺ والقرآنُ. وذلك قريبٌ مِن الذي قلنا في تأويلِ ذلك؛ لأن محمدًا ﷺ والقرآنَ مِن حُجَجِ اللَّهِ على الذين خُوطِبوا [بهذه الآيةِ] (^٢)، غيرَ أن الذي قلناه في تأويلِ ذلك أَوْلَى بالحقِّ؛ لأن اللَّهَ قد احتجَّ على مَن خالَف الإسلامَ مِن أحبارِ أهلِ الكتابِ، بما عهِد إليهم في التوراةِ والإنجيلِ، وتقدَّمَ إليهم على ألسُنِ أنبيائهم بالوَصاةِ به، فذلك وغيرُه مِن حُجَجِ اللَّهِ عليهم مع ما لزِمهم مِن الحُجَّةِ بمحمدٍ ﷺ وبالقرآنِ، فلذلك اختَرنا ما اختَرنا مِن\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٣٦ - ٣٨.\n(^٢) في م: \"بهاتين الآيتين\".","vol":"3","page":603},{"text":"التأويلِ في ذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ أقوالِ القائلين في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾. يقولُ: فإن ضلَلتُم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾. قال: والزللُ الشركُ (^٢).\nذكرُ أقوالِ القائلين في تأويلِ قولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. يقولُ: مِن بعدِ ما جاءكم محمدٌ ﷺ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. قال: الإسلامُ والقرآنُ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. يقول: عزيزٌ في نِقْمتِه، حكيمٌ في أمرِه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧١ (١٩٥٥) من طريق عمرو به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧١ (١٩٥٤) عن محمد بن سعد به نحوه.\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في فضائله ص ٢٤، ٢٥ من طريق حجاج به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧١ عقب الأثر (١٩٥٦) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"3","page":604},{"text":"<span id=\"aya-217\"></span><span data-type='title' id=toc-656>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾.</span>\nيعني جل ثناؤُه بذلك: هل يَنْظُرُ المكذِّبون بمحمدٍ ﷺ وما جاء به، إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ من الغمامِ والملائكةُ.\nثم اخْتَلَفت القَرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأ بعضُهم: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ بالرفعِ؛ عطفًا بالملائكةِ على اسمِ اللَّهِ (^١)، على معنى: هل ينظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ والملائكةُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ (^٢).\nحدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، عن أبي عُبَيْدٍ القاسمِ بنِ سَلَّامٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ الرازيُّ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: في قراءةِ أُبَيِّ بنِ كعبٍ: (هل ينظُرون إلَّا أن يأتيهم اللَّهُ والمَلَائِكَةُ في ظُلَلٍ من الغمامِ). قال: يأتي الملائكةُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ، ويأتي اللَّهُ فيما شاء (^٣).\nوقد حُدِّثْتُ هذا الحديثَ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ الآية. وقال أبو جعفرٍ الرازيُّ: وهي في بعضِ القراءةِ: (هل ينظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ والملائكةُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ). كقولِه: ﴿وَيَوْمَ\n_________\n(^١) بالرفع قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف، وبالخفض قرأ أبو جعفر. ينظر النشر ٢/ ١٧١.\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذكر من قال ذلك\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٣ (١٩٦٣)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩٤٣) من طريق أبي جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤٢ إلى ابن المنذر.","vol":"3","page":605},{"text":"تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥].\nوقرَأ ذلك آخَرون: (هل ينظُرون إلا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظللٍ من الغمامِ والملائكةِ) بالخفضِ؛ عطفًا بالملائكةِ على الظُّللِ، بمعنى: هل ينظرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ وفي الملائكةِ.\nوكذلك اختلَفت القَرأةُ في قراءةِ ﴿ظُلَلٍ﴾؛ فقرَأها بعضُهم: ﴿فِي ظُلَلٍ﴾. وبعضُهم: (في ظلالٍ) (^١).\nفمَن قرَأها: ﴿فِي ظُلَلٍ﴾. فإنه وجَّهها إلى أنها جمعُ (^٢) ظُلَّةٍ، والظُّلَّةُ تُجْمَعُ ظُلَل وظلال، كما تُجْمَعُ [الحُلةُ حُلل] (^٣)، [والجُلة جِلال] (^٤)\nوأمَّا الذي قرَأها: (في ظِلالٍ). فإنه جعَلها جمعَ ظُلَّةٍ، كما ذكَرْنا مِن جمعِهم [الجُلة جِلالًا] (^٥).\nوقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ قارئُه كذلك وجَّهه إلى أن ذلك جمعُ ظِلٍّ؛ لأن الظُّلَّةَ والظِّلَ قد يُجْمعانِ جميعًا: ظِلال.\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندي: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾. لخبرٍ رُوِي عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: \"إن مِن الغمامِ طاقاتٍ يأتي اللَّهُ فيها محفوفًا\" (^٦). فدَلَّ بقولِه: \"طاقاتٍ\". على أنها ظُلَلٌ لا ظِلالٌ؛ لأن\n_________\n(^١) هذه قراءة قتادة، وهي شاذة. ينظر المحتسب ١/ ١٢٢.\n(^٢) في الأصل: \"جميع\".\n(^٣) في م: \"الخلة خلل وخلال\". وفي ت ٢: \"الخلة خلل\".\n(^٤) في م: \"الجلة جلل وجلال\".\n(^٥) في م: \"الخلة خلال\".\n(^٦) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس (٧٩٧) من حديث ابن عباس.","vol":"3","page":606},{"text":"واحدَ الظُّلَلِ (^١) ظُلَّةٌ، وهي الطاقُ، واتِّباعًا لخطِّ المصحفِ، وكذلك الواجبُ في كلِّ ما اتَّفَقت معانيه واخْتَلَفت في قراءتِه القَرأةُ، ولم يكنْ على إحدى القراءتينِ دلالةٌ تَنفَصِلُ بها مِن الأخرى غيرَ اختلافِ خطِّ المصحفِ، فالذي ينبغي أن تُؤْثَرَ قراءتُه منها (^٢) ما وافقَ رسمَ المصحفِ.\nوأمَّا الذي هو أَوْلَى القراءتينِ في: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [بالصوابِ، فالرفعُ] (^٣)، عطفًا بها على اسمِ اللَّهِ، على معنى: هل ينظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ من الغمامِ، وإلَّا أن تأتيَهم الملائكةُ. على ما رُوِي عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ؛ لأن اللَّهَ جل ثناؤُه قد أخبَر في غيرِ موضعٍ مِن كتابِه أن الملائكةَ تأتيهم، فقال جل ثناؤُه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]. وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]. فإن أشْكَل على امرئٍ قولُ اللَّهِ جل ثناؤه: ﴿وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾. فظنَّ أنه مخالفٌ معناه معنى قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾. إذ كان قولُه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ في هذه الآيةِ بلفظِ جمعٍ، وفي الأخرى بلفظِ الواحدِ، فإن ذلك خطأٌ مِن الظَّنِّ (^٤)، وذلك أن الملَكَ في قولِه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ بمعنى الجميعِ ومعنى الملائكةِ، والعربُ تَذْكُرُ الواحدَ بمعنى الجميعِ، فتقولُ: فلانٌ كثيرُ الدرهمِ والدينارِ. يُرادُ به الدراهمُ والدنانيرُ. و: هلَك البعيرُ والشاةُ. بمعنى جماعةِ الإبلِ والشاءِ. فكذلك قولُه: ﴿وَالْمَلَكُ﴾ بمعنى الملائكةِ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الظل\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فالصواب بالرفع\".\n(^٤) في م: \"الظان\".","vol":"3","page":607},{"text":"ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في قولِه: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾. وهل هو مِن صلةِ فعلِ اللَّهِ جل ثناؤه، أوْ مِن صلةِ فعلِ الملائكةِ، ومَن الذي يَأتي فيها؟ فقال بعضُهم: هو مِن صلةِ فعلِ اللَّهِ، ومعناه: هل يَنْظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ من الغمامِ وأن يأتيَهم الملائكةُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾. قال: هو غيرُ السَّحابِ، لم يكنْ إلَّا لبني إسرائيلَ في تِيهِهم حينَ تاهوا، وهو الذي يأتي اللَّهُ فيه يومَ القيامةِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾. قال: يأتيهم اللَّهُ وتأتيهم الملائكةُ عندَ الموتِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال عكرمةُ في قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾. قال: طاقاتٌ مِن الغمامِ، والملائكةُ حولَه. قال ابنُ جُرَيْجٍ: وقال غيرُه: والملائكةُ بالموتِ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٢ (١٩٦١) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٣ (١٩٦٥) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٣ (١٩٦٤) من طريق حجاج به.","vol":"3","page":608},{"text":"وقولُ عكرمةَ هذا وإن كان موافقًا قولَ مَن قال: إن قولَه: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾. مِن صلةِ فعلِ الربِّ ﵎ الذي قد تقدَّم ذكْرُناه، فإنه له مخالِفٌ في صفةِ الملائكةِ، وذلك أن الواجبَ مِن القراءةِ على تأويلِ قولِ عكرمةَ هذا في الملائكةِ الخفضُ؛ لأنه تأوَّلَ الآيةَ: هل يَنْظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ وفي الملائكةِ. لأنه زعَم أن اللَّهَ تعالى يأتي في ظُلَلٍ مِن الغمامِ والملائكةُ حولَه. هذا إن كان وجَّهَ قولَه: والملائكةُ حولَه. إلى أنهم حولَ الغمامِ، وجعَل الهاءَ في \"حولَه\" مِن ذكرِ الغمامِ. وإن كان وجَّه قولَه: والملائكةُ حولَه. إلى أنهم حولَ الربِّ ﵎، وجعَل الهاءَ في قولِه (^١) مِن ذكرِ الربِّ ﷿، فقولُه نظيرُ قولِ الآخَرين الذين قد ذكَرْنا قولَهم، غيرُ مخالفِهم في ذلك.\nوقال آخَرون: بل قولُه: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾. من صلةِ فعلِ الملائكةِ، وإنما تأتي الملائكةُ فيها، فأمَّا الربُ تعالى ذكرُه فإنه يأتي فيما شاء.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثْتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ الآية. قال: ذلك يومَ القيامةِ، تأتيهم الملائكةُ في ظُلَلٍ من الغمامِ. قال: الملائكةُ يجيئون في ظللٍ مِن الغمامِ، والربُّ ﵎ يجيءُ فيما شاء.\nوأوْلى التأويلينِ بالصوابِ في ذلك تأويلُ مَن وجَّه قولَه: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾. إلى أنه مِن صلةِ فعلِ الربِّ، وأن معناه: هل يَنْظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُللٍ مِن الغمامِ وتأتيَهم الملائكةُ؛ لِما حدَّثنا به محمدُ بنُ حُمَيْدٍ الرازيُّ، قال: ثنا\n_________\n(^١) في م: \"حوله\".","vol":"3","page":609},{"text":"إبراهيمُ بنُ المختارِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن زَمْعَةَ بنِ صالحٍ، عن سلَمةَ بنِ وَهْرَامَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: \"إن مِن الغَمامِ طاقاتٍ يأتي اللَّهُ فيها محفوفًا\". وذلك قولُه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ (^١).\nوأمَّا معنى قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ فإنه: ما يَنْظُرون. وقد بيَّنَّا ذلك بعِلَلِه فيما مضَى مِن كتابِنا هذا قبلُ.\nثم اخْتُلِف في صفةِ إتيانِ الربِّ ﵎ الذي ذكَره في قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾. فقال بعضُهم: لا صفةَ لذلك غيرُ الذي وصَف به نفسَه ﷿ مِن المجيءِ والإتيانِ والنزولِ، وغيرُ جائزٍ، تكلُّفُ القولِ في ذلك لأحدٍ إلَّا بخبرٍ مِن اللَّهِ ﷻ، أو مِن رسولٍ مُرسلٍ. فأمَّا القولُ في صفاتِ اللَّهِ وأسمائِه، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ مِن جهةِ الاستخراجِ إلَّا بما ذكَرْنا.\nوقال آخَرون: إتيانُه جلَّ ذكرُه نظيرُ ما يُعْرَفُ مِن مجيءِ الجائي مِن موضعٍ إلى موضعٍ، وانتقالِه مِن مكانٍ إلى مكانٍ.\nوقال آخَرون: معنى قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾. يعني به: هل يَنْظُرونَ إلَّا أن يأتيَهم أمرُ اللَّهِ، كما يقالُ: قد خشِينا أن تأتيَنا بنو أميَّةَ. يُرادُ به: حُكْمُهم.\nوقال آخَرون: بل معنى ذلك: هل يَنْظُرون إلا أن يأتيَهم ثوابُه وحسابُه وعذابُه، كما قال ﷿: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]. وكما يقالُ: قطَع الوالي اللِّصَّ أو ضرَبه. وإنما قطَعه أعوانُه.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٦٠٦.","vol":"3","page":610},{"text":"وقد بيَّنَّا معنى \"الغمامِ\" فيما مضَى مِن كتابِنا هذا قبلُ، فأغْنَى ذلك عن تكريرِه؛ لأن معناه ههنا هو معناه هنالك (^١).\nفمعنى الكلام إِذن: هل ينتظِرُ التاركون الدخولَ في السِّلْمِ كافَّةً، والمُتَّبِعون خُطواتِ الشيطانِ، إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظللٍ من الغمامِ، فيَقْضِيَ في أمرِهم ما هو قاضٍ.\nكما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحاربيُّ، عن إسماعيلَ بنِ رافعٍ المَدَنيِّ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"تُوقَفون مَوْقِفًا واحدًا يومَ القيامةِ مقدارَ سبعين عامًا، لا يُنْظَرُ إليكم، وَلا يُقْضَى بينكم، قد حُصِر عليكم، فتَبْكون حتى يَنْقَطِعَ الدمعُ، ثم تدمَعون دمًا، وتبكون حتى يبلُغَ ذلك منكم الأذقانَ، أو يُلْجِمَكم فتَضِجُّون (^٢)، ثم تقولون: مَن يَشْفَعُ لنا إلى ربِّنا فيَقضِيَ بيننا؟ فيقولون: مَن أحقُّ بذلك مِن أبيكم آدمَ؛ جبَل اللَّهُ تربتَه (^٣)، وخلَقه بيدِه، ونفَخ فيه مِن رُوحِه، وكلَّمه قِبَلًا. فيُؤْتَى آدمُ، فيُطْلَبُ ذلك إليه، فيَأْبَي، ثم يَسْتَقْرِئون الأنبياءَ نبيًّا نبيًّا، كلَّما جاءوا نبيًّا أبَى\". قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"حتى يأتوني، فإذا جاءوني خرَجتُ حتى آتِيَ الفَحْصَ\". قال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللَّهِ، وما الفَحْصُ؟ قال: \"قُدَّامُ العرشِ، فأَخِرَّ ساجدًا، فلا أزالُ ساجدًا حتى يبعثَ اللَّهُ إليَّ مَلَكًا، فيأخُذَ بعَضُدِي فيَرْفَعَني، ثم يقولُ اللَّهُ لي: يا (^٤) محمدُ. فأقولُ: نعم -\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٩٨ وما بعدها.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تصيحون\"، وهي رواية الطبراني.\n(^٣) جبل التربة: خلقها. اللسان (ج ب ل).\n(^٤) سقط من: الأصل.","vol":"3","page":611},{"text":"وهو أعلمُ - فيقولُ: ما شأنُك؟ فأقولُ: يا ربِّ، وعَدتَني الشفاعةَ، فشَفِّعْنِي (^١) في خلقِك فاقضِ بينهم. فيقولُ: قد شفَّعْتُك، أنا آتيكم فأقْضِي بينَكم\". قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"فأَنْصَرِفُ حتى أَقِفَ معَ الناسِ، فبَيْنما (^٢) نحنُ وُقُوفٌ سمِعْنا حسًّا مِن السماءِ شديدًا، فهَالَنا، فنزَل أهلُ السماءِ الدنيا بمِثْلَيْ مَن في الأرضِ مِن الجنِّ والإنسِ، حتى إذا دَنَوْا مِن الأرضِ أشْرَقتِ الأرضُ بنورِهم (^٣)، وأخَذوا مصافَّهم، فقلنا لهم: أفيكم ربُّنا؟ قالوا: لا، وهو آتٍ. ثم نزلَ أهلُ السماءِ الثانيةِ بمِثْلَيْ مَن نزَل مِن الملائكةِ، وبمِثْلَيْ مَن فيها مِن الجنِّ والإنسِ، حتى إذا دَنَوا مِن الأرْضِ أشْرَقت الأرضُ بنورِهم (^٣)، وأخَذوا مَصافَّهم، فقلنا لهم: أفيكم ربُّنا؟ قالُوا: لا، وهو آتٍ. ثم نزَل أهلُ السماءِ الثالثةِ بمِثْلَيْ مَن نزَل مِن الملائكةِ، وبمِثْلَيْ مَن في الأرضِ مِن الجنِّ والإنسِ، حتى إذا دَنَوْا مِن الأرْضِ أشْرَقت الأرضُ بنورِهم، وأخَذوا مَصافَّهم، وقلنا لهم: أَفيكم رُّبنا؟ قالوا: لا، وهو آتٍ. ثم نزَل أهلُ السماواتِ على قدرِ (^٤) ذلك مِن التضعيفِ، حتى نزَل الجبَّارُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ والملائكةُ ولهم زَجَلٌ مِن تسبيحِهم، يقولون: سبحانَ ذي المُلْكِ و(^٥) الملكوتِ، سبحانَ ربِّ العرشِ ذي الجبروتِ، سبحان الحيِّ الذي لا يموتُ، سبحانَ الذي يُمِيتُ الخلائقَ ولا يموتُ، سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكةِ والرُّوحِ، قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، سبحانَ ربِّنا الأعلى، سبحانَ ذي السلطانِ والعظمةِ، سبحانَه أبدًا أبدًا. فيَنْزِلُ ربُّنا ﵎ يَحْمِلُ عرشَه يومئذٍ ثمانيةٌ، وهم اليومَ أربعةٌ؛ أقدامُهم على تُخُومِ الأرضِ\n_________\n(^١) في الأصل، ت ٣: \"تشفعني\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فينا\".\n(^٣) في الأصل: \"لنورهم\". وفي الطبراني: \"بنور ربهم\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عدد\".\n(^٥) في الأصل: \"ذي\".","vol":"3","page":612},{"text":"السفلَى، والسماواتُ إلى حُجَزِهم، والعرشُ على مناكبِهم، فوضَع اللَّهُ ﵎ عرشَه حيثُ شاء مِن الأرضِ، ثم يُنادِي مُنادٍ نداءً يُسْمِعُ الخلائقَ، فيقولُ: يا معشرَ الجنِّ والإنسِ، إني قد أنْصَتُّ منذُ يومِ خلَقتُكم إلى يومِكم هذا، أسمَعُ كلامَكم، وأُبْصِرُ أعمالَكُم، فأَنْصِتوا إليَّ، فإنما هي صُحُفُكم وأعمالُكم تُقْرَأُ عليكم، فمَن وجَد خيرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومَن وجَد غيرَ ذلك فلا يَلُومَنَّ (^١) إلَّا نفسَه. فيَقْضِي اللَّهُ ﵎ بينَ خلقِه الجنِّ والإنسِ والبهائمِ، فإنه لَيُقِيدُ (^٢) يومئذٍ للجمَّاءِ مِن ذَاتِ القَرْنِ\" (^٣).\nوهذا الخبرُ يَدُلُّ على خطإِ قولِ قتادةَ في تأويلِه قولَه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾. أنه معنيٌّ به: و(^٤) الملائكةُ تأتيهم عندَ الموتِ؛ لأنه ﷺ ذكَر أنهم يأتونهم بعدَ قيامِ الساعةِ في موقفِ الحسابِ حينَ تَشَقَّقُ السماءُ.\nوبمثلِ ذلك رُوِي الخبرُ عن جماعةٍ مِن الصحابةِ والتابعين، كرِهنا إطلالةَ الكتابِ بذكرِهم وذكرِ ما قالوا في ذلك.\n_________\n(^١) في الأصل: \"يلوم\".\n(^٢) في م: \"ليقتص\".\n(^٣) إسناده ضعيف، لضعف إسماعيل بن رافع، والحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (٥٥)، وإسحاق بن راهويه - كما في المطالب العالية ٧/ ٥٥٥ (٣٣٠٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٢٨ - ٢٩٣١ (١٦٦٢١)، (١٦٦٢٧ - ١٦٦٢٩)، وأبو يعلى - كما في البداية والنهاية ١٩/ ٣١٠ - والطبراني في الأحاديث الطوال (٣٦)، وأبو موسى المديني - كما في البداية والنهاية - والبيهقي في البعث والنشور (٦٦٩)، وأبو الشيخ في العظمة (٣٨٨، ٣٨٩) من طرق عن إسماعيل بن رافع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٩ إلى عبد بن حميد وعلي بن سعيد في كتاب الطاعة والعصيان وأبي الحسن القطان في المطولات وابن المنذر. وقد اختلف فيه كثيرًا على إسماعيل بن رافع. ينظر الكامل ١/ ٢٧٨، والفتح ١١/ ٣٦٨، والبداية والنهاية ١٩/ ٣١٠ - ٣٢٣.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":613},{"text":"ويُوَضِّحُ أيضًا صحَّةَ ما اخترْنا [مِن القراءةِ في] (^١) قولِه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ بالرفعِ على معنى: وتأتيهم الملائكةُ.\nويُنبِئُ (^٢) عن خطإِ قراءةِ مَن قرَأ ذلك بالخفضِ؛ لأنه أخْبَر ﷺ أن الملائكةَ تأتي أهلَ القيامةِ في موقفِهم حينَ تَفَطَّرُ السماءُ قبلَ أن يأتيَهم ربُّهم في ظُلَلٍ مِن الغمامِ، إلَّا أن يكونَ قارئُ ذلك ذهَب إلى أنه تعالى ذكرُه عنَى بقولِه ذلك: إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ. وفي الملائكةِ الذين يأتون أهلَ الموقفِ حينَ يأتيهم اللَّهُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ. فيكونُ ذلك وجهًا مِن التأويلِ وإن كان بعيدًا مِن قولِ أهلِ العلمِ ودلالةِ الكتاب وآثارِ رسولِ اللَّهِ ﷺ الثابتةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-657>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾.</span>\nيعني جل ثناؤه بذلك: وفُصِل القضاءُ بالعدلِ بينَ الخلقِ، على ما قد ذكَرْنا قبلُ عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ مِن أخذِ الحقِّ لكلِّ مظلومٍ مِن كلِّ ظالمٍ، حتَّى القصاصِ للجمَّاءِ مِن القرناءِ مِن البهائمِ.\nوأمَّا قولُه: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. فإنه يعني: وإلى اللَّهِ يئولُ القضاءُ بينَ خلقِه يومَ القيامةِ والحكمُ بينهم في أمورِهم التي جرَت بينهم في الدنيا، مِن ظلمِ بعضِهم بعضًا، واعتداءِ المعتدِي منهم حدودَ اللَّهِ، وخلافِ أمرِه، وإحسانِ المحسنِ منهم، وطاعتِه إيَّاه فيما أمَره [ونهاه] (^٣)، فيفصلُ بينَ المتظالمين، ويُجازِي أهلَ الإحسانِ بالإحسانِ، وأهلَ الإساءةِ بما رأى، أو (^٤) يتَفَضَّلُ على مَن لم يكنْ منهم\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في قراءة\".\n(^٢) في م: \"يبين\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"به\".\n(^٤) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".","vol":"3","page":614},{"text":"كافرًا به فيعفو. ولذلك قال جل ثناؤه: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. وإن كانت أمورُ الدنيا كلُّها والآخرةِ مِن عندِه مَبْدَؤُها وإليه مصيرُها، إذ كان خلقُه في الدنيا يتظالمون، ويَلِي النظرَ بينهم أحيانًا في الدنيا بعضُ خلقِه، والحكمَ (^١) بينهم بعضُ عبيدِه، فيَجورُ بعضٌ، ويَعْدِلُ بعضٌ، ويُصِيبُ واحدٌ، ويُخْطِئُ آخرُ، ويُمْكِنُ (^٢) تنفيذُ الحكمِ على بعضٍ، ويَتَعذَّرُ ذلك على بعضٍ لمَنَعَةِ جانبِه وغَلَبتِه بالقوةِ.\nفأعْلَم عبادَه تعالى ذكرُه أن مرجعَ ذلك كلِّه إليه في موقفِ القيامةِ، فيُنْصِفُ كُلًّا من كلٍّ، ويُجَازِي حقَّ الجزاءِ كلًّا، حيثُ لا ظُلمَ ولا مُمْتَنَعَ مِن نفوذِ حكمِه عليه، وحيثُ يَسْتوِي الضعيفُ والقويُّ، والفقيرُ والغنيُّ، ويَضْمحِلُّ الظلمُ، ويَنزِلُ سلطانُ العدلِ.\nوإنما أدْخَل - جل وعز - الألفَ واللامَ في \"الأمورِ\"؛ لأنه جل ثناؤُه عنَى بها جميعَ الأمورِ، ولم يَعْنِ بها بعضًا دونَ بعضٍ، فكان ذلك بمعنى قولِ القائلِ: يُعْجِبُني العسلُ. و: البغلُ أقوى مِن الحمارِ. فيُدْخِلُ فيه الألفَ واللامَ؛ لأنه لم يَقْصِدْ به قَصْدَ بعضٍ دونَ بعضٍ، وإنما يُرادُ به العمومُ والجمعُ.\n\n<span id=\"aya-218\"></span><span data-type='title' id=toc-658>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾.</span>\nيعني جل ثناؤُه بذلك: سل يا محمدُ بني إسرائيلَ الذين لا يَنْتظِرون بالإنابةِ إلى طاعتِي والتوبةِ إليَّ بالإقرارِ بنبوتِك وتصديقِك فيما جِئتَهم به مِن عندِي، إلا أن آتيَهم في ظُللٍ مِن الغمامِ وملائكتِي، فأفْصِلَ القضاءَ بينَك وبينَ مَن آمَن بك وصدَّقك بما أنزَلتُ إليك مِن كُتبِي، وفرضْتُ عليك وعليهم مِن شرائعِ دينِي،\n_________\n(^١) في م: \"فيحكم\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".","vol":"3","page":615},{"text":"وبينَهم - كم جِئتُهم به مِن قبلِك مِن آيةٍ وعلامةٍ على ما فرَضتُ عليهم مِن فرائضِي، وأمَرتُهم به مِن طاعتِي، وتابعتُ عليهم مِن حُجَجِي على أيدي أنبيائي ورسلي مِن قبلِك، مؤيِّدةً (^١) لهم على صدقِهم، بيِّنةً أنها مِن عندِي، واضحةً أنها مِن أدلتِي على صدقِ نُذرِي ورسلي فيما افترَضتُ عليهم مِن تصديقِهم وتصديقِك، فكفروا حُججِي، وكذَّبوا رسلي، وغَيَّروا نِعَمِي قبلَهم، وبدَّلوا عهدِي ووصيتي إليهم.\nوأما الآيةُ فقد بيَّنتُ تأويلَها فيما مضَى مِن كتابِنا بما فيه الكفايةُ (^٢)، وهي ههنا ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾: ما ذكَر اللَّهُ في القرآنِ وما لم يذكُرْ، وهم يهودُ (^٣).\nحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾. يقولُ: آتاهم اللَّهُ آياتٍ بيناتٍ؛ عصا موسى، ويدَه، وأقْطَعَهم البحرَ، وأغرَق عدوَّهم وهم ينظُرون، وظلَّلَ عليهم الغَمامَ، وأنزَل عليهم المَنَّ والسَّلْوَى (^٤).\nوذلك مِن آياتِ اللَّهِ التي آتَى بني إسرائيلَ في آياتٍ كثيرةٍ غيرِها، خالَفوا معها أمرَ اللَّهِ، وقتَلوا أنبياءَه ورسلَه، وبدَّلوا عهدَه ووصيتَه إليهم، قال اللَّهُ: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ\n_________\n(^١) في م: \"مريدة\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٩٤ وما بعدها.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"اليهود\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٣، ٣٧٤ (١٩٦٨، ١٩٧٠) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٧٤ عقب الأثر (١٩٦٩) من طريق ابن أبي جعفر به، وأخرجه في (١٩٦٩) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.","vol":"3","page":616},{"text":"نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\nوإنما سلَّى (^١) اللَّهُ نبيَّه محمدًا ﷺ بهذه الآيةِ (^٢)، فأمَره بالصبرِ على مَن كذَّبه واسْتَكبَر على ربِّه، وأخبَره أن ذلك فِعلُ مَن قبلَه مِن سُلَّافِ الأممِ قبلَهم بأنبيائِهم، مع مُظاهرتِه عليهم الحُجَجَ، وأن مَن هو بينَ أظهُرِهم مِن اليهودِ إنما هم مِن بقايا مَن جَرَت عاداتُهم مِمن (^٣) قصَّ عليه قصصَهم مِن بني إسرائيلَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-659>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١)﴾.</span>\nيعني جل ثناؤُه بالنعمةِ (^٤): الإسلامَ وما فرَض مِن شرائعِ دينِه، ويعني بقولِه: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾: ومَن يُغيِّرْ ما عهِد (^٥) اللَّهُ في نعمتِه التي هي الإسلامُ مِن العمل به (^٦) والدخولِ فيه فيَكْفرْ به، فإنه معاقبُه بما أوعَد على الكفرِ به مِن العقوبةِ، واللَّهُ شديدٌ عقابُه، أليمٌ عذابُه.\nفتأويلُ الآيةِ إذن: يا أيها الذين آمنوا بالتوراةِ فصدَّقوا بها، ادْخُلوا في الإسلامِ جميعًا ودَعُوا الكفرَ، وما دعاكم إليه الشيطانُ مِن ضَلالتِه، وقد جاءتكم البيناتُ مِن عندِي بمحمدٍ، وما أظْهَرتُ على يديه لكم من الحُججِ والعِبَرِ، ولا تُبدِّلوا عهدِي إليكم فيه، وفيما جاءكم به مِن عندِي في كتابِكم بأنه نبيِّي ورسولي، فإنه مَن يبدِّلْ ذلك منكم فيُغيِّرْه، فإني له مُعاقبٌ بالأليمِ من العقُوبةِ.\n_________\n(^١) في م: \"ينبئ\".\n(^٢) في م: \"الآيات\".\n(^٣) في الأصل: \"ثم\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بالنعم\".\n(^٥) في م: \"عاهد\".\n(^٦) سقط من: م.","vol":"3","page":617},{"text":"وبمثلِ الذي قُلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾. قال (^١) أهلُ التأويلِ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾. قال: يَكْفرْ بها (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مِثلَه.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾. قال: يقولُ: مَن يُبَدِّلْها كُفرًا (^٣).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾. يقولُ: ومَن يَكْفُرْ نعمتَه مِن بعدِ ما جاءته (^٤).\n\n<span id=\"aya-219\"></span><span data-type='title' id=toc-660>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.</span>\nيعني جل ثناؤُه بذلك: زُيِّنَ للذين كفروا حبُّ الحياةِ [العاجلةِ في الدارِ الدنيا] (^٥)،\n_________\n(^١) بعده في م: \"جماعة من\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٣١. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٤ عقب الأثر (١٩٧١) من طريق عمرو به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٤ عقب الأثر (١٩٧١) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٥) في م: \"الدنيا العاجلة في الذنب\".","vol":"3","page":618},{"text":"فهم يَبْتَغون فيها المُكاثرةَ والمُفاخرةَ، ويَطْلُبون فيها الرياساتِ والمُباهاةَ، ويَسْتكبِرون عن اتِّباعِك يا محمدُ والإقْرارِ بما جئْتَهم (^١) به مِن عندِي؛ تَعظُّمًا منهم على مَن صدَّقك واتَّبعك، ويَسْخرون ممن يَتَّبِعُك مِن أهلِ الإيمانِ والتصديقِ بك، في تركِهم المُكاثرةَ والمُفاخرةَ بالدنيا وزينتِها مِن الرِّياشِ والأموالِ وطلبِ الرياساتِ، وإقبالِهم على طلبِهم ما عندِي برفضِ الدنيا وتَرْكِ زينتِها. والذين عَمِلوا لي وأقْبَلوا على طاعتِي، ورفَضوا لذَّاتِ الدنيا وشهواتِها، اتِّباعًا لك وطلبًا لما عندِي، واتِّقاءً منهم لي بأداءِ فرائضِي وتَجنُّبِ معاصيَّ - فوقَ الذين كفروا يومَ القيامةِ، بإدخالِي المتقين الجنةَ، وإدخالِي الذين كفروا النارَ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك مِن التأويلِ قال جماعةٌ [من أهلِ التأويلِ] (^٢).\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ قولَه: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. قال: الكفارُ يَبْتغون الدنيا ويَطْلُبونها، ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في طلبِهم الآخرةَ. قال ابنُ جريجٍ: و(^٣) لا أحسبُه إلا عن عِكرمةَ، قال: قالوا: لو كان محمدٌ نبيًّا كما يقولُ، لاتَّبَعه أشرافُنا وساداتُنا، واللَّهِ ما اتَّبعَه إلا أهلُ الحاجةِ مِثلُ ابنِ مسعودٍ (^٤).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جئت\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منهم\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٤، ٣٧٥ (١٩٧٣، ١٩٧٥) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج، وليس فيه التصريح بذكر عكرمة بل قال: وقال آخرون، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤٢ إلى ابن المنذر.","vol":"3","page":619},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ﴾. قال: فوقَهم في الجنةِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-661>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤه بذلك: واللَّهُ يُعْطِي الذين اتقَوا يومَ القيامةِ مِن نعمِه وكراماتِه وجزيلِ عطاياه، بغيرِ محاسبةٍ منه له (^٢) على ما منَّ به عليه (^٣) مِن كرامتِه.\nفإن قال لنا قائلٌ: وما في قولِه: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ من المَدْحِ؟\nقيل: المعنى الذي فيه مِن المدحِ، الخبرُ عن أنه غيرُ خائفٍ نَفادَ خَزائنِه، فيحتاجَ إلى حسابِ ما يَخرجُ منها، إذ كان الحسابُ مِن المُعْطِي إنما يكونُ ليَعْلمَ قَدْرَ العطاءِ الذي يَخْرجُ مِن مِلْكِه إلى غيرِه، لئلا يَتجاوزَ في عطاياه إلى ما يُجْحِفُ به، فرَبُّنا تعالى ذكرُه غيرُ خائفٍ نَفادَ خزائنِه، ولا انتقاصَ شيءٍ مِن مِلكِه بعطائِه ما يُعطِي عبادَه، فيحتاجُ إلى حسابِ ما يُعطِي، وإحصاءِ ما يُبقِي، فذلك المعنى الذي في قولِه: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [من المدحِ] (^٤).\n\n<span id=\"aya-220\"></span><span data-type='title' id=toc-662>القولُ في تأويل قولِه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾.</span>\nاختلفَ أهلُ التأويلِ في معنى الأمةِ في هذا الموضعِ، وفي الناسِ الذين وصَفهم\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٥ (١٩٧٦) عن الحسن به.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لهم\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عليهم\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":620},{"text":"اللَّهُ بأنهم كانوا أمَّةً واحدةً؛ فقال بعضُهم: هم الذين كانوا بينَ آدمَ ونوحٍ، وهم عَشَرةُ قرونٍ، كلُّهم كانوا على شريعةٍ مِن الحقِّ، فاختلَفوا بعدَ ذلك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا همامٌ، [عن قتادةَ] (^١)، عن عِكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان بينَ نوحٍ وآدمَ عشَرةُ قرونٍ، كلُّهم على شريعةٍ مِن الحقِّ، فاخْتَلَفوا، فبعَث اللَّهُ النَّبِيينَ مُبَشِّرِين ومُنْذِرين. قال: وكذلك هي في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (كان الناسُ أُمةً واحدةً فاختَلفوا) (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال: كانوا على الهُدَى جميعًا، فاخْتَلفوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾. فكان أولَ نبيٍّ بُعِثَ نوحٌ (^٣).\nفتأويلُ الأُمةِ على هذا القولِ الذي ذَكرناه عن ابنِ عباسٍ، الدِّينُ، كما قال النابغةُ الذُّبْيانيُّ (^٤):\nحَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً … وَهَلْ يَأْثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهْوَ طائِعُ\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"بن منبه\".\n(^٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٤٦ من طريق محمد بن بشار به، وأخرجه البزار (٢١٩٠ - كشف)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٦ (١٩٨٣) من طريق همام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤٢ إلى ابن المنذر.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٢، وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٦ (١٩٨٥) عن الحسن بن يحيى به، وأخرجه أيضًا (١٩٨٧) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.\n(^٤) ديوانه ص ٥١.","vol":"3","page":621},{"text":"يعني ذا الدينِ. فكان تأويلُ الآيةِ على معنى قولِ هؤلاء: كان الناسُ أُمَّةً واحدةً مُجْتمِعةً على مِلةٍ واحدةٍ (^١) ودينٍ واحدٍ، فاخْتَلَفوا، فبعَث اللَّهُ النَّبِيين مُبشِّرين ومُنْذِرين.\nوأصلُ الأُمَّةِ الجماعةُ تَجْتمِعُ على دينٍ واحدٍ، ثم يُكْتفَى بالخبرِ عن الأمةِ مِن الخبرِ عن (^٢) الدينِ؛ لدَلالتِها عليه، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨]. يُرادُ به أهلُ دينٍ واحدٍ وملةٍ واحدةٍ. فوجَّه ابنُ عباسٍ في تَأويلِه قولَه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ إلى أن الناسَ كانوا أهلَ دينٍ واحدٍ حتى اختلَفوا.\nوقال آخرون: بل تأويلُ ذلك: كان آدمُ على الحقِّ إمامًا لذُرِّيتِه، فبعَث اللَّهُ النَّبِيين في ولدِه. ووَجَّهوا معنى الأُمةِ إلى الطاعةِ للَّهِ والدُّعاءِ إلى توحيدِه واتباعِ أمرِه، من قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠]. يعني بقولِه: ﴿أُمَّةً﴾: إمامًا في الخيرِ يُقْتدَى به، ويُتَّبعُ عليه.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال: آدمُ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٣١.\n(^٤) تفسير سفيان ص ٦٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٥ (١٩٨١)، وعزاه السيوطي في =","vol":"3","page":622},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال: آدمُ. قال: كان بينَ آدمَ ونوحٍ عشَرةُ أنبياءَ، فبعَث اللَّهُ النَّبِيين مُبشِّرِين ومُنذرِين، [يقالُ: فنشَر من آدمَ الناسَ، فبعَث فيهم النَّبِيِّينَ مُبشِّرِين ومنذرِين] (^١). قال مجاهدٌ: آدمُ أُمةٌ واحدةٌ.\nوكأن مَن قال هذا القولَ اسْتَجاز تَسْمِيةَ (^٢) الواحدِ باسمِ الجماعةِ، لاجْتماعِ خِلالِ (^٣) الخيرِ التي (^٤) تكونُ في الجماعةِ المتفرقةِ في من سمَّاه بالأُمَّةِ. كما يقالُ: فلانٌ أمةٌ [وحدَه. بمعنى أنه] (^٥) يَقومُ مَقامَ الأُمةِ. وقد يَجوزُ أن يكونَ سمَّاه بذلك؛ لأنه سَببٌ لاجْتماعِ الأشتاتِ (^٦) مِن الناسِ على ما دعاهم إليه من خِلالِ (٣) الخيرِ، فلما كان آدمُ صلى اللَّهُ عليه سببًا لاجتماعِ مَن اجْتَمع على دينِه مِن ولدِه إلى حالِ اخْتِلافِهم، سمَّاه بذلك أُمةً.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: كان الناسُ أُمةً واحدةً على دينٍ واحدٍ، يومَ اسْتخرجَ ذُرِّيةَ آدمَ مِن صلبِه، فعرَضهم على آدمَ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿كَانَ\n_________\n= الدر المنثور ١/ ٢٤٢ إلى وكيع وعبد بن حميد.\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بتسمية\".\n(^٣) في م: \"أخلاق\"، وفي ت ٢: \"خلاف\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذي\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"واحدة\"\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأسباب\".","vol":"3","page":623},{"text":"النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. وعن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بنِ كعبٍ، قال: كانوا أمةً واحدةً، حيثُ عُرِضُوا على آدمَ، ففَطَرهم (^١) اللَّهُ (^٢) يومَئذٍ على الإسلامِ، وأقرُّوا له بالعُبودةِ، وكانوا أُمةً واحدةً مُسْلمِين كلَّهم ثم اخْتلَفوا مِن بعدِ آدمَ، فكان أُبيٌّ يقرَأُ: (كان الناسُ أمةً واحدةً فاختلَفوا فبعَث اللَّهُ النبيين مبشرين ومنذرين) إلى (فيما اختلفوا فيه) وأنّ اللَّهَ إنما بعَث الرسلَ، وأنزَل الكتبَ عندَ الاختلافِ (^٣).\nحدّثني يونُسُ، قالَ: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال: حينَ أخْرَجهم مِن ظهرِ آدمَ، لم يكونوا أُمَّةً واحدةً قَطُّ غيرَ ذلك اليومِ، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾. قال: هذا حين تَفرَّقتِ الأُممُ (^٤).\nوتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ نظيرُ تأويلِ (^٥) مَن قال بقولِ ابنِ عباسٍ، أن الناسَ كانوا على دينٍ واحدٍ فيما بينَ آدمَ ونوحٍ. وقد بيَّنا معناه هنالك، إلا أن الوقتَ الذي كان الناسُ فيه أُمةً واحدةً مُخالفٌ الوقتَ الذي وَقَّتَه ابنُ عباسٍ.\nوقال آخرون بخلافِ ذلك كلِّه، وقالوا: إنما معنى قولِه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: [كان الناسُ أُمةً واحدةً على الكفرِ باللَّهِ] (^٦)، فبَعث اللَّهُ النَّبِيين.\n_________\n(^١) في الأصل: \"فطرهم\".\n(^٢) زيادة من تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٦ (١٩٨٢، ١٩٨٤) من طريق أبي جعفر به.\n(^٤) ينظر تفسير القرطبي ٣/ ٣٠، والبحر المحيط ٢/ ١٣٥.\n(^٥) بعده في م: \"قول\".\n(^٦) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، وفي م: \"على دين واحد\".","vol":"3","page":624},{"text":"ذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبِي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبِي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. يقولُ: [كانوا كفارًا] (^١)، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (^٢).\nوأوْلَى التأويلاتِ في هذه الآيةِ بالصوابِ أن يُقالَ: إن اللَّهَ ﷿ أخْبرَ عبادَه أن الناسَ كانوا أُمةً واحدةً على دينٍ واحدٍ وملةٍ واحدةٍ.\nكما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً﴾. يقولُ: دينًا واحدًا؛ على دينِ آدمَ، فاخْتَلفوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾.\nوكان الدينُ الذي كانوا عليه دينَ الحقِّ، كما قال أُبيُّ بنُ كعبٍ.\nوكما حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: هي في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (اخْتلَفوا [عنه): عن] (^٣) الإسلامِ (^٤).\nقال أبو جعفر: فاختلَفوا في دينِهم، فبعَث اللَّهُ عندَ اختلافِهم في دينِهم النَّبِيينَ مُبشرينَ ومُنذرين، وأنزَل معهم الكتابَ ليحكُمَ بينَ الناسِ فيما اختلَفوا فيه، رحمةً منه جل ذِكْرُه بخلقِه واعتذارًا منه إليهم.\n_________\n(^١) في م: \"كان دينا واحدا\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٦٥ عن العوفي، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٣٧٦ (١٩٨٣) من طريق عكرمة، عن ابن عباس.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيه على\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤٣ إلى المصنف، وابن المنذر.","vol":"3","page":625},{"text":"وقد يجوزُ أن يكونَ ذلك الوقتُ الذي كانوا فيه أمةً واحدةً، مِن عهدِ آدمَ إلى عهدِ نوحٍ ﵉، كما روَى (^١) عِكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، وكما قاله قتادةُ. [وجائزٌ أن يكونَ عنَى اللَّهُ بالأمةِ آدمَ] (^٢). وجائزٌ أن يكونَ كان ذلك حينَ عرَض على آدمَ خلقَه. وجائزٌ أن يكونَ كان ذلك في وقتٍ غيرِ ذلك، ولا دَلالةَ من كتاب اللَّهِ ولا خبرَ تَثْبُتُ به الحجةُ على أيِّ هذه الأوقاتِ كان ذلك. فغيرُ جائزٍ أن نقولَ (^٣) فيه إلا ما قال اللَّهُ ﷿ فيه مِن أن الناسَ كانوا أُمةً واحدةً، فبعَث اللَّهُ فيهم - لمَّا اخْتلَفوا - الأنبياءَ والرسلَ. ولا يَضرُّنا الجهلُ بوقتِ ذلك، كما لا يَنفعُنا العلمُ به؛ إذ لم يَكُنِ العلمُ به للَّهِ طاعةً، غيرَ أنه أيُّ ذلك كان، فإن دليلَ القرآنِ واضحٌ على أن الذين أخْبَر اللَّهُ عنهم أنهم كانوا أُمةً واحدةً، إنما كانوا أُمةً واحدةً على الإيمانِ ودينِ الحقِّ دونَ الكفرِ باللَّهِ والشركِ به، وذلك أن اللَّهَ - جلّ وعزّ - قال في السورةِ التي يُذْكَرُ فيها \"يُونسُ\": ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩]. فتَوعَّد جل ذكرُه على الاختلافِ لا على الاجتماعِ، ولا على كونِهم أمةً واحدةً، ولو كان اجتماعُهم قبلَ الاختلافِ كان على الكفرِ، ثم كان الاختلافُ (^٤) بعدَ ذلك، لم يَكُنْ إلا بانتقالِ بعضِهم إلى الإيمانِ، ولو كان ذلك كذلك، لكان الوَعدُ أوْلَى بحكمتِه جل ثناؤه في ذلك الحالِ مِن الوَعيدِ؛ لأنها حالُ إنابةِ بعضِهم إلى طاعتِه، ومُحالٌ أن يَتوعَّدَ في حالِ التوبةِ والإنابةِ، ويَتركَ ذلك في حالِ اجتماعِ الجميعِ على الكفرِ والشِّركِ.\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"عن\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقول\".\n(^٤) في الأصل: \"اختلاف\".","vol":"3","page":626},{"text":"وأما قولُه: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾. فإنه يعني أنه أرسَل رسلًا يُبشِّرون مَن أطاع اللَّهَ بجزيلِ الثوابِ وكريمِ المآبِ.\nويعني بقولِه: ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾: ينذرون مَن عصَى اللَّهَ فكفَر به بشدةِ العقابِ، وسوءِ الحسابِ، والخُلودِ في النارِ، ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. يعني بذلك: ليَحْكُمَ الكتابُ وهو التوراةُ بينَ الناسِ فيما اخْتلَف المُختلِفون فيه. فأضاف جل ثناؤُه الحُكْمَ إلى الكتابِ، وأنه الذي يَحكُمُ بينَ الناسِ دونَ النَّبِيين والمُرسلين، إذ كان مَن حكَم مِن النَّبِيين والمُرسلين بحُكمٍ (^١)، إنما يَحكُمُ بما دلَّهم عليه الكتابُ الذي أنزَله اللَّهُ ﵎، فكان الكتابُ بدَلالتهِ على ما دلَّ (^٢) على صِحَّتِه من الحُكْمِ، حاكمًا بينَ الناسِ، وإن كان الذي يَفْصِلُ القضاءَ بينَهم به (^٣) غيرَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-663>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.</span>\nيعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾: وما اخْتَلَف في الكتابِ الذي أنزَله وهو التوراةُ، ﴿إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾، يعني بذلك اليهودَ مِن بني إسرائيلَ، وهم الذين أوتوا التوراةَ والعلمَ بها. والهاءُ في قولِه: ﴿فِيهِ﴾ (^٤). عائدةٌ على الكتابِ الذي أنزلَه اللَّهُ، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. يعني بذلك: مِن بعدِ ما جاءتهم حججُ اللَّهِ وأدلتُه أن الكتابَ الذي اخْتلَفوا فيه وفي أحكامِه مِن عندِ اللَّهِ، وأنه الحقُّ\n_________\n(^١) في الأصل: \"يحكم\".\n(^٢) بعده في م: \"وصفه\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م: \"أوتوه\".","vol":"3","page":627},{"text":"الذي لا يَسَعُهم الاختلافُ فيه، ولا العملُ بخلافِ ما فيه. فأخبر تعالى ذِكْرُه عن اليهودِ مِن بني إسرائيلَ أنهم خالَفوا حكمَ (^١) التوراةِ، واخْتلَفوا فيه على علمٍ منهم بخطإٍ (^٢) ما يَأتُون، مُتَعمدِين الخلافَ على اللَّهِ فيما خالَفوه فيه مِن أمرِه و(^٣) حكمِ كتابِه.\nثم أخْبَر جل ثناؤُه أن تَعمُّدَهم الخطيئةَ التي أتَوها (^٤)، ورُكوبَهم المعصيةَ التي رَكِبُوها مِن خِلافِهم أمرَه، إنما كان منهم بغيًا بينَهم.\nوالبغيُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: بَغَى فلانٌ على فلانٍ بغيًا. إذا طَغَى واعتدَى عليه فجاوز حدَّه، ومِن ذلك قيلَ للجُرحِ إذا [اشتدَّ وتورَّم: بغَى يبغِي بَغْيًا] (^٥)، وللبحرِ إذا كَثُرَ ماؤُه ففاضَ، وللسحابِ إذا وقَع بأرضٍ فأخْصَبت: بغَى. كلُّ ذلك بمعنًى واحدٍ، وهي زيادتُه وتجاوُزُه حدَّه. فمعنَى قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. مِن ذلك، يقولُ: لم يَكُنِ اختلافُ هؤلاءِ المُختلِفين مِن اليهودِ مِن بني إسرائيلَ في كتابي الذي أنزَلتُه مع نبيٍّ عن جهلٍ منهم به، بل كان اختلافُهم فيه وخلافُ حُكمِه مِن بعدِ ما ثَبَت حجتُه عليهم بغيًا بينهم، طَلَبَ الرياسةِ مِن بعضِهم على بعضٍ، واستذلالًا مِن بعضِهم لبعضٍ.\nكما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن\n_________\n(^١) في م: \"الكتاب\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٣: \"أنزلها\".\n(^٥) في م: \"أمد\".","vol":"3","page":628},{"text":"الربيعِ، قال: ثم رجَع إلى بني إسرائيلَ في قولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾. يقولُ: إلا الذين أوتوا الكتابَ والعلمَ، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: بغيًا على الدنيا، وطَلَبَ مُلْكِها وزُخْرفِها وزينتِها، أيُّهم يكونُ له الملكُ والمَهابةُ في الناسِ، فبغَى بعضُهم على بعضٍ، [وضرَب] (^١) بعضُهم رقابَ بعضٍ (^٢).\nثم اخْتلَف أهلُ العربيةِ في ﴿مِنْ﴾ التي في قولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ما حكمُها ومعناها؟ وما المعنى [المستثْنى من] (^٣) قولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾؟ فقال بعضُهم: المستثنى (^٤) مِن ذلك الذين (^٥) أوتوا الكتابَ، وما بعدَه صلةٌ له. غيرَ أنه زعَم أن معنى الكلامِ: وما اخْتَلف فيه إلا الذين أُوتوه بغيًا بينهم مِن بعدِ ما جاءتهم البيناتُ.\nوقد أنكَر ذلك بعضُهم فقال: لا مَعْنَى لما قال هذا القائلُ، ولا لتَقْديمِ البَغْيِ قبلَ ﴿مِنْ﴾؛ لأن ﴿مِنْ﴾ إن (^٦) كان الجالِبُ لها البَغْيَ، فخطأٌ أن يتقدَّمَه (^٧)؛ لأن البغيَ مَصْدرٌ، ولا تَتقدَّمُ صلةُ المَصدرِ عليه. وزعَم منكِرُ ذلك أن ﴿الَّذِينَ﴾ مُسْتَثْنًى،\n_________\n(^١) في الأصل: \"يضرب\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٧ (١٩٩٠، ١٩٩١) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب.\n(^٣) في م: \"المنتسق في\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في م: \"للذين\".\n(^٦) في م: \"إذا\".\n(^٧) في م: \"تتقدمه\".","vol":"3","page":629},{"text":"وأن ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. مُسْتَثنًى، [وأن ﴿بَغْيًا﴾ مستثنًى، وأن كلَّ حرفٍ من ذلك مستثنًى باستثناءٍ غيرِ الاستثناءِ الآخرِ] (^١)، وأن تأويلَ الكلامِ: وما اخْتَلَف فيه إلَّا الذين أُوتُوه، ما اخْتلَفوا فيه إلا بغيًا، ما اختلفوا فيه (^٢) إلا مِن بعدِ ما جاءتهم البيناتُ. فكأنه كرَّر الكلامَ توكيدًا.\nوهذا القولُ الثاني أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأن القومَ لم يَخْتلِفوا إلا مِن بعدِ قيامِ الحجةِ عليهم ومجيءِ البيناتِ مِن عندِ اللَّهِ، وكذلك لم يختلِفوا إلا بغيًا. فذلك أشْبَهُ بتأويلِ الآيةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-664>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾.</span>\nيعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿فَهَدَى اللَّهُ﴾: فوفَّق اللَّهُ الذين آمنُوا - وهم أهلُ الإيمانِ باللَّهِ وبرسولِه محمدٍ ﷺ المُصدِّقين به وبما جاء به أنه مِن عندِ اللَّهِ - لما اخْتَلَف الذين أوتوا الكتابَ فيه. وكان اختِلافُهم الذي خذَلهم اللَّهُ فيه، وهدَى له الذين آمنوا بمحمدٍ ﷺ، فوفَّقهم لإصابتهِ، الجُمُعةَ؛ ضَلُّوا عنها وقد فُرضَتْ عليهم كالذي فُرضَ علينا، فجعَلوها السبتَ، فقال ﷺ: \"نحن الآخِرُون السَّابِقون، بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِنا، وأُوتِيناه مِن بعدِهم، وهذا (^٣) اليومُ الذي اخْتَلَفوا فيه، فهدانا اللَّهُ له، فلليهودِ غدًا، وللنصارَى بعدَ غدٍ\".\nحدَّثنا بذلك [ابنُ حُميدٍ] (^٤)، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن عياضِ بنِ\n_________\n(^١) سقط من ت ١، ت ٢، ت ٣، وفي م: \"باستثناء آخر\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هو\".\n(^٤) في م: \"أحمد بن حميد\"، وفي ت ١: \"حمد بن حميد\".","vol":"3","page":630},{"text":"دينارٍ الليثىِّ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال أبو القاسمِ ﷺ. فذكَر الحديثَ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمرٌ، عن الأعْمَشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى هريرةَ: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾. قال: قال النبىُّ ﷺ: \"نحن الآخِرون الأوَّلون يومَ القيامةِ، نحن أولُ الناسِ دُخولًا الجنةَ، بَيْدَ أنهم أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِنا، وأُوتيناه مِن بعدِهم، فهدانا اللهُ لما اخْتَلَفوا فيه مِن الحقِّ بإذنِه، فهذا اليومُ الذى هدانا اللهُ له، والناسُ لنا فيه تَبَعٌ، غدًا لليهودِ، وبعدَ غدٍ للنصارى\" (^٢).\nوكان مما اخْتلَفوا فيه أيضًا ما قاله ابنُ زيدٍ، وهو ما حدَّثنى به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. للإسلامِ، واختلفوا في الصلاةِ، فمنهم مَن يُصَلِّى إلى المشرقِ، ومنهم مَن يُصلِّى إلى بيتِ المقدسِ، فهدانا اللهُ للقِبْلةِ. واخْتلَفوا في الصيامِ، فمنهم مَن يَصومُ بعضَ يومٍ، وبعضُهم بعضَ ليلةٍ، وهدانا اللهُ له. واخْتلَفوا في يومِ الجُمعةِ، فأخَذت اليهودُ السبتَ وأخَذت النصارَى الأحدَ، فهدانا اللَّهُ له. واخْتلَفوا في إبراهيمَ، فقالت اليهودُ: كان يهوديًّا. وقالت النصارى: كان نصرانيًّا.\n_________\n(^١) أخرجه الحميدى (٩٥٤، ٩٥٥)، وأحمد ١٢/ ٢٦٠، ٣٦١ (٧٣١٠، ٧٣٩٩)، والبخارى (٢٣٨، ٨٧٦، ٢٩٥٦، ٦٨٨٧، ٧٤٩٥)، ومسلم (٨٥٥)، وأبو يعلى (٧٢٦٩)، والنسائى (١٣٦٦)، وابن خزيمة (١٧٢٠)، والبيهقى ٣/ ١٧٠، ١٧١ من طريق الأعرج وطاوس، عن أبى هريرة.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٢، ومن طريقه أحمد ١٣/ ١٣٥ (٧٧٠٦)، ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٧ (١٩٩٢)، وأخرجه أحمد ١٢/ ٣٦٣ (٧٤٠١)، ومسلم (٨٥٥) من طرق عن الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤٢ إلى ابن المنذر.","vol":"3","page":631},{"text":"فبَرَّأه اللهُ مِن ذلك، وجعَله حنيفًا مسلمًا، [فهدَى اللهُ أمةَ محمدٍ ﷺ للحقِّ من ذلك، وقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا] (^١) وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] الذين يدَّعونه مِن أهلِ الشركِ. واخْتَلفوا في عيسى، فجعَلته اليهودُ لفِريةٍ، وجعلَته النصارى ربًّا، فهدانا اللهُ للحقِّ فيه. فهذا الذى قال اللهُ: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ (^٢).\nقَال (^٣): فكانت هدايةُ اللهِ جل ثناؤُه الذين آمنوا بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به لِما اخْتَلف هؤلاء الأحزابُ مِن بني إسرائيلَ الذين أوتُوا الكتابَ فيه مِن الحقِّ بإِذنِه، أن وَفَّقهم لإصابةِ ما كان عليه مِن الحقِّ مَن كان قبلَ المُختلِفين الذين وصَف اللهُ صِفتَهم في هذه الآيةِ إذ كانوا أُمَّةً واحدةً، وذلك هو دينُ إبراهيمَ الحَنيفِ المسلمِ خليلِ الرحمنِ، فصاروا بذلك أُمةً واحدةً (^٤) وسطًا، كما وصفَهم به ربُّهم، ليكونوا شهداءَ على الناسِ.\nكما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: فهداهم اللهُ عندَ الاختلافِ، أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسلُ قبلَ الاختلافِ، أقاموا على الإخلاصِ لِلَّهِ وحدَه وعبادتِه لا شريكَ له، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، فأقاموا على الأمرِ الأولِ الذى كان قبلَ الاختلافِ، واعْتَزلوا الاختلافَ وكانوا شهداءَ على الناسِ يومَ القيامةِ؛ كانوا شهداءَ على قومِ نوحٍ، وقومِ هودٍ، وقومِ صالحٍ،\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٨ (١٩٩٤) من طريق يونس، عن ابن وهب عن ابن زيد، عن أبيه.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":632},{"text":"وقومِ شعيبٍ، وآلِ فرعونَ، أن رُسُلَهم قد بَلَّغوهم، وأنهم كذَّبوا رسلَهم (^١). وهى في (^٢) قراءةِ أُبَىِّ بنِ كعبٍ: [وليكونوا] (^٣) شهداءَ على الناسِ يومَ القيامةِ واللهُ يَهْدِى مَن يشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ). فكان أبو العاليةِ يقولُ: في هذه الآيةِ المَخْرجُ مِن الشُّبُهاتِ والضلالاتِ والفتنِ (^٤).\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. يقولُ: اختَلف الكفارُ فيه، فهدَى اللهُ الذين آمنوا للحقِّ مِن ذلك. وهى في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (فهدَى اللهُ الذين آمنوا لِما اختلَفوا [عنه): عنْ] (^٥) الإسلامِ (^٦).\nوأما قولُه: ﴿بِإِذْنِهِ﴾. فإنه يعنى جل ثناؤه: بعلمِه [بهم لِما] (^٧) هداهم له.\nوقد بيَّنَّا معنى الإذنِ إذا (^٨) كان بمعنى العلمِ في غيرِ هذا الموضعِ، بما أغنى عن إعادتِه ههنا (^٩).\nوأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فإنه يعنى به: واللهُ يُسَدِّدُ مَن يَشاءُ مِن خلقِه، فيُرشدُه إلى الطريقِ القويمِ، على الحقِّ الذى لا اعوجاجَ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٦٥ عن الربيع، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٨ (١٩٩٣) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية، عن أبى.\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) في م: \"لتكونوا\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٨ (١٩٩٥) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.\n(^٥) في م: \"فيه على\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيه عن\".\n(^٦) ينظر ما تقدم في ص ٦١١.\n(^٧) في م، ت ١: \"بما\".\n(^٨) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إذ\".\n(^٩) ينظر ما تقدم في ٢/ ٣٦٠.","vol":"3","page":633},{"text":"فيه، كما هدَى الذين آمنوا بمحمدٍ ﷺ لما اخْتَلَف الذين أوتوا الكتابَ فيه بغيًا بينَهم، فسدَّدهم لإصابةِ الحقِّ والصوابِ فيه.\nوفى هذه الآيةِ البيانُ الواضحُ على صحةِ ما قاله أهلُ الحقِّ مِن أن كلَّ نعمةٍ على العبادِ في دينِهم أو دنياهم، فمِن اللهِ.\nفإن قال لنا قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. أهداهم للحقِّ أم هداهم للاختلافِ؟ فإن كان هداهم للاختلافِ فإنما أضلَّهم، وإن كان هداهم للحقِّ فكيف قيلَ: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؟\nقيل: إن ذلك على غيرِ الوجهِ الذى ذهَبْتَ إليه، وإنما معنى ذلك: فهدى اللهُ الذين آمنوا للحقِّ مما (^١) اختلف فيه مِن كتابِ اللهِ الذين أُوتوه، فكفَر بتَبْديلِه بعضُهم، وثبَت على الحقِّ والصوابِ فيه بعضُهم، وهم أهلُ التوراةِ الذين بدَّلوها، فهدَى اللهُ للحقِّ مما بدَّلوا وحرَّفوا الذين آمنوا مِن أمةِ محمدٍ ﷺ.\nقال أبو جعفرٍ: فإن أشْكَل ما قُلْنا على ذى غَفْلةٍ، فقال: وكيف يَجوزُ أن يكونَ ذلك كما قُلْتَ، و﴿مِنَ﴾ إنما هي في كتابِ اللهِ في ﴿الْحَقِّ﴾، واللامُ في قولِه: ﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، وأنت مُحوِّلٌ اللامَ في ﴿الْحَقِّ﴾، و﴿مِنَ﴾ في \"الاختلافِ\"، في التأويلِ الذى تَتأولُه فتجعلُه مقلوبًا؟\nقيل: ذلك في كلامِ العربِ موجودٌ مُسْتَفيضٌ، واللهُ ﵎ إنما خاطَبهم بمَنْطقِهم، فمِن ذلك قولُ الشاعر (^٢):\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيما\".\n(^٢) تقدم في ص ٤٨.","vol":"3","page":634},{"text":"كانَتْ فَريضَةُ ما تَقُولُ كما … كانَ الزِّناءُ فَرِيضةَ الرَّجمِ\nوإنما الرجمُ فريضةُ الزِّناء، وكما قال الآخرُ (^١):\nإنَّ سِرَاجًا لكرِيمٌ مَفْخَرُهْ … تَحْلَى (^٢) به العَينُ إذا ما تجْهَرُهْ\nوإنما السِّراجُ الذى يَحْلَى (^٢) بالعين، لا العينُ بالسراجِ (^٣).\nوقد قال بعضُهم: إن معنى قولِه: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ﴾ أن أهلَ الكتبِ الأولِ اختلَفوا، فكفَر بعضُهم بكتابِ بعضٍ، وهي كلٌّ (^٤) مِن عندِ اللهِ، فهدَى اللهُ أهلَ الإيمانِ بمحمدٍ ﷺ للتصديقِ بجميعِها. وذلك قولٌ، غيرَ أن الأولَ أصحُّ القولين؛ لأن اللهَ إنما أخبَر باختلافِهم في كتابٍ واحدٍ.\n\n<span id=\"aya-221\"></span><span data-type='title' id=toc-665>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾.</span>\nأما قولُه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾. فإنه (^٥) اسْتَفهم بـ \"أَمْ\" في ابتداءٍ لم يَتقدَّمْه حَرْفُ اسْتِفهامٍ، لسُبوقِ (^٦) كلامٍ هو به مُتصِلٌ، ولو لم يَكُنْ قبلَه كلامٌ يكونُ به متصلًا وكان ابتداءً، لم يكن إلا بحرفٍ مِن حروفِ الاستفهامِ؛ لأن قائلًا لو كان قال مبتدِئًا كلامًا لآخرَ: أم عندَك أخوك. لكان قائلًا ما لا معنى له، ولكن لو قال: أنت رجلٌ\n_________\n(^١) في الأصل: \"الراجز\". وتقدم البيت في ص ٤٨.\n(^٢) في الأصل: \"تجلا\"\n(^٣) في م: \"بسراج\".\n(^٤) في: \"كلها\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كأنه\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لمسبوق\".","vol":"3","page":635},{"text":"مُدِلٌّ بقُوتِك أم عندَك أخوك ينصُرُك. كان مُصِيبًا.\nوقد بيَّنا بعضَ هذا المعنى فيما مضَى مِن كتابِنا هذا بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه (^١).\nفمعنى الكلامِ: أحسِبتم أنكم أيُّها المؤمنون باللهِ ورسولِه (^٢) تَدْخلون الجنةَ ولم يُصِبْكم مِثْلُ ما أصاب مَن قبلَكم مِن أتباعِ الأنبياءِ والرسلِ مِن الشدائدِ والمحنِ والاخْتبارِ، فتُبْتَلُوا بما ابْتُلوا واخْتُبِروا به مِن البأساءِ، وهي شدَّةُ الحاجةِ والفاقةِ، والضراءِ، وهى العِلَلُ والأوصابُ، ولم تُزلزَلوا زلزالَهم. يعني: ولم يُصِبْهم مِن أعدائِهم مِن الخوفِ والرُّعْبِ شِدةٌ وجَهدٌ شديدٌ حتى يَسْتبطئَ القومُ نصرَ اللهِ إياهم، فيقولوا: متى اللهُ ناصرُنا. ثم أخبَرهم اللهُ أن نصرَه منهم قريبٌ، وأنه مُعْلِيهم على عدوِّهم، ومُظْهِرُهم عليه، فنجَز (^٣) لهم ما وعدَهم، وأعْلَى كلمتَهم، وأطفأ نارَ حربِ الذين كفروا.\nوهذه الآيةُ -فيما يَزْعُمُ أهلُ التأويلِ- نزَلت يومَ الخندقِ، حين لَقِى المؤمنون ما لَقُوا مِن شِدَّةِ الجَهْدِ، مِن خوفِ الأحزابِ، وشدةِ أذى البردِ، وضيقِ العَيْشِ الذي كانوا فيه يومئذٍ، يقول اللهُ جل وعز للمؤمنين مِن أصحابِ رسولِه ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٩ - ١١].\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٤١٢، ٤١٣، ٥٨٥، ومعاني القرآن للفراء ١/ ١٣٢.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رسله\".\n(^٣) في الأصل: \"فينجز\".","vol":"3","page":636},{"text":"<span data-type='title' id=toc-666>ذِكْرُ مَن قال: نزَلت هذه الآيةُ يومَ الخندقِ </span>(^١)\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾. قال: أصابهم (^٢) هذا يومَ الأحزابِ، حتى (^٣) قال قائلُهم: ﴿مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (^٤) [الأحزاب: ١٢].\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾. قال: نزَلت في يومِ الأحزابِ، أصابَ رسولَ اللهِ ﷺ وأصحابَه بلاءٌ وحصْرٌ، فكانوا كما قال اللهُ جل وعز: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ (^٥) [الأحزاب: ١٠].\nوأما قولُه: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾. فإن عامةَ أهلِ العربيةِ يَتأوَّلونه بمعنى: ولم يَأْتِكمْ. ويَزْعُمون أن \"ما\" صِلَةٌ وحَشْوٌ.\nوقد بَيَّنْتُ القولَ في \"ما\" التى تُسَمِّيها أهلُ العربيةِ صِلةً، ما حُكْمُها، في غيرِ هذا الموضعِ بما أغْنَى عن إعادتِه (^٦).\nوأما معنى قولِه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. فإنه يعنى: شَبَهُ الذين خَلَوا فمضَوا قبلَكم.\n_________\n(^١) في م: \"الأحزاب\".\n(^٢) في م: \"نزل\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نزلت\".\n(^٣) في م: \"حين\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٨٠ (٢٠٠٤) من طريق عمرو به.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤٣ إلى ابن المنذر.\n(^٦) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٢٩، ٤٣٠، ٢/ ٢٣٤، ٢٣٥.","vol":"3","page":637},{"text":"وقد دَلَّلتُ في غيرِ هذا الموضعِ على أن المَثَلَ الشَّبَهُ (^١)\nوبنحوِ الذى قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾. [إلى قولِه: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾. قال: يقولُ: أم حسِبتم أن تدخُلوا الجنةَ ولما تُبتَلُوا، يقولُ: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. يقولُ: سُننُ الذين من قبلِكم، ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾] (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن عبدِ الملكِ بنِ جُرَيجٍ، قال قولَه: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾. قال: هو خيرُهم وأعلمُهم باللهِ.\nوفي قولِه: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ وجهان مِن القراءةِ؛ الرفعُ، والنصبُ (^٣). فمَن رفَع يقولُ، فإنه لمّا كان يَحْسُنُ في موضعِه \"فعَل\" (^٤) بطَل (^٥) عملُ \"حتى\" فيها، لأن \"حتى\" غيرُ عاملةٍ في \"فعل\"، وإنما تَعْملُ في \"يفعل\"، وإذا تَقدَّمها \"فعل\"، وكان الذي بعدَها \"يفعل\"، وهو مما قد فُعِلَ وفُرِغَ منه، وكان ما قبلَها مِن الفعلِ غيرَ مُتطاولٍ، فالفصيحُ مِن كلامِ العربِ حينئذٍ الرفعُ في \"يفعل\"، وإبطالُ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٢٨ وما بعدها.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٩ (١٩٩٨) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) بالرفع قرأ نافع وحده، وقرأ الباقون بالنصب. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٨١.\n(^٤) أى: صيغة الماضي.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبطل\".","vol":"3","page":638},{"text":"عملِ \"حتى\" عنه، وذلك كقولِ القائلِ: قُمْتُ إلى فلانٍ حتى أضربُه. فالرفعُ هو الكلامُ الصحيحُ في \"أضربُه\"، إذا أراد: قُمْتُ إليه حتى ضَربتُه. إذا كان الضربُ قد كان وفُرِغَ منه، وكان القيامُ غيرَ مُتَطاولِ المُدةِ. فأما إذا كان ما قبلَ \"حتى\" مِن الفعلِ على لفظِ \"فعَل\" متَطاولَ المُدةِ، وما بعدَها مِن الفعلِ على لفظٍ غيرِ مُنْقَضٍ، فالصحيحُ مِن الكلامِ نَصْبُ \"يفعل\" وإعمالُ \"حتى\"، وذلك نحوُ قولِ القائلِ: ما زال فلانٌ يَطْلُبُك حتى يُكَلِّمَك، وجعَل يَنظُرُ إليك حتى يُثْبتَك. فالصحيحُ (^١) مِن الكلامِ الذي لا يَصِحُّ غيرُه النَّصْبُ بـ \"حتى\"، كما قال الشاعرُ (^٢):\nمَطَوْتُ بِهِمْ حتى تَكِلَّ مَطِيُّهُمْ … وحتى الجيادُ ما يُقَدْنَ بأرْسانِ\nفنَصَب \"تَكِلَّ\" والفعلُ الذي بعد \"حتى\" ماضٍ، لأن الذي قبلَها مِن المَطْوِ مُتَطاوِلٌ.\nوالصحيحُ مِن القراءةِ (^٣) -إذ كان ذلك كذلك-: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾. بنَصْبِ (^٤) ﴿يَقُولَ﴾، إذ كانت الزَّلزلةُ فِعلًا مُتطاوِلًا، مِثْلَ المَطْوِ بالإبلِ، وإنما الزَّلزلةُ في هذا الوضعِ الخوفُ مِن العدوِّ، لا زلزلةُ الأرضِ، فلذلك كانت مُتطاولةً، وكان إلنصبُ في ﴿يَقُولَ﴾، وإن كان بمعنى \"فعل\"، أفْصَحَ وأصحَّ مِن الرفعِ فيه.\n\n<span id=\"aya-222\"></span><span data-type='title' id=toc-667>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ</span>\n_________\n(^١) في الأصل: \"فالفصيح\".\n(^٢) هو امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص ٩٣.\n(^٣) والقراءتان كلتاهما صواب مقروء بهما.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نصب\".","vol":"3","page":639},{"text":"عَلِيمٌ (٢١٥)﴾\nيعنى جل ثناؤُه بذلك: يسألُك أصحابُك يا محمدُ، أيُّ شيءٍ يُنْفقون مِن أموالِهم فيتَصدقون به، وعلى مَن يُنْفِقونه، و(^١) فيما يُنْفقون ويَتَصدقون به؟ فقُلْ لهم: ما أنْفَقتم مِن أموالِكم وتَصدَّقتم به فأنْفِقُوه وتَصدَّقوا به واجعَلوه لآبائِكم وأمهاتِكم وأقْرَبِيكم، ولليتامى منكم والمساكينِ وابنِ السبيلِ، فإنكم ما تَأْتوا مِن خيرٍ وتَصْنعوه إليهم، فإن اللهَ به عليمٌ، وهو مُحْصِيه لكم حتى يُوفيَكم أجورَكم عليه يومَ القيامةِ، ويُثيبَكم على ما أطَعْتموه [باحتسابِكم في نفقتِكم عليهم] (^٢).\nوالخيرُ الذى قال جل ثناؤُه في قولِه: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾. هو المالُ الذى سأل رسولَ الله ﷺ أصحابُه عن (^٣) النفقةِ منه، فأجابهم اللهُ ﵎ عنه بما أجابَهم به في هذه الآيةِ.\nوفى قولِه: ﴿مَاذَا﴾ وجهان مِن الإعرابِ، أحدُهما، أن يكونَ ﴿مَاذَا﴾ بمعنى: أيَّ شيءٍ؟ فيكونَ نصبًا بقولِه: ﴿يُنْفِقُونَ﴾. فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: يسألونك أيَّ شيءٍ يُنْفِقون؟ ولا يُنْصَبُ بـ ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾.\nوالآخرُ منهما، الرفعُ. وللرفعِ في ذلك وجهان؛ أحدُهما، أن يكونَ \"ذا\" الذى مع \"ما\" بمعنى الذي، فُترفَعُ \"ما\" بـ \"ذا\"، و\"ذا\" بـ \"ما\"، و\"يُنْفِقون\" مِن صلةِ \"ذا\"، فإن العربَ قد تَصِلُ \"ذا\" و\"هذا\"، كما قال الشاعرُ (^٤):\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بإحسانكم عليه\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٤) هو يزيد بن مفرغ الحميري، والبيت في معاني القرآن للفراء ١/ ١٣٨، والأغاني ١٨/ ٢٧٠، واللسان (ع د س).","vol":"3","page":640},{"text":"عَدَسْ (^١)! ما لِعَبَّادٍ عليكِ إمارَةٌ … أمِنْتِ وهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ\nفـ \"تحملين\" مِن صلةِ \"هذا\". فيكونُ تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: يَسْألونك ما الذى يُنْفِقون.\nوالآخرُ مِن وَجْهَىِ الرفع، أن تَكونَ ﴿مَاذَا﴾ بمعنى: أىُّ شيءٍ؟ فيُرفَعَ ﴿مَاذَا﴾ وإن كان قولُه: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ واقعًا عليه، إذ كان العاملُ فيه وهو ﴿يُنْفِقُونَ﴾ لا يَصْلُحُ تَقديمُه قبلَه، وذلك أن الاستفهامَ لا يجوزُ تَقْديمُ الفعلِ فيه قبلَ حرفِ الاستفهامِ، كما قال الشاعرُ (^٢):\nألا تَسْألانِ المَرْءَ ماذا يُحاوِلُ … أنَحْبٌ (^٣) فيُقْضَى أم ضلالٌ وباطلُ\nوكما قال الآخرُ (^٤):\nوقالوا تَعَرَّفْها المنَازِلَ مِن مِنًى … وما كُلُّ مَنْ يَغْشَى (^٥) مِنًى أنا عارفُ\nفرفَع \"كل\" ولم يَنْصِبْه بـ \"عارف\"، إذ كان معنى قولِه: وما كلُّ مَن يَغْشَى مِنًى أنا عارفٌ. جحودَ معرفةِ مَن يَغْشَى منًى، فصار في معنى: ما أحدٌ.\nوهذه الآيةُ فيما ذُكِر نزَلت قبلَ أن يَفْرِضَ اللهُ [الزكاةَ في] (^٦) الأموالِ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) عدس: زجر البغال في الأصل، وعدس أيضا: اسم للبغل، سموه بتسمية الزجر وسببه. التاج (ع د س).\n(^٢) هو لبيد بن ربيعة، والبيت في شرح ديوانه ص ٢٥٤.\n(^٣) النحب: النذر. التاج (ن ح ب).\n(^٤) هو مزاحم العقيلي، شعر مزاحم العقيلي ص ١٠٥.\n(^٥) في شعر مزاحم العقيلي: \"وافى\".\n(^٦) في م: \"زكاة\".","vol":"3","page":641},{"text":"السديِّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. قال: يومَ نزَلت هذه الآيةُ لم تَكُنْ زكاةٌ، و(^١) هى النفقةُ يُنفِقُها الرجلُ على أهلِه، والصدقةُ يَتَصدَّقُ بها، فنَسَختها الزكاةُ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: سأل المؤمنون رسولَ اللهِ ﷺ أين يَضَعون أموالَهم، فنزَلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. فذلك النفقةُ في التطوُّعِ، والزكاةُ سِوى ذلك كلِّه (^٣).\nقال: وقال مجاهدٌ: سألوا فأفتاهم في ذلك: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. وما ذُكِرَ معهما (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، قال: سمِعت ابنَ أبي نجيحٍ في قولِ اللهِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾. قال: سألوه فأفتاهم في ذلك: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ وما ذُكِرَ معهما (^٤).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ وسألتُه عن قولِه: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. قال: هذا (^٥) مِن النوافلِ. قال (^٦): يقولُ: هم أحقُّ بفضلِك مِن غيرِهم.\n_________\n(^١) في م: \"وإنما\".\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٣٨١ (٢٠١٠) من طريق عمرو به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤٣ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) سقط من: الأصل.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٨١ (٢٠٠٨) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٥) في الأصل: \"هذه\".\n(^٦) سقط من: الأصل.","vol":"3","page":642},{"text":"وهذا الذى قاله السُّدِّيُّ مِن أنه لم تَكُنْ يومَ نزَلَت هذه الآيةُ زكاةٌ، وإنما كانَت نفقةٌ (^١) يُنْفِقُها الرجلُ على أهلِه، وصدقةٌ يَتَصَدَّقُ بها، ثم نسَخَتْها الزكاةُ -قولٌ مُمكِنٌ أن يَكونَ كما قال، ومُمْكِنٌ غيرُه، ولا دَلالةَ في الآيةِ على صحةِ ما قال؛ لأنه ممكنٌ أن يَكونَ قولُه: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية. حَثًّا مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه على الإنفاقِ على مَن كانت نفقتُه غيرَ واجبةٍ مِن الآباءِ والأمهاتِ والأقْرباءِ، ومَن سمَّى معهم في هذه الآيةِ، وتَعْرِيفًا مِن اللهِ عبادَه مَواضعَ الفضلِ التى تُصْرَفُ فيها النَّفَقاتُ، كما قال في الآيةِ الأُخرى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وهذا القولُ الذى قلْناه هو (^٢) قولُ ابنِ جُرَيْجٍ الذى حكَيْناه.\nوقد بيَّنَّا معنى المَسْكنةِ، ومَن ابنُ السبيلِ فيما مضَى، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه ههنا (^٣).\n\n<span id=\"aya-223\"></span><span data-type='title' id=toc-668>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾: فُرِض عليكم القِتالُ. يعنى قتالَ المشركين، ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾.\nواخْتَلَف أهلُ العلمِ في الذين عُنُوا بفرضِ القتالِ، فقال بعضُهم: عُنى بذلك أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ خاصةً دونَ غيرِهم.\n_________\n(^١) في الأصل: \"نفقته\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".\n(^٣) تقدم في ٢/ ٢٦، ٢٧، ١٩٢، وفى ص ٨٢ من هذا الجزء.","vol":"3","page":643},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: سألْتُ عطاءً قلتُ له: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أواجبٌ الغَزْوُ على الناسِ مِن أجلِها؟ قال: لا، كُتِب على أولئك حينَئذٍ (^١).\n[حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدثنا خالدٌ، عن حسينِ بنِ قيسٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾. قال: نسَخَتْها: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (^٢).\nوهذا قولٌ لا معنى له؛ لأن نسخَ الأحكامِ مِن قِبَلِ اللهِ جل وعز لا مِن قِبَلِ العبادِ، وقولُه: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. خبرٌ مِن اللهِ عن عبادِه المؤمنين، وأنهم قالوه، لا نسخٌ منه] (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا معاويةُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو إسحاقَ الفَزَاريُّ، قال: سأَلْتُ الأوْزاعيَّ عن قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾. أواجبٌ الغَزْو على الناسِ كلِّهم؟ قال: لا أَعْلَمُه، ولكن لا يَنْبَغى للأئمةِ والعامَّةِ تَرْكُه، فأما الرجلُ في خاصةِ نفسِه فلا.\nوقال آخَرون: هو على كلِّ أحدٍ حتى يَقومَ به مَن في قيامِه به الكِفايةُ، فيَسْقُطُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٨٢ (٢٠١٤) من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤٤ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤٤ إلى المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٨٢ (٢٠١٣) من طريق حسين بن قيس، عن عكرمة قوله، وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.\n(^٣) سقط من: الأصل، وموضعه في ت ١، ت ٢، ت ٣ بعد قوله: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِير﴾ في ص ٦٣٣. ولعل موضعه في الأصل كما في هذه النسخ، ولكن هذا الجزء من الأصل ليس بين أيدينا.","vol":"3","page":644},{"text":"فرضُ ذلك حينئذٍ عن باقي المسلمين، كالصلاةِ على الجنائزِ، ودفنِ الموتى، وغسلِهم.\nوهذا قولُ عامةِ علماءِ المسلمين. وذلك هو الصوابُ عندَنا؛ لإجماعِ الحُجَّةِ على ذلك، ولقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]. فأخْبَر جلَّ ثناؤُه أن الفضلَ للمُجاهِدِين، وأن لهم وللقاعِدِين الحُسْنَى، ولو كان القاعدون مُضَيِّعين فرضًا، لَكان لهم السُّوأَى لا (^١) الحُسْنَى.\nوقال آخَرون: هو فرضٌ واجبٌ على المسلمين إلى قيامِ الساعةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا حُبَيْشُ (^٢) بنُ مُبشِّرٍ (^٣)، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن داودَ بنِ أبي عاصمٍ، قال: قلتُ لسعيدِ بنِ المسيبِ: قد أعْلَمُ أن الغَزْوَ واجبٌ على الناسِ. فسكَت، وقد أعْلَمُ أن لو أنكَر ما قلتُ لبيَّن لى.\nوقد بيَّنَّا فيما مضَى معنى قولِه: ﴿كُتِبَ﴾ بما فيه الكِفايةُ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-669>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وهو ذو كُرْهٍ لكم. فترَك ذكرَ \"ذو\" اكْتِفاءً بدلالةِ\n_________\n(^١) إلى هنا ينتهى الجزء الخامس من مخطوط جامعة القرويين والتى أشير إليها بالأصل، وسيجد القارئ أرقام المخطوط ت ١ بين معقوفين.\n(^٢) في النسخ: \"حسين\". والمثبت من تاريخ بغداد ٨/ ٢٧٢. وينظر تهذيب الكمال ٥/ ٤١٥.\n(^٣) في م: \"ميسر\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ١٠٢، ١٠٣.","vol":"3","page":645},{"text":"قولِه: ﴿كُرْهٌ لَكُمْ﴾ عليه، كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].\nوبنحوِ الذى قلْنا في ذللث رُوِى عن عطاء في تأويلِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾. قال: كُرِّهَ إليكم حينَئذٍ.\nوالكُرْهُ بالضمِّ هو ما حمَل الرجلُ نفسَه عليه مِن غيرِ إكْراهِ أحدٍ إياه عليه، والكَرْهُ بفتحِ الكافِ هو ما حمَله عليه غيرُه فأدْخَله عليه كَرْهًا.\nوممَّن حُكِى عنه هذا القولُ مُعاذُ بنُ مُسْلِمٍ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حمادٍ، عن مُعاذِ بنِ مسلمٍ، قال: الكُرْهُ المَشَقَّةُ، والكَرْهُ الإجْبارُ.\nوقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: الكُرْهُ والكَرْهُ لغتان بمعنًى واحدٍ، مثلَ الغُسْلِ والغَسْلِ، والضُّعْفِ، والضَّعْفِ، والرُّهْبِ والرَّهْبِ.\nوقال بعضُهم: الكُرْهُ بضمِّ الكافِ اسمٌ، والكَرْهُ بفتحِها مصدرٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-670>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولا تَكْرَهوا القِتالَ، فإنكم لعلكم أن تَكْرَهوه وهو خيرٌ لكم، ولا تُحِبُّوا تَرْكَ الجهادِ، فلعلكم أن تُحِبُّوه وهو شرٌّ لكم.\nكما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ","vol":"3","page":646},{"text":"خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾: وذلك لأن المسلمين كانوا يَكْرَهون القِتالَ، فقال: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقولُ: إن (^١) في القتالِ الغَنيمةَ والظُّهورَ والشَّهادةَ، ولكم في القعودِ ألا تَظْهَروا على المشركين، ولا تَسْتَشْهِدوا، ولا تُصِيبوا شيئًا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ السُّلَمِيُّ، قال: ثنى يحيى بنُ محمدِ بنِ مجاهدٍ، قال: أخْبَرنى عبيدُ اللهِ بنُ أبي هاشمٍ الجُعْفِيُّ، قال: أخْبَرني عامرُ بنُ وَاثِلةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: كنتُ رِدْفَ النبىِّ ﷺ، فقال: \"يا بنَ عباسٍ، ارْضَ عن اللهِ بما قدَّرَ، وإن كان خِلافَ هواك، فإنه مُثْبَتٌ في كتابِ اللهِ\". قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، فأين وقد قرأت القرآنَ؟ قال: \"في قولِه: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ \" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-671>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذِكْرُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: واللهُ يعلمُ ما هو خيرٌ لكم مما هو شرٌّ لكم، فلا تَكْرهوا ما كتبتُ عليكم مِن جهادِ عدوِّكم، وقتالِ مَن أمرْتُكم بقتالِه، فإنى أعلمُ أنّ قتالَكم إياهم هو خيرٌ لكم في عاجلِكم ومعادِكم، وتركَكم قتالَهم شرٌّ لكم، وأنتم لا تعلمون مِن ذلك ما أعلمُ. يَحُضُّهم جلَّ ذكرُه بذلك على جهادِ أعدائِه، ويُرغِّبُهم في قتالِ مَن كفَر به.\n\n<span id=\"aya-224\"></span><span data-type='title' id=toc-672>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذِكْرُه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ</span>\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، وبعده في م: \"لكم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٨٣ (٢٠١٩) من طريق عمرو به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٤٤ إلى المصنف.","vol":"3","page":647},{"text":"مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾.\nيعنى بذلك جل ثناؤُه: يسألُك يا محمدُ أصحابُك عن الشهرِ الحرامِ -وذلك رجبٌ- عن قتالٍ فيه.\nوخفضُ \"القتالِ\" على معنى تَكْريرِ \"عن\" عليه. وكذلك كانت قراءةُ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ فيما ذُكِرَ لنا (^١).\nوقد حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾. قال: يقولُ: يسألونك عن قتالٍ فيه. قال: وكذلك كان يقرؤُها: (عن قتالٍ فيه) (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿قِتَالٌ فِيهِ﴾ يعنى: فى الشهرِ الحرامِ، ﴿كَبِيرٌ﴾ أى: عظيمٌ عندَ اللهِ استحلالُه، وسفكُ الدماءِ فيه.\nومعنى قولِه: ﴿قِتَالٌ فِيهِ﴾: قُل: القِتالُ فيه كبيرٌ.\nوإنما قال: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾؛ لأن العربَ كانت لا تَقْرعُ فيه الأسِنَّةَ، فيَلْقَى الرجلُ قاتلَ أبيه أو أخيه فيه فلا يَهِيجُه؛ تعظيمًا له، وتُسَمِّيه مُضَرُ الأصمَّ، لسُكوتِ (^٣) أصواتِ السلاحِ وقَعْقَعتِه فيه.\nوقد حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ المصْرىُّ، قال: ثنا شعيبُ بنُ الليثِ، قال: ثنا الليثُ، قال: ثنا أبو (^٤) الزبيرِ، عن جابرٍ، قال: لم يَكُنْ رسولُ اللهِ\n_________\n(^١) المصاحف ص ٥٨. وهى قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٢) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٢٥٢ إلى المصنف. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٣٨٥ عقب الأثر (٢٠٢٤) من طريق ابن أبى جعفر به، وهى قراءة ابن عباس والربيع والأعمش. ينظر البحر المحيط ٢/ ١٤٥.\n(^٣) فى م: \"لسكون\".\n(^٤) سقط من: م، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ابن\". والمثبت من المسند، وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٤٠٢.","vol":"3","page":648},{"text":"ﷺ يَغْزو فى الشهرِ الحرامِ إلا أنْ يُغْزَى، أو يَغْزوَ حتى إذا حضَر ذلك أقام حتى يَنْسَلِخَ (^١).\nوقولُه جل ثناؤُه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾. ومعنى الصدِّ عن الشئِ: المنعُ منه والدَّفْعُ عنه. ومنه قيل: صدَّ فلانٌ بوجهه عن فلانٍ. إذا أَعْرَض عنه فمنَعه من النظرِ إليه.\nوقولُه: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾. يعنى: وكفرٌ باللهِ. والباءُ فى ﴿بِهِ﴾ عائدةٌ على اسمِ اللهِ الذى فى ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾.\nوتأويلُ الكلامِ: وصدٌّ عن سبيلِ اللهِ، وكفرٌ به، وعن المسجدِ الحرامِ، وإخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ -وهم أهلُه وولاتُه- أكبرُ عندَ اللهِ مِن القتالِ فى الشهرِ الحرامِ.\nفـ \"الصدُّ عن سبيلِ اللهِ\" مرفوعٌ بقولِه: ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾. وقولُه: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ عطفٌ على \"الصدِّ\". ثم ابْتَدأ الخبرَ عن الفِتْنةِ فقال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. يعنى: الشركُ أعظمُ وأكبرُ مِن القتلِ. يعنى: مِن قتلِ ابنِ الحَضْرَمىِّ الذى اسْتَنْكرتم قتلَه فى الشهرِ الحرامِ.\nوقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ (^٢) يَزْعُمُ أن قولَه: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. معطوفٌ على \"القتالِ\"، وأن معناه: يَسْألونك عن الشهرِ الحرامِ، عن قتالٍ فيه، وعن المسجدِ الحرامِ. فقال اللهُ جل ثناؤُه: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ مِن القتالِ فى الشهرِ الحرامِ.\nوهذا القولُ مع خروجِه مِن أقوالِ أهلِ العلمِ، قولٌ لا وجهَ له؛ لأن القومَ لم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢٢/ ٤٣٩، ٢٣/ ٦٠ (١٤٥٨٣، ١٤٧١٣) من طريق الليث به.\n(^٢) هو الفراء فى معانى القرآن ١/ ١٤١.","vol":"3","page":649},{"text":"يكونوا فى شكٍّ مِن عظيمِ ما أتَى المشركون إلى المسلمين فى إخراجِهم إياهم مِن منازلِهم بمكةَ، فيحتاجوا إلى أن يسألوا رسولَ اللهِ ﷺ عن إخراجِ المشركين إياهم مِن منازلِهم، وهل ذلك كان لهم، بل لم يَدَّعِ ذلك عليهم أحدٌ مِن المسلمين، ولا أنهم سألوا رسولَ ﷺ عن ذلك. وإذا كان ذلك كذلك، فلم (^١) يكنِ القومُ سألوا رسولَ الله ﷺ إلا عما ارتابوا بحُكْمِه، كارتيابِهم فى أمرِ قتلِ ابنِ الحَضْرَمِىِّ، إذ ادَّعَوا أن قاتلَه مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ قتلَه فى الشهرِ الحرامِ، فسألوا عن أمرِه لارتيابِهم فى حُكْمِه، فأما إخراجُ المشركين أهلَ الإسلامِ مِن (^٢) المسجدِ الحرامِ، فلم يكنْ فيهم أحدٌ شاكًّا أنه كان ظلمًا منهم لهم فيسألوا عنه.\nولا خلافَ بينَ أهلِ التأويلِ جميعًا أن هذه الآيةَ نزلَت على رسولِ اللهِ ﷺ فى سببِ قتلِ ابنِ الحَضْرمىِّ وقاتِلِه.\nذِكْرُ الرِّوايةِ عمَّن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثنى الزُّهرىُّ ويزيدُ بن رُومانَ، عن عُروةَ بنِ الزبيرِ، قال: بعَثَ رسولُ اللهِ ﷺ عبدَ اللهِ ابنَ جَحْشٍ فى رَجَبٍ مَقْفَلَه مِن بدرٍ الأُولى، وبعَث معه بثمانيةِ رَهْطٍ مِن المهاجرين، ليس فيهم مِن الأنصارِ أحدٌ، وكتَب له كتابًا، وأمرَه ألا يَنْظُرَ فيه حتى يَسِيرَ يومين، ثم يَنْظُرَ فيه فيَمْضِىَ لما أمَره، ولا يَسْتكرِهَ مِن أصحابِه أحدًا. وكان أصحابُ عبدِ اللهِ ابنِ جحشٍ مِن المهاجرينِ؛ مِن بنى عبدِ شمس: أبو حُذَيفَةَ بنُ [عُتْبَةَ بنِ] (^٣)\n_________\n(^١) فى النسخ: \"ولم\". والمثبت هو الصواب.\n(^٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\".\n(^٣) سقط من النسخ، وسيأتى على الصواب، وينظر الإصابة ٧/ ٨٧.","vol":"3","page":650},{"text":"ربيعةَ (^١) بنِ عبدِ شمسٍ، ثم مِن حلفائِهم: عبدُ اللهِ بنُ جَحْشِ بنِ ريابٍ، وهو أميرُ القومِ، وعُكَّاشةُ بنُ مِحْصَنِ بنِ حُرْثانَ، أحدُ بنى أسدِ بنِ خُزَيمَةَ، ومِن بنى نوفلِ بنِ عبدِ منافٍ: عُتْبةُ بنُ غَزْوانَ، حليفٌ لهم، ومِن بنى زُهْرةَ بنِ كلابٍ: سعدُ بنُ أبى وَقاصٍ، ومِن بنى عدىِّ بنِ كعبٍ: عامرُ بنُ ربيعةَ، حليفٌ لهم، ووَاقِدُ ابنُ عبدِ اللهِ بنِ [منافِ بن عَرِينِ] (^٢) بنِ ثَعْلَبةَ بنِ يَرْبوعِ بنِ حنظلةَ، وخالدُ بنُ البكيرِ أحدُ بنى سعدِ بن ليثٍ، حليفٌ لهم، ومِن بنى الحارثِ بنِ فهرٍ: سُهَيلُ ابنُ بيضاءَ. فلما سار عبدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ يومين فتَح الكتابَ ونظَر فيه، فإذا فيه: \"إذا نظَرت فى (^٣) كتابى هذا، فَسِرْ حتى تنزِلَ نَخْلَةَ بينَ مكةَ والطائفِ، فتَرصُدَ بها قريشًا، وتَعلَمَ لنا مِن أخبارِهم\". فلما نظَر عبدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ فى الكتابِ قال: سمعًا وطاعةً. ثم قال لأصحابِه: قد أمَرنى رسولُ اللهِ ﷺ أن أمْضِىَ إلى نَخْلةَ فأرْصُدَ بها قريشًا، حتى آتيَه منهم بخَبرٍ، وقد نهانى أن أسْتَكرِهَ أحدًا منكم، فمَن كان منكم يُريدُ الشَّهادةَ ويَرغبُ فيها فلْيَنْطلِقْ، ومَن كَرِه ذلك فلْيَرجِعْ، فأما أنا فماضٍ لأمرِ رسولِ اللهِ ﷺ. فمضَى ومضَى أصحابُه معه، فلم يتخلَّفْ عنه أحدٌ، وسلَك على الحجازِ، حتى إذا كان بمَعْدِنٍ فوقَ الفُرْعِ، يقالُ له: بُحْرانُ (^٤). أضلَّ سعدُ بنُ أبى وقاصٍ وعتبةُ بنُ غَزْوانَ بعيرًا لهما (^٥) كانا عليه يَعْتَقِبانه، فتخلَّفا عليه فى طلبِه، ومضَى عبدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ وبقيةُ أصحابِه حتى نزَل بنَخْلةَ، فمرَّت به عِيرٌ لقريشٍ\n_________\n(^١) بعده فى النسخ: \"ومن بنى أمية\". والمثبت كما فى سيرة ابن هشام، وينظر جمهرة أنساب العرب ص ٧٦، ٧٧.\n(^٢) فى النسخ: \"مناة بن عويم\". والمثبت من سيرة ابن هشام، وينظر الإصابة ٦/ ٥٩٥.\n(^٣) فى النسخ: \"إلى\". والمثبت من سيرة ابن هشام، وهو الموافق لما فى بقية المصادر.\n(^٤) فى النسخ: \"نجران\". والمثبت من تاريخ المصنف وسيرة ابن هشام. وينظر معجم البلدان ١/ ٤٩٨.\n(^٥) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إنما\".","vol":"3","page":651},{"text":"تَحمِلُ زبيبًا وأدَمًا وتجارةً مِن تجارةِ قريشٍ، فيها منهم: عمرُو بنُ الحَضْرمىِّ، وعثمانُ ابنُ عبدِ اللهِ بنِ المُغيرةِ، وأخوه نَوفلُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ المغيرةِ، المَخْزوميان، والحكمُ بنُ كَيْسانَ مولى هشامِ بنِ المُغيرةِ. فلما رآهم القومُ هابوهم، وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشْرَف لهم عُكَّاشةُ بنُ مِحْصَنٍ، وقد كان حلَق رأْسَه، فلما رأَوه أمِنوا وقالوا: عُمَّارٌ، فلا بأسَ علينا منهم. وتشَاور القومُ فيهم، وذلك فى آخرِ يومٍ مِن جُمادَى (^١)، فقال القومُ: واللهِ لئن تَركْتُم القومَ هذه الليلةَ ليَدْخُلُنَّ الحَرَمَ فليَمْتنعُنَّ به منكم، ولئن قَتلتُموهم لتَقْتُلُنَّهم فى الشهرِ الحرامِ. فتَردَّد القومُ فهابوا الإقدامَ عليهم، ثم شجّعوا (^٢) عليهم، وأجْمَعوا على قتلِ مَن قَدَروا عليه منهم، وأخْذِ ما معهم، فرمَى واقدُ بنُ عبدِ اللهِ التَّمِيمىُّ عمرَو بنَ الحَضْرمىِّ بسهمٍ فقَتَله، واسْتَأْسَر عثمانَ بنَ عبدِ اللهِ والحكمَ ابنَ كيسانَ، وأفْلَت نَوْفلُ بنُ عبدِ اللهِ فأعْجَزَهم، وقَدِم عبدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ وأصحابُه بالعِيرِ والأسيرَيْنِ حتى قَدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ بالمدينةِ. وقد ذَكَر بعضُ آلِ عبدِ اللهِ بنِ جَحْشٍ أَن عبدَ اللهِ بنَ جَحْشٍ قال لأصحابِه: إن لرسولِ اللهِ ﷺ مما غَنِمْتم الخُمُسَ. وذلك قبلَ أن يُفْرَضَ الخُمُسُ مِن الغَنائِمِ، فعزَل لرسولِ اللهِ ﷺ خُمُسَ العِيرِ، وقسَم سائرَها بينَ (^٣) أصحابِه، فلما قَدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ قال: \"ما أَمَرْتُكم بقِتالٍ فى الشهرِ الحرامِ\". فوقَف العِيرَ والأسِيرَيْن، وأَبَى أَن يَأْخُذَ مِن ذلك شيئًا، فلما قال رسولُ اللهِ ﷺ ذلك، سُقِط فى أَيْدِى القومِ، وظَنُّوا أنهم قد هلَكوا، وعَنَّفَهم المُسْلِمون فيما صَنَعوا، وقالوا لهم: صَنَعتم ما لم تُؤْمروا به، وقاتَلْتم فى الشهرِ الحرامِ ولم تُؤمروا بقتالٍ. وقالت قريشٌ: قد استحلَّ محمدٌ وأصحابُه\n_________\n(^١) كذا فى النسخ، وفى تاريخ المصنف وسيرة ابن هشام: \"رجب\"، وسيأتى ما يدل على أن الرواية هنا هكذا.\n(^٢) فى تاريخ المصنف: \"تشجعوا\"، وفى سيرة ابن هشام: \"شجعوا أنفسهم\".\n(^٣) فى م، ت ٣: \"على\".","vol":"3","page":652},{"text":"الشهرَ الحرامَ، فسَفَكوا فيه الدمَ، وأخذوا فيه الأموالَ، وأسَروا (^١). فقال مَن يَرُدُّ ذلك عليهم مِن المسلمين ممن كان بمكةَ: إنما أصابوا ما أصابوا فى جُمادَى (^٢). وقالت يهودُ -تَتَفاءلُ (^٣) بذلك على رسولِ اللهِ ﷺ-: عمرُو بنُ الحَضْرَمىِّ قتَله وَاقِدُ بنُ عبدِ اللهِ؛ عمرٌو: عَمَرتِ الحربُ، والحَضْرَمِىُّ: حَضَرت الحربُ، وواقدُ بنُ عبدِ اللهِ: وَقَدتِ الحربُ. فجعَل اللهُ عليهم ذلك [وبهم] (^٤). فلما أَكْثَر الناسُ فى ذلك، أنزَل اللهُ جل وعز على رسولِه ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ أى: عن قتالٍ فيه، ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ إلى قولِه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. أى: إن كنتم قتَلتم فى الشهرِ الحرامِ فقد صَدُّوكم عن سبيلِ اللهِ، مع الكفرِ به، وعن المسجدِ الحرامِ. وإخراجُكم عنه -إذ أنتم أهلُه ووُلاتُه- أكبرُ عندَ اللهِ مِن قتلِ مَن قَتَلتُم منهم، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. أى: قد كانوا يَفْتِنون المسلمَ عن دينِه حتى يَردُّوه إلى الكفرِ بعدَ إِيمانِه، وذلك أكبرُ عندَ اللهِ مِن القتلِ، ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾. أى: هم مُقِيمون على أخبثِ ذلك وأعظمِه، غيرَ تائبين ولا نازِعِين. فلما نزَل القرآنُ بهذا مِن الأمرِ، وفَرَّج اللهُ عن المسلمين ما كانوا فيه من الشَّفَقِ (^٥)، قَبَض رسولُ اللهِ ﷺ العِيرَ والأسِيرَيْن (^٦).\n_________\n(^١) بعده فى تاريخ المصنف وسيرة ابن هشام: \"فيه الرجال\".\n(^٢) فى تاريخ المصنف وسيرة ابن هشام: \"شعبان\".\n(^٣) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقال\". وفى تاريخ المصنف وسيرة ابن هشام: \"تفاءل\".\n(^٤) فى تاريخ المصنف وسيرة ابن هشام: \"لا لهم\".\n(^٥) الشفق: الخوف. التاج (ش ف ق).\n(^٦) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢/ ٤١٠ - ٤١٣، وذكره ابن هشام فى سيرته ١/ ٦٠١ - ٦٠٥. وفيهما زيادة عما هنا. =","vol":"3","page":653},{"text":"حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾: وذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ بعَث سَرِيَّهً وكانوا سبعةَ نَفَرٍ (^١)، عليهم عبدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ الأسَدِىُّ، وفيهم عَمارُ بنُ ياسرٍ، وأبو حُذَيفةَ بنُ عُتْبةَ بنِ رَبيعةَ، وسعدُ بنُ أبى وقاصٍ، وعُتْبةُ ابنُ غَزْوانَ السُّلَمِىُّ، حَليفٌ لبنى نَوْفلٍ، وسُهَيلُ ابنُ بَيْضَاءَ، وعامرُ بنُ فُهَيرةَ، ووَاقدُ ابنُ عبدِ اللهِ اليَرْبوعِىُّ، حليفٌ لعمرَ بنِ الخطابِ. وكتَب مع ابنِ جَحْشٍ كتابًا، وأمَره ألا يَقْرأَه حتى ينزِلَ بطنَ (^٢) مَلَلٍ، فلما نزَل ببَطنِ مَلَلٍ فتَح الكتابَ، فإذا فيه: \"أَنْ سِرْ حتى تَنزِلَ بَطْنَ نَخْلةَ\". فقال لأصحابِه: مَن كان يُريدُ الموتَ فلْيَمضِ ولْيُوصِ، فإنى مُوصٍ وماضٍ لأمرِ رسولِ اللهِ ﷺ. فسار، وتَخلَّف عنه سعدُ بنُ أبى وقاصٍ وعُتبةُ بنُ غَزْوانَ، أضلَّا (^٣) رَاحلةً لهما، فأَتَيا بُحْرانَ (^٤) يَطْلُبانها، وسار ابنُ جَحْشٍ إِلى بَطْنِ نَخْلَةَ، فإذا هم بالحكمِ بنِ كَيْسانَ، وعبدِ اللهِ بنِ المُغيرةِ، والمُغيرةِ بنِ عثمانَ، وعمرِو بنِ الحَضْرمىِّ، فاقْتَتَلوا، فأَسَروا الحَكَمَ بنَ كَيْسانَ وعبدَ اللهِ بنَ المُغيرةِ، وانْفَلَت المُغيرةُ، وقُتِلَ عمرُو بنُ الحَضْرمىِّ؛ قتَله واقدُ بنُ عبدِ اللهِ، فكانت أوَّلَ غَنيمةٍ غَنِمها أصحابُ محمدٍ ﷺ. فلما رجَعوا إلى المدينةِ بالأسيرَيْن وما غَنِموا\n_________\n= وأخرجه البيهقى فى الدلائل ٣/ ١٨، ١٩ من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، عن يزيد وحده مختصرًا.\nوأخرج بعضه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٣٨٥، ٣٨٦ (٢٠٢٤، ٢٠٣٤، ٢٠٣٨) من طريق سلمة وعبد الله بن إدريس، عن ابن إسحاق به.\n(^١) بعده فى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وأمر\".\n(^٢) سقط من النسخ، والمثبت مما بعده، ولما فى تاريخ المصنف.\nوملل: اسم موضع فى طريق مكة بين الحرمين. معجم البلدان ٤/ ٦٣٧.\n(^٣) فى م: \"أضل\".\n(^٤) فى النسخ: \"نجران\". وتقدم مثله فى ص ٦٥١.","vol":"3","page":654},{"text":"مِن الأموالِ، أراد أهلُ مكةَ أن يُفَادوا بالأسيرَيْن، فقال النبيُّ ﷺ: \"حتى نَنْظُرَ ما فعَل صاحبانا\". فلما رجَع سعدٌ وصاحبُه فادَى بالأسيرين، ففَجَر (^١) عليه المشركون وقالوا: محمدٌ يَزْعُمُ أنه يَتَّبعُ طاعةَ اللهِ، وهو أوَّلُ مَن اسْتحلَّ الشهرَ الحرامَ، وقَتَل صاحبَنا في رجبٍ. فقال المسلمون: إنما قَتَلناه في جُمادَى -وقيلَ: في أوَّل ليلةٍ من رَجَبٍ، وآخرِ ليلةٍ مِن جُمَادَى- وغَمَد (^٢) المسلمون سُيوفَهم حينَ (^٣) دخَل رَجَبٌ، فأنزَل اللهُ جلَّ وعز يُعَيِّرُ أهلَ مكةَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لا يَحِلُّ، وما صَنَعتم -أنتم يا معشرَ المشركين- أكبرُ مِن القتلِ في الشهرِ الحرامِ، حين كفَرتم باللهِ، وصَدَدْتم عنه محمدًا وأصحابَه. وإخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ منه -حينَ أخْرجوا محمدًا- أكبرُ مِن القتلِ عندَ اللهِ. والفِتْنَةُ -هى الشركُ- أعظمُ عندَ اللهِ مِن القتلِ في الشهرِ الحرامِ. فذلك قولُه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّنْعانيُّ، قال: ثنا المُعتَمِرُ بنُ سُليمانَ التَّيْمِيُّ، عن أبيه، أنه حدَّثه رجلٌ، عن أبي السَّوَّارِ، يُحدِّثُه عن جُنْدَبِ بنِ عبدِ اللهِ، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه بعَث رَهْطًا، فبعَث عليهم أبا عُبَيدةَ، فلما أخَذ لينْطلِقَ بكَى صَبابةً إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فبعَث رجلًا مكانَه يُقالُ له: عبدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ. وكتَب له كتابًا، وأمَره ألَّا يَقْرأَ الكتابَ حتى يَبْلُغَ كذا وكذا، \"ولا تُكْرِهَنَّ أحدًا مِن أصحابِك\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣، ونسخة من تاريخ المصنف: \"ففخر\".\n(^٢) في م، ت ٢، ونسخة من تاريخ المصنف: \"أغمد\".\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"حتى\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤١٣، ٤١٤ مختصرا عما هنا. وأخرج جزءا منه دون القصة ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٨٥ (٢٠٢٧) من طريق عمرو به.","vol":"3","page":655},{"text":"على السيرِ معك\". فلما قرَأ الكتابَ اسْتَرْجَع وقال: سمعًا وطاعةً لأمرِ اللهِ ورسولِه. فخَبَّرهم الخبرَ، وقرَأ عليهم الكتابَ، فرجَع رجلان ومضَى بقيتُهم، فلَقُوا ابنَ الحَضْرمىِّ فقَتَلوه، ولم يَدْروا ذلك اليومُ من رجبٍ أو مِن (^١) جُمادَى، فقال المشركون للمسلمين: فَعلتم كذا وكذا في الشهرِ الحرامِ. فأَتَوا النبيَّ ﷺ فحدَّثوه الحديثَ، فأنزَل اللهُ ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ والفتنةُ هى الشركُ.\nوقال بعضُ الذين -أظُنُّه قال-: كانوا في السَّرِيَّةِ: واللهِ ما قتَله إلا واحدٌ. فقال: إن يَكُنْ خيرًا فقد وَلِيتُ، وإن يَكُنْ ذنبًا فقد عَمِلْتُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾. قال: إن رجلًا من بنى تميمٍ أرسَله النبيُّ ﷺ في سَرِيَّةٍ، فمرّ بابنِ الحَضْرميِّ يَحْمِلُ خَمْرًا مِن الطائفِ إلى مكةَ، فرَماه بسَهْمٍ فقَتله، وكان بينَ قريشٍ ومحمدٍ عَقْدٌ، فقتَله في آخرِ يومٍ من جُمادَى الآخرةِ، وأولِ يومٍ من رجبٍ، فقالت قريشٌ: في الشهرِ الحرامِ، ولنا عهدٌ؟! فأنزَل اللهُ ﷿: ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ﴾، وصدٌّ عن ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ مِن قتلِ\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣، ونسخة من تاريخ المصنف: \"علمت\".\nوالأثر أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤١٥. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٨٤، ٣٨٧ (٢٠٢٢، ٢٠٣٥) من طريق المعتمر به. وأخرجه أبو يعلى (١٥٣٤)، والطبراني (١٦٧٠)، والبيهقي ٩/ ١١، ١٢ من طرق عن المعتمر به بزيادة في آخره.","vol":"3","page":656},{"text":"ابنِ الحَضْرميِّ، ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ كفرٌ باللهِ وعبادةُ الأوثانِ، أكبرُ مِن هذا كلِّه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهرىِّ وعثمانَ الجَزَرِيِّ، عن مِقْسَمٍ مَوْلَى ابنِ عباسٍ، قال: لَقِىَ واقدُ بنُ عبدِ اللهِ عمرَو بنَ الحَضْرَميِّ في أوَّل ليلةٍ من رجبٍ، وهو يَرَى أنه مِن جُمادَى، فقَتَله، وهو أوَّلُ قتيلٍ مِن المشركين، فعَيَّر المشركون المسلمين فقالوا: أتَقْتلون في الشهرِ الحرامِ؟ فأنزَل اللهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. يقولُ: وصدٌّ عن سبيلِ اللهِ، وكُفْرٌ باللهِ ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: وصدٌّ عن المسجدِ الحرامِ، ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ من قتلِ عمرِو بنِ الحَضْرميِّ، ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾. يقولُ: الشركُ الذى أنتم فيه أكبرُ مِن ذلك أيضًا. قال الزهرىُّ: وكان النبيُّ ﷺ فيما بَلَغنا يُحَرِّمُ القِتالَ في الشهرِ الحرامِ ثم أُحِلَّ (^٢) بَعْدُ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾: وذلك أن المشركين صدُّوا رسولَ اللهِ ﷺ وردُّوه عن المسجدِ الحرامِ في شهرٍ حرامٍ، ففتَح اللهُ على نبيِّه في شهرٍ حرامٍ مِن العامِ المقبلِ، فعابَ المشرِكون على رسولِ اللهِ ﷺ القِتالَ في شهرٍ حرامٍ، فقال اللهُ جل وعز: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ مِن القتلِ فيه.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٣١، ٢٣٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥١ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) بعده في عبد الرزاق وابن أبى حاتم \"له\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٧، ٨٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٨٤ (٢٠٢٣) عن الحسن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥١ إلى أبى داود في ناسخه.","vol":"3","page":657},{"text":"وإن محمدًا بعَث سَرِيَّةً، فلَقُوا عمرَو بنَ الحَضْرميِّ وهو مُقْبِلٌ مِن الطائفِ آخرَ ليلةٍ مِن جُمادَى، وأوَّلَ ليلةٍ مِن رَجبٍ، وإنَّ أصحابَ محمدٍ ﷺ كانوا يَظُنون أن تلك الليلةَ مِن جُمادَى، وكانت أوَّلَ رجبٍ ولم يَشْعُروا، فقَتَله رجلٌ منهم واحدٌ، وإن المشركين أرْسَلوا يُعَيِّرونه بذلك، فقال اللهُ جل وعز: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وغيرُ ذلك أكبرُ منه، ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ إخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ أكبرُ مِن الذى أصاب (^١) أصحابُ (^٢) محمدٍ، والشِّرْكُ باللهِ أشَدُّ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن حُصَينٍ، عن أبي مالكٍ، قال: لما نزَلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾. إلى قولِه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. استكبَروه (^٤)، فقال: ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾: الشِّرْكُ الذى أنتم عليه مُقِيمون ﴿أَكْبَرُ﴾ مما اسْتكبرتم.\nحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن حُصَينٍ، عن أبي مالكٍ الغفاريِّ، قال: بعَث رسولُ اللهِ ﷺ عبدَ اللهِ بنَ جَحْشٍ في جيشٍ، فلَقِىَ ناسًا مِن المشركين ببَطْنِ نَخْلةَ، والمسلمون يَحْسَبون أنه آخرُ يومٍ مِن جُمادَى، وهو أولُ يومٍ مِن رجبٍ، فقَتَلَ المسلمون ابنَ الحَضْرميِّ، فقال المشركون:\n_________\n(^١) في ت ١: \"أصحاب\".\n(^٢) سقط من النسخ، والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٣٨٥، ٣٨٦ (٢٠٢٦، ٢٠٢٨، ٢٠٣١، ٢٠٣٢) من طريق محمد بن سعد به.\n(^٤) كذا في النسخ في هذا الموضع وما بعده؛ من الاستكبار -وهو استعظام الشئ- وتقدم في كلام المصنف في ص ٦٤٩: قتل ابن الحضرمي الذى استنكرتم. وهى كذلك في تفسير مجاهد في الأثر الآتى: استنكرتم.","vol":"3","page":658},{"text":"ألستم تَزْعُمون أنكم تُحَرِّمون الشهرَ الحرامَ والبلدَ الحرامَ، وقد قَتَلتم في الشهرِ الحرامِ؟ فأنزَل اللهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ إلى قولِه: ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ من الذى اسْتَكْبرتم (^١) مِن قتلِ ابنِ الحَضْرميِّ، ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ التى أنتم عليها مُقِيمون، يعنى الشركَ، ﴿أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ، قال -وكان يُسَمِّيهما (^٣) - يقولُ: لَقِىَ واقدُ بنُ عبدِ اللهِ التَّمِيميُّ عمرَو بنَ الحَضْرمىِّ ببَطْنِ نَخْلَةَ فقتَله.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قُلْتُ لعطاءٍ: قولُه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ في مَن نزَلت؟ قال: لا أدْرِى. قال ابنُ جُرَيجٍ: وقال عِكْرمةُ ومجاهدٌ: في عمرِو بنِ الحَضْرَمِيِّ. قال ابنُ جُرَيجٍ: وأخْبَرنا ابنُ أبي حُسينٍ، عن الزُّهْرِيِّ (^٤) ذلك أَيضًا.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال مُجاهدٌ: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: يقولُ: صدٌّ عن المسجدِ الحرامِ، وإخْراجُ أهلِه منه، فكلُّ هذا أكبرُ مِن قتلِ ابنِ الحَضْرميِّ، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾، كفرٌ باللهِ وعبادةُ الأوثانِ أكبرُ مِن هذا كلِّه.\n_________\n(^١) في تفسير ابن أبي حاتم: \"استنكرتم\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٣٢ من طريق حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"يسميها\"، وفى ت ١: \"يسمها\"، والمثبت هو الصواب.\n(^٤) في ت ١، ت ٣: \"الزبيري\".","vol":"3","page":659},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسيِن بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفَضْلَ بنَ خالدٍ، قال: أخْبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ الباهليُّ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحمٍ يقولُ في قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾: كان أصحابُ محمدٍ ﷺ قَتَلوا ابنَ الحَضْرمىِّ في الشهرِ الحرامِ، فعَيَّرَ المشركون المسلمين بذلك، فقال اللهُ: قتالٌ في الشهرِ الحرامِ كبيرٌ، وأكبرُ مِن ذلك صدٌّ عن سبيلِ اللهِ وكفرٌ به وإخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ مِن المسجدِ الحرامِ.\nوهذان الخبران اللذان ذَكَرناهما عن مجاهدٍ والضحاكِ يُنْبِئان عن صِحَّةِ ما قُلْنا في رفعِ \"الصدّ\" به (^١)، وأن رافِعَه ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾. وهما يُؤكِّدان صحةَ ما روَينا في ذلك عن ابنِ عباسٍ، ويَدُلَّان على خطأِ من زعَم أنه مرفوعٌ على العطفِ على \"الكبير\". وقولِ مَن زعَم أن معناه: وكبيرٌ صدٌّ عن سبيلِ اللهِ. وزعَم أن قولَه: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾. خَبرٌ مُنْقطِعٌ عما قبلَه مبتدأٌ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال. ثنا هُشَيمٌ، قال: أخْبَرنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن الشَّعْبيِّ في قولِه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. قال: يعنى به الكُفْرَ.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ مِن ذلك. ثم عَيَّر المشركين بأعمالِهم أعمالِ السُّوءِ فقال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. أى: الشركُ باللهِ أكبرُ مِن القتلِ (^٢).\nوبمثلِ الذى قُلْنا مِن التأويلِ في ذلك رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) كذا في النسخ، ولعل صواب الكلام: في رفع الصد والكفر به. وينظر ما تقدم في ص ٦٤٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٨٦ عقب الأثر (٢٠٣١) من طريق شيبان، عن قتادة نحوه.","vol":"3","page":660},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما قتَلَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ عمرَو بنَ الحَضْرميِّ في آخرِ ليلةٍ مِن جُمادَى وأوَّلِ ليلةٍ مِن رجبٍ، أرسَل المشركون إلى رسولِ اللهِ ﷺ يُعَيِّرونه بذلك، فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وغيرُ ذلك أكبرُ منه، ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ﴾ مِن الذى أصابَ أصحابُ (^١) محمدٍ ﷺ (^٢).\nوأما أهلُ العربيةِ فإنهم اخْتَلفوا في الذى ارْتَفَع به قولُه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾. فقال بعضُ نَحْويِّي الكوفيين (^٣): في رفعِه وجهان: أحدُهما، أن يكونَ \"الصدّ\" مَرْدودًا على \"الكبير\"، تُريدُ: قل: القتالُ فيه كبيرٌ وصدٌّ عن سبيلِ اللهِ وكُفْرٌ به. وإن شِئْتَ جعَلت الصدَّ كبيرًا، تُريدُ به: قُل: القتالُ فيه كبيرٌ، وكبيرٌ الصدُّ عن سبيلِ اللهِ والكفرُ به.\nقال: فأخطأ -يعنى الفَرَّاءَ- في كلا تَأْويليه، وذلك أنه إذا رفَع \"الصدّ\" عطفًا به على ﴿كَبِيرٌ﴾، يَصيرُ تأويلُ الكلامِ: قُل: القتالُ في الشهرِ الحرامِ كبيرٌ، وصدٌّ عن سبيلِ اللهِ، وكفرٌ باللهِ. وذلك مِن التأويلِ خلافُ ما عليه أهلُ الإسلامِ جميعًا؛ لأنه لم يدَّعِ أحدٌ أن اللهَ ﵎ جعَل القتالَ في الأشهرِ الحرمِ كُفرًا باللهِ، بل ذلك غيرُ جائزٍ أن يُتَوهَّمَ على عاقلٍ يَعْقِلُ ما يقولُ أن يقولَه، وكيف يجوزُ أن يقولَه ذو فِطرةٍ صحيحةٍ، واللهُ جلَّ ثناؤُه يقولُ في أثرِ ذلك: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾. فلو كان الكلامُ على ما رآه جائزًا في تأويلِه هذا، لوجَب أن يكونَ إخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ مِن المسجدِ الحرامِ، كان أعظمَ عندَ اللهِ\n_________\n(^١) سقط من النسخ والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٦٥٨.\n(^٣) هو الفراء كما سيصرح به المصنف، وينظر معانى القرآن ١/ ١٤١.","vol":"3","page":661},{"text":"مِن الكفرِ به، وذلك أنه يقولُ في أثَرِه: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾. وفى قيامِ الحُجَّةِ بأن لا شيءَ أعظمُ عندَ اللهِ مِن الكفرِ به، ما يُبِينُ عن خطأِ هذا القولِ.\nوأما إذا رفع \"الصدّ\" بمعنى ما زعَم أنه الوجهُ الآخرُ -وذلك رفعُه بمعنى: وكبيرٌ صدٌّ عن سبيلِ اللهِ. ثم قيل: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ - صار المعنى إلى أن إخراجَ أهلِ المسجدِ الحرامِ مِن المسجدِ الحرامِ، أعظمُ عندَ اللهِ مِن الكفرِ باللهِ والصدِّ عن سبيلِه وعن المسجدِ الحرامِ. ومُتأوِّلُ ذلك كذلك داخَلَ مِن الخَطأِ مثلَ الذى دخَل فيه القائلُ القولَ الأوَّلَ؛ مِن تَصْييرِه بعضَ خِلالِ الكُفرِ أعظَمَ عندَ اللهِ مِن الكفرِ بعينِه، وذلك مما لا يُخِيلُ (^١) على أحدٍ خَطؤُه وفسادُه.\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ يقولُ القولَ الأوَّلَ في رفعِ \"الصدّ\"، ويَزْعُمُ أنه معطوفٌ به على \"الكبير\"، ويجعَلُ قولَه: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾. مرفوعًا على الابتداءِ. وقد بينَّا فسادَ ذلك وخطأَ تأويلِه.\nثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في قولِه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ﴾ هل هو مَنسوخٌ أم ثابتُ الحكمِ؟ فقال بعضُهم: هو منسوخٌ بقولِ اللهِ جل وعز: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦]، وبقولِه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال:\n_________\n(^١) يخيل: يُشكِل. اللسان (خ ى ل).","vol":"3","page":662},{"text":"قال عطاءُ بنُ مَيْسرةَ: أحَلَّ القِتالَ في الشهرِ الحرامِ في \"براءة\" قولُه: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾. يقول: فيهن وفى غيرِهن (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِىِّ، قال: كان النبىُّ ﷺ فيما بَلَغنا يُحَرِّمُ القِتالَ في الشهرِ الحرامِ، ثم أُحِلَّ بعدُ (^٢).\nوقال آخرون: بل ذلك حكمٌ ثابتٌ لا يَحِلُّ القتالُ لأحدٍ في الأشهرِ الحُرُمِ بهذه الآيةِ؛ لأن اللهَ جعَل القتالَ فيه كبيرًا.\nذِكرُ مَن من قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (^٣)، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، [عن مجاهدِ] (^٤)، قال: قُلْتُ لعطاءٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾. قُلْتُ: ما لهم! وإذ ذاك لا يَحِلُّ لهم أن يَغْزوا أهلَ الشركِ في الشهرِ الحرامِ، ثم غَزَوهم بعدُ فيه، فحلَف لى عطاءٌ باللهِ: ما يَحِلُّ للناسِ أن يَغْزوا في الشهرِ الحرامِ، ولا أن يُقَاتِلوا فيه، وما يُسْتَحبُّ. قال: ولا يُدْعَون إلى الإسلامِ قبلَ أن يُقَاتَلوا، ولا إلى الجِزيةِ، تركوا ذلك (^٥).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قاله عطاءُ بنُ مَيْسرةَ، مِن أن النَّهْىَ عن قتالِ المشركين في الأشْهُرِ الحُرُمِ مَنْسوخٌ بقولِ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥٢ إلى ابن أبى داود.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٦٥٧.\n(^٣) في النسخ: \"الحسن\". وتقدم على الصواب.\n(^٤) كذا في النسخ، ولعلها زيادة من الناسخ، وينظر مصدر التخريج.\n(^٥) تفسير الفخر الرازى ٦/ ٣١ عن ابن جريج، عن عطاء مختصرا.","vol":"3","page":663},{"text":"أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التربة: ٣٦] وإنما قلنا: ذلك ناسخٌ لقولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لتَظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه غَزا هوازنَ بحُنَينٍ، وثقيفًا بالطائفِ، وأرْسَل أبا عامرٍ إلى أوطاسٍ لحربِ مَن بها مِن المشركين في بعضِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وذلك في شوالٍ وبعضِ ذى القَعدةِ، وهما (^١) مِن الأشهرِ الحُرُمِ، فكان معلومًا بذلك أنه لو كان القتالُ فيهن حرامًا وفيه معصيةٌ، كان أبعدَ الناسِ مِن فعلِه ﷺ. وأُخْرَى، أن جميعَ أهلِ العلمِ بسِيَرِ رسولِ اللهِ ﷺ لا تَتدافعُ أن بيعةَ الرِّضْوانِ على قتالِ قريشٍ كانت في (^٢) ذى القَعْدةِ، وأنه ﷺ إنما دعا أصحابَه إليها يومَئذٍ، لأَنه بلَغه أن عثمانَ بنَ عفانَ قتلَه المشركون إذ أرْسَله إليهم بما أرسلَه به مِن الرسالةِ، فبايَع ﷺ على أن يُناجِزَ القومَ الحربَ ويُحاربَهم، حتى رجَع عثمانُ بالرسالةِ، وجرَى بينَ النبيِّ ﷺ وقريشٍ الصُّلْحُ، فكفَّ عن حربهم حينئذٍ وقتالِهم، وكان ذلك في ذى القَعْدةِ، وهو مِن الأشْهُرِ الحُرُمِ. فإذا كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ صحةُ ما قلنا في قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾. وأنه مَنْسوخٌ.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن النهىَ عن القتالِ في الأشهرِ الحرمِ كان بعدَ استحلالِ النبيِّ ﷺ إياهنَّ؛ لما وَصَفنا من حُروبِه، فقد ظنَّ جهلًا، وذلك أن هذه الآيةَ -أعْنِى قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ - في أمرِ عبدِ اللهِ بنِ جَحْشٍ وأصحابِه، و(^٣) ما كان مِن أمرِهم وأمرِ القَتيلِ الذى قتَلوه، فأنزَل اللهُ في أمرِه هذه\n_________\n(^١) في م: \"هو\".\n(^٢) بعده في م: \"أول\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وكان\".","vol":"3","page":664},{"text":"الآيةَ في آخرِ جُمادَى الآخرةِ مِن السنةِ الثانيةِ مِن مَقْدَمِ رسولِ اللهِ ﷺ المدينةَ وهِجْرتِه إليها، وكانت وَقْعةُ حُنَينٍ والطائفِ في شوَّالٍ مِن سنةِ ثمانٍ مِن مَقْدَمِه المدينةَ وهجرتِه إليها، وبينهما مِن المدةِ ما لا يخْفَى على أحدٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-673>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذِكْرُه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾.</span>\nيَعْنِى تعالى ذِكْرُه: ولا يَزالُ مُشْركو قريشٍ يُقاتلونكم حتى يَردُّوكم عن دينِكم إن قدَرُوا على ذلك.\nكما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، قال: ثنى الزهرىُّ ويزيدُ بنُ رومانَ، عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾. أى: هم مُقِيمون على أخبثِ ذلك وأعظمِه غيرَ تائبين ولا نازعين. يعنى: على أن يَفْتِنوا المسلمين عن دينِهم حتى يَرُدُّوهم إلى الكفرِ، كما كانوا يَفْعلون بمن قَدَروا عليه منهم قبلَ الهِجْرةِ (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾. قال: كفارُ قريشٍ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-674>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذِكْرُه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ</span>\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٦٥٣.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٣٢. ومن طريقه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٣٨٧ (٢٠٣٦)، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ٢٥٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":665},{"text":"أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾.\nيعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾: مَن يَرْجِعْ منكم عن دينِه، كما قال جل ثناؤُه: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] يعنى بقولِه: ﴿فَارْتَدَّا﴾: رجَعا. ومِن ذلك قيل: اسْتَردَّ فلانٌ حقَّه مِن فلانٍ. إذا اسْتَرجعه منه. وإنما أظْهَر التَّضْعيفَ في قولِه: ﴿يَرْتَدِدْ﴾؛ لأن لامَ الفعلِ ساكنةٌ بالجزمِ، وإذا سُكِّنت فالقياسُ تركُ التَّضْعِيفِ، وقد تُضَعَّفُ وتُدْغَمُ وهى ساكنةٌ، بِناءً على التثنيةِ والجمع.\nوقولُه: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾. يقولُ: مَن يرجعْ عن دينِه، دينِ الإسلامِ، ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، فيَمُتْ قبلَ أن يتوبَ مِن كفرِه، فهم الذين حَبِطَت أعمالُهم. يعنى بقولِه: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: بطَلت وذهَبت. وبُطُولُها ذهابُ ثوابِها، وبُطُولُ الأجرِ عليها والجزاءِ في دارِ الدنيا والآخرةِ.\nوقولُه: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يعنى: الذين ارْتَدُّوا عن دينِهم فماتوا على كفرِهم، هم أهلُ النارِ المُخلَّدون فيها. وإنما جعَلهم أهلَها؛ لأنهم لا يَخْرجون منها، فهم سكانُها المُقيمون فيها، كما يقالُ: هؤلاء أهلُ مَحَلَّةِ كذا. يعنى: سكانُها المُقيمون فيها.\nويعنى بقولِه: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: هم فيها لابِثون لُبثًا مِن غيرِ أمدٍ ولا نهايةٍ.\n\n<span id=\"aya-225\"></span><span data-type='title' id=toc-675>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذِكْرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ذِكْرُه: إن الذين صدَّقوا باللهِ وبرسولِه وبما جاء به. وبقولِه:","vol":"3","page":666},{"text":"﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾: الذين هجَروا مُساكنةَ المشركين في أمصارِهم، ومُجاورتَهم في ديارِهم، فتَحوَّلوا عنهم وعن جوارِهم وبلادِهم إلى غيرِها، هجرةً لما انتقل عنه إلى ما انتقل إليه. وأصلُ المهاجَرةِ المفاعلةُ؛ من هجرةِ الرجلِ الرجلَ للشَّحْناءِ تكونُ بينهما، ثم تُسْتَعْمَلُ في كلِّ مَن هجَرَ شيئًا لأمرٍ كرِهه منه. وإنما سُمِّى المهاجرون مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ مهاجرين؛ لما وصَفنا من هجرتِهم دُورَهم ومنازلَهم -كراهةً منهم النزولَ بين أظهرِ المشركين وفى سلطانِهم، بحيثُ لا يَأْمَنون فتنتَهم على أنفسِهم في ديارِهم- إلى الموضعِ الذى يأمنون ذلك.\nوأمَّا قوله: ﴿وَجَاهَدُوا﴾ فإنه يعنى: وقاتَلوا وحارَبوا. وأصلُ المجاهدةِ المفاعلةُ؛ من قولِ الرجلِ: قد جهَد فلانٌ فلانًا على كذا -إذا كرَبه وشقَّ عليه- يَجْهَدُه جَهْدًا. فإذا كان الفعلُ من اثنين، كلُّ واحدٍ منهما يُكابدُ من صاحبِه شدَّةً ومشقَّةً، قيل: فلانٌ يُجَاهِدُ فلانًا. يعنى أن كلَّ واحدٍ منهما يَفْعَلُ بصاحبِه ما يَجْهَدُه ويَشُقُّ عليه، فهو يُجاهِدُه مجاهدةً وجهادًا.\nوأَمَّا سبيلُ اللهِ: فطريقُه ودينُه.\nفمعنى قولهِ إذن: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّه﴾: والذين تحوَّلوا من سلطانِ أهلِ الشركِ؛ هجرةً لهم، وخوفَ فتنتِهم على أديانِهم، وحارَبوهم في دينِ اللهِ لِيُدْخِلوهم فيه، وفيما يُرْضِى اللهَ، ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ﴾. أى: يَطْمَعون أن يَرْحَمَهم اللهُ فيُدْخِلَهم جنَّتَه بفضلِ رحمتِه إيَّاهم، ﴿وَاللَّهُ غَفُور﴾. أى: ساترٌ ذنوبَ عبادِه بعفوِه عنها، متفضلٌ عليهم بالرحمةِ.\nوهذه الآيةُ أيضًا ذُكرَ أنها نزَلتْ في عبدِ اللهِ بنِ جحشٍ وأصحابِه.","vol":"3","page":667},{"text":"ذِكرُ مَن قال ذلك\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، أنه حدَّثه رجلٌ، عن أبى السَّوَّارِ، يُحَدِّثُه عن جُندَبِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: لمّا كان من أمرِ عبدِ اللهِ بنِ جحشٍ وأصحابِه، وأمرِ ابنِ الحضْرَميِّ ما كان، قال بعضُ المسلمين: إن لم يكونوا أصابوا في سفرِهم -أظنُّه قال: - وِزْرًا، فليس لهم فيه أجرٌ. فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^١).\nحدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثنى الزُّهرىُّ ويزيدُ ابنُ رومانَ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، قال: أنزَل اللهُ ﷿ القرآنَ بما أنزَل من الأمرِ، وفرّجَ اللهُ عن المسلمينَ في أمرِ عبدِ اللهِ بنِ جحشٍ وأصحابِه -يعنى في قتلِهم ابنَ الحَضْرميِّ- فلمَّا تجلَّى عن عبدِ اللهِ بنِ جحشٍ وأصحابِه ما كانوا فيه حين نزَل القرآنُ، طَمِعُوا في الأجرِ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، أنطمعُ أن تكونَ لنا غزوةً نُعْطَى فيها أجرَ المجاهدين؟ فأنزَل اللهُ ﷿ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فوَقَفهم (^٢) اللهُ من ذلكَ على أعظمِ الرجاءِ. (^٣).\nحدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: أثنَى اللهُ على أصحابِ نبيِّهِ محمدٍ ﷺ أحسنَ الثناءِ، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٣٨٨ (٢٠٤٠) من طريق المعتمر به. وتقدم في ص ٦٥٥، ٦٥٦.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فوصفهم\"، وفى سيرة ابن هشام: \"فوضعهم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٣٨٨ (٢٠٤٢) من طريق ابن إسحاق به، وهذا اللفظ أيضا عند ابن هشام في السيرة، كما تقدم في ص ٦٥٠ - ٦٥٣.","vol":"3","page":668},{"text":"آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. هؤلاء خيارُ هذه الأمةِ، ثم جعَلهمُ اللهُ أهلَ رَجاءٍ كما تسمعون (^١)، وإنه مَن رَجَا طلَب، ومَنْ خاف هرَب (^٢).\nحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٣).\n\n<span id=\"aya-226\"></span><span data-type='title' id=toc-676>القول في تأويل قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾.</span>\nيعني بذلك جلَّ ثناؤُه: يسألك أصحابُك يا محمدُ عن الخمرِ وشُرْبِها.\nوالخمرُ كلُّ شرابٍ خامَر العقلَ فستَره وغَطَّى عليه، وهو من قولِ القائلِ: خمَرْتُ الإناءَ. إذا غطَّيتَه. وخَمِرَ الرجلُ. إذا دخلَ في الخَمَرِ (^٤). ويقالُ: هو في خُمارِ النَّاسِ وغُمارِهم. يرادُ به: دخَل في عُرْضِ الناسِ. ويقالُ للضَّبعِ: [خامرِى أمَّ عامرٍ] (^٥). أي: استترِى (^٦). وما خامَر العقلَ من دَاءٍ وسُكْرٍ فخالَطه وغمَره فهو خَمْرٌ، ومن ذلك أيضًا خِمارُ المرأةِ، وذلك لأنها تسترُ به (^٧) رأسَها فتغطِّيه. ومنه يقال: هو يمشي لك الخمَرَ. أي مُستخْفِيًا، كما قال العجاجُ (^٨):\n_________\n(^١) في ت ١: \"يسمعون\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"يستمعون\".\n(^٢) في ت ٢: \"طلب\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٨٨ (٢٠٤١) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) الخَمَرُ من الناس: جماعتهم وكثرتهم. الوسيط (خ م ر).\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خامرنى أمر\".\n(^٦) في ت ٢، ت ٣: \"استرنى\".\n(^٧) زيادة لازمة.\n(^٨) ديوانه ص ٢٦.","vol":"3","page":669},{"text":"في لامعِ العِقْبانِ لا يأتي الخَمَرْ\nيُوجِّهُ الأرْضَ (^١) ويَشتاقُ الشَّجَرْ\nويعنى بقولِه: لا يأتي الخمَر: لا يأتي مُستخفيًا ولا مُسارقَةً، ولكن ظاهرًا براياتٍ وجيوشٍ. والعِقبانُ جمعُ عُقابٍ، وهي الراياتُ.\nوأما الميسرُ فإنها الفعِلُ، من قولِ القائلِ: يَسَر لي هذا الأمرُ. إذا وجَب لي، فهو يَيْسِرُ لي يَسَرًا ومَيسِرًا. والياسرُ الواجبُ، بقداحٍ وجَبَ ذلك أو مباحهِ (^٢) أو غيرِ ذلك. ثم قيل للمُقامرِ: ياسرٌ ويَسَرٌ. كما قال الشاعرُ (^٣):\nفَبِتُّ كأنَّنِى يَسَرٌ غَبِينٌ … يُقَلِّبُ بعدَ ما اخْتُلِعَ (^٤) القِدَاحا\nوكما قال النابغةُ (^٥):\nأَوْ ياسِرٌ ذَهَبَ القِداحُ بوَفْرِه (^٦) … أسِفٌ تآكَلُه (^٧) الصَّديقُ مُخَلَّعُ\nيعني بالياسرِ المقامِرَ. وقيل للقِمارِ: مَيسِرٌ.\nوكان مجاهدٌ يقولُ نحوَ ما قلنا في ذلك.\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي\n_________\n(^١) وجَّه الأرض: صيَّرها وجها واحدًا. اللسان (وج هـ).\n(^٢) في ت ٣: \"ماجه\" واستصوب الشيخ شاكر أنها فُتاحة، وفى حاشية المطبوعة: لعله محرف عن ممانحة، وهي المعاونة والمرافدة.\n(^٣) هو النابغة الذبيانى، والبيت في ديوانه ص ٢٥٠.\n(^٤) اختلع: أُخذ ماله. التاج (خ ل ع).\n(^٥) لم نجده في ديوانه، وينظر التبيان ٢/ ٢١٢.\n(^٦) الوفر: المال الكثير الواسع. التاج (وف ر).\n(^٧) في م: \"بأكله\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يأكله\". والمثبت من التبيان.","vol":"3","page":670},{"text":"نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾. قال: القِمارِ، وإنما سُمّىَ الميسرَ، لقولِهم: أيْسِرُوا واجزُرُوا. كقولِك: ضعْ كذَا وكذَا (^١).\nحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ القمارِ من الميسرِ، حتى لَعِبُ الصبيانِ بالجوْزِ (^٢).\nحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الملكِ ابنِ عُميرٍ، عن أبي الأحوصِ، قال: قال عبدُ اللهِ: إياكم وهذه الكِعابَ (^٣) الموسومةَ التى تزجُرُون (^٤) زجرًا، فإنهنَّ من الميْسِرِ (^٥).\nحدثنا محمدُ بنُ المثني، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الملكِ بنِ عُميرٍ، عن أبي الأحوصِ مثلَه.\nحدثنا محمدُ بنُ المثني، قال: ثنا محمدُ بنُ نافعٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ أنه قال: إياكم وهذه الكِعابَ التى\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٣٢، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٠ (٢٠٥١)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٦٥٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٩٧ (٦٧٤٩) من طريق سفيان به، وأخرجه معمر في جامعه ١٠/ ٤٦٧ (١٩٧٢٨)، وعبد الرزاق في تفسيره ١/ ٨٨، والبيهقي ١٠/ ٢١٣ من طريق ليث به.\n(^٣) الكعاب جمع الكعب الذي يلعب به، وهو فص النرد. التاج (ك ع ب).\n(^٤) زاد ناشرو المطبوعة بعدها: \"بها\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٥٤٩، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٩٦ (٦٧٤٦) من طريق سفيان به، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٢٧٠)، والبيهقي في الشعب (٦٥٠٢)، من طرق عن عبد الملك بن عمير به، وأخرجه معمر في جامعه ١٠/ ٤٦٧ (١٩٧٢٧)، وأحمد ٧/ ٢٩٨ (٤٢٦٣)، وابن عدي في الكامل ١/ ٢١٦، والبيهقي ١٠/ ٢١٥، وفى الشعب (٦٥٠١، ٦٥٠٣) من طرق عن أبي الأحوص به، وقد روى مرفوعًا وموقوفًا، ورجح الدارقطني في العلل ٥/ ٣١٥، ٣١٦ الرواية الموقوفة.","vol":"3","page":671},{"text":"تزْجُرون (^١) زَجرًا، فإنها مِن الميسرِ (^٢).\nحدثني عليُّ بنُ سعيد الكِندىُّ، قال: ثنا علي بنُ مُسهِرٍ، عن عاصمٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: القمارُ ميسرٌ (^٣).\nحدثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: كلُّ شيءٍ له خَطَرٌ (^٤)، أو فى خَطَرٍ -أبو عامرٍ شكّ- فهو من الميسرِ (^٥).\nحدثنا الوليدُ بنُ شجاعٍ أبو همامٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ مُسهرٍ، عن عاصمٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: كلُّ قِمارٍ ميسرٌ، حتى اللعبُ بالنَّردِ على القيامِ، والصياحُ، والريشةُ يجعلُها الرجلُ في رأسِه.\nحدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، عن ابنِ سيرينَ، قال: كلُّ لعبٍ فيه قِمارٌ من شُربٍ أو صِياحٍ أو قيامٍ، فهو من الميسرِ (^٦).\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا الأشعثُ، عن الحسنِ أنه قال: الميسرُ القمارُ (^٧).\n_________\n(^١) زاد ناشرو المطبوعة بعدها: \"بها\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٨٨، والخرائطى في مساوئ الأخلاق (٧٥٦) من طريق يزيد بن أبي زياد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٥٥٣، وابن أبي الدنيا في ذم الملاهى (١١٤) من طريق حماد بن نجيح، عن ابن سيرين به.\n(^٤) الخطر: السبق الذي يُتراهن عليه، والجمع أخطار مثل سبب وأسباب. المصباح المنير (خ ط ر).\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٥٥٣ من طريق سفيان به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهى (١١٧) من طريق جرير به، وأخرجه الخرائطى في مساوئ الأخلاق (٧٦٠) من طريق آخر عن ابن سيرين، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٠ إلى أبي الشيخ.\n(^٧) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهى (١١٦) من طريق الفضل بن دلهم، عن الحسن.","vol":"3","page":672},{"text":"حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا المعتمرُ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ وعطاءٍ، قالا: كلُّ قمارٍ فهو من الميسرِ، حتى لعِبُ الصبيانِ بالكِعابِ والجوْزِ (^١).\nحدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ، قال: الميسرُ القمارُ (^٢).\nحدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ بنُ عُميرٍ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ (^٣) اللهِ، قال: إيّاكم وهاتينِ الكَعْبتينِ، يُزجرُ بهما زَجرًا، فإنهما من الميسرِ (^٤).\nحدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليّةَ، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، قال: أمّا قولُه: ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ فهو القمارُ كلُّه (^٥).\nحدثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني يحيى بنُ عبدِ اللهِ بنِ سالمٍ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عُمرَ، أنه سمِعَ عُمرَ بنَ عُبيدِ اللهِ يقولُ للقاسمِ بنِ محمدٍ: النَّردُ ميسرٌ، أرأيتَ الشِّطْرَنْجَ مَيسرٌ هو؟ فقال القاسمُ: كلُّ ما ألْهَى عن ذكرِ اللهِ وعن الصلاةِ فهو (^٦) ميسرٌ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٥٥٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٩٧ (٦٧٤٩)، وابن أبي الدنيا في ذم الملاهى (١١٥) من طرق عن ليث به.\n(^٢) أخرجه الآجرى في تحريم النرد والملاهى (٤٥) من طريق عطاء به.\n(^٣) فى م: \"عبيد\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٦٧١.\n(^٥) أخرجه الآجرى في تحريم النرد والملاهى (٤٦) من طريق شيبان، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣١٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) أخرجه ابن أبي الدنيا فى ذم الملاهى (٩٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩١ (٢٠٥٦)، والآجرى فى تحريم النرد والملاهى (٢٥)، والبيهقي في الشعب (٦٥١٩) من طريق عبيد الله بن عمر به.","vol":"3","page":673},{"text":"حدثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الميسرُ القمارُ، كان الرجلُ في الجاهليةِ يُخاطرُ على (^١) أهلِه ومالِه، فأيُّهما قمَر صاحبَه، ذهَب بأهلِه ومالِه (^٢).\nحدثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ، قال: الميسرُ القمارُ (^٣).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، قال: الميسرُ القمارُ (^٤).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، قالا: الميسرُ القمارُ كلُّه، حتى الجوْزُ الذي يلعَبُ به الصبيانُ (^٥).\nحُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: سمِعتُ عُبيدَ بنَ سليمانَ يُحدِّثُ عن الضحاكِ قولَه: ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾. قال: القمارِ.\nحدثنا بشرُ بن مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الميسرُ القمارُ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\".\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٥٩، ٣٦٠، وأبو جعفر النحاس في ناسخه ص ١٨٦، والآجرى في تحريم النرد والملاهى (٤٤) من طرق عن عبد الله بن صالح به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٠ عقب الأثر (٢٠٥١) من طريق عمرو به.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٨.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٨، وأخرجه معمر في جامعه ١٠/ ٤٦٧ (١٩٧٢٨) -ومن طريقه البيهقي ١٠/ ٢١٣ - عن ليث، عن مجاهد وحده.","vol":"3","page":674},{"text":"حدثنا المثني، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو بدرٍ شجاعُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا موسى بنُ عقبةَ، عن نافعٍ، أن ابنَ عُمرَ كان يقولُ: القمارُ من الميسرِ (^١).\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: الميسرُ قِداحُ العربِ وكِعابُ فارسَ (^٢). وقال ابنُ جُريجٍ: وزعَم عطاءُ ابنُ ميسرةَ أنَّ الميسرَ القمارُ كلُّه (^٣).\nحدثنا ابنُ البرقىِّ، قال: ثنا عَمرُو بنُ أبي سَلَمةَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، قال: قال مكحولٌ: الميسرُ القمارُ.\nحدثنا الحسينُ بنُ محمدٍ الذَّارعُ، قال: ثنا الفضلُ بنُ سليمانَ وشجاعُ بنُ الوليدِ، عن موسى بنِ عقبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: الميسرُ القمارُ.\nوأما قولُه: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فإنه يعني بذلك جلّ ثناؤُه: قلْ يا محمدُ لهم: ﴿فِيهِمَا﴾ يعني: في الخمرِ والميسرِ ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فالإثم الكبيرُ الذي فيهما ما ذُكِرَ عن السدىِّ فيما حدَّثنى به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: أما قولُه: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. فإثمُ الخمرِ أن الرجلَ يشرَبُ فيسْكَرُ فيؤذِى الناسَ، وإثمُ الميسرِ أن يُقامرَ الرجلُ فيمنعَ الحقَّ ويظلمَ.\nحدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٠ (٢٠٥٠) من طريق شجاع بن الوليد به، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٢٦٠)، والبيهقي ١٠/ ٢١٣ من طريق موسى بن عقبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥٢ إلى أبي عبيد وابن المنذر.\n(^٢) بعده في م: \"قال\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣١٤، ومن طريقه البيهقي ١٠/ ٢١٣.","vol":"3","page":675},{"text":"نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. قال: هذا أولُ ما عِيبَتْ به الخمرُ (^١).\nحدثني علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلْحَةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. يعني: ما يَنقُصُ من الدِّينِ عندَ مَن يَشربُها (^٢).\nوالذي هو أوْلى بتأويلِ الآيةِ بالإثمِ (^٣) الكبيرِ الذي ذكَر اللهُ جلَّ ثناؤُه أنَّه في الخمرِ والميسرِ مما (^٤) قاله السُّدىُّ، زوالُ عقلِ شاربِ الخمرِ إِذا سكِرَ من شُرْبهِ إيّاها، حتى يَعزُبَ عنه معرفةُ ربِّه، وذلك أعظمُ الآثامِ، وذلك معنى قولِ ابنِ عباسٍ إن شاءَ اللهُ. وأما في الميسرِ فما فيه من الشُّغُلِ به عن ذكرِ اللهِ وعن الصلاةِ، ووقوعِ العداوةِ والبغضاءِ بين المتياسِرينَ بسبَبِه، كما وصَف ذلك به ربُّنا جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١].\nوأما قولُه: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾. فإنّ منافعَ الخمرِ كانت أثمانَها قبلَ تحرِيمِها، وما يَصِلونَ إليه بشرْبِها من اللذةِ، كما قال الأعشى في صفتِها (^٥):\nلَنا مِن ضُحاها خُبْثُ نَفْسٍ وكأْبةٌ … وذِكْرَى هُمُومٍ ما تَغِبُّ (^٦) أذَاتُها\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩١ (٢٠٥٩) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥٣ إلى ابن المنذر والنحاس.\n(^٣) في م: \"الإثم\".\n(^٤) في م: \"فالخمر ما\".\n(^٥) ديوانه ص ٨٣، ٨٥ باختلاف.\n(^٦) في م: \"تفك\".","vol":"3","page":676},{"text":"وعندَ العَشىِّ (^١) طِيبُ نَفْسٍ وَلَذَّةٌ … ومالٌ كَثيرٌ عِدَّةٌ (^٢) نشوَاتُها\nوكما قال حسانُ (^٣):\nفَنَشْرَبُها فتترُكُنا مُلُوكًا … وأُسْدًا ما يُنَهْنِهُنا (^٤) اللِّقاءُ\nوأمَّا منافعُ الميسرِ، فما يصيبون فيه (^٥) من أنصباءِ الجَزُورِ، وذلك أنهم كانوا\nيُياسِرونَ على الجزورِ، وإذا أفلَج (^٦) الرجلُ منهم صاحبَه نحرَه، ثمَّ اقْتسموا أعشارًا\nعلى عَددِ القِداحِ، وفي ذلك يقولُ أعشى بنى ثعلبةَ (^٧):\nوجَزُورِ أيْسارٍ (^٨) دَعَوْتُ [إلى النَّدَى] (^٩) … ونِياطُ (^١٠) مُقْفِرَةٍ أخافُ ضَلالَهَا\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: المنافعُ ههنا ما يُصيبون من الجَزُورِ (^١١).\n_________\n(^١) في م: \"العشاء\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عدد\"، وفي الديوان: \"غدوة\".\n(^٣) ديوانه ص ٧٣.\n(^٤) نهنهه عن الشيء: زجره وكفه. الوسيط (ن هـ ن).\n(^٥) في ت ٢، ت ٣: \"به\".\n(^٦) أفلج الرجل: أي ظفر على صاحبه. الوسيط (ف ل ج).\n(^٧) ديوانه ص ٢٧.\n(^٨) أيسار: جمع ياسر، وهو الضارب بالقداح، والمتقامر على الجزور، والذي يلي قسمة جزور الميسر. التاج (ى س ر).\n(^٩) في الديوان: \"لحتفها\".\n(^١٠) النياط من المفازة: بُعد طريقها، كأنها نيطت بمفازة أخرى لا تكاد تنقطع. التاج (ن وط).\n(^١١) تفسير مجاهد ص ٢٣٢ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٢ (٢٠٦٢).","vol":"3","page":677},{"text":"حدثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: أما مَنافعُهما، فإن منفعةَ الخمرِ في لذتِه وثمنِه، ومنفعةَ الميسرِ فيما يصابُ من القمارِ.\nحدثنا أبو هشامٍ (^١) الرفاعىُّ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةَ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾. قال: منافعُهما قبلَ أن يُحرَّما (^٢).\nحدثنا علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾. قال: يقولُ: فيما يُصيبون من لذَّتِها وفرحِها إذا شَرِبوها (^٣).\nواختلَف القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه عُظْمُ أهلِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين والبصريين: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ بالباءِ، بمعنى: قُلْ: [في شُرْبِ] (^٤) هذه، والقمارِ هذا، كبيرٌ من الآثامِ، [أي: عظيمٌ] (^٥). وقرَأه آخرون من أهلِ المِصْرَيْنِ؛ البصرةِ والكوفةِ: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ). بمعنى الكثرةِ من الآثامِ، وكأنهم رأوْا أنَّ الإثمَ بمعنى الآثامِ، وإنْ كان في اللفظِ واحدًا، فوصفوه بمعناه من الكثْرةِ (^٦).\nوأوْلى القراءتين في ذلك بالصوابِ (^٧) قراءةُ من قرَأه بالباءِ: ﴿قُلْ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٣: \"هاشم\"، وفي ت ٢: \"عاصم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٢ (٢٠٦٣) من طريق ابن أبي زائدة به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٢ (٢٠٦١) من طريق أبي صالح به.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شربها\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) والذي قرأ بالثاء من الكثرة: حمزة والكسائى، وقرأ الباقون بالباء من الكبر. حجة القراءات ص ١٣٢.\n(^٧) القراءتان متواترتان، وليست إحداهما أولى بالصواب من الأخرى.","vol":"3","page":678},{"text":"فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. لإجماعِ جميعِهم على قولِه: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ وقراءتِه بالباء، وفي ذلك دلالةٌ بيِّنةٌ على أن الذي وُصف به الإثمُ الأولُ من ذلك هو العِظَمُ والكِبَرُ، لا الكثرةُ في العَدَدِ، ولو كان الذي وُصفَ به من ذلك الكثرةَ، لقيل: وإثمُهما أكثرُ من نفعِهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-677>القولُ في تأويل قوله عزَّ ذكرُه: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾.</span>\nيعني بذلك عزَّ ذكرُه: والإثمُ بشُربِ هذه، والقمارُ هذا، أعظمُ وأكبرُ مضرَّةً عليهم من النفْعِ الذي يتناولون بهما. وإنما كان ذلك كذلك لأنهم كانوا إذا سَكِرُوا وثَب بعضُهم على بعضٍ، وقاتَل بعضُهم بعضًا، وإذا ياسَرُوا وقَع بينهم فيه بسببِه الشّرُّ، فأدّاهم ذلك إلى ما يأثَمون به.\nونزَلت هذه الآيةُ في الخمرِ قبل أن يُصرَّحَ بتحرِيمِها، فأضاف الإثمَ جلّ ثناؤُه إليهما، وإنما الإثمُ بأسبابِهما، إذْ كان عن سبَبِهما يحدُثُ.\nوقد قال عَددٌ مِن أهلِ التأويلِ: معنى ذلك: وإثمُهما بعد تحريمِهما أكبرُ من نفعِهما قبلَ تحريمِهما.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. قال: منافعُهما قبلَ التّحريمِ، وإثمُهما بعدَ ما حُرِّما (^١).\nحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَمَنَافِعُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٢ (٢٠٦٥) عن محمَّد بن سعد به.","vol":"3","page":679},{"text":"لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾: يُنزِّلُ (^١) المنافعَ قبلَ التحريمِ، والإثمُ بعدَ ما حَرَّم.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبرنى عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. يقولُ: إثمُهما بعدَ التحريمِ أكبرُ من نفعِهما قبلَ التحريمِ (^٢).\nحدثني علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. يقولُ: ما يَذهبُ من الدِّينِ، والإثمُ فيه أكبرُ مما يصيبونَ في فرَحِها إذا شرِبوها (^٣).\nوإنما اخترنا ما قلنا في ذلك من التأويل؛ لتواتُرِ الأخبارِ وتظاهُرِها بأنّ هذه الآيةَ (^٤) نزَلتْ قبلَ تحريمِ الخمرِ والميسرِ، فكان معلومًا بذلك أن الإثمَ الذي ذكَرَه اللهُ في هذه الآيةِ فأضافه إليهما، إنما عنَى به الإثمَ الذي يحدُثُ عن أسبابِهما (^٥)، على ما وصَفْنا، لا الإثمَ بعدَ التحريمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-678>ذِكرُ الأخبارِ الدَّالةِ على ما قلْنا مِن أنَّ هذه الآيةَ نزَلَت قبلَ تَحريمِ الخَمرِ</span>\nحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا قيسٌ، عن سالمٍ، عن\n_________\n(^١) في ت ١: \"بترك\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"يترك\".\n(^٢) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ص ١٤٦ من طريق آخر عن الضحاك.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٦٧٦.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٣.\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أسبابها\".","vol":"3","page":680},{"text":"سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: لما نزَلتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فكرِهَها قومٌ لقولِه: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. وشَرِبها قومٌ لقولِه: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ حتى نزَلتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. قال: فكانوا يدَعونَها في حينِ الصلاةِ ويشْربونَها في غيرِ حينِ الصلاةِ، حتى نزلتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]. فقال عُمرُ: ضَيْعةً لكِ! اليومَ قُرِنْتِ بالميسرِ (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ مَعمرٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى حُميدٍ، عن أبي تَوبةَ المصرىِّ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ يقولُ: أنزلَ اللهُ ﷿ في الخمرِ ثلاثًا، فكان أولَ ما أَنزلَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآية. فقالوا: يا رسولَ اللهِ، ننتفعُ بها ونشْربُها كما قال اللهُ جلَّ وعزَّ في كتابِه. ثمَّ نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية. قالوا: يا رسولَ اللهِ، لا نشربُها عند قُربِ الصلاةِ. قال: ثمَّ نزَلتْ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الآية. قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"حُرّمَتِ الخَمْرُ\" (^٢).\nحدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣١٧ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه الطيالسى (٢٠٦٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٨٩، ٤/ ١١٩٩ (٢٠٤٦، ٦٧٦٢)، والبيهقي في الشعب (٥٥٦٩) كلهم من طريق محمَّد بن أبي حميد به. وفي سند الطيالسى وابن أبي حاتم والبيهقي: \"أبو طعمة\" بدلًا من أبي توبة، قال ابن عساكر - كما في مختصر تاريخ دمشق ٢٨/ ٢٠٣: وأبو توبة هذا لم أجد له ذكرًا في كتاب من الكتب المشهورة. وقال الشيخ شاكر: أبو توبة المصري: لا يوجد راو بهذا الاسم، وإنما هو من تخليط محمَّد بن أبي حميد. وصحته أبو طعمة الأموى.","vol":"3","page":681},{"text":"النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسنِ، قالا: قال اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ و﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ فنسخَتْها الآيةُ التي في \"المائدةِ\" فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية.\nحدثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا عوفٌ، عن أبي القَمُوصِ زيدِ ابنِ علىٍّ، قال: أنزلَ اللهُ ﷿ في الخمرِ ثلاثَ مراتٍ؛ فأولُ ما أَنزل قال اللهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. قال: فشرِبَها من المسلمين من شاءَ اللهُ منهم على ذلك، حتى شرِبَ رَجُلان، فدخَلا في الصلاةِ، فجعَلا يهْجُران كلامًا، لا يدْرِى عوفٌ ما هو، فأنزل اللهُ ﷿ فيهما: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فشَرِبها من شَرِبها منهم، وجعَلوا يَتَّقُونَها عندَ الصلاةِ، حتى شرِبَها -فيما زَعَم أبو القَمُوصِ- رجلٌ، فجعَل ينوحُ على قتلَى بدرٍ (^١):\nتُحَيِّى بالسَّلامَةِ أُمُّ عَمْرٍو … وهلْ لكِ بعدَ رَهْطِكِ من سَلامِ\nذَرِينِى أصْطَبِحْ بَكْرًا فإنّى … رأيْتُ المَوْتَ نَقَّبَ عَنْ هِشامِ\nوَوَدّ بَنُو المُغِيرَةِ لَوْ فَدَوْهُ … بألْفٍ مِنْ رجالٍ أوْ سَوَامِ (^٢)\n_________\n(^١) الأبيات دون الثاني والثالث في سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩ لأبى بكر بن الأسود بن شعوب، وكذا نسب البيت الثانى له مصعب في نسب قريش ص ٣٠١، ونسب البيت الثانى والثالث في الاشتقاق ص ١٠١ والوحشيات ص ٢٥٧ لبحير بن عبد الله القشيرى. وأورد البخاري في صحيحه ٥/ ٨٣ البيت الأوّل والرابع والخامس. وفي هذه المصادر اختلاف كثير في الرواية والترتيب عما هنا.\n(^٢) السوام: الإبل الراعية. اللسان (س وم).","vol":"3","page":682},{"text":"كأنى بالطَّوِىِّ (^١) طَوِىِّ بَدْرٍ … مِنَ الشِّيزَى (^٢) يُكَلَّلُ بالسَّنامِ\nكأنى بالطَّوِىِّ طَوِيِّ بَدْرٍ … مِنَ الفِتْيانِ والحُلَلِ الكِرَامِ\nقال: فبلَغ ذلك رسولَ اللهِ ﷺ، فجاء فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَه من الفزعِ حتى انتهَى إليه، فلمَّا عاينَه الرجلُ، فرفَع رسولُ اللهِ ﷺ شيئًا كان بيدِه ليضرِبَه، قال: أعوذُ باللهِ مِن غَضَبِ اللهِ ورسولِه، واللهِ لا أطعَمُها أبدًا. فأنزَل اللهُ تحريمَها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قولِه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. فقال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: انتهَينا انتهَينا (^٣).\nحَدَّثَنَا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ الأزرقُ، عن زكريّا، عن سِماكٍ، عن الشعبيُّ، قال: نزَلتْ في الخَمرِ أربعُ آياتٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فترَكوها، ثم نزلتْ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]. فشرِبوها، ثم نزلتِ الآيتان في \"المائدةِ\": ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ إلى قولِه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (^٤).\nحَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ، قال: نزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية. فلم\n_________\n(^١) الطوى: البئر المطوية بالحجارة. اللسان (ط وى).\n(^٢) الشيزى: جفان تصنع من خشب، وإنما أراد أصحابها الذين يطعمون فيها. شرح غريب السيرة ٢/ ٧٦.\n(^٣) الإصابة ٧/ ٤٥، وبعض المصادر تنسب هذا الشعر لأبى بكر الصديق ﵁. وقال الشيخ شاكر: زيد بن على أبو القموص تابعى ثقة قليل الحديث، وروايته هذه مرسلة، لا تقوم بها حجة، وقد أشار إليها الحافظ في الإصابة ٧/ ٤٥ وأنه رواها الفاكهى في تاريخ مكة، عن يحيى بن جعفر، عن على بن عاصم، عن عوف بن أبى جميلة، عن أبي القموص، وجزم بتضعيفها، لمعارضتها بما رواه الفاكهى نفسه، من وجه صحيح، عن عائشة، قالت: والله ما قال أبو بكر بيت شعر في الجاهلية ولا الإسلام، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣١٧ إلى المصنّف.","vol":"3","page":683},{"text":"يزالوا بذلك يشرَبُونَها، حتى صنَع عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ طعامًا، فدعا ناسًا من أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ، فيهم عليُّ بنُ أبى طالبٍ، فقرَأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ولم يفهَمْها، فأنزَل اللهُ ﷿ يشدِّدُ في الخمرِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فكانت لهم حلالًا، يشرَبون من صلاةِ الفجرِ حتى يرتفِعَ النهارُ أو ينتصفَ، فيقومون إلى صلاةِ الظهرِ وهم مُصْحُون، ثم لا يشرَبونَها حتى يصلُّوا العَتَمةَ -وهى العشاءُ- ثم يشربونها حتى ينتصِفَ الليلُ وينامون، ثم يقومون إلى صلاةِ الفجرِ وقد صَحُوا، فلم يزالُوا بذلك يشربونها، حتى صنَع سعدُ بنُ أبى وقاصٍ طعامًا، فدعا ناسًا من أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ فيهم رجلٌ من الأنصارِ، فشوَى لهم رأسَ بعيرٍ ثم دعاهُم عليه، فلما أكَلُوا وشرِبوا من الخمرِ، سَكِرُوا وأخذوا في الحديثِ، فتكلَّم سعدٌ بشيءٍ، فغضِبَ الأنصارىُّ، فرفَع لَحْىَ البعيرِ (^١) فكسَر أنفَ سعدٍ، فأنزلَ اللهُ نسخَ الخمرِ وتحريمَها، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾. إلى قولِه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾.\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، وعن رجلٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾. قالا: لما نزَلتْ هذه الآيةُ شَرِبها بعضُ الناسِ وترَكَها بعضٌ، حتى نزَل تحريمها في سورةِ \"المائدةِ\" (^٢).\nحَدَّثَنَا محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن\n_________\n(^١) لحى البعير: مفرد اللَّحْيين، وهما حائطا الفم، وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان من داخل الفم من كلّ ذى لَحْى يكون للإنسان والدابة. اللسان (ل ح ى).\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٨.","vol":"3","page":684},{"text":"ابنِ [أبى نَجيحٍ] (^١)، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ قال: هذا أوّلُ ما عِيبَتْ به الخَمرُ (^٢).\nحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾: فذمَّهما اللهُ ولم يحرِّمْهما، لِمَا أراد أن يبلُغَ بهما من المدةِ والأجَلِ، ثم أنزَل اللهُ في سورةِ \"النساءِ\" أشدَّ منها: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فكانوا يشرَبونها، حتى إذا حضَرت الصلاةُ سكَتُوا عنها، فكان السُّكْرُ عليهم حرامًا، ثم أنزلَ اللهُ جلَّ وعزَّ في سورةِ \"المائدةِ\" بعدَ غَزْوةِ الأحزابِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قولِه (^٣): ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فجاء تحريمُها في هذه الآيةِ قليلِها وكثيرِها، ما أسكَر منها وما لَمْ يُسكِرْ، وليس للعَربِ يومئذٍ عيشٌ أعْجبَ إليهم منها (^٤).\nوحُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. قال: لما نزَلتْ هذه الآيةُ قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إنّ رَبَّكم يُقَدِّمُ في تَحْريمِ الخَمْرِ\". قال: ثم نزَلتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. قال النبيُّ ﷺ: \"إنَّ رَبَّكم يُقَدِّمُ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ\". قال: ثم نزَلتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جريج\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ٦٧٥، ٦٧٦.\n(^٣) زيادة من: ت ٢.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣١٨ إلى المصنّف وابن المنذر.","vol":"3","page":685},{"text":"وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾. فحرِّمت الخَمرُ عندَ ذلك (^١).\nحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية كلها، قال: نُسِختْ ثلاثةً، في سورةِ \"المائدةِ\"، وبالحدِّ الذى حدَّ النَّبِيُّ ﷺ، وضَرْبِ النَّبِيِّ ﷺ. قال: كان النَّبِيُّ ﷺ يضرِبُهم بذلك حدًّا، ولكنه كان يعمَلُ في ذلك برأيِه، ولم يكنْ حدًّا مُسمًّى، وهو حدٌّ. وقرَأ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-679>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ذكرُه بذلك: ويسأَلُكَ يا محمدُ أصحابُك: أَىَّ شيءٍ ينفِقون من أموالِهم فيتصدَّقون به، فقل لهم يا محمدُ: أنفِقوا منها العفْوَ.\nواختلَفَ أهلُ التأويلِ في معنى: ﴿الْعَفْوَ﴾ فى هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناه الفضلُ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا عَمرُو بنُ عليٍّ الباهليُّ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابنِ أبى ليلي، عن الحكمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿الْعَفْوَ﴾: ما فضَلَ عن أهلِكَ (^٢).\nحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣١٨ إلى المصنّف وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٦٥ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٣ (٢٠٦٩)، والطبرانى (١٢٠٧٥)، وأبو جعفر النحاس في ناسخه ص ١٨٩، والبيهقي في الشعب (٣٤١٥) من طريق ابن أبي ليلى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٣ إلى وكيع وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"3","page":686},{"text":"الْعَفْوَ﴾. أى: الفضْلَ.\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، قال: هو الفضلُ (^١).\nحَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿الْعَفْوَ﴾. قال: الفضلَ (^٢).\nحَدَّثَنَا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: ﴿الْعَفْوَ﴾. يقولُ: الفضلَ (^٣).\nحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: كان القومُ يعملُون في كلِّ يومٍ بما فيه، فإن فضَلَ ذلك اليومَ فضلٌ عن العيالِ قدَّموه، ولا يتركُون عيالَهم جُوَّعًا ويتصدَّقون به على الناسِ.\nحَدَّثَنَا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسَنِ في قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: هو الفضْلُ، فضْلُ المالِ (^٤).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ما كان عَفْوًا لا يَبينُ على مَن أنفقَه أو تصَدَّق به.\nذِكرُ من قال ذلك\nحَدَّثَنِي عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ،\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٨.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٦٤ - تفسير) من طريق عبد الملك به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٤ (٢٠٧٤) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٩٣ عقب الأثر (٢٠٦٩) معلقًا.","vol":"3","page":687},{"text":"عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. يقولُ: ما لا يَتَبيَّنُ في أموالِكم (^١).\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ جُريجٍ، عن طاوسٍ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: اليسيرَ من كلِّ شيءٍ (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: الوسطُ من النَّفقةِ، ما لَمْ يكنْ إسرافًا ولا إقْتارًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزِيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. يقولُ: لا تُجْهِدْ مالَك حتى يَنْفَدَ للناسِ (^٣).\nحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: العفوُ في النفقةِ ألا تُجْهِدَ مالَك حتى يَنْفَدَ فتسألَ الناسَ.\nحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: العفوُ ما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٤ (٢٠٧٣)، وأبو جعفر النحاس في ناسخه ص ١٨٨، من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥٣ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٣٣ - ومن طريقه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٣ (٢٠٧٠) - من طريق ابن أبي نجيح عن طاوس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن زنجويه في الأموال (٢٣٥٠)، وعبد بن حميد في تفسيره -كما في تفسير ابن كثير ١/ ٣٧٣ - من طريق عوف به.","vol":"3","page":688},{"text":"لَمْ يُسْرِفوا، ولم يَقْتُروا في الحَقِّ. قال: وقال مجاهدٌ: العفوُ صدقةٌ عن ظهْرِ غِنًى.\nحَدَّثَنَا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: هو ألا تُجْهِدَ مالَك.\nوقال آخَرون: معنى ذلك: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾: خُذْ منهم ما أتَوْك به مِن شيءٍ قليلًا أو (^١) كثيرًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال؛ ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. يقولُ: ما أتَوْك به مِن شيءٍ قليلٍ أو كثيرٍ، فاقْبَلْه منهم.\nوقال آخَرون: معنى ذلك: ما طاب مِن أموالِكم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: يقولُ: الطيبَ منه. يقولُ: أفضلُ مالِك وأطيبَه (^٢).\nحُدِّثْتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ، قال: كان يقولُ: ﴿الْعَفْوَ﴾: الفضلَ. يقولُ: أفضلَ مالِك.\nوقال آخرون: معنى ذلك: الصدقةُ المفروضةُ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٣ (٢٠٧١) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"3","page":689},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن قيسِ بنِ سعدٍ -أو عيسى، عن قيسٍ- عن مجاهدٍ -شكَّ أبو عاصمٍ- قولَ اللهِ جلّ وعزّ: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: الصدقةَ المفروضةَ (^١).\nوأَوْلى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى العفوِ: الفضلُ مِن مالِ الرجلِ عن نفسِه وأهلِه في مُؤَنِهم (^٢) وما لا بُدَّ لهم منه، وذلك هو الفضلُ الذى تظاهَرت به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ بالإذنِ في الصدقةِ، وصدقتُه (^٣) في وجوهِ البِرِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-680>ذكرُ بعضِ الأخبارِ التى رُوِيت عن رسولِ اللهِ ﷺ بذلك</span>\nحدَّثنا عليُّ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ابنِ عَجْلانَ، عن المَقْبُرىِّ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، عندى دينارٌ. قال: \"أَنْفِقْه على نفسِكَ\". قال: عندى آخَرُ. قال: \"أنفِقْه على أهلِك\". قال: عندى آخَرُ. قال: \"أنْفِقْه على ولدِك\". قال: عندى آخَرُ. قال: \"فأنت أَبْصَرُ\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٣٣، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٣ (٢٠٧٢)، والنحاس في ناسخه ص ١٨٨، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٣ (٢٠٧٢) من طريق قيس به.\n(^٢) في م: \"مؤنتهم\".\n(^٣) في النسخ: \"صدقة\". وينظر تعليق الشيخ شاكر.\n(^٤) أخرجه البيهقى ٧/ ٤٦٦، والبغوى في شرح السنة (١٦٨٦) من طريق أبى عاصم به، وأخرجه الشافعى ٢/ ١٢١، والحميدى (١١٧٦)، وأحمد ٢/ ٣٨١، ١٦/ ١٠٤ (٧٤١٩، ١٠٠٨٦)، والبخارى في الأدب المفرد (١٩٧)، وأبو داود (١٦٩١)، والنسائى (٢٥٣٤)، وابن حبار (٤٢٣٣)، والحاكم ١/ ٤١٥، والبيهقى ٧/ ٤٦٦، والبغوى (١٦٨٥) من طرق عن ابن عجلان به.","vol":"3","page":690},{"text":"حدَّثنى محمدُ بنُ مَعْمَرٍ البَحْرانيُّ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: ثنا ابنُ جُرَيْجٍ، قال: أخبرَنى أبو الزُّبَيْرِ، أنه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إِذا كان أحدُكم فقيرًا فَلْيَبْدَأْ بنفسِه، فإن كان له فضلٌ فَلْيَبْدَأْ معَ نفسِه بمَن يَعُولُ، ثم إن وجَد فضلًا بعدَ ذلك فَلْيَتَصَدَّقْ على غيرِهم\" (^١).\nحدثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عاصمِ بنِ (^٢) عمرَ بنِ قتادةَ، عن محمودِ بنِ لَبِيدٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: أتَى رسولَ اللهِ ﷺ رجلٌ ببيضةٍ من ذهبٍ أَصابها في بعضِ المعادنِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، خُذْ هذه منى صدقةً، فو اللهِ ما أصبحتُ أَمْلِكُ غيرَها. فأعْرَض عنه، فأتاه مِن ركنِه الأيمنِ، فقال له مثلَ ذلك، فأعْرَض عنه، ثم قال له مثلَ ذلك، فأعرَض عنه، ثم قال له مثلَ ذلك، فقال: \"هاتِها\". مُغْضَبًا، فأخَذها فحذَفه بها حذفةً لو أصابه شجَّه أو عقَره، ثم قال: \"يَجِئُ أحَدُكم بمالِه كلِّه يَتَصَدَّقُ به ويَجْلِسُ يَتَكَفَّفُ الناسَ، إنما الصَّدقةُ عن ظَهْرِ غِنًى\" (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن إبراهيمَ الهَجَرىِّ (^٤)، قال: سمِعتُ أبا الأحوصِ يُحَدِّثُ عن عبدِ اللهِ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال:\n_________\n(^١) أخرجه الشافعى ٢/ ١٣٢ - ومن طريقه البيهقى ١٠/ ٣٠٩ - من طريق ابن جريج به، وأخرجه الطيالسى (١٨٥٤)، وأحمد ٢٢/ ١٧٣ (١٤٢٧٣)، ومسلم (٩٩٧)، وأبو داود (٣٩٥٧)، والنسائى (٢٥٤٥، ٤٦٦٦) من طرق عن أبى الزبير به.\n(^٢) في النسخ: \"عن\". وتقدم على الصواب في ٢/ ٢٣٧، ٢٥٠.\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة (٢٤٤١) من طريق يزيد بن هارون به، وأخرجه ابن زنجويه في الأموال (٢٣٤٦)، والدارمى ١/ ٣٩١، وأبو داود (١٦٧٣)، وابن خزيمة (٢٤٤١) من طرق عن ابن إسحاق به.\n(^٤) في النسخ: \"المخرمى\". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٢٠٣.","vol":"3","page":691},{"text":"\"ارْضَخْ (^١) مِن الفَضْلِ، وابْدَأْ بمَن تَعُولُ، ولا تُلامُ على كَفَافٍ\" (^٢).\nوما أشبهَ ذلك مِن الأخبارِ التى يطولُ باستقصاءِ ذكرِها الكتابُ.\nفإذا كان الذى أَذِن ﷺ لأمتِه الصدقةَ مِن أموالِهم الفضْلَ (^٣) عن حاجةِ المتُصَدِّقِ، فالفضلُ (^٤) من ذلك هو العفوُ مِن مالِ الرجلِ، إذ كان العفوُ في كلامِ العربِ في المالِ وفى كلِّ شيءٍ هو الزيادةُ والكثرةُ، ومن ذلك قولُه جل ثناؤُه: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]. بمعنى: زادُوا على ما كانوا عليه مِن العددِ وكثُروا. ومنه قولُ الشاعرِ (^٥):\nولكنَّا [يَعَضُّ السيفُ منا] (^٦) … بأَسْوُقِ عَافِياتِ الشَّحْمِ (^٧) كُومِ\nيعنى به كثيراتِ الشحومِ. ومِن ذلك قيل للرجلِ: خُذْ ما عفا لك مِن فلانٍ. يُرادُ به: ما فضَل فصفا لك عن جُهْدِه بما لم يَجْهَدْه - كان بَيِّنًا أن الذى أذِن اللهُ به في قولِه: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ لعبادِه مِن النفقةِ، فأذِنهم بإنفاقِه إذا أرادوا إنفاقَه، هو الذى بيَّن لأمتِه رسولُ اللهِ ﷺ بقولِه: \"خيرُ الصدقةِ ما أنفقتَ عن غِنًى\". وآذَنَهم به.\nفإن قال لنا قائلٌ: وما تُنْكِرُ أن يكونَ ذلك العفوُ هو الصدقةَ المفروضةَ؟\nقيل: أنكَزنا ذلك لقيامِ الحُجَّةِ على أن مَن حلَّت في مالِه الزكاةُ المفروضةُ،\n_________\n(^١) رضخ له من ماله: إذا أعطاه عطاء غير كثير. التاج (ر ض خ).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٥١٢٥) من طريق إبراهيم الهجرى به، وأخرجه الطيالسى (٣١٠)، وابن زنجويه في الأموال (٢٣٤٩) من طريق إبراهيم به موقوفًا.\n(^٣) في م: \"بالفضل\".\n(^٤) في النسخ: \"الفضل\".\n(^٥) هو لبيد بن أبى ربيعة، والبيت في شرح ديوانه ص ١٠٤.\n(^٦) في الديوان: \"نعض السيف منها\".\n(^٧) في الديوان: \"اللحم\".","vol":"3","page":692},{"text":"فهلَك جميعُ مالِه إلَّا قَدْرَ الذى لزِم مالَه لأهلِ سُهمانِ الصدقةِ، أن عليه أن يُسَلِّمَه إليهم، إذا كان هلاكُ مالِه بعدَ تفريطِه في أداءِ الواجبِ كان لهم في (^١) مالِه إليهم، وذلك لا شكَّ أنه جُهدُه -إذا سلَّمه إليهم- لا عفوُه، وفى تسميةِ اللهِ جلّ ثناؤه ما علَّم عبادَه وجْهَ إنفاقِهم مِن أموالِهم عفوًا، ما يُبْطِلُ أن يكونَ مُسْتَحِقًّا اسمَ جُهْدٍ في حالةٍ. وإذا كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ فسادُ قولِ مَن زعَم أن معنى العفوِ هو ما أخرَجه ربُّ المالِ إلى إِمامِه فأعطاه، كائنًا ما كان مِن قليلِ مالِه وكثيرِه، وقولِ مَن زعَم أنه الصدقةُ المفروضةُ.\nوكذلك أيضًا لا وجهَ لقولِ مَن يقولُ: إنَّ معناه: ما لم يَتَبيَّنْ في أموالِكم؛ لأن النبيَّ ﷺ لما قال له أبو لُبَابَةَ: إن مِن توبتى أن أَنْخَلِعَ إلى اللهِ ورسولِه مِن مالى صدقةً. قال النبيُّ ﷺ: \"يَكْفِيكَ مِن ذلك الثلثُ\" (^٢). وكذلك رُوِى عن كعبِ بنِ مالكٍ أن النبيَّ ﷺ قال له نحوًا مِن ذلك (^٣). والثلثُ لا شكَّ أنه بَيِّنٌ فقدُه مِن مالِ ذى المالِ. ولكنه عندى كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. وكما قال جل ثناؤه لمحمد ﷺ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]. وذلك هو ما حدَّه ﷺ فيما دونَ ذلك على قدرِ المالِ واحتمالِه.\nثم اخْتَلف أهلُ العلمِ في هذه الآيةِ: هل هى منسوخةٌ أم ثابتةُ الحكمِ على\n_________\n(^١) سقط من النسخ.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢٧/ ٢٥، ٤٨٨ (١٥٧٥٠، ١٦٠٨٠)، وأبو داود (٣٣١٩). وينظر طرقه والكلام عليه في تخريج المسند.\n(^٣) البخارى (٤٤١٨، ٤٦٧٦)، ومسلم (٢٧٦٩).","vol":"3","page":693},{"text":"العبادِ؟ فقال بعضُهم: هى منسوخةٌ، نسَختها الزكاةُ المفروضةُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى عليُّ بن داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ ابنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: كان هذا قبلَ أن تُفْرَضَ الصدقةُ (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: لم تُفْرَضْ فيه فريضةٌ معلومةٌ، ثم قال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. ثم نزَلت الفرائضُ بعدَ ذلك مُسَمَّاةً (^٢).\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾: هذه نسَختها الزكاةُ (^٣).\nوقال آخرون: بل مُثْبتَةُ الحكمِ غيرُ منسوخةٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن قيسِ بنِ سعدٍ -أو: عيسى، عن قيسٍ- عن مجاهدٍ -شكَّ أبو عاصمٍ-\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٤ (٢٠٧٣)، وأبو جعفر النحاس في ناسخه ص ١٨٨ من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥٣ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٤ (٢٠٧٤) من طريق عمرو بن حماد به.","vol":"3","page":694},{"text":"قال: قال: العفوُ الصدقةُ المفروضةُ (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قاله ابنُ عباسٍ على ما رواه عنه عطيةُ، مِن أن قولَه: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾. ليس بإيجابِ فرضٍ فُرِض مِن اللهِ حقًّا في مالِه، ولكنه إعلامٌ منه ما يُرْضِيه مِن النفقةِ ممَّا يُسْخِطُه، جوابًا منه لمَن سأَل نبيَّه محمدًا ﷺ عمَّا فيه له رضًا، فهو أدبٌ من اللهِ لجميعِ خلقِه على ما أدَّبهم به في الصدقةِ غيرِ (^٢) المفروضاتِ، ثابتُ الحكمِ، غيرُ ناسخٍ لحكمٍ كان قبلَه بخلافِه، ولا منسوخٍ بحكمٍ حدَث بعدَه، فلا ينبغِى لذى وَرَعٍ ودِينٍ أن يَتَجاوَزَ في صدقاتِه (^٣) التطوّعِ وهِباتِه وعطايا النفلِ وصدقتِه ما أدَّبهم به نبيُّه ﷺ بقولِه: \"إذا كان عندَ أحدِكم فضلٌ فَلْيَبْدَأْ بنفسِه، ثم بأهلِه، ثم بولدِه\". ثم يَسْلُكُ حينئذٍ في الفضلِ مسالكَه التِى تُرْضِى اللهَ ويُحِبُّها، وذلك هو القَوَامُ بينَ الإسرافِ والإقتارِ الذى ذكَره اللهُ ﷿ في كتابِه (^٤) إن شاء اللهُ تعالى.\nويقالُ لمَن زعَم أن ذلك منسوخٌ: ما الدلالةُ على نسخِه وقد أجْمَع الجميعُ لا خلافَ بينهم، على أن للرجلِ أن يُنْفِقَ مِن مالِه صدقةً وهبةً ووصيةً الثلثَ، فما الذى دلَّ على أن ذلك منسوخٌ؟ فإن زعَم أنه يعنى بقولِه: إنه منسوخٌ، أن إخراجَ العفوِ مِن المالِ غيرُ لازمٍ فرضًا، وأن فرضَ ذلك ساقطٌ بوجودِ الزكاةِ في المالِ. قيل له: وما الدليلُ على أن إخراجَ العفوِ كان فرضًا فأسقَطه فرضُ الزكاةِ، ولا دلالةَ في الآيةِ على أن ذلك كان فرضًا، إذ لم يكنْ أمرٌ مِن اللهِ عزَّ ذكرُه، بل فيها الدلالةُ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٦٩٠.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\".\n(^٣) في م: \"صدقات\".\n(^٤) يعنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].","vol":"3","page":695},{"text":"على أنها جوابُ ما سأل عنه القومُ على وجهِ التعرُّفِ لِمَا فيه للهِ الرضا مِن الصدقاتِ، ولا سبيلَ لمُدَّعى ذلك إلى دلالةٍ تُوجِبُ صحَّة ما ادَّعَى.\nوأمَّا القرَأةُ فإنهم اخْتَلفوا في قراءةِ ﴿الْعَفْوَ﴾، فقرَأته عامَّةُ قرَأةِ الحجازِ وقرَأةِ الحَرَميْنِ وعُظْمُ قرَأةِ الكوفيِّين: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾. نصبًا. وقرَأه بعضُ قرَأةِ البصريِّين: (قُلِ العَفْوُ). رفعًا (^١). فمَن قرَأه نصبًا جعَل ﴿مَاذَا﴾ حرفًا واحدًا، ونصَبه بقولِه: ﴿يُنْفِقُونَ﴾. على ما قد بيَّنتُ قبلُ، ثم نصَب ﴿الْعَفْوَ﴾ على ذلك، فيكونُ معنَى الكلامِ حينئذٍ: ويَسْأَلونك أىَّ شيءٍ يُنْفِقون؟\nومَن قرَأه رفعًا جعَل \"ما\" مِن صلةِ \"ذا\"، ورفَعوا \"العفو\"، فيكونُ معنى الكلام حينئذٍ: ما الذى ينفقون؟ قل: الذى ينفقون العفوُ.\nولو نَصَبَ \"العفو\"، ثم جَعَلَ \"ماذا\" حرفين بمعنَى: يسألونك ماذا يُنفِقون؟ قل: يُنفِقون العفوَ. ورفَع الذين جعلوا \"ماذا\" حرفًا واحدًا بمعنى: ما ينفقون؟ قل: الذى ينفِقون -خبرًا- كان صوابًا صحيحًا في العربيةِ.\nوبأىِّ القراءتينِ قُرِئ ذلك فهو (^٢) عندى صوابٌ، لتقارُبِ معنييهما، معَ استفاضةِ القراءةِ بكلِّ واحدةٍ منهما، غيرَ أن أعجبَ القراءتين إليَّ -وإن كان الأمرُ كذلك- قراءةُ مَن قرَأه بالنصبِ، لأن مَن قرَأ به مِن القرأةِ أكثرُ، وهو أعرفُ وأشهرُ.\n\n<span id=\"aya-227\"></span><span data-type='title' id=toc-681>القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.</span>\nيعنى بقولِه عزَّ ذكرُه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾: هكذا يُبَيِّنُ.\n_________\n(^١) قراءة الرفع هى قراءة أبى عمرو، وقرأ الباقون بالنصب. حجة القراءات ص ١٣٣.\n(^٢) سقط من: النسخ.","vol":"3","page":696},{"text":"أى: كما بيَّنتُ (^١) لكم أعلامى وحُجَجى -وهى آياتُه في هذه السورة- وعرَّفتُكم فيها ما فيه خلاصُكم مِن عقابِى، وبيَّنتُ لكم حُدودِى وفَرائِضى، ونبَّهتُكم فيها على الأدلَّةِ على وَحْدانيَّتى، ثم على حُجَجِ رسولى إليكم، فأرْشَدتُكم إلى ظهورِ الهُدَى، فكذلك أُبَيِّنُ لكم في سائرِ كتابى الذى أنْزَلتُه على نبيِّى محمدٍ ﷺ آياتى وحُجَجى، وأُوضِّحُها لكم؛ لِتَتَفَكَّروا في وعْدِى ووعيدى، وثوابى وعِقابى، فتُجاوِزوا (^٢) طاعتى التى تَنالون بها ثوابى في الدارِ الآخرةِ، والفوزَ بنعيمِ الأبدِ على القليلِ مِن اللذاتِ، واليسيرِ مِن الشهواتِ، بركوبِ معصيتى في الدنيا الفانيةِ، التى مَن ركِبها كان مَعَادُه إلىَّ، ومصيرُه إلى ما لا قِبَلَ له به مِن عقابى وعذابى.\nوبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قال: يعنى في زوالِ الدنيا وفنائِها، وإقبالِ الآخرةِ وبقائِها (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. قال: يقولُ: لعلَّكم تَتَفَكَّرون في الدنيا والآخرةِ، فتعرِفون فضلَ الآخرةِ على الدنيا (^٤).\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يبين\".\n(^٢) في ت ١: \"فتتجازوا\"، ولعل الصواب: فلا تتجاوزوا. وأثبتها الشيخ شاكر: فتختاروا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٤ (٢٠٧٥) -ومن طريقه أبو الشيخ في العظمة (٢٥) - من طريق أبى صالح به.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٨، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٤ (٢٠٧٧) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"3","page":697},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال قولَه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. قال: أمَّا الدنيا فتَعْلَمون أنها دارُ بلاءٍ ثم فناءٍ، والآخرةُ دارُ جزاءٍ ثم بقاءٍ، فتَتَفَكَّرون، فتعملون للباقيةِ منهما (^١). قال: وسمِعتُ أبا عاصمٍ يَذْكُرُ نحوَ هذا أيضًا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: وإنه مَن تفكَّر فيهما عرَف فضلَ إحداهما على الأخرى، وعرَف أن الدنيا دارُ بلاءٍ، ثم دارُ فناءٍ، وأن الآخرةَ دارُ جزاءٍ، ثم دارُ بقاءٍ، فكونوا ممن يَصْرِمُ حاجةَ الدنيا لحاجةِ الآخرةِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-682>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ فيما نزَلت هذه الآيةُ، فقال بعضُهم: نزَلت (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن إسرائيلَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢، الإسراء: ٣٤]. عزَلوا أموالَ اليتامى، فذكَروا ذلك\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٣٧٤.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) كذا في النسخ، والكلام ناقص، وزاد الشيخ شاكر بعده: في الذين عزلوا أموال اليتامى الذين كانوا عندهم، وكرهوا أن يخالطوهم في مأكل أو في غيره وذلك حين نزلت ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].\nوفى حاشية المطبوعة: \"هنا بياض في الأصل ولعل تمام العبارة: حين نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ كما يستفاد من سياق الروايات بعده\".","vol":"3","page":698},{"text":"لرسولِ اللهِ ﷺ، فنزَلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ فخالَطوهم (^١).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]. انطَلق مَن كان عنده يتيمٌ فعزَل طعامَه مِن طعامِه، وشرابَه مِن شرابِه، فجعَل يَفْضُلُ الشئُ مِن طعامِه، فيُحْبَسُ له حتى يَأْكُلَه أو يَفْسُدَ، فاشتدَّ ذلك عليهم، فذكَروا ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ، فأنْزَل اللهُ ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فخلَطوا طعامهم بطعامِهم، وشرابَهم بشرابِهم (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال: [كان يُصنَعُ] (^٣) لليتيمِ طعامٌ (^٤) فيَفْضُلُ منه الشئُ، فيَتْرُكُونه حتى يَفْسُدَ، فأنزَل اللهُ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ١٤٠ (٣٠٠٠)، والحاكم ٢/ ٢٧٨، ٢٧٩، وابن أبى حاتم في تفسيره ٥/ ١٤١٨ (٨٠٧٩)، والبيهقى ٥/ ٢٥٨، ٢٥٩، ٦/ ٥ من طريق يحيى بن آدم به.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٨٧١)، والواحدى في أسباب النزول ص ٤٩، والحاكم ٢/ ٣١٨، والبيهقى ٦/ ٢٨٤ من طريق جرير به. وأخرجه النسائى (٣٦٧١)، وابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٥ (٢٠٨١) من طرق عن عطاء ابن السائب به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ٢٥٥ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٣) فى م: \"كنا نصنع\".\n(^٤) في م: \"طعامًا\".\n(^٥) أخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ٤٩ من طريق سالم الأفطس عن سعيد، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ٢٥٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":699},{"text":"حدَّثنا يحيى بنُ داودَ الواسطىُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن ابنِ أبى ليلَى، عن الحكمِ، قال: سُئِل عبدُ الرحمنِ بنُ أبى ليلى عن مالِ اليتيمِ، فقال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ اجْتُنِبتْ مُخَالطتُهم، واتَّقَوْا كلَّ شيءٍ، حتى اتَّقَوا المَاءَ، فلمَّا نزَلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قال: فخالَطوهم.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ الآية كلّها. قال: كان اللهُ أنْزَل قبلَ ذلك في سورةِ \"بنى إسرائيلَ\": ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فكبُرت عليهم، فكانوا لا يُخَالِطونهم في مَأْكَلٍ ولا في غيرِه، فاشتدَّ ذلك عليهم، فأنْزَل اللهُ الرُّخصةَ، فقال: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (^١).\nحدّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ اعْتَزل الناسُ اليتامى فلم يُخالِطوهم في مَأْكَلٍ ولا مَشْرَبٍ ولا مالٍ. قال: فشقَّ ذلك على الناسِ، فسألُوا رسولَ اللهِ ﷺ، فأنْزَل اللهُ ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ الآية. قال: فذكِر لنا -واللهُ أعلمُ- أنه أنْزَل في بنى إسرائيلَ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ فكبُرت عليهم، فكانوا لا يُخالِطونهم في طعامٍ ولا\n_________\n(^١) أخرجه النحاس في ناسخه ص ٥٥١ من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥٥ إلى عبد بن حميد وابن الأنبارى، وسيأتى عند المصنف مرة أخرى في تفسير سورة الإسراء\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٧٧، ٣٧٨.","vol":"3","page":700},{"text":"شرابٍ ولا غيرِ ذلك، فاشتدَّ ذلك عليهم، فأنزَل اللهُ الرخصةَ فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. يقولُ: مخالطتُهم في ركوبِ الدابَّةِ، وشُربِ اللبنِ، وخدمةِ الخادمِ. يقولُ للولىِّ الذى يَلى أمرَهم: فلا بأسَ عليه أن يَرْكَبَ الدابَّةَ، أو يَشْرَبَ اللبنَ، أو يَخْدُمَه الخادمُ.\nوقال آخَرون في ذلك بما حدَّثنى عَمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا عمرانُ بنُ عُيَيْنَةَ، قال: ثنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ الآية. قال: كان يكونُ في حِجْرِ الرجلِ اليتيمُ، فيَعْزِلُ طعامَه وشرابَه وآنيتَه، فشقَّ ذلك على المسلمين، فأنزَل اللهُ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ فأحلَّ خلطَهم (^١).\nحدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، قال: ثنا أشعثُ، عن الشَّعْبىِّ، قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. قال: فاجْتَنب الناسُ الأيتامَ، فجعَل الرجلُ يَعْزِلُ طعامَه مِن طعامِه، ومالَه مِن مالِه، وشرابَه مِن شرابِه. قال: فاشتدَّ ذلك على الناسِ، فنزَلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ قال الشَّعْبىُّ: فمَن خالَط يتيمًا فَلْيتَوَسَّعْ عليه، ومَن خالَطَه لِيَأْكُلَ مِن مالِه فلا يَفْعَلْ (^٢).\nحدَّثنى علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن\n_________\n(^١) أخرجه النسائى (٣٦٧٢)، وفى الكبرى (٦٤٩٧)، وابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٥، ٣/ ٨٧٨ (٢٠٨١، ٤٨٧٩) من طريق عمران به.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٨ عقب الأثر (٤٨٧٩) معلقًا.","vol":"3","page":701},{"text":"ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾: وذلك أن اللهَ لمَّا أنْزَل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ كرِه المسلمون أن يَضُمُّوا اليتامى، وتحرَّجوا أن يُخالِطوهم في شيءٍ، فسألوا رسولَ اللهِ ﷺ، فأنْزَل اللهُ: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: سألتُ عطاءَ بنَ أبى رَبَاحٍ عن قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قال: لمَّا نزَلت سورةُ \"النساءِ\" عزَل الناسُ طعامَهم فلم يُخالِطوهم. قال: ثم جاءوا إلى النبىِّ ﷺ فقالوا: إنَّا يَشُقُّ علينا أن نَعْزِلَ طعامَ اليتامى وهم يأكُلون معَنا. فنزَلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (^١).\nقال ابنُ جُرَيْجٍ: وقال مجاهدٌ: عزَلوا طعامَهم عن طعامِهم، وألبانَهم عن ألبانِهم، وأُدْمَهم عن أُدْمِهم، فشقَّ ذلك عليهم، فنزَلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قال: مخالطةُ اليتيمِ في المراعِى والأُدْمِ.\nقال ابنُ جُرَيْجٍ: وقال ابنُ عباسٍ: الألبانِ وخدمةِ الخادمِ وركوبِ الدابَّةِ. قال ابنُ جُرَيْجٍ: وفى المساكنِ. قال: والمساكنُ يومئذٍ عزيزةٌ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ الحسنِ الأَشْقَرُ، قال: أخبَرَنا أبو كُدَيْنةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾. قال: اجْتَنَب الناسُ مالَ اليتيمِ وطعامَه، حتى كان يَفْسُدُ إن كان لحمًا أو\n_________\n(^١) أخرجه النسائى (٣٦٧١)، وفى الكبرى (٦٤٩٦) من طريق أبى كدينة به.","vol":"3","page":702},{"text":"غيرَه، فشقَّ ذلك على الناسِ، فشكَوا ذلك إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فأنزلَ اللهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، [أو عيسى، عن قيسِ بنِ سعدٍ] (^٢) -شكَّ أبو عاصمٍ- عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قال: مخالطةُ اليتيمِ في الرعىِ والأدْمِ (^٣).\nوقال آخَرون: بل كان اتِّقاءُ مالِ اليتيم واجتنابُه مِن أخلاقِ العربِ، فاستَفْتَوْا في ذلك لمشقَّتِه عليهم، فأُفْتُوا بما بيَّنه اللهُ في كتابِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. قال: كانت العربُ يُشَدِّدون في اليتيمِ حتى لا يَأْكُلوا معَه في قَصْعَةٍ واحدةٍ، ولا يَرْكبوا له بعيرًا، ولا يَسْتَخْدِموا له خادمًا، فجاءوا إلى النبىِّ ﷺ فسألوه عنه، فقال: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ يُصْلِحُ له مالَه وأمرَه له خيرٌ، وإن يُخَالِطْه فيَأْكُلْ معَه ويُطْعِمْه، ويَرْكَبْ راحلتَه ويَحْمِلْه، ويَسْتَخْدِمْ خادمَه ويَخْدُمْه، فهو أجودُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾.\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن\n_________\n(^١) أخرجه النسائى (٣٦٧١)، وفى الكبرى (٦٤٩٦) من طريق أبى كدينة له.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٥ (٢٠٨٤) من طريق ورقاء، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد.","vol":"3","page":703},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: وإن الناسَ كانوا إذا كان في حِجْرِ أحدِهم اليتيمُ جعَل طعامَه على ناحيةٍ، ولبنَه على ناحيةٍ، مخافةَ الوِزرِ، وإنه أصاب المؤمنين الجَهْدُ، فلم يكنْ عندَهم ما يَجْعَلون خَدَمًا لليتامى، فقال اللهُ: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ (^١) بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرَنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾: كانوا في الجاهليةِ يُعَظِّمون (^٢) شأنَ اليتيمِ، فلا يَمَسُّون مِن أموالِهم شيئًا، ولا يَرْكَبون لهم دابَّةً، ولا يَطْعَمون لهم طعامًا، فأصابهم في الإسلامِ جَهْدٌ شديدٌ، حتى احتاجوا إلى أموالِ اليتامى، فسألوا نبىَّ اللهِ ﷺ عن شأنِ اليتامى، وعن مُخالطتِهم، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ يعنى بالمخالطةِ ركوبَ الدابَّةِ، وخدمةَ الخادمِ، وشربَ اللبنِ.\nفتأويلُ الآيةِ إذن: ويَسْألُك يا محمدُ أصحابُك عن مالِ اليتامى، وخَلْطِهم أموالَهم به في النفقةِ والمُطَاعَمةِ والمُشَارَبةِ والمُسَاكنةِ والخِدمةِ، فقل لهم: تَفَضُّلُكم عليهم -بإصلاحِكم أموالَهم مِن غيرِ مَرْزِئَةِ (^٣) شيءٍ مِن أموالِهم، وغيرِ أخْذِ عِوَضٍ مِن أموالِهم على إصلاحِكم ذلك لهم- خيرٌ لكم عندَ اللهِ، وأعظمُ لكم أجرًا؛ لما لكم في ذلك مِن الأجرِ والثوابِ، وخيرٌ لهم في أموالِهم في عاجلِ دنياهم؛ لِما في ذلك مِن توفُّرِ أموالِهم عليهم، وإن تُخالِطوهم فتُشارِكوهم بأموالِكم أموالَهم في\n_________\n(^١) في النسخ: \"الحسن\". وتقدم مرارًا.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يطعمون\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مرزبة\". والمرزئة: النقصان. يقال: رزأ الشئ. أى نقصه. التاج (رزأ).","vol":"3","page":704},{"text":"نفقاتِكم ومطاعمِكم ومشاربِكم ومساكِنكم، فتَضُمُّوا مِن أموالِهم عِوَضًا مِن قيامِكم بأمورِهم وأسبابِهم وإصلاحِ أموالِهم، فهم إخوانُكم، والإخوانُ يُعِينُ بعضُهم بعضًا، ويَكْنُفُ بعضُهم بعضًا؛ فذو المالِ يُعِينُ ذا الفاقَةِ، وذو القُوَّةِ في الجسمِ يُعِينُ ذا الضعفِ.\nيقولُ تعالى ذكرُه: فأنتم أيُّها المؤمنون وأيتامُكم كذلك إن خالَطْتُموهم بأموالِكم، فخَلَطتُم طعامَكم بطعامِهم، وشرابَكم بشرابِهم وسائرَ أموالِكم بأموالِهم، فأصَبتُم مِن أموالِهم فضلَ مَرْفِقٍ بما كان منكم (^١) مِن قيامِكم بأموالِهم ووَلائِهم، ومعاناةِ أسبابِهم على النظرِ منكم (^١) لهم نظرَ الأخِ الشفيقِ (^٢) لأخيهِ العاملِ فيما بينَه وبينَه بما أوْجَب اللهُ عليه وألزمَه، فذلك لكم حلالٌ؛ لأنكم إخوانٌ بعضُكم لبعضٍ.\nكما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قال: قد يُخالِطُ الرجلُ أخاه.\nحدَّثنى أحمدُ بنُ حازم، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى مسكينٍ، عن إبراهيمَ، قال: إنى لأَكْرَهُ أن يكونَ مالُ اليتيمِ كالعُرَّةِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن هشامٍ الدَّسْتُوَائىِّ، عن حمَّادٍ، عن إبراهيمَ، عن عائشةَ، قالت: إنى لأَكْرَهُ أن يكونَ مالُ اليتيمِ عندى عُرَّةً حتى أَخْلِطَ طعامَه بطعامى وشرابَه بشرابى (^٤).\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منهم\".\n(^٢) في ت ١: \"الشقيق\".\n(^٣) العرة: القذرة وعذرة الناس. النهاية ٣/ ٢٠٥.\n(^٤) أخرجه وكيع -كما في تفسير ابن كثير ١/ ٣٧٥ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":705},{"text":"فإن قال لنا قائلٌ: وكيفَ قال: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فرفَع الإخوانَ، وقال في موضعٍ آخرَ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]؟ قيل: لافتراقِ (^١) معنييْهما، وذلك أن أيتامَ المؤمنين إخوانُ المؤمنين، خالَطَهم المؤمنون بأموالِهم أو لم يُخالِطوهم. فمعنى الكلامِ: وإن تُخالِطوهم فهم إخوانُكم، و\"الإخوانُ\" مرفوعون (^٢) بالمعنى المتروكِ ذكرُه وهو \"هم\" لدلالةِ الكلامِ عليه، وأنه لم يُرِدْ بالإخوانِ الخبرَ عنهم أنهم كانوا إخوانًا مِن أجلِ مخالطةِ وُلاتِهم إيَّاهم، ولو كان ذلك المرادَ لكانت القراءةُ نصبًا، وكان معناه حينئذٍ: وإن تُخالِطوهم فخالِطوا إخوانَكم. ولكنه قُرِئ رفعًا لِمَا وصَفتُ مِن أنهم إخوانٌ للمؤمنين الذين يَلُونهم، خالَطوهم أو لم يُخالِطوهم.\nوأمَّا قولُه: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ فنُصِب لأنهما حالانِ للفعلِ غيرُ ذاتِيَّين (^٣)، ولا يَصْلُحُ معَهما \"هو\"، وذلك أنك لو أظْهَرت \"هو\" معَهما لاسْتَحال الكلامُ. ألا تَرَى أنه لو قال قائلٌ: إن خفتَ مِن عدوِّك أن تُصَلِّىَ قائمًا، فهو راجِلٌ أو راكبٌ. لبطَل المعنى المرادُ بالكلامِ. وذلك أن تأويلَ الكلامِ: فإن خِفتُم أن تُصَلُّوا قيامًا مِن عدوِّكم، فصلُّوا رِجالًا أو رُكبانًا، ولذلك نصبَه إجراءً على ما قبلَه مِن الكلامِ، كما تقولُ في نحوِه مِن الكلامِ: إن لبِستَ ثيابًا فالبياضَ. فتنصِبُه لأنك تُرِيدُ: إن لبِستَ ثيابًا فالْبَسِ البياضَ. ولستَ تُرِيدُ الخبرَ عن أن جميعَ ما يُلْبَسُ مِن الثيابِ فهو البياضُ، ولو أرَدْتَ الخبرَ عن ذلك لقلتَ: إن لبِستَ ثيابًا فالبياضُ. رفعًا، إذ كان مَخْرَجُ الكلامِ على وجهِ الخبرِ منك عن اللابسِ أن كلَّ ما\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لا فراق\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مرفوعًا\".\n(^٣) كذا بالنسخ، وهى غير منقوطة في ت ٢. وقد جعلها الشيخ شاكر ٤/ ٣٥٦: \"دائمين\". وقال: وهو تصحيف فاحش لا معنى له.","vol":"3","page":706},{"text":"يلْبَسُ مِن الثيابِ فبياضٌ؛ لأنك تُرِيدُ حينئذٍ: إن لبِستَ ثيابًا فهى بياضٌ.\nفإن قال: فهل يجوزُ النصبُ في قولِه: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾؟ قيل: جائزٌ في العربية فأمَّا في القراءةِ فإنما منَعْناه لإجماعِ القرأةِ على رفعِه. وأمَّا في العربيةِ فإنما أجَزْناه؛ لأنه يَحْسُنُ معَه تكريرُ ما يُحْمَلُ في الذي قبلَه مِن الفعلِ فيهما: وإن تخالِطوهم فإخوانَكم تُخالِطون. فيكونُ ذلك جائزًا في كلامِ العربِ.\n\n(*)<span data-type='title' id=toc-683> القولُ في تأويلِ قولِه عزّ ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: إن ربَّكم وإن أذِن لكم في مخالطتِكم اليتامى على ما أذِن لكم به، فاتقوا اللهَ في أنفسِكم أن تُخالِطوهم وأنتم تُرِيدون أكْلَ أموالِهم بالباطلِ، وتجعلون مخالطتَكم إيَّاهم ذريعةً لكم إلى إفسادِ أموالِهم، وأكلِها بغيرِ حقِّها، فتَسْتَوْجِبوا بذلك منه العقوبةَ التى لا قِبَلَ لكم بها، فإنه يَعْلَمُ مَن خالطَ منكم يتيمَه فشارَكَه في مَطْعَمِه ومَشْرَبهِ ومَسْكَنِه وخَدمِه ورُعَاتِه في حالِ مُخالطتِه إيَّاه، ما الذي يَقْصِدُ بمُخالطتِه إيَّاه؛ إفسادَ مالِه وأكلَه بالباطلِ، أم إصلاحَه وتثميرَه؛ [لأنه لا يَخْفَى] (^١) عليه منه شيءٌ، ويَعْلَمُ أيَّكم المُرِيدُ إصلاحَ مالِه مِن المُرِيدِ إفسادَه.\nكما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. قال: اللهُ يَعْلَمُ حينَ تَخْلِطُ مالَك بمالِه أتُرِيدُ أن تُصْلِحَ مالَه أو تُفْسِدَه فتأْكُلَه بغيرِ حقٍّ (^٢).\n_________\n(*) من هنا يبدأ الجزء الرابع من نسخة دار الكتب المصرية، وأشير إليها بـ \"ص\".\n(^١) في ص، ت ١، ت ٣: \"لأنها\"، وفي ت ٢: \"لأنه\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥٦ إلى المصنف.","vol":"3","page":707},{"text":"حدَّثنى أبو السائبِ، [قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ] (^١)، قال: ثنا أشعثُ، عن الشَّعْبىِّ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. قال الشعبىُّ: فمَن خالَط يتيمًا فَلْيَتَوَسَّعْ عليه، ومَن خالَطه ليَأْكُلَ مالَه فلا يَفْعَلْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-684>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولو شاء اللهُ لحرَّم ما أحلَّه لكم مِن مخالطةِ أيتامِكم بأموالِكم أموالَهم، فجهَدَكُم ذلك وشقَّ عليكم، ولم تَقْدِروا على القيامِ باللازمِ لكم مِن حقِّ اللهِ تعالى، والواجبِ عليكم في ذلك من فرضِه، ولكنه رخَّص لكم فيه، وسهَّله عليكم؛ رحمةً منه بكم ورأفةً.\nواختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنى به محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن قيسِ ابنِ سعدٍ -أو عيسى، عن قيسِ بنِ سعدٍ- عن مجاهدٍ -شكَّ أبو عاصمٍ- في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾: لحرَّم عليكم المَرْعَى والأدْمَ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: يعنى بذلك مجاهدٌ رعىَ مواشى والى اليتيمِ مع مواشى اليتيمِ، والأكلَ مِن إدامِه؛ لأنه كان يتَأَوَّلُ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أنه خُلْطَةُ الولىِّ اليتيمَ بالرعىِ والأُدْمِ.\nحدَّثنى علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾. يقولُ: ولو شاء اللهُ لأحرَجَكم، فضيَّق عليكم، ولكنَّه وسَّع ويسَّر، فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ\n_________\n(^١) سقط من النسخ، والمثبت مما تقدم في ص ٧٠١.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٧ (٢٠٩٢) من طريق ورقاء، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد.","vol":"3","page":708},{"text":"وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^١) [النساء: ٦].\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾. يقولُ: لجهَدكم، فلم تقوموا بحقٍّ ولم تُؤَدُّوا فريضةً (^٢).\nحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ نحوَه، إلا أنه قال: فلم تَعْمَلوا بحقٍّ (^٣).\nحدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾: لشدَّد عليكم.\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ قال: لشقَّ عليكم في الأمرِ؛ ذلك العَنَتُ.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾. قال: ولو شاء اللهُ لجعَل ما أصَبتم مِن أموالِ اليتامى موبِقًا (^٤).\nوهذه الأقوالُ التى ذكَرناها عمَّن ذُكِرت عنه، وإن اخْتَلفت ألفاظُ قائلِيها فيها، فإنها مُتقارباتُ المعانى؛ لأن مَن حرُم عليه شيءٌ فقد ضُيِّق عليه في ذلك الشئِ، ومَن ضُيِّق عليه في شيءٍ فقد أُحْرِجَ فيه، ومَن أُحْرِج في شيءٍ أو ضُيِّق عليه فيه فقد جُهِد. وكلُّ ذلك عائدٌ إلى المعنى الذي وصَفتُ مِن أن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٦ (٢٠٩٠) من طريق أبى صالح به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٧ (٢٠٩٣) من طريق ابن أبى جعفر به. ولفظه: فلم تقوموا بحق.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٦ (٢٠٩١) من طريق جرير به.","vol":"3","page":709},{"text":"معناه الشدَّةُ والمشقَّةُ؛ ولذلك قيل: عَنِتَ فلانٌ (^١)، إذا شقَّ عليه (^٢) وجهَده، فهو يَعْنَتُ عَنَتًا. كما قال تعالى ذكرُه: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]. يعنى: ما شقَّ عليكم وآذاكم وجهَدكم، ومنه قولُه تعالى ذكرُه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]. فهذا إذا عنِت العانتُ، فإن صيَّره غيرُه كذلك قيل: أعْنَته فلانٌ في كذا، إذا جهَده وألْزَمه أمرًا جهَده القيامُ به، يُعْنِتُه إعناتًا. فكذلك قولُه: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾. معناه: لأوْجَب لكم العَنَتَ بتحرِيمِه عليكم ما يجْهدُكم ويُحْرِجُكم، ممَّا لا تُطِيقون القيامَ باجتنابِه وأداءِ الواجبِ له عليكم فيه.\nوقال آخَرون: معنى ذلك: لأوْبَقكم وأهلَكَكم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قرَأ علينا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ قال ابنُ عباسٍ: ولو شاء اللهُ لجعَل ما أصبتم مِن أموالِ اليتامى مُوبِقًا.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن فُضَيْلٍ وجريرٍ، عن منصورٍ، وحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾. قال: لجعَل ما أصَبتم مُوبِقًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-685>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: إن اللهَ عزيزٌ في سلطانِه، لا يَمْنَعُه مانعٌ ممَّا أحلَّ بكم مِن عقوبةٍ، لو أعنَتكم بما يَجْهَدُكم القيامُ به مِن فرائضِه، فقصَّرتُم في القيامِ\n_________\n(^١) في م: \"فلانًا\".\n(^٢) أى الأمر. وينظر معانى القرآن للفراء ١/ ١٤٣.","vol":"3","page":710},{"text":"به، ولا يَقْدِرُ دافعٌ أن يَدْفَعَه عن ذلك ولا عن غيرِه ممَّا يَفْعَلُه بكم وبغيرِكم مِن ذلك، لو فعَله، [ولكنه] (^١) بفضلِ رحمتِه منَّ عليكم بتركِ تكليفِه إيَّاكم ذلك، وهو حكيمٌ في ذلك -لو فعَله بكم- وفى غيرِه مِن أحكامِه وتدبيرِه، لا يَدْخُلُ أفعالَه خَلَلٌ ولا نقصٌ ولا وَهْىٌ ولا عيْبٌ؛ لأنه فعلُ ذى الحكمةِ الذى لا يَجْهَلُ عواقبَ الأمورِ، فيَدْخُلُ تدبيرَه مَذَمَّةُ عاقبةٍ، كما يَدْخُلُ ذلك أفعالَ الخلقِ لجهلِهم بعواقبِ الأمورِ، لسوءِ اختيارهم فيها ابتداءً.\n\n<span id=\"aya-228\"></span><span data-type='title' id=toc-686>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ في هذه الآيةِ، هل نزَلت مُرادًا بها كلُّ مشركةٍ، أم مرادًا بحكمِها بعضُ المشركاتِ دونَ بعضٍ؟ وهل نُسِخ منها بعدَ وجوبِ الحكمِ بها شيءٌ أم لا؟ فقال بعضُهم: نزَلت مُرادًا بها تحريمُ نكاحِ كلِّ مشركةٍ على كلِّ مسلمٍ مِن أىِّ (^٢) أجناسِ الشركِ؛ كانت عابدةَ وَثَنٍ، أو كانت يهوديَّةً أو نصرانيَّةً أو مجوسيَّةً، أو مِن غيرِهم مِن أصنافِ الشركِ، ثم نُسِخ تحريمُ نكاحِ أهلِ الكتابِ بقولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ إلى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٤، ٥].\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنِي علىُّ بنُ داودَ (^٣)، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ\n_________\n(^١) في م: \"هو لكنه\".\n(^٢) في م: \"أن\".\n(^٣) في النسخ: \"واقد\"، وتقدم مرارًا.","vol":"3","page":711},{"text":"صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾. ثم اسْتَثنى نساءَ أهلِ الكتابِ فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ حِلٌّ لكم ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (^١).\nحَدَّثَنَا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ بنِ واقدٍ، عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ، قالا (^٢): ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾: فنسَخَ مِن ذلك نساءَ أهلِ الكتابِ، أحلَّهنَّ للمسلمين (^٣).\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾. قال: نساءُ أهلِ مكةَ ومَن سواهنَّ مِن المشركين، ثم أَحَلَّ منهنَّ نساءَ أهلِ الكتابِ (^٤).\nحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾. إلى قولِه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. قال: حرَّم اللهُ المشركاتِ في هذه الآيةِ، ثم أنْزَل في سورةِ \"المائدةِ\"، فاسْتَثنى نساءَ أهلِ الكتابِ، فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَآ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٧ (٢٠٩٥)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ١٩٤، والبيهقي ٧/ ١١٧ من طريق أبى صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٣: \"قال\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٧ عقب الأثر (٢٠٩٥) معلقًا.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٣٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٧ (٢٠٩٨)، والبيهقي ٧/ ١٧١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥٦ إلى آدم وعبد بن حميد.","vol":"3","page":712},{"text":"آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (^١).\nوقال آخَرون: بل أُنْزِلت هذه الآيةُ مُرادًا بحكمِها مشركاتُ العربِ، لَمْ يُنْسَخْ منها شيءٌ ولم يُسْتَثْنَ، وإنما هى آيةٌ عامٌّ (^٢) ظاهرُها، خاصٌّ تأويلُها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾. يعنى: مشركاتِ العربِ اللاتى ليس [لهنَّ كتابٌ يَقْرَأْنَه] (^٣).\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾. قال: المشركاتُ مَن ليس مِن أهلِ الكتابِ، وقد تزوَّج حذيفةُ يهوديةً أو نصرانيةً (^٤).\nحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾. يعنى: مشركاتِ العربِ اللاتى ليس لهنَّ كتابٌ يَقْرَأْنَه (^٥).\nحَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حمَّادٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٧ عقب الأثر (٢٠٩٥) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عامة\".\n(^٣) في ص: \"فيهن كتاب يقرأ به\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٨ (٢١٠١) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد به.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٩، وأخرجه في مصنفه (١٢٦٦٧)، ومن طريقه النحاس في ناسخه ص ١٩٦.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٣: \"يقرونه\".","vol":"3","page":713},{"text":"قولِه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾. قال: مشركاتُ أهلِ الأوثانِ (^١).\nوقال آخَرون: بل أُنْزِلت هذه الآيةُ مُرادًا بها كلُّ مشركةٍ مِن أىِّ أصنافِ الشركِ كانت، غيرُ مخصوصٍ منها مشركةٌ دونَ مشركةٍ، وَثَنيَّةً كانت أو مجوسيَّةً أو كتابيَّةً، ولا نُسِخ منها شيءٌ.\nذكرُ من قال ذلك\nحَدَّثَنَا عُبَيْدُ (^٢) بنُ آدمَ بنِ أبي إياسٍ العَسْقَلانِيُّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَهْرامَ الفَزَارىُّ، قال: ثنا شَهْرُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ يقولُ: نهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن أصنافِ النساءِ إلَّا ما كان مِن المؤمناتِ المهاجراتِ، وحرَّم كلَّ ذاتِ دينٍ غيرِ الإسلامِ، وقال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]. وقد نكَح طلحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ يهوديَّةً، ونكَح حذيفةُ بنُ اليمانِ نصرانيةً، فغضِب عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ غَضَبًا شديدًا، حتى همَّ بأن يَسْطُوَ عليهما، فقالا: نحن نُطَلِّقُ يا أميرَ المؤمنين ولا تَغْضَبْ. فقال: لئن حلَّ طلاقُهنَّ، لقد حلَّ نِكَاحُهنَّ، ولكن أنْتَزِعُهنَّ منكم صَغَرَةً قِماءً (^٣).\nوأَوْلَى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ ما قاله قتادةُ مِن أن اللهَ تعالى ذكرُه عنَى بقولِه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ مَن لَمْ يكنْ مِن أهلِ الكتابِ مِن المشركاتِ،\n_________\n(^١) أخرجه وكيع -كما في الدر المنثور ١/ ٢٥٦ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٧ (٢٠٩٦)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ١٩٦، والبيهقي ٧/ ١٧١.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبد\". وينظر الجرح والتعديل ٥/ ٤٠٢.\n(^٣) قماء: جمع قميء، وهو الذليل والحقير الصغير.\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٧٦ عن المصنّف، وقال: غريب جدًّا.","vol":"3","page":714},{"text":"وأن الآيةَ عامٌّ ظاهرُها، خاصٌّ باطنُها، لَمْ يُنْسَخْ منها شيءٌ، وأن نساءَ أهلِ الكتابِ غيرُ داخلاتٍ فيها، وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه أحلَّ بقولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ للمؤمنين مِن نكاحِ مُحْصَناتِهنَّ، مثلَ الذى أباح لهم مِن نساءِ المؤمناتِ.\nوقد بيَّنَّا في غيرِ هذا الموضعِ مِن كتابِنا هذا (^١)، وفى كتابنا \"كتابِ اللطيفِ مِن البيانِ\" أن كلَّ آيتينِ أو خبَرينِ كان أحدُهما نافيًا حكمَ الآخرِ في فِطرةِ العقلِ، فغيرُ جائزٍ أن يُقْضَى على أحدِهما بأنه ناسخٌ حكمَ الآخرِ إلَّا بحُجَّةٍ مِن خبرٍ قاطعٍ للعُذْرِ مجيئُه، وذلك غيرُ موجودٍ أن (^٢) قولَه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ناسخٌ ما كان قد وجَب تحريمه مِن النساءِ بقولِه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾. فإن لَمْ يكنْ ذلك موجودًا كذلك، فقولُ القائلِ: هذه ناسخةُ هذه. دعوى لا برهانَ له عليها، والمُدَّعِى دعوى لا برهانَ له عليها مُتَحَكِّمٌ، والتحكُّمُ لا يَعْجِزُ عنه أحدٌ.\nوأمَّا القولُ الذى رُوِى عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن عمرَ ﵁ مِن تفريقِه بينَ طلحةَ وحذيفةَ وامرأتيْهما اللتين كانتا كتابيَّتين - فقولٌ لا معنَى له، لخلافِه ما الأمةُ مجتمعةٌ على تحليلِه بكتابِ اللهِ تعالى ذكرُه وخبرِ رسولِه ﷺ.\nوقد رُوِى عن عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ مِن القولِ خلافُ ذلك بإسنادٍ هو أصحُّ منه، وهو ما حَدَّثَنِي به موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْرُوقيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن زيدِ بنِ وهبٍ، قال:\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٤٥٧، ٤٥٨.\n(^٢) في م: \"بأن\".","vol":"3","page":715},{"text":"قال عمرُ: المسلمُ يَتَزَوَّجُ النصرانيةَ، ولا يَتَزَوَّجُ النصرانيُّ المسلمةَ (^١).\nوإنما كرِه عمرُ لطلحةَ وحُذيفةَ، رحمةُ اللهِ عليهم، نكاحَ اليهوديَّةِ والنصرانيّةِ، حَذَرًا مِن أن يَقْتَدِىَ بهما الناسُ في ذلك فيَزْهَدوا في المسلماتِ، أو لغيرِ ذلك من المعاني، فأمَرهما بتخليتِهما.\nكما حَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا الصَّلْتُ بنُ بَهْرامَ، عن شقيقٍ، قال: تزوَّجَ حذيفةُ يهوديةً، فكتَب إليه عمرُ: خلِّ سبيلَها. فكتَب إليه: أتَزْعُمُ أنَّها حرامٌ فأُخَلِّىَ سبيلَها؟ فقال: لا أَزْعُمُ أنَّها حرامٌ، ولكن أخافُ أن تَعَاطَوا المُومِساتِ (^٢) منهنَّ.\nوقد حَدَّثَنَا تميمُ بنُ المُنْتَصِرِ، قال: أخبرَنا إسحاقُ الأزرقُ، عن شَرِيكٍ، عن أشعثَ بنِ سَوَّارٍ، عن الحسنِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"نتَزَوَّجُ نِساءَ أهلِ الكتابِ ولا يَتَزَوَّجُون نساءَنا\" (^٣).\nفهذا الخبرُ، وإن كان في إسنادِه ما فيه، فالقولُ به؛ لإجماعِ الجميعِ على صحةِ القولِ به - أولى مِن خبرِ عبدِ الحميدِ بنِ بَهْرَامَ، عن شهرِ بنِ حَوْشَب.\nفمعنى الكلامِ إذن: ولا تَنْكِحوا أيُّها المؤمنون مشركاتِ غيرِ أهلِ الكتابِ حتى يُؤْمِنَّ، فيُصَدِّقْنَ باللهِ ورسولِه وما أُنْزِل عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-687>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٠٥٨)، والبيهقي ٧/ ١٧٢ من طريق سفيان به.\n(^٢) في ص: \"المؤمنات\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١٥٨ عن ابن إدريس به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٦٧٠)، وسعيد بن منصور في سننه (٧١٦)، والبيهقي ٧/ ١٧٢ من طريق الصلت به.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٧٦ عن المصنّف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦١ إلى المصنّف.","vol":"3","page":716},{"text":"يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾: باللهِ وبرسولِه وبما جاء به مِن عندِ اللهِ، خيرٌ عندَ اللهِ وأفضلُ مِن حُرَّةٍ مشركةٍ كافرةٍ وإن شرُف نسبُها وكرُم أصلُها. يقولُ: ولا تَبْتَغوا الناكحَ في ذواتِ الشرفِ مِن أهلِ الشرفِ باللهِ، فإن الإماءَ المسلماتِ عندَ اللهِ خيرٌ مَنْكَحًا منهنَّ.\nوقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت في رجلٍ نكَح أَمةً، فعُذِل في ذلك، وعُرِضت عليه حُرَّةٌ مشركةٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾. قال: نزَلت في عبدِ اللهِ بنِ رَوَاحةَ، وكانت له أمَةٌ سوداءُ، وأنه غضِب عليها فلطَمها، ثم فزِع، فأتَى النَّبِيَّ ﷺ فأخبرَه بخبرِها، فقال له النَّبِيُّ ﷺ: \"ما هي يا عبدَ اللهِ؟ \". قال: يا رسولَ اللهِ، هى تصومُ وتُصَلِّى وتُحْسِنُ الوُضوءَ، وتَشْهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنك رسولُ اللهِ. فقال: \"هذه مؤمنةٌ\". فقال عبدُ اللهِ: فوالذى بعَثك بالحقِّ، لأَعْتِقَنَّهَا ولأَتَزَوَّجَنَّها، ففعَل، فطعَن عليه ناسٌ من المسلمين، فقالوا: تزوَّج أمَةً! وكانوا يُرِيدون أن يَنْكِحوا إلى المشركين ويُنْكِحوهم، رغبةً في أحسابِهم، فأنْزَل اللهُ فيهم: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾، ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٨ (٢١٠٢) من طريق عمرو بن حماد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٥٧ إلى ابن المنذر.","vol":"3","page":717},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى الحجَّاجُ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ فى قولِه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾. قال: المشركاتِ لشَرَفِهنَّ حتى يُؤْمِنَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-688>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: وإن أعْجَبتكم المشركةُ مِن غيرِ أهلِ الكتابِ فى الجمالِ والحسَبِ والمالِ، فلا تَنْكِحوها، فإن الأمَةَ المؤمنةَ خيرٌ عندَ اللهِ مِنها.\nوإنما وُضِعت \"لو\" موضعَ \"إن\"؛ لتقاربِ مخرجيْهما ومعنييْهما، ولذلك تُجابُ كلُّ واحدةٍ منهما بجوابِ صاحبتِها، على ما قد بيَّنَّا فيما مضَى قبلُ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-689>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك أن اللهَ قد حرَّم على المؤمناتِ أن يَنْكِحْنَ مشركًا، كائنًا مَن كان المشركُ، ومن أىِّ أصنافِ الشركِ كان، فلا تُنْكِحوهنَّ أيُّها المؤمنون منهم، فإن ذلك حرامٌ عليكم، ولأَنْ تُزَوِّجُوهنَّ مِن عبدٍ مؤمنٍ مصدِّقٍ باللهِ وبرسولِه، وبما جاء به مِن عندِ اللهِ، خيرٌ لكم مِن أن تُزَوِّجوهنَّ مِن حُرٍّ مشركٍ ولو شرُف نسبُه وكرُم أصلُه، وإنْ أعجَبَكم حسَبُه ونسَبُه.\nوكان أبو جعفرٍ محمدُ بنُ علىٍّ يقولُ: هذا القولُ مِن اللهِ تعالى ذكرُه دَلالةٌ على أن أولياءَ المرأةِ أحقُّ بتزويجِها من المرأةِ.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم فى ٢/ ٣٧٢.","vol":"3","page":718},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ أبو هشامٍ الرفاعىُّ، قال: أخبرَنا حَفْصُ بنُ غِياثٍ، عن شيخٍ لم يُسَمِّه، قال أبو جعفرٍ: النكاحُ بولىٍّ فى كتابِ اللهِ. ثم قرَأ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ برفعِ التاءِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ والزُّهْرىِّ فى قولِه: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾. قال: لا يَحِلُّ لك أن تُنْكِحَ يهوديًّا أو نصرانيًّا ولا مشركًا من غيرِ أهلِ دينِك (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ لشَرَفِهِم ﴿حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ بنِ واقدٍ، عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾. قال: حرَّم المسلماتِ على رجالِهم. يعنى رجالَ المشركين.\n\n<span data-type='title' id=toc-690>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاء الذين حرَّمتُ عليكم أيُّها المؤمنون مُناكحتَهم مِن رجالِ أهلِ الشركِ ونسائِهم، يَدْعونكم إلى النارِ. يعنى: يدعونكم إلى العملِ بما يُدْخِلُكم النارَ، وذلك هو العملُ الذى هم به عاملون مِن الكفرِ باللهِ ورسولِه. يقولُ: ولا تَقْبَلوا منهم ما يقولون، ولا تَسْتَنْصِحوهم، ولا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٣٩٩ (٢١٠٥) من طريق حفص به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٢٦٧٨)، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٣٩٩ (٢١٠٤) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"3","page":719},{"text":"تَنْكِحُوهم، ولا تُنْكِحوا إليهم، فإنهم لا يَأْلونكم خَبالًا، ولكن اقْبَلوا مِن اللهِ ما أمَركم به، فاعْمَلوا به، وانْتَهوا عمَّا نهاكم عنه، فإنه يَدْعوكم إلى الجنةِ، يعنى بذلك: يَدْعوكم إلى العملِ بما يُدْخِلُكم الجنةَ ويُوجِبُ لكم النجاةَ إن عمِلتم به مِن النارِ، وإِلى ما يَمْحو خطايَاكم [وذنوبَكم] (^١) فيَعْفو عنها، ويَسْتُرُها عليكم.\nوأمَّا قولُه: ﴿بِإِذْنِهِ﴾. فإنه يعنى أنه يَدْعوكم إلى ذلك بإعلامِه إيَّاكم سبيلَه وطريقَه الذى به الوصولُ إلى الجنةِ والمغفرةِ. ثم قال تعالى ذكرُه: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: ويُوَضِّحُ حُجَجَه وأدلَّتَه فى كتابِه الذى أنْزَله على لسانِ رسولِه لعبادِه ليَتَذَكَّروا فيَعْتَبِروا، ويَمِيزوا بين الأمريْنِ اللذين أحدُهما، دعاءٌ إلى النارِ والخلودِ فيها، والآخرُ؛ دعاءٌ إلى الجنةِ وغفرانِ الذنوبِ، فيختاروا خيرَهما لهم، ولم يَجْهَلِ التمييزَ بين هاتين إلَّا غبىُّ الرأىِ، مدخولُ العقلِ.\n\n<span id=\"aya-229\"></span><span data-type='title' id=toc-691>القولُ فى تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾: ويَسْألُك يا محمدُ أصحابُك عن الحيضِ (^٢). وقيل: ﴿الْمَحِيضِ﴾. لأن ما كان مِن الفعلِ ماضيه بفتحِ عينِ الفعلِ وكسرِها فى الاستقبالِ -مثلُ قولِ القائلِ: ضرَب يَضْرِبُ، وحبَس يَحْبِسُ، ونزَل يَنْزِلُ- فإن العربَ تَبنى مصدرَه على المَفْعَل، والاسمَ على المَفْعِل؛ مثلَ المَضْرَبِ والمَضْرِبِ، مِن: ضرَبت، ونزَلت منزَلًا ومنزِلًا. ومسموعٌ فى ذواتِ الياءِ والألفِ: المَعِيشُ والمعاشُ، والمَعيبُ والمَعابُ، كما قال رُؤْبَةُ فى المعيشِ (^٣):\n_________\n(^١) فى م: \"أو ذنوبكم\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المحيض\".\n(^٣) ديوانه ص ٧٨، ٧٩، ورواية البيت الثانى: وجهد أعوام برين ريشى.","vol":"3","page":720},{"text":"إِلَيْكَ أَشْكُو شِدَّةَ المَعِيشِ\nوَمَرَّ أعْوَامٍ نَتَفْنَ رِيشِى\nوإنما كان القومُ سألوا رسولَ اللهِ ﷺ -فيما ذُكِر لنا- عن الحيضِ؛ لأنهم كانوا قبلَ بيانِ اللهِ لهم ما يَتَبَيَّنون من أمرِه لا يُساكِنون حائضًا فى بيتٍ، ولا يُؤاكلونهنَّ فى إِناءٍ، ولا يُشارِبونهنّ، فعرَّفهم اللهُ بهذه الآيةِ أن الذى عليهم فى أيامِ حيضِ نسائِهم أن يتجنَّبوا جماعَهنَّ فقط دونَ ما عدا ذلك من مُضاجعتِهنَّ ومُؤاكلتِهنَّ ومُشَاربتِهنَّ.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ حتى بلَغ: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾: فكان أهلُ الجاهليةِ لا تُساكِنُهم حائضٌ فى بيتٍ، ولا تؤاكلُهم فى إِناءٍ، فأنزل اللهُ تعالى ذكرُه فى ذلك، فحرَّم فرجَها ما دامت حائضًا، وأحلَّ ما سوى ذلك؛ أن تَصْبُغَ لك رأسَك، وتؤاكلَك مِن طعامِك، وأن تُضاجعَك فى فِراشِك إذا كان عليها إزارٌ محتجِزةً به دونك (^١).\nحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٢).\nوقد قيل: إنهم سألوا عن ذلك؛ لأنهم كانوا فى أيامِ حيضِهنَّ يجتنِبون إتيانَهنَّ فى مَخرجِ الدَّمِ، ويَأْتونهنَّ فى أدبارِهن، [فنهاهم اللهُ عن أن يَقْرَبوهنَّ فى أيامِ حيضِهنَّ حتى يَطْهُرْنَ، ثم أذِن لهم إذا تطهَّرْنَ مِن حيضِهنَّ فى إتيانِهنَّ مِن حيثُ أمَرهم باعتزالِهنَّ، وحرَّم إتيانَهنَّ فى أدبارِهنَّ بكلِّ حالٍ] (^٣)\n_________\n(^١) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٢٥٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) ينظر التبيان ٢/ ٢٢١ - ٢٢٢.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"3","page":721},{"text":"[ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبى الشواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا خُصيفٌ، قال: ثنى مجاهدٌ، قال: كانوا يَجتنبون النساءَ فى المحيضِ، ويأتونَهن فى أدبارِهنَّ] (^١)، فسألوا النبىَّ ﷺ عن ذلك، فأنزَل اللهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ إلى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ فى الفرجِ (^٢) لا تَعْدُوه (^٣).\nوقيل: إن السائلَ الذى سأل رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك كان ثابتَ بنَ الدَّحْداحِ الأنصارىَّ.\nحدَّثنى بذلك موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-692>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: قل لمَن سألك مِن أصحابِك يا محمدُ عن المحيضِ: ﴿هُوَ أَذًى﴾.\nوالأذى هو ما يُؤْذَى به من مكروهٍ فيه، وهو فى هذا الموضعِ يُسَمَّى أذًى لنَتْنِ ريحِه وقَذَرِه ونجاستِه، وهو جامعٌ لمعانٍ شتَّى من خلالِ الأذى غيرِ واحدةٍ.\nوقد اختلف أهلُ التأويلِ فى البيانِ عن تأويلِ ذلك على تقارُبِ معانى بعضِ ما قالوا فيه من بعضٍ؛ فقال بعضُهم: قولُه: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ قل: هو قَذَرٌ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) بعده فى م: \"و\".\n(^٣) أخرجه الدارمى ١/ ٢٦١ من طريق عبد الواحد به، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٢٦٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٢٥٨ إلى المصنف.","vol":"3","page":722},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ قولَه: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾. قال: أمّا ﴿أَذًى﴾: فقَذَرٌ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾. قال: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾. قال: قذرٌ (^٢).\nوقال آخرون: قل: هو دمٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾. قال: الأذى الدمُ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-693>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾: فاعتزِلوا جماعَ النساءِ ونكاحَهنّ فى محيضِهن.\nكما حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾. يقولُ: اعتزِلوا نكاحَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٠١ عقب الأثر (٢١١٣) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٩، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٠١ (٢١١٣) عن الحسن بن يحيى به، وأخرجه الدارمى ١/ ٢٥٨ من طريق معمر به.\n(^٣) أخرجه الدارمى ١/ ٢٥٨ من طريق مؤمل به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٠١ (٢١١٢)، والنحاس فى ناسخه ص ٢٠٩، من طريق سفيان به.","vol":"3","page":723},{"text":"فروجِهن (^١).\nواختَلف أهلُ العلمِ فى الذى يَجِبُ على الرجلِ اعتزالُه من الحائضِ؛ فقال بعضُهم: الواجبُ على الرجلِ اعتزالُ جميعِ بدنِها أن يباشرَه بشيءٍ من بدنِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا حمَّادُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن محمدٍ، قال: قلتُ لعَبِيدَةَ: ما يَحِلُّ لى من امرأتى إذا كانت حائضًا؟ قال: [اللِّحَافُ واحدٌ، والفِراشُ شتَّى] (^٢).\nحدَّثنى تَمِيمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخبرَنا يزيدُ، قال: ثنا محمدٌ، عن الزُّهْرىِّ، عن عُرْوَةَ، عن نُدْبَةَ، مولاةِ آلِ عباسٍ، قالت: بعَثتنى ميمونةُ ابنةُ الحارثِ -أو حفصةُ ابنةُ عمرَ- إلى امرأةِ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، وكانت بينهما قرابةٌ من قِبَلِ النساءِ، فوجَدتُ (^٣) فراشَها معتزِلًا فراشَه، فظنَنْتُ أن ذلك عن الهِجرانِ، فسألتُها عن اعتزالِ فراشِه فراشَها، فقالت: إنى طَامثٌ، وإذا طمَثْتُ اعتزل فراشى. فرجَعتُ فأخبرتُ بذلك ميمونةَ -أو حفصةَ- فردَّتنى إلى ابنِ عباسٍ: تقولُ لك أمُّك: أرَغِبْتَ (^٤) عن سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ! فواللهِ، لقد كان النبىُّ ﷺ ينامُ معَ المرأةِ من نسائِه، وإنها لحائضٌ، وما بينَه وبينها إلَّا ثوبٌ ما يجاوزُ الركبتين (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٠١ (٢١١٥)، والنحاس فى ناسخه ص ٢٠٦، والبيهقى ١/ ٣٠٩ من طريق أبى صالح به.\n(^٢) كذا فى النسخ، والصواب: \"اللحاف شتى والفراش واحد\" كما سيأتى فى الأثر بعد القادم عن عبيدة السلمانى، وهو كذلك فى سنن الدارمى.\n(^٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فوردت\".\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٣: \"أرغبة\".\n(^٥) أخرجه أحمد ٦/ ٣٣٢ (الميمنية) من طريق يزيد به. وأخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٢٥٦، وأحمد =","vol":"3","page":724},{"text":"حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ وابنِ عونٍ، عن محمدٍ، قال: قلتُ لعَبِيدَةَ: ما للرجلِ من امرأتِه إذا كانت حائضًا؟ قال: الفراشُ واحدٌ، واللحافُ شتَّى، فإن لم يَجِدْ إلا أن يَرُدَّ عليها من ثوبه ردَّ عليها منه (^١).\nواعتلَّ قائلو هذه المقالةِ بأن اللهَ تعالى ذكرُه أمَر باعتزالِ النساءِ في حالِ حيضِهن، ولم يَخْصُصْ منهنَّ شيئا دونَ شيءٍ، وذلك عامٌّ على جميعِ أجسادِهن، واجبٌ اعتزالُ كلِّ شيءٍ من أبدانِهن في حيضِهن.\nوقال آخَرون: بل الذى أمَر اللهُ تعالى ذكرُه باعتزالِه منهنَّ موضعُ الأذى، وذلك موضعُ مَخْرَجِ الدمِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدَّثنى عُيَيْنَةُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ جَوْشَنٍ، قال: ثنا مروانُ الأصفرُ (^٢)، عن مسروقِ بنِ الأجدعِ، قال: قلتُ لعائشةَ: ما يَحِلُّ للرجلِ من امرأتِه إذا كانت حائضًا؟ قالت: كلُّ شيءٍ إلا الجماعَ (^٣).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، وحدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا عن (^٤) عائشةَ\n_________\n= ٦/ ٣٣٢ (الميمنية) من طريق الليث بن سعد عن الزهرى به.\n(^١) أخرجه الدارمى ١/ ٢٤٤ من طريق ابن عون به.\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"الأصغر\".\n(^٣) أخرجه الدارمى ١/ ٢٤٢ من طريق عيينة بن عبد الرحمن به، وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٧٨ عن المصنف.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٣: \"أن\".","vol":"3","page":725},{"text":"أنها قالت: وأيُّنا (^١) كان ذا (^٢) الفراشينِ [وذا] (^٣) اللحافينِ؟!\nحدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سالمِ ابنِ أبى الجعدِ، عن مسروقٍ، قال: قلتُ لعائشةَ: ما يَحْرُمُ على الرجلِ من امرأتِه إذا كانت حائضًا؟ قالت: فرجُها.\nحدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن كتابِ أبى قلابةَ، أن مسروقًا ركِب إلى عائشةَ، فقال: السلامُ على النبىِّ وعلى أَهْلِه (^٤). فقالت عائشةُ: أبو عائشةَ! مرحبًا، فَأْذَنوا له. فدخَل فقال: إنى أُرِيدُ أن أسألَكِ عن شيءٍ وأنا أستحى. فقالت: إنما أنا أمُّك وأنتَ ابنى. فقال: ما للرجلِ [من امرأتِه] (^٥) وهى حائضٌ؟ قالت له: كلُّ شيءٍ إلا فرجَها (^٦).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةَ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ميمونِ بنِ مهرانَ، عن عائشةَ، قالت: له ما فوقَ الإزارِ (^٧).\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبرَنا أيوبُ، عن نافعٍ، أن عائشةَ قالت في مضاجعةِ الحائضِ: لا بأسَ بذلك إذا كان عليها إزارٌ (^٨).\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"أين\".\n(^٢) في م: \"ذو\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذا\".\n(^٤) في م: \"أهل بيته\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٦٠) عن معمر عن أيوب به، وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٧٨ عن المصنف.\n(^٧) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٢٥٥، والدارمى ١/ ٢٤٢ من طريق ميمون به، وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٧٨ عن المصنف.\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٤٠) من طريق نافع به.","vol":"3","page":726},{"text":"حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن أبى معشرٍ، قال: سُئِلت (^١) عائشةُ: ما للرجلِ من امرأتِه إذا كانت حائضًا؟ فقالت: كلُّ شيءٍ إلا الفرجَ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةَ، عن محمدِ بنِ عَمرٍو، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ، قال: قال ابنُ عباسٍ: إذا جعَلت الحائضُ على فرجِها ثوبًا، أو ما يَكُفّ الأذى، فلا بأسَ أن يباشرَ جِلْدَها زوجُها.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا يزيدُ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه سُئل: ما للرجلِ من امرأتِه إذا كانت حائضًا؟ قال: ما فوق الإزارِ (^٣).\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، قال: ثنا الحكمُ بنُ فُضيلٍ، عن خالدٍ الحذَّاءِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: اتَّقِ من الدمِ مثلَ موضعِ النعلِ (^٤).\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبرَنا أيوبُ، عن عكرمةَ، عن أمِّ سلمةَ، قالت في مضاجعةِ الحائضِ: لا بأسَ بذلك إذا كان على فرجِها خِرْقَةٌ (^٥).\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"سألت\".\n(^٢) أخرجه الطحاوى في معانى الآثار ٣/ ٣٨، والنحاس في ناسخه ص ٢٠٤ من طريق أيوب، عن أبى معشر، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عائشة.\n(^٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٢٥٤ عن عبد الله بن إدريس به، والدارمى ١/ ٢٤٤ من طريق خالد الواسطى عن يزيد به، دون ذكر ابن عباس.\n(^٤) أخرجه البيهقى ١/ ٣١٤ من طريق هاشم به.\n(^٥) أخرجه ابن أبى شيبة ١/ ٢٥٤ عن ابن علية به.","vol":"3","page":727},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: للرجلِ مِن امرأتِه كلُّ شيءٍ ما خلا الفرجَ (^١). يعنى وهى حائضٌ.\nحدثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: يَبِيتان في لحافٍ واحدٍ -يعنى الحائضَ- إذا كان على الفرجِ ثوبٌ.\nحدَّثنا تَمِيمٌ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن ليثٍ، قال: تذاكرْنا عندَ مجاهدٍ: الرجلُ يلاعِبُ امرأتَه وهى حائضٌ. قال: اطعُنْ بذَكَرِك حيثما شئتَ فيما بين الفَخِذَين والأَلْيتَيْنِ والسُّرَّةِ، ما لم يكنْ في الدُّبُرِ أو الحيْضِ.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن عامرٍ، قال: يُباشِرُ الرجلُ امرأتَه وهى حائضٌ (^٢) إذا كَفَّت الأذى (^٣).\nحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنى عمرانُ بنُ حُدَيْرٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ: كلُّ شيءٍ من الحائضِ لك حلالٌ غيرَ مَجْرَى الدمِ (^٤).\nوعلةُ قائلِ هذه المقالةِ قيامُ الحجةِ بالأخبارِ المتواترةِ عن رسولِ اللهِ ﷺ وأنه كان يُباشِرُ نساءَه وهنَّ حُيَّضٌ، ولو كان الواجبُ اعتزالَ جميعِهنَّ، لَمَا فعَل ذلك رسولُ اللهِ ﷺ، فلمَّا صحَّ ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ، عُلِم أن مُرادَ اللهِ تعالى ذكرُه بقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ هو اعتزالُ بعضِ جسدِها دونَ بعضٍ. وإذا كان ذلك كذلك، وجَب أن يكونَ ذلك هو الجماعَ المُجْمَعَ على تحريمِه على الزوجِ في قُبُلِها، دونَ ما كان فيه اختلافٌ من جماعِها في سائرِ بدنِها.\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٢/ ٢٢٠.\n(^٢) بعده في م، ت ٢: \"قال\".\n(^٣) أخرجه الدارمى ١/ ٢٤٣ من طريق سفيان عن إسماعيل به، وابن أبى شيبة ٤/ ٢٥٥ من طريق عامر بنحوه.\n(^٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٢٥٥ من طريق آخر عن عكرمة بنحوه.","vol":"3","page":728},{"text":"وقال آخرون: بل الذى أمَر اللهُ تعالى ذكرُه باعتزالِه منهن في حالِ حيضِهن، ما بين السُّرَّةِ إلى الركبةِ، وله ما فوقَ ذلكَ ودونَه منها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةَ، عن ابنِ عونٍ، عن ابنِ سيرينَ، عن شُرَيْحٍ، قال: له ما فوقَ السُّرَّةِ (^١). وذكَر الحائضَ.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخبرَنا يزيدُ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: سُئِل ابنُ عباسٍ عن الحائضِ: ما لزوجِها منها؟ فقال: ما فوقَ الإزارِ.\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ وابنِ عونٍ، عن محمدٍ، قال: قال شُرَيْحٌ: له ما فوقَ سُرَّتِها (^١).\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أبى عَدِيٍّ، عن شعبةَ، عن واقدِ بنِ محمدِ بنِ زيدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، قال: سُئِل سعيدُ بنُ المُسيَّبِ: ما للرجلِ من الحائض؟ قال: ما فوقَ الإزارِ (^٢).\nوعلةُ مَن قال هذه المقالةَ صحةُ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بما حدَّثنى به ابنُ أبى الشواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا سليمانُ الشيبانيُّ، وحدَّثنى أبو السائبِ، قال: حدَّثنا حفصٌ، قال: ثنا الشيبانيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ شدَّادِ بنِ الهادِ، قال: سمِعتُ ميمونةَ تقولُ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا أراد أن يُباشرَ امرأةً من\n_________\n(^١) أخرجه الدارمى ١/ ٢٤٤ من طريق ابن عون به، وعبد الرزاق في مصنفه (١٢٣٩) عن معمر عن أيوب به.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٣٧٩.","vol":"3","page":729},{"text":"نسائِه وهى حائضٌ أمَرها فاتَّزَرتْ (^١).\nحدَّثنا ابنُ (^٢) المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الشيبانيِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ شدَّادٍ، عن ميمونةَ، أن النبيَّ ﷺ كان يُباشِرُها وهى حائضٌ فوقَ الإزارِ (^٣).\nحدَّثنى سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عائشةَ، قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا أمَرها فاتَّزرت بإزارٍ ثم يُباشِرُها (^٤).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن الشيبانيِّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأسودِ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا أمَرها النبيُّ ﷺ أن تَأْتَزِرَ ثم يباشرُها (^٥).\nونظائرُ ذلك من الأخبارِ التى يطولُ باستيعابِ [ذكرِ جميعِها] (^٦) الكتابُ.\nقالوا: فما فعَل النبيُّ ﷺ من ذلك فجائزٌ، وهو مباشرةُ الحائضِ ما دونَ الإزارِ وفوقَه، وذلك دونَ الركبةِ وفوقَ السُّرَّةِ، وما عدا ذلك من جسدِ الحائضِ، فواجبٌ اعتزالُه لعمومِ الآيةِ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٣٣٦ (الميمنية)، والبخارى (٣٠٣) من طريق عبد الواحد بن زياد به، وأخرجه عبد بن\nحميد (١٥٥١)، وأبو داود (٢١٦٧) من طريق حفص به.\n(^٢) سقط من: م، ت ٢.\n(^٣) أخرجه أحمد ٦/ ٣٣٥ (الميمنية) عن عبد الرحمن بن مهدى به.\n(^٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٢٥٤، ومسلم (٢٩٣)، وابن ماجه (٦٣٦)، والنسائى (٢٨٥، ٣٧٢) عن جرير به.\n(^٥) أخرجه البخارى (٣٠٢)، ومسلم (٢/ ٢٩٣) من طريق الشيبانى به.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جميع ذكرها\".","vol":"3","page":730},{"text":"وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: إِنَّ للرجلِ من امرأتِه الحائضِ ما فوقَ المُؤْتَزَرِ ودونَه. لِما ذكَرنا من العلةِ لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-694>القولُ في تأويلِ قوله جل ذكرُه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾.</span>\nاختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بضمِّ الهاءِ وتخفيفِها (^١)، وقرَأه آخرون بتشديدِ الهاءِ وفتحِها (^٢).\nوأمَّا الذين قرَءوه بتخفيفِ الهاءِ وضمِّها، فإنهم وجَّهوا معناه إلى: ولا تَقْرَبوا النساءَ في حالِ حيضِهن حتى ينقطعَ عنهنَّ دمُ الحيضِ يَطْهُرْنَ. وقال بهذا التأويلِ جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا ابنُ مَهْدِيٍّ ومُؤَمَّلٌ، قالا (^٣): ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾. قال: انقطاعُ الدمِ (^٤).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن سفيانَ، أو عثمانَ بنِ الأسودِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾: حتى ينقطعَ الدمُ عنهنَّ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ العَتَكيُّ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾. قال: حتى ينقطعَ\n_________\n(^١) هى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص. ينظر السبعة ص ١٨٢.\n(^٢) هى قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبى بكر والمفضل. المصدر السابق.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٤) تفسير سفيان ص ٦٦، ومن طريقه الدارمي ١/ ٢٥٠، والنحاس في ناسخه ص ٢٠٩، والبيهقي ١/ ٣١٠.\n(^٥) أخرجه الدارمي ١/ ٢٤٩ من طريق سفيان، عمن حدثه، عن مجاهد.","vol":"3","page":731},{"text":"الدمُ (^١).\nوأمَّا الذين قرَءوا ذلك بتشديدِ الهاءِ وفتحِها، فإنهم عَنَوْا به: حتى يَغْتَسِلْنَ بالماءِ. وشدَّدوا الطاءَ؛ لأنهم قالوا: معنى الكلمةِ: حتى يَتَطَهَّرْنَ. أُدْغِمت التاءُ فى الطاءِ لتقاربِ مخرجَيْهما.\nوأَوْلَى القراءتينِ بالصوابِ (^٢) فى ذلك قراءةُ مَن قرَأ: (حتى يَطَّهَّرْنَ) بتشديدِها وفتحِها، بمعنى: حتى يَغْتَسِلْنَ؛ لإجماعِ الجميعِ على أن حرامًا على الرجلِ أن يَقْرَبَ امرأتَه بعدَ انقطاعِ دمِ حيضِها حتى تَطْهُرَ.\nوإنما اخْتُلِفَ فى التطهُّرِ الذى عناه الله تعالى ذكرُه فأحلَّ له جماعَها؛ فقال بعضُهم: هو الاغتسالُ بالماءِ، ولا يَحِلُّ لزوجِها أن يَقْرَبَها حتى تَغْسِلَ جميعَ بدنِها.\nوقال بعضُهم: هو الوُضوءُ للصلاةِ.\nوقال آخرون: بل هو غَسلُ الفرجِ، فإذا غسَلت فرجَها فذلك تطهُّرُها الذى يَحِلُّ به لزوجِها غشيانُها.\nفإذا كان إجماعٌ من الجميعِ أنها لا تَحِلُّ لزوجِها بانقطاعِ الدمِ حتى تَطَّهَّرَ، كان بيِّنًا أن أَوْلَى القراءتينِ بالصوابِ أنفاهُما لِلَّبْسِ عن فهمِ سامعِها، وذلك هو الذى اخترْنا، إذ كان فى قراءةِ قارئِها بتخفيفِ الهاءِ وضمِّها ما لا يُؤْمَنُ معَه اللَّبْسُ على سامعِها من الخطأِ فى تأويلِها، فيرَى أن لزوجِ الحائضِ غشيانَها بعدَ انقطاعِ دمِ حيضِها عنها، وقبلَ اغتسالِها وتطهُّرِها.\nفتأويلُ الآيةِ إذن: ويسألونك عن المحيضِ، قل: هو أذًى، فاعتزِلوا جماعَ\n_________\n(^١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٠١ عقب الأثر (٢١١٧) معلقا.\n(^٢) القراءتان متواترتان، وليست إحداهما أولى بالصواب من الأخرى.","vol":"3","page":732},{"text":"نسائِكم فى وقتِ حيضِهنَّ، ولا تَقْرَبوهنَّ حتى يَغْتَسِلْنَ فيتطهَّرْنَ من حيضِهنَّ بعدَ انقطاعِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-695>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾: فإذا اغتسلْنَ فتطهَّرْن بالماءِ فجامِعوهنَّ.\nفإن قال قائلٌ: أففَرْضٌ جماعُهنَّ حينئذٍ؟ قيل: لا. فإن قال: فما معنى قولِه إذن: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾؟ قيل: ذلك إباحةُ ما كان مُنِع قبلَ ذلك من جماعِهن، وإطلاقٌ لما كان حُظِر فى حالِ الحيضِ، وذلك كقولِه: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وقولِه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]. وما أشبهَ ذلك.\nواختَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، فقال بعضُهم: معنى ذلك: فإذا اغتَسلْنَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباس: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾. يقولُ: فإذا طهرت من الدمِ وتطهَّرت بالماءِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنى [ابنُ مَهْدِىٍّ] (^٢) ومُؤَمَّلٌ، قالا: ثنا سفيانُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٠٢ (٢١١٩)، والبيهقى ١/ ٣٠٩، من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ٢٦٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) فى م: \"محمد بن مهدى\".","vol":"3","page":733},{"text":"ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾: فإذا اغْتَسلْنَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبَيْدُ اللهِ العَتَكىُّ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾. يقولُ: اغتَسلْنَ (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن سفيانَ، أو عثمانَ بنِ الأسودِ: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾: إذا اغتَسلْنَ (^٣).\nحدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، ثنا عبدُ الوارثِ، ثنا عامرٌ، عن الحسنِ فى الحائضِ ترَى الطُّهرَ، قال: لا يغشاها زوجُها حتى تغتسلَ وتَحِلَّ لها الصلاةُ (^٤).\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ أنه كرِه أن يطَأَها حتى تغتسلَ (^٥). يعنى المرأةَ إذا طهَرت.\nوقال آخَرون: معنى ذلك: فإذا تطهَّرْنَ للصلاةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا ليثٌ، عن طاوسٍ ومجاهدٍ أنهما قالا: إذا طهَرت المرأةُ من الدمِ فشاء زوجُها أن يأمُرَها بالوضوءِ قبلَ أن تغتسلَ إذا أدْرَكَه الشَّبَقُ، فَلْيُصِبْ (^٦).\nوأَوْلَى التأويلين بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾: فإذا\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٦٦، ومن طريقه الدارمى ١/ ٢٥٠، والنحاس فى ناسخه ص ٢٠٩، والبيهقى ١/ ٣١٠.\n(^٢) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٢٦٠ إلى المصنف.\n(^٣) تقدم تخريجه فى ص ٧٣١.\n(^٤) أخرجه الدارمى ١/ ٢٥٠، والبيهقى ١/ ٣١٠ من طرق عن الحسن.\n(^٥) أخرجه الدارمى ١/ ٢٥٠ من طريق حماد عن إبراهيم.\n(^٦) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٢٦٠ إلى المصنف، وينظر تفسير البغوى ١/ ٢٥٩.","vol":"3","page":734},{"text":"اغْتَسلْنَ؛ لإجماعِ الجميعِ على أنها لا تصيرُ بالوضوءِ بالماءِ طاهرًا الطُّهرَ الذى يَحِلُّ لها به الصلاةُ، وأن القولَ لا يخلو فى ذلك مِن أحدِ أمرين؛ إمَّا أن يكونَ معناه: فإذا تَطهَّرْنَ من النجاسةِ فَأْتُوهنَّ. وإن كان ذلك معناه، فقد يَنبغى أن يكونَ متى انْقَطع عنها الدمُ فجائزٌ لزوجِها جماعُها إذا لم تكنْ هنالك نجاسةٌ ظاهرةٌ، هذا إن كان قولُه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ جائزًا استعمالُه فى التطهُّرِ من النجاسةِ، ولا أعلمُه جائرًا إلَّا على استكراهِ الكلامِ. أو يكونَ معناه: فإذا تَطهَّرْنَ للصلاةِ. و(^١) فى إجماعِ الجميعِ من الحجةِ على أنه غيرُ جائزٍ لزوجِها غشيانُها بانقطاعِ دمِ حيضِها، إذا لم يكنْ هنالك نجاسةٌ دونَ التطهُّرِ بالماءِ إذا كانت واجِدَتَه - أدلُّ الدليلِ على أن معناه: فإذا تَطهَّرْنَ الطهرَ الذى يَجْزِيهنَّ به الصلاةُ. وفى إجماعِ الجميعِ من الأمةِ على أن الصلاةَ لا تَحِلُّ لها إلا بالاغتسالِ، أوضحُ الدَّلالةِ على صحةِ ما قلنا مِن أن غشيانَها حرامٌ إلا بعدَ الاغتسالِ، وأن معنى قولِه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾: فإذا اغتَسلْنَ فصِرْنَ طواهرَ الطُّهْرَ الذى يَجْزِيهنَّ به الصلاةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-696>القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ذكرُه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فَأتُوا نساءَكم إذا تَطهَّرْنَ من الوجهِ الذى نهيتُكم عن إتيانِهنَّ منه فى حالِ حيضِهنَّ، وذلك الفرجُ الذى أمَر اللهُ بتركِ جماعِهن فيه فى حالِ الحيض.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: ثنى أبانُ بنُ صالحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ فى قولِه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ\n_________\n(^١) زيادة يقتضيها السياق.","vol":"3","page":735},{"text":"حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: من حيثُ أمَركم أن تعتزِلوهنَّ (^١).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية بن صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يقولُ: فى الفرجِ، لا تَعْدُوه إلى غيرِه، فمَن فعَل شيئًا من ذلك فقد اعْتَدى (^٢).\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا خالدٌ الحَذَّاءُ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: من حيثُ أمَركم أن تَعتزِلوا (^٣).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا أبو صخرٍ، عن أبى معاويةَ البَجَلىِّ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ أنه قال: بَيْنَا أنا ومجاهدٌ جالسان عندَ ابنِ عباسٍ أتاه رجلٌ فوقَف على رأسِه، فقال: يا أبا العباسِ -أو يا أبا الفضلِ- ألا تَشْفِينى عن آيةِ المحيضِ؟ قال: بلى. فقرَأ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ حتى بلَغ آخرَ الآيةِ. فقال ابنُ عباسٍ: من حيثُ جاء الدمُ، من (^٤) ثَمَّ أُمِرتَ أن تأتىَ (^٥).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةَ، عن عثمانَ (^٦)، عن مجاهدٍ، قال: دُبُرُ المرأةِ مثلُه من الرجلِ. ثم قرَأ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ إلى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: من حيثُ أمَركم أن تَعتزِلوهنَّ (^٧).\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا مؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى نَجيح، عن\n_________\n(^١) أخرجه الدارمى ١/ ٢٥٧ من طريق مجاهد به.\n(^٢) أخرجه البيهقى ١/ ٣٠٩ من طريق أبى صالح به.\n(^٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٢٣٢ عن ابن علية به.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) سيأتى تخريجه بتمامه فى ص ٧٥٠.\n(^٦) فى م، ت ١: \"عمرة\"، وفى ت ٢: \"عمر\"، وفى ت ٣: \"عمن\".\n(^٧) تفسير سفيان الثورى ص ٦٦ عن عثمان به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٢٣٣ من طريق عثمان به.","vol":"3","page":736},{"text":"مجاهدٍ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: أُمِروا أن يأتوهنَّ من حيثُ نُهوا عنه (^١).\nحدَّثنا ابنُ أبى الشواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا خُصيفٌ، قال: ثنى مجاهدٌ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: فى الفرجِ، ولا تَعْدُوه (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يقولُ: إذا تَطهَّرْنَ فَأْتوهنَّ من حيثُ نهَى عنه فى المحيضِ.\nحدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن سفيانَ، أو عثمانَ بنِ الأسودِ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: باعتزالِهنَّ منه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أى: من الوجهِ الذى يأتى منه المحيضُ طاهرًا غيرَ حائضٍ، ولا تَعْدُوا ذلك إلى غيرِه.\nحدّثنا محمدُ بن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: طواهرَ من غيرِ جماعٍ، ومن غيرِ حيضٍ، من الوجهِ الذى يأتى المحيضُ، ولا يَتعدَّه (^٣) إلى غيرِه (^٤). قال سعيدٌ: ولا أعلمُه إلا عن ابنِ عباسٍ.\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِه: ﴿فَإِذَا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٣٣، ومن طريقه ابن أبى شيبة ٤/ ٢٣٣.\n(^٢) أخرجه الدارمى ١/ ٢٦١ من طريق عبد الواحد به.\n(^٣) فى م: \"يتعدى\".\n(^٤) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٢٦٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":737},{"text":"تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: من حيثُ نُهِيتم عنه فى المحيضِ.\nوعن أبيه، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: من حيثُ نُهِيتم عنه، واتَّقوا الأدبارَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ أبى، عن يزيدَ بنِ الوليدِ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: فى الفرجِ (^١).\nوقال آخَرون: معناه: فَأْتُوهنَّ من الوجهِ الذى أمَركم اللهُ فيه أن تأتوهنَّ منه، وذلك الوجهُ هو الطهرُ دونَ الحيضِ. فكان معنى قائلِ ذلك فى الآيةِ: فأتُوهنَّ من قُبْلِ (^٢) طُهرهنَّ لا مِن قُبْلِ حيضِهن.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يعنى: أن يأتيَها طاهرًا غيرَ حائضٍ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبى رَزينٍ فى قولِه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: من قُبْلِ الطُّهْرِ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ محببٍ (^٥)، قال: ثنا سفيانُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٢٣٢، والدارمى ١/ ٢٥٩، عن ابن إدريس به.\n(^٢) قُبْل الطهر: إقباله وأوله وحين يمكنها الدخول فى العدة. اللسان (ق ب ل).\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٠٢ (٢١١٧) عن محمد بن سعد به.\n(^٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٢٣٣ من طريق سفيان به.\n(^٥) فى م: \"يحيى\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"محب\".","vol":"3","page":738},{"text":"الأعمشِ، عن أبي رَزِينٍ بمثلِه (^١)\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَمرٍو، عن منصورٍ، عن أبي رَزينٍ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يقولُ: ائتوهنَّ من عندِ الطهرِ.\nحدَّثنى محمدُ بنُ عُبَيْدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا علىُّ بنُ هاشمٍ، عن الزِّبْرِقانِ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: من قُبْلِ الطُّهْرِ، ولا تأتوهنَّ مِن قُبْلِ الحَيْضةِ (^٢)\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال؛ ثنا عُبَيْدُ اللهِ العَتَكِيُّ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يقولُ: إذا اغتسلْنَ فأتوهنَّ من حيثُ أمَركم اللهُ. يقولُ: طواهرَ غيرَ حُيَّضٍ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: يقولُ: طواهرَ غيرَ حُيَّضٍ (^٣).\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حَمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ قولَه: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: من الطُّهرِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سلمةَ بنِ نُبَيْطٍ، عن الضَّحَّاكِ: فأتوهنَّ طُهَّرًا غيرَ حُيّضٍ.\nحُدِّثتُ عن الحسين بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيْدُ بنُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٤٠٢ (٢١٢١) من طريق سفيان به.\n(^٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٢٣٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٠١ (٢١١٦) من طريق الزبرقان به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٩.\n(^٤) ينظر البحر المحيط ٢/ ١٦٩.","vol":"3","page":739},{"text":"سليمانَ، عن الضحَّاكِ قولَه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: ائتوهنَّ طاهراتٍ غيرَ حُيَّضٍ.\nحدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا سلمةُ بنُ نُبَيْطٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: طُهَّرًا غيرَ حُيَّضٍ، في القُبُلِ (^١).\nوقال آخَرون: بل معنى ذلك: فأْتوا النساءَ من قُبْلِ النكاحِ لا من قُبْلِ الفجورِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا إسماعيلُ الأزرقُ، عن أبى عمرَ الأسدىِّ، عن ابنِ الحنفيَّةِ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: من قُبْلِ الحلالِ؛ من قُبْلِ التزويجِ (^٢).\nوأَوْلَى الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ ذلك عندى قولُ مَن قال: معنى ذلك: فأْتُوهنَّ من قُبْلِ طُهرِهنَّ. وذلك أن كلَّ أمرٍ بمعنًى، فنهىٌ عن خلافِه وضِدِّه، وكذلك النهيُ عن الشيءِ أمرٌ بضدِّه وخلافِه، فلو كان معنى قولِه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: فَأْتُوهنَّ مِن قِبَل مخرجِ الدمِ الذى نهَيتُكم أن تأتوهنَّ من قِبَلِه في حالِ حيضِهنَّ -لوجَب أن يكونَ قولُه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ تأويلُه: ولا تَقْرَبوهنَّ في مَخْرجِ الدمِ، دونَ ما عدا ذلك من أماكنِ جسدِها، فيكونُ مُطلِقًا في حالِ حيضِها إتيانَهنَّ في أدبارِهنَّ.\nوفى إجماعِ الجميعِ على أن اللهَ تعالى ذكرُه لم يُطْلِقْ في حالِ الحيضِ من إتيانِهنَّ في أدبارِهنَّ شيئًا حرَّمه في حالِ الطهرِ، ولا حرَّم مِن ذلك في حالِ الطهرِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٣٠ عن وكيع به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٠٢ (٢١٢٢) من طريق وكيع به.","vol":"3","page":740},{"text":"شيئًا أحلَّه في حالِ الحيضِ- ما يُعْلَمُ به فسادُ هذا القولِ.\nوبعدُ، فلو كان معنى ذلك على ما تأوَّله قائلو هذه المقالةِ، لوجَب أن يكونَ الكلامُ: فإذا تطهَّرْنَ فأتوهنَّ في (^١) حيثُ أمَركم اللهُ. حتى يكونَ معنى الكلامِ حينئذٍ على التأويلِ الذى تأوَّله، ويكونَ ذلك أمرًا بإتيانِهن في فُروجِهن؛ لأن الكلامَ المعروفَ إذا أُرِيد ذلك أن يقالَ: أتَى فلانٌ زوجتَه مِن قِبَلِ فرجِها. ولا يقال: أتاها من فرجِها. إلا أن يكونَ أتاها مِن قِبَلِ فرجِها في مكانٍ غيرِ الفرجِ.\nفإن قال لنا قائلٌ: فإن ذلك وإن كان كذلك، فليس معنى الكلامِ: فأتوهنَّ في فروجِهنَّ. وإنما معناه: فأتوهنَّ مِن قِبَلِ قُبُلِهن في فروجِهن. كما يُقالُ: أتيتُ هذا الأمرَ من مأتاه.\nقيل له: إن كان ذلك كذلك، فلا شكَّ أن مَأْتَى الأمرِ ووجهَه غيرُه، وأن ذلك مطلبُه. فإن كان ذلك على ما زعَمتم، فقد يَجِبُ أن يكونَ معنى قولِه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. غيرَ الذى زعَمتم أنه معناه بقولِكم: ائتوهنَّ من قِبَلِ مَخرجِ الدمِ ومن حيثُ أُمِرتم باعتزالِهن. ولكنَّ الواجبَ أن يكونَ تأويلُه على ذلك: فأتوهنَّ من قِبَلِ وجوهِهنَّ في أقبالِهن. كما كان قولُ القائلِ: ائتِ الأمرَ مِن مأتاه. إنما معناه: اطْلُبْه مِن مطلبِه. ومطلبُ الأمرِ غيرُ الأمرِ المطلوبِ، فكذلك [يَجِبُ أن يكونَ] (^٢) مأتى الفرجِ -الذى أمَر اللهُ في قولِهم بإتيانِه- غيرَ الفرجِ. وإذا كان ذلك (^٣) كذلك، وكان معنى الكلامِ عندَهم: فأتوهنَّ مِن قِبَلِ وُجوهِهنَّ في فروجِهنَّ. وجَب أن يكونَ على قولِهم مُحرَّمًا إتيانُهنَّ في فروجِهن مِن قِبَلِ أدبارِهنَّ، وذلك إن\n_________\n(^١) في النسخ: \"من\". وهو نص الآية، والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٢) في ص: \"يجب\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يجب أن\". والمثبت هو الصواب.\n(^٣) زيادة من: ت ٢.","vol":"3","page":741},{"text":"قالوه خرَجَ مَن قاله مِن قِيلِ أهلِ الإسلامِ، وخالفَ نصَّ كتابِ اللهِ تعالى ذكرُه، وقولَ رسولِ الله ﷺ؛ وذلك أن الله يقولُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. وأذِن رسولُ اللهِ ﷺ فى إتيانِهنَّ في فروجِهنَّ من قِبَلِ أدبارِهن.\nفقد تبيَّن إذن -إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا- فسادُ تأويلِ مَن قال: معنى (^١) ذلك: فأْتوهنَّ في فروجِهن حيثُ نهَيتُكم عن إتيانِهن في حالِ حيضِهن. وصحةُ القولِ الذى قلناه، وهو أن معناه: فأْتوهن [في فروجِهن] (^٢) مِن الوجهِ الذى أذِن الله لكم بإتياتِهن، وذلك حالُ طُهرِهن وتطهُّرِهن، دونَ حالِ حيضِهن.\n\n<span data-type='title' id=toc-697>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾: المنُيبين مِن الإدبارِ عن اللهِ وعن طاعتِه إليه وإلى طاعتِه. وقد بيَّنَّا معنى التوبةِ قبلُ (^٣).\nواخْتُلِف في معنى قولِه: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ فقال بعضُهم: هم المتطهِّرون بالماءِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا طلحةُ، عن عطاءٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ قال: التوَّابين من الذنوبِ، ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ قال:\n_________\n(^١) سقط من النسخ، وأثبتناه لاستقامة السياق.\n(^٢) سقط من: ص، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٨٧. ٦٨٥، ٢/ ٥٧١.","vol":"3","page":742},{"text":"المُتَطَهِّرين بالماءِ للصلاةِ.\nحدَّثنى أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا طلحةُ، عن عطاءٍ مثلَه (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾: من الذنوبِ لم يُصِيبوها، ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ بالماءِ للصلاةِ (^٢).\nوقال آخَرون: معنى ذلك: إن اللهَ يُحِبُّ التوَّابين من الذنوبِ، ويُحِبُّ المتطهِّرين من أدبارِ النساءِ أن يأتوها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ نافعٍ، قال: سمِعتُ سليمًا (^٣) مولى أمِّ عليٍّ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ: مَن أتَى امرأتَه في دُبُرِها فليس من المتطهِّرين (^٤).\nوقال آخَرون: معنى ذلك: ويُحِبُّ المتطهِّرين من الذنوبِ أن يعودوا فيها بعدَ التوبةِ منها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾: من الذنوبِ لم يُصِيبوها، ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ من\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي كلام في تفسيره ٢/ ٤٠٣ (٢١٢٤) من طريق أبي نعيم به، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٢٦١ إلى وكيع وعبد بن حميد.\n(^٢) في ص: \"للصلوات\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"سليمان\". وهما واحد. ينظر تهذيب الكمال ١١/ ٣٤٧، ١٢/ ١١٤.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٠٣ (٢١٢٨) من طريق إبراهيم به.","vol":"3","page":743},{"text":"الذنوبِ، لا يعودون فيها (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: إن اللهَ يُحِبُّ التوَّابين من الذنوبِ، ويُحِبُّ المتطهِّرين بالماءِ للصلاةِ؛ لأن ذلك هو الأغلبُ من ظاهرِ معانيه. وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه ذكَر أمرَ المحيضِ، فنهاهم عن أمورٍ كانوا يفعلونها في جاهليتِهم؛ مِن تركِهم مُساكنةَ الحائضِ ومُؤاكلتَها ومُشاربتَها، وأشياءَ غيرَ ذلك مما كان تعالى ذكرُه يَكْرَهُها من عبادِه، فلمَّا اسْتَفتى أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ[رسولَ اللهِ] (^٢) عن ذلك أوحى اللهُ تعالى إليه في ذلك، فبينَّ لهم ما يَكْرَهُه مما يرضاه ويُحِبُّه، وأخبَرَهم أنه يُحِبُّ مِن خَلقِه مَن أناب إلى رضاه ومحبَّتِه، تائبًا ممَّا يَكْرَهُه، وكان ممَّا بيَّن لهم من (^٣) ذلك أنه قد حرَّم عليهم إتيانَ نسائِهم وإن طهُرنَ من حيضِهن حتى يَغْتَسِلْنَ، ثم قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ فإن اللهَ يُحِبُّ المتطهِّرين. يعني بذلك المتطهِّرين من الجنابةِ والأحداثِ للصلاةِ، والمتطهِّراتِ بالماءِ من الحيضِ والنِّفاسِ والجنابةِ والأحداثِ من النساءِ. وإنما قال: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ولم يقل: المتطهراتِ. وإنما جرَى قبلَ ذلك ذكرُ التطهُّرِ للنساءِ؛ لأن ذلك بذكرِ المتطهرين يَجْمَعُ الرجالَ والنساءَ، ولو ذُكِر ذلك بذكرِ المتطهِّراتِ لم يكنْ للرجالِ في ذلك حظٌّ، وكان للنساءِ خاصَّةً، فذكَر اللهُ تعالى ذكرُه بالذكرِ العامِّ جميعَ عبادِه المُكلَّفين، إذ كان قد تعبَّد جميعَهم بالتطهُّرِ بالماءِ، وإن اخْتَلفت الأسبابُ التى تُوجِبُ التطهُّرَ عليهم بالماءِ في بعضِ المعانى واتَّفقت في بعضٍ.\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ١/ ٢٥٩.\n(^٢) سقط من م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في النسخ: \"مع\". والمثبت هو الصواب.","vol":"3","page":744},{"text":"<span id=\"aya-230\"></span><span data-type='title' id=toc-698>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذِكرُه بذلك: نساؤكم مُزْدَرَعُ أولادِكم، فأْتوا مُزْدَرَعَكم كيف شِئْتُم، وأين شِئْتُم، وإنما عنَى بالحرثِ وهو [الزَّرْعُ، المُحْتَرثَ] (^١) والمُزْدَرعَ، ولكنهنَّ لما كنَّ من أسبابِ الحرثِ جُعِلن حرثًا، إذ كان مَفْهومًا معنى الكلامِ.\nوبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عُبَيْدٍ (^٢) المُحاربيُّ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن يونسَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾. قال: مَنْبَتُ الولدِ (^٣).\nحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾: أمَّا الحرثُ فهى مَزْرَعةٌ يُحْرَثُ فيها (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-699>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: فانْكِحوا مُزْدَرَعَ أولادِكم من حيثُ شِئْتُم من وجوهِ المأتَى. والإتيانُ في هذا الوْضِع كنايةٌ عن اسمِ الجماعِ.\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾. فقال بعضُهم: معنى ﴿أَنَّى﴾: كيفَ.\n_________\n(^١) في ص: \"المزرع الحرث\".\n(^٢) في ت ٢: \"عبيد الله\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٧٠.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٦٣ إلى المصنف.\n(^٤) ينظر التبيان ٢/ ٢٢٢.","vol":"3","page":745},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ ابنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. قال: يأْتِيها كيفَ شاء، ما لم يكنْ يأْتِيها في دُبُرِها أو في الحيضِ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. قال: ائْتِها أنَّى شئت، مُقْبِلةً ومُدْبرةً، ما لم تأتِها في الدُّبُرِ والمحيضِ.\nحدَّثنا علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾: يعنى بالحرثِ الفرجَ، يقولُ: تأْتِيه كيف شِئتَ، مُسْتَقبِلَه ومُسْتَدْبِرَه، وعلى أىِّ ذلك أردتَ، بعدَ ألا تُجَاوِزَ الفرجَ إلى غيرِه، وهو قولُه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن عبدِ الكريمِ، عن عكرمةَ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. قال: يأْتِيها كيف شاء، ما لم يَعْمَلْ عملَ قومِ لوطٍ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا الحسنُ بنُ صالحٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. قال: يأْتِيها كيف شاء، واتَّقِ الدُّبُرَ\n_________\n(^١) أخرجه الدارمى ١/ ٢٥٨ من طريق عطاء به بنحوه.\n(^٢) أخرجه البيهقى ٧/ ١٩٦، من طريق أبي صالح به.\n(^٣) أخرجه الخرائطى في مساوئ الأخلاق (٤٧١) من طريق عبد الكريم به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٢٩، والدارمى ١/ ٢٥٩ من طريق خالد، عن عكرمة.","vol":"3","page":746},{"text":"والحيضَ (^١).\nحدَّثنى عُبيدُ اللهِ بنُ سعدٍ، قال: ثنا (^٢) عمِّى، قال: ثنى أبي (^٣)، قال: ثنى يزيدُ، أن ابنَ كعبٍ كان يقولُ: إنما قولُه: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. يقولُ: ائْتِها مُضطجِعةً وقائمةً ومُنحرفةً ومقبِلَةً ومدبِرَةً كيف شِئتَ، إذا كان في قُبُلِها.\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرَنا حُصَيْنٌ، عن مُرَّةَ الهَمْدانىِّ، قال: سمِعتُه يُحَدِّثُ أن رجلًا من اليهودِ لقِى رجلًا من المسلمين، فقال له: أيأتِى أحدُكم أهلَه باركًا؟ قال: نعم. قال: فذُكِر ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ، قال: فنزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. يقولُ: كيف شاء، بعدَ أن يكونَ في الفرجِ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾: إن شئتَ قائمًا أو قاعدًا أو على جَنْبٍ، إذا كان يأْتِيها من الوجهِ الذى يأتى منه المحيضُ، ولا يتعدَّى ذلك إلى غيرِه.\nحدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾: ائتِ حَرْثَك كيف شِئتَ من قُبُلِها، ولا تأتِها في دُبُرِها. ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾. قال: كيف شِئتم.\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرَنا عمرو بنُ الحارثِ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٣٠ من طريق ليث به.\n(^٢) في م: \"ثنى أبي قال ثنى\". ينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٣٠٨.\n(^٣) بعده في م: \"عن أبيه\". وسيأتى موصولًا عن ابن عباس في ص ٧٣٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٣١ من طريق حصين به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٦١ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":747},{"text":"سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ علىٍّ حدَّثه أنه بلَغه أن ناسًا من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ جلَسوا يومًا ورجلٌ من اليهودِ قريبٌ منهم، فجعَل بعضُهم يقولُ: إنِّى لآتى امرأتى وهى مضطجِعَةٌ. ويقولُ الآخرُ: إنى لآتيها وهى قائمةٌ. ويقولُ الآخرُ: إنى لآتيها على جَنْبِها و(^١) باركةً. فقال اليهودىُّ: ما أنتم إلا أمثالُ البهائمِ، ولكنَّا إنما نأتيها على هيئةٍ واحدةٍ. فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾. فهو القُبُلُ (^٢).\nوقال آخَرون: معنى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾: من حيثُ شِئتم، وأىِّ وجهٍ أحْببتُم (^٣).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا سهلُ بنُ موسى الرازىُّ، قال: ثنا ابنُ أبي فُدَيْكٍ، عن إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ بنِ أبي حبيبةَ الأشهلِ، عن داودَ بنِ الحُصَينِ (^٤)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَكرَهُ أن تُؤتَى المرأةُ في دُبُرِها، ويقولُ: إنما المحترثُ (^٥) من القُبُلِ الذى يكونُ منه النسلُ والحيضُ. ويَنْهَى عن إتيانِ المرأةِ في دُبُرِها ويقولُ: إنما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. يقولُ: من أىِّ وجهٍ شِئتُم (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا ابنُ واضحٍ، قال: ثنا العَتَكىُّ، عن عكرمةَ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. قال: ظَهْرَها لبَطْنِها غيرَ مُعاجَزَةٍ، يعنى الدُّبُرَ.\nحدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ سعدٍ، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبي، عن يزيدَ (^٧)، عن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وهى\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٦٢ إلى المصنف.\n(^٣) في ت ٢: \"أصبتم\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحسين\". وينظر تهذيب الكمال ٨/ ٣٧٩.\n(^٥) في م: \"الحرث\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٦٣ إلى المصنف.\n(^٧) في ت ١: \"زيد\".","vol":"3","page":748},{"text":"الحارثِ (^١) بنِ كعبٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، قال: إن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: اسْقِ نَباتَك من حيثُ نباتُه (^٢).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. يقولُ: مِن أين شئْتُم (^٣). ذكِر لنا، واللهُ أعلمُ، أن اليهودَ قالوا: إن العربَ يأتون النساءَ من قِبَلِ أعجازِهنَّ، فإذا فعَلوا ذلك جاء الولدُ أحولَ، فأكْذَب اللهُ أُحْدُوثَتَهم، فقال: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: يقولُ: ائتوا النساءَ في غيرِ (^٤) أدبارِهن على كلِّ نحوٍ.\nقال ابنُ جُريجٍ: سمِعتُ عطاءَ بنَ أبي رباحٍ قال: تذاكرْنا هذا عندَ ابنِ عباسٍ، فقال ابنُ عباسٍ: ائْتوهنَّ من حيثُ شِئتُم، مقبِلةً ومدبِرةً. فقال رجلٌ: كأن هذا حلالٌ! فأنكر عطاءٌ أن يكونَ هذا هكذا، وأنكره. كأنه إنما يُرِيدُ الفرجَ، مقبلةً ومدبرةً في الفرجِ.\nوقال آخَرون: معنى قولِه: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾: متى شِئتم.\n_________\n(^١) كذا في النسخ، ولعله تحريف. وينظر مصدرى التخريج.\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٩٠٠٣) من طريق بكر بن مضر، عن يزيد، عن عثمان بن كعب، عن محمد بن كعب به. وأخرجه البيهقى ٧/ ١٩٦ من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردى، عن يزيد، عن محمد بن كعب به.\n(^٣) ينظر التبيان ٢/ ٢٢٣.\n(^٤) سقط من النسخ، وهى زيادة لا بد منها، إذ المشهور عن مجاهد في مسألة الوطء في الدبر أنه لا يحله، وقد أخرج ابن أبي شيبة ٤/ ٢٣٢ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد: ائتوا النساء في أقبالهن على كل نحو. وينظر المغنى ١٠/ ٢٢٦، وتفسير القرطبى ٣/ ٩١ - ٩٦، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٨٦ - ٣٨٩.","vol":"3","page":749},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثتُ عن حسين بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: أخبَرَنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. يقولُ: متى شِئتم (^١).\nحدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا أبو صخرٍ، عن أبى معاويةَ البَجَلىِّ، وهو عمّارٌ الدُّهْنِىُّ (^٢)، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ أنه قال: بَيْنا أنا ومجاهدٌ جالسان عندَ ابنِ عباسٍ، أتاه رجلٌ فوقَف على رأسِه فقال: يا أبا العباسِ -أو: يا أبا الفضلِ- ألا تَشْفِينى عن (^٣) آيةِ المحيضِ؟ فقال: بلى. فقرَأ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾. حتى بلَغ آخرَ الآيةِ، فقال ابنُ عباسٍ: من حيثُ جاء الدمُ، مِن ثَمَّ أُمِرتَ أن تأتىَ. فقال له الرجلُ: يا أبا الفضلِ، كيف بالآيةِ التى تَتْبَعُها ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾؟ فقال: إى! ويحَك! وفى الدبُرِ من حرثٍ؟ لو كان ما تقولُ حقًّا لكان المحيضُ منسوخًا، إذا اشتغَل من ههنا جئتَ من ههنا، ولكن ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ من الليلِ والنهارِ (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أين شئْتُم، وحيث شئْتُم.\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٢/ ٢٢٣، والبحر المحيط ٢/ ١٧٠، ١٧١.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذهبى\".\n(^٣) في م: \"من\".\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٤٠٢، ٤٠٥ (٢١٢٠، ٢١٣٥) من طريق يونس بن عبد الأعلى به. وتقدم أوله في ص ٧٣٦.","vol":"3","page":750},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا [ابنُ عليةَ] (^١)، قال: أخبَرَنا ابنُ عونٍ، عن نافعٍ، قال: كان ابن عُمرَ إذا قرَأ القرآنَ لم يتكلَّم. قال: فقرَأتُ ذاتَ يومٍ هذه الآيةَ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. فقال: أتدرى في من نزَلت هذه الآيةُ؟ قلت: لا. قال: نزَلت في إتيانِ النساءِ في أدبارِهنَّ (^٢).\nحدَّثنى إبراهيمُ بن عبدِ اللهِ بنِ مسلمٍ أبو مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرَ الضريرُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ صاحبُ الكَرابِيسىُّ، عن ابنِ عونٍ، عن نافعٍ، قال: كنتُ أُمْسِكُ على ابنِ عمرَ المصحفَ، إذ (^٣) تلا هذه الآيةَ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. فقال: أن يأتيَها في دبُرِها (^٤).\nحدَّثنى عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ مَسْلَمَةَ، قال: ثنا الدَّرَاوَرْدِىُّ، قال: قيل لزيدِ بنِ أسلمَ: إن محمدَ بنَ المُنْكَدِرِ يَنْهَى عن إتيانِ النساءِ في أدبارِهنَّ، فقال زيدٌ: أَشْهَدُ على محمدٍ لأَخْبَرَنى أنه يَفْعَلُه (^٥).\nحدَّثنى عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبو زيدٍ عبدُ الرحمنِ\n_________\n(^١) في م: \"هشيم\".\n(^٢) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده وفى تفسيره -كما في الفتح ٨/ ١٩٠ - ومن طريقه البخارى (٤٥٢٦) - وأبو عبيد في فضائله ص ٩٧ من طريق ابن عون به، وأخرجه الطبرانى في الأوسط (٣٨٢٧) من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع به نحوه، وعلقه البخارى عقب (٤٥٢٧).\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إذا\".\n(^٤) ذكره الحافظ في الفتح ٨/ ١٩٠ من طريق إسماعيل بن إبراهيم الكرابيسى، وعزاه إلى المصنف.\n(^٥) عزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ٢٦٦ إلى المصنف.","vol":"3","page":751},{"text":"ابنُ أحمدَ بنِ أبي الغَمْرِ (^١)، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ، عن مالكِ بنِ أنسٍ، أنه قيل له: يا أبا عبدِ اللهِ، إن الناسَ يرْوون عن سالمٍ: كذَب العبدُ، أو العِلْجُ، على أبى. فقال مالكٌ: أَشْهَدُ على يزيدَ بنِ رُومانَ أنه أخبَرنى، عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عمرَ مثلَ ما قال نافعٌ. فقيل له: فإن الحارثَ بنَ يعقوبَ يروى عن أبي الحبُابِ سعيدِ بنِ يسارٍ أنه سأل ابنَ عمرَ، فقال له: يا أبا عبدِ الرحمنِ، إنا نشترى الجوارىَ، فنُحَمِّضُ (^٢) لهنَّ. فقال: وما التحميضُ (^٣)؟ [فذكر له] (^٤) الدُّبُرَ. فقال ابنُ عمرَ: أفٍّ أفٍّ! يفعلُ ذلك مؤمنٌ؟ -أو قال: مسلم- فقال مالكٌ: أشهدُ على ربيعةَ لأَخْبَرَنى عن أبي الحُبَابِ، عن ابنِ عمرَ مثلَ ما قال نافعٌ (^٥).\nحدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: أخبَرَنا عَمرُو بنُ طارقٍ، قال: أخبَرَنا يحيى ابنُ أيوبَ، عن موسي بنِ أيوبَ الغافِقىِّ، قال: قلتُ لأبى ماجدٍ الزِّيَادىِّ: إن نافعًا يُحَدِّثُ عن ابنِ عمرَ فى دُبُرِ المرأةِ. فقال: كذَب نافعٌ، صحِبتُ ابنَ عمرَ ونافعٌ مملوكٌ، فسمِعتُه يقولُ: ما نظَرتُ إلى فرجِ امرأتى منذُ كذا وكذا.\nحدَّثنى أبو قِلابَةَ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال. ثنى أبى، عن أيوبَ، عن نافعٍ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"العمر\". وينظر تهذيب الكمال ١٧/ ٣٤٥.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٣: \"فتحمص\"، وفى ت ٢: \"فتمحص\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٣: \"التحميص\"، وفى ت ٢: \"التمحيص\".\n(^٤) في م: \"قال\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٨٨ عن المصنف، وأخرجه الطحاوى في شرح المعانى ٣/ ٤١ من طريق أبي زيد وأصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن القاسم به بشطره الأول، وأخرجه الدارمى ١/ ٢٦٠، والطحاوى ٣/ ٤١ من طريق الحارث بن يعقوب به بشطره الثانى، وأخرجه النسائى في الكبرى (٨٩٧٩) من طريق عبد الرحمن بن القاسم به مختصرا، وأخرج النسائى (٨٩٨٠) من طريق يزيد بن رومان، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر أنه كان لا يرى بأسا أن يأتى الرجل امرأته في دبرها.","vol":"3","page":752},{"text":"عن ابنِ عمرَ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. قال: في الدُّبُرِ (^١).\nحدَّثنى أبو مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرَ الضريرُ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ القاسمِ، عن قتادةَ، قال: سُئِل أبو الدرداءِ عن إتيانِ النساءِ في أدبارِهنَّ، فقال: هل يفعلُ ذلك إلا كافرٌ؟ قال رَوْحٌ: فشهِدتُ ابنَ أبى مُلَيكَةَ يُسألُ عن ذلك، فقال: قد أرَدتُه (^٢) من جاريةٍ لى البارحةَ فاعتاص (^٣) علىَّ، فاسْتَعنتُ بدُهْنٍ، أَو: بشحمٍ. قال: فقلتُ له: سبحانَ اللهِ! أخبَرَنا قتادةُ أن أبا الدرداءِ قال: هل (^٤) يفعلُ ذلك إلا كافرٌ (^٥)؟ فقال: لعَنك اللهُ ولعَن قتادةَ. فقلتُ: لا أُحَدِّثُ عنك شيئًا أبدًا، ثم ندِمتُ بعدَ ذلك (^٦).\nواعتلَّ قائلو هذه المقالةِ لقولِهم بما حدَّثنى به محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ (^٧) الحكمِ، قال: أخبَرَنا أبو بكرِ بنُ أبى أُوَيْسٍ الأَعْشَى، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن ابنِ عمرَ، أن رجلًا أتَى امرأتَه في دُبُرِها فوجَد في نفسِه من ذلك، فأنزَل اللهُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٤٥٢٧)، وأبو نعيم في مستخرجه -كما في التغليق ٤/ ١٨١ - من طريق عبد الصمد به.\n(^٢) في م: \"أوردته\".\n(^٣) في: ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فاعتاض\". واعتاص عليه الأمر: اشتد. التاج (ع وص).\n(^٤) في النسخ: \"من\".\n(^٥) في النسخ: \"كافرًا\".\n(^٦) أخرجه معمر في جامعه (٢٠٩٥٧) ومن طريقه البيهقى في شعب الإيمان (٥٣٧٩) عن قتادة به. وقول أبى الدرداء أخرجه أحمد ١١/ ٥٥٤ (٦٩٦٨)، وابن أبى شيبة ٤/ ٢٥٢، والبيهقى ٧/ ١١٩ من طرق عن قتادة، عن عقبة بن وساج، عن أبى الدرداء.\n(^٧) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٨) أخرجه النسائى في الكبرى (٨٩٨١) عن محمد بن عبد الله به، وأخرجه الطبرانى في الأوسط (٦٢٩٨) من طريق نافع، عن ابن عمر.","vol":"3","page":753},{"text":"حدَّثنى يونسُ، فال: أخبَرَنى ابنُ نافعٍ، عن هشامِ بنِ سعدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، أن رجلًا أصاب امرأتَه في دُبُرِها على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فأنكر الناسُ ذلك وقالوا: أَثْفَرَها (^١)! فأنزل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ الآية (^٢).\nوقال آخَرون: معنى ذلك: ائْتُوا حرثَكم كيف شِئتم؛ إن شِئْتُم فاعْزِلوا، وإن شِئتمُ فلا تَعْزِلوا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا الحسنُ بنُ صالحٍ، عن ليثٍ، عن عيسى بن سِنانٍ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾: إن شِئتم فاعْزِلوا، وإن شِئتم فلا تَعْزِلوا (^٣).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن يونسَ، عن أبى إسحاقَ، عن زائدةَ بنِ عُميرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن شِئتَ فاعْزِلْ، وإن شِئتَ فلا تَعْزِلْ (^٤).\n_________\n(^١) في مسند أبى يعلى: \"أبعرها\"، وفى نسخة من شرح المعانى: \"أتعزبها\"، وفى نسخة كالمثبت، وأثغرها، من الثغر، وهو السير يشد تحت ذنب البعير، والمراد تشبيه فعل الرجل بوضع الثغر على دبر الدابة. وينظر اللسان والتاج (ث ف ر).\n(^٢) سقط من: م. والحديث أخرجه أبو يعلى (١١٠٣)، والطحاوى في شرح المعانى ٣/ ٤٠ من طريق عبد الله بن نافع به، موصولا عن أبى سعيد، وأخرجه النسائى في الكبرى (٨٩٨١) عن هشام به.\n(^٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٢٣٢، من طريق عيسى به.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٤٠٥ (٢١٣٦) من طريق وكيع به، وأخرجه ابن منيع في مسنده -كما في الإتحاف للبوصيرى (٥٢٧٥)، والطبرانى (١٢٦٦٣) من طريق يونس به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٢٢٩، والطحاوى في شرح المعانى ٣/ ٤١، والطبرانى في الأوسط (١١٧١)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٢٧٩، من طريق أبى إسحاق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٦٧ إلى وكيع وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والضياء في المختارة.","vol":"3","page":754},{"text":"وأمَّا الذين قالوا: معنى قولِه: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾: كيف شِئتم؛ مقبلةً ومدبرةً في الفرجِ والقُبُلِ. فإنهم قالوا: إن الآيةَ إنما نزَلت في استنكارِ قومٍ من اليهودِ اسْتَنكروا إتيانَ النساءِ في أقْبالهنَّ من قِبَلِ أدْبارِهنَّ. قالوا: وفى ذلك دليلٌ على صحَّةِ ما قلنا، من أن معنى ذلك على ما قلنا.\nواعتلُّوا لقِيلِهم ذلك بما حدَّثنى به أبو كُريبٍ، قال: ثنا المُحارِبىُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن أبانِ بنِ صالحٍ، عن مجاهدٍ، قال: عرَضتُ المصْحفَ على ابنِ عباسٍ ثلاثَ عرَضاتٍ من فاتحتِه إلى خاتمتِه، أُوقِفُه عندَ كلِّ آيةٍ، وأسألُه عنها، حتى انتهى إلى هذه الآيةِ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. فقال ابنُ عباسٍ: إن هذا الحىَّ من قريشٍ كانوا يَشْرَحُون النساءَ بمكةَ، ويتلذَّذون بهنَّ مُقْبلاتٍ ومُدبراتٍ، فلمَّا قدِموا المدينةَ تزوَّجوا في الأنصارِ، فذهَبوا لِيَفعلوا بهنَّ كما كانوا يَفعلون بالنساءِ بمكةَ، فأنكرْنَ ذلك وقُلْنَ: هذا شيءٌ لم نكنْ نُؤْتَى عليه. فانتشر الحديثُ حتى انتهى إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه في ذلك: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾: إن شئتَ فمقبلةً، وإن شئتَ فمدبرةً، وإن شئتَ فباركةً، وإنما يعنى بذلك موضعَ الولدِ للحرثِ، يقولُ: ائتِ الحرثَ من حيثُ شِئتَ (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيْرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ بإسنادِه نحوَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا ابنُ مَهْدِىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمدِ بنِ\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى (١١٠٩٧) من طريق المحاربى به، وأخرجه أبو داود (٢١٦٤)، والحاكم ٢/ ١٩٥، والبيهقى ٧/ ١٩٥، ١٩٦ من طريق ابن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٦٣ إلى ابن راهويه والدارمى وابن المنذر، وتقدم تخريجه مختصرا عند الدارمى في ص ٧٣٦.","vol":"3","page":755},{"text":"المُنْكدِرِ، قال: سمِعتُ جابرًا يقولُ: إن اليهودَ كانوا يقولون: إذا جامَعَ الرجلُ أهلَه في فرجِها من ورائِها كان ولدُه أحولَ. فأنْزَلَ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا (^٢) مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرَنا الثورىُّ، عن محمدِ بنِ المُنْكدِرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: قالت اليهودُ: إذا أتَى الرجلُ امرأتَه في قُبُلِها من دبُرِها وكان بينَهما ولدٌ كان أحولَ، فأنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ (^٣) بنُ سليمانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عثمانَ بنِ خُثَيْمٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ، عن حفصةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبى بكرٍ، عن أمِّ سلمةَ زوجِ النبىِّ ﷺ، قالت: تزَوَّج رجلٌ امرأةً، فأراد أن يُجَبِّيَها (^٤)، فأبَت عليه وقالت: حتى أسألَ رسولَ اللهِ ﷺ. قالت أمُّ سلمةَ: فذكَرتْ ذلك لى. فذكَرتْ أمُّ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢١٦٣)، والبيهقى ٧/ ١٩٤ من طريق ابن بشار به، وأخرجه مسلم (١٤٣٥/ ١١٩) من طريق ابن مهدى به، وأخرجه البخارى (٤٥٢٨)، ومسلم (١٤٣٥/ ١١٧)، والنسائى في الكبرى (٨٩٧٦)، والطحاوى في شرح المعانى ٣/ ٤٠، وابن أبى حاتم في تفسيره ١/ ٤٠٤ (٢١٣٣) من طريق سفيان به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٨٩، وسعيد بن منصور في سننه (٣٦٦، ٣٦٧ - تفسير)، والحميدى (١٢٦٣)، وابن أبى شيبة ٤/ ٢٢٩، والدارمى ١/ ٢٥٨، ٢/ ١٤٥، ومسلم (١٤٣٥/ ١١٩)، والترمذى (٤٠٦٢)، وابن ماجه (١٩٢٥)، والنسائى في الكبرى (٨٩٧٤، ٨٩٧٥)، وفى التفسير (٥٨)، وأبو يعلى (٢٠٢٤)، والطحاوى في شرح المعانى ٣/ ٤٠، وابن حبان (٤١٥٤، ٤١٨٥)، والطبرانى في الأوسط (٥٧١، ٨٨٠٦)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ١٥٤، والخطيب ١٣/ ٢٦٢، والبيهقى ٧/ ١٩٤، ١٩٥، والبغوى (٢٢٩٦)، وفى تفسيره ١/ ١٩٨ من طرق عن محمد بن المنكدر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٦١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) بعده في ت ١، ت ٣: \"عن\".\n(^٣) في ت ١: \"الرحمن\".\n(^٤) يجبيها: أى يكبها على وجهها، تشبيها بهيئة السجود. النهاية ١/ ٢٣٨.","vol":"3","page":756},{"text":"سلمةَ ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ، فقال: \"أرْسِلى إليها\". فلمَّا جاءت قرَأ عليها رسولُ اللهِ ﷺ: \" ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، صمامًا (^١) واحدًا، صمامًا واحدًا\".\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن سفيانَ، عن (^٢) عبدِ اللهِ بنِ عثمانَ، عن [ابنِ سابطٍ] (^٣)، عن حفصةَ ابنةِ (^٤) عبدِ الرحمنِ بنِ (^٥) أبى بكرٍ، عن أمِّ سلمةَ، قالت: قدِم المهاجرون فتزوَّجوا في الأنصارِ، وكانوا يُجَبُّون، وكانت الأنصارُ لا تفعلُ ذلك، فقالت امرأةٌ لزوجِها: حتى آتِىَ النبىَّ ﷺ فأسْألَه عن ذلك. فأتتِ النبىَّ ﷺ فاسْتَحْيتْ أن تسألَه، فسألتُ أنا، فدعاها رسولُ اللهِ ﷺ، فقرَأ عليها (^٦): \" ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، صمامًا واحدًا، صمامًا واحدًا\".\nحدَّثنى أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ ابنِ عثمانَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ، عن حفصةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ، عن أمِّ سلمةَ، عن النبىِّ ﷺ بنحوِه.\nحدَّثنا ابنُ بشَّارٍ وابنُ المُثنَّى، قالا: ثنا ابنُ مَهْدِىٍّ، قال: ثنا شفيانُ الثورىُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عثمانَ بنِ خُثَيْمٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ، عن حفصةَ ابنةِ عبدِ الرحمنِ، عن أمِّ سلمةَ، عن النبىِّ ﷺ قولَه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى\n_________\n(^١) الصمام واحد: أى: مسلك واحد، الصمام: ما تسد به الفرجة، فسمى الفرج به، ويجوز أن يكون في موضع صمام، على حذف المضاف. النهاية ٣/ ٥٤.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بن\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"ابن سليط\"، وفى ت ٣: \"سليط\". وينظر تهذيب الكمال ١٧/ ١٢٣.\n(^٤) بعده في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبد الله عن سفيان بن\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\".\n(^٦) في ص: \"علينا\".","vol":"3","page":757},{"text":"شِئْتُمْ﴾. قال: \"صمامًا واحدًا، صمامًا واحدًا\" (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ مَعْمَرٍ البَحْرانىُّ (^٢)، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إسحاقَ الحَضْرَمىُّ (^٣)، قال: ثنى وُهيبٌ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ، قال: قلتُ لحفصةَ: إنى أُريدُ أن أسألَكِ عن شيءٍ وأنا أسْتَحْيِى منك أن أسألَك. قالت: سَلْ يا بُنَىَّ عمَّا بدا لك. قال: قلتُ: أسالُك عن غشيانِ النساءِ في أدبارِهنَّ. قالت: حدَّثَتنى أمُّ سلمةَ، قالت: كانت الأنصارُ لا تُجَبِّى، وكان المهاجرون يُجَبُّون، فتزوَّج رجلٌ من المهاجرين امرأةً من الأنصارِ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ أبى كُريبٍ، عن معاويةَ بنِ هشامٍ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنى وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن ابنِ المنكدِرِ، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: إن اليهودَ كانوا يقولون: إذا أتَى الرجلُ امرأتَه باركةً جاء الولدُ أحولَ. فنزَلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^٥).\nحدَّثنى محمدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ الطُّوسىُّ، قال: ثنا الحسنُ بنُ موسى، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّىُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جاء عمرُ إلى النبىِّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، هلَكتُ! قال: \"وما الذى أهْلَكك؟ \"\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٢٩٧٩) عن محمد بن بشار به، وأخرجه أحمد ٦/ ٣١٨ (الميمنية) عن عبد الرحمن بن مهدى به.\n(^٢) في ص: \"النحراى\". وينظر: تهذيب الكمال ٢٦/ ٤٨٥.\n(^٣) في ص: \"الحصرى\". وينظر: تهذيب الكمال ٣٢/ ٣١٤.\n(^٤) أخرجه أحمد ٦/ ٣٠٥ (الميمنية)، والدارمى ١/ ٢٥٦، والطحاوى في شرح معانى الآثار ٣/ ٤٢، من طريق وهيب به.\n(^٥) أخرجه مسلم (١٤٣٥/ ١١٩) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه البغوى في الجعديات (١٦٨٩)، والطحاوى في شرح المعانى ٣/ ٤٠، والبيهقى ٧/ ١٩٤ من طريق شعبة به.","vol":"3","page":758},{"text":"قال: حوَّلتُ رحلى الليلةَ. قال: فلم يَرُدَّ عليه شيئًا، قال: فأوْحَى اللهُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ هذه الآيةَ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ \"أَقْبِلْ وأَدْبِر، واتَّقِ الدُّبُرَ والحيضةَ\" (^١).\nحدَّثنا زكريا بنُ يحيى المصرىُّ، قال: ثنا أبو صالحٍ الحَرّانىُّ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعةَ، عن يزيدَ بنِ أبى حَبيبٍ، أن عامرَ بنَ يحيى أخبَره، عن حَنَشٍ الصنعانىِّ، عن ابنِ عباسٍ، أن ناسًا مِن حِمْيرَ أَتَوْا إلى رسولِ اللهِ ﷺ يسأَلونه عن أشياءَ، فقال رجلٌ منهم: يا رسولَ اللهِ، إنى رجلٌ أُجَبِّى (^٢) النساءَ، فكيف تَرَى في ذلك؟ فأنْزَل اللهُ تعالى ذِكرُه في سورةِ \"البقرة\" بيانَ ما سأَلوا عنه، وأنْزَل فيما سأَل عنه الرجلُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ائْتِها مُقْبِلةً ومُدْبِرَةً إذا كان ذلك في الفَرْجِ\" (^٣).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا قولُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾: من أىِّ وجهٍ شِئتم. وذلك أن \"أنَّى\" في كلامِ العربِ كلمةٌ تَدُلُّ -إذا ابْتُدِئ بها في الكلامِ- على المسألةِ عن الوجوهِ والمذاهبِ، فكأنَّ القائلَ إذا قال لرجلٍ: أنَّى لك هذا المالُ؟ يريدُ: من أىِّ الوجوهِ لكَ. ولذلك يُجِيبُ المجيبُ فيه بأن يقولَ: مِن كذا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٤٣٤ (٢٧٠٣)، والترمذى (٢٩٨٠) عن الحسن بن موسى به، وأخرجه النسائى في الكبرى (٨٩٧٧)، وأبو يعلى (٢٧٣٦)، والخرائطى في مساوئ الأخلاق (٤٦٩)، وابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٤٠٥ (٢١٣٤)، وابن حبان (٤٢٠٢)، والطبرانى (١٢٣١٧)، والبيهقى ٧/ ١٩٨، والبغوى في تفسيره ١/ ١٩٨ من طريق يعقوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٦٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر والضياء في المختارة.\n(^٢) في النسخ \"أحب\". وفى تفسير ابن أبى حاتم: \"أجب\". وليس المراد، ولفظ الأحاديث قبله دالة عليه، وينظر ص ٧٥٦.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٤٠٤ (٢١٣٠)، والخرائطى في مساوئ الأخلاق (٤٧٠)، والطحاوى في شرح معانى الآثار ٣/ ٤٣، والطبرانى (١٢٩٨٣) من طريق ابن لهيعة به.","vol":"3","page":759},{"text":"وكذا. كما قال تعالى ذِكرُه مخبِرًا عن زكريا في مسألتِه مريمَ: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٧]. وهى مقارِبةٌ \"أين\"، و\"كيف\" في المعنى، ولذلك تداخَلَت معانِيها، فأشكلَت \"أنى\" على سامعِها ومُتأوِّلها حتى تأوَّلها بعضُهم بمعنى \"أين\"، وبعضُهم بمعنى \"كيف\"، وآخَرون بمعنى \"متى\"، وهى مخالفةٌ جميعَ ذلك في معناها، وهنَّ لها مخالفاتٌ؛ وذلك أن \"أين\" إنما هى حرفُ استفهامٍ عن الأماكنِ والمحالِّ، وإنما يُسْتَدَلُّ على افتراقِ معانى هذه الحروفِ بافتراقِ الأجوبةِ عنها، ألا تَرَى أن سائلًا لو سأل آخرَ فقال: أين مالُك؟ لقال: بمكانِ كذا. لي لو قال له: أين أخوك؟ لكان الجوابُ أن يقولَ: ببلدةِ كذا. أو: بموضعِ كذا. فيُجِيبُه بالخبرِ عن محَلِّ ما سأله عن محَلِّه، فيُعْلَمُ أن \"أين\" مسألةٌ عن المحَلِّ. ولو قال قائلٌ لآخرَ: كيف أنت؟ لقال: صالحٌ. أو: بخيرٍ. أو: في عافيةٍ. وأخبَره عن حالِه التى هو فيها، فيُعْلَمُ حينَئذٍ أن \"كيف\" مسألةٌ عن حالِ المسئولِ عن حالِه. ولو قال له: أنَّى يُحْيِى اللهُ هذا الميتَ؟ لكان الجوابُ أن يقالَ: مِن وجهِ كذا ووجهِ كذا. فيَصِفُ قولًا، نظيرَ ما وصَف اللهُ تعالى ذكرُه للذى قال: ﴿أَنَّى يُحْيي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] فعلًا حين بعَثه من بعدِ مماتِه.\nوقد فرَّقتِ الشُّعراءُ بينَ ذلك في أشعارِها، فقال الكُمَيْتُ بنُ زيدٍ (^١):\nتَذكَّرَ مِن أنَّى ومن أينَ شُرْبُه … يُؤامِرُ (^٢) نَفْسَيْهِ كَذِى الهَجْمَةِ (^٣) الأَبِلْ (^٤)\nوقال أيضًا (^٥):\n_________\n(^١) شعر الكميت ٢/ ٩٧.\n(^٢) يؤامر: يشاور. التاج (أ م ر).\n(^٣) الهجمة: القطعة من الإبل؛ ما بين الثلاثين والمائة. اللسان (هـ ج م).\n(^٤) يقال: رجل أبل وآبل: ذو إبل: إذا كان حاذقًا برِعْية الإبل ومصلحتها. اللسان (أ ب ل).\n(^٥) مجاز القرآن ١/ ٩١، والمفصل ٤/ ١١١.","vol":"3","page":760},{"text":"أنَّى ومِن أين آبَكَ (^١) الطَّرَبُ … من حيمثُ لا صَبْوَة ولا رِيَبُ\nفيُجَاءُ بـ \"أنَّى\" للمسألِة عن الوجهِ، وبـ \"أين\" للمسألةِ عن المكانِ، فكأنه قال: مِن أىِّ وجهٍ، ومن أىِّ موضعٍ راجَعك الطربُ؟\nوالذى يَدُلُّ على فسادِ قولِ مَن تأوَّلَ قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾: كيف شِئتم. أو تأوَّلَه بمعنى: حيثُ شِئتم. أو بمعنى: متى شئتم. أو بمعنى: أين شئتم - أن قائلًا لو قال لآخرَ: أنَّى تأتى أهلَك؟ لكان الجوابُ أن يقولَ: مِن قُبُلِها. أو: من دُبُرِها. كما أخبَرَ اللهُ تعالى ذكرُه عن مريمَ إذ سُئِلت: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾. أنها قالت: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. وإذ كان ذلك هو الجوابَ، فمعلومٌ أن معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ إنما هو: فائتوا حرثَكم من حيثُ شِئتم من وجوهِ المأتَى. وأن ما عدا ذلك من التأويلاتِ فليس للآيةِ بتأويلٍ.\nوإذ كان ذلك هو الصحيحَ، فبيِّنٌ خطأُ قولِ مَن زعَم أن قولَه: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. دليلٌ على إباحةِ إتيانِ النساءِ في الأدبارِ؛ لأن الدُّبُرَ لا مُحْتَرثَ فيه، وإنما قال تعالى ذكرُه: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فائتوا الحَرْثَ من أىِّ وجُوهِه شِئتم، وأىُّ مُحْتَرَثٍ في الدبرِ فيقالَ: ائتِه من وجهِه؟!\nوبيِّنٌ بما بيَّنَّا صحةُ معنى ما رُوِى عن جابرٍ وابنِ عباسٍ من أن هذه الآيةَ نزَلت فيما كانت اليهودُ تقولُه للمسلمين: إذا أتَى الرجلُ المرأةَ من دُبُرِها في قُبُلِها جاء الولدُ أحولَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-700>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: قدِّموا\n_________\n(^١) في م: \"نابك\".","vol":"3","page":761},{"text":"لأنفسِكم الخيرَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: أمَّا قولُه: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾، فالخيرَ (^١).\nوقآل آخَرون: بل معنى ذلك: وقدِّموا لأنفسِكم ذِكْرَ اللهِ عندَ الجماعِ وإتيانِ الحرثِ قبلَ إتيانِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى محمدُ بنُ كثيرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ واقدٍ، عن عطاءٍ، قال: أُرَاه عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾. قال: يقولُ: باسمِ اللهِ. التسميةَ عندَ الجماعِ (^٢).\nوالذى هو أَوْلَى بتأويلِ الآيةِ ما روَيْنا عن السُّدِّىِّ، وهو أن قولَه: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾. أمرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه عبادَه بتقديمِ الخيرِ والصالحِ من الأعمالِ ليومِ مَعَادِهم إلى ربِّهم، عُدَّةً منهم ذلك لأنفسِهم عندَ لقائِه في موقفِ الحسابِ، فإنه قال تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠، المزمل: ٢٠].\nوإنما قلنا: ذلك أولى بتأويلِ الآيةِ، لأن اللهَ تعالى ذكرُه عقَّب قولَه: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ بالأمرِ باتقائِه في ركوبِ معاصيه، فكان الذى هو أَوْلَى بأن يكونَ (^٣) قبلَ التهددِ على المعصيةِ عامًّا، الأمرَ بالطاعةِ عامًّا.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٤٠٦ (٢١٣٩) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٣٨٩، عن المصنف.\n(^٣) بعده من ص، م، ت ١: \"الذى\".","vol":"3","page":762},{"text":"فإن قال لنا قائلٌ: وما وجهُ الأمرِ بالطاعةِ بقولِه: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾. من قولِه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾؟\nقيل: إن ذلك لم يُقْصَدْ به ما توهَّمَته، وإنما عُنِى به: وقدِّموا لأنفسِكم من الخيراتِ التى ندَبْناكم إليها بقولِنا: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥]. وما بعده من سائرِ ما سأَلوا رسولَ اللهِ ﷺ فأُجِيبوا عنه مما ذكَره اللهُ تعالى ذكرُه في هذه الآياتِ. ثم قال تعالى ذكرُه: قد بيَّنَّا لكم ما فيه رَشَدُكم وهدايتُكم (^١) إلى ما يُرْضِى ربَّكم عنكم، فقدِّموا لأنفسِكم الخيرَ الذى أمَركم به، واتَّخِذوا عنده به عهدًا لِتَجِدوه لديه إذا لَقِيتُموه في معادِكم، واتَّقُوه في معاصيه أن تَقْرَبوها، وفى حدودِه أن تُضَيِّعوها، واعْلَموا أنكم -لا محالةَ- مُلاقُوه في معادِكم، فمُجازى المحسن منكم بإحسانِه، والمسيء بإساءتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-701>القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾.</span>\nوهذا تحذيرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه عبادَه أن يأتوا شيئا ممَّا نهاهم عنه من معاصيه، وتخويفٌ لهم عقابَه عند لقائِه، كما قد بيَّنَّا قبلُ (^٢)، وأمرٌ لنبيِّه محمدٍ ﷺ أن يُبَشِّرَ مِن عبادِه، بالفوزِ يومَ القيامةِ، وبكرامةِ الآخرةِ، وبالخلودِ في الجنةِ، مَن كان منهم محْسنًا مؤْمنًا (^٣) بكُتُبِه ورُسُلِه وبلقائِه، مصدِّقًا إيمانَه قولًا بعملِه ما أمَره به ربُّه، وافْتَرض عليه مِن فرائضِه، [وفيما] (^٤) ألزَمه من حقوقِه، وبتجَنُّبِه ما أمَره بتجنُّبِه من معاصيه.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٣: \"تدابركم\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٣٢.\n(^٣) سقط من: ص.\n(^٤) في م: \"فيما\".","vol":"3","page":763},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-231\"></span><span data-type='title' id=toc-702>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ولا تَجْعَلوه علَّةً لأيمانِكم، وذلك إذا سُئِل أحدُكم الشيءَ من الخيرِ والإصلاحِ بينَ الناسِ، قال: علىَّ يمينٌ باللهِ ألا أفعلَ (^١) ذلك. أو: قد حلَفتُ باللهِ ألَّا أفعلَه. فيعتلُّ في تركِه فعلَ الخيرِ والإصلاحِ بينَ الناسِ بالحلِفِ باللهِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يَحْلِف على الأمرِ (^٢) الذى لا يَصْلُحُ، ثم يَعْتَلُّ (^٣) بيَمينِه، يقولُ اللهُ: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾. يقولُ (^٤): هو خيرٌ له من أن يَمْضِيَ على ما لا يَصْلُحُ، وإن حلَفتَ كفَّرتَ عن يمينِك وفعَلتَ الذي هو خيرٌ لك (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"فعل\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأخر\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقبل\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٢، وفى مصنفه (١٦٠٤٨).","vol":"4","page":5},{"text":"حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المبُارَكِ، عن مَعْمَرٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه مثلَه، إلا أنه قال: وإن حلَفتَ فكفِّرْ عن يمينِك، وافعلِ الذى هو خيرٌ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا عُبَيْدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن السُّدِّيِّ، عمَّن حدَّثه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾. قال: هو أن يَحْلِفَ الرجلُ ألَّا يُكَلِّمَ قرابتَه ولا يَتصَدَّقَ، أو يكونَ بينه وبين إنسانٍ مُغَاضبةٌ، فيَحْلِفَ لا يُصْلِحُ بينَهما، ويقولَ: قد حلَفتُ. قال: يُكَفِّرُ عن يمينِه، ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾. يقولُ: لا تعتلُّوا باللهِ، أن يقولَ أحدُكم: إنه تَأَلَّى أن لا يَصِلَ رَحِمًا، ولا يسعى في صَلاحٍ، ولا يتصدَّقَ من مالِه. مهلًا مهلًا! بارَك اللهُ فيكم، فإن هذا القرآنَ إنما جاء بتركِ أمرِ الشيطانِ، فلا تُطيعوه، ولا تُنْفِذوا له أمرًا في شيءٍ من نُذُورِكم ولا أيْمانِكم (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا ابنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ لا يُصْلِحُ بينَ الناسِ ولا يَبَرُّ، فإذا قيل له، قال: قد حلَفتُ (^٣).\nحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٦٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) ذكره البيهقي ١٠/ ٣٣، وفى الشعب عقب الأثر (٧٩٧٤) عن قتادة معلقًا، وأخرجه ١٠/ ٣٣، وفي الشعب (٧٩٧٤) من طريق سعيد، عن قتادة، عن الحسن.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٠٩، ٤/ ١١٩٠ (٢١٥٦، ٦٧٠٦) من طريق أبي بشر، عن سعيد.","vol":"4","page":6},{"text":"سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾؟ قال: الإنسانُ يَحْلِفُ ألا يَصْنَعَ (^١) الخيرَ، الأمرَ الحسنَ، يقولُ: حلَفتُ. قال اللهُ: افعلِ الذى هو خيرٌ، وكفِّرْ عن يمينِك، ولا تَجْعَلِ اللهَ عُرْضَةً (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ (^٣)، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ الآية: هو الرجلُ يُحَرِّمُ ما أحلَّ اللهُ له على نفسِه، فيقولُ: قد حلَفتُ، فلا يَصْلُحُ إلا أن أَبَرَّ يميني. فأمَرهم اللهُ أن يُكَفِّروا أيْمانَهم، ويأتوا الحلالَ (^٤).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾: أما ﴿عُرْضَةً﴾؛ فيَعْرِضُ بينَك وبينَ الرجلِ الأمرُ فتَحْلِفُ باللهِ لا تُكَلِّمُه ولا تَصِلُه، وأما ﴿تَبَرُّوا﴾؛ فالرجلُ يَحْلِفُ لا يَبَرُّ ذا رَحِمِه، فيقولُ: قد حلَفْتُ. فأمَر اللهُ ألا يُعَرِّضَ بيمينِه بينَه وبينَ ذي رَحِمِه، ولْيَبَرَّه ولا يُبالي بيمينِه، وأما ﴿وَتُصْلِحُوا﴾؛ فالرجلُ يُصْلِحُ بينَ الاثنيْن فيَعْصِيانِه، فيَحْلِفُ ألا يُصْلِحَ بينَهما، فيَنْبَغِي له أن يُصْلِحَ ولا يُباليَ بيمينِه، وهذا قبلَ أن تَنْزِلَ الكفَّاراتُ (^٥).\n_________\n(^١) في ص: \"يضع\"، وفى ت ٢: \"يضيع\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٠٣١) عن ابن جريج به بنحوه.\n(^٣) في م: \"عمار بن الحسن\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٧٠ إلى ابن المنذر.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٠٧، ٤٠٨ (٢١٤٧، ٢١٥٠) من طريق عمرو بن حماد به.","vol":"4","page":7},{"text":"حدَّثنا المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخبرَنا ابنُ المُبارَكِ، عن هُشيمٍ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾. قال: يَحْلِفُ ألا يَتَّقِيَ اللهَ، ولا يَصِلَ رَحِمَه، ولا يُصْلِحَ بينَ اثنين، فلا يَمْنَعُه يمينُه (^١).\nوقال آخَرون: معنى ذلك: ولا تَعْتَرِضوا بالحلفِ باللهِ في كلامِكم فيما بينَكم، فتَجْعَلوا ذلك حُجَّةً لأنفسِكم في تركِ فعلِ الخيرِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾. يقولُ: لا تَجْعَلْني عُرْضَةً ليَمينِك ألا تَصْنَعَ الخيرَ، ولكن كفِّرْ عن يَمينِك واصْنَعِ الخيرَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾: كان الرجلُ يَحْلِفُ على الشئِ مِن البرِّ والتَّقْوَى ولا يَفْعَلُه، فنهَى اللهُ ﷿ عن ذلك، فقال: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٣٧١ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٠٧ (٢١٤٥)، والبيهقي ١٠/ ٣٣ من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٦٨ إلى ابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٦٨ إلى المصنف.","vol":"4","page":8},{"text":"يَحْلِفُ ألا يَبَرَّ قَرابتَه، ولا يَصِلَ رحمَه، ولا يُصْلِحَ بينَ اثنين. يقولُ: فلْيَفْعَلْ ولْيُكفِّرْ عن يمينِه.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾. قال: لا تَحْلِفْ ألا تَتَّقىَ اللهَ، ولا تَحْلِفْ ألا تَبَرَّ ولا تَعْمَلَ خيرًا، ولا تَحْلِفْ ألا تَصِلَ، ولا تَحْلِفْ ألا تُصْلِحَ بينَ الناسِ، ولا تَحْلِفْ أن تَقْتُل وتَقْطَعَ.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخْبَرَنا هُشيمٌ، عن داودَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، ومُغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً﴾ الآية. قالا: هو الرجلُ يَحْلِفُ ألا يَبَرَّ ولا يَتَّقيَ ولا يُصْلِحَ بينَ الناسِ، [وأُمِر أن يَتَّقيَ اللهَ، ويُصْلِحَ بينَ الناسِ] (^١)، ويُكَفِّرَ عن يمينِه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [عن عيسى، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ] (١)، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾: فأُمِروا بالصِّلةِ والمعروفِ والإصْلاحِ بينِ الناسِ، فإن حلَف حالفٌ ألا يَفْعَلَ ذلك فلْيَفْعَلْه ولْيَدَعْ يمينَه (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ الآية. قال: ذلك في الرجلِ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٤٠٩ (٢١٥٧) من طريق هشيم به من قول سعيد وحده.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٣٤، ٢٣٥.","vol":"4","page":9},{"text":"يَحْلِفُ ألا يَبَرَّ، ولا يَصِلَ رحمَه، ولا يُصْلِحَ بينَ الناسِ، فأمَرَه اللهُ أن يَدَعَ يمينَه، ويَصِلَ رحمَه، ويَأْمُرَ بالمعروفِ، ويُصْلِحَ بينَ الناسِ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعَةَ، عن أبى الأسودِ، عن عروةَ، عن عائشةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾. قالت: لا تَحْلِفوا (^٢) باللهِ وإن برَرْتُم (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: حُدِّثْتُ أن قولَه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ الَاية: نزَلَت في أبي بكرٍ في شأنِ مِسْطَحٍ (^٤).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا ابنُ فُضيلٍ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ قولَه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ الآية. قال: يَحْلِفُ الرجلُ ألا يَأْمُرَ بالمعروفِ، ولا يَنْهَى عن المنكرِ، ولا يَصِلَ رحِمَه.\nحدَّثني المثنَّى، ثنا سُويدٌ، أخْبَرنا ابنُ المبُارَكِ، عن هُشيمٍ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾. قال: يَحْلِفُ ألا يَتَّقِىَ اللهَ، ولا يَصِلَ رحِمَه، ولا يُصْلِحَ بينَ اثنين، فلا يَنْفَعُه يمينُه (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٠٧ عقب الأثر (٢١٤٥) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تجعلوا\".\n(^٣) فى ت ١: \"نزرتم\"، وفي ت ٢: \"نذرتم\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٦٨ إلى المصنف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٦٨ إلى المصنف.\n(^٥) ص ٨ حاشية (١)، وفي ٣.","vol":"4","page":10},{"text":"حدَّثنى ابنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقىُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبى سلَمةَ، عن سعيدٍ، عن مَكْحولٍ أنه قال فى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو أن يَحْلِفَ الرجلُ ألا يَصْنَعَ خيرًا، ولا يَصِلَ رحمَه، ولا يُصْلِحَ بينَ الناسِ، نهاهم اللهُ عن ذلك (^١).\nوأولى التأويلَيْن بالآيةِ تأويلُ مَن قال: معنى ذلك: لا تَجْعَلوا الحلفَ باللهِ حُجَّةً لكم فى تركِ فعلِ الخيرِ فيما بينَكم وبينَ اللهِ وبينَ الناسِ. وذلك أن العُرْضةَ فى كلامِ العربِ القوةُ والشدةُ، يقالُ منه: هذا الأمرُ عُرْضةٌ له (^٢). يعنى بذلك: قوةٌ لك على أسبابِك. ويقالُ: فلانةُ عُرْضةٌ للنِّكاحِ. أى: قوةٌ. ومنه قولُ كعبِ بنِ زُهَيْرٍ فى صفةِ نُوقٍ (^٣):\nمِن كلِّ نَضَّاخةِ (^٤) الذِّفْرَى (^٥) إذا عَرِقَتْ … عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهولُ\nيعنى بـ \"عرضتُها\": قوَّتُها وشدَّتُها.\nفمعنى قولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [إذن: لا تَجْعَلوا اللهَ قوةً لأيمانِكم] (^٦) فى ألا تَبَرُّوا ولا تَتَّقُوا ولا تُصْلِحوا بينَ الناسِ، ولكن إذا حلَف أحدُكم فرأَى الذى هو خيرٌ مما حلَف عليه؛ مِن تَرْكِ البرِّ والإصْلاحِ بينَ\n_________\n(^١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٠٧ عقب الأثر (٢١٤٥) معلقًا.\n(^٢) كذا فى النسخ، ولعل الصواب: \"لك\".\n(^٣) شرح ديوانه ص ٩.\n(^٤) نضاخة، من نضخ الماء: اشتد فورانه من ينبوعه، ونضاخة يعنى: شديدة النضخ. القاموس المحيط (ن ض خ).\n(^٥) الذفرى، بالكسر من جميع الحيوان: العظم الشاخص خلف الأذن. التاج (ذ ف ر).\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"4","page":11},{"text":"الناس، فلْيَحْنَثْ فى يمينِه، ولْيَبَرَّ، ولْيَتَّقِ اللهَ، ولْيُصْلِحْ بينَ الناسِ، ولْيُكَفِّرْ عن يمينِه. وترَك ذكر \"لا\" مِن الكلامِ؛ لدَلالةِ الكلامِ عليها، واكْتِفاءً بما ذكَر عما ترَك، كما قال امرؤُ القيسِ (^١):\nفقلتُ يمينَ اللهِ أَبْرَحُ قاعدًا … ولو قَطَّعوا رأْسى لَدَيْكِ وأوْصالى\nبمعنى: فقلتُ: يمينَ اللهِ لا أَبْرَحُ. فحذَف \"لا\" اكْتِفاءً بدَلالةِ الكلامِ عليها.\nوأما قولُه: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾. فإنه اخْتُلِف فى تأويلِ البِرِّ الذى عناه اللهُ تعالى ذكرُه، فقال بعضُهم: هو فعلُ الخيرِ كلِّه. وقال آخَرون: هو البِرُّ بذى رحمِه. وقد ذكَرْتُ قائلى ذلك فيما مضَى.\nوأولى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عنَى به فعلَ الخيرِ كلِّه. وذلك أن أفعالَ الخيرِ كلَّها مِن البرِّ، ولم يَخْصُصِ اللهُ فى قولِه: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ معنًى دونَ معنًى مِن معانى البِرِّ، فهو على عمومِه، والبِرُّ بذَوِى القَرابةِ أحدُ معانى البِرِّ.\nوأما قولُه: ﴿وَتَتَّقُوا﴾ فإن معناه: أن تَتَّقوا ربَّكم، فتَحْذَروه وتَحْذَروا عِقابَه فى فرائضِه وحُدودِه أن تُضَيِّعوها أو تَتَعَدَّوْها.\nوقد ذكَرْنا تأويلَ مَن تأوَّل ذلك أنه بمعنى التَّقْوَى قبلُ.\nوقال آخَرون فى تأويلِه بما حدَّثنى به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾. قال: كان الرجلُ يَحْلِفُ على الشئِ مِن البِرِّ والتَّقْوَى لا يَفْعَلُه، فنهَى اللهُ ﷿ عن ذلك، فقال: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ الآية. قال: ويقالُ: لا يَتَّقِ بعضُكم بعضًا بى، تَحْلِفون\n_________\n(^١) ديوانه ص ٣٢.","vol":"4","page":12},{"text":"بى وأنتم كاذِبون لِيُصَدِّقَكم الناسُ، وتُصْلِحون بينَهم، فذلك قولُه: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ الآية (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾. فهو الإصلاحُ بينَهم بالمعروفِ فيما لا مَأْثَمَ فيه، وفيما يُحِبُّه اللهُ دونَ ما يَكْرَهُه.\nوأما الذى ذكَرْنا عن السُّدىِّ مِن أنَّ هده الآيةَ نزَلَت قبلَ نزولِ كفَّاراتِ الأيْمانِ، فقولٌ لا دَلالةَ عليه مِن كتابٍ ولا سنةٍ، والخبرُ عما كان لا تُدْرَكُ صحتُه إلا بخبرٍ صادقٍ، وإلا كان دعْوَى لا يَتَعَذَّرُ مثلُها وخلافُها على أحدٍ، وغيرُ مُحالٍ أن تكونَ هذه الآيةُ نزَلَت بعدَ بيانِ كفاراتِ الأيْمانِ فى سورةِ \"المائدةِ\"، واكْتُفِى بذكرِها هناك عن إعادتِها ههنا، إذ كان المُخاطَبون بهذه الآيةِ قد علِموا الواجبَ مِن الكفاراتِ فى الأيْمانِ التى يَحْنَثُ فيها الحالفُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-703>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: واللهُ سميعٌ لما يَقولُه الحالفُ منكم باللهِ إذا حلَف، فقال: واللهِ لا أَبَرُّ، ولا أَتَّقِى، ولا أُصْلِحُ بيَن الناسِ. ولغيرِ ذلك مِن قِيلِكم وأيْمانِكم، عليمٌ بما تَقْصِدون وتَبتَغون بحَلِفِكم ذلك، الخيرَ تُريدون أم غيرَه؛ لأنى عَلَّامُ الغُيوبِ وما تُضْمِرُه الصُّدورُ، لا تَخْفَى علىَّ خافيةٌ (^٢)، ولا يَنْكَتِمُ عنى أمرٌ عَلَن فظهَر، أو خَفِى فبطَن.\nوهذا مِن اللهِ تعالى ذكرُه تَهَدُّدٌ ووَعيدٌ. يقولُ تعالى ذكرُه: واتَّقُونِ أيُّها الناسُ أن تُظْهِروا بألسنتِكم مِن القولِ، أو بأبدانِكم مِن الفعلِ، ما نهَيْتُكم عنه، أو تُضْمِروا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص ٨.\n(^٢) بعده فى ص: \"عليه خافية\".","vol":"4","page":13},{"text":"فى أنفسِكم، وتَعْزِموا بقلويكم مِن الإراداتِ والنياتِ فعْلَ ما زجَرْتُكم عنه، فتَسْتَحِقُّوا بذلك منى العُقوبةَ التى قد عرَّفْتُكموها، فإنى مُطَّلعٌ على جَميعِ ما تُعْلِنونه أو تُسِرُّونه.\n\n<span id=\"aya-232\"></span><span data-type='title' id=toc-704>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.\nوفى معنى \"اللَّغْوِ\"؛ فقال بعضُهم فى معناه: لا يُؤَاخِذُكمُ اللهُ بما سبَقَتْكم به ألسنتُكم مِن الأيمانِ على عَجَلةٍ وسُرْعةٍ، فيُوجِبَ عليكم به كَفَّارةً إذا لم تَقْصِدوا الحَلِفَ واليَمينَ. وذلك كقولِ القائلِ: فعَلْتُ هذا واللهِ. أو: أفْعَلُه واللهِ. أو: لا أفْعَلُه واللهِ. على سُبوقِ المتكلمِ بذلك لسانُه بما وصَل به كلامَه مِن اليمين.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حَبيبِ بنِ الشَّهيدِ، قال: ثنا عَتَّابُ بنُ بَشِيرٍ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ قال: هى: بلى واللهِ، ولا واللهِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الزُّهرىِّ، عن القاسمِ، عن عائشةَ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٧٨٣ - تفسير)، والبيهقى ١٠/ ٤٩ من طريق عتاب به، عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٢٦٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ٣٩٢ عن المصنف.","vol":"4","page":14},{"text":"[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ (^١)، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ نحوَه] (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن [ابنِ إسحاقَ] (^٣)، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، قال: سألْتُ عائشةَ عن لَغْوِ اليمين، قالت: هو: لا واللهِ، وبلى واللهِ. ما يَتَراجَعُ به الناسُ (^٤).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ وعَبْدةُ وأبو معاويةَ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ فى قولِ اللَّهِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ. يَصِلُ بها كلامَه.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: دخَلْتُ مع عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ على عائشةَ، فقال لها: يا أمَّ المؤمنين، قولُه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾؟ قالت: هو: لا واللهِ، وبلى واللهِ. ليس مما عقَّدْتُم الأيمانَ (^٦).\n_________\n(^١) كذا فى م من غير ذكر ابن إسحاق، وكذا ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ٣٩٢ عن المصنف، وفى نسخة من ابن كثير: عن إسحاق. بدلا من: عن سلمة. وتقدمت رواية ابن إسحاق، عن ابن أبى نجيح ١/ ٥٤٨.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٠٩ (٢١٥٥) من طريق عطاء به.\n(^٣) فى ص: \"أبى نجيح\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبى إسحاق\".\n(^٤) أخرجه مالك ٢/ ٤٧٧، والشافعى (٢/ ١٤٧ - شفاء العى)، وسعيد بن منصور فى سننه (٧٨١ - تفسير)، والبخارى (٦٦٦٣)، والنسائى فى الكبرى (١١١٤٩)، والبيهقى ١٠/ ٤٨ من طريق هشام به، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٢٦٩ إلى وكيع وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٠٨ (٢١٥٢) من طريق عبدة به.\n(^٦) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٧٨٠ - تفسير) من طريق عبد الملك به.","vol":"4","page":15},{"text":"حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ أبى ليلى، عن عطاءٍ، قال: أتَيْتُ عائشةَ مع عُبَيدِ بنِ عُميرٍ، فسألها عُبَيدٌ عن قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. فقالت عائشةُ: هو قولُ الرجلِ: لا واللهِ، وبلى واللهِ. ما لم يَعْقِدْ عليه قلبَه.\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخْبَرَنا ابنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ، قال: انْطَلَقْتُ (^١) مع عُبَيدِ بنِ عُمَيْرٍ إلى عائشةَ، وهى مُجاورةٌ فى ثَبِيرٍ (^٢)، فسألها عُبَيدٌ عن لَغْوِ اليَمينِ، فقالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ موسى الحَرَشىُّ (^٤)، قال: ثنا حسانُ بنُ إبراهيمَ الكِرْمانىُّ، قال: ثنا إبراهيمُ الصائغُ، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: قالت عائشةُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"هو قولُ الرجلِ فى بيتِه: كلَّا واللهِ، وبلى واللهِ\" (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن الزهرىِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قالت: هم القومُ يتدارءون فى الأمرِ، فيقولُ هذا: لا واللهِ، وبلى واللهِ، وكلا\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كنت أنطلق\".\n(^٢) ثبير: جبل بين مكة ومنى. معجم البلدان ١/ ٩١٧.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٥٩٥١)، والشافعى ٢/ ١٤٧ (شفاء العى)، والبيهقى ١٠/ ٤٩ عن ابن جريج به.\n(^٤) فى م: \"الحرسى\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٥٣٢.\n(^٥) أخرجه أبو داود (٣٢٥٤)، وابن حبان (٤٣٣٣)، والبيهقى ١٠/ ٤٩ من طريق حسان بن إبراهيم به، وأخرجه ابن مردويه -كما فى تخريج الكشاف للزيلعى- ١/ ٤١٩ من طريق أشرس بن بزيغ، عن إبراهيم الصائغ به، قال الحافظ فى التلخيص ٤/ ١٦٧: وصحح الدارقطنى الوقف.","vol":"4","page":16},{"text":"واللهِ. يتدارءون فى الأمرِ لا تُعْقَدُ عليه قلوبُهم (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشَّعبىِّ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: قولُ الرجل: لا واللهِ، وبلى واللهِ. يَصِلُ به كلامَه، ليس فيه كَفَّارةٌ (^٢).\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا المُغيرةُ، عن الشعبىِّ، قال: هو الرجلُ يقولُ: لا واللهِ. وبلى واللهِ. يَصِلُ حديثَه.\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا ابنُ عونٍ، قال: سأَلْتُ عامرًا عن قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو: لا واللهِ، وبلى واللهِ.\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، وحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، جَميعًا عن ابن عَوْنٍ، عن الشعبىِّ مثلَه.\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، قال: قال أبو قِلابةَ فى: لا واللهِ، وبلى واللهِ: أرْجُو أن يَكونَ لُغةً (^٣).\nوقال يعقوبُ فى حديثهِ: أرْجُو أن يَكونَ لَغْوًا. وقال ابنُ وَكيعٍ فى حديثهِ: أرْجُو أن يَكونَ لُغةً. ولم يَشُكَّ.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وابنُ وَكيعٍ وهَنَّادٌ، قالوا: ثنا وَكيعٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن أبى صالحٍ، قال: لا واللهِ، وبلى واللهِ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٠، وفى مصنفه (١٥٩٥٢).\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٧٧٩ - تفسير) من طريق مغيرة به.\n(^٣) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٢٦٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٠٨ عقب الأثر (٢١٥٣) معلقًا.","vol":"4","page":17},{"text":"حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن مالكٍ، عن عَطاءٍ، قال: سمِعْتُ عائشةَ تقولُ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ.\n[حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن مالكِ بنِ مِغْوَلٍ، عن عطاءٍ مثلَه] (^١).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن عاصمٍ الأحْولِ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو قولُ الناسِ: لا واللهِ، وبلى واللهِ (^٢).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن عاصمٍ، عن الشعبىِّ وعكرمةَ، قالا: لا واللهِ، وبلى واللهِ.\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيَيْنةَ، عن عمرٍو، عن عَطاءٍ، قال: دخَلْتُ مع عُبَيدِ بنِ عُميرٍ على عائشةَ، فسألها، فقالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن ابنِ أبى ليلى وأشْعَثَ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ.\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبِى وجَريرٌ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ.\nحدّثنا ابنُ وَكيعٍ وهَنَّادٌ، قالا: ثنا يَعْلَى، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: قالت عائشةُ فى قولِ اللهِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قالت: هو قولُك: لا واللهِ، وبلى واللهِ، ليس لها عَقْدُ الأيمانِ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٠٨ عقب الأثر (٢١٥٣) عن معلقًا.\n(^٣) أخرجه الشافعى ٢/ ١٤٧ (شفاء العى) ومن طريقه البيهقى ١٠/ ٤٩ - عن ابن عيينة به.","vol":"4","page":18},{"text":"حدَّثنا هَنَّادٌ، قال. ثنا أبو الأحْوَصِ، عن مُغيرةَ، عن الشعبىِّ، قال: اللَّغْوُ قولُ الرجلِ: لا واللهِ، وبلى واللهِ. يَصِلُ به كلامَه ما لم يكُ (^١) شيئًا يَعْقِدُ عليه قلبَه.\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَنى عمرٌو، أن سعيدَ بنَ أبى هِلالٍ حدَّثه، أنه سمِع عطاءَ بنَ أبى رَباحٍ يقولُ: سمِعْتُ عائشةَ تقولُ: لَغْوُ اليَمينِ قولُ الرجلِ: لا واللهِ، وبلى واللهِ. فيما لم يَعْقِدْ عليه قلبَه.\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عمرٌو: وحدَّثنى عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبى حُسينٍ النَّوفلىُّ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ بذلك.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مُجاهدٍ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: الرجلان يَتَبايَعان، فيقولُ أحدُهما: واللهِ لا أبيعُك بكذا وكذا. ويقولُ الآخرُ؛ واللهِ لا أشْتَرِيه بكذا وكذا. فهذا اللغوُ لا يُؤَاخَذُ به (^٢).\nوقال آخَرون: بل اللغوُ فى اليمينِ: اليمينُ التى يَحْلِفُ بها الحالفُ، وهو يَرَى أنه كما يَحْلِفُ عليه، ثم تَبَيَّن غيرُ ذلك، وأنه بخلافِ الذى حلَف عليه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنى ابنُ نافعٍ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ، عن أبى هريرةَ أنه كان يقولُ: لغوُ اليمينِ حَلِفُ الإنسانِ على الشئِ يَظُنُّ أنه الذى حلَف عليه، فإذا هو غيرُ ذلك (^٣).\n_________\n(^١) فى م: \"يشك\".\n(^٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ٣/ ١٠٠ عن مجاهد.\n(^٣) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٢٦٩ إلى المصنف.","vol":"4","page":19},{"text":"حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: واللغوُ أن يَحْلِفَ الرجلُ على الشئِ يَراه حقًّا وليس بحقٍّ (^١).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: هذا فى الرجلِ يَحْلِفُ على أمْرِ إضْرارٍ (^٢) أن يَفْعَلَه فلا يَفْعَلُه، فيَرَى الذى هو خيرٌ منه، فأمَر (^٣) اللهُ أن يُكفِّرَ عن يمينِه ويَأْتىَ الذى هو خيرٌ، ومِن اللغوِ أيضًا أن يَحْلِفَ الرجلُ على أمرٍ لا يَأْلُو فيه الصدقَ، وقد أخْطَأ فى يمينِه؛ فهذا الذى عليه الكفارةُ، ولا إثمَ عليه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا [أبو داودَ] (^٥)، قال: ثنا هشامٌ، عن قتادةَ، عن سليمانَ بنِ يَسارٍ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: خطأٌ غيرُ عمدٍ (^٦).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ فى هذه الآيةِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو أن تَحْلِفَ على الشئِ وأنت يُخَيَّلُ إليك أنه كما حلَفْتَ، وليس كذلك، فلا يُؤَاخِذُه اللهُ ولا كفارةَ، ولكنَّ المُؤَاخَذةَ والكفارةَ فيما حلَف عليه على علمٍ (^٧).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ٢٦٩ إلى المصنف.\n(^٢) فى ص: \"إصرار\".\n(^٣) فى م، ت ١: \"فأمره\".\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ٢٦٩ إلى المصنف، وابن المنذر.\n(^٥) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"داود\".\n(^٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ٢٦٩ أبى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٧) أخرجه البيهقى ١٠/ ٥٠ من طريق عوف به.","vol":"4","page":20},{"text":"حدَّثنا هَنَّادٌ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا وَكيعٌ، عن الفضلِ بنِ دَلْهَمٍ، عن الحسنِ، قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على اليمينِ لا يَرَى إلا أنه كما حلَف.\nحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن عاصمٍ، عن الحسنِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على اليمينِ يَرَى أنها كذلك، وليست كذلك.\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عَبْدةُ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على الشئِ وهو يَرَى أنه كذلك، فلا يَكونُ كما قال، فلا كفارةَ عليه.\nحدَّثنا هَنَّادٌ وأبو كُرَيْبٍ وابنُ وَكيعٍ، قالوا: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا الثَّورىُّ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على اليمين لا يَرَى إلا أنها كما حلَف عليه، وليست كذلك (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ فى قولِ اللهِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: مَن حلَف باللهِ ولا يَعْلَمُ إلا أنه صادقٌ فيما حلَف.\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: حَلِفُ الرجلِ على الشئِ وهو لا يَعْلَمُ إلا أنه على ما حلَف عليه فلا يَكونُ كما حلَف؛ كقولِه: إن هذا البيتَ لفلانٍ.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩١، وفى مصنفه (١٥٩٥٣)، وأخرجه البيهقى ١٠/ ٥٠ من طريق الثورى به.","vol":"4","page":21},{"text":"وليس له، وإن هذا الثوبَ لفلانٍ. وليس له (^١).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحْوَصِ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على الشئِ يَرَى أنه فيه صادقٌ (^٢).\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يَحْلفُ على الأمرِ يَرَى أنه كما حلَف عليه، فلا يكونُ كذلك، قال: فلا يُؤاخَذُ بذلك. قال: وكان يُحِبُّ (^٣) أن يُكَفِّرَ (^٤).\nحدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقىُّ، قال: ثنا الجُعْفىُّ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، قال: قال إبراهيمُ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: أن يَحْلِفَ على الشئِ وهو يَرَى أنه صادقٌ، وهو كاذبٌ، فذلك اللغوُ لا يُؤاخَذُ به.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ نحوَه، إلا أنه قال: إن حلَفْتَ على الشئِ وأنت تَرَى أنك صادقٌ، وليس كذلك.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ (^٥) إدْريسَ، قال: أخْبَرَنا حُصَينٌ، عن أبى مالكٍ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٣٥.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٧٧٧ - تفسير) من طريق مغيرة به.\n(^٣) فى ت ٢: \"يجب\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٩١، وفى مصنفه (١٥٩٥٥) - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٠٩، ٤/ ١١٩٠ (٢١٥٨، ٦٧٠٧) - وسعيد بن منصور فى سننه (٧٧٥ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٥) فى م: \"أبو\".","vol":"4","page":22},{"text":"أنه قال: اللغوُ: الرجلُ يَحْلِفُ على الأيمانِ وهو يَرَى أنه كما حلَف (^١).\nحدَّثنى إسحاقُ ابنُ حَبيبِ بنِ الشَّهيدِ، قال: ثنا عَتَّابُ بنُ بَشيرٍ، عن خُصيفٍ، عن زِيادٍ، قال: هو الذى يَحْلِفُ على اليمين يَرَى أنه فيها صادقٌ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إسحاقَ الحَضْرمىُّ، قال: ثنا بُكَيْرُ ابنُ أبى السَّمِيطِ (^٢)، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الخطأُ غيرُ العمدِ؛ الرجلُ يَحْلِفُ على الشئِ يَرَى أنه كذلك، وليس كذلك (^٣).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبَرَنا هُشَيْمٌ، عن منصورٍ ويونس، عن الحسنِ، قال: اللغوُ: الرجلُ يَحْلِفُ على الشئِ يَرَى أنه كذلك، فليس عليه فيه كفارةٌ.\nحدَّثنا هَنَّادٌ وابنُ وكيعٍ، قال هَنَّادٌ: حدَّثنا وَكيعٌ، وقال ابنُ وَكيعٍ: حدَّثنى أبى، عن عِمْرانَ بنِ حُدَيْرٍ قال: سمِعْتُ زُرارةَ بنَ أوْفَى، قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على اليمينِ لا يَرَى إلا (^٤) أنها كما حلَف (^٥).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ بَشيرٍ، قال: سُئِل عامرٌ عن هذه الآيةِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾؟ قال: اللغوُ: أن يَحْلِفَ\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٧٧٨ - تفسير) من طريق حصين به.\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"السمط\". وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٢٣٦.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩١، وفى مصنفه (١٥٩٥٦) عن معمر عن قتادة.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٠٩ عقب الأثر (٢١٥٤) معلقًا.","vol":"4","page":23},{"text":"الرجلُ لا يَألُو عن الحقِّ، فيكونَ غيرَ ذلك، فذلك اللغوُ الذى لا يُؤاخَذُ به.\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: فاللغوُ: اليمينُ الخطأُ غيرُ العمدِ؛ أن تَحْلِفَ على الشئِ وأنت تَرَى أنه كما حلَفْتَ عليه ثم لا يَكونُ كذلك، فهذا لا كفارةَ عليه ولا مَأْثَمَ فيه.\nحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: أما اللغوُ: فالرجلُ يَحْلِفُ على اليمين وهو يَرَى أنها كذلك، فلا تَكونُ كذلك، فليس عليه كفارةٌ (^١).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: اللغوُ: اليمينُ الخطأُ فى غيرِ عمدٍ؛ أن يَحْلِفَ على الشئِ وهو يَرَى أنه كما حلَف عليه، وهذا ما ليس عليه فيه كفارةٌ (^٢).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن حُصينٍ، عن أبى مالكٍ، قال: أما اليمينُ التى لا يُؤاخَذُ بها صاحبُها، فالرجلُ يَحْلِفُ على اليمينِ وهو يَرَى أنه فيها صادقٌ، فذلك اللغوُ.\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا حُصَينٌ، عن أبى مالكٍ مثلَه، إلا أنه قال: الرجلُ يَحْلِفُ على الأمرِ يَرَى أنه كما حلَف عليه فلا يَكونُ كذلك، فليس عليه فيه كفارةٌ، وهو اللغوُ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٠٩ عقب الأثر (٢١٥٤) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٠٩ عقب الأثر (٢١٥٤) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٧٨٤ - تفسير) عن هشيم به مطولًا.","vol":"4","page":24},{"text":"حدَّثنى يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَنى معاويةُ بن صالحٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، [وعن] (^١) ابنِ (^٢) أبى طلحةَ -كذا قال [ابنُ أبى جعفرٍ] (^٣) - قالا: مَن قال: واللهِ لقد فعَلْتُ كذا وكذا. وهو يَظُنُّ أن قد فعَلَه، ثم تبَيَّن له أنه لم يَفْعَلْه، فهذا لغوُ اليمينِ وليس عليه فيه كفارةٌ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن رجلٍ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الخطأُ غيرُ العمدِ، كقولِ الرجلِ: واللهِ إن هذا لكذا وكذا. وهو يَرَى أنه صادقٌ، ولا يَكونُ كذلك. قال مَعْمَرٌ: وقاله قتادةُ أيضًا (^٤).\nحدَّثنى ابنُ البَرْقىِّ، قال: ثنا عمرٌو، قال: سُئِل سعيدٌ عن اللغوِ فى اليمينِ، قال سعيدٌ: قال (^٥) مكحولٌ: الخطأُ غيرُ العمدِ، ولكنَّ الكفارةَ فيما عقَدَت قلوبُكم (^٦).\nحدَّثنى ابنُ البَرْقىِّ، قال: ثنا عمرٌو، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، عن مكحولٍ، أنه قال: اللغوُ الذى لا يُؤاخِذُ اللهُ به أن يَحْلِفَ الرجلُ على الشئِ الذى يَظُنُّ أنه فيه صادقٌ، فإذا هو فيه غيرُ ذلك، فليس عليه فيه كفارةٌ، وقد عفا اللهُ عنه.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: إذا حلَف على اليمينِ وهو يَرَى أنه فيه صادقٌ، وهو كاذبٌ، فلا يُؤاخَذُ به، وإذا حلَف على اليمين وهو يَعْلَمُ أنه كاذبٌ،\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) كذا فى النسخ.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩١، وفى مصنفه (١٥٩٥٦).\n(^٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وقال\".\n(^٦) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٠٩ عقب الأثر (٢١٥٤) معلقًا.","vol":"4","page":25},{"text":"فذلك الذى يُؤاخَذُ به.\nوقال آخَرون: بلِ اللغوُ مِن الأيْمانِ التى يَحْلِفُ بها صاحبُها فى حالِ الغضبِ على غيرِ عقدِ قلبٍ ولا عزمٍ، ولكن وُصْلةً للكلامِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٌ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، عن خالدٍ، عن عطاءٍ، عن وَسيمٍ (^١)، عن ابنِ عباسٍ، قال: لغوُ اليمين أن تَحْلِفَ وأنت غَضْبانُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن عطاءٍ، عن طاوسٍ، قال: كلُّ يمينٍ حلَف عليها رجلٌ وهو غَضْبانُ، فلا كفارةَ عليه فيها؛ قولُه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (^٣).\nوعلةُ مَن قال هذه المقالةَ ما حدَّثنى به أحمدُ بنُ منصورٍ المَرْوَزىُّ، قال: ثنا عمرُ ابنُ يونُسَ اليَمامىُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ أبى سليمانَ الزُّهْرىُّ، عن يحيى بنِ أبى كَثيرٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لا يَمينَ فى غضبٍ\" (^٤).\n_________\n(^١) فى م: \"رستم\". وينظر التاريخ الكبير ٨/ ١٨١.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٧٨٢ - تفسير) -ومن طريقه البيهقى ١٠/ ٤٩ - عن خالد، عن عطاء، عن وسيم عن طاوس، عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤١٠، ٤/ ١١٩١ (٢١٦١، ٦٧١٠) من طريق خالد، عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس. وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٢٦٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ينظر تفسير البغوى ١/ ٢٦٣.\n(^٤) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٢٠٢٩) من طريق أحمد بن منصور، عن عمر بن يونس، عن سليمان، عن يحيى، عن الزهرى، عن عكرمة، عن ابن عباس، وضعفه الحافظ فى الفتح ١١/ ٥٦٥.","vol":"4","page":26},{"text":"وقال آخَرون: بل اللغوُ فى اليمينِ الحلفُ على فعلِ ما نهَى اللهُ عنه، وتَرْكِ ما أمَر اللهُ بفعلِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: هو الذى يَحْلِفُ على المعصيةِ، فلا يَفِى، ويُكَفِّرُ يمينَه؛ قولُه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبى الشَّوارِبِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: لغوُ اليمينِ أن يَحْلِفَ الرجلُ على المعصيةِ للهِ، لا يُؤاخِذُه اللهُ بإلغائها (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ، عن داودَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ بنحوِه، وزاد فيه، قال: وعليه كفارتُه (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنى عبدُ الأعْلَى ويزيدُ بنُ هارونَ، عن داودَ، عن سعيدٍ بنحوِه.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخِذُه اللهُ أن يُكَفِّرَ عن يمينِه ويأتىَ الذى هو خيرٌ.\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، وحدَّثنا ابنُ\n_________\n(^١) فى النسخ: \"بإيفائها\". والمثبت ما تقضتيه الآثار.\n(^٢) فى م: \"كفارة\".","vol":"4","page":27},{"text":"وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى هذه الآيةِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، قال: الرجلُ يَحْلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخِذُه اللهُ بتركِها (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ الصَّبَّاحِ البَزَّارُ، قال: ثنا إسحاقُ، عن عيسى ابنِ بنتِ داودَ بنِ أبى هندٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ إلْياسَ، عن أمِّ أبيه، أنها حلَفَت ألا تُكَلِّمَ ابنةَ ابنِها ابنةَ أبى الجَهْمِ، فأتَت سعيدَ بنَ المسيبِ وأبا بكرٍ وعروةَ بنَ الزبيرِ، فقالوا: لا يمينَ فى معصيةٍ، ولا كفارةَ عليها.\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخِذُه اللهُ بتركِها إن ترَكها. قلتُ: فكيف يَصْنَعُ؟ قال: يُكَفِّرُ عن يمينِه ويَتْرُكُ المعصيةَ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا هُشَيْمٌ، عن أبى بشير، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على الحرامِ، فلا يُؤاخِذُه اللهُ بتركِه (^٣).\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخْبَرَنا داودُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال فى لغوِ اليمينِ، قال: هى اليمينُ فى المعصيةِ. قال: أو لا تَقْرَأُ فتَفْهَمَ، قال اللهُ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]؟\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٠٩ (٢١٥٦) من طريق شعبة به.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٧٧٦ - تفسير)، عن هشيم به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٠٩ (٢١٥٧) من طريق هشيم، عن أبى بشر وداود به، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ١/ ٢٦٩ إلى وكيع.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩١، وأخرجه فى مصنفه (١٥٩٥٤) عن هشيم به.","vol":"4","page":28},{"text":"قال: فلا يُؤاخِذُه بالإلغاءِ (^١)، ولكن يُؤاخِذُه بالتَّمامِ عليها. قال: وقال: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾، إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، عن هُشَيْمٍ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: الرجلُ يَحْلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخِذُه اللهُ بتركِها، ويُكَفِّرُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا وهبُ بنُ جَريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عاصمٍ، عن الشعبىِّ، عن مسروقٍ فى الرجلِ يَحْلِفُ على المعصيةِ، فقال: أيُكَفِّرُ خُطواتِ الشيطانِ؟ ليس عليه كفارةٌ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا وهبُ بنُ جَريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ مثلَ ذلك.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ، عن داودَ، عن الشعبىِّ فى الرجلِ يَحْلِفُ على المعصيةِ، قال: كفارتُها أن يَتُوبَ منها (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا مُغيرةُ، عن الشعبىِّ أنه كان يقولُ: يَتْرُكُ المعصيةَ ولا يُكَفِّرُ، ولو أمَرْتُه بالكفارةِ لأمَرْتُه أن يُتِمَّ على قولِه (^٤).\nحدَّثنا يحيى بنُ داودَ الواسطىُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن مُجالِدٍ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ قال: كلُّ يمينٍ لا يَحِلُّ لك أن تَفِىَ بها فليس فيها كفارةٌ.\nوعلةُ مَن قال هذا القولَ مِن الأثَرِ ما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن\n_________\n(^١) فى النسخ: \"بالإيفاء\".\n(^٢) ذكره البغوى فى تفسيره ١/ ٢٦٣، وأخرجه ابن حزم ٨/ ٤٠١ من طريق عاصم عن الشعبى من قوله.\n(^٣) ذكره البغوى فى تفسيره ١/ ٢٦٣.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٣٧٣ - تفسير) عن هشيم به.","vol":"4","page":29},{"text":"الوليدِ بنِ كثيرٍ، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ الحارثِ، عن عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"مَن نذَر فيما لا يَمْلِكُ فلا نَذْرَ له، ومَن حلَف على معصيةِ اللهِ فلا يَمينَ له، ومَن حلَف على قَطيعةِ رَحِمٍ فلا يَمينَ له\" (^١).\nحدَّثنى علىُّ بنُ سعيدٍ الكِنْدىُّ، قال: ثنا علىُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن حارثةَ بنِ محمدٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"مَن حلَف على يمين قطيعةِ رَحِمٍ أو معصيةٍ للهِ فبِرُّه أن يَحْنَث بها ويَرْجِعَ عن يمينِه\" (^٢).\nوقال آخَرون: اللغوُ مِن الأيمانِ كلُّ يمينٍ وصَل بها الرجلُ كلامَه على غيرِ قصدٍ منه إيجابَها على نفسِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا هشامٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن إبراهيمَ، قال: لغوُ اليمين أن يَصِلَ الرجلُ كلامَه بالحلفِ؛ واللهِ لَيَأْكُلَنَّ، واللهِ لَيَشْرَبَنَّ، ونحوُ هذا، لا يَتَعَمَّدُ به اليمينَ ولا يُريدُ به حلِفًا، ليس عليه كفارةٌ.\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن هشامٍ الدَّسْتُوائىِّ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: لغوُ اليمينِ ما يَصِلُ به كلامَه؛ واللهِ لَتَأْكُلَنَّ، واللهِ لَتَشْرَبَنَّ.\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هما الرجلان يَتَساوَمان بالشئِ، فيقولُ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢١٩١) عن أبى كريب به، وأخرجه الدارقطنى ٤/ ١٥، والحاكم ٤/ ٣٠٠، وابن حزم ٨/ ٤٠١، والبيهقى ١٠/ ٣٣ من طريق أبى أسامة به، وأخرجه أحمد ٢/ ١٨٥ (٦٧٣٢) من طريق عبد الرحمن بن الحارث به، وينظر مسند الطيالسى (٢٣٧٣، ٢٣٧٩ - طبعتنا).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢١١٠) من طريق حارثة به، وضعفه ابن كثير فى تفسيره ١/ ٣٩١، والبوصيرى فى مصباح الزجاجة ٢/ ١٤٦.","vol":"4","page":30},{"text":"أحدُهما: واللهِ لا أَشْتَرِيه منك بكذا. ويقولُ الآخرُ: واللهِ لا أَبِيعُك بكذا وكذا (^١).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَنى يونُسُ، عن ابنِ شِهابٍ، أن عروةَ حدَّثه أن عائشةَ زوجَ النبىِّ ﷺ قالت: أيْمانُ اللغوِ ما كان فى الهَزْلِ والمِراءِ والخُصومةِ والحديثِ الذى لا يَعْتَمِدُ (^٢) عليه القلبُ (^٣).\nوعلةُ مَن قال هذا القولَ مِن الأثَرِ ما حدَّثنا به محمدُ بنُ موسى الحرشىُّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ ميمونٍ المُرادىُّ، قال: ثنا عَوْفٌ الأعْرابىُّ، عن الحسنِ بنِ أبى الحسنِ، قال: مرَّ رسولُ اللهِ ﷺ بقومٍ يَنْتَضِلون -يعنى: يَرْمُون- ومع النبىِّ ﷺ رجلٌ مِن أصحابِه، فرمَى رجلٌ مِن القومِ، فقال: أصَبْتُ واللهِ، وأخْطَأْتَ. فقال الذى مع النبىِّ ﷺ: حنِث الرجلُ يا رسولَ اللهِ. قال: \"كلَّا، أيْمانُ الرُّماةِ لَغْوٌ، لا كَفارةَ فيها ولا عُقوبةَ\" (^٤).\nوقال آخَرون: اللغوُ مِن الأيْمانِ ما كان مِن يمينٍ بمعنى الدعاءِ مِن الحالفِ على نفسِه إن لم يَفْعَلْ كذا وكذا، أو بمعنى الشركِ والكفرِ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه فى ص ١٩.\n(^٢) كذا فى النسخ، وفى مصادر التخريج: \"يعقد\".\n(^٣) أخرجه ابن وهب فى جامعه -كما فى الفتح ١١/ ٥٤٨ - عن يونس به، وأخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٥٩٥٢)، وابن أبى عاصم -كما فى الفتح- من طريق معمر والزبيرى، عن الزهرى به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٠٨ (٢١٥٣) من طريق أبى الأسود عن عروة به.\n(^٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ٣٩٢ عن المصنف، وقال الحافظ فى الفتح ١١/ ٥٤٧: وهذا لا يثبت؛ لأنهم كانوا لا يعتمدون مراسيل الحسن، لأنه كان يأخذ عن كل أحد. وأخرجه الطبرانى فى الصغير ٢/ ١٣٦، وفى كتاب الرمى -كما فى لسان الميزان ٦/ ٣٣٠ - من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، وقال الحافظ عن يوسف بن يعقوب بن عبد العزيز -شيخ الطبرانى-: لا أعرف حاله، أتى بخبر باطل بإسناد لا بأس به.","vol":"4","page":31},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحَكَمِ المِصْريُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ مَرْزوقٍ، عن يحيى بنِ أيوبَ، عن محمدِ بنِ عَجْلانَ، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ في قولِ اللهِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو كقولِ الرجلِ: أعْمَى اللهُ بصَرِي إن لم أَفْعَلْ كذا وكذا، أخْرَجَني اللهُ مِن مالى إن لم آتِك غدًا -فهو هذا- ولا يَتْرُكُ اللهُ له مالًا ولا ولدًا. يقولُ: لو يُؤاخِذُكم اللهُ بهذا لم يَتْرُكْ لكم شيئًا (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا إسماعيلُ، قال: ثنى يحيى ابنُ أيوبَ، عن عمرِو بنِ الحارثِ، عن زيدِ بنِ أسلمَ بمثلِه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ مرزوقٍ، قال: ثنى يحيى بن أيوبَ، أن زيدَ بنَ أسلمَ كان يقولُ في قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: مثلُ قولِ الرجلِ: هو كافرٌ، وهو مشركٌ. قال: لا يُؤاخِذُه حتى يَكونَ ذلك مِن قلبِه.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: اللغوُ في هذا: الحلفُ باللهِ ما كان بالألسُنِ، فجعَله لغوًا، وهو أن يقولَ: هو كافرٌ باللهِ، وهو إذَنْ يُشْرِكُ باللهِ، وهو يَدْعُو مع اللهِ إلهًا. فهذا اللغوُ الذى قال اللهُ في سورةِ \"البقرةِ\".\nوقال آخَرون: اللغوُ مِن الأيمانِ ما كانت فيه كفارةٌ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٠٩، ٤١١ (٢١٥٩، ٢١٦٦) من طريق يحيى بن أيوب به.","vol":"4","page":32},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحة، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: فهذا في الرجلِ يَحْلِفُ على أمرِ إضْرارٍ أن يَفْعَلَه فلا يَفْعَلَه، فيَرَى الذى هو خيرٌ منه، فأمَرَه اللهُ أن يُكَفِّرَ يمينَه ويَأْتِيَ الذى هو خيرٌ (^١).\nحدَّثني يحيى بنُ جعفرٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: اليمينُ المُكَفَّرَةُ.\nوقال آخَرون: اللغوُ مِن الأيمانِ هو ما حنِثَ فيه الحالفُ ناسيًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنى مُغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على الشئِ ثم يَنْساه (^٢). يعنى في قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: واللغوُ مِن الكلامِ في كلامِ العربِ كلُّ كلامٍ كان مَذْمومًا، وفعلًا لا معنى له مَهْجورًا. يقالُ منه: لغَا فلانٌ في كلامِه يَلْغُو لَغْوًا. إذا قال قَبيحًا مِن الكلامِ، ومنه قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥]. وقولُه: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢٠.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ينسى\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩١، وفى مصنفه (١٥٩٥٥)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٠٩ (٢١٥٨) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"4","page":33},{"text":"ومَسْموعٌ مِن العربِ: لغَيْتُ باسمِ فلانٍ. بمعنى: أُولِعْتُ بذكرِه بالقبيح. فمن قال: لغَيْتُ. قال: ألْغَى لَغًا. وهى لغةٌ لبعضِ العربِ، ومنه قولُ الراجزِ (^١):\nورَبِّ أَسرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ\nعن اللَّغَا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ\nفإذ كان اللغوُ ما وصَفْتُ، وكان الحالفُ باللهِ: ما فعَلْتُ كذا. وقد فعَل، ولقد فعَلْتُ كذا. وما فعَل، واصِلًا بذلك كلامَه على سبيلِ سُبوقِ لسانِه مِن غيرِ تعمُّدِ إثْمٍ في يمينِه، ولكن لعادةٍ قد جرَت له عندَ عَجَلةِ الكلامِ، والقائلُ: واللهِ إن هذا لَفلانٌ. وهو يراه كما قال، أو: واللهِ ما هذا فلانًا. وهو يَراه ليس به، والقائلُ: ليَفْعَلَنَّ كذا واللهِ. أو: لا يَفْعَلُ كذا واللهِ. على سبيلِ ما وصَفْنا مِن عَجَلةِ الكلامِ وسُبوقِ اللسانِ للعادةِ، على غيرِ تعمُّدِ حَلِفٍ على باطلٍ، والقائلُ: هو مُشْرِكٌ، أو هو يَهُودىٌّ، أو نَصْرانيٌّ، إن لم يَفْعَلْ كذا، أو إن فعَل كذا. مِن غيرِ عزمٍ على كفرٍ أو يَهُوديةٍ أو نصرانيةٍ، جميعُهم قائلون هُجْرًا مِن القولِ، وذَميمًا مِن المَنْطِقِ، وحالِفون مِن الأيمانِ بألسنتِهم ما لم تتَعَمَّدْ فيه الإثمَ قلوبُهم، كان معلومًا أنهم لُغاةٌ في أيْمانِهم لا يَلْزَمُهم كفارةٌ في العاجلِ، ولا عقوبةٌ في الآجِلِ؛ لإخبارِ اللهِ تعالى ذكرُه أنه غيرُ مُؤاخِذٍ عبادَه بما لغَوْا مِن أيمانِهم، وأن الذى هو مُؤاخِذُهم به ما تعَمَّدَت فيه الإثمَ قلوبُهم.\nوإذ كان ذلك كذلك، وكان صحيحًا عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"مَن حلَف على يمينٍ فرأَى غيرَها خيرًا منها، فلْيَأْتِ الذى هو خيرٌ، ولْيُكَفِّرْ عن يمينِه\" (^٢). فأوْجَب الكفارةَ بإتيانِ الحالفِ ما حلَف ألا يَأْتِيَه، مع وجوبِ إتيانِ الذى هو خيرٌ مِن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٣/ ٢٩٦.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٦٢٢، ٦٧٢٢، ٧١٤٦، ٧١٤٧)، ومسلم (١٦٥٢) من حديث عبد الرحمن بن سمرة، وينظر تخريجه في مسند الطيالسي (١٤٤٨).","vol":"4","page":34},{"text":"الذى حلَف عليه ألا يَأْتِيَه، وكانت الغرامةُ في المالِ، أو إلزامُ الجزاءِ مِن المجزيِّ (^١) أبدانَ الجازين (^٢)، لا شكَّ عقوبةً كبعضِ العقوباتِ التى جعَلها اللهُ تعالى ذكرُه نَكالًا لخلقِه فيما تَعَدَّوْا مِن حُدودِه، وإن كان يَجْمَعُ جميعَها أنها تَمْحيصٌ وكَفَّاراتٌ لمَن عُوقِبَ بها فيما عُوقِبوا عليه - كان بيِّنًا أن مَن أُلْزِم الكفارةَ في عاجلِ دُنْياه فيما حلَف به مِن الأيمانِ فحنِث فيه، وإن كانت كفارةً لذنبِه (^٣)، فقد واخَذَه اللهُ بها بإلزامِه إياه الكفارةَ منها، وإن كان ما عجَّل مِن عقوبتِه إياه على ذلك مُسْقِطًا عنه عقوبتَه في آجِلِه. وإذ كان تعالى ذكرُه قد واخَذَه بها، فغيرُ جائزٍ لقائلٍ أن يقولَ، وقد واخَذَ بها: هى مِن اللغوِ الذى لا يؤاخَذُ به قائله.\nفإذ كان ذلك غيرَ جائزٍ، فبيِّنٌ فسادُ القولِ الذى رُوِى عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ أنه قال: اللغوُ: الحلِفُ على المعصيةِ. لأن ذلك لو كان كذلك لم يَكُنْ على الحالفِ على معصيةِ اللهِ كفارةٌ بحِنْثِه في يمينِه، وفى إيجابِ سعيدٍ عليه الكفارةَ دليلٌ واضحٌ على أن صاحبَها بها مُؤاخَذٌ؛ لما وصَفْنا مِن أن مَن لزِمه الكفارةُ في يمينِه فليس ممَّن لم يُؤاخَذْ بها.\nفإذ كان اللغوُ هو ما وصَفْنا مما أخْبَرَنا اللهُ تعالى ذكرُه أنه غيرُ مُؤاخِذِنا به، وكلُّ يمينٍ لزِمَت صاحبَها بحِنْثِه فيها الكفارة في العاجلِ، و(^٤) أوْعَد اللهُ تعالى ذكرُه صاحبَها العقوبةَ عليها في الآجِلِ، وإن كان وضَع عنه كفارتَها في العاجلِ -فهى مما كسَبَتْه قلوبُ الحالفِين، وتعَمَّدَت فيه الإثْمَ نفوسُ المُقْسِمِين، وما عدا ذلك فهو اللغوُ\n_________\n(^١) في م: \"الجازى\".\n(^٢) في م: \"المجزيين\".\n(^٣) في ص، ت ٢، ت ٣: \"لدينه\".\n(^٤) في م: \"أو\".","vol":"4","page":35},{"text":"وقد بيَّنَّا وُجوهَه.\nفتأويلُ الكلامِ إذن: لا تَجْعَلوا اللهَ أيُّها المؤمنون قُوَّةً (^١) لأيْمانِكم، وحُجَّةً لأنفسِكم في أقسامِكم في ألَّا تَبَرُّوا ولا تتَّقُوا ولا تُصْلِحوا بينَ الناسِ، فإن اللهَ لا يُؤاخِذُكم بما لغَتْه ألسنتُكم مِن أيمانِكم، فنطَقَت به مِن قَبيحِ الأيْمانِ وذَميمِها، على غيرِ تعمُّدِكم الإثمَ وقصدِكم بعزائمِ صدورِكم إلى إيجابِ عَقْدِ الأيْمانِ التى حلَفْتُم بها، ولكنه إنما يُؤاخِذُكم بما تعَمَّدْتُم فيه عَقْدَ اليمينِ وإيجابَها على أنفسِكم، وعزَمْتُم على الإتمامِ على ما حلَفْتُم عليه بقصدٍ منكم وإرادةٍ، فيَلْزَمُكم حينَئذٍ إمَّا كفارةٌ في العاجلِ، وإما عقوبةٌ في الآجِلِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-705>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويل في المعنى الذى أوْعَد اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ عبادَه أنه مُؤاخِذُهم به؛ بعدَ إجماعِ جميعِهم على أن معنى قولِه: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: ما تعَمَّدَت. فقال بعضُهم: المعنى الذى أوْعَد اللهُ عبادَه مُؤاخَذتَهم به هو حَلِفُ الحالفِ منهم على كذبٍ وباطلٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: إذا حلَف الرجلُ على اليمينِ وهو يَرَى أنه صادقٌ، وهو كاذبٌ، فلا يُؤاخَذُ بها، وإذا حلَف وهو يَعْلَمُ أنه كاذبٌ، فذاك الذى يُؤاخَذُ به (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"عرضة\".\n(^٢) في ص: \"الآخر\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٠ (٢١٦٥) من طريق جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٦٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"4","page":36},{"text":"حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسْروقىّ، قال: ثنا حسينٌ الجُعْفيُّ، عن زائدةَ، عن مَنصورٍ، قال: قال إبراهيمُ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. قال: أن يَحْلِفَ على الشئِ وهو يَعْلَمُ أنه كاذبٌ، فذاك الذى يُؤاخَذُ به.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: أن تَحْلِفَ وأنت كاذبٌ.\nحدَّثني المثنى، [قال: ثنا عبدُ اللهِ بنِ صالحٍ] (^١)، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]: وذلك اليمينُ الصَّبْرُ (^٢) الكاذبةُ، يَحْلِفُ بها الرجلُ على ظلمٍ أو قَطيعةٍ، فتلك لا كفارةَ لها إلا أن يَتْرُكَ ذلك الظلمَ أو يَرُدَّ ذلك المالَ إلى أهلِه، وهو قولُه تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. إلى قولِه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧].\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: ما عقَدَتْ عليه (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: لا تُؤاخَذُ حتى تُصْعِدَ (^٤) الأمرَ، ثم تَحْلِفَ عليه باللهِ الذى لا إلهَ إلا هو، فتُعَقِّدَ عليه يمينَك.\n_________\n(^١) سقط من النسخ، وهو إسناد دائر.\n(^٢) اليمين الصبر: هى التى ألزم بها صاحبها وحبس عليها، وكانت لازمة له من جهة الحكم. النهاية ٣/ ٨.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٣٥.\n(^٤) في م: \"تقصد\".","vol":"4","page":37},{"text":"والواجبُ على هذا التأويلِ أن يَكونَ قولُه تعالى ذكرُه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ في الآخِرةِ بما شاء مِن العقوباتِ، وأن تكونَ الكفارةُ إنما تَلْزَمُ الحالفَ في الأيمانِ التى هى لَغْوٌ. وكذلك رُوى عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان لا يَرَى الكفارةَ إلا في الأيمانِ التى تَكونُ لَغْوًا، فأما ما كسَبَتْه القلوبُ، وعقَدَت فيه على الإثم، فلم يَكُنْ يُوجِبُ فيه الكفارةَ. وقد ذكَرْنا الروايةَ عنهم بذلك فيما مضَى قبلُ (^١).\nوإذ كان ذلك تأويلَ الآيةِ عندَهم، فالواجبُ على مذهبِهم أن يَكونَ معنى الآيةِ في سورةِ \"المائدةِ\" (^٢): ﴿لا يُؤاخِذُكم اللهُ باللغوِ في أيمانِكم، ولكنْ يُؤاخِذُكم بما عقَّدتُم الأيمانَ، فكفارتُه إطعام عشَرةِ مَساكينَ مِن أوْسطِ ما تُطْعِمون أهْليكم أو كِسوتُهم أو تحريرُ رقبةٍ، فمَن لم يجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ، ذلك كفارةُ أيْمانِكم إذا حلَفْتُم﴾ ولكن يؤاخِذُكم بما عقَّدْتُم، ﴿واحْفَظوا أيْمانَكم﴾.\nوبنحوِ ما ذكَرْناه عن ابنِ عباسٍ مِن القولِ في ذلك كان سعيدُ بنُ جُبيرٍ والضحاكُ ابنُ مُزاحِمٍ وجماعةٌ أُخَرُ غيرُهم يقولون، وقد ذكَرْنا الروايةَ عنهم بذلك آنفًا.\nوقال آخَرونَ: المعنى الذى أوْعَد اللهُ تعالى عبادَه المُؤاخَذةَ بهذه الآيةِ، هو حَلِفُ الحالفِ على باطلٍ يَعْلَمُه باطلًا، وبذلك أوْجَب اللهُ عندَهم الكفارةَ دونَ اللغوِ الذى يَحْلِفُ به الحالفُ وهو مُخطِئٌ في حلفِه، يَحْسَبُ أن الذى حلَف عليه كما حلَف، وليس ذلك كذلك.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم ص ٢٠.\n(^٢) الآية ٨٩.","vol":"4","page":38},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. يقولُ: بما تعَمَّدَت قلوبُكم، وما تعَمَّدَتْ فيه المأْثَمَ، فهذا عليك فيه الكفارةُ (^١).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه سواءً (^٢).\nوكأن قائلى هذه المقالةِ وجَّهوا تأويلَ مُؤاخَذةِ اللهِ عبدَه على ما كسَبه قلبُه مِن الأيمانِ الفاجرةِ، إلى أنها مُؤاخَذةٌ منه له بها (^٣) بإلزامِه الكفارةَ فيه.\nوقال بنحوِ قولِ قتادةَ جماعةٌ أُخَرُ في إيجابِ الكفارةِ على الحالفِ اليمينَ الفاجرةَ، منهم عطاءٌ والحكَمُ.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ويعقوبُ، قالا: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا حَجَّاجٌ، عن عطاءٍ والحكمِ أنهما كانا يقولان في من حلَف كاذبًا متعمدًا: يُكَفِّرُ (^٤).\nوقال آخَرون: بل ذلك معنيان؛ أحدُهما مُؤَاخَذٌ به العبدُ في حالِ الدنيا بإلزامِ اللهِ إياه الكفارةَ منه، والآخرُ منهما مُؤاخَذٌ به في الآخِرةِ إلا أن يَعْفُوَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٠ عقب الأثر (٢١٦٣) معلقًا.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٠ عقب الأثر (٢١٦٣) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه ابن حزم ٨/ ٣٩١ من طريق هشيم، عن الحجاج، عن عطاء وحده، وينظر الاستذكار ١٥/ ٦٧.","vol":"4","page":39},{"text":"السُّدِّىِّ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: أما ما كسَبت قلوبُكم، فما عقَدَت قلوبُكم، فالرجلُ يَحْلِفُ على اليمين يَعْلَمُ أنها كاذبةٌ، إرادةَ أن يَقْضِىَ أمرَه. والأيمانُ ثلاثةٌ، اللغوُ، والعمدُ، والغَموسُ، والرجلُ يَحْلفُ على اليمينِ وهو يُرِيدُ أن يَفْعَلَ، ثم يَرَى خيرًا مِن ذلك، فهذه اليمينُ التى قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. فهذه لها كفارةٌ.\nوكأنَّ قائلَ هذه المقالةِ وجَّه تأويلَ قولِه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ إلى غيرِ ما وجَّه إليه تأويلَ قولِه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. وجعَل قولَه: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ الغَموسَ مِن الأيمانِ التى يَحْلِفُ بها الحالفُ على علمٍ منه بأنه في حلفِه بها مُبْطِلٌ، وقولَه: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ اليمينَ التى يَسْتَأْنِفُ فيها الحِنْثَ أو البِرَّ، وهو في حالِ حلفِه بها عازمٌ على أن يَبَرَّ فيها.\nوقال آخرون: بل ذلك هو اعتقادُ الشركِ باللهِ والكفرِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ مَرْزوقٍ، قال: ثنى يحيى بنُ أيوبَ، عن محمدٍ -يعنى ابنَ عَجْلانَ- أن زيدَ بنَ أسْلَمَ كان يَقولُ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: مثلَ قولِ الرجلِ: هو كافرٌ، هو مُشْركٌ. قال: لا يُؤاخِذُه اللهُ حتى يَكونَ ذلك مِن قلبِه (^١).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٣٢.","vol":"4","page":40},{"text":"يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: اللغوُ في هذا الحلفُ باللهِ ما كان بالألسنِ. فجعَله لغوًا، وهو أن يقولَ: هو كافرٌ بالله، وهو إذن يُشْرِكُ باللهِ، وهو يَدْعُو مع اللهِ إلهًا. فهذا اللغوُ الذى قال اللهُ تعالى في سورةِ \"البقرةِ\": ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، قال: بما كان في قلوبكم صدقًا واخِذُك به، فإن لم يَكنْ في قلبِك صدقًا لم يُواخِذْك به، وإن أثِمْتَ (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه أوْعَد عبادَه أن يُؤاخِذَهم بما كَسَبت قلوبُهم مِن الأيمانِ، فالذى تَكْسِبُه قلوبُهم مِن الأيمانِ هو ما قصَدَتْه وعزَمَت عليه، على علمٍ ومعرفةٍ منها بما تَقْصِدُه وتُريدُه، وذلك يَكونُ منها على وجهين؛ أحدُهما: على وجهِ العزمِ على ما يَكونُ به العازمُ عليه في حالِ عزمِه بالعزمِ عليه آثمًا، وبفعلِه مستحِقًّا المؤاخَذةَ مِن اللهِ عليها، وذلك كالحالفِ على الشئِ الذى لم يَفْعَلْه أنه قد فعَله، وعلى الشئِ الذى قد فعَله أنه لم يَفْعَلْه، قاصدًا أصْلَ (^٢) الكذبِ، وذاكرًا أنه قد فعَل ما حلَف عليه أنه لم يَفْعَلْه، أو أنه لم يَفْعَلْ ما حلَف عليه أنه قد فعَل، فيكونُ الحالفُ بذلك -إن كان مِن أهلِ الإيمانِ باللهِ وبرسولِه- في مشيئةِ اللهِ يومَ القيامةِ، إن شاء واخَذَه به في الآخِرةِ، وإن شاء عفا عنه بتفضلِه، ولا كفارةَ عليه فيها في العاجلِ؛ لأنها ليست مِن الأيمانِ التى يَحْنَثُ فيها، وإنما الكفارةُ تَجِبُ في الأيمانِ بالحِنْثِ فيها، والحالفُ الكاذبُ في يمينِه ليست يمينُه مما يُبْتَدَأُ فيه الحِنْثُ فتَلْزَمَ فيه الكفارةُ.\nوالوجهُ الآخرُ منهما: على وجهِ العزمِ على إيجابِ عقدِ اليمينِ في حالِ عزمِه على ذلك، فذلك مما لا يُواخَذُ به صاحبُه حتى يَحْنَثَ فيه بعدَ حلفِه، فإذا حنِث فيه\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٣٢.\n(^٢) في م: \"لقيل\".","vol":"4","page":41},{"text":"بعدَ حلفِه كان مُواخَذًا بما كان اكْتَسَبه قلبُه -مِن الحلفِ باللهِ على إثمٍ وكذِبٍ- في العاجلِ بالكفارةِ التى جعَلها اللهُ كفارةً لذنبِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-706>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: واللهُ غفورٌ لعبادِه فيما لغَوْا مِن أيْمانِهم التى أخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه أنه لا يُواخِذُهم بها، ولو شاء واخَذَهم بها، ولما واخَذَهم بها (^١) فكفَّروها في عاجل الدنيا بالتكفيرِ فيه، ولو شاء واخَذَهم في آجِلِ الآخِرةِ بالعقوبةِ عليه، فساترٌ عليهم فيها، وصافِحٌ لهم بعفوِه عن العقوبةِ فيها وغيرِ ذلك مِن ذنويهم، حليمٌ في تركِه مُعاجَلةَ أهلِ معصيتِه العقوبةَ على مَعاصِيهم.\n\n<span id=\"aya-233\"></span><span data-type='title' id=toc-707>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾: للذين يُقْسِمُون أَلِيَّةً. والأَليةُ الحلفُ.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا مَسْلَمةُ بنُ علقمةَ، قال: ثنا داودُ بن أبى هندٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ في قولِه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾: يَحْلِفون (^٢).\nيقالُ: آلَى فلانٌ يُؤْلِى إيلاءً وأَلِيَّةً. كما قال الشاعرُ (^٣):\nكفَيْنا مَن تغَيَّب مِن ترابٍ (^٤) … وأحْنَثْنا أَلِيَّةَ مُقْسِمِينا\nويقالُ: أَلْوَةٌ وأُلْوَةٌ. كما قال الراجزُ:\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣: \"به\".\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٤١١ (٢١٧١) من طريق مسلمة به.\n(^٣) التبيان ٢/ ٢٣١.\n(^٤) في التبيان: \"نزار\".","vol":"4","page":42},{"text":"يا أُلْوَةٌ ما أُلْوَةٌ ما أُلْوَتِي\nوقد حُكِى عنهم أيضًا أنهم يقولون: إلْوةٌ. مَكسورةُ الألفِ.\nوالتربُّصُ النظرُ والتوقفُ.\nومعنى الكلامِ: للذين يُؤْلون أن يَعْتَزِلوا مِن نسائِهم تربُّصُ أربعةِ أشهرٍ. فترَك ذكرَ \"أن يَعْتَزلوا\"، اكْتِفاءً بدلالةِ ما ظهَر من الكلامِ عليه.\nواخْتَلَف أهلُ التأويل في صفةِ اليمين التى يَكونُ بها الرجلُ مُؤْلِيًا مِن امرأتِه؛ [فقال بعضُهم: اليمينُ التى يَكونُ بها الرجلُ مُؤْلِيًا مِن امرأتِه] (^١)، أن يَحْلِفَ عليها في حالِ غضبٍ على وجهِ الضِّرارِ (^٢) لها ألا يُجامِعَها في فرجِها، فأما إن حلَف على غيرِ وجهِ الإضْرارِ [وعلى] (^٣) غيرِ غضبٍ فليس هو مُؤلِيًا منها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِىِّ، قال: ثنا أبو الأحْوَصِ، عن سِماكٍ، عن حُرَيْثِ بنِ عَمِيرةَ، عن أمِّ عَطيةَ، قالت: قال جُبيرٌ: أرْضِعى ابنَ أخى مع ابنِكِ. فقالت: ما أَسْتَطِيعُ أن أُرْضِعَ اثنين. فحلَف ألا يقرَبَها حتى تَفْطِمَه، فلما فطَمَتْه مرَّ به على المجلسِ، فقال له القومُ: حَسَنًا ما غذَوْتُموه. قال جبيرٌ: إنى حلَفْتُ ألا أَقْرَبَها حتى تَفْطِمَه. فقال له القومُ: هذا إيلاءٌ. فأتَى عليًّا فاسْتَفْتاه، فقال: إن كنتَ فعَلْتَ ذلك غضبًا فلا تَصْلُحُ لك امرأتُك، وإلا فهى امرأتُك (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م: \"الإضرار\".\n(^٣) في م: \"على\".\n(^٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٥/ ١٤١ عن أبى الأحوص به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٧٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"4","page":43},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، أنه سمِع عَطيةَ بنَ جبيرٍ، قال: تُوُفِّيَت أمُّ صبيٍّ نَسِيبةٌ لى، فكانت امرأةُ أبى تُرْضِعُه، فحلَف ألا يَقْرَبَها حتى تَفْطِمَه، فلمَّا مضَت أربعةُ أشهرٍ قيل له: قد بانَت منك. وأَحْسَبُ -شكَّ أبو جعفرٍ- قال: فأتَى عليًّا يَسْتَفْتِيه، فقال: إن كنتَ قلتَ ذلك غضبًا فلا امرأةَ لك، وإلا فهى امرأتُك (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخْبَرَنى سِماكٌ، قال: سمِعْتُ عطيةَ بنَ جُبيرٍ يَذْكُرُ نحوَه عن عليٍّ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ بنُ عبدِ المجيدِ، قال: ثنا داودُ، عن سِماكٍ، عن رجلٍ مِن بنى عِجْلٍ، عن أبى عطيةَ، أنه تُوُفِّى أخوه، وترَك ابنًا له صغيرًا، فقال أبو عطيةَ لامرأتِه: أَرْضِعِيه. فقالت: إنى أخشى أن تُغِيلَهما (^٢). فحلَف ألا يَقْرَبَها حتى تَفْطِمَهما، ففعَل حتى فطَمَتْهما، فخرَج ابنُ أخى أبى عطيةَ إلى المجلسِ، فقالوا: لَحُسْنَ ما غَذَا أبو عطيةَ ابنَ أخيه. قال: كلَّا زعَمَت أمُّ عطيةَ أنى أُغِيلُهما، فحلَفْتُ ألا أَقْرَبَها حتى تَفْطِمَهما. فقالوا له: قد حرُمَت عليك امرأتُك. فذكَرْتُ ذلك لعليٍّ، فقال عليٌّ: إنما أرَدْتَ الخيرَ، وإنما الإيلاءُ في الغضبِ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن سِماكٍ، عن أبى عطيةَ أن أخاه تُوفِّى. فذكَر نحوَه.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخْبَرَنا داودُ بنُ أبى\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ٧/ ٣٨٢ من طريق شعبة به نحوه.\n(^٢) أغالت المرأة ولدها وأغيلته: أرضعته وهى حامل فهى مُغِيل والغيل: اللبن.\n(^٣) أخرجه البيهقى ٧/ ٣٨١، ٣٨٢ من طريق عبد الوهاب به.","vol":"4","page":44},{"text":"هندٍ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، أن رجلًا هلَك أخوه، فقال لامرأتِه: أَرْضِعِى ابنَ أخى. فقالت: أَخافُ أن تَقَعَ علىَّ. فحلَف ألا يَمَسَّها حتى تَفْطِمَ. فأمْسَك عنها حتى إذا فَطمَتْه أخْرَج الغلامَ إلى قومِه، فقالوا: لقد أحْسَنْتَ غِذاءَه. فذكَر لهم شأنَه، فذكَروا امرأتَه، قال: فذهَب إلى عليٍّ، فاسْتَحْلَفه باللهِ: ما أرَدْتَ بذلك -يعنى إيلاءً- قال: فردَّها عليه.\nحدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: ثنا المحاربيُّ، عن أشْعَثَ بنِ سَوَّارٍ، عن سِماكٍ، عن عطيةَ بنِ أبى عَطيةَ، قال: تُوُفِّى أخٌ لى وترَك يَتيمًا له رضيعًا، وكنتُ رجلًا مُعْسرًا، لم يَكُنْ بيدى ما أَسْتَرْضِعُ له. قال: فقالت لى امرأتى -وكان لى منها ابنٌ تُرْضِعُه-: إن كفَيْتَنى نفسَك كفَيْتُكَهُما. فقلتُ: وكيف أَكْفِيك نفسى؟ قالت: لا تَقْرَبْنى. فقلتُ: واللهِ لا أَقْرَبُك حتى تَفْطِميهما. قال: ففَطمَتهما، وخرَجا على القومِ فقالوا: ما نَراك إلا قد أحْسَنْتَ ولايتَهما. قال: فقصَصْتُ عليهم القصةَ، فقالوا: ما نَراك إلا آلَيْتَ منها وبانت منك. قال: فأتَيْتُ عليًّا، فقصَصْتُ عليه القصةَ، فقال: إنما الإيلاءُ ما أُرِيدَ به الإيلاءُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ البُرْسانيُّ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا إيلاءَ إلا بغضبٍ (^١).\nوحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعْلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا إيلاءَ إلا بغضبٍ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو (^٢) وَكيعٍ، عن أبى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٧٠ للمصنف.\n(^٢) في النسخ: \"ابن\". وأبو وكيع هو الجراح بن مليح الرؤاسى. ينظر تهذيب الكمال ٤/ ٥١٨.","vol":"4","page":45},{"text":"فَزَارةَ، عن يزيدَ بنِ الأصَمِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا إيلاءَ إلَّا بغضبٍ (^١).\nحَدَّثَنَا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن أبي عَطِيةَ، عن عليٍّ، قال: لا إيلاءَ إلا بغضب (^٢).\nحَدَّثَنَا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلي، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، أن عليًّا قال: إذا قال الرجلُ لامرأته وهى تُرْضِعُ: واللهِ لا قرَبْتُك حتى تَفْطِمى ولدِى. يُرِيدُ به صلاحَ ولدِه قال: ليس عليه إيلاءٌ (^٣).\nحَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ السَّلُوليُّ، عن محمدِ بنِ مسلمٍ الطائفيّ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: جاء رجلٌ إلى عليٍّ، فقال: إنى قلتُ لأمرأتى: لا أَقْرَبُها سنتين. قال: قد آلَيْتَ منها. قال: إنما قلتُ لأنَّها تُرْضِعُ. قال: فلا إذَنْ (^٤).\nحَدَّثَنِي المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن داودَ بنِ أبى هندٍ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن أبي عطيةَ، عن عليٍّ أنه كان يقولُ: إنما الإيلاءُ ما كان في غضبٍ، يقولُ الرجلُ: واللهِ لا أَقْرَبُكِ، واللهِ لا أَمَسُّكِ. فأما ما كان في إصلاحٍ من أمرِ الرَّضاعِ وغيرِه، فإنه لا يَكونُ إيلاءً ولا تَبِينُ منه.\nحَدَّثَنَا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، يعنى ابنَ مَهْديٍّ، قال: ثنا حمادُ بنُ\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٨٧٦)، وابن حزم ١١/ ٢٤٥ من طريق إلى وكيع، عن أبى فزارة، عن ابن عباس، بدون ذكر يزيد بن الأصم.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١٨٧٤) من طريق داود به، وأخرج ابن أبي شيبة ٥/ ١٤١، ١٤٢ من طريق زبيد عمن حدثه عن على.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٣٤) عن معمر عن قتادة نحوه. ثم قال: قال معمر: وبلغنى عن على مثله.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٣١)، وسعيد بن منصور في سننه (١٨٧٩) من طريق عمرو بن ديار به.","vol":"4","page":46},{"text":"زيدٍ، عن حفصٍ، عن الحسنِ أنه سُئِل عنها فقال: لا واللهِ ما هو بإيلاءٍ (^١).\nحَدَّثَنَا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا بشرُ بنُ منصورٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، قال: إذا حلَف مِن أجلِ الرَّضاعِ فليس بإيلاءٍ (^٢).\nحَدَّثَنَا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى يونُسُ، قال: سأَلْتُ ابنَ شِهابٍ عن الرجلِ يقولُ: واللهِ لا أَقْرَبُ امرأتى حتى تَفْطِمَ ولدِى. قال: لا أَعْلَمُ الإيلاءَ يَكونُ إلَّا بحلفٍ باللهِ فيما يُريدُ المرءُ أن يُضَارَّ به امرأتَه مِن اعتزالِها، ولا نَعْلَمُ (^٣) فريضةَ الإيلاءِ إلَّا على أولئك، فلا نَرَى أن هذا الذى أَقْسَم بالاعتزالِ لامرأتِه حتى تَفْطِمَ ولدَه، أَقْسَم إلَّا على أمرٍ يَتَحَرَّى به فيه الخيرَ، فلا نَرَى وجَب على هذا ما وجَب على المُؤْلِى الذى يُؤلى في الغضبِ (^٤).\nوقال آخَرون: سواءٌ إذا حلَف الرجلُ على امرأتِه ألا يُجامِعَها في فرجِها، كان حلِفُه في غضبٍ أو غيرِ غضبٍ، كلُّ ذلك إيلاءٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ في رجلٍ قال لامرأتِه: إن غَشِيتُك حتى تَفْطِمى ولدَك فأنت طالقٌ. فترَكها أربعةَ أشهرٍ، قال: هو إيلاءٌ (^٥).\nحَدَّثَنَا محمدُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الأعْلَي، قال: ثنا سعيدٌ، عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٨٧٥) عن هشيم عن يونس عن الحسن نحوه.\n(^٢) أخرجه البيهقي في معرفة السنن (٤٥٢٨) من طريق ابن جريج به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يعلم\".\n(^٤) ذكره الحافظ في الفتح ٩/ ٤٢٦ عن ابن شهاب.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٣٣) عن سفيان به.","vol":"4","page":47},{"text":"مَعْشَرٍ، عن النَّخَعيِّ، قال: كلُّ شيءٍ يَحولُ بينَه وبينَ غِشْيانِها، فترَكها حتى تَمْضِىَ أربعةُ أشهرٍ فهو داخلٌ عليه.\nحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: ثنا حبانُ (^١) بنُ موسي، قال: ثنا ابنُ المبُارَكِ، قال: أخْبَرَنا أبو عَوانةَ، عن المغيرةِ، عن القَعْقاعِ، قال: سأَلْتُ الحسنَ عن رجلٍ تُرْضِعُ امرأتُه صبيًّا فحلَف ألا يَطَأَها حتى تَفْطِمَ ولدَها، فقال: ما أَرَى هذا بغضبٍ، وإنما الإيلاءُ في الغضبِ. قال: وقال ابنُ سِيرينَ: ما أَدْرِى ما هذا الذى يُحَدِّثون؟ إنما قال اللهُ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. إلى ﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فلْيَخْطُئها إن رغِب فيها (^٢).\nحَدَّثَنَا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن مَنْصورٍ، عن إبراهيمَ في رجلٍ حلَف ألا يُكَلِّمَ امرأتَه، قال: كانوا يَرَوْن الإيلاءَ في الجماعِ (^٣).\nحَدَّثَنَا أبو السائب، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: كلُّ يمينٍ منَعَت جماعًا حتى تَمْضِىَ أربعةُ أشهرٍ فهى إيلاءٌ (^٤).\nحَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعْتُ إسماعيلَ وأشْعَثَ، عن الشعبيِّ مثلَه (^٥).\n_________\n(^١) في النسخ: \"حسان\". وهو حبان بن موسى بن سوار السلمى. ينظر تهذيب الكمال ٥/ ٣٤٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٤١٢ (٢١٧٧) من طريق ابن المبارك به دون قول ابن سيرين، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٨٧٧)، وابن أبي شيبة ٥/ ١٤٢ من طريق القعقاع به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦١٣) عن الثورى به، وأخرجه (١١٦١٦) عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٤٢ عن أبي معاوية به، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١٨٧٠) من طريق الأعمش به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦١٢) عن الثورى عن حماد عن إبراهيم به.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٨٧١) من طريق أشعث به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦١١، ١١٦١٢)، وابن أبي شيبة ٥/ ١٤٣ من طرق عن الشعبى.","vol":"4","page":48},{"text":"حَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ، قالا: كلُّ يمينٍ منَعَت جِماعًا فهى إيلاءٌ (^١).\nوقال آخَرون: كلُّ يمينٍ حلَف بها الرجلُ في مَسَاءةِ امرأتِه فهى إيلاءٌ منه منها؛ على الجِماعِ حلَف أو غيره، في رضًا حلَف أو سُخْطٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن خُصَيفٍ، عن الشعبيِّ، قال: كلُّ يمينٍ حالَت بينَ الرجلِ وبينَ امرأته فهى إيلاءٌ، إذا قال: واللهِ لَأُغْضِبَنَّك، واللهِ لَأَسُوءَنَّك، واللهِ لَأَضْربَنَّك. وأشباهُ هذا (^٢).\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنى أبى وشُعَيْبٌ، عن الليثِ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ، عن ابنِ أبى ذئبٍ العامرىِّ، أن رجلًا مِن أهلِه قال لامرأتِه: إن كلَّمْتُك سنةً فأنت طالقٌ. واسْتَفْتَى القاسمَ وسالمًا، فقالا: إن كلَّمْتَها قبلَ سنةٍ فهى طالقٌ، وإن لَمْ تُكَلِّمْها فهى طالقٌ إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ.\nحَدَّثَنَا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمِعْتُ حمادًا قال: قلتُ لإبراهيمَ: الإيلاءُ أن يَحْلِفَ ألا يُجامِعَها، ولا يُكَلِّمَها، ولا يَجْمَعَ رأسَه [ورأسَها] (^٣)، أو لَيُغْضِبَنَّها، أو لَيَحْرِمَنَّها، أو لَيَسُوءَنَّها، قال: نعم (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٧٠ إلى عبد بن حميد، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١٨٧٠)، وابن أبي شيبة ٥/ ١٤٣ كلاهما من طريق مغيرة عن إبراهيم وحده.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦١١).\n(^٣) في م: \"برأسها\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٠٢، ١١٦١٤) عن سفيان به.","vol":"4","page":49},{"text":"حَدَّثَنَا ابنُ المثنَّي، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سألْتُ الحكمَ عن رجلٍ قال لامرأتِه: واللهِ لَأَغِيظَنَّك. فترَكَها أربعةَ أشهرٍ، قال: هو إيلاءٌ.\nحَدَّثَنَا ابنُ المثنَّي، قال: ثنا وهبُ بنُ جَريرٍ، قال: سمِعْتُ شعبةَ، قال: سأَلْتُ الحكمَ. فذكَر مثلَه.\nحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي الليثُ، [قال: ثنا يونُسُ] (^١)، قال: قال ابنُ شِهابٍ: حَدَّثَنِي سعيدُ بنُ المسيِّبِ، أنه إن حلَف رجلٌ ألا يُكَلِّمَ امرأتَه يومًا أو شهرًا. قال: فإنا نَرَى ذلك يَكُونُ إيلاءً. وقال: إلَّا أن يَكُونَ حلَف ألا يُكَلِّمَها فكان يَمَسُّها، فلا نَرَى ذلك يَكُونُ مِن الإيلاءِ، والفَىْءُ أن يَفِئَ إلى امرأتِه فيُكَلِّمَها أو يَمَسَّها، فمَن فعَل ذلك قبل أن تَمْضِىَ الأربعةُ أشهُرٍ فقد فاء، ومن فاء بعدَ أربعةِ أشهرٍ وهى في عِدَّتِها فقد فاء وملَك امرأتَه، غيرَ أنه مضَت لها تَطْليقةٌ.\nوعلَّةُ مَن قال: إنما الإيلاءُ في الغضَبِ والضِّرارِ. أن اللهَ تعالى ذكرُه إنما جعَل الأجَلَ الذى أجَّل في الإيلاءِ مَخْرَجًا للمرأةِ مِن عَضْلِ الرجلِ وضِرارِه إياها فيما لها عليه مِن حُسْنِ الصحبةِ والعِشْرةِ بالمعروفِ، وإذا لَمْ يَكُنِ الرجلُ لها عاضِلًا ولا مُضارًّا بيمينِه وحَلِفِه على تَرْكِ جِماعِها، بل كان طالبًا بذلك رِضاها، وقاضيًا بذلك حاجتَها، لَمْ يَكُنْ بيَمينِه تلك مُؤلِيًا؛ لأنه لا معنى هنالك لحِقَ (^٢) المرأةَ به مِن قِبَلِ بعلِها مَساءةٌ وسوءُ عشرةٍ، فيَجْعَلَ الأجَلَ الذى جَعَل للمؤلى (^٣) لها مخْرجًا منه.\nوأما علَّةُ مَن قال: الإيلاءُ في حالِ الغضبِ والرضا سواءٌ. عُمومُ الآيةِ، وأن اللهَ تعالى ذكرُه لَمْ يَخْصُصْ مِن قولِه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م: \"يلحق\".\n(^٣) في النسخ: \"المؤلى\". والمثبت ما يقتضيه السياق.","vol":"4","page":50},{"text":"أَشْهُرٍ﴾. بعضًا دونَ بعضٍ، بل عمَّ به كلَّ مؤلٍ ومُقْسِمٍ، فكلُّ مُقْسمٍ على امرأتِه ألا يَغْشاها مدةً هى أكثرُ مِن الأجَلِ الذى جعَل اللهُ له تربُّصَه، فمُؤْلٍ مِن امرأتِه عند بعضِهم، وعندَ بعضِهم هو مُؤْلٍ وإن كانت مدةُ يَمينِه الأجلَ الذى جُعِل له تربُّصه.\nوأما علةُ مَن قال بقولِ الشَّعبيِّ والقاسمِ وسالمٍ، أن اللهَ تعالى ذكرُه جعَل الأجَلَ الذى حدَّه للمُؤلى مَخْرَجًا للمرأةِ من سوءِ عِشْرةِ (^١) بعلِها إياها وضرارِه لها (^٢)، وليست اليمينُ عليها بألا يجامِعَها ولا يَقْرَبَها بأولى بأن تَكُونَ مِن معانى سوءِ العشرةِ والضِّرارِ مِن الحلِفِ عليها ألا يُكَلِّمَها أو يَسُوءَها أو يَغِيظَها؛ لأنَّ كلَّ ذلك ضَرَرٌ عليها، وسُوءُ عشرةٍ لها.\nوأولى التأويلاتِ التى ذكَرْنا في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: كلُّ يمينٍ منَعت المُقْسِمَ الجماعَ أكثرَ مِن المدةِ التى جعَل اللهُ للمُؤلى تربُّصَها، قائلًا في غضبٍ كان ذلك أو رِضًا. وذلك للعلةِ التى ذكَرْناها قبلُ لقائِلى ذلك، وقد أتينا على فسادِ قولِ مَن خالَف ذلك في كتابِنا \"كتابِ اللطيفِ\" بما فيه الكفايةُ، فكرِهنا إعادتَه في هذا الموضِعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-708>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: فإن رجَعوا إلى تَرْكِ ما حلَفوا عليه أن يَفْعَلوه بهنَّ مِن تَرْكِ جماعِهن فجامَعوهنَّ وحنِثوا في أيمانِهم، فإن اللهَ غفورٌ لِما كان منهم مِن الكذبِ في أيمانِهم بألَّا يَأْتُوهنَّ ثم أتَوْهُنَّ، ولما (^٣) سلَف منهم إليهنَّ مِن اليمينِ على ما لَمْ يَكُنْ لهم أن يَحْلِفوا عليه فحلَفوا عليه، رحيمٌ بهم\n_________\n(^١) في م: \"عشرتها\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بها\".\n(^٣) في النسخ: \"بما\". والمثبت هو الصواب.","vol":"4","page":51},{"text":"وبغيرِهم مِن عبادِه المؤمنين.\nوأصلُ الفَىْءِ الرُّجوعُ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومنه قولُه تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. إلى قولِه: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ [الحجرات: ٩]. يعنى: حتى تَرْجِعَ إلى أمرِ اللهِ. ومنه قولُ الشاعرِ (^١):\nففاءَت ولم تَقْضِ الذى [أقبَلَت له] (^٢) … ومِن حاجةِ الإنسانِ ما ليس قاضيَا (^٣)\nيقالُ منه: فاء فلانٌ يَفِئُ فَيْئَةً، مثلَ الجَيْئَةِ، وفَيْئًا. والفَيْئَةُ المرةُ، فأما في الظلِّ، فإنه يقالُ: فاء الظلُّ يَفئُ فُيوءًا وفَيْئًا. وقد يُقالُ: فُيوءًا. أيضًا في المعنى الأولِ، لأنَّ الفَىْءَ في كلِّ الأشياءِ بمعنى الرُّجوعِ.\nوبمثلِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، غيرَ أنهم اختلَفوا فيما يَكُونُ به المُؤْلِى فائيًا، فقال بعضُهم: لا يَكُونُ فائيًا إلَّا بالجِماعِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ الرَّمْلِيُّ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي ليلي، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الفَىْءُ الجِماعُ (^٤).\nحَدَّثَنَا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، عن يزيدَ بنِ أبي (^٥) زيادِ بنِ (^٦) عن أبي الجَعْدِ، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الفَىْءُ الجِماعُ.\n_________\n(^١) هو سحيم عبد بنى الحسحاس، والبيت في ديوانه ص ١٩.\n(^٢) في الديوان: \"هو أهله\".\n(^٣) في الديوان: \"لاقيا\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٤٢) عن الثورى به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٨٩٣) من طريق ابن أبى ليلى به.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٦) في م: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ١٣٠.","vol":"4","page":52},{"text":"حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن صاحبٍ له، عن الحكمِ بنِ عُتَيْبَةَ، عن مِقْسمٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حُصَينٍ، عن الشعبىِّ، عن مَسْروقٍ، قال: الفَىْءُ الجِماعُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ، عن شعبةَ، عن حُصَينٍ، عن الشعبىِّ، عن مَسْروقٍ مثلَه.\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيَانٍ، قال: أخبرَنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، قال: كان عامرٌ لا يَرَى الفَىْءَ إلا الجماعَ (^٣).\nحدَّثنا تَميمُ بنُ المنُتصِرِ، قال: أخبرَنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرَنا إسماعيلُ، عن عامرٍ بمثلِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن علىِّ بنِ بَذِيمةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: الفَئُ الجِماعُ (^٤).\nحدَّثنا أبو عبدِ اللهِ النَّسائىُّ، قال: ثنا إسحاقُ الأزرقُ، عن سفيانَ، عن علىِّ بنِ بَذِيمةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ مثلَه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى شيبة ٥/ ١٣٨، والبغوى في الجعديات (١٥٧) من طريق شعبة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٥/ ١٣٩ من طريق سفيان به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٨٩٦) عن حصين به.\n(^٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٥/ ١٣٨ من طريق إسماعيل به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٨٩٩) من طريق مغيرة، عن عامر.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٧٩) عن الثورى به.","vol":"4","page":53},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: الفَىْءُ الجِماعُ، لا عُذْرَ له إلا أن يُجامِعَ، وإن كان في سجنٍ أو في سَفَرٍ. سعيدٌ القائلُ (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ أنه قال: لا عذْرَ له حتى يَغْشَى.\nحدَّثنى المثنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن حمادٍ وإياسٍ، عن الشعبىِّ، قال أحدُهما: عن مَسْروقٍ، قال: الفَىْءُ الجِماعُ. وقال الآخرُ: عن الشعبىِّ: الفَىْءُ الجِماعُ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ في رجلٍ آلَى مِن امرأتِه ثم شغَله مَرَضٌ، قال: لا عُذْرَ له حتى يَغْشَى.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: حدَّثنى أبى، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في الرجلِ يُؤْلى مِن امرأتِه قبلَ أن يَدْخُلَ بها أو بعدَ ما دخَل بها، فيَعْرِضُ له عارضٌ يَحْبِسُه، أو لا يَجِدُ ما يَسوقُ، أنه إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ أنها أحقُّ بنفسِها.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكَمِ والشعبىِّ، قالا: إذا آلَى الرجلُ مِن امرأتِه ثم أراد أن يَفِئَ، فلا فَىْءَ إلا الجِماعُ (^٢).\nوقال آخرون: الفَىْءُ المراجعةُ باللسانِ أو القلبِ في حالِ العذرِ، وفى غيرِ حالِ العذرِ الجماعُ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٧٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٥/ ١٣٨ عن جرير به.","vol":"4","page":54},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ وعكرمةَ أنهما قالا: إذا كان له عُذْرٌ فأَشْهَدَ فذاك له (^١). يعنى في رجلٍ آلَى مِن امرأتِه فشغَله مرضٌ أو طريقٌ فأَشْهَدَ على مراجعةِ امرأتِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن صاحبٍ له، عن الحَكَمِ، قال: تذاكَرْنا أنا والنَّخَعِىُّ ذلك، فقال النَّخَعِىُّ: إذا كان له عُذْرٌ فأَشْهَدَ فقد فاء. وقلتُ أنا: لا عُذْرَ له حتى يَغْشَى. فانْطَلَقْنا إلى أبى وائلٍ، فقال: إنى أرجو إذا كان له عُذْرٌ فأَشْهَدَ جاز.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: إن آلَى ثم مرِض أو سُجِن أو سافر، فراجَع، فإن له عُذْرًا ألا يجامِعَ. قال: وسمِعتُ الزهرىَّ يقولُ مثلَ ذلك (^٢).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا حِبانُ بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، قال: أخبرَنا أبو عَوانةَ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ في النُّفَساءِ يُؤْلِى منها زوجُها، قال: هذه في مُحارِبٍ (^٣)، سئِل عنها أصحابُ عبدِ اللهِ، فقالوا: إذا لم يَسْتَطِعْ كَفَّرَ عن يَمينِه، وأَشْهَدَ على الفَىْءِ (^٤).\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبى الشَّعثاءِ، قال: نزَل به ضيفٌ، فآلَى مِن امرأتِه فنُفِسَت، فأراد أن يَفِئَ فلم يَسْتَطِعْ أن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى شيبة ٥/ ١٣٨ من طريق سعيد به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٧٧)، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٣ (٢١٨١) عن الحسن به.\n(^٣) أى: في قبيلة محارب.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٩٠١) من طريق مغيرة به.","vol":"4","page":55},{"text":"يَقْرَبهَا مِن أجلِ نِفاسِها، فأتى علقمةَ فذكَر ذلك له، فقال: أليس قد فِئْتَ بقلبِك ورَضِيت؟ قال: بلى. قال: فقد فِئْتَ، هى امرأتُك (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الأعمش، عن إبراهيمَ أن رجلًا آلَى مِن امرأتِه، فولَدت قبلَ أن تَمْضِىَ أربعةُ أشهرٍ، أراد الفَيْئَةَ، فلم يَسْتَطِعْ مِن أجلِ الدمِ حتى مَضَت أربعةُ أشهرٍ، فسأل عنها علقمةَ بنَ قيسٍ، فقال: أليس قد راجَعتَها في نفسِك؟ قال: بلى. قال: فهى امرأتُك (^٢).\nحدَّثنا عِمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: أخبَرنا عامرٌ، عن الحسنِ، قال: إذا آلَى مِن امرأتِه ثم لم يَقْدِرْ أن يَغْشاها مِن عذرٍ، قال: يُشْهِدُ أنه قد فاء، وهى امرأتُه (^٣).\nحدَّثنا عِمرانُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا عامرٌ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ بمثلِه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبى، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، قال، وحدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، في قتادةَ، عن عكرمةَ، قال: إذا آلَى مِن امرأتِه فجهَد أن يَغْشاها فلم يَسْتَطِعْ، فله أن يُشْهِدَ على رَجْعَتِها.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ وعكرمةَ أنهما سئِلا عن رجلٍ آلَى مِن امرأتِه فشغَله أمرٌ، فأَشْهَد على مراجعةِ امرأتِه، قالا: إذا كان له عُذْرٌ فذاك له.\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٩٠٢) عن أبى معاوية به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٧٥).\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١٩٠٤)، وابن أبى شيبة ٥/ ١٣٨ من طرق عن الحسن به بنحوه.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٧٦) من طريق إبراهيم به.","vol":"4","page":56},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا غُنْدَرٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، قال: انْطَلَقْتُ أنا وإبراهيمُ إلى أبى الشَّعثاءِ، فحدَّث أن رجلًا مِن بنى سعدِ بنِ هَمّامٍ آلَى مِن امرأتِه فنُفِسَت فلم يَسْتَطِعْ أن يَقْرَبَها، فسأَل الأسودَ أو بعضَ أصحابِ عبدِ اللهِ، فقال: إذا أَشْهَد فهى امرأتُه.\nحدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا غُنْدَرٌ، قال: ثنا شعبةٌ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ أنه قال: إن كان له عُذْرٌ فأَشْهَد فذلك له. يَعْنى المُؤْلِىَ مِن امرأتِه (^١).\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ أنه كان يحدِّثُ عن أبى الشَّعثاءِ، عن علقمةَ وأصحابِ عبدِ اللهِ أنهم قالوا في الرجلِ إذا آلَى مِن امرأتِه فنُفِسَت، قالوا: إذا أَشْهَد فهى امرأتُه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن حمادٍ، قال: إذا آلَى الرجلُ مِن امرأتِه ثم فاء فلْيُشْهِدْ على فَيْئِه، وإذا آلَى الرجلُ مِن امرأتِه وهو في أرضٍ غيرِ الأرضِ التى فيها امرأتُه فلْيُشْهِدْ على فَيْئِه، فإن أشْهَد وهو لا يَعْلَمُ أن ذلك لا يُجزئُه مِن وقوعِه عليها، فمضَت أربعةُ أشهرٍ قبل أن يجامِعَها فهى امرأتُه، وإن علِم أنه لا فَىْءَ إلا في الجماعِ في هذا البابِ ففاء وأَشْهَد على فَيْئِه ولم يَقَعْ عليها حتى مضَت أربعةُ أشهرٍ، فقد بانَت منه.\nحدَّثَنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى يونسُ، قال: قال ابنُ شهابٍ: حدَّثنى سعيدُ بنُ المسيَّبِ أنه إذا آلَى الرجلُ مِن امرأتِه، قال: فإن كان به مرَضٌ ولا يَسْتَطِيعُ أن يَمَسَّها، أو كان مسافِرًا فحُبِس، قال: فإذا فاء وكفَّرَ عن يمينِه فأَشْهَد على فَيْئِه قبل أن تَمْضِىَ أربعةُ أشهرٍ فلا نَرَاه إلا قد صلَح له أن يُمْسِكَ امرأتَه ولم يَذْهَبْ مِن طلاقِها شَىْءٌ. قال: وقال ابنُ شهابٍ في رجلٍ يُؤْلِى مِن امرأتِه\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٧٧) عن الثورى، عن حماد به بنحوه.","vol":"4","page":57},{"text":"ولم يَبْقَ لها عليه إلا تَطْليقةٌ، فيُريدُ أن يَفئَ في آخرِ ذلك وهو مريضٌ أو مسافرٌ، أو هى مريضةٌ أو طامثٌ أو غائبةٌ، لا يقدرُ على أن يَبْلُغَها حتى تَمْضِىَ أربعةُ أشهرٍ، أله في شيءٍ مِن ذلك رخصةٌ أن يُكَفِّرَ عن يمينِه، ولم يَقْدِرْ على أن يَطَأَ امرأتَه؟ قال: نرى -واللهُ أعلمُ- إن فاء قبل الأربعةِ الأشهرِ فهى امرأتُه، بعد أن يُشْهِدَ على ذلك ويُكفِّرَ عن يمينِه، وإن لم يَبْلُغْها ذلك مِن فَيئتِه فإنه قد فاء قبلَ أن يَكُونَ طلاقًا.\nحُدِّثْت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: الفَىْءُ الجماعُ، فإن هو لم يَقْدِرْ على المجامَعةِ، وكانت به علةٌ مِن مرَضٍ، أو كان غائبًا، أو كان مُحرِمًا، أو شىْءٌ له فيه عذرٌ، ففاء بلسانِه، وأَشْهَد على الرِّضَا، فإن ذلك له فَئٌ إن شاء اللهُ.\nوقال آخرون: الفَىْءُ المراجعةُ باللسانِ بكلِّ حالٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا الضحاكُ بنُ مَخْلَدٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ وحماد، عن إبراهيمَ، قال: الفَىْءُ أن يَفِئَ بلسانِه (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن زيادٍ الأعلمِ، عن الحسنِ، قال: الفَىْءُ الإشهادُ (^٢).\nحدَّثَنى المُثَنَّى، قال: ثنى الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن زيادٍ الأعلمِ، عن الحسنِ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٧٧) عن الثورى، عن حماد -وحده- به، وعزاه الحافظ في الفتح ٩/ ٤٢٦ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤١٣ عقب الأثر (٢١٨٠) معلقًا.","vol":"4","page":58},{"text":"أيوبَ، عن أبى قِلابةَ، قال: إن فاء في نفسِه أجْزَأَه. يَقُولُ: قد فاء (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن إسماعيلَ بنِ رجاءٍ، قال: ذكَروا الإيلاءَ عندَ إبراهيمَ، فقال: أرَأَيتَ إن لم يَنْتَشِرْ ذَكَرُه؟ إذا أَشْهَد فهى امرأتُه.\nقال أبو جعفرٍ: وإنما اختلَف المختلِفون في تأويلِ الفَىْءِ على قَدْرِ اختلافِهم في معنى اليمين التى تَكُونُ إيلاءً، فمَن كان مِن قولِه: إن الرجلَ لا يَكُونُ مُؤْلِيًا مِن امرأتِه الإيلاءَ الذى ذكَره اللهُ في كتابِه إلا بالحَلِفِ عليها ألا يجامِعَها. جعَل الفَىْءَ الرجُوعَ إلى فِعْلِ ما حلَف عليه ألا يَفْعَلَه مِن جماعِها، وذلك الجِماعُ في الفَرْجِ إذا قدَر على ذلك وأمْكَنَه، وإذا لم يَقْدِرْ عليه ولم يُمْكِنْه، فإحداثَ (^٢) النيةِ أن يَفْعَلَه إذا قدَر عليه وأمْكَنَه، وإبداءَ (^٣) ما نوَى مِن ذلك بِلسانِه ليَعْلَمَه المسلمون، في قولِ مَن قال ذلك.\nوأما قولُ مَن رأى أن الفَىْءَ هو الجِماعُ دونَ غيرِه، فإنه لم يَجْعَلِ العائقَ له عذرًا، ولم يَجْعَلْ له مَخْرَجًا مِن يمينِه غيرَ الرجُوعِ إلى ما حلَف على تركِه، وهو الجِماعُ.\nوأما مَن كان مِن قولِه: إنه قد يَكُونُ مُؤْلِيًا منها بالحلِفِ على تركِ كلامِها، أو على أن يسوءَها، أو يَغيظَها، أو ما أشبَه ذلك مِن الأيمانِ. فإن الفَىْءَ عندَه الرُّجوعُ إلى تَرْكِ ما حلَف عليه أن يَفْعَلَه مما فيه مَساءتُها بالعزمِ على الرُّجوعِ عنه، [وإبداءُ] (^٤) ذلك بلسانِه في كلِّ حالٍ عزَم فيها على الفَىْءِ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٨١).\n(^٢) في م: \"بإحداث\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وأبدى\".\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣: \"وأبدى\".","vol":"4","page":59},{"text":"وأولى الأقوالِ بالصحةِ في ذلك عندَنا قولُ مَن قال: الفَىْءُ هو الجِماعُ، لأن الرجلَ لا يَكُونُ مُؤْلِيًا عندَنا مِن امرأتِه إلا بالحَلِفِ على تَرْكِ جماعِها المدةَ التى ذكَرْنا؛ للعِلَلِ التى وصَفْنَا قبلُ، فإذ كان ذلك هو الإيلاءَ، فالفَىْءُ الذي يُبْطِلُ حُكْمَ الإيلاءِ عنه، لا شَكَّ أنه غيرُ جائزٍ أن يَكُونَ إلا ما كان للذى (^١) آلَى عليه خِلَافًا؛ لأنه لما (^٢) جعَل حُكْمَه إن لم يَفِئْ إلى ما آلَى على تَرْكِه، الحُكْمَ الذي بَيَّنَه اللهُ لهم في كتابِه، كان الفَىْءُ إلى ذلك معلومٌ (^٣) أنه فعلُ ما آلَى على تركِه إن أطاقَه، وذلك هو الجِماعُ، غيرَ أنه إذا حِيل بينَه وبينَ الفَىْءِ -الذي هو جماعٌ- بعذرٍ، فغيرُ كائنٍ (^٤) تاركًا جماعَها على الحقيقةِ؛ لأن المرءَ إنما يَكُونُ تاركًا ما له إلى فعلِه وتركِه سبيلٌ، فأما مَن لم يَكُنْ له إلى فعلِ أمرٍ سبيلٌ، فغيرُ كائنٍ تاركَه. وإذ كان ذلك كذلك، فإحداثُ (^٥) العزمِ في نفسِه علي جِماعِها مُجْزئٌ عنه في حالِ العذرِ، حتى يَجِدَ السبيلَ إلى جِماعِها، وإن أبدى ذلك بلسانِه وأَشْهَد على نفسِه في تلك الحالِ بالأَوْبَةِ والفَىْءِ كان أعجبَ إلىَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-709>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فإن اللهَ غفورٌ لكم فيما اجْتَرَمْتُم بفَيْئِكم إليهن مِن الحِنْثِ في اليمينِ التى حَلَفْتم عليهنّ باللهِ ألا تَغْشُوهن، رحيمٌ بكم في تخفيفِه عنكم كفارةَ أيمانِكم التى حلَفتم عليهن ثم حَنِثتم فيها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن\n_________\n(^١) في م: \"الذي\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"إنما\".\n(^٣) في م: \"معلوما\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"جائز\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"وإحداث\".","vol":"4","page":60},{"text":"الحسنِ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال: لا كفارةَ عليه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: إذا فاء فلا كفارةَ عليه (^١).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حبانُ (^٢) بنُ موسى، قال: أخبَرَنا ابنُ المباركِ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: كانوا يَرَون في قولِ اللهِ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أن كفارتَه فَيْؤُه (^٣).\nوهذا التأويلُ الذي ذكَرنا هو التأويلُ الواجبُ على قولِ مَن زعَم أن كلَّ حانثٍ في يمينٍ هو في المُقامِ عليها حَرِجٌ (^٤)، فلا كفارةَ عليه في حِنْثِه فيها، وأن كفارتَها (^٥) الحنثُ فيها.\nوأما على (^٦) قولِ مَن أوجَب على الحانثِ في كلِّ يمينٍ حلَف بها كفارةً (^٧)، بِرًّا كان الحِنْثُ فيها أو غيرَ بِرٍّ، فإن تأويلَه: فإن اللهَ غفورٌ للمُؤلِين مِن نسائهم فيما حَنِثُوا فيه مِن إيلائِهم، بأن (^٨) فاءوا فكَفَّرُوا أيمانَهم، بما ألزَم اللهُ الحانثين في أيمانِهم من الكفارةِ، رحيمٌ بهم، بإسقاطِه عنهم العقوبةَ في العاجلِ والآجلِ على ذلك، بتكفيرِه إياه بما فرَض عليهم من الجزاءِ والكفارةِ، وبما جعَل لهم مِن المَهْلِ الأشهرَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٧٠٨).\n(^٢) في النسخ: \"حماد\". وتقدم التعليق عليه في ص ٤٨.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٧٠٧) من طريق مغيرة به.\n(^٤) أى آثم.\n(^٥) في م، ت ٢: \"كفارته\".\n(^٦) سقط من: ص، ت ١.\n(^٧) زيادة لابد منها.\n(^٨) في النسخ: \"فإن\". والمثبت صواب السياق.","vol":"4","page":61},{"text":"الأربعةَ، فلم يَجْعَلْ فيها للمرأةِ التى آلَى منها زوجُها ما جَعَل لها بعدَ الأشهرِ الأربعةِ.\nكما حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حبانُ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ بشرٍ أنه سمِع عكرمةَ يقولُ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾. قال: وتلك رحمةُ اللهِ، ملَّكه أمرَها الأربعةَ الأشهرِ إلا من معذرةٍ؛ لأنَّ اللهَ قال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ (^١) [النساء: ٣٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-710>ذكرُ بعضِ مَن قال: إذا فاء المُؤلِى فعليه الكفارةُ</span>\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾: وهو الرجلُ يَحْلِفُ لامرأتِه باللهِ لا يَنْكِحُها، فَيَتَرَبَّصُ أربعةَ أشهرٍ، فإن هو نَكَحَها كفَّر يَمينَه بإطعامِ عشَرَةِ مساكينَ، أو كسوتِهم، أو تحريرِ رقبةٍ، فمن لم يَجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ (^٢).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى اللَّيْثُ، قال: ثنى يونسُ، قال: ثنى ابنُ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ بنحوِه.\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حِبانُ بنُ موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، قال: إذا آلَى فغَشِيها قبلَ الأربعةِ الأشهرِ كفَّر عن يمينِه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٢ (٢١٧٣) من طريق ابن المبارك به.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٤١١ (٢١٧٠)، والبيهقى ٧/ ٣٨٠، من طريق عبد الله بن صالح به، وهو مختصر عند ابن أبى حاتم إلى قوله: لا ينكحها.","vol":"4","page":62},{"text":"حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبانُ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا أبو عَوانةَ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ في النُّفَساءِ يُؤْلِى منها زوجُها، قال: هذه في محارِبٍ، سُئِل عنها أصحابُ عبدِ اللهِ، فقالوا: إذا لم يَسْتَطِعْ كفَّر عن يمينِه، وأشْهَد على الفَىْءِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: إن فاء فيها كفَّر يمينَه، وهى امرأتُه (^٢).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عَثّامٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في الإيلاءِ، قال: يُوقَفُ قبلَ أن تَمْضِىَ الأربعةُ الأشهرِ، فإن راجَعَها فهى امرأتُه وعليه يمينٌ يكفِّرُها إذا حَنِثَ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وهذا التأويلُ الثانى هو الصحيحُ عندَنا في ذلك؛ لِما قد بيَّنَّا مِن العللِ في كتابِنا \"كتابِ الأيمانِ\"، من أن الحِنْثَ موجِبٌ الكفارةَ في كلِّ ما ابتُدِئَ فيه الحنثُ مِن الأيمانِ بعد الحَلِفِ، على معصيةٍ كانت اليمينُ أو على طاعةٍ.\n\n<span id=\"aya-234\"></span><span data-type='title' id=toc-711>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾؛\n_________\n(^١) تقدم في ص ٥٥.\n(^٢) عزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ٢٧٠ إلى ابن حميد مطولًا، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٩٩) عن معمر عن قتادة، قال: يكفر وإن لم يدخل بها.\n(^٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٥/ ١٣٣ من طريق الأعمش به مختصرًا.","vol":"4","page":63},{"text":"فقال بعضُهم: معنى ذلك: للذين يُؤْلُون أن يَعْتَزلوا مِن نسائِهم تَرَبُّصُ أربعةِ أشهرٍ، فإن فاءوا فرجَعوا إلى ما أوجَب اللهُ لهنَّ من العِشْرَةِ بالمعروفِ في الأشهرِ الأربعةِ التى جعَل اللهُ لهم تَرَبُّصَهم عنهن (^١) وعن جِماعِهن وعِشْرَتِهن في ذلك بالواجبِ، فإن اللهَ لهم غفورٌ رحيمٌ، وإن ترَكوا (^٢) الفَىْءَ إليهن (^٣) في الأشهرِ الأربعةِ التى جعَل اللهُ لهم التَّرَبُّصَ فيهن حتى يَنْقَضِين طُلِّق منهم نساؤُهم اللاتى آلَوا منهن بمُضِيِّهن. ومُضِيُّهن عندَ قائلى ذلك هو الدّلالةُ على عزمِ المُؤلِى على طلاقِ امرأتِه التى آلَى منها.\nثم اختلَف مُتَأَوِّلو هذا التأويلِ بينَهم في الطلاقِ الذي يَلْحَقُها بمُضِىِّ الأشهرِ الأربعةِ؛ فقال بعضُهم: هو تَطْلِيقةٌ بائنةٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن خِلاسٍ أو الحسنِ، عن علىٍّ قال: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ، فهى تَطْلِيقةٌ بائنةٌ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبى، عن قتادةَ، أن عليًّا وابنَ مسعودٍ كانا يَجْعَلانِها تَطْلِيقةً، إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهى أحقُّ بنفسِها. قال قتادةُ: وقولُ علىٍّ وعبدِ اللهِ أعجبُ إلىَّ في الإيلاءِ (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"منهن\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"تركهم\".\n(^٣) في م: \"لليمين\"، وفي ت ١، ت ٢: \"اليمين\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٤١) عن معمر، عن قتادة به.","vol":"4","page":64},{"text":"حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ أن عليًّا قال في الإيلاءِ: إذا مَضَت أربعةُ أشهرٍ بانَت بتَطْلِيقةٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ أبى الشواربِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا مَعْمَرٌ، عن عطاءٍ الخراسانىِّ، عن أبى سلمةَ، أن عثمانَ بنَ عفانَ وزيدَ بنَ ثابتٍ كانا يَقولان: إذا مضَت الأربعةُ الأشهرِ فهى واحدةٌ بائنةٌ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، قال: أخبَرنا عطاءٌ الخُراسانىُّ، قال: سمِعنى أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ أَسْأَلُ ابنَ المسيَّبِ عن الإيلاءِ، فمرَرتُ به، فقال: ما قال لك ابنُ المسيَّبِ؟ فحَدَّثْتُه بقولِه، فقال: أفلا أُخْبِرُك ما كان عثمانُ بنُ عفانَ وزيدُ بنُ ثابتٍ يَقُولان؟ قُلْتُ: بلى. قال: كانا يَقُولان: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهى واحدةٌ وهى أحقُّ بنفسِها (^٣).\nحدَّثنا علىُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ، عن الأوزاعىِّ، عن عطاءٍ الخُراسانىِّ، قال: ثنا أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن عثمانَ بنَ عفانَ قال: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ مِن يومِ آلَى فتَطْلِيقةٌ بائنةٌ (^٤).\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن مَعْمَرٍ، أو حُدِّثتُ عنه، عن عطاءٍ الخراسانىِّ، عن أبى سلمةَ، عن عثمانَ وزيدٍ أنهما كانا يَقُولَان: إذا مضَت أربعةُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى شيبة ٥/ ١٢٩ من طريق سعيد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٥/ ١٢٨، وابن أبى حاتم في تفسيره ٢/ ٤١١ (٢١٧٢)، والدارقطنى ٤/ ٦٢ من طريق معمر به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٣٨) عن معمر به، ومن طريقه البيهقى ٧/ ٣٧٨.\n(^٤) أخرجه الدارقطنى ٤/ ٦٣ من طريق الوليد به من قول عثمان وزيد.","vol":"4","page":65},{"text":"أشهرٍ فهى تَطْليقةٌ بائنةٌ.\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: آلَى عبدُ اللهِ بن أُنَيسٍ مِن امرأتِه، فمكَثَت ستةَ أشهرٍ، فأتَى ابنَ مسعودٍ فسأله، فقال: أعْلِمْها أنها قد ملَكت أمرَها. فأتاها فأخبَرها، وأصدَقها رَطْلًا مِن وَرِقٍ (^١).\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ أنه كان يقولُ في الإيلاءِ: إذا مضَت الأربعةُ الأشهرِ فهى تَطْلِيقةٌ بائنةٌ (^٢).\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ مثلَ ذلك (^٣).\nحدَّثنى أبو السائبِ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: آلَى عبدُ اللهِ بنُ أُنَيسٍ مِن امرأتِه، قال: فخرَج فغاب عنها ستةَ أشهرٍ، ثم جاء فدخَل عليها، فقيل: إنها قد بانَت منك. فأتى عبدَ اللهِ فذكَر ذلك له، فقال له عبدُ اللهِ: قد بانَت منك، فأْتِها فأعْلِمْها، واخْطُبْها إلى نفسِها. فأتاها فأعْلَمَها أنها قد بانَت منه، وخطَبها إلى نفسِها، وأصْدَقها رَطلًا مِن وَرِقٍ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ بنُ (^٤) عطاءٍ، قال: ثنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى شيبة ٥/ ١٣٠ عن سفيان به.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور (١٨٨٨) عن هشيم به، وأخرجه (١٨٨٦) من طريق منصور، عن إبراهيم به.\n(^٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٥/ ١٢٨ من طريق مغيرة به.\n(^٤) في م: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ٨/ ٤٦١.","vol":"4","page":66},{"text":"داودُ، عن عامرٍ، عن ابنِ مسعودٍ أنه قال في الإيلاءِ: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهى واحدةٌ بائنةٌ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ أن رجلًا مِنْ بنى هلالٍ يُقالُ له: فلانُ بنُ أُنَيسٍ (^٢)، أو: عبدُ اللهِ بنُ أنيسٍ (^٢)، أراد مِن أهلِه ما يُريدُ الرجلُ مِن أهلِه، فأبَت، فحلَف ألا يَقْرَبَها، فطرَأ على الناسِ بَعْثٌ مِن الغدِ، فخرَج فغاب ستةَ أشهرٍ، ثم قدِم، فأتى أهلَه ما يرى أن عليه بأسًا، فخرَج إلى القومِ، فحدَّثهم بسَخَطِه على أهلِه حيثُ خرَج، وبرِضاه عنهم حينَ قدِم، فقال القومُ: فإنها قد حَرُمَت عليك. فأتَى ابنَ مسعودٍ فسأَله عن ذلك، فقال ابنُ مسعودٍ: أمَا علِمتَ أنها حَرُمَت عليك؟ قال: لا. قال: فانْطَلِقْ فاسْتَأْذِنْ عليها، فإنها ستُنْكِرُ ذلك، ثم أخْبِرْها أن يمينَك التى كُنْتَ حلَفتَ عليها صارَت طلاقًا، وأخْبِرْها أنها واحدةٌ وأنها أمْلَكُ بنفسِها، فإن شاءَت خَطَبْتَها فكانت عندَك على ثِنتين، وإلا فهى أمْلكُ بنفسِها.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ مهدىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن علىِّ بنِ بَذِيمةَ، عن أبي عُبَيدةَ، عن مَسْروقٍ، عن عبدِ اللهِ، قال في الإيلاءِ: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهى تَطْليقةٌ بائنةٌ، وتَعْتَدُّ ثلاثةَ قُروءٍ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ مهدىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ والأعمشِ ومُغيرةَ، عن إبراهيمَ أن عبدَ اللهِ بنَ أُنَيسٍ آلَى مِن امرأتِه، فمضَت أربعةُ أشهرٍ، ثم\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه ٢/ ٢٨ (١٨٨٨) من طريق داود به.\n(^٢) في ص: \"أنس\".\n(^٣) أخرجه البيهقى ٧/ ٣٧٩ من طريق سفيان الثورى به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٨٨٩) عن المسعودى عن على بن بذيمة به.","vol":"4","page":67},{"text":"جامَعَها وهو نَاسٍ، فأتى علقمةَ، فذهَب به إلى عبدِ اللهِ، فقال عبدُ اللهِ: بانَت منك، فاخْطُبْها إلى نفسِها. فأصْدَقَها رَطلًا مِن فِضةٍ (^١).\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا أيوبُ، وحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن أبى قِلابةَ، أن النعمانَ بنَ بَشيرٍ آلَى مِن امرأتِه، فضرَب ابنُ مسعودٍ فَخِذَه وقال: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فاعْتَرِفْ بتَطْلِيقةٍ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعتمِرُ، قال: سمِعتُ داودَ، عن عامرٍ أن ابنَ مسعودٍ قال في المُؤلى: إذا مضَتْ أربعةُ أشهرٍ ولم يَفِئْ فقد بانَت منه امرأتُه بواحدةٍ، وهو خاطبٌ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ مهديٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: عَزْمُ الطلاقِ انقضاءُ الأربعةِ الأشهرِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٦/ ٤٥٩ (١١٦٦٧) عن سفيان به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٢٨ عن ابن علية، وعبد الرزاق في مصنفه (١١٦٣٩) من طريق أيوب به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٨٩٠) من طريق خالد عن أبي قلابة به.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٨٨٨) من طريق داود به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٢٩، ١٣٨، وابن أبي حاتم ٢/ ٤١٤ (٢١٨٤)، والبيهقى ٧/ ٣٧٩ من طريق شعبة به. وأخرجه عبد الرزاق (١١٦٤٢)، وسعيد بن منصور في سننه (١٨٩٣)، وفى (٣٧٦ - تفسير) من طريق ابن أبي ليلى عن الحكم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٧٢ الى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) في ت ٢: \"قال: الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر\".","vol":"4","page":68},{"text":"[حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال] (^١): حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ اللهِ بن أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في الإيلاءِ: إذا مضَتْ أربعةُ أشهرٍ فهي واحدةٌ بائِنةٌ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، عن جَعْفرِ بنِ بَرْقانَ، عن عبدِ الأعلى بنِ ميمونِ بنِ مهرانَ، عن عكرمةَ أنه قال: إذا مضَت الأربعةُ الأشهرِ فهي تَطْليقةٌ بائنةٌ. فذكَر ذلك عن ابنِ عباسٍ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، عن يزيدَ بنِ زيادِ بنِ (^٣) أبي الجَعْدِ، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: عزيمةُ الطلاقِ انقضاءُ الأربعةِ.\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ (^٥)، قال: ثنا الأعمشُ، عن حَبيبٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ أنَّ أميرَ مكةَ سأَله عن المُؤْلِى، فقال: كان ابنُ عمرَ يَقولُ: إذا مضت أربعةُ أشهرٍ ملَكت أمرَها، وكان ابنُ عباسٍ يَقولُ ذلك (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٢) أخرجه البيهقي ٧/ ٣٧٩، من طريق شعبة به.\n(^٣) في النسخ: \"عن\"، وتقدم على الصواب في ص ٥٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٣٨ عن وكيع به.\n(^٥) في م، ت ٢: \"فضل\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٢٨، عن ابن فضيل به، وأخرجه سعيد بن منصور (١٨٩٢)، عن أبي معاوية عن الأعمش به. وأخرجه في (١٨٩١) عن هشيم، عن الأعمش، عن حبيب، عن سعيد، عن ابن عباس وحده.","vol":"4","page":69},{"text":"حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا حَفْصٌ، عن الحجاجِ، عن الحَكَمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهي تَطْليقةٌ بائنةٌ (^١).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا حَفْصٌ، عن حجاجٍ، عن سالمٍ المكيِّ، عن ابنِ الحَنَفيةِ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبي وشُعيبٌ، عن الليثِ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن أبانِ بنِ صالحٍ، عن ابنِ شهابٍ، أن قَبيصةَ ابنَ ذُؤَيبٍ قال في الإيلاءِ: هي تَطْليقةٌ بائنةٌ، وتَأْتَنِفُ (^٢) العِدَّةَ، وهي أملكُ بأمرِها (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبيِّ، عن شُريحٍ أنه أتاه رجلٌ فقال: إني آلَيتُ مِن امرأتى، فمضَت أربعةُ أشهرٍ قبلَ أن أفِئَ؟ فقال شُريحٌ: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. لم يَزِدْه عليها، فأتى مَسْروقًا فذكَر ذلك له، فقال: يَرْحَمُ اللهُ أبا أميةَ، لو أنَّا قلنا مثلَ ما قال، لم يُفَرِّجْ أحدٌ عنه، وإنما أتاه ليفرِّجَ عنه. ثم قال: هي تطليقةٌ بائنةٌ، وأنت خاطبٌ مِن الخُطَّابِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن مُغيرةَ أنه سمِع الشعبيَّ يُحَدِّثُ أنه شَهِد شُرَيْحًا وسأَله رجلٌ عن الإيلاءِ، فقال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ الآية. قال: فقُمْتُ مِن عندِه، فأتَيْتُ مَسْروقًا، فقُلْتُ: يا أبا عائشةَ، وأخبَرتُه بقولِ شُرَيحٍ، فقال: يَرْحَمُ اللهُ أبا أميةَ، لو أن الناسَ كلَّهم قالوا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٢٩ عن حفص به من قول ابن عباس وابن الحنفية.\n(^٢) استأنف الشئ وأْتنفه ائتنافا: أخذ أوله وابتدأه، وقيل: استقبله. اللسان (أ ن ف).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٢٩ من طريق الزهري به بنحوه.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٩٣٤، ١٩٣٦) من طريق مغيرة به بنحوه.","vol":"4","page":70},{"text":"مثلَ هذا، مَن كان يُفَرِّجُ عنا مثلَ هذا؟ ثم قال: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهي واحدةٌ بائنةٌ (^١).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا أبو داودَ، عن جَريرِ بنِ حازمٍ، قال: قرَأتُ في كتابِ أبي قِلابةَ عندَ أيوبَ: سأَلتُ سالمَ بنَ عبدِ اللهِ وأبا سلمةَ بنَ عبدِ الرحمنِ فقالا: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهي تطليقةٌ بائنةٌ (^٢).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا أبو داودَ، عن جريرِ بنِ حازمٍ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، عن عطاءٍ، قال: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهي تطليقةٌ بائنةٌ، ويَخْطُبُها في العدةِ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا مُعْتَمِرٌ، عن أبيه في الرجلِ يَقولُ لامرأتِه: واللهِ لا يَجْمَعُ رأسي ورأسَك شيءٌ أبدًا. ويَحْلِفُ ألا يَقْرَبَها أبدًا: فإن مضَت أربعةُ أشهرٍ ولم يَفِئْ كانت تَطْليقةً بائنةً، وهو خاطبٌ، قولُ عليٍّ وابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ والحسنِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ أنه سُئِل عن رجلٍ قال لامرأتِه: إن قَرِبْتُك فأنت طالقٌ ثلاثًا. قال: فإذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهي تَطْليقةٌ بائنةٌ، وسقَط ذلك (^٤).\nحدَّثنا سَوَّارٌ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، وحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ، جميعًا عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، قال: سمِعتُ الحسنَ ومحمدًا في الإيلاءِ قالا: إذا\n_________\n(^١) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٣٦ عن محمد بن جعفر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٣٠ عن أبي داود به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٣١ عن أبي داود به.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٢ عقب الأثر (٢١٧٤) معلقا.","vol":"4","page":71},{"text":"مضَت أربعةُ أشهرٍ فقد بانَت بتَطْليقةٍ بائنةٍ، وهو خاطبٌ مِن الخُطَّابِ (^١).\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن ابنِ عونٍ، عن محمدٍ، قال: كنا نَتَحَدَّثُ في الأَلِيَّةِ أنها إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ، فهي تَطْليقةٌ بائنةٌ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عَثَّامٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في الإيلاءِ قال: إن مضَت - يَعْنى أربعةَ أشهرٍ - بانَت منه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن قتادةَ، عن النَّخَعِيِّ، قال: إن قَرِبَها قبلَ الأربعةِ الأشهرِ فقد بانَت منه بثلاثٍ، وإن ترَكها حتى تَمْضِىَ الأربعةُ الأشهرِ بانَت منه بالإيلاءِ. في رجلٍ قال لامرأتِه: أنت طالقٌ ثلاثًا إن قَرِبتُك سنةً.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، قال: أعْتَمَ (^٣) عبيدُ اللهِ بنُ زيادٍ عند هندٍ في ليلةِ أمِّ عثمانَ ابنةِ عمرَ بنِ عبيدِ اللهِ، فلما أتاها أمرَت جَواريَها فأَغْلَقْن الأبوابَ دونَه، فحلَف ألا يأتِيَها حتى تَأْتِيَه، فقيل له: إن مضَت أربعةُ أشهرٍ ذهبَت منك.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا عوفٌ، قال: بلَغنى أن الرجلَ إذا آلَى مِن امرأتِه فمضَت أربعةُ أشهرٍ فهي تَطْليقةٌ بائنةٌ، ويَخْطُبُها إن شاء.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾: في الذي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٣٠ عن وكيع به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٢٩، ١٣٠ من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن إبراهيم به.\n(^٣) أعتم: أبطأ. وأعتم الليل: إذا مرَّ قطعة منه. اللسان (ع ت م).","vol":"4","page":72},{"text":"يُقْسِمُ، وإن مضَت الأربعةُ الأشهرِ فقد حرُمت عليه، فتَعْتَدُّ عِدَّةَ (^١) المطلقةِ، وهو أحدُ الخُطابِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، عن قَبيصةَ بنِ ذُؤَيبٍ، قال: إذا مضَت الأربعةُ الأشهرِ فهي تَطْليقةٌ بائنةٌ (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: وهذا في الرجلِ يُؤْلِى مِن امرأتِه ويَقُولُ: واللهِ لا يَجْتَمِعُ رأسي ورأسُكِ، ولا أَقْرَبُك، ولا أغْشَاك.\nفكان أهلُ الجاهليةِ يَعُدُّونَه طلاقًا، فحَدَّ اللهُ لهما أربعةَ أشهرٍ، فإن فاء فيها كفَّر يمينَه وهي امرأتُه، وإن مضَت أربعةُ أشهرٍ ولم يَفِئْ فهي تَطْليقةٌ بائنةٌ، وهي أحقُّ بنفسِها، وهو أحدُ الخُطابِ.\nحُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ مثلَه.\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾. قال: كان ابنُ مسعودٍ وعمرُ بنُ الخطابِ يقولان: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهي طالقٌ بائنةٌ، وهي أحقُّ بنفسِها (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو وهبٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ الآية: هو الذي يَحْلِفُ ألا يَقْرَبَ امرأتَه، فإن مضَت أربعةُ أشهرٍ ولم يَفِئْ ولم يُطَلِّقْ، بانَت منه بالإيلاءِ، فإن رجَعت إليه فمَهْرٌ جديدٌ، ونكاحٌ ببَيِّنةٍ، ورِضًا مِن الوليِّ (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٣: \"عنده\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٥١) عن معمر به، وتقدم في ص ٧٠.\n(^٣) أخرجه البيهقي ٧/ ٣٨٠ من طريق عمرو به.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المولى\".","vol":"4","page":73},{"text":"وقال آخرون: بل الذي يَلْحَقُها: بمُضىَّ الأربعةِ الأشهرِ تَطْليقةٌ يَمْلِكُ فيها الزوجُ الرَّجْعَةَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا مالكٌ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ وأبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ، قالا: إذا آلَى الرجلُ مِن امرأتِه فمضَت أربعةُ أشهرٍ، فواحدةٌ وهو أمْلكُ لرَجْعَتِها (^١).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، قال: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهي تَطْليقةٌ يَمْلِكُ الرَّجعةَ (^٢).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ أميةَ، عن مكحولٍ، قال: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهي تَطْليقةٌ، يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ (^٣).\nحدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: هي واحدةٌ وهو أحَقُّ بها - يعني إذا مضَت الأربعةُ الأشهرِ - وكان الزهريُّ يُفْتى بقولِ أبي بكرٍ هذا (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا الليثُ، قال: ثنى يونسُ، قال: قال ابنُ شهابٍ: حدَّثني سعيدُ بنُ المسيَّبِ أنه قال: إذا آلَى الرجلُ مِن امرأتِه فمضَت الأربعةُ الأشهرِ قبلَ أن يَفِيءَ فهي تَطْليقةٌ، وهو أملكُ بها ما كانت في عِدَّتِها.\n_________\n(^١) الموطأ ٢/ ٥٥٧، وأخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٣٠، عن ابن إدريس به.\n(^٢) الموطأ ص ١٨١ (٥٧٩) برواية محمد بن الحسن بأطول من هذا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٣٠ عن ابن مهدي به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٥٤) عند الثوري به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٥١) عن معمر به بنحوه، وفي (١١٦٥١) عن ابن جريج، عن الزهري به.","vol":"4","page":74},{"text":"حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا أبو يونسَ القويُّ، قال: قال لي سعيدُ بنُ السيَّبِ: ممن أنت؟ قال: قُلْتُ: من أهلِ العراقِ. قال: لعلك ممَّن يَقُولُ: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فقد بانَت. لا، ولو مَضَت أربعُ سنينَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حجاجُ بنُ رِشْدين، قال: ثنا عبدُ الجبارِ بنُ عمرَ، عن ربيعةَ أنه قال في الإيلاءِ: إذا مَضَت أربعةُ أشهرٍ فهي تَطْليقةٌ، وتَسْتَقْبِلُ عِدَّتَها، وزوجُها أحَقُّ برجْعَتِها.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: كان ابنُ شُبْرُمةَ يَقولُ: إذا مَضَت أربعةُ أشهرٍ فله الرجعةُ. ويُخاصِمُ بالقرآنِ، ويَتَأَوَّلُ هذه الآيةَ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ثم نزع ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (^١).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: قال أبو عمرٍو: نحنُ في ذلك - يَعْنى في الإيلاءِ - على قولِ أصحابِنا؛ الزهريِّ ومكحولٍ: أنها تَطْليقةٌ - يَعْنى مُضِىَّ الأربعةِ الأشهرِ - وهو أمْلَكُ بها في عِدَّتِها.\nوقال آخرون: معنى قولِه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ إلى قولِه: ﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ على الاعتزالِ مِن نسائِهم تَّنَظُّرُ أربعةِ أشهرٍ بأمرِه وأمرِها، ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ بعدَ انقِضاءِ الأشهرِ الأربعةِ إليهن، فرجَعوا إلى عِشْرَتِهن بالمعروفِ، وتَرْكِ هِجرانِهن، وأتَوْا إلى غِشْيانِهن وجِماعِهن ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ فأحدَثوا لهنَّ طلاقًا بعدَ الأشهرِ الأربعةِ، ﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لطلاقِهم إياهنَّ، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما فعَلوا بهنَّ مِن إحسانٍ وإساءةٍ.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٢ عقب الأثر (٢١٧٤) معلقا.","vol":"4","page":75},{"text":"وقال مُتَأوِّلو هذا التأويلِ: مُضِىُّ الأشهرِ الأربعةِ يُوجِبُ للمرأةِ المطالبةَ على زوجِها المُؤْلى منها بالفَيْءِ أو الطلاقِ، ويَجِبُ على السلطانِ أن يَقِفَ الزوجَ على ذلك، فإن فاء أو طلَّق، وإلا طلَّق عليه السلطانُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: أخبَرنا المُثَنَّى بنُ الصَّبَّاحِ، عن عمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أن عمرَ قال في الإيلاءِ: لا شيْءَ عليه حتى يُوقَفَ، فيُطَلِّقَ أوُ يُمْسِكَ.\nحدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُّويَه، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: ثنا يحيى بنُ أيوبَ، عن المُثَنَّى، عن عمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن عمرَ بنِ الخطابِ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا غُنْدَرٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبيرٍ يُحَدِّثُ عن عمرَ بنِ الخطابِ أنه قال في الإيلاءِ: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ لم يَجْعَلْه شيئًا (^١).\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرَّفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن الشيبانيِّ، عن الشعبيَّ، عن عمرِو بنِ سلمةَ، عن عليٍّ أنه كان يَقِفُ المُؤْلىَ بعدَ الأربعةِ الأشهرِ حتى يَفِيءَ أو يُطَلِّقَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن الشيبانيِّ، عن الشعبيِّ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن حزم في المحلى ١١/ ٢٤٨ من طريق غندر به.\n(^٢) أخرجه الشافعي في الأم ٥/ ٢٦٥ - ومن طريقه البيهقي ٧/ ٣٧٧ - وابن أبي شيبة ٥/ ١٣١، وسعيد بن منصور في سننه (١٩٠٦) عن ابن عيينة به.","vol":"4","page":76},{"text":"عمرِو بنِ سلمةَ، عن عليٍّ، قال في الإيلاءِ: يُوقَفُ (^١).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن الشيبانيِّ، عن بُكَيرِ بنِ الأخْنَسِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى، عن عليٍّ أنه كان يَقِفُه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن الشيبانيِّ، عن بُكَيرِ بنِ الأخْنَسِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى، [عن عليٍّ أنه كان يُوقِفُه] (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ، عن مَرْوانَ بنِ الحكمِ، عن عليٍّ، قال: يُوقَفُ المُؤْلِى عندَ انقضاءِ الأربعةِ الأشهرِ حتى يَفِيءَ أو يُطَلِّقَ. قال أبو كريبٍ، قال ابنُ إدريسَ: وهو قولُ أهل المدينةِ (^٤).\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ فضيلٍ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ، عن مروانَ، عن عليٍّ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، مال: ثنا سفيانُ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ، عن مرْوانَ بنِ الحَكَمِ، عن عليٍّ، قال: المُؤْلى إما أن يَفِيءَ وإما أن يُطَلِّقَ (^٥).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن مِسْعَرٍ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن طاوسٍ، أن عثمانَ كان يقِفُ المُؤْلىَ بقولِ أهلِ المدينةِ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني ٤/ ٦١ من طريق يحيى وابن مهدي، عن سفيان به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٣١ عن وكيع به، وأخرجه الشافعي في الأم ٥/ ٢٦٥ عن سفيان به، وسعيد بن منصور في سننه (١٩٠٩) من طريق الشيباني به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في الإيلاء قال يوقف\". والأثر أخرجه الدارقطني ٤/ ٦١ - ومن طريقه البيهقي ٧/ ٣٧٧ - من طريق يحيى وابن مهدي عن سفيان به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٣١ عن ابن إدريس به، وعن شريك، عن ليث به.\n(^٥) أخرجه الشافعي في الأم ٥/ ٢٦٥ - ومن طريقه البيهقي ٧/ ٣٧٧ - وسعيد بن منصور في سننه (١٩٠٧) عن سفيان به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٣٢ عن وكيع به، وأخرجه الشافعي في الأم ٥/ ٢٦٥ - ومن طريقه البيهقي ٧/ ٣٧٧ - والدارقطني ٤/ ٦٢ من طريق سفيان عن مسعر به.","vol":"4","page":77},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن حبيبِ بنٍ أبي ثابتٍ، قال: لقِيتُ طاوسًا فسألتُه، فقال: كان عثمانُ يَأخُذُ بقولِ أهلِ المدينةِ.\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ ابنِ المسيَّبِ، عن أبي الدرداءِ أنه قال: ليس له أجلٌ، وهي معصيةٌ، يُوقَفُ في الإيلاءِ، فإما أن يُمْسِكَ وإما أن يُطَلِّقَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، أن أبا الدرداءِ قال في الإيلاءِ: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فإنه يُوقَفُ، إما أن يَفِيءَ وإما أن يُطَلِّقَ.\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ، عن سعيدِ ابنِ المسيَّبِ، أن أبا الدرداءِ كان يقولُ: هي معصيةٌ، ولا تَحْرُمُ عليه امرأتُه بعدَ الأربعةِ الأشهرِ، ويُجْعَلُ عليها العدةُ بعدَ الأربعةِ الأشهرِ.\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن أبا الدرداءِ وسعيدَ بنَ المسيَّبِ قالا: يُوقَفُ عندَ انقضاءِ الأربعةِ الأشهرِ، فإما أن يَفِيءَ وإما أن يُطَلِّقَ، ولا يَزال مُقيمًا على معصيةٍ حتى يَفِيءَ أو يُطَلِّقَ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، أن أبا الدرداءِ وعائشةَ قالا: يُوقَفُ المُؤْلى عندَ انقضاءِ الأربعةِ، فإما أن يَفِيءَ وإما أن يُطَلِّقَ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٣٤، وسعيد بن منصور في سننه (١٩١٧)، والبيهقي ٧/ ٣٧٨، من طريق قتادة به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٥٨) عن معمر به.","vol":"4","page":78},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي الدرداءِ وسعيدِ بنِ المسيَّبِ نحوَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ (^١) إدريسَ، قال: ثنا الحسنُ، عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، قال: قالت عائشةُ: يُوقَفُ عندَ انقضاءِ الأربعةِ الأشهرِ، فإما أن يَفِيءَ وإما أن يُطَلِّقَ.\nقال: قُلْتُ: أنتَ سمِعتَها؟ قال: لا تُبَكِّتْنِى (^٢).\nحدَّثنا [أبو مسلمٍ إبراهيمُ] (^٣) بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا عمرانُ بنُ ميسرةَ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا حسنُ بنُ الفراتِ بإسنادِه عن عائشةَ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا عبدُ الجبارِ بن الوَرْدِ، عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، عن عائشةَ مثلَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى عُبَيدُ (^٤) اللهِ بنُ عمرَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةَ أنها قالت: إذا آلى الرجلُ ألا يمسَّ امرأتَه، فمضَت أربعةُ أشهرٍ، فإما أن يُمْسِكَها كما أمَره اللهُ وإما أن يُطَلِّقَها، لا يُوجِبُ عليه الذي صنَع طلاقًا ولا غيرَه (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ بنُ يزيدَ وناجيةُ بنُ بكرٍ وابن أبي الزنادِ، عن أبي الزنادِ، قال: أخبَرني القاسمُ بنُ محمدٍ: أن خالدَ بنَ العاصِ المخزوميَّ كانت عندَه ابنةُ أبي سعيدِ بنِ هشامٍ، فكان يَحْلِفُ فيها مِرارًا كثيرةً\n_________\n(^١) في النسخ: \"أبو\". وتقدم على الصواب.\n(^٢) التبكيت: استقبال الرجل بما يكره. ينظر اللسان (ب ك ت). والأثر أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٣٢ من طريق الحسن به بنحوه.\n(^٣) في م: \"إبراهيم بن مسلم\".\n(^٤) في النسخ: \"عبد\". والمثبت من سنن البيهقي.\n(^٥) أخرجه البيهقي ٧/ ٣٧٨ من طريق عبيد الله بن عمر به.","vol":"4","page":79},{"text":"ألا يَقْرَبَها الزمانَ الطويلَ، قال: فسمِعتُ عائشةَ تَقُولُ له: ألا تَتَّقى اللهَ يا بنَ (^١) العاصِ في ابنةِ أبي سعيدٍ؟ أما تَحْرَجُ، أما تَقْرَأُ هذه الآيةَ التي في سورةِ \"البقرةِ\"؟ قال: فكأنها تُؤَثِّمُه، ولا تَرَى أنه فارَق أهلَه (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عبيدِ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أنه قال في المُؤْلى: لا يَحِلُّ له إلا ما أحَلَّ اللهُ له؛ إما أن يَفِيءَ وإما أن يُطَلِّقَ (^٣).\nحدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخبَرنا عبدُ اللهِ بنُ نميرٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ نحوَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: لا يَجُوزُ للمُؤْلِى ألا يَفْعَلَ ما أمَره اللهُ - يَقُولُ: يُبَيِّنُ رَجْعَتَها، أو يُطَلِّقُ عندَ انقضاءِ الأربعةِ الأشهر - يُبَيِّنُ رَجْعَتَها أو يُطَلِّقُ. قال أبو كريبٍ: قال ابنُ إدريسَ: وزاد فيه: وراجعْتُه فيه، فقال قولًا معناه، أن له الرَّجْعَةَ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، سال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ أن عمرَ قال نحوًا مِن قولِ ابنِ عمرَ (^٥).\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا جَريرُ بنُ حازمٍ، قال: أخبَرنا نافعٌ أن ابنَ عمرَ قال في الإيلاءِ: يُوقَفُ عندَ الأربعةِ الأشهرِ.\n_________\n(^١) بعده في النسخ: \"أبي\". ينظر أسد الغابة ٢/ ١٠٠.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٦٠)، وسعيد بن منصور في سننه (١٩١٣) من طريق أبي الزناد به بنحوه.\n(^٣) أخرجه مالك ٢/ ٥٥٦، والشافعي في الأم ٥/ ٢٦٥، والبخاري (٥٢٩١)، وسعيد ابن منصور في سننه (١٩١١) من طريق نافع به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٣٢ عن ابن إدريس به.\n(^٥) تقدم في ص ٧٦.","vol":"4","page":80},{"text":"حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أنه قال: إذا آلى الرجلُ ألَّا يَمَسَّ امرأتَه فمضَت أربعةُ أشهرٍ، فإما أنْ يُمْسِكَها كما أمَره اللهُ وإما أن يُطَلِّقَها، ولا يُوجِبُ عليه الذي صنَع طلاقًا ولا غيرَه.\nحَدَّثَنَا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ عُيَيْنةَ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: سأَلتُ ابنَ عمرَ عن الإيلاءِ فقال: الأمراءُ يَقْضُون بذلك (^١).\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: يُوقَفُ المُؤْلى بعدَ انقضاءِ الأربعةِ، فإما أن يُطَلِّقَ وإما أن يَفِيءَ (^٢).\nحَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُّويَه، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: ثنا يحيى ابنُ أيوبَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن سهيلِ بنِ أبي صالحٍ، عن أبيه، قال: سأَلتُ اثْنَيْ عشَر رجلًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ عن الرجلِ يُؤْلِى مِن امرأتِه، فكلُّهم يَقولُ: ليس عليه شيءٌ حتى تَمْضِيَ الأربعةُ الأشهرِ فيُوقَفَ؛ فإن فاء وإلا طلَّقَ (^٣).\nحَدَّثَنَا ابنُ المثني، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ في الرجلِ يُؤْلِى مِن امرأتِه، قال: كان لا يَرَى أن تدخُلَ عليه فُرْقَةٌ حتى يُطَلِّقَ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٣٢ عن ابن عيينة به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٦١).\n(^٣) أخرجه الدارقطني ٤/ ٦١ - ومن طريقه البيهقي ٧/ ٣٧٧ - من طريق ابن أبي مريم به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٨٨٢، ١٨٨٣) من طريق داود به. (تفسير الطبري ٤/ ٦)","vol":"4","page":81},{"text":"حَدَّثَنَا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن داودَ، عن سعيدِ ابنِ المسيَّبِ في الإيلاءِ إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ: إنما جعَله اللهُ وقتًا لا يَحِلُّ له أن يُجَاوِزَ حتى يَفِيءَ أو يُطَلِّقَ، فإن جاوَز فقد عصَى اللهَ، لا تَحْرُمُ عليه امرأتُه.\nحَدَّثَنَا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، قال: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ، فإما أن يَفِيءَ وإما أن يُطَلِّقَ (^١).\nحَدَّثَنَا محمدُ بنُ المُثَنَّى وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا عبدُ الأعلي، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن ابنِ المسيَّبِ في الإيلاءِ: يُوقَفُ عندَ انقضاءِ الأربعةِ الأشهرِ، فإما أن يَفِيءَ وإما أن يُطَلِّقَ.\nحَدَّثَنَا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن معمرٍ، أو حُدِّثتُ (^٢) عنه، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، قال: سأَلتُ ابنَ المسيَّبِ عن الإيلاءِ، فقال: يُوقَفُ.\nحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابنِ المسيبِ، وعن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، قالا: يُوقَفُ المُؤْلى بعدَ انقضاءِ الأربعةِ، فإما أن يَفِيءَ وإما أن يُطَلِّقَ (^٣).\nحَدَّثَنَا عليُ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: حَدَّثَنِي مالكُ بنُ أنسٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ وأبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٣٣ عن ابن فضيل به.\n(^٢) في م: \"حدثته\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٥٥) عن معمر به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٣٢ وسعيد بن منصور في سننه (١٩٣٩) عن سفيان بن عيينة عن ابن طاووس به.","vol":"4","page":82},{"text":"مثلَ ذلك. يَعْنِي مثلَ قولِ عمرَ بنِ الخطابِ في الإيلاءِ: لا شيْءَ عليه حتى يُوقَفَ فيُطَلِّقَ أوُ يُمْسِكَ (^١).\nحَدَّثَنَا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ أنه قال في الإيلاءِ: يُوقَفُ (^٢).\nحَدَّثَني محمدُ بنُ عمرٍو قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، وحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾. قال: إذا مَضى أربعةُ أشهرٍ أُخِذَ فيُوقَفُ حتى يُراجِعَ أهلَه أو يُطَلِّقَ (^٢).\nحَدَّثَنَا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ عُيَيْنةَ (^٣)، عن أيوبَ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ أن مروانَ وَقَفَه بعدَ ستةِ أشهرٍ (^٤).\nحَدَّثَنَا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ في الإيلاءِ، قال: يُوقَف عندَ الأربعةِ الأشهرِ حتى يَفِيءَ أو يُطَلِّقَ (^٥).\nحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾: هو الرجلُ يَحْلِفُ لامرأتِه باللهِ لا يَنْكِحُها، فَيَتَرَبَّصُ أربعةَ أشهرٍ، فإن هو نَكحها كفَّر عن يمينِه، فإن\n_________\n(^١) الموطأ ٢/ ٥٥٧.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٣٥، وأخرجه سعيد في سننه (١٩٤٠)، وابن أبي شيبة ٥/ ١٣٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٢ (٢١٧٦)، كلهم من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٣) في ت ٢: \"قتيبة\".\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٩١٦) عن ابن عيينة، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٦٥) عن مالك ومعمر وابن عيينة به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٣٢ من طريق عبد الوهاب به مختصرا.","vol":"4","page":83},{"text":"مضَت أربعةُ أشهرٍ قبلَ أن يَنْكِحَها أجبَره (^١) السلطانُ، إما أن يَفِيءَ فيراجِعَ، وإما أن يَعْزِمَ فيُطَلِّقَ، كما قال اللهُ سبحانَه (^٢).\nحَدَّثَنَا موسى بنُ هارونَ، مَال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾ الآية. قال: كان عليٌّ وابنُ عباسٍ يقولان: إذا آلى الرجلُ مِن امرأتِه، فمضَت الأربعةُ الأشهرِ فإنه يُوقَفُ، فيُقالُ له: أمسَكْتَ أو طَلَّقْتَ؟ فإن أمْسَكَ فهي امرأتُه، وإن طلَّق فهي طالِقٌ (^٣).\nحَدَّثَنِي يُونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ ألا يُصيبَ امرأتَه كذا وكذا، فجعَل اللهُ له أربعةَ أشهرٍ يَتَرَبَّصُ بها. وقال: قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾. يَتَرَبَّصُ بها، ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. فإذا رفَعَتْه إلى الإمامِ ضرَبَ له أجلَ أربعةِ أشهرٍ، فإن فاء وإلا طَلَّقَ عليه، فإن لَمْ تَرْفَعْه فإنما هو حقٌّ لها تَرَكَتْه.\nحَدَّثَنِي يونسُ قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، عن مالكٍ، قال: لا يَقَعُ على المُؤْلِى طلاقٌ حتى يُوقَفَ، ولا يَكُونُ مُؤْلِيًا حتى يَحْلِفَ على أكثرَ مِن أربعةِ أشهرٍ، فإذا حلَف على أربعةِ أشهرٍ فلا إيلاءَ عليه؛ لأنَّه يُوقَفُ عندَ الأربعةِ الأشهرِ، وقد سقَطت عنه اليمينُ، فذهَب الإيلاءُ (^٤).\nحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، عن ابنِ زيدٍ، قال: قال ابنُ عمرَ: حتى\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"أخبره\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٦٢.\n(^٣) أخرجه البيهقي ٧/ ٣٨٠ من طريق عمرو به.\n(^٤) ينظر الموطأ ٢/ ٥٥٧، ٥٥٨.","vol":"4","page":84},{"text":"يُرفَعَ إلى السلطانِ، وكان أبي يَقولُ ذلك، ويَقولُ: لا واللهِ وإن مضَت أربعُ سنين حتى يُوقَفَ.\nحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا فِطْرٌ، قال: قال محمدُ بنُ كعبٍ القُرَظِيُّ وأنا معه: لو أن رجلًا إلى مِن امرأتِه أربعَ سِنينَ لم نُبِنْها (^١) منه حتى نَجْمَعَ بينَهما، فإن فاء فاء، وإن عزَم الطلاقَ عزَم (^٢).\nحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ الماجِشونُ، عن داودَ ابنِ الحصيِن، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يَقولُ: يُوقَفُ إذا مضَت الأربعةُ (^٣).\nوقال آخرون: ليس الإيلاءُ بشيءٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال. سأَلتُ ابنَ المسيَّبِ عن الإيلاءِ، فقال: ليس بشيءٍ (^٤).\nحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: حَدَّثَنِي جعفرُ بنُ بُرْقانَ، عن ميمونِ بنِ مِهرانَ، قال: سأَلتُ ابنَ عمرَ عن رجلٍ آلى مِن امرأتِه، فمضَت أربعةُ أشهرٍ فلم يَفِئْ إليها، فتلا هذه الآيةَ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾. الآية.\n_________\n(^١) في م: \"نكنها\"، وفي ت ٢: \"يكن\"، وفي ت ١، ت ٣: \"يكنها\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٣٣ من طريق فطر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٣٣ من طريق القاسم به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٨٨١)، وابن أبي شيبة ٥/ ١٣٣ من طريق عمرو به.","vol":"4","page":85},{"text":"حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، قال: أرسَلْتُ إلى عطاءٍ أسْأَلُه عن المُؤْلِى، فقال: لا عِلْمَ لي به. وقال آخرون مِن أهلِ هذه المقالةِ: بل معنى قولِه: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾: وإن امتنعوا مِن الفَيْئَةِ بعدَ استيقافِ الإمامِ إيَّاهم على الفَيْءِ أو الطلاقِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنِي أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: يُوقَفُ المُؤْلى عندَ انقضاءِ الأربعةِ، فإن فاء جعَلها امرأتَه، وإن لَمْ يَفِئْ جعَلها تطليقةً بائنةً.\nحَدَّثَنَا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: يُوقَفُ المُؤْلى عندَ انقضاءِ الأربعةِ، فإن لَمْ يَفِئْ، فهي تطليقةٌ بائنةٌ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وأشبهُ هذه الأقوالِ بما دلَّ عليه ظاهرُ كتابِ اللهِ تعالى ذكرُه، قولُ عمرَ بنِ الخطابِ وعثمانَ وعليٍّ ﵃ ومَن قال بقولِهم في الطلاقِ، أن قولَه: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. إنما معناه: فإن فاءوا بعدَ وَقْفِ الإمامِ إيَّاهم مِن بعدِ انقضاءِ الأشهرِ الأربعةِ، فرجَعوا إلى أداءِ حقِّ اللهِ عليهم لنسائِهم اللاتى آلَوا منهن فإن اللهَ غفورٌ رحيمٌ، وإن عزَموا الطلاقَ فطَلَّقُوهنَّ، فإن اللهَ سميعٌ لطلاقِهم إذا طلقَّوا، عليمٌ بما أتَوا إليهن.\nوإنما قلنا: ذلك أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذكرُه ذكَر حينَ قال: ﴿وَإِنْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٣٣، عن وكيع به.","vol":"4","page":86},{"text":"عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ - ﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. ومعلومٌ أن انقضاءَ الأشهرِ الأربعةِ غيرُ مسموعٍ، وإنما هو معلومٌ، فلو كان عَزْمُ الطلاقِ انقضاءَ الأشهرِ الأربعةِ، لَمْ تَكُنِ الآيةُ مختومةً بذكرِ اللهِ الخبرَ عن اللهِ تعالى ذكرُه أنه سميعٌ عليمٌ، كما أنه لَمْ يَخْتِمِ الآيةَ التي ذكَر فيها الفَيْءَ إلى طاعتِه - في مراجعةِ المُؤْلِى زوجتَه التي آلَى منها وأداءِ حقِّها إليها - بذكرِ الخبرِ عن أنه شديدُ العقابِ، إذ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعَ وعيدٍ على معصيةٍ، ولكنه ختَم ذلك بذكرِ الخبرِ عن وصفِه نفسَه، تعالى ذكرُه، بأنه غفورٌ رحيمٌ، إذ كان موضعَ وَعْدِ المنيبِ على إنابتِه إلى طاعتِه، فكذلك ختَم الآيةَ التي فيها ذِكْرُ القولِ والكلامِ بصفةِ نفسِه؛ بأنه للكلامِ سميعٌ وبالفعلِ عليمٌ، فقال تعالى ذكرُه: وإن عزَم المُؤْلُون على نسائِهم على طلاقِ من آلَوا منه مِن نسائِهم، فإن اللهَ سميعٌ لطلاقِهم إيَّاهن إن طلَّقُوهنَّ، عليمٌ بما أتَوا إليهنَّ مما يَحِلُّ لهم ويَحْرُمُ عليهم.\nوقد استَقْصَيْنَا البيانَ عن الدَّلالةِ على صحةِ هذا القولِ في كتابِنا \"كتابِ اللطيفِ مِن البيانِ عن أحكامِ شرائِعِ الدينِ\" فكرِهنا إعادتَه في هذا الموضعِ.\n\n<span id=\"aya-235\"></span><span data-type='title' id=toc-712>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه: والمطلقاتُ اللواتي طُلِّقْن بعدَ ابْتِناءِ أزواجِهن بهنَّ وإفضائِهم إليهن، إذا كُنَّ ذواتِ حيضٍ وطُهْرٍ، يَتَرَبَّصْنَ بأنفسِهن عن نكاحِ الأزواجِ ثلاثةَ قُرُوءٍ.\nواختلَف أهل التأويل في تأويلِ القُرْءِ الذي عَناه اللهُ بقولِه: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، فقال بعضُهم: هو الحَيْضُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي","vol":"4","page":87},{"text":"نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. قال: حِيَضٍ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أي: ثلاثَ حِيَضٍ، يَقُولُ: تَعْتَدُّ ثلاثَ حِيَضٍ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا همامٌ بن يحيى، قال: سمِعت قتادةَ نى قولِه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. يَقُولُ: جعَل عِدَّةَ المطلقاتِ ثلاثَ حِيَضٍ، ثم نُسِخَ منها المطلقةُ التي طُلِّقَت قبلَ أن يُدْخَلَ بها (^٣)، واللائي يَئِسنَ مِن المحيضِ، واللائي لم يَحِضْنَ، والحاملُ (^٤).\nحدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ، قال: القُروءُ (^٥) الحِيَضُ (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. قال: ثلاثَ حِيَضٍ (^٧).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٣٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٥ (٢١٨٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٥ عقب الأثر (٢١٨٩) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) بعده في م: \"زوجها\".\n(^٤) ذكره النحاس في ناسخه ص ٢١١ عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٧٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في ص: \"القرء\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٦١ من طريق جويبر به.\n(^٧) أخرجه البيهقي ٧/ ٤١٧، ٤١٨ من طريق حجاج به.","vol":"4","page":88},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابنُ جُرَيجٍ، قال: قال عمرُو بنُ دينارٍ: الأقْرَاءُ الحِيَضُ، عن أصحابِ النبيِّ ﷺ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن رجلٍ سمِع عكرمةَ، قال: الأقراءُ الحيَضُ، وليس بالطُّهْرِ، قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. ولم يَقُلْ: لقُروئِهنَّ (^٢).\nحدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. قال: ثلاثَ حِيَضٍ.\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾: أما ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فثلاثَ حِيَضٍ (^٣).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ، أنه رُفِع إلى عمرَ، فقال لعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: لتقولنَّ فيها. فقال: أنت أحقُّ أن تقولَ. قال: لتَقُولَنَّ. قال: أقُولُ: إن زوجَها أحقُّ بها ما لم تَغْتَسِلْ من الحَيْضَةِ الثالثةِ. قال: ذاك رَأْيِي وَافَقْتَ ما في نَفْسي. فقضَى بذلك عمرُ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٩٩٢) - ومن طريقه البيهقي ٧/ ٤١٨ - عن ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٧٤.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٩٩٣) عن معمر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٥ عقب الأثر (٢١٨٩) من طريق عمرو به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٩٨٨، ١٠٩٨٩)، والبيهقي ٧/ ٤١٧.","vol":"4","page":89},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن أبي معْشَرٍ، عن النخعيِّ، عن قتادةَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال لابنِ مسعودٍ. فذكَر نحوَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ يحيي، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن أبي معشرٍ، عن النخعيِّ، أن عمرَ بنَ الخطابِ وابنَ مسعودٍ قالا: زوجُها أحقُّ بها ما لم تَغْتَسِلْ. أو قالا: تَحِلَّ لها الصلاةُ.\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبةَ، قال: ثنا مَطَرٌ، أن الحسنَ حَدَّثهم؛ أن رجلًا طلَّق امرأتَه ووكَّل بذلك رجلًا مِن أهلِه، أو إنسانًا مِن أهلِه، فغفَل ذلك الذي وكَّله بذلك حتى دخَلت امرأتُه في الحيضَةِ الثالثةِ، وقرَّبت ماءَها لتَغْتَسِلَ، فانطَلَق الذي وكِّل بذلك إلى الزوجِ، فأقبَل الزوجُ وهي تُريدُ الغسلَ، فقال: يا فلانةُ. قالت: ما تشاءُ؟ قال: إني قدْ راجعتُك.\nقالت: واللهِ ما لكَ ذلك. قال: بلَى واللهِ. قال: فارتفعا إلى أبي موسى الأشعريِّ، فأخَذ يمينَها باللهِ الذي لا إلهَ إلا هو: إن كنتِ لقد اغتسلتِ حين ناداكِ؟ قالت: لا واللهِ ما كنتُ فعَلتُ، ولقد قرَّبتُ مائي لأغتسلَ. فردَّها على زوجِها، وقال: أنتَ أحقُّ ما لم تغتسِلْ من الحيضةِ الثالثةِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن مطرٍ، عن الحسنِ، عن أبي موسى الأشعريِّ بنحوِه.\nحدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٩٩٤، ١٠٩٩٦)، وسعيد بن منصور في سننه (١٢٢٠، ١٢٢٢) من طرق عن الحسن.","vol":"4","page":90},{"text":"قال: قال عُمرُ: هو أحقُّ بها ما لم تغتسِلْ من الحيضةِ الثالثةِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ، عن يونسَ بنِ جُبيرٍ، أن عُمرَ بنَ الخطابِ طلَّق امرأتَه، فأرادتْ أن تغتسِلَ من الحيضةِ الثالثةِ، فقال عمرُ بنُ الخطابِ: امرأتي وربِّ الكعبةِ. فراجَعها. قال ابنُ بشارٍ: فذكَرتُ هذا الحديثَ لعبدِ الرحمنِ بنِ مهديٍّ، فقال: سمِعتُ هذا الحديثَ من أبي هلالٍ، عن قتادةَ، وأبو هلالٍ لا يَحْتمِلُ هذا.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: كنا عندَ عمرَ بنِ الخطابِ، فجاءت امرأةٌ فقالت: إن زوجى طلَّقني واحدةً أو ثِنتيْن، فجاء وقد وضعتُ مائي، وأغلقتُ بابي، ونزَعتُ ثيابي. فقال عمرُ لعبدِ اللهِ: ما تَرَى؟ قال: أُراها امرأَتَه ما دونَ أن تَحِلَّ لها الصلاةُ. قال عمرُ: وأنا أرَى ذلك (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ أنه قال في رجلٍ طلَّقَ امرأتَه، ثم ترَكها حتى دخَلتْ في الحيضةِ الثالثةِ، فأرادت أن تغتسلَ، ووضَعتْ ماءَها لِتغتسِلَ، فراجَعها، فأجازَه عمرُ وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي ٧/ ٤١٧ من طريق يونس، عن الحسن، عن عمر وعبد الله وأبي موسى.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٩٨٨) - ومن طريقه البيهقي ٧/ ٤١٧ - وسعيد بن منصور في سننه (١٢١٨)، والطحاوي في شرح المعاني ٣/ ٦٢ من طريق سفيان به، ولم يذكر عبد الرزاق علقمة، وأخرجه عبد الرزاق أيضا (١٠٩٨٩) من طريق حماد، عن إبراهيم نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٧٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٩٢، ١٩٣ عن غندر به مختصرًا.","vol":"4","page":91},{"text":"إبراهيمَ، عن الأسودِ بمثلِه، إلا أنه قال: ووَضعتِ الماءَ للغُسلِ، فراجعَها، فسُئل (^١) عبدُ اللهِ وعمرُ، فقالا (^٢): هو أحقُّ بها ما لم تغتسِلْ.\nحدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قالا: كان عمرُ وعبدُ اللهِ يقولان: إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه تطليقةً يَمْلِكُ الرجعةَ، فهو أحقُّ بها ما لم تغتسلْ مِن حيضتِها الثالثةِ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا المُغيرةُ، عن إبراهيمَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ كان يقولُ: إذا طلّقَ الرجلُ امرأتَه تطليقةً أو تطليقتيْنِ، فهو أحقُّ برجعتِها وبينهما الميراثُ، ما لم تغتسلْ من الحيضةِ الثالثةِ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّة، عن أيوبَ، عن الحسنِ، أن رجلًا طلَّق امرأتَه تطليقةً أو تطليقتيْنِ ثم وكَّلَ بها بعضَ أهلِه، فغفَل الإنسانُ حتى دخَلت مُغتَسلَها، وقرَّبت غُسلَها، فأتاهُ فآذَنه، فجاء فقال: إني قد راجعتُكِ. قالت: كلَّا واللهِ. قال: بلَى واللهِ. قالت: كلَّا واللهِ. قال: بلَى واللهِ. قال: فتحالَفا، فارتفَعا إلى الأشعريِّ، واستحلفَها باللهِ: لقد كنتِ اغتسلتِ وحلَّت لك الصلاةُ؟ فأبَتْ أن تحلِفَ، فردَّها عليه (^٥).\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: ثنا سعيدٌ،\n_________\n(^١) في ص، م: \"فسأل\".\n(^٢) في م: \"فقال\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٢٣٠) عن أبي معاوية به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٩٢ من طريق الأعمش به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصورفى سننه (١٢١٦) عن هشيم به.\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ٩٠.","vol":"4","page":92},{"text":"عن أبي معشرٍ، عن النَّخَعيِّ، أن عمرَ استشارَ ابنَ مسعودٍ في الذي طلّقَ امرأتَه تطليقةً أو ثِنتيْنِ، فحاضت الحيضةَ الثالثةَ، فقال ابنُ مسعودٍ: أُراهُ أحقَّ بها ما لم تغتسلْ. فقال عمرُ: وافقتَ الذي في نفسِي. فردَّها على زوجِها.\nحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا النعمانُ بنُ راشدٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أن عليًّا كان يقولُ: هو أحقُّ بها ما لم تغتسِلْ من الحيضةِ الثالثةِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ: إذا انقطَعَ الدمُ فلا رجعةَ (^٢).\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: إذا طلّقَ الرجلُ امرأتَه وهي طاهرٌ اعتدَّت ثلاثَ حِيَضٍ سوى الحيضةِ التي طَهُرَتْ منها.\nحدَّثني محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن مطرٍ، عن عمرِو بنِ شُعيبٍ، أن عمرَ سأل أبا موسى عنها، وكان بلَغه قضاؤُه فيها، فقال أبو موسى: قضيتُ أنّ زوجَها أحقُّ بها ما لم تغتسِلْ. فقال عمرُ: لو قضيتَ غيرَ هذا لأوجعتُ لكَ رأسَكَ.\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٢١٩)، وابن أبي شيبة ٥/ ١٩٣، والبيهقي ٧/ ٤١٧ من طريق ابن عيينة، عن الزهري، به.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٢٢٤) عن سفيان به.","vol":"4","page":93},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أن عليَّ بنَ أبي طالبٍ قال في الرجلٍ يتزوَّجُ المرأةَ فيطلِّقُها تطليقةً أو ثِنتيْن، قال: لِزوجِها الرجعةُ عليها حتى تغتسِلَ من الحيضةِ الثالثةِ وتحِلَّ لها الصلاةُ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن زيدِ بنِ رفيعٍ، عن أَبِي عُبيدةَ بنِ (^٢) عبدِ اللهِ، قال: أرسَل عثمانُ إلى أبي يسألُه عنها، فقال أبي: وكيف يُفتِي منافقٌ؟ فقال عثمانُ: أُعِيذُكَ باللهِ أن تكونَ منافقًا، ونعوذُ باللهِ أن نُسمِّيَك مُنافقًا، ونُعيذُكَ باللهِ أن يكونَ مثلُ هذا كان في الإسلام ثم تموتَ ولم تُبيِّنْه. قال: فإني أرى أنه أحقُّ بها حتى تغتسِلَ من الحيضةِ الثالثةِ وتَحِلَّ لها الصلاةُ. قال: فلا أعلمُ عثمانَ إلا أخذَ بذلك (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ - قاق: وأخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ - قالا: راجَع رجلٌ امرأتَه حين وضَعتْ ثيابَها تريدُ الاغتسالَ، فقال: [١/ ٢٧٧ و] قد راجعتُكِ. فقالت: كلَّا. فاغتسَلتْ، ثم خاصَمها إلى الأشعريِّ، فردَّها عليه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن زيدِ ابنِ رفيعٍ، عن مَعبدٍ الجُهنيِّ، قال: إذا غسَلتِ المطلقةُ فرجَها مِن الحيضةِ الثالثةِ بانَتْ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٩٨٣) عن معمر به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"عن\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٩٨٧)، ومن طريقه البيهقي ٧/ ٤١٧ عن معمر به.","vol":"4","page":94},{"text":"منه وحلَّت للأزواجِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، و(^٢) عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، أن عمرَ بنَ الخطاب قال: يَحِلُّ لزوجِها الرجعةُ عليها حتى تغتسِلَ من الحيضةِ الثالثةِ ويَحِلَّ لها الصومُ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المُثَنَّى، قالا: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، قال: قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁: هو أحقُّ بها ما لم تغتسِلْ من الحيضةِ الثالثةِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، عن سعيدٍ، عن دُرُسْتَ (^٤)، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن عليٍّ مثلَه، وقال آخرون: بل القُرءُ الذي أمَر اللهُ تعالى ذكرُه المطلقاتِ أن يعتدِدْنَ به، الطهرُ.\nذِكر من قال ذلك\nحدثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن عَمرةَ، عن عائشةَ، قالت: الأقراءُ الأطهارُ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٠٠٧) عن معمر به.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٩٨٥، ١٠٩٨٦) عن معمر به.\n(^٤) في م، ت ١: \"درسب\"، وفي ص غير منقوطة، وينظر التاريخ الكبير ٣/ ٢٥٢.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٢٣١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٤ (٢١٨٧) من طريق سفيان به.","vol":"4","page":95},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ أنها كانت تقولُ: الأقراءُ الأطهارُ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عَمرةَ [وعروةَ] (^٢)، عن عائشةَ، قالت: إذا دخَلت المطلقةُ في الحيضةِ الثالثةِ فقد بانتْ من زوجِها وحلَّت للأزواجِ. قال الزهريُّ: قالت عَمرةُ: كانت عائشةُ تقول: القرءُ الطهرُ، وليس بالحيضةِ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ مثلَ قولِ زيدٍ وعائشةَ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، مثلَ قولِ زيدٍ (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ وسليمانَ بنِ يسارٍ، أن زيدَ بنَ ثابتٍ قال: إذا دخَلت\n_________\n(^١) ذكره النحاس في ناسخه ص ٢١٢، ٢١٣ عن عبد الله بن عمر العمري به.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢.\n(^٣) أخرجه مالك ٢/ ٥٧٦، ٥٧٧، ومن طريقه أخرجه الطحاوي في شرح المعاني ٣/ ٦١، والبيهقي ٧/ ٤١٥.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٠٠٥) عن معمر به، وأخرجه مالك ٢/ ٥٧٧ - ومن طريقه الطحاوي في شرح المعاني ٣/ ٦١ - عن الزهري به.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٠٠٤) - ومن طريقه البيهقي ٧/ ٤١٨ به - عن معمر به.","vol":"4","page":96},{"text":"المطلقةُ في الحيضةِ الثالثةِ فقد بانَت من زوجِها وحلَّت للأزواجِ. قال مَعمرٌ: وكان الزهريُّ يُفتِي بقولِ زيدٍ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: بلغني أن عائشةَ قالت: إنما الأقراءُ الأطهارُ.\nحدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيّب، عن زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: إذا دخَلتْ في الحيضةِ الثالثةِ فلا رجعةَ له علَيها.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ وعبدُ الأعلَى، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن ابنِ المسيَّبِ في رجلٍ طلَّقَ امرأتَه واحدَةً أو ثنتيْنِ، قال: قال زيدُ بنُ ثابتٍ: إذا دخَلتْ في الحيضةِ الثالثةِ فلا رجعةَ له عليها. وزادَ ابنُ أبي عدِىٍّ، قال: قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ: هو أحقُّ بها ما لم تغتسلْ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن ابنِ المسيَّبِ، عن زيدٍ وعليٍّ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الزِّنادِ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: إذا دخَلتْ في الحيضةِ الثالثةِ فلا ميراثَ لها (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٠٠٣) عن معمر به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٠٠٨)، وابن أبي شيبة ٥/ ١٩٢ عن سفيان به، ووقع عند عبد الرزاق يحيى بن سعيد بين سفيان وأبي الزناد.","vol":"4","page":97},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليّةَ، وحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ - قالا جميعًا: ثنا أيوبُ، عن نافعٍ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، أن الأحوصَ - رجلٌ من أشرافِ أهلِ الشامِ - طلّقَ امرأَتَه تطليقةً أو ثِنتيْن، فماتَ وهي في الحيضةِ الثالثةِ، فرُفِعتْ إلى معاويةَ، فلم يُوجَدْ عندَه فيها عِلْمٌ، فسألَ عنها فَضالةَ ابنَ عُبيدٍ ومَن هناك من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، فلم يُوجدْ عندهم فيها عِلْمٌ، فبعَث معاويةُ راكبًا إلى زيدِ بنِ ثابتٍ، فقال: لا ترِثُه، ولو ماتتْ لم يرِثْها. فكان ابنُ عمرَ يَرَى ذلك (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن أيوبَ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، أنّ رجلًا يقالُ له: الأحوصُ - من أهلِ الشامِ - طلَّق امرأتَه تطليقةً، فماتَ وقد دخَلتْ في الحيضةِ الثالثةِ، فرُفِعَ إلى معاويةَ، فلم يدرِ ما يقولُ، فكتَب فيها إلى زيدِ بنِ ثابتٍ، فكتب إليه زيدٌ: إذا دخَلتِ المطلقةُ في الحيضةِ الثالثةِ فلا ميراثَ بينهما (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، أن رجلًا يقالُ له: الأحوصُ. فذكَر نحوَه عن معاويةَ وزيدٍ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، قال: قال ابنُ عمرَ: إذا دخَلتْ في الحيضةِ الثالثةِ فلا رجعةَ له عليها (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مالك ٢/ ٥٧٧ - ومن طريقه الشافعي في الأم ٥/ ٢٠٩، والبيهقي ٧/ ٤١٥ - من طريق نافع وزيد بن أسلم به، وأخرجه النحاس في ناسخه ص ٢١٤ من طريق نافع به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٠٠٦) عن معمر به.\n(^٣) أخرجه البيهقي ٧/ ٤١٥ من طريق سعيد به، وأخرجه مالك في موطئه ٢/ ٥٧٨ - ومن طريقه النحاس في ناسخه ص ٢١٣، والبيهقي ٧/ ٤١٥ - من طريق نافع به.","vol":"4","page":98},{"text":"حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أنه قال في المطلَّقةِ: إذا دخَلتْ في الحيضةِ الثالثةِ فقد بانَتْ.\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى عمرُ بنُ محمدٍ، أن نافعًا أخبَرَه، عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ (^١) وزيدِ بنِ ثابتٍ أنهما كانا يقولان: إذا دخَلتِ المرأةُ في الدّمِ من الحيضةِ الثالثةِ، فإنها لا ترِثُه ولا يرِثُها، وقد بَرِئتْ منه وبرِئَ منها (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: بلَغنِي عن زيدِ بنِ ثابتٍ قال: إذا طُلّقتِ المرأةُ فدخَلتْ في الحيضةِ الثالثةِ، إنه ليس يينَهما ميراثٌ ولا رجعةٌ.\nحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: سمِعتُ سالمَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ مثلَ قولِ زيدِ بنِ ثابتٍ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: وسمِعتُ يحيى يقولُ: بلَغنى عن أبانِ بنِ عثمانَ أنه كان يقولُ بذلك (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثنَّى (^٤)، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ، عن زيدِ ابنِ ثابتٍ مثلَ ذلك.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثنَّى، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ ربِّه\n_________\n(^١) في ص: \"عمرو\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٩٢ من طريق نافع به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٩٢ عن عبد الوهاب الثقفي به. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٢٢٩) من طريق يحيى بن سعيد عن سالم - وحده.\n(^٤) في م: \"بشار\"، ومحمد بن المُثَنَّى ومحمد بن بشار كلاهما يروى عن عبد الوهاب الثقفي. ينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٥٠٣.","vol":"4","page":99},{"text":"ابنِ سعيدٍ، عن نافعٍ، أن معاويةَ بعَث إلى زيدِ بنِ ثابتٍ، فكتَب إليه زيدٌ: إذا دخَلتْ في الحيضةِ الثالثةِ فقد بانَتْ. وكان ابن عُمرَ يقولُه (^١).\nحدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سليمانَ وزيدِ بنِ ثابتٍ أنهما قالَا: إذا حاضَتِ الحيضةَ الثالثةَ فلا رجعةَ ولا ميراثَ.\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا هشامُ بنُ حسانَ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، عن بُكيرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأشجِّ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: إذا طلَّقَ الرجلُ امرأتَه، فرأت الدمَ في الحيضةِ الثالثةِ، فقد انقضَت عِدَّتُها.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن موسى بنِ شدادٍ، عن عُمرَ ابنِ ثابتٍ الأنصارىِّ، قال: كان زيدُ بنُ ثابتٍ يقولُ: إذا حاضَتِ المطلقةُ الثالثةَ قبلَ أن يراجِعَها زوجُها فلا يملِكُ رجعتَها (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، عن [سعيدٍ، عن دُرُسْتَ (^٣)، عن الزهريِّ، عن] (^٤) سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أن عائشةَ وزيدَ بنَ ثابتٍ قالا: إذا دخَلتْ في الحيضةِ الثالثةِ فلا رجعةَ له عليها.\nقال أبو جعفرٍ: [والقُروءُ في كلامِ العربِ جمعُ قُرءٍ] (^٥)، وقد تجمَعُه العربُ أَقْراءً، يقالُ - في \"أفعَلَ\" منه -: أقرَأتِ المرأةُ. إذا صارتْ ذاتَ حيضٍ وطهرٍ، فهي تُقْرِئُ\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٦١ من طريق وهب به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٩١، ١٩٢ عن جرير به.\n(^٣) في م: \"درسب\". وتقدم في ص ٩٥.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٥) في م: \"والقرء في كلام العرب جمعه قروء\".","vol":"4","page":100},{"text":"إقراءً. وأصلُ القَرءِ في كلامِ العربِ الوقتُ لمجئِ الشيْءِ المعتادِ مجيئُه لوقتٍ معلومٍ، ولإدبارِ الشيْءِ المعتادِ إدبارُه لوقتٍ معلومٍ، ولذلك قالت العربُ: أقرَأتْ حاجةُ فلانٍ عندي. بمعنى: دنا قضاؤها، وجاءَ وقتُ قضائِها. وأقرَأَ النجمُ، إذا جاء وقتُ أُفُولِه. وأقرَأ، إذا جاء وقتُ طلوعِه، كما قال الشاعرُ:\nإذَا ما الثُّرَيَّا وقَدْ أَقْرَأتْ … أحَسَّ السِّما كانِ مِنها أُفُولَا\nوقيل: أقرأتِ الريحُ. إذا هبَّتْ لوقتِها، كما قال الهذليُّ (^١):\nشَنِئْتُ العَقْرَ عَقْرَ بنى شُلَيْلٍ … إذَا هَبَّتْ لِقارِئها الرِّيَاحُ (^٢)\nبمعنى: هبَّت لوقتِها وحينَ هُبوبها.\nولذلك سَمَّى بعضُ العربِ وقتَ مَجِيءِ الحيضِ قُرءًا، إذ كان دمًا يُعتادُ ظُهورُه من فرجِ المرأةِ في وقتٍ، وكُمُونُه في آخرَ، فسمِّى وقتُ مَجيئِه قُرءًا، كما سَمَّى الذين سَمَّوا وقتَ مَجِيءِ الريحِ لوقْتِها قُرءًا. ولذلك قال ﷺ لفاطمةَ بنتِ أبي حُبيشٍ: \"دَعِى الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِكِ\" (^٣). بمعنى: دعِى الصلاةَ أيامَ إقبالِ دَمِ (^٤) حيضِكِ.\nوسَمَّى آخرون من العربِ وقتَ مَجِيءِ الطُّهرِ قُرءًا، إذْ كان وقتُ مجيئِه وقتًا لإدبارِ الدمِ دمِ الحيضِ، وإقبالِ الطُّهْرِ المعتادِ مجيئُه لوقتٍ معلومٍ، فقال في ذلك الأعشَى ميمونُ بنُ قيسٍ (^٥):\n_________\n(^١) هو مالك بن الحارث الهذلي، والبيت في ديوان الهذليين ٣/ ٨٣. وينسبه الجمحي وأبو عبد الله إلى تأبط شرا الفهمى، يجيب به مالكا بن الحارث، ينظر شرح أشعار الهذليين ١/ ٢٣٩.\n(^٢) العقر: القصر، أو هو مكان، شليل: من بجيلة، وهو جد جرير بن عبد الله البجلي. شرح أشعار الهذليين.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢٨٠)، والنسائي (٢١١)، وابن ماجه (٦٢٠) ولفظه: \"إذا أتى قرؤك فلا تصلى\". وينظر تلخيص الحبير ١/ ١٧٠.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) ديوانه ص ٩١.","vol":"4","page":101},{"text":"وفي كُلِّ عامٍ أنْتَ جاشمُ غَزْوَةٍ … تَشُدُّ لأقصَاها عَزِيمَ عَزائِكَا\nمُوَرِّثةٍ مالًا وفي الذِّكْرِ رِفعَةً … لِماَ ضاعَ فيها مِنْ قُرُوءِ نِسائكَا\nفجعَل القُرءَ وقتَ الطُّهرِ.\nولِمَا وصَفنا من معنى القرءِ أشكَل تأويلُ قولِ اللهِ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ على أهلِ التأويلِ؛ فرأَى بعضُهم أن الذي أُمِرتْ به المرأةُ المطلقةُ ذاتُ الأقراءِ من الأقراءِ، أقراءُ الحيضِ - وذلك وقت مجيئِه لعادتِه التي تجيءُ فيه - فأَوْجَب عليها تربُّصَ ثلاثِ حِيَضٍ بنفسِها عن خِطبةِ الأزواجِ.\nورأى آخرون أن الذي أُمِرتْ به من ذلك إنما هو أقراءُ الطُّهرِ - وذلك وقت مجيئِه لعادتِه التي تجيءُ فيه - فأوجَب عليها تربُّصَ ثلاثةِ أطهارٍ.\nفإذ كان معنى القرءِ ما وصَفْنا لِماَ بيَّنا، وكان اللهُ تعالى ذكرُه قد أمَر المريدَ طلاقَ امرأتِه ألا يُطَلِّقَها إلا طاهرًا غيرَ مُجامَعةٍ، وحرّمَ عليه طلاقَها حَائضًا، وكان اللازمُ المطلقةَ المدخولَ بها - إذا كانت ذاتَ أقراءٍ - تَرَبُّصَ أوقاتٍ محدودةِ المبلغِ بنفسِها عَقيبَ طلاقِ زَوجِها إيّاها؛ أن تنظُرَ إلى ثلاثةِ قروءٍ بين طهرىْ كلِّ قُرءٍ منهنَّ قُرءٌ (^١)، وهو خلافُ ما احتَسبتْه لنفسِها قروءًا تتَرَبَّصُهُنَّ (^٢)، فإذا انقضَينَ، فقد حلَّت للأزواجِ، وانقضَتْ عِدّتُها، وذلك أنها إذا فَعَلتْ ذلك، فقد دخَلتْ في عِدادِ مَنْ تَربَّصُ ين المطلقاتِ بنفسها ثلاثةَ قروءٍ بين طُهرىْ كلِّ قرءٍ (^٣)\n_________\n(^١) في ص: (قروء).\n(^٢) في النسخ: \"فتربصهن\". وينظر تعليق الشيخ شاكر على هذا الموضع.\n(^٣) في ت ٢: \"قروء\".","vol":"4","page":102},{"text":"منهنَّ قرءٌ له مخالفٌ، وإذا فعَلتْ ذلك كانت مؤديةً ما ألزَمها ربُّها تعالى ذكرُه بظاهرِ تنزيلِه.\nفقد تبين إذن - إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنَا - أنّ القرءَ الثالثَ من أقرائها - على ما بينَّا - الطهرُ الثالثُ، وأن بانقضائه ومجيءِ قرءِ الحيضِ الذي يتلوه، انقضاءُ عدَّتِها.\nفإن ظنّ ذو [غباءٍ - أنّا] (^١) إذ كنا قد نُسمِّى وقتَ مجيءِ الطهرِ قرءًا، ووقتَ مَجِيءِ الحيضِ قرءًا - أنه يلْزَمُنا أن نَجعَلَ عدةَ المرأةِ مُنقضيةً بانقضاءِ الطُّهرِ الثاني، إذْ كان الطهرُ الذي طلَّقها فيه، والحيضةُ التي بعدَه، والطهرُ الذي يتلوها أقراءً كلَّها، فقد ظَنَّ جَهْلًا، وذلك أن الحكمَ عندنا في كلِّ ما أنزَله اللهُ في كتابِه على ما احتمَلَه ظاهرُ التنزيلِ، ما لم يُبيِّنِ اللهُ تعالَى ذكرُه لعبادِه أنّ مرادَه منه الخصوصُ؛ إمّا بتنزيلٍ في كتابِه، أو علَى لسانِ رسولِه ﷺ، فإذا خصَّ منه البعضَ، كان الذي خَصَّ من ذلك غيرَ داخلٍ في الجملةِ التي أوجَب الحكمَ بها، و(^٢) كان سائرُها على عمومِها، كما (^٣) قد بيَّنا في كتابِنا \"كتابِ لطيفِ القولِ من البيانِ عن أصولِ الأحكامِ\" وغيرِه من كُتبِنا.\nفالأقراءُ التي هي أقراءُ الحيضِ بينَ طُهرىْ أقراءِ الطهرِ غيرُ مُحتسَبةٍ من أقراءِ المتربِّصةِ بنفسِها بعدَ الطلاقِ؛ لإجماعِ الجميعِ من أهلِ الإسلامِ أن الأقراءَ التي أوجبَ اللهُ عليها تربُّصَهنَّ ثلاثةُ قروءٍ، بينَ كلِّ قرءٍ منهنّ أوقاتٌ مخالفاتُ المعنَى لأقرائِها التي تَربَّصُهُنَّ، وإذْ كنَّ مستحقّاتٍ عندنا اسمَ أقراءٍ، فإن ذلك من إجماعِ\n_________\n(^١) في م: \"غباوة\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"وإن\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"ما\".","vol":"4","page":103},{"text":"الجميعِ لم يُجِزْ لها التربُّصَ إلّا على ما وصَفْنا قبلُ.\nوفي هذه الآيةِ دليلٌ واضحٌ على خطأَ قولِ مَن قال: إن امرأةَ المُؤلِى التي آلَى مِنها تحِلُّ للأزواجِ بانقضاءِ الأشهرِ الأربعةِ إذا كانت قد حاضتْ ثلاثَ حِيَضٍ في الأشهرِ الأربعةِ؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه إنما أوجَب عليها العدةَ بعدَ عزْمِ المُؤلِى على طلاقِها، وإيقاعِ الطلاقِ بها بقولِه: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. فأوجَب تعالى ذكرُه على المرأةِ إذا صارتْ مُطلّقةً تربُّصَ ثلاثةِ قروءٍ، فمعلومٌ أنها لم تكُن مُطلَّقةً يومَ آلَى مِنها زوجُها؛ لإجماعِ الجميعِ على أن الإيلاءَ ليس بطلاقٍ مُوجِبٍ على المُؤْلِى منها العدَّةَ. وإذْ (^١) كان ذلك كذلك، فالعدةُ إنما تلزَمُها بعدَ الطلاقِ، والطلاقُ إنما يلحَقُها بما قد بيَّنَّاه قبلُ.\nوأمّا معنى قولِه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ فإنه: والمخلَّيَاتُ السبيلِ غير ممنوعاتٍ بأزواجٍ ولا مخطوباتٍ (^٢).\nوقولُ القائلِ: فلانةُ مطلقةٌ. إنما هو \"مُفَعَّلة\"، من قولِ القائلِ: طلَّق الرجلُ زوجتَه فهي مُطلّقةٌ. وأما قولُهم: هي طالقٌ. فمن قولِهم: طلَّقها زوجُها فطَلُقَتْ هي، وهي تَطلُقُ طَلاقًا، وهي طالِقٌ.\nوقد حُكِىَ عن بعضِ أحياءِ العربِ أنها تقولُ: طَلَقَت المرأةُ. وإنما قيلَ ذلك لها إذا خَلَّاها زوجُها، كما يقالُ للنعجةِ المهملةِ بغيرِ راعٍ ولا كالئٍ إذا خرَجتْ وحدَها من أهلِها للرعْىِ مُخلَّاةً سبيلُها: هي طالقٌ. فَمُثِّلَتِ المرأةُ المخلَّاةُ سبيلُها بها، وسُمِّيت بما سُمِّيتْ به النعجةُ التي وصَفْنا أمرَها. وأما قولُهم: طُلِقَت المرأةُ. فمعنًى\n_________\n(^١) في ص: \"إذا\".\n(^٢) في ص: \"محفوظات\"، وبعدها بياض يسع كلمة.","vol":"4","page":104},{"text":"غيرُ هذا، إنما يقالُ في هذا إذا نُفِسَتْ، هذا من الطَّلْقِ (^١)، والأولُ من الطَّلاقِ، وقد بيَّنا أن التربُّصَ إنما هو التوقُّفُ عن النكاحِ، وحبْسُ النَّفسِ عنه، في غيرِ هذا الموضعِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-713>القولُ في تأويلِ قولِه عزّ ذكرُه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: ولا يَحِلُّ لهنَّ - يعني للمطلقاتِ - أن يَكتُمْنَ ما خلَق اللهُ في أرحامِهن من الحيضِ إذا طُلِّقْنَ؛ حَرَّمَ عَليهنَّ أنْ يَكْتُمنَ أزواجَهنَّ الذين طلَّقوهُنَّ في الطلاقِ الذي لهنَّ عليهم فيه رجعةٌ؛ يبتغينَ بذلك إبطالَ حقوقِهم من الرجعةِ عليهنَّ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، عن يونسَ، عن ابنِ شهابٍ، قال: قال اللهُ تعالى ذِكره: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. قال: بلَغَنا أن ما خُلِقَ في أرحامِهنَّ الحملُ، وبلَغَنا أنه الحيضةُ، فلا يحِلُّ لهنَّ أن يَكتُمنَ ذلك لتنقضىَ العدةُ ولا يملِكَ الرجعةَ إذا كانت له (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾. قال:\n_________\n(^١) الطلق: وجع الولادة. اللسان (ط ل ق).\n(^٢) تقدم في ص ٤٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٧٦ إلى المصنف.","vol":"4","page":105},{"text":"الحَيْضُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ قال: أكثرُ (^١) ذلكَ الحَيْضُ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ مُطرِّفًا، عن الحكمِ، قال: قال إبراهيمُ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾. قال: الحَيْضُ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: ثنا خالدٌ الحذاءُ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾. قال: الحَيْضُ. ثم قال خالدٌ: الدَّمُ (^٤).\nوقال آخرون: هو الحَيْضُ، غيرَ أن الذي حرَّم اللهُ تعالَى ذِكرُه عليها كتمانَه فيما خلَق في رحمِها من ذلك هو أن تقولَ لزوجِها المطلِّقِ وقد أراد رجْعتَها قبلَ الحيضةِ الثالثةِ: قدْ حِضتُ (^٥) الحيضةَ الثالثةَ. كاذبةً؛ ليَبْطُلَ (^٦) حقُّه بِقِيلِها الباطلِ في ذلك.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"إذ أكثر\" أو تقرأ \"إذا كثر\".\n(^٢) ينظر تخريجه في الصفحة التالية.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٣٤ عن ابن إدريس به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٣٣، ٢٣٤ عن ابن علية به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٦ (٢١٩٢) من طريق خالد به.\n(^٥) بعده في ص: \"في\".\n(^٦) في م: \"لتبطل\".","vol":"4","page":106},{"text":"ذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عُبيدةَ بنِ مُعَتِّبٍ (^١)، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾. قال: الحَيْضُ، المرأةُ تعتدُّ قُرءَيْنِ، ثم يريدُ زوجُها أن يراجعَها، فتقولُ: قد حِضتُ الثالثةَ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾. قال: أكثَرُ ما عنى به الحَيْضُ (^٢).\nوقال آخرون: بل المعنى الذي نُهِيتْ عن كتمانِه زوجَها المطلِّقَ الحَبَلُ والحَيْضُ جميعًا.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا حُميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا الأشعثُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾: الحَيْضُ (^٣) والحملُ؛ لا يَحِلُّ لها إن كانت حائضًا أن تكتُمَ حيضَها، ولا يَحِلُّ لها إن كانتْ حاملًا أن تكتُمَ حملَها (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ مُطرّفًا، عن الحكَمِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾. قال: الحمْلُ والحَيْضُ (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"مغيث\"، وغير منقوطة في ص، وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٢٧٣.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور ١/ ٢٧٦، ومن طريقه البيهقي ٧/ ٤٢٠ - عن جرير به، وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في م: \"من الحيض\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٥ (٢١٩١) من طريق يزيد به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٣٤ عن ابن إدريس به.","vol":"4","page":107},{"text":"قال أبو (^١) كُريبٍ: قال ابنُ إدريسَ: هذا أولُ حديثٍ سمِعتُه من مُطرِّفٍ.\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن مُطرفٍ، عن الحكَمِ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: الحبَلُ.\nحدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى الفَزارِيُّ، قال: حدثنا أبو إسحاقَ الفَزارِيُّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾. قال: من الحيضِ والولدِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني مسلمُ بنُ خالدٍ الزَّنْجِيُّ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾. قال: من الحيضِ والولدِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾. قال: لا يحلُّ للمطلقةِ أن تقولَ: إني حائضٌ. وليست بحائضٍ، ولا تقولَ: إني حُبْلَى. وليستْ بحبلَى، ولا تقولَ: لستُ بحبلَى. وهي حُبْلَى (^٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن الحجاجِ،\n_________\n(^١) في م: \"ابن\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٣٦، ومن طريقه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٣٤، والبيهقي ٧/ ٣٧٢، وأخرجه الشافعي في الأم ٥/ ٢١٣، وعبد الرزاق في مصنفه (١١٠٥٩) من طريق ابن جريج، عن مجاهد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٧٦ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.","vol":"4","page":108},{"text":"عن مجاهدٍ، قال: الحَيْضُ والحبَلُ. قال: تفسيرُه: ألا تقولَ: إني حائضٌ. وليستْ بحائضٍ، ولا: لستُ بحائضٍ. وهي حائضٌ، ولا: إني حُبْلَى. وليست بحُبلَى، ولا: لستُ بحُبلَى. وهي حُبْلَى (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن الحجاجِ، عن القاسِم بنِ نافعٍ، عن مجاهدٍ نحوَ هذا التفسيرِ في هذه الآيةِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، وزاد فيه: قال: وذلك كلُّه في بُغضِ المرأةِ زوجَها وحُبِّه (^٢).\nحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾. قال (^٣): لا يحِلُّ لهن أن يَكْتُمْنَ ما خلَق اللهُ في أرحامِهنَّ من الحيضِ والحبَلِ، لا يَحِلُّ لها أن تقولَ: إني قد حضْتُ. ولم تَحِضْ، ولا يحلُّ لها أن تقولَ: إني لم أَحِضْ. وقد حاضَتْ، ولا يحلُّ لها أن تقولَ: إني حُبلى. وليست بحُبْلَى، ولا أن تقولَ: لستُ بحُبْلَى. وهي حُبْلَى (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية. قال: لا يَكْتُمْنَ الحَيْضَ ولا الولدَ، ولا يَحِلُّ لها أنْ تكْتُمَه وهو لا يعلَمُ متى تحِلُّ، لئلَّا يَرْتجِعَها؛ تُضارُّهُ (^٥).\nحدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٣٤ من طريق الحجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد به.\n(^٢) أخرجه البيهقي ٧/ ٤٢٠ من طريق جرير به.\n(^٣) في م: \"يقول\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٦ عقب الأثر (٢١٩١) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.\n(^٥) في م: \"مضارة\". وينظر المحرر الوجيز ٢/ ٩٦، والبحر المحيط ٢/ ١٨٧.","vol":"4","page":109},{"text":"في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾: يعني الولدَ. قال: الحَيْضُ والولدُ هو الذي ائتُمِنَ عليه النساءُ (^١).\nوقال آخرون: بل عنَى بذلك الحبَلَ. ثم اختلَفَ قائلو ذلك في السببِ الذي من أجلِه نُهيَتْ عن كتمانِ ذلك الرجلَ؛ فقال بعضُهم: نُهيت عن ذلك لئلَّا يَبْطُلَ حقُّ الزوجِ من الرجعةِ إن (^٢) أرادَ رجْعَتَها قبلَ وضعِها حملَها.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن قَبَاثِ بنِ رَزِينٍ، عن عُليِّ بنِ رباحٍ أنه حدَّثه أن عُمرَ بنَ الخطابِ قال لرجلٍ: اتْلُ هذه الآيةَ.\nفتلَا، فقال: إنّ فلانةَ ممَّن يَكْتُمْنَ ما خلَق اللهُ في أرحامِهن. وكانت طُلِّقتْ وهي حُبْلَى، فكتَمتْ حتى وضَعتْ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه تطليقةً أو تطليقتَيْنِ وهي حاملٌ، فهو (^٤) أحقُّ برجْعتِها ما لم تَضَعْ حملَها، وهو قولُه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٣٤ من طريق جويبر به.\n(^٢) في م: \"إذا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٥ (٢١٩٠) من طريق قباث به.\n(^٤) في ص: \"فهي\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٦ (٢١٩٥)، والبيهقي ٧/ ٣٦٧، من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"4","page":110},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن يحيى بنِ بشرٍ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ: الطلاقُ مرَّتان بينهما رجعةٌ، فإن بدا له أن يطلِّقَها بعدَ هاتين فهي ثالثةٌ، وإن طلَّقها ثلاثًا فقد حَرُمتْ عليه حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه، إنما اللّاتي ذُكرنَ في القرآنِ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ هي التي طُلِّقتْ واحدةً أو ثِنتيْنِ، ثم كتَمتْ حملَها لكيْ تَنْجُوَ من زَوجِها، فأمّا إذا أبَتَّ الثلاثَ التطليقاتِ فلا رجعةَ له عليها حتى تنكِحَ زوجًا غيرَه (^١).\nوقال آخرون: السببُ الذي من أجلِه نُهينَ عن كتمانِ ذلك أنهنَّ في الجاهليةِ كُنَّ يَكْتُمْنَه أزواجَهنَّ خوفَ مُراجَعتِهم (^٢) إياهُنَّ حتى يتزوَّجْنَ غيرَهم، [فيُلْحِقْنَ نسبَ] (^٣) الحملِ - الذي هو من الزوجِ المطلِّقِ - بمَن تزوَّجْنَه، فحرَّم اللهُ ذلك عليهن.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا سويدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾. قال: كانت المرأةُ إذا طُلِّقت كتَمتْ ما في بطنِها وحملَها؛ لتذهبَ بالولدِ إلى غيرِ أبيه، فكرِه اللهُ ذلك لهنَّ.\nحدَّثني محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾. قال: علِمَ اللهُ أنّ منهنَّ كواتمَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٦١ من طريق سماك، عن عكرمة.\n(^٢) في ص: \"مراجعة\".\n(^٣) في م: \"فيلحق بسببه\".","vol":"4","page":111},{"text":"يَكْتُمْنَ الولدَ، وكان أهلُ الجاهليةِ؛ كان الرجلُ يُطلِّقُ امرأتَه وهي حاملٌ، فتَكْتُمُ الولدَ، فتذهبُ به إلى غيرِه، وتَكْتُمُ مخافةَ الرجعةِ، فنهَى اللهُ عن ذلك وقدَّمَ فيه (^١).\nحدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾. قال: كانت المرأةُ تَكْتُمُ حملَها حتى تجعلَه لرجلٍ آخرَ منها (^٢).\nوقال آخرون: بل السببُ الذي من أجلِه نُهينَ عن كتمانِ ذلك، هو أن الرجلَ كانَ إذا أرادَ طلاقَ امرأتِه سألَها، هلْ بها حَملٌ؛ لكيلَا يُطلِّقَها وهي حاملٌ منه، للضَّرَرِ الذي يَلْحَقُه وولَدَه في فراقِها (^٣)، فأُمِرْنَ بالصدقِ في ذلك ونُهينَ عن الكذبِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني موسى، [قال: ثنا عمرٌو] (^٤)، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾: فالرجلُ يريذ أنْ يُطَلِّقَ امرأتَه فيسألَها: هل بكِ حملٌ؟ فتكتُمُه، إرادةَ أن تُفارقَه، فيطلِّقُها وقد كَتَمتْه حتى تضعَ، وإذا علِمَ بذلك فإنها تُردُّ إليه عُقوبةً لما كتَمَتْه، وزوجُها أحقُّ برجْعتِها (^٥).\nوأوْلى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ من قال: الذي نُهيت المرأةُ المطلَّقةُ عن كِتمانِه زوجَها المطلِّقَها تطليقةً أو تطليقتَين، مما خلَق اللهُ في رحِمِها، الحَيْضُ والحبَلُ؛ لأنه لا خلافَ بين الجميعِ أن العدَّةَ تنقضِي بوضْعِ الولدِ الذي خلَق اللهُ في\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر ١/ ٢٧٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٢، وفي مصنفه (١١٠٦٠)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٧٥ إلى ابن المنذر.\n(^٣) بعده في م: \"إن فارقها\".\n(^٤) سقط من النسخ.\n(^٥) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٩٦، ٩٧ عن السدي.","vol":"4","page":112},{"text":"رحِمِها كما تَنقضِي بالدَّمِ إذا رأتْه بعدَ الطُّهرِ الثالثِ، في قولِ مَن قال: القُرءُ الطهرُ.\nوفي قولِ مَن قال: هو الحَيْضُ. إذا انقطَع من الحيضةِ الثالثةِ، فتَطهَّرتْ بالاغتسالِ (^١).\nفإذ كان ذلك كذلك، [وكان] (^٢) اللهُ تعالَى ذكرُه إنما حرَّم عليهنَّ كتمانَ المطلِّقِ الذي وصَفْنا أمْرَه، ما يكونُ بكتْمانِهن إيَّاهُ لطُولُ حقِّه الذي جعَله اللهُ له بعدَ الطلاقِ عليهنَّ إلى انقضاءِ عِدَدِهنَّ، وكان ذلك الحقُّ يبطُلُ بوضعِهنَّ ما في بطونِهن إن كُنَّ حواملَ، وبانقضاءِ الأقراءِ الثلاثةِ إن كنَّ غيرَ (^٣) حواملَ - عُلِم أنَّهنَّ مَنهياتٌ عن كتمانِ أزواجِهنَّ المطلِّقِيهِنَّ (^٤) من كلِّ واحدٍ منهما - أعني من الحيضِ والحبَلِ - مثلَ الذي هنَّ مَنهياتٌ عنه من الآخرِ، وألا معنى لخصوصِ من خَصَّ بأن المرادَ بالآيةِ من ذلك أحدُهما دونَ الآخرِ، إذْ كانا جميعًا مما خلَق اللهُ في أرحامِهنَّ، وأنّ في كلِّ واحدٍ منهما من معنى بُطُولِ حقِّ الزوجِ بانتهائِه (^٥) إلى غايةٍ مثلَ ما في الآخرِ. ويُسْألُ مَن خَصَّ ذلك، فجعَلَه لأحدِ المعنييْنِ دونَ الآخرِ، عن البرهانِ على صحةِ دعوَاه من أصلٍ أو حجَّةٍ يجبُ التسليمُ لها، ثم يُعكَسُ عليه القولُ في ذلك، فلنْ يقولَ في أحدِهما قولًا إلَّا أُلزم في الآخرِ مثلَه.\nوأما الذي قاله السُّديُّ من أنه معنيٌّ به نهيُ النساءِ كتمانَ أزواجِهنَّ الحبَلَ عند إرادتِهم طلَاقَهُنَّ، فقولٌ لِماَ يَدُلُّ عليه ظاهرُ التنزيلِ مخالفٌ؛ وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا\n_________\n(^١) في م: \"للاغتسال\".\n(^٢) في ص: \"ولو كان\".\n(^٣) سقط من: ص.\n(^٤) في م: \"المطلقين\".\n(^٥) في م: \"بالتهائه\".","vol":"4","page":113},{"text":"خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [بمعنى: ولا يحلُّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خلَق اللهُ في أرحامِهنَّ] (^١) في (^٢) الثلاثةِ القروء إنْ كنَّ يؤمنَّ باللهِ واليومِ الآخرِ. وذلك أن اللهَ تعالَى ذكرُه ذكَرَ تحريمَ ذلك عليهنَّ بعدَ وصفِه إياهُنَّ بما وصَفَهنَّ به من فراقِ أزواجِهنَّ بالطَّلاقِ، وإعلامِهِنَّ ما يلزَمُهُنَّ مِن التَّربُّصِ، معرِّفًا لهنَّ بذلك ما يَحْرُمُ عليهنَّ وما يَحِلُّ، وما يَلزمُهنَّ من العِدَّةِ ويجبُ عليهنَّ فيها، فكان مما عرَّفهنَّ أنّ مِن الواجبِ عليهنّ ألا يَكْتُمْنَ أزواجَهنَّ الحيضَ والحبَلَ - الذي يكونُ بوضعِ هذا وانقضاءِ هذا إلى نهايةٍ محدودَةٍ انقطاعُ حقوقِ أزواجِهن - ضِرارًا منهن لهم، فكان نهيُه عمّا نَهاهُن عنه من ذلك بأنْ يَكُونَ مِن صفةِ ما يليه قبلَه ويتلُوه بعدَه، أوْلَى من أن يكونَ مِن صفةِ ما لمْ يَجْرِ له ذِكرٌ قبلَه.\nفإن قال قائلٌ: فما معنى قولِه: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؟ أَوَ يَحِلُّ لهنّ كتمانُ ذلك أزواجَهن إن كنَّ لا يؤمنَّ باللهِ ولا باليومِ الآخرِ حتى خَصَّ النهيُ عن ذلك المؤمناتِ باللهِ واليومِ الآخرِ؟\nقيلَ: معنى ذلك على غيرِ ما ذهبتَ إليه، وإنما معناه أن كتمانَ المرأةِ المطلَّقةِ زوجَها المطلِّقَها ما خلَقَ اللهُ في رحِمِها من حيضٍ وولدٍ في أيامِ عدَّتِها من طلَاقِه ضِرارًا له، ليس من فعلِ مَن يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ ولا من أخلاقِه، وإنما ذلك من فعلِ مَن لا يُؤمِنَّ باللهِ ولا باليومِ الآخرِ وأخلاقِهنَّ من النساءِ الكوافرِ، فلا تَتخلَّقْنَ أيتُها المؤمناتُ بأخلاقِهن، فإن ذلك لا يحِلُّ لَكُنّ إن كنتنَّ تُؤمِنَّ باللهِ واليومِ الآخرِ، وكنتنَّ من المسلماتِ، لا أنَّ المؤمناتِ هنَّ المخصوصاتُ بتحريمِ ذلك عليهنَّ (^٣) دونَ الكوافِرِ، بل الواجبُ على كلِّ\n_________\n(^١) سقط من: ص.\n(^٢) في م: \"من\".\n(^٣) في م: \"عليهم\".","vol":"4","page":114},{"text":"مَن لزِمتْه فرائضُ اللهِ من النساءِ اللواتِي لهنَّ أقراءٌ إذا طُلِّقت بعدَ الدخولِ بها في عدَّتِها ألَّا تَكْتُمَ زوجَها ما خلَق اللهُ في رحِمِها من الحيضِ والحبلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-714>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾.</span>\nوالبُعولَةُ جمعُ بعلٍ، وهو زوجُ المرأةِ، ومنه قولُ جريرٍ (^١):\nأعِدُّوا معَ الحَلْيِ المَلَابَ (^٢) فإنّما … جَرِيرٌ لَكُمْ بَعْلٌ وأنْتُمْ حَلائِلُهْ\nوقد يُجمَعُ البعلُ البعولةَ والبُعولَ، كما يُجمَعُ الفحلُ الفُحُولَ والفُحولَةَ، والذَّكَرُ الذُّكُورَ والذُّكورَةَ، وكذلك ما كان على مثالِ فُعولٍ من الجمعِ، فإنّ العربَ كثيرًا ما تُدْخِلُ فيه الهاءَ، فأمَّا ما كان منها على مثالِ فِعالٍ، فقليلٌ في كلامِهم دخولُ الهاءِ فيه، وقد حُكِيَ عنهم العِظامُ والعِظامَةُ، ومنه قولُ الراجزِ (^٣):\nثم دفَنْتَ الفَرْثَ والعظامَهْ\nوقد قيل: الحِجارةُ والحِجارُ، والمِهارةُ والمِهارُ، والذِّكارةُ والذِّكارُ للذكورِ. وأما تأويلُ الكلامِ فإنه: وأزواجُ المطلقاتِ اللاتِي فرَضْنا عليهنَّ أن يتربَّصْنَ بأنفسِهنَّ ثلاثةَ قروءٍ، وحَرَّمنا عليهنَّ أن يَكْتُمْنَ ما خلَقَ اللهُ في أرحامِهنَّ، أحقُّ وأوْلَى بردِّهن إلى أنفسِهمْ (^٤) - في حالِ تربُّصِهنَّ إلى الأقراءِ الثلاثةِ وأيامِ الحبَلِ - وارتجاعِهن إلى حِبالِهم، مِنهنَّ (^٥) بأنفسِهنَّ؛ أنْ يَمْنَعْنَهم من أنفسِهنَّ ذلك.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ\n_________\n(^١) ديوانه ٢/ ٩٦٩.\n(^٢) الملاب: ضرب من الطيب، فارسي. ينظر التاج (ل وب، م ل ب).\n(^٣) الجمهرة لابن دريد ٣/ ١٢١، واللسان (ع ظ م)، (هـ ذ م).\n(^٤) في ص: \"أنفسهن\".\n(^٥) في م: \"منهم\".","vol":"4","page":115},{"text":"ابنِ أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه * ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾. يقولُ: إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه تطليقةً أو ثِنْتَينِ وهي حاملٌ، فهو أحقُّ برجعتِها ما لمْ تَضَعْ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾. قال: في العِدَّةِ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالَا: قال اللهُ ﵎:\n﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾. وذلك أن الرجلَ كان إذا طلَّق امرأتَه كان أحقَّ برجْعتِها وإنْ طلَّقها ثلاثًا، فنسَخ ذلك فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية (^٢).\nحدَّثني محمدُ (^٣) بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: في عِدَّتهنَّ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال:\n_________\n* من هنا تبدأ قطعة من نسخة مكتبة القرويين التي اتخذناها أصلًا فيما سبق، وهذه القطعة مقدارها عشر ورقات، ولعلها من الجزء السادس.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٦ (٢١٩٥)، والبيهقي ٧/ ٣٦٧ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٧٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٧ عقب الأثر (٢١٩٥) معلقًا.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"موسى\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٣٦، ومن طريقه البيهقي ٧/ ٣٦٧.","vol":"4","page":116},{"text":"في العِدَّةِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. أي: في القروءِ، في الثلاثِ حِيَضٍ، أو ثلاثةِ أشهرٍ، أو كانت حاملًا، فإذا طلَّقها زَوجُها واحدةً أو اثنتينِ راجَعها إن شاء ما كانت في عِدَّتِها.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. قال: كانت المرأةُ تكتُمُ حملَها حتى تجعلَه لرجلٍ آخرَ، فنهاهُنَّ اللهُ عن ذلك وقال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. قال قتادةُ: أحقُّ برجْعتِهنَّ في العِدَّةِ (^١).\nحُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. يقولُ: في العِدّةِ ما لم يُطلِّقْها ثلاثًا (^٢).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. يقولُ: أحقُّ برجْعتِها صاغرةً، عقوبةً لما كَتَمتْ زوجَها مِن الحملِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ قال: أحقُّ برجْعتِهن ما لم تنقضِ (^٤) العِدَّةُ.\nحدَّثنا يحيى بنُ أبي طالب، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. قال: ما كانتْ في العدَّةِ، إذا أرادَ المراجعةَ.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٢، وفي مصنفه (١١٠٦٠)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٧٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٧٦ إلى المصنف.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ١١٢.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تنقضى\".","vol":"4","page":117},{"text":"فإن قال لنا قائلٌ: [أفما لزوجِ المطلَّقةِ] (^١) واحدةً أو اثنتينِ بعدَ الإفضاءِ إليها، عليها رجعةٌ في أقرائِها الثلاثةِ، إلَّا أنْ يكونَ مُريدًا بالرجعةِ إصلاحَ أمرِها وأَمرِه؟\nقيل: أمَّا فيما بينَه وبينَ اللهِ فغيرُ جائزٍ - إذا أرادَ ضِرارَها بالرجعةِ لا إصلاحَ أمرِها وأمرِه - مراجَعتُها. وأما في الحكمِ فإنه مَقضيٌّ له عليها بالرجعةِ نظيرَ (^٢) حُكْمِنا عليه ببُطُولِ رجعتِه عليها، لو كتَمتْه حملَها الذي خلَقه اللهُ في رحِمِها، أو حيضَها حتى انقضَتْ عدَّتُها ضِرارًا منها له، وقد نهاها (^٣) اللهُ عن كتمانِه ذلك، فكان سواءً في الحكمِ - في بُطولِ رجعةِ زوجِها عليها، وقد أثِمتْ في كتمانِها إيّاه ما كتَمتْه مِن ذلك حتى انقضَتْ عدَّتُها - هي والتي أطاعت اللهَ بتركِها كتمانَ ذلك منه، وإن اختلَفتا (^٤) في طاعةِ اللهِ في ذلك ومعصيتِه، فكذلك المُراجعُ زوجتَه المطلَّقةَ واحدةً أو اثنتينِ بعدَ الإفضاءِ إليها، وهما حُرّان، وإن أرادَ ضِرارَ المراجعةِ برجعتِه، فمحكومٌ له بالرجعةِ وإن كان آثمًا برَبِّه (^٥) في فعلِه، ومُقْدِمًا على ما لم يُبحْه اللهُ له، واللهُ وليُّ مُجازاتِه فيما أتَى من ذلك. فأما العبادُ فإنهم غيرُ جائزٍ لهم الحوْلُ بينَه وبينَ امرأتِه التي راجَعها بحكمِ اللهِ جلَّ ثناؤُه بأنها حينئذٍ زَوجتُه، فإنْ حاوَل ضِرارَها بعدَ المراجعةِ بغيرِ الحقِّ الذي جعَلهُ اللهُ له، أُخِذ لها بالحقوقِ التي ألزَم اللهُ الأزواجَ للزوجاتِ حتى يعودَ ضُرُّ ما أرادَ من ذلك عليه دونَها.\nوفي قولِه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أبينُ الدلالةِ على صحةِ قولِ مَن قال: إنّ المُؤْلِىَ إذا عَزَم/ الطلاقَ فطلَّقَ امرأتَه التي آلَى منها، أن له عليها الرجعةَ في\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فما لزوج\"، وفي م: \"فما لزوج طلق\".\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ما\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نهى\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"اختلفا\".\n(^٥) في م: \"برأيه\".","vol":"4","page":118},{"text":"طلاقِه ذلك، وعلى فسادِ قولِ مَن قال: إن مُضىَّ الأربعةِ الأشهرِ عَزمُ الطلاقِ، وإنه تطليقةٌ بائنةٌ؛ لأن اللهَ جلّ ذكرُه إنما أعلَم عبادَه ما يلزَمُهم إذا آلَوا مِن نسائِهم، وما يلزَمُ النساءَ من الأحكامِ في هذه الآيةِ بإيلاءِ الرجالِ وطلاقِهم، إذا عزَموا ذلك وترَكوا الفيْءَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-715>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: ولهنّ مِن حسنِ الصحبةِ والعشرَةِ بالمعروفِ على أزواجِهن مثلُ الذي عليهنَّ لهم من الطاعةِ فيما أوجَب اللهُ تعالَى ذكرُه له عليها.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: إذا أَطَعْنَ اللهَ وأطعنَ أزواجَهنَّ، فعليه أن يُحسنَ صُحبتَها، ويكفَّ عنها أذاه، وينفقَ عليها مِن سَعَتِه (^١).\nحدَّثني يونسُ قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: يتقونَ اللهَ فيهنَّ، كما عليهنَّ أن يتقينَ اللهَ فيهم (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ولهنّ على أزواجِهنَّ من التَّصنُّعِ والمُؤاتاةِ (^٣) مثلُ إلذى عليهنَّ لهم من ذلك.\n_________\n* من هنا يبدأ خرم في مخطوطة الأصل وينتهي عند قوله: وقال آخرون: تلك الدرجة التي له عليها. في ص ١٢٢.\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٧٦ إلى المصنف.\n(^٢) ينظر البحر المحيط ٢/ ١٨٩.\n(^٣) المؤاتاة: حسن المطاوعة والموافقة. اللسان (أ ت ى).","vol":"4","page":119},{"text":"ذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن بَشيرِ (^١) بنِ سلمانَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إني أُحِبُّ أن أَتزيّنَ للمرأةِ، كما أُحِبُّ أن تَتَزَيَّنَ لي؛ لأن اللهَ تعالى ذِكرُه يقولُ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^٢).\nوالذى هو أولَى بتأويلِ الآيةِ عندي: وللمطلقاتِ واحدةً أو اثْنتينِ، بعدَ الإفضاءِ إليهنَّ، على بُعولتِهنَّ ألا يراجِعوهنَّ (^٣) في أقرائِهن الثلاثةِ إذا أرادُوا رَجعَتَهنَّ فيهنَّ إلَّا أن يُريدوا (^٤) إصلاحَ أمرِهن وأمرِهم [وألا] (^٥) يراجعوهن ضِرارًا، كما عليهنَّ لهم إذا أرادُوا رجعتَهنَّ فيهن ألا يَكْتُمْنَ ما خلَق اللهُ في أرحامِهنَّ من الولدِ ودمِ الحيضِ ضِرارًا منهنَّ لهم لِيَفُتْنَهمْ (^٦) بأنفسِهنَّ. ذلك أن اللهَ تعالَى ذكرُه نَهَى المطلقاتِ عن كتمانِ أزواجِهنَّ في أقرائِهنَّ ما خلَق اللهُ في أرحامِهنَّ إن كنَّ يُؤْمِنَّ باللهِ واليومِ الآخرِ، وجعَل أزواجَهنَّ أحقَّ بردِّهنَّ في ذلك إن أرادُوا إصلاحًا، فحرَّم على كلِّ واحدٍ منهما مُضارَّةَ صاحبِه، وعرَّف كلَّ واحدٍ منهما ما له وما عليه من ذلك، ثم عقَّب ذلك بقولِه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فبيّنَ أن الذي على كلِّ واحدٍ منهما لصاحبِه من تركِ مُضارَّتِه مثلُ الذي له على صاحبِه من ذلك.\nفهذا التأويلُ هو أشبهُ بدلالةِ ظاهرِ التنزيلِ مِن غيره، وقد يَحتملُ أن يكونَ كلُّ ما على كلِّ واحدٍ منهما لصاحبِه داخلًا في ذلك، وإن كانت الآيةُ نزَلتْ فيما\n_________\n(^١) في م: \"بشر\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٧ (٢١٩٦) من طريق وكيع، به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٧٦ إلى سفيان بن عيينة ووكيع وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) بعده في م: \"ضرارًا\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يروا\".\n(^٥) في م: \"فلا\".\n(^٦) في م: \"لتيقنهن\" والمعنى: سَبَقْنَهُم إلى حيث لا يبلغونهن، فلا ينالون منهن شيئًا. ينظر التاج (ف وت).","vol":"4","page":120},{"text":"وَصفْنا؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه قد جعَلَ لكلِّ واحدٍ منهما على الآخرِ حقًّا، فلكلِّ واحدٍ منهما على الآخرِ من أداءِ حقِّه إليه مثلُ الذي عليه له، فيدخُلُ حينئذٍ في الآيةِ ما قاله الضحاكُ وابنُ عباسٍ وغيرُ ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-716>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.</span>\nاختلَفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى الدرجةِ التي جعَل اللهُ للرجالِ على النساءِ، الفضلُ الذي فضَّلهم اللهُ عليهنَّ في الميراثِ والجهادِ وما أشبهَ ذلك.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. قال: فضلُ ما فضَّله اللهُ به عليها من الجهادِ، وفضلُ ميراثِه على ميراثِها، وكلُّ ما فُضِّل به عليها (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. قال: للرجالِ درجةٌ في الفضلِ على النساءِ (^٢).\nوقال آخرون: بل تلك الدرجةُ الإمْرةُ والطاعةُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٧ (٢١٩٩) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٨ (٢٢٠٢) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"4","page":121},{"text":"ذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ ما، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ في قولِه: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. قال: إمارةٌ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. قال: طاعة. قال: يُطِعْنَ الأزواجُ الرجالَ، وليس الرجالُ يُطيعونَهنَّ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أزهرُ، عن ابنِ عَوْنٍ، عن محمدٍ في قولِه: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. قال: لا أعلَمُ إلا أن لهنَّ مثلَ الذي عليهنّ إذا عرَفنَ تلك الدرجةَ.\nوقال آخرون: تلك الدرجةُ له عليها بما ساقَ إليها من الصَّداقِ، وأنها إذا قذَفتْه حُدَّتْ، وإذا قَذَفَها لاعَنَ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عُبيدةَ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. قال: بما أعطاها من صَداقِها، وأنه إذا قذَفَها لاعنَها، وإذا قذَفتْه جُلِدَتْ وأُقِرَّتْ عندَه (^٣).\nوقال آخرون: تلك الدرجةُ التي له عليها إفضالُه عليها، وأداءُ حقِّها\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٧ (٢٢٠١) من طريق سفيان، به.\n(^٢) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ٩٨.\n(^٣) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ٩٨، والبحر المحيط ٢/ ١٩٠.\n* إلى هنا ينتهي الخرم المشار إليه في ص ١١٩.","vol":"4","page":122},{"text":"إليها، وصفْحُه عن الواجبِ له عليها أو عن بعضِه.\nذِكر من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن بَشيرِ (^١) بنِ سلمانَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما أُحِبُّ أن أسْتَنظِفَ (^٢) جميعَ حقِّى عليها؛ لأن اللهَ ﵎ يقولُ: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (^٣).\n[وقال آخرون: بل تلك الدرجةُ التي له عليها أن جعَلَ له لِحْيَةً وحرَمها ذلك.\nذِكر من قال ذلك\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا عُبيدُ بن الصبَّاحِ، قال: ثنا حُميدٌ، قال: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. قال: لِحَيَةٌ (^٤)] (^٥).\nوأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ ما قاله ابنُ عباسٍ، وهو أن الدرجةَ التي ذكَرَ اللهُ جلَّ ثناؤُه في هذا الموضعِ الصفحُ من الرجلِ لامرأتِه عن بعضِ الواجبِ له عليها، وإغضاؤُه لها عنه، وأداءُ كلِّ الواجبِ لها عليه، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه قال: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ عَقيبَ قولِه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فأخبَر أن على الرجلِ من تركِ ضِرارِها في مراجَعتِه إيَّاهَا في أقرائِها الثلاثةِ وفي غيرِ ذلك من\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بشر\".\n(^٢) استنظف: استوفى. التاج (ن ظ ف).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٧ (٢١٩٨) من طريق وكيع، به.\n(^٤) المحرر الوجيز ٢/ ٩٨ عن حميد، وقال: وهذا إن صح عنه ضعيف لا يقتضيه لفظ الآية ولا معناها.\n(^٥) سقط من: الأصل.","vol":"4","page":123},{"text":"أمورِها وحقوقِها، مثلَ الذي له عليها من ترْكِ ضِرارِه في كتمانِها إيّاه ما خلَق اللهُ في أرحامِهنَّ وغيرِ ذلك من حقوقِه. ثم ندَب الرجالَ إلى الأخذِ عليهنّ بالفضل إذا تَرَكْنَ أداءَ بعضِ ما أوجَب اللهُ لهم عليهنَّ، فقال: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ بتَفَضُّلِهم عليهن، وصَفْحِهم لهنَّ عن بعضِ الواجبِ لهم عليهنَّ، وهذا هو المعنى الذي قصَده ابنُ عباسٍ بقولِه: ما أُحِبُّ أن أستنْظِفَ جميعَ حقِّى عليها؛ لأن اللهَ ﵎ يقولُ: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. ومعنى الدرجةِ الرتبةُ والمنزلةُ.\nوهذا القولُ من اللهِ جلّ ثناؤه وإن كان ظاهرُه ظاهرَ خبرٍ، فمعناه معنى نَدْبِ الرجالِ إلى الأخذِ على النساءِ بالفضلِ ليكونَ لهم عليهنَّ فضلُ درجةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-717>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾.</span>\nيعني بذلك جلَّ ثناؤُه: واللهُ عزيزٌ في انتقامِه ممن خالَف أمرَه، وتعدَّى حدودَه، فأتى النساءَ في المحيضِ، وجعَل اللهَ عرضةً لأيمانِه أن يَبَرَّ ويتَّقِىَ ويصلحَ بين الناسِ، وعضَل امرأتَه بإيلائِه، وضارَّها في مراجَعتِه بعدَ طلاقِه، ومِمَّن (^١) كتَم من النساءِ ما خلَق اللهُ في أرحامِهنَّ أزواجَهنَّ، ونكَحن في عِدَدِهنَّ، وترَكْنَ التربصَ بأنفُسِهنَّ إلى الوقتِ الذي حدَّه اللهُ لهنَّ، وركِب (^٢) غيرَ ذلك من معاصِيه، حكيمٌ فيما دبَّرَ في خلقِه، وفيما حكَم وقضَى بينَهم من أحكامِه.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قولِه: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: عزيزٌ في نقمتِه، حكيمٌ في أمرِه (^٣).\n_________\n(^١) في النسخ: \"لمن\". والصواب ما أثبت.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ركبن\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧١، ٤١٨، ٤٥٣ عقب الأثر (١٩٥٦، ٢٢٠٤، ٢٣٩٨) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.","vol":"4","page":124},{"text":"وإنما توعَّدَ اللهُ جلَّ ثناؤُه بهذا القولِ عبادَه؛ لتقديمِه قبلَ ذلك بيانَ ما حرَّم عليهم أو نَهاهم عنه من ابتداءِ قولِه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. ثم أَتبع ذلك بالوعيدِ ليزدَجِرَ أولُو النُّهَى، وليذَّكرَ أولو الحِجَا، فيتَّقُوا عقابَه، ويحذَرُوا عذابَه.\n\n<span id=\"aya-236\"></span><span data-type='title' id=toc-719>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: هو دلالةٌ على عَددِ الطلاقِ الذي يكونُ للرجلِ فيه الرجعةُ على زوجتِه، والعدَدِ الذي تَبِينُ به زوجتُه منه.\nذكرُ من قال: إن هذه الآيةَ نزَلتْ لأنَّ أهلَ الجاهليةِ وأهلَ الإسلامِ قبلَ نزولِها لم يكنْ لطلاقِهم نهايةٌ تَبِينُ بالانتهاءِ إليها امرأتُه منه، ما راجَعها في عدَّتِها منه، فجعَل اللهُ لذلك حدًّا حرَّمَ بانتهاءِ الطلاقِ إليه على الرجلِ امرأتَه المطلَّقةَ إلَّا بعدَ زوجٍ، وجعَلها أملَكَ حينئذٍ بنفسِها منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-718>ذِكرُ الأخبارِ الواردةِ بما قلنا في ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، قال: كان الرجلُ يطلِّقُ ما شاءَ ثم إنْ راجَعَ امرأتَه قبلَ أن تنقضيَ عدَّتُها كانت امرأتَه، فغضِبَ رجلٌ من الأنصارِ على امرأتِه، فقال لها: لا أقرَبُك ولا تَحِلِّين مِنِّى. قالت له: كيفَ؟ قال: أُطلِّقُكِ، فإذا (^١) دَنَا أجلُكِ راجَعتُك، ثم أُطلِّقُك، فإذا دَنَا أجلُك راجعتُك. قال: فشكَتْ ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فأنزَل اللهُ جلّ ثناؤُه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ الآية (^٢).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حتى إذا\".\n(^٢) أخرجه مالك ٢/ ٥٨٨ - ومن طريقه الشافعي ٢/ ٦٨ (شفاء العى)، والبيهقي ٧/ ٣٣٣ - وعبد بن =","vol":"4","page":125},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا هشامٌ، عن أبيه، قال: قال رجلٌ لامرأتِه على عهدِ النبيِّ ﷺ: لا أُؤْوِيكِ، ولا أدَعُكِ تَحِلِّين. فقالت له: كيف تَصنَعُ؟ قال: أُطلِّقُكِ، فإذا دنَا مُضِىُّ عِدَّتِكِ راجعْتُكِ، فمتى تحلِّينَ؟ فأتت النبيَّ ﷺ، فأنزَل اللهُ ﷿: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ قال: فاستقبلَه الناسُ جديدًا، من كان طلَّقَ ومَن لم يكنْ طلَّق (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان أهلُ الجاهليةِ؛ كان الرجلُ يطلِّقُ الثلاثَ والعشرَ وأكثرَ من ذلك، ثم يُراجِعُ ما كانت في العِدّةِ، فجعَل اللهُ جلَّ ثناؤُه حدَّ الطلاقِ ثلاثَ تطليقاتٍ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان أهلُ الجاهليةِ يُطلِّقُ أحدُهم امرأتَه ثم يراجِعُها، لا حدَّ في ذلك، هي امرأتُه ما راجَعها في عِدّتِها، فجعَل اللهُ ﵎ حدَّ ذلكَ يصيرُ إلى ثلاثةِ قُروءٍ، وجعَل حدَّ الطلاقِ ثلاثَ تطليقاتٍ.\nحدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. قال: كان الطلاقُ، قبلَ أن يجعَلَ اللهُ الطلاقَ ثلاثًا، ليسَ له أمدٌ؛ يطلِّقُ الرجلُ امرأتَه مائةً، ثم إنْ أرادَ أن يُراجِعَها قبلَ أن تَحِلَّ، كان ذلك له، فطلَّقَ رجلٌ امرأتَه حتى إذا كادَتْ أن تحِلَّ ارْتَجَعها، ثم استأنفَ بها طلاقًا بعدَ ذلك يُضَارُّها بتركِها، حتى إذا كان قبلَ انقضاءِ عدَّتِها راجَعَها، وصنَع ذلك مرارًا، فلمَّا علِمَ اللهُ\n_________\n= حميد - كما في تفسير ابن كثير ١/ ٣٩٩، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٨ (٢٢٠٦) ص طريق هشام به.\n(^١) أخرجه الترمذي عقب حديث (١١٩٢) عن أبي كريب به، وابن أبي شيبة ٥/ ٢٦٠ عن ابن إدريس به. وأخرجه الترمذي (١١٩٢)، والحاكم ٢/ ٢٧٩، وابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير ١/ ٣٩٩، ٤٠٠ - والبيهقي ٧/ ٣٣٣ من طرق عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٤٠٠.","vol":"4","page":126},{"text":"ذلك منه جعَل الطلاقَ ثلاثًا؛ مرَّتين، ثم بعدَ المرتينِ إمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ (^١).\nحدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: أما قولُه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ فهو الميقاتُ الذي يكونُ عليها فيه الرجعةُ (^٢).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: إذا أرادَ الرجلُ أن يطلِّقَ امرأتَه فيطلِّقَها تَطليقتيْنِ، فإن أرادَ أن يُراجِعَها كانت له عليها رجعةٌ، وإن شاءَ طلَّقها أُخرَى، فلم تحِلَّ له حتى تنكِحَ زوجًا غيرَه (^٣).\nفتأويلُ الآيةِ على هذا الخبرِ الذي ذكَرنا: عددُ الطّلاقِ الذي لكم أيُّها الناسُ فيه على أزواجِكم الرجعةُ، إذا كنَّ مَدخولًا بهنّ، تَطليقتان، ثم الواجبُ على من راجَع منكم بعدَ التطليقتيْنِ إمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ؛ لأنه لا رجعةَ له بعد التَّطليقتين إنْ سرَّحها فطلَّقها الثالثةَ.\nوقال آخرون: إنما أُنزِلتْ هذه الآيةُ علَى نبيِّ اللهِ ﷺ تعريفًا من اللهِ جلّ ثناؤُه عبادَه سُنَّةَ طلاقِهم نساءَهم إذا أرادُوا طلاقَهنَّ، لا دلالةً على العَدَدِ (^٤) الذي به تَبِينُ المرأةُ من زوجِها.\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٤٠٠.\n(^٢) أخرجه البيهقي ٧/ ٣٦٧ من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي بإسناده.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٦١ عن أبي الأحوص به.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"القدر\".","vol":"4","page":127},{"text":"ذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُطرِّفٍ، عن أبي (^١) إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: يُطلِّقُها بعدَ ما تطْهُرُ مِن قبلِ جماعٍ، ثم يدَعُها حتى تَطْهُرَ مرَّةً أُخرى، ثم يطلِّقُها إن شاءَ، ثم إنْ أرادَ أنْ يُراجِعَها راجَعَها، ثم إنْ شاءَ طلَّقها، وإلَّا ترَكَها حتى تُتِمَّ ثلاث حِيَضٍ، وتَبينَ منهُ به (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه تطليقتَيْنِ، فليتَّقِ اللهَ في التطليقةِ الثالثةِ، فإمَّا (^٣) يُمسكُها بمعروفٍ فيُحْسِنُ صَحابتَها، أو يسرِّحُها بإحسانٍ، فلَا يظلِمُها من حقِّها شيئًا (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.\nقال: يُطلِّقُ الرجلُ امرأتَه طاهرًا مِن غيرِ جماعٍ، فإذا حاضَتْ ثم طَهُرتْ فقد تمَّ القرْءُ، ثم يطلِّقُ الثانيةَ كما طلَّق (^٥) الأولَى، إن (^٦) أحبَّ أنْ يفعَلَ، فإذا طلَّق الثانيةَ ثم\n_________\n(^١) في الأصل: \"ابن\".\n(^٢) أخرجه النسائي (٣٣٩٤، ٣٣٩٥)، وابن ماجه (٢٠٢١)، والدارقطني ٤/ ٥، والبيهقي ٧/ ٣٣٢ من طريق أبي إسحاق به.\n(^٣) بعده في م: \"أن\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٩ (٢٢٠٨، ٢٢٠٩) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يطلق\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فإن\".","vol":"4","page":128},{"text":"حاضت الحيضةَ الثانيةَ فهما تطليقتانِ وقُرْءَان، ثم قال اللهُ ﵎ في الثالثةِ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. فيطلِّقُها في ذلك القرءِ كلِّه إن شاءَ حينَ تجمَعُ عليها (^١) ثيابَها (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلَّا أنه قال: فحاضَت الحيضةَ الثانيةَ، كما طلَّق الأولَى، فهاتان تطليقتانِ وقُرْءانِ، ثم قال: الثالثةُ. وسائرُ الحديثِ مثلُ حديثِ محمدِ بن عمرٍو، عن أبي عاصمِ.\nفتأويلُ الآيةِ على قولِ هؤلاء: سُنَّةُ الطلاقِ التي سَنَنْتُها وأبَحتُها لكم، إذا أردْتم طلاقَ نسائِكم، أن تطلقوهنَّ ثِنتينِ في كلِّ طهرٍ واحدةً، ثم الواجبُ * بعدَ ذلك عليكم، إما أن تمسكوهنّ بمعروفٍ أو تسرِّحوهنَّ بإحسانٍ.\nفالذي هو أوْلَى بظاهرِ التنزيلِ ما قاله عُروةُ وقتادةُ ومَن قال مثلَ قولِهما من أنَّ الآيةَ إنما هي دليلٌ على عددِ الطلاقِ الذي يكونُ به التحريمُ وبُطولُ الرجْعةِ فيه، والذى يكونُ فيه الرجعةُ منه، وذلك أن اللهَ تعالى ذِكرُه قال في الآيةِ التي تتلوها:\n﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. فعرَّف عبادَه القدرَ الذي به تحرُمُ المرأةُ على زوجِها إلَّا بعدَ زوجٍ، ولم يبيِّنْ فيها الوقتَ الذي يجوزُ الطلاقُ فيه، والوقتَ الذي لا يجوزُ ذلكَ فيه، فيكونَ موجِّهًا تأويلَ الآيةِ إلى ما رُوى عن ابنِ مسعودٍ ومجاهدٍ ومن قال بمثلِ قولِهما فيه.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عليه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٦١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٨ (٢٢٠٧). من طريق ابن أبي نجيح به.\n* من هنا خرم في النسخة الأصل، وينتهي عند قوله: فيه الرجعة مرتان. في ص ١٣٢.","vol":"4","page":129},{"text":"وأما قولُه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فإنَّ في تأويلِه وفيما عُنِى به اختلافًا بين أهلِ التأويلِ؛ فقال بعضُهم: عنَى اللهُ تعالَى ذكرُه بذلك الدلالةَ على اللازمِ للأزواجِ للمطلقاتِ (^١) اثنتين بعدَ مُراجعتِهم إياهنَّ من التطليقةِ الثانيةِ من عِشرتِهن بالمعروفِ، أو فراقِهنَّ بطلاقٍ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريج، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾؟ قال: يقولُ: عندَ الثالثةِ إما أن يُمسِكَ بمعروفٍ، وإما أن يُسرِّحَ بإحسانٍ. وغيرُه (^٢) قالها. قال: وقال مجاهدٌ: الرجلُ أملكُ بامرأتِه في تطليقتين من غيرِه، فإذا تكلَّمَ الثالثةَ فليستْ منه بسبيلٍ، وتَعتدُّ لغيرِه (^٣).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بنِ سُميعٍ، عن أبي رَزِينٍ، قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ قولَه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. فأين الثالثةُ؟ قال رسولُ اللهِ ﷺ: \" ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ \" هي الثالثةُ\" (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، مَال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، قالا: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ سُميعٍ، عن أبي رزينٍ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ\n_________\n(^١) في ص: \"المطلقات\".\n(^٢) في م: \"غيرها\".\n(^٣) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ١٠٠.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٤٥٧)، وابن أبي شيبة ٥/ ٢٥٩، ٢٦٠، والبيهقي ٧/ ٣٤٠ من طريق أبي معاوية به، وأخرجه سعيد بن منصور (١٤٥٦)، والحارث بن أبي أسامة (٥٠٢ - بغية)، وابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير ١/ ٤٠٠ - من طريق إسماعيل بن سميع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٧٧ إلى وكيع وأبي داود في ناسخه وابن المنذر.","vol":"4","page":130},{"text":"ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. فأين الثالثةُ؟ قال: \" ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ \".\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن إسماعيلَ، عن أبي رَزِينٍ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، يقولُ اللهُ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، فأين الثالثةُ؟ قال: \"التَّسْريحُ بإحسانٍ\" (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: في الثالثةِ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزَّاقِ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ، قال: كان الطلاقُ ليس له وقتٌ حتى أنزَل اللهُ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. قال: الثالثةُ ﴿إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (^٣).\nوقال آخرون منهم: بل عنَى اللهُ بذلك الدلالةَ على ما يلزَمُهم لهنَّ بعدَ التطليقةِ الثانيةِ من مُراجعةٍ بمعروفٍ أو تسريحٍ بإحسانٍ، بتركِ رجْعتِهنَّ حتى تنقضيَ عدَّتُهنَّ، فيصِرْنَ أملكَ بأنفُسِهنَّ (^٤). وأنكَروا قولَ الأوَّلين الذين قالوا: إنه دليلٌ على التطيقةِ الثالثةِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه:\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٣، وفي مصنفه (١١٠٩١) - ومن طرف النحاس في ناسخه ص ٢٢٥، ٢٢٦، وأخرجه عبد بن حميد في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ١/ ٤٠٠ - وأبو داود في المراسيل ص ١٤٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٩ (٢٢١٠) من طريق سفيان به.\n(^٢) ينظر المحرر ٢/ ١٠٠.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٣، وفي مصنفه (١١٠٩٣).\n(^٤) في م: \"لأنفسهن\".","vol":"4","page":131},{"text":"﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: إذا طلَّقَ واحدة أو اثنتيْنِ، إما أن يُمسِكَ - ويمسكَ: يراجعَ - بمعروفٍ، وإما سكتَ عنها حتى تنقضيَ عدَّتُها، فتكونَ أحقَّ بنفسِها (^١).\nحدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: فالتسريحُ أن يدَعَها حتى تمضيَ عِدَّتُها (^١).\nحدَّثنا يحيى (^٢) بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: يعني تطليقتيْنِ بينهما مُراجعةٌ، فأُمِر أنُ يمسِكَ أو يُسرِّحَ بإحسانٍ. قال: فإنْ هو طلَّقها ثالثةً، فلَا تَحِلُّ له حتى تنكِحَ زوجًا غيرَه.\nوكأن قائلي هذا القولِ الذف ذكَرناه عن السُّدِّيِّ والضحاكِ ذهَبوا إلى أن معنى الكلامِ: الطلاقُ مرّتانِ، فإمساكٌ في كلِّ واحدةٍ منهما لهنَّ بمعروفٍ، أو تسريحٌ لهنَّ بإحسانٍ.\nوهذا مذهبٌ مما يحتمِلُه ظاهرُ التنزيلِ لولَا الخبرُ الذي ذكَرتُه عن النبيِّ ﷺ، الذي رواه إسماعيلُ بنُ سُميعٍ، عن أبي رَزِينٍ، فإنَّ اتباعَ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أوْلى بنا مِن غيرِه. فإذ كان ذلك هو الواجبَ، فبيِّنٌ أن تأويلَ الآيةِ: الطلاقُ الذي لأزواجِ النساءِ على نسائِهم (*) فيه الرجعةُ مرتان، ثم الأمرُ بعدَ ذلك إذا راجَعوهُنَّ في الثانيةِ، إما إمساكٌ بمعروفٍ، وإما تسريحٌ منهم لهن بإحسانٍ بالتطليقةِ\n_________\n(^١) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ١٠٠.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"على\".\n(*) إلى هنا ينتهي الخرم المشار إليه في ص ١٢٩.","vol":"4","page":132},{"text":"الثالثةِ حتى يَبِنَّ (^١) مِنهم، فيَبطُلَ (^٢) ما كان لهم عليهن من الرجْعةِ، ويصِرنَ أملكَ بأنفسِهنَّ (^٣) منهم (^٤).\nفإن قال قائلٌ: وما ذلك الإمساكُ الذي هو بمعروفٍ؟\nقيل: هو ما حدَّثني به عليُّ بنُ عبدِ الأعلَى المحاربيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾. قال: المعروفُ أن يُحسنَ صُحبتَها.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾. قال: ليتّقِ اللهَ فما التطليقةِ الثالثةِ، فإمّاُ يُمسِكُها بمعروفٍ فيحسِنُ صَحابتَها (^٥).\nفإن قال: فما التسريحُ الذي هو بإحسانٍ؟\nقيل: هو ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: أو يُسرِّحُها فلا يظلِمُها من حقِّها شيئًا.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: هو الميثاقُ الغليظُ.\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تبين\".\n(^٢) في م: \"فتبطل\".\n(^٣) في م: \"لأنفسهن\".\n(^٤) في م: \"منهن\".\n(^٥) في الأصل: \"صحبتها\". والأثر تقدم تخريجه في ص ١٢٨.","vol":"4","page":133},{"text":"بِإِحْسَانٍ﴾. قال: الإحسانُ أن يوفِّيَها حقَّها، فلا يُؤذِيَها ولا يَشتمَها (^١).\nحدَّثنا عليُّ بنُ عبدٍ الأعلَى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: فالتسريحُ بإحسانٍ أن يدَعَها حتى تمضيَ عِدّتُها، ويُعطيَها مَهرًا إنْ كان لها عليه إذا طلَّقها، فذلك التسريحُ بإحسانٍ، والمتعةُ على قَدْرِ الميسرَةِ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١] قال: قولُه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (^٢).\nبأن قال قائلٌ: فما الرافعُ للإمساكِ والتسريحِ؟\nقيل: محذوفٌ اكتُفِيَ بدلالةِ ما ظهَر من الكلامِ مِن ذكرِه، ومعناه: الطلاقُ مرتان، فالأمرُ الواجبُ حينئذٍ (^٣) إمساكٌ بمعروفٍ، أو تسريحٌ بإحسانٍ.\nوقد بيَّنَّا ذلك مفسَّرًا في قولِه: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-720>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾.</span>\nيعني بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٩ (٢٢١١) من طريق عمرو به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١٤٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٩ (٥٠٧١) من طريقين، عن ابن عباس.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"به\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٣/ ١١٠، ١١١.","vol":"4","page":134},{"text":"ولا يَحِلُّ لكم أيُّها الرجالُ أن تأخُذوا مِن نسائِكم - إذا أنتم أردتُم طلاقَهن - لطلاقِكم وفراقِكم إياهنَّ، شيئًا مما أعطيتموهُنَّ من الصّداقِ، وسُقتُم إليهنَّ [من المهرِ] (^١)، بل الواجبُ عليكم تسريحُهنَّ بإحسانٍ، وذلك إيفاؤُهنَّ حقوقَهنَّ من الصَّداقِ والمتعةِ وغيرِ ذلك مما يجبُ لهنَّ عليكم إلَّا أن يخافا ألا يُقيما حدودَ اللهِ.\nواختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾. وذلك قراءةُ عُظْمِ أهلِ الحجازِ والبصرةِ (^٢)، بمعنى: إلَّا أن يخافَ الرجلُ والمرأةُ ألا يقيمَا حدودَ اللهِ. وقد ذُكِر أن ذلك في قراءةِ أُبَيِّ بنِ كعبٍ: (إلَّا أنْ يَظُنَّا ألَا يُقيِما حُدودَ اللهِ).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، قال: أخبَرني ثورٌ، عن ميمونِ بنِ مِهرانَ، قال: في حرفِ أُبيٍّ أن الفداءَ تطليقةٌ. قال (^٣): فذكَرتُ ذلك لأيوبَ، فأتينا رجلًا عندَه مصحفٌ قديمٌ لأبيٍّ خرَج من ثقةٍ، فقرَأناه فإذا فيه: (إلَّا أنْ يَظُنَّا ألَّا يُقِيما حُدودَ اللهِ، فإنْ ظَنَّا ألا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه، لا تحلُّ له من بعدُ حتى تنكحَ زوجًا غيرَه) (^٤).\nوالعربُ قد تضعُ الظَّنَّ موضعَ الخوفِ، والخوفَ موضعَ الظنِّ في كلامِها؛ لتقاربِ معنيَيْهما، كما قال الشاعرُ (^٥):\nأتانِي كَلامٌ عنْ نُصَيْبٍ يَقُولُهُ … ومَا خِفْتُ يا سَلَّامُ أنَّكَ عائبِي\n_________\n(^١) سقط من: ص، م.\n(^٢) وهي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبي عمرو والكسائي وخلف. ينظر النشر ٢/ ١٧١.\n(^٣) القائل هو معمر كما في مصنف عبد الرزاق.\n(^٤) مصنف عبد الرزاق (١١٧٦٣).\n(^٥) هو أبو الغول الطُّهوي، والبيت في نوادر أبي زيد ص ٤٦، ومعاني القرآن للفراء ١/ ١٤٦.","vol":"4","page":135},{"text":"بمعنى: وما ظَننتُ.\nوقرأه آخرون من أهلِ المدينةِ والكوفةِ: (إلَّا أنْ يُخافا) (^١). فأما قارئُ ذلك كذلك من أهلِ الكوفةِ، فإنه ذُكِر عنه أنه قرَأه كذلك اعتبارًا منه بقراءةِ ابنِ مسعودٍ، وذُكِرَ أنه في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (إلَّا أنْ تَخافُوا ألَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ) (^٢). وقراءةُ ذلك كذلك اعتبارًا بقراءةِ ابنِ مسعودٍ التي ذُكِرتْ عنه خطأٌ، وذلك أن ابنَ مسعودٍ إن كان قرَأه كما ذُكِرَ عنه، فإنما أعملَ الخوفَ في \"أنْ\" وحدَها، وذلك غيرُ مدفوعةٍ صحتُه، كما قال الشاعرُ (^٣):\nإذَا مِتُّ فادْفِنِّي إلى أصْلِ (^٤) كَرْمَةٍ … يُرَوِّي عِظامي بَعْدَ مَوتي عُرُوقُها\nولَا تَدْفِنَنِّى بالفَلاةِ فإنَّنِي … أخافُ إذَا ما مِتُّ أنْ لا أذُوقُها\nفأمّا قارئُه: (إلَّا أن يُخافَا). بذلك المعنَى، فقد أعمَل الخوفَ (^٥) في متروكةٍ (^٦) تَسميتُه، وفي \"أنْ\"، فأعْمَله في ثلاثةِ أشياءَ (^٧): المتروكِ الذي هو اسمُ ما لمْ يُسمَّ فاعلُه، وفي \"أنْ\" التي تنوبُ عن شيئين. ولا تقولُ العربُ في كلامِها: ظُنّا أنْ يقوما. لكنّ قراءةَ ذلك كذلك صحيحةٌ على غيرِ الوجهِ الذي قرَأهُ مَنْ ذكَرْنا قراءَتَه\n_________\n(^١) وهي قراءة أبي جعفر ويعقوب وحمزة. النشر ١/ ١٧١.\n(^٢) البحر المحيط ٢/ ١٩٧.\n(^٣) هو أبو محجن الثقفي، عمرو بن حبيب. والبيتان في معاني القرآن للفراء ١/ ١٤٦، وخزانة الأدب ٨/ ٣٩٨، ٣٩٩، ٤٠١، ٤٠٢، وهمع الهوامع ٢/ ٢.\n(^٤) في م: \"جنب\".\n(^٥) سقط من: ص، م.\n(^٦) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢: \"متروكه\".\n(^٧) بعده في الأصل: \"أحدهما\".","vol":"4","page":136},{"text":"كذلك، اعتبارًا بقراءةِ عبدِ اللهِ [التي وصَفْنَاها] (^١)، ولكنْ على أن يكونَ مرادًا به إذا قُرئَ كذلك: إلا أن يُخافَا بألا يقيما حدودَ اللهِ. أو على ألا يقيما حدودَ اللهِ.\nفيكونَ العاملُ في \"أن\" غيرَ \"الخوفِ\"، ويكونَ \"الخوفُ\" عاملًا فيما لم يُسمَّ فاعلُه. وذلك هو الصوابُ عندَنا من (^٢) القراءةِ؛ لدلالةِ ما بعدَه على صحتِه، وهو قولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ فكان بيِّنًا أن الأولَ بمعنى: إلَّا أن تَخافوا ألا يُقِيما حدودَ اللهِ.\nفإن قال قائلٌ: وأيةُ حالٍ الحالُ التي يُخافُ عليهما ألا يُقِيما حدودَ اللهِ، حتى يَجوزَ للرجلِ أنْ يأخُذَ حينئذٍ منها ما آتاها؟\nقيل: حالُ نُشوزِها وإظهارِها له بِغْضتَه، حتى يُخافَ عليها تركُ طاعةِ اللهِ فيما ألزَمها (^٣) لزوجِها من الحقِّ، ويُخافَ على زوجِها بتقصيرِها في أداءِ حقوقه التي ألزَمها اللهُ له تركُه أداءَ الواجبِ لها عليه، فذلك حينَ الخوفِ عليهما ألا يُقيما حدودَ اللهِ فيُطِيعاه فيما ألزَمَ كلَّ واحدٍ منهما لصاحبِه، والحالُ التي أباحَ النبيُّ ﷺ لثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ أخذَ ما كان آتَى زوجَته إذْ نَشَزتْ عليه بُغضًا منها له.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: قرأتُ على فُضيلٍ، عن أبي حَرِيزٍ (^٤)، أنه سأل عكرمةَ: هل كان للخُلعِ أصلٌ؟ قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: إنَّ أولَ خُلعٍ كان في الإسلامِ أختُ عبدِ اللهِ بنِ أبَىٍّ؛ أنها أتتْ رسولَ اللهِ ﷺ، فقالت: يا رسولَ اللهِ لا يجمَعُ رأسِي ورأسَه شيْءٌ أبدًا، إني رفَعتُ جانبَ الخِباءِ فرأيتُه أقبَل في عِدَّةٍ، فإذا هو أشدُّهم سوادًا، وأقصرُهم قامةً، وأقْبحُهم\n_________\n(^١) في ص، م: \"الذي وصفنا\".\n(^٢) في م: \"في\".\n(^٣) في م: \"لزمها\".\n(^٤) في النسخ: \"جرير\". وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٤٢٠.","vol":"4","page":137},{"text":"وجهًا. قال زوجُها: يا رسولَ اللهِ إني أعطيتُها أفضلَ مالي حديقةً، [فإنْ ردَّتْ] (^١) عليَّ حديقتي! قال: ما تقولين؟ قالت: نَعم، وإن شاءَ زِدْتُه. قال: ففرّقَ بينهما (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ مَعمرٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا أبو عَمرٍ والسَّدوسِيُّ، عن عبدِ اللهِ، يعني ابنَ أبي بكرٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، أن حبيبةَ ابنةَ سهلٍ كانت تحتَ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ، فضرَبها فكسَر بعضَها (^٣)، فأتت رسولَ اللهِ ﷺ بعدَ الصُّبحِ، فاشْتكتْه إليه (^٤)، فدعا رسولُ اللهِ ﷺ ثابتًا، فقال: \"خُذْ بعضَ مالِها وفارِقْها\". قال: ويصلُحُ ذلك يا رسولَ اللهِ؟ قال: \"نعم\". قال: فإني أصدَقْتُها حديقتَيْنِ وهما بيدِها، فقال النبيُّ ﷺ: \"خُذْهُمَا وفارِقْهَا\". ففعَل (^٥).\nحدثنا [ابن بشارٍ] (^٦)، قال: ثنا روحٌ، قال: ثنا مالكٌ، عن يحيى، عن عَمْرةَ، أنها أخبرَته عن حبيبةَ ابنةِ سهلٍ الأنصاريةِ أنها كانت تحتَ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ، وأن رسولَ اللهِ ﷺ رآها عندَ بابِه بالغَلسِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"مَنْ هَذِه؟ \" قالت: أنا حبيبةُ ابنةُ سهلٍ، لا أنا ولا ثابتُ بنُ قيسٍ. لزوجِها، فلما جاء\n_________\n(^١) في م: \"فلتردد\".\n(^٢) ذكره ابن كثير ١/ ٤٠٣ عن المصنف، وينظر الإصابة ٧/ ٥٥٧، وتخريج أحاديث الكشاف ١/ ١٤٥.\n(^٣) في جامع الأصول (٢٠٩٤): \"نغضها\"، وذكر الشيخ شاكر أنها كذلك في نسختين من أبي داود، والمثبت موافق لما في مطبوعة سنن أبي داود وتفسير ابن كثير وإن غيرها ناشرو المطبوعة. ولم يذكر غيرها في عون المعبود ٢/ ٢٣٤، وقال ابن الأثير في جامع الأصول: النغض: أعلى الكتف، وقيل: هو العظم العريض الذي يسمى اللوح.\n(^٤) سقط من: ص، م.\n(^٥) أخرجه أبو داود (٢٢٢٨) عن محمد بن معمر به، وأخرجه البيهقي ٧/ ٣١٥ من طريق عبد الله بن أبي بكر، به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٧٦٢) من طريق عمرة به، وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٠٢.\n(^٦) في م: \"أبو يسار\".","vol":"4","page":138},{"text":"ثابتُ بنُ قيسٍ قال له رسولُ اللهِ ﷺ: \"هَذِهِ حَبِيبَةُ ابنةُ سَهْلٍ تَذْكُرُ ما شاءَ اللهُ أنْ تَذْكُرَ\". فقالت حبيبةُ: يا رسولَ اللهِ، كلُّ ما أعطانِيه عندي. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"خُذْ مِنْها\". فأخَذ منها وجلَستْ في بيتِها (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن ثابتٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ رباحٍ (^٢)، عن جميلةَ بنتِ أُبيِّ ابنِ سلولَ، أنها كانت تحت (^٣) ثابتِ بنِ قيسٍ فنشَزتْ عليه، فأرسَل إليها النبيُّ ﷺ، فقال: \"يا جَمِيلَةُ ما كَرِهْتِ مِنْ ثابِتٍ\"؟ قالت: واللهِ ما كرِهتُ منه دِينًا ولَا خُلقًا، إلَّا أني كرِهتُ دَمامَتَه. فقال لها: \"أتَرُدِّين الحَديقَةَ؟ \" قالت: نعم. فرَدَّتِ الحديقةَ، وفرَّق بينهما (^٤).\nوقد ذُكِرَ أنَّ هذه الآيةَ نزَلتْ في شأنِهما، أعني في شأنِ ثابتِ بنِ قيسٍ وزوجتِه هذه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: نزَلتْ هذه الآيةُ في ثابتِ بنِ قيسٍ وفي حبيبةَ، قال: وقد كانت اشتكَته إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ: \"تَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ\"؟ فقالت: نعم. فدعاه النبيُّ ﷺ فذكَر ذلك له. فقال: ويطيبُ لي ذلك يارسولَ اللهِ؟ قال: \"نعم\". قال\n_________\n(^١) أخرجه مالك ٢/ ٥٦٤ - ومن طريقه الشافعي في الأم ٥/ ١١٣، وأحمد ٦/ ٤٣٣ (الميمنية)، وأبو داود (٢٢٢٧)، والنسائي (٣٤٦٢)، وابن الجارود (٧٤٩)، وابن حبان (٤٢٨٠)، والبيهقي ٧/ ٣١٢، وأخرجه الشافعي ٥/ ١١٣ - ومن طريقه البيهقي ٧/ ٣١٣ - من طريق يحيى به مختصرا، وأخرجه أبو داود (٢٢٢٨) من طريق عمرة به.\n(^٢) في الأصل: \"زياد\".\n(^٣) في ص، م: \"عند\".\n(^٤) أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب ٤/ ١٨٠٢ من طريق ابن حميد به.","vol":"4","page":139},{"text":"ثابتٌ: قد فعَلْتُ. فنزَلتْ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (^١).\nوأما أهلُ التأويلِ فإنهم اختَلَفوا في معنى الخوفِ منهما ألا يُقِيما حدودَ اللهِ، فقال بعضُهم: ذلك هو أن يظهرَ من المرأةِ سوءُ الخلقِ والعِشرةِ لزوجِها، فإذا ظهَر ذلك منها له، حلَّ له أخذُ ما أعطَتْه من فديةٍ على فراقِها.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾: إلَّا أن يكونَ النشوزُ وسوءُ الخلقِ مِن قِبَلِها، فتَدْعوَك إلى أن تَفتديَ منك، فلا جناحَ عليك فيما افتدَتْ به (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: أخبَرني هِشامُ بنُ عروةَ، أن عروةَ كان يقولُ: لا يحِلُّ الفداءُ حتى يكونَ الفسادُ من قِبَلِها، ولم يكنْ يقولُ: \"لا يحِلُّ له\" حتى تقولَ: لا أبَرُّ لكَ قَسمًا، ولا أغتسِلُ مِن جنابةٍ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخبَرني عَمرُو بنُ دينارٍ، قال: قال جابرُ بنُ زيدٍ: إذا كان الشَّرُّ (^٤) مِن قِبلِها حلَّ الفداءُ (٣).\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني ٣/ ٢٥٥، والبيهقي ٧/ ٣١٤، من طريق عن حجاج، عن ابن جريج، عن أبي الزبير.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢٠ (٢٢١٧) من طريق أبي صالح به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٠٨ عن ابن علية به.\n(^٤) في م: \"النشز\".","vol":"4","page":140},{"text":"حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني ابنُ أبي الزِّنادِ، عن هشامِ بنِ عروةَ، أن أباه كان يقولُ: إذا كان سوءُ الخلقِ وسوءُ العِشْرَةِ مِن قِبلِ المرأةِ، فذاكَ يُحِلُّ خُلْعَها.\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، عن حمادٍ، عن هشامٍ، عن أبيه أنه قال: لا يصلُحُ الخُلعُ حتى يكونَ الفسادُ من قِبلِ المرأةِ (^١).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ السُّكَّريُّ (^٢)، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ في امرأةٍ قالت لزوجِها: لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أُطيعُ لك أمْرًا، ولا أغتسِلُ لك من جنابةٍ: قال: ما هذا؟ - وحرَّك يدَه - لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أطيعُ لك أمرًا! إذا كرِهتِ المرأةُ زوجَها فلْيأخُذْ ولْيترُكْها (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه قال في المُختَلِعةِ: يَعِظُها، فإن انتهَتْ وإلا هجرَها، فإن انتهَتْ وإلا ضرَبها، فإن انتهتْ وإلا رفَع أمرَها إلى السلطانِ، فيبعَثُ حَكَمًا من أهلِه وحكَمًا من أهلِها، فيقولُ الحكمُ الذي من أهلِها: تفعلُ بها كذا وتفعلُ بها كذا. ويقولُ الحكَمُ الذي من أهلِه: تفعَلُ به كذا وتفعلُ به كذا. فأيُّهما كان أظلمَ ردَّه السلطانُ، وأخَذ فوقَ يدِه، وإن كانت ناشزًا أمَره أن يخلَعَ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ إلى قولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٣/ ٣٧٠ من طريق حماد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ص، م: \"القناد\". وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٤١٣.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٤١٧) عن إسماعيل به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"4","page":141},{"text":"افْتَدَتْ بِهِ﴾. قال: إذا كانت المرأةُ راضيةً مُغتبطةً مطيعةً، فلا يحلُّ له أن يضرِبَها حتى تفتديَ منه، فإن أخَذ منها شيئًا على ذلك، فما أخَذ مِنها فهو حرامٌ، وإن كان النشوزُ والبغضُ والظلمُ من قِبَلِها، فقد حلَّ له أن يأخُذَ منها ما افتدتْ به.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ قال: لا يحلُّ للرَّجلِ أن يَخْتلِعَ (^١) امرأتَه إلا أن يُؤتَى (^٢) ذلك مِنها، فأما أن يكونَ [ذلك منه] (^٣)، يُضَارُّها حتى تَختلِعَ، فإن ذلك لا يصلُحُ، ولكن إذا نشَزتْ فأظهَرتْ له البغضاءَ وأساءت عِشْرتَه، فقد حلَّ له خُلْعُها (^٤).\nحدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ قال: الصداقُ ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ وحدودُ اللهِ أن تكونَ المرأةُ ناشِزًا، فإن اللهَ أمَر الزوجَ أن يعِظَها بكتابِ اللهِ، فإن قبِلتْ وإلا هجَرها، والهَجْرُ (^٥) ألا يُجامِعَها ولا يضاجِعَها على فراشٍ واحدٍ، ويُولِّيَها ظهرَه ولا يكلِّمَها، فإن أبَتْ غلَّظ لها (^٦) القولَ بالشَّتيمةِ لترجِعَ إلى طاعتِه، فإن أبتْ فالضربُ (^٧)؛ ضربٌ غيرُ مُبرِّحٍ، فإن أبتْ إلا جِماحًا فقد أُحِلَّ له منها الفديةُ (^٨).\n_________\n(^١) في م: \"يخلع\".\n(^٢) في م: \"يرى\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٣، وفي مصنفه (١١٨١٥).\n(^٥) في ص، م: \"الهجران\".\n(^٦) في م: \"عليها\".\n(^٧) في الأصل: \"فبالضرب\".\n(^٨) ينظر التبيان ٢/ ٢٤٦.","vol":"4","page":142},{"text":"وقال آخرون: بل الخوفُ من ذلك ألا تَبَرَّ له قَسَمًا ولا تطيعَ له أمرًا، وتقولَ: لا أغتسِلُ لك من جنابةٍ، ولا أُطِيعُ لك أمرًا. فحينئذٍ يَحِلُّ له عندَهم أَخْذُ ما آتاها على فِراقِه إيّاها.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قال الحسنُ: إذا قالت: لا أغتسِلُ لك من جنابةٍ، ولا أَبَرُّ لك قسمًا، ولا أُطيعُ لك أمرًا. فحينئذٍ حلَّ الخُلعُ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: إذا قالت المرأةُ لزوجِها: لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أطيعُ لك أمرًا، ولا أغتسِلُ لكَ من جنابةٍ، ولا أُقيمُ حدًّا من حدودِ اللهِ. فقد حلَّ له مالُها.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ سالمٍ، قال: سألتُ الشعبيَّ، قلتُ: متى يحلُّ للرجلِ أن يأخُذَ من مالِ امرأتِه؟ قال: إذا أظهرَتْ بُغضَه وقالت: لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أطيعُ لك أمرًا.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ أنه كان يَعْجَبُ من قولِ مَن يقولُ: لا تحلُّ الفديةُ حتى تقولَ: لا أغتسِلُ لكَ من جنابةٍ. وقال: إن الزانِيَ يَزنِي ثم يغتسِلُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٠٨، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢١ (٢٢٢٤) من طرق عن الحسن مختصرا.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٤١٦) من طريق مغيرة به عن الشعبي.","vol":"4","page":143},{"text":"الناشزِ، قال: إن المرأةَ ربما عصَتْ زوجَها ثم أطاعته، ولكن إذا عصَتْه فلم تَبَرَّ [له قَسَمًا] (^١)، فعندَ ذلك تحِلُّ له (^٢) الفديةُ (^٣).\nحَدَّثَنِي [موسى بنُ هارونَ] (^٤)، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾: لا يحلُّ له أن يأخُذَ من مهرِها شيئًا إلَّا أن [يكونا يخافان] (^٥) ألَّا يُقيما حدودَ اللهِ، فإذا لَمْ يقيما حدودَ اللهِ، فقد حلَّ له الفِدَى (^٦)، وذلك أن تقولَ له: واللهِ لا أبرُّ لك قسمًا، ولا أطيعُ لك أمرًا، ولا أُكرِمُ لك نفْسًا. ولا أغتسِلُ لكَ من جنابةٍ. فهو حدودُ اللهِ، فإذا قالت ذلك، فقد حلَّ الفِدَى للزوجِ أن يأخُذَه ويطلِّقَها.\nحَدَّثَنَا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عَنبسةُ، عن عليِّ بنِ بَذِيمةَ، عن مِقْسمٍ في قولِهِ: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] يقولُ: (إلَّا أن يُفْحِشْن) في قراءةِ ابنِ مسعودٍ (^٧). قال: إذا عصتْكَ وآذَتْكَ، فقد حلَّ لك ما أخَذتَ منها (^٨).\nحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾. قال: الخُلعُ. قال: ولا يحلُّ له إلَّا أن تقولَ المرأةُ: لا أَبَرُّ قسَمَه، ولا أطيعُ أمرَه. فيقبلَه خيفةَ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قسمه\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٤٣٩) من طريق مغيرة عن إبراهيم به.\n(^٤) في م: \"يونس\".\n(^٥) في م: \"أن يخافا\".\n(^٦) في م: \"الفداء\". وهما واحد.\n(^٧) ينظر البحر المحيط ٣/ ٢٠٣.\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٠٨ من طريق على به.","vol":"4","page":144},{"text":"أن يسيءَ إليها إن أمسَكها ويتعدَّى الحقَّ.\nوقال آخرون: بل الخوفُ من ذلك أن [تُبْدِىَ له] (^١) بلسانِها قولًا أنَّها له كارهةٌ.\nذكرُ من قال ذلك\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكَمِ المصريُّ، قال: ثنا أبي وشعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، عن أيوبَ بنِ موسي، عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، قال: يُحِلُّ الخلعَ أن تقولَ المرأةُ لزوجِها: إني لأكرَهُكَ، وما أحبُّكَ، ولقد خشيتُ أن آثَمَ (^٢) في جنبِكَ ولا أؤدِّيَ حقَّكَ. وتطيبَ نَفْسًا (^٣) بالخُلعِ.\nوقال آخرون: بل الذي يبيحُ له أخذَ الفديةِ أن يكونَ خوفُ ألا يقيما حدودَ اللهِ منهما جميعًا لكراهةِ كلِّ واحدٍ منهما صُحبةَ الآخَرِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحَدَّثَنَا حُميدُ بنُ مَسعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، وحَدَّثَنِي يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن داودَ، قال: قال عامرٌ: أُحِلُّ له مالَها بنُشوزِه ونُشوزِها (^٤).\nحَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قال طاوسٌ: يُحِلُّ له الفِدى ما قال اللهُ ﵎ ولم يكن يقولُ قولَ السفهاءِ: لا أبَرُّ لك قسمًا. ولكن يُحِلُّ الفداءَ ما قال اللهُ: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾\n_________\n(^١) في ص: \"تبتدي له\" وفي م: \"تبتذله\".\n(^٢) في م: \"أنام\".\n(^٣) في م: \"نفسك\".\n(^٤) ينظر التبيان ٢/ ٢٤٦.","vol":"4","page":145},{"text":"فيما افْتَرَض لكلِّ واحدٍ منهما على صاحبِه من العِشرةِ والصحبةِ (^١).\nحَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾. قال: فيما افتَرَض اللهُ عليهما في العِشرةِ والصُّحبةِ (^٢).\nحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى ابنُ شهابٍ، قال: أخبَرني سعيدُ بنُ المسيَّبِ، قال: لا يَحِلُّ الخلعُ حتى يخافا ألا يُقِيما حدودَ اللهِ في العِشرةِ التي بينهما.\nوأوْلى هذه الأقوالِ بالصحةِ قولُ من قال: لا يَحِلُّ للرجلِ أخذُ الفديةِ مِن امرأتِه على فراقِه إيَّاها، حتى يكونَ خوفُ معصيةِ اللهِ من كلِّ واحدٍ منهما على نفسِه، في تفريطِه في الواجبِ عليه لصاحبِه منهما جميعًا، على ما ذكرناه عن طاوسٍ والحسنِ ومَن قال في ذلك مثلَ قولِهما؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذكرُه إنما أباحَ للزوجِ أخذَ الفدية من امرأتِه عندَ خوفِ المسلمين عليهما ألا يقيما حدودَ اللهِ.\nفإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ كما وصَفتَ، فالواجبُ أن يكونَ حرامًا على الرجلِ قبولُ الفديةِ منها إذا كان النشوزُ منها دونَه، حتى يكونَ منه من الكراهيةِ لها مثلُ الذي يكونُ منها؟\nقيل له: الأمرُ في ذلك بخلافِ ما ظننتَ، وذلك أن في نشوزِها عليه داعيةً له إلى التقصيرِ في واجبِها، ومجازاتِها * بسوء فِعْلِها به، وذلك هو المعنى الذي يوجبُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٠٩، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢٠ (٢٢١٦) عن ابن علية به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٨١٨) عن ابن جريج به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٠٩ عن ابن علية به.\n* من هنا خرم في النسخة الأصل، ينتهي في ص ١٤٩.","vol":"4","page":146},{"text":"للمسلمين الخوفَ عليهما ألا يقيما حدودَ اللهِ. فأمَّا إذا كان التفريطُ من كلِّ واحدٍ منهما في واجبِ حقِّ صاحبِه قد وُجدَ، وسوءُ الصحبةِ والعِشرَةِ قد ظهَر للمسلمين، فليس هناك للخوفِ موضعٌ، إذْ كان الخوفُ قد وُجدَ، وإنما يُخافُ وقوعُ الشيءِ قبلَ حُدوثِه، فأما بعدَ حُدوثِه فلا وجهَ للخوفِ مِنه ولا الزيادةِ في مكروهِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-721>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ التي إذا خيفَ من الزوجِ والمرأةِ ألا يُقيماها حَلَّتْ له الفديةُ من أجلِ الخوفِ عليهما تَضْييعَها (^١)؛ فقال بعضُهم: هو استخفافُ المرأةِ بحقِّ زوجِها وسوء طاعتِها إيَّاه، وأذاها له بالكلامِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. قال: هو تركُها إقامةَ حدودِ اللهِ، واستخفافُها بحقِّ زوجِها، وسوءُ خلُقِها، فتقولُ له: واللهِ لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أطأُ لك مَضجَعًا، ولا أطيعُ لك أمرًا. فإن فعَلتْ ذلك فقد حَلَّ له منها الفديةُ (^٢).\nحَدَّثَنَا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي زائدةَ، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ في قولِه ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.\n_________\n(^١) في م: \"بصنيعها\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢١ (٢٢٢١) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"4","page":147},{"text":"قال: إذا قالت: لا أغتسلُ لك من جنابةٍ. حلَّ له أن يأخُذَ منها (^١).\nحَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا حبَّانُ بنُ موسي، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، قال: ثنا يونسُ، عن الزهريِّ، قال: يَحِلُّ الخلعُ حين يخافان ألا يقيما حدودَ اللهِ وأَداءَ حدودِ اللهِ في العِشرةِ التي بينَهما (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: فإن خفتم ألا يطيعا اللهَ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحَدَّثَنَا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن عامرٍ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾. قال: ألا يطيعا اللهَ (^٣).\nحَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: الحدودُ الطاعةُ.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك: فإن خفتم ألا يُقيما [ما أوجَب] (^٤) اللهُ عليهما مِن الفرائضِ، فيما أُلْزِمَ كلُّ واحدٍ منهما من الحقِّ لصاحبِه من العِشرةِ بالمعروفِ، والصُّحبةِ بالجميلِ، فلا جناحَ عليهما فيما افْتَدَتْ به.\nوقد يدخلُ في ذلك ما رَوَيْناه عن ابنِ عباسٍ والشعبيِّ، وما رَوَيْنا عن الحسنِ والزهريِّ، لأنَّ من الواجبِ للزوجِ على المرأةِ طاعتَه فيما أوجَب اللهُ طاعتَه فيه، ولا تؤذِيه بقولٍ، ولا تمتنِعُ عليه إذا دعاها لحاجتِه، فإذا خالَفتْ ما أمرَها اللهُ به من ذلك\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢١ (٢٢٢٤) من طريق يزيد.\n(^٢) ينظر التبيان ٢/ ٢٤٧.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢١ (٢٢٢٢) من طريق إسرائيل به.\n(^٤) في م: \"حدود الله ما أوجب\".","vol":"4","page":148},{"text":"كانت قد ضيَّعتْ حدودَ اللهِ التي أمرَها بإقامتِها (^١).\nوأما معنى إقامةِ (^٢) حدودِ اللهِ، فإنه العملُ بها، والمحافظةُ عليها، وتركُ تضْيِيعِها، وقد بينَّا ذلك فيما مضَى قبلُ مِن كتابِنا هذا، بما يدلُّ على صحتِه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-722>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: فإن خفتم أيها المؤمنون ألا يقيمَ الزوجان ما حدَّ اللهُ لكلِّ واحدٍ منهما على صاحبِه من حقٍّ، وألزَمه له مِن فرضٍ، وخَشِيتم عليهما تضييعَ فرضِ اللهِ وتعدِّيَ حدودِه في ذلك، فلا جناحَ حينئدٍ عليهما فيما افتدَتْ به المرأةُ نفسَها من زوجِها، ولا حرجَ عليهما فيما أعطَتْ هذه على فراقِ زوجِها إيّاها (^٤)، ولا على هذا فيما أخَذ منها من الجُعلِ والعِوَضِ عليه.\nفإن قال قائلٌ: وهل كانت المرأةُ حَرِجةً لو كان الضِّرارُ من الرجلِ بها حتى افتدَتْ به نفْسَها، فيكونَ لا جناحَ عليهما (^٥) فيما أعطَتْه من الفديةِ على فِراقِها إذا كان النشوزُ مِن قِبَلِها؟\nقيل: لو علِمتْ في حالِ ضِرارِه بها ليأخذَ منها ما آتاها أن ضِرارَه ذلك إنما هو ليأخذَ منها ما حرَّمَ اللهُ عليه أخذَه * على الوجهِ الذي نهاهُ اللهُ عن أخذِه منها، ثم قَدَرتْ أن تمتنِعَ مِن إعطائِه ذلك (^٦) بما لا ضررَ عليها في نفسٍ ولا دينٍ، ولا\n_________\n(^١) في ص: \"بإدامتها\".\n(^٢) في ص: \"إدامة\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٤٧، ٣/ ٢٧٤.\n(^٤) في م: \"إياه\".\n(^٥) في م: \"عليها\".\n* إلى هنا ينتهي الخرم المشار إليه في ص ١٤٦.\n(^٦) سقط من: ص، م.","vol":"4","page":149},{"text":"خوفَ (^١) عليها في ذهابِ حقٍّ لها، لما حلَّ لها إعطاؤُه ذلكَ، إلَّا علَى وجهِ طيبِ النفسِ منها بإعطائِه إيَّاهُ على ما يَحِلُّ له أخذُه منها؛ لأنها متى أعطَتْه ما لا يَحلُّ له أخذُه منها وهي قادرةٌ على مَنعِه ذلكَ بما لا ضررَ عليها في نفسٍ ولا دينٍ، ولا في حقٍّ لها تخافُ ذهابَه، فقد شارَكَتْه في الإثمِ بإعطائِه ما لا يَحلُّ له أخذُه منها على الوجهِ الذي أعطتْه عليْه، فلذلك (^٢) وُضِع عنها الجناحُ إذا (^٣) كان النشوزُ من قِبلِها، وأعطَتْه ما أعطَتْه من الفديةِ بطيبِ نفسٍ؛ ابتغاءً منها بذلك سلامتَها وسلامةَ صاحبِها من الوِزْرِ والمأثمِ، وهي - إذا أعطَتْه على هذا الوجهِ - باستحقاقِ الأجرِ والثوابِ من اللهِ أوْلى إن شاءَ اللهُ من الجنُاحِ والحرجِ، ولذلك قال جلّ ثناؤُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ فوضَع الحرجَ عنها فيما أعطَتْه على هذا الوجهِ من الفديةِ على فِراقِه إيَّاها، وعنه فيما قبَض منها إذ كانت مُعطيةً على المعنى الذي وصَفْنا، وكان قابضًا منها ما أعطتْه من غيرِ ضِرارٍ، بل طلَبَ السلامةِ لنفسِه ولها في [أديانِهما وحذارًا للأوزارِ] (^٤) والمأثمِ.\nوقد يتَّجِهُ قولُه جلّ ثناؤُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ وجهًا آخرَ من التأويلِ، وهو أنَّها لو بذَلتْ له ما بذَلتْ من الفديةِ على غيرِ الوجهِ الذي أذِن نبيُّ اللهِ ﷺ لامرأةِ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ، وذلك لكراهتِها أخلاقَ زوجِها أو دمامةَ خَلْقِه، وما أشبَهَ ذلك من الأمورِ التي يكرهُها الناسُ بعضُهم من بعضٍ، ولكن على الانصرافِ منها بوجْهِها إلى آخرَ غيرِه على وجهِ الفسادِ وما لا يَحِلُّ لها - كان حرامًا عليها أنْ تُعطىَ على مسألتِها إياهُ فِراقَها على ذلك الوجهِ شيئًا؛ لأنَّ مسألتَها إيّاه الفرقةَ على ذلك\n_________\n(^١) في ص، م: \"حق\".\n(^٢) في م: \"فكذلك\".\n(^٣) في الأصل: \"إذ\".\n(^٤) في ص: \"أورالهما وحذار الأوزار\"، وفي م: \"أديانهما وحذار الأوزار\".","vol":"4","page":150},{"text":"الوجهِ معصيةٌ منها للهِ، وتلك هي المُخْتلِعةُ - إن خولِعتْ على ذلك الوجهِ - التي رُوِي عن النبيِّ ﷺ أنه سمَّاها منافقةً.\nكما حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن ليثٍ، عن أبي إدريسَ، عن ثوبانَ مولَى رسولِ اللهِ ﷺ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: \"أيُّمَا امرأةٍ سأَلَتْ زوجَها الطَّلاقَ مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهَا رَائحَةَ الجَنَّةِ\". وقال: \"المُخْتَلِعاتُ هُنَّ المنُافِقَاتُ\" (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مُزاحمُ بنُ ذَوَّادِ بنِ عُلْبةَ، عن أبيه، عن ليثِ بنِ أبي سُليمٍ، عن أبي الخطابِ، عن أبي زُرعةَ، عن أبي إدريسَ، عن ثوبانَ مولَى رسولِ اللهِ ﷺ، عن رسولِ اللهِ ﷺ، قال: \"المُخْتَلِعاتُ هُنَّ المُنافِقاتُ\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيعِ، عن أشعثَ بنِ سَوّارٍ، عن الحسنِ، عن ثابتِ بنِ يزيدَ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ الجُهَنيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إنَّ المُخْتلِعاتِ المُنْتَزِعاتِ هُنَّ المُنافِقاتُ\" (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قالا جميعًا: ثنا أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، عمَّن حدَّثه، عن ثوبانَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"أيُّمَا امْرَأةٍ سَأَلَتْ زَوْجَها طَلاقًا من غَيرِ بَأسٍ، فَحَرَامٌ علَيها\n_________\n(^١) أخرجه الروياني في مسنده (٦٣٨) من طريق معتمر به.\n(^٢) أخرجه الترمذي (١١٨٦)، وابن عدي ٣/ ٩٨٦ عن أبي كريب به، وأخرجه البيهقي في الشعب (٥٥٠٣) من طريق ليث، عن أبي الخطاب، عن أبي زرعة، عن ثوبان. وينظر علل ابن أبي حاتم ١/ ٣٠٤ (٩١٣).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير ١٧/ ٣٣٩ (٩٣٥) من طريق قيس به.","vol":"4","page":151},{"text":"رَائحَةُ الجَنَّة\" (^١)\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو النُّعمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي أسماءَ الرحبيِّ، عن ثوبانَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ نحوَه (^٢).\nفإذ كان من وجوهِ افتداءِ المرأةِ نفسَها من زوجِها ما تكونُ به حَرِجةً، وعليها في افتدائِها نفسَها على ذلك الحَرجُ والجُناحُ، وكان من وجوهِه ما يكونُ الحرجُ والجُناحُ فيه على الرجلِ دونَ المرأةِ، ومنه ما يكونُ عليهما، ومنه ما لا يكونُ عليهما فيه حرجٌ ولا جُناحٌ، قيل في الوجهِ الذي لا حرجَ عليهما فيه: لا جُناحَ إذْ كانا فيما حاولا وقصَدا من افتراقِهما بالجُعْلِ الذي بذَلتْه المرأةُ لزوجِها لا جناحَ عليهما فيما افتدَتْ به من الوجهِ الذي أُبيحَ لهما، وذلك أن يخافا ألا يقيما حدودَ اللهِ بمقامِ (^٣) كلِّ واحدٍ منهما على صاحبِه.\nوقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ (^٤) أن في ذلك وجهين؛ أحدُهما، أن يكونَ مرادًا به: فلا جُناحَ على الرجلِ فيما افتدتْ به المرأةُ، دونَ المرأةِ. وإن كانا قد ذُكرا جميعًا، كما قال في سورةِ \"الرحمنِ\": ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾. [وإنَّما يَخْرُجُ - زعَم - اللؤْلُؤُ والمَرْجانُ] (^٥) من المِلحِ لا مِن العذْبِ. قال: ومِثلُه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] وإنما النّاسي صاحبُ موسى وحدَه. قال:\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١١٨٧) عن ابن بشار به، وأخرجه أحمد ٥/ ٢٧٧ (الميمنية) عن ابن علية به.\n(^٢) أخرجه الدارمي ٢/ ١٦٢، وابن ماجه (٢٠٥٥) عن أبي النعمان به، وأخرجه أحمد ٥/ ٢٨٣ (الميمنية)، وأبو داود (٢٢٢٦)، والحاكم ٢/ ٢٠٠، والبيهقي ٧/ ٣١٦ من طريق حماد بن زيد به.\n(^٣) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مقام\".\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن ١/ ١٤٧.\n(^٥) سقط من: ص، وفي م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وهما\".","vol":"4","page":152},{"text":"ومِثلُه في الكلامِ أن تقولَ: عندي دابتان أركبُهما وأستَقِي عليهما. وإنما تَركبُ إحداهما وتَسْتَقِي على الأُخْرى. قال: وهذا من سَعةِ العربيةِ التي يُحتجُّ بسَعتِها في الكلامِ. قال: والوجهُ الآخرُ، أن يشترِكا جميعًا في ألا يكونَ عليهما جُناحٌ، إذْ كانت تُعطِي ما قد نُفِيَ عن الزوجِ فيه الإثمُ، اشترَكت فيه؛ لأنها إذا أعطتْ ما يُطرحُ فيه المأثمُ احتاجتْ إلى مثلِ ذلك.\nقال أبو جعفرٍ: فلم يُصِبِ الصوابَ في واحدٍ مِن الوجهين، ولا في احتجاجِه بما احتجَّ به مِن قولِه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾. فأما قولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ فقد بينّا وجهَ صوابِه، وسنُبَيِّنُ وجهَ قولِه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ في موضعِه إذا أتينا عليه، إن شاء اللهُ.\nوإنما خَطَّأْنا قولَه ذلك؛ لأن اللهَ ﵎ قد أخبرَ عن وضعِه الحرجَ عن الزوجيْنِ إذا افتدت المرأةُ مِن زوجِها على ما أذِنَ، وأخبرَ عن البحرين أن منهما يخرُجُ اللؤلؤُ والمرجانُ، فأضاف الخبرَ (^١) إلى اثنيْن. فلو جازَ لقائلٍ أن يقولَ: إنما أريدَ به الخبرُ عن أحدِهما فيما لم يكنْ مُستحيلًا أن يكونَ عنهما، جازَ في كلِّ خبرٍ كانَ عن اثنينِ - غيرُ مُستحيلةٍ صحتُه أن يكونَ عنهما - أن يقالَ: إنما هو خبرٌ عن أحدِهما.\nوذلك قلبُ المفهومِ من كلامِ الناسِ والمعروفِ من استعمالِهم في مخاطباتِهم. وغيرُ جائزٍ حملُ كتابِ اللهِ ﷿ ووَحْيِه جلَّ ذكرُه على الشواذِّ من الكلامِ، وله في المفهومِ الجارِي بين الناسِ وجهٌ صحيحٌ موجودٌ.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.\nأمَعنيٌّ به أنهما موضوعٌ عنهما الجُناحُ في كلِّ ما افتدتْ به المرأةُ نفسَها من شيءٍ أم في\n_________\n(^١) سقط من: ص، م.","vol":"4","page":153},{"text":"بعضِه؟ فقال بعضُهم: عنَى بذلك: فلا جناحَ عليهما فيما افتدَتْ به من صَداقِها الذي كان آتاها زوجُها الذي تختلِعُ منه. واحتجُّوا في قولِهم ذلك بأن آخرَ الآيةِ مردودٌ على أوَّلِها، وأن معنى الكلامِ: ولا يحِلُّ لكم أن تأخُذوا مما آتَيْتموهنَّ شيئًا إلا أن يَخافا ألا يُقِيما حُدودَ اللهِ، فإن خِفتم ألا يُقيما حُدودَ اللهِ فلا جُناحَ عليهما فيما افتدَتْ به مما آتيتموهنَّ.\nقالوا: فالذي أحلّه اللهُ لهما من ذلك عندَ الخوفِ عليهما ألا يقيما حدودَ اللهِ هو الذي كان حظَرَ عليهما قبلَ حال الخوفِ عليهما من ذلك. واحتجُّوا في ذلك بقصةِ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمّاسٍ، وأن رسولَ اللهِ ﷺ إنما أمَر امرأتَه إذْ نَشَزَت عليه أن تردَّ ما كان ثابتٌ أصْدَقها، وأنها عرَضت الزيادةَ فلم يقبَلْها النبيٌّ ﷺ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، لَال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ أنه كان يقولُ: لا يصلُحُ له أن يأخذَ منها أكثرَ مما ساقَ إليها. ويقولُ: إن اللهَ يقولُ: (فَلا جُناحَ عليهما فيما افْتَدَتْ به منه). يقولُ: من المهرِ، وكذلك كان يَقْرَؤُها: (فيما افتدَتْ به منه) (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا بشرُ بنُ بكرٍ، عن الأوزاعيِّ، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ شعيبٍ وعطاءَ بنَ أبي رباحٍ والزهريَّ يقولون في الناشزِ: لا يأخُذُ منها زوجُها (^٢) إلا ما ساقَ إليها (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٩ (٢٢١٣) من طريق ابن أبي جعفر به. والقراءة شاذة؛ لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٢) سقط من: ص، م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٢٣ من طريق الأوزاعي به.","vol":"4","page":154},{"text":"حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، ثنا أبو عمرٍو، عن عطاءٍ، قال: الناشزُ لا يأخُذُ إلا ما ساق إليها.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ أنه كَرِه أنْ يأخذَ في الخلعِ أكثرَ مما أعطاها (^١).\nحدَّثنا زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أشعثَ، عن الشعبيِّ، قال: كان يَكْرَهُ أن يأخُذَ الرجلُ من المختلِعةِ فوقَ ما أعطاها، وكان يرى أن يأخُذَ دونَ ذلك.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، مَال: ثنا سفيانُ، عن أبي حُصَيْنٍ، عن الشعبيِّ، قال: لا يأخذُ منها أكثرَ مما أعطاها (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن الشعبيِّ أنه كان يَكرَهُ أن يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها. يعني المختلِعَةَ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ ليثًا، عن الحكمِ بنِ عُتيبَةَ، قال: كان عليٌّ يقولُ: لا يأخذُ من المختلعةِ فوقَ ما أعطاها (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ (^٥)، عن الحَكَمِ أنه قال في المُختلعةِ: أحبُّ إليَّ ألا يَزدادَ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٤٣٥) من طريق عبد الملك، عن عطاء.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٨٤٩)، وابن أبي شيبة ٥/ ١٢٣ عن الثوري به.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٤٣٤) عن هشيم به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٢٣ عن ابن إدريس به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٨٤٤)، وابن أبي شيبة ٥/ ١٢٢، ١٢٣ من طريق ليث به.\n(^٥) في ص، م: \"سعيد\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٢٣ من طريق شعبة به.","vol":"4","page":155},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن حُميدٍ، أن الحسنَ كان يَكْرَهُ أن يأخُذَ منها أكثرَ مما أعطاها (^١).\nحدثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن مطرٍ، أنه سأل الحسنَ - أو أن الحسنَ سُئِلَ - عن رجلٍ تزوَّج امرأةً على مائتي درهمٍ، فأرادَ أن يخلَعَها، هل له أن يأخذَ أربعَمائةٍ؟ فقال: لا واللهِ، [لا أرَى] (^٢) ذاك؛ أن يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها.\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: كان الحسنُ يقولُ: لا يأخذُ منها أكثرَ مما أعطاها. قال مَعمرٌ: وبلَغني عن عليٍّ أنه كان يَرَى ألا يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها (^٣).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن عبدِ الكريمِ الجَزَرِيِّ، عن ابنِ المسيَّبِ، قال: ما أُحِبُّ أن يأخذَ منها كلَّ ما أعطاها حتى يَدَعَ لها منه ما يُعِيشُها (^٤).\nحدثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، أن أباه كان يقولُ في المفتديةِ: لا يَحِلُّ له أن يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٤٢٦)، وابن أبي شيبة ٥/ ١٢٣ من طرق عن الحسن.\n(^٢) سقط من: ص، م.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٨٤٨) عن معمر، عمن سمع الحسن، وقول معمر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٨٤٥).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٨٤٦).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٨٣٨) عن معمر وابن جريج، عن ابن طاوس، به.","vol":"4","page":156},{"text":"حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، قال: لا يَحِلُّ لرجلٍ أن يأخذَ من امرأتِه أكثرَ مما أعطاها (^١).\nوقال آخرون: بل عنَى بذلك: فلا جُناحَ عليهما فيما افتدَتْ به من قليلِ ما تملِكُه وكثيرِه. واحتجُّوا لقولِهم ذلك بعمومِ الآيةِ، وأنه غيرُ جائزةٍ إحالةُ ظاهرٍ عامٍّ إلى باطنٍ خاصٍّ، إلا بحجةٍ يَجبُ التسليمُ لها. قالوا: ولا حُجَّةَ يجبُ التسليمُ لها بأنَّ الآيةَ مرادٌ بها بعضُ الفديةِ دونَ بعضٍ من أصلٍ أو قياسٍ، فهي على ظاهِرِها وعُمومِها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبرَنا أيوبُ، عن كثيرٍ مولَى سَمُرةَ، أن عُمرَ أُتِي بامرأةٍ ناشزٍ، فأمَرَ بها إلى بيتٍ كثيرِ الزِّبلِ ثلاثًا، ثم [دعا بها] (^٢) فقال: كيف وجدتِ؟ قالت: ما وجدتُ راحةً منذُ كنتُ عندَه إلا هذه الليالي التي حَبَسْتَنِي. فقال لزوجِها: اخْلَعْها ولو من قُرْطِها (^٣).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن كثيرٍ مولَى سَمُرَة، قال: أخَذ عُمرُ بنُ الخطابِ امرأةً ناشِزًا فوعَظَها،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٢٣ من طريق آخر عن الزهري به.\n* من هنا خرم في الأصل ينتهي في ص ١٦٤.\n(^٢) في ص: \"دعاها\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٢٤ عن ابن علية به، وأخرجه البيهقي ٧/ ٣١٥ من طريق أيوب به.","vol":"4","page":157},{"text":"فلم تقبَلْ بخيرٍ، فحبَسها في بيتٍ كثيرِ الزِّبلِ ثلاثةَ أيامٍ. وذكَر نحوَ حديثِ ابنِ عُلَيَّةَ (^١).\nحدثنا ابنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ يحيى، قالا: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، أن امراةً أتتْ عُمرَ بنَ الخطابِ فشكَتْ زوجَها، فقال: إنها ناشزٌ. فأباتَها في بيتِ الزِّبلِ، فلمَّا أصْبَحتْ (^٢) قال لها: كيف وجدتِ مكانَكِ؟ قالت: ما كنتُ عندَه ليلةً أقرَّ لعيني من هذه الليلةِ. فقال: خُذْ ولو عِقاصَها (^٣).\nحدثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن نافعٍ، أن مولاةً لصفيةَ اختلَعتْ من زوجِها بكلِّ شيءٍ تملِكُه إلا من ثيابِها، فلم يَعِبْ ذلك ابنُ عُمرَ (^٤).\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى ومحمدُ بنُ المثنَّى، قالا: ثنا مُعتمِرٌ، قال: سمِعْتُ عُبيدَ اللهِ يُحدِّثُ عن نافعٍ، قال: ذُكِر لابنِ عمرَ مولاةٌ له اخْتَلَعَتْ من زوجِها بكلِّ مالٍ لها، فلم يَعِبْ ذلك عليها ولم يُنْكِرْه.\nحدثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن حُميدٍ، عن رجاءِ بنِ حَيْوةَ، عن قَبيصةَ بنِ ذُؤَيبٍ أنه كان لا يَرَى بأسًا أن يأخُذَ منها أكثرَ مما أعطاها. ثم\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٨٥١).\n(^٢) في م: \"أصبح\".\n(^٣) العقاص: خيط يشد به أطراف الذوائب. التاج (ع ق ص). والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٠٤ عن سعيد به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٨٥٢)، وابن أبي شيبة ٥/ ١٢٥ من طريق عبد الله - وفي نسخة من مصنف ابن أبي شيبة: عبيد الله - به.","vol":"4","page":158},{"text":"تلا هذه الآيةَ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (^١).\nحدثنا ابنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال في الخُلْعِ: خُذْ ما دونَ عِقاصِ شَعَرِها، وإن كانت المرأةُ لَتَفْتَدِي ببعضِ مالِها (^٢).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: الخُلْعُ ما (^٣) دونَ عِقاصِ الرأسِ (^٤).\nحدثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكَمِ، عن إبراهيمَ أنه قال في المختلِعةِ: خُذْ منها ولو عِقاصَها.\nحدثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: الخلعُ بما دون عِقاصِ الرأسِ، وقد تَفْتَدِي المرأةُ ببعضِ مالِها (^٥).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عَقيلٍ، أنَّ الرُّبَيِّعَ ابنةَ مُعَوِّذِ بنِ عفراءَ حدَّثَتْه قالت: كان لي زوجٌ يُقِلُّ عليَّ الخيرَ إذا حضَرني، ويَحْرِمُني إذا غابَ. قالت: فكانت منِّي زَلَّةٌ يومًا، فقلت: أَخْتَلِعُ منك بكلِّ شيءٍ أَمْلِكُه. قال: نعم. قالت (^٦): ففعَلْتُ. قالت: فخاصَم عمِّى معاذُ بنُ عفراءَ إلى عثمانَ بنِ عفّانَ، فأجاز الخُلْعَ وأمَره أن يَأخُذَ عِقاصَ\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٤٢٧) عن هشيم به. وأخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٢٣، ١٢٤ من طريق حميد به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٨٥٦) عن سفيان به.\n(^٣) في م: \"بما\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٨٥٥).\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٤٢٤) عن هشيم به.\n(^٦) في م: \"قال\".","vol":"4","page":159},{"text":"رأسي فما دونَه. أو قالت: ما دونَ عِقاصِ الرأسِ (^١).\nحدَّثني ابنُ (^٢) المثنَّى، قال: ثنا حِبّانُ (^٣) بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابنُ المبارَكِ، قال: أخبرَنا الحسنُ بنُ يحيى، عن الضّحّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا بأسَ بما خَلَعَها به من قليلٍ أو كثيرٍ، ولو عُقُصَها.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا حِبّانُ بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابنُ المبارَكِ، قال: أخبرَنا حَجّاجٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: إن شاء أخَذ منها أكثرَ مما أَعطاها (^٤).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ جُريجٍ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ دينارٍ أنه سَمِع عكرمةَ يقولُ: قال ابنُ عباسٍ: لِيَأخُذْ منها حتى قُرْطَها. يَعني في الخُلْعِ (^٥).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: أخبرَنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن نافعٍ، عن مولاةٍ لصفيةَ ابنةِ أبي عُبيدٍ أنها اختلَعَتْ من زوجها بكلِّ شيءٍ لها، فلم يُنْكِرْ ذلك عبدُ اللهِ بنُ عمرَ (^٦).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا الحَجّاجُ، قال: ثنا حمّادٌ، قال: أخبرَنا حُميدٌ، عن رجاءِ بنِ حَيْوَةَ، عن قَبِيصةَ بنِ ذُؤَيبٍ، أنه تلا هذه الآيةَ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٨٥٠)، والبيهقي ٧/ ٣١٥ من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل به.\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) في ص: \"حماد\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٨٥٧)، وسعيد بن منصور في سننه (١٤٢٥) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٨٥٤) عن ابن جريج، عن عمرو، عن عكرمة قوله.\n(^٦) أخرجه مالك ٢/ ٥٦٥، ومن طريقه الشافعي ٢/ ٩٦ (شفاء العي)، والبيهقي ٧/ ٣١٥.","vol":"4","page":160},{"text":"افْتَدَتْ بِهِ﴾. قال: يأخُذُ أكثرَ مما أَعطاها.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: ثنا يزيدُ وسهلُ بنُ يوسفَ وابنُ أبي عديٍّ، عن حُميدٍ، قال: قلتُ لرجاءِ بنِ حَيْوَةَ: إن الحسنَ يقولُ في المختلِعةِ: لا يأخُذُ أكثرَ مما أَعطاها. ويتأوَّلُ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ (^١) تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾. قال رجاءٌ: فإنَّ قَبِيصةَ بنَ ذُؤَيْبٍ كان يُرَخِّصُ أن يأخُذَ أكثرَ مما أَعطاها، ويَتَأَوَّلُ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (^٢).\nوقال آخرون: هذه الآيةُ منسوخةٌ بقولِه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠].\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الصَّمَدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا عُقْبةُ ابنُ أبي الصَّهْباءِ، قال: سألتُ بَكْرًا عن المختلِعةِ أيأخُذُ منها شيئًا؟ قال: لا. وقرَأ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١].\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا الحَجّاجُ، قال: ثنا عُقبةُ بنُ أبي الصَّهْباءِ، قال: سألتُ بَكْرَ بنَ عبدِ اللهِ عن رجلٍ تُريدُ امرأتُه منه الخُلْعَ، قال: لا يَحِلُّ له أن يأخُذَ منها شيئًا.\nقلتُ: يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه في كتابِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. قال: هذه نُسِخَتْ. قلتُ: فأَنَّى حُفِظَتْ؟ قال: حُفِظَتْ في سورةِ \"النِّساءِ\" قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ\n_________\n(^١) سقط من النسخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٢٣، ١٢٤ عن يزيد عن حميد به.","vol":"4","page":161},{"text":"قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (^١).\nوأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: إذا خِيفَ مِن الرجلِ والمرأةِ ألا يُقيما حُدودَ اللهِ على سبيلِ ما قدَّمْنا البيانَ عنه، فلا حرَج عليهما فيما افْتَدَتْ به المرأةُ نفسَها مِن زوجِها مِن قليلِ ما تَمْلِكُه وكثيرِه مما يجوز للمسلمِين أن يَمْلِكُوه، وإنْ أتَى ذلك على جميعِ مِلْكِها؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه لم يَخُصَّ ما أباحَ لهما من ذلك على حدٍّ لا يُجاوَزُ، بل أطْلَق ذلك في كلِّ ما افتدَتْ به، غيرَ أني أختارُ للرجلِ استحبابًا لا تَحتيمًا (^٢) - إذا تَبَيَّنَ من امرأتِه أن افتداءَها منه لغيرِ معصيةٍ للهِ، بل خوفًا منها على دينِها - أن يُفارِقَها بغيرِ فديةٍ ولا جُعْلٍ، فإن شَحَّتْ نفسُه بذلك، فلا يَبْلُغْ بما يأخُذُ منها جميعَ ما آتاها. فأمّا قاله بَكْرُ بنُ عبدِ اللهِ مِن أنَّ هذا الحكمَ في جميعِ الآيةِ منسوخٌ بقولِه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾. فقولٌ لا معنى له، فنَتَشاغلَ بالإبانةِ عن خَطَئِه؛ لمعنيَيْن؛ أحدُهما، إجماعُ الجميعِ من الصحابةِ والتابعِين ومَن بعدَهم من المسلمِين على تَخطئتِه وإجازةِ أخذِ الفِدْيةِ من المُفْتَدِيةِ نفسَها لزوجِها، وفي ذلك الكفايةُ عن الاستشهادِ على خطئِه بغيرِه. والآخرُ، أن الآيةَ التي في سورةِ \"النِّساءِ\" إنما حرَّم اللهُ فيها على زوجِ المرأةِ أن يأخُذَ منها شيئًا مما آتاها، بأن أراد الرجلُ استبدالَ زوجٍ بزوجٍ من غيرِ أن يكونَ هنالك خوفٌ من المسلمين عليهما مُقامَ أحدِهما على صاحبِه ألا يُقيما حدودَ اللهِ، ولا نشوزٌ من المرأةِ على الرجلِ. وإذا كان الأمرُ كذلك، فقد ثَبَت (^٣) أن أخذَ الزوجِ مِن امرأتِه مالًا على وجهِ الإكراهِ لها والإضرارِ بها، حتى تُعطَيَه شيئًا من مالِها على فِراقها - حرامٌ، ولو كان ذلك حبّةَ فِضّةٍ فصاعدًا.\n_________\n(^١) ذكره النحاس في ناسخه ص ٢٢٦ عن عقبة به.\n(^٢) في ص: \"تحريما\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بينا\"، وغير منقوطة في ص، والمثبت ما يقتضيه السياق.","vol":"4","page":162},{"text":"وأما الآيةُ التي في سورةِ \"البقرةِ\"، فإنها إنما دَلَّتْ على إباحةِ اللهِ تعالى ذكرُه له أخذَ الفِدْيهَ منها في حالِ الخوفِ عليهما ألا يُقيما حُدودَ اللهِ بنُشوزِ المرأةِ، وطَلَبِها فِرَاقَ الرجلِ، ورغبتِه فيها، فالأمرُ الذي أُذِن به للزوجِ في أخذِ الفديةِ من المرأةِ في سورةِ \"البقرةِ\" ضدُّ الأمرِ الذي نُهِيَ من أجلِه عن أخذِ الفديةِ في سورةِ \"النساءِ\"، كما الحَظْرُ في سورةِ \"النساءِ\" غيرُ الطلاقِ (^١) والإباحةِ في سورةِ \"البقرةِ\"، فإنما يجوزُ في الحُكْمَينْ أن يقالَ: أحدُهما ناسخٌ. إذا اتفقتْ معاني المحكومِ فيه، ثم خُولِف بينَ الأحكامِ فيه باختلافِ الأوقاتِ والأزمنةِ. وأما اختلافُ الأحكامِ باختلافِ معاني المحكومِ فيه في حالٍ واحدةٍ ووقتٍ واحدٍ، فذلك هو الحكمةُ البالغةُ، والمفهومُ في العقلِ والفطرةِ، وهو من الناسخِ والمنسوخِ بمَعْزِلٍ.\nوأما الذي قاله الرَّبيعُ بنُ أنسٍ من أن معنى الآيةِ: فلا جُناحَ عليهما فيما افتدتْ به منه - يعني بذلك: مما آتَيْتُمُوهُنَّ - فنظيرُ قولِ بَكْرٍ في دَعواه نسخَ قولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ بقولِه: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ لادِّعائه في كتابِ اللهِ ما ليس موجودًا في مصاحفِ المسلمين رَسْمُه.\nويقالُ لمن قال بقولِه: قد قال مَن قد عَلِمْتَ مِن أئمةِ الدينِ: إنما معنى ذلك: فلا جُناحَ عليهما فيما افتدتْ به من مِلْكِها. فهل مِن حُجّةٍ [تَبِينُ بها منهم] (^٢) غيرُ الدَّعْوَى؟ فقد احتجُّوا بظاهرِ التنزيلِ، وادَّعَيْتَ فيه خُصوصًا. ثم يُعكَسُ عليه القولُ في ذلك، فلن يقولَ في شيءٍ من ذلك قولًا إلا أُلْزِمَ في الآخرِ مثلَه. وقد بَيّنّا الأدلةَ بالشواهدِ على صحةِ قولِ مَن قال: للزوجِ أن يأخُذَ منها كلَّ ما أَعْطَتْه المُفْتَدِيةُ التي\n_________\n(^١) كذا في النسخ. والصواب: \"الإطلاق\" لتكافئ معنى الإباحة إلا أن يكون المصنف أراد بها \"الإطلاق\". وينظر تعليق الشيخ شاكر.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تبين تهافتهم\". وما في \"ص\" أقرب وجوهه إلى الصواب أن يكون كما أثبتنا، ومعناه: تفترق وتمتاز بها عنهم.","vol":"4","page":163},{"text":"أباحَ اللهُ لها الافتداءَ في كتابِنا \"كتابِ اللطيفِ\"، فكَرِهْنا إعادتَه في هذا الموضعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-723>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾.</span>\nيَعنِي تعالى ذكرُه بذلك: تلك معالمُ فُصولِه بينَ ما أحلَّ لكم وما (^١) حرَّم عليكم أيُّها الناسُ، فلا تَعْتَدُوا ما أحلَّ لكم من الأمورِ التي بَيَّنها وفَصَّلَها لكم من الحلالِ (^٢)، إلى ما حرَّم عليكم، فتُجاوِزُوا طاعتَه إلى معصيتِه.\nوإنما عَنَى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾: هذه الأشياءُ التي بَيَّنْتُ لكم في هذه الآياتِ التي مضَتْ؛ مِن نكاحِ المشركاتِ * الوَثَنِيّاتِ، وإنكاحِ المشركِين المسلماتِ، وإتيانِ النساءِ في المَحِيضِ، وما قد بَيَّنَ في الآياتِ الماضيةِ قبلَ قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ مما أحلَّ لعبادِه وحرَّم عليهم، وما أمَر ونهَى. ثم قال لهم: هذه الأشياءُ التي بيَّنتُ لكم حلالَها مِن حرامِها حدودِي. يَعْنى به معالمَ فصولِ ما بينَ طاعتي ومعصيتي، ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾. يقولُ: فلا تَتجاوَزُوا ما أَحْلَلْتُه لكم إلى ما حرَّمْتُه عليكم، ولا ما أمَرْتُكم به إلى ما نَهَيْتُكم عنه، ولا طاعتي إلى معصيتي، فإن مَن تَعَدَّى ذلك - يَعنِي مَن تَخَطّاه وتَجاوزَه إلى ما حرَّمْتُه عليه أو نَهَيْتُه - فإنه هو الظالمُ، وهو الذي فعَل ما ليس له فِعْلُه، ووضَع الشيْءَ في غيرِ مَوْضِعِه.\nوقد دَلَّلْنا فيما مضَى على معنى الظلمٍ وأصلِه بشواهدِه الدالةِ على معناه،\n_________\n(^١) زيادة من: م.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٣: \"الحرام\"، وفي ت ٢: \"الجرم\".\n* إلى هنا ينتهي الخرم المشار إليه في ص ١٥٧.","vol":"4","page":164},{"text":"فكَرِهْنا إعادتَه في هذا الموضِعِ (^١).\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن خالَفتْ ألفاظُ تأويلِهم ألفاظَ تأويلِنا، غيرَ أن معنى ما قالوا في ذلك آيِلٌ (^٢) إلى معنى ما قلْنا فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّى قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾: يعني بالحدودِ الطاعةَ.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ في قولِه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾. يقولُ: مَن طلَّق لغيرِ العِدّةِ فقد اعتدَى وظلَم نفسَه، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (^٣).\nوهذا الذي ذُكِر عن الضّحاكِ لا معنى له في هذا الموضعِ؛ لأنه لم يَجْرِ للطلاقِ في العِدَّةِ ذِكْرٌ فيقالَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾. وإنما جرَى ذكرُ العَدَدِ الذي يكونُ للمُطَلِّقِ فيه الرَّجعةُ، والذى لا يكونُ له فيه الرَّجعةُ، دون ذكرِ البيانِ عن الطلاقِ للعِدّةِ.\n\n<span id=\"aya-237\"></span><span data-type='title' id=toc-724>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ فيما دلَّ عليه هذا القولُ من اللهِ ﷿؛ فقال بعضُهم: دلَّ على أنه إن طلَّق الرجلُ امرأتَه التطليقةَ الثالثةَ بعد التطليقتَيْن اللتَيْن قال اللهُ ﷿ فيهما: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. فإن امرأتَه تلك لا تَحِلُّ له من (^٤) بعدِ التطليقةِ الثالثةِ حتى\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٥٩.\n(^٢) سقط من م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ومكانها بياض في ص.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢٢ (٢٢٢٦، ٢٢٢٩) من طريق جويبر به.\n(^٤) سقط من: ص، م.","vol":"4","page":165},{"text":"تَنْكِحَ زوجًا غيرَه، يعني به غيرَ المطلِّقِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: جعَل اللهُ حدَّ (^١) الطلاقِ ثلاثًا، فإذا طلَّقها واحدةً فهو أحقُّ بها ما لم تَنْقَضِ العِدَّةُ، وعِدَّتُها ثلاثُ حِيَضٍ، فإن انْقَضَتِ العِدَّةُ قبل أن يكونَ راجعَها، فقد بانتْ منه بواحدةٍ (^١)، وصارتْ أحقَّ بنفسِها، وصار خاطبًا من الخُطّابِ، فكان الرجلُ إذا أراد طلاقَ أهلِه نظَر حَيْضَتَها، حتى إذا طَهُرَتْ طلَّقها تطليقةً في قُبْلِ (^٢) عِدَّتِها عند شاهدَيْ عدلٍ، فإن بدا له مراجعتُها راجعَها ما كانت في عِدَّتِها، وإن ترَكها حتى تَنْقَضيَ عِدَّتُها فقد بانتْ منه بواحدةٍ، وإن بدا له طلاقُها بعد الواحدةِ وهي في عِدَّتِها نظَر حَيْضَتَها، حتى إذا طَهُرَتْ طلَّقها تطليقةً أُخرى في قُبْلِ عِدَّتِها، فإن بدا له مراجعتُها راجعَها، فكانت عنده على واحدةٍ، وإن بدا له طلاقُها طلَّقها الثالثةَ عند طُهْرِها، فهذه الثالثةُ التي قال اللهُ ﷿: [﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾] (^٣).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. يقولُ: إن طلَّقها ثلاثًا، فلا تَحِلُّ له حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص: \"لا تحل له حتى تنكح زوجا\". معنى الآية لا نصها، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لا\" وباقي الآية كالمثبت. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٣ الى عبد بن حميد مختصرًا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢٢ (٢٢٣٠)، والبيهقي ٧/ ٣٧٦، من طريق عبد الله بن صالح، به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٣ إلى ابن المنذر.","vol":"4","page":166},{"text":"حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا جُويبرٌ، عن الضّحّاكِ، قال: إذا طلَّق واحدةً أو ثِنْتَين، فله الرجعةُ ما لم تَنْقَضِ العِدَّةُ. قال: والثالثةُ قولُه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾. يعني الثالثةَ (^١)، فلا رجعةَ له عليها حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه.\nحدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرَنا جُويبرٌ، عن الضّحّاكِ بنحوِه.\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾. [قال: فإن طلَّقها من] (^٢) بعدِ التطليقتَيْن فلا تَحِلُّ له حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه، وهذه الثالثةُ (^٣).\nوقال آخرون: بل دَلَّ هذا القولُ على ما يَلْزَمُ مُسَرِّحَ امرأتِه بإحسانٍ بعد التطليقتَيْن اللتَيْن قال اللهُ فيهما: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾.\nقالوا: وإنّما بَيَّن اللهُ جل ثناؤُه بهذا القولِ عن حُكمِ قولِه: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. وأَعلَمَ أنه إن سَرَّح الرجلُ المرأةَ بعد التطليقتَيْن بإحسانٍ (^٤) فلا تَحِلُّ له المُسَرَّحةُ كذلك إلا بعدَ زوجٍ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. قال:\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بالثالثة\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢٣ (٢٢٣٢) من طريق عمرو به.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"4","page":167},{"text":"عاد إلى قولِه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (^١).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ *، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيح، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال أبو جعفرٍ: والذى قاله مجاهدٌ في ذلك عندنا أوْلَى بالصوابِ؛ للذى ذكَرْنا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ في الخبرِ الذي رَوَيناه عنه أنه قال، أو سُئِل فقيل: هذا قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ فأين الثالثةُ؟ قال: \" ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ \" (^٢) فأخبرَ ﷺ أن الثالثةَ إنما هي قولُه: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. فإذ كان التسريحُ بالإحسانِ هو الثالثةَ، فمعلومٌ أن قولَه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. مِن الدَّلالةِ على التطليقةِ الثالثةِ بَمعْزِلٍ، وأنّه إنّما هو بيانٌ عن الذي يَحِلُّ للمُسَرِّحِ بالإحسانِ إن سَرَّح زوجتَه بعد التطليقتَينْ، والذي يَحْرُمُ (^٣) عليه منها، والحال التى يجوزُ له نكاحُها فيها، وإعلامٌ عبادَه أنَّ بعدَ التسريحِ - على ما وَصَفْتُ - لا رجعةَ للرجلِ على امرأتِه.\nفإن قال قائلٌ: فأيَّ النكاحَينْ عَنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. النكاحُ الذي هو جماعٌ، أم النكاحُ الذي هو عَقْدُ تزويجٍ؟\nقيل: كلاهما؛ وذلك أن المرأةَ [إن نَكَحَتْ رجلًا] (^٤) نكاحَ تزويجٍ، ثم (^٥) لم\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٣ إلى المصنف.\n* إلى هنا ينتهي الجزء السادس من نسخة جامعة القرويين، والتي أشير إليها بالأصل، وسيجد القارئ أرقام صفحات النسخة ت ١ بين معكوفين.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ١٣٠.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"حرمه\"، وفي ت ١: \"يحرمه\".\n(^٤) في م: \"إذا نكحت زوجا\".\n(^٥) سقط من: م.","vol":"4","page":168},{"text":"يَطَأْها في ذلك النكاحِ ناكحُها، ولم يُجامِعْها حتى يُطَلِّقَها، لم تَحِلَّ للأولِ، وكذلك إن وَطِئها واطئٌ بغيرِ نكاحٍ، لم (^١) تَحِلَّ للأولِ بإجماعِ (^٢) الأمةِ جميعًا. فإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن تأويلَ قولِه: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ نكاحًا صحيحًا، ثم يجامعَها فيه، ثم يُطَلِّقَها.\nفإن قال: فإنَّ ذِكْرَ الجماعِ غيرُ موجودٍ في كتابِ اللَّهِ تعالى ذكرُه، فما الدَّلالةُ على أن معناه ما قلتَ؟\nقيل: الدَّلالةُ على ذلك إجماعُ الأمّةِ جميعًا على أن ذلك معناه. وبعدُ، فإن اللَّهَ تعالى ذكرُه قال: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. فلو نكَحَتْ زوجًا غيرَه بعَقِبِ الطلاقِ قباى انقضاءِ عِدَّتِها، كان، لا شكَّ، أنها ناكحةٌ نكاحًا بغيرِ المعنى الذى أباح اللَّهُ تعالى ذكرُه لها ذلك به، وإن لم يكنْ ذكرُ العِدَّةِ مقرونًا بقولِه: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. لدلالتِه على أن ذلك كذلك بقولِه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. وكذلك قولُه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. وإن لم يكنْ مقرونًا به ذكرُ الجماعِ والمباشرةِ والإفضاءِ، فقد دَلَّ على أن ذلك كذلك بوَحْيِه إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ وبيانِه ذلك على لسانِه لعبادِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-725>ذكرُ الأخبارِ المرويةِ بذلك عن رسولِ اللَّهِ ﷺ </span>-\nحدَّثني عُبيدُ اللَّهِ بنُ إسماعيلَ الهَبّاريُّ وسفيانُ بنُ وكيعٍ وأبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قالوا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن الأَسْودِ، عن عائشةَ، قالت:\n_________\n(^١) في م: \"ثم\".\n(^٢) في م: \"لإجماع\".","vol":"4","page":169},{"text":"سُئِل رسولُ اللَّهِ ﷺ عن رجلٍ طلَّق امرأتَه، فتزوَّجَتْ رجلًا غيرَه، فدخَل بها، ثم طلَّقها قبل أن يُواقِعَها، أتَحِلُّ لزوجِها الأولِ؟ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"لا تَحِلُّ لزَوْجِها الأوَّلِ حتى يَذُوقَ الآخَرُ عُسَيْلَتَها (^١) وتَذُوقَ عُسَيْلَتَه\" (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المبارَكِ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (^٣).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قال: سمِعْتُها تقولُ: جاءت امرأةُ رفاعةَ القُرَظِيِّ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقالت: كنتُ عند رفاعةَ فطلَّقَني فبَتَّ طلاقي، فتَزَوَّجْتُ عبدَ الرحمنِ بنَ الزَّبيرِ، [وإن ما] (^٤) معه مثلُ هُدْبةِ الثَّوبِ (^٥). فقال لها: \"تُرِيدِين أن تَرْجِعِي إلى رِفاعةَ؟ لا، حتى تَذُوقِي عُسَيْلَتَه ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ\" (^٦).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ نحوَه (^٧).\n_________\n(^١) قال ابن الأثير: شبه لذة الجماع بذوق العسل، فاستعار لها ذوقا، وإنما أنث لأنه أراد قطعة من العسل. وقيل: على إعطائها معنى النطفة. وقيل: العسل في الأصل يذكر ويؤنث، فمن صغره مؤنثا قال: عسيلة … وإنما صغره إشارة إلى القدر القليل الذى يحصل به الحل. النهاية ٣/ ٢٣٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٧٤، وأحمد ٦/ ٤٢ (الميمنية)، وأبو داود (٢٣٠٩)، والنسائي (٣٤٠٧)، من طريق أبي معاوية به.\n(^٣) أخرجه أحمد ٦/ ٢٢٩ (الميمنية)، والبخاري (٥٣١٧)، ومسلم (١٤٣٣) من طريق هشام به.\n(^٤) في ص: \"وأنا\"، وفي ت ١: \"فإنما\".\n(^٥) قال ابن الأثير: أرادت متاعه، وأنه رخو مثل طرف الثوب لا يغني عنها شيئًا. النهاية ٥/ ٢٤٩.\n(^٦) أخرجه الحميدي (٢٢٦)، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٧٤، وأحمد ٦/ ٣٧ (الميمنية)، والدارمي ٢/ ١٦١، والبخاري (٢٦٣٩)، ومسلم (١٤٣٣)، والترمذي (١١١٨)، وابن ماجه (١٩٣٢)، والنسائي (٣٢٨٣، ٣٤١١) من طريق ابن عيينة.\n(^٧) أخرجه مسلم (١٤٣٣) من طريق يونس به.","vol":"4","page":170},{"text":"حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى عُقَيلٌ، عن ابنِ شهابٍ، قال: ثنى عُروةُ بنُ الزُّبيرِ، أن عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ أخبَرَتْه أن امرأةَ رِفاعةَ القُرظِيِّ جاءت رسولَ اللَّهِ ﷺ فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ. فذكَر مثلَه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن الزُّهرِيِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أن رفاعةَ القُرَظيَّ طلَّق امرأتَه فبَتَّ طلاقَها، فتزوَّجَها بعدُ عبدُ الرحمنِ بنُ الزَّبيرِ، فجاءتِ النبيَّ ﷺ فقالت: يا نبيَّ اللَّهِ، إنها كانت عند رفاعةَ، فطلَّقَها آخرَ ثلاثِ تطليقاتٍ، فتزوَّجَتْ بعدَه عبدَ الرحمنِ بنَ الزَّبيرِ، وإنه واللَّهِ ما معه يا رسولَ اللَّهِ إلا مثلُ هذه الهُدْبةِ. فتبسَّم رسولُ اللَّهِ ﷺ، ثم قال لها: \"لَعَلَّكِ تُرِيدِين أن تَرجِعِي إلى رِفاعةَ! لا، حتى تَذُوقِي عُسَيْلَتَه ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ\". قالت: وأبو بكرٍ جالسٌ عند النبيِّ ﷺ وخالدُ بنُ سعيدِ بنِ العاصِ ببابِ الحجرةِ لم يُؤْذَنْ له، فطفِق خالدٌ ينادِي أبا بكرٍ، يقولُ: يا أبا بكرٍ، ألا تَزْجُرُ هذه عما تَجْهَرُ به عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ؟ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ الأَدَمِيُّ (^٣)، قال: ثنا يحيى بنُ سُلَيمٍ، عن عُبيدِ اللَّهِ، عن القاسمِ، عن عائشةَ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"لا، حتى يَذُوقَ مِن عُسَيْلَتِها ما ذَاقَ الأوَّلُ\".\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا مُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ عبيدَ اللَّهِ، قال: سَمِعْتُ القاسمَ يُحدِّثُ عن عائشةَ قالت: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٦٠) من طريق الليث به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١١٣١) ومن طريقه أحمد ٦/ ٢٢٦ (الميمنية)، ومسلم (١٤٣٣/ ١١٣)، وأخرجه البخاري (٦٠٨٤) من طريق معمر به.\n(^٣) في م: \"الأودي\". وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٣٨.","vol":"4","page":171},{"text":"\"لا، حتى يَذُوقَ مِن عُسَيْلَتِها ما ذاقَ صاحبُه\".\nحدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا يحيى، عن عُبيدِ اللَّهِ، قال: ثنا القاسمُ، عن عائشةَ أن رجلًا طلَّق امرأتَه ثلاثًا، فتزوَّجَتْ زوجًا، فطلَّقَها قبلَ أن يَمَسَّها، فسُئِل رسولُ اللَّهِ ﷺ: أتَحِلُّ للأوَّلِ؟ قال: \"لا، حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا كما ذاقَ الأوَّلُ\" (^١).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا موسى بنُ عيسى الليثيُّ، عن زائدةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن أمِّ محمدٍ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: \"إذا طَلَّقَ الرجلُ امرأتَه ثلاثًا، لم تَحِلَّ له حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه، فيَذُوقَ كلُّ واحدٍ منهما عُسَيْلَةَ صاحبِه\" (^٢).\nحدَّثني العباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبرَنا سعدُ (^٣) بنُ حفصٍ الطَّلْحِيُّ، قال: أخبرَنا شَيبانُ، عن يحيى، عن أبي الحارثِ الغِفارِيِّ، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ قال: \"حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَها\" (^٤).\nحدَّثني عُبيدُ بنُ آدمَ بنِ أبي إياسٍ العَسْقلانيُّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شَيْبانُ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى كثيرٍ، عن أبي الحارثِ الغِفاريِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ في المرأةِ يُطَلِّقُها زوجُها ثلاثًا (^٥)، فتتزَوَّجُ زوجًا غيرَه، فيُطَلِّقُها قبل أن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٣٣)، والنسائي (٣٤١٢) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أحمد ٦/ ١٩٣ (الميمنية)، والبخاري (٥٢٦١) من طريق يحيى به.\n(^٢) أخرجه الدارقطني ٤/ ٣٢ من طريق زائدة به، وأخرجه الطيالسي (١٦٦٤)، وأحمد ٦/ ٩٦ (الميمنية) من طريق علي بن زيد به.\n(^٣) في النسخ: \"سعيد\". وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٢٦٠.\n(^٤) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٩/ ٢٣ من طريق سعد بن حفص به. وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٧٦ من طريق شيبان به. ووقع عند البخاري: سعيد بن حفص.\n(^٥) زيادة من: م.","vol":"4","page":172},{"text":"يَدخُلَ بها، فيريدُ الأولُ أن يراجعَها، قال: \"لا، حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَها\" (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ الأَنماطيُّ، قال: ثنا هشامُ بن عبدِ الملكِ، قال: ثنا محمدُ بنُ دينارٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ يزيدَ الهُنَائيُّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ في رجلٍ طلَّق امرأتَه ثلاثًا، فتزوَّجَها آخرُ، فطلَّقها قبل أن يدخُلَ بها، أتَرْجِعُ إلى زوجِها الأولِ؟ قال: \"لا، حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَها وتَذُوقَ عُسَيْلَتَه\" (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ويعقوبُ بنُ ماهانَ، قالا: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا يحيى بنُ أبي إسحاقَ، عن سليمانَ بنِ يَسارٍ، عن عُبيدِ اللَّهِ (^٣) بنِ عباسٍ، أن الغُمَيصاءَ (^٤) أو الرُّمَيْصاءَ جاءت إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ تَشكو زوجَها، وتزعُمُ أنه لا يَصِلُ إليها. قال: فما كان إلا يسيرًا حتى جاء زوجُها، فزعَم أنها كاذبةٌ، ولكنها تريدُ أن تَرجِعَ إلى زوجِها الأولِ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ليس لكِ حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ رجلٌ غيرُه\" (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عَلْقمةَ بن مَرْثَدٍ، عن سالمِ بنِ رَزينٍ الأحمريِّ (^٦)، عن سالمِ بنِ [عبدِ اللَّهِ] (^٧)،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٠٩ عن المصنف.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢١/ ٤٢٢ (١٤٠٢٤)، والبزار (١٥٠٥ - كشف)، وأبو يعلى (٤١٩٩)، والطبراني في الأوسط (٢٣٧٢)، وابن عدي ٦/ (٣٢٠٥)، والبيهقي ٧/ ٣٧٥ من طريق محمد بن دينار به.\n(^٣) بعده في م: \"عن\".\n(^٤) في ت ٢، ونسخة من النسائي: \"العميصاء\" بالمهملة، وفي سنن سعيد: \"الرميضاء\".\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٩٨٤)، وأحمد ٣/ ٣٣٦ (١٨٣٧)، والنسائي (٣٤١٣)، وفي الكبرى (٥٦٠٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤٠٢)، وأبو يعلى (٦٧١٨) عن هشيم به، وفي سنن سعيد والمجتبى: \"عبد الله بن عباس\". وكذا أورد الحديث في مسنده المزي في التحفة ٤/ ٤٦٨.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأحمدي\". ينظر تهذيب الكمال ١٠/ ١٤٠.\n(^٧) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبيد الله\".","vol":"4","page":173},{"text":"عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ في رجلٍ يَتزوَّجُ المرأةَ فيُطَلِّقُها قبلَ أن يَدْخُلَ بها البَتَّةَ، فتَتَزوَّجُ زوجًا آخرَ، فيُطَلِّقُها قبلَ أن يدخُلَ بها، أتَرجِعُ إلى الأوَّلِ؟ قال: \"لا، حتى تَذُوقَ عُسَيْلَتَه ويَذُوقَ عُسَيْلَتَها\" (^١).\nحدَّثنا ابنُ بَشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عَلْقمةَ بنِ مَرْثَدٍ، عن رَزينٍ الأَحمريِّ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ أنه سُئِل عن الرجل يُطَلِّقُ امرأتَه ثلاثًا، فيَتَزوَّجُها رجلٌ، فأغلَق البابَ، فطلَّقها قبل أن يَدْخُلَ بها، أتَرْجِعُ إلى زوجِها الآخرِ؟ قال: \"لا، حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَها\" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بَشّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عَلْقمةَ بنِ مَرْثَدٍ، عن سُليمانَ بنِ رَزينٍ، عن ابنِ عمرَ أنه سأل (^٣) النبيَّ ﷺ وهو يَخْطُبُ، عن رجلٍ طلَّق امرأتَه، فتزوَّجَتْ بعدَه، ثم طلَّقها أو مات عنها، أيَتزوَّجُها الأولُ؟ قال: \"لا، حتى تَذُوقَ عُسَيْلَتَه\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-726>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾: فإن طلَّق المرأةَ التي بانتْ مِن زوجِها\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٩٣٣) عن محمد بن بشار به، وأخرجه أحمد ٩/ ٤٠٦ (٥٥٧١)، والنسائي (٣٤١٤)، والبيهقي ٧/ ٣٧٥ من طريق محمد بن جعفر به.\n(^٢) أخرجه أحمد ٩/ ٢١٠ (٥٢٧٧)، وابن أبي حاتم في العلل ١/ ٤٢٨، والبيهقي ٧/ ٣٧٥ من طريق عبد الرحمن بن مهدي به.\n(^٣) في مصنف عبد الرزاق وسنن البيهقي: \"سئل\".\n(^٤) أخرجه أحمد ٨/ ٣٩٥، ٩/ ٢١٠ (٤٧٧٧، ٥٢٧٨) عن أبي أحمد الزبيري به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١١٣٥)، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٧٤، والنسائي (٣٤١٥)، وابن أبي حاتم في العلل ١/ ٤٢٩، والبيهقي ٧/ ٣٧٥ من طريق سفيان به.","vol":"4","page":174},{"text":"بآخرِ التطليقاتِ الثلاثِ بعد ما نكحَها مُطَلِّقُها الثاني، زوجُها الذى نكَحَها بعد بَيْنُونَتِها مِن الأوَّلِ، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلا حرَج على المرأةِ التي طلَّقها هذا الثاني من بعدِ بَيْنُونَتِها من الأوَّلِ، وبعد نكاحِه إيّاها، وعلى الزوجِ الأولِ الذي كانت حَرُمَتْ عليه بِبَيْنُونَتِها منه بآخرِ التطليقاتِ، أن يتراجَعا بنكاحٍ جديدٍ.\nكما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾. يقولُ: إذا تَزوَّجَتْ بعد الأولِ، فدخَل الآخرُ بها، فلا حَرَجَ على الأولِ أن يَتزوَّجَها إذا طلَّقها (^١) الآخرُ، أو مات عنها، فقد حَلَّتْ له (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ (^٣)، قال: أخبرَنا جُويبرٌ، عن الضّحّاكِ، قال: إذا طلَّق واحدةً أو ثِنْتَيْن، فله الرَّجْعةُ ما لم تَنْقَضِ العِدَّةُ. قال: والثالثةُ قولُه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني الثالثةَ، فلا رَجْعةَ له عليها حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه فيَدْخُلَ (^٤) بها، ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ هذا الأخيرُ بعدَ ما يدخُلُ بها، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ يعني الأوَّلَ، ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (^٥).\nوأما قولُه: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. فإن معناه: إن رَجَوَا مَطْمَعًا أن يُقيما حدودَ اللَّهِ. وإقامتُهما (^٦) حدودَ اللَّهِ العملُ بها. وحدودُ اللَّهِ ما أمَرهما به،\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"طلق\".\n(^٢) أخرجه البيهقي ٧/ ٣٧٦ من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) في النسخ: \"هشام\". وتقدم على الصواب في ص ١٦٧.\n(^٤) في ص: \"يدخل\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فدخل\".\n(^٥) تقدم أوله في ص ١٦٧.\n(^٦) في ص، ت ١: \"إقامتها\".","vol":"4","page":175},{"text":"وأَوْجَبَ لكلِّ (^١) واحدٍ منهما على صاحبِه، وأَلْزَمَ كلَّ واحدٍ منهما بسببِ النكاحِ الذى يكونُ بينهما.\nوقد بَيَّنّا معنى الحدودِ ومعنى إقامةِ ذلك، بما أَغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\nوكان مجاهدٌ يقولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾: إن ظَنَّا أنَّ نكاحَهما على غيرِ دُلْسةٍ (^٣).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقد وجَّه بعضُ أهلِ التأويلِ (^٤) قولَه: ﴿إِنْ ظَنَّا﴾. إلى أنه بمعنى: إن أَيْقَنا. وذلك ما لا وَجْهَ له؛ لأن أحدًا لا يَعلمُ ما هو كائنٌ غيرُ اللَّهِ تعالى ذكرُه. فإذ كان ذلك كذلك، فما المعنى الذي به يُوقِنُ الرجلُ والمرأةُ أنّهما إذا تراجَعا أقاما حدودَ اللَّهِ؟ ولكنَّ معنى ذلك كما قال تعالى ذكرُه: ﴿إِنْ ظَنَّا﴾. بمعنى: طَمِعا بذلك ورَجَوَاه.\n_________\n(^١) في م: \"بكل\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٦١، ٣/ ٢٦٧.\n(^٣) الدُّلْسةُ: الظُّلمة، ويقال: فلان لا يدالس ولا يوالس. أي: لا يظلم ولا يخون، وهو لا يدالسك: لا يخادعك ولا يُخْفِي عليك الشيء. التاج (د ل س).\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢٣ (٢٢٣٥) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٥ إلى عبد بن حميد. وينظر تفسير البغوي ١/ ٢٧٣.\n(^٤) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٧٤.","vol":"4","page":176},{"text":"و﴿أَنْ﴾ التي في قولِه: ﴿أَنْ يُقِيمَا﴾. في موضعِ نصبٍ بـ ﴿ظَنَّا﴾، و﴿أَنْ﴾ التي في: ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾. جعَلها بعضُ أهلِ العربيةِ في موضعِ نصبٍ بفَقْدِ الخافضِ (^١)؛ لأن معنى الكلامِ: فلا جُناحَ عليهما في أن يتراجَعا. فلمّا حُذِفت \"في\" التي كانت تَخْفِضُها نَصَبها، فكأنّه قال: فلا جُناحَ عليهما تراجُعَهما.\nوكان بعضُهم يقولُ (^٢): موضعُه خفضٌ، وإن لم يكنْ معها خافضُها، وإن كان محذوفًا فمعروفٌ موضعُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-727>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾: هذه الأمورُ التي بَيَّنَها لعبادِه في الطلاقِ والرَّجْعةِ والفِدْيةِ والعِدَّةِ والإيلاءِ وغيرِ ذلك، مما يُبَيِّنُه لهم في هذه الآياتِ، ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾: معالمُ فُصولِ حلالِه وحرامِه، وطاعتِه ومعصيتِه، ﴿يُبَيِّنُهَا﴾: يُفَصِّلُها، فيُمَيِّزُ بينها، ويُعَرِّفُهم أحكامَها، لقومٍ يَعْلَمونها إذا بَيَّنَها اللَّهُ لهم، فيَعْرِفون أنها مِن عندِ اللَّهِ، فيُصَدِّقُون بها، ويَعمَلون بما أَوْدَعهم اللَّهُ من علمِه، دون الذين قد طبَع اللَّهُ على قلوبِهم، وقضَى عليهم أنهم لا يُؤمِنون بها، ولا يُصَدِّقُون بأنها مِن عندِ اللَّهِ، فهم يَجْهَلون أنها من اللَّهِ، وأنها تنزيلٌ من حَكيمٍ حَميدٍ. ولذلك خَصَّ القومَ الذين يَعْلَمون بالبيانِ دون الذين يَجْهلون، إذ كان الذين يَجْهَلون أنها من عندِه قد آيسَ نبيَّه محمدًا (^٣) ﷺ من (^٤) تصديقِ كثيرٍ\n_________\n(^١) هو الفراء في معاني القرآن ١/ ١٤٨.\n(^٢) هو الكسائي، فيما نقله الفراء في معاني القرآن، الموضع السابق.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"محمد\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\".","vol":"4","page":177},{"text":"منهم بها، وإن كان بَيَّنها (^١) لهم من وجهِ الحُجّةِ عليهم ولزومِ العملِ لهم بها، وإنما أخرَجَها مِن أن تكونَ بيانًا لهم من وجهِ تركِهم الإقرارَ والتصديقَ به.\n\n<span id=\"aya-238\"></span><span data-type='title' id=toc-728>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: وإذا طلَّقْتُم أيُّها الرجالُ نساءَكم، ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾. يعني مِيقاتَهنَّ الذي وقَّتُّه لهنَّ؛ من انقضاءِ الأقراءِ الثلاثةِ إن كانت من أهلِ القُرْءِ (^٢)، وانقضاءِ الأشهرِ إن كانت من أهلِ الشهورِ، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾. يقولُ: فراجِعُوهن إن أردْتُم رَجْعَتَهنَّ في الطَّلْقةِ التي فيها رَجْعةٌ، وذلك إمّا في التطليقةِ الواحدة أو التَّطليقتَيْن، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.\nوأما قولُه: ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾. فإنه عنَى: بما أَذِن به من الرَّجعةِ، مِن الإشهادِ على الرَّجعةِ قبلَ انقضاءِ العدةِ، دونَ الرَّجعةِ بالوطءِ والجماعِ؛ لأن ذلك إنما يجوزُ للرجلِ بعد الرَّجعةِ، وعلى الصُّحبةِ مع ذلك والعِشْرةِ بما أمَر اللَّهُ به وبَيَّنه لكم أيُّها الناسُ، ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. يقولُ: أو خَلُّوهُنَّ يَقْضِين تمامَ عِدَّتِهنَّ، ويَنْقَضِي بقيةُ أجلِهنَّ الذي أَجَّلْتُه لهنَّ لعِدَدِهنَّ، ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾. يقولُ: بإيفائِهنَّ (^٣) تمامَ حقوقِهنَّ عليكم، على ما أَلْزَمْتُكم لهنَّ مِن مَهْرٍ ومُتْعةٍ ونفَقةٍ وغيرِ ذلك من حقوقِهنَّ قِبَلَكم، ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾. يقولُ: ولا تُراجِعُوهُنَّ (^٤) إن راجَعْتُموهنَّ في\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بينا\".\n(^٢) في م: \"الأقراء\".\n(^٣) في ص: \"بايفاقهن\"؛ وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بإيقافهن\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تراجعون\".","vol":"4","page":178},{"text":"عِدَدِهنَّ مُضارَّةً (^١) لهنَّ، لِتُطَوِّلُوا عليهنَّ مدةَ انقضاءِ عِدَدِهنَّ، أو لِتأخُذُوا منهنَّ بعضَ ما آتيتُمُوهنَّ بطَلبِهنَّ الخُلْعَ منكم لمُضَارَّتِكم (^٢) إيَّاهنَّ بإمساكِكم إيّاهنَّ، ومُراجَعَتِكُموهُنَّ ضِرارًا واعتداءً.\nوقولُه: ﴿لِتَعْتَدُوا﴾. يقولُ: لتَظْلِمُوهنَّ بمُجاوَزَتِكم في أَمْرِهنَّ حدودِي التي بَيَّنْتُها لكم.\nوبمثلِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مَسْروقٍ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾. قال: يُطَلِّقُها حتى إذا كادت (^٣) تَنْقَضِي راجَعها، ثم يُطَلِّقُها، فيَدَعُها حتى إذا كادت (^٣) تَنْقَضِي عِدَّتُها راجَعها، ولا يُريدُ إمساكَها، فذلك الذي يُضارُّ ويَتَّخِذُ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سُئِل الحسنُ عن قولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾. قال: كان الرجلُ يُطَلِّقُ المرأةَ، ثم يُراجِعُها، ثم يُطَلِّقُها، ثم يُراجِعُها، يُضارُّها، فنَهاهم اللَّهُ عن ذلك (^٥).\n_________\n(^١) في ص: \"مصادة\"، وفي ت ٢: \"مضادة\".\n(^٢) في ص، ت ٢: \"لمضادتكم\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كانت\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢٦ (٢٢٤٩) من طريق منصور به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه البيهقي ٧/ ٣٦٨ من طريق زياد الأعلم، عن الحسن.","vol":"4","page":179},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. قال: نهَى (^١) عن الضِّرارِ ﴿ضِرَارًا﴾ أن يُطَلِّقَ الرجلُ امرأتَه، ثم يُراجعَها عند آخرِ يومٍ يَبْقَى من الأجلِ، حتى يَفِيَ لها تسعةُ أشهرٍ، لِيُضارَّها به (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: نهَى عن الضِّرارِ، والضِّرارُ في الطلاقِ أن يُطَلِّقَ الرجلُ امرأتَه [ثم يراجعَها] (^٣). وسائرُ الحديث مثلُ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾: كان الرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه ثم يُراجعُها قبل انقضاءِ عِدَّتِها، ثم يُطَلِّقُها، يَفعلُ ذلك يُضارُّها ويَعْضُلُها، فأَنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾. قال: كان الرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه تطليقةً واحدةً ثم يَدَعُها، حتى إذا ما تكادُ تخلُو عِدّتُها راجَعها، ثم يُطَلِّقُها، حتى إذا ما كاد تخلُو عِدَّتُها راجَعها، ولا حاجةَ له فيها، إنما يريدُ أن يُضَارَّها بذلك، فنَهَى اللَّهُ عن ذلك\n_________\n(^١) بعده في م: \"الله\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٣٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢٥ (٢٢٤٦)، والبيهقي ٧/ ٣٦٨.\n(^٣) زيادة من: م.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢٥ (٢٢٤٥) عن محمد بن سعد به.","vol":"4","page":180},{"text":"وتَقَدَّمَ فيه، وقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى الليثُ، عن يونسَ، عن ابنِ شهابٍ، قال: قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾: فإذا طلَّق الرجلُ المرأةَ وبلَغتْ أجلَها، فَلْيُراجِعْها بمعروفٍ أو لِيُسَرِّحْها بإحسانٍ، ولا يَحِلُّ له أن يُراجعَها ضِرارًا وليست له فيها رَغبةٌ إلا أن يُضَارَّها.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾. قال: هو في الرجلِ يَحْلِفُ بطلاقِ امرأتِه، فإذا بَقِيَ من عِدَّتِها شيءٌ راجَعها، يُضَارُّها بذلك، ويُطَوِّلُ عليها، فنهاهم اللَّهُ عن ذلك (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيسٍ، عن مالِك بنِ أنسٍ، عن ثَورِ بنِ زيدٍ الدِّيليِّ، أن رجلًا كان يُطَلِّقُ امرأتَه ثم يُراجعُها، ولا حاجةَ له بها، ولا يريدُ إمساكَها، كيما يُطَوِّلُ عليها بذلك العِدَّةَ ليُضَارَّها، فأَنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. يُعَظِّمُ (^٣) ذلك (^٤).\nحدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ الباهليُّ، قال: سمِعْتُ الضَّحّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢٥ (٢٢٤٧) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٤.\n(^٣) في م: \"ليعظم\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يظلم\"، وفي الموطأ والدر المنثور: \"يعظهم الله بذلك\".\n(^٤) الموطأ ٢/ ٥٨٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٥ إلى ابن المنذر.","vol":"4","page":181},{"text":"ضِرَارًا﴾: هو الرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه واحدةً، ثم يراجعُها، ثم يُطَلِّقُها، ثم يُراجعُها، ثم يُطَلِّقُها، ليُضَارَّها بذلك لتَخْتَلِعَ منه (^١).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾. قال: نزَلتْ في رجلٍ من الأنصارِ يُدْعَى ثابتَ بنَ يسارٍ (^٢) طَلَّق امرأتَه، حتى إذا انقضَتْ عِدَّتُها إلا يومَيْن أو ثلاثةً راجَعها، ثم طَلَّقها، ففَعل ذلك بها، حتى مضَتْ لها تسعةُ أشهرٍ، مُضَارَّةً يُضَارُّها، فأنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (^٣).\nحدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرني أبي، قال: سمِعْتُ عبدَ العزيزِ يُسألُ عن طلاقِ الضِّرارِ، فقال: يُطَلِّقُ، ثم يراجِعُ، ثم يُطَلِّقُ، ثم يراجِعُ، فهذا الضِّرارُ الذي قال اللَّهُ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾. قال: الرجلُ يُطَلِّقُ المرأةَ تطليقةً، ثم يترُكُها حتى تَحيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، ثم يراجعُها، ثم يُطَلِّقُها تطليقةً، ثم يُمْسِكُ عنها حتى تَحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، ثم يراجعُها، ﴿لِتَعْتَدُوا﴾. قال: لا يُطَاولُ عليهن (^٤).\nوأَصْلُ التَّسْريحِ مِن: سَرْحِ القومِ، وهو ما أُطْلِقَ من نَعَمِهم للرَّعْيِ. يقالُ للمواشِي المُرْسَلَةِ للرَّعْيِ: هذا سَرْحُ القومِ. يرادُ به مواشيهم المُرْسَلةُ للرَّعْيِ. ومنه قولُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢٥ عقب الأثر (٢٢٤٦) معلقًا.\n(^٢) في م: \"بشار\".\n(^٣) عزاه الحافظ في الإصابة ١/ ٣٩٩، والسيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٥ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"4","page":182},{"text":"اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٥، ٦].\nيَعني بقولِه: ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾: حين تُرْسِلُونها للرَّعْيِ. فقيل للمرأةِ إذا خَلَّاها زوجُها فأبانها منه: سَرَّحَها. تمثيلًا لذلك بتَسْريحِ المُسَرِّحِ ماشيتَه للرَّعْيِ، وتشبيهًا به.\n\n<span data-type='title' id=toc-729>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.</span>\nيَعني تعالى ذكرُه بذلك: ومَن يُراجِعِ امرأتَه بعد طلاقِه إيّاها في الطلاقِ الذي له (^١) فيه عليها الرَّجعةُ، ضِرارًا بها، ليَعْتَدِيَ حدَّ (^٢) اللَّهِ في أمرِها، ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. يعني: فأَكْسَبَها بذلك إثْمًا، وأَوجَبَ لها من اللَّهِ عقوبةً بذلك.\nوقد بَيَّنّا معنى الظلمِ فيما مضَى، وأنه وَضْعُ الشيءِ في غيرِ مَوْضِعِه، وفعلُ ما ليس للفاعلِ (^٣) فعْلُه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-730>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾.</span>\nيَعني تعالى ذكرُه: ولا تَتَّخِذُوا أعلامَ اللَّهِ وفُصولَه بين حلالِه وحرامِه، وأمرِه ونهْيِه، في وحْيِه وتنزيلِه، استهزاءً ولَعِبًا، فإنه قد بَيَّنَ لكم في تنزيلِه وآيِ كتابِه ما لكم من الرَّجعةِ على نسائِكم، في الطلاقِ الذي جعَل لكم عليهن فيه الرَّجعةَ، وما ليس لكم منها، وما الوجهُ الجائزُ لكم منها، وما الذي لا يجوزُ، وما الطلاقُ الذي لكم عليهن فيه الرَّجعةُ، وما ليس لكم ذلك فيه، وكيف وجوهُ ذلك؛ رحمةً منه بكم، ونعمةً منه عليكم، ليَجعَلَ بذلك لبعضِكم مِن مكروهٍ - إن كان فيه من\n_________\n(^١) زيادة من: م.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حق\".\n(^٣) بعده في ص: \"على\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٨١.","vol":"4","page":183},{"text":"صاحبِه مما هو فيه - المخرَجَ والمخلَصَ بالطلاقِ والفِراقِ، وجعَل ما جعَل لكم عليهنَّ من الرَّجعةِ سبيلًا لكم إلى الوصولِ إلى ما نازَعه إليه، ودعاه إليه هواه بعدَ فِراقِه إيّاهن منهن، لتُدْرِكوا بذلك قضاءَ أوطارِكم منهن، إنعامًا منه بذلك عليكم، لا لِتَتَّخِذُوا ما بيَّنْتُ لكم من ذلك في آيِ كتابي وتنزيلي - تَفَضُّلًا مني ببيانِه عليكم، وإنعامًا ورحمةً مني بكم - لَعِبًا وسُخْرِيًّا.\nوبمعنى ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُّويَه، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أيوبُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ أبى أُوَيسٍ، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن محمدِ بنِ أبي عَتيقٍ وموسى بنِ عُقبةَ، عن ابنِ شهابٍ، عن سليمانَ بنِ أَرْقمَ، أن الحسنَ حدَّثهم، أن الناسَ كانوا على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ يُطَلِّقُ الرجلُ أو يُعْتِقُ، فيقالُ: ما صَنَعْتَ؟ فيقولُ: إنما كنتُ لاعبًا. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَن طَلَّق لاعِبًا أو أَعْتَقَ لاعِبًا فقد جازَ عليه\". قال الحسنُ: وفيه نزَلتْ: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾. قال: كان الرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه، فيقولُ: إنما طَلَّقْتُ لاعبًا. ويَتزوَّجُ أو يُعْتِقُ أو يَتَصَدَّقُ فيقولُ: إنما فعلْتُ لاعبًا. فنُهُوا عن ذلك، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن عبدِ السلامِ بنِ حربٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٠٦، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢٥ (٢٢٤٨) من طرق عن الحسن به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٢٤٦ عقب الأثر (٢٢٤٨) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"4","page":184},{"text":"يزيدَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي العلاءِ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي موسى، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ غَضِب على الأَشْعَريِّينَ، فأتاه أبو موسى فقال: يا رسولَ اللَّهِ، غَضِبْتَ على الأَشْعَرِيِّين! فقال: \"يقولُ أحَدُكُم: قد طَلَّقْتُ، قد راجَعْتُ. ليس هذا طَلاقَ المُسلِمِين، طَلِّقُوا المَرأةَ في قُبْلِ عِدَّتِها\" (^١).\nحدَّثنا أبو زيدٍ عمرُ (^٢) بنُ شَبَّةَ، قال: ثنا أبو غَسّانَ النَّهْدِيُّ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن يزيدَ (^٣) أبي خالدٍ - يعني الدَّالانيَّ - عن أبي العلاءِ الأَوْدِيِّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي موسى الأشعريِّ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال لهم (^٤): \"يَقولُ أحَدُكم لامرأتِه: قد طَلَّقْتُكِ، قد راجَعْتُكِ. ليس هذا بطَلاقِ المُسلمِين، طَلِّقُوا المَرأةَ في قُبْلِ طُهْرِها (^٥) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-731>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: واذكرُوا نعمةَ اللَّهِ عليكم بالإسلامِ الذي أَنعَم عليكم به، فهداكُم له، وسائرَ نِعَمِه التي خَصَّكم بها دونَ غيرِكم من سائرِ خَلْقِه، فاشكُروه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١، ٢ من طريق عبد السلام بن حرب به، وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤١٤ عن المصنف.\n(^٢) في النسخ: \"عن\". والمثبت مما سيأتي في ٥/ ٦٧، ٧/ ٧٤، ١٥/ ٤٩.\n(^٣) بعده في النسخ: \"بن\". وهو أبو خالد الدالاني يزيد بن عبد الرحمن، المتقدم في الإسناد السابق. وينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ٢٧٣.\n(^٤) في سنن البيهقي: \"لم\" من قول النبي ﷺ.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عدتها\".\nوالحديث أخرجه البيهقي ٧/ ٣٢٣ من طريق أبي غسان النهدي مالك بن إسماعيل به.","vol":"4","page":185},{"text":"على ذلك بطاعتِه فيما أمَركم به [ونَهاكم] (^١) عنه، واذكرُوا أيضًا مع ذلك ما أَنزَل عليكم من كتابِه؛ [وذلك] (^٢) القرآنُ الذي أَنزَلَه على نبيِّه محمدٍ ﷺ، واذكُروا ذلك فاعمَلُوا به، واحفَظُوا حدودَه فيه. ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ يعني: وما أَنزلَ عليكم من الحكمةِ، وهي السُّننُ التي علَّمَكُموها رسولُ اللَّهِ ﷺ وسَنَّها لكم.\nوقد ذكَرْتُ اختلافَ المختلِفين في معنى الحكمةِ فيما مضَى قبلُ في قولِه: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ (^٣) الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. فأَغْنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-732>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾: يَعِظُكم بالكتابِ الذي أَنزَله عليكم. والهاءُ التي في قولِه: ﴿بِهِ﴾ عائدةٌ على الكتابِ. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: وخافُوا اللَّهَ فيما أمَركم به، وفيما نَهاكم عنه، في كتابِه الذي أَنزلَه عليكم، وفيما أَنزلَه فبَيَّنه على لسانِ رسولِه ﷺ لكم، أن تُضَيِّعُوه وتَتَعَدَّوْا حدودَه، فتَسْتَوْجِبُوا ما لا قِبَلَ لكم به من أليمِ عِقابِه، ونَكَالِ عذابِه.\nوقولُه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: واعلَمُوا أيها الناسُ أن ربَّكم الذي حدَّ لكم هذه الحدودَ، وشرَع لكم هذه الشرائعَ، وفرَض عليكم هذه الفرائضَ في كتابِه وفي تنزيلِه على رسولِه محمدٍ ﷺ، بكلِّ ما أنتم عامِلُوه من خيرٍ وشرٍّ، وحسَنٍ وسَيِّئٍ، وطاعةٍ ومعصيةٍ، عالمٌ، لا يَخْفَى عليه من ظاهرِ ذلك وخَفِيِّه، وسِرِّه وجَهْرِه، شيءٌ، وهو مُجازِيكم بالإحسانِ إحسانًا، وبالسَّيِّئِ سَيِّئًا، إلا أن يَعْفُوَ ويَصْفَحَ، فلا تَتَعَرَّضُوا لِعقابِه وتَظْلِمُوا أنفسَكم.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م: \"ذلك\".\n(^٣) في النسخ: \"يعلمكم\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٢/ ٥٧٤.","vol":"4","page":186},{"text":"<span id=\"aya-239\"></span><span data-type='title' id=toc-733>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.</span>\nذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلتْ في رجلٍ كانت له أختٌ كان زوَّجَها من ابنِ عمٍّ له (^١)، فطلَّقَها، وترَكها فلم يُراجِعْها حتى انقضتْ عِدَّتُها، ثم خطَبها منه، فأبَى أن يُزَوِّجَها إيّاه، ومنَعها منه وهي فيه راغبةٌ.\nثم اختَلف أهلُ التأويلِ في الرجلِ الذي كان فعَل ذلك فنزَلتْ هذه الآيةُ فيه؛ فقال بعضُهم: كان ذلك الرجلُ مَعْقِلَ بنَ يَسارٍ المُزَنِيَّ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ، قال: كانت أختُه تحتَ رجلٍ فطلَّقها، ثم خَلا (^٢) عنها، حتى إذا انقضَتْ عِدَّتُها خطَبها، فحَمِيَ مَعْقِلٌ من ذلك أَنَفًا (^٣)، وقال: خَلا (٢) عنها وهو يَقْدِرُ عليها. فحال بينه وبينها، فأنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن الفضلِ بنِ دَلْهَمٍ، عن الحسنِ، عن مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ، أن أختَه طلَّقها زوجُها، فأراد أن يُراجعَها، فمنعَها مَعْقِلٌ، فأَنزل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾\n_________\n(^١) في م: \"لها\".\n(^٢) في صحيح البخاري: \"خلّى\".\n(^٣) أَنِف من الشيء يأنف أنفًا: إذا كرهه وشرُفت نفسه عنه، وأراد به هنا: أخذته الحمية من الغيرة والغضب. النهاية ١/ ٧٦.\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٣٣١) من طريق عبد الأعلى به، والدارقطني ٣/ ٢٢٤ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.","vol":"4","page":187},{"text":"إلى آخرِ الآيةِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المخرِّميُّ (^٢)، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا عبّادُ بنُ راشدٍ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنى مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ، قال: كانت لي أختٌ تُخطَبُ وأمنعُها الناسَ، حتى خطَب إليَّ ابنُ عمٍّ لي، فأَنكحْتُها، فاصْطَحَبا ما شاء اللَّهُ، ثم إنه طلَّقها طلاقًا له رجعةٌ، ثم ترَكها حتى انقضَتْ عِدَّتُها، ثم خُطِبَتْ إليَّ، فأتاني يَخْطُبُها مع الخُطَّابِ، فقلْت له: خُطِبَتْ إليَّ فمنعْتُها الناسَ، فآثرْتُك بها، ثم طَلَّقْتَ طلاقًا لك فيه رجعةٌ، فلمّا خُطِبَتْ إليَّ أتَيْتَنِي تَخطُبُها مع الخُطّابِ! واللَّهِ لا أُنْكِحُها أبدًا. قال: ففيَّ نزلتْ هذه الآيةُ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: فكفَّرْتُ عن يمينِي وأَنكحْتُها إيّاه (^٣).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾: ذُكِر لنا أنَّ رجلًا طلَّق امرأتَه تطليقةً، ثم خَلا عنها حتى انقضَتْ عِدَّتُها، ثم قَرُب بعد ذلك يخطُبُها، والمرأةُ أختُ مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ، فأَنِف من ذلك مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ، وقال: خلَا عنها وهي في عِدَّتِها، ولو شاء راجَعها، ثم يريدُ أن يراجِعَها وقد بانَتْ منه. فأبَى عليها أن يُزَوِّجَها إيّاه، وذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ لمّا نزَلتْ هذه الآيةُ دعاه فتلاها عليه، فترَك الحَمِيَّةَ واستقادَ لأمرِ اللَّهِ.\n_________\n(^١) أخرجه وكيع - كما في الدر المنثور ١/ ٢٨٦ - ومن طريقه الطبراني في الكبير ٢٠/ ٢٠٨ (٤٧٥)، والحاكم ٢/ ٢٨٠.\n(^٢) في ص: \"المحرمي\"؛ وفي م: \"المخزومي\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٥٣٤.\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٥٢٩)، وأبو داود (٢٠٨٧)، والطبراني ٢٠/ ٢٠٤ (٤٦٨)، والدارقطني ٣/ ٢٢٤، والبيهقي ٧/ ١٠٤ من طريق أبي عامر العقدي به، وأخرجه الطيالسي (٩٧٢)، والنسائي في الكبرى (١١٠٤١)، والبيهقي ٧/ ١٠٤ من طريق عباد بن راشد به.","vol":"4","page":188},{"text":"حدِّثْتُ عن عمّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن يونسَ، عن الحسنِ قولَه تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: نزَلتْ هذه الآيةُ في مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ. قال الحسنُ: حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ أنها نزَلتْ فيه. قال: زوَّجْتُ أختًا لي من رجلٍ فطلَّقها، حتى إذا انقضتْ عِدَّتُها جاء يَخْطُبُها، فقلت له: زوَّجْتُكَ، وفَرَشْتُكَ أختي، وأَكْرَمْتُكَ، ثم طَلَّقْتَها، ثم جِئْتَ تخطُبُها! لا تعودُ إليك أبدًا. قال: وكان رجلَ صِدْقٍ لا بأسَ به، وكانتِ المرأةُ تُحِبُّ أن تَرْجِعَ إليه، قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: فقلتُ: الآنَ أفعلُ يا رسولَ اللَّهِ. فزوَّجْتُها منه (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الهُذَلِيُّ، عن بكرِ بنِ عبدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ، قال: كانت أختُ مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ تحت رجلٍ فطَلَّقَها، فخطَب إليه، فمنَعها أخوها (^٢)، فنزلتْ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾. إلى آخرِ الآيةِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ الآية. قال: نزَلتْ في امرأةٍ من مُزَيْنةَ طلَّقها زوجُها وأُبِينَتْ منه، فنكَحها آخرُ، فعَضَلها أخوها مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ، يُضَارُّها خِيفةَ أن تَرجِعَ إلى زوجِها الأوَّلِ (^٣).\nقال ابنُ جريجٍ: وقال عِكْرمةُ: نزَلتْ في مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ، قال ابنُ جُريجٍ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢٦ (٢٢٥٤) من طريق أبي جعفر به، وأخرجه البخاري (٥١٣٠، ٥٣٣٠)، والنسائي في الكبرى (١١٠٤٢)، والطبراني ٢٠/ ٢٠٤ (٤٦٧)، والدارقطني ٣/ ٢٢٣، والحاكم ٢/ ١٧٤، والبيهقي ٧/ ١٣٨ من طريق يونس به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إخوتها\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"4","page":189},{"text":"أختُه جُمْلُ (^١) ابنةُ يَسارٍ، كانت تحت أبي البدَّاحِ، طلَّقها فانقضَتْ عِدَّتُها، فخطَبها، فعَضَلها مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: نزَلتْ في امرأةٍ من مُزَينةَ طلَّقها زوجُها، فعَضَلها أخوها أن تَرجِعَ إلى زوجِها الأولِ، وهو مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ أخوها (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه لم يقلْ فيه: وهو مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبّانُ بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابنُ المبارَكِ، قال: أخبرَنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدانيِّ، أن فاطمةَ بنتَ يَسارٍ طلَّقها زوجُها، ثم بدا له فخطَبها، فأبَى مَعْقِلٌ، فقال: زوَّجْناكَ فطلَّقْتَها وفعلْتَ. فأنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. قالا (^٥): نزَلتْ في مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ، كانت أختُه تحت رجلٍ فطلَّقها، حتى إذا انقضَتْ عِدَّتُها جاء فخطَبها، فعضَلها مَعْقِلٌ، فأبَى أن يُنْكِحَها إيّاه، فنزَلتْ فيها هذه الآيةُ، يَعني به الأولياءَ، يقولُ: لا\n_________\n(^١) في م، والفتح، والإصابة، نقلًا عن المصنف: \"جميل\". وكذا في الإكمال ٢/ ١٢٥ وغيره. وترجمها الحافظ في الإصابة: جمل، وكذا في الدر المنثور عن المصنف، ثم ذكرها الحافظ بالتصغير. وقيل غير ذلك في اسمها. ينظر الفتح ٩/ ١٨٦، والإصابة ٧/ ٥٥٥، ٥٥٦.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٧ إلى المصنف عن ابن جريج.\n(^٣) تفسير مجاهد ١/ ٢٣٧.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٧ إلى المصنف.\n(^٥) في النسخ: \"قال\". والمثبت من تفسير عبد الرزاق.","vol":"4","page":190},{"text":"تعضُلوهن أن ينكِحْنَ أزواجَهُنَّ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ، قال: كانت أختي عند رجلٍ فطلَّقها تطليقةً بائنةً، فخطَبها، فأبَيْتُ أن أُزوِّجَها منه، فأنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾. الآية.\nوقال آخرون: كان ذلك (^٢) الرجلُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ الأنصاريَّ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: نزَلتْ في جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ الأنصاريِّ، وكانت له ابنةُ عمٍّ فطلَّقها زوجُها تطليقةً، فانقضَتْ عِدَّتُها، ثم رجَع يُريدُ رَجْعَتَها، فأمّا جابرٌ فقال: طَلَّقْتَ ابنةَ عمِّنا ثم تُريدُ أن تَنْكِحَها الثانيةَ! وكانتِ المرأةُ تُريدُ زوجَها قد راضَتْه، فنزَلتْ هذه الآيةُ (^٣).\n[وقال آخرون: نزَلت هذه الآيةُ] (^٤) دَلالةً على نَهْيِ الرجلِ عن مُضَارَّةِ وَلِيَّتِه من النساءِ، يَعْضُلُها عن النكاحِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾:\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٤.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"4","page":191},{"text":"فهذا في الرجلِ يُطَلِّقُ امرأتَه تطليقةً أو تَطْليقتَيْن، فتَنْقَضِي عِدَّتُها، ثم يَبْدُو له في تزويجِها وأن يُراجِعَها، وتريدُ المرأةُ فيَمْنَعُها أولياؤُها من ذلك، فنَهى اللَّهُ سبحانَه أن يَمْنَعُوها (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. كان الرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه فتَبِينُ منه ويَنْقَضِي أجَلُها، ويريدُ أن يراجِعَها، وتَرْضَى بذلك فيأبَى أهلُها، قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبّانُ بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابنُ المبارَكِ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مَسْروقٍ في قولِه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾. قال: كان الرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه، ثم يَبْدُو له أن يَتَزَوَّجَها، فيأبَى أولياءُ المرأةِ أن يُزَوِّجوها، فقال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن أصحابِه، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾. قال: المرأةُ تكونُ عند الرجلِ فيُطَلِّقُها، ثم يريدُ أن يعودَ إليها، فلا يَعْضُلْها وَلِيُّها أن يُنْكِحَها إيّاه\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، عن يونسَ، عن ابنِ شهابٍ، قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ الآية. فإذا طلَّق الرجلُ المرأةَ وهو وَلِيُّها، فانقضَتْ عِدَّتُها،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٧ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"4","page":192},{"text":"فليس له أن يَعْضُلَها حتى يَرِثَها ويَمْنَعَها أن تَسْتَعِفَّ بزوجٍ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سَمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: أخبرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعْتُ الضَّحّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾: هو الرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه تطليقةً، ثم يَسْكُتُ عنها، فيكونُ خاطبًا من الخُطّابِ، فقال اللَّهُ لأولياءِ المرأةِ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. يقولُ: لا تَمْنَعُوهُنَّ أن يَرْجِعْنَ إلى أزواجِهنَّ بنكاحٍ جديدٍ ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إذا رَضِيَتِ المرأةُ وأرادتْ أن تراجِعَ زوجَها بنكاحٍ جديدٍ.\nوالصوابُ من القولِ في هذه الآيةِ أن يقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه أَنزلَها دَلالةً على تحريمِه على أولياءِ النساءِ مُضَارَّةَ مَن كانوا له أولياءَ من النساءِ؛ بعَضْلِهنَّ عمَّن أردْن نكاحَه من أزواجٍ كانوا لهنَّ، فبِنَّ منهم (^١) بما تَبِينُ به المرأةُ من زوجِها، مِن طلاقٍ أو فسخِ نكاحٍ، وقد يجوزُ أن تكونَ نزلتْ في أمرِ مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ وأمرِ أختِه، أو في أمرِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ وأمرِ ابنةِ عمِّه، وأيُّ ذلك كان، فالآيةُ دالَّةٌ على ما ذكَرْتُ.\nويَعني بقولِه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾: لا تُضَيِّقُوا عليهن بمَنْعِكم إياهنَّ أيُّها الأولياءُ من مراجعةِ أزواجِهنَّ بنكاحٍ جديدٍ، تَبتغُون بذلك مُضَارَّتَهن، يقالُ منه: عضَل فلانٌ فلانةَ عن الأزواجِ، يَعْضُلُها عَضْلًا. وقد ذُكِر لنا أن حيًّا من أحياءِ العربِ مِن لغتِها: عضِل يَعضَلُ. فمن كان مِن لغتِه \"عَضِل\"، فإنه إن صار إلى \"يفعَلُ\"، قال: يَعضَلُ، بفتحِ الضادِ، والقراءة على ضمِّ الضادِ دون كسرها، والضمُّ من لغةِ مَن قال: عضَل.\nوأصلُ العَضْلِ: الضِّيقُ. ومنه قولُ عمرَ رحمةُ اللَّهِ عليه: قد أَعضَل بي أهلُ\n_________\n(^١) في النسخ: \"منهن\".","vol":"4","page":193},{"text":"العراقِ، لا يَرْضَوْنَ عن والٍ، ولا يَرضَى عنهم والٍ (^١). يعني بذلك: حَمَلوني على أمرٍ ضَيِّقٍ شديدٍ لا أُطِيقُ القيامَ به. ومنه أيضًا: الداءُ العُضالُ. وهو الداءُ الذي لا يُطاقُ علاجُه لضِيقِه عن العلاجِ وتَجاوزِه حدَّ الأدواءِ التي يكونُ لها علاجٌ. ومنه قولُ ذي الرُّمَّةِ (^٢):\nولم أَقْذِفْ لمُؤْمنةٍ حَصَانٍ … بإذنِ (^٣) اللَّهِ مُوجِبةً عُضَالَا\nومنه قيل: عَضَّل الفَضاءُ بالجيشِ لكثرتِهم. إذا ضاق عنهم من كثرتِهم. وقيل: عضَّلَتِ المرأةُ. إذا نَشِب الولدُ في رَحِمِها فضاق عليه الخروجُ منها. ومنه قولُ أوسِ بنِ حُجْرٍ (^٤):\nوليس أخُوكَ الدَّائمُ العَهْدِ بالذي … يَذُمُّكَ إن وَلَّى ويُرْضِيكَ مُقْبِلَا\nولكنَّه النَّائِي إذا كُنْتَ آمِنًا … وصاحبُكَ الأدْنَى إذا الأمْرُ أَعْضَلَا\nو﴿أَنْ﴾ التي في قولِه: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ﴾. في موضعِ نصبٍ بقولِه: ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾.\nومعنى قولِه: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: إذا تراضَى الأزواجُ والنساءُ بما يَحِلُّ ويجوزُ أن يكونَ عِوَضًا مِن أَبْضاعِهنَّ (^٥)؛ من المهورِ ونكاحٍ جديدٍ مستأنفٍ.\nكما حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عُميرِ بنِ\n_________\n(^١) ذكره ابن سعد ٥/ ٥٨ عن إبراهيم بن قارظ، عن عمر بلفظ: عضل، وأخرجه المصنف في تاريخه ٤/ ١٦٤، ١٦٥ من طريق خليد بن ذفرة، عن أبيه مطولا وفيه: عضلوا.\n(^٢) ديوانه ٣/ ١٥٣٤.\n(^٣) في الديوان: \"بحمد\"\n(^٤) ديوانه ص ٩٢.\n(^٥) الأبضاع: جمع بُضْع، وهو الفرج. اللسان (ب ض ع).","vol":"4","page":194},{"text":"عبدِ اللَّهِ، عن عبدِ الملكِ بنِ المغيرةِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ البَيْلَمانيِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أَنْكِحُوا الأَيامَى\". فقال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، ما العلائقُ (^١) بينهم؟ قال: \"ما تَراضَى عليه أهْلُوهُم\" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ البَيْلَمَانِيِّ، عن أبيه، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوٍ منه (^٣).\nوفي هذه الآيةِ الدَّلالةُ الواضحةُ على صحةِ قولِ مَن قال: لا نكاحَ إلا بوَلِيٍّ مِن العَصَبةِ. وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه منَع الوَلِيَّ مِن عَضْلِ المرأةِ إن أرادتِ النكاحَ، ونهاه عن ذلك، فلو كان للمرأةِ إنكاحُ نفسِها بغيرِ إنكاحِ وليِّها إيّاها، أو كان لها توليةُ مَن أرادت تَوْلِيَتَه في إنكاحِها، لم يكنْ لنَهْيِ وليِّها عن عَضْلِها معنًى مفهومٌ، إذ كان لا سبيلَ له إلى عَضْلِها؛ وذلك أنها إن كانت متى أرادتِ النكاحَ جاز لها إنكاحُ نفسِها أو إنكاحُ مَن تُوَكِّلُه بإنكاحِها، فلا عَضْلَ هنالك لها مِن أحدٍ فيُنْهَى عاضِلُها عن عَضْلِها.\nوفي فسادِ القولِ بأن لا معنَى لنَهْيِ اللَّهِ عمَّا نهَى عنه، صحةُ القولِ بأنَّ لوَلِيِّ المرأةِ في تزويجِها حقًّا لا يَصِحُّ عَقْدُه إلا به، وهو المعنى الذي أمَر اللَّهُ به الوليَّ - مِن تَزويجِها إذا خطَبها خاطبُها ورَضِيَتْ به، وكان رِضًا عند أوليائِها، جائزًا في حُكْمِ المسلمين لمثلِها أن تَنكِحَ مثلَه - ونهاه عن خلافِه مِن عَضْلِها، ومَنْعِها عمّا (^٤) أرادتْ\n_________\n(^١) العلائق: المهور، الواحدة عَلاقة، وعَلاقة المهر: ما يتعلقون به على المتزوج. النهاية ٣/ ٢٨٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ١٨٤، والبيهقي ٧/ ٢٣٩، من طريق عمير بن عبد الله به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦١٩)، وابن أبي شيبة ٤/ ١٨٦، ١٤/ ١٨٣، والبيهقي ٧/ ٢٣٩، من طريق عبد الملك بن المغيرة به.\n(^٣) أخرجه البيهقي ٧/ ٢٣٩ من طريق محمد بن بشار به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٧ إلى ابن مردويه.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مما\".","vol":"4","page":195},{"text":"من ذلك وتراضَتْ هي والخاطبُ به.\n\n<span data-type='title' id=toc-734>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾. ما ذُكِر في هذه الآيةِ من نَهْيِ أولياءِ المرأةِ عن عَضْلِها عن النكاحِ. يقولُ: فهذا الذي نَهَيْتُكم عنه من عَضْلِهنَّ عن النكاحِ، عِظَةٌ مني مَن كان منكم أيُّها الناسُ ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يَعني: يُصَدِّقُ باللَّهِ، فيُوَحِّدُه ويُقِرُّ برُبُوبيَّتِه، ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يقولُ: ومَن يؤمنُ باليومِ الآخرِ، فيُصَدِّقُ بالبعثِ للجزاءِ والثوابِ والعقابِ؛ ليتقيَ اللَّهَ في نفسِه فلا يَظْلِمَها بضِرارِ وَلِيَّتِه، ومَنْعِها من نكاحِ مَن رَضِيَتْه لنفسِها ممن أَذِنْتُ لها في نكاحِه.\nفإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾. وهو خطابٌ للجَميعِ، وقد قال مِن قبلُ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾؟ وإذ (^١) جاز أن يقالَ في خطابِ الجميعِ \"ذلك\"، أفيجوزُ أن تقولَ لجماعةٍ من الناسِ وأنت تخاطِبُهم: أيُّها القومُ، هذا غلامُك وهذا خادمُك. وأنت تُريدُ: هذا خادمُكم وهذا غلامُكم؟\nقيل: لا، إن ذلك غيرُ جائزٍ مع الأسماءِ الموضوعاتِ؛ لأن ما أُضِيفَ إليه الأسماءُ غيرُها، فلا يَفهَمُ سامعٌ سَمِع قولَ قائلٍ لجماعةٍ: أيُّها القومُ، هذا غلامُك. أنه عنَى بذلك: هذا غلامُكم. إلا على اسْتِخْطاءِ الناطقِ في مَنْطِقِه ذلك، فإن طلَب لمَنْطِقِه ذلك وجهًا في [الصوابِ] (^٢)، صرَف كلامَه ذلك إلى أنه انْصَرَفَ عن خطابِ القومِ بما أراد خِطابَهم به، إلى خطابِ رجلٍ واحدٍ منهم أو مِن غيرِهم، وترَك محاورةَ (^٣)\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إن\".\n(^٢) في م: \"فالصواب\".\n(^٣) في م: \"مجاوزة\".","vol":"4","page":196},{"text":"القومِ بما أراد محاورَتَهم (^١) به من الكلامِ. وليس ذلك كذلك في \"ذلك\"؛ لكثرةِ جَرْيِ ذلك على أَلْسُنِ العربِ في مَنْطِقِها وكلامِها، حتى صارتِ الكافُ التي هي كنايةُ اسمِ المخاطَبِ فيها، كهيئةِ حرفٍ من حروفِ الكلمةِ التي هي متصلةٌ (^٢)، وصارتِ الكلمةُ بها كقولِ القائلِ: هذا. كأنها ليس معها اسمٌ مخاطَبٌ، فمن قال: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. أَقرَّ الكافَ من ذلك مُوحَّدةً مفتوحةً في خطابِ الواحدةِ من النساءِ، والواحدِ من الرجالِ، والتثنيةِ والجمعِ، ومَن قال: (ذلكم يُوعَظُ به). كسَر الكافَ في خطابِ الواحدةِ من النساءِ، وفتَح في خطابِ الواحدِ من الرجالِ، [وقال] (^٣) في خطابِ الاثنَيْن منهم: ذلكما. وفي خطابِ الجمعِ: ذلكم.\nوقد قيل: إن قولَه: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾. خطابٌ للنبيِّ ﷺ، ولذلك وحَّد (^٤)، ثم رجَع إلى خطابِ المؤمنين بقولِه: ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾. وإذا وُجِّهَ التأويلُ إلى هذا الوجهِ لم يكنْ فيه مئونةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-735>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكُمْ﴾: نكاحُ (^٥) أزواجِهنَّ لهنَّ، ومراجعةُ أزواجِهنّ إيّاهنّ، بما أباحَ لهنّ من نكاحٍ ومهرٍ جديدٍ ﴿أَزْكَى لَكُمْ﴾ أيُّها الأولياءُ والأزواجُ والزوجاتُ.\n_________\n(^١) في م: \"مجاوزتهم\".\n(^٢) بعده في م: \"بها\".\n(^٣) في النسخ: \"فقال\". والمثبت صواب السياق.\n(^٤) في م: \"وجه\".\n(^٥) في ص: \"نكاحهن\".","vol":"4","page":197},{"text":"ويعني بقولِه: ﴿أَزْكَى لَكُمْ﴾: أفضلُ وخيرٌ عند اللَّهِ من فُرْقَتِهِنَّ أزواجَهنَّ.\nوقد دَلَّلْنا فيما مضَى على معنى الزكاةِ، فأَغنَى ذلك عن إعادتِه (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَأَطْهَرُ﴾. فإنه يَعني بذلك: أَطْهَرُ لقلوبِكم وقلوبِهِنَّ وقلوبِ أزواجِهن من الرِّيبةِ، وذلك أنهما إذا كان في نفسِ كلِّ واحدٍ منهما - أَعنِي الزوجَ والمرأةَ - علاقةُ حبٍّ، لم يُؤْمَنْ أن يَتجاوزَا ذلك إلى غيرِ ما أحلَّه اللَّهُ لهما، ولم يُؤْمَنْ مِن أوليائِهما أن يَسبِقَ إلى قلوبِهم منهما ما لعلَّهما أن يكونا منه بَرِيئَيْن، فأمَر اللَّهُ تعالى ذكرُه الأولياءَ، إذا أراد الأزواجُ التراجُعَ بعد البينونةِ بنكاحٍ مُستأنَفٍ في الحالِ التي أَذِن اللَّهُ لهما بالتراجعِ، ألا يَعْضُلَ وَلِيَّتَه عمّا أرادت من ذلك، وأن يُزَوِّجَها؛ لأن ذلك أفضلُ لجميعِهم، وأطهرُ لقلوبِهم مما يُخافُ سُبوقُه إليها من المعاني المكروهةِ.\nثم أخبَر تعالى ذكرُه عبادَه أنه يَعلَمُ مِن سرائرِهم وخَفِيّاتِ أمورِهم ما لا يعلَمُه بعضُهم من بعضٍ، ودلَّهم بقولِه لهم ذلك في هذا الموضعِ أنه إنما أمَر أولياءَ النساءِ بإنكاحِ مَن كانوا أولياءَه من النساءِ، إذا تراضتِ المرأةُ والزوجُ الخاطبُ بينهم بالمعروفِ، ونهاهم عن عَضْلِهن عن ذلك، لِمَا عَلِم مما في قَلْبِ الخاطبِ والمخطوبةِ من غَلبةِ الهَوى والميلِ مِن كلِّ واحدٍ منهما إلى صاحبِه بالمَوَدَّةِ والمحبةِ، فقال لهم تعالى ذكرُه: افعلُوا ما أمَرْتُكم به إن كنتم تُؤمِنون بي وبثَوابِي وبعِقابِي في معادِكم في الآخرةِ، فإني أَعلمُ من قَلبِ الخاطبِ والمخطوبةِ ما لا تَعلَمُونه مِن الهَوى والمحبةِ، وفعلُكم ذلك أفضلُ لكم عند اللَّهِ ولهم، وأَزكَى وأَطهرُ لقلوبِكم وقلوبهِنّ في العاجلِ.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٣٥.","vol":"4","page":198},{"text":"<span id=\"aya-240\"></span><span data-type='title' id=toc-736>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.</span>\nيَعني تعالى ذكرُه بذلك: والنساءُ اللواتي بِنَّ من أزواجِهنَّ - ولهنّ أولادٌ قد وَلَدْنَهم مِن أزواجِهنَّ قبلَ بَيْنُونَتِهنَّ منهم بطلاقٍ، أو وَلَدْنَهم (^١) منهم بعدَ فِراقِهم إيّاهن مِن وطءٍ كان منهم لهن قبلَ البينونةِ - ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾. يَعني بذلك أنهنَّ أحقُّ برَضاعِهم من غيرِهنَّ. وليس ذلك بإيجابٍ من اللّهِ تعالى ذكرُه عليهن رَضاعَهم، إذا كان المولودُ له ولدٌ (^٢)، حيًّا مُوسِرًا؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه قال في سورةِ \"النساءِ القُصْرَى\" (^٣): ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]. وأخبرَ تعالى ذكرُه أن الوالدةَ والولودَ له إن تعاسرَا في الأُجْرةِ التي تُرضِعُ بها المرأةُ ولدَها، أن أُخرى سواها تُرضِعُه، فلم يُوجِبْ عليها فرضًا رَضاعَ ولدِها، فكان معلومًا بذلك أن قولَه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ دَلالةٌ على مبلغِ غايةِ الرِّضاعِ التي متى اختلَف الوالدان في رَضاعِ المولودِ بعدَه (^٤)، جُعِل حدًّا يُفْصَلُ به بينهما، لا دلالةً على أن فرضًا على الوالداتِ رَضاعُ أولادِهنَّ.\nوأما قولُه: ﴿حَوْلَيْنِ﴾. فإنه يعنى به سنتَيْن.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾: سنتَيْن (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) في م: \"أولدنهم\".\n(^٢) في النسخ: \"والدا\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٣) يعني سورة الطلاق.\n(^٤) في م: \"بعدها\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٧ إلى المصنف ووكيع وسفيان وعبد الرزاق وآدم وعبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي.","vol":"4","page":199},{"text":"مجاهدٍ مثلَه.\nوأصلُ الحَوْلِ من قولِ القائلِ: حال هذا الشيءُ. إذا انتقَل. ومنه قيل: تَحَوَّلَ فلانٌ من مكانِ كذا. إذا انتقَل عنه.\nفإن قال لنا قائلٌ: وما معنى ذكرِ ﴿كَامِلَيْنِ﴾ في قولِه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ بعدَ قولِه: ﴿يُرْضِعْنَ﴾ ﴿حَوْلَيْنِ﴾. وفي ذكرِه الحَوْلَيْن مُسْتَغْنًى عن ذكرِ الكاملَيْن، إذ كان غيرَ مُشْكِلٍ على سامعٍ سَمِع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ ما يرادُ به، فما الوجهُ الذي مِن أجلِه زِيدَ ذكرُ ﴿كَامِلَيْنِ﴾؟\nقيل: إن العربَ قد تقولُ: أقام فلانٌ بمكانِ كذا حَوْلَيْن، أو يومَيْن، أو شهرَيْن. وإنما أقام به يومًا وبعضَ آخَرَ، أو شهرًا وبعضَ آخَرَ، أو حَوْلًا وبعضَ آخَرَ، فقيل: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ ليَعْرِفَ سامِعو (^١) ذلك أن الذي أُريدَ به حَوْلان تامّان، لا حَولٌ وبعضُ آخَرَ، وذلك كما قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. ومعلومٌ أن المُتَعَجِّلَ إنما يَتَعَجَّلُ في يومٍ ونصفٍ، فكذلك ذلك في اليومِ الثالثِ من أيامِ التشريقِ، وأنه ليس منه شيءٌ تامٌّ، ولكنَّ العربَ تَفعَلُ ذلك في الأوقاتِ خاصةً، فتقولُ: اليومُ يومان منذُ لم أرَه. وإنما تَعنِي (^٢) بذلك يومًا وبعضَ آخَرَ، وقد تُوقِعُ الفعلَ الذي تفعلُه (^٣) في الساعةِ أو اللحظةِ على العامِ والزمانِ واليومِ، فتقولُ: زُرْتُه عامَ كذا، وقتَل فلانٌ فلانًا زمانَ (^٤) صِفِّينَ. وإنما تفعلُ ذأك لأنها لا تَقْصِدُ بذلك\n_________\n(^١) في م: \"سامع\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يعني\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يفعله\".\n(^٤) في ص، ت ١: \"أزمان\".","vol":"4","page":200},{"text":"الخبرَ عن عددِ الأيامِ والسنينَ، وإنما تَعْنِي بذلك الإخبارَ عن الوقتِ الذي كان فيه المخبَرُ عنه، فجاز أن يَنْطِقَ بالحَوْلَيْن واليومَيْن على ما وَصَفْتُ قبلُ (^١)؛ لأن معنى الكلامِ في ذلك: فعلْتُه إذ ذاك، وفي ذلك الوقتِ. فكذلك قولُه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾. لمّا كان الرَّضاعُ في الحَولَيْن وليسا بالحَوْلَيْن - فكان الكلامُ، لو أُطلِق في ذلك بغيرِ تبيينِ (^٢) الحَولَيْن بالكمالِ، وقيل: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾. محتمِلًا أن يكونَ مَعْنِيًّا به حولٌ وبعضُ آخَرَ - نَفَى اللَّبْسَ عن سامِعيه بقولِه: ﴿كَامِلَيْنِ﴾. أن يكونَ مرادًا به حولٌ وبعضُ آخَرَ، وأُبِين بقولِه: ﴿كَامِلَيْنِ﴾. عن وقتِ تمامِ حدِّ الرَّضاعِ، وأنه تمامُ الحَولَيْن بانقضائِهما دونَ انقضاءِ أحدِهما وبعضِ الآخرِ.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ في الذي دَلَّتْ عليه هذه الآيةُ مَن مبلغِ غايةِ رَضاعِ المولودِين، أهو حدٌّ لكلِّ مولودٍ، أو هو حدٌّ لبعضٍ دونَ بعضٍ؟ فقال بعضُهم: هو حدٌّ لبعضٍ دونَ بعضٍ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في التي تَضَعُ لستةِ أشهرٍ أنها تُرضِعُ حَولَيْن كاملَيْن، وإذا وَضَعَت لسبعةِ (^٣) أشهرٍ أَرْضَعَتْ ثلاثةً وعشرين لتمامِ ثلاثين شهرًا، وإذا وضعَت لتسعةِ أشهرٍ أَرضعَت واحدًا وعشرين شهرًا (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قيل\".\n(^٢) في النسخ: \"تضمين\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٣) في ص: \"لستة\".\n(^٤) أخرجه الطحاوي في المشكل ٧/ ٢٩١، ٢٩٢ عقب (٢٨٦٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٢٦٤، والحاكم ٢/ ٢٨٠، والبيهقي ٧/ ٤٤٢، ٤٦٢، من طريق داود بن أبي هند به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٨ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.","vol":"4","page":201},{"text":"حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثني عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ بمثلِه، ولم يَرفَعْه إلى ابنِ عباسٍ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، [عن أبي عُبيدٍ] (^١)، قال: رُفِع إلى عثمانَ امرأةٌ ولَدتْ لستةِ أشهرٍ، فقال: إنها رُفِعَتْ [إليَّ امرأةٌ] (^٢)، لا أَراها إلا قد جاءتْ بشَرٍّ - أو نحوَ هذا - ولَدتْ لستةِ أشهرٍ! فقال ابنُ عباسٍ: إذا أَتمَّتِ الرَّضاعَ كان الحملُ لستةِ أشهرٍ. قال: وتلا ابنُ عباس: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. فإذا أتمَّتِ الرَّضاعَ كان الحملُ لستةِ أشهرٍ. فخلَّى عثمانُ سبيلَها (^٣).\nوقال آخرون: بل ذلك حدُّ رَضاعِ كلِّ مولودٍ اختلَف والداه في رَضاعِه، فأراد أحدُهما البلوغَ إليه، والآخَرُ التقصيرَ عنه.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾: فجعَل اللَّهُ سبحانَه الرَّضاعَ حَولَيْن كاملَيْن لمن أراد أن يُتِمَّ الرَّضاعةَ. ثم قال: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ إن أرادا أن يَفْطِماه قبلَ الحَولَيْن وبعدَه (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المبارَكِ، عن ابن جُريجٍ،\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، وفي ص، م: \"عن أبي عبيدة\". والمثبت من مصنف عبد الرزاق، وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٢٨٨.\n(^٢) سقط من النسخ، والمثبت من مصدري التخريج.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣٤٤٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٨ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم مقتصرًا على آخره، وأخرجه كذلك ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٤ (٢٢٩٩) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"4","page":202},{"text":"قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ قال: إن أرادتْ أمُّه أن تُقَصِّرَ عن حَولَيْن كان عليها حقًّا أن تَبْلُغَه، لا أن تَزيدَ عليه إلا أن تشاءَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، وحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ أبي الزَّرْقاءِ، جميعًا عن الثوريِّ في قولِه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾: والتمامُ الحَوْلَانِ. قال: فإذا أراد (^٢) الأبُ أن يَفْطِمَه قبلَ الحَوْلَيْن ولم تَرْضَ المرأةُ فليس له ذلك، وإذا قالتِ المرأةُ: أنا أَفْطِمُه قبلَ الحَوْلَين. وقال الأبُ: لا. فليس لها أن تَفْطِمَه حتى يَرْضَى الأبُ حتى يَجتمِعَا، فإنِ اجتمعا قبلَ الحولَيْن فطَمَاه، وإذا اختلَفا لَمْ يَفْطِماه قبلَ الحَوْلَيْن وذلك قولُه: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ (^٣).\nوقال آخرون: بل دلَّ اللَّهُ تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾. على ألا رَضاعَ بعدَ الحَوْلَيْن، فإن الرَّضاعَ إنما هو ما كان في الحَولَيْن.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: أخبَرَنا ابنُ أبي ذئبٍ، قال: ثنا الزهريُّ، عن ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ أنهما قالا: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه يقولُ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾. ولا نَرَى رَضاعًا بعدَ الحَولَيْن يُحَرِّمُ شيئًا (^٤).\n_________\n(^١) في ص: \"يشاء\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢٩ (٢٢٧٠) من طريق ابن المبارك به، وأخرجه عبد الرزاق (١٢١٧٣) عن ابن جريج به.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢٩ من طريق حسين بن حفص، عن سفيان مقتصرًا على قوله: والتمام الحولان.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢٩ (٢٢٦٦) من طريق ابن أبي ذئب به.","vol":"4","page":203},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا ابنُ المبارَكِ، عن يونسَ بنِ يزيدَ، عن الزهريِّ، قال: كان ابنُ عمرَ وابنُ عباسٍ يقولان: لا رَضاعَ بعدَ الحَوْلَيْن (^١).\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا حَفْصٌ، عن الشَّيبانيِّ، عن (^٢) أبي الضُّحَى، عن أبي عبدِ الرحمنِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: ما كان مِن رَضاعٍ بعدَ سنتَيْن أو في الحَوْلَيْن بعدَ الفِطامِ، فلا رَضاعَ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، أنه رأَى امرأةً تُرضِعُ بعدَ حَوْلَيْن، فقال: لا تُرضِعِيه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الشَّيبانيِّ، قال: سَمِعْتُ الشعبيَّ يقولُ: ما كان من وَجُورٍ (^٥) أو سَعوطٍ (^٦) أو رَضاعٍ في الحَوْلين فإنه يُحرِّمُ، وما كان بعد الحَوْلَيْن لَمْ يُحرِّمْ شيئًا (^٧).\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ أنه كان يُحدِّثُ عن عبدِ اللَّهِ أنه قال: لا رَضاعَ بعد فِصالٍ أو بعد حَوْلَيْن (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣٩٠٠) عن معمر، عن الزهري به، وعنده عن ابن عمر أو ابن عباس.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"ابن\". وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٥٢٠.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٩٠ عن حفص به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٩١ عن عبد الرحمن بن مهدي وأبي أسامة به.\n(^٥) الوجور: الدواء يبلع في الفم. اللسان (وج ر).\n(^٦) السعوط: الدواء يصب في الأنف. اللسان (س ع ط).\n(^٧) أخرجه ابن حزم ١١/ ١٩٩ من طريق عبد الرحمن بن مهدي به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٧٣)، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٩١ طريق الشيباني به.\n(^٨) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٧٤)، والبيهقي ٧/ ٤٦٢، وابن حزم ١١/ ١٩٩، من طريق المغيرة به.","vol":"4","page":204},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا حسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ليس يُحرِّمُ مِن الرَّضاعِ بعد التمامِ، إنما يُحرِّمُ ما أَنبتَ اللحمَ وأَنشأ العَظْمَ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، أن ابنَ عباسٍ قال: لا رَضاعَ بعد فِصالِ السنتَيْن (^١).\nحدَّثنا هلالُ بنُ العَلاءِ الرَّقِّيُّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ، عن زيد، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن أبي الضُّحَى، قال: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾. قال: لا رَضَاعَ إلا في هذين الحولين (^٢).\nوقال آخرون: بل كان قولُه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾. دلالةً مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عبادَه على أن فرضًا على والداتِ المولودِين أن يُرْضِعْنَهم حولين كاملين، ثم خفَّف تعالى ذكرُه ذلك بقولِه: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. فجعَل الخِيارَ في ذلك إلى الآباءِ والأمهاتِ، إذا أرادوا الإتمامَ أكْمَلوا حولين، وإن أرادوا قبلَ ذلك فَطْمَ المولودِ كان ذلك إليهم على النظرِ منهم للمولودِ.\nذكرُ مَن قال في لك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾: ثم أنْزَل اللَّهُ اليُسْرَ والتَّخْفيفَ بعدَ ذلك، فقال، تعالى ذكرُه: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣٩٠١) وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٨٠)، والطحاوي في المشكل ٧/ ٢٩٥، والبيهقي ٧/ ٤٦٢ من طريق عمرو بن دينار به بنحوه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٨ إلى المصنف.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢٩، عقب الأثر (٢٢٦٩) معلقًا.","vol":"4","page":205},{"text":"حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾. يعني: المطلقاتُ يُرْضِعْن أولادَهن حولين كاملين، ثم أَنْزَل الرُّخْصةَ والتَّخْفيفَ بعدَ ذلك، فقال: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-737>ذكرُ مَن قال: إن الوالداتِ اللَّوَاتي ذكَرَهن اللَّهُ تعالى في هذا الموضعِ البائناتُ مِن أزْواجِهن. على ما وصَفْنا قبلُ</span>\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ، قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ إلى ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: أما ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾. فالرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه وله منها ولدٌ، وأنها تُرْضِعُ له ولدَه بما يُرْضِعُ له غيرُها (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُبارَكِ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾. قال: إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه وهي تُرْضِعُ له ولدًا (^٣).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ بنحوِه.\nوأوْلَى الأقْوالِ بالصَّوابِ في قولِه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢٩ (٢٢٦٩) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢٨، عقب الأثر (٢٢٦٣) من طريق عمرو به.\n(^٣) سيأتي بتمامه في ص ٢١١.","vol":"4","page":206},{"text":"لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. القولُ الذي رواه عليُّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، ووافَقَه على القولِ به عطاءٌ والثوريُّ، والقولُ الذي رُوِي عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ، وهو أنه دَلالةٌ على الغايةِ التي يُنْتَهَى إليها في رَضاعِ المولودِ إذا اخْتَلَف والداه، وألا رَضاعَ بعدَ الحولين يُحَرِّمُ شيئًا، وأنه مَعْنيٌّ به كلُّ مولودٍ لستةِ أشهرٍ كان وِلادُه أو لسبعةٍ أو لتسعةٍ.\nفأما قولُنا: إنه دلالةٌ على الغايةِ التي يُنْتَهَى إليها في الرضاعِ عندَ اختلافِ الوالدين فيه؛ فلأن اللَّهَ تعالى ذِكْرُه لمَّا حدَّ في ذلك حدًّا كان غيرَ جائزٍ أن يَكونَ ما وراءَ حدِّه مُوافقًا في الحكمِ ما دونَه؛ لأن ذلك لو كان كذلك لم يَكُنْ للحدِّ معنًى معقولٌ. وإذ كان ذلك كذلك، فلا شكَّ أن الذي هو دونَ الحولين مِن الأجَلِ لمَّا كان وقتَ رَضاعٍ كان ما وراءَه غيرَ وقتٍ له، وأنه وقتٌ لتَرْكِ الرَّضاعِ، وأن تمامَ الرَّضاعِ لمَّا كان تَمامَ الحولين، وكان التمامُ مِن الأشياءِ لا معنى للزيادةِ (^١) فيه - كان لا معنى للزيادةِ في الرضاعِ على الحولين، وأن ما دونَ الحولين مِن الرضاعِ لمّا كان مُحَرِّمًا، كان ما وراءَه غيرَ مُحَرِّمٍ.\nوإنما قلْنا: هو دلالةٌ على أنه مَعْنيٌّ به كلُّ مولودٍ لأيِّ وقتٍ كان وِلادُه؛ لستةِ أشهرٍ، أو سبعةٍ، أو تسعةٍ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه عمَّ بقولِه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾. ولم يَخْصُصْ به بعضَ المولودِين دونَ بعضٍ.\nوقد دلَّلْنا على فسادِ القولِ بالخصوصِ بغيرِ بيانِ اللَّهِ تعالى ذكرُه ذلك في كتابِه، أو على لسانِ رسولِه ﷺ في كتابِنا \"كتابِ البَيانِ عن أصولِ الأحكامِ\" بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.\n_________\n(^١) في م: \"إلى الزيادة\".","vol":"4","page":207},{"text":"فإن قال لنا قائلٌ: فإن اللَّهَ تعالى ذكرُه قد بيَّن ذلك بقولِه: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. فجعَل ذلك حدًّا للمَعْنَيَيْن كليهما، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ حملٌ ورَضاعٌ أكثرَ مِن الحدِّ الذي حدَّه اللَّهُ تعالى ذكرُه، فما نقَص مِن مدةِ الحملِ عن تسعةِ أشهرٍ، فهو مَزيدٌ في مدةِ الرضاعِ، وما زِيدَ في مدةِ الحملِ نَقَص مِن مدةِ الرَّضاعِ، وغيرُ جائزٍ أن يُجاوَزَ بهما كليهما مدةَ ثلاثين شهرًا، كما حدَّه اللَّهُ تعالى ذكرُه؟\nقيل له: فقد يَجِبُ أن يَكونَ مدةُ الحملِ - على هذه المقَالةِ - إن بلَغَت حولين كاملين، ألا يُرْضَعَ المولودُ إلا ستةَ أشهرٍ، وإن بلَغَت أربعَ سنينَ أن يَبْطُلَ الرَّضاعُ فلا يُرْضِعَ؛ لأن الحملَ قد اسْتَغْرَق الثلاثين شهرًا، وجاوَز غايتَه، أو يَزْعُمُ قائلُ هذه المقالةِ أن مدةَ الحملِ لن تُجاوِزَ تسعةَ أشهرٍ، فيَخْرُجَ من قولِ جميعِ الحُجَّةِ، ويُكابِرَ الموجودَ والمُشاهَدَ، وكفَى بهما حُجَّةً على خطأ دَعْواه إن ادَّعَى ذلك. فإلى أيِّ الأمرين لجَأ قائلُ هذه المقالةِ وضَح (^١) لذَوِي الفَهْمِ فسادُ قولِه.\nفإن قال لنا قائلٌ: فما معنى قولِه - إن كان الأمرُ على ما وصَفْتَ -: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. وقد ذكَرْتَ آنِفًا أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ ما جاوَز حدَّ اللَّهِ تعالى ذكرُه نظيرَ ما دونَ حدِّه في الحكمِ، وقد قلتَ: إن الحملَ والفِصالَ قد يُجاوِزان ثلاثين شهرًا؟\nقيل: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه لم يَجْعَلْ قولَه: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. حدًّا تعَبَّد عبادَه بألا يُجاوِزُوه كما جعَل قولَه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. حَدًّا لرَضاعِ المولودِ الثابتِ (^٢) الرضاعِ، وتعَبَّد\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"صح\".\n(^٢) في م: \"التام\".","vol":"4","page":208},{"text":"العبادَ بحملِ والديه عليه عندَ اخْتِلافِهما فيه، وإرادةِ أحدِهما الضِّرارَ به، وذلك أن الأمرَ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه إنما يَكونُ فيما يَكونُ للعِبادِ السبيلُ إلى طاعتِه بفعلِه (^١) والمعصيةِ بترْكِه، فأما ما لم يَكُنْ لهم إلى فعلِه، ولا إلى تركِه سبيلٌ، فذلك مما لا يَجوزُ الأمرُ به ولا النهيُ عنه ولا التعبُّدُ به.\nفإذ كان ذلك كذلك، وكان الحملُ مما لا سبيلَ للنساءِ إلى تقصيرِ مدتِه، ولا إلى إطالتِها فيَضَعْنَه متى شِئْنَ، ويَتْرُكْن وَضْعَه إذا شِئْنَ، كان معلومًا أن قولَه: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ إنما هو خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن أن مِن خَلْقِه مَن حمَلَتْه أمُّه وولَدَتْه وفصَلَتْه في ثلاثين شهرًا، لا أمرٌ بألا يُتجاوَزَ في مدةِ حملِه وفِصالِه ثلاثون شهرًا؛ لما وصَفْنا، وكذلك قال ربُّنا تعالى ذكرُه في كتابِه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا (^٢) حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾.\nفإن ظنَّ ذو غَباءٍ أن اللَّهَ تعالى ذكرُه إذ وصَف أن مِن خلْقِه مَن حمَلَتْه أمُّه ووضَعَتْه وفصَلَتْه في ثلاثين شهرًا، فوجَب أن يَكونَ جميعُ خلقِه ذلك صفتُهم، وأن ذلك دَلالةٌ على أن حملَ كلِّ عبادِه وفِصالَه ثلاثون شهرًا، فقد يَجِبُ أن يَكونَ كلُّ عبادِه صفتُهم أن يَقُولوا إذا بلَغوا أشُدَّهم، وبلَغوا أربعين سنةً: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾. على ما وصَف اللَّهُ به الذي وُصِف في هذه الآيةِ. وفي وُجودِنا مَن يَسْتَحْكِمُ كفرُه باللَّهِ، وكُفْرانُه نِعَمَ ربِّه عليه، وجُرْأتُه على والدَيْه بالقتلِ والشَّتْمِ وضُروبِ المَكارِهِ عندَ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"بفضله\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حسنا\". وهما قراءتان سيذكرهما المصنف عند تفسير هذه الآية من سورة الأحقاف.","vol":"4","page":209},{"text":"استكمالِه الأربعين مِن سِنِيه، وبُلوغِه أَشُدَّه، ما يُعْلِمُ أنه لم يَعْنِ اللَّهُ بهذه الآيةِ صفةَ جميعِ عبادِه، بل يُعْلِمُ أنه إنما وصَف بها بعضًا منهم دونَ بعضٍ، وذلك ما لا يُنْكِرُه ولا يَدْفَعُه أحدٌ؛ لأن مَن يُولَدُ مِن الناسِ لتسعةِ أشهرٍ أكثرُ ممَّن يُولَدُ لأربعِ سنين ولسنتين، كما أن مَن يُولَدُ لتسعةِ أشهرٍ أكثرُ ممَّن يُولَدُ لستةِ أشهرٍ، ولسبعةٍ.\nواختَلَفَتِ القَرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه عامَّةُ أهلِ المدينةِ والعراقِ والشامِ: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. بالياءِ في ﴿يُتِمَّ﴾، ونصبِ ﴿الرَّضَاعَةَ﴾. بمعنى: لمن أراد مِن الآباءِ والأمهاتِ أن يُتِمَّ رَضاعَ ولدِه.\nوقرَأه بعضُ أهلِ الحجازِ: (لمَنْ أرَادَ أنْ تَتِمَّ الرَّضَاعَةُ). بالتاءِ في \"تتم\"، ورفعِ \"الرضاعة\" بصفتِها (^١).\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا قراءةُ مَن قرَأ بالياءِ في ﴿يُتِمَّ﴾ ونصبِ ﴿الرَّضَاعَةَ﴾؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ فكذلك هن يُتْمِمْنَها إذا أرَدْنَ هن والمولودُ له إتمامَها، وأنها القراءةُ التي جاء بها النقلُ المُسْتَفِيضُ الذي ثبتَت به الحُجَّةُ دونَ القراءةِ الأخرى.\nوقد حُكِي في الرضاعةِ سَماعًا مِن العربِ كسرُ الراءِ التي فيها، وإن تَكُنْ صَحيحةً فهي نَظيرةُ الوَكالةِ والوِكالةِ، والدَّلالةِ والدِّلالةِ (^٢)، ومهَرْتُ الشيءَ مَهارَةً ومِهارةً، فيَجوزُ حينَئذٍ الرَّضاعُ والرِّضاعُ، كما قيل: الحَصادُ والحِصادُ. وأما القراءةُ\n_________\n(^١) وهي قراءة مجاهد والحسن وحميد بن قيس وابن محيصن وأبي رجاء، وهي من القراءات الشاذة. ينظر البحر المحيط ٢/ ٢١٣.\n(^٢) بعده في ص: \"والدلالة\".","vol":"4","page":210},{"text":"فبالفتحِ لا غيرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-738>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾: وعلى آباءِ إلصِّبْيانِ للمَراضِعِ ﴿رِزْقُهُنَّ﴾. يعني: رزقُ والدتِهن. ويعني بالرزقِ ما يَقُوتُهن مِن طعامٍ، وما لا بدَّ لهن مِن غِذاءٍ ومَطْعَمٍ. ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ﴾. ويعني بالكِسوةِ المَلْبَسَ.\nويعني بقولِه: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: بما يَجِبُ لمثلِها علي مثلِه، إذ كان اللَّهُ تعالى ذكرُه قد علِم تَفاوُتَ أحوالِ خلقِه بالغنى والفقرِ، وأن منهم المُوسِعَ والمُقْتِرَ وبينَ ذلك، فأمَر كلًّا أن يُنْفِقَ على مَن لَزِمَتْه نفقتُه مِن زوجتِه وولدِه على قدْرِ مَيْسَرتِه، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].\nوكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُبارَكِ، عن جُوَيْبِر، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه وهي تُرْضِعُ له ولدًا، فتَراضَيا على أن تُرْضِعَ حولَيْن كامَليْن، فعلى الوالدِ رزقُ المُرْضِعِ (^١) والكِسْوةُ بالمعروفِ، على قدرِ المَيْسَرةِ، لا يُكَلِّفُ (^٢) نفسًا إلا وُسعَها (^٣).\n_________\n(^١) في ص: \"الموضوع\".\n(^٢) في م: \"نكلف\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤١٨ بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٨ إلى المصنف مقتصرًا على قوله: على قدر الميسرة.","vol":"4","page":211},{"text":"حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ الرَّمْليُّ، قال: ثنا زيدٌ (^١)، وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، جميعًا (^٢) عن سُفيانَ قولَه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾: والتَّمامُ الحولان، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ على الأبِ طعامُها وكِسْوتُها بالمعروفِ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: على الأبِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-739><span data-type='title' id=toc-740>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿[لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ] (^٥) إِلَّا وُسْعَهَا﴾.</span></span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: لا تُحَمَّلُ نفسٌ مِن الأمورِ إلا ما لا يَضِيقُ عليها ولا يَتَعَذَّرُ عليها وُجودُه إذا أرادَت. وإنما عنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه بذلك: لا يُوجِبُ اللَّهُ على الرجالِ مِن نفقةِ مَن أرْضَعَ أولادَهم مِن نسائِهم البائناتِ منهم إلا ما أطاقوه، ووجَدوا إليه السبيلَ، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾.\nكما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، جميعًا عن سفيانَ: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾. إلا ما أطاقَت (^٦).\n_________\n(^١) في ص: \"يزيد\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) تقدم تخريج أوله في ص ٢٠٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢٩ عقب الأثر (٢٢٧١) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٥) في ص: \"لا يكلف الله نفسا\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧٧ (٣٠٨١) من طريق مهران به، بنحوه. وذكره في ٢/ ٤٣٠ عقب الأثر (٢٢٧٦) معلقًا.","vol":"4","page":212},{"text":"والوُسْعُ الفُعْلُ، مِن قولِ القائلِ: وسِعَني هذا الأمرُ، فهو يَسَعُني سَعَةً. ويقالُ: هذا الذي أعْطَيْتُك وُسْعي. أى: ما يَتَّسِعُ لي أن أُعْطِيَك فلا يَضِيقُ عليَّ إعطاؤكَه. و: أعْطَيْتُك مِن جُهْدي. إذا أعْطَيْتَه ما يُجْهِدُك، فيَضِيقُ عليك إعطاؤُه.\nفمعنى قولِه: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾. هو ما وصَفْتُ مِن أنها لا تُكَلَّفُ إلا ما يَتَّسِعُ لها بَذْلُ ما كُلِّفَت بَذْلَه، فلا يَضِيقُ عليها ولا يَجْهَدُها، لا ما ظنَّه جَهَلةُ أهلِ القدَرِ مِن أن معناه لا تُكَلَّفُ نفسٌ إلا ما قد أُعْطِيَت عليه القدرةَ مِن الطاعاتِ. لأن ذلك لو كان كما زعَمَت، لكان قولُه تعالى ذكرُه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٨، الفرقان: ٩] - إذ كان دالًّا على أنهم غيرُ مُسْتَطِيعي السبيلِ إلى ما كُلِّفوه - واجبًا أن يَكونَ القومُ في حالٍ واحدةٍ قد أُعْطُوا الاسْتِطاعةَ على ما مُنِعوها عليه، وذلك مِن قائلِه، إن قاله، إحالةٌ في كلامِه، ودعْوَى باطلٍ لا يُخِيلُ بُطولُه. وإذ كان بيِّنًا فسادُ هذا القولِ، فمعلومٌ أن الذي أخْبَر تعالى ذكرُه أنه كلَّف النفوسَ مِن وُسْعِها غيرُ الذي أخْبَر أنه كلَّفَها مما لا تَسْتَطِيعُ إليه السبيلَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-741>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾.</span>\nاخْتَلَفَتِ القَرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه عامَّةُ قَرأةِ أهلِ الحجازِ والكوفةِ والشامِ: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾. بفتحِ الراءِ (^١)، بتأْويلِ: لا تُضَارَرْ (^٢). على وجهِ\n_________\n(^١) وهي قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ١٣٦.\n(^٢) في ص: \"تضارن\".","vol":"4","page":213},{"text":"النهيِ، وموضعُه - إذا قرِئ (^١) كذلك - جَزْمٌ، غيرَ أنه حُرِّك (^٢)، إذ تُرِك التضعيفُ بأخفِّ الحركاتِ وهو الفتحُ، ولو حُرِّك إلى الكسرِ كان جائزًا، إتْباعًا لحركةِ لامِ (^٣) الفعلِ حركةَ عينِه، وإن شئتَ فلأنَّ الجزمَ إذا حُرِّك حُرِّك إلى الكسرِ (^٤).\nوقرَأ ذلك بعضُ أهلِ الحجازِ وبعضُ أهلِ البصرةِ: (لَا تُضَارُّ (^٥) والدةٌ بولَدِها) رفعٌ (^٦). ومَن قرَأَه كذلِك لَمْ تَحْتَمِلْ قراءتُه معنى النهيِ، ولكنها تكونُ الخبرَ (^٧)، عطفًا بقولِه: ﴿لَا تُضَارَّ﴾ على قولِه: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾.\nوقد زعَم بعضُ نحويِّي البصرةِ أن معنى مَن رفَع: (لا تُضارُّ والدةٌ بولدِها) هكذا في الحكمِ، أنه لا تُضارُّ والدةٌ بولدِها. أي: ما يَنْبَغي أن تُضارَّ. فلما حُذِفَت \"يَنْبَغِي\"، وصار \"تُضارُّ\" في موضعِه صار على لفظِه. واستَشْهد لذلك بقولِ الشاعرِ (^٨):\nعَلَى الحَكَمِ المَأْتِيِّ يومًا إذا قضَى … قَضِيَّتَه ألا يَجُورَ ويَقْصِدُ (^٩)\nفزعَم أنه رفَع \"يَقْصِدُ\" بمعنى \"يَنْبَغِي\". والمحكيُّ عن العربِ سَماعًا غيرُ الذي قال، وذلك أنه رُوِي عنهم سَماعًا: فتَصْنَعَ ماذا. إذا أرادوا أن يقولوا: فتُرِيدُ أن تَصْنَعَ ماذا. فيَنْصِبونه بنيَّةِ \"أن\"، وإذا لَمْ يَنْوُوا \"أن\" ولم يُريدُوها، قالوا: فتُرِيدُ\n_________\n(^١) في ص: \"قوى\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"حول\".\n(^٣) في ص: \"لأن\".\n(^٤) ينظر تعليق الشيخ شاكر على هذا الموضع من كلام المصنف، وينظر ما سيأتي في ص ٢١٨، ٢١٩.\n(^٥) في م: \"تضارر\". وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. حجة القراءات ص ١٣٦.\n(^٦) في النسخ: \"فعل\". والمثبت هو الصواب.\n(^٧) في م: \"بالخبر\". ويعني بقوله تكون الخبر، أي تكون على معناه.\n(^٨) البيت في شرح المفصل ٧/ ٣٨، واللسان (ق ص د)، وخزانة الأدب ٨/ ٥٥٥، ٥٥٧، ٥٥٨ وقد نسب فيها إلى أبي اللحام التغلبي، ونسبه في الكتاب ٣/ ٥٦ إلى عبد الرَّحمن بن أم الحكم.\n(^٩) يقصد: يعدل، من القصد وهو العدل. التاج (ق ص د).","vol":"4","page":214},{"text":"ماذا. فيَرْفَعون \"تُرِيدُ\"؛ لأنه لا جالِبَ لـ \"أن\" قبلَه، كما كان له جالبٌ قبلَ \"تَصْنَع\". فلو كان معنى قولِه: (لا تُضارُّ). إذا قُرِئ رفعًا بمعنى: يَنْبَغي ألا تُضارَّ، أو ما يَنْبَغِي أن تُضارَّ. ثم حُذِف \"يَنْبَغِي\" و\"أن\"، وأُقِيم \"تُضارُّ\" مُقامَ \"يَنْبَغِي\"، لكان الواجبُ أن يَقْرَأَ - إذا قُرِئ بذلك المعنى - نصبًا لا رفعًا، ليُعْلَمَ بنصبِه المتروكُ قبلَه المعنيُّ المرادُ، كما فُعِل بقَوْلِهم (^١): فتَصْنَعَ ماذا. ولكن معنى ذلك ما قلنا إذا رُفِع على العطفِ على ﴿لَا تُكَلَّفُ﴾: ليست تُكَلَّفُ نفسٌ إلَّا وُسْعَها، وليست تُضارُّ والدةٌ بولدِها. يعني بذلك أنه ليس ذلك في دينِ اللَّهِ وحُكْمِه وأخلاقِ المسلمين.\nوأولى القراءتيْن بالصوابِ في ذلك قراءةُ مَن قرَأ بالنصبِ (^٢)؛ لأنَّه نهيٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه كلَّ واحدٍ مِن أبوَيِ المولودِ عن مُضارَّةِ صاحبِه له، حرامٌ عليهما ذلك بإجماعِ المسلمين، فلو كان ذلك خبرًا لكان حرامٌ عليهما ضِرارَهما به كذلك.\nوبما قلْنا (^٣) من أن ذلك بمعنى النهيِ، تأوَّله أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾: لا تَأْبَى أن تُرْضِعَه ليَشُقَّ ذلك على أبيه، ولا يُضَارُّ الوالدُ بولدِه، فيَمْنَعَ أمَّه أن تُرْضِعَهُ ليَحْزُنَها (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) في م: \"بقوله\".\n(^٢) والقراءتان متواترتان وكلتاهما صواب.\n(^٣) بعده في م: \"في ذلك\".\n(^٤) في ص: \"فيحزنها\"، والأثر في تفسير مجاهد ص ٢٣٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٠ (٢٢٧٧).","vol":"4","page":215},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ قال: نهَى اللَّهُ تعالى عن الضِّرارِ، وقدَّم فيه، فنهَى اللَّهُ أن يُضَارَّ الوالدُ فيَنْتَزِعَ الولَدَ مِن أمِّه إذا كانت راضيةً بما كان مُسْتَرْضِعًا به غيرَها، ونُهِيَتِ الوالدةُ أن تَقْذِفَ الولدَ إلى أبيه ضِرارًا.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾: تَرْمِي به إلى (^١) أبيه ضِرارًا، ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ يقولُ: ولا الوالدُ (^٢) فيَنْتَزِعُه منها ضِرارًا إذا رَضِيَت مِن أجْرِ الرَّضاعِ ما رضِي به غيرُها، فهي أحقُّ به إذا رضِيَت بذلك (^٣).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن يونُسَ، عن الحسنِ: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ قال: ذلك إذا طلَّقها، فليس له أن يُضارَّها، فيَنْتَزِعَ الولدَ منها إذا رضِيَت منه بمثلِ ما يَرْضَى به غيرُها، وليس لها أن تُضَارَّه فتُكَلِّفَه ما لا يُطِيقُ إذا كان إنسانًا مسكينًا فتَقْذِفَ إليه ولدَه (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضَّحاكِ: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾: لا تُضارَّ أمٌّ بولدِها، ولا أبٌ بولدِه، يقولُ: لا تُضارَّ أمٌّ بولدِها فتَقْذِفَه [إليه إذا] (^٥) كان الأبُ حيًّا، أو إلى عَصَبتِه إذا (^٦) كان\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"على\".\n(^٢) في م: \"الولد\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٤، وأخرجه في مصنفه (١٢١٧٧).\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ٣/ ١٦٧.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"إذ\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢: \"إذ\".","vol":"4","page":216},{"text":"الأبُ (^١) ميِّتًا، ولا يُضَارَّ الأبُ المرأةَ إذا أحَبَّت أن تُرضِعَ ولدَها ولا يَنْتَزِعْه (^٢).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾. يقولُ: لا يَنْزِعُ الرجلُ ولدَه مِن امرأتِه فيُعْطِيَه غيرَها بمثلِ الأجرِ الذي تَقْبَلُه هي به، ولا تُضَارُّ (^٣) والدةٌ بولدِها فتَطْرَحَ الأمُّ إليه ولدَه تقولُ: لا أَلِيه. ساعةَ تَضَعُه. ولكن عليها مِن الحقِّ أن تُرْضِعَه حتى يَطْلُبَ مُرْضِعًا (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى عُقَيْلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، وسُئِل عن قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ إلى ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾. قال ابنُ شِهابٍ: والوالداتُ أحقُّ برَضاعِ أولادِهن ما قبِلْنَ (^٥) رَضاعَهن بما يُعْطَى غيرُهن مِن الأجرِ، وليس للوالدةِ أن تُضارَّ بولدِها، فتأْبَى رَضاعَه مُضارَّةً، وهي تُعْطَى عليه ما يُعْطَى غيرُها، وليس للمولودِ له أن يَنْزِعَ ولدَه مِن والدتِه مُضارًّا لها، وهي تَقْبَلُ مِن الأجرِ ما يُعْطاه غيرُها (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحَدَّثني عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، جميعًا عن سفيانَ في قولِه: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾: لا تَرْمِ بولدِها إلى الأبِ إذا فارَقَها،\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤١٨ عن الضحاك بنحوه.\n(^٣) في ص: \"يضار\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣١ (٢٢٧٩) من طريق عمرو به، دون شطره الثاني.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"قبل\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٢ (٢٢٨٤) شطره الثاني من طريق الليث به، وعلقه البخاري عقب (٥٣٦٠) عن يونس عنه، ووصله ابن وهب في جامعه - كما في تغليق التعليق ٤/ ٤٨٠، ٤٨١، وذكره ابن أبي حاتم شطره الأول في تفسيره ٢/ ٤٣٠ عقب (٢٢٧٧) معلقًا.","vol":"4","page":217},{"text":"تُضَارُّه بذلك، ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾: ولا يَنْزِعُ الأبُ منها ولدَها، يُضَارُّها بذلك (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾. قال: لا يَنْتَزِعُه منها وهي تحبُّ أن تُرْضِعَه فيُضَارَّها، ولا تَطْرَحُه عليه وهو لا يَجِدُ مَن تُرْضِعُه، ولا يَجِدُ ما يَسْتَرْضِعُه به (^٢).\nحدَّثنا عمرٌو بنُ عليٍّ الباهليُّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنى ابنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ في قولِه: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾. قال: لا تَدَعَنَّه - ورَضاعُه مِن شأنِها - مُضارَّةً لأبيه، ولا يَمْنَعُها الذي عندَه مُضارَّةً لها (^٣).\nوقال بعضُهم: الوالدةُ التي نهَى الرجلَ عن مُضارَّتِها ظِئْرُ (^٤) الصبيِّ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هارونُ النحويُّ، قال: ثنا الزبيرُ بنُ الخِرِّيتِ (^٥)، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾. قال: هي الظِّئْرُ.\nفمعنى الكلامِ: لا يُضارِرْ والدُ مولودٍ والدتَه بمولودِه منها، ولا والدةُ مولودٍ والدَه بمولودِها منه. ثم ترَك ذكْرَ الفاعلِ في \"يُضارَّ\"، فقيل: لا تُضارَرْ والدةٌ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٧٨) عن سفيان الثوري بنحوه.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤١٨ عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٧٦) عن ابن جريج به.\n(^٤) الظئر: هي العاطفة على ولد غيرها، المرضعة له. التاج (ظ أ ر).\n(^٥) في النسخ: \"الحارث\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٣٠١.","vol":"4","page":218},{"text":"بولدِها، ولا مولودٌ له بوَلَدِهِ. كما يقالُ إذا نُهِي عن إكرامِ رجلٍ بعينِه فيما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولم يُقْصَدْ بالنهيِ عن إكرامِه قصْدُ شخصٍ بعينِه (^١) -: لا يُكْرَمُ عمرٌو، ولا يُجْلَسُ إلى أخيه. ثم تُرِك التَّضعيفُ فقيل: لا يُضارّ. فحُرِّكَتِ الراءُ الثانيةُ التي كانت مجزومةً - لو أُظْهِر التضعيفُ - بحركةِ الراءِ الأولى.\nوقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أنَّها إنما حُرِّكَت إلى الفتحِ في هذا الموضعِ؛ لأنه أخفُّ (^٢) الحركاتِ. وليس للذي (^٣) قال مِن ذلك معنًى؛ لأن ذلك إنما كان جائزًا أن يكونَ كذلك لو كان معْنَى الكلامِ: لا تُضارِرْ (^٤) والدةٌ بولدِها. وكان المنهيُّ (^٥) عن الضِّرارِ هي الوالدةَ. على أنَّ معنى الكلامِ لو كان كذلك لكان الكسرُ في \"تضار\" أفصحَ مِن الفتحِ، والقراءةُ به كانت أصوبَ مِن القراءةِ بالفتحِ، كما أن: مُدَّ بالثوبِ، أفصحُ مِن: مُدَّ به. وفي إجماعِ القرأةِ على قراءةِ ﴿لَا تُضَارَّ﴾ بالفتحِ دون الكسرِ دليلٌ واضحٌ على إغفالِ مَن حكَيْتُ قولَه مِن أهلِ العربيةِ في ذلك.\nفإن كان قائلُ ذلك قاله تَوَهُّمًا منه أن معنى ذلك: لا تضارِرْ (^٦) والدةٌ. وأن \"الوالدةَ\" مرفوعةٌ بفعلِها، وأن الراءَ الأولى حظُّها الكسرُ، فقد أغْفَل تأويلَ الكلامِ، وخالَف قولَ جميعِ مَن حكَيْنا قولَه مِن أهلِ التأويلِ، وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه تقَدَّم\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٢) في النسخ: \"أحد\". وينظر الكتاب ٤/ ١٦٧، ١٨٨، ٣٨٢، ٣٨٣.\n(^٣) في م: \"الذي\".\n(^٤) في ص، م، ت ٢: \"تضارن\"، وفي ت ١: \"تضار\"، والصواب ما أثبتناه، فقد التبس على الناسخ في الراء الثانية فرسمها نونًا فصارت: \"تضارن\" بدلا من: \"تضارر\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"النهي\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢: \"تضار\".","vol":"4","page":219},{"text":"إلى كلِّ أحدٍ مِن أبوَيِ المولودِ بالنهيِ عن ضِرارِ صاحبهِ بمولودِهما، لا أنه نَهَى كلَّ واحدٍ منهما عن أن يُضارَّ المولودَ، وكيف يجوزُ أن يَنْهاه ىن مُضارَّةِ الصبيِّ، والصبيُّ - في حالِ ما هو رَضيعٌ - غيرُ جائزٍ أن يكونَ منه ضِرارٌ لأحدٍ، فلو كان ذلك معناه، لكان التَّنْزيلُ: لا تُضَرُّ (^١) والدةٌ بولدِها.\nوقد زعَم آخَرون مِن أهلِ العربيةِ (^٢) أن الكسرَ في ﴿تُضَارَّ﴾ جائزٌ. والكسرُ في ذلك عندي في هذا الموضعِ غيرُ جائزٍ؛ لأنه إذا كُسِر تغَيَّر معناه عن معنى: لا تضارَرْ (^٣)، الذي هو في مذهبِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، إلى معنى: لا تضارِرْ (^٤). الذي هو في مذهبِ ما قد سُمِّي فاعلُه.\nفإذ كان اللَّهُ تعالى ذكرُه قد نهَى كلَّ واحدٍ مِن أبوَيِ المولودِ عن مضارَّةِ صاحبِه بسببِ ولدِهما، فحقٌّ على إمامِ المسلمين - إذا أراد الرجلُ نَزْعَ ولدِه مِن أمِّه بعدَ بَيْنونتِها منه، وهي تَحْضُنُه وتَكْفُلُه وتُرْضِعُه، بما يَحْضُنُه به غيرُها ويَكْفُلُه به ويُرْضِعُه مِن الأُجْرةِ - أن يَأْخُذَ الوالدَ بتسليمِ ولدِها، ما دام مُحْتاجًا الصبيُّ إليها في ذلك، بالأُجرةِ التي يُعْطاها غيرُها. وحقٌّ عليه إذا كان الصبيُّ لا يَقْبَلُ ثَدْيَ غيرِ والدتِه، أو (^٥) كان المولودُ له لا يَجِدُ مَن يُرْضِعُ ولدَه، وإن كان يَقْبَلُ ثَدْيَ غيرِ أمِّه، أو كان مُعْدِمًا لا يَجِدُ ما يَسْتَأْجِرُ به مُرْضِعًا، ولا يَجِدُ من (^٦) يَتَبَرَّعُ عليه برَضاعِ مولودِه، أن يَأْخُذَ والدتَه البائنةَ مِن والدِه برَضَاعِه وحَضانتِه؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه إنْ (^٧) حرَّم على\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"تضار\".\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ١/ ١٤٩.\n(^٣) في ص، م: \"تضار\".\n(^٤) في النسخ: \"تضار\". والصواب ما أثبتناه.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"إذ\".\n(^٦) في النسخ: \"ما\". والمثبت هو الصواب.\n(^٧) سقط من: م.","vol":"4","page":220},{"text":"كلِّ واحدٍ مِن أبوَيْه ضِرارَ صاحبِه بسببِه، فالإضْرارُ به أحْرَى أن يَكونَ مُحرَّمًا، مع ما في الإضْرارِ به مِن مضارَّةِ صاحبِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-742>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الوارثِ الذي عنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ وأيُّ وارثٍ هو؟ ووارثُ مَن هو؟ فقال بعضُهم: هو وارثُ الصبيِّ. وقالوا: معنى الآيةِ: وعلى وارثِ الصبيِّ إذا كان أبوه (^١) ميتًا مثلُ الذي كان على أبيه في حياتِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: على وارثِ الولدِ.\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: على وارثِ الولدِ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، عن مَعْمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: وعلى وارثِ الصبيِّ مثلُ ما على أبيه (^٣).\nثم اخْتَلَف قائلو هذه المقالةِ في وارثِ المولودِ الذي ألْزَمه اللَّهُ تعالى ذكرُه مثلَ\n_________\n(^١) سقط من النسخ، والمثبت يدل عليه السياق بعده.\n(^٢) ينظر: المحرر الوجيز ٢/ ١١٥.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٨٣) عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"4","page":221},{"text":"الذي وصَف، فقال بعضُهم: هو وارثُ الصبيِّ مِن قِبَلِ أبيه مِن عَصَبتِه كائنًا مَن كان؛ أخًا كان أو عمًّا أو ابنَ عمٍّ أو ابنَ أخٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا ابنُ جُرَيْجٍ، أن عمرَو بنَ شُعيبٍ أخْبَرَه، أن سعيدَ بنَ المسيبِ أخْبَرَه، أن عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ قال في قولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال - وقَف (^١) بنى عمِّ (^٢) مَنْفوسٍ (^٣)؛ [بنى عمِّه] (^٤) كَلالةً بالنفقةِ عليه، مثلَ العاقلةِ (^٥).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، أن الحسنَ كان يقولُ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: على العَصَبةِ (^٦).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ إدريسَ وأبو عاصمٍ، قالا: ثنا ابنُ جُرَيْجٍ، عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، قال: وقَف\n_________\n(^١) في م: \"حبس\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عمر\"، وفي م: \"عم على\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٣) المنفوس: المولود. اللسان (ن ف س).\n(^٤) سقط من: م، وفي ت ٢: \"عن بنى عمه\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٤، ٩٥ وفي مصنفه (١٢١٨١)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٢ (٢٢٨٨) عن الحسن بن يحيى به. وأخرجه أبو عبيد في الأموال (٥٩٥)، وابن زنجويه (٨٦٨)، وأخرجه النحاس في ناسخه ص ٢٣٤، والبيهقي ٧/ ٤٧٨ من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٨ إلى سفيان وعبد بن حميد.\n(^٦) ذكره البغوي في تفسيره ١/ ٢٧٨.","vol":"4","page":222},{"text":"عمرُ ابنَ عمِّ (^١) مَنْفوسٍ كلالةً برَضاعِه (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن يونُسَ، أن الحسنَ كان يقولُ: إذا تُوُفِّى الرجلُ وامرأتُه حاملٌ، فنفقتُها مِن نصيبِها، ونفقةُ ولدِها مِن نصيبِه مِن مالِه إن كان له، فإن لم يَكُنْ له مالٌ فنفقتُه على عَصَبتِه. قال: وكان يَتَأَوَّلُ قولَه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ على الرجالِ (^٣).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: على العَصَبةِ الرجالِ دونَ النساءِ (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وعمرُو بنُ عليٍّ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا هشامٌ، عن ابنِ سِيرينَ أنه أتَى عبدَ اللَّهِ بنَ عتبةَ مع اليتيمِ وليُّه، ومع اليتيمِ مَن يَتَكَلَّمُ في نفقتِه، فقال لوليِّ اليتيمِ: لو لم يَكُنْ له مالٌ لَقَضَيْتُ عليك بنفقتِه؛ لأن اللَّهَ تعالى يقولُ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال (^٦): ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: أُتِي عبدُ اللَّهِ بنُ عتبةَ في رَضاعِ صبيٍّ، فجعَل رَضاعَه في مالِه، وقال لوليِّه: لو لم يَكُنْ له مالٌ جعَلْنا رَضاعَه في مالِك، ألا تَراه يقولُ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ\n_________\n(^١) بعده في م: \"على\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٤٦، ٢٤٧، عن ابن إدريس به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٠٧ عن ابن علية به ببعضه، وفي ٥/ ٢٤٣ عن يونس به.\n(^٤) أخرجه أبو عبيد في الأموال (٥٩٤)، وابن زنجويه في الأموال (٨٦٥) من طريق يونس به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٤٥ عن ابن إدريس به.\n(^٦) في ص، ت ١: \"قالا\".","vol":"4","page":223},{"text":"ذَلِكَ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. قال: على الوارثِ ما على الأبِ إذا لم يَكُنْ للصبيِّ مالٌ، وإذا كان له ابنُ عمٍّ أو عَصَبةٌ تَرِثُه، فعليه النفقةُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: الوليُّ مَن كان.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، عن أبي بشرٍ وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الحَنَفيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، قال: أخْبَرَنا يعقوبُ - يعني ابنَ القاسمِ - عن عطاءٍ وقتادةَ، في يتيمٍ ليس له شيءٌ: أيُجْبَرُ أولياؤُه على نفقتِه؟ قالا: نعم، يُنْفَقُ عليه حتى يُدْرِكَ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن يعلى بنِ عُبيدٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ، قال: إن مات أبو الصبيِّ، وللصبيِّ مالٌ، أُخِذ رَضاعُه مِن المالِ، وإن لم يَكُنْ له مالٌ أُخِذ مِن العَصَبةِ،\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الأموال (٥٩٢)، وابن أبي شيبة ٥/ ٢٤٣، وابن زنجويه في الأموال (٨٦٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٣ (٢٢٨٩) من طريق ابن علية به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٤٤، وابن زنجويه (٨٦٧) عن جرير بنحوه.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٣٧، ومن طريقه البيهقي، ٧/ ٤٧٨.\n(^٤) أخرجه ابن حزم ١١/ ٣٤٦ من طريق إبراهيم الصائغ، عن عطاء.","vol":"4","page":224},{"text":"فإن لم يَكُنْ للعَصَبةِ مالٌ أُجْبِرَت عليه أمُّه (^١).\nوقال آخَرون منهم: بل ذلك على (^٢) وارثِ المولودِ مَن كان؛ مِن الرجالِ والنساءِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أنه كان يَقولُ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: على وارثِ المولودِ ما كان على الوالدِ مِن أجرِ الرَّضاعِ، إذا كان الولدُ لا مالَ له؛ على الرجالِ والنساءِ على قَدْرِ ما يَرِثُون (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، أن عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ أَغْرَم ثلاثةً - كلُّهم يَرِثُ الصبيَّ - أجْرَ رَضاعِه (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمرٌ، عن أيوبَ، عن ابنِ سِيرينَ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ عُتْبةَ جعَل نفقةَ صبيٍّ مِن مالِه، وقال لوارثِه: أمَا إنه لو لم يَكُنْ له مالٌ أخَذْناك بنفقتهِ، ألا تَرَى أنه يَقولُ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (^٥).\nوقال آخَرون منهم: هو مِن ورثتِه مَن كان منهم ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ للمولودِ،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٨٩)، وابن أبي شيبة ٥/ ٢٤٤ من طريق جويبر به.\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٨٣)، وابن حزم ١١/ ٣٤٧ من طريقين عن قتادة بنحوه.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٨٤).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق (١٢١٨٥)، ومن طريقه ابن حزم ١١/ ٣٤٦، وتقدم ص ٢٢٣، ٢٢٤.","vol":"4","page":225},{"text":"فأما مَن كان ذا رَحِمٍ منه وليس بمَحْرَمٍ، كابنِ العمِّ والمَوْلَى ومَن أشْبَهَهما، فليس مَن عَناه اللَّهُ بقولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.\nوالذين قالوا هذه المقالةَ؛ أبو حنيفةَ، وأبو يوسُفَ، ومحمدٌ (^١).\nوقالت فرقةٌ أُخرى: بل الذي عنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ المولودُ نفسُه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكمِ المِصْريُّ، قال: ثنا أبو زُرْعةَ [وَهْبُ اللَّهِ] (^٢) بنُ راشدٍ، قال: أخْبَرَنا حَيْوةُ بنُ شُرَيْحٍ، قال: أخْبَرَنا جعفرُ بنُ ربيعةَ، أنَّ [بُشَيْرَ بنَ النَّضْرِ] (^٣) المُزَنيَّ - وكان قاضيًا قبلَ ابنِ حُجَيرةَ في زمانِ عبدِ العزيزِ - كان يقولُ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. قال: الوارثُ هو الصبيُّ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يزيدَ المُقْرِئُ، قال: أخْبَرَنا حَيْوةُ، قال: أخْبَرَنا جعفرُ بنُ ربيعةَ، عن قَبيصةَ بنِ ذُؤَيْبٍ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. قال: هو الصبيُّ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المبارَكِ، عن حَيْوةَ بنِ شُرَيْحٍ،\n_________\n(^١) الآثار لأبي يوسف ١٥٩ (٧٢٦)، وجامع المسانيد للخوارزمي ٢/ ١٦٠.\n(^٢) في م: \"وعبد الله\".\n(^٣) في النسخ: \"بشر بن نصر\". وينظر: الولاة والقضاة ص ٣١٣، حسن المحاضرة ٢/ ١٣٧.\n(^٤) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ١١٦، وأبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٢١٦، والقرطبي في تفسيره ٣/ ١٦٨.\n(^٥) أخرجه النحاس في ناسخه ص ٢٣٥، وابن حزم في المحلى ١١/ ٣٤٦ من طريق أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ به.","vol":"4","page":226},{"text":"قال: أخْبَرَني جعفرُ بنُ ربيعةَ، أن قَبيصةَ بنَ ذُؤَيْبٍ كان يقولُ: الوارثُ هو الصبيُّ.\nيعني قولَه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُبارَكِ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: يعني بالوارثِ الولدَ الذي يَرْضَعُ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وتأويلُ ذلك على ما تأوَّله هؤلاء: وعلى الوارثِ المولودِ مثلُ ما كان على المولودِ له.\nوقال آخَرون: بل هو الباقي مِن والِدَيِ المولودِ بعدَ وفاة الآخَرِ منهما.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الحَنَفيُّ، قال: أخْبَرَنا عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُبارَكِ، قال: سَمِعْتُ سفيانَ يقولُ في صبيٍّ له عمٌّ وأمٌّ، وهي تُرْضِعُه، قال: يَكونُ رَضاعُه بينَهما، ويُدْفَعُ عن العمِّ بقدرِ ما تَرِثُ الأمُّ؛ لأن الأمَّ تُجْبَرُ على النفقةِ على ولدِها (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-743>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: وعلى وارثِ الصبيِّ بعدَ وفاةِ أبويه مثلُ الذي كان على والدِه مِن أجرِ رَضاعِه ونفقتِه، إذا لم يَكُنْ للمولودِ مالٌ.\n_________\n(^١) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ١١٦، والقرطبي في تفسيره ٣/ ١٦٨، وأبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٢١٦.\n(^٢) ينظر التبيان ٢/ ٢٥٩، والمحرر الوجيز ٢/ ١١٦.","vol":"4","page":227},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. قال: على الوارثِ رَضاعُ الصبيِّ.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ ومحمدُ بنُ بَشَّارٍ، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن مَنصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: أجرُ الرضاعِ.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: الرضاعُ (^١).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. قال: أجرُ الرضاعِ.\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن أيوبَ، عن محمدِ بنِ سِيرينَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عُتْبةَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: الرضاعُ.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عُتبةَ في قولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. قال: النفقةُ بالمعروفِ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. قال: على الوارثِ ما على الأبِ مِن الرَّضاعِ إذا لم يَكُنْ للصبيِّ مالٌ (^٢).\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٦٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٤٤، وابن زنجويه في الأموال (٨٦٧) من طريق جرير بنحوه.","vol":"4","page":228},{"text":"حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: الرَّضاعُ والنفقةُ.\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: الرَّضاعُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن الشعبيِّ، قال: الرَّضاعُ (^٢).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن مُطَرِّفٍ، عن الشعبيِّ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: أجْرُ الرَّضاعِ.\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وعمرُو بنُ عليٍّ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ إدريسَ، قال: سمِعْتُ هشامًا (^٤)، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: الرَّضاعُ.\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن هشامٍ وأشْعَثَ، عن الحسنِ مثلَه (^٥).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن يونُسَ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن زنجويه (٨٦٣) من طريق أبي نعيم به مطولا.\n(^٢) أخرجه ابن حزم ١١/ ٣٤٧ من طريق إسماعيل بن سالم، عن الشعبي.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٤٤ من طريق أشعث، عن الشعبي، وحماد، عن إبراهيم.\n(^٤) في ص: \"وهشاما\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٤٤ عن ابن إدريس به.","vol":"4","page":229},{"text":"الحسنِ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ يقولُ: في النفقةِ، على الوارثِ إذا لم يَكُنْ له مالٌ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: النفقةُ بالمعروفِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: على الوليِّ كَفْلُه ورَضاعُه إن لم يَكُنْ للمولودِ مالٌ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: وعلى الوارثِ - مَن كان - مثلُ ما وصَف مِن الرَّضاعِ (^٢). قال ابنُ جُرَيْجٍ: وأخْبَرَني عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾: في الرضاعةِ. قال (^٣): ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: وعلى الوارثِ أيضًا كَفْلُه ورَضاعُه إن لم يَكُنْ له مالٌ، وألا يُضارَّ أمَّه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: نفقتُه حتى يُفْطَمَ إن\n_________\n(^١) أخرجه ابن حزم ١١/ ٣٤٦ من طريق هشام، عن الحسن نحوه.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في الأموال (٥٩٣)، وابن أبي شيبة ٥/ ٢٤٤، وابن زنجويه في الأموال (٨٦٦)، وابن حزم ١١/ ٣٤٧ من طريق ابن أبي نجيح به بنحوه. وينظر تفسير مجاهد ص ٢٣٧.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.","vol":"4","page":230},{"text":"كان أبوه لم يَتْرُكْ له مالًا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. قال: على وارثِ الولدِ ما كان على الوالدِ (^٢) مِن أجرِ الرَّضاعِ إذا كان الولدُ لا مالَ له.\nحدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الحَنَفيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُبارَكِ، عن مَعْمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: على وارثِ الصبيِّ مثلُ ما على أبيه، إذا كان قد هلَك أبوه ولم يَكُنْ له مالٌ، فإن على الوارثِ أجْرَ الرَّضاعِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: إذا مات وليس له مالٌ، كان على الوارثِ رَضاعُ الصبيِّ (^٤).\nوقال آخَرون: بل تأويلُ ذلك: وعلى الوارثِ مثلُ ذلك ألا يُضَارَّ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ ومحمدُ بنُ بَشَّارٍ، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن عليِّ بنِ الحَكَمِ، عن الضَّحَّاكِ بنِ مُزاحِمٍ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: ألا يُضَارَّ (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٩ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"الولد\".\n(^٣) تقدم تخريجه ص ٢٢١.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٤٤ عن جرير بنحوه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٤٥ من طريق حماد بن زيد به.","vol":"4","page":231},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن عاصمٍ الأحْولٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. قال: لا يُضَارُّ، ولا غُرْمَ عليه (^١).\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: ألا يُضَارَّ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا الليثُ، قال: ثنى عُقَيْلٌ، عن ابنِ شِهابٍ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ قال: الوالداتُ أحقُّ برَضاعِ أولادِهن ما قَبِلْن (^٣) رَضاعَهن، بما يُعْطَى غيرُهن مِن الأجرِ، وليس لوالدةٍ أن تُضَارَّ بولدِها، فتَأْبَى رَضاعَه مُضارَّةً، وهي تُعْطَى عليه ما يُعْطَى غيرُها، وليس للمولودِ له أن يَنْتَزِعَ ولدَه مِن والدتِه (^٤) ضِرارًا لها وهي تَقْبَلُ مِن الأجرِ ما يُعْطِي غيرَها، ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: مثلُ الذي على الوالدِ في ذلك (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، عن سفيانَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: ألا يُضَارَّ، وعليه مثلُ ما على الأبِ مِن النفقةِ والكِسْوةِ.\nوقال آخَرون: بل تأويلُ ذلك: وعلى وارثِ المولودِ مثلُ الذي كان على المولودِ\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٣ عقب الأثر (٢٢٩١)، والبيهقي في المعرفة ٦/ ١١٧، وليس فيهما: ولا غرم عليه.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٦٨ عن عيسى، عن مجاهد به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"قبل\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"والده\".\n(^٥) تقدم تخريجه ص ٢١٧.","vol":"4","page":232},{"text":"له مِن رزقِ والدتِه وكِسْوتِها بالمعروفِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُبارَكِ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: على الوارثِ عندَ الموتِ مثلُ ما على الأبِ للمُرْضِعِ (^١) مِن النفقةِ والكِسْوةِ. قال: ويعني بالوارثِ الولدَ الذي يُرْضَعُ؛ أن يُؤْخَذَ مِن مالِه - إن كان له مالٌ - أجْرُ ما أرْضَعَتْه أمُّه، فإن لم يَكُنْ للمولودِ مالٌ ولا لعَصَبتِه فليس لأمِّه أجرٌ، وتُجْبَرُ على أن تُرْضِعَ ولدَها بغيرِ أجرٍ.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: على وارثِ الولدِ مثلُ ما على الوالدِ مِن النفقةِ والكِسْوةِ (^٢).\nوقال آخَرون: معنى ذلك: وعلى الوارثِ مثلُ ما ذكَره اللَّهُ تعالى ذكرُه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُبارَكِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعَطاءٍ: قولُه تعالى ذكرُه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: مثلُ ما ذكَر اللَّهُ تعالى ذكرُه (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى الأقْوالِ بالصَّوابِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. أن يكونَ المعنِيُّ بالوارثِ ما قاله قَبيصةُ بنُ ذُؤَيْبٍ والضَّحَّاكُ بنُ مُزاحِمٍ\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"المرضع\".\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٢١٦.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٧٩) عن ابن جريج به.","vol":"4","page":233},{"text":"ومَن ذكَرْنا قولَه آنِفًا، مِن أنه معنيٌّ بالوارثِ المولودُ، وفي قولِه: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾. أن يَكونَ مَعْنيًّا به مثلُ الذي كان على والدِه مِن رزقِ والدتِه وكِسْوتِها بالمعروفِ إن كانت مِن أهلِ الحاجةِ، وهي ذاتُ زَمانةٍ (^١) وعاهةٍ، ومَن لا احْترافَ (^٢) فيها، ولا زوجَ لها تَسْتَغْنِي به، وإن كانت مِن أهلِ الغِنَى والصحةِ، فمثلُ الذي كان على والدِه لها مِن أجرِ رَضاعِه (^٣).\nوإنما قلْنا: هذا التأويلُ أولى بالصوابِ مما عداه مِن سائرِ التأويلاتِ التي ذكَرْنا؛ لأنه غيرُ جائزٍ أن يُقالَ في تأويلِ كتابِ اللَّهِ تعالى ذكرُه قولٌ إلا بحُجَّةٍ واضحةٍ على ما قد بيَّنَّا في أولِ كتابِنا هذا. وإذ كان ذلك كذلك، وكان قولُه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. مُحْتَمِلًا ظاهرُه: وعلى وارثِ الصبيِّ المولودِ مثلُ الذي كان على المولودِ له. ومُحْتَمِلًا: وعلى وارثِ المولودِ له (^٤) مثلُ الذي كان عليه في حياتِه؛ مِن تركِ ضِرارِ الوالدةِ، ومِن نفقةِ المولودِ. وغيرَ ذلك مِن التأويلاتِ، على نحوِ ما قد قدَّمْنا ذكرَها (^٥)، وكان الجميعُ مِن الحُجَّةِ قد أجْمَعوا على أن مِن وَرَثةِ المولودِ مَن لا شيءَ عليه مِن نفقتِه وأجرِ رَضاعِه، وصحَّ بذلك مِن الدَّلالةِ على أن سائرَ ورثتهِ - غيرَ آبائِه وأمهاتِه وأجْدادِه وجَدَّاتِه مِن قِبَلِ أبيه أو أمِّه - في حُكْمِه؛ في أنهم (^٦) لا يَلْزَمُهم له نفقةٌ ولا أجرُ رَضاعٍ، إذ كان مولى النِّعْمةِ مِن ورثتِه، وهو ممَّن لا يَلْزَمُه له\n_________\n(^١) الزمانة: العاهة، ورجل زمن أي مبتلى. اللسان (ز م ن).\n(^٢) في ص: \"اختراف\". والاحتراف: الاكتساب، يقال: هو يحرف لعياله ويحترف. أي: يكتسب من ههنا وههنا. اللسان (ح ر ف).\n(^٣) في م: \"رضاعة\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٥) في م: \"ذكره\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢: \"أنه\".","vol":"4","page":234},{"text":"نفقةٌ ولا أجرُ رَضاعٍ، فوجَب بإجماعِهم على ذلك أن حُكْمَ سائرِ ورثتِه - غيرَ مَن اسْتُثْنِي - حُكْمُه. وكان إذا بطَل أن يكونَ معنى ذلك ما وصَفْنا، مِن أنه معنيٌّ به ورثةُ المولودِ، فبُطُولُ القولِ الآخرِ - وهو أنه معنيٌّ به ورثةُ المولودِ له سوى المولودِ - أحْرَى؛ لأن الذي هو أقربُ بالمولودِ قَرابةً (^١) ممَّن هو أبعدُ منه إذا لم يَصِحَّ وجوبُ نفقتِه وأجرِ رَضاعِه عليه، فالذي هو أبعدُ منه قَرابةً أحْرَى (^٢) ألا يَصِحَّ وجوبُ ذلك عليه.\nوأما الذي قلْنا مِن وجوبِ رزقِ الوالدةِ وكِسْوتِها بالمعروفِ على ولدِها - إذا كانتِ الوالدةُ بالصفةِ التي وصَفْنا - على مثلِ الذي كان يَجِبُ لها مِن ذلك على المولودِ له، فما لا خلافَ فيه مِن أهلِ العلمِ جميعًا، فصحَّ ما قلْنا في الآيةِ مِن التأويلِ بالنقلِ المُسْتَفيضِ وراثةً عمَّن لا يَجوزُ خلافُه، وما عدا ذلك مِن التأويلاتِ فمُتنازَعٌ فيه، وقد دلَّلْنا على فَسادِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-744>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِنْ أَرَادَا﴾: إن أراد والدُ المولودِ ووالدتُه فِصالًا. يعني فِصالَ ولدِهما مِن اللبنِ. ويعني بالفِصالِ الفِطامَ، وهو مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: فاصَلْتُ فلانًا أُفاصِلُه مُفاصَلةً وفِصالًا. إذا فارَقه مِن خُلْطةٍ كانتْ بينَهما، فكذلك فِصالُ الفَطِيمِ، إنما هو مَنْعُه اللبنَ (^٣) وقطعُه شُرْبَه، وفِراقُه ثَدْيَ أُمِّه (^٤)، إلى الاغْتِذاءِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"قربه\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٣) في م: \"اللين\".\n(^٤) في م: \"امرأته\".","vol":"4","page":235},{"text":"بالأقْواتِ التي يَغْتَذِي بها البالغُ مِن الرجالِ.\nوبما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾. يقولُ: إن أرادا أن يَفْطِماه قبلَ الحولَيْن (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾: فإن أرادا أن يَفْطِماه قبلَ الحولين وبعدَه (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جَوَيْبِرٍ، عن الضَّحاكِ: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا﴾ قال: الفِطامَ (^٣).\nوأما قولُه: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾. فإنه يعني بذلك: عن تَراضٍ من والدَيِ المولودِ وتَشاوُرٍ منهما.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الوقتِ الذي أسْقَط اللَّهُ الجُناحَ عنهما (^٤)، إن فطَماه عن تَراضٍ منهما وتَشاورٍ، وأيِّ الأوقاتِ الذي عَناه اللَّهُ تعالى ذكرُه بِقولِه: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك: فإن أرادا فِصالًا في الحولين عن تراضٍ منهما وتشاورٍ، فلا جُناحَ عليهما.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٤ (٢٢٩٦) من طريق عمرو به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٤ (٢٢٩٩) من طريق أبي صالح به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٩ إلى المصنف.\n(^٤) في م: \"عنها\".","vol":"4","page":236},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ يقولُ: إذا (^١) أرادا أن يَفْطِماه قبلَ الحولين، فتَراضَيا بذلك، فلْيَفْطِماه (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ: إذا أرادَتِ الوالدةُ أن تَفْصِلَ ولدَها قبلَ الحولين، فكان ذلك عن تَراضٍ منهما وتَشاورٍ، فلا بأسَ به (^٣).\nحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن ليثٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ قال: التَّشاوُرُ فيما دونَ الحولين، ليس لها أن تَفْطِمَه إلا أن يَرْضَى، وليس له أن يَفْطِمَه إلا أن تَرْضَى (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُويْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُبارَكِ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ، قال: التَّشاوُرُ ما دونَ الحولَيْن، ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ دون الحولَيْن، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾، فإن لم يَجْتَمِعا، فليس لها أن تَفْطِمَه دونَ الحولين (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سُفيانُ، عن ليثٍ، عن مُجاهِدٍ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"إن\".\n(^٢) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٧٤).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٤ (٢٢٩٧) عن طريق وكيع به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٧٥) عن سفيان به نحوه.\n(^٥) تفسير سفيان ص ٦٨.","vol":"4","page":237},{"text":"قال: التَّشاوُرُ ما دونَ الحولين، ليس لها حتى يَجْتَمِعا.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى الليثُ، قال: أخْبَرَنا عُقَيلٌ، عن ابنِ شِهابٍ: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾: يَفْصِلان ولدَهما، ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ دونَ الحولَين الكاملَين، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، جميعًا عن سفيانَ، قال: التَّشاوُرُ ما دونَ الحولين إذا اصْطَلَحا دونَ ذلك، وذلك قولُه: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾. فإذا قالتِ المرأةُ: أنا أَفْطِمُه قبلَ الحولين. وقال الأبُ: لا. فليس لها أن تَفْطِمَه قبلَ الحولين، وإن لم تَرْضَ الأمُّ فليس له ذلك حتى يَجْتَمِعا، فإن اجْتَمَعا قبلَ الحولين فطَماه، وإذا اخْتَلَفا لم يَفْطِماه قبلَ الحولين، وذلك قولُه: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ [في قولِه] (^٣): ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾. قال: قبلَ السنتَيْن (^٤)، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (٢)\nوقال آخَرون: معنى ذلك: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ في أيِّ وقتٍ أرادا ذلك، قبلَ الحولين أرادا أمْ بعدَ ذلك.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٢٣٤ عقب الأثر (٢٢٩٤) معلقًا.\n(^٢) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ١١٧.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ص: \"الستين\".","vol":"4","page":238},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾: أن يَفْطِماه قبلَ الحولين وبعدَه (^١).\nووأما قولُه: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾. فإنه يعني: عن تَراضٍ منهما وتَشاورٍ فيما فيه مصلحةُ المولودِ لفَطْمِه.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ قال: غيرَ مُسِيئين (^٢) في ظلمِ أنفسِهما، ولا إلى صبيِّهما، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: حدَّثني أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.\nوأولى التأويلَيْن بالصوابِ تأويلُ مَن قال: فإن أرادا فِصالًا في الحولين عن تَراضٍ منهما وتشاورٍ؛ لأن تَمامَ الحولين غايةٌ لتَمامِ الرَّضاعِ وانْقِضائِه، ولا تَشاوُرَ بعدَ انقضائِه، وإنما التشاورُ والتَّراضِي قبلَ انقضاءِ نهايتِه.\nفإن ظنَّ ذو غَفْلةٍ أن للتشاورِ بعدَ انقضاءِ الحولين معنًى صحيحًا، إذ كان مِن الصِّبْيانِ مَن تكونُ به علةٌ يَحتاجُ مِن أجلِها إلى ترْكِه [والاغْتِذاءِ] (^٤) بلبنِ أمِّه، فإن ذلك\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢٣٦.\n(^٢) بياض في: ص، وفي تفسير مجاهد: \"مسببين\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٣٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٣ (٢٢٩٣)، والبيهقي ٧/ ٤٧٨.\n(^٤) في ص، ت ٢: \"أو لاغتذاء\".","vol":"4","page":239},{"text":"إذا كان كذلك، فإنما هو علاجٌ - كالعلاجِ بشُرْبِ بعضِ الأدويةِ - لا رَضاعٌ. فأما الرَّضاعُ الذي يَكونُ في الفِصالِ مِنه قبلَ انقضاءِ آخرِه تَراضٍ وتشاورٌ مِن والدَيِ الطفلِ الذي أسْقَط اللَّهُ تعالى ذكرُه لفَطْمِهما إياه الجُناحَ عنهما قبلَ انقضاءِ آخرِ مدتِه، فإنما الحدُّ الذي حدَّه اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. على ما قد أتَيْنا على البيانِ عنه فيما مضَى قبلُ.\nوأما الجُناحُ فالحرَجُ.\nكما حدَّثني به المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾: فلا حرَجَ عليهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-745>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: وإن أرَدْتُم أن تَسْتَرْضِعوا أولادَكم مَراضِعَ غيرَ أمهاتِهم، إذا أبَتْ أمهاتُهم أن يُرْضِعْنَهم بالذي يُرْضِعْنَهم به غيرُهن مِن الأجرِ، أو مِن خِيفةِ ضَيْعةٍ منكم على أولادِكم بانقطاعِ ألبانِ أمهاتِهم، أو غيرِ ذلك مِن الأسبابِ، فلا حرَجَ عليكم في اسْتِرْضاعِهن، إذا سلَّمْتُم ما آتَيْتُم بالمعروفِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي","vol":"4","page":240},{"text":"نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾: خِيفةَ الضَّيْعةِ على الصبيِّ فلا جُناحَ عليكم.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.\nحدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الحَنَفيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، قال: أخْبَرَنا أبو بشرٍ وَرْقاءُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾. إن قالتِ المرأةُ: لا طاقةَ لي به فقد ذهَب لبني. فتُسْتَرْضَعُ له أُخرى (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُبارَكِ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحاكِ، قال: ليس للمرأةِ أن تَتْرُكَ ولدَها بعدَ أن يَصْطَلِحا على أن تُرْضِعَ، ويُسَلِّمان ويُجْبَران على ذلك. قال: فإن تَعاسَروا عندَ طلاقٍ أو موتٍ في الرَّضاعِ، فإنه يُعْرَضُ على الصبيِّ المَراضِعُ، فإن قَبِل مُرْضِعًا صار ذلك وأرْضَعَتْه، وإن لم يَقْبَلْ مُرْضِعًا فعلى أمِّه أن تُرْضِعَه بالأجرِ، إن كان له مالٌ أو لعَصَبتِه، فإن لم يَكُنْ له مالٌ ولا لعصَبَتِه، أُكْرِهَت على رَضاعِه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، جميعًا عن سفيانَ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾: إذا أَبَتِ الأمُّ أن تُرْضِعَه\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٣٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٤ (٢٣٠٠)، والبيهقي ٧/ ٤٧٨.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٢٣٦.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٨٩) من طريق جويبر، عن الضحاك بنحوه وفيه زيادة في أوله.","vol":"4","page":241},{"text":"فلا جُناحَ على الأبِ أن يَسْتَرْضِعَ له غيرَها (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: إذا رضِيَتِ الوالدةُ أن تَسْتَرْضِعَ ولدَها، ورضِي الأبُ (^٢) أن يَسْتَرْضِعَ ولدَه، فليس عليهما جُناحٌ.\nواخْتَلَفوا في قولِه: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: إذا سلَّمْتُم لأمهاتِهم ما فارقْتُموهن عليه مِن الأجرةِ على رَضاعِهن بحسابِ ما اسْتَحَقَّتْه إلى انقطاعِ لبنِها، أو الحالِ التي عُذِر أبو الصبيِّ بطلبِ مُرْضِعٍ لولدِه غيرِ أمِّه واسْتِرْضاعِه له.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: حسابُ ما أُرْضِع به الصبيُّ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: حسابُ ما يُرْضَعُ به الصبيُّ.\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٨٩) عن الثوري به، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٥ (٢٣٠٤) عن سفيان به.\n(^٢) في ص: \"الأول\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٣٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٢٣٥ (٢٣٠٥)، والبيهقي ٧/ ٤٧٨.","vol":"4","page":242},{"text":"مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إن قالت - يعني الأُمَّ -: لا طاقةَ لي به فقد ذهَب لبني. فتُسْتَرْضَعُ (^١) له أُخرى، ولْيُسَلَّمْ لها أجرُها بقدرِ ما أرْضَعَت (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُبَارَكِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قلتُ - يعني لعطاءٍ -: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾؟ قال: أمُّه وغيرُها. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾. قال: إذا سلَّمْتَ لها أجْرَها. ﴿مَا آتَيْتُمْ﴾. قال: ما أعْطَيْتُم (^٣).\nوقال آخَرون: معنى ذلك: إذا سلَّمْتُم للاسْتِرْضاعِ عن مَشورةٍ منكم ومِن أمهاتِ أولادِكم الذين تَسْتَرْضِعون لهم، وتَراضٍ منكم ومنهم باسْتِرضاعِهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يقولُ: إذا كان ذلك عن مَشورةٍ ورضًا منهم (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: أخْبَرَني الليثُ، قال: ثنى عُقَيْلٌ، عن ابنِ شهابٍ: لا جُناحَ عليهما أن يَسْتَرْضِعا أولادَهما - يعني أبَويِ\n_________\n(^١) في م: \"فسترضع\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٢٣٦.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٤ (٢٣٠١) من طريق ابن المبارك ببعضه، وعبد الرزاق في مصنفه (١٢١٨٨) عن ابن جريج به - وليس فيه: إذا أسلمت لها أجرها -.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٦ (٢٣١٠) من طريق شيبان، عن قتادة.","vol":"4","page":243},{"text":"المولودِ - إذا سلَّما ولم يَتَضارَّا (^١).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يقولُ: إذا كان ذلك عن مَشورةٍ ورضًا منهم.\nوقال آخَرون: بل معنى ذلك: إذا سلَّمْتُم ما آتيْتُم بالمعروفِ إلى (^٢) التي اسْتَرْضَعْتُموها بعدَ إباءِ أمِّ المُرْضَعِ مِن الأُجْرةِ بالمعروفِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، جميعًا عن سفيانَ في قولِه: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: إذا سلَّمْتُم إلى هذه التي تَسْتَأْجِرون أجْرَها بالمعروفِ. يعني: إلى مَن اسْتُرْضِع للمولودِ إذا أبَتِ الأمُّ رَضاعَه (^٣).\nوأولى الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ ذلك قولُ مَن قال: تأويلُه: وإن أرَدْتُم أن تَسْتَرْضِعوا أولادَكم إلى تَمامِ رَضاعِهن، ولم تَتَّفِقوا أنتم ووالداتُهم على فِصالِهم، ولم تَرَوْا ذلك مِن صلاحِهم، فلا جُناحَ عليكم أن تَسْتَرْضِعوهم ظُؤُورةً إنِ امْتَنَعَت أمهاتُهم مِن رَضاعِهم لعلةٍ بهن أو لغيرِ علةٍ، إذا سلَّمْتُم إلى أمهاتِهم وإلى المُسْتَرْضَعةِ الآخِرةِ حقوقَهن التي آتَيْتُموهن بالمعروفِ. يعني بذلك المعنى الذي أوْجَبه اللَّهُ لهن عليكم؛ وهو أن يُوَفِّيَهن أجورَهن على ما فارَقَهن عليه في حالِ الاسْتِرْضاعِ ووقتِ عقدِ الإجارةِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٥ (٢٣٠٣) من طريق يونس، عن ابن شهاب بنحوه.\n(^٢) سقط من: ص، ت ٢.\n(^٣) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ١١٨.","vol":"4","page":244},{"text":"وهذا هو المعنى الذي قاله ابنُ جُرَيْجٍ ووافَقه على بعضِه مجاهدٌ والسديُّ ومَن قال بقولِهم في ذلك.\nوإنما قضَيْنا لهذا التأويل أنه أوْلَى بتأويلِ الآيةِ مِن غيرِه؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه ذكَر قبلَ قولِه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾. أمْرَ فِصالِهم، وبيَّنَ الحُكْمَ في فِطامِهم قبلَ تَمامِ الحولَيْن الكاملين، فقال: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا﴾ في الحولين الكاملين، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾. فالذي هو أوْلَى بحكمِ الآيةِ - إذ كان قد بيَّن فيها وجْهَ الفِصالِ قبلَ الحولين - أن يكونَ الذي يَتْلُو ذلك حُكْمَ ترْكِ الفِصالِ وإتْمامِ الرَّضاعِ إلى غايةِ (^١) نهايتِه، وأن يكونَ، إذ كان قد بيَّن حُكْمَ الأمِّ إذا هي اختارَتِ الرَّضاعَ بما تُرْضِعُ به غيرُها مِن الأجرةِ - أن يكونَ الذي يَتْلُو ذلك مِن الحُكْمِ بيانَ حُكمِها وحُكْمِ الولدِ إذا هي امْتَنَعَت مِن رَضاعِه، كما كان ذلك كذلك في غيرِ هذا الموضعِ مِن كتابِ اللَّهِ تعالى، وذلك في قولِه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]. فأتْبَع ذكْرَ بيانِ رضا الوالداتِ برَضاعِ أولادِهن ذكْرَ بيانِ امْتناعِهن مِن رَضاعِهن، فكذلك ذلك في قولِه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾.\nوإنما اخْتَرْنا في قولِه: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ما اخْتَرْنا مِن التأويلِ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه فرَض على أبي المولودِ تسليمَ حقِّ والدتِه إليها مما آتاها مِن الأجْرةِ على رَضاعِها (^٢) له بعدَ بَيْنونتِها منه، كما فرَض عليه ذلك لمَن اسْتَأْجَره لذلك ممَّن ليس مِن مولدِه بسبيلٍ، وأمَرَه بإيتاءِ كلِّ واحدةٍ منهما حقَّها بالمعروفِ على رَضاعِ ولدِه، فلم يَكُنْ قولُه: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾. بأن يَكونَ مَعْنِيًّا به: إذا سلَّمْتُم إلى\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"عامة\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"رضاعه\".","vol":"4","page":245},{"text":"أمهاتِ أولادِكم الذين يُرْضِعون حقوقَهن. بأوْلَى منه بأن يكونَ مَعْنيًّا به: إذا سلَّمْتُم ذلك إلى المَراضِعِ سِواهن. ولا الغرائبُ مِن المولودِ بأولى أن يَكُنَّ مَعْنيَّاتٍ بذلك مِن الأمهاتِ، إذ كان اللَّهُ تعالى ذكرُه قد أوْجَب على أبي المولودِ لكلِّ مَن اسْتَأْجَره لرَضاعِ ولدِهِ مِن تسليمِ أجرتِها إليها مثلَ الذي أوْجَب عليه مِن ذلك للأُخرى، فلم يَكُنْ لنا أن نُحِيلَ ظاهرَ تَنْزيلٍ إلى باطنٍ، ولا نقْلَ عامٍّ إلى خاصٍّ، إلا بحُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها - فصحَّ بذلك ما قلْنا.\nوأما معنى قولِه: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾. فإن معناه: بالإجْمالِ والإحْسانِ وتركِ البَخْسِ والظلمِ فيما وجَب للمَراضِعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-746>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: وخافوا اللَّهَ فيما فرَض لبعضِكم على بعضٍ مِن الحقوقِ، وفيما ألْزَم نساءَكم لرجالِكم، ورجالَكم لنسائِكم، وفيما أوْجَب عليكم لأولادِكم، فاحْذَرُوه أن تُخالِفوه فتَعْتَدُوا في ذلك وفي غيرِه مِن فَرائضِه وحقوقِه وحُدُودِه، فتَسْتَوْجِبوا بذلك عقوبتَه، واعْلَموا أن اللَّهَ بما تَعْمَلون مِن الأعمالِ أيُّها الناسُ؛ سرِّها وعَلانيتِها، وخَفِيِّها وظاهرِها، وخيرِها وشرِّها، بصيرٌ يَراه ويَعْلَمُه، فلا يَخْفَى عليه شيءٌ، ولا يتغيَّبُ (^١) عنه منه شيءٌ، فهو يُحْصِي ذلك كلَّه عليكم حتى يُجازِيَكم بخيرِ ذلك وشرِّه.\nومعنى ﴿بَصِيرٌ﴾: ذو إبْصارٍ. وهو في معنى مُبْصِرٍ.\n\n<span id=\"aya-241\"></span><span data-type='title' id=toc-747>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ</span>\n_________\n(^١) في م: \"يغيب\".","vol":"4","page":246},{"text":"أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: والذين يُتَوَفَّوْن منكم مِن الرجالِ أيُّها الناسُ، فيَمُوتُون ويَذَرُون أزْواجًا، يَتَرَبَّصُ (^١) أزواجُهن بأنفسِهن.\nفإن قال قائلٌ: فأين الخبرُ عن الذين يُتَوَفَّوْن؟ قيل: متروكٌ؛ لأنه لم يَقْصِدْ قَصْدَ الخبرِ عنهم، وإنما قصَد قَصْدَ الخبرِ عن الواجِب على المعْتدَّاتِ مِن العِدَّةِ في وفاةِ أزْواجِهن، فصُرف الخبرُ عن الذين ابْتُدِئ بذكرِهم مِن الأمواتِ إلى الخبرِ عن أزواجِهم والواجبِ عليهن مِن العِدَّةِ، إذ كان مَعْروفًا مفهومًا معنى ما أُرِيدَ بالكلامِ. وهو نَظيرُ قولِ القائلِ في الكلامِ: بعضُ جُبَّتِك مُتَخَرِّقةٌ. في تركِ الخبرِ عمَّا ابْتُدئ به الكلامُ إلى الخبرِ عن بعضِ أسْبابِه. وكذلك الأزْواجُ اللَّواتي عليهن التَّرَبُّصُ؛ لمَّا كان إنما ألْزَمَهن التربصَ بأسبابِ أزواجِهن، صرَف الكلامَ عن خبرِ مَن ابْتُدِئ بذكرِه إلى الخبرِ عمَّن قصَد قصْدَ الخبرِ عنه، كما قال الشاعرُ (^٢):\nلَعَلِّيَ إن مالَتْ بيَ الريحُ مَيْلةً … على ابن أبي ذِبَّانَ (^٣) أن يَتَنَدَّمَا\nفقال: لعلِّي. ثم قال: أن يَتَنَدَّما. لأن معنى الكلامِ: لعل ابنَ أبي ذِبَّانَ (^٣) أن يَتَنَدَّمَ إن مالتْ بي الريحُ مَيْلةً عليه. فرجَع بالخبرِ إلى الذي أراد به، وإن كان قد ابْتَدَأ بذكرِ غيرِه. ومنه قولُ الشاعرِ (^٤):\nألم تَعْلَموا أن ابنَ قيسٍ وقَتْلَهُ … بغيرِ دمٍ دارُ المَذَلَّةِ حُلَّتِ\n_________\n(^١) في م: \"يتربصن\".\n(^٢) هو ثابت قطنة، واسمه ثابت بن كعب العتكي، والبيت في معاني القرآن للفراء ١/ ١٥٠، وتاريخ المصنِّف ٦/ ٦٠٣، والصاحبي ص ٣٥٩.\n(^٣) في م: \"زبان\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ريان\". وأبو ذبان هو عبد الملك بن مروان، وابنه هو مسلمة بن عبد الملك.\n(^٤) معاني القرآن للفراء ١/ ١٥٠، والصاحبي ص ٣٦٠، والبحر المحيط ٢/ ٢٢٢، ولم ينسبه أحد منهم، وعند ثلاثتهم \"بني أسد\" بدل \"ألم تعلموا\".","vol":"4","page":247},{"text":"فأَلْقَى (^١) ابنَ قيسٍ وقد ابْتَدَأ بذكرِه، وأخْبَر عن قتلِه أنه ذُلٌّ.\nوقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن خبرَ ﴿الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ متروكٌ، وأن معنى الكلامِ: والذين يُتَوفَّونَ منكم ويَذَرُون أزواجًا، يَنْبَغي لهن أن يَتَرَبَّصْنَ بعدَ موتِهم. وزعَم أنه لم يُذْكرْ موتُهم، كما يُحْذَفُ بعضُ الكلامِ، وأنَّ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ رفعٌ؛ إذ وقَع موقعَ \"ينبغي\"، و\"ينبغي\" رفعٌ.\nوقد دلَّلنا على فسادِ ما (^٢) قال في رفعِ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ بوقوعِه موقعَ \"ينبغي\" فيما مضَى (^٣)، فأغْنَى عن إعادتِه.\nوقال آخَرُ (^٤) منهم: إنما لم يَذْكُرِ ﴿الَّذِينَ﴾ بشيءٍ؛ لأنه صار \"الذين\" في خبرِهم مثلَ تأويلِ الجَزاءِ: مَن يَلْقَك منا يُصِبْ خيرًا. الذي يَلْقاك منا يُصِيبُ خيرًا. قال: ولا يَجوزُ هذا إلا على معنى الجزاءِ.\nوفي البيتين اللذين ذكَرْناهما دلالةٌ واضحةٌ على القولِ في ذلك بخلافِ ما قالا.\nوأما قولُه: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾. فإنه يعني به: يَحْتَبِسْنَ بأنفسِهن مُعْتَدَّاتٍ عن الأزواجِ والطِّيبِ والزينةِ والنُّقْلةِ عن المسكنِ الذي كُنَّ يَسْكُنَّه في حياةِ أزْواجِهن - أربعةَ أشهرٍ وعشْرًا، إلا أن يَكُنَّ حوَاملَ، فيكونَ عليهن مِن التربُّصِ كذلك إلى حينِ وضعِ حَمْلِهن، فإذا وَضَعْن حملَهن انْقَضَت عِدَدُهن حينَئذٍ.\nوقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم مثلَ ما قلْنا فيه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ\n_________\n(^١) في م: \"فألغى\".\n(^٢) في م: \"قول من\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٢١٤.\n(^٤) في م: \"آخرون\".","vol":"4","page":248},{"text":"عباسٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾: فهذه عِدَّةُ المُتَوَفَّى عنها (^١)، إلا أن تَكونَ حاملًا، فعِدَّتُها أن تَضَعَ ما في بطنِها (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى عُقَيْلٌ، عن ابنِ شِهابٍ في (^٣) قولِ اللَّهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. قال ابنُ شِهاب: جعَل اللَّهُ هذه العِدَّةَ للمُتَوَفَّى عنها زوجُها، فإن كانت حاملًا فيُحِلُّها مِن عدتِها أن تَضَعَ حملَها، وإن اسْتَأْخَر فوقَ الأربعةِ أشهرٍ والعشرِ، فما اسْتَأْخَر لا يُحِلُّها إلا أن تَضَعَ حملَها.\nوإنما قلْنا: عنَى بالتربُّصِ ما وصَفْنا؛ لتَظاهُرِ الأخْبارِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بما: حدَّثْنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ وأبو أُسامةَ، عن شعبةَ، وحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن حُميدِ بنِ نافعٍ، قال: سمِعْتُ زينبَ ابنةَ أمِّ سلمةَ تُحَدِّثُ - قال أبو كُرَيْبٍ: قال أبو أسامةَ: عن أمِّ سلمةَ - أن امرأةً تُوُفِّي عنها زوجُها، واشْتَكَتْ عينُها (^٤)، فأتَتِ النبيَّ ﷺ تَسْتَفْتِيه في الكُحْلِ فقال: \"لقد كانت إحْداكن تَكونُ في الجاهليةِ في شرِّ (^٥) أحْلاسِها (^٦)، فتَمْكُثُ في بيتِها\n_________\n(^١) بعده في م: \"زوجها\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٦ (٢٣١٥)، والنحاس في ناسخه ص ٢٤٠، ٢٤١، والبيهقي ٧/ ٤٢٧، من طريق أبي صالح به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٩ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في النسخ: \"عن\". والمثبت هو ما جرى عليه المصنف.\n(^٤) قال ابن دقيق العيد: يجوز فيه وجهان؛ ضم النون على الفاعلية على أن تكون العين هي المشتكية، وفتحها على أن يكون في اشتكت ضمير الفاعل. ينظر فتح الباري ٩/ ٤٨٨.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سن\".\n(^٦) الأحلاس: جمع حِلس بكسر الحاء، والمراد في شر ثيابها، وهو مأخوذ من حلس البعير =","vol":"4","page":249},{"text":"حولًا إذا تُوُفِّي عنها زوجُها، فيَمُرُّ عليها الكلبُ فتَرْمِيه بالبَعَرةِ، أفلا أربعةَ أشهرٍ وعَشْرًا! \" (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: سمِعْتُ يحيَى بنَ سعيدٍ، قال: سمِعْتُ نافعًا، عن صَفيةَ ابنةِ أبي عُبيدٍ، أنها سمِعَتْ حَفْصةَ ابنةَ عمرَ زوجَ النبيِّ ﷺ تُحدِّثُ عن النبيِّ ﷺ قال: \"لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤْمِنُ باللَّهِ واليومِ الآخِرِ أن تُحِدَّ فوقَ ثلاثٍ إلا على زوجٍ، فإنَّها تُحِدُّ عليه أربعةَ أشهرٍ وعشرًا\" (^٢).\nقال يحيى: والإحْدادُ عندَنا ألا تَطَّيَّبَ، ولا تَلْبَسَ ثوبًا مَصْبوغًا بوَرْسٍ ولا زَعْفَرانٍ، ولا تَكْتَحِلَ، ولا تَزَّيَّنَ.\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: أخْبَرَنا يحيى، عن نافعٍ، عن صفيةَ ابنةِ أبي عُبيدٍ، عن حفصةَ ابنةِ عمرَ، أن النبيَّ ﷺ قال: \"لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤْمِنُ باللَّهِ واليومِ الآخِرِ أن تُحِدَّ على ميتٍ فوقَ ثلاثٍ إلا على زوجٍ\" (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: سمِعْتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: أخْبَرَني حُميدُ بنُ نافعٍ، أن زينبَ ابنةَ أمِّ سلمةَ أخْبَرَتْه عن أمِّ سلمةَ - أو أمِّ حَبيبةَ -\n_________\n= وغيره من الدواب وهو كالمِسْح - كساء من شعر - يُجعل على ظهره. ينظر صحيح مسلم بشرح النووي ١٠/ ١١٦.\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٨٨) عن ابن المثنى به، وأخرجه الطيالسي (١٧٠١)، والبخاري (٥٣٣٨)، ومسلم (١٤٨٨)، والبغوي في الجعديات (١٥٧١، ١٥٧٢)، من طريق شعبة به.\n(^٢) أخرجه النسائي (٣٥٠٣) عن محمد بن بشار به، وأخرجه مسلم (١٤٩٠/ ٦٤)، والبيهقي ٧/ ٤٣٨ من طريق عبد الوهاب به، وأخرجه أحمد ٦/ ٢٨٦ (الميمنية) من طريق نافع به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٨٠، وأحمد ٦/ ٢٨٦ (الميمنية)، والطبراني في الكبير ٢٣/ ٢٠٨ (٣٦١)، من طريق يزيد به، وأخرجه ابن ماجه (٢٠٨٦) من طريق يحيى به.","vol":"4","page":250},{"text":"زوجِ النبيِّ ﷺ، أن امرأةً أتَتِ النبيَّ ﷺ، فذكَرَتْ أن ابنتَها تُوُفِّي عنها زوجُها، وأنها قد خافَتْ على عينِها. فزعَم حميدٌ عن زينبَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"قد كانت إحْداكن تَرْمِي بالبَعَرةِ على رأسِ الحولِ، وإنما هي أربعةَ أشهرٍ وعشْرًا (^١) \".\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخْبَرَنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن حُميدِ بنِ نافعٍ، أنه سمِع زينبَ ابنةَ أمِّ سلمةَ تُحَدِّثُ، عن أمِّ حَبيبةَ أو أمِّ سلمةَ، أنَّها ذكَرتْ أن امرأةً أتَتِ النبيَّ ﷺ قد تُوفِّيَ عنها زوجُها، وقد اشْتَكَت عينُها، وهي تُريدُ أن تَكْحَلَ عينَها، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"قد كانت إحْداكن تَرْمِي بالبَعَرةِ بعدَ الحولِ، وإنما هي أربعةَ أشهرٍ وعشرًا (^١) \" (^٢).\nقال ابنُ بشارٍ: قال يَزيدُ: قال يحيى: فسأَلْتُ حُميدًا عن رَمْيِها بالبَعَرةِ. قال: كانت المرأةُ في الجاهليةِ إذا تُوُفِّي عنها زوجُها عَمَدَتْ إلى شرِّ بيتِها، فقعَدَتْ فيه حولًا، فإذا مرَّتْ بها سنةٌ ألقَتْ بَعَرةً وراءَها.\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا شعبةُ، عن يحيى، عن حُميدِ بنِ نافعٍ بهذا الإسنادِ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا [عبدُ اللَّهِ] (^٣) بنُ إدريسَ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن أيوبَ بنِ موسى ويحيى بنِ سعيدٍ، عن حُميدِ بن نافعٍ، عن زينبَ ابنةِ أمِّ سلمةَ، عن أمِّ\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"عشر\".\n(^٢) أخرجه مسلم (١٤٨٦، ١٤٨٨)، وابن ماجه (٢٠٨٤) من طريق يزيد بن هارون به.\n(^٣) سقط من: م. وفي ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يحيى\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٢٤٤.","vol":"4","page":251},{"text":"سلمةَ، أن امرأةً أتَتِ النبيَّ ﷺ فقالت: إن ابنتي مات زوجُها، فاشْتَكَتْ عينُها، أفتَكْتَحِلُ؟ فقال: \"قد كانت إحْداكن تَرْمِي بالبَعَرةِ على رأسِ الحولِ، وإنما هي الآن أربعةَ أشهرٍ وعشْرًا (^١) \". قال: قلتُ: وما تَرْمِي بالبَعَرةِ على رأسِ الحولِ؟ قال: كان نساءُ أهلِ الجاهليةِ إذا مات زوجُ إحْداهن لَبِسَتْ أطْمارَ (^٢) ثيابِها، وجلَسَت في أخَسِّ بيوتِها، فإذا حال عليها الحولُ، أخَذَت بَعَرةً فدحْرَجَتْها على ظهرِ حمارٍ، وقالت: قد حَلَلْتُ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، قال: ثنا زُهَيْرُ بنُ مُعاويةَ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن حُميدِ بنِ نافعٍ، عن زينبَ ابنةِ أمِّ سلمةَ، عن أمِّها أمِّ سلمةَ وأمِّ حَبيبةَ زوجَيِ النبيِّ ﷺ، أن امرأةً مِن قريشٍ جاءت إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقالت: إن ابنتي تُوِّفِّي عنها زوجُها، وقد خِفْتُ على عينِها، وهي تُرِيدُ الكُحْلَ. قال: \"قد كانت إحْداكن تَرْمي بالبَعَرةِ على رأسِ الحولِ، وإنما هي أربعةَ أشهرٍ وعشرًا (١) \". قال حُميدٌ: فقلتُ لزينبَ: وما رأسُ الحولِ؟ قالت زينبُ: كانت المرأةُ في الجاهليةِ إذا هلَك زوجُها عمَدتْ إلى أشرِّ بيتٍ لها، فجلَسَتْ فيه، حتى إذا مرَّتْ بها سنةٌ خرَجَتْ، ثم رمَتْ ببَعَرةٍ وراءَها (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا ابنُ المُبارَكِ، عن مَعْمرٍ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ أنها كانت تُفْتِي المتُوَفَّى عنها زوجُها أن تُحِدَّ على زوجِها حتى تَنْقَضِيَ\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"عشر\".\n(^٢) أطمار: جمع طِمْر، وهو الثوب الخَلَق البالي. ينظر التاج (ط م ر).\n(^٣) أخرجه النسائي (٣٥٤٠) من طريق الليث عن أيوب به نحوه، وفي (٣٥٤١) من طريق سفيان، عن يحيى به مختصرًا.\n(^٤) أخرجه النسائي (٣٥٤٢) من طريق زهير بن معاوية به.","vol":"4","page":252},{"text":"عِدَّتُها، ولا تَلْبَسَ ثوبًا مصبوغًا ولا مُعَصْفَرًا، ولا تَكْتَحِلَ بالإِثْمِدِ (^١)، ولا بكُحلٍ فيه طِيبٌ وإن وجِعَتْ عينُها، ولكن تَكْتَحِلُ بالصَّبِرِ (^٢)، وما بدا لها مِن الأكْحالِ سوى الإثْمِدِ، مما ليس فيه طيبٌ، ولا تَلْبَسَ حَلْيًا، وتَلْبَسَ البَياضَ ولا تلْبَسَ السوادَ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بنِ عُقبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ في المتوفَّى عنها زوجُها: لا تَكْتَحِلُ، ولا تَطَّيَّبُ، ولا تَبِيتُ عن بيتِها، ولا تَلْبَسُ ثوبًا مَصْبوغًا، إلا ثوبَ عَصْبٍ (^٣) تَجَلْبَبُ به (^٤).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا ابنُ جريج، عن عَطاءٍ، قال: بلَغَني عن ابنِ عباسٍ، قال: تُنْهَى المتوفَّى عنها زوجُها أن تَزَّيَّنَ وتَطَّيَّبَ (^٥).\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الأعْلَى، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: إن المتوفَّى عنها زوجُها لا تلْبَسُ ثوبًا مصبوغًا، ولا تَمَسُّ طِيبًا، ولا تَكْتَحِلُ، ولا تَمْتَشِطُ. وكان لا يَرَى بأسًا أن تَلْبَسَ البُرْدَ (٤).\n_________\n(^١) الإثمد: حَجَر الكحل، وهو أسود إلى حمرة. التاج (ث م د).\n(^٢) الصَّبِر: عُصارة شجر مُرّ. الواحدة صَبِرَة. وجمعه صُبُور. التاج (ص ب ر).\n(^٣) العَصْب: ضَرْب من البُرُود اليمنية يُعصَب غَزْلها، أي يُجْمَع ويُشَدّ، ثم يُصْبَغ وينسج، فيأتي مَوْشيًّا لبقاء ما عُصِب منه أبيضَ لم يأخذه صِبْغ. النهاية ٣/ ٢٤٥.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١١٥، ١٢١١٦)، وسعيد بن منصور في سننه (٢١٣٧)، وابن أبي شيبة ٥/ ٢٠٥، والبيهقي ٧/ ٤٤٠ من طرق عن نافع به.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١١١، ١٢١١٢)، وابن أبي شيبة ٥/ ٢٠٤، ٢٠٥ عن ابن جريج به.","vol":"4","page":253},{"text":"وقال آخَرون: إنما أُمِرَتِ المتوفَّى عنها أن تَرَبَّصَ بنفسِها عن الأزواجِ خاصةً، فأما عن الطِّيبِ والزينةِ والمَبيتِ عن المنزلِ، فلم تُنْهَ عن ذلك، ولم تُؤْمَرْ بالتربُّصِ بنفسِها عنه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن يونُسَ، عن الحسنِ أنه كان يُرَخِّصُ في التزيُّنِ والتَّصَنُّعِ، ولا يَرَى الإحْدادَ شيئًا (^١).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عَطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾: لم يَقُلْ: تَعْتَدُّ في بيتِها. تَعْتَدُّ حيث شاءت.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: إنما قال اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾: ولم يَقُلْ: تَعْتَدُّ في بيتِها. فلْتَعْتَدَّ حيث شاءت (^٢).\nواعْتَلَّ قائلو هذه المَقالةِ بأنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه إنما أمَر المتوفَّى عنها بالتربُّصِ عن النكاحِ، وجعَلوا حُكمَ الآيةِ على الخصوصِ.\nوبما حدَّثني به محمدُ بنُ إبراهيمَ السُّلَميُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، وحدَّثني محمدُ بنُ مَعْمرٍ البَحْرانيُّ، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ، قالا جميعًا: حدَّثنا محمدُ بنُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٨١ عن ابن علية به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٠٥١)، وابن أبي شيبة ٥/ ١٨٩، وابن حزم ١١/ ٦٧٢، من طريق ابن جريج به.","vol":"4","page":254},{"text":"طلحةَ، عن الحكمِ بنِ عُتيْبةَ (^١)، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شدَّادِ بنِ الهادِ، عن أسماءَ ابنةِ عُمَيسٍ، قالت: لمَّا أُصيب جعفرٌ قال لي رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"تَسَلَّبي (^٢) ثلاثًا، ثم اصْنَعي ما شئتِ\" (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيْمٍ وابنُ الصَّلْتِ، عن محمدِ بنِ طلحةَ، عن الحكمِ بنِ عُتَيْبةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شدادٍ، عن أسماءَ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه (^٣).\nقالوا: فقد بيَّن هذا الخبرُ عن النبيِّ ﷺ [ألا إحْدادَ] (^٤) على المتوفَّى عنها زوجُها، وأن القولَ في تأويلِ قولِه: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ إنما هو: يَتَرَبَّصْنَ بأنفسِهن عن الأزواجِ دونَ غيرِه.\nوأما الذين أوْجَبوا الإحْدادَ على المتوفَّى عنها زوجُها، وتركَ النُّقْلةِ عن منزلِها الذي كانت تَسْكُنُه يومَ تُوُفِّي عنها زوجُها، فإنهم اعْتَلُّوا بظاهرِ التَّنْزيلِ، وقالوا: أمَر اللَّهُ المتوفَّى عنها أن تَرَبَّصَ بنفسِها أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، فلم يَأْمُرْها بالتربُّصِ بشيءٍ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عيينة\". وينظر تهذيب الكمال ٧/ ١١٤.\n(^٢) تسلبي: أي البسي ثوب الحداد؛ وهو السِّلاب. والجمع سُلُب. وقيل: هو ثوب أسود تغطى به المُحِدُّ رأسها. ينظر النهاية ٢/ ٣٨٧.\n(^٣) أخرجه ابن سعد ٨/ ٢٨٢، وأحمد ٦/ ٣٦٩، ٤٣٨ (الميمنية)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٧٥، وابن حبان (٣١٤٨)، والطبراني في المعجم الكبير ٢٤/ ١٣٩ (٣٦٩)، والبيهقي ٧/ ٤٣٨، من طريق محمد بن طلحة به. ووقع عند ابن سعد وابن حبان: \"تسلمي\"؛ قال الحافظ في الفتح ٩/ ٤٨٧، ٤٨٨: وأغرب ابن حبان فساق الحديث بلفظ \"تسلمي\" بالميم بدل الموحدة، وفسره بأنه أمرها بالتسليم لأمر الله، ولا مفهوم لتقييدها بالثلاث، بل الحكمة فيه كون القلق يكون في ابتداء الأمر أشد، فلذلك قيدها بالثلاث. هذا معنى كلامه، فصحف الكلمة وتكلف لتأويلها. ووقع عند الطحاوي والطبراني بلفظ: تَسَكَّني. وتسكن: اطمأنَّ. ينظر الوسيط (س ك ن).\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الإحداد\".","vol":"4","page":255},{"text":"مُسَمًّى في التنزيلِ بعينِه، بل عمَّ بذلك مَعانيَ التربُّصِ. قالوا: فالواجبُ عليها أن تَرَبَّصَ بنفسِها عن كلِّ شيءٍ، إلا ما أطْلَقَتْه لها حُجَّةٌ يجبُ التسليمُ لها.\nقالوا: فالتَّربُّصُ عن الطِّيبِ والزينةِ والنُّقْلةِ مما هو داخلٌ في عمومِ الآيةِ، كما التربُّصُ عن الأزواجِ داخلٌ فيها.\nقالوا: وقد صحَّ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ الخبرُ بالذي قلنا في الزينةِ والطِّيبِ.\nوأما في النُّقْلةِ؛ فإن أبا كُريبٍ حدَّثنا، قال: ثنا يونُسُ بنُ محمدٍ، عن فُلَيْحِ بنِ سليمانَ، عن سعدِ (^١) بنِ إسحاقَ بنِ كعبِ بنِ عُجْرةَ، عن عمَّتِه، عن (^٢) الفُرَيْعةِ ابنةِ مالكٍ أختِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قالت: قُتِل زوجي وأنا في دارٍ، فاستأذنتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ في النُّقلةِ، فأذِن لي، ثم ناداني بعدَ أن توَلَّيْتُ، فرجَعْتُ إليه، فقال: \"يا فُرَيْعةُ، حتى يَبْلغَ الكتابُ أجلَه\" (^٣).\nقالوا: فبيَّن رسولُ اللَّهِ ﷺ صحةَ ما قلنا في معنى تربُّصِ المتوفَّى عنها زوجُها، [وبطولَ] (^٤) ما خالَفه.\nقالوا: وأما ما رُوِي عن ابنِ عباسٍ، فإنه لا معنى له؛ بخروجِه عن ظاهرِ التنزيلِ والثابتِ مِن الخبرِ عن الرسولِ ﷺ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سعيد\". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٢٤٨.\n(^٢) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٣٥/ ١٨٦، ٢٦٦.\n(^٣) أخرجه مالك ٢/ ٥٩١، والطيالسي (١٧٦٩)، وأحمد ٦/ ٣٧٠ (الميمنية)، والدارمي ٢/ ١٦٨، وأبو داود (٢٣٠٠)، وابن ماجه (٢٠٣١)، والترمذي (١٢٠٤)، والنسائي (٣٥٢٨ - ٣٥٣٠، ٣٥٣٢) من طريق سعد بن إسحاق به.\n(^٤) زيادة لازمة ليست في النسخ.","vol":"4","page":256},{"text":"قالوا: وأما الخبرُ الذي رُوِي عن أسماءَ ابنةِ عُمَيْسٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن أمْرِه إياها بالتَّسَلُّبِ ثلاثًا، ثم أن تَصْنَعَ ما بدا لها، فإنه غيرُ دالٍّ على ألا حِدادَ على المرأةِ، بل إنما دَلَّ على أمْرِ النبيِّ ﷺ إياها بالتَّسَلُّبِ ثلاثًا، ثم العملِ بما بدا لها مِن لُبْسِ ما شاءت مِن الثيابِ، مما يَجوزُ للمعتدةِ لُبْسُه، مما لَمْ يَكُنْ زينةً ولا تَطَيُّبًا؛ لأنه قد يَكونُ مِن الثيابِ ما ليس بزينةٍ ولا ثيابِ تسَلُّبٍ، وذلك كالذي أذِن ﷺ للمُتوفَّى عنها أن تَلْبَسَ مِن ثيابِ العَصْبِ وبُرودِ اليمنِ، فإن ذلك لا مِن ثيابِ زينةٍ، ولا مِن ثيابِ تسلُّبٍ، وكذلك كلُّ ثوبٍ لَمْ يَدْخُلْ عليه صِبْغٌ بعدَ نَسْجِه مما يَصْبُغُه الناسُ لتزيينِه، فإن لها لُبْسَه؛ لأنها تَلْبَسُه غيرَ متزيِّنةٍ الزينةَ التي يَعْرِفُها الناسُ.\nفإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. ولم يُقَلْ: وعشرةً؟ وإذ كان التنزيلُ كذلك، أفبالليالي تَعْتَدُّ المتوفَّى عنها العشرَ، أم بالأيامِ؟ قيل: بل تَعْتَدُّ بالأيامِ بلياليها. فإن قال: فإذ كان ذلك كذلك، فكيف قيل: ﴿وَعَشْرًا﴾. ولم يُقَلْ: وعشرةً. والعشرُ بغيرِ الهاءِ مِن عددِ الليالي دونَ الأيامِ؟ فإن جاز (^١) ذلك المعنى فيه ما قلتَ، فهل تُجِيزُ: عندي عشرٌ. وأنتَ تُرِيدُ عشرةً مِن رجالٍ ونساءٍ؟\nقلتُ: ذلك جائزٌ في عددِ الليالي والأيامِ، وغيرُ جائزٍ مثلُه في عددِ بني آدمَ مِن الرجالِ والنساءِ؛ وذلك أن العربَ في الأيامِ والليالي خاصةً، إذا أبْهَمَت العددَ غَلَّبَت فيه الليالي، حتى إنهم فيما رُوِي لنا عنهم لَيَقُولون: صُمْنا عشرًا مِن شهرِ رمضانَ. لتَغْليبِهم اللياليَ على الأيامِ، وذلك أن العددَ عندَهم قد جرَى في ذلك بالليالي دونَ الأيامِ، فإذا أظْهَروا مع العددِ مُفَسِّرَه، أسْقَطوا مِن عددِ المؤنثِ الهاءَ، وأُثْبَتُوها في\n_________\n(^١) في م: \"أجاز\".","vol":"4","page":257},{"text":"عددِ المذكرِ، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]. فأسْقَط الهاءَ مِن \"سبعٍ\"، وأثْبَتَها في \"الثمانيةِ\".\nوأما بنو آدمَ فإن مِن شأنِ العربِ إذا اجْتَمَعَتِ الرجالُ والنساءُ، ثم أَبْهَمَت عددَها، أن تُخْرِجَه على عددِ الذُّكْرانِ دونَ الإناثِ، وذلك أن الذُّكْرانَ مِن بني آدمَ مَوْسومٌ واحدُهم وجمعُه بغيرِ سِمةِ إناثِهم، وليس كذلك سائرُ الأشياءِ غيرِهم، وذلك أن الذكورَ مِن غيرِهم ربما وُسِم بسِمةِ الأنثى، كما قيل للذكرِ والأنثى: شاةٌ. وقيل للذكورِ والإناثِ مِن البقرِ: بقرٌ. وليس كذلك في بني آدمَ.\nفإن قال: وما معنى زيادةِ هذه العشَرةِ الأيامِ على الأربعةِ (^١) الأشهرِ؟ قيل: قد قيل في ذلك ما (^٢) حدَّثنا به ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. قال: قلتُ: لمَ صارَتْ هذه العَشْرُ مع الأشهرِ الأربعةِ؟ قال: لأنه يُنْفَخُ فيه الرُّوحُ في العَشْرِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى أبو عاصمٍ (^٤)، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: سألْتُ سعيدَ بنَ المسيَّبِ: ما بالُ العشرِ؟ قال: فيه يُنْفَخُ الرُّوحُ (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"فيما\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٧ (٢٣١٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٢٤) من طريق أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عصام\". وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٢٨١.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٢٠ عن سعيد بن أبي عروبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٨٩ إلى المصنف.","vol":"4","page":258},{"text":"<span data-type='title' id=toc-748>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: فإذا بلَغْنَ الأجلَ الذي أُبِيح لهن فيه ما كان حُظِر عليهن في عِدَدِهن مِن وفاةِ أزْواجِهن - وذلك بعدَ انقضاءِ عِدَدِهن، ومُضِيِّ الأشهُرِ الأربعةِ والأيامِ العشَرةِ - ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يقولُ: فلا حرَجَ عليكم أيُّها الأولياءُ، أولياءُ المرأةِ، فيما فعَل المُتَوَفَّى عنهن حينَئذٍ في أنفسِهن مِن تَطيُّبٍ وتزيُّنٍ، ونُقْلةٍ مِن المسكنِ الذي كُنَّ يَعْتَدِدْنَ فيه، ونكاحِ مَن يَجوزُ لهن نكاحُه بالمعروفِ. يعني بذلك: على ما أذِن اللَّهُ لهن فيه وأباحَه لهن.\nوقد قيل: إنما عنَى بذلك النكاحَ خاصَّةً.\nوقيل: إن معنى قولِه: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ إنما هو النكاحُ الحلَالُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: (^١) الحلالُ الطَّيِّبُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ،\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"المعروف النكاح\".\n(^٢) تفسير سفيان ص ٦٨ عن ابن جريج، عن مجاهد، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٨ (٢٣٢٢).","vol":"4","page":259},{"text":"عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: المعروفُ النكاحُ الحلالُ الطيبُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مجاهدٌ في قولِه: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: هو النكاحُ الحلالُ الطيبُ (^١).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: هو النكاحُ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى عُقَيْلٌ، عن ابنِ شَهابٍ: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: في نكاحِ مَن هَوِيَتْه (^٣) إذا كان معروفًا (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-749>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: واللَّهُ بما تعمَلون أيُّها الأولياءُ في أمرِ مَن أنتم وليُّه مِن نسائِكم؛ مِن عَضْلِهن وإنْكاحِهن ممَّن أرَدْنَ نكاحَه بالمعروفِ، ولغيرِ ذلك مِن أمورِكم وأمورِهم، ﴿خَبِيرٌ﴾. يعني: ذو خبرةٍ وعلمٍ، لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٨ (٢٣٢٢) من طريق عمرو به. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٤٢١.\n(^٣) في م: \"هوينه\".\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٨ عقب الأثر (٢٣٢٢) معلقا. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٤٢١.","vol":"4","page":260},{"text":"<span id=\"aya-242\"></span><span data-type='title' id=toc-750>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: ولا جُناحَ عليكم أيُّها الرجالُ فيما عرَّضْتم به من خِطْبةِ النساءِ، للنساءِ المُعْتَدَّاتِ مِن وفاةِ أزْواجِهن في عِدَدِهن، ولم تُصرِّحوا بعقدِ نكاحٍ.\nوالتَّعْريضُ الذي أُبِيح في ذلك هو ما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مَنصورٍ، عن مُجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. قال: التَّعريضُ أن يقولَ: إني أُريدُ التزويجَ، وإني لَأُحِبُّ امرأةً مِن أمرِها وأمرِها. يُعَرِّضُ لها بالقولِ بالمعروفِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مُجاهِدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. قال: إني أُريدُ ان أَتَزَوَّجَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مُجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: التَّعْريضُ ما لم يَنْصِبْ (^٣) للخِطْبةِ. قال مجاهدٌ: قال\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٥٧ عن جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٩٠ إلى وكيع والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٦٩، ومن طريقه البيهقي ٧/ ١٧٨.\n(^٣) أي: يقصد. ينظر اللسان (ن ص ب).","vol":"4","page":261},{"text":"رجلٌ لامرأةٍ في جِنازةِ زوجِها: لا تَسْبِقيني بنفسِك. قالت: قد سُبِقْتَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. قال: التعريضُ ما لم يَنْصِبْ للخِطبةِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مُجاهِدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. قال: التعريضُ أن يَقولَ للمرأةِ في عِدَّتِها: إني لا أُرِيدُ أن أَتَزَوَّجَ غيرَك إن شاء اللَّهُ، ولَوَدِدْتُ أني وجَدْتُ امرأةً صالحةً. ولا يَنْصِبُ لها ما دامَت في عدَّتِها (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. يقولُ: يعرِّضُ لها في عدَّتِها، يقولُ لها: إن رأيتِ ألا تَسْبِقِيني بنفسِك، ولودِدتُ أن اللَّهَ قد هيَّأ بيني وبينَك. ونحو هذا من الكلامِ، فلا حرجَ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ العَسْقلانِيُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٨٣ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٨ (٢٣٢٤)، والبيهقي ٧/ ١٧٨ من طريق شعبة به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٥٤)، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٥٨، والبخاري (٥١٢٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٨ (٢٣٢٥)، والبيهقي ٧/ ١٧٨ من طرق عن منصور به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٩١ إلى المصنف.","vol":"4","page":262},{"text":"النِّسَاءِ﴾. قال: هو أن يقولَ لها في عِدَّتِها: إني أريدُ التزويجَ، وودِدْتُ أنَّ اللَّهَ رزَقني امرأةً. ونحو هذا، ولا ينصِبُ للخِطبةِ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ عَوْنٍ، عن محمدٍ، عن عَبيدةَ في هذه الآيةِ، قال: يَذْكُرُها إلى وليِّها، يَقولُ: لا تَسْبِقْني بها (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. قال: يقولُ: إنكِ لجَميلةٌ، وإنك لنافقةٌ (^٢)، وإنك إلى خيرٍ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ، أنه كَرِه أن يقولَ: لا تَسْبِقِيني بنفسِك (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. قال: هو قولُ الرجلِ للمرأةِ: إنك لَجميلةٌ، وإنك لَنافقةٌ، وإنك لَإلى خيرٍ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، عن مَعْمرٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٥٨ من طريق ابن عون به.\n(^٢) نافقة: رائجة. اللسان (ن ف ق).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٥٧ من طريق ليث به.\n(^٤) تفسير الثوري ص ٦٩.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٢٣٨، ومن طريقه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٥٩.","vol":"4","page":263},{"text":"النِّسَاءِ﴾. قال: يُعَرِّضُ للمرأةِ في عِدَّتِها فيقولُ: واللَّهِ إنك لجميلةٌ، وإن النساءَ لَمِن حاجتي، وإنَّك إلى خيرٍ إن شاء اللَّهُ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا شعبةُ، عن سلمةَ بنِ كُهَيْلٍ، عن مسلمٍ البَطِينِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: هو قولُ الرجلِ: إني أُرِيدُ أن أَتَزَوَّجَ، وإني إن تَزَوَّجْتُ أحْسَنْتُ إلى امرأتي. هذا التعريضُ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا شعبةُ، عن سلمةَ بنِ كُهَيْلٍ، عن مسلمٍ البَطِينِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. قال: يقولُ: لَأُعْطِيَنَّكِ، لَأُحْسِنَنَّ إليكِ، لَأَفْعَلَنَّ بك كذا وكذا (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: سمِعْتُ يحيى بنَ سعيدٍ، قال: أخْبَرَني عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ في قولِه: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. قال: قولُ الرجلِ للمرأةِ في عدتِها يُعَرِّضُ بالخِطْبةِ: واللَّهِ إني فيكِ لَراغبٌ، وإني عليكِ لحَريصٌ. ونحو هذا.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ الثَّقَفيُّ، قال: سمِعْتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: أخْبَرَني عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ أنه سمِع القاسمَ بنَ محمدٍ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٥، وفي مصنفه (١٢١٥٢).\n(^٢) أخرجه البيهقي ٧/ ١٧٨ من طريق آدم به.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٨٤ - تفسير) من طريق شعبة به.","vol":"4","page":264},{"text":"يقولُ: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. هو قولُ الرجلِ للمرأةِ: إنك لَجميلةٌ، وإنك لَنافقةٌ، وإنك إلى خيرٍ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: كيف يقولُ الخاطبُ؟ قال: يُعَرِّضُ تَعْريضًا، ولا يَبوحُ بشيءٍ، يقولُ: إن لي حاجةً وأبْشِرِي، وأنت بحمدِ اللَّهِ نافقةٌ. ولا يَبوحُ بشيءٍ. قال عطاءٌ: وتَقولُ هي: قد أَسْمَعُ ما تَقولُ. ولا تَعِدُه شيئًا، ولا تقولُ: لعلَّ ذاك (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرَنا ابنُ المباركِ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ أنه سمِع القاسمَ يقولُ في المرأةِ يُتَوفَّى عنها زوجُها، والرجلُ يُريدُ خِطبتَها، ويُرِيدُ كلامَها، ما الذي يَجمُلُ به مِن القولِ؟ قال: يقولُ: إني فيك لَراغبٌ، وإني عليكِ لَحريصٌ، وإني بكِ لَمُعجَبٌ. وأشباهَ هذا مِن القولِ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. قال: لا بأسَ بالهَدِيَّةِ في تَعريضِ النكاحِ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرَنا مُغيرةُ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٥٧، ٢٥٩، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٨، من طريق يحيى بن سعيد به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٥٠) عن ابن جريج به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٥٨ عن جرير به.","vol":"4","page":265},{"text":"قال: كان إبراهيمُ لا يَرَى بأسًا أن يُهدِيَ لها في العِدَّةِ إذا كانت مِن شأنِه.\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. قال: يقولُ: إنكِ لَنافقةٌ، وإنك لَمُعجِبةٌ، وإنك لَجميلةٌ، وإن قضَى اللَّهُ شيئًا كان (^١).\nحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه قولَه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. قال: كان إبراهيمُ النَّخَعيُّ يقولُ: إنك لمُعجِبةٌ، وإني فيك لَراغبٌ.\nحدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: وأخْبَرَني - يعني شَبِيبًا - عن سعيدٍ، عن شعبةَ، عن منصورٍ، عن الشعبيِّ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. قال: لا تأْخُذْ (^٢) ميثاقَها ألَّا تَنْكِحَ غيرَك (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. قال: كان أبي يقولُ: كلُّ شيءٍ كان دونَ أن يَعزِما (^٤) عُقدةَ النكاحِ، فهو ما قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٥٨، ٢٥٩ عن وكيع به.\n(^٢) في م: \"يأخذ\".\n(^٣) في م: \"غيره\". والأثر أخرجه البيهقي ٧/ ١٧٩ من طريق شعبة بنحوه. وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٢ من طريق منصور بنحوه.\n(^٤) في م: \"يعزم\".","vol":"4","page":266},{"text":"فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، وحدثني عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، جميعًا عن سفيانَ قولَه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾: والتعريضُ فيما سمِعْنا أن يقولَ الرجلُ وهي في عِدَّتِها: إنك لَجميلةٌ، إنك إلى خيرٍ، إنك لَنافقةٌ، إنك لَتُعْجِبِيني. ونحوَ هذا، فهذا التَّعْريضُ (^١).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سليمانَ، عن خالتِه سُكَيْنةَ ابنةِ حَنْظلةَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ حَنْظلةَ، قالت: دخَل عليَّ أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عليٍّ وأنا في عِدَّتي، فقال: يا ابنةَ حَنْظلةَ، أنا مَن عَلِمْتِ قَرابتي مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ، وحقَّ جَدِّي عليٍّ، وقَدَمي في الإسلامِ. فقلتُ: غفَر اللَّهُ لك يا أبا جعفرٍ، أتَخْطُبُني في عِدَّتي وأنتَ يُؤْخَذُ عنك. فقال: أو قد فعلتُ! إنما أخْبَرْتُكِ بقَرابتي مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ ومَوْضِعي، قد دخَل رسولُ اللَّهِ ﷺ على أمِّ سلمةَ، وكانت عندَ ابنِ عمِّها أبي سلمةَ، فتُوُفِّي عنها، فلم يَزَلْ رسولُ اللَّهِ ﷺ يَذكُرُ لها منزلتَه مِن اللَّهِ، وهو مُتَحاملٌ على يدِه، حتى أثَّر الحَصيرُ في يدِه مِن شدةِ تَحامُلِه على يدِه، فما كانت تلك خِطبةً (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى عُقيلٌ، عن ابنِ شهابٍ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. قال: لا جناحَ على مَن عَرَّض لهنَّ بالخِطبةِ قبلَ أن يَحْلِلْنَ إذا كَنُّوا في أنفسِهم (^٣) من ذلك (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٥٩) عن سفيان به.\n(^٢) أخرجه الدارقطني ٣/ ٢٢٤، والبيهقي ٧/ ١٧٨، من طريق عبد الرحمن بن سليمان به.\n(^٣) في النسخ: \"أنفسهن\". والصواب ما أثبتناه.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٩ عقب الأثر (٢٣٢٧) معلقًا، وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٤٢٢.","vol":"4","page":267},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَني مالكٌ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ، عن أبيه أنه كان يَقولُ في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾: أن يَقولَ الرجلُ للمرأةِ وهي في عِدَّةٍ مِن وفاةِ زوجِها: إنك عليَّ لَكريمةٌ، وإني فيك لراغبٌ، وإني سائقٌ إليك خيرًا ورزقًا. ونحوَ هذا مِن الكلامِ (^١).\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في معنى الخِطْبةِ، فقال بعضُهم (^٢): الخِطْبةُ: الذِّكْرُ. والخِطْبةُ: التَّشَهُّدُ (^٣).\nوكأن قائل هذا القولِ تأوَّل الكلامَ: ولا جناحَ عليكم فيما عرَّضْتُم به مِن ذكرِ النساءِ عندَهن (^٤).\nوقد زعَم صاحبُ هذا القولِ أنه قال: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. لأنه لمَّا قال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. كأنه قال: اذْكُرُوهن، ولكن لا تُواعِدُوهن سرًّا.\nوقال آخَرون منهم: الخِطْبةُ من قولِهم: [خطَب فلانٌ فلانةَ يخْطُبُها] (^٥) خِطْبةً وخَطْبًا. قال: وقولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾ [طه: ٩٥] يقالُ: إنه مِن هذا. قال: وأما الخُطْبةُ فهو المخطوبُ، مِن قولِهم: خطَب على المِنْبَرِ واخْتَطَب.\nقال أبو جعفرٍ: والخِطْبةُ عندي هي الفِعْلةُ، مِن قولِ القائلِ: خطَبْتُ فلانةَ.\n_________\n(^١) أخرجه مالك ٢/ ٥٢٤، ومن طريقه الشافعي في مسنده ٢/ ١٩ (٥٨)، والبيهقي ٧/ ١٧٨.\n(^٢) هو الأخفش كما في تفسير البغوي ١/ ٢٨٢.\n(^٣) في ت ٢: \"التشهيد\".\n(^٤) في النسخ: \"عندهم\". والمثبت من تفسير البغوي.\n(^٥) زيادة يقتضيها السياق.","vol":"4","page":268},{"text":"كالجِلْسةِ، مِن قولِه: جلَس. أو القِعدةِ، مِن قولِه: قعَد.\nومعنى قولِهم: خطَب فلانٌ فلانةَ. سأَلها خَطْبَه إلَيها في نفسِها، وذلك حاجتُه، من قولِهم: ما خطْبُك؟ بمعنى ما حاجتُك، وما أمرُك؟.\nوأما التَّعْريضُ فهو ما كان مِن لَحْنِ الكلامِ الذي يَفْهَمُ به السامعُ الفَهِمُ ما يُفْهَمُ بصريحِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-751>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾: أو أخْفَيْتُم (^١) في أنفسِكم فأسْرَرْتُموه مِن خِطْبتِهِن وعَزْمِ نِكاحِهن وهن في عِدَدِهن، فلا جُناحَ عليكم أيضًا في ذلك، إذا لما تَعْزِموا عُقْدةَ النكاحِ حتى يَبْلُغَ الكتابُ أجلَه.\nيقالُ منه: أَكَنَّ فلانٌ هذا الأمرَ في نفسِه، فهو يُكِنُّه إكْنانًا، وكنَّه، إذا ستَرَه، يَكُنُّه كَنًّا وكُنونًا، وجلَس في الكِنِّ. ولم يُسْمَعْ: كَنَنْتُه في نفسِي. وإنما يقالُ: كَنَنْتُه في البيتِ، أو في الأرضِ. إذا خبَّأْتَه فيه. ومنه قولُه تعالى ذكرُه: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]. أي: مَخْبوءٌ. ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):\nثلاثٌ مِن ثلاثِ قُدَامَيَاتٍ (^٣) … من اللَّائي تَكُنُّ من الصَّقيعِ\nوتُكِنُّ، بالتاءِ المضمومةِ (^٤)، وهو أجودُ، و\"تَكُنُّ\".\nويُقالُ: أكَنَّتْه ثيابُه مِن البردِ، وأكَنَّه البيتُ مِن الرِّيحِ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أحببتم\".\n(^٢) معاني القرآن للفراء ١/ ١٥٢، واللسان (ك ن ن).\n(^٣) قداميات: يعني بها قوادم ريش الطير، وهي أربع ريشات في مُقَدَّم الجناح. اللسان (ق د م).\n(^٤) زيادة يقتضيها السياق. وينظر معاني القرآن ١/ ١٥٣.","vol":"4","page":269},{"text":"وبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. قال: الإكْنانُ ذِكْرُ خِطبتِها في نفسِه، لا يُبْدِيه لها، هذا كلُّه حِلٌّ معروفٌ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. قال: أن يَدْخُلَ فيُسَلِّمَ ويُهْدِيَ إن شاء، ولا يَتَكَلَّمَ بشيءٍ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ الثَّقَفيُّ، قال: سَمِعْتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: أخْبَرَني عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ أنه سمِع القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ. فذكَر نحوَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. قال: جعَلْتَ في نفسِك نكاحَها، وأضْمَرْتَ ذلك (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، جميعًا عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٣٨، ومن طريقه البيهقي ٧/ ١٧٨، ١٧٩، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٥٩ من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٩ (٢٣٢٩) من طريق عمرو به.\n(^٣) ينظر التبيان ٢/ ٢٦٦.","vol":"4","page":270},{"text":"سفيانَ: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾: أن يُسِرَّ في نفسِه أن يَتَزَوَّجَها.\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عَوْفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. قال: أسْرَرْتُم (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وفى إباحةِ اللَّهِ تعالى ذكرُه ما أباح مِن التَّعْريضِ بنكاحِ المُعْتَدَّةِ لها في حالِ عِدَّتِها وحَظْرِه التصريحَ، ما أبان عن افتراقِ حُكمِ التعريضِ في كلِّ معاني الكلامِ وحُكمِ التصريحِ، منه (^٢).\nوإذا كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ أن التعريضَ بالقَذْفِ غيرُ التصريحِ به، وأن الحدَّ بالتعريضِ بالقذفِ لو كان واجبًا وجوبَه بالتصريح به، لَوجَب مِن الجُناحِ بالتعريضِ بالخِطْبةِ في العِدَّةِ، نظيرُ الذي يَجِبُ بعزمِ عُقدةِ النكاحِ فيها، وفى تفريقِ اللَّهِ تعالى ذكرُه بينَ حُكْمَيْهِما في ذلك، الدلالةُ الواضحةُ على افتراقِ أحكامِ ذلك في القذفِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-752>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: علِمَ اللَّهُ أنكم ستَذْكُرون المُعْتَدَّاتِ في عِدَدِهن بالخِطْبةِ في أنفسِكم وبألسنتِكم.\nكما حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾. قال: الخِطْبةُ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٩ (٢٣٢٨) من طريق هوذة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٩١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) يعني: افتراق حكم التعريض من حكم التصريح.\n(^٣) أخرجه وكيع - كما في الدر المنثور ١/ ٢٩١ - ومن طريقه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٦٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٩ (٢٣٣٠)، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٦٦ من طريق وكيع، عن سفيان، عن الحسن. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.","vol":"4","page":271},{"text":"حدَّثني أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جُنادةَ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. قال: ذِكرُك إيَّاها في نفسِك. قال: فهو قولُ اللَّهِ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾. قال: هي الخِطبةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-753>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في معنى السرِّ الذي نهَى اللَّهُ تعالى عبادَه عن مواعَدةِ المُعْتدَّاتِ به؛ فقال بعضُهم: هو الزنى.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا همامٌ، عن صالحٍ الدَّهَّانِ، عن جابرِ بنِ زيدٍ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. قال: الزنى (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن أبي مجْلَزٍ قولَه: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. قال: الزنى (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال ثنا يحيى، قال: ثنا سليمانُ التَّيْميُّ، عن أبي مِجْلَزٍ مثلَه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٦٠، ٣٦٦، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٩ (٢٣٣١)، عن ابن إدريس به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٣ من طريق الأعرج، عن جابر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٦٩) عن المعتمر به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٨٠ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٣، من طريق سليمان التيمي به. وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٠ (٢٣٣٣)، والبيهقي ٧/ ١٧٩، من طريق عمران بن حدير، عن أبي مجلز.","vol":"4","page":272},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سليمانَ التَّيْميِّ، عن أبي مِجْلَزٍ مثلَه (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي مِجْلَزٍ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. قال: الزنى. قيل لسفيانَ: التَّيْميُّ ذكَره؟ قال: نعم.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: ثنا المُعْتَمرُ، عن أبيه، عن رجلٍ، عن الحسنِ في المُواعَدةِ مثلَ قولِ أبي مجْلَزٍ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا يَزيدُ بنُ إبراهيمَ، عن الحسنِ، قال: الزنى.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا أشْعَثُ وعِمْرانُ، عن الحسنِ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ويحيى، قالا: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، قال: سمِعْتُ إبراهيمَ يقولُ: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. قال: الزنى (^٤).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ في قولِه:\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٦٩.\n(^٢) أخرجه عبد بن حميد في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٤/ ٤١٤ من طريق سهل بن أبي الصلت، عن الحسن به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٠ (٢٣٣٣) والبيهقي ٧/ ١٧٩، من طريق عمران به.\n(^٤) تفسير سفيان ص ٦٩، ومن طريقه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٣، والبيهقي ٧/ ١٧٩.","vol":"4","page":273},{"text":"﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. قال: الزنى (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. قال: الزنى.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، عن مَعْمرٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. قال: الفاحشةُ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا: إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جويْبرٍ، عن الضحاكِ، وحدثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخْبَرَنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. قال: السرُّ: الزنى (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. قال: فذلك السرُّ: الزَّنْيَةُ (^٣)، كان الرجلُ يَدْخُلُ مِن أجلِ الزَّنْيةِ (^٣)، وهو يُعَرِّضُ بالنكاحِ، فنهَى اللَّهُ عن ذلك، إلا مَن قال معروفًا (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا منصورٌ، عن الحسنِ، وجُوَيْبرٌ، عن الضحاكِ، وسليمانُ التَّيْميُّ، عن أبي مِجْلَزٍ، أنهم قالوا: الزنى.\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَلَكِنْ\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٠ عقب الأثر (٢٣٣٣) معلقا، وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٤٢٢.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٧٩ - تفسير) من طريق جويبر به.\n(^٣) في ص: \"الريبة\".\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ١/ ٢٨٣. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٩١ إلى المصنف.","vol":"4","page":274},{"text":"لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: الفُحْشُ والخَضْعُ مِن القولِ (^١)\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمرٌ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. قال: هو الفاحشةُ (^٢).\nوقال آخَرون: بل معنى ذلك: لا تَأْخُذوا مِيثاقَهن وعُهودَهن في عِدَدِهن ألا يَنْكِحْنَ غيرَكم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. يقولُ: لا تَقُلْ لها: إني عاشقٌ، وعاهِدِيني ألا تَتَزَوَّجي غيري. ونحوَ هذا (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، [عن سلمةَ بنِ كُهَيْلٍ] (^٤) عن مسلم البَطِينِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. قال: لا تُقَاصَّها (^٥) على كذا وكذا؛ على (^٦) ألا تَتَزَوَّجَ غيرَك (^٧).\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ ومُجاهدٍ\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٤٢٢.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٦٨).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٩ (٢٣٣٢) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر.\n(^٤) سقط من النسخ، والمثبت مما سيأتي في ص ٢٨٢.\n(^٥) في م: \"يقاصها\". ولعلها: \"تقاضها\" بالضاد، أو أنها هنا بمعنى \"تقاصها\" على سبيل التوسع والمجاز.\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٦٧)، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٢، والبيهقي ٧/ ١٧٩ - وسقط منه مسلم البطين - من طريق الثوري به.","vol":"4","page":275},{"text":"وعكرمةَ، قالوا: لا يَأْخُذُ مِيثاقَها في عدتِها ألا تَتَزَوَّجَ غيرَه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، قال: ذُكِر لي عن الشعبيِّ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. قال: لا تَأْخُذْ ميثاقَها ألا تَنْكِحَ غيرَك (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن الشعبيِّ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. قال: لا يَأْخُذُ ميثاقَها في ألا تَتَزَوَّجَ غيرَه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن الشعبيِّ، قال: سمِعْتُه يقولُ في قولِه: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. قال: لا تَأْخُذْ ميثاقَها ألا تَنْكِحَ غيرَك، ولا تُوجِبِ (^٣) العُقْدةَ حتى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن الشعبيِّ: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. قال: لا يَأْخُذُ عليها ميثاقًا أن لا تَتَزَوَّجَ غيرَه.\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. يقولُ: أمْسِكي عليَّ نفسَكِ فأنا أَتَزَوَّجُك. ويَأْخُذُ عليها عهدًا؛ ألا تَنْكِحي غيري (^٥).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. قال: هذا في الرجلِ يَأْخُذُ عهدَ المرأةِ وهي في عِدَّتِها، ألا تَنْكِحَ\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٣٩ عقب الأثر (٢٣٣٢) معلقًا.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٢٦٦.\n(^٣) في م: \"يوجب\".\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٧٧ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ١/ ٢٨٣.","vol":"4","page":276},{"text":"غيرَه، فنهَى اللَّهُ عن ذلك، وقدَّم فيه، وأحَلَّ الخِطْبةَ والقولَ المعروفَ (^١)، ونهَى عن الفاحشةِ والخَضْعِ مِن القولِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، جميعًا عن سفيانَ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. قال: أن تُواعِدَها سرًّا على كذا وكذا؛ على ألا تَنْكِحي غيري (^٢).\nحدَّثني المثنى: قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. قال: مُواعَدةُ السرِّ أن يَأْخُذَ عليها عهدًا وميثاقًا أن تَحْبِسَ نفسَها عليه ولا تَنْكِحَ غيرَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمرٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أن يقولَ لها الرجلُ: لا تسبقيني بنفسِك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. قال: قولُ الرجلِ للمرأةِ: لا تَفُوتِيني بنفسِك، فإني ناكحُك. هذا لا يَحِلُّ (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"بالمعروف\".\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٤٢٢.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٥، وفي مصنفه (١٢١٦٥).\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٣٨، ومن طريقه البيهقي ٧/ ١٧٨، ١٧٩، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٢.","vol":"4","page":277},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: هو قولُ الرجلِ للمرأةِ: لا تَفُوتِيني.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. قال: المُواعَدةُ أن يَقولَ: لا تَفُوتِيني بنفسِك.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُبارَكِ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: أن يقولَ: لا تَفُوتِيني بنفسِك (^١).\nوقال آخَرون: بل معنى ذلك: ولا تَنْكِحوهن في عدَّتِهنَّ سرًّا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. يقولُ: لا تَنْكِحوهن سرًّا، ثم تُمسِكُها، حتى إذا حلَّتْ أظهَرتَ ذلك وأدْخَلْتَها (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. قال: كان أبي يقولُ: لا تُواعِدوهن سرًّا، ثم تُمْسِكُها، وقد ملَكْتَ عُقْدةَ نكاحِها، فإذا حلَّتْ أظْهَرْتَ ذلك وأدْخَلْتَها (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ ذلك تأويلُ مَن قال: السرُّ في هذا الموضعِ الزنى. وذلك أن العربَ تُسَمِّي الجِماعَ وغِشْيانَ الرجلِ المرأةَ: سرًّا؛ لأن\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٦٩، ومن طريقه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٧٠).\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٤٢٢.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ١/ ٢٨٣.","vol":"4","page":278},{"text":"ذلك مما يَكونُ بينَ الرجالِ والنساءِ في خَفاءٍ، غيرَ ظاهرٍ مطَّلَعٍ عليه، فسُمِّي لخفائِه سرًّا، مِن ذلك قولُ رُؤْبةَ بنِ العَجَّاجِ (^١):\nفعَفَّ عن أسْرارِها بعدَ العَسَقْ (^٢)\nولم يُضِعْها بينَ فِرْكٍ (^٣) وعَشَقْ\nيعني بذلك: عفَّ عن غِشْيانِها بعدَ طولِ مُلازمتِه ذلك. ومنه قولُ الحُطَيْئةِ (^٤):\nويَحْرُمُ سرُّ جارتِهم عليهمْ … ويَأْكُلُ جارُهم أُنُفَ القِصاعِ (^٥)\nوكذلك يُقالُ لكلِّ ما أخْفاه المَرْءُ في نفسِه: سرٌّ.\nويُقالُ: هو في سِرِّ قومِه. يعني: في خِيارِهم وشرَفِهم.\nفلمَّا كان السرُّ إنما يُوَجَّهُ في كلامِها (^٦) إلى أحدِ هذه الأوجهِ الثلاثةِ، وكان معلومًا أن أحدَهن غيرُ معنيٍّ به قولُه: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. وهو السرُّ الذي هو معنى الخِيارِ والشرفِ، فلم يَبْقَ إلا الوجهان الآخَران، وهو السرُّ الذي بمعنى ما أخْفَتْه نفسُ المُواعدِين (^٧)، والسرُّ الذي بمعنى الغِشْيانِ والجِماعِ، فلمَّا لم يَبْقَ\n_________\n(^١) ديوانه ص ١٠٤.\n(^٢) في م: \"الغسق\".\n(^٣) الفرك: بِغْضة الرجل لامرأته، أو بغضة امرأته له. اللسان (ف ر ك).\n(^٤) ديوانه ص ٦٢.\n(^٥) أُنُف القصاع: أولها، أي: يبدءون به، ولا يؤكل منها قبله. يقال كأس أُنُف: لم يشرب منها. وروضة أنف: لم تُرْعَ. المصدر السابق.\n(^٦) يعني: في كلام العرب.\n(^٧) في ص: \"المواعد بين المتواعدين\"، وفي م: \"المواعدين المتواعدين\".","vol":"4","page":279},{"text":"غيرُهما، وكانت الدَّلالةُ واضحةً على أن أحدَهما غيرُ معنيٍّ به صحَّ أن الآخرَ هو المعنيُّ به.\nفإن قال قائلٌ: فما الدَّلالةُ على أن مُواعَدةَ القولِ سرًّا غيرُ معنيِّ به، على ما قال مَن قال: إن معنى ذلك: أخْذُ الرجلِ مِيثاقَ المرأةِ ألا تَنْكِحَ غيرَه. أو على ما قال مَن قال: قولُ الرجلِ لها: لا تَسْبِقِيني بنفسِك؟\nقيل: لأن السرَّ إذا كان بالمعنى الذي تأوَّله قائلو ذلك، فلن يَخْلُوَ ذلك السرُّ مِن أن يَكونَ هو مُواعَدةَ الرجلِ المرأةَ ومسألتَه إياها أن لا تَنْكِحَ غيرَه، أو يَكونَ هو النكاحَ الذي سأَلها أن تُجِيبَه إليه بعدَ انْقضاءِ عدَّتِها، وبعدَ عُقْدةٍ (^١) له دونَ الناسِ غيرِه. فإن كان السرُّ الذي نهَى اللَّهُ الرجلَ أن يُواعِدَ المُعْتَدَّاتِ هو أخْذَ العهدِ عَلَيهن ألا يَنْكِحْن غيرَه، فقد بَطَل أن يكونَ السرُّ معناه ما أُخفِي من الأمورِ في النفوسِ، أو نُطِق به فلم يُطَّلعْ عليه، وصارتِ العلانيةُ من الأمرِ سرًّا، وذلك خلافُ المعقولِ في لغةِ من نزَل القرآنُ بلسانِه. إلَّا أن يقولَ قائلُ هذه المقالةِ: إنما نهَى اللَّهُ الرجالَ عن مُواعَدتِهن ذلك سرًّا بينَهم وبينَهن، لا أنَّ نفسَ الكلامِ بذلك - وإن كان قد أُعْلِن - سرٌّ.\nفيُقالُ له - إن قال ذلك -: فقد يَجِبُ أن تَكونَ جائزةً مُواعَدتُهن النكاحَ والخِطْبةَ صريحًا عَلانيةً، إذ كان المنهيُّ عنه مِن المُواعَدةِ، إنما هو ما كان منها سرًّا. فإن قال: إن ذلك كذلك. خرَج مِن قولِ جميعِ الأُمَّةِ، على أن ذلك ليس مِن قِيلِ أحدٍ ممَّن تأوَّل الآيةَ؛ أن السرَّ ههنا بمعنى المُعاهَدةِ ألا تَنْكِحَ غيرَ المُعَاهَدِ.\nوإن قال: ذلك غيرُ جائزٍ. قيل له: فقد بَطَل أن يَكونَ معنى ذلك إسْرارَ الرجلِ إلى المرأةِ بالمُواعَدةِ؛ لأن معنى ذلك لو كان كذلك، لم يُحَرِّمْ عليه مواعدتَها مُجاهَرةً\n_________\n(^١) في م: \"عقده\".","vol":"4","page":280},{"text":"وعَلانيةً. وفي كونِ ذلك عليه مُحَرَّمًا سرًّا وعَلانيةً، ما أبان أن مَعنَى السرِّ في هذا الموضعِ غيرُ مَعْنَى إسْرارِ الرجلِ إلى المرأةِ بالمُعاهَدةِ ألا تَنْكِحَ غيرَه إذا انْقَضَت عدتُها، أو يَكونُ - إذا بَطَل هذا الوجهُ - معنى ذلك الخِطْبةَ والنكاحَ الذي وعَدَتِ المرأةُ الرجلَ ألا تَعْدُوَه إلى غيرِه، فذلك إذا كان، فإنما يَكونُ بوليٍّ وشهودٍ عَلانيةً غيرَ سرٍّ، وكيف يَجوزُ أن يُسَمَّى سرًّا وهو عَلانيةٌ لا يَجوزُ إسْرارُه؟\nوفي بُطولِ هذه الأوجهِ أن تَكونَ تأويلًا لقولِه: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ بما عليه دلَّلْنا مِن الأدلةِ، وضوحُ صحةِ تأويلِ ذلك أنه بمعنى الغِشْيانِ والجِماعِ.\nوإذا كان ذلك صحيحًا، فتأويلُ الآيةِ: ولا جُناحَ عليكم أيُّها الناسُ فيما عرَّضْتُم به للمُعْتَدَّاتِ مِن وفاةِ أزْواجِهن، مِن خِطْبةِ النساءِ، وذلك حاجتُكم إليهنَّ، فلم تُصَرِّحوا لهن بالنكاحِ والحاجةِ إليهن، إذ أكْنَنْتُم في أنفسِكم فأسْرَرْتُم حاجتَكم إليهن وخِطْبتَكم إياهن في أنفسِكم، ما دُمْن في عِدَدِهنَّ، علِم اللَّهُ أنكم ستَذْكُرون خِطبتَهن وهن في عِدَدِهن، فأباح لكمُ التَّعْريضَ بذلك لهن، وأسْقَط الحرَجَ عما أضْمَرَتْه نفوسُكم - حُكمٌ (^١) منه - ولكن حرَّم عليكم أن تُواعِدوهن جِماعًا في عِدَدِهن؛ بأن يقولَ أحدُكم لإحْداهن في عدَّتِها: قد تزَوَّجْتُكِ في نفسي، وإنما أَنْتَظِرُ انْقضاءَ عدتِك. فيَسْأَلُها بذلك القولِ إمكانَه مِن نفسِها الجماعَ والمباضَعةَ، فحرَّم اللَّهُ تعالى ذكرُه ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-754>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: ثم قال تعالى ذكرُه: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. فاسْتَثْنَى القولَ المعروفَ مما نهَى عنه مِن مُواعَدةِ الرجلِ المرأةَ السرَّ، وهو مِن غيرِ\n_________\n(^١) في م: \"حلما\".","vol":"4","page":281},{"text":"جنسِه، ولكنَّه مِن الاسْتِثْناءِ الذي قد ذكَرْتُ قبلُ، أنه يَأْتِي بمعنًى خلافِ الذي قبلَه في الصفةِ خاصةً، وتَكونُ \"إلا\" فيه بمعنى \"لكن\" (^١)، فقولُه: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ منه، ومعناه: ولكن قولوا قولًا معروفًا. فأباح اللَّهُ تعالى ذكرُه أن يَقولَ لها المعروفَ مِن القولِ في عِدَّتِها، وذلك هو ما أذِن له بقولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.\nكما حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن سلَمةَ بنِ كُهَيْلٍ، عن مسلمٍ البَطِينِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال: يقولُ: إني فيكِ لَراغبٌ، وإني لَأرْجُو أن نَجْتَمِعَ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال: هو قولُه: إن رأيْتِ ألا تَسْبِقِيني بنفسِك (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُباركِ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال: يعني التَّعْريضَ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال: يعني التَّعْريضَ.\nحدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ١٥٩، ٦٨٦، ٦٨٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٠ (٢٣٣٧) من طريق عبد الرحمن به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٥٨، والبيهقي ٧/ ١٧٩ من طريق سفيان به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٠ (٢٣٣٦) من طريق عبد الله بن صالح به بنحوه.\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٤٢٢.","vol":"4","page":282},{"text":"جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ إلى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. قال: هو الرجلُ يدْخُلُ على المرأةِ وهي في عدَّتِها، فيقولُ: واللهِ إنكم لَأَكْفاءٌ كرامٌ، وإنكم لَرِعَةٌ (^١)، وإنكِ لَتُعْجِبيني، وإنْ يُقَدَّرْ شيءٌ يَكُنْ. فهذا القولُ المعروفُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، وحدَّثني عليٌّ، قال: حدَّثنا زيدٌ، قالا: قال سفيانُ: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال: يقولُ: إني فيكِ لَراغبٌ، وإني لأَرْجُو إن شاء اللَّهُ أن نَجْتَمِعَ (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال: يقولُ: إن لكِ عندي كذا، ولكِ عندي كذا، وأنا مُعْطِيكِ كذا وكذا. قال: هذا كلُّه وما كان قبلَ أن يَعْقِدَ عُقْدةَ النكاحِ، فهذا كلُّه نسَخَه قولُه: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.\nحدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخْبَرَنا يَزيدُ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال: المرأةُ تُطَلَّقُ أو يَموتُ عنها زوجُها، فيَأْتِيها الرجلُ فيقولُ: احْبِسي عليَّ نفسَك، فإن لي بك رغبةً. فتقولُ: وأنا مثلُ ذلك. فتتوقُ (^٤) نفسُه لها، فذلك القولُ المعروفُ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-755>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ</span>\n_________\n(^١) الرعة: الشأن والأمر والأدب، يقال: هم حسن رعتهم. التاج (ور ع).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٠ عقب الأثر (٢٣٣٧) من طريق عمرو به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٥٩) عن سفيان به.\n(^٤) في ص: \"فتوتى\".\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٠ عقب الأثر (٢٣٣٧) معلقًا. وينظر المحرر الوجيز ٢/ ١٢٧، والبحر المحيط ٢/ ٢٢٧.","vol":"4","page":283},{"text":"أَجَلَهُ﴾.\nيعني تعالى ذكره بقولِه: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾. ولا تُصَحِّحوا عُقدةَ النكاحِ في عدة المرأةِ المعتدةِ، فتُوجِبُوها بينَكم وبينَهن، وتَعْقِدوها قبلَ انْقضاءِ العدةِ، ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. يعني: يَبْلُغْنَ أجل الكتابِ الذي بيَّنه اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. فجعَل بلوغَ الأجل للكتاب، والمعنى: للمُتناكحين، ألا يَنْكِحَ الرجلُ المرأة المعتدةَ، فيَعْزِمَ عُقْدةَ النكاحِ عليها حتى تَنْقَضِيَ عدتُها، فيَبْلُغَ الأَجلَ الذي أجَّله اللهُ في كتابِه لانقضائِها.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ وعمرُو بنُ عليٍّ، قالا: حدَّثنا عبد الرحمنِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. قال: حتى تَنْقَضِيَ العدةُ (^١).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. قال: حتى تَنْقَضِيَ أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. قال: حتى تَنْقَضِيَ العدةُ.\nحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٣).\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٧٠، ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٩٦، وفي مصنفه (١٢١٧٢)، وابن أبي شيبة ٤/ ٤٠١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤١ عقب الأثر (٢٣٤١) من طريق عمرو به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤١ عقب الأثر (٢٣٤١) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"4","page":284},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمَّي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. قال: حتى تَنْقَضِيَ العدةُ.\nحدَّثني القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. قال: حتى تَنْقَضِيَ العدةُ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحّاكِ قولَه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. قال: لا يَتَزَوَّجُها حتى يَخْلُو أجلُها (^٢).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو قُتَيْبةَ، قال: حدَّثنا يونُسُ بنُ أبي إسحاقَ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. قال: مَخافةَ أن تَتَزَوَّجَ المرأةُ قبلَ انقضاءِ العِدَّةِ (^٢).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾: حتى تَنْقَضِيَ العدةُ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، وحدَّثني عليٌّ، قال: حدَّثنا زيدٌ، جميعًا عن سُفيانَ قولَه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. قال: حتى تَنْقَضِيَ العدةُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤١ (٢٣٤١) من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٩١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤١ عقب الأثر (٢٣٤١) معلقًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٠١ من طريق عبد الأعلى به.","vol":"4","page":285},{"text":"<span data-type='title' id=toc-756>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: واعْلَموا أيُّها الناسُ أن اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنفسِكم مِن هَواهُنَّ ونكاحِهن وغيرِ ذلك مِن أمورِكم، ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾. يقولُ: فاحْذَرُوا اللَّهَ واتَّقُوه في أنفسِكم أن تَأْتُوا شيئًا مما نهاكم عنه مِن عزمِ عُقْدَةِ نكاحِهن، أو مُواعَدَتِهِن السرَّ في عِدَدِهن، وغير ذلك مما نهاكم عنه في شأنِهن في حالِ ما هن مُعْتَدَّاتٌ، وفي غير ذلك، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾. يعني أنه ذو سَتْرٍ لذنوبِ عبادِه، وتَغْطيةٍ عليها فيما تُكِنُّه نفوسُ الرجالِ مِن خِطْبةِ المعتداتِ، وذكرِهم إياهن في حالِ عِدَدِهن، وفي غيرِ ذلك مِن خَطاياهم.\nوقولُه: ﴿حَلِيمٌ﴾. يعني أنه ذو أَناةٍ، لا يَعْجَلُ على عبادِه بعقوبتِهم على ذنوبِهم.\n\n<span id=\"aya-243\"></span><span data-type='title' id=toc-757>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾: لا حرَجَ عليكم، ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾. يقولُ: لا حرَجَ عليكم في طلاقِكم نساءَكم وأزواجَكم، ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ (^١)﴾. يعني بذلك: ما لم تُجامِعُوهن. والمُماسَّةُ في هذا الموضعِ كنايةٌ عن اسمِ الجماعِ.\nكما حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قالا جميعًا: حدَّثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ: المسُّ الجماعُ (^٢)، ولكنَّ اللَّهَ يَكْنِي [ما شاء] (^٣)\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"تماسوهن\". قراءة، وستأتي.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"النكاح\".\n(^٣) في م: \"ما يشاء\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من شاء\".","vol":"4","page":286},{"text":"بما شاء (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ، قال: المسُّ النكاحُ (^٢).\nوقد اخْتَلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامَّةُ قَرَأةِ أهلِ الحجازِ والبصرةِ: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. بفتحِ التاءِ مِن ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾، وبغيرِ ألفٍ (^٣)، مِن قولِك: مَسِسْتُه أَمَسُّه مَسًّا ومَسِيسًا ومِسِّيسَى. مقصورٌ مُشَدَّدٌ غيرُ مُجْرًى. وكأنهم اخْتاروا قراءةَ ذلك إلحاقًا منهم له بالقراءةِ المُجْتَمَعِ عليها في قولِه: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧، مريم: ٢٠].\nوقرَأ ذلك آخَرون: (ما لم تُماسُّوهُنَّ). بضمِّ التاءِ، والألفِ بعدَ الميمِ (^٤)، إلحاقًا منهم ذلك بالقراءةِ المُجتَمعِ (^٥) عليها في قولِه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]. وجعَلوا ذلك بمعنى فِعْلِ كلِّ واحدٍ مِن الرجلِ والمرأةِ بصاحبِه، مِن قولِك: ماسَسْتُ الشيءَ أُماسُّه (^٦) مُماسَّةً ومِساسًا.\nوالذي نَرَى في ذلك أنهما قِراءتانِ صَحيحتا المعنى، مُتَّفِقَتا التأويلِ، وإن كان في إحْداهما زيادةُ معنًى غيرُ مُوجِبةٍ اختلافًا في الحكمِ والمفهومِ. وذلك أنه لا يَجْهَلُ ذو فهمٍ إذا قيل له: مَسِسْتُ زوجتي. أن الممسوسةَ قد لاقَى مِن بدنِها بدنُ الماسِّ ما لاقاه مثلُه مِن بدنِ الماسِّ. فكلُّ واحدٍ منهما وإن أُفْرِد الخبرُ عنه\n_________\n(^١) سيأتي في ٧/ ٦٣، ٦٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٢ (٢٣٤٦) من طريق أبي صالح به.\n(^٣) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وابن عامر. ينظر حجة القراءات ص ١٣٧، ١٣٨.\n(^٤) وهي قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المجمع\".\n(^٦) سقط من: م.","vol":"4","page":287},{"text":"بأنه الذي مسَّ (^١) صاحبَه - معقولٌ بذلك (^٢) الخبرِ نفسِه أن صاحبه الممسوسَ قد ماسَّه. فلا وجهَ للحكمِ لإحدى القراءتين مع اتفاق معانيهما، وكثرةِ القرأةِ (^٣) بكلِّ واحدةٍ منهما بأنها أولى بالصوابِ مِن الأخرى، بل الواجب أن يكونَ القارئُ بأيتِهما قرَأ، مُصيبَ الحقِّ في قراءتهِ.\nوإنما عنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ (^٤)﴾. المطلَّقاتِ قبلَ الإفْضاءِ إليهن في نكاحٍ قد سُمِّي لهن فيه الصَّداقُ.\nوإنما قلْنا: إن ذلك كذلك، لأن كلَّ مَنْكوحةٍ فإنما هي إحدى اثنتين؛ إما مُسمًّى لها الصداقُ، أو غيرُ مسمًّى لها ذلك، فعلِمْنا بالذي يَتْلُو ذلك مِن قولِه تعالى ذكرُه، أن المعنيةَ بقولِه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. إنما هي المسمَّى لها؛ لأن المعنيةَ بذلك لو كانت غيرَ المَفْروضِ (^٥) لها الصداقُ، لمَا كان لقولِه (^٦): ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. معنًى معقولٌ، إذ كان لا معنَى لقولِ قائلٍ: لا جُناحَ عليكم إنْ طلَّقْتُم النساءَ ما لم تَفْرِضوا لهن فريضةً في نكاحٍ (^٧) لم تُماسُّوهن فيه، أو ما لم تَفْرِضوا لهن فَريضةً. فإذ كان لا معنَى لذلك، فمعلومٌ أن الصحيحَ مِن التأويلِ في ذلك: لا جُناحَ عليكم إن طلَّقْتُم المفروضَ لهن مِن نسائِكم الصَّداقُ قبلَ أن تُماسُّوهن، وغيرَ المَفروضِ لهن قبلَ الفرضِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ماس\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فذلك\"، وفي م: \"كذلك\". والمثبت هو الصواب\n(^٣) في م: \"القراءة\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تماسوهن\".\n(^٥) في ص: \"المفرض\"، وفي ت ٢: \"المفوضة\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بقوله\".\n(^٧) بعده في ت ٢: \"ما\".","vol":"4","page":288},{"text":"<span data-type='title' id=toc-759>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ﴾: أو تُوجِبوا لهن. وبقولِه: ﴿فَرِيضَةً﴾: صَداقًا واجبًا.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. قال: الفَريضةُ الصَّداقُ (^١).\nوأصلُ الفرضِ: الواجبُ، كما قال الشاعرُ (^٢):\nكانت فريضةُ ما أَتَيْتَ كما … كان الزِّنَاءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ\nيعني: كما كان الرجمُ الواجبَ مِن حدِّ الزِّناءِ. ولذلك قيل: فرَض السلطانُ لفلانٍ في (^٣) ألفين. يعني بذلك: أوْجَب له ذلك، ورزَقه مِن الدِّيوانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-760>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكره بقولِه: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾: وأعْطُوهن ما يَتَمَتَّعْنَ به مِن أموالِكم على أقدارِكم ومنازلِكم من الغِنَى والإقْتارِ.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مَبْلَغِ ما أمَر اللَّهُ به الرجالَ مِن ذلك؛ فقال بعضُهم: أعلاه الخادِمُ، ودونَ ذلك الوَرِقُ، ودونَه الكِسْوةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-758>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٢ (٢٣٤٧) من طريق أبي صالح به.\n(^٢) هو النابغة الجعدي، وتقدم البيت في ٣/ ٤٧، ٦٢.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"4","page":289},{"text":"عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: مُتْعةُ الطلاقِ أعلاه الخادِمُ، ودونَ ذلك الوَرِقُ، ودونَ ذلك الكِسْوةُ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بن أميةَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ بنحوِه.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ، عن الشعبيِّ قولَه: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾. قلتُ له: ما أَوْسَطُ متعةِ المُطَلَّقةِ؟ قال: خِمارُها ودِرْعُها وجِلْبابُها ومِلْحَفتُها (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾: فهذا الرجلُ يَتَزَوَّجُ المرأةَ ولم يُسَمِّ لها صَداقًا، ثم يُطَلِّقُها مِن قبلِ أن يَنْكِحَها، فأمَر اللَّهُ سبحانَه أن يُمَتِّعَها على قدرِ عُسْرِه ويُسْرِه، فإن كان مُوسِرًا متَّعها بخادِمٍ أو شِبهِ ذلك، وإن كان مُعْسِرًا متَّعها بثلاثةِ أثوابٍ أو نحوِ ذلك (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾. قال: قلتُ للشعبيِّ: ما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٥٦، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٣ (٢٣٥٠)، وابن حزم ١١/ ٦٠٧ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٩١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٧٧٦) وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٣ (٢٣٥١) من طريق داود به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٥٧ عن عبد الأعلى، عن الشعبي، ولعله سقط منه داود.\n(^٣) أخرجه البيهقي ٧/ ٢٤٤، ٢٥٤، ٢٥٥ من طريق أبي صالح به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٢ (٢٣٤٩) من طريق أبي صالح، عن الليث، عن معاوية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٩٢ إلى ابن المنذر.","vol":"4","page":290},{"text":"وسَطُ (^١) ذلك؟ قال: كِسْوتُها في بيتِها؛ دِرْعُها (^٢) وخِمارُها ومِلْحَفتُها وجِلْبابُها. قال الشعبيُّ: فكان شُرَيْحٌ يُمَتِّعُ بخمسِمائةٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أن شُريحًا كان يُمَتِّعُ بخمسِمائةٍ. فقلتُ لعامرٍ: ما وسَطُ ذلك؟ قال: ثيابُها في بيتِها؛ دِرْعٌ وخِمارٌ ومِلْحَفةٌ وجِلْبَابٌ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن داودَ، عن عامرٍ الشعبيِّ أنه قال: وَسَطٌ مِن المتعةِ ثيابُ المرأةِ في بيتِها؛ دِرْعٌ وخمارٌ ومِلْحَفَةٌ وجِلْبَابٌ.\nحدَّثنا عِمْرانُ بن موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، أن شُريحًا متَّع بخمسِمائةٍ. وقال الشعبيُّ: وَسَطٌ من المتعةِ؛ درعٌ وخِمارٌ وجِلْبابٌ ومِلْحَفَةٌ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: هو الرجلُ يَتَزَوَّجُ المرأةَ ولا يُسَمِّي لها صَداقًا، ثم يُطَلِّقُها قبلَ أن يَدْخُلَ بها، فلها مَتاعٌ بالمعروفِ، ولا صَداقَ لها. قال: أدْنَى ذلك ثلاثةُ أثوابٍ؛ دِرْعٌ وخمارٌ وجِلْبَابٌ وإزارٌ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أوسط\".\n(^٢) في النسخ: \"ودرعها\". والمثبت موافق لما في بقية الآثار عنه ومصادر التخريج.\n(^٣) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة، وقوله: وكان شريح يمتع بخمسمائة. أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٧٧٢)، ووكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٣٤، ٢٦٢ من طريق عن داود به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٢٥٨)، ووكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٦٢ من طريق جابر، عن الشعبي.","vol":"4","page":291},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ حتى بلَغ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾: فهذا في الرجلِ يَتَزَوَّجُ المرأةَ ولا يُسَمِّي لها صداقًا، ثم يُطَلِّقُها قبلَ أن يَدْخُلَ بها، فلها مَتَاعٌ بالمعروفِ، ولا فَريضةَ لها. وكان يُقالُ: إذا كان واجدًا فلا بدَّ مِن مِئْزَرٍ وجِلْبَابٍ ودِرْعٍ وخمارٍ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن صالحِ بن صالحٍ، قال: سُئِل عامرٌ: بكم يُمَتِّعُ الرجلُ امرأتَه؟ قال: على قدْرِ مالِه.\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن سعدِ بن إبراهيمَ، قال: سمِعْتُ حميدَ بنَ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ يُحَدِّثُ عن أمِّه قالت: كأنى أَنْظُرُ إلى جاريةٍ سوداءَ حمَّمَها عبدُ الرحمنِ [أمَّ أبي] (^٢) سلمةَ حينَ طلَّقَها. قيل لشعبةَ: ما حمَّمها؟ قال: متَّعها (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى: قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سعدِ بن إبراهيمَ، عن حميدِ بن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، عن أمِّه، بنحوِه عن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن ابن سِيرينَ، قال: كان يُمَتَّعُ بالخادِمِ أو بالنفقةِ أو الكِسْوةِ. قال: ومتَّع الحسنُ بنُ عليٍّ (^٤) - أحسَبُه قال: بعشَرةِ آلافٍ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٢٦٣) عن معمر، عن قتادة مختصرًا.\n(^٢) في م: \"ابن أم\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٧٦٩)، ومن طريقه ابن حزم ١١/ ٦٠٩، من طريق شعبة به.\n(^٤) بعده في مصنف عبد الرزاق: \"بمال\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٢٥٦)، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٧٦٣) والبيهقي ٧/ ٢٤٤ من طريق منصور، عن ابن سيرين.","vol":"4","page":292},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن سعدِ بن إبراهيمَ، أن عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ طلَّق امرأتَه فمتَّعها بالخادمِ (^١).\nحُدِّثْتُ عن عبدِ اللَّهِ بن يَزِيدَ المُقْرِئِ، عن سعيدِ بن أبي أيوبَ، قال: ثنى عُقَيْلٌ، عن ابن شِهابٍ أنه كان يقولُ في متعةِ المطلَّقةِ: أعْلاه الخادمُ، وأدناه الكِسْوةُ والنفقةُ. ويَرَى أن ذلك على ما قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ (^٢).\nوقال آخَرون: مَبْلَغُ ذلك إذا اخْتَلَف الزوجُ والمرأةُ فيه - قدْرُ نصفِ صَداقِ مثلِ تلك المرأةِ المنكوحةِ بغيرِ صَداقٍ مُسَمًّى في عقدِه. وذلك قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِه.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قاله ابن عباسٍ ومَن قال بقولِه مِن أن الواجبَ مِن ذلك للمرأةِ المُطلَّقةِ على الرجلِ، على قَدْرِ عُسْرِه ويُسرِه، كما قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ لا على قَدْرِ المرأةِ. ولو كان ذلك واجبًا للمرأةِ على قدرِ صَداقِ مثلِها إلى قدرِ نصفِه، لم يَكُنْ لقِيلِه تعالى ذكرُه: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ معنًى مفهومٌ، ولَكان الكلامُ: ومَتِّعُوهن على قَدْرِهن وقدرِ نصفِ صَداقِ أمثالِهِن.\nوفي إعْلامِ اللَّهِ تعالى ذكرُه عبادَه أن ذلك على قدْرِ الرجلِ في عُسْرِه ويسرِه، لا على قَدْرِها وقدرِ نصفِ صَداقِ مثلِها، ما يُبِينُ عن صحةِ ما قلْنا وفسادِ ما خالَفَه. وذلك أن المرأةَ قد يكونُ صَداقُ مثلِها المالَ العظيمَ، والرجلُ في حالِ طلاقِه إياها\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٢٥٣).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٥٧ عن عبد الله بن يزيد به.","vol":"4","page":293},{"text":"مُقْتِرٌ (^١) لا يَمْلِكُ شيئًا، فإن قُضِي عليه بقَدْرِ نصفِ صَداقٍ مثلِها، أُلْزِم ما يَعْجِزُ عنه بعضُ مَن قد وُسِّع عليه، فكيف المقدورُ عليه (^٢)! وإذا فُعِل ذلك به، كان الحاكمُ بذلك عليه قد تعدَّى حُكمَ قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾. ولكن ذلك على قَدْرِ عُسْرِ الرجلِ ويُسرِه، لا يُجاوَزُ بذلك خادِمٌ أو قيمتُها، إن كان الزوجُ مُوسِعًا (^٣)، وإن كان مُقتِرًا فأطاق أَدْنَى ما يكونُ كِسْوةً لها، وذلك ثلاثةُ أثوابٍ ونحوُ ذلك، قُضِي عليه بذلك، وإن كان عاجزًا عن ذلك فعلى قدرِ طاقتِه، وذلك على قدرِ اجْتهادِ الإمامِ العادلِ عندَ الخصومةِ إليه فيه.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾. هل هو على الوجوبِ أو على الندبِ؟ فقال بعضُهم: هو على الوجوبِ؛ يُقْضَى بالمتعةِ في مالِ المُطَلِّقِ، كما يُقْضَى عليه بسائرِ الدُّيونِ الواجبةِ عليه لغيرِه. وقالوا: ذلك واجبٌ عليه لكلِّ مطلَّقةٍ، كائنةً مَن كانت مِن نسائِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-761>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ وأبو العاليةِ يقولان: لكلِّ مُطَلَّقةِ متاعٌ، دخَل بها أو لم يَدْخُلْ بها، وإن كان قد فرَض لها (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن يونُسَ، أن الحسنَ كان\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فقير\".\n(^٢) المقدور عليه: المضيق عليه. من: قدر عليه رزقه. أي: ضُيِّق. وينظر التاج (ق د ر).\n(^٣) في ت ٢: \"الموسر\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٥٤، ١٥٥ عن يزيد به.","vol":"4","page":294},{"text":"يقولُ: لكلِّ مطلَّقةٍ متاعٌ، وللتي طلَّقها قبلَ أن يَدْخُلَ بها ولم يَفْرضْ لها (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. قال: لكلِّ مطلَّقةٍ متاعٌ بالمعروفِ حقًّا على المُتَّقِين (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن أيوبَ، قال: سَمِعْتُ سعيدَ بن جبيرٍ يقولُ: لكلِّ مطلَّقةٍ متاعٌ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: كان أبو العاليةِ يقولُ: لكلِّ مطلَّقةٍ متعةٌ. وكان الحسنُ يقولُ: لكلِّ مُطلَّقةٍ مُتعةُ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، قال: سُئِل الحسنُ عن رجلٍ طلَّق امرأتَه قبلَ أن يَدْخُلَ بها وقد فرَض لها، هل لها متاعٌ؟ قال الحسنُ: نعم واللَّهِ. فقيل للسائلِ - وهو أبو بكرٍ الهُذَليُّ -: أوَ ما تَقْرَأُ هذه الآيةَ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾؟ قال: نعم، واللَّهِ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٧٤)، وابن أبي شيبة ٥/ ١٥٤، وابن حزم ١١/ ٦٠٧ من طريق يونس به.\n(^٢) أخرجه ابن حزم ١١/ ٦٠٦ من طريق أيوب به، وأخرجه البيهقي ٧/ ٢٥٧ من طريق أبي بشر، عن سعيد.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٧٨٤) عن ابن علية به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٥٤ من طريق أبي جعفر، عن أبي العالية وحده. وسقط منه الربيع بن أنس.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٤ (٢٣٥٧) من طريق قرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٩٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"4","page":295},{"text":"وقال آخَرون: المتعةُ للمطلَّقةِ على زوجِها المطلِّقِها واجبةٌ، ولكنها واجبةٌ لكلِّ مطلَّقةٍ سوى المطلَّقةِ المفروضِ لها الصَّداقُ، فأما المطلَّقةُ المَفْروضُ لها الصداقُ إذا طُلِّقَت قبلَ الدخولِ بها، فإنها لا مُتعةَ لها، وإنما لها نصفُ الصَّداقِ المُسَمَّى.\n\n<span data-type='title' id=toc-762>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ، عن نافعٍ، أن ابنَ عمرَ كان يقولُ: لكلِّ مطلَّقةٍ متعةٌ، إلا التي طلَّقها ولم يَدْخُلْ بها وقد فرَض لها، فلها نصفُ الصَّداقِ، ولا مُتعةَ لها (^١).\nحدَّثنا تَمِيمُ بنُ المُنْتَصِرِ، قال: أخْبَرَنا عبدُ اللَّهِ بنُ نُمَيْرٍ، عن عُبيدِ اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ بنحوِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ وعبدُ الأعْلَى، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ في الذي يُطَلِّقُ امرأتَه وقد فرَض لها، أنه قال في المتاعِ: قد كان لها المتاعُ في الآيةِ التي في \"الأحْزابِ\"، فلمَّا نزَلَتِ الآيةُ التي في \"البقرةِ\"، جُعِل لها النصفُ من صَداقِها إذا سَمَّى، ولا متاعَ لها، وإذا لم يُسَمِّ فلها المتاعُ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ وعبدُ الأعْلَى، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدٍ نحوَه.\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، قتادةَ، قال: كان سعيدُ بنُ المسيَّبِ يقولُ، إذا لم يَدْخُلْ بها: جُعِل لها في سورةِ \"الأحزابِ\" المتاعُ، ثم أُنْزِلَتِ الآيةُ التي في سورةِ \"البقرةِ\": ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٥٤ من طريق عبيد الله به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٢٢٤ - ١٢٢٢٦)، وسعيد بن منصور في سننه (١٧٧٣)، وابن أبي شيبة ٥/ ١٥٥ من طريق نافع به.","vol":"4","page":296},{"text":"فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. فنسَخَت هذه الآيةُ ما كان قبلَها إذا كان لم يَدْخُلْ بها، وكان قد سمَّى لها صَداقًا، فجعَل لها النصفَ، ولا متاعَ لها (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى وابنُ بَشَّارٍ، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قَتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: نسَخَت هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] الآيةُ التي في \"البقرةِ\".\nحدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حُميدٍ، عن مُجاهدٍ، قال: لكلِّ مُطلَّقةٍ مُتعةٌ، إلا التي فارَقَها وقد فرَض لها مِن قبلِ أن يَدْخُلَ بها (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في التي يُفارِقُها زوجُها قبلَ أن يَدْخُلَ بها وقد فرَض لها، قال: ليس لها متعةٌ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن نافعٍ، قال: إذا تزَوَّج الرجلُ المرأةَ وقد فرَض لها، ثم طلَّقَها قبلَ أن يَدْخُلَ بها، فلها نصفُ الصَّداقِ، ولا مَتاعَ لها، وإذا لم يَفْرِضُ لها، فإنما لها المتاعُ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٥٤، ١٥٥ من طريق يزيد به، والنحاس في ناسخه ص ٢٥٥ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٩٢ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٢٣٤) عن سفيان به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٢٣٥) عن سفيان به، ولفظه: للمطلقة التي لم يدخل بها متعة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٥٥ عن ابن علية به.","vol":"4","page":297},{"text":"حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: سُئلَ ابن أَبي نَجِيحٍ وأنا أسْمَعُ، عن الرجلِ يَتَزَوَّجُ ثم يُطَلِّقُها قبلَ أن يَدْخُلَ بها، وقد فرَض لها، هل لها مَتاعٌ؟ قال: كان عَطاءٌ يقولُ: لا مَتاعَ لها (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمرٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ في التي فرَض لها ولم يَدْخُلُ بها، قال: إن طُلِّقَت فلها نصفُ الصداقِ، ولا مُتعةَ لها (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن إبراهيمَ، أن شُريحًا كان يقولُ في الرجلِ إذا طلَّق امرأتَه قبلَ أن يَدْخُلَ بها وقد سمَّى لها صَداقًا، قال: لها في النصفِ متاعٌ (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن إبراهيمَ، عن شُريحٍ، قال (^٤): لها في النصفِ متاعٌ.\nوقال آخَرون: المتعةُ حقٌّ لكلِّ مطلَّقةٍ، غيرَ أن منها ما يُقْضَى به على المطلِّقِ، ومنها ما لا يُقْضَى به عليه، ويَلْزَمُه فيما بينَه وبينَ اللَّهِ إعطاؤُها.\n\n<span data-type='title' id=toc-763>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، قال: مُتْعَتان، إحداهما يَقْضِي بها السلطانُ، والأخرى حقٌّ على المتَّقِين؛\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٧٨٣)، وابن أبي شيبة ٥/ ١٥٥ عن ابن علية به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٥، وفي مصنفه (١٢٢٢٤، ١٢٢٢٦).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٢٣٢)، ووكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٨٢ من طريق شعبة به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٥٥، ووكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٨٢ من طريق شعبة وابن المبارك عن المسعودي عن الحكم به.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إن\".","vol":"4","page":298},{"text":"مَن طلَّق قبلَ أن يَفْرِضَ ويَدخُلَ، فإنه (^١) يُؤْخَذُ بالمتعةِ؛ فإنه لا صَداقَ عليه، ومَن طلَّق بعدَ ما يَدْخُلُ أو يَفْرِضُ، فالمتعةُ حقٌّ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، عن يونُسَ، عن ابن شِهابٍ: قال اللَّهُ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. فإذا تزَوَّج الرجلُ المرأةَ ولم يَفْرِضُ لها، ثم طلَّقها مِن قبلِ أن يَمَسَّها، وقبل أن يَفْرِضَ لها، فليس عليه إلا متاعٌ بالمعروفِ، يَفْرِضُ لها السلطانُ بقَدْرٍ، وليس عليها عِدَّةٌ، وقال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. فإذا طلَّق الرجلُ المرأةَ وقد فرَض لها، ولم يَمْسَسْها، فلها نصفُ صَداقِها، ولا عِدَّةَ عليها.\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلَمةَ، قال: أَخْبَرَنا زُهَيْرٌ، عن مَعْمرٍ، عن الزهريِّ أنه قال: مُتْعَتان، يَقْضِي بإحداهما السلطانُ، ولا يَقْضِي بالأخرى؛ فالمتعةُ التي يَقْضِي بها السلطان ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، والمتعةُ التي (^٣) لا يَقْضِي بها السلطانُ ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.\nوقال آخَرون: لا يَقْضِي الحاكمُ ولا السلطانُ بشيءٍ من ذلك على المطلَّقِ، وإنما ذلك مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه نَدْبٌ وإرشادٌ إلى أن تُمَتَّعَ المطلَّقةُ.\n_________\n(^١) بعده في تفسير عبد الرزاق: \"لم\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٥، وفي مصنفه (١٢٢٤٣)، وأخرجه أيضًا (١٢٢٤٤) عن ابن جريج، عن الزهري.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"4","page":299},{"text":"<span data-type='title' id=toc-764>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، أن رجلًا طلَّق امرأتَه، فخاصَمَته إلى شُرَيحٍ، فقرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. قال: إن كنتَ مِن المتقين فعليك المتعةُ. ولم يَقْضِ لها. قال شعبةُ: وجَدْتُه مكتوبًا عندي عن أبي الضُّحَى (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، قال: كان شُريحٌ يقولُ في متاعِ المطلَّقةِ: لا تَأْبَ أن تكونَ مِن المحسنين، لا تَأْبَ أن تَكونَ مِن المتقين (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، أن شُريحًا قال للذي قد دخَل بها: إن كنتَ مِن المتقين فمتِّعْ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وكأن قائلي هذا القولِ ذهَبوا في تركِهم إيجابَ المتعةِ فرضًا للمُطلَّقاتِ، إلى أنَّ قولَ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. وقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ دَلالةٌ على أنها لو كانت واجبةً وجوبَ الحقوقِ اللازمةِ الأموالَ بكلِّ حالٍ، لم يُخْصَصِ المتقون والمحسنون بأنها حقٌّ عليهم دونَ غيرِهم، بل كان يكونُ ذلك معمومًا به كلُّ أحدٍ مِن الناسِ.\nوأما مُوجِبوها على كلِّ أحدٍ سوى المطلَّقةِ المفروضِ لها الصداقُ، فإنهم اعتلُّوا\n_________\n(^١) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٦٦، والبيهقي ٧/ ٢٥٧ من طريق شعبة به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٢٤٢) من طريق أيوب به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٧٧٩)، ووكيع في أخبار القضاة ٢/ ٣٢٧، ٣٤٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٣ (٢٣٥٥) من طريق محمد به.\n(^٣) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٧٠ من طريق عبد الرحمن بن مهدي به.","vol":"4","page":300},{"text":"بأن اللَّهَ تعالى ذكرُه لمَّا قال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. كان ذلك دليلًا على أن لكلِّ مطلَّقةٍ متاعًا سوى مَن اسْتَثْناه اللَّهُ تعالى ذكرُه في كتابِه، أو على لسانِ رسولِه ﷺ، فلمَّا قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ كان في ذلك دليلٌ عندَهم على أن حقَّها النصفُ مما فرَض لها؛ لأن المتعةَ جعَلها اللَّهُ في الآيةِ التي قبلَها عندَهم لغيرِ المفروضِ لها، فكان معلومًا عندَهم بخصوصِ اللَّهِ بالمتعة غيرَ المفروضِ لها أن (^١) حُكمَها غيرُ حُكمِ التي لم يَفْرِضْ لها، إذا طلَّقها قبلَ المَسِيسِ، فيما لها على الزوجِ مِن الحقوقِ.\nوالذي هو أولى بالصوابِ مِن القولِ في ذلك عندي قولُ مَن قال: لكلِّ مطلَّقةٍ متعةٌ. لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه قال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. فجعَل اللَّهُ تعالى ذكرُه ذلك لكلِّ مطلَّقةٍ، ولم يَخْصُصْ منهن بعضًا دونَ بعضٍ، فليس لأحدٍ إحالةُ ظاهرِ تنزيلٍ عامٍّ إلى باطنٍ خاصٍّ، إلا بحُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها.\nفإن قال قائلٌ: فإن اللَّهَ تعالى ذكرُه قد خصَّ المطلقةَ قبلَ المَسِيسِ إذا كان مفروضًا لها بقولِه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ (^٢) وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. إذ لم يَجْعَلْ لها غيرَ النصفِ الفَرِيضةِ.\nقيل: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه إذا دلَّ على وجوبِ شيءٍ في بعض تنزيلِه، ففي دَلالتهِ على وجوبِه في الموضعِ الذي دلَّ عليه الكفايةُ عن تكريرِه، حتى يَدُلَّ على بُطولِ فرضِه، وقد دلَّ بقولِه: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. على وجوبِ المتعةِ لكلِّ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٣: \"تماسوهن\".","vol":"4","page":301},{"text":"مطلَّقةٍ، فلا حاجةَ بالعبادِ إلى تكريرِ ذلك في كلِّ آيةٍ وسورةٍ. وليس في دَلالتِه على أن للمطلَّقةِ قبلَ المَسيسِ المفروضِ لها الصداقُ نصفَ ما فُرِضَ لها، دَلالةٌ على بُطولِ المتعةِ عنه؛ لأنه غيرُ مستحيلٍ في الكلامِ لو قيل: وإن طلَّقْتُموهنَّ من قبلِ أن تمسُّوهنَّ، وقد فَرَضْتُم لهنّ فريضةً فنِصفُ ما فرَضْتُم والمتْعةُ. فلما لم يكنْ ذلك مُحالًا في الكلامِ، كان معلومًا أن نصفَ الفريضةِ إذا وجَب لها، لم يَكُنْ في وجوبِه لها نفيٌ عن حقِّها مِن المتعةِ، ولمَّا لم يكنِ اجتماعُهما للمطلَّقةِ مُحالًا، وكان اللَّهُ تعالى ذكرُه قد دلَّ على وجوبِ ذلك لها، وإن كانت الدَّلالةُ على وجوبِ أحدِهما (^١) في آيةٍ غيرِ الآيةِ التي فيها الدَّلالةُ على وجوبِ الأخرى - ثبَت وصحَّ وجوبُهما لها.\nهذا، إذا لم يكنْ على أن للمطلَّقةِ المفروضِ لها الصداقُ إذا طُلِّقَت قبلَ المَسيسِ دلالةٌ غيرُ قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فكيف وفي قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾. الدَّلالةُ الواضحةُ على أن المفروضَ لها إذا طُلِّقَت قبلَ المَسِيسِ، لها (^٢) مِن المتعةِ مثلُ الذي لغيرِ المفروضِ لها منها؟ وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه لمَّا قال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. كان معلومًا بذلك أنه قد دلَّ به على حكمِ طلاقِ صِنْفين مِن طلاقِ النساءِ؛ أحدُهما المفروضُ له، والآخرُ غيرُ المفروضِ له، وذلك أنه لمَّا قال: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. عُلِم أن الصنفَ الآخرَ هو المفروضُ له، وأنها المطلَّقةُ المفروضُ لها قبلَ المَسيسِ؛ لأنه قال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. ثم قال\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أحدها\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"4","page":302},{"text":"تعالى ذكرُه: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾. فأوْجَب المتعةَ للصِّنْفَين منهن جميعًا؛ المفروضِ لهن، وغيرِ المفروضِ لهن. فمن ادَّعَى أن ذلك لأحدِ الصِّنْفَين، سُئِل البُرْهَانَ على دَعْواه مِن أصلٍ أو نَظيرٍ، ثم عُكِس عليه القولُ في ذلكَ، فلن يقولَ في شيءٍ منه قولًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه.\nوأرَى أن المتعةَ للمرأةِ حقٌّ واجبٌ إذا طُلِّقَت، على زوجِها المطلِّقِها - على ما بيَّنا آنفًا - يُؤْخَذُ بها الزوجُ، كما يُؤْخَذُ بصَداقِها، لا يُبْرِئُه منها إلا أداؤُه إليها، أو إلى مَن يَقومُ مَقامَها في قبضِها منه، أو ببراءةٍ تكونُ منها له. وأَرَى أن سبيلَها سبيلُ صَداقِها وسائرِ دُيونِها قِبَلَه، يُحْبَسُ بها (^١) إن طلَّقَها فيها، إذا لم يكنْ له شيءٌ ظاهرٌ يُباعُ عليه، إذا امْتَنَع مِن إعطائِها ذلك.\nوإنما قلْنا ذلك؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾. فأمَر الرجالَ أن يُمَتِّعُوهن، وأمْرُه فرضٌ، إلا أن يُبَيِّنَ تعالى ذكرُه أنه عنَى به الندبَ والإرْشادَ، لما قد بيَّنّا في كتابِنا المُسَمَّى بـ \"لطيفِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ\"؛ لقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ولا خلافَ بينَ جميعِ أهلِ التأويلِ أن معنى ذلك: وللمطلَّقاتِ على أزواجِهن متاعٌ بالمعروفِ. وإذا كان ذلك كذلك، فلن يَبْرَأَ الزوجُ مما لها عليه إلا بما وصَفْنا قبلُ؛ مِن أداءٍ أو إبْراءٍ (^٢) على ما قد بيَّنّا.\nفإن ظن ذو غَباءٍ أن اللَّهَ تعالى ذكرُه إذ قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ و﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. أنها غيرُ واجبةٍ؛ لأنها لو كانت واجبةً لَكانت على المُحْسِنِ (^٣) وغيرِ المُحْسِنِ (^٣)، والمُتَّقِي وغيرِ المُتَّقِي؛ فإن اللَّهَ تعالى ذكرُه قد أمرَ جميعَ خلقِه بأن\n_________\n(^١) في م: \"لها\".\n(^٢) في ص: \"براءة\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المحسنين\".","vol":"4","page":303},{"text":"يكونوا مِن المحسنين ومِن المتقين، وما وجَب مِن حقٍّ على أهلِ الإحسانِ والتُّقَى، فهو على غيرِهم أَوْجَبُ، ولهم ألْزَمُ.\nوبعدُ، فإن في إجماعِ الحُجَّةِ على أن المتعةَ للمطلَّقةِ غيرِ المفروضِ لها قبلَ المَسِيسِ واجبةٌ بقولِه: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وجوبَ نصفِ الصَّداقِ للمطلَّقةِ المفروضِ لها قبلَ المَسِيسِ، قال اللَّهُ تعالى ذكرُه فيما أوْجَب لها مِن ذلك الدليلَ الواضحَ أن ذلك حقٌّ واجبٌ لكلِّ مطلَّقةٍ بقولِه: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وإن كان قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.\nومَن أَنْكَر ما قلْنا في ذلك، سُئِل عن المتعةِ للمطلَّقةِ غيرِ المفروضِ لها قبلَ المَسِيسِ، فإن أنْكَر [وجوبَه خرَج] (^١) من قولِ جميعِ الحُجَّةِ، ونُوظِر مُناظرتَنا المُنْكِرِين في عشرين دينارًا زكاةً، والدافعين زكاةَ العُروضِ (^٢) إذا كانت للتجارةِ، وما أشْبَهَ ذلك. فإن أَوْجَب ذلك لها، سُئِل الفرقَ بينَ وجوبِ ذلك لها والوجوبِ لكلِّ مطلَّقةٍ، وقد شُرِط فيما جعَل لها مِن ذلك بأنه (^٣) حقٌّ على المحسنين (^٤)، كما شُرط فيما جعَل للآخرِ بأنه حقٌّ على المتقين، فلن يقولَ في أحدِهما (^٥) قولًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه.\nوأجْمَع الجميعُ على أن المطلَّقةَ غيرَ المفروضِ لها قَبلَ المَسِيسِ، لا شيءَ لها على زوجِها المطلِّقِها غيرُ المتعةِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وجوب\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المفروض\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فإنه\".\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كما شرط فيما جعل للآخر بأنه حق على المحسنين\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إحداهما\".","vol":"4","page":304},{"text":"<span data-type='title' id=toc-765>ذكرُ بعضِ مَن قال ذلك مِن الصحابةِ والتابعين ﵃</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ويونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قالا: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه قبلَ أن يَفْرِضَ لها، وقبلَ أن يَدْخُلَ بها، فليس لها إلا المتاعُ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن يونُسَ، قال: قال الحسنُ: إن طلَّق الرجلُ امرأتَه ولم يَدْخُلْ بها ولم يَفْرِضْ لها، فليس لها إلا المتاعُ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: أَخْبَرَنا أيوبُ، عن نافعٍ، قال: إذا تزَوَّج الرجلُ المرأةَ، ثم طلَّقها ولم يَفْرِضُ لها، فإنما لها المتاعُ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، عن يونُسَ، عن ابن شِهابٍ، قال: إذا تزَوَّج الرجلُ المرأةَ ولم يَفْرِضْ لها، ثم طلَّقها قبلَ أَن يَمَسَّها وقبلَ أن يُفْرِضَ لها، فليس لها عليه إلا المتاعُ بالمعروفِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. قال: ليس لها صَداقٌ إلا متاعٌ بالمعروفِ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٧٨٢)، وابن أبي شيبة ٥/ ١٥٤، وابن حزم ١١/ ٦٠٤، من طريق سفيان بن عيينة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٥٤ من طريق يونس به.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٢٩٧.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٢٩٩.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٢٣٥) من طريق ابن أبي نجيح به.","vol":"4","page":305},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: ولا متاعَ إلا بالمعروفِ.\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ إلى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾. قال: هذا الرجلُ تُوهَبُ له، فيُطَلِّقُها قبلَ أن يَدْخُلَ بها، فإنما عليه المتعةُ.\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال في هذه الآيةِ: هو الرجلُ يَتَزَوَّجُ المرأةَ ولا يُسَمِّي لها صَداقًا، ثم يُطَلِّقُها قبلَ أن يَدْخُلَ بها، فلها مَتاعٌ بالمعروفِ، ولا فَريضةَ لها.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: [حَدَّثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال] (^٢): سمِعْتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾: هذا رجلٌ وُهِبَت له امرأتُه، فطلَّقَها مِن قبلِ أن يَمَسَّها، فلها المتعةُ، ولا فَريضةَ لها، وليست عليها عِدَّةٌ (^٣).\nوأما المُوسِعُ، فهو الذي قد صار مِن عيشِه إلى سَعَةٍ وغِنًى، يُقالُ منه: أوْسَع فلانٌ فهو يُوسِعُ إيساعًا، وهو مُوسِعٌ. وأما المُقْتِرُ: فهو المُقِلُّ مِن المالِ، يُقالُ: قد أقْتَر فهو يُقْتِرُ إِقْتارًا، وهو مُقْتِرٌ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٢ عقب الأثر (٢٣٤٨) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) سقط من النسخ، وهو إسناد دائر.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٢ عقب الأثر (٢٣٤٨) معلقًا.","vol":"4","page":306},{"text":"واخْتَلَفت القَرأةُ في قراءةِ \"القَدَرِ\"؛ فقرَأه بعضُهم: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾. بتحريكِ الدالِ إلى الفتحِ مِن \"القَدَرِ\" (^١)، توجيهًا منهم ذلك إلى الاسمِ مِن التقديرِ الذي هو مِن قولِ القائلِ: قدَر فلانٌ هذا الأمرَ.\nوقرأ آخَرون بتسكينِ الدالِ منه (^٢)، توجيهًا منهم ذلك إلى المصدرِ مِن ذلك، كما قال الشاعرُ (^٣):\nوما صَبَّ رِجْلِي (^٤) في حديدِ مُجاشِعٍ … مع القَدْرِ إلا حاجةٌ لي أُرِيدُها\nوالقولُ في ذلك عندي أنهما جميعًا قراءتان قد جاءَت بهما الأُمَّةُ، ولا تُحِيلُ القراءةُ بإحداهما معنًى في الأخرَى، بل هما مُتَّفِقَتا المعنى، فبأيِّ القراءتين قرَأ القارئُ ذلك، فهو للصوابِ مُصِيبٌ. وإنما يَجوزُ اخْتيارُ بعضِ القراءاتِ على بعضٍ؛ لبَيْنونةِ المُخْتارَةِ على غيرِها بزيادةِ معنًى أوْجَبَت لها الصحةَ دونَ غيرِها، وأمّا إذا كانت المعاني في جميعِها متفقةً، فلا وجهَ للحكمِ لبعضِها بأنه أوْلَى أن يكونَ مَقْروءًا به مِن غيرِه.\nفتأويلُ الآيةِ إذن: لا حَرَجَ عليكم أيُّها الناسُ لأن طلَّقْتُم النساءَ وقد فرَضْتُم لهن ما لم تُماسُّوهن (^٥)، أو (^٦) أن طلَّقْتُموهن ما لم تُماسُّوهن قبلَ أن تَفْرِضوا لهن، ومتِّعوهن\n_________\n(^١) وهي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ١٨٤.\n(^٢) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي بكر عن عاصم. السبعة ص ١٨٤.\n(^٣) هو الفرزدق كما في اللسان (ص ب ب)، ونقله عنه في شرح ديوانه ص ٢١٥، وهو في اللسان أيضًا (ق ر ر). وقال التبريزى في تهذيب إصلاح المنطق ١/ ١٦٨: ذكر يعقوب أن هذا البيت للفرزدق، ولم أجده في شعره ولا في أخباره.\n(^٤) يقال: صُبّ رجلا فلان في القيد: إذا قُيِّد. اللسان (ص ب ب).\n(^٥) في ت ٢: \"تمسوهن\".\n(^٦) في م: \"و\".","vol":"4","page":307},{"text":"جميعًا، على ذي السَّعةِ والغِنَى منكم مِن مَتاعِهن حينَئذٍ بقدْرِ غناه وسَعَتِه، وعلى ذي الإقْتارِ والفاقَةِ منكم منه بقدْرِ طاقتِه وإقْتارِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-766>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: ومتِّعوهن متاعًا. وقد يَجوزُ أن يَكونَ ﴿مَتَاعًا﴾ منصوبًا قطعًا (^١) مِن \"القَدَرِ\"؛ لأن \"المتاعَ\" نكرةٌ، \"والقَدَرَ\" معرفةٌ.\nويعني بقولِه: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: بما أمَرَكم اللَّهُ به مِن إعطائكموهن (^٢) ذلك بغيرِ ظلمٍ، ولا مُدافعةٍ منكم لهن به.\nويعني بقولِه: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾: متاعًا بالمعروفِ الحقِّ على المحسنين. فلمَّا دلَّ إدخالُ الألفِ واللامِ على \"الحقِّ\"، وهو مِن نعتِ \"المعروفِ\"، و\"المعروفُ\" معرفةٌ، و\"الحقُّ\" نكرةٌ، نُصِب على القَطْعِ منه، كما يقالُ: أتاني الرجلُ راكبًا. وجائزٌ أن يكونَ نُصِب على المصدرِ مِن جملةِ الكلامِ الذي قبلَه، كقولِ القائلِ: عبدُ اللَّهِ عالمٌ حقًّا. فـ \"الحقُّ\" منصوبٌ مِن نيةِ كلامٍ المُخْبِرِ، كأنه قال: أُخْبرُكم بذلك حقًّا. والتأويلُ الأولُ هو وجهُ الكلامِ؛ لأن معنى الكلامِ: فمتَّعوهن متاعًا بمعروفٍ حقٍّ على كلِّ مَن كان منكم محسنًا.\nوقد زعَم بعضُهم (^٣) أن ذلك منصوبٌ بمعنى: أُحِقُّ ذلك حقًّا. والذي قاله مِن ذلك بخلافِ ما دلَّ عليه ظاهرُ التلاوةِ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه جعَل المتاعَ للمطلَّقاتِ حقًّا لهن على أزواجِهن، فزعَم قائلُ هذا القولِ أن معنى ذلك أن اللَّهَ تعالى\n_________\n(^١) القطع هو الحال.\n(^٢) في م: \"إعطائكم لهن\".\n(^٣) هو الفراء في معاني القرآن ١/ ١٥٤.","vol":"4","page":308},{"text":"ذكرُه أَخْبَر عن نفسِه أنه يُحِقُّ أن ذلك على المحسنين.\nفتأويلُ الكلامِ إذن - إذ كان الأمرُ كذلك -: ومَتِّعوهن على المُوسِعِ قَدَرُه، وعلى المُقْتِرِ قَدَرُه، متاعًا بالمعروفِ الواجبِ على المحسنين.\nويعني بقوله: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾: الذين يُحْسِنون إلى أنفسِهم في المُسارَعةِ إلى طاعةِ اللَّهِ فيما أَلْزَمَهم به، وأدائِهم ما كلَّفَهم مِن فرائضِه.\nفإن قال قائلٌ: إنك قد ذكَرْتَ أن الجُناحَ هو الحرجُ، وقد قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. فهل علينا مِن جُناحٍ لو طلَّقْناهن بعدَ المَسِيسِ فيُوضَعَ عنا بطلاقِناهن (^١) قبلَ المَسِيسِ؟\nقيل: قد رُوِي عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: \"إن اللَّهَ لا يُحِبُّ الذَّوَّاقِين ولا الذَّوَّاقاتِ (^٢) \".\nحدَّثنا بذلك ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ وعبدُ الأعْلَى، عن سعيد، عن قتادةَ، عن شَهْرِ بن حَوْشَبٍ، عن النبيِّ ﷺ (^٣).\nورُوي عنه ﷺ أنه قال: \"ما بالُ أقوامٍ (^٤) يَلْعَبون بحدودِ اللَّهِ، يَقُولون: قد\n_________\n(^١) في م: \"بطلاقنا إياهن\".\n(^٢) قال ابن الأثير في النهاية ٢/ ١٧٢ يعني السريعي النكاح السريعي الطلاق. وقال الزمخشري في أساس البلاغة (ذ وق): كلما تزوج أو تزوجت مد عينه أو مدت عينها إلى أخرى أو آخر.\n(^٣) أخرجه الدارقطني في الأفراد - كما في المقاصد الحسنة (١٢٨١) - من طريق سعيد، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة. وأخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٥٣ من طريق ليث، عن شهر بن حوشب مرسلا. وفي الباب عن أبي موسى وعبادة بن الصامت. ينظر مجمع الزوائد ٤/ ٣٣٥، والبزار (١٤٩٧، ١٤٩٨ - كشف)، والطبراني في الأوسط (٧٨٤٨)، وكشف الخفا ١/ ٣٠٤، ٢/ ٣٤٦، وغاية المرام في تخريج الحلال والحرام (٢٥٥، ٢٥٦).\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"قوم\".","vol":"4","page":309},{"text":"طلَّقْتُكِ، قد راجَعْتُكِ، قد طلَّقْتُكِ\".\nحدَّثنا بذلك ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبيه، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ (^١).\nفجائزٌ أن يَكونَ الجُناحُ الذي وُضِع عن الناسِ في طلاقِهم نساءَهم قبلَ المَسِيسِ، هو الذي كان يَلْحَقُهم منه بعدَ ذوقِهم إياهن، كما رُوي عن رسولِ اللَّهِ ﷺ.\nوقد كان بعضُهم يقولُ: معنى قوله في هذا الموضعِ: ﴿لَا جُنَاحَ﴾: لا سبيلَ عليكم للنساءِ - إن طلَّقْتُموهن مِن قبلِ أن تَمَسُّوهن، ولم تَكونوا فرَضْتُم لهن فريضةً - في إتْباعِكم بصَداقٍ ولا نفقةٍ. وذلك مذهبٌ، لولا ما قد وصَفْتُ مِن أن المَعْنيَّ بالطلاقِ قبلَ المَسِيسِ في هذه الآيةِ صِنْفان مِن النساءِ؛ أحدُهما المفروضُ لها، والآخرُ غيرُ المفروضِ لها، فإذ كان ذلك كذلك، فلا وجهَ لأن يُقالَ: لا سبيلَ لهن عليكم في صَداقٍ. إذا كان الأمرُ على ما وصَفْنا.\nوقد يَحْتَمِلُ ذلك أيضًا وجهًا آخرَ، وهو أن يكونَ معناه: لا جُناحَ عليكم إن طلَّقْتُم النساءَ ما لم تمسُّوهن (^٢)، في أيِّ وقتٍ شئْتُم طلاقَهن؛ لأنه لا سُنَّةَ في طلاقِهن، فللرجلِ أن يُطَلِّقَهن إذا لم يَكُنْ مسَّهن، حائضًا وطاهرًا، في كلِّ وقتٍ أحَبَّ، وليس ذلك كذلك في المدخولِ بها التي قد مُسَّت؛ لأنه ليس لزوجِها طلاقُها إن كانت مِن أهلِ الأقْراءِ إلا للعدةِ طاهرًا، في طهرٍ لم يُجامِعْ فيه. فيكونُ الجُناحُ الذي أُسْقِط عن مطلِّقِ التي لم يَمَسَّها (^٣) في حالِ حيضِها، هو الجُناحَ الذي كان به مأخوذًا المطلِّقُ بعدَ الدخولِ بها في حالِ حيضِها أو في طُهرٍ قد جامَعَها فيه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٠١٧) عن ابن بشار به. وينظر مسند الطيالسي (٥٢٩).\n(^٢) في ص، م، ت ٢: \"تماسوهن\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"يمسهن\".","vol":"4","page":310},{"text":"<span id=\"aya-244\"></span><span data-type='title' id=toc-767>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾.</span>\nوهذا الحكمُ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه إبانةٌ عن قولِه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. وتأويلُ ذلك: لا جُناحَ عليكم أيُّها الناسُ إن طلَّقْتُم النساءَ ما لم تمسُّوهنَّ (^١) وقد فرَضْتُم لهن فريضةً، فلهن عليكم نصفُ ما كنتُم فرَضتُم لهن مِن قبلِ طلاقِكم إياهن. يعني بذلك: فلهن عليكم نصفُ ما أَصْدَقْتُموهن.\nوإنما قلْنا: إن تأويلَ ذلك كذلك؛ لِما قد قدَّمنا البيانَ عنه مِن أن قولَه: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. بيانٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه لعبادِه حكمَ غيرِ المفروضِ لهن (^٢) إذا طلَّقَهن قبلَ المَسِيسِ. فكان معلومًا بذلك أن حكمَ اللَّواتي عطَف عليهن بـ ﴿أَوْ﴾ غيرُ حكمِ المعطوفِ بهن بها.\nوإنما كرَّر تعالى ذكرُه قولَه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. وقد مضَى ذكرُهن في قولِه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. لِيَزولَ الشكُّ عن سامِعِيه واللَّبْسُ عليهم، مِن أن يَظُنُّوا (^٣) أن التي حكمُها الحكمُ الذي وصَفَه في هذه الآيةِ، هي غيرُ التي ابْتَدَأ بذكرِها وذكرِ حكمِها في الآيةِ التي قبلَها.\nوأما قولُه: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾. فإنه يعني: إلا أن يَعْفُوَ اللَّواتي وجَب لهن عليكم نصفُ تلك الفريضةِ، فيَتْرُكْنه لكم ويَصْفَحْنَ لكم عنه؛ تَفَضُّلًا منهن بذلك\n_________\n(^١) في ص: \"تماسوهن\".\n(^٢) في ص، ت ٢: \"لمن\".\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"من\".","vol":"4","page":311},{"text":"عليكم، إن كنَّ ممَّن يَجوزُ حكمُه في مالِه، وهن بَوالغُ رَشِيداتٌ، فَيَجوزُ عَفْوُهن حينَئذٍ عما (^١) عفَوْن عنكم مِن ذلك، فيَسْقُطُ عنكم ما كنَّ عَفَوْن لكم عنه منه، وذلك النصفُ الذي كان وجَب لهن مِن الفريضةِ بعدَ الطلاقِ وقبلَ العفوِ إن عفَتْ عنه، أو ما عفَتْ عنه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-768>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾: فهذا الرجلُ يَتَزَوَّجُ المرأةَ وقد سمَّى لها صَداقًا، ثم يُطَلِّقُها مِن قبلِ أن يَمَسَّها، فلها نصفُ صَداقِها، ليس لها أكثرُ مِن ذلك (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. قال: إن طلَّق الرجلُ امرأتَه وقد فرَض لها، فنصفُ ما فرَض، ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"ما\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٤ (٢٣٥٦)، والبيهقي ٧/ ٢٥٤، ٢٥٥ من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٤ عقب الأثر (٢٣٥٦) معلقًا.","vol":"4","page":312},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾: فنسَخَت هذه الآيةُ ما كان قبلَها، إذا كان لم يَدْخُلْ بها، وقد كان سَمَّى لها صَداقًا، فجعَل لها النصفَ، ولا مَتاعَ لها.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يَتَزَوَّجُ المرأةَ، وقد فرَض لها صَداقًا، ثم طلَّقَها قبلَ أن يَدْخُلَ بها، فلها نصفُ ما فرَض لها، ولها المتاعُ، ولا عِدَّةَ عليها.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: حدثني الليثُ، عن يونُسَ، عن ابن شِهابٍ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. قال: إذا طلَّق الرجلُ المرأةَ، وقد فرَض لها، ولم يَمَسَّها (^١)، فلها نصفُ صَداقِها، ولا عِدَّةَ عليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-769>ذكرُ مَن قال في قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ القولَ الذي ذكَرْناه مِن التأويلِ</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخْبَرَنا ابن المباركِ، قال: أخْبَرنا يحيَى بنُ بشرٍ (^٢)، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ: إذا طلَّقَها قبلَ أن يَمَسَّها وقد فرَض لها، فنصفُ الفريضةِ لها عليه، إلا أن تَعْفُوَ عنه فتَتْرُكَه (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"يمسسها\".\n(^٢) في ت ١: \"بشير\".\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٤ عقب الأثر (٢٣٥٨) معلقًا.","vol":"4","page":313},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: حدثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سِمعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾. قال: المرأةُ تَتْرُكُ الذي لها (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباس: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾: هي المرأةُ الثَّيِّبُ أو البِكْرُ يُزَوِّجُها غيرُ أبيها، فجعَل اللهُ العفوَ إليهن؛ إن شِئْن عفوْن فتَرَكُن، وإن شئْن أَخَذْنَ نصفَ الصَّداقِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مُجاهد: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾: تَتْرُكُ المرأةُ شَطْرَ صَداقها، وهو الذي لها كلُّه (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾. قال: المرأةُ تَدَعُ لزوجِها النصفَ (^٤).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ بنُ عونٍ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن شُرَيْحٍ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾. قال: إن شاءَت المرأةُ عفَت فترَكَت الصَّداق (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٤ عقب الأثر (٢٣٥٨) معلقًا. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٤٢٦.\n(^٢) أخرجه البيهقى ٧/ ٢٥٢ من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٤ عقب الأثر (٢٣٥٨) معلقًا، وينظر: تفسير ابن كثير ١/ ٤٢٦.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٤ عقب الأثر (٢٣٥٨) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٥) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ٢/ ٣٢٨، والبيهقى ٧/ ٢٥١ من طريق ابن عون به.","vol":"4","page":314},{"text":"حدَّثنا حميد بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بن المفضَّلِ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عونٍ، عن محمدِ بن سِيرِينَ، عَن شُرَيْحٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ، عن نافعٍ قولَه: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾: هي المرأةُ يُطَلِّقُها زوجُها قبلَ أَن يَدْخُلَ بها، فتَعْفُو عن النصفِ لزوجِها (^١).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾: أما ﴿أَنْ يَعْفُونَ﴾ فالثَّيِّبُ أن تَدَعَ مِن صداقِها أو تَدَعَه كلَّه (^٢).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني الليثُ، عن يونُسَ، عن ابن شِهابٍ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾. قال: العفوُ إليهن، إذا كانت المرأةُ ثَيِّبًا فهى أولى بذلك، ولا يَمْلِكُ ذلك عليها وليٌّ؛ لأنها قد ملَكَتَ أمْرَها، فإِن أَرادَت أَن تَعْفُوَ فَتَضَعَ له نصفَها الذي لها عليه مِن حقِّها جاز ذلك، وإن أرادَت أَخْذَه فهى أمْلَكُ بذلك (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أَخْبَرَنا ابن المباركِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قال: حدَّثني ابن شِهَابٍ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾. قال: النساءُ (^٤).\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾. قال: الثيبُ تَدَعُ صَداقَها (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٠، ٢٨١ عن عبد الوهاب الثقفى به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٤ عقب الأثر (٢٣٥٨) من طريق عمرو به.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٤ عقب الأثر (٢٣٥٨) معلقًا.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٨٥٤) عن معمر به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٤ عقب الأثر (٢٣٥٨) من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدى، عن أبي صالح، عن ابن عباس.","vol":"4","page":315},{"text":"حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ حمادُ بنُ زيدِ بن أُسامةَ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن الشعبيِّ، عن شُرَيْحٍ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾. قال: قال: تَعْفُو المرأةُ عن الذي لها كلُّه (^١).\nقال أبو جعفرٍ: ما سمِعْتُ أحدًا يقولُ: حمادُ بنُ زيدِ بن أسامةَ. إلا أبا هشامٍ (^٢).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عَبْدةُ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: إن شاءَت عفَت عن صَداقِها. يعنى في قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا أبو (^٤) هشامٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن أبي حُصَيْنٍ، عن شُرَيْحٍ، قال: تَعْفُو المرأةُ وتَدَعُ نصفَ الصداقِ (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال الزُّهريُّ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾: الثَّيِّبات (^٦).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾. قال: تَتْرُكُ المرأةُ شَطْرَها (^٧).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾: يعنى النساءَ (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٤٨ من طريق يعلى عن إسماعيل به.\n(^٢) صوابه: حماد بن أسامة بن زيد. ينظر: تهذيب الكمال ٧/ ٢١٧.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٠ عن عبدة به.\n(^٤) في النسخ: \"ابن\".\n(^٥) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٨٨ من طريق إسرائيل به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٢ عن ابن علية به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٨٥٥) عن ابن جريج به.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٤/ ٢٨٠ عن ابن علية به.\n(^٨) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٩٢ إلى المصنف.","vol":"4","page":316},{"text":"حدَّثني يونس، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾: إن كانت ثيبًا عفَتْ.\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ قولَه: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾: يعنى المرأة (^١).\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدٌ، وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، جميعًا عن سفيانَ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾. قال: المرأةُ إذا لم يَدْخُلْ بها، أن تَتْرُكَ له المهرَ، فلا تَأْخُذُ منه شيئًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-771>القول في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مَن عنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. فقال بعضُهم: هو وليُّ البِكْرِ. وقالوا: ومعنى الآيةِ: أو يَتْرُكَ الذي يَلِى على المرأةِ عقدَ نكاحِها مِن أوليائِها للزوجِ النصفَ الذي وجَب للمطلَّقةِ عليه قبل مَسِيسه، فيَصْفَحَ له عنه، إن كانت الجاريةُ ممَّن لا يَجوزُ لها أمرٌ في مالِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-770>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن ابن جُرَيج، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، قال: قال ابن عباسٍ ﵁: [أذِن اللهُ في] (^٢) العفوِ وأمرَ به، فإن عفَت فكما عفَت، وإن ضنَّت (^٣) وعفا وليُّها، جاز وإن أبَتْ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٦ وفى مصنفه (١٠٨٥٤).\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"رضيت\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٤ (٢٣٥٨) من طريق ابن علية به، =","vol":"4","page":317},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: وهو أبو الجاريةِ البِكْرِ، جَعَل اللهُ سبحانَه العفوَ إليه، ليس لها معه أمرٌ إذا طُلِّقَت ما كانت في حَجْرِه (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ: الذي بيدِه عُقْدةُ النكاحِ الوليُّ (^٢).\nحدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: قال علقمةُ: هو الوليُّ.\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ أنه قال: هو الوليُّ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مَعْمَرٌ، عن حَجَّاجٍ، عن النَّخعيِّ، عن علقمةَ، قال: هو الوليُّ (^٤).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ، عن شيبانَ (^٥) النَّحْويِّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ وأصحابِ عبدِ اللهِ، قالوا: هو الوليُّ.\n_________\n= وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٨٥٢) عن ابن جريج به، وأخرجه الدارقطنى ٣/ ٢٨٠ والبيهقي ٧/ ٢٥٢ من طريق عمرو به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٩٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^١) تتمة الأثر المتقدم في ص ٣١٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٢ والبيهقى ٧/ ٢٥٢ من طريق شعبة وعبد الله بن إدريس، عن الأعمش به.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٨٦ - تفسير) عن أبي معاوية وعيسى بن يونس به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٨٥٦) عن سفيان الثورى به.\n(^٥) في النسخ: \"بيان\". وينظر: تهذيب الكمال ١٢/ ٥٩٢.","vol":"4","page":318},{"text":"حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ أنه قال: هو الوليُّ.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مَعْمَرٌ، عن حَجاجٍ، أن الأسودَ بنَ يزيدَ (^١) قال: هو الوليُّ.\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ، عن شعبةَ، عن أبي بِشْرٍ، قال: قال طاوسٌ ومجاهدٌ: هو الوليُّ. ثم رجَعا فقالا: هو الزوجُ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أَخْبَرَنا أبو بشرٍ، قال: قال مجاهدٌ وطاوسٌ: هو الوليُّ. ثم رجَعا فقالا: هو الزوجُ.\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: هو الوليُّ.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: زوَّج رجلٌ أُختَه، فطلَّقها زوجُها قبلَ أن يَدْخُلَ بها، فعفا أخوها عن المَهْرِ، فأجازه شُرَيْحٌ. ثم قال: أنا أَعْفُو عن نساءِ بنى مُرَّةَ. فقال عامرٌ: لا واللهِ، ما قَضَى قَضاءً قطُّ أحمقَ (^٣) منه؛ أن يُجيزَ عفْوَ الأخِ في قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. فقال فيها شُرَيْحٌ بعدُ: هو الزوجُ، إن عفا عن الصداق كلِّه، فسلَّمه إليها كلَّه، أو عفَت هي عن النصفِ الذي سمَّى لها، وإن تَشاحَّا كلاهما، أَخَذَت نصفَ صَداقِها. قال: وأَن تَعْفُوا هو (^٤) أَقرَبُ للتَّقْوَى (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"زيد\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨١ عن أبي خالد به.\n(^٣) في النسخ: \"أحق\". والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٤) سقط من: م، ت ٢. على أنه لفظ الآية.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في (٣٩٠، ٣٩١ - تفسير) - ومن طريقه البيهقى في ٧/ ٢٥١ عن جرير به.","vol":"4","page":319},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: ثنا جَريرُ بنُ حازمٍ، عن عيسى بن عاصمٍ الأسديِّ، أن عليًّا سأَل شُريحًا عن الذي بيدِه عُقْدةُ النكاحِ، فقال: هو الوليُّ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: مُغيرةُ أَخْبَرَنَا عَن الشَّعبيِّ، عن شُرَيْحٍ أنه كان يقولُ: الذي يبدهِ عُقْدَةُ النكاحِ هو الوليُّ. ثم ترَك ذلك، فقال: هو الزوجُ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ، عن الشعبيِّ، أن رجلًا تزَوَّج امرأةً فوجَدَها دَمِيمةً، فطلَّقها قبلَ أن يَدْخُلَ بها، فعفا وليُّها عن نصفِ الصداقِ، قال: فخاصَمَتْه إلى شُريحٍ، فقال لها شُريحٌ: قد عفا وليُّك. قال: ثم إنه رجَع بعدَ ذلك، فجعَل الذي بيدِه عقدةُ النكاحِ الزوجَ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، الحسنِ في ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. قال: الوليُّ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن منصورٍ أو غيرِه، عن الحسنِ، قال: هو الوليُّ.\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، قال: هو الوليُّ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رَجاءٍ، قال: سُئِل الحسنُ عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٥٥ (٢٣٦٠)، والدارقطني ٣/ ٢٧٨، والبيهقى ٧/ ٢٥١، من طريق جرير بن حازم به.\n(^٢) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٤٨، ٢٦٢ من طريق الشعبى به.\n(^٣) أخرجه البيهقى ٧/ ٢٥٢ من طريق سعيد به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٢ عن ابن إدريس به.","vol":"4","page":320},{"text":"﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. قال: هو الوليُّ (^١).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن يزيدَ بن إبراهيمَ، عن الحسنِ، قال: هو الذي أَنْكَحَها.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن مُغِيرة، عن إبراهيمَ، قال: الذي بيدِه عُقْدُة النكاحِ هو الوليُّ (^٢).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وَكِيعٌ وابنُ مَهْديٍّ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: هو الوليُّ (^٣).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابن مَهْديٍّ، عن أبي عَوانةَ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ، قالا: هو الوليُّ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: أَخْبَرَنا ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، قال: هو الوليُّ (^٤).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. قال: وليُّ العَذْراءِ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال لى الزهريُّ: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: وليُّ البِكْرِ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٢ عن ابن علية به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٣٨ من طريق المغيرة به.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٨٧ - تفسير) - ومن طريقه البيهقى ٧/ ٢٥٢ - من طريق منصور به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٢ عن ابن علية به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٨٥١) عن ابن جريج به.\n(^٥) تتمة الأثر المتقدم في ص ٣١٦.","vol":"4","page":321},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: وثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: هو الوليُّ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قال: أخْبَرَنا ابن طاوسٍ، عن أبيه، وعن رجلٍ، عن عكرمةَ، قال مَعْمَرٌ: وقاله الحسنُ أيضًا، قالوا: الذي بيدِه عُقدةُ النكاحِ الوليُّ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، قال: الذي بيدِه عقدةُ النكاحِ الأبُ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، قال: هو الوليُّ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالِمٍ، عن مجاهدٍ، قال: هو الوليُّ.\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، السديِّ: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: هو وليُّ البكرِ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: الوالدُ. ذكَره ابن زيدٍ عن أبيه.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، عن مالكٍ، عن زيدٍ وربيعةَ: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: الأبُ في ابنتِه البكرِ، والسيدُ في أمَتِه.\n_________\n(^١) تتمة الأثر المتقدم ص ٣٠٦.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٦، وفى مصنفه (١٠٨٥٣).\n(^٣) تتمة الأثر المتقدم في ص ٣١٧، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٢ من طريق معمر به.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٣١٨.","vol":"4","page":322},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال مالكٌ: وذلك إذا طُلِّقَت قبلَ الدخولِ بها، فله أن يَعْفُوَ عن نصفِ الصداقِ الذي وجَب لها عليه، ما لم يَقَعْ طلاقٌ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، عن يونُسَ، عن ابن شِهابٍ، قال: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: هي البكرُ التي يَعْفُو وليُّها، فيَجوزُ ذلك، ولا يَجوزُ عفوُها هي.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ المباركِ، قال: أَخْبَرَنا يحيى بنُ بشرٍ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾: أن تَعْفُو المرأةُ عن نصفِ الفَريضةِ لها عليه فتَتْرُكَه، فإن هي شحَّت إلا أن تَأْخُذَه فلها، ولوليِّها الذي أَنْكَحَها الرجلَ - عمٌّ أو أخٌ أو أبٌ - أن يَعْفُوَ عن النصفِ، فإنه إن شاء فعَل وإن كرِهَت المرأةُ.\nحدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ (^٢)، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، قال: أذِن اللهُ في العفوِ وأمَر به، فإنِ امرأةٌ عفَت جاز عفوُها، وإن شحَّت وضنَّت عفا وليُّها، وجاز عفوُه (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: الذي بيدِه عُقْدةُ النكاحِ الوليُّ (^٤).\n_________\n(^١) بعده بياض في ص. وفى حاشية المطبوعة: قوله: ما لم يقع طلاق. يظهر أنه زيادة من قلم الناسخ، وفى محله بياض في بعضها، أو لعله يريد: ما لم يقع دخول.\nوينظر قول مالك في الموطأ ٢/ ٥٢٨ بنحو ما هنا، دون الجملة الأخيرة.\n(^٢) في النسخ: \"المرادى\". والمثبت من ذيل المذيل ص ٥٧٤، وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٤٢٦.\n(^٣) في ص، ت ٢: \"عفوها\".\nوالأثر أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٨٩ - تفسير)، ومن طريقه البيهقى ٧/ ٢٥٢، عن سفيان به.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٣٢١.","vol":"4","page":323},{"text":"وقال آخَرون: بل الذي بيدِه عُقْدةُ النكاحِ الزوجُ. قالوا: ومعنى ذلك: أو يَعْفُوَ الذي بيدِه نكاحُ المرأةِ، فيُعْطِيَها الصَّداقَ كاملًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-772>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عَثْمةَ (^١)، قال: ثنا شُعَيْبٌ (^٢)، عن الليث، عن قَتادةَ، عن خِلاسِ بن عمرٍو، عن عليٍّ، قال: الذي بيده عُقْدةُ النكاحِ الزوجُ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: ثنا جَريرُ بنُ حازمٍ، عن عيسى بن عاصمٍ الأسَديِّ، أن عليًّا سأَل شُرِيحًا عن الذي بيدِهِ عُقْدَةُ عُقْدة النكاحِ، فقال: هو الوليُّ. فقال عليٌّ (^٣): لا، ولكنه الزوجُ (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا إبراهيمُ، قال: ثنا جَريرُ بن حازمٍ، عن عيسى بن عاصمٍ، قال: سمِعْتُ شُرَيحًا قال: قال لى عليٌّ: مَن الذي بيدِه عُقْدةُ النكاحِ؟ قلتُ: وليُّ المرأةِ. قال: لا، بل هو الزوجُ.\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا ابن مَهْديٍّ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عمارِ بن أبى عمارٍ، عن ابن عباسٍ، قال: هو الزوجُ (^٥).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: قلتُ لحمادٍ بن سلمةَ: مَن الذي بيدِه عُقْدةُ النكاحِ؟ فذكَر عن عليِّ بن زيدٍ، عن عمارِ بن أبي عمارٍ، عن ابن\n_________\n(^١) في م: \"شحمة\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ١٤٣.\n(^٢) في النسخ: \"حبيب\". وقد تقدم.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"وأين أبو حرو\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٣٢٠.\n(^٥) أخرجه الدارقطنى ٣/ ٢٨٠ من طريق أبى هشام الرفاعي به.","vol":"4","page":324},{"text":"عباسٍ، قال: الزرجُ (^١).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ، قال: أَخْبَرَنا إسرائيلُ، عن خُصيفٍ، عن مُجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: هو الزوجُ (^٢).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن ابن عباسٍ وشُرَيْحٍ، قالا: هو الزوجُ (^٣).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابن مَهْديٍّ، عن عبدِ اللهِ بن جعفرٍ، عن واصلِ بن أبى سعيدٍ، عن محمدِ بن جبيرِ بن مُطْعِمٍ، أن أباه تزَوَّج امرأةً، ثم طلَّقها قبلَ أن يَدْخُلَ بها، فأَرْسَل بالصَّداقِ، وقال: أنا أحَقُّ بالعفوِ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن صالحِ بن كَيْسانَ، أن جُبيرَ بنَ مطْعِمٍ تَزَوَّج امرأةً، فطلَّقها قبلَ أن يَبْنِىَ (^٥) بها، وأكْمَل لها الصَّداقَ، وتأَوَّل: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (^٦).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن محمدِ بن عمرٍو، عن نافعِ بن (^٧)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨١، والبيهقى ٧/ ٢٥١، من طريق حماد بن سلمة به.\n(^٢) أخرجه الدارقطنى ٣/ ٢٨٠ - ومن طريقه البيهقى ٧/ ٢٥١ - من طريق أبي هشام الرفاعي به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٠، ٢٨١، والبيهقى ٧/ ٢٥٢ من طريق عبد الله بن إدريس ومروان بن معاوية وشعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم عن شريح وحده.\n(^٤) أخرجه الدارقطني ٣/ ٢٨٠ من طريق أبى هشام به، وأخرجه الشافعي ٢/ ١١ من طريق عبد الله بن جعفر به.\n(^٥) في ت ١: \"يدخل\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٨٦٢) عن معمر به، وفيه أن الذي تزوج هو نافع بن جبير، وأخرجه الدارقطنى ٣/ ٢٧٨، ٢٧٩، والبيهقى ٧/ ٢٥١ من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن جبير بن مطعم.\n(^٧) في م: \"عن\".","vol":"4","page":325},{"text":"جُبيرٍ أنه طلَّق امرأتَه قبلَ أن يَدْخُلَ بها، فأتَمَّ لها الصَّداق، وقال: أنا أحَقُّ بالعفوِ (^١).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا يَزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ عَوْنٍ، عن محمدِ بن سِيرينَ، عن شُرَيْحٍ: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. قال: إن شاء الزوج أعطاها الصَّداق كاملًا (^٢).\nحدثنا حُميدٌ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عونٍ، عن محمدِ بن سِيرينَ بنحوِه.\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن شُرَيْحٍ، قال: الذي بيدِه عُقْدةُ النكاحِ الزوجُ (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أن شُريحًا قال: الذي بيدِه عُقْدةُ النكاحِ الزوجُ. فرُدَّ ذلك عليه (^٤).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن شُرَيْحٍ، قال: الذي بيدِه عُقْدةُ النكاحِ هو الزوجُ. قال: وقال إبراهيمُ: وما يُدْرِى شُريحًا (^٥)!\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مَعْمَرٌ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، [عن الحكمِ] (^٦)، عن شُريحٍ، قال: هو الزوجُ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٠ عن ابن إدريس به، ووقع فيه محمد بن حرب، بدلا من محمد بن عمرو.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣١٤.\n(^٣) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٧٠ من طريق ابن مهدى به، وأخرجه أيضًا ٢/ ٢٨٣، ٢٨٤ من طريق سفيان به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٨٥ - تفسير) من طريق أبي إسحاق به.\n(^٤) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٤٨ من طريق عبد الوهاب به.\n(^٥) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٧٩ من طريق أبي معاوية به.\n(^٦) سقط من النسخ. والمثبت من مصنف ابن أبي شيبة، وهو المحفوظ من إسناد الطبري.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨١ من طريق حجاج به.","vol":"4","page":326},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: أَخْبَرَنا الأعْمشُ، عن إبراهيمَ، عن شُريحٍ، قال: هو الزوجُ (^١).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا أبو أسامة حمادُ بنُ زيدِ بن أسامةَ (^٢)، قال: ثنا إسماعيلُ، عن الشعبيِّ، عن شُرَيْحٍ: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: وهو الزوجُ (^٣).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عُبيدُ (^٤) اللَّهِ، عن إسرائيلَ، عن أبي حُصَيْنٍ، عن شُرَيْحٍ قال: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. قال: الزوجُ يُتِمُّ لها الصَّداقَ (^٥).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن إسماعيلَ، عن الشعبيِّ، وعن الحجاجِ، عن الحكمِ، عن شُرَيْحٍ، وعن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن شُرَيْحٍ، قال: هو الزوجُ (^٦).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن الشعبيِّ، عن شُرَيْحٍ، قال: هو الزوجُ، إن شاء أتَمَّ لها الصَّداق، وإن شاءَت عفَت عن الذي لها (^٦).\nحدَّثني يَعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، قال: قال شُرَيْحٌ: الذي بيدِه عُقْدةُ النكاحِ الزوجُ (^٧).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٣٢٥، ٣٢٦.\n(^٢) صوابه حماد بن أسامة بن زيد. وينظر ما تقدم في ص ٣١٦.\n(^٣) أخرجه الدارقطنى ٣/ ٢٨١ - ومن طريقه البيهقى ٧/ ٢٥١ - من طريق أبى هشام به.\n(^٤) في ص: \"عبد\".\n(^٥) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٨٨ من طريق إسرائيل به.\n(^٦) تقدم تخريجه في ص ٣١٦، ٣٢٥، ٣٢٦.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٠ عن ابن علية به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٨٥٩)، ووكيع في=","vol":"4","page":327},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن ابن عَوْنٍ، عن ابن سيرينَ، عن شُرَيْحٍ: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. قال: إن شاء الزوجُ عفا، فكمَّل الصَّداقَ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا الثَّورِيُّ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن شُرَيْحٍ، قال: هو الزوجُ.\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا ابن أَبى عَدِيٍّ، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. قال: هو الزوجُ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عَبْدةُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. قال: هو الزوجُ (^٢).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابن مَهْديٍّ، عن حماد بن سلمةَ، عن قيسِ بِن سعدٍ، مُجاهِدٍ، قال: هو الزوجُ.\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: الزوجُ (^٣).\nحدَّثني محمد بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿أَوْ\n_________\n= أخبار القضاة ٢/ ٣٤٣ من طريق أيوب به.\n(^١) أخرجه البيهقى ٧/ ٢٥١ من طريق عبد الوهاب عن سعيد به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٨٦٠، ١٠٨٦١) عن معمر، عن قتادة به.\n(^٢) تتمة الأثر المتقدم في ص ٣١٦، وأخرج هذا الجزء منه الدارقطنى ٣/ ٢٨١ من طريق عبدة به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٢ عن وكيع به.","vol":"4","page":328},{"text":"يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: زوجُها، أن يتمَّ لها الصداقَ كاملًا (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، و(^٢) عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، وعن أيوبَ (^٣)، عن ابن سِيرينَ، عن شُريحٍ، قالوا: الذي بيدِه عُقْدةُ النكاحِ الزوجُ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال مجاهدٌ: الذي بيدِه عقدةُ النكاحِ الزوجُ، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: إتمامُ الزوجِ (^٥) الصداقَ كلَّه (^٦).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلية، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى مُلَيْكةَ، قال: قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ: الذي بيدِه عُقْدَةُ النكاحِ هو (^٧) الزوجُ (^٨).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أَخْبَرَنا أبو (^٩) بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: الذي بيدِه عقدةُ النكاحِ هو الزوجُ. قال: وقال مجاهدٌ وطاوسٌ: هو الوليُّ. قال: قلتُ لسعيدٍ: فإن مجاهدًا وطاوسًا يقولان: هو الوليُّ. قال سعيدٌ: فما تَأْمُرُني إذن؟ قال: أرأَيْتَ لو أن الوليَّ عفا، وأبَتِ المرأةُ، أكان يجوزُ ذلك؟ فرجَعْتُ إليهما فحدَّثْتُهما، فرجَعا عن قولهِما، وتابَعا سعيدًا.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٨٥٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢٣٦٦) من طريق أبي أبى نجيج به.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) بعده في م: \"و\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٦.\n(^٥) في م: \"الزواج\".\n(^٦) تتمة الأثر المتقدم في ص ٣١٦.\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ٢.\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٠ عن ابن علية به.\n(^٩) في ص، ت ١، ت ٢: \"ابن\".","vol":"4","page":329},{"text":"حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا حُميدٌ، عن الحسنِ بن صالحٍ، عن سالمٍ الأفْطَسِ: عن سعيدٍ، قال: هو الزوجُ (^١).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمر، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدٍ، قال: هو الزوجُ. وقال طاوسٌ ومجاهدٌ: هو الوليُّ. فكلَّمْتُهما في ذلك حتى تابَعا سعيدًا (^٢).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ وطاوسٍ ومُجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا أبو الحسينِ (^٣) - يعنى زيدَ بنَ الحُبابِ - عن أَفْلَحَ بن سعيدٍ (^٤)، قال: سمِعْتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَضَيَّ قال: هو الزوجُ أعْطَى ما عندَه عفوًا (^٥).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا أبو داود الطَّيالسيُّ، عن زُهَيْرٍ، عن أبي إسحاقَ، عن الشعبيِّ، قال: هو الزوجُ (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا عبيد (^٧) اللهِ، عن نافعٍ، قال: الذي بيدِه عقدةُ النكاحِ الزوجُ، ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. قال: أما قولُه: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فهى المرأةُ التي يُطَلِّقُها\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨١ عن حميد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨١ عن أبي خالد به.\n(^٣) في النسخ: \"الحسن\". وينظر: تهذيب الكمال ١٠/ ٤٠، ٤١.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"سعد\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٠ عن زيد بن الحباب به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨١ عن أبي داود به.\n(^٧) في النسخ: \"عبد\". والمثبت مما تقدم. وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٥٠٥، ٢٩/ ٣٠١.","vol":"4","page":330},{"text":"زوجُها قبلَ أن يَدْخُل بها، فإما أن تَعْفُوَ عن النصفِ لزوجِها، وإما أن يَعْفُوَ الزوجُ فيُكَمِّلَ لها صَداقَها (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: الذي بيدِه عقدةُ النكاحِ الزوجُ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن المَسْعوديِّ، عن القاسمِ، قال: كان شُرَيْحٌ يُجاثِيهم على الرُّكَبِ، ويقولُ: هو الزوجُ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا ابن لَهيعةَ، عن عمرِو بن شعيبٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"الذي بيدِه عُقْدةُ النكاحِ الزوجُ، يَعْفُو، أو تَعْفُو\" (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرَجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: أَخْبَرَنَا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. قال: الزوجُ، وهذا في المرأةِ يُطَلِّقُها زوجُها ولم يَدْخُلْ بها، وقد فرَض لها، فلها نصفُ المهرِ، فإن شاءت ترَكَت الذي لها، وهو النصفُ، وإِن شاءَت قبَضَتْه.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، جميعًا عن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٣١٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٥٥ عقب الأثر (٢٣٦٠) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٩٢ من طريق المسعودى به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٥ (٢٣٥٩)، والطبرانى في الأوسط (٦٣٥٩)، والدارقطني ٣/ ٢٧٩، والبيهقى ٧/ ٢٥١، من طريق ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٤٢٥.","vol":"4","page":331},{"text":"سفيانَ: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: الزوجُ.\nحدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، الضحاكِ، قال: الذي بيده عُقْدةُ النكاحِ الزوجُ (^١).\nحدَّثنا ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا عمرُو بن أبى سلَمةَ، عن سعيدِ بن عبدِ العزيزِ، قال: سمِعْتُ تفسيرَ هذه الآيةِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾: النساءُ، فلا يَأْخُذْنَ شيئًا، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: الزوجُ، فيَتْرُكُ ذلك فلا يَطْلُبُ شيئًا.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مَنصورٍ، قال: قال شُرَيْحٌ في قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾. قال: يَعْفُو النساءُ. ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ الزوجُ.\nوأولى القولَيْن في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: المعنيُّ بقولِه: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ الزوجُ. وذلك لإجماع الجميعِ على أن ولَّى جاريةٍ بكرٍ أو ثَيِّبٍ، صبيةً صغيرةً كانت أو مُدْرِكةً كبيرةً، لو أبْرأ زوجَها مِن مَهْرِها قبلَ طلاقِه إياها، أو وهَبه له، أو عفا له عنه، أن إبراءَه ذلك وعفْوَه له عنه باطلٌ، وأن صَداقَها عليه ثابتٌ ثُبوتَه قبلَ إبرائِه إياه منه، فكان سبيلُ ما أَبْرَأَه من ذلك بعدَ طلاقِه إياها سبيلَ ما أَبْرَأَه منه قبلَ طلاقِه إياها.\nوأُخْرَى، أن الجميعَ مُجْمِعون على أن وليَّ امرأةٍ مَحْجورٍ عليها أو غيرِ محجورٍ عليها، لو وهَب لزوجِها المطلِّقِها بعدَ بينونتِها منه درهمًا مِن مالِها على غيرِ وجهِ العفوِ منه عما وجَب لها مِن صَداقِها قِبَلَه، أن هِبَتَه ما وهَب مِن ذلك مَرْدودةٌ باطلةٌ، وهم مع ذلك مُجْمِعون على أن صَداقَها مالٌ مِن مالِها، فحُكْمُه حكمُ سائرِ أموالِها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٠ من طريق جويبر به.","vol":"4","page":332},{"text":"وأُخْرَى، أن الجميعَ مُجْمِعون على أن بنى أعمام المرأةِ البكرِ وبنى إخوتِها (^١) مِن أبيها وأمِّها مِن أوليائِها، وأن بعضَهم لو عفا عن مالِها (^٢)، أو بعدَ دخولِه بها، أن عفْوَه ذلك عما عفا له عنه منه باطلٌ، وأن حقَّ المرأةِ ثابتٌ عليه بحالِه، فكذلك سبيلُ عفوِ كلِّ وليٍّ لها كائنًا مَن كان مِن الأولياءِ، والدًا كان أو جَدًّا أو أخًا؛ لأن الله تعالى ذكرُه لم يَخْصُصْ بعضَ الذين بأيديهم عقدُ النكاحِ دونَ بعضٍ في جَوازِ عفوِه، إذا كانوا ممَّن يَجوزُ حكمُه في نفسِه ومالِه.\nويُقالُ لَمن أبَى ما قلْنا ممَّن زعَم أن الذي بيدِه عقدةُ النكاحِ وليُّ المرأةِ: هل يَخْلُو القولُ في ذلك مِن أحدِ أمْرَين؛ إذ كان الذي بيده عقدةُ النكاحِ هو الوليَّ عندَك؛ إما أن يكونَ ذلك كلَّ وليٍّ جاز له تَزويجُ وليَّتِه، أو يكون ذلك بعضَهم دونَ بعضٍ، فلن يَجِدَ إلى الخروجِ مِن أحدِ هذين القسمَيْن (^٣) سبيلًا.\nفإن قال: إن ذلك كذلك. قيل له: فأيُّ ذلك عُنِى به؟\nفإن قال: كلُّ (^٤) وليٍّ جاز له تَزْويجُ وليتِه. قيل له: أفجائزٌ للمُعْتِقِ أَمَةً تَزْوِيجُ مولاتِه بإذنِها بعد عتقِه إياها؟\nفإن قال: نعم. قيل له: أفجائزٌ عفوُه إن عفا عن صَداقِها لزوجِها بعد طلاقِه إياها قبلَ المَسِيسِ؟\nفإن قال: نعم. خرَج مِن قولِ الجميعِ.\nوإن قال: لا. قيل له: ولمَ؟ وما الذي حظَر ذلك عليه، وهو وليُّها الذي بيدِه\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"أخواتها\".\n(^٢) استظهر الشيخ شاكر أن يكون بعدها: \"قبل دخوله بها\".\n(^٣) في ت ١: \"الأمرين\".\n(^٤) في م: \"لكل\".","vol":"4","page":333},{"text":"عقدةُ نكاحِها؟\nثم يُعْكَسُ القولُ عليه في ذلك، ويُسْألُ الفرقَ بينَه وبيَن عفوِ سائرِ الأولياءِ غيرِه.\nوإن قال: لبعضٍ دون بعضٍ. سُئِل البُرهانَ على خصوصِ ذلك، وقد عمَّه اللهُ تعالى ذكرُه فلم يَخْصُصْ بعضًا دونَ بعضٍ. ويُقالُ له: مَن المَعْنيُّ به إن كان المرادُ بذلك بعضَ الأولياءِ دونَ بعضٍ؟\nفإن أوْمَأ في ذلك إلى بعضٍ منهم، سُئِل البرهانَ عليه، وعُكِس القولُ فيه، وعُورِض في قولِه ذلك بخلافِ دَعواه، ثم لن يقولَ في ذلك قولًا إلا أُلزِم في الآخرِ مثلَه.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن المرأةَ إذا فارَقَها زوجُها، فقد بطَل أن يكونَ بيده عُقْدةُ نكاحِها، واللهُ تعالى ذكرُه إنما أجاز عفوَ الذي بيدِه عقدة نكاحِ المطلَّقةِ، فكان معلومًا بذلك أن الزوجَ غيرُ مَعنيٍّ به، وأن المعنيَّ به هو الذي بيدِه عُقْدةُ نكاحِ المطلَّقةِ بعدَ بَيْنونتِها من زوجِها، وفي بُطولِ ذلك أن يَكونَ حينَئذٍ بيدِ الزوجِ صحةُ القولِ أنه بيدِ الوليِّ الذي إليه عقدُ النكاحِ إليها، وإذا كان ذلك كذلك، صحَّ القولُ بأن الذي بيدِه عُقْدةُ النكاحِ هو الوليُّ - فقد أغفَل وظنَّ خطأً. وذلك أن معنى ذلك: أو يَعْفُوَ الذي بيدِه عُقدةُ نكاحِه. وإنما أُدْخِلَت الألفُ واللامُ في \"النكاحِ\" بدلًا مِن الإضافةِ إلى الهاءِ التي كان \"النكاح\" - لو لم يكونا (^١) فيه - مضافًا إليها، كما قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]. بمعنى: فإن الجنةَ هي (^٢) مأواه. وكما قال نابغةُ بنى ذُبْيانَ (^٣):\n_________\n(^١) في م: \"تكن أل\".\n(^٢) زيادة من: ت ١.\n(^٣) ديوانه ص ٥٦.","vol":"4","page":334},{"text":"لهم شِيمةٌ لم يُعْطِها اللهُ غيرَهم … مِن الناسِ فالأحلامُ غيرُ عَوازِبِ\nبمعنى: فأحْلامُهم غيرُ عَوازبَ. والشواهدُ على ذلك أكثرُ مِن أن تُحْصَى.\nفتأويل الكلامِ: إلا أن يَعْفُونَ، أو يَعْفُوَ الذي بيدِه عقدةُ النكاحِ، وهو الزوجُ الذي بيدِه عُقْدةُ نكاحِ نفسِه في كلِّ حالٍ، قبلَ الطلاقِ وبعدَه. [لا أنّ] (^١) معناه: أو يَعْفُوَ الذي بيدِه عُقْدةُ نكاحِهن، فيَكونُ تأويلُ الكلامِ ما ظنَّه القائلون أنه الوليُّ، وليُّ المرأةِ؛ لأن (^٢) وليَّ المرأةِ لا يَمْلِكُ عُقدة نكاحِ المرأةِ بغيرِ إذنِها إلا في حالِ طفولتِها، وتلك حالٌ لا يَمْلِكُ العقدَ عليها إلا بعضُ أوليائِها في قولِ أكثرِ من رأَى أن الذي بيدِه عُقْدةُ النكاحِ الوليُّ، ولم يَخْصُصِ الله تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ لله بعضًا منهم فيجوزَ توجيهُ التأويلِ إلى ما تأوَّلُوه، لو كان لِمَا قالوا في ذلك وجهٌ.\nوبعدُ، فإن الله تعالى ذكرُه إنما كنَى بقولِه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ عن ذكرِ النساءِ اللاتي قد جرَى ذكرُهن في الآيةِ قبلَها، وذلك قولُه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. والصَّبايا لا يُسَمَّين نساءً، وإنما يُسَمَّينْ صَبايا أو جَوارىَ، وإنما النساءُ في كلامِ العربِ جمعُ (^٣) اسمِ المرأةِ، ولا تقولُ العربُ للطفلةِ والصبيةِ والصغيرةِ امرأةٌ، كما لا تقولُ للصبيِّ الصغيرِ رجلٌ.\nوإذ كان ذلك كذلك، وكان قولُه: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ عندَ الزاعِمِين أنه الوليُّ، إنما هو: أو يعفوَ الذي بيدِه عقدةُ النكاحِ عما وجَب لوليتِه\n_________\n(^١) في م: \"لأن\".\n(^٢) في م: \"لا أن\".\n(^٣) في ص، ت ٢: \"أجمع\".","vol":"4","page":335},{"text":"التي تَسْتَحِقُّ أن يُوَلى عليها مالُها، إما لصغرٍ وإما لسَفَهٍ، والله تعالى ذكرُه إنما اقتصَّ في الآيتين قصصَ النساءِ المطلقاتِ، لعمومِ الذكرِ دونَ خصوصِه، وجعَل لهن العفوَ بقولِه: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ - كان معلومًا بقولِه: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ أن المَعْنِياتِ منهن بالآيتين اللتين ذكَرهن فيهما جميعهُن دونَ بعضٍ، إذ كان معلومًا أن عفوَ مَن يُولَّى (^١) عليه مالُه منهن باطلٌ.\nوإذ كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ أن التأويلَ في قولِه: أو يَعْفوَ الذي بيدِه عُقْدةُ نكاحِهن. يُوجِبُ أن يكونَ لأولياءِ النساءِ (^٢) الرُّشَّدِ البوالغِ من العفوِ عما وجَب (^٣) لهن مِن الصَّداقِ بالطلاقِ قبلَ المَسيسِ، مِثلُ الذي لأولياءِ الأطفالِ الصغارِ المُولَّى عليهن أموالُهن بالسفهِ. وفى (^٤) إنكارِ القائلين: إن الذي بيدِه عقدةُ النكاحِ الوَليُّ. عفوَ أولياءِ الثيباتِ الرُّشَّدِ البوالغِ على ما وصفنا، وتفريقِهم بينَ أحكامِهم وأحكامِ أولياءِ الأُخرِ - ما أبان عن فسادِ تأويلِهم الذي تأوَّلوه في ذلك. ويُسألُ القائلون بقولِهم في ذلك الفَرْقَ بينَ ذلك مِن أصلٍ أو نَظيرٍ، فلن يقولوا في شيءٍ مِن ذلك قولًا إلا أُلزِموا في خلافِه مِثْلَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-773>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ في مَن خُوطِبَ بقولِه: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. فقال بعضُهم: خُوطِبَ بذلك الرجالُ والنساءُ.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"تولى\".\n(^٢) في م: \"الثيبات\".\n(^٣) في م: \"وهب\".\n(^٤) سقط من: م.","vol":"4","page":336},{"text":"<span data-type='title' id=toc-774>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سمِعتُ ابنَ جُريجٍ يُحدِّثُ عن عطاءِ بن أبى رباحٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. قال: أقربُهما للتقوى الذي يَعْفو (^١).\nحدَّثنا ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبى سلمةَ، عن سعيد بن عبدِ العزيزِ، قال: سمِعتُ تفسيرَ هذه الآيةِ: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. قال: يَعْفون جميعًا.\nفتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ: وأن تَعْفوا أيها الناسُ بعضُكم عما وجَب له قِبَلَ صاحبِه مِن الصَّداقِ قَبْلَ الافتراقِ عندَ الطلاقِ، أقربُ له إلى تقوى اللهِ.\nوقال آخرون: بل الذين خُوطِبوا بذلك أزواجُ المطلقاتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-775>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾: وأن يَعْفوَ هو أقربُ للتَّقْوَى.\nفتأويلُ ذلك على هذا القولِ: وأن تَعْفوا أيها المُفارِقون أزواجَهم، فتَتْرُكوا لهن ما وجَب لكم الرجوعُ به عليهن مِن الصَّداقِ الذي سُقْتُموه إليهن، أو (^٢) إليهن: بإعطائِكم إياهن الصَّداق الذي كنتم سَمَّيتُم لهن في عُقدةِ النِّكاحِ، إن لم تكونوا سُقْتُموه إليهن - أقربُ لكم إلى تقوى اللهِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٥٥ (٢٣٦٢) عن يونس به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٨٥١) عن ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٩٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) بعده في ص، م بياض بمقدار كلمة، وفى ت ١، ت ٢ بمقدار كلمتين. واستظهر الشيخ شاكر أن يكون مكانه: \"تتموا\"، وفي حاشية المطبوعة: \"تسوقوه، أو نحوها\"، ولعل العبارة: \"أو أن تحسنوا إليهن … \".","vol":"4","page":337},{"text":"والذي هو أوْلَى القولين بتأويل الآيةِ عندِى في ذلك ما قاله ابن عباسٍ، وهو أن معنى ذلك: وأن يَعْفوَ بعضُكم لبعضٍ أيُّها الأزواجُ والزوجاتُ بعدَ فِراقِ بعضِكم بعضًا، عما وجَب لبعضِكم قِبَلَ بعضٍ، فيتْرُكَه له إن كان قد بَقِيَ له قِبَلَه، وإن لم يَكُنْ بَقِيَ له فبأن يُوفيَه بتمامِه، أقربُ لكم إلى تقوى اللهِ.\nفإن قال قائلٌ: وما في الصفحِ عن ذلك مِن القُربِ مِن تقوى اللهِ فيُقالَ للصافحِ العافِى عما وجَب له قِبَلَ صاحبِه: فِعْلُكَ ما فَعَلْتَ أَقْربُ لك إلى تقوى اللَّهِ؟\nقِيلَ له: الذي في ذلك مِن قُربِه من تقوى اللهِ مسارعتُه في عفوِه ذلك إلى ما ندَبه اللهُ إليه، ودعَاه وحضَّه عليه، فكان فِعلُه ذلك، إذا فَعَلَهِ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وإِيثَارَ ما ندَبه إليه على هَوَى نفسِه، معلومًا به إذ كان مُؤثِرًا فِعْلَ ما ندَبه إليه مما لم يَفْرِضْه عليه على هَوَى نفسِه، أنه لِما فرَضَه عليه وأوْجَبه أشدُّ إيثارًا، ولِما نَهاه أشدُّ له تَجنُّبًا. وذلك هو قُربُه مِن التقوى.\n\n<span data-type='title' id=toc-776>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكْرُه: ولا تُغْفِلوا أيُّها الناسُ الأخْذَ بالفضلِ، بعضُكم على بعضٍ، فَتترُكوه، ولكن لِيَتَفضَّلِ الرجلُ المُطلِّقُ زوجتَه قبلَ مسيسِها، فيُكْمِلَ لها تمامَ صداقِها إن كان لم يُعْطِها جميعَه، وإن كان قد ساق إليها جميع ما كان فرَض لها فليتفضَّلْ عليها بالعفوِ عما يَجِبُ له ويَجوزُ له الرجوعُ به عليها، وذلك نِصفُه، فإن شحَّ الرجلُ بذلك، وأبَى إلا الرجوعَ بنصفِه عليها، فلتَتفضَّلِ المرأةُ المُطلَّقةُ عليه برَدِّ جميعِه عليه إن كانت قد قَبَضتْه منه، وإن لم تكنْ قَبَضتْه فتَعْفو عن جميعِه. فإن هما لم يَفْعلا ذلك وشَحَّا وترَكا ما ندَبهما اللهُ إليه - مِن أَخْذِ أحدِهما (^١) على صاحبِه\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١.","vol":"4","page":338},{"text":"بالفضلِ - فلها نصفُ ما كان فرَض لها في عقدِ النكاحِ وله نصفُه.\nوبما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-777>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا ابن أبي ذئبٍ، عن سعيدِ [بن محمدِ] (^١) بن جُبَيرِ بن مُطْعِمٍ، عن جدِّه (^٢) جُبيرٍ، أنه دخَل على سعدِ بن أبى وقاصٍ، فعرَض عليه ابنةً له فتَزوَّجها، فلمَّا خرج طَلَّقها، وبَعث إليها بالصَّداقِ. قال: قِيلَ له: فلِمَ تَزَوَّجتها؟ قال: عرَضها عليَّ، فَكَرِهْتُ رَدَّها. قِيلَ: فلِمَ تَبْعَثُ بالصَّداقِ؟ قال: فأين الفضْلُ (^٣)؟\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجَيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾. قال: إتمامُ الزوجِ الصداقَ، أو تركُ المرأةِ الشَّطْرَ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾. قال: إتمامُ الصَّداقِ، أو تركُ المرأةِ شَطْرَه.\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) سقط من النسخ، وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٥٧٣، ٥٧٤.\n(^٢) في م: \"أبيه\"، وفى ت ١: \"عن جده عن\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٣٢٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٩٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٦ (٢٣٦٦) من طريق ورقاء به.","vol":"4","page":339},{"text":"حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدثنا أبى، عن سفيانَ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾: في هذا وفي غيرِه.\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾. قال: يقولُ: لِيتَعاطَفا.\nحدَّثنا بشر بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾: يُرَغِّبُكم اللهُ في المعروفِ، ويَحُثُّكم على الفَضْلِ (^١).\nحدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبِ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾. قال: المرأةُ يُطَلِّقُها زوجُها وقد فرَض لها ولم يَدْخُلْ بها، فلها نِصْفُ الصَّداقِ، فأمَر اللهُ أن يَتْركَ لها نصيبَها، وإن [شاء أن يُتِمَّ] (^٢) المهرَ كاملًا، وهو الذي ذَكَر اللهُ: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾: حضَّ كلَّ واحدٍ على الصِّلةِ، يعنى الزوجَ والمرأةَ على الصِّلة.\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا حِبانُ بنُ موسى، قال: أَخْبَرنا ابن المباركِ، قال: أَخْبَرنا يحيى بنُ بِشْرٍ، أنه سمِع عِكْرمةَ يقولُ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾: وذلك الفَضْلُ هو النِّصْفُ من الصَّداق، وأن تَعْفُوَ عنه المرأةُ للزوجِ، أو يَعْفُوَ عنه وَلِيُّها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٦ (٢٣٦٨) من طريق شيبان، عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٩٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ت ١: \"شاءت أتم\".","vol":"4","page":340},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾. قال: يُعْفِى عن نصفِ الصداقِ أو بعضِه.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، وحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، جميعًا عن سفيانَ: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾. قال: حثَّ بعضَهم على بعضٍ في هذا وفي غيرِه، حتى في عفوِ المرأةِ عن الصَّداق، والزوجِ بالإتمامِ.\nحدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أَخْبَرنا يزيدُ، قال: أخبرنا جُويبرٌ، عن الضَّحاكِ: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ قال: المعروف (^١).\nحدَّثنا ابن البَرْقِيِّ، قال: ثنا عمرٌو، عن سعيدٍ، قال: سمِعتُ تفسيرَ هذه الآيةِ ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾. قال: لا تَنْسَوا الإحسانَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-778>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذِكْرُه بذلك: إِنَّ الله بما تعملون أيُّها الناسُ، مما نَدَبكم إليه وحضَّضَكم (^٢) عليه؛ مِن عَفْوِ بعضِكم لبعضٍ عما وجَب له قِبَلَه من حقٍّ، بسببِ النكاحِ الذي كان بينَكم وبينَ أزواجِكم، وتَفَضُّلِ بعضِكم على بعضٍ في ذلك، وبغيرِه (^٣) مما تأتون وتَذَرون مِن أمورِكم في أنفسِكم وغيرِكم، مما حثَّكم اللهُ عليه وأمرَكم به أو نهاكم عنه، ﴿بَصِيرٌ﴾ يعنى بذلك: ذو بصرٍ لا يخفَى عليه منه شيءٌ مِن ذلك، بل هو يُحصِيه عليكم ويَحفظُه، حتى يجازىَ ذا الإحسانِ منكم على إحسانِه، وذا الإساءةِ منكم على إساءتِه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٩٢ إلى المصنف.\n(^٢) في م: \"حضكم\".\n(^٣) في ص: \"لغيره\".","vol":"4","page":341},{"text":"<span id=\"aya-245\"></span><span data-type='title' id=toc-781>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾.</span>\nيعنِى تعالى ذِكْرُه بذلك: واظِبوا على الصلواتِ المكتوباتِ في أوقاتِهن، وتَعاهَدوهن والْزَموهن، وعلى الصلاةِ الوسطَى منهن.\nوبما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-779>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ الحَجَّاجِ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ في قولِه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾. قال: المُحافظةُ عليها المُحافظةُ على وقتِها، وعَدَمُ (^١) السهوِ عنها (^٢).\nحدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ في هذه الآيةِ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾: فالحِفاظُ عليها الصلاةُ لوقتِها، والسَّهو عنها تركُ وقتِها.\nثم اخْتَلفوا في الصلاةِ الوسطَى؛ فقال بعضُهم: هي صلاةُ العصرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-780>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، جميعًا قالا: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال: الصلاةُ الوسطى صلاةُ العصرِ (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٣١٦، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٧، ٤/ ١٣٤٦ (١٣٧٠، ٧٦٢١) من طريق الأعمش به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥ إلى سعيد بن منصور.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٠٤ من طريق سفيان به، وأخرجه مسدد في مسنده - كما في المطالب =","vol":"4","page":342},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عُبيدٍ المُحاربيُّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن أبي إسحاقَ، قال: ثنى مَن سمِع ابن عباسٍ وهو يقولُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. قال: العصرُ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا مُصعبُ بنُ سَلَّامٍ، عن أبي حيانَ، عن أبيه، عن عليٍّ، قال: الصلاةُ الوسطَى صلاةُ العصرِ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا أبو حيانَ، عن أبيه، عن عليٍّ مِثلَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مُصْعبٌ، عن الأجْلَحِ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، قال: سمعتُ عليًّا يقولُ: الصلاةُ الوسطَى صلاةُ العصرِ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عَنْبسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، قال: سألتُ عليًّا (^٤) عن الصلاةِ الوسطَى، فقال: صلاةُ العصرِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ عبدِ الحكمِ المِصْريُّ، قال: ثنا أبو\n_________\n= العالية (٣٩٠٥) - وابن أبي شيبة ٢/ ٥٠٥، والطحاوى في شرح المعانى ١/ ١٧٥، والدمياطي في الصلاة الوسطى (٤٧، ٤٨) من طريق أبى إسحاق به.\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٠٣ - تفسير) عن أبي الأحوص به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠٥ إلى وكيع وسفيان وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٩٤ - تفسير) عن ابن علية به. وأخرجه ابن حزم ٤/ ٣٧٠، ٣٧١ من طريق أبى حيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠٥ إلى وكيع والفريابي وسفيان بن عيينة وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه الدمياطى في الصلاة الوسطى (٤٩) من طريق محمد بن كثير الكوفى، عن الأجلح به مرفوعًا، وأخرجه مسدد - كما في المطالب (٣٩٠٥) - من طريق أبى إسحاق به مرفوعا أيضًا.\n(^٤) في م: \"عليها\".","vol":"4","page":343},{"text":"زُرْعةَ [وَهْبُ اللهِ] (^١) بنُ راشدٍ، قال: أَخْبَرَنا حَيْوَةُ بنُ شُريحٍ، قال: أخبرنا أبو صخرٍ، أنه سمِع أبا معاويةَ البَجَليَّ مِن أهلِ الكوفةِ يقولُ: سمِعتُ أبا الصَّهْباءِ البَكْريَّ يقولُ: سألتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ عن الصلاةِ الوسطى، فقال: هي صلاةُ العصرِ، وهي التي فُتِن بها سليمانُ بنُ داودَ ﷺ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا سليمانُ التَّيميُّ، وحدَّثنا حُميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا التَّيْمِيُّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ أنه قال: الصلاةُ الوسطى صلاةُ العصرِ (^٣).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن مَعمرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عثمانَ بن خُثَيمٍ (^٤)، عن ابن لَبيبةَ، عن أبي هريرةَ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾: ألا وهى العصرُ، ألا وهى العصرُ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحَكَمِ، قال: ثنا أبي وشعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، عن يزيدَ بن الهادِ، عن ابن شهابٍ، عن سالمِ بن عبدِ اللهِ، عن عبدِ اللهِ، قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"مَن فاتَتْه صلاةُ العصرِ فكأنما وُتِرَ أهلَه ومالَه\". فكان ابن عمرَ يرَى لصلاةِ العصرِ فضيلةً للذي قال رسولُ اللهِ ﷺ\n_________\n(^١) في م: \"وهب\".\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٢٢/ ٢٤١ من طريق آخر عن علي.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٩٥ - تفسير) عن ابن علية به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٠٦، وابن حزم ٤/ ٣٦٩، والبيهقى ١/ ٤٦٠، ٤٦١، والدمياطى في الصلاة الوسطى (٤٣) من طريق التيمي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في م: \"غنم\". وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٢٧٩.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢٠٤٠، ٢١٩٧) عن معمر به. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٩٦ - تفسير)، والبخارى في التاريخ الكبير ٥/ ٣٥٧، ٣٥٨، والطحاوى في شرح المعاني ١/ ١٧٥، وابن حزم ٤/ ٣٦٩، والدمياطى في الصلاة الوسطى (٤٤) من طريق عبد الله بن عثمان به.","vol":"4","page":344},{"text":"فيها، أنها الصلاةُ الوسطَى (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا معتمرٌ، عن أبيه، قال: زعَم أبو صالحٍ، عن أبي هريرةَ أنه قال: هي صلاةُ العصرِ.\nحدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثني عمَّى عبدُ اللَّهِ بنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن ابن شهابٍ، عن سالمٍ، عن أبيه، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه. قال ابن شهابٍ: وكان ابن عمرَ يرَى أنها الصلاةُ الوسطَى (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عفانُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، قال: الصلاةُ الوسطى صلاةُ العصرِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنا أبو (^٤) عامرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي حُميدٍ، عن حميدةَ ابنةِ أبي يونسَ مولاةِ عائشةَ، قالت: أوْصَت عائشةُ لنا بمتاعِها، فوَجَدتُ في مصحفِ عائشةَ: (حافِظُوا علَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطَى وهى العصرُ وَقُومُوا للهِ قانتينَ) (^٥).\nحدَّثني سعيدُ بنُ يحيى الأمويُّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا ابن جُرَيجٍ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢١٩١) من طريق الزهرى بتمامه، وأخرجه الطحاوي في شرح المعاني \"١/ ١٧٠\"، والدمياطى في الصلاة الوسطى (٥٦) من طريق الليث به. مقتصرًا على الموقوف. وينظر الطيالسي (١٩١٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٦٢٦/ ٢٠١) من طريق ابن وهب به مقتصرا على المرفوع.\n(^٣) أخرجه الطحاوى في شرح المعانى \"١/ ١٧٥\"، والدمياطى في الصلاة الوسطى (٥٦) من طريق عفان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور \"١/ ٣٠٥\" إلى ابن المنذر.\n(^٤) في النسخ: \"ابن\". وهو أبو عامر العقدى، وسيأتي على الصواب في ص ٣٥١.\n(^٥) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ٨٤ من طريق ابن أبي حميد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور \"١/ ٣٠٤\" إلى وكيع.","vol":"4","page":345},{"text":"أخبرنا عبدُ الملكِ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن أمَّه أمَّ حُميدٍ بنتَ (^١) عبدِ الرحمنِ سَأَلَتْ عائشةَ عن الصلاةِ الوسطَى، قالت: كنا نَقْرؤُها في الحرفِ الأَوَّلِ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: (حافِظُوا عَلى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوسْطَى (^٢) صَلاةِ العَصْرِ وَقُومُوا للهِ قانِتِينَ) (^٣).\nحدَّثني عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: أخبرني عبدُ الملكِ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن أمِّه أمَّ حُميدٍ ابنةِ عبدِ الرحمنِ، أنها سَأَلتْ عائشةَ. فذكَر نحوَه، إلا أنه قال: (حافِظوا على الصلواتِ والصلاةِ الوسطَى وصلاةِ العصرِ) (^٤).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن محمدِ بن عمرٍو (^٥) أبي سهلٍ الأنصاريِّ، عن القاسمِ بن محمدٍ، عن عائشةَ في قولِه: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. قالت (^٦): صلاةُ العصْرِ (^٧).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمّادٌ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه، قال: كان في مصحفِ عائشةَ: (حافِظُوا على الصَّلواتِ والصلاةِ الوُسْطَى وهى صلاةُ العصرِ) (^٨).\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"بن\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"قال أبو جعفر: إنه قال\".\n(^٣) أخرجه البخارى في التاريخ الكبير \"٥/ ٤٢١، ٤٢٢\" عن سعيد بن يحيى به. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢٢٠٣)، وابن أبي داود في المصاحف ص ٨٤، وابن حزم \"٤/ ٣٦٨\" من طريق ابن جريج به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ٨٤، والطحاوى في شرح المعانى \"١/ ١٧٢\"، والدمياطي في الصلاة الوسطى (١١٢) من طريق الحجاج بن محمد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور \"١/ ٣٠٢\" إلى ابن المنذر.\n(^٥) بعده في النسخ: \"و\". وينظر تهذيب الكمال \"٢٦/ ٢٢١\".\n(^٦) في م، ت ٢: \"قال\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة \"٢/ ٥٠٤\" عن وكيع به.\n(^٨) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ٨٣، وابن حزم \"٤/ ٣٦٣\" من طريق حماد به.","vol":"4","page":346},{"text":"حدَّثنا أبو كرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن داودَ بن قيسٍ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ رافع مولى أمِّ سَلَمةَ، قال: أمَرَتْنى أمُّ سلمةَ أن أكتبَ لها مُصحفًا، وقالت: إذا انتَهيتَ إلى آيةِ الصلاةِ فأعْلِمْنى. فأعلمتُها، فأمْلَت عليَّ: (حافِظُوا علَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى صَلاةِ العَصْرِ) (^١).\nحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، قال: كان الحسنُ يقولُ: الصلاةُ الوسطى صلاةُ العصرِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: ثنا قتادةُ، عن أبي أيوبَ، عن عائشةَ أنها قالت: الصلاةُ الوسطى صلاةُ العصرِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سليمانَ التَّيميِّ، عن قتادةَ، عن أبي أيوبَ، عن عائشةَ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، قال: ثنا عَنْبَسَةُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: كان يقالُ: الصلاةُ الوسطى صلاةُ العصرِ (^٤).\nحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ذُكِر لنا عن عليّ بن أبي طالبٍ أنه قال: صلاةُ الوسطى صلاةُ العصرِ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة \"٢/ ٥٠٤\"، وابن أبي داود في المصاحف ص ٨٧ من طريق وكيع به بنحوه، وأخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ٨٧، ٨٨ من طريق داود بن قيس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور \"١/ ٣٠٣\" إلى وكيع وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن حزم \"٤/ ٣٧١\" من طريق يونس بن عبيد، عن الحسن.\n(^٣) أخرجه ابن حزم \"٤/ ٣٧٠\" من طريق يحيى به، وأخرجه ابن أبي شيبة \"٢/ ٥٠٦\"، والدمياطي في الصلاة الوسطى (٥٠) من طريق سليمان به.\n(^٤) ينظر تفسير البغوي \"١/ ٢٨٨\"، وتفسير ابن كثير \"١/ ٤٢٩\".","vol":"4","page":347},{"text":"جُبيرٍ، قال: صلاةُ الوسطى صلاةُ العصرِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سالمٍ، عن حفصةَ أنها أمرَتْ رجلًا يكتُبُ لها مصحفًا، فقالت: إذا بلغتَ هذا المكانَ فأعْلِمْني. فلما بلَغ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ قالت (^٢): اكتُبْ: (صلاةِ العصرِ) (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمّادُ بنُ سَلمةَ، قال: أخبرنا [عُبيدُ اللهِ] (^٤) بنُ عمرَ، عن نافعٍ، عن حفصةَ زوجِ النبيِّ ﷺ أنها قالتْ لكاتبِ مُصحفِها: إذا بلَغتَ مواقيتَ الصلاةِ فَأَخْبِرْنى حتى أُخْبِرَكَ بما سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ. فلما أخبَرَها قالتْ: اكتُبْ، فإني سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: (حافِظُوا على الصّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى وَهى صَلاةُ العَصْرِ) (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجّاجُ، قال: ثنا حمّادٌ، عن عاصمِ بن بَهْدَلَةَ، عن زِرِّ بن حُبيشٍ، قال: صلاةُ الوسطَى هي العصرُ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة \"٢/ ٥٠٥\" عن هشيم به.\n(^٢) في م: \"قال\".\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في الفضائل ص ١٦٥، وابن أبي شيبة \"٢/ ٥٠٣، ٥٠٤\"، عن هشيم عن أبي بشر، عن رجل، عن سالم، عن حفصة بنحوه. وأخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ٨٥ من طريق شعبة، عن أبي بشر، عن عبد الله بن يزيد، عن سالم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور \"١/ ٣٠٥\" إلى وكيع وعبد بن حميد.\n(^٤) في ص: \"عبد الله\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف (٨٦) من طريق الحجاج به، وأخرجه أيضًا (ص ٨٥) من طريق حجاج به - بزيادة ابن عمر بين نافع وحفصة - وأخرجه أيضًا (ص ٨٦)، والبيهقى \"١/ ٤٦٢\"، وإسماعيل بن إسحاق - كما في التمهيد \"٤/ ٢٨١\" - من طريق عبد الوهاب وحماد بن زيد، عن عبيد الله به. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢٢٠٢) عن ابن جريج، عن نافع به، وعزاه السيوطي في الدر \"١/ ٣٠٥\" إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) ينظر: البحر المحيط \"٢/ ٢٤٠\".","vol":"4","page":348},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾: كنا نُحَدِّثُ أنها صلاةُ العصرِ؛ قبلَها صلاتان مِن النهارِ، وبعدَها صلاتان مِن الليلِ (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا جُوَيبِرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. قال: أُمِروا بالمحافظةِ على الصلواتِ. قال: وخصَّ العصرَ، ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ يعنِى: العصرَ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفَرَجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أَخْبَرَنَا عُبَيدُ (^٣) بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾: هي العصرُ.\nحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ذُكِر لنا عن عليّ بن أبي طالبٍ أنه قال: الصلاةُ الوسطى صلاةُ العصرِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبِي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبِى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ يعنِى: المكتوباتِ، ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ يعنى: صلاةَ العصرِ (^٥).\nحدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازِيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا قيسٌ، عن أبي (^٦) إسحاقَ، عن رَزِينِ بن عُبيدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: سَمِعتُه يقولُ: ﴿حَافِظُوا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور \"١/ ٣٠٥\" إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة \"٢/ ٥٠٥\" من طريق جويبر به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبد\"، وفى م: \"عبد الله\".\n(^٤) هذا الأثر مكرر تقدم في ص ٣٤٧.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره \"٢/ ٤٤٧\" (٢٣٧٢) عن محمد بن سعد به بشطره الأول.\n(^٦) في م، ت ٢: \"ابن\".","vol":"4","page":349},{"text":"عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. قال: صلاةُ العصرِ (^١).\nحدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ثورٍ، عن مجاهدٍ، قال: الصلاةُ الوسطَى صلاةُ العصرِ.\nحدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ، قال: الصلاةُ الوسطى صلاةُ العصرِ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن رَزينِ بن عُبيدٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ (^٢): صلاةُ العصرِ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، قال: أنبأنا إسماعيلُ بنُ مسلمٍ، عن الحسنِ، عَن سَمُرَةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: \"الصلاةُ الوسطى صلاةُ العصرِ\" (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا وهبُ بنُ جَرِيرٍ، قال: ثنا أبِي، قال: سمِعتُ يحيى بنَ أيوبَ يُحَدِّثُ عن يزيدَ بن أبي حَبيبٍ، عن مُرَّةَ بن مِخْمَرٍ، عن سعيدِ بن الحكمِ، قال: سمِعتُ أبا أيوبَ يقولُ: صلاةُ الوسطى صلاةُ العصرِ (^٥).\nحدَّثنا ابن سِنانٍ (^٦)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن مباركٍ، عن الحسنِ، قال: صلاةُ\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الفضائل ص ١٦٦ من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور \"١/ ٣٠٥\" إلى عبد بن حميد.\n(^٢) بعده في م: \"هي\".\n(^٣) أخرجه الطحاوى في شرح المعانى \"١/ ١٧٢\" - ومن طريقه الدمياطى في الصلاة الوسطى (٥٢) - من طريق أبي نعيم به، وأخرجه البخارى في التاريخ \"٣/ ٣٢٤\" من طريق إسرائيل به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور \"١/ ٣٠٤\" إلى المصنف وعبد بن حميد. وينظر ما سيأتي في ص ٣٥٧.\n(^٥) ذكره البخارى في التاريخ \"٣/ ٤٦٥\" عن وهب بن جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور \"١/ ٣٠٥\" إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٦) في النسخ: \"سفيان\".","vol":"4","page":350},{"text":"الوسطى صلاةُ العصرِ.\nوعلَّةُ مَن قال هذا القولَ ما حدَّثني به محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا محمدٌ - يعنِي ابنَ طلحةَ - عن زُبَيدٍ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: شغَل المشركون رسولَ اللهِ ﷺ عن صلاةِ العصرِ، حتى اصْفَرَّتْ أو احْمَرَّتْ، فقال: \"شَغَلونا عن الصلاةِ الوسطى، مَلأَ اللَّهُ أَجْوافَهم وقُبُورَهم نارًا\" (^١).\nحدَّثنى أحمدُ بنُ سنانٍ الواسطيُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ طلحةَ، عن زُبيدٍ عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه، إلا أنه قال: \"مَلأَ اللَّهُ بُيُوتَهم وقُبُورَهم نارًا كما شَغَلونا عن الصلاةِ الوسطى\" (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى ومحمدُ بنُ بشارٍ، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ قتادةَ يُحَدِّثُ عن أبي حسانَ، عن عَبيدةَ السَّلْمانيِّ، عن عليٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ يومَ الأحزابِ: \"شَغَلونا عن الصلاةِ الوسطَى حتى آبَتِ الشمسُ، مَلأَ اللهُ قُبُورَهم وبُيُوتَهم نارا\". أوْ \"بُطُونَهُمْ نارًا\". شَكَّ شعبةُ في البطونِ والبيوتِ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ،\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوى في شرح المعانى \"١/ ١٧٤\" من طريق أبي عامر به، وأخرجه أحمد \"٦/ ٣٧٨\"، \"٧/ ٣٧٥\" (٣٨٢٩، ٤٣٦٥)، ومسلم (٦٢٨/ ٢٠٦)، والترمذى (١٨١، ٢٩٨٥)، وابن ماجه (٦٨٦) من طريق محمد بن طلحة به، وينظر الطيالسي (٣٦٤).\n(^٢) أخرجه أحمد \"٦/ ٢٥٦\" (٣٧١٦)، وابن ماجه (٦٨٦)، والبزار (٢٠٢٢)، وأبو عوانة \"١/ ٣٥٦\" من طريق يزيد بن هارون به.\n(^٣) أخرجه مسلم (٦٢٧/ ٢٠٣) عن محمد بن المثنى ومحمد بن بشار به، وأخرجه أحمد \"٢/ ٣٥٩\" (١١٥٠) عن محمد بن جعفر به، وأخرجه أحمد \"٢/ ٣٥٩\" (١١٥١)، والنسائي (٤٧٢)، والبزار (٥٥٥)، والدمياطى في الصلاة الوسطى (١٠) من طريق شعبة به.","vol":"4","page":351},{"text":"قال: قلتُ لعَبيدةَ السَّلْمانيِّ: سلْ عليَّ بنَ أبي طالبٍ عن الصلاةِ الوسطَى. فسأَله فقال: كنا نراها الصبحَ أو الفجرَ، حتى سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ يومَ الأحزابِ: \"شَغَلونا عن الصلاةِ الوسطى صلاةِ العصرِ، مَلأَ اللَّهُ قُبُورَهم وأجْوافَهم نارًا\" (^١).\nحدَّثنا ابن بَشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحى، عن شُتَيْرِ بن شَكَلٍ، عن عليٍّ، قال: شَغَلونا يومَ الأحزابِ عن صلاةِ العصرِ، حتى سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"شغَلَونا عن الصلاةِ الوسطى صلاةِ العصرِ، مَلأَ اللَّهُ قُبُورَهم وبُيُوتَهم نارًا\". أَوْ \"أجْوافَهم نارًا\" (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن يحيى بن الجَزَّارِ، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ أنه كان (^٣) يومَ الأحزابِ على فُرْضَةٍ (^٤) مِن فُرَضِ الخندقِ، فقال: \"شَغَلونا عن الصلاةِ الوسطى حتى غَرَبَتِ الشمسُ، مَلأَ اللَّهُ قُبُورَهم وبُيُوتَهم نارًا\". أوْ \"بُطُونَهم وبُيُوتَهمْ نارًا\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره \"٢/ ٤٤٨\" (٢٣٧٤)، وابن حزم \"٤/ ٣٦٠، ٣٦١\"، والدمياطي في الصلاة الوسطى (٦، ٧، ٨) من طريق عبد الرحمن به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢١٩٢)، وابن أبي شيبة \"٢/ ٥٠٤\"، وأحمد \"٢/ ٢٨٤\" (٩٩٠)، وأبو يعلى (٣٩٠)، والطحاوى في شرح المعاني \"١/ ١٧٤\"، والبيهقى \"١/ ٤٦٠\" من طريق سفيان به.\n(^٢) أخرجه أحمد \"٢/ ٣٠٤\" (١٠٣٦)، وأبو يعلى (٣٨٩) من طريق عبد الرحمن بن مهدى به وقرن أبو يعلى بالأعمش منصور بن المعتمر، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢١٩٤)، وأحمد \"٢/ ٤٠٤\" (١٢٤٦)، والبيهقى \"١/ ٤٦٠\" من طريق سفيان به.\n(^٣) في م، ت ٢: \"قال\".\n(^٤) فرضة الخندق: المدخل من مداخله والمنفذ إليه. صحيح مسلم بشرح النووى \"٥/ ١٣٠\".\n(^٥) أخرجه البزار في مسنده (٧٨٧) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أحمد \"٢/ ٤٣٢\" (١٣٠٦)، ومن طريقه الدمياطى في الصلاة الوسطى (٤٠). عن محمد بن جعفر به، وأخرجه ابن أبي شيبة \"٢/ ٥٠٣\"، وأحمد \"٢/ ٣٤٩\" (١١٣٢)، ومسلم (٦٢٧/ ٢٠٤) من طريق شعبة به. وينظر الطيالسي (٩٥).","vol":"4","page":352},{"text":"حدَّثني أبو السائبِ [وسعيدُ بنُ نُمَيرٍ] (^١)، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن شُتَيْرِ بن شَكَلٍ، عن عليٍّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"شَغَلونا عن الصلاةِ الوسطى صلاةِ العصرِ، مَلأَ اللَّهُ قُبُورَهم وبُيُوتَهم نارًا\". ثم صلَّاها بينَ العِشاءيْن؛ بينَ المغربِ والعشاءِ (^٢).\nحدَّثنا الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ عاصمٍ، عن خالدٍ، عن محمدِ بن سِيرينَ، عن عَبيدةَ السَّلْمانيِّ، عن عليٍّ، قال: لم يُصَلِّ رسولُ اللهِ ﷺ العصرَ يومَ الخندقِ إلَّا بعدَ ما غَرَبتِ الشمسُ، فقال: \"ما لَهم! مَلأَ اللَّهُ قُلُوبَهم وبُيُوتَهم نارًا، مَنَعونا عن الصلاةِ الوسطى حتى غَرَبَتِ الشمسُ\" (^٣).\nحدَّثنا زكريا بنُ يحيى الضَّريرُ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ، عن إسرائيلَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، قال: انْطَلَقْتُ أنا وعَبيدةُ السَّلْمانيُّ إلى عليٍّ، فأمَرتُ عَبيدةَ أَن يسألَه عن الصلاةِ الوسطى، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما الصلاةُ الوسطى؟ فقال: كنا نراها صلاةَ الصبحِ، فبينا نحنُ نُقاتِلُ أهلَ خيبرَ، فقاتَلوا حتى أرْهَقونا عن الصلاةِ، وكان قُبيلَ غروبِ الشمسِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"اللَّهُمَّ امْلأْ قُلُوبَ هؤلاء القوم الذين شَغلونا عن الصلاةِ الوسطى وأجْوَافَهم نارًا\". أو \"امْلأُ قُلُوبَهم نارًا\". قال: فعَرَفْنا\n_________\n(^١) في ص: \"سعيد بن عمر\".\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة (١٣٣٧) عن أبي السائب سلم بن جنادة، وأخرجه ابن أبي شيبة \"٢/ ٥٠٣\"، وأحمد \"٢/ ٥٣، ٢٤٠\" (٦١٧، ٩١١)، ومسلم (٦٢٧/ ٢٠٥)، وأبو يعلى (٣٩٢)، والدمياطي في الصلاة الوسطى (١) من طريق أبى معاوية به، وأخرجه أحمد \"٢/ ٤٢٩\" (١٢٩٩)، والنسائي في الكبرى (١١٠٤٥)،، وأبو يعلى (٣٩١)، وابن خزيمة (١٣٣٧)، من طريق الأعمش به، وأخرجه الدمياطى في الصلاة الوسطى (٢) من طريق شتير به.\n(^٣) أخرجه الدمياطى في الصلاة الوسطى (١١) من طريق على بن عاصم به، وأخرجه أحمد \"٢/ ٢٨٧، ٣٩٢\" (٩٩٤، ١٢٢١)، والبخارى (٢٩٣١، ٤٥٣٣)، ومسلم (٦٢٧/ ٢٠٢)، وأبو داود (٤٠٩)، والبزار (٥٤٩)، وأبو يعلى (٣٩٣) من طريق ابن سيرين به.","vol":"4","page":353},{"text":"يومئذٍ أنها الصلاةُ الوسطى (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي حسانَ الأعرجِ، عن عَبيدةَ السَّلْمانيِّ، عن عليِّ بن أبِي طالبٍ، أَنَّ نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال يومَ الأحزابِ: \"اللَّهُمَّ امْلأْ قُبورَهم (^٢) وبُيُوتَهم نارًا، كما شَغَلونا - أو كما حَبَسونا - عن الصلاةِ الوسطى حتى غَرَبَتِ الشمسُ\" (^٣).\nحدَّثنا سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا ثابتُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ طلحةَ، عن زُبيدٍ، عن مُرَّةَ، عن ابن مسعودٍ، قال: حَبَس المشركون رسولَ اللهِ ﷺ عن صلاةِ العصرِ، حتى اصْفَرَّتِ الشمسُ أو احْمَرَّتْ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ \"شَغَلونا عن الصلاةِ الوسطى، مَلأَ اللَّهُ بُيُوتَهم وقُلُوبَهم نارًا\". أو: \"حشا اللَّهُ قُلُوبَهم وبُيُوتَهم نارًا\".\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، قال: سمِعتُ طلحةَ، قال: صَلَّيتُ مع مُرَّةً في بيتِه، فسَها - أو قال: نسِى - فقامَ قائمًا يُحدِّثنُا - وقد كان يُعجِبُنى أن أسْمَعَه مِن ثِقةٍ - قال: لَمَّا كان يومُ الخندقِ - يعنى يومَ الأحزابِ - قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ما لهم! شَغَلونا عن الصلاةِ الوسطى صلاةِ العصرِ، مَلأَ اللهُ أجْوافَهم وقُبُورَهم نارًا\" (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور \"١/ ٣٠٣\" إلى المصنف.\n(^٢) في م، ت ١: \"قلوبهم\".\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ٢٩، ٣٥١، ٤٣٣ (٥٩١، ١١٣٤، ١٣٠٨)، ومسلم (٦٢٧/ ٢٠٣)، والترمذى (٢٩٨٤)، وأبو يعلى (٣٨٤)، والدمياطى في الصلاة الوسطى (٩) من طريق سعيد به، وأخرجه أحمد \"٢/ ٤٣٦، ٤٤٣\" (١٣١٤، ١٣٢٧)، وابن عبد البر في التمهيد \"٤/ ٢٩٠\" من طريق قتادة به.\n(^٤) أخرجه العقيلي \"٤/ ٨٦\" من طريق مالك به نحوه.","vol":"4","page":354},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ بنُ (^١) عطاءٍ، عن التَّيْميِّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"صلاةُ الوسطى صلاةُ العصرِ\" (^٢).\nحدَّثني عليُّ بنُ مسلمٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ العَوّامِ، عن هلالِ بن خَبَّابٍ (^٣)، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: خَرَج رسولُ اللهِ ﷺ في غَزاةٍ له، فحَبَسه المشركون عن صلاةِ العصرِ حتى مَسَّى (^٤) بها، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"اللَّهُمَّ امْلأْ بُيُوتَهم وأجْوافَهم نارًا، كما حَبَسونا عن الصلاةِ الوسطى\" (^٥).\nحدَّثنا موسى بنُ سهلٍ الرَّمْليُّ، قال: ثنا إسحاقُ، عن عبدِ الواحدِ المَوْصليِّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن ابن أبي ليلى، عن الحكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قال النبيُّ ﷺ يومَ الأحزابِ: \"شَغَلونا عن الصلاةِ الوسطى حتى غابَتِ الشمسُ، مَلأَ اللهُ قُبُورَهم وبُيُوتَهم نارًا\".\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبَرَنا خالدٌ، عن ابن أبي ليلى، عن الحكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ، قال: شَغَل الأحزابُ النبيَّ ﷺ يومَ الخندقِ عن صلاةِ العصرِ حتى غَرَبتِ الشمسُ، فقال النبيُّ ﷺ: \"شَغَلونا عن الصلاةِ\n_________\n(^١) في م: \"عن ابن\".\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة (١٣٣٨) عن أحمد بن منيع به، والبيهقى \"١/ ٤٦٠\"، والدمياطي في الصلاة الوسطى (٣٩) من طريق عبد الوهاب بن عطاء به، وتقدم تخريجه موقوفًا ص ٣٤٤.\n(^٣) في ص: \"حباب\". وينظر تهذيب الكمال \"١٤/ ١٤٠\".\n(^٤) في م: \"أمسى\".\n(^٥) أخرجه البزار (٣٨٩ - كشف) عن علي بن مسلم الطوسى به، وأخرجه الطحاوي في شرح المعاني \"١/ ١٧٤\" من طريق عباد بن العوام به، وأخرجه أحمد \"٤/ ٤٧٤\" (٢٧٤٥)، والطحاوى \"١/ ١٧٤\"، والطبراني في الكبير (١١٩٠٥)، وفى الأوسط (١٩٩٥) من طريق هلال به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور \"١/ ٣٠٣\" إلى عبد بن حميد.","vol":"4","page":355},{"text":"الوسطى، مَلأَ اللهُ قُبُورَهم وبُيُوتَهم نارًا\". أو \"أجْوافَهم نارًا (^١) \".\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سليمانُ بنُ أحمدَ الجُرَشيُّ (^٢) الواسطيُّ، قال: ثنا الوليدُ بن مسلمٍ، قال: أخبرني صَدَقةُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثني خالدُ بنُ دِهْقانَ، عن [خالدٍ سَبَلانَ] (^٣)، عن كُهَيلِ بن حَرْمَلَةَ، قال: سُئِل أبو هريرةَ عن الصلاةِ الوسطى، فقال: اخْتَلَفْنا فيها، كما اختلَفتم فيها، ونحن بفِناءِ بيتِ رسولِ اللهِ ﷺ، وفينا الرجلُ الصالحُ أبو هاشمِ بنُ عُتبةَ بن رَبيعةَ بن عبدِ شمسٍ، فقال: أنا أعْلَمُ لكم ذلكَ. فقام فاسْتَأْذَن على رسولِ اللهِ ﷺ، فدَخَل عليه، ثم خَرَج إلينا فقال: أَخْبَرَنا أنها صلاةُ العصرِ (^٤).\nحدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدَائيُّ، قال: ثنا أبي، وحدَّثنا ابن إسحاقَ الأهْوازِيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قالا جميعًا: ثنا فُضيلُ بنُ مرزوقٍ (^٥)، عن شَقيقِ بن عُقْبَةَ العَبْديِّ، عن البراءِ بن عازبٍ، قال: نزَلتْ هذه الآيةُ: \"حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وصلاةِ العَصْرِ\". قال: فقَرَأْناها (^٦) على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ما شاءَ اللهُ أن نَقْرَأَها، ثم\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢٠٦٩) من طريق عمرو بن عون به نحوه. وأخرجه الطحاوى في شرح المعانى \"١/ ١٧٤\" من طريق ابن أبي ليلى به نحوه، وقرن الطحاوى بمقسم سعيد بن جبير.\n(^٢) في النسخ: \"الحرشي\". وينظر الجرح والتعديل \"٤/ ١٠١\"، وتاريخ بغداد \"٩/ ٤٩\".\n(^٣) في ص، ت ٢: \"خالد بن سيلان\"، وفى م: \"جابر بن سيلان\"، وفى ت ١: \"خالد بن سبيلان\". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر التاريخ الكبير \"٣/ ١٥٤\"، والإكمال \"٤/ ٢٥٠\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٥٥٧)، والبزار (٣٩١ - كشف)، والطحاوي في شرح المعاني \"١/ ١٧٤\"، والطبراني في الكبير (٧١٩٨)، وابن حبان في الثقات \"٥/ ٣٤١\"، وابن عساكر في تاريخه \"١٦/ ١٣٢، ٢١١، ١٩/ ٢٠٢\" (مخطوط)، والدمياطى في الصلاة الوسطى (٤٥) من طريق صدقة بن خالد به، وأخرجه الطبراني (٧١٩٨)، والحاكم \"٣/ ٦٣٨\" من طريق خالد بن دهقان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور \"١/ ٣٠٤\"، \"٦٣٠/ ٢٠٨\" إلى ابن سعد والبغوى في معجمه.\n(^٥) في النسخ: \"مسروق\". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال \"٢٣/ ٣٠٥\".\n(^٦) في النسخ: \"فقرأتها\". والمثبت من مصادر التخريج.","vol":"4","page":356},{"text":"إن الله نَسَخَها، فأنْزَل ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قال: فقال رجلٌ كان مع شَقيقٍ: فهى صلاةُ العصرِ؟ قال: قد حَدَّثْتُك (^١) كيف نزَلتْ، وكيفَ نَسَخَها اللهُ، واللهُ أعلمُ (^٢).\nحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، وحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ ومحمدُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصاريُّ، قالا جميعًا: ثنا سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ، وحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عَبْدَةُ بنُ سليمانَ ومحمدُ بنُ بشرٍ وعبدُ اللَّهِ بنُ إسماعيلَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"الصلاةُ الوسطى صلاةُ العصرِ\" (^٣).\nحدَّثني عصامُ بنُ رَوّادِ بن الجُرَّاحِ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشِيرٍ، قتادةَ، عن الحسنِ، عن سَمُرةَ، قال: أنبَأنا رسولُ اللهِ ﷺ أنَّ الصلاةَ الوسطى هي العصرُ (^٤).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ،\n_________\n(^١) في ص: \"حدثك\".\n(^٢) أخرجه الحاكم \"٢/ ٢٨١\" - وعنه البيهقى \"١/ ٤٥٩\" - من طريق أبي أحمد الزبيرى به، وأخرجه أحمد \"٣٠/ ٦١٣\" (١٨٦٧٣)، ومسلم (٦٣٠/ ٢٠٨)، وأبو عوانة \"١/ ٣٥٣، ٣٥٤\"، والطحاوى في شرح المعاني \"١/ ١٧٣\"، وفى المشكل (٢٠٧١)، وابن حزم في المحلى \"٤/ ٣٦٨\" من طريق فضيل بن مرزوق به، وأخرجه أبو عوانة \"١/ ٣٥٤\"، والبيهقى \"١/ ٤٥٩\" من طريق شقيق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور \"١/ ٣٠٣\" إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه.\n(^٣) أخرجه الترمذى (١٨٢) من طريق عبدة بن سليمان، عن سعيد به، وأخرجه في (٢٩٨٣) عن حميد بن مسعدة، عن يزيد به، وأخرجه الطبراني في الكبير (٦٨٢٥) من طريق يزيد به، وأخرجه أحمد \"٥/ ٧، ١٢، ١٣\" (الميمنية)، والطحاوى في شرح المعانى \"١/ ١٧٤\"، والطبرانى في الكبير (٦٨٢٥)، والدمياطي في الصلاة الوسطى (٣٤، ٣٥) من طريق سعيد به، وأخرجه ابن أبي شيبة \"٢/ ٥٠٥\"، والطبراني في الكبير (٦٨٢٤، ٦٨٢٦)، والبيهقى \"١/ ٤٦٠\"، والدمياطى في الصلاة الوسطى (٣٢) من طريق قتادة به.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٦٨٢٣) من طريق سعيد بن بشير به.","vol":"4","page":357},{"text":"عن أبي الضُّحَى، عن شُتَيرِ بن شَكلٍ، عن أمِّ حَبيبةَ، عن النبيِّ ﷺ، قال يومَ الخندقِ: \"شَغَلونا عن الصلاةِ الوسطى صلاةِ العصرِ حتى غَرَبَتِ الشمسُ\". قال أبو موسى: هكذا قال ابن أبى عديٍّ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن يونسَ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"حافِظُوا على الصَّلَواتِ والصلاةِ الوسطى، وهى العصرُ\" (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عبدُ السلامِ، عن سالمٍ مولى أبي نصيرٍ، قال: ثنى إبراهيمُ بنُ يزيدَ الدمشقيُّ، قال: كنتُ جالسًا عندَ عبدِ العزيزِ بن مَرْوانَ، فقال: يا فلانُ، اذهَبْ إلى فلانٍ فقلْ له: أَيُّ شيءٍ سَمِعتَ مِن رسول اللهِ ﷺ في الصلاةِ الوسطى؟ فقال رجلٌ جالسٌ: أَرْسَلَنى أبو بكرٍ وعمرُ وأنا غلامٌ صغيرٌ، أسْأَلُه عن الصلاةٍ الوسطى، فأخَذ إصْبَعى الصغيرةَ فقال: \"هذه الفجرُ\". وقَبَض التي تليها وقال: \"هذه الظهرُ\". ثم قَبَض الإبهامَ فقال: \"هذه المغربُ\". ثم قَبَض التي تليها ثم قال: \"هذه العشاءُ\". ثم قال: \"أيُّ أصابعِك بَقِيَتْ؟ \". فقلْتُ: الوسطى. فقال: \"أيُّ صلاةٍ بَقِيَتْ؟ \" قلتُ: العصرُ. قال: \"هي العصرُ\" (^٣).\nحُدِّثتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ذُكِر لنا أنّ المشركين شَغَلُوهم يومَ الأحزابِ عن صلاةِ العصرِ حتى غابتِ الشمسُ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"شَغَلونا عن الصلاةِ الوسطى صلاةِ العصرِ، حتى\n_________\n(^١) ينظر الصلاة الوسطى (١٥٠)، وتفسير ابن كثير \"١/ ٤٢٩\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة \"٢/ ٥٠٣\" من طريق يونس به.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره \"١/ ٤٣١\" عن المصنف، وعنده: سالم مولى أبي بصير. ولم نجده فيما بين أيدينا من مصادر. وينظر الدر المنثور \"١/ ٣٠٤\".","vol":"4","page":358},{"text":"غَرَبَتِ الشمسُ، مَلأَ اللَّهُ بُيوتَهم وقُبُورَهم نارًا\".\nحدَّثنا ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا عَمرُو بنُ (^١) أبي سلَمةَ، قال: ثنا صدقةُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أبي حسانَ، عن عَبيدةَ السَّلْمانيِّ، عن عليّ بن أبي طالبٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال يومَ الأحزابِ: \"اللَّهُمَّ امْلأُ بُيُوتَهم وقُبُورَهم نارًا، كما شَغَلونا عن الصلاةِ الوسطى حتى آبَتِ الشمسُ\".\nحدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ الطائيُّ، قال: ثنِى محمدُ بنُ إسماعيلَ بن عَيَّاشٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى ضَمْضَمُ بنُ زُرْعَةَ، عن شُريحِ بن عُبيدٍ، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"الصلاةُ الوسطى صلاةُ العصرِ\" (^٢).\nوقال آخرون: بل الصلاةُ الوسطَى صلاةُ الظهرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-782>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: ثنا عفّانُ، قال: ثنا همامٌ، قال: ثنا قتادةُ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، عن ابن عمرَ، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: الصلاةُ الوسطَى صلاةُ الظهرِ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُخَرِّميُّ (^٤)، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، عن ابن عمرَ، عن زيدٍ - يعني ابنَ ثابتٍ - مثلَه (^٥).\n_________\n(^١) في النسخ: \"عن\".\n(^٢) أخرجه الطبراني (٣٤٥٨) من طريق محمد بن إسماعيل بن عياش به، وذكره ابن كثير في تفسيره \"١/ ٤٣١\" عن المصنف.\n(^٣) أخرجه الطحاوى في شرح المعانى \"١/ ١٦٧\"، والبيهقى \"١/ ٤٥٩\"، من طريق عفان به.\n(^٤) في النسخ: \"المخزومي\". وتقدم في \"٣/ ٤٩٤\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة \"٢/ ٥٠٥\" من طريق شعبة به.","vol":"4","page":359},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سعدِ (^١) ابن إبراهيمَ، قال: سمِعتُ حفصَ بنَ عاصمٍ يُحَدِّثُ عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: الصلاةُ الوسطى الظهرُ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا سليمانُ بنُ داودَ، قال: ثنا شعبةُ، وحدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن شعبةَ، قال: أخبرني عمرُ بنُ سليمانَ، مِن ولدِ عمرَ بن الخطابِ، قال: سمِعتُ عبدَ الرحمنِ بنَ أبانِ بن عثمانَ يُحَدِّثُ عن أبيه، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: الصلاةُ الوسطَى هي الظهرُ (^٢).\nحدَّثنا زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرَ بن سليمانَ - هكذا قال أبو زائدةَ - عن عبدِ الرحمنِ بن أبانٍ، عن أبيه، عن زيدِ بن ثابتٍ في حديثٍ (^٣) رفَعه: \"الصلاةُ الوسطى صلاةُ الظهرِ\" (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ، قال: ثنا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ وابنُ لَهيعةَ، قالا: ثنا أبو عَقيلٍ زُهْرَةُ بنُ مَعْبَدٍ، أن سعيدَ بنَ المسيَّبِ حَدَّثه أنه كان قاعدًا هو وعروةُ بنُ الزبيرِ وإبراهيمُ بنُ طلحةَ، فقال سعيدُ بنُ المسيّبِ: سمِعتُ أبا سعيدٍ الخُدْرِيَّ يقولُ: الصلاةُ الوسطى هي الظهرُ. فمرَّ علينا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، فقال عروةُ: أرْسِلوا إلى ابن عُمرَ فاسْألوه. فأرْسَلوا إليه غلامًا فسَأَلَه، ثم جاءَنا الرسولُ فقال: يقولُ: هي صلاةُ الظهرِ. فشَكَكْنا في قولِ الغلامِ، فقُمْنا جميعًا فَذَهَبْنا إلى\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"سعيد\".\n(^٢) أخرجه الطحاوي في شرح المعانى \"١/ ١٦٧\" من طريق شعبة به، وعنده: عمرو بن سليمان. وينظر تهذيب الكمال \"٢١/ ٣٨٠، ٣٨١\"\n(^٣) في النسخ: \"حديثه\". والمثبت هو الصواب.\n(^٤) أخرجه أحمد \"٥/ ١٨٣\" من طريق شعبة به مطولا.","vol":"4","page":360},{"text":"ابن عمرَ فسألناه، فقال: هي صلاةُ الظهرِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا العَوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: ثني رجلٌ مِن الأنصارِ، عن زيدِ بن ثابتٍ أنه كان يقولُ: هي الظهرُ (^٢).\nحدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ، ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا ابن أبي ذِئبٍ، وحدَّثني المثنّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا ابن أبي ذئبٍ، عن الزِّبْرِقانِ بن عمرٍو، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: الصلاةُ الوسطى صلاةُ الظهرِ (^٣).\nحدَّثني المثنّى: قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، قال: أخبرنا عُبيدُ اللَّهِ، عن نافعٍ، عن زيدِ بن ثابتٍ أنه قال: الصلاةُ الوسطى هي صلاةُ الظهرِ.\nحدَّثنا ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: أخبرنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: ثنى الوليدُ بنُ أبي الوليدِ أبو عثمانَ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ دينارٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ، أنه سُئِل عن صلاةِ (^٤) الوسطى، قال: هي التي على أثَرِ الضُّحَى (^٥).\nحدَّثنا ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا ابن أبى مريمَ، قال: ثنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: ثنى الوليدُ بنُ أبي الوليدِ، أنّ سلَمةَ بنَ أبي مريمَ حَدَّثَه أنّ نفرًا من قريشٍ أرْسَلوا إلى عبدِ اللَّهِ بن عمرَ يَسْألونه عن الصلاةِ الوسطَى، فقال له: هي التي على أثَرِ صلاةِ الضُّحَى. فقالوا له: ارْجعْ واسْأَلْه، فما زادَنا إلا عَياءً (^٦) بها، فمرَّ بهم عبدُ الرحمنِ بنُ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى \"١/ ٤٥٨، ٤٥٩\" من طريق عبد الله بن يزيد عن حيوة - وحده - به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور \"١/ ٣٠٢\" إلى ابن عساكر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة \"٢/ ٥٠٤\" عن هشيم به.\n(^٣) أخرجه الطحاوى في شرح المعانى \"١/ ١٦٧\" من طريق ابن أبي ذئب به مطولًا.\n(^٤) في م، ت ١: \"الصلاة\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور \"١/ ٣٠٢\" إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٦) في م: \"عيا\". وعَيَّ في منطقه عِيًّا وعَياءً: عجز عنه فلم يستطع بيان مراده منه.","vol":"4","page":361},{"text":"أفلحَ مولَى عبدِ اللهِ بن عمرَ، فأَرْسَلوه إليه أيضًا، فقال: هي التي تَوَجَّه فيها رسولُ اللهِ ﷺ إلى القِبْلةِ (^١).\nحدَّثني ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: أخبرنا نافعٌ، قال: ثني زُهْرَةُ بن مَعْبَدٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ المسيَّبِ، أنه كان قاعدًا هو وعُرْوةُ وإبراهيمُ بنُ طلحةَ، فقال له سعيدٌ: سمِعتُ أبا سعيدٍ يقولُ: إنّ صلاةَ الظهرِ هي الصلاةُ الوسطى. فمرَّ علينا ابن عمرَ فقال عُروةُ: أرْسِلوا إليه فاسْألوه. فسألَه الغلامُ فقال: هي الظهرُ. فشَكَكْنا في قولِ الغلامِ، فقُمْنا إليه جميعًا فسَأَلْناه، فقال: هي الظهرُ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: ثنا أبو عامرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن قيسٍ، عن ابن أبي رافعٍ، عن أبيه، وكان مولًى لحفصةَ، قال: اسْتَكْتَبَتْنى حفصةُ مُصْحفًا، وقالتْ لي: إذا أتيتَ على هذه الآيةِ فأعْلِمْنِي حتى أُمْلِيَها عليك كما أُقْرِئْتُها (^٢). فلَمَّا أتيتُ على هذه الآيةِ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ أتيتُها، فقالت: اكْتُبْ: (حافِظوا على الصلواتِ والصلاةِ الوسطَى وصلاةِ العصرِ). فلَقِيتُ أُبَيَّ بن كعبٍ أو زيدَ بنَ ثابِتٍ، فقلتُ: يا أبا المُنْذِرِ، إِنَّ حفصةَ قالتْ كذا وكذا. قال: هو كما قالتْ، أوَ ليس أَشْغَلُ ما نكونُ عندَ صلاةِ الظهرِ في غَنَمِنا ونَواضِحِنا (^٣)؟\nوعِلَّةُ مَن قال ذلك ما حدَّثنا به محمدُ بنُ المثنّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ أبى حَكيمٍ، قال: سمِعتُ الزِّبْرِقانَ يُحَدِّثُ\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوى في شرح المعانى \"١/ ١٦٧\" من طريق الوليد به.\n(^٢) في ص: \"أمر بها\"، وفى م، ت ٢: \"أقرأنيها\".\n(^٣) النواضح: جمع ناضح، وهى الدابة يُستقَى عليها.\nوالأثر أخرجه البخارى في التاريخ الكبير \"٥/ ٢٨١، ٢٨٢\" من طريق عثمان بن عمر به.","vol":"4","page":362},{"text":"عن عُروةَ بن الزبيرِ، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ لا يُصلِّي الظهرَ بالهاجِرَةِ، ولم يكنْ يُصلَّى صلاةٌ أشدُّ على أصحابِ النبيِّ ﷺ منها. قال: فنَزَلتْ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. وقال: إِنَّ قبلَها صلاتَيْنِ وبعدَها صلاتيْن (^١).\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا ابن أبي ذئبٍ، عن الزِّبْرِقانِ، قال: إنّ رهطًا من قريشٍ مرَّ بهم زيدُ بنُ ثابتٍ، فَأَرْسَلوا إليه رجُلَيْن يَسْأَلانِه عن الصلاةِ الوسطى، فقال زيدٌ: هي الظهرُ. فقام رجلان منهم فأتيا أسامةَ بنَ زيدٍ فسَأَلاه عن الصلاةِ الوسطى، فقال: هي الظهرُ؛ إن رسولَ الله ﷺ كان يُصَلِّي الظهرَ بالهَجيرِ، فلا يكونُ وراءَه إلَّا الصَّفُّ والصَّفانِ، الناسُ يكونون في قائِلَتِهم وفي تجارتِهم، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لقد هَمَمْتُ أَنْ أُحَرِّقَ عَلى أَقْوامٍ لا يَشْهَدونَ الصلاةَ بُيُوتَهم\". قال: فنَزَلتْ هذه الآيةُ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (^٢).\nوكان آخرون يَقْرءون ذلك: (حافِظُوا على الصلَوَاتِ وَالصلاةِ الوُسْطَى وَصَلاةِ العَصْرِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-783>ذِكرُ مَن كان يقولُ ذلك كذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: ثنا محمدُ [بنُ جعفرٍ] (^٣)، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤١١)، والنسائى في الكبرى (٣٥٧) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أحمد \"٥/ ١٨٣\" (الميمنية) عن محمد بن جعفر به.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد \"٥/ ٢٠٦\" (الميمنية) عن يزيد بن هارون به. وينظر الطيالسي (٦٦٢).\n(^٣) في ت ١: \"ابن أبي جعفر\"، وبعده في ص: \"قال حدَّثنا محمد بن جعفر\".","vol":"4","page":363},{"text":"بشرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن يزيدَ الأَزْدِيِّ، عن سالمِ بن عبدِ اللَّهِ، أن حفصةَ أَمَرَتْ إنسانًا فكَتَبَ مُصحفًا، فقالتْ: إذا بَلَغْتَ هذه الآيةَ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فَآذِنِّي. فلمَّا بَلَغ، آذَنَها فقالتْ: اكْتُبْ: (حافظوا على الصَّلَواتِ والصلاةِ الوسطى وصلاةِ العصر) (^١).\nحدَّثنا ابن المثنّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ، عن نافعٍ أن حفصةَ أمَرتْ مولًى لها أن يَكْتُبَ لها مصحفًا، فقالتْ: إذا بَلَغْتَ هذه الآيةَ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. فلا تَكْتُبْها حتى أُمْلِيَها عليك كما سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقْرَؤُها. فلمّا بَلَغَها أمَرَتُه فكَتَبها: (حافِظوا على الصلواتِ والصلاةِ الوسطَى وصلاةِ العصرِ وقوموا لله قانتينَ). قال نافعٌ: فقَرَأْتُ ذلك المصحفَ فوَجَدتُ فيه الواوُ (^٢).\nحدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا أَسَدُ بنُ موسَى، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمَةَ، عن عُبيدِ اللهِ بن عُمرَ، عن نافعٍ، عن حفصةَ زوجِ النبيِّ ﷺ أنها قالتْ لكاتبِ مُصحفِها: إِذا بَلَغْتَ مواقيتَ الصلاةِ فأخْبِرْنى حتى آمُرَك ما سَمِعتُ مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ يقولُ. فلمَّا أَخْبَرَها قالت: اكتُبْ، فإنى سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"حافِظُوا على الصَّلَواتِ والصلاةِ الوسطَى وصلاةِ العصرِ\" (^٣).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عَبْدَةُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنى أبو سلَمةَ، عن عمرِو بن رافعٍ مولَى عمرَ، قال: كان مكتوبًا في مصحفِ حفصةَ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ٨٥ عن محمد بن بشار به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ٨٦ من طريق عبد الوهاب به، وأخرجه إسماعيل بن إسحاق القاضي - كما في التمهيد \"٤/ ٢٨١\"، والبيهقى \"١/ ٤٦٢\" من طريق عبيد الله به.\n(^٣) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد \"٤/ ٢٨٢\" من طريق أسد بن موسى به، وابن أبي داود في المصاحف ص ٨٥، ٨٦ من طريق حماد به.","vol":"4","page":364},{"text":"(حافِظُوا على الصلواتِ والصلاةِ الوسطى وصلاةِ العصرِ وقُومُوا للهِ قانِتِينَ) (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ المصريُّ، قال: ثنا أبي وشُعيبٌ، عن الليثِ، قال: ثنا خالدُ بنُ يزيدَ، عن ابن أبي هلالٍ، عن زيدٍ، [عن عمرِو] (^٢) بن رافعٍ، قال: دَعَتْنى حفصةُ فكَتَبْتُ لها مصحفًا، فقالتْ: إذا بَلَغْتَ آيةَ الصلاةِ فأَخْبِرْني. فلمَّا كَتَبْتُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. قالت: (وصلاةِ العصرِ). أَشهدُ أنى سَمِعتُها مِن رسولِ اللهِ ﷺ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنى أبي وشعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، قال: أَخْبَرَنى خالدُ بنُ يزيدَ، عن ابن أبي هلالٍ، عن زيدٍ، أنه بَلَغَه عن أبي يونُسَ مولَى عائشةَ مثلُ ذلك.\nحدَّثني المثنّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: حدَّثني خالدٌ، عن سعيدٍ، عن زيدِ بن أَسْلَمَ، أنه بَلَغَه عن أبي يونسَ مولى عائشةَ، عن عائشةَ مثلُ ذلك (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنّى، قال: ثنا وهبُ بنُ جَريرٍ، قال: أخبرنا شعبةُ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ٨٧، والطحاوى في شرح المعانى \"١/ ١٧٣\" من طريق محمد بن عمرو به.\n(^٢) في ص، ت ٢: \"بن عمر\".\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٦٥ من طريق الليث به، وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد \"٤/ ٢٨٠\" من طريق زيد بن أسلم به، وأخرجه الطحاوى \"١/ ١٧٢\" من طريق عمرو بن رافع به، وأخرجه مالك \"١/ ١٣٩\" - ومن طريقه أبو عبيد في الفضائل ص ١٦٥ - وابن أبي داود ص ٨٦، ٨٧، والطحاوى \"١/ ١٧٢\" من طريق زيد بن أسلم.\n(^٤) أخرجه مالك \"١/ ١٣٨\" - ومن طريقه مسلم (٦٢٩/ ٢٠٧)، وأبو داود (٤١٠)، وابن أبي داود في المصاحف ص ٨٤، والطحاوى في شرح المعانى \"١/ ١٧٢\" - عن زيد، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس به.","vol":"4","page":365},{"text":"عن أبي إسحاقَ، عن [هُبَيرةَ بن يَرِيمَ] (^١)، عن ابن عباسٍ: (حافِظُوا على الصلواتِ والصلاةِ الوسطى وصلاةِ العصرِ) (^٢).\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا عبدُ الملِكِ بنُ أبي سليمانَ، عن عطاءٍ، قال: كان عُبيدُ بنُ عُميرٍ يَقْرَأُ: (حافِظُوا على الصلواتِ والصلاةِ الوسطَى وصلاةِ العصرِ وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) (^٣).\nحدَّثنا ابن بشّارٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: ثنا أبو عامرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن قيسٍ، عن ابن أبي رافعٍ، عن أبيه - وكان مولَى حفصةَ - قال: اسْتَكْتَبَتْني حفصةُ مصحفًا وقالت: إذا أَتَيْتَ على هذه الآيةِ فأَعْلِمْنى حتى أُمْلِيَها (^٤) عليْك كما أُقْرِئْتُها (^٥). فلما أتيتُ على هذه الآيةِ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، أَتَيْتُها فقالت (^٦): اكْتُبْ: (حافِظُوا على الصلواتِ والصلاةِ الوسطى وصلاةِ العصرِ). فَلقيتُ أُبَيَّ بنَ كعبٍ أو زيدَ بنَ ثابتٍ، فقلتُ: يا أبا المُنذِرِ، إِنّ حفصةَ قالتْ كذا وكذا. قال: هو كما قالتْ، أوَ ليسَ أَشْغَلُ ما نكونُ عندَ صلاةِ الظهرِ في نواضِحِنا وغنمِنا؟.\nوقال آخرون: بل الصلاةُ الوسطَى صلاةُ المغربِ.\n_________\n(^١) في ص: \"عمير بن بريم\"، وفى م: \"عمير بن مريم\". والمثبت من السنن الكبرى للبيهقي، وينظر تهذيب الكمال \"٣٠/ ١٥٠\".\n(^٢) أخرجه البيهقى \"١/ ٤٦٣\" من طريق وهب بن جرير به، وأخرجه ابن أبي شيبة \"٢/ ٥٠٤، ٥٠٥\"، وابن أبي داود في المصاحف ص ٧٧، من طريق شعبة به، وعند ابن أبي شيبة: \"والصلاة الوسطى صلاة العصر\".\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٦٦، وابن أبي شيبة \"٢/ ٥٠٥\" عن يزيد به.\n(^٤) في ص: \"أملها\". وأمْلَى وأمَلّ بمعنًى.\n(^٥) في ص: \"أقرتها\".\n(^٦) في ص، ت ٢: \"فقلت\".","vol":"4","page":366},{"text":"<span data-type='title' id=toc-784>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عبدُ السلامِ، عن إسحاقَ بن أبي فَرْوةَ، عن رجلٍ، عن قَبيصةَ بن ذُؤَيْبٍ، قال: الصلاةُ الوسطى صلاةُ المغربِ، ألا تَرَى أنها ليستْ بأقَلِّها ولا أكثرِها، ولا تُقْصَرُ في السَّفرِ، وأن رسولَ اللهِ ﷺ لم يُؤَخِّرْها عن وقتِها ولم يُعَجِّلْها (^١)؟\nقال أبو جعفرٍ: ووَجَّه قَبيصةُ بنُ ذُؤيبٍ قولَه: ﴿الْوُسْطَى﴾ إلى معْنى التَّوسُّطِ، الذي يكونُ صفةً للشيءِ، يكونُ عَدْلًا بيَن الأمريْنِ، كالرجلِ المعتدلِ القامةِ، الذي لا يكونُ مُفْرِطًا طولُه ولا قصيرةً قامتُه، ولذلك قال: ألَا تَرَى أنها ليستْ بأقلِّها ولا أكثرِها؟\nوقال آخرون: بل الصلاةُ الوسطى التي عناها اللهُ بقولِه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ هي صلاةُ الغَدَاةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-785>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا همامٌ، قال: ثنا قتادةُ، عن صالحٍ أبى (^٢) الخليلِ، عن جابرِ بن زيدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: صلاةُ (^٣) الوسطى صلاةُ الفجرِ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ وعبدُ الوهابِ ومحمدُ بنُ جعفرٍ، عن عوفٍ، عن أبي رجاءٍ، قال: صَلَّيتُ مع ابن عباسٍ الغداةَ في مسجدِ البصرةِ،\n_________\n(^١) ينظر التمهيد \"٤/ ٢٩٣\".\n(^٢) في م، ت ١: \"بن\". وينظر تهذيب الكمال \"١٣/ ٨٩\".\n(^٣) في م، ت ١: \"الصلاة\".\n(^٤) أخرجه الطحاوى في شرح المعاني \"١/ ١٧٠\"، والبيهقى \"١/ ٤٦١\" من طريق عفان به.","vol":"4","page":367},{"text":"فقَنَتَ (^١) بنا قبلَ الركوعِ وقال: هذه الصلاةُ الوسطى التي قال اللهُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن عوفٍ، عن أبي رجاءٍ العُطارِدِيِّ، قال: صَلَّيتُ خلفَ ابن عباسٍ. فذَكَر نحوَه.\nحدَّثنا عَبَّادُ بنُ يعقوبَ الأسَديُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن عوفٍ الأعرابيِّ، عن أبي رجاءٍ العُطارِدِيِّ، قال: صَلَّيتُ خلفَ ابن عباسٍ الفجرَ، فقَنَتَ فيها ورَفَع يديَه، ثم قال: هذه الصلاةُ الوسطى التي أَمَرَنَا اللَّهُ أَن نَقُومَ فيها قانتين.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا عوفٌ، عن أبي رجاءٍ، قال: صلَّى بنا ابن عباسٍ الفجرَ، فلمَّا فرَغ قال: إن الله قال في كتابِه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. فهذه الصلاةُ الوسطَى (^٣).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا مَرْوانُ - يعني ابنَ معاويةَ - عن عوفٍ، عن أبي رجاءٍ العُطارِدِيِّ، عن ابن عباسٍ نحوَه.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا عوفٌ، عن أبي المِنْهالِ، عن أبي العاليةِ، عن ابن عباسٍ أنه صلَّى الغداةَ (^٤) في مسجدِ البصرةِ، فقَنَت قبلَ الركوعِ\n_________\n(^١) في ص: \"فقلت\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢٢٠٧)، والطحاوى في شرح المعانى \"١/ ١٧٠\"، والبيهقى \"١/ ٤٦١\" من طريق عوف به، وأخرجه ابن أبي شيبة \"٢/ ٥٠٦\"، والطحاوى في شرح المعانى \"١/ ١٧٠\"، والبيهقى \"١/ ٤٦١\" من طريق أبى رجاء به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة \"٢/ ٥٠٤\" عن هشيم به.\n(^٤) في ت ١: \"صلاة الغداة\".","vol":"4","page":368},{"text":"وقال: هذه الصلاةُ الوسطى التي ذَكَر اللَّهُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنّى: قال: ثنا عبدُ الوهاب، قال: ثنا المُهاجِرُ، عن أبي العاليةِ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ بالبصرةِ ههنا، وإنّ فَخِذَه لعلى فَخِذى، فقلتُ: يا أبا فلانٍ، أَرَأَيْتَك صلاةَ الوسطى التي ذَكَر اللهُ في القرآنِ، أَلَا تُحَدِّثُنِى أَيُّ صلاةٍ هي؟ قال: وذلك حينَ انْصَرَفوا من صلاةِ الغداةِ، فقال: أليس قد صَلَّيتَ المغربَ والعِشاءَ الآخِرَةَ؟ قال: قلتُ: بلَى. قال: ثم صَلَّيتَ هذه؟ قال: ثم تُصلِّى الأُولَى والعصرَ؟ قال: قلتُ: بلَى. قال: فهى هذه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عيسى الدَّامَغانيُّ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، قال: أخبرنا الربيعُ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: صَلّيتُ خلفَ عبدِ اللهِ بن قيسٍ بالبصرةِ زمنَ عمرَ صلاةَ الغداةِ. قال: فقلتُ لرجلٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ إلى جنبِي: ما الصلاةُ الوسطَى؟ قال: هذه الصلاةُ (^٢).\nحدَّثني المثنّى، قال: ثنا الحَجّاجُ، قال: ثنا حمادٌ، قال: أخبرنا عوفٌ، عن خِلاسِ بن عمرٍو، عن ابن عباسٍ أنه صَلَّى الفجرَ فقَنَتَ قبلَ الركوعِ، ورَفَع إصْبَعَيْه، قال: هذه (^٣) الصلاةُ الوسطى.\nحُدِّثتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ أنه صَلَّى مع أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ صلاةَ الغداةِ، فَلَمَّا أَنْ فَرَغُوا، قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور \"١/ ٣٠١\" إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه الطحاوى في شرح المعانى \"١/ ١٧٠\" من طريق ابن المبارك به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"هي\".","vol":"4","page":369},{"text":"قلتُ لهم: أَيَّتُهنَّ الصلاةُ الوسطى؟ قالوا (^١): التي صَلَّيْتَها قَبلُ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن عَثْمَةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشيرٍ، عن قتادةَ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: الصلاةُ الوسطى صلاةُ الصبحِ (^٣).\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ بنُ أبي سليمانَ، قال: كان عطاءٌ يَرَى أن الصلاةَ الوسطى صلاةُ الغداةِ (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقِدٍ، عن يزيدَ النَّحْويِّ، عن عِكرمةَ في قولِه: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. قال: صلاةُ الغداةِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. قال: الصبحُ (^٥).\nحدَّثني المثنّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحُدِّثتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن حُصَينٍ، عن عبدِ اللهِ بن شدادِ بن الهادِ، قال: الصلاةُ الوسطى صلاةُ الغداةِ (^٦).\nحُدِّثتُ عن عمّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعٍ في قولِه:\n_________\n(^١) في ص: \"قال\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢٢٠٨) عن أبي جعفر به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور \"١/ ٣٠١\" إلى المصنف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة \"٢/ ٥٠٥\" عن يزيد بن هارون به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢٢٠٥) عن ابن جريج، عن عطاء به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة \"٢/ ٥٠٥\" من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٦) ذكره ابن المنذر في الأوسط \"٢/ ٣٦٧\".","vol":"4","page":370},{"text":"﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. قال: الصلاةُ الوسطَى صلاةُ الغداةِ.\nوعلّةُ مَن قال هذه المقالَةَ أن الله تعالى ذِكرُه قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، بمعْنى: وقُوموا للهِ فيها قانتِين. قال (^١): فلا صلاةَ مكتوبةً مِن الصلواتِ الخمسِ فيها قنوتٌ سوى (^٢) صلاةِ الصبحِ، فعُلِم بذلك أنها هي دونَ غيرِها.\nوقال آخرون: هي إحدى الصلواتِ الخمسِ، ولا نَعْرِفُها بعينِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-786>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى هشامُ بنُ سعدٍ، قال: كنا عندَ نافعٍ ومعَنا رجاءُ بنُ حَيْوَةَ، فقال لنا رجاءٌ: سَلوا نافعًا عن الصلاةِ الوسطى. فسألْناه، فقال: قد سأل عنها عبدَ اللهِ بنَ عمرَ رجلٌ، فقال: هي فيهنَّ، فحافِظوا عليهنَّ كلَّهنَّ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، عن قيسِ بن الرَّبيعِ، عن [نُسَيرِ بن ذُعْلُوقٍ أبى طُعْمَةَ] (^٤)، قال: سألتُ الربيعَ بنَ خُثيمٍ (^٥) عن الصلاةِ الوسطى، قال:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"قالوا\".\n(^٢) في ص: \"وسوى\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره \"٢/ ٤٤٨\" (٢٣٧٦) عن يونس به، وحسن إسناده الحافظ في الفتح \"٨/ ١٩٦\".\n(^٤) في ص، ت ٢: \"سيرين بن دعلوق عن أبي فطيمة\"، وفى م: \"نسير بن زعلوق عن أبي فطيمة\".\nوالمثبت من تهذيب الكمال \"٢٩/ ٣٣٩\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢: \"خيثم\". وينظر تهذيب الكمال \"٩/ ٧٠\".","vol":"4","page":371},{"text":"أَرَأَيْتَ إِن عَلِمْتَها كنتَ محافظًا عليها ومُضَيِّعًا سائِرَهُنَّ؟ قلتُ: لا. فقال: فإنك إن حافَظْتَ عليهنَّ فقد حافَظْتَ عليها.\nحدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنّى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمعتُ قتادةَ يُحَدِّثُ عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: كان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ فيه هكذا. يعنى مُختلِفِين في الصلاةِ الوسطى. وشَبَّكَ بينَ أصابِعِه (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك ما تَظاهَرَتْ به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ التي ذَكَرْناها قبلُ في تأويلِه، وهو أنها العصرُ، والذي حثَّ اللهُ تعالى ذكرُه عليه مِن ذلك نظيرُ الذي رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ في الحثِّ عليه.\nكما حدَّثني به أحمدُ بنُ محمدِ بن حَبيبٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبي، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ أَبي حَبيبٍ، عن خَيْرِ (^٢) بن نُعيمٍ الحَضْرَميِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن هُبيرةَ السَّبَئِي (^٣) - قال: وكان ثقةً - عن أبي تَميمٍ الجَيْشانيِّ، عن أبي بصْرَةَ (^٤) الغِفاريِّ، قال (^٥): صَلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ صلاةَ العصرِ، فلمَّا انْصَرَفَ قال: \"إن هذه الصلاةَ فُرِضَتْ على مَن كان قبْلَكم، فتَوَانَوْا فيها وتَرَكوها، فمَن صَلَّاها منكم أُضعِفَ أَجْرُه ضِعْفَيْنِ، ولا صلاةَ بعدَها حتى يُرَى الشَّاهدُ\". وَالشَّاهِدُ النَّجْمُ (^٦).\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثنى\n_________\n(^١) ينظر الفتح \"٨/ ١٩٧\".\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"جبر\"، وفى ت ٢: \"جبير\". وينظر تهذيب الكمال \"٨/ ٣٧٢\".\n(^٣) في ص، م، ت ١: \"النسائي\". وينظر مصدرى التخريج.\n(^٤) في ص: \"نصرة\"، وفى م، ت ١، ت ٢ \"نضرة\". وينظر تهذيب الكمال \"٧/ ٤٢٣\"، \"٣٣/ ٨١\".\n(^٥) بعده في ت ١: \"كان\".\n(^٦) أخرجه أحمد \"٦/ ٣٩٦، ٣٩٧\" (الميمنية)، ومسلم (٨٣٠)، من طريق يعقوب به نحوه.","vol":"4","page":372},{"text":"خَيْرُ (^١) بنُ نُعيمٍ، عن ابن (^٢) هُبيرةَ، عن أبي تميم الجَيْشانيِّ، أن أبا بصْرةَ (^٣) الغِفاريَّ، قال: صَلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ صلاةَ العصرِ بالمُخَمَّصِ (^٤)، فقال: \"إنَّ هذه الصلاةَ فُرِضَتْ على مَن كان قَبْلَكم فَضَيَّعُوها وتَرَكُوها، فمَن حافَظَ عليها منكم أُوتِىَ أَجْرَها مرَّتيْنِ\" (^٥).\nوقال ﷺ: \"بَكِّرُوا بالصلاةِ في يومِ الغَيْمِ، فإِنَّه مَن فَاتَتْه العصرُ حَبِطَ عَمَلُه\".\nحدَّثنا بذلك أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أيوبُ بن سُوَيدٍ، [قالا: ثنا الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ] (^٦)، عن أبي قِلابةَ، عن أبي المُهاجِرِ، عن بُرَيدةَ، عن النبيِّ ﷺ (^٧).\n[وقال ﷺ] (^٨): \"مَنْ فاتَتْه صلاةُ العصرِ فكأنَّما وُتِرَ أهْلَه ومالَه\" (^٩).\nوقال ﷺ: \"مَن صَلَّى قبلَ طُلُوعِ الشمسِ وقبلَ غُرُوبِها لم يَلِجِ النارَ\" (^١٠).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"جبر\"، وفي ت ٢: \"جبير\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"أبى\". وينظر تهذيب الكمال \"١٦/ ٢٤٢\".\n(^٣) في ص: \"نصرة\"، وفى م: \"نضرة\".\n(^٤) في ص: \"بالمعمس\"، وفى م: \"بالمغمس\". والمخمص: طريق في جبل عَيْر إلى مكة.\nمعجم البلدان \"٤/ ٤٤٤\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٠٠٣)، والطبراني (٢١٦٥) من طريق عبد الله بن صالح به، وأخرجه مسلم (٨٣٠/ ٢٩٢)، والنسائى (٥٢٠)، وابن أبي عاصم (١٠٠٤) من طريق الليث به.\n(^٦) سقط من النسخ، والمثبت موافق لما في مصادر التخريج.\n(^٧) أخرجه أحمد \"٥/ ٣٦١\" عن وكيع به، وأخرجه ابن ماجه (٦٩٤)، وابن حبان (١٤٧٠) من طريق الأوزاعي به، وينظر الطيالسي (٨٤٨)، وابن حبان (١٤٦٣).\n(^٨) في م: \"قال\".\n(^٩) أخرجه الطيالسي (١٩١٢، ١٩١٧) من حديث ابن عمر.\n(^١٠) أخرجه مسلم (٦٣٤/ ٢١٣، ٢١٤)، والنسائى (٤٧٠)، وابن خزيمة (٣١٨ - ٣٢٠)، من حديث عمارة بن رُويبة نحوه.","vol":"4","page":373},{"text":"فحثَّ ﷺ على المحافظةِ عليها حثًّا لم يَحُثُّ مثلَه على غيرِها مِن الصلواتِ، وإن كانتِ المحافظةُ على جميعِها واجبةً، فكان بيِّنًا بذلك أن التي خَصَّ (^١) اللهُ بالحَثِّ على المحافظةِ عليها، بعدَ ما عَمَّ الأمرَ بها جميع المكتوباتِ، هي التي اتَّبَعَه فيها نبيُّه ﷺ فخَصَّها مِن الحَضِّ عليها بما لم يَخْصُصْ به غيرَها مِن الصلواتِ، وحَذَّر أُمَّتَه مِن تضييعِها ما حلَّ بمَن قبلَهم مِن الأممِ التي وَصَف أمرَها، ووَعَدهم من الأجرِ على المحافظةِ عليها ضِعْفَيْ ما وَعَد على غيرِها من سائرِ الصلواتِ. وأحْسَبُ أن ذلك كان كذلك لأن الله تعالى ذِكُره جَعَل الليلَ سكنًا، والناسُ مِن شُغْلِهم بطَلَبِ المعاشِ والتَّصرُّفِ (^٢) في أسباب المكاسب هادئون، إلا القليل منهم، وللمحافظةِ على فرائضِ اللهِ وإقامِ الصلواتِ المكتوباتِ فارِغون (^٣). وكذلك ذلك في صلاةِ الصبحِ؛ لأن ذلك وقتٌ قليلٌ مَن يَتَصَرَّفُ فيه للمكاسبِ والمطالبِ، ولا مُؤنَةَ عليهم في المحافظةِ عليها. وأما صلاةُ الظهرِ، فإن وقتَها وقتُ قائِلَةِ الناسِ واستراحتِهم مِن مطالبِهم، في أوقاتِ شدَّةِ الحرِّ وامتدادِ ساعاتِ النهارِ، ووقتُ توديعِ (^٤) النُّفوسِ، والتَّفرُّغِ لراحةِ الأبدانِ في أوانِ البردِ وأيامِ الشتاءِ. وأن المعروفَ مِن الأوقاتِ لتصرُّفِ الناسِ في مطالبِهم ومكاسبِهم والاشتغالِ بسَعْيِهم لما لا بدَّ منه لهم مِن طَلَبِ أقواتِهم، وقْتانِ مِن النهارِ؛ أحدُهما: أولُ النهارِ بعدَ طُلوعِ الشمسِ إلى وقتِ الهاجِرَةِ، وقد خَفَّف اللهُ تعالى ذِكُره فيه عن عباده عِبْءَ تكليفِهم (^٥) في ذلك الوقتِ، وثِقَلَ ما\n_________\n(^١) في م: \"حض\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"و\".\n(^٣) في م: \"فازعون\".\n(^٤) التوديع: الراحة. تاج العروس (ود ع).\n(^٥) في ت ١، ت ٢: \"تكلفهم\".","vol":"4","page":374},{"text":"يَشْغَلُهم عن سعيِهم في مطالبِهم ومكاسِبِهم، وإن كان قد حَثَّهم في كتابِه وعلى لسانِ رسولِه في ذلك الوقتِ على صلاةٍ، ووَعَدهم عليها الجزيلَ مِن ثوابِه، مِن غيرِ أن يَفْرِضَها عليهم، وهى صلاةُ الضُّحى. والآخَرُ منهما: آخِرُ النهارِ، وذلك مِن بعد إبْرادِ الناس وإمكانِ التصرفِ وطَلَبِ المعاشِ صيفًا وشتاءً، إلى وقتِ مَغيبِ الشمسِ، وفَرَض عليهم فيه صلاةَ العصرِ، ثم حَثَّ على المحافظةِ عليها لِئَلّا يُضَيِّعُوها؛ لِمَا عَلِم مِن إيثارِ عبادِه أسبابَ عاجلِ دنياهم وطلبَ معايشِهم فيها، على أسبابِ آجلِ آخرَتِهم، بما حَثَّهم به عليه في كتابِه، وعلى لسانِ رسولِه ﷺ. ووَعَدهم مِن جزيلِ ثوابِه على المحافظةِ عليها، ما قد ذَكَرتُ بعضَه في كتابِنا هذا. وسنَذْكُرُ باقِيَه في كتابِنا الأكبرِ إن شاء اللهُ مِن كتاب \"أحكامِ الشرائعِ\".\nوإنما قيل لها: ﴿الْوُسْطَى﴾. لتَوَسُّطِها الصلواتِ المكتوباتِ الخمسَ، وذلك أن قبلَها صلاتَيْن، وبعدَها صلاتَيْن، وهى بين ذلك وُسْطاهُنَّ.\nوالوُسْطَى الفُعْلَى، مِن قولِ القائلِ: وسَطْتُ القومَ أَسِطُهم سِطَةً ووُسُوطًا. إذا دَخَلتَ وَسْطَهم. ويقال للذَّكَرِ فيه: هو أوْسَطُنا. وللأنثى: هي وُسْطانا.\n\n<span data-type='title' id=toc-788>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾.</span>\nاختلفَ أهلُ التأويلِ في معنَى قولِه: ﴿قَانِتِينَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنَى القُنوتِ الطاعةُ. ومعنى ذلك: وقومُوا للهِ في صلاتِكم، مُطِيعِين له فيما أمَرَكم به فيها، ونهاكم عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-787>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ الكِنْديُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن ابن عَوْنٍ، عن","vol":"4","page":375},{"text":"الشَّعْبيِّ في قولِه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قال: مُطِيعين (^١).\nحدَّثني أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جُنادَةَ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ابن عونٍ، عن الشعبيِّ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو المُنيبِ، عن جابرِ بن زيدٍ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. يقولُ: مُطِيعين (^١).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن عطاءٍ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قال: مُطِيعين (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ (^٢)، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن [أبي بشرٍ] (^٣)، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قال: مُطِيعينَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الربيعِ بن أبي راشدٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أنه سُئل عن القنوتِ، فقال: القنوتُ الطاعةُ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ، قال: القنوتُ الذي ذَكَره الله في القرآنِ، إنما يعنى به الطاعةَ.\nحدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قال: إن أهلَ كلِّ دينٍ يقومون للَّهِ عاصِين، فقوموا أنتم للهِ طائعينَ.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٩ عقب الأثر (٢٣٧٨).\n(^٢) في النسخ: \"الحمصي\". والمثبت كما سيأتي في سورة النساء الآية ٤٣، وسورة المائدة، الآية ٦. وينظر تهذيب الكمال ١/ ٣٩٧.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٣ \"ابن بشر\"، وفى ت ٢: \" ابن بشير\"، وينظر تهذيب الكمال ٥/ ٥.","vol":"4","page":376},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قال: قوموا للهِ مُطيعين في كلِّ شيءٍ، وأطيعوه في صلاتِكم.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفَرَجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ قال: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾: القُنوتُ الطاعةُ. يقولُ: لكلِّ أهلِ دينٍ صلاةٌ، يقومون في صلاتِهم للهِ عاصِين، فقوموا للهِ مُطيعين.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَانِتِينَ﴾. يقولُ: مُطيعين (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قال (^٢): مُطيعين (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنى شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. يقولُ (^٤): مُطيعين.\nحدَّثني عمرانُ بنُ بَكّارٍ الكَلاعيُّ، قال: ثنا خطابُ بنُ عثمانَ، قال: ثنا أبو رَوْحٍ عبدُ الرحمنِ بنُ سنانٍ السَّكُونيُّ، حِمْصِيٌّ لَقِيتُه بِأَرْمِينِيَّةَ، قال: سمِعتُ الحسنَ بنَ أبي الحسنِ يقولُ في قولِه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قال: طائعين (٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٣/ ٢٣٠ (١٥٦٧) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"يقول\".\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٩ عقب الأثر (٢٣٧٨) معلقًا.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"قال\".","vol":"4","page":377},{"text":"عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قال: مُطيعين (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. يقولُ: مُطيعين (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ، قال: كانوا يَأْمُرون في الصلاةِ بحوائجِهم، حتى أُنزِلتُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فتَرَكوا الكلامَ. قال: قانِتين: مُطيعين.\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسَديُّ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبرنا فُضيلٌ، عن عطيةَ في قولِه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قال: كانوا يَتَكَلَّمون في الصلاةِ بحوائجِهم، حتى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فتَرَكوا الكلامَ في الصلاةِ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قال: كلُّ أهلِ دينٍ يقومون فيها عاصِين، فقوموا أنتم للَّهِ مُطيعين (^٥).\nحدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى، قال: ثنا ابن لَهيعةَ، قال:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٣٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢١٣ (١١٢٩) من طريق أبي حذيفة به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٦ عن معمر، عن قتادة.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠٦ إلى المصنف.","vol":"4","page":378},{"text":"ثنا دَرَّاجٌ، عن [أبي الهيثمِ] (^١)، عن أبي سعيدٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"كُلُّ حرفٍ في القرآنِ فيه القُنُوتُ فإنما هو الطاعةُ\" (^٢).\nحدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبرني أبي، قال: ثنا سعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: القنوتُ طاعةُ اللهِ، يقولُ الله تعالى ذِكُره: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾: مُطيعين.\nحدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: قال ابن طاوسٍ، كان أبي يقولُ: القنوتُ طاعةُ اللهِ (^٣).\nوقال آخرون: القنوتُ في هذه الآيةِ السُّكوتُ. وقالوا: تأويلُ الآيةِ: وقوموا للهِ ساكِتين عما نَهاكم اللهُ أن تَتَكَلَّموا به في صلاتِكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-789>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾: القنوتُ في هذه الآيةِ السُّكوتُ (^٤).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ في خبرٍ ذَكَره عن مُرَّةَ، عن ابن مسعودٍ، قال (^٥): كنَّا نَقومُ في الصلاةِ فَنَتَكَلَّمُ، ويسألُ الرجلُ\n_________\n(^١) في ت ١: \"ابن أبي الهيثم\".\n(^٢) أخرجه أحمد ١٨/ ٢٣٩ (١١٧١)، وأبو يعلى (١٣٧٩) من طريق ابن لهيعة به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢١٣، ٢/ ٦٤٨ (١١٢٨، ٣٤٩٢)، وابن حبان (٣٠٩)، والطبراني في الأوسط (٥١٨١)، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ٣٢٥ من طريق دراج به.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٩ بنحوه عقب الأثر (٢٣٧٨) معلقًا.\n(^٤) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ١٤٧، والبحر المحيط ٢/ ٢٤٢.\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"قال عبد الله\".","vol":"4","page":379},{"text":"صاحبَه عن حاجتِه، ويُخبِرُه، ويَرُدُّون عليه إذا سَلَّم، حتى أتَيتُ أنا فسَلَّمتُ، فلم يَرُدُّوا عليَّ السلامَ، فاشْتَدَّ ذلك عليَّ، فلمَّا قَضَى النبيُّ ﷺ صلاتَه قال: \"إنَّه لم يمْنعْنِي أن أرد عليك السَّلامَ إلَّا أَنَّا أُمِرْنا أن نَقُومَ قانِتِينَ لا نَتَكَلَّمُ في الصلاةِ\". والقنوتُ السكوتُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُبيدٍ المُحاربيُّ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ ظُهيرٍ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: كنا نَتَكَلَّمُ في الصلاةِ، فَسَلَّمتُ على النبيِّ ﷺ فلم يَرُدَّ عليَّ، فلمَّا انْصَرَف قال: \"قد أَحْدَثَ اللَّهُ ألا تَكَلَّمُوا في الصلاةِ\". ونَزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (^١).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ السُّكَّرِيُّ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ يزيدَ، وحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ وابنُ تُميرٍ ووكيعٌ (^٢) ويَعْلَى بْنُ عُبيد، جميعًا عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن الحارثِ بن شُبَيْلٍ (^٣)، عن أبي عمرٍو الشَّيْبانيِّ، عن زيدِ بن أرقمَ، قال: كنا نَتَكَلَّمُ في الصلاةِ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، يُكَلِّمُ أحدُنا صاحِبَه (^٤) في الحاجةِ، حتى نَزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. فأُمِرْنا بالسكوتِ (^٥).\nحدَّثنا هَنّادُ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا أبو الأحْوَصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ في\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠٦ إلى المصنف.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"بنحوه\".\n(^٣) في م: \"شبل\". وهو مما قيل في اسمه، ينظر تهذيب الكمال ٥/ ٢٣٧.\n(^٤) في ص، ت ٢: \"حاجته\".\n(^٥) أخرجه مسلم (٥٣٩/ ٣٥) مِن طريق ابن نمير ووكيع به، وأخرجه أبو عوانة ٢/ ١٣٩، وابن المنذر في الأوسط ٣/ ٢٢٩ (١٥٦٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٩ (٢٣٧٧)، والطبراني في الكبير (٥٠٦٤)، من طريق يعلى به. وأخرجه البخارى (١٢٠٠، ٤٥٣٤) من طريق إسماعيل بن أبي خالد به.","vol":"4","page":380},{"text":"قولِه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قال: كانوا يَتَكَلَّمون في الصلاةِ، يَجِيءُ خادمُ الرجلِ إليه وهو في الصلاةِ فيُكَلِّمُه بحاجتِه، فنُهُوا عن الكلامِ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عنبسةَ، عن الزبيرِ بن عديٍّ، عن كُلْثومِ بن المُصْطَلِقِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ (^٢)، قال: إن النبيَّ ﷺ كان عَوَّدني أن يَرُدَّ عليَّ السلامَ في الصلاةِ، فأتَيْتُه ذاتَ يومٍ فسَلَّمْتُ فلم يَرُدَّ عليَّ، وقال: \"إِنَّ الله يُحْدِثُ في أمرِه ما يشاءُ، وإنَّه قد أحْدَّثَ لكم في الصلاةِ ألا يَتَكَلَّمَ أَحَدٌ إِلَّا بِذِكْرِ اللهِ، وما يَنْبَغِى مِن تَسْبِيحٍ وتَمجِيدٍ، وقُومُوا للهِ قانِتِينَ\" (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قال: إذا قُمْتم في الصلاةِ فاسْكُتُوا، لا تُكَلِّمُوا أحدًا حتى تَفْرُغوا منها. قال: والقانتُ: المُصَلِّي الذي لا يَتَكَلَّمُ (^٤).\nوقال آخرون: القنوتُ في هذه الآية الرُّكُودُ (^٥) في الصلاةِ والخشوعُ فيها. وقالوا (^٦): تأويلُ الآيةِ: وقوموا للهِ في صلاتِكم خاشِعين، خافِضِى الأجنحةِ، غير عابثِين ولا لاعِبِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-790>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى سَلْمُ بنُ جُنادةَ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠٦ إلى المصنف وابن المنذر، وأخرجه الطبراني في الكبير (١١٧٧٦) من طريق أبى الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"أتاني عائدا و\".\n(^٣) أخرجه النسائي (١٢١٩)، وابن عبد البر في التمهيد ١/ ٣٥٥ من طريق الزبير بن عدى به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠٦ إلى المصنف.\n(^٥) في م، ت: \"الركوع\". والركود: السكون والثبات. ينظر التاج (ر ك د).\n(^٦) بعده في م، ت ١، ت ٢: \"في\".","vol":"4","page":381},{"text":"﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قال: فمِن القنوتِ طولُ الركوعِ وغَضُّ البصرِ، وخَفْضُ الجَناحِ، والخشوعُ مِن رهبةِ اللهِ، كان العلماءُ إذا قام أحدُهم يُصلِّي، يهابُ الرحمنَ أن يَلْتَفِت، أو أن يُقَلِّبَ الحَصى، أو يَعْبَثُ بشيءٍ، أو يُحَدِّثَ نفسَه بشيءٍ مِن أمرِ الدنيا إلا ناسيًا (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ نحوَه، إلا أنه قال: فمِن القنوتِ الركودُ والخشوعُ (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قال: مِن القنوتِ الخشوعُ وخَفضُ الجَناحِ مِن رهبةِ اللهِ، وكان الفقهاءُ مِن أصحابِ محمدٍ ﷺ ما إذا قام أحدُهم إلى الصلاةِ لم يَلْتَفِتْ، ولم يُقلِّبِ الحصى، ولم يُحَدِّثُ نفسَه بشيءٍ مِن أمرِ الدنيا إلا ناسيًا، حتى يَنْصَرِفَ.\nحُدِّثتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قال: إِنَّ مِن القنوتِ الركودَ (^٣). ثم ذَكَر نحوَه (^٤).\nحُدِّثتُ عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٩ (٢٣٨١) من طريق ابن إدريس به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٠٦ - تفسير) - ومن طريقه البيهقى في الشعب (٣١٥٢) - والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٧١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٤٩ (٢٣٨١) من طريق الليث به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه محمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة ١/ ١٨٨ (١٣٨) من طريق جرير به.\n(^٣) في ت ٢: \"الركوع\".\n(^٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٠٧٧)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٨٢، والأصبهاني في الترغيب ٢/ ٧٦٥ (١٨٦٧) من طريق أبي جعفر به.","vol":"4","page":382},{"text":"﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قال: القنوتُ الرُّكودُ. يعنى القيامَ في الصلاةِ والانْتصابَ له.\nوقال آخرون: بل القنوتُ في هذا الموضعِ الدعاءُ. قالوا: تأويلُ الآيةِ: وقوموا للهِ راغِبِين في صلاتِكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-791>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، وثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِيٍّ وعبدُ الوَهَّابِ ومحمدُ بنُ جعفرٍ، جميعًا عن عوفٍ، عن أبي رجاءٍ، قال: صَلَّيتُ مع ابن عباسٍ الغَداةَ في مسجدِ البصرةَ، فقَنَت بنا قبلَ الركوعِ، وقال: هذه الصلاةُ الوسطى التي قال اللهُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قولُ مِن قال: تأويلُه: مُطيعينَ. وذلك أن أصلَ القنوتِ الطاعةُ. وقد تكونُ الطاعةُ للهِ في الصلاةِ بالسكوتِ عما نهاه (^٢) اللهُ مِن الكلامِ فيها؛ ولذلك وَجَّه مَن وَجَّه تأويلَ القنوتِ في هذا الموضعِ إلى السكوتِ في الصلاةِ - أحدِ المعاني التي فَرَضَها اللهُ على عبادِه فيها - إلا عن قراءة قرآنٍ، أو ذِكرٍ له بما هو أهْلُه.\nومما يَدُلُّ على أنهم قالوا ذلك كما وَصَفْنا، قولُ النَّخَعيِّ ومجاهدٍ الذي حدَّثنا به أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوازِيُّ (^٣)، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ ومجاهدٍ، قالا: كانوا يَتَكَلَّمون في الصلاةِ، يَأْمُرُ الرجلُ (^٤) أخاه بالحاجةِ، فنَزَلتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قال: فقَطَعوا الكلامَ. والقنوتُ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص ٣٦٧، ٣٦٨.\n(^٢) في م: \"نهى\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن الأهوازي\".\n(^٤) في م، ت ١: \"أحدهم\".","vol":"4","page":383},{"text":"السكوتُ، والقنوتُ الطاعةُ (^١).\nفجَعَل إبراهيم ومجاهدٌ القنوتَ سكوتًا في طاعةِ اللهِ، على ما قُلْنا في ذلك مِن التأويلِ. وقد تكونُ الطاعةِ للهِ فيها بالخشوعِ وخفضِ الجَناحِ، وإطالةِ القيامِ، وبالدعاءِ؛ لأن كُلًّا (^٢) غيرُ خارج مِن أحدِ مَعْنَيَين؛ مِن أن يكونَ مما أُمِر به المُصَلِّى، أو مما نُدِب إليه. والعبدُ بكلِّ ذلك للهِ (^٣) مطيعٌ، وهو لربِّه فيه قانِتٌ. والقنوتُ أصْلُه الطاعةُ للهِ، ثم يُسْتَعْمَلُ في كلِّ ما أطاع الله به العبدُ.\nفتأويلُ الآيةِ إذن: حافِظوا على الصلواتِ والصلاةِ الوُسْطَى، وقُوموا للهِ فيها مُطيعين، بتَرْكِ بعضِكم (^٤) فيها كلامَ بعضٍ وغيرِ ذلك مِن معاني الكلامِ، سوى قراءةِ القرآنِ فيها، أو ذِكِر اللهِ بالذي هو أهلُه، أو دُعائِه فيها، غيرَ عاصِين للَّهِ فيها بتَضْييعِ حُدودِها، والتفريطِ في الواجبِ للهِ عليكم فيها، وفى غيرِها مِن فرائضِ اللهِ.\n\n<span id=\"aya-246\"></span><span data-type='title' id=toc-792>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.</span>\nيعنى تعالى ذِكُره بذلك: وقُوموا للهِ في صلاتِكم مُطيعين له - لما قد بَيَّنَّاهُ من معناه - فإِنْ خِفْتُمْ مِن عدوٍّ لكم أيها الناسُ، تَخشَوْنَهم على أنفسِكم في حالِ التقائِكم معهم، أن تُصَلُّوا قيامًا على أرجلِكم بالأرضِ قانتينَ للَّهِ، فَصَلُّوا رجالًا مُشاةً على أرجُلِكم، وأنتم في حربِكم وقتالِكم وجهادِ عدوِّكم، أو رُكْبانًا على ظُهورِ دَوابِّكم، فإن ذلك يَجزيكُم حينئذٍ مِن القيامِ منكم (^٥) قانتينَ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠٦ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر من قول مجاهد وحده، وهو عند عبد الرزاق في مصنفه (٣٥٧٤) عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كل\".\n(^٣) سقط مِن: ص، ت ٢ ت ٣.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بعضهم\".\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أو\"","vol":"4","page":384},{"text":"ولما قلنا مِن أن معنَى ذلك كذلك، جازَ نصبُ \"الرجالِ\" بالمعنى المحذوفِ، وذلك أن العربَ تفعَلُ ذلك في الجزاءِ خاصةً؛ لأن ثانيه شبيهٌ بالمعطوفِ على أوَّلِه، ويُبَيِّنُ ذلك أنهم يقولون: إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا. بمعنى: إن تفعَل خيرًا تُصِبْ خيرًا، وإن تفعَلْ شَرًّا تُصِبْ شرًّا. فيَعْطِفون (^١) الجوابَ على الأولِ لانجزامِ الثاني بجزمِ الأولِ، فكذلك قولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، بمعنى: إنْ خِفْتُم أن تُصلُّوا قيامًا بالأرضِ، فصلُّوا رِجالًا.\nوالرِّجالُ جمعُ رَاجلٍ ورَجُلٍ. وأما أهلُ الحجازِ فإنهم يقولون لواحدِ الرِّجالِ: رَجُلٌ. مسموعٌ منهم: مَشَى فلانٌ إلى بيتِ اللهِ حافيًا رَجُلًا. وقد سُمِعَ مِن بعضِ أحياءِ العربِ في واحدِهم: رَجُلانُ، كما قال بعضُ بني عُقَيْلٍ (^٢):\nعليَّ إذَا أَبْصَرْتُ لَيْلَى بخَلْوَةٍ … أن ازْدَارَ (^٣) بَيْتَ اللَّهِ رَجْلانَ حافِيا\nفمَن قال: رَجْلان. للذكَرِ، قال للأنثى: رَجْلَى. وجاز في جمعِ المذكرِ والمؤنَّثِ فيه أن يُقالَ: أتى القومُ رُجالَى ورَجالى. مثلُ كُسالى وكَسَالَى.\nوقد حُكِىَ عن بعضِهم أنه كان يقرأُ ذلك: (فإنْ خِفْتُمْ فَرجَالًا) (^٤) مشدَّدةً. وعن بعضهم أنه كان يقرأُ: (فَرجَالًا) (^٥). وكلتا (^٦) القراءتَيِن غيرُ جائزةٍ القراءةُ بها عندنا؛ لخلافِها (^٧) القراءةَ الموروثةَ المستفيضةَ (^٨) في أمصارِ المسلمين.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيعطون\".\n(^٢) البيت المجنون ليلى قيس بن الملوح، وهو في ديوانه ص ٣٠١.\n(^٣) في ص: \"ازوار\". وازدار، افتعل مِن الزيارة.\n(^٤) وبها قرأ ابن محيصن وعكرمة وأبو مجلز. البحر المحيط ٢/ ٢٤٣.\n(^٥) رويت هذه القراءة عن عكرمة. المصدر السابق.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢: \"كلا\".\n(^٧) في م: \"بخلاف\"، وفى ت ٢: \"لخلاف\".\n(^٨) في ص، ت ١، ت ٢: \"مستفيضة\".","vol":"4","page":385},{"text":"وأما الركبانُ، فجمعُ راكبٍ، يقالُ: هو راكبٌ، وهم رُكبانٌ ورَكْبٌ ورَكْبَةٌ ورُكَابٌ وأَرْكُبٌ وأُرْكوبٌ. يقالُ: جاءنا أُرْكوبٌ مِن الناسِ وأراكيبُ.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-793>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: سألته عن قولِه: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: عندَ المطاردةِ يُصلِّى حيثُ كانَ وجهه؛ راكبًا أو رَاجِلًا، ويجعَلُ السجودَ أخفضَ مِن الركوعِ، ويُصلِّي ركعتيْن، يُومئُ إيماءً (^١).\nحدَّثنا ابن بشّارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: صلاةُ الضِّرابِ ركعتَينِ، يُومئُ إيماءً.\nحدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ قوله: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: يُصلِّى ركعتَينِ حيثُ كان وجْهُه، يُومئُ إيماءً (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلَ، عن سالمٍ: عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: إِذا طَرَدَتِ الحَيلُ فأَوْمِئْ إيماءً (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن مالكٍ، عن سعيدٍ،\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٥١٣)، (٤١٠ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٧٠، ومن طريقه عبد الرزاق في مصنفه ٢/ ٥١٤ (٤٢٦٠). والدولابي في الكني ٢/ ١٥٣، ١٥٤.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٦، وابن حزم في المحلى ٥/ ٥٣ من طريق سالم به بنحوه.","vol":"4","page":386},{"text":"قال: يُومئُ إيماءً.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن يونسُ، عن الحسنِ: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: إذا كان عندِ القتالِ صلَّى راكبًا أو ماشيًا حيثُ كان وجْهُه، يُومئُ إيماءً (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾: أصحابُ محمدٍ ﷺ في القتالِ على الخيلِ، فإذا وقَع الخوفُ، فلْيُصَلِّ الرجلُ على كلِّ جهةٍ؛ قائمًا أو راكبًا، أو كما قَدَرَ على أن يومئَ برأسِه أو يتكلَّمَ بلسانِه (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: أو راكبًا. لأصحابُ محمدٍ ﷺ. وقال أيضًا: أو راكبًا، أو ما قدَرَ أنْ يُومئَ برأسِه. وسائرُ الحديثِ مثلُه.\nحدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرنا جُويبرٌ، عن الضّحاكِ في قولِه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: إذا التقَوْا عندَ القتالِ وطَلَبوا، أو طُلِبوا، أو طلَبهم سَبْعٌ، فصلاتُهم تكبيرتانِ إيماءً أيَّ جهةٍ كانت.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عَمرُو بنُ عَونٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا جُوَيْبِرٌ، عن الضَّحاكِ في قولِه: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: ذلك عندَ القتالِ، يُصَلِّي حيثُ كان وجهُه؛ راكبًا أو راجلًا، إذا كان يُطْلَبُ، أو يَطْلُبُه سَبْعٌ، فَلْيُصَلِّ ركعةً يُومِئُ إيماءً، فإن لم يَسْتَطِعْ فَلْيُكَبِّرُ تكبيرتَين (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٥١٤)، (٤١١ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٥١٥)، (٤١٢ - تفسير) عن هشيم به، وأخرجه ابن المبارك =","vol":"4","page":387},{"text":"حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الفضلِ بن دَلْهَمٍ، عن الحسنِ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: ركعةً وأنت تَمْشِى، وأنت يُوضِعُ (^١) بك بعيرُك ويَرْكُضُ بك فرسُك، على أيِّ جهةٍ كان (^٢).\nحدثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾: أمَّا \"رِجالًا\"، فعلى أرجلِكم إذا قاتلْتُم، يُصَلِّي الرجلُ يُومِئُ برأسِه أيَنْما توجَّه، و(^٣) الراكبُ على دابَّتِه يُومِئُ برأسِه أيْنما توجَّه (^٤).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ الآية: أحلَّ اللهُ لك إذا كنتَ خائفًا عندَ القتالِ أن تُصَلِّيَ وأنت راكبٌ، وأنت تَسْعَى، تُومِئُ برأسِك مِن حيثُ كان وجهُك، إن قدَرتَ على ركعتَيْنِ، وإلا فواحدةً (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: ذاك عندَ المُسايَفَةِ (^٦).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخبَرنا ابن المبارك، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ في قولِه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: إذا طلَب الأعداءُ فقد\n_________\n= في الجهاد (٢٥١)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤٢٦٣)، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٥٢ (٥٨٩٣) من طريق جويبر به بنحوه.\n(^١) أي: يسرع. التاج (وض ع).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الجهاد (٢٤٩) عن الفضل بن دلهم به.\n(^٣) سقط من: ص، ت ٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٥٠ عقب الأثر (٢٣٨٢) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٤٢٦٥) ومن طريقه ابن حزم في المحلى ٥/ ٥٢.","vol":"4","page":388},{"text":"حَلَّ لهم أن يُصَلُّوا قِبَلَ أَي جهةٍ كانوا؛ رجالًا أو رُكبانًا، يُومِئون إيماءً ركعتَين. وقال قتادَةُ: تُجزئُ ركعةٌ (^١).\nحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: كانوا إذا خَشُوا العدوَّ صَلَّوا ركعتَين، راكبًا كان أو راجلًا (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميد، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرَةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: يُصَلِّي الرجلُ في القتالِ المكتوبةَ على دابَّتِه وعلى راحلتِه حيثُ كان وجْهُه، يُومِئُ إيماءً عندَ كلِّ ركوعٍ وسجودٍ، ولكنَّ السجودَ أخفضُ مِن الركوعِ. [قال: هذا] (^٣) حين تأخُذُ السيوفُ بعضُها بعضًا، هذا في المطاردةِ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، قال: كان قتادةُ يقولُ: إن استطاع ركعتَيْن وإلا فواحدةً، يُومئُ إيماءً، إن شاء راكبًا أو راجلًا، قال اللهُ تعالى ذِكُره: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (^٥).\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال في الخائفِ الذي يَطْلُبُه العدوُّ، قال: إن استطاع أن يُصَلِّي ركعتين،\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الجهاد (٢٥٤)، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٤٢٥٩) - ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط ٥/ ٢٨ (٢٣٤٢) - عن معمر دون ذكر قول قتادة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٥٠ عقب الأثر (٢٣٨٥) مِن طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) في م، ت ١: فهذا\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٠ عن جرير به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٥١٧)، (٤٠٩ - تفسير) عن أبي الأحوص، عن مغيرة به، وينظر تفسير مجاهد ص ٢٣٩.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٤٢٦٢) عن معمر، عن قتادة.","vol":"4","page":389},{"text":"وإلا صلَّى ركعةً (^١)\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن يونسَ، عن الحسنِ، قال: ركعةً (^٢).\nحدَّثنا ابن بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سألتُ الحكمَ وحمادًا وقتادَةَ عن صلاةِ المُسايَفةِ، فقالوا: ركعةً (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى (^٤)، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سألتُ الحكمَ وحمادًا وقتادةَ عن صلاةِ المسايفَةِ، فقالُوا: يُومِئُ إيماءً حيثُ كان وجْهُه.\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: [ثنا شعبةُ] (^٥)، عن حمادٍ والحكَمِ وقتادةَ، أنهم سُئِلوا عن الصلاةِ عندَ المسايفةِ، فقالوا: ركعةً حيثُ وجْهُكَ.\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن أَشْعَثَ بن سَوَّارٍ، قال: سألتُ ابن سِيرِينَ عن صلاةِ المنهزِم، فقال: كيف استطاعَ (^٦).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بن يزيدَ، عن أبي نَضْرَةَ، عن جابرِ بن غُرابٍ (^٧)، قال: كنَّا نُقَاتِلُ القومَ وعلينا هَرِمُ بنُ حَيَّانَ، فحضرتِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الجهاد (٢٤٨)، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٠ من طرق عن الحسن.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٤٢٦١)، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١، وابن حزم في المحلى ٥/ ٥٢ من طريق الثورى به.\n(^٣) أخرجه ابن حزم في المحلى ٥/ ٥٣ من طريق عبد الرحمن بن مهدى به. وأخرجه ابن المبارك في الجهاد (٢٥٠)، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٠ من طريق شعبة به وليس عند ابن أبي شيبة ذكر قتادة.\n(^٤) في م: \"بشار\".\n(^٥) سقط من النسخ.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١ من طريق أشعث به بنحوه.\n(^٧) في النسخ: \"عرب\". والمثبت مِن مصدرى التخريج، وينظر المؤتلف والمختلف للدارقطني ٤/ ١٧٦٩.","vol":"4","page":390},{"text":"الصلاةُ، فقالوا: الصلاةَ الصلاةَ. فقال هَرِمٌ: يَسْجُدُ الرجلُ حيثُ كان وجْهُه سجدةً. قال: ونحن مُستقبِلو المشرقِ (^١).\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن الجُرَيْرِيِّ، عن أبي نَضْرَةَ، قال: كان هَرِمُ بنُ حَيَّانَ على جيشٍ، فحضروا العدوُّ، فقال: يَسْجُدُ كلُّ رجلٍ منكم تحتَ جُنَّتِه (^٢) حيثُ كان وجْهُه، سجدةً أو ما اسْتَيْسَر. فقلتُ لأبي نَضْرَةَ: ما: ما استيسَرَ؟ قال: يُومِيُّ.\nحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أبو مَسْلَمةَ، عن أبي نَضْرَة، قال: ثني جابرُ بنُ غُرابٍ (^٣)، قال: كنَّا مَعَ هَرِمِ بن حَيَّانَ نُقاتِلُ العدوَّ مستقبِلى المشرقِ، فحضرتِ الصلاةُ، فقالوا: الصلاةَ. فقال: يَسْجُدُ الرجلُ تحتَ جنَّتِه (٢) سجدةً.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدُ بن نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن عبدِ الملكِ بن أبي سليمانَ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: تُصَلِّي حيثُ توجَّهتَ؛ راكبًا، وماشيًا، وحيثُ توجَّهتْ بك دابَّتُك، تُومئُ إيماءً للمكْتوبةِ (^٤).\nحدَّثني سعيدُ بنُ عَمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا بقيَّةُ (^٥) بنُ الوليد، قال: ثنا\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"الشرق\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٠، وابن حزم ٥/ ٥٣، من طريق سعيد بن يزيد به نحوه.\n(^٢) في م: \"جيبه\". وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جنبه\"، وغير منقوطة في ص. والمثبت من المحلى ٥/ ٥٣.\nوالجُنَّة: ما واراك مِن السلاح واستترت به منه. اللسان (ج ن ن).\n(^٣) في النسخ: \"عرب\".\n(^٤) أخرجه ابن المبارك في الجهاد (٢٥٧) من طريق خالد بن أبي نوف، عن عطاء بنحوه.\n(^٥) في م: \"هبة\".","vol":"4","page":391},{"text":"المسْعُوديُّ، قال: ثنى يزيدُ الفقيرُ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: صلاةُ الخوفِ ركعةٌ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا موسى بنُ محمدٍ الأنصاريُّ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ في هذه الآيةِ، قال: إذا كان خائفًا صلَّى على أيِّ حالٍ كان.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال مالكٌ، وسألته (^٢) عن قولِ اللهِ: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: راكبًا وماشيًا، لو كانت إنَّما عنَى بها الناسَ، لم يَأتِ إلا رجالًا، وانقطعتِ الآيةُ (^٣)، إنما هي رجالٌ مُشاةٌ. وقرَأ (^٤): ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧]. قال: يَأْتُون مشاةً وركبانًا.\nقال أبو جعفرٍ: والخوفُ الذي للمصلِّى أن يُصَلِّيَ مِن أجْلِه المكتوبةَ ماشيًا راجلًا وراكبًا جائلًا (^٥): الخوفُ على المُهْجَةِ (^٦) عند السَّلَّةِ (^٧) والمسايفةِ في قتالِ مَن أُمِر بقتالِه مِن عدوٍّ للمسلمين، أو محاربٍ، أو طلَبِ سَبُعٍ، أو جملٍ صائلٍ، أو سيلٍ سائلٍ،، فخاف الغرَقَ فيه. وكلُّ ما الأغلبُ مِن شأنه هلاكُ المرءِ منه إن صلَّى صلاةَ الأمن، فإنه إذا كان ذلك كذلك، فله أن يُصلِّيَ صلاةَ شَدَّةِ الخوفِ حيثُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الجهاد (٢٥٢)، والطيالسي (١٨٩٨)، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٣، والبيهقى ٣/ ٢٥٧، ٢٦٣ من طريق المسعودى، بنحوه.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سألت\".\n(^٣) في النسخ: \"الألف\". وما أثبتناه هو الصواب.\n(^٤) في ص، ت ٢: \" ومن إنا ترك\"، وفى م: \"عن\"، وفى ت:١\"ومن إلى ترك\". والمثبت كما عند الشيخ شاكر.\n(^٥) في ص: \"حائلًا\"، والجائل والحائل كلاهما بمعنى، وهو الزائل عن مكانه. اللسان (ج) ول).\n(^٦) في م، ص: \"المهمة\"، وفى ت ٢: \"المسلة\". والمهجة: الروح. اللسان (م هـ ج).\n(^٧) في م: \"السلمة\"، وفى ت ٢: \"المسلة\". والسَّلَّة: استلال السيوف عندَ القتالِ. اللسان (س ل ل).","vol":"4","page":392},{"text":"كان (^١) وجْهُه، يُومِيُّ إيماءً؛ لعمومِ كتابِ اللهِ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، ولم يَخُصَّ الخوفَ على ذلك على نوعٍ مِن الأنواعِ، بعد أن يكونَ الخوفُ صفتُه ما ذكَرتُ.\nوإنما قلنا: إن الخوفَ الذي يُجَوِّزُ للمصلِّى أن يُصَلِّيَ كذلك هو الذي الأغلبُ منه الهلاكُ بإقامةِ الصلاةِ بحدودِها، وذلك حال شدَّةِ الخوفِ؛ لأن محمدَ بنَ حُميدٍ وسفيانَ بنَ وكيعٍ حدثاني، قالا: ثنا جريرٌ، عن عبدِ اللهِ بن نافعٍ، عن أبيه، عن ابنَ عمر، قال: قال النبيُّ ﷺ في صلاةِ الخوفِ: \"يَقُومُ الأميرُ وطائفةٌ مِن الناسِ معَه، فَيَسْجُدون سجدةً واحدةً، ثم تكونُ طائفةٌ مِنهم بينَهم وبينَ العدوِّ، ثم يَنْصَرِفُ الذين سجَدوا سجدةً معَ أميرِهم، ثم يكونون مكانَ الذين لم يُصَلُّوا، ويَتَقَدَّمُ الذين لم يُصَلُّوا فيُصَلُّون معَ أميرِهم سجدةً واحدةً، ثم يَنْصَرِفُ أميرُهم وقد قضَى صلاته، ويُصَلِّي بصلاتِه (^٢) كلُّ واحدٍ مِنَ الطائفتَيْن سجدةً لنفسِه، وإن كان خوفٌ أَشدُّ مِن ذلك فرِجالًا أو رُكبانًا\" (^٣).\nحدَّثني سعيدُ بنُ يحيى الأُموَيُّ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا ابن جُريجٍ، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافعٍ، عن ابن عُمرَ، قال: إذا اخْتَلطوا (^٤) - يعني في القتالِ - فإنّما هو الذِّكرُ. وأشار بالرأسِ، قال ابن عُمرَ: قال النبيُّ ﷺ: \"وإن كانوا أكثرَ مِن ذلك فيُصَلُّون قيامًا ورُكبانًا (^٥).\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"من\".\n(^٢) في م: \"بعد صلاته\".\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١٢٥٨) من طريق جرير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به، وأخرجه مالك في الموطأ ١/ ١٨٤ - ومن طريقه البخارى (٤٥٣٥) - من طريق نافع به.\n(^٤) في النسخ: \"اختلفوا\" والمثبت مِن مصدر التخريج.\n(^٥) أخرجه البخارى (٩٤٣) عن سعيدٍ بن يحيى به، وأخرجه أحمد ١٠/ ٤٧١ (٦٤٣١)، ومسلم (٨٣٩/ ٣٠٦) من طريق موسى بن عقبة به.","vol":"4","page":393},{"text":"ففصَل النبيُّ ﷺ بينَ حكمِ صلاةِ الخوفِ في غيرِ حالِ المسايفةِ والمطاردةِ، وبينَ حكمِ صلاةِ الخوفِ في حالِ شدَّةِ الخوفِ والمسايفةِ، على ما روَيْنا عن ابن عُمرَ، فكان معلومًا بذلك أن قولَه تعالى ذِكُره: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. إنما عنَى به الخوفَ الذي وصَفْنا صفتَه.\nوبنحوِ الذي روَى ابن عُمرَ عن النبيِّ ﷺ، رُوِى عن ابن عُمَرَ أنه كان يقولُ. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابن عُمرَ أنه قال في صلاةِ الخوفِ: يُصَلِّي بطائفةٍ مِن القومِ ركعةً، وطائفةٌ تَحْرُسُ، ثم يَنْطَلِقُ هؤلاءِ الذين صلَّى بهم ركعةً حتى يقوموا مَقامَ أصحابهم، ثم يَجِيءُ أولئك، فيُصَلِّي بهم ركعةً، ثم يُسلِّمُ، وتقومُ كلُّ طائفةٍ فتُصَلِّى ركعةً. قال: فإن كان خوفٌ أشدُّ مِن ذلك فرجالًا أو ركبانًا (^١).\nوأمَّا عددُ الركَعاتِ في تلك الحالِ مِن الصلاةِ، فإنى أُحِبُّ أَلا يَقْصُرَ (^٢) مِن عددِها في حالِ الأمنِ، وإن قصَر عن ذلك فصلَّى ركعةً، رأيتُها مُجزئةً؛ لأن بشرَ بنَ مُعاذٍ حدَّثني، قال: ثنا أبو عَوَانةَ، عن بُكيرِ (^٣) بن الأخنسِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: فرَض اللهُ الصلاةَ على لسانِ نبيِّكم ﷺ في الحضَرِ أربعًا، وفي السفرِ ركعتَينِ، وفى الخوفِ ركعةً (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-794>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ</span>\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٤٢٥٨) عن ابن جريج نافع به.\n(^٢) في م، ت ١: \"يقتصر\".\n(^٣) في النسخ: \"بكر\". وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٢٣٥.\n(^٤) أخرجه أحمد ٤/ ٢٨، ١٤٤ (٢١٢٤، ٢٢٩٣)، ومسلم (٥/ ٦٨٧)، وأبو داود (١٢٤٨)، والنسائي (٤٥٤)، وابن ماجه (١٠٦٨)، وابن حبان ٧/ ١١٩ (٢٨٦٨)، والبيهقى ٣/ ١٣٥ من طريق أبي عوانة به.","vol":"4","page":394},{"text":"تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾\nوتأويلُ ذلك: فإذا أمِنْتُم، أيُّها المؤمنون مِن عدوِّكم أن يَقْدِرَ على قتلِكم في حالِ اشتغالِكم بصلاتِكم التي فرَضها عليكم، ومِن غيرِه ممن كنتم تَخافونَه على أنفسِكم في حالِ صلاتِكم، فاطْمَأَنتُم، فاذْكُرُوا الله، في صلاتِكم وفي غيرِها، بالشُّكرِ له والحمدِ والثناءِ عليه، على ما أَنْعَم به عليكم مِن التوفيقِ لإصابةِ الحقِّ الذي ضلَّ عنه أعداؤكم مِن أهلِ الكفرِ باللهِ، كما ذكَركم بتعليمه إيَّاكم مِن أحكامِه، وحلالِه وحرامِه، وأخبارِ مَن قبلَكم مِن الأممِ السالفةِ، والأنباءِ الحادثةِ (^١) بعدَكم في عاجلِ الدنيا وآجلِ الآخرةِ، التي جهِلها غيرُكم، وبصَّركم مِن ذلك وغيره؛ إنعامًا منه عليكم بذلك، فعلَّمكم منه ما لم تكونوا مِن قبل تعليمِه إيَّاكم، تَعْلَمون.\nوكان مجاهدٌ يقولُ في قولِه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾. ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيع، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾. قال: خرَجتُم مِن دارِ السفرِ إلى دارِ الإقامةِ (^٢).\nوبمثلِ الذي قلنا مِن ذلك قال ابن زيدٍ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾. قال: فإذا أمِنتُم فصلُّوا الصلاةَ كما افتَرَض اللهُ عليكم، إذا جاء الخوفُ كانت لهم رخصةً (^٣).\nوقولُه ههنا: ﴿فَاذْكُرُوا (^٤) اللَّهَ﴾. قال: الصلاةُ، ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"السالفة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٥١ (٢٣٧٨) من طريق وكيع به، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠٩ إلى المصنف.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"اذكروا\".","vol":"4","page":395},{"text":"تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.\nوهذا القولُ الذي ذكَرناه عن مجاهدٍ قولٌ غيرُه أوْلَى بالصوابِ منه؛ لإجماع الجميعِ على أن الخوفَ متى زال فواجبٌ على المصلِّى المكتوبةَ - وإن كان في سفرٍ - أداؤُها بركوعِها وسجودِها وحدودِها، وقائمًا بالأرضِ غيرَ ماشٍ ولا راكبٍ، كالذى يجِبُ عليه مِن ذلك إذا كان مقيمًا في مصرِه وبلدِه، إلا ما أُبيحَ له مِن القصرِ فيها في سفرِه، ولم يَجْرِ في هذه الآية للسفرِ ذكرٌ فيَتَوَجَّهَ قولُه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ إليه. وإنما جرَى ذكرُ الصلاةِ في حالِ الأمنِ وحالِ شدَّةِ الخوفِ، فعرَّف اللهُ ﷾ عبادَه صفةَ الواجبِ عليهم مِن الصلاةِ فيهما، ثم قال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ فزالَ الخوفُ، فأَقِيموا صلاتَكم وذِكرِى فيها وفي غيرِها، مثلَ الذي أوجبْتُه عليكم قبلَ حدوثِ حالِ الخوفِ.\nوبعدُ (^١)، فلو (^٢) كان جرَى للسفرِ ذِكرٌ، ثم أرادَ اللهُ تعالى ذِكُره تعريفَ خلقِه صفةَ الواجبِ عليهم مِن الصلاةِ بعدَ مُقامِهم لقال: فإِذا أَقَمْتم فاذْكُرُوا الله كما علَّمكم ما لم تكونوا تَعْلَمون. ولم يَقُلْ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾. وفي قولِه تعالى ذِكُره: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾. الدَّلالة الواضِحةُ على صحةِ قولِ مِن وجَّه تأويلَ ذلك إلى الذي قلنا فيه، [وخلافِ] (^٣) قول مُجاهد.\n\n<span id=\"aya-247\"></span><span data-type='title' id=toc-795>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"بعده\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"فإن\".\n(^٣) في م: \"وإلى خلاف\".\n* من هنا يبدأ الجزء الأول من المخطوط س.","vol":"4","page":396},{"text":"يعنى تعالى ذِكُره بذلك: والذين يُتَوَّفون منكم أيُّها الرجالُ، ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ يعني زوجاتٍ كُنَّ له نساءً في حياتِه، بنكاحٍ لا مِلْكِ يمينٍ. ثم صُرِف الخبرُ عن ذكرِ مَن ابْتَدأ الخبرُ بذكرِه، نظير الذي مضَى مِن ذلك في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ إلى الخبرِ عن ذكرِ أزواجِهم. وقد ذكَرنا وجهَ ذلك، ودلَّلْنا على صحةِ القولِ فيه في نظيرِه الذي قد تقدَّم قبلَه، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nثم قال تعالى ذِكُره: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ فَاخْتَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأ بعضُهم: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ بنصبِ \"الوصيةِ\"، بمعنى: فَلْيُوصوا وصيةً لأزواجِهم، أو عليهمْ وصيةً لأزواجِهم (^٢).\nوقرَأ آخَرون: (وصيةٌ لأزواجهم) برفعِ \"الوصيةِ\" (^٣).\nثم اخْتَلف أهلُ العربيةِ في وجهِ رفعِ \"الوصية\"؛ فقال بعضُهم: رُفِعت بمعنى: كُتبِتْ عليهم الوصيةُ. واعتلَّ في ذلك بأنها كذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ (^٤).\nفتأويلُ الكلامِ على ما قاله هذا القائلُ: والذين يُتَوَفَّوْن منكم ويَذَرُون أزواجًا، كُتِب عليهم وصيةٌ لأزواجِهم. ثم تُرك ذكرُ \"كُتِبَ\"، ورُفِعت \"الوصيةُ\" بذلك المعنى، وإن كان متروكًا ذِكرُه.\nوقال آخَرون منهم: بل \"الوصيةُ\" مرفوعةٌ بقولِه: ﴿لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ فتأوَّل (^٥):\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٢٤٧.\n(^٢) كذا وردت هذه العبارة، والظاهر أن فيها سقطا تقديره: \"عليهم أن يوصوا وصية\". أو: \"كتب الله عليهم وصية\". أو أن يكونَ مكانها شاهدا لقراءة من قرأ بالرفع.\n(^٣) قرأ بالنصب أبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص. وقرأ الباقون بالرفع. ينظر حجة القراءات ص ١٣٨.\n(^٤) معاني القرآن للفراء ١/ ١٥٦، والبحر المحيط ٢/ ٢٤٥.\n(^٥) في ص: \"فتأويل\".","vol":"4","page":397},{"text":"لأزواجِهم وصيَّةٌ.\nوالقولُ الأولُ أوْلَى بالصوابِ في ذلك، وهو أن تكونَ الوصيةُ - إذا رُفِعت - مرفوعةً بمعنى: كُتِب عليكم وصيةٌ لأزواجِكم. لأن العربَ تُضْمِرُ النكراتِ مرافعَها قبلَها إِذا أَضْمَرت، فإذا أظهرت بدأَت به قبلَها فتقولُ: جاءني رجلٌ اليومَ. وإذا قالوا: رجلٌ جاءنى اليومَ. لم يكادُوا أن يقولوه إلّا والرجلُ حاضرٌ يُشيرون إليه بـ \"هذا\"، أو غائبٌ قد علِم المخبَرُ عنه خبره، أو بحذفِ \"هذا\"، وإضمارِه، وإن حذَفوه لمعرفةِ السامعِ بمعنى المتكلِّمِ، كما قال اللهُ تعالى ذِكُره: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١]. ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١]. فكذلك ذلك في قولِه: (وَصِيَّةٌ لأَزْوَاجِهِمْ).\nوأَولى القراءتينِ بالصوابِ في ذلك عندنا قراءةُ مَن قرأَهُ رفعًا (^١)؛ لدَلالةِ ظاهرِ القرآن على أن مُقامَ المتوفَّى عنها زوجُها في بيتِ زوجهِا المتوفَّى حولًا كاملًا، كان حقًّا لها قبلَ نزولِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. وقبلَ نزُولِ آية الميراثِ، ولتظاهُرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِ الذي دَلَّ عليه الظاهرُ مِن ذلك، أوصى لهنَّ أزواجُهنَّ بذلك قبلَ وفاتهنَّ أو لم يُوصوا لهنَّ به.\nفإن قال قائلٌ: وما الدَّلالةُ على ذلك؟ قيل: لمَّا قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ وكان الموصِى لا شَكَّ إِنما يُوصِى في حياتِه بما يَأْمُرُ (^٢) بإنْفاذه بعدَ وفاتِه، وكان مُحالًا أن يُوصِيَ بعدَ وفاتِه، وكان تعالى ذِكُره إنما جعَل لامرأةِ الميتِ سكنَ الحولِ بعد وفاتِه، [عُلِم أنه] (^٣) حقٌّ\n_________\n(^١) القراءتان كلتاهما صواب مقروء بهما.\n(^٢) في م: \"يؤمر\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"علما به\".","vol":"4","page":398},{"text":"لها وجَب لها (^١) في مالِه بغيرِ وصيةٍ منه لها، إذْ (^٢) كان الميتُ مُستحيلًا أن يكونَ منه وصيةٌ بعدَ وفاتِه.\nولو كان معنَى الكلامِ على ما تأوَّله مَن قال: فلْيُوصِ وصيةً. لكان التنزيلُ: والذين يَحْضُرُهم الوفاةُ، ويَذَرُونَ أزواجا وصيةً لأزواجهم، كما قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠].\nوبعدُ، فلو كان ذلك واجبًا لهنَّ بوصية مِن أزواجهنَّ المتوفَّينَ، لم يكن ذلكَ حقًّا لهنَّ إذا لم يُوصِ أزواجُهنَّ لهنَّ به (^٣) قبلَ وفاتهم، ولكان [قد كان لورثتِهم] (^٤) إخراجهنَّ قبلَ الحوْلِ، وقد قال اللهُ تعالى ذِكُره: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ ولكن الأمرَ في ذلك بخلافِ ما ظنَّه في تأويلِه قارتُه: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ بمعنى: أن الله تعالى كان أمَر أزواجهنَّ بالوصية لهنَّ، وإنما تأويلُ ذلك: والذين يُتَوفَّون منكم ويَذَرون أزواجًا كَتب اللهُ لأزواجِهم عليكُم وصيةً منه لهنَّ أيُّها المؤمنون، ألا تُخْرِجُوهُنَّ مِن منازلِ أزواجهنَّ حوْلًا. كما قال تعالى ذِكُره في سورِة \"النساءِ\": ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢]. ثم ترَكَ ذكرَ \"كتب اللهُ\" اكتفاءً بدَلالةِ الكلامِ عليه، ورُفِعت الوصيةُ بالمعنى الذي قلنا قبلُ.\nفإن قال قائلٌ: فهل يجوزُ نصبُ الوصيةِ [على الحالِ، بمعنى: مُوصِين] (^٥) لهنَّ وصيةً؟\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"إن\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: لورثتهم، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لورثتهم قد كان\"، والمثبت هو الصواب.\n(^٥) مكانه بياض في النسخ، والمثبت كما أثبته الشيخ شاكر.","vol":"4","page":399},{"text":"قيل: لا؛ لأن ذلك إنما كانَ يكونُ جائزا لو تقدَّم الوصيةَ مِن الكلامِ ما يَصْلُحُ أن تكونَ الوصيةُ خارجةً منه، فأَمَّا ولم يَتَقَدَّمه ما يَحْسُنُ أن تكون منصوبةً بخروجِها منه، فغيرُ جائزٍ نصبُها بذلك المعنَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-796>ذكرُ بعض مَن قال: إِنَّ سُكنَى حوْلٍ كامل كان حقًّا لأزواج المتوفِّين بعدَ موتِهم على ما قُلنا، أوصَى بذلك أزواجُهنَّ لهنَّ أو لم يُوصُوا لهنَّ به، وأن ذلك نُسِخ بما ذكَرنا مِن الأربعةِ الأشهرِ والعشرِ والميراثِ</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ مِنهالٍ، قال: ثنا هَمَّامُ بن يحيى، قال: سألتُ قتادة عن قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾. فقال: كانت المرأةُ إذا تُوفِّى عنها زوجُها، كان لها السُّكْنَى والنفقةُ حَوْلًا في مالِ زوجِها ما لم تَخْرُجُ، ثم نسخ ذلك بعدُ في سورةِ \"النساء\"، فجعَل لها فريضةً معلومةً؛ الثمن إن كان له ولدٌ، والرُّبُع إن لم يكن له ولدٌ، وعِدَّتَها أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، فقال تعالى ذِكُره: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. فنسَختْ هذه الآيةُ ما كان قبلَها مِن أمرِ الحوْلِ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية. قال: كان هذا مِن قبل أن تَنْزِل آيةُ الميراثِ، فكانت المرأةُ إذا تُوفِّى عنها زوجُها، كان لها السُّكْنَى والنفقةُ حولًا إن شاءَت، فنسَخ ذلك\n_________\n(^١) أخرجه ابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢١٥ من طريق همام به، وهو في تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٦ - ومن طريقه النحاس في ناسخه ص ٢٤٠ - عن معمر، عن قتادة.","vol":"4","page":400},{"text":"في سورةِ \"النساءِ\"، فجعَل لها فريضةً معلومةً، جعل لها الثُّمُنَ إن كان (^١) له ولدٌ، وإن لم يكن له ولدٌ فلها الرُّبُعُ، وجعَل عدَّتَها أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾: فكان الرجلُ إذا مات وترَك امرأتَه، اعتدَّتْ سنةً في بيتِه، يُنْفَقُ عليها مِن مالِه، ثم أَنْزَلَ اللهُ تعالى ذِكُره بعد: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، فهذه عِدّةُ المُتوفَّى عنها زوجُها (^٣)، إلا أن تكونَ حاملًا، فعدّتُها أن تَضَعَ ما في بطنِها، وقال في ميراثِها: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾ [النساء: ١٢]. فبيَّن اللهُ ميراثَ المرأةِ، وتَرك الوصيةَ والنفقةَ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ (^٥) بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ف﴾: كان الرجلُ إِذا تُوفِّى أَنْفِقَ على امرأتِه في عامِه إلى الحَوْلِ،\n_________\n(^١) في س: \"لم يكن\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٥١ عقب الأثر (٢٣٩٠) مِن طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) سقط من: ص، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٥٢ (٢٣٩١)، والنحاس في ناسخه ص ٢٤٠، ٢٤١، والبيهقى ٧/ ٤٢٧ من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٥) في م، ت ١: \"عبيد الله\".","vol":"4","page":401},{"text":"ولا تُزوَّجُ حتى تَسْتَكْمِلَ الحوْلَ، وهذا مَنسوخٌ، نسَخ (^١) النفقةَ عليها الرُّبُعُ أو (^٢) الثمنُ مِن الميراثِ، ونسَخ الحولَ أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ (^٣).\nوحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾. قال: الرجل إذا تُوفِّي أَنْفِقَ على امرأتِه إلى الحوْلِ، ولا تُزَوَّجُ حتى يَمْضِيَ الحَوْلُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى ذكرُه وَالَّذِينَ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. فنسَخ الأجلُ الحولَ، ونسَخ النفقةَ الميراثُ؛ الرُّبعُ والثُّمنُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾. قال: كان ميراثُ المرأةِ مِن زوجِها مِن رَبْعِه (^٤) أن تَسْكُنَ إن شاءتْ مِن يومِ يموتُ زوجُها إلى الحولِ، يقولُ ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. ثم نسَخها ما فرَض اللهُ مِن الميراثِ. قال: وقال مجاهدٌ: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾. سُكْنَى الحوْلِ، ثم نسخ هذه الآيةَ الميراثُ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: كان لأزواجِ الموتى - حينَ كانت الوصيةُ - نفقةُ سنةٍ، فنسَخ اللهُ ذلك الذي كتَب للزوجةِ مِن\n_________\n(^١) في ص: \"لنسخ\".\n(^٢) في م: \"و\".\n(^٣) في م: \"عشرا\".\nوالأثر أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤١٥) - تفسير مِن طريق جويبر به بنحوه.\n(^٤) في م: \"ريعه\". والربع: المنزل، والدار، والمسكن. ينظر اللسان (ر ب ع).\n(^٥) أخرجه ابن الجوزى في نواسخه ص ٢١٥، ٢١٦ مِن طريق ابن جريج به.","vol":"4","page":402},{"text":"نفقةِ السنةِ بالميراثِ، فجعَل لها الرُّبعَ أو الثَّمن. وفي قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. قال: هذه الناسخةُ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-797>ذكرُ مَن قال: كان ذلك يكونُ لهنَّ وصيةً (^٢) مِن أزواجهنَّ لهنَّ به</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ الآية. قال: كانت هذه مِن قبلِ الفرائضِ، فكان الرجلُ يُوصِى لامرأته ولمن شاءَ، ثم نُسِخ ذلك بعد، فألْحَق الله تعالى بأهلِ المواريثِ مِيراثَهم، وجعَل للمرأةِ إنْ كان له ولدٌ الثمنَ، وإن لم يكنْ له ولدٌ فلها الربعُ، وكان يُنْفَقُ على المرأةِ حوْلًا مِن مالِ زَوجِها، ثم تُحوَّلُ مِن بيتِه، فنسَخت (^٣) العدَّةُ ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، ونسَخ الربعُ أو الثمنُ الوصيةَ لهنَّ، فصارت الوصيةُ لذَوِى القرابةِ الذين لا يَرِثون (^٤).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ إلى: ﴿مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾: يوم نزلت هذه الآيةُ كان الرجلُ إِذا مات أوْصَى لامرأتِه بنفقتِها وسُكناها سنةً، وكانت عِدّتُها أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، فإن هي خرَجت حينَ تَنْقَضى أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ انْقَطعت عنها النفقةُ، فذلك قولُه: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾. وهذا قبل أن تَنْزِلَ آيةُ الفرائضِ، فنسَخه الرُّبعُ والثُّمنُ، فأَخَذتْ نصيبَها، ولم يكن\n_________\n(^١) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ١٥٣.\n(^٢) في م: \"بوصية\".\n(^٣) في م: \"فنسخته\".\n(^٤) أخرجه ابن الجوزى في نواسخه ص ٢١٦ من طريق سعيد به.","vol":"4","page":403},{"text":"لها سُكنى ولا نفقةٌ (^١).\nحدَّثني أحمدُ بنُ المقدام، قال: ثنا المُعْتَمِرُ، قال: سمِعتُ أبي، قال: يَزْعُمُ قتادةُ أنه كان يُوصَى للمرأةِ بنفقتها إلى رأسِ الحَوْلِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-798>ذِكرُ مَن قال: نسَخ ذلك ما كان لهنَّ مِن المتاعِ إلى الحَوْلِ. مِن غيرِ تنبيهٍ (^٣) على أيِّ وجهٍ كان ذلك لهنَّ</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، عن إبراهيم في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾. قال: هي منسوخةٌ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بن الزِّبْرقانِ النَّخَعيُّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، قال: سمعتُ إبراهيمَ يقولُ. فذكَر نحوه.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن حُصَيْنٍ، عن يزيد النحويِّ، عن عكرمة والحسن البصريِّ، قالا: قال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾: فنَسَخ ذلك بآية الميراث، وما فرض لهنَّ فيها من الربع والثمن، ونَسَخ أجَلَ الحَوْلِ أن جعل أجَلَها أربعة أشهرٍ وعشرًا (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٥١ عقب الأثر (٢٣٩٠) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٢) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ١٥٣.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣ س: \"بينة\". وغير منقوطة في ص، والمثبت هو الصواب.\n(^٤) أخرجه ابن الجوزى في نواسخه ص ٢١٦ من طريق سفيان به.\n(^٥) أخرجه النسائي (٣٥٤٦)، وابن الجوزى في نواسخه ص ٢١٥ من طريق سماك، عن عكرمة. وهو مختصر عند النسائي.","vol":"4","page":404},{"text":"حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن يونس، عن ابن سيرين، عن ابن عباسٍ أنه قام يَخْطُبُ الناسَ هَهُنا، فقرأ لهم سورة \"البقرة\"، فبيَّن لهم منها، فأتى على هذه الآية: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠].\nقال: فنُسِخت هذه. ثم قرأ حتى أتى على هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ إلى قوله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ فقال: وهذه (^١).\nوقال آخرون: هذه الآيةُ ثابتةُ الحكمِ لم يُنْسَخْ منها شيءٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-799>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ قال: كانت هذه للمعتدَّةِ، تَعْتَدُّ عند أهل زوجها واجبًا ذلك عليها، فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾. قال: جعل الله لهم (^٢) تمامَ السنة سبعة أشهرٍ وعشرين ليلةً وصيَّةً، إن شاءتْ سكنتْ في وصيَّتِها، وإن شاءت خرَجتْ، وهو قولُ الله تعالى ذكرُه: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. قال: والعدَّةُ كما هي واجبةٌ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ٧/ ٤٢٧ من طريق يعقوب به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٧٣، والبيهقى ٦/ ٢٦٥ من طريق ابن علية به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤١٦ - تفسير) من طريق يونس به، وأصله في البخاري (٢٧٤٧، ٤٥٧٨، ٦٧٣٩).\n(^٢) في البخاري: \"لها\".\n(^٣) أخرجه البخارى (٤٥٣١) من طريق شبل به.","vol":"4","page":405},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن عطاءٍ، عن ابن عباس أنه قال: نسَخت هذه الآية عدَّتَها عند أهلها (^١)، تَعْتَدُّ حيثُ شاءت، وهو قولُ اللهِ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾. قال عطاءٌ: إن شاءت اعتدَّت عند أهلِه وسكَنت في وَصيَّتها (^٢)، وإن شاءت خرَجتْ لقول الله تعالى ذكره: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾. قال عطاءٌ: جاء الميراثُ بنسخِ السُّكنَى، تَعْتَدُّ حيثُ شاءتْ، ولا سُكنَى لها (^٣).\nوأوْلَى هذه الأقوالِ عندى في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكرُه كان جعَل لأزواج من مات من الرجال بعد موتهم سُكنَى حَولٍ في منزله، ونفقتَها في مال زوجها الميِّتِ إلى انقضاءِ السنَةِ (^٤)، ووجب على ورثةِ الميت ألا يُخْرِجُوهُنَّ قبل تمام الحول من المسكن الذي يَسْكُنَّه، وإن هنَّ ترَكنَ حقَّهنَّ مِن ذلك وخرَجْنَ لم تَكُنْ ورثةُ الميت من خروجهنَّ في حَرَج، ثم إن الله تعالى ذكره نسخ النفقة بآية الميراث، وأبْطَل مما كان جعَل لهنَّ مِن سُكْنَى حَوْلٍ سبعة أشهرٍ وعشرين ليلةً، وردَّهنَّ إلى أربعة أشهرٍ وعَشْرٍ على لسان رسول الله ﷺ [بحكمه في [حديث أختِ] (^٥) سعد (^٦) ابن مالكٍ، وذلك ما حدَّثني به] (^٧) محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكم، قال: ثنا\n_________\n(^١) في م: \"أهله\".\n(^٢) في م: \"وصية\".\n(^٣) أخرجه البخارى (٤٥٣١)، وأبو داود (٢٣٠١) من طريق شبل به، وأخرجه النسائي (٣٥٣١) من طريق ابن أبي نجيح به دون قول عطاء.\n(^٤) بياض في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى س: \"عدتها\".\n(^٥) في س: \"حديث\". ومكانه بياض في باقي النسخ، وما أثبتناه أشبه بالصواب واستظهرناه من الحديث التالى.\n(^٦) في النسخ: \"كعب\". وسعد بن مالك هو أبو سعيد الخدرى.\n(^٧) في م: \"حدثني\".","vol":"4","page":406},{"text":"حجَّاجُ [ابن رِشدين] (^١)، قال: [أخبرنا حَيْوَةُ بْنُ شُرِيحٍ، عن ابن عَجْلانَ، عن سعد (^٢) بن إسحاق بن كعب بن عُجْرَةَ] (^٣)، أخبَره عن عمَّتِه زينب ابنة كعبِ بن عُجْرَةَ، عن الفارعة (^٤) أخت أبي سعيد الخُدْرِيِّ، أنّ زوجها خرج في طلب عبد له، فلحِقه بمكانٍ قريبٍ، فقاتَلَه وأعانَه عليه أَعْبُدٌ معَه، فقتلوه، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: إن زوجَها خرج في طلب عبد له، فلقِيَه عُلوجٌ فقَتلوه، وإني في مكانٍ ليس فيه أحدٌ غيرى، وإنَّ أجمع لأمرى أن أنْتَقِلَ إلى أهْلِى، فقال لها رسولُ الله ﷺ: \"بل امْكُثِى مكانَكِ حتى يَبْلُغَ الكتابُ أجَلَه\" (^٥).\nوأمَّا قوله: ﴿مَتَاعًا﴾. فإن معناه: جعل ذلك لهنَّ متاعًا. أي الوصية التي كتبها الله لهنَّ.\nوإنما نصب المتاع لأن في قوله: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾. معنى: متَّعهِنَّ اللَّهُ.\nفقيل: ﴿مَتَاعًا﴾ مصدرًا مصدرًا مِن معناه لا من لفظه.\nوقوله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ فإن معناه أن الله تعالى ذكرُه جعل ما جعل لهنَّ مِن الوصية متاعًا منه لهنَّ إلى الحَوْلِ، لا إخراجًا مِن مَسكن زوجها. يعنى: لا إخراج فيه (^٦) منه حتى يَنْقَضِيَ الحَوْلُ. فنصب ﴿غَيْرَ﴾ على النعت للمتاع؛ كقول القائل: هذا قيامٌ غير قعودٍ. بمعنى: هذا قيامٌ لا قعود معه، أو: لا قعود فيه.\n_________\n(^١) في س: \"عبد الرحمن\".\n(^٢) في النسخ: \"سعيد\". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر: تهذيب الكمال ١٠/ ٢٤٨.\n(^٣) سقط من (س).\n(^٤) في م: \"فريعة\".\n(^٥) أخرجه أبو داود (٢٣٠١)، والترمذى (١٢٠٤) وابن ماجه (٢٠٣١) من طريق سعد به، وينظر الطيالسي (١٧٦٩).\n(^٦) سقط من: س. وفيه: أي في الحول.","vol":"4","page":407},{"text":"وقد زعم بعضُهم أنه منصوبٌ بمعنى: لا تُخْرِجُوهُنَّ إخراجًا. وذلك خطأٌ من القول؛ لأنّ ذلك إذا نُصب على هذا التأويل، كان نصبُه من كلامٍ آخر غير الأولِ، وإنما هو منصوبٌ بما نصَب \"المتاعَ\" على النعتِ له.\n\n<span data-type='title' id=toc-800>القولُ في تأويل قوله: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك أن المتاعَ الذي جعله الله لهنَّ إلى الحولِ في مالِ أزواجهنَّ بعد وفاتِهم (^١) وفى مساكنهم (^٢)، ونهى ورثته عن إخراجهنَّ، إنما هو لهنَّ ما أقمْنَ في مساكن أزواجهنَّ، وأن حقوقهنَّ مِن ذلك تَبْطُلُ بِخُروجهنَّ إِن خَرَجْنَ من منازل أزواجهنَّ قبل الحول من قبل أنفسهنَّ بغير إخراج من ورثة الميِّتِ، ثم أخبر تعالى ذكرُه أنه لا حَرَجَ على أولياءِ الميتِ في خروجهنَّ، وتركهنَّ الحداد على أزواجهنَّ؛ لأن المُقام حوْلًا في بيوت أزواجهنَّ والحداد عليه تمام حولٍ كامل لم يكن فرضًا عليهنَّ، وإنما كان ذلك إباحةً مِن الله تعالى ذكرُه لهنَّ إن أقمْنَ تمامَ الحَوْلِ مُحِدَّاتٍ، فأَمَّا إِن خَرَجْنَ، فلا جُناحَ على أولياء الميت ولا عليهنَّ فيما فعَلْنَ في أنفسهنَّ من معروفٍ، وذلك تركُ الحداد. يقولُ: فلا حرج عليكم في التزيُّن إن تَزَيَنَّ وتَطيَّبْنَ وتَزَوَّجْنَ؛ لأن ذلك لهنَّ.\nوإنما قلنا: لا حرج عليهنَّ في خُروجهنَّ. وإن كان إنما قال تعالى ذكرُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. لأن ذلك لو كان عليهنَّ فيه جناحٌ، لكان على أولياء الرجل فيه جُناحٌ بتركهم إياهنَّ والخروج، مع قدرتهم على منعهنَّ من ذلك، ولكن لما لم\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وفاتهن\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مساكنهن\".","vol":"4","page":408},{"text":"يكُن عليهنَّ جُناحٌ في خُروجهنَّ وترْكِ الحدادِ، وضع عن أولياء الميت وغيرِهم الحرجُ فيما فعَلْنَ من معروفٍ، وذلك في أنفسهنَّ. وقد مضَت الروايةُ عن أهل التأويل بما قلنا في ذلك قبلُ.\nوأمَّا قولُه ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فإنه يعنى تعالى ذكرُه: والله عزيزٌ في انتقامه ممن خالَف أمرَه ونهيَه وتعدَّى حدودَه مِن الرجال والنساء، فمنَع مَن كان مِن الرجال نساءَهم وأزواجهم ما فُرِض لهنَّ عليهم في الآيات التي مضَتْ قبلُ من المتعة والصَّدَاقِ والوصية، وإخراجهنَّ قبل انقضاء الحولِ، وترْك المحافظة على الصلوات وأوقاتها، ومنع من كان من النساء ما ألزمَهنَّ (^١) الله من التربُّص عند وفاة أزواجهنَّ عن الأزواج، وخالف أمره في المحافظة على أوقات الصلوات، حكيمٌ فيما قضَى بينَ عباده من قضاياه التي قد تقدَّمت في الآياتِ قَبلَ قوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. وفى غير ذلك من أحكامه وأقضيته.\n\n<span id=\"aya-248\"></span><span data-type='title' id=toc-801>القولُ في تأويل قوله جلَّ ذكرُه: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولمن طُلِّق مِن النساء على مُطلِّقِه (^٢) من الأزواج متاعٌ. يعنى بذلك: ما تَسْتَمْتِعُ به من ثيابٍ وكِسوة أو نفقةٍ أو خادمٍ وغير ذلك مما يُسْتَمْتَعُ به.\nوقد بيَّنَّا فيما مضَى قبلُ معنى ذلك، واختلاف أهل العلم فيه، والصواب من القول في ذلك عندنا بما فيه الكفايةُ مِن إعادتِه (^٣).\n_________\n(^١) في ص: \"ألزمهم\".\n(^٢) في م: \"مطلقها\".\n(^٣) تقدم في ص ٢٨٨ وما بعدها.","vol":"4","page":409},{"text":"وقد اخْتَلَف أهل العلم في المعنيَّةِ بهذه الآية من المطلقات؛ فقال بعضُهم: عُنى بها الثَّيِّباتُ اللّواتي قد جُومِعْنَ. قالوا: وإنما قلنا ذلك لأن أحكام (^١) غير المدخول بهنَّ في المتعة قد بيَّنَها اللهُ تعالى ذكرُه في الآياتِ قبلَها، فعلمْنا بذلك أن في هذه الآية بيانَ أمر المدخول بهنَّ في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-802>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى بنُ ميمونٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ في قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ قال: المرأةُ الثَّيِّبُ يُمتِّعُها زَوْجُها إذا جامعها بالمعروفِ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله، وزاد فيه: ذكره شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ (^٣).\nوقال آخرون: بل في هذه الآية دَلالةٌ على أن لكلِّ مُطلَّقةٍ مُتعةً، وإنما أنْزَلها الله تعالى ذكرُه على نبيِّه ﷺ لما فيها من زيادة المعنَى الذي فيها على ما سواها من آي المتعة، إذْ كان ما سواها من آي المتعة إنما فيه بيانُ حكم غير الممْسوسة إذا طُلِّقت، وفى هذه بيانُ حُكم جميع المطلقات في المتعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-803>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشَّار، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن سعيد بن جُبيرٍ في\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ومكانه بياض في: ص، وجعله الشيخ شاكر: \"الحقوق اللازمة للمطلقات\".\n(^٢) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ١٥٦.\n(^٣) تقدم في ص ٢٩٨.","vol":"4","page":410},{"text":"هذه الآية: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. قال: لكلِّ مطلَّقةٍ متاعٌ بالمعروف حقًّا على المتقين (^١).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ في الأمَةِ يُطلِّقُها زوجُها وهى حُبْلَى، قال: تَعْتَدُّ في بيتها، وقال: لم أَسْمَعْ في متعة المملوكة شيئًا أَذْكُرُه، وقد قال الله تعالى ذكره: ﴿مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. ولها المتعهُ حتى تَضَعَ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حبّانُ (^٢) بنُ موسى، قال: أخبَرنا ابن المبارك، قال: أخبَرنا ابن جُريج، عن عطاءٍ، قال: قلتُ له: أَلِلْأَمةِ مِن الحُرِّ مُتعةٌ؟ قال: لا. قلتُ: فالحُرَّةُ عند العبد؟ قال (^٣): لا. وقال عَمرُو بنُ دينارٍ: نعم، ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (^٤).\nوقال آخَرون: إنما نزَلت هذه الآية لأن الله تعالى ذكره لما أَنْزَل قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. قال رجلٌ من المسلمين: فإنا لا نفعلُ إن لم يُرِدْ أَن نُحْسِنَ. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ فوجَب ذلك عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-804>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص ٢٩٥.\n(^٢) في النسخ: \"هناد\".\n(^٣) في م: \"قالا\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣١٤٧، ١٣١٥٠) عن ابن جريج به.","vol":"4","page":411},{"text":"الْمُحْسِنِينَ﴾. فقال رجلٌ: فإن أحسنتُ فعَلتُ، وإِن لم أُرِدْ ذلك لم أَفْعَلْ، فَأَنْزَل الله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (^١).\nوالصوابُ من القول في ذلك ما قاله سعيدُ بنُ جُبيرٍ، مِن أن الله تعالى ذكرُه أنْزَلها دليلًا لعباده على أن لكلِّ مُطلَّقةٍ متعةً؛ لأن الله تعالى ذكرُه ذكر في سائر أي القرآن التي فيها ذكرُ متعة النساءِ خصوصًا من النساءِ، فبيَّن في الآية التي قال فيها: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. وفى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. ما لهنَّ مِن المتعة إذا طُلِّقن قبل المسيس، وبقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] حكم المدخول بهنَّ، وبقى حكمُ الصبايا إذا طُلِّقن بعد الابتناءِ بهنَّ، وحكمُ الكوافر والإماء، فعمَّ الله تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ذكرَ جميعهنَّ، وأخبَر بأنَّ لهنَّ المتاع، كما أبان (^٢) المطلقات الموصوفات بصفاتهن في سائر آي القرآن، ولذلك كرَّر ذكرَ جميعهنَّ في هذه الآية.\nوأمَّا قولُه: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. فإنَّا قد بينَّا معنى قوله: ﴿حَقًّا﴾. ووجه نصبه، والاختلاف مِن أهل العربية فيه في قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. ففى ذلك مُسْتَغْنى عن إعادته في هذا الموضع (^٣).\nفأَمَّا \"المُتَّقون\"، فهم الذين اتقوا الله في أمره ونهيه وحدوده، فقاموا بها على\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣١٠ إلى المصنف.\n(^٢) في ص: \"أ\" وبعده بياض، وأثبتها الشيخ شاكر: \"خص\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٣٠٨.","vol":"4","page":412},{"text":"ما كلَّفهم القيام به؛ خشيةً منهم له، ووَجَلًا منهم من عقابه. وقد تقدَّم بيانُ تأويل ذلك أيضًا (^١) بالرواية.\n\n<span id=\"aya-249\"></span><span data-type='title' id=toc-805>القولُ في تأويل قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: كما بيَّنتُ لكم ما يَلْزَمُكم لأزواجكم، ويَلْزَمُ أزواجكم لكم أيُّها المؤمنون، وعرَّفتُكم أحكامي، والحقَّ الواجب لبعضكم على بعضٍ في هذه الآيات، فكذلك أُبَيِّنُ لكم سائرَ الأحكام في آياتي التي أنْزَلتُها على نبيِّى محمدٍ في هذا الكتابِ؛ لِتَعْقِلوا أيُّها المؤمنون بى وبرسولى حُدُودى، فَتَفْهَموا اللازم لكم مِن فرائضى، وتَعْرِفوا بذلك ما فيه صلاحُ دينِكم ودنياكم، وعاجِلِكم وآجلِكم، فَتَعْمَلُوا به؛ ليصْلُحَ ذاتُ بينكم، وتَنَالوا به الجزيل من ثوابي في معادكم.\n\n<span id=\"aya-250\"></span><span data-type='title' id=toc-806>القولُ في تأويل قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾.</span>\nيعني تعالي ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألم تَعْلَمْ يا محمدُ. وهو من رؤية القلب لا رؤية العين؛ لأن نبيَّنا محمدًا ﷺ لم يُدْرِك الذين أخبر الله عنهم هذا الخبر. ورُؤيةُ القلب ما رآه: عِلْمُه (^٢) به. فمعنى ذلك: ألم تَعْلَمُ يا محمدُ الذين خرَجوا من ديارهم وهم ألوفُ.\nثم اخْتَلفَ أهلُ التأويل في تأويل قوله: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾. فقال بعضُهم: في العدَدِ، بمعنى جماع \"ألفٍ\".\n_________\n(^١) في م: \"نصًّا\". وينظر ما تقدم في ١/ ٢٣٧ - ٢٣٩.\n(^٢) في م: \"وعلمه\".","vol":"4","page":413},{"text":"<span data-type='title' id=toc-807>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، وحدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن مَيْسرةَ النَّهْدِيِّ، عن المِنْهالِ بن عَمرو، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾. قال: كانوا أربعة آلافٍ خرَجوا فرارًا من الطاعون، قالوا: نأتى أرضًا ليس فيها موتٌ. حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا، قال لهم الله: موتوا. فمرَّ عليهم نبيٌّ من الأنبياء، فدعا ربَّه أن يُحْيِيَهم، فأحياهم، فتلا هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن مَيْسَرَةَ النَّهْدِيِّ، عن المِنْهَالِ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾. قال: كانوا أربعة آلاف خرَجوا فرارًا من الطاعون، فأماتهم الله، فمرَّ عليهم نبيٌّ من الأنبياء، فدعا ربَّه أن يُحْيِيَهم حتى يَعْبُدوه، فأحياهم.\nحدَّثنا محمدُ بنُ سهل بن عَسْكَرٍ، قال: أخبرنا إسماعيلُ بن عبد الكريم، قال: ثنى عبدُ الصمد أنه سمع وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: أصاب ناسًا من بني إسرائيل بلاءٌ وشدةٌ من الزمان، فشكَوْا ما أصابهم، فقالوا: يا ليتنا قد مُتْنا فاسْتَرحنا مما نحن فيه. فأوحى الله إلى حِزْقِيلَ: إن قومك صاحوا من البلاء، وزعموا أنهم وَدُّوا لو ماتوا فاسْتَراحوا، وأيُّ راحةٍ لهم في الموتِ؟ أَيَظُنُّون أنى لا أَقْدِرُ أن أبعثهم بعد الموت؟ فانْطَلِقْ إلى جَبَّانة كذا وكذا، فإن فيها أربعة آلافٍ - قال وهبٌ: وهم الذين قال\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٨١ من طريق وكيع به.","vol":"4","page":414},{"text":"اللهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ - فقُمْ فيهم فنادهم. وكانت عظامُهم قد تفرَّقتْ، فرَّقَتْها الطيرُ والسِّبَاعُ، فناداهم حِزْقيلُ، فقال: يا أيَّتُها العظامُ، إن الله يَأْمُرُكِ أن تَجْتَمِعي. فاجتَمع عظامُ كلِّ إنسانٍ منهم معًا، ثم نادى ثانيةً حِزْقِيلُ، فقال: يا أَيَّتُها العظامُ، إن الله يَأْمُرُك (^١) أن تَكْتَسِى اللحم. فاكْتَستِ اللحم، وبعد اللحم جلدًا، فكانت أجسادًا، ثم نادَى حِزْقِيلُ الثالثة فقال: أيَّتُها الأرواحُ، إن الله يأمُرُكِ أن تعودى في (^٢) أجسادِك. فقاموا بإذن الله، وكبَّروا تكبيرةً واحدةً (^٣).\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾. يقولُ: عددٌ كثيرٌ خرَجوا فِرارًا مِن الجهاد في سبيل الله، فأماتَهم الله، ثم أحياهم، وأمَرهم أن يُجَاهِدوا عدوَّهم، فذلك قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن [أَشْعَثَ بن أَسْلَمَ عن البصريِّ] (^٥)، قال: بينما عمرُ يصلِّى ويهوديَّان خلفَه - وكان عمرُ إذا أراد أن يركع خوَّى (^٦) - فقال أحدُهما (^٧) لصاحبه: أهو هو؟ فلمَّا انْفَتل عمرُ قال: رأيت قولَ\n_________\n(^١) في ص: \"أمرك\".\n(^٢) في م: \"إلى\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٥٧، ٤٥٨، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢٣٥) من طريق إسماعيل به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٥٦ (٢٤١٧) عن محمد بن سعد به.\n(^٥) في تاريخ المصنف: \"أشعث، عن سالم النصري\". وفى نسختين منه كما عندنا. تنظر ترجمته في الجرح والتعديل ٢/ ٢٦٨.\n(^٦) خوَّى الرجل: تجافى في سجوده وفرّج ما بين عضديه وجنبيه. اللسان (خ وى).\n(^٧) في م، ت ٢: \"أحدهم\".","vol":"4","page":415},{"text":"أحد كما لصاحبه: أهو هو؟ فقالا: إنَّا نَجِدُه (^١) في كتابنا: قَرْنًا (^٢) من حديد يُعْطَى ما يُعْطَى حِزْقِيلُ الذي أحيا الموتى بإذنِ اللهِ. فقال عمرُ: ما نَجِدُ في كتابِ اللهِ حِزْقِيلَ، ولا أحيا الموتى بإذن الله إلا عيسى. فقالا: أمَّا تَجِدُ في كتابِ اللهِ: ﴿[وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ] (^٣)﴾ [النساء: ١٦٤]؟ فقال عمرُ: بلى. قالا: وأمَّا إحياءُ الموتى فَسَنُحَدِّثُك؛ إن بني إسرائيل وقَع عليهم الوباءُ، فخرج منهم قومٌ، حتى إذا كانوا على رأس ميلٍ، أماتهم الله، فبنَوْا عليهم حائطًا، حتى إذا بَليت عظامُهم، بعث اللهُ حزْقيلَ، فقام عليهم فقال (^٤) ما شاء الله، فبعثهم الله له، فأَنْزَل الله في ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ الآية (^٥).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عَن الحَجَّاجِ بن أَرْطَاةَ، قال: كانوا أربعة آلافٍ (^٦).\nحدَّثني موسى بن هارونَ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾. إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾. قال: كانت قريةٌ يقالُ لها: داوَرْدانُ (^٧). قِبَل واسط، وقَع بها الطاعونُ، فهرب عامَّةُ أهلها، فنزَلوا ناحيةً منها، فهلك من بقى في القرية وسلم الآخرون، فلم يَمُتْ منهم كبيرٌ، فلما ارتفع الطاعونُ رجَعوا سالمين، فقال الذين بَقُوا: أصحابُنا هؤلاء\n_________\n(^١) في م: \"نجد\".\n(^٢) القرن: الجبيل المنفرد. اللسان (ق ر ن).\n(^٣) في م: \"ورسلًا لم يقصصهم\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٥٩.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣١١ إلى المصنف.\n(^٧) في ص: \"دار وردان\". وينظر معجم البلدان ٢/ ٥٤١.","vol":"4","page":416},{"text":"كانوا أحزَمَ منَّا، لو صنَعْنا كما صنَعوا بقِينا، ولئن وقَع الطاعونُ ثانيةً لَنَخْرُجَنَّ مَعَهم. فوقع في قابلٍ فهربوا، وهم بضعةٌ وثلاثون ألفًا، حتى نزلوا ذلك المكان، وهو وادٍ أفيحُ (^١)، فناداهم ملَكٌ من أسفل الوادى، وآخَرُ مِن أعلاه: أن موتوا. فماتوا، حتى إذا هلَكوا وبَليت (^٢) أجسادُهم، مرَّ بهم نبيٌّ يقالُ له: حِزْقيلُ. فلما رآهم وقف عليهم، فجعَل يَتَفَكَّرُ فيهم ويَلْوِى شِدْقَيه (^٣) وأصابعَه، فأوحى الله إليه: يا حِزْقِيلُ، أَتُرِيدُ أن أُرِيَك فيهم كيف أُحْيِيهم؟ [قال: نعم] (^٤). قال: وإنما كان تَفَكُّرُه أنه تعجَّب من قدرةِ الله عليهم فقال: نعم. فقيل له: نادِ. فنادَى: يا أيَّتُها العظامُ، إن الله يَأْمُرُكِ أن تجتمعي. فجعلت تطيرُ العظام بعضُها إلى بعضٍ حتى كانت أجسادًا من عظام، ثم أوحى الله إليه أن نادِ: يا أَيَّتُها العظام، إن الله يأمُرُكِ أن تكْتَسى لحمًا. فاكْتَست لحمًا ودمًا وثيابَها التي ماتت فيها وهى عليها، ثم قيل له: نادِ. فنادَى: يا أَيَّتُها الأجسادُ، إن الله يأمُرُكِ أن تقومى. فقاموا (^٥).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عَمرُو، قال: ثنا أسباطُ، فزعم منصورُ بنُ المُعْتَمِرِ، عن مجاهدٍ أنهم قالوا حين أُحْيُوا: سبحانَك ربَّنا وبحمدك، لا إلهَ إلا أنت. فرجَعوا إلى قومهم أحياءً، يَعْرِفون أنهم كانوا موتى، سَحْنَةٌ (^٦) الموت على وجوههم، لا يَلْبَسون ثوبًا إِلَّا عاد (^٧) دَسِمًا (^٨) مثل الكفن، حتى ماتوا لآجالهم\n_________\n(^١) أفيح: واسع. تاج العروس (ف وح).\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"بقيت\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"شدقته\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٥٨ (٢٤٢٢) من طريق عمرو به. وينظر تاريخ المصنف ١/ ٤٥٨، وتفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٤٥٥ (٢٤٢٠).\n(^٦) السحنة: الهيئة واللون والحال. اللسان (س ح ن).\n(^٧) بعده في النسخ: \"كفنا\". والمثبت كما في تاريخ المصنف.\n(^٨) يقال: ثياب دُسْم، يعنى وسخة. الصحاح (د س م).","vol":"4","page":417},{"text":"التي كُتبت لهم (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ عَوْسَجَةَ، عن عطاءٍ الخُرَاسانيِّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾. قال: كانوا ثلاثة آلاف أو أكثر (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: كانوا أربعين ألفًا أو ثمانية آلافٍ، حُظِر عليهم حظائرُ، وقد أَرْوَحت أجسادُهم وأنْتَنوا، فإنها لتُوجَدُ اليوم في ذلك السِّبْطِ من اليهودِ تلك الريحُ، وهم ألوفٌ، فرارًا من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم الله، ثم أحياهم، فأمرهم بالجهادِ، فذلك قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاق، عن وهب بن مُنَبِّه، أن كالبَ بنَ يُوفنَّا (^٣) لما قبَضه اللهُ بعدَ يُوشَعَ، خلَف فيهم - يعني: في بني إسرائيل - حِزْقِيلُ بن بوزى (^٤)، وهو ابن العجوز. وإنما سُمِّى ابنَ العجوز أنها سألت الله الولد وقد كبرت وعقمت، فوهبه الله لها، فلذلك قيل له: ابن العجوز. وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر الله في الكتاب لمحمد ﷺ، كما بلغنا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٥٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٥٨ (٢٤٢١) من طريق أسباط به ببعضه.\n(^٢) ينظر تفسير البغوي ١/ ٢٩٣، والبحر المحيط ٢/ ٢٥٠.\n(^٣) في م: \"يوقنا\". وهو مما قيل في اسمه، وقيل: أيضًا: يا فنة، وقيل: يفنة. وأما كالب فقد قيل فيه: كلاب وكالوب. وقيل غير ذلك. ينظر فهارس تاريخ المصنف، وعرائس المجالس ص ٢١٣، وجمهرة أنساب العرب ص ٥٠٥، ٥٠٧. وينظر سفر العدد الأصحاح الثالث عشر. وينظر ما سيأتي في تفسير الآية ١٢، ٢٢ من سورة المائدة.\n(^٤) في ت ١: \"دورى\"، وفى تاريخ المصنف: \"بوذى\".","vol":"4","page":418},{"text":"خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (^١).\nحدَّثني ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، قال: حدَّثني محمدُ بن إسحاق، قال: بلَغني أنه كان من حديثهم أنهم خرَجوا فرارًا من بعض الأوباء؛ من الطاعون، أو مِن سَقَمٍ كان يُصِيبُ الناسَ، حذرًا من الموت، وهم ألوفٌ، حتى إذا نزلوا بصعيد من البلاد، قال لهم الله: موتوا. فماتوا جميعًا، فعمد أهلُ تلك البلاد فحظروا عليهم حظيرةً دونَ السِّباع، ثم ترَكوهم فيها، وذلك أنهم كثُروا عن أن يُغَيَّبوا، فمرَّت بهم الأزمانُ والدهورُ، حتى صاروا عظامًا نَخِرَةً، فمرَّ بهم حِزْقِيلُ بنُ بوزى، فوقَف عليهم فتعجَّب لأمرهم، ودخله رحمةٌ لهم، فقيل له: أَتُحِبُّ أَن يُحْيِيَهم الله؟ فقال: نعم. فقيل له: نادِهم. فقال (^٢): أيَّتُها العظامُ الرميمُ التي قد رَمَّت وبَليت، ليَرْجِعْ كلُّ عظمٍ إلى صاحبه. فناداهم بذلك، فنظر إلى العظام تَوَاثَبُ يَأْخُذُ بعضُها بعضًا، ثم قيل له: قل: أيُّها اللحمُ والعصَبُ والجلدُ، اكْسُ العظام بإذنِ رَبِّك. قال: فنظر إليها والعصَبُ يَأْخُذُ العظامَ ثم اللحم والجلد والأشعار، حتى استَوَوْا خلقًا ليست فيهم الأرواحُ، ثم دعا لهم بالحياةِ، فتغشَّاه (^٣) من السماء [شيءٌ كَرَبه] (^٤)، حتى غُشِى عليه منه، ثم أفاق والقومُ جلوسٌ يقولون: سبحان الله! سبحان الله! قد أحياهم الله (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٥٩، ٤٦٠.\n(^٢) في تاريخ المصنف: \"فقل\".\n(^٣) في م: \"فتغشاهم\"، وفي ت ٢: \"فبعثناهم\".\n(^٤) في ص: \"كربه\"، وفى م، ت ٢، ت ٣، س: \"كدية\"، وفى ت ١: \"كدمة\". والمثبت من تاريخ المصنف.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٦٠.","vol":"4","page":419},{"text":"وقال آخرون: معنى قوله: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾. وهم مُؤْتَلِفون.\n\n<span data-type='title' id=toc-808>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾. قال: قريةٌ كانت نزل بها الطاعونُ، فخرَجت طائفةٌ منهم وأقامت طائفةٌ، فألحَّ الطاعونُ بالطائفة التي أقامت، والتي خرجت لم يُصبْها (^١) شيءٌ، ثم ارتفع، ثم نزل العام القابل، فخرجت طائفةٌ أكثرُ من التي خرجت أوَّلًا، فاستحَرَّ الطاعونُ بالطائفة التي أقامت، فلمَّا كان العامُ الثالثُ نزل، فخرجوا بأجمعهم وتركوا ديارَهم، فقال الله تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾. ليست الفُرقةُ أخرجتهم كما يُخْرَجُ للحرب والقتال، قلوبُهم مؤتلفةٌ، إنما خرَجوا فِرارًا، فلمَّا كانوا حيثُ ذهَبوا يبتَغون الحياةَ، قال لهم الله: موتوا. في المكان الذي ذهبوا إليه يبتغون فيه الحياةَ، فماتوا، ثم أحياهم الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. قال: ومرَّ بها رجلٌ وهى عظامٌ تلوحُ، فوقَف يَنْظُرُ، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-809>ذكرُ هذه (^٣) الأخبار عمَّن قال: كان خروجُ هؤلاء القوم من ديارهم فرارًا من الطاعون</span>\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن الأشعثِ، عن الحسن\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"يصبهم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣١١ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: م، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"4","page":420},{"text":"في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾. قال: خرَجوا فِرارًا من الطاعون، فأماتهم الله (^١) قبل آجالهم، ثم أحياهم إلى آجالهم.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الحسن في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾. قال: فرُّوا من الطاعون، فقال لهم الله: موتوا. ثم أحياهم ليُكملوا بقيَّة أجالهم (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عَمرِو بن دينارٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾. قال: وقَع الطاعونُ في قريتهم، فخرج أُناسٌ وبقى أناسٌ، فهلك الذين بَقُوا في القرية، وبقى الآخرون، ثم وقَع الطاعونُ في قريتهم الثانيةَ، فخرَج أناسٌ وبقى أناسٌ، ومَن خرج أكثرُ ممَّن بقي، فنجَّى الله الذين خرَجوا وهلك الذين بَقُوا، فلمَّا كانت الثالثةُ خرَجوا بأجمعهم إلا قليلًا، فأماتهم الله ودوابَّهم، ثم أحْياهم، فرجعوا إلى بلادهم [وقد توالدت ذُريتُهم ومن تركوا] (^٣)، وكثُروا (^٤) بها، حتى يقول بعضُهم لبعضٍ: من أنتم (^٥)؟\n_________\n(^١) زيادة من: ت ٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣١١ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد، وهو في تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٧ عن معمر، عن قتادة.\n(^٣) سقط من: م، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وقدر … قريتهم ومن تركوا\" هكذا، والمثبت من تفسير مجاهد.\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"كبروا\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٢٤٠.","vol":"4","page":421},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: حدَّثنا شبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، قال: سمِعتُ عَمرو بن دينارٍ يقولُ: وقع الطاعونُ في قريتهم. ثم ذكر نحوَ حديثِ محمدِ بن عَمرٍو، عن أبي عاصمٍ (^١).\nحدَّثنا بشرُ بن مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ (^٢)، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ الآية: مقتهم الله على فرارهم من الموتِ، فأماتهم الله عقوبةً ثم بعثهم إلى بقيَّة آجالهم ليَسْتَوْفوها (^٣)، ولو كانت أجالُ القوم جاءت ما بُعثوا بعد موتهم (^٤).\nحدِّثتُ عن عمَّار بن الحسن، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن حُصَيْنٍ، عن هلال بن يسَافٍ في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ الآية. قال: كان هؤلاء القوم (^٥) من بني إسرائيل، كان (^٦) إذا وقَع فيهم الطاعونُ خرَج أغنياؤُهم وأشرافُهم، وأقام فقراؤُهم وسَفِلَتُهم، قال: فاسْتَحَرَّ الموتُ على المقيمين منهم، ونجا من خرج منهم، فقال الذين خرجوا: لو أقمنا كما أقام هؤلاء لهلَكْنا كما هلَكوا. وقال المقيمون: لو ظعَنَّا كما ظعن هؤلاء لنجَونا كما نجَوْا. فطعَنوا جميعًا في عامٍ واحدٍ؛ أغنياؤهم وأشرافُهم، وفقراؤهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٥٨ (٢٤٢٣) من طريق ابن أبي نجيح به، عن مجاهد، عن عمرو بن دينار.\n(^٢) في النسخ: \"سويد\"، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٥٧ (٢٤١٩) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة بلفظ آخر.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"ليتوفوها\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣١٠، ٣١١ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في ص، ت ١: \"قوم\".\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"4","page":422},{"text":"وسَفِلَتُهم، فأُرْسِل عليهم الموتُ، فصاروا عظامًا تَبْرُقُ. قال: فجاءهم أهلُ القُرَى فجمَعوهم في مكان واحدٍ، فمرَّ بهم نبيٌّ، فقال: يا ربِّ، لو شئتَ أحييتَ هؤلاءِ فَعَمَروا بلادَك وعبَدوك! قال: أَوَ أَحَبُّ إليك أن أفْعَلَ؟ قال: نعم. قال: فقل كذا وكذا. فتكلَّم به، فنظر إلى العظام وإن العظمَ لَيَخْرُجُ من عندِ العظم الذي ليس منه إلى العظم الذي هو منه، ثم تكلَّم [بما أُمِرَ] (^١)، فإذا العظامُ تُكْسَى لحمًا، ثم أُمر بأمرٍ فتكلَّم به، فإذا هم قعودٌ يُسبِّحون ويُكَبِّرون، ثم قيل لهم: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ أيوب، عن حمادِ بن عثمانَ، عن الحسن أنه قال في الذين أماتهم الله ثم أحياهم، قال: هم قومٌ فرُّوا من الطاعون، فأماتهم الله عقوبةً ومقتًا، ثم أحياهم لآجالهم.\nوأَوْلَى القولين في تأويل قوله: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾. بالصواب، قولُ مَن قال: عنى بالألوف كثرة العددِ. دونَ قول مَن قال: عنَى به الائتلاف. بمعنى ائتلاف قلوبهم، وأنهم خرَجوا من ديارهم من غيرِ افتراقٍ كان منهم ولا تباغُضٍ، ولكن فرارًا؛ إِمَّا مِن الجهاد، وإما من الطاعون - لإجماع الحُجَّةِ على أن ذلك تأويل الآية، ولا يُعارَضُ بالقول الشاذِّ ما استفاض به القولُ من الصحابة والتابعين.\nوأَوْلَى الأقوال في مبلغ عددِ القوم الذين وصف الله خروجَهم من ديارهم، بالصواب، قولُ مَن حدَّ عددهم بزيادة عن (^٣) عشرة آلافٍ - دونَ مَن حدَّه بأربعةِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"بأمر\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في من عاش بعد الموت (٥١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٥٧ (٢٤١٨) من طريق حصين به. وينظر تفسير مجاهد ص ٢٤٠.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.","vol":"4","page":423},{"text":"آلافٍ وثلاثة آلافٍ وثمانية آلاف - وذلك أن الله تعالى ذكرُه أخبر عنهم أنهم كانوا ألوفًا، وما دون العشَرة آلاف لا يقالُ لهم: ألوفٌ. وإنما يقالُ: هم آلافٌ. إذا كانوا ثلاثة آلافٍ فصاعدًا، إلى العشرة آلافٍ. وغيرُ جائزٍ أن يقال: هم خمسةُ ألوفٍ. أو: عشرة ألوفٍ.\nوإنما جُمع قليلُه (^١) على \"أفعال\" ولم يُجْمَعْ على \"أَفْعُل\" [مثل سائر] (^٢) الجمع القليل الذي يكونُ [ثاني مفرده] (^٣) ساكنًا للألف التي في أوَّلِه، وشأنُ العرب في كلِّ حرفٍ كان أوَّلُه ياءً أو واوًا أو ألفًا، اختيارُ جمع قليله على \"أفعال\"، كما جمعوا الوقتَ أوقاتًا، واليوم أيامًا، واليَسَرَ أيسارًا (^٤)، للواوِ والياء اللتين في أول ذلك، وقد يُجْمَعُ ذلك أحيانًا على \"أفعُل\"، إلا أن الفصيح من كلامهم ما ذكرنا، ومنه قولُ الشاعر (^٥):\nكانوا (^٦) ثلاثةَ آلُفٍ وَكَتِيبَةً … أَلْفَيْنِ (^٧) أَعْجَمَ مِن بَنِي الفَدَّامِ (^٨)\nوأمَّا قولُه: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾. فإنه يعنى أنهم خرَجوا من حَذَرِ الموتِ فرارًا منه.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"أو كثيره\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"وعلى سائر مثل\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"ثانيه\".\n(^٤) الأيسار: واحدهم يسر، وهم الذين يتقامرون. اللسان (ى س ر).\n(^٥) هو بكيرٌ أصم بني الحارث بن عباد، والبيت في النقائض ص ٦٤٥، واللسان (أ ل ف).\n(^٦) في النقائض واللسان: \"عربًا\".\n(^٧) في ص، ت ١: \"ألفان\".\n(^٨) الفَدَّام: شيء تمسح به الأعاجم عند السقى، واحدته فَدّامة، ويقصد بينى الفدام: المجوس. اللسان (ف د م).","vol":"4","page":424},{"text":"أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: فرارًا من عدوِّهم، حتى ذاقوا الموت الذي فرُّوا منه، فأمَرهم فرجعوا، وأمَرهم أن يقاتلوا في سبيل الله، وهم الذين قالوا لنبيِّهم: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^١).\nوإنما حثَّ الله تعالى ذكرُه عباده بهذه الآية على المواظبةِ على الجهاد في سبيله، والصبر على قتال أعداء دينِه، وشجَّعهم بإعلامه إيَّاهم، وتذكيره لهم أن الإماتة والإحياء بيديه، وإليه دونَ خلقِه، وأن الفرار من القتال والهربَ من الجهادِ ولقاء الأعداء إلى التحصُّن في الحصونِ، والاختباء في المنازل والدورِ، غيرُ مُنْجٍ أحدًا من قضائِه إذا حلَّ بساحته، ولا دافعٍ (^٢) عنه أسبابَ مَنيَّتِهِ إِذَا نَزَلَ بِعَقُوتِه (^٣)، كما لم يَنْفَعِ الهاربين من الطاعون الذين وصف الله تعالى ذكرُه صفتهم في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ - فرارُهم من أوطانهم، وانتقالُهم من منازلهم إلى الموضع الذي أمَّلُوا بالمصير إليه السلامة، وبالموْئِل النجاة من المنيَّة، حتى أتاهم أمرُ اللهِ، فتركهم جميعًا خُمودًا صَرْعَى، وفى الأرضِ هَلْكَى، ونجا مما حلَّ بهم الذين باشَروا كرْبَ الوباء، وخالطوا بأنفسهم عظيمَ البلاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-810>القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: إن الله لذو فضلٍ ومَنْ على خلقه؛ بتبصيره إياهم سبيلَ الهُدَى، وتحذيره لهم طرق الرَّدَى، وغير ذلك مِن نِعَمِه التي يُنْعِمُها عليهم في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٥٦ (٢٤١٧) عن محمد بن سعد به مقتصرا على قوله: فرارا من عدوهم.\n(^٢) في س: \"مانع\".\n(^٣) في م: \"بعقوبته\". وعقوة الدار: ساحتها. اللسان (ع ق و).","vol":"4","page":425},{"text":"دُنياهم ودينِهم وأنفسِهم وأموالهم، كما أحيا الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حَذَرَ الموتِ بعد إمانَتِه إياهم، وجعَلهم لخلقِه مَثَلًا، وعِظَةً يَتَّعِظُون بهم، وعِبْرةً يَعْتَبرون بهم، وليَعْلَمُوا أن الأمورَ كلَّها بيدِه، فيَسْتَسْلِمُوا لقضائه، ويَصْرِفُوا الرغبةَ كلَّها والرهبة إليه.\nثم أخبرَ تعالى ذكرُه أن أكثرَ (^١) مَن يُنْعِمُ عليه من عباده بنِعَمِه الجليلة، ويَمُنُّ عليه بمننه الجسيمةِ، يَكْفُرُ به، ويَصْرِفُ الرغبة والرهبة إلى غيره، ويَتَّخِذُ إلهًا مِن دونِه؛ كُفْرانًا منه لنِعَمِه التي يُوجِبُ أصغرُها عليه من الشكرِ ما يَفْدَحُه (^٢)، ومِن الحَمْدِ ما يُثْقِلُه، فقال تعالى ذكره: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. يَقُولُ: لا يَشْكُرون نِعْمَتىَ التي أَنْعَمْتُها عليهم، وفَضْلِيَ الذي تَفَضَّلْتُ به عليهم؛ بعبادتِهم غيرى وصَرْفهم رغبتَهم ورهبتَهم إلى مَن دُونِى ممن لا يَمْلِكُ لهم ضرًّا ولا نَفْعًا، ولا يَمْلِكُ موتًا ولا حياةً ولا نُشورًا.\n\n<span id=\"aya-251\"></span><span data-type='title' id=toc-811>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: وقاتلوا أيُّها المؤمنون في سبيل الله - يعني: في دينه الذي هَدَاكم له، لا في طاعةِ الشيطانِ - أعداءَ دينِكم الصَّادِّين عن سبيل ربِّكم، ولا [تحتَموا عن قتالِه عندَ] (^٣) لقائِهم، ولا تَجبُنُوا (^٤) عن حربهم، فإنَّ بيدى حياتكم وموتَكم، ولا يَمْنَعنَّ أحدَكم مِن لقائِهم وقتالِهم حَذَرُ الموتِ وخَوْفُ المنية على نفسه\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"كل\".\n(^٢) يفدحه يعنى: يثقله. اللسان (ف د ح).\n(^٣) في م، ت ١: \"تجبنوا عن\".\n(^٤) في م، ت ١: \"تقعدوا\".","vol":"4","page":426},{"text":"بقتالهم، فيَدْعوه ذلك إلى التَّعْريدِ (^١) عنهم والفرارِ منهم، فتَذِلُّوا، ويَأْتيَكم الموتُ الذي خِفْتُموه في مَأْمَنِكم الذي وَأَلْتُم إليه، كما أتى الذين خرَجوا من ديارهم فرارًا من الموتِ؛ الذين قصَصت عليكم قصتَهم، فلم يُنْجِهم فِرارُهم منه من نزوله بهم، حين جاءَهم أمرى، وحلَّ بهم قضائى، ولا ضرَّ المتُخَلَّفين وراءَهم ما كانوا لم يَحْذَرُوه إذ دافعتُ عنهم مناياهم، وصرَفتُها عن حوبائِهم (^٢)، فقاتلوا في سبيل الله من أمرتُكم بقتالِه من أعدائى وأعداءِ دينى، فإن من حَبىَ منكم فأنا أَحْيَيْتُه (^٣)، ومن قُتِل منكم فبقَضائى كان قتلُه (^٤).\nثم قال تعالى ذكرُه لهم: واعلَموا أيها المؤمنون أن ربَّكم سميعٌ لقول مَن يَقُولُ من منافقيكم لمن قُتل منكم في سبيلى: لو أطاعونا فجلَسوا في منازِلِهم ما قتلوا. عليمٌ بما تُجِنُّه (^٥) صدورُهم من النفاقِ والكفر، وقلَّةِ الشُّكْرِ لنِعْمَتى عليهم، وآلائى لَدَيْهم في أنفسِهم وأهليهم، ولغير ذلك مِن أمورِهم وأمورِ عبادى. يقولُ تعالى ذكرهُ لعبادِه المؤمنين: فاشكرُونى أنتم بطاعتِى فيما أمَرتُكم من جهادِ عدوِّكم في سبيلى: وغير ذلك مِن أمْرِى ونَهْيِى، إذ كفَر هؤلاء نِعَمِى، واعلَموا أن الله سميعٌ لقولِهم، وعليمٌ بهم وبغيرهم، وبما هم عليه مقيمون من الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، محيطٌ بذلك كلِّه، حتى أُجازي كلا بعمله، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًا.\nولا وجه لقولِ مَن زعم أن قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَمرٌ مِنَ اللَّهِ الذين خرَجوا من ديارهم وهم ألوفٌ، بالقتال بعدَ ما أحياهم؛ لأن قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي\n_________\n(^١) في م: \"التفريد\". والتعريد: سرعة الفرار من الهزيمة، من: عرَّد الرجل عن قرنه، إذا أحجم ونكل.\n(^٢) الحوباء: النفس.\n(^٣) في م، ت ١: \"أحييه\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"قبله\".\n(^٥) في م، ت:١: \"تخفيه\" وكلاهما بمعنى.","vol":"4","page":427},{"text":"سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لا يخلو إن كان الأمرُ على ما تَأَوَّلوه مِن أحدٍ أمورٍ ثلاثة؛ إما أَن يَكُونَ عطفًا على قوله: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾. وذلك من المُحالِ أن يميتَهم ويأمرَهم وهم موتى بالقتال في سبيلِه. أو يَكونَ عطفًا على قوله: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾. وذلك أيضًا مما لا معنى له؛ لأن قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أمرٌ مِن الله بالقتال، وقوله: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ خبرٌ عن فعلٍ قد مضَى. وغيرُ فصيحٍ العطفُ بخبر مستقبَلٍ على خبرٍ ماضٍ، لو كانا جميعًا خَبَرين، لاختلافِ معنَيَيْهما، فكيف عطفُ الأمرِ على خبرٍ ماضٍ؟ أو يَكُونَ معناه: ثم أحياهم وقال لهم: قاتلوا في سبيل الله. ثم أسقَط القول، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة: ١٢]. بمعنى: يقولون: ربَّنا أبصَرْنا وسمِعْنا. وذلك أيضًا إنما يَجُوزُ في الموضع الذي يَدُلُّ ظاهرُ الكلام على حاجته إليه، ويَفْهَمُ السامعُ أنه مرادٌ به الكلامُ وإن لم يُذْكَرْ، فأما في الأماكن التي لا دَلالة على حاجة الكلام إليه، فلا وجه لدعوى مدَّعٍ أنه مرادٌ فيها.\n\n<span id=\"aya-252\"></span><span data-type='title' id=toc-812>القولُ في تأويل قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾.</span>\nيعني تعالي ذكرُه بذلك: مَن هذا الذي يُنْفِقُ في سبيل الله، فيُعِينُ مُضْعِفًا (^١)، أو يُقَوِّى ذا فاقةٍ أراد الجهادَ في سبيل اللهِ، ويُعْطى منهم مُقْتِرًا. وذلك هو القَرْضُ الحسَنُ الذي يُقْرِضُ العبدُ ربَّه.\nوإنما سمّاه الله تعالى ذكرُه قرضًا؛ لأن معنى [القرض إعطاءُ] (^٢) الرجل غيرَه مالَه مُملِّكًا له ليَقْضِيَه مثله إذا اقتضاه، فلما كان إعطاءُ (^٣) من أعطَى أهل الحاجة والفاقة في\n_________\n(^١) المضعف: الذي ضعفت دابته. اللسان (ض ع ف).\n(^٢) في ص، ت ١: \"من أعطى\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"أعطى\".","vol":"4","page":428},{"text":"سبيل الله، إنما يُعْطِيهم ما يُعْطيهم من ذلك ابتغاءَ ما وعدَه الله عليه من جزيل الثواب عندَه يومَ القيامة، سماه قرضًا، إذ كان معنى القرض في لغة العرب ما وصَفْنا.\nوإنما جعَله تعالى ذكرُه حَسَنًا؛ لأن المُعْطِيَ يُعْطِي ذلك عن نَدْبِ اللَّهِ إِياه، وحثِّه له عليه احتسابًا منه، فهو لله طاعةٌ، وللشياطين (^١) معصيةٌ، وليس ذلك لحاجةٍ بالله إلى أحدٍ من خلقِه، ولكنَّ ذلك كقول العرب: عندى لك قرضُ صدقٍ وقرضُ سوءٍ. للأمر تأتى فيه الرجلَ مَسرَّتُه أو مَساءتُه، كما قال الشاعرُ (^٢):\nكلُّ امرئٍ سوفَ يُجْزَى قرضَه حَسَنًا … أو سَيِّئًا ومَدِينًا بالذِي دَانا\nفقرضُ المرء: ما سلف من صالح عملِه أو سيِّئِه.\nوهذه الآية نظيرةُ الآية التي قال (^٣) فيها تعالى ذِكرُه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].\nوبنحو الذي قُلْنا في ذلك كان ابن زِيدٍ يَقُولُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. قال: هذا في سبيلِ اللَّهِ، ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. قال: بالواحد سبعُمائة ضِعْفٍ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن زيد بن أسلمَ، قال: لما نزَلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"للسلطان\".\n(^٢) هو أمية بن أبي الصلت، والبيت في ديوانه ص ٤٧.\n(^٣) بعده في م، ت ١، ت ٢: \"الله\".","vol":"4","page":429},{"text":"أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. قال: [جاء ابن الدحداحة] (^١) إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا نبيَّ الله، أَلَا أَرَى ربَّنا يَسْتَقْرِضُنا مما أعطانا لأنفسنا، وإن لى أرضَيْنِ؛ إحدَاهما بالعالية، والأُخرَى بالسافلِة، وإنِّي قد جعَلتُ خيرَهما صدقةً. قال: فكان النبيُّ ﷺ يقولُ: \"كم من عَذْقٍ مُذَلَّلٍ [لابنِ الدَّحْداحةِ] (^٢) في الجَنَّةِ\" (^٣).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أن رجلًا على عهدِ النبيِّ ﷺ لما سمع بهذه الآية، قال: أنا أُقْرِضُ اللَّهَ. فعمد إلى خير حائطٍ له فتصدَّق به. قال: وقال قتادةُ: يَسْتَقْرِضُكم ربُّكم كما تَسْمَعون وهو الوَلِيُّ الحميدُ، ويَسْتَقْرِضُ (^٤) عبادَه (^٥)!\nحدَّثنا محمدُ بن معاويةَ الأنماطيُّ النيسابوريُّ، قال: حدَّثنا خلَفُ بن خليفةَ، عن حميدٍ الأعرج، عن عبدِ اللهِ بن الحارث، عن عبدِ الله بن مسعودٍ، قال: لما نزَلَت ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. قال أبو الدَّحْداحِ: يا رسولَ اللهِ، أوَ إِنَّ الله يُريدُ منا القرضَ؟ قال: \"نعَمْ يا أبا الدَّحْدَاحٍ\". قال: يدَكَ. قال (^٦): فناوَله يدَه. قال: فإني قد أَقْرَضْتُ رَبِّي حائطى؛ حائطًا فيه ستُّمائة نخلةٍ. ثم جاء يَمْشي حتى أتى الحائط وأمُّ الدَّحْداحِ فيه في عيالِها، فناداها: يا أمَّ الدحداحِ. قالت: لبَّيْك. قال: اخْرُجي، قد أَقْرَضْتُ رَبِّي حائطًا فيه ستُّمائِةِ نخلةٍ (^٧).\n_________\n(^١) في م: \"جاء أبو الدحداح\". وهو ثابت بن الدحداح - وقيل: الدحداحة - بن نعيم، أبو الدحداح، وأبو الدحداحة، حليف الأنصار. ينظر أسد الغابة ١/ ٢٦٧، والإصابة ١/ ٣٨٦.\n(^٢) في م: \"لأبي الدحداح\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٨.\n(^٤) في ص ت ١: \"يستنصر\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣١٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢: \"قبل\".\n(^٧) أخرجه البزار في ٥/ ٤٠٢ (٢٠٣٣) عن محمد بن معاوية به، وأخرجه سعيد بن منصور (٤١٧) - تفسير)، وأبو يعلى (٤٩٨٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٠ (٢٤٣٠)، والطبرانى في الكبير =","vol":"4","page":430},{"text":"وأما قوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. فإنه عِدَةٌ مِن الله تعالى ذكرُه مُقْرِضَه ومُنْفِقَ ماله في سبيل الله من إضعاف الجزاء له على قَرْضِه ونَفَقَتِه ما لا حدَّ له ولا نهاية.\nكما حدَّثني موسى بنُ هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. قال: هذا التَّضْعِيفُ لا يَعْلَمُ أحدٌ ما هو (^١).\nوقد حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا سُويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابن المباركِ، عن ابن عُيَيْنةً، عن صاحبٍ له يَذْكُرُ عن بعضِ العلماء، قال: إن الله أعطاكم الدنيا قرضًا، وسألَكُمُوها قرضًا، فإن أعطَيْتُمُوها طيِّبةً بها أنفُسُكم، ضاعَف لكم ما بينَ الحسنةِ إلى العَشْرِ إلى السبعِمائة، إلى أكثرَ من ذلك، وإن أخَذها منكم وأنتم كارهون، فصبرتُم وأحسنتم، كانت لكم الصلاةُ والرحمةُ، وأوجَب لكم الهُدَى (^٢).\nوقد اختلَفت القرأةُ في قراءة قوله: (فَيُضَاعِفُهُ). بالألف ورفعه (^٣)، بمعنى: الذي يُقْرِضُ الله قرضًا حَسَنًا فيُضَاعِفُه (^٤) له. [نَسَقًا بـ \"يُضاعِفُ\"] (^٥) على قوله: \"يُقْرِضُ\".\n_________\n= ٢٢/ ٣٠١ (٧٦٤)، والبيهقى في شعب الإيمان ٣/ ٢٤٩، ٢٥٠ (٣٤٥٢) من طريق خلف بن خليفة به، وأخرجه ابن منده - كما في الإصابة ٧/ ١٢٠ - من طريق عبد الله بن الحارث به. وأصله في مسلم (٩٦٥) من حديث جابر بن سمرة.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٢ (٢٤٣٦) من طريق عمرو به.\n(^٢) الزهد لابن المبارك (٦٤٢).\n(^٣) هي قراءة نافع وأبى عمرو وحمزة والكسائي، ينظر حجة القراءات ص ١٣٩.\n(^٤) في ص، ت ١: \"يضاعفه\".\n(^٥) في م: \"نسق يتضاعف\".","vol":"4","page":431},{"text":"وقرأه آخرون بذلك المعنى (فيُضَعِّفُه). غير أنَّهم قرَءوه بتشديدِ العَين وإسقاطِ الألفِ (^١).\nوقرأه آخرون ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾. بإثباتِ الألف في \"يُضَاعِفَ\" ونَصْبِه، بمعنى الاستفهام (^٢)، فكأنهم تأوَّلوا الكلامَ: مَن المُقْرِضُ الله قرضًا حَسَنًا فيضاعفه له؟ فجعَلوا قولَه: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ جوابًا للاستفهام، وجَعَلُوا ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ اسمًا؛ لأنَّ \"الذي\" وصِلَتَه بمنزلِة \"عمرٍو \"و\" زيدٍ\"، فكأنهم وجَّهوا تأويل الكلام إلى قولِ القائلِ: مَن أخوك فنُكْرِمَه. لأن الأفصَحَ في جوابِ الاستفهام بالفاء - إذا لم يَكُنْ قبله ما يُعْطَفُ به عليه من فعلٍ مستقبلٍ - نَصْبُه.\nوأولى هذه القراءاتِ عندنا بالصواب (^٣) قراءةُ مَن قرأَ: (فَيُضَاعِفُه له).\nبإثباتِ الألفِ ورفع \"يُضَاعِفُ\"؛ لأنَّ في قوله: (من ذا الذي يُقْرِضُ اللهُ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفُه). [معنى الجزاء] (^٤)، والجزاءُ إذا دخَل في جوابِه \"الفاءُ\"، لم يَكُنْ جوابُه بالفاء إلا (^٥) رَفْعًا، فلذلك كان الرفْعُ في \"يُضَاعَفُه\" أولى بالصوابِ عندَنا من النَّصْبِ، وإنما اختَرْنا الألفَ في \"يُضَاعِفُ\"، مِن حذفها وتشديد العين؛ لأن ذلك أفصَحُ اللُّغَتَين، وأكثرُهما على ألسنة العرب.\n\n<span data-type='title' id=toc-813>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾.</span>\nيعني تعالي ذكرُه بذلك أنه الذي يبدِه قبْضُ أرزاق العبادِ وبَسْطُها دون غيره ممن\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير المكى. المصدر السابق ص ١٣٨.\n(^٢) وهي قراءة عاصم، ولم يذكر المصنف قراءة: \"فَيُضعفَه\" بالتشديد والنصب وإسقاط الألف، وهى قراءة ابن عامر الشامي. المصدر السابق.\n(^٣) هذه القراءات متواترة مقروء بها، وليست إحداها أولى من غيرها بالصواب.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢: \"لا\".","vol":"4","page":432},{"text":"ادَّعى أهلُ الشرك به أنهم آلهةٌ واتَّخَذوه ربًّا دونَه يَعْبُدُونَه، وذلك نظيرُ الخبر الذي روى عن رسول الله ﷺ الذي حدَّثنا به محمدُ بنُ المثنى ومحمدُ بن بشارٍ، قالا: ثنا حجاجٌ، وحدَّثني عبدُ الملك بنُ محمدٍ الرَّقاشيُّ، قال: ثنا حجاجٌ وأبو ربيعة، قالا: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ وحميدٍ وقتادةَ، عن أنسٍ، قال: غلا السِّعْرُ على عهدِ رسول الله ﷺ، قال: فقالوا: يا رسول الله، غلا السِّعرُ فَأَسْعِر لنا. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إن الله الباسِطُ القابِضُ الرازقُ، وإني لأرجو أن أَلْقَى الله ليس أحدٌ يَطْلُبُنى بمظلِمةٍ في نَفْس ومالٍ\" (^١).\nقال أبو جعفر: يعنى بذلك ﷺ أن الغَلاءَ والرُّخْصَ والسَّعةَ والضِّيقَ بيدِ اللهِ دونَ غيره، فكذلك قوله تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾. يعنى بقوله: ﴿يَقْبِضُ﴾: يُقْتِرُ بِقَبْضِه الرِّزْقَ عمن يَشاءُ من خلقه. ويَعْنى بقوله: ﴿وَيَبْسُطُ﴾: يُوَسِّعُ ببسطِه الرزقَ على مَن يشاءُ منهم.\nوإنما أراد تعالى ذكرُه بقيلِه ذلك حثَّ عبادِه المؤمنين الذين قد بسَط عليهم من فضلِه، فوسَّع عليهم مِن رزقِه على تَقْوية ذوِى الإقتارِ منهم بمالِه، ومعونتِه بالإنفاقِ عليه وحمولته على النُّهوض لقتال عدوِّه من المشركين في سبيلِه، فقال تعالى ذكرُه: مَن يُقَدِّمْ لنفسِه ذُخْرًا عندى بإعطائه ضعفاءَ المؤمنين وأهل الحاجة منهم، ما يَستَعينُ به على القتال في سبيلى، فأضاعف له من ثوابى أضْعافًا كثيرةً مما (^٢) أعطاه وقوَّاه به؟\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٢٠٠) عن ابن المثنى به، وأخرجه الترمذى (١٣١٤) عن ابن بشار به، وأخرجه البيهقى ٦/ ٢٩ من طريق حجاج به، وأخرجه أحمد ٢٠/ ٤٦، ٢١/ ٤٤٤ (١٢٥٩١، ١٤٠٥٧)، وأبو داود (٣٤٥١)، وأبو يعلى (٢٨٦١)، وابن حبان (٤٩٣٥)، والبيهقى في الأسماء والصفات (١١١) من طريق حماد به.\n(^٢) في ص، ت ٢: \"ما\".","vol":"4","page":433},{"text":"فإني أيُّها (^١) الموسِعُ، الذي قبَضتُ الرزقَ عمن ندبتُك إلى معونَتِه وإعطائِه؛ لأبتلِيَه بالصبرِ على ما ابْتَلَيْتُه به، والذي بسَطْتُ عليك لأمتحنَك بعمَلِك فيما بسَطتُ عليك، فأنظرَ كيف طاعتُك إيَّايَ فيه، فأُجازِىَ كلَّ واحدٍ منكما (^٢) على قدرِ طاعتِكما لي فيما ابتَلَيْتُكما فيه، وامْتَحَنْتُكما به مِن غِنًى وفاقةٍ، وسَعَةٍ وضيقٍ، عندَ رُجوعِكما إليَّ في آخِرَتِكما ومصيرِ كما إليَّ في مَعادِكما.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال من بلَغنا قولُه مِن أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-814>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ الآية. قال: علم أن في من يُقَاتِلُ في سبيلِه مَن لا يَجدُ قوةً، وفى من لا يُقَاتِلُ في سبيلِه [من يَجِدُ غِنًى] (^٣)، فندَب هؤلاءِ فقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾. قال: يَبْسُطُ عليك وأنت ثَقِيلٌ عن الخُروجِ لا تُرِيدُه، وقبَض عن هذا وهو يَطِيبُ نفسًا بالخُروجِ ويَخِفُّ له، فقوِّه مما في يَدِكَ يَكُنْ لك في ذلك حَظٌّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-815>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾.</span>\nيَعْنى تعالى ذكرُه بذلك: وإلى اللهِ معادُكم أيها الناسُ، فاتَّقُوا الله في أنفسِكم أن تُضَيِّعوا فرائضَه وتَتَعدَّوا حُدودَه، وأن يعمَلَ مَن بُسِطَ عليه منكم في رِزْقِه بغيرِ ما أَذِن له بالعملِ فيه ربُّه، وأن يَحْمِلَ المُقْتِرَ منكم، فقُبِض عنه رِزقُه، إقتارُه على\n_________\n(^١) في م: \"أنا\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"منكم\".\n(^٣) سقط من: ص، س.","vol":"4","page":434},{"text":"معصيتِه والتَّقَدُّمِ على ما نهاه، فيَسْتَوجِبَ بذلك [منه بمصيرِه] (^١) إلى خالقه ما لا قِبَلَ له به من أليمِ عقابِه.\nوكان قتادةُ يَتَأَوَّلُ قولَه: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: وإلى الترابِ تُرْجَعون.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: مِن الترابِ خلَقهم، وإلى الترابِ يَعُودون (^٢).\n\n<span id=\"aya-253\"></span><span data-type='title' id=toc-816>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألم ترَ يا محمدُ بقلبِك، فتعلمَ بخبرى إياك يا محمدُ ﴿إِلَى الْمَلَإِ﴾. يعنى: إلى وُجوهِ بني إسرائيلَ وأشرافِهم ورؤسائِهم. ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾. يَقُولُ: مِن بعدِ ما قُبِضَ موسى فمات. ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فذُكِر لي أن النبيَّ الذي قال لهم ذلك، شَمْوِيلُ بنُ بالى بن علقمةَ بن يرخامَ (^٣) بن أبيهو بن تهو بن صوفَ بن علقمةَ بن ماحثَ بن عموصا بن عزريا بن صفنيةَ (^٤) بن علقمةَ بن أبي ياسفَ (^٥) بن قارونَ بن يصهرَ بن قاهتَ بن لاوى بن يعقوبَ بن إسحاقَ بن إبراهيمَ.\nحدَّثنا بذلك ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابن (^٦) إسحاقَ، عن وهبِ بن منبهٍ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"عنه مصيره\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٢ (٢٤٣٩) من طريق يزيد بن رزيع به.\n(^٣) في م: \"برحام\". وينظر تاريخ المصنف ١/ ٤٦٧.\n(^٤) في النسخ: \"صفية\"، وفى كتاب القوم: \"صَفْيا\". أخبار الأيام الأول، الأصحاح السادس.\n(^٥) في م: \"ياسق\".\n(^٦) في النسخ: \"أبي\".","vol":"4","page":435},{"text":"وحدَّثني أيضًا المثنى بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثني عبدُ الصمدِ بنُ معقلٍ أنه سمِع وهبَ بنَ منبهٍ يَقُولُ: هو شمويلُ (^١). ولم يَنْسِبْه كما نسبَه ابن (^٢) إسحاقَ.\nوقال السديُّ: بل اسمُه شمعونُ. وقال: إنما سُمَّي شمعونَ لأَنَّ أُمَّه دَعَتِ اللهِ أن يَرْزُقَها غلامًا، فاستجَاب اللهُ لها دعاءَها فرزَقها، فولَدت غلامًا فسمَّته شمعونَ، تَقُولُ: اللهُ تعالى سمِع دعائىَ.\nحدَّثني بذلك (^٢) موسى، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ (^٣).\nفكأن \"شمعون\" فعلُون عندَ السُّدِّيِّ مِن قولِها (^٤): سمِع اللهُ دعاءَها.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾. قال: شمؤلُ (^٥).\nوقال آخرون: بل الذي سأَله قومُه من بنى إسرائيلَ أن يَبْعَثَ لهم ملِكًا يُقَاتِلون\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه مطولًا ١/ ٤٦٩، ٤٧٠، وأخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٤٦٣ (٣٤٤٣) من طريق إسماعيل به وعنده أشمويل.\n(^٢) سقط من النسخ.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه مطولا ١/ ٤٦٧، وأخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٤٦٣ (٢٤٤٧) من طريق عمرو به.\n(^٤) بعده في ص: \"إنه\".\n(^٥) في م، س: \"شمعون\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣١٥ إلى المصنف.","vol":"4","page":436},{"text":"في سبيلِ اللهِ يوشعُ بنُ نونِ بن أفرائيمَ (^١) بن يوسفَ بن يعقوبَ بن إسحاقَ بن إبراهيمَ.\nحدَّثني بذلك الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾. قال: كان نبيُّهم الذي بعدَ موسى يوشعَ بنَ نونِ، قال: وهو أحدُ الرجلين اللذين أنعَم اللهُ عليهما (^٢).\nوأما قولُه: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فاختلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي مِن أجلِه سأَل الملأُ من بني إسرائيلَ نبيَّهم ذلك؛ فقال بعضُهم: كان سببَ مسألتِهم إياه ما حدَّثنا به محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ بن إسحاقَ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ قال: خلَف بعدَ موسى في بني إسرائيلَ يوشَعُ بنُ نونٍ يُقِيمُ فيهم التوراةَ وأَمْرَ اللهِ قبَضَه اللهُ، ثم خلَف فيهم كالبُ بنُ يوفنَّا (^٣) يُقِيمُ فيهم التوراةَ وأمْرَ اللهِ حتى قبَضه اللهُ تعالى، ثم خلَف فيهم حزقيلُ بنُ بوزى، وهو ابن العجوزِ، ثم إن الله قبَض حزقيلَ، وعظُمت في بني إسرائيلَ الأحداثُ، ونسُوا ما كان مِن عهدِ اللهِ إليهم، حتى نصَبوا الأوثانَ وعبدوها منَ دونِ اللهِ، فبعَث اللهُ إليهم إلياسَ ابنَ تَسبى (^٤) بن فِنحاصَ بن العيزارِ بن هارونَ بن عمرانَ نبيًّا، وإنما كانت الأنبياءُ من بنى إسرائيلُ بعدَ موسى يُبْعَثون إليهم بتجديدِ ما نَسُوا مِن التوراةِ، وكان إلياسُ مع ملِكٍ من ملوكِ بني إسرائيلَ يُقالُ له:\n_________\n(^١) في م: \"أفراثيم\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٧ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٤/ ٤٤٠ - وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٣ (٢٤٤٢) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) في م، س: \"يوقنا\".\n(^٤) في م، س: \"يسى\". وينظر البداية والنهاية ٢/ ٢٧٢.","vol":"4","page":437},{"text":"أحابُ (^١). وكان يَسْمَعُ منه ويُصَدِّقُه، فكان إلياسُ يُقِيمُ له أمرَه، وكان سائرُ بنى إسرائيلَ قد اتَّخَذُوا صنمًا يَعْبُدونَه مِن دونِ اللهِ، فجعَل إِلياسُ يَدْعُوهم إلى اللهِ، وجعَلوا لا يَسْمَعُون منه شيئًا، إلا ما كان مِن ذلك الملكِ، والملوكُ مُتَفَرِّقةٌ بالشامِ، كلُّ مَلِكٍ له ناحيةٌ منها يَأْكُلُها، فقال ذلك الملكُ الذي كان إلياسُ معه يُقَوِّمُ له أمرَه، ويَرَاه على هُدًى مِن بين أصحابهِ، يومًا: يا إلياسُ، واللهِ ما أَرَى مَا تَدْعُو إليه الناسَ إِلا باطلًا، واللهِ ما أرى فلانًا وفلانًا - يُعَدِّدُ مُلوكًا مِن ملوكِ بني إسرائيلَ قد عبَدوا الأوثانَ من دونِ اللهِ - إلَّا على مثلِ ما نحن عليه، يَأْكُلُون ويَشْرَبُون ويَتَنَعَّمُون، مُمَلَّكين (^٢)، ما يَنْقُصُ مِن دنياهم [أمرُهم الذي تَزْعُمُ أنه باطلٌ] (^٣)، وما نَرَى لنا عليهم مِن فضلٍ. فيَزْعُمون - واللهُ أعْلمُ - أن إلياسَ اسْتَرجع، وقام شعرُ رأسِه وجلدِه، ثم رفَضه وخرَج عنه، ففعَل ذلك الملكُ فِعْلَ أصحابِه، عبَد الأوثانَ، وصنَع ما يَصْنَعون. ثم خَلَف من بعده فيهم اليَسَعُ، فكان فيهم ما شاء اللهُ أَن يَكُونَ، ثَم قبَضه اللهُ إليه، وخلَفت فيهم الخُلوفُ، وعظُمت فيهم الخطايا، وعندَهم التابوتُ يَتَوارثونه كابرًا عن كابرٍ، فيه السَّكينةُ وبقيةٌ مما ترَك آلُ موسى وآلُ هارونَ، وكانوا لا يلقاهم عدوٌّ، فيُقَدِّمُون التابوتَ ويَزْحَفُون به معهم، إلا هزَم اللهُ ذلك العدوَّ. ثم خلَف فيهم ملِكٌ يُقالُ له: إيلاءُ (^٤). وكان اللهُ قد بارَك لهم في جبَلِهم مِن إيلياءَ، لا يَدْخُلُه عليهم عدوٌّ، ولا يحتاجون معه إلى غيرِه، وكان أحدُهم فيما يَذْكُرُون يَجْمَعُ الترابَ على الصخرةِ، ثم يَنْبِذُ فيه الحبَّ، فيُخْرِجُ اللهُ له ما يَأْكُلُ سنتَه هو وعيالُه، ويَكُونُ لأحدِهم الزيتونةُ فيَعْتَصِرُ منها ما يَأْكُلُ هو وعيالُه سنتَه، فلما عظُمت\n_________\n(^١) في م: \"أخاب\"، وفى س: \"أجاب\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ملكين، وفى م: \"مالكين\". والمثبت من تاريخ المصنف.\n(^٣) سقط من النسخ، والمثبت من تاريخ المصنف.\n(^٤) في تاريخ المصنف: \"إيلاف\".","vol":"4","page":438},{"text":"أحداثُهم، وترَكوا عهدَ اللهِ إليهم، نزَل بهم عدوٌّ، فخرَجوا إليه، وأخرَجوا معهم (^١) التابوتَ كما كانوا يُخْرِجُونه، ثم زحَفوا به، فقُوتِلوا حتى اسْتُلِب مِن بين أيدِيهم، فأتى مَلِكُهم إيلاءُ، فأُخبِر أن التابوتَ قد أُخِذ واسْتُلِب، فمالت عنقُه، فمات كَمَدًا عليه، فمرَج أمرُهم عليهم، ووَطِئَهم عدوُّهم حتى أُصِيبَ مِن أبنائِهم ونسائِهم، وفيهم نبيٌّ لهم قد كان اللهُ بعَثه إليهم - فكانوا لا يَقْبَلون منه شيئًا - يقالُ له: شَمْوِيلُ، وهو الذي ذكَر الله لنبيِّه محمدٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. إلى قوله: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾. يَقولُ اللهُ: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾:\nقال ابن إسحاقَ: فكان مِن حديثِهم فيما حدَّثني به بعضُ أهلِ العلمِ عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، أنه لما نزَل بهم البلاءُ، ووُطِئَتْ بلادُهم، كلَّموا نبيَّهم شَمْوِيلَ بنَ بالى، فقالوا: ابْعَثْ لنا ملِكًا نُقَاتلْ في سبيلِ اللهِ. وإنما كان قِوامُ بني إسرائيلَ الاجتماعَ على الملوكِ، وطاعةَ الملوكِ أنبياءَهم، وكان الملِكُ هو يَسيرُ بالجموعِ والنبيُّ يُقَوِّمُ له أمرَه، ويَأْتيه بالخبرِ من ربِّه، فإذا فعَلوا ذلك صلَح أمرُهم، فإذا عَتَتْ مُلوكُهم وترَكوا أمرَ أنبيائِهم فسَد أمرُهم، فكانت الملوكُ إذا تابَعتها الجماعةُ على الضلالةِ تركوا أمرَ الرسلِ؛ ففريقًا يُكَذِّبون فلا يَقْبَلون منه شيئًا، وفريقًا يَقْتُلون، فلم يَزَلْ ذلك البلاءُ بهم حتى قالوا له: ابْعَثْ لنا مَلِكًا نُقَاتِلْ في سبيلِ اللهِ. فقال لهم: إنه ليس عندَكم وفاءٌ ولا صِدقٌ ولا رَغْبةٌ في الجهادِ. فقالوا: إنما كنا نَهابُ الجهادَ ونَزْهَدُ فيه أنا كنا ممنوعِين في بلادِنا، لا يَطُؤُها أحدٌ، فلا يَظْهَرُ علينا فيها عدوٌّ، فأما إذ بلَغ\n_________\n(^١) سقط من: ص، س.","vol":"4","page":439},{"text":"ذلك، فإنه لابُدَّ من الجهادِ، فنُطِيعُ ربَّنا في جهادِ عدوِّنا، ونَمْنَعُ أبناءَنا ونساءَنا وذرارِيَّنا (^١).\nحدِّثت عن عمارِ بن الحسنِ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. قال الربيعُ: ذكرِ لنا - والله أعلم - أن موسى لما حضَرته الوفاةُ، استخلَف فتاه يُوشَعَ بنَ نونٍ على بنى إسرائيلَ، وأن يُوشَعَ بنَ نونٍ سار فيهم بكتابِ اللهِ - التوراةِ - وسُنَّةِ نبيِّه موسى، ثم إن يُوشعَ بنَ نونٍ تُوفِّى، واستُخْلِفَ فيهم آخرُ، فسار فيهم بكتابِ اللهِ وسُنَّةِ نبيِّه موسى ﷺ، ثم استُخْلِف آخرُ، فسار فيهم بسيرةِ صاحبيه، ثم اسْتُخْلِف آخرُ فعرَفوا وأنكَروا، ثم اسْتُخْلِف آخرُ فأنكرَوا عامةَ أمرِه، ثم اسْتُخْلِف آخرُ فأنكروا أمرَه كلَّه، ثم إن بني إسرائيلَ أتَوا نبيًّا مِن أنبيائِهم حينَ أُوذُوا في نْفُسِهم (^٢) وأموالِهم، فقالوا له: سل ربَّك أن يَكْتُبَ علينا القتالَ. فقال لهم ذلك النبيُّ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾. قال: قال ابن عباسٍ: هذا حينَ رُفِعَت التوراةُ واسْتُخْرِجَ أَهلُ الإيمانِ، وكانت الجَبَابرةُ قد أخْرَجَتْهم مِن ديارِهم وأبنائِهم (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٥٩، ٤٦٠، ٤٦١ - ٤٦٤.\n(^٢) في م: \"نفوسهم\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣١٣، ٣١٤ إلى المصنف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣١٤ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"4","page":440},{"text":"حدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحاك يَقُولُ في قولِه: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾. قال: هذا حينَ رُفِعَت التَّوْراةُ واسْتُخْرِج أَهلُ الإيمانِ (^١).\nوقال آخرون: كان سببَ مسألتِهم نبيَّهم ذلك ما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: كانت بنو إسرائيلَ يُقَاتِلون العمالقَةَ، وكان ملِكَ العمالقةِ جالوتُ، وأنهم ظهَروا على بني إسرائيلَ، فضرَبوا عليهم الجزيةَ، وأخَذوا توراتَهم، وكانت بنو إسرائيلَ يَسْأَلُون الله أن يَبْعَثَ لهم نبيًّا يُقَاتِلون معه، وكان سِبْطُ النبوَّة قد هلَكوا، فلم يَبْقَ منهم إلا امرأةٌ حُبْلَى، فأخَذوها فحبسوها في بيتٍ؛ رهبةَ أن تَلِدَ جاريةً فتُبْدِلَها (^٢) بغلامٍ؛ لما تَرَى مِن رغبةِ بني إسرائيلَ في ولَدِها، فجعَلت المرأةُ تَدْعو الله أن يَرْزُقَها غلامًا، فولَدت غُلامًا فسمَّتْه شمعونَ، فكبِر الغلامُ، فَأَسْلَمَتْه (^٣) يَتَعَلَّمُ التوراةَ في بيتِ المقدسِ، وكفَله شيخٌ مِن علمائِهم وتَبَنّاه، فلما بلَغ الغلامُ أَن يَبْعَثَهُ اللهُ نبيًّا أتاه جبريلُ والغلامُ نائمٌ إلى جَنْبِ الشيخِ، وكان لا يَتَّمِنُ (^٤) عليه أحدًا غيرَه، فدعاه بلَحْنِ الشيخِ: يا شماولُ. فقام الغلام فزِعًا إلى الشيخِ، فقال: يا أَبَتاه، دعوتَني؟ فكرِه الشيحُ أن يَقُول: لا، فيَفْزَعَ الغلامُ، فقال: يا بُنيَّ، ارْجِعُ فنَمْ. فرجَع فنام، ثم دعاه الثانيةَ، فأتاه الغلامُ أيضًا، فقال: دعوتَنى. فقال: ارْجِعْ فنَم، فإن دعوتُك الثالثةَ فلا تُجِبْنى. فلما كانت الثالثةَ ظهرَ له جبريلُ، فقال: اذْهَبْ إلى قومِك فبلِّغْهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٢٦٣ (٢٤٤٥) من طريق أبي معاذ به.\n(^٢) في س، وتاريخ المصنف: \"فتبدله\".\n(^٣) في م: \"فأرسلته\"، وفى س: \"فسلمته\".\n(^٤) في م: \"يأتمن\"، وفى نسخة من تاريخ المصنف: \"يأمن\".","vol":"4","page":441},{"text":"رسالةَ ربِّك، فإِنَّ الله قد بعثَك فيهم نبيًّا. فلما أتاهم كذَّبوه وقالوا: اسْتَعْجَلْت بالنبوَّةِ ولم تَئِنْ لك. وقالوا: إن كنْت صادقًا فابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ في سبيلِ اللهِ، آيةً من نبوَّتِك، فقال لهم شمعونُ: عسَى إن كُتِبَ عليكم القتالُ ألا تُقَاتِلوا (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وغيرُ جائزٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: (نُقَتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ). إذا قُرِئَ بالنونِ غيرُ الجزمِ، على معنى المجازاةِ وشرْطِ الأمرِ. فإن ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الرَفْعَ فيه جائزٌ وقد قُرِئَ بالنونِ، بمعنى الذي نُقاتِلُ به (^٢) في سبيلِ اللهِ. فإن ذلك غيرُ جائزٍ؛ لأن العرب لا تُضْمِرُ حرفين، ولكنْ لو كان قُرِئ ذلك بالياءِ لجازَ رفعُه؛ لأنه يكونُ لو قُرئَ كذلك صلة لـ \"الملكِ\"، فيصيرُ تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: ابْعَثْ لنا الذي يُقَاتِلُ في سبيلِ اللهِ. كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾. لأن قولَه: ﴿يَتْلُو﴾ مِن صلةِ \"الرسولِ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-817>القول في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾.</span>\nيَعْنى تعالى ذكرُه بذلك: قال النبيُّ الذي سألوه أن يَبْعَثَ لهم ملِكًا يُقَاتِلُوا في سبيلِ اللهِ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾: هل تَعِدُون ﴿إِنْ كُتِبَ﴾ يعنى:: إِن فُرِض عليكم القتالُ، ﴿أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ يعنى: ألا تَفُوا بما تعِدون الله من (^٣) أنفسِكم مِن\n_________\n(^١) بعده في م: \"والله أعلم\".\nوالأثر أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٦٧، ٤٦٨ مطولًا بإسناد السدى المعروف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٣ (٢٤٤٦، ٢٤٤٧) من طريق عمرو به مقتصرا على آخره.\n(^٢) سقط من النسخ، وينظر معاني القرآن ١/ ١٥٧.\n(^٣) في س: \"في\".","vol":"4","page":442},{"text":"الجهادِ في سبيلِه، فإنكم أهلُ نُكْثٍ وغَدْرٍ، وقلَّةِ وفاءٍ بما تَعِدُونَ. ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يعنى: قال الملأُ مِن بني إسرائيلَ لنبيِّهم ذلك: وأيُّ شيءٍ يمنعُنا أن نُقَاتِلَ في سبيلِ اللهِ عدوَّنا وعَدُوَّ اللهِ، ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ بالقهرِ والغلبةِ؟.\nفإن قال لنا قائلٌ: وما وجهُ دخولِ \"أَنْ\" في قولِه: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؟ وحَذْفِه مِن قولِه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾؟ [الحديد: ٨].\nقيل: هما لُغتان فصيحتان للعرب، تَحْذِفُ \"أن\" مرةً مع قولِها (^١): ما لك؟ فتقولُ: ما لك لا تَفْعَلُ كذا؟ بمعنى: ما لك غيرُ فاعلِه؟ كما قال الشاعرُ (^٢):\nما لَكِ تَرْغِينَ ولا تَرْغُو الخَلِفْ (^٣)\nوذلك هو الكلامُ الذي لا حاجةَ بالمتكلمِ به إلى الاستشهادِ على صحتِه لفُشُوِّ ذلك على ألسنِ العربِ.\nوتُثْبِتُ \"أن\" فيه أُخرى؛ توجيهًا لقولِها: ما لك؟ إلى معناه (^٤)، إذ كان معناه: ما منَعك؟ كما قال تعالى ذكرُه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]. ثم قال في سورةٍ أُخرى في نظيرِه: ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢]. فوضَع ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ موضعَ ﴿مَا لَكَ﴾، و﴿مَا لَكَ﴾ موضعَ ﴿مَا مَنَعَكَ﴾؛ لاتِّفاقِ\n_________\n(^١) في النسخ: \"قولنا\". والمثبت يوافق ما سيأتي في كلام المصنف.\n(^٢) معاني القرآن للفراء ١/ ١٦٣، واللسان (خ ل ف).\n(^٣) الخلف: جمع خلفة، والخلفة: الناقة الحامل، وقيل: هي التي استكملت سنة بعد النتاج ثم حمل عليها فلقحت. اللسان (خ ل ف).\n(^٤) أي أن معناه المنع.","vol":"4","page":443},{"text":"مَعْنَيَيْهما وإن اختلَفت ألفاظُهما، كما تَفْعَلُ العربُ ذلك في نظائرِه مما تَتَّفِقُ معانيه وتَخْتَلِفُ ألفاظُه، كما قال الشاعرُ (^١):\nيَقُولُ إذا اقْلَوْلَى (^٢) عليها وأَقْرَدَتْ (^٣) … أَلَا هَلْ أَخو عَيشٍ لَذِيذٍ بدَائمِ؟\nفأَدْخَل في \"دائم\" الباءَ مع \"هل\" وهى استفهامٌ، وإنما تَدْخُلُ في خبرِ \"ما\" التي في معنى الجَحْدِ؛ لتقاربِ معنى الاستفهامِ والجَحْدِ.\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ يَقُولُ (^٤): أُدخِلَت \"أنْ\" في: ﴿أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾؛ لأنه بمعنى قولِ القائلِ: ما لك في ألا تُقاتِلَ؟ ولو كان ذلك جائزًا لجاز أن يقالَ: ما لك أن قُمْتَ؟ وما لك أنك قائمٌ؟ وذلك غيرُ جائزٍ؛ لأَنَّ المنعَ إِنما يَكُونُ للمُسْتَقْبَلِ مِن الأفعالِ، كما يقالُ: منَعتُك أن تقومَ. ولا يقالُ: منَعتُك أن قمتَ. فلذلك قيل في ما لك: ما لك ألا تَقُومَ؟ ولم يُقَلْ: مالك أن قُمْتَ؟\nوقال آخرون منهم (^٥): \"أن\" ههنا زائدةٌ بعد [\"ما لنا\" كما تزادُ] (^٦) \"لما\" و\"لو\" وهى تُزادُ في هذا المعنى كثيرًا. قال: ومعناه: وما لنا لا تُقَاتِل في سبيلِ اللهِ؟ فأعمَل \"أن\"، وهى زائدةٌ، وقال الفرزدَقُ (^٧):\n_________\n(^١) هو الفرزدق، والبيت في ديوانه ص ٨٦٣.\n(^٢) اقلولي: ارتفع وعلا. اللسان (ق ل و).\n(^٣) أقردت: ذلَّت. اللسان (ق ر د).\n(^٤) هو الكسائي، كما ذكر الفراء في معاني القرآن ١/ ١٦٥.\n(^٥) هو أبو الحسن الأخفش. ينظر مغني اللبيب ص ٣٣.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فلما و\"، وفى م: \"ما فلما و\". والمثبت كما أثبته الشيخ شاكر.\n(^٧) ديوانه ص ٢٨٣، ورواية الشطر الثاني:\nإليَّ لام ذوو أحلامهم عمرا","vol":"4","page":444},{"text":"لو لم تَكُنْ غَطَفانٌ لا ذُنوبَ لها … [إليَّ لَامَتْ] (^١) ذَوُو أَحْسَابِها عُمَرا\nوالمعنى: لو لم تَكُنْ غَطَفانُ لها ذَنوبٌ، و\"لا\" زائدةٌ فأعمَلها.\nوأنكَر ما قال هذا القائلُ مِن قولِه الذي حكَينا عنه آخرون، وقالوا: غيرُ جائزٍ أن تجعَلَ \"أن\" زائدةً في الكلامِ وهو صحيحٌ في المعنى، وبالكلامِ إليه الحاجةُ؛ قالوا: والمعنى: ما يمنعُنا ألا تُقَاتِلَ. فلا وجهَ لدعوى مدَّعٍ أنَّ \"أنْ\" زائدةٌ وله معنىً مفهومٌ صحيحٌ.\nقالوا: وأما قولُه:\n*لو لم تَكُنْ غَطَفَانٌ لا ذُنوبَ لها*\nفإنَّ \"لا\" غيرُ زائدةٍ في هذا الموضِعِ؛ لأنّه جَحْدٌ، والجَحْدُ إذا جُحِد صار إثباتًا. قالوا: فقولُه: لو لم تَكُنْ غَطَفانٌ لا ذنوبَ لها. إثباتُ الذنوبِ لها، كما يُقالُ: ما أخوك ليس يقومُ. بمعنى: هو يقومُ.\nوقال آخرون: معنى قولِه: ﴿مَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ﴾: مالنا ولأن لا نُقَاتلَ. ثم حُذِفت الواوُ فتُرِكت، كما يُقالُ في الكلامِ: ما لك ولأنْ تذهبَ إلى فلانٍ. فأُلْقِى منها الواوُ؛ لأن \"أنْ\" حرفٌ غيرُ مُتَمَكنٍ في الأسماءِ، وقالوا: يُجيرُ أَن يُقالَ: ما لك أن تَقُومَ. ولا تُجيزُ: ما لك القيامُ؛ لأن القيامَ اسمٌ صحيحٌ. و\"أنْ\" اسمٌ غيرُ صحيحٍ، وقالوا: قد تقولُ العربُ: إياك أن تتكلَّمَ. بمعنى: إياك وأن تَتَكَلَّمَ.\n_________\n(^١) في م: \"إذن للام\".","vol":"4","page":445},{"text":"وأنكَر ذلك مِن قولِهم آخرون، وقالوا: لو جاز أن يُقَالَ ذلك على التأويلِ الذي تأوَّله قائلُ مَن حكينا، قولَه، لوَجَب أن يَكُونَ جائزًا: ضرَبتُك بالجاريةِ وأنت كفيلٌ (^١). بمعنى: وأنت كفيلٌ بالجاريةِ. وأن تَقُولَ: رأيتُك [إيَّانا وتريدُ] (^٢). بمعنى: رأيتُك وإيَّانا تُريدُ. لأن العربَ تَقُولُ: إياك بالباطلِ أن تَنْطِقَ. قالوا: فلو كانت الواوُ مُضْمَرةً في \"أن\" الجاز جميعُ ما ذكَرنا، ولكنَّ ذلك غيرُ جائزٍ؛ لأن ما بعدَ الواوِ مِن الأفاعيلِ غيرُ جائزٍ له أن يَقَعَ على ما قبلَها، واسْتَشْهَدُوا على فسادِ قولِ مَن زعَم أن الواوَ مُضْمَرَةٌ مع \"أن\" بقولِ الشاعرِ (^٣):\nفَبُحْ بالسَّرائرِ في أهلِها … وإياك في غيرِهم أن تَبُوحا\nوأنَّ \"أنْ تَبوحا\" لو كان فيها واوٌ مُضْمَرةٌ لم يَجُزْ تَقْدِيمُ \"في (^٤) غيرِهم\" عليها.\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾. فإنه يعنى: وقد أُخْرِجَ مَن غُلِب عليه مِن رجالِنا ونسائنا مِن ديارِهم وأولادِهم، ومَن سُبِىَ. وهذا الكلامُ ظاهرُه العمومُ، وباطنُه الخصوصُ؛ لأن الذين قالوا لنبيِّهم: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. كانوا في ديارِهم وأوطانِهم، وإنما كان أُخْرِج مِن دارِه وولده مَن أُسِر وقُهِر منهم.\nوأما قولُه: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ يَقولُ: فلما فُرِض عليهم قتالُ عدوِّهم والجهادُ في سبيلِه، ﴿تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾.\n_________\n(^١) في س: \"قبيل\". والكفيل والقبيل واحد.\n(^٢) في م: \"أبانا ويزيد\".\n(^٣) البيت في معاني القرآن للفراء ١/ ١٦٥.\n(^٤) سقط من النسخ، والمثبت من معاني القرآن للفراء ١/ ١٦٦.","vol":"4","page":446},{"text":"يقولُ: أدبَروا مُوَلِّين عن القتالِ، وضيَّعوا ما سأَلوه نبيَّهم مِن فرضِ الجهادِ. والقليلُ الذي اسْتَثْناهم اللهُ منهم هم الذين عَبروا النهرَ مع طالوتَ، وسَنَذْكُرُ سببَ تَوَلِّى مَن تَوَلَّى منهم، وعبورِ مَن عبرَ منهم النهرَ بعدُ إن شاءَ اللهُ إذا أتَيْنا عليه.\nيقولُ الله تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. يعنى: واللهُ ذو علمٍ بمَن ظلَم منهم نفسَه، فأخلَف الله ما وعَده من نفسِه، وخالَف أمرَ ربِّه فيما سأله ابتداءً أن يُوجِبَه عليه.\nوهذا من اللهِ تعالى ذكرُه تقريعٌ لليهودِ الذين كانوا بينَ ظَهْرَانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ في تكذيبِهم نبيَّنا محمدًا ﷺ ومخالفتِهم أمرَ ربِّهم. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه لهم: إنكم يا معشرَ اليهودِ عصَيتم الله وخالَفتم أمرَه فيما سألتموه أن يفرِضَه عليكم ابتداءً من غيرِ أن يبتدئَكم ربُّكم بفرضِ ما عصَيتموه فيه، فأنتم بمعصيتِه فيما ابتدأكم به من إلزامِ فرضِه أحْرَى.\nوفي هذا الكلامِ متروكٌ قد استُغنى بذكرِ ما ذُكِر عما تُرِك منه؛ وذلك أن معنى الكلامِ: قالوا: وما لنا ألا نقاتِلَ في سبيلِ اللهِ وقد أُخْرِجنا من ديارِنا وأبنائِنا. فسأل نبيُّهم ربَّهم أن يبعَثَ لهم مَلِكًا يقاتِلون معه في سبيلِ اللهِ، فبعث لهم مَلِكًا، وكتَب عليهم القتالَ، فلما كُتبِ عليهم القتالُ تولَّوْا إلا قليلًا منهم، واللهُ عليمٌ بالظالمين.\n\n<span id=\"aya-254\"></span><span data-type='title' id=toc-818>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكره بذلك: وقال للملإِ من بني إسرائيل نبيُّهم شَمْوِيلُ (^١): إِن الله\n_________\n(^١) في س: \"سمويل\".","vol":"4","page":447},{"text":"قد أعطاكم ما سألتم، وبعَث لكم طالوتَ مَلِكًا. فلما قال لهم نبيُّهم شَمْوِيلُ ذلك، قالوا: أنَّى يكونُ لطالوتَ المُلْكُ علينا، وهو من سِبْط بنيامينَ بن يعقوبَ، وسِبْطُ بِنْيامينَ سِبْطٌ لا مُلْكَ فيهم ولا نُبوَّةَ، ونحن أحقُّ بالمُلْكِ منه؛ لأَنَّا من سِبْطِ يَهوذا بن يعقوبَ. ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ يعنى: ولم يؤتَ طالوتُ كثيرًا من المالِ؛ لأنه سَقَّاءٌ، وقيل: كان دبَّاغًا.\nوكان سببَ تمليكِ اللهِ طالوتَ على بنى إسرائيلَ، وقولِهم ما قالوا لنبيِّهم شَمْوِيلَ: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ ما حدَّثنا به ابن حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثني بعضُ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: لما قال الملأُ من من بني إسرائيلَ لشَمْوِيلَ بن بالى ما قالوا له، سأل الله نبيُّهم شَمْوِيلُ أن يبعثَ لهم مَلِكًا، فقال اللهُ له: انظرِ القَرْنَ الذي فيه الدُّهْنُ في بيتِك، فإذا دخَل عليك رجلٌ، فَنَشَّ (^١) الدُّهْنُ الذي في القَرْنِ، فهو مَلِكُ بني إسرائيلَ، فَادْهُنْ رأسَه منه، وملِّكْه عليهم، وأخبِرْه بالذي جاءه. فأقام يَنتظرُ متى ذلك الرجلُ داخِلًا عليه، وكان طالوتُ رجلًا دبَّاغًا يعمَلُ الأدَمَ، وكان من سِبْطِ بِنْيامينَ بن يعقوبَ، وكان سِبْطُ بِنْيامينَ سِبْطًا لم يكُنْ فيهم نُبَوَّةٌ ولا مُلْكٌ، فخرج طالوتُ في طلبِ دابةٍ له أضَلَّته، ومعه غلامٌ له، فمرَّا ببيتِ النبيِّ ﵇، فقال غلامُ طالوتَ لطالوتَ: لو دخلتَ بنا على هذا النبيِّ، فسألناه عن أمرِ دابتِنا فيُرشِدَنا، ويدعوَ لنا فيها بخيرٍ؟ فقال طالوتُ: ما بما قلتَ من بأسٍ. فدخَلا عليه، فبينما هما عندَه يذكُران له شأنَ دابتِهما، ويسألانه أن يدعوَ لهما فيها، إذ نَشَّ الدُّهْنُ الذي في القَرْنِ، فقام إليه النبيُّ ﵇ فأخَذه، ثم قال لطالوتَ: قرِّبْ رأسَك. فقرَّبه، فدهَنه منه، ثم قال: أنت ملكُ بنى إسرائيلَ الذي أمَرنى اللهُ أن أُمَلِّكَكَ عليهم. وكان اسمُ طالوتَ\n_________\n(^١) النش: صوت الماء وغيره إذا غلى. التاج (ن ش ش).","vol":"4","page":448},{"text":"بالسُّرْيانيَّةِ شاولَ (^١) بن قيسِ بن أبيالِ بن صرارِ بن يحربَ (^٢) بن أفيحَ بن آيسَ (^٣) بن بنيامينَ بن يعقوبَ بن إسحاقَ بن إبراهيمَ، فجلَس عندَه، وقال الناسُ: مُلِّكَ طالوتُ. فأتَتْ عظماءُ بنى إسرائيلَ نبيَّهم وقالوا له: ما شأنُ طالوتَ يُمَلَّكُ علينا وليس في بيتِ النبوَّةِ ولا المملكةِ؟ قد عرَفْتَ أن النبوَّةَ والمُلْكَ في آلِ لاوِى وآلِ يَهوذا. فقال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (^٤).\nحدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ (^٥) عبد الكريمِ، عن عبدِ الصمدِ بن مَعْقِلٍ، عن وهبِ بن مُنبِّهٍ، قال: قالت بنو إسرائيلَ لشْمَويلَ (^٦): ابعَثْ لنا مَلِكًا نقاتِلْ في سبيلِ اللهِ. قال: قد كفاكم اللهُ القتالَ. قالوا: إنا نتخوَّفُ مَن حولَنا، فيكونُ لنا مَلِكٌ نفزَعُ إِليه. فأوحَى اللهُ إلى شَمْويلَ، أن ابعثْ لهم طالوتَ مَلِكًا، وادهُنْه بدُهْنِ القُدُسِ. فضلَّت حُمُرٌ لأبي طالوتَ، فأرسَله وغلامًا له يطلُبانها، فجاءوا إلى شَمْويلَ يسألونه عنها، فقال: إن الله قد بعَثك مَلِكًا على بني إسرائيلَ. قال: أنا؟ قال: نعم. قال: و(^٧) ما عَلِمتَ أن سِبْطى أدنى أسْباطِ بنى إسرائيلَ؟ قال: بلى. قال: أفما عَلِمتَ أن قبيلتي أدنى قبائلِ سبْطى؟ قال: بلى. قال: أما علِمتَ أن بيتى أدنى بيوتِ قبيلتي؟ قال: بلى. قال: فبأيَّة آيةٍ؟ قال: بآيَةِ أنك ترجِعُ وقد وجَد أبوك حُمُرَه، وإذا كنتَ بمكانِ كذا وكذا نزَل عليك الوَحْيُ. فدهَنه بدُهْنِ القُدُسِ، فقال لبني إسرائيلَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"شادك\"، وفى س: \"شاءول\". وينظر تاريخ المصنف ١/ ٤٧٥.\n(^٢) في تاريخ المصنف: \"بحرت\". وفى نسخة منه كالمثبت.\n(^٣) في تاريخ المصنف: \"أيش\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣١٤ إلى المصنف وابن إسحاق.\n(^٥) في النسخ: \"عن\".\n(^٦) في ص: \"لأشمويل\".\n(^٧) في تاريخ المصنف: \"أو\".","vol":"4","page":449},{"text":"يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (^١).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حَمَّادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا كذّبت بنو إسرائيلَ شَمْعونَ، وقالوا له: إن كنتَ صادِقًا فابَعثْ لنا مَلِكًا نقاتِلْ في سبيلِ اللهِ آيةً من نبوَّتِك. قال لهم شمعونُ: عسى إن كُتِب عليكم القتالُ ألَّا تقاتِلوا. ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. دعا الله، فأُتِى بعضًا تكونُ مقدارًا على طولِ الرجلِ الذي يُبْعَثُ فيهم ملكًا، فقال: إن صاحِبَكم يكونُ طولُه طولَ هذه العصا. فقاسُوا أنفسَهم بها، فلم يكونوا مثلَها، وكان طالوتُ رجلًا سقَاءً يَسْقى على حمارٍ له، فضَلَّ حِمارُه، فانطلَق يطلُبُه في الطريقِ، فلما رأَوْه دعَوه فقاسُوه بها، فكان مثلَها، فقال لهم نبيُّهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾. قال القومُ: ما كنتَ قطُّ أكذبَ منك الساعةَ، ونحن من سِبْطِ المملكةِ وليس هو من سِبْطِ المملكةِ، ولم يؤتَ سعةً من المالِ فنتَّبِعَه لذلك. فقال النبيُّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عِكْرمةَ، قال: كان طالوتُ سقَاءٌ يبيعُ الماءَ (^٣).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٦٩ - ٤٧٢ مطولا، وأخرج بعضه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٣ (٢٤٤٣)، من طريق إسماعيل بن عبد الكريم به.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٦٧ بإسناد السدى المعروف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٣، ٤٦٦ (٢٤٤٦، ٢٤٤٧، ٢٤٦١) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٤/ ٤٤٠ من طريق أبي أحمد به، وعنده: عمران. بدلا من: عمرو بن دينار.","vol":"4","page":450},{"text":"بعَث اللهُ طالوتَ مَلِكًا، وكان من سِبْطِ بِنْيامينَ سِبْطٌ لم يكنْ فيهم مملكةٌ ولا نبوةٌ، وكان في بنى إسرائيلَ سِبْطان؛ سِبْطُ نُبُوَّةٍ، وسِبْطُ مملكةٍ، وكان سِبْطُ النبوةِ سِبْطَ لاوِى، إليه موسى، وسِبْطُ المملكةِ يهوذا، إليه داودُ وسليمانُ، فلما بُعِث من غيرِ سِبْطِ النبوةِ والمملكةِ أنكَروا ذلك، وعجِبوا منه وقالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾؟ قالوا: كيف يكونُ له الملكُ علينا، وليس من سِبْطِ النبوةِ ولا من سِبْطِ المملكةِ؟ فقال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال لهم نبيُّهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾. قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾. قال: وكان من سِبْطٍ لم يكنْ فيهم مُلْكٌ ولا نبوةٌ، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾: وكان في بنى إسرائيلَ سِبْطان؛ سبْطُ نُبُوَّةٍ، وسِبْطُ خلافةٍ، فلذلك قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾؟ يقولون: ومن أين يكونُ له المُلْكُ علينا، وليس من سِبْطِ النبوةِ ولا سِبْطِ الخلافةِ؟ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾.\nحدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: حدَّثنا عُبَيدُ بنُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣١٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٧، ومن طريقه ابن عساكر ٢٤/ ٤٣٩، ٤٤٠.","vol":"4","page":451},{"text":"سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ بن مُزاحِمٍ يقولُ في قولِه: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾. فذكَر نحوَه.\nحُدِّثتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: حدَّثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: لمَّا قالت بنو إسرائيلُ لنبيِّهم: سَلْ رَبَّك أن يكتُبَ علينا القتالَ. فقال لهم ذلك النبيُّ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ الآية. قال: فبعَث اللهُ طالوتَ مَلِكًا. قال: وكان في بني إسرائيلَ سِبْطان؛ سِبْطُ نُبوَّةٍ وسِبْطُ مملكةٍ، ولم يكنْ طالوتُ (^١) من سِبْطِ النبوَّةِ ولا من سِبْطِ المملكةِ، فلما بُعِث لهم مَلِكًا أنكَروا ذلك، وعجِبوا وقالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾؟ قالوا: وكيف يكونُ له المُلْكُ علينا وليس من سِبْطِ النبوةِ ولا من سِبْطِ المملكةِ؟ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: أما ذكْرُ طالوت إذ قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾؟ فإنهم لم يقولوا ذلك إلا أنه كان في بنى إسرائيل سِبْطان؛ كان في أحدِهما النبوةُ، وكان في الآخرِ المُلْكُ، فلا يُبْعَثُ إلا من كان من سِبْطِ النبوةِ، ولا يُمَلَّكُ على الأرضِ أحدٌ إلا مَن كان مِن سِبْطِ المُلْكِ، وإنه ابتَعَث طالوتَ حينَ ابتَعَثه وليس من أحدِ السِّبْطَين، واختاره عليهم، وزادَه بَسْطَةً في العلمِ والجسمِ، ومن أجلِ ذلك قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾، وليس من واحدٍ من السِّبْطَين؟ قال:\n_________\n(^١) سقط من: ص.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٥ (٢٤٥٥) من طريق ابن أبي جعفر به، مختصرًا.","vol":"4","page":452},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ إلى ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ الآية: هذا حينَ رُفِعت التوراةُ واستُخرج أهلُ الإيمانِ، وكانت الجبابرةُ قد أخرَجتهم من ديارِهم وأبنائِهم، فلما كُتِب عليهم القتالُ، وذلك حينَ أتاهم التابوتُ، قال: وكان من بني إسرائيلَ سِبْطان؛ سِبْطُ نُبُوَّةٍ وسِبْطُ خلافةٍ، فلا تكونُ الخلافةُ إلا في سِبْطِ الخلافةِ، ولا تكونُ النبوةُ إلا في سِبْطِ النبوةِ، فقال لهم نبيُّهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾. وليس من أحدِ السِّبْطَين؛ لا سِبْطِ النبوةِ ولا سِبْطِ الخلافةِ. قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية (^٢).\nوقد قيل: إن معنى المُلْكِ في هذا الموضعِ الإمرةُ على الجيشِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-819>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾. قال: كان أميرَ الجيشِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه، إلا أنه قال: كان أميرًا على الجيشِ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٥ (٢٤٥٦)، عن محمد بن سعد به.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٤٤٠.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٤١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٤ (٢٤٥١).","vol":"4","page":453},{"text":"وقد بيَّنا معنى \"أَنَّى\" (^١)، ومعنى \"المُلْكِ\" فيما مضَى (^٢)، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-820>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾: قال نبيُّهم شَمْوِيلُ لهم: إن الله اصطَفاه عليكم. يعني: اختَاره عليكم.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنا أبى، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾: اختارَه عليكم (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾. قال: اختاره عليكم.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾: اختاره (^٤).\nوأما قولُه: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ فإنه يعنى بذلك: إن الله بسَط له في العلمِ والجسمِ، وآتاه من العلمِ فضلًا على ما آتَى غيرَه من الذين خُوطِبوا بهذا الخطابِ، وذلك أنه ذكَر أنه أتاه وحْيٌ من اللهِ، وأما في الجسمِ، فإنه\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٣/ ٧٤٥ - ٧٦١.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ١٥٠، ٢/ ٤٠٧.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٥ (٢٤٥٧) عن محمد بن سعد به.\n(^٤) ينظر التبيان ٢/ ٢٩١.","vol":"4","page":454},{"text":"أُوتى من الزيادةِ في طولِه عليهم ما لم يُؤْتَه غيرُه منهم.\nكما حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثني عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: لمَّا قالت بنو إسرائيلَ: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾. قال: واجتمَع بنو إسرائيلَ، فكان طالوتُ فوقَهم من مِنْكَبَيه فصاعدًا (^١).\nوقال السُّدَّيُّ: أُتِي النبيُّ ﷺ بعَصًا تكونُ مقدارًا على طولِ الرجلِ الذي يُبْعَثُ فيهم مَلِكًا، فقال: إن صاحِبَكم يكونُ طولُه طولَ هذه العصا. فقاسُوا أنفسَهم بها، فلم يكونوا مثلَها، فقاسُوا طالوتَ بها، فكان مثلَها.\nحدَّثني بذلك موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إن الله اصطفاه عليكم وزاده مع اصطفائِه إيَّاه ﴿بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾. يعنى بذلك: بَسَط له مع ذلك في العلمِ والجسمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-821>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾: بعدَ هذا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٦ (٢٤٦٢) من طريق إسماعيل بن عبد الكريم به.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه مطولًا ١/ ٤٦٧، ٤٦٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٤٦٦ (٢٤٦١) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٣) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٢٥٨ بنحوه.","vol":"4","page":455},{"text":"<span data-type='title' id=toc-823>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك أن المُلْكَ للهِ وبيدِه دونَ غيرِه، يؤتيه. يقولُ: يؤْتِي ذلك من يشاءُ، فيَضَعُه عندَه، ويَخُصُّه به، ويمنَحُه مَن أحبَّ من خلقِه. يقولُ: فلا تَسْتَنكِروا يا معشرَ الملأ من بنى إسرائيلَ أن يبعَثَ اللهُ طالوتَ مَلِكًا عليكم، وإن لم يكنْ من أهلِ بيتِ المملكةِ، فإن المُلْكَ ليس بميراثٍ عن الآباءِ والأسْلافِ، ولكنه بيَدِ اللهِ، يُعطِيه مَن يشاءُ من خلقِه، فلا تتخيَّروا على اللهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-822>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، قال: حدَّثني ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني بعضُ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾: المُلْكُ بيَدِ اللهِ يَضَعُه حيثُ يشاءُ، ليس لكم أن تختاروا فيه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ، قال مجاهدٌ: مُلْكُه سلطانُه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾: سلطانَه (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. فإنه يعنى بذلك: واللهُ واسعٌ بفضلِه،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٤٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٧ (٢٤٦٤).","vol":"4","page":456},{"text":"فيُنْعِمُ به (^١) على مَن أحبَّ، [ويَزِيدُ فيه] (^٢) من يشاءُ، عليمٌ بمَن هو أهلٌ لمُلْكِه الذي يؤتيه، وفضْلِه الذي يُعْطِيه، فيُعْطِيه ذلك لعلمِه به، وبأنه لِما أعطاه أهلٌ؛ إما للإصلاحِ به، وإما [لأن يَنْتَفِعَ هو به] (^٣).\n\n<span id=\"aya-255\"></span><span data-type='title' id=toc-824>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾.</span>\nوهذا الخبرُ من اللهِ تعالى ذكرُه عن نبيِّه الذي أخبَر عنه به (^٤) دليلٌ على أن الملأَ من بني إسرائيلَ الذين قيل لهم هذا القولُ، لم يُقِرُّوا ببعثةِ اللهِ طالوتَ عليهم مَلِكًا إذ أخبرَهم نبيُّهم بذلك، وعرَّفهم فَضيلتَه التي فضَّله اللهُ بها، ولكنهم سألوه الدَّلالةَ على صدقِ ما قال لهم من ذلك وأخبرَهم به.\nفتأويلُ الكلامِ إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا: والله يُؤتى مُلْكَه مَن يَشَاءُ واللهُ واسعٌ عليمٌ. فقالوا له: [انْتِ بآيةٍ على ذلك] (^٥) إن كنتَ من الصادقين. قال لهم نبيُّهم: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾.\nوهذه القصةُ، وإن كانت خبرًا من اللهِ تعالى ذكرُه عن الملأ من بنى إسرائيلَ ونبيِّهم، وما كان من ابتدائِهم نبيَّهم بما ابتدَءوا به من مسألتِه أن يسألَ الله لهم أن يبعَثَ لهم مَلِكًا يقاتِلون معه في سبيلِه، [ونبأ] (^٦) عما كان منهم من تكذيبِهم نبيَّهم بعدَ علمِهم بنُبوَّتِه، ثم إخلافِهم الموعدَ الذي وعَدوا الله ووَعدوا رسولَه من\n_________\n(^١) في ص: \"له\".\n(^٢) في م: \"ويريد به\".\n(^٣) في ص: \"لانه\" بينهما بياض بقدر كلمة، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لا\".\n(^٤) سقط من: م، س.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٣: \"مما أتى به ذلك\"، وفى ت ٢، س: \"بما أتى به ذلك\".\n(^٦) في م: \"بناء\". وزيادو الواو لضرورة السياق.","vol":"4","page":457},{"text":"الجهادِ في سبيلِ اللهِ، بالتخلُّفِ عنه حينَ استُنْهِضوا لحربِ مَن استُنْهِضُوا لحربِه، وفتْحِ اللهِ على القليلِ من الفئةِ، مع تخذيلِ الكثيرِ منهم عن مَلِكِهم، وقُعودِهم عن الجهادِ معه؛ فإنه تأديبٌ لمَن كان بينَ ظَهْرانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ من ذَرارِيِّهم وأبنائِهمِ يهودِ قُرَيْظَةَ والنَّضيرِ، وأنهم لن يَعْدُوا في تكذيبِهم محمدًا ﷺ فيما أمَرهم به ونَهاهم عنه، مع علْمِهم بصدقِه، ومَعْرِفتِهم بحقيقةِ نُبوَّتِه، بعدَ ما كانوا يَستَنصرون الله به على أعدائِهم قبلَ رسالتِه، وقبلَ بعثةِ اللهِ إِيَّاه إليهم، وإلى غيرِهم أن يكونوا كأسلافِهم وأوائلِهم الذين كذَّبوا نبيَّهم شَمْويلَ بنَ بالى، مع عِلْمِهم بصدقِه، ومعرفتِهم بحقيقةِ نبوَّتِه، وامتناعِهم من الجهادِ مع طالوتَ لمَّا ابتَعَثه اللهُ مَلِكًا عليهم، بعدَ مسألتِهم نبيَّهم ابتعاثَ مَلِكٍ يُقاتِلون معه عدوَّهم، ويجاهِدون معه في سبيلِ ربِّهم، ابتداءً منهم بذلك نبيَّهم، وبعدَ مراجعةِ نبيِّهم شَمْويلَ إياهم في ذلك، وحضٌّ لأهلِ الإيمانِ باللهِ وبرسولِه من أصحابِ محمدٍ ﷺ على الجهادِ في سبيلِه، وتحذيرٌ منه لهم أن يكونوا في التخلُّفِ عن نبيِّهم محمدٍ ﷺ عندَ لقائِه العدوَّ، ومناهضتِه أهلَ الكفرِ باللهِ وبه، على مِثْلِ الذي كان عليه الملأُ من بني إسرائيلَ في تَخَلُّفهم عن مَلِكهم طالوتَ، إذ زحَف لحربِ عدوِّ اللهِ جالوتَ، وإيثارِهم الدَّعَةَ والخفضَ (^١) على مباشرةِ حَرِّ الجهادِ، والقتالِ في سبيلِ اللهِ، وشَحْذٌ منه لهم على الإقدامِ على مُناجزة أهلِ الكفرِ به الحربَ، وتَرْكِ تهيُّبِ قتالِهم أن قلَّ عددُهم، وكَثُر عددُ أعدائِهم، واشتدَّت شَوكتُهم بقولِه: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وإعلامٌ منه تعالى ذكرُه عبادَه المؤمنين به أن بيدِه النصرَ والظَّفَرَ والخيرَ والشرَّ.\n_________\n(^١) الخفض: العيش الطيب. اللسان (خ ف ض).","vol":"4","page":458},{"text":"وأما تأويلُ قولِه: ﴿قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ فإنه يعنى: للملإِ من بني إسرائيلَ الذين قالوا لنبيِّهم: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.\nوقولُه: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾: إن علامةَ مُلْكِ طالوتَ التي سأَلْتُمونيها دَلالةً على صدقي في قوله: إن الله بعَثه عليكم مَلِكًا، وإن كان من غير سِبْطِ المملكةِ ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ وهو التابوتُ الذي كانت بنو إسرائيل إذا لَقُوا عدوًّا لهم قَدَّمُوه أمامَهم، وزحَفوا معه، فلا يَقومُ لهم معه عدوٌّ، ولا يَظهَرُ عليهم أحدٌ ناوَأَهم، حتى منَعوا أمرَ اللهِ، وكَثُر اختلافُهم على أنبيائِهم، فسَلَبهم اللهُ إِيَّاه مرَّةً بعدَ مرَّةٍ، يَرُدُّه إليهم في كلِّ ذلك، حتى سَلَبَهم آخِرَ مرَّةٍ، فلم يرُدَّه عليهم، [ولن يُرَدَّ] (^١) إليهم آخرَ الأبدِ.\nثم اختَلف أهلُ التأويلِ في سَببِ مجئِ التابوتِ الذي جعَل اللهُ مَجيئَه إلى بني إسرائيلَ آيةً لصدقِ نبيِّهم شَمْويلَ على قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾. وهل كانت بنو إسرائيلَ سُلِبُوه قبلَ ذلك فردَّه اللهُ عليهم حينَ جعَل مجيئَه آيةً لمُلْكِ طالوتَ؟ أولم يكونوا سُلِبوه قبلَ ذلك، ولكنَّ الله ابتَدَأهم به ابتداءً؟ فقال بعضُهم: بل كان ذلك عندَهم من عهدِ موسى وهارونَ يَتَوارثونه، حتى سَلَبهم إياه مُلوكٌ من أهلِ الكفرِ به، ثم ردَّه اللهُ عليهم آيةً لمُلْكِ طالوتَ. وقال في سببِ ردِّه عليهم ما أنا ذاكِرُه، وهو ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثني عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ قال: كان لعيلى الذي ربَّى شَمْويلَ ابنان شابان أحدَثا في القُربانِ شيئًا لم يكنْ فيه، كان مِسْوَطُ (^٢) القُرْبانِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ولم يرده\".\n(^٢) في ص: \"يشرط\"، وفى م، س: \"شرط\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بشرط\". والمثبت من تاريخ المصنف. والمسوط: خشبة أو غيرها يحرَّك بها ما في القدر وغيرها ليختلط. ينظر اللسان (س وط). وقربان اليهود هو التقدمة - كما في سفر صموئيل الأول، العهد القديم، أصحاح ٣/ ١٤ - وكانت من دقيق مع =","vol":"4","page":459},{"text":"الذي كانوا يَسُوطونه (^١) به كُلَّا بَيْن (^٢)، فما أخرَجا كان للكاهنِ الذي يسُوطُه (^٣)، فجعَل ابناه كَلاليبَ، وكانا إذا جاء النساءُ يُصَلِّينَ فِي القُدْسِ يَتَشَبَّثان بهن، فبينا شَمْويلُ نائمٌ قِبَلَ البيتِ الذي كان ينامُ فيه عيلى، إذ سمع صوتًا يقولُ: أشَمْويلُ. فوَثَب إلى عِيلى، فقال: لبَّيك، ما لَكَ دعَوتَني؟ فقال: لا، ارجِعْ فنَمْ. فرجَع فنام، ثم سمِع صوتًا آخَرَ يقولُ: أَشَمُويلُ. فَوَثَب إلى عِيلى أيضًا، فقال: لبيك، ما لَكَ دعوتَنى؟ فقال: لم أفعلْ، ارجِعْ فنَم، فإن سمِعتَ شيئًا فقل: لبَّيك، مكانَك، مُرْنى فأفعلَ. فرجَع فنام، فسمع صوتًا أيضًا يقولُ: أَشَمُويلُ. فقال: لبَّيك، أنا هذا، مُرْنى أَفعَلْ. قال: انطلِقْ إلى عِيلى، فقُلْ له: مَنَعه حُبُّ الولدِ أَن يَرْجُرَ ابنَيْه أَن يُحْدِثا في قُدْسى وقُرْبانى، وأن يَعصِيَانى، فلأنزِعَنَّ منه الكِهانة ومِن وَلدِه، ولأُهلِكنَّه وإياهما. فلما أصبَح سأله عيلى، فأخبرَه، ففزِع لذلك فَزَعًا شديدًا. فسار إليهم عدوٌّ مِمَّن حولَهم، فأمَر ابنَيه أن يخرُجا بالناسِ فيُقاتلا ذلك العدوَّ، فخَرَجا وأخرَجا معهما التابوتَ الذي كان فيه اللَّوْحان وعصا موسى ليُنْصَرُوا به، فلما تهَيَّئوا للقتالِ هم وعدوُّهم، جعَل عيلى يتوقَّعُ الخبرَ؛ ماذا صنَعوا؟ فجاءه رجلٌ يخبِرُه وهو قاعدٌ على كُرسيِّه: إن ابنَيك قد قُتِلا، وإن الناسَ قد انهزَموا. قال: فما فعل التابوتُ؟ قال: ذهَب به العدوُّ. قال: فشَهِق ووقَع على قَفاه من كُرسيِّه فمات. وذهَب الذين سَبَوا التابوتَ حتى وضَعوه في بيتِ آلهتِهم ولهم صَنمٌ\n_________\n= زيت ولبان، يؤخذ قليل من الدقيق المقدم والزيت وكل اللبان ويوقد على المذبح أو يعمل منه قطائف على صاج. كما أشار بذلك الشيخ شاكر في التفسير ٥/ ٣١٨ نقلا عن (قاموس الكتاب المقدس).\n(^١) في النسخ: \"يشرطونه\". والمثبت من تاريخ المصنف.\n(^٢) الكُلَّاب: حديدة معطوفة كالخطاف، أو خشبة في رأسها عُقَّافة منها، أو من حديد. وجمعه كلاليب. ينظر اللسان (ك ل ب).\n(^٣) في النسخ: \"يستوطنه\" والمثبت من تاريخ المصنف.","vol":"4","page":460},{"text":"يعبُدُونه، فوضَعوه تحتَ الصَّنمِ، والصَّنمُ من فَوقِه، فأصبَح من الغدِ والصَّنمُ تحتَه وهو فوقَ الصَّنَمِ، ثم أخَذوه فوضَعوه فوقه وسمَّروا قدَمَيْه في التابوتِ، فأصبَح من الغدِ قد قُطِعت يدَا الصنمِ ورجلاه، وأصبَح ملقًى تحتَ (^١) التابوتِ، فقال بعضُهم لبعضٍ: قد عَلِمتُم أن إلهَ بنى إسرائيلَ لا يقومُ له شيءٌ، فأخرِجوه من بيتِ آلهِتَكم. فأخرَجوا التابوتَ فوضَعوه في ناحيةٍ من قريتِهم، فأخَذ أهلَ تلك الناحيةِ التي وضَعوا فيها التابوتَ وجَعٌ في أعناقِهم، فقالوا: ما هذا؟ فقالت لهم جاريةٌ كانت عندَهم من سَبْيِ بنى (^٢) إسرائيلَ: لا تزالون ترَون ما تكرَهون ما كان هذا التابوتُ فيكم، فأخرِجُوه من قريتِكم. قالوا: كَذَبْتِ. قالت: إن آيةَ ذلك أن تأتُوا ببقَرَتَين لهما أولادٌ، لم يُوضَعْ عليهما نِيرٌ (^٣) قطُّ، ثم تضَعوا وراءَهما (^٤) العَجَلَ، ثم تضَعوا التابوتَ على العَجَلِ وتُسَيِّروهما، وتحبِسوا أولادَهما؛ فإنهما تنطلِقان به مُذْعِنَتَين، حتى إذا خرَجتا من أرضِكم ووَقَعتا في أرضِ بني إسرائيلَ، كسَرَتا نِيرَهما، وأقبَلتا إلى أولادِهما. ففعَلوا ذلك، فلما خرَجتا من أرضِهم ووَقَعَتا في أدنى أرضِ بنى إسرائيلَ، كسَرَتا نِيرَهما، وأقبَلتا إلى أولادِهما، ووَضَعَتاه في خَرِبةٍ فيها حَصادٌ (^٥) من بني إسرائيلَ، ففَزِع إليه بنو إسرائيلَ وأقبَلوا إليه، فجعَل لا يدنو منه أحدٌ إلا مات، فقال لهم نبيُّهم شَمْوِيلُ: اعترِضُوا، فمن آنَس من نفسه قوَّةً فليَدْنُ منه. فعرَضوا عليه الناسَ، فلم يَقدِرْ أحدٌ يدنو منه إلا رجلان من بني إسرائيل أُذِن لهما بأن يحمِلاه إلى بيتِ أمِّهما، وهى أرْمَلَةٌ، فكان في بيتِ أمِّهما حتى مَلَك طالوتُ،\n_________\n(^١) في ص: \"تحته\".\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) النيِّر: الخشبة المعترضة التي تكون على عنق الثور بأداتها. تاج العروس (ن ى ر).\n(^٤) في م: \"وراءهم\".\n(^٥) في م: \"حضار\".","vol":"4","page":461},{"text":"فصَلَح أمرُ بنى إسرائيلَ مع شَمْويلَ (^١).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني بعضُ أهلِ العِلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: قال شَمْويلُ لبنى إسرائيلَ لمَّا قالوا له: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾. قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾، و﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾: وإن تَمْليكَه من قِبَلِ اللهِ، ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾، فيَرِدَ عليكم الذي فيه من السكينةِ، وبقية مما ترَك آل موسى وآلُ هارونَ، وهو الذي كنتم تَهْزِمون به مَن لَقِيَكم (^٢) من العدوِّ، وتَظْهَرُون به عليه. قالوا: فإن جاءنا التابوتُ، فقد رضِينا وسلَّمنا. وكان العدوُّ الذين أصابوا التابوتَ أسفلَ من الجبلِ، جبل إيلِيَا. فيما بينَهم وبينَ مصرَ، وكانوا أصحابَ أوثانٍ، وكان فيهم جالوتُ، وكان جالوتُ رجلًا قد أُعْطِيَ بسطةً في الجسمِ، وقوةً في البَطْشِ، وشدَّةً في الحربِ، مَذكورًا بذلك في الناس، وكان التابوتُ حينَ اسْتُبِى قد جُعِل في قريةٍ من قُرَى فِلَسْطينَ، يقالُ لها: أزدودَ (^٣). فكانوا قد جعَلوا التابوتَ في كنيسةٍ فيها أصنامُهم، فلما كان من أمر النبيِّ ﵇ ما كان من وعْدِ بنى إسرائيلَ أن التابوتَ سيأتِيهم، جَعَلت أصنامُهم تُصبِحُ في الكنيسةِ مُنَكَّسَةً على رءوسِها، وبعَث اللهُ على أهلِ تلك القريةِ فَأْرًا (^٤)، تُبَيِّتُ (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٦٩ - ٤٧١.\n(^٢) في ص، س: \"لقيتم\".\n(^٣) في ص، ت ٢: \"أردوذ\"، وفى م: \"أردن\"، وفى س، ت ١، ت ٣: \"أردود\"، والمثبت من تفسير البغوي، وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٤٤٦، ونقل الشيخ شاكر عن صاحب قاموس الكتاب المقدس أنها إحدى مدن فلسطين الخمس المتحالفة، وأنها على ثلاثة أميال من البحر المتوسط، بين غزة ويافا.\n(^٤) في س: \"نارًا\".\n(^٥) في م: \"تثبت\".","vol":"4","page":462},{"text":"الفَأرةُ الرجلَ، فيُصبِحُ مَيِّتًا قد أكَلَت (^١) في جوفِه من دُبُرِه. قالوا: تعلَمون واللهِ، لقد أصابَكم بلاءٌ ما أصاب أُمَّةً من الأممِ قبلَكم (^٢)، وما نعلَمُه أصابنا إلا مُذْ كان هذا التابوتُ بينَ أظْهُرِنا، مع أنكم قد رأيتُم أصنامَكم تُصْبِحُ كلَّ غداةٍ مُنَكَّسَةً، شيءٌ (^٣) لم يكُنْ يُصنَعُ بها حتى كان هذا التابوتُ معها، فأخرِجُوه من بين أظْهُرِكم. فدَعَوا بعَجَلةٍ، فحمَلوا عليها التابوتَ، ثم علَّقُوها بثَوْرين، ثم ضَرَبوا على جُنوبِهما، وخرَجَت الملائكةُ بالثَّوْرَين تسوقُهما، فلم يَمُرَّ التابوتُ بشيءٍ من الأرضِ إلا كان قُدْسًا، فلم يَرُعْهم إلا التابوتُ على عجلةٍ يَجُرُّها الثَّوْرَان، حتى وقَف على بنى إسرائيلَ، فكبَّروا وحمِدوا الله، وجَدُّوا في حربِهم واسْتَوسَقوا (^٤) على طالوتَ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: لمَّا قال لهم نبيُّهم: إن الله اصْطَفَى طالوتَ عليكم، وزادَه بَسْطةً في العلمِ والجسمِ (^٦). أبوا أن يُسَلِّموا له الرِّياسةَ، حتى قال لهم: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فقال لهم: أرأيتُم إن جاءَكم التابوتُ فيه سكينةٌ مِن ربِّكم وبقيَّةٌ مما ترك آل موسى وآلُ هارونَ تحمِلُه الملائكةُ؟ وكان موسى حينَ ألْقَى الألواحَ تَكسَّرَت ورُفِع منها، فنزَل فجمع ما بَقِى فجعَله في ذلك التابوتِ.\nقال ابن جُرَيجٍ: أخبرَنى يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ،\n_________\n(^١) بعده في م: \"ما\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قبله\".\n(^٣) في ت ٢، ت ٣، س: \"على رءوسها\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"استوثقوا\". واستوسقوا: اجتمعوا. اللسان (وس ق).\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ١/ ٣٠٠.\n(^٦) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الآية\".","vol":"4","page":463},{"text":"أنه لم يَبْقَ من الألواحِ إلا سُدُسَها. قال: وكانت العمالِقةُ قد سَبَت ذلك التابوتَ - والعمالِقَةُ فِرْقةٌ من عادٍ كانوا بأريحا (^١) - فجاءت الملائكةُ بالتابوتِ تحمِلُه بينَ السماءِ والأرضِ، وهم ينظُرُون إلى التابوتِ حتى وضَعَته عندَ طالوتَ، فلما رَأَوا ذلك قالوا: نعم. فسلَّموا له ومَلَّكوه، قال: وكانت الأنبياءُ إذا حضَروا قِتالًا، قدَّموا التابوتَ بين أيديهم ويقولون: إن آدَمَ نزل بذلك التابوتِ وبالرُّكْنِ. وبلَغنى أن التابوتَ وعصا موسى في بُحَيرةِ طَبَرِيَّةَ، وأنهما يَخْرُجان قبل يومِ القيامةِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا عبدُ الصَّمَدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سَمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: إن أرميا لمَّا خُرِّب بيتُ المَقدسِ، وحُرِّقَتِ (^٢) الكُتُبُ، وقَف في ناحية الجَبلِ، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. ثم ردَّ اللهُ مَن ردَّ من بني إسرائيلَ على رأسِ سبعين سنةً من (^٣) حينَ أماته، يَعْمُرونها ثلاثين سنةً تمامَ المائةِ، فلما ذهَبَت المائةُ، ردَّ اللهُ إليه روحَه وقد عَمَرَت، فهى على حالِها الأولى. [قال: فجعَل يَنْظُرُ إلى العظام كيف يَلْتَئِمُ بعضُها إلى بعضٍ، ثم نظَر إلى العظامِ تُكْسَى عَصَبًا ولحمًا، ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. فقال: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. قال: وكان طعامُه تِينًا فِي مِكْتَلِ، وقُلَّةً فيها ماءٌ. قال: ثم سلَّط الله عليهم الوَصَبَ] (^٤)، فلما أراد أن يَرُدُّ عليهم التابوتَ، أوحى الله إلى نبيٍّ من أنبيائهم - إمَّا دانيالُ وإما غيرُه -: إن كنتم تُريدون أن يُرْفَعَ عنكم\n_________\n(^١) أريحا: مدينة قديمة جدًّا في غور الأردن شمالى شرقى القدس على مسافة ثمانية عشر ميلًا منها. ينظر دائرة المعارف للبستاني ٣/ ٢٧٧.\n(^٢) في النسخ وتاريخ دمشق: \"حرق\". والمثبت من تفسير عبد الرزاق.\n(^٣) سقط من: س.\n(^٤) سقط من: النسخ. واستدركناه من مصدرى التخريج. ومما سيأتي في ص ٥٩٤.","vol":"4","page":464},{"text":"المرضُ، فأَخْرِجُوا عنكم هذا التابوتَ. قالوا: بآيةِ ماذا؟ قال: بآيةِ أنكم تأتون ببقَرَتَين صَعْبَتين (^١) لم تَعْمَلا عملًا قطُّ، فإذا نظَرَنا إليه وضَعَتا أعناقَهما للنِّيرِ حتى يُشَدَّ عليهما، ثم يُشَدُّ التابوتُ على عَجَلٍ، ثم يُعَلَّقُ على البقرتَين، ثم تُخَلَّيان، فتَسيران حيثُ يريدُ اللهُ أن يبلِّغهما. ففَعَلوا ذلك، ووَكَّل الله بهما أربعةً من الملائكةِ يسوقونهما، فسارت البقرتان سيرًا سريعًا، حتى إذا بلَغَتا طَرْفَ القُدْسِ، كَسَرَتا نيرهما، وقَطَعَنا حِبالَهما، وذهَبَتا، فنزل إليهما داودُ ومَن معه، فلما رأى داودُ التابوتَ، حَجَلَ إليه فَرَحًا به. فقلنا لوَهْبٍ: ما: حَجَل إليه؟ قال: شَبيهٌ بالرَّقْصِ. فقالت له امرأتُه: لقد خَفِفْتَ حتى كاد الناسُ يَمْقُتونك لِما صنَعتَ. قال: أتُبَطِّئِينى عن طاعةِ ربِّي، لا تكُونين لى زوجةً بعدَ هذا. ففارقها (^٢).\nوقال آخرون: بل التابوتُ الذي جعله الله آيةٌ لمُلْكِ طالوتَ كان في البَرِّيَّة، وكان موسى ﷺ خلَّفَه عند فتاه يُوشَعَ، فحملَته الملائكة حتى وضَعَته في دارِ طالوتَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-825>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية: كان موسى ترَكه عند فتاه يُوشَعَ بن نُونٍ، وهو بالبَرِّيَّةِ، وأقبلت به الملائكةُ تحمِلُه حتى وضَعَته في دارِ طالوتَ، فأصبح في دارِه (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ\n_________\n(^١) صعبتين: صعبتا الانقياد. تاج العروس (ص ع ب).\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٩، ١٠٠، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٨/ ٢٨.\n(^٣) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ١٦٩.","vol":"4","page":465},{"text":"في قولِه: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ الآية. قال: كان موسى فيما ذُكر لنا ترك التابوتَ عند فتاه يُوشَعَ بن نُونٍ وهو في البَرِّيَّةِ، فذُكر لنا أن الملائكةَ حملته من البرِّيَّة حتى وضَعَته في دارِ طالوتَ، فأصبح التابوتُ في داره (^١).\nوأولى القولين في ذلك بالصواب ما قاله ابن عباسٍ ووَهَبُ بنُ مُنَبِّهٍ، من أن التابوتَ كان عند عدوٍّ لبنى إسرائيلَ كان سلَبَهموه، وذلك أن الله تعالى ذكرُه قال مُخْبِرًا عن نبيِّه في ذلك الزمانِ قولَه لقومِه من بنى إسرائيلَ: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ والألفُ واللامُ لا تَدْخُلان في مثل هذا من الأسماء إلا في معروف عند المُتخاطبين به، وقد عَرَفه المُخبَرُ والمُخبَرُ، فقد عُلِم بذلك أن معنى الكلام: إن آيَةَ مُلْكِه أن يأتِيَكم التابوتُ الذي قد عَرَفْتُموه، الذي كنتم تَستَنصرون به، فيه سكينةٌ من ربِّكم. ولو كان ذلك تابوتًا من التوابيت غيرَ معلوم عندَهم قَدْرُه، ومَبْلَغُ نَفْعِه قبل ذلك، لقيلَ: إن آيةَ مُلْكِه أن يأتِيَكم تابوتٌ فيه سَكِينةٌ من ربِّكُم.\nفإن ظنَّ ذو غفلةٍ أنهم كانوا قد عَرَفوا ذلك التابوت، وقَدْرَ نَفْعِه وما فيه وهو عند موسى ويُوشَعَ، فإن ذلك ما لا يخفى خطؤُه، وذلك أنه لم يَبلُغنا أن موسى لاقَى عدوًّا قطُّ بالتابوتِ، ولا فتاه يُوشَعَ، بل الذي يُعرَفُ من أمر موسى وأمرِ فرعونَ، ما قصَّ اللهُ من شأنهما، وكذلك أمره وأمر الجبَّارين، وأما فتاه يُوشَعُ، فإن الذين قالوا هذه المقالةَ، زعموا أن يُوشَعَ خلفَه في التِّيهِ حتى رُدَّ عليهم (^٢) حين ملك طالوتُ، فإن كان الأمرُ على ما وصَفوه، فأيُّ الأحوالِ للتابوتِ الحالُ التي عَرَفوه فيها فجاز أن يقالَ: إن آيَةَ مُلْكه أن يأتيَكم التابوتُ الذي قد عَرَفْتُموه، وعَرَفتم أمره؟ وفى فَسادِ هذا القول بالذي ذكَرنا، أبْيَنُ الدَّلالة على صحةِ القولِ الآخَرِ، إذ لا قولَ في ذلك\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٧ (٢٤٧٠) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"عليه\".","vol":"4","page":466},{"text":"لأهل التأويل غيرُهما.\nوكانت صفةُ التابوتِ فيما بلَغَنا كما حدَّثنا محمدُ بنُ عَسْكَرِ والحسنُ بنُ يحيى، قالا: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا بَكَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: سَأَلْنَا وَهْبَ بن مُنبِّهٍ عن تابوتِ موسى ما كان؟ قال: كان نحوًا من ثلاثةِ أذرعٍ في ذراعين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-827>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿فِيهِ﴾: في التابوتِ ﴿سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.\nواختلف أهلُ التأويل في \"معنى السكينة\"؛ فقال بعضُهم: هي ريحٌ هَفَّافةٌ لها وَجْهُ كوَجْهِ الإِنسان.\n\n<span data-type='title' id=toc-826>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارث بنُ سعيدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جُحَادَةً، عن سَلَمَةَ بن كُهَيلٍ، عن أبي وائلٍ، عن عليِّ بن أبى طالبٍ، قال: السكينةُ ريحٌ هَفَّافةٌ لها وجهٌ كوجهِ الإنسانِ.\nحدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ بن كُهيلٍ، عن أبي الأحوصِ، عن عليٍّ، قال: السكينةُ لها وَجْهٌ كوجهِ الإنسان، ثم هي ريحٌ هَفَّافةٌ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن العوَّامِ بن حَوْشَبٍ، عَن سَلَمَةَ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٧ (٢٤٦٨) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٠، ١٠١، وأخرجه سفيان بن عيينة - كما في الدر المنثور ١/ ٣١٧ - ومن طريقه، والحاكم ٢/ ٤٦٠، والبيهقى الدلائل ٤/ ١٦٧، وابن عساكر ٢٤/ ٤٤١ من طريق سفيان به.","vol":"4","page":467},{"text":"ابن كُهَيلٍ، عن عليِّ بن أبى طالبٍ في قولِه: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: ريحٌ هَفَّافةٌ لها (^١) صورةٌ. قال يعقوبُ في حديثِه: لها (^٢) وَجْهٌ. وقال ابن (^٣) المثنَّى: كوَجْهِ الإنسانِ.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سَلَمَةَ بن كُهَيلٍ، قال: قال عليٌّ: السكينةُ لها وجهٌ كوجهِ الإنسانِ، وهى ريحٌ هَفَّافةٌ.\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكِ بن حربٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةَ، قال: قال عليٌّ: السكينةُ ريحٌ خَجُوجٌ ولها رأسان (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، قال: سمعتُ خالدَ بنَ عرعرةَ يُحَدِّثُ عَن عليٍّ نحوَه (^٥).\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شُعْبَةُ وحمادُ بنُ سَلَمَةَ وأبو الأَحْوَصِ، كلُّهم عن سِمَاكٍ، عن خالدِ بن عرعرَةَ، عن عليٍّ نحوَه (٤).\nوقال آخرون: لها رأسٌ كرأسِ الهِرَّة وجَناحان.\n\n<span data-type='title' id=toc-828>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ: عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فيها\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كما\"، وبعده في ص بياض بقدر كلمة، وبعده في ت ١ بقدر أربع كلمات، وبعده في ت ٢ بقدر كلمتين، وبعده في ت ٣ بقدر ست كلمات.\n(^٣) ليس في: ص، ت ١، ت ٣، وليس لابن المثنى أو المثنى ذكر في هذا الإسناد.\n(^٤) تقدم تخريجه في ٢/ ٥٦٢.\n(^٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٩٤١) من طريق شعبة به مرفوعًا، وتقدم في ٢/ ٥٦٢.","vol":"4","page":468},{"text":"أقبَلَت السكينةُ [والصُّرَدُ] (^١) وجبريلُ مع إبراهيمَ من الشامِ. قال ابن أَبي نجيحٍ: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ: السكينةُ لها رَأْسٌ كرأسِ الهِرَّةِ وجَناحان (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: السكينةُ لها جَناحان وذَنَبٌ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا الثَّوْرِيُّ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: لها جَناحان وذَنَبٌ مثلُ ذَنَبِ الهِرَّةِ (^٥).\nوقال آخرون: بل هي رأسُ هِرَّةٍ مَيِّتَةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-829>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عَن وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عن بعضِ أهلِ العلمِ من بني إسرائيلَ، قال: السكينةُ رأسُ هِرَّةٍ مَيِّتةٍ، كانت إذا صَرَخت في التابوتِ بصُرَاخِ هِرٍّ أيقَنُوا بالنصرِ وجاءهم الفتحُ (^٦).\n_________\n(^١) مكانه بياض في النسخ، والمثبت من تفسير مجاهد، والصُّرَد: طائر فوق العصفور، أبقع ضخم الرأس، يصطاد العصافير، ويكون في الشجر، نصفه أبيض ونصفه أسود، ضخم المنقار له بُرثُن عظيم. تاج العروس (ص ر د).\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٤٢، ومن طريقه البيهقى في الدلائل ٤/ ١٦٨ دون أوله.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٩ (٢٤٧٦) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٤) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٨٠١) من طريق سفيان به.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠١، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٤/ ٤٤١.\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٦٤.","vol":"4","page":469},{"text":"وقال آخرون: إنما هي طَسْتُ من ذهبٍ من الجنةِ، كان يُغْسَلُ فيها قلوبُ الأنبياءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-830>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ ظُهَيرٍ عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: طَسْتٌ من ذهبٍ من الجنةِ، كان يُغْسَلُ فيها قلوبُ الأنبياءِ (^١).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: السكينةُ طَسْتُ من ذهبٍ، يُغْسَلُ فيها قلوبُ الأنبياء، أعطاها الله موسى، وفيها وضَع الألواحَ، وكانت الألواحُ - فيما بَلَغنا - من دُرٍّ (^٢) وياقوتٍ وزبرجدٍ (^٣).\nوقال آخرون: السكينةُ رُوحٌ من الله يتكلَّم.\n\n<span data-type='title' id=toc-831>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا بَكَّارُ بنُ عبدِ الله، قال: سأَلْنا وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ، فقلنا له: السَّكينةُ؟ قال: روحٌ من الله يتكلَّمُ، إذا اختلفوا في شيءٍ تكلَّمَ، فأخبَرهم ببيان ما يُريدون (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور (٤٢١ - تفسير) من طريق الحكم بن ظهير به. وأخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٦٧، ٤٦٨ من طريق السدى به.\n(^٢) في س: \"زمرد\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٢٠ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٩ (٢٤٧٨) من طريق عيسى بن عمر، عن السدى بشطره الأول.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٩ (٢٤٧٩) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"4","page":470},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عَسْكَرٍ، قال: ثنا عبدُ الرزاق، قال: ثنا بَكَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، أَنه سَمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ. فَذَكَر نحوه.\nوقال آخرون: السكينةُ ما تعرِفون من الآياتِ فتسكُنون إليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-832>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: سألتُ عَطاءَ بن أبى رباحٍ عن قوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية، قال: أمَّا السَّكينةُ، فما تعرفون من الآياتِ تسكُنون إليها (^١).\nوقال آخرون: السكينةُ الرحمةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-833>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدِّثتُ عن عَمَّارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: رَحْمَةٌ من ربِّكم (^٢).\nوقال آخرون: السكينةُ هي الوقارُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-834>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: وَقارٌ (^٣).\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٩ عقب الأثر (٢٤٨٠) معلقا.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٠ عقب الأثر (٢٤٨١) معلقا.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٠ (٢٤٨٢) عن الحسن بن يحيى به، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٢٤/ ٤٤١ من طريق عبد الرزاق، عن معمر قوله.","vol":"4","page":471},{"text":"وأولى هذه الأقوال بالحقِّ في معنى \"السَّكِينَةِ\"، ما قاله عطاءُ بن أبى رباحٍ، من الشئِ تَسْكُنُ إليه النُّفوسُ من الآياتِ التي تَعرِفونها، وذلك أن السَّكينةَ في كلامِ العربِ الفَعِيلةُ من قولِ القائلِ: سَكَن فلانٌ إلى كذا وكذا. إذا اطمأنَّ إليه وهَدَأت عندَه نَفْسُه، فهو يسكُنُ سُكُونًا وسَكِينةً، مثل قولك: عَزَم فلانٌ على هذا الأمرِ عَزْمًا وعزيمةً، وقضَى الحاكمُ بين القوم قضاءً وقضيَّةٌ. ومنه قولُ الشاعرِ (^١):\nللهِ قَبْرٌ غالَها ماذا يُجِنُّ؟ … لقد أجَنَّ سَكِينةً ووَقارَا\nوإذا كان معنى السَّكينة ما وصَفتُ، فجائزٌ أن يكون ذلك على ما قاله عليُّ بنُ أبى طالبٍ على ما رَوَينا عنه، وجائزٌ أن يكونَ ذلك على ما قاله مجاهدٌ على ما حَكَينا عنه، وجائزٌ أن يكون ما قاله وَهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ، وما قاله السُّدِّيُّ؛ لأن كلَّ ذلك آياتٌ كافياتٌ تَسْكُنُ إليهنَّ النُّفوسُ، وتَثْلَجُ بهنَّ الصدورُ، وإذا كان معنى السَّكينة ما وصَفنا، فقد اتَّضَح أن الآيةَ التي كانت في التابوتِ التي كانت النفوسُ تَسكُنُ إليها لمعرفتِها بصِحَّةِ أمْرِها إنما هي مُسَمَّاةٌ بالفعلِ وهى غيرُه، لدَلالة الكلام عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-835>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ﴾ (^٢): الشئُ الباقى، من قولِ القائلِ: قد بقِى من هذا الأمر بَقِيَّةٌ. وهى فَعِيلةٌ منه، نظيرُ السَّكِينَةِ مِن \"سَكَن\".\nوقولُه: ﴿مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. يعني به: مِن تَرِكَةِ آلِ موسى وآلِ هارونَ.\n_________\n(^١) أنشده ابن برى لأبى عُرَيف الكُلَيبى. اللسان (س ك ن).\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٣: \"وبقية\".","vol":"4","page":472},{"text":"واختلف أهلُ التأويلِ في البَقِيَّةِ التي كانت بَقِيَت من تَرِكتِهم؛ فقال بعضُهم: كانت تلك البقيةُ عصا موسى ورُضَاضَ الألواحِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-836>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا داودُ، عن عِكْرِمَةَ، قال: - أحسَبُه عن ابن عباسٍ - أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال: رُضَاضُ الألواح (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا بِشرٌ، قال: ثنا داودُ، عن عِكْرِمة. قال داودُ: وأحسبُه عن ابن عباسٍ. مثلَه.\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا حَمَّادٌ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ في هذه الآية: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال: عصا موسى ورُضَاضُ الألواحِ (^٢).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال: فكان في التابوتِ عصا موسى ورُضَاضُ الألواحِ، فيما ذُكِر لنا.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبد الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال: البَقِيَّةُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٠ (٢٤٨٤) من طريق داود به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٤٥ عن المصنف.","vol":"4","page":473},{"text":"عصا موسى ورضاضُ الألواح (^١).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. أما البَقِيَّة فإنها عصا موسى ورُضَاضَةُ الألواح (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾: عصا موسى وأمورٌ من التوراة (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عن خالدٍ الحَذَّاءِ، عن عِكْرمةَ في هذه الآيةِ: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال: التوراة ورُضَاضُ الألواحِ والعصا. قال إسحاقُ: قال وكيعٌ: ورُضَاضُه كِسَرُه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن خالدٍ، عن عِكْرِمةَ في قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال: رُضَاضُ الألواحِ (^٤).\nوقال آخرون: بل تلك (^٥) البقيَّةُ عصا موسى، وعصا هارونَ، وشيءٌ من الألواح.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه عند عبد الرزاق وابن عساكر في ص ٤٧٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٠ عقب الأثر (٢٤٨٤) من طريق عمرو به.\nوهو من تمام الأثر المتقدم في صفحة ٤٤١، ٤٤٢.\n(^٣) ذكره ابن عطية في تفسيره ٢/ ١٧١.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٠ (٢٤٨٤) معلقا.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذلك\".","vol":"4","page":474},{"text":"<span data-type='title' id=toc-837>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن إسماعيل (^١) بن أبى خالدٍ، عن أبى صالحٍ: ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال: كان فيه عصا موسى، وعصا هارونَ، ولَوحان من التوراة، والمنُّ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ أبى، عن عطيةَ بن سعدٍ في قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال: عصا موسى، وعصا هارون، وثيابُ موسى، وثيابُ هارونَ، ورُضَاضُ الألواحِ (^٣).\nوقال آخرون: بل هي العصا والنَّعْلان.\n\n<span data-type='title' id=toc-838>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: سألتُ الثَّورِيَّ عن قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال: منهم من يقولُ: البَقِيةُ قفيزٌ مِن مَنٍّ، ورُضَاضُ (^٤) الألواحِ، ومنهم مَن يقولُ: العصا والنَّعْلان (^٥).\nوقال آخرون: بل كان ذلك العصا وحدَها.\n_________\n(^١) بعده في النسخ: \"عن\". والمثبت من مصدرى التخريج، وانظر تهذيب الكمال ٣/ ٦٩.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٢٢ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٠، من طريق إسماعيل به، وزادا وثياب موسى، وثياب هارون.\n(^٣) ذكره ابن عطية في تفسيره ٢/ ١٧٢.\n(^٤) في تفسير عبد الرزاق: \"رضراض\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠١، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٢٤/ ٤٤١.","vol":"4","page":475},{"text":"<span data-type='title' id=toc-839>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا بَكَّارُ بنُ (^١) عبدِ اللهِ، قال: قلنا لوَهْب بن مُنَبِّهٍ: ما كان فيه؟ - يعني في التابوتِ - قال: كان فيه عصا موسى والسَّكينةُ (^٢).\nوقال آخرون: بل كان ذلك رُضَاضَ الألواح وما تكسَّر منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-840>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، [قال: حدَّثنا الحُسينُ] (^٣)، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ، قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال: كان موسى حينَ ألقَى الألواحَ تَكَسَّرَت ورُفع منها، [فجَعَل الباقى] (^٤) في ذلك التابوتِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سألتُ عطاءَ بن أبى رَباحٍ عن قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ قال: العلمُ [والتوراة] (^٥).\nوقال آخرون: بل ذلك الجهادُ في سبيل الله.\n_________\n(^١) في النسخ: \"عن\". وتقدم في صفحة ٤٧٠، ٤٧١. وينظر التاريخ الكبير ٢/ ١٢١.\n(^٢) تقدم تخريجه عند عبد الرزاق في ص ٤٧٠.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فجعله\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"التوراة\". والأثر ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٢٦٢.","vol":"4","page":476},{"text":"<span data-type='title' id=toc-841>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحُدثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخْبرَنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾: يعني بالبَقِيَّةِ القتالَ في سبيل الله، وبذلك قاتلوا مع طالوت، وبذلك أُمروا (^١).\nوأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخبرَ عن التابوتِ الذي جعَله آيةً لصدقِ قول نبيِّه ﵇ [الذي قال] (^٢) لأُمَّتِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾. أن فيه سَكِينةً منه، وبَقِيةٌ [مِن تَرَكَةِ] (^٣) آلِ موسى وآل هارونَ. وجائزٌ أن [تكون تلك] (^٤) البَقيةُ العصا، وكِسَرَ الألواحِ، والتوراةَ أو بعضَها، والنَّعْلَين، والثيابَ، والجهادَ في سبيل الله. وجائزٌ أن يكونَ بعضَ ذلك، وذلك أمرٌ لا يُدْرَكُ عِلْمُه من جهةِ الاستخراج ولا اللغة (^٥)، ولا يُدْرَكُ علمُ ذلك إلا بخَبرٍ يوجِبُ عنه العِلمَ، ولا خبرَ عندَ أهلِ الإسلامِ في ذلك للصِّفة (^٦) التي وصَفنا. وإذ كان كذلك (^٧)، فغير جائزٍ فيه تصويبُ قولٍ وتضعيفُ آخَرَ غيرِه، إذ كان جائزًا فيه ما قلنا من القولِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-842>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧١ (٢٤٨٧) من طريق عبيد بن سليمان به.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"مما تركه\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يكون ذلك\".\n(^٥) في س: \"الأمة\".\n(^٦) في ص، ت ٢، س: \"لصفة\"، وفى ت ١: \"بصفة\".\n(^٧) في س: \"ذلك\".","vol":"4","page":477},{"text":"اختلَف أهلُ التأويل في صفةِ حَمْلِ الملائكةِ ذلك التابوتَ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: تَحْمِلُه بين السماءِ والأرضِ حتى تَضَعَه بينَ أَظْهُرِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-843>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: جاءت الملائكةُ بالتابوتِ تحمِلُه بين السماءِ والأرضِ وهم ينظُرون إليه، حتى وضَعَته عندَ طالوتَ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: لمَّا قال لهم - يعنى النبيُّ لبنى إسرائيل -: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾. قالوا: فمَن لنا بأن الله هو آتاه هذا؟ ما هو إلا لهَواكَ فيه. قال: إن كنتم قد كذَّبتمونى واتَّهَمْتمونى فَإِنَّ ﴿آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية. قال: فنزلت الملائكةُ بالتابوتِ نهارًا ينظُرون إليه عيانًا، حتى وضَعوه بين أظهُرِهم، فأقرُّوا غيرَ راضين، وخرَجوا ساخِطين. وقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (^١).\nحدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا قال لهم نبيُّهم [ما قال لهم] (^٢): ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾. قالوا: فإن كنتَ صادِقًا، فأتِنا بآيةٍ أن هذا مَلِكٌ. قال: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾. وأصبح التابوتُ وما فيه في\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٦٩.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"4","page":478},{"text":"دارِ طالوتَ، فَآمَنوا بنبوَّة شمعونَ (^١)، وسَلَّموا مُلْكَ طالوتَ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾. قال: تَحمِلهُ حتى تضَعَه في بيتِ طالوتَ (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: تسوقُ الملائكةُ الدوابَّ التي تحملُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-844>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا الثوريُّ، عن بعض أشياخهم (^٤)، قال: تَحمِلُه الملائكةُ على عَجَلةٍ، على بقرةٍ (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: وُكِّل بالبقرتَينِ اللَّتين سارَتا بالتابوت أربعةٌ من الملائكة يسوقونهما، فسارَت البقرتان بهما سيرًا سريعًا، حتى إذا بَلَغَنَا طَرَفَ القُدْسِ ذَهَبَنَا (^٦).\nوأولى القولَين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: حمَلَت التابوتَ الملائكةُ حتى وضَعَته نهارًا (^٧) في دارِ طالوت (^٨) بينَ أظْهُرِ بنى إسرائيلَ. وذلك أن الله تعالى ذكرُه\n_________\n(^١) في ت ١: \"شمويل\"، وفى تاريخ المصنف: \"سمعون\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٧ (٢٤٦٦، ٢٤٦٩) من طريق عمرو بن حماد به. وهو جزء من الأثر المتقدم في ص ٤٥٠.\n(^٣) تقدم تخريجه عند عبد الرزاق وابن عساكر في ص ٤٧٦. وأخرج هذا الجزء أيضًا ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٢ (٢٤٩٠) عن الحسن به.\n(^٤) في م: \"أشياخه\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٢ عقب الأثر (٢٤٩٠) عن الحسن به.\n(^٦) تقدم تخريجه في ص ٤٦٤، ٤٦٥، وأخرج هذا الجزء أيضًا ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٠ (٢٤٨٩) عن الحسن به.\n(^٧) سقط من: م، وفى ص، ت ٢: \"لها\"، وفى ت ١: \"أما\".\n(^٨) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وأما\". واستظهرها الشيخ شاكر: \"قائما\".","vol":"4","page":479},{"text":"قال: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾. ولم يَقُلْ: تأتى به الملائكةُ. وما جرَّتْه البَقَرُ (^١) على عَجَلٍ، وإن كانت الملائكةُ هي سائِقَتَها، فهي غيرُ حاملته؛ لأن الحملَ المعروفُ هو مباشرةُ الحاملِ بنفسِه حَمْلَ ما حمَل، فأما ما حمَله على غيرِه، وإن كان جائزًا في اللغةِ أن يقال (^٢): حَمَلَه، بمعنى مَعونتِه الحاملَ، أو بأنّ حَمْلّه كان عن سبِبِه، فليس سبيلُه سبيلَ ما باشَر حَمْلَه بنفسِه في تَعارُفِ الناسِ إِيَّاه بينَهم. وتوجيهُ تأويلِ القرآنِ إلى الأشْهَرِ من اللغاتِ، أولى من توجيهِه إلى الأنكرِ (^٣)، ما وُجِد إلى ذلك سبيلٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-845>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك أن نبيَّه شَمْوِيلَ قال لبني إسرائيلَ: إن في مَجِيئِكم التابوتُ فيه سكينةٌ من ربِّكم، وبَقِيةٌ مما ترَك آلُ موسى وآلُ هارونَ، حامِلَته الملائكةُ ﴿لَآيَةً لَكُمْ﴾ يعنى: لعلامةً لكم ودَلالةً أيُّها الناسُ على صدْقى فيما أخبَرْتُكم، أن الله بعث لكم طالوتَ مَلِكًا، أن كنتم قد كذَّبتمونى فيما أخبَرْتُكم به من تمليك الله إياه عليكم، واتَّهَمْتمونى في خبرى إياكم بذلك، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يعنى بذلك: إن كنتم مُصَدِّقيَّ عند مجئ الآية التي سألتُمونيها على صدقى فيما أخبرتكم به من أمر طالوت ومُلكه.\nوإنما قلنا: ذلك معناه؛ لأن القومَ قد كانوا كفَروا بالله في تكذيبهم نبيَّهم، وردِّهم عليه قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ بقولهم: هو ﴿أَنَّى\n_________\n(^١) في س: \"الملائكة\".\n(^٢) بعده في النسخ: \"في\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أن لا يكن\"، وفى م: \"أن لا يكون الأشهر\". والمثبت هو الصواب، ورسمه في ص يحتمل ما أثبتناه.","vol":"4","page":480},{"text":"يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾. وفى مسألِتهم إيّاه الآيةَ على صِدْقِه. فإذ (^١) كان ذلك منهم كُفْرًا، فغيرُ جائزٍ أن يقالَ لهم وهم كفارٌ: لكم في مَجِيءِ التابوتِ آيةٌ إن كنتم من أهلِ الإيمان بالله ورسولِه. وليسوا من أهلِ الإيمانِ بالله ولا برسولِه. ولكنَّ الأمرَ في ذلك على ما وصَفنا من معناه؛ لأنهم سألوا الآية على صدقِ خبرهِ إياهم ليُقِرُّوا بِصِدْقِه، فقال لهم: في مجئِ التابوتِ - على ما وصَفَه لهم - آيةٌ لكم إن كنتم عندَ مجيئِه كذلك مُصَدِّقيَّ بما قلتُ لكم وأخبَرْتكم به.\n\n<span id=\"aya-256\"></span><span data-type='title' id=toc-846>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾.</span>\nوفى هذا الخبرِ من اللهِ تعالى ذكرُه متروكٌ قد استُغْنِي [بدَلالتِه على] (^٢) ما ذُكِر عليه عن ذكرِه. ومعنى الكلامِ: إن في ذلك لآيةً لكم إن كنتم مؤمنين، فأتاهم التابوتُ فيه سَكِينةٌ من ربِّهم وبَقِيَّةُ مما ترَك آلُ موسى وآلُ هارونَ، تَحمِلُه الملائكةُ، فصدَّقوا عندَ ذلك نبيَّهم، وأَقَرُّوا بأن الله قد بعَث طالوتَ مَلِكًا عليهم، وأَذْعَنوا له بذلك. يَدُلُّ على ذلك قولُه: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾. وما كان ليَفصِلَ بهم إلا بعدَ رضاهم به، وتَسْليمِهم الملُكَ له؛ لأنه لم يكنْ مِمَّن يقدِرُ (^٣) على إكْراهِهم على ذلك، فيُظَنَّ به أنه حَمَلهم على ذلك كرْهًا.\nوأما قولُه: ﴿فَصَلَ﴾. فإنه يعنى به: شخَص بالجُنُدِ ورحَل بهم.\nوأصلُ الفصْلِ القَطْعُ، يقالُ منه: فَصَل الرجل من موضعِ كذا وكذا - يعنى\n_________\n(^١) في م، س: \"فإن\".\n(^٢) في م: \"بدلالة\".\n(^٣) في م: \"يقدرون\".","vol":"4","page":481},{"text":"به: قَطَعَ ذلك فجَاوَزه شاخِصًا إلى غيره - يفصِلُ فصولًا، وفَصَل العَظْمَ والقولَ من غيرِه، فهو يفصِلُه فَصْلًا، إذا قَطَعه فأبانه. وفصَل الصبيَّ فِصالًا: إذا قطَعه عن اللبنِ. وقولٌ فَصْلٌ، يقطَعُ فيُفَرِّقُ بينَ الحقِّ والباطلِ لا يُرَدُّ.\nوقيل: إن طالوتَ فَصَل بالجنودِ يومئذٍ من بيتِ المَقْدسِ، وهم ثمانون ألفَ مقاتلٍ، لم يتَخَلَّفُ من بنى إسرائيلَ عن الفصولِ معه إلا ذو عِلَّةٍ لعلَّتِه، أو كبيرٌ لهَرَمِه، أو معذورٌ لا طاقةَ له بالنهوضِ معه.\n\n<span data-type='title' id=toc-847>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني بعضُ أهلِ العلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: خرَج بهم طالوتُ حيَن استَوسَقوا له، ولم يتَخَلَّفْ عنه إلا كبيرٌ ذو عِلَّةٍ، أو ضَريرٌ (^١) معذورٌ، أو رجلٌ في ضَيْعةٍ (^٢) لا بدَّ له من تَخَلُّفٍ (^٣) فيها.\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ. عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا جاءهم التابوتُ آمَنوا بنُبوَّة شمعونَ (^٤)، وسَلَّموا مُلْكَ طالوتَ، فخَرَجوا معه وهم ثمانون ألفًا (^٥).\nقال أبو جعفرٍ: فلمَّا فَصَل بهم طالوتُ على ما وصَفنا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ\n_________\n(^١) الضرير: الذاهب البصر، وهو أيضا المريض المهزول، قد أضر به المرض. ينظر التاج (ض ر ر).\n(^٢) في ت ٢: \"صنعة\".\n(^٣) في س: \"أن يتخلف\".\n(^٤) في ت ١: \"شمويل\".\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٦٧ - ٤٦٩، وأخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٤٦٧، ٤٧٢ (٢٤٦٩، ٢٤٩٥) من طريق عمرو به. وقال ابن كثير: وقول السدى: إن عدة الجيش كانوا ثمانين ألفا. فيه نظر؛ =","vol":"4","page":482},{"text":"مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. يقولُ: إن الله مُخْتَبِرُكم بنَهَرٍ، ليَعْلَمَ كيف طاعتُكم له.\nوقد دلَّلنا على أن معنى الابتلاء الاختبارُ فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادته (^١).\nوبما قلنا في ذلك كان قتادةُ يقولُ.\nحدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. قال: إن الله يَبْتلى خلْقَه بما يشاءُ؛ ليَعْلَمَ مَن يطيعُه مِمَّن يَعْصِيه (^٢).\nوقيل: إن طالوتَ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. لأنهم شكَوا إلى طالوتَ قلةَ المياهِ بينَهم وبيَن عدوِّهم، وسألوه أن يدعوَ اللَّهَ لهم أن يُجْرِيَ بينَهم وبينَ عدوِّهم نَهَرًا. فقال لهم طالوتُ حينَئذٍ ما أخبَر الله عنه أنه قاله مِن قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-848>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني بعضُ أهلِ العلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: لمَّا فَصَل طالوتُ بالجنودِ قالوا (^٣): إن المياهَ لا تحمِلُنا، فادْعُ الله لنا يُجْرِى لنا نَهَرًا. فقال لهم طالوتُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ الآية (^٤).\n_________\n= لأن أرض بيت المقدس لا تحتمل أن يجتمع فيها جيش مقاتلته يبلغون ثمانين ألفا. البداية والنهاية ٢/ ٢٩٥.\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٧٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٣ (٢٤٩٨) من طريق يزيد به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٤) ذكره ابن عطية في تفسيره ٢/ ١٧٣.","vol":"4","page":483},{"text":"والنَّهَرُ الذي أخبرَهم طالوتُ أن الله مُبْتَلِيهم به، قيل: هو نهرٌ بينَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطيَن.\n\n<span data-type='title' id=toc-849>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. قال الربيعُ: ذُكِر لنا، والله أعلمُ، أنه نهرٌ بينَ الأُردُنِّ وفِلَسْطينَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. قال: ذُكِر لنا أنه نَهرٌ بينَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطينَ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. قال: هو نَهَرٌ بينَ الأُردُنِّ وفِلَسطيَن (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾: غازيًا إلى جالوتَ، قال طالوتُ لبنى إسرائيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. قال: نَهَرٌ بينَ فِلَسْطيَن والأُرْدُنِّ، نَهَرٌ عَذْبُ المَاءِ طَيِّبُه (^٣).\nوقال آخرون: بل هو نهرُ فِلَسْطينَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-850>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٣ عقب الأثر (٢٥٠١) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠١. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٣ (٢٥٠١) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣١٨ إلى المصنف. وينظر ابن أبي حاتم ٢/ ٤٧٣ (٢٥٠٠).","vol":"4","page":484},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾: فالنهرُ الذي ابتُلِى به بنو إسرائيلَ نَهَرُ فِلَسْطِينَ (^١).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾: هو نَهَرُ فِلَسْطِينَ (^٢).\nوأما قولُه: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فإنه خيرٌ من الله تعالى ذكرُه عن طالوتَ أنه قال لجنودِه، إذ شَكَوا إليه العَطَشَ، فَأَخْبَرهم (^٣) أَن اللَّهَ مُبْتَلِيهِم بِنَهَرٍ، ثم أعلَمَهم أن الابتلاءَ الذي أخبرَهم عن الله به مِن ذلك النَّهَرِ، هو أن مَن شَرِب مِن مائِه فليس هو منه، يعنى بذلك أنه ليس من أهلِ ولايتِه وطاعتِه، ولا من المؤمنين بالله وبلقائِه. ويدُلُّ على أن ذلك كذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾. فَأَخرَجَ مَن لم يجاوزِ النهرَ من الذين آمنوا، ثم أخْلَص ذكرَ المؤمنين بالله ولقائِه عندَ دُنُوِّهم (^٤) من جالوتَ وجنودِه بقولِه: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وأخبَرهم أنه مَن لم يَطْعَمُه؛ يعنى: مَن لم يَطْعَمِ الماءَ من ذلك النهرِ.\nوالهاءُ في قولِه: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ﴾. وفى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾. عائدةٌ على النَّهَرِ، والمعنى لمائِه. وإنما تَرَك ذكرَ الماءِ اكِتفاءً بفَهْمِ السامِعِ بذكْرِ النَّهَرِ كذلك، أن المرادَ به الماءُ الذي فيه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٣ (٢٤٩٩) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) تقدم تخريجه بتمامه في صفحة ٤٣٥، وأخرج هذا الجزء ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٣ (٢٥٠٢) وعقب (٢٤٩٩) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٣) في ص، م، ت ٢، س: \"فأخبر\".\n(^٤) في س: \"دفعهم\".","vol":"4","page":485},{"text":"ومعنى قولِه: ﴿لَمْ يَطْعَمْهُ﴾: لم يَذُقْه. يعنى: ومَن لم يَذُقْ ماءَ ذلك النَّهَرِ فهو مِنِّى. يقولُ: هو من أهلِ ولايتى وطاعتى، والمؤمنين بالله وبلقائِه. ثم استَثْنَى من قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾. المُغْتَرِفِين بأيديهم غُرْفَةً، [فقال: و] (^١) مَن لم يَطْعَمْ (^٢) ماءَ ذلك النهرِ إِلا غُرْفَةً يَغْتَرفُها بيدِه، فإِنه مِنِّي.\nثم اختلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾. فقرَأه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: (غَرْفَةً) بِنَصْبِ الغَيْنِ من الغَرْفِةِ، بمعنى الغَرْفَةِ الواحدةِ، من قولِك: اغتَرفتُ غَرْفَةً. والغَرْفَةُ هي الفعلُ بعينِه من الاغْتِرافِ.\nوقرَأه آخرون بالضَّمِّ، بمعنى الماءِ الذي يَصِيرُ في كَفِّ المُغْتَرِفِ، فالغُرْفةُ الاسمُ، والغَرْفةُ المصدرُ (^٣).\nوأعجبُ القراءتين في ذلك إليَّ ضَمُّ الغَيْنِ في \"الغُرْفَةِ\" بمعنى: إلا مَنِ اعْتَرَف كَفًّا من ماءٍ. لاختلافِ\"غرْفة\" إذا فُتِحَت غَيْنُها، وما هي له مصدرٌ. وذلك أن مصدرَ \"اعْتَرَف\" \"اغتِرافةٌ\"، وإنما \"غَرْفَةٌ\" مصدرُ \"غَرَفْت\"، فلما كانت \"غَرْفةٌ\" مُخالِفةً مصدرَ \"اغتَرَف\"، كانت الغُرْفةُ التي بمعنى الاسمِ على ما قد وصَفْنا أشبهَ منها بالغَرْفةِ التي هي بمعنى الفعلِ.\nوذُكرِ لنا أن عامَّتَهم شَرِبوا مِن ذلك الماءِ، فكان مَن شَرِب منه عَطِش، ومَن اعْتَرَف غُرْفَةً رَوِى.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فقالوا\".\n(^٢) بعده في ص: \"ومن لم يطعم\" وفى ت ١، ت ٣، س: \"ومن يطعم\"، وفى ت ٢: \"وإن لم يطعم\".\n(^٣) والقراءة الأولى - بنصب الغين - قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو، وقراءة الباقين بضم الغين. حجة القراءات ص ١٤٠.","vol":"4","page":486},{"text":"<span data-type='title' id=toc-851>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾: فشَرِب القومُ على قَدْرِ يَقينِهم (^١)، فأمَّا الكفارُ فجعَلوا يشرَبون فلا يَرْوَوْن، وأما المؤمنون فجعَل الرجلُ يغتَرِفُ غُرْفَةٌ بيدِه، فتَجْزِيه وتُرْوِيه (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾. قال: كان الكفارُ يشرَبون فلا يَرْوَوْن، وكان المسلمون يغتَرِفون غُرْفةٌ فيَجْزيِهم ذلك (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾: يعنى المؤمنين منهم، وكان القومُ كثيرًا، ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾، يعنى المؤمنين منهم، كان أحدُهم يغتَرِفُ الغُرْفَةَ فيَجْزِيه ذلك ويُرْوِيه (^٤).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمروٌ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا أصبَح التابوتُ وما فيه في دارِ طالوتَ، آمَنوا بِنُبُوَّةِ شَمْعونَ، وسَلَّموا مُلْكَ طالوتَ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بقيتهم\"، وفى س: \"نيتهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٤ (٢٥٠٣) من طريق يزيد به إلى قوله: يقينهم. ثم أخرجه (٢٥٠٨) من طريق شيبان النحوى، عن قتادة، وفيه: تعبهم. بدلا من: يقينهم.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٤ (٢٥٠٦) عن الحسن به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٤ (٢٥٠٨، ٢٥٠٩) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"4","page":487},{"text":"فخرَجوا معه وهم ثمانون ألفًا، وكان جالوتُ من أعظمِ الناسِ وأشدِّهم بأسًا، فَخَرَج يسيرُ بينَ يَدَى الجندِ، ولا تجتمِعُ إليه أصحابُه حتى يَهْزِمَ هُو مَن لَقِى، فلما خرَجوا قال لهم طالوتُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ فشَرِبوا منه هَيبةً من جالوتَ، فعَبَر منهم أربعةُ آلافٍ، ورجَع ستةٌ وسبعون ألفًا، فمَن شرِب منه عَطِش، ومَن لم يشرَبُ منه إلا غُرْفَةً رَوِى (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: أَلقَى الله على لسانِ طالوتَ حينَ فَصَل بالجنودِ، فقال: لا يَصْحَبْنى أحدٌ إلا أحدٌ له نِيَّةٌ في الجهادِ. فلم يَتَخلَّفْ عنه مُؤْمنٌ، ولم يَتْبَعْه (^٢) منافِقٌ؛ [رجَعوا كفَّارًا] (^٣)، فلما رأى قِلَّتَهم قالوا: لن نَمَسَّ (^٤) هذا الماءَ غُرْفةً ولا غيرَها. وذلك أنه قال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ الآية. فقالوا: لن نَمَسَّ (^٤) هذا، لا (^٥) غُرْفةً ولا غيرَ غُرْفَةٍ. قال: وأَخَذَ البَقِيةُ الغُرْفَةَ، فشَرِبوا منه (^٦) حتى كَفَتْهم وفَضَل منهم. قال: والذين لم يأخُذوا الغُرْفَةَ أَقوَى من الذين أخَذوها.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه بتمامه في صفحة ٤٣٥، وأخرجه مفرقا ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٧، ٤٧٢، ٤٧٣، ٤٧٥، ٤٧٦، (٢٤٦٩، ٢٤٩٥، ٢٥٠٢، ٢٥١١، ٢٥١٦) من طريق عمرو بن حماد به. وينظر ما تقدم في ص ٤٨٢.\n(^٢) في س: \"يعقبه\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) بعده في م: \"من\".\n(^٥) سقط من: م، ت ٢، س.\n(^٦) في ص، س: \"منها\".","vol":"4","page":488},{"text":"اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾: فشَرِب كلُّ إنسانٍ كَقَدْرِ (^١) الذي في قلبهِ، فمَن اعْتَرَف غُرْفةً وأطاعَه رَوى بطاعتِه، ومَن شَرِب فأكثَر عَصَى، فلم يَرْوَ لمعصيتِه (^٢).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، في حديثٍ ذكَره عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾. يقولُ الله تعالى ذكرُه: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ وكان - فيما يزعُمون - من تَتَابَعَ منهم في الشُّرْبِ الذي نُهِي عنه لم يُرْوِه، ومَن لم يَطْعَمُه إلا كما أُمِر غُرْفَةً بيدِه، أجْزأه وكَفاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-853>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ﴾: فلما جاوَز النَّهَرَ طالوتُ. والهاءُ في: ﴿جَاوَزَهُ﴾ عائدةٌ على النَّهَرِ. و﴿هُوَ﴾ كنايةُ اسمِ طالوتَ. وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾. يعني: وجاوَز النَّهَرَ معه الذين آمنوا، ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾.\nثم اخْتُلِف في عِدَّةِ مَن جاوَز النَّهَرَ معه يومَئِذٍ، ومَن قال منهم: لا طاقةَ لنا اليومَ بجالوتَ وجنودِه؛ فقال بعضُهم: كانت عِدَّتُهم عِدَّةَ أَهلِ بدرٍ؛ ثلاثَمائةِ رجلٍ وبِضْعةَ عشَرَ رجلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-852>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدَانِيُّ، قال: ثنا مُصْعَبُ بنُ المِقْدام، وحدَّثنا\n_________\n(^١) في ت ١: \"بقدر\".\n(^٢) تقدم تخريجه في صفحة ٤٤٠.","vol":"4","page":489},{"text":"أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد الزُّبيرِيُّ، قالا جميعًا: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا أبو إسحاق، عن البراءِ، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن عِدَّةَ أصحاب بدرٍ على عِدَّةِ أصحابِ طالوتَ الذين جاوَزوا النَّهَر معه، ولم يجز (^١) معه إلا مؤمنٌ، ثلاثُمائةٍ وبِضعةَ عشَرَ رجلًا (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن أصحابَ بدر يومَ بدرٍ كعِدَّةِ أصحاب طالوت؛ ثلاثُمائةِ رجلٍ وثلاثةَ عشَرَ رجلًا الذين جاوَزوا النَّهَرَ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن أصحابَ النبيِّ ﷺ كانوا يومَ بدرٍ ثلاثمائة وبضعَةَ عَشَرَ رجلًا على عدةِ أصحابِ طالوتَ مَن جاز معه، وما جاز معه إلا مؤمنٌ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراء بنحوه (^٥).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن أصحابَ النبيِّ ﷺ كانوا يومَ بدرٍ على عِدَّة أصحابِ طالوتَ يومَ جاوزوا النَّهَرَ، وما جاوَز معه إلا مسلمٌ (^٦).\n_________\n(^١) في س: \"يخرج\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٣٢، وأخرجه ابن سعد ٢/ ١٩، والبخارى (٣٩٥٨)، والبغوى في تفسيره ١/ ٣٠٢ من طريق إسرائيل به.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فسكت\". والأثر أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٣١، وأخرجه الترمذى (١٥٩٨) من طريق أبى بكر بن عياش به.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٣٢، وأخرجه ابن ماجه (٢٨٢٨) عن محمد بن بشار به.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٣٢، وأخرجه ابن سعد ٢/ ١٩، وابن أبي شيبة ١٤/ ٣٨٣، وأحمد ٣/ ٥٢٤ (١٨٥٥٥) عن وكيع به.\n(^٦) أخرجه البخارى (٣٩٥٩)، وابن حبان (٤٧٩٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٥ (٢٥١٣)، والبيهقى في دلائل النبوة ٣/ ٣٦، ٣٧ من طريق سفيان به.","vol":"4","page":490},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ مثله (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ قال لأصحابه يومَ بدرٍ: \"أنتم بعِدَّةِ أصحاب طالُوتَ يومَ لَقِى\". وكان أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدرٍ ثلاثمائةٍ وبضعةَ عشَرَ رجلًا (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: مَحَّصَ الله الذين آمنوا عندَ النَّهَرِ، وكانوا ثلاثمائةٍ وفوقَ العشَرَةِ ودونَ العشرين، فجاء داودُ ﵇ فأكمَلَ به العِدَّةَ.\nوقال آخرون: بل جاوَز معه النَّهَرَ أربعةُ آلافٍ، وإنما خلَص أهلُ الإيمانِ منهم من أهل الكفر والنِّفاق حينَ لقُوا جالوتَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-854>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، السُّدِّيِّ، قال: عبر مع طالوت النهَرَ من بنى إسرائيل أربعةُ آلافٍ، ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾، فنَظَروا إلى جالوت رجعوا أيضًا وقالوا: ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾. فرجع عنه أيضًا ثلاثةُ آلاف وستُّمائة وبضعةٌ (^٣) وثمانون، وخلَص في ثلاثمائةٍ وبضْعَةَ عَشَرَ، عِدَّةِ أَهلِ بدرٍ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٣٣، وأخرجه ابن سعد ٢/ ١٩ عن أبي أحمد الزبيرى به، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٣٢ من طريق مسعر به.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٣٣.\n(^٣) في بعض نسخ التاريخ: \"تسعة\".\n(^٤) تقدم تخريجه بتمامه في ص ٤٤٢، وأخرج هذا الجزء ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٥، ٤٧٧ (٢٥١١، ٢٥٢٢) من طريق عمرو به.","vol":"4","page":491},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباس: لمَّا جاوزه هو والذين آمنوا معه، قال الذين شَرِبوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾.\nوأولى القولين في ذلك بالصواب ما رُوى عن ابن عباس وقاله السُّدِّيُّ، وهو أنه جاوَز النَّهَرَ مع طالوت المؤمنُ الذي لم يَشْرَبْ من النهر إلا الغُرْفةَ، والكافرُ الذي شَرِب منه الكثيرَ، ثم وقع التمييزُ بينَهم بعدَ ذلك برؤية جالوتَ ولقائه، وانخَزَل (^١) عنه أهلُ الشِّرْكِ والنِّفاقِ، وهم الذين قالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾. ومضى أهلُ البصيرةِ بأمرِ اللَّهِ على بصائِرِهم، وهم أهلُ الثَّباتِ على الإيمان، فقالوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.\nفإِن ظَنَّ ذو غَفْلَةٍ أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ جاوَز النَّهَرَ مع طالوتَ إِلا أَهلُ الإيمانِ الذين ثبتوا معه على إيمانِهم، ومَن لم يشرَب من النهر إلا الغُرْفَةَ؛ لأن الله تعالى ذكرُه قال: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾. فكان معلومًا أنه لم يجاوِزْ معه إلا أهلُ الإيمانِ، على ما رُوى به الخبرُ عن البَرَاءِ بن عازبٍ، ولأن أهلَ الكفرِ لو كانوا جاوزوا النهَرَ كما جاوَزه أهلُ الإيمانِ، لما خَصَّ الله بالذِّكْرِ في ذلك أهلَ الإيمانِ. فإن الأمر في ذلك بخلافِ ما ظنَّ، وذلك أنه غيرُ مُسْتَنكرٍ أن يكونَ الفريقان - أعنى فريق الإيمان وفريق الكُفْرِ - جاوزوا النَّهَرَ، وأخبر الله نبيَّه محمدًا ﷺ عن المؤمنين بالمُجاوزة؛ لأنهم كانوا من الذين جاوَزوه مع مَلِكِهم، وتَرَك ذكرَ أهلِ الكفرِ، وإن كانوا قد جاوَزوا النَّهَرَ مع المؤمنين.\n_________\n(^١) في م: \"انخذل\". وانخزل: انفرد. ينظر النهاية ٢/ ٢٩.","vol":"4","page":492},{"text":"والذي يَدُلُّ على صحةِ ما قلنا في ذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. فأوجب الله تعالى ذكرُه أن الذين يَظُنُّون أنهم ملاقو اللَّهِ هم الذين قالوا عند مجاوزة النهرِ: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. دون غيرهم الذين لا يَظُنُّون أنهم ملاقُو الله، وأن الذين لا يظُنُّون أنهم ملاقُو الله هم الذين قالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾. وغيرُ جائزٍ أن يُضافَ الإيمانُ إلى مَن جَحَد أنه مُلاقى الله، أو شَكَّ فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-856>القولُ في تأويل قوله: ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾.</span>\nاختلف أهل التأويل في أمْرِ هذين الفريقين، أعنى القائلين: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾. والقائلين: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ من هما؟ فقال بعضُهم: الفريقُ الذين قالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾. هم أهلُ كُفْرٍ باللهِ ونِفاقٍ، وليسوا ممن شهِد قتالَ جالوت وجنوده؛ لأنهم انصرَفوا عن طالوتَ ومَن ثبت معه لقتالِ عدوٍّ الله جالوت ومن معه، وهم الذين عَصَوا أمرَ اللَّهِ لشُرْبهم من النَّهَرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-855>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ بذلك (^١). وهو\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤٩١.","vol":"4","page":493},{"text":"قولُ ابن عباسٍ، وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك عنه آنِفًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: الذين يظُنُّون أنَّهم ملاقُو اللَّهِ، الذين اغتَرَفوا وأطاعوا، الذين مَضَوا مع طالوتَ المؤمنون، وجلَس الذين شَكُّوا.\nوقال آخرون: كلا (^٢) الفريقَين كان أهلَ إيمانٍ، ولم يكنْ منهم أحدٌ شرِب مِن الماءِ إلا غُرْفةً، بل كانوا جميعًا أهلَ طاعةٍ، ولكنَّ بعضَهم كان أصحَّ يَقِينًا من بعضٍ، وهم الذين أخبَر اللهُ عنهم أنهم قالوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. والآخرون كانوا أضعفَ يَقِينًا منهم (^٣)، وهم الذين قالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-857>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: ويكونُ، [واللهِ] (^٤)، المؤمنون بعضُهم أفضلَ جِدًّا وعَزْمًا من بعضٍ، وهم مؤمنون كلُّهم (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن\n_________\n(^١) تقدم ص ٤٩٢.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كل\".\n(^٣) زيادة من: س.\n(^٤) سقط من: م، س.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٦ (٢٥٢٠) من طريق شيبان، عن قتادة نحوه.","vol":"4","page":494},{"text":"قتادةَ في قولِه: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: إِن النبيَّ ﷺ قال لأصحابِه يومَ بدرٍ: \"أنتم بعِدَّةِ أصحابِ طالوتَ ثَلاثُمائةٍ\". قال قتادةُ: وكان مع النبيِّ ﷺ يومَ بدرٍ ثلاثُمائةٍ وبضعَةَ عشَرَ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الذين لم يأخُذوا الغُرْفةَ أقوى من الذين أخَذوا، وهم الذين قالوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.\nويجِبُ على القولِ الذي رُوِى عن البَراءِ بن عازبٍ أنه لم يُجاوزِ النَّهَرَ مع طالوتَ إلا عدةُ أصحابِ بدرٍ، أن يكونَ كلا الفريقَين اللذَين وصَفَهما اللهُ بما وصَفهما به، أمرُهما على نحوِ ما قال فيهما قتادةُ وابنُ زيدٍ.\nوأولى القولَين في [ذلك بتأويلِ الآيةِ] (^٢)، ما قاله ابن عباسٍ والسُّدِّيُّ وابنُ جُرَيجٍ. وقد ذكَرنا الحُجَّةَ في ذلك فيما مَضَى قبلُ آنِفًا.\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾. فإنه يعنى: قال الذين يعلَمون ويَسْتيقِنون أنهم ملاقو اللَّهِ.\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾: الذين يَسْتيقِنون (^٣):\nفتأويلُ الكلامِ: قال الذين يُوقِنون بالمَعادٍ، ويُصَدِّقون بالمَرْجِعِ إلى اللهِ، للذين قالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠١. وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٣٣ سندًا ومتنًا مختصرًا.\n(^٢) في م: \"تأويل الآية\"، وفى س: \"ذلك بالتأويل\".\n(^٣) تقدم تخريجه بتمامه في ص ٤٤٢، أخرج هذا الجزء ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٦ (٢٥١٨) من طريق عمرو به.","vol":"4","page":495},{"text":"قَلِيلَةٍ﴾. يعنى بـ ﴿كَمْ﴾ كثيرًا، غلَبَت فئةٌ قليلةٌ فئةً كثيرةً ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يعنى: بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. يقولُ: مع الحابِسِين أنفسَهم على رضاه وطاعتِه.\nوقد أتَينا على البَيانِ عن وجوهِ الظَّنِّ، وأن أحدَ معانيه العلمُ اليقينُ، بما يدُلُّ على صحةِ ذلك فيما مَضَى، فكَرِهنا إعادتَه (^١).\nوأما الفِئَةُ فإنهم الجماعةُ من الناسِ، لا واحدَ له من لفظِه، وهو مثلُ الرَّهْطِ والنَّفَرِ، يُجْمَعُ (^٢) \"فِئات\"، و\"فِئونَ\" في الرفعِ، و\"فِئينَ\" في النصبِ والخَفضِ، بفتحِ نونِها في كلِّ حالٍ، و\"فِتينُ\" بالرفعِ بإعرابِ نونِها بالرفعِ، وتَرْكِ الياءِ فيها، وفى النصبِ \"فِئينًا\"، وفى الخَفْضِ \"فِئينٍ\"، فيكونُ الإعرابُ في الخفضِ والنصبِ في نونِها، وفى كلِّ ذلك مُقَرَّةٌ فيها الياءُ على حالِها، فإن أُضِيفت قيل: هؤلاء [فِئينُك. بإقرارِ] (^٣) النونِ وحَذْفِ التنوينِ، كما قال الذين لغتُهم: هذه سنينٌ، في جميعِ السنةِ: هذه سنينُك. بإثباتِ النونِ وإعرابِها، وحَذْفِ التنوينِ منها للإضافةِ، وكذلك العملُ في كلِّ منقوصٍ، مثلَ: مائةٌ وثُبَةٌ وقُلَةٌ (^٤) وعِزَةٌ. فأما ما كان نقصُه من أولِه، فإن جَمْعَه بالتاءِ، مثلَ: عِدَةٌ وعداتٌ، وصِلةٌ وصِلاتٌ.\nوأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. فإنه يعنى: واللَّهُ مُعِينُ الصَّابِرين على الجهادِ في سبيلِه، وغيرِ ذلك من طاعتِه، وظهورِهم (^٥) ونصْرِهم على أعدائِه\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٢٣ وما بعدها.\n(^٢) في م: \"جمعه\".\n(^٣) في س: \"فيئك بإضمار\".\n(^٤) القلة: عود صغير غليظ الوسط دقيق الطرفين يرمى على الأرض ثم يهمز بالمقلى فيرتفع في الهواء قليلا، فيضرب بالمقلى ضربة قوية، فينطلق كالسهم ويجرى الصبيان وراءه.\n(^٥) في ص: \"ظهيرهم\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"طهرهم\"، وفى س: \"ظهرهم\".","vol":"4","page":496},{"text":"الصَّادِّين عن سبيلِه، المخالِفين مِنْهاجَ دينِه. وكذلك يقالُ لكلِّ مُعينٍ رجلًا على غيره: هو معه. بمعنى: هو معه بالعَوْنِ له والنصرةِ.\n\n<span id=\"aya-257\"></span><span data-type='title' id=toc-858>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾: ولمَّا برَز طالوتُ وجنودُه لجالوتَ وجنودِه.\nومعنى قولِه: ﴿بَرَزُوا﴾: صاروا بالبَرَازِ من الأرضِ، وهو ما ظهَر منها واستَوى، ولذلك قيل للرجلِ القاضي حاجتَه: تَبَرَّزَ؛ لأنَّ الناسَ قديمًا في الجاهليةِ إنما كانوا يَقْضُون حاجتَهم في البرَازِ من الأرضِ، فقيل: قد تَبرَّزَ فلانٌ. إذا خرَج إلى البَرَازِ من الأرضِ لذلك، كما قيل: تَغَوَّط. لأنهم كانوا يَقْضُون حاجتَهم في الغائطِ من الأرضِ، وهو المُطْمَئِنُّ منها، فقيل للرجلِ: تَغَوَّط. أي: صار إلى الغائطِ من الأرضِ.\nوأما قولُه: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾. فإنه يعنى أن طالوتَ وأصحابَه قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾. يعنى: أنزِلْ علينا صبرًا.\nوقولُه: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾. يعنى: وقَوِّ قلوبَنا على جهادِهم؛ لتَثْبُتَ أقدامُنا فلا نَنْهِزِمَ عنهم، ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ الذين كفَروا بك فجَحَدوك إلهًا، وعَبَدوا غيرَك، واتَّخَذوا الأوثانَ أرْبابًا.\n\n<span id=\"aya-258\"></span><span data-type='title' id=toc-859>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾.</span>\nيعنى (^١) تعالى ذكرُه بذلك (^٢): فهَزَم طالوتُ وجنودُه أصحابَ جالوتَ، وقتَل\n_________\n(^١) في س: \"يبين\".\n(^٢) سقط من: م.","vol":"4","page":497},{"text":"داودُ جالوتَ.\nوفى هذا الكلامِ متروكٌ، تُرِك ذكرُه اكتفاءً بدلالةِ ما ظهَر منه عليه، وذلك أن معنى الكلامِ: ولمَّا برَزوا لجالوتَ وجنودِه، قالوا: ربَّنا أفرِغْ علينا صبرًا وثبِّتْ أقدامَنا وانصُرْنا على القومِ الكافرين، فاستجاب لهم ربُّهم، فأفرَغ عليهم صبرَه، وثبَّتَ أقدامَهم ونصَرهم على القومِ الكافرين، فهَزَموهم بإذنِ اللهِ. ولكنه ترَك ذكْرَ ذلك اكتفاءً بدلالةِ قولِه: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. على أن الله قد أجاب دعاءَهم الذي دَعَوه به.\nومعنى قولِه: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: قتَلوهم (^١) بقضاءِ اللَّهِ وقَدَرِه، يقالُ منه: هزَم القومُ الجيشَ هزيمةً وهِزِّيمَى. ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾. وداود هذا، هو داودُ بنُ إيشى (^٢) نبيُّ اللهِ ﵇.\nوكان سببَ قتلِه إياه كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا بَكَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: سمِعتُ وهبَ بنَ منبهٍ يُحدِّثُ، قال: لمَّا خرَج - أو قال: لمَّا بَرَز - طالوتُ الجالوتَ، قال جالوتُ: أبْرِزوا لى مَن يُقاتِلُنى، فإن قتَلنى فلكم مُلْكِى، وإن قتَلْتُه فلى مُلْكُكم. فأُتِى بداودَ إلى طالوتَ، فَقاضاه إن قتَله أن يُنكِحَه ابنتَه، وأن يُحَكِّمَه في مالِه، فألبَسه طالوتُ سلاحًا، فكَرِه داودُ أن يقاتِلَه بسلاحٍ (^٣)، وقال: إنِ اللهُ لم يَنصُرْنى عليه لم يُغْنِ السلاحُ. فخرَج إليه بالمِقْلاعِ وبمِخْلاةٍ فيها أحجارٌ، ثم برَز له، قال له جالوتُ: أنت تُقاتِلُنى؟ قال داود: نعم.\n_________\n(^١) كذا في النسخ، ولعل الصواب: فلُّوهم. فالهزيمة في الحرب لغة: الكسر والفَلُّ لا القتل. ينظر اللسان (ف ل ل، هـ ز م). وكذا غيّرها الشيخ شاكر.\n(^٢) وهو كذلك في تاريخ الطبرى ١/ ٤٧٦. وفى الأصحاح السابع عشر من سفر صموييل: يَسَّى.\n(^٣) سقط من النسخ، والمثبت من مصدرى التخريج.","vol":"4","page":498},{"text":"قال: وَيْلَك، [ما خرَجتَ إليَّ] (^١) إلا كما يُخرَجُ إلى الكلب بالمِقْلاعِ والحِجارةِ! لأُبَدِّدَنَّ (^٢) لَحْمَك، ولأُطْعِمَنَّه اليومَ الطيرَ والسِّباعَ. فقال له داودُ: بل أنت عدوُّ اللهِ شرٌّ من الكلبِ. فأخَذ داودُ حجرًا ورماه بالمِقْلاعِ، فأصابه (^٣) بينَ عَيْنَيه حتى نفَذ (^٤) في دِماغِه، فصَرَع جالوتَ، وانهزَم مَن معه، واحتَزَّ داودُ رأسَه، فلما رجَعوا إلى طالوتَ ادَّعى الناسُ قتلَ جالوتَ؛ فمنهم مَن يأتى بالسيفِ وبالشئِ من سلاحِه أو جسدِه، وخَبَّأ داودُ رأسَه، فقال طالوتُ: مَن جاء برأسِه فهو الذي قتَله. فجاء به داودُ، ثم قال لطالوتَ: أعْطِنى ما وعَدْتَنى. فندِم طالوتُ على ما كان شرَط له وقال: إن بناتِ الملوكِ لابدَّ لهنَّ من صَداقٍ، وأنت رجلٌ جَرِئٌ شجاعٌ، فاحتَمِلْ صداقَها ثلاثَمائةِ غُلْفةٍ (^٥) من أعدائِنا. وكان يرجو بذلك أن يُقْتَلَ داودُ، فغَزا داودُ، وأسَر منهم ثلاثَمائةٍ، وقطَع غُلَفَهم وجاء بها، فلم يَجِدْ طالوتُ بُدًّا من أن يُزَوِّجَه، ثم أدرَكَته النَّدامةُ، فأراد قتلَ داودَ حتى هرَب منه إلى الجبلِ، فنهَض إليه طالوتُ فحاصَره، فلما كان ذاتَ ليلةٍ سُلِّط النومُ على طالوتَ وحَرَسِه، فهَبَط إليهم داودُ، فأخَذ إبريقَ طالوتَ الذي كان يشرَبُ منه ويَتوضَّأُ، وقطَع شَعَراتٍ من لحيتِه وشيئًا من هُدْبِ ثيابِه، ثم رجَع داودُ إلى مكانِه، فناداه: [أنْ تَعاهَدْ] (^٦) حرَسَك، فإنى لو شئتُ أن (^٧) أقتُلَك البارحةَ فعلتُ، [وإنَّ] (^٨) هذا إبْرِيقُك، وشيءٌ من شَعَرِ لحيتِك\n_________\n(^١) في ص، س: \"أما وجب\"، وفى م: \"أما تخرج إلى\". والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٢) في س: \"لأذوق\".\n(^٣) في م: \"فأصابت\".\n(^٤) في م، ونسخة من تفسير عبد الرزاق: \"نفذت\".\n(^٥) الغلفة والقُلْفة: جلدة الذكر التي ألبستها الحشفة، وهى التي تقطع من ذكر الصبى. ينظر التاج (غ ل ف، ق ل ف).\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أن\" وبعدها بياض بمقدار كلمة، وفى س: \"أن أين\". والمثبت من تفسير عبد الرزاق.\n(^٧) ليست في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٨) في ص، ت ٢، م: \"فإنه\"، وفى ت ١، ت ٣: \"فإن\"، وفى تفسير عبد الرزاق: \"بآية أن\".","vol":"4","page":499},{"text":"وهُدْبِ ثيابِك. وبعَث به (^١) إليه، فعلِم طالوتُ أنه لو شاء قتَله، فعطَفه ذلك عليه، فأمَّنَه وعاهَده باللهِ لا يرَى منه بأسًا، ثم انصرَف، ثم كان في آخِرِ أمرِ طالوتَ أنه كان يَدُسُّ لقتْلِه، وكان طالوتُ لا يقاتِلُ عدوًّا إِلا هُزِم، حتى مات.\nقال بَكَّارٌ: وسُئِل وَهْبٌ وأنا أسمَعُ، أنَبِيًّا كان طالوتُ يُوحَى إليه؟ فقال: لم يأتِه وَحْيٌ، ولكن كان معه نبيٌّ يقالُ له: أشمويلُ (^٢). يُوحَى إليه، وهو الذي مَلَّك طالوتَ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان داودُ النبيُّ وإخوةٌ له أربعةٌ، معهم أبوهم شيخٌ كبيرٌ، فتَخَلَّف أبوهم وتَخلَّف معه داودُ من بين إخوتِه في غَنَمِ أبيه يَرْعاها له، وكان من أصْغرِهم، وخرَج إخوتُه الأربعةُ مع طالوتَ، فدَعاه أبوه وقد تقارَب الناسُ ودنا بعضُهم من بعضٍ - قال ابن إسحاقَ: وكان داودُ، فيما ذكَر لى بعضُ أهلِ العلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، رجلًا قصيرًا أزرقَ (^٤)، قليلَ شعرِ الرأسِ، وكان طاهرَ القلبِ نَقِيَّه (^٥) - فقال له أبوه: يا بُنَيَّ، إنا قد صنَعنا لإخوتِك زادًا يَتَقَوَّوْن به على عدوِّهم، فاخرُجْ به إليهم، فإذا دفَعتَه إليهم، فأقبِلْ إليَّ سريعًا. فقال: أفعَلُ. فخرَج وأخَذ معه ما عُمِل (^٦) لإخوتِه، ومعه مِخْلاتُه التي يَحْمِلُ فيها الحجارةَ، ومِقْلاعُه الذي كان يَرْمى به عن غَنَمِه، حتى إذا فصَل من عندِ\n_________\n(^١) زيادة من تفسير عبد الرزاق.\n(^٢) في ص، وتفسير عبد الرزاق: \"اسمويل\"، وفى ت ١: \"شمويل\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٣ - ١٠٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في التفسير ٢/ ٤٧٧، ٤٧٨ (٢٥٢٦) عن الحسن بن يحيى به ببعضه.\n(^٤) يريد: أزرق العينين، كما في قصص الأنبياء للثعالبى ص ٢٤٤، وينظر الحيوان ٥/ ٣٣١ - ٣٣٣.\n(^٥) أخرج هذه الفقرة المصنف في تاريخه ١/ ٤٧٦.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حمل\".","vol":"4","page":500},{"text":"أبيه، فمرَّ بحَجَرٍ، فقال: يا داودُ، خُذْنى فاجعَلْنى في مِخْلاتِك تقتُلْ بى جالوتَ، فإنى حَجَرُ يعقوبَ. فأخَذه فجعَله في مِخْلاتِه، [ثم مضَى] (^١)، فبَيْنا هو يمشِى إذ مرَّ بحجَرٍ آخَرَ، فقال: يا داودُ، خُذْنى فاجعَلْنى في مِخْلاتِك تقتُلْ بى جالوتَ، فإنى حجرُ إسحاقَ. فأخَذه فجعَله في مِخْلاتِه، ثم مضَى، فبَيْنا هو يمشى إذ مرَّ بحجرٍ، فقال: يا داودُ، خُذْنى فاجعَلْنى في مِخْلاتِك تقتُلْ بى جالوتَ، فإنى حجرُ إبراهيمَ. فأخَذه فجعَله في مِخْلاتِه، ثم مضَى بما معه حتى انتهى إلى القومِ، فأعطَى إخوتَه ما بُعِث إليهم معه، وسَمِع في العسكرِ خَوْضَ (^٢) الناسِ بذكرِ جالوتَ، وعِظَمِ شأنِه فيهم، وبهيبةِ الناسِ إيَّاه، ومما يُعَظِّمُون من أمرِه، فقال لهم: واللهِ إنكم لتعظِّمون من أمرِ هذا العدوِّ شيئًا ما أدرى ما هو، واللهِ لو أراه لقتَلتُه، فأدْخِلونى على المَلِكِ. فأُدْخِل على الملكِ طالوتَ، فقال: أيُّها الملِكُ، إنى أراكم تُعَظِّمون شأنَ هذا العدوِّ، واللَّهِ إنى لو أراه لقتَلْتُه. فقال: فآتِنى (^٣) ما عندَك من القوَّةِ على ذلك، وما (^٤) جرَّبْتَ من نفسِك. قال: قد كان الأسدُ يَعْدُو على الشاةِ من غَنِمى، فأُدْرِكُه فآخُذُ برأسِه، فأفُكُّ لَحْيَيهِ عنها، فآخُذُها مِن فِيه، فادْعُ لى بدِرْعٍ حتى أُلْقِيَها عليَّ. فأُتِى بدِرْعٍ فقَذَفها على (^٥) عُنُقِه، ومَثَل (^٦) فيها فملأَ (^٧) عينَ طالوتَ ونفسَه ومَن حضَره من بنى إسرائيلَ، فقال طالوتُ: واللهِ، لعسى اللهُ أن يُهْلِكَه به. فلما أصبَحوا رجَعوا إلى جالوتَ (^٨)، فلما التقَى الناسُ قال داودُ: أَرُونى جالوتَ. فأرَوه\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، وفى ص، م، ت ٢، ت ٣: \"ومشى\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بوحوص\".\n(^٣) في ت ٢: \"فإنى\"، وفى س: \"فأتى\". وأثبتها الشيخ شاكر: \"يا بنى\"، وفى حاشية المطبوعة: \"لعله: فأرنى\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مما\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"سل\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مل\".\n(^٨) في ت ١: \"طالوت\".","vol":"4","page":501},{"text":"إيَّاه على فرسٍ عليه لأْمَتُه، فلما رَآه جعَلَت الأحجارُ الثلاثةُ تَواثبُ مِن مِخْلاتِه، فيقولُ هذا: خُذْنى. ويقولُ هذا: خُذْنى. ويقولُ هذا: خُذْنى. فأخَذ أحدَها، فجعَله في مِقلاعِه (^١)، ثم فَتَله به، ثم أرسَله فصَكَّ به بينَ عَيْنَى جالوتَ، فَدَمَغه، وتَنَكَّس عن دابتِه فقَتَله، ثم انهزَم جندُه، وقال الناسُ: قتَل داودُ جالوتَ. وخُلِع طالوتُ، وأقبَل الناسُ على داودَ مكانَه، حتى لم يُسْمَعْ لطالوتَ بذكرٍ، إلا أن أهلَ الكتابِ يزعُمون أنه لمَّا رأى انصرافَ بنى إسرائيلَ عنه إلى داودَ، هَمَّ بأن يَغْتالَ داودَ، وأراد (^٢) قتلَه، فصَرَف اللهُ ذلك عنه وعن داودَ، وعَرَف خطيئتَه، والتَمَس التوبةَ منها إلى اللهِ (^٣).\nوقد رُوِى عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ في أمرِ طالوتَ وداودَ قولٌ خلافُ الرِّوايتَين اللَّتين ذكَرتُ قبلُ، وهو ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقلٍ، أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ، قال: لمَّا سَلَّمَت بنو إسرائيلَ المُلْكَ لطالوتَ، أوحَى اللهُ إلى نبيِّ بنى إسرائيلَ: أن قُلْ لطالوتَ: فلْيَغْزُ أهلَ مَدْينَ، فلا يَترُكْ فيها حَيًّا إلا قتَله، فإنى سأُظهِرُه عليهم. فخَرَج بالناسِ حتى أتَى مَدْينَ، فقتَل مَن كان فيها إلا مَلِكَهم، فإنه أسَرَه، وساق مواشِيَهم، فأوحَى اللهُ إلى أشمويلَ: ألا تَعْجَبُ من طالوتَ إذ أمَرتُه بأمرِى (^٤) فاختار (^٥) فيه، فجاء بمَلِكِهم أسيرًا، وساق مواشِيَهم، فالْقَه فقلْ له: لأَنزِعَنَّ المُلْكَ من بيتِه، ثم لا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مقذافه\".\n(^٢) في س: \"وأرادوا\".\n(^٣) أخرجه ابن عساكر ١٧/ ٨١، ٨٢ من طرق عن وهب بن منبه ببعضه.\n(^٤) زيادة من تاريخ المصنف.\n(^٥) في م: \"فاختان\"، وفى التاريخ: \"فاختلَّ\"، وفى نسخة منه كالمثبت.","vol":"4","page":502},{"text":"يعودُ فيه إلى يومِ القيامةِ؛ فإنى إنما أُكْرِمُ مَن أطاعنى، وأُهِينُ مَن هانَ عليه أمرى. فلَقِيه، فقال له: ما صنَعتَ! لِمَ جِئْتَ بمَلِكِهم أسيرًا، ولِمَ سُقْتَ مواشِيَهم؟ قال: إنما سُقْتُ المواشىَ لأُقرِّبَها. قال له أشمويلُ: إن اللَّهَ قد نزَع من بيتِك المُلْكَ، ثم لا يعودُ فيه إلى يومِ القيامةِ. فأوحَى اللهُ إلى أشمويلَ أَن انطلِقْ إلى إيشَى، فيَعْرِض عليك بَنِيه، فادْهُنِ الذي آمُرُك بدُهْنِ القُدْسِ، يكنْ مَلِكًا على بنى إسرائيلَ. فانطلَق حتى أتَى إيشى، فقال: اعرِضْ عليَّ بَنِيك. فدَعا إيشى أكبرَ ولدِه، فأقبَل رجلٌ جَسيمٌ، حسنُ المنظرِ، فلما نظَر إليه أشمويلُ أعجَبه، فقال: الحمدُ للهِ، إن الله بصيرٌ بالعبادِ. فأوحَى اللهُ إليه: إن عَيْنَيك تُبْصِران ما ظهَر، وإنى أَطَّلِعُ على ما في القلوبِ، ليس بهذا. [فقال: ليس بهذا] (^١)، اعرِضْ عليَّ غيرَه. فعَرَض عليه ستةً (^٢)، في كلِّ ذلك يقولُ: ليس بهذا. فقال: هل لك من ولدٍ غيرُهم. فقال: بلى (^٣)، لى غلامٌ أمغَرُ (^٤)، وهو راعٍ في الغنمِ. فقال: أرسِلْ إليه. فلما أن جاء داودُ جاء غلامٌ أمغرُ (^٥)، فدَهَنه بدُهْنِ القُدْسِ، وقال لأبيه: اكتُمْ هذا، فإن طالوتَ لو يطَّلِعُ عليه قتَله. فسار جالوتُ في قومِه إلى بنى إسرائيلَ فعسكَر، وسار طالوتُ بينى إسرائيلَ وعسكَر، وتهيَّئُوا للقتالِ، فأرسَل جالوتُ إلى طالوتَ: لم يُقْتَلُ قومى (^٦) وقومُك؟ ابرُزْ لى، أو أبرِزْ لى مَن شئتَ، فإن قتَلتُك كان المُلْكُ لى، وإن قتَلْتَنى كان المُلْكُ لك. فأرسَل طالوتُ في عسْكرِه صائحًا: مَن يبرُزُ لجالوتَ، فإن قتَله فإن المَلِكَ يُنْكِحُه ابنتَه، ويُشْرِكُه في\n_________\n(^١) سقط من النسخ، والمثبت من التاريخ.\n(^٢) في س: \"بنيه\".\n(^٣) في النسخ: \"بنى\". والمثبت من التاريخ، وفى نسخة منه: \"بقى\".\n(^٤) زيادة من التاريخ، والأمغر: الأحمر الشعر والجلد. التاج (م غ ر).\n(^٥) في النسخ: \"أمعر\".\n(^٦) بعده في م: \"وأقتل\".","vol":"4","page":503},{"text":"مُلْكِه؟ فأرسَل إيشى (^١) داودَ إلى إخوتِه - [قال الطبَريُّ: هو إيشى، ولكن قال المحدِّثُ: إيشى] (^٢) - وكانوا في العسكرِ، فقال: اذهَبْ فزوِّدْ (^٣) إخوتَك، وأخِبرْنى خبرَ الناسِ ماذا صنَعوا. فجاء إلى إخوتِه، وسمِع صوتًا: إن المَلِكَ يقولُ: مَن يَبْرُزُ لجالوتَ، فإن قتَله أنكَحَه المَلِكُ ابنتَه؟ فقال داودُ لإخوتِه: ما منكم رجلٌ يبرُزُ لجالوتَ فيقتُلَه ويَنكِحَ ابنةَ المَلِكِ؟ فقالوا: إنك غلامٌ أحمقُ، ومَن يُطِيقُ جالوتَ، وهو من بقيِة الجبَّارِين! فلما لم يَرَهم رَغِبوا في ذلك، قال: فأنا أذهَبُ فأقتُلُه. فانتَهَروه وغَضِبوا عليه، فلما غَفَلوا عنه، ذهَب حتى جاء الصائحَ، فقال: أنا أبرُزُ لجالوتَ. فذَهَب به إلى المَلِكِ، فقال له: لم يُجِبْنى أحدٌ إلا غلامٌ مِن بنى إسرائيلَ هو هذا. قال: يا بُنَيَّ، أنت تَبْرُزُ لجالوتَ فتُقاتِلُه؟ قال: نعم. قال: وهل آنَسْت من نفسِك شيئًا؟ قال: نعم، كنتُ راعيًا في الغنمِ، فأغارَ عليَّ الأسدُ، فأخَذتُ بلَحْيَيْه ففَكَكْتُهما. فدَعا له بقوسٍ وأداةٍ كاملةٍ، فلَبِسها وركِب الفرسَ، ثم سار منهم قريبًا، ثم صرَف فرسَه، فرَجَع إلى المَلِكِ، فقال الملكُ ومَن حولَه: جَبُن الغلامُ. فجاء فوَقَف على المَلِكِ، فقال: ما شأنُك؟ قال داودُ: إِنْ لم يقتُلْه اللهُ لى، لم يَقتُلْه هذا الفرسُ وهذا السلاحُ، فدَعْنى فأقاتِلَ كما أريدُ. فقال: نعم يا بُنَيَّ. فأخَذ داودُ مِخْلاتَه فتقَلَّدها، وألقَى فيها أحجارًا، وأخَذ مِقْلاعَه الذي كان يَرْمى (^٤) به، ثم مضَى نحوَ جالوتَ، فلما دَنا من عسكرِه قال: أين جالوتُ يبرُزُ لى؟ فبرَز له على فرسٍ عليه السلاحُ كلُّه، فلما رآه جالوتُ قال: إليك أبرُزُ؟ قال: نعم. قال: فأتَيتَنى\n_________\n(^١) في ص: \"إشى\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص، م، ت ٢، س: \"فرد\"، وفى ت ١، ت ٣: \"ورد\". والمثبت موافق لما تقدم في الآثار السابقة ولما سيأتي.\n(^٤) في النسخ: \"يرعى\".","vol":"4","page":504},{"text":"بالمِقْلاعِ والحَجَرِ كما يُؤتَى إلى الكلبِ! قال: هو ذاك. قال: لا جَرَمَ أنى سوف أُقسِّمُ لحمَك بينَ طيرِ السماءِ وسباعِ الأرضِ. قال داودُ: أو يُقَسِّمُ اللَّهُ لحمَك. فوَضَع داودُ حجرًا في مِقْلاعِه، ثم دوَّره، فأرسَله نحوَ جالوتَ، فأصابَ أنفَ البَيْضةِ التي على جالوتَ حتى خالَط دماغَه، فوقَع من فرسِه، فمضَى داودُ إليه، فقطَع رأسَه بسيفِه، فأقبَل به في مِخْلاتِه، وبسَلَبِه يجُرُّه حتى ألقاه بينَ يَدَى طالوتَ، ففَرِحوا فرحًا شديدًا، وانصرَف طالوتُ، فلما كان داخلَ المدينةِ، سمِع الناسَ يذكُرون داودَ، فوَجَد في نفسِه، فجاءه داودُ، فقال: أعطِنى امْرأتى. فقال: أتريدُ ابنةَ المَلِكِ بغيرِ صَداقٍ؟ فقال داودُ: ما اشتَرطْتَ عليَّ صَداقًا، وما لي من شيءٍ. قال: لا أكلِّفُك إلا ما تُطِيقُ، أنت رجلٌ جرئٌ، وفى جبالِنا هذه جَراجِمةٌ يَحْتَرِبون الناسَ (^١) وهم غُلْفٌ، فإذا قتلتَ منهم مائتى رجلٍ، فائْتِنى بغُلَفِهم. فجعَل كلما قتَل منهم رجلًا نظَم غُلْفَتَه في خيطٍ، حتى نظَم مائتى غُلْفةٍ، فأَتَى (^٢) إلى طالوتَ، فألقَى (^٣) إليه، فقال: ادفَعْ إلى امرأتى، قد [جئتُ بما اشتَرطْتَ. فزوَّجه ابنتَه] (^٤). وأكثَر الناسُ ذكرَ داودَ، وزادَه (^٥) عندَ الناسِ عَجَبًا، فقال طالوتُ لابنِه: لَتَقْتُلَنَّ داودَ. قال: سبحانَ اللهِ، ليس بأهلٍ لذلك منك. قال: إنك غلامٌ أحمقُ، ما أُرَاه إلا سوف يُخرِجُك وأهلَ بيتِك من المُلْكِ. فلما سمِع ذلك مِن أبيه، انطَلَق إلى أختِه، فقال لها: إنى قد خِفْتُ أباك أن يقتُلَ زوجَك داودَ، فمُرِيه أن (^٦) يأخُذَ حِذْرَه، ويَتغيَّبَ منه. فقالت له امرأتُه ذلك فتَغيَّبَ، فلما أصبَح أرسَل طالوتُ مَن يدعو له\n_________\n(^١) جراجمة يحتربون الناس: أي لصوص يستلبون الناس وينهبونهم. النهاية ١/ ٢٥٥.\n(^٢) بياض في ص بمقدار كلمتين، وفى م: \"ثم جاء بهم\".\n(^٣) كذا في النسخ، ولعلها: فألقى بها إليه.\n(^٤) مكانه بياض في النسخ، والمثبت من المطبوعة.\n(^٥) في س: \"رواه\".\n(^٦) زيادة من: ص، م، ويصح حذفها.","vol":"4","page":505},{"text":"داودَ، وقد صنَعَت امرأتُه على فِراشِه كهيئةِ النائمِ ولَحَّفَتْه، فلما جاء رسولُ طالوتَ قال: أين داودُ؟ ليُجِبِ (^١) المَلِكَ. فقالت له: باتَ شاكِيًا ونام الآنَ، تَرَوْنه على الفراشِ. فرجَعوا إلى طالوتَ، فأخبرُوه ذلك، فمكَث ساعةً، ثم أرسَل إليه، فقالت: هو نائمٌ لم يستيقِظْ بعدُ. فرَجَعوا إلى المَلِكِ فقال: ائتونى به وإن كان نائمًا. فجاءوا إلى الفِراشِ، فلم يَجِدوا عليه أحدًا، فجاءوا (^٢) المَلِكَ فأخبَروه، فأرسل إلى ابنتِه فقال: ما حَمَلك على أن تكْذِبينِ (^٣)؟ قالت: هو أمَرنى بذلك، وخِفْتُ إن لم أفعَلْ أمرَه أن (^٤) يقتُلَنى. وكان داودُ فارًّا في الجبلِ حتى قُتِل طالوتُ، ومُلِّك داودُ بعدَه (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان طالوتُ أميرًا على الجيشِ، فبَعَث أبو داودَ مع داودَ بشيءٍ إلى إخوتِه، فقال داودُ لطالوتَ: [ماذا لى فأقتُلَ] (^٦) جالوتَ؟ قال: لكَ ثُلُثُ مالى (^٧)، وأُنكِحُك ابنتى. فأخَذ مِخْلاتَه، فجعَل فيها ثلاثَ مَرَواتٍ، ثم سَمَّى حجارتَه تلك إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، ثم أدخَل يدَه فقال: باسمِ إلهى وإلِه آبائى إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ. فخَرَج على إبراهيمَ، فجعَله في مِرْجمتِه، فخَرَقَت ثلاثًا وثلاثين بَيْضةً عن رأسِه، وقتَلَت ثلاثين ألفًا من ورائِه (^٨).\n_________\n(^١) في س: \"ليجيب\".\n(^٢) بعده في س: \"إلى\".\n(^٣) في م: \"تكذبينى\".\n(^٤) ليس في ت ٢، س، وهو صحيح أيضا.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٧٧، ٤٧٨ ببعضه.\n(^٦) في س: \"ما لى إن قتلت\".\n(^٧) في تفسير مجاهد: \"ملكى\".\n(^٨) تفسير مجاهد ص ٢٤١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٤ (٢٤٥١).","vol":"4","page":506},{"text":"حدَّثني موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: عَبَر يومَئذٍ النهرَ مع طالوتَ أبو داودَ في مَن عَبَر، مع ثلاثةَ عشَرَ ابنًا له، وكان داودُ أصغرَ بَنِيه، فأتاه ذاتَ يومٍ، فقال: يا أبتاه، ما أرْمى بقَذَّافتى شيئًا إلا صرَعتُه، فقال: أبشِرْ يا بُنَيَّ، فإن الله قد جعَل رزقَك في قَذَّافتِك. ثم أتاه مرةً أخرى، فقال: يا أبتاه، لقد دخَلتُ بينَ الجبالِ، فوجَدتُ أسدًا رابِضًا، فركِبتُ عليه، فأخَذتُ بأُذُنَيه، فلم يَهِجْنى. فقال: أبشِرْ يا بُنَيَّ، فإن هذا خيرٌ يُعْطِيكَه اللهُ. ثم أتاه يومًا آخَرَ، فقال: يا أبَتاه، إنى لأمشى بينَ الجبالِ فأُسَبِّحُ، فما يبقَى جبلٌ إلا سَبَّح معى. فقال: أبشِرْ يا بُنَيَّ، فإن هذا خيرٌ أعطاكَهُ اللهُ. وكان داودُ راعِيًا، وكان أبوه خلَّفَه يأتى إليه وإلى إخوتِه بالطعامِ، فأتَى النبيُّ بقَرْنٍ فيه دُهْنٌ وثوبٍ (^١) من حديدٍ، فبعَث به إلى طالوتَ، فقال: إن صاحِبَكم الذي يقتُلُ جالوتَ يُوضَعُ هذا القَرْنُ على رأسِه، فيَغْلى حتى يَدَّهِنَ منه، ولا يسيلُ على وجهِه، يكونُ على رأسِه كهيئةِ الإكليلِ، ويدخُلُ في هذا الثوبِ فيَمْلؤُه. فدَعَا طالوتُ بنى إسرائيلَ فجرَّبَهم، فلم يوافِقْه منهم أحدٌ، فلما فرَغوا قال طالوتُ لأبى داودَ: هل بَقِى لك من ولدٍ لم يَشْهَدْنا؟ قال: نعم، بَقِى ابنى داودُ، وهو يأتِينا بطعامٍ (^٢). فلما أتاه داودُ، مَرَّ في الطريقِ بثلاثةِ أحجارٍ، فكَلَّمَنه وقُلْنَ له: خُذْنا يا داودُ تقتُلْ بنا جالوتَ، قال: فأخَذَهن فجَعَلهن في مِخْلاتِه. وكان طالوتُ قال: مَن قتَل جالوتَ زوَّجتُه ابنتى، وأجرَيتُ خاتمَه في مُلْكِى. فلما جاء داودُ وضَعوا القَرْنَ على رأسِه، فَغَلى حتى ادَّهَن منه، ولبِس الثوبَ فملأه، وكان رجلًا مِسْقامًا (^٣) مُصْفارًّا (^٤)، ولم يَلبَسْه أحدٌ إلا تَقَلْقَل فيه، فلما لَبِسه داودُ تَضايقَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وتاريخ المصنف، والكامل ١/ ٢٢٠: \"تنور\". وكذا فيما سيأتي، والمثبت من المطبوعة، وهو موافق لما في تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور.\n(^٢) في م، وتفسير ابن أبي حاتم، والدر المنثور: \"بطعامنا\".\n(^٣) المسقام: السقيم، وقيل: الكثير السقم. اللسان (س ق م).\n(^٤) في م: \"مصغارًا\". والمُصْفارّ: من اصفارّ لونه.","vol":"4","page":507},{"text":"الثوبُ عليه حتى تَنَقَّضَ (^١)، ثم مشى إلى جالوتَ، وكان جالوتُ من أجسمِ الناس وأشَدِّهم (^٢)، فلما نظَر إلى داودَ قُذِف في قلبِه الرُّعْبُ منه، فقال له: يا فتى، ارجِعْ، فإنى أرحَمُك أن أقتُلَك. قال داودُ: لا، بل أنا أقتُلُك. فأخرَج الحجارةَ، فجعَلها في القَذَّافةِ، كلما رفَع حجرًا سمَّاه، فقال: هذا باسمِ أبى إبراهيمَ، والثانى باسمِ أبى إسحاقَ، والثالثُ باسمِ أبى إسرائيلَ. ثم أدار القَذَّافةَ، فعادَت الأحجارُ حَجَرًا واحدًا، ثم أرسَله فصَكَّ به بينَ عَيْنَى جالوتَ، فنَقَبت رأسَه فقتَله، ثم لم تَزَلْ تقتُلُ كلَّ إنسانٍ تُصِيبُه، تَنْفُذُ منه حتى لم يكُنْ بحيالِها أحدٌ، فهزَموهم عندَ ذلك، وقتَل داودُ جالوتَ، ورجَع طالوتُ، فأنكَح داودَ ابنتَه، وأجرَى خاتَمه في مُلْكِه، فمال الناسُ إلى داودَ فأحَبُّوه، فلما رأى ذلك طالوتُ وجَد في نفسِه وحسَده، فأراد قتْلَه، فعلِم به داودُ أنه يُريدُ به ذلك، فسَجَّى له زِقَّ (^٣) خَمرٍ في مَضْجَعِه، فدَخَل طالوتُ إلى منامِ داودَ وقد هرَب داودُ، فضرَب الزِّقَّ ضرْبةً فخرَقه، فسالَت الخمرُ منه، فوقَعَت قطرةٌ من خمرٍ في فِيه، فقال: يَرحَمُ اللَّهُ داودَ، ما كان أكثرَ شربِه للخمرِ! ثم إن داودَ أتاه من القابلةِ في بيتِه وهو نائمٌ، فوضَع سهمَين عندَ رأسِه، وعندَ رجلَيه وعن يمينِه وعن شمالِه سهمَين (^٤)، فلما استيقظ طالوتُ بَصُر بالسهامِ فعرَفها، فقال: يرحَمُ اللهُ داودَ، هو خيرٌ مِنِّي، ظَفِرتُ به فقتَلتُه، وظَفِر بى فكَفَّ عنى. ثم إنه ركِب يومًا فوجَده يمشى في البَرِّيَّةِ، وطالوتُ على فرسٍ، فقال طالوتُ: اليومَ أقتُلُ داودَ. وكان داودُ إذا فَزِع لا يُدرَكُ، فركَض على أثرِه طالوتُ، ففَزِع داودُ، فاشتدَّ، فدخَل غارًا، وأوحَى اللهُ إلى العنكبوتِ، فضرَبَت عليه بيتًا، فلما انتهى طالوتُ إلى الغارِ، نظَر إلى بناءِ العنكبوتِ،\n_________\n(^١) التَّنقُّض: صوت التشقق والتكسر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أشدهم\".\n(^٣) الزق: كل وعاء اتخذ للشراب وغيره. تاج العروس (ز ق ق).\n(^٤) بعده في التاريخ: \"سهمين ثم نزل\".","vol":"4","page":508},{"text":"فقال: لو كان دخَل (^١) ههنا لخرَق بيتَ العنكبوتِ. فخُيِّل إليه فترَكَه (^٢).\nحدِّثتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: حدثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ذُكِر لنا أن داودَ حينَ أتاهم كان قد جعَل معه مِخْلاةً فيها ثلاثةُ أحجارٍ، وأن جالوتَ برَز لهم فنادَى: ألا رجلٌ لرجلٍ؟ فقال طالوتُ: مَن يبرُزُ له، وإلا برَزتُ له؟ فقام داودُ فقال: أنا. فقال (^٣) له طالوتُ فشَدَّ عليه درعَه، فجعَل يراه يشخَصُ فيها ويرتفِعُ، فعجِب من ذلك طالوتُ، فشَدَّ عليه أداتَه كلَّها، وأن داودَ رماهم بحَجَرٍ من تلك الحجارةِ، فأصاب في القومِ، ثم رمَى الثانيةَ بحَجَرٍ، فأصاب فيهم، ثم رمَى الثالثةَ فقتَل جالوتَ، فآتاه اللهُ المُلْكَ والحكمةَ، وعلَّمه مما يشاءُ، وصار هو الرئيسَ عليهم، وأعطَوه الطاعةَ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: حدثني ابن زيدٍ، في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فقَرأ حتى بلَغ: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. قال: أوحَى اللهُ إلى نبيِّهم أن في ولدِ فلانٍ رجلًا يَقتُلُ اللهُ به جالوتَ، ومن علامتِه هذا القَرْنُ، تَضَعُه على رأسِه فيَفِيضُ ماءً. فأتاه فقال: إن الله أو حَى إليَّ أنَّ في ولدِك (^٥) رجلًا يقتُلُ اللهُ به جالوتَ. فقال: نعم يا نبيَّ اللهِ. قال: فأخرَج له اثنى عشَرَ رجلًا أمثالَ السَّوارى،\n_________\n(^١) في ص، س، ت ١: \"رجل\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٧٢ - ٤٧٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٧٨ (٢٥٣٠) من طريق عمرو به إلى قوله: وأجرى خاتمه في ملكه. وينظر الكامل لابن الأثير ١/ ٢٢٠، والدر المنثور ١/ ٣١٩.\n(^٣) في م: \"فقام\". وقال ابن الأثير: العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتطلقه على غير الكلام واللسان. النهاية ٤/ ١٢٤.\n(^٤) أخرج آخره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٠ (٢٥٣٤) من طريق ابن أبي جعفر به مختصرًا.\n(^٥) في م: \"ولد فلان\".","vol":"4","page":509},{"text":"وفيهم رجلٌ بارعٌ (^١) عليهم، فجَعَل يَعْرِضُهم على القَرْنِ فلا يَرى شيئًا، فيقولُ لذلك الجَسيمٍ: ارجِعْ. فيُردِّدُه عليه. فأوحَى اللهُ إليه: إنا لا نأخُذُ الرجالَ على صُوَرِهم، ولكنًّا نأخُذُهم على صَلاحِ قلوبِهم. قال: يا ربِّ، قد زعَم أنه ليس له ولدٌ غيرُه. فقال: كذَب. فقال: إن ربى قد كذَّبَك، وقال: إن لك ولدًا غيرَهم. فقال: قد صدَق يا نبيَّ اللهِ، لى ولدٌ قصيرٌ، استَحْييتُ أن يَراه الناسُ، فجعَلتُه في الغنمِ. قال: فأين هو؟ قال: في شِعْبِ كذا وكذا، من جبل كذا وكذا. فخرَج إليه، فوجَد الوادىَ قد سال بينَه وبينَ البقعةِ (^٢) التي كان يُرِيحُ (^٣) إليها، قال: وَوَجَده يحمِلُ شاتَيْنِ شاتَين (^٤) يُجِيزُ بهما، ولا يخوضُ بهما السَّيلَ، فلما رآه قال: هذا هو لا شكَّ فيه، هذا يرحَمُ البهائمَ، فهو بالناسِ أرحمُ. قال: فوضَع القرنَ على رأسِه ففاض. فقال له: ابنَ أخى، هل رأيتَ ههنا من شيءٍ يُعْجِبُك؟ قال: نعم، إذا سبَّحتُ سبَّحَت معى الجبالُ، وإذا أتَى النَّمِرُ أو الذئبُ أو السَّبُعُ أخَذ شاةً، قُمْتُ إليه، فأفتَحُ لَحْيَيه عنها، فلا يَهِيجُنى. قال: وألفَى معه صُفْنَه (^٥). قال: فمر بثلاثةِ أحجارٍ يَنْتَزى (^٦) بعضُها على بعضٍ، كلُّ واحدٍ منها يقولُ: أنا الذي يأخُذُ. ويقولُ هذا: لا، بل إياى يأخُذُ. ويقولُ الآخرُ مثلَ ذلك. قال: فأخَذهنَّ جميعًا، فطَرَحهن (^٧) في صُفْنِه، فلما جاء مع النبيِّ ﵇ وخرَجوا، قال لهم نبيُّهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾. فكان من\n_________\n(^١) بارع: تم في كل فضيلة وجمال وفاق أصحابه في العلم وغيره. اللسان (ب ر ع).\n(^٢) سقط من النسخ. والمثبت من تاريخ المصنف.\n(^٣) الإراحة: رد الإبل والغنم من العشى إلى مُرَاحها، والمراح: المناخ والمأوى. تاج العروس (ر وح).\n(^٤) سقط من النسخ. والمثبت من تاريخ المصنف.\n(^٥) الصفن: خريطة يكون للراعى فيها طعامه وزناده وما يحتاج إليه. اللسان (ص ف ن).\n(^٦) في م: \"يأثر\"، وفى س: \"يدير\". ورسمت في بقية النسخ كما أثبتناها إلا أنها غير منقوطة، وينتزى: يثب. وقد تكون ينبرى، من: انبرى؛ إذا عرض له.\n(^٧) في س: \"فوضعهن\".","vol":"4","page":510},{"text":"قصةِ نبيِّهم وقصتِهم ما ذكَر اللهُ في كتابِه. وقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. قال: واجتَمع أمرُهم وكانوا جميعًا. وقرَأ: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. وبرَز جالوتُ على بِرْذَونٍ له أبْلَقَ، في يدِه قوسُ (^١) نُشَّابٍ، فقال: مَن يَبْرُزُ؟ أبْرِزوا إليَّ رأسَكم. قال: ففَظِع به طالوتُ. قال: فالتَفَت إلى أصحابِه فقال: مَن رجلٌ يكفِينى اليومَ جالوتَ؟ فقال داودُ: أنا. فقال: تعال. قال: فنزَع دِرْعًا له، فألبَسه إياها. قال: ونفَخ اللهُ من (^٢) روحِه فيه حتى ملأه، قال: فرمَى بنُشَّابَةٍ فوضَعها في الدِّرعِ. قال: فكسَرها داودُ ولم تَضُرَّه شيئًا، ثلاثَ مراتٍ، ثم قال له: خُذِ الآنَ. فقال داودُ: اللهمَّ اجعَلْه حجرًا واحدًا. قال: وسَمَّى واحدًا إبراهيمَ، وآخرَ إسحاقَ، وآخَرَ يعقوبَ. قال: فجَمَعهنَّ جميعًا فكُنَّ حجرًا واحدًا. قال: فأخَذَهنَّ، وأخَذ مِقْلاعًا، فأدارَها ليَرمىَ بها، فقال: أتَرْمِينى كما يُرْمَى السَّبُعُ والذئبُ؟ ارْمِنى بالقوسِ. فقال: لا أرْمِيك اليومَ إلا بها. فقال له مثلَ ذلك أيضًا، فقال: نعم، وأنت أهونُ عليَّ من الذئب. فأدارها وفيها أمرُ اللهِ وسلطانُ اللَّهِ. قال: فخَلَّى سبيلَها مأمورةً، قال: فجاءت مُظِلَّةً (^٣)، فضرَبت بينَ عينَيه حتى خرَجت من قَفاه، ثم قتَلَت من أصحابِه وراءَه كذا وكذا، وهزَمهم اللهُ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: لما قطَعوا ذلك يعنى النهرَ الذي قال اللهُ فيه مُخْبِرًا عن قِيلِ طالوتَ لجنودِه (^٥): ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. وجاء جالوتُ، وشقَّ على طالوتَ قِتالُه، فقال طالوتُ\n_________\n(^١) بعده في م، س: \"و\".\n(^٢) في س: \"فيه\".\n(^٣) مظلة: مقبلة دانية.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٧٦ مختصرا.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بجنوده\"، وفى س: \"وجنوده\".","vol":"4","page":511},{"text":"للناسِ: لو أن جالوتَ قُتِل أعطَيتُ الذي يقتُلُه نِصْفَ مُلْكى، وناصَفتُه كلَّ شيءٍ أملِكُه. فبعَث اللهُ داودَ، وداودُ يومَئذٍ في الجبلِ رَاعِى غنمٍ، وقد غَزا مع طالوتَ تسعةُ إخوةٍ لداودَ، وهم أبدُّ (^١) منه، وأغْنى (^٢) منه، وأعرَفُ في الناسِ منه، وأوْجَهُ عندَ طالوتَ منه، فغزوا (^٣) وترَكوه في غنمِهم، فقال داودُ حينَ ألقَى اللَّهُ في نفسِه ما ألقَى وأكرَمه: لأستَودِعنَّ ربِّي غَنمى اليومَ، ولآتينَّ الناسَ، فلأنظُرَنَّ ما الذي بلَغنى من قولِ المَلِكِ لَمن قتَل جالوتَ. فأتَى داودُ إخوتَه، فلامُوه حين أتاهم، فقالوا: لِمَ جئتَ؟ قال: لأقتُلَ جالوتَ، فإن (^٤) الله قادرٌ أن أقتُلَه. فسَخِروا منه، قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: كان بعَث أبو داودَ مع داودَ بشيءٍ إلى إخوتِه، فأخَذ مِخْلاةً، فجعَل فيها ثلاثَ مَرَواتٍ، ثم سمَّاهن إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ. قال ابن جريجٍ: قالوا: وهو ضعيفٌ رثُّ الحالِ. فمَرَّ بثلاثةِ أحجارٍ فقُلْنَ له: خُذْنا يا داودُ فقاتِلْ بنا جالوتَ. فأخَذهنَّ داودُ وألْقاهُنَّ في مِخْلاتِه، فلما ألْقاهُنَّ سمِع حجرًا منهنَّ يقولُ لصاحبِه: أنا حجرُ هارونَ الذي قتَل بى مَلِكَ كذا وكذا. وقال الثاني: أنا حجرُ موسى الذي قتَل بى مَلِكَ كذا وكذا. وقال الثالثُ: أنا حجرُ داودَ الذي أقتُلُ جالوتَ. فقال الحجران: يا حجرَ داودَ، نحن أعوانٌ لك. فصِرْنَ حجرًا واحدًا. وقال الحجرُ: يا داودُ، اقذِفْ بى، فإنى سأستَعينُ بالريحِ - وكانت بَيضتُه فيما يقولون واللهُ أعلمُ فيها ستُّمائةِ رَطْلٍ - فأقَع في رأسِ جالوتَ فأقتُلُه - قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: سَمَّى واحدًا إبراهيمَ، والآخرَ إسحاقَ، والآخرَ يعقوبَ. وقال: باسمِ إلهى وإلهِ آبائى إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، وجعَلهنَّ في مِرْجَمتِه. قال ابن جريجٍ: فانطلَق حتى نفَذ إلى طالوتَ، فقال: إنك قد\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"أند\"، وفى س: \"أشد\". والأبد: العظيم الخلق المتباعد بعضه من بعض. التاج (ب د د).\n(^٢) في م: \"أعتى\".\n(^٣) في م: \"فغزا\".\n(^٤) في ص، ت ٢، س: \"قال\".","vol":"4","page":512},{"text":"جعَلت لمَن قتلَ جالوت نصفَ مُلْكِك، ونصفَ كلِّ شيءٍ تَملِكُه، أفَلِى ذلك إن قتَلتُه؟ قال: نعم. والناسُ يستهزئون بداودَ، وإخوةُ داودُ أشدُّ مَن هنالك عليه، وكان طالوتُ لا يَنتَدِبُ إليه أحدٌ زعَم أنه يقتُلُ جالوتَ إلا ألبَسه دِرْعًا عندَه، فإذا لم تكنْ قَدْرًا عليه نزَعها عنه، وكانت دِرْعًا سابِغةً من دورعِ طالوتَ، فألبَسها داودَ، فلما رأى قَدْرَها عليه أمَره أن يتقدَّمَ، فتقدَّم داودُ، فقام مَقامًا لا يقومُ فيه أحدٌ، وعليه الدِّرْعُ، فقال له جالوتُ: وَيُحك، مَن أنتَ؟ إنى أرحَمُك، ليَتقدَّمْ إليَّ غيرُك من هذه الملوكِ، أنتَ إنسانٌ ضعيفٌ مسكينٌ، فارجِعْ. فقال داودُ: أنا الذي أقتُلُك بإذنِ اللَّهِ، ولن أرجِعَ حتى أقتُلَك. فلما أبَى داودُ إلا قتالَه، تقدَّم جالوتُ إليه ليأخُذه بيدِه مُقْتدِرًا عليه، فأخرَج الحجَرَ من المِخْلاةِ، فدَعا ربَّه، ورَماه بالحجرِ، فألقَت الريحُ بَيضتَه عن رأسِه، فوقَع الحجرُ في رأسِ جالوتَ حتى دخَل في جوفِه، فقتَله. قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: لمَّا رمَى جالوتَ بالحجَرِ، خرَق ثلاثًا وثلاثين بيضةً عن رأسِه، وقتَلَت من ورائِه ثلاثين ألفًا. قال اللهُ تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾. فقال داودُ لطالوتَ: وفِّ لى بما جعلْتَ. فأبَى طالوتُ أن يُعطِيَه ذلك، فانطلَق داودُ فسكَن مدينةً من مدائنِ بنى إسرائيلَ، حتى مات طالوتُ، فلما مات عمَد بنو إسرائيلَ إلى داودَ، فجاءوا به، فمَلَّكوه وأعطَوه خزائنَ طالوتَ، وقالوا: لم يقتُلْ جالوتَ إلا نبيٌّ. قال اللهُ: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-860>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: وأعطَى اللَّهُ داودَ المُلْكَ والحكمةَ، وعلَّمه مما يشاءُ. والهاءُ في قولِه: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ﴾. عائدةٌ على داودَ. والمُلْكُ السلطانُ، والحكمةُ النبوَّةُ.","vol":"4","page":513},{"text":"وقولُه: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾. يعنى: عَلَّمه صَنعةَ الدروعِ والتقديرَ في السَّرْدِ، كما قال اللهُ تعالى ذكرُه: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لكُمْ لِتُحْصِنَكُم (^١) مِنْ بَأْسِكُمْ) [الأنبياء: ٨٠].\nوقد قيل: إن معنى قولِه: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾. أن اللَّهَ آتَى داودَ مُلْكَ طالوتَ، ونبوَّةَ أشمويلَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-861>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: مُلِّك داودُ بعدَ ما قُتِل طالوتُ، وجعَله اللهُ نبيًّا، وذلك قولُه: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾. قال: الحكمةُ هي النبوَّةُ، آتاه نبوَّةَ شَمعونَ (^٣) ومُلْكَ طالوتَ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-862>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولولا أن الله يدفَعُ ببعضِ الناسِ - وهم أهلُ الطاعةِ له والإيمانِ به - بعضًا - وهم أهلُ المعصيةِ للهِ والشركِ به - كما دفَع عن المتخلِّفين عن طالوتَ يومَ جالوتَ من أهلِ الكفرِ باللهِ والمعصيةِ له، وقد أعطاهم ما سألوا ربَّهم ابتداءً من بَعْثةِ مَلِكٍ عليهم؛ ليجاهِدوا معه في سبيلِه، بمَن جاهَد معه من أهلِ الإيمانِ باللهِ واليقينِ والصبرِ، جالوتَ وجنودَه ﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. يعنى: لهلَك\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ليحصنكم\". وهما قراءتان، كما سيأتي في موضعه من التفسير.\n(^٢) في ص: \"سمويل\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شمويل\".\n(^٣) في ص: \"سمعون\".\n(^٤) جزء من الأثر المتقدم في ص ٤٤١، ٤٤٢، وأخرج آخره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٠ (٢٥٣٣) من طريق عمرو به.","vol":"4","page":514},{"text":"أهلُها بعقوبةِ اللَّهِ إيَّاهم، ففَسَدَت بذلك الأرضُ، ولكنَّ اللَّهَ ذو مَنٍّ على خلقِه، وتَطوُّلٍ عليهم؛ بدفْعِه بالبَرِّ من خلقِه عن الفاجرِ، وبالمطيعِ عن العاصى منهم، وبالمؤمنِ عن الكافرِ.\nوهذه الآيةُ إعلامٌ من اللهِ تعالى ذكرُه أهلَ النِّفاقِ الذين كانوا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ المتخلِّفين عن مَشاهدِه والجهادِ معه؛ للشَّكِّ الذي في نفوسِهم ومرضِ قلوبِهم، والمشركين وأهلَ الكفرِ منهم، وأنه إنما يدفَعُ عنهم مُعاجَلَتهم العقوبةَ على كفرِهم ونِفاقِهم بإيمانِ المؤمنين به وبرسولِه، الذين هم أهلُ البصائرِ والجدِّ في أمرِ اللهِ، وذَوو اليقينِ بإنجازِ اللهِ إيَّاهم وعدَه على جهادِ أعدائِه وأعداءِ رسولِه، من النصرِ في العاجلِ، والفوزِ [بجنانِه في الآخرِ] (^١).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-863>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. يقولُ: ولولا دفْعُ اللهِ بالبَرِّ (^٢) عن الفاجرِ، ودفعُه ببقيةِ أخلافِ (^٣) الناسِ بعضَهم عن بعضٍ، لفسَدَت الأرضُ بهَلاكِ أهلِها (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بجناته في الآخرة\".\n(^٢) في م: \"بالبار\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أخلاق\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٠، ٤٨١ (٢٥٣٨، ٢٥٤١) من طريق ابن أبي نجيح به.","vol":"4","page":515},{"text":"مجاهدٍ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. يقولُ: ولولا دفاعُ اللَّهِ بالبَرِّ عن الفاجرِ، وببَقِيةِ أخلافِ (^١) الناسِ بعضَهم عن بعضٍ، لهَلَك أهلُها (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن حَنْظلةَ، عن أبي مسلمٍ، قال: سمِعتُ عليًّا يقولُ: لولا بَقِيةٌ من المسلمين فيكم لهلَكْتُم (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. يقولُ: لهَلَك مَن في الأرضِ (^٤).\nحدَّثنا أبو حُمَيدٍ الحِمْصيُّ أحمدُ بنُ المُغيرةِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ سليمانَ، عن محمدِ بن سُوقةَ، عن وَبَرةَ بن عبدِ الرحمنِ، عن ابن عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إِنَّ اللَّهَ لَيَدْفَعُ بالمسلمِ الصالحِ عن مائةِ أهلِ بيتٍ مِن جيرانِه البلاءَ\". ثم قرَأ ابن عمرَ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (^٥).\nحدَّثني أحمدُ أبو (^٦) حُمَيدٍ الحِمْصيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عثمانُ بن عبدِ الرحمنِ، عن محمدِ بن المُنْكَدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسولُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أخلاق\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٤٢ مقتصرا على قوله: لهلك أهلها.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢٠ إلى المصنف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨١ عقب الأثر (٢٥٤١) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٥) أخرجه العقيلى في الضعفاء ٤/ ٤٠٣، ٤٠٤ (٢٠٢٦)، والطبرانى في الأوسط (٤٠٨٠)، والبغوى في تفسيره ١/ ٣٠٨ كلهم من طريق أبى حميد الحمصى به، وأخرجه ابن عدى في الكامل ٢/ ٧٩٠ من طريق يحيى بن سعيد به.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بن\".","vol":"4","page":516},{"text":"اللهِ ﷺ: \"إنَّ اللَّهَ لَيُصلِحُ بصَلاحِ الرجلِ المسلمِ ولدَه، وولدَ ولدِه، وأهلَ دُوَيْرَتِه، ودُوَيْراتٍ حولَه، ولا يَزالون في حِفْظِ اللهِ ما دامَ فيهم (^١) \".\nوقد دلَّلنا على قولِه: ﴿الْعَالَمِينَ﴾. وذكَرنا الروايةَ فيه (^٢).\nوأما القرأةُ فإنها اختَلَفت في قراءةِ قولِه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾. فقرَأته جماعةٌ من القرأةِ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ﴾. على وجهِ المصدرِ، من قولِ القائلِ: دفَع اللهُ عن خلقِه، فهو يدفَعُ دفْعًا. واحتَجَّت لاختيارِها ذلك بأن الله تعالى ذكرُه هو المُنْفَرِدُ (^٣) بالدَّفْعِ عن خلقِه، ولا أحدَ يُدافِعُه فيُغالِبَه.\nوقرَأت ذلك جماعةٌ أُخَرُ من القرأةِ: (ولولا دفاعُ اللهِ الناسَ) (^٤) على وجهِ المصدرِ، من قولِ القائلِ: دافَع اللهُ عن خلقِه، فهو يُدافِعُ مُدافعةً ودِفاعًا. واحتَجَّت لاختيارِها ذلك بأن كثيرًا من خلْقِه يُعادُون أهلَ دينِ اللهِ وولايتِه والمؤمنين به، فهم بمُحاربتِهم إيَّاهم (^٥) ومُعاداتِهم لهم، للهِ مُدافِعون بظنونِهم (^٦)، ومُغالِبون (^٧) بجَهْلِهم، واللَّهُ مُدافِعُهم عن أوليائِه وأهلِ طاعتِه والإيمانِ به.\nوالقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان قد قرَأَت بهما القرَأةُ، وجاءت بهما جماعةُ الأمةِ، وليس في القراءةِ بأحدِ الحرفَين إحالةُ معنَى الآخرِ؛ وذلك أن من دافَع\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٤٨ عن المصنف، وأخرجه ابن المبارك في الزهد ص (٣٣٠)، والحميدى (٣٧٣)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ١٤٨ من قول محمد بن المنكدر.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٢ - ٦٤.\n(^٣) في م: \"المتفرد\".\n(^٤) وهذه قراءة نافع من السبعة وأبى جعفر، وقرأ الباقون بالوجه الأول. ينظر حجة القراءات ص ١٤٠، والنشر ٢/ ٢٢٠.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إياه\".\n(^٦) في م: \"بباطلهم\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مغالبوه\".","vol":"4","page":517},{"text":"غيرَه عن شيءٍ، [فمُدافِعُه عنه] (^١) بشيءٍ دافعٌ، ومتى امتَنَع المدفوعُ من الاندفاعِ، فهو لدافِعه (^٢) مُدافِعٌ، ولا شكَّ أن جالوتَ وجنودَه كانوا بقتالِهم (^٣) طالوتَ وجنودَه، مُحاولِين مغالبةَ حزبِ اللهِ وجندِه، وكان في مُحاولتِهم ذلك محاولةُ مغالبةِ اللَّهِ ودفاعِه، عما قد تَضمَّن لهم من النُّصْرةِ، وذلك هو معنى مُدافعةِ اللَّهِ عن الذين دافَع اللهُ عنهم بمَن قاتَل جالوتَ وجنودَه من أوليائِه.\nفبيِّنٌ (^٤) إذن أن سواءً قراءةُ مَن قرَأ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾. وقراءةُ مَن قرَأ: (ولولا دفاعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعضٍ). في التأويلِ والمعنى.\n\n<span id=\"aya-259\"></span><span data-type='title' id=toc-864>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: هذه الآياتُ التي اقتَصَّ اللهُ فيها أمْرَ الذين خرَجوا من ديارِهم وهم ألوفٌ حذرَ الموتِ، وأمْرَ الملأ من بنى إسرائيلَ من بعدِ موسى الذين سألوا نبيَّهم أن يبعَثَ لهم طالوتَ مَلِكًا، وما بعدَها من الآياتِ إلى قولِه: ﴿[وَلَكِنَّ اللَّهَ] (^٥) ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.\nويعنى بقولِه: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾: حُجَجُه وأعلامُه وأدِلَّتُه.\nيقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: فهذه الحُجَجُ التي أخبرْتُك بها يا محمدُ وأعلَمتُك -\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣، س: \"فدافعه عنه ليس\".\n(^٢) في م: \"لمدافعه\".\n(^٣) في س: \"يقاتلهم\".\n(^٤) في م: \"فتبين\".\n(^٥) سقط من: س، وفى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"والله\".","vol":"4","page":518},{"text":"من قُدْرتى على إماتةِ مَن هرَب من الموتِ في ساعةٍ واحدةٍ وهم ألوفٌ، وإحيائى إياهم بعدَ ذلك، وتَمْليكى طالوتَ أمرَ بنى إسرائيلَ، بعد إذ كان سقَّاءً أو دَبَّاغًا من غيرِ أهلِ بيتِ المملكةِ، وسلبى ذلك إياه بمعصيته أمْرى، وصَرْفى مُلْكَه إلى داودَ لطاعتِه إياىَ، ونُصْرَتى أصحابَ طالوتَ مع قِلَّةِ عددِهم وضَعفِ شوكتِهم، على جالوتَ وجندِه مع كثرةِ عددِهم وشدةِ بَطشِهم - حُجَجى (^١) على مَن جَحَد نِعْمَتى، وخالَف أمرى، وكفَر برسولى من أهلِ الكتابَين التوراةِ والإنجيلِ، العالمين بما اقتَصَصْتُ عليك من الأنباءِ الخَفيَّةِ، التي يعلَمون أنها من عندى لم تَتَخرَّصْها، ولم تَتقوَّلْها أنت يا محمدُ؛ لأنك أُمِّيٌّ ولستَ ممن قرَأ الكتبَ فيَلْتبِسَ عليهم أمرُك ويَدَّعوا أنك قرأتَ ذلك فعَلِمتَه من بعضِ أسفارِهم، ولكنه حُجَجى عليهم أتلُوها عليك يا محمدُ بالحقِّ اليقينِ كما كان، لا زيادةَ فيه ولا تحريفَ، ولا تغييرَ شيءٍ منه عما كان، ﴿وَإِنَّكَ﴾ يا محمدُ ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. يقولُ: إنك لَمُرسلٌ مُتَّبِعٌ في طاعتى وإيثارِ مَرْضاتى على هَواك، فسَالكٌ في ذلك من أمرِك سبيلَ مَن قبلَكَ من رُسلى الذين أقاموا على أمرى، وآثَروا رِضاى على هواهم، ولم تُغَيِّرْهم الأهواءُ ومَطامعُ الدنيا، كما غيَّر طالوتَ هواه وإيثارُه مُلْكَه على ما عندى لأهلِ وِلايتى، ولكنَّك مُؤثِرٌ أمرى كما آثَره المُرسلون الذين قبلَك.\n\n<span id=\"aya-260\"></span><span data-type='title' id=toc-865>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾. الذين قصَّ اللهُ قَصَصَهم في هذه السورةِ؛ كموسى بن عِمرانَ، وإبراهيمَ، وإسماعيلَ، وإسحاقَ، ويعقوبَ،\n_________\n(^١) في م: \"حجج\".","vol":"4","page":519},{"text":"وشمويلَ، وداودَ، وسائر مَن ذكَر نبأَهم في هذه السورةِ. يقولُ تعالى ذِكرُه: هؤلاءِ رسُلى فَضَّلْتُ بعضَهم على بعضٍ، فكَلَّمْتُ بعضَهم، والذي كَلَّمْتُه منهم موسى ﵇، ورفَعْتُ بعضَهم درجاتٍ على بعضٍ، بالكرامةِ ورفعةِ المنزلةِ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. قال: يقولُ: منهم من كلَّم اللهُ، ورفَع بعضَهم على بعضٍ درجاتٍ. يقولُ: كلَّم اللهُ موسى، وأرسل محمدًا إلى الناسِ كافّةً (^١).\nحدَّثني المثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nومما يدلُّ على صحةِ ما قلْنا في ذلك قولُ النبيِّ ﷺ: \"أُعْطيتُ خمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبلى؛ بُعِثْتُ إلى الأحمرِ والأسودِ، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ؛ فإِنَّ العَدُوَّ لَيُرْعَبُ مِنى على مَسيرةِ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لىَ الأرضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأُحِلَّتْ لىَ الغَنائمُ، ولم تَحِلَّ لأحدٍ كان قَبْلى، وقيل لى: سَلْ تُعْطَه. فاخْتبَأتُها شفَاعَةً لأُمَّتِى، فهى نائلَةٌ مِنكم إن شاء اللَّهُ مَن لا يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا\" (^٢).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٤٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٣ (٢٥٥٣)، والبيهقى في الأسماء والصفات (٤١٩)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢٢ إلى عبد بن حميد وآدم بن أبى إياس.\n(^٢) أخرجه بهذا اللفظ - مع تقديم وتأخير في بعض الروايات - أحمد في المسند ٥/ ١٤٨، ١٦١، ١٦٢ =","vol":"4","page":520},{"text":"<span data-type='title' id=toc-866>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾: وآتيْنا عيسى ابنَ مريمَ الحُججَ والأدلةَ على نبوتِه؛ من إبراءِ الأَكْمَةِ والأَبْرصِ، وإحياءِ الموتى، وما أشبهَ ذلك، مع الإنجيلِ الذي أنزَلْتُه إليه، فبَيَّنْتُ فيه ما فرَضْتُ عليه.\nويعنِى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾: وقوَّيْناه وأعنَاه. ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ يعنى: برُوحِ اللهِ، وهو جِبريلُ.\nوقد ذكرْنا اختلافَ أهلِ العلمِ في معنى \"رُوحِ القُدُسِ\"، والذي هو أوْلَى بالصوابِ من القولِ في ذلك فيما مضى قبلُ، فأَغنى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-867>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولو أراد اللهُ ما اقْتَتل الذين من بعدِهم (^٢). يعنى: من بعدِ الرسلِ الذين وصفَهم بأنه فَضَّل بعضَهم على بعضٍ، ورفَع بعضَهم درجاتٍ، وبعدِ عيسى ابن مريمَ، وقد جاءهم من الآياتِ بما فيه مُزْدَجَرٌ لمن هداه اللهُ ووفَّقَه.\nويَعنى بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. يعنى: من بعدِ ما جاءَهم مِن\n_________\n= (الميمنية)، والبزار (٣٤٦١ - كشف)، وابن حبان (٦٤٦٢) من حديث أبى ذر.\nوأصله عند البخارى (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١). من حديث جابر.\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٢٢١ وما بعدها.\n(^٢) بعده في م، س: \"من بعد ما جاءتهم البينات\".","vol":"4","page":521},{"text":"آياتِ اللَّهِ ما أبانَ لهم الحقَّ، وأَوضحَ لهم السبيلَ.\nوقد قيل: إن الهاءَ والميمَ في قولِه: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. من ذكرِ موسى وعيسى.\n\n<span data-type='title' id=toc-868>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ يقولُ: من بعدِ موسى وعيسى (^١).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. يقولُ: من بعدِ موسى وعيسى (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-869>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولكنِ اختلَف هؤلاءِ الذين مِن بعدِ الرسلِ لَمَّا لم يشأ اللهُ مِنهم تعالى ذكرُه ألَّا يَقْتَتِلُوا، فاقْتَتَلُوا من بعدِ ما جاءتْهم البَيِّنَاتُ من عندِ ربِّهم، بتحريمِ الاقتتالِ والاختلافِ، وبعدِ ثبوتِ الحُجّةِ عليهم بوَحْدانيةِ اللهِ ورسالةِ رسلِه ووَحْي كتابِه، فكفَر باللهِ وبآياتِه بعضُهم، وآمَن بذلك بعضُهم. فأخبَر تعالى ذكرُه\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢٢، إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٥ (٢٥٦٢) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"4","page":522},{"text":"أنهم [أَتَوْا ما أَتَوْا] (^١) من الكفرِ والمعاصى بعدَ علمِهم بقيامِ الحجةِ عليهم بأنَّهم على خطأ، تَعَمُّدًا منهم للكفرِ باللهِ وآياتِه. ثم قال تعالى ذكرُه لعبادِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾. يقولُ: ولو أراد اللهُ أن يَحْجُرَهم بعِصْمَتِه وتوفيقِه إيَّاهم عن معصيتِه فلا يَقْتَتِلُوا، ما اقْتَتَلُوا ولا اختلَفوا، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ بأن يُوَفِّقَ هذا لطاعتِه والإيمانِ به، فيُؤْمِنَ به ويُطِيعَه، ويَخْذُلَ هذا فيَكْفُرَ به ويَعْصِيَه.\n\n<span id=\"aya-261\"></span><span data-type='title' id=toc-870>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: يأيُّها الذين آمنوا أنفِقوا في سبيلِ اللهِ مما رزَقْناكم من أموالِكم، وتصَدَّقُوا منها، وآتُوا منها الحقوقَ التي فَرَضْناها عليكم.\nوكذلك كان ابن جُريجٍ يقولُ فيما بلَغنا عنه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريج قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾. قال: من الزكاةِ والتَّطَوُّعِ (^٣).\n﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ يقولُ: ادَّخِروا لأنفسِكم عندَ اللهِ في دنياكم من أموالِكم؛ بالنفقةِ منها في سبيلِ اللهِ، والصدقةِ على أهلِ المَسْكنةِ والحاجةِ، وإيتاءِ ما فرَض اللهُ عليكم فيها، وابْتاعُوا بها ما عندَه مما أعدَّه لأوليائِه من الكرامةِ، بتقديمِ ذلك لأنفسِكم، ما دام لكم السبيلُ إلى ابْتياعِه، بما نَدَبْتُكم إليه وأمَرْتُكم به من النفقةِ من أموالِكم، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، س: \"أتوا ما أنزل\"، وفى ت ١: \"أبوا ما أنزل\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"يقول\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢٢، إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"4","page":523},{"text":"يعني: من قبلِ مجيءِ يومٍ ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾. يقول: لا تَقْدِرون فيه على ابْتِياعِ ما كنتم على ابْتياعِه بالنفقةِ من أموالِكم التي أمَرْتُكم بها (^١) و(^٢) نَدَبْتُكم إليها (^٣) في الدنيا قادِرين؛ لأنه يومُ جزاءٍ وثوابٍ وعِقابٍ، لا يومُ عملٍ واكتسابٍ وطاعةٍ ومعصيةٍ، فيكونَ لهم إلى ابْتِياعِ منازلِ أهلِ الكرامةِ بالنفقةِ حينَئذٍ، أو بالعملِ بطاعةِ اللهِ، سبيلٌ.\nثم أَعلَمهم تعالى ذِكرُه أن ذلك اليومَ - مع ارتفاع العملِ الذي يُنالُ به رضا اللهِ، أو الوصولُ إلى كرامتِه بالنفقةِ من الأموالِ، إذ كان لا مالَ هنالك يمكنُ إدراكُ ذلك به - يومٌ لا مُخالَّةَ فيه نافعةٌ، كما كانت في الدنيا، فإن خليلَ الرجل في الدنيا قد كان يَنْفَعُه فيها بالنُّصْرةِ له على من حاولَه بمكروهٍ وأرادَه بسُوءٍ، والمظاهرةِ له على ذلك. فآيَسَهم تعالى ذكرُه أيضًا من ذلك؛ لأنه لا أحدَ يومَ القيامةِ يَنْصُرُ أحدًا من اللهِ، بل الأَخِلَّاءُ بعضُهم لبعضٍ عدوٌّ إلا المُتَّقِين، كما قال اللهُ تعالى ذكرُه (^٤). وأخبرَهم أيضًا أنهم يومئذٍ - مع فقدِهم السبيلَ إلى ابتْياعِ ما كان لهم إلى ابْتياعِه سبيلٌ في الدنيا بالنفقةِ من أموالِهم والعملِ بأبدانِهم، وعَدَمِهم النُّصَراءَ من الخُلّانِ، والظُّهَراءَ من الإخوانِ - لا شافعَ لهم يَشْفَعُ عند اللهِ، كما كان ذلك لهم في الدنيا، فقد كان بعضُهم يَشْفَعُ في الدنيا لبعضٍ بالقرابةِ والجِوارِ والخُلّةِ، وغير ذلك من الأسبابِ، فبطَل ذلك كلُّه يومئذٍ، كما أخبَرَ تعالى ذكرُه عن قيلِ أعدائِه من أهلِ الجحيمِ في الآخرةِ إذا صارُوا فيها: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠، ١٠١].\nوهذه الآيةُ مَخْرَجُها في الشفاعةِ عامٌّ، والمرادُ بها خاصٌّ، وإنما معناه: من قبْلِ أن يَأْتيَ يومٌ لا بيعٌ فيه ولا خُلّةٌ، ولا شفاعةٌ لأهلِ الكفرِ باللهِ؛ لأنَّ أهلَ وِلايةِ اللهِ والإيمانِ به\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"به\".\n(^٢) في م: \"أو\".\n(^٣) في النسخ: \"إليه\".\n(^٤) يشير إلى الآية (٦٧) من سورة الزخرف.","vol":"4","page":524},{"text":"يَشْفَعُ بعضُهم لبعضٍ. وقد بَيَّنَّا صحةَ ذلك بما أَغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nوكان قتادةُ يقولُ في ذلك بما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾: قد عَلِمَ اللهُ أن ناسًا يَتحابُّون في الدنيا، ويَشْفَعُ بعضُهم لبعضٍ، فأمّا يومُ القيامةِ فلا خُلَّةَ إِلا خُلَّةَ المتقين (^٢).\nوأما قولُه: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. فإنه يعنى تعالى ذكره بذلك: والجاحِدون للهِ المُكَذِّبُون به وبرسلِه ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، يقولُ: هم الواضِعون جُحودَهم في غيرِ مَوْضِعِه، والفاعلُون غير ما لهم فعلُه، والقائلون ما ليس لهم قولُه.\nوقد دلَّلْنا على معنى الظلمِ بشواهدِه فيما مضَى قبلُ بما أَغنَى عن إعادتِه (^٣).\nوفي قولِه تعالى ذكرُه في هذا الموضعِ: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. دَلالةٌ واضحةٌ على صحةِ ما قلْناه، وأن قولَه: وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾. إنما هو مرادٌ به أهلُ الكفرِ، فلذلك أتْبَعَ قولَه ذلك: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. فدلَّ بذلك على أن معنى ذلك: حَرَمْنا الكفّارَ النُّصْرَةَ من الأخِلَّاءِ، والشَّفاعةَ مِن الأولياءِ والأقرباءِ، ولم نكنْ لهم في فعلِنا ذلك بهم ظالمِين، إذ كان ذلك جزاءً منَّا لما سلَف منهم من الكفر باللهِ في الدنيا، بل الكافرون هم الظالِمُون أَنفسَهم، بما أَتَوْا مِن الأفعالِ التي أَوجبوا لها العقوبةَ من ربِّهم.\nفإن قال قائلٌ: وكيف صرَف الوعيدَ إلى الكفارِ والآيةُ مبتدَأةٌ بذكرِ أهلِ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٣٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٥ (٢٥٦٥)، من طريق يزيد بن زريع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢٢ إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٥٩، ٥٦٠.","vol":"4","page":525},{"text":"الإيمانِ؟\nقيل له: إنَّ الآية قد تقدَّمها ذِكرُ صِنْفَين من الناسِ؛ أحدُهما أهلُ كفرٍ، والآخرُ أهلُ إيمانٍ، وذلك قولُه: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾. ثم عقَّبَ اللهُ تعالى ذكرُه الصِّنْفَين بما ذكَرهم به، بحَضِّ (^١) أهلِ الإيمانِ به على ما يُقَرِّبُهم إليه من النفقةِ في طاعتِه، وفى جهادِ أعدائِه من أهلِ الكفرِ به، قبلَ مجيءِ اليومِ الذي وصَف صِفَتَه، وأخبرَ فيه عن حالِ أعدائِه من أهلِ الكفرِ به، إذ كان قتالُ أهلِ الكفرِ به في مَعْصِيَتِه، ونفقتُهم في الصدِّ عن سبيلِه، فقال تعالى ذكرُه: يأيها الذين آمَنوا أنفِقوا أنتم مما رَزَقْناكم في طاعتي، إذ كان أهلُ الكفرِ بي يُنْفِقُون في مَعْصِيَتِى من قبلِ أن يأتيَ يومٌ لا بيعٌ فيه، فَيُدْرِكَ أهلُ الكفرِ فيه ابتياعَ ما فَرَّطُوا في ابتياعِه في دنياهم، ولا خُلَّةٌ لهم يومئذٍ تَنْصُرُهم منى، ولا شافعٌ لهم يَشْفَعُ عندى فتنجِّيَهم شَفَاعَتُه لهم من عِقابي، وهذا يومئذٍ فعلى (^٢) بهم جزاءً لهم على كفرِهم، وهم الظالمون أنفسَهم دونى؛ لأنى غيرُ ظلَّامٍ لعَبِيدى.\nوقد حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الرَّحيمِ، قال: ثني عمرُو بنُ أَبي سَلَمَةَ، قال: سَمِعْتُ عمر بن سليمانَ يُحدِّثُ عن عطاءِ بن دينارٍ، أنه قال: الحمدُ للهِ الذي قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ولم يَقُل: الظَّالمون هم الكافِرون (^٣).\n\n<span id=\"aya-262\"></span>القولُ في تأويل قولِ اللهِ جلّ ثناؤه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.\n_________\n(^١) في م: \"فحض\"، وفى ت ١، س: \"يحض\".\n(^٢) في النسخ: \"فعل\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٥ (٢٥٦٧)، من طريق عمرو بن أبي سلمة به.\n(*) من هنا يبدأ الجزء الثامن من نسخة خزانة القرويين والمشار إليها بالأصل، وسيجد القارئ أرقام أوراقها بين معقوفين.","vol":"4","page":526},{"text":"قد دلَّلْنا فيما مضى على تأويلِ قولِ اللهِ جلّ ثناؤه: ﴿اللَّهُ﴾ (^١).\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. فإن معناه النَّهيُ عن أن يُعبدَ شيءٌ غيرُ اللهِ الحيِّ القَيُّومِ، الذي صفَتُه ما وصَف به نفسَه تعالى ذكرُه في هذه الآيةِ، يقولُ: اللهُ الذي له عبادةُ الخلقِ، الحيُّ القيومُ، لا إلهَ سواه، لا معبودَ سواه. يعني: فلا تعبُدوا شيئًا سوى (^٢) الحيِّ القيُّومِ الذي لا تأخُذُه سِنةٌ ولا نومٌ، والذي صفتُه ما وصَف في هذه الآيةِ.\nوهذه الآيةُ إبانةٌ من اللهِ جلّ ثناؤه للمؤمنين به وبرسولِه، عما جاءتْ به (^٣) المختلِفين (^٤) البيناتُ من بعدِ الرسلِ التي (^٥) أخبَرَنا تعالى ذكرُه أنه فضَّل بعضَهم على بعضٍ. واختلَفوا فيه، فاقتتلُوا فيه كفرًا به من بعضٍ، وإيمانًا به من بعضٍ، فالحمدُ للهِ الذي هدانا للتصديقِ به، ووفَّقَنا للإقرارِ به.\nوأما قولُه: ﴿الْحَيُّ﴾. فإنه يَعنِي: الذي له الحياةُ الدائمةُ، والبقاءُ الذي لا أوّلَ له بحَدٍّ (^٦)، ولا آخرَ له بأمدٍ (^٧)، إذ كلُّ ما سواه فإنه وإنْ كان حيًّا فلِحياتِه أَوَّلٌ محدودٌ، وآخرٌ مَمْدودٌ (^٨)، يَنْقَطِعُ بانقطاعِ أمدِها، وينقَضِى بانقضاءِ غايتِها.\nوبما قلْنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ١٢١.\n(^٢) في م: \"سواه\".\n(^٣) بعده في م: \"أقوال\".\n(^٤) بعده في م: \"في\".\n(^٥) في م: \"الذين\".\n(^٦) في م: \"يحد\".\n(^٧) في م: \"يؤمد\".\n(^٨) في م، س: \"مأمود\".","vol":"4","page":527},{"text":"<span data-type='title' id=toc-871>ذكر من قال ذلك</span>\nحُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿الْحَيُّ﴾: حيٌّ لا يموتُ (^١).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.\nوقد اختلَف أهلُ البحثِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: إنما سمَّى اللهُ جل وعزّ نفسه حيًّا؛ لصَرْفِه الأمورَ مَصارفَها، وتقديرِه الأشياءَ مقاديرَها، فهو حيٌّ بالتدبيرِ لا بحياةٍ.\nوقال آخرون: بل هو حيٌّ بحياةٍ هي له صفةٌ.\nوقال آخرون: بل ذلك اسمٌ من الأسماءِ تَسَمَّى به، فقُلْناه تسليمًا لأمرِه.\nوأما قولُه: ﴿الْقَيُّومُ﴾. فإنه الفَيْعُولُ من القيامِ، وأصلُه القيْوُومُ، سبَق عينَ الفعلِ - وهى واوٌ - ياءٌ ساكنةٌ، فانْدَغَمتا فصارتا ياءً مشددةً، وكذلك تفعلُ العربُ في كلِّ واوٍ كانت للفعلِ عينًا سبَقَتْها ياءٌ ساكنةٌ.\nومعنى قولِه: ﴿الْقَيُّومُ﴾: القائمُ برزْقِ ما خلَق وحِفْظِه، كما قال أُميّةُ (^٢):\nلم تُخْلَقِ السماءُ والنُّجومُ … والشمسُ مَنْها قَمَرٌ يَعومُ (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٦ (٢٥٧١) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) ديوانه ص ٢٤، ٢٥.\n(^٣) في م، س، والديوان: \"يقوم\".","vol":"4","page":528},{"text":"قَدَّرَهُ المُهَيْمِنُ القَيُّومُ … والحشرُ (^١) والجَنَّةُ والجحيمُ\nإلا لأمرٍ شأنُه عظيمُ\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-872>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿الْقَيُّومُ﴾. قال: القائمُ على كلِّ شيءٍ (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿الْقَيُّومُ﴾: قَيِّمٌ على (^٣) كلِّ شيءٍ، يَكْلَؤُه ويَرْزُقُه ويَحْفَظُه (^٤).\nحدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿الْقَيُّومُ﴾: هو القائمُ (^٥).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ، عن\n_________\n(^١) في الديوان: \"الحش\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٤٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٦ (٢٥٧٣)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٧٦)، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٩٦) من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١٢/ ٣٢٧ إلى آدم بن أبي إياس.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٦ (٢٠٧٢) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٥) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٧٥٧) من طريق عمرو بن حماد به بإسناد السدى المعروف مرفوعا إلى النبي ﷺ.","vol":"4","page":529},{"text":"الضَّحَّاكِ: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: القائمُ الدائمُ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-873>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾.</span>\nيعني بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾: لا يَأْخُذُه نُعاسٌ فيَنْعَسَ، ولا نَوْمٌ فيَسْتَثْقِلَ نومًا.\nوالوَسَنُ خُثورةُ النومِ (^٢)، ومنه قولُ عديِّ بن الرِّقاعِ (^٣):\nوشنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرنَّقَتْ (^٤) … في عَيْنِه سِنَةٌ وليس بنائمِ\nومن الدليلِ على ما قلْنا، من أنها خُثورةُ النومِ في عينِ الإنسانِ، قولُ الأَعْشَى ميمونِ بن قَيْسٍ (^٥):\nتُعاطِى الضَّجِيعَ إذا اسْتامَها (^٦) … بُعَيْدَ [الرُّقَادِ وعندَ] (^٧) الوَسَنْ\n[وقولُه الآخرُ] (^٨):\nباكَرَتْها الأغْرابُ (^٩) في سِنَةِ النَّوْ … مِ فتَجْرِى خِلالَ شَوْكِ السَّيَالِ (^١٠)\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٢٧٧.\n(^٢) الخثورة: نقيض الرقة. اللسان (خ ث ر) والمراد ثقل النوم.\n(^٣) البيت في مجاز القرآن ١/ ٧٨، والأغانى ٩/ ٣١١، والكامل ١/ ١٤٨.\n(^٤) رنَّق النومُ عينه: خالطها. اللسان (ر ن ق).\n(^٥) ديوانه ص ١٧.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أقبلت\". وفي حاشية الأصل: \"ويروى: إذا أقبلت بعيد الرقاد وقبل الوسن\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"النعاس وقبل\".\n(^٨) في ص: \"وقول الآخر\"، وفى م، س: \"وقال آخر\". والبيت للأعشى أيضًا وهو في ديوانه ص (٥).\n(^٩) الأغراب: واحده غرب - بسكون الراء - وهو القدح. اللسان (غ ر ب).\n(^١٠) السيال: شجر سبط الأغصان عليه شوك أبيض، أصوله أمثال ثنايا العذارى. اللسان (س ى ل).","vol":"4","page":530},{"text":"يعني عندَ هُبوبِها من النومِ ووَسَنُ النومِ في عينِها، يقالُ منه: وَسِن فلانٌ فهو يَوْسَنُ وَسَنًا وسِنةً، وهو وَسْنانُ، إذا كان كذلك.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-874>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. قال: السَّنَةُ النُّعاسُ، والنومُ هو النومُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾: السِّنَةُ النُّعاسُ (^٢).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ والحسن في قولِه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾: قالا: نَعْسةٌ.\nحدَّثني المثنّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: حدثنا هُشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. قال: السِّنَةُ الوَسْنةُ، وهو دونَ النومِ، والنومُ الاستِثْقالُ (^٣).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٧، ٤٨٨ (٢٥٧٦، ٢٥٨١)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٧٧)، من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢٧ إلى آدم بن أبي إياس وأبى الشيخ في العظمة.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٢.\n(^٣) أخرج ابن أبي حاتم شطره الثاني ٢/ ٤٨٨ (٢٥٨٢) من طريق جويبر به، وعلق شطره الأولى ٢/ ٤٨٧ عقب الأثر (٢٥٧٧).","vol":"4","page":531},{"text":"الضّحّاكِ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: السِّنَةُ النُّعاسُ، والنومُ الاستِثْقالُ (^١).\nحدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبَرَنا يزيدُ، قال: أخبَرَنا جُويبرٌ، عن الضَّحاكِ مثلَه سواءً.\nحدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: أما السِّنَةُ، فهو رِيحُ النومِ الذي يأخُذُ في الوجهِ فيَنْعَسُ الإنسانُ (^٢).\nحدَّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ قال: السَّنَةُ الوَسْنانُ بينَ النائمِ واليَقْظانِ (^٣).\nحدَّثني عباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا مِنْجابُ بنُ الحارثِ، قال: أخبَرنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن إسماعيلَ، عن يحيى بن رافعٍ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾، قال: النُّعاسُ (^٤).\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. قال: الوَسْنانُ الذي يقومُ من النومِ ولا يَعْقِلُ، حتى ربَّما أخَذ السيفَ على أهلِه (^٥).\nوإنما عنَى اللهُ جَلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: لا تَحُلُّه الآفاتُ،\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٢٣)، من طريق جويبر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٧ (٢٥٧٧) من طريق عمرو بن حماد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢٧، إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٧ (٢٥٧٩) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٢٢) من طريق على بن مسهر به.\n(^٥) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ١٩٠، والقرطبي في تفسيره ٣/ ٢٧٢.","vol":"4","page":532},{"text":"ولا تَنَالُه العاهاتُ. وذلك أن السِّنَةَ والنوم معنيَان يَعْمُران فَهُمَ ذى الفهْمِ، ويُزيلان مَن أصاباه عن الحالِ التي كان عليها قبلَ أن يُصيباه.\nفتأويلُ الكلامِ إذ كان الأمرُ كما وصَفْنا: اللهُ لا إلهَ إلا هو الحيُّ الذي لا يموتُ، القَيُّومُ على كلِّ ما هو دونَه بالرزقِ والكَلاءةِ والتدبيرِ: والتصريفِ من حالٍ إلى حالٍ، لا تأخُذُهُ سِنَةٌ ولا نومٌ، لا يُغَيِّرُه ما يُغَيِّرُ غيرَه، ولا يُزيلُه عما لم يَزَلْ عليه تَنقُّلُ الأحوالِ، وتَصَرُّفُ (^١) الليالي والأيامِ، بل هو الدائمُ على حالٍ، والقَيُّومُ على جميعِ الأنامِ، لو نام لكان مغلوبًا مَقْهُورًا؛ لأن النومَ غالبُ النائمِ قاهرُه، ولو وَسِن لكانت السماواتُ والأرضُ وما فيهما دَكًّا؛ لأن قيامَ جميعِ ذلك بتَدْبيرِه وقدْرتِه، والنومُ شاغلُ المدبِّرِ عن التدبيرِ، والنُّعاسُ مانعُ (^٢) المقدِّرِ عن التقديرِ بوَسَنِه.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، قال: وأخبَرنى الحَكَمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ مولى ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: إنّ موسى سأَل الملائكةَ: هل ينامُ اللهُ؟ فَأَوْحَى اللهُ إلى الملائكةِ، وأمرَهم أن يُؤَرِّقُوه ثلاثًا، فلا يَتركُوه ينامُ، ففعَلوا، ثم أعطَوْه قارُورَتَين فأمسكهما (^٣)، ثم تَرَكوه وحَذَّرُوه أن يَكْسِرَهما. قال: فجعَل يَنْعُسُ وهما في يديه؛ في كلِّ يدٍ واحدةٌ. قال: فجعَل يَنْعُسُ ويَنتبِه، [وينعُسُ وينْتبِهُ] (^٤)، حتى نعَس نَعْسَةً، فضرَب إحداهما بالأخرى، فكسَرهما. قال مَعْمَرٌ: إنما هو مَثَلٌ\n_________\n(^١) في م، س: \"تصريف\".\n(^٢) في م، س: \"يمانع\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"فأمسكوه\".\n(^٤) سقط من: الأصل، ت ٢، س.","vol":"4","page":533},{"text":"ضرَبه اللهُ تعالى ذكرُه يقولُ: فكذلك السماواتُ والأرضُ في يديْه (^١).\nحدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيلَ، قال: ثنا هشامُ بنُ يوسفَ، عن أُمَيَّةَ بن شِبْلٍ، عن الحَكَمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَحْكى عن موسى على المنبرِ، قال: \"وقَع في نَفْسِ موسى: هل ينامُ اللهُ؟ فأرسلَ اللهُ إليه مَلَكًا، فأَرَّقَه ثلاثًا، ثم أعطاهُ قارُورَتَين؛ في كُلِّ يدٍ قارورةٌ، وأمَره أن يَحْتَفِظَ بهما. قال: فجعَل ينامُ وتكادُ يداهُ تَلْتَقيان، ثم يَسْتَيْقِظُ فيحْبِسُ إحداهما عن الأُخرى، ثم نام نَوْمةً فاصْطَفَقَتْ يداه فانْكَسَرتِ القارُورتان. قال: ضرَب الله له مَثَلًا، أن الله لو كان ينامُ لم تَسْتَمْسِكِ السماءُ والأرضُ\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-875>القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. أنه مالكُ جميعِ ذلك بغيرِ شريكٍ ولا نديدٍ، وخالقُ جميعِه دونَ كلِّ آلهةٍ ومعبودٍ. وإنما يعنى بذلك أنه لا تَنْبَغِى العبادةُ لشيءٍ سواه؛ لأن المملوكَ إنما هو طوعُ يدِ مالكِه، وليس له خدمةُ غيرِه إلا بأمرِه. يقولُ: فجميعُ ما في السماواتِ والأرضِ مِلْكِى وخَلْقِي، فلا يَنبغِي\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٨ (٢٥٨٤)، والخطيب ١/ ٢٦٨ من طريق الحسن بن يحيى به.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٦٦٦٩)، وابن الجوزى في العلل المتناهية (٢٢) من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل به، وأخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٧٩)، والخطيب ١/ ٢٦٨، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢٣) من طريق هشام بن يوسف به، وأخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٧٩) من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل به لكنه من مسند ابن عباس. وهو حديث منكر. ينظر تاريخ بغداد ١/ ٢٦٨، والعلل المتناهية ١/ ٢٧، ٢٨، وميزان الاعتدال ١/ ٢٧٦، ولسان الميزان ١/ ٤٦٧.","vol":"4","page":534},{"text":"أن يُعْبَدَ أحدٌ من خلقى غيرى وأنا مالكُه؛ لأنه لا ينَبِغي للعبدِ أن يَخْدُم (^١) غيرَ مالكِه، ولا يُطيعَ سوى مولاه.\nوأما قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. فإنه يعنى بذلك: من ذا الذي يَشْفَعُ لمماليكِه إن أراد عقوبتَهم إلا أن يُخلِّيَه ويَأذنَ له بالشفاعةِ لهم.\nوإنما قال ذلك جل ثناؤه لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثانَنا هذه إلا ليُقَرِّبونا إلى اللهِ زُلْفَى (^٢). فقال اللهُ لهم: لى ما في السماواتِ وما في الأرضِ مع السماواتِ والأرضِ مِلْكًا، فلا تَنبغِى العبادةُ لغيرِى، فلا تَعبُدوا الأوثانَ التي تزعُمون أنها تُقَرِّبُكم منى زُلْفَى، فإنها لا تنفَعُكم عندى، ولا تُغْنِى عنكم شيئًا، ولا يَشْفَعُ عندى أحدٌ لأحدٍ إلا بتَخْلِيَتى إيَّاه والشفاعةَ لمن يَشْفَعُ له مِن رُسُلى وأوليائى وأهلِ طاعتِى.\n\n<span data-type='title' id=toc-877>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.</span>\nيعنى جلّ ثناؤه بذلك أنه المحيطُ بكلِّ ما كان وبكلِّ ما هو كائنٌ علمًا، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منه.\nوبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-876>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن الحَكَمِ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الآخرة (^٣).\n_________\n(^١) في م، ص، س: \"يعبد\".\n(^٢) هذا تأويل الآية (٣) من سورة الزمر.\n(^٣) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٢٧٩.","vol":"4","page":535},{"text":"حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ما مضَى من الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من الآخرةِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ قولَه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ما مضَى أمامَهم مِن الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما يكونُ بعدَهم من الدنيا والآخرةِ (^٢).\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال: أما (^٣) ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ فالدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ فالآخرةُ (^٤).\nوأما قولُه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾. فإنه يَعْنِى تعالى ذكره أنه العالِمُ الذي لا يخفى عليه شيءٌ، محيطٌ بذلك كلِّه، مُحْصٍ له دون سائرِ مَن دونَه، وأنه لا يعلَمُ أحدٌ سواه شيئًا إلا ما شاء هو أن يُعْلِمَه [وأراده] (^٥) فعَلِمه.\nوإنما يَعْنِى بذلك أن العبادةَ لا تَنبغِى لمن كان بالأشياءِ جاهلًا، فكيف يُعْبَدُ مَن لا يَعْقِلُ شيئًا البَتَّةَ مِن وَثَنٍ وصَنَمٍ؟ يقولُ: فَأَخْلِصُوا العبادةَ لمن هو مُحيطٌ بالأشياءِ كلِّها، يَعْلَمُها، لا يَخْفَى عليه صغيرُها وكبيرُها.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرج الشطر الأول ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٩ (٢٥٨٨) من طريق أبي حذيفة به، وعلق الشطر الثاني في ٢٢/ ٤٨٩ عقب الأثر (٢٠٩٢).\n(^٢) ينظر التبيان ٢/ ٣٠٩، والبحر المحيط ٢/ ٢٧٩.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ١٨٩ (٢٥٨٨، ٢٥٩٢)، من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٥) في ص: \"فأراده\"، وفى م: \"فأراد\".","vol":"4","page":536},{"text":"<span data-type='title' id=toc-878>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ يقولُ: لا يَعْلَمُون بشيءٍ من عِلْمِهِ إِلا بما شاء هو أن يُعْلِمَهم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-880>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويلِ في معنى \"الكُرْسيِّ\" الذي أخبرَ اللهُ في هذه الآيةِ أنه وَسِع السماواتِ والأرضَ؛ فقال بعضُهم: هو عِلْمُ اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-879>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ وسَلْمُ بنُ جُنادةَ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن مُطَرِّفٍ، عن جعفرِ بن أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ قال: كُرْسِيُّه عِلْمُه (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرَنا مُطَرِّفٌ، عن جعفرِ بن أبي المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه، وزاد فيه: ألا تَرَى إلى قولِه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ (^٣)؟\nوقال آخرون: الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَين.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٠ (٢٥٩٦، ٢٥٩٨) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٠ (٢٥٩٩)، من طريق ابن إدريس به، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص (٢٣٣)، من طريق مطرف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢٧ إلى ابن المنذر.\n(^٣) ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال ١/ ٤١٧ عن هشيم به.","vol":"4","page":537},{"text":"<span data-type='title' id=toc-881>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ مُسلمٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبد الوارثِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا محمدُ بنُ جُحَادةَ، عن سلَمةَ بن كُهَيلٍ، عن عُمارةَ بن عُميرٍ، عن أبي موسى، قال: الكُرْسيُّ مَوْضِعُ القدَمين، وله أَطِيطٌ كَأَطِيطِ الرَّحْلِ (^١).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ﴾: فإن السماواتِ والأرضَ في جوفِ الكُرْسِيِّ، والكُرْسِيُّ بين يَدَيِ العَرْشِ، وهو مَوْضِعُ قَدَميْه (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ قولَه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال: كُرْسِيُّه الذي يُوضَعُ تحتَ العَرْشِ الذي يَجْعَلُ الملوكُ عليه أقدامَهم (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، عن سفيانَ، عن عمارٍ الدُّهْنيِّ، عن مسلمٍ البَطِينِ، قال: الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القدمَيْن (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٥٨٨)، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب العرش (٦٠)، وأبو الشيخ في العظمة (٢٤٧)، والبيهقى في الأسماء والصفات (٨٥٩). من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩١ (٢٦٠٣) من طريق عمرو بن حماد به، دون قوله: وهو موضع قدميه.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢٨ إلى المصنف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٤٩١ (٢٦٠١) من طريق أبي أحمد، عن سفيان، عن عمار، عن سعيد بن بن جبير، عن ابن عباس قوله: وأخرجه الدارمى في الرد على بشر المريسى ص ٦٧، ٧١ - ٧٤، وعبد الله أحمد في السنة (٥٨٦)، وابن خزيمة في التوحيد ص ٧١، والحاكم ٢/ ٢٨٢ من طريق سفيان به من قول ابن عباس، وأخرجه عبد الله في السنة (٥٩٠) من طريق عمار الدهني، عن ابن عباس. قال ابن كثير: والأثر محفوظ عن ابن عباس. البداية والنهاية ١/ ٢٣.","vol":"4","page":538},{"text":"حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال: لما نَزَلَتْ ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال أصحابُ النبيِّ ﷺ: يا رسول اللهِ، هذا الكُرْسِيُّ وَسِعَ السماواتِ والأَرضَ، فكيف العَرْشُ؟ فأَنزل اللهُ تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^١) [الزمر: ٦٧].\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. قال: قال ابن زيدٍ: فحدَّثنى أبي، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ما السماواتُ السَّبْعُ في الكُرسيِّ إلا كدراهمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ\". قال: وقال أبو ذَرٍّ: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"ما الكُرسيُّ في العَرشِ إلا كحَلْقَةٍ من حديدٍ أُلْقِيَتْ بينَ ظَهْرَى فَلَاةٍ مِن الأَرضِ\" (^٢).\nوقال آخرون: الكُرْسِيُّ العَرْشُ نفسُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-882>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ (^٣)، قال: كان الحسنُ يقولُ: الكُرْسِيُّ هو العَرْشُ (^٤).\nقال أبو جعفر: لكلِّ قولٍ من هذه الأقوالِ وجهٌ ومَذْهَبٌ، غيرَ أن الذي هو\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩١ (٢٦٠٤)، من طريق أبي جعفر به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ١/ ٢٤، وفى تفسيره ١/ ٤٥٧ عن المصنف، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢٢٢) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد به، وقال ابن كثير في البداية والنهاية: أول الحديث مرسل، وعن أبي ذر منقطع.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عن الضحاك\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ١/ ٢٣، وفي تفسيره ١/ ٤٥٨ عن المصنف.","vol":"4","page":539},{"text":"أَوْلَى بتأويلِ الآيةِ ما جاء به الأثرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ، وهو ما حدَّثني به عبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ القَطَوَانيُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرَنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن خَليفةَ، قال: أتت امرأةٌ النبيَّ ﷺ فقالت: ادْعُ الله أن يُدْخِلَنى الجنةَ. فعظَّم الربَّ ﷿، ثم قال: \"إِنَّ كُرسِيَّه وَسِعَ السَّماواتِ والأرضَ، وإنَّه لَيَقْعُدُ عليه فما يَفْضُلُ منه مِقدارُ أربعِ أصابعَ\". ثم قال بأصابعِه فجمَعها: \"وإنَّ له أَطِيطًا كأَطِيطِ الرَّحْلِ الجَديدِ إِذَا رُكِبَ؛ مِن ثِقَلِه\" (^١).\nحدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي بُكَيرٍ (^٢)، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن خليفةَ، عن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (^٣).\nحدَّثنا أحمد بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن خَليفةَ، قال: جاءتِ امرأةٌ. فذكَر نحوَه (^٤).\nوأما الذي يدلُّ على صحتِه ظاهرُ القرآنِ، فقولُ ابن عباسٍ الذي رواه جعفرُ بن أبي المغيرِة، عن سعيدِ بن جُبيرٍ عنه، أنه قال: هو عِلْمُه (^٥)، وذلك لدَلالةِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. على أن ذلك كذلك، فأخبَرَ أنه لا يَئُودُه حفظُ ما عَلِم وأحاط به مما في السماواتِ والأرضِ، وكما أخبَر عن ملائكتِه أنهم قالوا في\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ٧١، وأبو الشيخ في العظمة (٢٦٢)، وابن الجوزي في العلل المتناهية من طريق إسرائيل به.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بكر\".\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة ص ١٠٢ (٢٦٣) من طريق عبد الله بن أبي زياد به. وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٥٧٤)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٥٨٥، ٥٨٧)، البزار (٣٢٥) من طريق يحيى بن أبى بكير به. وينظر السلسلة الضعيفة (٨٦٦).\n(^٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٥٩٣) من طريق أبي أحمد به.\n(^٥) هذا مناقض لقول المصنف نفسه في أول الصفحة.","vol":"4","page":540},{"text":"دعائِهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. فأخبر تعالى ذكرُه أن علمه وسِع كلَّ شيءٍ، فكذلك قولُه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.\nوأصلُ \"الكُرْسِيِّ\" العلمُ، ومنه قيل للصحيفةِ يكونُ فيها علمٌ مكتوبٌ: كُرّاسةٌ. ومنه قولُ الراجزِ في صفةِ قانصٍ:\nحتى إذَا ما اختارهَا (^١) تَكَرَّسا\nيعنى: عَلِم. ومنه يقالُ للعلماءِ: الكَراسيُّ. لأنهم المعتمَدُ عليهم، كما يقالُ: أوتاد الأرضِ. يعنى بذلك أنهم العلماءُ الذين تَصْلُحُ بهم الأرضُ، ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):\nتَحُفُّ بهم بِيضُ الوُجُوهِ وعُصْبَةٌ … كَرَاسِيُّ بالأحْداثِ حينَ تَنُوبُ\nيعني بذلك: علماءُ بحوادثِ الأمورِ ونوازلِها.\nوالعربُ تسمِّى أصلَ كلِّ شيءٍ الكِرْسَ، يقال منه: فلانٌ كريمٌ الكِرْسِ. أي: كريمُ الأصلِ، قال العَجَّاجُ (^٣).\nقد علِم القُدُّوسُ موْلَى القُدْسِ\nأن أبا العباسِ أوْلَى نَفْسِ\nبمَعْدِنِ المُلْكِ القديمِ (^٤) الكِرْسِ\n_________\n(^١) في م: \"اجتازها\".\n(^٢) أساس البلاغة (ك ر س).\n(^٣) ديوانه ص ٤٨٧.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الكريم\".","vol":"4","page":541},{"text":"يعنى بذلك الكريمَ الأصل. ويُرْوَى:\nفي مَعْدِنِ العِزِّ الكريمِ الكِرْسِ\n\n<span data-type='title' id=toc-884>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾: ولا يَشُقُّ عليه ولا يُثْقِلُه، يقالُ منه: قد آذَنِى هذا الأمرُ، فهو يَئودُنى أوْدًا وإيادًا. ويقالُ: ما آدَك فهو لي آئِدٌ. يَعنِي بذلك: ما أَثْقَلَك فهو لي مُثْقِلٌ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-883>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنَّى بنُ إبراهيمُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ يقولُ: لا يَثْقُلُ عليه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، قال: لا يَثْقُلُ عليه حِفْظُهما.\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾: لا يَثْقُلُ عليه ولا يُجْهِدُه حِفْظُهما.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى: قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٢ (٢٦٠٦) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢٨ إلى ابن المنذر.","vol":"4","page":542},{"text":"الحسنِ وقتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. قالا: لا يَثْقُلُ عليه شيءٌ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا يوسفُ بنُ خالدٍ السَّمْتيُّ، قال: ثنا نافعُ بنُ مالكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. قال: لا يَنْقُلُ عليه حِفْظُهما.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، وحدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قالا جميعًا: أخبرنا جُويبرٌ، عن الضَّحاكِ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ قال: لا يَثْقُلُ عليه حِفْظُهما (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن عُبيدٍ، عن الضّحاكِ مثلَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: سمِعْتُه - يعني خَلّادًا - يقولُ: سمِعْت أبا عبدِ الرحمنِ المدينيَّ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. قال: لا يَكْبُرُ (^٣) عليه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، قال: لا يَكْرُثُه (^٤).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. قال: لا يَثْقُلُ عليه (^٥).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٢.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\nوالأثر ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٢ عقب الأثر (٢٦٠٧) معلقا.\n(^٣) في ص، م، س: \"يكثر\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٤٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٢ (٢٦٧) من طريق القاسم، عن مجاهد ولفظه: لا يكرثه حتى يثقله.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٢ عقب الأثر (٢٦٠٧) من طريق عمرو بن حماد به.","vol":"4","page":543},{"text":"حدِّثْت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. يقولُ: لا يَثْقُلُ عليه حفظُهما (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. قال: لا يَعِزُّ عليه حِفْظُهما.\nقال أبو جعفرٍ: والهاءُ والميمُ والألفُ من قولِه: ﴿حِفْظُهُمَا﴾. من ذِكْرِ السماواتِ والأرضِ. فتأويلُ الكلامِ: وَسِع كُرْسِيُّه السماواتِ والأَرضَ، ولا يَثْقُلُ عليه حِفْظُ السماواتِ والأرضِ.\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾. فإنه يَعنِي: واللهُ العَلِيُّ.\nوالعليُّ: الفَعِيلُ، من قولِك: علا يعلُو عُلُوًّا، إذا ارتفَع، فهو عالٍ وعَلِيٌّ: والعَلِيُّ: ذو العُلُوِّ والارتفاعِ على خَلقِه بقُدرتِه.\nوكذلك قولُه: ﴿الْعَظِيمُ﴾: ذو العَظَمةِ، الذي كلُّ شيءٍ دونَه، فلا شيءَ أعظمُ منه.\nكما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿الْعَظِيمُ﴾: الذي قد كَمُل في عظمتِه (^٢).\nواختلَف أهلُ البحثِ في معنى قولِه: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وهو العَلِيُّ عن النُّظَراءِ والأَشْباهِ. وأنكَروا أن يكونَ معنى ذلك: وهو العَلِيُّ المكانِ. وقالوا: غيرُ جائزٍ أن يخلُوَ منه مكانٌ، ولا معنى لوصفِه بعُلُوِّ المكانِ؛ لأن ذلك وصفُه بأنه في مكانٍ دونَ مكانٍ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٢ (٢٦٠٧) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢٨ إلى المصنف.","vol":"4","page":544},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك: وهو العَلِيُّ على خَلْقِه، بارتفاعِ مكانِه عن أماكنِ خَلْقِه؛ لأنه تعالى ذكرُه فوقَ جميع خَلقِه، وخَلقُه دونَه، كما وصَف به نفسَه أنه على العرشِ، فهو عالٍ بذلك عليهم.\nوكذلك اختلَفوا في معنى قولِه: ﴿الْعَظِيمُ﴾. فقال بعضُهم: معنى \"العظيمِ\" في هذا الموضِعِ المُعَظَّمُ، صُرِف المُفَعَّلُ إلى فَعِيلٍ، كما قيل للخَمرِ المُعَتَّقَةِ: خمرٌ عتيقٌ. كما قال الشاعرُ (^١):\nوكأنَّ الخَمْرَ العَتِيقَ من الإسْـ … ـــــــفِنْطِ (^٢) ممْزُوجَةً بِمَاءٍ زُلالِ\nوإنما هي مُعَتَّقَةٌ، قالوا: فقولُه: ﴿الْعَظِيمُ﴾. معناه: المعظَّمُ الذي يُعَظِّمُه خَلْقُه، ويَهابُونه ويتَّقُونه. قالوا: وإنّما يحتمِلُ قولُ القائلِ: هو عَظيمٌ. أحدَ معنَيْين؛ أحدُهما: ما وصَفْنا من أنه مُعَظَّمٌ. والآخرُ: أَنه عَظِيمٌ في المساحةِ والوزنِ. قالوا: وفي بُطولِ القولِ بأن يكونَ معنى ذلك أنه عَظيمٌ في المساحةِ والوزنِ، صحةُ القولِ بما قُلْنا.\nوقال آخرون: بل تأويلُ قولِه: ﴿الْعَظِيمُ﴾. هو أن له عظمةً هي له صفةٌ. وقالوا: لا نَصِفُ عَظمتَه بكَيْفِيّةٍ، ولكنّا نُضِيفُ ذلك إليه من جهةِ الإثباتِ، ونَنْفِى عنه أن يكونَ ذلك على معنى مشابهةِ العِظَمِ المعروفِ من العبادِ؛ لأن ذلك تشبيهٌ له بخَلقِه، وليس كذلك. وأنكَر هؤلاءِ ما قاله أهلُ المَقالةِ التي قدَّمنا ذكرَها، وقالوا: لو كان معنى ذلك أنه مُعَظَّمٌ، لوجَب أن يكونَ قد كان غيرَ عظيمٍ قبلَ أن يَخلُقَ الخلْقَ، وأن يَبْطُلَ معنى ذلك عندَ فَناءِ الخَلقِ؛ لأنه لا مُعَظِّمَ له في هذه الأحوالِ.\nوقال آخرون: بل قولُه: إنه العظيمُ. وَصْفٌ منه نفسَه بالعِظَمِ، وقالوا: كلُّ ما\n_________\n(^١) البيت للأعشى الكبير، وهو في ديوانه ص ٥.\n(^٢) الإسفنط: أجود الخمر وأعلاها. القاموس المحيط (س ف ط).","vol":"4","page":545},{"text":"دونَه من خلقِه بمعنى الصِّغَرِ؛ لصِغَرِهم عن عِظَمِه.\n\n<span id=\"aya-263\"></span><span data-type='title' id=toc-886>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: نزَلَتْ هذه الآيةُ في قومٍ من الأنصارِ - أو في رجلٍ منهم - كان لهم أولادٌ قد هَوَّدُوهم أو نَصَّرُوهم، فلما جاء اللهُ بالإسلامِ أرادوا إكراهَهم عليه، فنهاهم اللهُ عن ذلك حتى يكونوا هم يختارُون الدخولَ في الإسلامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-885>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن شُعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت المرأةُ تكونُ مِقْلاتًا، فتجعلُ على نفسِها إن عاش لها ولدٌ أن تُهَوِّدَه؛ فلما أجْلِيَتُ بنو النَّضيرِ كان فيهم من أبناءِ الأنصارِ، فقالوا: لا ندَعُ أبناءَنا، فأنزل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن بَشّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ (^٢)، عن أبي بِشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، [عن ابن عباسٍ] (^٣)، قال: كانت المرأةُ تكونُ مِقْلًى؛ لا يعيشُ لها ولدٌ - قال شعبةُ: وإنما هي مِقْلاتٌ - فتجعلُ عليها إن بَقِى لها ولدٌ لَتُهَوِّدَنَّه، قال: فلمّا أُجليَتْ بنو النَّضيرِ كان فيهم منهم، فقالت الأنصارُ: كيف تَصنعٌ بأبنائِنا؟ فنزَلت هذه\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٦٨٢)، والنسائى في الكبرى (١١٠٤٩)، والنحاس في ناسخه ص ٢٥٩ من طريق محمد بن بشار به، وأخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ٥٧، ٥٨ من طريق ابن أبي عدى به، وأخرجه أبو داود (٢٦٨٢)، والنسائى في الكبرى (١١٠٤٨)، والطحاوى في شرح المشكل (٦١١٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٣ (٢٦٠٩)، وابن حبان (١٤٠)، والبيهقى ٩/ ١٨٦، والواحدى في أسباب النزول ص ٥٨ من طريق شعبة به.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"سعيد\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.","vol":"4","page":546},{"text":"الآيةُ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. قال: من شاء أن يُقِيمَ أقام، ومن شاء أن يَذهَبَ ذَهَب (^١).\nحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بِشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا داودُ، وحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيّةَ، عن داودَ، عن عامرٍ، قال: كانت المرأةُ من الأنصارِ تكونُ مِقْلاتًا؛ لا يعيشُ لها ولدٌ، فتنذِرُ إن عاش ولدُها أن تجعلَه مع أهلِ الكتابِ على دينِهم، فجاء الإسلامُ وطوائفُ من أبناءِ الأنصارِ على دينِهم، فقالوا: إنما جعَلْناهم على دينِهم ونحن نَرى أن دينَهم أفضلُ من دينِنا، وإذ جاء اللهُ بالإسلامِ فَلَنُكْرِهَنَّهم. فنزلتْ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. فكان فصلَ ما بينَ مَن اختارَ اليهوديةَ والإسلامَ، فمَن لَحِق بهم اختارَ اليهوديةَ، ومن أقام اختارَ الإسلامَ. واللفظُ لحديثِ حُمَيدٍ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا مُعْتَمِرُ بن سليمانَ، قال: سمِعتُ داودَ، عن عامرٍ بنحوِ معناه، إلا أنه قال: فكان فصلَ ما بينَهم إجلاءُ رسولِ اللهِ ﷺ بنى النَّضيرِ، فلَحِق بهم من كان يهوديًّا ولم يُسْلِمْ منهم، وبَقِيَ مَن أَسلمَ (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ بنحوِه، إلا أنه قال: إجلاءُ النَّضيرِ إلى خيبَرَ، فمن اختارَ الإسلامَ أقامَ، ومن كَرِه لَحِق بخيبرَ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن (^٣) إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي\n_________\n(^١) قوله: من شاء أن يقيم أقام، ومن شاء أن يذهب ذهب. من قول سعيد بن جبير.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٤٠٠، وابن الجوزى في النواسخ ص ٢١٧ من طريق داود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أبي\".","vol":"4","page":547},{"text":"محمدٍ الحَرَشيُّ (^١) مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. قال: نزلتْ في رجلٍ من الأنصارِ من بنى سالمِ بن عوفٍ، يقالُ له: الحُصَينُ. كان له ابنان نَصْرانيّان، وكان هو رجلًا مسلمًا، فقال للنبيِّ ﷺ: ألا أَسْتَكْرِهُهما، فإنهما قد أبَيَا إلا النصرانيةَ؟ فأَنزل اللهُ فيه ذلك (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا حَجّاجُ بنُ المنْهالِ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بشرٍ، قال: سألْتُ سعيد بنَ جُبيرٍ عن قولِه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. قال: نزَلتْ هذه في الأنصارِ، قال: قلتُ: خاصةً؟ قال: خاصةً. قال: كانت المرأةُ في الجاهليةِ تَنذِرُ إن ولَدت ولدًا أن تجعلَه في اليهودِ، تَلْتَمِسُ بذلك طولَ بقائِه. قال: فجاء الإسلامُ وفيهم منهم؛ فلمَّا أُجْلِيَت النضيرُ قالوا: يا رسولَ اللهِ، أبناؤُنا وإخوانُنا فيهم. قال: فسكَت عنهم رسولُ اللهِ ﷺ، فَأَنزل اللهُ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"قد خُيِّرَ أصحابُكم، فإن اختارُوكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم\". قال: فأجلَوهم معهم (^٣).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ إلى ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾. قال: نزَلَتْ في رجلٍ من الأنصارِ يقالُ له: أبو الحُصَينِ. كان له ابنان، فقَدِم تُجّارٌ من الشامِ إلى\n_________\n(^١) في الأصل: \"الجرش\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٥٩، وابن حجر في الإصابة ٢/ ٩٥، ٩١٧، عن ابن إسحاق به.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٢٨) - تفسير، والطحاوى في المشكل (٦١١٥)، والخطابي في غريب الحديث ٣/ ٨٠، ٨١، والبيهقى ٩/ ١٨٦ من طريق أبي عوانة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"4","page":548},{"text":"المدينةِ يحمِلون الزيتَ، فلما باعُوا وأرادُوا أن يَرجِعوا، أتاهم ابنا أبى الحُصينِ. فدعَوْهما إلى النصرانيةِ فتَنَصَّرا، ورجَعا إلى الشامِ معهم، فأتى أبوهما إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: إن ابنيَّ تَنَصَّرا وخَرَجا، فاطْلُبُهما. فقال: \" ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ \". ولم يُؤْمَرْ يومئذٍ بقتالِ أهلِ الكتابِ. وقال: \"أَبعَدَهما اللهُ، هما أَوَّلُ مَن كفَر\". فوجَد أبو الحصينِ في نفسِه على النبيِّ ﷺ حين لم يَبْعَثْ فِي طَلَبِهما، فأَنزَل اللهُ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. ثم إنه نُسِخ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. فأُمِر بقتالِ أهلِ الكتابِ (^١) في سورةِ \"براءة\" (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ. عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. قال: [كانت النَّضِيرُ يهودًا] (^٣) أَرضَعوا رجالًا من الأوسِ، فلما أُمِر النبيُّ ﷺ بإجلائهم، قال أبناؤُهم من الأوسِ: لتذْهَبَنَّ معهم، ولَندِينَنَّ بدينِهم، فمنَعهم أهلُوهم، وأَكْرَهُوهم على الإسلامِ، ففيهم نزَلتْ هذه الآيةُ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"القتال\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٤ عقب (٢٦١٥)، وأبو داود في ناسخه - كما في تهذيب الكمال - ٥/ ١٠٢، من طريق عمرو بن حماد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢٩، إلى ابن المنذر.\n(^٣) في ص: \"كانت اليهود يهودًا\"، وفى م: \"كانت في اليهود يهود\".\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٢٩ - تفسير) من طريق ابن أبي نجيح به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"4","page":549},{"text":"الدِّينِ﴾. قال: كان ناسٌ من الأنصارِ مُسْتَرضَعِين في بني قُريظةَ، فأرادُوا أن يُكْرِهوهم على الإسلامِ، فنزَلتْ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: كانت النَّضيرُ يهودًا، فَأَرْضَعُوا. ثم ذكَر نحوَ حديثِ محمدٍ بن عمرٍو، عن أبي عاصمٍ. قال ابن جُريجٍ: وأخبَرَنى عبدُ الكريمِ، عن مجاهدٍ أنهم كانوا قد دانوا (^٢) بدينهم أبناءُ الأَوْسِ؛ دانُوا بدينِ النَّضيرِ (^٣).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن داودَ ابن أبي هندٍ، عن الشعبيِّ أن المرأةَ من الأنصارِ كانت تَنْذِرُ إِن عاش ولدُها لَتَجْعَلَنَّه في أهل الكتابِ، فلمّا جاء الإسلامُ قالت الأنصارُ: يا رسولَ اللهِ، ألا نُكْرِهُ أولادَنا الذين هم في يهودَ على الإسلامِ، فإنَّا إِنَّما جعَلْناهم فيها ونحن نَرى أن اليهوديةَ أفضلُ الأديانِ، [فأما إذ] (^٤) جاء اللهُ بالإسلامِ، أفلا نُكْرِهُهم على الإسلامِ؟ فَأَنزل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (^٥).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن داودَ، عن الشعبيِّ بمثلِه، وزاد فيه: قال: كان فصلَ ما بينَ مَن اختارَ اليهودَ منهم، وبينَ مَن اختارَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٣ (٢٦١١)، والواحدى في أسباب النزول ص ٥٩، وابن الجوزى في النواسخ ص ٢١٨ من طريق سفيان به.\n(^٢) في م: \"دان\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٢٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في ص: \"فلما إذ\"، وفى م: \"فلما أن\".\n(^٥) تقدم ص ٥٤٧.","vol":"4","page":550},{"text":"الإسلامَ، إجلاء بني النَّضيرِ، فمَن خرَج مع بنى النَّضيرِ كان منهم، ومن ترَكهم اختارَ الإسلامَ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. إلى قولِه: ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. قال: هذا منسوخٌ (^١).\nحدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، ووائلٍ، عن الحسنِ، أن ناسًا من الأنصارِ كانوا مُسترضَعِين في بني النَّضيرِ، فلما أَجْلُوا، أراد أهلُوهم أن يُلْحِقُوهم بدينِهم، فنزلتْ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يُكْرَهُ أهلُ الكتابِ على الدينِ إذا بذَلوا الجِزْيةَ، ولكنّهم يُقَرُّون على دينِهم. وقالوا: الآيةُ في خاصٍّ من الكفارِ، ولم يُنْسَخْ منها شيءٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-887>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ قال: أُكْرِهَ عليه هذا الحيُّ من العربِ؛ لأنهم كانوا أُمَّةً أُمِّيّةً ليس لهم كتابٌ يَعرِفُونه، فلم يُقْبَلْ منهم غيرُ الإسلامِ، ولا يُكرَهُ عليه أهلُ الكتابِ إذا أقرُّوا بالجِزْيةِ أو بالخَراجِ ولم يُفْتَنُوا عن دينِهم، فخُلِّيَ (^٣) عنهم (^٤).\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٢/ ٣١١.\n(^٢) أثر مجاهد تقدم تخريجه في ص ٥٤٩، ٥٥٠، وأثر الحسن أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٣٠ - تفسير)، عن سفيان به.\n(^٣) في م: \"فيخلي\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٠٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٣ (٢٦١٢) من طريق معمر، عن قتادة.","vol":"4","page":551},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. قال: هو هذا الحيُّ من العرب أُكْرِهوا على الدين، لم يُقْبَلْ منهم إلا القتلُ أو الإسلامُ، وأهلُ الكتابِ قُبِلَتْ منهم الجِزْيةُ ولم يُقْتَلُوا.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا الحكَمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. قال: أُمِر رسولُ اللهِ ﷺ أن يُقاتِلَ جزيرة العربِ من أهلِ الأوثانِ، فلم يَقْبَلْ منهم إلا لا إلهَ إلا اللهُ أو السيفَ، ثم أُمِر في من سواهم بأن يَقْبَلَ منهم الجِزْيةَ، فقال: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. قال: كانت العربُ ليس لها دِينٌ، فأُكْرِهوا على الدينِ بالسيفِ. قال: ولا يُكْرَهُ اليهودُ والنصارَى والمجوسُ إذا أعطَوُا الجِزْيةَ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عُيينةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، قال: سَمِعْتُ مجاهدًا يقولُ لغلامٍ له نصرانيٍّ: يا جريرُ أَسْلِمْ. ثم قال: هكذا كان يقالُ لهم (^٣).\n_________\n(^١) ذكره الطوسى في التبيان ٢/ ٣١١، وابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ١٩٦، والقرطبي في تفسيره ٣/ ٢٨٠.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٣ (٢٦١٢)، عن الحسن بن يحيى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٠ إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٢، ١٠٣، وأخرجه سعيد بن منصور (٤٢٩ - تفسير) عن سفيان بن عيينة به.","vol":"4","page":552},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ قال: فذلك لمّا دخَل الناسُ في الإسلامِ، وأَعْطَى أهلُ الكتابِ الجِزْيةَ (^١).\nوقال آخرون: هذه الآية منسوخةٌ، وإنَّما نزَلتُ قبلَ أَن يُفْرَضَ القتالُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-888>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَني يعقوبُ بن عبدِ الرحمنِ الزُّهْرِيُّ، قال: سألتُ زيدَ بن أَسلمَ عن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ بمكة عشر سنينَ لا يُكْرِهُ أحدًا في الدينِ، فأبى المشرِكون إلا أن يُقاتِلُوهم، فاستأْذَنَ الله في قتالِهم، فأَذِن له (^٢).\nوأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: نزَلتْ هذه الآيةُ في خاصٍّ من الناسِ. وقال: عنَى بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. أهلَ الكتابَين والمجوسَ، وكلَّ مَن جاز (^٣) إقرارُه على دينِه المخالفِ دينَ الحقِّ، وأَخْذُ الجزيةِ منه. وأنكَر (^٤) أن يكونَ منها شيءٌ منسوخٌ (^٥).\nوإنّما قلْنا: هذا القولُ أَوْلَى الأقوالِ بالصوابِ؛ لما قد دَلَّلْنا عليه في كتابِنا \"اللطيف من البيانِ عن أُصولِ الأحكامِ\"، من أنَّ الناسخ غيرُ كائنٍ ناسخًا إلا ما نَفَى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٥ (٢٦١٧)، وابن الجوزى في النواسخ ص ٢١٨ من طريق محمد بن سعد به.\n(^٢) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ١٩٦ عن الزهري، عن زيد بن أسلم، وذكره النحاس في ناسخه ص ٢٥٨ عن زيد بن أسلم.\n(^٣) في م، ت ٢، س: \"جاء\".\n(^٤) في ص، م، س: \"أنكروا\".\n(^٥) في م: \"منسوخًا\".","vol":"4","page":553},{"text":"حكمَ المنسوخِ، فلم يَجُزِ اجتماعُهما [فيما قد] (^١) كان ظاهرُه العمومَ من الأمرِ والنَّهْيِ وباطنُه الخصوصَ، فهو من الناسخِ والمنسوخِ بمَعْزِلٍ. وإذ كان ذلك كذلك، وكان غيرَ مستحيلٍ أن يقالَ: لا إكراةَ لأحدٍ ممن أُخِذَتْ منه الجِزْيةُ في الدينِ. ولم يكنْ في الآيةِ دليلٌ على أن تأويلَها بخلافِ ذلك، وكان المسلمون جميعًا قد نَقلُوا عن نبيِّهم ﷺ أنه أَكْرَه على الإسلامِ قومًا، فأبَى أن يَقْبَلَ منهم إلا الإسلامَ وحَكَم بِقَتْلِهِم إِن امتنعُوا منه، وذلك كعَبَدةِ الأوثانِ من مشرِكي العربِ، وكالمرتدِّ عن دينِه، دينِ الحقِّ، إلى الكفرِ، ومَن أَشبَههم، وأنه ترَك إكراهَ آخرِين على الإسلامِ بقَبُولِه الجِزْيةَ منه، وإقرارِه على دينِه الباطلِ، وذلك كأهلِ الكتابَيْن [والمجوسِ] (^٢) ومَن أَشبَههم - كان بيِّنًا بذلك أن معنَى قولِه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. إنما هو: لا إكراهَ في الدينِ لأحدٍ من حَلَّ قبولُ الجِزْيةِ منه، بأدائِه الجِزيةَ، ورضاه بحكمِ الإسلامِ، وألا معنَى لقولِ مَن زعَم أن الآيةَ منسوخةُ الحكمِ بالإذنِ بالمحاربةِ.\nفإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ فيما رُوِى عن ابن عباسٍ وعمَّن رَوى عنه، من أنّها نزَلتْ في قومٍ من الأنصارِ أرادُوا أن يُكْرِهوا أولادَهم على الإسلامِ؟ قلْنا: ذلك غيرُ مدفوعةٍ صحتُه، ولكنَّ الآيةَ قد تَنزِلُ في خاصٍّ من الأمرِ، ثم يكونُ حُكْمُها عامًّا في كلِّ ما جانَس المعنَى الذي أُنزِلتُ فيه، فالذين أُنزِلتُ فيهم هذه الآيةُ، على ما ذكَر ابن عباسٍ وغيرُه، إنما كانوا قومًا دانُوا بدينِ أهلِ التوراةِ، قبلَ ثُبوتِ عَقْدِ أهلِ الإسلامِ لهم، فنَهَى اللَّهُ تعالى ذكرُه عن إكراهِهم على الإسلامِ، وأَنزَل بالنَّهْيِ عن ذلك آيةً يَعُمُّ حُكْمُها كلَّ مَن كان في مثلِ معناهم ممن كان على دينٍ من الأديانِ التي يجوزُ أخذُ الجِزْيةِ من أهلِها، وإقرارُهم عليها على النحوِ الذي قلْنا في ذلك.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فأما ما\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.","vol":"4","page":554},{"text":"ومعنَى قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾: لا يُكْرَهُ أحدٌ في دينِ الإسلامِ عليه. وإنما أُدْخِلَت الألفُ واللامُ في الدينِ تَعْريفًا (^١) للدينِ الذي عنَى اللَّهُ بقولِه: لا إكراهَ فيه. وأنه هو الإسلامُ. وقد يَحتمِلُ أن تكونا (^٢) أُدْخِلنَا عَقِيبًا من الهاءِ المَنْوِيَّةِ في \"الدينِ\"، فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: وهو العليُّ العظيمُ، لا إكراهَ في دينِه، قد تَبَيَّنُ الرُّشْدُ مِن الغَيِّ. وكان هذا القولَ أشبهُ بتأويلِ الآيةِ عندي.\nوأما قولُه جل ثناؤه: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. فإنه مصدرٌ من قولِ القائلِ: رَشَدْتُ فأنا أَرْشُدُ رُشْدًا ورشَدا ورَشَادًا، وذلك إذا أصاب الحقَّ والصوابَ.\nوأما \"الغَيُّ\"، فإنه مصدرٌ من قولِ القائلِ: قد غَوَى فلانٌ فهو يَغْوِى غَيًّا وغَوايةً. وبعضُ العربِ يقولُ: غَوِيَ فلانٌ يَغْوَى. والذي عليه قراءةُ القرأةِ: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]. بالفتحِ، وهي أفصحُ اللُّغَتَين، وذلك إذا عدا الحقَّ وتجاوزَه فضَلَّ.\nفتأويلُ الكلامِ إذن: قد وَضَح الحقُّ من الباطلِ، واستبان لطالبِ الحقِّ والرَّشادِ وجهُ مَطْلَبِه، فتَمَيَّزَ من الضَّلالةِ والغَوايةِ، فلا تُكْرِهُوا أحدًا (^٣) من أهلِ الكتابَين ومَن أَبَحْتُ لكم أَخْذَ الجِزْيةِ منه، على دينِكم دينِ الحقِّ، فإنَّ مَن حادَ عن الرَّشادِ بعدَ استبانتِه له، فإلى ربِّه أمرُه، وهو وليُّ عُقوبتِه في مَعادِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-889>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"الطاغوتِ\"؛ فقال بعضُهم: هو الشيطانُ.\n_________\n(^١) في ص: \"تصريفًا\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تكون\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"4","page":555},{"text":"<span data-type='title' id=toc-890>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن حسانَ بن فائدٍ العَبْسِيِّ (^١) قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: الطاغوتُ الشيطانُ (^٢).\nحدثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثني [ابن أبي عديٍّ] (^٣)، عن شعبةَ، عن أبي إسحاقَ، عن حسانَ بن فائدٍ، عن عمرَ مثلَه (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا عبدُ الملكِ، عمَّن حدَّثه، عن مجاهدٍ، قال: الطاغوتُ الشيطانُ (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا زكريَّا، عن الشَّعبيِّ، قال: الطاغوتُ الشيطانُ (^٦).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ في قولِه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ قال: الطاغوتُ الشيطانُ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"العنسي\". وينظر التاريخ الكبير ٣/ ٣٠.\n(^٢) أخرجه ابن رستة في كتاب الإيمان - كما في تغليق التعليق ٤/ ١٩٦ - عن عبد الرحمن به، ومن طريق ابن رستة أخرجه الحافظ في التغليق، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٥، ٣/ ٩٧٥ (٢٦١٨، ٥٤٤٩) من طريق سفيان به، وعلقه البخارى ٦/ ٥٧.\n(^٣) في الأصل: \"ابن عدى\".\n(^٤) أخرجه عبد الرحمن بن رستة - كما في التغليق ٤/ ١٩٦ - من طريقه شعبة به، ومن طريقه الحافظ في التغليق، وأخرجه عبد بن حميد - كما في التغليق - وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٩٧٥ (٥٤٤٩) من طريق شعبة به.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٥ عقب الأثر (٢٦١٨) معلقًا.\n(^٦) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٥ عقب الأثر (٥٤٤٩) معلقًا.","vol":"4","page":556},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: الطاغوتُ الشيطانُ (^١).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾. قال: بالشيطانِ (^٢).\nوقال آخرون: الطاغوتُ هو الساحرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-891>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثني عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودٌ، عن أبي العاليةِ أنه قال: الطاغوتُ الساحرُ (^٣).\nوقد خُولِف عبدُ الأعلى في هذه الروايةِ، وأنا ذاكرٌ الخلافَ بعدُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا حمادُ (^٤) بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن محمدٍ، قال: الطاغوتُ الساحرُ (^٥).\nوقال آخرون: بل الطاغوتُ الكاهنُ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-892>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ (^٧)، عن أبي\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٢/ ٣١٢، والمحرر الوجيز ٢/ ١٩٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٥ عقب الأثر (٥٤٤٩) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٣) ذكره الطوسى في التبيان ٢/ ٣١٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ١٩٨.\n(^٤) في م، س: \"حميد\". وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٢٨٤.\n(^٥) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ١٩٨، وابن الجوزي في زاد المسير ١/ ٣٠٦، وأبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٢٨٢، كلاهما عن ابن سيرين معلقا.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"هو الكاهن\".\n(^٧) في ص، م، س: \"سعيد\".","vol":"4","page":557},{"text":"بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: الطاغوتُ الكاهنُ (^١).\nحدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن رُفَيعٍ، قال: الطاغوتُ الكاهنُ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ قال: كُهَانٌ تَنَزَّلُ عليها شياطينُ، يُلْقُون على ألسنتِهم وقلوبِهم، أخبرَني أبو الزبيرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ أنه سمِعه يقولُ - وسُئِل عن الطواغيتِ التي كانوا يَتحاكَمُون إليها - فقال: كان في جُهينةَ واحدٌ، وفي أَسلمَ واحدٌ، وفى كلِّ حَيٍّ واحدٌ، وهى كُهَانٌ يَنزِلُ عليها الشيطانُ (^٣).\nوالصوابُ من القولِ عندي في الطاغوتِ أنه كلُّ ذي طُغْيانٍ طغى على اللَّهِ فعُبِد مِن دونِه، إمَّا بقَهْرٍ منه لمن عبَده، وإما بطاعةٍ ممن عبَده له؛ إنسانًا كان ذلك المعبودُ، أو شيطانًا، أو وثنًا، أو صَنَمًا، أو كائنًا ما كان من شيءٍ.\nوأَرى أن أصلَ الطاغوتِ: الطَّغَوُوتُ، من قولِ القائلِ: طغَا فلانٌ يَطْغُو. إذا عدَا قَدْرَه، فتجاوَز حدَّه، كالجَبَروتِ من التَّجَبُّرِ، [والخَلَبُوتِ من الخَلْبِ] (^٤)، ونحوِ ذلك من الأسماءِ التي تأتِى على تقديرِ \"فَعَلُوت\" بزيادةِ الواوِ والتاءِ، ثم نُقِلَتْ\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٢/ ٣١٢ وابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ١٩٨، وابن الجوزي في زاد المسير ١/ ٣٠٦.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٦ عقب الأثر (٥٤٥٣) معلقًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في التغليق ٤/ ١٩٥، ١٩٦ - من طريق وهب بن منبه، عن جابر، وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٦ (٥٤٥٢) شطره الأول من طريق حجاج به.\n(^٤) في ص، م: \"والحلبوت من الحلب\". وخلبه يخلبه خَلْبًا: خدعه. وهو خَلَبُوتٌ: أي خدّاع. القاموس المحيط (خ ل ب).","vol":"4","page":558},{"text":"لامُه - أَعْنِى لامَ الطغَوُوتِ - فجُعَلَتْ له عَينًا، وحُوِّلَتْ عَينُه، فجُعِلَت مكانَ لامِه، كما قيل: جَبَذ وجَذَب، وجابِدٌ وجاذِبٌ، وصاعِقةٌ وصاقِعةٌ. وما أَشبه ذلك من الأسماءِ التي تأتى على هذا المثالِ.\nفتأويلُ الكلام إذن: فمن يَجْحَدُ رُبوبِيَّةَ كلِّ معبودٍ من دونِ اللَّهِ، فيَكْفُرْ به ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ يقولُ: ويُصدِّقْ باللَّهِ أنه إلهُه وربُّه ومعبودُه [دونَ غيرِه] (^١)، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ يقولُ: فقد تمسَّك بأَوثقِ ما يَتَمَسَّكُ به مَن طلَب الخلاصَ لنفسِه مِن عذابِ اللَّهِ وعقابِه.\nكما حدَّثني أحمدُ بنُ سعيدِ بن يعقوبَ الكنديُّ، قال: ثنا بَقِيَّةُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، عن حُميدِ بن عُقبةَ، عن أبي الدَّرْداءِ، أنه عاد مريضًا من جِيرتِه، فوجَده في السَّوْقِ (^٢) وهو يُغَرْغِرُ، لا يَفْقَهون ما يريدُ، فسألهم: يريدُ أن يَنْطِقَ؟ قالوا: نعم، يريدُ أن يقولَ: آمنْتُ باللَّهِ، وكفَرْتُ بالطاغوتِ. قال أبو الدَّرْداءِ: وما عِلْمُكم بذلك؟ قالوا: لم يَزَلْ يُرَدِّدُها حتى انكسَر لسانُه، فنحن نعلمُ أنه إنّما يريدُ أن يَنْطِقَ بها. فقال أبو الدَّرْداءِ: أفلَح صاحبُكم، إن اللَّهَ يقولُ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-893>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾.</span>\nوالعُرْوةُ في هذا المكانِ مَثَلٌ للإيمانِ الذي اعْتَصَم به المؤمنُ، فشَبَّهه فِي تَعَلُّقِه به وتَمَسُّكِه، بالمُتَمَسِّكِ بعُروةِ الشيءِ الذي له عُروةٌ يُتَمَسَّكُ بها، إذ كان كلُّ ذى عُروةٍ فإنَّما يَتَعَلَّقُ مَن أرادَه بعُروتِه.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) السوق: يقال: ساق المريض سوقا، إذا شرع في نزع الروح. التاج (س وق).","vol":"4","page":559},{"text":"وجعَل جل ثناؤه الإيمانَ الذي تَمَسَّكَ به الكافرُ بالطاغوتِ المؤمنُ باللَّهِ، مِن أَوْثَقِ عُرَى الأشياءِ بقولِه: ﴿الْوُثْقَى﴾.\nو\"الوُثْقَى\" فُعْلَى، مِن الوَثاقِة، يقالُ في الذكَرِ: هو الأَوْثَقُ. وفى الأنثى: هي الوُثْقَى. كما يقالُ: فلانٌ الأفضلُ، وفلانةُ الفُضْلَى.\nوبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ [في قولِه: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [(^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-894>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. قال: الإيمانُ (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: العُرْوةُ الوُثْقَى هو الإسلامُ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي السوداءِ، عن جعفرٍ - يَعْنِى ابنَ أبي المغيرةِ - عن سعيدِ بن جُبيرٍ قولَه: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ قال: لا إلهَ إِلا اللَّهُ (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٤٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٦ (٢٦٢٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٦ عقب الأثر (٢٦٢٧) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٦ عقب (٢٦٢٤) معلقًا.","vol":"4","page":560},{"text":"حدثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي السوداءِ النَّهْدِيِّ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ مثلَه.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-895>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾.</span>\nيعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾: لا انكسارَ لها. والهاءُ والألفُ في قولِه: ﴿لَهَا﴾ عائدةٌ على \"العُروةِ\".\nومعنى الكلامِ: فمن يَكفُرْ بالطاغوتِ ويؤمنْ باللَّهِ، فقد اعتصَم مِن طاعةِ اللَّهِ بما لا يُخْشَى مع اعتصامِه به (^٢) خذْلانُه إيَّاه، وإسلامُه عندَ حاجتِه إليه في أهوالِ الآخرةِ، كالمُسْتَمْسكِ بالوثيقِ مِن عُرَى الأشياءِ التي لا يُخشَى انكسارُ عُراها.\nوأصلُ الفَصْمِ: الكَسْرُ، ومنه قولُ أعشَى بني ثعلبةَ (^٣):\nومَبْسِمَها عن شَتِيتِ (^٤) النَّبا … تِ غيرِ أَكَسَّ (^٥) ولا مُنْفَصِمْ (^٦)\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لا انفصام لها\"، وفى م: \"مثله\".\nوالأثر ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ١٩٩، والقرطبي في تفسيره ٣/ ٢٨٢.\n(^٢) سقط من: م، س.\n(^٣) ديوانه ص ٣٥.\n(^٤) الشتيت: المتفرق. اللسان (ش ت ت).\n(^٥) الأكس: من الكسس: وهو بروز الأسنان السفلى من الحنك الأسفل وتقاعس الحنك الأعلى. اللسان (ك س س).\n(^٦) في الديوان: \"منقصم\".","vol":"4","page":561},{"text":"وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-896>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾. قال: لا يُغَيِّرُ اللَّهُ ما بقومٍ حتى يُغَيِّرُوا ما بأنفسِهم (^١).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ قال: لا انقطاعَ لها (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-897>القول في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾.</span>\nيَعنى جل ثناؤُه: واللَّهُ سميعٌ إيمانَ المؤمنِ باللَّهِ وحدَه، الكافرِ بالطاغوتِ عندَ إقرارِه بوَحْدانيَّةِ اللَّهِ جلَّ ذكرُه، وتَبَرُّئِه من الأندادِ والأوثانِ التي تُعبَدُ من دونِ اللَّهِ، عليمٌ بما عزَم عليه مِن توحيدِ اللَّهِ وإخلاصِ رُبوبيَّتِه قلبُه، وما انْطَوَى عليه من البَراءةِ مِن الآلهةِ والأصنامِ والطَّواغيتِ، ضميرُه، وبغيرِ ذلك مما أخْفَتْه نفسُ كلِّ أحدٍ مِن خلقِه، لا يَنْكَتِمُ عنه سرٌّ، ولا يَخْفَى عليه أمرٌ، حتى يُجازيَ كلًّا يومَ القيامةِ بما نطَق به لسانُه، وأَضْمَرَتْه نفسُه، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا.\n\n<span id=\"aya-264\"></span><span data-type='title' id=toc-898>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٧ (٢٦٢٩) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٦، ٤٩٧ (٢٦٢٨) من طريق عمرو بن حماد به.","vol":"4","page":562},{"text":"يَعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نَصِيرُهم وظَهِيرُهم، يَتَوَلّاهم بعَوْنِه وتوفيقِه، ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ يَعنى بذلك: يُخْرِجُهم من ظُلُماتِ الكفرِ إلى نورِ الإيمانِ. وإنما عنَى بالظُّلُماتِ في هذا الموضعِ الكفرَ، وإنما جعَل الظُّلُماتِ للكفرِ مَثَلًا؛ لأن الظُّلُمَاتِ حاجبةٌ للأبصارِ عن إدراكِ الأشياءِ وإثباتِها، وكذلك الكفرُ حاجبٌ أبصارَ القلوبِ عن إدراكِ حقائقِ الإيمانِ، والعلمِ بصحتِه وصحةِ أسبابِه، فأخبَر تعالى ذكرُه عبادَه أنه وَلِيُّ المؤمنين، ومُبَصِّرُهم حقيقةَ الإيمانِ وسُبُلَه وشرائعَه وحُجَجَه، وهادِيهم، فمُوَفِّقُهم لأَدِلَّتِه المُزِيلةِ عنهم الشكوكَ، بكَشْفِه عنهم دواعِىَ الكفرِ وظُلَمَ سواترِه (^١) أبصارَ القلوبِ. ثم أخبَر تعالى ذكرُه عن أهلِ الكفرِ به، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعنى الجاحدِين وَحْدانِيَّتَه ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ﴾ يعنى: نُصَراؤُهم وظُهَراؤُهم الذين يَتَوَلَّوْنهم ﴿الطَّاغُوتُ﴾ يعنى: الأندادُ والأوثانُ الذين يَعْبُدُونهم من دونِ اللَّهِ، ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ يَعنى بالنورِ الإيمانَ، على نحوِ ما بَيَّنَّا ﴿إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ ويَعنى بالظُّلُماتِ ظُلُماتِ الكفرِ وشكوكَه الحائلةَ دونَ إبصارِ القلوبِ، ورؤيةِ ضياءِ الإيمانِ، وحقائقِ أَدِلَّتِه وسُبُلِه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-899>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. يقولُ: مِن الضَّلالةِ إلى الهُدَى، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾: الشيطانُ ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ\n_________\n(^١) في م: \"سواتر\".","vol":"4","page":563},{"text":"النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾. يقولُ: من الهُدَى إلى الضَّلالةِ (^١).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: الظُّلُمات الكفرُ، والنورُ الإيمانُ، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾: يُخرِجونَهم من الإيمانِ (^٢) إلى الكفرِ (^٣).\nحدَّثْتُ عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابنَ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. يقولُ: من الكفرِ إلى الإيمانِ. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ يقولُ: من الإيمانِ إلى الكفرِ (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن عَبْدَةَ (^٥) بن أبي لُبابةَ، عن مجاهدٍ، أو مِقْسَمٍ في قولِ اللَّهِ جلَّ وعز: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾. قال: كان قومٌ آمَنوا بعيسى، وقومٌ كفَروا به، فلما بَعَث اللَّهُ محمدًا ﷺ آمَن به الذين كفَروا بعيسى، وكفَر به الذين آمنوا بعيسى، [فقال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يُخرِجُهم مِن كُفْرِهم بعيسى] (^٦) إلى الإيمانِ بمحمدٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٠ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الظلمات\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٠ إلى المصنف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٧ عقب الأثر (٢٦٣٠، ٢٦٣٢) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عبد الله\".\n(^٦) في ص، م، س: \"أي يخرج الذين آمنوا\".","vol":"4","page":564},{"text":"ﷺ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ آمنوا بعيسى وكفَروا بمحمدٍ، ﷺ، قال: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ (^١).\nحدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا المُعْتَمرُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعْتُ منصورًا، عن رجلٍ، عن عَبْدَةَ بن أبي لُبابةَ قال في هذه الآيةِ: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ إلى ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. قال: هم أناسٌ كانوا آمَنوا بعيسى ابن مريمَ، فلما جاءهم محمدٌ ﷺ كفروا (^٢) به، وأُنزِلتْ فيهم هذه الآيةُ (^٣).\nوهذا القولُ الذي ذكَرْناه عن مجاهدٍ وعَبْدةَ بن أبي لُبابةَ، يَدُلُّ على أن الآيةَ معناها الخصوصُ، وأنها، إن كان الأمرُ كما وصَفْنا، نزلَتْ في مَن كفَر مِن النَّصارَى بمحمدٍ ﷺ، وفى مَن آمَن بمحمدٍ ﷺ مِن عَبَدَةِ الأوثانِ، الذين لم يكونوا مُقِرِّين بنبوَّةِ عيسى ﵇، ومن سائرِ المللِ التي كان أهلُها يُكَذِّبُ بعيسى.\nفإن قال قائلٌ: أو كانت النَّصارَى على حقٍّ قبلَ أن يُبْعَثَ محمدٌ ﷺ، فيُكذَّبوا به؟\nقيل: مَن كان منهم على مِلَّةِ عيسى ابن مريمَ صلَواتُ اللَّهِ عليه فكان على حقٍّ، وإياهم عنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦].\nفإن قال قائلٌ: فهل يَحمِلُ قولُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٧ (٢٦٣٠) من طريق جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في النسخ: \"آمنوا\". والمثبت موافق لمصادر التخريج.\n(^٣) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٢٠٠، في تفسيره ٣/ ٢٨٣، وأبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٢٨٣.","vol":"4","page":565},{"text":"يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾. أن يكونَ مَعْنِيًّا به غيرُ الذين ذكَر مجاهدٌ [وعبْدةُ] (^١)، أنهم عُنُوا به من المؤمِنين بعيسى، أو غيرُ أهلِ الرِّدَّةِ عن (^٢) الإسلامِ؟\nقيل: نعم، يَحتمِلُ أن يكونَ معنى ذلك: والذين كفَروا أولياؤُهم الطاغوتُ، يَحُولون بينَهم وبينَ الإيمانِ، ويُضِلُّونهم فيَكْفُرون، فيكونُ تَضْلِيلُهم إيَّاهم حتى يَكفُروا إخراجًا منهم لهم مِن الإيمانِ، بمعنى صدِّهم إيّاهم عنه، وحِرْمانِهم إياهم خيْرَه، وإن لم يكونوا كانوا فيه قطُّ، كقولِ الرجلِ: أَخْرَجني والدِي من ميراثِه. إذا ملَّك ذلك في حياتِه غيرَه، فحَرَمه منه حَظَّه (^٣)، ولم يَمْلِكْ ذلك القائلُ هذا الميراثَ قطُّ فيَخْرُجَ منه، ولكنّه لمّا حُرِمَه، وحِيلَ بينَه وبينَ ما كان يكونُ له لو لم يُحْرَمْه، [قيل: أخرَجَه] (^٤) منه. وكقولِ القائلِ: أَخْرَجَني فلانٌ مِن كَتِيبتِه. يَعنى: لم يَجْعَلْني مِن أهلِها، ولم يكنْ فيها قَطُّ قبلَ ذلك، فكذلك قولُه: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾. مُحْتَمِلٌ (^٥) أن يكونَ إخراجُهم إيَّاهم من الإيمانِ إلى الكفرِ على هذا المعنى، وإن كان الذي قاله مجاهدٌ [وعَبْدةُ] (^٦) أَشبهَ بتأويلِ الآيةِ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ﴾ فجمَع خبرَ الطاغوتِ بقولِه: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾. والطاغوتُ واحدٌ؟\nقيل: إن الطاغوتَ اسمٌ لجماعٍ وواحدٍ، وقد يُجْمَعُ \"طَواغيت\". وإذا جُعِل\n_________\n(^١) في م: \"وغيره\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"و\".\n(^٣) في م: \"خطيئة\".\n(^٤) في الأصل: \"قبل إخراجه\".\n(^٥) في م: \"يحتمل\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وغيره\".","vol":"4","page":566},{"text":"واحدُه وجَمْعُه بلفظٍ واحدٍ كان نظيرَ قولِهم: رجلٌ عَدْلٌ، وقومٌ عَدْلٌ. ورجلٌ فِطْرٌ. وقومٌ فِطْرٌ (^١). وما أَشبهَ ذلك من الأسماءِ التي يأتي مُوَحَّدًا في اللفظِ واحدُها وجمعُها، وكما قال العباسُ بنُ مِرْداسٍ (^٢):\nفَقُلْنا أَسْلِمُوا إِنَّا أخُوكُمْ … فقد بَرِئَتْ مِنَ الإحَنِ (^٣) الصُّدورُ\n\n<span data-type='title' id=toc-900>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤه بذلك: هؤلاءِ الذين كفَروا أصحابُ النارِ الذين يُخَلَّدُون فيها - يَعنى: في نارِ جهنمَ - دونَ غيرِهم من أهلِ الإيمانِ، إلى غيرِ غايةٍ ولا نهايةِ أبدًا.\n\n<span id=\"aya-265\"></span><span data-type='title' id=toc-901>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾.</span>\nيعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾: ألم ترَيا محمدُ بقلبِك إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ؟ يَعنى الذي خاصَم إبراهيمَ - يعنى إبراهيمَ نبيَّ اللَّهِ ﷺ في ربِّه؛ ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾. يعنى بذلك: حاجَّه فخاصمَه في ربِّه؛ لأنَّ اللَّهَ آتاه الملكَ.\nوهذا تَعْجِيبٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا ﷺ مِن الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه، ولذلك أُدْخِلَت ﴿إِلَى﴾ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ﴾. وكذلك تفعلُ العربُ إذا أرادتِ التَّعْجِيبَ من رجلٍ في بعضِ ما أَنكرَتْ مِن فَعْلِه، قالوا: أَمَا ترَى\n_________\n(^١) أي مفطرون. ينظر اللسان (ف ط ر).\n(^٢) مجاز القرآن ١/ ٧٩، واللسان (أ خ و).\n(^٣) الإحن جمع إحنة، وهي الحقد. القاموس المحيط (أ ح ن).","vol":"4","page":567},{"text":"إلى هذا؟ والمعنى: هل رأيتَ مثلَ هذا، أو كهذا؟\nوقيل: إن الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه جَبّارٌ كان يبابِلَ، يقالُ له: نُمْروذُ (^١) بنُ كَنْعانَ بن كُوشِ (^٢) بن سامِ بن نوحٍ، وقيل: إِنه نُمْرُوذُ بنُ فالَخَ بن عابَرَ بن شالَخَ (^٣) بن أَرْفَخْشدَ (^٤) بن سامِ بن نوحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-902>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾. قال: هو نُمْرُوذُ بنُ كَنْعانَ (^٥).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثني أبو نُعيمٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نمرود\" بالمهملة، وهو كذلك في تاريخ المصنف ١/ ٢٨٧، والبداية والنهاية ١/ ٣٤٢. وفيه الوجهان، وإن كان أهل التحقيق على أنه بالمعجمة. وينظر التاج (نمرد).\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كوس\". وينظر التاج (ك وش)، ونهاية الأرب ٢/ ٢٨٩ وفيه أنه كوش بن حام، وليس ابن سام.\n(^٣) في ص: \"شالح\".\n(^٤) في ص: \"أرفحشذ\"، وفى م، وتاج العروس (ع ب ر): \"أرفخشذ\". وينظر البداية والنهاية ١/ ٣٢٤، ٣٤٢ بتحقيقنا.\n(^٥) تفسير مجاهد ٢٤٣.","vol":"4","page":568},{"text":"حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن النَّضْرِ بن عَرَبيٍّ (^١)، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾. قال: كُنّا نُحَدَّثُ أنه مَلِكٌ يقالُ له: نُمروذُ. هو أولُ مَلِكٍ تَجَبَّرَ في الأرضِ، وهو صاحبُ الصَّرْحِ ببابِلَ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: هو جبّارٌ (^٣) اسمُه نُمْرُوذُ، وهو أولُ من تجَبَّرَ في الأرضِ، حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه (^٤).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾. قال: ذُكِر لنا أن الذي حاجَّ إبراهيمَ (^٥)، كان مَلِكًا يقالُ له: نُمْرُوذُ. وهو أولُ جَبَّارٍ تَجَبَّرَ في الأرضِ، وهو صاحبُ الصَّرْحِ ببابِلَ (^٦).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: هو نُمْرُوذُ بن كَنْعَانَ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: هو نُمْرُوذُ (^٧).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عدي\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣١ إلى المصنف، وعبد بن حميد.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٨ (٢٦٣٥) عن الحسن به.\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"في ربه\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣١ إلى المصنف.\n(^٧) سيأتي تخريجه في ص ٥٧٣، ٥٧٤.","vol":"4","page":569},{"text":"حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ مثلَه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، قال: أخبَرني زيدُ بنُ أسلمَ بمثلِه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبَرني عبدُ اللَّهِ بنُ كَثيرٍ أنه سَمِع مجاهدًا يقولُ: هو نُمْرُوذُ. قال ابن جُريجٍ: هو نُمْرُوذُ، ويقالُ: إنه أولُ مَلِكٍ في الأرضِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-903>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾.</span>\nيَعنى جلّ ثناؤه بذلك: ألم تَرَ يا محمدُ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه حينَ قال له إبراهيمُ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. يعنى بذلك: رَبِّيَ الذي بيدِه الحياةُ والموتُ، يُحْيي مَن يشاءُ، ويُمِيتُ مَن أراد بعدَ الإحياءِ. قال: أنا أفعلُ ذلك، فأُحْيِي وأُمِيتُ، أَسْتَحْيِي مَن أُرِيدُ (^٤) قتْلَه، فلا أَقتُلُه، فيكونُ ذلك منى إحياءً له - وذلك عندَ العربِ يُسَمَّى إحياءً، كما قال اللَّهُ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] - وأَقْتُلُ آخَرَ، فيكونُ ذلك منى إِماتةً له. قال إبراهيمُ له: فإن اللَّهَ الذي هو ربِّي يَأْتِي بالشمسِ من مَشْرقِها، فأْتِ بها، إن كنتَ صادقًا أنك إلهٌ، مِن مَغْرِبِها. قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾. يَعنى: انْقَطَع\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه في أثر مطول ١/ ٢٣٣.\n(^٢) سيأتي مطولًا في ص ٥٧٢، ٥٧٣.\n(^٣) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ٢٠٢، والبحر المحيط ٢/ ٢٨٦.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أردت\".","vol":"4","page":570},{"text":"وبَطَلَتْ حُجَّتُه.\nيقالُ منه: بُهِتَ يُبْهَتُ بَهْتًا. وقد حُكِى عن بعضِ العربِ أنها تقولُ بهذا المعنى: بَهَتَ. ويقالُ: بَهَتُّ الرجلَ. إذا افْتَرَيْتَ عليه كَذِبًا، بَهْتًا وبُهْتَانًا وَبَهَاتةً. وقد رُوِيَ عن بعضِ القرأةِ أنه قرَأ: (فَبَهَت الذي كَفَر) (^١). بمعنى: فَبهَتَ إبراهيمُ الذي كفَر.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-904>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾: وذُكِر لنا أنه دَعا برجلَين، فقتَل أحدَهما، واسْتَحْيَا الآخرَ، فقال: أنا أُحيِى [وأُمِيتُ؛ إني] (^٢) أَسْتَحْيِي مَن شِئْتُ، وأَقتُلُ مَن شِئْتُ. قال إبراهيمُ عندَ ذلك: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾. ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٣).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: أنا أُحْيِي وأُمِيتُ؛ أقتُلُ مَن شِئْتُ، وأَسْتَحْيِي مَن شِئْتُ؛ أَدَعُه حَيًّا فَلا أقتُلُه. وقال: مَلَكَ الأَرضَ مَشْرِقَها ومَغْرِبَها أربعةُ نَفَرٍ، مؤمِنان وكافِران؛ فالمؤمِنان سليمانُ بن داودَ\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن السميقع، وهي شاذة. ينظر المحتسب ١/ ١٣٤، والبحر المحيط ٢/ ٢٨٩.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"هذا أنا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣١ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"4","page":571},{"text":"وذو القَرْنَين؛ والكافران: بُخْتُنَصَّرَ ونُمْرُوذُ بنُ كَنْعَانَ، لم يَمْلِكُها غيرُهم (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن زيدِ بن أسلمَ: إنَّ (^٢) أولَ جَبَّارٍ كان في الأرضِ نُمْرُوذُ، وكان الناسُ يَخرُجُون فيَمْتارُون (^٣) من عندِه الطعامَ، فخرَج إبراهيمُ يَمْتارُ مع مَن يَمْتارُ، فإذا مَرَّ به ناسٌ قال: مَن ربُّكم؟ قالوا: أنت. حتى مرَّ إبراهيمَ، قال: مَن ربُّك؟ قال: الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ. قال: أنا أُحْيي وأُميتُ. قال إبراهيمُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. قال: فردَّه بغيرِ طعامٍ، فرجَع إبراهيمُ إلى (^٤) أهلِه، فمرَّ على كَثيبٍ (^٥) أعفرَ، فقال: ألَّا آخُذُ مِن هذا فأتِيَ به أهلى، فتَطِيبَ أنفسُهم حينَ أدخُلُ عليهم. فأخَذَ منه فأتَى أهلَه، قال: فوضَع متاعَه ثم نام، فقامتِ امرأتُه إلى متاعِه، ففَتَحَتْه، فإذا هي بأجودِ طعامٍ [رآه أحدٌ] (^٦)، فصَنَعَتْ له منه، فقرَّبَتْه إليه - [وكان عهدِ أهلَه ليس عندَهم طعامٌ] (^٧) - فقال: من أين هذا؟ قالت: من الطعامِ الذي جِئْتَ به. فعَلِم أن اللَّهَ رزَقه، فحَمِد اللَّهَ، ثم بعَث اللَّهُ إلى الجَبَّارِ مَلَكًا أنْ آمِنْ بى وأَترُكَكَ على مُلْكِك. قال: وهل ربٌّ غيرِى؟ فجاءه الثانيةَ، فقال له ذلك، فأبَى عليه، ثم أتاه الثالثةَ، فأبى عليه، فقال له المَلَكُ: اجْمَعُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٦٤ من طريق حصين، عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) يمتارون: يجلبون. ينظر التاج (م ي ر).\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"على\".\n(^٥) بعده في م، والدر المنثور: \"من رمل\". والكثيب الأعفر: هو كثيب الرمل الأحمر. اللسان (ع ف ر).\n(^٦) في م: \"رأته\".\n(^٧) سقط من الأصل، وفى م، وتفسير عبد الرزاق، والدر المنثور: \"وكان عهده بأهله أنه ليس عندهم طعام\". والمثبت موافق لما في تاريخ المصنف.","vol":"4","page":572},{"text":"جُموعكَ إلى ثلاثةِ أيامٍ، فجمَع الجبارُ جُموعَه، فأمَر اللَّهُ الملَكَ، ففتَح عليه بابًا من البَعوضِ، فطلَعتِ الشمسُ فلم يَرَوْها من كَثْرتِها، فبعَثها اللَّهُ عليهم، فأكلَتْ لُحومَهم، وشَرِبَت دماءَهم، فلم يَبْقَ إلا العِظامُ، والملِكُ كما هو لم يُصِبْه من ذلك شيءٌ، فبعَث اللَّهُ عليه بَعوضةً، فدخَلت في مَنْخَرِه، فمكَث أربعَمائةِ سنةٍ يُضْرَبُ رأسُه بالمَطارقِ، وأَرْحمُ الناسِ به من جمَع يدَيْه وضَرَب بهما رأسَه، وكان جبارًا أربعَمائةِ عامٍ، فعذَّبه اللَّهُ أربعَمائةِ سنةٍ كمُلكِه (^١)، وأماتَه اللَّهُ، وهو الذي بني صرحًا إلى السماءِ، فأتى اللَّهُ بنيانَه مِن القواعدِ، وهو الذي قال اللَّهُ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ (^٢) [النحل: ٢٦].\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بن أسلمَ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾. قال: هو نُمْروذُ بنُ كَنْعانَ، كان بالمَوْصلِ والناسُ يَأْتُونه، فإذا دخَلوا عليه، قال: مَن ربُّكم؟ فيَقُولون: أنتَ. فيقولُ: أمِيرُوهم (^٣). فلما دخَل إبراهيمُ ومعه بعيرٌ خرَج يَمْتازُ به لولدِه، قال: فعرَضهم كلَّهم، فيَقُولُ: مَن ربُّكم؟ فيَقُولون: أنتَ. فيَقولُ: أمِيروهم. حتى عرَض إبراهيمَ مرتين، فقال: مَن ربُّك؟ قال: ربيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ. قال: أنا أُحْيى وأُمِيتُ؛ إن شِئْتُ قَتَلْتُك فأَمَتُّك، وإن شِئْتُ اسْتَحْيَيْتُك. فقال إبراهيمُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. قال: أخرِجوا هذا فلا تُمِيرُوه شيئًا. فخرَج القومُ كلُّهم قد\n_________\n(^١) في الأصل: \"كعدد ملكهـ\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٧، وابن أبي حاتم - مختصرا - في تفسيره ٢/ ٤٩٩ (٢٦٣٨) عن الحسن به، وهو في تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٥، وأخرجه ابن عساكر ٦/ ١٧٨ من طريق حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣١ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في ص، م: \"ميروهم\". وأماره وماره بمعنى. التاج (م ي ر).","vol":"4","page":573},{"text":"امتاروا، وجُوالقَا (^١) إبراهيمَ يَصْطَفِقان (^٢). قال (^٣): حتى إذا نظَر إلى سوادِ جبالِ أهلِه، قال: لَيحْزُنُني صبييَّ (^٤) إسماعيلُ وإسحاقُ، لو أنى ملأتُ هذين الجُوالِقَين مِن هذه البطحاءِ فذهَبْتُ بهما، قَرَّتْ عَيْنا صبييَّ، حتى إذا كان الليلُ أَهْرَقْتُه. قال: فمَلأهما ثم خَيَّطَهما، ثم جاء بهما، [فنَزا عليه] (^٥) الصبيَّان فَرَحًا، وألْقى رأسَه في حَجْرِ سارةَ ساعةً، ثم قالت: ما يُجْلِسُني؟ قد جاء إبراهيمُ تَعِبًا لَغِبًا (^٦)، لو قُمْتُ فصنَعت له طعامًا إلى أن يَقُومَ! قال: فأخَذَتْ وِسادةً، فأدْخَلَتْها مكانَها، وانْسَلَّت قليلًا قليلًا لئلّا تُوقِظَه، قال: فجاءَت إلى إحدى الغِرارَتين (^٧) فقَتَقَتْها، فإذا حُوَّارَى (^٨) من النَّقيِّ، لم يَرَوْا مثلَه عندَ أحدٍ قَطُّ، فأخَذتْ منه، [فعجنَتْه وصنعَتْه] (^٩)، فلما أتَت تُوقِظُ إبراهيمَ، جاءَته حتى وضعَتْه بين يَدَيْه، فقال: أيُّ شيءٍ هذا يا سارَةُ. قالت: من جُوالِقِكَ، لقد جئتَ وما عندَنا قليلٌ ولا كثيرٌ. قال: فذهَب يَنْظُرُ إلى الجُوالِقِ الآخَرِ، فإذا هو مثلُه، فعرَف مِن أين ذاك (^١٠).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه،\n_________\n(^١) الجوالق، بكسر اللام وفتحها معرب: وعاء من الأوعية معروف. اللسان (ج ل ق).\n(^٢) اصطفق، من قولهم: صفقت الريح الأشجار صفقا فاصطفقت، إذا هزتها وحركتها. التاج (ص ف ق).\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، م.\n(^٤) في م: \"صبياي\".\n(^٥) في ص، م: \"فترامي عليه\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فنزا عليهما\". وفي العظمة: \"فنزل عليه\". ونزا: وثب وقفز. اللسان (ن ز و).\n(^٦) اللغب، بالتحريك: التعب والإعياء، وهو أيضا النصب والفتور اللاحق بسببه. التاج (ل غ ب).\n(^٧) الغرارتان مثنى الغرارة، وهى الجوالق، والجمع غرائر. التاج (غ ر ر).\n(^٨) الحواري: الدقيق الأبيض، وهو لباب الدقيق وأجوده وأخلصه. التاج (ح ور).\n(^٩) في ص: \"فعجنته وعجنته\"، وفى م: \"فطحنته وعجنته\".\n(^١٠) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٩٦٦، ٩٩٧) من طريق ابن وهب به.","vol":"4","page":574},{"text":"عن الربيعِ، قال: لمّا قال له إبراهيمُ: ربيَ الذي يُحْيِي ويُميتُ. قال هو - يعنى نُمْروذَ -: فأنا أُحْيِي وأُمِيتُ. فدعا برجلين، فاسْتَحْيَا أحدَهما وقتَل الآخَرَ. قال: أنا أُحْيِي وأُمِيتُ؛ إني (^١) أسْتَحْيِي مَن شِئْتُ. فقال إبراهيمُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لما خرَج إبراهيمُ مِن النارِ، أدخَلوه على الملكِ، ولم يَكُنْ قبلَ ذلك دخَل عليه، فكلَّمه، وقال له: من ربُّك؟ قال: ربيَ الذي يُحْيِي ويُمِيتُ. قال: نُمْروذُ: أنا أحْيِي وأُمِيتُ؛ أنا آخُذُ (^٣) أربعةَ نفَرٍ فأُدخِلُهم (^٤) بيتًا، فلا يُطْعَمُون ولا يُسقَوْن، حتى إذا هلَكوا مِن الجوعِ أطْعَمْتُ اثنين وسَقَيْتُهما فعاشَا، وتَرَكْتُ اثنين فماتَا. فَعرَفَ إبراهيمُ أن له قدرةً بسلطانِه ومُلكِه على أن يَفْعَلَ ذلك، قال له إبراهيمُ: فإن اللَّهَ (^٥) يأتى بالشمسِ مِن المشْرقِ، فأتِ بها مِن المغربِ. فبُهِت الذي كفَر، وقال: إن هذا إنسانٌ مجنونٌ، فأخْرِجوه، ألا تَرَوْن أنه مِن جنونِه اجْتَرأ على آلهتِكم فكسَرها، وأن النارَ لم تَأْكُلْه. وخشِي أن يَفْتَضِحَ في قومِه، [أعنى نُمْروذَ] (^٦)، وهو قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣]. وكان يَزْعُمُ أنه ربٌّ، فأمَر بإبراهيمَ فأُخْرِج (^٧).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قال أي\".\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ٣/ ٢٨٥.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أدخل\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في ص، م، ت ٢، س: \"ربي الذي\".\n(^٦) سقط من: ص.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٨، ٤٩٩ (٢٦٣٦) من طريق عمرو بن حماد به، وعزاه =","vol":"4","page":575},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبَرني عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، أنه سمِع مجاهدًا يَقُولُ: قال: أنا أحْيِي وأُمِيتُ: أُحْيِي فلا أَقْتُلُ، وأُمِيتُ مَن قَتَلْتُ. قال ابن جُريجٍ: كان أُتِي برجلين، فقَتَل أحدَهما وترَك الآخرَ، فقال: أنا أُحْيِي وأُمِيت. قال: أقْتُلُ فأُمِيتُ مَن قَتَلْتُ، وأُحْيِي. قال: أَسْتَحْيِي فلا أقْتُلُ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ذُكِر لنا، واللَّهُ أعلمُ، أن نُمْروذَ قال لإبراهيمَ فيما يَقُولُ: أرَأيْت إلهَك هذا الذي تَعْبُدُه، وتَدْعو إلى عبادتِه، وتَذْكُرُ مِن قدرتِه التي تعَظِّمُه بها على غيرِه ما هو؟ فقال له إبراهيمُ: ربِّيَ الذي يُحْيِي ويُمِيتُ. قال: نُمروذُ: فأنا أُحْيِي وأُمِيتُ. فقال له إبراهيمُ: كيف تُحْيي وتُمِيتَ؟ قال: آخُذُ الرَّجُلَين قد اسْتَوجَبا القتلَ في حُكْمِي، فأقْتُلُ أحدَهما، فأكونُ قد أمَتُّه، وأعْفُو عن الآخرِ، فأتْرُكُه، فأكونُ قد أحْيَيْتُه. فقال له إبراهيمُ عندَ ذلك: فإن اللَّهَ يَأتى بالشمسِ من المشرقِ، فأْتِ بها مِن المغربِ أعْرِفْ أنه كما تَقوُلُ. فبُهِتَ عندَ ذلك نُمْروذُ، ولم يَرْجِعْ إليه شيئًا، وعرَف أنه لا يُطيقُ ذلك. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾. يَعْنى: وقَعت عليه الحجةُ، يَعْنى نُمْروذَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-905>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.</span>\nيعنِى جلَّ ثناؤه بذلك: واللَّهُ لا يَهْدى أهلَ الكُفْرِ به إلى حجةٍ يَدْحَضُون بها\n_________\n= السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣١ إلى ابن المنذر.\n(^١) قول ابن جريج عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣١ إلى ابن المنذر من قول ابن عباس، وينظر ما تقدم في ص ٥٧٠.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٤٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٩ (٢٦٤٠) من طريق سلمة به مختصرا.","vol":"4","page":576},{"text":"حُجَجَ (^١) أهلِ الحقِّ عندَ المحاجة والمخاصمةِ؛ لأن أهلَ الباطلِ حُجَجُهم داحضةٌ.\nوقد بيَّنا أن معنى الظلمِ وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه (^٢)، والكافرُ وضَع جُحُودَه ما جحَد في غيرِ موضعِه، فهو بذلك مِن فعلِه ظالمٌ لنفسِه.\nوبنحوِ ما قُلْنا في ذلك قال ابن إسحاقَ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يَهْديهم في الحُجَّةِ عندَ الخصومةِ لما هم عليه مِن الضلالِة (^٣).\n\n<span id=\"aya-266\"></span><span data-type='title' id=toc-906>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾.</span>\nيَعْنى جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾. نظيرَ الذي عَنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾. مِن تَعْجيبِ محمدٍ ﷺ منه.\nوقولُه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾. عطفٌ على قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾. وإنما عطَف بقولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي﴾ على قولِه: ﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾. وإن اختلَف لفظاهما؛ لتشابهِ مَعْنَيَيْهما؛ لأن قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾. بمعنى: هل رأَيتَ يا محمدُ كالذى حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه؟ ثم عطَف عليه بقولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾. [كأَنَّه قال: هل رأيتَ كالذى حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه؟ أو كالذى مرَّ على قريةٍ] (^٤)؟ لأن مِن شأنِ العربِ العَطْفَ بالكلامِ على معنًى نظيرٍ له قد تَقَدَّمَه، وإن خالَف لفظُه لفظَه.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حجة\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٥٩، ٥٦٠.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٩ (٢٦٤٠) من طريق سلمة به.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"4","page":577},{"text":"وقد زعَم بعضُ نحويِّى البصرةِ أن الكافَ في قولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾؟\nزائدةٌ، وأن المعنى: ألم تَرَ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ؟ أو الذي (^١) مَرَّ على قريةٍ. وقد بَيَّنا فيما مَضَى قَبْلُ أنه غيرُ جائزٍ أن يَكُونَ في كتابِ اللَّهِ شيءٌ لا معنى له، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في الذي مَرَّ على قريةٍ وهى خاويةٌ على عُروشِها؛ فقال بعضُهم: هو عُزَيرٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-907>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن ناجيةَ بن كعبٍ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. قال: عُزَيرٌ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو خُزَيمةَ، قال: سمِعتُ سليمانَ بنَ بُريدةَ في قولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾. قال: هو عُزَيرٌ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ قال: ذُكِرُ لنا أنه عُزَيرٌ (^٥).\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١: \"كالذي\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٦٦ - ٤٧٢.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٧١، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٤٠/ ٣٢٠.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣١ إلى المصنف، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٠ عقب الأثر (٢٦٤١) معلقًا.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٠ (٢٦٤٤) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة.","vol":"4","page":578},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^١).\nحُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه قولَه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾. قال: قال الربيعُ: ذكِر لنا، واللَّهُ أَعْلَمُ، أن الذي أتَى على القريةِ هو عُزَيرٌ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمةَ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. قال: عُزَيرٌ (^٢).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾. قال: عُزَيرٌ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يَقُولُ: أخبَرنا عُبيدُ بن سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يَقُولُ في قولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾: يقالُ (^٣): إنه عُزَيرٌ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: قال لنا سَلْمٌ (^٤) الخواصُ: كان ابن عباسٍ يَقُولُ: هو عُزَيرٌ (^٥).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٦.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣١ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: ص، م، وفى ت ١، ت ٢، س: \"قال قال\".\n(^٤) في م، ص: \"سالم\". وينظر الكامل لابن عدى ٣/ ١١٧٤.\n(^٥) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٤٠/ ٣٢٠ من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.","vol":"4","page":579},{"text":"وقال آخرون: بل هو إِرْمِيَا (^١) بنُ حَلْقِيَّا. وزعَم محمدُ بنُ إسحاقَ أن إِرْمِيَا هو الخَضِرُ.\nحدَّثنا بذلك ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثني ابن إسحاقَ، قال: اسمُ الخَضِرِ، فيما كان وهبُ بنُ مُنَبِّهٍ يَزْعُمُ عن بني إسرائيلَ، إِرْمِيَا بنُ حَلْقِيَّا، وكان مِن سِبطِ هارونَ بن عمرانَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-908>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ في قولِه: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: إن إِرْمِيَا لما خُرِّب بيتُ المقدِس وحُرِّقتِ الكتبُ، وقَف في ناحيةِ الجبلِ، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثني ابن إسحاقَ، عمن لا يَتَّهمُ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: هو إِرْمِيَا (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ [سَهْلِ بن] (^٥) عَسْكَرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال:\n_________\n(^١) في ص في هذا الموضع وما بعده: \"أورميا\". والمثبت موافق لما في كتاب القوم، ينظر سفر إرميا. الأصحاح ١/ ١.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٤٧.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٩، ١٠٠، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٨/ ٢٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٢ (٢٦٥٣)، وأبو الشيخ في العظمة (٢٤٣) من طريق أبي الهذيل، عن وهب بن منبه.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٤٨.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"4","page":580},{"text":"سمِعت عبدَ الصمدِ بنَ مَعْقِلٍ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ مثلَه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عبيدِ بن عميرٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ قال: كان نبيًّا وكان اسمُه إِرْمِيَا (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عبيدٍ، مثلَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني بكرُ بنُ مُضَرَ (^٣)، قال: يَقُولون، واللَّهُ أعلمُ: إنه إرْمِيَا (^٤).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يُقَالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه عجَّب نبيَّه ﷺ ممن قال، إذ رأى قريةً خاويةً على عُروشِها: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. مع علمِه أنه ابتدَأ خَلْقَها مِن غيرِ شيءٍ، فلم يُقْنِعْه عِلمُه بقُدْرتِه على ابتدائِها، حتى قال: أنى يُحْيِيها اللَّهُ بعدَ موتِها؟ ولا بيانَ عندَنا مِن الوجهِ الذي يَصِحُّ مِن قِبَلِه البيانُ عن (^٥) اسمِ قائلِ ذلك، وجائزٌ أن يكونَ عُزَيرًا، وجائزٌ أن يكونَ إِرْمِيَا، ولا حاجةَ بنا إلى معرفةِ اسمِه، إذ لم يكنِ المقصودُ بالآيةِ تعريفَ الخَلْقِ اسمَ قائلِ ذلك، وإنما المقصودُ بها تعريفُ المنكِرين قدرةَ اللَّهِ على إحيائِه خلقَه بعدَ مماتِهم، وإعادتِه إيّاهم بعدَ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٤٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٠ (٢٦٤٣) من طريق قيس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٣ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) بياض في: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى س: \"وائل\".\n(^٤) ينظر البحر المحيط ٢/ ٢٩٠.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"علي\".","vol":"4","page":581},{"text":"فنائِهم، وأنه الذي بيَدِه الحياةُ والموتُ، مِن قريشٍ ومَن كان يُكَذِّبُ بذلك مِن سائرِ العربِ، وتثبيتُ الحجةِ بذلك على مَن كان بينَ ظَهْرَانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن يهودِ بني إسرائيلَ، بإطلَاعِه نبيَّه محمدًا ﷺ على ما يُزِيلُ شكَّهم في نبوَّتِه، ويَقْطَعُ عذرَهم في رسالتِه، إذ كانت هذه الأنباءُ التي أوحاها اللَّهُ إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ في كتابِه، مِن الأنباءِ التي لم يكنْ يَعْلَمُها محمدٌ ﷺ وقومُه، ولم يَكنْ علْمُ ذلك إلا عندَ أهلِ الكتابِ، ولم يكنْ محمدٌ ﷺ وقومُه منهم، بل كان أمِّيًّا، وقومُه أُمَّيُّون، فكان معلومًا بذلك - عندَ أهلِ الكتابِ مِن اليهودِ الذين كانوا بينَ ظَهْرَانَيْ مُهاجَرِه - أن محمدًا ﷺ لم يَعْلَمْ ذلك إلا بوحيٍ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه إليه. ولو كان (^١) المقصودُ بذلك الخبرَ عن اسمِ قائلِ ذلك، لكانتِ الدَّلالةُ منصوبةً عليه نصبًا يَقْطَعُ العذرَ، ويُزيلُ الشكَّ، ولكنَّ القصدَ كان إلى ذمِّ قِيلِه، فأبان ذلك جلّ ثناؤه لخَلْقِه.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في القريةِ التي مرَّ عليها القائلُ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. فقال بعضُهم: هي بيتُ المقدسِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-909>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سهلِ بن عسكرٍ ومحمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قالا: ثنا إسماعيلُ بن عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ، قال: لما رأى إِرمِيَا هَدَمَ (^٢) بيتِ المقدسِ كالجبلِ العظيمِ، قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (^٣).\n_________\n(^١) بعده في ص: \"يعلم\".\n(^٢) الهدم، بفتح الدال: ما انهدم من البناء. اللسان (هـ د م).\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٥٨٠.","vol":"4","page":582},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا عبدُ الصمدِ بنُ معقلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنبِّهٍ، قال: هي بيتُ المقدسِ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، عمَّن لا يُتَّهمُ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ ذلك (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذكِر لنا أنه بيتُ المقدسِ، أتَى عليه عُزَيرٌ بعدَما خرَّبه بُخْتُنَصَّرَ البابِليُّ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يَقُولُ في قولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾: إنه مَرَّ على الأرضِ المقدسةِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عِكْرِمةَ في قولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾. قال: القريةُ بيتُ المقدسِ، مَرَّ بها عُزَيرٌ بعدَ إِذ حَرَّبها بُخْتُنَصَّرَ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ قال: القريةُ بيتُ المقدسِ، مَرَّ عليها عُزَيرٌ وقد خَرَّبَها بُخْتُنَصَّرَ (^٣).\nوقال آخرون: بل هي القريةُ التي كان اللَّهُ أهلَك فيها الذين خرَجوا مِن ديارِهم\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص ٥٨٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٠ (٢٦٤٤) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٣ إلى المصنف.","vol":"4","page":583},{"text":"وهم ألوفٌ حذَرَ الموتِ، فقال لهم اللَّهُ: مُوتوا.\n\n<span data-type='title' id=toc-910>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾. قال: قريةٌ كانت (^١) نزل بها الطاعونُ. ثم اقْتَصَّ قصتَهم التي ذكَرناها في موضعِها عنه، إلى أن بلَغ. ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣]: في المكانِ الذي ذهَبوا يَبْتَغون فيه الحياةَ، فماتوا، ثم أحياهم اللَّهُ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. قال: ومَرَّ بها رجلٌ وهى عظامٌ تلوحُ، فوقَف يَنْظُرُ، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ إلى قولِه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك كالقولِ في اسمِ القائلِ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. سواءٌ لا يَخْتَلِفان.\n\n<span data-type='title' id=toc-911>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾.</span>\nيَعْنِى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾: وهي خاليةٌ مِن أهلِها وسكانِها، يقالُ مِن ذلك: خَوَت الدارُ تَخْوِى خَوَاءٌ وخُوِيًّا، وقد يُقالُ للقريةِ: خَوِيَت. والأول أعْرَبُ وأفْصَحُ. وأما في المرأةِ إذا كانت نُفَساءَ فإنه يقالُ: خَوِيت تَخْوَى؟ خَوًى. مَنْقُوصًا، وقد يُقالُ فيها: خَوَتْ تَخْوِى. كما يُقالُ في الدارِ، وكذلك: خَوَى\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كان\".\n(^٢) تقدم بتمامه في ص ٤٢٠.","vol":"4","page":584},{"text":"الجَوفُ يَخْوِى خوًى (^١) شديدًا. ولو قِيل في الجوفِ ما قِيل في الدارِ، وفي الدارِ ما قِيل في الجَوْفِ، كان صوابًا، غيرَ أن الفصيحَ ما ذكَرتُ.\nوأما العُروشُ، فإنها الأبنيةُ والبيوتُ، واحدُها عَرْشٌ، وجَمْعُ قليلِه أَعْرُشٌ، وكلُّ بناءٍ فإنه عَرْشٌ، ويُقالُ: [عَرَش فلانٌ، إذا بنَى - يَعْرِشُ ويَعرُشُ - عرشًا] (^٢)، ومنه قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] يعنِي: يَبْنُون. ومنه قِيل: عَريشُ مكةَ، يعنِى به خيامَها وأبنيتَها.\nوبمثلِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-912>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال ابن عباسٍ: ﴿خَاوِيَةٌ﴾: خرابٌ. قال ابن جريجٍ: بلَغنا أن عُزَيرًا حرَج، فوقَف على بيتِ المقدسِ وقد خرَّبه بُخْتُنَصَّرَ، فوقَف فقال: أبْعدَ ما كان لك (^٣) مِن المقدسِ والمُقاتِلةِ والمالِ ما كان! فحزِن (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. قال: هي خرابٌ (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"خواء\".\n(^٢) في ص: \"عرش فلان إذا يعرش ويعرش عرشا\"، وفى م: \"عرش فلان يعرش ويعرش وعرش تعريشا\". وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عرش فلان إذا تعرش وتعرش تعريشا\".\n(^٣) في الأصل: \"فيك\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٣ إلى المصنف وابن المنذر دون قول ابن جريج.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٠ (٢٦٤٥) من طريق جويبر، عن الضحاك، وينظر ما سيأتي تخريجه في ١٦/ ٥٩٠.","vol":"4","page":585},{"text":"حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: مَرَّ عليها عُزَيرٌ وقد خرَّبها بُخْتُنَصَّرَ (^١).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ يقولُ: ساقِطةٌ على سُقُفِها (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-913>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾.</span>\nومعنَى ذلك فيما ذُكِر (^٣)، أن قائلَه لما مَرَّ ببيتِ المقدسِ، أو بالموضعِ الذي ذكَر اللَّهُ أنه مَرَّ به خرابًا بعدَ ما عهِده عامِرًا، قال: أنَّى يُحْيِي هذه اللَّهُ بَعْدَ خرابِها؟ (^٤). فقال بعضُهم: كان قِيلُه ما قال مِن ذلك شَكًّا في قدرةِ اللَّهِ على إحيائِه، فأراه اللَّهُ قدرتَه على ذلك، بضَرْبِه المَثَلَ له في نفسِه، ثم أراه الموضعَ الذي أنكَر قدرتَه على عِمارتِه وإحيائِه أحيا (^٥) ما أراه (^٦) قبلَ خرابِه، وأعْمَرَ ما كان قبلَ خرابِه، وذلك أن قائلَ ذلك كان - فيما ذُكِر لنا - عهِده عامرًا بأهلِه وسُكّانِه، ثم رآه خاويًا على عُرُوشِه، قد باد أهلُه، وشَتَّتَهم القتلُ والسَّباءُ، فلم يَبْقَ منهم بذلك المكانِ أحدٌ، وخَرِبت منازلُهم ودُورُهم، فلم يَبْقَ فيها إلا الأثرُ، فلمّا رآه كذلك بعدَ الحالِ التي عهِده عليها،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٨٣.\n(^٢) أخرجه بن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠١ عقب الأثر (٢٦٤٧) من طريق عمرو بن حماد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٣ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ذكرت\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"موتها\".\n(^٥) أحيا ما أراه: على التفضيل وليس على الفعلية، أي: كأحيا ما أراه. وقد عُطف عليه بعدُ: وأعمر ما كان قبل خرابه.\n(^٦) في م: \"رآه\".","vol":"4","page":586},{"text":"قال: على أيِّ وجهٍ يُحْيِي هذه اللَّهُ بعدَ خرابِها فيَعْمُرُها؟ استنكارًا - فيما قاله بعضُ أهلِ التأويلِ - فأراه اللَّهُ كيفيةَ إحيائِه ذلك، بمثَلٍ (^١) ضرَبه له في نفسِه، وفيما كان [مِن إداوَتِه] (^٢) وطعامِه، ثم عرَّفه قدرتَه على ذلك وعلى غيرِه، [بإظهارِ إحيائِه] (^٣) ما كان عجبًا عندَه في قدرةِ اللَّهِ إحياؤُه لرأْيِ عينِه، حتى أبصَرَه ببصرِه، فلمّا رأَى ذلك، قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nوكان سببَ قِيلِه ذلك كالذى حدَّثني به ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمَّن لا يُتَّهمُ، عن وهْبِ بن مُنَبِّهٍ اليمانيِّ أنه كان يَقُولُ: قال اللَّهُ لإرْمِيَا حينَ بعَثه نبيًّا إلى بني إسرائيلَ: يا إِرْمِيَا، مِن قبلِ أَن أَخْلُقَكَ اخْتَرْتُك، ومِن قبلِ أن أُصَوِّرَك في رَحِم أُمِّك قدَّسْتُك، ومِن قبلِ أن أُخْرِجَك مِن بطنِها طَهَّرْتُكَ، ومِن قبلِ أن تَبْلُغَ السعىَ نَبَّيْتُك (^٤)، ومِن قبلِ أن تَبْلُغَ الأشُدَّ اختَرتُك (^٥)، ولأمرٍ عظيمٍ اجْتَبَيْتُك. فبعَث اللَّهُ ﵎ إِرْمِيَا إلى ملِكِ بني إسرائيلَ، يسدِدُه ويُرْشِدُه، ويأتيه بالخبرِ مِن اللَّهِ فيما بينَه وبينَه.\nقال: ثم عَظُمت الأحداثُ في بنى إسرائيلَ، وركِبوا المعاصيَ، واستحَلُّوا المحارمَ، ونسُوا ما كان اللَّهُ صنَع بهم، وما نجّاهم مِن عدوِّهم سَنْحاريبَ، فأوحَى اللَّهُ ﷿ إلى إرميا: أنِ ائْتِ قومَك مِن بني إسرائيلَ، فاقْصُصْ عليهم ما آمُرُك به، وذَكِّرْهم نعمتى عليهم وعَرِفْهم إحداثَهم.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ص: \"بما\".\n(^٢) في الأصل: \"من أدواته\"، وفى م: \"من شرابه\"، وفى س: \"مرادا به\". والإداوة: إناء صغير من جلد يتخذ للماء. اللسان (أ د و).\n(^٣) في م: \"بإظهاره إحياء\".\n(^٤) في م: \"نبأتك\": ونبيتك: جعلتك نبيا.\n(^٥) في التاريخ: \"اختبرتك\".","vol":"4","page":587},{"text":"ثم ذكَر ما أرسَل اللَّهُ به إرْمِيا إلى قومِه مِن بنى إسرائيلَ، قال: ثم أوحَى اللَّهُ جلّ ثناؤه إلى إِرْمِيَا: إنى مُهْلِكٌ بني إسرائيلَ بيافِثَ. ويافثُ أهلُ بابلَ، وهم [مِن ولدِ] (^١) يافِثَ بن نوحٍ. فلما سمِع إِرْمِيَا وَحْىَ ربِّه، صاح وبكَى وشَقَّ ثيابَه، ونبَذ الرَّمادَ على رأسِه، فقال: ملعونٌ يومٌ وُلِدْتُ فيه، ويومٌ لُقِّيتُ التوراةَ، ومِن شرِّ أيامي يومٌ ولِدتُ فيه، فما أُبقِيتُ آخِرَ الأنبياءِ إلا لما هو شرٌّ عليَّ، لو أراد بي خيرًا ما جعَلني آخرَ الأنبياءِ مِن بني إسرائيلَ، فمِن أجلى تصيبُهم الشِّقوةُ والهلاكُ.\nفلما سمِعَ اللَّهُ تَضَرُّعَ الخَضِرِ وبكاءَه وكيف يَقُولُ، ناداه: يا إِرْمِيَا، أشَقَّ عليك ما أَوْحَيتُ إليك؟ قال: نعم يا ربِّ، أهلِكني [قبلَ أن أرى] (^٢) في بني إسرائيلَ ما لا أُسَرُّ به. فقال اللَّهُ ﵎: وعزَتي العزيزةِ لا أُهلِكُ بيتَ المقدسِ وبنى إسرائيلَ حتى يكونَ الأمرُ مِن قِبَلِك في ذلك. ففرِح عندَ ذلك إِرْمِيا لِمَا قال له ربُّه، وطابَت نفسُه، وقال: لا والذي بعَث موسى وأنبياءَه بالحقِّ، لا آمُرُ ربي بهلاكِ بنى إسرائيلَ أبدًا. ثم أتَى مَلِكَ بنى إسرائيلَ، وأخَبَره بما أوحَى اللَّهُ إليه، ففرِح واسْتَبْشَر، وقال: إن يعذِّبْنا ربُّنا فبذُنوبٍ كثيرةٍ قدَّمْناها لأنفسِنا، وإن عفا عنا فبقدرتِه.\nثم إنهم لبِثوا بعدَ هذا الوحي ثلاثَ سنين لم يَزْدادوا إلا معصيةً، وتماديًا (^٣) في الشرِّ، وذلك حينَ اقترَب هلاكُهم، فقلَّ الوحيُ حينَ (^٤) لم يَكُونوا يَتَذَكَّرون الآخرةَ، وأُمْسِك عنهم حينَ ألهَتْهم الدنيا وشأنُها، فقال لهم ملِكُهم: يا بنى\n_________\n(^١) في ق: \"ولد\".\n(^٢) سقط من ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تمادوا\".\n(^٤) في م: \"حتى\".","vol":"4","page":588},{"text":"إسرائيلَ، انْتَهوا عما أنتم عليه قبلَ أن يَمَسَّكم بأسُ اللَّهُ، وقبلَ أن يُبْعَثَ عليكم ملوكٌ لا رحمةَ لهم بكم، فإن ربَّكم قريبُ التوبةِ، مبسوطُ اليدين بالخيرِ، رحيمٌ بمن تاب إليه. فأبَوْا عليه أن يَنْزِعوا عن شيءٍ مما هم عليه.\nوإن اللَّهَ ﷿ الْقَى في قلبِ بُخْتِنَصَّرَ بن نَبُوزرادانَ (^١) أن يسيرَ إلى بيتِ المقدسِ، ثم يَفْعَلَ فيه ما كان جدُّه سَنْحاريبُ أراد أن يَفْعَلَه، فخرَج في ستِّمائةِ ألفِ رايةٍ، يُريدُ أهلَ بيتِ المقدسِ؛ فلما فصَل سائرًا، أتيَ مَلِكَ بني إسرائيلَ الخبرُ أن بُخْتَ نَصَّرَ قد أقبَل هو وجنودُه يُريدُكم، فأرسَل الملِكُ إِلى إِرْمِيَا، فجاءه فقال: يا إِرْمِيَا، أين ما زعَمتَ لنا أن ربَّنا أوحَى إليك ألا يُهلِكَ أهلَ بيتَ المقدسِ حتى يَكُونَ منك الأمرُ في ذلك؟ فقال إِرْمِيا للملِكِ: إن ربي لا يُخْلِفُ الميعادَ، وأنا به واثقٌ.\nفلمّا اقترَب الأجلُ ودنا انقطاعُ مُلْكِهم، وعزَم اللَّهُ على هلاكِهم، بعَث اللَّهُ مَلَكًا مِن عندِه، فقال: اذْهَبْ إلى إِرْمِيَا فاسْتَفْتِه، وأمَره بالذي يَسْتَفْتِيه فيه، فأقبل الملَكُ إلى إرْمِيَا، وقد تمثَّلَ له رجلًا مِن بنى إسرائيلَ، فقال له إرميا: مَن أنت؟ قال: أنا رجلٌ مِن بني إسرائيلَ، أسْتَفْتِيك في بعضِ أمرِى. فأذِن له، فقال له الملَكُ: يا نبيَّ اللَّهِ أتَيْتُك أسْتَفْتِيك في أهلِ رَحِمي، وصَلتُ أرحامَهم بما أمَرني اللَّهُ به، لم آتِ إليهم إلا حُسْنًا، ولم آلُهم كرامةً، فلا تَزيدُهم كرامتي إياهم إلا إسْخاطًا لى، فأفْتِني فيهم يا نبيَّ اللَّهِ. فقال له: أحسِنْ فيما بينَك وبينَ اللَّهِ، وصِلْ ما أمَرك اللَّهُ به أن تَصِلَ، وأبْشِرْ بخيرٍ.\n_________\n(^١) في م: \"نعون بن زادان\". وورد ذكر لنبوزرادان هذا في سفر إرميا الأصحاح ٥٢، لكن على أنه رئيس الشرط زمن نبوخذ نصر (بخت نصر).","vol":"4","page":589},{"text":"فانصرَف عنه المَلَكُ، فمكَثَ أيامًا، ثم أقبَل إليه في صورةِ ذلك الرجلِ الذي كان (^١) جاءه، فقعَد بينَ يدَيْه، فقال له إرْميا: مَن أنت؟ قال: أنا الرجلُ الذي أَتَيْتُك أستفتِيك (^١) في شأنِ أهلي. فقال له نبيُّ اللَّهِ ﵇: أوَ ما طَهُرَت لك أخلاقُهم بعدُ، ولم تَرَ منهم الذي تُحِبُّ؟ فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، والذي بعثَك بالحقِّ ما أعْلَمُ كرامةً يَأْتيها أحدٌ مِن الناسِ إلى أهلِ رَحِمِه إلا وقد أتَيْتُها إليهم، وأفضلَ مِن ذلك. فقال النبيُّ: ارْجِعْ إلى أهلِك، فأَحسِنْ إليهم، أسألُ اللَّهَ الذي يُصْلِحُ عبادَه الصالحين، أن يُصْلِحَ ذاتَ بينِكم، وأن يَجْمَعَكم على مَرضاتِه، ويُجَنِّبَكُم سَخَطَه.\nفقام الملَكُ مِن عندِه، فلبِث أيامًا، وقد نزَل بُخْتُ نَصَّرَ وجنودُه حولَ بيتِ المقدسِ بأكثرَ مِن الجرادِ، ففزِع منهم بنو إسرائيلَ فزَعًا شديدًا، وشَقَّ ذلك على ملِكِ بني إسرائيلَ، فدعا إرْمِيَا، فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، أين ما وعدَك اللَّهُ؟ فقال: إني بربِّي واثقٌ.\nثم إن الملَكَ أقبَل إلى إرمِيَا وهو قاعدٌ على جدارِ بيتِ المقدسِ يَضْحَكُ ويَسْتَبْشِرُ بنصرِ ربِّه الذي وعدَه، فقعَد بينَ يديْه، فقال له إرميا: مَن أنت؟ قال: أنا الذي كُنْتُ أتَيْتُكَ في شأنِ أهلي مرتَين. فقال له النبيُّ: أو لم يأْنِ لهم أن يُفِيقُوا مِن الذي هم فيه؟ فقال الملَكُ: يا نبيَّ اللَّهِ، كلُّ شيءٍ كان يُصِيبُني منهم قبلَ اليومِ كُنْتُ أصبِرُ عليه، وأعْلَمُ [أنّ ما بهم] (^٢) في ذلك سَخَطى، فلما أتَيْتُهم اليومَ رَأَيْتُهم في عملٍ لا يُرْضِى اللَّهَ، ولا يُحِبُّه اللَّهُ. فقال له النبيُّ: على أيِّ عملٍ رَأَيْتَهم؟ قال: يا نبيَّ اللَّهِ، رَأَيْتُهم على عملٍ عظيمٍ مِن سَخَطِ اللَّهِ، فلو كانوا على مثلِ ما كانوا عليه قبلَ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص: \"أنما لهم\"، وفى م: \"أنما قصدهم\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أيمانهم\"، وفى التاريخ: \"أن مآلهم\"، وفى نسخة منه كالمثبت، والعرب تقول: ما بك إلا مساءتي. أي ما تريد إلا مساءتي.","vol":"4","page":590},{"text":"اليومِ لم يَشْتَدَّ عليهم غضَبِي، وصبَرتُ لهم ورجَوتُهم، ولكنِّى غضِبتُ اليومَ للَّهِ ولك، فأتَيْتُك لأُخبِرَك، خبرَهم، وإنى أسألُك باللَّهِ الذي هو (^١) بعثَك بالحقِّ إلا ما دعَوتَ عليهم ربَّك أن يُهْلِكَهم. فقال إِرْمِيا: يا مَلِكَ السماواتِ والأرضِ، إن كانوا على حقٍّ وصوابٍ فأبْقِهم، وإن كانوا على سَخَطِك وعملٍ لا ترضاه فأهلِكْهم. فلما خرَجتِ الكلمةُ مِن في إِرْمِيا أرسَلَ اللَّهُ صاعقةً مِن السماءِ في بيتِ المقدسِ، فالتهَب مكانُ القُربانِ، وخُسِف بسبعةِ أبوابٍ مِن أبوابِها. فلما رأى ذلك إِرْمِيا صاح وشَقَّ ثيابَه، ونبَذ الرمادَ على رأسِه، فقال: يا مَلِكَ السماءِ، ويا أرحمَ الراحمين، أين ميعادُك الذي وعَدتَني؟ فنودِى: إرميا، إنه لم يُصِبْهم الذي أصابَهم إلا بفُتْياك التي أفْتيتَ بها رسولَنا. فاسْتَيقَن النبيُّ أنها فُتياه التي أفْتَى بها ثلاثَ مراتٍ، وأنه رسولُ ربِّه، فطار إِرْمِيا حتى خالَط الوُحوشَ.\nودخَل بُخْتُنَصَّرَ وجنودُه بيتَ المقدسِ، فوطِئ الشامَ، وقتَل بني إسرائيلَ حتى أفناهم، وخرَّب بيتَ المقدسِ، ثم أمَر جنودَه أن يَمْلأَ كلُّ رجلٍ منهم تُرسَه ترابًا، ثم يَقْذِفَه في بيتِ المقدسِ، فقذَفوا فيه الترابَ حتى ملَئوه، ثم انصرَفَ راجعًا إلى أرضِ بابلَ، واحتمَل معه سبايا بني إسرائيلَ، وأمَرهم أن يَجْمَعُوا مَن كان في بيتِ المقدسِ كلَّهم، [فاجتمَع عندَه] (^٢) كلُّ صغيرٍ وكبيرٍ مِن بني إسرائيلَ، فاختار منهم [سبعين ألفَ صبيٍّ] (^٣)، فلما خرَجت غنائمُ جندِه، وأراد أن يَقْسِمهم\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"واجتمع إليه عندهم\".\n(^٣) في ص، ت ٢، ت ٣: \"سبعين صبي\"، وفى م: \"تسعين ألف صبي\" وفي ت ١: \"تسعين صبي\"، وفى س: \"تسعين صبيا\". وأما رواية التاريخ فمرة ذكر أنه اختار منهم مائة ألف صبي، ثم عاد فذكر أنه ذهب بالسبعين الألف حتى أقدمهم بابل.","vol":"4","page":591},{"text":"فيهم، قالت له الملوكُ الذين كانوا معه: أيُّها الملِكُ، لك غنائمُنا كلُّها، واقْسِمُ بينَنا هؤلاء الصبيانَ الذين اخْتَرْتَهم مِن بنى إسرائيلَ. ففعَل، فأصاب كلُّ واحدٍ منهم أربعةَ غِلْمةٍ، وكان مِن أولئك الغلمانِ: دانِيالُ وحَنَانْيا ومِيشايل (^١) وعزَارْيَا. وجعَلهم بُخْتُ نَصَّرَ ثلاثَ فِرَقٍ، فثُلُثًا أقرَّ بالشامِ، وثلثًا سبَى، وثُلُثًا قتَل، وذهَب بآنيةِ (^٢) بيتِ المقدسِ حتى أقدَمها بابلَ، وذهَب بالصبيانِ السبعين (^٣) الألفَ حتى أقدَمهم، بابلَ، فكانت هذه الوقعةَ الأُولى التي أنزَل (^٤) اللَّهُ [ببني إسرائيلَ] (^٥) بإحداثِهم وظلمِهم.\nولمّا ولَّى بُخْتُنَصَّرَ عنهم (^٦) راجعًا إلى بابلَ بمن معه مِن سبايا بني إسرائيلَ، أقبَل إرْمِيَا على حمارٍ له، ومعه عصيرٌ مِن عنبٍ في زُكْرَةٍ (^٧)، وسَلَّةُ تينٍ، حتى غَشِي (^٨) إيلياءَ، فلما وقَف عليها، ورأى ما بها مِن الخرابِ دخَله شكٌّ، فقال: أنّى يُحيى هذه اللَّهُ بعد موتها؟ فأماته اللَّهُ مائةَ عامٍ وحمارَه، وعصيرُه وسلةُ تينِه عندَه حيثُ أماته اللَّهُ وأمات (^٩) حمارَه معه، وأعمَى اللَّهُ عنه العُيونَ فلم يرَه أحدٌ، ثم بعَثه اللَّهُ تعالى فقال له: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ قال: ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ\n_________\n(^١) في م: \"مسايل\".\n(^٢) في م: \"بأسبية\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"التسعين\"، وفى س: \"البستين\".\n(^٤) في م: \"ذكر\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"نبي الله\".\n(^٦) في م: \"عنه\".\n(^٧) الزكرة: وعاء من أدم، أو زق صغير يجعل للشراب. التاج (ز ك ر).\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أتى\".\n(^٩) في النسخ: \"مات\". والمثبت من التاريخ.","vol":"4","page":592},{"text":"يَوْمٍ﴾. قال: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ يقولُ: لم يَتَغَيَّرُ. ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾. فنظَر إلى حمارِه يَتّصِلُ (^١) بعضٌ إلى بعضٍ - وقد كان مات معه - بالعروقِ والعَصَبِ، ثم كيف كسى ذلك منه اللحم حتى استوَى، ثم جرَى فيه الروحُ، فقام يَنْهَقُ، ونظَر إلى عصيرِه وتينِه، فإذا هو على هيئتِه حينَ وضَعه لم يَتَغيرُ. فلمّا عايَن مِن قدرةِ اللَّهِ ما عايَن، قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ثم عمرُ. ثم عمر اللَّهُ إرميا بعد ذلك، فهو الذي يُرى بفَلَواتِ الأرضِ والبُلْدانِ (^٢).\nوحدَّثني محمدُ بنُ عَسْكَرٍ وابنُ زَنْجُويَه، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبد الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبهٍ يقولُ: أَوحَى اللَّهُ إِلَى إِرْمِيا وهو بأرضِ مصرَ: أن الْحَقْ بأرضِ إيلياءَ؛ فإن هذه ليست لك بأرضِ مُقامٍ. فركِب حمارَه، حتى إذا كان ببعضِ الطريقِ، ومعه سَلَّةٌ مِن عنبٍ وتينٍ، وكان معه سِقاءٌ جديدٌ، فملأَه ماءً، فلما بدَا له شخصُ بيتِ المقدسِ وما حولَه مِن القرى والمساجدِ، ونظَر إلى خرابٍ لا يُوصَفُ، فلما رأى هَدَمَ بيتِ المقدسِ كالجَبَلِ العظيمِ، قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. وسار حتى تَبوَّأَ منها منزِلًا، فربَط حمارَه بحبلٍ جديدٍ، وعلَّق سِقاءَه، وألقَى اللَّهُ عليه السُّباتَ، فلمّا نام نزَع اللَّهُ رُوحَه مائةَ عامٍ، فلما مرَّت مِن المائةِ سبعون عامًا، أرسَل اللَّهُ مَلَكًا إلى ملِكٍ مِن ملوكِ فارسَ عظيمٍ،\n_________\n(^١) في ص: \"بابصل\"، وفى ت ١، ت ٢: \"فاتصل\"، وفى س: \"ما يصل\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٤٨ - ٥٥٤.","vol":"4","page":593},{"text":"يقالُ له: يُوشَكُ (^١). فقال له: إنّ اللَّهَ يَأْمُرُك أَن تنفِرَ بقومِك فتُعمِّرَ بيتَ المقدسِ وإيلياءَ وأرضَها، حتى تَعُودَ أعْمَرَ ما كانت، فقال له الملِكُ: أنْظِرْني ثلاثةَ أيامٍ حتى أتَأَهَّبَ لهذا العملِ ولما يُصْلِحُه مِن أداةِ العملِ. فأنْظَرَه ثلاثةَ أَيامٍ، فانتدَب ثلاثَمائةِ قَهرمانَ (^٢)، ودفَع إلى كلِّ قَهرمانَ ألفَ عاملٍ وما يُصْلِحُه مِن أداةِ العملِ، فسار إليها قَهارِمتُه ومعهم ثلاثُمائةِ ألفِ عاملٍ، فلما وقَعوا في العملِ ردَّ اللَّهُ رُوحَ الحياةِ في عينِ إِرْمِيَا، [وآخِرُ جسدِه ميتٌ] (^٣)، فنظَر إلى إيِلياءَ وما حولَها مِن المدينةِ (^٤) والمساجد، والأنهارُ والحُرُوثُ تُعْمَلُ وتُعَمَّرُ وتُجَدَّدُ، حتى صارَت كما كانت، وبعدَ ثلاثين سنةً تمامَ المائةِ ردَّ اللَّهُ إليه الرُّوحَ، فنظَر إلى طعامِه وشرابِه لم يَتَسَنَّهْ، ونظَر إلى حمارِه واقفًا كهيئتِه يومِ ربَطه لم يَطْعَمْ ولم يَشْرَبُ، ونظَر إلى الرُّمَّةِ (^٥) في عنقِ الحمارِ لم تَتَغَيرْ جديدةً، وقد أتَى على ذلك ريحُ مائةِ عامٍ، وبردُ مائةِ عامٍ، وحرُّ مائةِ عامٍ، لم تَتَغَيرْ، ولم تُنتَقصْ شيئًا، وقد نَحَل جسمُ إِرْمِيَا مِن البِلَى، فأنْبَت اللَّهُ له لحمًا جديدًا، ونشَز عظامَه وهو يَنْظُرُ، فقال له اللَّهُ: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) في ص، م: \"يوسك\"، وفى تفسير القرطبي ٣/ ٢٩١: \"كوشك\". وينظر عرائس المجالس ص ٣٠٧.\n(^٢) القهرمان فارسي، معناه الوكيل. الألفاظ الفارسية المعربة ص ١٣٠.\n(^٣) في م: \"وأخّر جسدَه ميتًا\".\n(^٤) في م: \"القرى\".\n(^٥) الرمة: قطعة حبل يشد بها الأسير أو القاتل. التاج (ر م م).\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٤٧ عن محمد بن سهل بن عسكر وحده به.","vol":"4","page":594},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا عبدُ الصّمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنبِّهٍ يَقُولُ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: إِنَّ إِرْمِيا لما خُرِّب بَيتُ المقدسِ، وحُرِّق (^١) الكتبُ، وقَف في ناحيةِ الجبلِ، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾. ثم ردَّ اللَّهُ (^٢) مَن ردَّ مِن بنِي إسرائيلَ على رأسِ سبعينَ سنةً مِن حينَ أماته، يَعمُرُونها ثلاثين سنةً تمامَ المائةِ؛ فلما ذهَبَتِ المائةُ ردَّ اللَّهُ إليه رُوحَه، وقد عُمِّرت على حالِها الأُولَى، فجعَل يَنْظُرُ إلى العظامِ كيف تلتامُ (^٣) بعضُها إلى بعضٍ، ثم نظَر إلى العظامِ كيف تُكسَى عصبًا ولحمًا، فَلَمَّا تَبَيَّن له ذلك قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فقال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ (^٤). قال: فكان طعامُه تينًا في مِكْتَلٍ (^٥)، وقُلَّةً فيها ماءٌ (^٦).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾: وذلك أنّ عُزَيرًا مرَّ جائيًا مِن الشام على حمارٍ له، معه عصيرٌ وعنبٌ وتينٌ، فلما مرَّ بالقريةِ فرآها، وقَف عليها\n_________\n(^١) في م: \"حرقت\".\n(^٢) بعده في الأصل: \"إليه\".\n(^٣) التام يلتام بالتسهيل وأصله الهمز التأم يلتئم، يعنى: اتصل واجتمع. اللسان (ل أ م).\n(^٤) في الأصل: \"يتسن\". وبإثبات الهاء ووصلا ووقفا قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر، وبحذف الهاء في الوصل قرأ حمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ١٨٩. وسيأتي كلام المصنف على هاتين القراءتين في ص ٥٩٩، ٦٠٠.\n(^٥) المكتل: الزبيل الذي يحمل فيه التمر أو العنب إلى الجرين. اللسان (ك ت ل).\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٩، ١٠٠، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٨/ ٢٨.","vol":"4","page":595},{"text":"وقلَّب يدَه وقال: كيف يُحْيِي هذه اللَّهُ بعدَ موتِها؟ تكذيبًا (^١) منه وشكًّا، فأماته اللَّهُ وأمات حمارَه، فهلَكا ومرَّ عليهما مائةُ سنةٍ، ثم إن اللَّهَ ﷿ أحيا عُزَيرًا فقال له: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قِيل له: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾ مِن التينِ والعنبِ ﴿وَشَرَابِكَ﴾ مِن العصيرِ ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ الآية (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-914>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾.</span>\nيعْنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾: ثم أثارَه حيًّا مِن بعدِ مماتِه. وقد دلَّلْنا على معْنى البعثِ فيما مضَى قبلُ (^٣).\nوأما معْنى قولِه: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾. فإن \"كم\" استفهامٌ في كلامِ العربِ عن مَبْلَغِ العددِ، وهو في هذا الموضعِ نَصْبٌ به ﴿لَبِثْتُ﴾. وتأويلُه: قال اللَّهُ له: كم قدرُ الزمانِ الذي لبِثْتَ ميتًا قبلَ أن أبعثَك من مماتِك حيًّا؟ قال المبعوثُ بعدَ مماتِه: لبِثتُ ميتًا إلى أن بَعَثْتَنِي حيًّا يومًا واحدًا أو بعضَ يومٍ.\nوذكِر أن المبعوثَ، وهو إرْمِيَا أو عُزَيرٌ، أو مَن كان ممّن أخبَرَ اللَّهُ عنه هذا الخبرَ،\n_________\n(^١) في م: \"ليس تكذيبا\". وكذا أثبتها محقق تفسير ابن أبي حاتم عن نسخة الشيخ شاكر، وتقدم أن المصنف حكى عن بعضهم أنه قال ذلك شكًّا في قدرة الله واستنكارا، فأراه الله كيفية إحيائه ذلك بما ضربه له في نفسه، وهذا قول مردود؛ لأنه لا يتصور أن يصدر شك عن نبي من الأنبياء في مثل هذا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠١، ٥٠٢ (٢٦٤٩، ٢٦٥٥، ٢٦٦٠) من طريق عمرو به.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٩١.","vol":"4","page":596},{"text":"إنما قال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾؛ لأنَّ اللَّهَ ﷿ كان قبَض رُوحَه أوّلَ؛ النهارِ، ثم ردَّ إليه رُوحَه آخِرَ النهارِ بعدَ المائةِ العامِ، فقيل له: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾؟ فقال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾. وهو يَرَى أن الشمسَ قد غرَبت، فكان ذلك عندَه يومًا؛ لأنَّه ذكِر أنه قُبِض رُوحُه أولَ النهارِ. وسُئِل عن مقدارِ لُبثِه ميتًا آخِرَ النهارِ، وهو يَرَى أن الشمسَ قد غرَبت، فقال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾. ثم رأى بقيةً مِن الشمسِ قد بَقِيت لم تَغْرُبُ، فقال: ﴿ا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. بمعْنى: بل بعضَ يومٍ. كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]. بمعْنى: بل يَزِيدُون. فكان قولُه: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ رُجوعًا منه عن قولِه: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-915>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. قال: ذكِر لنا أنه مات ضُحًى، ثم بُعِث (^١) قبلِ غَيْبوبةِ الشمسِ، فقال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾، ثم التفَت فرأى بقيةً مِن الشمسِ، فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. فقال: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. قال: مَرَّ على قريةٍ خَربةٍ (^٣) فتعجَّب،\n_________\n(^١) في ص، م: \"بعثه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٢ (٢٦٥٧) من طريق سعيد بن بشير.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"4","page":597},{"text":"فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. فأماته اللَّهُ أَوَّلَ النهارِ، فلبِث مائةَ عامٍ، ثم بعثَه في آخِرِ النهارِ، فقال: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ قال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. قال: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ (^١).\nوحدَّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، قال: قال الربيعُ: أماته اللَّهُ مائةَ عامٍ، ثم بعثَه، فقال: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾؟ قال: ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. [وذلك أنه بُعِث فيما ذكِر لنا قبلَ غروبِ الشمسِ، فقال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾. ثم التفت فرأى بقيةً من الشمسِ من ذلك اليومِ، فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾] (^٢). قال: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: لما وقَف على بيتِ المقدسِ وقد خرَّبه بخْتُنَصَّرَ، قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: كيفَ يعيدُها كما كانت؟ ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ﴾ قال: ذكِر لنا أنه مات ضُحًى، وبُعِث قبلَ غروبِ الشمسِ بعدَ مائةِ عامٍ، فقال: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾؟ قال: ﴿يَوْمًا﴾. فلما رأى الشمسَ، قال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-916>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.</span>\nيعْنى تعالى ذكرُه بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم تُغَيِّره السِّنونَ التي أتَت عليه.\nوكان طعامُه فيما ذكَر بعضُهم سلةَ تينٍ وعنبٍ، وشرابُه قلةَ ماءٍ.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١١/ ١٠٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠١، ٥٠٢ (٢٦٥٢، ٢٦٥٦) عن الحسن به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٢ عقب الأثر (٢٦٥٦، ٢٦٥٧) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٢٩٢ عن ابن جريج.","vol":"4","page":598},{"text":"وقال بعضُهم: بل كان طعامُه سَلَّةَ عنبٍ وسلةَ تينٍ، وشرابُه زِقًّا مِن عصيرٍ.\nوقال آخَرون: بل كان طعامُه سلةَ تينٍ، وشرابُه دَنَّ خمرٍ أو زُكرةَ خمرٍ.\nوقد ذكَرنا فيما مضَى قولَ بعضِهم في ذلك، ونَذْكُرُ ما فيه فيما يُسْتَقْبَلُ إِن شاء اللَّهُ.\nوفي قولِه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ وجْهانِ مِن القراءةِ: أحدُهما، (لم يَتَسَنَّ). بحذفِ الهاءِ في الوصلِ وإثباتِها في الوقفِ (^١)، ومَن قرَأه كذلك فإنه يَجْعَلُ الهاءَ في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ زائدةً صِلةً، كقولِه: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وجعَل \"تَفعَّلْتُ\" (^٢) منه: تَسَنَّيتُ تسنِّيًا. واعتلَّ في ذلك بأنّ السَّنَةَ تُجْمَعُ سنواتٍ، فيكونُ تَفَعَّلْتُ على صحَّةٍ (^٣)، ومن قال في السَّنِة: سُنينةٌ. فجائزٌ على ذلك وإن كان قليلًا، أن يَكُونَ \"تَسنَّيْتُ\" (^٤) \"تَفَعَّلْتُ\"؛ بُدِّلَتِ النونُ ياءً لمّا كثُرت النوناتُ، كما قالُوا: تَظَنَّيتُ وأصلُه الظنُّ.\nوقد قال قومٌ: هو مأخوذٌ مِن قولِه: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦، ٢٨، ٣٣]. وهو المتغيرُ. وذلك أيضًا إذا كان كذلك، فهو أيضًا مما بُدِّلَتْ نونُه ياءً وهى قراءةُ عامةِ قَرَأةِ الكوفةِ.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٥٩٥.\n(^٢) في النسخ: \"فعلت\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"سحه\"، وفي م: \"نهجه\".\n(^٤) في م: \"تسننت\".","vol":"4","page":599},{"text":"والآخرُ منهما، إثباتُ الهاءِ في الوصلِ والوقفِ. ومَن قرَأه كذلك فإنه يَجْعَلُ الهاءَ في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ لامَ الفعلِ، ويَجْعَلُها مجزومةً بـ \"لم\"، ويَجْعَلُ، \"فَعَّلْت\" منه: تَسَنَّهْتُ. و\"يُفَعِّل\": أَتَسَنَّهُ تَسَنُّهًا. وقال في تصغيرِ السَّنةِ: سُنَيهةٌ [وسُنيَّةٌ: أسْنَيْتُ عندَ القومِ، وأَسْنَهْتُ] (^١) عندَهم: إِذا أقَمتَ سنةً.\nوهذه قراءةُ عامةِ قرأةِ أهلِ المدينةِ والحجازِ.\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندي (^٢) إثباتُ الهاءِ في الوصلِ والوقفِ؛ لأنَّها مُثْبتةٌ في مصحفِ المسلمين، ولإثباتِها وجهٌ صحيحٌ في كلتا الحالتين؛ [وذلك أن يكونَ معْنى] (^٣) قولِه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم تأتِ عليه السِّنون فيَتَغَيَّرُ. على لغةِ مَن قال: أَسْنَهْتُ عندَكم أُسْنِهُ. إذا أقام سنةً، وكما قال [شاعرُ الأنصارِ] (^٤):\nولَيْسَتْ بِسنَهَاءٍ (^٥) ولَا رُجَّبِيَّةٍ (^٦) … ولكنْ عَرَايا (^٧) في السِّنِينَ الجوائحِ (^٨)\nفجعَل الهاءَ في السنةِ أصلًا، وهى اللغةُ الفُصحى، وغيرُ جائزٍ حذفُ حرفٍ\n_________\n(^١) في م: \"ومنه: أسنهت عند القوم وتسنهت\".\n(^٢) بل القراءتان صحيحتان فقد قرأ بالأولى أربعة من القراء العشرة، وقرأ بالثانية ستة منهم.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"في ذلك، ومعنى\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الشاعر\".\nوهو سويد بن الصامت الأنصاري، وقيل: أحيحة بن الجلاح، والبيت في معاني القرآن للفراء ١/ ١٧٣، وسمط الآلى ١/ ٣٦١، واللسان (ر ج ب، ج وح، س ن هـ، ع ر ى).\n(^٥) السنهاء: التي حملت عاما ولم تحمل آخر. اللسان (س ن هـ).\n(^٦) رجَّبَ النخلةَ، إذا كانت كريمة عليه وكانت كثيرة الحمل، طويلة، وخيف عليها أن تقع: بنى تحتها رجبة؛ دكانا أو بناء من حجارة أو نحوها. اللسان (ر ج ب).\n(^٧) العرايا: جمع عَرِيَّة، وأعراه النخلة: وهب له ثمرة عامها. والعرية: النخلة المُعْراة. اللسان (ع ر ى).\n(^٨) الجوائح: جمع جائحة، وهي الشدة والنازلة العظيمة التي تجتاح المال. اللسان (ج وح).","vol":"4","page":600},{"text":"مِن كتابِ اللَّهِ، في حالِ وقفٍ أو وصلٍ، [ولإثباتِه وجهٌ في كلامِ العربِ صحيحٌ، كما غيرُ جائزٍ إثباتُ ما ليس منه، ولحذفِه] (^١) وجهٌ معروفٌ في كلامِها.\nفإنِ اعتلَّ معتلٌّ بأنّ المصحفَ قد أُلْحِقَت فيه حروفٌ هنَّ زوائدُ على نيةِ الوقفِ، والوجهُ في الأصلِ عندَ القرأةِ حذفُهنَّ، وذلك كقولِه: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وقولِه: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]. فإنّ ذلك هو مما (^٢) لم يَكُنْ فيه شَكٌّ أنه مِن الزوائدِ، وأنه أُلْحِق علَى نيةِ الوقفِ. فأمّا ما كان مُحْتَمِلًا أن يَكُونَ أصلًا للحرفِ غيرَ زائدٍ، فغيرٌ جائزٍ - وهو في مُصحفِ المسلمين مثبتٌ - صرفُه إلى أنه مِن الزوائدِ والصِّلَاتِ، على أنّ ذلك وإن كان زوائدَ (^٣) فيما لا شكَّ أنه مِن الزوائدِ، فإن العربَ قد تَصِلُ الكلامَ (^٤)، فتَنْطِقُ به على نحوِ منطقِها به في حالِ القطعِ، فيكونُ وصلُها إياه وقَطْعُها سواءً، وذلك مِن فِعلِها دَلالةٌ على صحةِ قراءةِ مِن قرَأ جميعَ ذلك بإثباتِ الهاءِ في الوصلِ والوقفِ، غيرَ أنّ ذلك وإن كان كذلك، فلِقولِه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ حكمٌ مفارقٌ حكمَ ما كان هاؤُه [زائدةً، لا يُشَكُّ في زيادتِها] (^٥) فيه.\nومما يَدُلُّ على صحةِ ما قُلنا، مِن أنّ الهاءَ في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ مِن لغةِ مَن قال: قد أسنهتُ، وهى (^٦) المسانهةُ، ما حُدِّثت به عن القاسمِ بن سلَّامٍ، قال: ثنا ابن مهديٍّ، عن أبي الجراحِ، عن سليمانَ بن عُميرٍ، قال: ثنِي هانئٌ مولَى عثمانَ، قال: كُنْتُ الرسولَ بيَن عثمانَ وزيدِ بن ثابتٍ، فقال زيدٌ: سَلْهُ عن قولِه: لم (يَتسَنَّ)، أو\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لإثباته\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"ما\".\n(^٣) في م: \"زائدا\".\n(^٤) بعده في م: \"بزائد\".\n(^٥) في م: \"زائدًا لا شك في زيادته\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"4","page":601},{"text":"﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾؟ فقال عثمانُ: اجعلوا فيها هاءً (^١).\n[وحدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ] (^٢)، عن القاسمِ، وحدَّثنا محمدُ بنُ محمدٍ العطارُ، قالا: ثنا ابن مهديٍّ، عن ابن المباركِ، قال: ثنِي أبو وائلٍ؛ شيخٌ مِن أهلِ اليمنِ، عن هانِئ البربريِّ، قال: كنتُ عندَ عثمانَ وهم يَعْرِضون المصاحفَ، فأرْسَلَني بكَتِفِ شاةٍ إلى أبيِّ بن كَعْبٍ، فيها: (لم يتسنّ). و(فأمْهلِ الكافرين). و(لا تَبْدِيلَ للخلقِ). قال: فدَعا بالدواةِ، فمحَا إحدَى اللامَين، وكتَب ﴿لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]. ومحا (فأمهِلْ)، وكتَب ﴿فَمَهِّلِ﴾ [الطارق: ١٧]. وكتب: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. ألْحَق فيها الهاءَ (^٣).\nولو كان ذلك مِن \"تسنَّى\" أو \"تسنَّن\"، لَما ألْحَق فيه أبيٌّ هاءً، [ولا موضعَ للهاءِ فيه] (^٤)، ولا أمَر عثمانُ بإلحاقِها فيه (^٥).\nوقد رُوِىَ عن زيدِ بن ثابتٍ في ذلك نحوُ الذي رُوِى فيه (^٦) عن أُبيِّ بن كعبٍ (^٧).\n_________\n(^١) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٥٩.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حدثت\".\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٥٩، وأخرجه ابن راهويه - كما في المطالب العالية ٨/ ٢٦١ - من طريق أبي وائل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٣ إلى عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لا موضع فيه\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فيها\".\n(^٦) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كعب\".\n(^٧) أخرجه ابن راهويه - كما في المطالب العالية ٨/ ٢٦١ -، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٣ إلى ابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف.","vol":"4","page":602},{"text":"واخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. فقال بعضُهم بمثلِ الذي قُلنا فيه من أنّ معْناه: لم يَتغيَّرْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-917>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ (^١)، عن محمدِ بن إسحاقَ، عمَّن لا يُتَّهَمُ، عن وَهبِ بن مُنَبِّهٍ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم يَتَغَيَّرْ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾، أي (^٣): لم يَتَغيّرْ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٤).\nحدَّثني موسَى بنَ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. يقولُ: فانظُرْ إلى طعامِك مِن التينِ والعنبِ، وشرابِك مِن العصيرِ، ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. يقولُ: لم يَتغيّرْ فيَحْمُضَ التينُ والعنبُ، ولم يَخْتَمِرِ العصيرُ، هما حُلوان كما هما، وذلك أنه مرَّ جائيًا مِن الشامِ على حمارٍ له، معه عصيرٌ وعِنَبٌ وتِينٌ، فأماتَه اللَّهُ، وأمات حمارَه، ومرَّ عليهما مائةُ سنةٍ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المفضل\".\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٣ عقب الأثر (٢٦٦٤) معلقًا.\n(^٣) زيادة من: الأصل.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٦.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٤ (٢٦٦٦، ٢٦٧٠) من طريق عمرو به.","vol":"4","page":603},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه ﵎: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. يقولُ: لم يَتغيّرْ، وقد أتَى عليه مائةُ عامٍ (^١).\nحدَّثني المُثَنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جُويْبرٍ، عن الضحاكِ بنحوِه.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهُ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم يتغيّرْ (^٢).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن النّضرِ، عن عكرمةَ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم يتغيَّرْ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم يتغيّرْ في مائةِ سنةٍ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني بكرُ بنُ مُضَرَ (^٤)، قال: يَزْعُمون في بعضِ الكتُبِ أن إرْميا كان بإيلياءَ حين خرَّبها بُخْتُنَصَّرَ، فخرَج منها إلى مِصرَ فكان بها، فأوحَى اللَّهُ إليه: أنِ اخرُجْ منها إلى بيتِ المقدسِ. فأتاها فإذا هي خَرِبةٌ، فنظَر إليها فقال: أنَّى يُحْيِي هذه اللَّهُ بعد موتِها؟ فأماته اللَّهُ مائةَ عامٍ ثم بعثَه، فإذا\n_________\n(^١) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ٢١٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٣، ٥٠٤ (٢٦٦٥)، وابن عساكر في تاريخه ٤٠/ ٣٢٢ من طريق الضحاك، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٣ إلى ابن المنذر.\n(^٣) ذكره الحافظ في التغليق ٤/ ١٨٧ عن المصنف، وأخرجه أبو يعلى - كما في المطالب (٣٨٩٨) - وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٣ (٢٦٦٤) من طريق النضر، عن عكرمة، عن ابن عباس.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"نصر\".","vol":"4","page":604},{"text":"حمارُه حيٌّ قائمٌ (^١) على رِباطهِ، وإذا طعامُه سَلُّ عنبٍ وسَلُّ تينٍ، لم يَتغيرْ عن حالِه (^٢).\nقال يونسُ: قال لنا سَلْمٌ (^٣) الخواصُ: كان طعامُه وشرابُه سَلَّ عنبٍ وسَلَّ تينٍ وزِقَّ عصيرٍ.\nوقال آخَرونَ: معْنى ذلك: لم يَنْتِنْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-918>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم يَنْتِنْ (^٤).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (^٥)، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال مجاهدٌ قولَه: ﴿إِلَى طَعَامِكَ﴾. قال: سَلُّ تينٍ، ﴿وَشَرَابِكَ﴾: دَنُّ خَمْرٍ، ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. يقولُ: لم يَنْتِنْ (^٦).\n[حدِّثت عن عمّارٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. يقولُ: لم يَنْتِنْ] (^٧).\n_________\n(^١) في ص: \"قام\".\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٢٩٠.\n(^٣) في م: \"سالم\". وهو سلم بن ميمون الخواص، ترجمته في سير أعلام النبلاء ٨/ ١٦٠.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٤ (٢٦٦٧) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الحسن\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٣ (٢٦٦٣) من طريق حجاج به.\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"4","page":605},{"text":"وأحْسَبُ أنّ مجاهدًا والربيعَ ومَن قال في ذلك بقولِهما، رَأوْا أن قولَه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. مِن قولِ اللَّهِ تعالى ذِكْرُه: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦، ٢٨، ٣٣]. بمعْنى المُتغيرِ الريحِ بالنَّتَنِ، مِن قولِ القائلِ: تَسَنَّن. وقد بَيَّنتُ الدَّلالةَ فيما مضَى على أنّ ذلك ليس كذلك (^١).\nفإن ظنَّ ظانٌّ أنه مِن الأسَنِ (^٢)، مِن قولِ القائلِ: أَسِنَ هذا الماءُ يَأْسَنُ أسَنًا. كما قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥]. فإن ذلك لو كان كذلك، لكان الكلامُ: فانظُر إلى طعامِك وشرابِك لم يَتأَسَّنُ. ولم يكنْ ﴿يَتَسَنَّهْ﴾.\n[فإن قال] (^٣): فإنه منه، غيرَ أنه تُرِكَ همزُه، قيل: فإنه وإن تُرِكَ همزُه فغيرُ جائزٍ تشديدُ نونِه؛ لأن النونَ [من \"يتَأسَّنُ\"] (^٣) غيرُ مُشَددةٍ، وهي في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾. مشددةٌ، ولو نُطِق مِن \"يَتأسنُ\" بتركِ هَمْزِه (^٤)، لقِيل: \"لم يَتَسَّنْ\" (^٥)، بتخفيفِ نونِه بغيرِ هاءٍ تلْحَقُ فيه. ففى ذلك بيانٌ واضحٌ أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ مِن الأسَنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-919>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾؛ فقال بعضُهم: معْنى ذلك: وانظُرْ إلى إحيائِى حمارَك، وإلى عظامِه كيف أُنشْزِهُا، ثم أكْسُوها لحمًا.\nثم اختلف مُتأوِّلو (^٦) هذا التأويلِ؛ فقال بعضُهم: قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه له ذلك\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٦٠٠، ٦٠١.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الأسنه\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الهمز\"، وفى م: \"الهمزة\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يتسنن\".\n(^٦) بعده في م: \"ذلك في\".","vol":"4","page":606},{"text":"بعدَ أن أحْياه خلقًا سَوِيًّا، ثم [أراه كيف] (^١) يُحْيِي حمارَه؛ تعريفًا منه تعالى ذِكْرُه له كيفيةَ إحيائِه القريةَ التي رآها خاويةً على عُرُوشِها، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ مُسْتَنكِرًا إحياءَ اللَّهِ إيَّاها.\n\n<span data-type='title' id=toc-920>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمَّن لا يَتَّهمُ، عن وَهْبٍ بن مُنَبِّهٍ، قال: بعثَه اللَّهُ فقال: ﴿كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. إلى قولِه: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾. قال: فنظَر إلى حمارِه يَتّصِلُ (^٢) بعضٌ إلى بعضٍ - وقد كان مات معه - بالعروقِ والعَصَبِ، ثم كيف (^٣) كُسى ذلك منه اللحمُ حتى اسْتَوى، ثم جرَى فيه الروحُ، فقام يَنْهَقُ، ونظَر إلى عصيرِه وتينِه، فإذا هو على هيئتِه حين وضعَه لم يَتغَيّرْ، فلما عايَن مِن قدرةِ اللَّهِ ما عايَن، قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٤).\nحدَّثني موسَى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ثم إنّ اللَّهُ ﵎ أحيا عُزَيرًا، فقال: كم لبثتَ؟ قال: لبِثْتُ يومًا أو بعضَ يومٍ. قال: بل لبِثْتَ مائةَ عامٍ، فانظُرْ إلى طعامِك وشرابِك لم يَتَسنَّهْ، وانظُرْ إلى حمارِك قد هَلَك، وبَلِيَت عظامُه، وانظُرْ إلى عظامِه كيف نُنْشِزُها، ثم نَكْسوها لحمًا. فبعَث اللَّهُ ﵎ ريحًا، فجاءت بعظامِ الحمارِ مِن كلِّ سَهْلٍ وجَبَلٍ ذهَبت به الطيرُ والسِّباعُ، فاجْتَمَعت، فرَكَّب بعضَها في بعضٍ وهو يَنظُرُ، فصار حمارًا مِن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أراد أن\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يا تصل\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٥٨٠.","vol":"4","page":607},{"text":"عظامٍ، ليس له لحمٌ ولا دمٌ، و(^١) إن اللَّهَ ﷻ كسَا العظامَ لحمًا ودمَا، فقام حمارًا مِن لحمٍ ودَمٍ وليس فيه روحٌ، ثم أقبَل مَلَكٌ يَمشِى حتى أخذَ بِمِنْخَرِ الحمارِ، فنفَخ فيه، فنَهَق الحمارُ. فقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٢).\nفتأويلُ الكلامِ على ما تأوَّله قائلُ هذا القولِ: وانظُر إلى إحيائِنا حمارَك، وإلى عظامِه كيف نُنْشِزُها، ثم نَكْسوها لحمًا، ولِنَجْعَلَك آيةً للناسِ. فيكونُ في قولِه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾. متروكٌ مِن الكلامِ، اسْتُغْنِى بدَلالةِ ظاهرِه عليه مِن ذِكْرِه، وتكونُ الألفُ [واللامُ] (^٣) في قولِه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ بدلًا مِن الهاءِ المُرادةِ في المعْنى؛ لأن مَعْناه: وانظر إلى عظامِه. يَعْنِى: إلى عظامِ الحمارِ.\nوقال آخرون منهم: بل قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه ذلك له بعدَ أن نفَخ الروحَ في عيْنَيْه (^٤). قالوا: وهى أولُ عُضْوٍ مِن أعضائِه نفَخ اللَّهُ فيه الروحَ، وذلك [قبلَ أن يُسوِّيَه] (^٥) خلقًا سويًا، وقبلَ أن يُحْيِيَ حمارَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-921>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان هذا رجلًا مِن بنى إسرائيلَ نُفِخَ الروحُ في عَينيْه، فنظَر إلى خَلْقِه كلِّه حينَ يُحيِيه اللَّهُ، وإلى حمارِه حينَ يُحييه اللَّهُ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"ثم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٦ مفرقا في (٢٦٨٠)، (٢٦٨٢) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ص.\n(^٤) في م: \"عينه\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بعد أن يسويه\"، وفى م: \"بعد أن سواه\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٤ (٢٦٧١) من طريق ابن أبي نجيح به مختصرا.","vol":"4","page":608},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني القاسمُ، قال: حدثني الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: بدأ بعينَيْه فنفَخ فيهما الروحَ، ثم بعظامِه فأنْشَزها، ثم وصَل بعضَها إلى بعضٍ، ثم كساها العصبَ، ثم العُروقَ، ثم اللحمَ، ثم نظَر إلى حمارِه، فإذا حمارُه قد بَلِى وابْيَضَّتْ عظامُه، في المكانِ الذي ربطَه فيه، فنُودِى: يا عِظامُ اجْتَمِعي، فإِن اللَّهَ مُنْزِلٌ عليكِ رُوحًا. فسَعَى كلُّ عَظْمٍ إلى صاحبِه، فوصَل العظامَ، ثم العصبَ، ثم العروقَ، ثم اللحمَ، ثم الجِلْدَ، ثم الشَّعَرَ، وكان حمارُه جَذَعًا (^١)، فأحياه اللَّهُ كبيرًا قد تَشَنَّن (^٢)، فلم يَبْقَ منه إلا الجِلدُ مِن طولِ الزمنِ، وكان طعامُه سَلَّ عنبٍ، وشرابُه دَنَّ خَمْرٍ.\nقال ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: نفَخ الروحَ في عينَيْه، ثم نظَر بهما إلى خَلْقِه كلِّه حينَ يَنْشُرُه اللَّهُ، وإلى حمارِه حين يُحيِيه اللَّهُ.\nوقال آخَرون: بل جعَل اللَّهُ الروحَ في رأسِه وبصرِه، وجسَدُه ميتٌ، فرأَى حمارَه قائمًا كهيئتِه يومَ ربَطه، وطعامِه وشرابَه كهيئتِه يومَ حلَّ البُقْعَةَ، ثُم قال اللَّهُ له: انظُر إلى عظامِ (^٣) نفسِك كيف نُنْشِزُها (^٤).\n_________\n(^١) الجذع: الصغير السن من الحيوان. اللسان (ج ذ ع).\n(^٢) التَّشَنُّنُ: التشنج واليبس في جلد الإنسان عند الهرم. وتشانّ الجلد: يبس وتشنج. اللسان (ش ن ن).\n(^٣) في م: \"عظامك\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ننشرها\".","vol":"4","page":609},{"text":"<span data-type='title' id=toc-922>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ سهلٍ بن عَسْكَرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصَّمَدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبهٍ يقولُ: ردَّ اللَّهُ روحَ الحياةِ في عينِ إرميا، وآخِرُ جسدِه ميتٌ (^١)، فنظَر إلى طعامِه وشرابِه لم يَتَسَنَّهْ، ونظَر إلى حمارِه واقفًا كهيئتِه يومَ ربطَه، لم يَطْعَمْ ولم يَشْرَبْ، ونظَر إلى الرُّمَّةِ في عُنُقِ الحمارِ لم [تَتَغيّرْ، جديدةً] (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ (^٣)، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾: فنظَر إلى حمارِه قائمًا قد مكَث مائةَ عامٍ، وإلى طعامِه لم يَتَغيرْ، قد أتَى عليه مائةُ عامٍ، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾، فكان أوَّلَ شيءٍ أحيا اللَّهُ منه رأسُه، فجعَل يَنْظُرُ إلى سائرِ خَلقِه يُخلَقُ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾: فنظَر إلى حمارِه قائمًا، وإلى طعامِه وشرابِه لم يَتَغيرْ، فكان أوَّلَ شيءٍ خُلِقَ منه رأسُه، فجعَل يَنْظُرُ إلى كلِّ شيءٍ منه يُوصَلُ بعضُه إلى بعضٍ، فلمّا تَبَيَّن له، قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٥).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال:\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ميتا\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"لم يتغير حديده\".\nوالأثر تقدم تخريجه في ص ٥٨١.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحسن\".\n(^٤) ينظر البحر المحيط ٢/ ٢٩٣.\n(^٥) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٢٩٣.","vol":"4","page":610},{"text":"ذُكِرَ لنا أنه أولُ ما خُلِق منه رأسُه، ثم رُكِّبتْ فيه عيناه، ثم قيل له: انْظُرُ. فجعَل يَنْظُرُ، فجَعَلتْ عِظامُه تَواصَلُ بعضُها إلى بعضٍ، وبعينِ (^١) نبيِّ اللَّهِ ﵇ كان ذلك، فقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٢).\nحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾: وكان حمارُه عندَه كما هو، ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ قال الربيع: ذُكِرَ لنا - واللَّهُ أعلمُ - أنه أولُ ما خُلِقَ منه عَيْناه، ثم قيل: انْظُرْ. فجعَل يَنْظُرُ إلى العِظامِ يَتَواصلُ بعضُها إلى بعضٍ، وذلك بعَيْنيه، فقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنا ابن زيدٍ في (^٤) قوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾: واقفًا عليك منذُ مائةِ سنةٍ، ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾. يقولُ: وانظُرْ إلى عظامِك كيف نُحْيِيها حينَ سَأَلْتنا كيف نُحْيِي هذه (^٥). قال: فجعَل اللَّهُ الروحَ في بصرِه وفى لسانِه، ثم قال: ادْعُ الآن بلسانِك الذي جعَل اللَّهُ فيه الروحَ، وانظُرْ ببصرِك. قال: فكان يَنظُرُ إلى الجُمْجُمَةِ. قال: فنادَى: لِيَلْحَقُ كلُّ عَظْمٍ بأَلِيفِه. قال: فجاء كلُّ عَظْمٍ إلى صاحبِه، حتى اتَّصَلَتْ وهو يراها، حتى إن\n_________\n(^١) في ص: \"بعيد\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٠٧ عن معمر، عن قتادة والحسن بنحوه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٤ (٢٦٧٢) من طريق ابن أبي جعفر بشطره الأول.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قال\".\n(^٥) بعده في م، س: \"الأرض بعد موتها\".","vol":"4","page":611},{"text":"الكِسْرَةَ (^١) مِن العظمِ لتَأْتِى إلى المَوْضعِ الذي انْكَسَرت منه، فتَلْصَقُ به، حتى وصَل إلى جُمْجُمَتِه وهو يرَى ذلك، فلما اتَّصَلت شدَّها بالعَصَبِ والعرُوقِ، وأجْرَى عليها اللحْمَ والجِلْدَ، ثم نفَخ فيها الروحَ، ثم قال: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال: ثم أُمِر فنادَى تلك العِظامَ التي قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. كما نادَى عِظامَ نفسِه، ثم أحياها اللَّهُ كما أحياه (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني بكرُ بنُ مُضَرَ، قال: يَزْعُمون في بعضِ الكتبِ أنّ اللَّهَ ﵎ أمات إرميا (^٣) مائةَ عامٍ، ثم بعثَه فإذا حمارُه حيٌّ قائمٌ على رِباطِه. قال: وردَّ اللَّهُ إليه بصرَه، وجعَل الروحَ فيه قبلَ أن يُبْعثَ بثلاثين سنةً، ثم (^٤) نظَر إلى بيتِ المقدسِ وكيفَ عُمِرَ وما حولَه. قال: فيقولون، واللَّهُ أعلمُ: إنه الذي قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. الآية (^٥).\nومعنَى الآيةِ على تأويلِ هؤلاء: وانْظُرْ إلى حمارِك [لم يتسنَّهْ] (^٦)، ولنَجعَلَك آيةً للناسِ، وانظُرْ إلى عظامِك كيف نُنْشِزُها بعدَ بِلاها، ثم نَكْسوها لحمًا، فنُحْيِيها بحياتِك، فتَعْلمَ كيف يُحْيِي اللَّهُ القُرَى وأَهْلَها بعدَ مماتِها.\n_________\n(^١) الكسرة: القطعة المنكسرة من الشيء. اللسان (ك س ر).\n(^٢) ذكره الرازي في التفسير الكبير ٧/ ٣٦.\n(^٣) في ص: \"أورميا\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حتى\".\n(^٥) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٢٩٠.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"4","page":612},{"text":"وأَوْلَى الأقوالِ في هذه الآيةِ بالصوابِ قولُ مَن قال: إِن اللَّهَ تعالى ذِكْرُه بعَث قائلَ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ مِن مماتِه، ثم أراه نَظِيرَ ما اسْتَنْكَر مِن إحياءِ اللَّهِ القريةَ التي مرَّ بها بعدَ مماتِها، عِيانًا مِن نفسِه وطعامِه وحمارِه، فجعَل تعالى ذِكْرُه ما أرَاه مِن إحيائِه نفسَه وحمارَه مَثَلًا لما اسْتَنْكَر مِن إحيائِه أهلَ القريةِ التي مرَّ بها خاويةً على عُروشِها، وجعَل ما أرَاه مِن العِبرةِ في طعامِه وشرابِه عِبرةً له وحُجةً عليه في كيفيةِ إحيائِه منازلَ القريةِ وجنانَها، وذلك هو معنَى قولِ مجاهدٍ الذي ذكَرناه قَبْلُ.\nوإنما قلنا: ذلك أوْلَى بتأويلِ الآيةِ؛ لأن قولَه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾. إنما هو بمعنَى: وانْظُرْ إلى العظامِ التي تراها ببصرِك كيف نُنْشِزُها، ثم نَكْسوها لحمًا. وقد كان حمارُه أدْرَكه مِن البِلَى - في قولِ أهلِ التأويلِ جميعًا - نَظِيرُ الذي لَحِقَ عِظامَ مَن خُوطِبَ بهذا الخطابِ، فلم يُمْكِنْ (^١) صَرْفُ معنى قولِه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾. إلى أنه أمرٌ له بالنَّظرِ إلى عظامِ الحمارِ دونَ عِظامِ المأمورِ بالنظرِ إليها، ولا إلى أنه أَمرٌ له بالنَّظرِ إلى عظامِ نفسِه دونَ عظامِ الحمارِ. وإذ (^٢) كان ذلك كذلك - وكان البِلَى قد لَحِقَ عِظامَه وعِظامَ حمارِه - كان الأوْلَى بالتأويلِ أن يكونَ الأمرُ بالنظرِ إلى كلِّ ما أَدْرَكه طَرفُه، مما قد كان البِلَى لَحِقَه؛ لأن اللَّهَ تعالى ذِكْرُه جعَل جميعَ ذلك عليه حُجةً، وله عِبرةً وعِظةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-923>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولِنجعَلَك آيةً للناسِ؛ أمَتْناك مائةَ عامٍ ثم بَعَثْناك.\nوإنما أُدْخِلتِ الواوُ مع اللامِ التي في قولِه: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾.\n_________\n(^١) في ص: \"يكن\".\n(^٢) في م: \"إذا\".","vol":"4","page":613},{"text":"وهي (^١) بمعنى \"كى\"؛ لأن في دخولِها في \"كى\" وأخواتها دَلالةً على أنها شرطٌ لفعلٍ بعدَها، بمعنى: ولنجْعَلَك كذا وكذا فعَلنا ذلك. ولو لم تكنْ قبلَ اللامِ - أعنى لامَ \"كى\" - واوٌ، كانتِ اللامُ شرطًا للفعلِ الذي قبْلَها، وكان يكونُ معناه: وانظُرْ إلى حمارِك لنجعَلَك (^٢) آيةً للناسِ.\nوإنما عنَى بقولِه: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾: ولنَجْعَلَكَ حُجةً على مَن جَهِل قُدْرتي، وشكَّ في عَظَمتى، وأنى (^٣) القادِرُ على فعلِ ما أشاءُ مِن إماتةٍ وإحياءٍ، وإفناءٍ وإنشاءٍ، وإنعامٍ وإذلالٍ، وإقتارٍ وإغناءٍ، بيدى ذلك كلُّه، لا يملكُه أحدٌ دونِى، ولا يقدِرُ عليه غَيرِى.\nوكان بعضُ أهلِ التأويلِ يقولُ: كان آيةً للناس بأنه جاء بعدَ مائةِ عامٍ إلى ولدِه وولدِ ولدِه شابًّا وهم شُيوخٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-924>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا قَبِيصةُ بن عُقْبَةَ، عن سفيانَ، قال: سمعِتُ الأعمشَ يقولُ: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾: قال: جاء شابًّا وولدُه شُيوخٌ (^٤).\nوقال آخرون: معنى ذلك أنه جاء وقد هلك مَن يَعْرِفُه، فكان آيةً لمَن قَدِم عليه مِن قومِه.\n_________\n(^١) في م: \"هو\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ولنجعلك\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أنا\".\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٥ عقب الأثر (٢٦٧٤) معلقا.","vol":"4","page":614},{"text":"<span data-type='title' id=toc-925>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: رجَع إلى أهلِه، فوجَد دارَه قد بيعتْ وبُنِيت، وهَلَك مَن كان يَعْرِفُه، فقال: اخْرجُوا مِن دارِى. قالوا: ومَن أنتَ؟ قال: أنا عُزَيْرٌ. قالوا: أليس قد هلَك عُزَيرٌ منذُ كذا وكذا؟ قال: فإن عُزَيرًا أنا هو، كان مِن حالى وكان. فلمّا عرفوا ذلك، خرَجوا له مِن الدارِ، ودفَعُوها إليه (^١).\nوالذي هو أوْلَى بتأويلِ الآيةِ مِن القولِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذِكْرُه أخبرَ أنه جعَل الذي وصَف صفته في هذه الآيةِ [آيةً و] (^٢) حُجةً للناسِ، فكان كذلك (^٣) حجةً على مَن عرَفه مِن ولدِه وقومِه ممن عَلِم موتَه وإحياءَ اللَّهِ إِيَّاه بعد مماتِه، وعلى مَن بُعِثَ إليه منهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-926>القولُ في تأويلِ قِوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾.</span>\nوقد دَلَّلنا فيما مضَى قبلُ على أن العِظامَ التي أُمِرَ بالنظَرِ إليها هي عظامُ نفسِه وحمارِه، وذكَرنا اختلافَ المُختلفين في تأويلِ ذلك، وما يَعْنى كلُّ قائلٍ فيما قاله في ذلك، بما أغْنَى عن إعادتِه.\nوأما قولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾، فإن القرأةَ اخْتَلَفت في قراءتِه؛ فقرَأه بعضُهم: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾. بضمِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٥ (٢٦٧٦) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٢) سقط مِن: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ذلك\".","vol":"4","page":615},{"text":"النونِ والزايِ (^١)، وذلك قراءةُ عامةِ قَرأةِ الكوفيين (^٢)، على معنى: وانظْرْ إلى العظامِ كيف نُرَكِّبُ بعضَها على بعضٍ، ونَنْقُلُ ذلك إلى مَواضِعِه (^٣) مِن الجسمِ.\nوأصلُ النَّشَزِ الارتفاعُ، ومنه قيل: قد نشَزَ الغلامُ، إِذا ارْتَفَع طوله وشبَّ، ومنه نشوزُ المرأةِ على زوجِها، ومِن ذلك قيل للمكانِ المرتفعِ مِن الأرضِ: نَشْزٌ، ونَشَزٌ، ونَشَازٌ. فإذا أردتَ أنك رفَعْتَه، قلت: أنْشَزْتُه إنشازًا، ونَشَز هو، إذا ارْتَفَع.\nفمعنى قوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ - في قراءةِ مَن قرَأ ذلك بالزايِ -: كيف ترفَعُها مِن أماكنِها مِن الأرضِ، فنردها إلى أماكنِها مِن الجسدِ.\nوممن تأوّل ذلك هذا التأويلِ جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-927>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى، قال: حدثني عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾. يقولُ: نُحرِّكها (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾. قال: نُخْرِجُها (^٥).\nوقرَأ ذلك آخرون: (وَانْظُرْ إِلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِرُها) (^٦). بضمِّ النونِ،\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"بالزاي\".\n(^٢) وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٨٩.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مواضع\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٦ (٢٦٨٠) من طريق عمرو بن حماد به مطولا.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٣ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٦) في م: \"ننشزها\" بالزاى المعجمة. وبضم النون والراء المهملة قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٧٩.","vol":"4","page":616},{"text":"وبالراءِ، مِن قولِ القائلِ: أَنْشَرَ اللهُ الموتَى، فهو يُنْشِرُهم إنشارًا. وذلك قراءةُ عامةِ قَرأةِ أهلِ المدينةِ، بمعنى: وانظُرْ إلى العظامِ كيف نُحيِيها ثم نَكْسوها لحمًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-928>ذِكْرُ مَن [تأوَّل ذلك كذلك]</span> (^١)\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: (كَيْفَ نُنْشِرُها). قال: نظر إليها حينَ يُحْيِيها اللهُ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مِثْلَه.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ بمثلِه (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وانظُرْ إلى العظامِ كيف نُنْشِرُها). قال: كيف نُحْيِيها (^٤).\nواحتجَّ بعضُ قَرأةِ ذلك بالراءِ وبضمِّ نونِ أولِه، بقولِه: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢]. فرأى أن الصوابَ إلحاق قولِه: (وانظر إلى العظامِ كيف نُنْشِرُها): به.\nوقرَأ ذلك بعضُهم: (وَانْظُرْ إِلى العِظامِ كَيْفَ نَنْشُرُها). بفتح النونِ مِن أُولِه\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"قال ذلك\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٤ (٢٦٧١) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٦١١.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٤ إلى المصنف.","vol":"4","page":617},{"text":"وبالراءِ (^١)، كأنه وجَّه ذلك إلى مثلِ معنَى نَشْرِ الشيءِ وطَيِّه، وذلك قراءةٌ غيرُ مَحمودةٍ؛ لأن العربَ لا تقولُ: نَشَر الله الموتَى. وإنما تقولُ: أنشَر اللهُ الموتَى، فَنَشروا هم. بمعنى: أحياهم اللهُ فحَيُوا هم. يدلُّ على ذلك قولُه: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾. وقولُه: ﴿آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١].\nوعلى أنه إذا أُرِيد به: حَيِىَ المَيْتُ وعاش بعدَ مَماتِه، قيل: نَشَر. قولُ الأعشى مِن بني ثعلبة (^٢).\nحَتَّى يَقُولَ النَّاسُ مما رَأَوْا … يا عجبًا لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ\nوروى سماعًا مِن العرب: كان به جَرَبٌ فَنَشَر. إذا عاد وحَيِيَ (^٣).\nوالقولُ في ذلك عندِى أنّ معنَى الإنشارِ ومعنى الإنشازِ متقاربان؛ لأن معنى الإنشازِ التركيبُ والإنباتُ (^٤)، وردُّ العظام مِن [الترابِ إلى الأجسادِ، وأن معنى الإنشارِ الإحياءُ والإعادةُ. وإحياءُ] (^٥) العظامِ وإعادتُها لا شكَّ أنه ردُّها إلى أماكنِها ومواضِعِها مِن الجسدِ بعد مفارقتِها إياها. فهما وإنِ اخْتَلَفا في اللفظِ، فمُتقاربا المعنى. وقد جاءت بالقراءةِ بهما الأمةُ مجيئًا يقطَعُ العذرَ، ويُوجِبُ الحُجةَ، فبأيِّهما قرَأ القارئُ فمُصيبٌ، لاتفاقِ (^٦) مَعْنيَيْهما، وألا حُجةَ تُوجِبُ لإحداهما مِن القضاءِ بالصوابِ على الأُخْرى.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أنّ الإنشارَ إذا كان إحياءً فهو بالصوابِ أوْلَى؛ لأن المأمورَ بالنظرِ\n_________\n(^١) هذه قراءة أبان عن عاصم، وهى قراءة الحسن أيضا. السبعة لابن مجاهد ص ١٨٩، وإتحاف فضلاء البشر ص ٩٨.\n(^٢) ديوانه ص ١٤١.\n(^٣) حكاه الفراء سماعا عن بعض بني الحارث. ينظر معاني القرآن ١/ ١٧٣.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الإثبات\".\n(^٥) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لانقياد\".","vol":"4","page":618},{"text":"إلى العِظامِ وهى تُنْشَرُ، إنما أُمِرَ به ليَرَى عِيانًا ما أَنْكَره بقولِه: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. فإن إحياءَ العظامِ لا شكَّ في هذا الموضعِ إنما عُنى به ردُّها إلى أماكنِها مِن جسدِ المنظورِ إليه وهو يحْيَا، لا إعادةَ الروحِ التي كانت فارقَتْها عندَ المماتِ. والذي يدلُّ على ذلك قولُه: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾. ولا شكَّ أنَّ الروحَ إنما نُفِخَتْ في العظامِ التي أُنْشِرت بعد أن كُسِيتِ اللحمَ.\nوإذا كان ذلك كذلك، وكان معنى الإنْشاز تركيبُ العظامِ وردُّها إلى أماكنِها مِن الجسدِ، وكان ذلك معنى الإنشارِ، كان معلومًا استواءُ مَعْنَيَيهما، وأنهما مُتَّفقا المعنى لا مُخْتَلِفاه، ففى ذلك إبانةٌ عن صحةِ ما قلنا فيه.\nفأمَّا القراءةُ الثالثةُ فغيرُ جائزةٍ القراءةُ بها عندى، وهى قراءةُ مَن قرأَ: (كيف نَنْشُرُها). بفتحِ النونِ وبالراءِ؛ لشُذوذها عن قراءةِ المسلمين، وخروجِها عن الصحيحِ الفصيحِ من كلامِ العربِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-929>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾.</span>\nيعنِى بذلك تعالى ذِكْرُه: ثم نَكْسو العظامَ لحمًا.\nوالهاءُ التي في قولِه: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا﴾. مِن ذكرِ العظامِ، ومعنى ﴿نَكْسُوهَا﴾. نُلْبِسُها ونُوارِيها به كما يُوارِى جسدَ الإنسانِ كسوتُه التي يَلْبَسُها. وكذلك تفعَلُ العرب، تجعَلُ كلَّ شيءٍ غطَّى شيئًا وواراه لباسًا له وكسوةً، ومنه قولُ النابغةِ الجَعْديِّ (^١):\n_________\n(^١) هذا البيت من الأبيات المختلف في نسبتها، فأغلب المصادر على أنه للبيد بن ربيعة العامري. وأورده محقق ديوان النابغة الجعدى ضمن أبيات الديوان (المجموع). ونسبه المرزباني في معجم الشعراء إلى قردة بن نفاثة وصحح ابن عبد البر في الاستيعاب هذه النسبة، وذكر ابن عبد البر أن أكثر أهل الأخبار قالوا: إن لبيدا لم =","vol":"4","page":619},{"text":"فالحَمْدُ للهِ إِذْ لَمْ يَأْتِنِي أَجَلِي … حتى اكْتَسَيْتُ منَ الإسْلامِ سِرْبالا\nفجعَل الإسلامَ - إذ غطَّى الذي كان عليه، فواراه وأذهَبه - كسوةً له وسِرْبالًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-930>القولُ في تأويلِ قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾: فلمَّا اتَّضَح له عِيانًا ما كان مستنكَرًا في (^١) قدرةِ اللهِ وعظمتهِ عندَه قبلَ عِيانِه ذلك، قال: أَعْلَمُ الآنَ - بعدَ المعاينةِ والاتضاحِ والبيانِ - أن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ.\nثم اختلفتِ القَرَأَةُ في قراءةِ قوله: ﴿قَالَ أَعْلَمُ﴾؛ فقرَأه بعضُهم: (قال اعْلَمْ). على معنى الأمرِ، بوصلِ الألفِ مِن \"اعْلَم\"، وجزمِ الميمِ منها. وهى قراءةُ عامَّةِ قرأةِ أهلِ الكوفةِ (^٢)، ويذكرون أنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (قيل اعْلَمْ). على وجهِ الأمرِ من اللهِ للذى أُحْيِي بعدَ مماتِه، فأُمِر بالنظرِ إلى ما يُحْيِيه اللهُ بعدَ مماتِه. وكذلك رُوى عن ابن عباسٍ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ التَّغْلَبِيُّ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن هارونَ، قال: هي في قراءةِ عبدِ اللهِ: (قيل اعلمْ أن الله). على وجهِ الأمرِ (^٣).\nحدَّثني الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن\n_________\n= يقل شعرا منذ أسلم. ينظر ديوان النابغة الجعدى (المجموع) ص ١٠١، والشعر والشعراء ١/ ٢٧٥، ومعجم الشعراء ٢٢٣، والاستيعاب ٣/ ١٣٣٥ والأغانى ١٥/ ٣٦٩، والخزانة ٣/ ٢٤٧.\n(^١) في م: \"من\".\n(^٢) هذه قراءة حمزة والكسائي. ينظر السبعة ص ١٨٩.\n(^٣) المصاحف ص ٥٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٤ إلى المصنف.","vol":"4","page":620},{"text":"ابن طاوسٍ، عن أبيه - قال الطبريُّ: أحسَبُه قال: - سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقرأُ: (فلمّا تبيَّن له قال اعْلَمْ). قال: إنما قيل ذلك له (^١).\nحُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ذُكِر لنا - واللهُ أعلُم - أنه قيل له: انْظُرْ. فجعَل يَنْظُرُ إلى العظامِ كيفَ يتواصَلُ بعضُها إلى بعضٍ، وذلك بعينيه، فقيل له: (اعلمْ أن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ).\nفعلى هذا القولِ تأويلُ ذلك: فلمَّا تبيَّن له ما تبيَّن مِن أمرِ اللهِ وقدرتِه، قال اللهُ ﷿ له: اعلم الآن أن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ. ولو صرَف مُتَأَوِّلٌ قولَه: (قال اعلم) - وقد قرَأه على وجهِ الأمرِ - إلى أنه مِن قِبَلِ المخبَرِ عنه بما اقتصَّ اللهُ في هذه الآية مِن قصَّتِه، كان وجهًا صحيحًا، وكان ذلك كما يقولُ القائلُ: اعلمْ أن كان كذا وكذا. على وجهِ الأمرِ منه لغيرِه، وهو يعنى به نفسَه.\nوقرَأ ذلك آخَرون: ﴿قَالَ أَعْلَمُ﴾ (^٢). على وجهِ الخبرِ عن نفسِه للمتكلِّمِ به، بهمزِ ألفِ ﴿أَعْلَمُ﴾ وقطعِها، ورفعِ الميمِ، بمعنى: فلمَّا تبيَّن له ما تبيَّن مِن قدرةِ اللَّهِ وعظيمِ سلطانِه بمعاينتِه ما عاينه، قال المتبيِّن (^٣) ذلك: أعلمُ الآن أنا أن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ.\nوبذلك قرَأت عامةِ قَرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ قرأةِ أهلِ العراقِ. وبذلك مِن التأويلِ تأوَّله جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٧ (٢٦٨٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٤ إلى عبد بن حميد. وينظر حجة القراءات ص ١٤٤.\n(^٢) قرأ بها نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وأبو عمرو، ينظر السبعة ص ١٨٩.\n(^٣) في م، ت ٢: \"أليس\".","vol":"4","page":621},{"text":"<span data-type='title' id=toc-931>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمَّن لا يَتَّهَمُ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: لمَّا عايَنَ مِن قدرةِ اللهِ ما عايَن، قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: بعَيْنِ (^٢) نبيِّ اللهِ ﵇ كان (^٣) - يعني إنشارَ العظامِ - فقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٤).\nحدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: قال عُزَيْرٌ عندَ ذلك - يعنى عندَ معاينتِه إحياءِ اللهِ حمارَه -: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: جعَل يَنْظُرُ إلى كلِّ شيءٍ منه يُوصَلُ بعضُه إِلى بعضٍ، ﴿فَلَمَّا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٨٠.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يعني\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٦١١.","vol":"4","page":622},{"text":"تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nحدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ نحوَه.\nوأَوْلَى القراءتينِ في ذلك بالصوابِ (^١) قراءةُ مِن قرأَ: (اعْلَمْ). بوصلِ الألفِ، جزمِ الميمِ، على وجهِ الأمرِ من اللهِ جلَّ ثناؤُه للذى أحياه بعدَ مماتِه، بالأمرِ بأن يَعْلَمَ أن الله الذي أراه بعينَيْه ما أراه مِن عظيمِ قدرتِه وسلطانِه؛ مِن إحيائه إيَّاه وحمارَه بعد موتٍ مائةَ عامٍ وبَلائِه، حتى عادا كهيئتهما يومَ قَبْضِ أرواحِهما، وحِفْظه عليه طعامَه وشرابَه مائةَ عامٍ، حتى ردَّه كهيئتِه يومَ وضَعه، غيرَ مُتَغَيِّرٍ - على كلِّ شيءٍ قادرٌ كذلك.\nوإنما اخْتَرْنَا قراءة ذلك كذلك، وحَكَمْنا له بالصوابِ دونَ غيرِه؛ لأن ما قبلَه مِن الكلامِ أمرٌ من اللهِ؛ قولًا للذى أحياه اللهُ بعدَ مماتِه، وخطابًا له به، وذلك قولُه: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ - ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ (^٢). فلمَّا تبيَّن ذلك له جوابًا عن مسألتِه ربَّه: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. قال اللهُ ﵎ له: اعلمْ أن الله الذي فعل هذه الأشياءَ على ما رأيتَ، على غير ذلك مِن الأشياء قديرٌ، كقدرتِه على ما رأيتَ وأمثالِه، كما قال لخليلِه إبراهيمَ صلى الله عليه، بعدَ أن أجابه عن مسألتِه إيَّاه في قولِه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. فأمَر إبراهيمَ بأن يَعْلَم بعدَ أن أَراه كيفيَّةَ إحيائِه الموتى أنه عزيزٌ حكيمٌ، وكذلك أمَر الذي سأل فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ بعدَ أن أَراه كيفيةَ إحيائِه إيَّاها، أن يَعْلَمَ أن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ.\n\n<span id=\"aya-267\"></span><span data-type='title' id=toc-932>القولُ في تأويلِ قِوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ</span>\n_________\n(^١) القراءتان متواترتان وليست إحداهما أولى بالصواب من الأخرى.\n(^٢) في الأصل: \"ننشرها\".","vol":"4","page":623},{"text":"الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.\nيعنِى بذلك جلَّ ثناؤُه: أوَ لم تَرَ إذ قال إبراهيمُ: ربِّ أَرِنى.\nوإنما صلَح أن يُعْطَفَ بقولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ على قولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾. وقولُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾؛ لأن قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ليس معناه: ألم تَرَ بعينَيْك. وإنما معناه: ألم تَرَ بقلبِك. فمعناه: ألم تَعْلَمُ فَتَذْكُرَ (^١)، وإن كان لفظُه لفظ الرؤيةِ، فيُعْطَفُ عليه أحيانًا بما يُوافِقُ لفظَه من الكلامِ، وأحيانًا بما يُوافِقُ معناه.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في سببِ مسألةِ إبراهيمَ ربَّه أن يُرِيَه كيف يُحْيِي الموتى؛ فقال بعضُهم: كانت مسألتُه ذلك ربَّه، أنه رأى دابَّةً قد تقسَّمتْها السِّباعُ والطيرُ، فسأل ربَّه أن يُرِيَه كيفيةَ إحيائه إيَّاها، معَ تفرُّقِ لحمِها (^٢) في بطونِ طيرِ الهواءِ وسباعِ الأرضِ؛ ليرَى ذلك عِيانًا، فيزدادَ يقينًا برؤيته ذلك عِيانًا، إلى علمِه به خبرًا، فأراه اللهُ جلّ ثناؤُه ذلك مثلًا بما أَخْبَر أنه أمره به.\n\n<span data-type='title' id=toc-933>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾: ذُكر لنا أن خليلَ الله إبراهيمَ أتَى على دابَّةٍ توزَّعتْها الدوابُّ والسباعُ، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ قال: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾؟ قال: ﴿بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (^٣).\n_________\n(^١) بعده في م: \"فهو\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"لحومها\".\n(^٣) عزاه الحافظ في الفتح ٦/ ٤١٢ إلى المصنف.","vol":"4","page":624},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسينِ (^١)، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ قال: سمِعتُ الضحَّاكَ بنُ مزاحمٍ يقولُ في قولِه: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾. قال: مرَّ إبراهيم على دابَّةٍ ميتٍ قد بلى وتقسَّمته الرياحُ والسباعُ، فقام (^٢) ينظُرُ، فقال: سبحانَ اللَّهِ! كيفَ يُحْيِي اللَّهُ هذا؟ وقد علِم أن الله قادرٌ على ذلك، فذلك قولُه: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ (^٣)؟\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ: بلَغنى أن إبراهيمَ بَيْنَا هو يسيرُ في الطريقِ، إذا هو بجِيفةِ حمارِ عليها السباعُ والطيرُ، قد توزَّعت (^٤) لحمها وبقى عظامُها، فلمَّا دنا (^٥) ذهَبت السباعُ، وطارت الطيرُ على الجبالِ والآكامِ، (^٦) فوقَف فعَجِب (^٧)، ثم قال: ربِّ، قد علمتُ لتَجْمَعَنَّها من بطونِ هذه السباعِ والطيرِ، ربِّ، أرنى كيف تحيي الموتى. قال: أو لم تُؤمنْ؟ قال: بلى، ولكن ليس الخبرُ كالمعاينةِ (^٨).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: مرَّ إبراهيمُ بحوتٍ نصفَه في البَرِّ ونصفُه في البحرِ، فما كان منه في البحرِ فدوابُّ البحرِ تأكُلُه، وما كان منه في البرِّ فالسباعُ ودوابُّ البرِّ تأكُلُه، فقال له الخبيثُ (^٩): يا إبراهيمُ، متى\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"الحسن\".\n(^٢) في ص، ت ٢: \"فقدم\".\n(^٣) ينظر التبيان ٢/ ٣٢٦.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تمزعت\"، وفى حاشية الأصل: \"في غيره: تمزعت\".\n(^٥) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في ص، ت ٢: \"الآطام\".\n(^٧) في م: \"وتعجب\".\n(^٨) عزاه في الفتح ٦/ ٤١٢ إلى المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٤ إلى المصنف عن ابن جريج، عن ابن عباس.\n(^٩) يعني: إبليس، لعنه الله.","vol":"4","page":625},{"text":"يَجْمَعُ اللَّهُ هذا (^١) مِن بطونِ هؤلاءِ؟ فقال: يا ربِّ، أَرِني كيف تُحْيِي الموتى. قال: أوَلم تُؤمن؟ قال: بلى ولكن لِيَطْمَئِنَّ قلبى (^٢).\nوقال آخرون: بل كان سببَ مسألتِه ربَّه ﵎ ذلك المناظرةُ والمحاجَّةُ التي جرَت بينه وبين نُمْرُوذَ في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-934>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثني ابن إسحاقَ، قال: لمَّا جرَى بينَ إبراهيمَ وبينَ قومِه ما جرى بينَهم، ممَّا قصَّه اللَّهُ في سورةِ \"الأنبياء\" (^٣)، قال نُمْرُوذُ - فيما يذكُرون - لإبراهيمَ: أرأيتَ إلهَك هذا الذي تَعْبُدُ وتدعُو إلى عبادتِه، وتَذْكُرُ مِن قدرتِه التي تُعَظِّمُه بها على غيرِه، ما هو؟ قال له إبراهيمُ: ربيَ الذي يُحيِى ويُميت. قال نُمْرُوذَ: أنا أُحْيى وأُمِيتُ. فقال له إبراهيمُ: كيف تحيى وتُمِيتُ؟ ثم ذَكر ما قصَّ اللهُ مِن محاجَّتِه إِيَّاه، قال: فقال إبراهيمُ عندَ ذلك: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. عن غيرِ شَكٍّ فِي اللَّهِ تعالى ذكرُه ولا في قدرته، ولكنه أحبَّ أن يَعْلَمَ ذلك، وتاق إليه قلبُه، فقال: لِيَطْمَئِنَّ قلبي. أيْ: ما تاق إليه إذا هو علمه.\nوهذان القولان - أعنِى الأولَ وهذا الآخرَ - مُتَقاربا المعنى، في أن مسألةَ إبراهيمَ ربَّه ﵎ أن يُرِيَه كيفَ يحيِى الموتى، كانت ليَرَى عِيانًا ما كان عندَه من علمِ ذلك خبرًا.\nوقال آخرون: بل كانت مسألتُه ذلك ربَّه عند البشارةِ التي أتَته من اللهِ جلّ ثناؤُه\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ٢: \"هؤلاء\".\n(^٢) ينظر البحر المحيط ٢/ ٢٩٧.\n(^٣) الآيات ٥١ - ٧١.","vol":"4","page":626},{"text":"بأنه قد اتَّخَذه خليلًا، فسأَل ربَّه أن يُريَّه عاجلًا مِن العلامةِ له على ذلك، ليَطْمَئِنَّ قلبُه بأنه قد اصطفاه لنفسِه خليلًا، ويكونَ ذلك لما عندَه من اليقينِ مُؤَيِّدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-935>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا اتَّخذ اللهُ إبراهيمَ خليلًا، سأل ملَكُ الموتِ ربَّه أن يَأْذَنَ له فَيُبَشِّر إبراهيمَ بذلك، فأذِن له، فأتَى إبراهيمَ وليس في البيتِ، فدخَل دارَه، وكان إبراهيمُ أغيرَ الناسِ، إذا خرَج أغْلَق البابَ، فلمَّا جاء وجَد في دارِه رجلًا، ثار (^١) إليه ليأخُذه، وقال: مِن أذِن لك أن تدخُلَ دارى؟ قال ملَكُ الموتِ: أذِن لي ربُّ هذه الدارِ (^٢). قال إبراهيمُ: صدَقتَ. وعرَف أنه ملَكُ الموتِ، قال: مَن أنت؟ قال: أنا ملَكُ الموتِ، جئتُك أُبَشِّرُك بأن الله قد اتَّخَذك خليلًا. فحمِد الله وقال: يا ملَكُ الموتِ، أرِنى الصورةَ التي تَقْبِضُ فيها أنفاسَ الكفارِ، قال: يا إبراهيمُ، لا تُطِيقُ ذلك. قال: بلى. قال: فأَعْرِضْ، فأعرَضَ إبراهيمُ، ثم نظَر إليه، فإذا هو برجلٍ أسوَدَ يَنالُ رأسه السماءَ، يَخْرُجُ مِن فيهِ (^٣) لهبُ النارِ، ليس مِن شعرةٍ في جسدِه إلا في صورةِ رجلٍ أسودَ يَخْرُجُ مِن فيه ومسامعِه لَهبُ النارِ، فغُشِيَ على إبراهيم، ثم أفاق وقد تحوَّل ملَكُ الموتِ في الصورةِ الأوُلى، فقال: يا ملَكَ الموتِ، لو لم يَلْقَ الكافرُ عندَ الموتِ مِن البلاءِ والحُزْنِ إلا صورتَك لكفاه، فأَرِى كيفَ تَقْبِضُ أنفاسَ المؤمنين، قال: فَأَعْرِضْ، فَأَعْرَضَ إبراهيمُ ثم التفتَ، فإذا هو برجلٍ شابٍّ أحسنِ الناسِ وجهًا، وأطيبِه رِيحًا، في ثيابٍ بِيضٍ، فقال: يا ملَكَ الموتِ، لو لم يكنِ للمؤمنِ عندَ موتِه (^٤) مِن قُرَّةِ العَينِ\n_________\n(^١) في م: \"فثار\".\n(^٢) في الأصل: \"الدابة\".\n(^٣) في الأصل: \"فمه\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ربه\".","vol":"4","page":627},{"text":"والكرامةِ إلا صورتُك هذه لكان يَكفِيه. فانطلَق ملَكُ الموتِ، وقام إبراهيمُ يدعُو ربَّه يقولُ: ربِّ، أرنى كيف تحيي الموتى حتى أَعلمَ أنِّي خَلِيلُكَ. قال: أو لم تؤمن بأَنِّي خَلِيلُك؟ يقولُ: تُصَدِّقُ. قال: بلى، ولكن ليطمئنَّ قلبي بخُلُولَتِكَ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. قال: بالخُلَّةِ (^٢).\nوقال آخرون: سأل ذلك ربَّه لأنه شكّ في قدرةِ اللهِ على إحياءِ الموتى.\n\n<span data-type='title' id=toc-936>ذكر مِن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيِى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ في قولِه: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. قال: قال ابن عباسٍ: ما في القرآنِ آيةٌ أَرْجَى عندى منها (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعْتُ زيدَ بنَ عليٍّ يُحدِّثُ عن رجلٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: اتَّعَدَ عبدُ اللَّهِ بن عباسٍ وعبدُ اللهِ بنُ عمرٍو أن يَجتمِعا، قال: ونحن يومئذٍ شبَبَةٌ، فقال أحدُهما لصاحبه: أيُّ آيةٍ في كتابِ اللهِ أَرْجَى لهذه الأُمَّةِ؟ فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] حتى ختَم الآية. فقال ابن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٧، ٥٠٨ (٢٦٨٩) من طريق عمرو به، إلى قوله: أني خليلك.\n(^٢) أخرجه رجه سعيد بن منصور (٤٤٢ - تفسير) - ومن طريقه البيهقى في الأسماء والصفات (١٠٧٥) - وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١٠ (٢٦٩٩) من طريق عمرو بن ثابت أبي المقدام به.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٦٦ عن عبد الرزاق به، وهو في تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٦ عن معمر، عن قتادة، عن ابن عباس.","vol":"4","page":628},{"text":"عباسٍ: أمَّا إن كنتَ تقولُ: إِنَّها، وإِنَّ أَرْجَى منها لهذه الأمةِ (^١) قولُ إبراهيمَ ﷺ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: سألتُ عطاءَ بنَ أبي رَباحٍ عن قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾. قال: دخَل قلبَ إبراهيمَ بعضُ ما يَدْخُلُ قلوبَ الناسِ، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ قال: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾. قال: ﴿بَلَى﴾. قال: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾؛ لِيُرِيَهُ (^٣).\nحدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبانٍ المصريُّ، قال: ثنا سعيدٌ بنُ تَلِيدٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمُ، قال: ثنى بكرُ بنُ مُضَرَ، عن عمرِو بن الحارثِ، عن يونسَ بن يزيدَ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرَنى أبو سلَمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ وسعيدُ بنُ المسيَّبِ، عن أبي هُريرةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"نحن أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبراهيمَ، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَنى يونسُ، عن ابن\n_________\n(^١) في الأصل: \"الآية\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٦٦ عن المصنف، وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٤٩، وابن حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٩ (٢٦٩٤)، والحاكم ١/ ٦٠ من طريق محمد بن المنكدر، عن ابن عباس وابن عمرو، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٨ (٢٦٩٠) من طريق حجاج به.\n(^٤) أخرجه البخارى (٤٦٩٤) عن سعيد بن تليد به.","vol":"4","page":629},{"text":"شهابٍ، [عن أبي سلمةَ] (^١) وسعيدِ بن المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، أن رسولِ اللهِ ﷺ قال. فذكَر نحوَه (^٢).\nوأَوْلَى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ ما صحَّ به الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قاله، وهو قولُه: \"نحنُ أحقُّ بالشَّكِّ مِن إبراهيمَ، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ \". وأن تكونَ مسألتُه ربَّه ما سأَله أن يُرِيَه مِن إحيائِه الموتى؛ لعارضٍ مِن الشيطانِ عرَض في قلبِه، كالذى ذكَرْنا عن ابن زيدٍ آنفًا، مِن أن إبراهيمَ لمّا رأَى الحوتَ الذي بعضُه في البرِّ وبعضُه في البحرِ، قد تَعاوَرَه دوابُّ البَرِّ ودوابُّ البحرِ وطيرُ الهواءِ، أَلْقَى الشيطانُ في نفسِه فقال: متى يَجمعُ اللَّهُ هذا مِن بطون هؤلاءِ؟ فسأل إبراهيمُ حينئذٍ ربَّه ﷻ أن يُرِيَه كيف يُحْيِي الموتى؛ ليُعايِنَ ذلك عِيانًا، فلا يَقْدِر بعدَ ذلك الشيطانُ أن يُلْقِيَ في قلبِه مثلَ الذي ألْقَى فيه عندَ رؤيتِه ما رأى مِن ذلك، فقال له ربُّه: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾؟ يقول: أولم تُصَدَّق يا إبراهيمُ بأنِّى على ذلك قادرٌ؟ قال: بلى يا ربِّ، ولكني سألْتُك أن تُرِيَنى ذلك ليَطْمَئِنَّ قلبي، فلا يَقْدِرَ الشيطانُ أن يُلْقِيَ في قلبي مثلَ الذي فعَل عندَ رؤيتي هذا الحوتَ.\nحدَّثني بذلك يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، عن ابن زيدٍ.\nومعنى قولِه: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: ليَسْكُنَ ويَهْدَأَ باليقينِ الذي يَسْتَيْقِنُه.\nوهذا التأويلُ الذي قلْناه في ذلك هو تأويلُ الذين وجَّهوا معنى قولِه: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ إلى أنه: ليزدادَ إيمانًا. أو إلى أنه: لِيُوقِنَ (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٠٢٦)، وابن عساكر في تاريخه ٦/ ٢٢٨، ٢٢٩ من طريق يونس بن عبد الأعلى وحرملة به، وأخرجه أحمد ١٤/ ٧٤ (٨٣٢٨) من طريق يونس بن يزيد الأيلى به، وأخرجه البخارى (٣٣٧٢، ٤٥٣٧)، ومسلم (١٥١) من طريق ابن وهب به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ليوفق\".","vol":"4","page":630},{"text":"<span data-type='title' id=toc-937>ذكرُ مِن قال: معنى (^١) ذلك: لِيُوقنَ (^٢). أو لِيزدادَ يقينًا أو إيمانًا</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، عن سفيانَ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. قال: لِيُوقِنَ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا أحمدُ بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الهيثمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. قال: ليزدادَ يَقِيني (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. يقولُ: ليزدادَ يقينًا.\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ،، عن قتادةَ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. قال: وأراد نبيُّ اللهِ إبراهيمُ: ليزدادَ يقينًا إلى يقينِه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيِى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال مَعْمَرٌ: وقال قتادةُ: ليزدادَ يقينًا (^٤).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. قال: أراد إبراهيمُ أن يزدادَ يقينًا (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ليوفق\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٩ (٢٦٩٧) من طريق سفيان به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١٠ (٢٦٩٨) من طريق سفيان به بلفظ: ليزداد إيمانًا.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٧.\n(^٥) ينظر تفسير القرطبي ٣/ ٢٩٨.","vol":"4","page":631},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ البصريُّ، قال: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا أبو الهيثمِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. قال: ليزدادَ يَقِيني (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الفضلُ بنُ دُكَينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الهيثمِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. قال: ليزدادَ يقينًا.\nحدَّثنا صالحُ بنُ مِسمارٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، قال: ثنا خلَفُ بنُ خليفةَ، قال: ثنا ليثُ بنُ أبى سُلَيمٍ، عن مجاهدِ وإبراهيمَ في قولِه: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. قال: لأَزدادَ إيمانًا مع إيماني (^٢).\nحدَّثنا صالحُ بنُ مِسمارٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحبابِ، قال: أخبَرَنا زيادُ بنُ (^٣) عبدِ اللهِ العامريُّ، قال: ثنا الليثُ، عن أبي الهيثمِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِ اللهِ ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. قال: لأَزدادَ إيمانًا مع إيماني.\nوقد ذكَرْنا فيما مضَى قولَ مِن قال: معنى قولِه: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: بأنِّي خَلِيلُكَ.\nوقال آخرون: معنى قولِه: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: لأعلَمَ أنك تُجيبنُى إذا دَعَوْتُك، وتُعْطيني إذا سألْتُك.\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦/ ٢٣٠ من طريق إسرائيل به بلفظ: ليزداد إيمانًا.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٤١ - تفسير)، والبيهقى في الشعب (٦١) من طريق خلف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٤ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في م: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٤٨٥.","vol":"4","page":632},{"text":"<span data-type='title' id=toc-938>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. قال: أعلمُ أنك تُجيِبُنى إذا دَعَوْتُك، وتُعْطِيني إذا سألْتُك (^١).\nوأمّا تأويلُ قولِه: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾. فإنه: أوَ لم تُصَدِّقُ؟\nكما حدَّثني (^٢) موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾. قال: أوَ لمْ توقنْ بأنِّى خليلُك (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ قولَه: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾. قال: أوَ لمْ تُوقِنُ بأنِّى خَلِيلُك (^٤)؟\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾. قال: أوَ لمْ تُوقِنُ بأنِّى خليلك؟\n\n<span data-type='title' id=toc-939>القولُ في تأويلِ قِوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾.</span>\nيعنِى بذلك جلَّ ثناؤُه: قال اللهُ له: فخُذْ أربعةً مِن الطيرِ. فذُكِر أن الأربعة مِن الطيرِ: الديكُ، والطاوُسُ، والغرابُ، والحمامُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٩ (٢٦٩٦)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٠٧٣) - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٦/ ٢٢٩ - مِن طريق أبي صالح به.\n(^٢) بعده في الأصل: \"أسد بن\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٩ (٢٦٩٣) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٨، ٥٠٩ (٢٦٩٢) من طريق سفيان به.","vol":"4","page":633},{"text":"<span data-type='title' id=toc-940>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، أن أهلَ الكتابِ الأولِ يَذكُرُون أنه أخَذ طاوسًا، وديكًا، وغرابًا، وحمامًا (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الأربعةُ مِن الطير: الديكُ، والطاوسُ، والغرابُ، والحمامُ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجَّاجٌ: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾. قال ابن جُريج: زعَمُوا أنه ديكٌ، وغرابٌ، وطاوسٌ، وحمامةٌ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ قال: فأخَذ طاوسًا، وحمامةً، وغرابًا، وديكًا، مخالفةً أجناسُها وألوانُها (١).\n\n<span data-type='title' id=toc-941>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾.</span>\nاختلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ والحجازِ والبصرةِ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. بضمِّ الصادِ (^٤)، مِن قولِ القائلِ: صُرْتُ إلى هذا الأمرِ، إذا مِلْتَ إليه، أَصورُ صَوَرًا. ويقال: إنى إليكم لأَصْوَرُ. أي: مشتاقٌ مائلٌ. ومنه قولُ\n_________\n(^١) ينظر تفسير القرطبي ٣/ ٣٠٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١٠ (٢٧٠٣)، وابن عساكر في تاريخه ٦/ ٢٣٠، من طريق شبل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ينظر تفسير البغوي ٣٢٣.\n(^٤) هي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبي عمرو وابن عامر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٩٠.","vol":"4","page":634},{"text":"الشاعر (^١):\nاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّا فِي تَلَفُّتِنا … يومَ الفراقِ إلى جيرانِنا (^٢) صُورُ\nوهو جمعُ أَصْوَرَ وصَوْراءَ وصُورٍ، مثلُ أَسودَ وسوداءَ وسودٍ.\nومنه قولُ الطِّرِمَّاحِ بن حكيمٍ (^٣):\nعَفائفُ إلَّا ذاك أوْ أن يَصُورَها … هوًى والهوَى للعاشقِينَ صَرُوعُ\nيعنَى بقولِه: أو أن يصورَها هَوًى: يُمِيلَها هوًى\nفمعنى قولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾: فَاضْمُهُنَّ إليك، ووَجِّهُهُنَّ نحوَك، كما يقالُ: صُرْ وجهَك إليَّ. أي: أَقْبِلْ به إليَّ. ومَن وجَّه قولَه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ إلى هذا التأويلِ، كان في الكلامِ عندَه متروكٌ قد تُرِك ذكرُه؛ استغناء بدَلالة الظاهرِ عليه، ويكونُ معناه حينئذٍ عندَه: قال: فخُذْ أربعةً مِن الطيرِ فصُرْهُنَّ إليك، ثم قَطِّعْهنّ، ثم اجعَلْ على كلِّ جَبَلٍ منهنَّ جزءًا.\nوقد يَحتَمِلُ أن يكون معنى ذلك إذا قُرِئَ كذلك بضمِّ الصادِ: قَطِّعْهِنَّ. كما قال تَوْبَةُ بنُ الحُميِّرَ (^٤):\nفلمَّا جذَبْتُ الحَبْلَ أَطَّتْ نُسوعُهُ … بأطرافِ عِيدانٍ شَديدٍ أُسُورُها (^٥)\nفَأَدْنَتْ لتي الأسبابَ حتى بَلَغْتُها … بنَهْضِى وقد كاد (^٦) ارتقائِى يَصُورُها\n_________\n(^١) المخصص ١٢/ ١٠٣، واللسان (ص ور ش ر ي)، والخزانة ١/ ١٢١.\n(^٢) في م: \"أحبابنا\".\n(^٣) ديوان الطرماح ص ٢٩٥.\n(^٤) البيت الثاني في الأضداد. ص ٣٧.\n(^٥) أطت: صوَّتت. النسوع: جمع نشع، وهو سير تشد به الرحال. والأسور: جمع أسر، وهو شدة الخلق. التاج (أ ط ط، ن س ع، أ س ر).\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كان\".","vol":"4","page":635},{"text":"يعْني: يَقْطَعُها.\nوإذا كان ذلك تأويلَ قولَه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. كان في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، ويكونُ معناه: قال: فخُذْ أربعةً مِن الطيرِ إليك فصُرْهنَّ. ويكونُ ﴿إِلَيْكَ﴾ مِن صلةِ ﴿فَخُذْ﴾.\nوقرَأ ذلك جماعةٌ مِن أهلِ الكوفةِ: (فصِرْهُنَّ إليك). يعنِى: قَطِّعُهُنَّ (^١).\nوقد زعَم جماعةٌ مِن نحويِّي الكوفةِ (^٢) أنهم لا يَعْرِفون (فصِرْهُنَّ)، ولا ﴿فَصُرْهُنَّ﴾. بمَعْنى (^٣): قَطِّعْهُنَّ، في كلامِ العربِ، وأنهم لا يَعرِفون كسرَ الصادِ وضمَّها في ذلك إلا بمعنًى واحدٍ، وأنهما جميعًا لُغتان بمعنى الإمالةِ، وأن كسرَ الصادِ منها لغةٌ في هُذَيْلٍ وَسُلَيْمٍ، وأَنشَدُّوا لبعضِ بني سُلَيمٍ:\nوفَرْعِ يَصِيرُ الجيدَ وَحْفٍ كَأَنَّهُ … على اللِّيتِ قِنْوانُ الكُرُومِ الدَّوالِحُ (^٤)\nيعنَى بقولِه: يَصِيرُ: أي: يُميلُ. وأن أهلَ هذه اللغة يقُولون: صارَه، وهو يَصِيرُه صَيْرًا، وصِرْ وجْهَكَ إِليَّ. أي: أَمِله. كما يقالُ: صُرْه.\nوزعم بعضُ نحوييِّ الكوفةِ أنه لا يَعِرفُ لقولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾. ولا لقراءةِ من قرَأ (فَصِرْهُنَّ) بضمِّ الصادِ أو (^٥) كسرها وجهًا في التَّقْطِيع، إلا أن يكونَ: (فَصِرْهُنَّ إليك) - في قراءةِ مَن قرَأه بكسرِ الصادِ - مِن المقلوبِ، وذلك أن تكونَ لامُ فِعْلِه جُعِلتْ مكانَ عينِه، وعينُه مكانَ لامِه، فيكونُ مِن: صرَى يَصْرِى صَرْيًا.\n_________\n(^١) وهى قراءة حمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ١٩٠.\n(^٢) ينظر معاني القرآن ١/ ١٧٤.\n(^٣) في الأصل: \"يعنى\".\n(^٤) الفرع: الشعر التام والوحف: الأسود. والليت: صفحة العنق. والدوالح: المثقلات بحملها. التاج (ف ر ع، وح ف، ل ي ت، د ل ح د ل ح).\n(^٥) في م: \"و\".","vol":"4","page":636},{"text":"فإن العربَ تقولُ: بات يَصْرِى في حَوْضِه، إذا استَقَى، ثم قَطَع واستَقَى. ومن ذلك قولُ الشاعرِ (^١):\nصرَت نظرةً لو صادفت جَوْزَ دارعٍ … غدًا والعواصِي مِن دمِ الجوفِ تَنْعَرُ (^٢)\nيعني: قَطَعَتْ نظرةً. ومنه قولُ الآخرِ (^٣):\nيقولون إن الشامَ يَقْتُلُ أَهلَهُ … فَمَنْ ليَ إنْ (^٤) لم آتِهِ بخلودِ\nتَعَرَّبَ آبائي فهلَّا صِرَاهُمُ … مِن الموت أن لم يَذْهَبُوا وجُدُودِى\nيعنِى: قَطَعَهم. ثم نُقِلت ياؤُها التي هي لامُ الفعلِ فجُعِلَتْ عينًا للفعلِ، وحُوِّلتْ عينُها فجُعِلتْ لامها، فقيل: صار يَصِيرُ. كما قِيل: عَثِى يَعْثَى عَثًا. ثم حُوِّلت لامُها، فجُعِلتْ عينها، فقيل: عاث يَعِيثُ.\nوأما نحويُّو البصرة فإنهم قالوا: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ سواءٌ معناه إِذا قُرِئَ بالضمِّ مِن الصادِ وبالكسرِ، في أنه مَعْنِيٌّ به في هذا الموضعِ التقطيعُ. قالوا: وهما لغتان: إحداهما، صارَ يصُورُ، والأخرَى، صار يَصِيرُ. واستشهدُوا على ذلك ببيتٍ تَوْبَةَ بن الحُمَيِّرِ الذي ذكرناه قبلُ، وببيت المُعَلَّى بن جمَّالٍ (^٥) العبديِّ:\nوجاءَتْ خُلْعَةٌ دُهْسٌ صَفَايَا … يَصُورُ عُنُوقَها أَحْوَى زَنِيمُ (^٦)\n_________\n(^١) البيت في معاني القرآن للفراء ١/ ١٧٤، واللسان (ن ع ر، ع ص ي) غير منسوب.\n(^٢) الجوز: وسط الشيء. والعواصى: العروق. وتنعر: تفور. التاج (ج وز، ع ص ي، ن ع ر).\n(^٣) البيتان في معاني القرآن للفراء ١/ ١٧٤، والبيت الأول في اللسان (ش أ م)، والثاني في اللسان (ع ر ب) مع اختلاف في الرواية.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"إذا\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"حماد\". والبيت في مجاز القرآن ١/ ٨١، والأضداد ص ٣٧، واللسان (ص ور، ده س، خ ل ع، ز ن م).\n(^٦) الخلعة: خيار المال. دهس: جمع دهساء، والدهساء من الضأن التي على لون الرمل والصفايا: =","vol":"4","page":637},{"text":"يعني: يُفَرِّقُ عُنوقها ويُقَطِّعُها، وبيتِ خَنْساءَ (^١):\n* لَظَلَّتِ الشُّمُّ منها وَهْيَ تَنْصارُ (^١) *\nتَعْنى بالشُّمِّ: الجبالَ، أنها تتَصدَّعُ وتَتَفرَّقُ. وببيتِ أبي ذُؤَيبٍ (^٢):\nفانْصَرْنَ مِن فَزَعٍ وسَدَّ فُرُوجَهُ … غُبْرٌ ضَوارٍ وافيانِ وأَجْدَعُ (^٣)\nقالوا: فلِقول القائلِ: صُرْتُ الشيء. معْنيان: أَمَلْتُه، وقَطَّعْتُه، وحَكَوْا سماعًا: صُرْنا به الحُكْمَ: فَصَلْنا به الحكم.\nوهذا القولُ الذي ذكرْناه عن البَصْريِّين - مِن أن معنى الضَّمِّ في الصادِ مِن قولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ والكسرِ سواءٌ بمعنًى واحدٍ، وأنهما لُغتان معْناهما في هذا الموضعِ: فقَطِّعْهنَّ، وأن معنى ﴿إِلَيْكَ﴾ تقديُمها قبلَ ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ مِن أجلِ أنها صلةٌ لقولِه: ﴿فَخُذْ﴾ - أَوْلَى بالصوابِ مِن قولِ الذين حكَيْنا قولَهم مِن نحويِّي الكوفيِّين، الذين أنكَرُوا أن يكونَ للتقطيعِ في ذلك وجهٌ مفهومٌ، إلا على معنى القلبِ الذي ذكرْتُ؛ لإجماعِ جميع أهلِ التأويلِ على أن معنى قولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ غيرُ خارجٍ مِن أحدِ معنيَين: إما: قَطِّعْهُنَّ. وإما: اضْمُمُهُنَّ إليك. بالكسرِ قُرِئ ذلك أو بالضَّمِّ، ففى إجماعِ جميعِهم على ذلك - على غير مراعاةٍ منهم كسرَ\n_________\n= جمع صفية، وهى الغزيرة. والعنوق: جمع عَناق، وهى أنثى المعز. والأحوى: الذي تضرب حمرته إلى\nالسواد، يعنِى تيس المعز. والزنيم: الشاة التي لها زَنَمتان في حلقها، والزنمة: هَنة معلقة في حلقها تحت\nلحيتها. اللسان (خ ل ع، د هـ س، ص ف ي، ع ن ق، ح وى، ز ن م).\n(^١) مجاز القرآن ١/ ٨١، والأضداد ص ٣٧، واللسان (ص ور)، وصدره:\nفلو يلاقي الذي لاقيته حصن\n(^٢) البيت في ديوان الهذليين ١/ ١٢.\n(^٣) الغبر الضواري: كلاب الصيد، وافيان: سالما الأذنين، وأجدع: مقطوع الأذنين. شرح أشعار الهذليين ١/ ٢٨.","vol":"4","page":638},{"text":"الصادِ وضمَّه، ولا تفريقٍ منهم بين معنيَى القراءتَين - أَعنى الكسرَ والضمَّ - أوضحُ الدليلِ على صحةِ قولِ القائلين مِن نحويِّى أهلِ البصرةِ في ذلك، ما حكَيْنا عنهم من القولِ، وخطأ قوِل نحويِّى الكوفيِّين؛ لأنهم لو كانوا إنَّما تأوَّلُوا قولَه: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾. بمعنى: فقَطِّعْهنَّ. على أن أصلَ الكلامِ فاصْرِهنَّ. ثم قُلِبَتْ فقيل: فصِرهنَّ. بكسرِ الصادِ؛ لتحوُّلِ ياءِ \"فاصْرِهِنَّ\" مكانَ رائِه، وانتقاِل رائِه مكان يائِه لكان لا شكَّ مع معرفتِهم بلُغتِهم، وعلمِهم بمَنْطِقِهم، قد فصَلُوا بينَ معنى ذلك إذا قُرِئَ بكسرِ صادِه، وبينَه إذا قُرِئَ بضمِّها، إذ كان غيرَ جائزٍ لمن قلَب \"فاصْرِهُنَّ\" إلى \"فَصِرْهنَّ\"، أَن يَقْرَأَه \"فصُرْهُنَّ\" بضمِّ الصادِ، وهم معَ اختلافِ قراءتِهم ذلك كذلك، قد تأوَّلوه تأويلًا واحدًا على أحدِ الوجهَيْن اللذَيْن ذكَرْنا، ففى ذلك أوضحُ الدليلِ على خطأ قولِ من قال: إنّ ذلك إذا قُرِئَ بكسر الصادِ بتأويلِ التقطيعِ، مقلوبٌ مِن: صرَى يَصْرِى. إلى: صارَ يَصِيرُ. وجهلِ مَن زعم أن قول القائلِ: صار يصُورُ، وصار يصِيرُ، غيرُ معروفٍ في كلامِ العربِ بمعْنى: قَطَّعَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-942>ذكرُ مَن حضَرَنا قولُه في تأويلِ قولِ اللَّهِ: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾. أنه بمعنى: فَقَطِّعْهُنَّ.</span>\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجَبَّارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾. قال: هي نَبَطِيَّةٌ: فَشَقِّقْهُنَّ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي جَمْرَة (^٢)، عن ابن عباسٍ أنه قال في هذه الآية: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٤٤) - تفسير، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١٢ (٢٧١١) من طريق عطاء به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الشعب.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"حمزة\".","vol":"4","page":639},{"text":"إِلَيْكَ﴾. قال: إنما هو مَثَلٌ. قال: قَطِّعْهِنَّ ثم اجعلهنَّ في أرباعِ الدنيا؛ رُبعًا ههنا، وربعًا ههنا، ثم ادْعُهنَّ يأتينَك سعيًا (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِلَيْكَ﴾ يقولُ: قَطِّعْهُنَّ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. قال: يقولُ: قَطِّعْهنَّ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، عن حُصَينٍ، عن أبي مالكٍ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يحيِى بنُ اليمانِ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ قال: قال: جَناحُ ذِه عندَ رأْسِ ذِه، ورأسُ ذِه عندَ جَناحِ ذِه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: حدَّثنا المُعْتَمِرُ بن سليمانَ، عن أبيه، قال: زعَم أبو عمرٍو، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. قال: قال عكرمةُ: بالنَّبَطِيَّةِ: قَطِّعْهُنَّ (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيلُ، عن [أبي يحيِى] (^٥)،\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٤٣ - تفسير) - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٦/ ٢٣١ - وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١١ (٢٧٠٧، ٢٧٠٨) من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، والبيهقي في البعث.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١١ عقب الأثر (٢٧٠٨) معلقا\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١٢ (٢٧١٢) مِن طريق يحيى به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٥ إلى المصنف.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يحيى\". وينظر تهذيب الكمال ٣٤/ ٤٠١.","vol":"4","page":640},{"text":"عن مجاهدٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ قال: قَطِّعْهُنَّ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾: انتِفْهنَّ بريشِهنَّ ولحُومهنَّ تمزيقًا (^٢)، ثم اخْلِطْ لحومَهنَّ بريشِهنَّ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ. عن مجاهدٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. قال: انتِفْهنَّ بريشهنَّ ولحُومِهنَّ تمزيقًا.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾: أمَر نبيُّ اللهِ ﷺ أن يأخُذَ أربعة مِن الطيرِ فَيَذْبَحَهُنَّ، ثم يَخْلِطَ بِينَ لحومِهِنَّ وريشِهنَّ ودمائِهنَّ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. قال: فمَزِّقُهُنَّ. قال: أُمِر أَن يَخْلِطَ الدماءَ بالدماءِ، والريشِ بالريشِ، ثم جعَل على كلِّ جبل منهن جزءًا (^٥).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١١ (٢٧٠٦) من طريق إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس.\n(^٢) في مصادر التخريج: \"ومزقهن تمزيقا\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٤٤، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٦/ ٢٣١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٥ إلى البيهقي.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٠٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١٢ (٢٧١٤) عن الحسن به.","vol":"4","page":641},{"text":"قال: سمِعْتُ الضَّحَّاكَ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. يقولُ: شَقِّقْهنَّ، وهو بالنَّبَطِيَّةِ: صرِّى، وهو التشقيقُ (^١).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو بن حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. يقولُ: قَطِّعْهنَّ (^٢).\nحُدِّثتُ عن عمّار بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. يقولُ: قَطِّعْهِنَّ إليك، ومَزِّقْهُنَّ تمزيقًا.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. أَيْ: قَطِّعْهُنَّ. وهو الصَّوْرُ في كلامِ العربِ (^٣).\nففيما ذكَرْنا مِن أقوالِ مَن رَوَيْنا قوله في تأويلِ قوله: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. أنه بمعنَى: فقَطِّعْهِنَّ إليك. دَلالةٌ واضحةٌ على صحةِ ما قلْنا في ذلك، وفسادِ قولِ مَن خالفَنا فيه، وإذ كان ذلك كذلك، فسواءٌ قرَأ القارئُ ذلك بضمِّ الصادِ: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ أو بكسرِها: (فَصِرْهُنَّ). [إذ كانتا لغتين] (^٤) معروفتَين بمعنًى واحدٍ، غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، فإن أحبَّهما إليَّ أن أقرأَ به: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ بضمِّ الصادِ؛ لأنها أعلَى اللغتيَن وأشهرُهما، وأكثرهما في أحياءِ العربِ.\nوقد تأوَّلُ قولَه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. أنه بمعنى: ضُمَّهنَّ إليك. مِن أهلِ التأويلِ نفر قليلٌ.\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٢/ ٣٠٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١١ عقب الأثر (٢٧٠٨)، مِن طريق عمرو بن حماد به.\n(^٣) ينظر تفسير القرطبي ٣/ ٣٠١، والبحر المحيط ٢/ ٣٠٠.\n(^٤) في م: \"أن كانت اللغتان\".","vol":"4","page":642},{"text":"<span data-type='title' id=toc-943>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾: صُرْهُنَّ: أَوثَقْهُنَّ (^١)\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قلْتُ لعطاءٍ: ما قولُه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ قال: اضْمُهُهُنَّ إِليك (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. قال: اجْمَعْهُنَّ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-945>القولُ في تأويلِ قِوله جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: ثم اجْعَلْ على كلِّ رُبُعٍ مِن أرباعِ الدنيا جزءًا منهنَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-944>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا [محمدُ بنُ المُثَنَّى] (^٤)، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي جمرةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ قال: اجْعَلْهُنَّ في أرباعِ الدنيا؛ رُبُعًا ههنا، ورُبُعًا ههنا (^٥)، ثم ادْعُهنَّ يأتينَك سعيًا (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٥١١ (٢٧٠٩) عن محمد بن سعد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٥ إلى المصنف.\n(^٣) ينظر البحر المحيط ٢/ ٣٠٠.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"المثنى\".\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢: \"وربعا هنا وربعا ههنا\".\n(^٦) تقدم تخريجه في ص ٦٤٠.","vol":"4","page":643},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾. قال: لمَّا أَوثَقَهُنَّ ذَبَحَهُنَّ، ثم جعَل على كلِّ جبلٍ منهنَّ جزءًا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: أُمِر نبيُّ اللَّهِ أَن يأخُذَ أربعةً من الطيرِ فيَذْبَحَهنَّ، ثم يَخْلِطَ بينَ لحومِهنَّ وريشهنَّ ودمائِهنَّ، ثم يُجَزِّئَهنَّ على أربعةِ أَجْبُلٍ. فذُكِر لنا أنه شكَّل (^٢) على أجنحتِهنَّ، وأَمسكَ رءوسَهنَّ بيدِه، فجعَل العَظْمُ يَذْهَبُ إلى العَظْمِ، والريشةُ إلى الريشةِ، والبَضْعةُ (^٣) إلى البَضْعةِ، و(^٤) بعينِ خليلِ اللَّهِ إبراهيمَ، ثم دعاهنَّ فَأَتَيْنَه سعيًا على أرجلِهنَّ، ويُلَقَّى كلُّ طيرٍ برأسِه. وهذا مَثَلٌ أراه (^٥) الله جلّ وعزّ إبراهيمَ، يقولُ: كما بعَث هذه الأطيارَ مِن هذه الأَجْبُلِ الأربعةِ، كذلك يَبعثُ اللَّهُ الناسَ يومَ القيامةِ مِن أرباعِ الأرضِ ونواحِيها.\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ذَبَحهنَّ، ثم قَطَّعهنَّ، ثم خلَط بينَ لحومِهنَّ وريشِهن، ثم قَسَمهنَّ على أربعةِ أجزاءٍ، فجعَل على كلِّ جبلٍ منهن جزءًا، فجعَل العظمُ يَذهبُ إلى العظمِ، والريشةُ إلى الريشةِ، والبَضْعةُ إلى البَضْعةِ، وذلك بعينِ خليلِ الله إبراهيمَ، ثم دَعاهُنَّ فَأَتَيْنَه سعيًا. يقولُ: شدًّا على أرجلِهن. وهذا مَثَلٌ أراه اللَّهُ إبراهيمَ. يقولُ: كما بُعِثَتْ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٦٤٣.\n(^٢) شكَّل: قيَّد بالشِّكال، وهو القيد أو الحبل اللسان (ش ك ل).\n(^٣) البضعة: القطعة من اللحم.\n(^٤) بعده في م: \"ذلك\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"آتاه\".","vol":"4","page":644},{"text":"هذه الأطيارُ من هذه الأَجْبُلِ الأربعةِ، كذلك يَبعَثُ اللَّهُ الناسَ يومَ القيامةِ مِن أرباعِ الأرضِ ونواحِيها.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، أن أهلَ الكتابِ يذكُرون أنه أخَذ الأطيارَ الأربعةَ، ثم قطَّع كلَّ طيرٍ بأربعةِ أجزاءٍ، ثم عَمَد إلى أربعةِ أجبالٍ، فجعَل على كلِّ جبلٍ رُبُعًا مِن كلِّ طائرٍ، فكان على كلِّ جبلٍ رُبُعٌ من الطاوسِ، ورُبعٌ من الديكِ، ورُبُعٌ من الغُرابِ، ورُبُعٌ من الحمامِ، ثم دَعاهُنَّ فقال: تعالَين بإذنِ اللَّهِ كما كنتُنَّ. فوثَب كلُّ رُبعٍ منها إلى صاحبِه، حتى اجتمعْنَ، فكان كلُّ طائرٍ كما كان قبلَ أن يُقَطِّعَه، ثم أقبلْن إليه سعيًا، كما قال اللَّهُ ﷿، وقيل: يا إبراهيمُ، هكذا يَجمَعُ اللَّهُ العبادَ، ويُحْيِي الموتى للبعثِ، من مَشارقِ الأرضِ ومغاربِها، وشامِها ويَمَنِها. فأراه الله إحياءَ الموتى بقُدْرتِه، حتى عرَف ذلك بغيرِ ما قال نُمْرُوذُ من الكذبِ والباطلِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾. قال: فأخَذ طاوسًا، وحمامةً، وغرابًا، وديكًا، ثم قال: فرِّقهنَّ؛ اجعلْ رأسَ (^١) واحدٍ وجُؤْشُوشَ (^٢) الآخرِ وجناحَى الآخرِ ورجلَى الآخرِ معه. فقَطَّعَهنَّ وفَرَّقَهنَّ أرباعًا على الجبالِ، ثم دَعاهُنَّ فَجِئْنَه جميعًا، فقال اللَّهُ ﷿: كما ناديْتَهُنَّ فَجِئْنَكَ، وكما أَحْيَيْتُ هؤلاءِ وجمَعْتُهنَّ بعدَ هذا، فكذلك أَجمَعُ هؤلاء أيضًا. يعنِى الموتى.\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢: \"كل\".\n(^٢) الجؤشوش: الصدر. اللسان (ج وش).","vol":"4","page":645},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم اجعَلْ على كلِّ جبلٍ من الأجبالِ التي كانت الأطيارُ والسِّباعُ التي كانت تأكُلُ من لحمِ الدابةِ التي رآها إبراهيمُ ميِّتةً، فسأل إبراهيمُ عندَ رؤيتِه إيَّاها أن يُرِيَه كيفَ يُحيِيها وسائرَ الأمواتِ غيرَها. وقالوا: كانت سبعةَ أجبالٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-946>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: لمَّا قال إبراهيمُ ما قال - عندَ رؤيتِه الدابةَ التي تفرَّقت الطيرُ والسباعُ عنها حين دنا منها - وسأل ربَّه ما سأل، قال: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾. قال ابن جريجٍ: فذبَحها ثم خلَط بيَن دمائِهن وريشِهن ولحومِهن، ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾. حيثُ رأيتَ الطيرَ ذهبتْ والسباعُ. قال: فجعَلَهن سبعةَ أجزاءٍ، وأمسكَ رُءُوسَهنَّ عندَه، ثم دعاهنّ بإذنِ اللَّهِ، فنظَر إلى كلِّ قطرةٍ من دمٍ تَطيرُ إلى القطرةِ الأخرى، وكلِّ ريشةٍ تطيرُ إلى الريشةِ الأخرى، وكلِّ بَضْعةٍ وكلِّ عظمٍ يطيرُ بعضُه إلى بعضٍ من رءوسِ الجبالِ، حتى لَقِيَتْ كلُّ جُثّةٍ بعضُها بعضًا في السماءِ، ثم أقبلْنَ يسعَين، حتى وَصَلَتْ رأسَها (^١).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: فخُذْ أربعةً من الطيرِ فصُرْهُنَّ إليك، ثم اجعَلْ على سبعةِ أَجْبالٍ، فاجعلْ على كلِّ جبلٍ منهن جزءًا، ثم ادْعُهنَّ يأتينَك سعيًا. فأخَذ إبراهيمُ أربعةً من الطيرِ، فقطَّعهنَّ أعضاءً، لم يَجعلْ عضوًا من طيرٍ معَ صاحبِه، ثم جعَل رأسَ هذا مع رجْلِ هذا، وصدرَ هذا مع جَناحِ هذا، وقَسَمَهنَّ على سبعةِ أَجْبَالٍ، ثم دعاهنَّ فطار\n_________\n(^١) ينظر تفسير البغوي ١/ ٣٢٤.","vol":"4","page":646},{"text":"كلُّ عضوٍ إلى صاحبِه، ثم أقبلْنَ إليه جميعًا.\nوقال آخرون: بل أمَره اللَّهُ جلّ ثناؤُه أن يجعَلَ ذلك على كلِّ جبلٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-947>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ. عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾. قال: ثم بَدِّدُ (^١) على كلِّ جبلٍ، يأتينَك سعيًا، وكذلك يُحيى اللَّهُ الموتى (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ثم اجعلْهنَّ أجزاءً على كلِّ جبلٍ، ثم ادْعُهنَّ يأتينَك سعيًا، كذلك يُحيى اللَّهُ الموتى. هو مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ لإبراهيمَ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ، قال مجاهدٌ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾، ثم بَدِّدُهُنَّ أجزاءً على كلِّ جبلٍ، ثم ادْعُهنَّ: تَعالَيْن بِإِذنِ اللَّهِ. فكذلك يُحيِي اللَّهُ الموتى. مَثَلٌ ضربَه اللَّهُ تعالى ذكرُه لإبراهيمَ ﷺ.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنى إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ، قال: أمَره أن يخالفَ بين قوائِمِهنَّ ورُءُوسِهِنَّ وأجنحتِهنَّ، ثم يَجْعَلَ على كلِّ جبلٍ منهنَّ جزءًا.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخَبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعْتُ الضَّحّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ\n_________\n(^١) في م: \"بددهن\".\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦/ ٢٣١ من طريق ابن أبي نجيح به بتمامه.","vol":"4","page":647},{"text":"جُزْءًا﴾: فخالفَ إبراهيمُ بين قوائمِهنَّ وأجنحتِهنَّ.\nوأَوْلَى التأويلات بالآيةِ ما قاله مجاهدٌ، وهو أن اللَّهَ ﵎ أمَر إبراهيمَ ﵇ بتفريقِ أعضاءِ الأطيارِ الأربعةِ - بعد تقطيعِه إيّاهنَّ - على جميعِ الأَجْبالِ التي كان يَصِلُ إبراهيمُ في وقتِ تكليفِ اللهِ إيّاه تفريقَ ذلك وتبديدَها عليها أجزاءً؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه قال له: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾. و\"الكُلُّ\" حرفٌ يدلُّ على الإحاطةِ بما أُضِيفَ إليه، [والجبلُ لفظُه لفظُ] (^١) واحدٍ ومعناه الجمعُ. فإذ كان ذلك كذلك، فلن يجوزَ أن تكونَ الجبالُ التي أُمِرَ إبراهيمُ بتفريقِ أجزاءِ الأطيارِ الأربعةِ عليها خارجةً من أحدٍ معنيَين: إمّا أن تكونَ بعضًا أو جميعًا، فإن كانت بعضًا فغيرُ جائزٍ أن يكونَ ذلك البعضُ إلا ما كان لإبراهيمَ السبيلُ إلى تفريقِ أعضاء الأطيارِ الأربعةِ عليه، أو يكونَ جميعًا، فيكونَ أيضًا كذلك، وقد أخبرَ الله تعالى ذكرُه أنه أمَره بأن يجعلَ ذلك على كلِّ جبلٍ، وذلك إما كلُّ جبلٍ قد (^٢) عرَفهنَّ إبراهيمُ بأعيانِهنَّ، وإما كلُّ (^٣) ما في الأرضِ من الجبالِ.\nفأما قولُ مَن قال: إن ذلك أربعةُ أَجْبُلٍ. وقولُ مَن قال: هنَّ سبعةٌ. فلا دلالةَ عندَنا على صحةِ شيءٍ من ذلك فنَسْتَجِيزَ القولَ به، وإنما أمَر اللَّهُ جلّ ثناؤُه إبراهيمَ ﷺ أن يجعَلَ الأطيارَ الأربعةَ أجزاءً مُفَرَّقةً على كلِّ جبلٍ؛ ليُرِىَ جلّ ثناؤُه إبراهيمَ ﵇ قدرتَه على جمعِ أجزائهنَّ وهُنَّ متفرِّقاتٌ متبدِّداتٌ في أماكنَ مختلفةٍ شَتَّى، حتى يُؤَلِّفَ بعضَهن إلى بعضٍ، فيَعُدْنَ كهيئتِهنَّ قبلَ تقطيعِهنَّ وتمزِيقِهنَّ، وقبلَ تفريقِ أجزائِهنَّ على الجبالِ، أطيارًا أحياءً يَطِرْنَ، فيَطمَئِنَّ قلبُ إبراهيمَ، ويعلَمَ\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"لفظ\"، وفى م، ت ١: \"لفظه\".\n(^٢) في م: \"وقد\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"4","page":648},{"text":"أنَّ كذلك جَمْعَ اللَّهِ أوصالَ الموتى لبعثِ القيامةِ، وتأليفَه أجزاءَهم بعدَ البِلَى، وردَّ كلِّ عضوٍ من أعضائِهم إلى موضعِه، كالذي كان قبلَ الرَّدَى (^١).\nوالجزءُ من كلِّ شيءٍ هو البعضُ منه، كان مُنْقَسِمًا جميعُه عليه على صحةٍ أو غيرَ مُنْقَسِمٍ، فهو بذلك من معناه مخالفٌ معنى السهمِ؛ لأن السهمَ من الشئِ هو البعضُ منه المنقسِمُ عليه جميعُه على صحةٍ، ولذلك كَثُر استعمالُ الناسِ في كلامِهم عندَ ذكرِهم أنصباءَهم من المواريثِ، السهامَ دونَ الأجزاءِ.\nوأمَّا قولُه: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ فإن معناه ما ذكَرْتُ آنفًا عن مجاهدٍ أنه قال: هو أنه أُمِر أن يقولَ لأجزاءِ الأطيارِ بعدَ تفريقِهنَّ على كلِّ جبلٍ: تعالَين بإذنِ اللَّهِ.\nفإن قال قائلٌ: أَ أُمِر إبراهيمُ أن يَدْعُوَهنَّ وهن مُمزَّقاتٌ أجزاءً على رءوسِ الجبالِ أمواتًا، أم بعدَ ما أُحْيِينَ؟ فإن كان أُمِر أن يَدْعُوَهنَّ وهَنَّ ممزَّقاتٌ لا أرواحَ فيهِنَّ، فما وجهُ أَمْرٍ مَن لا حياةَ فيه بالإقبالِ؟ وإن كان أُمِر بدعائِهنَّ بعدَ ما أُحْيِينَ، فما كانت حاجةُ إبراهيمَ إلى دعائِهنَّ وقد أَبصرَهنَّ يُنْشَرْنَ على رءوسِ الجبالِ؟\nقيل: إنَّ أَمْرَ اللَّهِ ﵎ إبراهيمَ ﷺ بدعائِهن وهنَّ أجزاءٌ متفرِّقاتٌ إنَّما هو أمرُ تكوينٍ - كقولِ اللَّهِ ﵎ للذين مسَخهم قِردةً بعدَ ما كانوا إنسًا: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] - لا أمرُ عبادةٍ، فيكونَ محالًا إلا بعدَ وجودِ المأمورِ المتعبِّدِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-948>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾.</span>\nيَعنى تعالى ذكرُه بذلك: واعلَمْ يا إبراهيمُ أن الذي أحيا هذه الأطيارَ - بعدَ تمزيقِك إيَّاهنَّ، وتفريقِك أجزاءَهن على الجبالِ - فجمَعَهنَّ وردَّ إليهن الروحَ، حتى\n_________\n(^١) في م: \"الرد\".","vol":"4","page":649},{"text":"أعادَهنَّ كهيئتِهنَّ قبلَ تمزيقِكهنَّ، عزيزٌ في بطشِه، إذا بطَش بمن بطَش من الجبابرةِ والمتكبِّرَةِ الذين خالَفُوا أمرَه، وعَصَوْا رُسُلَه، وعبَدُوا غيرَه، وفي نِقْمَتِه حتى يَنتقِمَ منهم، حكيمٌ في أمرِه.\nكما (^١) حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. قال: عزيزٌ في بطشِه، حكيمٌ في أمرِه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ في نقمتِه ﴿حَكِيمٌ﴾ في أمرِه.\n\n<span id=\"aya-268\"></span><span data-type='title' id=toc-949>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾.</span>\nوهذه الآيةُ مردودةٌ إلى قولِه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾. والآياتُ التي بعدَها إلى قولِه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مِن قَصَصِ بنى إسرائيلَ وخبرِهم مع طالوتَ وجالوتَ، وما بعدَ ذلك مِن نبأَ الذي حاجَّ إبراهيمَ مع إبراهيمَ، وأمرِ الذي مرَّ على القريةِ الخاويةِ على عُروشِها، وقصةِ إبراهيمَ ومسألتِه ربَّه ما سأل، مما قد ذكَرْناه قبلُ - اعتراضٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه بما اعتَرض به مِن قَصصِهم بينَ ذلك، احتجاجًا منه ببعضِه على المشركين الذين كانوا يُكَذِّبون بالبعثِ وقيامِ الساعةِ، وحضًّا منه ببعضِه المؤمنين على الجهادِ في سبيلِه، الذي أمرَهم به في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، يُعرِّفُهم فيه أنه ناصرُهم وإن قلَّ عددُهم، وكثُر عددُ عدوِّهم، ويَعِدُهم\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.","vol":"4","page":650},{"text":"النُّصْرةَ عليهم، ويُعْلِمُهم سُنَّتَه في من كان على مِنهاجِهم من ابتغاءِ رضوانِه، أنه مُؤَيِّدُهم، وفى من كان على سبيلِ أعدائِهم من الكفارِ، بأنه خاذلُهم، ومُفَرِّقُ جمعِهم، ومُوهِنُ كيدِهم، وقطعًا منه ببعضِه عذرَ اليهودِ الذين كانوا بين ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ الله ﷺ، بما أَطلَع نبيِّه عليه من خَفِيِّ أمورِهم، ومكتومِ أسرارِ أوائلِهم وأسلافِهم، التي لم يكنْ يَعْلَمُها سواهم، ليَعْلَمُوا أن ما أتاهم به محمدٌ ﷺ من عندِ اللَّهِ، وأنه ليس بتَخَرُّصٍ ولا اختلاقٍ، وإعذارًا منه به إلى أهلِ النفاقِ منهم؛ ليَحْذَرُوا - بشكِّهم في أمرِ محمدٍ ﷺ - أن يُحِلُّ أن يُحِلُّ بهم مِن بأسِه وسطوتِه، مثلَ [التي أحلّها] (^١) بأسلافِهم، الذين كانوا في القريةِ التي أهلكَها، فترَكها خاويةً على عُروشِها.\nثم عاد جلّ ثناؤُه إلى الخبرِ عن الذي يُقْرِضُ اللَّهَ قرضًا حسنًا، وما عندَه له من الثوابِ على قرضِه، فقال جلّ ثناؤُه: هو ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: مثلُ المنفقين أموالَهم على أنفسِهم في جهادِ أعداءِ الله بأنفسِهم وأموالِهم، ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ مِن حباتِ الحنِطةِ و(^٢) الشعيرِ، أو غيرِ ذلك من نباتِ الأرضِ، التي [يُسَنْبِلُ رَيْعُها] (^٣)، بذَرها زارعٌ، فـ ﴿أَنْبَتَتْ﴾ يعنِى: فأخرَجتْ ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾. يقولُ: فكذلك المُنْفِقُ مالَه على نفسِه في سبيلِ اللَّهِ، له أجرُه بسبعِمائةِ ضِعْفٍ على الواحدِ من نفقتِه.\nكما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾: فهذا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت: \"الذي أحلها\"، وفى م: \"الذي أحلهما\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أو\".\n(^٣) في م: \"تسنبل سنبلة\".","vol":"4","page":651},{"text":"لمن أَنفق في سبيل اللَّهِ، فله أجرُه بسبعِمائة مرةٍ (^١).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قال: هذا الذي يُنفِقُ على نفسِه في سبيلِ اللَّهِ وَيَخرُجُ.\nحُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾. الآيةَ: فكان مَن بايع النبيَّ ﷺ على الهجرةِ، ورابَط مع النبيِّ ﷺ بالمدينةِ، ولم يكفَّ (^٢) وجهًا إلا بإِذنِه، كانت الحسنةُ له بسبعِمائةِ ضعفٍ، ومَن بايَع على الإسلامِ كانت الحسنةُ له عشرَ أمثالِها (^٣).\nفإن قال قائلٌ: وهل رأيتَ سُنبلةً فيها مائةُ حبةٍ، أو بلَغَتْك فيُضْرَبَ بها مثَلُ المُنْفِقِ في سبيلِ اللَّهِ مالَه؟\nقيل: إن يكنْ ذلك موجودًا فهو ذاك (^٤)، وإلا فإنه جائزٌ أن يكونَ معناه: كمَثَلِ سُنبلةٍ أَنبتتْ سبعَ سنابلَ في كلِّ سُنبلةٍ مائةُ حبةٍ، إن جعل الله ذلك فيها.\nويحتمل أن يكون معناه: في كل سنبلة مائة حبةٍ. يعنى أنها إذا هي بُذِرَتْ أنبتتْ مائةَ حبةٍ. فيكونَ ما حدَث عن البَذْرِ الذي كان منها من المائةِ الحبةِ مضافًا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فله سبعمائة\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١٤ (٢٧٢٦) من طريق عمرو به.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٣: \"يلق\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١٤، ٥١٥ (٢٧٢٧) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) في حاشية \"ص\": \"أقول: بل ذلك ثابت محقق في البلاد المغربية، وأكثر سنبل تلك البلاد يكثر ويطول سنبلها الفنن، ولقد عددت به حبة واحدة ثلاثة وشاهدت قريبا من ذلك، أرانى بعض أصحابي مما كان أقل ما عددناه عشرة سنبلة إلى ما ذكرته أولا من العدد محمود\". ومكان البياض كلام لم نتمكن من قراءته، قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٢٢٩: وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة، وأما في سائر الحبوب فأكثر، ولكن المثال وقع بهذا القدر. وقال القرطبي في تفسيره ٣/ ٣٠٤: فإن سنبل الدخن يجيء في السنبلة منه أكثر من هذا العدد بضعفين وأكثر، على ما شاهدناه.","vol":"4","page":652},{"text":"إليها؛ لأنه كان عنها.\nوقد تأوَّل ذلك على هذا الوجهِ بعضُ أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-950>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ قولَه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾. قال: كلُّ سنبلةٍ أنبتتْ مائةَ حبةٍ، فهذا لمن أَنفقَ في سبيلِ الله، ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-952>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾؛ فقال بعضُهم: واللَّهُ يُضاعِفُ لمن يشاءُ مِن عبادِه أجرَ حسناتِه، بعدَ الذي أَعطى المنفِقَ في سبيلِه من التضعيفِ، على (^٢) الواحدةِ سبعَمائةٍ، فأمَّا المنفِقُ في سبيلِه، فلا يَنْقُصُه (^٣) وعدَه مِن تضعيفِ السبعِمائة بالواحدةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-951>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ، قال: هذا يضاعَفُ لمن أَنفَق في سبيلِ اللَّهِ - يعنِى السبعَمائة - ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ٢٣٠، وتفسير القرطبي ٣/ ٣٠٤.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ س: \"سبيله فلا نفقة عما\"، وفى م: \"غير سبيله فلا نفقة ما\".\n(^٤) بعده في م: \"يعنى لغير المنفق في سبيله\".","vol":"4","page":653},{"text":"وقال آخَرون: بل معنى ذلك: واللَّهُ يضاعِفُ لمن يشاءُ مِن المُنْفِقِين في سبيلِه على السبعِمائة إلى ألفَىْ ألفِ ضِعْفٍ. وهذا قولٌ ذُكِر عن ابن عباسٍ من وجهٍ لم أَحْمَدُ (^١) إسنادَه فتركْتُ ذكرَه.\nوالذي هو أَوْلَى بتأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: يُضَاعِفُ على السبعِمائة إلى ما يشاءُ من التضعيفِ، لمن يشاءُ من المُنْفِقِين في سبيلِه؛ لأنه لم يَجْرِ ذكرُ الثوابِ والتضعيفِ لغيرِ المُنْفِقِ في سبيلِ اللَّهِ فيجوزَ لنا توجيهُ (^٢) ما وعَد جلَّ ثناؤُه في هذه الآيةِ من التضعيفِ، إلى أنه عِدَةٌ منه على العملِ على غيرِ النفقة في سبيلِ اللَّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-953>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: واللَّهُ واسعٌ أن يَزِيدَ مَن يَشَاءُ من خلقِهِ المُنْفِقِين في سبيلِه، على أضعافِ السبعِمائة التي وعَده أن يَزِيدَه، عليمٌ بَمَن (^٣) يستحقُّ منهم الزيادةَ.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. قال: ﴿وَاسِعٌ﴾ أن يَزِيدَ مِن سَعَتِه، ﴿عَلِيمٌ﴾ عالمٌ بَمَن يَزِيدُه (^٤).\nوقال آخرون: معنى ذلك: واللَّهُ واسعٌ لتلك الأضعافِ، عليمٌ بما يُنْفِقُ الذين يُنْفِقُون أموالَهم في طاعةِ اللَّهِ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: س: \"أجد\".\n(^٢) في م: \"توجهه\".\n(^٣) في ص، م، ت ٢: \"من\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٦ إلى المصنف.","vol":"4","page":654},{"text":"<span id=\"aya-269\"></span><span data-type='title' id=toc-954>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه المُعْطِىَ مالَه المجاهدِين في سبيلِ اللَّهِ؛ معونةً لهم على جهادِ أعداءِ اللَّهِ. يقولُ تعالى ذكرُه: الذين يُعِينُون المجاهدِين في سبيلِ اللَّهِ بالإنفاقِ عليهم، وفى حُمُولاتِهم وغيرِ ذلك من مُؤَنِهم، ثم لم يُنْبِعْ نفقَتَه التي أَنفقَها عليهم مَنًّا عليهم بإنفاقِ ذلك عليهم، ولا أذًى لهم، [فأمّا منُّه] (^١) به عليهم، فأن يُظْهِرَ لهم أنه قد اصطَنع إليهم - بفعلِه وعطائِه الذي أَعطاهُمُوه تقويةً لهم على جهادِ عدوِّهم - معروفًا، ويُبْدِيَ ذلك إمّا بلسانٍ أو فعلٍ. وأمّا الأذَى فهو شِكايتُه إيّاهم - سببِ ما أَعطاهم وقوَّاهم من النفقةِ في سبيلِ اللَّهِ - أنهم لم يَقُوموا بالواجبِ عليهم في الجهادِ، وما أَشبهَ ذلك من القولِ الذي يُؤْذِى به من أَنفَقَ عليه.\nوإنما شَرَط ذلك في المُنْفِقِ في سبيلِ اللَّهِ، وأَوجبَ الأجرَ لمن كان غيرَ مانٍّ ولا مُؤْذٍ مَن أَنفَقَ عليه في سبيلِ اللَّهِ؛ لأن النفقةَ التي هي في سبيلِ اللَّهِ، ما (^٢) ابْتُغِى به وجهُ اللَّهِ، وطُلِب به ما عنده، فإذا كان معنى النفقةِ في سبيلِ اللَّهِ هو ما وصَفْنا، فلا وجهَ لمَنَّ المُنْفِقِ على مَن أَنفقَ عليه [على ذلك الوجهِ، ولا إيذائِه إيَّاه بسبب إنفاقِه ما أنْفَق عليه] (^٣)؛ لأنه لا يَدَ له قِبَلَه، ولا صنيعةَ يستحقُّ بها عليه - لم يُكافِئْه عليها - المنَّ والأذَى، إذ كانت نفقتُه ما أَنفقَ عليه احتسابًا، وابتغاء ثوابِ اللَّهِ، وطلبَ مَرْضاتِه، وعلى اللَّهِ مَثوبتُه دون مَن أَنفقَ ذلك عليه.\n_________\n(^١) في م: \"فامتنانه\".\n(^٢) في م: \"مما\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت، س.","vol":"4","page":655},{"text":"وبنحوِ المعنى الذي قلْنا في ذلك قال جماعةُ (^١) أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-955>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: علِم اللَّهُ ﵎ أن أُناسًا يَمُنُّون بعَطِيَّتِهم، فكرِه ذلك وقَدَّم فيه، فقال: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: قال للآخرين - يعنى قال اللَّهُ للآخَرين، وهم الذين لا يَخْرُجون في جهادِ عدوِّهمَ -: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾. قال: فشرَط عليهم. قال: والخارجُ لم يَشْرُطْ عليه قليلًا ولا كثيرًا. يعنى بالخارجِ: الخارجَ في الجهادِ الذي ذكَره اللَّهُ ﷿ في قولِه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ الآية. قال ابن زيدٍ: وكان أبي يقولُ: إن أُذِن لك أن تُعْطِىَ مِن هذا شيئًا، أو تُقَوِّىَ، فَقَوِّه (^٣) في سبيلِ اللَّهِ، فَظَنَنْتَ أَنه يَثْقُلُ عليه سلامُك، فكُفَّ سلامَك عنه. قال ابن زيدٍ: فشيءٌ (^٤) خيرٌ مِن السلامِ! قال: وقالتِ امرأةٌ لأبى: يا أبا أسامةَ، تَدُلُّنِى على رجلٍ يَخرُجُ في سبيلِ اللَّهِ حقًّا، فإنهم لا يَخرُجُون إلا ليأكُلُوا الفواكَه، عندى جَعْبةٌ (^٥) وأَسْهُمٌ فيها. فقال لها: لا بارَكَ اللَّهُ لَكِ فِي جَعْبَتِكِ ولا في\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) في ص، ت: \"فقوى\"، وفى م، ت ١، ت ٣: \"فقويت\".\n(^٤) في ص: \"فنهى\"، وفى م، ت ١، ت ٣: \"فهو\".\n(^٥) الجعبة: وعاء السهام والنبال.","vol":"4","page":656},{"text":"أَسْهُمِكِ، فقد آذَيْتِهم قبلَ أن تُعْطِيهم. قال: وكان رجلٌ يقولُ لهم: اخرُجُوا وكلُوا الفواكهَ (^١).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ قولَه: ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾. قال: ألا يُنْفِقَ الرجلُ مالَه خيرٌ مِن أن يُنْفِقَه ثم يُتْبِعَه مَنَّا وأَذًى.\nوأمّا قولُه: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. فإنه يعنى: للذين يُنْفِقُون أموالَهم في سبيلِ اللَّهِ على ما بَيَّنَ. والهاءُ والميمُ في ﴿لَهُمْ﴾ عائدةٌ على ﴿الَّذِينَ﴾.\nومعنى قولِه: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: لهم ثوابُهم وجزاؤُهم على نفقتِهم التي أَنفقُوها في سبيلِ اللَّهِ، ثم لم يُتبِعوها مَنًّا ولا أذًى.\nوقولُه: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. يقولُ: وهم مع ما لَهم من الجزاءِ والثوابِ على نفقتِهم التي أنفقُوها على ما شرَطْنَا، لا خوفٌ عليهم عندَ مَقْدَمِهم على اللَّهِ جلَّ ثناؤه، وفِراقِهم الدنيا، ولا في أهوالِ القيامةِ، أن (^٢) ينالَهم من مَكارِهِها، أو يُصيبَهم فيها من عقابِ اللَّهِ، ولا هم يَحزنُون على ما خلَّفُوا وراءَهم في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-270\"></span><span data-type='title' id=toc-956>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ٢٣٢، وتفسير القرطبي ٣/ ٣٠٨.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وأن\".","vol":"4","page":657},{"text":"يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾: قولٌ جميلٌ، ودعاءُ الرجلِ لأخيه المسلمِ، ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ يعنى: وسترٌ منه عليه، لما عَلِم مِن خلَّتِه (^١) وسوءِ حالتِه، ﴿خَيْرٌ﴾ عندَ اللهِ ومَن صَدَقَةٍ يَتَصَدَّقُها عليه. ﴿يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ يعنى: يَشْتَكِيه عليها، ويُؤْذِيه بسببِها.\nكما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحّاكِ قولَه: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ يقولُ: أن يُمْسِكَ مالَه خيرٌ مِن أن يُنْفِقَ مالَه ثم يُتْبِعَه مَنًّا وأذًى.\nوأمَّا قولُه: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾. فإنه يعنى: واللَّهُ غنيٌّ عمّا يَتَصَدَّقُون به، حليمٌ حين لا يَعْجَلُ بالعقوبةِ على من يَمُنُّ بصدقتِه منكم، ويُؤْذِى فيها مَن يَتَصَدَّقُ بها عليه.\nورُوِى عن ابن عباسٍ في ذلك ما حدَّثنا به المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ: الغَنِيُّ: الذي قد كَمُل في غِناه، والحليمُ: الذي قد كَمُلَ في حِلْمِه (^٢).\n\n<span id=\"aya-271\"></span><span data-type='title' id=toc-957>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ويَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكرُه: يأيها الذين (^٣) صَدَّقُوا اللَّهَ ورسولَه، ﴿لَا تُبْطِلُوا\n_________\n(^١) الخَّلة: الحاجة والفقر. اللسان (خ ل ل).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في مجموع الفتاوي ١٧/ ٢١٩، ٢٢٠ - وأبو الشيخ في العظمة (٩٨) من طريق أبى صالح به.\n(^٣) بعده في م، ت ١، ت ٢: \"آمنوا\".","vol":"4","page":658},{"text":"صَدَقَاتِكُمْ﴾ يقولُ: لا تُبْطِلُوا أجورَ صدَقاتِكم بالمنِّ والأذَى، كما أَبطل كفرُ الذي يُنْفِقُ مالَه رِئَاءَ الناسِ، وهو مراءاتُه إيَّاهم بعملِه، وذلك أَن يُنْفِقَ مالَه فيما يَرَى الناسُ في الظاهرِ أنه يُريدُ اللَّهَ به، فيَحْمَدُوه عليه، وهو [غيرُ مريدٍ به الله] (^١)، ولا طالبٌ منه الثوابَ، وإنما يُنْفِقُه كذلك ظاهرًا؛ ليَحْمَدَه الناسُ عليه، فيقولوا: هو سَخِيٌّ كريمٌ، وهو رجلٌ صالحٌ. فيُحْسِنُوا عليه به الثناءَ، وهم لا يعَلَمون ما هو مُستبطِنٌ من النيةِ في إنفاقِه ما أَنفقَ، ولا يَدْرُون ما هو عليه من التكذيبِ باللَّهِ واليومِ الآخرِ.\nوأما قولُه: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فإن معناه: ولا يُصدِّقُ بوحدانيةِ اللَّهِ وربُوبيتِه، ولا بأنه مبعوثٌ بعد مماتِه فمُجازًى على عملِه، فيَجعلَ نفقتَه (^٢) لوجهِ اللَّهِ جلّ ثناؤه، وطلبِ ثوابِه وما عندَه في معادِه، وهذه صفةُ المنافقِ، وإنما قلْنا: إنه منافقٌ. لأن المُظْهِرَ كفرَه والمُعْلِنَ شِرْكَه، معلومٌ أنه لا يكونُ بشيءٍ من أعمالِه مُرائيًا؛ لأن المُرائىَ هو الذي يُرائِى الناسَ بالعملِ الذي هو في الظاهرِ للَّهِ، وفى الباطنِ [من نِيَّةِ] (^٣) عاملِه مرادٌ (^٤) به حمدُ الناسِ عليه، والكافرُ لا يخِيلُ على أحدٍ أمرُه، أَنَّ أفعالَه كلَّها إنَّما هي للشيطانِ - إذا كان معلنًا كفرَه - لا للَّهِ، ومَن كان كذلك فغيرُ كائنٍ مرائيًا بأعمالِه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، م: \"وهو مريد به غير الله\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"عمله\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"مراده\".","vol":"4","page":659},{"text":"<span data-type='title' id=toc-958>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني أبو هانيء الخَوْلانيُّ، عن عمرِو بن حُريثٍ، قال: إن الرجلَ يَغْزُو، لا (^١) يَسْرِقُ ولا يَزْنِى ولا يَغُلُّ، [ولا] (^٢) يَرْجِعُ بالكَفافِ. فقيل له: لماذا (^٣)؟ قال: إن الرجلَ لَيَخْرُجُ، فإذا أصابه مِن بلاءِ اللَّهِ الذي قد حكَم عليه، سبَّ ولعَن إمامَه، ولعَن ساعةً غَزَا، وقال: لا أعودُ لغَزْوةٍ معه أبدًا، فهذا عليه، وليس له، مِثْلَ النفقةِ في سبيلِ اللَّهِ يُتبعُها مَنًّا (^٤) وأَذًى، فقد ضرَب اللَّهُ مَثَلَها في القرآنِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾. حتى ختَم الآيةَ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-959>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤه: فمَثَلُ هذا الذي يُنْفِقُ مالَه رِئاءَ الناسِ، ولا يُؤْمِنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ - والهاءُ في قولِه: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ عائدةٌ على ﴿الَّذِي﴾ - ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾. والصَّفْوانُ واحدٌ وجميعٌ (^٦)، فمن جعَله جميعًا (^٧) فالواحدةُ صَفْوانةٌ، بمنزلةِ تمرةٍ وتمرٍ، ونخلةٍ ونخلٍ، ومن جعَله واحدًا جمعَه: صِفْوانٌ وصُفِيٌّ وصِفِيٌّ، كما قال الشاعرُ (^٨):\n_________\n(^١) في م، والدر المنثور: \"ولا\".\n(^٢) في ص، م، والدر المنثور: \"لا\".\n(^٣) في ص، م: \"لم ذاك\".\n(^٤) في ص، م: \"من\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٩ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٦) في م: \"جمع\".\n(^٧) في الأصل: \"جمعا\".\n(^٨) تقدم في ٢/ ٧٠٩.","vol":"4","page":660},{"text":"* مَوَاقِعُ الطَّيْرِ على الصُّفِيِّ *\nوالصَّفْوانُ هو الصَّفَا، وهى الحجارةُ المُلْسُ.\nوقولُه: ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾. يعنى: على الصفوانِ ترابٌ ﴿فَأَصَابَهُ﴾ له يعنى: أَصاب الصَّفْوانَ ﴿وَابِلٌ﴾، وهو المطرُ الشديدُ العظيمُ، كما قال امرؤُ القيسِ (^١):\nساعَةً ثم انْتَحاها وابلٌ … ساقِطُ الأكْنافِ واهٍ مُنْهَمِرْ\nيقالُ منه: وبَلَتِ السماءُ فهى تَبِلُ وَبُلًا، وقد وُبِلَتِ الأرضُ، فهى تُوبَلُ.\nوقولُه: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾. يقولُ: فترَك الوابلُ الصَّفوانَ صَلْدًا. والصَّلْدُ من الحجارةِ: الصُّلْبُ الذي لا شيءَ عليه مِن نباتٍ ولا غيرِه، وهو من الأرَضِين: ما لا يَنْبُتُ فيه شيءٌ، وكذلك من الرءوسِ، كما قال رُؤْبةُ (^٢):\nلَمَّا رَأَتْنِي خَلَقَ المُمَوَّهِ (^٣) … بَرَّاقَ أَصْلادِ الجبينِ الأَجْلَهِ (^٤)\nومن ذلك يقالُ للقِدرِ الثَّخِينةِ البطيئةِ الغَلْى: قِدْرٌ صَلُودٌ. وقد صلَدَتْ تَصْلُدُ صُلُودًا، ومنه قولُ تَأَبَّطَ شَرًّا (^٥):\n_________\n(^١) ديوانه ص ١٤٥.\n(^٢) ديوانه ص ١٦٥.\n(^٣) الموهة لون الماء. يقال: ما أحسن موهة وجهه. قال ابن بري: يقال: وجه مموه. أي: مزين بماء الشباب. اللسان (م وهـ).\n(^٤) الجَلَهُ: ذهاب الشعر من مقدم الجبين. اللسان (ج ل هـ).\n(^٥) ديوانه ص ١٧٤.","vol":"4","page":661},{"text":"ولستُ بجِلْبٍ [جِلْبِ رَعْدٍ] (^١) وقِرَّةٍ (^٢) … ولا بصَفًا صَلْدٍ عن الخيرِ أَعْزَلِ\nثم رجَع جلّ ذكرُه إلى ذكرِ المنافقِين الذين ضرَب المثلَ لأعمالِهم، فقال: فكذلك أعمالُهم بمنزلةِ الصَّفْوانِ الذي كان عليه ترابٌ، فأصابه الوابلُ من المطرِ، فذهَب بما عليه من الترابِ، فترَكه نَقِيًّا لا ترابَ عليه ولا شيءَ، يَراهم المسلمون في الظاهرِ أن لهم أعمالًا، كما يُرَى الترابُ على هذا الصَّفْوانِ، بما يُراءُونهم به، فإذا كان يومُ القيامةِ وصارُوا إلى اللَّهِ ﷻ اضْمَحَلَّ ذلك كلُّه؛ لأنه لم يكنْ للَّهِ، كما أذهَب الوابلُ من المطرِ ما كان على الصَّفْوانِ مِن الترابِ، فترَكه أملسَ لا شيءَ عليه، فذلك قولُه: ﴿يَقْدِرُونَ﴾ يعنى به الذين يُنْفِقون أموالَهم رئاءَ الناسِ، ولا يُؤْمِنون باللَّهِ ولا باليومِ الآخرِ. يقولُ: لا يَقْدِرُون يومَ القيامةِ على ثوابِ شيءٍ مما كسَبوا في الدنيا؛ لأنهم لم يَعملُوه (^٣) لمَعادِهم، ولا طلبِ (^٤) ما عند اللَّهِ في الآخرةِ، ولكنهم عمِلوه رِئَاءَ الناسِ، وطلبَ حَمْدِهم، فإنما حظُّهم من أعمالِهم ما أرادُوه وطلَبُوه بها، ثم أخبرَ جلّ ثناؤه أنه ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ يقولُ: لا يُسَدِّدُهم لإصابةِ الحقِّ في نَفَقاتِهم وغيرِها، فيُوَفِّقَهم لها، وهم للباطلِ عليها مُؤْثِرون، ولكنه يترُكُهم (^٥) في ضَلالتِهم يَعْمَهُون، فقال جل ثناؤُه للمؤمنين: لا تكونوا كالمنافقِين الذين هذا المَثَلُ صفةُ أعمالِهم، فتُبْطِلُوا أجورَ صدَقاتِكم، بمنِّكم\n_________\n(^١) في م، واللسان (ج ل ب): \"جلب ليل\"، وفى الديوان واللسان (ع ز ل)، وإصلاح المنطق ص ٣٦: \"جلب ريح\".\nوالجلب: بكسر الجيم وضمها وبسكون اللام، السحاب الذي لا ماء فيه، وقيل: سحاب رقيق لا ماء فيه، وقيل: هو السحاب المعترض تراه كأنه جبل. اللسان (ج ل ب).\n(^٢) القِرَّةُ والقُرُّ: البرد الشديد.\n(^٣) في ص، م: \"يعملوا\".\n(^٤) في م: \"لطلب\".\n(^٥) في م: \"تركهم\".","vol":"4","page":662},{"text":"على من تصدَّقْتُم بها عليه، وأذاكم لهم، كما بطَل أجرُ نفقةِ المنافِقِ الذي أَنفقَ مالَه رِئاءَ الناسِ، وهو غيرُ مؤمنٍ باللَّهِ واليومِ الآخرِ عند اللَّهِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-960>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾. فقرأ حتى بلَغ: ﴿عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾: فهذا مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ لأعمالِ الكفارِ يومَ القيامةِ، يقولُ: لا يَقْدِرُون على شيءٍ مما كسَبوا يومئذٍ، كما ترَك هذا المطرُ الصَّفَاةَ الحجَرَ ليس عليه شيءٌ، أنقَى ما كان عليه (^١).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: هذا مثلٌ ضرَبه اللَّهُ لأعمالِ الكافرِين يومَ القيامةِ، يقولُ: لا يَقْدِرُون على شيءٍ مما كسَبوا يومئذٍ، كما ترَك هذا المطرُ الصَّفا نَقِيًّا لا شيءَ عليه (^٢).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ إلى قولِه: ﴿عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾: أمّا الصَّفْوانُ الذي عليه ترابٌ فأصابه المطرُ فذهَب ترابُه فترَكه صَلْدًا، فكذلك هذا الذي يُنْفِقُ مالَه رياءَ الناسِ، ذهَب الرياءُ بنفقتِه، كما ذهَب هذا المطرُ بترابِ هذا الصَّفا، فترَكه نَقِيًّا، فكذلك ترَكه الرياءُ لا يَقْدِرُ على شيءٍ مما قدَّم، فقال للمؤمنين: ﴿لَا\n_________\n(^١) سقط من: م.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١٨ (٢٧٤٦) بمعناه من طريق يزيد بن زريع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١٩ (٢٧٥١) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"4","page":663},{"text":"تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ فتَبْطُلَ كما بطَلتْ صدقةُ الرياءِ (^١).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحّاكِ، قال: ألَّا يُنْفِقَ الرجلُ مالَه خيرٌ من أن يُنْفِقَه ثم يُتْبِعَه منًّا وأَذًى، فضرَب اللَّهُ مثلَه كمَثَلِ كافرٍ أَنفقَ مالَه، لا يُؤْمِنُ باللَّهِ ولا باليومِ الآخِرِ، فضرَب اللَّهُ مثَلَهما جميعًا: ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ فكذلك مَن أَنفق مالَه ثم أَتْبَعَه منًّا وأذًى.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ إلى: ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾: ليس عليه شيءٌ، وكذلك المنافقُ يومَ القيامةِ لا يَقْدِرُ على شيءٍ مما كسَب.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ في قولِه: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ قال: يَمُنُّ بصدقتِه، ويُؤذِيه فيها حتى يُبْطِلَها.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾. فقرَأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ حتى بلَغ ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ ثم قال: أترى الوابلَ يَدَعُ من الترابِ على الصَّفْوانِ شيئًا؟ فكذلك مَنُّك وأَذاك لم يَدَعْ مما أَنفَقْتَ شيئًا. وقرَأ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١٧ (٢٧٤٣) من طريق عمرو به مختصرًا.","vol":"4","page":664},{"text":"وَالْأَذَى﴾. وقرأ: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ فقرأ حتى بلَغ: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-961>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿صَفْوَانٍ﴾.</span>\nقد بيّنّا معنى الصَّفْوانِ بما فيه الكفايةُ، غير أنّا أرَدْنا ذكرَ من قال مثلَ قولِنا في ذلك من أهلِ التأويلِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾: كمثَلِ الصفاةِ (^١).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾: والصَّفْوانُ: الصَّفَا.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ مثلَه (^٢).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أمّا ﴿صَفْوَانٍ﴾، فهو الحَجَرُ الذي يُسَمَّى الصَّفاةَ (^٣).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٤).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ بن أبى طلحةَ،\n_________\n(^١) في الأصل: \"صفاة\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٩ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١٩ (٢٧٥١) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١٧ (٢٧٤٣) من طريق عمرو بن حماد به بمعناه.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١٨ عقب الأثر (٢٧٤٧) معلقًا.","vol":"4","page":665},{"text":"عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿صَفْوَانٍ﴾: يعنى الحجَرَ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-963>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾.</span>\nقد مضى البيانُ عنه، وهذا ذكرُ من قال قولَنا فيه.\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: أمّا ﴿وَابِلٌ﴾: فمطرٌ شديدٌ (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾: الوابلُ: المطرُ الشديدُ.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٣).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، مثلَه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-964>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾.</span>\n<span data-type='title' id=toc-962>ذكرُ من قال نحوَ ما قلْنا في ذلك</span>\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾. يقولُ: نَقِيًّا.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ قال: ترَكَها نَقِيَّةً، ليس عليها\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١٨ (٢٧٤٧) من طريق أبى صالح به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١٨ عقب الأثر (٢٧٤٧) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١٨ عقب الأثر (٢٧٤٨) معلقًا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١٨ عقب الأثر (٢٧٤٨) من طريق ابن أبي جعفر به، وأخرجه في ٢/ ٥١٩ (٢٧٥١) من طريق ابن أبي جعفر به بلفظ: المطر.","vol":"4","page":666},{"text":"شيءٍ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ قال: ليس عليه شيءٌ (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾: فترَكه جَرْدًا.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾: ليس عليه شيءٌ (^٣).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾: ليس عليه شيءٌ (^٤).\n\n<span id=\"aya-272\"></span><span data-type='title' id=toc-965>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤُه: ومثَلُ الذين يُنْفقون أموالَهم فيَصَّدَّقُون بها، ويَحْمِلون عليها في سبيلِ اللَّهِ، ويُقَوُّون بها أهلَ الحاجةِ من الغُزاةِ والمجاهدِين في سبيلِ اللَّهِ، وفى غير ذلك من طاعاتِ اللَّهِ، طَلَبَ [مرضاتِ اللَّهِ، ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. يعنى بذلك: وتثبيتًا من أنفسِهم لهم] (^٥) على إنفاقِ ذلك في طاعةِ اللَّهِ وتحقيقًا. من\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٩ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم، وينظر ابن أبي حاتم ٢/ ١٨ (٢٧٤٩).\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٧.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مرضاته وتثبيتا يعنى بذلك: وتثبيتا من أنفسهم يعنى: لهم\".","vol":"4","page":667},{"text":"قولِ القائلِ: ثَبَّتُّ فلانًا في هذا الأمرِ: إذا صحَّحْتَ عزمَه وحقَّقْتَه وقَوَّيْتَ فيه رأْيَه، أُثَبِّتُه تثبيتًا، كما قال ابن رَوَاحةَ (^١):\nفَثَبَّتَ اللَّهُ ما آتاكَ مِنْ حَسَنٍ … تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَالَّذِى نُصِرُوا\nوإنما عنَى اللَّهُ جل ثَناؤُه بذلك أن أنفسَهم كانت مُوقِنةً مُصَدِّقةً بوعدِ اللَّهِ إيَّاها فيما أَنفقتْ في طاعتِه بغيرِ منٍّ ولا أذًى، فثبَّتُّهم في إنفاقِ أموالِهم ابتغاءَ مرضاةِ اللَّهِ، وصحَّحتُ عَزْمَهم وآراءَهم يقينًا منها بذلك، وتصديقًا بوعدِ اللَّهِ إيَّاها ما وعَدها. ولذلك قال مَن قال مِن أهلِ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَثْبِيتًا﴾: وتصديقًا. ومن قال منهم: ويقينًا؛ لأن تثبيتَ أنفسِ المنفِقين أموالَهم ابتغاءَ مرضاةِ اللَّهِ إيَّاهم، إنما كان عن يقينٍ منها، وتصديقٍ بوعدِ اللَّهِ جلّ وعزّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-966>ذِكرُ من قال ذلك من أهلِ التأويلِ</span>\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن أبي موسى، عن الشعبيِّ: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال: تصديقًا وتَيْقينًا (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوازيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي موسى، عن الشعبيِّ: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: وتصديقًا من أنفسِهم.\n_________\n(^١) ديوانه ص ١٥٩.\n(^٢) أخرجه ابن زنجويه في الأموال (٢٣١٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١٩، ٥٢٠ (٢٧٥٥، ٢٧٥٦) من طريق سفيان به، وسقط من عند ابن زنجويه ذكر سفيان.","vol":"4","page":668},{"text":"[حدثنا موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾] (^١): ثباتٌ ونصرةٌ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: [ثقةً من أنفسِهم (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾] (١): يقينًا من أنفسِهم. قال: التثبيتُ اليقيُن (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: ثنا عليُّ بنُ مَعْبَدٍ، عن أبي معاويةَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: يقينًا من عندِ أنفسِهم (^٤).\nوقال آخرون: معنى قولِه: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. أنهم كانوا يَتَثَبَّتون في الموضعِ الذي يَضَعُون فيه صدقاتِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-967>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: يَتَثَبَّتُون أَين يَضَعُون أموالَهم.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سُويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابن المبارَكِ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. فقلت له: ما ذلك التثبيتُ؟\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٧.\n(^٣) ينظر تفسير القرطبي ٣/ ٣١٤.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٩ إلى المصنف.","vol":"4","page":669},{"text":"قال: يَتَثَبَّتون أين يَضَعُون أموالَهم (^١).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال: كانوا يَتَثَبَّتون أين يَضَعُونها.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن عليّ بن عليّ بن رِفاعةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال: كانوا يتَتَبَّتُون أين يَضَعُون أموالَهم. يعنى زكاتَهم.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبَرَنا ابن المبارَكِ، عن عليّ بن عليٍّ، قال: سمِعْتُ الحسنَ قرَأ: ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال: كان الرجلُ إذا هَمَّ بصدَقةٍ تَثَبَّتَ، فإن كان للَّهِ مضَى، وإن خالَطه شكٌّ أَمْسَك (^٢).\nوهذا التأويلُ الذي ذكَرْناه عن مجاهدٍ والحسنِ تأويلٌ بعيدُ المعنى مما يدلُّ عليه ظاهرُ التلاوةِ، وذلك أنهم تأوَّلُوا قولَه: ﴿وَتَثْبِيتًا﴾. بمعنى: وتثبُّتًا. فزعَموا أن ذلك إنما قيل كذلك لأن القومَ كانوا يَتَثَبَّتُون أين يَضَعُون أموالَهم. ولو كان التأويلُ (^٣) كذلك لكان: وتَثَبُّتًا من أنفسِهم؛ لأن المصدرَ من الكلامِ إذا (^٤) كان على \"تَفَعَّلْتُ\" التَّفَعلُ، فيقالُ: تَكَرَّمْتُ تَكَرُّمًا، وتَكَلَّمْتُ تَكَلُّمًا. وكما (^٥) قال جلّ ثناؤُه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧]. من قولِ القائلِ: تخوَّفَ فلانٌ هذا الأمرَ تَخَوُّفًا. فكذلك قولُه: ﴿وَتَثْبِيتًا﴾ لو كان مِن تَثَبُّتِ القومِ في وَضْعِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن زنجويه في الأموال (٢٣١٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٠ (٢٧٥٧) من طريق عثمان بن الأسود به.\n(^٢) أخرجه ابن زنجويه في الأموال (٢٣١٧) من طريق ابن المبارك به.\n(^٣) في الأصل: \"هذا التأويل\".\n(^٤) سقط من: ص، وفى م: \"إن\".\n(^٥) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أن\".","vol":"4","page":670},{"text":"صدَقاتِهم مواضعَها، لكان الكلامُ: وتَثَبُّتًا من أنفسِهم. لا: ﴿وَتَثْبِيتًا﴾. ولكنَّ معنى ذلك ما قُلْنا مِن أنه: وتَثْبِيتٌ من أنفسِ القومِ إيَّاهم بصحةِ العزمِ، واليقيِن بوعدِ اللَّهِ تعالى ذكرُه.\nفإن قال قائلٌ: وما تُنْكِرُ أن يكونَ ذلك نظيرَ قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]. ولم يقلْ: تَبتُّلًا. قيل: إن هذا مخالفٌ لذلك، وذلك أن هذا إنّما جاز أن يقالَ فيه: ﴿تَبْتِيلًا﴾. لظهورِ ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ فكان في ظهورِه دَلالةٌ على متروكٍ من الكلامِ الذي (^١) منه قيل: ﴿تَبْتِيلًا﴾ [وذلك المتروكُ هو: وتَبَتَّلْ] (^٢) فيُبتِّلَك اللَّهُ إليه تَبْتيلًا. وقد تفعلُ العربُ مثلَ ذلك (^٣)، تُخْرِجُ المصادرَ على غيرِ ألفاظِ الأفعالِ التي تَقَدَّمَتْها، إذا كانت الأفعالُ المتقدِّمةُ لها (^٤) تَدلُّ على ما أُخْرِجَتْ منه، كما قال جلّ وعزّ: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]. وقال: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧]. فالنباتُ مصدرُ نَبَتَ، وإنما جاز ذلك لمجئِ \"أَنبتَ\" قبلَه، فدلَّ على المتروكِ الذي منه قيل: نَبَاتًا. والمعنى: واللَّهُ أَنبتَكم فنَبَتُّمْ من الأرضِ نَباتًا. وليس قبلَ (^٥) قولِه: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ كلامٌ يجوزُ أن يكونَ متوهَّمًا به أنه معدولٌ عن بنائِه، وأنَّ معنى (^٦) الكلامِ: ويَتَثَبَّتُون في وضعِ الصدقاتِ مواضعَها، فيُصْرَفَ إلى المعانى التي صُرِف إليها قولُه: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾. وما أَشبهَ ذلك من المصادرِ المعدولةِ عن الأفعالِ التي هي ظاهرةٌ قبلَها.\n_________\n(^١) زيادة من: م.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وذلك أن المتروك هو: تبتل\".\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أحيانا\".\n(^٤) ليست في: ص، م، ت ١، ت ٢.\n(^٥) سقط من: ص، م.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ومعنى\".","vol":"4","page":671},{"text":"وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: واحتسابًا من أنفسِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-968>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يقولُ: احتسابًا من أنفسِهم (^١).\nوهذا القولُ أيضًا قولٌ (^٢) بعيدُ المعنى من معنى التثبيتِ (^٣)؛ لأن التثبيتَ لا يُعْرَفُ في شيءٍ من الكلامِ بمعنى الاحتسابِ، إلا أن يكونَ أرادَ مفسِّرُه كذلك أن أَنفُسَ المنفقين كانت مُحتسبةً في تثبيتِها أصحابَها، فإن كان ذلك كان عنده معنى الكلامِ، فليس الاحتسابُ بمَعْنًى حينئذٍ للتثبيتِ فيُتَرْجَمَ عنه به.\n\n<span data-type='title' id=toc-969>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤه: ومثلُ الذين يُنفِقون أموالَهم فيَتَصَدَّقُون بها، ويُسَبِّلُونها في طاعةِ اللَّهِ بغيرِ منٍّ على من تَصَدَّقُوا بها عليه، ولا أذًى منهم لهم بها؛ ابتغاءَ رضوانِ اللَّهِ، وتصديقًا من أنفسِهم بوعدِه، ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ - والجنةُ البستانُ، وقد دلَّلْنا فيما مضَى على أن الجنةَ البستانُ، بما فيه الكفايةُ إعادتِه (^٤) - ﴿بِرَبْوَةٍ﴾، والربوةُ من الأرضِ: ما نشَز منها، فارتفَع عن المَسيلِ (^٥). وإنما وصَفها\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٠ (٢٧٥٨) من طريق شيبان، عن قتادة.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في ص في هذا الموضع وما بعده: \"التثبت\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٠٦ وما بعدها.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"السيل\".","vol":"4","page":672},{"text":"بذلك جل ثناؤُه؛ لأن ما ارتفَع من الأرضِ (^١) عن المسايلِ والأوديةِ أَغْلَظُ، وجِنانُ ما غلُظ من الأرضِ أحسنُ وأَزْكَى ثَمَرًا وَغَرْسًا وزَرْعًا مما رَقَّ منها، ولذلك قال أعشى بنى ثعلبةَ في وصفِ رَوْضةٍ (^٢):\nما رَوْضَةٌ من رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ … خَضْرَاءُ جَادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ\nفوصَفها بأنها من رياضِ الحَزْنِ؛ لأن الحُزُونَ عُروسُها ونباتُها أحسنُ وأقوى من غُروسِ الأوديةِ والتِّلاعِ وزُروعِها.\nوفى \"الرَّبوةِ\" لُغاتٌ ثلاثٌ، وقد قرَأ بكلِّ لغةٍ منهن جماعةٌ من القرأةِ؛ وهنّ (^٣): \"رُبُوةٌ\" بضمِّ الراءِ، وبها قرأتْ عامةُ قرأةِ المدينةِ والحجازِ والعراقِ (^٤). و\"رَبُوةٌ\" بفتحِ الراءِ، وبها قرأ بعضُ أهلِ الشامِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ (^٥)، ويقالُ: إنها لغةٌ لتميمٍ. و\"ربوةٌ\" بكسرِ الراءِ، وبها قرأ - فيما ذُكِر - ابن عباسٍ (^٦).\nوغيرُ جائزٍ عندى أن يُقرأَ ذلك إلا بإحدى اللغتَين: إما بفتحِ الراءِ، وإما بضمِّها؛ لأن قراءةَ الناسِ في أمصارِهم بإحداهما، وأنا لقراءتِها بضمِّها أشدُّ إيثارًا منى لِفَتحِها (^٧)؛ لأنها أشهرُ اللغتَين في العربِ، فأما الكسرُ فإن في رفضِ القرأةِ (^٨) القراءةَ به دلالةً واضحةً على أن القراءةَ به غيرُ جائزةٍ.\nوإنما سُمِّيَت الرَّبوةُ ربوةً (^٨) لأنَّها رَبَتْ فغلُظتْ وعَلَتْ، من قولِ القائلِ: رَبَا\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) ديوانه ص ٥٧.\n(^٣) في ص، م: \"هي\".\n(^٤) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وحمزة والكسائى. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٩٠.\n(^٥) وهى قراءة عاصم وابن عامر. المصدر السابق.\n(^٦) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٨٣ من طريق عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس. وينظر الشواذ لابن خالويه ص ٢٣.\n(^٧) في ص، م: \"بفتحها\".\n(^٨) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"4","page":673},{"text":"هذا الشيءُ يَرْبُو، إذا انتفَخ (^١) فعظُم\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-970>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ قال: الرَّبُوةُ المكانُ الظاهرُ المُسْتَوى (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، قال: قال مجاهدٌ: هي الأرضُ المستويةُ المرتفعةُ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ يقولُ: بنشَزٍ من الأَرضِ (^٤).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاكِ: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾: والرَّبُوةُ المكانُ المرتفعُ الذي لا (^٥) تَجْرِى فيه الأنهارُ، والذي فيه الجِنانُ.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قولَه: ﴿بِرَبْوَةٍ﴾: برابيةٍ من الأرضِ (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: \"انفتح\"\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٤٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٠ (٢٧٥٩).\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٧.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٠ معلقًا عقب الأثر (٢٧٦٠).\n(^٥) سقط من الأصل، ص. وينظر ما سيأتي في الصفحة القادمة.\n(^٦) ينظر التبيان ٢/ ٣٣٩.","vol":"4","page":674},{"text":"حُدِّثْتُ عن عمّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾: والرَّبُوةُ: النَّشَزُ من الأرضِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قال ابن عبَّاسٍ: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾. قال: المكانُ المرتفعُ الذي لا تَجْرِى فيه الأنهارُ (^٢).\nوكان آخرون يقولون: هي الأرضُ (^٣) المُسْتَوِيةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-971>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾. قال: هي الأرضُ المستويةُ التي لا (^٤) تَعْلُو فوق الماءِ (^٥).\nوأما قولُه: ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ فإنه يعنى جل ثناؤُه: أصابَ الجنةَ التي بالرَّبُوةِ من الأرضِ وابلٌ من المطرِ، وهو الشديدُ العظيمُ القَطْرِ منه\nوقولُه: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾. فإنه يعنى الجنةَ أنها أَضْعَفَتْ (^٦) ثمرَها ضِعْفَين حين أصابَها الوابلُ من المطرِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٠ عقب الأثر (٢٧٦٠) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٩ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المياه\".\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٧.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أضعف\".","vol":"4","page":675},{"text":"والأُكْلُ (^١): هو الشيء المأكولُ، وهو مثلُ الرُّعْبِ والهُزْءِ (^٢)، وما أَشبهَ ذلك من الأسماءِ التي تأتى على \"فُعْلٍ\". وأما الأَكْلُ بفتحِ الألفِ وتسكينِ الكافِ، فهو فِعْلُ الآكلِ، يقالُ منه: أَكَلْتُ أَكْلًا، وأكَلْتُ أكْلَةً واحدةً. كما قال الشاعرُ (^٣):\n[وما] (^٤) أَكْلَةٌ [إِنْ نِلْتُها] (^٥) بِغَنِيمةٍ … ولا جَوْعَةٌ إِنْ جُعْتُها بَغَرَامِ\nففتَح الألفَ لأنها بمعنى الفعلِ، ويَدُلُّك على أن ذلك كذلك قولُه: ولا جَوْعةٌ. وإن ضمَمْتَ الألفَ من الأَكْلِةِ صار (^٦) معناه الطعامَ الذي أَكَلْتَه، فيكونُ معنى ذلك حينئذٍ: ما طعامٌ أَكَلْتُه بغنيمةٍ.\nوأما قولُه: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ فإن الطَّلَّ هو النَّدَى واللَّيِّنُ من المطرِ.\nكما حدَّثنا عبَّاسُ بنُ محمَّد، قال: ثنا حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: ﴿فَطَلٌّ﴾: نَدًى. عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عبَّاسٍ (^٧).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما الطَّلُّ: فالنَّدَى (^٨).\n_________\n(^١) الأُكل، بضم فسكون، وبضمتين، ولم يشر المصنف إلى ضم الكاف في \"الأكل\". وهي قراءتنا في مصحفنا.\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"الهُدْء\".\n(^٣) هو أبو مضرس النهدى، والبيت في حماسة الشجرى ١/ ٩٠، ٩١.\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢: \"ما\". وفي مصدر التخريج: \"فما\".\n(^٥) في الأصل، م: \"أكلتها\". وفى ص: \"إن أكلتها\". وأثبتنا ما في المصدر لاستقامته وزنا ومعنى.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"كان\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٠ إلى المصنف.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢١ عقب الأثر (٢٧٦٦) من طريق عمرو بن حماد به.","vol":"4","page":676},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أي: طَشٌّ (^١).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ: ﴿فَطَلٌّ﴾ قال: الطَّلُّ: الرَّذَاذُ من المطرِ. يعنى اللَّيِّنَ منه (^٢).\nحُدِّثْتُ عن عمّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿فَطَلٌّ﴾ أي: طَشٌّ (^٣).\nوإنما عنَى (^٤) تعالى ذكرُه بهذا المثَلِ أنه كما أُضعِفتْ ثمرةُ هذه الجنةِ التي وصَف صفتَها حين جادها الوَبْلُ، (^٥) فإن أخطأها الوَبْلُ فالطّلُّ، فكذلك يضعِفُ اللهُ صدقةَ المتصدَّقِ والمُنْفِقِ مالَه ابتغاءَ مرضاتِه وتثبيتًا من نفسِه من غيرِ مَنٍّ ولا أَذًى، قَلَّتْ نفقتُه كذلك أو كَثُرَتْ، لا تَخِيبُ ولا تُخلَفُ نفقتُه، كما تُضْعَفُ ثمرةُ الجنةِ التي وصَف جل ثناؤُه صِفَتَها، قلَّ ما أصابها من المطرِ أو كثُر، لا يُخْلِفُ خيرُها بحالٍ من الحالِ (^٦).\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-972>[ذكرُ من قال ذلك]</span>\nحدَّثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ\n_________\n(^١) الطش والطشيش: المطر الضعيف، وهو فوق الرذاذ. وقيل: هو أول المطر. التاج (ط ش ش).\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٠ إلى المصنف عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٠ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢١ عقب الأثر (٢٧٦٦) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يعني\".\n(^٥) في م: \"الوابل\". وهما بمعنى.\n(^٦) في م: \"الأحوال\".","vol":"4","page":677},{"text":"قولَه: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾. [يقولُ: كما] (^١) أُضْعِفَتْ ثمرةُ تلك الجنةِ، فكذلك تُضاعَفُ لهذا (^٢) المُنْفِقِ ضِعْفَيْن (^٣).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾: هذا مَثَلٌ ضَرَبه اللهُ لعملِ المؤمنِ، يقولُ: ليس لخيرِه خُلْفٌ، كما ليس لخيرِ هذه الجنةِ خُلْفٌ على أيِّ حالٍ، إما وابلٌ، وإما طَلٌّ (^٤).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحَّاكِ، قال: هذا مَثَلٌ لمن أَنفَق مالَه ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ.\nحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع قولَه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ الآية. قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لعمل المؤمن.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾، وهذا خبرٌ عن أمرٍ قد مضَى؟\nقيل: يرادُ فيه: كان. ومعنى الكلامِ: فآتتْ أُكُلَها ضِعْفَيْن، فإن لم يكنِ الوابلُ أصابها، أصابها طَلٌّ. وذلك في الكلامِ نحوُ قولِ القائلِ: حَبَسْتُ فرسَيْن، فإن لم أَحْبِس اثنَين فواحدًا (^٥) بقيمتِه. بمعنى: إلّا أَكُنْ. ولابدَّ من إضمارِ \"كان\"؛\n_________\n(^١) في الأصل: \"يعني: فكما\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣ س: \"ثمرة هذا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢١ (٢٧٦٤) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٢ (٢٧٦٩) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في الأصل، ت ١: \"فواحد\".","vol":"4","page":678},{"text":"لأنه خبرٌ، ومثلُه قولُ الشاعرِ (^١):\nإِذَا مَا انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنى لَئِيمَةٌ … وَلَمْ تَحِدِى مِنْ أَنْ تُقِرِّى بِها بُدَّا\n\n<span data-type='title' id=toc-973>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤه: واللهُ بما تعمَلون أيُّها الناسُ في نفَقاتِكم التي تُنفقونها، بَصِيرٌ، لا يَخْفَى عليه منها ولا من أعمالِكم فيها وفى غيرِها شيءٌ، يعلمُ مَن المنفِقُ منكم بالمَنِّ والأذَى، والمُنفِقُ ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ وتثبيتًا من نفسِه، فيُحْصِى عليكم ذلك حتى يُجازِى جميعَكم جزاءَه على عملِه، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا.\nوإنما يعنى بهذا القولِ جلّ ثناؤُه التحذيرَ من عقابِه في النفقاتِ التي يُنْفِقُها عبادُه، وغيرِ ذلك من الأعمالِ، أن يَأْتِيَ أحدٌ من خلقِه ما قد تقدَّم فيه بالنَّهْى أو يُفَرِّطَ فيما قد أُمِرَ به؛ لأن ذلك بمرأًى من اللهِ ومسمعٍ، يَعلَمُه ويُحْصِيه عليهم، وهو لخلقِه بالمرصادِ.\n\n<span id=\"aya-273\"></span><span data-type='title' id=toc-974>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾.</span>\nومعنى ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ - ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ الآية.\n_________\n(^١) تقدم في ٢/ ٥٧، ٢٥٨.","vol":"4","page":679},{"text":"ومعنى قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾: أيُحبُّ أحدُكم ﴿أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ يعني: بستانٌ ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يعنى: من تحت الجنة، ﴿لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [يعنى: لأحدِكم في تلك الجنةِ من كلِّ الثمراتِ] (^١) - والهاء في ﴿لَهُ﴾ - عائدةٌ على \"أحد\"، والهاءُ والألفُ في ﴿فِيهَا﴾ على الجنةِ - ﴿وَأَصَابَهُ﴾. يعنى: وأصاب أحدَكم ﴿الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾.\nوإنما جعَل جلَّ ثناؤُه البستانَ من النخيلِ والأعنابِ - الذي قال جلَّ ثناؤُه لعبادِه المؤمنين: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ﴾ - مثلًا لنفقةِ المنافقِ التي يُنفقُها رياءَ الناسِ، لا ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ، فالناسُ له (^٢) بما يُظهِرُ لهم من صدقتِهِ، وإعطائِه ما يُعطى، وعملِه الظاهرِ، يُثنون عليه ويَحْمَدونه. [فعملُه ذلك له] (^٣) - أيامَ حياتِه - في حُسْنِه كحسنِ البستانِ، وهو الجنةُ التي ضرَبها اللهُ ﷿ لعملِه مثلًا من نخيلٍ وأعنابٍ، له فيها من كلِّ الثمراتِ؛ لأن في عملِه ذلك الذي يعمَلُه في الظاهرِ في الدنيا له فيها (^٤) من كلِّ خيرٍ من عاجل الدنيا، يَدْفَعُ به عن عاجلِ الدنيا، يَدْفَعُ به عن نفسِه ودمِه ومالِه وذرِّيتِه، ويكتسبُ به المَحْمدةَ وحسنَ الثناءِ عندَ الناسِ، ويأخُذُ به سهمَه من المَغْنم، مع أشياءَ كثيرةٍ يكثُرُ إحصاؤُها، فله في ذلك من كلِّ خيرٍ في عاجل الدنيا، كما وصَف جل ثناؤُه الجنةَ التي وصَف مثلًا لعملِه (^٥)، بأن فيها مِن كلِّ الثمراتِ، ثم قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾. يعنى أن صاحبَ الجنةِ أصابه\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"بعمله ذلك\".\n(^٤) في ص، م: \"فيه\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"بعمله\".","vol":"4","page":680},{"text":"الكِبرُ وله ذرِّيةٌ ضعفاءُ صِغارٌ أطفالٌ، ﴿فَأَصَابَهَا﴾. يعنى: فأصاب الجنةَ ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾. يعنى بذلك أن جنَّتَه تلك أَحْرَقتها الريحُ التي فيها النارُ في حالِ حاجتِه إليها، وضرورتِه إلى ثمرِها، بكبرِه وضعفِه عن عمارتِها، وفي حالِ صِغَرِ ولدِه وعجزِهم (^١) عن إحيائِها والقيامِ عليها، فبَقى لا شيءَ له، أحوجَ ما كان إلى جنَّتِه وثمارِها، بالآفةِ التي أصابتْها من الإعصارِ الذي فيه النارُ. يقولُ: فكذلك المنافقُ المُنْفِقُ مالَه رياءَ الناس، أَطْفأ اللهُ نورَه، وأَذْهَب نماءَ (^٢) عملِه، وأَحْبَط أجرَه حين (^٣) لَقِيه وعاد إليه أحوجَ ما كان إلى عملِه، حينَ لا مُسْتعتَبَ له، ولا إقالةَ من ذنوبِه ولا توْبةَ له، واضْمَحَلَّ عملُه، كما احْتَرقت الجنةُ التي وصَف جلَّ ثناؤُه صفتَها، عندَ كِبَرِ صاحبِها وطفولةِ ذرِّيتِه، أحوجَ ما كان إليها، فبطَلت منافعُها عنه.\nوهذا المثلُ الذي ضرَبه اللهُ ﷿ للمنافقين المُنْفِقين أموالَهم رياءَ الناس في هذه الآيةِ، نظيرُ المثلِ الآخرِ الذي ضرَبه لهم بقولِه: ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾.\nوقد تنازَع أهلُ التأويلِ في تأويلِ هذه الآيةِ، إلا أن معانيَ قولِهم في ذلك - وإن اخْتَلفت تصاريفُهم فيها - عائدةٌ إلى المعنى الذي قلنا في ذلك، وأحسنُهم إبانةً لمعناها وأقربُهم إلى الصوابِ قولًا فيها السُّدِّيُّ.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ إلى قولِه: ﴿فَاحْتَرَقَتْ﴾: هذا مثلٌ آخرُ لنفقةِ الرياءِ، أَنه يُنفِقُ مالَه يرائي\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"عجزه\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"بهاء\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"حتى\".","vol":"4","page":681},{"text":"الناسَ (^١)، فيذهَبُ مالُه منه وهو يرائي، فلا يأجُرُه اللهُ فيه، فإذا كان يومُ القيامةِ واحتاج إلى نفقتِه، وجَدها قد أَحْرَقها الرياءُ فذهَبت، كما أَنْفَق هذا الرجلُ على جنَّتِه، حتى إذا بلَغت، وكثُر عيالُه، واحتاج إلى جنَّتِه، جاءت ريحٌ فيها سَمومٌ، فأَحْرَقت جنَّتَه، فلم يجِدْ منها شيئًا، فكذلك المنفقُ رياءً (^٢).\nحدَّثني محمَّد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله ﷿: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾: كمثلِ المفرِّطِ في طاعةِ اللهِ حتى يموتَ. قال: يقولُ: أيودُّ أحدُكم أن يكونَ له دنيا لا يعمَلُ فيها بطاعةِ اللهِ، كمثلِ هذا الذي له جناتٌ تجرى من تحِتها الأنهارُ، له فيها من كلِّ الثمراتِ، وأصابه الكبَرُ، وله ذُرِّيةٌ ضعفاءُ، فأصابها إعصارٌ فيه نارٌ فاحْتَرقت؟ فمثلُه بعدَ موتِه، كَمَثَلِ هذا حينَ احتَرَقَتْ جَنَّتُه وهو كبيرٌ، لا يُغنى عنها شيئًا، وولَدُه صغارٌ، لا يُغنون عنها شيئًا، وكذلك المفرِّطُ بعدَ الموتِ، كلُّ شيءٍ عليه حسرةٌ (^٣).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: سأل عمرُ الناسَ عن هذه الآيةِ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾: فما وجَد أحدًا من الناسِ يَشفيه، حتى قال ابن عبَّاسٍ وهو خلْفَه: يا أميرَ المؤمنين،\n_________\n(^١) بعده في ص، م: \"به\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٣ (٢٧٧٥) من طريق عمرو به، إلى قوله: كما أنفق هذا الرجل على جنته.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٥٦٧)، وابن أبي حاتم - مختصرا - في تفسيره ٢/ ٥٢٢ (٥٧٧١) من طريق ابن أبي نجيح به.","vol":"4","page":682},{"text":"إني أجدُ في نفسى منها شيئًا. قال: فالتفت إليه، فقال: تحوَّلْ هاهنا، لمَ تحقِرُ نفسَك؟ قال (^١): هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ ﷿، فقال: أيودُّ أحدُكم أن يعمَلَ عمرَه بعملِ أهلِ الخيرِ وأهلِ السعادةِ، حتى إذا كان أحوجَ ما يكونُ إلى أن يختِمَه بخيرٍ، حينَ فنِي عمرُه، واقْتَرب أجلُه، ختَم ذلك بعملٍ من عملِ أهلِ الشقاءِ فأَفْسَده كلَّه فحرَّقه أحوجَ ما كان إليه (^٢)؟.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن محمدِ بن سُليمٍ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، أن عمرَ تلا هذه الآيةَ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾. قال: هذا مثلٌ ضُرِب للإنسانِ يعمَلُ عملًا صالحًا، حتى إذا كان عندَ آخرِ عمرِه أحوجَ ما يكونُ إليه، عمِل عملَ السَّوْءِ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أَخْبَرنا ابن المباركِ، عن ابن جُريجٍ، قراءةً (^٤)، قال: سمِعتُ أبا بكرِ بنَ أبى مُلَيكَةَ يخبرُ عن عُبيدِ بن عُميرٍ أنه سمِعه يقولُ: سأل عمرُ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ فقال: فيم تَرَون أُنْزِلَت ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾؟ فقالوا: اللهُ أعلمُ. فغضِب عمرُ، فقال: قولوا: نعلَمُ أو لا نعلمُ. فقال ابن عباسٍ: في نفسِى منها شيءٌ يا أميرَ المؤمنين. فقال عمرُ: قل يا بنَ أخى ولا تَحقِرْ (^٥) نفسَك. قال ابن عبَّاسٍ: ضُرِبت مثلًا لعملٍ. قال عمرُ: أي عملٍ؟ فقال: لعملٍ. فقال عمرُ: [رجلٌ عُنِى بعملِ الحسناتِ] (^٦)، ثم بعَث اللهُ له الشيطانَ،\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٢، ٥٢٣ (٢٧٧٣) من طريق ابن أبي مليكة، عن ابن عبَّاس، عن عمر، وذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٢٠٢ عن المصنف وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٠ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في الأصل: \"تحقرن\".\n(^٦) عند البخارى وابن أبي حاتم: \"لرجل غنى يعمل بطاعة الله\".","vol":"4","page":683},{"text":"فعمِل بالمعاصِى حتى أَغْرَق أعمالَه كلَّها. قال: وسمِعت عبدَ اللهِ بنَ أبى مُلَيكةَ يحدِّثُ نحوَ هذا عن ابن عباسٍ، سمِعه منه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: سمِعت أبا بكرِ بنَ أبي مُلَيكةَ يخبرُ أنه سمِع عُبيدَ بن عُميرٍ - قال ابن جُريجٍ: وسمعت عبدَ (^٢) اللهِ بن أبي مُلَيكةَ، قال: سمِعت ابنَ عباسٍ - قالا جميعًا: إن عمرَ بنَ الخطابِ سأل أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ. فذكَر نحوَه. إلَّا أنه قال (^٣): فقال عمرُ: الرجلُ (^٤) يعمَلُ بالحسناتِ، ثم يَبْعَثُ اللهُ (^٥) له الشيطانَ، فيعمَلُ بالمعاصى (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: سألت عطاءً عنها، [فقال: مَثَلٌ] (^٧).\nقال ابن جُريجٍ: وأَخْبَرنى عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال (^٨): ضُرِبت مثلًا للأعمالِ.\nقال ابن جُريجٍ: وقال ابن عبَّاسٍ: ضُرِبت مثلًا للعملِ، يبدأُ فيعمَلُ عملًا\n_________\n(^١) الزهد لابن المبارك (١٥٦٨)، وأخرجه البخارى (٤٥٣٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٢ (٢٧٧٣) من طريق ابن جريج به.\n(^٢) في الأصل: \"عبيد\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"للرجل\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٨٣ من طريق حجاج به، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وعزاه المزى في التحفة ٨/ ٤٦ (١٠٥٠٦) إلى البخارى، من طريقه حجاج به، ولم يذكر موضعه منه، وكذا ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٤٧٢ عن البخارى، وقال: وهو من أفراد البخارى، ﵀. ولم نجده عند البخاري.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فقال مثل ما\"، وفى م: \"ثم\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٣ (٢٧٧٧) من طريق عبد الملك بن جريج عن عطاء عن ابن عبَّاس.\n(^٨) في م: \"قالا\".","vol":"4","page":684},{"text":"صالحًا، فيكون مثلًا للجنةِ التي من نخيلٍ وأعنابٍ تَجْرِى من تحتِها الأنهارُ، له فيها من كلِّ الثمراتِ، ثم يُسئُ في آخرِ عمرِه، فيتمادَى في (^١) الإساءةِ حتى يموتَ على ذلك، فيكونَ الإعصارُ الذي فيه نارٌ التي أَحْرَقت الجنةَ مثلًا لإساءتِه (^٢) التي مات وهو عليها (^٣).\nقال ابن عبَّاسٍ: الجنةُ عيشُه وعيشُ ولَدِه، فاحْتَرقت فلم يستطِعْ أن يدفَعَ عن جنَّتِه من أجلِ كِبَرِه، ولم يستطِعْ ذرِّيتُه أن يدفَعوا عن جنتِهم من أجلِ صِغَرِهم، حتى احْتَرقت. يقولُ: هذا مَثَلُه، يلقاني (^٤) وهو أفقرُ ما يكونُ (^٥) إليَّ، فلا يَجِدُ له عندى شيئًا، ولا يستطيعُ أن يدفَعَ عن نفسِه من عذابِ اللهِ شيئًا، ولا يستطيعُ من كبرِه وصغرِ ذُرِّيتِه أن يعمَلوا جنةً، كذلك لا توبةَ إذا انْقَطَع العملُ حينَ مات.\nقال ابن جُريج، عن مجاهدٍ: سمِعتُ ابنَ عباسٍ، قال: هو مثلُ المفرِّطِ في طاعة الله حتى يموت.\nقال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: أيودُّ أحدكم أن تكونَ له دنيا لا يعمَلُ فيها بطاعةِ اللهِ، كمثلِ هذا الذي له جنةٌ، فمثلُه بعدَ موتِه كمثلِ هذا حينَ احترَقتْ جنتُه وهو كبيرٌ، لا يُغنى عنها شيئًا، وأولادُه صِغارٌ، لا يُغنون عنه شيئًا، وكذلك المفرِّطُ بعدَ الموتِ كلُّ شيءٍ عليه حسرةٌ.\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"علي\".\n(^٢) في الأصل: \"للإساءة\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٠ إلى المصنف.\n(^٤) في م: \"تلقاه\"، في ت ١، ت ٢: \"يلقاه\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"كان\".","vol":"4","page":685},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ الآية. يقولُ: أصابها ريحٌ فيها سَمومٌ شديدةٌ، ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾. فهذا مثلٌ، فاعقِلوا عن اللهِ جلَّ وعزَّ أمثالَه؛ فإن الله قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. هذا رجلٌ كبِرت سِنُّه، ورقَّ (^١) عظمُه، وكثُر عيالُه، ثم احْتَرقت جنَّتُه على بقيةِ ذلك، كأحوجِ ما يكونُ إليه. يقولُ: أيُحبُّ أحدُكم أن يَضِلَّ عنه عملُه يومَ القيامةِ كأحوجِ ما يكونُ إليه؟ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ إلى قولِه: ﴿فَاحْتَرَقَتْ﴾. يقولُ: فذهَبت جنَّتُه [عندَ أحوجِ] (^٣) ما كان إليها حين كبِرت سِنُّه، وضعُف عن الكسبِ، وله ذرِّيةٌ ضعفاءُ لا ينفَعونه. قال: وكان الحسنُ يقولُ: ﴿فَاحْتَرَقَتْ﴾ فذهَبت أحوجَ ما كان إليها، فذلك قولُه: أيودُّ أحدُكم أن يذهَبَ عملُه أحوجَ ما كان إليه (^٤)؟\nحدَّثني محمَّدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ضرَب اللهُ مثلًا حسنًا - وكلُّ أمثالِه حسنٌ ﵎\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"دق\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٥ (٢٧٨٦) من طريق سعيد به مختصرًا.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كأحوج\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٨ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٤ (٢٧٨٢) عن الحسن بن يحيى به مقتصرا على قول الحسن.","vol":"4","page":686},{"text":"وقال: قال (^١): ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ﴾. إلى: ﴿لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ يقولُ: صنَعه (^٢) في شبيبتِه فأصابَه الكِبَرُ وله ذُرِّيةٌ ضِعافٌ عندَ آخرِ عمرِه، فجاءه إعصارٌ فيه نارٌ، فاحترَق بستانُه، فلم يكنْ عندَه قوَّةٌ أن يغرِسَ مثلَه، ولم يكنْ عندَ نَسْلِه خيرٌ يعودون به عليه، وكذلك الكافرُ يومَ القيامةِ إذا رُدَّ إلى اللهِ ليس له خيرٌ فيُستعتَبَ، كما ليس له قوةٌ فيغرِسَ مثلَ بستانِه، ولا [يَجِدُه خيرًا قدَّم لنفسِه خيرًا] (^٣) يَعُودُ عليه، كما لم يُغنِ عن هذا ولَدُه، وحُرِم أجرَه عندَ أفقرِ ما كان إليه، كما حُرِم هذا جنتَه عند أفقرِ ما كان إليها عندَ كبرِه وضعفِ ذُرِّيَّتِه، وهو مثلٌ ضرَبه اللهُ للمؤمنِ والكافرِ فيما أُوتيا في الدنيا؛ كيف نجَّى المؤمنَ في الآخرةِ، وذخَر له من الكرامةِ والنعيمِ، وخزَن عنه المالَ في الدنيا، وبسَط للكافرِ في الدنيا من المالِ ما هو منقطعٌ، وخزَن له من الشرِّ ما ليس بمفارقِه أبدًا، و(^٤) يَخْلُدُ فيها مهانًا، من أجلِ أنه فَخَر على صاحبِه، ووثِق بما عندَه، ولم يستيقنْ أنه ملاقٍ ربَّه (^٥).\nحُدِّثت عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، قولَه: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ الآية. قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لرجلٍ (^٦) له جنةٌ من نخيلٍ وأعنابٍ، وله فيها من كلِّ الثمراتِ، والرجل قد كبِرت سنُّه وضعُف، وله أولادٌ\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أيوب\".\n(^٢) في الأصل: \"ضيعه\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يجد خيرا قدم لنفسه\".\n(^٤) في الأصل: \"أو\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٣، ٥٢٤ (٢٧٧٨) عن محمَّد بن سعد به.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أيود أحدكم أن تكون\".","vol":"4","page":687},{"text":"ضِعافٌ (^١)، فابتلاهم اللهُ في جنتِهم، فبعَث عليها إعصارًا فيه نارٌ فاحْتَرَقت، فلم يستطِعِ الرجلُ أن يدفع عن جنَّتِه من الكبرِ (^٢)، ولا ولدُه لصغرِهم، فذهَبت جنَّتُه أحوجَ ما كان إليها. يقولُ: أَيُحبُّ أحدُكم أن يعيشَ في الضلالةِ والمعاصى حتى يأتيَه الموتُ، فيجيءَ يومَ القيامةِ قد ضلَّ عنه عملُه أحوجَ ما كان إليه، فيقول: ابنَ آدمَ، أتيتني أحوجَ ما كنتَ قطُّ إلى خيرٍ، فأين ما قدَّمتَ لنفسِك (^٣)؟\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، وقرَأ قولَ اللهِ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ قال (^٤): ثم ضرَب في ذلك مثلًا، فقال: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ حتى بلَغ: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾. قال: جرَت أنهارُها وثمارُها، وله ذُرِّيةٌ ضعفاءُ، فأصابها إعصارٌ فيه نارٌ فاحْتَرقت، أيودُّ أحدُكم هذا؟ كما يحمِلُ أحدُكم أن يُخرِجَ صدقتَه ونفقتَه، حتى إذا كانت له عندِى جنةٌ، وجرَت أنهارُها وثمارُها، وكانت لولدِه وولدِ ولدِه، أصابها ريحُ إعصارٍ فحرَقها (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو (^٦) زهيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: رجلٌ غرَس بستانًا، له فيه من كلِّ الثمراتِ، فأصابه الكبرُ، وله\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"صغار\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"الكفر\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٢٢ (٢٧٧٠) من طريق ابن أبي جعفر به مختصرًا.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ٣/ ٣١٨ عن ابن زيد مختصرًا.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"4","page":688},{"text":"ذرِّيَّةٌ ضعفاءُ، فأصابها إعصارٌ فيه نارٌ فاحْتَرقت، فلم يَستطِعْ أن يدفَعَ عن بستانِه من كبرِه، ولم يَستطِعْ ذرِّيتُه أن يدفَعوا عن [بستانِهم من صغرِهم، فاحترَق] (^١) بستانُه فذهَبت معيشتُه ومعيشةُ ذرِّيتِه، فهذا مثلٌ ضرَبه اللهُ للكافرِ، يقولُ: يلقانِي يومَ يلقانِي (^٢) وهو كأحوجِ (^٣) ما يكونُ إلى خيرٍ يُصيبُه، فلا يجدُ له عندى خيرًا، ولا يستطيعُ أن يدفَعَ عن نفسِه من عذابِ اللهِ شيئًا.\nوإنما قلنا (^٤): إن الذي هو أولى بتأويلِ ذلك ما ذكَرنا؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه تقدَّم إلى عبادِه المؤمنين بالنهيِ عن المنِّ والأذى في صدقاتِهم، ثم ضرَب مثلًا لمن منَّ وآذى من تصدَّق عليه بصدقةٍ، فمثَّله بالمرائى من المنافقين المُنفقين أموالَهم رياءَ الناسِ، وكانت قصةُ هذه الآيةِ وما فيها (^٥) من المثَلِ نظيرةَ ما ضرَب لهم من المَثلِ قبلَها، فكان إلحاقُها بنظيرتِها أولى من حملِ تأويلِها على أنه مثَلٌ لِمَا لم يجرِ له ذكرٌ قبلَها ولا معها.\nفإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ وهو فعلٌ ماضٍ، فعُطِف به على قولِه: ﴿أَيَوَدُّ﴾؟\nقيل: إن ذلك قيل كذلك؛ لأن قولَه: ﴿أَيَوَدُّ﴾. يصلُحُ أن تُوضعَ فيه \"لو\" مكانَ \"أن\"، فلما صلَحت بـ \"لو\" و\"أنْ\"، ومعناهما جميعًا الاستقبالُ، استجازت العربُ أن يردُّوا \"فعَل\" بتأويلِ \"لو\" على \"يفعَل\" مع \"أنْ\"، فلذلك قال: ﴿فَأَصَابَهَا﴾. وهو في مذهبِه بمنزلةِ \"لو\"، إذْ (^٦) ضارَعت \"إنْ\" في معنى\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"القيامة\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أحوج\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"دللنا\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قبلها\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"إذا\".","vol":"4","page":689},{"text":"الجزاءِ، فوُضِعت في مواضعِها، وأُجِيبتْ \"إن\" بجوابِ \"لو\"، و\"لو\" بجوابِ \"إن\"، فكأنه قيل: أيودُّ أحدُكم لو كانت له جنةٌ من نخيلٍ وأعنابٍ، تَجْرى من تحتِها الأنهارُ، له فيها من كلِّ الثمراتِ وأصابَه الكبرُ.\nوإن قال: وكيف قيل هاهنا: ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾؟ وقال في \"النساءِ\": ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: ٩].\nقيل: إن (^١) \"فَعيلًا\" يُجمَعُ على \"فُعَلاءَ\" و\"فِعالٍ\"، فيقالُ: [رجلٌ كريمٌ وقومٌ كِرامٌ وكُرماءُ و] (^١) رجلٌ ظريفٌ من قومٍ ظُرفاءَ وظِرافٍ.\nوأما الإعصارُ، فإنه الريحُ العاصفُ، تهبُّ من الأرضِ إلى السماءِ كأنها عمودٌ، تُجمَعُ أعاصيرَ، ومنه قولُ يزيدَ بن مُفَرِّغٍ الحِمْيَريِّ (^٢):\nأُنَاسٌ أجارُونا (^٣) فكانَ جوَارُهُمْ … أَعَاصِيرَ مِنْ فَسْوِ (^٤) العِراقِ المُبَذَّرِ (^٥)\nواختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ريحٌ فيها سَمومٌ شديدةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-975>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا يوسفُ بنُ خالدٍ السَّمْتيُّ، قال: ثنا نافعُ بنُ مالكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾:\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) البيت في تاريخ المصنف ٥/ ٣١٩، وطبقات فحول الشعراء ٢/ ٢٩٢، والأغانى ١٨/ ٢٦٦.\n(^٣) في الطبقات: \"أجارونى\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"سوء\".\n(^٥) في ص، م: \"المنذر\".","vol":"4","page":690},{"text":"ريحٌ فيها سَمومٌ شديدةٌ (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ في: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾. قال: السَّمومُ الحارَّةُ التي خُلِق منها الجانُّ التي تُحْرِقُ.\nحدَّثنا [أحمدُ بنُ إسحاقَ] (^٢)، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾. قال: هي السَّمومُ الحارَّةُ [التي لا تَذَرُ (^٣) أحدًا] (^٤) (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن أبي (^٦) إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [قال: هي السمومُ] (^٧) التي تقتُلُ (٥).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عمَّن ذكَره، عن [عبدِ اللهِ] (^٨)، قال: إن السَّمومَ التي خُلِق منها الجانُّ جزءٌ\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٢٦٦٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٤ (٢٧٨١)، والحاكم ٢/ ٢٨٣ من طرق عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حميد\".\n(^٣) في النسخ: \"تضر\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) سيأتي تخريجه في ١٤/ ٦٣.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ س: \"ابن\".\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٨) في ص، م، ت ١ ت ٢: \"ابن عباس\". وعبد الله هو ابن مسعود.","vol":"4","page":691},{"text":"من سبعين جزءًا من النارِ (^١).\nحدَّثني محمَّدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾: هي ريحٌ فيها سَمومٌ شديدةٌ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾. قال: سمومٌ شديدةٌ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾. يقولُ: أصابَها ريحٌ فيها سَمومٌ شديدةٌ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ نحوَه (^٢).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾: أما الإعصارُ فالريحُ، وأما النارُ فالسَّمومُ (^٣).\nحُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾. يقولُ: ريحٌ فيها سمومٌ شديدةٌ (^٤).\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في ١٤/ ٦٤.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٨.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٤ عقب الأثر (٢٧٨١) من طريق عمرو به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٤ عقب الأثر (٢٧٨١) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"4","page":692},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك: ريحٌ فيها بردٌ شديدٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-976>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، قال: كان الحسنُ يقولُ في قولِه: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾: فيها صِرٌّ؛ بَرْدٌ (^١).\nحدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهير، عن جُوَيبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾: يعنى بالإعصارِ: ريحٌ فيها بَرْدٌ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-977>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤه بذلك: كما بيَّن لكم ربُّكم ﵎ أمرَ النفقةِ في سبيلِه، وكيف وجْهُها، وما لكم، وما ليس لكم فعلُه فيها، كذلك يُبَيِّنُ اللهُ لكم الآياتِ سوى ذلك، فيُعرِّفُكم أحكامَها وحلالَها وحرامَها، ويوضِّحُ لكم حُجَجَها؛ إنعامًا منه بذلك عليكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾. يقولُ: لتتفكَّروا بعقولِكم، فتتدبَّروها وتعتبِروا بحُججِ اللهِ فيها، وتعمَلوا بما فيها من أحكامِها، فتُطيعوا الله به.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"وبرد\".\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٤ (٢٧٨٠) عن الحسن بن يحيي به.\n(^٢) ينظر البحر المحيط ٢/ ٣١٥.","vol":"4","page":693},{"text":"<span data-type='title' id=toc-978>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا [الحسنُ بنُ يحيى] (^١)، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾. قال: تُطيعون (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾. يعني: في زوالِ الدنيا وفنائِها، وإقبالِ الآخرةِ وبقائِها (^٣).\n[فهذا ما رواه أهل التأويل وغيرُهم. واللهُ أعلمُ] (^٤).\n\n<span id=\"aya-274\"></span><span data-type='title' id=toc-979>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤُه بقولهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: [يا أَيُّها الذين] (^٤) صدَّقُوا باللَّهِ ورسولِه وآي كتابِه.\nويعنى بقولِه: ﴿أَنْفِقُوا﴾: زكُّوا وتصدَّقُوا.\nكما حدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاويةَ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾. يقولُ: تصدَّقُوا (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-980>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: زكُوا من طيِّبِ ما كسَبتم بتصرُّفِكم؛ إمَّا بتجارةٍ، وإمَّا\n_________\n(^١) في الأصل: \"الحسين\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٩، وأخرجه ابن حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٥ (٢٧٨٥) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٣/ ٦٩٧.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، س.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٥ (٢٧٨٨) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"4","page":694},{"text":"بصناعةٍ، من الذهبِ والفضةِ.\nويعني بـ \"الطيبات\" الجِيادَ. يقولُ: زكُّوا أموالَكم التي اكتسبْتموها حلالًا، فأَعْطُوا في زكاتِكم الذهبَ والفضةَ، الجِيادَ منها دونَ الرَّدئِ.\nكما حدَّثنا محمَّد بن المثنَّى، قال: ثنا محمَّد بن جعفر، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾. قال: من التجارةِ (^١).\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبَابٍ، قال: وأخبرني شعبةُ بنُ الحجاجِ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني حاتمُ بنُ بكرٍ الضَّبيُّ، قال: ثنا وهبٌ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا آدمُ العسقلانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾. قال: يَعْنى (^٢) التجارة الحلال (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن عبدِ الله بن مَعْقِلٍ (^٤): ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾. قال: ليس في مالِ المؤمنِ (^٥) خبيثٌ، ولكن لا تيمَّموا الخبيثَ منه تُنفقون.\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٩٩ من طريق محمَّد بن جعفر به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (تفسير - ٤٤٦)، ويحيى بن آدم في الخراج (٤٢٧)، وابن أبي شيبة، ٧/ ١٩، والبغوى في الجعديات (٢٥٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٦ (٢٧٩٣)، والبيهقى ٥/ ٢٦٣ من طريق شعبة به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٦ (٢٧٩٤) من طريق آدم به.\n(^٤) غير منقوطة في ص، وينظر ما سيأتي في صفحة ٧٠٢.\n(^٥) بعده في م: \"من\".","vol":"4","page":695},{"text":"حدَّثني عصامُ بنُ روَّادِ بن الجرَّاحِ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أبو بكرٍ الهُذَليُّ، عن محمَّدِ بن سيرينَ، عن عَبيدةَ السَّلمانيِّ، قال: سألتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ عن قولِ اللِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾. قال: من الذهبِ والفضةِ (^١).\nحدَّثني محمَّدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾. قال: التجارةُ (^٢).\nحدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، [قال: ثني معاوية] (^٣)، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾. يقولُ: من أطيبِ أموالِكم وأنفسِه (^٤).\nحدَّثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدَّيِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾. قال: هذا (^٥) من الذهبِ والفضةِ. [هكذا قال السدِّيُّ] (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-981>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: وأَنْفِقوا أيضًا مما أخرجْنا لكم من الأرضِ، فتصدَّقوا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٥ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٤٤، ومن طريقه يحيى بن آدم في الخراج (٤٣٠).\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٦ (٢٧٨٩) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"4","page":696},{"text":"وزكُّوا من النخلِ والكَرْمِ والحِنْطةِ والشعيرِ، وما أَوْجَبْتُ فيه الصدقةَ من نباتِ الأرضِ.\nكما حدَّثنا عصامُ بن روَّادٍ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أبو بكرٍ الهُذَليُّ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عَبيدةَ السلمانيِّ، قال: سألتُ عليَّ بنَ أبى طالبٍ عن قولِ الله ﷿: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: يعنى من الحبِّ والثَّمَرِ (^١)؛ كلِّ (^٢) شيءٍ عليه زكاةٌ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: من (^٤) النخلِ (^٥).\nحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: من ثمرِ النخلِ.\nحدَّثنا القاسمُ، [قال: ثنا الحسينُ] (^٦)، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾. قال: من التجارةِ، ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: مِن الثمارِ (^٧).\n_________\n(^١) في الدر المنثور: \"التمر\".\n(^٢) في م، والدر المنثور: \"وكل\".\n(^٣) تتمة الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) أخرجه يحيى بن آدم في الخراج (٤٣٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٧ (٢٧٩٥)، والبيهقى ٤/ ١٤٦ من طريق ابن أبي نجيح به\n(^٦) سقط من: الأصل.:\n(^٧) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (كتاب التفسير) ٣/ ٩٧٥ (٤٤٥ - تفسير) عن هشيم، عمن سمع الحكم به.","vol":"4","page":697},{"text":"حدَّثني موسى (^١) قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: هذا في الثَّمَرِ (^٢) والحبِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-982>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾: ولا تعمَّدوا ولا تقصِدوا.\nوقد ذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (ولا تؤُمُّوا) (^٣). من \"أَمَمْتُ\"، وهذه من \"تَيَمَّمْتُ\"، والمعنى واحدٌ وإن اخْتَلفت الألفاظُ، يقالُ: تَأَمَّمتُ فلانًا وتَيَمَّمتُه، وأَمَمْتُه. بمعنى: قصَدتُه وتعمَّدتُه. كما قال ميمونُ بنُ قيسٍ الأعشى (^٤):\nتيَمَّمْتُ قَيْسًا وَكَمْ دُونَهُ … مِنَ الأرْضِ من مَهْمَهٍ ذِى شَزَنْ (^٥)\nوكما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾: ولا تعمَّدوا.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾: لا تعمَّدوا (^٦).\nحُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ مثلَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-983>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.</span>\n_________\n(^١) بعده في: الأصل: \"ابن إسحاق\". وصوابه ابن هارون.\n(^٢) في ص، م، ت ١ ت ٢: \"التمر\".\n(^٣) في م، والمحرر الوجيز ٢/ ٢٤٦، وتفسير القرطبي ٣/ ٣٢٦ نقلا عن المصنف فيهما، والنحاس: \"تأمموا\". ورسمت في بقية النسخ هكذا: \"تأموا\"، وضبطها في الأصل بضم الهمزة وتشديد الميم مضمومة، فرسمناها هكذا. وهى قراءة شاذة، البحر المحيط ٢/ ٣١٨.\n(^٤) ديوانه ص ١٩.\n(^٥) الشزن، بالتحريك: الغليظ من الأرض. اللسان (ش ز ن).\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٨.","vol":"4","page":698},{"text":"يعني جلَّ ثناؤه بـ \"الخبيث\": الردئَ غيرَ الجيِّدِ. يقولُ: لا تعمَّدوا الردئَ من أموالِكم في صدقاتِكم، فتصَّدَّقُوا منه، ولكن تصدَّقوا من الطيِّبِ الجيِّدِ. وذلك أن هذه الآيةَ نزَلت في سببِ رجلٍ من الأنصارِ علَّق قِنْوًا (^١) من حَشَفٍ (^٢) في الموضعِ الذي كان المسلمون يعلِّقون صدقةَ ثمارِهم، صدقةً من تمرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-984>ذِكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني الحسينُ بنُ عمرِو بن محمدٍ العَنْقَزِيُّ، قال: ثنا أبي، عن أسباطَ، عن السُّديِّ، عن عديِّ بن ثابتٍ، عن البَرَاءِ بن عازبٍ في قولِ اللهِ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ إلى قولِه: ﴿اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. قال: نزَلت في الأنصارِ، كانت الأنصار إذا كان أيامُ جَدادِ (^٣) النخلِ، أَخْرجت من حِيطانِها أَقْناءَ البُسْرِ، فعلَّقوه على حبلٍ بينَ الأُسْطُوانتين في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فيأكُلُ فقراءُ المهاجرين منه، فيعمِدُ الرجلُ منهم إلى الحشَفِ فيُدخِلُه مع أقناءِ البُسْرِ، يظنُّ أن ذلك جائزٌ، فأَنْزل اللهُ ﷿ في من فعَل (^٤) ذلك: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. قال: ولا تيمَّموا الحَشَفَ منه تنفِقون (^٥).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، قال: زعم السُّديُّ، عن عديِّ بن ثابتٍ، عن البراءِ بن عازبٍ بنحوِه، إلا أنه قال: فكان يعمِدُ بعضُهم،\n_________\n(^١) القنو والجمع أقناء: العذق بما فيه من الرطب. النهاية ٤/ ١١٦.\n(^٢) الحشف: اليابس الفاسد من التمر، وقيل: الضعيف الذي لا نوى له كالشيص. النهاية ١/ ٣٩١.\n(^٣) في ص: \"حداد\"، وفى م: \"جذاذ\". والجداد والجذاذ بمعنى القطع.\n(^٤) في ت ١، ت ٣: \"يعمل\".\n(^٥) أخرجه ابن ماجه (١٨٢٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره - مختصرا - ٢/ ٥٢٧ (٢٧٩٨) مختصرًا من طريق عمرو بن محمَّد العنقزى به.","vol":"4","page":699},{"text":"فيُدخِلُ قِنْوَ الحَشَفِ، ويظنُّ أنه جائزٌ عنه، في كثرةِ ما يُوضعُ من الأقناءِ، فنزَل في من فعل ذلك: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾؛ القِنْوُ الذي قد حشَف، ولو أُهْدِى لكم ما قبِلتموه (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّديِّ، عن أبي مالكٍ، عن البراء بن عازبٍ، قال: كانوا يجيئون في الصِدقةِ بأردأِ ثَمَرِهم (^٢) وأردأِ طعامِهم، فنزَلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الآية (^٣).\nحدَّثني عصامُ بنُ رَوَّادٍ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أبو بكرٍ الهُذَليُّ، عن ابن سيرينَ، عن عبيدةَ السَّلْمانيِّ، قال: سألتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ عن قولِ اللهِ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. قال: فقال عليٌّ: نزَلت هذه الآيةُ في الزكاةِ المفروضةِ، كان الرجلُ يعمِدُ إلى التمرِ فيَصْرِمُه، فيعزِلُ الجيِّدَ ناحيةً، فإذا جاء صاحبُ الصدقةِ أعطاه من الردئِ، فقال اللهُ ﷿: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى عبدُ الجليلِ بنُ حُميدٍ اليَحْصُبيُّ، أن ابنَ شهابٍ حدَّثه قال: ثني أبو أمامةَ بنُ سهلِ بن حُنيفٍ في الآيةِ التي قال اللهُ ﵎: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. قال: هو الجُعُرُورُ،\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٨٥، والواحدى في أسباب النزول ص ٦٢ من طريق عمرو به.\n(^٢) في م: \"تمرهم\".\n(^٣) أخرجه البيهقى ٤/ ١٣٦ من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٢٦، ٢٢٧، والترمذي (٢٩٨٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٢٨ (٢٨٠٣) من طريق السدى به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٥ إلى المصنف.","vol":"4","page":700},{"text":"ولونُ حُبَيقٍ (^١)، فنهَى رسولُ اللهِ ﷺ أن يُؤخَذَ في الصدقةِ (^٢).\nحدَّثني محمَّد بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبيِ نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. قال: كانوا يتصدَّقون - يعنى من النخلِ - بحَشَفِه وبشِرارِه، فنُهوا عن ذلك، وأُمِروا أن يتصدقوا بطيِّبِه، [كانوا يعلِّقُون من التمرِ بالمدينةِ، من كلِّ ما أنفقتم، ولا تنفقوا إلا طيِّبًا] (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾: ذُكِر لنا أن الرجلَ كان يكونُ له الحائطان [من النخلِ] (^٤) على عهدِ نبيِّ اللهِ ﷺ فيعيدُ إلى أرْدئِهما تمرًا، فيتصدَّقُ به، ويخلِطُ فيه من الحَشَفِ، فعاب اللهُ ذلك عليهم ونهاهم عنه (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. قال: لا (^٦) تعمِدْ إلى رُذالةِ\n_________\n(^١) الجعرور: ضرب من الدقل يحمل رطبا صغارا لا خير فيه، ولون حبيق: نوع من أنواع التمر ردئ منسوب إلى ابن حبيق، وهو اسم رجل. النهاية ١/ ٢٧٦، ٣٣١.\n(^٢) أخرجه النسائي (٢٤٩١)، وابن خزيمة (٢٣١٢) عن يونس به، وأخرجه الدارقطني ٢/ ١٣١ من طريق عبد الله بن وهب به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٢٦، ويحيى بن آدم في الخراج ص ١٣١ (٤٣٥)، وابن خزيمة (٢٣١١)، والدارقطني ٢/ ١٣١ من طريق الزهرى به مرسلًا، وأخرجه أبو داود (١٦٠٧)، وابن خزيمة (٢٣١٣)، والطبراني (٥٥٦٦)، وابن أبي حاتم ٢/ ٥٢٨ (٢٨٠٢)، والدارقطني ٢/ ١٣٠، ١٣١، والحاكم ١/ ٤٠٢، ٢/ ٢٨٤، والبيهقى ٤/ ١٣٦ من طريق الزهرى، عن أبي أمامة، عن أبيه.\n(^٣) سقط من: م. والأثر تقدم تخريجه في ص ٦٩٧ دون هذه الزيادة، وبهذه الزيادة عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٦ إلى عبد بن حميد ولفظها: وذلك فيما كانوا يعلقون من التمر بالمدينة، ومن كل ما أنفقتم، فلا تنفقوا إلا طيبا.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.","vol":"4","page":701},{"text":"مالِك فتتصدَّقَ به، ولستَ تأخُذُهُ (^١) إِلَّا أَن تُغْمِضَ فيه (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسنِ، قال: كان الرجلُ يتصدَّقُ برُذالةِ مالِه، فنزَلتْ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا القاسم (^٤)، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبَرنى عبد اللهِ بنُ كَثير، أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. قال: في الأَقناءِ التي تُعلَّقُ، فرأَى فيها حشَفًا، فقال: \"ما هذا\"؟ قال ابن جُريجٍ: وسمِعتُ عطاءَ بنَ أبي رباحٍ يقولُ: عَلَّق إنسانٌ حشَفًا في الأَقناءِ التي تُعلَّقُ بالمدينةِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ما هذا؟ بئسما علَّق هذا\". فنزَلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (^٥).\n[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن ابن مَعْقلٍ (^٦): ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. قال: إِنَّ كسبَ المؤمنِ لا يكونُ خبيثًا، ولكن لا تَتَصَدَّقُ بالحَشَفِ ولا بالدرهمِ (^٧) الزائفِ وما لا خيرَ فيه] (^٨) (^٩).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بآخذه\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٨.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٢٦ عن وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"المثنَّى\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٥ إلى المصنف عن عطاء وحده.\n(^٦) في الخراج، والدر المنثور: \"مغفل\". وينظر ص ٦٩٥.\n(^٧) في الأصل: \"بالدراهم\". والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٨) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٧ (٢٧٩٩) من طريق جرير به. وأخرجه يحيى بن آدم في الخراج ص ١٣٠ (٤٣٢) من طريق عطاء به نحوه بأطول منه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٦ إلى الفريابي وابن المنذر.","vol":"4","page":702},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تيمَّموا الخبيثَ من الحرامِ منه تنفقون، وتدَعوا أن تنفِقوا الحلالَ الطيِّبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-985>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، وسألتُه عن قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. قال: الخبيثُ الحرامُ، لا تيمَّمْه تنفقُ منه، فإن الله ﷿ لا يقبَلُه (^١).\nوتأويلُ الآيةِ هو التأويلُ الذي حكيناه عمَّن حكينا عنه من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ [والتابعين] (^٢)، واتفاقُ أهلِ التأويل [على صحةِ] (^٣) ذلك، دونَ الذي قاله ابن زيدٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-986>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولستم بآخذى الخبيثِ في حقوقِكم. والهاءُ في قولِه: ﴿بِآخِذِيهِ﴾ من ذكرِ الخبيثِ. ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. يعنى: إلَّا أن تتجافَوا في أخذِكم إيَّاه عن بعضِ الواجبِ لكم من حقِّكم، فتترخَّصُوا (^٤) فيه لأنفسِكم.\nيقالُ منه: أغْمض فلانٌ لفلانٍ عن بعض حقِّه، فهو يُغمضُ [له عنه] (٢). ومن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٧ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فترخصوا\".","vol":"4","page":703},{"text":"ذلك قولُ الطِّرِمَّاحِ بن حَكِيمٍ (^١):\nلَمْ يَفُتنا بالوِتْر (^٢) قَوْمٌ وللضَّيم … رجالٌ يَرْضَوْنَ بالإِغْمَاضِ\nواخْتلَف أهل التأويل في ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لستم بآخذى الردئ [من المال] (^٣) من غُرَمائِكم في واجب حقوقكم قبلهم، إلا عن إغماضٍ منكم لهم في الواجب لكم عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-987>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني عصامٌ بن روَّادٍ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أبو بكر الهذليُّ، عن محمدِ بن سيرين، عن عبيدة السلمانيِّ، قال: سألت على بن أبي طالب عنه، فقال: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. يقولُ: ولا يأخُذُ أحدكم هذا الردئ حتى يَهْضِمَ لهُ (^٤).\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيان، عن السُّديِّ، عن أبي مالك، عن البراء بن عازب: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. يقول: لو كان لرجلٍ على رجلٍ فأعطاه ذلك، لم يأخُذه إلَّا أن يَرَى أنه قد نقصه من حقِّه (^٥).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثنا معاوية بن صالحٍ، عن على بن أبي طلحة، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢٧٦.\n(^٢) الوتر: الثأر.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٦٩٧.\n(^٥) تقدم في ص ٧٠٠.","vol":"4","page":704},{"text":"بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. يقولُ: لو كان لكم على أحدٍ حقٌّ، فجاءكم بحقٍّ دون حقِّكم، لم تأخُذوه بحساب الجيِّد حتى تَنْقُصوه، فذلك قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. فكيف تَرْضَون لى ما لا تَرْضَون لأنفسكم، وحقِّى عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه (^١)؟ وهو قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (^٢).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. قال: لا تأخذونه من غُرمائكم ولا في بيوعكم إلَّا بزيادةٍ على الطيِّب في الكيل.\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ إلى ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾: وذلك أن رجالًا كانوا يُعطون زكاةَ أموالِهم من التمر، فكانوا يُعطون الحشَفَ في الزكاةِ، فقال: لو كان بعضهم يطلُبُ بعضًا ثم قضاه، لم يأخُذه إلا أن يرى أنه قد أَغْمَض [عن بعض] (^٣) حقِّه (^٤).\nحُدِّثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الرَّبيع في قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. يقول: لو كان لك على رجلٍ دَينٌ فقضَاك أردأ مما كان لك عليه، هل كنت تأخُذُ ذلك منه إلا وأنت له كارهٌ؟\nحدَّثني يحيى بن أبى طالبٍ، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن\n_________\n(^١) في م: \"أنفسها\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٨ (٢٨٠٤) من طريق أبي صالح به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عنه\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٦ إلى المصنف.","vol":"4","page":705},{"text":"الضحَّاكِ في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. قال: كانوا حين أمر الله أن يُؤَدُّوا الزكاة يجئُ الرجل من المنافقين بأَرْدَأَ طعامٍ له من تمرٍ وغيره، فكره اللهُ ذلك، وقال: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. يقولُ: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. يقولُ: لم يكن رجلٌ منكم له حقٌّ على رجل فيعطيه دونَ حقِّه، فيأخُذَه إلَّا وهو يعلَمُ أنه قد نقصه، فلا تَرْضَوا لى ما لا تَرْضَون لأنفسكم، فيأخُذُ شيئًا وهو يُغْمِضُ (^١) عليه. يقولُ: أَنْقَص من حقِّه (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ولستم بآخذى هذا الردئ الخبيث إذا اشتريتموه من أهله بسعر الجيِّد، إِلَّا بِإغماضٍ منهم لكم في ثمنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-988>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن عمران بن حُدَيرٍ، عن الحسنِ: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. قال: لو وجدتموه في السوق يُباع ما أخذتموه حتى يُهْضَم لكم من ثمنه (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. يقولُ: لستم بآخذى هذا الردئ بسعر هذا الطيِّبِ، إلا أن يُغْمَضَ لكم منه (^٤).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"مغمض\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٥، ٣٤٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه وكيع - كما في الدر المنثور ١/ ٣٤٦ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٩ (٢٨٠٥).\n(^٤) في م: \"فيه\". =","vol":"4","page":706},{"text":"[وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولستم بآخذى هذا الردئ من حقِّكم إلا أن تغمضوا من حقِّكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-989>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن ابن مَعْقلٍ: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ يقولُ: لستم بآخذيه من حقٍّ هو لكم، ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. تقولُ: أُغمِضُ لك من حقِّى] (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ولستم بآخذى هذا الردئ الخبيث لو أُهْدِى إليكم، إلا أن تُغمضوا فيه فتأخُذوه وأنتم له كارهون، على استحياءٍ منكم ممَّن أهدَاه إليكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-990>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسين بن عمرِو بن محمد العَنْقَزيُّ، قال: ثنا أبي، عن أسباط، عن السُّديِّ، عن عديِّ بن ثابتٍ، عن البراء بن عازبٍ: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. قال: لو أُهْدِى لكم ما قبلتموه إلا على استحياءٍ من صاحبه، أنه بعث إليك بما لم يكن له فيه حاجةٌ (^٢).\nحدَّثني موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباط، عن السديِّ، عن عدى بن ثابتٍ، عن البراء بن عازب نحوه، إلا أنه قال: على استحياءٍ من صاحبه\n_________\n= والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٦ إلى عبد بن حميد.\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\nوالأثر تقدم تخريجه في ص ٧٠٢.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٦٩٩.","vol":"4","page":707},{"text":"وغيظٍ، أنه بعث إليك بما لم يكن له فيه حاجةٌ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ولستم بآخذى الحرام إلا أن تُغمضوا على ما فيه من الإثم عليكم في أخذه.\n\n<span data-type='title' id=toc-991>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ، وسألته عن قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. قال: يقولُ: لست آخذ ذلك الحرام حتى تُغْمِضَ على ما فيه من الإثم. قال: وفى كلام العرب: أما والله لقد أخذه، ولقد أَغْمَض على ما فيه. وهو يعلَمُ أنه حرامٌ باطلٌ (^٢).\nوالذي هو عندى أولى بتأويل ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤُه حَثَّ عبادَه على الصدقة، وأداء الزكوات من أموالهم، وفرضها عليهم فيها، فصار ما فرض من ذلك في أموالهم حقًّا لأهل سُهمانِ الصدقة، ثم أمرهم تعالى ذكره أن يُخْرِجوا من الطيِّب [دون الخبيث] (^٣)، وهو الجيِّد من أموالهم الطيِّب، وذلك أن أهل السُّهمانِ شركاءُ أرباب الأموال في أموالهم، بما وجب لهم فيها من الصدقة بعد وجوبها، فلا شكَّ أن كلَّ شريكين في مال، فلكل واحدٍ منهما بِقَدْرِ مِلْكِه، وأن ليس لأحدهما منعُ شريكه من حقِّه من المال (^٤) الذي هو فيه شريكه، بإعطائه بمقدار حقِّه منه من غيره، ممَّا هو أردأُ [وأخسُّ منه] (^٥)، فكذلك المُزكِّى ماله، حرَّم الله عليه أن يُعطى أهلَ السُّهْمانِ ممَّا وجب لهم في ماله من الطيِّب الجيِّد من الحقِّ، فصاروا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٦٩٩، ٧٠٠.\n(^٢) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٢٤٧ بنحوه.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الملك\".\n(^٥) في م: \"منه أو أحسن\".","vol":"4","page":708},{"text":"فيه [شركاءه به] (^١)، من الخبيث الردئ غيره، ويمنعهم ما هو لهم من حقوقهم في الطيِّب من ماله الجيِّد، كما لو كان مال ربَّ المالِ رديئًا كلُّه غير جيِّد، فوجبت فيه الزكاةُ، وصار أهلُ سُهمانِ الصدقة شركاءه فيه، بما أَوْجَب الله لهم فيه، لم يكن عليه أن يُعطيهم الطيِّب الجيِّد من غير ماله الذي منه حقُّهم، فقال ﵎ الأرباب الأموال: زكُّوا من جيِّد أموالكم الجيِّد، ولا تيمَّموا الخبيث الردئ تُعطونه أهلَ سُهْمانِ الصدقة، وتمنعونهم الواجب لهم من الجيِّد الطيِّب في أموالكم، ولستم بآخذى الردئ لأنفسكم مكانَ الجيِّدِ الواجب لكم قِبَلَ من وجَب لكم عليه (^٢) ذلك، من شركائكم وغُرمائكم وغيرهم، إلَّا عن إغماض منكم، وهَضْمٍ لهم، وكراهةٍ منكم لأخذه. يقولُ: فلا تأتوا من الفعل إلى من وجب له في أموالكم حقٌّ، ما لا تَرْضَون من غيركم أن يأتيه إليكم في حقوقكم الواجبة لكم في أموالهم، فأمَّا إذا تطوع الرجلُ بصدقةٍ غير مفروضة، فإنى وإن كرهتُ له أَن يُعطى فيها إلَّا أجود ماله وأطيبَه؛ لأن الله تعالى ذكره أحقُّ من تقرِّب إليه بأكرم الأموال وأطيبها، والصدقة قُرْبانُ المؤمن إليه - فلست أُحرِّمُ عليه أن يُعطى فيها (^٣) غير الجيِّد؛ لأن ما دونَ الجيِّد ربما كان أعمَّ نفعًا لكثرته، أو لعظم خَطره، وأحسن (^٤) موقعًا من المسكين، وممن أُعطيه قربةً إلى الله جلّ وعزّ من الجيِّدِ، لقلته أو لصغرِ خطره، وقلة جدوى نفعه على من أُعطيَه.\nوبمثل ما قلنا في ذلك قال جماعة أهل العلم.\n_________\n(^١) في م: \"شركاء\".\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) في ت ١: \"منها\".\n(^٤) في ت ١: \"أعظم\".","vol":"4","page":709},{"text":"<span data-type='title' id=toc-992>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الملك بن أبي الشَّوَاربِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: ثنا سلَمةُ بنُ علقمة، عن محمد بن سيرينَ، قال: سألتُ عَبيدةَ عن هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. قال: ذلك في الزكاةِ، الدِّرْهمُ الزائفُ أحبُّ إليَّ من التمرة.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا سلَمةُ بن علقمة، عن محمد بن سيرينَ، قال: سألتُ عَبيدةَ عن ذلك، فقال: إنما ذلك في الزكاة، والدرهمُ الزائفُ أحبُّ إليَّ من التمرةِ (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن هشامٍ، عن ابن سيرين، قال: سألت عَبيدةَ عن هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. فقال عبيدةُ: إنما هذا في الواجب، ولا بأسَ أن يتطوَّعَ الرجلُ بالتمرة، والدرهمُ الزائفُ خيرٌ من التمرةِ (^٢).\nحدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن هشامٍ، عن ابن سيرين في قوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. قال: إنما هذا في الزكاة المفروضة، فأما التطوُّعُ، فلا بأس أن يتصدَّقَ الرجلُ بالدرهم الزائف، والدرهمُ الزائفُ خيرٌ من التمرة (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (تفسير - ٤٤٧)، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٢٦ عن ابن علية به.\n(^٢) أخرجه يحيى بن آدم في الخراج (٤٣١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٧ (٢٨٠٠) من طريق ابن إدريس به.\n(^٣) ذكره ابن عطية في المحرر الوحيز ٢/ ٢٤٣ عن ابن سيرين.","vol":"4","page":710},{"text":"<span data-type='title' id=toc-993>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: واعلَموا أيها الناسُ أن الله ﷿ غنيٌّ عن صدقاتكم وعن غيرها، وإنما أمَركم بها وفرَضها في أموالكم؛ رحمةً منه لكم، يُغْنى (^١) بها عالتكم (^٢)، ويقوِّى بها ضعفتكم (^٣)، ويُجْزِلُ لكم عليها في الآخرة مثوبتَكم، لا من حاجةٍ به فيها إليكم.\nويعنى بقوله: ﴿حَمِيدٌ﴾. أنه محمودٌ عند خلقه بما أَوْلاهم من نعمه، وبسَط لهم من فضلِه.\nكما حدَّثني الحسينُ بنُ عمرو بن محمدٍ العَنْقَزيُّ، قال: ثنا أبي، عن أسباط، عن السُّديِّ، عن عديِّ بن ثابتٍ، عن البراء بن عازبٍ في قوله ﵎: ﴿[وَاعْلَمُوا أَنَّ] (^٤) اللَّهَ غَنِيٌّ﴾: عن صدقاتكم (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ليغني\".\n(^٢) في م: \"عائلكم\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ضعيفكم\".\n(^٤) في النسخ: \"و\". والمثبت صواب التلاوة، وهو كذلك في تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٩ (٢٨٠٧) من طريق عمرو بن محمد به.","vol":"4","page":711},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-275\"></span><span data-type='title' id=toc-994>القولُ في تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكرُه: الشيطانُ يعدُكم أيها الناسُ بالصدقة وأدائكم الزكاة الواجبة عليكم في أموالكم، أن تَفْتقروا، ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾. يعنى: ويأمُرُكم بمعاصى الله، وترك [الصلاة، و] (^١) طاعتِه، ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾. يعنى أن الله ﵎ يَعدُكم أيُّها المؤمنون أن يستُرَ عليكم فحشاءَكم، بصفحه لكم عن عقوبتكم عليها، فيغفرَ لكم ذنوبَكم بالصدقة التي تتصدَّقون، ﴿وَفَضْلًا﴾. يعنى: ويَعِدُكم أن يُخْلِفَ عليكم من صَدقاتِكم، فَيُفْضِلَ عليكم من عطاياه، ويُسبغَ عليكم في أرزاقكم.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيد النحويِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: اثنان من الله، واثنانِ من الشيطانِ، ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾. يقولُ: لا تُنفق مالك وأمسِكْه عليك؛ فإنك تحتاجُ إليه، ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ على هذه المعاصى، ﴿وَفَضْلًا﴾ في الرزق (^٢).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٣٠، ٥٣١ (٢٨١١، ٢٨١٦، ٢٨١٩) من طريق الحسين بن واقد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٨ إلى ابن المنذر.","vol":"5","page":5},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾. يقولُ: مغفرةً لفحشائِكم، وفضلًا لفقرِكم (^١).\nحدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنَّ للشيطانِ لَمَّةً من ابن آدم، وللملَكِ لمةً، فأما لمةُ الشيطان، فإيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، وأمَّا لمةُ الملكِ فإيعادٌ [بالخير وتصديقٌ بالحقِّ] (^٢)، فمن وجَد ذلك فليعلَمْ أَنَّه من الله، وليحمَدِ الله، ومن وجَد الأخرى فلْيتعوَّذُ بالله من الشيطان\". ثم قرأ: \" ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ \" (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا الحَكمُ بنُ بَشير بن سلمانَ، قال: ثنا عمرٌو، عن عطاء بن السائبِ، عن مُرَّةَ، عن عبد الله بن مسعودٍ، قال: إن للإنسان من الملكِ لمةً، ومن الشيطان لمةً، فاللَّمَّةُ من المَلكِ إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقِّ، واللَّمَّةُ من الشيطان إيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ. وتلا عبدُ الله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾. قال عمرٌو: وسمِعْنا في هذا الحديث أنه كان يقالُ: إذا أحسَّ أحدُكم من لمة الملك شيئًا، فلْيحمَدِ الله، ولْيسألْه من فضلِه، وإذا أحسَّ من لمةِ الشيطان شيئًا، فليَسْتغفر الله، وليتعوَّذْ (^٤) من الشيطان.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٣٠ (٢٨١٧) من طريق سعيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بالحق وتصديق بالخير\".\n(^٣) أخرجه الترمذى (٢٩٨٨)، والنسائى في الكبرى (١١٠٥١)، وأبو يعلى (٤٩٩٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٢٩ (٢٨١٠)، وابن حبان (٩٩٧) من طريق هناد بن السرى به، وأخرجه البيهقي في الشعب (٤٥٠٦) من طريق أبي الأحوص به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٨ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في الأصل: \"يتعوذ\".","vol":"5","page":6},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا عطاءُ بنُ السائب، عن أبي الأحوصِ، أو عن مرَّةَ، قال: قال عبدُ الله بنُ مسعودٍ: ألا إن للملكِ لمةً، وللشيطان لمةً، فلمَّةُ الملك إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقِّ، ولمةُ الشيطان إيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، ذلكم بأن الله ﷿ يقولُ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. فإذا وجدتم من هذه شيئًا فاحْمَدوا الله عليه، وإذا وجَدتم من هذه شيئًا فتعوَّذوا باللهِ من الشيطانِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعود في قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾. قال: إن للمَلَكِ لمةً، وللشيطان لمةً، فلمَّةُ الملكِ إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقِّ، فمن وجَدها فلْيَحمَدِ الله، ولمةُ الشيطان إيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، فمن وجَدها فلْيستعِذْ باللَّهِ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنْهالِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمة، قال: أخبَرنا عطاءُ بنُ السائب، عن مرةَ الهَمْدانيِّ، أن ابنَ مسعودٍ قال: إن للملك لمةً، وللشيطانِ لمَّةً، فلمَّةُ الملَكِ إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقِّ، ولمةُ الشيطان إيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، فمن أحسَّ من لمةِ المَلَكِ شيئًا، فليحمد الله عليه، ومن أحسَّ من لمة الشيطان شيئًا (^٢)، فليتعوَّذُ بالله منه. ثم تلا هذه الآية: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.\nحدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المبارك، عن فِطْرِ، عن\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٩، وأخرجه ابن مردويه في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ١/ ٤٧٥ من طريق الزهرى، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن مسعود مرفوعًا نحوه.\n(^٢) سقط من: الأصل.","vol":"5","page":7},{"text":"المسيَّبِ بن رافعٍ، عن عامرِ بن عَبْدةً، عن عبدِ اللهِ بنحوه.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن مُرةَ بن شَراحيل، عن عبد الله بن مسعودٍ، قال: إن للشيطان لمةً، وللملَكِ لمةً، فأما لمةُ الشيطانِ فتكذيبٌ بالحقِّ وإيعادٌ بالشرِّ، وأما لمةُ الملكِ فإيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقِّ، فمن وجَد ذلك فلْيعلَمْ أنه من الله، ولْيَحْمَدِ الله عليه، ومن وجد الأُخرى فَلْيَتعوَّذْ من الشيطان الرجيم. ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-996>القولُ في تأويل قوله جلّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: والله واسعُ الفَضْلِ (^١) الذي يَعِدُكم أن يُعْطِيَكموه من فضلِه وسَعَةِ خزائنِه، عليمٌ بنفقاتِكم وصدقاتكِم التي تُنْفِقون وتتصدقون بها، يُحْصِيها لكم حتى يجازيَكم بها عندَ مَقْدَمِكم عليه في آخرتكم.\n\n<span id=\"aya-276\"></span><span data-type='title' id=toc-997>القولُ في تأويل قولِه جل ثناؤُه: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يُؤتى الله الإصابة في القول والفعل من يشاءُ من عباده، ومن يُؤْتَ الإصابة في ذلك منهم فقد أُوتى خيرًا كثيرًا.\nواخْتَلف أهلُ التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: الحكمةُ التي ذكرها الله ﵎ في هذا الموضع هي القرآنُ والفقهُ به.\n\n<span data-type='title' id=toc-995>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن\n_________\n(^١) في الأصل: \"للفضل\".","vol":"5","page":8},{"text":"ابن عباس في قوله ﵎: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾: يعنى المعرفةَ بالقرآن؛ ناسخِه ومنسوخِه، ومُحْكمِه ومتشابهِه، ومُقدَّمه ومؤخَّرِه، وحلالِه وحرامِه، وأمثاله (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال: الحكمةُ القرآنُ والفقهُ في القرآن (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾: والحكمةُ الفقهُ في القرآن (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الهلاليُّ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا مهديُّ بنُ ميمونٍ، قال: ثنا شعيبُ بنُ الحَبْحابِ، عن أبي العالية: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. قال: الكتابُ والفهمُ به (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية. قال: ليست بالنبوَّةِ، ولكنه القرآنُ والعلمُ والفقهُ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٣١ (٢٨٢٢) والنحاس في ناسخه ص ٥٠ من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٩.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في م: \"فيه\".\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٧٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٨ إلى المصنف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٢٣١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٣١ (٢٨٢٣)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١٠٦) من طريق جرير به، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٩٢، والخطيب (١٠٥، ١٠٧) من طريق ليث به.","vol":"5","page":9},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: الفقهُ في القرآنِ (^١).\nوقال آخرون: معنى الحكمة الإصابةُ في القول والفعل.\n\n<span data-type='title' id=toc-998>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، قال: سمِعتُ مجاهدًا قال: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾. قال: الإصابةُ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله ﵎: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال: يُؤْتى إصابتَه من يشاءُ (^٣).\nوحدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال: الكتابُ، يُؤتِى إصابتَه [منْ يشاءُ] (^٤).\nوقال آخرون: هي العلمُ بالدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-999>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الحكمةُ العقلُ في\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٣٢ (٢٨٢٥) من طريق سفيان به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٤٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"5","page":10},{"text":"الدينِ. وقرأ: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (^١).\nوحدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قلتُ لمالكٍ: ما الحكمةُ؟ قال: المعرفةُ بالدين، والفقهُ فيه، والاتباعُ له.\nوقال آخرون: الحكمةُ الفَهمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1000>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي حمزةَ، عن إبراهيم، قال: [هو الفهمُ. يعنى (^٢) الحكمة] (^٣).\nوقال آخرون: هي الخشيةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1001>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ الآية. قال: الحكمةُ الخشيةُ؛ لأن رأسَ كلِّ شيءٍ خشيةُ الله. وقرأ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٤) [فاطر: ٢٨].\nوقال آخرون: هي النبوَّةُ.\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حدَّثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد الحكمة العقل\". وتقدم هذا الأثر والأثر بعده في ٢/ ٥٧٦.\n(^٢) في ص، ت ١: \"بمعنى\".\n(^٣) في م: \"الحكمة هي الفهم\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٣٢ (٢٨٢٦) من طريق سفيان به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٣١ (٢٨٢٤) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، وذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٧٦ عن أبي العالية، وذكره القرطبي في تفسيره ٣/ ٣٣٠ عن الربيع مختصرًا بلفظ: الحكمة الخشية.","vol":"5","page":11},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1002>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ الآية. قال: الحكمةُ هي النبوَّةُ (^١).\nوقد بيَّنا فيما مضَى معنى \"الحكمة\"، وأنها مأخوذةٌ من الحُكم وفصل القضاء، وأنها الإصابةُ، بما دلَّ على صحَّتِه، فأَغْنى ذلك عن تكريره في هذا الموضع (^٢).\nوإذا كان ذلك (^٣) معْناه، كان جميعُ الأقوالِ التي قالها القائلون الذين ذكرنا قولَهم في ذلك، داخلًا فيما قُلنا من ذلك؛ لأن الإصابة في الأمور إنما تكونُ عن فَهم بها وعلم ومعرفةٍ، وإذا كان ذلك كذلك، كان المصيبُ عن فَهْم منه بمواضع الصوابِ في أموره، فَهِمًا خاشيًا للهِ، فقيهًا عالمًا، وكانت النبوَّةُ من أقسامه؛ لأن الأنبياءَ مُسَدَّدون مُفَهَّمُون مُوَفَّقون لإصابة الصواب في الأمور، فالنبوَّةُ بعضُ معاني الحكمة.\nفتأويلُ الكلام: يُؤتى الله إصابة الصواب في القول والفعل مَن يَشَاءُ، ومَن يؤته الله ذلك فقد آتاه خيرًا كثيرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1003>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾.</span>\nيعْنى جلَّ ثناؤُه بذلك: وما يتعظُ بما وعَظه به ربُّه في هذه الآياتِ التي وعظ فيها المُنْفِقين أموالَهم، بما [وعظَهم به وغيرَهم] (^٤) فيها وفي غيرها من آي كتابه،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٣٢ (٢٨٢٨) من طريق عمرو به.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٥٧٧.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كذلك\".\n(^٤) في م \"وعظ به غيرهم\".","vol":"5","page":12},{"text":"فيَذَّكَّرُ وعدَه ووعيده فيها، فينزجرُ عمَّا زجَره عنه ربُّه، ويُطيعُه فيما أمَره به ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. يعنى: إلَّا أُولو العقول الذين عقَلوا عن الله أمرَه ونهيَه.\nفأَخْبَر جلَّ ثناؤُه أن المواعظَ غيرُ نافعةٍ إلّا أُولى الحِجا والحُلُوم، وأن الذِّكرَى غيرُ ناهيةٍ إلا أهلَ النُّهَى والعقول.\n\n<span id=\"aya-277\"></span><span data-type='title' id=toc-1004>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: وأيَّ نفقةٍ أَنْفَقتُم. يعني: أيَّ صدقةٍ تصدَّقُتُم، أو أيَّ نَذْرٍ نذَرتم. يعْنى بالنذرِ ما أَوْجَبه المرءُ على نفسِه، تبرُّرًا في طاعةِ اللهِ، وتقرُّبًا به إليه من صدقةٍ أو عمل خير، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ أي: إنَّ جميع ذلك بعلم الله، لا يعزُبُ عنه منه شيءٌ، ولا يَخْفَى عليه منه قليلٌ ولا كثيرٌ، ولكنه يُحْصِيه أيها الناسُ عليكم، حتى يُجازِى (^١) جميعَكم على جميع ذلك، فمن كانت نفقتُه منكم وصدقتُه ونذرُه ابتغاءَ مرضاة الله وتثبيتًا من نفسه، جازاه بالذي وعَده من التضعيف، ومن كانت نفقتُه وصدقتُه رياءَ الناس، ونذورُه للشيطان، جازاه بالذي أوْعَده من العقاب وأليم العذاب.\nكالذي حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾. قال (^٢): فإن الله يَعْلَمُه ويُحْصِيه (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\n_________\n(^١) في ص. م، ت ١، ت ٢، ت ٣ \"يجازيكم\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٣٥ (٢٨٤١) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"5","page":13},{"text":"ثم أوْعَد جلَّ ثناؤُه من كانت نفقتُه رياءً، ونذورُه طاعةً للشيطان، فقال: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. يعنى: وما لمن أَنْفَق ماله رياءَ الناس وفي معصية الله، وكانت نذورُه للشيطان وفى طاعته، ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ وهم جمعُ نصيرٍ، كما الأشرافُ جمعُ شريفٍ.\nويعنى بقوله: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾: مَن ينصُرُهم من الله يوم القيامة، فيدفَعُ عنهم عقابَه يومَئِذٍ بقُوَّةٍ وشدَّةِ بطشٍ، ولا بفديةٍ [ولا حيلةٍ] (^١).\nوقد دلَّلْنا على أن الظالم هو الواضعُ الشيء في غير موضعه (^٢)، وإنما سمَّى اللهُ المنفقَ ماله رياءَ الناس، والناذرَ في غير طاعته ظالمًا؛ لوضعه إنفاق ماله في غيرِ موضِعِه، ونَذْرَه في غير ما له وضعُه فيه، فكان ذلك ظلمَه.\nفإن قال قائلٌ: فكيف قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾. ولم يقل: يعلَمُهما. وقد ذكر النذر والنفقة؟\nقيل: إنما قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ لأنه أراد: فإِن الله يعلَمُ ما أَنْفَقتم أو نذَرتم. فلذلك وحَّد الكناية.\n\n<span id=\"aya-278\"></span><span data-type='title' id=toc-1005>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾.</span>\nيعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾: إِن تُعْلِنُوا الصدقات، فتُعطوها من تصدَّقُتُم بها عليه، ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾. يقولُ: فنِعْمَ الشيءُ هي، ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾. يقولُ: وإن تَسْتُروها فلم (^٣) تُعْلِنُوها، ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾. يعنى:\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٥٩، ٥٦٠.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فلن\".","vol":"5","page":14},{"text":"وتعطوها الفقراء في السرِّ، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقولُ: فإخفاؤُكم إيَّاها خيرٌ لكم من إعلانها، وذلك في صدقة التطوُّع.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: كلٌّ مقبولٌ إذا كانت النيةُ صادقةً، وصدقةُ السرِّ أفضلُ، وذُكر لنا أن الصدقة تطفئُ الخطيئة كما يُطفئُ الماءُ النار (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: كلٌّ مقبولٌ إذا كانت النيةُ صادقةً، والصدقةُ في السرِّ أفضلُ. وكان يقولُ: إنّ الصدقة تُطفئ الخطيئة كما يُطفئُ الماءُ النار (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: فجعل الله صدقةَ السرِّ في التطوُّع تفضُلُ علانيتها بسبعِينَ ضِعْفًا، وجعَل صدقةَ الفريضةِ علانيتَها أفضلَ مِن سرِّها. يقالُ: بخمسةٍ وعشرين ضِعْفًا، وكذلك جميع الفرائض والنوافل و(^٣) الأشياء كلِّها (^٤).\nحدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ، قال: أخبرنا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣٥٣/ ١ إلى المصنف وعبد بن حميد. وقوله: الصدقة تطفئ الخطيئة …\nأخرجه الترمذى (٦١٤) مرفوعًا من حديث كعب بن عجرة، وينظر ما أخرجه أحمد ٢٢/ ٣٣٢ (١٤٤٤١) من حديث جابر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٣٧ (٢٨٤٩) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) في الأصل، م: \"في\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٣٦ (٢٨٤٧) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥٣ إلى ابن المنذر.","vol":"5","page":15},{"text":"عبد الله بنُ المبارك، قال: سمعت سفيانَ يقولُ في قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: يقولُ: هو سوى الزكاة (^١).\nوقال آخرون: إنما على الله ﷿ بقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾: إن تُبْدُوا الصدقات على أهل الكتابين من اليهود والنصارى، فنِعِمَّا هي، وإن تُخْفُوها وتُؤْتُوها فقراءَهم، فهو خيرٌ لكم. قالوا: وأما ما أُعطى فقراءُ المسلمين من زكاةٍ وصدقة تطوُّع، فإخفاؤُه أفضلُ من إعلانه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1006>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ شُريحٍ، أنه سمع يزيد بن أبي حبيبٍ يقولُ: إنما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ في الصدقة على اليهود والنصارى (^٢).\nحدَّثني عبدُ الله بنُ محمدٍ الحنفيُّ، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ عثمان، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ المبارك، قال: أخبرنا ابن لهيعةَ، قال: كان يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ يأمرُ بقَسْم الزكاة في السرِّ. قال عبدُ اللهِ: أُحبُّ أَن تُعْطَى في العلانية. يعنى الزكاةَ.\nولم يَخْصُصِ الله جلّ ثناؤُه من قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾. [صدقةً دونَ صدقةٍ] (^٣)، فذلك على العموم، إلَّا ما كان من زكاةٍ واجبةٍ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٣٦ (٢٨٤٥) من طريق ابن المبارك به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٣٩ (٢٨٦٣) عن يونس بن عبد الأعلى به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"5","page":16},{"text":"فإنَّ الواجبَ من الفرائض قد أَجْمَع الجميعُ على أن الفضل في إعلانِه وإظهاره، سوى الزكاة التي ذكَرنا اختلافَ المختلفين فيها، مع إجماع جميعهم على أنها واجبةٌ، فحكمُها في أن الفضل في أدائِها علانيةً حكمُ سائر الفرائض غيرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1007>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.</span>\nاختلفت القرَأَةُ في قراءة ذلك؛ فرُوى عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤُه: (وتُكفِّرَ عنكم) بالتاء (^١). ومن قرأه كذلك، فإنه يعنى به: وتُكفِّرُ الصدقاتُ عنكم من سيئاتكم.\nوقرأ آخَرون: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾. بالياء (^٢). بمعنى: ويكفِّرُ الله عنكم بصدقاتِكم، على ما ذكر في الآية من سيئاتِكم.\nوقرأ ذلك بعدُ عامّة قرأَةِ أهل المدينة والكوفة والبصرة: (وَنُكَفِّرْ عنكم). بالنون وجَزْمِ الحرفِ (^٣)، بمعنى: وإن تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفقراء، نكفِّر عنكم من سيئاتكم. بمعنى مجازاةِ اللهِ ﷿ مُخْفِيَ الصدقة بتكفير بعض سيئاته بصدقته التي أخفاها.\nوأولى القراءاتِ في ذلك عندَنا بالصواب قراءة من قرأ: (وَنُكَفِّرْ عنكم). بالنون وجزم الحرف، على معنى الخبر من الله جلّ ثناؤه عن نفسه أنه يُجازي المخفي صدقتَه التطوُّع؛ ابتغاء وجهه من صدقته، بتكفير سيئاته. وإذا قُرِئ كذلك فهو مجزومٌ على [النَّسْقِ على] (^٤) موضع الفاء في قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. لأن الفاء هنالك حلَّت محَلَّ جوابِ الجزاء.\nفإن قال لنا قائلٌ: وكيف اخترتَ الجزمَ على النَّسْق على موضع الفاء، وتركت\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٢/ ٣٢٥، وهى قراءة شاذة، لم يقرأ بها أحد من العشرة.\n(^٢) وهى قراءة ابن عامر وحفص. حجة القراءات ص ١٤٨.\n(^٣) وهى قراءة نافع وحمزة والكسائي، ولم يذكر المصنف قراءة من قرأ بالنون ورفع الراء، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبى بكر. المصدر السابق ص ١٤٧، ١٤٨.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"5","page":17},{"text":"اختيار نسْقه على ما بعدَ الفاءِ، وقد علمتَ أن الأفصحَ من الكلامِ في النسْق على جوابِ الجزاءِ الرفع وإنما الجزمُ تجويزٌ؟\nقيل: اخترنا ذلك ليُؤْذِنَ بجزمه أن التكفير - أعنى تكفيرَ اللهِ مِن سيئاتِ المُتصَدِّقِ - لا محالة داخلٌ فيما وعَد اللهُ المُصَّدِّقَ أن يُجازيه به على صدَقتِه؛ لأن ذلك إذا جُزم مُؤذِنٌ بما قُلنا لا محالة، ولو رُفع كان قد يَحْتَمَلُ أن يكونَ داخلًا فيما وعَده الله أن يُجازيَه به، وأن يكونَ خبرًا مستأنفًا، أنه يكفِّرُ من سيئاتِ عبادِه المؤمنين، على غيرِ المجازاة لهم بذلك على صدقاتِهم؛ لأن ما بعدَ الفاء في جوابِ الجزاء استئنافٌ، فالمعطوفُ على الخبر المستأنَف في حكم المعطوف عليه، في أنه مُسْتأنفٌ (^١) غيرُ داخلٍ في الجزاء، ولذلك من العلَّةِ اخترنا جزمَ (نُكَفِّرْ) عطفًا به على موضعِ الفاءِ مِن قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. وقراءته بالنون.\nفإن قال قائلٌ: وما وجهُ دخول (من) في قوله: (ونُكفِّر عنكم من سيئاتكم)؟\nقيل: وجهُ دخولِها في ذلك بمعْنى: ونكفِّرْ عنكم من سيئاتكم ما نشاءُ تكفيرَه منها دون جميعها؛ ليكونَ العبادُ على وَجَلٍ من الله فلا يَتَّكِلُوا على وعدِه ما وعَدَ على الصدقات التي يُخْفِيها المتصدِّقُ، فيَجْترئُوا على حدودِه ومعاصِيه.\nوقد قال بعضُ نحويِّى البصرة: معْنى ﴿مِن﴾ الإسقاطُ في هذا الموضع.\nوتأوَّل معنى ذلك: ونكفِّرْ عنكم سيئاتكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1008>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: والله بما تعملون في صدقاتكم، من إخفائها وإعلان وإسرارٍ بها وجهارٍ، وفى غير ذلك من أعمالكم، ﴿خَبِيرٌ﴾ يعنى بذلك: ذو خبرةٍ وعلم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ من ذلك، فهو بجميعه محيطٌ، ولِكُلِّه محصٍ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"5","page":18},{"text":"على أهله، حتى يوفِّيَهم ثوابَ جميعه، وجزاءَ قليله وكثيره.\n\n<span id=\"aya-279\"></span><span data-type='title' id=toc-1009>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: ليس عليك يا محمدُ هُدَى المشركين إلى الإسلام، فتمنَعَهم الصدقةَ التطوُّع، ولا تُعطيَهم منها؛ ليدخلوا في الإسلام حاجةً منهم إليها، ولكنَّ الله هو يَهْدى من يشاءُ مِن خلقه إلى الإسلام فيوفِّقُهم له، فلا تمنَعْهم الصدقة.\nكما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن أَشْعَثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ (^١)، قال: كان النبيُّ ﷺ لا يتصدَّقُ على المشركين، فنزلت: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾. فَتَصَدَّقَ عليهم (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو داود، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن جعفر بن إياسٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانوا لا يرْضَخُون (^٣) لقراباتهم من المشركين، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: كانوا يتَّقون أن يرضَخوا لقراباتِهم من المشركين حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شعبة\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) الرضخ: العطية القليلة. اللسان (ر ض خ).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٣٧ (٢٨٥٢) من طريق أبي داود به، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٠٥٢)، والطبراني (١٢٤٥٣)، والحاكم ٢/ ٢٨٥، والبيهقى ٤/ ١٩١، من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥٧ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والضياء.","vol":"5","page":19},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ بشار وأحمدُ بنُ إسحاق، قالا: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياسٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانوا لا يرضخون لأنسبائِهم من المشركين، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية. فرخَّص لهم (^١).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياسٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان أناسٌ من الأنصار لهم أنسباءُ وقرابةٌ من قريظة والنَّضير، وكانوا يتَّقون أن يتصدَّقوا عليهم، ويُريدونهم أن يُسْلِموا، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ الآية (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: وذُكر لنا أن رجالًا من أصحاب النبيِّ ﷺ قالوا: أنتصدَّقُ على من ليس من أهل ديننا؟ فَأَنزل الله ﷿ في ذلك القرآنَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ (^٣).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الرَّبيع في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. قال: كان الرجلُ من المسلمين إذا كان بينه وبين الرجل من المشركين قرابةٌ وهو محتاجٌ، فلا يتصدَّقُ عليه، يقولُ: ليس من أهل ديني. فأَنزل اللهُ ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾. الآية (٢)\nحدثني [موسى بن هارون] (^٤)، قال: ثنا عمرو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباط، عن\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٢١٩٣ - كشف)، والحاكم ٤/ ١٥٦ من طريق أبي أحمد الزبيرى به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥٧ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) في ص، م: \"محمد\".","vol":"5","page":20},{"text":"السُّديِّ قول: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾: أَمَّا ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ فيعنى المشركين، وأما النفقة فبيَّن أهلها (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحمَّانيُّ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال: كانوا يتصدَّقون [على فُقَراءِ أَهلِ الذِّمَّةِ، فلمَّا كثر فقراء المسلمين، قالوا: لا نُعْطِيها إِلَّا المسلمين، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. قال: فكانوا بعد يُعْطُونهم (^٢).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. قال: يقول: إنما لها ثواب نفقتها، وليس لها من عمله شيءٌ، لو كان خير أهلِ الأرْضِ لم يكن لها مِن عمله شيءٌ، إنما لها أجر نفقتها، ولا تُسأَلُ عمَّن تريد تضعُ نفقتها فيه، فليس لها من عمله شيءٌ، إنما لها ثواب نفَقَتِها، ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.\nحدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدَّثنا أبو أحمد، قال: حدَّثنا جرير بن عبد الحميد، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تصدَّقُوا إلا على أهل دينكم\". فأنزل الله ﵎: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (^٣)] (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٣٨ (٢٨٥٦) من طريق عمرو به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥٧ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٧٧ عن جرير به.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"5","page":21},{"text":"[وأما قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾. فإنه يعنى جلَّ ثناؤه: وما تتصدَّقون به من مال - والمالُ هو الخيرُ الذي ذكره الله جلَّ ثناؤه في هذه الآية.\nوقوله: ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ تنفقون؛ ليكونَ لكم ذُخْرًا عند الحاجة إليه في مَعَادِكم.\nوأما قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ فإنه يعنى ﷻ: وما تتصدَّقوا به من مالٍ فإنكم تُوَفَّوْنَه، فيرجع إليكم جزاؤه تامًّا وافيًا، فلا تَمُنُّوا على أحدٍ بما تصدَّقتم به عليه، ولا تمتنعوا من إعطائها من امتنعتم من إعطائه إياها من مشركي أهل الكتاب وغيرهم من أهل الإسلام، فإنكم لا تُظْلَمُون أَجْرَها فَتُبْخَسُوه، ولا تُنْقَصُونَه، بل على الله أن يوفِّيكم أجوركم وجزاءكم عليها] (^١).\nكما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾. قال: هو مردودٌ عليك، فما لك ولهذا تُؤذيه وتمنُّ عليه؟ إنما نفقتك لنفسك، وابتغاء وجه الله، واللهُ يَجْزيك (^٢).\n\n<span id=\"aya-280\"></span><span data-type='title' id=toc-1010>القول في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ﴾.</span>\nأما قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ﴾. فبيانٌ من الله تعالى ذكره عن سبيل النفقة ووجهها. ومعنى الكلام: وما تُنفِقُوا من خيرٍ فلأنفسكم، تُنفقون للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله.\nواللام التي في \"الفقراء\" مردودةٌ على موضع اللام من قوله: ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾. كأنه قال: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ يعنى به: وما تتصدَّقوا به من مالٍ فللفقراء الذين أُحْصِروا في سبيلِ اللهِ. فلمّا اعْتَرض في الكلام بقوله: ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾. فَأَدْخَل الفاء التي هي جواب الجزاء فيه، تُرِكت إعادتها في قوله:\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥٧، ٣٥٨ إلى المصنف.","vol":"5","page":22},{"text":"﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾. إذ كان الكلام مفهومًا معناه.\nكما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾: أَمَّا ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾. فيعنى المشركين، وأما النفقة فبيَّن أهلها، فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^١).\nوقيل: إنَّ هؤلاء الفقراء الذين ذكرهم الله في هذه الآية هم فقراء المهاجرين خاصَّةً (^٢) دونَ غيرِهم من الفقراء.\n\n<span data-type='title' id=toc-1011>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: مهاجرى قريشٍ بالمدينة مع النبيِّ ﷺ، أُمر بالصدقة عليهم (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. قال: هم فقراءُ المهاجرين بالمدينة (^٤).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: فقراء المهاجرين (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢١.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عامة\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٤٥، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٤٠ (٢٨٦٥).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥٨ إلى المصنف من قول الربيع.\n(^٥) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ٢٦١، وتفسير القرطبي ٣/ ٣٩٩.","vol":"5","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1013>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكره: الذين جعلهم جهادهم عدوَّهم يُحْصِرون أنفسهم، فيحبسونها عن التصرُّف، فلا يستطيعون تصرُّفًا.\nوقد دلَّلنا فيما مضى قبلُ على أنّ معنى الإحصارِ تصييرُ الرجلِ المُحْصِرِ مرَضُه أو فاقتُه أو جهادُه عدوَّه، وغيرُ ذلك من عليه، إلى حالة يحبس فيها نفسه عن التصرُّف في أسبابه، بما فيه الكفاية فيما مضى قبلُ (^١).\nوقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم في ذلك بنحو الذي قلنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1012>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: حصروا أنفسَهم في سبيل الله للغزو (^٢).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: كانت الأرض كلُّها كفرًا، لا يستطيعُ أحدٌ أن يخرُجَ يبتغى من فضلِ اللهِ، فإذا خرج خرج في كفرٍ. وقيل: كانت الأرضُ كلُّها حربًا على أهل هذا البلد، وكانوا لا يتوجَّهون جهةً إلَّا لهم فيها عدوٌّ، فقال الله ﵎: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٣/ ٣٤٢ وما بعدها.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٤٠ (٢٨٦٧) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"5","page":24},{"text":"سَبِيلِ اللَّهِ﴾. الآية. كانوا ههنا في سبيل الله (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: الذين حَصَرهم المشركون فمنعوهم التصرُّفَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1014>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: حصرهم المشركون في المدينة (^٢).\nولو كان تأويل الآية على ما تأوَّله السُّديُّ، لكان الكلام: للفقراء الذين حُصِروا في سبيل الله. ولكنه ﴿أُحْصِرُوا﴾. فدل ذلك على أن خوفهم من العدوِّ الذي صيَّر هؤلاء الفقراء إلى الحالِ التي حَبَسوا - وهم في سبيل الله - أنفسهم، لا أن العدوَّ هم كانوا الحابِسيهم، وإنما يقال لمن حبسه العدوُّ: حصره العدوُّ. وإذا كان الرجلُ المُحْبَسُ من خوف العدوِّ، قيل: أَحْصَره خوفُ العدوِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1015>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: لا يستطيعون تقلُّبًا في الأرض، وسفرًا في البلادِ؛ ابتغاء المعاش، وطلب المكاسب، فيستغنوا به (^٣) عن الصدقات، رهبة العدوِّ، وخوفًا على أنفسهم منهم.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥٨ إلى المصنف إلى قوله: خرج في كفر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٤٠ (٢٨٦٨) من طريق عمرو به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"5","page":25},{"text":"كما حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: حدَّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾: حصَروا (^١) أنفسهم في سبيل اللهِ للغزو (^٢)، فلا يستطيعون تجارةً (^٣).\nحدَّثني موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ يعنى: التجارة (^٤).\nوحدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾: كان أحدهم لا يستطيع أن يخرج يبتغى من فضل الله (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1016>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾.</span>\nيعنى بذلك: يحسبهم الجاهل بأمرهم وحالهم أغنياء من تعفُّفهم عن المسألة، وتركهم التعرُّضَ لما في أيدى الناس؛ صبرًا منهم على البأساء والضرَّاء.\nكما حدَّثنا [بشرٌ بن معاذ، قال: حدَّثنا] (^٦) يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾. يقولُ: يحسبُهم الجاهل بأمرهم أغنياء من التعفُّف.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حبسوا\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"للعدو\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٩.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥٨ إلى المصنف.\n(^٥) تقدم في ص ٢٤.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"5","page":26},{"text":"ويعني بقولِه: ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾: من تَرِك مسألةِ الناسِ، وهو \"التفعُّلُ\" من العفَّةِ عن الشيءِ، والعفَّةُ عن الشيءِ تركُه، كما قال رُؤْبةُ (^١):\nفعَفَّ عن أسرارِها بعدَ العسَقْ (^٢)\nيعنى: ترَك (^٣) وتجنَّب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1018>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: تعرِفُهم يا محمدُ ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾، يعْني: بعلامتِهم وآثارِهم، من قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]. وهذه لغةُ قريشٍ، ومِن العربِ مَن يقولُ: بسيمائِهم. فيمُدُّها، وأمَّا ثَقيفٌ وبعضُ أَسَدٍ فإنهم يقولون: بسيميائِهم، ومن ذلك قولُ الشاعرِ (^٤).\nغُلامٌ رمَاه اللهُ بالحُسْنِ يافعًا … له سِيمِياءٌ لا تَشُقُّ على البَصَرُ\nوقد اختَلَف أهلُ التأويلِ في السِّيما التي أَخْبر اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه أَنَّها لهؤلاءِ الفقراءِ الذين وصَف (^٥) صفتَهم، وأنهم يُعرَفون بها؛ فقال بعضُهم: هو التخشُّعُ والتواضعُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1017>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ،\n_________\n(^١) تقدم البيت في ٤/ ٢٧٩.\n(^٢) في ص، م: \"الغسق\"، وفي ت ٢: \"العشق\".\n(^٣) في ص، م، ت ٢، \"برئ\"، وفي ت ١: \"يروى\".\n(^٤) هو ابن عنقاء الفزاري، والبيت في الكامل ١/ ٢٢، وأمالي القالى ١/ ٢٣٧، والمؤتلف والمختلف للآمدى ص ٢٣٨، والأغانى ١٩/ ٢٠٨.\n(^٥) في ص، م، ت ٢: \"وصفت\".","vol":"5","page":27},{"text":"عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: التخشُّعُ (^١).\nوحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنى المُثَنَّى، [قال: حدثنا إسحاقُ] (^٢)، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن ليثٍ، قال: كان مجاهدٌ يقولُ: هو التخشُّعُ.\nوقال آخرون: يعْنِى بذلك: تعرِفُهم بسيما الفقرِ وجَهدِ الحاجةِ في وجوهِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1019>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾: بسيما الفقرِ عليهم (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾. يقولُ: تعرِفُ في وجوهِهم الجَهْدَ من الحاجةِ (^٤).\nوقال آخرون: يعنى بذلك: تعرِفُهم برَثاثةِ ثيابِهم. وقالوا: الجوعُ خفيٌّ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٤٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٤١ (٢٨٧٢)، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٠٩ عن معمر، عن مجاهد.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى الأصل: \"قال: حدثنا أبو إسحاق\"، وهو إسناد دائر، وتقدم على الصواب في ص ٢٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٤١ (٢٨٧٣) من طريق عمرو به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٤١ (٢٨٧٤) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"5","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1020>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: السيما: رَثاثةُ ثيابِهم، والجوعُ خفيٌّ على الناسِ، ولم تستطعِ الثيابُ التي يَخْرُجون فيها تَخْفَى على الناسِ (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله ﷿ أَخْبر نبيَّه ﷺ أنه يعرِفُهم بعلاماتِهم وآثارِ الحاجةِ فيهم، وإنما كان النبيُّ ﷺ يُدرِكُ تلك العلاماتِ والآثارَ منهم عندَ المشاهدةِ بالعِيانِ، فيعرِفُهم وأصحابُه بها، كما يُدرَكُ المريضُ فيُعلَمُ أنه مريضٌ بالمعاينةِ.\nوقد يجوزُ أن تكونَ تلك السيما كانت تخشُّعًا منهم، وأن تكونَ كانت أثرَ الحاجةِ والضُّرِّ، وأن تكونَ كانت رَثاثةَ الثيابِ، وأن تكونَ كانت جميعَ ذلك، وإنما تُدرَكُ علاماتُ الحاجةِ وآثارُ الضُّرِّ في الإنسانِ، ويُعلَمُ أنها من الحاجةِ والضُّرِّ، بالمعاينةِ دونَ الوصفِ، وذلك أن المريضَ قد يصيرُ به في بعضِ أحوالِ مرضِه من المرضِ، نظيرُ آثارِ المجهودِ من الفاقةِ والحاجةِ، وقد يلبَسُ الغنيُّ ذو المالِ الكثيرِ الثيابَ الرَّثَّةَ، فيتزيَّا بزيِّ أهلِ الحاجةِ، فلا يكونُ في شيءٍ من ذلك دَلالةٌ بالصفةِ على أن الموصوفَ به مختلٌّ ذو فاقةٍ، وإنما يُدْرَكُ (^٢) ذلك عندَ المعاينةِ بسيماه، [كما وصَفهم اللهُ به، نظيرَ ما يُعرَفُ المريضُ بأنه مريضٌ] (^٣) عند المعاينةٍ، دونَ وصفِه بصفتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1021>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.</span>\n[يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: لا يسألون الناسَ إلحاحًا] (^٤). يقالُ: قد أَلْحَف السائلُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥٨ إلى المصنف.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يدرى\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كما وصفهم الله نظير ما يعرف أنه مريض\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"5","page":29},{"text":"في مسألتِه، إذا ألحَّ، فهو يُلحِفُ فيها إلحافًا.\nفإن قال قائلٌ: أفكان هؤلاء القومُ يسألون الناسَ غيَر إلحافٍ؟\nقيل: غيُر جائزٍ أن يكونوا كانوا يسألون الناسَ شيئًا على وجهِ الصدقةِ إلحافًا [وغيَر الحافٍ] (^١)، وذلك أن الله ﷿ وصَفهم بأنهم كانوا أهلَ تعفُّفٍ، وأنهم إنما كانوا يُعرَفون بسيماهم، فلو كانت المسألةُ من شأنِهم لم تكنْ صفتُهم التعفُّفَ، ولم [تكنْ بالنبيِّ ﷺ إلى معرفتِهم بالأدلةِ والعلاماتِ حاجةٌ، إذ كانت] (^٢) المسألةُ الظاهرةُ تُنْبِئُ على حالِهم وأمرِهم.\nوفي الخبرِ الذي حدَّثنا به بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدُ بن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن هلالِ بن حصنِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: أَعْوَزْنا مرةً، فقيل لى: لو أتيتَ رسولَ اللهِ ﷺ فسألتَه. فانطلقتُ إليه مُعْنِقًا (^٣)، فكان أوَّلَ ما واجَهنى به. \"مَن استعفَّ أعفّه اللَّهُ، ومن اسْتَغنَى أَعْناه اللَّهُ، ومَن سأَلَنا لم ندَّخِرُ عنه شيئًا نجِدُه\". قال: فرجَعتُ إلى نفسي، فقلتُ: أَلا أستعِتُّ فيُعِفَّنى اللهُ! فرجَعتُ، فما سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ شيئًا بعدَ ذلك من أمرِ حاجةٍ، حتى مالت علينا الدنيا فغرَّقتنا، إلا مَن عصَم اللهُ (^٤) - الدلالةُ الواضحةُ على أن التعفُّفِ معنًى ينفِي معنَى المسألةِ من الشخصِ الواحدِ، وأنّ مَن كان موصوفًا بالتعفُّفِ، فغيرُ موصوفٍ بالمسألةِ إلحافًا وغيرَ الحافٍ] (١).\n_________\n(^١) كذا في النسخ، ولعل الصواب: \"ولا غير إلحاف\". ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ١٨١، وما سيأتي في الصفحة التالية.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ولم يكن بالنبي ﷺ إلى علم معرفتهم بالأدلة\"، وكذا في م، وزاد: \"والعلامة حاجة وكانت\".\n(^٣) أي: مسرعا. النهاية ٣/ ٣١٠.\n(^٤) أخرجه الطحاوى في شرح معاني الآثار ٢/ ١٦ من طريق يزيد به، وأخرجه أبو يعلى (١١٢٩، ١٢٦٧) من طريق قتادة به، وأخرجه أحمد ١٧/ ٤٨٨ (١١٤٠١) من طريق هلال به.","vol":"5","page":30},{"text":"فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ على ما وصَفتَ، فما وجهُ قولِه: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾. وهم لا يسألون الناسَ إلحافًا ولا (^١) غيرَ إلحافٍ؟\nقيل له: وجهُ ذلك أن الله تعالى ذكرُه لمّا وصَفهم بالتعفُّفِ، وعرَّف عبادَه أنهم ليسوا أهلَ مسألةٍ بحالٍ، بقولِه: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾. وأنهم إنما يُعْرَفون بالسيما، زاد عبادَه إبانةً لأمرِهم، وحُسْنَ ثناءٍ عليهم، بنَفْى الشَّرَةِ والضَّراعةِ التي تكونُ في المُلحِّين من السُّؤَّالِ عنهم، [وقد كان بعضُ القائلين يقولُ في ذلك: هو نظيرُ قولِ القائلِ] (^٢): قلَّما رأيتُ مثلَ فلانٍ. ولعلَّه لم يرَ مثله أحدًا ولا له (١) نظيرًا.\nوبنحوِ الذي قُلنا في معْنى \"الإلحافِ\" قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1022>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾. قال: لا يُلْحِفون في المسألةِ.\nوحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾: هو الذي يُلِحُّ في المسألةِ (^٣).\nوحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ ما كان يقولُ: \"إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الحليمَ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وقال كاد بعض القائلين يقول في ذلك نظير قول القائل\". وفى م: \"وقال كان بعض القائلين يقول في ذلك نظير قول القائل\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥٩ إلى المصنف.","vol":"5","page":31},{"text":"الَحِييَّ (^١) الغنِيَّ المتعفِّفَ، ويُبْغِضُ الغنيَّ الفاحشَ البَذيءَ السائلَ المُلْحِفَ\" (^٢). قال: وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"إنَّ اللهِ كرِه لكم ثلاثًا؛ [قيلَ وقالَ] (^٣)، وإضاعةَ المالِ، وكثرةَ السؤالِ\" (^٤). فإذا شئتَ رأيتَه في قيلَ وقالَ يومَه أجمعَ وصدرَ ليلتِه، حتى يُلقَى جِيفةً على فراشِه، لا يجعَلُ اللهُ له من نهارِه ولا ليلتِه نصيبًا، وإذا شئتَ رأيتَه ذا مالٍ يُنْفِقُه (^٥) في شهوتِه ولذَّاتِه ومَلَاعبه، ويعدِلُه عن حقِّ اللهِ، [وكَبُرت بتلك] (^٦) إضاعةُ المالِ، وإذا شئتَ رأيتَه باسطًا ذراعَيْه، يسألُ الناسَ في كفَّيه، فإِنْ أُعطِيَ أَفْرَط في حَمْدِهم (^٧)، وإن مُنِع أَفْرَط في ذمِّهم.\nوحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، عن أيمنَ بن نابلٍ*، قال: حدَّثني صالحُ بنُ سُويدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: \"ليس المسكينُ بالطَّوَّافِ الذي تردُّه الأكْلَةُ والأكلتان، ولكنَّ المسكِينَ المُتَعفِّفُ في بيْتِه، لا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيئًا، تُصيبُه الحاجةُ\". اقرَءوا إن شئْتم: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (^٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-1023>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥٩، ٣٦٣ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قيلا وقالا\".\n(^٤) وأصل الحديث عند البخارى (١٤٧٧)، ومسلم (١٧١٥) من حديث المغيرة بن شعبة.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وكثرت بذلك\"، وفى م: \"فذلك\".\n(^٧) في م: \"مدحهم\".\n*من هنا خرم في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣ إلى ص ٣٥.\n(^٨) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٨٠ عن المصنف، وفيه: الحسن بن ماتك. مكان: أيمن بن نابل. وأصل الحديث في البخارى (٤٥٣٩)، ومسلم (١٠٣٩).","vol":"5","page":32},{"text":"يعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وما تُنْفِقُوا أيها الناسُ مِن مالٍ، فتَصَّدَّقوا على أهلِ ذمَّتِكم تطوعًا منكم، أو تُعْطُوه مَن أمَركم ربُّكم بإعْطائِه مِن الفُقَرَاءِ الذين أُحْصِرُوا في سبيلِ اللهِ ممّا فرَضه اللهُ لهم في أموَالِكم، فإِنَّ الله بكلِّ ذلك عليمٌ، يُحْصِيه لكم، ويدَّخِرُ ثَوابَه عندَه لكم، حتى يُوفِّيَكم على جَميعِ ذلك أُجُورَكم، ويُعْظِمَ لكم عليه في المَعادِ جزاءَكم.\n\n<span id=\"aya-281\"></span><span data-type='title' id=toc-1025>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾.</span>\nيعْنى جلَّ ثناؤه بذلك: مَن يُنْفِقُ مالَه باللَّيلِ والنَّهارِ في السرِّ والعَلانيةِ، فيتصدَّقُ به ابتغاءَ اللهِ وطلَبَ ثَوابِه، فله أجْرُ صَدَقتِه مَذْخُورًا له عند ربِّه حتى يُوفِّيَه إيَّاه في مَعَادِه يومَ بعْثِه، ولا خوفٌ عليه يومَ القيامةِ مِن عِقابِه وعَذابِه، ولا في أهوالِ قِيامَتِه، ولا هو يحْزَنُ عِندَ مَقْدَمِه عليه بمُعَايِنَتِهِ مِن عَظيمِ كَرامةِ اللهِ التي أعدَّها له على ما خلَّف وراءَه في الدنيا.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ في المعْنى الذي أُنْزِلت فيه هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: أُنزلت في عليّ بن أبي طالبٍ ﵀.\n\n<span data-type='title' id=toc-1024>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا عبدُ الوهابِ بنُ مجاهدٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ قال: نزلت في عليٍّ؛ كانت معه أربعةُ درَاهمَ، فأنفق بالليلِ درهمًا، وبالنهارِ، درهمًا، وسرًّا درهمًا، وعلانيةً درهمًا (^١).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٨، ومن طريقه الطبراني في الكبير (١١١٦٤)، والواحدى في أسباب النزول ص ٦٤، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٢/ ٣٠٦ (مخطوط)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٤٣ =","vol":"5","page":33},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ قال: كان لرجُلٍ أربعةُ دراهمَ، فأنفَق درهمًا باللَّيلِ، ودرهمًا بالنَّهارِ، ودرهمًا سرًّا، ودرهمًا عَلانيةً (^١).\nوقال آخرون: نزَلت هذه الآيةُ في النَّفقةِ على الخَيْلِ في سبيلِ اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1026>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهْبٍ، قال: حدَّثني رجالٌ (^٢) مِن أهلِ العلمِ، منهم عبدُ الرحمنِ بنُ شُريحٍ، عن قيْسٍ بن الحجاجِ، عن حَنَشِ بن عبدِ اللهِ، قال بعضُهم عن ابنٍ عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ الآية: إنها في عَلْفِ الخَيْلِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ - يعْنى ابنَ شُريحٍ - عن عبدِ اللهِ بن بشرٍ الغافقيِّ، أنه أشار إلى بعضِ خَيْلٍ كانت في الَجبَّانَةِ، فأشار إلى عِتَاقِ تلك الخَيْلِ، فقال: أصحابُ هؤلاءِ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾.\nقال - يعْنى عبدَ الرحمنِ بنَ شُرَيحٍ -: وحدَّثني يعقوبُ بنُ عمرٍو المَعَافِريُّ، عن أبيه، عن أبي ذَرٍّ بنحوِ ذلك (^٤).\nوحدَّثنا عليُّ بنُ سَهْلٍ، قال: حدَّثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن رجاءِ بن أبي سلمةَ،\n_________\n= (٢٨٨٣)، والواحدى في أسباب النزول ص ٦٤، وابن عساكر في الموضع السابق من طريق عبد الوهاب عن مجاهد قوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٦٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ٣/ ٣٤٧.\n(^٢) في الأصل: \"رجل\". ولعل المثبت هو الصواب.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٤٣ (٢٨٨١)، والواحدى في أسباب النزول ص ٦٣ من طريق عبد الرحمن بن شريح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٦٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٢٦٨، والقرطبي في تفسيره ٣/ ٣٤٦.","vol":"5","page":34},{"text":"عن العجلانِ بن سُهيلٍ، عن أبي أمامةَ في تفسيرِ هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾. قال: نزلت في أصحابِ الخَيْلِ في مَن لم يَرْتَبِطْهَا لخُيلاءَ ولا مِضْمارٍ (^١).\nوحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا يعقوبُ القُميُّ، عن سعيدٍ، عن الحسَنِ، عن الأوزاعيِّ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾. قال: هم الذين يَرْتَبِطون الخَيْلَ خاصةً في سبيلِ اللهِ، يُنفقون عليها باللَّيلِ والنَّهارِ (^٢).\nوحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني أبو شُريحٍ عبدُ الرحمنِ بن شريحٍ المعَافريُّ، عن قيسِ بن الحجاجِ، عن حَنَشٍ الصَّنْعانيِّ أنه قال: حدَّث ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ قال: في عَلْفِ الخَيْلِ (^٣).\n* وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن رِشدين بن سعدٍ، قال: أخبرني شيخٌ من غافقٍ (^٤)، أنَّ أبا الدرداءِ كان ينظُرُ إلى الخيلِ مَرْبوطةً بينَ\n_________\n(^١) المضمار: المكان تضمر فيه الخيل أو تتسابق.\nوالأثر أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١١/ ٤٥٦ - مخطوط من طريق ضمرة بن ربيعة به، وأخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ٦٤، وابن عساكر ١١/ ٤٥٧ - مخطوط من طريق زيد بن الحباب عن رجاء بن أبي سلمة عن سليمان بن موسى عن عجلان به.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ١/ ٣٤٠، والقرطبي في تفسيره ٣/ ٣٤٦.\n(^٣) أخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ٦٣ من طريق عبد الله بن صالح به\n* هنا نهاية الخرم المشار إليه في ص ٣٢.\n(^٤) غافق بن الشاهد: بطن من عك من الأزد، من القحطانية، وهم بنو غافق بن الشاهد بن عك بن عدنان بن عبد الله بن الأزد. وإليهم تنسب الحصن ولهم خطة بمصر، وكان منهم في الإسلام رؤساء وأمراء. معجم قبائل العرب ٣/ ٨٧٥ تاج العروس (غ ف ق).","vol":"5","page":35},{"text":"البَراذينِ والهُجْنِ، فيقولُ: أهلُ هذه - يعنى الخيلَ - من ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (^١).\nوقال آخرون: عنَى بذلك قومًا أنفقوا في سبيلِ اللهِ، في غيرِ إسرافٍ ولا تقتيرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1027>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: هؤلاءِ أهلُ الجنةِ (^٢). ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"المُكْثِرون هم الأسفلون\". قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إِلَّا مَن؟ قال: \"المُكْثِرون هم الأَسْفَلون\". قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إِلَّا مَن؟ قال: \"المُكْثِرون هم الأَسْفَلون\". قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إِلَّا مَن؟ حتى خَشُوا أن تكونَ قد مضَت فليس لها رَدٌّ، حتى قال: \"إلَّا مَن قال بالمالِ هكذا وهكذا، عن يمينِه وعن شِمالِه، وهكذا بينَ يدَيْه، وهكذا خلْفَه، وقليلٌ ما هم\" (^٣). هؤلاء قومٌ أَنْفَقوا في سبيلِ اللهِ التي افْتَرض وارْتَضى، في غيرِ سَرَفٍ ولا إمْلاقٍ، ولا تبذيرٍ ولا فسادٍ (^٤).\nوقد قيل: إن هذه الآياتِ من قولِه: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾.\nإلى قولِه: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. كان مما يُعمَلُ به قبلَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٦٣ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٤٣ (٢٨٨٥) من طريق يزيد به.\n(^٣) أخرجه أحمد ١٥/ ٣٢٢ (٩٥٢٦)، وابن ماجه (٤١٣١) من حديث أبى هريرة مرفوعًا.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٦٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"5","page":36},{"text":"نزولِ ما في سورةِ \"براءة\" من تفصيلِ الزكواتِ (^١)، فلما نزَلت \"براءة\" قصَروا عليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1028>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ إلى قولِ ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: فكان هذا يُعملُ به قبلَ أنْ تَنزِلَ \"بَراءة\"، فلمَّا نزَلتْ \"براءة\" بفرائضِ الصدقاتِ وتفصيلِها انتهتِ الصدقاتُ إليها (^٢).\n\n<span id=\"aya-282\"></span><span data-type='title' id=toc-1029>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.</span>\nيَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: الذين يُرْبُون.\nوالإرْباءُ: الزِّيادة على الشيءِ، يقالُ منه: أَرْبَى فلانٌ على فلانٍ، إذا زادَ عليه، يُرْبى إرْباءً، والزِّيادةُ هي الرَّبا. ورَبا الشيءُ، إذا زادَ على ما كان عليه فعَظُمَ، فهو يَرْبُو رَبْوًا. وإنما قيلَ للرابيةِ: رَابيةٌ (^٣)؛ لزيادتِها في العِظم والإشْرافِ على ما استوى مِن الأرضِ ممَّا حَولَها، مِن قولِهم: رَبَا يَرْبُو. ومِن ذلك قيلَ: فلانٌ في رِبا قومِه. يُرادُ به أنه في رفِعَةٍ وشرفٍ منهم، فأصْلُ الرِّبا الإناقَةُ والزِّيادَةُ، ثم يُقالُ: أرْبَى فلانٌ. أيْ: أنافَ [غيرَه و] (^٤) صَيَّره زائدًا. وإنّما قِيلَ للمُرْبى مُرْيبًا؛ لتضْعِيفِه المالَ\n_________\n(^١) يشير إلى الآية ٦٠ من سورة التوبة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٣٥ (٢٨٤٣) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"5","page":37},{"text":"الذي كان له على غريِمه حلالًا (^١)، أو لزيادتِه عليه فيه بسَبَبِ الأَجَلِ الذي يُؤخِّره إليه، فيَزِيدُه إلى أجَلِه الذي كان له قبلَ حَلِّ دَيْنِه عليه. ولذلك قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣١].\nوبمثلِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1030>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسَى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال في الرِّبا الذي نَهى اللهُ عنه: كانوا في الجاهليةِ يكونُ للرجلِ على الرجلِ الدَّيْنُ، فيقولُ: لكَ كذا وكذا، وتُؤَخِّرُ عنِّى. فيُؤخِّرُ عنه (^٢).\nوحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ أَنّ رِبَا أَهْلِ (^٣) الجاهليةِ؛ يبيعُ الرجلُ البيعَ إلى أجلٍ مُسمًّى، فإذا حَلَّ الأجلُ ولم يكنْ عندَ صاحبِه قضاءٌ زادَ وأَخَّرَ عنه.\nفقال جلَّ ثناؤُه: الذين يُرْبونَ الرِّبا الذي وصَفْنا صِفَتَه، في الدنيا، ﴿لَا يَقُومُونَ﴾ في الآخرةِ مِن قُبورِهم ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. يَعْنِى بذلك: يَتَخَبَّلُه الشيطانُ في الدنيا، وهو الذي يتخنَّقُه (^٤)\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حالا\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٤٥، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٤٨ (٢٩١٢)، والبيهقى ٥/ ٢٧٥.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"يتخبطه\".","vol":"5","page":38},{"text":"فيصْرَعُه، ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ اللَّه يَعنِي: مِن الجنونِ.\nوبمثلِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1031>ذِكرُ مَن قالَ ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسَى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾: يومَ القيامةِ، في أكلِ الرِّبا في الدنيا (^١).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، عن شبلٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا رَبيعةُ بنُ كُلْثُومٍ، قال: ثنى أبي، عن سعيدٍ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. قال: ذلك حينَ يُبعَثُ من قبرِه (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا رَبيعةُ بنُ كُلْثومٍ، قال: ثنى أبى، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يُقالُ يومَ القيامةِ لآكلِ الرِّبا: خُذْ سلاحَكَ للحَرْبِ. وقرأ: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. قال: ذلك حين يُبعثُ مِن قبرِه (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٤٥.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٦٤ إلى ابن المنذر وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٥٠ (٢٩٢٠) من طريق ربيعة به، دون آخره.","vol":"5","page":39},{"text":"حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن أشْعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبير: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ الآية. قال: يُبعث آكلُ الرِّبا يومَ القيامةِ مجنونًا يُخْنَقُ (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾: وتلك علامة أهلِ الرِّبا يومَ القيامةِ، بُعِثُوا وبهم خَبَلٌ من الشيطانِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيَى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أَخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادَةَ في قولِه: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. قال: هو التخْبيلُ الذي يَتَخَبَّلُه الشيطانُ مِن الجنونِ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. قال: يُبعثُون يومَ القيامةِ وبهم خَبَلٌ مِن الشيطانِ، وهي في بعضِ القراءةِ: (لا يقُومُون يومَ القيامةِ) (^٣).\nحدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. قال: مَن مات وهو يأكلُ الرِّبا، بُعِثَ يومَ القيامةِ مُتخبِّطًا، كالذي يَتَخَبَّطُه الشيطانُ مِن المسِّ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٥٦٢ عن جرير به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٠.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٦٤ إلى المصنف. وهذه القراءة ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٢٧٠ عن ابن مسعود.","vol":"5","page":40},{"text":"حدَّثنى موسىَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ﴾ [يومَ القيامةِ] (^١) ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. يعْنى: مِن (^٢) الجنونِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. قال: هذا مَثلُهم يومَ القيامةِ، لا يقُومُون يومَ القيامةِ مع الناسِ، إلَّا كما يَقومُ الذي يُخْنقُ مع الناسِ، يقومُ (^٤) يومَ القيامةِ كأنه خُنِقَ، كأنه مَجنونٌ.\nومعْنى قولِه: ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾: يَتَخَبَّلُه مِن مَسَّهِ إِيَّاه. يقالُ منه: قد مُسَّ الرجلُ [وأُلِيسَ] (^٥) وأُلِقَ، فهو مَمسوسٌ [ومألُوسٌ] (^٦) ومَأْلُوقٌ. كلُّ ذلك إذا ألمَّ به اللَّمَمُ فجُنَّ. ومنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف:٢٠١]، ومنه قولُ الأعشَى (^٧):\nوتُصْبحُ عن (^٨) غِبِّ السُّرَى وكأنما … ألَمَّ بها مِن طائفِ الجنِّ أَوْلَقُ\nفإن قال لنا قائلٌ: أفرأيتَ مَن عَمِلَ ما نهَى اللهُ عنه مِن الرِّبا في تجارته ولم يأكُلْه، أيَستحِقُّ هذا الوعيدَ مِن اللهِ؟\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٤٤ عقب الأثر (٢٨٨٩) من طريق عمرو به.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) ديوانه ص ٢٢١.\n(^٨) في الديوان: \"من\".","vol":"5","page":41},{"text":"قيل: نعم، وليس المقصودُ مِن الرِّبا في هذه الآيةِ [النهيَ عن أكلِه خاصةً، دونَ النهيِ عن العملِ به، وإنما خصَّ اللهُ وصْفَ العاملين به في هذه الآيةِ] (^١) بالأكلِ (^٢)؛ لأن (^٣)؛ لأن الذين نزَلتْ فيهم هذه الآياتُ يومَ نزَلتْ، كانت طُعْمَتُهم ومَأكلُهم مِن الرّبا، فَذَكَرَهم بصِفَتِهم، مُعظِّمًا بذلك عليهم أَمْرَ الرِّبا، ومُقَبِّحًا إليهمِ الحالَ التي هم عليها في مَطاعِمِهم. وفى قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية. ما يُنْبِيءُ (^٤) عن صحةِ ما قُلنا في ذلك، وأنّ التحريمَ مِن اللهِ في ذلك كان لكلِّ معانِى الرِّبا، وأن سواءً العملُ به وأكلُه وأخْذُه وإعطاؤُه، كالذى تظاهَرتْ به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ من قولِه: \"لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبا، ومُؤْكِلَه، وكاتِبَه، وَشاهِدَيْهِ إِذا عَلِمُوا (^٥) بِهِ\" (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-1032>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾.</span>\nيَعْنى بقولِه (^٧): ﴿ذَلِكَ﴾: الذي وصَفَهم اللهُ به مِن قيامِهم يومَ القيامة مِن قبورِهم، كقيامِ الذي يتخبَّلُه (^٨) الشيطانُ (^٩) مِن الجنونِ، فقال: هذا الذي ذَكَرْنا أنه\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م: \"الأكل\".\n(^٣) في م: \"إلا أن\".\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١: \"بين\".\n(^٥) في ص: \"عملوا\".\n(^٦) أخرجه البخاري (٢٠٨٦) من حديث أبي جحيفة، ومسلم (١٥٩٧)، وأبو داود (٣٣٣٣)، والترمذى (١٢٠٦)، وابن ماجه (٢٧٧٧)، وغيرهم من حديث عبد الله بن مسعود.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بذلك جل ثناؤه\".\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يتخبطه\".\n(^٩) بعده في م: \"من المس\".","vol":"5","page":42},{"text":"يُصيبُهم يومَ القيامةِ من قُبحِ حالِهم، ووَحْشَةِ قيامِهم مِن قُبورِهم، وسوءِ ما حَلَّ بهم، مِن أجلِ أنهم كانوا في الدنيا يَكْذبون فيَفْتَرون ويقُولون: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ﴾ الذي أحَلَّه اللهُ لعباده ﴿مِثْلُ الرِّبَا﴾. وذلك أنّ الذين كانوا يأكلونَ الرِّبا مِن أَهلِ الجاهليةِ، كان إذا حَلَّ مالُ أحدِهم على غَريمهِ يقولُ الغريمُ لصاحبِ (^١) الحقِّ: زِدْنى في الأجلِ وأزيدَك في مالِكَ. فكان يُقالُ لهُما إذا فَعلَا ذلك: هذا ربًا لا يَحِلُّ. فإذا قِيلَ لهما ذلك قالَا: سواءٌ علينا زِدْنا في أوَّل البيع أو عندَ مِحلِّ المالِ. فكذَّبَهم اللهُ في قِيلِهم، فقال جلّ ثناؤُه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1033>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾.</span>\nيعْنى [بقولِه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾: وأحلَّ] (^٢) الأرْباحَ في التجارةِ والشراءِ والبيعِ، ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، يَعنى الزِّيادَةَ التي يُزادُها ربُّ المالِ بسببِ زيادَتِه غريمَه في الأجلِ وتأخيرِه دَيْنَه عليه. يقولُ تعالى ذكرُه: فليست الزيادتان اللتان إحْداهما من وَجْهِ البيعِ والأخْرَى مِن وَجهِ تأخيرِ المالِ والزِّيادةِ في الأجلِ، سواءً، وذلكَ أَنَّي حرَّمت إحدَى الزيادتينِ - وهى التي مِن وَجْهِ تأخيرِ المالِ والزِّيادةِ في الأجلِ - وأحْلَلتُ الأخرَى منهما - وهى التي مِن وَجْهِ الزيادةِ على رأسِ المالِ الذي ابتاع به البائعُ سِلْعَتَه التي يَبيعُها فيسْتفْضِلُ فضْلَها - فقال اللهُ جلّ ثناؤه لهم (^٣): ليست الزيادةُ من وجْهِ البيعِ نظيرَ الزِّيادةِ مِن وجهِ الرِّبا؛ لأنِّى أحْلَلْتُ البيعَ وحَرَّمتُ الرِّبا،\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لغريم\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جل ثناؤه وأحل الله\".\n(^٣) زيادة من: الأصل.","vol":"5","page":43},{"text":"والأمرُ أمْرِى، والخَلَقُ خَلْقِي، أقْضِى فيهم ما أشاءُ، وأسْتَعْبِدُهم بما أريدُ، ليسَ لأحدٍ منهم أنْ يَعترضَ في حُكْمِيِ، ولا أنْ يُخالفَ أمْرِى، وإنما عليهم طاعتِى والتَّسْليمُ الحكمِي.\nثم قال جلّ ثناؤُه: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾. يعْنى بالموعظَةِ التذكيرَ والتخويفَ الذي ذكَّرهم وخوَّفَهم به في آيِ القرآنِ، وأوْعدَهُم على أكلِهم الرِّبا مِن العقابِ. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فمن جاءَه ذلكَ، ﴿فَانْتَهَى﴾ عن أكْلِ الرِّبا، وارْتَدعَ عن العملِ به، وانزَجرَ عنه، ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، يعْني: ما أكلَ وأخذَ، فمضَى قبلَ مجيءِ الموعظةِ والتحريمِ من ربِّه في ذلك، ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، يَعنى: وأمْرُ آكلِه [إلى اللهِ] (^١) بعد مَجيئِه الموعظةُ من ربِّه والتحريمُ، وبعدَ انتهاءِ آكِلِه عن أكْلِه، ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ في عِصْمتِه وتوفيقِه، إن شاءَ عصَمه عن أكْلِه، وثَبَّتَه في انتهائِه عنه، وإِن شاءَ خَذَله ذلك، ﴿وَمَنْ عَادَ﴾، يقولُ: ومن عادَ لأكْل الرِّبا بعدَ التحريمِ، وقال ما كان يقولُه قَبلَ مجيءِ الموعظةِ من اللهِ بالتحريمِ من قولِه: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾، ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: يعْنى ففاعِلُو ذلك وقائِلُوه هم أهلُ النارِ، يعْنى نارَ جهنم، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، [يعني: دائمو البقاءِ فيها، لا يموتون فيها ولا يَخرُجون منها] (^١).\nوبنحوِ ما قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ مَن قالَ ما قلنا في قولِه: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"5","page":44},{"text":"أسباطُ، عن السُّدِّي: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾: أما الموعظةُ فالقرآنُ، وأما ﴿مَا سَلَفَ﴾: فلَه ما أكَلَ من الرِّبا (^١).\n\n<span id=\"aya-283\"></span><span data-type='title' id=toc-1034>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾.</span>\nيَعنِي بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾: يَنقُصُ اللهُ الرِّبا فيذْهِبُه.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾. قال: يَنقُصُ (^٢).\nوهذا نَظِيرُ الخبر الذي رُوى عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: \"الرِّبا وإن كَثُرَ فإلى قُلٍّ\" (^٣).\nوأما قولُه جل ثناؤه: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. فإنه تعالى ذكرُه يعْنى: أنه يُضاعِفُ أجرَها لرَبِّها، ويُنمِّيها له.\nوقد بيَّنا معنَى الرِّبا قَبلُ، والإرباءِ، وما أصلُه، بما فيه الكفايةُ من إعادَتِه.\nفإن قال قائلٌ: وكيفَ إرباءُ اللهِ الصدقاتِ؟\nقيل: إضعافُه الأَجْرَ، لربِّها، كما قال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٤٥، ٥٤٦ (٢٨٩٤)، عقب الأثر (٢٨٩٨) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٦٥ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) القل: القلة، كالذل والذلة، أي أنه وإن كان زيادة في المال عاجلا فإنه يؤول إلى نقص. ينظر النهاية ٤/ ١٠٤.\nوالحديث أخرجه أحمد ٦/ ٢٩٧، ٧/ ١٢٦ (٣٧٥٤، ٤٠٢٦)، وابن ماجه (٢٢٧٩)، والحاكم ٢/ ٣٧، ٤/ ٣١٧، والطبراني (١٠٥٣٨، ١٠٥٣٩).","vol":"5","page":45},{"text":"[البقرة: ٢٦١]، وكما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾.\nوكما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا عبادُ بنُ منصورٍ، عن القاسِم، أنه سمعَ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصدقةَ ويَأخُذُها بِيمينِه، فيُرْبيها لأحَدِكُمْ كَمَا يُرْبى أحدُكم مُهْرَه، حتى إنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ\" (^١). [وتَصْديقُ ذلك في كتابِ اللهِ: [وهو الذي يَقْبَلُ التوبةَ عن عبادِه ويَأْخُذُ الصدقاتِ] (^٢)، ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (^٣).\nحدَّثني سليمانُ بنُ عُمرَ بن خالدِ بن (^٤) الأقطعِ الرَّقيُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، عن عَبَّادِ بن منصورٍ، عن القاسمِ بن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، ولا أُراه إلّا قد رَفعَه، قال: \"إنّ الله ﷿ يقبلُ الصَّدقةَ، ولا يقبلُ منها (^٥) إلّا الطَّيبَ (^٦) \".\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٦٦٢) عن أبي كريب به. وأخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١١١، وأحمد ١٦/ ١٠٥ (١٠٠٨٨)، وابن خزيمة (٢٤٢٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٤٧ (٢٩٠٨)، ٦/ ١٨٧٧ من طريق وكيع به. وأخرجه أبو عبيد في الأموال ص ٤٣٧ (٨٩٦)، وأحمد ١٥/ ١٣٨ (٩٢٤٥)، ١٦/ ١٠٥ (١٠٠٨٨)، وابن زنجويه في الأموال ٢/ ٧٥٩ (١٣٠٢) - ومن طريقه البغوي في شرح السنة (١٦٣٠) - وابن خزيمة (٢٤٢٧) من طريق عباد بن منصور به.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات\"، واضطرب فيها ناسخ النسخة ت ٢، والمثبت من الأصل، وهو موافق لرواية المسند والترمذى كما في تحفة الأحوذي، وهو خلط بين الآية ١٠٤ من سورة التوبة وبين الآية ٢٥ من سورة الشورى، وليست هذه الآية موضع استشهاد في الحديث ههنا. وهذا الخطأ الذي ثبت في الأصل هنا وفى هذه المصادر خطأ قديم، فقد ثبت هذا الخطأ في جامع المسانيد ٧/ ٣٢٠ (نقلا عن الشيخ شاكر)، وقال عنه العراقي - كما في تحفة الأحوذي ٢/ ٢٣ -: في هذا تخليط من بعض الرواة، والصواب … وقد رويناه في كتاب الزكاة ليوسف القاضي على الصواب.\n(^٣) لعل هذه الزيادة إدراج في متن هذا الحديث. وقد أدرجت هذه الزيادة أيضًا - دون لفظ آية التوبة - في الحديث الذي رواه القاسم عن عائشة.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) زيادة من: ت ٢، ت ٣.\n(^٦) جزء من الحديث السابق، وسيأتي بالإسناد نفسه في سورة التوبة الآية (١٠٤).","vol":"5","page":46},{"text":"وحدَّثني محمدُ بنُ عمرَ (^١) بن (^٢) عليٍّ المقدَّميُّ، قال: ثنا رَيْحانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عبادٌ، عن القاسمِ، عن عائشةَ، قالتْ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إنّ اللّهَ يَقْبَلُ والصدَقاتِ (^٣)، وَلا يَقْبَلُ منها إلا الطَّيِّبَ، ويُرْبيها لصاحِبِها (^٤) كما يُرْبى أَحَدُكُم مُهْرَهُ أَوْ فَصيلَه، حتى إن اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ\"، وتَصْديقُ ذلك في كتابِ اللهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: ثنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن أيوبَ، عن القاسمِ بن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إِنَّ العَبْدَ إذا تصَدَّقَ مِن طَيِّبٍ، تَقَبَّلَها (^٦) اللهُ منه، ويَأخُذُها بيَمِينِهِ، وَيُرْبيها كَمَا يُرْبِي أَحَدُكم مُهْرَه أَوْ فَصِيلَه، وإِنَّ الرجلَ ليَتَصَدَّقُ باللُّقْمَةِ فَتَرْبُو فِي يَدِ اللهِ - أو قال: في كفِّ اللهِ - حتى تَكُونَ مِثْلَ أُحُدٍ، فَتَصَدَّقُوا\" (^٧).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا المُعْتمِرُ بن سليمانَ، قال: سمِعتُ يونسَ، عن صاحبٍ له، عن القاسمِ بن محمدٍ، قال: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إنَّ الله يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ بِيَمِينِه، ولا يَقْبَلُ منها إلَّا ما كان طَيِّبًا، واللهُ يُرْبِى لأحَدِكم لُقْمَتَه، كما يُرْبى أحدُكُمْ مُهْرَهُ وفَصِيلَه، حتى يُوافَى بها يَوْمَ القِيامَة - وهي أَعْظَمُ مِن أُحدٍ\".\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ت ٣: ت: \"عمرو\".\n(^٢) في الأصل: \"قال نا\". وفى الحاشية: \"في الأم: قال: عمر بن علي المقدمة\". وينظر: تهذيب الكمال ٢٦/ ١٤٧.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الصدقة\".\n(^٤) في الأصل: \"لصاحبه\".\n(^٥) أخرجه أحمد ٦/ ٢٥١ (الميمنية) من طريق القاسم به.\n(^٦) في الأصل، ت ١: \"يقبلها\".\n(^٧) أخرجه معمر في جامعه (٢٠٠٥٠) عن أيوب به، وأخرجه أحمد ١٣/ ٧٣ (٧٦٣٤)، وابن خزيمة (٢٤٢٦) من طريق عبد الرزاق به.","vol":"5","page":47},{"text":"وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾. فإنه يعنِى به: واللهُ لا يحبُّ كُلَّ مُصِرٍّ على كُفرٍ (^١)، مُقيمٍ عليه، مُستحلٍّ أكْلَ الرِّبا وإطْعامَه، ﴿أَثِيمٍ﴾: مُتَمَادٍ في الإثِم برَبِّه (^٢) فيما نَهاهُ عنه من أكْلِ الرِّبا والحرامِ وغيرِ ذلك من معاصِيه، لا يزجِرُ عن ذلك، ولا يرْعوِى عنه، ولا يتعِظُّ بموعظةِ ربِّه التي وعظَه بها في تنزيلِه وأي كتابِه.\n\n<span id=\"aya-284\"></span><span data-type='title' id=toc-1035>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ من اللهِ جلّ ثناؤُه بأنّ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يعْني: الذين صَدَّقُوا باللهِ وبرسولِه، وبما جاء به مِن عندِ ربِّه (^٣)، من تحريم الرِّبا وأكْلِه وغيرِ ذلك من سائرِ شَرائعِ دِينِهِ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الله التي أمَرَهُم اللهُ بها، والتي نَدَبَهم إليها، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ من المفروضَةَ بحدودِها، وأدَّوها بِسُنَّتِها (^٤)، ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ المفروضةَ عليهم في أموالِهم، بعدَ الذي سلَف منهم من أكْلِ الرِّبا، قبل مَجيءِ الموعظةِ فيه مِن عندِ ربِّهم، ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾، يَعنِي ثوابَ ذلك مِن أعمالِهم وإيمانِهم وصَدَقتِهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يومَ حاجَتِهم إليه في مَعادِهم، ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ يومئذٍ مِن عقابِه على ما كان سلَفَ منهم في جاهِليتِهم وكُفْرِهم، قبلَ مجيئِهم موعظةُ رَبِّهم، من أكلِ ما كانوا أكلوا مِن الرِّبا، بما كان من إنابَتِهم، وتوبَتِهم إلى اللهِ مِن ذلك عندَ مَجِيئِهم الموْعِظَةُ مِن ربِّهم، وتَصْدِيقِهم بوعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِه، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على تركِهم ما كانوا تركُوا (^٥) في الدنيا، من أكْلِ\n_________\n(^١) بعده في م: \"بربه\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"ربهم\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"بسننها\".\n(^٥) بعده في ت ٢: \"من ذلك\".","vol":"5","page":48},{"text":"الرِّبا والعَمِل به، إذ عايَنُوا جزِيلَ ثوابِ اللهِ لهم (^١) على تَركِهم ما تَرَكُوا مِن ذلك في الدنيا، ابتغاءَ رضْوانِه في الآخرةِ، فوصَلوا إلى ما وُعِدُوا على تَرْكِه.\n\n<span id=\"aya-285\"></span><span data-type='title' id=toc-1037>القولُ في تأويلِ قولهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾.</span>\nيَعنى جَلَّ ثناؤه (^٢): يأيها الذين (^٣) صَدَّقُوا باللهِ وبرسولِه، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: خافوا الله على أنفُسِكم، فاتقوه بطاعتِه فيما أمَرَكم به، والانتهاءِ عما نَهاكم عنه، ﴿وَذَرُوا﴾. يَعنى: ودَعُوا ﴿مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾. يقولُ: اترُكوا طلبَ ما بقِىَ لكم مِن فَضْلٍ على رءوسِ أموالِكم التي كانتْ لكم قبلَ أن تُرْبُوا عليها، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: إِنْ كنتم مُحقِّقِينَ إيمانَكم قوْلًا، وتَصْدِيقَكم بأَلْسِنَتِكم بأفْعالِكم.\nوذُكِرَ أن هذه الآيةَ نَزلتْ في قومٍ أسلَموا، ولهم على قومٍ أموالٌ من ربًا كانوا أَرْبَوه عليهم، وكانوا قد اقتضَوا (^٤) بعضَه منهم، وبَقىَ بعضٌ، فعفا اللهُ ﷿ لهم عما كانوا قد اقتضَوه قبلَ نزولِ هذه الآيةِ، وحرَّم عليهم اقتضاءَ ما بَقِيَ منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1036>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ إلى ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾. قال: نزَلتْ هذه الآيةُ في العباسِ بن عبدِ المطلبِ ورجلٍ مِن بنى المغيرةِ، كانا شريكَين في الجاهِليةِ، يُسْلِفان (^٥) في الرِّبا إلى ناسٍ مِن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"وهم\".\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢: \"بذلك\".\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢: \"آمنوا\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"قبضوا\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"سلفا\".","vol":"5","page":49},{"text":"ثقيفٍ، مِن بني غيرةَ (^١)، وهم بنو عَمرِو بن عُميرٍ، فجاء الإسلامُ ولهما أموالٌ عظيمةٌ في الرِّبا، فأنزلَ اللهُ: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ﴾ مِن فَضْلٍ كان في الجاهليةِ ﴿مِنَ الرِّبَا﴾ (^٢).\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: كانت ثَقيفٌ قد صالَحَتِ النبيَّ ﷺ على أنّ ما لهم مِن ربًا على الناسِ [فهو لهم] (^٣)، وما كان للناسِ عليهم من ربًا فهو مَوْضوعٌ، فلمَّا كان الفتحُ، استعمَلَ عَتَّابَ بنَ أَسِيدٍ على مكةَ، وكانت بنو عَمرِو بن عُميرِ بن عَوْفٍ يأخذون الرِّبَا مِن بنى المغيرةِ، وكانت بنو المغيرةِ يُرْبُون لهم في الجاهليةِ، فجاء الإسلامُ ولهم عليهم مالٌ كثيرٌ، فأتاهم بنو عَمرٍو يطلُبون رِبَاهم، فأبَى بنو المغيرةِ أنْ يُعطُوهم في الإسلامِ، ورَفَعوا ذلك إلى عَتَّابِ بن أَسِيدٍ، فَكَتَب عتَّابٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فنزلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، إلى ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾، فكتَبَ بها رسولُ اللهِ ﷺ إلى عتَّابٍ، وقال: \"إِنْ رَضُوا وَإِلَّا فَآذِنْهُمْ بِحَرْبٍ\". قال ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾. [يقولُ: لبنى عمرِو بن عميرٍ] (^٤). قال: كانوا يأخذون الرِّبا على بنى المغيرةِ، يزْعُمون أنهم مَسعودٌ وعبدُ يالِيلَ وحبيبٌ وربيعةُ؛ بنو عَمرِو بن عُميرٍ، فهم الذين كان لهم الرِّبا على بنى المغيرةِ، فأسلَم عبدُ يالِيلَ وحبيبٌ وربيعة وهلالٌ ومسعودٌ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"عمرة\"، وفى م: \"عمرو\". وينظر جمهرة أنساب العرب ص ٢٦٧، ٢٦٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٥٤٨ (٢٩١٣) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ومكانه بياض في ت ٢.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢.\n(^٥) ذكره الحافظ في الإصابة ٦/ ٥٥١، ٥٥٢، والسيوطى في الدر المنثور ١/ ٣٦٦، وعزياه إلى المصنف.\nوقال الحافظ: وفي ذكر مصالحة ثقيف قبل قوله: فلما كان الفتح. نظر، ذكرت توجيهه في أسباب النزول.","vol":"5","page":50},{"text":"وحدَّثني يحيى (^١) بن أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: كان ربًا يَتَبايَعُون به في الجاهليةِ، فلمَّا أَسْلَموا أُمِرُوا أَنْ يأخذوا رُءوسَ أموالِهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-286\"></span><span data-type='title' id=toc-1038>القولُ في تأويلِ قولهِ جلّ ثناؤُه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾: فإِن لمْ تَذَرُوا ما بقِىَ من الرِّبا.\nواختلفَ القَرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَأْذَنُوا﴾؛ فقرأَتْه عامَّةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ: ﴿فَأْذَنُوا﴾ بقصرِ ألفِ (^٣) ﴿فَأْذَنُوا﴾، وفتح ذَالِها، بمعنَى: كونوا على علمٍ وإذْنٍ.\nوقرأَهُ آخرون - وهى قراءةُ عامَّةِ قرأةِ الكوفيين -: (فآذِنوا) بمدِّ الألفِ مِن قولِه: (فآذنوا) وكسرِ ذالِها، بمعنى: فآذِنُوا غيركَم: أعْلِموهم وأخْبِرُوهم بأنكم على حَرْبِهم (^٤).\nوأوْلَى القراءتين بالصَّوابِ في ذلك قراءَةُ مَن قرأَ: ﴿فَأْذَنُوا﴾ بقصر ألِفِها وفتحِ ذالِها، بمعنى: اعْلَمُوا ذلكَ واستيقِنوه، وكونوا على إذنٍ مِن اللهِ لكم بذلك.\nوإنما اخْتَرْنا ذلكَ لأنَّ الله جل ثناؤُه إنما أمَرَ نبيَّه ﷺ أَن يَنْبِذَ إِلَى مَن أَقامَ على\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، س: \"على\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٥٥١ (٢٩٢٩) من طريق جويبر به بنحوه وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٦٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الألف\"، وفى م، ت ٣: \"الألف من\".\n(^٤) بقصر الألف وفتح الذال قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وابن عامر، وكذا روى حفص والمفضل عن عاصم، وبمد الألف وكسر الذال قرأ عاصم في رواية أبي بكر، وحمزةُ، ومن طريق أبي يوسف الأعشى عن أبي بكر عن عاصم بالوجهين. السبعة لابن مجاهد ص ١٩٢.","vol":"5","page":51},{"text":"شركِه، الذي لا يُقَرُّ على المُقامِ عليه، وأنْ يَقْتُلَ المرتدَّ عن الإسلامِ منهم بكلِّ حالٍ، إلا أنْ يُراجِعَ الإسلامَ، آذَنَه المشركون بأنهم على حزْبِه أو لمْ يُؤذِنُوه، فإذْ كان المأمورُ بذلك لن يَخلُوَ مِن أحدِ أمريْن؛ إما أنْ يكونَ كان مُشركًا مُقيمًا على شركِه الذي لا يُقَرُّ عليه، أو يكونَ كان مسلمًا فارْتدَّ [عن إسلامِهِ] (^١) فَأُذِن بحربٍ، فأيُّ الأمريْن كان، فإِنَّما نُبِذَ إليه بحربٍ، لا أنّه أُمِرَ بالإيذانِ (^٢) بها إن عزَم على ذلك؛ لأنَّ الأمرَ إِنْ كان إليه، فأقام على أكْلِ الرِّبا مُستحِلًّا له، ولمْ يُؤْذِنِ المسلمين (^٣) بالحربِ، لم يَلْزمْهم حَرْبُه، وليس ذلكَ حُكمَه في واحدةٍ من الحالتين، فقد علِم أنه المأذونُ بالحربِ لا الآذِنُ بها. وعلى هذا التأويلِ تأوَّله أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1039>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ إلى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: فمن كان مقيمًا على الرِّبا لا يَنْزِعُ عنه، فحقٌّ على إمامِ المسلمينَ أنْ يَسْتَتِيبَه، فإِنْ نَزَع، وإِلَّا ضرَب عُنقَه (^٤).\nوحدَّثني المثنى، قال: ثنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ربيعةُ بنُ كلثومٍ، قال: ثنى أبي، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يقالُ يومَ القيامةِ لآكِلِ الرِّبا: خُذْ سِلاحكَ للحرْبِ (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"بالإنذار\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"المسلمون\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٥٠ (٢٩١٩) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٦٦ إلى ابن المنذر.\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ٣٩.","vol":"5","page":52},{"text":"وحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا ربيعةُ بنُ كُلثُومٍ، قال: ثنى أبي، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nوحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أَوْعدَهُم اللهُ بالقتلِ كما تَسْمَعونَ، فجعلَهم بَهْرَجًا (^١) أينما ثقِفُوا (^٢).\nوحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبَةَ، عن قَتادةَ مثلَه.\nوحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قال: أَوْعدَ (^٣) آكلَ الرِّبا بالقتلِ (^٤).\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: فاسْتَيقنوا بحربٍ منِ اللهِ ورسولِه (^٥).\nوهذه الأخبارُ كُلُّها تُنبئُ عن أنّ قولَه: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ إيذانٌ مِن اللهِ لهم بالحربِ والقتلِ، لا أَمْرٌ لهم بإيذانِ غَيْرِهم بذلك (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-1040>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾.</span>\n_________\n(^١) البهرج: الشيء المباح، يقال: بهرج دمه: أهدره. التاج (بهرج).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٥٥٠ (٢٩٢٢) من طريق شيبان عن قتادة به.\n(^٣) بعدها إحالة غير واضحة في الأصل.\n(^٤) عزاه ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٩٠ إلى المصنف.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٦٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٥٠ عقب الأثر (٢٩٢٢) معلقًا عن ابن جريج، عن ابن عباس.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.","vol":"5","page":53},{"text":"يَعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ فتركتُم أَكْلَ الرِّبا، وأَنَبتُم إِلى اللَّهِ ﷿ ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾. يعْنى (^١): من الديونِ التي لكم على الناسِ دونَ الزَّيادَةِ التي أحدثْتُمُوها (^٢) على ذلك رِبًا منكم.\nكما حدَّثنا ابن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾: [والمالُ] (^٣) الذي لهم على ظهورِ الرجالِ، جَعَلَ لهم رُءُوسَ أموالهِم حينَ نزَلتْ هذه الآيةُ، فأمّا الرِّبحُ والفضْلُ فليس لهم، لا ينْبغى لهم أنْ يأخُذوا منه شيئًا (^٤).\nوحدَّثني المثنى، قال: ثنى عَمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هُشيمٌ (^٥)، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ، قال: وضَعَ اللهُ الرَّبَا، وجعلَ لهم رُءُوسَ أموالِهم (^٦).\nوحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بن أَبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾. قال: ما كان لهم من دَينٍ، فجعَل لهم أن يأخُذوا رُءُوسَ أموالِهم، لا يزْدادُوا عليه شيئًا.\nوحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدّيِّ: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾: التي (^٧) أَسْلَفْتُم، وسَقَطَ الرِّبا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ذُكِر لنا أن نبيَّ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٢) في س: \"أخذتموها\".\n(^٣) في م: \"المال\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٥٥١ (٢٩٢٦) من طريق يزيد به.\n(^٥) في الأصل: \"هشام\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٥٠ (٢٩٢٣) من طريق جويبر به بنحوه.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"الذي\".","vol":"5","page":54},{"text":"اللهِ ﷺ قال في خُطْبَتِه يومَ الفتْحِ: \"أَلَا إِنَّ رَبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ كُلُّه، وأَوّلُ رِبًا أَبْتَدِئُ بِهِ رِبَا العَبَّاسِ بن عبدِ المُطَّلِبِ\" (^١).\nوحدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال في خُطْبتِه بِمنى (^٢): \"إِنَّ كُلَّ ربًا [في الجَاهِليَّةِ] (^٣) مَوْضُوعٌ، وأَوَّلُ رِبًا يُوضَعُ رِبَا (^٤) العَبَّاسِ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1041>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾.</span>\nيَعنى بذلك (^٥): ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ بأخْذِكم رُءُوسَ أموالِكم التي كانت لكم قبلَ الإِرْباءِ على غُرَمَائِكم منهم، دونَ أَرْباحِها التي زِدْتُمُوها ربًا على (^٦) مَن أخذْتُم ذلك منه مِن غُرَمائِكم، فتأخُذُوا منهم ما ليس لكم أخْذُه، أوْ لمْ يكنْ لكم قبلُ، ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ يقولُ: ولا الغريمُ الذي يُعطِيكم ذلك دونَ الربحِ (^٧) الذي كنتم ألزَمْتمُوه من أجل الزِّيادةِ في الأجلِ، يَبخَسُكم حقًّا لكم عليه، فيمْنعُكموه؛ لأنَّ ما زادَ على رءوسِ أموالِكم لْم يكنْ حقًّا لكم عليه، فيكونَ بمنعِه إيّاكم ذلكَ ظالمًا لكم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك كان ابن عباسٍ يقولُ فيه وغيرُه مِن أهلِ التأويلِ.\n_________\n(^١) لم نقف عليه بهذا الإسناد، وأصل الحديث عند مسلم (١٢١٨) من حديث جابر ﵁، وغيره.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٤) في ت ٢: \"ما\".\n(^٥) في ص، م، ت ٢، س: \"بقوله\"، وفي ت ١: \"قوله\".\n(^٦) زيادة من: م.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"الربا\".","vol":"5","page":55},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1042>ذِكرُ مَن قالَ ذلك</span>\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ﴾: فَتُرْبون، ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ فتَنْقَصُون (^١).\nوحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾. قال: لا تُنقَصُونَ مِن أموالِكم، ولا تأخُذونَ باطِلًا لا يَحِلُّ لكم.\n\n<span id=\"aya-287\"></span><span data-type='title' id=toc-1043>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.</span>\nيَعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: ﴿وَإِنْ كَانَ﴾ ممن تَقبِضون منه مِن غُرمائِكم رُءُوسَ أموالِكم ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾، يعْنى مُعسرًا برءُوسِ أموالِكم التي كانت لكم عليهم قَبلَ الإرْباءِ، فأَنْظِروهُم إلى مَيْسرَتِهم.\nوقولُه: هو ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ مرفوعُ بـ ﴿كَانَ﴾، والخبرُ متروكٌ، وهو ما ذَكرْنا. وإنما صلَح تركُ خبرِها من أجلِ أنّ النكراتِ تُضمِرُ لها العربُ أخبارَها. ولَوْ وُجِّهَتْ ﴿كَانَ﴾ في هذا الموضعِ إلى أنها بمعنَى الفعلِ المُكْتَفِي بنفْسِه التامِّ، لكان وجْهًا صحيحًا، ولمْ تكنْ بها حاجةٌ حينئذٍ إلى خبرٍ، فيكونُ تأويلُ الكلامِ عندَ ذلك: وإن وُجِد ذُو عُسْرَةٍ مِن غُرَمائِكم برءُوسِ أموالِكم، فنَظِرةٌ إلى مَيسرَةٍ.\nوقد ذُكرَ أن ذلك في قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ: (وَإِنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ) (^٢) بمعنى: وإِنْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٥٥١ (٢٩٣٠) من طريق أبي صالح به.\n(^٢) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ١٨٦، وذكر أنها قراءة ابن مسعود أيضا.","vol":"5","page":56},{"text":"كان الغريمُ ذَا عُسْرَةٍ، فنَظِرَةٌ إلى مَيسرَةٍ. وذلك وإنْ كان في العربيةِ جائزًا، فغيرُ جائزةٍ القراءةُ به عندَنا؛ لخلافِه خطوطَ مَصاحفِ المسلمين.\nوأما قولُه: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. فإنه يَعنِي: فعليكم أن تُنْظرُوه إلى مَيسرَتِه، كما قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾. وقد ذَكرْنا وجْهَ رفعِ ما كان مِن نَظائِرِ هذا فيما مضَى قَبلُ (^١)، فأغْنَى ذلك عن تكرِيرِه.\nوالميسَرةُ: المفْعَلةُ من اليُسرِ، مثلُ المرْحمةِ والمشْأمةِ.\nومعنى الكلامِ: وإنْ كان مِن غُرمائِكم ذُو عُسرَةٍ، فعليكم أن تُنظِرُوه حتى يُوسِرَ بما (^٢) لكم، فيصيرَ مِن أهلِ اليُسرِ به.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلَ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1044>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن يزيدَ بن أبى زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: نَزَلَتْ في الرِّبا (^٣).\nوحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا هشامٌ، عن ابن سيرينَ، أنَّ رجلًا خاصَم رجلًا إلى شُريحٍ، فقضَى عليه وأمَر بحبْسِه، قال:\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في (٣/ ٣٥٧، ٣٥٨).\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"ليس\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٢٢) (٢٩٣٤) من طريق محمد بن فضيل به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (تفسير - ٤٥٤) من طريق يزيد بن أبي زياد به.","vol":"5","page":57},{"text":"فقال رجلٌ عندَ شُريحٍ: إنه مُعسِرٌ، واللهُ يقولُ في كتابِه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: فقال شُريحٌ: إنما ذلك في الرِّبا، وإن الله قال في كتابِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]. ولَا يَأْمُرُنا اللهُ بشيءٍ ثم يُعذِّبُنا عليه (^١).\nوحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: ذلك في الرِّبا (^٢).\nوحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةُ، عن الحسنِ (^٣)، أنّ الربيعَ بنَ خُثَيْمٍ (^٤) كان له على رجلٍ حقٌّ، فكان يأتِيه، فيقومُ على بابِه، ويقولُ: أَثَمَّ (^٥) فلانٌ؟ إنْ كنتَ مُوسرًا فأَدِّ، وإِنْ كنتَ مُعسِرًا فإلى مَيسرَةٍ (^٦).\nوحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، قال: جاء رجلٌ إلى شُرَيْحٍ، فكلَّمه، فجعَل يقولُ: إنه مُعْسِرٌ (^٧)، قال: فظَننتُ أنه يُكَلِّمُه في محبوسٍ، فقال شُرَيْحٌ: إن الرِّبا كان في هذا الحيِّ من الأنصارِ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. وقال اللهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٥٣ - تفسير) من طريق هشيم عن هشام وعن يونس معًا، دون قوله بعد الآية.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٥٢ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٣) كذا في الأصل، م، وفي ص، ت ٢، س: \"الحسي\"، وفي ت ١: \"الخشني\"، ورجح الشيخ شاكر أنها الشعبي، وذكر محقق تفسير سعيد بن منصور أن رسمها عنده: الحجبى، واستشكلها ثم قال: ولم أجد الحديث عند غيرهما حتى أتمكن من حل هذا الإشكال.\n(^٤) في الأصل: \"جبير\"، وفى م، ت ١، ت ٢، س: \"خيثم\".\n(^٥) في م: \"أي\".\n(^٦) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٥٢ - تفسير) عن هشيم به، وفيه الإشكال المتقدم في الراوى عن الربيع.\n(^٧) بعده في ص، م، ت ١، س: \"إنه معسر\".","vol":"5","page":58},{"text":"الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. فما كان اللهُ ليَأْمُرَنا بأمرٍ ثم يُعَذِّبَنا عليه، أدُّوا الأماناتِ إلى أهلِها (^١).\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: فنَظِرةٌ إلى ميسرةٍ برأسِ مالِه (^٢).\nوحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾: إنما أُمِر في الرِّبا أن يُنْظَرَ المعسِرُ، وليست النظِرةُ في الأمانةِ، ولكن تُؤدَّى (^٣) الأمانةُ إلى أهلِها (^٤).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حَمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ﴾ برأسِ المالِ ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. يقولُ: إلى غنًى (^٥)\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾: هذا في شأنِ الرِّبا (^٦).\nحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾: هذا في شأنِ الربا، وكان أهلُ الجاهليةِ بها يتبايَعون، فلمَّا أَسْلَم مَن أَسْلَم\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨/ ٣٠٥) (١٥٣٠٩)، ووكيع في أخبار القضاة (٢/ ٣٦٠)، والنحاس في ناسخه ص ٢٦٣ من طريق أيوب به بنحوه.\n(^٢) تقدم بمعناه في ص ٥٤.\n(^٣) في ص، ت ٢: \"مؤدى\"، وفى م، ت ١، س: \"يؤدى\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٢) (٢٩٣٥) عن محمد بن سعد به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٣) (٢٩٤٠) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٣٦٨) إلى ابن المنذر.","vol":"5","page":59},{"text":"منهم، أُمِروا أن يأخُذوا رءوسَ أموالِهم (^١).\nوحدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾: يعْنى المطلوبَ (^٢).\nوحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: الموت (^٣).\nوحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، [عن محمدِ بن] (^٤) عليٍّ مثلَه.\nوحدَّثنى المثنى، قال: ثنا قَبيصَةُ بنُ عقبةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: هذا في الربا.\nوحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في الرجلِ يَتَزَوَّجُ إلى ميسرةٍ، قال: إلى الموتِ أو إلى فُرقةٍ.\nوحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشَيْم، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: ذلك في الربا (^٥).\nوحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مِنْدَلٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٣٦٨) إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٢) (٢٩٣٢) من طريق أبي صالح به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٣) (٢٩٣٩) من طريق وكيع به.\n(^٤) في الأصل: \"بن محمد عن\".\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٥٢ - تفسير) عن هشيم به.","vol":"5","page":60},{"text":"﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: يُؤَخِّرُه ولا يَزِدْ عليه، وكان إذا حلَّ دَيْنُ بعضِهم فلم يَجِدْ ما يُعْطِيه، زاد عليه وأخَّره.\nوحدَّثنى أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا مِنْدَلٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: يُؤَخِّرُه ولا يَزِدْ عليه.\nوقال آخرون: بل هذه الآيةُ عامٌّ (^١) في كلِّ مَن كان له قِبَلَ رجلٍ مُعْسرٍ حقٌّ، من أيِّ وجهٍ كان ذلك الحقُّ، مِن دَينٍ حلالٍ أو ربًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1045>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\n[حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال لى عطاءٌ: ذلك في الرِّبا والدَّيْنِ، في كلِّ ذلك] (^٢).\nحدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: أخبَرَنا جُوَيْبرٌ، عن الضحَّاكِ، قال: مَن كان ذا عُسرةٍ ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: وكذلك كلُّ دَينٍ على مسلمٍ، فلا يَحِلُّ لمسلمٍ له دينٌ على أخيه يعْلَمُ منه عُسرةً أن يَسْجُنَه، ولا يَطْلُبَه منه حتى يُيَسِّرَه اللهُ عليه، وإنما جَعَل النظِرةَ في الحلالِ فمِن أجلِ ذلك كانت الديونُ على ذلك (^٣).\nحدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن\n_________\n(^١) في م: \"عامة\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٢) (٢٩٣٧) من طريق ابن جريج به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٣٦٨) إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"5","page":61},{"text":"مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: نزَلت في الدَّيْنِ (^١).\nوالصوابُ من القولِ في قولهِ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. أنه يَعْنى به غُرَماءَ الذين كانوا أسْلَموا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، ولهم عليهم ديونٌ قد أربَوا فيها في الجاهليةِ، فأدركهم الإسلامُ قبلَ أن يَقْبِضوها منهم، فأمَر اللهُ بوضعِ ما بَقِى من الربا بعدَ ما أسْلَموا، واقتضاءِ (^٢) رءوسِ أموالِهم ممن كان منهم مِن غُرَمائِهم مُوسِرًا، وإنظارِ مَن كان منهم مُعْسِرًا برءوسِ أموالِهم إلى ميسرتِهم، فذلك حكمُ كلِّ مَن أَسْلَم وله ربًا قد أَرْبَى على غريمٍ له، فإن إسلامَه يُبْطِلُ عن غريمِه ما كان له عليه مِن قبلِ الربا - ويُلْزِمُه أداءَ رأسِ مالِه الذي كان أخَذ منه، أو لزِمه من قبلِ الإرباءِ - إليه إن كان مُوسرًا، وإن كان معسرًا كان مُنْظَرًا برأسِ مالِ صاحبِه إلى ميسرتِه، وكان الفضلُ على رأسِ المالِ مُبْطَلًا عنه، غيرَ أن الآيةَ وإن كانت نزَلت في من ذكَرْنا، وإيَّاهم عنَى بها، فإن الحكمَ الذي حكَم اللهُ به في إنظارِ المعسِرِ برأسِ مالِ المُرْبى بعد بُطولِ الربا عنه حكمٌ واجبٌ لكلِّ مَن كان عليه دَيْنٌ لرجلٍ قد حلَّ عليه، وهو بقضائِه معسرٌ، في أنه به مُنْظَرٌ إلى ميسرتِه؛ ولأن دَيْنَ كلِّ ذى دَينٍ في مالِ غريمهِ، وعلى غريمه قضاؤُه منه، لا في رقبتِه، فإذا عُدِم مالُه، فلا سبيلَ على رقبتِه بحبسٍ ولا بيعٍ، وذلك أن مالَ رَبِّ الدَّينِ لن يَخْلُوَ من أحدِ وجوهٍ ثلاثةٍ؛ إِمَّا أَن يكونَ في رقبةِ غريمِه، أو في ذمتِه يَقْبِضُه (^٣) من مالِه، أو في مالٍ له بعينِه؛ فإن يكنْ في مالٍ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٢) (٢٩٣٤) من طريق ابن فضيل به، وأخرجه سعيد بن منصور (٤٥٤ - تفسير) من طريق يزيد بن أبي زياد به وعندهما بلفظ: الربا. وينظر الدر المنثور (١/ ٣٦٨) فقد عزاه إلى ثلاثتهم بلفظ: الربا.\n(^٢) في م: \"بقبض\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"يقضيه\".","vol":"5","page":62},{"text":"له بعينِه، فمتى بطَل ذلك المالُ وعُدِم، فقد بطلَ دَينُ ربِّ المالِ، وذلك ما لا يقولُه أحدٌ، أو يكونُ في رقبتِه فإن يكنْ ذلك كذلك فمتى عُدِمت نفسُه فقد بطَل دينُ رَبِّ الدَّيْنِ وإن خلَّف الغريمُ وفاءً بحقِّه وأضعافَ ذلك، وذلك أيضًا ما لا يقولُه أحدٌ، فقد تبيَّن إذًا إذ كان ذلك كذلك، أن دَيْنَ ربِّ المالِ في ذمةِ غريمِه، يقضيه من مالِه، فإذا عُدِم مالُه فلا سبيلَ له على رقبتِه؛ لأنه قد عُدِم ما كان له عليه أن يُؤَدِّيَ منه حقَّ صاحبِه لو كان موجودًا، وإذا لم يكنْ على رقبتِه سبيلٌ، لم يكنْ إلى حبسِه وهو مُعْدِمٌ (^١) بحقِّه سبيلٌ؛ لأنه غيرُ مانعِه حقًّا له إلى قضائِه سبيلٌ، فيعاقَبَ بظلمِه إيَّاه بالحبسِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1047>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾.</span>\nيعنى جلّ ثناؤه بذلك: وأن تَتصَدَّقوا برءوسِ أموالِكم على هذا المعسِرِ، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيُّها القومُ من أن تُنْظِروه إلى ميسرتِه لتَقْبِضوا رءوسَ أموالِكم منه إذا أَيْسَر، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ موضعَ الفضلِ في الصدقةِ، وما أوْجَب اللهُ من الثوابِ لَمَن وضَع عن غريمِه المعسرِ دَينَه.\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وأن تَصَدَّقوا برءوسِ أموالِكم على الغنيِّ والفقيرِ منهم خيرٌ لكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1046>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾: والمالُ الذي لهم على ظهورِ الرجالِ،\n_________\n(^١) في م: \"معدوم\".","vol":"5","page":63},{"text":"جَعَل لهم رءوسَ أموالِهم حينَ نزَلت هذه الآيةُ، فأمَّا الربحُ والفضلُ فليس لهم، لا يَنبغى لهم أن يأخذوا منه شيئًا، ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقولُ: وأن تَصَدَّقوا بأصلِ المالِ خيرٌ لكم (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ أي: برأسِ المالِ، فهو خيرٌ لكم.\nوحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: من رءوسِ أموالِكم.\nوحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ بمثِله.\nوحدَّثنى المثنى، قال: ثنا قَبيصَةُ بنُ عُقْبَةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾: قال: [برءوسِ الأموالِ (^٢).\nوحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال] (^٣): أن تَصَدَّقوا برءوسِ أموالِكم.\nوقال آخَرون: معنى ذلك: وأن تَصَدَّقوا به على المعسِرِ خيرٌ لكم. نحوَ ما قلنا في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1048>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٤ دون آخره، وعلقه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٣) عقب الأثر (٢٩٤١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٣) (٢٩٤١) من طريق سفيان به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.","vol":"5","page":64},{"text":"﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: وأن تَصَدَّقوا برءوسِ أموالِكم على الفقيرِ، فهو خيرٌ لكم. فتصدَّق به العباسُ (^١).\nوحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقولُ: وإن تصدَّقتَ عليه برأسِ مالِك فهو خيرٌ لك (^٢).\nوحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال أَخبَرَنَا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ قال: سمِعتُ الضحَّاكَ في قولِه: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾: يعْنى على المعسِرِ، فأمَّا الموسِرُ فلا، ولكن يُؤْخَذُ منه رأسُ المالِ، والمعسِرُ الأخذُ منه حلالٌ، والصدقةُ عليه أفضلُ.\nوحدَّثنى المثنى، قال: ثنا عَمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هُشَيْمٌ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ [من رءوسِ] (^٣) أموالِكم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من نَظِرةٍ إلى ميسرةٍ، فاختار اللهُ ﷿ الصدقةَ على النِّظَارةِ.\nوحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال: من النَّظِرةِ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nوحدَّثنى يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرَنا يزيدُ، قال: أَخبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحَّاكِ: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾: والنظِرةُ واجبةٌ،\n_________\n(^١) أخرجه بنحوه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٣) عقب الأثر (٢٩٤١) من طريق عمرو به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٣) عقب الأثر (٢٩٤١) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"برءوس\".","vol":"5","page":65},{"text":"وخيَّر (^١) اللهُ الصدقةَ على النظِرةِ، والصدقةُ لكلِّ معسرٍ، فأما الموسرُ فلا.\nوأَوْلَى التأويليِن بالصوابِ تأويلُ مَن قال: معناه: وأن تَصَدَّقوا على المعسرِ برءوسِ أموالِكم خيرٌ لكم. لأنه يَلِى ذكرَ حكمِه في المُعْسرِ (^٢)، وإلحاقُه بالذي يَلِيه أوْلى (^٣) من إلحاقِه بالذي بَعُد منه.\nوقد قيل: إن هذه الآياتِ في أحكامِ الربا هنَّ آخرُ آياتٍ نزَلت من القرآنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1049>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، وحدَّثنى يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: كان آخرَ ما أَنزَل اللهُ من القرآنِ آيةُ الربا، وإن نبيَّ اللهِ ﷺ قُبِض قبلَ أن يُفَسِّرَها، فدَعُوا الربا والرِّيبةَ (^٤).\nوحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عامرٍ، أن عمرَ ﵁ قام، فحمِد الله وأثْنَى عليه، ثم قال: أمَّا بعدُ، فإنه واللهِ ما أدرى، لعلَّنا نأمُرُكم بأمرٍ لا يَصْلُحُ لكم، وما أدرى لعلَّنا نَنْهاكم عن [أُمورٍ تَصْلُحُ] (^٥) لكم، وإنه كان مِن آخِر القرآنِ تنزيلًا آياتُ الربا، فتُوفِّي رسولُ اللهِ ﷺ قبلَ أن يُبَيِّنَه لنا، فدَعُوا ما يَرِيبُكم إلى ما لا يَرِيبُكم (^٦).\n_________\n(^١) خيَّر: فضل. ينظر النهاية (٢/ ٩١).\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"المعنيين\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"أحب إلى\".\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٢٢٧٦) من طريق سعيد به.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"أمر يصلح\".\n(^٦) عزاه الحافظ في الفتح (٨/ ٢٠٥) إلى المصنف.","vol":"5","page":66},{"text":"حدَّثني أبو زيدٍ عُمرُ بنُ شَبَّةَ، قال: ثنا قَبيصَةُ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن الشَّعْبيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: آخرُ ما أُنْزِل على رسولِ اللهِ ﷺ آيةُ الربا، وإنَّا لنَأْمُرُ بالشيءِ لا نَدْرِى لعلَّ به بأسًا، ونَنْهَى عن الشيءِ لعلَّه ليس به بأسٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-288\"></span><span data-type='title' id=toc-1051>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾.</span>\nوقيل أيضًا: إِنَّ هذه الآيةَ آخِرُ آيةٍ نزَلت من القرآنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1050>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُميْلةَ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: آخرُ آيةٍ أُنزِلت على النبيِّ ﷺ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (^٢).\nوحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية: فهى آخرُ آيةٍ من الكتابِ أُنْزِلت (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الفضائل ص ٢٢٣، ٢٢٤، والبخارى (٤٥٤٤)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ١٣٨) من طريق قبيصة به، وعند البخارى إلى قوله: آية الربا. وقال الحافظ في الفتح (٨/ ٢٠٥): المراد بالآخرية في الربا تأخر نزول الآيات المتعلقة به من سورة البقرة، وأما حكم تحريم الربا فنزوله سابق لذلك بمدة طويلة، على ما يدل عليه قوله تعالى في آل عمران في أثناء قصة أحد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. الآية.\n(^٢) أخرجه النسائي (١١٠٥٧، ١١٠٥٨ - كبري)، والطبراني (١٢٠٤٠)، والبيهقي في دلائل النبوة (٧/ ١٣٧) من طريق الحسين به.\n(^٣) أخرجه الطبراني (١٢٣٥٧) بسند آخر إلى ابن عباس.","vol":"5","page":67},{"text":"وحدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا (^١) سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن عطيةَ، قال: آخرُ آيةٍ أنزِلت: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (^٢).\nوحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن السُّدِّيِّ، قال: أخرُ آيةٍ نزَلت: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية (^٣).\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُميْلَةَ، عن عُبَيْدِ بن سليمانَ، عن الضحَّاكِ، عن ابن عباسٍ، وحجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: آخرُ آيةِ نزَلت من القرآنِ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ قال ابن جُريجٍ: يقولون: إن النبيَّ ﷺ مكَث بعدَها تسعَ ليالٍ، وبُدِئ (^٤) يومَ السبتِ، ومات يومَ الاثنينِ (^٥).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرَنى يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ المسيَّبِ، أنه بلَغه أن أحدثَ القرآنِ بالعرشِ آيةُ الدَّيْنِ (^٦).\nيعنى بذلك جلّ ثناؤه: واحْذَروا أيُّها الناسُ يومًا تُرْجِعُون فيه إلى اللهِ، فَتَلْقَوْنه\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"إسماعيل بن\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٠/ ٥٤١، ١٤/ ١٠٥) من طريق مالك به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٠/ ٥٤٠،١٤/ ١٠٤) من طريق وكيع به.\n(^٤) في النسخ: \"بدا\". والمثبت من فضائل القرآن، وتفسير ابن كثير (١/ ٤٩٤). وبُدئ فلان: مرض. النهاية (١/ ١٠٤).\n(^٥) أخرجه الواحدى في تفسيره (١/ ٣٩٩) من طريق الضحاك به، وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٢٤ عن حجاج به.\n(^٦) ذكره ابن كثير (١/ ٤٩٥) عن المصنف بسنده، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٣٧٠) إلى المصنف، وأخرجه أبو عبيد في الفضائل ص ٢٢٤ من طريق عقيل عن ابن شهاب قوله.\nوقال الحافظ في الفتح (٨/ ٢٠٥): وطريق الجمع بين هذين القولين أن هذه الآية هي ختام الآيات المنزلة في الربا، إذ هي معطوفة عليهن.","vol":"5","page":68},{"text":"فيه، أي (^١) ترِدوا عليه بسيئاتٍ تُهْلِكُكم، أو بمخْزياتٍ تُخْزِيكم، أو بفَاضِحاتٍ (^٢) تَفْضَحُكم، فتَهْتِكُ أستارَكم، أو بموبقاتٍ تُوبقُكم، فتُوجبُ لكم من عقابِ اللهِ ربِّكم ما لا قِبَلَ لكم به، فإنه يومُ مجازاةٍ بالأعمالِ، لا يومَ استعتابٍ، ولا يومُ استقالةٍ وتوبةٍ وإنابةٍ، ولكنه يومُ جزاءٍ وثوابٍ ومحاسبةٍ، تُوَفَّى فيه (^٣) كلُّ نفسٍ أجرَها على ما قدَّمت واكْتَسَبت من سييءٍ وصالحٍ، لا يُغادَرُ فيه صغيرةٌ ولا كبيرةٌ من خيرٍ وشرٍّ إلا أُحضِرت فوُفِّيَت (^٤) جزاءَها بالعدلِ من ربِّها، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، كيف يُظْلَمُ مَن جُوزِىَ بالإساءةِ مثلَها، وبالحسنةِ عشرَ أمثالِها؟ كلا بل عدَل عليك أيُّها المُسِئُ، وتكرَّم عليك، فأفْضَل وأسْبَغ أيُّها المحسنُ، فاتقَى امروٌ ربَّه، وأَخَذ منه حِذرَه، وراقبه قبلَ (^٥) أن يهجُمَ عليه يومُه، وهو من الأوزارِ ظَهرُه ثقيلٌ، ومن صالحاتِ الأعمالِ خفيفٌ، فإنه تعالى ذكرُه قد حذَّر فأَعْذَر (^٦)، ووعَظ فأبْلَغ.\n\n<span id=\"aya-289\"></span><span data-type='title' id=toc-1052>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ يعنى: إذا تبايَعْتم بدَيْنٍ أو اشْتَريتم به، أو تعاطَيْتم، أو أخَذتم به، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: إلى وقتٍ معلومٍ وقَّتُّموه بينكم، وقد يَدْخُلُ في ذلك القَرْضُ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"أن\".\n(^٢) في م: \"بفضيحات\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"فتوفيت\"، وفى م: \"فتوفى\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٦) في س: \"فأنذر\".","vol":"5","page":69},{"text":"والسَّلَمُ في كلِّ ما جاز السَّلَمُ [فيه؛ لأنَّ السَّلمَ] (^١) شراءٌ أُجِّل بِنَقْدٍ (^٢) يَصيرُ دَينًا على بائعِ ما أسلم إليه فيه. ويَحْتَمِلُ بيعَ الحاضرِ الجائزِ بيعُه من الأملاكِ بالأثمانِ المُؤَجَّلةِ، كلُّ ذلك من الديونِ المُؤَجَّلةِ إلى أجلٍ مُسَمًّى، إذا كانت آجالُها معلومةً بحدٍّ موقوفٍ عليه. وكان ابن عباسٍ يقولُ: نزَلت هذه الآيةُ في السَّلَمِ خاصَّةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-1053>ذكرُ الروايةِ عنه بذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى الرَّمْليُّ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، قال: قال ابن عباسٍ في: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾. قال: السَّلَمُ في الحِنْطةِ، في كَيْلٍ معلومٍ إلى أجَلٍ معلومٍ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُخَرِّميُّ (^٤)، قال: ثنا يحيى بنُ الصَّامتِ (^٥)، قال: ثنا ابن المُبارَكِ، عن سفيانَ، عن أبي حيَّانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ قال: نزَلت في السَّلَمِ في كيلٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ (^٦).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدُ (^٧) بنُ أبي الزرقاءِ، عن سفيانَ، عن أبي\n_________\n(^١) سقط من ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، \"بيعه\"، وفى س: \"معه\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٩٥) عن سفيان به. وأصله في الصحيحين وغيرهما من رواية سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس. البخارى (٢٢٣٩، ٢٢٥٣)، ومسلم (١٦٠٤).\n(^٤) في الأصل: \"المخزومي\".\n(^٥) في م: \"الصامح\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر (١/ ٣٧٠) إلى عبد بن حميد والمصنف.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يزيد\". ينظر تهذيب الكمال (١٠/ ٧٠).","vol":"5","page":70},{"text":"حيَّانَ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نزَلت هذه الآيةُ: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ في السَّلَفِ (^١) في الحِنْطَةِ في كيلٍ معلومٍ إلى أجَلٍ معلومٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مُحَبَّبٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حيانَ التَّيْميِّ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نزَلت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ في السَّلفِ في الحنطةِ في كيلٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، عن أبي حسَّانَ (^٣)، عن ابن عباسٍ، قال: أشْهَدُ أن السلَفَ المضمونَ إلى أجلٍ مُسَمًّى، أنّ الله ﷿ قد أحلَّه، وأذِن فيه. ويتلُو هذه الآيةَ: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (^٤).\nفإن قال قائلٌ: وما وجهُ قولِه: ﴿بِدَيْنٍ﴾ وقد دلَّ بقولِه: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ عليه، وهل تكونُ مُداينةٌ بغيرِ دَينٍ فاحْتيج إلى أن يقالَ: ﴿بِدَيْنٍ﴾؟\nقيل: إن العربَ لمَّا كان مقولًا عندَها \"تدايَنَّا\"، بمعنى: تجازَيْنا. وبمعنى: تعاطَيْنا الأخذَ والإعطاءَ بدَيْنٍ - أبان اللهُ جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿بِدَيْنٍ﴾ المعنَى الذي قصَد [تعريفَ عبادِه] (^٥) من قولِه: ﴿تَدَايَنْتُمْ﴾ حُكْمَه، وأَعْلَمهم أنه [عنى به] (^٦)\n_________\n(^١) في ص، م، س: \"السلم\".\n(^٢) أخرجه البيهقى (٦/ ١٨) من طريق سفيان به.\n(^٣) في م: \"حيان\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٤) (٢٩٤٨) من طريق هشام الدستوائي به.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تعريفه\".\n(^٦) سقط من: ص، م، س.","vol":"5","page":71},{"text":"حُكْمَ الدَّينِ دونَ حكمِ المُجازاةِ.\nوقد زعَم بعضُهم أن ذلك تأكيدٌ، كقولِه: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠، ص: ٧٣]، ولا معنى لما قال من ذلك في هذا الموضعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1055>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾.</span>\nيعنى جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾: فاكْتُبوا الدَّينَ الذي تدايَنتُموه إلى أجلٍ مُسَمًّى، مِن بيعٍ كان ذلك أو قرضٍ.\nواخْتَلف أهلُ العلمِ في اكتتابِ الكتابِ بذلك على مَن هو عليه (^١)، هل هوـ واجبٌ أو هو نَدْبٌ؟ فقال بعضُهم: هو حقٌّ واجبٌ، وفرضٌ لازمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1054>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ قال: مَن باع إلى أجلٍ مُسَمًّى أمَره اللهُ أن يَكْتُبَ، صغيرًا كان أو كبيرًا، إلى أجلٍ مُسَمًّى (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ قال: فمَن ادَّان دَينًا فَلْيَكْتُبْ، ومَن باع فَلْيُشْهِدْ (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢/ ٥٥٥) (٢٩٥٢) من طريق جويبر به بنحوه.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٩٦).","vol":"5","page":72},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾: فكان هذا واجبًا (^١).\nوحُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثِله، وزاد فيه: قال: ثم جاءت الرُّخْصةُ والسَّعَةُ، قال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن أبا سليمانَ المَرْعَشِيَّ (^٣) كان رجلًا صحِب كعبًا، فقال ذاتَ يومٍ لأصحابِه: هل تعلمون مظلومًا دعا ربَّه فلم يَسْتَجِبْ له؟ قالوا: وكيف يكونُ ذلك؟ قال: رجلٌ باع [بيعًا إلى أجلٍ مسمًّى] (^٤)، فلم يَكْتُبْ ولم يُشْهِدْ، فلمَّا حلَّ مالُه جحَده صاحبُه، فدعا ربَّه، فلم يَسْتَجِبْ له؛ لأنه قد عصَى ربَّه (^٥).\nوقال آخرون: كان اكتتابُ الكتابِ بالدَّيْنِ فرضًا، فنسَخه قولُه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1056>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا الثوريُّ [ومعمرٌ] (^٦)، عن ابن شُبْرُمَةَ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: لا بأسَ إِذا أَمِنْتَه ألا تَكْتُبَ ولا تُشْهِدَ، لقولِه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ قال ابن عُيينةَ: قال ابن شُبْرُمَةَ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٥) (٢٩٥٣) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/ ٢٨٦)، وأبو حيان في البحر المحيط (٢/ ٣٤٣).\n(^٣) في الأصل: \"المرعش\"، وفى ص: \"المدعس\"، وفى ت ١، س: \"المرعس\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"شيئا\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٩٦) عن قتادة به.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"5","page":73},{"text":"الشَّعْبيِّ: إلى هذا انتُهِى (^١).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ حتى بلَغ هذا المكانَ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ قال: رُخِّص في ذلك، فمَن شاء أن يأْتَمِنَ صاحبَه فَلْيَأْتَمِنْه (^٢).\nحدَّثنا ابن حُمَيْدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَمرٍو، عن عاصمٍ، عن الشَّعْبيِّ، قال: إن ائْتَمنه فلا يُشْهِدْ عليه ولا يَكْتُبْ.\nحُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن الشَّعْبيِّ، قال: فكانوا يَرَوْن أن هذه الآيةَ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ نسَخت ما قبلَها من الكتابةِ والشهودِ، رُخْصَةً ورحمةً من اللهِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال غيرُ عطاءٍ: نسَخت الكتابَ والشهادةَ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: نسَخ ذلك قولُه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ قال: فلولا هذا الحرفُ لم ينبغِ (^٥) لأحدٍ أن يَدَّانَ بدَيْنٍ إلا بكتابٍ وشهداءَ، أو برَهْنٍ، فلمَّا جاءت هذه\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق (١/ ١١١)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٧٠) (٣٠٤٢) عن الحسن به.\n(^٢) أخرجه البيهقى (١٠/ ١٤٥) من طريق داود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٣٧٣) إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه بنحوه الثورى في تفسيره ص ٧٣، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٧١) (٣٠٤٦)، وابن الجوزي في النواسخ ص ٢٢١ من طريق إسماعيل بن أبي خالد به.\n(^٤) ينظر النواسخ ص ٢٢٢.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يبح\".","vol":"5","page":74},{"text":"نسَخت هذا كلَّه، وصار إلى الأمانةِ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حجَّاجٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سليمانَ التيميِّ، قال: سألتُ الحسنَ قلتُ: كلُّ مَن باع بيعًا يَنْبَغِى له أَن يُشْهِدَ؟ فقال: أَلم تَرَ أَن اللَّهَ ﷿ يقولُ: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (^٢).\n[حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ حتى بلَغ هذا المكانَ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ قال: رُخِّص في ذلك، فمَن شاء أن يَأتَمِنَ صاحبَه فَلْيأْتَمِنْه] (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن الشَّعْبِيِّ في قولِه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ قال: إن أَشْهَدتَ فَحَزْمٌ، وإن لم تُشْهِدْ ففي حِلٍّ وسَعَةٍ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، قال: قلتُ للشَّعْبيِّ: أرأيتَ الرجلَ يَسْتَدِينُ (^٥) من الرجلِ الشيءَ، أحتمٌ عليه أن يُشْهِدَ؟ فقال: [ألا ترى] (^٦) إلى قولِه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾؟ قد نسَخ ما كان قبلَه.\nحدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ العُقَيْليُّ، قال: ثنا عبدُ الملكِ\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير (١/ ٤٩٦).\n(^٢) أخرجه ابن الجوزى في النواسخ ص ٢٢٠، ٢٢١ من طريق سليمان التيمى به.\n(^٣) تقدم هذا الأثر في الصفحة السابقة، وشيخ المصنف هناك المثنى وهنا محمد بن المثنى.\n(^٤) أخرجه البيهقى (١٠/ ١٤٥) من طريق داود به.\n(^٥) في الأصل: \"يشترى\".\n(^٦) في م، ت ٢: \"فقرًا\" ومكانها بياض في ص، ت ١، ت ٣، س.","vol":"5","page":75},{"text":"ابن (^١) أبى نَضْرَةَ، [عن أبيه] (^٢)، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ أنه قرَأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: فقرأ إلى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ قال: هذه نسَخت ما قبلَها (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1057>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾.</span>\nيعني بذلك جل ثناؤه: ولْيكتُبْ كتابَ الدَّينِ إلى الأجلِ المسمَّى بينَ الدائنِ والمدِين ﴿كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ الله يعنى: بالحقِّ والإنصافِ في كتابِه الذي يَكْتُبُه بينهما، بما لا يتحيَّفُ ذا الحقِّ حقَّه، ولا يَبْخَسُه، ولا يُوجِبُ له حُجَّةً على مَن عليه دينُه فيه بباطلٍ، ولا يُلْزِمُه ما ليس عليه.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ قال: اتَّقَى الله كاتبٌ في كتابِه، فلا يَدَعَنَّ منه حقًّا، ولا يَزِيدَنَّ فيه باطلًا (^٤).\nوأمَّا قولُه: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ فإنه يعنى: ولا يَأْبَيَنَّ كاتبُ اسْتُكْتِب ذلك أن يَكْتُبَ بينهم كتابَ الدَّيْنِ، كما علَّمه اللهُ كتابتَه فخصّه بعلمِ ذلك، وحرَمه كثيرًا مِن خَلقِه.\nوقد اخْتَلف أهلُ العلمِ في وجوبِ الكتابةِ (^٥) على الكاتبِ إذا\n_________\n(^١) بعده في ت ١، س: \"فضالة\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وينظر الجرح والتعديل (٥/ ٣٧٠).\n(^٣) أخرجه ابن الجوزى في النواسخ ص ٢٢٢ من طريق عمرو بن علي به. وأخرجه البخاري في التاريخ (١/ ٢٣٢)، وابن ماجه (٢٣٦٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٧٠) (٣٠٤١)، والنحاس في ناسخه ص ٢٦٧، ٢٦٨، والطبرانى في الأوسط (١٥٥٨)، وابن عدى (٦/ ٢٢٦٧)، والبيهقى (١٠/ ١٤٥)، والمزى (١٨/ ٤٢٨) من طريق محمد بن مروان العقيلى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٣٧٣) إلى أبي نعيم.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٨) (٢٩٦٩) من طريق يزيد بن زريع به.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الكتاب\".","vol":"5","page":76},{"text":"اسْتُكْتِب ذلك، نظيرَ اختلافِهم في وجوبِ الكتابِة (^١) على الذي له الحقُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1058>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾ قال: واجبٌ على الكاتبِ أن يَكْتُبَ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولَه: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾ أواجبٌ ألا يَأْبَي أَن يَكْتُب؟ قال: نعم. قال ابن جُريجٍ: وقال مجاهدٌ: واجبٌ على الكاتبِ أن يَكْتُبَ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ بمثلِه (^٤).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ وعطاءٍ قولَه: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ قالا: إذا لم يَجِدوا كاتبًا فدُعِيتَ، فلا تأبَ أن تَكْتُبَ لهم (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1059>ذكرُ مَن قال: هي منسوخةٌ</span>\nقد ذكَرْنا جماعةً ممن قال: كلُّ ما في هذه الآيةِ من الأمرِ بالكتابةِ والإشهادِ والرهنِ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الكتاب\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٦) (٢٩٥٩) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٣٧٠) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٥٥٦٠) عن ابن جريج به.\n(^٤) سقط من: الأصل، ص، س.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٦) عقب الأثر (٢٩٦٠) معلقا.","vol":"5","page":77},{"text":"منسوخٌ بالآيةِ التي في آخرِها. وأَذْكُرُ قولَ مَن ترَكْنا ذكرَه هنالك لبعضِ (^١) المعاني.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ﴾ قال: كانت عزيمةً فنسَختها: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾: فكان هذا واجبًا على الكُتَّابِ (^٣).\nوقال آخَرون: هو على الوجوبِ، ولكنه واجبٌ على الكاتبِ في حالِ فراغِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1060>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ يقولُ: لا يأبَ كاتبٌ أن يَكْتُبَ إن كان فارغًا (^٤).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن الله ﵎ أمَر المتداينينَ إلى أجلٍ مسمًّى باكتتابِ كُتبِ الدَّينِ بينهم، وأمَر الكاتبَ أن يَكْتُبَ ذلك بينهم بالعدلِ، وأمرُ اللهِ فرضٌ لازمٌ، إلا أن تقومَ حُجَّةٌ بأنه إرشادٌ ونَدْبٌ، ولا دَلالَةَ تَدُلُّ على أن أمَره جلّ ثناؤه باكتتابِ الكتبِ في ذلك، وأن تقدُّمَه إلى الكاتبِ ألا يَأْبَى كتابةَ ذلك -\n_________\n(^١) في ص، م: \"ببعض\"، وفى س: \"ببعض\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٣٧٠) إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢/ ٥٥٧) (٢٩٦٥) من طريق ابن أبي جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٣٧٠) إلى ابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٧) (٢٩٦٢) من طريق عمرو بن حماد به.","vol":"5","page":78},{"text":"ندبٌ وإرشادٌ، فذلك فرضٌ عليهم لا يَسَعُهم تضْيِيعُه، ومَن ضيَّعه منهم كان حرِجًا بتضيِيعِه.\nولا وجهَ لاعتلالِ مَن اعتلَّ بأن الأمرَ بذلك منسوخٌ بقولِه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾؛ لأن ذلك إنما أَذِن اللهُ تعالى ذكرُه به حيثُ لا سبيلَ إلى الكتابِ أو إلى الكاتبِ، فأمَّا والكتابُ والكاتبُ موجودان، فالفرضُ - إذا كان الدَّينُ إلى أجلٍ مُسَمًّى - ما أمرَ اللهُ تعالى ذكرُه به في قولِه: ﴿فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ وإنما يكونُ الناسخُ ما لم يَجُزْ اجتماعُ حكمِه وحكمِ المنسوخِ في حالٍ واحدةٍ، على السبيلِ التي قد بيَّنَّاها، فأمَّا ما كان أحدُهما غيرَ نافٍ حكمَ الآخَرِ، فليس من الناسخِ والمنسوخِ في شيءٍ.\nولو وجَب أن يكونَ قولُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ ناسخًا قولَه: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾. لوجَب أن يكونَ قولُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] ناسخًا الوضوءَ بالماءِ في الحَضَرِ عندَ وجودِ الماءِ فيه، وفى السفرِ الذي فرَضه اللهُ ﷿ بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. وأن يكونَ قولُه في كفَّارةِ الظِّهارِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] ناسخًا قولَه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]. فيُسْأَلُ القائلُ: إن قولَ اللهِ ﷿: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ناسخٌ قولَه:","vol":"5","page":79},{"text":"﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ - الفرقَ (^١) بينَه وبينَ قائلٍ في التيممِ وما ذكَرنا قولَه فزعَم أن كلَّ ما أُبِيح في حالِ الضرورةِ لعلَّةِ الضرورةِ، ناسخٌ حكمُه في حالِ الضرورةِ حكمَه في (^٢) كلِّ أحوالِه، نظيرَ قولِه في أن الأمرَ باكتتابِ كتبِ الديونِ والحقوقِ منسوخٌ بقولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾.\nفإن قال: الفرقُ بينى وبينه أن قولَه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ كلامٌ منقطعٌ عن قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ وقد انتهى الحكمُ في السفرِ إذا عُدِم فيه الكاتبُ بقولِه: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ وإِنما عنَى بقولِه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾: إذا تدايَنْتم بدَيْنٍ إلى أجلٍ مسمًّى فأمِن بعضُكم بعضًا فَلْيُؤَدِّ الذي اؤْتُمِن أمانتَه.\nقيل له: وما البرهانُ على ذلك من أصلٍ أو قياسٍ، وقد انقضى الحكمُ في الدَّيْنِ الذي فيه إلى الكَاتبِ (^٣) والكتابِ سبيلٌ بقولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؟\nوأمَّا الذين زعَموا أن قولَه: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ وقولَه: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾. على وجهِ النَّدْبِ والإرشادِ، فإنهم يُسْأَلُون البرهانَ على دعواهم في ذلك، ثم يُعارَضون بسائرِ أمرِ اللهِ ﷿ الذي أمَر في كتابِه، ويُسْأَلُون الفرقَ بينَ ما ادَّعَوْا في ذلك، وأنْكَروه في غيرِه، فلن يقولوا في شيءٍ من ذلك قولًا إلا أُلْزِموا في الآخَرِ مثلَه.\n_________\n(^١) في م: \"ما الفرق\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، س: \"والفرق\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"و\".\n(^٣) في الأصل: \"الكتاب\".","vol":"5","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1061>ذكرُ مَن قال: العدلُ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾: الحقُّ</span>\n[حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾ يقولُ: بالحَقِّ] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1062>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾.</span>\nيعنى بذلك: فَلْيَكْتُبِ الكاتبُ، ولْيُمْلِلِ الذي عليه الحقُّ، وهو الغريمٌ المَدِينُ، يقولُ: ليَتَوَلَّ المَدِينُ إملالَ كتابِ ما عليه من دَيْنِ ربِّ المالِ على الكاتبِ، ولْيَتَّقِ ربَّه المُمْلِى الذي عليه الحقُّ، فَلْيَحْذَرْ عقابَه في بخْسِ الذي له الحقُّ مِن حقِّه شيئًا، أن يَنْقُصَه منه ظلمًا، أو يذهبَ به منه تعدِّيًا، فيُؤْخَذَ به حيث لا يَقْدِرُ على قضائِه إلا من حسناتِه، أو أن يَتَحَمَّلَ من سيئاتِه.\nكما حُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾: فكان هذا واجبًا ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ يقولُ: لا يَظْلِمْ منه شيئًا (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾. قال: لا يَنْقُصْ من حقِّ هذا الرجلِ شيئًا إِذا أَمَلَّ (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٦) (٥٩٥٨) من طريق عمرو به.\n(^٢) تقدم تخريج أوله في ص ٧٣، وأخرج آخره ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٨) عقب الأثر (٢٩٧١) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أملى\".","vol":"5","page":81},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1064>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾: فإن كان المَدِينُ الذي عليه المالُ ﴿سَفِيهًا﴾. يعني جاهلًا بالصوابِ في الذي عليه أن يُمِلَّه على الكاتبِ.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾. قال: أمَّا السفيهُ فالجاهلُ بالإملاءِ والأمورِ (^١).\nوقال آخَرون: بل السفيهُ في هذا الموضعِ الذي عناه اللهُ: الطفلُ الصغيرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1063>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسىُ بن هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾: أمَّا السفيهُ فهو الصغيرُ (^٢).\nحدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبَرَنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾ قال: هو الصبيُّ الصغيرُ، فَلْيُمْلِلْ وليُّه بالعدلِ (^٣).\nوأوْلَى التأويلينِ بالآيةِ تأويلُ مَن قال: السفيهُ في هذا الموضعِ الجاهلُ بالإملاءِ وموضعِ صوابِ ذلك من خطئِه. لما قد بيَّنَّا قبلُ من أن معنى السفَهِ في كلامِ العربِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٩) (٥٩٧٣) من طريق أبي حذيفة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٩) (٢٩٧٤) من طريق عمرو به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٢٣٧) إلى المصنف.","vol":"5","page":82},{"text":"الجهلُ (^١).\nوقد يَدْخُلُ في قولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ كلُّ جاهلٍ بصوابِ ما يُمِلُّ من خطئِه، من صغيرٍ وكبيرٍ، وذكَرٍ وأنثى. غيرَ أن الذي هو أوْلَى بظاهرِ الآيةِ أن يكونَ مرادًا بها كلُّ جاهلٍ بموضعٍ خطأَ ما يُمِلُّ وصوابِه، مِن بالِغِى الرجالِ الذين لا يُوَلَّى عليهم، والنساءِ؛ لأنه جل ذكرُه ابْتَدأ الآيةَ بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. والصبيُّ ومَن يُوَلَّى عليه لا يجوزُ مداينتُه، وأن الله ﷿ قد اسْتَثنى مِن الذين أمَرهم بإملالِ كتابِ الدَّينِ معَ السفيهِ الضعيفَ ومَن لا يستطيعُ إملالَه، ففى فصلِه جلّ ثناؤه الضعيفَ مِن السفيهِ ومَن لا يستطيعُ إملالَ الكتابِ، [في الصفةِ] (^٢) التي وصَف بها كلَّ واحدٍ منهم - ما أَنْبَأ عن أن كلَّ واحدٍ من الأصنافِ الثلاثةِ الذين بيَّن صفاتِهم، غيرُ الصنفينِ الآخَرينِ.\nوإذا كان ذلك كذلك، كان معلومًا أن الموصوفَ بالسَّفَهِ منهم دونَ الضعفِ، هو ذو القُوَّةِ على الإملالِ، غيرَ أنه وُضِع عنه فرضُ الإملالِ بجهلِه بموضعِ صوابِ ذلك مِن خطئِه، وأن الموصوفَ بالضعفِ منهم، هو العاجزُ عن إملالِه، وإن كان سديدًا (^٣) رشيدًا، إما لعِيِّ لسانِه أو خَرَسٍ به، وأن الموصوفَ بأنه لا يستطيعُ أن يُملَّ، هو الممنوعُ من إملالِه، إمَّا بالحبسِ الذي لا يَقْدِرُ معَه على حضورِ الكاتبِ الذي يَكْتُبُ الكتابَ فيُمِلُّ عليه، وإِمَّا لغَيْبتِه عن موضعِ الإملالِ، فهو غيرُ قادرٍ مِن أجلِ غَيبتِه عن إملالِ الكتابِ، فوضَع اللهُ ﷿ عنهم فرضَ إملالِ ذلك؛ للعللِ التي وصَفنا إذا كانت بهم، وعذَرهم بتركِ الإملالِ من أجلِها، وأمَر عندَ سقوطِ فرضِ ذلك عنهم (^٤) وليَّ الحقِّ بإملالِه، فقال: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٣٠٢، ٢/ ٦١٥.\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) في ص، م، ت ٢، س: \"شديدا\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"عليهم\".","vol":"5","page":83},{"text":"ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾: يعنى وليَّ الحقِّ.\nولا وجهَ لقولِ مَن زعَم أن السفيهَ في هذا الموضعِ هو الصغيرُ، وأن الضعيفَ هو الكبيرُ الأحمقُ؛ لأن ذلك - إن كان كما قال - يُوجِبُ أن يكونَ قولُه: ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ﴾ هو العاجزَ من الرجالِ العقلاءِ - الجائزى الأمرِ في أموالِهم وأنفسِهم - عن الإملالِ، إمَّا لعلةٍ بلسانِه، من خَرَسٍ أو غيرِه من العللِ، وإما لغَيبتِه عن موضعِ الكتابِ. وإذا كان كذلك معناه، بطَل معنى قولِه: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾؛ لأن العاقلَ الرشيدَ لا يُوَلَّى عليه في (^١) مالِه وإن كان أخرسَ أو غائبًا، ولا يجوزُ حكمُ أحدٍ في مالِه إلا بأمرِه، وفى صحةِ معنى ذلك ما يَقْضِى على فسادِ قولِ مَن زعَم أن السفيهَ في هذا الموضعِ هو الطفلُ الصغيرُ، أو الضعيفُ (^٢) الكبيرُ الأحمقُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1065>ذكرُ مَن قال في ذلك ما قلناه</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ يقولُ: وليُّ الحقِّ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ قال: يقولُ: فإن عيِىَ عن ذلك، أملَّ\n_________\n(^١) زيادة من: م.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ٣/ ٣٨٨.","vol":"5","page":84},{"text":"صاحبُ الدَّينِ بالعدلِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1066>ذكرُ مَن قال: عُنِى بالضعيفِ في هذا الموضعِ: الأحمقُ. وبقولِه: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾: وليُّ السفيهِ والضعيفِ</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾. قال: أُمِر وليُّ السفيهِ أو الضعيفِ أن يُمِلَّ بالعدلِ (^١).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدَّيّ: أما الضعيفُ فهو الأحمقُ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: أمَّا الضعيفُ فالأحمقُ (^٣).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾: لا يَعْرِفُ، فيُثْبِتُ لهذا حقَّه، ويَجْهَلُ ذلك، فوليُّه بمنزلتِه، حتى يَضَعَ لهذا حقَّه.\nوقد دَلَّلنا على أَوْلَى القولين (^٤) بالصوابِ في ذلك.\nوأمَّا قولُه: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ فإنه يعنى: بالحقِّ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٣٧١) إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٩) عقب الأثر (٢٩٧٥) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٣) في الأصل: \"الحَمِق\".\nوالأثر ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٩) عقب الأثر (٢٩٧٥) معلقًا.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"القراءتين\"، وفى م: \"التأويلين\".","vol":"5","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1067>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: واسْتَشْهِدوا على حقوقِكم شاهدينِ.\nيقالُ: فلانٌ شهيدى على هذا المالِ، وشاهدِى عليه.\nوأمَّا قولُه: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. فإنه يعنى: من أحرارِكم المسلمين، دونَ عبيدِكم، ودونَ أحرارِكم الكفَّارِ.\nكما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. قال: الأحرارُ (^١).\nوحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا عليُّ بنُ سعيدٍ (^٢)، عن هُشَيْمٍ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1068>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾.</span>\nيعنى بذلك: فإن لم يكونا رجلين فليكُنْ رجلٌ وامرأتان على الشهادةِ عليه (^٤).\nورفْعُ \"الرجلِ\" و\"المرأتين\" بالردّ على \"الكونِ\". وإن شِئتَ قلتَ: فإن لم يكونا رجلين فليشهَدْ رجلٌ وامرأتان على ذلك. وإن شِئتَ: فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان يَشْهَدون عليه. وإن قلتَ: فإن لم يكونا رجلين [فهو رجلٌ] (^٥)\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٧٣، ومن طريقه سعيد بن منصور في سننه (٤٥٦ - تفسير)، والبيهقى (١٠/ ١٦١)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٧٨) عن وكيع به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٦٠) (٢٩٨٤) من طريق ليث، عن مجاهد وفيه زيادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٣٧١) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في الأصل: \"معبد\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور (٤٥٧ - تفسير) - ومن طريقه البيهقى (١٠/ ١٦١) - عن هشيم به نحوه.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فرجل\".","vol":"5","page":86},{"text":"وامرأتان. كان صوابًا، كلُّ ذلك جائزٌ. ولو كان: [فرجلًا وامرأتين] (^١). نصبًا، كان جائزًا، على تأويلِ: فإن لم يكونا رجلين فاسْتَشْهدوا رجلًا وامرأتين.\nوقولُه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾. يعنى: من العدولِ المُرتَضَى دِينُهم وصلاحُهم.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. يقولُ: في الدَّينِ، ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ وذلك في الدَّينِ، ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ يقولُ: عدولٌ (^٢).\nوحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾: أَمَرَ اللهُ أَن تُشْهدوا (^٣) ذَوَى عدلٍ من رجالِكم (^٤)، ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1069>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.</span>\nاختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرَأةِ أهلِ الحجازِ والمدينةِ وبعضُ أهلِ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فرجل وامرأتان\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧١ إلى المصنف مقتصرا على آخره، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦١ (٢٩٨٧) من طريق ابن أبي جعفر به مقتصرا على قوله: وذلك في الدين.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يشهدوا\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رجالهم\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦١ (٢٩٨٦) من طريق إسحاق به.","vol":"5","page":87},{"text":"العراقِ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ بفتحِ الألفِ مِن ﴿أَنْ﴾، ونصبِ ﴿تَضِلَّ﴾ و﴿فَتُذَكِّرَ﴾ (^١). بمعنى: فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان، كي تُذَكِّرَ إحداهما الأخرى إن ضلَّت. وهو عندَهم من المُقَدَّمِ الذي معناه التأخيرُ؛ لأن التذكيرَ عندَهم هو الذي يَجبُ أن يكونَ مكانَ ﴿تَضِلَّ﴾؛ لأن المعنى ما وصَفنا في قولِهم. وقالوا: إنما نصَبنا ﴿فَتُذَكِّرَ﴾؛ لأن الجزاءَ لمَّا تقدَّم اتَّصل (^٢) بما قبلَه، فصار جوابُه مردودًا عليه، كما تقولُ في الكلامِ: إنه ليُعْجِبُني أن يَسألَ السائلُ فيُعْطَى. بمعنى: إنه ليُعْجِبُني أن يُعْطَى السائلُ إن سأل. أو: إذا سأل. فالذي يُعْجِبُك هو الإعطاءُ دونَ المسألةِ، ولكن قولَه: أن يَسألَ. لمَّا تقدَّم اتَّصل بما قبلَه، وهو قولُه: يُعْجِبُنى (^٣). ففتَحَ \"أن\" (^٤) ونصَب بها، ثم أتْبَع ذلك قولَه: فيُعْطَى. فنصَبه بنصبِ قولِه: ليُعجبُنى أن يسألَ. نَسْقًا عليه، وإن كان في معنى الجزاءِ.\nوقرَأ ذلك آخَرون كذلك، غيرَ أنهم كانوا يقرءونه بتسكينِ الذالِ من (تُذْكِرَ) وتخفيفِ كافِها (^٥).\nوقارئو ذلك كذلك مختلفون فيما بينهم في تأويلِ قراءتِهم إيَّاه كذلك، وكان بعضُهم يُوَجِّهُه إلى أن معناه: فتُصَيِّرُ إحداهما الأخرى ذكرًا باجتماعِهما. بمعنى أن شهادتَها إذا اجْتَمعت وشهادةَ صاحبتِها، جازت كما تجوزُ شهادةُ الواحدِ من الذكورِ في الدَّينِ؛ لأن شهادةَ كلِّ واحدةٍ (^٦) منهما منفردةً غيرُ جائزةٍ فيما جازت فيه من الدُّيونِ، إلا باجتماعِ اثنتين على شهادةِ واحدٍ، وتصيرُ شهادتُهما حينئذٍ بمنزلةِ\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ١٩٤.\n(^٢) في ص، س، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أن تضل\".\n(^٣) في م: \"ليعجبني\".\n(^٤) سقط من: الأصل: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو. المصدر السابق.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"واحد\".","vol":"5","page":88},{"text":"شهادةِ واحدٍ من الذكورِ. فكأنَّ كلَّ واحدةٍ منهما - في قولِ مُتَأَوِّلى ذلك بهذا المعنى - صيَّرتْ صاحبتَها معها ذَكَرًا، وذهَب إلى قولِ العربِ: لقد أذْكَرتُ بفلانٍ أمُّه، أي: ولَدته ذَكَرًا، فهي تُذْكِرُ به، وهى امرأةٌ مُذكِرٌ (^١)، إذا كانت تَلِدُ الذُّكورَ مِن الأولادِ. وهذا قولٌ يُرْوَى عن سفيانَ بن عُيَيْنَةَ أنه كان يقولُه.\nحُدِّثتُ بذلك عن أبي عُبيدٍ القاسمِ بن سلَّامِ أنه قال: حُدِّثتُ عن سفيانَ بن عُيَيْنَةَ أنه قال: ليس تأويل قولِه: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾. من الذِّكْرِ بعدَ النسيانِ، إنما هو من الذَّكَرِ، بمعنى أنها إذا شهِدت مع الأخرى صارت شهادتُهما كشهادةِ الذَّكَرِ (^٢).\nوكان (^٣) آخَرون منهم يُوَجِّهونه إلى أنه بمعنى الذِّكْرِ بعدَ النسيانِ.\nوقرَأ ذلك آخرون (^٤): ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾. بكسرِ (إن) مِن قولِه: (إِنْ تَضِلَّ)، ورفعِ (تُذَكِّرُ) [وتشديدِ كَافِه] (^٥)، بمعنى ابتداءِ الخبرِ عمَّا تَفْعَلُ المرأتان إن نسِيت إحداهما شهادتَها [وذكَّرتها] (^٦) الأخرى، من تثبيتِ الذاكرةِ الناسيةَ [وتذكيرِها] (^٧) ذلك، وانقطاعِ ذلك عما قبلَه.\nومعنى ذلك (^٨) عندَ قارئى ذلك كذلك: واسْتَشْهِدوا شهيدين من رجالِكم،\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مذكرة\".\n(^٢) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٢٩٣، والقرطبي في تفسيره ٣/ ٣٩٧.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قال\".\n(^٤) هو حمزة. ينظر السبعة الموضع السابق.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣ س: \"وتشديده كأنه\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت: \"وذكرها\"، وفى م: \"تذكرها\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وتنكيرها\".\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الكلام\".","vol":"5","page":89},{"text":"فإن لم يكونا رجلين، فرجلٌ وامرأتان ممَّن تَرْضَوْن من الشهداءِ، فإنَّ إحداهما إن ضلَّت ذَكَّرتها الأخرى. على استئنافِ الخبرِ عن فعلِهما (^١) إن نسِيت إحداهما شهادتَها، مِن تذكيرِ الأخرى منهما صاحبتَها الناسيةَ.\nوهذه قراءةٌ كان الأعمشُ يَقْرَؤُها (^٢) ومَن أخَذها عنه، وإنما نصَب الأعمش (تَضِلَّ)؛ لأنها في محلِ جزمٍ بحرفِ الجزاءِ، وهو (إن). فتأويلُ (^٣) الكلامِ على قراءتِه: إن تَضْلِلْ. فلمَّا انْدَغَمت إحدى اللاميْنِ في الأخرى، حرَّكَها إلى أخفِّ الحركاتِ، ورفَع (^٤) (تذكِّرُ) بالتاءِ (^٥)؛ لأنه جوابُ الجزاءِ بالفاءِ (^٦).\nوالصوابُ من القراءةِ عندَنا في ذلك قراءةُ مَن قرَأه بفتحِ ﴿أَنْ﴾ من قولِه: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾. وبتشديدِ الكافِ من قولِه: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾. ونصبِ الراءِ منه، بمعنى: فإن لم يكونا رجلين، فَلْيَشْهَدْ رجلٌ وامرأتان، كي إن ضلَّت إحداهما ذكَّرتها الأخرى.\nوأمَّا نصبُ ﴿فَتُذَكَّرَ﴾ فبالعطفِ على ﴿تَضِلَّ﴾، وفُتِحت ﴿أَنْ﴾ لحُلُولِها (^٧) محلَّ \"كى\"، وهي في موضعِ جزاءٍ، والجوابُ بعده، اكتفاءً بفتحِها، أعنى بفتح ﴿أَنْ﴾ من \"كى\"، ونسَق بالثاني، أعنى ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ على\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ت ٣، س: \"فعلها\".\n(^٢) ينظر البحر المحيط ٢/ ٣٤٨.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تأويله\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وقع\".\n(^٥) في م: \"بالفاء\".\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بحلولها\".","vol":"5","page":90},{"text":"﴿تَضِلَّ﴾؛ ليُعْلَمَ أن الذي قام مقامَ ما كان يَعْمَلُ فيه وهو ظاهرٌ، قد دلَّ عليه وأدَّى عن معناه وعملِه، أعنى (^١) عن \"كى\".\nوإنما اخترنا ذلك في القراءةِ لإجماعِ الحجَّةِ من قُدَماءِ القَرَأةِ والمتأخرين على ذلك، وانفرادِ الأعمشِ ومَن قرَأ قراءتَه في ذلك بما انْفَرد به عنهم، ولا يجوزُ تركُ قراءةٍ جاء بها المسلمون مستفيضةً بينهم إلى غيرِها.\nوأمَّا اختيارُنا ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ بتشديدِ الكافِ؛ فلأنه بمعنى ترديدِ (^٢) الذِّكْرِ من إحداهما على الأخرى، وتعريفِها إيَّاها (^٣) ذلك لتَذْكُرَ، فالتشديدُ به أوْلى من التخفيفِ.\nوأمَّا ما حُكِى عن ابن عُيَيْنَةَ من التأويلِ الذي ذكَرناه، فتأويلٌ خطأٌ لا معنى له؛ لوجوهٍ شتى: أحدُها: أنه خلافٌ لقولِ جميعِ أهلِ التأويلِ.\nوالثاني: أنه معلومٌ أنَّ ضلالَ إحدى المرأتين في الشهادةِ التي شهِدت عليها، إنما هو ذهابُها (^٤) عنها ونسيانُها إيَّاها، كضلالِ الرجلِ في دينِه، إذا تحيَّر فيه فعدَل عن الحقِّ، وإذا صارت إحداهما بهذه الصفةِ، فكيف يجوزُ أن تُصيِّرَها (^٥) الأخرى ذَكَرًا معها، مع نسيانِها شهادتها وضلالِها فيها، والضالَّةُ منهما في شهادتِها حينئذٍ لا شكَّ أنها إلى التذكيرِ أحوجُ منها إلى الإذكارِ. إلا أن يكونَ أراد أن الذاكرةَ إذا ضعُفت صاحبتُها عن ذكر شهادتِها، شحَذَتها (^٦) على ذكرِ ما ضعُفت عن ذكرِه فنسِيته،\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أي\".\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣: \"تودية\"، وفى م: \"تأدية\"، وفى س: \"درية\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بإنهاء\".\n(^٤) في ص، ت ١، س: \"خطابها\"، وفى م: \"خطؤها\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تصير\".\n(^٦) في م: \"ستجرئها\"، وفى ت ١: \"ستجدها\". وشحذتها: قوتها. التاج (ش ح ذ).","vol":"5","page":91},{"text":"فقوَّتها (^١) بالذكرِ، حتى صيَّرتها كالرجلِ في قوَّتِها في ذكرِ ما ضعُفت عن ذكرِه من ذلك، كما يقالُ للشيءِ القويِّ في عملِه: ذَكَرٌ. وكما يقالُ للسيفِ الماضي في ضربتِه: سيفٌ ذَكَرٌ. ورجُلٌ ذَكَرٌ، يُرادُ به ماضٍ في عملِه، قويُّ البطشِ، صحيحُ العزمِ. فإن كان ابن عُيينةَ هذا أراد، فهو مذهبٌ من مذاهبِ تأويلِ ذلك، إلا أنه إذا تُؤوِّل كذلك، صار تأويلُه إلى نحوِ تأويلِنا الذي تَأَوَّلْناه فيه، وإن خالَفت القراءةُ بذلك المعنى القراءةَ التي اخْتَرناها، بأن تصيرَ (^٢) القراءةُ حينئذٍ الصحيحَ (^٣) بالذي اختار قراءتَه من تخفيفِ الكافِ من قولِه: (فَتُذْكِرَ). ولم نَعْلَمْ أحدًا تأوَّل ذلك كذلك، فنسْتَجِيزَ (^٤) قراءتَه كذلك بذلك المعنى.\nفالصوابُ في قراءتِه (^٥) إذا كان الأمرُ على ما وصفنا ما اخْتَرْنا (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-1070>ذكرُ من تأوَّل قولَه: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾. نحوَ تأويلنِا الذي قلنا فيه</span>\nحدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾: علِم اللهُ أن ستكونُ حقوقٌ، فأخَذ لبعضِكم (^٧) من بعضٍ الثقةَ، فخُذوا بثقةِ اللهِ، فإنه أطوعُ لربِّكم،\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"فقوته\".\n(^٢) في ص: \"يعين\"، وفى م، ت ١: \"تغير\".\n(^٣) في ص، م، ت ٢، س: \"الصحيحة\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣ س: \"ويستحب\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قوله\".\n(^٦) في الأصل: \"أخبرناه\"، وفى س: \"أخذناه\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لبعضهم\".","vol":"5","page":92},{"text":"وأدرَكُ لأموالِكم، ولعَمْرِي لئن كان تقيًّا لا يَزِيدُه الكتاب إلا خيرًا، وإن كان فاجرًا فبالحَرَى أن يُؤَدِّيَ إذا علم أن عليه شُهودًا.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾. يقولُ: أن تنسى إحداهما فتُذَكِّرَها الأخرى (^١).\nحدَّثني موسىُ بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾. يقولُ: تنسى إحداهما الشهادةَ، فَتُذكِّرَها الأخْرَى (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾. يقولُ: أن تَنْسَى إحداهما فَتُذَكِّرَها الأخرى (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾. قال: [إن أخطأتِ الشهادةَ فذكَّرتها الأُخرى. قال: و(تُذَكِّرُ)، فـ (تُذكِرُ) قال] (^٤): كلاهما لغةٌ، وهما سواءٌ، ونحن نَقْرَأُ: ﴿فَتُذَكِّرَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1071>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في الحالِ التي نَهى اللهُ الشهداءَ عن إباءِ الإجابِة إذا دُعوا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٢ عقب الأثر (٢٩٩٢) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٢ عقب الأثر (٢٩٩٢) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٢ عقب الأثر (٢٩٩٢) معلقا.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"5","page":93},{"text":"بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: معناه: ولا يَأْبَ الشهداءُ أَن يُجيبوا إِذا دُعُوا لِيَشْهَدُوا على الكتابِ والحقوقِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1072>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾: كان الرجلُ يَطُوفُ في الحِواءِ (^١) العظيمِ فيه القومُ، فيَدْعُوهم إلى الشهادةِ، فلا يَتْبَعُه أحدٌ منهم. قال: وكان قتادةُ يَتَأَوَّلُ هذه الآيةَ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. ليَشْهَدُوا لرجلٍ على رجلٍ (^٢).\nحدِّثتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. قال: كان الرجلُ يَطُوفُ في القومِ الكثيرِ، يَدْعُوهم ليُشْهِدَهُم (^٣)، فلا يَتْبَعُه أحدٌ منهم، فأنْزَل الله ﷿: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. قال: لا تَأْبَ أَن تَشْهَدَ إِذا دُعِيت إلى شهادة (^٥).\nوقال آخرون بمثلِ معنى هؤلاءِ، إلا أنهم قالوا: إنما (^٦) يجِبُ فرضُ ذلك على مَن دُعِى للإشهادِ على الحقوقِ إذا لم يُوجَدْ غيرُه، فأما إذا وجِد غيرُه، فهو في الإجابةِ إلى\n_________\n(^١) الحواء: بيوت مجتمعة من الناس على ماء، والجمع: أحوية. النهاية ١/ ٤٦٥.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ليشهدوا\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٣ (٣٠٠١) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٠.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"5","page":94},{"text":"ذلك مُخَيرٌ، إن شاء أجاب وإن شاء لم يُجِبْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1073>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن جابرٍ، عن الشعبيِّ، قال: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. قال: إن شاء شهدِ، وإن شاء لم يَشْهَدْ، فإذا لم يوجَدْ غيرُه شهِد (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ولا يَأْبَ الشهداءُ إذا ما دُعُوا للشهادةِ على مَن أراد الداعي إشهادَه عليه، وللقيامِ بما عندَه من الشهادةِ من الإجابةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1074>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عامرٍ، عن الحسنِ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. قال: قال الحسنُ: الإقامةُ والشهادةُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾: كان الحسنُ يَقُولُ: جَمَعَت أمرين: لا تَأْبَ إِذا كانت عندَك شهادةٌ أن تَشْهَدَ، ولا تَأبَ إذا دُعيتَ إلى شهادةٍ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. يَعْنى: مَن احتيج إليه من المسلمين شهِد على شهادةٍ، أو (^٣) كانت عنده شهادةٌ (^٤)، فلا يَحِلُّ له أن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٧٢ من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٣ (٢٩٩٩) من طريق جابر به\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٠.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"إن\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"5","page":95},{"text":"يَأبى إذا ما دُعِى (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، عن يُونسَ، عن الحسنِ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. قال: لإقامتِها [ولابتدائِها] (^٢)، إذا دعَاه ليُشْهِدَه، وإذا دعاه ليُقيمها (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يَأْبَ الشهداءُ إذا ما دُعُوا للقيامِ بالشهادةِ التي عندَهم للداعى، من إجابتِه إلى القيامِ بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1075>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. قال: إذا شهِد.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. قال: إذا كانوا قد شهِدوا قبل ذلك (^٤).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. يَقُولُ: إذا كانوا قد شهِدُوا (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٣ (٣٠٠٢)، والبيهقى ١٠/ ١٦٠ من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ولا يبدأ بها\"، وفى م: \"ولا يبذأ بها\"، وفى س: \"ولا تبدأ بها\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٧١ من طريق يونس به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٧٣ من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٥) في الأصل، ص، م، ت ١: \"أشهدوا\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٧٣ عن وكيع به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١١٠ عن سفيان به.","vol":"5","page":96},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. قال: إذا كانت عندَك شهادةٌ فدُعيتَ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: ثنا ليثٌ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. قال: إذا كانت عندَك (^٢) شهادةٌ فأقِمْها، فإذا دُعيت لتَشْهَدَ، فإن شئْتَ فاذْهَبْ، وإِن شِئْتَ فلا تَذْهَبْ (^٣).\nحدثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ الصَّبَّاح، عن عمرانَ بن حُدَيرٍ (^٤)، قال: قُلْتُ لأبي مِجْلَرٍ: ناسٌ يَدْعُونَنى لأشْهَدَ بينَهم، وأنا أَكْرَهُ أَن أَشْهَدَ بينَهم؟ قال: دَعْ ما تَكْرَهُ، فإذا أُشْهِدْتَ (^٥) فأجِبْ إذا دُعِيت (^٦).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: الشاهدُ بالخيارِ ما لم يُشْهَدْ (^٧).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن يونسَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. قال: لإقامةِ الشهادةِ (^٨).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٦٢ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٧/ ٧٠ عن ابن علية به، ولفظ ابن أبي شيبة: فقد دعيت.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٣ عقب الأثر (٢٩٩٩) معلقًا.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"جرير\".\n(^٥) في م: \"شهدت\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٧١، ٧٢ من طريق عمران به.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٧٢ عن وكيع به وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٣ (٣٠٠٠) من طريق جابر به.\n(^٨) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٦٠ - تفسير) عن هشيم به.","vol":"5","page":97},{"text":"عامرٍ، عن عطاءٍ، قال: في إقامةِ الشهادةِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا أبو عامرٍ المزنيُّ، قال: سمِعتُ عطاءً يقولُ: ذلك في إقامةِ الشهادةِ. يعنى قولَه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا أبو حُرَّةً (^٢)، أخبرَنا عن الحسنِ أنه سأَله سائلٌ قال: أُدْعَى إلى الشهادةِ وأنا أكْرَهُ أن أَشْهَدَ عليها؟ قال: فلا تُحِبْ إِن شِئتَ (^٣).\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةً، قال: سأَلتُ إبراهيم قلتُ: أُدْعَى إلى الشهادةِ وأنا أخافُ أن أنسى؟ قال: فلا تَشْهَدْ إن شِئْتَ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عامرٍ، عن عطاءٍ، قال: للإقامةِ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شَريكٍ، عن سالمٍ الأفْطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. قال: إذا كانوا قد شَهِدوا (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بن نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن شريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. قال: هو الذي عندَه\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٥٩ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٢) في م، س: \"مرة\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٦٥ - تفسير) عن هشيم به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٥٥٦٢) من طريق أبي حرة به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٥٥٦١)، وسعيد بن منصور في سننه (٤٦٤ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٦١ - تفسير) عن شريك به.","vol":"5","page":98},{"text":"الشهادةُ (^١).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ قولَه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. يقولُ: لا يَأْبَ الشاهدُ أن يَتَقدمَ فَيَشْهَدَ إذا كان فارِغًا (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. قال: هم الذين قد شهدوا. قال: ولا يَضُرُّ إنسانًا أن يأبى أن يَشْهَدَ إن شاء. قال: قُلْتُ لعطاءٍ: ما شأنُه إِذا دُعِى أَن يَكْتُبَ وجَب عليه ألا يأبى، وإذا دُعِى أن يَشْهَدَ لم يَجِبْ عليه أن يشهد إن شاء؟ قال: كذلك يَجِبُ على الكاتبِ أن يَكْتُبَ، ولا يَجِبُ على الشاهِدِ أَن يَشْهَدَ إِن شاء، الشهداءُ كثيرٌ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. قال: إذا شهِد فلا يَأْبَ إِذا دعِى أَن يَأْتِيَ يُؤَدِّي شَهادتَه ويُقيمُها (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ﴾. قال: كان الحسنُ يتأوَّلُها: إذا كانت عنده شهادةٌ فدُعِى ليُقيمَها (^٥).\nحدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، قال: إذا كتب الرجلُ شهادَتَه،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٧٢، والبغوى في الجعديات (٢١٨١) من طريق شريك به.\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٣٥٠ بنحوه.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٥٥٦٠) عن ابن جريج به مختصرًا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٢ (٢٩٩٧) من طريق ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد، عن زيد بن أسلم بنحوه.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (تفسير - ٤٦٣) من طريق يونس، عن الحسن بنحوه.","vol":"5","page":99},{"text":"أو أُشْهِدَ الرجلُ فشهِد، والكاتبُ الذي يَكْتُبُ الكتابَ، إذا دُعُوا إلى مقطعِ الحقِّ، فعليهم أن يُجيبوا، وأن يَشْهَدوا بما أُشْهدُوا عليه (^١).\nوقال آخرون: هو أمرٌ مِن اللهِ ﷿ الرجلَ والمرأةَ بالإجابة إذا دُعِى ليَشْهَدَ على ما لم يُشْهَدْ عليه من الحقوقِ ابتداءً، لا لإقامةِ الشهادةِ، ولكنه أمرُ ندْبٍ لا فرضٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1076>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو العالية العبديُّ إسماعيلُ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا أبو قتيبةَ، عن فُضيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ العوفيِّ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. قال: أمِرت أن تَشْهَدَ، فإن شِئتَ فاشْهَدْ، وإن شئت فلا تَشْهَدْ.\nحدَّثني أبو العاليةِ، قال: ثنا أبو قتيبةَ، عن محمدِ بن ثابتٍ العبديِّ (^٢)، عن عطاءٍ بمثلِه (^٣).\nوأولى هذه الأقوالِ بالصواب قولُ مَن قال: معنى (^٤) ذلك: ولا يَأْبَ الشهداءُ مِن الإجابةِ إذا دُعُوا لإقامةِ الشهادةِ وأدائِها عندَ ذى سلطانٍ أو حاكمٍ، يَأْخُذُ مِن الذي عليه ما عليه للذي هو له.\nوإنما قُلْنا: هذا القولُ بالصوابِ أولى في ذلك مِن سائرِ الأقوالِ غيرِه؛ لأن الله تعالى ذكرُه قال: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. فإنما أمَرهم بالإجابةِ للدعاءِ\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٣٥٠.\n(^٢) في النسخ: \"العصرى\". والمثبت من سنن سعيد بن منصور. وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٥٥٤.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سنته (٤٥٨ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٧/ ٧٢ من طريق محمد بن ثابت به.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"5","page":100},{"text":"للشهادةِ، وقد ألزَمهم اسمَ الشهداءِ، وغيرُ جائزٍ أن يُلْزِمَهم اسمَ الشهداءِ إلا وقد اسْتُشهدوا قبلَ ذلك، فشهِدوا على ما لزِمَهم بشهادتِهم عليه اسمُ الشهداءِ، فأما قبلَ أن يُسْتَشْهَدُوا فيشهَدوا (^١) [على شيءٍ] (^٢)، فغيرُ جائزٍ أن يُقَالَ لهم: شهداءُ، لأن ذلك الاسمَ لو كان يَلْزَمُهم ولمَّا يُسْتَشْهَدُوا على شيءٍ يَسْتَوجِبُون بشهادتِهم عليه هذا الاسمَ، لم يكنْ على الأرضِ أحدٌ له عقلٌ صحيحٌ إلا وهو مُسْتَحِقٌّ أن يُقالَ له (^٣): شاهدٌ. بمعنَى أنه سيَشْهَدُ، أو أنه يَصْلُحُ لأنْ يَشْهَدَ، فَإِنْ كان خطأً أن يُسَمَّى بذلك الاسمِ إلا مَن عنده شهادةٌ لغيرِه، أو مَن قد قام بِشهادةٍ فلزِمه لذلك هذا الاسمُ، كان معلومًا أن المعنيَّ بقولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ مَن وصَفْنا صفته، ممن قد اسْتُرعِىَ شهادةً أو شهِد فدُعِى إلى القيامِ بها؛ لأن الذي لم يُسْتَشْهَدْ ولم يُسْتَرعَ شهادةً قبلَ الإشهادِ، غيرُ مستحقٍّ اسمَ شهيدٍ ولا شاهدٍ؛ لما قد وصَفنا قبلُ.\nمع أنّ في دخُولِ الألفِ واللامِ في ﴿الشُّهَدَاءُ﴾ دلالةً واضحةً على أنَّ المعْنِيَّ (^٤) بالنهيِ عن تركِ الإجابةِ للشهادةِ، أشخاصٌ معلُومُون قد عُرِفوا بالشهادةِ، وأنهم الذين أمَر اللهُ ﷿ أهلَ الحقوق باستشهادِهم بقولِه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾. وإذ كان ذلك كذلك، كان معلومًا أنهم إنما أُمِرُوا بإجابةِ داعيهم لإقامةِ شهادتِهم بعدَ ما اسْتُشْهِدُوا فشَهِدوا، ولو كان ذلك أمرًا لمن اعْتُرِض مِن الناسِ، فدُعِى إلى الشهادةِ يَشْهَدُ (^٥) عليها، لقيل: ولا يَأْبَ شاهدٌ إذا ما دُعِى.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في س: \"قبل\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المسمى\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فشهد\".","vol":"5","page":101},{"text":"غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، فإن الذي نقولُ به في الذي يُدْعَى لِشهادةٍ يَشْهَدُ عليها إذا كان بموضعٍ ليس به سواه ممّن يَصْلُحُ للشهادةِ، فإن الفرضَ عليه إجابةُ داعِيه إليها، كما فَرْضٌ على الكاتبِ إذا اسْتُكتب بموضعٍ لا كاتبَ به سواه، ففَرْضٌ عليه أن يَكْتُبَ، كما فَرْضٌ على مَن كان بموضعٍ لا أحدَ به سواه يَعْرِفُ الإيمانَ وشرائعَ الإسلامِ، فحضَره جاهلٌ بالإيمان وبفرائضِ اللهِ، فسأله تعليمَه وبيانَ ذلك له أن يُعَلِّمَه وبيِّنَه له. ولم نُوجبْ ما أوجَبْنا على الرجلِ مِن الإجابةِ للشهادةِ إذا دُعى ابتداءً لِيَشهد على ما يُسْتَشهدُ (^١) عليه بهذه الآيةِ، ولكن بأدلةٍ سواها، وهى ما ذكَرْنا. [وإنَّ] (^٢) فرضًا (^٣) على الرجلِ إحياءُ ما قدَر على إحيائِه من حقِّ أخيه المسلمِ.\nوالشهداءُ جمعُ شهيدٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1077>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ولا تَسْأموا أيّها الذين تُداينون الناسَ إلى أجلٍ أن تَكْتُبوا صغيرَ الحقِّ، يعْني قليلَه، أو كبيرَه، يَعْني: أو كثيرَه، ﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾، يعنى (^٤): إلى أجلِ الحقِّ، فإن الكتابَ أحْصَى (^٥) للأجلِ والمالِ.\nكما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن شَريكٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾. قال: هو [الحَقُّ الذي بينَهما] (^٦)، الدَّينُ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أشهد\".\n(^٢) في م: \"وقد\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فرضنا\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٥) في حاشية الأصل: \"في الأم: إحصاء\".\n(^٦) سقط من: م.","vol":"5","page":102},{"text":"ومعنى قولِه: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا﴾: لا تَمَلُّوا. يقالُ منه: سئِمتُ فأنا أَسْأَمُ سآمةً وسَأْمةٌ، ومنه قولُ لَبيدٍ (^١):\nولقد سَئِمْتُ مِن الحياةِ وطُولِها … وسؤالِ هذا الناسِ: كيف لَبيدُ\nيعْني: ملَلتُ.\nوقولُ زهيرٍ (^٢):\nسَئِمْتُ تكاليف الحياة ومن يَعِشْ … ثمانينَ حَوْلًا (^٣) لا أبا لَكَ يَسْأَمِ\nوقال بعضُ نحويِّى البصريين: تأويلُ قولِه: ﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾: إلى أجلِ الشاهِدِ. ومعْناه: إلى الأجلِ الذي لا (^٤) تجُوزُ شهادتُه فيه.\nوقد بينَّا القولَ [في ذلك] (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1078>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.</span>\nيعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿ذَلِكُمْ﴾: اكتتابُ كتابِ الدَّيْنِ إلى أجلِه. ويعنى بقولِه: ﴿أَقْسَطُ﴾: أعدلُ عندَ اللهِ. يُقال منه: أقسَط الحاكمُ فهو يُقْسِطُ إقساطًا وهو مُقْسِطٌ. إذا عدَل في حكمِه، وأصاب الحقَّ فيه. فإذا جار، قيل: قسَط فهو يَقْسِطُ قُسوطا؛ ومنه قولُ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]. يعنى الجائرين.\n_________\n(^١) ديوانه ص ٣٥.\n(^٢) شرح ديوانه ص ٢٩.\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"عاما\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣، س: \"فيه\" وينظر ما تقدم في ص ٦٩ وما بعدها.","vol":"5","page":103},{"text":"وبمثل ما قُلْنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1079>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قوله: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. يقولُ: أعدلُ عندَ اللهِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1080>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وأصوبُ للشهادةِ. وأصلُه مِن قولِ القائلِ: أقمتُه مِن عِوَجه. إذا سوَّيتَه فاستوَى.\nوإنما كان الكتابُ أعدلَ عندَ اللهِ، وأصوبَ لشهادةِ الشهودِ على ما فيه؛ لأنه يَحْوِى الألفاظَ التي أقرَّ بها البائعُ والمشترى وربُّ الدَّينِ، والمستدينُ على نفسِه، فلا يَقَعُ بين الشهودِ اختلافٌ في ألفاظِهم بِشهاداتِهم؛ لاجتماعِ شهاداتِهم على ما حواه الكتابُ، وإذا اجتمَعت شهاداتُهم على ذلك، كان فصلُ الحكمِ بينَهم أبْيَن لمن احْتُكِم إليه مِن الحكامِ، مع غيرِ ذلك مِن الأسبابِ، وهو أعدلُ عندَ اللهِ؛ لأنه قد أمرَ، به، واتباعُ أمرِ اللهِ لا شكَّ أنه عندَ اللهِ أقسطُ وأعدلُ مِن تركِه والانحرافِ عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1081>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾.</span>\nيعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَأَدْنَى﴾: وأقربُ، من الدُّنُوِّ وهو القربُ.\nويَعْنى بقولِه: ﴿أَلَّا تَرْتَابُوا﴾: مِن ألا تَشُكُّوا في الشهادةِ.\nكما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ذلك ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾. يقولُ: ألا تشكُّوا في الشهادةِ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٤ (٣٠٠٧) من طريق عمرو به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٥ عقب الأثر (٣٠١٢) من طريق عمرو بن حماد به.","vol":"5","page":104},{"text":"وهو \"تفتعلوا\" (^١) من الرِّيبةِ.\nومعنى الكلامِ: ولا تمَلُّوا أيُّها القومُ أن تَكْتُبوا الحقَّ الذي لكم قِبَلَ مَن دايَنتُموه مِن الناسِ إلى أجلٍ، صغيرًا كان ذلك الحقُّ [أو كبيرًا] (^٢)، فإن كتابَكم ذلك أعدلُ عندَ اللهِ، وأصوبُ لشهادةِ شهودِكم عليه، وأقربُ لكم ألا تشكُّوا فيما يشهدُ به شهودُكم عليكم مِن الحقِّ والأجلِ إذا كان مكتوبًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1082>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ [تِجَارَةً حَاضِرَةً] (^٣) تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾.</span>\nثم استثنى جلَّ ثناؤه مما نهاهم أن يَسْأَموه من اكتتابِ كتبِ حقوقِهم على غرمائِهم من الحقوقِ التي لهم عليهم، ما وجَب لهم قِبَلَهم من حقٍّ، عن مبايعةٍ بالنقودِ الحاضرةِ يدًا بيدٍ، فرخَّص لهم في تركِ اكتتابِ الكتبِ بذلك؛ لأن كلَّ واحدٍ منهم، أعنى مِن الباعةِ والمشترين، يَقْبِضُ إذا كان التواجبُ بينهم فيما تبايعوه (^٤) نقدًا (^٥)، ما وجَب له قِبَلَ مُبايعيه قبلَ المفارقةِ، فلا حاجةَ بهم في ذلك إلى اكْتِتابِ أحدِ الفريقَين على الفريقِ الآخرِ كتابًا بما وجَب لهم قِبلَهم، وقد تقابَضوا الواجبَ لهم عليهم، فلذلك قال تعالى ذكرُه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾. لا أجلَ فيها ولا تأخيرَ ولا ثُنيا (^٦)، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾. يقولُ: فلا حرجَ عليكم ألا تَكْتُبوها. يعنى التجارةَ الحاضرةَ.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، س: \"تفعيل\"، وفى م: \"تفتعل\".\n(^٢) في الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"قليلًا أو كثيرًا\"، وكتب مقابله في حاشية الأصل: \"كبيرًا\".\n(^٣) ضبطها في الأصل: \"تجارةُ حاضرةٌ\". بالرفع، وهى القراءة التي اختارها المصنف كما سيأتي.\n(^٤) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"يتبايعونه\"، وفى ت ١، س: \"يبايعونه\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣ س: \"بعد\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت: \"نساء\"، وفى س: \"شيا\".","vol":"5","page":105},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1083>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾. يقولُ: معكم بالبلدِ تديرونها (^١)، فتأخُذُ وتُعطِى، فليس على هؤلاء جناحٌ ألا يَكْتُبوها (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾. قال: أَمَر اللهُ أَلا تَسْأَموا أن تَكْتُبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجلِه، وأمَر ما كان يدًا بيد أن يُشْهدَ عليه؛ صغيرًا كان أو كبيرًا، ورخَّص لهم ألا يَكْتُبوه (^٣).\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته قرأةُ الحجازِ والعراقِ وعامةُ القرأةِ: (إلا أن تَكُونَ تجارَةٌ حَاضِرَةٌ) بالرفعِ (^٤). وانْفَرد بعضُ قرأةِ الكوفيين بقراءتِه (^٥) بالنصبِ، [فقرأ: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾] (^٦). وذلك وإن كان جائزًا في العربيةِ، إذ كانت العربُ تَنْصِبُ النكراتِ المَنْعوتاتِ (^٧) مع \"كان\"، وتُضْمِرُ معها في \"كان\" مجهولًا، فتقولُ: إن كان طعامًا طيبًا فأتِنا به. وتَرْفَعُها فتَقولُ: إن كان طعامٌ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"ترونها\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٥ (٣٠١٥) من طريق عمرو به مختصرا.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٦ عقب الأثر (٣٠٢٠) معلقًا.\n(^٤) زيادة من: م.\nوهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٩٤.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ \"فقرأته\"، وفى م: \"فقرأه\".\n(^٦) سقط من: م، س.\nوقراءة النصب هي قراءة عاصم. المصدر السابق.\n(^٧) في ص: \"المبعوثان\"، وفى م، ت ٢: \"والمنعوتات\"، وفى س: \"المتبوعات\".","vol":"5","page":106},{"text":"طيبٌ فأْتِنا به. فتُتْبِعُ النكرةَ خبرَها بمثلِ إعرابِها - فإن الذي أخْتارُ من القراءةِ، ثم لا أَسْتَجِيزُ القراءةَ بغيرِه، الرفعُ في \"التجارة الحاضرة\"؛ لإجماع القرأةِ على ذلك، وشذوذِ مَن قرَأ ذلك نَصْبًا عنهم، ولا يُعْتَرَضُ بالشاذِّ على الحُجَّةِ (^١). ومما جاء نصبًا (^٢) قولُ الشاعرِ (^٣):\nأعَينيَّ هَلَّا تَبْكيانِ عِفَاقَا (^٤) … إذا كان طَعْنًا بينَهم وعِنَاقا\nوقولُ الآخرِ (^٥):\nوللَّهِ قَومى أَيُّ قَوْمِ لِحُرَّةٍ … إذا كان يَوْمًا ذا كواكبَ أَشْنَعا\nوإنما تَفْعَلُ العرب ذلك في النكراتِ؛ لما وصَفْنا من إتْباعِ أخبارِ النكِراتِ أسماءها، و\"كان\" من حكمِها أن يَكونَ معها مرفوعٌ ومنصوبٌ، فإذا رفَعوهما جميعًا (^٦) تذَكَّروا إتْباعَ النكرةِ خبرَها، وإذا نصبوها (^٧) تذكَّروا صُحبة \"كان\" مرفوعٍ ومنصوبٍ، ووجَدوا النكرةَ يَتْبَعُها خبرُها، فنصَبوا النكرةَ وأتبعوها خبرها] (^٨)، وأضْمَروا في \"كان\" مجهولًا؛ لاحتمالها الضميرَ.\n_________\n(^١) قراءة النصب متواترة كقراءة الرفع.\nوقد قال أبو جعفر النحاس: السلامة عند أهل الدين أنه إذا صحت القراءتان عن الجماعة ألا يقال: أحدهما أجود؛ لأنهما جميعا عن النبي ﷺ، فيأثم من قال ذلك، وكان رؤساء الصحابة ﵃ ينكرون مثل هذا. البرهان للزركشى ١/ ٣٤٠.\n(^٢) بعده في ص: \"في ذلك\".\n(^٣) معاني القرآن للفراء ١/ ١٨٦.\n(^٤) عفاق: اسم رجل أكلته باهلة في قحط أصابهم. اللسان (ع ف ق).\n(^٥) معاني القرآن للفراء ١/ ١٨٦، ونسبه سيبويه في الكتاب ١/ ٤٧ إلى عمرو بن شأس، ورواية الشطر الأول مختلفة عما هنا، ونسبه في اللسان (ك ون) إلى مقاس العائذى باختلاف أيضًا في الشطر الأول، والشطر الثاني بالرفع.\n(^٦) في ص: \"جميعها\"، وفى م: \"جميعهما\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نصبوهما\"\n(^٨) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"5","page":107},{"text":"وقد ظنَّ بعضُ الناسِ أن مَن قرَأ ذلك: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾. إنما قرَأه على معنَى: إلا أن يَكونَ الدَّيْنُ (^١) تجارةً حاضرةً. فزعَم أنه كان يَلْزَمُ قارئ ذلك أن يَقْرأ: يكون بالياءِ، وأغْفَل موضعَ صوابِ قراءتِه مِن جهةِ الإعرابِ، وألْزَمه غيرَ ما يَلْزَمُه. وذلك أن العربَ إذا ذكروا (^٢) مع \"كان\" نكرةً مؤنثًا بنعتِها أو خبرِها، أنَّثوا \"كان\" مرةً، وذكَّروها أخرى، فقالوا: إن كانت جاريةٌ صغيرةٌ فاشترُوها، وإن كان جاريةٌ صغيرةٌ فاشْتَرُوها، [وإن كانت جاريةً صغيرةً فاشترُوها، وإن كان جاريةً صغيرةً فاشترُوها] (^٣). تُذَكَّرُ \"كان\" - وإن نُصبت النكرةُ المنعوتةُ أو رُفِعت - أحيانا، وتُؤنَّثُ أحيانا.\nوقد زعم بعضُ نحويى البصرةِ أن قولَه: (إلا أنْ تَكونَ تجارَةٌ حاضرةٌ). مرفوعةٌ فيه التِّجارةُ الحاضِرةُ لأنَّ \"تكون\" بمعنى التَّمامِ، ولا حَاجةَ بها إلى الخَبرِ، بمعنى: إلا أن تُوجد أو تقع أو تحدُثَ. فألزَم نفسه ما لم يكنْ لها لازمًا؛ لأنه إنما ألزَم نفسَه ذلك، إذ لم يكنْ يجدُ لـ \"كان\" منصُوبًا، ووجَد التجارةَ الحاضرةَ مرفُوعةً، وأغفَلَ جَوازَ قولِه: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ أن يكون خبرًا لـ\"كان\"، فيسْتَغْنى بذلك عن إلزام نفسه ما ألزم.\nوالذي قال مَن حَكَيْنا قولَه من البصريين غيرُ خطأ في العربيَّةِ، غير أنَّ الذي قلناه بكلامِ العرب أشبهُ، وفى المعنى أصَحُّ، وهو أن يكونَ في قولِه: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾. وجهان؛ أحدُهما، [أنه في موضع نصبٍ على] (^٤) أنه حَلَّ محلَّ خبرِ \"كان\"، والتجارةُ الحاضرةُ اسمُها. والآخرُ، أنه في موضعِ رَفْعٍ على إتْباعِ التجارةِ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"جعلوا\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) سقط من: الأصل.","vol":"5","page":108},{"text":"الحاضرةِ؛ لأنَّ خبرَ النكرةِ يتبعُها، فيكونُ تأويلُه: إلا أن تكونَ تجارةٌ حاضرةٌ دائرةٌ بينكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1085>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤه: وأشْهِدوا على صغيرِ ما تَبايَعْتُم وكبيرِه مِن حقوقِكم؛ عاجلِ ذلك وآجلِه، ونقدِه ونَسائِه، فإنّ إرْخاصى لكم في تركِ اكْتِتابِ الكتبِ بينَكم، فيما كان مِن حقوقٍ تَجْرِى بينكم لبعضِكم مِن قِبَلِ بعضٍ، عن تجارةٍ حاضرةٍ دائرةٍ بينَكم يدًا بيد ونقدًا، ليس بإرخاصٍ منى لكم في تركِ الإشهادِ منكم على مَن بِعْتُموه شيئًا، أو ابْتَعْتُم منه؛ لأن في تركِكم الإشهادَ على ذلك خوفَ المَضَرَّةِ على كلا الفريقَين؛ أما ما على المُشْتَرى فأن يَجْحَد البائعُ البيعَ، وله بينةٌ على مُلْكِه ما قد باع، ولا بينةَ للمشترِى منه على الشراءِ منه، فيكونَ القولُ حينئذٍ قولَ البائعِ مع يمينِه ويُقْضَى له به، فيَذْهَبَ مالُ المشترِى باطلًا. وأما ما على البائعِ يَجْحَدَ المشترِى الشراءَ، وقد زال ملكُ البائعِ عما باع، ووجَب له قِبَلَ المُبتاعِ ثمنَ ما باع، فيُحْلِفَ على ذلك، ويبْطُلَ حقُّ البائعِ قِبَلَ المشترِى مِن ثمنِ ما باعه، فأمَر اللهُ ﷿ الفريقَين بالإشهادِ؛ لئلا يَضِيعَ حقٌّ أحدِ الفريقين قِبَلَ الفريقِ الآخرِ.\nثم اخْتَلَفوا في معنى قولِه: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. أهو أمرٌ مِنَ اللهِ واجبٌ بالإشهادِ عندَ المُبايَعةِ أم هو ندبٌ؟ فقال بعضُهم: هو ندبٌ، إن شاء أَشْهَد، وإن شاء لم يُشْهِدْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1084>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الربيعِ، عن الحسنِ، وسفيانَ (^١)، عن رجلٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. قالا (^٢): إِن شَاء أَشْهَد،\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"شقيق\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قال\".","vol":"5","page":109},{"text":"وإن شاء لم يُشْهِدْ، ألم تَسْمَعْ إلى قولِه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (^١)؟\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنْهالِ، قال: ثنا الربيعُ بنُ صبيحٍ، قال: قلتُ للحسنِ: أرأَيْتَ قولَ اللهِ ﷿: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾؟ قال: إن أشْهَدْتَ عليه فهو ثقةٌ للذى لك، وإن لم تُشْهد عليه فلا بأسَ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أَخْبَرَنا ابن المباركِ، عن الربيعِ بن صبيحٍ، قال: قلتُ للحسنِ: يا أبا سعيدٍ، قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. قلتُ: أبيعُ الرجلَ بنَقْدٍ (^٢)، وأنا أَعْلَمُ أنه لا يَنْقُدُنى (^٣) شهرين ولا ثلاثةً، أتَرَى بأسًا ألا أُشْهِدَ عليه؟ قال: إن أشْهَدْتَ فهو ثقةٌ للذى لك، وإن لم تُشْهِدْ فلا بأسَ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن داودَ، عن الشعبيِّ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. قال: إن شاءوا أَشْهَدوا، وإن شاءوا لم يُشْهِدوا.\nوقال آخَرون: الإشهادُ على ذلك واجبٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1086>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، [قال: ثنا إسحاقُ] (^٤)، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٩٥، ٩٧.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في م: \"ينقد\"، وفى س: \"ينفذ\".\n(^٤) سقط من: الأصل.","vol":"5","page":110},{"text":"تَكْتُبُوهَا﴾: ولكن أشْهِدوا عليها إذا تَبايَعْتُم، أمرَ اللهُ ما كان يدًا بيدٍ أن تُشْهدَ (^١) عليه، صغيرًا كان أو كبيرًا (^٢).\nحدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أَخْبَرَنا يزيدُ، قال: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ، قال: ما كان مِن بيعٍ حاضرٍ، فإن شاء أشْهَد، وإن شاء لم يُشْهِدْ، وما كان مِن بيعٍ إلى أجَلٍ، فأمَر اللهُ ﵎ أن يُكْتَبَ وأَن يُشْهدَ عليه، وذلك في المُقامِ.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن الإشهادَ على كلِّ مَبيعٍ ومُشْتَرى حقٌّ واجبٌ، وفرضٌ لازمٌ؛ لِمَا قد بَيَّنَّا مِن أن كلَّ أمرٍ للهِ ففرضٌ، إلا ما قامَت حُجَّتُه مِن الوجهِ الذي يَجِبُ التسليمُ له بأنه ندبٌ أو إرشادٌ.\nوقد دلَّلْنا على وَهْي (^٣) قولِ مَن قال: إنه منسوخٌ بقولِه: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾. فيما مضَى، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1088>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: ذلك نَهىٌ مِنَ اللهِ الكاتبَ الكتابَ بين أهلِ الحقوقِ وشهيدَه أن يُضارَّ أهلَه، فيَكْتُبَ هذا ما لم يُملِله المُمِلُّ، ويَشْهَدَ هذا بما لم يَسْتَشْهِده المستَشْهِدُ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1087>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعمرٌ، عن ابن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يشهد\"، وفى م: \"يشهدوا\".\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٦ عقب الأثر (٣٠٢٠) معلقا.\n(^٣) سقط من: م، ت ٢، ت ٣، وفى ص، ت ١: \"وهاء\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ٧٣ - ٨١.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الشهيد\".","vol":"5","page":111},{"text":"طاوسٍ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾: لا يُضَارُ كاتبٌ فيَكْتُب ما لم يُمَلَّ عليه، ولا شهيدٌ بما لم يُسْتَشْهَدْ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةً، عن يونُسَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ﴾ فَيَزِيدَ شيئًا أو يُحَرِّفَ، ﴿وَلَا شَهِيدٌ﴾ قال: لا يَكْتُمِ الشهادةَ، ولا يَشْهَدْ إلا بحقٍّ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، [قال: حدَّثنا سعيدٌ] (^٣)، عن قَتادةَ، قال: اتَّقَى الله شاهدٌ في شهادتِه، لا يَنْقُصْ منها حقًّا، ولا يَرِدْ (^٤) فيها باطلًا، اتَّقَى الله كاتبٌ في كتابِه، فلا يَدَعَنَّ منه حقًّا، ولا يَزِيدَنَّ فيه باطلًا (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. قال: لا يُضارَّ كاتبٌ فيَكْتُبَ ما لم يُملَل عليه، ولا شَهِيدٌ فيَشْهَدَ بما لم يَشْهَدْ (^٦).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أَخْبَرَنَا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ نحوه.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ١/ ٣٥٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٧ (٣٠٢٣) من طريق ابن علية به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"يزيد\".\n(^٥) أخرجه البيهقى ١٠/ ١٦١ من طريق سعيد به نحوه.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يستشهد\".\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٠، وفي مصنفه (١٥٥٦٣)، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٧ (٣٠٢٦).","vol":"5","page":112},{"text":"يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. قال: لا يُضارَّ كاتبٌ فيَكْتُبَ غيرَ الذي أُمْليَ عليه. قال: والكتَّابُ يومَئذٍ قليلٌ، ولا يَدْرُون أيَّ شيءٍ يُكْتَبُ، فيُضَارَّ فيَكْتُبَ غيرَ الذي أُمْلِي عليه فيُبطِلَ حقَّهم. قال: والشهيدُ يُضَارُ فَيُحَوِّلُ شهادتَه، فيُبْطِلُ حقَّهم (^١).\nفأصلُ الكلمةِ على تأويلِ من ذكَرْنا قولَه مِن هؤلاءِ: ولا يُضارِرْ كاتبٌ ولا شهيدٌ. ثم أُدْغِمَت الراءُ في الراءِ؛ لأنهما من جنسٍ، وحُرِّكَت إلى الفتحِ، وموضعُها جزمٌ؛ لأن الفتحَ أخفُّ الحركاتِ.\nوقال آخرون ممَّن تأوَّل هذه الكلمةَ هذا التأويلَ: معنى ذلك: ولا يُضَارِرْ كاتبٌ ولا شهيدٌ، بالامتناعِ على مَن دعاهما إلى أداءِ ما عندَهما مِن العلمِ والشهادةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1089>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. يقولُ: أن يُؤَدِّيا ما قِبْلَهما (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ قال: لا يُضارًا أن يُؤَدِّيا ما عندهما مِن العلمِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أَخْبَرَنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا\n_________\n(^١) ذكره الطوسى في التبيان ٢/ ٣٧٦، وابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٢٩٨ عن ابن زيد بنحوه.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١١ ومصنفه (١٥٥٦٤)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٧ (٣٠٢٤) عن الحسن به.","vol":"5","page":113},{"text":"شَهِيدٌ﴾. قال: أن يَدْعُوَهما فيقولا: إن لنا حاجةً (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ ومجاهدٍ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. قالا: واجبٌ على الكاتبِ أن يَكْتُبَ، ﴿وَلَا شَهِيدٌ﴾. قالا: إذا كان قد شهِد قِبَلَهُ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يُضَارَّ المُسْتَكْتِبُ والمُسْتَشْهدُ الكاتبَ والشهيدَ.\nوتأويلُ الكلمةِ على مذهبِهم: ولا يُضارَرْ. على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1090>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، عن ابن عُيَينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ، قال: كان عمرُ يَقْرَأُ: (ولا يُضارَرْ (^٣) كاتب ولا شهيدٌ) (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أَخْبَرَنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ، قال: كان ابن مسعودٍ يَقْرَأُ: (ولا يُضارَرْ) (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أَخْبَرَني عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ، عن مجاهدٍ أنه كان يقرؤُها: (ولا يُضارَرْ كاتبٌ ولا شهيدٌ) (^٦). وأنه كان يقولُ في تأويلِها: يَنْطَلِقُ الذي له الحقُّ، فَيَدْعُو\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٧ (٣٠٢٢)، والبيهقي ١٠/ ١٦٠ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) مصنف عبد الرزاق (١٥٥٦٠).\n(^٣) في ت ٢، س: \"يضار\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١١، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٦٦ - تفسير)، والبيهقى ١٠/ ١٦١ من طريق ابن عيينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٢ إلى سفيان وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٢ إلى المصنف. وينظر البحر المحيط ٢/ ٣٥٤.\n(^٦) وهى شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة. النشر ٢/ ٢٢٧، ٢٢٨.","vol":"5","page":114},{"text":"كاتبَه وشاهدَه إلى أن يَشْهَدَ، ولعله أن يَكونَ في شُغْلٍ أو حاجةٍ؛ لِيُؤَثِّمَه إن ترَك ذلك حينَئذٍ لشغلِه وحاجتِه. وقال مجاهدٌ: لا يُقَمْ عن شغلِه وحاجتِه، فيَجِدَ في نفسِه أو يحرجَ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾: والضِّرارُ أن يقولَ الرجلُ للرجلِ وهو عنه غنيٌّ: إن الله قد أمَرَك أَلا تَأبى إذا ما دُعِيتَ. فَيُضَارَّه بذلك، وهو مُكْتَفٍ بغيرِه، فنهاه اللهُ ﷿ عن ذلك وقال: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. يقولُ: إنه يكون للكاتبِ أو الشاهدِ حاجةٌ ليس منها بُدٌّ، فيقولُ: خَلُّوا سبيلَه.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن يونسَ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. قال: تكونُ به العِلَّةُ، أو يكونُ مَشْغُولًا، يقولُ: فلا يُضارَّه (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ أنه كان يقولُ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. يقولُ: لا تأتِ الرجلَ فتقولَ: انْطَلِق فاكتُبْ لى، واشْهَدْ لى. فيَقولُ: إن لى حاجةً فالتَمِسْ غيرى.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ١٠/ ١٦١ من طريق ابن جريج، عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه البيهقى ١٠/ ١٦٠ من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٧ عقب الأثر (٣٠٢٢) معلقًا.","vol":"5","page":115},{"text":"فيقولُ: اتقِ الله، فإنك قد أمِرتَ أن تَكْتُبَ لى. فهذه المضارَّةُ، ويَقُولُ: دَعْه والْتَمِسْ غيرَه، والشاهدُ بتلك المنزلةِ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. يقولُ: يَدْعُو الرجلُ الكاتبَ أو الشهيدَ، فيَقُولُ الكاتبُ أو الشهيدُ: إن لنا حاجةً. فَيَقُولُ الذي يَدْعُوهما: إن الله عزَّ ذكرُه أمَرَكما أن تُجيبَا في الكتابةِ والشهادةِ. يقولُ اللهُ جل ثناؤُه: لا يضارَّهما (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ في قولِه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾: هو الرجلُ يَدْعو الكاتبَ والشاهدَ وهما على حاجةٍ مهمةٍ، فيَقُولان: إِنَّا على حاجةٍ مهمةٍ فاطْلُبْ غيرَنا. فيَقُولُ: [واللهِ لقد أمَركما اللهُ أن تُجِيبا] (^٢). فأمَره أن يَطْلُبَ غيرَهما ولا يُضارَّهما، يَعْنى: ولا يَشْغَلهما عن حاجتِهما المهمةِ وهو يَجِدُ غيرَهما (^٣).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ قولَه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. يقولُ: ليس يَنْبَغِى أَن تَعْتَرِضَ رجلًا له حاجةٌ فتُضارَّه، فتقولَ له: اكْتُبْ لى. فلا تتْرُكُه حتى يكتبَ لك، وتُفَوِّته حاجتَه، ولا شاهدًا مِن شهودِك وهو مشغولٌ، فتَقُولُ: اذْهَبْ فَاشْهَدْ لى. فتحبِسُه عن حاجتِه وأنت تَحِدُ غيرَه (^٤).\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٧ عقب الأثر (٣٠٢٢) معلقًا.\n(^٢) في م: \"الله أمركما أن تجيبا\".\n(^٣) في الأصل: \"غيرها\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٧ عقب الأثر (٣٠٢٢) من طريق عمرو بن حماد به.","vol":"5","page":116},{"text":"حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. قال: لما نزَلت: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾. كان أحدُهم يَجِيءُ إلى الكاتب فيَقُولُ: اكْتُبْ لي. فَيَقُولُ: إنى مَشْغولٌ، أو: لى حاجةٌ، فَانْطَلِقُ إلى غيرى. فيَلْزَمُه ويقول: إنك قد أمرت أن تَكْتُبَ لى. فلا يَدَعُه، ويُضَارُّه بذلك وهو يَجِدُ غيرَه، ويأتى الرجلُ فيقولُ: انْطَلِقْ معى فأُشْهِدَك (^١). فيقولُ: انطلقْ إلى غيرِى، فإني مَشْغولٌ، أو: لى حَاجةٌ. فيَلْزَمُه ويَقُولُ: قد أمِرتَ أن تتَّبِعَني. فيُضَارُّه بذلك وهو يَجِدُ غيرَه، فأنزَل اللَّهُ ﷿: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبَرَنا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. يقولُ: إِنَّ لى حاجةً فدَعْنى. فيَقُولُ: لا (^٣)، اكْتُبْ لى. ولا شهيدٌ كذلك (^٤).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ولا يضارَرْ كاتبٌ ولا شهيدٌ. بمعنى: ولا يُضَارِرُهما مَن استَكْتَب هذا أو استشهَد هذا؛ بأن يأبى على هذا إلا أن يَكْتُبَ له وهو مشغولٌ بأمرِ نفسِه، ويَأبى على هذا إلا أن يُجِيبَه إلى الشهادةِ، وهو غيرُ فارغٍ، على ما قاله قائلو ذلك، من القول الذي قد ذكَرناه قبلُ.\nوإنما قلنا: هذا القولُ أولى بالصوابِ من غيرِه؛ لأن الخطابَ مِن اللَّهِ ﷿ في هذه الآيةِ مِن مُبْتَدئِها إلى انقضائِها على وجهِ: افعَلوا أو لا تفعَلوا. وإنما هو\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٧ عقب الأثر (٣٠٢٢) من طريق ابن أبي جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٢ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١١١، وفي مصنفه (١٥٥٦٣) عن معمر بنحوه مختصرًا.","vol":"5","page":117},{"text":"خطابٌ به لأهلِ الحقوقِ، والمكتوبِ بينَهم الكتابُ، والمشهودِ لهم أو عليهم بالذي تَدايَنوه بينَهم مِن الدُّيونِ. فأمَّا ما كان مِن أمرٍ أو نهيٍ فيها لغيرِهم، فإنما هو على وجهِ الأمرِ والنهيِ للغائبِ غيرِ المخاطَبِ كقولِه: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ﴾. وكقولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. وما أشبَهَ ذلك. فالواجبُ إذ كان المأمورون فيها مخاطَبين بقولِه: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾. [أن يكونَ بالرَّد على قولِه: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. ولا تضارُّوا كاتبًا ولا شهيدًا، ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾] (^١). أشبَهُ منه بأن يَكُونَ مردودًا على الكاتبِ والشهيدِ. ومع ذلك أن الكاتبَ والشهيدَ لو كانا هما المنهييْن عن الضِّرارِ لقيل: وإن يفعلا فإنه فسوقٌ بهما؛ لأنهما اثنان، وأنهما غيرُ مخاطَبَين بقوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ﴾. بل النهيُ بقوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ﴾. نهىٌ للغائبِ غيرِ المخاطَبِ. فتوجيهُ الكلامِ إلى ما كان نظيرًا لما في سياقِ الآيةِ، أولى من توجيهِه إلى ما كان مُنْعَدِلًا عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1092>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾.</span>\nيَعْنى بذلك تعالى ذكرُه: وإن تُضارُّوا الكاتبَ أو الشاهدَ، وما نُهِيتم عنه مِن ذلك، ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾. يعنى: إثمٌ بكم ومعصيةٌ.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم فيه بنحوِ الذي قلنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1091>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾. يقولُ: إِن تَفْعَلُوا غيرَ الذي\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"5","page":118},{"text":"آمرُكم به، فإنه فُسوقٌ بكم (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾: والفسوقُ المعصيةُ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾: والفسوقُ العصيانُ (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: وإن يُضَارَّ كاتبٌ فيكتبَ غيرَ الذي أمْلَى المُمْلِي، ويضارَّ شهيدٌ، فيحوِّلَ شهادتَه ويُغَيِّرَها، ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾. يَعْنى: فإنه كَذِبٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1093>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾: الفسوقُ الكذبُ. قال: هذا فسوقٌ؛ لأنه كذَب الكاتبُ (^٤) فحوَّل كتابَه فكذَب، وكذَب الشاهدُ فحوَّل شهادتَه، فأخبَرهم اللَّهُ ﷿ أنه كذِبٌ.\nوقد دلَّلنا فيما مضَى على أن المعنيَّ بقولِه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. إنما معناه: [لا يُضارَّهما] (^٥) المستكتِبُ والمستشهِدُ - بما فيه الكفايةُ. فقولُه: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾. إنما هو إخبارٌ منه جل ثناؤه مُضَارَّهما بحكمِه فيهما، وأنه بضرَارِهما قد\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٢ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٥٦٨ (٣٠٢٩)، والبيهقي ١٠/ ١٦٠ من طريق أبي صالح به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٨ عقب الأثر (٣٠٢٩) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت، س: \"الكاذب\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت، س: \"يضرهما\".","vol":"5","page":119},{"text":"عصى ربَّه وأثِم به، وركِب ما لا يَحِلُّ له، وخرَج عن طاعةِ ربِّه في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1095>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: وخافوا اللَّهَ أيها المتداينون في الكتّابِ والشهودِ أن تُضارُّوهم، وفى غيرِ ذلك من حدودِه أن تُضَيِّعوها.\nويعنى بقولِه: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾: ويُبَيِّنُ اللَّهُ لكم الواجب لكم وعليكم فاعمَلوا به، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. يعنى: مِن أعمالِكم وغيرِها، يُحْصيها عليكم فيجَازِيكم بها.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1094>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾. قال: هذا تعليمٌ علَّمكُموه فخُذوا به.\n\n<span id=\"aya-290\"></span><span data-type='title' id=toc-1096>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.</span>\nاختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته القرأةُ في الأمصارِ جميعًا: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾. بمعنى: ولم تَجِدُوا مَن يَكْتُبُ لكم كتابَ الدينِ الذي تَدايَنتُموه إلى أجلٍ مسمًّى، ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.\nوقرَأه جماعةٌ من المتقدِّمين: (ولم تَجِدُوا كِتَابًا) (^١). بمعنى: ولم يَكُنْ لكم إلى\n_________\n(^١) في الأصل، ت ٢: \"كاتبا\". والمثبت قراءة أُبيّ وابن عباس ومجاهد وأبي العالية - كما سيذكر المصنف - وقرأ ابن عباس أيضًا: \"كُتّابًا\" وهى شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة. وينظر البحر المحيط ٢/ ٣٥٥.","vol":"5","page":120},{"text":"اكتِتابِ كتابِ الدَّينِ سبيلٌ؛ إما بتَعَذُّرِ الدَّواةِ والصحيفةِ، وإما بتَعَذُّرِ الكاتبِ وإن وجَدتم الدواةَ والصحيفةَ.\nوالقراءةُ التي لا يَجُوزُ غيرُها عندَنا هي قراءةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾. بمعنى: مَن يَكْتُبُ؛ لأن ذلك كذلك في مصاحفِ المسلمين، [وغيرُ جائزَةٍ القراءةُ بغيرِ ما في مصاحفِ المسلمين مُثْبَتٌ من القراءاتِ.\nفإذا كان ذلك كذلك فتأويلُ الكلامِ] (^١): وإن كنتم أيُّها المُدَاينون (^٢) في سفرٍ بحيثُ لا تَجِدُون كاتبًا يَكْتُبُ لكم، ولم يكنْ لكم إلى اكتتابِ كتابِ الدينِ الذي تَدايَنْتُموه إلى أجلٍ مسمًى بينَكم، الذي أمَرتُكم باكتتابِه والإشهادِ عليه - سبيلٌ، فارتهِنوا بدُيونِكم التي تَدايَنتُموها إلى الأجلِ المسمَّى رُهونًا تَقْبِضُونها ممن تُدايِنونه كذلك؛ ليكونَ ثقةً لكم بأموالِكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1097>ذكرُ مَن قال ما قُلْنا في ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحاك قولَه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾: فمن كان على سفرٍ فبايَع بيعًا إلى أجلٍ فلم يَجِدْ كاتبًا، فرُخِّص له في الرهان المقبوضةِ، وليس له إن وجَد كاتبًا أَن يَرْتَهِنَ (^٣).\nحُدِّثتُ عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾. يقولُ: كاتبًا يَكْتُبُ لكم، ﴿فَرِهَانٌ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت، ت، س.\n(^٢) في م: \"المتداينون\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٩ (٣٠٣٩) من طريق جويبر به بمعناه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٣ إلى المصنف.","vol":"5","page":121},{"text":"مَقْبُوضَةٌ﴾.\nحدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيد، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ، قال: ما كان مِن بيعٍ إلى أجلٍ، فأمَر اللَّهُ ﷿ أن يُكْتَبَ ويُشْهَدَ عليه، وذلك في المُقامِ، فإن كان القومُ على سفرٍ فبايعوا إلى أجلٍ فلم يَجِدوا كاتبًا (^١)، فرهانٌ مقبوضةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1098>ذكرُ مَن تأوَّل ذلك على القراءةِ الأُخرَى (^١) التي التي حكَيناها</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا يزيدُ بنُ أَبي زيادٍ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ: (فإن لم تَجِدُوا كتابًا): يعنى بالكتابِ الكاتبَ والصحيفةَ والدواةَ والقلمَ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: أخبَرنا ابن جريجٍ، قال: أخبَرني أبي، عن ابن عباس أنه قرَأ: (فإن لم تَجِدوا كتابًا). قال: ربما وجَد الرجلُ الصحيفةَ ولم يَجِدْ كاتبًا (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: أخبَرنا ابنَ أبي نجيحٍ، أن مجاهدًا كان يَقْرَؤُها: (فإن لم تَجِدُوا كتابًا). ويقولُ: ربما وُجِد الكُتَّابُ (^٤) ولم تُوجَدِ الصحيفةُ والمدادُ. ونحو هذا مِن القولِ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت، س.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٦٨ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٣) ينظر فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٦٧.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت: \"الكاتب\"، وفى س: \"المكاتب\".\n(^٥) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٦٧ عن ابن علية به.","vol":"5","page":122},{"text":"مجاهدٍ: (وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كتابًا) يقولُ: مِدادًا. يَقْرَؤُها كذلك، يقولُ: فإن لم تَجِدوا مِدادًا، فعند ذلك تكونُ الرُّهونُ المقبوضةُ. (فرُهُنٌ (^١) مقبوضةٌ). قال: لا تَكُونُ الرُّهُنُ إلا في السَّفَرِ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ (^٣)، عن شعيبِ بن الحُبَّحابِ، أن أبا العاليةِ كان يَقْرَؤُها: (فإن لم تَجِدُوا كتابًا). قال أبو العاليةِ: قد تُوجَدُ الدواةُ ولا تُوجَدُ الصحيفةُ، [وربما وُجد الكاتبُ ولا توجدُ الصحيفةُ] (^٤).\nواختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الحجاز والعراقِ: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (^٥). بمعنى جِماعِ رَهْنٍ، كما الكِبَاشُ جمعُ كَبْشٍ، والبِغالُ جمعُ بَغْلٍ، والنِّعالُ جمعُ نَعلٍ.\nوقرَأ ذلك جماعةٌ آخرون: (فَرُهُنٌ مقبوضة) (^٦). على معنى جَمع رِهانٍ، ورُهُنٌ جمعُ الجمعِ. وقد وجَّهه بعضُهم إلى أنها جمعُ رَهْنٍ، مثلُ سَقْفٍ وسقُفٍ.\nوقرَأه آخرون: (فَرُهْنٌ). مخففةُ الهاءِ، على معنى جِماع رَهْنٍ، كما يُجْمَعُ السَّقْفُ سُقْفًا. قالوا: ولا نَعْلَمُ اسمًا على فَعْلٍ يُجْمَعُ عَلى فُعُلٍ وفُعْلٍ، إِلا الرُّهُنَ والرُّهْنَ، والسُّقُفَ والسُّقْفَ.\nوالذي هو أولى بالصوابِ في ذلك قراءةُ مَن قرَأه: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ لأن ذلك الجمعُ المعروفُ لما كان مِن اسمٍ على فَعْلٍ، كما يقال: حَبْلٌ وحِبالٌ، وكَعْبٌ\n_________\n(^١) في ص، م، س: \"فرهان\". وهما قراءتان، وسيذكرهما المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٩ (٣٠٣٨) من طريق أبي حذيفة به مقتصرا على آخره بنحوه.\n(^٣) في الأصل: \"يزيد\". وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٢٣٩ - ٢٤٣.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٦٩ عقب الأثر (٣٠٣٥) من طريق الربيع عن أبي العالية.\n(^٥) وهي قراءة نافع وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ١٩٤.\n(^٦) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، على خلاف عنهما في ضم الهاء وتسكينها. المصدر السابق.","vol":"5","page":123},{"text":"وكِعابٌ، ونحوُ ذلك مِن الأسماءِ. فأما جمعُ الفَعْلِ على الفُعُلِ أو الفُعْلِ، فشاذٌّ قليلٌ، إنما جاء في أحرفٍ يسيرةٍ، وقيل: سَقْفٌ وسُقُفٌ وسُقْفٌ، و: قَلْبٌ وقُلُبٌ وقُلْبٌ، مِن قَلْبِ النخلِ، وجَدٌّ وجُدٌّ، للجَدِّ الذي هو بمعنى الحظِّ. وأما ما جاء مِن جمعِ فَعْلٍ على فُعْلٍ فـ \"ثَطٌ وثُطٌّ\"، ووَرْدٌ ووُرْدٌ، و[جَوْنٌ وجُونٌ] (^١).\nوإنما دعا الذي قرَأ ذلك: (فَرُهُنٌ). إلى قراءتِه - فيما أظُنُّ - كذلك، مع شُذوذِه (^٢) في جمعِ فَعْلٍ، أنه وجَد الرِّهانَ مستعملةً في رِهانِ الخيلِ، فأحبَّ صرفَ لفظِ ذلك عن اللفظِ المُلتبِسةِ برهانِ الخيلِ، الذي هو بغيرِ معنى الرِّهانِ، الذي هو جمعُ رَهْنٍ، ووجد الرُّهُنَ مَقُولًا في جمعِ رَهْنٍ، كما قال قَعْنبٌ (^٣):\nبانَتْ سُعادُ وأَمْسَى دُونَها عَدَنُ … وغُلِّقَتْ (^٤) عِنْدَها مِن قَلْبِكَ الرُّهُنُ\n\n<span data-type='title' id=toc-1099>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فإن كان المَدينُ أمينًا عندَ رَبِّ المالِ والدَّينِ، فلم يَرْتَهِنْ منه في سفرِه رَهْنًا بدينِه؛ لأمانته عندَه على مالِه وثِقَتِه به، فليتقِ اللَّهَ المَدينُ ﴿رَبَّهُ﴾. يَقُولُ: فليَخَفِ اللَّهَ رَبَّه في الذي عليه مِن دينِ صاحبِه أن (^٥) يَجْحَدَه، أو يَلُطَّ (^٦) دُونَه به، أو يُحاوِلَ الذهابَ به، فيَتَعَرَّضَ مِن عقوبةِ اللَّهِ ما لا قِبَلَ له به، وليؤدِّ دينه الذي ائْتَمَنَه عليه إليه.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"خود وخود\".\n(^٢) وليست قراءة من قرأ: (رُهُنٌ). شاذة، بل هي متواترة، وليست قواعد النحو والصرف أصلا للقرآن، بل القرآن أصل لهما.\n(^٣) البيت في اللسان (ر هـ ن) وفيه: قبلك. بدلا من: قلبك.\n(^٤) غلق الرهن في يد المرتهن: استحقه المرتهن، وذلك إذا لم يفتك في الوقت المشروط. اللسان (غ ل ق).\n(^٥) في س: \"أو\".\n(^٦) لط الغريم بالحق: دافع ومنع، ولط حقه ولط عليه: جحده. اللسان (ل ط ط).","vol":"5","page":124},{"text":"وقد ذكَرنا قولَ مَن قال: هذا الحكمُ مِن اللَّهِ ناسخُ الأحكامِ التي في الآيةِ قبلَها، مِن أمرِ اللَّهِ بالشهودِ والكتابِ، ودلَّلنا على أولى ذلك بالصوابِ مِن القولِ فيه، فأغنى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nوقد حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾: إِنما يعنى بذلك في السَّفَرِ، فأما الحضَرُ، فلا، وهو واجدٌ كاتبًا، فليس له أن يَرْتَهِنَ ولا يَأْمَنَ بعضُهم بعضًا.\nوهذا الذي قاله الضحاكُ مِن أنه ليس لربِّ الدَّينِ ائتمانُ المدينِ وهو واجدٌ إلى الكاتبِ والكتابِ والإشهادِ عليه سبيلًا، وإن كانا في سَفَرٍ، فكما قال؛ لما قد دلَّلنا على صحتِه فيما مضَى قبلُ.\nوأما ما قال، مِن أنّ الأمرَ في الرَّهن أيضًا كذلك مثلُ الائتمانِ، في أنه ليس لربِّ الحقِّ الارتهانُ بمالِه إذا وجَد إلى الكاتبِ والشهيدِ سبيلًا في حضَرٍ أو سفرٍ - فإنه قولٌ لا معنى له؛ لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه اشترَى طعامًا نَساءً، ورهَن به دِرْعًا له (^٢). فجائزٌ للرجلِ أن يَرْهَنَ (^٣) بما عليه، ويَرْتَهِنَ بما لَهُ مِن حقٍّ في السفرِ والحضَرِ؛ لصحة الخير بما ذكَرنا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، وأن معلومًا أن النبيَّ ﷺ لم يكنْ حينَ رهَن ما (^٤) ذكَرنا غيرَ واجدٍ كاتبًا ولا شهيدًا؛ لأنه لم يكنْ مُتَعذِّرًا عليه ما بمدينتِه في وقتٍ مِن الأوقاتِ الكاتبُ والشاهدُ، غيرَ أنهما إذا تبايعا برَهْنٍ، فالواجبُ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٧٣ - ٨١.\n(^٢) أخرجه البخارى (٢٠٦٨، ٢٠٩٦، ٢٢٠٠)، ومسلم (١٦٠٣).\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"يرتهن\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من\".","vol":"5","page":125},{"text":"عليهما إذا وجَدا سبيلًا إلى كاتبٍ وشهيدٍ، وكان البيعُ أو الدَّينُ إلى أجلٍ مسمًّى، أن يَكْتُبا ذلك ويُشْهدا على المالِ والرهنِ، وإنما يَجُوزُ تركُ الكتابِ والإشهادِ في ذلك، حيث لا يَكُونُ لهما إلى ذلك سبيلٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1100>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾.</span>\nوهذا خطابٌ مِن اللَّهِ، جلَّ ثناؤُه، الشهودَ الذين أمَر المُستدينَ وربَّ المالِ بإشهادِهم، فقال لهم: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، ولا تَكْتُمُوا أَيُّها الشهودُ بعدَ ما شهِدتم شهادتَكم عندَ الحاكمِ، كما شهِدتم على ما شهِدتم عليه، ولكن أجيبوا مَن شهِدتم له، إذا دعاكم لإقامةِ شهادتِكم على خَصمِه على حقِّه عندَ الحاكمِ الذي يأخُذُ له بحقِّه، ثم أخبرَ الشاهدَ جلَّ ثناؤُه ما عليه في كتمانِ شهادتِه، وإبائِه مِن أدائِها والقيامِ بها عندَ حاجةِ المُسْتَشْهِدِ إلى قيامِه بها عندَ حاكمٍ أو ذى سلطانٍ، فقال: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا﴾. يعنى: ومن يَكْتُمْ شهادتَه، ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. يقولُ: فاجرٌ قلبُه، مُكتَسِبٌ بكتمانِه إياها معصيةَ اللَّهِ.\nكما حدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. فلا يَحِلُّ لأحدٍ أن يَكْتُم شهادةً هي عندَه، وإن كانت على نفسه والوَالدَين، ومَن كتَمها فقد ركب إثمًا عظيمًا (^١).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، يقولُ: فاجرٌ قلبُه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧١ (٣٠٥٠) من طريق ابن أبي جعفر به نحوه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧٢ (٣٠٥٣) من طريق عمرو به.","vol":"5","page":126},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: أكبرُ الكبائرِ الإشراكُ باللَّهِ؛ لأن اللَّهَ ﷿ يَقُولُ: ﴿مَنْ (^١) يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]. وشهادةُ الزورِ، وكِتمانُ الشهادةِ؛ لأن الله يقولُ: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (^٢).\nوقد رُوِى عن ابن عباسٍ أنه كان يَقولُ: على الشاهدِ أن يَشْهَدَ حيثما اسْتُشِهدَ، ويُخْبِرَ بها حيثما اسْتُخْبِر.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال أخبَرنا ابن المباركِ، عن محمدِ بن مسلمٍ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ دينارٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إذا كانت عندَك شهادةٌ، فسألك عنها، فأخْبره بها، ولا تَقُلْ: أُخْبِرُ بها عندَ الأميرِ. أخبِرْه بها، لعله يَرجِعُ أَو يَرْعَوِى (^٣).\nوأما قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. فإنه يَعْنى بذلك: بما تَعْمَلون في شهادتِكم، مِن إقامتِها والقيامِ بها، أو كتمانِكم إياها عندَ حاجةِ مَن اسْتَشْهَدَكم إليها، وبغيرِ ذلك مِن سرائرِ أعمالِكم وعلانِيتِها، ﴿عَلِيمٌ﴾ يُحْصِيه عليكم ليَجْزِيَكم بذلك كلِّه جزاءَكم؛ إما خيرًا وإما شرًّا، على قدرِ استحقاقِكم.\n\n<span id=\"aya-291\"></span><span data-type='title' id=toc-1101>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: للَّهِ ملكُ كلِّ ما\n_________\n(^١) في النسخ: \"ومن\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧١ (٣٠٥١)، والطبراني في الكبير ١٢/ ٢٥٢ (١٣٠٢٣) من طريق أبي صالح به، وهو عند الطبراني مطول.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٥٥٥٩) عن محمد بن مسلم به، ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد ١٧/ ٣٠١.","vol":"5","page":127},{"text":"في السماواتِ وما في الأرضِ، مِن صغيرٍ وكبيرٍ، [وقليلٍ وكثيرٍ] (^١)، وإليه تدبيرُ جميعِه، وبيدِه صَرْفُه وتَقْلِيبُه، لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ؛ لأنه مدبرُه ومالكُه ومصرِّفُه.\nوإنما عنى بذلك جلَّ ثناؤُه كِتمانَ الشهودِ الشهادةَ، يقولُ: لا تَكْتُموا الشهادةَ أيُّها الشُّهودُ، فإنه مَن يَكْتُمُها يَفْجُرْ قلبُه، ولن يَخْفَى عليَّ كِتمانُه ذلك؛ لأنى بكلِّ شيءٍ عليمٌ، وبيَدى صرفُ كلِّ شيءٍ في السماواتِ والأرضِ وملْكُه، أعلمُ (^٢) خفيَّ ذلك وجَليَّه، فاتقوا عقابي إياكم على كتمانكم الشهادةَ. وعيدًا مِن اللَّهِ بذلك مَن كتَمها، وتخويفًا منه له به.\nثم أخبَرهم عما هو فاعلٌ بهم في آخرتِهم، وبمَن كان مِن نُظَرائِهم ممن انْطَوى كَشْحًا على معصيةٍ فأضمَرَها، أو أظهَر مُوبِقةً فأبداها مِن نفسِه، مِن المحاسبةِ عليها، فقال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. يقولُ: وإِن تُظهِرُوا فيما عندَكم مِن الشهادةِ على حقِّ ربِّ المالِ الجحودَ والإنكارَ، أو تُخْفوا ذلك فتُضْمِروه في أنفسِكم، وغيرَ ذلك مِن سيِّئ أعمالكم، ﴿يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ﴾. يَعْنى بذلك: يَحْتَسبْ به عليه مِن أعمالِه، فمجازٍ مِن شاء منكم مِن المسيئين سوءَ عملِه، وغافرٌ لمن شَاء منكم مِن المسيئين.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ فيما عنَى بقولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾؛ فقال بعضُهم بما قلنا، مِن أنه عنى به الشهودَ في كِتمانِهم الشهادةَ، وأنه لاحقٌ بهم كلُّ مَن كان مِن نُظرائِهم ممن أضْمَر معصيةً أو أبداها.\n_________\n(^١) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت، س: \"أعلمه\".","vol":"5","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1102>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو زائدةَ زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا [ابن فُضيلٍ] (^١)، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: يَعْنى في الشهادةِ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾. قال: في الشهادةِ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: سئِل داودُ عن قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. فحدَّثنا عن عكرمةَ، قال: هي الشهادةُ إذا كتَمتَها.\nحدَّثنا المثنى (^٤)، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرٍو (^٥) أبي سعيدٍ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ في هذه في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾. قال: في الشهادةِ (^٦).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن السدِّيِّ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾. قال: في الشهادةِ (^٧).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أبو نفيل\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٢٩٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧٢ (٣٠٥٦) من طريق ابن فضيل به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٧٣ - تفسير) من طريق يزيد بن أبي زياد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٣ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه الطحاوى في المشكل ٤/ ٣١٥ عقب الحديث (١٦٢٩) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٣، ٣٧٤ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ابن المثنى\".\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"و\".\n(^٦) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٩٤، وابن الجوزي في النواسخ ص ٢٣٤ من طرق عن عكرمة.\n(^٧) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧٢ عقب الأثر (٣٠٥٦) معلقًا.","vol":"5","page":129},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال أخبَرنا يزيدُ بنُ أبي زيادٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: نزَلت في كِتمانِ الشهادةِ وإقامتِها (^١).\nحدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. يعنى: كِتمانَ الشهادةِ وإقامتَها على وجهِها.\nوقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ إعلامًا مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه عباده أنه مُؤاخذُهم بما كسَبته أيديهم، وحدَّثتهم به أنفسُهم مما لم يَعْمَلوه.\nثم اختلف متأوِّلو ذلك كذلك؛ فقال بعضُهم: ثم نسخ اللَّهُ ذلك بقولِه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1103>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن مصعبِ بن ثابتٍ، عن العلاءِ بن عبدِ الرحمنِ بن يعقوبَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: لما نزَلت: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. فاشتدَّ ذلك على القومِ، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنا لمُؤاخَذون بما نُحَدِّثُ به أنفسنا! هلَكنا. فأنزَل الله ﷿: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية، إلى قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال أبي: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"قال اللَّهُ: نعم\". ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال أبي: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"قال الله: نعم\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٩٣، وابن الجوزى في النواسخ ص ٢٣٤، وابن الجوزي في النواسخ ص ٢٣٤ من طريق هشيم به.\n(^٢) أخرجه أحمد ١٥/ ١٩٨ - ٢٠٠ (٩٣٤٤)، ومسلم (١٢٥)، وأبو عوانة ١/ ٧٦، ٧٧، والطحاوي =","vol":"5","page":130},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا [أبي، عن] (١) سفيانَ، عن آدمَ بن سليمانَ، مولى خالدِ بن خالدٍ، قال: سمِعت سعيدَ بنَ جبيرٍ يُحدِّث، عن ابن عباسٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾. دخَل قلوبَهم منها شيءٌ لم يدخُلْها من شيءٍ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"قولوا (^٢): سمِعْنا وأطعْنا وسلَّمْنا\". قال: فألقى اللَّهُ الإيمانَ في قلوبِهم. قال: فأَنزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ - [وقال ابن وكيعٍ: إلى قولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾] (١) - قال: فقال: قد فعَلتُ. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ مَا عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾. قال: قد فعلتُ (^٣). ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: قد فعَلتُ (^٤).\nحدَّثني أبو الردَّادِ المصريُّ عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ السلامِ، قال: ثنا أبو زرعةَ وهبُ اللَّهِ بن راشدٍ، عن حَيْوةَ بن شريحٍ، قال: سمِعت يزيدَ بنَ أبي حبيبٍ يقولُ: قال ابن شهابٍ: حدَّثني سعيدُ بنُ مَرْجانةَ، قال: جئتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ، فتلا هذه الآيةَ:\n_________\n= في المشكل (١٦٢٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧٤، ٥٧٥، ٥٧٩، ٥٨٠، ٥٨١، ٥٨٢ (٣٠٦٠، ٣٠٦١، ٣٠٩٤، ٣٠٩٩، ٣١٠٣، ٣١١١)، وابن حبان (١٣٩)، والبيهقي في الشعب (٣٢٧)، والواحدي في أسباب النزول ص ٦٦، وابن الجوزي في النواسخ ص ٢٢٦، ٢٢٧ من طريق العلاء بن عبد الرحمن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٤ إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر (١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) بعده في ص، م، ت، ت ٢، ت ٣، س: \"ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به قال قد فعلت\".\n(^٤) أخرجه مسلم (١٢٦) عن أبي كريب به بنحوه، وأخرجه أحمد ٣/ ٤٩٧ (٢٠٧٠)، ومسلم (١٢٦)، والترمذي (٢٩٩٢)، والنسائي في الكبرى (١١٠٥٩)، وأبو عوانة ١/ ٧٥، وابن حبان (٥٠٦٩)، والحاكم ٢/ ٢٨٦، والبيهقي في الأسماء والصفات (٤٥٣)، وفى الشعب (٢٤٠٧، ٢٤٠٨)، والواحدي في أسباب النزول ص ٦٦، ٦٧ من طريق وكيع به، وأخرجه أبو عوانة ١/ ٧٥ من طريق سفيان به، وعزاه =","vol":"5","page":131},{"text":"﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾. ثم قال ابن عمرَ: لئن آخَذَنا بهذه الآيةِ لنَهْلِكَنَّ. ثم بكَى ابن عمرَ حتى سالت دُموعُه. قال: ثم جئتُ عبد اللَّهِ بنَ العباسِ، فقلت: يا أبا العباسِ، إني جئتُ ابنَ عمرَ، فتلا هذه الآيةَ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية. ثم قال: لئن واخذنا بهذه الآيةِ لنَهْلِكَنَّ. ثم بكَى حتى سالت دُموعُه، فقال ابن عباسٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لعبدِ اللَّهِ بن عمرَ، لقد فَرِق أصحابُ رسولِ الله ﷺ منها كما فرِق ابن عمرَ منها، فأنزَل اللَّهُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾. فنسَخ اللَّهُ الوَسْوَسَةَ، وأثبَت القولَ والفعلَ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ بنُ يزيدَ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بن مَرْجانَةَ يُحَدِّثُ أنه بينَا هو جالسٌ مع (^٢) عبدِ اللَّهِ بن عمرَ تلا هذه الآيةَ: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية. فقال: واللَّهِ لئن أخَذَنا اللَّهُ بهذا لنَهْلِكُنَّ. ثم بكَى ابن عمرَ حتى سُمِع نَشِيجُه. فقال ابن مَرْجانةَ: فقُمْت حتى أَتَيْتُ ابن عباس، فذكَرتُ له ما تلا ابن عمرَ، وما فعَل حينَ تلاها، فقال عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لأبي عبدِ الرحمنِ، لَعَمْرِي لقد وجَد المسلمون منها حين أُنْزِلَت مثلَ مَا وَجَدَ عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، فأنزَل الله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى آخرِ السورةِ. قال ابن عباسٍ: له فكانت هذه الوَسْوَسَةُ مما لا طاقةَ للمسلمين بها، وصار الأمرُ إلى أن قضَى اللَّهُ أن للنَفْس ما كسَبت، وعليها ما اكتَسَبَت في القولِ والفعلِ (^٣).\n_________\n= السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٤ إلى ابن المنذر.\n(^١) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٩٦، والطبراني في الكبير (١٠٧٦٩) من طريق يزيد بن أبي حبيب به بنحوه.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت، س: \"سمع\".\n(^٣) أخرجه الطحاوى في المشكل (١٦٢٧) عن يونس به، وأخرجه الفسوى في المعرفة والتاريخ ١/ ٤٠٤، والطحاوي في المشكل (١٦٢٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره مفرقًا ٢/ ٥٧٨، ٥٧٩ (٣٠٨٧، ٣٠٩٠)، والطبراني (١٠٧٧٠)، والبيهقى في الشعب (٣٢٩) من طريق الزهري به، وعزاه السيوطي في الدر =","vol":"5","page":132},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، قال: سمعت الزهريَّ يَقُولُ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾. قال: قرَأها ابن عمرَ، فبكَى وقال: إنا لمَأخُوذون بما نحدِّثُ به أَنفُسَنا. فبكى حتى سُمِع نشيجُه، فقام رجلٌ مِن عندِه، فأتى ابنَ عباسٍ، فذكَر ذلك له، فقال: يرحَمُ اللَّهُ ابنَ عمرَ، لقد وجَد المسلمون نحوًا مما وجَد، حتى نزَلت: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثني إسحاقُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن جعفرِ بن سليمانَ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ، قال: كُنْتُ عندَ ابن عمرَ فقال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية. فبكَى، حتى دَخلتُ على ابن عباسٍ، فذكَرتُ له ذلك، فضحِك ابن عباسٍ فقال: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَمرَ، أَوَمَا يَدْرِى فيم أنْزِلَت [وكيف أنزلت] (^٢)؟ إن هذه الآيةَ حينَ أُنْزِلَت غَمَّت أصحابَ رسولِ اللَّهِ ﷺ غَمًّا شديدًا، وقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، هلَكنا. فقال لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"قُولُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا\". فنسَختها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾. فتُجُوِّزَ لهم مِن حديثِ النفسِ وأُخِذوا بالأعمالِ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن الزهريِّ، عن سالمٍ أن أباه قرَأ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. فدمَعت عَيْناه، فبلغ صنيعُه ابنَ عباسٍ، فقال: يَرْحَمُ\n_________\n= المنثور ١/ ٣٧٤ إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه.\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٢.\n(^٢) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت، ت، س.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٣، ١١٤. ومن طريقه أحمد ٥/ ١٩٤، ١٩٥ (٣٠٧٠)، وابن الجوزي في النواسخ ص ٢٢٩.","vol":"5","page":133},{"text":"الله أبا عبدِ الرحمنِ، لقد صنَع كما صنَع أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ حينَ أُنْزِلَت، فنسَختها الآيةُ التي بعدَها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: نسَخت هذه الآيةَ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: حدثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن آدمَ بن سليمانَ مولى خالدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثلِه (^٣)] (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن آدمَ بن سليمانَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قالوا: أنُؤاخَذُ بما حدَّثنا به أنفسَنا ولم تَعْمَلْ به جَوارِحُنا؟ قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال: ويقولُ: قد فَعَلْت. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾. قال: ويقولُ: فَعَلْتُ] (^٣). قال: فأُعطِيَتْ هذه الأمةُ خواتيمَ سورةِ \"البقرةِ\"، لم تُعْطَها الأممُ قبلَها.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال ثنا إسماعيلُ، عن عامرٍ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٧، والنحاس في ناسخه ٢٧٥، ٢٧٦، والحاكم ٢/ ٢٨٧، وابن الجوزي في ناسخه ص ٢٢٩ من طريق يزيد بن هارون به.\n(^٢) أخرجه ابن الجوزي في ناسخه ص ٢٣٠ من طريق سفيان به بنحوه.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧٤ عقب الأثر (٣٠٦١) معلقًا.\n(^٤) سقط مِن: ص، م، ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"5","page":134},{"text":"يَشَاءُ﴾، قال: فنسَختها التي بعدَها؛ قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: نسَختها الآيةُ التي بعدَها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقولُه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا﴾. قال: يُحَاسَبُ بما أبَدى مِن سرٍّ أو أخْفى مِن سرٍّ، فنسَختها التي بعدَها.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا سيارٌ، عن الشعبيِّ، قال: لما نزَلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال: فكان فيها شدةٌ، حتى نزَلت هذه الآيةُ التي بعدَها: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾. قال: فنسَخَت ما كان قبلَها (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن ابن عونٍ، قال: ذكَروا عندَ الشعبيِّ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾. حتى بلغ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾. قال: فقال الشعبيُّ: إلى هذا صار، رجَعتْ إلى آخرِ الآيةِ.\nحدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ، في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾. قال: فقال ابن مسعودٍ: كانت المحاسبةُ قبل أن تَنْزِلَ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾. فلما\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٨٠ - تفسير)، والنحاس في ناسخه ص ٢٧٦، وابن الجوزي في النواسخ ص ٢٣١ من طريق هشيم به. وعند النحاس: شيبان. وعند ابن الجوزي: يسار، والصواب: سيار، هو أبو الحكم الواسطى العنزي. ينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٣١٣.","vol":"5","page":135},{"text":"نزَلت نسَخت الآيةَ التي كانت قبلَها (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يَذْكُرُ عن ابن مسعودٍ نحوَه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن بيانٍ، عن الشعبيِّ، قال: نسَخت: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عُبيدة، عن محمدِ بن كعبٍ، وسفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، وعن إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن مجاهدٍ، قال: نسَخت هذه الآيةُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ وعامرٍ بمثلِه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن (^٤) حميدٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ إلى آخرِ الآية. قال: نسَختها (^٥): ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٨٢ - تفسير)، والطبراني في الكبير (٩٠٣٠) من طريق جويبر به بنحوه.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٧٩ - تفسير) من طريق بيان به بنحوه.\n(^٣) أخرجه بن الجوزي في النواسخ ص ٢٣٠ من طريق سفيان به بنحوه.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بن\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"محتها\".","vol":"5","page":136},{"text":"اكْتَسَبَتْ﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أنه قال: نسَخت هذه الآيةُ - يعنى قولَه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ - الآيةَ التي قبلَها: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ (^٢).\nحدَّثنا [الحسن بن يحيى] (^٣)، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: نسَخَتْها قولُه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني ابن زيدٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ: اشتدَّت على المسلمين، وشقَّت مشقةً شديدةً، وقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، لو وقَع في أنفسِنا شيءٌ لم نَعْمَلْ به، واخَذنا اللَّهُ به؟ قال: \"فلعلكم تقولُون كما قالت بنو إسرائيلَ لموسى: سمِعنا وعصَينا\". قالوا: بل سمِعنا وأطعْنا يا رسولَ اللَّهِ. قال: فنزل القرآنُ يُفَرِّجُها عنهم: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾. قال: فصيَّره إلى الأعمالِ، وترَك ما يَقَعُ في القلوبِ.\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٩٧ عن الحجاج به بنحوه. وأخرجه ابن الجوزي في النواسخ ص ٢٣٠ من طريق حماد بن سلمة به.\n(^٢) أخرجه ابن الجوزي في ناسخه ص ٢٣٠، ٢٣١ من طريق سعيد به بمعناه.\n(^٣) في الأصل: \"ابن حسين قال أخبَرنا يحيى\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١١.","vol":"5","page":137},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجَّاجُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن سيّارٍ (^١) أبي الحكمِ، عن الشعبيِّ، عن أبي عُبَيدةَ بن (^٢) عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: نسَخت هذه الآية التي بعدَها: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (^٣).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرقو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: يومَ نزَلت هذه الآيةُ كانوا يؤاخَذون بما وَسْوسَت به أنفسُهم وما عمِلوا، فشَكَوا ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فقالوا: إن عمِل أحَدُنا وإن لم يعملْ أُخِذنا به! واللَّهِ ما نملِكُ الوَسْوسَةَ. فنسَخها اللَّهُ بهذه الآيةِ التي بعدَها بقولِه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. فكان حديثُ النفسِ مما لم يُطِيقُوا. الآية.\nحدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أَبي جعفرٍ، عن أبيه قتادةَ، أن عائشةَ أمَّ المؤمنين قالت: نسَخها قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (^٤).\nوقال آخَرون - ممن قال: معنى ذلك الإعلامُ من اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه عبادَه أنه مؤاخِذُهم بما كسَبته أيديهم وعمِلته جوارحُهم، وبما حدَّثَتهم به أنفسُهم مما لم يَعْمَلُوه -: هذه الآيةُ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ، واللَّهُ محاسبٌ خلقَه على ما عمِلوا مِن عمَلٍ وما لم يَعْمَلوه مما أضمَروه في أنفسهم ونوَوه وأَرَادُوه، فيَغْفِرُه للمؤمنين، ويُؤاخِذُ به أهلَ الكفرِ والنفاقِ.\n_________\n(^١) بعده في م: \"عن\".\n(^٢) في ت ١، س، ونواسخ القرآن: \"عن\".\n(^٣) أخرجه ابن الجوزي في النواسخ ص ٢٢٥، ٢٢٦ من طريق حجاج به بنحوه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧٨ (٣٠٨٩) من طريق هشيم به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٤ إلى المصنف.","vol":"5","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1104>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾: فإنها لم تُنْسَخُ، ولكنَّ الله ﷿ إذا جمَع بين الخلائقِ يومَ القيامةِ، يقولُ: إنى أخْبِرُكم بما أخفَيتم في أنفسِكم، مما لم تَطَّلِعْ عليه ملائكتي. فأما المؤمنون فيُخْبِرُهم ويَغْفِرُ لهم ما حدَّثوا به أنفسَهم، وهو قولُه: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. يقولُ: يُخْبِرُكم. وأما أهلُ الشكِّ والرَّيبِ فيُخْبِرُهم بما أخْفَوا مِن التكذيبِ، وهو قولُه: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾. وهو قولُه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] من الشكِّ والنفاقِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾: فذلك سرُّ عملك وعلانيَتُه، يحاسبُك به اللَّهُ، فليس مِن عبدٍ مؤمنٍ يُسِرُّ في نفسه خيرًا ليَعْمَلَ به، فإن عمل به كُتِبَت له به عَشْرُ حسناتٍ، وإن هو لم يُقَدَّرْ له أن يَعْمَلَ به كُتِبَت له به حسنةٌ من أجلِ أنه مؤمنٌ، واللَّهُ يَرْضَى سرَّ المؤمنين وعلانيَتَهم، وإن كان سوءًا حدَّث به نفسَه اطَّلَعِ اللَّهُ عليه، أخبَرهَ به يومَ تُبْلَى السرائرُ، وإن هو لم يَعْمَلْ به لم يُؤاخِذْه اللَّهُ به حتى يَعْمَلَ به، فإن عمِل به تجاوَز اللَّهُ عنه، كما قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ (^٢) [الأحقاف: ١٦].\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧٢، ٥٧٥ (٣٠٥٧، ٣٠٦٦، ٣٠٦٨)، وابن الجوزي في النواسخ ص ٢٣٢ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٥ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧٣ (٣٠٥٨) عن محمد بن سعد به.","vol":"5","page":139},{"text":"حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية. قال: قال ابن عباسٍ: إن الله ﵎ يقولُ يومَ القيامةِ: إِنَّ كُتَّابي لم يَكْتُبُوا من أعمالِكم إلا ما ظهَر منها، فأما ما أَسْرَرْتُم في أنفسِكم فأنا أُحاسبُكم به اليوم؛ فأَغْفِرُ لمن شئِتُ، وأُعَذِّبُ مَن شِئتُ.\nحدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا عليُّ بن عاصمٍ، قال: أخبَرنا بيانٌ، عن بشرٍ، عن قيسِ بن أبي حازمٍ، قال: إذا كان يومُ القيامةِ قال اللَّهُ ﵎ يُسمِعُ الخلائقَ: إنما كان كُتّابى يكْتُبون عليكم ما ظهرَ منكم، فأما ما أَسْرَرْتُم فلم يَكُونُوا يَكْتُبُونه ولا يَعْلَمُونه، أنا اللَّهُ أَعْلَمُ بذلك كلِّه منكم، فأَغْفِرُ لمن شِئْتُ، وأعَذِّبُ مَن شِئْتُ.\nحدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال سمِعت أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ عن سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾: كان ابن عباسٍ يقولُ: إذا دُعِى الناسُ للحسابِ، أخبَرهم اللَّهُ بما كانوا يُسِرُّون في أنفسِهم مما لم يَعْمَلوه، فيقولُ: إنه كان لا يَعْزُبُ عنى شيءٌ، وإنى مخبِرُكم بما كنتم تُسِرُّون من السوء، ولم تَكُنْ حَفَظَتى عليكم يطَّلِعون عليه. فهذه المحاسبةُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن عُبَيدِ بن سليمانَ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ نحوَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: هي مُحْكَمةٌ لم يَنْسَحُها شيءٌ، يقولُ: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. يقولُ: يُعَرِّفُه اللَّهُ","vol":"5","page":140},{"text":"يومَ القيامةِ أنَّك أخفَيت في صدرِك كذا وكذا؛ لا يُؤَاخِذُه (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن عمرِو بن عُبَيدٍ، عن الحسنِ، قال: هي مُحْكمةٌ لم تُنْسَخُ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: مِن الشكِّ واليقينِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. يَقُولُ: في اليقينِ والشكِّ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nفتأويلُ هذه الآيةِ على قولِ ابن عباسٍ الذي رَواه عليُّ بنُ أبي طلحةَ: وإن تُبْدوا ما في أُنفسِكم مِن سيِّئِ (^٣) الأعمالِ، فتُظْهِروه بأبدانِكم وجَوارِحِكم، أو تُخفوه فتُسِرُّوه في أنفسِكم، فلم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ مِن خلقى، أُحاسِبْكم به، فأَغْفِرُ كلَّ ذلك لأهلِ الإيمانِ بي، وأُعَذِّبُ أهلَ الشكِّ والنفاقِ في ديني.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧٢، ٥٧٤ (٣٠٠٥، ٣٠٦٥)، وابن الجوزي في النواسخ ص ٢٣٢ من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٤٧، ومن طريقه ابن الجوزي في النواسخ ص ٢٣٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧٣ (٣٠٥٩)، والنحاس في ناسخه ص ٢٧٤، وابن الجوزي في النواسخ ص ٢٣٤ من طريق ابن علية به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"شيء من\".","vol":"5","page":141},{"text":"وأما على الروايةِ التي رَواها عنه الضحاكُ مِن روايةِ عُبيدِ بن سليمانَ عنه، وعلى ما قاله الربيعُ بن أنسٍ، فإن تأويلَها: إن تُظْهِروا ما في أنُفْسِكم فتَعْمَلوه مِن المعاصي، أو تُضْمِروا إرادتَه في أنفسِكم فتُخْفُوه، يُعْلِمْكم اللَّهُ به يومَ القيامةِ، فيَغْفِرُ لمن يشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ.\nوأما قولُ مجاهدٍ فشبيهٌ معناه بمعنى قولِ ابن عباسٍ الذي رَواه عنه عليُّ بن أبي طلحةَ.\nوقال آخرون ممن قال: هذه الآيةُ محكمةٌ، وهي غيرُ منسوخةٍ. ووافَقوا الذين قالوا: معنى ذلك أن اللَّهَ أعلَمَ عبادَه به (^١) ما هو فاعلٌ بهم، فيما أبدَوا وأخفَوا مِن أعمالِهم -: معناها أن اللَّهَ محاسبٌ خلقَه بجميعِ ما أبدَوه مِن سيِّئِ أعمالِهم وجميعِ ما أسروه، ومعاقبُهم عليه، غيرَ أن عقوبتَه إياهم على ما أخفَوه مما لم يَعْمَلوه، ما يَحْدُثُ لهم في الدنيا مِن المصائبِ والأمورِ التي يَحْزَنون عليها ويألَمون لها (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1105>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية. قال: كانت عائشةُ تقولُ: مَن همَّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلْها أرسل اللَّهُ عليه مِن الهمِّ والحزنِ مثلَ الذي همَّ به مِن السيئةِ فلم يَعْمَلُها فكانت كفارتَه (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. وبه أي بقوله.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"منها\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٨١ - تفسير) من طريق جويبر به بنحوه.","vol":"5","page":142},{"text":"حدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سمِعت الضحاكَ يَقُولُ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: كانت عائشةُ تقولُ: كلُّ عبدٍ يَهُمُّ بمعصيةٍ أو يُحَدِّثُ بها نفسَه، حاسَبه اللَّهُ بها في الدنيا، يَخَافُ ويَحْزَنُ ويَهْتَمُّ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا أبو تُمَيلةَ، عن عُبيدٍ، عن الضحاكِ، قال: قالت عائشةُ في ذلك: كلُّ عبدٍ همَّ بسوءٍ ومعصيةٍ، وحدَّث بها نفسَه، حاسَبه اللَّهُ بها في الدنيا، يَخَافُ ويَحْزَنُ ويَشْتَدُّ همُّه، لا يَنَالُه مِن ذلك شيءٌ، كما همَّ بالسوءِ ولم يَعْمَلْ منه شيئًا.\nحدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا أَسَدُ بنُ موسى، قال: ثنا حمادَ بنُ سلمةَ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن أميةَ (^١) أنها سألَت عائشةَ هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، و﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. فقالت: ما سألني عنها أحدٌ مُذ سألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فقال: \"يا عائشةُ، هذه متابعةُ اللَّهِ العبدَ بما يُصيبُه مِن الحمَّى والنكْبةِ والشَّوكةِ، حتى البِضاعةِ يَضَعُها في كمِّه يَفْقِدُها، فيُرَوَّعُ لها، فيجدُها في ضِبْنِه (^٢)، حتى إن المؤمنَ ليَخْرُجُ مِن ذُنوبِه كما يَخْرُجُ التِّبْرُ الأحمرُ مِن الكِيرِ\" (^٣).\nوأولى هذه الأقوالِ التي ذكَرناها بتأويلِ هذه الآيةِ قولُ مَن قال: إنها مُحْكمةٌ\n_________\n(^١) في ص، م: \"أمه\"، وفى س: \"أبيه\". وهي أمية بنت عبد الله، وينظر تهذيب الكمال ٣٥/ ١٣٢.\n(^٢) الضبن: الإبط وما يليه. اللسان (ض ب ن).\n(^٣) أخرجه الطيالسي (١٦٨٩)، وأحمد ٦/ ٢١٨ (الميمنية)، والترمذي (٢٩٩١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧٤ (٣٠٦٢)، والبيهقى في الشعب (٩٨٠٩) من طريق حماد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٥ إلى ابن المنذر.","vol":"5","page":143},{"text":"وليست بمنسوخةٍ، وذلك أن النسخَ لا يكونُ في حكمٍ إلا يَنْفِيه بآخرَ له نافٍ من كلِّ وجوهِه، وليس في قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ نفيُ الحكمِ الذي أعلَم عبادَه بقولِه: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾؛ أن المحاسبةَ ليست بموجبةٍ عقوبةَ اللَّهِ، ولا مُؤاخذةً بما حُوسِب عليه العبدُ مِن ذُنوبِه، وقد أخبَر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه عن المجرمين أنهم حينَ تُعْرَضُ عليهم كُتبُ أعمالِهم يومَ القيامةِ يَقُولون: ﴿يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]. فأخبرَ أن كتبَهم مُحصِيةٌ عليهم صغائرَ أعمالِهم وكبائرَها، فلم تَكُن الكتبُ - وإن أحصَت صغائرَ الذنوبِ وكبائرَها - بموجِبٍ إحصاؤُها على أهلِ الإيمانِ باللَّهِ ورسولِه وأهلِ الطاعةِ له، أن يَكُونوا بكلِّ ما أحصَته الكتبُ مِن الذنوبِ معاقَبين؛ لأنه ﷿ وعدهم العفوَ عن الصغائرِ باجتنابِهم الكبائرَ، فقال في تنزيلِه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. فكذلك (^١) محاسبةُ اللَّهِ عبادَه المؤمنينَ بما هو محاسبُهم به من الأمورِ التي أخْفَتها أنفسُهم، غيرُ موجِبةٍ لهم منه عقوبةً، بل محاسبتُه إياهم، إن شاء اللَّهُ، عليها ليُعرِّفَهم بفَضْلِه عليهم بعفوِه لهم عنها، كما بلَغنا عن رسولِ الله ﷺ في الخبرِ الذي حدَّثني به أحمدُ بنُ المِقدامِ، قال: ثنا المُعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت أبي، عن قتادةَ، عن صفوانَ بن مُحرِزٍ، عن ابن عمرَ، عن نبيِّ اللَّهِ ﷺ، قال: \"يُدْنِي اللَّهُ ﷿ عبدَه المؤمنَ يومَ القيامةِ حتى يَضَعَ عليه كنَفَه، فيُقَرِّرُه بسيئاتِه، يَقولُ: هل تَعْرِفُ؟ فيَقُولُ: نعم. فيَقُولُ: ستَرتُها في الدنيا وأغْفِرُها اليومَ. ثم يُظْهِرُ له حسناتِه، فَيَقُولُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] - أو كما قال - وأما الكافرُ فإنه يُنادَى به على\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فذلك\"، وفى م: \"فدل أن\".","vol":"5","page":144},{"text":"رُءوسِ الأشهادِ\" (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدَيٍّ، عن (^٢) سعيدٍ وهشامٍ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبَرنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا هشامٌ، قالا جميعًا في حديثِهما: عن قتادةَ، عن صفوانَ بن مُحرِزٍ، قال: بينما نحن نَطُوفُ بالبيتِ مع عبدِ اللهِ بن عمرَ وهو يَطُوفُ، إذ عرَض له رجلٌ، فقال: يابنَ عمرَ، ما سمِعتَ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في النَّجْوَى؟ فقال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: \"يَدْنُو المؤمنُ مِن ربِّه حتى يَضَعَ عليه كَنَفَه، فيُقَرِّرُه بذُنوبه، فيَقُولُ: هل تَعْرِفُ كذا؟ فيقولُ: ربِّ، أعرِفُ (^٣). مرتين، حتى إذا بلَغ به ما شاء اللَّهُ أَن يَبْلُغَ به، قال: فإني قد ستَرتُها عليك في الدنيا وأنا أغْفِرُها لك اليومَ\". قال: \"فيُعْطَى صحيفةَ حسناتِه أو كتابَه بيمينِه. وأما الكفارُ والمنافقون، فينادَى بهم على رُءوسِ الأشهادِ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: إن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه يَفْعَلُ بعبدِه المؤمنِ مِن تعريفِه إياه سيئاتِ، أعمالِه، حتى يُعرِّفَهُ تَفَضُّلَه عليه بعفوه له عنها، فكذلك فعلُه، تعالى ذكرُه، في محاسبتِه إياه بما أبداه من نفسه وبما أخفاه مِن ذلك، ثم يَغْفِرُ له كلَّ ذنبٍ (^٥) بعدَ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٩/ ٣١٨ (٥٤٣٦)، والبخارى (٢٤٤١)، وفى خلق أفعال العباد (٢٤٨ - ٢٥٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٦٠٤، ٦٠٥)، والآجرى في الشريعة (٦١٩)، وغيرهم من طرق عن قتادة به.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"و\".\n(^٣) في ص، م: \"اغفر\".\n(^٤) أخرجه مسلم - كما في التحفة ٥/ ٤٣٧ - عن محمد بن بشار به، ومن طريق ابن أبي عدى عن سعيد وحده به. وأخرجه البخارى (٤٦٨٥)، وفى خلق أفعال العباد (٢٥١)، وابن منده في الإيمان (٧٩٠) من طريق سعيد وهشام به، وأخرجه مسلم (٢٧٦٨)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٤٣٧)، والنحاس في ناسخه ص ٢٧٧، وفى القطع والائتناف ص ٣٨٦، والآجرى في الشريعة (٦١٨)، وابن منده (٧٩٠) من طريق ابن علية به، وأخرجه ابن منده (١٠٧٧) من طريق هشام به.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ذلك\".","vol":"5","page":145},{"text":"تعريفِه بفَضْلِه وبكَرَمِه عليه، فيَسْتُرُه عليه. وذلك هو المغفرةُ التي قد وعَد عبادَه المؤمنين، فقال: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.\nفإن قال قائلٌ: فإن قوله ﷿: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ينبئُ عن أن جميعَ الخلقِ غير مؤاخَذين إلا بما كسَبَتْه أنفسُهم مِن ذنبٍ، ولا مثابين إلا بما اكتسبته مِن خيرٍ. قيل: إن ذلك كذلك، وغيرُ مؤاخذٍ العبدُ بشيءٍ من ذلك إلا بفعلِ ما نُهى عن فعلِه، أو تركِ ما أُمِر بفعلِه.\nفإن قال: فإذ كان ذلك كذلك، فما معنى وعيدِ اللَّهِ ﷿ إيانا على ما أخْفَته أنفسُنا بقولِه: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ إن كان ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، وما أضمرته قلوبُنا وأخْفَته أنفسُنا؛ من همٍّ بذنبٍ، أو إرادةٍ لمعصيةٍ، لم تَكْتَسِبْه جَوارحُنا؟\nقيل له: إن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قد وعَد المؤمنين أن يعفوَ لهم عما هو أعظمُ من همٍّ همَّ به أحدُهم مِن المعاصى فلم يَفْعَلْه، وهو ما ذكرنا من وعْدِه إياهم العفوَ عن صغائرِ ذُنوبِهم إذا هم اجْتَنَبوا كبائرَها، وإنما الوعيدُ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ على ما أخفَته نفوسُ الذين كانت أنفسُهم تُخْفِى الشكَّ في اللَّهِ والمريةَ في وحدانيتِه، أو في نبوّةِ نبيِّه محمدٍ ﷺ، وما جاء به مِن عندِ اللَّهِ، أو في المَعَادِ والبعثِ من المنافقين، على نحوِ ما قال ابن عباسٍ ومجاهدٌ، ومَن قال بمثلِ قولِهما؛ من أن تأويلَ قولِه: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ على الشكِّ واليقينِ، غيرَ أنَّا نقولُ: إن المُتوعَّدَ بقولِه: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ﴾. هو مَن كان إخفاءُ نفسِه ما تُخْفِيه الشكَّ والمِرْيةَ في اللَّهِ، وفيما يكونُ الشكُّ فيه باللَّهِ كفرًا، والموعودَ الغُفْران بقولِه: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ هو الذي إخفاؤه (^١) ما يُخْفِيه الهمَّةُ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت، س: \"أخفى و\".","vol":"5","page":146},{"text":"بالتقدمِ على بعضِ ما نهاه اللهُ عنه، مِن الأمورِ التي كان جائزًا ابتداءُ تحليلِه وإباحتِه، فحرَّمه على خلقِه جل ثناؤُه، أو على تركِ بعض ما أمَره اللهُ بفعلِه، مما كان جائزًا ابتداءُ إباحةِ تركِه، فأوْجَب فعلَه على خلقِه. فإن الذي يَهِمُّ بذلك مِن المؤمنين إذا هو لم يُصَحِّحْ همَّه بما يَهِمُّ به، ويُحَقِّقْ ما أخْفَتْه نفسُه مِن ذلك بالتقدمِ عليه، لم يَكُنْ مأخوذًا، كما رُوى عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"مَن همَّ بحسنةٍ فلم يَعْمَلُها كُتِبَت له حسنةٌ، ومَن همَّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلْها لم تُكْتَبْ عليه\" (^١). فهذا الذي وصَفْنا هو الذي يُحاسِبُ اللهُ ﵎ به مؤمنى عبادِه، ثم لا يُعاقِبُهم عليه.\nفأما مَن كان ما أَخْفَتْه نفسُه شكًّا في اللهِ، وارْتِيابًا في نبوةِ أنبيائِه، فذلك هو الهالكُ المُخَلَّدُ في النارِ، الذي أوْعَده جلَّ ثناؤُه أن يعذِّبَه العذاب الأليمَ بقولِه: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾.\nفتأويلُ الآيةِ إذنْ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أَيُّهَا النَّاسُ فَتُظْهِروه ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ فتَنْطَوِى عليه نفوسُكم ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، فيُعرِّفُ مؤمنكم (^٢) تفَضُّلَه بعفوِه عنه ومغفرتَه له، فيَغْفِرُه له، ويُعَذِّبُ مُنافقِكم (^٣) على شكِّه (^٤) الذي انْطَوَت عليه نفسُه في وَحْدانيةِ خالقِه ونبوةِ أنبيائِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1106>القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: والله على العفوِ عما أخْفَتْه نفسُ هذا المؤمنِ مِن الهِمَّةِ بالخَطيئةِ، وعلى عقابِ هذا الكافرِ على ما أخْفَتْه نفسُه مِن الشكِّ في توحيدِ\n_________\n(^١) أخرج نحوه مسلم (٢٠٦، ٢٠٧) من حديث أبى هريرة وابن عباس. وينظر ما تقدم في ٢/ ٤١١.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مؤمنيكم\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"منافقيكم\".\n(^٤) في ص: \"شك\"، وفى م، س: \"الشك\".","vol":"5","page":147},{"text":"اللهِ ونبوةِ أنبيائِه، ومُجازاةِ كلِّ واحدٍ منهما على ما كان منه، وعلى غيرِ ذلك مِن الأمور - قادرٌ.\n\n<span id=\"aya-292\"></span><span data-type='title' id=toc-1107>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: صدَّق الرسولُ، يعني: رسولُ اللهِ ﷺ، فأقرَّ ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ يعنى: بما أُوحِى إليه من عندِ ربِّه من الكتابِ وما فيه من حلالٍ وحرامٍ، ووعدٍ ووَعيدٍ، وأمْرٍ ونهيٍ، وغيرِ ذلك مِن سائرِ ما فيه من المعانى التي حوَاها.\nوذُكِر أن رسولَ اللهِ ﷺ لما نزَلَت هذه الآيةُ عليه قال: \"يحقُّ (^١) له\".\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: هو ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾: ذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ لما نَزَلت هذه الآيةُ قال: \"ويحقُّ (^١) له أن يُؤْمِنَ\" (^٢).\nوقد قيل: إنها نزَلَت بعدَ قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ لأن المؤمنين برسولِ اللهِ ﷺ مِن أصحابه شقَّ عليهم ما توَعَّدَ اللهُ به مِن محاسبتِهم على ما أخْفَتْه نفوسُهم، فشكَوْا ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فقال لهم رسولُ اللهِ ﷺ: \"لعلكم تقولون: سمِعْنا وعصَيْنا كما قالت بنو إسرائيلَ\". فقالوا: [بل نقولُ] (^٣): سمِعْنا وأطَعْنا. فأَنْزَلَ اللهُ لذلك مِن قولِ النبيِّ ﷺ وقولِ أصحابِه:\n_________\n(^١) في الأصل: \"لحق\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧٦ (٣٠٧١) من طريق يزيد به.\n(^٣) سقط من: الأصل.","vol":"5","page":148},{"text":"﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾. يقولُ: وصدَّق المؤمنون أيضًا مع نبيِّهم ﵇ باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه، الآيتين. وقد ذكَرْنا قائلى ذلك قبلُ (^١).\nواخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأَةِ المدينةِ وبعضُ قرَأَةِ أهلِ العراِق ﴿وَكُتُبِهِ﴾ (^٢) على وجهِ جمعِ الكتابِ، على معنى: والمؤمنون كلٌّ آمَن باللهِ وملائكتِه وجميعِ كتبِه التي أنْزَلَها على أنبيائِه ورسلِه.\nوقرَأ ذلك جماعةٌ مِن قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (وكتابِه) (^٣). بمعنى: والمؤمنون كلٌّ آمَن باللهِ وملائكتِه وبالقرآنِ الذي أنْزَلَه على نبيِّه محمدٍ ﷺ.\nوقد رُوِى عن ابن عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (وكتابِه) (^٤). ويقولُ: الكتابُ أكثرُ مِن الكتبِ. وكان ابن عباسٍ يُوَجِّهُ تأويلَ ذلك إلى نحوِ قولِه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١، ٢]. يعني جنسَ الناسِ وجنسَ الكتابِ، كما يقالُ: ما أكثرَ درهمَ فلانٍ ودينارَه. ويُرادُ به جنسُ الدراهمِ والدنانيرِ.\nوذلك وإن كان مذهبًا من المذاهبِ معروفًا، فإن الذي هو أَعْجَبُ إليَّ مِن القراءةِ في ذلك أن يُقْرَأَ بلفظِ الجمعِ؛ لأن الذي قبلَه جمعٌ، والذي بعدَه كذلك - أعْنِى بذلك: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾ ﴿وَرُسُلِهِ﴾ - فالْحاقُ \"الكتبِ\" في الجمعِ لفظًا به أعجبُ إليَّ مِن توحيدِه وإخراجِه في اللفظِ به بلفظِ الواحدِ؛ ليكونَ لاحقًا في اللفظِ والمعنى بلفظِ ما قبلَه وما بعدَه وبمعناه.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم ص ١٣٠ - ١٣٨.\n(^٢) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبي عمرو السبعة لابن مجاهد ص ١٩٥، ١٩٦.\n(^٣) وهى قراءة الكسائي وحمزة. المصدر السابق.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٧٧ - تفسير) من طريق عكرمة، عن ابن عباس.","vol":"5","page":149},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1108>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾.</span>\nوأما قولُه: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾. فإنه أَخْبَرَ جَلَّ ثناؤُه بذلك عن المؤمنين أنهم يقولون ذلك. ففى الكلامِ في قراءةِ مَن قرأَ: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ بالنون، متروكٌ قد استُغْنِى بدلالةِ ما ذُكِر عنه، وذلك المتروكُ هو \"يقولون\".\nوتأويلُ الكلامِ: والمؤمنون كلٌّ آمن باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه، يقولون: لا نُفَرِّقُ بينَ أحدٍ مِن رسلِه. وترَك ذكْرَ \"يَقُولُون\" لدلالةِ الكلامِ عليه، كما ترَك ذكْرَه في قولِه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]. بمعنى: يقولُون: سلامٌ عليكم.\nوقد قرَأ ذلك جماعةٌ من المُتقدِّمين: (لا يُفَرِّقُ بينَ أحدٍ من رسلِه) بالياءِ (^١)، بمعنى: والمؤمنون كلُّهم آمَن باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه، لا يُفَرِّقُ الكلُّ منهم بينَ أحدٍ من رسلِه، فيُؤْمِنَ ببعضٍ ويَكْفُرَ ببعضٍ، ولكنهم يُصَدِّقون بجميعِهم، ويُقِرُّون أن ما جاءوا به كان مِن عندِ اللهِ، وأنهم دَعَوْا إلى اللهِ وإلى طاعتِه، ويُخالِفون في فعلِهم ذلك اليهودَ الذين أقَرُّوا بموسى وكذَّبوا بعيسى، والنصارى الذين أقَرُّوا بموسى وعيسى وكذَّبوا بمحمدٍ ﷺ وجحدوا نبوتَه، ومَن أَشْبَهَهم مِن الأممِ الذين كذَّبوا بعضَ رُسُلِ اللهِ وأَقَرُّوا ببعضٍ.\nكما حدَّثنا يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾: كما صنع القومُ - يعنى بني إسرائيلَ - قالوا: فلانٌ نبيٌّ وفلانٌ ليس نبيًّا، وفلانٌ نُؤْمِنُ به وفلانٌ لا نُؤْمِنُ به.\n_________\n(^١) وهي قراءة ابن جبير وابن يعمر وأبي زرعة بن عمرو بن جرير، ويعقوب، ونص رواة أبي عمرو على أنها بالياء. البحر المحيط ٢/ ٣٦٥. ويعقوب من القراء العشرة الذين تواترت قراءاتهم عند الجمهور.","vol":"5","page":150},{"text":"والقراءةُ التي لا نسْتَجِيزُ غيرَها في ذلك عندَنا بالنونِ: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾؛ لأنها القراءةُ التي قامَت حجتُها بالنقلِ المُستفيضِ الذي يَمْتَنِعُ معه التَّشاعُرُ (^١) والتَّواطُؤُ والسهوُ والغَلَطُ، بمعنى ما وصَفْنا من: يقولون: لا نُفَرِّقُ بينَ أحدٍ مِن رسلِه. ولا يُعْتَرَضُ بشاذٍّ مِن القراءةِ على ما جاءَت به الحجةُ نقلًا وراثةً (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1109>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤُه: وقال الكلُّ مِن المؤمنين: سمِعنا قولَ ربِّنا وأمْرَه إِيَّانا بما أمَرَنا به، ونهيَه عما نهانا عنه ﴿وَأَطَعْنَا﴾. يعنى: أطَعْنا رَبَّنا فيما أَلْزَمنَا مِن فرائضِه واسْتَعْبَدَنا به مِن طاعتِه، وسلَّمْنا له.\nوقولُه: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾. يعني: وقالوا: غفرانَك ربَّنا. بمعنى: اغْفِرْ لنا ربَّنَا غُفْرَانَك. كما يُقالُ: سبحانَك. بمعنى: نُسَبِّحُك سبحانَك.\nوقد بيَّنَّا فيما مضَى أن الغفرانَ والمغفرةَ السترُ مِن اللهِ ﷿ على ذنوبِ مَن غُفِر له، وصَفْحُه له عن هَتْكِ سترِه بها في الدنيا والآخرةِ، وعفوُه عن العقوبةِ عليه (^٣).\nوأما قولُه: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. فإنه يعنى جل ثناؤُه أنهم قالوا: وإليك يا ربَّنا مَرْجِعُنا ومَعادُنا، فاغْفِرْ لنا ذنوبَنا.\nفإن قال لنا قائلٌ: فما الذي نصَب: ﴿غُفْرَانَكَ﴾؟\nقيل له: وقوعُه وهو مصدرٌ موقعَ الأمرِ، وكذلك تَفْعَلُ العربُ بالمصادرِ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"التشاغر\". والتشاعر: التعالم. من \"شعر\" بمعنى: علم.\n(^٢) في ص، م، س: \"ورواية\".\n(^٣) ينظر ما تقدم ١/ ٧٢٠، ٧٢١.","vol":"5","page":151},{"text":"والأسماءِ إذا حلَّت محلَّ الأمرِ وأدَّت عن معنى الأمرِ نصَبَتها، فيقولون: شكرًا للهِ يا فلانُ، وحمدًا له. بمعنى: اشْكُرِ الله واحْمَدْه. والصلاةَ الصلاةَ، بمعنى: صَلُّوا. ويَقُولُون في الأسماءِ: الله الله يا قومِ. ولو رُفِع بمعنى: هو اللهُ، أو هذا اللهُ. ووُجِّه إلى الخبرِ وفيه تأويلُ الأمرِ، كان جائزًا، كما قال الشاعرُ (^١):\nإن قومًا منهم عُمَيرٌ وأشبا … هُ عُمَيْرٍ ومنهمُ السَّفَّاحُ\nلجَدِيرون بالوفاءِ إذا قا … ل أخو النَّجْدةِ السِّلاحُ السلاحُ\nولو كان قولُه: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ جاء رفعًا في القراءةِ لم يكنْ خطأً، بل كان صوابًا على ما وصَفنا.\nوقد ذُكر أن هذه الآيةَ لما نزَلَت على رسولِ اللهِ ﷺ ثناءً مِن الله عليه وعلى أمتِه، قال له جبريلُ ﷺ: إن الله ﷿ قد أحْسَن عليك وعلى أمتِك الثناءَ، فسَلْ ربَّك.\n\n<span id=\"aya-293\"></span>حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن بَيانٍ، عن حَكيمِ بن جابرٍ، قال: لمَّا أُنْزِلَ على رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. قال جبريلُ ﵇: إن الله ﵎ قد أحْسَن الثناءَ عليك وعلى أمتِك، فسَلْ تُعْطَهْ. فسأل: \" ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ \" إلى آخرِ السورةِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1110>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.</span>\n_________\n(^١) البيتان في معاني القرآن للفراء ١/ ١٨٨، والخصائص ٣/ ١٠٢، والدرر اللوامع ١/ ١٤٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧٥ (٣٠٧٠) من طريق جرير به. وأخرجه سعيد بن منصور (٤٧٨ - تفسير)، وابن أبي شيبة ١١/ ٥٠١ من طريق بيان به.","vol":"5","page":152},{"text":"يعنى بذلك جل ثناؤُه: لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا فيَتَعَبَّدُها إلا بما يَسَعُها، فلا يُضَيِّقُ عليها ولا يَجْهَدُها.\nوقد بيَّنا فيما مضَى قبلُ أن الوُسْعَ اسمٌ مِن قولِ القائلِ: وَسِعنى هذا الأمرُ (^١). مثلُ الجُهْدِ والوُجْدِ، مِن: جَهَدنى هذا الأمرُ، ووجَدْتُ منه.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. قال: هم المؤمنون، وسَّع اللهُ عليهم أمرَ دينِهم، فقال اللهُ جل ثناؤُه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقالَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (^٢) [التغابن: ١٦].\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن الزهريِّ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ، قال: لما نزَلَت ضجَّ المؤمنون منها ضجةً، وقالوا: يا رسولَ اللهِ، هذا نَتوبُ من عملِ اليدِ والرِّجْلِ واللسانِ، فكيف نتوبُ مِن الوَسْوسةِ؟ كيف نَمْتَنِعُ منها؟ فجاء جبريلُ ﵇ بهذه الآيةِ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. إنكم لا تَسْتَطِيعون أن تَمْتَنِعوا مِن الوَسْوسةِ (^٣).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾: ووسعُها طاقتُها، فكان حديثُ النفسِ مما لم يُطِيقوا (^٤).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٤/ ٢١٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧٧ (٣٠٨٠) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٦ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧٨ عقب الأثر (٣٠٨٤) من طريق عمرو بن حماد به.","vol":"5","page":153},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1111>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَهَا﴾: للنفسِ التي أخْبَر أنه لا يُكَلِّفُها إلا وسعَها. يَقُولُ: لكلِّ نفسٍ ما اجْترَحَت وعمِلَت مِن خيرٍ. ﴿وَعَلَيْهَا﴾. يعنى: وعلى كلِّ نفسٍ ﴿مَا اكْتَسَبَتْ﴾: ما عَمِلَت مِن شَرٍّ.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أَيْ: مِن خيرٍ، ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أي: من شرٍّ. أو قال: مِن سُوءٍ.\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾. يقولُ: ما عمِلَت مِن خيرٍ، ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾. يقولُ: وعليها ما عمِلَت مِن شرٍّ.\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن الزهريِّ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، عملُ اليدِ والرِّجْلِ واللسانِ (^١).\nفتأويلُ الآيةِ إذنْ: لا يُكَلِّفُ اللهُ نفسًا إلا ما يَسَعُها فلا يَجْهَدُها ولا يُضَيِّقُ عليها في أمرِ دينِها، فيُؤاخِذها بهِمَّةٍ إن همَّت، ولا بوَسْوَسةٍ إن عَرَضَت لها، ولا بخَطْرَةٍ إِن خَطَرَت بقلبِها، [ولكنه يؤاخذُها بما عمِلت فتعمَّدت وقصَدت عملَه من خيرٍ أو شرٍّ] (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧٨، ٥٧٩ (٣٠٨٧، ٣٠٩٠) من طريق سعيد بن مرجانة، عن ابن عباس.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"5","page":154},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1112>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.</span>\nوهو تعليمٌ مِن اللهِ عبادَه المؤمنين دعاءَه؛ كيف يَدْعُونه، وما يقولون في دعائِهم إياه، ومعناه: قولوا: ربَّنا لا تُؤاخِذْنا إِن نَسِينا شيئًا فرَضْتَ علينا عملَه فلم نَعْمَلُه، أو أَخْطَأْنا في فعلِ شيءٍ نهيْتَنا عن فعلِه ففعَلْناه على غيرٍ قصدٍ منا إلى معصيتِك، ولكن على جَهالةٍ منا به وخطإٍ.\nكما حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾: إن نَسِينا شيئًا مما افْتَرَضْتَه علينا، أو أَخْطَأْنا شيئًا مما حَرَّمْتَه علينا.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال: بلَغَنى أن النبيَّ ﷺ قال: \"إن الله ﵎ تَجاوَز لهذه الأُمَّةِ عن نسيانِها وما حدَّثَت به أنفسَها\" (^١).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، قال: زعَم السديُّ أن هذه الآيةَ حين نزَلَت: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال له جبريلُ ﷺ: فعل (^٢) ذلك يا محمدُ (^٣).\nفإن قال لنا قائلٌ: وهل يَجوزُ أن يُؤاخِذَ اللهُ جلَّ ثناؤُه عبادَه بما نَسُوا أو أَخْطَئوا، فيَسْأَلُوه ألا يُؤاخِذَهم بذلك؟\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٢ والحديث أصله في البخارى (٢٥٢٨، ٥٢٦٩، ٦٦٦٤)، ومسلم (١٢٧) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) في م: \"فقل\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٧ إلى المصنف.","vol":"5","page":155},{"text":"قيل: إن النسيانَ على وجهين؛ أحدُهما: على وجهِ التَّضْييعِ من العبدِ والتَّفْريطِ. والآخرُ: على وجهِ عجزِ الناسى عن حفظِ ما اسْتُحْفِظ ووُكِّل به، وضعفِ عقلِه عن احتمالِه.\nفأما الذي يكونُ من العبدِ على وجهِ التَّضْييعِ منه والتفريطِ، فهو تركٌ منه لما أُمِر بفعلِه، فذلك الذي يَرْغَبُ العبدُ إلى اللهِ في تركِه مُؤاخَذتَه به، وهو النسيانُ الذي عاقَب اللهُ به آدمَ صلواتُ اللهِ عليه، فأَخْرَجَه مِن الجنةِ، فقال في ذلك: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]. وهو النسيانُ الذي قال جلّ ثناؤُه: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١]. فرغبةُ العبدِ إلى اللهِ ﷿ بقولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ فيما إليه مِن نسيانٍ منه لما أُمِر بفعلِه، على هذا الوجهِ الذي وصَفْنا، ما لم يكنْ تركُه ما ترَك من ذلك تَفْريطًا منه فيه وتَضْييعًا، كفرًا باللهِ، فإن ذلك إذا كان كفرًا باللهِ، فإن الرغبةَ إلى اللهِ في تركِه المؤاخذةَ به غيرُ جائزةٍ؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه قد أخْبَر عبادَه أنه لا يَغْفِرُ لهم الشركَ به، فمسألتُه فِعْلَ ما قد أَعْلَمَهم أنه لا يَفْعَلُه خطأٌ، وإنما تجوزُ (^١) مسألتُه المغفرةَ فيما كان (^٢) مثلَ نسيانِه القرآنَ بعدَ حفظِه بتَشاغُلِه عنه وعن قراءتِه، وبمثلِ نسيانِه صلاةً أو صيامًا، باشتغالِه عنهما بغيرِهما حتى ضيَّعهما.\nوأما الذي العبدُ به غيرُ مُؤاخَذٍ لعجزِ بِنْيَتِه عن حفظِه، وقلةِ احتمالِ عقلِه ما وُكِّل بمراعاتِه، فإن ذلك مِن العبدِ غيرُ معصيةٍ، وهو به غيرُ آثمٍ، فذلك الذي لا وجهَ لمسألةِ العبدِ ربَّه أن يغفِرَه له؛ لأنه مسألةٌ منه له أن يَغْفِرَ له ما ليس له بذنبٍ، وذلك مثلُ الأمرِ يَغْلِبُ عليه وهو حَريصٌ على تذكُّرِه وحفظِه، كالرجلِ يَحْرِصُ على حفظِه\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يكون\".\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من\".","vol":"5","page":156},{"text":"القرآنَ بجِدٍّ منه، فيَقْرَؤُه ثم يَنْساه بغيرِ تَشاغُلٍ منه بغيرِه عنه، ولكن لعجزِ بِنْيَتِه عن حفظِه، وقلَّةِ احتمالِ عقلِه ذكْرَ ما أَوْدَع قلبَه منه، وما أشْبَهَ ذلك من النسيانِ، فإن ذلك مما لا تجوزُ مسألةُ الربِّ مغفرتَه؛ لأنه لا ذنب للعبدِ فيه فيُغْفَرَ له باكتسابِه.\nوكذلك للخطإِ وجهان؛ أحدُهما: مِن وجهِ ما نُهِى عنه العبدُ، فيَأْتِيه بقصدٍ منه وإرادةٍ، فذلك خطأٌ منه وهو به مأخوذٌ، يُقالُ منه: خَطِئ فلانٌ وأَخْطَأَ. فيما أَتَى مِن الفعلِ، وأثِم، إذا أتَى ما يأثمُ فيه وركِبه، ومنه قولُ الشاعرِ (^١):\nالناسُ يَلْحَوْن (^٢) الأميرَ إذا هم … خطِئوا الصوابَ ولا يُلامُ المُرْشَدُ\nبمعنى: أخْطَئوا الصوابَ. وهذا الوجهُ الذي يَرْغَبُ العبدُ إلى ربِّه في صَفْحِ ما كان منه مِن إثمٍ عنه، إلا ما كان مِن ذلك كفرًا.\nوالآخرُ منهما: ما كان منه على وجهِ الجهلِ به، والظنِّ منه بأن له فِعْلَه، كالذي يَأْكُلُ في شهرِ رمضانَ ليلًا وهو يَحْسَبُ أن الفجرَ لم يَطْلُعْ، أو يُؤَخِّرُ صلاةً في يومٍ غَيْمٍ وهو يَنْتَظِرُ بتأخيرِه إياها دخولَ وقتِها، فيَخْرُجُ وقتُها وهو يَرَى أَن وقتَها لم يَدْخُلْ، فإن ذلك من الخطإِ الموضوعِ عن العبدِ الذي وضَع اللهُ ﷿ عن عبادِه الإثمَ فيه، فلا وجهَ لمسألةِ العبدِ ربَّه ألا يُؤاخِذَه به.\nوقد زعَم قومٌ أن مسألةَ العبدِ ربَّه ألا يُؤاخِذَه بما نسِى أو أخْطَأ، إنما هو فعلٌ منه لما أمرَه به ربُّه ﵎، أولمَا ندَبه إليه مِن التذلُّلِ له، والخضوعِ بالمسألةِ، فأما على وجهِ مسألتِه الصَّفْحَ عنه، فما لا وجهَ له عندَهم.\nوللبيانِ على (^٣) هؤلاء كتابٌ سنأتى فيه إن شاء اللهُ على ما فيه الكفايةُ لمن وُفِّق لفهمه.\n_________\n(^١) هو عبيد بن الأبرص الأسدى، والبيت في ديوانه ص ٤٢.\n(^٢) يلحون: يلومون.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عن\".","vol":"5","page":157},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1114>القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤُه: قولوا: ربَّنا ولا تَحْمِلْ علينا إصرًا. ويعنى بالإصْرِ العهدَ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١]. وإنما عنَى بقولِه: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾: ولا تَحْمِلْ علينا عهدًا نَعْجِزُ عن القيامِ به ولا نَسْتَطِيعُه. ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾. يعني: على اليهودِ والنصارى الذين كُلِّفوا أعمالًا، وأُخِذت عهودُهم ومَواثيقُهم على القيامِ بها، فلم يَقُوموا بها، فعُوجِلوا بالعقوبةِ، فعلَّم اللهُ عزَّ جلَّ أمةَ محمدٍ ﷺ الرغبةَ إليه بمسألتِه ألا يَحْمِلَهم مِن عهودِه ومَواثيقِه على أعمالٍ - إن ضَيَّعوها أو أخْطَئوا فيها أو نَسُوها - مثلَ الذي حَمَل مَن قبلَهم، فيُحِلُّ بهم بخطئِهم فيه وتَضْييعِهم إياه مثلَ الذي أحَلَّ بمَن قبلَهم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1113>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾. قال: لا تَحْمِلْ علينا عهدًا وميثاقًا ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾. يقولُ: كما غُلِّظ على مَن قبلَنا (^١).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بن قيسٍ الحَضْرميِّ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾. قال: عهدًا (^٢).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"5","page":158},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿إِصْرًا﴾. قال: عهدًا.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِصْرًا﴾. يقولُ: عهدًا (^١).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾: والإصرُ العهودُ التي كانت على مَن قبلَنا مِن اليهودِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾. قال: عهدًا لا نُطِيقُه ولا نَسْتَطيعُ القيامَ به، ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، اليهودَ والنصارى، فلم يَقُوموا به، فأَهْلَكْتَهم (^٣).\nحدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أَخْبَرَنا يَزيدُ، قال: أَخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ: ﴿إِصْرًا﴾. قال: المَواثيقَ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أَبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: الإصرُ العهدُ، ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١]. قال: عهْدي.\n[حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه] (^٥)\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في التغليق ٤/ ١٨٧ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٨٠ (٣٠٩٧) من طريق الضحاك، عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٨٠ عقب الأثر (٣٠٩٧) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٧ إلى المصنف.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٨٠ عقب الأثر (٣٠٩٧) معلقا.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"5","page":159},{"text":"[﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾. قال: عهدى (^١)] (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾. قال: عهدى (^٣).\nوقال آخَرون: معنى ذلك: ولا تَحْمِلْ علينا ذنوبًا وإثْمًا كما حَمَلْتَ ذلك على مَن قبلَنَا مِن الأممِ، فتَمْسَخنا قِرَدةً وخَنازيرَ كما مسَخْتَهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1115>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكونيُّ، قال: ثنا بَقِيةُ بنُ الوليد، عن عليِّ بن هارونَ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءِ بن أبي رَباحٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾. قال: لا تَمْسَخْنا قردةً وخنازيرَ (^٤).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: قولُه: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾. لا تَحْمِلْ علينا ذنبًا ليس فيه توبةٌ ولا كفارةٌ (^٤).\nوقال آخَرون: معنى الإصْرِ بكسرِ الألفِ: الثِّقْلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1116>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ\n_________\n(^١) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ٣٢٠.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩٥ (٣٧٦٥) عن محمد بن سعد به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٧ إلى المصنف.","vol":"5","page":160},{"text":"قَبْلِنَا﴾. يقولُ: التشديدُ الذي شدَّدْتَه على مَن قبلَنَا مِن أهلِ الكتابِ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: سألْتُ - يعني مالكًا - عن قولِه: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾. قال: الإصرُ الأمرُ الغَليظُ (^٢).\nفأما الأصْرُ بفتحِ الألفِ فهو ما عطَف به الرجلُ على غيرِه مِن رَحِمٍ أو قَرابةٍ، يقولُ: قد أصَرَتْنى رحِمى بينى وبينَ فلانٍ عليه. بمعنى: عطَفَتْني عليه، و: ما يَأْصِرُني عليه، أيْ: ما يَعْطِفُنى عليه. و: بينى وبينَه آصِرَةُ رحِمٍ تَأصِرُني عليه أصْرًا. يعني به: عاطفةُ رحمٍ تَعْطِفُنى عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1118>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤُه: وقولوا أيضًا: ربَّنا لا تُكَلِّفْنا مِن الأعمالِ ما لا نُطِيقُ القيامَ به لثِقَلِ حملِه علينا.\nوكذلك كانت جماعةُ أهلِ التأويلِ يَتَأَوَّلونه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1117>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: تشديدٌ تُشَدِّدُ به، كما شدَّدتَ على مَن كان قبلنا (^٣).\nحدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أَخْبَرَنا يزيدُ، قال: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾. قال: لا تُحَمِّلْنَا مِن الأعمالِ ما لا نُطِيقُ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٨٠ (٣٠٩٨) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) ينظر البحر المحيط ٢/ ٣٦٩.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١١٢ عن معمر، عن قتادة بمعناه.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٧ إلى المصنف.","vol":"5","page":161},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: لا تَفْتَرِضْ علينا مِن الدين ما لا طاقةَ لنا به فنَعْجِزَ عنه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: مَسْخُ القِرَدةِ والخَنازيرِ (^٢).\nحدَّثني سَلَّامُ بنُ سالمٍ الخُزاعيُّ، قال: ثنا أبو حفصٍ عمرُ بنُ سعيدٍ التَّنُوخيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ شُعيبِ بن شابورَ (^٣)، عن [سلّامِ بن سابورَ] (^٤) في قولِه: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾. قال: الغُلْمةُ (^٥).\nحدثني موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: مِن التغليظِ والأغْلالِ التي كانت عليهم من التحريمِ (^٦).\nوإنما قلنا: إن تأويلَ ذلك: ولا تُكَلِّفْنا من الأعمالِ ما لا نُطِيقُ القيامَ به. على نحوِ الذي قلنا في ذلك؛ لأنه عَقيبَ مسألةِ المؤمنين ربَّهم ألا يُؤَاخِذَهم إن نَسُوا أو أَخْطَئوا، ولا يَحْمِلَ عليهم إصرًا كما حمَله على الذين من قبلِهم،\n_________\n(^١) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ٣٢١، والبحر المحيط ٢/ ٣٦٩.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٨١ عقب الأثر (٣١٠٤) معلقا.\n(^٣) في م: \"سابور\".\n(^٤) في ص: \"سلام بن سابورا\"، وفى م: \"سالم بن شابور\".\n(^٥) الغلمة: هيجان شهوة النكاح من المرأة والرجل. اللسان (غ ل م).\nوالأثر ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٣٢١، وأبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٣٦٩، عن سلام بن سابور، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٧ إلى المصنف.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٨١ (٣١٠٧) من طريق عمرو به.","vol":"5","page":162},{"text":"فكان إلحاقُ ذلك بمعنى ما قبلَه من مسألتِهم التَّيْسيرَ في الدِّينِ، أَوْلَى مما خالَف ذلك المعنى.\n[فإن قال قائلٌ: أو كان جائزًا أن يُكَلِّفَهم ما لا طاقةَ لهم به فيَسْأَلُوه ألا يُكَلِّفَهم ذلك؟\nقيل: إن تَكْليفَ ما لا يُطاقُ على وجْهَين:\nأحدُهما: ما ليس في بِنْيةِ المُكَلَّفِ احْتِمالُه، فذلك ما لا يَجوزُ تَكْليفُ الربِّ عبدَه بحالٍ، وذلك كتَكْليفِ الأعْمَى النَّظَرَ، وتكليفِ المُقْعَدِ العَدْوَ، فهذا النوعُ من التكليفِ هو الذي لا يَجوزُ أن يُضافَ إلى اللهِ جلَّ وعزَّ، ولا تَجُورُ مسَأَلْتُه صرفَه وتَخْفِيفَه عنه؛ لأن ذلك مسألةٌ مِن العبدِ ربَّه - إن سأله - ألا يَفْعَلَ ما قد أَعْلَمَه أَنه لا يَفْعَلُه به.\nوالوجه الثاني: ما في بِنْيةِ المكلَّفِ احْتِمالُه، غيرَ أنه يَحْتَمِلُه بمشقةٍ شَديدةٍ وكُلْفةٍ عظيمةٍ، مَخُوفٍ على مُكَلَّفِه التَّضْيِيعُ والتَّفْريطُ؛ لغلَظِ مِحْنتِه عليه فيه، وذلك كتكْليفِ قَرْضٍ مَن أصاب جسدَه بولٌ موضعَ البولِ الذي أصابه بمِقْراضٍ، وكإقامةِ خمسين صلاةً في اليومِ والليلةِ، وما أشْبَهَ ذلك مِن الأعمالِ التي وإن كانت الأبْدانُ لها مُحْتَمِلةً؛ فإن الأغْلَبَ مِن أمرِها خوفُ التَّضْييعِ عليها والتَّقْصيرِ، فذلك هو الذي سأَل المؤمنون ربَّهم ألا يُحَمِّلَهم، ورغِبوا إليه في تَخْفيفِه وتَيْسيرِه عليهم؛ لأن ذلك من الأمورِ التي لو أمَر اللهُ تعالى ذكرُه بها عبادَه وتعَبَّدهم بها كان عدْلًا منه، وتَخفيفُه ذلك عنهم فضلٌ منه تفَضَّل به عليهم، ورحمةٌ منه بهم، فرغِب المؤمنون إلى ربِّهم في تَعَطُّفِه عليهم بفضلِه ورحمتِه، وإن كانت المنزلةُ الأخرى عدلًا منه، إذ كان في تفَضُّلِه عليهم التخفيفُ، وفى عدلِه عليهم التشديدُ الذي لا يُؤْمَنُ معه هَلاكُهم] (^١).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"5","page":163},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1120>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا﴾.</span>\nوفى هذا أيضًا من قولِ اللهِ جلَّ ثناؤه خبرًا عن المؤمنين من مسألتِهم إياه ذلك، الدلالةُ الواضحةُ أنهم سألوه تَيْسيرَ فرائضِه عليهم بقولِه: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾. لأنهم عقَّبوا ذلك بقولِهم: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾. مسألةً منهم ربَّهم أن يعفوَ لهم عن تقصيرٍ إن كان منهم في بعض ما أمَرَهم به مِن فرائضِه، فيَصْفَحَ لهم عنه، ولا يُعاقِبَهم عليه، وإن خفَّ ما كلَّفهم مِن فرائضِه على أبدانِهم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1119>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾. قال: اعْفُ عنا إن قصَّرْنا عن شيءٍ مِن أَمرِك مما أَمَرْتَنا به (^١).\nوكذلك قولُه: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾. يعنى: واسْتُرْ علينا زَلَّةً إن أتَيْناها فيما بينَنا وبينَك، فلا تَكْشِفْها ولا تَفْضَحْنا بإظهارِها.\nوقد دلَّلْنا على معنى \"المغفرةِ\" فيما مضَى قبلُ (^٢).\nكما حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾: إِن انْتَهَكْنا شيئًا مما نهَيْتَنا عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1121>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَارْحَمْنَا﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤُه: تغَمَّدْنا منك برحمةٍ تُنْجِينا بها من عقابِك، فإنه ليس\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٧ إلى المصنف. وستأتي بقيته فيما يأتي.\n(^٢) تقدم في ١/ ٧٢٠، ٧٢١.","vol":"5","page":164},{"text":"بناجٍ مِن عقابِك أحدٌ إلا برحمتِك إياه دونَ عملِه، وليست أعمالُنا مُنْجِيتَنا إن أنت لم تَرْحَمْنَا فوفِّقْنا لما يُرْضِيك عنا.\nكما حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَارْحَمْنَا﴾. قال: يقولُ: لا تَنالُ العملَ بما أَمَرْتَنا به، ولا نَتْرُكُ ما نهَيْتَنا عنه إلا برحمتِك. قال: ولم يَنْجُ أحدٌ إلا برحمتِك (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1123>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾.</span>\nيعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾: أنت وليُّنا تَلِينا بنصرِك دونَ مَن عاداك وكفَر بك؛ لأنا مؤمنون بك ومُطِيعوك فيما أمَرْتَنَا ونَهَيْتَنا، فأنت وليُّ مَن أطاعك، وعدُوُّ مَن كفَر بك فعَصَاك ﴿فَانْصُرْنَا﴾؛ لأنا حِزْبُكَ ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ الذين جحَدوا وحدانيتَك، وعبَدوا الآلهةَ والأنْدادَ دونَك، وأطاعوا في معصيتِك الشيطانَ.\nوالمَوْلَى في هذا الموضعِ \"المَفْعَلُ\"، مِن: ولِى فلانٌ أمرَ فلانٍ، فهو يَلِيه ولايةً، وهو وليُّه ومولاه. وإنما صارَت الياءُ مِن \"مولى\" ألفًا لانفتاحِ اللامِ قبلَها التي هي عينُ الاسمِ.\nوقد ذُكِر أن الله جلَّ ثناؤُه لما أَنْزَل هذه الآيةَ على رسولِه ﷺ فتلاها رسولُ اللهِ ﷺ، استَجاب اللهُ له في ذلك كلِّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1122>ذكرُ الأخبارِ التي جاءَت بذلك</span>\nحدَّثني المثنى بنُ إبراهيمَ ومحمدُ بنُ خلفٍ العسقلانيُّ، قالا: ثنا آدمُ العسقلانيُّ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ١٦٤.","vol":"5","page":165},{"text":"عباسٍ، قال: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾. قال: قرَأَها رسولُ اللهِ ﷺ، فلما انتَهَى إلى قولِه: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. قال اللهُ: قد غَفَرْتُ لكم. فلما قرَأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال اللهُ ﷿: [لا أواخذُكم. فلما قرَأ: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾. قال جلَّ ثناؤُه: لا أحمِلُ عليكم. فلما قرَأ: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾. قال اللهُ ﷿] (^١): لا أحَمِّلُكم. فلما قرَأ: [﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾. قال الله ﷿: قد عفوت عنكم. فلما قرَأ] (^١): ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾. قال اللهُ ﷿: قد غفَرت لكم. فلما قرَأ: ﴿وَارْحَمْنَا﴾. قال اللهُ ﷿: قد رحِمْتُكم. فلما قرَأ: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: قد نصَرْتُكم عليهم (^٢).\nحدَّثني يحيَى بنُ أبى طالبٍ، قال: أَخْبَرَنا يَزيدُ، قال: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ، قال: أتَى جبريلُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهما وسلَّم فقال: يا محمدُ، قلْ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. فقالها، فقال جبريلُ ﵇: قد فعَل. وقال له: قلْ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾. فقالها، فقال جبريلُ ﷺ: قد فعَل. فقال: قلْ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾. فقالها، فقال جبريلُ: قد فعل. فقال: قلْ: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. فقالها، فقال له جبريلُ ﷺ: قد فعَل (^٣).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) أخرجه أبو عوانة في مسنده ١/ ٧٦، والطحاوى في المشكل (١٦٣٠)، والطبراني في الأوسط (٩٣٠٨)، والبيهقى في الشعب ٢/ ٤٦٣ من طريق آدم به.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٨٣ - تفسير)، والبيهقى في الشعب (٢٤١٠) من طرق عن الضحاك بنحوه.","vol":"5","page":166},{"text":"السديِّ أن هذه الآيةَ حين نزَلَت: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، فقال له جبريلُ صلى الله عليهما وسلم: فعَل ذلك يا محمدُ. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. فقال جبريلُ في كلِّ ذلك: فعَل ذلك يا محمدُ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن آدمَ بن سليمانَ مولى خالدٍ، قال: سَمِعْتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: أنْزَل اللهُ ﷿: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. فقرَأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال: فقال: قد فعَلْتُ. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾. فقال. قد فعَلْتُ. ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: قد فعلتُ. ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: قد فعَلْتُ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن مُصْعَبِ بن ثابتٍ، عن العَلاءِ بن عبدِ الرحمنِ بن يعقوبَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: أنْزَل اللهُ ﵎: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال أبي: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"قال اللهُ: نعم\". [﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال أبي: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"قال اللهُ ﷿: نعم] (^٣) \" (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٧ إلى المصنف.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ١٣١.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ١٣٠، ١٣١.","vol":"5","page":167},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ (^١)، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن آدمَ بن سليمانَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: نزلت هذه الآيةُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: ويقولُ: قد فعَلْتُ. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾. قال: ويقولُ: قد فعَلْتُ. فأُعْطِيَت هذه الأمةُ خَواتيمَ سورةِ \"البقرة\"، ولم تُعْطَها الأممُ قبلَها.\nحدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ المَوْصليُّ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، قال: ثنا عَطَاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ جَلَّ وعزَّ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ إلى قوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾. قال: قد غَفَرْتُ لكم. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى قولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال: لا أؤاخِذُكم. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾. قال: لا أحْمِلُ عليكم. إلى قولِه: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ إلى آخرِ السورةِ. قال: قد عَفَوْتُ عنكم، وغفَرْتُ لكم، ورَحِمْتُكم، ونَصَرْتُكم على القومِ الكافرين (^٢).\nورُوِى عن الضحاكِ بن مُزاحِمٍ أن إجابةَ اللهِ [﵎ في هذه الآيةِ كانت] (^٣) للنبيِّ ﷺ خاصّةً.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حميد\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧٧، ٥٧٩، ٥٨١، ٥٨٢ (٣٠٧٨، ٣٠٩٣، ٣٠٩٦، ٣١٠٨، ٣١١٠، ٣١١٣) عن علي بن حرب به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"5","page":168},{"text":"أَخْطَأْنَا﴾ إلى آخرِ السورةِ: فإن جبريلَ ﵇ أقرَأَها نبيَّ اللهِ ﷺ، فسألها نبيُّ اللهِ ربَّه جلَّ ثناؤُه، فأعطاها إيّاه، فكانت للنبيِّ ﷺ خاصّةً (^١).\nحدَّثني المثنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ أن مُعاذًا كان إذا فرَغ من هذه السورةِ: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. قال: آمينَ (^٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٨ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٢٥، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٢٦ من طريق سفيان به، وفى إسنادهما: \"عن أبي إسحاق عن رجل عن معاذ\".\nوإلى هنا انتهى الجزء الثامن من المخطوط الأصل. وآخره: \"آخر تفسير سورة البقرة والحمد لله رب العالمين كثيرا كما هو أهله وصلى الله على محمد وآله. تم السفر الثامن من جامع البيان عن تأويل أي الفرقان بحمد الله وعونه وصلى الله على محمد نبيه وعلى آله الطيبين وسلم تسليما يتلوه إن شاء الله أول تفسير آل عمران\". وسيجد القارئ أرقام أوراق المخطوط ت ١ بين معكوفين.","vol":"5","page":169},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1124>سورةُ آلِ عمرانَ</span>\n﷽\nربِّ يسِّر\nأخبَرنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرِ بن يزيدَ:\n\n<span id=\"aya-294\"></span><span data-type='title' id=toc-1125>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: قد أتيْنَا على البيانِ عن معنى قولِه: ﴿الم﴾. فيما مضَى، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١)،\n\n<span id=\"aya-295\"></span>وكذلك البيانِ عن قولِه: ﴿اللَّهُ﴾ (^٢).\nوأما معنى قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. فإنه خبرٌ من اللهِ ﷿ أخبَر عبادَه أن الألوهةَ خاصَّةٌ به دونَ ما سواه من الآلهةِ والأندادِ، وأن العبادةَ لا تصلُحُ ولا تجوزُ إلا له، لانفرادِه بالربوبيةِ وتَوَحُّدِه بالأُلوهيَّةِ، وأن كلَّ ما دونَه فمِلْكُه، وأن كلَّ ما سواه فخَلْقُه، لا شريكَ له في سلطانِه ومِلْكِه؛ احتجاجًا منه تعالى ذكرُه عليهم، بأن ذلك إذْ كان كذلك، فغيرُ جائزةٍ لهم عبادةُ غيرِه ولا إشراكُ أحدٍ معه في سلطانِه، إذ كان كلُّ معبودٍ سواه فمِلْكُه، وكلُّ مُعَظَّمٍ غيرِه فخَلْقُه؛ وعلى المملوكِ إفرادُ الطاعةِ لمالِكه، وصَرْفُ خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا (^٣) مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ اللهِ عليه وسلامُه - مُقيمًا على عبادةِ وَثَنٍ أو\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٠٤ - ٢٢٨.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ١٢١ - ١٢٤.\n(^٣) في النسخ: \"معرف\" والصواب ما أثبتنا، والسياق: \"أخبر عباده أن الألوهة خاصة به دون ما سواه احتجاجا منه … ومعرفًا من كان من خلقه … أنه مقيم على ضلالة\".","vol":"5","page":170},{"text":"صنمٍ، أو شمسٍ أو قمرٍ، أو إنسيٍّ أو مَلَكٍ، أو غيرِ ذلك من الأشياءِ التي كانت بنو آدمَ مُقِيمةً على [عبادتِها وإلاهتِها] (^١)، ومُتَّخذَه (^٢) دونَ مالكِه وخالقِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.\nوقد ذُكِر أن هذه السورةَ ابتدأ اللهُ بتنزيلِ فاتحتِها، بالذي ابتدأ به مِن نفيِ الأُلُوهَةِ أن تكونَ لغيرِه، ووَصْفِه نفسَه بالذي وصفَها به في ابتدائِها؛ احتجاجًا منه بذلك على طائفةٍ من النَّصارَى قَدِمُوا على رسولِ الله ﷺ من نَجْرانَ فحاجُّوه في عيسى صلواتُ اللهِ عليه، وألْحَدُوا في اللهِ، فأنزل اللهُ ﷿ في أمرِهم وأمرِ عيسى من هذه السورةِ، نَيِّفًا وثلاثين آيةً من أوَّلِها؛ احتجاجًا عليهم وعلى من كان على مثلِ مقالتِهم لنبيِّه محمدٍ ﷺ، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ (^٣)، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها ﷺ منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم. غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، وإيّاهم قصَد بالحِجاجِ، فإنَّ مَن كان معناه من سائرِ الخلقِ معناهم في الكفرِ باللهِ، واتخاذِ ما سوى اللهِ ربًّا وإلهًا معبودًا، معمومون بالحُجَّة التي حجَّ اللهُ ﵎ بها مَن نزَلتْ هذه الآياتُ فيه، ومحجوجون في الفُرقانِ الذي فَرَق به لرسولِه ﷺ بينَه وبينَهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1126>ذكرُ الروايةِ عمن ذكرْنا قولَه في نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبادته وإلاهته\".\n(^٢) سقط من: س، وفى م: \"متخذته\".\n(^٣) في س: \"الإسلام\".","vol":"5","page":171},{"text":"ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرٍ، قال: قَدِم على رسولِ اللهِ ﷺ وفدُ نَجْرانَ، ستون راكبًا، فيهم أربعةَ عشَرَ رجلًا من أشرافِهم، في الأربعةَ عشَرَ ثلاثةُ نَفَرٍ، إليهم يئولُ أمرُهم: العاقبُ؛ أميرُ القومِ وذو رأيِهم وصاحبُ مَشورتِهم، والذي لا يَصْدرُون إلا عن رأيِه، واسمُه عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ؛ ثِمالُهم (^١) وصاحبُ رحلِهم ومُجْتَمَعِهم، واسمُه الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ علقمةَ؛ أحدُ (^٢) بكرِ بن وائلٍ، [أسْقُفُّهم وحَبْرُهم] (^٣) وإمامُهم وصاحبُ مِدْراسهم (^٤).\nوكان أبو حارثةَ قد شَرُف فيهم، ودرَس كتبَهم، حتى حسُن علمُه في دينِهم، فكانت ملوكُ الرومِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم (^٥).\nقال ابن إسحاق: قال محمدُ بنُ جعفرِ بن الزُّبيرِ: قَدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ المدينةَ، فدخَلوا عليه مسجدَه حينَ صلَّى العصرَ، عليهم ثيابُ الحِبَراتِ (^٦) جُبَبٌ وأرديةٌ، في [جمال رجالِ] (^٧) بَلْحارثِ بن كعبٍ. قال: يقولُ بعضُ مَن رآهم من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"دَعُوهم\". فَصَلُّوا إلى المَشْرِقِ.\n_________\n(^١) الثمال: الغياث الذي يقوم بأمر قومه. تاج العروس (ث م ل).\n(^٢) في م: \"أخو\". وينظر سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٣.\n(^٣) في س: \"أشيبهم وخيرهم\".\n(^٤) المدراس: الموضع الذي يدرسون فيه كتابهم.\n(^٥) في م: \"دينه\".\n(^٦) الحِبَرَةُ: ضرب من برود اليمن مُنَمَّرة. تُجمع على: حِبَر وحِبَرات. يقال: برد حَبير، وبرد حِبَرة.\n(^٧) سقط من النسخ، والمثبت من سيرة ابن هشام.","vol":"5","page":172},{"text":"قال: وكانت تسميةُ الأربعةَ عشَرَ منهم الذين يَئُولُ إليهم أمرُهم: العاقبُ وهو عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ وهو الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ أخو (^١) بكرِ بن وائلٍ، وأوسٌ، والحارثُ، وزيدٌ، وقيسٌ، ويزيدُ، ونُبَيةٌ، وخويلدٌ، و(^٢) عمرٌو، وخالدٌ، وعبدُ اللهِ، ويُحَنَّسُ، في ستين راكبًا، فكلَّم رسولَ اللهِ ﷺ منهم أبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ، والعاقبُ عبدُ المسيحِ، والأيْهَمُ السَّيِّدُ، وهم (^٣) من النصرانيةِ على دينِ الملِكِ، مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ. بأنه كان يُحيِى الموتى، ويُبْرِئُ الأسقامَ، ويُخْبِرُ بالغُيوبِ، ويَخلُقُ من الطينِ كهيئةِ الطيرِ ثم ينفُخُ فيه فيكونُ طائرًا، وذلك كلُّه بإذنِ اللهِ، ليجعلَه آيةً للناسِ. ويَحتجُّون في قولِهم: إنه ولدُ اللهِ. أنهم يقولون: لم يكنْ له أبٌ يُعْلَمُ، وقد تكلَّم في المهدِ، شيءٌ (^٤) لم يَصْنَعْه أحدٌ من ولدِ آدمَ قبلَه. ويحتجُّون في قولِهم: إنه ثالثُ ثلاثةٍ. بقولِ اللهِ ﷿: فعلْنا وأمَرْنا، وخلَقْنا وقضَيْنا. فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا: فعلتُ وأمَرْتُ وقضَيْتُ وخَلَقْتُ، ولكنّه هو، وعيسى، ومريمُ. ففي كلِّ ذلك من قولِهم قد نزَل القرآنُ، وذكَر اللهُ لنبيِّه ﷺ فيه قولَهم، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: \"أسْلِما\". قالا: قد أسلَمْنا. قال: \"إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما\". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك. قال: \"كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُما مِن الإِسلامِ دعاؤُكما للهِ ﷿ وَلَدًا، وعبادَتُكما الصَّليب، وأكْلُكما الخِنزِيرَ\". قالا: فمن\n_________\n(^١) كذا في السيرة وجميع النسخ، وتقدم في الصفحة السابقة \"أحد\". وهما واحد.\n(^٢) في النسخ: \"ابن\". والمثبت من سيرة ابن هشام.\n(^٣) في النسخ: \"هو\". والمثبت من سيرة ابن هشام.\n(^٤) في م: \"بشيء\"، وفي السيرة: \"وهذا\".","vol":"5","page":173},{"text":"أبوه يا محمدُ؟ فصمَت رسولُ اللهِ ﷺ عنهما فلم يُجِبْهما، فأنزل اللهُ في ذلك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ \"آلِ عمرانَ\" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. فافتتح السورةَ بتَبْرِئتِه (^١) نفسَه ﵎ مما قالوا، وتوحيدِه إيّاها بالخلقِ والأمرِ، لا شريكَ له فيه؛ ردًّا عليهم ما ابتدَعوا من الكفرِ، وجعَلوا معه من الأندادِ، واحتجاجًا عليهم بقولِهم في صاحبِهم، ليُعَرِّفَهم بذلك ضَلالتَهم، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي ليس معه شريكٌ في أمرِه (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. قال: إن النَّصارَى أتَوْا رسولَ اللهِ ﷺ فخاصَمُوه في عيسى ابن مريمَ، وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على اللهِ الكَذِبَ والبُهْتانَ - لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ: \"ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ \". قالوا: بلى. قال: \"ألستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ ربَّنا حيٌّ لا يموتُ، وأنَّ عيسى يأتى عليه الفناءُ؟ \". قالوا: بلى. قال: \"ألستُم تَعْلَمُون أَنَّ ربَّنا قَيِّمٌ على كلِّ شيءٍ، يَكْلَؤُه ويَحْفَظُه ويَرْزُقُه؟ \". قالوا: بلى. قال: \"فهل يَمْلِكُ عيسى من ذلك شيئًا؟ \". قالوا: لا. قال: \"أفلستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ الله ﷿ لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ؟ \". قالوا: بلى. قال: \"فهل يعلَمُ عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلِّمَ؟ \". قالوا: لا. قال: \"فَإِنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء\" (^٣). قال: \"ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ\n_________\n(^١) في: م: \"بتبرئة\". وفى س، والسيرة: \"بتنزيه\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٣ - ٥٧٦، وأخرجه البيهقى في الدلائل ٥/ ٣٨٢ من طريق يونس، عن ابن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣ إلى ابن المنذر. وسيذكر المصنف بقيته مفرقة فيما سيأتي.\n(^٣) بعده في م: \"فهل تعلمون ذلك؟ قالوا: بلى\".","vol":"5","page":174},{"text":"الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ \". قالوا: بلى. قال: \"ألستم تَعْلَمُون أَنَّ عيسى حَمَلَتْه امرأةٌ كما تَحْمِلُ المرأةُ، ثم وَضَعَتْه كما تَضَعُ المرأةُ وَلَدَها، ثم غُذِّيَ كما يُغَذَّى الصبيُّ، ثم كان يَطْعَمُ الطعامَ، ويَشرَبُ الشَّرابَ، ويُحْدِثُ الحَدَثَ؟ \". قالوا: بلى. قال: \"فكيف يكونُ هذا كما زعمتُم؟ \". قال: فعرَفوا ثم أبَوْا إِلا جُحُودًا، فأنزل اللهُ ﷿: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1127>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ </span>(٢)﴾.\nاختلفت القَرَأَةُ في ذلك؛ فقرأتْه قَرَأَةُ الأمصارِ: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.\nوقرَأ ذلك عمرُ بنُ الخَطَّابِ وابنُ مسعودٍ، فيما ذُكِر عنهما: (الحيُّ القيَّامُ) (^٢).\nوذُكِر عن عَلْقمةَ بن قيسٍ أنه كان يقرأُ: (الحَيُّ القَيِّمُ).\nحدَّثنا بذلك أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثّامُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن أبي مَعْمَرٍ، قال: سَمِعْتُ عَلقمةَ يقرأُ: (الحَيُّ القَيِّمُ). قلت: أنتَ سَمِعْتَه؟ قال: لا أَدْرِى (^٣).\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، عن عَلْقمةَ مثلَه.\nوقد رُوى عن عَلْقمةَ خلافُ ذلك، وهو ما حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: حدَّثنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٨٥ (٣١٢٤) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) تنظر قراءة عمر في فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٦٨، وسنن سعيد بن منصور (٤٨٦ - تفسير)، وقراءة ابن مسعود في سنن سعيد بن منصور (٤٨٩ - تفسير)، والمعجم الكبير (٨٦٩٠)، والمصاحف لابن أبي داود ص ٥٩.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢ إلى المصنف وابن الأنباري.","vol":"5","page":175},{"text":"عبدُ اللهِ، قال: حدَّثنا شَيْبانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، عن عَلْقمةَ أنه قرَأ: (الحَيُّ القَيَّامُ) (^١).\nوالقراءةُ التي لا يجوزُ غيرُها عندَنا في ذلك ما جاءت به قراءةُ المسلِمين نقلًا مستفيضًا، عن غيرِ تَشاعُرٍ (^٢) ولا تَواطؤٍ، وِراثةً، وما كان مُثْبَتًا في مصاحفِهم؛ وذلك قراءةُ من قرَأ: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1129>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الْحَيُّ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿الْحَيُّ﴾، فقال بعضُهم: معنى ذلك مِن اللهِ تعالى ذكرُه أنه وصَف نفسَه بالبقاءِ، ونفَى الموتَ الذي يجوزُ على مَن سواه مِن خلقِه عنها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1128>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿الْحَيُّ﴾: الذي لا يموتُ، وقد مات عيسى وصُلِب في قولِهم. يعنى في قولِ الأحبارِ الذين حاجُّوا رسولَ الله ﷺ من نَصارَى أَهلِ نَجْرانَ (^٣).\nحدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿الْحَيُّ﴾. قال: يقولُ: حيٌّ لا يموتُ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢ إلى المصنف وابن الأنبارى.\n(^٢) في م: \"تشاغر\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٧٦.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٦ (٢٥٧١) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"5","page":176},{"text":"وقال آخرون: معنى \"الحيِّ\" الذي عَناه اللهُ ﷿ في هذه الآيةِ، ووصَف به نفَسه، أنه المُتَيَسِّرُ له تدبير كلِّ ما أراد وشاء، لا يَمتنعُ عليه شيءٌ أراده، وأنه ليس كمن لا تدبيرَ له من الآلهةِ والأندادِ.\nوقال آخرون: معنى ذلك أن له الحياةَ الدائمةَ التي لم تَزَلْ له صفةً، ولا تزالُ كذلك. وقالوا: إنما وصَف نفسَه بالحياةِ لأن له حياةً، كما وصَفها بالعلمِ لأن لها علمًا، وبالقُدْرة لأن لها قدرةً.\nومعنى ذلك عندى أنه وصَف نفسَه بالحياةِ الدائمةِ التي لا فَناء لها ولا انقطاعَ، ونفَى عنها ما هو حالٌّ بكلِّ ذى حياةٍ من خلقِه؛ من الفَناءِ وانقطاعِ الحياةِ عندَ مجئِ أجله، فأخبرَ عبادَه أنه المُستوجِبُ على خلقِه العبادةَ والألُوهةَ، والحيُّ الذي لا يموتُ ولا يَبِيدُ، كما يموتُ كلُّ مَن اتَّخِذَ مِن دونِه ربًّا، ويَبيدُ كُلُّ مَن ادُّعِي مِن دونِه إلهًا، واحتجَّ على خلِقه بأنَّ مَن كان يَبيدُ فيزولُ ويموتُ فيَفْنَى، فلا يكونُ إلَهَا يَستوجبُ أن يُعْبَدَ دونَ الإله الذي لا يَبِيدُ ولا يموتُ، وأنَّ الإلهَ هو الدائم الذي لا يموتُ ولا يَبيدُ ولا يَفْنَى، وذلك اللهُ الذي لا إلَهَ إلا هو.\n\n<span data-type='title' id=toc-1130>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الْقَيُّومُ﴾.</span>\nقد ذكَرْنا اختلافَ القرأةِ في ذلك، والذي نختارُ منه، وما العِلّةُ التي مِن أجلِها اخترْنا ما اخترنا من ذلك.\nفأمّا تأويلُ جميعِ الوجوهِ التي ذكَرْنا أن القرأةَ قرأتْ بها، فمتقارِبٌ، ومعنى ذلك كلِّه: القَيِّمُ بحفظِ كلِّ شيءٍ ورَزْقِه وتدبيرِه، وتصريفه فيما شاء وأحبَّ، من تغييرٍ وتبديلٍ، وزيادةِ ونقصٍ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى","vol":"5","page":177},{"text":"ابن ميمونٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: القائمُ على كلِّ شيءٍ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿الْقَيُّومُ﴾: قَيِّمٌ على كلِّ شيءٍ؛ يَكْلَؤُه ويَحْفَظُه ويَرزُقُه (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: القَيّامُ على مكانه. ووجَّهوه إلى القيامِ الدائمِ، الذي لا زوالَ معه ولا انتقالَ، وأنَّ اللَّهَ ﷿ إنما نفَى عن نفسِه - بوَصْفِها بذلك - التغيُّرَ والتنقُّلَ من مكانٍ إلى مكانٍ، وحدوثَ التبدُّلِ الذي يَحدُثُ في الآدميِّين وسائر خلقه غيرِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1131>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، عن محمدِ (^٤) بن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿الْقَيُّومُ﴾: القَيَّامُ على مكانِه، مَن سلطانَه في خلقِه لا يزولُ، وقد زال عيسى في قولِهم - يعنى في قولِ الأحبارِ الذين حاجُّوا النبيَّ ﷺ من أهلِ نجرانَ في عيسى - عن مكانِه الذي كان به، وذهَب عنه إلى غيرِه (^٥).\nوأولى التأويلَين بالصوابِ ما قاله مجاهدٌ والرَّبيعُ، وأن ذلك وصفٌ من الله\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٤٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٦ (٢٥٧٣).\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٩٦) من طريق أبي حذيفة به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٦ (٢٥٧٢) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) في النسخ: \"عمر\".\n(^٥) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٨٦ (٣١٢٩) من طريق ابن إسحاق قوله.","vol":"5","page":178},{"text":"تعالى ذكرُه نفسَه بأنَّه القائمُ بأمرِ كلِّ شيءٍ في رَزْقه والدفْعِ عنه، وكِلائِه وتدبيرِه، وصَرْفِه في قدرتِه، مِن قولِ العربِ: فلانٌ قائمٌ بأمرِ هذه البلدةِ. تَعْنى بذلك: المتُوَلِّى تدبيرَ أمرها. فـ \"القيُّومُ\" - إذ كان ذلك معناه - \"الفَيْعُولُ\"، من قولِ القائلِ: اللهُ يقومُ بأمرِ خلقِه. وأصلُه \"القَيْوُومُ\"، غير أنَّ الواوَ الأولى من \"القَيْوُومِ\"، لما سبَقتْها ياءٌ ساكنةٌ وهى متحرِّكةٌ، قُلِبَتْ ياءً، فجُعِلَتْ هي والياءُ التي قبلَها ياءً مشدّدةً؛ لأن العرب كذلك تفعَلُ بالواوِ المتحرِّكةِ إذا تقدَّمَتْها ياءٌ ساكنةٌ.\nوأما \"القَيّامُ\"، فإن أصلَه \"القيوامُ\"، وهو \"الفَيْعَالُ\"، مِن: قام يقومُ، سَبَقت الواو المتحرِّكةَ مِن \"قَيْوامٍ\" ياءٌ ساكنةٌ، فجُعِلَنا جميعًا ياءً مشدّدةً.\nولو أنَّ القَيُّومَ \"فَعُولٌ\"، كان \"القَيُّومَ\"، ولكنَّه \"الفَيْعُولُ\". وكذلك \"القَيَّامُ \"لو كان \"الفَعَّال\" لكان \"القَوَّامَ\"، كما قيل: الصَّوامُ والقَوَّامُ. وكما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨]. ولكنَّه \"الفَيْعالُ\"، فقال: القَيَّامُ.\nوأمَّا \"القَيِّمُ\" فهو \"الفَيْعِلُ\"، من: قامَ يقومُ، سَبَقَت الواوَ المتحرِّكةَ ياءٌ ساكنةٌ، فجُعِلَتا ياءً مُشدَّدةً، كما قيل: فلانٌ سيِّدُ قومِه. من: سادَ يَسُودُ، وهذا طعامٌ جيِّدٌ، من: جادَ يجودُ، وما أشبهَ ذلك.\nوإنما جاء ذلك بهذه الألفاظِ؛ لأنه قصَد به قَصْدَ المبالغةِ في المدحِ، فكان \"القَيُّومُ\" و\"القَيَّامُ\" و\"القَيِّمُ\" أبلغَ في المدحِ من القائمِ. وإنما كان عمرُ ﵁ يختارُ قراءته، إن شاء اللهُ: \"القَيَّام\"؛ لأن ذلك الغالبُ على مَنطِقِ أهلِ الحجازِ، في ذواتِ الثلاثةِ من الياءِ والواوِ، فيقولون للرجلِ الصَّوّاغِ: الصَّيَّاغُ. ويقولون للرجلِ الكثيرِ الدَّوَرانِ: الدَّيَّارُ. وقد قيل: إن قول الله جلَّ ثناؤُه: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]. إنما هو: \"دَوَّارًا\"، \"فَعَّالا\"، مِن: دارَ","vol":"5","page":179},{"text":"يَدُورُ. ولكنَّها نزَلتْ بلغةِ أهلِ الحجازِ، وأُقِرَّتْ كذلك في المصحفِ.\n\n<span id=\"aya-296\"></span><span data-type='title' id=toc-1133>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤه: يا محمدُ، إنَّ ربَّك وربَّ عيسى وربَّ كلِّ شيءٍ، هو الربُّ الذي أنزل عليك الكتابَ، يعني بـ \"الكتاب\": القرآنَ، ﴿بِالْحَقِّ﴾ يَعنى بالصِّدْقِ فيما اختلَف فيه أهلُ التوراةِ والإنجيلِ، وفيما خالَفك فيه مُحاجُّوكَ مِن نَصَارَى أَهْلِ نَجْرانَ، وسائرِ أهلِ الشركِ غيرِهم، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، يَعنى بذلك القرآنَ أنه مُصَدِّقٌ لما كان قبلَه مِن كتبِ اللهِ التي أنزلَها على أنبيائِه ورسلِه، ومُحَقِّقٌ ما جاءتْ به رسلُ اللهِ مِن عنده؛ لأنَّ مُنَزَّل جميعِ ذلك واحدٌ، فلا يكونُ فيه اختلافٌ، ولو كان من عندِ غيرِه لكان فيه اختلافٌ كثيرٌ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1132>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. قال: لِما قبلَه من كتابٍ أو رسولٍ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: لما قبلَه من كتابٍ أو رسولٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٤٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٨٧ (٣١٣٥).","vol":"5","page":180},{"text":"بالصِّدْقِ فيما اختلَفوا فيه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يقولُ: القرآنَ مُصَدِّقًا لما بينَ يَدَيْهِ من الكتبِ التي قد خلَتْ قبله (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثني ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: يقولُ: مُصَدِّقًا لما قبلَه من كتابٍ ورسولٍ (^٣).\n\n<span id=\"aya-297\"></span><span data-type='title' id=toc-1134>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وأنزلَ التوراةَ على موسى، والإنجيلَ على عيسى، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: من قبلِ الكتابِ الذي نزَّله عليك.\nويعنى بقولِه: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾: بيانًا للناس من اللهِ فيما اختلَفوا فيه من توحيدِ اللهِ، وتصديقِ رسلِه، ونعتِك (^٤) يا محمدُ بأنك نبيِّى ورسولى، وفى غيرِ ذلك من شرائعِ دينِ اللهِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾: هما كتابان أنزلهَما اللهُ، فيهما بيانٌ\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٨٧ (٣١٣٢) من طريق يزيد به مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٨٧، عقب الأثر ٣١٣٦) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) سقط من س، وفى ص: \"حفيك\"، وفى م: \"مفيدًا، وفى ت ١، ت ٢: \"حفيد\" والمثبت أقرب إلى الصواب.","vol":"5","page":181},{"text":"من اللهِ، وعِصْمةٌ لمن أخَذ به، وصدَّق به، وعمل بما فيه (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقِ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾: التوراةَ على موسى، والإنجيلَ على عيسى، كما أنزلَ الكتبَ على مَن كان قبلَه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1136>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾.</span>\nيَعنى جلَّ ثناؤه بذلك: وأنزلَ الفَصْلَ بين الحقِّ والباطلِ فيما اختلَفتْ فيه الأحزابُ وأهلُ المِلَلِ في أمرِ عيسى وغيرِه.\nوقد بَيَّنَّا فيما مضَى أن الفُرقانَ إنما هو الفُعْلانُ، من قولِهم: فرَق اللهُ بينَ الحقِّ والباطلِ؛ يَفْصِلُ بينهما بنصرِه الحقَّ على الباطل، إِمَّا بالحُجَّةِ البالغة، وإِمَّا بالقَهْرِ والغَلَبة بالأيْدِ والقُوَّةِ (^٣).\nوبما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، غيرَ أنَّ بعضَهم وجَّه تأويلَه إلى أنه فصلٌ بينَ الحقِّ والباطلِ في أمرِ عيسى، وبعضُهم إلى أنه فصلٌ بينَ الحقِّ والباطلِ في أحكامِ الشرائعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1135>ذكرُ مَن قال: معناه: الفصلُ بينَ الحقِّ والباطلِ في أمرِ عيسى والأحزابِ</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفر بن الزُّبيرِ: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾. أي: الفصلَ بينَ الحقِّ والباطلِ، فيما اختلَف فيه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٨٨ (٣١٤١، ٣١٤٢) من طريق شيبان، عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"قبلهما\". والأثر في سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٩٣ وما بعدها.","vol":"5","page":182},{"text":"الأحزابُ من أمرِ عيسى وغيرِه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1137>ذكرُ من قال: معنى ذلك: الفصلُ بينَ الحقِّ والباطل في الأحكامِ وشرائعِ الإسلامِ</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾: هو القرآنُ، أنزَله على محمدٍ، وفرَق به بينَ الحقِّ والباطلِ، فأحلَّ فيه حلالَه، وحرَّم فيه حرامَه، وشرَّع فيه شرائعَه، وحدَّ فيه حدودَه، وفرَض فيه فرائضه، وبيَّن فيه بيانَه، وأمرَ بطاعتِه، ونهَى عن معصيتِه (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾. قال: الفرقانُ القرآنُ، فرَق بينَ الحقِّ والباطلِ (^٣).\nوالتأويلُ الذي ذكَرْناه عن محمدِ بن جعفر بن الزُّبيرِ في ذلك أوْلَى بالصّحةِ من التأويلِ الذي ذكَرْناه عن قتادةَ والربيعِ، وأن يكونَ معنى الفرقان في هذا الموضعِ فصلَ اللَّهِ بين نبيِّه محمدٍ ﷺ والذين حاجُّوه في أمرِ عيسى وفي غيرِ ذلك من أمورِه، بالحُجّةِ البالغةِ القاطعةِ عذرَهم وعذرَ نُظَرائهم من أهلِ الكفرِ باللهِ.\nوإنما قلْنا: هذا القولُ أوْلَى بالصوابِ؛ لأن إخبارَ اللهِ عن تنزيلِه القرآنَ قبلَ إخبارِه عن تنزيلِه التوراةَ والإنجيلَ في هذه الآيةِ، قد مضَى بقولِه: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. ولا شكَّ أن ذلك الكتابَ هو القرآنُ لا غيرُه، فلا\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٨٨ (٣١٤٦) من طريق شيبان، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر ٢/ ٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٨٨ (٣١٤٥) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"5","page":183},{"text":"وَجْهَ لتكريرِه مَرَّةً أخرى، إذ لا فائدةَ في تكريرِه، ليست في ذكرِه إيّاه وخبرِه عنه ابتداءً.\n\n<span data-type='title' id=toc-1139>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ </span>(٤)﴾.\nيَعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن الذين جَحَدُوا أعلامَ اللَّهِ وأدلَّتَه على توحيدِه وألوهتِه، وأن عيسى عبدٌ له، واتَّخَذُوا المسيحَ إلها وربًّا، أو ادَّعَوْه للهِ ولَدًا، لهم عذابٌ من اللهِ شديدٌ يوم القيامةِ.\nو\"الذين كفروا\": هم الذين جحَدوا آياتِ اللَّهِ. و\"آياتُ اللهِ\": أعلامُ اللَّهِ وأدلّتُه وحُجَجُه.\nوهذا القولُ من اللَّهِ ﷿ يُنْبِيءُ عن معنى قولِه: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾. أنه مَعنيٌّ به الفصلُ (^١) الذي هو حُجّةٌ لأهلِ الحقِّ على أهلِ الباطلِ؛ لأنه عقَّب ذلك بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني: إن الذين جحَدوا ذلك الفصلَ والفرقانَ الذي أنزله فرقًا بينَ المُحِقِّ والمُبْطلِ، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ وعِيدٌ من اللهِ لمن عاند الحقَّ بعدَ وُضوحِه له، وخالَف سبيلَ الهُدَى بعدَ قيامِ الحُجةِ عليه، ثم أخبَرهم أنه عزيزٌ في سلطانِه، لا يمنعُه مانعٌ ممن أراد عذابَه منهم، ولا يحولُ بينَه وبينَه حائلٌ، ولا يستطيع أن يُعاندَه فيه أحدٌ، وأنه ذو انتقامٍ ممن جحَد حُجَجَه وأدلَّتَه بعد ثبوتِها عليه، وبعد وُضوحِها له ومعرِفتِه بها.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1138>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاق، عن محمدِ بن\n_________\n(^١) بعده في النسخ: \"عن\". ولا يستقيم بها الكلام.","vol":"5","page":184},{"text":"جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام﴾. أي: إن الله منتقمٌ ممن كفَر بآياتِه، بعدَ علمِه بها، ومعرِفتِه بما جاء منه فيها (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-298\"></span><span data-type='title' id=toc-1140>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن الله لا يخفَى عليه شيءٌ هو في الأرضِ، ولا شيءٌ هو في السماءِ، يقولُ: فكيف يخفَى على يا محمدُ، وأنا علامُ [جميعِ الأشياءِ] (^٣). ما يُضَاهِى به هؤلاء الذين يُجادِلُونك في آياتِ اللَّهِ مِن نَصَارَى نَجْرانَ في عيسى ابن مريمَ، في مقالتِهم التي يقولونها فيه؟\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.\nأي: قد عَلِم ما يُريدون وما يكيدون وما يُضاهون بقولِهم في عيسى، إذ جعَلوه ربًّا وإلهًا، وعندَهم من علِمه غيرُ ذلك، غِرَّةً بالله وكفرًا به (^٤)\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٨٩ (٣١٥٣) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.\n(^٢) هكذا في النسخ، لم يذكر المصنف نص الأثر، وسيتكرر ذلك فيما سيأتي، والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٨٩ (٣١٤٩) من طريق ابن أبي جعفر به بلفظ: يعنى النصارى.\n(^٣) في س: \"الغيوب\".\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٠ (٣١٥٥) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.","vol":"5","page":185},{"text":"<span id=\"aya-299\"></span><span data-type='title' id=toc-1141>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.</span>\nيَعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: اللَّهُ الذي يُصَوِّرُكم فيَجعلُكم صُوَرًا أَشْبَاحًا في أرحامِ أمّهاتِكم كيف شاء وأحبَّ، فيَجعلُ هذا ذكَرًا وهذا أنثَى، وهذا أسودَ وهذا أحمرَ. يُعرِّفُ عبادَه بذلك أن جميعَ منَ اشتملَتْ عليه أرحامُ النساءِ فممن (^١) صَوَّره وخَلَقه كيف شاء، وأن عيسى ابنَ مريمَ ممن صَوَّره في رَحِمِ أمِّه، وخلَقه فيها كيف شاء وأحبَّ، وأنه لو كان إلهًا لم يكنْ ممن اشتملَتْ عليه رَحِمُ أُمَّه؛ لأَنَّ خَلاقَ ما في الأرحامِ لا تكونُ الأرحامُ عليه مشتمِلةً، وإنما تشتمِلُ على المخلوقِين.\nكما حدَّثني ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقِ، عن محمدِ بن جعفر بن الزُّبيرِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾: قد كان عيسى ممن صُوِّر في الأرحامِ، لا يدفَعون ذلك ولا يُنكِرونه، كما صُوِّر غيرُه من بنى آدمَ، فكيف يكونُ إلهًا وقد كان بذلك المنزِلِ (^٢).\nحدَّثنا المثنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. أي: أَنَّه صوَّر عيسى في الرَّحِيمِ كيف شاءَ (^٣).\nوقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ عن السُّديِّ، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. قال: إذا وقَعت النطفةُ في\n_________\n(^١) في م: \"ممن\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٠ (٣١٥٧) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"5","page":186},{"text":"الأرحامِ، طارتْ في الجسدِ أربعين يومًا، ثم تكونُ علقةً أربعين يومًا، ثم تكونُ مضغة أربعين يومًا، فإذا بلغ أن يُخْلَقَ، بعث اللهُ مَلَكًا يصوِّرُها، فيأتى الملَكُ بترابٍ بين إصبعَيْه، فيخلِطُه في المضغةِ، ثم يعجِنُه بها، ثم يصوِّرُها كما يؤمرُ، فيقولُ: أذكرٌ أو أنثَى؟ أشقيٌّ أو سعيدٌ؟ وما رزقُه؟ وما عمرُه؟ وما أَثَرُه؟ وما مصائبُه؟ فيقولُ اللهُ، ويكتبُ المَلَكُ، فإذا مات ذلك الجسدُ، دُفِن حيث أَخِذ ذلك الترابُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾: قادرٌ واللَّهِ ربُّنا أن يصوِّرَ عبادَه في الأرحامِ كيف يشاءُ؛ من ذكرٍ أو أنثَى، أو أسودَ أو أحمرَ، تامٍّ خَلْقُه وغيرِ تامٍّ] (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1142>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾.</span>\nوهذا القولُ تنزيهٌ من اللهِ تعالى ذكرُه نفسَه أن يكونَ له في ربوبيَّتِه نِدٌّ أو مِثلٌ، أو أن تجوزَ الألُوهةُ لغيرِه، وتكذيبٌ منه للذين قالوا في عيسى ما قالوا، من وفدِ نَجْرانَ الذين قَدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ، وسائرِ مَن كان على مثل الذي كانوا عليه من قولِهم في عيسى، والجميعِ مَن ادَّعى مع اللهِ معبودًا، أو أَقَرَّ بِرُبُوبيَّةٍ غيرِه. ثم أخبرَ جلَّ ثناؤُه خلقه بصفتِه، وعيدًا منه لمن عبَد غيرَه، أو أشركَ في عبادتِه أحدًا سواه، فقال: هو العزيزُ الذي لا ينصُرُ مَن أراد الانتقامَ منه أحدٌ، ولا يُنْجِيه منه وَأَلٌ ولا لَجَأٌ (^٣)، وذلك لعِزَّتِه التي يَذِلُّ لها كلُّ مخلوقٍ، ويخضَعُ لها كلُّ موجودٍ. ثم أعْلَمهم أنه\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤ إلى المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٠ (٣١٥٦) من طريق عمرو به من قول السدى. وأصل الحديث في البخارى (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٠، ٥٩١ (٣١٥٩) من طريق شيبان، عن قتادة نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) الوأْلُ والموئل: الملجأ. واللجأُ والوأْلُ بمعنى. اللسان (ل ج أ، وأ ل).","vol":"5","page":187},{"text":"الحكيمُ في تدبيرِه، وإعذارِه إلى خلِقه، ومتابعةِ حُجَجه عليهم؛ ليَهْلِكَ من هَلَك منهم عن بَيِّنةٍ، ويَحْيا من حَيَّ عن بَيِّنةٍ.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقِ، عن محمدِ بن جعفر بن الزُّبيرِ، قال: ثم قال - يَعنى الربَّ ﷿ إنْزاهًا لنفسِه، وتوحيدًا لها مما جعَلوا معه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قال: العزيزُ في نُصْرته (^١) ممن كفَر به إذا شاء، والحكيمُ في عُذْرِه وحُجَّتِه إلى عبادِه (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ: عزيزٌ في نَقمتِه، حكيمٌ في أمرِه (^٣).\n\n<span id=\"aya-300\"></span><span data-type='title' id=toc-1143>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾.</span>\nيَعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أن الله الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ هو الذي أنزَل عليك الكتابَ. يَعنى بالكتابِ القرآنَ.\nوقد أتَيْنا على البيانِ فيما مضَى عن السببِ الذي من أجلِه سُمِّىَ القرآنُ كتابًا، بما أغْنَى عن إعادته في هذا الموضعِ (^٤).\nوأما قولُه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾. فإنه يَعنى: من الكتابِ آياتٌ. يَعنِي بالآياتِ آياتِ القرآنِ. وأمَّا المحكماتُ، فإنهنَّ اللواتي قد أُحْكمْنَ بالبيانِ والتفصيلِ،\n_________\n(^١) كذا في النسخ، وعند ابن أبي حاتم يريد \"في انتصاره ممن كفر\". كما في سيرة ابن هشام.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩١ (٣١٦١، ٣١٦٣) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩١ (٣١٦٢، ٣١٦٤) من طريق ابن أبي جعفر، عن أبي العالية قوله.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٨٩، ٩٥، ٩٦.","vol":"5","page":188},{"text":"وأُثْبِتَتْ حُجَجهنَّ وأدلَّتُهنَّ على ما جُعِلْنَ أدلّةً عليه؛ من حلالٍ وحرامٍ، ووعدٍ ووعيدٍ، وثوابٍ وعقابٍ، وأمرٍ وزَجْرٍ، وخبرٍ ومَثَلٍ، وعِظَةٍ وعِبَر، وما أشبهَ ذلك.\nثم وصَف جلَّ ثناؤُه هؤلاء الآياتِ المحكماتِ بأنهنَّ أُمُّ (^١) الكتابِ، يَعْنى بذلك أنهنَّ أصلُ الكتابِ الذي فيه عمادُ الدينِ والفرائضُ والحدودُ، وسائرُ ما بالخلْقِ إليه الحاجةُ من أمرِ دينِهم، وما كُلِّفُوا من الفرائضِ [والحدودِ، وسائرِ ما يحتاجون إليه] (^٢) في عاجلِهم وآجلِهم، وإنما سَمّاهنَّ أُمَّ الكتابِ لأنهنَّ مُعْظَمُ الكتابِ، ومَوضِعُ مَفْزَعِ أهلِه عندَ الحاجةِ إليه، وكذلك تفعلُ العرب، تُسَمِّى الجامعَ مُعْظَمَ الشيءِ أمًّا له، فتُسَمِّي رايةَ القومِ التي تجمعُهم في العساكرِ أمَّهم، والمُدَبِّرَ مُعْظَمَ أمرِ القريةِ والبلدةِ أمَّها. وقد بَيَّنَّا ذلك فيما مضَى بما أَغْنَى عن إعادتِه (^٣).\nووحَّد ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾، ولم يَجْمَع فيقولُ: هنَّ أمَّهاتُ الكتابِ. وقد قال: ﴿هُنَّ﴾؛ لأنَّه أراد: جميعُ الآياتِ المُحْكَماتِ أمُّ الكتابِ. لا أنَّ كلَّ آيةٍ منهنَّ أمُّ الكتابِ، ولو كان معنى ذلك أن كلَّ آية منهنَّ أمُّ الكتابِ، لكان لا شكَّ قد قِيل: هنّ أمّهاتُ الكتابِ. ونظيرُ قولِ اللهِ ﷿: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ - على التأويلِ الذي قلْنا في توحيدِ الأُمِّ، وهى خبرٌ [لِـ ﴿هُنَّ﴾] (^٤) - قولُه تعالى ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]. ولَم يقُلْ: آيتَيْن. لأنَّ معناه: وجَعَلْنا جميعَهما آيةً. إذ كان المعنى [واحدًا فيما جيلا] (^٥) فيه للخَلْقِ عبرةً، ولو كان مرادُه الخبرَ عن كلِّ واحدٍ منهما على انفرادِه بأنه جُعِل للخَلْق عبرةً، لقيل: وجعَلْنا ابنَ مريمَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"من\"، وفى م: \"هن أم\".\n(^٢) سقط من: الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ١٠٥، ١٠٦.\n(^٤) في ص، س، ت ١، ت ٢: \"لهم\".\n(^٥) في م: \"وإحداثهما جعلنا\".","vol":"5","page":189},{"text":"وأمَّه آيتَين. لأنَّه قد كان في كلِّ واحدٍ منهما لهم عِبرةٌ؛ وذلك أن مريمَ ولَدتْ من غيرِ رجلٍ، ونطَق ابنُها، فتكلَّم في المهدِ صبيًّا، فكان في كلِّ واحدٍ منهما للناسِ آيةٌ.\nوقد قال بعضُ نحويِّى البصرةِ: إنما قيل: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. ولم يقُلْ: هنّ أمهاتُ الكتابِ. على وجهِ الحكايةِ، كما يقولُ الرجلُ: ما لي أنصارٌ. فتقولُ: أنا أنصارُك، أو: ما لي نظيرٌ. فتقولُ: نحن نظيرُك. قال: وهو شَبيهُ: دَعْنى مِن تمرتان. وأنشد لرجلٍ من فَقْعَسٍ (^١):\nتَعَرَّضَتْ لي [بمكانِ حَلِّ] (^٢) … تَعَرُّضَ المُهرَةِ في الطِّوَلِّ (^٣)\nتَعَرُّضًا لم تَأْلُ عَنْ [قَتْلًا لى] (^٤)\n[قتلًا لى] (^٥)، يَحْكِي به على الحكايةِ؛ لأنه كان منصوبًا قبل ذلك، كما يقولُ: نُودِيَ: الصلاةَ الصلاةَ، يَحْكي قولَ القائلِ: الصلاةَ الصلاةَ. وقال: قال\n_________\n(^١) هو منظور بن مرثد الفقعسى الأسدى، ويعرف بـ: منظور بن حبة. وحبة أمه. والرجز في مجالس ثعلب ٢/ ٦٠٢، واللسان (ط) ول، ق ت ل، ع رض).\n(^٢) في ت ١ ت ٢: \"بمكان خلى\". وفى المجالس: \"بمجازٍ حِلِّ\"، وفى اللسان: \"بمكان حِلِّ\". ومكان الحَلِّ: مكان الحلول والنزول. وينظر اللسان (ح ل ل).\n(^٣) الطَّوَلُ: حبل طويل تشد به قائمة الدابة، وقيل: هو الحبل تشد به ويمسك صاحبه بطرفه ويرسلها ترعى. وشدد الراجز الطِّولّ للضرورة. اللسان (طول).\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"قتال\"، وفى اللسان: \"قتل لى\"، وفى المجالس واللسان (ط ول، ق ت ل) \"قَتْلِلَّى\" كأنه أدغم \"قتل لى\"، ولا شاهد في كل ذلك. قال في اللسان: ويروى: \"عن قتلًا لى\" على الحكاية، أي: عن قولها: قتلًا له.\nوالرواية التي أشار إليها صاحب اللسان هي رواية سر صناعة الإعراب، كما ذكر ذلك محقق المجالس.\n(^٥) في النسخ: \"كل أي\"، وهى عبارة مضطربة، ولعلها تحريف ما أثبتناه، إذ لا يخفى أن الكلام منصب على مجيء \"قتلًا\". على وجه الحكاية.","vol":"5","page":190},{"text":"بعضُهم: إنما هي: أَنْ قَتْلًا لى. ولكنّه جعَله \"عينًا\" (^١)؛ لأنَّ \"أنْ\" في لغتِه تُجعَلُ موضعَها \"عن\"، والنصبُ على الأمرِ، كأنك قلتَ: ضربًا لزيدٍ.\nوهذا قولٌ لا معنَى له؛ لأنَّ كلَّ هذه الشَّواهدِ التي استشْهدها (^٢)، لا شكَّ أنهنَّ حكاياتُ حاكيهنَّ (^٣) بما حَكَى عن قولِ غيرِه وألفاظِه التي نطَق بهنَّ، وأن معلومًا أن الله جلَّ ثناؤُه لم يَحْكِ عن أحدٍ قولَه: أمُّ الكتابِ. فيجوزَ أن يقالَ: أَخْرَج ذلك مُخْرَجَ الحكايةِ عمَّن قال ذلك كذلك.\nوأمّا قولُه: ﴿وَأُخَرُ﴾ فإنها جمعُ أُخْرَى (^٤).\nثم اختلَف أهلُ العربيةِ في العلَّةِ التي من أجلِها لم يُصْرَفْ \"أُخَرُ\"؛ فقال بعضُهم: لم يُصْرَفْ \"أُخَرُ\" (^٥)، من أجلِ أنها نَعْتٌ، واحدتُها \"أُخْرَى\"، كما لم تُصْرَفْ جُمَعُ\" و\"كُتَعُ\"؛ لأنهنَّ نُعوتٌ.\nوقال آخرون: إنما لم تُصْرَف \"الأُخَرُ\"، لزيادةِ الياءِ التي في واحدتِها، وأن جَمْعَها مبنيٌّ على واحدِها في تركِ الصرفِ. قالوا: وإنما تُرِكَ صرفُ \"أُخْرَى\"، كما تُرِك صرفُ \"حمراءَ\" و\"بيضاءَ\" في النكرةِ والمعرفةِ؛ لزيادةِ المدَّةِ فيها والهمزةِ بالواوِ (^٦)، ثم افترَق جمعُ \"حمراءَ\" و\"أُخْرَى\"، فبُنَي جمعُ \"أُخرى\" على واحدتِه،\n_________\n(^١) في م: \"عن\".\n(^٢) في م: \"استشهد بها\"\n(^٣) في م: \"حالتهن\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"آخر\"\n(^٥) سقط من: ص، ت ١.\n(^٦) الضمير في كلمة \"فيها\" يرجع إلى \"حمراء وبيضاء\"؛ إذ القياس في همزتها عند التثنية أن تقلب واوًا تقول: حمراوان وبيضاوان. ينظر ما لا ينصرف للزجاج ص ٣٢ وشرح ابن عقيل ٢/ ٤٤٥، ٤٤٦.","vol":"5","page":191},{"text":"فقيل: فُعَلُ \"أُخَرُ\"، فتُرِك صرفُها كما تُرِك صرفُ \"أخرى\"، وبُنِيَ جمعُ \"حمراءَ\" و\"بيضاءَ\" على خلافِ واحدتِه، فصُرِف، فقيل: حُمْرٌ وبِيضٌ. فلاختلافِ حالتَيْهما في الجمعِ، اختلَف إعرابُهما عندهم في الصرفِ، ولاتِّفاق حالتَيْهما في الواحدةِ، اتفقتْ حالتاهما فيها.\nوأمّا قولُه: ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾. فإنَّ معناه: متشابهاتٌ في التلاوةِ، مختلِفاتٌ (^١) في المعنىَ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]. يعني: في المَنْظَرِ، مختلفًا في المَطْعَم. وكما قال مُخبِرًا عمَّن أخبر عنه من بني إسرائيلَ أنه قال: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠]. يعنون بذلك: تشابهَ علينَا في الصفة وإنِ اختلَفتْ أنواعُه.\nفتأويلُ الكلامِ إذنْ: إن الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ، هو الذي أنزَل عليك يا محمدُ القرآنَ، ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ بالبيانِ، هنَّ أَصلُ الكتابِ الذي عليه عمِادُك وعِمادُ أُمَّتِك في الدِّينِ، وإليه مَفْزَعُك ومَفْزَعُهم فيما افترضْتُ عليك وعليهم مِن شرائعِ الإسلامِ، وآياتٌ أُخَرُهِنَّ متشابهاتٌ في التلاوةِ، مختلِفاتٌ في المعاني.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. وما (^٢) المُحْكَمُ من آي الكتاب؟ وما المتشابهُ منه؟ فقال بعضُهم: المُحْكماتُ مِن آيِ القرآن: المعمولُ بهنَّ، وهنَّ الناسخاتُ، أو المُثْبتَاتُ الأحكامِ، والمتشابهاتُ من آيهِ: المتروكُ العملُ بهنَّ المنسوخاتُ.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"مختلفة\".\n(^٢) في ت ٢: \"أما\".","vol":"5","page":192},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1144>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا العوَّامُ، عمَّن حدَّثَه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال: هي الثلاثُ الآياتِ التي ههنا ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى ثلاثِ آياتٍ، والتي في بني إسرائيلَ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] إلى آخرِ الآياتِ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: [ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ] (^٢)، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: المحكماتُ: ناسخُه، وحلالُه، وحرامُه، وحُدُودُه، وفرائضُه، وما يُؤْمَنُ به ويُعْمَلُ به. به قال: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾: والمتشابهاتُ منسوخُه، ومُقدَّمُه، ومُؤخَّرُه، وأمثالُه، وأقسامُه، وما يُؤْمَنُ به ولا يُعْمَلُ به (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الآية\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٢ (٣١٦٩) من طريق هشيم به. وعزاه السيوطي في الد المنثور ٢/ ٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٢، ٥٩٣ (٣١٦٧، ٣١٧٤) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤ إلى ابن المنذر.","vol":"5","page":193},{"text":"إلى ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾: فالمُحْكَماتُ التي هي أمُّ الكتابِ: الناسخُ الذي يُدانُ به ويُعْمَلُ به، والمتشابهاتُ: هنّ المنسوخاتُ التي لا يُدانُ بهنَّ (^١).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ إلى قولِه: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾: أما الآياتُ المُحَكَماتُ، فهنّ الناسخاتُ التي يُعْمَلُ بهنّ، وأما المتشابهاتُ، فهنَّ المنسوخاتُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: والمُحْكَماتُ: الناسخُ الذي يُعْمَلُ به ما أحلَّ اللهُ فيه حلالَه، وحرَّم فيه حرامَه، وأمَّا المتشابهاتُ: فالمنسوخُ الذي لا يُعْمَلُ به ويُؤْمَنُ به (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال: المُحْكَمْ: ما يُعْمَلُ به (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤ إلى المصنف.\n(^٢) ينظر تفسير البغوي ٢/ ٣٣٥، والمحرر الوجيز ٢/ ٨، وتفسير القرطبي ٤/ ١٠.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٥.","vol":"5","page":194},{"text":"حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قال: المُحْكَماتُ: الناسخُ الذي يُعْمَلُ به، والمتشابهاتُ: المنسوخُ الذي لا يُعْمَلَ به، ويُؤْمَنُ به (^١)\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ الله قال: الناسخاتُ. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قال: ما نُسِخ وتُرِك يُتْلَى (^٢).\nحدَّثني ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضَّحَّاكِ بن مُزاحِمٍ، قال: المُحْكَمُ ما لم يُنْسَخُ، وما تشابهَ منه: ما نُسِخ (^٢).\nحدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضّحّاكِ في قولِه: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال: الناسخُ ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قال: المنسوخ (^٢) (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعْتُ أبا مُعاذٍ يحدِّثُ، قال: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ (^٤)، قال: سمعتُ الضّحّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٢، ٥٩٣ عقب الأثر (٣١٦٧، ٣١٧٤) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) تفسير سفيان الثورى ص ٧٥ عن سلمة بن نبيط أو جويبر به.\n(^٣) بعده في م: \"حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قال: المُحْكَماتُ: الذي يعمل به\".\n(^٤) في ت ٢: \"سلمان\".","vol":"5","page":195},{"text":"يَعنى الناسخَ الذي يُعْمَلُ به ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، يَعنى المنسوخَ، يُؤْمَنُ به ولا يُعْمَلُ به.\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن الضّحّاكِ:\n﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال: ما لم يُنسَخْ، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قال: ما قد نُسِخ.\nوقال آخرون: المُحْكَماتُ من أيِ الكتابِ ما أحكمَ اللهُ فيه بيانَ حلالِه وحرامِه، والمتشابِهُ منها ما أَشبَه بعضُه بعضًا في المعاني، وإن اختلَفتْ ألفاظُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1145>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾: ما فيه من الحلالِ والحرامِ، وما سوى ذلك، فهو متشابهٌ يُصَدِّقُ (^١) بعضُه بعضًا، وهو مثلُ قولِه: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]. ومثلُ قولِه: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. ومثلُ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (^٢) [محمد: ١٧].\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\n_________\n(^١) في ص: \"يصرف\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٤٨.\n(^٣) أخرجه عبد بن حميد في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٤/ ١٩٠ - من طريق شبل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤ إلى الفريابي.","vol":"5","page":196},{"text":"وقال آخرون: المُحْكَماتُ من آيِ الكتابِ ما لم يَحْتَمِلُ من التأويلِ غيرَ وجهٍ واحدٍ؛ والمتشابهُ منها: ما احتمَل من التأويلِ أوجهًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1146>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاق، قال: ثنى محمدُ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾: فيهِنَّ الله حُجَّةُ الرَّبِّ، وعِصْمةُ العبادِ، ودفعُ الخصومِ والباطلِ، ليس لها تَصْرِيفٌ ولا تَحْريفٌ عما وُضِعتْ عليه، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ (^١)﴾ في الصِّدْقِ، لهنَّ تصريفٌ وتحريفٌ وتأويلٌ، ابتَلَى اللهُ فيهنَّ العبادَ، كما ابتلاهم في الحلالِ والحرامِ، لا يُصَرَّفْنَ إلى الباطلِ ولا يُحرِّفَنَ عن الحقِّ (^٢).\nوقال آخرون: معنى المُحْكَم ما أَحْكَم اللهُ فيه مِن أي القرآنِ، وقَصَصِ الأممِ ورسلِهم الذين أُرْسِلُوا إليهم، ففَصَّله ببيانِ ذلك لمحمدٍ وأُمَّتِه. والمتشابهُ هو ما اشْتَبَهتِ الألفاظُ به من قِصَصِهم، عندَ التكريرِ في السور، بقصِّه (^٣) باتفاقِ الألفاظِ واختلافِ المعانى، وبقصَّه (^٤) باختلافِ الألفاظِ واتفاقِ المعاني.\n\n<span data-type='title' id=toc-1147>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ وقرَأ: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] قال: وذكر حديثَ رسولِ\n_________\n(^١) في م: \"متشابهة\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٢، ٥٩٤ (٣١٧١، ٣١٧٧، ٣١٧٨) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.\n(^٣) في م: \"فقصة\".\n(^٤) في م: \"قصة\".","vol":"5","page":197},{"text":"اللهِ ﷺ في أربعٍ وعشرين آيةً منها، وحديثَ نوحٍ في أربعٍ وعشرين آيةً منها، ثم قال: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ [هود: ٤٩]، ثم ذكر: ﴿وَإِلَى عَادٍ﴾ [هود: ٥٠] فقرَأ حتى بلَغ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ (^١)، ثم مضَى، ثم ذكَر صالحًا وإبراهيم ولوطًا وشعيبًا، وفرغ من ذلك، وهذا يقينٌ، ذلك يقينُ ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ (^٢). قال: والمتشابِهُ ذكر موسى في أمكنةٍ كثيرةٍ، وهو متشابِهٌ، وهو كلُّه معنًى واحدٌ، [وهو مُتشابهٌ] (^٣): ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ [المؤمنون: ٢٧]، ﴿احْمِلْ فِيهَا﴾ [هود: ٤٠]، ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾ [القصص: ٣٢]، ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ﴾ [النمل: ١٢] ﴿حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠]، ﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢].\nقال: ثم ذكر هُودًا في عشرِ آياتٍ منها، وصالحًا في ثماني آياتٍ منها، وإبراهيمَ في ثماني آياتٍ أُخْرَى، ولوطًا في ثمانِي آياتٍ منها، وشعيبًا في ثلاثَ عشرةَ آيةً، وموسى في أربعِ آياتٍ، كلُّ هذا يَقْضِى بين الأنبياءِ وبين قومِهم في هذه السورةِ، فانتهى ذلك إلى مائةِ آيةٍ من سورة هودٍ، ثم قال: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]. وقال في المتشابِهِ من القرآنِ: مَن يُرِدِ اللَّهُ به البلاءَ والضّلالةَ يقولُ: ما شأنُ هذا [لا يكون هكذا] (^٤) وما شأنُ هذا لا يكونُ هكذا (^٥)؟\n_________\n(^١) في النسخ: \"واستغفروا ربكم. وأثبتناه بدون الواو لما ذكر بعده قال: \"ثم مضى ثم ذكر صالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا\". فبين أنه أراد التي من قول هود: \"يا قوم استغفروا ربكم\"، لا التي من قول شعيب: \"واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه\".\n(^٢) اليقين: تحقيق الأمر. ويقينُ ﴿أُحْكِمَتْ …﴾ تحقيقها. ينظر اللسان (ي ق ن).\n(^٣) في م: \"ومتشابهه\".\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) في ت ٢: \"هذا\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٩٥ من طريق أصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن زيد به.","vol":"5","page":198},{"text":"وقال آخرون: بل المُحْكَمُ من آي القرآنِ ما عرَف العلماءُ تأويلَه، وفَهِمُوا معناه وتفسيرَه. والمتشابِهُ ما لم يكنْ لأحدٍ إلى علمِه سبيلٌ مما اسْتَأْثَرَ اللهُ بعلمِه دونَ خلقِه، وذلك نحوُ الخبرِ عن وقتِ (^١) مَخْرَجِ عيسى ابن مريمَ، ووقتِ طلوعِ الشمسِ من مغرِبِها، وقيامِ الساعةِ، وفناءِ الدنيا، وما أشبهَ ذلك، فإن ذلك لا يَعْلَمُه أحدٌ. وقالوا: إنما سَمَّى اللَّهُ من أيِ الكتابِ المتشابهَ الحروفَ المقطَّعة التي في أوائلِ بعضِ سورِ القرآنِ، من نحوِ ﴿لم]، و﴿المص﴾ [الأعراف: ١]، و﴿الر﴾ [الرعد: ١] و﴿الر﴾ وما أشْبَه ذلك؛ لأنهنَّ متشابهاتٌ في الألفاظِ، وموافقاتٌ حروفَ حسابِ الجُمَّلِ (^٢)، وكان قومٌ من اليهودِ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ طمِعوا أَن يُدْرِكُوا مِن قِبَلها معرفةَ مدةِ الإسلامِ وأهلِه، ويَعْلَمُوا نهايةً أُكْلِ (^٣) محمدٍ وأُمَّتِه، فأَكذَبَ اللهُ أُحْدوثَتهم بذلك، وأَعلَمهم أن ما ابْتَغَوْا علمه من ذلك من قِبَلِ هذه الحروفِ المتشابهةِ لا يُدْرِكُونه، ولا مِن قِبَلِ غيرِها، وأن ذلك لا يَعلمُه إلا اللهُ. وهذا قولٌ ذُكر عن جابرِ بن عبدِ اللهِ بن رِئابٍ (^٤) أن هذه الآيةَ نزَلتْ فيه، وقد ذكَرْنا الروايةَ بذلك عنه وعن غيرِه ممن قال نحوَ مقالتِه في تأويلِ ذلك في تفسيرِ قولِه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١، ٢].\nوهذا القولُ الذي ذكَرْناه عن جابر بن عبدِ اللهِ أشبه بتأويلِ الآيةِ، وذلك أَنَّ جميعَ ما أَنزلَ اللهُ ﷿ من آيِ القرآنِ على رسولِه ﷺ فإنّما أنزَله عليه بيانًا له ولأمتِه، وهدًى للعالمين، وغيرُ جائزٍ أن يكونَ فيه ما لا حاجةَ بهم إليه، ولا أن يكونَ\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٢١٠.\n(^٣) في م: \"أجل\". والأُكلُ: الرزق، والحظُّ من الدنيا. ويقال: انقطع أُكْلُه: إذا مات. ينظر أساس: البلاغة، واللسان (أ ك ل).\n(^٤) في م: \"رباب\". وينظر أسد الغابة، ١/ ٣٠٦، ٣٠٧، والإصابة ١/ ٤٣٣.","vol":"5","page":199},{"text":"فيه ما بهم إليه الحاجةُ، ثم لا يكونَ لهم إلى علمِ تأويلِه سبيلٌ.\nفإذ (^١) كان ذلك كذلك، فكلُّ ما فيه لخلقِه (^٢) إليه الحاجةُ، وإن كان في بعضِه ما بهم عن بعضِ معانيه الغِنَى، وإن اضْطَرَّتْه الحاجةُ إليه في معانٍ كثيرةٍ، وذلك كقولِ اللهِ ﷿: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. فأَعلمَ النبيُّ ﷺ أُمَّتَه أن تلك الآيةَ التي أخبرَ الله جلَّ ثناؤُه عباده أنها إذا جاءتْ لم يَنْفَعْ نفسًا إيمانُها لم تكنْ آمنتُ من قبلِ ذلك، هي طلوعُ الشمسِ من مغرِبيها، فإنَّ الذي كانت بالعبادِ إليه الحاجةُ من علمِ ذلك هو العلمُ منهم بوقتِ نفعِ التوبةِ بصفتِه، بغيرِ تحديدِه [بعدِّ السنينَ] (^٣) والشهورِ والأيامِ، فقد بيَّن اللهُ ذلك لهم بدَلالةِ الكتابِ، وأوضَحه لهم على لسانِ رسولِه ﷺ مفسَّرًا، والذي لا حاجةَ بهم إلى علمِه منه هو العلمُ بمقدارِ المدةِ التي بين وقتِ نزولِ هذه الآية، ووقتِ حدوثِ تلك الآيةِ، فإن ذلك مما لا حاجةَ بهم إلى علمِه في دينٍ ولا، دنيا، وذلك هو العلمُ الذي استأثَر اللهُ جلَّ ثناؤُه به دونَ خلقِه، فحجَبه عنهم، وذلك وما أَشبهَه هو المعنى الذي طلَبتِ اليهودُ معرفتَه في مدةِ محمدٍ ﷺ وأُمَّتِه من قِبَلِ قولِه: ﴿لم﴾، ﴿المص﴾، و﴿الر﴾، و﴿المر﴾، ونحوِ ذلك من الحروفِ المقطَّعةِ المتشابهاتِ، التي أخبرَ اللهُ، جلّ ثناؤُه، أنهم لا يُدْرِكون تأويلَ ذلك من قِبَلِه، وأنه لا يَعلَمُ تأويلَه إلا الله.\nفإذ كان المتشابِهُ هو ما وصفْنا، فكلُّ ما عدَاه فمُحْكَمٌ؛ لأنه لن يخلُوَ من أن\n_________\n(^١) في م: \"فإذا\".\n(^٢) في ص: \"محلقه\". بغير نقط.\n(^٣) في م: \"بعد بالسنين\".","vol":"5","page":200},{"text":"يكونَ مُحْكَمًا، بأنه بمعنًى واحدٍ، لا تأويلَ له غير تأويل واحدٍ، وقد استُغْنىَ بسماعِه عن بيانِ مُبيِّنه، [أو يكونَ مُحْكَمًا] (^١)، وإن كان ذا وجوهٍ وتأويلاتٍ وتَصَرُّفٍ في معانٍ كثيرةٍ، بالدّلالةِ (^٢) على المعنى المرادِ منه، إما من بيانِ اللَّهِ تعالى ذكرُه عنه، أو بيانِ رسولِه ﷺ الأُمّته، ولن يذهَبَ علمُ ذلك عن علماءِ الأُمَّةِ؛ لما قد بَيَّنَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1149>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.</span>\nقد أتيْنا على البيانِ عن تأويلِ ذلك، بالدَّلالة الشاهدةِ على صحةِ ما قلْنا فيه، ونحن ذاكرُو اختلافِ أهل التأويل فيه، وذلك أنهم اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى قولِه: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: هنّ الآىُ (^٣) فيهنَّ الفرائضُ والحدودُ والأحكامُ. نحوَ قولِنا الذي قلْنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1148>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا عِمْرانُ بن موسى القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بن سُوَيدٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال يحيى: هنَّ اللاتى فيهنَّ الفرائضُ والحدودُ وعمادُ الدينِ. وضرَب لذلك مَثلًا، فقال: أُمُّ القُرَى مَكَةُ، وأُمُّ خُراسانَ مَرْوُ، وأُمُّ المسافِرِين الذي يَجْعَلُون إليه أمرَهم، ويُعْنَى بهم في سفرِهم. قال: فذاك أُمُّهم (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿هُنَّ أُمُّ\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) في م: \"فالدلالة\".\n(^٣) في م: \"اللائي\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٣ (٣١٧٢) من طريق إسحاق بن سويد، به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤ إلى عبد بن حميد وابن الضريس.","vol":"5","page":201},{"text":"الْكِتَابِ﴾ قال: هنَّ جماعُ الكتاب (^١).\nوقال آخرون: بل يَعنى (^٢) بذلك فواتح السورِ التي منها يُسْتَخْرَجُ القرآنُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1150>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُويدٍ، عن أبي فاخِتةَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال: أمُّ الكتابِ فواتحُ السور، منها يُسْتَخْرَجُ القرآنُ ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ منها اسْتُخْرِجَتِ \"البقرة\"، ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ منها اسْتُخْرِجَتْ \"آلُ عِمْرانَ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1152>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾.</span>\nيَعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فأمّا الذين في قلوبهم مَيْلٌ عن الحقِّ وانحرافٌ عنه، يقالُ منه: زاغَ فلانٌ عن الحقِّ، فهو يَزِيغُ عنه زَيْغًا وَزَيَغَانًا وزَيْغُوغَةً وزُيُوغًا، وأَزَاغَه اللهُ، إذا أماله، فهو يُزِيغُه. ومنه قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾. لا تُمِلْها عن الحقِّ ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1151>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابن إسحاق، عن محمدِ بن جعفرِ\n_________\n(^١) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ٣٣٦.\n(^٢) في م: \"معنى\". وفى ت ٢: \" المعنى\".","vol":"5","page":202},{"text":"ابن الزُّبيرِ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي: مَيْلٌ عن الهُدَى (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، قال: شَكٌّ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ قال: مِن أَهلِ الشّكِّ (^٤).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباس، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: أما الزَّيغُ فَالشَّكُّ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٥ (٣١٨٣) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٤٨.\n(^٣) أخرجه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٤/ ١٩٠ - من طريق شبل به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٥ (٣١٨١) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥ إلى ابن المنذر.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥ إلى المصنف.","vol":"5","page":203},{"text":"مجاهدٍ، قال: ﴿زَيْغٌ﴾: شَكٌّ. قال ابن جُريجٍ: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: المنافقون (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1153>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾.</span>\nيَعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: ما تشابَهتْ ألفاظُه وتَصَرَّفَتْ معانيه بوجوهِ التأويلاتِ؛ ليُحَقِّقُوا بادِّعائهم الأباطيلَ من التأويلاتِ في ذلك ما هم عليه من الضّلالةِ والزَّيْغِ عن مَحَجّةِ (^٢) الحقِّ، تلبيسًا منهم بذلك على مَن ضَعُفَتْ معرفتُه بوجوهِ تأويلِ ذلك وتصاريفِ معانيه.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: فيَحْمِلُون المُحْكَمَ على المتشابِهِ، والمتشابِهَ على المُحْكَمِ، ويُلبسون، فلبَّس اللهُ عليهم (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقِ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أي: ما تَحَرَّفَ منه وتَصَرَّفَ؛ ليُصَدِّقُوا به ما ابتدَعُوا وأَحدَثُوا، ليكونَ لهم حُجّةً على ما قالوا وشَبْهةً (^٤).\n_________\n(^١) تقدم قول مجاهد في الصفحة السابقة، وقول ابن جريج عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥ إلى المصنف.\n(^٢) في ت ٢: \"الحجة\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٥ (٣١٨٥) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥ إلى ابن المنذر.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٦ (٣١٨٨) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.","vol":"5","page":204},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال: البابُ الذي ضَلُّوا منه وهلكُوا فيه ابتغاءُ تأويلِه (^١).\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: يَتَّبِعُون المنسوخَ والناسخَ، فيقولون: ما بالُ هذه الآيةِ عُمِل بها كذا وكذا مكانَ (^٢) هذه الآيةِ، فتُركَتِ الأولى وعُمِل بهذه الأُخْرَى! هلّا كان العملُ بهذه الآيةِ قبلَ أن تَجيءَ الأولى التي نُسِخت؟ وما بالُه يَعِدُ العذابَ مَن عمِل عملًا يُعَذِّبُه (^٣) النارَ، [وفي] (^٤) مكانٍ آخرَ مَن عَمِله فإنه لم يُوجب له (^٥) النارَ؟ (^٦)\nواختلَف أهلُ التأويلِ في مَن عُنى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنى به الوفدُ مِن نَصارَى نَجْرانَ الذين قَدِمُوا على رسولِ اللهِ ﷺ فحاجُّوه بما حاجُّوه به وخاصَموه، بأن قالوا: ألستَ تزعُمُ أَنَّ عيسى رُوحُ اللَّهِ وكلمتُه؟ وتأوَّلُوا (^٧) في ذلك ما يقولون فيه من الكفرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1154>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مجاز\". وصواب قراءة ما في \"ص\" هو ما أثبتنا.\n(^٣) في م: \"يَعِدُ به\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت، س: \"في\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٥، ٥٩٦ (٣١٨٦) من طريق عمرو بن حماد.\n(^٧) في ت ٢: \"قالوا\".","vol":"5","page":205},{"text":"قال: عمَدوا - يَعنى الوفدَ الذين قدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ من نَصَارَى نَجْرانَ - فخاصَمُوا النبيَّ ﷺ، فقالوا: ألستَ تزعُمُ أنه كلمةُ اللهِ ورُوحٌ منه؟ قال: \"بلى\". قالوا: فحَسْبُنا. فأنزلَ اللهُ ﷿: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾. ثم إِنَّ الله جلَّ ثناؤُه أَنزَل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] الآية (^١).\nوقال آخرون: بل أُنزِلتُ هذه الآية في أبى ياسرِ بن أَخْطَبَ، وأخيه حُيَيِّ بن أَخْطَبَ، والنَّفَرِ الذين ناظَروا رسولَ اللهِ ﷺ في قَدْرِ مدةٍ [أُكْلِه وأُكُلِ] (^٢) أُمَّتِه، وأرادُوا عِلْمَ ذلك من قِبَلِ قولِه: ﴿الم﴾ و﴿المص﴾، و﴿المر﴾، و﴿الر﴾، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه فيهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: يَعنى هؤلاء اليهودَ الذين قلوبُهم مائلةٌ عن الهُدَى والحقِّ، ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: يعني معانيَ هذه الحروفِ المقطَّعة، المحتمِلةِ التَّصْرِيفَ في (^٣) الوجوه المختلِفةِ (^٤) التأويلاتِ؛ ابتغاءَ الفتنةِ.\nوقد ذَكرْنا الروايةَ بذلك فيما مضَى قبلُ في أولِ السورةِ التي يُذْكَرُ فيها البَقرةُ.\nوقال آخرون: بل عنَى اللهُ ﷿ بذلك كلَّ مبتدِعٍ في دينِه بدعةً مخالِفةً لما ابتُعِث به رسولُه محمدٌ ﷺ، بتأويلٍ (^٥) يتأوَّلُه مِن (^٦) بعضِ آيِ القرآنِ المحتملةِ التأويلاتِ، وإن كان اللهُ قد أَحْكَمَ بيانَ ذلك، إمّا في كتابِه، وإما على لسانِ رسولِه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٦ (٣١٨٧) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أجله وأجل\". وتقدم في ص ١٩٩.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) في ت ٢: \"المحتملة\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تأويل\".\n(^٦) في ت ٢: \"في\".","vol":"5","page":206},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1155>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾. وكان قتادةُ إذا قرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ قال: إن لم يكونوا الحَرُوريَّةَ (^١) والسبائيَّةَ (^٢)، فلا أَدْرِى مَن هم؟ ولَعَمْرِي لقد كان في أهلِ بدرٍ والحدَيْبِيَّةِ الذين شَهِدوا معَ رسولِ اللهِ ﷺ بيعةَ الرِّضْوانِ مِن المهاجرِين والأنصارِ، خبرٌ لمن استَخْبَر، وعِبرةٌ لمن استَعْبَرَ، لمن كان يَعْقِلُ أو يُبْصِرُ. إن الخوارجَ خرَجوا وأصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ كثيرٌ بالمدينةِ والشامِ والعراقِ، وأزواجُه يومئذٍ أحياءٌ، واللهِ إنْ خرَج منهم ذكَرٌ ولا أُنْثَى حَرُوريًّا قطُّ، ولا رَضُوا الذي هم عليه، ولا مالَئُوهم فيه، بل كانوا يُحدِّثون بعيبِ رسولِ اللهِ ﷺ إيّاهم (^٣)، ونعتِه الذي نعَتَهم به، وكانوا يُبْغِضُونهم بقلوبِهم، ويُعادُونهم بألسنتِهم وتَشْتَدُّ واللهِ عليهم أيديهم إذا لَقُوهم، ولَعَمْرِى، لو كان أمرُ الخوارجِ هُدًى لاجْتَمَع، ولكنّه كان ضلالًا فتفرَّق، وكذلك الأمرُ إذا كان مِن عندِ غيرِ اللهِ وجَدْتَ فيه اختلافًا كثيرًا، فقد ألاصُوا (^٤) هذا الأمرَ منذ\n_________\n(^١) الحرورية: هم فرقة الخوارج، وسمُّوا بهذا الاسم لأنهم بعد خروجهم على عليٍّ ﵁ ورفضهم التحكيم، نزلوا بموضع قرب الكوفة يقال له: حروراء. ينظر مقالات الإسلاميين ١/ ٢٠٧، ومعجم البلدان ٢/ ٣٣٦.\n(^٢) في م: \"السبئية\".\nوالسبائية: إحدى فرق الشيعة الغالية، وهي تنسب إلى عبد الله بن سبأ، قبحه الله، ومن جهالاتهم زعمهم أن عليا لم يمت، وأنه يرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة فيملأُ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، وأن عليًّا في السحاب، والرعد صوته، والبرق سوطه … إلى غير ذلك من ترهاتهم. ينظر مقالات الإسلاميين ١/ ٨٦، والملل والنحل ١/ ٣٦٥ وما بعدها.\n(^٣) في م: \"إياه\".\n(^٤) ألاص الأمر: أداره، وألاص فلانًا على الأمر: أداره عليه وأراده منه، ويقال: ألصتُ أن آخذ عنه شيئًا: أردت. التاج (ل وص).","vol":"5","page":207},{"text":"زمانٍ طويلٍ، فهل أَفْلَحُوا فيه يومًا أو أَنْجَحُوا؟ يا سبحانَ اللهِ! كيف لا يَعْتَبِرُ آخِرُ هؤلاء القومِ بأوَّلِهم! لو (^١) كانوا على هُدًى قد أَظهَره اللهُ وأَفَلَجه (^٢) ونَصَره، ولكنَّهم كانوا على باطلٍ أَكذبَه اللهُ وأدحضَه، فهم كما رأيتَهم، كلَّما خرج لهم قَرْنٌ أَدحضَ اللهُ حُجَّتَهم، وأَكذبَ أَحْدُوثتَهم، وأَهْراقَ دماءَهم، وإن كَتَمُوا كان قَرْحًا في قلوبِهم، وغَمًّا عليهم، وإن أَظْهَرُوه، أَهْراقَ اللهُ دماءَهم، ذاكم، واللهِ، دِينُ سوءٍ فَاجتَنِبُوه، واللهِ إن اليهوديةَ (^٣) لبِدْعةٌ، وإن النصرانيةَ لبدعةٌ، وإن الحَرُوريَّة لبدعةٌ، وإن السبائيّةَ (^٤) لبدعةٌ، مانزَل بهنّ كتابٌ، ولا سَنَّهنَّ نبيٌّ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾: طَلَبَ القومُ التأويلَ فأَخْطَئُوا التأويلَ، وأصابُوا الفتنةَ، فاتَّبعوا ما تشابَه منه، فهلَكوا مِن ذلك، لَعَمْرِي لقد كان في أصحابِ بدرٍ والحديبيةِ الذين شهدوا بيعةَ الرِّضْوانِ. وذكَر نحوَ حديثِ عبدِ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عنه.\nحدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بن خِدَاشٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا إسماعيلُ ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن عبدِ اللهِ بن أبى مُلَيْكَةَ، عائشةَ قالت: قرَأ رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فقال: \"فإذَا رأَيْتُم الذين يُجادِلون فيه، فهمُ الذين عَنَى اللهُ\n_________\n(^١) في ت:٢: \"ولو\".\n(^٢) في النسخ: \"أفلحه\". وأفلجه: أظفَره وغلَّبه وفضَّله، وأفلج الله برهانه: قوّمه وأظهره. التاج (ف ل ج).\n(^٣) في م: \"اليهود\".\n(^٤) في س: \"الصابئة\"\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٥، ١١٦.","vol":"5","page":208},{"text":"فاحذَرُوهم\" (^١).\nحدَّثنا ابن (^٢) عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ أيوبَ، عن عبدِ اللهِ بن أبي مُلَيْكَةَ، عن عائشةَ، أنها قالت: قرأ نبيُّ اللهِ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ إلى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. قالت: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"فإذا رأَيتم الذين يُجادِلُون فيه - أو قال: يَتَجادَلُون فيه - فهم الذين عَنَى اللهُ فاحذَرُوهُمْ\". قال مَطَرٌ، عن أيوبَ أنه قال: \"فلا تُجالِسُوهم، فهم الذين عَنَى اللهُ فاحْذَرُوهم\" (^٣).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِ معناه (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَنا الحارثُ، عن أيوبَ، عن ابن أبي مُلَيكةَ عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ، قالت: قرَأَ رسولُ اللهِ ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الآية كلها. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُون ما تَشابَهَ منه والذين يُجادِلُون فيه، فهم الذِين عَنَى اللهُ، أولئك الذِين قال اللهُ، فلا\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٧) عن محمد بن خداش به. وأخرجه أحمد ٦/ ٤٨ (الميمنية) عن إسماعيل ابن علية به.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) أخرجه ابن حبان (٧٦) من طريق المعتمر به.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٤٧) والآجرى في الشريعة (٧٦٩) ومحمد بن يحيى العبدي - كما في تفسير ابن كثير ٢/ ٦ - من طريق عبد الوهاب به.\n(^٥) سقط من: ت ٢. والأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٦.","vol":"5","page":209},{"text":"تُجالِسُوهم\" (^١).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن يزيدَ بن إبراهيمَ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، قال: سمعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يُحَدِّثُ عن عائشةَ، قالت: تلا النبيُّ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾. ثم قرَأ إلى آخرِ الآياتِ، فقال: \"إذَا رأيْتُم الذين يَتَّبِعُون ما تَشابَهَ مِنه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحْذَرُوهم\" (^٢).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن حَمَّادِ بن سلَمةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: نزَع (^٣) رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"قد حذَّرَكم اللهُ، فإذا رأيتُموهم فاعْرِفوهم\" (^٤).\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، عن نافعِ بن (^٥) عمرَ، عن [ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، قال: حدَّثتني] (^٦) عائشةُ، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إذَا رأَيْتُمُوهُمْ فَاحْذَرُوهُمْ\". ثم\n_________\n(^١) أخرجه الهروى في ذم الكلام (١/ ٣٦ / ب - ٣٧/ أ) من طريق الحارث بن نبهان به.\n(^٢) أخرجه الطيالسي (١٥٣٦) وأحمد ٦/ ٢٥٦ (الميمنية)، والدارمي ١/ ٥٤، ٥٥، والبخارى (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥)، وأبو داود (٤٥٩٨)، والترمذى (٢٩٩٣، ٢٩٩٤)، والطحاوي في المشكل (٢٥١٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٥ (٣١٨٤)، وابن حبان (٧٣) من طريق يزيد بن. إبراهيم به.\n(^٣) انتزع بالآية والشعر: تمثل. ويقال للرجل إذا استنبط معنى آية: قد انتزع معنى جيدًا. وهو مجاز. التاج (ن ز ع).\n(^٤) أخرجه الآجرى في الشريعة (٧٧١) من طريق على بن سهل به.\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٦٣٠٤) من طريق الوليد بن مسلم به.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٣، س: \"عن\". وفى ت ٢: \"عن ابن\". والمثبت من شرح المشكل، وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٢٨٧.\n(^٦) سقط من النسخ، والمثبت من شرح المشكل.","vol":"5","page":210},{"text":"نزَعَ: \" ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، ولا يَعْمَلُون بمُحْكَمِه\" (^١).\nحدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: أخبَرنا عمِّى، قال: أخبرَني شَبيبُ بنُ سعيدٍ، عن رَوْحِ بن القاسمِ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِل عن هذه الآيةِ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. فقال (^٢): \"فَإِذَا رأيْتُمُ الذِين يُجادِلُون فيه، فهم الذين عَنَى اللهُ، فاحْذَرُوهم\" (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحَكَمِ، قال: ثنا خالدُ بنُ (^٤) نِزارٍ، عن نافعٍ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ في هذه الآيةِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الآية يَتَّبِعُها يَتْلُوها، ثم يقولُ: \"فإذا رأيتمُ الذِين يُجادِلُون فيه فاحْذَرُوهم، فهم الذين عَنَى اللهُ\".\nحدثنا ابن (^٤) وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن حَمّادِ بن سلَمةَ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن القاسمِ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ في هذه الآيةِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: \"هم الذين سمّاهمُ اللهُ، فإذا رأيْتُموهم فاحْذَرُوهم\" (^٥).\nقال أبو جعفرٍ: والذي يَدُلُّ عليه ظاهرُ هذه الآيةِ أنَّها نزلت في الذين\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوى في شرح مشكل الآثار (٢٥١٥) من طريق الوليد بن مسلم به.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٢/ ٦.\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) أخرجه الطيالسي (١٥٣٥)، وأحمد ٦/ ١٢٤، ١٣٢ (الميمنية)، والدارمي ١/ ٥٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٥ (٣١٨٤)، والآجرى في الشريعة (٧٧٠)، وأبو نعيم في الحلية ٢/ ١٨٥ من طرق عن حماد به.","vol":"5","page":211},{"text":"جادَلُوا رسولَ اللهِ ﷺ بمتشابِهِ ما أُنزِلَ إليه من كتابِ اللهِ؛ إمّا في أمرِ عيسى، وإمّا في مُدَّةٍ [أُكْلِه وأُكُل] (^١) أُمَّتِه، وهو بأن يكونَ في الذين جادَلُوا رسولَ اللهِ ﷺ متشابِهِه (^٢) في مدتِه ومدةِ أمتِه أَشبَهُ؛ لأنّ قولَه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. دالٌّ على أن ذلك إخبارٌ عن المدةِ التي أرادُوا عِلْمَها مِن قِبَلِ المتشابِهِ الذي لا يَعْلَمُه إِلا اللهُ، فأَمّا أَمرُ عيسى وأسبابُه (^٣)، فقد أَعلمَ اللهُ ذلك نبيَّه محمدًا ﷺ وأُمَّتَه، وبيَّنَه لهم، فمعلومٌ أنه لم يَعْنِ (^٤) إلا ما كان (^٥) خفيًّا عن الآحادِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1157>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ابتغاءَ الشِّرْكِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1156>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ قال: إرادةَ الشِّرْكِ (^٦).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: يعنى الشِّرْكَ (^٧).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أجله وأجل\".\n(^٢) في ت ٢. \"في متشابهه\".\n(^٣) في ت ٢: \"أشباهه\".\n(^٤) في ص، ت ٢: \"يعره\".\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عليه\". ولعل صوابها: \"علمه\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٦ (٣١٩١) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٦ عقب الأثر (٣١٩١) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"5","page":212},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك: ابتغاءَ الشُّبُهَاتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1158>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو (^١) عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ قال: الشُّبُهَاتِ، بها أُهْلِكوا (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: الشُّبُهَاتِ. قال: هلَكوا به.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ قال: الشُّبُهَاتِ. قال: والشُّبهاتُ ما أُهْلِكُوا به.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: اللَّبْسِ (^٣).\nوأَوْلَى القولَيْن في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: إرادةَ الشُّبُهاتِ واللَّبْسِ.\nفمعنى الكلامِ إذنْ: فأمّا الذين في قلوبِهم مَيْلٌ عن الحقِّ وحَيْفٌ عنه، فيَتَّبِعُون مِن آيِ الكتابِ ما تشابَهَتْ ألفاظُه واحْتُمِل صَرْفه في وجوهِ التأويلاتِ، باحتمالِه المعانيَ المختلِفةَ؛ إرادةَ اللَّبْسِ على نفسِه وعلى غيرِه، احتجاجًا به على باطلِه الذي مال إليه قلبُه، دون الحقِّ الذي أبانه اللهُ، فأَوضَحه\n_________\n(^١) في ت ٢: \"ابن\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٤٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٦ (٣١٩٠).\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٧.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٧ (٣١٩٢) من طريق سلمة به، عن ابن إسحاق قوله.","vol":"5","page":213},{"text":"بالمُحْكَماتِ من آيِ كتابِه.\nوهذه الآيةُ وإن كانت نزَلَتْ في من ذكَرْنا أنّها نزَلَتْ فيه مِن أهلِ الشِّرْكِ، فإنه معنيٌّ بها كلُّ مُبتدعٍ في دينِ اللهِ بدعةً، فمالَ قلبُه إليها، تأويلًا منه لبعضِ متشابِهِ آيِ القرآنِ، ثم حاجَّ به وجادَل به أهل الحقِّ، وعدَلَ عن الواضحِ من أدلَّةِ آيِه المُحْكَماتِ؛ إرادةً منه بذلك اللَّبْسَ على أهلِ الحقِّ من المؤمنين، وطلبًا لعِلْمِ تأويلِ ما تشابَهَ عليه مِن ذلك، كائنًا مَن كان، وأيَّ أصنافِ البَدَعة (^١) كان؛ من أهلِ النصرانيةِ كان، أو اليهوديّةِ، أو المجوسيّةِ، أو كان سَبَئِيًّا، أو حَرُورِيًّا، أو قَدَريًّا، أو جَهْمِيًّا، كالذي قال ﷺ: \"فإذا رأيتُم الذين يُجادِلون به، فهم الذين عَنَى اللهُ فاحْذَروهم\".\nوكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن مَعْمَرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، وذُكِر عندَه الخوارجُ وما يَلْقَون عندَ القرآنِ (^٢)، فقال: يُؤْمِنون بمُحْكَمِه، ويَهْلِكُون عندَ متشابِهِه. وقرَأ ابن عباسٍ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية (^٣).\nوإنما قلْنا القولَ الذي ذكَرْنا أنَّه أَوْلَى التأويلَين بقولِه: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾؛ لأنَّ الذين نزَلتْ فيهم هذه الآيةُ كانوا أهلَ شِرْكٍ، وإنما أرادوا بطلبِ تأويلِ ما طلبوا تأويلَه - اللَّبْسَ على المسلِمين، والاحتجاجَ به عليهم، ليَصُدُّوهم عمّا هم عليه من الحقِّ، فلا معنَى لأَنْ يُقالَ: فعلوا ذلك إرادةَ الشِّرْكِ. وهم قد\n_________\n(^١) البَدَعَةُ، فَعَلَةٌ: المبتدعة.\n(^٢) في النسخ: \"الفرار\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ٣١٣، والآجرى في الشريعة (٤٥) من طريق سفيان به.","vol":"5","page":214},{"text":"كانوا مشرِكين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1161>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾.</span>\nاختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"التأويل\" الذي عنَى اللهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: الأَجَلُ الذي أرادت اليهودُ أن تَعْرِفَه مِن انقضاءِ مُدَّةِ أمرِ (^١) محمدٍ ﷺ وأمرِ أُمّتِه من قِبَلِ الحروفِ المقطَّعةِ من حسابِ الجُمَّلِ كـ ﴿الم﴾، و﴿والمص﴾، و﴿الر﴾، و﴿المر﴾، وما أَشبهَ ذلك من الآجالِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1159>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: أمّا قولِه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، يعنى: تأويلَه يومَ القيامةِ، إلا اللهُ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: عواقبُ القرآنِ. وقالوا: إنما أرادُوا أن يَعْلَمُوا متى يَجِيءُ ناسخُ الأحكامِ التي كان اللهُ جل ثناؤُه شرَعها لأهلِ الإسلامِ قبلَ مجيئِه، فنسَخ ما قد كان شرَعه قبلَ ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1160>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَابْتِغَاءَ\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٧ (٣١٩٧) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"5","page":215},{"text":"تَأْوِيلِهِ﴾: أرادُوا (^١) أن يَعْلَمُوا تأويلَ القرآنِ، وهو عواقبُه، قال اللهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. وتأويلُه: عواقبُه؛ [متى يأتى] (^٢) الناسخُ منه فَيَنْسَخَ المنسوخَ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وابتغاء [تأويلِ ما تَشابَهَ] (^٤) من آيِ القرآنِ يتأوَّلُونه، إذ كان ذا وجوهٍ وتصاريفَ في التأويلاتِ، على ما في قلوبِهم من الزَّيْغِ، وما رَكِبوه من الضَّلالةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1162>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾: وذلك على ما رَكبوا من الضّلالةِ في قولِهم (^٥): خلَقْنا وقَضَيْنا (^٦).\nوالقولُ الذي قاله ابن عباسٍ، من أن ابتغاءَ التأويلِ الذي طلَبه القومُ من المتشابِهِ هو معرفةُ انقضاءِ المدةِ، ووقتِ قيامِ الساعةِ، والذي ذكَرْنا عن السديِّ مِن أنَّهم طلَبوا وأرادُوا معرفةَ وقتِ هوَ جاءٍ قبل مجيئِه، أَوْلَى بالصوابِ، وإن كان السديُّ قد أَغفَل\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وأن أرادوا\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حتى ينسخ\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٧، ٥٩٨ (٣١٩٣، ٣٢٠٠) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٤) في ت ٢: \"تأويله\".\n(^٥) في م: \"قوله\".\n(^٦) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٧ (٣١٩٦) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله بمعناه.","vol":"5","page":216},{"text":"معنى ذلك من وجهِ صرَفَه إلى حَصْرِه على أن معناه أنَّ القومَ طلَبوا معرفةَ وقتِ مجئِ الناسخِ لما قد أُحْكِمَ قبلَ ذلك.\nوإنما قلْنا: إنَّ طَلَبَ القومِ معرفةَ الوقتِ الذي هو جاءٍ قبلَ مجيئِه، المحجوبِ عِلْمُه عنهم وعن غيرِهم بمتشابِهِ آيِ القرآنِ، أَوْلَى بتأويلِ قولِه: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾؛ لما قد دلَّلْنا عليه قبلُ مِن إخبارِ اللهِ جل ثناؤُه أنَّ ذلك التأويلَ لا يَعلمُه إلا اللهُ، ولا شكَّ أن معنى قولِه: وقَضَيْنا وفَعَلْنا. قد عَلِم تأويلَه كثيرٌ من جَهَلةِ أهلِ الشركِ، فضلًا عن أهلِ الإيمانِ وأهلِ الرُّسوخِ في العلمِ منهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1163>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤُه بذلك: وما يَعلَمُ وقتَ قيامِ الساعةِ، وانقضاءِ مدةِ أُكْلِ محمدٍ وأُمَّتِه، وما هو كائنٌ، إلا اللهُ، دون مَن سواه مِن البشرِ، الذين أمَّلُوا إدراك علمِ ذلك من قِبَلِ الحسابِ والتنجيمِ والكَهانةِ، وأمّا الرّاسخون في العلمِ فيقولون: آمنّا به كلٌّ من عند ربنا. لا يَعْلَمون ذلك، ولكنَّ فضلَ عليهم في ذلك على (^١) غيرِهم، العلم (^٢) بأنَّ الله بأنَّ الله هو العالمُ بذلك، دون مَن سواه مِن خلقِه.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، وهل \"الرّاسخون\" معطوفون (^٣) على اسمِ \"اللهِ\"، بمعنى إيجابِ العلمِ لهم بتأويلِ المتشابِهِ، أم هم مُستأنفٌ ذِكْرُهم بمعنى الخبرِ عنهم أنَّهم يقولون: آمنَّا بالمتشابِهِ، وصدَّقْنا أنَّ علمَ ذلك لا يعلمُه إلا اللهُ؟ فقال\n_________\n(^١) في ت ٢: \"إلى\".\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) في م: \"معطوف\".","vol":"5","page":217},{"text":"بعضُهم: معنى ذلك: وما يعلمُ تأويلَ ذلك إلا اللهُ وحدَه منفرِدًا بعلمِه، وأمّا الرّاسخون في العلمِ فإنهم ابْتُدِئَ الخبرُ عنهم بأنَّهم يقولون: آمنَّا بالمتشابِهِ والمُحْكَمِ، وأن جميعَ ذلك من عندِ اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1164>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا خالدُ بن نِزارٍ، عن نافعٍ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ قولَه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. قالت: كان من رسوخِهم في العلمِ أنْ آمَنُوا بمُحْكَمِه ومتشابِهِه، ولم يَعْلَمُوا تأويلَه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: كان ابن عباسٍ يقولُ (^٢): (وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَه إِلَّا اللهُ [ويَقُولُ الراسِخون في العِلْمِ] (^٣) آمَنَّا به) (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني ابن أبي الزنادِ، قال: قال\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٩ (٣٢٠٨) من طريق نافع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) كذا في النسخ. وفى مصادر التخريج: \"يقرؤها\". ويقول هنا بمعنى: يقرأ.\n(^٣) في النسخ: \"يقول الراسخون\". وأثبتنا نص قراءة ابن عباس كما في مصادر التخريج، وينظر تفسير البحر المحيط ٢/ ٣٨٤.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٦، ومن طريقه ابن أبي داود في المصاحف ص ٧٥، وأخرجه ابن الأنباري في الأضداد (ص ٤٢٦) من طريق الحسن بن يحيى به، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٢٨٩، من طريق معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"5","page":218},{"text":"هشامُ بنُ عُرُوةَ: كان أبي يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: إنَّ الراسخين [في العلم] (^١) لا يَعْلَمون تأويلَه، ولكنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ، عن أبي نَهِيكِ الأسَديِّ قولَه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. فيقولُ (^٣): إنكم تَصِلُون هذه الآيةَ، وإنها مقطوعةٌ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ - ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، فانتهى عِلْمُهم إلى قولِهم الذي قالوا (^٤).\nحدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا ابن دُكَينٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ عثمانَ بن عبدِ اللهِ بن مَوْهَبٍ (^٥)، قال: سمِعتُ عمرَ بن عبد العزيز يقولُ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: انتهى عِلْمُ الراسخين في العلمِ بتأويلِ القرآنِ إلى أن قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (^٦).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا أَشْهَبُ، عن مالكٍ في قولِه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، قال: ثم ابتدَأ فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. وليس يَعْلَمون تأويلَه (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: ص.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٩ (٣٢٠٧) عن يونس به.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"فيقولون\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٩ (٣٢٠٦) من طريق يحيى بن واضح به.\n(^٥) في ت ١، ت ٢: \"وهب\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ١٥٠.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦، ٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧ إلى المصنف.","vol":"5","page":219},{"text":"وقال آخَرون: بل معنى ذلك: وما يَعلَمُ تأويلَ ذلك إلا اللهُ والراسخون في العلمِ، وهم - مع عِلْمِهم بذلك ورسوخِهم في العلمِ - يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1165>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ أنه قال: أنا ممن يَعْلَمُ تأويلَه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: [يَعْلَمون تأويلَه، و] (^٢) يقولون: آمنَّا به (^٣).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نِجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: يَعْلَمُون تأويلَه، ويقولون: آمَنَّا به (^٤).\nحُدِّثْتُ عن عمّارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: يَعْلَمون تأويلَه، ويقولُون: آمنَّا به (^٥).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبير: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [الذي أرادَ، ما أراد] (^٦)! ﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن الأنباري في الأضداد ص ٤٢٤ من طريق أبي عاصم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٤٩، وأخرجه ابن الأنبارى في الأضداد ص ٤٢٤ من طريق أبي عاصم به.\n(^٤) أخرجه عبد بن حميد في تفسيره - كما في التغليق ٤/ ١٩٠ - من طريق شبل به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧ إلى المصنف.\n(^٦) في ت ٢: \"الذي أراد\". وفي سيرة ابن هشام: \"الذي به أرادوا ما أرادوا\". والمثبت موافق لما في تفسير ابن كثير.","vol":"5","page":220},{"text":"يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ (^١). ثم رَدُّوا تأويلَ المتشابِهِ (^٢) على ما عرَفوا من تأويلِ المُحْكَمةِ التي لا تأويلَ لأحدٍ فيها إلا تأويلٌ واحدٌ، فاتَّسق بقولِهم الكتابُ، وصدَّق بعضُه بعضًا، فنَفَذتْ به الحُجّةُ، وظهَر به العذرُ، وزاح (^٣) به الباطلُ، ودُمِغ به الكفرُ (^٤).\nفمن قال القولَ الأولَ في ذلك، وقال: إِنَّ الراسخين لا يَعْلَمون تأويلَ ذلك، وإنما أخبَر اللهُ عنهم بإيمانِهم وتصديقِهم بأنَّه مِن عندِ اللهِ، فإنه يَرْفَعُ \"الرَّاسخين في العلمِ\" بالابتداءِ في قولِ (^٥) البصريِّين، ويَجعَلُ خبره ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. وأمّا في قولِ بعضِ الكوفيِّين فبالعائِدِ مِن ذكرِهم في: ﴿يَقُولُونَ﴾. وفى قولِ بعضِهم بجملةِ الخبرِ عنهم وهى ﴿يَقُولُونَ﴾. ومَن قال القولَ الثانيَ، وزعَم أنَّ الراسخين في العلمِ يَعلَمُون تأويلَه، عطَف بـ\"الرَّاسخين\" على اسمِ \"اللهِ\"، فرفعَهم (^٦) بالعطفِ عليه.\nوالصوابُ عندنا في ذلك أنهم مرفوعون بجملةِ خبرِهم بعدَهم، وهو: ﴿يَقُولُونَ﴾؛ لما قد بَيَّنَّا قبلُ مِن أنهم لا يَعلَمون تأويلَ المتشابِهِ الذي ذكَره اللهُ ﷿ في هذه الآيةِ، وهو فيما بلَغنى مع ذلك في قراءةِ أُبَيٍّ: (ويقولُ (^٧) الرَّاسِحُونَ في العِلْمِ) (^٨). كما ذكَرْناه عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤُه. وفي قراءةِ عبدِ اللهِ: (إِنْ\n_________\n(^١) بعده في سيرة ابن هشام: \"فكيف يختلف وهو قول واحد من رب واحد\".\n(^٢) في م: \"المتشابهة\".\n(^٣) زاح الشيء: بعُد وذهب، كانزاح بنفسه، تقول: أزحتُ علته فراحت. التاج (ز ي ح).\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٧، وذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٨ عن ابن إسحاق به.\n(^٥) في ت ٢: \"قولى\".\n(^٦) في ت ٢: \"فعرفهم\".\n(^٧) في ت ٢: \"يقولون\".\n(^٨) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ٣٤٢، وتفسير البحر المحيط ٢/ ٣٨٤.","vol":"5","page":221},{"text":"تأْوِيلُهُ إِلَّا عندَ اللهِ، والرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ) (^١).\nوأمّا معنى التأويلِ في كلامِ العربِ، فإنَّه التفسيرُ والمَرْجِعُ والمَصِيرُ، وقد أَنشَدَ بعضُ الرواةِ بيتَ الأَعْشَى (^٢):\nعلى أنَّها كانت تَأَوَّلُ حُبِّها … تَأَوَّلَ (^٣) رِبْعِيِّ السِّقابِ (^٤) فَأَصْحَبَا\nوأصلُه: مِن آلَ الشيءُ إلى كذا، إذا صارَ إليه ورجَع، يَئُولُ أَوْلًا، وأَوَّلْتُه أَنا صيَّرْتُه إليه.\nوقد قيل: إِنَّ قولَه: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] أي: جَزاءً، وذلك أن الجزاءَ هو المعنى (^٥) الذي آل إليه أمرُ القومِ، وصار إليه.\nويَعنِى بقولِه: تَأَوُّلُ حُبِّها: تفسيرُ حبِّها ومرجعُه. وإنما يُريدُ بذلك أنَّ حبَّها كان صغيرًا في قلبِه، فآلَ مِن الصِّغَرِ إلى العِظَمِ، فلم يَزَلْ يَنْبُتُ حتى أَصْحَبَ (^٦) فصار قديمًا، كالسَّقْب الصغيرِ الذي لم يَزَلْ يَشِبُّ حتى أَصْحَبَ فصار كبيرًا مثلَ أُمِّه.\nوقد يُنْشَدُ هذا البيتُ (^٧):\n_________\n(^١) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٣٤٢، وأبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٣٨٤، وفي المصاحف لابن أبي داود ص ٥٩: \"وإن حقيقة تأويله … \".\n(^٢) ديوانه ص ١١٣.\n(^٣) في م: \"توالي\".\n(^٤) في ت ٢: \"السقات\". والسِّقاب: جمع السَّقْب، وهو ولد الناقة الذكر ساعة يولد، ولا يقال للأنثى: سقبة. ينظر التاج (س ق ب).\n(^٥) سقط من: م، س.\n(^٦) أصحب: ذَلَّ وانقاد. التاج (ص ح ب).\n(^٧) رواية اللسان (ر ب ع، ول ي):\nولكنها كانت نَوًى أَجْنَبِيّةً … توالىَ رِبْعيِّ السِّقابِ فأصحبا =","vol":"5","page":222},{"text":"على أنَّها كانتْ تَوَابَعُ حُبِّها … تَوَالِيَ رِبْعِيِّ السِّقابِ فَأَصْحَبَا\n\n<span data-type='title' id=toc-1166>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.</span>\nيعنى بالرَّاسخين في العلمِ العلماءَ الذين قد أَتْقَنُوا عِلْمَهِم، ووَعَوْه فَحَفِظُوه حِفْظًا لا يَدْخُلُهم في معرفتِهم وعلمِهم بما علِموه شكٌّ ولا لَبْسٌ، وأصلُ ذلك مِن رُسوخِ الشيءِ في الشيءِ، وهو ثبوتُه ووُلُوجُه فيه، يقالُ منه: رسَخ الإيمانُ في قلبِ فلانٍ، فهو يَرْسَخُ رَسْخًا ورُسُوخًا.\nوقد رُوِيَ في نعتِهم خبرٌ عن النبيِّ ﷺ، وهو ما حدَّثنا موسى بنُ سَهْلٍ الرَّمْليُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا فَيَّاضُ بنُ محمدٍ الرَّقِّيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن يزيدَ بن آدمَ، عن أبي الدَّرْداءِ وأبى أُمامةَ، قالا: سُئِل رسولُ الله ﷺ: مَن الراسخُ في العلمِ؟ قال: \"مَن بَرَّتْ يمينُه، وصدَق لسانُه، واستقام به قلبُه، وعفَّ بطنُه، فذلك الراسخُ في العلمِ\" (^١).\nحدَّثني المثنَّى وأحمدُ بنُ الحسنِ الترمذيُّ، قالا: ثنا نُعيم بنُ حمّادٍ، قال (^٢): ثنا فَيَاضٌ الرَّقِّيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يَزِيدَ الأَوْدِيُّ - قال: وكان أَدركَ أصحابَ رسولِ الله ﷺ - قال: حدَّثنا أنسُ بن مالكٍ وأبو أُمامةَ وأبو\n_________\n= قال الأزهرى: هكذا سمعت العرب تنشده، وفسروا لى توالى السقاب أنه من الموالاة، وهو تمييز شيء من شيء. يقال: والينا الفصلانَ عن أمهاتها فتوالت، أي: فصلناها عنها عند تمام الحول ويشتد الموالاة ويكثر حنينها في أثر أمهاتها ويتخذ لها خندق تحبس فيه، وتسرَّح الأمهات في وجه من مراتعها، فإذا تباعدت عن أولادها سرِّحت الأولاد في جهة غير جهة الأمهات، فترعى وحدها فتستمر على ذلك، وتُصحب بعد أيام؛ أخبر الأعشى أن نوًى صاحبته اشتدت عليه فحنّ إليها حنين ربعي السقاب إذا وولى عن أمه. تهذيب اللغة ٢/ ٣٧٧.\n(^١) أخرجه الطبراني (٧٦٥٨) من طريق عبد الله بن يزيد به، بزيادة أنس ووائلة.\n(^٢) في ت ٢: \"قالا\".","vol":"5","page":223},{"text":"الدَّرْداءِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِل عن الراسخين في العلمِ، فقال: \"مَن بَرَّتْ يمينُه، وصدَق لسانُه، واستقام به قلبه، وعفَّ بطنُه وفرجُه، فذلك الراسخُ في العلمِ\" (^١).\nوقد قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ: إنما سمَّى اللهُ ﷿ هؤلاء القومَ الراسخين في العلمِ، بقولِهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1167>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ قال: الراسخون الذين يقولون: آمنًّا به كلٌّ من عندِ ربِّنا (^٢).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: هم المؤمنون، فإنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ بناسخِه ومنسوخِه ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قال ابن عباسٍ: قال عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: وعِلْمُهم قولهم. قال ابن جُريجٍ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ وهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر ٣٩/ ٣٢٦ - ٣٢٧ (طبعة مجمع اللغة بدمشق) من طريق نعيم به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٩ (٣٢٠٥) من طريق نعيم به عن أبي الدرداء وحده. وأخرجه ابن عساكر ١٥/ ٩١٧ (مخطوط) من طريق عبد الله بن يزيد الأودى، عن أنس وحده.\n(^٢) ينظر تفسير البغوي ٢/ ١١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٠ (٣٢١٢)، وعقب الأثر (٣٢١٤) من طريق عمرو به.","vol":"5","page":224},{"text":"الذين يقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ ويقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ الآية.\nوأما تأويل قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. فإنه يعنى أن الراسخين في العلمِ يقولون: صدَّقْنا بما تشابَهَ من آيِ الكتابِ، وأنَّه حقٌّ وإن لم نَعْلَمْ تأويلَه.\nوقد حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سلَمةُ بنُ نُبَيْطٍ، عن الضّحّاكِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ قال: المُحْكَمُ والمتشابِهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1168>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.</span>\nيعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾: كلُّ المُحْكَمِ من الكتابِ والمتشابِهِ منه من عندِ ربِّنا، وهو تنزيلُه ووَحْيُه إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ.\nكما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [قال: يعنى ما نُسِخ منه وما لم يُنْسَخُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾: والراسخون في العلم قالوا: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾] (^٢) آمَنُوا بمتشابِهِه، وعمِلوا بمُحْكَمِه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٠ (٣٢١٤) من طريق وكيع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٠ (٣٢١٥) من طريق شيبان، عن قتادة، وفيه زيادة.","vol":"5","page":225},{"text":"حُدِّثْتُ عن عمّارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ يقولون: المُحْكَمُ والمتشابِهُ من عندِ اللهِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾: نُؤْمِنُ بالمُحْكَمِ ونَدِينُ به، ونُؤْمِنُ بالمتشابِهِ ولا نَدِينُ به، وهو من عندِ اللهِ كلُّه (^٢).\nحدَّثنا يحيى بن أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضّحّاكِ في قولِه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: يَعْمَلُونَ (^٣) به، يقولون: نَعْمَلُ بالمُحْكَمِ ونُؤْمِنُ به، ونُؤْمِنُ بالمتشابِهِ ولا نَعْمَلُ به، وكلٌّ من عندِ ربِّنا (^٤).\nواختلَف أهلُ العربيةِ في حكمِ \"كلّ\" إذا أُضْمِرَ فيها؛ فقال بعضُ نحويِّي البصريِّين: إنما (^٥) جاز حذفُ المرادِ الذي كان معها، الذي \"الكُلُّ\" إليه مضافٌ في هذا الموضعِ؛ لأنها اسمٌ، كما قال: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ [غافر: ٤٨] بمعنى: إِنَّا كلُّنا فيها. قال: ولا يكونُ \"كلٌّ\" مُضْمَرًا [فيها وهي صفةٌ، لا يقالُ: مَرَرْتُ بالقومِ كلٍّ. وإنما يكونُ فيها مُضْمَرٌ] (^٦) إذا جعلْتَها اسمًا، لو كان: إنّا كلًّا فيها، على الصفةِ، لم يَجُز؛ لأنَّ الإضمارَ فيها (^٧) ضعيفٌ، لا يَتَمَكَّن في كلِّ مكانٍ.\nوكان بعضُ نحويِّي الكوفيِّين يَرَى الإضمارَ فيها وهي صفةٌ أو اسمٌ سواءً؛ لأنه غيرُ جائزٍ أَن يُحْذَفَ ما بعدَها عندَه إلا وهى كافيةُ بنفسها عمّا كانت تُضاف إليه من\n_________\n(^١) في م: \"ربنا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠١ (٣٢١٧) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، س: \"يعلمون\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٠ (٣٢١٦) من طريق جويبر به.\n(^٥) في م: \"إذا\".\n(^٦) سقط من: ت ٢.\n(^٧) في ت ٢: \"فيه\".","vol":"5","page":226},{"text":"المُضْمَرِ، وغيرُ جائزٍ أن تكونَ كافيةً منه في حالٍ، ولا تكونَ كافيةً في أُخْرَى. وقال: سبيلُ \"الكلِّ\" و\"البعضِ\" في الدَّلالةِ على ما بعدَهما بأنفسِهما وكفايتِهما منه بمعنًى واحدٍ في كلِّ حالٍ، صفةً كانت أو اسمًا.\nوهذا القولُ الثاني أَوْلَى بالقياسِ؛ لأنها إذا كانت كافيةً بنفسِها مما حُذِف منها في حالٍ لدلالتها عليه، فالحكم فيها أنها كلَّما وُجدَتْ دالَّةً على ما بعدها، فهى كافيةٌ منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1169>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤُه: وما يَتَذَكَّرُ ويَتَّعِظُ ويَنزَجِرُ عن أن يقولَ في متشابِهِ آي كتابِ اللهِ ما لا علمَ له به، إلا أولو العقولِ والنُّهَى.\nوقد حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ يقولُ: وما يَذَّكَّرُ في مثل هذا، يعني: في ردِّ تأويلِ المتشابِهِ إلى ما قد عُرِف من تأويلِ المُحْكَمِ، حتى يَتَّسِقا على معنًى واحدٍ، إلا أولو الألبابِ (^١).\n\n<span id=\"aya-301\"></span><span data-type='title' id=toc-1170>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾.</span>\nيَعنى بذلك جل ثناؤُه أن الرَّاسخين في العلمِ يقولون: آمَنَّا بما تشابَهَ من آي كتابِ اللهِ، وإنه هو (^٢) والمُحْكَمُ من آيِه من تنزيلِ ربِّنا ووَحْيِه. ويقولون أيضًا:\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠١ (٣٢١٩) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣.","vol":"5","page":227},{"text":"﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ يعنى أنهم يقولون - رغبةً منهم إلى ربِّهم في أن يَصْرِفَ عنهم ما ابْتُلي به الذين زاغَتْ قلوبُهم من اتِّباعِ متشابهِ آيِ القرآنِ؛ ابتغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويلِه الذي لا يعلمُه غيرُ اللهِ -: يا ربَّنا، لا تجعلْنا مثلَ هؤلاء الذين زاغَتْ قلوبُهم عن الحقِّ، فَصَدُّوا عن سبيلِك؛ ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾: لا تُمِلها فتَصْرِفَها عن هُداك، ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ له، فوفَّقْتَنا للإيمانِ بمُحكَمِ كتابِك ومتشابِهِه، ﴿وَهَبْ لَنَا﴾ يا ربَّنَا، ﴿مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ يعني: من عندِك رحمةً. يعنى بذلك: هَبْ لنا من عندِك توفيقًا وثباتًا للذى نحن عليه مِن الإقرارِ بمُحكَمِ كتابِك ومتشابِهِه، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يعنى: إِنَّك أنت المُعْطِى عبادَك التوفيقَ والسدادَ للثباتِ على دينِك، وتصديقِ كتابِك ورسلِك.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾. أي: لا تُمِلْ قلوبَنا وإن مِلْنا بأحداثِنا (^١)، ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ (^٢).\nوفي مدحِ اللهِ جل ثناؤُه هؤلاء القومَ بما مدَحهم به - مِن رغبتِهم إليه في ألا يُزِيغَ قلوبَهم، وأن يُعْطِيَهم رحمةً منه؛ معونةً لهم للثباتِ على ما هم عليه من حسنِ البصيرةِ بالحقِّ الذي (^٣) هم عليه مُقيمون - ما أبان عن خطأِ قولِ الجهَلةِ من القَدَريّةِ: إنَّ إزاغةَ اللهِ قلبَ مَن أَزاغَ قلبَه مِن عبادِه عن طاعتِه، وإمالتَه (^٤) له عنها، جوْرٌ؛ لأن\n_________\n(^١) في م: \"بأجسادنا\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠١ (٣٢٢١) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.\n(^٣) في ت ٢: \"الذين\".\n(^٤) في ت ١: \"لا بامنه\"، وفى ت:٢ \"لا نامنه\"، وفى س: \"بامنه\"، وكذا في ص ولكن غير منقوطة.","vol":"5","page":228},{"text":"ذلك لو كان كما قالوا لكان الذين قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ بالذمِّ أَوْلَى منهم بالمدحِ؛ لأن القولَ لو كان كما قالوا، لكان القومُ إنما سأَلوا ربَّهم بمسألتِهم (^١) إيَّاه ألَّا يُزِيغَ قلوبَهم، ألا يَظْلِمَهم ولا يجورَ عليهم، وذلك من السائلِ (^٢) جَهْلٌ؛ لأن الله جل ثناؤُه لا يَظْلِمُ عبادَه، ولا يجورُ عليهم، وقد أَعلمَ عبادَه ذلك، ونفاه عن نفسِه بقولِه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. ولا وجْهَ لمسألتِه أن يكونَ بالصفةِ التي قد أخبرَهم أنه بها. وفي فسادِ ما قالوا من ذلك الدليلُ الواضحُ على أنَّ عَدْلًا من اللهِ ﷿ إزاغةُ مَن أَزَاغ قلبَه من عبادِه عن طاعتِه، فلذلك استحقَّ المدحَ مَن رَغِب إليه في أن لا يُزِيغَه، لتوجيهِه (^٣) الرغبةَ إلى أهلِها، ووضعِه مسألتَه مَوْضِعَها، مع تظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ برغبتِه إلي ربِّه في ذلك، مع محَلِّه منه وكرامتِه عليه.\nحدَّثنا أبو كرُيبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن عبدِ الحميدِ بن بَهْرامَ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن أُمِّ سلَمةَ، أن رسولَ اللِه ﷺ قال: \"يا مُقَلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلبي على دِينِك\". ثم قرَأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٤).\n\"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن عبدِ الحميدِ بن بَهْرامَ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن أسماءَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه.\nحدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا الحَجّاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَهْرامَ\n_________\n(^١) في م، ت ٢، س: \"مسألتهم\".\n(^٢) في ص: \"المسائل\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"لتوجهه\".\n(^٤) أخرجه أحمد ٦/ ٢٩٤ (الميمنية)، وابن أبي حاتم ٢/ ٦٠١ - ٦٠٢ (٣٢٢٢) من طريق وكيع به.","vol":"5","page":229},{"text":"الفَزاريُّ، قال: ثنا شهرُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: سَمِعْتُ أَمَّ سلمةَ تحدِّثُ أن رسولَ اللهِ ﷺ كان يُكْثِرُ في دعائِه أن يقولَ: \"اللهمَّ مُقَلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلبى على دينِك\". قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، وإنَّ القلبَ لَيُقَلَّبُ؟ قال: \"نعم، ما خَلَقَ اللهُ من بشرٍ من بنى آدمَ إِلَّا إِنَّ (^١): قلبَه بين إِصْبَعَين مِن أصابِعه، فإن شاء أقامَه، وإن شاء أَزاغَه، فنسألُ الله رَبَّنا ألا يُزِيغَ قلوبَنا بعدَ إِذْ هَدَانا، ونسألُه أَن يَهَبَ لنا من لَدُنْهُ رحمةً، إنه هو الوَهّابُ\". قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ألا تُعَلِّمُني دعوةً أدعو بها لنفسِى؟ قال: \"بلى (^٢)، قوله: اللهمَّ رَبَّ النبيِّ محمدٍ، اغفِرْ لي ذنبي، وأَذْهِبْ غيظَ قلبي، وأَجرْنِى من مُضِلَّاتِ الفِتَنِ\" (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ منصورٍ الطُّوسي، قال: ثنا محمد بن عبدِ اللهِ الزُّبيريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُكْثِرُ أن يقولَ: \"يا مُقَلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلبي على دينِك\". فقال له بعضُ أهله: تَخافُ علينا وقد آمنَّا بك وبما جِئْتَ به؟ قال: \"إنَّ القلبَ بين إِصْبَعَين مِن أَصَابِعِ الرحمنِ ﵎، يقولُ بهما (^٤) هكذا\". وحرَّك أبو أحمدَ إصْبَعَيْه. قال أبو جعفرٍ: وإنَّ الطُّوسيَّ (^٥) وسَقَ (^٦) بين إِصْبَعَيْه (^٧).\n_________\n(^١) في م، ومعجم الطبراني: \"و\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س: \"قال\".\n(^٣) أخرجه الطبراني ٢٣/ ٣٣٨ (٧٨٥) من طريق حجاج بن المنهال به. وأخرجه أحمد ٦/ ٣٠١، ٣٠٢ (الميمنية)، وعبد بن حميد (١٥٣٢ - منتخب)، وابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير ٢/ ١٠ - من طريق عبد الحميد بن بهرام به. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٢٠٩، ٢١٠، وأحمد ٦/ ٣١٥ (الميمنية)، والترمذي (٣٥٢٢)، والطبراني ٢٣/ ٣٣٤ (٧٧٢) من طريق شهر بن حوشب به.\n(^٤) في م: \"به\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"أبا الطوسي\".\n(^٦) الوشق: ضم الشيء إلى الشيء. اللسان (وس ق).\n(^٧) أخرجه أبو يعلى (٢٣١٨)، والبيهقى في الشعب (٧٥٦) من طريق سفيان به.","vol":"5","page":230},{"text":"حدَّثني سعيدُ بنُ يحيى الأُمويُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، قال: ثنا الأعمشُ، عن أبي سفيانَ، عن أنسٍ، قال: كان رسول اللهِ ﷺ كثيرًا ما يقولُ: \"يا مُقَلِّبَ القُلوبِ ثَبِّتْ قلبى على دينِك\". قلنا: يا رسولَ اللهِ، قد آمنَّا بك، وصدَّقْنا بما جئتَ به، فتَخافُ علينا؟ قال: \"نعم، إِنَّ القُلوبَ بين إِصْبَعَين من أصابعِ اللهِ، يُقَلِّبُها (^١) ﵎\" (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكَمِ، قال: ثنا بشرُ بنُ بكرٍ، وحدثنى عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا [أيوبُ بنُ بشرٍ، جميعًا] (^٣) عن ابن جابرٍ، قال: سَمِعْتُ بُسْرَ (^٤) بنَ عُبيدِ اللهِ، قال: سَمِعْتُ أبا إدريسَ الخَوْلانيَّ يقولُ: سَمِعْتُ النَّوَّاسَ بنَ سَمعَانَ الكِلابيَّ، قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"ما من قلبٍ إلا بين إصْبَعَين مِن أصابعِ الرحمنِ، إن شاءَ أقامَه، وإن شاءَ أزاغَه\". وكان رسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: \"يا مُقَلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلوبنَا على دينِك، والميزانُ بيدِ الرحمنِ، يَرْفَعُ أقوامًا ويَخْفِضُ آخرين إلى يومِ القيامةِ\" (^٥).\nحدَّثني عمرُ بنُ عبدِ الملكِ الطائيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدةَ، قال: ثنا الجرَّاحُ\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ٢: \"الله\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٢٠٩، وفى الإيمان (٥٥)، وأحمد ١٩/ ١٦٠ (١٢١٠٧)، والترمذى (٢١٤٠)، وأبو يعلى (٣٦٨٧، ٣٦٨٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٢٥)، والحاكم ١/ ٥٢٦ من طريق أبى معاوية به.\n(^٣) سقط من: س، وفى ص، ت ٢: \"بن جميعا\"، وفي ت ١: \"بن\" وبعده بياض بمقدار كلمتين.\n(^٤) في م: \"بشر\".\n(^٥) أخرجه الحاكم ٤/ ٣٢١ من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم به. وأخرجه أيضًا ١/ ٥٢٥، والبيهقى في الأسماء والصفات (٢٩٩) من طريق بشر بن بكر به.\nوأخرجه أحمد ٢٩/ ١٧٨ (١٧٦٣٠)، وابن ماجه (١٩٩)، والنسائى في الكبرى (٧٧٣٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٢١٩)، وابن خزيمة في التوحيد (٥٤)، وابن حبان (٩٤٣)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٧٤١)، من طريق ابن جابر به.","vol":"5","page":231},{"text":"ابن مليحٍ البَهْرانيُّ، عن الزُّبَيْدِيُّ، عن جُبَيْرٍ (^١)، عن سَمُرَةَ بن فاتكٍ الأسَديِّ، وكان من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، عن النبي ﷺ أنه قال: \"الموازين بيدِ اللهِ، يَرْفَعُ قومًا (^٢) ويضَعُ قومًا (^٢)، وقلبُ ابن آدمَ بين إصْبَعَين من أصابعِ الرحمنِ، إذا (^٣) شاء أزاغَه، وإذا (^٣) شاء أقامَه\" (^٤).\nحدَّثني المثَنَّى، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن حَيْوَةَ بن شُرَيحٍ، قال: أخبَرني أبو هانئٍ الخَوْلانيُّ، أنه سمِع أبا عبد الرحمنِ الحُبُلِّيَّ يقولُ: سمِعْتُ عبد اللهِ بنَ عمرِو بن العاصِ يقولُ: سمِعْتُ رسول الله ﷺ يقولُ: \"إن قلوبَ بني آدمَ كلَّها بين إصْبَعَين مِن أصابعِ الرحمنِ كقَلْبٍ واحدٍ، يُصَرَّفُ كيف يَشاءُ (^٥) \". ثم يقولُ رسولُ اللهِ ﷺ: \"اللهمَّ مُصَرّفَ القلوبِ صَرِّفْ قلوبَنا إلى طاعتِك\" (^٦).\nحدَّثنا الربيعُ بن سليمانَ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَهْرامَ، قال: ثنا شهرُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: سَمِعْتُ أَمَّ سَلَمَةَ تُحَدِّثُ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُكْثِرُ في دعائِه أن يقولَ: \"اللهمَّ ثَبِّتْ قلبي على دينِك\". قالت: قلتُ:\n_________\n(^١) في م: \"جويبر\"، وغير واضحة في ت ٢. وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٥٠٩.\n(^٢) في م: \"أقوامًا\".\n(^٣) في م: \"إن\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٢٢٠)، وفى الآحاد والمثانى (١٠٤١، ١٠٤٢)، والطبراني (٦٥٥٧) من طريق جبير به.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"شاء\".\n(^٦) أخرجه النسائي في الكبرى (٧٧٣٩) من طريق عبد الله بن المبارك به. وأخرجه أحمد ١١/ ١٣٠ (٦٥٦٩)، ومسلم (٢٦٥٤)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٢٢، ٢٣١)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٩٨، ٧٤٠) من طريق حيوة بن شريح به.","vol":"5","page":232},{"text":"يا رسولَ اللهِ، وإنَّ القلوبَ لَتُقَلَّبُ؟ قال: \"نعم، ما مِن خلقِ اللهِ مِن بني آدمَ بشرٌ إلا أن قلبَه بين إصْبَعَين من أصابعِ اللهِ، إن شاء أقامَه، وإن شاء أزاغَه، فنَسألُ الله رَبَّنَا أَلا يُزِيغَ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسألُه أنْ يَهَب لنا من لَدُنْه رحمةً، إنه هو الوهّابُ (^١) \".\n\n<span id=\"aya-302\"></span><span data-type='title' id=toc-1171>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾.</span>\nيَعنى بذلك جل ثناؤُه أنهم يقولون أيضًا - مع قولِهم: آمنَّا بما تشابَهَ من آيِ (^٢) كتابِ ربِّنا؛ كلُّ (^٣) المُحْكَمِ والمتشابِهِ الذي فيه من عندِ ربِّنا -: يا ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.\nوهذا من الكلامِ الذي اسْتُغْنى بذكرِ ما ذُكِرَ منه عمّا تُرِك ذكرُه. وذلك أن معنَى الكلامِ: ربَّنا إِنَّك جامعُ الناسِ ليومِ القيامة، فاغفِرْ لنا يومئذٍ، واعفُ عنَّا، فإنك لا تُخْلِفُ وَعْدَك أنَّ مَن آمَن بك، واتَّبع رسولَك، وعمِل بالذي أمرْتَه به في كتابِك، أنَّك غافرُه يومئذٍ.\nوإنما هذا من القومِ مسألةٌ ربَّهم أن يُثَبِّتَهم على ما هم عليه من حُسْنِ نُصْرَتِهم (^٤) بالإيمانِ باللهِ ورسولِه، وما جاءهم به من تنزيلِه، حتى يَقْبِضَهم على أحسنِ أعمالِهم وإيمانِهم، فإنه إذا فعَل ذلك بهم وجَب لهم الجنةُ؛ لأنه قد وعَد مَن فعَل ذلك به من عبادِه (^٥) أنَّه يُدْخِلُه الجنةَ. فالآيةُ وإن كانت قد خرَجتْ مَخْرَجَ الخبرِ، فإنَّ تأويلَها من\n_________\n(^١) في ت ١، س: \"التواب\". وينظر ما تقدم في ص ٢٢٩، ٢٣٠.\n(^٢) بعده في س: \"القرآن\".\n(^٣) في س: \"كله\".\n(^٤) كذا في م، ت ١، ت ٢، س، وغير منقوطة في ص، ولعل الصواب: بصيرتُهم.\n(^٥) في ص، ت ١: \"عبادته\".","vol":"5","page":233},{"text":"القومِ مسألةٌ ودعاءٌ ورغبةٌ إلى ربِّهم.\nوأمّا معنى قولِه: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. فإنه: لا شَكَّ فيه.\nوقد بَيَّنَّا ذلك بالأدلةِ على صحتِه فيما مضَى قبلُ (^١).\nومعنى قولِه: ﴿لِيَوْمٍ﴾: في يومٍ. وذلك يومٌ يَجْمَعُ اللهُ فيه خلقَه لفصلِ القضاءِ بينهم في موقفِ العَرْضِ والحسابِ.\nوالميعادُ: المِفْعالُ، من الوعدِ.\n\n<span id=\"aya-303\"></span><span data-type='title' id=toc-1172>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠)﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: إِنَّ الذين جحَدوا الحقَّ الذي قد عرَفوه من نُبُوَّةِ محمدٍ ﷺ، من يهودِ بني إسرائيلَ ومنافِقِيهم، ومنافِقِى العربِ وكفارِهم، الذين في قلوبِهم زَيْغٌ، فهم يَتَّبِعُون من كتابِ اللهِ المتشابِهَ ابتغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويلِه، ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. يعنى بذلك أنَّ أموالَهم وأولادَهم لن تُنْجِيَهم من عقوبةِ اللهِ إنْ أحلَّها بهم عاجلًا، في الدنيا على تكذيبِهم بالحقِّ بعد تَبَيُّنِهم (^٢)، واتباعِهم المتشابِهَ طلبَ اللَّبْسِ، فتَدْفَعَها عنهم، ولا يُغْنِي [ذلك عنهم منها] (^٣) شيئًا، وهم في الآخرةِ ﴿وَقُودُ النَّارِ﴾ يعنى بذلك: حَطَبَها.\n\n<span id=\"aya-304\"></span><span data-type='title' id=toc-1173>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)﴾.\n_________\n(^١)</span> ينظر ما تقدم في ١/ ٢٣١ - ٢٣٣.\n(^٢) في م: \"تثبيتهم\"، وفى س: \"نثبتهم\".\n(^٣) في ت ٢: \"عنهم من ذلك\".","vol":"5","page":234},{"text":"يعْنى بذلك جلّ ثناؤه: إنَّ الذين كفَروا لن تُغْنِىَ عنهم أموالُهم ولا أولادُهم مِن اللهِ شيئًا عندَ حُلولِ عقوبتِنا بهم، كسُنَّةِ آلِ فرعونَ وعادتِهم (^١)، والذين مِن قبلِهم مِن الأممِ الذين كذَّبوا بآياتِنا، فأخذْناهم بذنوبِهم، فأَهْلَكْناهم حين كذَّبوا بآياتِنا، [فلم تُغنِ] (^٢) عنهم أموالُهم ولا أولادُهم مِن اللهِ شيئًا حينَ جاءَهم بأسُنا كالذين عُوجِلُوا بالعقوبةِ على تكذيبِهم ربَّهم مِن قَبلِ آلِ فرعونَ، مِن قومِ نوحٍ وقوم هودٍ وقومِ لوطٍ وأمثالِهم.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: كسُنَّتِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1174>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ الحَجّاجِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. يقولُ: كسُنَّتِهم (^٣).\nوقال بعضُهم: معْناه: كعَمَلِهم (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1175>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، جميعًا عن جويبرٍ، عن الضّحّاكِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. قال: كعملِ آلِ فرعونَ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"دعائهم\". وينظر مجاز القرآن ١/ ٨٧.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فلن تغن\"، وفى م، س: \"فلن تغنى\"، وأثبتنا ما يناسب السياق.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩ إلى المصنف.\n(^٤) في ت ٢: \"كعلمهم\".\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٣، ٥/ ١٧١٨ عقب الأثر (٣٢٣٠، ٩١٧٧) معلقًا.","vol":"5","page":235},{"text":"حدَّثنا يحيَى بنُ أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا جُويبرٌ، عن الضّحّاكِ في قولِه: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. قال: كعملِ آلِ فرعونَ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال: كأعمالِهم (^١)، كفعلِهم، كتَكْذيبِهم حينَ كذَّبوا الرسلَ. وقرأ قولَ اللهِ: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر: ٣١]. أن يُصيبَكم مثلُ الَّذى أصابَهم عليه مِن عذابِ اللهِ. قال: الدَّأْبُ العملُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ يحيَى بنُ واضحٍ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ في قولِه: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. قال: كفعلِ آلِ فرعونَ، كشَأْنِ آلِ فرعونَ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضّحّاكِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. قال: كصُنْعِ آلِ فرعونَ (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: كتَكْذيبِ آلِ فرعونَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1176>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى موسَى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ: عن السديِّ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: ذكَر الذين كفَروا فقال (^٤): تكذيبُهم كمثلِ تكذيبِ الذين مِن قبلِهم في الجُحودِ والتَّكذيبِ (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٣، ٥/ ١٧١٨ عقب الأثر (٣٢٣٠، ٩١٧٧) معلقًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٣، ٥/ ١٧١٨ (٣٢٣٠، ٩١٧٧) من طريق المنجاب به.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"وأفعال\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٣ (٣٢٣١) من طريق عمرو به.","vol":"5","page":236},{"text":"وأصلُ الدَّأْبِ مِن: دأَبْتُ في الأمرِ دأْبًا، إذا أدْمَنْتَ العملَ والتعبَ فيه. ثم إن العربَ نقَلَت معناه إلى الشأنِ والأمرِ والعادةِ، كما قال امرُؤُ القيسِ بنُ حُجْرٍ (^١):\nوإن شِفائى عَبْرَةٌ مُهَرَاقةٌ (^٢) … فهل عندَ رسمٍ دارِسٍ مِن مُعَوَّلِ (^٣)\nكدَأْبِك (^٤) مِن أُمِّ الحُوَيْرِثِ قبلَها … وجارتِها أُمِّ الرَّبابِ بمَأْسَلِ\nيَعْنى بقولِه: كدأْبِك. كشأنِك (^٥) وأمرِك وفعلِك. يقالُ منه: هذا دأْبى ودأبُك أبدًا. يَعْنى به: فِعْلى وفِعْلُك، وأمْرِى وأمْرُك، وشأنِى وشأنُك. يقالُ منه: دأَبْتُ دُؤوبًا ودأْبًا. وحُكِى عن العربِ سَماعًا: دأَبْتُ دَأَبًا. مُثقلةً مُحرَّكةَ الهمزةِ، كما قيل: هذا شَعَرٌ ونَهَرٌ (^٦). فتُحَرِّكُ ثانيَه؛ لأنه حرفٌ مِن الحروفِ الستةِ (^٧)، فأُلْحق الدأَبُ إذ كان ثانِيه مِن الحروفِ الستةِ، كما قال الشاعرُ (^٨):\n[له نَعَلٌ لا تطَّبِى] (^٩) (^١٠) الكلبَ ريحُها … وإن وُضِعَت [بينَ المَجالِسِ] (^١١) شُمَّتِ\nوأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. فإنه يعْنى به: واللهُ شديدٌ عقابُه لَمن كفَر به وكذَّب رُسلَه، بعدَ قيامِ الحُجَّةِ عليه.\n_________\n(^١) ديوانه ص ٩.\n(^٢) في الديوان: \"إن سفحتها\".\n(^٣) معول: قيل: مَبْكًى، وقيل: مستغاث، وقيل: مَحْمل ومعْتمَد. اللسان (ع ول).\n(^٤) في الديوان: \"كدينك\".\n(^٥) في ص، ت ٢: \"كنابك\"، وفى ت ١: \"كفابك\".\n(^٦) في م: \"بهر\".\n(^٧) الحروف الستة: هي حروف الحلق.\n(^٨) هو كثير عزة، والبيت في ديوانه (مجموع) ص ٣٢٤.\n(^٩) في الديوان: \"إذا طرحت لم تطب\".\n(^١٠) طباه يطبوه ويطبيه: إذا دعاه. اللسان (ط ب ى).\n(^١١) في الديوان: \"في مجلس القوم\".","vol":"5","page":237},{"text":"<span id=\"aya-305\"></span><span data-type='title' id=toc-1177>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)﴾.</span>\nاخْتَلَفَتِ القَرَأةُ في ذلكَ؛ فقرأه بعضهم: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ بالتاءِ، على وجهِ الخطابِ للذين كفَروا بأنهم سيُغْلَبون (^١). واحتجُّوا لاختيارِهم قراءةَ ذلك بالتَّاءِ بقولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾. قالوا: ففِى ذلك دليلٌ على أن قولَه: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾. كذلك خطابٌ لهم، وذلك هو قراءةُ عامَّةِ قرأَةِ الحجازِ والبصرةِ وبعضِ الكوفييِّنَ. وقد يَجوزُ لَمن كانت نيَّتُه في هذه الآيةِ أن المَوْعُودينَ بأن يُغلَبُوا هم الذين أُمِر النبيُّ ﷺ بأن يقولَ ذلك لهم، أن يَقْرَأَه بالتاءِ واليَّاءِ؛ لأن الخِطابَ بالوَحْى حينَ نزَل لغيرِهم، فيَكونُ نظيرَ قولِ القائلِ في الكلامِ: قلتُ للقومِ: إنكم مَغْلُوبون. وقلتُ لهم: إنهم مغلُوبون.\nوقد ذُكِر أنّ في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (قُلْ للذين كفَروا إِن تَنْتَهُوا يُغْفَرْ لكم) (^٢). وهى في قراءتِنا: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٨].\nوقرأَتْ ذلكَ جماعةٌ مِن قرأةٍ أهلِ الكوفةِ: (سَيُغْلَبون ويُحشَرون). على معْنى: قُلْ لليهودِ: سيُغْلَبُ مُشرِكو العربِ، ويُحْشَرون إلى جهنمَ. ومَن قرَأ ذلك كذلك على هذا التأويلِ، لمْ يَجُزْ في قراءَتِه غيرُ الياءِ.\nوالذي نَخْتارُ مِن القِراءةِ في ذلك قراءةُ مَن قرَأَه بالتَّاءِ، بمعنى: قلْ يا محمدُ للذين كفَروا مِن يهودِ بنى إسرائيلَ، الذين يَتَّبِعون ما تَشابَه مِن آى الكتابِ الذي أنْزَلْتُه إليك ابْتِغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويلِه: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وعاصم وابن عامر، وقرأ حمزة والكسائى بالياء، وسيأتي. السبعة لابن مجاهد ص ٢٠٣.\n(^٢) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ١٩٢.","vol":"5","page":238},{"text":"الْمِهَادُ﴾.\nوإنما اخْتَرْنا قراءةَ ذلك كذلك، على قراءتِه بالياءِ، لدلالةِ قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾. على أنهم بقولِه: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ مُخاطَبُون خطابَهم بقولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ﴾. فكان إلحْاقُ الخطابِ بمثلِه مِن الخطابِ أوْلى مِن الخطابِ بخلافِه مِن الخبرِ عن غائبٍ.\nوأخْرَى: أن أبا كُرَيْبٍ حَدَّثَنا، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولَى زيدٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، أو عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا أصابَ رسولُ اللهِ ﷺ قريشًا يومَ بدرٍ، فقدِم المدينةَ، جمَع يهودَ في سوقِ بنى قَيْنُقاعَ فقال: \"يا مَعْشَرَ يَهودَ، أسْلِمُوا قبلَ أن يُصِيبَكم مثلُ ما أصابَ قريشًا\". فقالوا: يا محمدُ، لا تَغُرَّنَّك نفْسُك أنكَ قَتَلْتَ نفرًا مِن قريشٍ كانوا أعْمارًا لا يَعْرِفُون القِتالَ، إنك واللهِ لو قاتَلْتَنا لعرَفْتَ أنا نحن الناسُ، وأنك لم تَأْتِ (^١) مثلَنا. فأنْزَل اللهُ ﷿ في ذلك مِن قولِهم: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ إلى قولِه: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عاصمِ بن عمرَ بن قتادةَ، قال: لما أصابَ اللهُ قريشًا يومَ بدرٍ، جمَع رسولُ اللهِ ﷺ يهودَ في سوقِ بنى قَيْنُقاعَ حينَ قدِم المدينةَ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ أبى كُريْبٍ، عن يونُسَ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان مِن أمْرِ بنِى\n_________\n(^١) في سنن أبى داود: \"تلق\".\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٠٠١)، والبيهقى في الدلائل ٣/ ١٧٣، ١٧٤ من طريق يونس به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٤ (٣٢٣٤) من طريق سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩، ١٠ إلى ابن إسحاق.","vol":"5","page":239},{"text":"قَيْنُقاعَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ جمعَهم بسوقِ بنى قَيْنُقاعَ، ثم قال: \"يا معشرَ اليهودِ، احذَرُوا مِن اللهِ مثلَ ما نزَل بقريشٍ مِن النِّقْمةِ، وأسْلِمُوا، فإنكم قد عرَفْتُم أنى نبيٌّ مُرْسَلٌ، تَجِدُون ذلكَ في كتابِكم، وعَهْدِ اللهِ إليكم\". فقالوا: يا محمدُ، إنك تَرَى أنَّا كقومِك (^١)! لا يَغُرَّنَّك أنك لقِيتَ قومًا لا عِلْمَ لهم بالحربِ، فأصَبْتَ فيهم فُرْصةً، إنَّا واللهِ لَئنْ حارَبْناك لَتَعْلَمَنَّ أنا نحن الناسُ (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبى محمدٍ مولَى آلِ زيدِ بن ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أو عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ما نزَلَتْ هؤلاء الآياتُ إلا فيهم: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ إلى ﴿لِأُولِي الْأَبْصَار﴾ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. قال فِنْحاصُ اليهوديُّ في يومِ بدرٍ: لا يَغُرَّنَّ محمدًا أنْ غلَب قريشًا وقتَلهم، إنّ قريشًا لا تُحْسِنُ القتالَ. فنزَلَت هذه الآيةُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: فكلُّ هذه الأخبارِ تُنْبِئُ (^٥) عن أن المخاطَبِين بقولِه: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ هم اليهودُ المَقولُ لهم:\n_________\n(^١) في سيرة ابن هشام: \"قومك\".\n(^٢) سيرة ابن إسحاق ص ٢٩٤ (٤٩٦)، وسيرة ابن هشام ٢/ ٤٧، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٧٩.\n(^٣) ابن إسحاق ص ٢٩٤ (٤٩٧)، وسيرة ابن هشام ٢/ ٤٧.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) في س: \"تبين\".","vol":"5","page":240},{"text":"<span id=\"aya-306\"></span>﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾ الآية، وتَدُلُّ على أن قراءةَ ذلك بالتاءِ أوْلَى مِن قراءتِه بالياءِ.\nومعْنى قولِه: ﴿وَتُحْشَرُونَ﴾: وتُجْمَعون فتُجْلَبون (^١) ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾.\nوأما قولُه: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: وبئسَ الفِراشُ جهنمُ التي تُحْشَرون إليها.\nوكان مجاهدٌ يقولُ كالذى حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. قال: بئسما مَهَدوا لأنفسِهم (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1178>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾.</span>\nيَعنى بذلك جلّ ثناؤُه: قُلْ يا محمدُ للذين كفَروا مِن اليهودِ، الذين بين ظَهْرانَىْ بلدِك: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾، يعْنى: علامةٌ ودَلالةٌ على صدقِ ما أَقولُ (^٣): إنكم ستُغْلَبون. وعِبْرةٌ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾: عِبْرةٌ وتفَكُّرٌ (^٤).\n_________\n(^١) في ت ١: \"فيجلبون\"، وفى س: \"فيلجئون\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٤٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٤ (٣٢٣٥).\n(^٣) بعده في س: \"لكم\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠ إلى المصنف.","vol":"5","page":241},{"text":"حدَّثني المثنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه، إلا أنه قال: ومُتَفَكَّرٌ (^١).\n﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾. يعْنى: في فِرْقَتَين وحِزْبَين. والفِئةُ الجَماعةُ مِن الناسِ، ﴿الْتَقَتَا﴾ للحربِ، وإحدَى الفئتين رسولُ اللهِ ﷺ ومَن كان معه ممَّن شهِد وَقْعَةَ بدرٍ، والأخرى مُشْرِكو قريشٍ، ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جَماعةٌ تُقاتِلُ في طاعةِ اللهِ وعلى دينِه، وهم رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابُه، ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾: وهم مُشْرِكو قريشٍ.\nكما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يُونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولَى زيدِ بن ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أو عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ببدرٍ، ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾: فئةُ قريشٍ الكفارُ (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبى محمدٍ مولَى زيدِ بن ثابتِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أو عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: محمدٌ ﷺ وأصحابُه، ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾: قريشٌ يومَ بدرٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٤ (٣٢٣٦) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٢٣٩، ٢٤٠.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٥ (٣٢٣٧) من طريق سلمة به.","vol":"5","page":242},{"text":"نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾. قال: في محمدٍ وأصحابِه ومُشْرِكى قريشٍ يومَ بدرٍ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيَى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرَنا الثَّورِيُّ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: ذلك يومُ بدرٍ، الْتَقَى المسلمون والكفارُ (^٢).\nورُفِعَت: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقد قيل قبلَ (^٣) ذلك: ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾. بمعنى: إحداهما تقاتلُ في سبيلِ اللهِ. على الابتداءِ، كما قال الشاعر (^٤):\nفكنتُ كذِى رِجْلَين رِجْلٌ صَحيحةٌ … ورِجُلٌ رَمَى فيها الزَّمانُ فشَلَّتِ\nوكما قال ابن مُفَرِّغٍ (^٥):\nفكنتُ كذِى رِجْلَيْن رِجْلٌ صَحيحةٌ … ورِجْلٌ بها رَيْبٌ مِن الحَدَثانِ\nفأمَّا التي صحَّتْ فأزْدُ شَنُوءةٍ … وأمَّا التي شَلَّتْ فأَزْدُ عُمَانِ\nوكذلك تَفْعَلُ العربُ في كلِّ مُكَرَّرٍ على نظيرٍ له قد تقَدَّمه، إذا كان مع المُكَرَّرِ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٤٩.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٥ (٣٢٣٩) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٤) هو كثير عزة، والبيت في ديوانه (مجموع) ص ٩٩.\n(^٥) البيتان للنجاشى الحارثى في الوحشيات ص ١١٣، والنوادر ص ١٠، والخزانة ٢/ ٣٨٦.","vol":"5","page":243},{"text":"خبرٌ، تَرُدُّه على إعرابِ الأولِ مرةً، وتَسْتَأْنِفُه ثانيةٌ بالرفعِ، وتَنْصِبُه في التامِّ مِن الفعلِ والناقصِ، وقد جُرَّ ذلك كلُّه، فخُفِض على الردِّ على أولِ الكلامِ، كأنه (^١) يعنى إذا خفَض ذلك: (^٢) فكنتُ كذى رِجْلَينِ: كذِى رجلٍ صحيحةٍ ورجلٍ سقيمةٍ. وكذلك الخفضُ في قولِه: ﴿فِئَةٌ﴾ جائزٌ على الردِّ على قولِه: ﴿فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾: في فئةٍ تُقاتِلُ في سبيلِ اللَّهِ.\nوهذا وإن كان جائزًا في العربيةِ، فلا أَسْتَجِيزُ القراءةَ به؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرَأةِ علَى خلافِه. ولو كان قولُه: ﴿فِئَةٌ﴾ جاء نصبًا كان جائزًا أيضًا على قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾: مُخْتَلِفَتَين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1179>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾.</span>\nاختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه قرأةُ أهلِ المدينةِ: (تَرَوْنَهم) بالتاءِ (^٣)، بمعنى: قد كان لكم أيُّها اليهودُ آيةٌ في فئتَينْ الْتَقَتا، فئةٌ تُقاتِلُ في سبيلِ اللَّهِ والأخْرى كافرةٌ، تَرَوْن المشركين مِثْلَى المسلمين رأْىَ العينِ. يُرِيدُ بذلك عِظَتَهم، يقولُ: إن لكم عِبْرةً أيُّها اليهودُ فيما رأيْتُم مِن قلةِ عددِ المسلمينَ وكثرةِ عددِ المشركينَ، وظَفَرِ هؤلاء مع قلةِ عددِهم، بهؤلاء مع كثرةِ عددِهم.\nوقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ وبعضُ المَكِّيِّين: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ بالياءِ، بمعْنى: يَرَى المسلمون الذين يُقاتِلون في سبيلِ اللهِ الجماعةَ الكافرةَ مِثْلَى المسلمينَ في القَدْرِ. فتأويلُ الآيةِ على قراءتِهم: قد كان لكم يا مَعشرَ اليهودِ عِبْرةٌ\n_________\n(^١) في ص: \"لأنه\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س: \"يعنى\".\n(^٣) وهى قراءة نافع، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر والكسائى وحمزة بالياء، وحكى أبان عن عاصم بالتاء كالوجه الأول. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٠١.","vol":"5","page":244},{"text":"ومُتَفَكَّرٌ في فئتينِ الْتَقَتا، فئةٌ تُقاتِلُ في سبيلِ اللهِ، وأخْرى كافرةٌ، يَرَى هؤلاء المسلمونَ (^١) مع قلةِ عددِهم هؤلاء المشركينَ (^٢) في كثرةِ عددِهم.\nفإن قال قائلٌ: وما وجهُ تأويلِ قراءةِ مَن قرَأ ذلك بالياءِ؟ وأيُّ الفئتَين رأَت صاحبتَها مثلَيْها، الفئةُ المسلمةُ هي التي رأَتِ المشركةَ مثلَيْها، أم المشركةُ هي التي رأَتِ المسلمةَ كذلك، أم غيرُهما (^٣) رأَتْ إحداهما كذلك؟\nقيل: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: الفئةُ التي رأَتِ الأخْرى مثلَىْ أنفسِها الفئةُ المسلمةُ، رأَتْ عددَ الفئةِ المشركةِ مثلَىْ عددِ الفئةِ المسلمةِ، قلَّلها اللهُ ﷿ في أعينِها حتى رأَتْها مِثْلَىْ عددِ أنفسِها، ثم قلَّلها في حالٍ أخْرى فرأَتْها (^٤) مثلَ عددِ أنفسِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1180>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا موسَى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، في خبرٍ ذكَرَه عن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابن مسعودٍ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. قال: هذا يومُ بدرٍ. قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: وقد نظَرْنا إلى المشركينَ، فرأَيْناهم يُضْعِفون علينا، ثم نظَرْنا إليهم فما رأَيْناهم يَزِيدُون علينا رجلًا واحدًا، وذلك قولُ الله ﷿: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المسلمين\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المشركون\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"غيرها\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"رأتها\".","vol":"5","page":245},{"text":"أَعْيُنِهِمْ﴾ (^١) [الأنفال: ٤٤].\nفمعْنى الآيةِ على هذا التأويلِ: قد كان لكم يا مَعشرَ اليهودِ آيةٌ في فئتين التَقَتا؛ إحداهما مسلمةٌ والأخْرى كافرةٌ، كثيرٌ عددُ الكافرةِ، قليلٌ عددُ المسلمةِ، تَرَى الفئةُ القليلُ عددُها الكثيرَ عددُها أمثالًا (^٢)، إنما (^٣) تَكْثُرُها مِن العددِ بمِثْلِ واحدٍ، فهم يَرَوْنَهم مِثْلَيْهم. فيكونُ أحدُ المِثْلَيْن عندَ ذلك العددَ الذي هو مثلُ عددِ الفئةِ التي رأَتْهم، والمثلُ الآخرُ الضِّعْفَ الزائدَ على عددِهم. فهذا أحدُ معْنيَى التَّقليلِ الذي أخْبَرَ اللهُ ﷿ المؤمنينَ أنه قلَّلهم في أعينِهم.\nوالمعنى الآخرُ منه: التَّقليلُ الثاني على ما قاله ابن مسعودٍ، وهو أن أراهم عددَ المشركين مثلَ عددِهم لا يَزِيدُون عليهم، فذلك التقليلُ الثاني الذي قال اللهُ جلّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾.\nوقال آخَرون مِن أهلِ هذه المَقالةِ: إن الذين رأَوُا المشركين مثلى أنفسِهم هم المسلمون، غيرَ أن المسلمين رَأَوْهم على ما كانوا به مِن عددِهم، لم يُقلَّلوا في أعينِهم، ولكنَّ اللَّهَ أيَّدَهم بنصرِه. قالوا: ولذلك قال اللهُ ﷿ لليهودِ: قد كان لكم فيهم عِبْرةٌ. يُخَوِّفُهم بذلك أن يُحِلُّ بهم منهم مثلَ الذي أحَلَّ بأهلِ بدرٍ على أيْدِيهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1181>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٦ (٣٢٤٤) من طريق عمرو بن حماد به، دون ذكر مرة الهمدانى.\n(^٢) بعده في م: \"لها\".\n(^٣) سقط من: م.","vol":"5","page":246},{"text":"سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾. أُنْزِلَت في التَّخْفِيفِ يومَ بدرٍ، فإنَّ (^١) المؤمنين كانوا يومَئذٍ ثلاثَمائةٍ وثلاثةَ عشَرَ رجلًا، وكان المشركون مثلَيْهم، فأنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ وكان المشركون ستةً وعشرين وستَّمائةٍ، فأيَّد اللهُ المؤمنين، فكان هذا الذي في التَّخْفِيفِ على المؤمنين (^٢).\nوهذه الروايةُ خِلافُ ما تَظاهَرَت به الأخبارُ عن عِدَّةِ المشركين يومَ بدرٍ، وذلك أن الناسَ إنما اخْتَلَفوا في عددِهم على وجهين؛ فقال بعضُهم: كان عددُهم ألفًا. وقال بعضُهم: ما بينَ التسعِمائةِ إلى الألفِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1182>ذكرُ مَن قال: كان عددُهم ألفًا</span>\nحدَّثني هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدانيُّ، قال: ثنا مُصْعَبُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن حارثةَ، عن عليٍّ، قال: سار رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى بدرٍ، فسبَقْنا المشركين إليها، فوجَدْنا فيها رَجُلين، منهم رجلٌ مِن قريشٍ، ومولًى لعُقْبةَ بن أبى مُعَيْطٍ، فأما القرشيُّ فانْفَلَت، وأما مولًى عُقْبةَ فأخَذْناه، فجعَلْنا نَقولُ: كم القومُ؟ فيقولُ: هم واللهِ كثيرٌ، شديدٌ بأسُهم. فجعَل المسلمون إذا قال ذلك ضرَبوه (^٣)، حتى انْتَهَوْا به إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقال له: \"كم القومُ؟ \". فقال: هم واللهِ كثيرٌ، شديدٌ بأسُهم. فجهَد النبيُّ ﷺ (^٤) أن يُخْبِرَه كم هم فأبَى، ثم إن رسولَ اللهِ ﷺ سأَله: \"كم يَنْحَرُون مِن الجُزُرِ؟ \". قال: عشرةً كلَّ يومٍ. قال\n_________\n(^١) في النسخ: \"كأن\". وهو تصحيف. والمثبت هو الصواب.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٦ (٣٢٤٥) عن محمد بن سعد به مقتصرا على قوله: كان هذا في التخفيف على المؤمنين.\n(^٣) في النسخ: \"صدقوه\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ومصنف ابن أبي شيبة: \"على\".","vol":"5","page":247},{"text":"رسولُ اللهِ ﷺ: \"القومُ ألفٌ\" (^١).\nحدَّثني أبو سعيدِ بنُ (^٢) يُوشَعَ البغداديُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: أسَرْنا رجلًا منهم - يعنى مِن المشركين - يومَ بدرٍ، فقلْنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1183>ذكرُ مَن قال: كان عددُهم ما بينَ التسعِمائةِ إلى الألفِ</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: ثنى يزيدُ بنُ رُومانَ، عن عروةَ بن الزبيرِ، قال: بَعث النبيُّ ﷺ نفرًا مِن أصحابِه إلى ماءِ بدرٍ يَلْتَمِسون الخبرَ له عليه، فأصابُوا رَاوِيةٌ مِن قريشٍ فيها أسْلَمُ غلامُ بنى الحَجَّاجِ، وعَرِيضٌ أبو يَسارٍ غلامُ بنى العاصِ، فأتَوْا بهما رسولَ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ لهما: \"كمِ القومُ؟ \". قالا: كثيرٌ. قال: \"ما عِدَّتُهم؟ \". قالا: لا نَدْرِى. قال: \"كم يَنْحَرُون كلَّ يومٍ؟ \". قالا: يومًا تسعًا، ويومًا عشرًا. قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"القومُ ما بينَ التسعِمائةِ إلى الألفِ\" (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. ذلكم يومُ بدرٍ، ألفٌ المشركون أو قارَبُوا، وكان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ثلاثَمائةٍ وبضعةَ عشَرَ رجلًا (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٢٤. وأخرجه أحمد ٢/ ٢٥٩ (٩٤٨)، وابن أبي شيبة ١٤/ ٣٦٢، والبزار (٧١٩) من طرق عن إسرائيل به.\n(^٢) في ت ١: \"أن\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٦١٦، ٦١٧، أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٣٦، ٤٣٧.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٣٣.","vol":"5","page":248},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيَى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ﴾ إلى قولِه: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. قال: يُضْعِفون عليهم، فقتَلوا منهم سبعين وأسَروا سبعينَ يومَ بدرٍ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. قال: كان ذلك يومَ بدرٍ، كان المشركون تسعَمائةٍ وخمسين، وكان أصحابُ محمدٍ ﷺ ثلاثَمائةٍ وثلاثةَ عشَرَ (^٢).\nحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ: كان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ثلاثَمائةٍ وبضعةَ عشَرَ، والمشركون ما بينَ التسعِمائةِ إلى الألفِ.\nفكلُّ هؤلاء الذين ذكَرْنا مُخالِفون القولَ الذي روَيْناه عن ابن عباسٍ في عددِ المشركين يومَ بدرٍ. فإذ كان ما قاله مَن حكَيْناه - ممَّن ذكَر أن عددَهم كان زائدًا على التسعِمائةِ - فالتأويلُ الأولُ الذي قلْناه، على الروايةِ التي روَيْنا عن ابن مسعودٍ، أولَى بتأويلِ الآيةِ.\nوقال آخرون: كان عددُ المشركين زائدًا على التسعِمائةٍ، فرأَى المسلمون عددَهم على غيرِ ما كانوا به مِن العددِ. وقالوا: أَرَى اللهُ المسلمين عددَ المشركين قليلًا، آيةً للمسلمين. قالوا: وإنما عنَى اللهُ ﷿ بقولِه: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٦ (٣٢٤٣) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٥ (٣٢٣٨) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"5","page":249},{"text":"المخاطَبِين بقولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾. قالوا: وهم اليهودُ، غيرَ أنه رجَع مِن المخاطَبةِ إلى الخبرِ عن الغائبِ؛ لأنه أمْر مِن اللهِ جلّ ثناؤُه لنبيِّه ﷺ أن يَقولَ ذلك لهم، فحَسُن أن يُخاطِبَ مَرَّةً، ويُخْبِرَ عنهم على وجهِ الخبرِ مرةً (^١) أخرى، كما قال: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢].\nوقالوا: فإن قال لنا قائلٌ: فكيف قيل: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ وقد علِمْتُم أن المشركينَ كانوا يومَئذٍ ثلاثةَ أمثالِ المسلمين؟. قلْنا لهم: كما يقولُ القائلُ وعندَه عبدٌ: أحْتاجَ إلى مثلِه. فأَنت (^٢) مُحتاجٌ إليه وإلى مثلِه. ثم يقولُ: أَحْتاجُ إلى مِثلَيْه. فيَكونُ ذلك خبرًا عن حاجتِه إلى مثلِه، وإلى مثلَىْ ذلك المثلِ. وكما يقولُ الرجلُ: معى ألفٌ، وأحْتاجُ إلى مثلَيْه. وهو مُحتاجٌ إلى ثلاثةٍ .. فلمَّا نوَى أن يَكونَ الألفُ داخلًا في معْنى المثلِ، صار المثلُ اثنين (^٣)، والاثنان ثلاثةً. قال (^٤): ومثلُه في الكلامِ: أَراكم مثلَكم. [كأنه قال: أراكم] (^٥) ضِعْفَكم، و: أَراكم مثلَيْكم. يعنى: أَراكم ضِعْفَيْكم (^٦). قالوا: فهذا على معْنى ثلاثةِ أمثالِهم (^٧).\nوقال آخَرون: بل معنى ذلك أن اللَّهَ أَرَى الفئةَ الكافرةَ عددَ الفئةِ المسلمةِ مثلَىْ عددِهم.\n_________\n(^١) سقط من: س، وفى ص: \"عن عانه\" غير منقوطة، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن غاية\".\n(^٢) في م: \"فأنا\".\n(^٣) في النسخ: \"أشرف\". والمثبت من معاني القرآن للفراء ١/ ١٩٤.\n(^٤) أي: الفراء، وينظر الموضع السابق من معاني القرآن.\n(^٥) في النسخ: \"كما يقال إن لكم\". والمثبت كما في معاني القرآن.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ضعفكم\".\n(^٧) قال القرطبي في تفسيره ٤/ ٢٧: وهو بعيد غير معروف في اللغة، قال الزجاج: وهذا باب الغلط، فيه غلط في جميع المقاييس؛ لأنا إنما نعقل مثل الشئ مساويا له، ونعقل مثليه ما يساويه مرتين.","vol":"5","page":250},{"text":"وهذا أيضًا خلافُ ما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ؛ لأن الله جل ثناؤُه قال في كتابِه: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤]. فأخبَرَ أن كُلًّا مِن (^١) الطائفتَيْن قليلٌ عددُها في مرْأَى الأخْرى.\nوقرَأ آخَرون ذلك: (تُرَوْنَهم) بضمِّ التاءِ، بمعنى: يُرِيكُمُوهم اللهُ مثلَيْهم (^٢).\nوأوْلَى هذه القراءاتِ بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ بالياءِ، بمعنى: وأخرى كافرةٌ، يَرَاهم المسلمون مثلَيْهم، يعنى: مِثْلَى عددِ المسلمين؛ لتقليلِ اللهِ إياهم في أعينِهم في حالٍ، فكان حَزْرُهم إياهم كذلك، ثم قلَّلَهم في أعينِهم عن التَّقْليلِ الأولِ، فحزَرُوهم مثْلَ (^٣) عددِ المسلمين، ثم تَقْليلًا ثالثًا، فحزَرُوهم أقلَّ مِن عددِ المسلمين.\nكما حدَّثني [ابن بَزيعٍ] (^٤) البغداديُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لقد قُلِّلوا في أعينِنا يومَ بدرٍ حتى قلْتُ لرجلٍ إلى جَنْبى: تَرَاهم سبعين؟ قال: أَرَاهم مائةً. قال: فأسَرْنا رجلًا منهم، فقلْنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا (^٥).\nوقد رُوِى عن قتادةَ أنه كان يقولُ: لو كانَت (تَرَوْنَهم)، لكانت \"مِثْلَيْكم\".\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، س: \"مثلهم\"، وفى ت ٢: \"مثليكم\". وبضم التاء قراءة ابن عباس وطلحة. ينظر المحتسب ١/ ١٥٤، والبحر المحيط ٢/ ٣٩٤.\n(^٣) في النسخ: \"مثلى\". والمثبت هو الصواب.\n(^٤) في النسخ: \"أبو سعيد\". وسيأتي على الصواب في تفسير الآية (٤٤) من سورة الأنفال، ٢٦/ ٦٦، ٢٧/ ٤٩ من المطبوع.\n(^٥) أخرجه البيهقى في الدلائل ٣/ ٦٧ من طريق إسحاق بن منصور به، وابن سعد في الطبقات ٢/ ٢٢، وابن أبى شيبة ١٤/ ٣٧٤ من طريق إسرائيل به، وعند ابن سعد ببعضه، وأخرجه أيضًا ابن سعد ٢/ ٢١ من طريق أبى إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٨٩ إلى أبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"5","page":251},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ أبى حمادٍ، عن ابن المباركِ (^١)، عن معمرٍ، عن قتادةَ بذلك.\nففى الخبرَيْن اللذين روَيْنا عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، ما أبان عن اختلافِ حَزْرِ المسلمين يومَئذٍ عددَ المشركين في الأوقاتِ المختلفةِ، فأخْبَر اللهُ ﷿ عمّا كان من اختلافِ أحوالِ عددِهم عندَ (^٢) المسلمين - اليهودَ على ما كان به عندَهم، مع علمِ اليهودِ بمبلغِ عددِ الفئتين، إعلامًا منه لهم أنه مُؤَيِّدُ (^٣) المؤمنين بنصرِه؛ لئلا يَغْتَرُّوا بعددِهم (^٤) وبأسِهم، وليَحْذَروا منه أن يُحِلَّ بهم مِن العقوبةِ على أيدِى المؤمنين، مثلَ الذي أحَلَّ بأهلِ الشركِ به مِن قريشٍ على أيدِيهم ببدرِهم (^٥).\nوأما قولُه: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. فإنه مَصْدرُ \"رأيتُه\"، يُقالُ: رأيْتُه رأْيًا ورُؤْيةً، ورأيْتُ في المنامِ رُؤْيَا حسنةً. غيرَ مُجرْاةٍ، يقالُ: هو منى رَأْىَ العينِ، ورأىُ العينِ، بالنصبِ والرفعِ، يُرادُ به (^٦): حيثُ يَقَعُ عليه بَصَرِى، وهو مِن الرائى مثلُه، والقومُ رِئاءٌ (^٧): إذا جلَسوا حيث يَرَى بعضُهم بعضًا.\nفمعنى ذلك: يرَوْنَهم - حيثُ تَلْحَقُهم أبصارُهم وترَاهم عيونُهم - مثلَيْهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1184>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المسرك\"، وفى م: \"المعرك\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"عرم\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"عزم\"، وفى س: \"عدد\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يؤيد\".\n(^٤) في ت ١، س: \"بعدوهم\".\n(^٥) في س: \"بعدوهم\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) سقط من: ت ١، س، وفى م: \"رأوا\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"رأى\".","vol":"5","page":252},{"text":"يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ﴾: يقوِّى، ﴿بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ مِن قولِ القائلِ: قد أيَّدْتُ فلانًا بكذا. إذا قوَّيْتَه وأعَنْتَه، فأنا أُؤَيِّدُه تَأْيِيدًا. وفَعَلْتُ منه: إدْتُه، فأنا أَئِيدُه أيْدًا. ومنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص: ١٧] يعنى: ذا القوةِ.\nوتأويل الكلامِ: قد كان لكم آيةٌ - يا مَعْشَرَ اليهودِ، في فئتين الْتَقَتا؛ إحداهما تُقاتِلُ في سبيلِ اللهِ، وأخرى كافرةً، تَراهم المسلمةُ مثلَيْهم رأىَ أعينِهم، فأيَّدْنا المسلمةَ وهم قليلٌ عددُهم، على الكافرةِ وهم كثيرٌ عددُهم، حتى ظفِروا بهم - مُعْتَبَرٌ ومُتَفَكَّرُ (^١)، واللهُ يُقَوِّى بنصرِه مَن يَشاءُ.\nوقال جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. يعنى: إن فيما فعَلْنا بهؤلاء الذين وصَفْنا أمرَهم، مِن تأييدِنا الفئةَ المسلمةَ مع قلةِ عددِها، على الفئةِ الكافرةِ مع كثرةِ عددِها، ﴿لَعِبْرَةً﴾ يعنى: لمُتَفَكَّرًا ومُتَّعظًا لمن عقَل وادّكَر فأبْصَر الحقَّ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. يقولُ: لقد كان لهم في هؤلاء عبرةٌ وتفكُّرٌ، أيَّدهم (^٢) اللهُ ونصَرهم على عدوِّهم.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٣).\n\n<span id=\"aya-307\"></span><span data-type='title' id=toc-1185>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾.</span>\n_________\n(^١) هذا تفسير قوله: \"آية\" المتقدم في أول كلامه.\n(^٢) في س: \"فعزهم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٦ (٣٢٤٦) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"5","page":253},{"text":"يعنى تعالى ذكرُه: [زُيَّن للناسِ] (^١) مَحَبةُ ما يَشْتَهُون مِن النساءِ والبَنينَ وسائرِ ما عَدَّ. وإنما أراد بذلك تَوْبيخَ اليهودِ الذين آثَرُوا الدنيا وحُبَّ الرَّياسةِ فيها، على اتِّباعِ محمدٍ ﷺ، بعدَ علمِهم بصدقِه.\nوكان الحسنُ يقولُ: مَن زَيَّنها؟ ما أحدٌ أَشدَّ لها ذَمًّا مِن خالقِها.\nحدَّثني بذلك أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا أبو الأشْهَبِ (^٢) عنه (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ، عن أبي بكرِ بن حفصِ بن (^٤) عمرَ بن سعدٍ، قال: قال عمرُ: لما نزَلت ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾، قلتُ: الآن يا ربِّ حينَ زيَّنْتَها لنا، فنزَلَت: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية (^٥).\nوأما القَناطيرُ فإنها جمعُ القِنْطارِ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مَبْلَغِ القِنْطارِ؛ فقال بعضُهم: هو ألفٌ ومائتا أُوقِيَّة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1186>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، عن مُعاذِ بن جبلٍ، قال: القِنطارُ ألفٌ ومائتا أُوقِيَّةٍ (^٦).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، قال: ثنا أبو حَصِينٍ، عن سالمِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ومن الناس\".\n(^٢) في النسخ: \"الأشعث\". والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٥/ ٢٢ - ٢٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٧ (٣٢٤٩) من طريق أبى نعيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في س: \"عن\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٦ (٣٢٤٧) من طريق جرير به.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١ إلى عبد بن حميد.","vol":"5","page":254},{"text":"ابن أبي الجَعْدِ، عن معاذٍ مثلَه (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: أخْبَرَنا، يعنى حفصَ بنَ مَيْسَرَةَ، عن أبي مَرْوانَ، عن أبي طَيْبةَ، عن ابن عمرَ، قال: القِنْطارُ ألفٌ ومائتا أُوقيةٍ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ مالكٍ المُزَنيُّ، قال: أخْبَرَنى العَلاءُ بنُ المسيبِ، عن عاصمِ بن أبى النَّجُودِ، قال: القِنْطارُ ألفٌ ومائتا أُوقيةٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن عاصمِ بن بَهْدَلَةَ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ مثلَه (^٤).\nحدَّثني زكريا بنُ يحيى الضَّرِيرُ (^٥) قال: ثنا شَبَابِةُ، قال: ثنا مَخْلَدُ بنُ عبدِ الواحدِ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن عطاءِ بن أبى مَيْمونةَ، عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، عن أُبيِّ بن كعبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"القِنْطارُ ألفُ أُوقيةٍ ومائتا أُوقِيةٍ\" (^٦).\nوقال آخرون: القِنْطارُ ألفُ دينارٍ ومائتا دينارٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1187>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا يونُسُ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"القِنْطارُ ألفٌ ومائتا دينارٍ\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الدارمى ٢/ ٤٦٨، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٨، ٣/ ٩٠٦ (٣٢٥٤، ٥٠٥٥)، والبيهقى ٧/ ٢٣٣، من طريق أبى بكر بن عياش به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١ إلى المصنف.\n(^٣) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ٣٥٢.\n(^٤) أخرجه البيهقى ٧/ ٢٣٣ من طريق حماد بن زيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في النسخ: \"الصديق\". وينظر تاريخ بغداد ٨/ ٤٥٧، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٥.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ١٥ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠ إلى المصنف.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠ إلى المصنف.","vol":"5","page":255},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا يونُسُ، عن الحسنِ، قال: القِنْطارُ ألفٌ ومائتا دينارٍ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: القِنْطارُ ألفٌ ومائتا دينارٍ، ومِن الفضةِ ألفٌ ومائتا مِثْقالٍ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخْبَرَنا عُبيدُ بنُ سُلَيْمانَ، قال: سمِعْتُ الضَّحاكَ بنَ مُزاحِمٍ يقولُ: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾: يعنى المالَ الكثيرَ مِن الذهبِ والفضةِ، والقِنْطارُ ألفٌ ومائتا دينارٍ، ومِن الفِضةِ ألفٌ ومائتا مِثْقالٍ (^٣).\nوقال آخرون: القِنْطارُ اثنا عشَرَ ألفَ درهمٍ، أو ألفُ دينارٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1188>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: القنطارُ اثنا عشَرَ ألفَ درهمٍ، أو ألفُ دينارٍ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخْبَرَنا هُشَيْمٌ، عَن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ، قال: القِنْطارُ ألفُ دينارٍ، ومِن الوَرِقِ اثنا عشَرَ ألفَ درهمٍ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٩، ٣/ ٩٠٧ (٣٢٦٣، ٥٠٥٩) من طريق يزيد به.\n(^٢) ذكره البيهقى ٧/ ٢٣٣ عن عطية العوفى معلقا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١ إلى المصنف.\n(^٤) أخرجه البيهقى ٧/ ٢٣٣ من طريق أبى صالح به.\n(^٥) ذكره في المحرر الوجيز ٢/ ٣٥٣ عن الضحاك.","vol":"5","page":256},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، أن القِنطارَ اثنا عشَرَ ألفًا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخْبَرَنا عوفٌ، عن الحسنِ: القِنْطارُ اثنا عشَرَ ألفًا.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا (^٢) عوفٌ، عن الحسنِ: اثنا عشَرَ ألفًا.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ بمثلِه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرَنا هُشَيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: القِنْطارُ ألفُ دينارٍ، دِيَةُ أحدِكم (^٣).\nوقال آخرون: هو ثمانون ألفًا مِن الدَّراهمِ، أو مائةُ رَطْلٍ مِن الذهبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1189>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المُثَنَّى، قالا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سليمانَ التَّيْميِّ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: القِنْطارُ ثمانون ألفًا (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرَنا هُشَيْمٌ، عن عليّ بن زيدٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: القِنْطارُ ثمانون ألفًا (^٤).\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٩، ٣/ ٩٠٧ عقب الأثر (٣٢٦٠، ٥٠٦١) معلقًا.\n(^٢) بعده في ص، ت ٢، ت ٣: \"قال أخبرنا\". وهنا سقط في هذا الإسناد، وشيخ ابن بشار في مثل هذا الإسناد إما أن يكون حماد بن مسعدة، أو ابن أبي عدى، أو يحيى بن سعيدة، أو هوذة، أو محمد بن جعفر، أو عبد الأعلى، أو عثمان بن عمر. ينظر ١/ ٥٩، ٢٢٦، ٤٥٥، ٢/ ٥٢١، ٤/ ٣٠١، ٤١٥، ١٥/ ٢٦٤.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسير ٢/ ٦٠٨، ٣/ ٩٠٦ (٣٢٥٧، ٥٠٥٦) من طريق يحيى بن سعيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه الدارمى ٢/ ٤٦٧ من طريق هشيم، بلفظ: أربعون ألفا.","vol":"5","page":257},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: كنا نُحَدَّثُ أن القِنْطارَ مائةُ رَطْلٍ مِن ذهبٍ، أو ثمانون ألفًا مِن الوَرِقِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: القِنْطارُ مائةُ رَطْلٍ مِن ذهبٍ، أو ثمانون ألفَ درهمٍ مِن وَرِقٍ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ، قال: القنطارُ مائةُ رَطْلٍ (^٣).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ: القِنْطارُ يَكونُ مائةَ رَطْلٍ، وهو ثمانيةُ آلافِ مِثْقالٍ (^٤).\nوقال آخرون: القِنْطارُ سبعون ألفًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1190>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾. قال: القِنْطارُ سبعون ألف دينارٍ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٨، ٣/ ٩٠٧ (٣٢٥٨، ٥٠٦٠) من طريق سفيان به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٨، ٣/ ٩٠٧، عقب الأثر (٣٢٥٨، ٥٠٦٠) من طريق عمرو به.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٢٤٩ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٩ (٣٢٦٢).","vol":"5","page":258},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا عمرُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: سَمِعْتُ عطاءً الخُراسانيَّ، قال: سُئِل ابن عمرَ عن القِنْطارِ، فقال: سبعون ألفًا (^١).\nوقال آخَرون: هي مِلءُ مَسْكِ (^٢) ثَوْرِ ذهبًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1191>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سالمُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا سعيدٌ الجُرَيْريُّ، عن أبي نَضْرةً، قال: ملءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذهبًا (^٣).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا أبو الأشْهَبِ (^٤)، عن أبي نَضْرةَ: مِلءُ مَسْكِ ثَوْرِ ذهبًا (^٥).\nوقال آخرون: هو المالُ الكثير.\n\n<span data-type='title' id=toc-1192>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: القناطيرُ المُقْنطرَةُ المالُ الكثيرُ بعضُه على بعضٍ (^٦).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٣. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٩، ٣/ ٩٠٧ (٣٢٦١، ٥٠٥٨) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٢) المَسْك: الجلد. اللسان (م س ك).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٨، ٣/ ٩٠٦ (٣٢٥٩، ٥٠٥٧)، والبيهقى ٧/ ٢٣٣ من طريق الجريرى، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدرى.\n(^٤) في النسخ: \"الأشعث\". وينظر ما تقدم في ص ٢٥٤.\n(^٥) أخرجه الدارمى ٢/ ٤٦٧ من طريق أبى الأشهب به.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١ إلى المصنف.","vol":"5","page":259},{"text":"وقد ذكَر بعضَ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ (^١) أن العربَ لا تَحُدُّ القِنْطارَ بمقدارٍ معلومٍ مِن الوزنِ، ولكنها تقولُ: هو قدرُ وزنٍ (^٢).\nوقد يَنْبَغِى أن يَكونَ ذلك كذلك؛ لأن ذلك لو كان مَحْدودًا قدْرُه عندَها، لم يكنْ بينَ مُتَقَدِّمي أهلِ التأويلِ فيه كلُّ هذا الاخْتِلافِ.\nفالصوابُ في ذلك أن يُقالَ: هو المالُ الكثيرُ. كما قال الربيعُ بنُ أنسٍ، ولا يُحَدُّ قدْرُ وزنِه بحَدٍّ على تَعَنُّفٍ (^٣)، وقد قيل ما قيل مما روَيْنا.\nوأمَّا المُقَنْطَرةُ فهى المُضَعَّفةُ، وكأن القناطيرَ ثلاثةٌ، والمُقَنْطرةَ تسعةٌ. وهو كما قال الربيعُ بنُ أنسٍ: المالُ الكثيرُ بعضُه على بعضٍ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾: والمقنطرةُ: المالُ الكثيرُ بعضُه على بعضٍ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخْبَرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضَّحاكَ في قولِه: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾: يعنى المالَ الكثيرَ مِن الذهبِ والفضةِ (^٤).\nوقال آخَرون: معنَى المقنطرةِ: المَضْروبةُ دَراهمَ أو دَنانيرَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1193>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: أما قولُه:\n_________\n(^١) يعنى أبا عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٨٨.\n(^٢) في م: \"ووزن\".\n(^٣) كذا في النسخ، ولعلها: \"تعسف\".\n(^٤) تقدم في ص ٢٥٦.","vol":"5","page":260},{"text":"﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ فيقولُ: المَضْروبةُ حتى صارت دَنانيرَ أو دراهمَ (^١).\nوقد رُوِى عن النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، خيرٌ لو صحَّ سندُه لم نَعْدُه إلى غيرِه، وذلك ما حدَّثنا به ابن [عبدِ الرحيمِ] (^٢) البَرْقيُّ، قال: ثنى عمرُو بنُ أبى سَلَمةَ، قال: ثنا زُهَيرُ بنُ محمدٍ، قال: ثنى أبانُ بنُ أبى عَيَّاشٍ وحُمَيدٌ الطويلُ، عن أنسِ بن مالكٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾. قال: \"ألفا مِئينَ (^٣) \". يعنى ألفين (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1195>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ تأويلِ في معنَى: ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾؛ فقال بعضُهم: هي الرَّاعيةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1194>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حَبيبِ بن أبى ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: الراعيةُ التي تَرْعَى (^٥).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَبيبٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ مثلَه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٩ (٣٢٦٥) من طريق عمرو به.\n(^٢) في النسخ: \"عبد الرحمن\". والمثبت كما تقدم في ١/ ٦٣، وتفسير ابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ومين\"، وفى الموضع الأول من تفسير ابن أبي حاتم: \"ألف دينار\"، وفى الموضع الثاني: \"ألفا دينار\"، وفى المستدرك: \"ألفا أوقية\". وفى الدر المنثور: \"ومائتين\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠٨، ٣/ ٩٠٦ (٣٢٥٦، ٥٠٥٣) عن أحمد بن عبد الرحيم به، والحاكم ٢/ ١٧٨ من طريق عمرو بن أبى سلمة به.\n(^٥) تفسير سفيان ص ٧٥. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦١٠ (٣٢٦٩) من طريق وكيع وأبى نعيم به.","vol":"5","page":261},{"text":"حدَّثني المثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَبيبٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلُه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا سفيانُ، عن حَبيبِ بن أبى ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: هي الراعيةُ، يعنى السائمةَ (^١).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن طلحةَ القَنَّادِ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عبدِ الرحمنِ بن أَبْزَى يقولُ: الراعيةُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: الراعيةُ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾: المُسَرَّحةُ في الرَّعْى.\nحُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قوله: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: الخيلُ الراعيةُ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ أنه كان يقولُ: الخيلُ الراعيةُ.\nوقال آخرون: المُسَوَّمَةُ الحِسانُ.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٧.\n(^٢) ينظر تغليق التعليق ٤/ ١٨٨، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٠١ عقب الأثر (٣٢٦٩) عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى معلقا.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ١٦ عن المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١ إلى المصنف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦١٠ عقب الأثر (٣٢٦٩) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"5","page":262},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1196>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَبيبٍ، قال: قال مُجاهدٌ: المسومةُ المُطَهَّمةُ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا الثوريُّ، عن حَبيبِ بن أبى ثابتٍ، عن مجاهدِ في قولِه: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: المُطَهَّمةُ الحِسانُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: المُطَهَّمةُ حُسْنًا (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَبيبٍ، عن مُجاهدٍ: المُطَهَّمةُ (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا أبو عبدِ الرحمنِ المُقْرئُ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبى أيوبَ، عن بَشيرٍ (^٥) بن أبى عمرٍو الخَوْلانيِّ، قال: سألْتُ عكرمةَ عن ﴿وَالْخَيْلِ\n_________\n(^١) المطهم من الناس والخيل: الحسن التام، كل شيء منه على حدته، فهو بارع الجمال. اللسان (ط هـ م).\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٧.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٤٩. ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦١٠ (٣٢٧٠).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦١٠ (٣٢٧١) من طريق أبى نعيم ووكيع به.\n(^٥) في النسخ: \"بشر\". والصواب ما أثبتنا، وينظر تهذيب الكمال ٤/ ١٧١.","vol":"5","page":263},{"text":"الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: تَسويُمها حُسْنُها (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: أخْبَرَنى سعيدُ بنُ أبى أيوبَ، عن بَشيرِ (^٢) بن أبى عمرٍو الخَوْلانيِّ، قال: سمِعْتُ عكرمةَ يقولُ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: تسويُمها الحُسْنُ.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ﴾: الرائعةُ.\nوقد حدَّثني بهذا الحديثِ عن عمرِو بن حمادٍ غيرُ موسى، قال: الراعيةُ (^٣).\nوقال آخرون: الخيلُ المسوَّمةُ: المُعْلَمةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1197>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾، يعنى: المُعْلَمةَ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾، وسِيماها شِيَتُها.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمرٌ، عن قَتادة في قولِه: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: شِيَةُ الخيلِ في وُجوهِها (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١ إلى المصنف، وعبد بن حميد.\n(^٢) في النسخ: \"بشر\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦١٠ عقب الأثر (٣٢٦٩) من طريق عمرو به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١ إلى المصنف.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦١١ (٣٢٧٢) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"5","page":264},{"text":"وقال غيرُهم: المسوَّمةُ المُعَدَّةُ للجهادِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1198>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: المُعَدَّةُ للجهادِ.\nقال أبو جعفرٍ: أوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ المُعْلَمةُ بالشِّياتِ الحسانِ الرائعةُ حُسْنًا مَن رآها؛ لأن التسويمَ في كلامِ العربِ هو الإعلامُ، فالخيلُ الحِسانُ مُعلَمةٌ بإعلامِ اللهِ إياها بالحسنِ مِن ألوانِها وشِيَاتِها وهيئاتِها، وهى المُطَهَّمةُ أيضًا. ومِن ذلك قولُ نابغةِ بنى ذُبْيانَ في صفةِ الخيل (^١):\n[وضُمْرٍ] (^٢) كالقِداحِ (^٣) مُسوَّماتٍ … عليها مَعْشَرٌ أَشْباهُ جِنِّ\nيعنى بالمسوَّماتِ: المُعْلَماتِ. وقولُ لَبيدٍ (^٤):\nوغَداةَ قاعِ القُرْنَتَين (^٥) أَتَيْنَهم (^٦) … زُجَلًا (^٧) يَلُوحُ خِلالَها التَّسْوِيمُ\nفمعنى تأويلِ مَن تأَوَّل ذلك المُطَهَّمةَ، والمُعْلمةَ، والرائعةَ، واحدٌ.\n_________\n(^١) ديوانه ص ١٢٨.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بسمر\"، وفى س: \"شيم\". والمثبت من الديوان.\n(^٣) القداح، جمع قِدْح: السهم قبل أن يراش وينصل. القاموس المحيط (ق د ح).\n(^٤) شرح ديوان لبيد ص ١٣٣.\n(^٥) قال في شرح الديوان: القرنتين موضع. وقال ياقوت: يوم القرنتين كانت فيه وقعة لغطفان على بنى عامر. معجم البلدان. ٤/ ٧٠. ولكن لبيدا يفخر به، فلعله كان لبنى عامر.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"أتيتهم\"، وفى رواية الديوان: \"أتتهم\".\n(^٧) في الديوان: \"زهوا\". وزُجَلًا: جماعات. اللسان (ز ج ل).","vol":"5","page":265},{"text":"وأما قولُ مَن تأوَّله بمعنى الراعيةِ، فإنه ذهَب إلى قولِ القائلِ: أَسَمْتُ الماشيةَ، فأنا أُسِيمُها إسامةً. إذا أرْعَيْتَها الكَلأَ والعُشْبَ، كما قال اللهُ ﷿: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]. بمعنى تُرْعُون. ومنه قولُ الأخطلِ (^١):\nمثلِ [ابن بَزْعةَ] (^٢) أو كآخَرَ مِثْلِه … أوْلَى لك (^٣) ابنَ مُسِيمةِ الأجْمالِ\nيعنى بذلك: راعيةَ الأجْمالِ.\nفإذا أُرِيد أن الماشيةَ هي التي رعَتْ، قيل: سامَتِ الماشيةُ تَسومُ سَوْمًا. ولذلك قيل: إبلٌ سائمةٌ. بمعنى: راعية، [غيرَ أنه غيرُ] (^٤) مُسْتَفيضٍ في كلامِهم: سوَّمْتُ الماشيةَ. بمعنى: أرْعَيْتُها، وإنما يُقالُ إذا أُرِيد ذلك: أسَمْتُها. فإذ كان ذلك كذلك، فتوجيهُ تأويلِ المسوَّمةِ إلى أنها المُعْلَمةُ بما وصَفْنا مِن المعانى التي تقَدَّم ذكرُناها أصَحُّ.\nوأما الذي قاله ابن زيدٍ مِن أنها المُعَدَّةُ في سبيلِ اللَّهِ، فتأويلٌ مِن معنى المسوَّمةِ بمَعْزِلٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1199>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾.</span>\nفالأنْعامُ جمعُ نَعَمٍ، وهى الأزْواجُ الثَّمانيةُ التي ذكَرَها في كتابِه (^٥)، مِن الضَّأْنِ والمَعْزِ والبقرِ والإبلِ. وأمَّا الحَرْثُ فهو الزَّرعُ.\nوتأويلُ الكلامِ: زُيِّن للناسِ حبُّ الشَّهواتِ مِن النساءِ، ومِن البنينَ، ومِن كذا\n_________\n(^١) شرح ديوانه ص ٢٤٩.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣: \"ابن برعة\"، وفى س: \"أبى برعة\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) سقط من: ت ٢، ت ٣، س، وفى م، ت ١: \"أنه\".\n(^٥) يشير إلى الآيات ١٤٢ - ١٤٤ من سورة \"الأنعام\".","vol":"5","page":266},{"text":"و(^١) كذا، ومِن الأنعامِ والحَرْثِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1200>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾.</span>\nيعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ﴾ جميعَ ما ذَكَر في هذه الآيةِ مِن النساءِ والبنينَ، والقَناطيرِ المقنطرةِ مِن الذهبِ والفضةِ، والخيلِ المسوَّمةِ، والأنعامِ والحرثِ، فكنَى بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾ عن جميعِهن، وهذا يَدُلُّ على أن \"ذلك\" يَشْتَمِلُ على الأشياءِ الكثيرةِ المختلفةِ المعاني، ويُكْنَى به عن جميعِ ذلك.\nوأما قولُه: ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. فإنه خبرٌ مِن اللَّهِ عن أن ذلك كلَّه مما يَسْتَمْتِعُ به في الدنيا أهلُها أحْياءً، فيَتَبَلَّغون به فيها، ويَجْعَلونه وُصْلةً (^٢) في معايِشِهم، وسببًا لقَضاءِ شَهواتِهم، التي زُيِّن لهم حبُّها (^٣) في عاجلِ دنياهم، دونَ أن يَكونَ عُدَّةً لمَعادِهم، وقُرْبةً لهم إلى ربِّهم، إلا ما أُسْلِك في سبيلِه، وأُنْفِق منه فيما أمرَ به.\nوأما قولهُ: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾. فإنه يعنى بذلك جل ثناؤُه: وعندَ اللهِ حُسْنُ المَآبِ، يعني: حسنُ المَرْجِعِ.\nكما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾. يقولُ: حسنُ المُنقَلبِ، وهى الجنةُ (^٤).\nوهو مصدرٌ على مثالِ مَفْعَلٍ، مِن قولِ القائلِ: آبَ الرجلُ إلينا، إذا رجَع، فهو يَئُوبُ إيابًا وأَوْبةً وأَيْبةً ومَآبًا. غيرَ أن موضعَ الفاءِ منها مَهْموزٌ، والعينُ مُبْدَلَةٌ مِن الواوِ\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، س: (من).\n(^٢) الوُصْلةُ: الذريعة. اللسان (وص ل).\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حملها\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦١٢) (٣٢٧٨) من طريق عمرو بن حماد به.","vol":"5","page":267},{"text":"إلى (^١) الألفِ بحركتِها (^٢) إلى الفتحِ، فلما كان حظُّها الحركةَ إلى الفتحِ، وكانت حركتُها مَنْقولةً إلى الحرفِ الذي قبلَها - وهو فاءُ الفعلِ - انْقَلَبت فصارَت ألفًا، كما قيل: قال. فصارَت عينُ الفعلِ ألفًا؛ لأن حظَّها الفتحُ. والمآبُ مثلُ المَقالِ والمَعادِ والمَحالِ، كلُّ ذلك مَفْعَلٌ، مَنْقولةٌ حركةُ عينِه إلى فائِه، فَمُصَيَّرةٌ (^٣) واؤه أو ياؤُه ألفًا؛ لفتحةِ ما قبلَها.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ وقد عَلِمْتَ ما عندَه يومئذٍ مِن أليمِ العذابِ وشديدِ العقابِ؟\nقيل: إن ذلك معنيٌّ به خاصٌّ مِن الناسِ، ومعنى (^٤) ذلك: واللهُ عندَه حسنُ المآبِ للذين اتَّقَوْا رَبَّهم، وقد أَنْبَأَنا عن ذلك في هذه الآيةِ التي تَلِيها.\nفإن قال: وما حسنُ المآبِ؟ قيل: هو (^٥) ما وصَفه به جل ثناؤُه، وهو المَرْجِعُ إلى جناتٍ تَجْرِى مِن تحتِها الأنهارُ، مُخَلَّدًا فيها، وإلى أزواجٍ مُطَهَّرةٍ، ورِضْوانِ مِن اللهِ.\n\n<span id=\"aya-308\"></span><span data-type='title' id=toc-1201>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾.</span>\nيعني جل ثناؤُه: قلْ يا محمدُ للناسِ الذين زُيِّن لهم حبُّ الشَّهواتِ مِن النساءِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"التي\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تحركها\".\n(^٣) في م: \"فتصير\"، وفى س: \"فصيرت\".\n(^٤) في ت ١، س: \"يعني\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"يبقى\"، وغير منقوطة في ص.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"و\".","vol":"5","page":268},{"text":"والبنينَ، وسائرِ ما ذكَر ربُّنا جل ثناؤُه: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾: أَأُخْبِرُكم وأُعْلِمُكم، ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ يعنى: بخيرٍ وأفضلَ لكم، ﴿مِنْ ذَلِكُمْ﴾ يعني: مما زُيِّن لكم في الدنيا حُبُّ شهوتِه مِن النساءِ والبنينَ والقناطيرِ المقنطرةِ مِن الذهبِ والفضةِ، وأنواعِ الأموالِ، التي هي مَتاعُ الدنيا.\nثم اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في المَوضعِ الذي تَناهَى إليه الاستفهامُ مِن هذا الكلامِ؛ فقال بعضُهم: تَناهَى ذلك عندَ قولِه: ﴿مِنْ ذَلِكُمْ﴾ ثم ابتدأ الخبرَ عما للذين اتَّقوا عند ربِّهم، فقيل: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ فلذلك رفعَ الجناتِ.\nومَن قال هذا القولَ لم يُجِزْ في قولَه: ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، إلا الرفعَ، وذلك أنه خبرٌ مبتدأٌ، غيرُ مَردودٍ على قولِه: ﴿بِخَيْرٍ﴾. فيكونُ الخفضُ فيه جائزًا. وهو وإن كان خبرًا مبتدأً عندَهم، ففيه إبانةٌ عن معنى \"الخير\" الذي أمرَ اللَّهُ ﷿ نبيَّه ﷺ أن يَقولَ للناسِ: أَوُنَبِّئُكم به. و\"الجنات\" على هذا القولِ مرفوعةٌ باللامِ التي في قولِه: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.\nوقال آخَرون منهم بنحوٍ مِن هذا القولِ، إلا أنهم قالوا: إن جعَلْتَ اللامَ التي في قولِه: ﴿لِلَّذِينَ﴾ مِن صلةِ الإنباءِ، جاز في \"الجنات\" الخفضُ والرفعُ؛ الخفضُ على الردِّ على \"الخير\"، والرفعُ على أن يَكونَ قولُه: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ خبرَ مبتدأ. على ما قد بيَّنَّاه قبلُ.\nوقال آخَرون: بل مُنْتَهَى الاسْتفِهامِ قولُه: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ثم ابْتَدَأَ: ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. وقالوا: تأويلُ الكلامِ: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. ثم كأنه قيل: ماذا لهم؟ أو ما ذاك؟ أو على أنه يقالُ: ماذا لهم؟ أو ما ذاك؟ فقال: هو ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية.","vol":"5","page":269},{"text":"وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن جعَل الاستفهامَ مُتَناهِيًا عندَ قولِه: ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾. والخبرَ بعدَه مبتدأً عمَّن له الجناتُ بقولِه: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾. فيَكونُ مَخْرَجُ ذلك مَخْرَجَ الخبرِ، وهو إبانةٌ عن معنى \"الخير\" الذي قال: أَؤُنَبِّئُكُم (^١) به؟ فلا يَكونُ بالكلامِ حينَئذٍ حاجةٌ إلى ضميرِ.\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جَريرٍ الطبريُّ: وأما قولُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. فمنصوبٌ على القطع.\nومعنى قولِه: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: للذين خافوا الله فأطاعوه، بأداءِ فَرائضه، واجْتِنابِ مَعاصِيه، ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعنى بذلك: لهم جناتٌ تَجْرِى مِن تحتِها الأنهارُ عندَ ربِّهم.\nوالجناتُ البساتينُ، وقد بيَّنا ذلك بالشواهدِ فيما مضَى، وأن قولَه: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يعني به: مِن تحتِ الأشْجارِ. وأن الخلودَ فيها دَوامُ البقاءِ فيها، وأن الأزواجَ المُطَهَّرةَ من نساءُ الجنةِ اللَّواتى طُهَّرْنَ مِن كُلِّ أَذًى يَكونُ بنساءِ أهلِ الدنيا، مِن الحيضِ والمنيِّ والبولِ والنِّفاسِ، وما أشْبَهَ ذلك مِن الأذى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾. يعني: ورضا اللهِ. وهو مصدرٌ مِن قولِ القائل: رضِى اللهُ عن فلانٍ، فهو يَرْضَى عنه رِضًا، منقوصٌ، ورِضْوانًا ورُضْوانًا ومَرْضاةً. فأما الرُّضْوانُ بضمِّ الراءِ فهو لغةُ قيسٍ، وبه كان عاصمٌ يَقْرِأٌ (^٣).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"أنبئكم\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في (١/ ٤٠٦ - ٤٠٨، ٤١٩ - ٤٢٢).\n(^٣) في رواية أبي بكر عنه، وروى حفص عنه بالكسر كقراءة الباقين. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٠٢.","vol":"5","page":270},{"text":"وإنما ذكَر اللهُ جل ثناؤُه فيما ذكَر للذين اتَّقَوْا عندَه مِن الخيرِ رِضْوانَه؛ لأن رِضْوانَه أعلى منازلِ كرامةِ أهلِ الجنةِ.\nكما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثني أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمدِ بن المُنكَدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: إذا دخَل أهلُ الجنةِ الجنةَ، قال اللَّهُ ﵎: أُعْطِيكم أفضلَ مِن هذا؟ فيقولون: أَيْ ربَّنَا، أَيُّ شيءٍ أَفضلُ مِن هذا؟ قال: رِضْوانِي (^١).\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. يعنى بذلك: واللهُ ذو بصرٍ بالذي يَتَّقِيه مِن عبادِه، فيَخافُه فيُطِيعُه، ويُؤْثِرُ ما عندَه، مما ذكَر أنه أعَدَّه للذين اتَّقَوْه على حُبِّ ما زُيِّن له في عاجلِ الدنيا مِن شَهَواتِ النساءِ والبنينَ وسائرِ ما عدَّد منها تعالى ذِكرُه، وبالذى لا يَتَّقِيه فيَخافُه، ولكنه يَعْصِيه ويُطِيعُ الشيطانَ، ويُؤْثِرُ ما زُيِّن له في الدنيا مِن حُبِّ شهوةِ النساءِ والبنينَ والأموالِ، على ما عندَه مِن النَّعيمِ المُقيمِ، عالمٌ تعالى ذِكرُه بكلِّ فريقٍ منهم، حتى يُجازِىَ كلَّهم عندَ مَعادِهم إليه جزَاءَهم؛ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه.\n\n<span id=\"aya-309\"></span><span data-type='title' id=toc-1202>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾.</span>\nومعنى ذلك: قلْ هل أُنَبِّئُكم بخيرٍ مِن ذلكم؟ للذين اتَّقَوْا يقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.\nوقد يَحْتَمِلُ (^٢) ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ وجْهين مِن الإعرابِ؛ الخفضُ على الردِّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦١٣) (٣٢٨٧) من طريق سفيان به بنحوه، ومن طريقه مرفوعا أخرجه ابن حبان (٢٦٤٧ - موارد)، والحاكم (١/ ٨٢، ٨٣) بنحوه.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المعنى كذلك\".","vol":"5","page":271},{"text":"على \"الذين\" الأولى، والرفعُ على الابْتِداءِ، إذ كان في مبتدأَ آيةٍ أخرى غيرِ التي فيها \"الذين\" الأولى، فيكونُ (^١) رفعُها نظيرَ قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾. [التوبة:١١١]. ثم قال في مبتدأ الآيةِ التي بعدَها: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]. ولو كان جاء ذلك مخفوضًا كان جائزًا.\nومعنى قولِه: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾: الذين يقولون: إننا صدَّقنا بك وبنبيِّك، وما جاء به مِن عندِك، ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ يقولُ: فَاسْتُرْ علينا ذنوبَنا (^٢) بعفوِك عنها، وتركِك عقوبتَنا عليها، ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: ادْفَعْ عنا عذابَك إيَّانا بالنارِ أن تُعَذِّبَنا بها. وإنما معنى ذلك: لا تُعَذِّبْنا يا ربَّنا بالنارِ. وإنما خَصُّوا المسألةَ بأن يَقِيَهم عذابَ النارِ؛ لأن مَن زُحْزِح يومَئذٍ عن النارِ، فقد فاز بالنجاةِ مِن عذابِ النارِ (^٣)، وحسُنَ مآبُه.\nوأصلُ قولِه: ﴿وَقِنَا﴾. مِن قولِ القائلِ: وقَى اللهُ فلانًا كذا، يُرادُ به: دفَع عنه، فهو يَقِيه. فإذا سأَل بذلك سائلٌ قال: قِنِي كذا.\n\n<span id=\"aya-310\"></span><span data-type='title' id=toc-1203>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ﴾.</span>\nيعنى بقولِه: ﴿الصَّابِرِينَ﴾: الذين صبَروا في البأساءِ والضَّرَّاءِ وحينَ البأسِ.\nويعني به ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾: الذين صدَقوا الله في قولِهم بتحقيقِهم الإقرارَ به وبرسوله، وما جاء به مِن عندِه، بالعملِ بما أمَره به، والانتهاءِ عما نهاه عنه.\nويعني به ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾: المُطِيعِين له. وقد أتَيْنا على الإبانةِ عن كلِّ هذه\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"في\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الله\".","vol":"5","page":272},{"text":"الحروفِ ومَعانِيها بالشَّواهِدِ على صحةِ ما قلْنا فيها، وبالإخْبارِ عمَّن قال فيها قولًا، فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nوقد كان قتادةُ يقولُ في ذلك بما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ﴾: \"الصادقين\": قومٌ صدَقَت أفْواهُهم (^٢)، واسْتَقامَت قلوبُهم وألْسنتُهم، وصدَقوا في السرِّ والعَلانيِة، و\"الصابرين\": قومٌ (^٣) صبَروا على طاعةِ اللهِ، وصبَروا عن مَحارمِه، والقانِتون: هم المُطِيعون للهِ (^٤).\nوأما المُنْفِقون: فهم المُؤْتُونَ زَكَواتِ (^٥) أموالِهم، وواضِعوها على ما أمَرهم اللهُ بإيتائها (^٦)، والمُنْفِقون أموالَهم في الوجوهِ التي أذِن اللهُ لهم جل ثناؤُه بإنفاقِها فيها.\nوأما ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ﴾ وسائرُ هذه الحروفِ، فمخفوضٌ ردًّا على قولِه: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾. والخفضُ في هذه الحروفِ يَدُلُّ على أن قولَه: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾. خفضٌ ردًّا على قولِه: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1204>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في القومِ الذين هذه الصفةُ صفتُهم؛ فقال بعضُهم: هم المُصَلُّون بالأسْحارِ.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٤٦١، ٤/ ٣٧٥ وما بعدهما.\n(^٢) في س: \"أقوالهم\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"يوم\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦١٤) (٣٢٩٢، ٣٢٩٤) من طريق يزيد به دون آخره، وعلق آخره في (٢/ ٦١٥) عقب الأثر (٣٢٩٧).\n(^٥) في س: \"زكاة\".\n(^٦) في م: \"بإتيانها\".","vol":"5","page":273},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1205>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا: بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾: هم أهلُ الصلاةِ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾. قال: يُصَلُّون بالأَسْحَارِ (^٢).\nوقال آخَرون: هم المُسْتَغْفِرون.\n\n<span data-type='title' id=toc-1206>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن حُرَيْثِ بن أَبي مَطَرٍ، عن إبراهيمَ بن حاطبٍ، عن أبيه، قال: سمِعْتُ رجلًا في السَّحَرِ في ناحيةِ المسجدِ وهو يقولُ: ربِّ أَمَرْتَنى فَأَطَعْتُك، وهذا سَحَرٌ فَاغْفِرْ لى. فنظَرْتُ فإذا ابن مسعودٍ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: سأَلْتُ عبدَ الرحمنِ بنَ يزيدَ بن جابرٍ عن قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾. قال: حدَّثني سليمانُ بنُ موسى، قال: ثنا نافعٌ، أن ابنَ عمرَ كان يُحْيِي الليلَ صَلاةً، ثم يقولُ: يا نافعُ أَسْحَرْنا؟ فيقولُ: لا. فيُعاوِدُ الصلاةَ، فإذا قلتُ: نعم. قعَد يَسْتَغْفِرُ ويَدْعُو حتى يُصْبِحَ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١١) إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦١٥) عقب الأثر (٣٣٠٠) معلقًا.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره (٢/ ١٨) عن المصنف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦١٦) (٣٣٠٢)، وابن عساكر (٣٧/ ٤٨) من طريق الوليد بن مسلم به. وينظر مختصر قيام الليل ص ٣٤.","vol":"5","page":274},{"text":"حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن بعضِ البَصْريِّين، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: أُمِرْنا أَن نَسْتَغْفِرَ بالأَسْحارِ سبعينَ استغفارةً (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسْحاقُ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، قال: ثنا أبو يعقوبَ الضَّبِّيُّ، قال: سمِعْتُ جعفرَ بنَ محمدٍ يقولُ: مَن صلَّى مِن الليلِ، ثم اسْتَغْفَر في آخرِ الليلِ سبعين مرةً، كُتِب مِن المستغفرين بالأسحارِ (^٢).\nوقال آخَرون: هم الذين يَشْهَدون الصبحَ في جماعةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1207>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ مَسْلَمةَ أخو القَعْنَبيِّ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: قلتُ لزيدِ بن أَسْلَمَ: مَن ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾؟ قال: هم الذين يَشْهَدون الصبحَ (^٣).\nوأوْلَى هذه الأقوالِ بتأويلِ قولِه: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ قولُ مَن قال: هم السائلون ربَّهم أن يَسْتُرَ عليهم فَضيحتهم بها؛ ﴿بِالْأَسْحَارِ﴾ وهى جمعُ سَحَرٍ. وأظْهَرُ مَعانى ذلك أن تكونَ مَسْألتُهم إياه بالدُّعاءِ. وقد يَحْتَمِلُ أن يَكونَ معناه تَعرُّضَهم لمغفرتِه بالعملِ والصلاةِ، غيرَ أن أظْهَرَ معانيه ما ذكَرْنا مِن الدعاءِ.\n\n<span id=\"aya-311\"></span><span data-type='title' id=toc-1208>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه ابن كثير في تفسيره (٢/ ١٨) إلى ابن مردويه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١١، ١٢) إلى المصنف وابن مردويه، بلفظ: أمرنا رسول الله ﷺ به. وينظر مختصر قيام الليل ص ٣٨.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٢) إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦١٥) (٣٣٠١) من طريق إسماعيل بن مسلمة به، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٣/ ٤٩٨) من طريق عقبة بن أبى يزيد القرشي، عن زيد بن أسلم.","vol":"5","page":275},{"text":"يَعنى بذلك جل ثناؤُه: شهِد اللهُ أنه لا إلهَ إلا هو، وشهِدَت الملائكةُ، وأولو العلمِ.\nفالملائكةُ معطوفٌ بهم على اسمِ اللهِ، و﴿أَنَّهُ﴾ مَفتوحةٌ بـ ﴿شَهِدَ﴾.\nوكان بعضُ البصرِيين (^١) يَتَأَوَّلُ قولَه: ﴿وشَهِدَ اللهُ﴾: قضَى اللهُ، ويَرْفَعُ الملائكةَ بمعنى: والملائكةُ شهودٌ وأولو العلمِ.\nوهكذا قرَأت قرأةُ أهلِ الإسلامِ بفتحِ الألفِ مِن ﴿أَنَّهُ﴾ على ما ذكَرْتُ مِن إعمالِ و﴿شَهِدَ﴾ في ﴿أَنَّهُ﴾ الأُولى، وكسرِ الألفِ مِن ﴿إِنَّ﴾ الثانيةِ وابتدائِها. سوى أن بعضَ المتأخرين مِن أهلِ العربيةِ كان يَقْرَأُ ذلك جميعًا بفتحِ ألفَيْهما (^٢)، بمعنى: شهِد اللهُ أنه لا إلهَ إلا هو وأن الدينَ عندَ اللَّهِ الإسلامُ. فعَطف بـ \"أن الدينَ\" على ﴿أَنَّهُ﴾ الأُولى، ثم حذَف واوَ العطفِ وهي مُرادةٌ في الكلامِ. واحْتَجَّ في ذلك بأن ابنَ عباسٍ قرَأ ذلك: (شهِد اللهُ إنه لا إلهَ إلا هو) الآية. ثم قال: (أن الدِّينَ). بكسرِ \"إن\" الأولى، وفتحِ \"أن\" الثانيةِ بإعمالِ ﴿شَهِدَ﴾ فيها، وجعْلِ \"إن\" الأُولى اعْتِراضًا في الكلامِ، غيرَ عاملٍ فيها ﴿شَهِدَ﴾، وأن ابنَ مسعودٍ قرَأ: (شهِد اللهُ أن (^٣) لا إلهَ إلا هو) بفتحِ \"أن\"، وكسرِ \"إن\"، مِن: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ على معنى إعمالِ الشهادةِ في \"أن\" الأولى، و\"إن\" الثانيةُ مُبْتَدَأَةٌ. فرعَم أنه أراد بقراءتِه إياهما بالفتحِ جمعَ قراءةِ ابن عباسِ وابنِ مسعودِ. فخالَف بقراءتِه ما قرَأ مِن ذلك على ما وصَفْتُ، جميعَ قرأةِ أهلِ الإسلامِ المتقدمين\n_________\n(^١) يعنى أبا عبيدة في مجاز القرآن (١/ ٨٩). وسيردُّ المصنف قوله فيما بعد.\n(^٢) هو الكسائي، ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٠٢ - ٢٠٣.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أنه\". وينظر البحر المحيط (٢/ ٤٠٣). وعزا السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٢) هذه القراءة إلى أبى بكر بن أبى داود في المصاحف، وفى المصاحف ص ٥٩: \"أنه\". خطأ.","vol":"5","page":276},{"text":"منهم والمتأخرين، بدَعْوَى تأويلٍ على ابن عباسٍ وابن مسعودٍ، زعَم أنهما قالاه وقرَأَ به، وغيرُ معلومٍ ما ادُّعِى عليهما بروايةٍ صحيحةٍ ولا سقيمةٍ. وكفَى شاهدًا على خطأَ قراءةٍ (^١) خروجُها مِن قرأةِ (^٢) أهلِ الإسلامِ. فالصوابُ إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا مِن قراءةِ ذلك، فتحُ الألفِ مِن \"أنه\" الأولى، وكسرُ الألفِ مِن \"إن\" الثانيةِ، أعْنِى مِن قولِه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. ابْتِداءً. وقد رُوِى عن السُّديِّ في تأويلِ ذلك قولٌ كالدالِّ على تصحيحِ ما قرَأ به في ذلك مَن ذكَرْنا قولَه مِن أهلِ العربيةِ، في فتحِ أن مِن قولِه: (أن الدينَ). وهو ما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ إلى ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: فإن الله يَشْهَدُ هو والملائكةُ والعلماءُ مِن الناسِ أن الدينَ عندَ اللهِ الإسلامُ (^٣).\nفهذا التأويلُ يَدُلُّ على أن الشهادةَ إنَّما هي عاملةٌ في \"أن\" الثانيةِ، التي في قولِه: (أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ). فعلى هذا التأويل جائزٌ في \"أن\" (^٤) الأُولى وجْهان مِن التأويلِ؛ أحدُهما: أن تكونَ الأولى منصوبةً على وجهِ الشَّرطِ، بمعنى: شهِد اللهُ بأنه واحدٌ. فتكون مَفْتوحةً بمعنى الخفضِ في مذهبِ بعضِ أهلِ العربيةِ، وبمعنى النصبِ في مذهبِ بعضِهم، والشهادةُ عاملةٌ في \"أن\" الثانيةِ، كأنك قلتَ: شهِد اللهُ أن الدينَ عندَ اللهِ الإسلامُ؛ لأنه واحدٌ. ثم تقَدَّم \"لأنه واحدٌ\"، فتفتَحُها على ذلك التأويلِ.\n_________\n(^١) في م: \"قراءته\".\n(^٢) في م: \"قراءة\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦١٦، ٦١٧) (٣٣٠٤، ٣٣٠٨) من طريق عمرو به.\n(^٤) كتب فوقها في ص: \"في\"، وفى ت ٢، س: \"أن في\".","vol":"5","page":277},{"text":"والوجهُ الثاني: أن تكونَ \"إن\" الأولى مَكْسورةً بمعنى الابتداءِ؛ لأنها مُعْتَرَضٌ بها، والشهادةُ واقعةٌ على \"أن\" الثانيةِ. فيَكونُ معنى الكلامِ: شهِد اللهُ - فإنه لا إلهَ إلا هو - والملائكةُ أن الدينَ عندَ اللهِ الإسلامُ. كقولِ القائلِ: أَشْهَدُ - فإنى مُحِقٌّ - أنك مما تُعابُ به بَرِئٌ. فـ \"إن\" الأولى مَكسورةً؛ لأنها مُعْتَرِضةٌ، والشهادةَ واقعةٌ على \"أن\" الثانيةِ.\n\nوأما قولُه: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾. فإنه بمعنَى أنه الذي يَلِى العَدْلَ (^١) بيَن خلقِه (^٢).\nوالقِسْطُ هو العدْلُ، مِن قولِهم: هو مُقْسِطٌ، وقد أَقْسَط، إذا عدَل.\nونُصِب ﴿قَائِمًا﴾ على القطعِ.\nوكان بعضُ نحويى أهلِ البصرةِ يَزْعُمُ أنه حالٌ مِن \"هو\" التي في: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.\nوكان بعضُ نحويى الكوفةِ يَزْعُمُ أنه حالٌ مِن اسمِ \"الله\" الذي مع قولِه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ فكان معناه: شهِد اللهُ القائمُ (^٢) بالقِسْطِ أَنه لا إله إلا هو. وقد ذُكِر أنها في قراءةِ ابن مسعودٍ كذلك: (وأولو العلمِ القائمُ بالقِسْطِ) ثم حُذِفَت الألفُ واللامُ مِن القائمِ، فصار نكرةً، وهو نعتٌ لمعرفةٍ فنُصِب (^٣).\nوأولى القولين بالصوابِ في ذلك عندى قولُ مَن جَعَله قَطْعًا على أنه مِن نعتِ اللهِ جل ثناؤُه؛ لأن الملائكةَ وأُولى العلمِ مَعْطُوفون عليه، فكذلك الصحيحُ أن يكونَ قولُه: ﴿قَائِمًا﴾ حالًا منه.\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فإنه نفْىٌ أن يَكونَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"القسط\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"العالم\".\n(^٣) ينظر معاني القرآن للفراء (١/ ٢٠٠).","vol":"5","page":278},{"text":"شيءٌ يَسْتَحِقُ العُبودَةَ غيرَ الواحدِ الذي لا شَريكَ له في مُلْكِه.\nويعنى بـ \"العزيز\": الذي لا يَمْتَنِعُ عليه شيءٌ أراده، ولا يَنْتَصِرُ منه أحدٌ عاقَبَه أو انْتَقَم منه، \"الحكيم\" في تدبيرِه، فلا يَدْخُلُه خَلَلٌ.\nوإنما عنَى جل ثناؤُه بهذه الآيةِ نَفْىَ ما أضافَت النصارَى الذين حاجُّوا رسولَ اللهِ ﷺ في عيسى مِن البُنُوَّةِ، وما نسَب إليه سائرُ أهلِ الشركِ مِن أَنَّ له شَريكًا، واتخاذِهم دونَه أربابًا، فَأَخْبَرَهم اللهُ عن نفسِه، أنه الخالقُ كلَّ ما سواه، وأنه ربُّ كلَّ ما اتَّخَذه كلُّ كافرٍ وكلُّ مشركٍ ربًّا، دونَه، وأن ذلك مما يَشْهَدُ به هو وملائكتَه وأهلُ العلمِ به مِن خلقِه، فبدَأ جل ثناؤُه بنفسِه تَعْظيمًا لنفسِه، وتَنْزيهًا لها عما نسَب الذين ذكَرْنا أمرَهم مِن أهلِ الشركِ به ما نسَبوا إليها، كما سنَّ لعبادِه أن يَبْدَءوا في أمورِهم بذكرِه قبلَ ذِكْرِ غيرِه، مُؤَدِّبًا خلقَه بذلك.\nوالمرادُ مِن الكلامِ الخبرُ عن شهادةِ مَن ارْتَضاهم مِن (^١) خلقِه فقدَّموه؛ مِن ملائكتِه وعُلماءِ، عبادِه، فأعْلَمَهم أن ملائكتَه - التي يُعَظِّمُها العابدون غيرَه مِن أهلِ الشركِ، ويَعْبُدُها (^٢) الكثيرُ منهم - وأهلَ العلمِ منهم، مُنْكِرون ما هم عليه مُقِيمون من كُفْرِهم، وقولِهم في عيسى، وقولَ مَن اتَّخَذ ربًّا غيرَه مِن سائرِ الخلقِ، فقال: شهِدتِ الملائكةُ وأولو العلمِ أنّه لا إلهَ إلا هو، وأن كلَّ مَن اتَّخَذ ربًّا دونَ اللَّهِ فهو كاذِبٌ. احتِجاجًا منه لنبيِّه ﵇، على الذين حاجُّوه مِن وفدِ نَجْرانَ في عيسى.\nواعتُرِض بذكْرِ اللَّهِ وصفتِه، على ما بيَّنْتُ (^٣)، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَاعْلَمُوا\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يعبده\".\n(^٣) في م: \"نبينه\"، وفى س: \"بينه\".","vol":"5","page":279},{"text":"أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. افتتاحًا باسمِه الكلامَ، فكذلك افتَتَح باسمِه والثناءِ على نفسِه الشهادةَ بما وصَفنا من نَفْي الألوهةِ عن غيرِه، وتَكْذيبِ أهلِ الشركِ به.\nفأما ما قال الذي وصَفْنا قولَه مِن أنّه عنَى بقولِه: ﴿شَهِدَ﴾: قَضَى. فمِمَّا لا يُعرَفُ في لغةِ العربِ ولا العَجَمِ؛ لأن الشهادةَ معنىً، والقضاءَ غيرُها.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك رُوِى عن بعضِ المُتقدِّمِين القولُ في ذلك.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾: بخلافِ ما قالوا، يعنى بخلافِ ما قال وَفْدُ نَجْرانَ مِن النصارَى، ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ أَي: بالعدل (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدلِ.\n\n<span id=\"aya-312\"></span><span data-type='title' id=toc-1209>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.</span>\nومعْنى الدِّينِ في هذا الموضعِ: الطاعةُ والذِّلَّةُ، من قولِ الشاعرِ (^٢):\nويوم الحَزْنِ إِذْ حَشَدَت مَعَدٌّ … وكان الناسُ إلا نحنُ دِينَا\nيعنى بذلك: مُطِيعينَ على وَجْهِ الذُّلِّ. ومنه قولُ القُطَامِيِّ (^٣):\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام (١/ ٥٧٧)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦١٦) (٣٣٠٥) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله، مقتصرًا على: بخلاف ما قالوا.\n(^٢) أنشده الفراء في معاني القرآن (٣/ ٨١) عن المفضل، والشطر الثاني منه في اللسان (د ى ن).\n(^٣) ديوانه ص ٥٨.","vol":"5","page":280},{"text":"كانت نَوَارُ (^١) تَدِينُكَ الأَدْيانا\nيَعْنى: تُذِلُّكَ. وقولُ الأعشَى ميمونِ بن قَيسٍ (^٢):\nهو دانَ الرِّبابَ إِذْ كَرِهوا الدِّيـ … ـنَ دِرَاكًا بِغَزْوَةٍ وَصِيالِ\nيَعنى بقولِه (^٣): دانَ. ذَلَّل، وبقولِه: كرِهوا الدِّينَ. الطاعةَ.\nوكذلك الإسلامُ، وهو الانْقِيادُ بالتَّذَلُّلِ والخشوعِ، والفعلُ منه \"أسلَم\"، بمعْنى: دخَل في السِّلْمِ، كما يقالُ: أقحَط القومُ. إذا دخَلوا في القَحْطِ، وأربَعوا، إذا دخَلوا في الربيعِ، فكذلك: أسلَموا، إذا دخَلوا في السِّلْمِ، وهو الانْقِيادُ بالخضوعِ وتَرْكُ المُمَانَعةِ.\nفإذْ كان ذلك كذلك، فتأويلُ قولِه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. إِنَّ الطاعةَ للهِ [- التي هي الطاعةُ له] (^٤) عندَه - [الطاعةُ له] (^٥)، وإقرارُ الألسنِ والقلوبِ له بالعُبودَةِ والذِّلَّةِ، وانقيادُها له بالطاعةِ فيما أمَر ونهَى، وتَذَلُّلُها له بذلك، من غيرِ استكبارٍ عليه، ولا انحرافٍ عنه، دونَ إشراكِ غيرِه من خَلْقِه معه في العبودةِ والألوهَةِ.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1210>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الدِّينَ\n_________\n(^١) في الديوان: \"جنوب\"، وفى نسخة منه: \"ظلوم\".\n(^٢) تقدم في (٣/ ٣٠١).\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إن\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) زيادة من: م.","vol":"5","page":281},{"text":"عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾: والإسلامُ شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، والإقرارُ بما جاء به مِن عندِ اللهِ، وهو دينُ اللهِ الذي شرَع لنفسِه، وبعَث به رُسُلَه، ودلَّ عليه أولياءَه، لا يَقْبَلُ غيرَه، ولا يَجْزِى إلا به (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ثنا أبو العاليةِ في قولِه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. قال: الإسلامٌ الإخلاصُ للهِ وحدَه، وعبادتُه لا شريكَ له، وإقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وسائرُ الفرائضِ لهذا تَبَعٌ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]. قال: دخَلنا في السِّلْمِ، وترَكنا الحربَ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾: أي ما أنت عليه يا محمدُ مِن التوحيدِ للربِّ والتَّصْديقِ للرسلِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1211>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.</span>\nيَعنى بذلك جلّ ثناؤه: وما اختَلف الذين أُوتُوا الإنجيلَ - وهو الكتابُ الذي ذكَره اللهُ في هذه الآيةِ - في أمرِ عيسى، وافترائِهم على اللهِ فيما قالُوه فيه مِن الأقوالِ التي كَثُر بها اختلافُهم بينَهم، وتَشتَّتَتْ بها كلمتُهم، وبايَن بها بعضُهم بعضًا،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٢) إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦١٧، ٦١٨) (٢٣١٣) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) سيأتي هذا الأثر في تفسير سورة الحجرات بأطول مما هنا.\n(^٤) سيرة ابن هشام (١/ ٥٧٧).","vol":"5","page":282},{"text":"حتى استَحلَّ بها بعضُهم دماءَ بعضٍ، ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ يعنى: إلا مِن بعدِ ما عَلِموا الحقَّ فيما اختَلَفوا فيه مِن أَمْرِه، وأيقَنوا أنهم فيما يقولون فيه مِن عظيمِ الفِرْيةِ مُبْطلون، فأخبرَ اللَّهُ عبادَه أَنهم أَتَوْا مَا أَتَوْا مِن الباطلِ، وقالوا ماقالُوا مِن القولِ الذي هو كفرٌ باللهِ، على علمٍ منهم بخطأَ ما قالوه، وأنهم لم يقولوا ذلك جهلًا منهم بخَطئِه، ولكنّهم قالُوه واختَلَفوا فيه الاختلافَ الذي هم عليه؛ تَعَدِّيًا من بعضِهم على بعضٍ، وطلبَ الرياساتِ والملكِ والسلطانِ.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. قالُ: قال أبو العاليةِ إلا من بعدِ ما جاءهم الكتابُ والعلمُ ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ يقولُ: بَغْيًا علَى الدنيا، وطلبَ مُلْكِها وسُلطانِها، فقَتَل بعضُهم بعضًا على الدنيا، مِن بعدِ ما كانوا علماءَ الناسِ (^١).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن ابن عمرَ أنه كان يُكْثِرُ تلاوةَ هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: بَغْيًا على الدنيا، وطلبَ مُلْكِها وسُلطانِها، من قِبَلِها واللهِ (^٢) أُتِينا، ما كان علينا مَن يكونُ علينا (^٣)، بعدَ أن يأخُذَ فينا كتابَ اللَّهِ وسنةَ نَبيِّه! ولكنَّا أُتِينَا مِن قِبَلِها.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦١٨) (٣٣١٦، ٣٣١٩) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) بعده في م: \"ما\".\n(^٣) سقط من: م.","vol":"5","page":283},{"text":"الربيعِ، قال: إنّ موسى لمَّا حضَره الموتُ دَعا سبعينَ حَبْرًا مِن أحبارِ بني إسرائيلَ، فاستَودَعهم التوراةَ، وجعَلهم أُمَناءَ عليه، كلَّ حَبْرٍ جَزءًا منه، واستخلَف موسى يوشعَ بنَ نونٍ، فلما مضَى القرنُ الأوَّلُ ومضَى الثانِى ومضَى الثالثُ، وقَعَت الفُرقةُ بينَهم؛ وهم الذين أُوتوا العلمَ مِن أبناء أولئك السبعينَ، حتى أَهْرَاقوا بينَهم الدماءَ، ووَقَع الشَّرُّ والاختلافُ، وكان ذلك كلُّه مِن قِبَلِ الذين أُوتوا العلمَ بَغْيًا بينَهم على الدنيا، طلبًا لسلطانِها ومُلْكِها وخزائنها وزُخْرفِها، فسَلَّط اللهُ عليهم جَبابِرتَهم، فقال اللهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (^١).\nفقولُ (^٢) الربيعِ بن أنسٍ هذا يدُلُّ على أنه كان عندَه أنه معنِيٌّ بقولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ اليهودُ مِن بنى إسرائيلَ، دونَ النصارَى منهم ومن غيرِهم.\nوكان غيرُه يُوَجِّهُ ذلك إلى أن المعنِيَّ به النصارى (^٣) الذين أُوتوا الإنجيلَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1212>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: الذي جاءك، أي أنّ اللَّهَ الواحدُ الذي ليس له شريكٌ، ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. يَعنى بذلك النصارَى (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٢) إلى المصنف، إلى قوله: جبابرتهم.\n(^٢) في النسخ: \"يقول\". والصواب ما أثبتنا.\n(^٣) بعده في س: \"منهم\".\n(^٤) سيرة ابن هشام (١/ ٥٧٧).","vol":"5","page":284},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1213>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾.</span>\nيَعنى بذلك جل ثناؤُه: ومَن يَجحَدْ حُجَجَ اللَّهِ وأعلامَه التي نصَبها ذكرَى لمن عَقَل، وأدلةً لمن اعتَبَر وتَذكَّر، فإنّ اللَّهَ مُحْصٍ عليه أعمالَه التي كان يعمَلُها في الدنيا، فمُجازِيه بها في الآخرةِ، فإنه جلّ ثناؤه سريعُ الحسابِ، يَعنى: سريعُ الإحصاءِ. وإنما معْنى ذلك، أنه حافظٌ على كلِّ عاملٍ عَمَلَه، لا حاجةَ به إلى عَقْدٍ، كما يَعْقِدُه خلقُه بأَكُفِّهم، أو يعونَه بقلوبِهم، ولكنه يحفَظُ ذلك عليهم بغيرِ كُلْفةٍ ولا مَئونةٍ، ولا معاناةٍ لِما يُعانيه غيرُه مِن الحُسّابِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في معنَى: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. كان مجاهدٌ يقولُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. قال: إحصاؤُه عليهم.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: إحصاؤُه (^١).\n\n<span id=\"aya-313\"></span><span data-type='title' id=toc-1214>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾</span> (^٢).\nيَعنى بذلك جلّ ثناؤه: فإن حاجَّك يا محمدُ النَّفَرُ مِن نصارَى أهلِ نَجْرانَ في أمرِ عيسى صلواتُ اللهِ عليه، فخاصَمُوك فيه بالباطلِ، فقُلْ: انقَدْتُ للهِ وحدَه،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦١٩) (٣٣٢٠) من طريق أبي حذيفة به.\n(^٢) في م، س: \"اتبعن\". وبإثبات الياء، قرأ نافع وأبو عمرو في الوصل، ووقف أبو عمرو بغير ياء، واختلف عن نافع في الوقف، وقرأ الباقون وصلا ووقفا بغير ياء. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٢٢.","vol":"5","page":285},{"text":"بلسانِي وقلبِي وجميعِ جَوارحِي.\nوإنما خصَّ جلّ ذكرُه بأمرِه بأن يقولَ: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾. لأن الوَجْهَ أكرمُ جَوارح ابن آدمَ عليه، وفيه بهاؤُه وتَعْظيمُه، فإذا خضَع وجهُه لشيءٍ (^١)، فقد خضَع له الذي هو دونَه في الكرامِة عليه مِن جَوارحِ بدنِه.\nوأمَّا قولُه: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾. فإنه يَعنى: وأسلَم مَن اتَّبَعنى أيضًا وجهَه للهِ معِي، و﴿وَمَنِ﴾ معطوفٌ بها على التاءِ في ﴿أَسْلَمْتُ﴾.\nكما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرٍ: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: بما يأتُونك به مِن الباطلِ مِن قولِهم: خلَقنا، وفعَلنا، وجعَلنا، وأمَرنا. فإنما هي شُبَهٌ باطِلةٌ، قد عرَفوا ما فيها مِن الحقِّ، ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1215>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾.</span>\nيَعنى بذلك جلّ ثناؤه: ﴿وَقُلْ﴾ يا محمدُ ﴿لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ من اليهودِ والنصارَى، ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾ الذين لا كتابَ لهم من مشركي العربِ: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾؟ يقولُ: قل لهم: هل أفرَدْتم التوحيدَ، وأخلَصتُم العبادةَ والألوهةَ لربِّ العالمينَ، دونَ سائرِ الأندادِ والأشراكِ (^٣) التي تُشْرِكونها معه في عبادتِكم إيَّاهم، وإقرارِكم بربوبيتِهم، وأنتم تعلَمون أنه لا ربَّ غيرُه،\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"بشيء\".\n(^٢) ينظر سيرة ابن هشام (١/ ٥٧٧).\n(^٣) الأشراك: جمع شريك. تهذيب اللغة (١٠/ ١٧).","vol":"5","page":286},{"text":"ولا إلهَ سواه؟ ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا﴾. يقولُ: فإن انقادُوا لإفرادِ الوحدانيةِ للهِ، وإخلاصِ العبادةِ والألوهِة له، ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، يَعنى: فقد أصابُوا سبيلَ الحقِّ، وسلَكوا مَحَجَّةَ الرُّشْدِ.\nفإن قال قائلٌ: وكيفَ قيل: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ عَقِيبَ الاستفهامِ؟ وهل يجوزُ على هذا في الكلامِ أن يقالَ لرجلٍ: هل تقومُ؟ فإن تَقُمْ أُكرِمْك؟.\nقيل: ذلك جائزٌ إذا كان الكلامُ مُرادًا به الأمرُ، وإن خرَج مَخْرجَ الاستفهامِ، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]. يَعنى: انتَهُوا. وكما قال جلّ ثناؤه مُخْبِرًا عن الحَواريِّين أنهم قالوا لعيسى: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢]. وإنما هو مسألةٌ، كما يقولُ الرجلُ: هل أنت كافٌّ عَنَّا؟ بمعنى: اكفُفْ عنَّا. وكما يقولُ الرجلُ للرجلِ: أين أين؟ بمعنَى: أَقِمْ فَلا تَبْرَحْ. ولذلك جُوزِي في الاستفهامِ كما جُوزِى في الأمرِ في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (هل أدُلُّكم على تجارةٍ تنجيكم من عذابٍ أليمٍ * آمِنوا) (^١). ففَسَّرها بالأمرِ (^٢)، وهي في قراءتِنا على الخبرِ، فالمُجازاةُ في قراءتِنا على قولِه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾. وفي قراءةِ عبدِ اللَّهِ على قولِه: (آمِنُوا) على الأمرِ؛ لأنه هو التفسيرُ.\nو[بنحوِ معنَى] (^٣) ما قلنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.\n_________\n(^١) من الآية ١٠، ١١ من سورة الصف، وهذه القراءة ذكرها الفراء في معاني القرآن (١/ ٢٠٢) وأبو حيان في البحر المحيط (٨/ ٢٦٣) وهي قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بالأمن\".\n(^٣) في س: \"بمعنى\".","vol":"5","page":287},{"text":"حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرٍ: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ الذين لا كتابَ لهم: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾. الآية (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾. قال: الأُمَّيُّون الذين لا يَكْتُبون (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1216>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾.</span>\nيَعنى جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: وإن أدبَروا مُعْرِضين عمَّا تَدْعوهم إليه مِن الإسلامِ، وإخلاصِ التوحيدِ للهِ ربِّ العالمين، فإنما أنت رسولٌ مُبَلِّغٌ، وليس عليك غيرُ إبلاغِ الرسالةِ إلى مَن أرسَلتُك إليه مِن خلقِي، وأداءِ ما كلَّفْتُك مِن طاعتى، ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. يَعنى بذلك: واللهُ ذو علمٍ بمن يَقبَلُ مِن عبادِه ما أرسَلتُك به إليه، فيُطِيعُك (^٣) بالإسلامِ، وبمَن يَتولَّى منهم عنه مُعْرِضًا، فيَرُدُّ عليك ما أرسَلتُك به إليه، فيَعْصِيك بإبائِه الإسلامَ.\n\n<span id=\"aya-314\"></span><span data-type='title' id=toc-1217>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.</span>\nيَعنى بذلك جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. أَيْ: يَجْحَدُونَ\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام (١/ ٥٧٧، ٥٧٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦٢٠) (٣٣٢٧) من طريق ابن جريج به.\n(^٣) في ص، س: \"فيعطيك\".","vol":"5","page":288},{"text":"حُجَجَ اللَّهِ وأعلامَه، فيُكَذِّبون بها مِن أهلِ الكتابَين؛ التوارةِ والإنجيلِ.\nكما حدَّثني ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرٍ، قال: ثم جمَع أهلَ الكتابَين جميعًا، وذكَر ما أحدَثوا وابتَدَعوا، مِن اليهودِ والنصارَى، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. إلى قولِه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (^١) [آل عمران: ٢٦].\nوأما قولُه: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. فإنه يَعنى بذلك أنهم كانوا يَقْتُلُون رُسُلَ اللَّهِ الذين كانوا يُرْسَلون إليهم بالنَهْى عما يَأْتون مِن معاصِى اللَّهِ، وركوبِ ما كانوا يَرْكَبونه مِن الأمورِ التي قد تَقَدَّم اللهُ إليهم في كتبِهم بالزَّجْرِ عنها، نحوَ زكريا وابنِه يحيى وما أشبَهَهما مِن أنبياءِ اللَّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1218>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾.</span>\nاختَلفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه عامَّةُ أهلِ المدينةِ والحجازِ والبصرةِ والكوفةِ وسائرُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ﴾. بمْعنى القتلِ.\nوقرَأه بعضُ المُتأخِّرين مِن قرأةِ الكوفةِ: (وَيُقَاتِلُونَ) (^٢). بمعنى القتالِ، تأوُّلًا منه قراءةَ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، وادَّعى أن ذلك في مصحفِ عبدِ اللَّهِ: (وقاتَلوا) (^٣)، فقَرَأَ الذي وصَفنا أمرَه مِن القرأةِ بذلك التأويلِ: (ويُقَاتِلُونَ).\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام (١/ ٥٧٨).\n(^٢) هي قراءة حمزة، وقرأ الباقون بالوجه الأول. السبعة لابن مجاهد ص ٢٠٣.\n(^٣) المصاحف لابن أبي داود ص ٥٩ وهى قراءة شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة.","vol":"5","page":289},{"text":"والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا (^١) قراءةُ مَن قرَأه: ﴿وَيَقْتُلُونَ﴾؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القَرَأَةِ عليه به، مع مجيءِ التأويلِ مِن أهلِ التأويلِ بأنّ ذلك تأويلُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1219>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مَعْقِلِ بن أبى مِسْكينٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾. قال: كان الوَحْىُ يأتى إلى بنى إسرائيلَ فيُذَكِّرون قومَهم (^٢) - ولم يكنْ يأتيهم كتابٌ - فيُقْتَلون، فيقومُ رجالٌ ممن اتَّبَعهم وصَدَّقهم فيُذَكِّرون قومَهم، فيُقْتَلون، فهم الذين يأمُرون بالقسطِ من الناسِ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾. قال: هؤلاء أهلُ الكتابِ، كان (^٤) أتباعُ الأنبياءِ يَنْهَونَهم ويُذَكِّرونهم، فيَقْتُلُونهم (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ في\n_________\n(^١) القراءتان متواترتان، فكلتاهما صواب.\n(^٢) سقط من النسخ، والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٥٠ بنحوه.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦٢١) (٣٣٣٤)، وفيه: عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن معقل. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٣) إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كانوا\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦٢١) (٣٣٣٣) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"5","page":290},{"text":"قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾. قال: كان ناسٌ مِن بني إسرائيلَ ممّن لم يَقْرَأُ الكتابَ، كان الوحْىُ يأتِي إليهم، فيُذَكِّرون قومَهم، فيُقْتَلون على ذلك، فهم الذين يأمُرون بالقسطِ مِن الناسِ.\nحدَّثني أبو عُبيدٍ الوَصَّابيُّ (^١) محمدُ بنُ حفصٍ (^٢)، قال: ثنا ابن حِمْيرٍ (^٣)، قال: ثنا أبو الحسنِ مولَى بني أسدٍ، عن مكحولٍ، عن قَبِيصةَ بن ذُؤيبٍ الخُزَاعيِّ، عن أبي عُبيدةَ بن الجَرَّاحِ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الناسِ أشدُّ عذابًا يومَ القيامةِ؟ قال: \"رَجلٌ قتَل نَبيًّا، أو رجلٌ أمَر بالمُنْكرِ ونهَى عن المعروفِ\". ثم قرَأ رسولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَ(^٤) يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾. إلى أن انتهَى إلى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. ثم قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"يا أبا عُبَيدةَ، قتَلت بنو إسرائيلَ ثلاثةً وأربعين نبيًّا مِن أولِ النهارِ، في ساعةٍ واحدةٍ، فقام مائةُ رجلٍ واثنا عشَرَ رجلًا مِن عُبَّادِ بني إسرائيلَ، فأمَروا مَن قتَلهم بالمعروفِ، ونَهَوهم عن المنكرِ، فَقُتِلوا جميعًا مِن آخرِ النهارِ في ذلك اليومِ، وهم الذين ذكَر اللهُ ﷿ (^٥).\nفتأويلُ الآيةِ إذن: إنّ الذين يكفُرون بآياتِ اللهِ، ويقتُلون النَّبِيِّين بغيرِ حقٍّ، ويقتُلون أمِرِيهم بالعدلِ في أمرِ اللهِ ونَهْيِه، الذين يَنْهَوْنهم عن قتلِ أنبياءِ اللَّهِ\n_________\n(^١) في النسخ: \"الوصافي\".\n(^٢) في النسخ: \"جعفر\".\n(^٣) في النسخ: \"حميد\".\n(^٤) في النسخ: \"الذين\".\n(^٥) أخرجه البزار في مسنده (١٢٨٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦٢٠) (٣٣٣٢)، والبغوي في تفسيره (٢/ ٢٠، ٢١) من طريق محمد بن حمير به.","vol":"5","page":291},{"text":"وركوبِ معاصِيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1220>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)﴾.</span>\nيَعنى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: فأَخْبِرْهم يا محمدُ، وأعلِمْهم أن لهم عندَ اللهِ عذابًا مُؤلِمًا لهم، وهو المُوجِعُ.\n\n<span id=\"aya-315\"></span>وأما قولُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. فإنه يَعنى بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: الذين يكفُرون بآياتِ اللهِ. ومعْنى ذلك: إنّ الذين ذكَرناهم هم الذين حَبِطَت أعمالُهم. يَعنى: بطَلت أعمالُهم في الدنيا والآخرةِ. فأما قولُه: ﴿فِي الدُّنْيَا﴾. فلم يَنالُوا بها مَحْمَدةً ولا ثناءً مِن الناسِ؛ لأنهم كانوا على ضَلالٍ وباطلٍ، ولم يَرْفَعِ اللهُ لهم بها ذِكْرًا، بل لعَنهم وهتَك أستارَهم (^١)، وأبدَى ما كانوا يُخْفُون مِن قبائحِ أعمالِهم، على ألسُنِ أنبيائِه ورسلِه في كُتُبِه التي أنزَلها عليهم، فأبقَى لهم ما بقِيت الدنيا مَذَمَّةً، فذلك حُبوطُها في الدنيا. وأما في الآخرةِ؛ فإنه أعَدَّ لهم فيها مِن العقابِ ما وصَف في كتابِه، وأعلَم عبادَه أن أعمالَهم تصيرُ بُورًا لا ثوابَ لها؛ لأنها كانت كُفْرًا باللَّهِ، فَجَزاءُ أَهلِها الخلودُ في الجحيم.\nوأما قولُه: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. فإنه يَعنى: وما لهؤلاء القومِ مِن ناصِرٍ يَنْصُرُهم مِن اللهِ، إذا هو انتَقَم منهم بما سَلَف مِن إجْرامِهم واجترائِهم عليه، فيَسْتَنقِذَهم منه.\n\n<span id=\"aya-316\"></span><span data-type='title' id=toc-1221>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى</span>\n_________\n(^١) في س: \"أسرارهم\".","vol":"5","page":292},{"text":"كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾\nيَعنى بذلك جلّ ثناؤه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمدُ ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾. يقولُ: الذين أُعْطُوا حظًّا من الكتابِ، ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾.\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ في الكتابِ الذي عنَى اللهُ بقولِه: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾؛ فقال بعضُهم: هو التوراةُ، دعاهم إلى الرِّضا بما فيها، إذ كانت الفِرَقُ المُنْتَحِلةُ الكتبَ تُقِرُّ بها وبما فيها، أنها كانت أحكامَ اللهِ قبلَ أن يُنْسَخَ منها ما نُسِخ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1222>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنِي محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبَيرٍ وعكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: دخَل رسولُ الله ﷺ بيتَ المِدْرَاسِ على جماعةٍ مِن يهودَ، فدَعاهم إلى اللهِ، فقال له (^١) نُعَيمُ (^٢) بنُ عمرٍو والحارثُ بنُ زيدٍ: على أيِّ دِينٍ أنت يا محمدُ؟ فقال: \"على مِلَّةِ إبراهيمَ ودينِه\". فقالا: فإن إبراهيمَ كان يهوديًا. فقال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: \"فَهَلُمُّوا إلى التوارةِ، فَهى بينَنا وبينَكم\". فأبَيا (^٣) عليه، فأنزَل اللهُ ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. إلى قولِه: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لهم\". وكتب فوقها في ص: \"ط\". علامة أنها خطأ.\n(^٢) وكذا ورد اسمه في أسباب النزول، وتفسير البغوي، وفى تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٦٢٢) (٣٣٤٠)، وسيرة ابن هشام، والدر المنثور: \"نعمان\".\n(^٣) في م: \"فأبوا\".\n(^٤) سيرة ابن هشام (١/ ٥٥٢)، وذكره الزيلعي في تخريج الكشاف (١/ ١٧٩، ١٨٠) عن المصنف، وينظر أسباب النزول للواحدي ص ٧٠، وتفسير البغوي (٢١/ ٢، ٢٢)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٤) إلى ابن المنذر.","vol":"5","page":293},{"text":"حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبى محمدٍ مولى آلِ زيدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أو عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: دخَل رسولُ اللهِ ﷺ بيتَ المِدْرَاسِ، فذكَر نحوَه، إلا أنه قال: فقال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: \"فَهَلُمَّا إلى التَّوارةِ\". وقال أيضًا: فأنزَل اللهُ فيهما: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾. وسائرُ الحديثِ مثلُ حديثِ أبى كُرَيبٍ (^١).\nوقال بعضُهم: بل ذلك كتابُ اللهِ الذي أنزَله على محمدٍ، وإنما دُعِيَت طائفةٌ منهم إلى رسولِ اللهِ ﷺ لِيَحْكُمَ بينَهم بالحقِّ، فَأَبَتْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1223>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: أولئك أعداءُ اللهِ اليهودُ، دُعُوا إلى كتابِ اللهِ ليَحكُمَ بينَهم، وإلى نبيِّه ليَحكُمَ بينَهم، وهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ (^٢)، ثم تَوَلُّوا عنه وهم مُعْرِضون (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية. قال: هم اليهودُ، دُعُوا إلى كتابِ اللهِ وإلى نبيِّه، وهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم، ثم يَتَولَّون وهم مُعْرِضون (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦٢٢) (٣٣٤٠) من طريق سلمة به عن عكرمة مرسلا.\n(^٢) بعده في م: \"والإنجيل\".\n(^٣) أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٢٦٦) (٣٣٤٢) من طريق يزيد به قوله: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. قال: عن كتاب الله.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦٢٢، ٦٢٣) (٣٣٤٣) من طريق ابن أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٤) إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"5","page":294},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾. قال: كان أهلُ الكتابِ يُدْعَون إلى كتابِ اللَّهِ ليَحكُمَ بينَهم بالحقِّ يكونُ، وفي الحدودِ، وكان النبيُّ ﷺ يَدْعُوهم إلى الإسلامِ فيَتَولُّون ذلك (^١).\nوأولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك عندى بالصوابِ أن يُقالَ: إن الله جل ثناؤه أخبَر عن طائفةٍ من اليهودِ الذين كانوا بينَ ظَهْرَانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ في عهدِه، ممن قد أُوتى عِلْمًا بالتوراةِ، أنهم دُعُوا إلى كتابِ اللَّهِ الذي كانوا يُقِرُّون به (^٢) أنه من عندِ اللَّهِ - وهو (^٣) التوراةُ - في بعضِ ما تَنازَعوا فيه هم ورسولُ اللهِ ﷺ، وقد يجوزُ أن يكونَ تَنازعُهم الذي كانوا تَنازَعوا فيه، ثم دُعُوا إلى حُكْمِ التوراةِ فيه، فامتَنَعوا من الإجابةِ إليه - كان أمْرَ محمدٍ ﷺ وأمرَ نُبوَّتِه، ويجوزُ أن يكونَ ذلك كان أمرَ إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ ودينَه، ويجوزُ أن يكونَ ذلك ما دُعُوا إليه من أمرِ الإسلامِ والإقرارِ به، ويجوزُ أن يكونَ ذلك كان في حَدٍّ، فإن كلَّ ذلك مما قد كانوا نازَعوا فيه رسولَ اللهِ ﷺ، فَدَعاهم فيه إلى حُكْمِ التوراةِ، فأبَى الإجابةَ فيه وكَتَمه بعضُهم.\nولا دلالةَ في الآيةِ على أيِّ (^٤) ذلك كان [مِن أيٍّ] (^٥)، فيجوزَ أن يقالَ (^٦): هو\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٤) إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) بعده في م: \"في\".\n(^٤) في النسخ: \"أن\". وهو تعبير للمصنف تقدم مرارا، ينظر مثلا (١/ ٥٥٦)، (٢/ ٤٣٩).\n(^٥) في م: \"ممن أبى\".\n(^٦) في س: \"يكون\".","vol":"5","page":295},{"text":"هذا دونَ هذا. ولا حاجةَ بنا إلى معرفةِ ذلك؛ لأن المعنى الذي دُعوا إليه (^١)، هو مما كان فرضًا عليهم الإجابةُ إليه في دينِهم، فامتَنَعوا منه، فأخبرَ اللهُ جل ثناؤه عنهم برِدَّتِهم، وتكذيبِهم بما في كتابِهم، وجُحودِهم ما قد أخَذ عليهم عُهودَهم ومَواثيقَهم بإقامتِه والعملِ به، فلن يَعْدُوا أن يكونوا في تَكْذيبِهم محمدًا ﷺ وما جاء به من الحقِّ، مِثْلَهم في تكذيبِهم موسى وما جاء به، وهم يَتَولَّونه ويُقِرُّون به.\nومعنى قولِه: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: ثم يَسْتدبِرُ عن كتابِ اللَّهِ الذي دَعا إلى حُكْمِه، مُعْرِضًا عنه مُنصرِفًا، وهو بحقيقتِه وحجتِه عالِمٌ.\nوإنما قُلنا: إن ذلك الكتابَ هو (^٢) التوراةُ؛ لأنهم كانوا بالقرآنِ مُكَذِّبِين، وبالتوراةِ بزَعْمِهم مُصَدِّقِين، فكانت الحجةُ عليهم بتَكذيبِهم بما هم به في زَعْمِهم مُقِرُون، أبلغَ، وللعُذْرِ أقطعَ.\n\n<span id=\"aya-317\"></span><span data-type='title' id=toc-1224>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾: بأن هؤلاء الذين دُعُوا إلى كتابِ اللهِ ليَحْكُمَ بينَهم بالحقِّ فيما نازَعوا رسولَ اللهِ ﷺ، إنما أبَوُا الإجابةَ إلى (^٣) حُكْمِ التوراةِ وما فيها من الحقِّ، من أجلِ قولِهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. وهى أربعون يومًا، وهن الأيامُ التي عبَدوا فيها العِجْلَ، ثم يُخْرِجُنا منها ربُّنا، اغْتِرَارًا منهم بما كانوا يفتَرون، يعني: بما كانوا يَخْتَلِقون من الأكاذيبِ والأباطيلِ، في ادِّعائِهم أنهم أبناءُ اللهِ وأحِبَّاؤُه، وأن الله قد وَعَد أباهم يعقوبَ أن لا يُدْخِلَ أحدًا مِن ولدِه\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جملته\".\n(^٢) سقط من: ت ١، س.\n(^٣) في م: \"في\".","vol":"5","page":296},{"text":"النار إلا تَحِلَّةَ القَسَم، فأكْذَبهم الله على ذلك كُلِّه مِن أقوالهم، وأخبَر نَبِيَّه محمدًا ﷺ أنهم هم أهلُ النار هم فيها خالدون، دونَ المؤمنين باللهِ ورسلِه وما جاءوا به من عنده.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1225>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. قالوا: لن تَمَسَّنا النارُ إِلا تَحِلَّةَ القَسَم التي نَصَبْنا فيها العِجْلَ، ثم يَنْقطِعُ القَسَمُ والعذابُ عَنَّا، قال الله ﷿: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ الآية. قال: قالوا: لن نُعَذَّبَ في النارِ إلا أربعين يومًا. قال: يعني اليهود. قال: وقال قتادةُ مثله. وقال: هي الأيامُ التي نصَبوا فيها العِجْلَ، يقولُ اللَّه ﷿: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ حين قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ قوله: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. قال: غَرَّهم قولهم: هو ﴿لَنْ\n_________\n(^١) تقدم في ٢/ ١٧١، ١٧٢.\n(^٢) أخرج آخره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٣ (٣٣٤٦) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"5","page":297},{"text":"تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-318\"></span><span data-type='title' id=toc-1226>القولُ في تأويلِ قوله ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾.</span>\nيعنى بقوله جل ثناؤه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾: فأَيَّ حالٍ يكونُ حالُ هؤلاء القوم الذين قالوا هذا القولَ، وفعلوا ما فعلوا من إعراضِهم عن كتاب الله، واغتِرارِهم بربِّهم، وافترائهم الكذبَ؟ وذلك من الله ﷿ وعيدٌ لهم شديدٌ، وتهديدٌ غَلِيظٌ.\nوإنما يعنى بقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾ الآية: فما أعظمَ ما يلقون من عقوبة الله وتنكيلِه بهم، إذا جمَعهم ليومٍ يُوَفَّى كلُّ عامل جزاءَ عملِه على قَدْرِ استحقاقه، غيرَ مظلومٍ فيه! لأنه لا يُعاقَبُ فيه إلا على ما اجتَرَم، ولا يُؤاخَذُ إلا بما عمِل، يُجْزَى المحسنُ بإحسانِه، والمسيءُ بإساءته، لا يخافُ أحدٌ مِن خلقِه يومئذٍ منه (^٢) ظُلْمًا ولا هَضْمًا.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. ولم يُقَل: في يومٍ لا ريب فيه؟\nقيل: لمُخالفةِ معنى (^٣) اللامِ في هذا الموضعِ معنَى \"في\"، وذلك أنه لو كان مكانَ اللام \"في\" لكان معنى الكلامِ: فكيف إذا جمَعناهم في يومِ القيامةِ، ماذا يكون لهم من العذاب والعقاب؟ وليس ذلك المعنى في دخول اللام، ولكنَّ معناه مع اللام: فكيف إذا جمَعناهم لِما يَحْدُثُ في يومٍ لا ريب فيه، ولما يكونُ في ذلك\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٣ (٣٣٤٧) من طريق حجاج به. وفىه عن ابن جريج، عن خالد بن الحارث، عن مجاهد.\n(^٢) سقط من م، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بمعنى\".","vol":"5","page":298},{"text":"اليومِ من فَصْلِ اللَّهِ القضاءَ بينَ خَلْقِه، ماذا لهم حينَئذٍ من العقابِ وأليمِ العذاب؟ فمع اللام في: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ نيةُ (^١) فعلٍ، وخبرٌ مطلوبٌ، قد تُرك ذكرُه اجتِزاءً (^٢) بدَلالةِ دخول اللام في \"اليوم\" عليه منه، وليس ذلك مع \"في\"؛ فلذلك اختيرت اللامُ، فأُدْخِلت في \"اليوم\" دونَ \"في\".\nوأمَّا تأويلُ قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. فإنه: لا شكَّ في مَجيئِه.\nوقد دلَّلنا على أنه كذلك بالأدلة الكافيةِ، مع ذكرِ مَن قال ذلك في تأويله، فيما مضَى، بما أغنى عن إعادتِه (^٣).\nوعَنَى بقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ﴾: وَوَفَّى الله، ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾. يعني: ما عملت من خيرٍ وشرٍّ، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. يعنى أنه لا يَبْخَسُ المُحسِنَ جزاءَ إحسانِه، ولا يُعاقِبُ مُسِيئًا بغير جُرْمِه.\n\n<span id=\"aya-319\"></span><span data-type='title' id=toc-1227>القولُ في تأويل قولِه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾.</span>\nأما تأويلُ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾. فإنه: قُلْ يا محمد: يا الله.\nواختلف أهلُ العربيةِ في نَصْبِ ميمِ ﴿اللَّهُمَّ﴾ وهو مُنادى، وحكمُ المنادى المفردِ غيرِ المضافِ الرفعُ، وفى دخول الميم فيه، وهو في الأصلِ \"اللَّهُ\" بغيرِ ميمٍ؛ فقال بعضُهم: إنما زِيدَت فيه الميمان (^٤)؛ لأنه لا يُنادَى بـ \"يا\"، كما يُنادَى الأسماءُ التي لا ألف فيها [ولا لام] (^٥)، وذلك أن الأسماءَ التي لا أَلِفَ ولا لامَ فيها، تُنادَى بـ\n_________\n(^١) في س: \"فيه منه\".\n(^٢) في م: \"أخيرًا\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٣١ - ٢٣٣\n(^٤) في س: \"الميمات\".\n(^٥) سقط من: م.","vol":"5","page":299},{"text":"\"يا\"، كقولِ القائلِ: يا زيدُ، ويا عمرُو. قال: فجُعِلت الميمُ فيه خَلَفًا مِن \"يا\"، كما قالوا: فمٌ ودمٌ (^١) وهمٌ وزُرْقُمْ (^٢) وسُتْهُمٌ (^٣)، وما أشبَهَ ذلك من الأسماءِ والنعوتِ التي يُحْذَفُ منها الحرفُ، ثم يُبْدلُ مكانَه ميمٌ. قال: فكذلك حُذِفَتْ مِن \"اللهمَّ\" \"يا\" التي يُنَادَى بها الأسماءُ التي على ما وَصَفْنا، وجُعلت الميمُ خلفًا منها مما (^٤) في آخر الاسم (^٥).\nوأنكَر ذلك من قولِهم آخرون (^٦)، وقالوا: قد سمِعنا العربَ تُنادِى \"اللهمَّ\" بـ \"يا\" كما تُنادِيه ولا ميمَ فيه. قالوا: فلو كان الذي قال هذا القولَ مُصيبًا في دعواه، لم تدخله العربُ \"يا\"، وقد جاءوا بالخَلَفِ منها. وأنشَدوا في ذلك سماعًا من العرب (^٧):\nوما عليكِ أن تَقُولى كُلَّما\n[صلَّيْتِ أَوْ كَبَّرْتِ] (^٨) يا [اللَّهمَّ ما] (^٩)\nارْدُدْ علينا (^١٠) شيخَنا (^١١) مُسَلَّما\n_________\n(^١) كذا وردت هذه الكلمة في هذا الموضع، وستأتى على الصواب بعد ذلك: \"ابنم\".\n(^٢) كذا في النسخ، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٢٠٣، ولم نجد هذه الكلمة والتي قبلها فيما زيدت فيه الميم آخرا. وينظر شرح تصريف المازنى لابن جنى ١/ ١٥١، والمزهر للسيوطى ٢/ ٢٥٧.\nالزرقم: الشديد الزرق، للمذكر والمؤنث. التاج (زرق).\n(^٣) الستهم: العظيم الاست. اللسان (س ت هـ).\n(^٤) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) وهذا رأى الخليل، نقله عنه سيبويه في الكتاب ٢/ ١٩٦.\n(^٦) هو قول الفراء، ينظر معاني القرآن ١/ ٢٠٣.\n(^٧) معاني القرآن ١/ ٢٠٣، واللسان (أ ل هـ)، والخزانة ٢/ ٢٩٦.\n(^٨) في معاني القرآن، واللسان: \"صليت أو سبحت\"، وفى الخزانة: \"سبحت أو صليت\".\n(^٩) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، واللسان: \"أللهُمَا\".\n(^١٠) في م: \"إلينا\".\n(^١١) الشيخ هنا: الأب أو الزوج.","vol":"5","page":300},{"text":"ويُرْوَى: سَبَّحتِ أو كَبَّرتِ. قالوا: ولم نرَ العرب زادَتْ مِثْلَ هذه الميم إلا مُخففةً في نواقصِ الأسماءِ، مثل [الفم وابنم] (^١) وهم. قالوا: ونحن نرَى أنها كلمةٌ ضُمَّ إليها \"أُمَّ\"، بمعنى: يا اللهُ أُمَّنا يا بخيرٍ، فكثُرت في الكلامِ فاختَلَطت به. قالوا: فالضمةُ (^٢) التي في الهاء من همزة \"أم\" لمَّا تُركت انتَقلت إلى ما قبلَها. قالوا: ونرَى أن قولَ العرب: هَلُمَّ إلينا مِثْلُها، إنما كانت (^٣) \"هَلُمَّ\": \"هل\"، ضُمَّ إليها \"أُمَّ\" فتُرِكَت على نصبها. قالوا: ومِن العربِ من يقولُ إِذا طرَح الميمَ: يا أَللَّهُ اغْفِرْ لى، ويا اللهُ اغْفِرْ لى، بهمزِ (^٤) الألف مِن \"اللَّهِ\" مرةً، ووَصْلِها أُخْرَى. فمن حذَفها أجراها على أصلِها؛ لأنها ألفٌ ولامٌ، مثلُ الألفِ واللام اللتين تَدْخُلان في الأسماءِ المعارفِ زائِدَتين، ومَن [هَمَزها تَوَهَّم أنها من الحرف] (^٥)، إذ كانت لا تَسْقُطُ منه، وأنْشَدُوا في همزِ الألفِ منها (^٦):\nمُبارَكٌ هُوَ وَمَنْ سَمَّاهُ\nعلى اسْمِكَ اللَّهُمَّ يا الله\nقالوا: وقد كَثُرَت \"اللهم\" في الكلام حتى خُفِّفَت ميمُها في بعض اللغات. وأنشُدوا (^٧):\n_________\n(^١) في م: \"فم ودم\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فالهمزة\".\n(^٣) في م: \"كان\".\n(^٤) في ص، ت ٢، ت ٣، س: \"بهمزة\".\n(^٥) في ص، ت ١، س: \"وصلها وحذف الهمزة وتوهم أنها من الحروف\"، ومثله في ت ٢، ت ٣، إلا أن فيهما: \"وصله\" بدلا من: \"وصلها\".\n(^٦) الرجز في معاني القرآن للفراء ١/ ٢٠٤، واللسان (أ ل هـ).\n(^٧) كذا أنشده الفراء في معاني القرآن ١/ ٢٠٤، وهو للأعشى في ديوانه ص ٢٨٣، والشطر الثاني فيه كالرواية الآتية.","vol":"5","page":301},{"text":"كحَلْفَةٍ مِنْ أبى رياحٍ … يَسْمَعُها اللَّهُم (^١) الكُبارُ\nوالرواة تُنشِدُ ذلك (^٢):\n* يَسْمَعُها لاهُهُ الكُبَارُ *\nوقد أنشَده بعضُهم (^٣):\n* يَسْمَعُها الله [واللَّهُ كُبارُ] (^٤) *\n\n<span data-type='title' id=toc-1228>القول في تأويل قوله: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾.</span>\nيعنى بذلك: يا مالك المُلكِ، يا مَن له مُلكُ الدنيا والآخرةِ خالصًا دونَ غيرِه.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمد بن جعفرِ بن الزُّبير قولَه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾. أي: ربَّ العبادِ الملك (^٥)، لا يَقْضِى فيهم غيرُك (^٦).\nوأما قولُه: ﴿وتُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء﴾. فإنه يعنى: تُعْطِى الملك من تشاءُ، فتمَلكُه وتُسَلِّطُه على مَن (^٧) تَشَاءُ.\n_________\n(^١) في م: \"لاهم\".\n(^٢) وهى رواية الديوان كما تقدم.\n(^٣) هو الكسائى كما قال الفراء.\n(^٤) في النسخ: \"والكبار\". والمثبت من معاني القرآن.\n(^٥) في سيرة ابن هشام: \"والملك\".\n(^٦) في سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٨: \"غيره\".\n(^٧) في ص: \"ما\".","vol":"5","page":302},{"text":"وقولُه: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾. [يعنى: وتنزعُ الملكَ ممن تشاء] (^١) أن تَنْزِعَه منه، فترك ذِكْرَ: أَن تَنْزِعَه منه؛ اكتفاءً بدلالةِ قولهِ: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ عليه، كما يُقالُ: خُذْ ما شئتَ، وكُن فيما شئت. يرادُ: خُذْ ما شئتَ أن تأخذه، وكُن فيما شئت أن تكون فيه، وكما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] يعنى: في أيِّ صورةٍ شاء أن يُركِّبَك فيها رَكَّبك.\nوقيل: إن هذه الآية نَزَلت على رسولِ الله ﷺ جوابًا لمسألتِه ربَّه أن يجعَلَ مُلكَ فارس والرومِ لأمتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1229>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: وذُكِرَ لنا أن نبيَّ الله ﷺ سأل ربَّه جل ثناؤُه أن يَجْعَلَ له مُلكَ فارسَ والرومِ في أمتِه، فأنزل الله ﷿: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ إلى ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادة، قال: ذُكر لنا - والله أعلمُ - أن نبيَّ الله ﷺ سأل ربَّه ﷿ أن يَجْعَلَ مُلكَ فارسَ والرومِ في أمتِه. ثم ذكَر مثله (^٣).\nورُوى عن مجاهدٍ أنه كان يقولُ: معنى المُلكِ في هذا الموضعِ النُّبوةُ.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، س.\n(^٢) أخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ٧٠، ٧١ من طريق سعيد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٤ (٣٣٥٢) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"5","page":303},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1230>ذِكْرُ الرواية عنه بذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه جلّ ثناؤه: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾. قال: النُّبوةُ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1231>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾.</span>\nيعني جل ثناؤُه: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بإعطائه المُلك والسُّلطان، وبسط القدرة له، ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بِسَلْبِك مُلْكَه، وتَسْليط عدوِّه عليه، ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ أي: كلُّ ذلك بيدِك وإليك، لا يقدِرُ على ذلك أحدٌ؛ لأنك على كلِّ شيءٍ قديرٌ، دونَ سائرِ خلقِك، ودونَ مَن اتَّخذه المشركون من أهل الكتابِ والأُمِّيينَ مِن العرب إلهًا وربًّا يعبُدونه مِن دونِك، كالمسيحِ والأندادِ التي اتَّخَذَها الأمِّيُّون ربًّا.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبير قولَه: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية. أي: إن ذلك بيدِك لا إلى غيرك، ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أَي: لا يَقْدِرُ على هذا غيرُك بسلطانِك وقدرتِك (^٢).\n\n<span id=\"aya-320\"></span><span data-type='title' id=toc-1232>القولُ في تأويل قولِه: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾.</span>\nيعنى بقوله جل ثناؤه: ﴿تُولِجُ﴾: تُدْخِلُ. يُقالُ منه: قد ولَج فلانٌ منزلَه، إذا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٨٤.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٨.","vol":"5","page":304},{"text":"دخَله، فهو يَلِجُه وَلْجًا ووُلوجًا ولِجَةً. وأَوْلَجَتُه أنا إذا أَدْخَلتَه.\nويعنى بقوله: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾: تُدْخِلُ ما نَقَصْتَ مِن ساعاتِ الليل في ساعاتِ النهارِ، فتَزيدُ مِن نُقصانِ هذا في زيادة هذا، ﴿وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: وتُدْخِلُ ما نقصتَ (^١) مِن ساعاتِ النهارِ في ساعاتِ الليلِ، فتزيدُ في ساعات الليلِ ما نقَصتَ من (^٢) ساعاتِ النهارِ.\nكما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: حتى يكون الليلُ خمس عشرَةَ ساعةً، والنهارُ تِسعَ ساعاتٍ، وتُدْخِلُ النهارَ في الليلِ، حتى يكون النهارُ خمسَ عشرةَ ساعةً، والليلُ تِسعَ ساعاتٍ (^٣).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفصُ بنُ (^٤) عمرَ، عن الحكَم بن أبانٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ما نقَص من النهارِ يَجْعَلُه في الليل، وما نقَص مِن الليلِ يَجْعَلُه في النهار (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. قال: ما يَنْقُصُ مِن أحدهما (^٦) في الآخرِ، متعاقبان (^٧) أو يتعاقبان - شكَّ أبو عاصمٍ - ذلك من\n_________\n(^١) في ت ١: \"نقصته\".\n(^٢) في ت ١: \"في\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٥ (٣٣٥٩) من طريق عمرو به.\n(^٤) في النسخ: \"عن\". وتقدم في ١/ ٤١٥.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، وهو عند ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٥ (٣٣٥٨) من طريق حفص بن عمر، عن الحكم، عن عكرمة قوله.\n(^٦) بعده في م: \"يدخل\".\n(^٧) في ص، ت ١: \"متعقبان\"، وفى ت ٢: \"متعقبات\".","vol":"5","page":305},{"text":"الساعاتِ (^١).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: ما يَنْقُصُ مِن أحدِهما في الآخر، يتعاقبان ذلك من الساعات.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ قولَه: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: نُقْصانُ الليلِ في زيادةِ النهارِ، ونُقصانُ النهارِ في زيادةِ الليلِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. قال: هو نُقْصانُ أحدهما في الآخرِ (^٢).\nحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ في قولِه: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. قال: يَأخذُ الليلُ من النهارِ، ويأخذُ النهارُ من الليلِ. يقولُ: نقصانُ الليلِ في زيادة النهارِ، ونقصانُ النهارِ في زيادةِ الليل.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. يعنى أنه يأخذُ أحدُهما مِن الآخرِ، فيكونُ الليلُ أحيانًا أطولَ من النهارِ، والنهارُ أحيانًا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٥٠ بنحوه.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٧.","vol":"5","page":306},{"text":"أطول من الليل (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. قال: هذا طويلٌ وهذا قصيرٌ، أخَذ من هذا فأوْلَجه في هذا، حتى صار هذا طويلًا وهذا قصيرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1234>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾.</span>\nاختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُ ذلك أنه يُخرجُ الشئَ الحيَّ مِن النُّطفةِ المَيِّتةِ، ويُخرِجُ النُّطفة الميِّتةَ من الشئ الحيِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1233>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبد الله في قولِه: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: هي النُّطفةُ تَخْرجُ من الرجلِ وهى ميّتةٌ وهو حيٌّ، ويَخْرجُ الرجلُ منها حيًّا وهى ميِّتةٌ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله ﷿: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: الناسُ الأحياءُ من النُّطَفِ والنَّطَفُ ميتةً، ويُخْرِجُها مِن الناس الأحياءِ والأنعام (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٦، ٦٢٧ (٣٣٦٤، ٣٣٦٨) من طريق الأعمش به بنحوه، وهو في تفسير سفيان ص ٧٦ عن الأعمش عن إبراهيم قوله.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٧ (٣٣٦٩) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وزاد في آخره: والنبات كذلك أيضا. وأشار ابن أبي حاتم إلى أنه ليس عند ورقاء وشبل ذكر النبات. وينظر تفسير مجاهد ص ٢٥٠، ٢٥١.","vol":"5","page":307},{"text":"حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سلَمةَ بن نُبيطٍ، عن الضَّحاكِ في قولِه: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾، فذكر نحوه (^١).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. فالنُّطفةُ ميتةٌ تكونُ، [تَخرُجُ مِنْ] (^٢) إنسانٍ حيٍّ، ويَخرُجُ إنسانٌ حَيٌّ مِن نطفةٍ ميتةٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ [عمر بن عليّ بن] (^٤) عطاءٍ المُقَدَّميُّ، قال: ثنا أَشْعَثُ السِّجستانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ في قولِه: أبى خالد في قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: تُخْرِجُ النُّطفة من الرجلِ، والرجلَ من النطفةِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: تُخْرِجُ الحيَّ من هذه النطفة المَيتةِ، وتُخرجُ هذه النطفةَ المَيتةَ من الحيِّ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ الآية.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٦، ٦٢٧ معلقًا عقب الأثر (٣٣٦٤، ٣٣٦٨).\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يخرج منها\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٧ عقب الأثر (٣٣٦٨) من طريق عمرو به.\n(^٤) في ص، ت ١، س: \"عمرو بن علي عن\"، وفى م، ت ٢، ت ٣: \"عمرو، وابن علي عن\". وتقدم على الصواب.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٧.","vol":"5","page":308},{"text":"قال: الناسُ الأحياءُ مِن النُّطْفِ، والنُّطفُ ميتةٌ مِن الناسِ الأحياءِ، ومن الأنعامِ والنَّبْتِ كذلك. قال ابن جُريجٍ: وسمِعتُ يزيدَ بن عُوَيْمِرٍ يُخْبرُ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، قال: إخراجُه النطفةَ من الإنسانِ، وإخراجُه الإنسانَ مِن النطفة (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ قال: النطفةُ ميتةٌ فتُخْرِجُ منها أحياءٌ، ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾: تُخْرِجُ النطفَ مِن هؤلاء الأحياءِ، والحبُّ ميتٌ تُخْرِجُ منه حيًّا، ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾: تُخْرِجُ مِن هذا الحبِّ (^٢) الحيِّ حبًّا ميتًا.\nوقال آخَرون: معنى ذلك أنه يُخْرِجُ النخلةَ النواةِ، والنواةِ من النخلة، والسُّنْبلَ مِن الحبِّ، والحبَّ مِن السُّنْبُلِ، والبَيْضَ من الدجاجِ، والدجاجَ مِن البيضِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1235>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، قال: ثنا عُبَيدُ (^٣) اللَّهِ، عن عكرمة قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾. قال: هي البيضةُ تَخرُجُ مِن الحيِّ وهى ميتةٌ، ثم يَخرُجُ منها الحيُّ (^٤).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، عن الحكمِ بن\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم تخريجه عن مجاهد في ص ٣٠٧. وقول سعيد ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٦، ٦٢٧، عقب الأثر (٣٣٦٤، ٣٣٦٨) معلقًا.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في النسخ: \"عبد\". والمثبت من مصدر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٨٠.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٧، ٦٢٨ (٣٣٦٦، ٣٣٧١) من طريق أبى تميلة به.","vol":"5","page":309},{"text":"أبان، عن عِكرمةَ في قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: النخلةُ من النواة، والنواةُ من النخلةِ، والحَبةُ من السُّنبُلةِ، والسُّنبُلةُ من الحبَّة (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك أنه يُخرِجُ المؤمنَ مِن الكافرِ، والكافرَ من المؤمنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1236>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾، يعنى: المؤمِنَ مِن الكافرِ، والكافرَ من المؤمنِ، والمؤمنُ عبدٌ حيُّ الفؤادِ، والكافرُ عبدٌ مَيِّتُ الفؤادِ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، قال: قال الحسنُ في قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: يُخرِجُ المؤمنَ مِن الكافِرِ، ويُخرِجُ الكافرَ مِن المؤمن (^٣).\nحدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارث [بنُ سعيدٍ، عن عمرٍو] (^٤)، عن الحسنِ قرَأ: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: تُخرِجُ المؤمنَ من الكافرِ، وتُخرج الكافرَ من المؤمنِ.\nحدَّثنى حميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا سليمانُ التيميُّ، عن أبي عثمان، عن سلمان، أو عن ابن مسعودٍ - وأكبرُ (^٥) ظنِّي أنه عن سلمانَ -\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٧.\n(^٤) في النسخ: \"عن سعيد بن عمرو\".\n(^٥) في س: \"أكثر\".","vol":"5","page":310},{"text":"قال: إن الله ﷿ خَمَّر طينةَ آدمَ أربعينَ ليلةً - أو قال: أربعين يومًا - ثم قال [بيده فيه] (^١)، فخرج كلُّ طَيِّبٍ في يمينِه، وخرَج كلُّ خَبِيثٍ في يده الأُخرى، ثم خلَط بينهما. [وقال:] (^٢) فمِن ثَمَّ يُخرِجُ (^٣) الحيَّ مِن الميتِ، ويُخرِجُ الميتَ مِن الحيِّ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، أن النبيَّ ﷺ دخَل على بعضِ نسائِه، فإذا بامرأةٍ حَسَنة النعمة (^٥)، فقال: \"مَن هذه؟ \" قالت: إحدى خَالاتِك. قال: \"إن خَالاتى بهذه البلدةِ لغَرائبُ، وأيُّ خالاتِى هذه؟ \" قالت: خالدةُ (^٦) ابنهُ الأسودِ بن عبدِ يَغُوثَ. قال: \"سُبحانَ الذي يُخرج الحيَّ من الميت! \" وكانت امرأةً صالحةً، وكان أبوها كافرًا (^٧).\nحدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحنفيُّ، قال: ثنا عبَّادُ بن منصورٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: هل علمتم أن الكافرَ يَلِدُ مؤمنًا، وأن المؤمنَ يَلِدُ كافرًا؟ فقال: هو كذلك.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بعده فيه\"، وفى س: \"بعده\".\n(^٢) في م، وتفسير ابن أبي حاتم: \"ثم خلق منها آدم\"، وليست في بقية مصادر التخريج.\n(^٣) بعده في ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٤) بعده في م، وتفسير ابن أبي حاتم: \"يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن\".\nوالأثر أخرجه الآجرى في الشريعة ٢/ ٨٥٤ (٤٣١، ٤٣٢)، وأبو الشيخ في العظمة ص ٣٦٩ (١٠١٨)، والبيهقى في الأسماء والصفات ص (٧١٧) من طريق سليمان التىمى عن أبي عثمان عن سلمان وحده.\nوأخرجه ابن أبي حاتم أيضا في تفسيره ٢/ ٦٢٧ (٣٣٦٧) من طريق سليمان به كلفظ المطبوعة.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"النغمة\"، وفى مصادر التخريج: \"الهيئة\".\n(^٦) في النسخ: \"خلدة\" بدون ألف.\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٧. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٦ (٣٣٦٢) عن الحسن بن يحيى به.\nوأخرجه ابن سعد ٨/ ٢٤٨، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٦ (٣٣٦٠) من طريق معمر به نحوه وعند ابن أبى حاتم عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله. وينظر الإصابة ٥/ ٥٩٧.","vol":"5","page":311},{"text":"وأوْلَى التأويلات التي ذَكرناها في هذه الآيةِ بالصوابِ تأويلُ مَن قال: يُخرِجُ الإنسان الحيَّ (^١) والأنعامَ والبهائمَ الأحياءَ من النُّطْفِ المَيتةِ، وذلك إخراجُ الحيِّ من الميتِ، ويُخرِجُ النُّطفة المَيتةَ من الإنسانِ الحيِّ والأنْعامِ والبهائم الأحياءِ، وذلك إخراجُ المَيتِ منِ الحيِّ. وذلك أن كلَّ حيٍّ فارقه شيءٌ من جسدِه، فذلك الذي فارَقه منه ميتٌ، فالنُّطفةُ مَيتةٌ لمُفارقتِها جسدَ مَن خرَجت منه، ثم يُنْشِئُ اللَّهُ منها إنسانًا حيًّا وبهائمَ وأنعامًا أحياءَ، وكذلك حُكْمُ كلِّ شيءٍ حيٍّ زايَله شيءٌ منه، فالذي زايَله منه مَيِّتٌ. وذلك هو نَظيرُ قولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾.\nوأما تأويلُ مَن تأوَّله بمعنى الحَبَّةِ مِن السُّنبلة، والسُّنبلة من الحبةِ، والبَيضةِ مِن الدَّجاجةِ، والدَّجاجة من البيضةِ، والمؤمنِ من الكافرِ، والكافرِ من المؤمنِ، فإن ذلك وإن كان له وجهٌ مفهومٌ، فليس ذلك الأغلبَ الظاهرَ في استعمالِ الناسِ في الكلامِ. وتوجيهُ معاني كتاب الله ﷿ إلى الظاهرِ المُسْتَعمل في الناسِ، أَوْلَى من توجيهِها إلى الخفيِّ القليلِ في الاستعمالِ.\nواختلفتِ القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته جماعةٌ منهم: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾، بالتشديد وتَثقيلِ الياءِ من \"الميت\" (^٢)، بمعنى أنه يُخرجُ الشئ الحَيَّ مِن الشئِ الذي قد مات ومما لم يَمُت.\nوقرأت جماعةٌ أخرى منهم: (تُخْرِجُ الحيَّ منَ المَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيْتَ من الحيِّ) بتخفيف الياءِ من \"الميت\"، بمعنى أنه يُخرِجُ الشئَ الحَيَّ مِن الشئِ الذي قد مات،\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) وهى قراءة نافع وعاصم - في رواية حفص - وحمزة والكسائى، وقرأ ابن كثير وعاصم - في رواية أبى بكر - وأبو عمرو وابن عامر، بالتخفيف، وسيذكره المصنف. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٠٤.","vol":"5","page":312},{"text":"دونَ الشئِ الذي لم يَمُت، ويُخرجُ الشئَ الميتَ دونَ الشئِ الذي لم يَمُت من الشئِ الحيِّ.\nوذلك أن الميِّتَ مُثقلَ الياءِ عندَ العربِ، ما لم يَمُت وسيموتُ، وما قد مات. وأما الميْتُ مُخفّفًا، (^١) فهو الذي قد مات، فإذا أرادوا النعت قالوا: إنك مائتٌ غدًا، وإنهم مائِتون. وكذلك كلُّ ما لم يَكُنْ، بعدُ، فإِنه يَخْرُجُ على هذا المثالِ الاسمُ منه. يقالُ: هو الجائدُ بنفسه، والطائبةُ نفسُه بذلك. وإذا أُريد معنى الاسمِ قيل: هو الجوادُ بنفسِه، والطيبةُ نفسُه.\nفإذ كان ذلك كذلك، فأوْلَى القراءتين في هذه الآية بالصواب (^٢) قراءةُ من شدَّدَ الياءَ مِن \"الميِّتِ؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه يُخرِجُ الحيَّ مِن النطفةِ التي قد فارقت الرجلَ، فصارت ميِّتةً، وسيُخرجُه منها بعدَ أن تُفارِقَه وهى في صُلبِ الرجلِ، ويُخرِجُ الميِّتَ من الحيِّ؛ النطفةَ التي تصيرُ بخروجِها من الرجل الحيِّ ميِّتًا، وهى قبل خروجِها منه حيةٌ، فالتشديدُ أبلغُ في المدحِ وأكملُ في الثناء.\n\n<span data-type='title' id=toc-1237>القولُ في تأويل قولِه: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤُه أنه يُعطى مَن يشاءُ مِن خلقِه، فيَجودُ عليه بغير محاسبةٍ منه لمَن أعطاه؛ لأنه لا يخافُ دخولَ انتقاصٍ في خزائنِه، ولا الفناءَ على ما بيده.\nكما حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال: يُخرجُ الرزق من عنده بغير حسابٍ، لا يخافُ أن يَنْقُصَ ما عنده ﵎ (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مخفف\"، وفى س: \"فيخفف\".\n(^٢) كلتا القراءتين صواب.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٨ (٣٣٧٣) من طريق ابن أبي جعفر به نحوه.","vol":"5","page":313},{"text":"فتأويلُ الآية إذن: اللهمَّ يا مالكَ الملكِ، تُؤتى الملكَ من تشاءُ، وتَنزِعُ الملكَ ممن تشاءُ، وتُعِزُّ مَن تشاءُ، وتُذِلُّ مَن تشاءُ، بيدِك الخيرُ، إنك على كلِّ شيءٍ قديرٌ، دونَ مَن ادَّعَى المُلْحِدون أنه لهم إلهٌ وربٌّ، وعبَدوه دونَك، أو (^١) اتَّخَذوه شريكًا معَك، أو أنه لك ولدٌ. وبيدِك القدرةُ التي تفعلُ هذه الأشياءَ، وتَقْدِرُ بها على كلِّ شيءٍ، تُولِجُ الليلَ في النهارِ، وتُولجُ النهارَ في الليلِ، فتَنْقُصُ مِن هذا وتَزيدُ في هذا، وتَنْقُصُ مِن هذا [وتَزيدُ] (^٢) في هذا، وتُخرِجُ من مَيِّتٍ حَيًّا، ومن حيٍّ ميِّتًا، وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بغيرِ حسابٍ من خلقِك، لا يَقْدِرُ على ذلك أحدٌ سواك، ولا يَسْتطيعُه غيرُك.\nكما حدَّثني ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفر بن الزُّبير: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. أي: بتلك القدرةِ، يعنى بالقدرة التي تُؤتى الملكَ بها مَن تَشاءُ وتَنزِعُه (^٣) ممن تَشاءُ، وتَرْزُقُ مَن تشاءُ بغير حسابٍ، لا يَقْدِرُ على ذلك غيرُك، ولا يَصْنَعُه إلا أنت. أي: فإن كُنْتُ سَلَّطتُ عيسى على الأشياء التي بها يَزْعُمون أنه إلهُ؛ مِن إحياءِ الموتى، وإبراء الأسقامِ، والخَلْقِ للطير من الطينِ، والخَبَرِ عن الغيوب؛ [لأجعله آيةً] (^٤) للناسِ، وتصديقًا له في نبوَّته التي بعثتُه بها إلى قومه، فإن من سلطانى وقدرتى ما لم أُعْطِه؛ تمليك (^٥) الملوك، [وأمر النبوةِ ووضعها] (^٦) حيثُ\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٢) في ص: \"فتزيد\".\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"تنزعها\".\n(^٤) في ص، م، ت ٢، س: \"لتجعله\"، وفى س، ت:١: \"ليجعله\"، وغير منقوطة في ص، والمثبت من سيرة ابن هشام، وبعده فيها أيضًا: \"به\".\n(^٥) في م: \"كتمليك\"، والمثبت موافق لما في سيرة ابن هشام.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يأمر النبوة ووصفها\".","vol":"5","page":314},{"text":"شئتُ، وإيلاجَ الليلِ في النهارِ والنهارِ في الليلِ، وإخراج الحيِّ مِن المَيِّتِ والمَيِّتِ مِن الحيِّ، ورزقَ مَن شِئْتُ مِن برٍّ أو فاجرٍ بغير حسابٍ، فكلُّ ذلك لم أُسَلِّطْ عيسى عليه، ولم أُمَلِّكه إياه، فلم (^١) يَكُنْ لهم في ذلك عبرةٌ وبيِّنةٌ أن (^٢) لو كان إلهًا لكان ذلك كلُّه إليه، وهو في علمِهم يَهرُبُ مِن الملوكِ، وينتقِلُ منهم في البلادِ مِنْ (^٣) بلد إلى بلدٍ (^٤)!\n\n<span id=\"aya-321\"></span><span data-type='title' id=toc-1238>القولُ في تأويل قولِه: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾.</span>\nوهذا نهىٌ مِن الله ﷿ المؤمنين أن يَتَّخِذوا الكفار أعوانًا وأنصارًا وظهورًا، ولذلك كسَر ﴿يَتَّخِذِ﴾؛ لأنه في موضع جزمٍ بالنهى، ولكنه كسر الذالَ منه للساكن الذي لقيَه وهى ساكنةٌ.\nومعنى ذلك: لا تَتَّخِذوا أيها المؤمنون الكفار ظَهْرًا وأنصارًا، تُوالونهم على ديِنهم، وتُظاهرونهم على المسلمين من دونِ المؤمنين، وتَدلُّونهم على عوراتهم، فإنه مَن يَفْعَلْ ذلك ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾، يعنى بذلك: فقد برِئَ مِن الله، وبَرِئَ الله منه، بارتدادِه عن دينِه، ودخولِه في الكفرِ، ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾: إلا أن تَكُونوا في سُلطانهم فتخافوهم على أنفسِكم، فتظهروا لهم الوَلايةَ بألسنتِكم، وتُضْمِروا لهم العداوةَ، ولا تُشايعوهم (^٥) على ما هم عليه مِن الكفرِ، ولا\n_________\n(^١) في سيرة ابن هشام: \"أفلم\" وفى نسخة منها كالمثبت.\n(^٢) في م: \"إذ\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"ومن\"، وفى س: \"أو من\".\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٨.\n(^٥) في ت ٢ ت ٣: \"تتابعوهم\"، وفى س: \"تسابقوهم\".","vol":"5","page":315},{"text":"تُعينوهم على مُسْلمٍ بفعلٍ.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاوية بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: نهى الله سبحانه المؤمنين أن يُلاطِفوا الكفار، أو يَتَّخِذوهم وَليجةً مِن دونِ المؤمنين، إلا أن يكون الكفارُ عليهم ظاهرين، فيُظهروا لهم اللطف، ويُخالفوهم في الدين، وذلك قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عِكرمةَ، أو عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان الحَجَّاجُ بنُ عمرٍو، حليفُ كعب بن الأشرف، وابنُ أبى الحُقيقِ، وقيسُ بنُ زيدٍ، قد بطَنُوا (^٢) بنفرٍ من الأنصارِ ليفتِنوهم عن دينِهم، فقال رِفاعةُ بنُ المُنْذرِ بن زَنْبَرٍ (^٣)، وعبدُ الله بنُ جُبيرٍ، وسعدُ بنُ خَيثمةَ، لأولئك النفرِ: اجتنبُوا هؤلاء اليهودَ، واحْذَروا لُزومهم ومُباطنَتهم، لا يَفْتِنوكم عن دينكِم. فأبَى أولئك النفرُ إلا مُباطنتَهم ولُزومهم، فأنزل الله ﷿: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٦٢٨ (٣٣٧٥) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) بطن فلان بفلان: إذا كان خاصا به داخلا في أمره. اللسان (ب ط ن).\n(^٣) سقط من: س، وغير منقوطة في ص، ت ١، وفى م: \"زبير\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"زهير\". وينظر المؤتلف والمختلف ٣/ ١١٤٠، وتبصير المنتبه لابن حجر ص ٦٤٠.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٩ (٣٣٧٧) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن على محمد بن أبى محمد قوله. وذكره الواحدى في أسباب النزول ص ٧٢، ٧٣ عن ابن عباس ولم يسنده.","vol":"5","page":316},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبادُ بنُ منصورٍ. عن الحسن في قوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: لا يَتَّخذ المؤمنُ كافرًا وليًّا مِن دونِ المؤمنين.\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ﴾. إلى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾: أمَّا ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، فيواليهم في دينهم، ويُظْهِرُهم على عورةِ المؤمنينَ، فمن فعَل هذا فهو مُشْرِكٌ، فقد برئ الله منه، إلا أن يَتَّقِى منهم تُقاةً، فهو يُظهِرُ الوَلاية لهم في دينِهم والبراءةَ من المؤمنين (^١).\nحدَّثني المُثنَى، قال: ثنا قَبيصةُ بنُ عُقْبَةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جُرَيجٍ، عمّن حدَّثه عن ابن عباسٍ: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. قال: التَّقاةُ التَّكَلمُ باللسان وقلبُه مُطْمئنٌّ بالإيمان (^٢).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمة في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. قال: ما لم يُهَرِقْ دَمَ مسلمٍ، وما لم يَسْتَحِلَّ ماله (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبى نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: إلا مصانعةً في الدنيا ومُخالقةٌ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٩ (٣٣٧٦، ٣٣٧٨، ٣٣٧٩) من طريق عمرو به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٩ (٣٣٨٢) من طريق سفيان، عن ابن عباس بنحوه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٩ (٣٣٨٠) من طريق حفص به.\n(^٤) غير منقوطة في ص، وفى ت ١: \"مخالفة\". وخالقه مخالفة: إذا عاشره على أخلاقه. التاج (خ ل ق).\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٢٥١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٠ (٣٣٨٥)، من طريق ابن أبى نجيح به. وليس في تفسير مجاهد: ومخالفة.","vol":"5","page":317},{"text":"حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. قال: قال أبو العاليةِ: التَّقيَّةُ باللسانِ، وليس بالعملِ (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخْبرَنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. قال: التَّقِيةُ باللسانِ، مَن حُمِل على أمرٍ يَتَكَلَّمُ به وهو للهِ معصيةٌ، فتَكَلَّم مَخافةً على نفسِه وقلبُه مُطْمئنٌّ بالإيمانِ، فلا إثمَ عليه، إنما التَّقيةُ باللسانِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾: فالتَّقيةُ باللسانِ، مَن حُمِل على أمرٍ يَتَكلَّمُ به وهو معصيةٌ للَّهِ، فيَتكلمُ به مخافةَ الناسِ وقلبُه مُطمئنٌّ بالإيمانِ، فإن ذلك لا يضرُّه، إنما التقيةُ باللسانِ (^٣).\nوقال آخرون: معنى (^٤) ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾: إلا أن يكونَ بينك وبينه قرابةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1239>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَتَّخِذِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٠ (٣٣٨٣) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٠ عقب الأثر (٣٣٨٤) معلقًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٩ (٣٣٨١) عن محمد بن سعد به.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ذلك\".","vol":"5","page":318},{"text":"الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً (^١)﴾: نهى الله المؤمنينَ أن يُوادُّوا الكفارَ، أو يَتَولُّوهم دونَ المؤمنين، وقال الله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً (^١)﴾، الرَّحِمُ مِن المشركينَ، مِن غيرِ أن يَتَوَلُّوهم في دينِهم، إلا أن يَصِلَ رحمًا له في المشركين.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبد الرزاقِ، قال: أَخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾. قال: لا يَحِلُّ المؤمنٍ أن يَتخذَ كافرًا وليًّا في دينِه، وقولُه: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. قال: أن يكونَ بينَك وبينَه قرابةٌ، فتَصِلَه لذلك (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال ثنا عبَّادُ بنُ منصورٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. قال: صاحِبْهم في الدنيا معروفًا، الرَّحِمَ (^٣) وغيرَه، فأَمَّا في الدِّينِ فلا.\nوهذا الذي قاله قتادةُ تأويلٌ له وجهٌ، وليس بالوجهِ الذي يَدُلُّ عليه ظاهرُ الآيةِ: إلَّا أن تتقوا [من الكافرين] (^٤) تُقاةً. فالأغلبُ من معاني هذا الكلامِ: إلا أن تَخافوا منهم مَخافةً. فالتَّقيَّةُ التي ذكَرها الله في هذه الآيةِ إنما هي تَقِيةٌ مِن الكفارِ لا مِن غيرِهم. ووَجَّهَه قتادةُ إلى أن تأويلَه: إلا أن تَتَّقوا الله مِن أجلِ القَرابةِ التي بينكم وبينهم تُقاةً، فتَصِلون رَحِمَها. وليس ذلك الغالبَ على معنَى الكلامِ، والتأويلُ في القرآنِ على الأغلبِ الظاهرِ من معروفِ كلامِ العربِ، المستعملِ فيهم.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٣: \"تقية\". قراءة، وسيذكرها المصنف بعد قليل.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٨. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٠ (٣٣٨٦) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"والرحم\".\n(^٤) في س: \"منهم\".","vol":"5","page":319},{"text":"وقد اخْتَلفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ الأمصارِ ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ على تقديرِ فُعَلَةٍ مثل: تُخَمَةٍ، وتُؤَدَةٍ، وتُكَأَةٍ، مِن \"اتَّقَيْت\".\nوقرَأ ذلك آخَرون: (إلَّا أنْ تَتَّقُوا منهم تَقِيَّةً). على مثالِ فَعِيلَةٍ (^١).\nوالقراءةُ التي هي القراءةُ عندَنا قراءةُ مَن قرأها: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾؛ لثُبوتِ حُجَّةِ ذلك بأنه القراءةُ الصحيحةُ، بالنقلِ المُستفيضِ الذي يَمْتنِعُ معه (^٢) الخطأُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1240>القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾.</span>\nيَعنى تعالى ذِكْرُه بذلك: ويُخَوِّفُكم الله مِن نفسِه أن تَرْكَبُوا معاصِيَه، أو تُوالُوا أعداءَه، [فإلى اللهِ] (^٣) مَرْجِعُكُم ومصيرُكم بعدَ مماتِكم، ويومُ حشرِكم لموقفِ الحسابِ. يَعنى بذلك: متى صِرْتُم إليه وقد خالَفْتُم ما أمرَكم به، وأتَيْتُم ما نهاكم عنه من اتخاذِ الكافرينَ أولياءَ مِن دونِ المؤمنين نالكم مِن عقابِ ربِّكم ما لا قِبَلَ لكم به. يقولُ: فاتَّقُوه واحْذَروه أن ينالَكم ذلك منه، فإنه شديدُ العقابِ.\n\n<span id=\"aya-322\"></span><span data-type='title' id=toc-1241>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) وهي رواية المفضل عن عاصم، وبها قرأ يعقوب - وهو من العشرة - ووافقه الحسن، وقرأ الباقون بالوجه الأول. ينظر البحر المحيط ٢/ ٤٢٤، وإتحاف فضلاء البشر ص ١٠٤.\n(^٢) في النسخ: \"منه\". وهو تصحيف. والصواب ما أثبت.\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"فإن الله\"، وفى م: \"فإن الله\".","vol":"5","page":320},{"text":"يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: قل يا محمدُ للذين أمَرْتُهم ألا يتَّخِذوا الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين: ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ مِن مُوالاةِ الكفارِ فتُسِرُّوه (^١)، أو تُبْدوا ذلكم مِن نفوسِكم بألسنتِكم وأفعالِكم فتُظهِروه، ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، فلا يَخْفَى عليه. يقولُ: فلا تُضْمِرُوا لهم مودَّةً ولا تُظْهِرُوا لهم مُوالاةً، فيَنالَكم مِن عُقوبةِ ربِّكم ما لا طاقةَ لكم به؛ لأنه يعلمُ سِرَّكم وعَلانيتَكم، فلا يَخْفَى عليه شيءٌ منه، وهو مُحْصِيه عليكم، حتى يُجازيَكم عليه بالإحسانِ إحسانًا، وبالسيئةِ مثلَها.\nكما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: أخبرهم أنه يَعْلَمُ ما أَسَرُّوا مِن ذلك وما أعلنوا، فقال (^٢): ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾ (^٣).\nوأمَّا قولُه: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فإنه (^٤) يَعنى أنه إذا (^٥) كان لا يَخْفَى عليه شيءٌ هو في سماءٍ أو أرضٍ أو حيثُ كان، فكيف يَخْفَى عليه - أيُّها القومُ الذين يَتَّخِذون الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين - ما في صدورِكم من المَيْلِ إليهم بالمودةِ والمحبةِ، أو ما تُبْدُونه لهم بالمعونةِ فعلًا وقولًا؟\nوأمَّا قولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فإنه يعنى: والله قديرٌ على مُعاجَلتِكم بالعقوبةِ (^٦) على مُوالاتِكم إياهم، ومُظاهرتِكموهم على المؤمنين، وعلى ما يشاءُ من الأمورِ كلِّها، لا يَتَعذَّرُ عليه شيءٌ أراده، ولا يَمْتنِعُ عليه شيءٌ طلَبه.\n_________\n(^١) في س: \"فتستروه\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قال\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣١ (٣٣٨٩) من طريق عمرو به.\n(^٤) في ت ١، س: \"فإنما\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إذ\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"والعقوبة\".","vol":"5","page":321},{"text":"<span id=\"aya-323\"></span><span data-type='title' id=toc-1242>القولُ في تأويل قوله ﷿: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ويُحَذِّرُكم اللهُ نَفْسَه في يوم تَجِدُ كلُّ نفسٍ ما عملت من خيرٍ مُحْضَرًا مُوفَّرًا، ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾. يعنى: غايةً بعيدةً، فإنَّ مصيركم أيها القومُ يومئذٍ إليه، فاحْذَرُوه على أنفسكم من ذنوبكم.\nوكان قتادةُ يقولُ في معنَى قولِه: ﴿مُحْضَرًا﴾. ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾. يقولُ: مُوَفَّرًا (^١).\nوقد زعم بعضُ (^٢) أهل العربيةِ أن معنَى ذلك: واذْكُرُ (^٣) يومَ تَجِدُ. وقال: إن ذلك إنما جاء كذلك؛ لأن القرآنَ إنما نزَل للأمرِ والذِّكْرِ، كأنه قيل لهم: اذكُروا كذا وكذا؛ لأنه في القرآنِ في غيرِ موضعٍ: واتَّقُوا يوم كذا، وحينَ كذا.\nوأما ﴿مَا﴾ التي مع ﴿عَمِلَتْ﴾ فبمعنى \"الذي\"، ولا يجوزُ أن تكونَ جزاءً، لوقوع ﴿تَجِدُ﴾ عليه (^٤).\nوأمَّا قولُه: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾. فإنه معطوفٌ على قولِه: ﴿مَا﴾ الأُولَى، و﴿عَمِلَتْ﴾ صِلةٌ بمعنَى الرفعِ، لمَّا (^٥) قيل: ﴿تَوَدُّ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣١ (٣٣٩٢) من طريق يزيد به.\n(^٢) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٤) الوقوع: التعدى.\n(^٥) في النسخ: \"كما\". والمثبت ما يقتضيه السياق. وينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٢٠٦.","vol":"5","page":322},{"text":"فتأويلُ الكلامٍ: يومَ تَجِدُ كلُّ نفسٍ الذي عمِلت من خيرٍ مُحضرًا، والذي عمِلت مِن سُوءٍ تَوَدُّ لو أن بينَها وبينَه أمدًا.\nوالأمدُ (^١) الغايةُ التي يُنْتَهَى إليها، ومنه قولُ الطِّرِمَّاح (^٢):\nكُلُّ حيٍّ مُسْتَكْمِلٌ عِدَّةَ العُمْـ … ــرِ ومُودٍ (^٣) إِذا انْقَضَى أَمَدُهُ (^٤)\nيعنى: غايةُ أجلِه.\nوقد حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾: مكانًا بعيدًا (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿أَمَدًا بَعِيدًا﴾. قال: أجلًا (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبَّادُ بنُ منصورٍ، عن الحسن في قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾. قال: يَسُرُّ أحدهم ألا يَلْقَى عمله ذاك أبدًا، يكون ذلك مُناه، وأما في الدنيا فقد كانت خطيئتُه يَسْتَلِذُّها (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-1243>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: ويُحَذِّرُكم الله نفسَه أن تُسْخِطُوها عليكم برُكوبِكم ما\n_________\n(^١) في ص: \"فإن\".\n(^٢) ديوانه ص ١٩٧.\n(^٣) مود: هالك.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أجله\"، وفى الديوان: \"عدده\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٢ (٣٣٩) من طريق عمرو به.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧ إلى المصنف.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣١ (٣٣٩٤) من طريق أبى بكر الحنفى به.","vol":"5","page":323},{"text":"يُسْخِطُه عليكم، فتوافُوه (^١) يومَ تجدُ كلُّ نفسٍ ما عمِلت من خيرٍ محضرًا، وما عمِلت من سوءٍ تودُّ لو أن بينَها وبينَه أمدًا بعيدًا، وهو عليكم ساخطٌ، فيَنالَكم من أليمِ عقابِه ما لا قِبَلَ لكم به.\nثم أخبر ﷿ أنه رءوفٌ بعباده رحيمٌ بهم، ومن رأفته بهم تَحذِيرُه إيَّاهم نفسه، وتخويفُهم عقوبتَه، ونَهيُه إيَّاهم عما نهاهم عنه مِن معاصيه.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن ابن عُيينةَ، عن عمرٍو، عن (^٢) الحسنِ في قولِه: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال (^٣): مِن رأفتِه بهم أن حذَّرهم نفسَه (^٤).\n\n<span id=\"aya-324\"></span><span data-type='title' id=toc-1244>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي أُنزِلتْ هذه الآيةُ فيه؛ فقال بعضُهم: أُنزِلت في قومٍ قالوا على عهد النبيِّ ﷺ: إِنَّا نُحِبُّ رَبَّنَا. فَأَمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعزَّ نبيَّه محمدًا ﷺ أن يقولَ لهم: إن كُنتم صادِقين فيما تَقولون فاتَّبعونى، فإنَّ ذلك علامةُ صِدْقِكم فيما قُلْتُم مِن ذلك.\n_________\n(^١) في م: \"فتوافونه\".\n(^٢) في النسخ: \"بن\". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ١٢٣.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س: \"هو\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٢ (٣٣٩٨) من طريق الفضيل بن عياض، عن الحسن.","vol":"5","page":324},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1245>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن بكرِ بن الأسودِ، قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ: قال قومٌ على عهدِ النبيِّ ﷺ: يا محمدُ، إنَّا نُحِبُّ ربَّنا. فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. فجعَل اتِّباع نبيِّه محمدٍ ﷺ عَلَمَّا لُحبِّه، وعذابِ مَن خالَفه (^١).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا عليُّ بنُ الهَيثمِ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّاب، عن أبي عُبيدةَ، قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ: قال أقوامٌ على عهدِ رسول الله ﷺ: يا محمدُ، إنّا لنُحِبُّ ربَّنا. فأَنزَل الله جلَّ وعزَّ بذلك قرآنًا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، فجعَل اللَّهُ اتِّباع نبيِّه محمدٍ ﷺ عَلَمًا لحُبِّه، وعذابِ مَن خالَفه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. قال: كان قومٌ يَزعُمون أنهم يُحِبُّون الله، يقولُون: إنَّا نُحِبُّ ربَّنا. فأمرهم الله أن يَتَّبِعوا محمدًا ﷺ، وجعل اتِّباعَ محمدٍ عَلَمًا لحُبِّه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ (^٤)، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبَّادُ بن منصورٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآية. قال: إنَّ أقوامًا كانُوا على عهدِ رسولِ الله ﷺ يَزعُمون أنهم يُحِبُّون الله، فأراد الله أن يَجعلَ لقولِهم تصديقًا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه الآجرى في الشريعة (٢٥٤) من طريق عبد الوهاب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧ إلى ابن المنذر.\n(^٣) عزاه في الدر المنثور ٢/ ١٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) في النسخ: \"سفيان\". وتقدم في ص ٣٢٣.","vol":"5","page":325},{"text":"من عملٍ، فقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآية. كان اتِّباعُ محمدٍ ﷺ تصديقًا لقولهم (^١).\nوقال آخرون: بل هذا أمرٌ من الله نبيَّه محمدًا ﷺ أن يقول لوفدِ نَجْرانَ الذين قَدِموا عليه من النصارَى، إن كان الذي يقولونه في عيسى من عظيمِ القولِ إنما يقولُونه تعظيمًا لله وحبًّا له، فاتَّبعوا محمدًا ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1246>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرٍ بن الزبُّيرِ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ أي: إن كان هذا مِن قولِكم - يَعنى في عيسى - حبًّا لله وتعظيمًا له ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي: ما مضَى مِن كفركم، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢).\nقال أبو جعفر: وأَوْلَى القولينِ بتأويلِ الآيةِ قولُ محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ؛ لأنه لم يَجْرِ لغيرِ وفد نَجرانَ في هذه السورة ولا قَبْلَ هذه الآية ذِكْرُ قومٍ ادَّعوا أنهم يُحِبُّون الله ولا أنهم يُعظِّمونه، فيكون قولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ جوابًا لقولِهم على ما قاله الحسنُ.\nوأمَّا ما روَى الحسنُ في ذلك مما قد ذكَرناه، فلا خبرَ به عندَنا يَصِحُّ فيَجوز أن يُقال: إن ذلك كذلك. وإن لم يكن في السورةِ دَلالةٌ على أنه كما قال، إلا أن يكونَ الحسنُ أراد بالقومِ الذين ذكَر أنهم قالوا ذلك على عهد رسولِ اللهِ ﷺ وَفدَ نَجْرانَ مِن النصارَى، فيكونَ ذلك من قوله نَظِيرَ إخبارنا.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٣ (٣٤٠٢) من طريق أبى بكر الحنفى.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٨/ ٥٧٩.","vol":"5","page":326},{"text":"فإذا لم يكن بذلك خبرٌ على ما قُلنا، ولا في الآية دليلٌ على ما وصَفْنا، فأَوْلَى الأمور بنا أن نُلْحِقَ تأويلَه بالذي عليه الدَّلالةُ مِن أي السورة، وذلك هو ما وَصَفْنا؛ لأن ما قبلَ هذه الآية من مُبْتَدأ هذه السورة وما بعدَها خبرٌ عنهم، واحْتِجاجٌ مِن اللَّهِ لنبيِّه محمدٍ ﷺ، ودليلٌ على بُطول قولِهم في المسيحِ. فالواجبُ أن تكون هي أيضًا مَصْروفةَ المعنَى إلى نحو ما قبلَها ومعنَى ما بعدَها.\nفإذ كان الأمرُ على ما وَصَفْنا، فتَأْوِيلُ الآية: قلْ يا محمدُ للوفد من نصارَى نَجْرانَ: إِن كُنتُم تَزْعُمُون أنكم تُحِبُّون الله، وأنكم تُعَظِّمون المسيحَ، وتقولون فيه ما تقولون، حُبًّا منكم ربَّكم، فحَقِّقُوا قولكم الذي تقولونه، إن كُنتم صادقين، باتِّباعكم إيايَ، فإنكم تعلمون أنى للَّهِ رسولٌ إليكم، كما كان عيسى رسولًا إلى من أُرْسِلَ إليه، فإنه إن اتَّبَعتُموني وصدَّقْتُمونى على ما آتَيْتُكم به مِن عندِ اللَّهِ، يَغْفِرُ لكم ذُنوبَكم، فيَصْفحُ لكم عن العقوبة عليها، ويعفو لكم عمَّا مضى منها، فإنه غفورٌ لذنوب عبادِه المؤمنين، رحيمٌ بهم وبغيرهم من خلقه.\n\n<span id=\"aya-325\"></span><span data-type='title' id=toc-1247>القولُ في تأويل قوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: قل يا محمدُ لهؤلاء الوفدِ مِن نصارَى نَجْرانَ: أَطِيعُوا الله والرسول محمدًا، فإنكم قد عَلِمتم يقينًا أنه رسُولِى إلى خلقِي، ابْتَعثتُه بالحقِّ، تَجدونه مكتوبًا عندكم في الإنجيل، فإن تولَّوْا فاستدْبَروا عمَّا دَعوتهم إليه من ذلك وأعْرَضُوا عنه، فأَعْلِمُهم أن اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كفر، بجَحْدِ مَا عَرَف مِن الحَقِّ وأنكره بعدَ علمِه، وأنهم منهم بجُحودِهم نُبُوَّتك وإنكارهم الحقَّ الذي أنت عليه، بعد علمِهم بصِحَّةِ أمرك وحقيقة نُبوَّتِك.","vol":"5","page":327},{"text":"كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفر بن الزُّبيرِ: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾: فأنتم تعرفُونه - يعنى الوفدَ من نصارَى نجرانَ - وتَجِدونه في كتابِكم، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ على كفرهم، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-326\"></span><span data-type='title' id=toc-1248>القولُ في تأويل قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن الله اجْتَبَى آدم ونوحًا، واختارَهما لدينِهما، وآل إبراهيم وآلَ عِمرانَ لدينِهم الذي كانوا عليه؛ لأنهم كانوا أهل الإسلام. فأَخْبَر الله ﷿ أنه اختار دينَ مَن ذكَرْنا على سائر الأديان التي خالَفَتْه. وإنما عنى بـ \"آل إبراهيم وآل عمران\" المؤمنين.\nوقد دَلَّلْنا على أن آل الرجلِ أتْباعُه وقومُه ومَن هو على دينه.\nوبالذي قلنا في ذلك رُوِيَ القولُ عن ابن عباسٍ أنه كان يقولُه.\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. قال: هم المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسينَ وآل محمدٍ، يقولُ الله ﷿: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨]. وهم المؤمنون (^٢).\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٥ (٣٤١٤)، من طريق عبد الله بن صالح به دون آخره.","vol":"5","page":328},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: رجلانِ نَبيَّانِ اصْطَفاهما الله على العالمين.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. قال: ذكر الله أهلَ بَيْتَيْن صالحَين، ورجُليْن صالحين، ففَضَّلهم على العالمين، فكان محمدٌ ﷺ من آل إبراهيم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾. إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال: فَضَّلَهم الله على العالمين بالنبوَّة على الناس كلِّهم، كانوا هم الأنبياء الأتقياء المُصْطَفَيْنَ (^٢) لربِّهم (^٣).\n\n<span id=\"aya-327\"></span><span data-type='title' id=toc-1249>القولُ في تأويل قوله: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾.</span>\nيعنى بذلك أن الله اصْطَفى آل إبراهيمَ وآلَ عِمرانَ ذُرِّيةٌ بعضُها من بعضٍ. فالذُّرِّيةُ منصوبةٌ على القطعِ مِن \"آلِ إبراهيمَ وَآلِ عمران\"؛ لأن \"الذُّرِّيةَ\" نكرةٌ، و\"آل عمران\" معرفةٌ.\nولو قيل: نُصِبَتْ على تكرير \"الاصْطِفاءِ\". لكان صوابًا؛ [لأن المعنى] (^٤):\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٥ (٣٤١٣) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٢) في م، س: \"المطيعين\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٤ (٣٤١١) من طريق أبي بكر الحنفى به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"لمعنى\".","vol":"5","page":329},{"text":"اصطَفى ذُرِّيَّةٌ بعضُها مِن بعضٍ.\nوإنما جعَل بعضَهم من بعضٍ في المُوالاة في الدين، والمؤازَرَة على الإسلام والحقِّ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. وقال في مَوْضِعٍ آخرَ: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]. يعنى: أنَّ دينَهم واحدٌ، وطريقَتَهم واحدةٌ، فكذلك قولُه: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾. إنما معناه: ذُرِّيةً دِينُ بعضها دِينُ بعضٍ، وكَلِمَتُهم واحدةٌ، ومِلَّتُهم واحدةٌ في توحيد الله وطاعته.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾. يقولُ: في النية والعمل والإخلاص والتوحيد له (^١).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. يعنى بذلك: واللهُ ذو سَمْعٍ لقول امرأة عمران، وذو علْمٍ بما تُضْمِرُه في نفسِها، إذ نَذَرتْ له ما في بطنها مُحَرَّرًا.\n\n<span id=\"aya-328\"></span><span data-type='title' id=toc-1250>القولُ في تأويل قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥)﴾.</span>\nيعنى [بذلك بقولِه جلَّ ثناؤُه: والله سميعٌ عليمٌ] (^٢) ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾. فـ ﴿إِذْ﴾ مِن صِلَةِ ﴿سَمِيعٌ﴾. وأما امرأة عمران، فهى أمُّ مَريمَ ابنة عِمرانَ أُمِّ عيسى ابن مريمَ، صلوات الله عليه، وكان اسمُها، فيما ذُكِرَ لنا، حَنَّةَ ابنةَ فاقوذَ (^٣) ابن قبيلٍ (^٤).\nكذلك حدَّثنا به محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاق في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٥ (٣٤١٨) من طريق شيبان، عن قتادة.\n(^٢) في النسخ: \"بقوله جل ثناؤه\". والمثبت هو ما جرت عليه عادة المصنف في تفسيره، وسيأتي في ص ٣٩٢.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"قابود\".\n(^٤) في م في هذا الموضع والموضع بعده: \"قتيل\".","vol":"5","page":330},{"text":"نَسَبِه (^١). وقال غيرُ ابن حُميدٍ: ابنةُ فاقودَ - بالدالِ - ابن قبيلٍ.\nفأما زوجُها، فإنه عِمرانُ بنُ ياشهمَ (^٢) بن أمونَ بن منشا بن حزقيا بن أحزيقَ (^٣) ابن يوثم (^٤) بن عزاريا (^٥) بن أمصيا بن ياوشَ بن أحزيهو (^٦) بن يارم (^٧) بن يهفاشاط (^٨) ابن أيشا (^٩) بن أبيا (^١٠) بن رحبعمَ بن سليمانَ بن داودَ بن أيشا.\nكذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ في نسبه (^١١).\nوأما قولُه: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. فإن معناه: إنى جَعَلتُ لك يا ربِّ نذرًا؛ أن لك الذي في بطنى مُحرَّرًا لعبادتِك. يعنى بذلك: حَبَستُه على خدمتِك وخدمةِ قُدُسِكَ في الكَنيسةِ، عَتِيقةً مِن خِدمة كلِّ شيءٍ سواك، مُفَرَّغةً لك خاصَّةً.\nونصب ﴿مُحَرَّرًا﴾ على الحال [مما في الصفةِ مِن ذِكْرِ] (^١٢) \"الذي\".\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٨٦، وينظر البداية والنهاية ٢/ ٤١٨.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س، والبداية والنهاية: \"باشم\".\n(^٣) في النسخ: \"أحريق\"، والمثبت من تاريخ المصنف والبداية والنهاية.\n(^٤) في تاريخ المصنف: \"يوثام\"، وفى البداية والنهاية: \"موثم\"، وأثبتناه بالثاء ليوافق ما فيهما.\n(^٥) في تاريخ المصنف: \"عزريا\".\n(^٦) في النسخ: \"أحريهو\"، والمثبت من تاريخ المصنف والبداية والنهاية.\n(^٧) في النسخ: \"يارم\"، والمثبت من تاريخ المصنف والبداية والنهاية.\n(^٨) في تاريخ الطبري: \"يهشافاظ\".\n(^٩) في م: \"أشا\"، وفى تاريخ الطبرى: \"أسا\"، وفى البداية والنهاية: \"أيش\".\n(^١٠) في النسخ: \"أبان\". والمثبت من تاريخ المصنف.\n(^١١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٨٥، ٥٨٦. وينظر البداية والنهاية ٢/ ٤١٧.\n(^١٢) في م: \"من ما التي بمعنى\".","vol":"5","page":331},{"text":"﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾. أي: فتَقبلْ منى ما نَذَرْتُ لك يا ربِّ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. يعنى: إنك أنت يا ربِّ السميعُ لما أقولُ وأَدْعُو، العليمُ لما أَنْوِى في نفسِى وأُرِيدُ، لا يَخْفَى عليك سِرُّ أَمْرِى وعلانيتُه.\nوكان سببَ نذرِ حَنَّةَ ابنة فاقوذ (^١) امرأةِ عِمرانَ، الذي ذكره الله في هذه الآية، فيما بَلَغَنا، ما حدَّثنا به ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، قال: حدثنا محمدُ بنُ إسحاق، قال: تَزَوَّج زكريا وعمرانُ أُخْتَين، فكانت أمُّ يحيى عند زكريا، وكانت أمُّ مريم عند عِمرانَ، فهلَك عِمرانُ وأمُّ مريم حاملٌ بمريمَ، فهى جَنينٌ في بطنِها. قال: وكانت فيما يَزْعُمون قد أُمْسِك عنها الولدُ حتى أَسَنَّتْ، وكانوا أهل بيتٍ مِن الله جلَّ ثناؤُه بمكانٍ، فبينا هي في ظلِّ شجرةٍ، نَظَرتْ إلى طائرِ يُطْعِمُ فَرْخًا له، فتَحَرَّكَتْ نفسُها للولدِ، فَدَعَتِ الله أن يَهَبَ لها ولدًا، فحمَلَتْ بمريمَ، وهَلَكَ عِمرانُ، فلمَّا عَرَفتْ أَن في بطنِها جنينًا، جَعَلته للهِ نَذيرةً. والنَّذيرةُ أن تُعَبِّدَه للهِ، فتَجْعَلَه حبسًا في الكنيسة، لا يُنْتَفعُ به بشيءٍ مِن أمور الدنيا.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفر بن الزُّبير، قال: ثم ذكر امرأةَ عِمرانَ وقولها: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ أي: نَذَرْتُه، تقولُ: جَعَلتُه عتيقًا لعبادة الله، لا يُنْتَفَعُ به بشيءٍ مِن أُمورِ الدنيا، ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (^٢).\nحدَّثني عبدُ الرحمن بنُ الأسودِ الطُّفاويُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ رَبيعةَ، قال: ثنا النَّضْرُ بنُ عربيٍّ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿مُحَرَّرًا﴾. قال: خادمًا للبيعة (^٣).\n_________\n(^١) في ص: \"قاقود\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٩.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٦ (٣٤٢٣) من طريق النضر بن عربي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"5","page":332},{"text":"حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن النَّصْرِ بن عربيٍّ، عن مُجاهدٍ، قال: خادمًا للكَنِيسةِ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ، عن الشَّعْبيِّ في قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. قال: فرَّغْتُه للعبادةِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، في قولِه: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. قال: جَعَلْتُه في الكنيسة، وفرَّغْتُه للعبادة (^١).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن إسماعيل، عن الشعبيِّ نحوَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. قال: للكنيسة (^٢) يَخْدِمُها.\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. قال: خالصًا لا يُخالِطُه شيءٌ مِن أمرِ الدنيا (^٣).\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٦ عقب الأثر (٣٤٢٢) معلقًا.\n(^٢) في ص، ت ١: \"الكنيسة\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٦ (٣٤٢٢) من طريق وكيع به.","vol":"5","page":333},{"text":"حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. قال: للبيعة والكَنيسةِ (^١).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. قال: مُحَرَّرًا للعبادة (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ الآية: كانت امرأةُ عمران حرَّرتْ لله ما في بطنِها، وكانوا إنما يُحَرِّرون الذكورَ، وكان المحرَّرُ إِذا حُرِّر جُعِلَ في الكَنيسة (^٣) لا يَبْرَحُها، يقومُ عليها ويَكْنُسُها (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. قال: نَذَرتْ ولدها للكَنيسة (^٥).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. قال: وذلك أن امرأةَ عِمرانَ حَمَلَت، فظَنَّت أن ما في بطنها غلامٌ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩ إلى عبد بن حميد، ولفظه: جعلته لله والكنيسة، فلا يحال بينه وبين العبادة.\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ص ٣٤٤ (تراجم النساء) من طريق شريك به، بلفظ: للعبادة لا يشغله عنها.\n(^٣) بعده في ص، ت ١: \"أن\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩ إلى المصنف وعبد بن حميد مطولًا.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٨، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ص ٣٤٧ (تراجم النساء).","vol":"5","page":334},{"text":"فوَهَبَتْه للهِ مُحررًا، لا يَعْمَلُ في الدنيا (^١).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع، قال: كانت امرأةُ عِمرانَ حَرَّرتْ لله ما في بطنها. قال: وكانوا إنما يُحَرِّرون الذُّكور، فكان المحرَّرُ إذا حُرِّر جُعِلَ في الكنيسة لا يَبْرَحُها، يقومُ عليها ويَكْنُسُها (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحُسين بن الفَرَجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ في قولِه: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. قال: جَعَلتْ ولدَها لله وللذين يَدْرُسون الكتابَ ويَتَعلَّمونه (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، أنه أخبره عن عِكرمةَ، وأبي بكرٍ، عن عكرمة، أن امرأةَ عِمرانَ كانت عجوزًا عاقرًا تُسَمَّى حَنَّةً، وكانت لا تَلِدُ، فَجَعَلتْ تَغْبِطُ النِّساءَ لأولادهن، فقالت: اللهمَّ إنَّ عليَّ نذرًا شُكْرًا، إن رَزَقْتَنى ولدًا أن أَتَصَدَّقَ به على بيتِ المَقْدسِ، فيكونَ مِن سَدَنَتِه وخُدَّامِه. قال: وقولُه: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾: إنها لَلحُرَّةُ ابنةُ الحرائر ﴿مُحَرَّرًا﴾ للكنيسة يَخْدِمُها (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحنفيُّ، عن عَبَّادِ بن منصورٍ، عن الحسن في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ الآية كلّها. قال: نَذَرتْ ما في بطنها، ثم سَيَّبَتْها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٦ عقب الأثر (٣٤٢٢) من طريق عمرو به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٦ عقب الأثر (٣٤٢٣) من طريق ابن أبي جعفر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩ إلى ابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩ إلى المصنف وابن المنذر مطولًا.","vol":"5","page":335},{"text":"<span id=\"aya-329\"></span><span data-type='title' id=toc-1251>القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾: فلما وَضَعَتْ حَنَّةُ النَّذِيرةَ. ولذلك أنَّثَ، ولو كانت الهاءُ عائدةً على ﴿مَا﴾، التي في قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. لكان الكلامُ: فلما وَضَعتْه قالت: ربِّ إنى وَضَعتُه أُنثَى.\nومعنى قوله: ﴿وَضَعَتْهَا﴾: ولَدَتْها. يُقالُ منه: وَضَعَت المرأةُ تَضَعُ وَضْعًا. ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ أي: ولَدْتُ النَّذيرةَ أُنثَى. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾.\nواخْتَلَف القَرأَةُ في قراءة ذلك؛ فقَرأَتْه عامةُ القَرأَةِ: ﴿وَضَعَتْ﴾ (^١). خبرًا من الله ﷿ عن نفسِه أنه العالمُ بما وَضَعَتْ، مِن غير قبلها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾.\nوقرأ ذلك بعضُ المُتقدِّمين: (والله أعلمُ بما وضَعْتُ) (^٢). على وجه الخبر بذلك عن أمِّ مريمَ أنها هي القائلةُ: والله أعلمُ بما ولدتُ، منى.\nوأولى القراءتين بالصواب ما نَقَلَتْه الحُجةُ مُسْتَفِيضَةً فيها قراءتُه بينَها، لا يَتَدافعون صحتَها، وذلك قراءةُ من قرأ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. ولا يُعْتَرَضُ بالشاذِّ عنها عليها (^٣).\nفتأويلُ الكلام إذن: والله أعلمُ من كلِّ خَلْقِه بما وَضَعتُ. ثم رجَع جلَّ ذكْرُه إلى الخبر عن قولِها، وأنها قالت - اعتذارًا إلى ربِّها مما كانت نَذَرت\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وابن كثير وحفص عن عاصم وأبى عمرو وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ١٦٠.\n(^٢) وهى قراءة أبي بكر عن عاصم، وابن عامر. المصدر السابق.\n(^٣) القراءتان متواترتان، لا شذوذ في إحداهما.","vol":"5","page":336},{"text":"في حَمْلها فحرَّرَتْه لخدمة ربَّها -: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾؛ لأن الذكر أقوى على الخدمة وأَقْوَمُ بها، وأن الأنثى لا تَصْلُحُ في بعض الأحوالِ لدُخول القُدُسِ، والقيام بخدمة الكَنيسة؛ لمَا يَعْتريها من الحَيْضِ والنِّفاس، ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزُّبير: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾. أي: لِمَا جَعَلْتُها له محرَّرةً (^١) نذيرةً (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابن إسحاق: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾: لأن الذكر هو أقوى على ذلك من الأنثى.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾: كانت المرأةُ لا يُسْتَطاعُ (^٣) أن يُصْنَعَ بها ذلك - يعنى أن تُحَرَّرَ للكنيسة فتُجْعلَ فيها، تَقُومُ عليها وتَكْنُسُها، فلا تَبْرَحُها - مما يُصِيبُها مِن الحَيْض والأذَى، فعندَ ذلك قالت: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾: وإنما كانوا يُحرِّرون الغِلْمانَ، قالتْ (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"محررا لك\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٢٢٠ (٤١٩ - تحقيق الدكتور حكمت بشير ياسين) من طريق عبد الرحمن بن سلمة، عن ابن إسحاق قوله بزيادة المتن الآتى.\n(^٣) في ص: \"تستطاع\"، وفى م: \"يستطيع\".\n(^٤) في النسخ: \"قال\"، والمثبت من مصدرى التخريج.","vol":"5","page":337},{"text":"﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ (^١).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع، قال: كانت امرأةُ عِمرانَ حَرَّرتْ للهِ ما في بطنِها، وكانت على رجاءِ أَن يَهَبَ لها غُلامًا؛ لأن المرأة لا تَسْتطيعُ ذلك - يعنى القيام على الكنيسة لا تَبْرَحُها وتَكْنُسُها - لما يُصِيبُها مِن الأذى (^٢).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، أن امرأةَ عِمرانَ ظَنَّتْ أن ما في بطنِها غلامٌ، فوهَبَتْه للهِ، فلمَّا وَضَعَتْ إذا هي جاريةٌ، فقالت تَعْتَذِرُ إلى الله: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ - ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ تقولُ: إنما يُحرَّرُ الغِلمانُ. يقولُ الله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. فقالت (^٣): ﴿إِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن القاسم بن أبي بَزَّةً، أنه أخبَره عن عِكرمةً، وأبي بكرٍ، عن عكرمة: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ يعنى: في المَحيضِ، ولا يَنْبغِى لامرأةٍ أن تكونَ مع الرجالِ. أُمُّها تقولُ ذلك (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٣٣٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٧ (٣٤٢٧) من طريق ابن أبي جعفر به مختصرا.\n(^٣) في ص: \"فقال\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٧ (٣٤٢٥) من طريق عمرو به، مختصرا. بلفظ: فلما وضعت إذا هي جارية، فقالت تعتذر إلى الله: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٧ (٣٤٢٨) من طريق ابن جريج به نحوه مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩ إلى ابن المنذر.","vol":"5","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1252>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾.</span>\nتعنى بقولها: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا﴾: وإنى أجْعَلُ مَعَاذَها ومَعَاذَ ذُرِّيتها من الشيطان الرجيم بك.\nوأصلُ المَعاذِ المَوئِلُ والمَلْجأُ والمَعْقِلُ.\nفاسْتَجاب الله لها، فأعاذَها اللهُ وذُرِّيتها من الشيطان الرجيم، فلم يَجْعَلْ له عليها سبيلًا.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما مِن نَفْسِ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلا والشيطانُ يَنالُ منه تلك الطَّعْنَةَ، وبها (^١) يَسْتَهِلُ الصَّبِيُّ، إلا ما كان من مريم ابنة عِمرانَ، فإنها لَمَّا وَضَعَتْها قالت: رَبِّ إِنِّي أُعيدها بك وذُرِّيَّتها من الشيطان الرجيمِ. فضُرِبَ دُونَها حِجابٌ، فطعن فيه\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاق، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن الله بن قُسَيطٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"كُلُّ مَوْلُودٍ مِن وَلَدِ آدَمَ له طَعْنَةٌ من الشيطان، وبها يَسْتَهِلُ الصَّبيُّ، إلا ما كان من مريم ابنة عِمرانَ، وولدِها، فإنّ أمَّها قالت حين وضعتها: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. فضُرِبَ دُونَهما حِجَابٌ، فطعَن\n_________\n(^١) في ص: \"لها\".\n(^٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٩٤ من طريق يزيد بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ١٧٧.","vol":"5","page":339},{"text":"في الحجاب\".\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ، عن أبي هريرةَ، عن رسول الله ﷺ بنحوه.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المُغيرة، عن عمرٍو، عن شُعَيبِ بن خالدٍ، عن الزُّهْريِّ (^١)، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، قال: سمعتُ أبا هريرةَ يقولُ: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: \"ما من بني آدمَ مولودٌ يُولَدُ إلا قد مَسَّه الشيطانُ حينَ يُولَدُ، فيَسْتَهِلُّ صَارِحًا بمَسِّه إياه، غيرَ مريم وابنها\". فقال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتُم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني ابن أبي ذئبٍ، عن عَجْلانَ مَوْلَى الْمُشْمَعِلِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"كلُّ مولودٍ يُولَدُ من بنى آدمَ يَمسُّه الشيطانُ بإصْبَعِه، إلا مريم وابنها\" (^٣).\nحدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وَهْبٍ، قال: ثنى عمِّى عبدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني عمرُو بنُ الحارث، أن أبا يُونسَ سُليمًا (^٤) مولى أبى هريرة، حدَّثه عن\n_________\n(^١) في م: \"الزبير\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٥٢١.\n(^٢) أخرجه البخارى (٣٤٣١)، ومسلم (١٤٦/ ٢٣٦٦)، والبغوى في تفسيره ٢/ ٣٠ من طريق شعيب بن أبي حمزة عن الزهرى به.\n(^٣) أخرجه أحمد ١٣/ ٢٦٣، ٢٧٨، ٧/ ١٤ (٧٨٧٩، ٧٩٠٢، ٨٢٥٤) من طريق ابن أبي ذئب به.\n(^٤) في م: \"سليمان\"، وفى ت ١: \"سلمان\". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٣٤٣.","vol":"5","page":340},{"text":"أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: \"كلُّ بني آدمَ يَمَسُّه الشيطانُ يومَ وَلَدَتْهُ أُمُّه، إلا مريم وابنها\" (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني عمرٌو (^٢)، أن أبا يُونس حدَّثه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ مثله.\nحدَّثني الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزهريِّ، عن ابن المُسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"ما من مَوْلُودٍ يُولَدُ إلا يَمَسُّه الشيطانُ، فيَسْتَهلَّ صَارِخًا مِن مَسَّةِ الشيطانِ، إلا مريم وابنها\". ثم يقولُ أبو هريرةَ: اقرءوا إن شئتُم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (^٣).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا الحِمانِيُّ، قال: ثنا قَيْسٌ، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"ما من مولودٍ يُولَدُ إلا وقد عَصَره الشيطانُ عَصْرَةً أو عَصْرَتَيْنِ، إلا عيسى ابن مريم ومريم\". ثم قرَأ رسولُ الله ﷺ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٣٦٦)، وابن حبان (٦٢٣٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٤/ ٣١ (مخطوط) من طريق ابن وهب به.\n(^٢) في النسخ: \"عمران\". وتقدم في الإسناد قبله، وينظر ما تقدم في ٢/ ٤٠٦، ٥٥٥.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٩، ومن طريق أحمد (٧٧٠٩)، والبخارى (٤٥٤٨)، ومسلم ١٤٦/ (٢٣٦٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٨ (٣٤٣٢)، وأخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٣٨٥، وأحمد (٧١٨٢)، ومسلم ١٤٦/ (٢٣٦٦)، وابن حبان (٦٢٣٥) من طريق معمر به.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٧ عن المصنف.","vol":"5","page":341},{"text":"حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المُغيرة، عن عمرِو بن أبى قيسٍ، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: ما وُلِدَ مولودٌ إلا وقد اسْتَهَلَّ، غير المسيح ابن مريمَ، لم يُسَلَّطْ عليه الشيطانُ ولم يَنْهَزْه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا المُنذِرُ بنُ النُّعمانِ الأَفْطَسُ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: لما وُلِدَ عيسى، أتت الشياطينُ إبليسَ، فقالوا: أصْبَحتِ الأصنامُ قد نُكِسَتْ رءوسُها. فقال: هذا في حادثٍ حدَث. فقال: مكانَكم. فطار حتى جاء خافِقَي الأرضِ، فلم يَجِدْ شيئًا، ثم جاء البحارَ، فلم يَجدْ شيئًا، ثم طار أيضًا، فوجَد عيسى قد وُلِدَ عندَ مذْوَدِ (^٢) حمارٍ، وإذا الملائكةُ قد حَفَّت حولَه، فرجَع إليهم فقال: إن نبيًّا قد وُلِدَ البارحةَ، ما حَمَلَت أُنثَى قَطُّ ولا وَضَعت إلا أنا بحَضْرتها إلا هذه، فَأيَسُوا أَن تُعْبَد الأصنامُ بعدَ هذه الليلةِ، ولكن ائْتوا بني آدمَ مِن قبل الخِفَّةِ والعَجَلةِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾: وذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان يقولُ: \"كلُّ بنى آدمَ طعَن الشيطانُ في جَنْبِه، إلا عيسى ابنَ مريمَ وأُمَّه، جُعِلَ بينَهما وبينَه حِجابٌ، فأصابت الطَّعْنَةُ الحِجابَ، ولم يَنْفُذُ إليهما شيءٌ\". وذُكِرَ لنا\n_________\n(^١) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩ وعزاه إلى المصنف.\n(^٢) المذود: معلف الدابة.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١١٩ عن المنذر بن النعمان به، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٤/ ٣١ (مخطوط)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩ إلى ابن المنذر.","vol":"5","page":342},{"text":"أنهما كانا لا يُصيبان الذنوبَ كما يُصِيبُها سائرُ بني آدم. وذُكِرَ لنا أن عيسى كان يَمشِى على البحر كما يَمشى على البرِّ، مما أعطاه الله تعالى من اليقين والإخلاص\" (^١).\nحدَّثني المُثنى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ قال: إن نبيَّ الله ﷺ قال: \"كلُّ آدميٍّ طعن الشيطانُ في جَنْبِه، غير عيسى وأُمِّه، كانا لا يُصِيبان الذُّنُوبَ كما يُصِيبُها بَنُو آدمَ\". قال: \"وقال عيسى ﷺ فيما يُثْنِي على ربِّه: وأعاذَنى وأُمِّى من الشيطان الرجيم، فلم يكُنْ له علينا سبيلٌ\" (^٢).\nحدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا شُعيبُ بنُ الليث، قال: ثنا الليثُ، عن جعفر بن ربيعة، عن عبدِ الرحمنِ بن هُرمزَ أنه قال: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ الله ﷺ: \"كلُّ بني آدمَ يَطْعُنُ الشيطانُ في جَنبه حينَ تَلِدُه أُمُّه، إلا عيسى ابن مريم، ذهَب يَطْعُنُ فطعَن في الحجابِ\" (^٣).\nحدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا شُعَيبٌ، قال: أخبرنا الليثُ، عن جعفر بن ربيعة، عن عبدِ الرحمنِ بن هُرْمُزَ أنه قال: قال أبو هريرةَ: أرأيتَ هذه الصَّرخةَ التي يَصْرُخُها\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩ إلى المصنف وابن المنذر. وأخرج آخره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٨ (٣٤٣٦) من طريق شيبان، عن قتادة.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩، ٢٠ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه الحميدى (١٠٤٢)، وأحمد ١٦/ ٤٥١ (١٠٧٧٣)، والبغوى في تفسيره ٢/ ٣٠ من طريق عبد الرحمن بن هرمز به.","vol":"5","page":343},{"text":"الصبيُّ حين تَلِدُه أُمُّه؟ فإنها منها.\nحدَّثني أحمدُ بنُ الفرَج، قال: ثنا بَقِيةُ بنُ الوليد، قال: ثنا الزُّبيديُّ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةً، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"ما من بنى آدم مَوْلُودٌ إِلا يَمَسُّه الشَّيطانُ حِينَ يُولَدُ يَسْتَهِلُّ صارخًا\" (^١).\n\n<span id=\"aya-330\"></span><span data-type='title' id=toc-1253>القولُ في تأويل قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾.</span>\nيعنى بذلك [أن الله] (^٢) جلَّ ثناؤُه تَقَبَّل مريمَ مِن أُمِّها حَنَّةَ؛ تَحريرها (^٣) إياها للكَنيسة وخِدْمتَها وخِدْمَةَ ربِّها، بقبولٍ حَسنٍ.\nوالقبولُ، مصدرٌ: من قَبِلَها ربُّها. فأَخْرَج المصدر على غير لفظ الفعل. ولو كان على لفظِه لكان: فَتَقَبَّلها ربُّها تَقَبُّلًا حَسَنًا. وقد تَفْعلُ العربُ ذلك كثيرًا؛ أن يَأْتوا بالمصادر على أصول الأفعال، وإن اخْتَلَفَتْ أَلْفاظُها في الأفعالِ بالزيادة، وذلك كقولهم: تَكَلَّم فلانٌ كلامًا. ولو أُخرج المصدرُ على الفعل لقيلَ: تَكلَّم فلانٌ تكَلُّمًا. ومنه قوله: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾. ولم يقل: إنباتًا حَسَنًا.\nوذُكِرَ عن أبي عمرو بن العلاءِ (^٤)، أنه قال: لم نَسْمَعِ العربَ تَضُمُّ القاف في \"قَبُولٍ\"، وكان القياسُ الضمَّ؛ لأنه مَصْدرٌ مثلُ الدُّخُولِ والخُرُوج. قال: ولم أسْمَعْ بحرفٍ آخر في كلام العربِ يُشْبِهُه.\nحُدِّثْتُ بذلك عن أبي عبيدٍ، قال: أخبرني اليَزيديُّ، عن أبي عمرٍو.\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلي (٥٩٧١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٤/ ٣٠، ٣١ (مخطوط)، من طريق الزهري به نحوه، وذكره الحافظ في الفتح ٦/ ٤٦٩ عن الزبيدى به، ووقع في الفتح \"السدى\" بدل \"الزبيدي\".\n(^٢) سقط من: م، س.\n(^٣) في ص، م: \"بتحريرها\".\n(^٤) ينظر اللسان (ق ب ل).","vol":"5","page":344},{"text":"وأما قولُه: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾. فإن معناه: وأنْبَتها ربُّها في غِذائِه ورزقه نباتًا حَسَنًا حتى تَمَّتْ فكَمَلَتِ امرأةً بالغةً تامةً.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال الله ﷿: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾. قال: تَقَبَّل مِن أُمِّها ما أرادت بها للكَنيسة، وأجَرَها فيها، ﴿وَأَنْبَتَهَا﴾، قال: نَبتت في غذاءِ اللهِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1254>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾.</span>\nاختلفت القَرأَةُ في قراءة قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا﴾؛ فقرَأَتُه عامةُ قَرَأَةِ أَهل الحجاز والمدينة والبصرة: (وكفلها) مُخَفَّفَةَ الفاءِ (^٢)، بمعنى: ضَمَّها زكريا إليه. اعتبارًا بقولِ اللهِ ﷿: ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤].\nوقرأ ذلك عامةُ قَرأَةِ الكوفيين: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (^٣). بمعنى: وكَفَّلها الله زكريا.\nوأوْلَى القراءتين بالصواب في ذلك عندى قراءةُ مَن قرأَ: ﴿وَكَفَّلَهَا﴾. مُشَدَّدةً، الفاء (^٤)، بمعنى: وكَفَّلَها الله زكريا. بمعنى: وضمَّها الله إليه. لأن زكريا أيضًا ضَمَّها إليه بإيجاب الله له ضَمَّها إليه، بالقُرْعَةِ التي أَخْرَجها الله له، والآية التي أظْهَرها لخصومِه فيها، فجعَله بها أَوْلَى منهم، إذ قرَع فيها مَن شَاحَّه (^٥) فيها. وذلك أنه بلَغنا أن زكريا وخُصُومَه في مريمَ إذ تَنازَعوا فيها، أَيُّهم تكونُ عندَه، تساهَموا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. ينظر حجة القراءت ص ١٦١.\n(^٣) وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٤) كلتا القراءتين صواب.\n(^٥) قَرَع أصحابه: إذا كانت له القُرعة دونهم. =","vol":"5","page":345},{"text":"بقدَاحِهم، فرَمَوْا (^١) بها في نهرِ الأُرْدُنِّ، فقال بعضُ أهل العلم: ارْتَزَّ (^٢) قِدْحُ زكريا، فقام فلم يَجْرِ به الماءُ، وجرى بقِداحِ الآخرين الماءُ، فجعل اللهُ ذلك لزكريا عَلَمًا (^٣) أنه أحقُّ المُتنازعين فيها بها (^٣).\nوقال آخرون: بل صعد (^٤) قِدْحُ زكريا في النهر، وانْحَدَرت قداحُ الآخرين مع جرْيَة الماءِ و(^٥) ذَهَبت، فكان ذلك له علمًا مِنَ اللهِ في أَنه أَوْلَى القومِ بها.\nوأيُّ الأمْرَيْن كان من ذلك، فلا شكَّ أن ذلك كان قضاءً من الله بها لزكريا على خصومِه بأنه أولاهم بها. وإذا كان ذلك كذلك، فإنما ضَمَّها زكريا إلى نفسه بضَمِّ الله إياها إليه، بقضائِه له بها على خُصومه عندَ تَشاحِّهم فيها، واخْتِصامِهم في أَوْلاهم بها.\nوإذا كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا أن أوْلَى القِراءتَين بالصواب ما اخْتَرْنا مِن تشديد ﴿وَكَفَّلَهَا﴾.\nوأما ما اعْتَلَّ به القارئون ذلك بتَخْفيف الفاءِ مِن قولِ اللهِ: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]. وأن ذلك مُوجِبٌ صِحَّةَ اختيارهم التَّخفيف في قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا﴾، فحُجةٌ دالةٌ على ضَعْفِ احتيال (^٦) المُحتجِّ بها، وذلك أنه غيرُ مُمْتَنِعٍ ذو\n_________\n= وشاحه فيها: مثل قولهم: تشاحَّا على الأمر. أي تنازعاه. وفلان يُشاحُ على فلان. أي يضنُّ به. تاج العروس (ش ح ح، ق ر ع).\n(^١) في م، ت ١: \"رموا\".\n(^٢) في م: \"رتب\". وارْتَزّ: من رزَّ الشيءَ في الأرض وفى الحائط يَرُزُّه رَزًّا فارتزّ: أثبته فثَبَت. وأما رتب فمن: رتب الشيء، أي: ثبت فلم يتحرك. اللسان (ر ت ب، ر ز ز).\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٤) في ص: \"صاعد\". ولعل صوابها: اصاعد.\n(^٥) في ص كلمة غير واضحة، وفي ت ١، ت ٢: \"هي\".\n(^٦) في م: \"اختيار\".","vol":"5","page":346},{"text":"عقلٍ من أن يقولَ قائلٌ: كفَّل فلانٌ فلانًا فكَفَله فلانٌ. فكذلك القولُ في ذلك: ألْقَى القومُ أقلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مريمَ بتَكْفيل الله إياه بقضائه الذي يَقْضِي بينَهم فيها، عندَ إلقائِهم الأقلام.\nوكذلك اخْتَلَفتِ القَرَأَةُ في قراءةِ ﴿زَكَرِيَّا﴾؛ فقرأَتْه عامةُ قرأة المدينة بالمدِّ، وقَرأَتْه عامةُ قَرأةِ الكوفة بالقصْر (^١). وهما لُغَتان مَعْروفتان وقراءتان مُسْتَفِيضتان في قرأةِ المسلمين، وليس في القراءة بإحداهما خلافٌ لمعنى القراءةِ الأُخْرَى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فهو مُصِيبٌ.\nغير أن الصوابَ عندَنا إذا مُدَّ \"زكريا\"، أن يُنْصَبَ بغيرِ تَنْوينِ؛ لأنه اسمٌ مِن أسماءِ العَجَم لا يُجْرَى (^٢)، ولأن قراءتنا في ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ بالتشديد وتَثْقيل الفاءِ، فـ \"زكرياءُ\" مَنصوبٌ بالفعل الواقع عليه.\nوفى \"زكريا\" لغةٌ ثالثةٌ لا تَجوزُ القراءةُ بها؛ لخلافِها مصاحفَ المسلمين، وهو \"زَكَرِيٌّ\"، بحذف المَدَّةِ والياء الساكنة، تُشَبِّهُه العربُ بالمنسوب من الأسماء، فتُنَوِّنُه وتُجْريه في أنواع الإعرابِ مَجارِيَ ياءِ النِّسبةِ.\nفتأويلُ الكلام: وضَمَّها الله إلى زكريا. من قول الشاعر (^٣):\n* فَهْوَ لِضُلَّالِ الهَوَامِ (^٤) كافِلُ *\n_________\n(^١) قرأ حفص وحمزة والكسائى وخلف بالقصر من غير همز في جميع القرآن، ووافقهم الحسن والأعمش، والباقون بالهمز والمد. إتحاف فضلاء البشر ص ١٠٤.\n(^٢) لا يجرى. أي: لا يصرف. مصطلحات النحو الكوفى ص ٩٨.\n(^٣) مجاز القرآن ٢/ ١٤.\n(^٤) هوامى الإبل: ضوالُّها. وقال أبو عبيدة: الهوامى: الإبل المهملة بلا راع، وقد هَمَت تَهمى فهى هاميةٌ؛ إذا ذهبت على وجهها. وكل ذاهب وجار من حيوان أو ماء فهو هام. النهاية ٥/ ٢٧٦، واللسان (هـ م ي).","vol":"5","page":347},{"text":"يرادُ به (^١): لما ضَلَّ مِن مُتَفَرِّقِ النَّعَمِ ومُنْتَشِرِه ضامٌّ إلى نفسه وجامِعٌ.\nوقد رُوى:\n* فهْوَ لِضُلَّالِ الهَوافِى (^٢) كَافِلُ *\nبمعنى أنه لما نَدَّ فهرَب من النَّعَم ضَامٌّ. من قولِهم: هَفَا الظَّلِيمُ. إذا أَسْرَع الطيرانَ.\nيقالُ منه للرجل: ما لك تَكْفُلُ كلَّ ضالَّةٍ؟ يعنى به: تَضُمُّها إليك وتَأْخُذُها.\nوبنحو ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1255>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبدُ الرحمن بنُ الأسودِ الطُّفاوِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ رَبيعةَ، عن النَّضْرِ بن عربيٍّ، عن عكرمة في قوله: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]. قال: ألْقَوا أقلامَهم، فجَرَت بها الجرْيَةُ، إلا قلم زكريا اصَّاعَدَ (^٣)، فكَفَلها زكريا (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ قال: ضَمَّها إليه. قال: أَلقوا أقلامَهم، يقولُ: عِصِيَّهم. قال: فأَلْقَوْها تلقاءَ جِرْيَةِ الماءِ، فاسْتَقْبَلَت عصا زكريا حِرْيَةَ الماءِ، فَقَرَعَهم (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"أنه\".\n(^٢) الهوافى: الإبل الضوال، واحدتها هافية، من: هَفَا الشيءُ يهفو. إذا ذهب. وهذا الطائر، إذا طار. والريح، إذا هبت. اللسان (هـ ف و).\n(^٣) في النسخ: \"صاعدا\". ولا يستقيم المعنى إلا بما أثبتناه، وينظر ما تقدم في ص ٣٤٦.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٩ (٣٥٠٣)، من طريق النضر به نحوه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٩، ٦٥٠ (٣٤٣٩، ٣٥٠٧) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"5","page":348},{"text":"حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: قال الله ﷿: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ فَانْطَلَقَتْ بها أمُّها في خِرَقِها - يعنى أمَّ مريمَ بمريمَ - حينَ وَلَدتْها إلى المحراب - وقال بعضُهم: انْطَلَقَتْ حين بَلَغَتْ إلى المحراب - وكان الذين يَكتُبون التوراة إذا جاءوا إليهم بإنسانٍ يُحَرِّرونه (^١)، اقْتَرعوا عليه أَيُّهم يَأْخُذُه فيُعَلِّمُه. وكان زكريا أفْضَلَهم يومَئذٍ، وكان نَبيَّهم (^٢)، وكانت خالةُ (^٣) مريمَ تحتَه، فلما أَتَوا بها اقْتَرعوا عليها، وقال لهم زكريا: أنا أحَقُّكم بها تَحتى أُختُها (^٤). فأبَوْا، فخَرَجوا إلى نهرِ الأُرْدُنِّ، فَأَلْقَوْا أَقلامَهم التي يَكْتُبون بها أَيُّهم يَقومُ قَلَمُه فيَكْفُلُها. فجرَتِ الأقلامُ وقام قلمُ زكريا على قُرنَتِه (^٥)، كأنه في طينٍ، فأخَذ الجارية، وذلك قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. فجعَلَها زكريا معه في بيته، وهو المحرابُ (^٦).\nحدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. يقولُ: ضَمَّها إليه.\n_________\n(^١) وفي ص: \"يجرنونه\"، وفى م، ت ٢: \"يجربونه\"، وفى ت ١: \"يحرمونه\". والمثبت من تاريخ دمشق.\n(^٢) في م، ت ٢، وسنن البيهقى: \"بينهم\".\n(^٣) في تفسير ابن أبي حاتم وسنن البيهقى وتاريخ دمشق: \"أخت\". قال ابن كثير في البداية والنهاية ٢/ ٤٢١: وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان، قد أراد أن يستبد بها دونهم - يعنى: بمريم - من أجل أن زوجته أختُها أو خالتُها، على القولين. وينظر ص ٣٣٢.\n(^٤) في م: \"خالتها\".\n(^٥) القُرْنة: حدُّ السيف والنصل. المحيط (ق ر ن). والمقصود بها هنا حد القلم.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٩ (٣٤٤٠، ٣٤٤٢) من طريق عمرو بن حماد به، من قوله: كان زكريا ....\nوأخرجه البيهقى ١٠/ ٢٨٦، ٢٨٧، وابن عساكر في تاريخه (ص ٣٤٨ - تراجم النساء) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السديِّ، بإسناده المعروف، من قوله: كان الذين يكتبون … فأخذ الجارية.","vol":"5","page":349},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. قال: سَهَمَهُم (^١) بقلمِه (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قَتادةَ، قال: كانت مريمُ ابنةَ سَيِّدِهم وإمامِهم. قال: فتَشاحَّ عليها أحبارُهم، فاقْتَرعوا فيها بسهامِهم أيُّهم يَكْفُلُها. قال قتادةُ: وكان زكريا زوجَ أختِها فكَفَلَها، وكانت عندَه وحَضَنَها (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، أنه أخْبره عن عكرمة، وأبى بكرٍ، عن عِكرمة، قال: ثم خَرَجت بها - يعنى أمَّ مريمَ بمريمَ - في خِرَقِها تَحْمِلُها إلى بنى الكاهن بن هارون، أخى موسى بن عمرانَ. قال: وهم يومَئِذٍ يَلُون مِن بيت المَقدسِ ما يَلَى الحَجَبَةُ مِن الكعبة، فقالت لهم: دونَكم هذه النذيرةَ، فإني حَرَّرتُها، وهى ابنتى، ولا يَدْخُلُ الكنيسة حائضٌ، وأنا لا أرُدُّها إلى بيتي. فقالوا: هذه ابنهُ إمامنا. وكان عمرانُ\n_________\n(^١) سهم فلانًا سهمًا: قَرَعه في المساهمة. يقال: ساهَمَه فَسَهَمَه: باراه ولاعبه فغَلَبه. الوسيط (س هـ م).\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٥١ - ومن طريق البيهقى ١٠/ ٢٨٧، وابن عساكر في تاريخ دمشق (ص ٣٤٨، ٣٤٩ - تراجم النساء)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٩ (٣٤٣٨) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠ إلى ابن أبي إياس وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرج آخره عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٢١ عن معمر، عن قَتادةَ، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٠ (٣٥١٠) من طريق شيبان، عن قَتادةَ دون آخره، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠ إلى عبد بن حميد. وفيه: زوج خالتها.","vol":"5","page":350},{"text":"يَؤمُّهم في الصلاة، وصاحبَ قُرْبانِهم (^١). فقال زكريا: ادْفَعوها إليَّ، فإن خالتَها عندى. قالوا: لا تَطِيبُ أنفسُنا، هي ابنةُ إمامنا. فذلك حين اقْتَرَعوا، فاقْتَرَعوا بأقلامِهم عليها - بالأقلام التي يَكْتُبون بها التوراةَ - فقَرَعهم زكريا فكَفَلَها (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني يَعْلَى بنُ مسلمٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: جعَلها زكريا معه في مِحرابه. قال الله ﷿: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. قال حَجاجٌ: قال ابن جُريجٍ: الكاهنُ في كلامِهم العَالِمُ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾: بعد أبيها وأمِّها، يُذكِّرُها باليُتْمِ، ثم قَصَّ خبرَها وخبرَ زكريا (^٤).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. قال: كانت عنده.\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن يَعْلى بن مسلمٍ، عن سعيد بن جُبَيرٍ قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾، قال: جعلها زكريا معه في مِحْرابه.\n_________\n(^١) مكانها بياض بقدر كلمتين في ص، ت ١، ت ٢.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣٣٨.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠ إلى المصنف دون قول ابن جريج.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٩ (٣٤٤١) من طريق سلمة عن ابن إسحاق قوله.","vol":"5","page":351},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عَبَّادٍ، عن الحسن في قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾: وتَقارَعها القومُ، فقرَع زكريا، فكَفَلَها زكريا (^١).\nوقال آخرون: بل كان زكريا بعدَ ولادةِ حَنَّةَ ابنتَها مريمَ، كَفَلها بغيرِ اقْتِراعٍ ولا اسْتِهامٍ عليها، ولا مُنازَعةِ أحدٍ إياه فيها، وإنما كَفَلها لأن أُمَّها ماتت بعد موت أبيها وهى طِفْلةٌ، وعند زكريا خالتُها أيشاعُ (^٢) ابنةُ فاقوذ. وقد قيل: إن اسم أمِّ يحيى خالة عيسى: أشْيَعُ.\nحدَّثنا بذلك القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني وَهْبُ بنُ سليمانَ، عن شُعيبٍ الجَبَئيِّ (^٣)، أن اسم أمِّ يحيى: أشْيَعُ (^٤).\nفضَمَّها إلى خالتها أمِّ يحيى، فكانت إليهم ومعهم، حتى إذا بلَغَتْ أَدْخَلوها الكَنيسة، لنَذْر أمِّها التي نَذَرَتْ فيها.\nقالوا: والاقتراعُ فيها بالأقلام إنما كان بعد ذلك بمدةٍ طويلةٍ؛ لشدَّةٍ أصابَتْهم، ضَعُفَ زكريا عن حَمْلِ مُؤنَتِها، فتَدافعوا حَمْلَ مُؤنتِها، لا رغبةً منهم، ولا تَنافُسًا عليها وعلى احتمال مُؤنتِها.\nوسنذكُرُ قصَّتَها على قول من قال ذلك إذا بلغنا إليها إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٣٨ (٣٤٣٧) من طريق أبي بكر الحنفى به.\n(^٢) في ص، ت ١: \"الاسباع\" وفي ت ٢: \"الاشياع\"، وفي تاريخ الطبرى ١/ ٥٨٥: \"الأشباع\"، وفي البداية والنهاية ٢/ ٤١٣، ٤١٨: \"أشياع\". والمثبت موافق لما في تاريخ دمشق ١٨/ ٧٩ مخطوط.\n(^٣) في ص: \"الحباى\"، وفى م، ت ٢: \"الحياني\". وينظر الأنساب ٢/ ١٧، والإكمال ٣/ ٦٥.\n(^٤) في ص، ت ٢: \"أسبع\"، وفى العلل: \"الأشبع\". والأثر أخرجه أحمد في العلل (رواية عبد الله) ١/ ١٠٠ (٤٠٤) عن حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"5","page":352},{"text":"حدَّثنا بذلك ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاق (^١).\nفعلى هذا التأويل تَصِحُّ قراءةُ مَن قرأَ: (وكفَلها زكريا). بتخفيف الفاء، لو صحَّ التأويلُ، غير أن القولَ مُتظاهِرٌ من أهل التأويل بالقول الأول. أن استهام القومِ فيها كان قبلَ كَفالة زكريا إياها، وأن زكريا إنما كفلها بإخراج سَهْمِه منها فالجًا (^٢) على سهام خُصومه فيها، فلذلك كانت قراءتُه بالتشديدِ عندَنا أَوْلَى مِن قراءته بالتخفيف.\n\n<span data-type='title' id=toc-1257>القولُ في تأويل قوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: أن زكريا كان كلَّما دخل عليها المحْراب بعدَ إدخاله إياها المحرابَ، وجَد عندَها رزقًا من الله لغِذائِها.\nفقيل: إن ذلك الرزقَ الذي كان يَجِدُه زكريا عندَها، فاكهةُ الشتاء في الصيف، وفاكهةُ الصيف في الشتاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-1256>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عطية، عن شَرِيكٍ، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ قال: وجَد عندَها عِنَبًا في مِكْتَلٍ (^٣) في غير حينه (^٤).\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٠.\n(^٢) فَلَج: ظَفِر وفاز. القاموس المحيط (ف ل ج).\n(^٣) المِكْتَل، والمكتلة: الزنبيل الذي يحمل فيه التمر والعنب. والزنبيل: الوعاء يحمل فيه. اللسان (ك ت ل)، (ز ب ل).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٠ من طريق شريك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠ =","vol":"5","page":353},{"text":"حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ في قوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. قال: العِنَبُ في غيرِ حِينِه (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مُغِيرةُ، عن إبراهيم في قوله: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. قال: فاكهةٌ في غير حينها (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا أبو إسحاق الكوفيُّ، عن الضحاكِ أنه كان يَجِدُ عندَها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. يعنى في قوله: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سَلَمةَ بن نُبيطٍ، عن الضَّحاكِ مثله.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرٌو، قال: [أخبرنا هُشَيمٌ، عن بعض أشياخه، عن الضحاك مثله.\nحدَّثنا القاسمُ، قال] (^٣): ثنا الحسينُ (^٤)، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ مثله.\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا من سمع الحكمَ بن عُتَيبةَ يحدِّثُ عن مجاهدٍ قال: كان يَجِدُ عندَها العِنَبَ في غير حينه.\n_________\n= إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٥١ من طريق عطاء به.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٠ عقب الأثر (٣٤٤٦) معلقًا.\n(^٣) في س: \"ثنا أسباط\".\n(^٤) في ت ٢: \"الحسن\".","vol":"5","page":354},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾، قال: عِنَبًا وجده زكريا عند مريم في غير زمانه (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا النَّضْرُ بنُ عَرَبِيٍّ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. قال: فاكهةُ الصيف في الشتاء، وفاكهةُ الشتاء في الصيف (^٢).\nحدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. قال: كُنَّا نُحَدَّثُ أنها كانت تُؤْتَى بفاكهة الشتاءِ في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ قال: وجَد عندَها ثمرةً في غير زمانِها (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص ٣٥٢ - تراجم النساء) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠ إلى المصنف، وينظر تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٦٤٠ (٣٤٤٥).\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٠، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص ٣٥٢ - تراجم النساء).","vol":"5","page":355},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع، قال: جعَل زكريا دونَها عليها سبعة أبوابٍ، فكان يَدْخُلُ عليها فيَجِدُ عندها فاكهة الشتاءِ في الصيف، وفاكهةَ الصيف في الشتاءِ (^١).\nحدَّثني موسى بنُ (^٢) عبد الرحمن، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: جعَلها زكريا معه في بيتٍ - وهو المحرابُ - فكان يدخُلُ عليها في الشتاءِ، فيَجِدُ عندَها فاكهة الصيف، ويدخُلُ في الصيف، فيَجِدُ عندَها فاكهةَ الشتاء (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسين (^٤)، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. قال: كان يَجِدُ عندَها فاكهة الصيف في الشتاء.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني [يَعْلى بنُ] (^٥) مسلمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباس: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. قال: وجَد عندَها ثمارَ الجنة، فاكهةَ الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٠ عقب الأثر (٣٤٤٦) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) في ت ١: \"قال حدَّثنا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٠ عقب الأثر (٣٤٤٦) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٤) بعده في ت ١: \"قال حدَّثني حجاج عن ابن جريجٍ\".\n(^٥) في س: \"يعني ابن\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠ إلى المصنف.","vol":"5","page":356},{"text":"حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، قال: ثنى بعضُ أهلِ العلم أن زكريا كان يَجِدُ عندَها ثمرة الشتاءِ في الصيف، وثمرةَ الصيف في الشتاء (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، عن عَبَّادٍ، عن الحسنِ قال: كان زكريا إذا دخَل عليها - يعنى على مريمَ المِحْرابَ - وجد عندَها رِزْقًا مِن السماءِ من اللهِ، ليس من عندِ الناسِ. وقالوا: لو أن زكريا كان يَعْلَمُ أن ذلك الرزقَ من عندِه لم يَسْأَلها عنه.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أن زكريا كان إذا دخَل إليها المِحْرابَ وجَد عندَها من الرزقِ فضلًا عما كان يأتيها به الذي كان يَمُونُها في تلك الأيام.\n\n<span data-type='title' id=toc-1258>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاق، قال: كَفَلها زكريا (^٢) بعددَ هَلاكِ أمِّها، فضَمَّها إلى خالتِها أمِّ يحيى، حتى إذا بلَغَت، أدخَلوها الكنيسة، لنَذْرِ أمِّها الذي نَذَرَت فيها، فجعَلَت تَنْبُتُ وتَزِيدُ. قال: ثم أصابت بنى إسرائيلَ أَزْمَةٌ، وهى على ذلك مِن حالِها، حتى ضَعُف زكريا عن حَمْلِها، فخَرَج على بني إسرائيل، فقال: يا بني إسرائيلَ، أتعلمون، واللهِ لقد ضَعُفتُ عن حَمْل ابنة عمران. فقالوا: ونحن لقد جُهِدْنا، وأصابَنا من هذه السَّنةِ ما أصابَكم. فتَدافَعوها بينَهم، وهم لا يَرَون لهم من حَمْلِها بُدًّا، حتى تَقَارعوا بالأقلامِ، فخَرَج السهمُ\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٢/ ٤٤٧.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"5","page":357},{"text":"بحَمْلِها على رجلٍ من بنى إسرائيلَ نَجَّارٍ، يقالُ له: جُرَيجٌ. قال: فعَرَفَت مريم في وَجْهِه شِدَّةَ مَئُونَةِ ذلك عليه، فكانت تقول له: يا جُرَيجُ، أَحسِنْ باللهِ الظَّنَّ، فإن الله سَيَرْزُقُنا. فَجَعَل جُرَيجُ يُرْزَقُ بَمَكانِها، فيأتيها كلَّ يومٍ من كَسْبِه بما يُصْلِحُها، فإذا أدخَلَه عليها وهى في الكَنيسةِ، أنْماه اللهُ وكَثَّره، فيَدْخُلُ عليها زكريا فيرَى عندَها فَضْلًا من الرزقِ، وليس بقَدْرِ ما يأتيها به جُرَيجٌ، فيقولُ: يا مريمُ أَنَّى لكِ هذا؟ فتقولُ: هو من عندِ اللهِ، إن الله يرزقُ مَن يَشَاءُ بغيرِ حسابٍ (^١).\nوأما المحرابُ، فهو مُقَدَّمُ (^٢) كلِّ مجلسٍ ومُصَلًّى، وهو سيدُ المجالسِ وأشرفُها وأكرمها، وكذلك هو مِن المساجدِ، ومنه قولُ عَدِيٍّ بن زيدٍ (^٣):\nكَدُمَى (^٤) العَاجِ في المحاريبِ أو كالـ … ــــــبَيْض في الرَّوْضِ زَهْرُهُ (^٥) مُسْتَنيرُ (^٦)\nوالمحَاريبُ جمعُ مِحْرابٍ، وقد يُجمَعُ على (^٧) مَحَارِبَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1259>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ﴾ زكريا: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾؟ من أيِّ\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٠ بنحوه مختصرا، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص ٣٤٩ تراجم النساء) من طريق إسحاق بن بشر، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله الليثي بنحوه.\n(^٢) بعده في ص، ت ٢: \"علي\".\n(^٣) الاختيارين للأخفش الأصغر ص ٧٠٤.\n(^٤) الدمى: الصور، واحدتها دُمْيَة.\n(^٥) سقط من: ص، ت ٢، وفى الاختيارين: \"زهوه\".\n(^٦) بعده في ص: \"وهو مشتق\"، وبعده في ت ٢: \"وهو مشتق متسر\".\n(^٧) زيادة من: م.","vol":"5","page":358},{"text":"وَجْهٍ لك هذا الذي أرَى عندَكِ من الرزقِ؟ قالت مريمُ مُجِيبَةٌ له: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. تعنى أن الله هو الذي رزَقَها ذلك، فَساقَه إليها وأعطاها.\nوإنما كان زكريا يقولُ ذلك لها؛ لأنه كان - فيما ذُكر لنا - يُغْلِقُ عليها سبعةَ أبوابٍ، ويَخْرُجُ ثم يدخُلُ عليها، فيَجِدُ عندَها فاكهةَ الشتاءِ في الصيفِ، وفاكهةَ الصيفِ في الشتاء، فكان يَعْجَبُ مما يرى من ذلك، ويقولُ لها تَعَجُّبًا مما يرَى: أَنَّى لكِ هذا؟ فتقولُ: مِن عندِ اللهِ.\nحدَّثني بذلك المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى بعضُ أهل العلمِ. فذَكَر نحوه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. قال: فإنه وَجَد عندَها الفاكهة الغَضَّةَ حينَ لا تُوجَدُ الفاكهةُ عند أحدٍ، فكان زكريا يقولُ: يا مريمُ أَنَّى لكِ هذا (^٢)؟\nوأما قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. فخبرٌ من اللهِ أنه يسوقُ إلى مَن يَشَاءُ مِن خَلْقِهِ رِزْقَه بغير إحصاءٍ ولا عددٍ يُحاسِبُ عليه عبدَه؛ لأنَّه جلَّ ثناؤه لا يَنْقُصُ سَوْقُه ذلك إليه كذلك خَزائنه، ولا يَزِيدُ إعطاؤُه إياه ومُحاسَبَتُه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٠ عقب الأثر (٣٤٤٦) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٠ (٣٤٤٩) عن محمد بن سعد به.","vol":"5","page":359},{"text":"عليه في مُلْكِه وفيما لَديه شيئًا، ولا يَعْزُبُ عنه علمُ ما يَرْزُقُه. وإنما يُحاسبُ مَن يُعْطِى ما يُعْطِيهِ، مَن يَخْشَى النُّقصان من مُلْكِه (^١)، بخُروج ما خرَج من عندِه بغيرِ حسابٍ معروفٍ، ومَن كان جاهلًا بما يُعطى على غيرٍ حسابٍ.\n\n<span id=\"aya-331\"></span><span data-type='title' id=toc-1260>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨)﴾.</span>\nأما قولُه: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾. فمعناه: عند ذلك - أي: عندَ رؤيةِ زكريا ما رأى عندَ مريمَ من رزقِ اللهِ الذي رَزَقها، وفَضْلِه الذي آتاها من غيرِ تَسَبُّبِ أحدٍ من الآدَميِّين في ذلك لها، ومُعايَنَتِه عندها الثمرةَ الرَّطْبة التي لا تكونُ في حين رؤيته إياها عندها في الأرض - طمع [في الولد] (^٢) مع كِبَر سِنِّه، من المرأةِ العاقرِ، فرَجا أن يَرْزُقه اللهُ منها الولدَ مع الحالِ التي هما بها، كما رزَق مريمَ على تَخَلِّيها من الناسِ ما رَزَقها؛ من ثمرةِ الصيفِ في الشتاءِ، وثمرة الشتاءِ في الصيفِ، وإن لم يكنْ مثلُه مما جَرَتْ بوجوده - في مثل ذلك الحين - العاداتُ في الأرضِ، بل المعروفُ في الناسِ غيرُ ذلك، كما أن ولادةَ العاقرِ غيرُ الأمرِ الجاريةِ به العاداتُ في الناسِ، فرَغِب إلى اللهِ جلَّ ثناؤُه في الولدِ، وسأَله ذُرِّيَّةً طيبةً، وذلك أن أهلَ بيتِ زكريا - فيما ذُكر لنا - كانوا قد انقَرَضوا في ذلك الوقتِ.\nكما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: فلمَّا رأى زكريا من حالها ذلك - يعنى فاكهةَ الصيفِ في الشتاءِ، وفاكهةَ الشتاءِ في الصيفِ - قال: إن رَبًّا أعطاها هذا في غيرِ حِينِه، لقادرٌ على أن يرزُقَنى ذُرِّيَّةً طيبةً.\n_________\n(^١) بعده في ص: \"ودخول\" وبعده بياض بقدر كلمتين. ولعل سياقه هكذا \"ودخول النفاد عليه بخروج … \".\n(^٢) في ص: \"بالولد\".","vol":"5","page":360},{"text":"ورَغِب في الولدِ، فقام فصلَّى، ثم دعا رَبَّه سرًّا، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ [مريم: ٤ - ٦]. وقال (^١): ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. وقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ (^٢) [الأنبياء: ٨٩].\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: أخبرَني يعْلَى بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: فلما رأى ذلك زكريا - يعنى فاكهةَ الصيفِ في الشتاءِ، وفاكهة الشتاءِ في الصيفِ عندَ مريم - قال: إن الذي يأتى بهذا مريمَ في غيرِ زمانِه، قادرٌ أن يرزُقَنى وَلَدًا. قال الله ﷿: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾. قال: فذلك حين دَعا (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن عِكْرمة، قال: فدَخَل المحْرابَ، وغَلَّق الأبوابَ، وناجَى رَبَّه، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ إلى قوله: ﴿رَبِّ رَضِيًّا﴾. ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ٣٩].\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني بعض أهل\n_________\n(^١) النسخ: \"قوله\". والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤١ (٣٤٥٠) من طريق عمرو به مختصرًا.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠ إلى المصنف.","vol":"5","page":361},{"text":"العلمِ، قال: فَدَعا زكريا عندِ ذلك بعد ما أسَنَّ، ولا ولدَ له، وقد انْقَرَض أهلُ بيتِه، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. ثم شَكا إلى رَبِّه، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ إلى ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾. ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ الآية.\nوأما قولُه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾. فإنه يعنى بالذُّرِّيَّةِ النَّسلَ، وبالطَّيبةِ المباركةَ.\nكما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾. يقولُ: مباركةً (^١).\nوأما قوله: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾. فإنه يعنى: مِن عندِك.\nوأما الذُّرِّيةُ، فإنها جَمْعٌ، وقد تكون في معنى واحدٍ (^٢)، وهي في هذا الموضعِ واحدٍ (^٢). وذلك أن الله ﷿ قال في موضعٍ آخَرَ مُخْبِرًا عن دعاءِ زكريا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥]. ولم يَقُلْ: أولياءَ. فدلَّ على أنه سأل واحدًا، وإنما أَنَّثَ ﴿طَيِّبَةً﴾ لتأنيثِ الذُّرِّيةِ، كما قال الشاعرُ (^٣):\nأبوك خَلِيفةٌ وَلَدَتْه أُخْرى … وأنت خَلِيفَةٌ ذاكَ الكَمالُ\nفقال: وَلَدَتْه أُخْرَى. فأَنَّث وهو ذكرٌ؛ لتأنيث لفظ \"الخليفة\"، كما قال الآخر (^٤):\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤١ (٣٤٥١) من طريق عمرو به.\n(^٢) في م: \"الواحد\".\n(^٣) معاني القرآن للفراء ١/ ٢٠٨، واللسان (ف ل ح، خ ل ف).\n(^٤) معاني القرآن للفراء ١/ ٢٠٨، واللسان (س ك ت).","vol":"5","page":362},{"text":"فما (^١) تَزْدَرِى (^٢) مِن حَيَّةٍ جَبَلِيَّةٍ … سُكاتٍ (^٣) إذا ما عَضَّ ليس بأَدْرَدَا (^٤)\nفأَنَّثَ الجَبَلِيَّة لتأْنيثِ لفظِ الحَيَّة، ثم رجَع إلى المعنى فقال: إذا ما عَضُ؛ لأنه كان أراد حَيَّةً ذَكَرًا. وإنما يجوزُ هذا فيما لم يقع عليه: \"فلانٌ\" من الأسماءِ، كالدَّابةِ والذُّرِّيةِ والخَليفةِ، فأما إذا سُمِّي رجلٌ بشيءٍ من ذلك، فكان في معنى \"فلان\" لم يَجُزْ تأنيثُ فعله ولا نَعْتِه.\nوأما قولُه: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. فإن معناه: إنك سامعٌ الدعاءَ. غيرَ أن ﴿سَمِيعُ﴾ أمْدَحُ، وهو بمعنى: ذو سَمْعٍ له.\nوقد زعَم بعضُ نحويِّى البصرة أن معناه: إنك تَسْمَعُ مَا تُدْعَى به.\nفتأويلُ الآية: فعند ذلك دعا زكريا رَبَّه فقال: ربِّ هَبْ لى من عندِك ولدًا مبارَكًا، إنك ذو سمعٍ دُعاءَ مَن دَعاك.\n\n<span id=\"aya-332\"></span><span data-type='title' id=toc-1261>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾.</span>\nاختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قَرَأةِ أهلِ المدينةِ، وبعضُ أهل الكوفة والبصرةِ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ على التأنيثِ بالتاءِ (^٥)، يرادُ بها جمعُ (^٦) الملائكةِ. وكذلك تَفعَلُ العرب في جماعةِ الذُّكور إذا تَقَدَّمَت أَفعالها، أَنَّثَت أفعالها، ولا سيما الأسماءُ التي في ألفاظِها التأنيثُ، كقولهم: جاءَت الطَّلْحاتُ.\n_________\n(^١) في النسخ: \"كما\". والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٢) في م، ت ١، س: \"يزدري\".\n(^٣) في م: \"سكاب\"، وفى س: \"سكان\". وحية سكات وسَكُوت: إذا لم يشعر به الملسوع حتى يلسعه. اللسان (س ك ت).\n(^٤) الأدرد: الذي ليس في فمه سنٌّ. واللسان (درد).\n(^٥) وهى قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبي عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ٢٠٥.\n(^٦) في ص، س: \"جميع\".","vol":"5","page":363},{"text":"وقد قرَأ ذلك جماعةٌ من أهلِ الكوفةِ بالياءِ (^١)، بمعنى: فَناداه جبريلُ. فذَكَّروه للتأويل، كما قد ذكَرنا آنفًا أنهم يُؤنِّثون فعلَ الذَّكَرِ لِلَّفظ، فكذلك يذكِّرون فعلَ المؤنثِ أيضًا لِلَّفظِ.\nواعتَبَروا ذلك فيما أرَى بقراءةٍ يُذكَرُ أنها قراءةُ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ.\nوهو ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ بن الحَجَّاج، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بن أَبي حَمَّادٍ، أن قراءةَ ابن مسعودٍ: (فَنَادَاهُ جِبْرِيلُ وهو قَائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرَابِ) (^٢).\nوكذلك تَأوَّلَ قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾. جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1262>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني، موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (^٣): وهو جبريل - أو: قالت الملائكة: وهو جبريلُ: - ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ (^٤).\nفإن قال قائلٌ: وكيف جاز أن يقالَ على هذا التأويلِ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ والملائكةُ جمعٌ لا واحدٌ؟\nقيل: ذلك جائزٌ في كلامِ العربِ، بأن تُخْبِرَ عن الواحدِ، بمذهبِ الجمعِ، كما يقالُ في الكلامِ: خَرَج فلانٌ على بغالِ البُرُدِ. وإنما رَكِب بغلًا واحدًا، ورَكب\n_________\n(^١) وهى قراءة حمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ٢٠٥.\n(^٢) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ٤٠٠، وينظر البحر المحيط ٢/ ٤٤٦.\n(^٣) في ص، ت ١: \"فناداه الملائكة\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤١ (٣٤٥٣) من طريق عمرو بن حماد به.","vol":"5","page":364},{"text":"السُّفُن. وإنما رَكِب سفينةً واحدةً، وكما يقالُ: ممن سمِعْتَ هذا الخبرَ؟ فيقالُ: من الناسِ. وإنما سَمِعه من رجلٍ واحدٍ. وقد قيل: إن منه قولَه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. والقائلُ كان فيما ذُكِر واحدًا، وقولَه: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾ [الروم: ٣٣]. والناسُ بمعنَى واحدٍ، وذلك جائزٌ عندهم فيما لم يُقْصَدْ فيه قَصْدُ واحدٍ.\nوإنما الصوابُ من القولِ عندى في قراءةِ ذلك أنهما قراءتان معروفتان - أعنى التاء والياءَ - فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمُصِيبٌ؛ وذلك أنه لا اختلافَ في معنى باختلافِ القراءتَين، وهما جميعًا فَصِيحتان عندَ العربِ، وذلك أن الملائكةَ إن كان مُرَادًا بها جبريل، كما رُوِى عن عبدِ اللهِ، فإن التأنيثَ في فعلِها فصيحٌ في كلامِ العرب، لِلَفْظِها إن تَقدَّمَها الفعلُ، وجائزٌ فيه التذكيرُ لمعناها، وإن كان مُرادًا بها جمعُ الملائكةِ، فجائزٌ في فعلِها التأنيثُ وهو (^١) قَبلَها لِلفْظها، وذلك أن العربَ إذا قدَّمت على الكثيرِ من الجماعةِ فعْلَها أَنَّثَتْه، فقالت: قالت النساءُ. وجائزٌ التذكيرُ في فعلِها بناءً على الواحدِ إذا تقَدَّم فعله، فيقال: قال الرجالُ.\nوأما الصوابُ من القولِ في تأويلِه، فأنْ يقال: إن الله جلَّ ثناؤه أخبرَ أن الملائكةَ نادَته، والظاهرُ من ذلك أنها جماعةٌ من الملائكةِ دونَ الواحدِ، وجبريلُ واحدٌ، فلن يجوزَ أن يُحْمَلَ تأويلُ القرآنِ إلا على الأظهرِ الأكثرِ من الكلامِ المُستعملِ في أَلْسُنِ العربِ دونَ الأقلِّ، ما وُجد إلى ذلك سبيلٌ، ولم تَضْطَرَّنا حاجةٌ إلى صَرْفِ ذلك إلى أنه بمعنى واحدٍ، فيُحْتاج له إلى طَلَبِ المَخْرَجِ بالخفيِّ من الكلامِ والمعانى.\nوبما قُلنا في ذلك من التأويلِ قال جماعةٌ من أهل العلم؛ منهم قتادةُ والربيع ابن\n_________\n(^١) بعده في م: \"من\".","vol":"5","page":365},{"text":"أنسٍ وعِكرمةُ ومجاهدٍ وجماعةٌ غيرُهم، وقد ذكَرنا ما قالوا من ذلك فيما مَضَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1263>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾.</span>\nوتأويلُ قوله: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾: فنادَته الملائكةُ في حالِ قِيامِهِ مُصَلِّيًّا. فقوله: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾ خبرٌ عن وقتِ نداء الملائكةِ زكريا.\nوقوله: ﴿يُصَلِّي﴾. في موضعِ نصبٍ على الحالِ من \"القيام\"، وهو رَفْعٌ بالياء.\nوأما المِحْرابُ، فقد بَيَّنا معناه وأنه مُقَدَّمُ المسجدِ (^١).\nواختلَفت القَرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾؛ فقرأته عامةُ القَرَأَةِ: ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ بفتحِ الألفِ من ﴿أَنَّ﴾ (^٢)، بوقوعِ النداءِ عليها، بمعنى: فنادَته الملائكةُ بذلك.\nوقرَأه بعضُ قَرَأَةِ أهلِ الكوفةِ: (إن الله يَبْتُركَ) بكَسْرِ الألف (^٣)، بمعنى: قالت الملائكةُ: إن الله يُبَشِّرُكَ. لأن النداء قولٌ، وذكروا أنها في قراءة عبدِ اللهِ: (فنادته الملائكةُ وهو قائمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ: يا زكريا إن الله يُبَشِّرُك) (^٤). قالوا: وإذا بَطَل النداءُ أن يكون عاملًا في قوله: (يا زكريا). فباطلٌ أيضًا أن يكون عاملًا في \"إنَّ\".\nوالصوابُ من القراءة في ذلك عندنا (^٥): ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ بفتح ﴿أَنَّ﴾، بوقوعِ النداء عليه، بمعنى: فَنَادَته الملائكة بذلك.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٣٥٨.\n(^٢) قرأ بها عاصم والكسائي وأبو عمرو ونافع وابن كثير. السبعة لابن مجاهد ص ٢٠٥.\n(^٣) قرأ بها حمزة وابن عامر. المصدر السابق.\n(^٤) ينظر المصاحف لابن أبي داود ص ٥٩.\n(^٥) كلتا القراءتين صواب متواتر.","vol":"5","page":366},{"text":"وليست العلَّةُ التي اعتلَّ بها القارِئون بكسرِ \"إن\"، مِن أَنَّ عبد الله كان يقرَؤُها كذلك، [فقرَءُوها كذلك] (^١)؛ وذلك أنَّ عبدَ اللهِ إن كان قرَأ ذلك كذلك، فإنما قرَأها - بزعمهم - وقد اعتَرَض [بـ (يا] (^٢) زكريا) بين (إن)، وبينَ قوله ﴿فَنَادَتْهُ﴾ وإذا اعتُرِض به بينهما، فإن العربَ تُعْمِلُ حينئذٍ النداء في \"أن\"، وتُبْطِلُه عنها. أما الإبطالُ؛ فلأنّه (^٣) بطل عن العمل في المُنادى قبله، فأسْلكوا الذي بعدَه مَسْلكَه في بُطولِ عملِه. وأمّا الإعمالُ؛ فلأنَّ النداءَ فعلٌ واقعٌ (^٤) كسائرِ الأفعالِ.\nوأما قراءتُنا، فليس نداءُ زكريا بـ (يا زكريا) مُعْتَرَضًا به بينَ ﴿أَنَّ﴾ وبين قوله: ﴿فَنَادَتْهُ﴾، وإذ لم يكن ذلك بينهما، فالكلام الفصيح من كلام العربِ إذا (^٥) نصَبَت بقول: ناديت. اسمَ المنادى وأوقعوه عليه، أن يوقِعوه كذلك على \"أن\" بعده، وإن كان جائزًا إبطالُ عمله. فقولُه: ﴿فَنَادَتْهُ﴾ قد وقع على مَكْنِيِّ \"زكريّا\"، فكذلك الصوابُ أن يكون واقعًا على ﴿أَنَّ﴾ وعاملًا فيها، مع أن ذلك هو القراءةُ المُستفيضة في قرأة أمصارِ الإسلام، ولا يُعتَرضُ بالشاذِّ على الجماعة التي تجيءُ مَجِيءَ الحُجَّةِ (^٦).\nوأما قوله: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾. فإن القرأَةَ اختلَفت في قراءتِهِ؛ فَقَرَأَته عامةُ قَرَأَةِ أهل المدينةِ والبصرة: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ بتَشْدِيدِ الشينِ وضَمِّ الياءِ (^٧)، على وَجْهِ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. ولعل صواب السياق أن يكون بعدها: لهم بعلة.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"بهذا\"، وفي ت ٢: \"بهتا\".\n(^٣) في م: \"فإنه\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"رافع\". والفعل الواقع هو الفعل المتعدى.\n(^٥) في م: \"إذ\".\n(^٦) تقدم أن القراءتين متواترتان.\n(^٧) قرأ بها نافع وابن عامر وعاصم وابن كثير وأبو عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ٢٠٥، ٢٠٦.","vol":"5","page":367},{"text":"تَبْشيرِ اللهِ زكريّا بالولد، من قولِ الناسِ: بَشَّرَتْ فلانًا البُشْرَى بكذا وكذا. أي: أتَتْه بشاراتُ البُشَرَاءِ (^١) بذلك.\nوقرَأ ذلك جماعةٌ مِن قَرأَةِ الكوفة وغيرُهم: (إِنَّ اللَّهَ يَبْشُرُكَ) بفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشين وتخْفيفِها (^٢)، بمعنى أن الله يَسُرُّكَ بولدٍ يَهَبُهُ لك، من قول الشاعرِ (^٣):\nبَشَرْتُ عِيالى إِذْ رأيتُ صَحِيفةً … أَتَتْكَ مِن الحَجاجِ يُتْلَى كِتابُها\nوقد قيل: إِنَّ \"بَشَرْتُ\" لغةُ أهلِ تِهامةَ مِن كِنانةَ وغيرهم من قريشٍ، وأنهم يقولون: بَشَرْتُ فلانًا بكذا، فأنا أبشُرُه بَشْرًا. و: هل أنتَ باشِرٌ بكذا؟ ويُنشَدُ لهم البيت في ذلك (^٤):\nوإذا رأيتَ الباهِشِين (^٥) إلى العُلا … غُبْرًا أَكُفُّهُمُ بِقاعٍ مُمْحِلِ\nفَأَعِنْهُمُ وَابْشُرْ بَمَا بَشَرُوا به … وإذا هُمُ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فَانْزِلِ\nفإذا صارُوا إلى الأمر، فالكلامُ الصحيحُ من كلامِهم [بلا ألفٍ] (^٦) فيقالُ: ابشُرْ فلانًا بكذا. ولا يَكادُون يقولون: بشِّرْه بكذا. ولا: أبشِرْه.\nوقد رُوِى عن حُمَيدِ بن قيسٍ أنه كان يقرأُ: (يُبْشِرُكَ) بضمِّ الياء، وكَسْرِ الشين وتخفيفها (^٧).\n_________\n(^١) النسخ: \"البشرى\"، والمثبت من معاني القرآن للفراء ١/ ٢١٢.\n(^٢) وهى قراءة حمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٢٠٦.\n(^٣) معاني القرآن للفراء ١/ ٢١٢.\n(^٤) البيت لعبد قيس بن خقاف البرجمى، وهو في معاني القرآن للفراء ١/ ٢١٢. والمفضليات ص ٣٨٥، والأصمعيات ص ٢٣٠.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"الناهشين\". والبَهْش: المسارعة إلى أخذ الشيء. تاج العروس (ب هـ ش).\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بالألف\".\n(^٧) مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٢٦.","vol":"5","page":368},{"text":"وقد حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حَمَّادٍ، عن مُعاذٍ الكُوفيِّ، قال: مَن قرَأ: ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ٢١]. مُثَقَّلَةً، فإنه من البِشارةِ. ومَن قرَأ: (يَبشُرُهم). مُخَفَّفَةٌ بنَصْبِ الياء، فإنه من السرور يَسُرُّهم (^١).\nوالقراءةُ التي هي القراءةُ عندنا في ذلك ضَمُّ الياء وتشديدُ الشين، بمعنى التَّبشير؛ لأن ذلك هي اللغةُ السائرةُ والكلامُ المستفيضُ المعروفُ في الناسِ، مع أنّ جميعَ قرأةِ الأمصارِ مُجْمِعون في قراءة: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]. على التشديدِ.\nوالصوابُ في سائرِ ما في القرآنِ مِن نظائرِه أن يكونَ مثلَه في التشديدِ وضَمِّ الياء.\nوأما ما رُوى عن معاذٍ الكوفيِّ مِن الفرق بينَ معنى التخفيفِ والتشديدِ في ذلك، فلم نَجِدْ أهلَ العلمِ بكلامِ العربِ يَعْرِفونه من وجهٍ صحيحٍ، فلا معنَى لما حُكِى من ذلك عنه، وقد قال جريرُ بنُ عطيةَ (^٢):\nيا بِشْرُ حُقَّ لوجْهِكَ (^٣) التَّبْشِيرُ … هَلَّا غَضبتَ لنا وأنت أميرُ\nفقد عُلِم أنه أراد بقوله: التبشيرُ. الجمالَ والنَّضارة والسرور. فقال: التبشيرُ. ولم يقل: البِشْرُ. فقد بيَّن ذلك أن معنَى التخفيفِ والتثقيلِ في ذلك واحدٌ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾. قال: شافَهَتْه (^٤) الملائكةُ بذلك (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١ إلى المصنف.\n(^٢) ديوانه ١/ ٣٦٦.\n(^٣) في م: \"لبشرك\"\n(^٤) في ص، ت ٢: \"سا\" وبعده بياض بقدر نصف كلمة، وفى م، ت ٣: \"بشرته\"، وفى ت ١: \"قال\"، وفى س: \"ثنا بذا\"، والمثبت مما سيأتي في ص ٣٨٦، وهى كذلك في تفسير عبد الرزاق.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٠.","vol":"5","page":369},{"text":"وأما قولُه: ﴿بِيَحْيَى﴾. فإنه اسمٌ أَصلُه (^١) \"يَفْعَلُ\"، مِن قولِ القائلِ: حَيِيَ فلانٌ فهو يَحْيَا، وذلك إذا عاش. فـ\"يَحْيى\" \"يَفْعَلُ\"، من قولِهم: حَيِىَ. وقيل: إن الله جلَّ ثناؤُه سمّاه بذلك لأنه يُتأَوَّلُ اسمُه: أحياه بالإيمانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1264>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾. يقولُ: عبدٌ أحياه الله بالإيمان (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾. قال: إنَّما سُمِّي يَحْيَى (^٣) لأن الله أحياه بالإيمانِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1266>القولُ في تأويلُ قولِه: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾.</span>\nيعنى بذلك (^٥) جلَّ ثناؤُه: إن الله يُبَشِّرُك يا زكريا بيحيى ابنًا لك، مصدِّقًا بكلمةٍ من الله. يعْني: بعيسى ابن مريمَ.\nونُصِب قولُه: ﴿مُصَدِّقًا﴾ على القطع من \"يحيَى\"؛ لأنّ ﴿مُصَدِّقًا﴾ نعتٌ له وهو نكرةٌ، و\"يحيَى\" غيرُ نكرةٍ.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1265>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ الطُّفاويُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، قال: ثنا\n_________\n(^١) في م: \"صلة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤١ (٦٤٥٥) من طريق شيبان، عن قتادة.\n(^٣) بعده في ص، ت ٢: \"قال\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٢ (٣٤٥٧) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣، س: \"بقوله\".","vol":"5","page":370},{"text":"النَّضْرُ بنُ عَربيٍّ، عن مجاهدٍ، قال: قالت امرأةُ زكريا لمريمَ: إني أَجِدُ الذي في بطنِي يَتَحَرَّكُ للذى في بطنِك. قال: فوضَعت امرأةُ زكريا يحيَى، ومريمُ عيسى؛ ولذا قال: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: يحيَى مُصَدِّقٌ بعيسى (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن الرَّقاشيِّ في قولِ اللهِ: ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: مُصَدَّقًا بعيسى ابن مريمَ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله (^٣).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قَتادةُ في قولِه: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: مُصَدِّقًا بعيسى.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: مُصَدِّقٌ بعيسى ابن مريمَ، وعلى سُنَّتِه (^٤) ومِنهاجه.\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنَا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. يعْنى: بعيسى ابن مريمَ (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادة: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: مصدقًا بعيسى ابن مريم. يقولُ: على\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٢ عقب الأثر (٣٤٥٨) معلقا.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٥١.\n(^٤) في م: \"سننه\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٠، ومن طريقه ابن عساكر ٦٤/ ١٧٥.","vol":"5","page":371},{"text":"سَنَنِه (^١) ومنهاجه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: كان أَوَّلَ رجلٍ صدَّقَ عيسى، وهو كلمةٌ من الله ورُوحٌ (^٢).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: يُصَدِّقُ بعيسى (^٣).\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: كان يحيى أولَ مَن صدَّق بعيسى، وشهِد أنه كلمةٌ مِن اللهِ، وكان يحيى ابنَ خالةِ عيسى، وكان أكبرَ مِن عيسى (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: عيسى ابن مريمَ هو الكلمةُ من اللهِ، اسمُه المسيحُ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: أخبرني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: كان عيسى ويحيى ابنَىْ خالةٍ، وكانت أمُّ يحيَى تقول لمريم: إنى أَجِدُ الذي في بطنى يَسْجُدُ للذي في\n_________\n(^١) السَّنَن: الطريقة. اللسان (س ن ن).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٢ عقب الأثر (٣٤٥٨) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٢ عقب الأثر (٣٤٥٨) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١ إلى المصنف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٢ (٣٤٥٨) من طريق وكيع به.","vol":"5","page":372},{"text":"بطنِك، فذلك تصديقُه بعيسى، سجودُه (^١) في بطنِ أمِّه، وهو أولُ من صدَّق بعيسى وكلمةِ عيسى، ويحيَى أكبرُ مِن عيسى (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: الكلمةُ (^٣) التي صدَّق بها عيسى (^٤).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لقِيتْ أمُّ يحيى أمَّ عيسى، وهذه حاملٌ بيحيى وهذه حاملٌ بعيسى، فقالت امرأةُ زكريا: يا مريمُ، أُشْعِرْتُ أنى حُبْلى. قالت مريم: أُشْعِرْتُ أني أيضًا حُبْلى. قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطنى يَسْجُدُ لما في بطنك. فذلك قولُه: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ بَشَّارٍ (^٦)، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، عن عبّادٍ، عن الحسنِ في قول الله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: مُصدِّقًا بعيسى ابن مريمَ (^٧).\nوقد زعم بعضُ أهل العلم بلغاتِ العربِ مِن أهل البصرة (^٨)، أن معنى قوله:\n_________\n(^١) في تفسير ابن كثير: \"تصديقه له\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٣٠ عن ابن جريج، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: س، وفى ص، ت ١، ت ٢: \"كلمة\".\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ٢/ ٣٠.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١ إلى المصنف.\n(^٦) في: \"سنان\".\n(^٧) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٢ عقب الأثر (٣٤٥٨) معلقا.\n(^٨) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٩١.","vol":"5","page":373},{"text":"﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: بكتابٍ من الله. من قولِ العرب: أنشَدني فلانٌ كلمة كذا. يُرادُ به قصيدة كذا. جهلًا منه بتأويل الكلمة، واجتراءً على ترجمة القرآن برأيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1267>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَسَيِّدًا﴾.</span>\nيَعْنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَسَيِّدًا﴾: وشريفًا في العلم والعبادة.\nونصِب \"السيدُ\" عطفًا على قوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾.\nوتأويل الكلام، أنّ الله يُبشِّرُكَ بيحيى مصدِّقا بهذا وسيِّدًا.\nوالسيِّدُ الفَيْعِلُ (^١)، مِن قول القائل: ساد يَسُودُ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَسَيِّدًا﴾: إى والله، لسيّدٌ في العبادةِ والحِلْم والعلم والوَرَعِ (^٢).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا سليمان (^٣)، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادة في قوله: ﴿وَسَيِّدًا﴾. قال: السيّد - لا أَعْلَمُه إلا قال -: في العلم والعبادة (^٣).\nحُدِّثت عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، قال: السيّد الحليمُ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن شريك، عن سالمٍ الأفْطَسِ، عن سعيد بن جُبيرٍ: ﴿وَسَيِّدًا﴾. قال: الحليمُ (^٥).\n_________\n(^١) في ت ١، س: \"الفعيل\".\n(^٢) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٤٠٤.\n(^٣) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٤٠٤، والقرطبي في تفسيره ٤/ ٧٧، وابن كثير في تفسيره ٢/ ٣٠.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٢ عقب الأثر (٣٤٥٩) معلقا.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٨/ ٣٣٧، ١١/ ٥٦٢، وابن عساكر في تاريخه ٦٤/ ١٧٦ من طريق وكيع به.","vol":"5","page":374},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَسَيِّدًا﴾ قال: السيدُ التقِيُّ (^١).\nحدَّثني محمدُ بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَسَيِّدًا﴾. قال: السيّدُ الكريمُ على الله (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، قال: زعَمَ الرَّقاشِيُّ أن السيدَ الكريمُ على الله (^٣).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَسَيِّدًا﴾، قال: السيد الحليم التقيُّ (^٤).\nحدِّثت عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمِعت الضحّاكَ يَقُولُ في قوله: ﴿وَسَيِّدًا﴾. قال: يقول: تقيًّا حليمًا (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَهديٍّ، عن سفيان في قولِه: ﴿وَسَيِّدًا﴾. قال: حليمًا تقيًّا (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦٤/ ١٧٦ من طرق عن شريك به بألفاظ مختلفة.\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦٤/ ١٧٦ من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٣ (٣٤٦٢) من طريق ابن أبي نجيح، عن الرقاشي.\n(^٤) أخرجه الخرائطى في المنتقى (٢٦٦) من طريق هشيم به.\n(^٥) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦٤/ ١٧٨ من طريق جوبير، عن الضحاك.\n(^٦) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦٤/ ١٧٩ من طريق سعيد بن عبد الرحمن، عن سفيان.","vol":"5","page":375},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، عن ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَسَيِّدًا﴾. قال: السيد الشريفُ (^١).\nحدَّثني سعيد بن عمرو السَّكُونيُّ (^٢)، قال: ثنا بَقِيَّةُ بنُ الوليد، عن عبدِ الملكِ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيَّب في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَسَيِّدًا﴾. قال: السيدُ الفقيهُ العالمُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَسَيِّدًا﴾. قال: يقولُ: حليمًا تقيًّا (^٣).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن عِكْرمة: ﴿وَسَيِّدًا﴾. قال: السيد الذي لا يَغْلبه الغضبُ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1268>القول في تأويل قوله: ﴿وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾.</span>\nيعنى بذلك مُمْتَنِعًا مِن جِماعِ النساء، مِن قول القائل: حَصِرْتُ مِن كذا أحْصَرُ. إذا امْتَنَع منه، ومنه منه قولُهم: حَصِر فلانٌ في قراءتِه. إذا امتنع من القراءة فلم يَقْدِرْ عليها، وكذلك حَصْرُ العدوِّ: حبْسُهم الناسَ ومَنْعُهم إياهم التصرُّف. ولذلك قيل للذى لا يُخْرِجُ مع نُدَمائه (^٥) شيئًا: حَصُورٌ. كما قال الأخطلُ (^٦):\n_________\n(^١) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٤٠٤.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"السكرى\". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ١٧.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٢ (٣٤٥٩) عن محمد بن سعد به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٢ (٣٤٦٠)، والخرائطى في المنتقى (٢٦٥)، وابن عساكر في تاريخه ٦٤/ ١٧٧، ١٧٨ من طريق أبي بكر الهذلي به.\n(^٥) الندماء: جمع نديم، وهو الجالس على الشراب. اللسان (ن د م).\n(^٦) شرح ديوانه ص ٧٩.","vol":"5","page":376},{"text":"وَشارِبٍ مُرْبحٍ (^١) بالكأس نادَمَنى … لا بالحَصُورِ ولا فيها بسَوَّارِ (^٢)\nويُرْوَى: بسَآرِ (^٣). ويقالُ أيضًا للذى لا يُخْرِجُ سرَّه ويَكْتُمُه: حَصُورٌ. لأنه يَمْنَعُ سِرَّه أَن يَظْهَرَ، كما قال جريرٌ (^٤):\nولقد تَسَقَّطَنى (^٥) الوُشاةُ فصادَفوا … حصِرًا بسرِّكِ يا أُمَيْمُ ضَنِينَا\nوأصل جميع ذلك واحدٌ، وهو المنعُ والحبسُ.\nوبمثل الذي قُلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1269>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن خلَفٍ، قال: ثنا حماد بنُ شُعَيبٍ، عن عاصمٍ، عن زرٍّ، عن عبدِ اللهِ في قوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾، قال: [الحصورُ الذي لا يأتى النساء] (^٦).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب أنه قال: ثنى ابن العاصِ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"كلُّ بنى آدم يأتى يوم القيامة وله ذنبٌ، إلا ما كان من يحيى بن زكريَّا\". قال: ثم دلَّى رسول\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"مرجح\"، وفى س: \"مزجج\".\n(^٢) السَّوَّار: الذي تسور الخمر في رأسه سريعًا. تاج العروس (س ور).\n(^٣) اسم فاعل على غير قياس عن: سأر وأسأر. وأسأر منه شيئًا: أبقاه وأفضله. التاج (س أ ر).\n(^٤) ديوانه ١/ ٣٨٧.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تساقطني\"، وفى س: \"ساقطنى\". وتَسَقَّطَنى: طلب الوشاة سَقَطَه. التاج (س ق ط).\n(^٦) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى ص بياض بقدر كلمة.\nوالأثر أخرجه البيهقى ٧/ ٨٣ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٦٤/ ١٧٥ - من طريق عاصم به.","vol":"5","page":377},{"text":"الله ﷺ يدَه إلى الأرضِ، فأخَذ عُويدًا صغيرًا، ثم قال: \"وذلك أنه لم يَكُنْ له ما للرجال إلا مثل هذا العودِ، وبذلك سمّاه الله سيّدًا وحصورًا\" (^١).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا أَنسُ بنُ عِياض، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيَّبِ يقولُ: ليس أحدٌ إلا يَلْقَى الله يوم القيامة ذا ذَنْبٍ، إلا يحيى بن زكريا، كان حصورًا معه مثلُ الهَدْبة.\nحدَّثنا أحمد بن الوليد القرشيُّ، قال: [ثنا محمدُ (^٢) بن جعفرٍ، قال] (^٣): ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيَّب، قال: [قال ابن العاص - إمّا عبدُ الله وإمّا أبوه -: ما أحدٌ يَلْقَى الله إلا وهو ذو ذنبٍ، إلا يحيى بن زكريا. قال: وقال سعيدُ بن المسيَّب] (^٣): ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾. قال: الحَصُورُ الذي لا يَغْشَى (^٤) النساءَ، ولم يَكُنْ ما معه إلا مثلُ هُدْبةِ الثوبِ (^٥).\nحدَّثني سعيد بن عمرو السَّكونيُّ، قال: ثنا بقية بن الوليد، عن عبد الملك، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ في قوله: ﴿وَحَصُورًا﴾. قال: الحَصُورُ الذي لا يشتهى النساء. ثم ضرَب بيدِه إلى الأرضِ، فأخذ نواةً فقال: ما كان معه إلا مثل هذه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في العلل (١٩١٣) من طريق سلمة به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٣٧٣، وابن عساكر في تاريخه ٦٤/ ١٧٤ من طريق ابن إسحاق به.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عمر\". وتقدم على الصواب في ٣/ ٤٨٩.\n(^٣) سقط من: س.\n(^٤) في س: \"يشتهى\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١١/ ٥٦١، ٥٦٢، وأحمد في الزهد ص ٩٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٣ (٣٤٦٥) من طريق يحيى بن سعيد به نحوه.","vol":"5","page":378},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: الحَصُورُ الذي لا يَأْتى النساءَ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ مثله (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عمرو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ مثلَه.\nحدَّثني عبد الرحمن بن الأسود، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعة، قال: ثنا النَّضْرُ بن عَربيٍّ، عن مجاهدٍ: ﴿وَحَصُورًا﴾. قال: الذي لا يَأْتى النساء (^٣).\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الحَصُورُ الذي (^٤) لا يَقْرَبُ النساء (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفة، قال: ثنا شبلٌ، قال: زعم الرَّقاشيُّ: الحصورُ الذي لا يَقْرَبُ النساء.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحّاكِ: الحَصُورُ الذي لا يُولَدُ له، وليس له ماءٌ (^٦).\nحُدِّثت عن الحسين بن الفرجِ، قال سمعت أبا مُعاذٍ، قال: أخبرنا عُبيدُ بنُ\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٧٦، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٦٤/ ١٧٧.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٥٢ عن عطاء به.\n(^٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦٤/ ١٧٨ من طريق سفيان، عن رجل، عن مجاهد.\n(^٤) سقط من: ص، م.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٢٥١ ومن طريقه البيهقى ٧/ ٨٣، وابن عساكر في تاريخه ٦٤/ ١٧٧.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٤ (٣٤٦٨) من طريق جويبر به.","vol":"5","page":379},{"text":"سليمان، قال: سمعت الضحّاك يقولُ في قوله: ﴿وَحَصُورًا﴾. قال: هو الذي لا ماء له.\n[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ (^١)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَحَصُورًا﴾: كنا نُحَدَّثُ أن الحصورَ الذي لا يَقْرَبُ النساء.\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال] (^٢): ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾. قال: الحَصُورُ الذي لا يَأْتى النساء.\nحُدِّثتُ عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادة مثله.\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة مثلَه (^٣).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن قابوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: الحصورُ الذي لا يُنْزِلُ الماءَ (^٤).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، عن ابن زيدٍ: ﴿وَحَصُورًا﴾. قال: الحَصُورُ الذي لا يَأْتى النساءَ.\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عَمْرٌو، قال: ثنا أسباط، السُّدِّيِّ:\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سويد\". وهو إسناد دائر.\n(^٢) سقط من: س.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٠، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٦٤/ ١٧٥.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٣ (٣٤٦٧)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٦٤/ ١٧٥ من طريق جرير به.","vol":"5","page":380},{"text":"﴿وَحَصُورًا﴾. قال: الحصورُ الذي لا يُريدُ النساء.\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنَانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحنفيُّ، عن عبَّادٍ، عن الحسن: ﴿وَحَصُورًا﴾. قال: الذي (^١) لا يَقْرَبُ النساءَ (^٢).\nوأمَّا قوله: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. فإنه يعنى: رسولًا لربِّه إلى قومه، يُنْبِئُهم عنه بأمرِه ونهيه، وحلالِه وحرامه، ويُبَلِّغُهم عنه ما أَرْسَله به إليهم.\nويعنى بقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: من أنبيائه الصالحين.\nوقد دلَّلْنا فيما مضى على معنى \"النبوَّةِ\" وما أصلُها، بشواهدِ ذلك والأدلة الدالَّة على الصحيح من القول فيه بما أغْنَى عن إعادته (^٣).\n\n<span id=\"aya-333\"></span><span data-type='title' id=toc-1270>القولُ في تأويل قوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾.</span>\nيعنى أن زكريَّا قال إذ نادته الملائكةُ ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ -: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾. يعنى: مَن بلغ مِن السِّنِّ ما بلغتُ لم يُولَدْ له، ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ والعاقرُ من النساء التي لا تَلِدُ. يقال منه: امرأَةٌ عاقرٌ، ورجلٌ عاقرٌ. كما قال عامر ابن الطُّفَيْل (^٤):\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢.\n(^٢) ينظر التبيان ٢/ ٤٥٢.\nوقال القاضي في الشفا ١/ ١١٦: اعلم أن ثناء الله على يحيى بأنه حصور ليس كما قال بعضهم: إنه كان هَيُوبا، أولا ذكر له، بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب ولا نليق بالأنبياء، وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب، أي: لا يأتيها، كأنه حصر عنها … وينظر تفسير ابن كثير ٢/ ٣١.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٢/ ٣٠، ٣١.\n(^٤) مجاز القرآن ١/ ٩٢.","vol":"5","page":381},{"text":"لَبِئْسَ الفتَى إن كنتُ أعورَ عاقرًا … جبَانًا فما عُذْرِى لَدَى كُلِّ مَحْضَرِ\nوأمَّا \"الكِبَرُ\" فمصدرُ: كبِر فلانٌ فهو يَكْبَرُ كِبَرًا.\nوقيل: ﴿بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾. وقد قال في موضعٍ آخر: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ﴾ [مريم: ٨]؛ لأنّ ما بلغك فقد بلَغتَه، وإنما معناه: قد كَبِرْتُ. وهو كقول القائل: قد بلَغني الجهدُ. بمعنى: إني في جَهْدٍ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قال زكريا، وهو نبيُّ الله: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. وقد بشَّرَتْه الملائكةُ بما بشَّرَتْه به عن أمرِ اللهِ إيَّاها به؟ أشَكَّ في صدقهم؟ فذلك ما لا يجوز أن يُوصَفَ به أهلُ الإيمان باللهِ، فكيف الأنبياء والمرسلون؟ أم كان ذلك منه استنكارًا لقدرة ربِّه، فذلك أعظمُ في البَلِيَّةِ؟\nقيل: كان ذلك منه ﷺ على غير ما ظننت، بل كان قيلُه ما قال من ذلك كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: لمَّا سمِع النداءَ - يعني زكريا لمّا سمع نداء الملائكة بالبشارة بيحيَى - جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا، إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله، إنما هو من الشيطانِ يَسْخَرُ بك، ولو كان من الله أوحاه إليك كما يُوحى إليك في غيرِه مِن الأمرِ. فشكَّ مكانه وقال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ ذَكَرٌ؟ يقولُ: مِن أينَ ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ (^١)؟\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن عِكْرمة، قال: فأتاه الشيطانُ، فأراد أن يُكَدِّر (^٢) عليه نعمة ربِّه، فقال: هل تدرى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٤ (٣٤٧٣) من طريق عمرو به.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"يكذب\".","vol":"5","page":382},{"text":"من ناداك؟ قال: نعم، نادَتْني (^١) ملائكةُ ربِّي. قال: بل ذلك الشيطانُ، لو كان هذا (^٢) من ربِّك لأخفاه إليك كما أخفيت نداءَك. فقال: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ (^٣).\nفكان قوله ما قال من ذلك، ومراجعته ربَّه فيما راجَعَ فيه بقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾. للوسوسة التي خالطت قلبه من الشيطان، حتى خَيَّلت إليه أن النداء الذي سمعه كان نداءً مِن غير الملائكة فقال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾. مُسْتَثْبتًا فِي أمرِه، ليَتَقَرَّرَ عندَه بآيةٍ، يُرِيه اللهُ في ذلك أنه بشارةٌ مِن الله على ألسن ملائكته، ولذلك قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾.\nوقد يجوز أن يكونَ قِيلُه ذلك مسألةً منه ربَّه: من أيِّ وجهٍ يكون الولدُ الذي بُشِّر به، أمِن زوجته؟ فهى عاقرٌ، أم من غيرها من النساء؟ فيكونُ ذلك على غير الوجه الذي قاله عكرمةُ والسُّدِّيُّ ومَن قال مثل قولهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-1271>القولُ في تأويل قوله: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.</span>\nيعنى جلّ ثناؤه بقوله: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ﴾: أيْ هو: ما وصَف به نفسَه أنه هيِّنٌ عليه أن يَخْلُقَ ولدًا من الكبير الذي قد يئِس من الولد، ومن العاقرِ التي لا يُرْجَى من مثلها الولادةُ، كما خلقك يا زكريا من قبل خلق الولد منك ولم تك شيئًا؛ لأنه الله الذي لا يَتَعَذَّرُ عليه خلق شيءٍ أراده، ولا يمتنع عليه فعلُ شيءٍ شاءه؛ لأن قدرته القدرة التي لا يُشْبهها قدرةٌ.\nكما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ، قال:\n_________\n(^١) في م، ت ١، س: \"ناداني\".\n(^٢) في س: \"نداء\".\n(^٣) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٤٠٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢ إلى المصنف.","vol":"5","page":383},{"text":"﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] (^١).\n\n<span id=\"aya-334\"></span><span data-type='title' id=toc-1272>القولُ في تأويل قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾.</span>\nيعْنى بذلك جلّ ثناؤُه - خبرًا عن زكريا -: قال زكريا: ربِّ إن كان هذا النداءُ الذي نُودِيتُه، والصوتُ الذي سمِعته صوت ملائكتك، وبشارةً منك لى، فاجعل لى ﴿آيَةً﴾، يقولُ: علامةً أن ذلك كذلك؛ لِيَزُولَ عنِّي ما قد وَسْوَسَ إليَّ الشيطانُ فألقاه في قلبي، من أن ذلك صوتُ غير الملائكة، وبشارةٌ مِن [عندِ غيرك] (^٢).\nكما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قال: قال (^٣) - يعني زكريا -: يا ربِّ، فإن كان هذا الصوتُ منك فاجعلْ لى آية (^٤).\nوقد دَلَّلْنا فيما مضى على معنى \"الآية\" وأنها العلامةُ، بما أغْنَى عن إعادتِه (^٥).\nوقد اخْتلف أهلُ العربية في سبب ترك العرب همزَها، ومن شأنها همزُ كلِّ ياءٍ جاءت بعد ألفٍ ساكنةٍ؛ فقال بعضُهم: تُرِك همزها لأنها كانت \"أَيَّةً\"، فثقُل عليهم التشديدُ، فأبْدَلوه ألفًا؛ لانفتاح ما قبلَ التشديد، كما قالوا: أيْما فلانٌ فأخزاه الله.\nوقال آخرون منهم: بل هي \"فاعلةٌ\" منقوصةٌ. فسُئلوا، فقيل لهم: فما بالُ العرب تُصَغِّرُها \"أُيَيَّةً\"، ولم يقولوا: \"أُويَّةً\"؟ فقالوا: قيل ذلك كما قيل في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٤ (٣٤٧٣) من طريق عمرو به.\n(^٢) في س: \"عندك\".\n(^٣) سقط من: س.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٥ (٣٤٧٥) من طريق عمرو به.\n(^٥) ينظر ما تقدم في ١/ ١٠٤.","vol":"5","page":384},{"text":"فاطمةَ: هذه فُطَيمة. فقيل لهم: فإنهم إنما (^١) يُصغِّرون \"فاعلةٌ\" على \"فُعَيْلةٍ\"، إذا كان اسمًا في معنى فلانٍ وفلانةً، فأمَّا في غير ذلك، فليس من تصغيرهم \"فاعلة\" على \"فُعَيْلَةٍ\".\nوقال آخرون: إنه \"فَعْلَةٌ\"، صُيِّرت ياؤُها الأُولى ألفًا كما فعل بـ \"حاجةٍ\" و\"قامةٍ\". فقيل لهم: إنما تَفْعَلُ العرب ذلك في أولاد الثلاثة (^٢).\nوقال مَن أنْكر ذلك من قبلهم: لو كان كما قالوا لقيل في نواةٍ: \"نايةٌ\". وفى حياةٍ: \"حايَةٌ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1274>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾.</span>\nفعاقبه (^٣) الله ﷿ فيما ذُكر لنا - بمسألته الآيةَ، بعد مشافهة الملائكةِ إيَّاه بالبِشارةِ، فجعَل آيته على تَحْقيقِ (^٤) ما سمِع مِن البشارةِ من الملائكةِ بيحيى أنه مِن عندِ الله، آيةً مِن نفسه، جمَع تعالى ذكرُه بها العلامة التي سألها ربَّه، على ما يُبَيِّنُ له حقيقة البِشارةِ أنها من عندِ اللهِ، وتمحيصًا له من هَفْوتِه، وخطأ قيله ومسألته.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1273>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أولاد الثلاثة وبنات الثلاثة: الاسم الثلاثى. وينظر الكتاب لسيبويه ٣/ ٤٢٦، وشرح المفصل لابن يعيش ٥/ ١٢٢، واللسان (أ ي ا).\n(^٣) في س: \"فعاتبه\".\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣، س: \"تخصيص\".","vol":"5","page":385},{"text":"آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾: إنما عُوقب بذلك لأن الملائكة شافَهَتْه مُشافهةً بذلك فبشَّرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إيَّاه، فأُخذ عليه بلسانه، فجعَل لا يَقْدِرُ على الكلام إلا ما أؤمأ وأشار، فقال الله تعالى ذكره كما تسْمعون: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾.\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾. قال: شافَهَتْه الملائكةُ، فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. يقول: إلا إيماءً، وكانت عقوبةً عُوقِب بها، إذ سأَل الآيةَ مع مشافهةِ الملائكةِ إيَّاه بما بشَّرتْه به (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: ذُكِر لنا - والله أعلم - أنه عوقب لأن الملائكة شافَهَتْه مُشافهةً فبشَّرَتْه بيحيي، فسأل الآيةَ بعدُ فأُخِذ بلسانه (^٢).\nحُدِّثتُ عن عَمّار بن الحسن، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع، قال: ذُكر لنا - والله أعلم - أنه عُوقِب لأن الملائكة شَافَهَتْه فبشَّرَتُه بيحيى، قالت: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾. فسأَل بعد كلامِ الملائكة إيَّاه الآيةَ، فأُخِذ عليه لسانه، فجعَل لا يَقْدِرُ على الكلامِ ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ يقولُ: يُومِنُ إيماءً.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢٣/ ٦٤٥ (٣٤٧٨) عن الحسن به، وتقدم أوله في ص ٣٦٩.\n(^٢) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٤١٠.","vol":"5","page":386},{"text":"حدَّثني أبو عُبيد الوَصَّابِيُّ (^١)، قال: ثنا محمدُ بنُ حِمْيَرٍ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عمرو، عن [جبير بن نُفَيْر] (^٢) في قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: رَبَا لسانه في فيه حتى ملأه، ثم أطلقه الله بعد ثلاث (^٣).\nوإنما اختارت القَرَأَةُ النصبَ في قوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾. لأن معنى الكلام: قال: آيتُك ألا تُكَلِّمَ الناسَ فيما يُسْتَقْبَلُ ثلاثة أيام. فكانت \"أن\" هي التي تَصْحَبُ الاستقبال (^٤) دونَ التي تَصْحَبُ الأسماء، فتَنْصِبُها، ولو كان المعنى فيه: آيتُك أنك لا تُكَلِّمُ الناس ثلاثة أيام. أي: أنك على هذه الحال ثلاثة أيامٍ - كان وجهُ الكلام الرفع؛ لأن \"أن\" كانت تكونُ (^٥) حينئذ بمعنى الثقيلة خُفِّفت، ولكن لم يكن ذلك جائزًا؛ لِما وصفتُ من أن ذلك بالمعنى الآخرِ.\nوأمَّا الرمز، فإن الأغلب من معانيه عند العرب الإيماء بالشفتين، وقد يُسْتَعْمَلُ في الإيماء بالحاجبين والعينين أحيانًا، وذلك غيرُ كثير فيهم، وقد يُقالُ للخَفِيِّ من الكلام الذي هو مثلُ الهَمْسِ بخفض الصوتِ: الرمز. ومنه قولُ جُؤَيَّةَ بن عائذٍ (^٦):\n_________\n(^١) في ص: \"الوضافي\"، وفى م: \"الرصافي\"، وفى ت ١، س: \"الوصافى\". وتقدم في ص ٢٩١.\n(^٢) في م: \"جويبر بن نصير\".\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٦ (٣٤٨٢) معلقا عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، وستأتى رواية صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن، عن أبيه في تفسير الآية (٧٤) من سورة الفرقان، وتفسير الآية (١٠) من سورة الأحقاف.\n(^٤) في س: \"الأفعال\". ويقصد بالاستقبال أفعال المضارعة إشارة إلى الدلالة الزمانية. مصطلحات النحو الكوفى ص ٧٤.\n(^٥) سقط من: س.\n(^٦) في م، ت ١: \"عابد\". وينظر بغية الوعاة ١/ ٤٩٠. والبيت في التبيان للطوسى، ٢/ ٢٤٥٥، والمحرر الوجيز ٢/ ٤١١.","vol":"5","page":387},{"text":"وكان تَكَلَّمُ (^١) الأبطال رَمْزًا .... وهَمْهَمةً (^٢) لَهُمْ مِثْلَ الهَدِيرِ (^٣)\nيُقال منه: رمز فلانٌ فهو يَرْمُزُ، ويَرْمِزُ رَمْزًا، ويَتَرَمَّزُ تَرَمزًا. ويُقالُ: ضربه ضربةً فارْتَمَزَ منها. أي: اضْطَرب للموت، قال الشاعرُ (^٤):\n* خَرَرْتُ مِنها لَقَفَايَ أَرْتَمِزُ *\nوقد اختلف أهلُ التأويل في المعنى الذي عنى الله ﷿ به في إخباره عن زكريا من قوله: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. وأيِّ معاني الرمز عنَى بذلك؛ فقال بعضُهم: عنى بذلك: آيتُك أَلَّا تُكَلِّمَ الناسَ ثلاثة أيام إلا تحريكًا بالشفتين، من غيرِ أَن تَرْمُزَ بلسانكِ الكلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-1275>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نُوحٍ، عن النَّضْرِ بن عَربيٍّ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: تحريك الشفتين (^٥).\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: إيماؤُه بشفتيه (^٦).\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) في م: \"يكلم\".\n(^٢) في مصدرى التخريج: \"وغمغمة\".\n(^٣) في مصدري التخريج: \"الهرير\". والهدير: تردد صوت البعير في حنجرته، والهرير: صوت الكلب، وهو دون النباح من قلة صبره على البرد. اللسان (هـ در، هـ ر ر).\n(^٤) هو صائد الضَّبِّ، وهذا عجز بيت صدره: ثم اعتمدت فجبَذتُ جَبْذَةً. والبيت في اللسان (ق ن ز)، وعجزه في اللسان (ر م ز).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٦ (٣٤٨٠) من طريق النضر بن عربي به نحوه.\n(^٦) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٩/ ٥٢ من طريق ابن أبي نجيح به.","vol":"5","page":388},{"text":"مجاهد مثله\nوقال آخرون: بل عنَى الله بذلك الإيماء والإشارة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1276>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحاك: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: الإشارة (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسين بن الفَرحِ، قال: سمعت أبا مُعاذ، قال: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: الرمز أن يُشيرَ بيده أو رأسِه ولا يَتَكَلَّمَ (^٢).\nحدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: الرمزُ: أن أُخِذ بلسانه، فجعَل يُكَلِّمُ الناس بيده (^٢).\nحدثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: والرمز الإشارةُ.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ الآية. قال: جعَل آيتَه ألا يُكَلِّمَ الناسَ ثلاثة أيام إلا رمزًا، إلا أنه يَذْكُرُ الله، والرمز الإشارة، يُشيرُ إليهم.\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٧٧، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٩/ ٥٢ من طريق سلمة بن نبيط به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣ إلى المصنف.","vol":"5","page":389},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادة: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾: إلا إيماءً (^١).\nحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثلَه (^٢).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. يقول: إشارةً (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال عبد الله بن كثير: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾: إلا إشارةً (^٤)\nحدَّثني محمدُ بنُ (^٥) سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، عن عبَّادٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: أُمْسِكَ بلسانه، فجعَل يُومِيء بيدهِ إلى قومِه أن سبِّحوا بكرةً وعَشِيًّا (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-1277>القول في تأويل قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾.</span>\nيعنى بذلك: قال الله جل ثناؤُه لزكريا: يا زكريا، آيتُك أَلَّا تُكَلِّمَ الناسَ ثلاثةَ أيام إلا رمزًا بغيرِ خَرَسٍ، ولا عاهةٍ، ولا مرضٍ، واذكرْ ربَّك كثيرًا، فإنك لا تُمْنَعُ ذكرَه، ولا يُحَالُ بينكَ (^٧) وبينَ تسبيحِه وغير ذلك مِن ذكرِه.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٣٨٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٦ عقب الأثر (٣٤٨١) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٦ عقب الأثر (٣٤٨١) من طريق عمرو به.\n(^٤) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٤١١.\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س: \"عمر بن\".\n(^٦) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٤١١.\n(^٧) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س: \"وبينه\".","vol":"5","page":390},{"text":"وقد حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ، قال: لو كان الله رَخَّص لأحدٍ في ترك الذِّكرِ، لرخَّص لزكريا حيثُ قال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ أيضًا (^١).\nوأمَّا قولُه: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ﴾. فإنه يعنى: عظِّمْ ربُّك بعبادتِه بالعشيِّ، والعشيُّ: من حين تَزولُ الشمسُ إلى أن تَغِيبَ، كما قال الشاعرُ (^٢):\nفلا الظِّلَّ مِن بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعُهُ .... ولا الفَيْء مِن بردِ العشيِّ تَذُوقُ\nفالفيءُ إِنما تَبْتَدِئُ أَوْبَتُه من عندِ زوالِ الشمسِ، وتَتَناهَى بمَغِيبِها.\nوأمَّا الإبكارُ، فإنه مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: أبْكَر فلانٌ في حاجةٍ، فهو يُبْكِرُ إبكارًا. وذلك إذا خرَج فيها من بين مطلَعِ الفجرِ إلى وقتِ الضحى، فذلك إبكارٌ. يقالُ فيه: أبْكَر (^٣) فلانٌ، وبكَر يَبْكُرُ بُكُورًا، فمن الإبكارِ قولُ عمرَ بن أبي ربيعةَ (^٤):\n* أَمِنْ آلِ نُعْمٍ أَنتَ عَادٍ فَمُبْكِرُ *\nومن البُكُورِ قولُ جريرٍ (^٥):\nألا بكَرَتْ سلمى فجدَّ بُكورُها … وشقَّ العصا بعدَ اجتماعٍ أميرُها\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢١٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٦ (٣٤٨٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٩/ ٥٢ من طريق أبي معشر به.\n(^٢) هو حميد بن ثور الهلالى، والبيت في ديوانه ص ٤٠.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بكر\".\n(^٤) شرح ديوانه ص ٩٢ وهو صدر بيت عجزه:\n\"غَداةَ غدٍ أم رائحٌ فَمُهَجِّر\"\n(^٥) ديوانه ٢/ ٨٩٠.","vol":"5","page":391},{"text":"ويقالُ من ذلك: بكر النخلُ يَنكُرُ بُكورًا، وأبْكَر يُنْكِرُ إبكارًا، والباكورُ مِن الفواكه: أَوَّلُها إدراكًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1278>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾. قال: الإبكارُ أَوَّلُ الفجرِ، والعشيُّ ميلُ الشمسِ حتى تَغِيبَ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n\n<span id=\"aya-335\"></span><span data-type='title' id=toc-1279>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢)﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤُه: والله سميعٌ عليمٌ إذ قالت امرأة عمران ربِّ إنى نذرتُ لك ما في بطنى مُحررًا، وإذ قالت الملائكةُ يا مريمُ إِنَّ الله اصطفاكِ.\nومعنى قوله: ﴿اصْطَفَاكِ﴾: اختاركِ واجْتَباكِ لطاعته وما خصَّكِ به من كرامته\nوقولُه: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾. يعنى: طهَّر دِينَكَ مِن الرِّيَبِ والأَدْناسِ التي في أديانِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٦، ٦٤٧ (٣٤٨٦، ٣٤٨٧)، من طريق ابن أبي نجيح به، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٩/ ٥٢ من طريق أبي يحيى، عن مجاهد، وهو في تفسير مجاهد ص ٢٥٢ مقتصرًا على تفسير العشي.","vol":"5","page":392},{"text":"نساءِ بنى آدمَ، ﴿اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ يعني: اختاركِ على نساءِ العالمين في زمانِك بطاعتِك إياه، ففضَّلك عليهم.\nكما رُوِى عن رسولِ الله ﷺ أنه قال: \"خيرُ نسائِها مريمُ بنتُ عمرانَ، وخيرُ نسائِها خديجة بنتُ خُوَيْلِدٍ\" يعنى بقوله: \"خيرُ نسائها\": خيرُ نساءِ أهلِ الجنةِ.\nحدَّثني بذلك الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدَائيُّ، قال: ثنا مُحاضِرُ بنُ المُوَرِّعِ، قال: ثنا هشامُ بنُ عُروةَ، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفرٍ، قال: سمعتُ عليًّا بالعراق يقولُ: سمِعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"خيرُ نسائها مريمُ بنتُ عِمرانَ، وخيرُ نسائِها خديجةُ\" (^١).\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرَنا ابن وَهْبٍ، قال: ثني المُنْذِرُ بنُ عبدِ اللهِ الحزاميُّ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بن جعفرِ بن أبي طالبٍ، أن رسولَ الله ﷺ قال: \"خيرُ نساءِ الجنةِ مريمُ بنتُ عِمرانَ، وخيرُ نساءِ الجنةِ خديجةُ بنتُ خُوَيْلِدٍ\" (^٢).\nحدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾:\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص ٣٨٣ - تراجم النساء) من طريق محاضر بن المورع به، وأخرجه عبد الرزاق (١٤٠٠٦)، وابن أبي شيبة ١٢/ ١٣٤، وأحمد ٢/ ٧٠، ٢٥٣، ٣٣٨، ٣٨٧ (٦٤٠، ٩٣٨، ١١٠٩، ١٢١٢)، والبخارى (٣٤٣٢، ٣٨١٥)، ومسلم (٢٤٣٠)، والترمذى (٣٨٧٧)، والبزار (٤٦٧، ٤٦٨)، وأبو يعلى (٥٢٢)، والبغوى (٣٩٥٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (ص ٣٧٠ - ٣٧٣ - تراجم النساء) من طريق هشام بن عروة به.\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه (ص ٣٧٣ - تراجم النساء) من طريق يونس، به، وفيه: المنذر بن عبيد، وفيه: عن جعفر عبد الله بن جعفر، عن علي.","vol":"5","page":393},{"text":"ذُكِر لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان يقولُ: \"حَسْبُكَ (^١) بمريمَ بنْتِ عمرانَ، وامرأةِ فرعونَ، وخديجةَ بنتِ خُوَيْلِدٍ، وفاطمةَ بنتِ محمدٍ مِن نساء العالَمِين\" (^٢). قال قتادةُ: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"خيرُ نساءٍ رَكِبْنَ الإبلَ صوالحُ نساء قريشٍ؛ أحْنَاهُ على ولدٍ في صِغَرِه، وأَرْعَاه على زوجٍ في ذاتِ يدِه\" (^٣). قال قتادةُ: وذُكر لنا أنه كان يقولُ: \"لو علمتُ أن مريمَ ركِبت الإبلَ ما فضَّلتُ عليها أحدًا\".\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾. قال: كان أبو هريرةَ يُحَدِّثُ أن النبيَّ ﷺ قال: \"خيرُ نساءٍ ركِبْنَ الإبلَ صالِحُ (^٤) نساءِ قريشٍ؛ أحْنَاه على ولدٍ، وأَرْعَاهُ لِزَوْجٍ في ذاتِ يدِه\". قال أبو هريرةَ: ولم تَرْكَبُ مريُم بعيرًا قط (^٥).\nحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾. قال: كان ثابتٌ البُنانيُّ يُحَدِّثُ عن أنس بن مالكٍ أن رسولَ الله ﷺ قال: \"خيرُ\n_________\n(^١) بعده في س: \"من نساء الدنيا\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢٠٩١٩)، والترمذى (٣٨٧٨)، وأحمد ٣/ ١٣٥ (١٢٤١٤) موصولًا من حديث أنس.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ١٧٤، وابن أبي عاصم في السنة (١٥٣٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (ص ٣٨١ - تراجم النساء) موصولًا من حديث أبي هريرة.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"صلح\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٠، والبخارى (٣٤٣٤)، ومسلم (٢٠١/ ٢٥٢٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٤ (٣٤٨٨) من طريق الزهرى، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعا.","vol":"5","page":394},{"text":"نساء العالَمِينَ أربعٌ، مريم بنت عمران، وآسية بنتُ مُزَاحِمٍ امرأَةُ فرعونَ، وخديجةُ بنتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطمة بنتُ محمد\" (^١).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا شُعبةُ، قال: ثنا عَمرُو بنُ مُرَّةَ، قال: سمِعتُ مُرَّةَ الهَمْدَانِيَّ يُحَدِّثُ عن أبي موسى الأشعريِّ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كمَل من الرجال كثيرٌ، ولم يَكْمُلْ مِن النساء إلا مريم، وآسِيَةُ امرأة فرعون، وخديجةُ بنتُ خُوَيلدٍ، وفاطمة بنت محمدٍ\" (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو الأسود المِصريُّ، قال: ثنا ابن لَهِيعَةَ، عَن عُمارَةَ بن غَزِيَّةَ، عن محمد بن [عبد الله] (^٣) بن عمرو بن عثمان، أن فاطمة بنتَ حسينِ بن عليٍّ حدَّثتْه، أن فاطمةَ بنتَ رسولِ اللهِ ﷺ قالت: دخَل رسولُ الله يومًا وأنا عندَ عائشةَ، فناجاني فبكَيتُ، ثم ناجانى فضحكتُ، فسألتني عائشةُ عن ذلك، فقلتُ: لقد عجِلتِ، أُخْبِرُكِ بسرِّ رسولِ اللهِ ﷺ؟! فتَرَكَتْني، فلمَّا تُوُفِّي رسولُ الله ﷺ، سألتها عائشةُ، فقالت: نعم، ناجاني فقال: \"جبريلُ كان يُعارِضُ القُرآنَ كلَّ عامٍ مَرَةً، وإنه قد عارض القرآن مرتين، وإنه ليس من نبيٍّ إلا عُمِّر نصف عُمْرِ الذي كان قبله، وإن عيسى أخى كان عمرُه عشرين ومائةَ سنةٍ، وهذه\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص ٣٧٨ - تراجم النساء) من طريق أبي جعفر به، وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ٩/ ٤٠٤، وابن عساكر ص ٣٧٧، ٣٧٨ من طريق أبي جعفر عن محمد بن سعيد عن ثابت به.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٣٣، ٣٧٦٩) من طريق آدم به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ١٢٨، وأحمد ٤/ ٣٩٤، ٤٠٩ (الميمنية)، والبخارى (٣٤١١، ٥٤١٨)، ومسلم (٢٤٣١)، وابن ماجه (٣٢٨٠)، والترمذى (١٨٣٤)، والطحاوى في المشكل (١٥٠)، وابن حبان (٧١١٤)، والطبرانى ٢٣/ (١٠٦)، والبغوى (٣٩٦٢) من طريق شعبة به.\n(^٣) في النسخ: \"عبد الرحمن\". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٥١٦.","vol":"5","page":395},{"text":"لى سِتُّون، وأحْسَبُنى ميِّتًا في عامى هذا، وإنه لم تُرْزَأ امرأَةٌ من نساء العالمين بمثلِ ما رُزِئْتِ، ولا تكونى دونَ امرأة صبرًا\". قالت: فبكَيتُ، ثم قال: \"أَنْتِ سيدةُ نساءِ أهل الجنةِ إلا مريمَ البَتُولَ\". فتُوُفِّي عامه ذلك (^١).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو الأسود، قال: ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عن عَمرِو بن الحارثِ، أن أبا زيادٍ الحِمْيَرِيَّ حدَّثه أنه سمِع عمار بن سعدٍ يقولُ: قال رسولُ: اللهِ ﷺ: \"فُضِّلت خديجة على نساءِ أُمَّتى، كما فُضَّلت مريم على نساء العالمين\" (^٢).\nوبمثل الذي قلنا في معنى قوله: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ - أنه: وطَهَّرَ دِينَكِ مِن الدَّنَسِ والرِّيَب - قال مجاهدٌ.\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ قال: جعَلك طيبةً إيمانًا (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى الحَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ قال: ذلك للعالمين يومئذٍ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٢٩٦٥، ٢٩٧٠)، والدولابي في الذرية الطاهرة (١٩٤)، والطحاوى في المشكل (١٤٦، ١٩٣٧)، والطبراني ٢٢/ ٤١٧، ٤١٨ (١٠٣١)، والبيهقي في الدلائل ٧/ ١٦٥، والخطيب في الكفاية ١/ ٣٣١، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٧/ ٤٨١ من طريق ابن غزية به.\n(^٢) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٤١٦ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣ إلى المصنف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٥٢ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٧ (٣٤٨٩).\n(^٤) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٤١٥، والقرطبي في تفسيره ٤/ ٨٢.","vol":"5","page":396},{"text":"وكانت الملائكة - فيما ذكر ابن إسحاق - تقولُ ذلك لمريمَ شِفاهًا.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، قال: كانت مريمُ حَبيسًا في الكنيسة، ومعها في الكنيسةِ غلامٌ اسمُه يوسفُ، وقد كان أمُّه وأبوه جعَلاه نذيرًا حَبيسًا، فكانا في الكنيسة جميعًا، وكانت مريمُ إذا نفد ماؤها وماء يوسفَ، أخَذا قُلتيْهما، فانطلقا إلى المفازة التي فيها الماءُ الذي يَسْتَعْذِبان منه، فيملآن قُلَّتيهما، ثم يرجِعان (^١) إلى الكنيسة، والملائكة في ذلك مقبلةٌ على مريمَ: ﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾. فإذا سمع ذلك زكريا، قال: إن لابنة عمران لشَأنًا (^٢).\n\n<span id=\"aya-336\"></span><span data-type='title' id=toc-1280>القول في تأويل قوله: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤُه بقوله - خبرًا عن قيل ملائكتِه لمريمَ -: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾: أخْلِصى الطاعةَ لربِّك وحدَه.\nوقد دلَّلْنا على معنى \"القُنوتِ\" بشواهدِه فيما مضَى قبلُ، والاختلافُ بينَ أهلِ التأويل فيه في هذا الموضع نحوُ اختلافِهم فيه هنالك (^٣).\nوسَنَذْكُرُ قول بعضهم أيضًا في هذا الموضع؛ فقال بعضُهم: معنى ﴿اقْنُتِي﴾: أطيلى الركود (^٤).\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ٢: \"بها\"\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٩٣ مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣، ٢٤ إلى المصنف.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٢/ ٤٦١، ٤٦٤.\n(^٤) في س، ت ٢: \"الركوع\".","vol":"5","page":397},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1281>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قال: أطِيلى الركود. يعنى القنوتَ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قال: قال مجاهدٌ: أطِيلى الركودَ في الصلاةِ. يعنى القنوتَ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد اللهِ بن إدريسَ، عن لَيثٍ، عن مجاهدٍ، قال: لمَّا قيل لها: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾. قامت حتى ورِم كعباها (^٢).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: لمَّا قيل لها: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قامت حتى ورمت قدماها (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبَرَنا الثوريُّ، عن ابن أبي ليلى، عن مجاهدٍ: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾. قال: أطيلى الركودَ (^٤).\nحُدِّثت عن عمّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع: ﴿يَامَرْيَمُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص ٣٦٩ - تراجم النساء) من طريق ابن أبي نجيج به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٨ (٣٤٩٤) من طريق ابن إدريس به. وأخرجه ابن أبي الدنيا في التهجد وقيام الليل (٢١٨) من طريق ابن إدريس، عن أبيه، مجاهد.\n(^٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص ٣٦٨ - تراجم النساء) من طريق ابن إدريس به نحوه.\n(^٤) تفسير سفيان ص ٧٧، وتفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٠، ومن طريق سفيان ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص ٣٦٨ - تراجم النساء) وعندهم: عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مجاهد، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٩٨ من طريق سفيان به بدون ذكر الحكم.","vol":"5","page":398},{"text":"اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ الله قال: القنوتُ الركود، يقولُ: قومى لربِّك في الصلاة. يقولُ: ارْكُدى لربِّك، أي: انتصبى له في الصلاةِ، ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن سفيان، عن لَيثٍ، عن مجاهد: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قال: كانت تصلِّى حتى تَرِمَ قدماها (^٢).\nحدَّثني ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا عَمْرٌو، قال: ثنا الْأَوْزَاعِيُّ: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ الله قال: كانت تقومُ حتى يَسِيلَ القَيحُ مِن قدميها (^٣).\nوقال آخرون: معناه: أخلصى لربِّك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1282>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا ابن المُباركِ، عن شَريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قال: أخلصى لربِّك (^٤).\nوقال آخَرون: معناه: أطيعى ربَّك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1283>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٤١٧ بنحوه.\n(^٢) تفسير الثورى ص ٧٧، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص ٣٦٨ - تراجم النساء).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٨ (٣٤٩٦، ٣٤٩٧) من طريق الوليد، عن الأوزاعي بنحوه.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٤ إلى المصنف.","vol":"5","page":399},{"text":"قتادة في قوله: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قال: أطيعى ربَّك (^١).\nحدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾: أطيعي ربَّكِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حَربٍ، قال: ثنا ابن لَهِيعَةَ، عن درَّاجٍ، عن أبي الهَيْثَم، عن أبي سعيد الخُدْريِّ، عن النبيِّ ﷺ قال: \"كُلُّ حرفٍ يُذْكَرُ فيه القنوتُ من القرآن، فهو طاعةٌ لله\" (^٢).\nحدَّثني محمد بن سنانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحَنَفيُّ، عن عبَّادِ بن منصورٍ، عن الحسن في قوله: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾. قال: يقول: اعبدى ربَّك (^٣).\nقال أبو جعفر: وقد بيَّنَّا أيضًا معنى \"الركوع\" و\"السجودِ\" بالأدلَّة الدالَّةِ على صحته، وأنهما بمعنى الخشوع لله، والخضوع له بالطاعة والعبودة (^٤).\nفتأويلُ الآية إذن: يا مريمُ أخلِصى عبادةَ ربِّك لوجهه خالصًا، واخشَعى لطاعته وعبادتِه، مع مَن خشَع له مِن خَلْقِه، شكرًا له على ما أكرَمِك به مِن الاصطفاءِ والتطهيرِ من الأدناسِ، والتفضيلِ على نساءِ عالَم دهرِك.\n\n<span id=\"aya-337\"></span><span data-type='title' id=toc-1284>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾: الأخبارَ التي أخْبَر بها عبادَه عن امرأةِ عمرانَ وابْنتِها مريمَ، وزكريا وابنِه يحيى، وسائرِ ما قصَّ في الآياتِ مِن قولِه:\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢١.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٤/ ٣٨٢\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٨ (٣٤٩٥) من طريق أبي بكر الحنفى به.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٦١٣، ٧١٤، ٧١٥.","vol":"5","page":400},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣]. ثم جمَع جميعَ ذلك تعالى ذكرُه بقوله ﴿ذَلِكَ﴾. فقال: هذه الأنباءُ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾. أي: مِن أخبار الغيبِ. ويعني بـ \"الغيب\"، أنها من خفيِّ أخبارِ القومِ التي لم تَطَّلِعْ أنت يا محمدُ عليها ولا قومُك، ولم يَعْلَمُها إلا قليلٌ مِن أحبارِ أهلِ الكتابَين ورُهبانهم.\nثم أخبر تعالى ذكره نبيَّه محمدًا ﷺ أنه أوْحَى ذلك إليه حُجَّةً على نبوَّته، وتحقيقًا لصدقِه، وقطعًا منه به عذرَ مُنْكِرِى رسالتِه من كفَّارِ أهل الكتابَين الذين يعلَمون أن محمدًا لم يصل إلى علم هذه الأنباء مع خفائها، ولم يُدْرِكْ معرفتها معَ خمولِها (^١) عندَ أهلها، إلا بإعلامِ الله ذلك إيَّاه، إذ كان معلومًا عندَهم أن محمدًا ﷺ أُمِّيٌّ لا يَكْتُبُ فيقْرَأَ الكتبَ، فيَصِلَ إلى علمِ ذلك من قِبَل الكتبِ، ولا صاحَب أهل الكتب فيأخُذَ علمَه مِن قِبَلِهم.\nوأمَّا \"الغيبُ\" فمصدرٌ مِن قولِ القائلِ: غاب فلانٌ عن كذا، فهو يَغِيبُ عنه غَيْبًا وغَيْبَةٌ.\nوأمَّا قولُه: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾. فإن تأويله: نُنَزِّلُه إليك.\nوأصلُ الإيحاء إلقاء المُوحِى إلى المُوحَى إليه، وذلك قد يكونُ بكتابٍ، وإشارةٍ وإيماءٍ، وبإلهامٍ، وبرسالةٍ، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] بمعنى: ألقَى ذلك إليها فألهَمها. وكما قال: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] بمعنى: ألقيتُ إليهم عِلمَ ذلك إلهامًا، وكما قال الراجز (^٢):\n_________\n(^١) في س: \"شمولها\".\n(^٢) هو العجاج، والرجز في ديوانه ص ٢٦٦.","vol":"5","page":401},{"text":"أَوْحَى (^١) لها القَرارَ فَاسْتَقَرَّتِ\nبمعنى: ألقى إليها ذلك أمرًا. وكما قال جلّ ثناؤُه: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] بمعنى: فألقى ذلك إليهم إيماءً (^٢).\nوالأصلُ فيه ما وصَفتُ مِن إلقاءِ ذلك إليهم، وقد يكونُ إلقاؤه ذلك إليهم إيماءً، ويكونُ بكتابٍ، ومِن ذلك قولُه: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]: يُلْقُون إليهم ذلك وسوسةً. وقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]: أُلْقِى إليَّ بمجيءِ جبريلَ ﵇ به إليَّ من عندِ اللهِ ﷿.\nوأمَّا الوحيُ، فهو الواقعُ مِن المُوحِى إلى المُوحَى إليه، ولذلك سمَّت العربُ الخَطَّ والكتابَ وحيًا؛ لأنه واقعٌ فيما كُتِب ثابتٌ فيه، كما قال كعبُ بنُ زُهيرٍ (^٣):\nأتى العُجم والآفاقَ منه قَصائدٌ … بَقِينَ بَقَاءَ الوَحْيِ فِي الحَجَرِ الْأَصَمّ\nيعنى به الكتابَ الثابتَ في الحَجَرِ. وقد يقالُ في الكتابِ خاصَّةً إذا كتَبه الكاتبُ: \"وَحَى\"، بغير ألفٍ، ومنه قولُ رُؤْبَةَ (^٤):\nكأنه بَعْدَ رِياحٍ تَدْهَمُهُ\nومُرْثَعِنَّاتِ الدُّجُونِ (^٥) تَثِمُهْ (^٦)\n_________\n(^١) في الديوان: \"وحى\".\n(^٢) في النسخ: \"أيضًا\". والمثبت هو الصواب.\n(^٣) ديوانه ص ٦٤.\n(^٤) ديوانه ص ١٤٩.\n(^٥) مرثعنات الدجون: المطر الكثير الدائم. اللسان (ر ث ع ن، د ج ن).\n(^٦) الوَثْم: الضرب. اللسان (وث م).","vol":"5","page":402},{"text":"إنجيلُ أحبارٍ (^١) وَحَى مُنَمْنِمُهُ (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-1286>القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾.</span>\nيعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾: وما كنت يا محمدُ عندَهم فتَعْلَمَ ما نُعَلِّمُكَه مِن أخبارِهم التي لم تَشْهَدْها، ولكنك إنما تُعَلَّمُ ذلك فتُدْرِكُ معرفتَه بتعريفِناكَه.\nومعنى قوله: ﴿لَدَيْهِمْ﴾: عندَهم.\nومعنى قوله: ﴿إِذْ يُلْقُونَ﴾: حينَ يُلْقون أقلامهم.\nوأمَّا \"أقلامهم\" فسهامُهم التي اسْتَهَم بها المستهِمون مِن بني إسرائيلَ على كَفالةِ مريمَ، على ما قد بيَّنَّا قبلُ في قولِه: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (^٣) [آل عمران: ٣٧].\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1285>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، عن (^٤) عمرٍو، عن (^٥) سعيدٍ، عن قتادة في قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾. يعني محمدًا ﷺ (^٦).\nحدَّثني محمد بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد: ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾: زكريا وأصحابُه اسْتَهَموا بأقلامِهم\n_________\n(^١) في ص، س: \"توراة\".\n(^٢) النَّمْنَمَة: خطوط متقاربة قصار شبه ما تُنَمْنِم الريح دُقاق التراب، وكتاب مُنَمْنَم: مُنَقَّش. اللسان (ن م م).\n(^٣) تقدم في ص ٣٤٥، ٣٤٦.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بن\". وسيأتي على الصواب في ٥/ ٣١٨، ٩/ ١٨١، ١١/ ٨٠.\n(^٥) في س: \"بن\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٤ إلى المصنف.","vol":"5","page":403},{"text":"على مريمَ حينَ دخَلت عليهم (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: كانت مريمُ ابنةَ إمامِهم وسيِّدِهم، فتشاحَّ عليها بنو إسرائيلَ، فاقترعوا فيها بسهامهم أيهم يَكْفُلُها، فقرَعهم زكريا، وكان زوج أختها، فكفَلها زكريا، يقولُ: ضمَّها إليه (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾. قال: تساهَموا على مريمَ أيُّهم يَكْفُلُها، فقرعهم زكريا (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾: وإن مريم لمَّا وُضِعت في المسجدِ، اقْتَرع عليها أهلُ المُصَلَّى وهم يكتُبون الوحىَ، فاقْتَرعوا بأقلامِهم أيُّهم يَكْفُلُها، فقال الله ﷿ لمحمد ﷺ: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٥٢، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص ٣٤٨، ٣٤٩ - تراجم النساء).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٠ (٣٥١٠) من طريق شيبان، عن قتادة.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٩ (٣٥٠٢) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٩ (٣٥٠١) عن محمد بن سعد به.","vol":"5","page":404},{"text":"حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أَخبَرَنَا عُبَيْدٌ، قال: سمعتُ الضحَّاك يقولُ في قوله: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾: اقْتَرعوا بأقلامِهم أيُّهم يَكْفُلُ مريمَ، فقرَعهم زكريا.\nحدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفِيُّ، عن عبَّادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾. قال: حيثُ اقترَعوا على مريمَ، وكان غيبًا عن محمدٍ ﷺ حين أخبرَه الله.\nوإنما قيل: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾. لأن إلقاءَ المستهمين أقلامَهم على مريمَ إنما كان لِيَنْظُروا أيُّهم أوْلَى بكفالتِها وأحقُّ. ففى قولِه ﷿: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾. دَلالةٌ على محذوفٍ من الكلامِ، وهو: لينظُروا أَيُّهم يَكْفُلُ، ولِيَتَبَيَّنوا ذلك ويَعْلَموه.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن الواجبَ في ﴿أَيُّهُمْ﴾ النصبُ، إذ كان ذلك معناه، فقد ظنَّ خطأً، وذلك أن النظرَ والتبيُّنَ والعلمَ مع \"أيّ\" يَقْتَضِى استفهامًا واستخبارًا، وحظُّ \"أي\" في الاستخبار الابتداءُ، وبُطولُ عمَلِ المسألةِ والاستخبارِ عنه. وذلك أن معنى قولِ القائلِ: لأَنْظُرَنَّ أَيُّهم قام: لأَسْتَخْبِرَنَّ الناسَ أيُّهم قام. وكذلك قولُهم: لأَعْلَمَنَّ.\nوقد دَلَّلنا فيما مضَى قبلُ أن معنى \"يَكْفُلُ\": يَضُمُّ، بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضع (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-1287>القولُ في تأويل قولِه: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾.</span>\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٣٤٥ وما بعدها.","vol":"5","page":405},{"text":"يعنى بذلك جل ثناؤُه: وما كنتَ يا محمدُ عندَ قومِ مريمَ إذ يَخْتَصِمون فيها أيُّهم أحقُّ بها وأَوْلَى. وذلك من الله ﷿ وإن كان خطابًا لنبيِّه ﷺ، فتوبيخٌ منه ﷿ للمكذِّبين به مِن أهلِ الكتابَين. يقولُ: كيفَ يَشُكُّ أهل الكفرِ بك منهم وأنت تُنْبِئُهم هذه الأنباءَ ولم تَشْهَدْهم (^١)، ولم تكنْ معَهم يومَ فعَلوا هذه الأمورَ، ولستَ ممّن قرَأ الكتبَ فعلِم نبأَهم، ولا جالَس أهلَها فسمِع خبرَهم.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبَيْرِ: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أَي: ما كنتَ معَهم إذ يختصِمون فيها. يُخْبِرُه بخفيِّ ما كتَموا منه مِن العلمِ عندَهم؛ لتحقيق نبوَّتِه، والحُجَّةِ عليهم لما يأتيهم به ممّا منه (^٢).\n\n<span id=\"aya-338\"></span><span data-type='title' id=toc-1288>القولُ في تأويل قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾.</span>\nيعنى بقوله جل ثناؤه: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾: وما كنتَ لديهم إذ يَخْتَصِمون، وما كنتَ لديهم أيضًا إذ قالت الملائكةُ: يا مريم إِنَّ الله يُبشِّرُك. والتبشيرُ: إخبارُ المرء بما يَسُرُّه من خيرٍ.\nوقوله: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. يعنى: برسالةٍ مِن اللهِ وخبرٍ مِن عندِه. وهو مِن قولِ القائل: ألقى فلانٌ إلى كلمةً سرَّني بها. بمعنى: أخبرَني خبرًا فرِحتُ به. كما قال جل ثناؤه: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] يعني: بُشْرَى الله مريمَ بعيسى ألقاها إليها.\n_________\n(^١) في م: \"تشهدها\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٠ (٣٥١١) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.","vol":"5","page":406},{"text":"فتأويلُ الكلامِ: وما كنتَ يا محمدُ عندَ القومِ إذ قالت الملائكةُ لمريمَ: يا مريمُ إن الله يُبَشِّرُكِ ببُشْرَى مِن عندِه، هي ولدٌ لكِ اسمُه المسيحُ عيسى ابن مريمَ.\nوقد قال قومٌ - وهو قولُ قتادةَ -: إن الكلمةَ التي قال الله ﷿: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. هو قوله: \"كُنْ\".\nحدَّثنا بذلك الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ قال: قولُه: \"كنْ\" (^١).\nفسمَّاه اللهُ ﷿ كلمتَه لأنه كان عن كلمتِه، كما يقالُ لِما قدَّر اللهُ مِن شيءٍ: هذا قدرُ اللهِ وقضاؤُه. يعني به: هذا عن قدرِ اللهِ وقضائه حدَث. وكما قال جلّ ثناؤُه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧، والأحزاب: ٣٧] يعنى به: ما أمَر اللهُ به، وهو المأمورُ الذي كان عن أمرِ الله ﷿.\nوقال آخرون: بل هي اسمٌ لعيسى، سمَّاه الله بها كما سمَّى سائرَ خلقِه بما شاء مِن الأسماءِ.\nورُوى عن ابن عباسٍ أنه قال: الكلمةُ هي عيسى.\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن سِمَاكٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾.\nقال: عيسى هو الكلمةُ مِن اللهِ (^٢).\nوأقربُ الوجوه إلى الصواب عندى القولُ الأوّلُ، وهو أن الملائكةَ بشَّرت مريمَ بعيسى عن الله ﷿ برسالته وكلمته التي أمرها أن تُلْقِيَها إليها، أن\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥١ (٣٥١٤) من طريق سماك به نحوه.","vol":"5","page":407},{"text":"الله خالقٌ منها وَلدًا من غيرِ بَعْل ولا فَحْلٍ؛ ولذلك قال ﷿: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾. فذكَّر، ولم يقلْ: اسمُها. فيُؤَنَّثَ، و\"الكلمةُ\" مونثةٌ؛ لأن الكلمةَ غيرُ مقصودٍ بها قصدُ الاسم الذي هو بمعنى \"فلانٍ\" وإنما هي بمعنى البِشارةِ، فذُكِّرت كنايتُها كما تُذَكَّرُ كنايةُ \"الذُّرِّيَّةِ\" و\"الدابَّةِ\" و\"الألقابِ\"، على ما قد بيّنَّاه قبلُ فيما مضَى (^١).\nفتأويل ذلك كما قلنا آنفًا من أن معنى ذلك: إن الله يُبَشِّرُكِ بِبُشْرَى. ثم بيَّن عن البشرى أنها ولدٌ اسمُه المسيحُ.\nوقد زعَم بعضُ نحويِّي البصرةِ أنه إنما ذكَّر فقال: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾. وقد قال: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. والكلمةُ عندَه هي عيسى؛ لأنه في المعنى كذلك، كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا﴾ [الزمر: ٥٦] ثم قال: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ [الزمر: ٥٩] وكما يقالُ: ذو الثُّدَيَّةِ (^٢). لأن يدَه كانت قصيرةً قريبةً من ثَديَيْه، فجعلها كأن اسمَها ثَدْيَةٌ، ولولا ذلك لم تَدْخُلِ الهاءُ في التصغيرِ.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفِة نحوَ قولِ مَن ذكَرنا مِن نحويِّى البصرةِ، في أن الهاءَ مِن ذِكرِ \"الكلمةِ\"، وخالفه في المعنى الذي مِن أجلِه ذُكِّر قولُه: ﴿اسْمُهُ﴾. و\"الكلمةُ\" متقدمةٌ قبلَه، فزعَم أنه إنما قيل: ﴿اسْمُهُ﴾. وقد قُدِّمت \"الكلمةُ\"، ولم يقلِ: \"اسمُها\". لأن مِن شأنِ العربِ أن تَفْعَلَ ذلك فيما كان مِن النُّعوتِ والألقابِ والأسماءِ التي لم تُوضَعْ لتعريفِ المُسَمَّى به؛ كفلانٍ وفلانٍ، وذلك مثلُ الذُّرِّيَّةِ والخليفةِ والدابَّةِ، ولذلك جاز عندَه أن يقالَ: ذريةً طيبةً، وذُرِّيَّةً طيبًا. ولم\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٣٣٢، ٣٣٣، وفى ص ٣٦٣، ٣٦٤ من هذا الجزء.\n(^٢) في س: \"اليدين\". وينظر مسند الطيالسي (١٦٠)، وسنن أبى داود السجستاني (٤٧٧٠). قال ابن الأثير في النهاية ١/ ٢٠٨ ويُروى ذو اليُدَيَّة بالياء بدل الثاء، تصغير اليد، وهي مؤنثة.","vol":"5","page":408},{"text":"يَجُزْ أن يقالَ: طلحةُ أقبلَت، ومغيرةُ قامت.\nوأنكر بعضُهم اعتلالَ مَن اعتَلَّ في ذلك بذى الثُّدَيَّةِ، وقالوا: إنّما أُدخِلت الهاءُ في ذى الثُّدَيَّةِ لأنه أُريد بذلك القطعةُ من الثَّدْي، كما قيل: كنَّا في لحمةٍ ونَبيذة. يُرادُ به القطعةُ منه.\nوهذا القولُ نحو قولِنا الذي قلناه في ذلك.\nوأمَّا قولُه: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾. فإنه جل ثناؤُه أنبَأ عبادَه عن نسبةٍ عيسى، وأنه ابن أمِّه مريمَ، ونفَى بذلك عنه ما أضاف إليه المُلْحِدون في اللهِ جل ثناؤُه مِن النصارى، مِن إضافتهم بُنُوَّتَه إلى الله ﷿، وما قرَفت (^١) أمَّه به المُفْتَرِيةُ عليها من اليهود.\nكما حدَّثني به ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: هكذا كان أمرُه، لا ما يقولون فيه (^٢).\nوأمَّا \"المسيحُ\"، فإنه فَعِيلٌ، صُرِف مِن مفعولٍ إلى فعيلٍ. وإنما هو ممسوحٌ، يعنى: مسَحه الله فطهَّره من الذنوبِ. ولذلك قال إبراهيمُ: المسيحُ الصدِّيقُ.\nوقال آخرون: مُسِح بالبركةِ.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيم مثلَه (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"قذقت\"، وفى س: \"فرقت\". وقرفت: اتهمت ورمت. تاج العروس (ق ر ف).\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٠.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٧٧، ٧٨ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٧/ ٣٥٩ - وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥١ (٣٥١٦)، وابن عساكر ٤٧/ ٣٥٩ من طريق وكيع به.","vol":"5","page":409},{"text":"حدَّثنا ابن حُميد، قال: ثنا ابن المُباركِ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nحدَّثنا ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا عَمرُو بنُ أَبي سَلَمةَ، قال: قال سعيدٌ: إنما سُمِّى المسيحَ لأنه مُسح بالبركةِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1289>القولُ في تأويل قولِه: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾</span>\nيعني بقوله: ﴿وَجِيهًا﴾: ذا وجهٍ ومنزلةٍ عاليةٍ عندَ اللهِ وشرَفٍ وكَرامةٍ. ومنه يقالُ للرجل الذي يَشْرفُ وتُعَظِّمُه الملوك والناسُ: وجيهٌ. يقالُ منه: ما كان فلانٌ وجيهًا، ولقد وَجُهَ وَجاهةٌ، وإن له لوَجهًا عندَ السلطانِ وجَاهًا ووَجَاهةً. و\"الجاه\" مقلوبٌ، قلبت واؤه من أوَّلِه إلى موضعِ العينِ منه، منه، فقيل: جاه. وإنما هو وجهٌ، \"وفَعَلَ\" مِن الجاهِ: جاهَ يَجُوهُ، مسموعٌ مِن العربِ: أخافُ أَن يَجُوهَني بأكثرَ مِن هذا. بمعنَى: أن يَسْتَقْبِلَني في وجهي بأعظمَ منه.\nوأمَّا نصبُ \"الوَجيهِ\" فعلَى القطعِ مِن \"عيسى\"؛ لأن \"عيسى\" معرفةٌ، و\"وجيه\" نَكِرةٌ، وهو من نعتِه، ولو كان مخفوضًا على الرَّدِّ على \"الكلمةِ\" كان جائزًا.\nوبما (^٢) قلنا مِن أن تأويلَ ذلك: وجيهًا في الدنيا والآخرة عند الله. قال - فيما بلغنا - محمدُ بنُ جعفرٍ.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلَمةُ،، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبير: ﴿وَجِيهًا﴾ قال: وجيهًا في الدنيا والآخرة عند الله (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥ إلى المصنف.\n(^٢) في م: \"كما\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥١ (٣٥١٩) من طريق سلمة، عن =","vol":"5","page":410},{"text":"وأمَّا قولُه ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. فإنه يعنى أنه ممن يُقَرِّبُه اللهُ يومَ القيامة، فيُسْكِنُه في جواره ويُدْنيه منه.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. يقولُ: مِن المُقَرَّبين عند الله يومَ القيامة (^١).\nحُدِّثت عن عمَّارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبِيه، عن الربيعِ قوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. يقولُ: مِن المُقَرَّبين عندَ الله يومَ القيامةِ (^٢).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرِ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.\n\n<span id=\"aya-339\"></span><span data-type='title' id=toc-1290>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)﴾.</span>\nأما قوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾. فإنّ معْناه أن الله يُبَشِّرُكِ بكلمةٍ منه اسمُه المسيحُ عيسى ابن مريمَ، وجيهًا عندَ اللهِ، ومُكَلِّمًا الناسَ في المهدِ. فـ ﴿يُكَلِّمُ﴾ الله وإن كان مرفوعًا؛ لأنه في صورة \"يَفْعَل\" بالسلامةِ من العواملِ فيه، فإنه في موضعِ نصبٍ، وهو نظيرُ قولِ الشاعرِ (^٣):\n_________\n= ابن إسحاق قوله.\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٢ عقب الأثر (٣٥٢٠) معلقا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٢ (٣٥٢٠) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) البيت في معاني القرآن للفراء ١/ ٢١٣، وأمالي ابن الشجرى ٢/ ١٦٧ ولسان العرب (ك هـ ل، ع ش ى)، وخزانة الأدب ٥/ ١٤٠ - ١٤٣.","vol":"5","page":411},{"text":"بِتُّ أُعَشِّيها بعَضْبٍ (^١) باتِرِ … يَقْصِدُ في أَسْوقِها وجَائِرِ\nوأمَّا \"المَهْدُ\" فإنه يعنى به مَضْجَعَ الصبيِّ في رَضاعه.\nكما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ قال: مَضْجَعُ الصَّبيِّ في رَضَاعِه (^٢).\nوأما قوله: ﴿وَكَهْلًا﴾. فإنه: ومُحْتَنِكًا فوقَ الغُلُومةِ ودونَ الشيخوخة، يقالُ منه: رجُلٌ كَهْلٌ، وامرأَةٌ كَهْلَةٌ. كما قال الراجزُ (^٣):\nولا أعُودُ بعدها كَريّا\nأُمَارِسُ الكَهْلَةَ وَالصَّبيَّا\nوإنما عَنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾: ويُكَلِّمُ الناسَ طفلًا في المهدِ - دَلالةً على براءةِ أُمِّه مما [قرفها به] (^٤) المُفتَرون عليها، وحجةً له على نُبُوَّتِه - وبالغًا كبيرًا بعدَ احتناكِه، بوحي الله الذي يُوحيه إليه، وأمره ونهيِه، وما يُنزلُ (^٥) عليه مِن كتابِه، وإنما أخبرَ الله ﷿ عبادَه بذلك مِن أمرِ المسيحِ، وأنه كذلك كان، وإن كان الغالبُ مِن أمرِ الناسِ أنهم يَتَكَلَّمون كُهولًا وشُيوخًا، احتجاجًا به على القائلينَ فيه - مِن أهلِ الكفر بالله مِن النصارى - الباطلَ، وأنه\n_________\n(^١) العَضْب: السيف. تاج العروس (ع ض ب).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥ إلى المصنف، وابن المنذر.\n(^٣) هو عذافر الكِندى، والرجز في أمالي القالي ٢/ ٢١٥، وسمط اللآلى ٢/ ٨٣٦، واللسان (ك هـ ل، أم م، ك ر ى).\n(^٤) في س: \"رمى بها\" وفى م: \"قذفها به\".\n(^٥) في م: \"تقول\"، وفى س: \"يعول\".","vol":"5","page":412},{"text":"كان في معاناةِ (^١) أشياءَ، مولودًا طفلًا ثم كهْلًا، يَتَقَلَّبُ في الأحداثِ، ويَتَغَيَّرُ بمرور الأزمنةِ عليه والأيامِ، مِن صِغَر إلى كبرٍ، ومِن حالٍ إلى حالٍ، وأنه لو كان كما قال الملحِدون فيه، كان ذلك غيرَ جائزٍ عليه، فكذَّب بذلك ما قاله الوفدُ مِن أهلِ نَجرانَ، الذين حاجُّوا رسولَ الله ﷺ، فيه، واحتَجَّ به عليهم لنبيِّه محمدٍ ﷺ، وأعلمَهم أنه كان كسائرِ بني آدمَ، إلا ما خصَّه اللهُ به مِن الكَرامةِ التي أبانَه (^٢) بها منهم.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: يُخْبُرهم بحالاتِه التي يَتَقَلَّبُ بها في عُمُرِه، كتَقَلُّبِ بني آدمَ في أعمارِهم صغارًا وكبارًا، إلا أنّ الله خصَّه بالكلامِ في مهدِه آيةً لنُبوَّته، وتعريفًا للعبادِ مواقعَ قدرتِه (^٣).\nحدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يقولُ: يُكَلِّمُهم صغيرًا وكبيرًا (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ قال: يُكَلِّمُهم صغيرًا وكبيرًا (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، س: \"معاينة\".\n(^٢) في س: \"أنابه\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٣ (٣٥٢٧) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥ إلى المصنف، وعبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٢ عقب الأثر (٣٥٢٣) من طريق أبي جعفر به.","vol":"5","page":413},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال: الكَهْلُ الحليمُ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: كلَّمهم صغيرًا وكبيرًا وكهلًا. وقال ابن جريج، وقال مجاهدٌ: الكَهْلُ الحليم.\nحدَّثني محمد بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحنفيُّ، عن عبّادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ قال: كلَّمهم في المَهْدِ صَبِيًّا، وكلَّمهم كبيرًا (^٢).\nوقال آخرون: معنى قوله: ﴿وَكَهْلًا﴾: أنه سيُكَلِّمُهم إذا ظهَر.\n\n<span data-type='title' id=toc-1291>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: سمِعتُه، يعني ابنَ زيدٍ، يقولُ في قوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾. قال: قد كلَّمهم عيسى في المَهْدِ، وسيُكَلِّمُهم إذا قتل الدجال، وهو يومَئِذٍ كَهْلٌ (^٣).\nونصب ﴿وَكَهْلًا﴾ عطفًا على موضع: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ﴾.\nوأما قوله: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. فإنه يَعْنى: مِن عِدادِهم وأوليائهم؛ لأن أهلَ الصلاح بعضُهم من بعض في الدِّينِ والفَضْلِ.\n_________\n(^١) أخرجه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٢ (٣٥٢٥) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٢ (٣٥٢٣) من طريق أبي بكر الحنفى.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥ إلى المصنف.","vol":"5","page":414},{"text":"<span id=\"aya-340\"></span><span data-type='title' id=toc-1292>القول في تأويل قوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾.</span>\nيَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: قالت مريمُ - إذْ قالت لها الملائكةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ -: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ مِن أَيِّ وَجْهٍ يَكُونُ لى ولَدٌ؟ أمِن قِتَل زوجٍ أَتَزَوَّجُه وَبَعْلٍ أَنكِحُه؟ أو تَبْتَدِيءُ فِيَّ خَلْقَهُ مِن غَيرِ بَعْلٍ ولا فَحْلٍ، ومن غير أن يمسَّنى بَشرٌ؟ فقال الله لها: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾. يعنى: هكذا يَخْلُقُ الله منكِ ولدًا لك من غير أن يَمَسَّكِ بَشرٌ، فيَجْعَلُه آيةً للناسٍ وعِبرةً، فإِنه يَخْلُقُ ما يَشاءُ، ويَصْنَعُ ما يُريدُ، فيُعْطِي الولَدَ مَن يَشَاءُ مِن غيرِ فَحْلٍ ومِن فَحْلٍ، ويَحرِمُ ذلك مَن يَشَاءُ مِن النساء وإن كانت ذاتَ بَعْل؛ لأنه لا يَتَعَذَّرُ عليه خَلْقُ شَيءٍ أَراد خَلْقَه، إنما هو أن يَأْمُرَ إذا أراد شيئًا ما أراد، فيَقُولَ له: كُنْ. فيَكُونَ ما شاء مما يَشاءُ وكيفَ شاء.\nكما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابن إسحاق، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبَيرِ: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾: يَصْنَعُ ما أراد، ويَخْلُقُ مَا يَشاءُ، مِن بشرٍ أو غيرِ بشرٍ (^١)، ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ (^٢)﴾ مما يَشاءُ، وكيف يَشاءُ، فيَكُونُ ما أراد (^٣).\n\n<span id=\"aya-341\"></span><span data-type='title' id=toc-1293>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)﴾.</span>\nاختلفت القرأَةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الحجاز والمدينة وبعضُ قرأَةِ الكوفيين: ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ بالياءِ (^٤)، ردًّا على قوله: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾.\n_________\n(^١) بعده في النسخ: \"أي\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٢) بعده في النسخ: \"فيكون\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٣ (٣٥٢٩، ٣٥٣٠) من طريق سلمة عن ابن إسحاق.\n(^٤) وهى قراءة نافع وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٢٠٦.","vol":"5","page":415},{"text":"﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ فَالْحَقُوا الخبر في قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ بنظير الخبرِ في قولِه: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾. وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيِّين وبعضُ البصريِّين: (وَنُعَلِّمُهُ) بالنونِ (^١)، عطفًا به على قوله: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ كأنه قال: ذلك مِن أنباءِ الغيبِ نوحِيه إليك، ونُعَلِّمُه الكتابَ. وقالوا: ما بعد ﴿نُوحِيهِ﴾ في صِلتِه إلى قولِه: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. ثم عطَف بقوله: (ونُعَلِّمُه) عليه.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان مختلفتان غيرُ مختلفتَي المعانى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فهو مصيبٌ الصوابَ في ذلك؛ لاتفاقِ مَعْنَيِي القراءتين في أنه خبرٌ عن الله بأنه يُعَلِّمُ عيسى الكتابَ وما ذكَر أنه يُعلِّمُه.\nوهذا ابتداءُ خبرٍ من الله ﷿ لمريمَ ما هو فاعلٌ بالولدِ الذي بشَّرها به من الكرامةِ ورفعةِ المنزلةِ والفضيلةِ، فقال: كذلك اللهُ يَخْلُقُ منكِ ولدًا مِن غيرِ فَحلٍ ولا بَعلٍ فيُعَلِّمه الكتابَ، وهو الخطُّ الذي يخطُّه بيده، والحكمةَ، وهى السنةُ التي نوحِيها إليه في غيرِ كتابٍ، والتوراةَ، وهي التوراةُ التي أُنْزِلت على موسى، كانت فيهم من عهدِ موسى، والإنجيلَ، إنجيلُ عيسى ولم يكنْ قَبلَه، ولكنَّ الله أخبَر مريمَ قبلَ خلقِ عيسى أنه مُوحيه إليه، وإنما أخبَرَها بذلك، فسمّاه لها؛ لأنها قد كانت علِمت فيما نزَل مِن الكتبِ أن الله باعثٌ نبيًّا يُوحِى إليه كتابًا اسمُه الإنجيلُ، فأخبَرها اللهُ ﷿ أن ذلك النبيَّ ﷺ الذي سمِعتْ بصفتِه الذي وعَد أنبياءَه مِن قَبْلُ أنه مُنزِّلٌ عليه الكتاب الذي سُمِّى إنجيلًا، هو الولدُ الذي وهبَه لها وبشَّرها به.\n_________\n(^١) وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. المصدر السابق.","vol":"5","page":416},{"text":"وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1294>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾. قال: بيدِه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قال: الحكمةُ السنةُ (^٢).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾. قال: الحكمةُ السنةُ، ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾. قال: كان عيسى يَقْرأُ التوراةَ والإنجيلَ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. قال: الحكمةُ السنةُ.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ، قال: أخبَرها - يعنى أخبَر اللهُ مريمَ - ما يُريدُ به، فقال: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ﴾ التي كانت فيهم مِن عهدِ موسى، ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾، كتابًا آخرَ أحدَثه إليه لم يَكُنْ عندَهم علمُه إلا ذِكْرُه أَنه كائنٌ من الأنبياءِ قبلَه (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٤ عقب الأثر (٣٥٣٣) معلقا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٤ (٣٥٣٦) من طريق ابن أبي جعفر به مختصرا.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨١، وفيه: بعده. مكان: قبله.","vol":"5","page":417},{"text":"<span id=\"aya-342\"></span><span data-type='title' id=toc-1295>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَرَسُولًا﴾: [ونَجْعَلُه رسولًا] (^١) إلى بني إسرائيلَ.\nفتُرِك ذكرُ \"ونجعَلُه\"؛ لدَلالةِ الكلامِ عليه، كما قال الشاعرُ (^٢):\nورأيت زوجَكِ في الوَغَى … مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحًا\nوقولُه: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. بمعنى: ونَجْعَلُه رسولًا إلى بنى إسرائيلَ [بأنه نبيِّى وبشيري ونذيرى] (^٣)، وحجَّتي على صدقِي في (^٤) ذلك ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يعنى: بعلامةٍ مِن ربِّكُم تُحَقِّقُ قولى، وتُصَدِّقُ خبرى أني رسولٌ مِن ربِّكم إليكم.\nكما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبَيرِ: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. أي يُحَقِّقُ بها نبوَّتى، وأنى رسولٌ منه إليكم (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1296>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ورسولًا إلى بني إسرائيلَ أني قد جِئتُكم بآيةٍ مِن ربِّكم، ثم بيَّن عن الآيةِ ما هي، فقال: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) تقدم في ١/ ١٤٠.\n(^٣) في م: \"نبى وبشير ونذير\".\n(^٤) في النسخ: \"على\". والصواب ما أثبت\n(^٥) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٤ (٣٥٣٨، ٣٥٣٩) من طريق سلمة عن ابن إسحاق قوله.","vol":"5","page":418},{"text":"فتأويلُ الكلامِ: ورسولًا إلى بني إسرائيلَ بأني قد جئْتُكم بآيةٍ مِن ربِّكم بأن أخْلُقَ لكم مِن الطينِ كهيئةِ الطيرِ.\nوالطيرُ جمعُ طائرٍ.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ أهل الحجازِ: (كهيئةِ الطائرِ فأَنْفُخُ فيه فيَكُونُ طائرًا). على التوحيدِ (^١).\nوقرَأه آخرون: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا﴾، على الجماعِ فيهما (^٢).\nوأعجب القراءاتِ إليَّ في ذلك قراءةُ مَن قرَأ: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا﴾. على الجِماعِ فيهما جميعًا؛ لأن ذلك كان مِن صفةِ عيسى أنه يَفْعَلُ ذلك بإذنِ اللهِ، وأنه الموافقُ لخطِّ المصحفِ. واتِّباعُ خطِّ المصحفِ مع صحةِ المعنى واستِفاضة القراءةِ به، أعجبُ إليَّ مِن خلافِ المُصحفِ.\nوكان خلقُ عيسى ما كان يَخْلُقُ مِن الطيرِ كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، أن عيسى صلواتُ اللهِ عليه جلَس يومًا مع غِلمانٍ مِن الكُتّابِ، فأَخَذ طينًا، ثم قال: أَجْعَلُ لكم مِن هذا الطينِ طائرًا؟ قالوا: وتَستطيعُ ذلك؟! قال: نعم بإذن ربي. ثم هيَّأَه حتى إذا جعَله في هيئةِ الطائرِ نفَخ فيه، ثم قال: كن طائرًا بإذنِ اللهِ. فخرَج يَطِيرُ بينَ كفَّيْهِ، فخرَج الغلمانُ بذلك مِن أمرِه، فذكَروه لمعلِّمِهم، فأفشَوه في الناسِ، وتَرَعْرَعَ، فهمَّت به بنو إسرائيلَ، فلمّا خافت أمُّه عليه، حُمَيِّرٍ على حُميِّرٍ لها، ثم خرَجت به هاربةً (^٣).\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع. السبعة لابن مجاهد ص ٢٠٦.\n(^٢) في النسخ: \"كليهما\". والصواب ما أثبت.\nوبالجماع فيهما قرأ باقى السابعة غير نافع. المصدر السابق.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢ إلى المصنف.","vol":"5","page":419},{"text":"وذُكر أنه لمّا أراد أن يَخْلُقَ الطيرَ من الطينِ سألهم: أيُّ الطيرِ أشدُ خلقًا؟ فقيل له: الخُفّاشُ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قوله: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا﴾. قال: أيُّ الطيرِ أَشدُّ خلقًا؟ قالوا: الخُفاشُ، إنما هو لحمٌ. قال: ففعَل (^١).\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ وقد قيل: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْر﴾؟\nقيل: لأن معنى الكلام: فأَنْفُخُ في الطيرِ. ولو كان ذلك: فأَنْفُخُ فيها. كان صحيحًا جائزًا، كما قال في المائدةِ: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ [المائدة: ١١٠]. يريدُ: فتَنْفُخُ في الهيئةِ.\nوقد ذُكِر أن ذلك في إحدى القراءتين: (فأنْفُخُها) بغير \"في\" (^٢). وقد تَفْعَلُ العربُ مثلَ ذلك، فتقولُ: رُبَّ ليلةٍ قد بتُّها، وبتُّ فيها. قال الشاعرُ (^٣):\nما شُقَّ جَيْبٌ ولا قامَتْكَ نائحةٌ … ولا بكَتْكَ جِيادٌ عندَ أَسْلابِ\nبمعَنى: ولا قامت عليك. وكما قال آخَرُ:\nإحدَى بَنِي عَيِّذِ اللهِ (^٤) اسْتَمَرَّ بها … حُلْوُ العُصارةِ حتى يُنْفَخَ الصُّوَرُ\n\n<span data-type='title' id=toc-1297>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾.</span>\nيَعنى بقولِه: ﴿وَأُبْرِئُ﴾: وأَشْفِى. يُقالُ منه: أَبْرَأ اللهُ المريضَ [من مرضِه] (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢ إلى المصنف.\n(^٢) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٢١٤. وقال أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٤٦٦: هي قراءة شاذة نقلها الفراء.\n(^٣) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٢١٤، والأغانى ١٨/ ٢٨٧.\n(^٤) بنو عيِّذ الله: حى من اليمن. تاج العروس (ع وذ).\n(^٥) زيادة يستقيم بها السياق.","vol":"5","page":420},{"text":"إذا شفاه منه، فهو يُبْرئُه إبراءً، وبرَأ المريضُ فهو يَبْرأُ بَرْءًا. وقد يقالُ أيضًا: بَرِئَ المريضُ فهو يَبْرأُ، لغتانِ معْروفتانِ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنَى الأَكْمَةِ؛ فقال بعضُهم: هو الذي لا يُبْصِرُ بالليلِ ويُبْصِرُ بالنهارِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1298>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾. قال: الأكمهُ الذي يُبْصِرُ بالنهارِ ولا يُبْصِرُ بالليلِ، فهو يَتَكَمَّهُ (^١).\nحدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخرون: هو الأعمى الذي ولَدتْه أمُّه كذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1299>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: كُنا نُحَدَّثُ أَن الأكمةَ الذي وُلِد وهو أعمَى، مضمومَ (^٢) العَينينِ (^٣).\nحدَّثني المُثَنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قَتادةَ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٥٢ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٥ (٣٥٤٤) من طريق أبي عاصم به، وأخرجه الفريابي - كما في التعليق ٤/ ٣٥ - من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٢) كذا في النسخ، ولعلها: \"مغموم\". وكل مغطى فإن العرب تسميه مغمومًا. ينظر ما تقدم في ١/ ٦٩٨.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٥ عقب أثر (٣٥٤٢) معلقا بنحوه.","vol":"5","page":421},{"text":"في قولِه: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ قال: كُنا نُحدَّثُ أن الأكمهَ الذي وُلِد وهو أعمَى، مضمومَ العينينِ.\nحُدِّثتُ عن المِنجابِ، قال: ثنا بشرُ بنُ (^١) عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحّاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: الأكمهُ الذي يُولَد وهو أعمَى (^٢).\nوقال آخرون: بل هو الأعمَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1300>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾: هو الأعمى (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: الأعمَى (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ قال: الأَكْمَهُ الأعمَى (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنفيُّ، عن عبّادِ بن منصورٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ قال: الأعمَى (^٦).\n_________\n(^١) في النسخ: \"عن\"، وهو إسناد دائر، وينظر ما تقدم في ١/ ١٢١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٥ (٣٥٤٢) من طريق المنجاب به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٥ عقب الأثر (٣٥٤٢) من طريق عمرو به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٥ (٦٥٤٢، ٦٥٤٣) من طريقين، عن ابن عباس.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢١.\n(^٦) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٥ عقب الأثر (٣٥٤٢) معلقا.","vol":"5","page":422},{"text":"وقال آخرون: هو الأعمشُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1301>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حَفْصُ بْنُ عمرَ، عن الحكَمِ بن أَبَانٍ، عن عِكْرمةَ في قولِه: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ قال: الأعمشُ (^١).\nوالمعروفُ عندَ العربِ مِن معنَى الكَمَه العمَى، يُقالُ منه: كَمِهَت عينُه، فهى تَكمَهُ كمَهًا، وكمَّهْتُها (^٢)، أنا، إذا أعميتَها، كما قال سويدُ بنُ أبى كاهلٍ (^٣):\n[كمَّهَتْ عَيْنَيه] (^٤) حتى ابْيضَّتا … فهْو يَلْحَى نَفْسَهُ لمَّا نَزَعْ\nومنه قول رؤبة (^٥):\nهَرَّجْتُ (^٦) فَارْتَدَّ ارتِدادَ الأكمَهِ\nفي غائلاتِ (^٧) الحائِرِ (^٨) المُتَهْتِهِ (^٩)\nوإنما أخبَر اللهُ ﷿ عن عيسى صلواتُ اللهِ عليه أنه يَقُولُ ذلك لبنى إسرائيلَ؛ احتجاجًا منه بهذه العِبَرِ والآياتِ عليهم في نبوَّتِه، وذلك أن الكَمَةَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٥ (٣٥٤٥)، وابن الأنبارى في الأضداد ص ٣٧٨ من طريق حفص بن عمر به.\n(^٢) في م: \"أكميتها\".\n(^٣) الأضداد لابن الأنبارى ص ٣٧٨، والمفضليات ص ٢٠٠، وشرح اختيار المفضل ٢/ ٩١٠، واللسان (ك م هـ).\n(^٤) في م، ت ١، ت: \"كمِهتْ عيناه\".\n(^٥) ديوانه ص ١٦٦.\n(^٦) هرجت: صِحْت به.\n(^٧) في س، ت ١، ت ٣: \"عاملات\". والغائلات: المهلكات الدواهي.\n(^٨) في الديوان: \"الخائب\".\n(^٩) المتهته: المتردد في الباطل.","vol":"5","page":423},{"text":"والبَرَصَ لا علاجَ لهما فيَقْدرَ على إبرائِه ذو طبٍّ بعلاجٍ (^١)، فكان ذلك مِن أدلتِه على صِدقِ قيلِه: إنه للهِ رسولٌ؛ لأنه مِن المعجزاتِ، مع سائرِ الآياتِ التي أعطاه اللهُ إياها دَلالةً على نبوَّتِه.\nفأمَّا ما قال عكرمةُ، من أن الكَمَهَ العَمَشُ، وما قاله مجاهدٌ مِن أنه سوءُ البصرِ بالليلِ، فلا معنَى لهما؛ لأن الله لا يَحْتَجُّ على خلقِه بحجةٍ تَكُونُ لهم السبيلُ إلى معارضتِه فيها، ولو كان مما احْتَجَّ به عيسى على بني إسرائيلَ في نبوّتِه أنه يُبْرِئُ الأعْمَشَ، أو الذي يبصِرُ بالنهارِ ولا يبصرُ بالليلِ، لقَدَروا على معارضتِه بأن يَقُولوا: وما في هذا لك من الحُجةِ، وفينا خَلْقٌ ممن يُعَالِجُ ذلك وليسوا للهِ أنبياءَ ولا رسلًا؟ ففى ذلك دَلالةٌ بيِّنَةٌ على صحةِ ما قلنا مِن أن الأكمَهَ هو الأعمَى الذي لا يُبْصِرُ شيئًا، لا ليلًا ولا نهارًا، وهو بما قال قتادةُ من أنه المولودُ كذلك أشبهُ؛ لأن عِلاجَ مثلِ ذلك لا يدَّعيه أحدٌ مِن البشرِ إلا مَن أعطاه اللهُ مثلَ الذي أعطَى عيسى، وكذلك علاجُ الأبرصِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1302>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾.</span>\nوكان إحياءُ عيسى الموتَى بدعاءِ اللهِ، يَدْعُو لهم، فيَسْتَجِيبُ له.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سَهلِ بن عَسْكَرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: لمّا صار عيسى ابنَ اثْنَتَىْ عَشْرَةَ سَنةً، أَوْحَى اللهُ إلى أمِّه وهى بأرضِ مصرَ، وكانت هرَبت مِن قومِها حينَ ولَدته إلى أرضِ مصرَ: أن اطلُعى به إلى الشامِ. ففعَلت الذي أُمِرت به، فلم\n_________\n(^١) في س: \"يعالج\".","vol":"5","page":424},{"text":"تَزَلْ بالشامِ حتى كان ابنَ ثلاثين سنةً، وكانت نبوَّتُه ثلاثَ سنينَ، ثم رفَعه اللهُ إِليه. قال: وزعَم وَهْبٌ أنه ربما اجتمَع على عيسى مِن المرضَى في الجماعةِ الواحدةِ خمسون ألفًا، مَن أطاق منهم أن يَبْلُغَه بلَغه، ومَن لم يُطِقْ منهم ذلك أتاه عيسى يَمْشِى إليه، وإنما كان يُداوِيهم بالدعاءِ إلى اللهِ (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ﴾. فإنه يَعْنى: وأُخبِرُكم بما تأْكلون ممّا لم أُعاينْه وأشاهدْه معكم (^٢) في وقتِ أكلِكُمُوه، ﴿وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾. يعْنى بذلك: وما تَرْفَعونه فتُخَبِّئُونه ولا تَأْكُلُونه. يُعْلِمُهم أن مِن حُجَّتِه أيضًا على نبوّتِه - مع المعجزاتِ التي أعلَمهم أنه يأتى بها حُجّةٌ على نُبُوَّتِه وصدقِه في خبَرِه أن الله أرسلَه إليهم؛ مِن خلقِ الطيرِ مِن الطينِ، وإبراءِ الأكْمَهِ والأبرصِ، وإحياءِ الموتَى بإذنِ اللهِ، التي لا يُطِيقُها أحدٌ مِن البشرِ إلا مَن أعطاه اللهُ ذلك؛ عَلَمًا له على صدقِه، وآيةً له على حقيقةِ قولِه، مِن أنبيائِه ورسلِه، ومَن أحِبَّ مِن خلقِه - إنباءَه عن الغيبِ الذي لا سبيلَ لأحدٍ من البشرِ الذين سبيلُهم سبيلُه، عليه.\nفإن قال قائلٌ: وما كان في قولِه لهم: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ مِن الحجةِ له على صدقِه، وقد رأَينا المتَنَجِّمةَ والمُتَكَهنةَ تخبرُ بذلك كثيرًا فتصيبُ؟\nقيل: إن المُتَنَجِّمَ والمُتَكَهِّنَ معلومٌ منهما عندَ مَن يُخْبِرانِه (^٣) بذلك أنهما يُنَبِّئانِ به عن استخراجٍ له ببعضِ الأسبابِ المؤديةِ إلى علمِه، ولم يَكُنْ ذلك كذلك مِن عيسى صلواتُ اللهِ عليه، ومِن سائرِ أنبياءِ الله ورسُلِه، وإنما كان عيسى يُخْبِرُ به عن\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٩٨.\n(^٢) في س: \"منكم\".\n(^٣) في النسخ: \"يخبره\". والسياق يقتضى ما أثبت.","vol":"5","page":425},{"text":"غيرِ استخراجٍ ولا طلبٍ لمعرفتِه باحتيالٍ، ولكن ابتدَاءً بإعلامِ اللهِ إياه، مِن غيرِ أصلٍ تقدَّم ذلك احْتَذَاه، أو بنَى عليه أو فزِع إليه، كما يَفْزَعُ المتنجِّمُ إلى حسابِه، والمتكهِّنُ إلى رَئِيِّه، فذلك هو الفصلُ بينَ عِلمِ الأنبياءِ بالغيوبِ وإخبارِهم عنها، وبينَ علمِ سائرِ المتكذِّبةِ على اللهِ، أو المدَّعيةِ علمَ (^١) ذلك.\nكما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما بلَغ عيسى تسعَ سنينَ أو عَشْرًا أو نحوَ ذلك، أدْخَلَتْه أُمُّه الكُتَّابَ، فيما يَزْعُمون، فكان عندَ رجلٍ مِن المُكْتِبينَ يُعَلِّمُه كما يُعَلِّمُ الغِلمانَ، فَلَا يَذْهَبُ يُعَلِّمُه شَيئًا مما يُعَلِّمُه الغلمانَ إلا بَدَره إلى علمِه قبلَ أن يُعَلِّمَه إياه، فيَقُولُ: ألا تَعْجَبون لابنِ هذه الأرملةِ، ما أَذْهَبُ أُعَلِّمُه شيئًا إلا وجَدتُه أعلمَ به منّى (^٢).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: لمّا كَبِر عيسى أسلَمته أمُّه يَتَعَلَّمُ التَّوْراةَ، فكان يَلْعَبُ مع الغِلمانِ، غِلمانِ القريةِ التي كان فيها، فيُحَدِّثُ العلمانَ بما يَصْنَعُ آباؤُهم (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ قال: كان عيسى ابن مريمَ إذْ كان في الكُتّابِ يُخْبِرُهم بما يَأْكُلون في بُيوتِهم وما يَدِّخِرون.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"علي\".\n(^٢) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٤٣٣.","vol":"5","page":426},{"text":"تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ قال: إنّ عيسى ابنَ مريمَ كان يَقولُ للغلامِ في الكُتّاب: يا فلانُ، إنْ أهْلُك قد خبَّئوا لك كذا وكذا مِن الطعامِ، فتُطْعِمُنى منه؟ (^١)\nفهكذا فِعْلُ الأنبياءِ وحُجَجُها، إنما تَأْتِى بما أتتْ به مِن الحُجَجِ بما قد يُوصَلُ إليه ببعضِ الحِيَلِ، على غيرِ الوجهِ الذي يَأْتى به غيرُها، بل مِن الوجهِ الذي يَعْلَمُ الخَلْقُ أنه لا يُوصَلُ إليه مِن ذلك الوجهِ بحيلةٍ إلا مِن قِبَلِ اللهِ.\nوبنحوِ ما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1303>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ قال: بما أكَلْتم البارحةَ، وما خبَّأْتم منه. عيسى ابن مريمَ يَقُولُه (^٢).\nحدَّثني المُثَنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جرَيجٍ، قال: قال عطاءُ بنُ أبي رباحٍ، يعنى قولَه: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور (٤٩٩ - تفسير) عن هشيم به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٦ (٣٥٥٠) من طريق إسماعيل به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٥٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٦ (٣٥٤٦، ٣٥٤٩).","vol":"5","page":427},{"text":"تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ قال: الطعامُ والشيءُ يَدَّخِرونه في بيوتِهم، غَيْبًا عَلَّمه اللهُ إياه (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾، قال: ﴿بِمَا تَأْكُلُونَ﴾: ما أكَلتم البارحةَ مِن طعامٍ وما خبَّأتم منه.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: كان - يَعْنى عيسى ابنَ مريمَ - يُحَدِّثُ الغِلمانَ وهو معهم في الكُتّابِ بما يَصْنَعُ آباؤُهم، وبما يَرْفَعون لهم، وبما يَأْكُلون، ويَقُولُ للغلامِ: انْطَلِقْ فقد رفَع لك أهلُك كذا وكذا، وهم يَأْكُلون كذا وكذا. فيَنْطَلِقُ الصبيُّ، فيَبْكي على أهلِه حتى يُعْطُوه ذلك الشيءَ، فيقولون له: مَن أخبَرك بهذا؟ فيَقُولُ: عيسى. فذلك قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ فحبَسوا صبيانَهم عنه وقالوا: لا تَلْعَبوا مع هذا الساحرِ. فجمَعوهم في بيتٍ، فجاء عيسى يَطْلُبُهم فقالوا: ليس هم ههنا. فقال: ما في هذا البيتِ؟ فقالوا: خنازيرُ. قال عيسى: كذلك يكُونون، ففتَحوا عنهم فإذا هم خنازيرُ، فذلك قولُه: ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ (^٢) [المائدة: ٧٨].\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنفيُّ، عن عبّادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾. قال: ما تُخَبِّئون، مخافةَ الذي يُمسِكُ [أن يُخْلفَه] (^٣).\n_________\n(^١) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٤٣٣.\n(^٢) ذكره الثعلبي في قصص الأنبياء ص ٣٤٩، والبغوى في تفسيره ص ٤٠، ٤١.\n(^٣) في م: \"أن لا يخلفه شيء\".","vol":"5","page":428},{"text":"وقال آخرون: إنما عنَى بقولِه: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾: ما تَأْكُلون من المائدةِ التي تَنْزِلُ عليكم، وما تَدَّخِرون منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1304>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾: فكان القومُ لمّا سأَلوا المائدةَ، فكانت خِوانًا (^١) يُنْزِلُ عليه أينما كانوا ثمرًا من ثمارِ الجنةِ، فأمَر القومَ أَلا يَخُونُوا فيه ولا يُخَبِّئوا ولا يَدَّخِروا لغدٍ. بلاءٌ ابتلاهم اللهُ به، فكانوا إذا فعَلوا مِن ذلك شيئًا أنبأَهم به عيسى ابن مريمَ، فقال: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾ قَالَ: أُنَبِّئُكم بما تَأْكُلُونَ مِن المائدةِ وما تَدَّخِرون منها. قال: وكان أخَذ عليهم في المائدةِ حينَ نَزَلت، أن يَأْكُلوا ولا يَدَّخِروا. فادَّخَروا وخانوا، فجُعِلوا خنازيرَ حينَ ادَّخَروا وخانوا، فذلك قولُه ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥].\nقال ابن يحيى: قال عبدُ الرزاقِ: قال معمرٌ، عن قتادةَ، عن خِلاسِ بن عمرٍو، عن عمارِ بن ياسرٍ (^٢).\nوأصلُ ﴿تَدَّخِرُونَ﴾ مِن الفعلِ \"تَفْتَعِلون\"، مِن قولِ القائلِ: ذخَرت\n_________\n(^١) في م: \"جرابا\".\n(^٢) بعده في م: \"ذلك\".\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق، ١/ ١٢١، ١٢٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٦ (٣٥٤٧، ٣٥٤٨) عن الحسن به، وأخرجه الترمذى (٣٠٦١) من طريق قتادة عن خلاس بن عمرو، عن عمار بن ياسر عن النبي ﷺ بنحوه.","vol":"5","page":429},{"text":"الشيءَ. بالذال، فأنا أَذْخَرُه، ثم قيل: يَدَّخِرُ. كما قيل: يَدَّكِرُ. مِن. ذَكَرْتُ الشيءَ. يُرادُ به يَذْتَخِرُ، فلما اجتمَعت الذالُ والتاءُ وهما مُتَقارِبتا المخرجِ، ثَقُل إظهارُهما على اللسانِ، فأُدْغِمت إحداهما في الأخرى، وصُيِّرَتا دالًا مشدَّدةً، صيَّروها عَدْلًا بين الذالِ والتاءِ، ومِن العربِ مَن يُغَلِّبُ الذالَ على التاءِ، فَيُدْغِمُ التاءَ في الذالِ، فَيَقُولُ: وما تَذَّخِرون، وهو مُذَّخَرٌ لك، وهو مُذَّكِرٌ. واللغةُ التي بها القراءةُ الأُولى، وذلك إدغامُ الذالِ في التاءِ، وإبدالُهما دالًا مشددةً، لا يَجُوزُ القراءةُ بغيرِها؛ لتظاهرِ النقلِ مِن القرأةِ بها، وهى اللغةُ الجُودَى، كما قال زُهيرٌ (^١):\n[إن الكريمَ] (^٢) الذي يُعْطِيكَ نائلَهُ … عَفُوًا وَيُظْلَمُ أحيانا فَيَطَّلِمُ\nيُروى بالظاءِ، يريدُ: فيَفْتَعِلُ. مِن الظلمِ، ويُرْوى بالطاءِ أيضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1305>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: إِنَّ في خَلْقى من الطينِ الطيرَ بإذنِ اللهِ، وفي إبرائى الأكْمَهَ والأبرصَ، وإحيائى الموتى، وإنبائى إيّاكم بما تَأْكُلون وما تَدَّخرون في بيوتِكم، ابتداءً من غيرِ حسابٍ وتَنْجِيمٍ، ولا كهانةٍ وعرافةٍ - لعبرةً لكم ومتفَكَّرًا تتفكَّرون في ذلك، فتَعْتَبِرون به أنى محقٌّ في قولى لكم: إنى رسولٌ مِن ربِّكم إليكم. وتَعْلَمون به أنى فيما أدْعُوكم إليه مِن أمرِ اللهِ ونهيِه صادقٌ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يعنى: إن كنتم مُصَدِّقين حُجَجَ اللهِ وآياتِه، مُقرِّين بتوحيدِه، ونبيِّه موسى والتوراةِ التي جاءَكم بها.\n\n<span id=\"aya-343\"></span><span data-type='title' id=toc-1306>القولٌ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ</span>\n_________\n(^١) شرح ديوانه ص ١٥٢.\n(^٢) في الديوان: \"هو الجواد\".","vol":"5","page":430},{"text":"بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾.\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وبأني قد جئْتُكم بآيةٍ من ربِّكم، وجئْتُكم مصدِّقًا لما بينَ يَدَيَّ من التوراةِ. ولذلك نصَب ﴿مُصَدِّقًا﴾ على الحالِ مِن ﴿جِئْتُكُمْ﴾. والذي يَدُلُّ على أنه نُصِب على قولِه: ﴿وَجِئْتُكُمْ﴾ دونَ العطفِ على قولِه: ﴿وَجِيهًا﴾ قوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ ولو كان عطْفًا على قولِه: ﴿وَجِيهًا﴾، لكان الكلامُ: ومصدِّقًا لما بينَ يديْه مِن التَّوْرَاةِ، ولِيُحِلَّ لكم بعض الذي حُرِّم عليكم.\nوإنما قيل: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾. لأن عيسى صلواتُ اللهِ عليه كان مؤمنًا بالتوراةِ مقِرًّا بها، وأنها مِن عندِ اللهِ، وكذلك الأنبياءُ، كلُّهم يُصَدِّقون بكلِّ ما كان قبلَهم من كتبِ اللهِ ورسلِه، وإن اختلَف بعضُ شرائعِ أحكامِهم؛ لمخالفةِ اللهِ بينهم في ذلك، مع أنَّ عيسى كان - فيما بلَغَنا - عاملًا بالتوراةٍ لم يخالفْ شيئًا مِن أحكامِها، إلا ما خفَّف اللهُ عن أهلِها في الإنجيلِ ممَّا كان مشدَّدًا عليهم فيها.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعقِلٍ، أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنبِّهٍ يقولُ: إن عيسى كان على شريعةِ موسى، صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم، وكان يَسْبِتُ ويَسْتَقبِلُ بيتَ المقدسِ، فقال لبني إسرائيلَ: إني لم أدْعُكم إلى خلافِ حرفٍ مما في التوراةِ، إلا لأُحِلَّ لكم بعضَ الذي حُرِّم عليكم، وأَضَعَ عنكم مِن الآصارِ (^١).\nحدَّثني بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٥ إلى المصنف.","vol":"5","page":431},{"text":"يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾: كان الذي جاء به عيسى أَلْيَنَ مما جاء به موسى، وكان قد حُرِّم عليهم فيما جاء به موسى لحومُ الإبلِ والثُّروبُ (^١)، وأشياءُ مِن الطيرِ والحِيتانِ (^٢).\nحدَّثني المُثَنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قال: كان الذي جاء به عيسى ألينَ مما جاء به موسى. قال: وكان حُرِّم عليهم فيما جاء به موسى مِن التوراةِ لحومُ الإبلِ والثُّروبُ، فأحَلَّها لهم على لسانِ عيسى - وحُرِّمَت عليهم الشحومُ، وأُحِلَّت لهم فيما جاء به عيسى - وفى أشياءَ مِن السمكِ، وفى أشياءَ من الطيرِ، مما لا صِيصِيَة (^٣) له، وفي أشياءَ حرَّمها عليهم، وشدَّدها عليهم، فجاءَهم عيسى بالتَّخفيفِ منه في الإنجيلِ، فكان الذي جاء به عيسى ألْينَ مِن الذي جاء به موسى صلواتُ اللهِ عليه (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾، قال: لحومُ الإبلِ والشحومُ، لمَّا بُعِث عيسى أحَلَّها لهم، وبُعِث إلى اليهودِ فاخْتَلَفوا وتفَرَّقوا (^٥).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾. أي: لِما سبَقَنى منها،\n_________\n(^١) الثُّروب: جمع الثَّرْب، وهو شحم رقيق يُغَشَّى الكَرِش والأمعاء، وقيل: هو الشحم المبسوط على الأمعاء والمصارين. تاج العروس (ث ر ب).\n(^٢) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٤٣٥.\n(^٣) في ت ٢، س: \"صيصة\". والصِّيصِيَة: شوكة الديك التي في رجليه. تاج العروس (ص ى ص).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٧، ٦٥٨ (٣٥٥٧) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.\n(^٥) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٤٣٥.","vol":"5","page":432},{"text":"﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾. أي: أُخْبِرُ كم أنه كان حرامًا عليكم فترَكْتُموه، ثم أُحِلُّه لكم تَخْفيفًا عنكم، فتُصِيبون يُسْرَه، وتَخْرُجون مِن تِباعَتِه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحَنفيُّ، عن عبَّادٍ، عن الحسن: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قال: كان حُرِّم عليهم أشياءُ، فجاءَهم عيسى ليُحِلَّ لهم الذي حُرَّم عليهم، يَبْتَغِي بذلك شُكْرَهم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1307>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.</span>\nيعنى بذلك: وجئتُكم بحُجَّةٍ وعِبْرةٍ مِن ربِّكم، تَعْلَمون بها حقيقةَ ما أقولُ لكم.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: ما بيَّن لهم عيسى مِن الأشياءِ كلَّها، وما أعطاه ربُّه (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: ما بيَّن لهم عيسى مِن الأشياءِ كلِّها.\nويعنى بقولِه: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: مِن عِندِ رَبِّكم.\n\n<span id=\"aya-344\"></span><span data-type='title' id=toc-1308>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ</span>\n_________\n(^١) التبعة والتباعة. ما فيه إثم يُتبع به. يقال: ما عليه من الله في هذا تبعة ولا تباعة. ينظر تاج العروس (ت ب ع).\nوالأثر في سيرة ابن هشام ١/ ٥٨١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٧ (٣٥٥٥) من طريق سلمة عن ابن إسحاق قوله.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٧ (٣٥٥٦) من طريق أبي بكر الحنفى به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٥٣ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٨ (٣٥٥٨).","vol":"5","page":433},{"text":"فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾.\nيعنى بذلك: وجئتُكم بآيةٍ مِن ربِّكم تَعْلَمون بها يقينًا صدقى فيما أقولُ، فاتَّقُوا الله يا معْشرَ بني إسرائيلَ فيما أمَرَكم به ونهاكم عنه في كتابِه الذي أنْزَله على موسى، فأَوْفُوا بعهدِه الذي عاهَدْتُموه فيه، وأطيعوني فيما دعَوْتُكم إليه مِن تَصْدِيقي فيما أَرْسَلَنى به إليكم ربي وربُّكم، فاعْبُدوه، فإنه بذلك أَرْسَلَني إليكم، وبإحْلالِ بعضِ ما كان مُحَرَّمًا عليكم في كتابِكم، وذلك هو الطريقُ القَويمُ، والهَدْىُ المتينُ الذي لا اعْوِجاجَ فيه.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾: تَبَرِّيًا مِن الذي يَقولون فيه - يعنى: ما يَقولُ فيه النصارى - واحْتِجاجًا لربِّه عليهم. ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي قد حمَلْتكم عليه وجئْتُكم به (^١).\nواخْتَلَفَ القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾؛ فقرأَتْه عامةُ قرَأَةِ الأمصارِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ بكسرِ ألفِ ﴿إِنَّ﴾. على ابتداءِ الخبرِ.\nوقرَأَه بعضُهم: (أَنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُم). بفتحِ ألفِ (أنَّ) (^٢)، بتأويلِ: وجئتكم بآيةٍ مِن ربِّكم أن الله ربي وربُّكم. على ردّ \"أن\" على \"الآيةِ\"، والإبدالِ منها.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٨ (٣٥٦٠، ٣٥٦٢)، من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.\n(^٢) قال ابن خالويه في مختصر الشواذ ص ٢٧: بالفتح، الأخفش عن بعض القراء. وينظر المحرر الوجيز لابن عطية ٢/ ٤٣٦، والبحر المحيط ٢/ ٤٦٩.","vol":"5","page":434},{"text":"والصوابُ مِن القراءةِ عندَنا ما عليه قَرأَةُ الأمصارِ، وذلك كسرُ ألفِ ﴿إِنَّ﴾. على الابتداءِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ على صحةِ ذلك، وما اجْتَمَعَت عليه فحُجَّةٌ، وما انْفَرَد به المنفَرِدُ عنها فرأىٌ، ولا يُعْتَرَضُ بالرأيِ على الحُجَّةِ.\nوهذه الآيةُ، وإن كان ظاهرُها خبرًا، ففيه الحجةُ البالغةُ مِن اللهِ لرسولِه محمدٍ ﷺ، على الوفدِ الذين حاجُّوه مِن أهلِ نَجْرانَ، بإخبارِ اللهِ ﷿ عن أن عيسى كان بريئًا مما نسَبه إليه مَن نسَبه إلى غيرِ الذي وصَف به نفسَه، مِن أنه للهِ عبدٌ كسائرِ عبيدِه مِن أهلِ الأرضِ، إلا ما كان اللهُ جلَّ ثناؤُه خصَّه به مِن النبوةِ والحُجَجِ التي آتاه دليلًا على صدقِه - كما آتَي (^١) سائرَ المرسَلين غيرِه مِن الأعلامِ والأدلةِ على صدقِهم - [وحُجَّةً على نبوتِه] (^٢).\n\n<span id=\"aya-345\"></span><span data-type='title' id=toc-1309>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾: فلمَّا وجَد عيسى منهم الكفرَ.\nو\"الإحساسُ\" هو الوجودُ، ومنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨].\nفأما \"الحسُّ\" بغير ألفٍ، فهو: الإفناءُ والقتلُ، ومنه قولُه: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. و\"الحسُّ أيضًا: العطفُ والرِّقةُ. ومنه قولُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"أن\".\n(^٢) في م: \"الحجة على نبوتهم\".","vol":"5","page":435},{"text":"الكُمَيْتِ (^١):\nهل مَن بَكَى الدارَ رَاجٍ أَن تَحِسَّ له … أو يُبْكِىَ الدارَ ماءُ العَبْرَةِ الخَضِلُ (^٢)\nيعنى بقولِه: أن تَحِسَّ له: أن تَرِقَّ له.\nفتأويلُ الكلامِ: فلمَّا وجَد عيسى مِن بنى إسرائيلَ الذين أرْسَله اللهُ إليهم، جحودًا لنبوتِه، وتكذيبًا لقولِه، وصدًّا عمّا دعاهم إليه مِن أمرِ اللهِ، قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ يعنى بذلك: قال عيسى: مَن أعْواني على المكذِّبين بحجةِ اللهِ والمُوَلِّين عن دينِه، والجاحدِين نبوةَ نبيِّه، إلى اللهِ ﷿؟\nويعنى بقولِه: ﴿إلَى اللهِ﴾: مع اللهِ.\nوإنما حَسُن أن يُقالَ: ﴿إلَى اللهِ﴾. بمعنى: مع اللهِ؛ لأن مِن شأنِ العربِ إذا ضمُّوا الشيءَ إلى غيرِه، ثم أرادوا الخبرَ عنهما بضمِّ أحدِهما مع الآخرِ إِذا ضُمَّ إليه، جعلوا مكانَ \"مع\" \"إلى\" أحيانًا، وأحيانًا تُخبِرُ عنهما بـ\"مع\"، فتقولُ: الذَّوْدُ (^٣) إلى الذودِ إبلٌ. بمعنى: إذا ضمَمْتَ الذَّوْدَ إلى الذودَ صارت إبلًا. فأما إذا كان الشيءُ مع الشيءٍ لم يَقُولوه بـ\"إلى\"، ولم يَجْعَلوا مكانَ \"مع\" \"إلى\"، غيرُ جائزٍ أن يُقال: قدِم فلانٌ وإليه مالٌ. بمعنى: ومعه مالٌ.\nوبمثلِ ما قلْنا في تأويلِ قولِه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ قال جماعةٌ\n_________\n(^١) شعر الكميت بن زيد الأسدى ٢/ ١٢.\n(^٢) الخضل: كل شيء نَدٍ يَتَرَشَّش من نداه فهو خضل، وقد خضل الثوبَ دمعُه: بَلَّه. اللسان (خ ض ل).\n(^٣) الذَّود: ثلاثة أبعرة إلى التسعة. وقيل: إلى العشرة. وقيل: من ثلاث إلى خمس عشرة. وقيل: من ثلاث إلى العشرين وفويق ذلك. وقيل: ما بين الثلاث إلى الثلاثين أو ما بين الثنتين إلى التسع. تاج العروس (ذ ود).","vol":"5","page":436},{"text":"مِن أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1310>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ يقولُ: مع اللهِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ يقولُ: مع اللهِ (^١).\nوأما سببُ استِنْصارِ عيسى ﵇ من اسْتَنْصَرَ مِن الحَوَارِيِّين، فإِنَّ بينَ أهلِ العلمِ فيه اختلافًا؛ فقال بعضُهم: كان سببَ ذلك ما حدَّثني به موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: لما بعَث اللهُ عيسى، فأمَرَه بالدعوةِ، نفَتْه بنو إسرائيلَ وأَخْرَجوه، فخرَج هو وأمُّه يَسِيحون في الأرضِ، فنزَل في قريةٍ على رجلٍ، فضافَهم وأحْسَن إليهم، وكان لتلك المدينةِ ملكٌ جبارٌ مُعْتَدٍ، فجاء ذلك الرجلُ يومًا وقد وقَع عليه هَمٌ وحُزْنٌ، فدخَل منزلَه ومَرْيَمُ عندَ امرأتِه، فقالت مريمُ لها: ما شأنُ زوجِك؟ أراه حَزينًا! قالت: لا تَسْأَلى، قالت: أخْبِرينى لعل الله يُفَرِّجُ كُرْبتَه. قالت: فإن لنا مَلِكًا يَجْعَلُ على كلِّ رجلٍ منا يومًا يُطْعِمُه هو وجنودَه، ويَسْقِيهم مِن الخمرِ، فإن لم يَفْعَلْ عاقَبَه، وإنه قد بلَغت نَوبتُه اليومَ الذي يُرِيدُ أن يَصْنَعَ له فيه، وليس لذلك عندَنا سَعَةٌ. قالت: فقولي له: لا يَهْتَمُّ، فإنى آمُرُ ابنى فيَدْعُو له فيُكْفَى ذلك. قالت مريمُ لعيسى في ذلك، قال عيسى: يا أُمَّهْ، إنى إن فعَلْتُ كان في ذلك شَرٌّ. قالت: فلا تُبالِ، فإنه قد أحْسَن إلينا وأكْرَمَنا. قال عيسى: فقولي له: إذا اقْتَرَب ذلك،\n_________\n(^١) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ٤٣٧.","vol":"5","page":437},{"text":"فامْلأْ قُدورَك وخَوابيَك (^١) ماءً، ثم أَعْلِمْنى (^٢). فلمَّا مَلأهن أَعْلَمه، فدعا الله، فتحوَّل ما في القدورِ لحمًا ومَرَقًا وخبزًا، وما في الخَوابي [خمرًا، لم يَرَ الناسُ مثلَه قطُّ، وآتاه طعامًا] (^٣)، فلمَّا جاء المَلِكُ أكَل، فلما شرِب الخمرَ سأل: مِن أين هذا الخمرُ؟ قال له: هي مِن أرض كذا وكذا. قال المَلِكُ: فإن خمرى أُوتَى بها مِن تلك الأرضِ، فليس هي مثلَ هذه. قال: مثل هذه. قال: هي مِن أرضِ أُخرى. فلما خلَّط على المَلكِ، اشْتَدَّ عليه، قال: فأنا أُخْبِرُك، عندى غلامٌ لا يَسْأَلُ الله شيئًا إلا أعطاه إياه، وإنه دعا الله، فجعَل الماءَ خمرًا. قال الملكُ، وكان له ابنٌ يريدُ أن يَسْتَخْلِفَه، فمات قبلَ ذلك بأيامٍ، وكان أحبَّ الخلقِ إليه، فقال: إن رجلًا دعا الله حتى جعَل الماءَ خمرًا، لَيُسْتَجابَنَّ له حتى يُحْيىَ ابنى. فدعا عيسى فكلَّمه، فسأَله أن يَدْعُوَ الله فيُحْيِيَ ابنَه، فقال عيسى: لا تَفْعَلْ، فإنه إن عاش كان شرًّا. فقال الملكُ: لا أُبالى أليس أراه؟ فلا أُبالى ما كان. فقال عيسى ﵇: فإن أحْيَيْتُه تَتْرُكونى أنا وأمى نَذْهَبُ أينما شِئْنا؟ قال الملكُ: نعم. فدعا الله، فعاش الغلامُ. فلمَّا رآه أهلُ مَمْلكتِه قد عاش، تَنادَوْا بِالسِّلاحِ. وقالوا: أَكَلَنا هذا، حتى إذا دنا موتُه يريدُ أن يَسْتَخْلِفَ ابنَه، فيَأْكُلَنا كما أَكَلَنا أبوه! فاقْتَتَلُوا. وذهَب عيسى وأمُّه، وصحِبهما يَهوديٌّ، وكان مع اليهوديِّ رَغيفان، ومع عيسى رغيفٌ، فقال له عيسى: شارِكْني. فقال اليهوديُّ: نعم. فلما رأَى أنه\n_________\n(^١) الخَوَابي، جمع خابية، وهي الجَرَّة الكبيرة، تركوا همزتها كما تركوا همزة البَريَّة، والذُّرية تخفيفا لكثرة الاستعمال. تاج العروس (خ ب أ).\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، س: \"قال\".\n(^٣) سقط من: ت ١، س.","vol":"5","page":438},{"text":"ليس مع عيسى إلا رغيفٌ نَدِم. فلمَّا ناما جعَل اليهوديُّ يريدُ أن يَأْكُلَ الرغيفَ، فلما أكَل لُقمةً قال له عيسى: ما تَصْنَعُ؟ فيقولُ: لا شيءَ. فيَطْرَحُها، حتى فرَغ من الرغيفِ كلِّه. فلما أصْبَحا قال له عيسى: هَلُمَّ طعامَك. فجاء برغيفٍ، فقال له عيسى: أين الرغيفُ الآخرُ؟ قال: ما كان معى إلا واحدٌ. فسكت عنه عيسى. فانْطَلَقوا، فمرُّوا براعي غنمٍ، فنادَى عيسى: يا صاحبَ الغنم، أَجْزِرْنا شاةً مِن غنمِك. قال: نعم، أرْسِلْ صاحبَك يَأْخُذْها. فأَرْسَل عيسى اليهوديَّ، فجاء بالشاةِ، فذبَحوها وشوَوْها، ثم قال لليهوديِّ: كلْ ولا تَكْسِرُ عظمًا. فأكَلا، فلما شبِعوا قذَف عيسى العظامَ في الجلدِ، ثم ضرَبها بعصاه، وقال: قومى بإذنِ اللهِ. فقامت الشاةُ تَثْغُو (^١)، فقال: يا صاحبَ الغنمِ، خُذْ شاتَك. فقال له الراعى: مَن أنت؟ قال: أنا عيسى ابن مريمَ. قال: أنت الساحرُ! وفرَّ منه. قال عيسى لليهوديِّ: بالذي أحيا هذه الشاةَ بعد ما أكَلْناها، كم كان معك رغيفًا؟ فحلَف ما كان معه إلا رغيفٌ واحدٌ. فمرُّوا بصاحبِ بقرٍ، فنادَى عيسى، فقال: يا صاحبَ البقرِ، أجْزِرْنا مِن بقرِك هذه عِجْلًا. قال: ابْعَثْ صاحبَك يَأْخُذْه. قال: انْطَلِق يا يهوديُّ فجِئْ به. فانْطَلَق فجاء به. فذبَحه وشوَاه، وصاحبُ البقرِ يَنْظُرُ، فقال له عيسى: كُلْ ولا تَكْسِرُ عظمًا. فلمَّا فرَغوا قذَف العِظامَ في الجلدِ، ثم ضرَبه بعصاه، وقال: قُمْ بإذنِ اللهِ. فقام وله خُوارٌ. قال: خُذْ عجلَك. قال: ومَن أنت؟ قال: أنا عيسى. قال: أنت السَّحَّارُ! ثم فرَّ منه. قال اليهوديُّ: يا عيسى أحْيَيْتَه بعدَ ما أكَلْناه! قال عيسى: فبالذي أحْيَا الشاةَ بعد ما أكَلْناها، والعجلَ بعدَ ما أكَلْناه، كم كان معك رغيفًا؟ فحلَف\n_________\n(^١) الثُّغاء: صوت الشاء والمعز وما شاكلها، وقد ثَغا يثغو وثَغَت تَثْغو ثُغاء: أي صاحت. اللسان (ث غ و).","vol":"5","page":439},{"text":"باللهِ ما كان معه إلا رغيفٌ واحدٌ. فَانْطَلَقا حتى نزَلا قريةً، فنزل اليهوديُّ أعلاها، وعيسى في أسفلِها، وأخَذ اليهوديُّ عصا مثلَ عصا عيسى (^١)، وقال: أنا الآن أُحْيى الموتى. وكان مَلِكُ تلك المدينةِ مريضًا شديدَ المرضِ، فانْطَلَق اليهوديُّ يُنَادِى: مَن يَبْتَغِى طبيبًا. حتى أتى مَلِكَ تلك القريةِ، فأُخْبِر بوَجَعِه، فقال: أدْخِلونى عليه، فأنا أُبْرِئُه، وإن رأيْتُموه قد مات فأنا أُحْيِيه. فقيل له: إن وجَعَ الملكِ قد أعْيا الأطِباءَ قبلَك، ليس مِن طبيبٍ يُداوِيه ولا يُفِيءُ (^٢) دواؤُه شيئًا إلا أُمِر به فصُلِب. قال: أَدْخِلونى عليه، فإني سأبرئُه. فأُدْخِل عليه، فأَخَذ برِجْلِ المَلِكِ،، فضرَبه بعصاه حتى مات، فجعَل يَضْرِبُه بعصاهُ وهو ميتٌ، ويقولُ: قُمْ بإذنِ اللهِ. فأُخِذ ليُصْلَبَ، فبلَغ عيسى، فأقْبَل إليه، وقد رُفِع على الخشبةِ، فقال: أرأيْتُم إِن أَحْيَيْتُ لكم صاحبَكم أتَتْرُكون لي صاحبي؟ قالوا: نعم. فأحْيا اللهُ المَلِكِ لعيسى، فقام وأُنْزِل اليهوديُّ، فقال اليهوديُّ (^٣): يا عيسى، أنت أعْظَمُ الناسِ على مِنَّةً، واللهِ لا أفارِقُك أبدًا (^٤).\nقال عيسى - فيما حدَّثنا به محمدُ بنُ الحسينِ بن موسى، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ - لليهوديِّ: أَنْشُدُك بالذي أحْيَا الشاةَ والعِجلَ بعدَ ما أكَلْناهما، وأحْيَا هذا بعدَ ما مات، وأَنْزَلَك مِن الجِذْعِ بعدَ ما رُفِعْتَ (^٥) عليه لتُصْلَبَ، كم كان معك رغيفًا؟ قال: فحلَف بهذا كلِّه، ما كان معه\n_________\n(^١) في س: \"موسى\".\n(^٢) في مصدر التخريج: \"يغنى\". وأصل الفَئْ: الرجوع، وقيده بعضهم بالرجوع إلى حالة حسنة. تاج العروس (ف ى أ).\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، س.\n(^٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٤٧/ ٣٩٦، ٣٩٧ من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدى، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس.\n(^٥) في ص، ت ٢: \"رفعك\".","vol":"5","page":440},{"text":"إلا رغيفٌ واحدٌ. قال: لا بأسَ. فانْطَلَقا حتى مرَّا على كَنْزٍ قد حفَرَتْه السِّباعُ والدوابُّ، فقال اليهوديُّ: يا عيسى، لِمَن (^١) هذا المالُ؟ قال عيسى: دَعْه، فإن له أهلًا يَهلِكون عليه. فجعَلَت نفسُ اليهوديِّ تَطَلَّعُ إلى المالِ، ويَكْرَه أَن يَعْصِيَ عيسى، فانْطَلَق مع عيسى، ومرَّ بالمالِ أربعةُ نفرٍ. فلمَّا رأَوْهِ اجْتَمَعوا عليه، فقال اثنان لصاحِبَيْهما: انْطَلِقا فابْتاعا لنا طعامًا وشرابًا ودوابَّ نَحْمِلُ عليها هذا المالَ. فانْطَلَق الرجلان فابْتاعا دوابَّ وطعامًا وشرابًا، وقال أحدُهما لصاحبِه: هل لك أن نَجْعَلَ لصاحبَيْنا في طعامِهما سُمًّا، فإذا أكَلا ماتا، فكان المالُ بينى وبينَك؟ فقال الآخَرُ: نعم. ففعَلا، وقال الآخَران: إذا ما أَتَيَانا بالطعامِ، فَلْيَقُمْ كُلُّ واحدٍ إلى صاحبِه فيَقْتُله، فيكونَ الطعامُ والدوابُّ بينى وبينَك. فلما جاءا بطعامَهما قاما فقتَلاهما، ثم قعَدا على الطعامِ فأكَلا منه منه فماتا، وأُعْلِم ذلك عيسى،، فقال لليهوديِّ: أخْرِجْه حتى نَقْتَسِمَه. فَأَخْرَجه، فقسَمه عيسى بينَ ثلاثةٍ، فقال اليهوديُّ: يا عيسى، اتَّقِ الله ولا تَظْلِمْنى، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه الثلاثةُ؟ قال له عيسى: هذا لي، وهذا لك، وهذا الثلُثُ لصاحبِ الرغيفِ. قال اليهوديُّ: فإن أخْبَرْتُك بصاحبِ الرَّغيفِ تُعْطِيني هذا المالَ؟ فقال عيسى: نعم. قال: أنا هو. قال عيسى: خُذْ حظى وحظَّك وحظَّ صاحبِ الرغيفِ، فهو حظُّك مِن الدنيا والآخرةِ. فلمَّا حمَله مشَي به شيئًا، فخُسِف به، وانْطَلَق عيسى ابن مريمَ، فمرَّ بالحَوارِيِّين وهم يَصْطادون السمكَ، فقال: ما تَصْنَعون؟ فقالوا: نَصْطادُ السمكَ. فقال: أفلا تَمْشون حتى نَصْطادَ الناسَ؟ قالوا: ومَن أنت؟ قال: أنا عيسى ابن مريمَ. فآمنوا به، وانْطَلَقوا معه، فذلك قولُ اللهِ ﷿: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.","vol":"5","page":441},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادِ بن منصورٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ الآية. قال: اسْتَنْصَر فنصَره الحَوارِيون، وظهَر عليهم (^١).\nوقال آخَرون: كان سبب اسْتِنْصارِ عيسى مَن اسْتَنْصَر؛ لأن مَن اسْتَنْصَر الحَوارِيين عليه كانوا أرادوا قتلَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1311>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ قال: كفروا وأرادُوا قتلَه، فذلك حينَ اسْتَنْصَر قومَه، قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ (^٢).\nوالأنصارُ جمعُ نَصِيرٍ، كما الأشْرافُ جمعُ شَريفٍ، والأشهادُ جمعُ شَهيدٍ.\nوأما \"الحواريُّون\"، فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا في السببِ الذي مِن أجلِه سُمُّوا حَواريِّين؛ فقال بعضُهم: سُمُّوا بذلك لبياضِ ثيابِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1312>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عُبيدٍ المُحارِبيُّ، قال: مما روَى أبي، قال: ثنا قيسُ بنُ الرَّبيعِ، عن مَيْسرةَ، عن المِنْهالِ بن عمرٍو، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: إنما سُمُّوا الحواريين لبياضِ ثِيابهم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٩ (٣٥٦٧) من طريق أبي بكر الحنفى به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٩ (٣٥٦٤) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج قوله. وعزاه السيوطي أيضا في الدر المنثور ٢/ ٣٥ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٩ (٣٥٦٨) من طريق ميسرة به من قول ابن عباس.","vol":"5","page":442},{"text":"وقال آخَرون: سُمُّوا بذلك لأنهم كانوا قَصَّارِين يُبيِّضون الثيابَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1313>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن أبي أَرْطَاةَ، قال: الحواريُّون الغسَّالون الذين يحورُون الثيابَ؛ يَغْسِلونها (^١).\nوقال آخرون: هم خاصةُ الأنبياءِ وصَفُوتُهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1314>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن رَوْحِ بن القاسمِ، أن قتادةَ ذكَر رجلًا مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ، فقال: كان مِن الحواريِّين. فقيل له: مَن الحَوارِيُّون؟ قال: الذين تصْلُحُ لهم الخِلافةُ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ [بن الحارثِ] (^٣) قال: ثنا بشرُ بنُ (^٤) عُمَارَةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ [المائدة: ١١٢]. قال: أصْفياءُ الأنبياء (^٥).\nوأشبه الأقوالِ التي ذكَرْنا في معنى الحواريِّين قولُ مَن قال: سُمُّوا بذلك لبياضِ ثيابِهم، ولأنهم كانوا غسَّالين.\nوذلك أن الحَوَرَ عندَ العربِ شدةُ البياضِ، ولذلك سُمِّيَ الحُوَّارَى مِن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٥٣ من طريق ورقاء، عن ابن أبي أرطاة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٩ (٣٥٧٠) من طريق ابن علية به مختصرًا.\n(^٣) في النسخ: \"قال ثنا الحسين\". وهو إسناد دائر لا ذكر للحسين فيه.\n(^٤) في م، ت ١، س: \"عن\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٠ (٣٥٧٢) من طريق المنجاب به.","vol":"5","page":443},{"text":"الطعامِ: حُوَّارَى؛ لشدةِ بياضِه، ومنه قيل للرجلِ الشديدِ البياضِ مُقْلةِ العينَيْن: أحورُ. وللمرأةِ: حوراءُ.\nوقد يَجوزُ أن يكونَ حواريُّو عيسى كانوا سُمُّوا بالذي ذكَرْنا مِن تبييضِهم الثيابَ، وأنهم كانوا قَصَّارِين، فعُرِفوا بصحبةِ عيسى، واخْتيارِه إيَّاهم لنفسِه أصحابًا وأنصارًا، فجرَى ذلك الاسمُ لهم، واسْتُعْمِل حتى صار كلُّ خاصةٍ للرجلِ مِن أصحابِه وأنصارِه حَوَارِيَّه، ولذلك قال النبي ﷺ: \"لكلِّ (^١) نبيٍّ حَوارِيٌّ، وحَوارِيَّ الزبيرُ\" (^٢). يعنى خاصتُه، وقد تُسَمِّي العربُ النساء اللَّواتي مَساكنُهن القرَى والأمصارُ: \"حَوَارِيَّاتٍ\"، وإنما سُمِّينَ بذلك لغلبةِ البياضِ عليهن، ومن ذلك قولُ أبي جَلْدةَ اليَشْكُريِّ (^٣):\nفقلْ للحَواريَّاتِ (^٤) يَبْكِين غيرَنا … ولا تَبْكِنا إلا الكلابُ النَّوابِحُ\nويعنى بقولِه: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾: قال هؤلاء الذين صفتُهم ما ذكَرْنا مِن تبْيِيضِهم الثيابَ: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾: صدَّقْنا باللهِ واشهَد أنت يا عيسى بأننا مسلمُون.\nوهذا خبرٌ من اللهِ ﷿ أن الإسلامَ دينُه الذي ابْتَعَث به عيسى والأنبياءَ قبلَه، لا النصرانيةَ ولا اليهوديةَ، وتَبْرِئَةٌ مِن اللهِ لعيسى ممَّن انْتَحَل النصرانيةَ، ودان بها، كما برَّأ إبراهيمَ من سائرِ الأديانِ غيرِ الإسلامِ، وذلك احْتِجاجٌ مِن اللهِ تعالَى ذكرُه لنبيِّه ﷺ على وفدِ نَجْرانَ.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، س: \"إن لكل\" وهو لفظ بعض الروايات.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢٢/ ٢٠٠، ٢٠١ (١٤٢٩٧)، والبخارى (٢٨٤٧، ٣٧١٩، ٤١١٣، ٧٢٦١)، ومسلم (٢٤١٥) من حديث جابر.\n(^٣) البيت في الوحشيات ص ٢٩ والمؤتلف والمختلف للآمدى ص ١٠٧ ولسان العرب (ح ور).\n(^٤) في الوحشيات، والمؤتلف والمختلف: \"لنساء المِصر\".","vol":"5","page":444},{"text":"كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ والعُدْوانَ ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ وهذا قولُهم الذي أصابُوا به الفضلَ مِن ربِّهم، ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ لا كما يقولُ هؤلاء الذين يُحاجُّونك فيه - يعنى وفدَ نصارَى نَجْرانَ (^١).\n\n<span id=\"aya-346\"></span><span data-type='title' id=toc-1315>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ ﷿ عن الحَواريِّين أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا﴾ أَي: صدَّقْنا ﴿بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ يعنى: بما أنْزلتَ على نبيِّك عيسى مِن كتابِك، ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ يعنى بذلك: صِرْنا أتباعَ عيسى، على دينِك الذي ابْتَعَثْتَه به، وأعوانَه على الحقِّ الذي أرْسَلْتَه به إلى عبادِك.\nوقولُه: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ يقولُ: فأَثْبِتْ أسماءَنا مع أسماءِ الذين شهِدُوا بالحقِّ، وأَقَرُّوا لك بالتوحيدِ، وصدَّقوا رُسُلَك، واتَّبعوا أمرَك ونهيَك، فاجْعَلنا في عِدادِهم ومعهم، فيما تُكْرِمُهم به مِن كَرامتِك، وأَحِلَّنا مَحَلَّهم، ولا تَجْعَلْنا ممَّن كفَر بك، وصدَّ عن سبيلِك، وخالَف أمرَك ونهيَك.\nيُعَرِّفُ خلقَه جلَّ ثناؤُه بذلك سبيلَ الذين رضِىَ أقوالَهم وأفعالَهم، ليَحْتَذوا طريقَهم، ويَتَّبِعُوا مِنْهاجَهم، فيَصِلوا إلى مثلِ الذي وصَلوا إليه مِن درجاتِ كرامتِه، ويُكَذِّبُ بذلك الذين انْتَحَلوا مِن المِلَلِ غيرَ الحَنيفيَّةِ المسلمةِ، في دَعْواهم على أنبياءِ اللهِ، أنهم كانوا على غيرِها، ويَحْتَجُ به على الوفدِ الذين حاجُّوا رسولَ اللهِ ﷺ مِن\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٨، ٦٦٠ (٣٥٦٣، ٣٥٧٤، ٣٥٧٥) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.","vol":"5","page":445},{"text":"أهلِ نَجْرانَ، بأنَّ قِيلَ مَن ﵁ مِن أتْباعِ عيسى، كان خلافَ قِيلِهم، ومِنْهاجَهم غيرُ مِنْهاجِهم.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. أي: هكذا كان قولُهم وإيمانُهم (^١).\n\n<span id=\"aya-347\"></span><span data-type='title' id=toc-1316>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾.</span>\nيعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومكَر الذين كفَروا من بني إسرائيلَ. وهم الذين ذكَر اللهُ أن عيسى أحَسَّ منهم الكفرَ.\nوكان مكرُهم الذي وصَفَهم اللهُ به مُواطَأةَ بعضِهم بعضًا على الفَتْكِ بعيسى وقتلِه، وذلك أن عيسى صلواتُ اللهِ عليه بعدَ إخْراجِ قومِه إيَّاه وأمَّه مِن بين أظهُرِهم، عاد إليهم، فيما حدَّثنا محمدُ بنَ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ثم إن عيسى سار بهم، يعْنى بالحَوارِيِّين الذين كانوا يَصْطادون السمكَ، فآمَنوا به واتَّبَعوه إذ دعاهم، حتى أتَى بنى إسرائيلَ ليلًا فصاح فيهم، فذلك قولُه: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ الآية [الصف: ١٤].\nوأما مكرُ اللهِ بهم، فإنه - فيما ذكَر السُّدِّيُّ - إلقاؤُه شَبَهَ عيسى على بعضِ أتْباعِه، حتى قتَله الماكِرون بعيسى، وهم يَحْسَبونه عيسى، وقد رفَع اللهُ ﷿ عيسى قبلَ ذلك.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٠ (٣٥٧٦) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.","vol":"5","page":446},{"text":"كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ثم إن بني إسرائيلَ حصَروا عيسى وتسعةَ عشَرَ رجلًا من الحَوارِيِّين في بيتٍ، فقال عيسى لأصحابِه: مَن يَأْخُذُ صُورتي فيُقْتَلَ وله الجنةُ؟ فأخَذها رجلٌ منهم، وصُعِد بعيسى إلى السماءِ، فذلك قولُه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. فلمَّا خرَج الحَوَارِيُّون أبْصَروهم تسعةَ عشرَ، فأخْبَروهم أن عيسى قد صُعِد به إلى السماءِ، فجعَلوا يَعُدُّون القومَ، فيَجِدُونهم يَنْقُصون رجلًا مِن العِدَّةِ، ويَرَوْن صورة عيسى فيهم، فشكُّوا فيه، وعلى ذلك قتَلوا الرجلَ، وهم يُرَوْنَ أنه عيسى، وصلَبوه، فذلك قول الله ﷿: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧].\nوقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ معْنى مَكْرِ اللهِ بهم اسْتِدْراجَه إياهم؛ ليَبْلُغَ الكتابُ أجلَه، كما قد بيَّنا ذلك في قولِ اللهِ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (^١) [البقرة: ١٥].\n\n<span id=\"aya-348\"></span><span data-type='title' id=toc-1317>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومكَر اللهُ بالقومِ الذين حاوَلوا قتلَ عيسى مع كفرِهم باللهِ، وتكذيبِهم عيسى فيما أتاهم به مِن عندِ ربِّهم، إذ قال اللهُ جل ثناؤُه: إنى مُتَوَفِّيك. فهو ﴿إِذْ﴾ صلةٌ مِن قولِه: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ يعنى: ومكَر اللهُ بهم حينَ قال اللهُ لعيسى: إنى مُتوفِّيك ورافِعُك إلى فتوَفَّاه ورفَعه إليه.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنَى \"الوفاةِ\" التي ذكَرها اللهُ ﷿ في هذه الآية؛ فقال بعضُهم: هي وفاةُ نومٍ. وكان معنَى الكلامِ على مَذْهَبِهِم: إني مُنِيمُك\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٣١٢ - ٣١٨.","vol":"5","page":447},{"text":"ورافعُك في نومِك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1318>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾. قال: يعنى وفاةَ المنَامِ؛ رفَعه اللهُ في مَنامِه. قال الحسنُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ لليهودِ: \"إن عيسَى لم يَمُتْ، وإنه راجِعٌ إليكم قبلَ يومِ القيامةِ\" (^١).\nوقال آخَرون: معنى ذلك: إنى قابضُك مِن الأرضِ فرافِعُك إليَّ. قالوا: ومعنَى الوفاةِ القبضُ. كما يُقالُ: تَوفَّيْتُ مِن فلانٍ مالىَ عليه. بمعنى: قبَضْتُه واسْتَوْفَيْتُه. قالوا: فمعنَى قولِه: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. أي: قابضُك مِن الأرض حيًّا إلى جِوارِى، وآخِذُك إلى ما عندِى بغيرِ موتِ، ورافعُك مِن بين المشركين وأهلِ الكفرِ بك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1319>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن ابن شَوْذَبٍ، عَن مَطَرٍ الوَرَّاقِ في قولِ اللهِ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾. قال: مُتَوفِّيك مِن الدنيا، وليس بوفاةِ موتٍ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعمرٌ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (بتحقيق حكمت بشير ياسين) ٢/ ٢٩٦ (٦٤٢) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به، عن الحسن قوله. وينظر تفسير ابن كثير ٢/ ٣٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (بتحقيق حكمت بشير ياسين) ٢/ ٢٩٦ (٦٤١)، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ١٣٠ من طريق ضمرة به.","vol":"5","page":448},{"text":"الحسنِ في قولِه: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾. قال: مُتَوَفِّيكَ مِن الأرضِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: فرَفْعُه إياه إليه تَوَفِّيه إياه، وتَطْهيرُه مِن الذين كفرُوا (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، أن كعبَ الأحْبارِ قال: ما كان اللهُ ﷿ لِيُمِيتَ عيسى ابنَ مريمَ، إنما بعَثه اللهُ داعيًا ومُبَشِّرًا يَدعو إليه وحدَه، فلما رأَى عيسى قلَّةَ مَن اتَّبَعه، وكثرةَ مَن كذَّبه، شكَا ذلك إلى اللهِ ﷿، فأَوْحَى اللهُ إليه: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. وليس مَن رفَعْتُه عندى ميِّتا، وإنى سأَبْعَثُك على الأعورِ الدجالِ، فتَقْتُلُه، ثم تَعِيشُ بعدَ ذلك أربعًا وعشرين سنةً، ثم أُمِيتُك مِيتةَ الحيِّ. قال كعبُ الأحبارِ: وذلك يُصَدِّقُ حديثَ رسولِ اللهِ ﷺ حيثُ قال: \"كيف تَهْلِكُ أمةٌ أنا في أوَّلِها، وعيسى في آخرها؟ \" (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾. أي: قابضُك.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنِّي\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦١ (٣٥٨٢) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٢ (٣٥٨٦) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج ببعضه.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٦ إلى المصنف، والمرفوع أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٥/ ٣٩٤، ٣٩٥ من حديث ابن عباس.","vol":"5","page":449},{"text":"مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيّ﴾. قال: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ قابضُك. قال: و﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ و﴿وَرَافِعُكَ﴾ واحدٌ. قال: ولم يَمُتْ بعدُ حتى يَقْتُلَ الدجالَ، وسيَموتُ. وقرَأ قولَ اللهِ ﷿: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾. قال: رفَعه اللهُ إليه قبلَ أن يكونَ كهْلًا. قال: ويَنْزِلُ كَهْلًا (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ، في قولِ اللهِ ﷿: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ الآية كلّها. قال: رفَعه اللهُ إليه، فهو عندَه في السماءِ (^٢).\nوقال آخَرون: معنى ذلك: إنِّي مُتَوَفِّيك وفاةَ موتٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1320>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنَى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾. يقولُ: إني مُمِيتُك (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمَّن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ اليَمانيِّ أنه قال: توَفَّى اللهُ عيسى ابنَ مريمَ ثلاثَ ساعاتٍ مِن النهارِ، حتى رفَعه إليه (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: والنصارَى يَزْعُمون\n_________\n(^١) ذكره الطوسى في التبيان ٢/ ٤٧٨، والقرطبي في تفسيره ٤/ ١٠٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦١ (٣٥٨٤) من طريق أبي بكر الحنفى به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦١ (٣٥٨٠) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٦ إلى ابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦١ (٣٥٨١) من طريق سلمة به.","vol":"5","page":450},{"text":"أنه توَفَّاه سبعَ ساعاتٍ مِن النهارِ، ثم أحْياه اللهُ (^١).\nوقال آخَرون: معنى ذلك: إذْ قال اللهُ: يا عيسى إني رافعُك إليَّ ومُطَهِّرُكَ مِن الذين كفَروا، ومُتَوَفِّيك بعدَ إنْزالى إياك إلى الدنيا. وقالوا (^٢): هذا مِن المُقَدَّمِ الذي معْناه التأخيرُ، والمؤَخَّرِ الذي معناه التقديمُ.\nقال أبو جعفرٍ: وأولَى هذه الأقوالِ بالصحةِ عندَنا قولُ مَن قال: معنى ذلك: إنى قابضُك من الأرضِ ورافعُك إليَّ. لتَواتُرِ الأخْبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"يَنْزِلُ عيسى ابن مريمَ، فيَقْتُلُ الدجالَ، ثم يَمْكُثُ في الأرضِ - مدةً ذكَرَها، [اخْتَلَف الرواةُ] (^٣) في مَبْلَغِها - ثم يَموتُ، فيُصَلِّي عليه المسلمون ويَدْفِنونه\".\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن مسلمٍ الزهريِّ، عن حَنْظلةَ بن عليٍّ الأسْلَميِّ، عن أبي هريرةَ قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"لَيُهْبِطَنَّ اللهُ عيسى ابنَ مريمَ حَكَمًا عَدْلًا، وإمامًا مُقْسِطًا، يَكْسِرُ الصَّليبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزيرَ، ويَضَعُ الجزيةَ، ويُفيضُ المالَ حتى لا يَجِدَ مَن يَأْخُذُه، ولَيَسْلُكَنَّ الرَّوْحاءَ حاجًا أو معتمرًا، أو لَيُثَنِّيَنَّ (^٤) بهما جميعًا\" (^٥).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الحسنِ بن دينارٍ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٣٨.\n(^٢) في م: \"قال\".\n(^٣) في م: \"اختلفت الرواية\".\n(^٤) في م: \"يدين\". وينظر مصادر التخريج الآتية.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٨٤٢)، والحميدى (١٠٠٥)، وأحمد ١٢/ ٢١٧، ١٣/ ١٠٩، ٢٨٠، ٢٨١، ١٦/ ٣٨٧، ٥٧١ (٧٢٧٣، ٧٩٠٣، ٧٦٨١، ١٠٦٦١، ١٠٩٧٤)، ومسلم (١٢٥٢)، وابن حبان (٦٨٢٠)، والبيهقى ٥/ ٢، والبغوى (٤٢٧٨) من طريق الزهرى به.","vol":"5","page":451},{"text":"قتادةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن آدمَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ \"الأنبياءُ إخْوةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهم شَتَّى، ودينُهم واحدٌ، وأنا أوْلَى الناسِ بعيسى ابن مريمَ؛ لم يَكُنْ بينى وبينَه نبيٌّ، وإنه خَليفتي على أمَّتي، وإنه نازلٌ، فإذا رأيْتُموه فاعْرِفوه، فإنه رجلٌ مَرْبوعُ الخَلْقِ إلى الحُمْرَةِ والبَياضِ، سَبْطُ الشعَرِ كأن شعَرَه يَقْطُرُ، وإن لم يُصِبْه بَلَلٌ، بينَ مُمَصَّرَتين (^١)، يَدُقُّ الصليبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَفِيضُ المالُ، ويُقاتِلُ الناسَ على الإسلامِ حتى يُهْلِكَ اللهُ في زمانِه المِلَلَ كلَّها، ويُهْلِكُ اللهُ في زمانِه مَسيحَ الضَّلالةِ الكذَّابَ الدجالَ، وتَقَعُ في الأرضِ الأَمَنةُ، حتى تَرْتَعَ الأسودُ مع الإبلِ، والنَّمِرُ مع البقرِ، والذئابُ مع الغنَمِ، وتَلْعَبَ الغِلمانُ بالحَيَّاتِ، لا يَضُرُّ بعضُهم بعضًا، فيَثْبُتُ في الأرضِ أربعين سنةً، ثم يُتَوَفَّى، ويُصَلِّي المسلمون عليه ويَدْفِنُونه\" (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: ومعلومٌ أنه لو كان قد أماته اللهُ ﷿ لم يَكُنْ بالذي يُمِيتُه مِيتةً أُخرى، فيَجْمَعَ عليه مِيتَتَيْن؛ لأن الله ﷿ إِنما أَخْبَر عِبادَه أَنه يَخْلُقُهم ثم يُمِيتُهم، ثم يُحْيِيهم، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠].\nفتأويلُ الآيةِ إذن: قال اللهُ لعيسى: يا عيسى إنى قابِضُك مِن الأرضِ، ورافعُك إليَّ، ومُطَهِّرُك من الذين كفَروا فجحَدوا نبوَّتَك.\nوهذا الخبرُ وإن كان مخرجُه مخرجَ خبرٍ، فإن فيه مِن الله ﷿ احْتجاجًا على الذين حاجُّوا رسولَ اللهِ ﷺ في عيسى مِن وفدِ نَجْرانَ، بأن عيسى لم يُقْتَلْ ولم\n_________\n(^١) الممصرة من الثياب: التي فيها صفرة خفيفة. النهاية ٤/ ٣٣٦.\n(^٢) أخرجه أحمد ١٥/ ١٥٣، ١٥٤ (٩٢٧٠)، وأبو داود (٤٣٢٤)، وابن حبان (٦٨٢١)، والحاكم ٢/ ٥٩٥ من طريق قتادة به، وسيأتي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به في ٧/ ٦٧٤.","vol":"5","page":452},{"text":"يُصْلَبْ، كما زعَموا، وأنهم واليهودَ - الذين أقَرُّوا بذلك، وادَّعَوْا على عيسى - كَذَبَةٌ في دَعواهم وزعمِهم.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرٍ بن الزبيرِ: ثم أَخْبَرَهم - يعنى الوفدَ مِن نَجْرانَ - وردَّ عليهم فيما أَخْبَروا هم (^١) واليهودُ (^٢) بصلبِه، كيف رفَعه وطهَّره منهم، فقال: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (^٣).\n﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. فإنه يعنى: مُنَظِّفُك فمُخَلِّصُك ممَّن كفَر بك وجحَد ما جئتَهم به مِن الحقِّ، مِن اليهودِ وسائرِ المِلَلِ غيرِها.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: إذ همُّوا منك بما همُّوا (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: طهَّره مِن اليهودِ والنصارى والمَجوسِ، ومِن كفارِ قومِه (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1321>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ٢، س.\n(^٢) في ص، ت ٢: \"لليهود\".\n(^٣) سيرة ابن هشام في ١/ ٥٨٢.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٢ (٣٥٨٥) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٢ (٣٥٨٧) من طريق أبي بكر الحنفى به.","vol":"5","page":453},{"text":"يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وجاعلُ الذين اتَّبَعوك على مِنْهاجِك ومِلَّتِكَ مِن الإسلامِ وفِطْرتِه، فوقَ الذين جحَدوا نبوَّتَك، وخالَفوا بسبيلِهم جميعَ أهلِ المللِ، فكذَّبوا بما جئتَ به، وصدُّوا عن الإقرارِ به، فمُصَيِّرُهم فوقَهم ظاهِرِين عليهم.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: هم أهلُ الإسلامِ الذين اتَّبَعوه على فطْرتِه وملتِه وسُنَّتِه، فلا يزَالون ظاهِرِين على مَن ناوَأَهم إلى يومِ القيامةِ (^١).\nحدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. ثم ذكَر نحوَه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، ثم ذكَر نحوَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، قال: ناصرُ مَن اتَّبَعك على الإسلامِ على الذين كفَروا إلى يومِ القيامةِ (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٧ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٢، ٦٦٣ (٣٥٨٩، ٣٥٩٢) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٢ (٣٥٨٨) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج بنحوه.","vol":"5","page":454},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ (^١)، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: أما ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾، فيُقالُ: هم المؤمنون. [ويقال: بل] (^٢) هم الرُّومُ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. قال: جعل الذين اتَّبَعوه فوقَ الذين كفَروا إلى يومِ القيامةِ. قال: المسلمون من فوقِهم، وجعَلهم أعلى ممَّن ترك الإسلامَ إلى يومِ القيامةِ (^٤).\nوقال آخَرون: معنَى ذلك: وجاعلُ الذين اتَّبَعوك مِن النصارى فوقَ اليهودِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1322>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: الذين كفَروا مِن بني إسرائيلَ، ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ قال: الذين آمَنوا به مِن بنى إسرائيلَ وغيرِهم ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ النصارى فوقَ اليهودِ إلى يومِ القيامةِ. قال: فليس بلدٌ فيه أحدٌ من النصارى إلا وهم فوقَ يهودَ في شرقٍ ولا غربٍ، هم في البُلْدانِ كلِّها مُسْتَذَلُّون (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1323>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ</span>\n_________\n(^١) في ص: \"الفضل\".\n(^٢) في م: \"وليس\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٢ (٣٥٩٠) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٣ (٣٥٩٣) من طريق آخر عن الحسن بنحوه.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٧ إلى المصنف.","vol":"5","page":455},{"text":"تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾.\nيعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ إِلَيّ﴾: ثم إلى اللهِ أيُّها المختلِفون في عيسى ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾. يعنى: مَصيرُكم يومَ القيامةِ، ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾. يقولُ: فأَقْضِى حينَئذٍ بينَ جميعِكم في أمرِ عيسى بالحقِّ ﴿فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أمرِه.\nوهذا مِن الكلامِ الذي صُرِف مِن الخبرِ عن الغائبِ إلى المُخاطَبةِ، وذلك أن قولَه: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾. إنما قُصِد به الخبرُ عن مُتَّبِعى عيسى والكافِرين به.\nوتأويلُ الكلامِ: وجاعلُ الذين اتَّبَعوك فوقَ الذين كفَروا إلى يومِ القيامةِ، ثم إليَّ مَرْجِعُ الفريقَيْن؛ الذين اتَّبَعوك والذين كفَروا بك، فأَحْكُمُ بينَهم فيما كانوا فيه يَخْتَلِفون. ولكن ردَّ الكلامَ إلى الخطابِ لسبوقِ (^١) القولِ، على سبيل ما ذكَرْنا مِنَ الكلامِ الذي يَخْرُجُ على وجهِ الحكايةِ، كما قال: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢].\n\n<span id=\"aya-349\"></span><span data-type='title' id=toc-1324>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)﴾.</span>\nيعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: فأما الذين جحَدوا نبوَّتَك يا عيسى، وخالَفوا مِلَّتَك، وكذَّبوا بما جئتَهم به مِن الحقِّ، وقالوا فيك الباطلَ، وأضافوك إلى غيرِ الذي يَنْبَغِى أن يُضِيفوك إليه، مِن اليهودِ والنصارَى، وسائرِ أصنافِ الأديانِ، فإني أُعَذِّبُهم عذابًا شديدًا، أمَّا في الدنيا فبالقتلِ والسِّباءِ والذِّلَّةِ\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"السوق\".","vol":"5","page":456},{"text":"والمَسْكنة، وأما في الآخِرةِ فبنارِ جهنمَ خالِدين فيها أبدًا. ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. يقولُ: وما لهم مِن عذابِ اللهِ مانعٌ، ولا عن أليمِ عقابِه لهم دافعٌ، بقوةٍ ولا شَفاعةٍ؛ لأنه العزيزُ ذو الانتقامِ.\n\n<span id=\"aya-350\"></span>وأما قولُه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. فإنه يعْنى تعالى ذكرُه: وأما الذين آمَنوا بك يا عيسى - يقولُ: صدَّقوك - فأَقَرُّوا بنبوَّتِك وبما جئتَهم به مِن الحقِّ مِن عندِى، ودانُوا بالإسلامِ الذي بعَثْتُك به، وعمِلوا بما فرَضْتُ مِن فَرائضِى على لسانِك، وشرَعْتُ مِن شَرائعي، وسنَنْتُ مِن سُننى.\nكما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: أَدَّوْا فَرائضِى (^١).\n﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ يقولُ: فيُعْطِيهم جزاءَ أعمالِهم الصالحةِ كامِلًا، لا يُبْخَسون منه شيئًا ولا يُنْقَصُونه.\nوأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. فإنه يعْنى: واللهُ لا يُحِبُّ مَن ظَلَم غيرَه حقًّا له، أو وضَع شيئًا في غير موضعِه.\nفنفَى جلَّ ثناؤُه عن نفسِه بذلك أن يَظْلِمَ عبادَه، فيُجازِىَ المسيءَ ممَّن كفَر جزاءَ المحسنين ممَّن آمَن به، أو يُجازِىَ المحسِنَ مُمَّن آمَن به واتَّبَع أمرَه، وانْتَهى عما نهاه عنه فأطاعَه، جزاءَ المُسِيئين ممَّن كفَر به، وكذَّب رسلَه، وخالَف أمرَه ونهيَه، فقال: إنى لا أُحِبُّ الظالمينَ، فكيف أَظْلِمُ خَلْقى؟\nوهذا القولُ مِن اللهِ تعالى ذكرُه وإن كان خرَج مَخرجَ الخبر، فإنه (^٢) وعيدٌ منه\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٧ إلى المصنف.\n(^٢) في م: \"كأنه\".","vol":"5","page":457},{"text":"للكافرين به وبرسلِه، ووعدٌ منه للمؤمنينَ به وبرسلِه؛ لأنه أعْلَمَ الفريقين جميعًا أنه لا يَبْخَسُ هذا المؤمنَ حقَّه ولا يَظْلِمُ كرامتَه فيضَعَها في من كفَر به وخالَف أمرَه ونهيَه، فيكونَ لها بوضعِها في غيرِ أهلِها ظالمًا.\n\n<span id=\"aya-351\"></span><span data-type='title' id=toc-1325>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾.</span>\nيعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذه الأنْباءُ التي أَنْبَأ بها نبيَّه عن عيسى وأمِّه مريمَ، وأمِّها حَنَّةَ، وزكريا وابنِه يحيَى، وما قصَّ مِن أمرِ الحَوارِيِّين واليهودِ مِن بنى إسرائيلَ - نتلوها عليك يا محمدُ. يقولُ: نَقْرَؤُها عليك يا محمدُ، على لسانِ جبريلَ بوحْيِناها إليك. ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾. يقولُ: مِن العِبَرِ والحُجَجِ على مَن حاجَّك مِن وفدِ نَصارَى نَجْرانَ ويهودِ بني إسرائيلَ، الذين كذَّبوك وكذَّبوا ما جئتَهم به مِن الحقِّ مِن عندِى. ﴿وَالذِّكْرِ﴾. يعنى: والقرآنِ ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾. يعني ذا الحِكْمةِ الفاصلةِ بينَ الحقِّ والباطلِ، وبينَك وبينَ ناسبِى المسيحِ إلى غيرِ نسَبِه.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾: القاطعِ الفاصلِ الحقِّ، الذي لم يَخْلِطه الباطلُ، من الخبرِ عن عيسى، وعما اخْتَلَفوا فيه مِن أمرِه، فلا تَقْبَلَنَّ خبرًا غيرَه (^١).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ قال: القرآنُ (^٢).\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٥ (٣٦٠٥) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٧ إلى المصنف.","vol":"5","page":458},{"text":"حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالذِّكْرِ﴾. يقولُ: القرآنُ الحكيمُ الذي قد كمَل في حكمتِه (^١).\n\n<span id=\"aya-352\"></span><span data-type='title' id=toc-1327>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾.</span>\nيعْنى جلَّ ثناؤُه: إِن شَبَهَ عيسى في خَلْقِى إياه مِن غيرِ فَحْلٍ - فأخْبِرْ به يا محمدُ الوفدَ مِن نصارَى نَجْرانَ - عندِى كشَبَهِ آدمَ، الذي خلَقْتُه مِن ترابٍ، ثم قلتُ له: كنْ. فكان، مِن غيرِ فَحْلٍ، ولا ذكَرٍ، ولا أُنثى. يقولُ: فليس خَلْقى عيسى مِن أمِّه، مِن غيرِ فحلٍ، بأَعْجَبَ مِن خَلْقِى آدمَ مِن غيرِ ذكرٍ ولا أُنثى، فكان لحمًا، يقولُ: وأَمْرى إذ أمَرْتُه أن يكونَ فكان، فكذلك خَلْقِى عيسى، أَمَرْتُه أن يكونَ فكان.\nوذكَر أهلُ التأويلِ أن الله ﷿ أنْزَل هذه الآيةَ احْتِجاجًا لنبيِّه ﷺ على الوفدِ مِن نصارَى نَجْرانَ الذين حاجُّوه في عيسى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1326>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ (^٢)، عن مُغيرةَ، عن عامرٍ، قال: كان أهلُ نَجْرانَ أعظمَ قومٍ من النصارَى في عيسى قولًا، فكانوا يُجادِلون النبيَّ ﷺ، فأَنْزَلَ اللهُ ﷿ هذه الآيةَ في سورةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ إلى قولِه: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى\n_________\n(^١) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٤٤٧، وأبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٤٧٦.\n(^٢) في س: \"جويبر\". وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٥٤٠.","vol":"5","page":459},{"text":"الْكَاذِبِينَ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وذلك أن رَهْطًا مِن أهلِ نَجْرانَ، قَدِموا على محمدٍ ﷺ، وكان فيهمُ السيدُ والعاقِبُ، فقالوا لمحمدٍ: ما شأنُكَ تَذْكُرُ صاحبَنا؟ فقال: \"مَن هو؟ \". قالوا: عيسى، تَزْعُمُ أنه عبدُ اللهِ. فقال محمدٌ: \"أجل، إنه عبدُ اللهِ\". قالوا له: فهل رأيْتَ مَثَلَ عيسى، أو أُنْبِئْتَ به؟ ثم خرَجُوا مِن عندِه، فجاءه جبريلُ ﵇ بأمرِ ربِّنا السميعِ العليمِ، فقال: قلْ لهم إذا أتَوْك: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: ذُكر لنا أن سيِّدَى أهلِ نَجْرانَ وأُسْقُفَّيهم السيدَ والعاقبَ، لقِيا نبيَّ اللهِ ﷺ فسأَلاه عن عيسى؟ فقالا: كل آدميٍّ له أبٌ، فما شأنُ عيسى لا أبَ له؟ فأنْزَل اللهُ ﷿ فيه هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أَسْبَاطُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٩٨، ١٤/ ٥٤٩ من طريق جرير به مختصرًا، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٠٠ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٧ (٣٦١٦) من طريق مغيرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٩ إلى عبد بن حميد وأبي نعيم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٥ (٣٦٠٦) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٧ إلى المصنف.","vol":"5","page":460},{"text":"السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: لمَّا بُعِث رسولُ اللهِ ﷺ، وسمِع به أهلُ نَجْرَانَ، أتاه منهم أربعةُ نفرٍ مِن خِيارِهم؛ منهم العاقبُ، والسيدُ، ومَاسَرْجِسُ، وماريحزُ (^١)، فسأَلوه ما يقولُ في عيسى؟ فقال: \"هو عبدُ اللهِ ورُوحُه وكلمتُه\". قالوا هم: لا، ولكنه هو اللهُ، نزَل مِن مُلْكِه، فدخَل في جوفِ مَرْيمَ، ثم خرَج منها، فأرانا قدرتَه وأمْرَه، فهل رأيْتَ قطُّ إنسانًا خُلِق مِن غَيرِ أبٍ؟ فأَنْزَل اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قال: نزَلَت في العاقبِ والسيدِ مِن أهلِ نَجْرانَ، وهما نصرانيَّان (^٣).\nقال ابن جُرَيْجٍ: بلَغَنا أن نصارَى أهلِ نَجْرانَ قدِم وفدُهم على النبيِّ ﷺ، فيهم السيدُ والعاقبُ، وهما يومَئِذٍ سيدا أهلِ نَجْرانَ، فقالوا: يا محمدُ، فيم تَشْتُمُ صاحبَنا؟ قال: \"من صاحبكما؟ \". قالا: عيسى ابن مريمَ، تَزْعُمُ أنه عبدٌ. قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أجلْ، إنه عبدُ اللهِ وكلمتُه ألْقاها إلى مريمَ [ورُوحٌ منه] (^٤) \". فغضِبوا وقالوا: إن كنتَ صادقًا، فأرِنا عبدًا يُحْيى الموْتَى، ويُبْرِئُ الأَكْمَهَ، ويَخْلُقُ\n_________\n(^١) في ت ١، س: \"مار بحر\"، وفي م: \"ماريجز\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٧ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٧ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: ص، ت ٢.","vol":"5","page":461},{"text":"مِن الطِّينِ كهيئةِ الطيرِ، فيَنْفُخُ فيه - الآيةَ - لكنه اللهُ. فسكَت حتى أتاه جبريلُ، فقال: يا محمدُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧، ٧٢] الآية. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"يا جبريلُ، إنهم سألونى أن أُخْبِرَهم بمَثَلِ عيسى\". قال جبريلُ: مَثَلُ عيسى كمثلِ آدمَ خلَقه مِن ترابٍ، ثم قال له: كُنْ. فيكونُ. فلمَّا أَصْبَحوا عادوا، فقرَأ عليهم الآياتِ (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ فاسمَعْ ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. فإن قالوا: خُلِق عيسى مِن غيرِ ذكَرٍ. فقد خلَقْتُ آدمَ مِن ترابٍ بتلك القُدْرةِ، مِن غيرِ أنثى ولا ذكَرٍ، فكان كما كان عيسى لحمًا ودمًا وشعَرًا وبَشَرًا، فليس خَلْقُ عيسى مِن غيرِ ذَكَرٍ بأعجَبَ مِن هذا (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾. قال: أَتَى نَجْرانيَّان إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالا له: هل علِمْت أن أحدًا وُلِد مِن غيرِ ذكرٍ فيكونَ عيسى كذلك؟ قال: فأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، أكان لآدمَ أبٌ أو أمٌ! كما خلَقْتُ هذا في\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٧، ٣٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٢ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٥ (٣٦٠٧) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.","vol":"5","page":462},{"text":"بطنِ هذه.\nفإن قال قائلٌ: فكيفَ قال: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ﴾. و\"آدم\" معرفةٌ، والمَعارِفُ لا تُوصَلُ؟\nقيل: إن قولَه: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾. غيرُ صلةٍ لآدمَ، وإنما هو بيانٌ عن أمرِه، على وجهِ التفسيرِ عن المَثَلِ الذي ضرَبه، وكيف كان.\nوأما قولُه: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. فإنما قال: ﴿فَيَكُونُ﴾. وقد ابْتَدَأ الخبرَ عن خَلْقِ آدمَ، وذلك خبرٌ عن أمرٍ قد تقَضَّى، وقد أَخْرَج الخبرَ عنه مُخْرَجَ الخبرِ عمَّا قد مضَى، فقال جلَّ ثناؤُه: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. لأنه بمعنى الإعلامِ من اللهِ نبيِّه أن تَكْوينَه الأشياءَ بقولِه: ﴿كُنْ﴾. ثم قال: ﴿فَيَكُونُ﴾. خبرًا مُبْتَدَأً، وقد تَناهَى الخبرُ عن أمرِ آدمَ عندَ قولِه: ﴿كُنْ﴾.\nفتأويلُ الكلامِ إذنْ: إن مثلَ عيسى عند اللهِ كمثلِ آدمَ خلَقه من ترابٍ ثم قال له: كنْ. واعْلَمْ يا محمدُ أنَّ ما قال له ربُّك: كنْ. فهو كائنٌ.\nفلما كان في قولِه: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾. دَلالةٌ على أن الكلامَ يُراد به إعلامُ نبيِّ اللهِ ﷺ وسائرِ خلقِه أنه كائنٌ ما كوَّنه ابتداءً مِن غيرِ أصلٍ ولا أولٍ ولا عُنْصُرٍ، اسْتُغْنِى بدَلالةِ الكلامِ على المعنى، وقيل: ﴿فَيَكُونُ﴾. فعطَف بالمستقبلِ على الماضِي، على ذلك المعنى.\nوقد قال بعضُ أهلِ العربيةِ: ﴿فَيَكُونُ﴾ رُفِعَ على الابْتداءِ، ومعناه: كُنْ فكان. فكأنه قال: فإذا هو كائنٌ.\n\n<span id=\"aya-353\"></span><span data-type='title' id=toc-1328>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾.</span>","vol":"5","page":463},{"text":"يعني بذلك جلّ ثناؤُه: الذي أنْبَأْتُك به مِن خبرِ عيسى، وأَنَّ مَثَلَه كَمَثَلِ آدمَ خلقه من ترابٍ، ثم قال له ربُّه: ﴿كُن﴾. هو ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ يقولُ: هو الخبرُ الذي هو مِن عندِ ربِّك، ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ يعنى: فلا تَكُنْ مِن الشاكِّين في أن ذلك كذلك.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ يعنى: فلا تكنْ في شكٍّ مِن عيسى أنه كمثَلِ آدمَ عبدُ اللهِ ورسولُه، وكلمةُ اللهِ ورُوحُه (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. يقولُ: فلا تكنْ في شكٍّ مما قصَصْنا عليك أن عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه، وكلمةٌ منه ورُوحٌ، وأن مَثَلَه عندَ اللهِ كمَثَلِ آدمَ خلَقه مِن ترابٍ، ثم قال له: ﴿كُنْ﴾ فيكونُ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾: ما جاءَك مِن الخبرِ عن عيسى. ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، أي: قد جاءَك الحقُّ مِن ربِّك فلا تَمْتَرِ فيه (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. قال: والمُمْتَرُون الشاكُّون.\nوالمِرْيةُ والشكُّ والرَّيْبُ واحدٌ سواءٌ، كهيئة ما تقولُ: أعْطِنى، وناوِلْني،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٨ إلى المصنف.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١٠/ ٥٨٢ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٦ (٣٦١٠، ٣٦١٢) من طريق عبد الله بن إدريس وسلمة، عن ابن إسحاق قوله.","vol":"5","page":464},{"text":"وهَلُمَّ. فهذا مختلِفٌ في الكلامِ، وهو واحدٌ.\n\n<span id=\"aya-354\"></span><span data-type='title' id=toc-1329>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾: فمَن جَادَلَك يا محمدُ في المسيح عيسى ابن مريمَ.\nوالهاءُ في قولِه: ﴿فِيهِ﴾ عائدةٌ على ذكرِ ﴿عِيسَى﴾، وجائزٌ أن تَكونَ عائدةً على \"الحقِّ\" الذي قال تعالى ذكرُه: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾.\nويعنى بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾: مِن بعدِ ما جاءَك مِن العلمِ الذي قد بيَّنْتَه لك في عيسى أنه عبدُ اللهِ، ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾: هَلُمُّوا، فَلْنَدْعُ ﴿أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ يقولُ: ثم نَلْتَعِنْ.\nيقالُ في الكلامِ: ما له؟ بهَلَه اللهُ! أي: لعَنه اللهُ. وما له؟ عليه بُهلةُ اللهِ! يُرِيدُ اللعنَ. وقال لَبِيدٌ، وذكَر قوما هلَكوا، فقال (^١):\n* نظَر الدهرُ إليهم فابْتَهَلْ *\nيعني: دعا عليهم بالهلاكِ.\n﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ منا ومنكم في أنه (^٢) عيسى.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنْ\n_________\n(^١) شرح ديوان لبيد ص ١٩٧، وعجز البيت: في قروم سادة من قومه.\n(^٢) في م: \"آية\".","vol":"5","page":465},{"text":"حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾: أي في عيسى أنه عبدُ اللهِ ورسولُه، مِن كلمةِ اللهِ ورُوحِه، ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾: أَي: مِن بعدِ ما قصَصْتُ عليك مِن خبرِه، وكيفَ كان أمرُه، ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ الآية (^٢).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾. يقولُ: مَن حاجَّك في عيسى مِن بعدِ ما جاءَك فيه مِن العلمِ (^٣).\nحدَّثنا يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِين﴾. قال: منا ومنكم.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: وثنى ابن لَهيعةَ، عن سليمانَ بن زيادٍ الحَضْرميِّ، عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ بن جَزْءٍ الزُّبَيديِّ، أنه سمِع النبي ﷺ يقولُ: \"ليت بينى وبينَ أهلِ نجرانَ حجابًا، فَلا أراهم ولا يَرَوْنى\". مِن شدةِ ما كانوا يُمارُون النبي ﷺ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٦ (٣٦١٣) من طريق شيبان عن قتادة نحوه.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٦ (٣٦١٤) من طريق ابن إدريس عن ابن إسحاق قوله.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٦ عقب الأثر (٣٦١٣) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) أخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٣٠١ والبزار (٣٧٨٦) من طريق ابن لهيعة به.","vol":"5","page":466},{"text":"<span id=\"aya-355\"></span><span data-type='title' id=toc-1331>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤُه: إن هذا الذي أنْبَأَتُك به يا محمدُ مِن أمرِ عيسى، فقصَصْتُه عليك مِن أنبائِه، وأنه عبدِى ورسُولى، وكلِمتى ألْقَيْتُها إلى مريمَ، ورُوحٌ منى، لَهو القَصَصُ والنبأُ الحقُّ، فاعْلَمْ ذلك، واعْلَمْ أنه ليس للخلقِ معبودٌ يَسْتَوْجِبُ عليهم العبادةَ بمُلْكِه إياهم، إلا معبودُك الذي تَعْبُدُه، وهو اللهُ العزيزُ الحكيمُ.\nويعنى بقولِه: ﴿الْعَزِيزُ﴾: العزيزُ في انتقامِه ممَّن عصاه، وخالَف أَمْرَه، وادَّعَى معه إلهًا غيرَه، أو عبَدَ ربًّا سواه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيرِه، لا يَدْخُلُ ما دَبَّرَه وَهَنٌ، ولا يَلْحَقُه خَلَلٌ.\n\n<span id=\"aya-356\"></span>﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾. يعنى: فإن أدْبَر هؤلاء الذين حاجُّوك في عيسى عما جاءَك مِن الحقِّ مِن عندِ ربِّك، في عيسى وغيرِه مِن سائرِ ما آتاك اللهُ مِن الهُدَى والبَيانِ، فأعْرَضوا عنه، ولم يَقْبَلُوه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: فإِن الله ذو علمٍ بالذين يَعْصُون ربَّهم، ويَعْمَلون في أرضِه وبلادِه بما نهاهم عنه، وذلك هو إفسادُهم. يقولُ تعالى ذِكرُه: فهو عالمٌ بهم وبأعمالِهم، يُحْصِيها عليهم ويَحْفَظُها، حتى يُجازِيَهم عليها جَزاءَهم.\nوبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1330>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾: أيْ: إن هذا الذي جئتُ به مِن الخبرِ عن","vol":"5","page":467},{"text":"عيسى، ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ مِن أمرِه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾: إن هذا الذي قلنا في عيسى ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾. قال: إن هذا القصصَ الحقُّ في عيسى، ما يَنْبَغى لعيسى أن يَتَعَدَّى هذا ولا يُجاوِزَه (^٣)؛ أن يَتَعَدَّى أن يكونَ كلمةَ اللهِ ألْقاها إلى مريمَ، ورُوحًا منه، وعبدَ اللهِ ورسولَه (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾: إن هذا الذي قلنا في عيسى هو الحقُّ، ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية (^٥).\nفلمَّا فصَل جل ثناؤُه بينَ نبيِّه محمدٍ ﷺ وبينَ الوفدِ مِن نصارَى نَجْرانَ بالقضاءِ الفاصلِ والحُكْمِ العادلِ، [وأمرَه] (^٦) - إن هم توَلَّوْا عما دَعاهم إليه مِن الإقْرارِ بوحْدانيةِ اللهِ، وأنه لا ولدَ له ولا صاحبةَ، وأن عيسى عبدُه ورسولُه، وأبَوْا إلا الجَدَلَ (^٧) والخُصومةَ - أن يَدْعُوَهم إلى المُلاعَنةِ، ففعَل ذلك رسولُ اللهِ ﷺ، فلمَّا\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٣.\n(^٢) المحرر الوجيز ٢/ ٤٥٣ بنحوه.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"يتجاوزه\".\n(^٤) المحرر الوجيز ٢/ ٤٥٣.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٨ (٣٦٢٤) عن محمد بن سعد.\n(^٦) كذا في النسخ، والصواب: أمره. بحذف الواو.\n(^٧) في س: \"الجدال\".","vol":"5","page":468},{"text":"فعَل ذلك رسولُ اللهِ ﷺ انْخَزَلوا (^١) فامْتَنَعُوا مِن المُلاعَنةِ، ودَعَوْا إلى المُصالَحَةِ.\nكالذى حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن عامرٍ، قال: فأُمِر - يعنى النبيَّ ﷺ بمُلاعنتِهم - يعني بمُلاعنةِ أهلِ نَجْرانَ - بقولِه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ الآية. فتَواعَدوا أن يُلاعِنوه، وواعَدوه الغدَ، فانْطَلَقوا إلى السيدِ والعاقبِ، و[كانا أعقلَهم] (^٢) فتابَعاهم، فانْطَلَقوا إلى رجلٍ منهم عاقلٍ، فذكَروا له ما فارَقوا عليه رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: ما صنَعْتُم! وندَّمَهم، وقال لهم: إن كان نبيًّا، ثم دعا عليكم، لا يُغْضِبُه اللهُ فيكم أبدًا، ولئن كان مَلِكًا، فظهَر عليكم لا يَسْتَبْقِيكم (^٣) أبدًا. قالوا: فكيف لنا وقد واعَدَنا؟ فقال لهم: إذا غدَوْتُم إليه، فعرَض عليكم الذي فارِقْتُموه عليه، فقولوا: نَعوذُ باللهِ. فإن دعاكم أيضًا، فقولوا (^٤): نَعوذُ باللهِ. ولعلَّه أن يُعْفِيَكم مِن ذلك. فلما غدَوْا، غدا النبيُّ ﷺ مُحْتَضِنًا حَسَنًا، آخِذًا بيدِ الحسينِ، وفاطمةُ تَمْشِى خلفَه، فدَعاهم إلى الذي فارَقُوه عليه بالأمسِ، فقالوا: نَعوذُ باللهِ. ثم دعاهم، فقالوا: نَعوذُ باللهِ، مِرارًا، قال: \"فإن أبَيْتُم فأَسْلِمُوا، ولكم ما للمُسْلِمين، وعلَيْكم ما علَى المسْلِمين كما قال اللهُ ﷿، فإن أبَيْتُم فأعْطُوا الجِزْيةَ عن يدٍ وأنتم صاغرون كما قال اللهُ ﷿\". قالوا: ما نَمْلِكُ إلا أنفسَنا. قال: \"فإن أبَيْتُم فإنى أنْبِذُ إليكم على سواءٍ كما قال اللهُ ﷿\". قالوا: ما لنا طاقةٌ بحربِ العربِ، ولكن نُؤَدِّى الجزيةَ. قال: فجعَل عليهم في كلِّ سنةٍ ألفَى (^٥) حُلَّةٍ؛ ألفًا في رجبٍ، وألفًا في صَفَرٍ. فقال\n_________\n(^١) في س: \"انجذبوا\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كان أعقلهما\"، وفى س: \"كانا أعقلهما\".\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"يسبقنكم\".\n(^٤) بعده في م: \"له\".\n(^٥) في س: \"ألف ألف\".","vol":"5","page":469},{"text":"النبيُّ ﷺ: \"لَقَد أتانيَ البَشيرُ بهَلَكةِ أهلِ نَجْرانَ، حتى الطيرُ على الشجرِ - أو العصافيرُ على الشجرِ - لو تَمُّوا على الملاعنةِ\" (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، قال: فقلتُ للمغيرةِ: إن الناسَ يَرْوُون في حديثِ أهلِ نَجْرانَ أن عليًّا كان معهم (^٢). فقال: أما الشعبيُّ فلم يَذْكُرْه، فلا أَدْرِى لسُّوءِ رأى بني أميةَ في عليٍّ، أولم يَكُنْ في الحديثِ.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ إلى قولِه: ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾: فدعاهم إلى النَّصَفِ (^٣)، وقطَع عنهم الحُجَّةَ، فلما أتَى رسولَ اللهِ ﷺ الخبرُ مِن اللهِ عنه، والفصلُ مِن القَضاءِ بينَه وبينَهم، وأمَره بما أمَره به مِن ملاعنتِهم، [إن ردُّوا] (^٤) عليه، دعاهم إلى ذلك، فقالوا: يا أبا القاسم، دَعْنا نَنْظُرْ في أمرِنا، ثم نَأْتِيك بما (^٥) نُرِيدُ أن نَفْعَلَ فيما دعَوْتَنا إليه. فانْصَرَفوا عنه، ثم خلَوْا بالعاقبِ، وكان ذا رأيِهم، فقالوا: يا عبدَ المسيحِ، ما تَرَى؟ قال: واللهِ يا معشرَ النصارى، لقد عرَفْتُم أن محمدًا لنَبيٌّ مرسَلٌ، ولقد جاءَكم بالفصلِ مِن خبرِ صاحبِكم، ولقد علِمْتُم ما لاعَن قومٌ نبيًّا قطُّ، فبقِى كبيرُهم، ولا نبَت صغيرُهم، وإنه للاستئصالُ منكم إن فعَلْتُم، فإن كنتم قد أبَيْتُم إلا إلْفَ دينِكم، والإقامةَ على ما أنتم عليه مِن القولِ في صاحبِكم، فوادِعوا الرجلَ، ثم انْصَرِفوا إلى بلادِكم حتى يُرِيَكُم زَمَنٌ رَأيَهِ. فَأَتَوْا رسولَ اللهِ ﷺ فقالوا: يا أبا القاسمِ، قد رأيْنا ألا نُلاعِنَك، وأن نَتْرُكَك على\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤٥٩، ٤٦٠.\n(^٢) أي: كان مع النبي ﷺ وفاطمة والحسن والحسين، كما سيأتي.\n(^٣) النصف، الاسم من الإنصاف، وهو أن تعطيه من الحق كالذي تستحقه لنفسك. التاج (ن ص ف).\n(^٤) في ص، ت ٢، ت ٣: \"أوردوا\"، وفى ت ١، س: \"إذ ردوا\".\n(^٥) في ص، ت ٢: \"فما\".","vol":"5","page":470},{"text":"دينِك، ونَرْجِعَ على دينِنا، ولكن ابْعَثْ معنا رجلًا مِن أصحابِك تَرْضاه لنا، يَحْكُمُ بينَنا في أشياءَ قد اخْتَلَفْنا فيها مِن أموالِنا، فإنكم عندَنا رِضًى (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا عيسى بنُ فَرْقَدٍ، عن أبي الجارودِ، عن زيدِ بن عليٍّ في قولِه: ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ الآية. قال: كان النبيُّ ﷺ وعليٌّ وفاطمةُ والحسنُ والحسينُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ الآية، فأخَذ - يعنى النبيِّ ﷺ بيدِ الحسنِ والحسينِ وفاطمةَ، وقال لعليٍّ: \"اتْبَعْنا\". فخرَج معهم، فلم يَخْرُجُ يومئذٍ النصارى، وقالوا: إنا نَخافُ أن يكونَ هذا هو النبيَّ (^٢)، وليس دعوةُ النبيِّ كغيرِها. فتخَلَّفوا عنه يومَئذٍ، فقال النبيُّ ﷺ: \"لو خرَجوا لَاحْتَرَقوا\". فصالَحوه على صلحٍ، على أن له عليهم ثمانين ألفًا، فما عجِزَت الدَّراهمُ ففى العُروضِ؛ الحُلَّةُ بأربعين، وعلى أن له عليهم ثلاثًا وثلاثين درعًا، وثلاثًا وثلاثين بعيرًا، وأربعةً وثلاثين فرسًا غازيةً كلَّ سنةٍ، وأن رسولَ اللهِ ﷺ ضامنُ لها حتى نُؤَدِّيَها إليهم (^٣).\nحدَّثنا بشرُ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ دعا وفدًا مِن وفدِ نَجْرانَ مِن النصارى، وهم الذين حاجُّوه في عيسى، فنكَصوا عن ذلك، وخافوا. وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"والذي نفسُ محمدِ بيدِه، إن كان العذابُ لقد تَدَلَّى على أهلِ نَجْرانَ، ولو فعَلوا لَاسْتُؤْصِلوا عن\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٣، ٥٨٤.\n(^٢) بعده في النسخ: \"ﷺ\"، وليس في تفسير ابن أبي حاتم، والنصارى أيضا لا تقوله.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٧ (٣٦١٨) من طريق أحمد بن المفضل به مختصرًا.","vol":"5","page":471},{"text":"جَديدِ (^١) الأرضِ\" (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾. قال: بلَغَنا أن النبيَّ ﷺ خرَج ليُداعىَ (^٣) أهلَ نَجْرانَ، فلمَّا رأوْه خرَج، هابوا وفرِقوا، فرجَعوا. قال معمرٌ: قال قتادةُ: لمَّا أراد النبيُّ ﷺ [أَن يُباهِلَ] (^٤) أَهْلَ نَجْرانَ أخَذ بيدِ حسنٍ وحسينٍ، وقال لفاطمةَ: \"اتْبَعِينا\". فلما رأى ذلك أعداءُ اللهِ رجَعوا (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا معمرٌ، عن عبدِ الكريم الجَزَريِّ، عن عكرمةَ عن ابن عباسٍ قال: لو خرَج الذين يُباهِلون النبيَّ ﷺ لَرجَعوا لا يَجِدون أهلًا ولا مالًا (^٦).\nحدَّثنا أبو كُريْبٍ، قال: ثنا زكريا بنُ (^٧) عَدِيٍّ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ عمرٍو، عن عبدِ الكَريمِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه (^٨).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"والذي نفسي بيدِه لو لاعَنُونى ما حال الحولُ وبحَضْرتِهم منهم أحدٌ إلا أهْلَك اللهُ الكاذبين\".\n_________\n(^١) جديد الأرض: وجهها. اللسان (ج د د).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٩ إلى المصنف.\n(^٣) في م: \"ليلاعن\".\n(^٤) سقط من النسخ، والمثبت من تفسير عبد الرزاق.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٢.\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٣، ومن طريقه البخارى (٤٩٥٨) مختصرًا، والترمذى (٣٣٤٨)، والنسائي في الكبرى (١١٦٨٥)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٨ (٣٦٢٠) من طريق الحسن بن يحيى به.\n(^٧) في النسخ: \"عن\"، وسيأتي على الصواب في ١٠/ ٥٩١، ١١/ ٥٦١.\n(^٨) أخرجه البزار (٢١٨٩ - كشف) من طريق زكريا بن عدى به، وأخرجه أحمد ٤/ ٩٩ (٢٢٢٦).=","vol":"5","page":472},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: ثنا ابن زيدٍ، قال: قيل لرسولِ اللهِ ﷺ: لو لاعَنْتَ القومَ، بمن كنتَ تَأتى حينَ قلتَ: ﴿أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾؟ قال: \"حسنٌ وحسينٌ\".\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا [أبو بكرٍ] (^١) الحنفيُّ، قال: ثنا المنذرُ بنُ ثعلبةَ، قال: ثنا عِلْباءُ بنُ أحمرَ اليَشْكُريُّ، قال: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ الآية. قال (^٢): أَرْسَل رسولُ اللهِ ﷺ إلى [عليٍّ وفاطمةَ وابنَيْهما] (^٣) الحسنِ والحسينِ، ودعا اليهودَ ليُلاعنَهم، فقال شابٌّ مِن اليهودِ: ويْحَكم، أليس عهدُكم بالأمسِ (^٤) إخْوانَكم الذين مُسِخوا قِرَدةً وخَنازيرَ! لا تُلاعِنوا. فانتهوا (^٥).\n\n<span id=\"aya-357\"></span><span data-type='title' id=toc-1332>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لأهلِ الكتابِ، وهم أهلُ التوراةِ والإنجيل: ﴿تَعَالَوْا﴾: هَلُمُّوا ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾. يعنى: إلى كلمةٍ عَدْلٍ\n_________\n= والنسائي (١١٠٦١ - كبرى)، وأبو يعلى (٢٦٠٤) من طريق عبيد الله به، وأخرجه أحمد ٤/ ٩٨ (٢٢٢٥) من طريق عبد الكريم به.\n(^١) في ص، ت ١: \"أبو كريب\".\n(^٢) سقط من: م، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في س: \"فاطمة وابنها\".\n(^٤) بعده في س: \"من\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٩، ٤٠ إلى المصنف.","vol":"5","page":473},{"text":"بينَنا وبينَكم. والكلمةُ العَدْلُ هي أن نُوَحِّدَ (^١) الله فلا نَعْبُدَ (^٢) غَيرَه، ونَبْرَأ (^٣) مِن كُلِّ معبودٍ سواه، فلا نُشْرِكَ (^٤) به شيئًا.\nوقولُه: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا﴾. يقولُ: ولا يَدِينُ بعضُنا لبعضٍ بالطاعةِ فيما أمَر به مِن مَعاصِى اللهِ، ويُعَظِّمُه بالسجودِ له، كما يَسْجُدُ لربِّه، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾. يقولُ: فإن أعْرَضوا عما دعَوْتَهم إليه مِن الكلمةِ السواءِ التي أمَرْتُك بدعائِهم إليها، فلم يُجِيبوك إليها، ﴿فَقُولُوا﴾ أيها المؤمنون (^٥) للمُتَوَلِّين عن ذلك: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مَن نزَلَت فيه هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزلَت في يهودِ بني إسرائيلَ الذين كانوا حوالَىْ مدينةِ رسولِ اللهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1333>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن نبيَ اللهِ ﷺ دعا يهودَ أهلِ المدينةِ إلى الكلمةِ السَّواءِ، وهم الذين حاجُّوا في إبراهيمَ (^٦).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ دعا اليهودَ إلى الكلمةِ (^٧) السَّواءِ (٦).\n_________\n(^١) في ص، ت:١: \"يوحد\"، وفى س: \"توحد\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"يعبد\".\n(^٣) في ص: \"تتبرأ\"، وفى ت ١: \"يبرأ\". وفى س: \"تبرأ\".\n(^٤) في ت:١: \"يشرك\"، وفى س: \"تشرك\".\n(^٥) بعده في س: \"فقولوا\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٠ إلى المصنف.\n(^٧) في ص، م، ت ٢ ت ٣: \"كلمة\".","vol":"5","page":474},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: بلَغَنا أن النبيَّ ﷺ دعا يهودَ أهلِ المدينةِ إلى ذلك، فأبَوْا عليه، فجاهَدَهم. قال: دعاهم إلى قولِ اللهِ ﷿: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم﴾ الآية (^١).\nوقال آخَرون: بل نَزَلَت في الوفدِ مِن نصارَى نَجْرانَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1334>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم﴾ الآية إلى قولِه: ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. قال: فدعاهم إلى النَّصَفِ، وقطَع عنهم الحُجَّةَ. يعنى وفد نَجْرانَ (^٢).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ثم دعاهم رسولُ اللهِ ﷺ يعنى الوفدَ من نصارَى نَجْرانَ - فقال: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: ثنا ابن زيدٍ، قال: قال - يعني جلّ ثناؤُه -: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ في عيسى - على ما قد بيَّناه فيما مضَى (^٤) - قال: فأبَوْا - يعنى الوفدَ مِن نَجْرانَ - فقال: ادْعُهم إلى أَيْسَرَ مِن هذا، قُلْ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٩ (٣٦٢٨) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج بنحوه.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٠ (٣٦٣١) من طريق سلمة عن ابن إسحاق قوله.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٠ إلى المصنف.\n(^٤) ينظر الأثر المتقدم في ص ٤٦٢، ٤٦٣.","vol":"5","page":475},{"text":"﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم﴾. فقَرأ حتى بلَغ ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فأبَوْا أن يَقْبَلوا هذا ولا الآخَرَ.\nوإنما قلنا: عنَى بقولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ أهلَ الكتابَيْن؛ لأنهما جميعًا مِن أهِل الكتابِ، ولم يَخْصُصْ جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ بعضًا دونَ بعضٍ، فليس بأن يَكونَ مُوَجَّهًا ذلك إلى أنه مقصودٌ به أهلُ التوراهِ بأولى منه بأن يَكونَ مُوَجَّهًا إلى أنه مقصودٌ به أهلُ الإنْجيلِ، ولا أهل الإنجيلِ بأولى أن يكونوا مَقْصودين به دونَ غيرِهم مِن أهلِ التوراةِ. وإذ لم يَكُنْ أحدُ الفريقين بذلك أولى مِن الاخَرِ؛ لأنه لا دلالةَ على أنه المخصوصُ بذلك من الاخرِ، ولا أثرَ صحيحٌ، فالواجبُ أن يكونَ كلُّ كتابيٍّ معنيًا به؛ لأن إفرادَ العبادةِ للهِ وحدَه، وإخلاصَ التوحيدِ له، واجبٌ على كلِّ مأمورٍ مَنْهيٍّ (^١) من خَلْقِ اللهِ، واسمُ (^٢) أهلِ الكتابٍ يلزَمُ (^٣) أهلَ التواةِ وأهلَ الإنجيلِ، فكان معلومًا بذلك أنه عُنِى به الفريقان جميعًا.\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿تَعَالَوْا﴾ فإنه: أقْبِلوا وهَلُمُّوا. وإنما هو \"تَفاعَلوا\" مِن العلوِّ، فكان القائلَ لصاحبِه: تعالَ إليَّ. قائلٌ (^٤): تَفاعَل. مِن العُلُوِّ، كما يقالُ: تَدانَ منى من الدُّنُوِّ، وتَقارَبْ منى. مِن القربِ.\nوقولُه: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ فإنها الكلمهُ العَدْلُ. والسواءُ مِن نعتِ \"الكلمةِ\".\nوقد اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ إتباعِ ﴿سَوَاءٍ﴾ في الإعرابِ \"الكلمة\"،\n_________\n(^١) بعده في س: \"عنه\".\n(^٢) سقط من: م، وفى ص، ت ١، ت ٣، س: \"أنتم\"، وهو غير واضح في ت ٢ والصواب ما أثبتنا.\n(^٣) في م: \"يعم\".\n(^٤) في م: \"فإنه\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فإنك\".","vol":"5","page":476},{"text":"وهو اسمٌ لا صفةٌ؛ فقال بعضُ نحويى البصرةِ: جُرَّ ﴿سَوَاءٍ﴾؛ لأنها مِن صفةِ الكلمةِ، وهى العدلُ، وأراد مُسْتَويةً. قال: ولو أراد اسْتِواءً كان النصبُ، وإن شاء أن يَجْعَلَها على الاستواءِ ويَجُرَّ جاز، ويَجْعَلَهُ مِن صفةِ الكلمةِ، مثلَ الخَلْقِ؛ لأن الخلقَ هو المخلوقُ، والخلق قد يكونُ صفةً واسمًا، ويَجْعَلُ الاستواءَ مثلَ المُسْتَوِى، قال ﷿: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]. لأن السَّواءَ للآخِرِ، وهو اسمٌ ليس بصفةٍ، فيُجْرَى على الأولِ، وذلك إذا أراد به الاسْتِواءَ، فإن أراد به مُسْتَوِيًا جاز أن يُجْرَى على الأولِ. والرفعُ في ذا المعنى جيِّدٌ؛ لأنها لا تُغيَّرُ عن حالِها، ولا تُثَنَّى، ولا تُجْمَعُ، ولا تُؤَنَّثُ، فَأَشْبَهَت الأسماءَ التي هي مثلُ عَدْلٍ ورضًى وجُنُبٍ، وما أشْبَهَ. ذلك، وقالوا - (أن نجعلَهم كالذين آمنوا وعمِلوا الصالحات سواءٌ محياهم ومماتُهم) (^١) -: فالسواءُ للمَحْيا، والمماتُ بهذا (^٢) المبتدأُ.\nوإن شئْتَ أَجْرَيْته على الأولِ، وجَعَلْتَه صفةً مُقَدَّمةً، كأنها مِن سببِ الأولِ، فجَرَت عليه، وذلك إذا جَعَلْتَه في معنى مُسْتَوٍ. والرفعُ وجهُ الكلامِ كما فسَّرْتُ لك.\nوقال بعضُ نحويى الكوفةِ: ﴿سَوَاءٍ﴾: مصدرٌ وُضِع مَوْضِعَ الفعلِ (^٣)، يعنى موضعَ مُتساويةٍ ومتساوٍ؛ فمرةً يَأتى على الفعلِ، ومرةً على المصدرِ، وقد يقالُ في ﴿سَوَاءٍ﴾ بمعنى عَدْلٍ: سِوًى وسُوًى. كما قال جل ثناؤُه: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨]. وسُوىً يُرادُ به عدْلٌ ونَصَفٌ بيننا وبينَك. وقد رُوِى عن ابن مسعودٍ أنه كان\n_________\n(^١) تأتى هذه القراءة عند تفسير الآية ٢١ من سورة الجاثية.\n(^٢) في س: \"فهذا\".\n(^٣) يعنى بالفعل هنا الوصف المشتق مثل فاعل ومفعول. ينظر مصطلحات النحو الكوفي ص ٥٢.","vol":"5","page":477},{"text":"يَقْرَأُ ذلك: (إلى كلمةٍ عَدْلٍ بينَنا وبينَكم) (^١).\nوبمثلِ الذي قْلنا في تأويلِ قولِه: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [وأَن] (^٢) السواءَ هو العدلُ، قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1335>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾: عَدْل بينَنا وبينَكم، ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ الآية (^٣).\nحدَّثني المثنى: قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾. بمثلِه (^٤).\nوقال آخرون: هو قولُ لا إلهَ إلا اللهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1336>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: قال أبو العاليةِ: كلمةُ السواءِ لا إلهَ إلا اللهُ (^٥).\n_________\n(^١) هذا قول الفراء في معاني القرآن ١/ ٢٢٠ ونسب هذه القراءة إلى ابن مسعود. وينظر المحرر الوجيز ٢/ ٤٥٤.\n(^٢) في م: \"بأن\"، وفي ت ١، س: \"فإن\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٠ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) في ص، ت ١: \"الآية\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٠ (٣٦٣٢) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٦٩ (٣٦٢٩) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"5","page":478},{"text":"وأما قولُه: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾. فإن \"أن\" في موضعِ خفضٍ، على معنى: تعالَوْا إِلى أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا الله.\nوقد بيَّنا معنى \"العبادةِ\" في كلامِ العربِ فيما مضَى، ودلَّلْنا على الصحيحِ مِن معانِيه بما أغنى عن إعادتِه (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا﴾. فإن اتخاذَ بعضهم بعضًا (^٢) ما كان بطاعةِ الأتْباعِ الرؤساءَ فيما أمَروهم به مِن مَعاصِي اللهِ، وَتَرْكِهِم مَا نَهَوْهم عنه مِن طاعةِ اللهِ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: ٣١].\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، يقولُ: لا يُطِعْ بعضُنا بعضًا في معصيةِ اللهِ، ويقالُ: إنّ تلك الربوبيةَ أن يُطِيعَ الناسُ سادتَهم وقادتَهم في غيرِ عبادةٍ، وإنْ لم يُصَلُّوا لهم (^٣).\nوقال آخَرون: اتخاذُ بعضِهم بعضًا أربابًا سجودُ بعضِهم لبعضٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1337>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ (^٤)، عن الحكمِ بن\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ١٥٩، ١٦٠.\n(^٢) بعده في م: \"هو\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٠ إلى المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٠ (٣٦٣٤) من طريق ابن ثور عن ابن جريج مقتصرًا على آخره.\n(^٤) في س: \"عمرو\".","vol":"5","page":479},{"text":"أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. قال: سجودُ بعضِهم لبعضٍ (^١).\nوأما قولُه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. فإنه يعْنى: فإن توَلَّى الذين تَدْعُونهم إلى الكلمةِ السواءِ عنها وكفَروا، فقولوا أنتم أيُّها المؤمنون لهم: اشْهَدوا علينا بأنّا بما تولَّيْتُم عنه؛ مِن توحيدِ اللهِ، وإخلاصِ العُبودةِ له، وأنه الإلهُ الذي لا شَريكَ له، ﴿مُسْلِمُونَ﴾، يعني: خاضِعون للهِ به، مُتَذَلِّلون له بالإقرارِ بذلك، بقلوبِنا وألسنتِنا.\nوقد بيَّنا معنَى \"الإسلامِ\" فيما مضَى، ودلَّلْنا عليه بما أغْنَى عن إعادتِه (^٢).\n\n<span id=\"aya-358\"></span><span data-type='title' id=toc-1338>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: يا أهلَ التوراةِ والإنجيلِ. ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ﴾: لم تُجادِلون ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ﴾، وتُخاصِمون فيه؟ يعني: في إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ صلواتُ اللهِ عليه.\nوكان حِجاجُهم فيه ادِّعاءَ كلِّ فريقٍ مِن أهلِ هذين الكتابين أنه كان منهم، وأنه كان يَدِينُ دينَ أهلِ نِحْلته (^٣)، فعابَهم اللهُ ﷿ بادِّعائِهم ذلك، ودلَّ على مُناقضتِهم ودَعْواهم، فقال: وكيف تَدَّعون أنه كان على ملَّتِكم ودينِكم، و(^٤) دينُكم إما يهوديةٌ أو نصرانيةٌ، واليهوديُّ منكم يَزْعُمُ أَن دينَه إقامةُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٠ (٣٦٣٥) من طريق حفص بن عمر به.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٤٣٢.\n(^٣) في س: \"ملته\".\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أما\"، وبعده في س: \"ما\".","vol":"5","page":480},{"text":"التوراةِ والعملُ بما فيها، والنصرانيُّ منكم يَزْعُمُ أن دينَه إقامةُ الإنجيلِ وما فيه، وهذان (^١) كتابان لم يَنْزِلا إلا بعدَ حينٍ مِن مَهْلِكِ إبراهيمَ ووفاتِه، فكيف يَكونُ منكم (^٢)؟ فما (^٣) وجهُ اخْتِصامِكم فيه، وادِّعائكم أنه منكم، والأمرُ فيه على ما قد علِمْتُم؟\nوقيل: نزَلَت هذه الآيةُ في اختصامِ اليهودِ والنصارَى في إبراهيمَ، وادِّعاءِ كلِّ فريقٍ منهم أنه كان منهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1339>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: اجْتَمَعَت نصارَى نَجْرانَ وأخبارُ يهودَ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، فَتَنازَعُوا عندَه، فقالت الأحبارُ: ما كان إبراهيمُ إلّا يهوديًّا. وقالت النصارَى: ما كان إبراهيمُ إلا نصرانيًّا. فأنْزَل اللهُ ﷿ فيهم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. قالت النصارى: كان نصرانيًّا. وقالت اليهودُ: كان يهوديًّا. فأَخْبَرَهم اللهُ أن التوارةَ والإنجيلَ [إِنما أُنْزِلا] (^٤) من بعده، وبعدَه كانت اليهوديةُ والنصرانيّةُ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"هذا\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منهم\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أما\".\n(^٤) في م: \"ما أنزلا إلا\".\n(^٥) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥٣، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٥/ ٣٨٤ من طريق يونس بن بكير به بأطول مما هنا.","vol":"5","page":481},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾. يقولُ: لم تُحاجُّون في إبراهيمَ وتَزْعُمون أنه كان يهوديًّا أو نصرانيًّا، ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ - فكانت اليهوديةُ بعدَ التوراةِ، وكانت النصرانيةُ بعدَ الإنجيلِ - ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (^١)؟\nوقال آخَرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ في دَعْوَى اليهود إبراهيمَ أنه منهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1340>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ دعا يهودَ أهلِ المدينةِ إلى كلمةِ السواءِ، وهم الذين حاجُّوا في إبراهيمَ، [وزعَمُوا أنه مات] (^٢) يهوديًّا، فأكْذَبَهم اللهُ ﷿، ونفاهم منه، فقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤١ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ٤٥٦، والبحر المحيط ٢/ ٤٨٢.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤١ إلى المصنف.","vol":"5","page":482},{"text":"إِبْرَاهِيمَ﴾. قال: اليهودُ (^١)، برَّأَه (^٢) اللهُ ﷿ منهم (^٣) حينَ ادَّعَى كلُّ أمةٍ أنه منهم، وألْحَق به المؤمنين مَن كان مِن أهلِ الحَنِيفيةِ (^٤).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\nوأما قولُه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. فإنه يعْنى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أفلا (^٥) تَفْقَهون (^٦) خطأَ قِيلِكم: إنّ إبراهيمَ كان يهوديًّا أو نصرانيًّا، وقد علِمْتُم أن اليهوديةَ والنصرانيةَ حدَثَت مِن بعدِ مَهْلِكه بحينٍ؟\n\n<span id=\"aya-359\"></span><span data-type='title' id=toc-1341>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ها أنتم (^٧) القومُ الذين خاصَمْتُم وجَادَلْتُم ﴿فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ مِن أَمرِ دينِكم الذي وجدتمُوه في كُتبِكم، وأتتكم به رسلُ اللهِ من عندِه، ومن غيرِ ذلك ممّا أوتيتُمُوه وثبَتت عندَكم صحَّتُه، ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ﴾ يقولُ: فلم تجادلَون وتُخاصمُون ﴿فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، يعني: في (^٨) الذي لا علمَ\n_________\n(^١) بعده في م، ومصدرى التخريج: \"والنصارى\". والمصنف إنما ذكر هذا الأثر والأثر قبله في ذكر من قال: إن الآية نزلت في اليهود، وعلى إثباتها لا يكون فرق بين هذا القول والقول قبله.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣، س: \"برأهم\".\n(^٣) في ص، ت ٢، ت ٣، س: \"منه\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧١ (٣٦٣٨) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤١ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) سقط من: ص م، ت ١، س.\n(^٦) سقط من: س، وفى ص: \"تتفقهون\".\n(^٧) بعده في م: \"هؤلاء\".\n(^٨) سقط من: م.","vol":"5","page":483},{"text":"لكم به من أمر إبراهيمَ ودينِه، ولم تَجِدُوه في كتبِ اللهِ، ولا أتَتْكم به أنبياؤُكم، ولا شاهَدتُموه فتعْلَموه.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: أمّا الذي لهم به علمٌ، فما حُرِّم عليهم وما أمِروا به، وأمّا الذي ليس لهم به علمٌ، فشأنُ إبراهيمَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾. يقولُ: فيما شهِدتُم، ورأيتُم، وعاينتُم، ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، فيما لم تُشاهِدوا، ولم تَرَوا، ولم تُعايِنوا، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٣).\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: واللهُ يعلَمُ ما غاب عنكم فلم تُشاهِدُوه ولم تَرَوْه، ولم تَأْتِكم به رسلُه، مِن أمرِ إبراهيمَ وغيرِه مِن الأمورِ ومما تُجادِلون فيه؛ لأنه لا يَغِيبُ عنه شيءٌ، ولا يعزُبُ عنه علمُ شيء في السماواتِ ولا في الأرضِ، وأنتم لا تعلَمُون مِن ذلك إلا ما عايَنْتُم فشاهَدتم، أو أدْرَكتم علمَه بالإخبارِ والسَّماعِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٢ (٣٦٤٣، ٣٦٤٦) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤١ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٢ (٣٦٤٢) من طريق ابن أبي جعفر به من قول أبي العالية.","vol":"5","page":484},{"text":"<span id=\"aya-360\"></span><span data-type='title' id=toc-1342>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾.</span>\nوهذا تكذيبٌ من اللهِ ﷿ دَعْوَى الذين جادَلُوا في إبراهيمَ ومَلَّتِه من اليهودِ والنصارَى، وادَّعَوْا أنه كان على ملتِهم، وتَبْرِئَةٌ (^١) لهم منه، وأنهم لدينِه مُخالفون، وقَضاءٌ منه (^٢) ﷿ لأهلِ الإسلامِ ولأمةِ محمدٍ ﷺ أنهم هم أهلُ دينِه، وعلى مِنْهاجِه وشَرائعِه، دونَ سائرِ أهلِ المللِ والأدْيانِ غيرِهم.\nيقولُ اللهُ ﷿: ما كان إبراهيمُ يهوديًّا ولا نصْرانيًّا، ولا (^٣) كان مِن المشركين الذين يعبُدون الأوثانَ والأصنامَ، أو (^٤) مخلوقًا دونَ خالقِه الذي هو إلهُ الخلقِ وبارئُهم، ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا﴾. يعنى: متَّبِعًا أمرَ اللهِ وطاعتَه، مستقيمًا على محجَّةِ الهُدَى التي أُمِر (^٥) بلزومِها، ﴿مُسْلِمًا﴾. يعنى: خاشعًا للهِ بقلبِه، متذلِّلًا له بجوارحِه، مُذعنًا لما فرَض عليه وأَلْزَمه مِن أحكامِه.\nوقد بيَّنا اختلافَ أهلِ التأويلِ في معنَى الحنيفِ فيما مضَى، ودلَّلْنا على القولِ الذي هو أولَى بالصحةِ مِن أقوالِهم، بما أغْنى عن إعادتِه [في هذا الموضعِ] (^٦).\nوبنحوِ ما قُلنا في ذلك مِن التأويلِ قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"تنزيه\". وكتب فوقها في ص: \"ط\".\n(^٢) في س: \"لله\".\n(^٣) في م، ت ١، س: \"لكن كان حنيفا مسلما وما\".\n(^٤) في ص، ت ٢، ت ٣، س: \"أن\".\n(^٥) بعده في ت ٢، ت ٣: \"الله\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، س. وينظر ما تقدم في ٢/ ٥٩١ - ٥٩٤.","vol":"5","page":485},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1343>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ الواسطيُّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودَ، عن عامرٍ، قال: قالت اليهودُ: إبراهيمُ على ديننِا. وقالت النصارى: هو على دينِنا. فأنزل اللهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ الآية. فأكْذَبَهم اللهُ، وأدْحَض حُجّتَهم. يعنى اليهودَ الذين ادَّعَوْا أن إبراهيمَ مات يهوديًّا (^١).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٢).\nحدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: أَخْبَرَني يعقوبُ بن عبدِ الرحمنِ الزهريُّ، عن موسى بن عُقْبَةَ، عن سالمِ بن عبدِ اللهِ - لا أُراه إلا يُحَدِّثُه عن أبيه - أن زيدَ بنَ عمرِو بن نُفَيلٍ خرَج إلى الشامِ يسألُ عن الدينِ ويَتْبَعُه، فلقِى عالمًا من اليهودِ، فسأله عن دينِه، وقال: إنى لعلِّى أن أدِينَ دينَكم، فأخبِرْني عن دينِكم. فقال له اليهوديُّ: إنك لن تَكونَ على دينِنا حتى تأخُذَ بنصيبِك مِن غضبِ اللهِ. قال زيدٌ: ما أَفِرُّ إلا من غضبِ اللهِ، ولا أَحْمِلُ مِن غضبِ اللهِ شيئًا أبدًا، وأنا (^٣) أستطيعُ، فهل تدُلُّني على دينٍ ليس فيه هذا؟ قال: ما أعلَمُه إلا أن يكونَ (^٤) حَنِيفًا. قال: وما الحنيفُ؟ قال: دينُ إبراهيمَ، لم يَكُ يهوديًّا ولا نصرانيًّا، وكان لا يعبُدُ إلا الله. فخرَج من عندِه، فلقِى عالمًا من النصارَى، فسأَله عن دينِه،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤١ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٣ (٣٦٤٩) من طريق ابن أبي جعفر به من قول أبي العالية.\n(^٣) بعده في م، ت ١، س: \"لا\".\n(^٤) في م، ت ١: \"تكون\".","vol":"5","page":486},{"text":"فقال: إِنّى لعلِّى أن أدِينَ دينَكم، فأخبرْني عن دينِكم. قال: إنك لن تكونَ على دينِنا حتى تأخُذَ بنصيبِك من لعنةِ اللهِ. قال: لا أحتمِلُ من لعنةِ اللهِ شيئًا، ولا من غضبِ اللهِ شيئًا أبدًا، وأنا (^١) أستطيعُ، فهل تَدُلُّنى على دينٍ ليس فيه هذا؟ فقال له [نحوَ ما] (^٢) قاله اليهوديُّ: لا أعلَمُه إلا أن يكونَ (^٣) حَنيفًا. فخرَج مِن عندِهم (^٤) وقد رضِى الذي أخبراه والذي اتَّفقا عليه مِن شأنِ إبراهيمَ، [فلم يزلْ رافعًا يديْه إلى اللهِ] (^٥)، وقال: اللَّهمَّ إنى أُشْهِدُك أني على دينِ إبراهيمَ (^٦).\n\n<span id=\"aya-361\"></span><span data-type='title' id=toc-1344>القول في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ﴾: إن أحقَّ الناسِ بإبراهيمَ ونُصْرتِه وولايتِه، ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾، يعني: الذين سلَكوا طريقَه ومنهاجَه، فوحَّدوا الله مخلِصينَ له الدينَ، وسنُّوا سنّتَه (^٧)، وشرَعوا شرائعَه، وكانوا للهِ حُنفاءَ\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، س: \"لا\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نحو مما\"، وفى م: \"نحوا مما\".\n(^٣) في م، ت ١: \"تكون\".\n(^٤) في م: \"عنده\".\n(^٥) في صحيح البخاري: \"فلما برز رفع يديه\". وفى تاريخ دمشق: \"فلما توفى رفع يديه\".\n(^٦) أخرجه البخارى (٣٨٢٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٩/ ٥٠٣ من طريق موسى بن عقبة به. وبعده في ص: \"يتلوه القول في تأويل قوله ﷿ ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. والحمد لله على (؟!) محمد وآله وسلم.\nبسم الله الرحمن الرحيم، رب يسر، أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان، قال: حدَّثنا محمد بن جرير الطبري\".\nوبعده في ت ٢، ت ٣، س: \"بسم الله الرحمن الرحيم، أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان، قال: حدَّثنا محمد بن جرير الطبري\" ويظهر من هذا أن الراوى للقسم المقبل من التفسير رجل آخر غير أبي محمد الفرغاني وينظر ترجمتهما في ١/ ٣٧، ٣٩ من المقدمة.\n(^٧) في م: \"سننه\".","vol":"5","page":487},{"text":"مسلمين، غيرَ مشركين به، ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ يعني محمدًا ﷺ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، يعني: والذين صدَّقوا محمدًا وبما جاءَهم به مِن عندِ اللهِ، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يقولُ: واللهُ ناصرُ المؤمنين بمحمدٍ، المُصَدِّقِين له في نبوَّتِه وفيما جاءَهم (^١) به مِن عندِه، على مَن خالَفهم مِن أهلِ المللِ والأدْيانِ.\nوبمثلِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1345>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾. يقولُ: الذين اتَّبَعوه على ملتِه وسنتِه ومنهاجِه وفطرتِه، ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ وهو نبيُّ اللهِ محمدٌ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ معه، وهم المؤمنون الذين صدَّقوا نبيَّ اللهِ واتَّبَعوه. كان محمدٌ رسولُ اللهِ ﷺ والذين معه من المؤمنين أولَى الناس بإبراهيمَ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع مثلَه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى وجابرُ بنُ الكُرْديِّ والحسنُ بنُ أبى يحيى المَقْدسيُّ، قالوا: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبيه، عن أبي الضُّحَى، عن مَسْروقٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إن لكلِّ نبيٍّ وُلاةً مِن النَّبِيِّين، وإن\n_________\n(^١) في س: \"جاء\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٤، ٦٧٥ (٣٦٥٨، ٣٦٥٩، ٣٦٦١) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"5","page":488},{"text":"وَلِيِّيَ منهم أبى (^١) وخليلُ ربِّي\". ثم قرَأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبيه، عن أبي الضُّحَى، عن عبدِ اللهِ، أَرَاه قال: عن النبيِّ ﷺ. فذكَر نحوَه (^٣).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: يقولُ اللهُ سبحانَه: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ (^٤).\n\n<span id=\"aya-362\"></span><span data-type='title' id=toc-1346>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩)﴾.</span>\nيعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَدَّتْ﴾: تمَنَّت، ﴿طَائِفَةٌ﴾ يعني: جماعةٌ، ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، وهم أهلُ التوراةِ من اليهودِ، وأهلُ الإنجيلِ من النصارَى، ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾، يقولُ: لو يَصُدُّونكم أيُّها المؤمنونَ عن الإسلامِ، ويَرُدُّونكم عنه إلى ما هم عليه من الكفرِ، فيُهْلِكونكم بذلك.\nوالإضلالُ في هذا الموضعِ الإهلاكُ، من قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا\n_________\n(^١) بعده في س: \"بكر\".\n(^٢) أخرجه البزار في مسنده (١٩٧٣) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه الترمذى (٢٩٩٥)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٠٠٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره (تحقيق حكمت بشير ياسين) ٢/ ٣٢٦، ٣٢٧ (٧٣١) ٢/ ٣٢٦، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٦/ ٢٢١ من طريق أبي أحمد به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٩٢، ٥٥٣ من طريق سفيان به.\n(^٣) أخرجه الترمذى عقب (٢٩٩٥) من طريق أبي نعيم به، وأخرجه أحمد ٦/ ٣٤٨ (٣٨٠٠)، ٧/ ١٦٧ (٤٠٨٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٤ (٣٦٥٦)، والواحدى في أسباب النزول ص ٧٩، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٦/ ٢٢١ من طريق سفيان به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٤ (٣٦٥٧)، من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"5","page":489},{"text":"ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]. يعنى: إذا هلَكْنا. ومنه قولُ الأخْطَلِ في هجاءِ جَريرٍ (^١):\nكنتَ القَذَى في موجِ أَكْدَرَ مُزْيدٍ … قذَف الأَتِيُّ به فضَلَّ ضَلَالًا\nيعني: هلَك هَلاكًا. وقولُ نابغةِ بنى ذُبْيانَ (^٢):\nفآبَ مُضِلُّوه بعَيْنٍ جَلِيَّةٍ (^٣) … وغُودِر بالجَوْلانِ (^٤) حَزْمٌ ونائلُ\nيعني: مُهْلِكوه.\n﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾: وما يُهْلِكون - بما يَفْعَلُون من محاولتِهم صدَّكم عن دينِكم - أحدًا غير أنفسِهم. يعنى بـ ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ تُبَّاعَهم (^٥) وأشياعَهم على ملتِهم وأديانِهم. وإنما أهْلَكوا أنفسَهم وتُبَّاعَهم (^٥) بما حاوَلوا مِن ذلك؛ لاسْتِيجابِهم مِن اللهِ بفعلِهم ذلك سخَطَه، واسْتحقاقِهم به غضبَه ولعنتَه؛ لكفرِهم باللهِ، ونقضِهم الميثاقَ الذي أخَذ اللهُ (^٦) عليهم في كتابِهم، في اتِّباعِ محمدٍ ﷺ وتصديقِه، والإقرارِ بنبوَّتِه. ثم أخْبَر جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم يفعَلون ما يفعَلون، مِن مُحاولةِ صدِّ المؤمنين عن الهدى إلى الضلالةِ والرَّدَى، على جهلٍ منهم بما اللهُ بهم مُحِلٌّ مِن عقوبتِه، ومُدَّخِرٌ لهم مِن أليمِ عذابِه، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم لا يُضِلُّون إلا أنفسَهم، [في محاولتِهم] (^٧) إضْلالَكم أيُّها المؤمنون.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٢/ ٤١٦.\n(^٢) ديوانه ص ١١٩.\n(^٣) جلية الأمر: حقيقته. اللسان (ج ل ى) والبيت فيه.\n(^٤) الجولان: جبل من نواحى دمشق، من عمل حوران. معجم البلدان ٢/ ١٥٩.\n(^٥) في م: \"أتباعهم\".\n(^٦) سقط من: ص، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) في م: \"بمحاولتهم\".","vol":"5","page":490},{"text":"ومعنى قولِه: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: وما يَدْرُون ولا يَعْلَمون.\nوقد بيّنّا تأويلَ ذلك بشواهدِه في غيرِ (^١) هذا الموضعِ، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه (^٢).\n\n<span id=\"aya-363\"></span><span data-type='title' id=toc-1347>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾، من اليهودِ والنصارَى، ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: لم تَجْحَدون، ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. يعني: بما في كتابِ اللهِ الذي أنْزَله إليكم على ألسنِ أنبيائِكم من آيه وأدلَّته، ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أنه حقٌّ مِن عندِ ربِّكم!\nوإنما هذا مِن اللهِ ﷿ تَوبيخٌ لأهلِ الكتابَيْن على كفرِهم بمحمدٍ ﷺ وجُحودِهم نبوَّتَه، وهم يَجِدونه في كتبِهم، مع شهادتِهم أنّ ما في كتبِهم حقٌّ، وأنه من عندِ اللهِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. يقولُ: تَشْهَدون أن نعتَ محمدٍ نبيِّ اللهِ ﷺ في كتابِكم، ثم تَكْفُرون به وتُنْكرونه ولا تُؤْمِنون به، وأنتم تَجِدونه مكتوبًا عندَكم في التوراةِ والإنجيلِ، النبيَّ الأميَّ الذي يُؤْمِنُ باللهِ وكلماتِه (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٨٥، ٢٨٦.\n(^٣) يشير إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ =","vol":"5","page":491},{"text":"حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. يقولُ: تَشْهَدون أن نعتَ محمدٍ في كتابِكم، ثم تَكْفُرون به ولا تُؤْمِنون به، وأنتم تَجِدونه عندَكم في التوراةِ والإنجيلِ؛ النبيَّ الأميَّ (^١).\nحدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: آياتُ اللهِ: محمدٌ، وأما ﴿تَشْهَدُونَ﴾: فيَشْهَدون (^٢) أنه الحقُّ يَجِدونه (^٣) مكتوبًا عندَهم (^٤).\n[حدَّثنا القاسمُ، قال] (^٥): حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أن الدينَ عِندَ الله الإسلامُ، ليس للهِ دينٌ غيرُه (^٦).\n\n<span id=\"aya-364\"></span><span data-type='title' id=toc-1348>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾.</span>\nيعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا أهلَ التوراةِ والإنجيلِ، ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ﴾. يقولُ: لِمَ تَخْلِطُونَ ﴿الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. وكان خَلْطُهم الحقَّ بالباطلِ إظهارَهم بألسنتِهم مِن\n_________\n= وَالْإِنْجِيلَ﴾ الآية ١٥٧ من سورة الأعراف.\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٢ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٦، ٦٧٧ (٣٦٦٩) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) في ت ١، س، وتفسير ابن أبي حاتم: \"فتشهدون\".\n(^٣) في ت ١، س: \"تجدونه\".\n(^٤) في س: \"عندكم\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٦ (٣٦٦٦، ٣٦٦٨) من طريق أحمد به.\n(^٥) سقط من النسخ، وتقدم هذا الإسناد كثيرًا، وسيأتي على الصواب بعد قليل.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٧ (٣٦٧٢) من طريق ابن ثور، عن ابن جريح.","vol":"5","page":492},{"text":"التصديقِ بمحمدٍ ﷺ وما جاء به من عندِ اللهِ، غيرَ الذي في قلُوبِهم مِن اليهوديةِ والنَّصْرانيةِ.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ الصَّيْفِ، وعديُّ بنُ زيدٍ، والحارثُ بنُ عوفٍ، بعضُهم لبعضٍ: تعالَوْا نؤمنْ بما أُنْزِل على محمدٍ وأصحابِه غُدْوةً، ونكفُرْ به عشيَّةً، حتى نَلبِسَ عليهم دينَهم، لعلَّهم يصنَعون كما نصنَعُ، فيَرْجِعُوا عن دينِهم. فأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فيهم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. يقولُ: لِمَ تَلْبِسُون اليهوديةَ والنصرانيّةَ بالإسلامِ، وقد علِمْتُم أن دينَ اللهِ الذي لا يقبَلُ غيرَه الإسلامُ، ولا يَجْزِى إلا به (^٢).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثلِه، إلا أنه قال: الذي لا يقبَلُ مِن أحدٍ غيرَه الإسلامُ. ولم يقُلْ (^٣): ولا يَجْزِى [إلا به] (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه:\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٧، ٦٧٨ (٣٦٧٥) من طريق سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن أبى محمد قوله. وعزاه السيوطي أيضا في الدر المنثور ٢/ ٤٢ إلى ابن إسحاق وابن المنذر، وفيه: عبد الله بن الضيف. بالضاد المعجمة، وهو رواية في اسمه.\n(^٢) في ص، ت ١: \"للذى\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يقبل\".\n(^٤) في ص: \"الآية\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٧ (٣٦٧٤) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"5","page":493},{"text":"﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾: الإسلامَ باليهوديةِ والنصرانيةِ (^١).\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. قال: الحقُّ: التوراةُ التي أنْزَل اللهُ على موسى، والباطلُ: الذي كتبُوه بأَيديهم (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وقد بيَّنَّا معنى \"اللَّبْسِ\" فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1349>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولم تَكْتُمون يا أهلَ الكتابِ الحقَّ؟ والحقُّ الذي كتَموه: ما في كتبِهم من نعتِ محمدٍ ﷺ ومبعثِه ونبوَّتِه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: كتَموا شأنَ محمدٍ وهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ، يَأْمُرُهم بالمعروفِ ويَنْهاهم عن المنكرِ (^٤).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: يَكْتُمون شأنَ محمدٍ ﷺ، وهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ، يَأْمُرُهم بالمعروفِ ويَنْهاهم عن المنكرِ (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٤٦٣.\n(^٢) المصدر السابق ٢/ ٣٦٢.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٠٥ - ٦٠٧.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٨ عقب الأثر (٣٦٧٦) معلقًا.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٨ عقب الأثر (٣٦٧٦) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"5","page":494},{"text":"حدثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾: الإسلامَ، وأمرَ محمدٍ ﷺ، ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أَن محمدًا رسولُ اللهِ ﷺ، وأن الدينَ الإسلامُ (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فإنه يعنى به: وأنتم تَعْلَمون أن الذي تَكْتُمونه مِن الحقِّ حقٌّ، وأنه مِن عندِ اللهِ.\nوهذا القولُ مِن اللهِ ﷿ خبرٌ عن تَعَمُّدِ أهلِ الكتابِ الكفرَ به، وكتمانِهم ما قد علِموا من نبوةِ محمدٍ ﷺ ووجَدوه في كتبِهم، وجاءَتهم به أنبياؤُهم.\n\n<span id=\"aya-365\"></span><span data-type='title' id=toc-1351>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ المعنى الذي أمَرَت به هذه الطائفةُ مَن أَمَرَت به، من الإيمانِ وَجْهَ النهارِ وكفرٍ (^٢) آخرَه؛ فقال بعضُهم: كان ذلك أمرًا منهم إياهم بتصديقِ النبيِّ ﷺ في نبوتِه، وما جاء به مِن عندِ اللهِ، وأنه حقٌّ في الظاهرِ، مِن غيرِ تصديقِه في ذلك بالعزمِ واعتقادِ القلوبِ على ذلك، وبالكفرِ به، وجُحود ذلك كلِّه في آخرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1350>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾. فقال بعضُهم لبعضٍ: أَعْطُوهم الرضا بدينِهم أولَ النهارِ، واكْفُروا آخرَه، فإنه أجدرُ\n_________\n(^١) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٤٦٣.\n(^٢) في م: \"الكفر\".","vol":"5","page":495},{"text":"أن يُصَدِّقوكم، ويَعْلَموا أنكم قد رأيتم فيهم ما تَكْرَهون، وهو أجدرُ أن يَرْجِعوا عن دينِهم (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مُعَلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. قال: قالت اليهودُ: آمِنوا معَهم أولَ النهارِ، واكْفُروا آخرَه لعلهم يَرْجِعون معَكم (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: كان أخبارُ قُرَى عربيَّةَ (^٣) اثْنَيْ عَشَرَ حبرًا، فقالوا لبعضِهم: ادْخُلوا في دينِ محمدٍ أولَ النهارِ وقولوا: نَشْهَدُ أن محمدًا حقٌّ صادقٌ. فإذا كان آخرُ النهارِ فاكْفُروا وقولوا: إنا رجَعْنا إلى علمائِنا وأخْبارِنا فسأَلْناهم، فحدَّثونا أن محمدًا كاذبٌ، وأنكم لستم على شيءٍ، وقد رجَعْنا إلى دينِنا فهو أعجبُ إلينا مِن دينِكم. لعلهم يَشُكُّون؛ يقولون: هؤلاء كانوا معَنا أولَ النهارِ، فما بالُهم؟ فأخْبَر اللهُ ﷿ رسولَه ﷺ بذلك (^٤).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ الغِفاريِّ، قال: قالت اليهودُ بعضُهم لبعضٍ: أسْلِموا أولَ النهارِ وارْتَدُّوا آخرَه\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٣، بأطول منه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٩ (٣٦٨٢) عن الحسن به ببعضه.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٠٢ - تفسير) عن خالد به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٩ (٣٦٨١) من طريق السندى، عن أبي مالك نحوه.\n(^٣) قرى عربية: قرى بالحجاز معروفة. معجم ما استعجم ٣/ ٩٢٩، ٩٣٠.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٢، ٤٣ إلى المصنف. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (تحقيق حكمت بشير ياسين) ٢/ ٣٣٧ (٧٦٤) من طريق أحمد بن المفضل به. قال: كان أحبار قرى عربية اثنى عشر حبرًا.","vol":"5","page":496},{"text":"لعلهم يَرْجِعون. فأطلَع اللهُ على سرِّهم، فأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخرِ الآيةِ.\nوقال آخرون: بل الذي أمَرَت (^١) به من الإيمانِ الصلاةُ، وحضورُها معهم أولَ النهارِ، وبتركِ (^٢) ذلك آخرَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1352>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾: يهودُ تقولُه، صلَّت مع محمدٍ صلاةَ الصبحِ، وكفَروا آخرَ النهارِ؛ مَكْرًا منهم، ليُرُوا الناسَ أن قد بَدَت لهم منه الضلالةُ بعدَ أن كانوا اتَّبَعوه (^٣).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ بمثلِه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ الآية: وذلك أن طائفةً من اليهودِ قالوا: إذا لقِيتُم أصحابَ محمدٍ ﷺ أولَ النهارِ فآمِنوا، وإذا كان آخرَه فصلُّوا صلاتَكم، لعلهم يقولون: هؤلاء أهلُ الكتابِ، وهم أعلمُ منا. لعلهم ينقلبون عن دينِهم، ولا تُؤْمِنوا إلا لمن تبِع دينَكم (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أمرته\".\n(^٢) في م، س: \"ترك\"، وفي ت ٢: \"نترك\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٥٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٩ (٣٦٨٤).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨٠ (٣٦٨٦، ٣٦٨٩) عن محمد بن سعد به دون قوله: =","vol":"5","page":497},{"text":"فتأويلُ الكلامِ إذن: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. يعنى: من اليهودِ الذين يَقْرَءون التوراةَ: ﴿آمِنُوا﴾: صَدِّقوا، ﴿بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وذلك ما جاءهم به محمدٌ ﷺ مِن الدينِ الحقِّ وشَرائعِه وسننِه، ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾. يعنى: أوَّل النهار.\nوسُمِّى أولُه وجهًا له؛ لأنه أحسنُه، وأولُ ما يُواجِهُ الناظرَ فيراه منه، كما يقالُ لأولِ الثوبِ: وجهُه. وكما قال ربيعُ بنُ زِيادٍ (^١):\nمن كان مَسْرُورًا بمقْتَلِ مالكٍ … فَلْيَأْتِ نِسوتَنا بوَجْهِ نهارِ\nوبنحو الذي قلْنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1353>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾: أوَّلَ النهارِ (^٢).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾: أولَ النهارِ، ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾. يقولُ: آخرَ النهارِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن\n_________\n= ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾.\n(^١) البيت في مجاز القرآن ١/ ٩٧، وحماسة أبي تمام ١/ ٤٩٤.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٣ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٧٩ عقب الأثر (٣٦٨٣) من طريق ابن أبي جعفر به بنحوه مقتصرًا على الجزء الأول، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٣ إلى المصنف.","vol":"5","page":498},{"text":"مُجاهدٍ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾. قال: قالوا (^١): صلُّوا معهم الصبحَ، ولا تُصَلُّوا معهم آخرَ النهارِ، لعلكم تَسْتَزِلُّونهم بذلك.\nوأما قولُه: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾. فإنه يعنى به أنهم قالوا: واجْحَدوا ما صدَّقْتُم به من دينِهم في وجهِ النهارِ، في آخرِ النهارِ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. يعنى بذلك: لعلهم يَرْجِعُون عن دينِهم معكم ويَدَعُونه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. يقولُ: لعلهم يَدَعُون دينَهم، ويَرْجِعون إلى الذي أنتم عليه (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: لعلهم ينقلِبون عن دينِهم (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: لعلهم يَشُكُّون (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن\n_________\n(^١) في النسخ، \"قال\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨٠ عقب الأثر (٣٦٨٩) معلقا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨٠ عقب الأثر (٣٦٩٠) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨٠ (٣٦٨٩) عن محمد بن سعد به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨٠ عقب الأثر (٣٦٨٩) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.","vol":"5","page":499},{"text":"مُجاهِدٍ قولَه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. قال: يرجعون عن دينِهم.\n\n<span id=\"aya-366\"></span><span data-type='title' id=toc-1355>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولا تُصَدِّقوا إلا من تبِع دينَكم فكان يهوديًّا.\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ عن قولِ الطائفةِ الذين قالوا لإخْوانِهم مِن اليهودِ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾.\nواللامُ التي في قولِه: ﴿لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. نظيرةُ اللامِ التي في قولِه: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢]. بمعنى: ردِفَكم (^١).\nوبنحوِ ما قلنا في تأويلِ ذلك، قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1354>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾: هذا قولُ بعضِهم لبعضٍ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ مثلَه (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. قال: لا تُؤْمِنوا إلا لمَن تبِع اليهوديةَ (^٣).\n_________\n(^١) بعده في م: \"بعض الذي تستعجلون\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٢ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨١ (٣٦٩٢) من طريق أحمد بن مفضل به.","vol":"5","page":500},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. قال: لا تُؤْمِنوا إلا لمَن آمَن بدينِكم (^١)؛ من خالَفه، فلا تُؤْمِنوا به.\n\n<span data-type='title' id=toc-1357>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: قولُه: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾. اعتراضٌ (^٢) به في وسطِ الكلامِ، خبرًا (^٣) مِن اللهِ عن أن البيانَ بيانُه، والهدَى هداه. قالوا: وسائرُ الكلامِ بعدَ ذلك مُتَّصلٌ بالكلامِ الأولِ، خبرًا (^٣) عن قِيلِ اليهودِ بعضِها لبعضٍ. فمعنى الكلامِ عندَهم: ولا تُؤْمِنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تُؤْمِنوا أن يُؤْتَى أحدٌ مثل ما أوتيتُم، أو أن يُحاجُّوكم عندَ ربِّكم. أي: ولا تُؤْمِنوا أن يُحاجَّكم أحدٌ عندَ ربِّكم. ثم قال اللهُ ﷿ لنبيِّه ﷺ: قل يا محمدُ: إن الفضلَ بيدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ، وإن الهدَى هدَى اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1356>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾: حسدًا من يهودَ أن تكونَ\n_________\n(^١) بعده في م: \"لا\".\n(^٢) في م: \"اعترض\".\n(^٣) في م: \"خبر\".","vol":"5","page":501},{"text":"النبوةُ في غيرهم، وإرادةَ أن يُتَّبعوا (^١) على دينِهم (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخرون: تأويلُ ذلك: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾: إن البيانَ بيانُ اللهِ. ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾، قالوا: ومعناه: لا يُؤْتَى أَحدٌ مِن الأممِ ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾، كما قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. بمعنى: لا تَضِلُّون. وكقولِه: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الشعراء: ٢٠٠، ٢٠١]. بمعنى: ألا يؤمنوا. ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ يقولُ: مثلَ ما أُوتِيتَ أنت يا محمدُ وأُمَّتُك من الإسلامِ والهدَى، ﴿أَوْ (^٣) يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. قالوا: ومعنى ﴿أَوْ﴾: إلا. أيْ: إلا أن يُحاجُّوكم. يعنى: إلا أن يُجادِلوكم عندَ ربِّكم، عندَ (^٤) ما فعل بهم ربُّكم (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1358>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: قال اللهُ ﷿ لمحمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾. يقولُ: مثلَ ما أُوتِيتُم يا أمةَ محمدٍ. ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾،\n_________\n(^١) في س: \"ينقلبوا\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٥٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨١ (٣٦٩٧).\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أن\".\n(^٤) سقط من: ت ٢، وفى س: \"بمعنى\".\n(^٥) في س: \"وبكم\".","vol":"5","page":502},{"text":"يقولُ (^١) اليهودُ: فعَل اللهُ بنا (^٢) كذا وكذا مِن الكرامةِ، حتى أَنْزَل علينا المنَّ والسَّلْوَى.\nفإن الذي أعْطَيْتُكم (^٣) أفضلُ، فقولوا: ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية (^٤).\nفعلى هذا التأويلِ جميعُ هذا الكلامِ مِن اللهِ [نبيَّه محمدًا] (^٥) ﷺ أن يقولَه لليهودِ، وهو مُتلاصِقٌ (^٦) بعضُه ببعضٍ لا اعْتراضَ فيه. والهُدَى الثاني ردٌّ على الهُدَى الأولِ، ﴿أَنْ﴾ في موضعِ رفعٍ على أنه خبرٌ عن الهدَى.\nوقال آخَرون: بل هذا أمرٌ مِن اللهِ نبيَّه أن يقولَه لليهودِ. وقالوا: تأويلُه: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ مِن الناسِ ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾. يقولُ: مثلَ الذي أُوتِيتُموه أنتم يا معشرَ اليهودِ من كتابِ اللهِ، ومثلَ نبيِّكم، لا تَحْسُدوا المؤمنين على ما أعْطَيْتُهم مثلَ الذي أعْطَيْتُكم مِن فضلى، فإن الفضلَ بيدى أُوتِيه من أَشَاءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1359>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾. يقولُ: لمَّا أنْزَل اللهُ كتابًا مثلَ كتابِكم، وبعَث نبيًّا مثلَ نبيِّكم، حسْدْتُموهم على ذلك، ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ الآية (^٧).\n_________\n(^١) في م، س: \"تقول\".\n(^٢) في س: \"بكم\".\n(^٣) في س: \"أعطيكم\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم مفرقا في تفسيره ٢/ ٦٨١ (٣٦٩٦)، ٢/ ٦٨٢ (٣٦٩٨) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٥) في م: \"لنبيه محمد\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مثل\".\n(^٧) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨٢ عقب الأثر (٣٧٠٠) معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٣ إلى المصنف.","vol":"5","page":503},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^١).\nوقال آخرون: بل (^٢) تأويلُ ذلك: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ أنتم يا معشرَ اليهودِ من كتابِ اللهِ. قالوا: وهذا آخِرُ القولِ الذي أمَر اللهُ به نبيَّنا محمدًا ﷺ أن يقولَه لليهودِ من هذه الآيةِ. قالوا: وقولُه: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ﴾. مردودٌ على قولِه: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾.\nوتأويلُ الكلامِ على قولِ أهلِ هذه المَقالةِ: ولا تُؤْمِنوا إلا لمَن تبع دينَكم فتَتْرُكوا الحقَّ، أن يُحاجُّوكم به عندَ رَبِّكم مَن اتَّبَعْتم دينَه، فأَخْبَرْتُموه (^٣) أنه مُحِقٌّ، وأنكم تَجِدون نعتَه في (^٤) كتابِكم. فيَكونُ حينَئذٍ قولُه: ﴿أَوْ (^٥) يُحَاجُّوكُمْ﴾. مردودًا على جوابِ نهيٍ (^٦) متروكٍ على قولِ هؤلاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-1360>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾. يقولُ: هذا الأمرُ الذي أنتم عليه، ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. قال: قال بعضُهم لبعضٍ: لا تُخبِروهم بما بيَّن اللهُ لكم في كتابِه ليُحاجُّوكم. قال: ليُخاصِموكم به\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨٢ (٣٧٠٠) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فاخترتموه\".\n(^٤) في س: \"من\".\n(^٥) في ص، ت ١: \"أن\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"النهى\".","vol":"5","page":504},{"text":"عند ربِّكم، ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾.\n[قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يكونَ قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾] (^١) مُعْتَرضًا (^٢) به، وسائرُ الكلامِ مُتَّسِقًا (^٣) على سياقِ واحدٍ.\nفيكونُ تأويلُه حينَئذٍ: ولا تُؤْمِنوا إلا لمن تبِع (^٤) دينكم، ولا تُؤْمِنوا أن يُؤْتَى أَحدٌ مثلَ ما أُوتِيتُم. بمعنى: لا يُؤْتَى أحدٌ مثلَ (^٥) ما أُوتِيتُم، ﴿أَوْ (^٦) يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ بمعنى: أو أن يُحاجَّكم (^٧) عندَ ربِّكم أحد بإيمانِكم؛ لأنكم أكْرَمُ على اللهِ منهم، بما فضَّلَكم به عليهم.\nفيكون الكلامُ كلُّه خبرًا عن قولِ الطائفةِ التي قال اللهُ ﷿: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾. سوى قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾. ثم يكونُ الكلامُ (^٨) مُبتدَأً بتكذيبِهم في قولِهم (^٩): ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ للقائلين ما قالوا، مِن الطائفةِ التي وصَفْتُ لك قولَها لتُبَّاعِها مِن اليهودِ: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾. إن التوفيقَ توفيقُ اللهِ، والبيانَ بيانُه، وإن الفضلَ بيدِه يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، لا ما تمَنَّيْتُموه أنتم يا معشرَ اليهودِ.\n_________\n(^١) سقط من النسخ، واستظهرناه من عادة المصنف في تفسيره، ويؤيده ما سيأتي.\n(^٢) في م: \"معترض\".\n(^٣) في م: \"متسق\".\n(^٤) في م: \"اتبع\".\n(^٥) في م: \"بمثل\".\n(^٦) في ص، ت ٢، ت ٣: \"أن\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يحاجوكم\".\n(^٨) بعده في س: \"متنه\".\n(^٩) في س: \"قوله\".","vol":"5","page":505},{"text":"وإنما اخْتَرْنا ذلك مِن سائرِ الأقوالِ التي ذكَرْناها؛ لأنه أصحُّها معنًى، وأحسنُها استقامةً على معنى كلامِ العربِ، وأشدُّها اتساقًا على نَظْمِ الكلامِ وسياقِه، وماعدا ذلك مِن القولِ فانتزاعٌ يَبْعُدُ مِن الصحةِ، على اسْتِكراهٍ شديدٍ للكلامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1361>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء اليهودِ الذين وصَفْتُ (^١) قولَهم لأوليائِهم: ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾. إن (^٢) التوفيقَ للإيمانِ والهدايةَ للإسلامِ بيدِ اللهِ، وإليه دونَكم ودونَ سائرِ خلقِه، ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، من خلقِه، يعني: يُعْطِيه من أراد من عبادِه. تَكْذيبًا مِن اللهِ ﷿ لهم في قولهم لتُبَّاعهم: لا يُؤْتَى أحدٌ (^٣) مثلَ ما أُوتِيتم. فقال اللهُ ﷿ لنبيِّه ﷺ: قل لهم: ليس ذلك إليكم، إنما هو إلى الله الذي بيدِه الأشياءُ كلُّها، وإليه الفضلُ وبيدِه، يُعْطِيهِ مَن يَشَاءُ. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. يعنى: واللهُ ذو سَعَةٍ بفضلِه على مَن يَشَاءُ أَن يَتَفَضَّلَ عليه. ﴿عَلِيمٌ﴾: ذو علمٍ بمَن هو منهم للفضلِ أهلٌ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرَنا ابن المُبارَكِ قراءةً، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال: الإسلامُ (^٤).\n_________\n(^١) بعده في س: \"لك\".\n(^٢) في س: \"أي\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٣ إلى المصنف.","vol":"5","page":506},{"text":"<span id=\"aya-367\"></span><span data-type='title' id=toc-1362>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾.</span>\nيعنى بقولِه: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: \"يفتعل\"، مِن قولِ القائلِ: خصَصْتُ فلانًا بكذا، أخُصُّه به.\nوأما \"رحمته\" في هذا الموضعِ، فالإسلامُ والقرآنُ، مع النبوةِ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال: النبوةُ، يختصُّ (^١) بها مَن يَشَاءُ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال: يختصُّ بالنبوةِ مَن يشاءُ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنَا ابن المبارَكِ قراءةً، عن ابن جريجٍ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال: القرآنُ والإسلامُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ مثلَه.\n﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ: ذو فضلٍ يتفضَّلُ به على مَن أَحَبَّ وشاء مِن خلْقِه. ثم وصَف فضلَه بالعِظَمِ (^٤)، فقال: فضلُه عظيمٌ؛ لأنه غيرُ\n_________\n(^١) في م: \"يخص\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٥٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨٢ (٣٧٠٢).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨٢ عقب الأثر (٣٧٠٢) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) في ت ١، س: \"بالعظيم\".","vol":"5","page":507},{"text":"مُشْبهِه (^١) في عِظَم موقعِه - ممَّن أفْضَلَه (^٢) عليه (^٣) - إفضالُ خلقِه، ولا يُقارِبُه في جَلالةِ خَطَرِه ولا يُدانِيه.\n\n<span id=\"aya-368\"></span><span data-type='title' id=toc-1363>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ ﷿ أن مِن أهلِ الكتابِ - وهم اليهودُ مِن بني إسرائيلَ - أهلَ أمانةٍ يُؤَدُّونها ولا يَخُونُونها، ومنهم الخائنُ أمانتَه، الفاجرُ في يمينِه، المُسْتَحِلُّ.\nفإن قال قائلٌ: وما وجهُ إخبارِ اللهِ ﷿ بذلك نبيَّه ﷺ، وقد علِمْتَ أن الناسَ لم يَزالُوا كذلك، منهم المُؤَدِّى أمانتَه والخائنُها؟\nقِيل: إنما أراد جلّ وعزّ بإخبارِه المؤمنين خبرَهم - على ما بيَّنه في كتابِه بهذه الآياتِ - تحذيرَهم أن يَأْتَمِنوهم على أموالِهم، وتَخْويفَهم الاغْتِرارَ بهم؛ لاسْتِحْلالِ كثيرٍ منهم أموالَ المؤمنين.\nفتأويلُ الكلامِ: ومن أهلِ الكتابِ الذي إن تَأْمَنْه يا محمدُ على عظيمٍ من المالِ كثيرٍ يُؤَدِّه إليك، ولا يَخُنْك فيه، ومنهم الذي إن تَأْمَنْه على دينارٍ يَخُنْك فيه، فلا يُؤَدِّه إليك إلا أن تُلِحَّ عليه بالتَّقاضِي والمطالبةِ.\nوالباءُ في قولِه: ﴿بِدِينَارٍ﴾. و\"علَى\" يَتَعاقَبان في هذا الموضِعِ، هذا كما يقالُ: مرَرْتُ به، ومرَرْتُ عليه.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾؛ فقال بعضُهم: إلا ما دُمْتَ له مُتَقاضيًا.\n_________\n(^١) في م: \"مشبه\".\n(^٢) في ت ١: \"فضله\".\n(^٣) بعده في ص، ت ٢، ت ٣: \"من\".","vol":"5","page":508},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1364>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾: إلا ما طلَبْتَه واتَّبَعْتَه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، قتادةَ في قولِه: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾. قال: تَقْتَضِيه إياه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾. قال: مُواكِظًا (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخرون: معنى ذلك: إلا ما دُمْتَ (^٤) قائمًا على رأسِهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1365>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضّل، قال: ثنا أسْباطُ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨٣ عقب الأثر (٣٧٠٨) معلقًا.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٣.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مواكصا\"، وفى، م، وتفسير مجاهد، ومطبوعة الدر المنثور: \"مواظبا\"، والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم، ونسخة مخطوطة من الدر المنثور، وهو صواب ما في النسخ الأولى عندنا، وواكظ وواظب بمعنى، ينظر النهاية ٥/ ٢٢٠، والتاج (وك ظ)، ونص أن قول مجاهد: مواكظا.\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٢٥٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره (تحقيق حكمت بشير ياسين) ٢/ ٣٤٧ (٨٠٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عليه\".","vol":"5","page":509},{"text":"السديِّ قولَه: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾. يقولُ: يَعْتَرِفُ بأمانتِه ما دُمْتَ قائمًا على رأسِه، فإذا قُمْتَ ثم جئتَ تَطْلُبُه، كافَرَك (^١) الذي يُؤَدَّي والذي يَجْحَدُ (^٢).\nوأولى القَولَين بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: إلا ما دُمْتَ عليه قائمًا بالمطالبةِ والاقْتِضاءِ. مِن قولِهم: قام فلانٌ بحقى على فلانٍ (^٣) حتى اسْتَخْرجه لي. أي: عمِل في تخليصِه، وسعَى في استخراجِه منه حتى اسْتَخْرَجَه؛ لأن اللَّهَ ﷿ إنما وصَفَهم باستحلالِهم أموالَ الأُمِّيِّين، وأن منهم مَن لا يَقْضِى ما عليه إلا بالاقْتِضاءِ الشديدِ والمُطالَبةِ، وليس القيامُ على رأسِ الذي عليه الدَّيْنُ بمُوجبٍ له النُّقْلَةَ عما هو عليه مِن اسْتِحلالِ ما هو له مُسْتَحِلٌّ، ولكن قد يكونُ - مع - استحلالِه الذَّهابَ بما عليه لربِّ الحقِّ - إلى اسْتِخْراجِه السبيلُ بالاقتضاءِ والمحاكمةِ والمُخاصَمةِ، فذلك الاقْتِضاءُ هو قيامُ ربِّ المالِ باسْتِخراجِ حقِّه ممَّن هو عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1367>القولُ في تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤُه أن مَن اسْتَحَلَّ الخِيانةَ مِن اليهودِ، وجُحودَ حقوقِ العربيِّ التي هي له عليه، فلم يُؤَدِّ ما ائْتَمَنَه العربيُّ عليه إليه إلا ما دام له مُتَقاضِيًا مُطالِبًا، مِن أجلِ أنه يقولُ: لا حرَجَ علينا فيما أصْبْنا مِن أموالِ العربِ ولا إِثمَ؛ لأنهم على غير الحقِّ، وأنهم مُشْركون.\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم نحوَ قولِنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1366>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا\n_________\n(^١) كافره حقَّه: جحده. اللسان (ك. ف. ر).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨٣ (٣٧٠٩) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٣) بعده في س: \"إلى سنة\".","vol":"5","page":510},{"text":"لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ الآية. قالت اليهودُ: ليس علينا فيما أصَبْنا مِن أموالِ العربِ سبيلٌ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. قال: ليس علينا في المشركين سبيلٌ. يَعْنون مَن ليس مِن أهلِ الكتابِ (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. قال: يُقال له: ما بالُك لا تُؤَدِّي أمانتَك؟ فيقولُ: ليس علينا حرَجٌ في أموالِ العربِ، قد أحَلَّها اللهُ لنا (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ نزَلَت: لمَّا نَزَلَت: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. قال: قال النبيُّ ﷺ: \"كذَب أعداءُ اللهِ، ما من شيءٍ كان في الجاهليةِ إلا وهو تحتَ قدميَّ، إلا الأمانةُ، فإنها مُؤَدَّاةٌ إلى البَرِّ والفاجرِ\" (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عُبِيدِ اللَّهِ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: لما قالت اليهودُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨٥ (٣٧١٥) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨٤ (٣٧١٣) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨٤ (٣٧١٢) من طريق يعقوب القمى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"5","page":511},{"text":"الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾: يَعْنون أخْذَ أموالِهم، قال رسولُ اللهِ ﷺ. ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال: \"إلا وهو تحتَ قَدَمَيَّ هاتين، إلا الأمانةُ، فإنها مُؤَدَّاةٌ\". ولم يَزِدْ على ذلك.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾: وذلك أن أهلَ الكتابِ كانوا يقولون: ليس علينا جُناحٌ فيما أصَبْنا من هؤلاء؛ لأنهم أُمِّيُّون.\nفذلك قولُه: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. إلى آخرِ الآيةِ.\nوقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا به القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. قال: بايَع اليهودَ رجالٌ مِن المسلمين في الجاهليةِ، فلما أسلَموا تَقاضَوهم ثمنَ بُيوعِهم، فقالوا: ليس لكم علينا أمانةٌ، ولا قضاءَ لكم عندنا؛ لأنكم ترَكتم دينكم الذي كنتم عليه، قال: وادَّعَوا أنهم وجدوا ذلك في كتابِهم، فقال اللهُ ﷿: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن صَعْصَعةَ، قال: قلتُ لابن عباسٍ: [إنا نغزُو] (^٢) أهل الكتابِ، فنُصيبَ من ثمارِهم؟\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨٤ (٣٧١٤) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٤ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أنأتمن\"، وفى س: \"إناقن\"، وفى الأموال وتفسير ابن أبي حاتم: \"إنا نسير في أرض\". وصواب ما في النسخ الأخرى: إنا نمر بأهل الكتاب. لما أخرجه أبو عبيد في الأموال (٤١٤) من طريق آخر، عن ابن عباس: إنا نمر بأهل الذمة …","vol":"5","page":512},{"text":"قال: وتقولون كما قال أهلُ الكتاب: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (^١)!\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن أبي إسحاقَ الهمْدانيِّ، عن صعصعةَ، أن رجلًا سأَل ابنَ عباسٍ، فقال: إنا نُصيبُ في العُرْفِ (^٢) أو العَذْقِ - الشكُّ مِن الحسن - مِن أموالِ أهلِ الذِّمَّةِ الدَّجاجة والشاةَ. فقال ابن عباسٍ: فتقولون ماذا؟ قال: نقولُ: ليس علينا بذلك بأسٌ. قال: هذا كما قال أهلُ الكتاب: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. إنهم إذا أدَّوُا الجزيةَ لم تَحِلَّ لكم أموالُهم إلا بطِيب أنفسِهم (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1368>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤُه أن القائلين منهم: ليس علينا في أموالِ الأمِّيِّين من العرب حَرَجٌ أَن نَخْتانَهم إياه. يقولون - بقِيلِهم: إن الله جلَّ ثناؤه أحَلَّ لنا ذلك، فلا حرجَ علينا في خيانتِهم إياه، وتركِ قضائِهم - الكذبَ على اللَّهِ، عَامِدِينَ الإِثْمَ بقيلِ الكذبِ على اللهِ، أنه أحلَّ ذلك لهم، وذلك قولُه ﷿: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: فيقولُ على اللهِ الكذبَ وهو يَعْلَمُ - يعنى الذي يقولُ منهم - إذا قيل له: ما لَك لا تُؤَدِّي\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الأموال ص ١٩٧ (٤١٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨٤ (٣٧١١) من طريق سفيان الثورى به.\n(^٢) في ت ٣: \"العرب\"، وفى تفسير عبد الرزاق، والدر المنثور: \"الغزو\". والعُرْفُ: ضرب من النخل في كلام أهل البحرين، تسمى البُرْشُوم. التاج (ع ر ف). ويدل على صواب ما في النسخ أنه قال: أو العذق. والعذق النخلة، وقيل: النخلة بحملها.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٣، وأخرجه ابن زنجويه في الأموال (٦٢٤)، والبيهقى ٩/ ١٩٨ من طريق أبي إسحاق به. ووقع عند البيهقى زيد بن صعصعة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٤ إلى ابن المنذر.","vol":"5","page":513},{"text":"أمانتك؟ -: ليس علينا حرَجٌ في أموالِ العربِ، قد أحَلَّها اللهُ لنا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: يعنى ادِّعاءهم أنهم وجدوا في كتابِهم قولَهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-369\"></span><span data-type='title' id=toc-1369>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾.</span>\nوهذا إخبارٌ مِن الله ﷿ [عمَّا لمن] (^٣) أدَّى أمانته إلى مَن ائْتَمَنه عليها؛ اتِّقاء اللَّهِ ومُراقبته، عندَه (^٤)، فقال جل ثناؤُه: ليس الأمرُ كما يقولُ هؤلاء الكاذبون على اللهِ مِن اليهودِ، مِن أنه ليس عليهم في أموالِ الأميين حرجٌ ولا إثمٌ. ثم قال: ﴿بَلَى﴾. ولكن ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾ يعنى: ولكن الذي أوْفَى بعهدِه. وذلك وصيتُه إيَّاهم التي أوْصاهم بها في التوراةِ، مِن الإيمانِ بمحمدٍ ﷺ وما جاءَهم به. والهاءُ في قولِه: ﴿وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ﴾. عائدةٌ على اسمِ \"الله\" في قولِه: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. يقولُ: بلى مَن أَوْفَى بِعَهْدِ اللَّهِ الذي عاهَدَه في كتابِه، فآمَنَ بمحمدٍ ﷺ وصدَّق به وبما جاءَ به مِن اللَّهِ، مِن أداء الأمانةِ إلى مَن ائْتَمَنه عليها، وغيرِ ذلك مِن أمرِ الله ونهيِه، ﴿وَاتَّقَى﴾. يقولُ: واتَّقَى ما نهاه اللهُ عنه من الكفرِ به، وسائرِ مَعاصيه التي حرَّمها عليه، فاجْتَنَب ذلك؛ مُراقبةَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨٥ (٣٧١٦) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٥١٢.\n(^٣) في م: \"عمن\".\n(^٤) في م: \"وعيده\". وسياق الكلام: \"وهذا إخبار من الله ﷿ عما عنده لمن أدى أمانته إلى من ائتمنه عليها؛ اتقاء الله ومراقبته\".","vol":"5","page":514},{"text":"وعيدِ اللهِ، وخوفَ عقابِه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. يعنى: فإن اللَّهَ يُحِبُّ الذين يَتَّقونه، فيَخافون عقابَه، ويَحْذَرون عذابَه، فيَجْتَنِبون ما نهاهم عنه وحرَّمه عليهم، ويُطيعونه فيما أمَرَهم به.\nوقد رُوِى عن ابن عباسٍ أنه كان يقولُ: هو اتِّقاءُ الشرْكِ.\nحدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾. يقولُ: اتَّقَى الشرْكَ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: الذين يتَّقُون الشرْكَ (^١).\nوقد بيَّنَّا اختلافَ أهلِ التأويلِ في ذلك، والصوابَ مِن القولِ فيه بالأدلةِ الدالةِ عليه فيما مضَى مِن كتابِنا، بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه (^٢).\n\n<span id=\"aya-370\"></span><span data-type='title' id=toc-1370>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤُه: إن الذين يَسْتَبْدِلون بترْكِهم عهدَ اللهِ الذي عهِد إليهم، ووصيتَه التي أَوْصاهم بها في الكتبِ التي أنْزَلها اللهُ إلى أنبيائِه، باتِّباعِ محمدٍ وتصديقِه، والإقرارِ به، وما جاء به مِن عندِ اللهِ، وبأيمانِهم الكاذبةِ التي يَسْتَحِلُّون بها ما حرَّم اللهُ عليهم مِن أموالِ الناسِ التي ائْتُمِنوا عليها، ﴿ثَمَنًا﴾. يعنى: عِوَضًا وبَدَلًا، [﴿قَلِيلًا﴾. يقولُ] (^٣): خَسيسًا مِن عَرَضِ الدنيا وحُطامِها، ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾. يقولُ: فإن الذين يَفْعَلُون ذلك لا حظَّ لهم في خَيْراتِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٤، إلى المصنف.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٣٧، ٢٣٨، ٣٨٦.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"5","page":515},{"text":"الآخرة، ولا نَصيبَ لهم مِن نعيمِ الجنةِ، وما أَعَدَّ اللَّهُ لأهلِها فيها دونَ غيرِها.\nوقد بَيَّنَّا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيما مضَى في معنى \"الخَلاقِ\"، ودلَّلْنا على أوْلَى أقوالِهم في ذلك بالصوابِ بما فيه الكفايةُ (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾. فإنه يعنى: ولا يُكَلِّمُهم الله بما يَسُرُّهم، ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ يقولُ: ولا يَعْطِفُ عليهم بخيرٍ؛ مَقْتًا مِن اللهِ لهم (^٢). كقولِ القائلِ لآخرَ: انْظُرْ إليَّ نظَرَ اللهُ إليك. بمعنى: تعَطَّفْ عليَّ تعطَّف اللهُ عليك بخيرٍ ورحمةٍ. وكما يقالُ للرجلِ: لا سمِعَ اللهُ لك دعاءَك. يُرادُ: لا اسْتَجاب اللهُ لك. واللهُ لا يَخْفَى عليه خافيةٌ، وكما قال الشاعرُ (^٣):\nدعَوْتُ اللَّهَ حتى خِفْتُ أَلَّا … يكونَ اللهُ يَسْمَعُ ما أَقولُ\nوقولُه: ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾. يعنى: ولا يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ ذنوبِهم وكفرِهم، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يعني: ولهم عذابٌ مُوجِعٌ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي من أجلِه أُنْزِلَت هذه الآيةُ، ومَن عُنِى بها؟ فقال بعضُهم: نزَلَت في أخبارٍ من أحْبارِ اليهودِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1371>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمة، قال: نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ في أبى رافعٍ، وكِنانةَ بن أبى الحُقَيْقِ، وكعبِ بن الأَشْرفِ، وحُيَيِّ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٣٦٥ - ٣٦٧.\n(^٢) أي لا ينظر إليهم نظر رحمة. فالنظر هنا على حقيقته، صفة لله جل وعز كما يليق به سبحانه.\n(^٣) هو شمير - ويقال: سمير - بن الحارث الضبي، والبيت في النوادر ص ١٢٤، والأضداد ص ١٣٧.","vol":"5","page":516},{"text":"ابن أَخْطَبَ (^١).\nوقال آخَرون: بل نزَلَت في الأشعثِ بن قيسٍ وخَصْمٍ له.\n\n<span data-type='title' id=toc-1372>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جُنادةَ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"مَن حلَف على يمينٍ هو فيها فاجرٌ ليَقْتَطِعَ بها مالَ امرئ مسلمٍ، لقِيَ اللَّهَ وهو عليه غَضْبانُ\". فقال الأشعثُ بنُ قيسٍ: فيَّ واللهِ كان ذلك، كان بينى وبينَ رجلٍ مِن اليهودِ، أرضٌ، فجَحَدني، فقدَّمْتُه إلى النبيِّ ﷺ، فقال لى رسولُ الله ﷺ: \"ألك بيِّنَةٌ؟ \" قلتُ: لا. فقال لليهوديِّ: \"احْلِفْ\". قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إذنْ يَحْلِفَ فَيَذْهَب مالى. فأنْزَل اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية (^٢).\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بنُ حازمٍ، عن عديِّ بن عديٍّ، عن رَجاءِ بن حَيْوةَ والعُرْسِ (^٣)، أنهما حدَّثاه، عن أبيه عديِّ بن عَمِيرَةً (^٤)، قال: كان بينَ امرئ القيس (^٥) ورجلٍ مِن حَضْرَموتَ خُصومةٌ، فارْتَفَعا إلى النبيِّ ﷺ، فقال للحضرميِّ: \"بيِّنتَك وإلَّا فيمينُه\". قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٥ إلى المصنف، وذكره الواحدى في أسباب النزول ص ٨٢.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٠٣)، وأحمد ٦/ ٨١ (٣٥٩٧)، ٧/ ١٤٠ (٤٠٤٩)، والبخارى (٢٤١٦، ٢٤١٧، ٢٦٦٦، ٢٦٦٧)، ومسلم (١٣٨)، وأبو داود (٣٢٤٣)، والترمذى (١٢٦٩)، وابن ماجه (٢٣٢٣)، وأبو يعلى (٥١٩٧)، وابن منده (٥٦٦) من طريق أبي معاوية به.\n(^٣) هو العُرْسُ بن عَميرةَ أخو عدى بن عَميرةَ. وينظر الإصابة ٥/ ٢٦٩، ٢٧١.\n(^٤) في ص، س، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عمير\".\n(^٥) هو امرؤ القيس بن عابس بن المنذر، كان على كردوس يوم اليرموك. ينظر الإصابة ١/ ١١٢، ١١٣.","vol":"5","page":517},{"text":"يا رسولَ اللَّهِ، إن حلَفَ ذهَبَ بأرضى. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"مَن حلَف على يمينٍ كاذبةٍ ليَقْتَطِعَ بها حقَّ أخيه، لقِىَ الله وهو عليه غَضْبانُ\". فقال امرُؤُ القيس: يا رسولَ اللهِ، فما لمِن ترَكَها وهو يَعْلَمُ أنها حقٌّ؟ قال: \"الجنةُ\". قال: فإني أُشْهِدُك أني قد ترَكْتُها. قال جَريرٌ: فكنتُ مع أيوبَ السَّخْتِيانيِّ حينَ سمِعْنا هذا الحديثَ مِن عديٍّ، فقال أيوبُ: إن عديًّا قال في حديثِ العُرْسِ بن عَمِيرةَ: فنزَلَت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال جَريرٌ: ولم أحْفَظْ يومئذٍ يومئذٍ من عديٍّ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال آخَرون: إن الأشعثَ بنَ قيسٍ اخْتَصَم هو ورجلٌ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ في أرضٍ كانت في يدِه لذلك الرجلِ، أخَذَها لتَعزُّزِه في الجاهليةِ، فقال النبيُّ ﷺ: \"أقِمْ بينتَك\". قال الرجلُ: ليس يَشْهَدُ لى أحدٌ على الأشعثِ. قال: \"فلك يَمينُه\". [فقام الأشعثُ ليَحْلِفَ] (^٢)، فأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ هذه الآيةَ، فنكَل الأشعثُ، وقال: إنى أُشْهِدُ الله وأُشْهِدُكم أن خَصْمِي صادقٌ. فردَّ إليه أرضَه، وزاده مِن أرضِ نفسِه زيادةً كثيرةً؛ مَخافَةَ أن يَبْقَى فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِن حَقِّه، فهى لعَقِبِ ذلك الرجل بعده (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الأموال (٦٥٧)، وأحمد ٢٩/ ٢٥٧ (١٧٧١٨)، والنسائي في الكبرى (٥٩٩٦)، من طريق يزيد بن هارون به. وأخرجه أحمد ٢٩/ ٢٥٤ (١٧٧١٦)، والطبراني في الكبير ١٧/ ١٠٨ (٢٦٥)، والبيهقى ١٠/ ٢٥٤، وفى الشعب (٤٨٤٠) من طريق جرير بن حازم به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فقام الأشعث فحلف\"، وفى الدر: \"فقال الأشعث: نحلف\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٤ إلى المصنف، إلى قوله: زيادة كثيرة.","vol":"5","page":518},{"text":"حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن شَقيقٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: مَن حلَف على يمينٍ يَسْتَحِقُ بها مالًا، هو فيها فاجر، لقى الله، وهو عليه غَضْبانُ. ثم أَنْزَلَ اللهُ تصديقَ ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، الآية، ثم إن الأشعثَ بنَ قيسٍ خرَج إلينا فقال: ما حدَّثكم أبو عبدِ الرحمنِ؟ فحدَّثْناه بما قال: فقال: صدَق، لَفَيَّ أُنْزِلَت؛ كانت بينى وبين رجلٍ خُصومةٌ في بئرٍ، فاخْتَصَمْنا إلى النبيِّ ﷺ، فقال النبيُّ: ﷺ \"شاهِداك أو يمينُه\". فقلت: إذن يَحْلِفَ ولا يُبالِىَ. فقال النبيُّ ﷺ: صلى الله \"مَن حلَف على يمينٍ يَسْتَحِقُ بها مالًا هو فيها فاجرٌ، لقِى الله وهو عليه غضبانُ\". ثم أَنْزَل اللهُ ﷿ تصديقَ ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^١).\nوقال آخَرون بما حدَّثنا به محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: أخْبَرَنى داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عامرٍ، أن رجلًا أقام سِلْعته أولَ النهارِ، فلما كان آخرُه جاء رجلٌ يُساوِمُه، فحلَف لقد مَنَعها أولَ النهارِ مِن كذا (^٢)، ولولا المساءُ ما باعَها به. فأنْزَل اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن رجلٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٢٥١٥، ٢٦٦٩)، ومسلم (٢٢١/ ١٣٨)، والنسائي في الكبرى (٥٩٩٣) من طريق جرير به، كما أخرجه أحمد ٥/ ٢١١ (الميمنية)، والبخارى (٦٦٥٩، ٧١٨٣) من طريق منصور به.\n(^٢) بعده في م، ت ١: \"وكذا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٤، ٤٥ إلى المصنف.","vol":"5","page":519},{"text":"مجاهدٍ نحوَه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية إلى ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أَنْزَلَهم اللَّهُ بمنزلةِ السَّحَرة.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن عمرانَ بن حُصَينٍ كان يقولُ: مَن حلَف على يمينٍ فاجرةٍ يَقْتَطِعُ بها مالَ أخيه، فلْيَتَبَوَّأْ مقعدَه مِن النارِ. فقال له قائلٌ: شيءٌ سمِعْتَه مِن رسولِ اللهِ ﷺ؟ قال لهم: إنكم لَتَجَدون ذلك. ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية.\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن زائدةَ، عن هشام، قال: قال محمدٌ، عن (^٢) عمرانَ بن حُصينٍ: مَن حلَف على يمينٍ مَصْبورةٍ (^٣)، فليَتَبَوَّأْ بوجهِه مقعدَه مِن النارِ. ثم قرَأ هذه الآيةَ كلَّها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ قال: إن اليمينَ الفاجِرةَ مِن الكبائرِ. ثم تلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٥ إلى المصنف.\n(^٢) في النسخ: \"بن\".\n(^٣) اليمين المصبورة، أو يمين الصبر: هي التي يلزم بها صاحبها ويحبس عليها، وكانت لازمة له من جهة الحكم. ينظر النهاية ٣/ ٨.\n(^٤) أخرجه أحمد ٤/ ٤٣٦، ٤٤١ (الميمنية)، وأبو داود (٣٢٤٢)، والبزار (٣٦١١)، والطبراني ١٨/ ١٨٨ (٤٤٦)، والحاكم ٤/ ٢٩٤ من طريق هشام به مرفوعًا. وأخرجه الطبراني ١٨/ ١٨٧ (٤٤٥) من طريق محمد بن سيرين به.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"5","page":520},{"text":"حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ كان يقولُ: كنا نَرَى ونحن مع رسولِ اللهِ ﷺ أنَّ مِن الذنبِ الذي لا يُغْفَرُ يمينَ الصَّبرِ، إِذا فَجَر فيها صاحبُها (^١).\n\n<span id=\"aya-371\"></span><span data-type='title' id=toc-1373>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾.</span>\nيعنى بذلك جَلَّ ثناؤُه: وإن مِن أهلِ الكتابِ، وهم اليهودُ الذين كانوا حَوَالَىْ مدينةِ رسولِ اللهِ ﷺ على عهْدِه، من بني إسرائيل.\nوالهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿مِنْهُمْ﴾. عائدةٌ على \"أهلِ الكتابِ\" الذين ذكَرَهم في قولِه: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾.\nوقولُه: ﴿لَفَرِيقًا﴾. يعنى: جماعةً، ﴿يَلْوُونَ﴾. يعنى: يُحرِّفون ﴿أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾. يعنى: لِتَظُنُّوا أن الذي يُحرِّفونه بكلامِهم من كتابِ اللهِ وتنْزيلِه. يقول اللهُ ﷿: وما ذلك الذي لوَوا به ألسنتهم فحَرَّفوه وأحدَثوه مِن كتابِ اللهِ، ويَزعمُون أنّ مَا لَوَوْا بِه أَلسِنتَهم من التَّحْرِيفِ والكذبِ والباطلِ، فألْحَقوه في كتابِ اللهِ، ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. يقولُ: مما أنزله الله على أنبيائِه، ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. يقولُ: وما ذلكَ الذي لَوَوْا به ألسِنَتَهم فأَحْدَثوه، مما أنزَله اللهُ إلى أحدٍ من أنبيائِه، ولكنه مما أحدَثوه مِن قِبَل أنفُسِهم، افتراءً على اللهِ. يقولُ ﷿: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. يعنى بذلك أنهم يتَعمَّدُون قِيلَ الكذبِ على اللَّهِ، والشهادةَ عليه بالباطلِ، والإلحاقَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٦ إلى المصنف.","vol":"5","page":521},{"text":"بكتابِ اللهِ ما ليس منه، طلبًا للرياسةِ والخسيسِ مِن حُطامِ الدنيا.\nوبنحوِ ما قلنا في معنى: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1374>ذِكرُ مَن قَالَ ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾. قال: يُحرِّفونَه (^١).\nحدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ حتى بلَغ: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: هم أعداءُ اللَّهِ اليهودُ، حرَّفوا كتابَ اللَّهِ، وابتدَعوا فيه، وزعَموا أنه مِن عندِ اللَّهِ (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾: وهم اليهودُ، كانوا يَزيدُون في كتابِ اللَّهِ ما لم يُنْزِلِ اللهُ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٥٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨٩ (٣٧٣٤). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨٩ عقب الأثر (٣٧٣٤) معلقًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨٩ (٣٧٣٦) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٨٩ (٣٧٣٣) عن محمد بن سعد به.","vol":"5","page":522},{"text":"حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾. قال: فريقٌ مِن أهلِ الكتابِ يَلْوُون ألسنَتَهم، وذلك تَحريفُهم إيَّاه عن مَوضِعِه (^١).\nوأصلُ اللَّيِّ الفَتْلُ والقَلْبُ، مِن قولِ القائلِ: لَوَى فلانٌ يدَ فلانٍ. إذا فَتَلها وقلَبها. ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):\n* لَوَى يَدَهُ اللَّهُ الذي هُوَ غالبُهْ *\nيقالُ منه: لَوَى يدَه ولسانَه، يَلْوِى ليًّا، وما لَوَى ظهرَ فلانٍ أحدٌ، إذا لم يصْرَعُه أحدٌ، ولم يَفتِلْ ظَهْرَه إنسانٌ. وإنه لأَلْوَى بَعيدُ المستَمَرِّ، إذا كان شديدَ الخصومَةِ، صابرًا عليها، لا يُغلَبُ فيها. قال الشاعرُ (^٣):\nفلو كان في لَيْلَى شَدًا (^٤) من خُصُومَةٍ … للَوَّيْتُ أعناقَ الخُصومِ (^٥) المَلاوِيا\n\n<span id=\"aya-372\"></span><span data-type='title' id=toc-1375>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.</span>\nيَعنى بذلك جلّ ثناؤُه: وما ينْبَغى لأحدٍ من البشرِ. والبشرُ جمعُ بني آدم، لا\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٢/ ٥٠٨.\n(^٢) هو فرعان بن الأعرف أبو منازل، والبيت في عيون الأخبار ٣/ ٨٧، ومعجم الشعراء ص ١٨٩، وشرح ديوان الحماسة ٣/ ١٤٤٥.\n(^٣) هو قيس بن الملوح (مجنون ليلى)، والبيت في الأغانى ٢/ ٣٨، واللسان (ش د ي، ش ذ ى، ل وى).\n(^٤) هذا الحرف يروى بالدال المهملة، وبالذال المعجمة، والشدا البقية، والشذا من الأذى. وأكثر الناس على أنه بالدال. اللسان (ش د ى، ش ذ ى)\n(^٥) في اللسان: \"المطى\". وكانت في أصول الأغاني: \"الخصوم\". وغيرها ناشروه كرواية اللسان.","vol":"5","page":523},{"text":"واحدَ له مِن لفظِه، مثلَ القومِ والخلقِ، وقد يكون اسمًا لواحدٍ. ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾. يقولُ: أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ عليه كتابَه، ﴿وَالْحُكْمَ﴾. يعنى: ويُعَلِّمَه فصْلَ الحكمةِ، ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾. يقولُ: ويُعْطِيَه النبوَّةَ، ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. يعنى: ثم يدعوَ الناسَ إلى عبادِة نفْسِه دونَ اللَّهِ، وقد آتاه اللهُ ما آتاه مِن الكتابِ والحكْمِ والنبوَّةِ، ولكنه إذا آتاه اللهُ ذلك، فإنما يدْعُوهم إلى العلمِ باللهِ، ويَحدُوهم على معرفةِ شرائعِ دينِه، وأن يكونوا رؤساءَ في المعرفةِ بأمرِ اللَّهِ ونَهيه، وأَئِمةً في طاعتِه وعبادَتِه، بكونِهم مُعلِّمى الناسِ الكتابَ، وبكونِهم دارسيه.\nوقيلَ: إنّ هذه الآية نزلتْ في قومٍ مِن أهلِ الكتابِ قالوا للنبيِّ ﷺ: أتدْعونَا إلى عبادَتِك؟\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي محمدٍ، عن عِكرمةَ، أو سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قال أبو رافعٍ القُرَظِيُّ حينَ اجتمعت الأحْبارُ من اليهودِ والنصارَى من أهلِ نَجْرانَ، عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ودعاهم إلى الإسلامِ: أتريدُ يا محمدُ أن نعبُدَك كما تَعْبدُ النصارى عيسى ابنَ مريمَ؟ فقال رجلٌ من أهل نجرانَ نَصرانيٌّ، يُقالُ له الرِّبِّيسُ (^١): أو ذاكَ تريدُ مِنَّا يا محمدُ، وإليه تدْعونَا؟ أو كما قال، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَعْبُدَ غيرَ اللَّهِ، أو نأمُرَ بعِبادةِ غيره، ما بذلك بعثَني، ولا بذلك أمَرنى\". أو كما قال.\n_________\n(^١) في م، وتفسير ابن أبي حاتم: \"الرئيس\"، وفى س: \"الريس\"، وبعده في سيرة ابن هشام: \"ويروى: الريس، والرئيس\".\nوالرِّبِّيس: رِبِّيس السامرة، خذلهم الله تعالى، وهو كبيرهم، تبصير المنتبه ٢/ ٦١٧.","vol":"5","page":524},{"text":"فأنزلَ اللهُ ﷿ في ذلك مِن قولِهم: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ الآية، إلى قولِه: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (^١).\nحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولَي زيدِ بن ثابت، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: قال [أبو رافعٍ] (^٢) القُرْظِيُّ. فذكَر نحوَه (^٣).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ما كان يَنْبَغى لبشرٍ أن يؤتيَه اللهُ الكتابَ والحُكمَ والنبوَّةَ يَأْمُرُ عبادَه أنْ يَتخذُوه ربّا مِن دونِ اللَّهِ.\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٤).\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: كان ناسٌ مِن يهود يَتعبَّدون الناسَ مِن دونِ ربَّهم، بتحْريفهم كتابَ اللهِ عن موضِعِه، فقال اللهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. ثم يأمرَ الناسَ بغيرِ ما\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩٣ (٣٧٥٦) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، قال محمد بن أبي محمد: وقال أبو نافع .... فذكره.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وتفسير ابن أبي حاتم - كما مر -: \"أبو نافع\".\n(^٣) أخرجه البيهقى في دلائل النبوة ٥/ ٣٨٤ من طريق يونس بن بكير به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩١ (٣٧٤٤) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"5","page":525},{"text":"أنزَل اللهُ في كتابِه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1377>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾.</span>\nيعني جلّ ثناؤُه بذلك: ولكن يقولُ لهم: كونوا ربَّانيِّين. فترَك القولَ استغناءً بدلالةِ الكلامِ عليه.\nوأما قولُه: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. فإنَّ أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: كونوا حُكماءَ عُلماءَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1376>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينِ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. قال: حُكماءَ عُلماء (^٢).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. قال: حُكماءَ علماءَ.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ مثله.\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾: حكماءَ علماءَ (^٣).\nحدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسن في قوله:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩١ (٣٧٤٥) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٧٨.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٠٤ - تفسير) عن جرير به بلفظ: فقهاء علماء.","vol":"5","page":526},{"text":"﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. قال: كونوا فقهاءَ علماءَ (^١).\nحدثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. قال: فقهاءَ (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني القاسمُ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ قال: فقهاء.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. قال: كونوا فقهاءَ علماءَ (١).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن منصورِ بن المعتمرِ، عن أبي رَزِينٍ في قولِه: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. قال: علماءَ حكماءَ (^٣). قال مَعمرٌ: وقال قتادةُ (^٤).\nحدثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباطُ،\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩٢ عقب الأثر (٣٧٤٩) معلقًا.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٥٤.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٥ بلفظ: حلماء علماء. وقال ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩١ عقب الأثر (٣٧٤٧): وروى عن أبي رزين: علماء حلماء.\n(^٤) كذا في النسخ، وينظر المحرر الوجيز ٢/ ٤٨٤، وفى البحر المحيط ٢/ ٥٠٦: والرباني: الحكيم العالم، قاله قتادة وأبو رزين … أو العالم الحليم، قاله قتادة وغيره.","vol":"5","page":527},{"text":"عن السُّديِّ في قوله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾: أما الرّبانيون فالحكماءُ الفقهاءُ (^١).\nحدثني يونسُ، [قال: أخبرنا ابن وهبٍ] (^٢)، قال: أخبرنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الربانيون الفقهاءُ العلماءُ، وهم فوقَ الأحْبار (^٣).\nحدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. يقولُ: كونوا حكماء فقهاء.\nحُدثتُ عن المِنجابِ، قال: ثنا، قال: ثنا بِشرُ بن عمارةَ، عن أبي حمزةَ الثُّماليِّ، عن يحيى بن عقيلٍ في قولِه: ﴿الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣،٤٤]. قال: الفقهاءُ العلماءُ.\nحُدثتُ عن المنجاب، قال: ثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ مثلَه (^٤).\nحدثني ابن سنانٍ القزازُ، قال: ثنا الحسينُ بن الحسنِ الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. قال: كونوا حُكماء فقهاء (^٥).\n_________\n(^١) في ت ٢: \"والفقهاء\".\n(^٢) سقط من ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٥٤.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩٢ (٣٧٤٩) من طريق المنجاب به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩١ (٣٧٤٦) من طريق عطاء به، بلفظ: هم الفقهاء المعلمون.","vol":"5","page":528},{"text":"حُدثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. يقول: كونوا فُقهاءَ علماءَ (^١).\nوقال آخرون: بل هم الحكماءُ الأنقياءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1378>ذِكرُ مَن قَالَ ذلك</span>\nحدثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ عياضٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ قوله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. قال: حُكماءَ أتقياءَ (^٢).\nوقال آخرون: بل هم ولاةُ الناسِ وقادتُهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1379>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سمعتُ ابن زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. قال: الرَّبانيون الذين يَرُبُّونَ الناسَ، ولاةُ هذا الأمْرِ، يَرُبُّونَهم: يلُونَهم. وقرأ: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣] قال: الربانيون الولاة، والأحْبارُ العلماءُ (^٣).\nقال أبو جعفر: وأوْلى الأقوال عندى بالصواب في الربَّانيِّين، أنهم جمعُ ربانيٍّ، وأنَّ الرّبانيَّ المنسوب إلى الرَّبَّانِ، الذي يَرُبُّ الناس، وهو الذي يُصْلِحُ أَمورَهم، ويَرُبُّها، ويقومُ بها، ومنه قولُ علقمة بن عَبَدَةَ (^٤):\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٧ إلى ابن أبي حاتم وعبد بن حميد.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩٢ عقب الأثر (٣٧٤٩) معلقا.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٧ إلى المصنف.\n(^٤) تقدم تخريجه في ١/ ١٤٣.","vol":"5","page":529},{"text":"وكنتَ امْرَأً أَفْضَتْ إليكَ رِبابَتِي … وَقَبْلَكَ رَبَّتْني - فَضِعْتُ - رُبُوبُ\nيعنى بقوله: ربتنى: وَلىَ أمرى والقيامَ به قبلَك مَن يربُّه ويُصلحه، فلم يُصلِحوه، ولكنهم أضاعوني فَضِعتُ.\nيقالُ منه: ربَّ أمرى فلانٌ، فهو يَرُبُّه رَبًّا، وهو رابُّه. فإذا أريد به المبالغةُ في مدْحِه قيل: هو رَبَّانُ. كما يقالُ: هو نَعْسانُ. من قولِهم: نعَس يَنْعُسُ. وأكثرُ ما يجيءُ من الأسماء على \"فَعْلان\" ما كان من الأفعالِ ماضيه على \"فَعِل\" مثل قولِهم: هو سكرانُ وعطشانُ وريَّانُ، من: سكِر يَسْكُرُ، وعطِش يَعْطشُ، ورَوِى يرْوَى. وقد يجيءُ مما (^١) كان ماضيه على \"فَعَل يَفْعُلُ\"، نحوَ ما قلنا من: نعَس يَنْعُسُ، و: ربَّ يَرُبُّ.\nفإذ كان الأمر في ذلك على ما وصفنا، وكان الرَّبانُ ما ذكرنا، والرَّبانيُّ هو المنسوب إلى مَن كان بالصِّفة التي وصَفْتُ، وكان العالمُ بالفقهِ (^٢) والحِكْمةِ من المصْلِحين (^٣) أمورَ الناس بتعليمِه إياهم الخير، ودعائِهم إلى ما فيه مصلَحتُهم، وكان كذلك الحكيمُ التقيُّ للهِ، والوالى الذي يَلى أمورَ الناسِ، على المنْهاجِ الذي وَلِيَه المُقْسِطون من المصْلِحين أمورَ الخلق بالقيامِ فيهم، بما فيه صلاحُ عاجِلِهم وآجِلِهم، وعائدةُ النفْعِ عليهم في دينِهم ودنياهم، كانوا جميعًا [مُستحقينَ أَنَّهم] (^٤) ممّن دخل في قولِه ﷿: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾.\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"ما\".\n(^٢) في ص، س: \"دون الفقه\".\n(^٣) بعده في م: \"يرب\".\n(^٤) في ص، ت ١، س: \"مستحقون أن\".","vol":"5","page":530},{"text":"فالربانيون إذنْ هم عمادُ الناس في الفقه والعلم وأمورِ الدينِ والدنيا؛ ولذلك قال مجاهدٌ: وهم فوقَ الأحْبار. لأنَّ الأحبارَ هم العلماءُ، والربانيُّ الجامعُ إلى العلمِ والفقه البصرَ بالسياسةِ والتدْبير، والقيامِ بأمورِ الرَّعية، وما يُصلحُهم في دنياهم ودينِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1380>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾.</span>\nاختلفت القرأةُ في قراءَةِ ذلك؛ فقرَأه عامَّةُ قرأة أهلِ الحجازِ وبعضُ البَصْريين: (بما كنتم تَعْلَمون). بفتح التاءِ وتخفيف اللّام (^١)، بمعنى: بعلْمِكم الكتاب، ودراسَتِكم إياه وقراءتكم. واعتلُّوا لاختيارِهم قراءة ذلك كذلك، بأنَّ الصوابَ لو كان التشديد في اللَّام وضمَّ التاءِ، لكان الصوابُ في: ﴿تَدْرُسُونَ﴾. بضمِّ التاءِ وتشديد الراء.\nوقرأَ ذلك عامَّة قرأةِ الكوفيين: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾. بضمِّ التاءِ\nمن: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ وتشديد اللَّام (^٢)، بمعنى: بتعليمِكم الناس الكتاب، ودرَاستِكم إيَّاه. واعتلُّوا لاختيارِهم ذلك بأنّ من وصَفهم بالتعليم فقد وصَفهم بالعلْم، إذ لا يُعلِّمون إلا بعدَ عِلْمِهِم بما يُعَلِّمون.\nقالوا: ولا موصوفَ بأنه يُعَلِّمُ إِلَّا وهو موصوفٌ بأنه عالمٌ. قالوا: فأما الموصوفُ بأنه عالمٌ، فغيرُ موصوفٍ بأنه مُعلِّمُ غيره. قالوا: فأوْلى القراءتينِ بالصّوابِ أبلَغُهما في مدحِ القوم، وذلك وصْفُهم بأنهم كانوا يُعلِّمون الناسَ الكتابَ.\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ٢١٣.\n(^٢) وهى قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. المصدر السابق.","vol":"5","page":531},{"text":"كما حدَّثني المُثَنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يحيى بنُ آدم، عن ابن عُيَيْنةَ، عن حُميدٍ الأعرج، عن مجاهدٍ أنه قرأ: (بما كُنْتُم تَعْلَمُونَ الكِتابَ وبما كُنْتُم تَدْرُسون). مُخفَّفَةً بنصبِ التاءِ (^١)، وقال ابن عُيَينةَ: ما عَلَّموه حتى عَلِموه (^٢).\nوأوْلَى القراءتَيْن بالصوابِ في ذلك (^٣) قراءةُ مَن قرأَه بضمِّ التاءِ وتشديدِ اللَّامِ؛ لأنَّ اللَّهَ ﷿ وصف القومَ بأنهم أهلُ عمادٍ للناس في دينِهم ودنياهم، وأهلُ إصلاحٍ لهم ولأمورِهم، وتربيةٍ، يقول جل ثناؤه: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. على ما بَيَّنَّا قَبلُ مِن معنى الربانيِّ، ثم أخبرَ تعالى ذِكرُه عنهم أنهم صاروا أهلَ إصلاحٍ للناسِ وتربيةٍ لهم، بتعليمهم إيَّاهم كتاب ربِّهم.\nودِراستهم إيَّاه تلاوتُه. وقد قيل: دِراستُهم الفقهُ.\nوأشبه التأويلينْ بالدراسةِ ما قلنا مِن تلاوةِ الكتاب؛ لأنه عطفٌ على قولِه: تُعَلِمُونَ الْكِتَب. والكتاب هو القرآنُ، فلأن تكون الدراسة مَعنيًّا بها دراسةُ القرآنِ، أَوْلَى مِن أنْ يكونَ معنيًّا بها دراسةُ الفقه الذي لم يجرِ له ذكرٌ.\n_________\n(^١) كذا قال المصنف، وقد نص في المحرر الوجيز ٢/ ٤٨٦، والبحر المحيط ٢/ ٥٠٦، أن قراءته بفتح التاء والعين واللام المشددة، أي: تتعلمون.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩٢ (٣٧٥١) من طريق يحيى بن آدم به، قال: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ﴾: حقيقة ما علموه حتى علموا.\nثم أورد في الأثر (٣٧٥٣) بسند آخر إلى سفيان بن عيينة، قال: من قرأها ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ﴾ قال: يقول: علِموا وعمِلوا ثم علَّموا.\nوأورده السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٧ كالذى عندنا أيضًا سواء، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) قال أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٥٠٦: وتكلموا في ترجيح إحدى القراءتين على الأخرى، وقد تقدم أنى لا أرى شيئًا من هذه التراجيح؛ لأنها كلها منقولة متواترة قرآنا، فلا ترجيح في إحدى القراءتين على الأخرى.","vol":"5","page":532},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1381>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: قال يحيى بنُ آدم: قال أبو بكر (^١): كان عاصمٌ يقرؤها: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾. قال: القرآنَ، ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. قال: الفقهُ (^٢).\nفمعنى الآية: ولكن يقولُ لهم: كونوا أيها الناسُ سادةَ الناسِ وقادتَهم، في أمْر دينِهم ودنياهم، رَبانيِّينَ بتعليمِكم إياهم كتابَ الله، وما فيه من حلالٍ وحرامٍ، وفرضٍ وندبٍ، وسائرِ ما حَواه مِن مَعانى أمور دينِهم، وبتلاوتِكم إياه، ودراستِكموه.\n\n<span id=\"aya-373\"></span><span data-type='title' id=toc-1382>القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾.</span>\nاختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾؛ فقرأتْه عامَّةُ قَرأَةِ الحجازِ والمدينة: (ولا يأمُرُكُمْ) (^٣). على وجهِ الابتداءِ من اللهِ بالخبرِ عن النبي ﷺ أنه لا يأْمُرُكم أيها الناسُ أنْ تَتَّخِذُوا الملائكة والنبيِّينَ أَرْبَابًا.\nواستشْهد قارئو ذلك كذلك بقراءةٍ ذكَروها عن ابن مسعودٍ (^٤) أنه كان يَقرؤُها (^٥): (وَلَنْ يأْمُرَكُم). فاستدَلُّوا بدخولِ \"لن\" على انقطاعِ الكلامِ عما قبلَه،\n_________\n(^١) في النسخ: \"زكريا\". وتقدم على الصواب في ٢/ ٦٢٠.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢١٣.\n(^٤) في س: \"عباس\". وينظر قراءة ابن مسعود في الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٣٥٠، ٣٥١، المحرر الوجيز، ٢/ ٤٨٦، والبحر المحيط ٢/ ٥٠٧.\n(^٥) بعده في ص، ت ٢، ت ٣: \"وهو\"، وبعده في م، ت ١: \"وهى\".","vol":"5","page":533},{"text":"وابتداءِ خبرٍ مستأنفٍ. قالوا: فلمَّا صيَّر مكانَ \"لَنْ\" في قراءتِنا: ﴿لَا﴾ وجبتْ قراءتُه بالرفعِ.\nوقرأَه بعضُ الكوفيين والبَصْريين ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ بنصبِ الراءِ (^١)، عطفًا على قوله: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾. وكان تأويلُه عندهم: ما كان لبشرٍ أنْ يُؤتيه الله الكتابَ ثم يقولَ للناسِ، ولا أن يأْمُرَكم، بمعنى: ولا كان له أن يَأمرَكم أن تَتخِذوا الملائكةَ والنبيين أربابًا.\nوأوْلى القراءَتينْ بالصوابِ في ذلك: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾. بالنصب على الاتصال بالذي قبله، بتأوُّل: ما كان لبشرٍ أن يُؤتيَه الله الكتاب والحُكْمَ والنبوةَ، ثم يقول للناس كونوا عبادًا لى مِنْ دُونِ اللَّهِ، ولا أنْ يأمُرَكم أن تتخذوا الملائكة والنبييِّن أربابًا. لأنَّ الآية نزلتْ في سببِ (^٢) القومِ الذين قالوا لرسول الله ﷺ: أتريدُ أن نَعبُدَك؟ فأَخْبَرهم اللهُ جلَّ ثناؤُه أنه ليس لنبيِّه ﷺ أن يدْعُو الناسَ إلى عبادةِ نفْسِه، ولا إلى اتخاذِ الملائكةِ والنبييِّن، أربابًا، ولكن الذي له أن يدْعوَهم إلى أن يكونوا رَبانييِّنَ.\nفأما الذي ادَّعَى مَن قرأ ذلك رفعًا أنه في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (ولن يأمرَكم). اسْتِشهادًا لصحةِ قراءتِه بالرفع، فذلك خبرٌ غير صحيحٍ سَنَدُه، وإنما هو خبرٌ رواه حجاجٌ، عن هارون الأعورِ (^٣) أنّ ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ كذلك، ولو كان ذلك خبرًا صحيحًا سَندُه، لم يكن فيه لمحتجٍّ حجةٌ؛ لأنّ ما كان على صحته من القراءة من\n_________\n(^١) وهى قراءة عاصم وابن عامر وحمزة. السبعة لابن مجاهد ص ٢١٣.\n(^٢) في م: \"سب\".\n(^٣) في م: \"لا يجوز\". ورسمه في باقى النسخ أقرب إلى المثبت. ينظر غاية النهاية ٢/ ٣٤٨، وتهذيب الكمال ٣٠/ ١١٥.","vol":"5","page":534},{"text":"الكتابِ الذي قد جاء به المسلمون وِراثة عن نبيِّهم ﷺ لا يجوزُ تركُه، لتأويلٍ على (^١) قراءةٍ أضِيفت إلى بعض الصحابة، بنقل من يجوز في نقله الخطأُ والسهو.\nفتأويلُ الآية إذن: وما كان للنبيِّ أنْ يأمُر (^٢) الناس أن يتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا - يعنى بذلك: آلهةً يُعبدون مِن دونِ اللَّهِ - كما ليس له أن يقول لهم: كونوا عبادًا لى مِن دونِ اللهِ. ثم قال جل ثناؤه نافيًا عن نبيِّه ﷺ أن يأمر عبادَه بذلك: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ﴾ أيها الناسُ، نَبيُّكم، بجُحود وحْدانية اللهِ، ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. يعني: بعد إذ أنتم له مُنقادون بالطاعة، مُتذَلِّلُونَ له بالعبودةِ. أي: إِنَّ ذلك غيرُ كائنٍ منه أبدًا.\nوقد حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: ولا يأمرُكم النبي ﷺ أن تتخذوا الملائكةَ والنبيِّين أربابًا (^٣).\n\n<span id=\"aya-374\"></span><span data-type='title' id=toc-1383>القولُ في تأويل قوله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: واذْكروا يا أهلَ الكتابِ إذ أخذ اللهُ ميثاق النبيين. يعنى: حين أخَذ اللهُ ميثاقَ النبيين. وميثاقُهم: ما وثَّقوا به على أنفُسِهم طاعةَ اللَّهِ فيما أمرَهم ونَهاهم.\nوقد بيَّنا أصلَ الميثاقِ باختلافِ أهل التأويلِ فيه بما فيه الكفايةُ (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"نحو\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: كما نهى\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٣٩، ٢/ ٤٦.","vol":"5","page":535},{"text":"﴿مَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾. فاختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامَّةُ قرأةِ الحجاز والعراقِ: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾. بفتحِ اللامِ من: ﴿لَمَا﴾. ألا أنَّهم اختلفوا في قراءةِ: ﴿آتَيْتُكُمْ﴾؛ فقرأه بعضُهم: ﴿آتَيْتُكُمْ﴾. على التوحيد، وقرَأه آخرونَ: (آتَيْنَاكم). على الجمعِ (^١).\nثم اختَلف أهلُ العربية إذا قُرِئ ذلك كذلك؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: اللامُ التي مع \"ما\" في أوَّلِ الكلام لامُ الابتداء، نحوَ قولِ القائلِ: لَزِيدٌ أفضلُ مِنك. لأن \"ما\" (^٢) اسمٌ، والذي بعدها صلةٌ لها، واللامُ التي في: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾. لامُ القسم، كأنه قال: والله لتُؤمِنُنَّ بِه. يُؤكِّدُ في أول الكلامِ وفى آخرِه، كما يقالُ: أما (^٣) والله أن لو جِئْتَنى لكان كذا وكذا. وقد يُسْتَغْنَى عنها، فوكَّد في: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾. باللامِ في آخرِ الكلام، وقد يُستغْنَى عنها، ويُجعلُ خبرُ: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ مثلُ: لعبدُ اللهِ والله لتأْتِيَنَّه. قال: وإنْ شئتَ جعلتَ خبرَ \"ما\" ﴿مِنْ كِتَابٍ﴾. يريدُ: لما آتيتكم كتابٌ وحكمةٌ. وتكون ﴿مِنْ﴾ زائدةً.\nوخطَّأ بعضُ نحويِّي الكوفيين ذلك كلَّه، وقال: اللامُ التي تدخُلُ في أوائل الجزاء [تُجابُ بجواباتِ الأيمانِ، يقالُ: لمن قامَ لآتينَّه. و] (^٤): لمن قامَ ما أحسن. فإذا وقع في جوابها \"ما\"، و\"لا\"، عُلم أن اللام ليست بتوكيدٍ للأولى؛ لأنه يُوضعُ مَوضعَها \"ما\" و\"لا\"، فتكونُ كالأولى، وهى جوابٌ للأولى. قال: وأمَّا قوله:\n_________\n(^١) قرأ حمزة وحده بكسر اللام من (لما). وقرأ الباقون بالفتح، وقرأ نافع وحده: (آتيناكم). وقرأ الباقون: ﴿آتَيْتُكُمْ﴾. السبعة لابن مجاهد ص ٢١٤.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لما\".\n(^٣) في س: \"لما\".\n(^٤) في م: \"لا تجاب بما ولا لا، فلا يقال: لمن قام لا تتبعه، ولا\".","vol":"5","page":536},{"text":"﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾. بمعنى إسقاط ﴿مِنْ﴾ غلطٌ؛ لأنّ \"مِن\" التي تدخلُ وتخرجُ لا تقعُ مواقع الأسماءِ. قال: ولا تقعُ في الخبرِ أيضًا، إنما تقعُ في الجَحْدِ والاستفهامِ والجزاءِ.\nوأوْلى الأقوالِ في تأويلِ هذه الآيةِ - على قراءةِ مَن قرَأ ذلك بفتحِ اللامِ - بالصَّوابِ: أن يكونَ قولُه: ﴿لَمَا﴾ بمعنى: لمهما. وأن تكونَ \"ما\" حرفَ جزاءٍ أُدخِلتْ عليها اللامُ، وصُيِّر الفعلُ معها على \"فَعَلَ\"، ثم أُجيبتْ بما تجابُ به الأيمانُ، فصارت اللامُ الأولى يَمِينًا، إِذْ تُلُقِّيت بجوابِ اليمينِ.\nوقرأَ ذلك آخرونَ: (لما آتَيْتُكُم). بكسرِ اللامِ مِن \"لما\"، وذلك قراءةُ جماعةٍ مِن أهلِ الكوفةِ.\nثم اختلفَ قارئو ذلك كذلك في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه إذا قُرئ كذلك: وإِذْ أخذَ اللَّهُ ميثاقَ النبيينَ للذى آتيتُكم. فـ \"ما\" على هذه القراءةِ بمعنَى \"الذي\" عندهم. وكان تأويلُ الكلامِ: وإذْ أخذَ اللَّهُ ميثاقَ النبيينَ من أجلِ الذي أتاهم مِن كتابٍ وحِكْمةٍ، ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾. يعنى: ثُم إِنْ جاءكم رسولٌ، يَعنى ذِكْرَ محمدٍ في التوراةِ - ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾. أي: لَيكونَنَّ إيمانُكم به للذى عندَكم في التوراةِ مِن ذِكرِه.\nوقال آخرون منهم: تأويلُ ذلك إذا قُرئ بكسرِ اللام من (لِما): وإذْ أخَذ اللهُ ميثاقَ النبيينَ للذى آتاهم من الحِكْمةِ. ثم جعَل قولَه: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾. من الأَخْذِ، أخْذِ الميثاقِ، كما يقالُ في الكلامِ: أخذتُ ميثاقَك لَتفعلَنَّ. لأنّ أَخْذَ الميثاقِ بمنزلةِ الاستِخْلافِ. فكان تأويلُ الكلامِ عندَ قائلِ هذا القولِ: وإذ استَخْلف اللهُ النّبيينَ للذى آتاهم مِن كتابٍ وحكمةٍ، متى جاءَهم رسولٌ مُصدِّقٌ لما معهم لَيَؤْمِنُنَّ به ولَينصُرنَّه.","vol":"5","page":537},{"text":"وأوْلى القراءتين في ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾. بفتحِ اللامِ؛ لأنَّ الله ﷿ أخَذ ميثاقَ جميعِ الأنبياءِ بتصْديقِ كلِّ رسولٍ له ابتَعثَه إلى خلْقِه، فيما ابتَعثَه به إلَيهم، كان ممن آتاه كتابًا، أو مِمن لم يؤْتِه كتابًا، وذلك أنه غيرُ جائزٍ وصفُ أحدٍ مِن أنبياءِ اللَّهِ ﷿ ورسُلِه، بأنه كان ممن أُبِيحَ له التكذيبُ بأحدٍ مِن رسلِه؛ فإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أنَّ منهم مَن أُنزِل عليه الكتابُ، وأنّ منهم مَن لم يَنْزِلُ عليه الكتابُ، كان بيِّنًا أنَّ قراءةَ مَن قرَأ ذلك: (لِمَا آتَيْتُكُم). بكسرِ اللامِ، بمعنى: من أجلِ الذي آتَيْتُكم مِن كتابٍ. لا وجْهَ له مفهومٌ إلا على تأويلٍ بعيدٍ، وانتزاعٍ عميقٍ.\nثم اختَلف أهلُ التأويلِ في من أُخِذَ ميثاقُه بالإيمانِ بمن جاءه مِن رُسلِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لما معه؛ فقال بعضُهم: إنما أخَذ اللهُ بذلك ميثاقَ أهلِ الكتابِ دونَ أنبيائِهم. واستَشْهدوا لصحةِ قولِهم بذلك بقولِه: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾. قالوا: فإنما أمَر الذين أُرسلتْ إليهم الرسلُ مِن الأممِ بالإيمانِ برسُلِ اللَّهِ، ونُصْرَتِها على مَن خالفَها، وأما الرسلُ، فإنه لا وجْهَ لأمْرِها بنُضرةِ أحدٍ؛ لأنها المحتاجةُ إلى المعونةِ على مَن خالفَها مِن كفرةِ بنى آدمَ، فأما هي، فإنها لا تُعينُ الكفرةَ على كفرِها ولا تَنْصُرُها. قالوا: وإذا لم يكنْ غيرُها وغيرُ الأُمَمِ الكافرةِ، فَمن الذي يَنْصُرُ النبيَّ فيؤْخذَ ميثاقُه بنُصْرَتِهِ؟\n\n<span data-type='title' id=toc-1384>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجَيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾. قال: هي خطأٌ مِن الكاتبِ (^١)، وهى في قراءةِ ابن مسعودٍ: (وإذْ أَخَذَ\n_________\n(^١) في تفسير مجاهد والدر المنثور: \"الكُتَّاب\". قال أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٥٠٨: وهذا لا يصح عنه؛ =","vol":"5","page":538},{"text":"اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ) (^١).\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾. يقولُ: وإِذ أَخَذَ اللَّهُ ميثاقَ الذين أُوتُوا الكتابَ. وكذلك كان يقرؤُها الربيعُ: (وإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الذين أوتوا الكتابَ). إنما هي أهلُ الكتابِ. قال: وكذلك كان يقرؤُها أبيُّ بنُ كعبٍ. قال الربيعُ: ألا تَرى أنه يقولُ: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾. يقولُ: لتَؤْمِنُنَّ محمدٍ ﷺ ولَتنصُرنَّه. قال: هم أهلُ الكتابِ (^٢).\nوقال آخرون: بل الذين أُخِذَ ميثاقُهم بذلك الأنبياءُ دونَ أُممِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1385>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنى وأحمدُ بنُ حازمٍ، قالا: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إنما أخَذ اللهُ ميثاقَ النبييَن على قومِهم (^٣).\n_________\n= لأن الرواة الثقات نقلوا عنه أنه قرأ النبيين كعبد الله بن كثير وغيره، وإن صح ذلك عن غيره فهو خطأ مردود بإجماع الصحابة على مصحف عثمان.\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٥٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٧ إلى عبد بن حميد والفريابي وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٧ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩٣ (٣٧٥٧)، من طريق أبي نعيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٧ إلى ابن المنذر.","vol":"5","page":539},{"text":"حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾: أن يُصدِّقَ بعضُهم بعضًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ الآية. قال: أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الأُوَلِ مِن الأنبياءِ لِيُصَدِّقُنَّ ولَيَؤْمِنُنَّ بما جاء به الآخِرُ منهم (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ هاشمٍ، قال: أخبرنا سَيْفُ بنُ عمرَ (^٣)، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليّ بن أبي طالبٍ، قال: لم يَبْعَثِ اللَّهُ ﷿ نبيًّا؛ آدمَ فمنْ بعدَه، إلا أخَذ عليه العهدَ في محمدٍ، لئن بُعِثَ وهو حيٌّ، لَيَؤْمِنَنَّ به ولَيَنصُرَنَّه، ويأْمره فيأخذُ العهدَ على قومِه، فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الآية (^٤).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ﴾ الآية: هذا ميثاقٌ أخَذه الله على النبييَن أن يُصَدِّقَ بعضُهم بعضًا، وأن يُبلِّغوا كتابَ اللهِ ورسالاتِه، فبَلَّغتِ الأنبياءُ كتابَ اللَّهِ ورسالاتِه إلى قومِهم، وأخَذ عليهم فيما بَلَّغَتْهم رُسُلُهم أنْ يؤمِنوا بمحمدٍ ﷺ،\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه بتمامه في ص ٥٤٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"عمرو\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٣٢٤.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٧ إلى المصنف.","vol":"5","page":540},{"text":"ويُصَدِّقوه وينصُرُوه (^١).\nحدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الآية. قال: لم يَبْعثِ اللهُ ﷿ نبيًّا قطُّ من لَدنْ نوحٍ إلا أخَذ ميثاقَه لَيَؤْمِنَنَّ بمحمدٍ ولَيَنْصُرَنَّه إن خرَج وهو حيٌّ، وإلا أخَذ على قومِه أن يؤمنوا به، ولَيَنصُرُنَّه إن خرَج وهم أحياءٌ (^٢).\nحدثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا عبدُ الكبيرِ (^٣) بنُ عبدِ المجيدِ أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبادُ بنُ منصورٍ، قال: سألتُ الحسنَ عن قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ من الآية كلّها. قال: أخَذ اللهُ ميثاقَ النبيِّيَن لَيبلِّغَنَّ آخرَكم أولُكم ولا تَختلِفوا (^٤).\nوقال آخرونَ: معنى ذلك أنه أخَذ مِيثاقَ النبيِّينَ وأُممِهم، فاجْتَزأَ بذكر الأنبياءِ عن ذكرٍ أُمَمِها؛ لأنَّ في ذكرِ أَخْذِ الميثاقِ على المتبوعِ دلالةً على أخْذهِ على التُّبَّاعِ؛ لأنَّ الأُمَمَ تُبَّاعُ الأنبياءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1386>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمد بن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ثم ذكَر ما أُخِذَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩٤ (٣٧٦١)، من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٣) في س: \"الكريم\". وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٢٤٣.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٧ إلى المصنف.","vol":"5","page":541},{"text":"عليهم - يعنى: على أهلِ الكتابِ - وعلى أنبيائِهم مِن الميثاقِ بتصْديقِه - يعنى: بتصديق محمدٍ ﷺ - إذا جاءَهم، وإقرارِهم به على أنفُسِهم، فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^١).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولَى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابن عباسٍ مثلَه (^٢).\nوأوْلَى هذه الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك الخبرُ عن أَخْذِ اللهِ الميثاقَ مِن أنبيائِه، بتصديقِ بعضِهم بعضًا، وأخْذِ الأنبياءِ على أُممِها وتُباعِها الميثاقَ بنحوِ الذي أخَذ عليها رَبُّها، مِن تَصْدِيقِ أنبياءِ اللَّهِ ورسلِه بما جاءتها به؛ لأنَّ الأنبياءَ ﵈ بذلك أُرسلَتْ إلى أُمَمِها، ولم يَدَّعِ أحدٌ ممِن صدَّق المرسليَن أنَّ نبيًّا أُرسِلَ إلى أُمَّةٍ بتكذيبِ أحدٍ مِن أنبياءِ اللَّهِ ﷿ وحُجَجِه في عبادِه، بل كلُّها - وإن كذَّب بعضُ الأُمَمِ بعضَ أنبياءِ اللهِ بجحودِها نبوَّتَه - مُقِرَةٌ بِأَنَّ مَن ثَبَتَتْ صحةُ نُبوَّتِه، فعليها الدَّيْنونَةُ بتصديقِه، فذلك ميثاقٌ مُقِرٌّ به جَميعُهم. ولا مَعنى لقولِ مَن زعم أنّ الميثاقَ إنما أُخِذَ على الأممِ دونَ الأنبياءِ؛ لأنَّ اللَّهَ ﷿ قد أخبَر أنه أخَذ ذلك مِن النَّبيينَ، فسواءٌ قال قائلٌ: لَم يأخذ ذلك منها ربُّها. أو قال: لم يأمرْها ببلاغِ ما أُرْسِلتْ. وقد نصَّ اللهُ ﷿ أنه أمرَها بتبليغِه؛ لأنهما جميعًا خَبرانِ مِن اللهِ عنها؛ أحدُهما أنه أخَذ منها، والآخرُ منهما أنه أمرَها، فإن جازَ الشكُّ في أحدِهما جازَ في الآخرِ. وأمَّا ما اسْتَشْهدَ به الربيعُ بنُ أنسٍ، على أنَّ المعنيَّ بذلك أهلُ\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥٥. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩٤، ٦٩٥ (٣٧٦٤) من طريق سلمة، عن محمد بن إسحاق قوله. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه البيهقى في دلائل النبوة ٥/ ٣٨٤ من طريق يونس بن بكير به.","vol":"5","page":542},{"text":"الكتابِ، مِن قولِه: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾. فإنَّ ذلك غيرُ شاهدٍ على صحةِ ما قال؛ لأنَّ الأنبياءَ قد أُمِرَ بعضُها بتصديقِ بعضٍ، وتصديقُ بعضِها بعضًا نُصْرةٌ مِن بعضِها بعضًا.\nثم اختلَفوا في الذين عُنوا بقولِه: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾؛ فقال بعضُهم: الذين عُنوا بذلك هم الأنبياءُ، أُخذتْ مواثيقُهم أن يُصدِّق بعضُهم بعضًا، وأن ينصرُوه. وقد ذكرْنا الروايةَ بذلك عمن قالَه.\nوقال آخرون: هم أهلُ الكتابِ، أُمروا بتصْديقِ محمدٍ ﷺ إذا بعثَه اللهُ، وبنُصرَتِه، وأُخِذ ميثاقُهم في كتبِهم بذلك. وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك أيضًا عمن قالَه.\nوقال آخرونَ - مِمن قال: الذين عُنوا بأخْذِ اللَّهِ ميثاقَهم منهم في هذه الآيةِ هم الأنبياءُ -: قولُه: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ مَعْنِيٌّ به أهلُ الكتابِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1387>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، قال: أخبَرنا ابن طاوسٍ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾. قال: أخذَ اللهُ ميثاقَ النبيينَ أن يُصدِّقَ بعضُهم بعضًا، ثم قال: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾. قال: فهذه الآيةُ لأهلِ الكتابِ، أخَذ اللهُ ميثاقَهم أنْ يؤمنوا بمحمدٍ ويُصدِّقوه (^١).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩٣، ٦٩٤ (٣٧٥٨، ٣٧٦٢) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٧ إلى ابن المنذر مختصرًا.","vol":"5","page":543},{"text":"حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثني ابن أبي جعفَرٍ، عن أبيه، قال: قال قتادةُ: أخَذ اللهُ على النبيين ميثاقَهم أن يُصدِّقَ بعضُهم بعضًا، وأن يُبلِّغوا كتابَ اللَّهِ ورسالتَه إلى عبادِه، فبلَّغتِ الأنبياءُ كتابَ اللهِ ورسالاتِه إلى قومِهم، وأخذوا مواثيقَ أهلِ الكتابِ في كتابِهم فيما بلَّغَتْهم رسلُهم أن يؤمنوا بمحمدٍ ﷺ ويُصدِّقوه ويَنصُرُوه (^١).\nوأوْلى الأقوالِ بالصوابِ عندَنا في تأويلِ هذه الآيةِ أنَّ جميعَ ذلك خبرٌ مِنَ اللَّهِ ﷿ عن أنبيائِه، أنه أَخَذَ مِيثَاقَهم به، وأَلْزَمَهم دعاءَ أُمَمِها إليه، والإِقرارَ به؛ لأنَّ ابتداءَ الآيةِ خبرٌ مِن اللهِ ﷿ عن أنبيائِه أنه أخَذ ميثاقهم، ثم وصَف الذي أخَذ به ميثاقَهم، فقال: هو كذا، كذا.\nوإنما قلنا: إنَّ ما أخبَر الله أنه أخَذ به مواثيقَ أنبيائِه مِن ذلك، قد أخَذَت الأنبياءُ مواثيقَ أُمَمِها به؛ لأنَّها أُرْسلتْ لِتدعوَ عبادَ اللَّهِ إلى الدَّيْنُونِةِ بما أُمِرَت بالديْنُونِةِ به في أنفُسِها مِن تصديقِ رُسل اللهِ، على ما قدَّمنا البيانَ قَبْلُ.\nفتأويلُ الآيةِ: واذْكروا يا معشرَ أهلِ الكتابِ إذْ أخَذ اللهُ ميثاقَ النبيينَ، لَمهْمَا آتيتُكم أيُّها النَّبيونَ من كتابٍ وحكمةٍ، ثم جاءكم رسولٌ مِن عندِى مُصدِّقٌ لما معكم، ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ به - يقولُ: لَتُصدِّقُنَّهُ - ﴿وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾.\nوقد قال السُّديُّ في ذلك بما حدثنا به محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾. يقولُ لليهودِ: أخذتُ ميثاقَ النَّبييَن بمحمدٍ ﷺ، وهو الذي ذُكِرَ في الكتابِ عندَكم (^٢).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩٣، ٦٩٤ (٣٧٥٩) من طريق أحمد بن المفضل به. وفيه: أخذت ميثاق الناس لمحمد.","vol":"5","page":544},{"text":"فتأويلُ ذلك على قولِ السُّديِّ الذي ذَكرناه: واذْكروا يا معشرَ أهلِ الكتابِ إذْ أخَذَ اللَّهُ ميثاقَ النبييَن، لما آتيتُكم أيها اليهودُ مِن كتابٍ وحكمةٍ. وهذا الذي قاله السُّديُّ، كان تأويلًا لا وجْهَ غيرُه (^١) لو كان التنزيلُ: (بما آتيتُكم). ولكنَّ التنزيلَ باللَّامِ ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾. وغيرُ جائزٍ في لغةِ أحدٍ مِن العربِ أن يقالَ: أَخَذ اللَّهُ ميثاقَ النبيينَ لما آتيتُكم. بمعنى: بما آتيتُكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1388>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤُه: وإذْ أَخَذ اللَّهُ ميثاقَ النبيينَ بما ذكَر، فقال لهم تعالى ذِكرُه: أأقرَرْتُم بالميثاقِ الذي واثَقْتُمونى عليه، مِن أنكم مَهمَا أتاكم رسولٌ مِن عندى مُصدِّقٌ لما معكم، لَتُؤْمِنُنَّ بِه ولَتَنْصُرُنَّهُ؟ ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ يقولُ: وأخذْتُم على ما واثَقْتُمونِى عليه مِن الإيمانِ بالرسلِ التي تأتِيكم بتصديقِ ما معكم مِن عندِى، والقيامِ بنُصْرتِهم - ﴿إِصْرِي﴾. يعنى: عهدِى ووصيَّتِي، وقَبِلتُم في ذلك مِنِّي ورَضِيتُموه.\nوالأخْذُ هو القبولُ في هذا الموضعِ والرِّضا، مِن قولِهم: أخَذ الوالى عليه البيعةَ. بمعنى: بايعَه، وقَبلَ ولايتَه، ورَضِيَ بها.\nوقد بيَّنا معنى \"الإصرِ\" باختلافِ المختلفينَ فيه، والصحيحَ مِن القولِ في ذلك، فيما مضَى قَبلُ، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\nوحُذفتِ الفاءُ من قولِه: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾. لأنه ابتداءُ كلامٍ، على نحوِ ما قد بيَّنَّا في نظائرِه فيما مضَى (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"له\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ١٥٨ - ١٦٣.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٢/ ٧٦.","vol":"5","page":545},{"text":"وأما قولُه: ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾. فإنه يعنى به: قال النبيُّون الذين أخَذ اللهُ ميثاقَهم بما ذُكِرَ في هذه الآيةِ: أَقْرَرْنا بما ألزَمْتَنا مِن الإيمانِ برسُلِك الذين تُرسِلُهم مُصدِّقين لما معنا مِن كُتُبِك وبنُصْرَتِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1389>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِين (٨١)﴾.</span>\nيَعنى بذلك جلّ ثناؤُه: قال اللهُ: فاشْهدوا أيها النَّبيون بما أخذتُ به ميثاقَكم - من الإيمانِ بتصديقِ رُسُلِى التي تأْتِيكم بتصديقِ ما معكم من الكتابِ والِحكمةِ، ونُصْرتِهم - على أنفُسِكم، وعلى أَتباعِكم مِن الأُمَم، إذ أنتم أخذْتم ميثاقَهم على ذلك، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم بذلك.\nكما حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ هاشمٍ، قال: أخبرنا سَيفُ بنُ عمرَ (^١)، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليّ بن أبى طالبٍ في قولِه: ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾. يقولُ: فاشْهدوا على أُمَمِكم بذلك، ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ عليكم وعليهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-375\"></span><span data-type='title' id=toc-1390>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾.</span>\nيَعنى بذلك جلَّ ثناؤه: فمن أعرَض عن الإيمانِ برُسُلِي الذين أرسلْتُهم بتصديقِ ما كانَ مع أنبيائى مِن الكُتبِ والِحكمةِ، وعن نُصرتِهم، فأَدْبرَ (^٣) ولم يُؤْمِنْ بذلك، ولم يَنْصُرُ، ونكَث عهدَه وميثاقَه، ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾. يعنى: بعْدَ العهدِ والميثاقِ الذي أخذَه اللهُ عليه (^٤)، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. يعنى بذلك أنّ\n_________\n(^١) في م: \"عمرو\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٨ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، ت ١: \"فأدبروا\".\n(^٤) بعده في ص، ت ١: \"به\".","vol":"5","page":546},{"text":"المتولِّين عن الإيمانِ بالرسلِ الذين وصَف اللهُ (^١) أمرَهم ونُصرتهَم، بعدَ العهدِ والميثاقِ اللذَيْنِ أُخِذَا عليهم بذلك، ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، يعنى بذلك: الخارجون من دينِ اللهِ وطاعةِ رَبِّهم.\nكما حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ هاشمٍ، قال: أخبرنا سَيْفُ بنُ عمرَ، عن أبي رَؤقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليِّ بن أبى طالبٍ: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى﴾ عنك يا محمدُ بعدَ هذا العهدِ من جميعِ الأممِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: هم العاصُونَ في الكفرِ (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه - قال أبو جعفرٍ: يَعنى الرازِيَّ -: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾. يقولُ: بعدَ العهدِ والميثاقِ الذي أُخِذَ عليهم ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.\nحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، [عن أبيه] (^٣)، عن الربيعِ مثلَه.\nوهاتان الآيتان وإنْ كان مَخرَجُ الخبرِ فيهما مِن اللَّهِ ﷿ بما أخبرَ أنه أَشْهَدَ وأخَذ به ميثاقَ مَن أخَذ ميثاقَه به عن أنبيائِه ورُسلِه؛ فإنه مقصودٌ به إخبارُ مَن كان حوالَىْ مُهاجَرِ رسولِ الله ﷺ مِن يِهودِ بني إسرائيلَ أيامَ حياتِه ﷺ، عَمَّا للهِ عليهم من العهدِ في الإيمانِ بنبوَّةِ محمدٍ ﷺ وَمعنيٌّ تذْكيرُهم ما كان اللهُ آخذًا على آبائِهم وأسلافِهم مِن المواثيقِ والعهودِ، وما كانت أنبياءُ اللَّهِ عرَّفتْهم، وتقدَّمتْ إليهم في تصديقِه واتباعه ونُصرتِه على مَن خالَفَه وكذَّبه - وتعريفُهم ما في كُتبِ اللَّهِ التي أنزلَها إلى أنبيائِه، التي ابتَعثَهم إليهم، مِن صِفتِه وعلامتِه.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٨ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من النسخ.","vol":"5","page":547},{"text":"<span id=\"aya-376\"></span><span data-type='title' id=toc-1391>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾.</span>\nاختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الحجازِ من مكةَ والمدينةِ، وقَرأةِ الكوفةِ: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) على وجهِ الخطابِ (^١). وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ الحجازِ: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾، بالياء كِلْتَيْهما على وجْهِ الخبرِ عن الغائبِ (^٢). وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ البصرةِ: (أفغيرَ دينِ اللهِ يَبْغون) على وجْهِ الخبرِ عن الغائبِ، (وإليه تُرجعون) بالتاء على وجْهِ المخاطبةِ (^٣).\nوأوْلى ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ) على وَجْهِ الخطابِ، (وإليه تُرْجَعون) بالتاءِ؛ لأنَّ الآيةَ التي قبلَها خطابٌ لهم، فإتباعُ الخطابِ نَظِيرَه أوْلى من صَرْفِ الكلامِ إلى غيرِ نَظِيرِه، وإن كانَ الوجْهُ الآخر جائزًا؛ لما قد ذَكرْنا فيما مضَى قَبلُ، مِن أنّ الحكايةَ يَخرُجُ الكلامُ معها أحيانًا على الخطابِ كلِّه، وأحيانًا على وجْهِ الخبِر عن الغائبِ، وأحيانًا بعضُه على الخطابِ، وبعضُه على الغَيْبةِ، فقولُه: (تَبْغُونَ) (^٤)، (وإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) في هذه الآيةِ من ذلك.\nوتأويلُ الكلامِ (^٥): يا معشرَ أهلِ الكتابِ: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ) يقولُ: أَفَغَيرَ\n_________\n(^١) هذه قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبى بكر عن عاصم وحمزة والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢١٤.\n(^٢) هذه قراءة حفص عن عاصم. المصدر السابق.\n(^٣) هذه قراءة أبي عمرو وحده. المصدر السابق.\n(^٤) في ص: \"يبغون\".\n(^٥) بعده في ص، س، ت ١: \"أفغير الله\".","vol":"5","page":548},{"text":"طاعةِ اللهِ تلتمسونَ وتريدونَ. ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، يقولُ: وله خشَع مَن في السماواتِ والأرضِ، فخضَع له بالعبودةِ، وأقرَّ له بإفرادِ الرُّبوبيةِ، وانقَاد له بإخلاصِ التوحيدِ والألوهةِ. ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾. يقولُ: أسلَمَ للهِ طائعًا، مَن كان إسلامُه منهم له طائعًا، وذلك كالملائكةِ والأنبياءِ والمرسلين، فإنهم أسلَموا للهِ طائعينَ، ﴿وَكَرْهًا﴾: مَن كان منهم كارِهًا.\nواختلفَ أهلُ التأويلِ في معنى إسلامِ الكارهِ الإسلامَ وصِفَتِه؛ فقال بعضُهم: إسلامُه إقرارُه بأنّ الله خالقُه وربُّه، وإنْ أشْرَك معه في العبادةِ غيرَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1392>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ (^١): ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾. قال: هو كقولِه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (^٢) [الزمر: ٣٨].\nحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: (وله أسلمَ من في السماواتِ والأرضِ طوعًا وكرهًا وإليه تُرجعونَ). قال: كلُّ آدميٍّ قد (^٣) أقرَّ على نفْسِه بأنَّ الله ربِّي وأنا عبدُه، فمَنْ أَشْرَك في عبادتِه، فهذا الذي أسلَم كَرهًا، ومَن أخلَص للهِ (^٤) العبودةَ، فهو الذي أسلمَ\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"عن ابن عباس\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) سقط من: ت ١، س.\n(^٤) في ص، م: \"له\".","vol":"5","page":549},{"text":"طوعًا (^١).\nوقال آخرونَ: بل إسلامُ الكارهِ منهم كان حيَن أُخِذَ منه (^٢) الميثاقُ فأقرَّ به.\n\n<span data-type='title' id=toc-1393>ذِكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ قال: حينَ أخَذ الميثاقَ (^٣).\nوقال آخرون: عنَى بإسلامِ الكارهِ منهم سجودَ ظلِّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1394>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا سَوّارُ (^٤) بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾. قال: الطائعُ: المؤمنُ، وكَرْهًا: ظِلُّ الكافِرِ (^٥).\nحدثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾. قال: سجودُ المؤمنِ طائعًا، وسجودُ الكافرِ وهو كارِهٌ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩٦، ٦٩٧ (٣٧٧٦) من طريق أبي جعفر به.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، س.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٨ إلى المصنف.\n(^٤) في ت ٢: \"سويد\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٢٣٨، ٢٣٩.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٤ إلى أبى الشيخ.\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٢٥٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩٧ (٣٧٧٧).","vol":"5","page":550},{"text":"حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَكَرْهًا﴾. قال: سجودُ المؤمنِ طائعًا، وسجودُ ظِلِّ الكافرِ وهو كارِةٌ (^١).\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: سجودُ وجهِه وظِلِّه طائعًا.\nوقال آخرونَ: بل إسلامُه بقلبِه في مشيئةِ اللهِ واستقادتِه لأمرِه، وإنْ أنكَر أُلوهتَه بلسانِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1395>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن (^٢) عامرٍ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: استَقاد كلَّهم له (^٣).\nوقال آخرونَ: عنَى بذلك: إسلامَ مَن أسلَم مِن الناسِ كَرْهًا، حَذَرَ السَّيفِ على نفْسِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1396>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبادُ بنُ منصورٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ الآية كلّها. فقال: أُكْرِهَ أقوامٌ على الإسلامِ، وجاء أقوامٌ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٥٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٣ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في النسخ: \"بن\". وجابر هو الجعفى، وتقدم في ٤/ ٢٦٦، ٢٧٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩٦ (٣٧٧٢) من طريق وكيع به.","vol":"5","page":551},{"text":"طائعين (^١).\nحدثني الحسنُ بنُ قَزَعَةَ الباهليُّ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عطاءٍ، عن مطرٍ الورَّاقِ في قولِ اللَّهِ ﷿: (وله أسلمَ من في السماواتَ والأرضِ طوعًا وكرهًا وإليه تُرْجَعُونَ). قال: الملائكةُ طَوْعًا، والأنصارُ طَوْعًا، وبنو سليمٍ وعبدُ القيسِ طوْعًا، والناسُ كلُّهم كَرْهًا (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك أنَّ أهلَ الإيمانِ أسلَموا طوعًا، وأنَّ الكافرَ أسلَم في حالِ المعاينةِ حينَ لا يَنفُعُه [إسلامٌ كَرهًا] (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1397>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: (أفغيرَ دينِ الله تَبْغُونَ) الآية: فأما المؤمنُ فأسلَم طائعًا، فنفَعه ذلك وقُبِلَ منه، وأما الكافرُ فأسلَم كارهًا، حينَ لا يَنْفَعُه ذلك، ولا يُقْبلُ.\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾. قال: أما المؤمنُ فأسلَم طائعًا، وأما الكافرُ فأسلَم حينَ رأَى بِأسَ اللَّهِ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ (^٣) [غافر: ٨٥].\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٨ إلى المصنف.\n(^٢) في ص، ت ١: \"الإسلام\"، وفى ت ٢: \"إسلام\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩٧ (٣٧٧٨) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"5","page":552},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك أن (^١) عبادةَ الخلقِ للهِ ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-1398>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: (أفغيَر دينِ اللَّهِ تَبغُون وله أسلمَ مَن في السَّمَاواتِ والأرضِ طوعًا وكرهًا). قال: عِبادتهُم لى أجمعين طَوْعًا وكَرْهًا، وهو قولُه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (^٢) [الرعد: ١٥].\nوأما قولُه: (وإليه تُرجعونَ). فإنه يعنى: وإليه يا معشرَ مَن يَبْتَغِي غيرَ الإسلامِ دِينًا من اليهودِ والنصارى وسائرِ الناسِ (تُرْجَعون) (^٣). يقولُ: إليه تَصِيرُون بعدَ مَماتِكم، فَمُجازِيكم بأعمالِكم؛ المُحْسِنَ مِنكم بإحسانِه، والمُسِيءَ بإساءتِه.\nوهذا من اللهِ ﷿ تحذيرٌ خَلْقَه أن يَرْجِعَ إليه أحدٌ منهم، فيُصِيرَ إليه بعدَ وفاتِه على غيرِ ملَّةِ الإسلامِ.\n\n<span id=\"aya-377\"></span><span data-type='title' id=toc-1399>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"في\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩٦ (٣٧٧٥) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٨ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، س: \"يرجعون\".","vol":"5","page":553},{"text":"يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: أفغيرَ دينِ اللهِ تَبْغُون يا معشرَ اليهودِ، وله أسلَم مَن في السماواتِ والأرضِ طَوْعًا وكَرْهًا، وإليه تُرْجَعون، فإن ابتَغَوا غيَر دينِ اللهِ يا محمدُ، فقُلْ لهم: آمنَّا باللهِ. فتَرَك ذِكْرَ قولِه: فإن قالوا: نعم. و(^١) ذِكرَ قولِه: فإن ابتَغَوا غيرَ دينِ اللهِ. لدَلالةِ ما ظهرَ من الكلامِ عليه.\nوقولُه: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾. يعنى به: قل لهم يا محمدُ: صَدَّقنا باللهِ أنه ربُّنا وإلُهنا، لا إلهَ غيرُه، ولا نَعبُدُ أحدًا سِواه. ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾. يقولُ: وقُلْ: وصَدَّقْنا أيضًا بما أُنزِل علينا من وَحْيهِ وتنزيلِه، فأَقرَرْنا به. ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. يقولُ: وصَدَّقنا أيضًا بما أُنزِل على إبراهيمَ خليلِ اللَّهِ، وعلى ابْنَيْهِ إسماعيلَ وإسحاقَ، وابنِ ابنِه يعقوبَ، وبما أُنزِل على الأسباطِ، وهم ولدُ يعقوبَ الاثنا عشرَ. وقد بيَّنّا أسماءَهم بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢). ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾. يقولُ: وصَدَّقنا أيضًا مع ذلك بالذي أنزَل اللهُ على موسى وعيسى من الكُتُبِ والوَحْيِ، وبما أُنزِل على النبيِّين من عندِه.\nوالذي آتَى اللهُ موسى وعيسى - مما أمَر اللهُ ﷿ محمدًا بتَصْديقِهما فيه والإيمانِ به - التوراةُ (^٣) التي آتاها موسى، والإنجيلُ الذي آتاه عيسى.\n﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾. يقول: لا نُصَدِّقُ بعضَهم ونُكَذِّبُ بعضَهم، ولا نؤمِنُ ببعضِهم ونكفُرُ ببعضِهم، كما كفَرَت اليهودُ والنصارى ببعضِ أنبياءِ اللَّهِ،\n_________\n(^١) في ت ١: \"أو\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٥٩٧ - ٥٩٩.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"والتوراة\".","vol":"5","page":554},{"text":"وصَدَّقَت بعضًا، ولَكِنَّا نؤمنُ بجميعِهم ونُصَدِّقُهم.\n﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ يعنى: ونحن نَدِينُ للهِ (^١) بالإسلامِ، لا نَدِينُ غيرَه، بل نَتَبَرَّأُ إليه من كلِّ دِينِ سوَاه، ومن كلِّ مِلَّةٍ غيرِه.\nويعنى بقولِه: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: ونحن له مُنْقادون بالطاعةِ، مُتَذلِّلون بالعبودةِ، مُقِرُّون له بالأُلوهةِ والرُّبوبيةِ، وأنه لا إلهَ غيُره.\nوقد ذكَرنا الروايةَ بمعنى ما قلنا في ذلك فيما مضَى (^٢)، وكَرِهنا إعادتَه.\n\n<span id=\"aya-378\"></span><span data-type='title' id=toc-1401>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ومَن يَطلُبْ دِينًا غيَر دينِ الإسلامِ لِيدينَ به، فلن يَقْبَلَ اللهُ منه، ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. يقولُ: من الباخِسين أنفسَهم حظوظَها (^٣) من رحمةِ اللهِ ﷿.\nوذُكر أن أهلَ كلَّ مِلَّةٍ ادَّعَوا أنهم هم المسلمون لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ، فأمَرهم اللهُ بالحَجِّ إن كانوا صادِقِين؛ لأن مِن سُنَّةِ الإسلامِ الحَجَّ، فامتَنَعوا، فأَدْحَضَ اللَّهُ بذلك حُجَّتَهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1400>ذكرُ الخبرِ بذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذَيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجَيحٍ، قال: زعَم عكرمةُ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾. فقالت المِلَلُ: نحن المسلمون.\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، س.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٥٩٦، ٥٩٧.\n(^٣) في ت ١، س: \"حظوظهم\".","vol":"5","page":555},{"text":"فأنزَل اللهُ ﷿: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. فَحَجَّ المسلمون وقعَد (^١) الكفارُ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا القَعْنَبِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عِكْرمةَ، قال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾: قالت اليهودُ: فنحن مسلمون (^٣). فأنزَل اللهُ ﷿ لنَبِيِّه ﷺ يَحُجُّهِم (^٤) أَنَّ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عِكْرمةَ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾. إلى آخرِ الآيةِ، قالت اليهودُ: فنحن مُسلمون. قال اللهُ ﷿ لنَبِيِّه ﷺ: قلْ لهم: إنَّ ﴿لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ﴾ من أهلِ الملَلِ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (^٦).\nوقال آخرون في هذه الآيةِ بما حدَّثنا به المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"فقد\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩٩ (٣٧٨٨) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في م، ت ١: \"المسلمون\".\n(^٤) في ص، ت ١، س: \"فحجهم\".\n(^٥) أخرجه الشافعي في الأم ٢/ ٩٣، وسعيد بن منصور في سننه (٥٠٦ - تفسير)، والبيهقى ٤/ ٣٢٤ عن سفيان به بنحوه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٦ (٣٨٧٥) عن يونس وابن المقرئ به.","vol":"5","page":556},{"text":"وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]. فأنزَل اللهُ ﷿ بعدَ هذا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-379\"></span><span data-type='title' id=toc-1403>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويلِ في مَن عُنِي بهذه الآيةِ، وفى مَن نزَلَت؛ فقال بعضُهم: نزَلَت في الحارثِ بن سُوَيدٍ الأنصاريِّ، وكان مسلمًا فارتدَّ بعدَ إسلامِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1402>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بَزِيعٍ البَصْرِيُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رجلٌ من الأنصارِ أسلَم، ثم ارتدَّ ولَحقِ بالشركِ، ثم نَدِم، فأرسَل إلى قومِه: أرسِلوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ، هل لى مِن توبةٍ؟ قال: فنَزَلَت: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾، إلى قولِه: ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فأرسل إليه قومُه فأسلَم (^٢).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٢/ ٤٦.\n(^٢) أخرجه النسائي (٤٠٧٩)، وفى الكبرى (١١٠٦٥) عن محمد بن عبد الله به، وأخرجه ابن حبان (٤٤٧٧) من طريق يزيد بن زريع به.","vol":"5","page":557},{"text":"حدَّثني ابن المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عِكْرمةَ بنحوِه، ولم يَرفَعْه إلى ابن عباسٍ، إلا أنه قال: فكتَب إليه قومُه، فقال: ما كَذَبَني قومي. فرجَع (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا حكيمُ بنُ جُمَيعٍ، عن عليّ بن مُسْهِرٍ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ارتدَّ رجلٌ من الأنصارِ. فذكَر نحوَه (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا جعفرُ بنُ سليمانَ، قال: أخبرَنا حُمَيدٌ الأعرجُ، عن مجاهدٍ، قال: جاء الحارثُ بنُ سويدٍ، فأسلَم مع النبيِّ ﷺ، ثم كفَر الحارثُ، فرجَع إلى قومِه، فأنزَل اللهُ ﷿ فيه القرآنَ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾. إلى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال: فحَمَلها إليه رجلٌ من قومِه فقَرَأها عليه، فقال الحارثُ: إنك واللهِ ما عَلِمتُ لَصَدوقٌ، وإن رسولَ اللهِ ﷺ لأصدقُ مِنك، وإن الله ﷿ لأصدقُ الثلاثةِ. قال: فرجَع الحارثُ فأسلَم، فَحَسُن إسلامُه (^٣).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾. قال:\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، س. وينظر الإصابة ١/ ٥٧٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٧٠٠ (٣٧٩٥) من طريق على بن مسهر به، وأخرجه أحمد بن منيع. - كما في الإتحاف بذيل المطالب ٨/ ٥٤٣ - والحاكم ٢/ ١٤٢، ٤/ ٣٦٦، والواحدى في أسباب النزول ص ٨٣ من طريق داود به، وأخرجه الواحدى ص ٨٣ من طريق عكرمة به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٥، وأخرجه مسدد، كما في المطالب العالية (٣٩٢٨) - ومن طريقه الواحدى في أسباب النزول ص ٨٣ - عن جعفر به.","vol":"5","page":558},{"text":"أُنزِلَت في الحارثِ بن سُوَيدٍ الأنصاريِّ، كفَر بعدَ إيمانِه، فأَنزَلَ اللَّهُ ﷿ فيه هذه الآياتِ (^١)، ثم تاب وأسلَم، فنَسَخها اللهُ عنه، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، قال: رجلٌ من بني عمرِو بن عَوفٍ كفرَ بعدَ إيمانِه (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةّ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: هو رجلٌ من بنى عمرِو من عَوفٍ كفَر بعدَ إيمانِه (^٤).\nقال ابن جُرَيجٍ: أخبرَنى عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: لَحقِ بأرضِ الرومِ فتَنَصَّر، ثم كتَب إلى قومِه: أرسِلوا، هل لى من تَوْبَةٍ؟ قال: فَحَسِبتُ أنه آمَن ثم رجَع (^٤).\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ٢: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ \"، وبعده في م، ت ١، ت ٣، س: \"إلى ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ \".\nولعله أراد: \"إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ \". والله أعلم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٩ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) عزاه الحافظ في الإصابة ١/ ٥٧٧ إلى عبد بن حميد والفريابى من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٩ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"5","page":559},{"text":"قال ابن جُرَيجٍ: قال عِكْرمةُ: نزَلَت في أبي عامرٍ الرَّاهِبِ، والحارثِ بن سُويدِ بن الصَّامتِ، ووَحْوَحِ بن الأَسْلَتِ (^١)، في اثنى عشَرَ رجلًا رجَعوا عن الإسلامِ، ولَحِقوا بقريشٍ، ثم كتَبوا إلى أهلِهم: هل لنا من تَوبةٍ؟ فنزَلَت: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الآيات (^٢).\nوقال آخرون: عُنِى بهذه الآيةِ أهلُ الكتابِ، وفيهم نزَلَتْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1404>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾: فهم أهلُ الكتابِ، عرَفوا محمدًا ﷺ، ثم كفَروا به (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ منصورٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ الآية كلّها. قال: اليهودُ والنصارى (^٤).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ في قولِه: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ الآية: هم أهلُ\n_________\n(^١) في ت ١، س: \"الأسلب\". وهو وحوح (عامر) بن الأسلت بن جشم بن وائل، أخو أبي قيس. ينظر الإصابة ٦/ ٦٠١، وجمهرة أنساب العرب ص ٦٤٥.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٩ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٩٩ (٣٧٩٠) عن محمد بن سعد به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"5","page":560},{"text":"الكتابِ من اليهودِ والنصارى، رَأَوْا نَعْتَ (^١) محمدٍ ﷺ في كتابِهم، وأقَرَّوا (^٢) به، وشَهِدوا أنه حقٌّ، فلمَّا بُعِث من غيرِهم حَسَدوا العربَ على ذلك، فأنكَروه وكفَروا بعدَ إقرارِهم، حسدًا للعربِ، حينَ بُعِث من غيرِهم (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ، كانوا يَجِدون محمدًا ﷺ في كتابِهم، ويَستَفْتِحون به، فكفَروا بعد إيمانِهم (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: وأشبهُ القولَين بظاهرِ التنزيلِ ما قال الحسنُ، من أن هذه الآيةَ مَعْنِيٌّ بها أهلُ الكتابِ، على ما قاله، غيَر أن الأخبارَ بالقولِ الآخرِ أكثرُ، والقائلين به أعلمُ بتأويلِ القرآنِ. وجائزٌ أن يكونَ اللَّهُ ﷿ أَنزَل هذه الآياتِ بسببِ القومِ الذين ذُكِر أنهم كانوا ارتدُّوا عن الإسلامِ، فجمَع قِصَّتَهم وقصةَ مَن كان سبيلُه سبيلَهم في ارتِدادِه عن الإيمانِ محمدٍ ﷺ في هذه الآياتِ. ثم عَرَّف عبادَه سُنَّتَه فيهم، فيكونُ داخلًا في ذلك كلُّ مَن كان مؤمنًا بمحمدٍ ﷺ قبلَ أن يُبْعَثَ، ثم كفرَ به بعدَ أن بُعِث، وكلُّ مَن كان كافرًا ثم أسلَم على عهدِه ﷺ، ثم ارتدَّ وهو حيٌّ عن إسلامِه. فيكونُ مَعْنِيًّا بالآيةِ جميعُ هذيْن الصِّنْفَين وغيرُهما، [ممن كان بمثلِ معناهما] (^٥)، بل ذلك كذلك إن شاءَ اللَّهُ.\nفتأويلُ الآيةِ إذن: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾. يعنى: كيف يُرْشِدُ اللهُ للصوابِ، ويُوَفِّقُ للإيمانِ، قومًا جَحَدُوا نُبُوَّةَ محمدٍ ﷺ، ﴿بَعْدَ\n_________\n(^١) في ص: \"بعث\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"أقرا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٥ وفيه: \"ويستخفون به\".\n(^٥) في ت ١: \"من كان بمعناهما\".","vol":"5","page":561},{"text":"إِيمَانِهِمْ﴾. أي: بعدَ تَصْديقِهم إيَّاه، وإقرارِهم به فيما جاءَهم به من عندِ ربِّه، ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾. يقولُ: وبعدَ أن أقَرُّوا أن محمدًا رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى خَلْقِهِ حَقًّا. ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. يعنى: وجاءهم الحُجَجُ من عندِ اللَّهِ، والدلائلُ بصحةِ ذلك. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: واللهُ لا يُوَفِّق (^١) للحَقِّ والصوابِ الجماعةَ الظَّلَمَةَ، وهم الذين بَدَّلوا الحقَّ إلى الباطلِ، فاختاروا الكفرَ على الإيمانِ.\nوقد دلَّلنا فيما مضَى قبلُ على معنى \"الظُّلْمِ\"، وأنه وَضْعُ الشيءِ في غيرِ مَوضعِه، بما أغنَى عن إعادتِه (^٢).\n\n<span id=\"aya-380\"></span>﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ﴾. يعنى: هؤلاءِ الذين كفَروا بعدَ إيمانِهم، وبعدَ أن شَهِدوا أن الرسولَ حقٌّ. ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾: ثوابُهم من عملِهم الذي عَمِلوه. ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾. يعنى: أن يَحِلَّ (^٣) بهم من اللهِ الإقصاءُ والبُعْدُ، ومن الملائكةِ والناسِ ما (^٤) يَسوءُهم من العقابِ. ﴿أَجْمَعِينَ﴾. يعنى: من جميعِهم، لا من (^٥) بعضِ مَن سمَّاه جلَّ ثناؤه من الملائكةِ والناسِ، ولكن مِن جميعِهم. وإنما جعَل ذلك جلَّ ثناؤه ثوابَ عملِهم؛ لأن عملَهم كان باللهِ كُفْرًا.\nوقد بَيَّنا صفةَ لعنةِ الناسِ الكافرَ في غيرِ هذا الموضع، بما أغنَى عن إعادتِه (^٦).\n_________\n(^١) في ت ١: \"يوقف\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٥٩، ٥٦٠.\n(^٣) في ص، م: \"حل\".\n(^٤) في ص، م: \"إلا مما\"، وفى ت ١، ت ٣، س: \"إلا ما\"، وفى ت ٢: \"مما\". والمثبت ما يستقيم به السياق.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) ينظر ما تقدم في ٢/ ٢٣٢، ٧٣٣.","vol":"5","page":562},{"text":"<span id=\"aya-381\"></span>﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يعنى: ماكِثينِ. و﴿فيها﴾. يعني: في عقوبةِ اللهِ. ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾: لا يُنقصون من العذابِ شيئًا في حالٍ من الأحوالِ، ولا يُنَفَّسون فيه. ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. يعنى: ولا هم يُنْظُرُون لَمَعْذِرةٍ يَعْتَذِرون. وذلك كلُّه أَعْنَى (^١) الخلودِ في العقوبةِ في الآخرةِ.\n\n<span id=\"aya-382\"></span>ثم استَثْنَى جلَّ ثناؤه الذين تابُوا من هؤلاء الذين كفَروا بعدَ إيمانِهم، فقال تعالى ذكرُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾. يعنى: إلا الذين تابُوا من بعدِ ارتدادِهم عن إيمانِهم، فراجَعوا الإيمانَ باللهِ وبرسولِه، وصَدَّقوا بما جاءهم به نبيُّهم ﷺ من عندِ ربِّهم. ﴿وَأَصْلَحُوا﴾. يعنى: وعمِلوا الصالحاتِ من الأعمالِ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يعنى: فإن اللَّهَ لِمن فعَل ذلك بعدَ كفرِه ﴿غَفُورٌ﴾. يعنى: ساتِرٌ عليه ذنبَه الذي كان منه من الرِّدَّةِ، فتارِكٌ عقوبتَه عليه، وفَضِيحتَه به يومَ القيامةِ، غيرُ مُؤاخِذِه به إذا مات على التوبةِ منه. ﴿رَحِيمٌ﴾: مُتَعَطِّفٌ عليه بالرحمةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1405>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠)﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: عنَى اللَّهُ ﷿ بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ببعضِ أنبيائِه الذين بُعِثوا قبْلَ محمدٍ ﷺ بعدَ إيمانِهم، ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ بِكُفْرِهم بمحمدٍ ﷺ، و﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ عندَ حُضورِ الموتِ، وحَشْرَجتِه بنفسِه.\n_________\n(^١) أعنى الخلود: أشده نصبا وتعبا. وينظر اللسان (ع ن ي).","vol":"5","page":563},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1406>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\n\n<span id=\"aya-383\"></span>حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ منصورٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾، قال: اليهودُ والنصارى لن تُقْبَلَ توبتُهم عندَ الموتِ (^١).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾: أولئك أعداءُ اللهِ اليهودُ، كفَروا بالإنجيلِ وبعيسى، ثم ازدادوا كُفْرًا بمحمدٍ ﷺ والفُرْقانِ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾. قال: ازدادوا كُفْرًا حتى حضَرهم الموتُ، فلم تُقْبَلْ تَوبتُهم حينَ حضَرهم الموتُ. قال مَعْمَرٌ: وقال مثلَ ذلك عطاءٌ الخُرَاسانيُّ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾. وقال: هم اليهودُ، كفروا بالإنجيل، ثم ازدادوا كفرًا حينَ بَعَث اللهُ محمدًا ﷺ، فأنكَروه وكذَّبوا به (^٤).\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٧٠٢ عقب الأثر (٣٨٠٤) معلقًا.\n(^٢) ذكره الواحدى في أسباب النزول ص ٨٤، والبغوى في تفسيره ٢/ ٦٤، ٦٥.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٥، ١٢٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٧٠٢ (٣٨٠٤) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٧٠١ (٣٨٠١) من طريق شيبان، عن قتادة. وعزاه السيوطي في=","vol":"5","page":564},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك: إن الذين كفَروا من أهلِ الكتابِ بمحمدٍ بعد إيمانِهم بأنبيائِهم، ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾. يعنى: ذُنوبًا، ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾: مِن ذنوبِهم، وهم على الكفرِ مُقِيمون.\n\n<span data-type='title' id=toc-1407>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن رُفَيعٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾: ازدادوا ذُنوبًا وهم كفارٌ، ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾. من تلك الذنوبِ ما كانوا على كفرِهم وضَلالتِهم (^١).\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن داودَ، قال: سألتُ أبا العاليةِ، قال: قلتُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾. قال: إنما هم هؤلاء النصارى واليهودُ الذين كفَروا، ثم ازدادوا كفرًا بذنوبٍ أصابوها، فهم يَتوبون منها في كفرِهم (^٢).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ السُّكَّريُّ (^٣)، قال: أخبرَنا ابن أَبي عَدِيٍّ، عن داودَ، قال: سألتُ أبا العاليةِ عن الذين آمَنوا ثم كفَروا، فذكَر نحوًا منه.\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، قال: سألتُ أبا العاليةِ عن هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى والمجوسُ، أصابوا ذُنوبًا في\n_________\n= الدر المنثور ٢/ ٤٩ إلى عبد بن حميد.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٧٠٢ (٣٨٠٥) من طريق داود به بمعناه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٧٠١ (٣٧٩٩) من طريق داود بن أبى هند به بمعناه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٩ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في م: \"اليشكرى\". وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٤١٣.","vol":"5","page":565},{"text":"كفرِهم، فأرادوا أن يَتوبوا منها، ولن يَتوبوا من الكفرِ، ألَا تَرَى أنه يقولُ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾؟\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾. قال: تابوا من بعضٍ ولم يَتوبوا من الأصلِ (^١).\nحُدِّثْتُ عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن أبى العاليةِ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى، يُصِيبون الذنوبَ، فيقولون: نَتوبُ. وهم مُشْرِكون، قال اللهُ ﷿: لن تُقْبَلَ التوبةُ في الضلالةِ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إن الذين كفَروا بعدَ إيمانِهم بأنبيائِهم (^٢)، ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾. يعنى بزيادتِهم الكُفْرَ تمامَهم (^٣) عليه حتى هَلَكوا وهم عليه مُقِيمون. ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾: لن تَنْفَعَهم توبتهم الأولى وإيمانُهم، لكُفْرِهم الآخِرِ ومَوْتهِم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1408>ذكرُ مَن قال ذلك:</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ (^٤) قولَه: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾. قال: تمُّوا (^٥) على كُفْرِهم. قال ابن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٧٠٢ (٣٨٠٣) من طريق أبي عاصم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٠ إلى ابن المنذر وعبد بن حميد.\n(^٢) في ص: \"بإنبائهم\".\n(^٣) ف م، س: \"بما هم\". وتم على الشيء أقام عليه واستمر. التاج (ت م م).\n(^٤) في م، ت ١: \"عكرمة\".\n(^٥) في ص، م: \"نموا\".","vol":"5","page":566},{"text":"جُرَيجٍ: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾. يقولُ: إيمانهم أوَّل مرةٍ لن يَنْفَعَهم (^١).\nوقال آخرون: معنى قولِه: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾: ماتوا كفارًا، فكان ذلك هو زيادتَهم من كُفْرِهم. وقالوا: معنى: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾: لن تُقْبَلَ توبتُهم عندَ موتِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1409>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾: أما: ﴿ازْدَادُوا كُفْرًا﴾؛ فماتوا وهم كفارٌ، وأما: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾؛ فعندَ موتِه إذا تاب لم تُقْبَلْ تَوْبتُه (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأولَى هذه الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ هذه الآيةِ قولُ مَن قال: عَنى بها اليهودَ. وأن يكونَ تأويلُه: إن الذين كفَروا من اليهودِ بمحمدٍ ﷺ عندَ مَبْعَثِه، بعد إيمانِهم به قبلَ مَبْعَثِه، ثم ازدادوا كُفْرًا بما أصابوا من الذنوبِ في كُفْرِهم ومُقامِهم على ضَلالتِهم، لن تُقْبَلَ توبتُهم من ذنِوبهم التي أصابوها في كُفْرِهم، حتى يَتوبوا من كفرِهم بمحمدٍ ﷺ، ويُراجِعوا التوبةَ منه، بتَصْديقِ (^٣) ما جاء به من عندِ اللهِ.\nوإنما قُلنا: ذلك أولى الأقوالِ في هذه الآيةِ بالصوابِ؛ لأن الآياتِ قبلَها وبعدَها فيهم نزَلت، فأولى أن تكونَ هي في معنى ما قبلَها\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٠ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٧٠١ (٣٨٠٠) من طريق أحمد بن مفضل به بشطره الأول.\n(^٣) في ص، ت ٢: \"بتصديقه\".","vol":"5","page":567},{"text":"وما بعدَها إذ (^١) كانت في سياقٍ واحدٍ.\nوإنما قلنا: معنى ازديادِهم الكفرَ ما أصابوا في كفرِهم من المعاصي؛ لأنه جلَّ ثناؤه قال: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾. فكان معلومًا أن معنى قولِه: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾. إنما هو مَعْنِيٌّ به: لن تُقْبَلَ توبتُهم مما ازدادوا (^٢) من الكفر على كفرِهم بعدَ إيمانِهم، لا مِن كفرِهم؛ لأن الله تعالى ذكرُه وعَد أن يَقْبَل التوبةَ من عبادِه، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]. فمُحالٌ أن يقولَ ﷿: أَقْبَلُ، ولا أقبَلُ. في شيءٍ واحدٍ. وإذ كان ذلك كذلك - وكان من حُكْمِ اللهِ في عبادِه أنه قابِلٌ توبةَ كلِّ تائبٍ من كلِّ ذنبٍ، وكان الكفرُ بعدَ الإيمانِ أحدَ تلك الذنوبِ التي وَعَدَ قَبولَ التوبةِ منها بقولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ - عُلِم أن المعنَى الذي لا يَقْبَلُ التوبةَ منه غيرُ المعنى الذي يَقْبَلُ التوبةَ منه. وإذ كان ذلك كذلك، فالذي لا يَقْبَلُ منه التوبةَ هو الازديادُ على الكفرِ بعدَ الكفرِ، لا يَقْبَلُ اللهُ (^٣) توبةَ صاحبِه ما أقام على كفرِه؛ لأن الله لا يَقْبَلُ من مُشْرِكٍ عملًا ما أقام على شِرْكِه وضَلالِه، فأمَّا إن تابَ من شِرْكِه وكفرِه وأصلَح، فإن الله - كما وصَف به نفسَه - غفورٌ رحيمٌ.\nفإن قال قائلٌ: وما يُنكَرُ أن يكونَ معنى ذلك كما قال مَن قال: فلن تُقْبَلَ تَوْبتُهم من كفرِهم عندَ حُضورِ [أجلِه، و(^٤) تَوْبَتُه الأولى] (^٥)؟\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"إذا\".\n(^٢) في ص: \"أرادوا\".\n(^٣) بعده في ص، ت ٢، س: \"منه\".\n(^٤) في ص، س: \"أو\".\n(^٥) لعل صواب السياق: \"أجلهم وتوبتهم الأولى\".","vol":"5","page":568},{"text":"قيل: أنكَرنا ذلك لأن التوبةَ من العبدِ غيرُ كائنةٍ إلا في حالِ حياتِه، فأما بعدَ مماتِه فلا توبةَ، وقد وَعَد اللهُ ﷿ عبادَه قَبولَ التوبةِ منهم ما دامتْ أرواحُهم في أجسادِهم، ولا خلافَ بينَ جميعِ الحُجَّةِ في أن كافرًا لو أسلَم قبلَ خُروجِ نفسِه بطَرْفةِ عينٍ، أن حُكْمه حكمُ المسلمين في الصلاةِ عليه والمُوَارَثة، وسائرِ الأحكامِ غيرهما (^١). فكان معلومًا بذلك أن توبتَه في تلك الحالِ لو كانت غيرَ مَقْبولةٍ، لم يَنتقِلْ حُكْمُه من حكمِ الكفارِ إلى حكمِ أهلِ الإسلامِ، ولا منزلةَ بينَ الموت والحياةِ يجوزُ أن يقالَ: لا يَقْبَلُ اللهُ فيها توبةَ الكافرِ. فإذ صَحَّ أنها في حال حياتِه مَقْبولةٌ، ولا سبيلَ بعدَ المماتِ إليها، بطَل قولُ الذي زعَم أنها غيرُ مقبولةٍ عندَ حُضورِ الأجلِ.\nوأما قولُ مَن زعَم أن معنى ذلك: التوبةُ التي كانت قبلَ الكفرِ. فقولٌ لا معنَى له؛ لأن الله ﷿ لم يَصِفِ القومَ بإيمانٍ كان منهم بعدَ كُفْرٍ، ثم كُفْرٍ بعدَ إيمانٍ، بل إنما وَصَفهم بكُفْرٍ بعدَ إيمانٍ، فلم يَتَقَدَّمْ ذلك الإيمانَ كفرٌ كان للإيمانِ لهم توبةٌ منه، فيكونَ تأويلُ ذلك على ما تأوَّله قائلُ ذلك. وتأويلُ القرآنِ على ما كان موجودًا في ظاهرِ التلاوةِ - إذا لم تكُنْ حُجَّةٌ تدلُّ على باطنٍ خاصٍّ - أولى من غيرِه وإن أمكَن تَوْجيهُه إلى غيرِه.\nوأما قولُه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾. فإنه يعنى بذلك: وهؤلاء الذين\nكَفروا بعدَ إيمانِهم ثم ازدادوا كُفْرًا، هم الذين (^٢) ضَلُّوا (^٣) سبيلَ الحقِّ، فَأَخْطَئُوا مَنْهَجه، وترَكوا نَصَفَ (^٤) السبيلِ وهدَى اللهِ (^٥)، [حَيْرةً منهم، وعمًى عنه] (^٦).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"غيرها\".\n(^٢) بعده في ت ٢: \"كفروا\".\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"أضلوا\".\n(^٤) في م: \"منصف\". ونصف السبيل عدله وجادته.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، وبعده في م: \"الذي\".\n(^٦) في ص: \"خبرهم منهم\"، وفى م: \"أخبرهم عنه فعموا عنه\".","vol":"5","page":569},{"text":"وقد بَيَّنَّا فيما مضى معنى \"الضلال\" بما فيه الكفايةُ (^١).\n\n<span id=\"aya-384\"></span><span data-type='title' id=toc-1410>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: جحَدوا نُبوَّةَ محمدٍ ﷺ ولم يُصَدِّقوا به وبما جاء به من عندِ اللهِ مِن أَهلِ كلَّ مِلَّةٍ؛ يهودِها ونَصاراها ومجوسِها وغيرِهم، ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. يعنى: وماتوا على ذلك من جُحودِ نُبوَّتِه وجُحودِ ما جاء به، ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾. يقولُ: فلن يُقْبَلَ ممن كان بهذه الصفةِ في الآخرةِ جَزاءٌ ولا رِشُوةٌ على تَرْكِ عُقوبتِه على كُفْرِه، ولا جُعْلٌ على العَفْوِ عنه، ولو كان له من الذهبِ قَدْرُ ما يَملأُ الأَرضَ من مَشْرِقِها إلى مَغْرِبِها، فَرَسًا وَجَزَى (^٢) على تركِ عقوبتِه، وفى العفوِ عنه على كفرِه، عِوَضًا مما اللهُ مُحِلٌّ به من عذابِه (^٣)؛ لأن الرِّشا إنما يَقْبَلُها مَن كان ذا حاجةٍ إلى ما رُشِى (^٤)، فأمَّا مَن له الدنيا والآخرةُ، فكيف يَقْبَلُ الفِدْيَةَ وهو خَلَّاقُ كُلِّ فِدْيَةٍ افتدَى بها مُفْتَدٍ من (^٥) نفسِه أو غيرِه؟\nوقد بَيَّنا أن معنى \"الفِدْيَةِ\": العِوَضُ والجزاءُ من المُفْتَدِى منه، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٦).\nثم أخبر ﷿ عمالهم عندَه، فقال: ﴿وَأُولَئِكَ﴾. يعنى: هؤلاء الذين\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ١٩٧ - ١٩٩.\n(^٢) في ص، ت ١: \"جزاء\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"عباده\"، وفى س: \"عقابه\".\n(^٤) في ت ١، س: \"رشا\".\n(^٥) في م: \"عن\".\n(^٦) ينظر ما تقدم في ٣/ ١٨٠.","vol":"5","page":570},{"text":"كفَروا وماتوا وهم كفارٌ، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: لهم عندَ اللهِ في الآخرةِ عذابٌ مُوجِعٌ، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. يعنى: وما لهم من قريبٍ ولا حميمٍ ولا صديقٍ يَنْصُرُه فيَسْتَنقِذَه من اللهِ ومن عذابِه، كما كانوا يَنْصُرونه في الدنيا على مَن حاول أذَاه ومَكْرُوهَه.\nوقد حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثنا أَنسُ بنُ مالكٍ، أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"يُجَاءُ بالكافرِ يومَ القيامةِ فيُقالُ له: أرأيتَ لو كان لكَ مِلءُ الأرضِ ذَهَبًا، أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا به؟ فيقولُ: نعم، قال فيُقالُ: لقد سُئِلتَ ما هو أيسَرُ مِن ذلك\". فذلك قولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ، قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾. قال: هو كلُّ كافرٍ (^٢).\nونُصِب قولُه: ﴿ذَهَبًا﴾ على الخروجِ من المقدارِ الذي قبلَه والتفسيرِ (^٣) منه، وهو قولُه: ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ﴾. كقولِ القائلِ: عندى قَدْرُ زِقٍّ سَمْنًا، وقَدْرُ رَطْلٍ عَسَلًا. فالعسلُ (^٤) مُبَيَّنٌ (^٥) به ما (^٦) ذُكِر من المقدارِ، وهو نكرةٌ منصوبةٌ على التفسيرِ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢١/ ١٧، ٤٧١ (١٣٢٨٨، ١٤١٠٧)، وعبد بن حميد (١١٧٩)، والبخارى (٦٥٣٨)، ومسلم (٢٨٠٥)، وأبو يعلى (٢٩٢٦، ٢٩٧٦، ٣٠٢١)، وابن حبان (٧٣٥١)، والبيهقي في البعث (٩١، ٩٢) من طريق سعيد بن أبي عروبة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٧٠٢ (٣٨٠٦) من طريق أبي بكر الحنفى به.\n(^٣) التفسير: التمييز. وينظر ما تقدم في ٢/ ٢٤٣.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"بالعسل\".\n(^٥) في ت ١، س: \"يبين\". والمبين: المميز. ينظر شرح التسهيل ١/ ٣٧٩.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"عما\".","vol":"5","page":571},{"text":"للمقدارِ، والخروجِ منه.\nوأما نحويو البصرةِ، فإنهم زعَموا أنه نَصَب الذهبَ لاشتغالِ (^١) الملءِ (^٢) بالأرضِ، ومجئِ الذهبِ بعدَهما، فصار نصبُها نظيرَ نصبِ الحالِ، وذلك أن الحالَ يَجِيءُ بعدَ فعلٍ قد شُغِل بفاعله فيُنْصَبُ، كما يُنْصَبُ المفعولُ الذي يأتى بعدَ الفعلِ الذي قد شُغِل بفاعلِه. قالوا: ونظيرُ قولِه: ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾. في نَصْبِ الذهبِ في الكلامِ: لى مِثْلُك رجلًا. بمعنى: لى مِثْلُك من الرجالِ. وزعَموا أن نَصْبَ الرجلِ لاشتغالِ الإضافةِ بالاسمِ، فنُصِب كما يُنْصَبُ المفعولُ به؛ لاشتغالِ (^٣) الفعلِ بالفاعلِ.\nوأُدخِلَت الواوُ في قولِه: ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾. لمحذوفٍ من الكلامِ بعدَه، دلَّ عليه دخولُ الواوِ، [كالواوِ في قولِه: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾] (^٤) [الأنعام: ٧٥]. وتأويلُ الكلامِ: وليكونَ من الموقنين (^٥) أرَيْناه ملكوتَ السماواتِ والأرضِ. فكذلك ذلك في قولِه: ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾. ولو لم يكنْ في الكلامِ واوٌ لكان الكلامُ صحيحًا، ولم يكنْ هناك متروكٌ، وكان: فلن يُقبلَ من أحدِهم ملءُ الأرضِ ذهبًا لو افتدي به.\n\n<span id=\"aya-385\"></span><span data-type='title' id=toc-1411>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ</span>\n_________\n(^١) في ت ١، س: \"لاستعمال\".\n(^٢) في ت ٢: \"الملل\".\n(^٣) في ت ١، س: \"لاستثقال\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"لمتروك من الكلام دل عليه دخول الواو وتأويل الكلام وليكون من الموقنين\".","vol":"5","page":572},{"text":"فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾.\nيعنى بذلك جلّ ثناؤه: لن تُدْرِكوا أَيُّها المؤمنون البِرَّ، وهو البِرُّ من اللهِ الذي يَطْلُبونه منه بطاعتِهم إيّاه، وعبادتِهم له، ويَرْجونه منه، وذلك تَفَضُّلُه عليهم بإدخالِهم جنتَه، وصَرْفِ عذابِه عنهم. ولذلك قال كثيرٌ من أهلِ التأويلِ: البِرُّ الجنةُ؛ لأن بِرَّ الرَّبِّ بعبدِه في الآخرةِ إكرامُه (^١) إيَّاه بإدخالِه الجنةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1412>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شَرِيكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، في قولِه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾. قال: الجنةُ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ في قولِه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾. قال: البِرُّ الجنةُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾: أما البِرُّ فالجنةُ (^٣).\nفتأويلُ الكلامِ: لن تَنالوا أيُّها المؤمنون جنةَ ربِّكم ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. يقولُ: حتى تَتَصَدَّقوا مما تُحِبُّون [وتَهْوَون] (^٤) أن يكونَ لكم من نَفيسِ أموالِكم.\nكما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَنْ تَنَالُوا\n_________\n(^١) في م: \"وإكرامه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٤٢٤ عن شريك به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٠٣ عقب الأثر (٣٨٠٩) من طريق عمرو، عن أسباط به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"فتهوون\".","vol":"5","page":573},{"text":"الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. يقولُ: لن تَنالوا [بِرَّ رَبِّكم] (^١) حتى تُنْفِقوا مما يُعْجِبُكم، ومما تَهْوَوْن من أموالِكم (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن عَبَّادٍ، عن الحسنِ قولَه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. قال: من المالِ.\nوأما قولُه: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. فإنه يعنى به: ومهما تُنْفِقوا من شيءٍ فتَتَصَدَّقوا به من أموالِكم، فإن الله تعالى ذكرُه بما يَتَصَدَّقُ به المُتَصَدِّقُ منكم، فيُنْفِقُه مما يُحِبُّ من مالِه في سبيلِ اللهِ، وغيرِ ذلك ﴿عَلِيمٌ﴾. يقولُ: هو ذو علمٍ بذلك كلِّه، لا يَعْزُبُ عنه شيءٌ منه، حتى يُجازِىَ صاحبَه عليه جزاءَه في الآخرةِ.\nكما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: محفوظٌ لكم ذلك، اللهُ به عليمٌ، شاكرٌ له (^٣).\nوبنحوِ التأويل الذي قلنا تأوَّل هذه الآيةَ جماعةٌ من الصحابةِ والتابعين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1413>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. قال: كتب عمرُ بنُ الخطابِ إلى أبي موسى الأشعريِّ أن يَبْتاعَ له جاريةً من\n_________\n(^١) في ص: \"بربكم\"، وفي ت ٢: \"بيركم\"، وفي ت ١، س: \"بركم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥١ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٠٤ (٣٨١٥) من طريق شيبان، عن قتادة.","vol":"5","page":574},{"text":"جَلُولاءَ (^١) يومَ فُتِحَت مدائنٌ كسرى في قتالِ سعدِ بن أبي وَقَّاصٍ، فدَعا بها عمرُ بنُ الخطابِ، فقال: إن الله يقولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. فَأَعْتَقَها عمرُ. وهى مِثْلُ قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان ٨]. ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^٢) [الحشر: ٩].\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه سواءً.\nحدثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن حُمَيدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. أو هذه الآيةُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥/ الحديد: ١١]. قال أبو طلحة: يا رسولَ اللهِ، حائِطى الذي بكذا وكذا صدقةً، ولو استطعتُ أن أجعَلَه سِرًّا لم أجعَلْه علانيةً، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"اجْعَلْها في فُقراءِ أهلِكَ\" (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حَمَّادٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ بن مالكٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. قال أبو طلحةَ: يا رسولَ اللهِ، إن الله يسألُنا من أموالِنا، اشْهَدْ أَنِّي قد\n_________\n(^١) أي من سبى جلولاء. وجلولاء اسم للوقعة التي كانت بين المسلمين والفرس في صفر من سنة ست عشرة، وفيها انتصر المسلمون بعد قتال لم يسمع بمثله، وقتل من الفرس يومئذ مائة ألف، حتى جللوا وجه الأرض بالقتلى، فلذلك سميت جلولاء. ينظر تاريخ المصنف ٤/ ٢٤ - ٣٤، والبداية والنهاية ١٠/ ٢٠ - ٢٤.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٥٥، ٢٥٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه أحمد ١٩/ ١٩١، ٢٠/ ١٧٩، ٢١/ ٢٩٥ (١٢١٤٤، ١٢٧٨١، ١٣٧٦٧)، وعبد بن حميد (١٤١٣)، والترمذى (٢٩٩٧)، وأبو يعلى (٣٨٦٥)، وابن خزيمة (٢٤٥٨، ٢٤٥٩)، والطحاوى، ٣/ ٢٨٩، ٤/ ٣٨٦، والدارقطني ٤/ ١٩١ من طريق حميد به.","vol":"5","page":575},{"text":"جعَلتُ أرضِى بأَرْيَحَا (^١) للهِ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"اجعَلها في قَرابتِك\". فَجَعَلها بينَ حسانَ بن ثابتٍ وأبيِّ بن كعبٍ (^٢).\nحدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا ليثٌ، عن ميمونِ بن مِهْرَانَ، أن رجلًا سأل أبا ذرٍّ: أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: الصلاةُ عمادُ الإسلامِ، والجهادُ سَنامُ العملِ، والصدقةُ شيءٌ عَجَبٌ (^٣). فقال: يا أبا ذرٍّ، لقد ترَكتَ شيئًا هو أوثَقُ عملى في نفسى لا أراك ذكَرْتَه. قال: ما هو؟ قال: الصيامُ. فقال: قُرْبةٌ، وليس هنا (^٤). وتلا هذه الآيةَ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرَنى داودُ بنُ عبدِ الرحمنِ المكيُّ، عن عبدِ اللهِ بن عبدِ الرحمنِ بن أبى حسينٍ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. جاء زيْدٌ بفرسٍ له، يقالُ لها: سَبْلٌ (^٦). إلى النبيِّ ﷺ، فقال: تَصَدَّق بهذه يا رسولَ اللهِ. فأعطاها\n_________\n(^١) كذا في النسخ، وسنن أبى داود. ويقال أيضًا: بيرحاء. بالمد والقصر، بفتح الراء وضمها، مصروف وممنوع. قال الزمخشري: هو بوزن \"فَيْعَلى\" من البراح، وهى الأرض الظاهرة، وهو اسم مال وموضع بالمدينة. ينظر الفائق ١/ ٩٣، ومشارق الأنوار ١/ ١١٥، ١١٦، والنهاية ١/ ١١٤، وعون المعبود ٢/ ٥٨.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢١/ ٤٣١ (١٤٠٣٦)، ومسلم ٤٣/ (٩٩٨)، وأبو داود (١٦٨٩)، والنسائي (٣٦٠٤)، وابن خزيمة (٢٤٦٠)، وابن حبان (٧١٨٣)، والدارقطني ٤/ ١٩١، والبيهقى ٦/ ١٦٥، ٢٨٥، وفي الشعب (٣٤٢٣)، وابن عبد البر في التمهيد ١/ ٢١٦ من طريق حماد بن سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٠ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) في م: \"عجيب\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"هناك\". والمثبت موافق لما في الدر المنثور.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٠ إلى المصنف.\n(^٦) في م: \"سيل\". والمثبت موافق لما في كتاب الخيل لأبي عبيدة ص ١٧٩. وينظر تاج العروس (س ب ل).","vol":"5","page":576},{"text":"رسول اللهِ ﷺ ابنه أسامةَ بن زيدِ بن حارثةَ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنما أردتُ أن أَتصَدَّقَ به. فقال رسولُ اللهِ: \"قد قُبِلَت صَدَقَتُك\" (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ وغيرِه أنها حينَ نزَلَت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. جاء زيدُ بنُ حارثةَ بفرسٍ له كان يُحِبُّها، فقال: يا رسولَ اللهِ، هذه في سبيلِ اللهِ. فحَمَل رسولُ اللهِ ﷺ عليها أسامةَ بنَ زيدٍ، فكأنَّ زيدًا وَجَد في نفسِه، فلما رأى ذلك منه النبيُّ ﷺ، قال: \"أمَا إِنَّ الله قَدْ قَبلها\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-386\"></span><span data-type='title' id=toc-1414>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه أنه لم يَكُنْ حرَّم على بني إسرائيلَ - وهم ولَدُ يعقوبَ ابن إسحاقَ بن إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ - شيئًا من الأطعمةِ من قبل أن تُنزَّلَ التوراةُ، بل كان ذلك كلُّه لهم حلالًا، إلا ما كان يعقوبُ حرَّمه على نفْسِه، فإِنَّ ولدَه حَرَّموه استنانًا بأبيهم يعقوبَ، من غيرِ تحريمِ اللهِ ذلك عليهم في وَحْيٍ، ولا تنزيلٍ، ولا على لسانِ رسولٍ له إليهم، من قبلِ نزولِ التوراةِ.\nثم اختلف أهلُ التأويلِ في تحريمِ ذلك عليهم: هل نزَل في التوراةِ أم لا؟ فقال بعضُهم: لمَّا أَنْزَل اللهُ ﷿ التوراةَ حرَّم عليهم مِن ذلك ما كانوا يُحرِّمونه قبلَ نزولِها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٩/ ٣٦٧ من طريق ابن وهب به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٦.","vol":"5","page":577},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1415>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. قالت اليهودُ: إنما نُحرِّمُ ما حرَّم إسرائيلُ على نفسِه، وإنما حرَّم إسرائيلُ العُرُوقَ، كان يأخُذُه عِرْقُ النَّسَا (^١)، كان يأخُذُه بالليلِ، ويترُكُه بالنهارِ، فحلَف لئنِ اللهُ عافاه منه لا يأكلُ عِرْقًا أبدًا. فحرَّمه اللهُ عليهم. ثم قال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ما حرَّم هذا عليكم غيرى؛ ببغيِكم، فذلك قولُه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (^٢) [النساء: ١٦٠].\nفتأويلُ الآية على هذا القولِ: كلُّ الطعامِ كان حِلًّا لبنى إسرائيلَ، إلا ما حرَّم إسرائيلُ على نفسِه من قبلِ أن تُنزَّلَ التوراةُ، فإن الله حَرَّم عليهم من ذلك ما كان إسرائيلُ حرَّمه على نفسِه في التوراةِ؛ ببغيِهم على أنفسِهم وظلمِهم لها. قل يا محمدُ: فأتوا أيُّها اليهودُ - إن أَنْكَرتم ذلك - بالتوراةِ، فاتْلُوها إن كنتم صادقين أنَّ الله لم يُحرِّمْ ذلك عليكم في التوراةِ، وأنكم إنما تحرِّمونه لتحريمِ\n_________\n(^١) عرق النسا: وجع يبتدئ من الوَرِك من خَلْف، وينزل إلى الركبة، وربما بلغ الكعب، وكلما طال زمانُه زاد نزولُه، فربما امتدَّ إلى الأصابع بحسب كثرة مادته وقلَّتها، ويَهْزُل معه الرِّجل، والفخِذ، ويصعب الانكباب وتسوية القامة، وربما انخلع بسببه طرَف الفَخِد. ينظر الموجز في الطب لابن النفيس ص ٢٦٧.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٦٢ عن المصنف. وينظر تفسير البغوي ٢/ ٦٨، وتفسير القرطبي ٤/ ١٣٤، ١٣٥.\nوالعروق المقصودة هي العروق التي تكون في اللحم، جمع عِرْق وهو الأجوف الذي يكون فيه الدم، والعصب: غير الأجوف. ينظر تفسير البغوي ٢/ ٦٨، والنهاية ٣/ ٢١٩.","vol":"5","page":578},{"text":"إسرائيلَ إيَّاه على نفسِه.\nوقال آخرون: ما كان شيءٌ من ذلك عليهم حرامًا، ولا حرَّمه اللهُ عليهم في التوراةِ، وإنما هو شيءٌ حرَّموه على أنفسِهم، اتِّباعًا لأبيهم، ثم أَضافوا تحريمَه إلى اللهِ، فكذَّبهم اللهُ ﷿ في إضافتِهم ذلك إليه، فقال اللهُ ﷿ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل لهم يا محمدُ: إن كنتم صادقين، فأْتُوا بالتوراةِ فاتْلُوها حتى ننظُرَ هل ذلك فيها أم لا؟ فيتبيَّنَ (^١) كَذِبُهم لمن يَجْهَلُ أمرَهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1416>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحُدِّثت عن الحسينِ بن الفَرَجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾: إسرائيلُ هو يعقوبُ، أخَذه عِرْقُ النَّسَا، فكان لا يَبِيتُ (^٢) الليلَ مِن وجَعِه، وكان لا يُؤْذِيه بالنهارِ، فحلَف لئن شَفاه اللهُ لا يأكُلُ عِرْقًا أبدًا. وذلك قبلَ نزولِ التوراةِ على موسى، فسأل نبيُّ اللهِ ﷺ اليهودَ: ما هذا الذي حرَّم إسرائيلُ على نفسِه؟ فقالوا: نَزَلَتِ التوراةُ بتحريمِ الذي حرَّم إسرائيلٌ. فقال اللهُ لمحمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. وكذبوا وافْتَرَوْا؛ لم تُنزَّلِ التوراةُ بذلك (^٣).\nوتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ: كلُّ الطعامِ كان حِلًّا لبني إسرائيل من قبلِ أن\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، س: \"ليتبين\".\n(^٢) في ص، م: \"يثبت\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٠٦، ٧٠٧ (٣٨٢٥) من طريق أبي معاذ به مقتصرًا على آخره.","vol":"5","page":579},{"text":"تُنزَّل التوراةُ وبعدَ نزولِها، إلا ما حرَّم إسرائيلُ على نفسِه من قبلِ أن تُنَزَّلَ التوراةُ. بمعنى: لكنَّ إسرائيلَ حرَّم على نفسِه من قبلِ أن تُنَزَّلَ التوراةُ بعضَ ذلك. وكأنَّ الضحَّاكَ وَجَّه قولَه: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾. إلى الاستثناءِ الذي يُسمِّيه النحْويون الاستثناءَ المنقطعَ.\nوقال آخرون: تأويلُ ذلك: كلُّ الطعامِ كان حِلًّا لبنى إسرائيلَ إلا ما حرَّم إسرائيلُ على نفسِه من قبل أن تنزَّلَ التوراةُ، فإنَّ ذلك حرامٌ على ولدِه، بتحريمِ إسرائيلَ إيَّاه على ولدِه، من غيرِ أن يكونَ اللهُ حرَّمه على إسرائيلَ ولا على ولدِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1417>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾: فإنه حرَّم على نفسِه العروقَ، وذلك أنه كان يشْتَكى عِرقَ النَّسَا، فكان لا ينامُ الليلَ، فقال: واللهِ لئن عافاني اللهُ منه لا يأكُلُه لى ولدٌ، وليس مكتوبًا في التوراةِ. وسأَل محمدٌ ﷺ نفرًا من أهلِ الكتابِ، فقال: \"ما شأنُ هذا حرامًا\"؟ فقالوا: هو حرامٌ علينا من قبلِ الكتابِ. فقال اللهُ ﷿: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قال ابن عباسٍ: أخَذه - يعني إسرائيلَ - عِرْقُ النَّسَا، فكان لا يَبِيتُ (^٢) بالليلِ مِن شدةِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٠٦ (٣٧٢٢) عن محمد بن سعد به، من قوله: سأل محمد ﷺ.\n(^٢) في م، ت ٢: \"يثبت\".","vol":"5","page":580},{"text":"الوجعِ، وكان لا يُؤْذيه بالنهارِ، فحلَف لكن شفاه اللهُ لا يأكلُ عرقًا أبدًا. وذلك قبلَ أن تُنزَّلَ التوراةُ، فقال اليهودُ للنبيِّ ﷺ: نَزَلَتِ التوراةُ بتحريمِ الذي حرَّم إسرائيلُ على نفسِه. قال اللهُ لمحمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وكذَبوا، ليس في التوراةِ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ (^٢): قولُ من قال: معنى ذلك: كلُّ الطعامِ كان حِلًّا لبنى إسرائيلَ مِن قبلِ أن تنزَّلَ التوراةُ، إِلَّا ما حرَّم إسرائيلُ على نفسِه، من غيرِ تحريمِ اللهِ ذلك عليه، فإنه كان حرامًا عليهم بتحريمِ أبيهم إسرائيلَ ذلك عليهم، من غيرِ أن يُحَرِّمَه اللهُ عليهم في تنزيلٍ، ولا بوحيٍ قبلَ التوراةِ، حتى نَزَلَتِ التوراةُ، فحرَّم اللهُ عليهم فيها ما شاء، وأحلَّ لهم فيها ما أَحبَّ. وهذا قولٌ قالتْه جماعةٌ من أهلِ التأويلِ، وهو معنى قولِ ابن عباسٍ الذي ذكَرْناه قبلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1418>ذكرُ بعض مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾: وإسرائيلُ هو يعقوبُ، ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. يقولُ: كلُّ الطعامِ كان حِلًّا لبنى إسرائيلَ مِن قبل أن تُنزَّلَ التوراةُ، إلا ما حرَّم إسرائيلُ على نفسِه، فلمّا أَنْزَل اللهُ التوراةَ حرَّم عليهم فيها [ما شاء] (^٣)، وأحلَّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٠٦ (٣٨٢٣) من طريق ابن جريج عن ابن عباس ببعضه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٢ إلى ابن المنذر، مطولًا.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، س: \"أن\".\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"أشياء\".","vol":"5","page":581},{"text":"لهم ما شاء (^١).\nحُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ بنحوِه.\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ في الذي كان إسرائيلُ حرَّمه على نفسِه؛ فقال بعضُهم: كان الذي حرَّمه إسرائيلُ على نفسِه العُرُوقَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1419>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا أبو بشرٍ، عن يوسفَ بن ماهَكَ، قال: جاء أعرابيٌّ إلى ابن عباسٍ، فقال: إنه جعَل امرأتَه عليه حرامًا. قال: ليست عليك بحرامٍ. قال: فقال الأعرابيُّ: ولمَ؟ واللهُ يقولُ في كتابِه: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾. قال: فضَحِك ابن عباسٍ وقال: وما يُدْريك ما كان إسرائيلُ حرَّم على نفسِه؟ قال: ثم أَقْبَل على القومِ يُحدِّثُهم، فقال: إسرائيلُ عَرَضتُ له الأَنْساءُ (^٢) فَأَضْنَتْه، فجعَل للهِ عليه، إن شفاه اللهُ منها لا يَطْعَمُ عِرقًا. قال: فلذلك اليهودُ تَنْزِعُ العروقَ من اللحمِ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، قال: سمِعتُ يوسفَ بنَ ما هَكَ، يُحدِّثُ أن أعرابيًّا أتَى ابنَ عباسٍ، فذكَر رجلًا حرَّم امرأتَه، فقال: إنها ليست بحرامٍ. فقال الأعرابيُّ: أرأيتَ قولَ اللهِ ﷿: ﴿كُلُّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٠٦ (٣٨٢١) من طريق شيبان عن قتادة دون أوله.\n(^٢) الأنساء: جمع نَسَا. وتقدم تعريف عرق النسا في ص ٥٧٨.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٠٨ - تفسير) من طريق أبي بشر به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥١ إلى عبد بن حميد.","vol":"5","page":582},{"text":"الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾. فقال: إن إسرائيلَ كان به عِرقُ النَّسَا، فحلَف لئن عافاه اللهُ ألا يأكُلَ العروقَ من اللحمِ. وإنها ليست عليك بحرامٍ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سليمانَ التَّيْميِّ، عن أبي مِجْلَزٍ في قولِه: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾. قال: إن يعقوبَ أخَذه وجعُ عِرقِ النَّسَا، فجعَل اللهِ عليه، أو (^١) أَقْسَم، أو قال: لا يَأْكُلُه من الدوابِّ. قال: والعروقُ كلُّها تبع لذلك العرقِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن الذي حرَّم إسرائيلُ على نفسِه، أن الأَنْساءَ أَخَذَتْه ذاتَ ليلةٍ، فَأَسْهَرتْه، فتأَلَّى (^٢)، إن اللهُ شفَاه لا يَطْعَمُ نَسًا أبدًا. فتَتَبَّعَتْ بنوه العروقَ بعدَ ذلك، يُخْرِجونها مِن اللحمِ.\nحُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ بنحوِه. وزاد فيه: قال: فتألَّى؛ لئن شفاه اللهُ لا يَأْكلُ عِرقًا أبدًا. فجعَل بنوه بعدَ ذلك يَتتبَّعون العروقَ فيُخْرِجونها من اللحمِ، وكان الذي حرَّم على نفسِه مِن قبلِ أن تُنزَّلَ التوراةُ، العروقَ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾. قال: اشتكَى إسرائيلُ عِرقَ النَّسَا، فقال: إنِ اللهُ شفانى لأُحَرِّمَنَّ العروقَ. فحرَّمها (^٣).\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س: \"أن\".\n(^٢) أي: حلف.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٦.","vol":"5","page":583},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا سفيانُ الثوريُّ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباس، قال: كان إسرائيل أخَذه عِرقُ النَّسَا، فكان يَبِيتُ له زُقاءٌ، فجعَل اللهِ عليه إن شفاه ألَّا يَأكُلَ العروقَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾. قال سفيانُ: له زُقاءٌ، يعني: صياحٌ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِه: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾. قال: كان يشتكى عِرقَ النَّسَا، فحرَّم العروقَ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾. قال: كان إسرائيلُ يَأْخُذُه عِرقُ النَّسَا، فكان يَبيتُ وله زُقاءٌ، فحرَّم على نفسِه أن يأكُلَ عِرقًا.\nوقال آخرون: بل الذي كان إسرائيلُ حرَّم على نفسِه لحومُ الإبلِ وألبانُها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1420>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كَثيرٍ، قال: سمِعنا أنه اشتكى شكوى، فقالوا: إنه عرقُ النَّسَا. فقال:\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٦.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٥٦.","vol":"5","page":584},{"text":"ربِّ، إنَّ أحبَّ الطعامِ إليَّ لحومُ الإبلِ وألبانُها، فإن شَفَيْتَنى فإنى أُحرِّمُها عليَّ (^١). قال ابن جُريجٍ: وقال عطاءُ بنُ أبي رباحٍ: لحومُ الإبلِ وألبانُها حرَّم إسرائيلُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنفيُّ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ في قولهِ: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: كان إسرائيلُ حرَّم على نفسِه لحومَ الإبلِ، وكانوا يزعُمون أنهم يجِدون في التوراةِ تحريمَ إسرائيلَ على نفسِه لحومَ الإبلِ، وإنما كان حرَّم إسرائيلُ على نفسِه لحومَ الإبلِ قبل أن تُنزَّلَ التوراةُ، فقال اللهُ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. فقال: لا تجدون في التوراةِ تحريمَ إسرائيلَ على نفسِه، أي (^٣) لحمَ الإبلِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، قال: ثنا سعيدٌ. عن ابن عباسٍ، أن إسرائيلَ أَخَذه عِرقُ النَّسَا، فكان يَبِيتُ بالليلِ له زُقاءٌ. يعني: صياحٌ. قال: فجعَل على نفسِه لئن شَفَاه اللهُ منه لا يَأكُلُه، يعنى لحومَ الإبلِ. قال: فحرَّمه اليهودُ. وتلا هذه الآيةَ: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. أَي: إِنَّ هذا قبلَ التوراةِ (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن حَبيبٍ، عن\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٣ عن عبد الله بن كثير.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء.\n(^٣) في النسخ: \"إلا\". وهو ما لا يستقيم مع السياق المذكور في بقية الأثر قبل هذه اللفظة، والمثبت ما يستقيم به السياق. وهو صنيع الشيخ شاكر ﵀.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٠٥ (٣٨١٨)، والحاكم ٢/ ٢٩٢، والبيهقي ١٠/ ٨ من طريق يحيى بن سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥١ إلى عبد بن حميد والفريابي وابن المنذر.","vol":"5","page":585},{"text":"سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ في: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾. قال: حرَّم العروقَ ولحومَ الإبلِ. قال: كان به عِرقُ النَّسَا، فأكَل مِن لحومِها، فبات بليلةٍ يَزْقو، فحلَف ألَّا يأكُلَه أبدًا (^١).\nحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾. قال: حرَّم لحومَ (^٢) الأنعامِ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ ابن عباسٍ الذي رواه الأعمشُ، عن حبيبٍ، عن سعيدٍ عنه، أن ذلك العروقُ ولحومُ الإبلِ؛ لأن اليهودَ مُجمِعةٌ إلى اليومِ على ذلك من تحريمِهما، كما كان عليه من ذلك أوائلُها.\nوقد روى عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِ ذلك خبرٌ، وهو ما حدَّثنا به أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، عن عبد الحميدِ بن بَهْرامَ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن ابن عباسٍ، أن عِصابةً من اليهودِ حَضَرتْ رسولَ اللهِ ﷺ، فقالوا: يا أبا القاسمِ، أخبرْنا أيَّ الطعامِ حرَّم إسرائيلُ على نفسِه من قبلِ أن تُنزَّلَ التوراةُ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أَنْشُدُكم بالذي أَنْزَل التوراةَ على موسى، هل تَعْلَمون أن إسرائيلَ يعقوبَ مَرِض مرضًا شديدًا، فطال سُقْمُه منه، فنَذَر للهِ نَذْرًا؛ لئن عافاه اللهُ من سُقْمِه، لَيُحَرِّمَنَّ أَحبَّ الطعامِ والشرابِ إليه، وكان أحبَّ الطعام إليهِ لُحْمانُ الإبلِ، وأحبَّ الشرابِ إليه ألبانُها\"؟ فقالوا: اللَّهمَّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٠٥ (٣٨١٨) من طريق الأعمش.\n(^٢) في ص: \"لحم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٠٥ (٣٨٢٠) من طريق وكيع به.","vol":"5","page":586},{"text":"نعم (^١).\nوأمَّا قولُه: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. فإن معناه: قل يا محمدُ للزاعمين من اليهودِ أن الله حرَّم عليهم في التوراةِ العروقَ ولحومَ الإبلِ وألبانَها ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾. يقولُ: قل لهم: جِيئوا بالتوراةِ فاتْلُوها، حتى يتبيَّنَ لمن خفِى عليه كَذِبُهم، وقيلُهم الباطلَ على اللهِ من أمرِهم، أن ذلك ليس مما أَنْزَلتُه في التوراةِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم محقِّين في دَعْواكم أن الله أَنْزَل تحريمَ ذلك في التوراة، فَأْتُونا بها، فاتْلُوا تحريمَ ذلك علينا منها.\nوإنما ذلك خبرٌ من اللهِ عن كَذِبِهم؛ لأنهم لا يَجيئون بذلك أبدًا على صحَّتِه، فأَعْلَمَ اللهُ بكذِبهم عليه نبيَّه ﷺ، وجعل إعلامه إيَّاه ذلك حجَّةً له عليهم؛ لأن ذلك إذ كان يَخْفى على كثيرٍ من أهلِ ملَّتِهم، فمحمدٌ ﷺ وهو أُميٌّ من غير ملَّتِهم، لولا أن الله أَعْلَمَه ذلك بوحيٍ من عندِه - كان أَحْرَى أَلا يَعْلَمَه، فكان في ذلك له ﷺ من أعظمِ الحجَّةِ عليهم بأنه نبيٌّ للهِ إليهم؛ لأن ذلك من أخبارِ أوائلِهم، كان من خَفِيِّ علومِهم الذي لا يعلَمُه غيرُ خاصَّةٍ منهم، إِلَّا من أَعْلَمَه الذي لا يَخْفَى عليه خافيةٌ؛ مِن نبيٍّ أو رسولٍ، أو مَن أَطْلَعه اللهُ على علمِه ممَّن شَاء مِن خَلْقِه.\n\n<span id=\"aya-387\"></span><span data-type='title' id=toc-1421>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٠٥،٧٠٤ (٣٨١٦)، والطبراني في الكبير (١٣٠١٢) من طريق عبد الحميد بن بهرام به.","vol":"5","page":587},{"text":"يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: فمَن كذب على اللهِ منَّا ومنكم، مِن بعدِ مجيئِكم بالتوراةِ، وتلاوتِكم إيَّاها، وعَدَمِكم ما ادَّعَيْتُم من تحريمِ اللهِ العروقَ ولحومَ الإبلِ وألبانَها فيها، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ يعنى: فمن فعَل ذلك منهم ﴿فَأُولَئِكَ﴾. يعنى: فهؤلاء الذين يَفعلون ذلك ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. يعنى: فهم الكافرون القائلون على اللهِ الباطلَ.\nكما حدثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن زكريا، عن الشعْبيِّ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال: نَزَلَتْ في اليهودِ.\n\n<span id=\"aya-388\"></span><span data-type='title' id=toc-1422>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: قل يا محمدُ: صدَق اللهُ فيما أَخْبَرنا به من قولِه: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وأن الله لم يُحرِّمْ على إسرائيلَ ولا على ولدِه العروقَ ولا لحومَ الإبلِ، وألبانَها وأن ذلك إنما كان شيئًا حرَّمه إسرائيلُ على نفسِه وولدِه بغيرِ تحريمِ اللهِ إيَّاه عليهم في التوراةِ، وفي كلِّ ما أَخْبَر به عبادَه من خبرٍ، دونَكم أنتم يا معشرَ اليهودِ الكَذَبةِ في إضافتِكم تحريمَ ذلك إلى اللهِ عليكم في التوراةِ، المفتريةِ على اللهِ الباطلَ في دعْوَاكم عليه غيرَ الحقَّ. ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. يقولُ: فإن كنتم أيُّها اليهودُ محقِّين في دعْوَاكم أنكم على الدينِ الذي ارْتَضاه اللهُ لأنبيائِه ورسلِه، فاتبعُوا ملةَ إبراهيمَ خليلِ اللهِ، فإنكم تعلَمون أنه الحقُّ الذي ارْتَضاه اللهُ من خلقِه دينًا، وابْتَعَث به أنبياءَه، وذلك الحنيفيَّةُ، يعني: الاستقامةَ على الإسلامِ وشرائعِه، دونَ اليهوديةِ والنصرانيةِ والمُشْرِكةِ.","vol":"5","page":588},{"text":"وقولُه: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يقولُ: لم يكنْ يُشْرِكُ في عبادتِه أحدًا من خلقِه، فكذلك أنتم أيضًا أيها اليهودُ، فلا يتَّخِذْ بعضُكم بعضًا أربابًا من دونِ اللهِ، تُطيعونهم كطاعةِ إبراهيمَ ربَّه. وأنتم يا معشرَ عَبَدةِ الأوثانِ، فلا تتَّخذوا الأوثانَ والأصنامَ أربابًا، ولا تعبُدوا شيئًا من دونِ اللهِ؛ فإن إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ كان دينُه إخلاصَ العبادةِ لربِّه وحدَه، من غيرِ إشراكِ أحدٍ معه فيه، فكذلك أنتم أيضًا، فأَخْلِصوا له العبادةَ، ولا تشرِكوا معه في العبادةِ أحدًا، فإن جميعَكم مُقرُّون بأن إبراهيمَ كان على حقٍّ وهَدْيٍ مستقيمٍ، فاتَّبِعوا ما قد أَجْمَع جميعُكم على تَصْويبِه من ملَّتِه الحنيفيَّةِ، ودَعُوا ما اخْتَلَفتم فيه من سائرِ الملل غيرِها، أيها الأحزابُ، فإنها بِدَعٌ ابْتَدَعْتُموها، إلى ما قد أَجْمَعتم عليه أنه حقٌّ، فإن الذي أَجْمَعتم عليه أنه صوابٌ وحقٌّ من ملةِ إبراهيمَ، هو الحقُّ الذي ارْتَضَيْتُه، وابْتَعثتُ به أنبيائِى ورسلي، وسائرُ ذلك هو الباطلُ الذي لا أقبَلُه من أحدٍ مِن خَلْقى جاءني به يومَ القيامةِ.\nوإنما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. يعنى به: وما كان من عَدَدِهم وأوليائِهم. وذلك أن المشركين بعضُهم من بعضٍ في التَّظاهُرِ على كفرِهم، ونُصْرةِ بعضِهم بعضًا، فبرَّأ اللهُ إبراهيمَ خليلَه أن يكونَ منهم، أو من (^١) نُصرائِهم وأهلِ ولايتِهم. وإنما عنَى جلَّ ثناؤُه بالمشركين: اليهودَ والنصارى وسائرَ الأديانِ غيرِ الحنيفيَّةِ. قال: لم يكنْ إبراهيمُ من أهلِ هذه الأديانِ المشركةِ، ولكنه كان حنيفًا مسلمًا.\n\n<span id=\"aya-389\"></span><span data-type='title' id=toc-1423>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) زيادة يقتضيها السياق.","vol":"5","page":589},{"text":"اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: إن أولَ بيتٍ وُضِع للناسِ يُعْبَدُ اللهُ فيه مُبارَكًا وهدًى للعالمين الذي ببكَّةَ. قالوا: وليس هو أولَ بيتٍ وُضِع في الأرضِ؛ لأنه قد كانت قبلَه بيوتٌ كثيرةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1424>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن خالدِ بن عُرْعُرةَ، قال: قام رجلٌ إلى عليٍّ، فقال: ألا تُخْبرُني عن البيتِ، أهو أولُ بيتٍ وُضِع في الأرض؟ فقال: لا، ولكنَّه أول بيتٍ وُضِع فيه (^١) البركةُ، مَقامُ إبراهيمَ، ومَن دخَلَه كان آمنًا (^٢).\nحدثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، قال: سمِعتُ خالدَ بنَ عُرْعُرةَ، قال: سمِعتُ عليًّا وقيل له: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾: هو أولُ بيتٍ كان في الأرضِ؟ قال: لا. قال: فأين كان قومُ نوحٍ، وأين كان قومُ هُودٍ؟ قال: ولكنه أولُ بيتٍ وُضِع للناسِ مباركًا وهُدًى (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةً، عن أبي رَجاءٍ، قال: سأَل حفصٌ الحسنَ وأنا أسمَعُ، عن قولِه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾. قال: هو أولُ مسجدٍ عُبِد اللهُ فيه في الأرضِ.\nحدَّثنا عبدُ الجبَّارِ بنُ يحيى الرَّمْليُّ، قال: ثنا ضَمْرةُ، عن ابن شَوْذَبٍ، عَن مَطَرٍ\n_________\n(^١) في النسخ: \"في\". والمثبت مما تقدم في ٢/ ٥٦١.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٢/ ٥٦٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٠ (٣٨٣٩) من طريق سماك به.","vol":"5","page":590},{"text":"في قولِه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾. قال: قد كانت قبلَه بيوتٌ، ولكنه أولُ بيتٍ وُضِع للعبادةِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنفيُّ، قال: ثنا عبَّادٌ، عن الحسنِ قولَه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾: يُعبَدُ اللهُ فيه ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ (^١).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ قال: وُضِع للعبادةِ.\nوقال آخرون: بل هو أولُ بيتٍ وُضِع للناسِ. ثم اخْتَلَف قائلو ذلك في صفةِ وضعِه أولَ؛ فقال بعضُهم: خُلِق قبلَ جميعِ الأَرَضين، ثم دُحِيَتِ الأَرَضون من تحتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1425>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأَسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا شيبانُ، عن الأعمشِ، عن بُكيرِ بن الأَخْنسِ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: خلقَ اللهُ البيتَ قبلَ الأرضِ بألفيْ سنةٍ، وكان - إذ كان عرشُه على الماءِ - زَبْدَةً بيضاءَ، فدُحيت الأرضُ من تحتِه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بن أبى الشَّواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا خُصيفٌ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ: إن أولَ ما خلَق اللهُ الكعبةُ، ثم\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٢ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٥١٨، والبيهقي في دلائل النبوة ٢/ ٤٤، وفى الشعب (٣٩٨٣) من طريق مجاهد به. نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٢ إلى ابن المنذر والطبراني.","vol":"5","page":591},{"text":"دحَا الأرضَ مِن تحتِها (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾: كقولِه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (^٢) [آل عمران: ١١٠].\nحدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾: أَمَّا ﴿أَوَّلَ بَيْتٍ﴾، فإنه يومَ كانت الأرضُ ماءً، كان زَبْدَةً على الأرضِ، فلما خلَق اللهُ الأَرضَ خلَق البيتَ معها، فهو أولُ بيتٍ وُضِع في الأرضِ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾. قال: أولُ بيتٍ وضَعه اللهُ ﷿ فطاف به آدمُ ومَن بعدَه (^٤).\nوقال آخرون: موضعُ الكعبةِ موضعُ أولِ بيتٍ وضَعه اللهُ في الأرضِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1426>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ذُكِر لنا أن البيتَ هَبَط\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره بنحوه ٢/ ٧٠.\n(^٢) أخرجه الأزرقى في أخبار مكة ١/ ٤٠ من طريق آخر، عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٠٧ (٣٨٢٨) من طريق أحمد بن المفضل به نحوه، وعنده: على البحر. بدل: على الأرض.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٦، ١٢٧.","vol":"5","page":592},{"text":"مع آدمَ حينَ هبَط. قال: أُهْبِطُ معك بَيْتى يُطافُ حولَه، كما يطافُ حولَ عرشي. فطاف حولَه آدمُ، ومن كان بعدَه من المؤمنين، حتى إذا (^١) كان زمنُ الطُّوفانِ - زمنَ أَغْرَق اللهُ قومَ نوحٍ - رفَعه اللهُ وطهَّره من أن يُصِيبَه عقوبةُ أهلِ الأرضِ، فصار معمورًا في السماءِ، ثم إن إبراهيمَ تَتَبَّع منه أثرًا بعد ذلك، فبناه على أساسٍ قديمٍ كان قبلَه (^٢).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك ما قال جلَّ ثناؤُه فيه: إن أولَ بيتٍ مباركٍ وهُدًى وُضع للناسِ للَّذى ببكَّةَ. ومعنى ذلك: إن أولَ بيتٍ وُضِع للناسِ؛ أي لعبادةِ اللهِ فيه، ﴿مُبَارَكًا وَهُدًى﴾، يعنى بذلك: ومآبًا لنُسُكِ الناسِكين، وطَوافِ الطائِفين. تعظيمًا للهِ، وإجلالًا له، للَّذى ببكَّةَ؛ لصحَّةِ الخبر بذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ.\nوذلك ما حدَّثنا به محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن شُعْبَةَ، عن سليمانَ، عن إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ مسجدٍ وُضِع أوَّلَ؟ قال: \"المسجدُ الحرامُ\". قال: ثم أيٌّ؟ قال: \"المسجدُ الأقْصَى\". قال: كم بينَهما؟ قال: \"أربعون سنةً\" (^٣).\nفقد بيَّن هذا الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ أن المسجدَ الحرامَ هو أولُ مسجدٍ وضَعه اللهُ في الأرضِ، على ما قلنا. فأمَّا في مَوْضِعِه (^٤) بيتًا بغيرِ معنى بيتٍ للعبادةِ والهُدى والبركةِ، ففيه من الاختلافِ ما قد ذكرتُ بعضه في هذا الموضعِ، وبعضَه في سورةِ\n_________\n(^١) في م: \"إذ\".\n(^٢) أخرجه الأزرقى في أخبار مكة ١/ ١٢ من طريق معمر، عن قتادة بنحوه مختصرًا.\n(^٣) أخرجه ابن حبان (١٥٩٨) من طريق ابن أبي عدى به، وأخرجه الطيالسي (٤٦٤)، وأحمد ٥/ ١٦٠، ١٦٦، ١٦٧ (الميمنية)، وأبو عوانة ١/ ٣٩٢ من طريق شعبة به.\n(^٤) في م، ت ٢: \"وضعه\". والمثبت هو لفظ المصنف الذي ذكره في ٢/ ٥٥٢.","vol":"5","page":593},{"text":"\"البقرةِ\" (^١) وغيرِها مِن سُورِ القرآنِ، وبيَّنتُ الصوابَ من القولِ عندَنا في ذلك، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.\nوأما قولُه: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾. فإنه يعنى: لَلْبيتُ الذي بمُزْدَحَمِ الناسِ؛ لطوافِهم في حَجِّهم وعُمَرِهم.\nوأصلُ البَكِّ الزَّحْمُ. يقالُ منه: بكَّ فلانٌ فلانًا. إذا زحَمه [وصدَمه] (^٢). فهو يَبُكُّه بَكًّا. وهم يَتَباكُّون فيه. يَعْنى به: يَتَزاحَمون ويَتَصادَمون فيه. فكأَنَّ \"بكَّةَ\" فَعْلَةٌ، مِن: بكَّ فلانٌ فلانًا: زَحَمه (^٣). سُمِّيت البقعةُ بفعلِ المُزْدَحِمِين بها.\nفإذ كانت بكَّةُ ما وَصَفْنا، وكان موضعَ ازْدِحامِ الناسِ حولَ البيتِ، وكان لا طَوافَ يجوزُ خارجَ المسجدِ، كان معلومًا بذلك أَنْ يكونَ ما حولَ الكعبةِ مِن داخلِ المسجدِ، وأنَّ ما كان خارجَ المسجدِ فـ \"مكةُ\" لا لا \"بكةُ\"؛ لأنه لا معنى خارجَه يُوجبُ على الناسِ التَّباكَّ فيه. وإذ كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا بذلك فسادُ قولِ مَن قال: بكةُ اسمٌ لبطنِ مكةَ. ومكةُ اسمٌ للحَرَمِ (^٤).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٥٤٩ - ٥٥٦.\n(^٢) في ص، س: \"صدمةً أو زحمةً\".\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من زحمة\".\n(^٤) بعده في ص: \"يتلوه ذكر من قال في ذلك ما قلنا، من أن بكة موضع مزدحم الناس للطواف. والحمد لله على عونه وإحسانه - وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وسلم تسليما. بسم الله الرحمن الرحيم. رب يسر. أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان البغدادى قال: حدثنا محمد بن جرير\". وبعده في ت ١، س: \"أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان البغدادي، قال: حدثنا محمد بن جرير ﵀\".","vol":"5","page":594},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1427>ذكرُ مَن قال في ذلك ما قلنا؛ مِن أن بكَّةَ موضعُ مُزْدَحَمِ النَّاسِ للطوافِ</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ الغِفَاريِّ في قولِه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾. قال: بكَّةُ موضعُ البيتِ، ومكةُ ما سوى ذلك (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ مثلَه (^٢).\nحدثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: مرَّتِ امرأةٌ بينَ يَدْى رجلٍ وهو يصلِّى وهى تطوفُ بالبيتِ، فدَفَعها. قال أبو جعفرٍ: إنها بكَّةُ، يَبُكُّ بعضُها بعضًا (^٣).\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن مجاهدٍ، قال: إنما سُمِّيت بكَّةَ لأن الناسَ يَتَباكُّون فيها؛ الرجالُ والنساءُ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن سعيدٍ، قال: قلتُ: لأيِّ شيءٍ سمِّيت بكَّةَ؟ قال: لأنهم يَتَباكُّون فيها. قال: يعنى:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٢٩٠ (القسم الأول من الجزء الرابع)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٠٩ (٣٨٣٦)، من طريق حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٣ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٠٩ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٠٩ (٣٨٣٨) من طريق مغيرة به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٠٨ (٣٨٣٢) من طريق عمرو به، وفيه: بعضهم بعضا.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥١٤ - تفسير)، والبيهقى في الشعب (٤٠١٦) من طريق شعبة به بلفظ آخر، وأخرجه ابن أبي شيبة ص ٢٩٠، ٢٩١ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق الحكم عن مجاهد.","vol":"5","page":595},{"text":"يَزْدَحِمون (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن الأسودِ بن قيسٍ، عن أخيه، عن ابن الزُّبيرِ، قال: إنما سُمِّيت بكَّة لأنهم يَأْتونها حُجَّاجًا (^٢).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾: فإن الله بكَّ به الناسَ جميعًا، فيصلِّى النساءُ قُدَّامَ الرجالِ، ولا يَصْلُحُ ببلدٍ غيرِه (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: \"بكَّةُ\"؛ بكَّ الناسُ بعضُهم بعضًا، الرجالُ والنساءُ يصلِّى بعضُهم بينَ يَدَىْ بعضٍ، لا يَصْلُحُ ذلك إلا بمكةَ (^٤).\nحدثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبي، عن فُضيلٍ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، قال: بكَّةُ به موضعُ البيتِ، ومكَّةُ ما حولَها (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يحيى بنُ أَزْهَرَ، عن غالبِ بن عُبيدِ اللهِ، أنه سأَل ابن شهابٍ عن بكَّةَ، قال: بكَةُ البيتُ والمسجدُ. وسأَله\n_________\n(^١) في م: \"يتزاحمون\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة ص ٢٩٠ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن وكيع به، وأخرجه سعيد بن منصور (٥١١ - تفسير) من طريق سفيان به، دون آخره.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٢٩٠ (القسم الأول من الجزء الرابع)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٠٨ (٣٨٣٠) من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٣ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٠٩ (٣٨٣٣)، والبيهقى في الشعب (٤٠١٥) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٦، ١٢٧.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٢٩١ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن وكيع به.","vol":"5","page":596},{"text":"عن مكَّةَ، فقال ابن شِهابٍ: مكَّةُ الحرمُ كلَّه (^١).\nحدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا حجَّاجٌ، عن عطاءٍ ومجاهدٍ، قالا: بكَّةُ بكَّ فيها الرجالُ والنساءُ (^٢)\nحدَّثني عبدُ الجبارِ بنُ يحيى الرَّمْليُّ، قال: قال ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ: بكَّةُ المسجدُ، ومكَّةُ البيوتُ (^٣).\nوقال بعضُهم بما حدَّثني به يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾. قال: هي مكَّةُ (^٤).\nوقيل: ﴿مُبَارَكًا﴾؛ لأن الطوافَ به مغفرةٌ للذنوب.\nفأما نصبُ قولِه: مُبَارَكًا. فإنه على الخروجِ (^٥) من قولِه: ﴿وُضِعَ﴾؛ لأن في ﴿وُضِعَ﴾ ذِكْرًا مِن \"البيتِ\" هو به مشغولٌ، وهو معرفةٌ، و\"مبارك\" نكرةٌ لا يَصْلُحُ أَن يَتْبَعَه في الإعرابِ (^٦).\nوأَمَّا على قولِ مَن قال: هو أَوَّلُ بيتٍ وُضِع للناسِ - على ما ذَكَرْنا في ذلك قولَ مَن ذكَرْنا قوله - فإنه نَصْبٌ على الحال من قولِه: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾؛ لأن معنى الكلامِ على قولِهم: إن أوَّلَ بيتٍ وُضِع للناس البيتُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٣ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٣٥ عقب الأثر (٣٨٣٣) عن مجاهد معلقا.\n(^٣) ذكره الطوسى في التبيان ٢/ ٥٣٥.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٣ إلى المصنف.\n(^٥) الخروج: النصب على الحال. مصطلحات النحو الكوفي ص ٥٩.\n(^٦) ينظر ما تقدم في ص ٥٧٢.","vol":"5","page":597},{"text":"الذي (^١) ببكَّةَ مباركًا. فـ \"البيت\" عندَهم من صفتِه (^٢) \"الذي ببكَّةَ\"، و\"الذي\" بصِلَتِه معرفةٌ، و\"المباركُ\" نكرةٌ، فنُصِب على القطعِ منه في قولِ بعضُهم، وعلى الحالِ في قولِ بعضِهم، ﴿وَهُدًى﴾ في موضعِ نصبٍ على العطفِ على قولِه: ﴿مُبَارَكًا﴾.\n\n<span id=\"aya-390\"></span><span data-type='title' id=toc-1429>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾</span>\nاخْتَلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه قرأةُ الأمصارِ: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ على جِماعِ \"آيةٍ\"، بمعنى: فيه علاماتٌ بيِّناتٌ.\nوقرأ ذلك ابن عباسٍ: (فِيهِ آيَةٌ بيِّنةٌ). يعنى بها: مقام إبراهيمَ. يُراد بها علامةٌ واحدةٌ (^٣).\nثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾. وما تلك الآياتُ؟ فقال بعضُهم: مَقامُ إبراهيمَ والمَشْعرُ (^٤)، ونحوُ ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1428>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾: مَقامُ إبراهيمَ والمَشْعرُ (^٥)\nحدَّثنا الحسنُ (^٦) بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ ومجاهدٍ: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ قالا: مقامُ إبراهيمَ من الآياتِ\n_________\n(^١) زيادة لابد منها ليستقيم السياق.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"صفة\".\n(^٣) ينظر تفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٧١٠ (٣٨٤٤)، والتبيان ٢/ ٥٣٧.\n(^٤) بعده في م، ت ٢: \"الحرام\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٠ (٣٨٤٤) عن محمد بن سعد به.\n(^٦) في النسخ: \"إسحاق\". وهو خطأ، وتقدم مرارًا.","vol":"5","page":598},{"text":"البيِّناتِ (^١).\nوقال آخرون: الآياتُ البيِّناتُ مقامُ إبراهيمَ، ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1430>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾. قال: مَقامُ إبراهيمَ، ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (^٢).\nوقال آخرون: الآياتُ البيِّناتُ هو مقامُ إبراهيمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1431>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾: أما \"الآياتُ البيناتُ\" فمقامُ إبراهيمَ.\nوأما الذين قرَءوا ذلك: (فيه آيةٌ بينةٌ) (^٣) على التوحيدِ، فإنهم عَنَوا بالآيةِ البيِّنةِ مقامَ إبراهيمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1432>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٤ إلى عبد بن حميد.\nوقال الزمخشري: ويجوز أن تذكر فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله؛ لأن الاثنين نوع من الجمع كالثلاثة والأربعة، ويجوز أن تذكر هاتان الآيتان ويطوى ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات، كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله وكثير سواهما. الكشاف ١/ ٤٤٧.\n(^٣) وهى قراءة شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة.","vol":"5","page":599},{"text":"أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾. قال: قدَماه في المقامِ آيةٌ بيِّنةٌ. يقولُ: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. قال: هذا شيءٌ آخرُ (^١).\nحُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: (فِيهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ مَقامُ إِبْرَاهِيمَ) قال: أثرُ قدميْه في المقامِ آيةٌ بيِّنةٌ.\nوأولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الآياتُ البَيِّنَاتُ منهن مقامُ إبراهيمَ. وهو قولُ قتادةَ ومجاهدٍ، الذي رَواه معمرٌ عنهما، فيكونُ الكلامُ مرادًا فيه (^٢) \"منهن\"، فترك ذِكْرَه اكتفاء بدَلالة الكلامِ عليها.\nفإن قال قائلٌ: فهذا المقامُ من الآياتِ البيِّناتِ، فما سائرُ الآياتِ التي من أجلِها قيل: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾؟\nقيل: منهن المقامُ، ومنهن الحجَرُ، ومنهن الحّطِيمُ.\nوأصحُّ القراءتين في ذلك قراءةُ من قرَأ: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾. على الجِماع؛ لإجماعِ قرأَةِ أمصاِر المسلمين على أن ذلك هو القراءةُ الصحيحةُ دونَ غيرِها.\nوأما اختلافُ أهلِ التأويلِ في تأويلِ: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾. فقد ذكَرناه في سورِة \"البقرةِ\"، وبيَّنَّا أولى الأقوالِ بالصوابِ فيه هنالك، وأنه عندَنا المَقامُ المعروفُ به (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٥٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١١ (٣٨٤٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٤ إلى عبد بن حميد والأزرقى وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"فيهن\"\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٢/ ٥٢٥ - ٥٢٩.","vol":"5","page":600},{"text":"فتأويلُ الآيةِ إذن: إن أوَّلَ بيتٍ وُضِع للناسِ مباركًا وهدًى للعالمين، للذى ببكَّةَ، فيه علاماتٌ بيِّناتٌ من قدرةِ اللهِ، وآثارِ خليلِه إبراهيمَ، منهن أثرُ قدمِ خليلِه إبراهيمَ ﷺ في الحجَرِ الذي قام عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1434>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾.</span>\nاخْتَلف أهلِ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه الخبرُ عن أن كلَّ مَن جرَّ في الجاهليةِ جَريرةً، ثم عاذ بالبيتِ، لم يكنْ بها مأخوذًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1433>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾: وهذا كان في الجاهليةِ؛ كان الرجل لو جَرَّ كلَّ جَريرةٍ على نفسِه، ثم لَجَأ إلى حرَمِ اللهِ، لم يُتناوَلْ ولم يُطلَبْ، فأما في الإسلامِ، فإنه لا يَمنَعُ مِن حدودِ اللَّهِ؛ مَن سرَق فيه قُطِع، ومن زنَى فيه أُقيم عليه الحدُّ، ومن قتَل فيه قُتِل.\nوعن قتادةَ أن الحسنَ كان يقولُ: إنَّ الحرَمَ لا يَمنَعُ من حدِّ (^١) اللَّهِ؛ لو أصاب حدًّا في غيرِ الحرَمِ، فلجأ إلى الحرِمِ، لم يمنَعْه ذلك أن يُقام عليه الحدُّ. ورأَى قتادةُ ما قاله الحسنُ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. قال: كان ذلك في الجاهلية، فأما اليومَ\n_________\n(^١) في م، س: \"حدود\".\n(^٢) أخرجه الأزرقى في أخبار مكة ١/ ٣٦٨ من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٤ إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"5","page":601},{"text":"فإن سرَق فيه أحدٌ قُطِع، وإن قتَل فيه قُتِل، ولو قُدِر فيه على المشركين قُتِلوا (^١).\nحدَّثنا سعيدٌ بنُ يحيى الأُمَويُّ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، قال: ثنا خُصيفٌ.، عن مجاهدٍ في الرجلِ يقتُلُ، ثم يدخُلُ الحَرَمَ، قال: يُؤخَذُ فيُخرَجُ من الحرَمِ، ثم يُقام عليه الحدُّ. يقولُ: القتلُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن حمادٍ مثلَ قولِ مجاهدٍ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسٍ، قال: أخبَرنا هشامٌ، عن الحسنِ وعطاءٍ، في الرجلِ يُصيبُ الحدَّ، ويَلْجَأُ إلى الحَرَمِ: يُخرَجُ من الحرَمِ فيُقامُ عليه الحدُّ.\nفتأويلُ الآيةِ على قولِ هؤلاء: فيه آياتٌ بيِّناتٌ مقامَ إبراهيمَ، والذي دخَله من الناسِ كان آمنًا بها في الجاهليةِ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: ومن يدخُلْه يكنْ آمِنًا بها. بمعنى الجزاءِ. كنحوِ قولِ القائلِ: من قام لى أكرمتُه. بمعنى: مَن يَقُمْ لى أُكرِمه. وقالوا: هذا أمرٌ كان في الجاهليةِ، كان الحرَمُ مَفْزَعَ كُلِّ خائفٍ، ومَلْجَأَ كلِّ جانٍ؛ لأنه لم يكنْ يُهاجُ به ذو جَريرةٍ، ولا يَعْرِضُ الرجلُ فيه لقاتل أبيه وابنِه بسوءٍ. قالوا: وكذلك هو في الإسلامِ؛ لأن الإسلامَ زاده تعظيمًا وتكريمًا.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٢ (٣٨٥١) عن الحسن بن يحيى به. وأخرجه الأزرقى في أخبار مكة ١/ ٣٦٨ من طريق معمر، عن قتادة ومجاهد.","vol":"5","page":602},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1435>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الملك بن أبى الشَّواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا خُصيفٌ، قال: ثنا مجاهدٌ، قال: قال ابن عباسٍ: إذا أصاب الرجلُ الحدَّ؛ قتل أو سرَق، فدخَل الحرَمَ، لم يُبايَعْ ولم يُؤْوَ، حتى يَتَبَرَّمَ فيَخْرُجَ من الحرَمِ، فيُقامَ عليه الحدُّ. قال: فقلتُ لابنُ عباسٍ: ولكني لا أرى ذلك، أرى أن يُؤخَذَ بِرُمَّتِه (^١)، ثم يُخرَجَ من الحرَمِ، فيقامَ عليه الحدُّ، فإن الحَرَمَ لا يزيده إلا شدةً (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: أخَذ ابن الزُّبيرِ سعدًا مولى معاويةَ - وكان في قلعةٍ بالطائفِ - فأَرْسَل إلى ابن عباسٍ [مَن يُشاوِرُه فيهم: إنهم لنا عدوٌّ (^٣). فأرسل إليه ابن عباسٍ: لو وجدتُ قاتلَ أبى لم أَعْرِضْ له. قال: فأرسل إليه ابن الزُّبير] (^٤): ألَا نُخرجهم من الحرَمِ؟ قال: فأرسل إليه ابن عباسٍ: أفلا قبلَ أن تُدْخِلَهم الحرَمَ؟ زاد أبو السائبِ في حديثه: فأَخْرَجهم فصلَبهم، ولم يُصْغِ (^٥) إلى قول ابن عباسٍ (^٦).\n_________\n(^١) الرُّمَّة: قطعة حبل يُشَدُّ بها الأسير أو القاتل الذي يُقاد إلى القصاص. ينظر اللسان (ر م م).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٤ دون آخره إلى عبد بن حميد، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٧٣٠٦، ١٧٣٠٧)، والأزرقى في أخبار مكة ١/ ٣٦٧ من طريق طاوس، عن ابن عباس بنحوه.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عرق\" وفى م: \"عين\"، وفى س: \"عون\".\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) في ص، ت ١ ت ٢: \"تنطق\"، وفى س: \"يحق\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٢٢٥) عن عبد الملك بن جريج به. وعنده: سعدًا مولى عتبة. =","vol":"5","page":603},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا حجَّاجٌ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: من أَحْدَث حدَثًا في غيرِ الحَرَم ثم لَجَأ إلى الحرَمِ، لم يُعرَضُ له، ولم يُبايَعْ، ولم يُكلَّم، ولم يُؤْوَ، حتى يخرُجَ من الحرمِ، فإذا خرَج من الحرَمِ أُخِذ فأُقيم عليه الحدِّ. قال: ومن أَحْدَث في الحرَمَ حدثًا أُقيم عليه الحدِّ (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ بن نصرٍ السُّلَميُّ، عن ابن أبي حَبيبةَ، عن داودَ بن حُصينٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ أنه قال: مَن أَحْدَث حدَثًا ثم اسْتَجار بالبيت، فهو آمِنٌ، وليس للمسلمين أن يعاقبوه على شيءٍ إلى أن يَخْرُجَ، فإذا خرج أقاموا عليه الحدَّ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن عطاءٍ، عن ابن عمرَ، قال: لو وجدتُ قاتلَ عمرَ في الحرمِ ما هِجْتُه (^٣).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا ليثٌ، عن عطاءٍ، أن الوليدَ بنَ عُتْبَةَ أراد أن يُقيمَ الحدَّ في الحرمِ، فقال له عُبَيْدُ بنُ عُميرٍ: لا تُقِمْ عليه الحدِّ في الحرمِ، إلَّا أن يكونَ أصابه فيه (^٤).\n_________\n= وأصله عند الأزرقى في أخبار مكة ١/ ٣٦٨ من طريق ابن جريج به. وعنده: سعدًا مولى عقبة.\n(^١) سقط من: ص.\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٥ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٢٢٩)، والأزرقى في أخبار مكة ١/ ٣٦٩ من طريق أبي الزبير عن ابن عمر، عندهما: \"ندهته\"، بدل \"هجته\".\n(^٤) ينظر البحر المحيط ٣/ ١٠.","vol":"5","page":604},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسٍ، قال: أخبَرنا مُطَرِّفٌ، عن عامرٍ، قال: إذا أصاب الحدَّ ثم هرب إلى الحرمِ فقد أمِن، فإذا أصابه في الحرمِ، أُقيم عليه الحدُّ في الحرمِ (^١).\nحدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن فرَاسٍ، عن الشَّعْبي، قال: مَن أصاب حدًّا في الحرمِ أُقيم عليه في الحرمِ، ومن أصابه خارجًا من الحرمِ ثم دخَل الحرَمَ، لم يُكلَّم، ولم يُبايعْ، حتى يخرُجَ من الحرمِ فيُقامَ عليه.\nحدَّثنا سعيدٌ بن يحيى الأُمَويُّ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، قال: ثنا عطاءُ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، وعن عبدِ الملكِ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، في الرجلِ يقتُلُ، ثم يدخُلُ الحرمَ، قال: لا يبيعُه أهلُ مكةَ، ولا يَشْتَرون منه، ولا يَسْقونه ولا يُطْعِمونه، ولا يُؤونه - عدَّ أشياء كثيرةً - حتى يخرُجَ من الحرمِ فيُؤْخذ بذنبِه (^٢).\nحُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن عطاءٍ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنَّ الرجلَ إذا أصاب حدًّا ثم دخَل الحرمَ، أنه لا يُطعَمُ، ولا يُسْقى، ولا يُؤْوَى، ولا يُكلَّم، ولا يُنكَحُ، ولا يُبايَعُ، فإذا خرَج منه أُقِيم عليه الحدُّ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثني حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٧٣٠٨) من طريق مطرف، بنحوه مطولًا.\n(^٢) ينظر البحر المحيط ٣/ ١٠.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١١ (٣٨٥٠) من طريق عطاء بن السائب به نحوه.","vol":"5","page":605},{"text":"ابن عباسٍ، قال: إذا أَحْدَث الرجلُ حدثًا، ثم دخَل الحرمَ، لم يُؤْوَ، ولم يُجالَسْ، ولم يُبايَعْ، ولم يُطعَمْ، ولا يُسْقَ، حتى يخرُجَ من الحرمِ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجَّاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن عطاءٍ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أمَّا قولَه: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. فلو أن رجلًا قتَل رجلًا، ثم أَتَى الكعبةَ، فعاذ بها، ثم لَقِيَه أخو المقتولِ، لم يَحِلَّ له أبدا أن يقتُلَه (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ومن ومن دخَله يكنْ آمِنًا من النارِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1436>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليُّ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا (^٢) زُرَيْقُ (^٣) بنُ مسلمٍ المخزوميُّ، قال: ثنا زيادُ بنُ أبي عَيَّاشٍ (^٤)، عن يحيى بن جَعْدةَ في قولِه: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. قال: آمِنًا من النارِ (^٥).\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ ابن الزُّبير ومجاهدٍ والحسنِ ومَن قال: معنى ذلك: ومَن دخَله مِن غيرِه ممن لَجَأ إليه عائذًا به، كان آمِنًا ما كان فيه،\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٣/ ١٠.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"هذا أخبرناه\".\n(^٣) في ص: \"رريق\"، وفى م: \"رزيق\".\n(^٤) في ص، ت ٢، ت ٣: \"عباس\"، وفى م، ت ١، س: \"عياض\". والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم وتفسير ابن كثير.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٢ (٣٨٥٦) من طريق أبي عاصم به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٦٦ عن ابن أبي حاتم، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"5","page":606},{"text":"ولكنه يُخرج منه، فيُقامُ عليه الحدُّ إن كان أصاب ما يَسْتَوجِبُه في غيرِه ثم لَجَأَ إِليه، وإن كان أصابه فيه أُقِيم عليه فيه.\nفتأويلُ الآية إذن: فيه آياتٌ بيِّناتٌ مَقامُ إبراهيمَ، ومَن يدخُلْه مِن الناسِ مستجيرًا به، يكنْ آمِنًا مما استجار منه ما كان فيه، حتى يُخرَجَ منه.\nفإن قال قائلٌ: وما مَنَعك من إقامةِ الحدِّ عليه فيه؟\nقيل: لاتفاق جميعِ السَّلَفِ على أن مَن كانت جَريرتُه في غيرِه ثم عاذ به فإنه لا يُؤخَذُ بجريرته فيه. وإنما اخْتَلفوا في صفةِ إخراجِه منه لأخْذِه بها؛ فقال بعضُهم: صفةُ ذلك منعُه المعانى التي يُضْطَرُّ مع مَنْعِه وفَقْدِه إلى الخروجِ منه.\nوقال آخرون: لا صفةَ لذلك غيرُ إخراجِه منه بما أَمْكَن إخراجُه من المعاني التي تُوصَّلُ إلى إقامةِ حدِّ اللهِ عليه معها. فلذلك قلنا: غيرُ جائزٍ إقامةُ الحدِّ عليه فيه إلَّا بعد إخراجِه منه. فأمَّا مَن أصاب الحدَّ فيه، فإنه لا خلافَ بينَ الجميعِ في أنه يُقامُ عليه فيه الحدُّ، فكلتا المسألتين أصلٌ مُجْمَعٌ على حكمِهما على ما وَصفْنا.\nفإن قال لنا قائلٌ: وما دَلالتُك على أن إخراجَ العائذِ بالبيتِ إذا أتاه مستجيرًا به مِن جَريرةٍ جَرَّها، أو مِن حدٍّ أصابه، من الحرمِ جائزٌ لإقامةِ الحدِّ عليه، وأخْذِه بالجريرةِ، وقد أَقْرَرتَ بأنَّ اللَّهَ ﷿ قد جعَل مَن دَخَله آمنًا، ومعنى الآمن غيرُ معنى الخائفِ، فبما (^١) هما فيه مُخْتَلِفانِ؟\n_________\n(^١) في م: \"فيما\".","vol":"5","page":607},{"text":"قيل: قلنا ذلك لإجماعِ الجميعِ من المتقدِّمين والمتأخِّرين من علماءِ الأمةِ على أن إخراجَ العائذِ به من جريرةٍ أصابها أو فاحشةٍ أتاها، وَجَبَتْ عليه بها عقوبةٌ، منه ببعضِ معاني الإخراجِ؛ لأخْذه بما لَزِمَه، واجبٌ على إمامِ المسلمين وأهلِ الإسلامِ معه.\nوإنما اخْتَلفوا في السببِ الذي يُخْرَجُ به منه؛ فقال بعضُهم: السببُ الذي يجوزُ إخراجُه به منه تركُ جميعِ المسلمين مبايعَتَه وإطعامَه وسَقْيَه وإيواءَه وكلامَه، وما أَشْبَه ذلك من المعانى التي لا قرارَ للعائذِ به فيه مع بعضِها، فكيف مع جميعِها!\nوقال آخرون منهم: بل إخراجُه لإقامة من لَزِمَه من العقوبةِ واجبٌ، بكلِّ معاني الإخراجِ.\nفلمَّا كان إجماعًا من الجميعِ، على أن حكمَ اللهِ في من عاذ بالبيتِ، من حدٍّ أصابه، أو جَريرةٍ جَرَّها - إخراجه منه؛ لإقامةِ ما فرَض اللهُ على المؤمنين إقامته عليه، ثم اختلفوا في السببِ الذي يجوزُ إخراجُه به منه - كان اللازمُ لهم ولإمامِهم إخراجَه منه بأى معنى أمْكَنَهم إخراجه منه، حتى يُقيموا عليه الحدِّ الذي لَزِمَه خارجًا منه إذا كان لَجَأ إليه من خارج، على ما قد بَيَّنَّا قبلُ.\nوبعدُ، فإن الله ﷿ لم يضع حدًّا من حدودِه عن أحدٍ من خلقِه، من أجلِ بقعةٍ وموضعٍ صار إليها مَن لَزِمَه ذلك، وقد تَظاهَرَتِ الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"إنى حَرَّمتُ المدينةَ كما حرَّم إبراهيمُ مكَّةَ\" (^١). ولا خلافَ بينَ جميعِ الأمةِ،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢٦/ ٣٧٤ (١٦٤٤٦)، والبخارى (٢١٢٩)، ومسلم (١٣٦٠) من حديث =","vol":"5","page":608},{"text":"أن عائذًا لو عاذ من عقوبةِ لَزِمَته بحرِمِ النبيِّ ﷺ، يُؤاخَذُ بالعقوبةِ فيه. ولولا ما ذكَرتُ من إجماعِ السلفِ على أن حرمَ إبراهيمَ لا يقامُ فيه على مَن عاذ به مِن عقوبةٍ لَزِمَتْه حتى يخرُجَ منه ما لَزِمَه (^١)، لكان أحقُّ البقاع أن تُؤَدَّى فيه فرائضُ اللَّهِ التي أَلْزَمَها عباده - مِن قتلٍ أو غيرِه - أعظمَ البقاعِ إلى اللهِ؛ كحرَمِ الله، وحرمِ رسولِه ﷺ، ولَكِنَّا أُمِرْنا بإخراجِ مَن أُمِرنا بإخراجِه من حرمِ اللهِ لإقامةِ الحدِّ؛ لما ذكَرْنا من فعلِ الأمةِ ذلك وِراثةً.\nفمعنى الكلامِ إذ كان الأمرُ على ما وَصَفْنا: ومَن دخَله كان آمِنًا ما كان فيه. فإذ كان ذلك كذلك، فمَن لَجَأ إليه من عقوبة لَزِمَتْه عائذًا به، فهو آمِنٌ ما كان به حتى يَخرُجَ منه، وإنما يَصيرُ إلى الخوفِ بعد الخروجِ أو الإخراجِ منه، فحينَئذٍ هو غيرُ داخلِه، ولا هو فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1437>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وفرض واجبٌ للَّهِ على مَن استطاع مِن أهلِ التكليفِ السبيلَ إلى حَجَّ بيتِه الحرامِ، الحِجُّ إليه.\nوقد بيَّنَّا فيما مضى معنى الحجِّ، ودَلَّلْنا على صحَّةِ ما قلنا من معناه، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وما\n_________\n= عبد الله بن زيد بن عاصم.\n(^١) ما لزمه: يعني ما بقى فيه.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٧١١، ٧٢١.","vol":"5","page":609},{"text":"السبيلُ التي يجبُ مع استطاعتِها فرضُ الحجِّ؟ فقال بعضُهم: هي الزادُ والراحلةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1438>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: أخبَرنا ابن جُريجٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، قال: الزادُ والراحلةُ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: أخبَرنا ابن جُريجٍ، قال: قال عمرُو بنُ دينارٍ: الزادُ والراحلةُ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي جَنَابٍ (^٣)، عن الضحَّاكِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قال: الزادُ والبعيرُ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾: والسبيلُ أن يَصِحَّ بدنُ العبدِ ويكونَ له ثمنُ زادٍ وراحلةٍ من غيرِ أن يُجحَفَ به (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٩٠ من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن عمر.\n(^٢) ذكره ابن عبد البر في الاستذكار ١٢/ ٦١.\n(^٣) في م، ت ١: \"خباب\"، وفى ت ٢: \"حيان\"، وفى س: \"حباب\"، وغير منقوطة في ص. وهو أبو جَنَاب الكلبى. ينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٢٨٤.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٩٠ عن وكيع به، وأخرجه الترمذى (٣٣١٦) من طريق أبي جناب به مطولًا، وأخرجه البيهقى ٤/ ٣٣١ من طريق عكرمة، عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه البيهقى ٤/ ٣٣١ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٦ إلى ابن المنذر.","vol":"5","page":610},{"text":"حدَّثنا خلَّادُ بنُ أَسْلَمَ، قال: ثنا النَّضْرُ بنُ شُميلٍ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي عبدِ اللَّهِ البَجَليِّ، قال: سألتُ سعيدِ بن جُبيرٍ عن قولِه: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قال: قال ابن عباسٍ: من ملَك ثلاثَمائةِ درهمٍ، فهو السبيلُ إليه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن إسحاقَ بن عثمانَ، قال: سمِعتُ عطاءً يقولُ: السبيلُ الزادُ والراحلةُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فإن ابن عباسٍ قال: السبيلُ: راحلةٌ وزادٌ.\nحدَّثني المُثَنَّى وأحمدُ بنُ حازمٍ، قالا: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمدِ بن سُوقَةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قال: الزادُ والراحلةُ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: أخبَرنا الرَّبيعُ بنُ صَبِيحٍ، عن الحسنِ، قال: الزادُ والراحلةُ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحسنِ، قال: قرَأ النبيُّ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٩١ من طريق النزال بن عمار، عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٩١ من طريق داود عن عطاء.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٨٩ من طريق محمد بن سوقة به نحوه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٩٠ من طريق يونس وهشام، عن الحسن.","vol":"5","page":611},{"text":"فقال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، ما السبيلُ؟ قال: \"الزادُ والراحلةُ\" (^١).\nواعتلَّ قائلو هذه المقالةِ بأخبارٍ رُوِيَتْ عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِ ما قالوا في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1439>ذكرُ الرواية بذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ </span>-\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا إبراهيمُ بن يزيدَ الخُوزيُّ، قال: سَمِعتُ محمد بن عَبَّادِ بن جعفرٍ، يحدِّثُ عن ابن عمرَ، قال: قام رجلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقال: ما السبيلُ؟ قال: \"الزادُ والراحلةُ\" (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ الخُوزيِّ، عن محمدِ بن عَبَّادٍ، عن ابن عمرَ، أن النبيَّ ﷺ قال في قولِه ﷿: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قال: \"السبيلُ إلى الحجِّ الزادُ والراحلةُ\" (^٣).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرٌ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا يونسُ، وحدثَّني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن يونسَ، عن\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه - كما في نصب الراية ٨/ ٣ - من طريق منصور به.\n(^٢) أخرجه الترمذى (٢٩٩٨) عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق به.\n(^٣) أخرجه البيهقى ٤/ ٣٢٧، وفى الشعب (٣٩٧٤) من طريق أبي حذيفة به، وأخرجه الدارقطني ٢/ ٢١٧ (١٠) من طريق سفيان به، وأخرجه الشافعي ١/ ٢٨٣، ٢٨٤ وابن أبي شيبة ٤/ ٩٠، وابن ماجه (٢٨٩٦)، والترمذى (٨١٣)، وابن عدى ١/ ٢٢٨، والبيهقى ٤/ ٣٣٠، والبغوى (١٨٤٧) من طريق إبراهيم بن يزيد به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٣ (٣٨٦٠)، والدارقطني ٢/ ٢١٧، ٢١٨ (١١، ١٢) من طريق محمد بن عباد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٥، ٥٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"5","page":612},{"text":"الحسنِ، قال: قرَأ رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قالوا: يا رسولَ اللهِ، ما السبيلُ؟ قال: \"الزادُ والراحلةُ\" (^١).\nحدَّثنا أبو عثمانَ المُقَدَّمى والمُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هلالُ بنُ [عبدِ اللَّهِ] (^٢) مولى ربيعةَ بن عمرِو بن مسلمٍ الباهليُّ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"مَن مَلَك زادًا وراحلةً تُبلِّغُه إلى بيتِ اللَّهِ، فلم يَحُجَّ، فلا عليه أن يموتَ يهوديًا أو نصرانيًّا، وذلك أن اللهً ﷿ يقولُ في كتابِه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ الآية (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن الحسنِ، قال: بلَغنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال له قائلٌ، أو رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، ما السبيلُ إليه؟ قال: \"مَن وجَد زادًا وراحلةً\" (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الترمذيُّ، قال: ثنا شَاذُ بنُ فَيَّاضٍ البصريُّ، قال: ثنا هلالٌ [أبو هاشم] (^٥)، عن أبي إسحاقَ الهَمْدانيِّ، عن الحارثِ، عن عليٍّ بن أبى طالبٍ، ﵁، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"مَن مَلَك زادًا وراحلةً فلم\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥١٨ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٤/ ٩٠، والدارقطني ٢/ ٢١٨، والبيهقى ٤/ ٣٢٧ من طريق يونس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"عبيد الله\". وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٣٤٢.\n(^٣) أخرجه الترمذى (٨١٢)، والبيهقي في الشعب (٣٩٧٨) من طريق مسلم بن إبراهيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٦ إلى ابن مردويه.\n(^٤) أخرجه البيهقى ٤/ ٣٣٠ من طريق سعيد به.\n(^٥) في ص، م، ت ١، س: \"بن هشام\"، وفى ت ٢: \"بن إسحاق بن هشام\".","vol":"5","page":613},{"text":"يَحُجَّ، مات يهوديًا أو نصرانيًّا، وذلك أن الله يقولُ في كتابِه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ \" الآية (^١).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن قتادةَ وحُميدٍ، عن الحسنِ، أن رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ، ما السبيلُ إليه؟ قال: \"الزادُ والراحلةُ\".\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ المنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه.\nوقال آخرون: السبيلُ التي إذا استطاعها المرءُ كان عليه الحجُّ، الطاقةُ للوصولِ إليه.\nقال: وذلك قد يكونُ بالمشيِ وبالركوبِ، وقد يكونُ مع وجودِهما العجزُ عن الوصولِ إليه، بامتناعِ الطريقِ مِن العدوِّ الحائلِ، وبقلةِ الماءِ، وما أَشْبَه ذلك.\nقالوا: فلا بيان في ذلك أبْيَنُ مما بيَّنه اللهُ ﷿، بأن يكونَ مستطيعًا إليه السبيلَ؛ وذلك الوصولُ إليه بغيرِ مانعٍ ولا حائلٍ بينَه وبينَه، وذلك قد يكونُ بالمشيِ وحدَه، وإن أَعْوَزه المَرْكَبُ، وقد يكونُ بالمركبِ وغيرِ ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1440>ذكرَ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٣ (٣٨٥٩)، وابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير ٢/ ٧٠ - من طريق هلال أبي هاشم به.","vol":"5","page":614},{"text":"خالدِ بن أبي كَريمةَ، عن رجلٍ، عن ابن الزُّبير قولَه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قال: على قَدْرِ القوَّةِ (^١).\nحدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُوَيبرٌ، عن الضحّاك في قولِه: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قال: الزادُ والراحلةُ، فإن كان شابًّا صحيحًا ليس له مالٌ، فعليه أن يُوَاجِرَ نفسَه بأكلِه وعَقِبه حتى يقضِىَ حَجَّتَه. فقال له قائلٌ: كلَّف اللهُ الناسَ أن يَمْشُوا إلى البيتِ؟ فقال: لو أن لبعضِهم ميراثًا بمكةَ، أكان تاركَه؟ واللهِ لَانْطَلَقَ إليه ولو حَبْوًا، كذلك يجبُ عليه الحجُّ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: أخبَرنا ابن جُريجٍ، قال: قال عطاءً: من وجد شيئًا يُبلغه فقد وجَد سبيلًا، كما قال اللَّهُ ﷿: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا أبو هانئ، قال: سُئِل (^٣) عامرٌ عن هذه الآيةِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قال: السبيلُ ما يَسَّرَه اللهُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٩٠ عن ابن مهدى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٤ (٣٨٦٣) من طريق جويبر عن الضحاك قال: إن كان فقيرا وهو صحيح شاب، فليؤاجر نفسه بالأكلة والعقبة حتى يحج.\nوقوله: بأكله وعقبه: يعنى: يعنى أن يجعل القاصد للحج - وليس معه نفقة وظهر يبلغه - نفسه أجيرا عند غيره، مقابل أن يطعمه ويحمله حتى يبلغ حجته ويقضيها.\n(^٣) في النسخ: \"ثنا سهل بن\". وسيأتي على الصواب في ص ٦٢٢.","vol":"5","page":615},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبَّادٌ، عن الحسنِ: مَن وجد شيئًا يبلِّغُه فقد اسْتَطاعَ إِليه سبيلًا (^١).\nوقال آخرون: السبيلُ إلى ذلك الصحَّةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1441>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ حُميد ومحمد بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ والمُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قالوا: حدَّثنا أبو عبدِ الرحمنِ المُقْرِئُ، قال: ثنا حَيْوَةُ بْنُ شُرِيحٍ وابنُ لَهِيعَةَ، قالا: أخبَرنا شُرَحْبيلُ بنُ شَريكٍ المَعَافريُّ، أنه سمِع عكرمةَ مولى ابن عباسٍ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قال: السبيلُ الصحَّةُ (^٢).\nوقال آخرون بما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، قال: مَن وجدَ قوةً في النفقةِ والجسدِ والحَمْلانِ. قال: وإن كان في جسدِه ما لا يستطيعُ الحَجَّ، فليس عليه الحجُّ، وإن كان له قوةٌ في مالٍ، كما إذا كان صحيحَ الجسدِ ولا يجدُ مالًا ولا قوةً، يقولون: لا يُكَلَّفُ أن يَمْشِيَ.\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندنا بالصوابِ قولُ مَن قال بقولِ ابن الزُّبير وعطاءٍ: إن ذلك على قَدْرِ الطاقةِ؛ لأن السبيلَ في كلامِ العربِ الطريقُ. فمن كان واجدًا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٣ (٣٨٥٨) من طريق أبي بكر الحنفى به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٤ (٣٨٦١) من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ به.","vol":"5","page":616},{"text":"طريقًا إلى الحجِّ لا مانعَ له منه؛ مِن زَمانَةٍ، أو عجزٍ، أو عدوٍّ، أو قِلَّةِ ماءٍ في طريقه، أو زادٍ، وضعفٍ عن المشيِ، فعليه فرضُ الحج، لا يُجْزِئُه إِلَّا أَداؤُه. فإن لم يكنْ واجدًا سبيلًا - أعنى بذلك: فإن لم يكن مُطيقًا الحجِّ بتَعَذُّرِ بعضِ هذه المعانى التي وَصَفْناها عليه - فهو ممن لا يجدُ إليه طريقًا ولا يستطيعُه؛ لأن الاستطاعةَ إلى ذلك هو القدرةُ عليه كان عاجزًا عنه ببعضِ الأسبابِ التي ذَكَرْنا أو بغيرِ ذلك، فهو غيرُ مطيقٍ ولا مُستَطِيع إليه السبيلَ.\nوإنما قلنا: هذه المقالةُ أولى بالصحَّةِ مما خالَفها؛ لأن الله ﷿ لم يَخصُص إذ أَلْزم الناسَ فرضَ الحجِّ - بعضَ مستطيعى السبيلِ إليه، بسقوطِ فَرْضِ ذلك عنه. فذلك على كلِّ مستطيعٍ إليه سبيلًا بعمومِ الآيةِ.\nفأمَّا الأخبارِ التي رُويَتْ عن رسولِ اللهِ ﷺ في ذلك بأنه الزادُ والراحلةُ، فإنها أخبارٌ في أسانيدِها نظرٌ، لا يجوزُ الاحتجاجُ بمثلِها في الدينِ.\nواخْتَلف القرَأَةُ في قراءةِ \"الحجِّ\"، فقرَأ ذلك جماعةٌ من قرأةِ أهلِ المدينةِ والعراقِ بالكسرِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (^١).\nوقرَأ ذلك جماعةٌ أُخرى منهم بالفتحِ: (وللهِ على النَّاسِ حَجُّ البَيْتِ) (^٢).\nوهما لغتان معروفتان للعربِ، فالكسرُ لغةُ أهلِ نَجْدٍ، والفتحُ لغةُ أهلِ العاليةِ، ولم نرَ أحدًا مِن أهل العربيةِ ادَّعى فرقًا بينَهما في معنًى ولا غيرِه، غيرَ ما ذَكَرْنا من اختلافِ اللغتين، إلَّا ما حدَّثنا به أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: قال\n_________\n(^١) وهى قراءة حمزة والكسائى وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٢١٤.\n(^٢) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وأبى بكر عن عاصم، وابن عامر. المصدر السابق.","vol":"5","page":617},{"text":"حسينٌ (^١) الجعفى: الحَجُّ مفتوحٌ اسمٌ والحِجُّ مكسورٌ: عَملٌ.\nوهذا قولٌ لم أَرَ أهلَ المعرفةِ بلغاتِ العربِ ومعاني كلامِهم يَعْرِفونه، بل رأيتُهم مُجْمِعِين على ما وصَفتُ من أنهما لغتان بمعنَى واحدٍ.\nوالذي نقولُ به في قراءةِ ذلك: إن القراءتين إذ كانتا مستفيضتين في قرأةِ أهلِ الإسلامِ، ولا اختلافَ بينَهما في معنًى ولا غيرِه، فهما قراءتان قد جاءتا مجئَ الحُجَّةِ، فبأيِّ القراءتين - أعنى بكسرِ الحاءِ من الحجِّ أو فتحِها - قرَأ القارئُ، فمصيبٌ الصوابَ في قراءتِه.\nوأما ﴿مَنِ﴾ التي مع قولِه: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾. فإنه في موضعِ خفضٍ على الإبدالِ من ﴿النَّاسِ﴾. لأن معنى الكلامِ: واللهِ على مَن استطاعِ مِن الناسِ سبيلًا إلى حجِّ البيتِ، حجُّه. فلما تقدَّم ذكرُ ﴿النَّاسِ﴾ قبلَ ﴿مَنِ﴾، بيَّن بقولِه: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، الذي عليه فرضُ ذلك منهم؛ لأنَّ فَرْضَ ذلك على بعضِ الناسِ دونَ جميعِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1442>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومَن جحَد ما أَلْزَمه اللَّهُ مِن فرضِ حجِّ بيتِه، فأَنْكَره وكفَر به، فإن الله غنيٌّ عنه وعن حجِّه وعملِه، وعن سائرِ خلقِه مِن الجنِّ والإنسِ.\nكما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، عن الحجَّاجِ بن أَرْطَاةَ، عن محمدِ بن أبي المُجالِدِ، قال: سَمِعتُ\n_________\n(^١) في النسخ: \"حسن\". وتقدم في ١/ ١٧٢.","vol":"5","page":618},{"text":"مِقْسمًا، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾. قال: مَن زعَم أنه ليس بفرضٍ عليه (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا الحجَّاجُ، عن عطاءٍ، وجُويبرٍ، عن الضحَّاكِ، في قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. قالا: من جحَد الحجَّ وكفَر به (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن الحَجَّاجِ بن أَرْطَاةَ، عن عطاءٍ، قال: مَن جحد به.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عمرانُ القطَّانُ، يقولُ: مَن زعَم أن الحجَّ ليس عليه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكر، عن عبَّادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، قال: مَن أَنْكَرَه، ولا يرى أن ذلك عليه حقًّا، فذلك كفرٌ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ قال: من كفَر بالحجِّ.\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، عن أبي بشرٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. قال: مَن كفَر بالحجِّ كفَر باللهِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٥ (٣٨٧١) من طريق عاصم بن أبي النجود عن ابن عباس بنحوه.\n(^٢) ينظر البحر المحيط ٣/ ١٢.\n(^٣) ينظر تفسير البغوي، ٢/ ٧٤، والبحر المحيط ٣/ ١٢.\n(^٤) ينظر تفسير البغوي ٢/ ٧٤.","vol":"5","page":619},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا يَعْلَى بْنُ أَسَدٍ، قال: ثنا خالد، عن هشامِ بن حسَّانِ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ﴾. قال: من لم يَرَه عليه واجبًا (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ قال: بالحجِّ.\nوقال آخرون: معنى ذلك ألّا يكونَ معتقدًا في (^٢) حجِّه أن له الأجرَ عليه، ولا أن عليه بتركِه إثمًا، ولا عقوبةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-1443>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا ابن جُريجٍ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بن مسلمٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ قال: هو ما إن حجّ لم يَرَه بِرًّا، وإن قعد لم يَرَه مأثمًا.\nحدَّثنا عبد الحميد بن بيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: هو ما إن حجّ لم يَرَه بِرًّا، وإن قعد لم يَرَه مأثمًا (^٣).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا فِطْرٌ (^٤)، عن أبي داودَ نُفيعٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥١٧ - تفسير) من طريق هشام بن حسان به.\n(^٢) بعده في ص: \"عمله و\"، وبعده في ت ٢: \"عمله\".\n(^٣) أخرجه الشافعي ٢/ ٩٣، والبيهقى في معرفة السنن والآثار ٣/ ٤٦٩ من طريق ابن جريج به، أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٢٨، وسعيد بن منصور في سننه (٥١٦ - تفسير)، والبيهقى ٤/ ٣٢٤ من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد.\n(^٤) في م: \"مطر\".","vol":"5","page":620},{"text":"سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. فقام رجلٌ من هُذيلٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، من ترَكه كفَر؟ قال: \"من ترَكه ولا يخافُ عقوبتَه، ومن حجَّ ولا يرجو ثوابَه، فهو ذاك\" (^١).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: مَن كفَر بالحجِّ، فلم يرَ حَجَّه بِرًا، ولا تَرْكَه مأثمًا (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ومَن كفَر باللهِ واليومِ الآخرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1444>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: سألته عن قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. ما هذا الكفرُ؟ قال: من كفَر باللهِ واليومِ الآخرِ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾. قال: قال: من كفَر باللهِ واليومِ الآخرِ (^٤).\nحدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٍ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٥ (٣٨٧٢)، والبيهقى ٤/ ٣٢٤، من طريق أبي صالح.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٥ (٣٨٦٨) من طريق عبد الرحمن بن مهدي به.","vol":"5","page":621},{"text":"الضحَّاكِ في قولِه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قال: لما نَزَلت آيةُ الحجِّ جمَع رسولُ اللهِ ﷺ أهلَ الأديانِ كلهم، فقال: \"يا أيُّها الناسُ، إنَّ الله ﷿ كتب عليكم الحجَّ فحُجُّوا\". فآمنت به ملةٌ واحدةٌ، وهى مَن صدَّق النبيَّ ﷺ وآمَن به، وكَفَرتْ به خمسُ مِلَلٍ، قالوا: لا نؤمنُ به، ولا نصلِّي إليه، ولا نَسْتَقْبِلُه. فَأَنْزَل الله ﷿: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (^١).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: أخبَرنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا أبو هانئ، قال: سُئل عامرٌ عن قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾. قال: مَن كفَر من الخلقِ، فإن الله غنيٌّ عنه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنان، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن إبراهيم، عن محمدِ بن عَبَّادٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ في قولِ اللهِ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ قال: \"مَن كفَر باللهِ واليومِ الآخرِ\" (^٣)\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عكرمةَ مولى ابن عباسٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران:٨٥]. فقالت المللُ: نحن مسلمون. فَأَنْزَل اللهُ ﷿: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥١٥ - تفسير) من طريق جُويبرٍ به نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥٧/ ٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ينظر تفسير القرطبي ٤/ ١٤٨.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٤ (٣٨٦٧)، والبيهقى في الشعب (٣٩٧٤) من طريق أبي حذيفة به.","vol":"5","page":622},{"text":"الْعَالَمِينَ﴾. فحجَّ المؤمنون وقعَد الكفارُ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ومَن كفَر بهذه الآياتِ التي في مَقامِ إبراهيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1445>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. فقرأ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦]. فقرَأ حتى بلغ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ﴾. قال: مَن كفَر بهذه الآياتِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. ليس كما يقولون: إذا لم يحُجَّ، وكان غنيًّا، وكانت له قوةٌ، فقد كفَر بها. وقال قومٌ من المشركين: فإنا نكفُرُ بها ولا نفعَلُ. فقال اللهُ ﷿: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (^٢).\nوقال آخرون بما حدَّثنى إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن مسلم، قال: أخبَرنا أبو عمرَ الضريرُ، قال: ثنا حمادٌ، عن حبيبِ بن أبي بقيَّةَ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. قال: مَن كفَر بالبيتِ (^٣).\nوقال آخرون: كفرُه به تركُه إيَّاه حتى يموتَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1446>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنى أحمد بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ٤/ ٣٢٤، ومعرفة السنن والآثار ٣/ ٤٦٨، ٤٦٩ (٢٦٥٢) من طريق ابن أبي نجيح. بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٧ إلى المصنف، وعبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٧ إلى المصنف مختصرًا.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"5","page":623},{"text":"السُّديِّ: أما ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ فمَن وجَد ما يحجُّ به، ثم لا يحجُّ، فهو كافرٌ (^١).\nوأولى التأويلاتِ بالصوابِ في ذلك قولُ مَن قال: معنى ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾: ومن جحَد فرْضَ ذلك وأَنْكَر وجوبَه فإن اللَّهَ غنيٌّ عنه وعن حجِّه، وعن العالمين جميعًا.\nوإنما قلنا ذلك أولى به؛ لأن قولهَ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾. بِعَقِبِ قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. بأن يكونَ خبرًا عن الكافرَ بالحجِّ، أحقُّ منه بأن يكونَ خبرًا عن غيره، مع أن الكافرَ بفرضِ الحجِّ على من فرَضه اللَّهُ عليه، باللَّهِ كافرٌ، وأن الكفرَ أَصْلُه الجحودِ، ومن كان له جاحدًا، ولفرضِه منكرًا، فلا شكّ إِنْ حجَّ لم يَرْجُجُ بحجِّه بِرًّا، وإن تَرَكَه فلم يَحُجَّ لم يَرَهُ مأثمًا.\nفهذه التأويلاتُ، وإن اخْتَلَفَت العباراتُ بها، فمتقارباتُ المعانى.\n\n<span id=\"aya-391\"></span><span data-type='title' id=toc-1447>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨)﴾.</span>\nيعنى بذلك: يا معشرَ يهودِ بني إسرائيلَ وغيرِهم من سائرِ مَن يَنْتَحِلُ الدِّيانةَ بما أَنْزل الله ﷿ من كتبِه، ممن كفَر بمحمدٍ ﷺ، وجحَد نبوَّته: لمَ تَجْحدون ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يقولُ: لمَ تجحَدون حُججَ اللهِ التي آتاها محمدًا ﷺ في كتبِكم وغيرها، التي قد ثَبَتَتْ عليكم بصدقِه ونبوته حُجَّتُه. وأنتم تعلَمون (^٢). يقولُ: لم تجحَدون ذلك من أمرِه وأنتم تعلَمون صدقه؟ فَأَخْبر جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ٧٤ بنحوه، وذكره أبو حيان في البحر المحيط ٣/ ١٢ وفيه، فهذا كفر معصية.\n(^٢) ليس هذا من الآية، فتمام الآية: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾. ويمكن أن يكون المصنف أورد هذه العبارة من عنده، أو اقتباسًا من الآيات الأخرى؛ لاعتباره ذلك متسقا مع علم اليهود بصدق النبي ﷺ.","vol":"5","page":624},{"text":"متعمِّدون الكفرَ باللهِ وبرسولِه، على علمٍ منهم ومعرفةٍ من كفرِهم.\nوقد حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: أما آياتُ اللهِ فمحمدٌ ﷺ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارَى (^١).\n\n<span id=\"aya-392\"></span><span data-type='title' id=toc-1448>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا معشرَ يهودِ بني إسرائيلَ وغيرِهم ممن يَنْتَحِلُ التصديقَ بكتبِ اللهِ، ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ﴾ يقولُ: لم تُضِلُّون عن طريقِ اللهِ ومَحَجَّتِه التي شرَعها لأنبيائه وأوليائِه وأهلِ الإيمانِ ﴿مَنْ آمَنَ﴾ يَقولُ: من صدَّق باللهِ ورسولِه وما جاء به من عندِ اللهِ، ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ يعنى: تبغُون لها عوجًا.\nوالهاءُ والألفُ اللتان في قولِه: ﴿تَبْغُونَهَا﴾ عائدتان على ﴿سَبِيلِ﴾، وأنَّثها لتأنيثِ السبيلِ.\nومعنى قولِه: [تَبْغون لها عِوَجًا] (^٢). من قولِ الشاعرِ، وهو سُحيمٌ عبدُ بنى الحَسْحاسِ (^٣):\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٦ (٣٨٨٠) من طريق أبي بكر به.\n(^٢) كذا في النسخ، ولعل الصواب: تبغونها عوجا: تطلبون لها عوجا.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٣/ ٥٠٢.","vol":"5","page":625},{"text":"بغَاك وما تَبْغِيه حتى وجَدْتَهُ … كأنك قد وَاعَدْتَه أَمسِ مَوْعِدَا\nيعنى: طَلَبَك وما تطلبه\nيقالُ: ابْغِنى كذا. يُرادُ: ابْتَغِه لى. فإذا أرادوا: أَعِنِّي على طلبِه وابْتَغِه معى. قالوا: أَبْغِنى. بفتحِ الألفِ. وكذلك يقالُ: احْلِبْنى. بمعنى: اكْفِني الحَلْبَ. وأَحْلِبْني: أعنِّى عليه. وكذلك جميعُ ما ورَد من هذا النوعِ فعلى هذا.\nوأما العِوَجُ فهو الأَوَدُ والمَيْلُ. وإنما يعنى بذلك الضلالَ عن الهدَى. يقولُ جلَّ ثناؤُه: لمَ تصدُّون عن دينِ اللَّهِ مَن صَدَّق الله ورسولَه، تَبْغون دينَ اللَّهِ اعوجاجًا عن سَنَنِه واستقامته.\nوخرج الكلامُ على \"السبيل\" والمعنى لأهلِه. كأن المعنى: تَبْغون لأهلِ دينِ اللهِ ولمن هو على سبيلِ الحقِّ، ﴿عِوَجًا﴾. يقولُ: ضلالًا عن الحقِّ، وزَيْغًا عن الاستقامةِ على الهدى والمحجَّةِ.\nوالعِوَجُ بكسرِ أولِه: الأودُ في الدينِ والكلامِ. والعَوَجُ بفتحِ أولِه: المَيْلُ في الحائطِ والقناةِ وكلِّ شيءٍ منتصبٍ قائمٍ.\nوأمَّا قولُه: ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾. فإنه يعنى: شهداءَ على أن الذي تصُدُّون عنه من السبيل حقٌّ، تعلَمونه وتجدونه في كتبِكم. ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: ليس اللهُ بغافلٍ عن أعمالِكم التي تَعْمَلونها مما لا يَرْضاه لعبادِه، وغيرِ (^١) ذلك من أعمالِكم، حتى يُعاجلَكم بالعقوبِة عليها مُعجَّلةً، أو يُؤخِّرَ ذلك لكم حتى تَلْقَوه فيُجازيكم عليها.\nوقد ذُكر أن هاتين الآيتين من قولِه ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"عن\".","vol":"5","page":626},{"text":"اللَّهُ﴾ والآياتِ بعدَهما (^١)، إلى قولِه: ﴿[وَأُولَئِكَ] (^٢) لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. نَزَلَتْ في رجلٍ من يهودَ، حاوَل الإغراءَ بين الحيَّيْن من الأوسِ والخزرجِ بعدَ الإسلامِ، ليُراجِعوا ما كانوا عليه في جاهليَّتِهم من العداوةِ والبغضاءِ، فعَنَّفَهُ اللَّهُ بفعلِه ذلك، وقبَّح له ما فعَل، ووَبَّخه عليه، ووعَظ أيضا أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ، ونهاهم عن الافتراق والاختلافِ، وأمَرهم بالاجتماعِ والائْتلافِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1449>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى الثقةُ، عن زيدِ بن أسلمَ، قال: مرَّ شَأْسُ بن قيسٍ - وكان شيخًا قد عسَا (^٣) في الجاهليَّةِ، عظيمَ الكفرِ، شديدَ الضِّغْنِ على المسلمين، شديدَ الحسَدِ لهم - على نفرٍ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن الأوسِ والخزرجِ، في مجلسٍ قد جَمَعَهم يتحدَّثون فيه، فغاظَه ما رأى من جماعتِهم وأُلْفَتِهم، وصلاحِ ذاتِ بَيْنِهم على الإسلامِ، بعدَ الذي كان بينَهم من العداوةِ في الجاهليةِ، فقال: قد اجْتَمع مَلأُ بني قَيْلَةَ (^٤) بهذه البلادِ، لا (^٥) واللَّهِ ما لنا معهم إذا اجْتَمع مَلَؤُهم بها من قرارٍ. فأمرَ فتًى شابًّا مِن يَهودَ، وكان معه (^٦)، فقال: اعمِدْ إليهم، فاجْلِسْ معهم، وذكِّرْهم يومَ بُعاثٍ وما كان قبلَه، وأَنْشِدْهم بعضَ ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعارِ. وكان يومُ بُعاتٍ يومًا اقْتَتَلَتْ\n_________\n(^١) في ت ١: \"بعدها\".\n(^٢) في النسخ: \"فأولئك\". والمثبت قراءة الآية.\n(^٣) في ص، ت ١: \"عتا\". وعسا وعتا: أسن وكبِر وولَّى. اللسان (ع ت و، ع س و).\n(^٤) بنو قيلة: الأنصار من الأوس والخزرج، وقيلة اسم أم لهم قديمة، وهي قيلة بنت كاهل، قضاعية، ويقال: بنت جفنة. غسانية. ينظر اللسان والتاج (ق ى ل)، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم ص ٣٣٢.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت، ت ٣، ص.\n(^٦) في سيرة ابن هشام: \"معهم\".","vol":"5","page":627},{"text":"فيه الأوسُ والخزرجُ، وكان الظَّفَرُ فيه للأوسِ على الخزرجِ، فَفَعَلَ. فتَكَلَّم القومُ عندَ ذلك، فتنازعوا وتفاخروا، حتى تَوَاثَبَ رجلان من الحيَّيْن على الرُّكَبِ؛ أَوْسُ بنُ قَيْظِيٍّ، أحدُ بني حارثةَ بن الحارثِ، من الأوسِ، وجَبَّارُ بنُ صخرٍ، أحدُ بني سَلِمةَ من الخزرجِ، فتقاولا، ثم قال أحدُهما لصاحبِه: إن شئتم واللَّهِ رَدَدْناها الآنَ جَذَعةً (^١). وغضِب الفريقان، وقالوا: قد فعَلْنا، السلاحَ السلاحَ، موعدُكم الظاهِرةُ. والظاهرةُ الحَرَّةُ. فخرَجوا إليها، وتَحَاوَزَ (^٢) الناسُ، فَانْضَمَّتِ الأُوسُ بعضُها إلى بعضٍ، والخزرجُ بعضُها إلى بعضٍ، على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهليةِ، فبلَغ ذلك رسول اللَّهِ ﷺ، فخرَج إليهم في مَن معه مِن المهاجرين من أصحابِه، حتى جاءهم، فقال: \"يا معشرَ المسلمين، اللَّهَ اللَّهَ، أبِدعوَى الجاهليةِ وأنا بينَ أَظْهُرِكم، بعدَ إذ هداكم اللَّهُ إلى الإسلام، وأَكْرَمَكم به، وقطَع به عنكم أمرَ الجاهليةِ، واسْتَنْقَذكم به من الكفرِ، وألَّف به بينَكم، تَرْجِعون إلى ما كنتم عليه كفارًا\"؟ فعرَف القومُ أَنها نَزْعَةٌ من الشيطانِ، وكيدٌ من عدوِّهم، فأَلْقَوُا السلاحَ من أيدِيهِم، وبكَوْا، وعانَق الرجالُ من الأوسِ والخزرجِ بعضُهم بعضًا، ثم انْصَرَفوا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ سامعين مطيعين، قد أَطْفأ اللَّهُ عنهم كيدَ عدوِّ اللَّهِ شأْسِ بن قيسٍ وما صنَع، فأَنْزَلَ اللَّهُ في شأْسِ بن قيسٍ وما صنَع: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ الآية. وأَنزل اللَّهُ ﷿ في أوسِ بن قَيْظيٍّ وجَبَّارِ بن\n_________\n(^١) أعدتُ الأمر جذعًا جديدًا كما بدأ. التاج (ج ذ ع).\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت: \"تحاور\"، وقد سقط هذا الحديث بطوله وفقرة بعده من \"س\". وتحاوروا: تراجعوا الكلام بينهم، وتجادلوا. وتَحَاوَز الفريقان في الحرب: انحاز كل واحد منهما عن الآخر. وواضح من هنا بُعدُ معنى التحاور - بالراء - عن السياق وغرابته، لذا أثبتناها بالزاى. وينظر التاج (ح ور، ح وز).","vol":"5","page":628},{"text":"صخرٍ، ومَن كان معهما من قومِهما، الذين صنَعوا ما صنَعوا عَمَّا (^١) أَدْخَل عليهم شأْسُ بنُ قيسٍ من أمرِ الجاهليةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾. إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (^٢).\nوقيل: إنه عَنَى بقولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جماعةَ يهودِ بني إسرائيلَ الذين كانوا بينَ أظْهُرِ مدينةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، أيامَ نزَلت هذه الآياتُ، والنصارى، وأن صدَّهم عن سبيلِ اللَّهِ كان بإخبارهم مَن سأَلهم عن أمرِ نبيِّ اللَّهِ محمدٍ ﷺ: هل يجدون ذكرَه في كتبِهم؟ أنهم لا يجدون نَعْتَه في كتبِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1450>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: كانوا إذا سأَلهم أحدٌ: هل تجدون محمدًا؟ قالوا: لا. فصدُّوا عنه الناسَ. وبَغَوْا محمدًا عِوَجًا: هلاكًا (^٣).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَهْلَ\n_________\n(^١) في م: \"مما\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥٥ - ٥٥٧، - ٥٥٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٦، ٧١٨ (٣٨٧٨، ٣٨٩٣) من طريق سلمة به مختصرًا جدًّا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٧، ٥٨ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٧ (٣٨٨٤) من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"5","page":629},{"text":"الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقول: لم تَصُدُّون عن الإسلامِ وعن نبيِّ اللَّهِ من آمن باللَّهِ، وأنتم شهداءُ فيما تَقْرَءون من كتابِ اللَّهِ أن محمدًا رسولُ اللَّهِ، وأن الإسلامَ دينُ اللَّهِ الذي لا يقبَلُ غيرَه، ولا يَجْزِى إلَّا به، تجدونه (^١) مكتوبًا عندَكم (^٢) في التوراةِ والإنجيلِ (^٣)؟\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ نحوَه (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بن سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى، نَهاهم أن يَصُدُّوا المسلمين عن سبيلِ اللَّهِ، ويريدون أن يَعْدِلُوا الناسَ إلى الضلالةِ (^٥).\nفتأويلُ الآيةِ على ما قاله (^٦) السُّدِّيُّ: يا معشرَ اليهودِ، لم تصُدُّون عن محمدٍ، وتَمْنَعون مِن اتِّباعِه المؤمنين به؛ بكتمانِكم صفتَه التي تَجِدونها في كتبِكم. ومحمدٌ على هذا القولِ هو السبيلُ. ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: تبغون محمدًا. هلاكًا.\nوأما سائرُ الرواياتِ غيرِه، والأقوالِ في ذلك، فإنه نحوُ التأويلِ الذي بيَّنَّاه\n_________\n(^١) في ت ٢، والدر المنثور: \"يجدونه\".\n(^٢) في ت،١ ت،٢ ت، والدر المنثور: \"عندهم\".\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٧ عقب الأثر (٣٨٨٣) معلقا مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٧ (٣٨٨٣) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به نحوه مختصرا.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٧ من طريق أبي بكر الحنفى به مختصرًا.\n(^٦) في ص، ت ٢: \"قال\".","vol":"5","page":630},{"text":"قبلُ، مِن أن معنى السبيلِ التي ذكَرها في هذا الموضعِ الإسلامُ، وما جاء به محمدٌ من الحقِّ من عندِ اللَّهِ.\n\n<span id=\"aya-393\"></span><span data-type='title' id=toc-1452>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ في من عنَى بذلك؛ فقال بعضُهم: عنَى بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من الأوسَ والخزرجَ، وبـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: شَأْسَ بن قيسٍ اليهوديَّ. على ما قد ذكَرْنا قبلُ من خبرِه عن زيدِ بن أسلمَ (^١).\nوقال آخرون في مَن عنَى بـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مثلَ قولِ زيدِ بن أسلمَ، غيرَ أنهم قالوا: الذي جرَى الكلامُ بينَه وبينَ غيرِه من الأنصارِ حتى همُّوا بالقتالِ، ووجَد اليهوديُّ به مَغْمَزًا فيهم، ثعلبةُ بن عَنَمَة (^٢) الأنصاريُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1451>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾: قال: نَزَلَتْ في ثعلبة بن عَنَمةَ (^٢) الأنصاريِّ؛ كان بينَه وبينَ أناسٍ من الأنصارِ كلامٌ، فمشى بينَهم يهوديٌّ من قَيْنُقَاعَ، فحمَل بعضَهم على بعضٍ (^٣)، حتى همَّت الطائفتان من الأوسِ والخزرجِ أن يَحْمِلُوا السلاحَ فيُقاتِلوا، فأَنْزل اللَّهُ ﷿: هو ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ\n_________\n(^١) هو الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣ س: \"غنمة\". بالغين. وينظر أسد الغابة ١/ ٢٩١، والإصابة ١/ ٤٠٦.\n(^٣) حملت على بنى فلان: إذا أرشتَ بينهم. التاج (ح م ل). والمعنى هنا: الإيقاع والإفساد بينهم.","vol":"5","page":631},{"text":"كَافِرِينَ﴾. يقولُ: إن حمَلتم السلاحَ فاقْتَتَلْتُم كَفَرْتم (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا جعفرُ (^٢) بنُ سليمانَ، عن حُميدٍ الأعرِج، عن مجاهدٍ في قولهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: كان جِماعُ قبائلِ الأنصارِ بَطْنَيْنِ؛ الأوسَ والخزرجَ، وكان بينَهما في الجاهليةِ حربٌ ودماءٌ وشَنآنٌ، حتى منَّ اللَّهُ عليهم بالإسلامِ وبالنبيِّ ﷺ، فأَطْفَأ اللَّهُ الحربَ التي كانت بينَهم، وألَّف بينَهم بالإسلامِ. قال: فبَيْنَا رجلٌ مِن الأوسِ ورجلٌ من الخزرجِ قاعدان يَتَحَدَّثان، ومعهما يهوديٌّ جالسٌ، فلم يَزَلْ يُذَكِّرُهما أيامهما، والعداوةَ التي كانت بينَهم، حتى اسْتَبَّا، ثم اقْتَتَلا. قال: فنادَى هذا قومَه، وهذا قومَه، فخرَجوا بالسلاحِ، وصفَّ بعضُهم لبعض. قال: ورسولُ اللَّهِ ﷺ شاهدٌ يومَئذٍ بالمدينةِ، فجاء رسولُ اللَّهِ ﷺ، فلم يزلْ يمشى بينَهم إلى هؤلاء وإلى هؤلاء؛ ليُسَكِّنَهم (^٣)، حتى رَجَعوا ووَضَعوا السلاحَ، فأَنْزَل اللَّهُ ﷿ القرآنَ في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (^٤).\nفتأويلُ الآية: يا أيها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، وأَقَرُّوا بما جاءهم به نبيُّهم ﷺ من عندِ اللَّهِ، إن تُطيعوا جماعةً ممن يَنْتَحِلُ الكتابَ من أهلِ التوراةِ والإنجيلِ، فتَقْبَلوا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٨، ٧١٩ (٣٨٩٢، ٣٨٩٧) من طريق أحمد بن المفضل به مختصرًا.\n(^٢) في تفسير عبد الرزاق: \"معمر\" خطأ. وينظر تهذيب الكمال ٥/ ٤٣.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فيسكنهم\"، وفى تفسير عبد الرزاق: \"يسكنهم\". والمثبت موافق لما في تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٨، ١٢٩. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٩ (٣٨٩٤) عن الحسن به.","vol":"5","page":632},{"text":"منهم ما يأمُرونكم به، يُضِلُّوكم فيَرُدُّوكم بعدَ تصديقِكم رسولَ ربِّكم، وبعدَ إقرارِكم بما جاء به من عندِ ربِّكم ﴿كَافِرِينَ﴾. يقولُ: جاحِدِين لما قد آمنتم به وصَدَّقْتُموه من الحقِّ الذي جاءكم من عندَ ربِّكم. فنهاهم جلَّ ثناؤُه أن يَنْتَصِحوهم ويَقْبَلُوا منهم رَأْيًا أو مَشُورةً، ويُعْلَمُهم تعالى ذكرُه أنهم لهم مُنْطَوون على غِلٍّ وغشٍّ وحسدٍ وبَغْضاءَ (^١).\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾: قد تقدَّم اللَّهُ إليكم فيهم كما تَسْمَعون، وحذَّركم وأَنْبأكم بضلالتِهم، فلا تَأْمَنوهم على دينِكم، ولا تَنْتَصِحوهم على أنفسِكم، فإنهم الأعداءُ الحَسَدةُ الضُّلَّالُ، كيف تَأْتَمِنون قومًا كفَروا بكتابِهم، وقتَلوا رسلَهم، وتَحَيَّروا في دينِهم، وعجَزوا عن أنفسِهم؟ أولئك واللَّهِ هم أهلُ التُّهَمةِ والعداوةِ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ مثلَه (^٣)\n\n<span id=\"aya-394\"></span><span data-type='title' id=toc-1453>القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ أيها المؤمنون بعدَ إيمانِكم باللَّهِ وبرسولِه، فتَرْتدُّوا على أعقابِكم، ﴿وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾. يعنى: حُججَ\n_________\n(^١) في م: \"بغض\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٩ (٣٨٩٥) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.","vol":"5","page":633},{"text":"اللَّهِ عليكم التي أَنْزلها في كتابِه على نبيِّه محمدٍ ﷺ، ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ حُجَّةٌ أُخرى عليكم للَّهِ، مع أي كتابِه، يدعوكم جميعُ ذلك إلى الحقِّ، ويُبصِّرُكم الهدَى والرشادَ، ويَنْهاكم عن الغَيِّ والضلالِ. يقولُ لهم تعالى ذكرُه: فما [وجهُ عذرِكم] (^١) عندَ ربِّكم في جحودِكم نبوَّةَ نبيِّكم، وارتدادِكم على أعقابِكم، ورجوعِكم إلى أمرِ جاهليتِكم، إن أنتم رَاجَعْتم ذلك وكفَرْتم، وفيه هذه الحُججُ الواضحةُ، والآياتُ (^٢) البينةُ على خطأَ فعلِكم ذلك إن فَعَلْتُموه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ الآية: عَلَمان بيِّنان؛ وِجدانُ نبيِّ اللَّهِ ﷺ، وكتابُ اللَّهِ؛ فأما نبيُّ اللَّهِ فمَضَى ﷺ، وأما كتابُ اللَّهِ فأبقاه اللَّهُ بينَ أظْهُرِكم رحمةً مِن اللَّهِ ونعمةً، فيه حلالُه وحرامُه، وطاعتُه ومعصيتُه (^٣).\nوأما قولُه: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فإنه يعنى: ومَن يَتَعلَّق بأسباب الله، ويَتَمَسَّك بدينِه وطاعتِه، ﴿فَقَدْ هُدِيَ﴾. يقولُ: فقد وُفِّق الطريقٍ واضحٍ، ومحجةٍ مستقيمةٍ غيرِ مُعوَجَّةٍ، فَيَسْتَقِيمُ به إلى رضا اللَّهِ، وإلى النجاةِ من عذابِ اللَّهِ، والفوزِ بجنتِه.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ﴾. قال: يؤمن باللَّهِ (^٤).\n_________\n(^١) في ص: \"وحد عدوكم\"، وفى ت ١: \"وجد عدوكم\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"الأيام\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٠ (٣٨٩٩) من طريق شيبان، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٠ (٣٩٠١) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٨ إلى ابن المنذر.","vol":"5","page":634},{"text":"وأصلُ العَصْم المنعُ. فكلُّ مانِعٍ شيئًا فهو عاصِمُه، والمُمْتَنِعُ به مُعْتَصِمٌ به. ومنه قولُ الفَرَزْدَقِ (^١):\nأنا ابن العاصِمِينَ بنى تَمِيمٍ … إذا ما أَعْظَمُ الحَدَثانِ نَابَا\nولذلك قيل للحبلِ: عِصامٌ. وللسببِ الذي يَتَسَبَّبُ به الرجلُ إلى حاجتِه: عِصامٌ. ومنه قولُ الأعشى (^٢):\nإلى المَرْءِ قَيْسٍ أُطِيلُ السُّرَى (^٣) … وأخُذُ من كلِّ حَيٍّ عُصُمْ\nيعنى بالعُصْمِ الأسبابَ؛ أسبابَ الذِّمةِ والأمانِ. يقالُ منه: اعْتَصَمْتُ بحَبْلٍ مِن فلانٍ، واعتصمتُ حبلًا من منه، واعتصمتُ به، واعتصمتُه. وأفصحُ اللغتين إدخالُ الباءِ، كما قال ﷿: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. وقد جاء: اعتصمته. كما قال الشاعر: (^٤)\nإذا أنتَ جازَيْتَ الإخاءَ بمثلِهِ … وآسَيْتَنى ثُمَّ اعتصمتَ حِبالِيَا\nفقال: اعتصمتَ حِباليَا. ولم يُدخِل الباءَ. وذلك نظيرُ قولِهم: تناولتُ الخِطامَ، وتناولتُ بالخطامِ، وتعلَّقتُ به، وتعلَّقتُه. كما قال الشاعرُ (^٥):\nتَعَلَّمْتَ هندًا ناشئًا (^٦) ذاتَ مِئْزَرٍ … وأنت وقد قارَفْتَ (^٧) لم تَدْرِ ما الحِلْمُ\n_________\n(^١) ديوانه ص ١١٥.\n(^٢) ديوانه ص ٣٧.\n(^٣) السُّرَى: سيرُ الليل عامته، وقيل: سير الليل كله. يُذكَّر ويُؤنَّث. اللسان (س ر ى).\n(^٤) معاني القرآن للفراء ١/ ٢٢٨.\n(^٥) معاني القرآن للفراء ١/ ٢٢٨.\n(^٦) الناشئ: فويق المحتلم، وقيل: هو الغلام والجارية وقد جاوزا حد الصغر، وكذلك الأنثى ناشئ. التاج (ن ش أ).\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فارقت\". وقارفت: قاربْتَ. التاج (ق ر ف).","vol":"5","page":635},{"text":"وقد بيَّنَّا (^١) معنى \"الهدى\" و\"الصراطِ\"، وأنه معنيٌّ به الإسلامُ، فيما مضَى قبلُ بشواهدِه، فكَرِهْنا إعادتَه في هذا الموضعِ (^٢).\nوقد ذُكِر أن الذي نزَل في سببٍ تَجاوُزِ (^٣) القَبِيلَيْنِ (^٤)؛ الأوسِ والخزرجِ، كان مِنْ (^٥) قولِه: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1454>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا حسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا قيسُ بنُ الرَّبيعِ، عن الأغَرَّ بن الصَّبَّاحِ، عن خَليفةَ بن حُصينٍ، عن أبي نَصرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت الأوسُ والخزرجُ بينَهم حربٌ في الجاهليةِ [كلَّ شهرٍ] (^٦)، فبينما هم جلوسٌ إذ ذكَروا ما كان بينَهم حتى غضِبوا، فقام بعضُهم إلى بعضٍ بالسلاحِ، فنَزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ إلى آخرِ الآيتين، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٧).\n\n<span id=\"aya-395\"></span><span data-type='title' id=toc-1455>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾</span>\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣ س: \"بينت\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ١٦٥ وما بعدها.\n(^٣) في النسخ: \"تحاور\". وينظر ما تقدم في ص ٦٢٨.\n(^٤) في م: \"القبيلتين\". والقبيل: كالقبيلة. ينظر اللسان (ق ب ل).\n(^٥) في م: \"منه\".\n(^٦) كذا في النسخ، وفى تفسير ابن أبي حاتم: \"كل شيء\"، وفي تفسير القرطبي: \"قتال وشر\"، وفي الدر المنثور: \"بينهم شر\".\n(^٧) أخرجه الفريابي ومن طريقه الطبراني (١٢٦٦٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٠ (٣٨٩٨) من =","vol":"5","page":636},{"text":"يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا معشرَ مَن صدَّق اللَّهَ ورسولَه ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾: خافوا اللَّهَ وراقِبوه بطاعتِه واجتنابِ معاصيه، ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: حقَّ خوفِه، وهو أن يُطاعَ فلا يُعْصَى، ويُشكَرَ فلا يُكفَرَ، ويُذكَرَ فلا يُنْسَى، ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ﴾ أيها المؤمنون باللَّهِ ورسولِه ﴿إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ لربِّكم، مُذعِنون له بالطاعةِ، مخلصون له الأُلُوهَةَ (^١) والعبادةَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1456>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنَ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن زُبَيْدٍ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. قال: أن يُطاعَ فلا يُعْصَى، ويُذكَرَ فلا يُنسَى، ويُشكَرَ فلا يُكْفَرَ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن زُبيدٍ، عن مرةَ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه (^٣).\n_________\n= طريق قيس بن الربيع به نحوه، وأخرجه البخاري في الكبير ٩/ ٧٦، والطبراني (١٢٦٦٧) من طريق الأغر بن الصباح به بلفظ: كان بين الأوس والخزرج. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٨ إلى ابن المنذر. وينظر تفسير القرطبي ٥/ ١٥٦.\n(^١) في م: \"الألوهية\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٩. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٢ (٣٩٠٨) من طريق عبد الرحمن به، وأخرجه الطبراني (٨٥٠٢)، وابن مردويه في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٢/ ٧٢ من طريق الفريابي وابن وهب عن الثورى، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٩ إلى عبد بن حميد والفريابي وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٢ (٣٩٠٨) من طريق عبد الرحمن به، وابن المبارك في الزهد (٢٢) عن شعبة به.","vol":"5","page":637},{"text":"حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن زُبيدٍ، عن مرةَ الهَمْدانيِّ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: سَمِعتُ ليثًا، عن زُبيدٍ، عن مرةَ بن شَرَاحِيلَ البَكيلِيِّ (^١)، عن عبدِ اللَّهِ، عن عبد الله بن مسعودٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنَهالِ، قال: ثنا جريرٌ، عن زُبيدٍ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا مِسْعرٌ، عن زُبيدٍ، عن مرةَ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بن عونٍ، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، عن المَسْعوديِّ، عن زُبيدٍ الإياميِّ (^٤)، عن مرةَ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه (^٥).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن زُبيدٍ، عن مرةَ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا يحيى، عن (^٦) سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. قال: أن يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُشكَرَ\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣ س: \"الهمداني\". وكلتاهما صواب، ينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٣٧٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٩٧، ٢٩٨ عن ابن إدريس به.\n(^٣) أخرجه الطبراني (٨٥٠١)، والحاكم ٢/ ٢٩٤ من طريق أبي نعيم به.\n(^٤) في ت ٢: \"اليامي\". وكلتاهما صواب. ينظر تهذيب الكمال ٩/ ٢٨٩.\n(^٥) أخرجه النحاس في ناسخه ص ٢٨١ من طريق المسعودى به.\n(^٦) في النسخ: \"بن\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٣٢٣، ٣١/ ٢٤٥.","vol":"5","page":638},{"text":"فلا يُكفَرَ، ويُذكَرَ فلا يُنْسَى (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ نحوَه.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا عمرُو بنُ مرةَ، [عن مرةَ] (^٢)، عن الرَّبيعِ بن خُثَيْمٍ (^٣) قال: أن يطاعَ فلا يُعْصَى، ويُشكَرَ فلا يُكفَرُ، ويُذكَرَ فلا يُنْسَى (^٤).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن مرةَ، قال: سمِعتُ مرةَ الهَمْدانيَّ يُحدِّثُ عن الرِّبيعِ بن خُثَيْمٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. فذكَر نحوَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن طاوسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أن يُطاعَ فلا يُعْصَى (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. قال: حقُّ تقاتِه أن يُطاعَ\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٢ عقب الأثر (٣٩٠٨) معلقًا، وينظر تفسير ابن كثير ٢/ ٧٢.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"خيثم\".\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٢ عقب الأثر (٣٩٠٨) معلقًا.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٣ (٣٩١٣) من طريق أبي حذيفة به.","vol":"5","page":639},{"text":"فلا يُعْصَى (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ثم تقدَّم إليهم - يعنى إلى المؤمنين من الأنصارِ - فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: أما حقُّ تقاتِه؛ يُطاعُ فلا يُعصى، ويُذكَرُ فَلا يُنْسَى، ويُشكَرُ فلا يُكفَرُ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حجَّاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا همَّامٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أن يُطاعَ فلا يُعْصَى. قال: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (^٣).\nوقال آخرون: بل تأويلُ ذلك كما حدثني به المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. قال: حقُّ تقاتِه أن يجاهِد (^٤) في (^٥) اللَّهِ حقَّ جهادِه، ولا يَأْخُذَهم (^٦) في اللَّهِ لومةُ لائمٍ، ويقوموا (^٧) للَّهِ بالقسطِ ولو على [أنفسِهم وآبائِهم وأبنائِهم] (^٨).\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٢ عقب الأثر (٣٩٠٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٢ عقب الأثر (٣٩٠٨) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.\n(^٣) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٢٨١، ٢٨٢ من طريق شيبان عن قتادة به.\n(^٤) في م، والدر المنثور: \"يجاهدوا\"، وفى ت:١: \"تجاهدوا\"، والمثبت موافق لما في تفسير ابن أبي حاتم والناسخ والمنسوخ، وينظر الأثر الآتي فهو نفسه.\n(^٥) بعده في م، وتفسير ابن أبي حاتم: \"سبيل\".\n(^٦) في الناسخ والمنسوخ: \"تأخذكم\"، وفى الدر المنثور: \"تأخذهم\".\n(^٧) في الناسخ والمنسوخ: \"وتقوموا\".\n(^٨) في الناسخ والمنسوخ: \"آبائكم وأبنائكم\"، وفى الدر المنثور: \"أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم\". =","vol":"5","page":640},{"text":"ثم اخْتلف أهلُ التأويلِ في هذه الآيةِ؛ هل هي مَنْسوخَةٌ أم لا؟ فقال بعضُهم: هي مُحْكَمَةٌ غيرُ منسوخةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1457>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بن صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: إنها لم تُنْسَخْ، ولكن حقّ تقاتِه أن يُجاهدَ (^١) في اللَّهِ حقَّ جهادِه. ثم ذكَر تأويلَه الذي ذكَرناه عنه آنفًا.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن قيس بن سعدٍ، عن طاوسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: فإن لم تَفْعَلوا ولم تَسْتَطيعوا فلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وأنتم مُسْلِمُونَ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال طاوسٌ: قولُه: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. يقولُ: إن لم تَتَّقوه، فلا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون.\nوقال آخرون: هي منسوخةٌ، نسَخها قولُه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\n_________\n= والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٢ (٣٩١٠)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٢٨٣، وابن الجوزى في نواسخه ص ٢٤٤ من طريق أبي صالحٍ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٩ إلى ابن المنذر.\n(^١) في م: \"تجاهد\".\n(^٢) تتمة الأثر المتقدم في ص ٦٣٩، وليس في الإسناد ذكر ابن أبي نجيح، وكذا فيما سيأتي في ص ٦٤٣، وهو الموافق لما في تفسير ابن أبي حاتم.","vol":"5","page":641},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1458>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: ثم أَنْزَل التخفيفَ واليُسرَ، وعاد بعائِدَتِه ورحمتِه على ما يَعْلَمُ مِن ضَعْفِ خَلْقِه، فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. فجاءتْ هذه الآيةُ فيها تخفيفٌ وعافيةٌ ويسرٌ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ الأَنْماطيُّ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. قال: نَسَختْها هذه الآيةُ التي في \"التَّغابُنِ\": ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾. وعليها بايَعَ رسولُ اللَّهِ ﷺ؛ على السمعِ والطاعةِ فيما اسْتطاعوا.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع بن أنسٍ، قال: لما نَزَلَتْ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، ثم نَزَل بعدَها: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. فَنَسَخَتْ هذه الآيةُ التي في \"آل عِمْرانَ\" (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: فلم يُطق الناسُ هذا،\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢٩٥ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٩ إلى عبد بن حميد وأبى داود في ناسخه والمصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٢ عقب الأثر (٣٩١١) من طريق ابن أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٩ إلى المصنف.","vol":"5","page":642},{"text":"فنَسَخه الله عنهم، فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (^١)\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. قال: جاء أمرٌ شديدٌ، قالوا (^٢): ومَن يَعْرِفُ قَدْرَ هذا أو يَبْلُغُه؟ فلما عَرَف أنه قد اشْتَدَّ ذلك عليهم، نسَخها عنهم، وجاء بهذه الأُخرَى، فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فنسَخها.\nوأما قولُه: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. فإن تأويلَه كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن طاوسٍ: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. قال: على الإسلامِ وعلى حُرمةِ الإسلامِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-396\"></span><span data-type='title' id=toc-1459>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وتعلَّقوا بأسبابِ اللَّهِ جميعًا. يريدُ بذلك تعالى ذكرُه: وَتَمسَّكوا بدينِ الله الذي أمَرَكم به، وعهْدِه الذي عهِده إليكم في كتابِه إليكم، مِن الأُلْفةِ والاجتماعِ على كلمةِ الحقِّ، والتسليمِ لأمرِ اللَّهِ.\nوقد دَلَّلْنا فيما مضى قبلُ على معنى الاعتصامِ.\nوأما الحبلُ؛ فإنه السببُ الذي يُوصَلُ به إلى البُغْيَةِ والحاجةِ. ولذلك سُمِّى الأمانُ حبلًا؛ لأنه سببٌ يُوصَلُ به إلى زَوالِ الخوف، والنجاة من الجَزَعِ والذعرِ. ومنه قولُ أعشى بنى ثَعْلبةَ (^٤):\n_________\n(^١) أخرجه ابن الجوزى في نواسخه ص ٢٤٣ من طريق أحمد بن المفضل به، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٢ عقب الأثر (٣٩١١) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت: \"قال\"، وفى س: \"فقال\".\n(^٣) تتمة الأثر المتقدم في ص ٦٣٩، وينظر ص ٦٤١.\n(^٤) ديوانه ص ٢٩.","vol":"5","page":643},{"text":"وإذا تُجَوِّزُها حبالُ قبيلةٍ … أخَذَتْ مِن الأُخرَى إليك حبالَها (^١)\nومنه قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢].\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1460>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا العوَّامُ، عن الشَّعْبيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ أنه قال في قولِه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. قال: الجماعةُ (^٢).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن العَوَّامِ، عن الشعبيِّ، عن عبدِ اللَّهِ في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. قال: حبلُ اللَّهِ الجماعةُ.\nوقال آخرون: عنّى بذلك القرآنَ والعهدَ الذي عهِد فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1461>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾: حبلُ اللَّهِ المتين الذي أمرَ أَن يُعتصَمَ به هذا\n_________\n(^١) كان من عادة العرب أن يُخيف بعضُها بعضًا في الجاهلية، فكان الرجل إذا أراد سفرًا أخذ عهدًا من سيد كل قبيلة، فيأمن به ما دام في تلك القبيلة حتى ينتهى إلى الأخرى، فيأخذ مثل ذلك أيضًا، يريد به الأمان. اللسان (ح ب ل) والبيت فيه.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٢٠ - تفسير)، والطبراني (٩٠٣٣) من طريق هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"5","page":644},{"text":"القرآنُ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. قال: بعهدِ اللَّهِ وأمرِه (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن شَقيقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: إن الصراطَ مُحْتَضَرٌ، تَحْضُرُه الشياطيُن، ينادُون: يا عبدَ اللَّهِ، هلمَّ، هذا الطريقُ؛ ليَصُدُّوا عن سبيلِ اللَّهِ، فاعْتَصِموا بحبل الله، فإِنَّ حبلَ اللَّهِ هو كتابُ اللَّهِ (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، عن أسباطَ، عن السُّديِّ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾: أمَّا حبلُ اللَّهِ، فكتابُ اللَّهِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِحَبْلِ اللَّهِ﴾: بعهد اللَّهِ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ: ﴿بِحَبْلِ اللَّهِ﴾. قال: العهدُ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البغوي في تفسيره ٢/ ٧٨ من طريق شيبان ومعمر عن قتادة به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٩، وأخرجه ابن حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٤ (٣٩١٩) عن الحسن به.\n(^٣) أخرجه الطبراني (٩٠٣١) من طريق سفيان عن منصور به، وأخرجه الدارمي ٢/ ٤٣٢، وابن الضريس في فضائله ص ٥٠ (٧٤)، والبيهقي في الشعب (٢٠٢٥) من طرق عن الأعمش عن شقيق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٠ إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن الأنبارى في المصاحف وابن مردويه.\n(^٤) أخرجه البغوي في تفسيره ٢/ ٧٨ من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.\n(^٥) أخرجه البغوي في تفسيره ٢/ ٧٨ من طريق مسلم بن خالد الزنجي عن ابن أبي نجيح به.\n(^٦) أخرجه البغوي في تفسيره ٢/ ٧٨ من طريق ابن جريج به.","vol":"5","page":645},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾. قال: حبلُ اللَّهِ القرآنُ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. قال: القرآنُ.\nحدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ، عن عبدِ الملكِ بن أبى سليمانَ العَرْزَميِّ، [عن عطيةَ] (^٢)، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"كتابُ اللَّهِ، هو حبلُ اللَّهِ المَمْدودُ من السماءِ إلى الأرضِ\" (^٣).\nوقال آخرون: بل ذلك هو إخلاصُ التوحيدِ اللَّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1462>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. يقولُ: اعْتَصِموا بالإخلاصِ للَّهِ وحدَه (^٤).\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. قال: الحبلُ الإسلامُ. وقرأ: ﴿وَلَا\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥١٩ - تفسير)، والطبراني (٩٠٣٢) من طريق أبي وائل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٠ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) سقط من النسخ، والمثبت من تفسير ابن كثير ٢/ ٧٣ ومصادر التخريج.\n(^٣) ذكره ابن كثير ٢/ ٧٣ عن المصنف، وأخرجه أحمد ١٧/ ٣٠٨ (١١٢١١)، وابن أبي عاصم في السنة (١٥٥٣)، وأبو يعلى (١١٤٠)، والطبراني (٢٦٧٨) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان به، وأخرجه ابن أبى شيبة ١٠/ ٥٠٦ - ومن طريقه ابن أبي عاصم في السنة (١٥٥٤) من طريق عطيه به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٤ (٣٩١٨) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"5","page":646},{"text":"تَفَرَّقُوا﴾ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1463>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾: ولا تتفرَّقوا عن دينِ اللَّهِ وعهدِه الذي عهِد إليكم في كتابِه، من الائْتلافِ والاجتماعِ على طاعتِه وطاعةِ لرسولِه ﷺ، والانتهاءِ إلى أمرِه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: إن اللَّهَ ﷿ قد كرِه لكم الفُرْقةَ، وقدَّم إليكم فيها، وحَذَّرَكموها، ونهاكم عنها، ورضِى لكم السمعَ والطاعةَ، والأُلْفةَ والجماعةَ، فارْضَوْا لأنفسِكم ما رضِى اللَّهُ لكم إن استطعْتم، ولا قوةَ إلا باللَّهِ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أَبي جعفرٍ، عن، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾: لا تَعادَوْا عليه. يقولُ: على الإخلاصِ للَّهِ، وكونوا (^٣) عليه إخوانًا (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بن صالحٍ، أن الأوزاعيَّ حدَّثه، أن يزيدَ الرَّقَاشيَّ حدَّثه، أنه سمِع أنسَ بنَ مالكٍ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إن بني إسرائيلَ افْتَرَقتْ على إحدى وسبعين فِرْقةً، وإِن أُمَّتى ستَفْتَرِقُ على اثنتْين وسبعين فرقةً، كلُّهم في النارِ إلَّا واحدةً\". قال: فقيل: يا رسولَ اللَّهِ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦١ إلى المصنف.\n(^٢) ينظر التبيان ٢/ ٥٤٦.\n(^٣) في ص، ت ١: \"تكونوا\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٤ (٣٩٢١) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.","vol":"5","page":647},{"text":"وما هذه الواحدةُ؟ قال: فقبَض يدَه وقال: \"الجماعةُ، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ \" (^١).\nحدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ أبى عُميرٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: سَمِعتُ الأوزاعيَّ يُحدِّثُ عن يزيدَ الرَّقَاشيِّ، عن أنسِ بن مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا المُحارِبيُّ، عن ابن أبي خالدٍ، عن الشَّعْبيِّ، عن ثابتِ بن قُطْبةَ (^٣) المُزَنِيِّ (^٤)، عن عبدِ اللَّهِ، أنه قال: يا أيها الناسُ، عليكم بالطاعةِ والجماعةِ، فإنها (^٥) حبلُ اللَّهِ الذي أمَر به، وإنَّ ما تَكْرَهون في الجماعةِ والطاعةِ، هو خيرٌ مما تَسْتَحِبُّون في الفُرْقةِ (^٦).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيَانٍ السكريُّ (^٧)، قال: أخبَرنا محمدُ بن يزيدَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، عن ثابتِ بن قُطْبَةَ (٣)، قال: سَمِعتُ ابْنَ مسعودٍ وهو يَخْطُبُ، وهو يقولُ: يا أيها الناسُ. ثم ذكَر نحوَه (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٣ (٣٩١٥) من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح به.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٩٩٣) من طريق الوليد بن مسلم عن أبي عمرو الأوزاعي عن قتادة عن أنس به.\n(^٣) في م، س: \"قطنة\". وينظر التاريخ الكبير ٢/ ١٦٨.\n(^٤) في ص: \"المرنى\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المرى\". والمثبت موافق لما في طبقات ابن سعد ٦/ ١٩٧، وثقات ابن حبان، ٤/ ٩٢، ونسبه في التاريخ الكبير: \"المدنى\".\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣، وتفسير ابن أبي حاتم: \"فإنهما\". وينظر الأثر بعد الآتى.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٣ (٣٩١٦) من طريق إسماعيل - وهو ابن أبي خالد - به.\n(^٧) في م: \"اليشكري\".\n(^٨) أخرجه اللالكائى في شرح أصول الاعتقاد ١/ ١٠٨ من طريق محمد بن يزيد به.","vol":"5","page":648},{"text":"حدَّثنا إسماعيلُ بنُ حفصٍ الأُبُلِّيُّ (^١)، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نُميرٍ أبو هشامٍ، قال: ثنا مجالدُ بنُ سعيدٍ، عن عامرٍ، عن ثابتِ بن قُطْبَةَ (^٢) المُزَنِيِّ (^٣)، قال: قال عبدُ اللَّهِ: عليكم بالطاعةِ والجماعةِ، فإنها حبلُ اللَّهِ الذي أمَر به. ثم ذكَر نحوَه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1464>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾.</span>\nيعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: واذكُروا ما أنعَم اللَّهُ به عليكم مِن الأُلْفَةِ والاجتماعِ على الإسلامِ.\nواختلَف أهلُ العربيةِ في قولِه: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ في ذلك: انقطَع الكلامُ عندَ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. ثم فُسِّر بقولِه: ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾. وأخبَرَ بالذي كانوا فيه قبلَ التأليفِ، كما تقولُ: أمسِكِ الحائطَ (^٥) أن يَمِيلَ.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: قولُه: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ تابع قوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. غيرُ مُنْقَطِعةٍ منها.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن قولَه: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾. متصلٌ بقولِه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. غيرُ منقطعٍ عنه.\nوتأويلُ ذلك: واذكُروا أيها المؤمنون نعمةَ اللَّهِ عليكم التي أنعَم بها عليكم حينَ\n_________\n(^١) في م: \"الآملي\"، وفى س: \"الايلى\". وينظر تهذيب الكمال ٣/ ٦٢.\n(^٢) في م، س: \"قطنة\"\n(^٣) في ص: \"المرنى\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت، س: \"المرى\".\n(^٤) أخرجه الآجرى في الشريعة (١٧) من طريق مجالد به، وأخرجه الحاكم ٤/ ٥٥٥ من طريق أبي حصين عن عامر.\n(^٥) بعدها في ت ١: \"قبل\".","vol":"5","page":649},{"text":"كنتُم أعداءً، أي بشركِكم (^١)، يَقْتُلُ بعضُكم بعضًا عصبيةً، في غيرِ طاعةِ اللَّهِ ولا طاعةِ رسولِه، فألَّف اللَّهُ بالإسلامِ بينَ قلوبِكم، فجعَل بعضَكم لبعضٍ إخوانًا - بعدَ أن (^٢) كنتم أعداءً - تَتَواصلون بأُلْفَةِ الإسلامِ، واجتماعِ كلمتِكم عليه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾: كنتم تَذابَحون فيها، يَأْكُلُ شديدُكم ضعيفَكم، حتى جاء اللَّهُ بالإسلامِ، فآخَى به بينَكم وألَّف به بينَكم، أما واللَّهِ الذي لا إلهَ إلا هو، إِنَّ الأُلْفةَ لرحمةٌ، وإِنَّ الفُرقةَ لعذابٌ (^٣).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾: يَقْتُلُ بعضُكم بعضًا، ويَأْكُلُ شديدُكم ضعيفَكم، حتى اللَّهُ بالإسلامِ، فألَّف به بينكم، وجمَع جمعَكم عليه، وجعَلكم عليه إخوانًا (^٤).\nفالنعمةُ التي أنعَم اللَّهُ على الأنصارِ، التي أمَرهم تعالى ذكرُه في هذه الآيةِ أن يَذْكُروها، هي أُلْفةُ، الإسلامِ، واجتماعُ كلمتِهم عليها، والعداوةُ التي كانت بينَهم، التي قال اللَّهُ ﷿: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾. فإنها عداوةُ الحروبِ التي كانت بينَ الحيين مِن الأوسِ والخزرجِ في الجاهليةِ قبلَ الإسلامِ، يَزْعُمُ العلماءُ بأيامِ العربِ أنها تطاوَلت بينَهم عشرين ومائةَ سنةٍ.\n_________\n(^١) في ص: \"شرككم\".\n(^٢) في م: \"إذ\"\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦١ إلى ابن المنذر وفيه زيادة مرسلة إلى النبي ﷺ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٥ (٣٩٢٥) من طريق ابن أبي جعفر به مختصرًا.","vol":"5","page":650},{"text":"كما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: كانت الحربُ بينَ الأوسِ والخزرجِ عشرين ومائةَ سنةٍ، حتى قام الإسلامُ وهم على ذلك، فكانت حربُهم بينَهم وهم أخوان لأبٍ وأمٍّ، فلم يُسمَعْ بقومٍ كان بينَهم مِن العداوةِ والحربِ ما كان بينَهم، ثم إن اللَّهَ ﷿ أطفَأ ذلك بالإسلامِ، وألَّف بينَهم برسولِه محمد ﷺ (^١).\nفذكَّرهم جلَّ ثناؤه إذ وعظَهم، عظيمَ ما كانوا فيه في جاهليتِهم مِن البلاءِ والشقاءِ، بمعاداةِ بعضِهم بعضًا، وقتلِ بعضِهم بعضًا، وخوفِ بعضِهم مِن بعضٍ، وما صاروا إليه بالإسلامِ، واتباعِ الرسولِ ﷺ والإيمان به، وبما جاء به من الائتلاف والاجتماعِ، وأمْنِ بعضِهم مِن بعضٍ، ومصيرِ بعضِهم لبعضٍ إخوانًا.\nوكان سببَ ذلك ما حدَّثنا به ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، قال: ثنا عاصمُ بنُ عمرَ بن قتادةَ المدنيُّ (^٢)، عن أشياخٍ مِن قومِه، قالوا: قدِم سُويدُ بنُ صامتٍ، أخو بني عمرِو بن عوفٍ، مكةَ حاجًّا أو معتمِرًا. قال: وكان سويدٌ إنما يُسَمِّيه قومُه فيهم الكاملَ: الجَلَدِه وشِعْرِه ونسبِه وشرفِه. قال: فتَصدَّى له رسولُ اللَّهِ ﷺ حينَ سمع به، فدعاه إلى اللَّهِ ﷿ وإلى الإسلامِ، قال: فقال له سُويدٌ: فلعلَّ الذي معك مثلُ الذي معى. قال: فقال له رسولُ الله: \"وما الذي معك؟ \" قال: مَجَلَّةُ لُقمانَ - يعني حكمةَ لقمانَ - فقال له رسولُ الله ﷺ: \"اعْرِضْها عليَّ\". فعرَضها عليه، فقال: \"إن هذا الكلامٌ (^٣) حسَنٌ، معى أفضلُ مِن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦١ إلى المصنف مختصرًا.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٣، س: \"الكفرى\"، وفي ت ٢: \"الكفوى\".\n(^٣) في م: \"الكلام\".","vol":"5","page":651},{"text":"هذا، قرآنٌ أنزَله اللَّهُ عليَّ، هدًى ونورٌ\". قال: فتلا عليه رسولُ اللَّهِ ﷺ القرآنَ، ودعاه إلى الإسلامِ، فلم يَبْعُد (^١) منه، وقال: إن هذا القولَ حسنٌ، ثم انصرَف عنه، وقدِم المدينةَ، فلم يَلْبَثْ أن قَتَلَتْه الخزرجُ، فإن كان قومُه لَيَقُولُون: قد قتِل وهو مسلمٌ. وكان قتلُه قبلَ يومِ بُعاثٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثني الحُصَينُ (^٣) بنُ عبدِ الرحمنِ بن عمرو بن سعد بن مُعاذٍ، أحدُ بني عبدِ الأشهلِ، أن محمودَ بنَ لَبِيدٍ (^٤)، أحدَ بني عبدِ الأشهلِ، قال: لما قدِم أبو الحَيْسَرِ (^٥) أَنسُ بنُ رافعٍ مكةَ، ومعه فتيةٌ مِن بنى عبدِ الأشهلِ، فيهم (^٦) إياسُ بنُ معاذٍ، يلتمِسون الحِلْفَ مِن قريشٍ على قومٍ مِن الخزرجِ، سمِع بهم رسولُ اللَّهِ ﷺ فأتاهم، فجلَس إليهم، فقال: \"هل لكم إلى خيرٍ مما جِئْتُم له؟ \" قالوا: وما ذاكَ؟ قال: \"أنا رسولُ اللَّهِ، بعَثني إلى العبادِ، أدْعُوهم إلى اللَّهِ، أن يَعْبُدُوا (^٧) اللَّهَ ولا يُشْرِكُوا (^٨) به شيئًا، وأَنْزَل عليَّ الكتابَ\". ثم ذكَر لهم الإسلامَ، وتلا عليهم القرآنَ، فقال إياسُ بنُ معاذٍ، وكان غلامًا حدثًا: أي قومُ، هذا واللَّهِ خيرٌ مما جِئْتُم له. قال: فأخَذ (^٩) أبو الحيسرِ (^١٠)\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت: \"يبعده\"، وفى س: \"يتعده\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٢٥ - ٤٢٧، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٣٥١، ٣٥٢.\n(^٣) في م، ت ١ س: \"الحسين\". وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٥١٧.\n(^٤) في م: \"أسد\".\n(^٥) في ص، م، ت ١: \"أبو الجيش\"، وفى ت،٢ ت ٣: \"الحسين\"، والمثبت من تاريخ المصنف، وسيرة ابن هشام.\n(^٦) في س: \"منهم\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يعبدون\"\n(^٨) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يشركون\".\n(^٩) في تاريخ المصنف، وسيرة ابن هشام: \"فيأخذ\".\n(^١٠) في ص، م، س: \"الجيش\"، وفى ت ١: \"الحسن\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"الحسين\".","vol":"5","page":652},{"text":"أَنسُ بنُ رافعٍ حَفْنةٌ مِن البطحاءِ فضرَب بها وجهَ إياسِ بن معاذٍ، وقال: دَعْنا منك، فلَعَمْرى لقد جِئْنا لغيرِ هذا، قال: فصمَت إياسُ بنُ مُعاذٍ، وقام رسولُ اللَّهِ ﷺ عنهم، وانصرَفوا إلى المدينةِ، وكانت وقعةُ بُعاثٍ بينَ الأوسِ والخزرجِ. قال: ثم لم يَلْبَثْ إياسُ بنُ معاذٍ أن هلَك. قالَ: فلمَّا أراد اللَّهُ إظهارَ دينِه، وإعزازَ نبيِّه ﷺ، وإنجازَ موعدِه له، خرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ في (^١) الموسمِ الذي لقِى فيه النفَرَ مِن الأنصارِ، فعرَض (^٢) نفسَه على قبائلِ العربِ، كما كان يَصْنَعُ في كلِّ موسمٍ، فبينا هو عندَ العقبةِ، إذ لقِى رهطًا من الخزرجِ أراد اللَّهُ لهم (^٣) خيرًا، قال ابن حميدٍ: قال سلمةُ: قال محمدُ بنُ إسحاقَ: فحدَّثنى عاصمُ بنُ عمرَ بن قتادةَ، عن أشياخٍ مِن قومِه، قالوا: لما لقِيَهم رسولُ اللَّهِ ﷺ قال لهم: \"مَن أنتم؟ \" قالوا: نفرٌ مِن الخزرجِ. قال: \"أَمِنْ مَوَالى يَهُودَ؟ \" قالوا: نعم. قال: \"أفلا تجلسون حتى أُكَلِّمكم؟ \" قالوا: بلى. قال: فجلَسوا معه، فدعاهم إلى اللَّهِ، وعرَض عليهم الإسلامَ، وتلا عليهم القرآنَ. قال: وكان مما صنَع اللَّهُ لهم به في الإسلامِ، أن يَهُودَ كانوا معهم ببلادِهم، وكانوا أهلَ كتابٍ، وعلمٍ، وكانوا أهلَ شركٍ أصحابَ أوثانٍ، وكانوا قد عزُّوهم (^٤) ببلادِهم، فكانوا إذا كان بينَهم شيءٌ قالوا لهم: إن نبيًّا الآنَ مبعوثٌ قد أظلَّ زمانُه، نَتَّبِعُه ونَقْتُلُكم معه قتلَ عادٍ وإرَمَ، فلما كلَّم رسولُ اللَّهِ ﷺ أولئك النفرَ، ودعاهم إلى اللَّهِ ﷿، قال بعضُهم لبعضٍ: يا قومُ،\n_________\n(^١) سقط من النسخ، والمثبت من تاريخ المصنف وسيرة ابن هشام.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت: \"يعرض\". وهو صحيح أيضا، والمثبت موافق لما في مصدرى التخريج.\n(^٣) في تاريخ المصنف، وسيرة ابن هشام: \"بهم\".\n(^٤) في م، وسيرة ابن هشام: \"غزوهم\". وعزُّوهم: غلبوهم اللسان (ع ز ز).","vol":"5","page":653},{"text":"تعلمون (^١) واللَّهِ إنه للنبيُّ الذي توعَّدُكم به يهودُ، فلا (^٢) يَسْبِقُنَّكم إليه. فأجابوه فيما (^٣) دعاهم إليه بأن صدَّقوه، وقبِلوا منه ما عرَض عليهم مِن الإسلامِ، وقالوا له: إنا قد ترَكنا قومَنا ولا قومَ بينَهم من العداوةِ والشرِّ ما بينَهم، وعسى [اللَّهُ أَن يَجْمَعَهم] (^٤) بك، وسنَقْدَمُ (^٥) عليهم فنَدْعُوهم (^٦) إلى أمرِك، ونعرِضُ (^٧) عليهم (^٨) الذي أجَبْناك إليه (^٩) مِن هذا الدينِ، فإن يَجْمَعْهم اللَّهُ عليه فلا رجلَ أعزُّ منك. ثم انصَرَفوا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ راجعِين إلى بلادِهم، قد آمَنوا وصدَّقوا، وهم فيما ذكِر لى ستةُ نفرٍ. قال: فلما قدِموا المدينةَ على قومِهم ذكَروا لهم رسولَ الله ﷺ، ودعَوهم إلى الإسلامِ حتى فشا فيهم، فلم يَبقَ دارٌ من دورِ الأنصارِ إلا وفيها ذِكرٌ من رسولِ اللَّهِ، ﷺ، حتى إذا كان العامُ المقبلُ، وافى (^١٠) الموسمَ مِن الأنصارِ اثنا عشَرَ رجلًا، فلقُوه بالعقبةِ، وهى العقبةُ الأولى، فبايَعوا رسولَ اللَّهِ ﷺ على بيعةِ النساءِ، وذلك قبلَ أن يُفْتَرَضَ عليهم الحربُ (^١١).\n_________\n(^١) في م، وسيرة ابن هشام: \"تعلموا\"، وفى تاريخ المصنف: \"تعلمن\".\n(^٢) في النسخ: \"ولا\". والمثبت من تاريخ المصنف وسيرة ابن هشام.\n(^٣) في س: \"إلى ما\".\n(^٤) في م: \"أن يجمعهم الله\".\n(^٥) في ص، ت ١: \"ستقدم\".\n(^٦) في ت ١: \"فتدعوهم\"\n(^٧) في ص، ت ١، وسيرة ابن هشام: \"تعرض\".\n(^٨) بعده في ت ٢: \"الإسلام\".\n(^٩) في س: \"عليه\".\n(^١٠) في ص، ت ١: \"واتى\".\n(^١١) سيرة ابن هشام ١/ ٤٢٧ - ٤٣١، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٣٥٢ - ٣٥٥.","vol":"5","page":654},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، أنه لقِي النبيَّ ﷺ ستةُ نفرٍ مِن الأنصارِ، فآمَنوا به وصدَّقوه، فأراد أن يَذْهَبَ معهم، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إن بينَ قومِنا حربًا، وإنا نَخَافُ إن جئتَ على حالِك هذه ألَّا يتهيأَ الذي تُريدُ. فواعَدوه (^١) العامَ المقبلَ، وقالوا: يا رسولَ اللَّهِ نَذْهَبُ، فلعل (^٢) اللَّهَ أن يُصْلِحَ تلك الحربَ. قال: فذهَبوا ففعَلوا، فأصلَح اللَّهُ ﷿ تلك الحربَ، وكانوا يُرَوْنَ أَنها لا تصْلحُ، وهو يومُ بُعاثٍ، فلقُوه مِن العامِ المقبلِ سبعين رجلًا قد آمنوا، فأخذ عليهم (^٣) النقباءَ اثْنَيْ عشرَ رجلًا (^٤) نقيبًا، فذلك حين يقولُ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾: ففى حربِ سُمَيْرٍ (^٦)، ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾. بالإسلام (^٧).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ بنحوِه، وزاد فيه: فلما كان مِن أمرِ عائشةَ ما كان، فتَثَاوَر (^٨) الحَيَّانِ،\n_________\n(^١) في م: \"فوعدوه\".\n(^٢) في س، وتفسير عبد الرزاق: \"لعل\".\n(^٣) في تفسير عبد الرزاق، والدر المنثور: \"منهم\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٩. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦١ إلى ابن المنذر.\n(^٦) سقط من النسخ، والمثبت مما سيأتي في الصفحة التالية. وينظر ما تقدم في ٢/ ٢٠٨.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٥ (٣٩٧) من طريق أحمد بن المفضل به مقتصرًا على آخره.\n(^٨) تثاورا: تواثبا. ينظر التاج (ث ور).","vol":"5","page":655},{"text":"فقال بعضُهم لبعضٍ: موعدُكم الحَرَّةُ. فخرَجوا إليها، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ الله الآية. فأتاهم رسولُ اللَّهِ ﷺ، فلم يَزَلْ يَتْلُوها عليهم حتى اعتَنَق بعضُهم بعضًا، وحتى إن لهم لخَنِينًا (^١)، يعنى البكاءَ (^٢).\nوسُمَيرٌ الذي زعَم السديُّ أن قولَه: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾. عنى به حربَه، هو سُمَيرُ بنُ زيدِ (^٣) بن مالكٍ، أحدُ بني عمرِو بن عوفٍ، الذي ذكَره مالكُ بنُ العجلانِ في قولِه (^٤):\nإِنَّ سُميرًا أَرَى عَشِيرَتَهُ … قد حدِبوا (^٥) دونَه وقد أَنِفوا (^٦)\nإِنْ يَكُنِ الظَّنُّ صادِقى ببنى … النجّارِ لم يَطْعَمُوا الذي عُلِفوا (^٧)\nوقد ذكَر علماءُ الأنصارِ أن مبدأَ العداوةِ التي هيَّجت (^٨) الحروبَ التي كانت بينَ قبيلتَيها الأوسِ والخزرجِ وأولَها، كان بسببِ قتلِ (^٩) مولًى لمالكِ بن العجلانِ الخزرجيِّ، يقالُ له: الحُرُّ (^١٠) بنُ سُميرٍ. مِن مُزَيْنَةَ، وكان حليفًا لمالكِ بن\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لحنينا\"، وفى س: \"لنحيبا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦١ إلى المصنف.\n(^٣) ذكره أبو الفرج في الأغانى ٣/ ٤٠: \"يزيد\"، وكذا ذكر أخاه درهم بن يزيد، وفي نسخ منه في اسم أخيه \"زيد\".\n(^٤) جمهرة أشعار العرب، ٢/ ٦٣٧، والأغانى ٣/ ٢٠، والخزانة ٤/ ٢٧٩.\n(^٥) حدب: تعطَّف وحنا. ينظر التاج (ح د ب).\n(^٦) في م: \"أبقوا\".\n(^٧) في ص، م، ت ٢، ت ٣، س: \"علقوا\". وقال أبو الفرج في الأغانى: يقال: عُلِفوا الضيم: إذا أقروا به. أي: ظني أنهم لا يقبلون الضيم.\n(^٨) في ص، ت ١، س: \"هاجت\".\n(^٩) في ص، ت ١: \"قتلة\"، وفى س: \"قبيلة\".\n(^١٠) كذا في النسخ، وفى خزانة الأدب: \"بجير\"، وفى شرح ديوان حسان ص ٨١ نقلا عن ابن الكلبي وغيره: \"أبجر\".","vol":"5","page":656},{"text":"العجلان، ثم اتصلت تلك العداوةُ بينهم، إلى أن أطفاها الله بنبيه محمدٍ ﷺ. فذلك معنى قول السديِّ: حربُ سميرٍ (^١).\nوأما قولُه: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. فإنه يعنى: فأصبَحتم بتأليف الله ﷿ بينكم بالإسلام وكلمة الحقِّ، والتعاون على نصرةِ أهل الإيمانِ، والتآزر على مَن خالَفكم مِن أهلِ الكفرِ، إخوانًا متصادقين، لا ضغائن بينَكم ولا تحاسدَ.\nكما حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾: ذُكر (^٢) لنا أن رجلًا قال لابن مسعودٍ: كيف أصبحتم؟ قال: أصبحنا بنعمةِ الله إخوانًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1465>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾: وكنتم يا معشرَ المؤمنين مِن الأوسِ والخزرجِ، على حرفِ حفرةٍ من النارِ. وإنما ذلك مَثَلٌ لكفرِهم الذي كانوا عليه قبل أن يَهْدِيَهم الله للإسلام، يقولُ تعالى ذكرُه: وكنتم على طرْفِ جهنمَ بكفرِكم الذي كنتم عليه قبل أن يُنْعِمَ الله عليكم بالإسلام، فتصيروا بائتلافِكم عليه إخوانًا، ليس بينَكم وبين الوُقوع فيها إلا أن تموتوا على ذلك من كفرِكم، فتكونوا من الخالدين فيها، فأنقَذكم الله منها بالإيمان الذي هداكم له.\nوشفا الحفرة طرفُها وحرفُها، مثلُ شفا الرَّكيَّة والبئرِ، ومنه قولُ الراجزِ:\nنحن حفرنا للحجيج سَجْلَهْ\nنابتةٌ فوقَ شفاها بَقْلَهْ (^٣)\n_________\n(^١) في م: \"ابن سمير\".\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"وذكر\".\n(^٣) لم نجد هذا الرجز، وأقرب ما ورد إليه ما ذكره أبو عبيد البكرى في معجم ما استعجم ٣/ ٧٢٤. تعريف =","vol":"5","page":657},{"text":"يعني: فوقَ حرفِها. يقالُ: هذا شفَا هذه الرَّكيِّةِ، مَقصورٌ، وهما شفَواها.\nوقال: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾. يعنى (^١): فأنقَذكم من الحفرة. فردَّ الخبرَ إلى الحفرةِ، وقد ابتدَأ الخبرَ عن الشَّفَا؛ لأن الشَّفا من الحفرةِ، فجاز ذلك، إذ كان الخبرُ عن الشفا على السبيل التي ذكَرَها في هذه الآية خبرًا عن الحفرةِ، كما قال جريرُ بنُ عطية (^٢):\nرَأَتْ مرَّ السنينَ أَخَذْنَ منى … كما أخَذ السّرارُ (^٣) من الهلالِ\nفذكر \"مرَّ السنين\"، ثم رجَع إلى الخبرِ عن السنينَ، وكما قال العجاجُ (^٤):\nطُولُ اللَّيالي أَسْرَعَتْ في نَقْضِى\nطَوَيْنَ طُولى وطوين عرضى\nوقد بيَّنتُ العلةَ التي مِن أجلها قيل ذلك كذلك فيما مضى قبل (^٥).\nوبنحو الذي قلنا في ذلك من التأويل قال أهلُ التأويل.\n_________\n= سجلة فقال: بئر احتفرها قصى بمكة، وقال:\nأنا قصى وحفرت سَجْلَهْ\nتُرْوى الحَجيج زُغْلَةً فَزُغْلَهُ\nوقيل: بل حفرها هاشم، ووهبها أسد بن هاشم لعدى بن نوفل، وفى ذلك تقول خالدة بنت هاشم:\nنحن وهبنا لعدى سَجْلَهْ\nتُرْوِى الحجيجَ زُغْلَةً فَزُغْلَهْ\n(^١) بعده في ص: \"فأنقذكم منها\".\n(^٢) شرح ديوان جرير ص ٥٤٦. وتفسير الآية ٣٣ من سورة الرعد.\n(^٣) السرار بكسر السين وفتحها: آخر ليلة من الشهر، يستمر الهلال بنور الشمس. وينظر التاج (س ر ر) والمراد في البيت نقصان القمر حتى يبلغ أن يكون هلالا.\n(^٤) وكذا نسبه إليه سيبويه في الكتاب ١/ ٥٣، ونسبه أبو حاتم في المعمرين ص ١٠٨، وأبو الفرج في الأغانى ٢١/ ٢٨ إلى الأغلب العجلى، وفى روايته اختلاف، وينظر الخزانة ٤/ ٢٢٤ - ٢٢٦.\n(^٥) ينظر ما تقدم في ٤/ ٢٤٧، ٢٤٨.","vol":"5","page":658},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1466>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾: كان هذا الحيُّ من العربِ أذلَّ الناسِ ذلًّا، وأشقاه عيشًا، وأبينَه ضلالةً، وأعْراهُ جلودًا، وأجوعَه بطونًا، مَكْعُومين (^١) على رأسِ حجرٍ بين الأسدَين فارسَ والرومِ، لا والله، ما في بلادِهم يومئذٍ مِن شيءٍ يُحْسَدُون عليه، من عاش منهم عاش شقيًّا، ومن مات رُدِّى في النار، يُؤكلون ولا يأكُلون، والله ما نَعْلَمُ قبيلًا يومئذٍ من حاضرِ الأرض كانوا فيها أصغَرَ حظًّا وأدقَّ فيها شأنًا منهم، حتى جاء اللَّهُ ﷿ بالإسلام، فورَّثكم به الكتابَ، وأحلَّ لكم به دارَ الجهادِ، ووضَع لكم به من الرزق، وجعلكم به ملوكًا على رقابِ الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكُروا نعمه (^٢)، فإن ربَّكم مُنْعِمٌ يُحِبُّ الشاكرين، وإن أهلَ الشكر في مزيدِ اللهِ، فتعالى ربُّنا وتبارَك (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾. يقولُ: كنتم على الكفر باللهِ، ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾: من ذلك وهداكم إلى الإسلام.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾: محمد ﷺ. يقولُ:\n_________\n(^١) في م: \"معكومين\"، وكعم البعير: شدَّ فاه في هياجه لئلا يعض أو يأكل، وكعمه الخوف: أمسك فاه. اللسان (ك ع م).\n(^٢) في س: \"نعمة الله\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٨١ عن قتادة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧٧ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"5","page":659},{"text":"كنتم على طرف النارِ، من مات منكم أُوبق (^١) في النارِ، فبعث الله محمدًا ﷺ فاستنَقَذكم به من تلك الحفرة (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا حسنُ بنُ حيٍّ (^٣): ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾. قال: عصبيةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1467>القولُ في تأويل قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿كَذَلِكَ﴾: كما بيَّن لكم ربُّكم في هذه الآياتِ أَيُّها المؤمنون مِن الأوسِ والخزرجِ، من غلِّ (^٤) اليهود الذي يُضْمِرونه لكم، وغشِّهم لكم، وأمره (^٥) إياكم بما أمَركم به فيها، ونهيِه لكم عما نهاكم عنه، والحالِ التي كنتم عليها في جاهليتِكم والتي صِرتم إليها في إسلامِكم، مُعَرِّفكم (^٦) في كلِّ ذلك مواقع نعمِه قِبَلكم وصنائعَه لديكم - فكذلك يبينُ (^٧) سائرَ حُجَجِه لكم في تنزيله، وعلى لسانِ رسوله ﷺ، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي: لتَهْتَدُوا إلى سبيل الرشادِ وتَسْلُكوها فلا تَضِلُّوا عنها.\n\n<span id=\"aya-397\"></span><span data-type='title' id=toc-1468>القول في تأويل قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أُمَّةٌ﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وبقى\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٦ (٣٩٣٠، ٣٩٣١) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٣) في م: \"يحيى\". وينظر تهذيب الكمال ٦/ ١٧٧.\n(^٤) في م: \"علماء\".\n(^٥) في ص، ت ١، س: \"أمرهم\".\n(^٦) في م: \"يعرفكم\".\n(^٧) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لكم\".","vol":"5","page":660},{"text":"جماعةٌ ﴿يَدْعُونَ﴾ الناس ﴿إِلَى الْخَيْرِ﴾ يعنى: إلى الإسلام وشرائعِه التي شرَعها الله لعباده، ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يقولُ: يأمُرون الناسَ باتباعِ محمدٍ [رسول الله] (^١) ﷺ، دينِه الذي جاء به مِن عندِ اللَّهِ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ يَعْنى: ويَنْهون عن الكفر بالله، والتكذيب بمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به من عند الله، بجهادِهم بالأيدى والجوارح حتى ينقادوا لكم بالطاعة.\nوقولُه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. يعنى: المُنجِحون عند الله، الباقون في جنانه (^٢) ونعيمه.\nوقد دلَّلنا (^٣) على معنى الإفلاح في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته هاهنا (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا عيسى بنُ عمر القارئُ، عن أبي عونٍ الثقفيِّ، أنه سمع صُبَيحًا، قال: سمعتُ عثمانَ يَقْرأُ: (ولْتَكُنْ منكم أُمَّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهَون عن المنكرِ ويَسْتَعينون الله على ما أصابهم) (^٥).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا ابن عيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: سمعتُ ابنَ الزبيرِ يَقْرَأُ (^٦). فذكر مثل قراءة عثمان التي ذكرناها قبلُ\n_________\n(^١) سقط من: م، س، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م: \"جناته\".\n(^٣) بعده في م: \"فيما مضى\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٥٦ - ٢٥٨.\n(^٥) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ٣٩ من طريق عيسى بن عمر، به، وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٤/ ٤٤٩ في ترجمة صبيح، وفيه: يهدون. بدلا من: يدعون. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٢ إلى عبد بن حميد وابن الأنبارى، وهذه القراءة شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة، وهى مخالفة لرسم المصحف.\n(^٦) في ت ١: \"يقول\".","vol":"5","page":661},{"text":"سواءً (^١).\nحدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخْبرَنا يزيدُ، قال: أخْبرَنا جويبرٌ، عن الضحاك: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. قال: هم خاصَّةُ أصحاب [رسولِ اللهِ] (^٢)، وهم خاصَّةُ الرواة (^٣).\n\n<span id=\"aya-398\"></span><span data-type='title' id=toc-1469>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾.</span>\nيعنى بذلك ﷿: ولا تكونوا يا معشرَ الذين آمنوا ﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ مِن أهل الكتاب، ﴿وَاخْتَلَفُوا﴾ في دينِ اللهِ وأمره ونهيه، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ مِن حُجَج الله، فيما اختلفوا فيه وعلموا الحقَّ فيه فتعمَّدُوا خلافَه، وخالفوا أمرَ اللَّهِ ونقضُوا عهده وميثاقَه جراءةً على الله، ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ﴾ يعنى: ولهؤلاء الذين تفرَّقوا واختلفوا مِن أهل الكتابِ مِن بعدِ ما جاءهم ﴿عَذَابٌ﴾ (^٤) عندَ اللَّهِ ﴿عَظِيمٌ﴾.\nيقولُ جلَّ ثناؤه: فلا تَتَفَرَّقوا (^٥) يا معشرَ المؤمنين في ديِنكم تَفَرُّقَ هؤلاء في ديِنهم، ولا تَفْعَلُوا فعلَهم، وتَسْتَنُّوا في دينِكم بسنتِهم، فيكونَ لكم من عذابِ اللَّهِ العظيم مثلُ الذي لهم.\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٢١ - تفسير)، وابن أبي داود في المصاحف ص ٨٢، ٨٣ من طريق ابن عيينة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦١، ٦٢ إلى عبد بن حميد وابن الأنبارى.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الرسول\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٢ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) بعده في م، س: \"من\".\n(^٥) في م: \"تفرقوا\".","vol":"5","page":662},{"text":"كما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ، نهَى الله أهلَ الإسلام أن يَتَفَرَّقوا ويَخْتَلِفوا كما تَفَرَّق واختلف أهلُ الكتاب، قال الله ﷿: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بن صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباس قولَه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾. ونحو هذا في القرآن: أمر الله جلَّ ثناؤه المؤمنين بالجماعةِ، ونهاهم عن الاختلافِ والفُرْقةِ، وأخبَرهم أنما هلَك من كان قبلَهم بالمراءِ والخُصومات في دينِ الله (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسن في قولِه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى (^٣).\n\n<span id=\"aya-399\"></span><span data-type='title' id=toc-1470>القولُ في تأويل قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾.</span>\nيَعْنِى بذلك جلَّ ثناؤه: أولئك لهم عذابٌ عظيمٌ في يوم تبيضُّ وجوهٌ وتسودُّ وجوهٌ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٢ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٨ (٣٩٤٥) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٨ (٣٩٤٦) من طريق أبى بكر الحنفى به.","vol":"5","page":663},{"text":"وأما قولُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. فإن معناه: فأما الذين اسودَّت وجوهُهم فيقالُ لهم: أَكَفَرْتُم بعد إيمانِكم فَذُوقُوا العذابَ بما كنتم تكفُرُون.\nولا بدَّ لـ \"أمّا\" من جوابٍ بالفاءِ، فلما أسقط الجوابُ سقَطت الفاءُ معه، وإنما جاز تركُ ذكرِ \"فيقالُ\"، لدلالةِ ما ذكِر مِن الكلامِ عليه.\nوأما معنى قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. فَإِنَّ أهلَ التأويلِ اختلفوا في مَن عُنى به؛ فقال بعضُهم: عُنى به أهلُ قبلتِنا من المسلمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1471>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ الآية: لقد كفَر أقوامٌ بعد إيمانِهم كما تسمَعون، ولقد ذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان يقولُ: \"والذي نفس محمدٍ بيده، لَيَرِدَنَّ عليَّ الحوضَ ممن صحِبنى أقوامٌ، حتى إذا رُفعوا إلى ورأيتُهم، اخْتُلِجوا (^١) دُونِى، فَلأَقُولَنَّ: ربِّ، أصحابي، أصحابي. فَلَيْقالنَّ: إنك لا تَدْرِى ما أحدَثوا بعدَك\".\n\n<span id=\"aya-400\"></span>وقولُه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾: هؤلاء أهلُ [طاعة الله] (^٢) والوفاء بعهدِ الله، قال الله ﷿: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ  ُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ\n_________\n(^١) اختلجوا: اجتذبوا واقتطعوا. التاج (خ ل ج).\n(^٢) في س: \"الطاعة\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٣٠ (٣٩٦٠) من طريق يزيد به، مقتصرًا على آخره. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٣ إلى المصنف وعبد بن حميد. دون المرفوع. والمرفوع أخرجه البخارى (٦٥٧٦)، ومسلم (٢٢٩٧) من حديث ابن مسعود.","vol":"5","page":664},{"text":"إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: فهذا مَن كفَر مِن أهلِ القبلةِ حينَ اقتتلوا (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن حماد بن سلمةَ والربيع بن صَبيحٍ، عن أبي غالبٍ (^٢)، عن أبي أمامةَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. قال: هم الخوارجُ (^٣).\nوقال آخرون: عُنى بذلك كلُّ مَن كفَر بالله بعدَ الإيمانِ الذي آمن، حينَ أَخَذ الله من صلب آدم ذريته، وأشهدهم على أنفسهم (^٤) بما بيَّن في كتابه (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1472>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عليُّ بن الهَيثمِ، قال: أخْبرَنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أُبيِّ بن كعبٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾. قال: صاروا يومَ القيامةِ فريقين؛ فقال لمن اسودَّ وجهُه وعَيَّرَهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. قال: هو الإيمانُ الذي كان قبل الاختلافِ في زمانِ آدمَ، حينَ أخَذ منهم عهدَهم وميثاقَهم، وأقرُّوا\n_________\n(^١) في س: \"اختلفوا\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٣٠ (٣٩٥٨) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) في النسخ: \"مجالد\". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٣٤/ ١٧٠.\n(^٣) أخرجه الطبراني (٨٠٣٤، ٨٠٣٧) من طريق حماد والربيع به مرفوعا.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٣٢٩ (٣٩٥٥) من طريق أبى غالب به مرفوعًا أيضًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في ص، ت ٢، ت ٣، س: \"نفسه\".\n(^٥) يشير المصنف إلى قوله جل وعز: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾. الآية [الأعراف: ١٧٢].","vol":"5","page":665},{"text":"كلُّهم بالعبوديةِ، وفطَرهم على الإسلام، فكانوا أمةً واحدةً مسلمين، يقولُ: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. يقولُ: بعد ذلك الذي كان في زمان آدم. وقال في الآخرين: الذين استقاموا على إيمانهم ذلك، فأخلصوا (^١) له الدينَ والعملَ، فبيَّض اللَّهُ وُجوهَهم، وأدخلَهم في رضوانِه وجنتِه (^٢).\nوقال آخرون: بل الذين عُنوا بقوله: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. المنافقون.\n\n<span data-type='title' id=toc-1473>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبّادٍ، عن الحسن: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ الآية. قال: هم المنافقون، كانوا أعطَوا كلمةَ الإيمان بألسنتهم وأنكَروها بقلوبِهم وأعمالهم (^٣).\nوأولى الأقوال التي ذكَرناها في ذلك بالصواب القولُ الذي ذكَرناه عن أبيِّ بن كعبٍ، أنه عُنى بذلك جميعُ الكفار، وأن الإيمان الذي يُوَبَّخون على ارتدادهم عنه هو الإيمانُ الذي أقَرُّوا به يومَ قيل لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وذلك أن الله جلَّ ثناؤه جعَل جميعَ أهل الآخرة فريقين؛ أحدُهما سودًا (^٤) وجوهُه، والآخرُ بيضًا (^٥) وجوهُه، فمعلومٌ إذ لم يكن هنالك إلا هذان الفريقان، أن جميعَ الكفارِ داخلون في فريقِ مَن سُوِّد وجهُه، وأن جميعَ المؤمنين داخلون في فريق من بُيِّض وجهُه، فلا وجهَ إذن لقولِ قائلٍ: عُنِى بقوله: ﴿أَكَفَرْتُمْ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"وأخلصوا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٣٠ (٣٩٥٦، ٣٩٥٩) من طريق أبى جعفر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٩ (٣٩٥٣) من طريق أبى بكر الحنفى به.\n(^٤) في م: \"سوداء\".\n(^٥) في م: \"بيضاء\".","vol":"5","page":666},{"text":"بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ بعضُ الكفارِ دونَ بعضٍ. وقد عمَّ الله جلَّ ثناؤه الخبرَ عنهم جميعِهم، وإذا دخل جميعُهم في ذلك، ثم لم يكن لجميعهم حالةٌ آمنوا فيها ثم ارْتَدُّوا كافرين بعد إلا حالةً واحدةً كان معلومًا أنها المرادُ بذلك.\nفتأويل الآيةِ إذن: أولئك لهم عذابٌ عظيم في يومٍ تَبْيَضُّ وجوهُ قومٍ (^١)، وتسودُّ وجوُه آخرين؛ فأما الذين اسوَدَّت وجوهُهم فيقالُ: أجحَدتم توحيدَ الله وعهده وميثاقَه الذي واثقْتُمُوه عليه، بألَّا تشرِكوا به شيئًا، وتُخلصوا له العبادةَ ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. يعنى: بعد تصديقكم به، ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: بما كنتم تَجْحَدون في الدنيا ما كان الله قد أخذ ميثاقَكم بالإقرار به والتصديقِ.\n﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ ممن ثبت على عهدِ اللهِ وميثاقه، فلم يُبَدِّلْ دينَه، ولم يَنْقَلِبْ على عَقِبَيْه بعد الإقرار بالتوحيد، والشهادةِ لربِّه بالأُلوهة، وأنه لا إله غيرُه، ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. يَقُولُ: فهمْ في رحمةِ اللَّهِ. يعني: في جنتِه ونعيمِها، وما أعدَّ اللهُ لأهلها فيها، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: باقون فيها أبدًا بغير نهاية ولا غايةٍ.\n\n<span id=\"aya-401\"></span><span data-type='title' id=toc-1474>القول في تأويل قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨)﴾.</span>\nيعنى بقوله (^٢) جل ثناؤه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: هذه آياتُ اللَّهِ.\nوقد بيَّنَّا كيف وضعت العربُ \"تلك\" و\"ذلك\" مكان \"هذا\" و\"هذه\" في غير هذا الموضع فيما مضى قبلُ، بما أغنى عن إعادته (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، س.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بذلك\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٢٨ - ٢٣١.","vol":"5","page":667},{"text":"وقولُه: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾. يعني مواعظَ اللَّهِ وعِبرَه وحُجَجَه، ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾: نَقْرَؤُها عليك ونَقُصُّها ﴿بِالْحَقِّ﴾. يعنى بالصدق واليقينِ.\nوإنما يَعنى بقولِه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: هذه الآياتُ التي ذكر فيها أمورَ المؤمنين من أنصارِ رسولِ الله ﷺ وأمور يهود بني إسرائيلَ وأهل الكتابِ، وما هو فاعلٌ بأهلِ الوفاءِ بعهدِه، وبالمبدِّلين دينَه، والناقضين عهدَه بعدَ الإقرارِ به. ثم أخبَر ﷿ نبيَّه محمدًا ﷺ أنه يَتلو ذلك عليه بالحقِّ، وأعلمه أن مَن عاقَبَ (^١) مِن خلقِه بما أخبَر أنه معاقبُه؛ من تسويدِ وجهِه، وتخليدِه في أليمِ عذابِه، وعظيمِ عقابِه، ومَن جازاه منهم بما جازاه؛ من تبييضِ وجهِه، وتكريمِه، وتشريفِ منزلتِه (^٢) لديه، بتَخليدِه في دائمِ نعيمِه، فبغيرِ ظلمٍ منه لفريقٍ منهم، بل بحقٍّ (^٣) استوجَبوه، وأعمالٍ لهم سلَفت، جازاهم عليها، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾. يعني بذلك: وليس الله يا محمدُ بتسويدِ وجوه هؤلاء، وإذاقَتِهم العذابَ العظيم، وتبييضه (^٤) وجوهَ هؤلاءِ، وتنعيمِه إياهم في جنَّتِه، طالبًا وضعَ شيءٍ مما فعَل مِن ذلك في (^٥) غيرِ موضعِه الذي هو موضعُه. إعلامًا بذلك عبادَه أنه لن يَصْلُحَ في حكمته بخلقِه غيرُ ما وعَد أهلَ طاعتِه والإيمانِ به، وغيرُ ما أوعد (^٦) أهل معصيتِه والكفرِ به، وإنذارًا منه هؤلاء، وتبشيرًا منه هؤلاء.\n_________\n(^١) في م: \"عاقبه\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"متوليه\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لحق\".\n(^٤) في م: \"تبييض\".\n(^٥) زيادة من: م.\n(^٦) في ص: \"وعد\".","vol":"5","page":668},{"text":"<span id=\"aya-402\"></span><span data-type='title' id=toc-1475>القولُ في تأويل قوله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)﴾.</span>\nيَعنى بذلك جلَّ ثناؤه أنه يُعاقِبُ الذين كفَروا بعد إيمانِهم، بما ذكَر أنه معاقبُهم به، من العذاب العظيم وتسويدِ الوجوه، ويُثِيبُ (^١) أهل الإيمان به الذين ثبتوا على التصديقِ والوفاء بعُهودهم التي عاهَدوا عليها، بما وصَف أنه مثيبهم به، من الخلودِ في جنانه (^٢)، من غيرِ ظلمٍ منه لأحد الفريقَين فيما فعل؛ لأنه لا حاجةَ به إلى الظلمِ، وذلك أن (^٣) الظالمَ إنما يَظْلِمُ غيرَه لِيَزْدادَ إلى عزِّه (^٤) عزةً بظلمِه إياه، وإلى سلطانِه سلطانًا، أو (^٥) إلى مُلكه مُلكًا؛ [أو إلى نقصانٍ] (^٦) في بعضِ أسبابِه، يُتَمِّمُ بها (^٧) ظلمَ غيرِه فيه ما كان ناقصًا من أسبابه عن التمامِ، فأما مَن كان له جميعُ ما بينَ أقطار المشارقِ والمغاربِ، وما في الدنيا والآخرة، فلا معنى لظلمه أحدًا، فيجُوز (^٨) أن يَظْلِمَ شيئًا؛ لأنه ليس من أسبابه شيءٌ ناقصٌ يَحْتاجُ إلى تمامٍ، فيتمَّ ذلك بظلمِ غيرِه، تعالى اللَّهُ عُلُوًّا كبيرًا. ولذلك قال جلَّ ثناؤه عَقِيبَ قولِه: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.\n_________\n(^١) في ص: \"يثبت\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تثبت\"، وفى س: \"تثبيت\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جناته\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) في م: \"عزته\".\n(^٥) في م: \"و\".\n(^٦) في م: \"لنقصان\".\n(^٧) في م: \"بما\".\n(^٨) في س: \"فلا يجوز\".","vol":"5","page":669},{"text":"واختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ تكريرِ اللهِ تعالى ذكرُه اسمَه مع قوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. ظاهرًا، وقد تقدَّم اسمُه ظاهرًا مع قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ فقال بعضُ أهل العربيةِ من أهلِ البصرةِ: ذلك نظيرُ قولِ العربِ: أمَّا زيدٌ فذهَب زيد. وكما قال الشاعرُ (^١):\nلا أرى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ … نغَّصَ الموتُ ذا الغِنَى والفقيرا\nفأظهر في موضعِ الإضمارِ.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: ليس ذلك نظيرَ هذا البيتِ؛ لأن موضع الموتِ الثاني في البيتِ موضعُ كناية؛ لأنه كلمةٌ واحدةٌ، وليس ذلك كذلك في الآية؛ لأن قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. خبرٌ ليس من قوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ في شيءٍ، وذلك أن كلَّ واحدةٍ (^٢) من القصتين مفارقٌ معناها معنى الأخرى، مكتفيةٌ كلُّ واحدة منهما بنفسها، غيرُ محتاجةٍ إلى الأخرى، كما (^٣) قال الشاعرُ: لا أرى الموت. محتاجٌ إلى تمامِ الخبرِ عنه.\nوهذا القولُ الثاني عندنا أولى بالصواب؛ لأن كتابَ اللهِ ﷿ لا تُوجَّه (^٤) معانيه وما فيه من البيان إلى الشواذِّ من الكلامِ والمعاني، وله في الفصيحِ من المنطقِ والظاهرِ مِن المعانى المفهوم وجهٌ صحيحٌ موجودٌ.\n_________\n(^١) البيت لعدى بن زيد، كما في أمالي ابن الشجرى ١/ ٢٤٣، والخزانة ١/ ٣٨١. ونسبه في الكتاب ١/ ٦٢، واللسان (ن غ ص) إلى ابنه سوادة. وفى نسخة من الكتاب: سواد. والصحيح أنه لعدى بن زيد، فهو في ديوانه ص ٦٥، كما في حاشية النكت للأعلم ١/ ١٩٨.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"واحد\".\n(^٣) كذا في النسخ، ولعل الصواب: \"وما\".\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣: \"تؤخذ\"، وفى ت ١، س: \"يوجد\"، وغير منقوطة في ص. والمثبت ما يقتضيه السياق.","vol":"5","page":670},{"text":"وأما قولُه: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. فإنه يعنى تعالى ذكره: إلى الله مصيرُ أمرِ جميعِ خلقِه؛ الصالحِ منهم والطالحِ، والمحسن والمسيء، فيجازى كلًّا على قدر استحقاقهم منه الجزاءَ، بغير ظلمٍ منه أحدًا منهم.\n\n<span id=\"aya-403\"></span><span data-type='title' id=toc-1477>القول في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾؛ فقال بعضُهم: هم الذين هاجَروا مع رسولِ الله من مكةَ إلى المدينة، وخاصةً من أصحاب رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1476>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن سماكٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال في: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. قال: هم الذين خرجوا معه من مكة (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن علية (^٢)، عن قيسٍ، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. قال: هم الذين هاجَروا من مكةَ إلى المدينةِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ١٥٥، وأحمد ٤/ ٢٧٢ (٢٤٦٣)، والنسائى في الكبرى (١١٠٧٢)، والطبراني (١٢٣٠٣)، والحاكم ٢/ ٢٩٤ من طريق إسرائيل، عن سماك به.\n(^٢) في النسخ: \"عطية\". وقد تقدم مرارًا.","vol":"5","page":671},{"text":"قال عمرُ بنُ الخطابِ: لو شاء الله لقال: أنتم. فكنا (^١) كلُّنا، ولكن قال (^٢): ﴿كُنْتُمْ﴾. في خاصةٍ مِن أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ، ومَن صنَع مثل صنيعهم (^٣)، كانوا خير أمةٍ أُخْرِجت للناسِ، يَأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال: عكرمةُ: نزَلت في ابن مسعودٍ وسالمٍ مولى أبى حذيفةً وأُبيِّ بن كعبٍ ومعاذِ بن جبلٍ (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ المقدام، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عمن حدَّثه، قال عمرُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. قال: تكُونُ لأولنا ولا تكونُ لآخرنا (^٦).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا إسرائيلُ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. قال: هم الذين هاجروا مع النبيِّ ﷺ إلى المدينة (^٧).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذكِر لنا أن عمرَ ابن الخطابِ قال في حَجّةٍ حجَّها ورأى من الناسِ رِعةً سيئةً (^٨)، فقرأ هذه: ﴿كُنْتُمْ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وكنا\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ما صنعتم\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٣٢ (٣٩٧٠) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٣ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٣٢ (٣٩٦٩) من طريق إسرائيل به.\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٣٢ (٣٩٦٨) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٨) الرعة هاهنا: الاحتشام والكف عن سوء الأدب، أي: لم يحسنوا ذلك. النهاية ٥/ ١٧٥.","vol":"5","page":672},{"text":"خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية. ثم قال: يا أيها الناسُ، مَن سرَّه أن يكون مِن تلكم (^١) الأمةِ، فليؤدِّ شرطَ اللَّهِ منها (^٢).\nحدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخْبرَنا يزيدُ، قال: أخْبرَنا جويبرٌ، عن الضحاك في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. قال: هم (^٣) أصحابُ رسول الله ﷺ خاصةً. يعنى: وكانوا هم الرواةَ الدعاةَ الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم (^٤).\nوقال آخرون: معنى ذلك: كنتم خيرَ أمةٍ أُخرِجت للناس، إذا (^٥) كنتم بهذه الشروطِ التي وصَفهم جلَّ ثناؤه بها. فكان تأويلُ ذلك عندَهم: كنتم خيرَ أمةٍ تأمُرون بالمعروفِ وتَنهَون عن المنكرِ وتُؤْمِنون بالله، أُخْرِجوا للناسِ في زمانكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1478>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: على هذا الشرطِ؛ أن تأمُروا بالمعروفِ وتَنْهَوا عن المنكرِ وتُؤْمِنوا بالله. يقولُ: لمن أنتم بين ظهرانيه، كقولِه: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (^٦) [الدخان: ٣٢].\n_________\n(^١) في م: \"تلك\"، وفى س: \"هذه\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٣ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) تقدم في ص ٦٦٢.\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣، س: \"إذ\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"5","page":673},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. قال: يقولُ: كنتم خيرَ الناسِ للناسِ، على هذا الشرطِ؛ أن تأمُروا بالمعروفِ وتَنْهَوا عن المنكرِ وتُؤْمِنوا بالله. يقولُ: لمن بين ظهريه، كقولِه: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢].\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ميسرةَ، عن أبي حازمٍ، عن أبى هريرةَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. قال: كنتم خير الناسِ للناسِ، تجيئون بهم في السلاسل تُدْخِلُونهم (^١) في الإسلام (^٢).\nحدَّثنا عُبيدُ بنُ أسباطَ، قال: ثنا أبى، عن فُضيل بن مرزوقٍ، عن عطيةَ في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. قال: خيرُ الناسِ للناسِ (^٣).\nوقال آخرون: إنما قيل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾؛ لأنهم أكثرُ الأممِ استجابةً للإسلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-1479>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثت عن عمَّارِ بن الحسن، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. قال: لم تكن أمةٌ أكثر استجابةً في الإسلام من هذه الأمة، فمن ثمَّ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فتدخلوا بهم\"، وفى صحيح البخاري: \"حتى يدخلوا\".\n(^٢) أخرجه البخارى (٤٥٥٧)، والنسائى في الكبرى (١١٠٧١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٣٢ (٣٩٧١)، والحاكم ٤/ ٨٤ من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٤ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٣٣ (٣٩٧٥) من طريق عيسى بن موسى عن عطية به، وعقب الأثر (٣٩٧٢) معلقًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"5","page":674},{"text":"قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (^١).\nوقال بعضُهم: عنى بذلك أنهم كانوا خير أمةٍ أُخْرِجت للناس.\n\n<span data-type='title' id=toc-1480>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسن في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. قال: قد كان ما تَسْمَعُ مِن الخير في هذه الأمة.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: نحن آخرُها وأكرمُها على الله.\nقال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآيةِ ما قال الحسنُ؛ وذلك أن يعقوب بن إبراهيم حدَّثني قال: ثنا ابن عليةَ، عن بهزِ بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: \"ألا إنكم وفَّيتم سبعين أمةً، أنتم خيرُها (^٢) وأكرمُها على الله (^٣) \".\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا\n_________\n(^١) بعدها في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"والله أعلم\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٣٣ (٣٩٧٣) من طريق ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبى العالية، عن أبي بن كعب.\n(^٢) في ص، م، والمسند، والمنتخب، والموضع الثاني من سنن ابن ماجه: \"آخرها\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الناس\".\nوالحديث أخرجه ابن ماجه (٤٢٨٨) من طريق ابن علية به.\nوأخرجه أحمد ٥/ ٣، ٥ (الميمنية)، والدارمي ٢/ ٣١٣، وعبد بن حميد (٤٠٩ - منتخب)، وابن ماجه (٤٢٨٧)، والطبراني ١٩/ ٤٢٢ (١٠٢٣) من طرق عن بهز به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٤ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"5","page":675},{"text":"معمرٌ، عن بهزِ بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنه سمِع النبيَّ ﷺ يقولُ في قولِه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. قال: \"أنتم تُتِمُّون سبعين أمةً، أنتم خيرُها وأكرمُها على الله\" (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ قال ذات يومٍ وهو مُسندٌ ظهره إلى الكعبة: \"نحن نُكْمِلُ يومَ القيامة سبعين أمةً، نحن آخرُها وخيرُها\" (^٢).\nوأما قوله: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فإنه يعنى: تَأْمُرون بالإيمان بالله ورسوله والعمل بشرائعه، ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. يعنى: وتَنْهَون عن الشرك بالله وتكذيبِ رسولِه، وعن العملِ بما نهى عنه.\nكما حدَّثنا عليُّ بن داودَ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: تَأْمُرونهم بالمعروف؛ أن يَشْهَدوا ألا إله إلا الله، والإقرارُ بما أنزَل الله، وتُقَاتِلونهم عليه، ولا إله إلا الله هو أعظمُ المعروفِ، وتَنْهَونهم عن المنكرِ، والمنكرُ هو التكذيبُ، وهو أنكرُ المنكر (^٣).\nوأصل المعروف كلُّ ما كان معروفًا [فعله، جميلًا مستحسنًا] (^٤)، غير مستقبَحٍ في أهل الإيمان بالله، وإنما سُمِّيَت طاعةُ اللَّهِ معروفًا؛ لأنه مما يَعْرِفُه أهلُ الإيمان ولا\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٠، ومن طريقه الترمذى (٣٠٠١)، والحاكم ٤/ ٨٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٣١ (٣٩٦٧) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٤ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٣٣، ٧٣٤ (٣٩٧٧، ٣٩٧٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٠٦)، من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٤ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في م: \"ففعله جميل مستحسن\".","vol":"5","page":676},{"text":"يستنكرون فعلَه، وأصلُ المنكر ما أنكره اللهُ، ورأوه قبيحًا فعلُه، ولذلك سُمِّيت معصيةُ الله منكرًا؛ لأن أهلَ الإيمان باللهِ يَسْتَنكرون فعلها، ويَسْتَعْظِمون رُكوبَها.\nوقولُه: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. يعنى: وتُصَدِّقون بالله، فتُخْلِصون له التوحيدَ والعبادةَ.\nفإن سأل سائلٌ فقال: وكيف قيل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾. وقد زعَمتَ أن تأويلِ الآية أن هذه الأمة خيرُ الأممِ التي مضَت، وإنما يُقالُ: كنتم خير أمةٍ. لقومٍ كانوا خيارًا فَتَغَيَّروا عما كانوا عليه؟\nقيل: إن معنى ذلك بخلاف ما ذهَبتَ إليه، وإنما معناه: أنتم خيرُ أمةٍ. كما قيل: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦]. وقد قال في موضعٍ آخر: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦]، فإدخال \"كان\" في مثل هذا وإسقاطُها بمعنًى واحدٍ؛ لأن الكلامَ معروفٌ معناه.\nولو قال أيضًا في ذلك قائلٌ: ﴿كُنْتُمْ﴾ بمعنى التمامِ. كان تأويلُه: خُلِقْتم خيرَ أمةٍ، أو: وُجِدْتم خيرَ أمةٍ، كان معنًى صحيحًا.\nوقد زعَم بعضُ أهل العربيةِ أن معنى ذلك: كنتم خيرَ أمةٍ عند اللهِ في اللوحِ المحفوظِ، أُخرِجت للناسِ.\nوالقولان الأولان اللذان قلنا أشبهُ بمعنى الخبرِ الذى رَوَيناه قبلُ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: كنتم خيرَ أهلِ طريقةٍ. وقال: الأُمَّةُ الطريقةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1481>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكرُه: ولو صدَّق أهلُ التوراة والإنجيلِ، مِن اليهودِ","vol":"5","page":677},{"text":"والنصارى، بمحمدٍ ﷺ وما جاءهم به مِن عندِ اللَّهِ، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ عِندَ اللَّهِ في عاجلِ دنياهم وآجلِ آخرتِهم، ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يعنى: مِن أهلِ الكتابِ من اليهودِ والنصارى، المؤمنون المصدِّقون رسول الله ﷺ فيما جاءهم به مِن عندِ اللَّهِ، وهم عبدُ اللَّهِ بن سلامٍ وأخوه، وثعلبةُ بنُ سَعْيَةً (^١) وأخوه، وأشباهُهم ممن آمنوا (^٢) بالله، وصدَّقوا [برسوله محمدٍ] (^٣) ﷺ، واتبعوا ما جاءهم به مِن عندِ اللهِ، ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ يعنى: الخارجون عن دينِهم؛ وذلك أن مِن دينِ اليهودِ اتِّباعَ ما في التوراةِ والتصديق بمحمدٍ ﷺ، ومِن دينِ النصارى اتباعَ ما في الإنجيلِ والتصديقَ به وبما في التوراةِ، وفى (^٤) الكتابين صفةُ محمدٍ ﷺ ونعتُه ومبعثُه، وأنه نبىُّ الله. وكلتا الفرقتين -أعنى اليهودَ والنصارى- مكذبةٌ، فذلك فسقُهم وخروجُهم عن دينِهم الذي يَدَّعُون أنهم يَدِينون به، الذي قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾.\nوقال قتادةُ بما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: ذمَّ اللهُ أكثرَ الناسِ (^٥).\n\n<span id=\"aya-404\"></span><span data-type='title' id=toc-1482>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ وعزَّ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾.</span>\nقال أبو جعفر: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤه: لن يَضُرَّكم (^٦) يا أهلَ الإيمانِ باللَّهِ\n_________\n(^١) في م: \"سعيد\". وينظر سيرة ابن هشام ٢/ ٢٣٨، ٢٤٥.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"آمن\".\n(^٣) في ص: \"رسوله محمدًا\".\n(^٤) بعده في ص، م: \"كل\".\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٣/ ٧٣٤ (٣٩٨٢) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٤ إلى عبد بن حميد.\n* من هنا تبدأ قطعة من مخطوط جامعة القرويين ولعلها الجزء الحادى عشر، وسيجد القارئ أرقام صفحاتها بين معقوفين.\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يضروكم\".","vol":"5","page":678},{"text":"ورسولِه، هؤلاء الفاسقون من أهلِ الكتابِ شيئًا، بكفرِهم وتكذيبِهم نبيَّكم محمدًا ﷺ، ﴿إِلَّا أَذًى﴾. يعنى بذلك: ولكنهم يُؤْذُونَكم بشركِهم وإسماعِكم كفرَهم، وقولِهم في عيسى وأمِّه وعُزَيرٍ، ودعائِهم إياكم إلى الضلالةِ، ولا يَضُرُّونكم (^١) بذلك.\nوهذا مِن الاستثناءِ المنقطعِ الذي هو مخالفٌ معنى ما قبلَه، كما قيل: ما أشتكى شيئًا إلا خيرًا. وهذه كلمةٌ محكيةٌ عن العربِ سماعًا.\nوبنحوِ ما قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولهَ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾. يقولُ: لن يَضُرُّوكم إلا أذًى تَسْمَعونه منهم (^٢).\nحُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾. قال: أَذًى تَسْمَعونه منهم (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾. قال: إشراكُهم في عُزَيرٍ وعيسى والصليبِ (^٤).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفىُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ في\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يضروكم\".\n(^٢) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٢/ ٦٤، إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٣/ ٧٣٤ عقب الأثر (٣٩٨٤) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٣/ ٧٣٥ (٣٩٨٥) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج.","vol":"5","page":679},{"text":"قولِه: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ الآية. قال: تَسْمَعون منهم كذبًا على اللَّهِ، يَدْعُونكم إلى الضلالة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1483>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١)﴾.</span>\nيَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه (^٢): وإن يُقَاتِلْكم أهلُ الكتابِ مِن اليهودِ والنصارى يُهْزَموا عنكم، فيُوَلُّوكم أدبارَهم انهزامًا.\nفقولُه (^٣): ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾. كنايةٌ عن انهزامِهم؛ لأن المنهزمَ يُحَوِّلُ ظهرَه إلى قِرنِه (^٤) الطالبِ هرَبًا إلى مَلْجأً وموئلٍ يَئِلُ إليه منه، خوفًا على نفسِه، والطالبُ في أثَرِه. فدُبُرُ المطلوبِ حينئذٍ يكونُ مُحاذِىَ وجهِ الطالبِ الهازمِه.\n﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾. يَعْنى: ثم لا يَنْصرُهم الله أيها المؤمنون عليكم؛ لكفرِهم باللهِ ورسولِه، وإيمانِكم بما آتاكم نبيُّكم محمدٌ ﷺ؛ لأن الله ﵎ قد ألقى الرعبَ في قلوبِهم (^٥)، فأيدكم (^٦) أيها المؤمنون بنصرِكم. وهذا وعدٌ مِن الله تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا ﷺ وأهلَ الإيمانِ نَصْرَهم على مَن كفرَ به مِن أهلِ الكتابِ.\nوإنما رفَع قولَه: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾. وقد جزَم قولَه: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾. على جوابِ الجزاءِ، ائتنافًا للكلامِ؛ لأن رُءوسَ الآياتِ قبلَها بالنونِ، فألْحَق هذه بها، كما قال: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]. رفعًا، وقد\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٣/ ٧٣٤ (٣٩٨٤) من طريق أبى بكر الحنفى به.\n(^٢) بعده في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وإن يقاتلوكم\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وأما قوله\".\n(^٤) في م: \"جهة\". والقِرن: الكفء والنظير في الشجاعة والحرب. اللسان (ق ر ن).\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قلوب\".\n(^٦) في م: \"كائدكم\".","vol":"5","page":680},{"text":"قال في موضعٍ آخرَ (^١): ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦]. إذ لم يَكُنْ رَأْسَ آيةٍ.\n\n<span id=\"aya-405\"></span><span data-type='title' id=toc-1484>القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾.</span>\nيَعْنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾: أُلْزِموا الذلةَ. والذلةُ الفِعْلةُ من الذُّلِّ.\nوقد بيَّنا ذلك بشواهدِه فى غيرِ هذا الموضعِ (^٢).\n﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾. يعنى: حيثما لُقُوا. يقولُ جلَّ ثناؤه: أُلْزِم اليهودُ المكذِّبون بمحمدٍ ﷺ الذلَة أينما (^٣) كانوا مِن الأرضِ، وبأىِّ مكانٍ كانوا مِن بقاعِها، مِن بلادِ المسلمين والمشركين، ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْدَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾. قال: أدركتهم هذه الأمةُ وإن المجوسَ لَتَجبيهم الجزيةَ (^٤).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفىُّ، قال: ثنا عبادٌ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ\n_________\n(^١) بعدها فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وقد قال\".\n(^٢) ينظر ما تقدم فى ٢/ ٢٦.\n(^٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أين\".\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٣٥ (٣٩٨٧) من طريق هوذة به. وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ٢/ ٦٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"5","page":681},{"text":"النَّاسِ﴾. قال: أذلَّهم اللهُ، فلا منَعةَ لهم، وجعَلهم الله تحت أقدامِ المسلمين (^١).\nوأما الحبلُ الذي ذكَره الله فى هذا الموضعِ، فإنه السببُ الذي يَأْمَنون به على أنفسِهم مِن المؤمنين، وعلى أموالِهم وذراريِّهم، من عهدٍ وأمانٍ تَقَدَّم لهم عقدُه قبلَ أن يُثْقَفوا فى بلادِ الإسلامِ.\nكما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: بعهدٍ، ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾. قال: بعهدِهم (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾. يقولُ: إلا بعهدٍ مِن الله وعهدٍ مِن الناسِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا يزيدُ، عن عثمانَ بنِ غياثٍ (^٤)، قال عكرمةُ: يقولُ: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾. قال: بعهدٍ من الله وعهدٍ من الناسِ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٣٥ (٣٩٨٨) من طريق أبى بكر الحنفى به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٥٧.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٠.\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عتاب\".\n(^٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٣٥ عقب الأثر (٣٩٩٠) معلقًا.","vol":"5","page":682},{"text":"حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾. يقولُ: إلا بعهدٍ مِن الله وعهدٍ مِن الناسِ (^١).\nحُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾. يقولُ: إلا بعهدٍ مِن اللهِ وعهدٍ مِن الناسِ (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾: فهو عهدٌ مِن اللهِ وعهدٌ مِن الناسِ، كما يَقُولُ الرجلُ: ذمةُ اللهِ وذمةُ رسولِه ﷺ. فهو الميثاقُ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾. قال: بعهدٍ مِن وعهدٍ مِن الناسِ لهم (^٤). قال ابنُ جريجٍ: وقال عطاءٌ: العهدُ حبلُ اللهِ (^٥).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾. قال: إلا بعهدٍ، وهم يهودُ. قال: والحبلُ العهدُ. قال: وذلك قولُ أبى الهيثمِ بنِ التَّيِّهانِ لرسولِ الله ﷺ حين أتَتْه الأنصارُ فى العقبةِ: أيُّها الرجلُ، إنا قاطعون فيك حبالًا بينَنا وبيَن الناسِ. يقولُ: عهودًا. قال: واليهودُ لا يَأْمَنون فى أرضٍ مِن أرضِ الله إلا بهذا الحبلِ الذى قال\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٣٥ عقب الأثر (٣٩٩٠) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٣٥ عقب الأثر (٣٩٩٠) من طريق ابن أبى جعفر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٣٥ (٣٩٩٠،٣٩٩١) من طريق هارون بن عنترة عن أبيه عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٤ إلى ابن المنذر.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٥٧.\n(^٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٣٥ عقب الأثر (٣٩٩٠) معلقًا.","vol":"5","page":683},{"text":"الله ﷿. وقرَأ: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥]. قال: فليس بلدٌ فيه أحدٌ مِن النصارى إلا وهم فوق يهودَ فى [شرقٍ ولا غربٍ] (^١)، هم فى البلدانِ كلِّها مُسْتَذَلُّون، قال الله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٨]. قال: يهودُ (^٢).\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ فى قولِه: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾. يقولُ: بعهدٍ مِن الله وعهدٍ مِن الناسِ (^٣).\nحدَّثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخْبرَنا يزيدُ، قال: أخْبرَنا جويبرٌ، عن الضحاكِ مثلَه.\nواختلَف أهلُ العربيةِ فى المعنى الذى جلَب الباءَ فى قولِه: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: الذى جلَب الباءَ فى ذلك (^٤) فعلٌ مضمَرٌ قد تُرِك ذكرُه. قال: ومعنى الكلامِ: ضُرِبت عليهم الذلةُ أينما ثُقِفوا إلا أن يَعْتَصِموا بحبلٍ مِن الله. فأُضْمِرَ ذلك. واسْتَشْهَد لقولِه ذلك بقولِ الشاعر (^٥):\nرأتْني بحَبْلَيْها فَصَدَّت مخافةً … وفى الحبلِ رَوْعاءُ الفؤادِ (^٦) فَرُوقُ\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٣، س: \"فسوق ولا غيرهم\"، وفى ت ٢: \"فوق ولا غيرهم\".\n(^٢) ينظر ما تقدم فى ص ٤٥٥.\n(^٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٣٥ عقب الأثر (٣٩٩١) معلقًا.\n(^٤) فى ص: \"بحبل فقال بعضهم ذلك\"، وفى م: \"قوله بحبل\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قوله بحبل فقال بعضهم فى ذلك\".\n(^٥) هو حميد بن ثور الهلالى، والبيت فى ديوانه ص ٣٥. ورواية البيت فيه هكذا:\nفجئت بحبليها فردت مخافة … إلى النفس روعاء الجنان فروق\n(^٦) روعاء الفؤاد: ذكية الفؤاد. ينظر اللسان (روع).","vol":"5","page":684},{"text":"وقال: أراد: أَقْبَلَتْ بحَبْلَيها (^١). وبقولِ الآخرِ (^٢):\nحَنَتْنى حانِياتُ الدهرِ حتى … كأنِّى خايِلٌ (^٣) أدنو (^٤) لصيدِ\n[قريبُ الخطوِ يَحْسَبُ من رآني … -ولستُ مُقَيَّدًا- أنى بقَيْدِ] (^٥)\n[يريدُ: مقيدًا بقيدٍ] (^٦).\nفأوجَب إعمالَ فعلٍ محذوفٍ وإظهارَ صلتِه (^٧) وهو متروكٌ.\nوذلك فى مذاهبِ العربيةِ ضعيفٌ، ومِن كلامِ العربِ بعيدٌ. وأما ما اسْتَشْهدَ به لقولِه مِن الأبياتِ، فغيرُ دالٍّ على صحةِ دعواه؛ لأن فى قولِ الشاعرِ: رَأَتْنِي بحَبْلَيها. دلالةً بينةٌ فى أنها رأَتْه بالحبلِ مُمْسِكًا. ففى إخبارِه عنها أنها رَأَتُه بحَبْلَيها، إخبارٌ منه أنها رَأَتْه مُمْسِكًا بالحَبْلَين، فكان فيما ظهَر مِن الكلامِ مُسْتَغْنًى عن ذكرِ الإمساكِ، وكانت الباءُ صلةً (^٨) لقولِه: رَأَتني. كما (^٩) قولُ القائلِ: أنا باللَّهِ. مكتفٍ بنفسِه ومعرفةِ السامعِ معناه، أن تكونَ الباءُ محتاجةً إلى كلامٍ يكونُ لها جالبًا غيرَ الذى ظهَر، وأن (^١٠) المعنى: أنا بالله مستعينٌ.\nوقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: قولُه: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾. استثناءٌ\n_________\n(^١) فى ص، س: \"بحبلها\".\n(^٢) هو أبو الطمحان القينى حنظلة بن الشرقى، كما فى المعمرين ص ٧٢، والمعاني الكبير ٣/ ١٢١٤، وقال أبو الفرج فى الأغانى ٢/ ٣٥٧: يقال: إنه لعدى بن زيد.\n(^٣) المخاتلة: مشى الصياد قليلا قليلا فى خفية لئلا يسمع الصيد حسه. اللسان (خ ت ل) والبيت فيه.\n(^٤) فى النسخ: \"أحنو\". والمثبت من معانى القرآن للفراء ١/ ٢٣٠، فهذه مقالته، وفى مصادر التخريج الأخرى: \"يدنو\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) سقط من النسخ، والمثبت من معانى القرآن.\n(^٧) الصلة هنا: الجار والمجرور.\n(^٨) فى م: \"وصلة\".\n(^٩) بعده فى م: \"فى\".\n(^١٠) بعده فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كان\".","vol":"5","page":685},{"text":"خارجٌ مِن أولِ الكلامِ. قال: وليس ذلك بأشدَّ مِن قولِه: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢].\nوقال آخرون مِن نحويِّى الكوفةِ: هو استثناءٌ متصلٌ. والمعنى: ضُرِبت عليهم الذلةُ أينَما تُقفوا. أى: بكلِّ مكانٍ، إلا بموضعِ حبلٍ مِن الله. كما تقولُ: ضُرِبت عليهم الذلةُ فى الأمكنةِ إلا فى هذا المكانِ.\nوهذا أيضًا طلَبَ الحزَّ (^١)، فأخطأ المَفْصِلَ، وذلك أنه زعَم أنه استثناءُ مُتَّصلٌ، ولو كان متصلًا كما زعَم، لوجَب أن يكونَ القومُ إذا ثُقِفوا بحبلٍ مِن الله وحبلٍ مِن الناسِ غيرَ مضروبةٍ عليهم الذلةُ (^٢). وليس ذلك صفةَ اليهودِ؛ لأنهم أينما ثُقِفُوا بحبلٍ مِن الله وحبلٍ مِن الناسِ، أو بغيرِ حبلٍ مِن الله وغيرِ حبلٍ مِن الناسِ، فالذلةُ مضروبةٌ عليهم، على ما ذكَرنا عن أهلِ التأويلِ قبلُ (^٣). فلو كان قولُه: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾. استثناءً متصلًا، لوجَب أن يكونَ القومُ إذا ثُقِفوا بعهدٍ وذمةٍ، ألا تكون الذلةُ مضروبةً عليهم، وذلك خلافُ ما وصَفهم الله به مِن صفتِهم، وخلافُ ما هم به من الصفةِ، فقد تبينَّ أيضًا بذلك فسادُ قولِ هذا القائلِ أيضًا.\nولكنَّ القولَ عندَنا أن الباءَ فى قولِه: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾. أُدْخِلت لأن الكلامَ الذى قبلَ الاستثناءِ مُقتضٍ فى المعنى الباءَ. وذلك أن (^٤) معنى قولِه: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾: ضرِبت عليهم الذلةُ بكلِّ مكانٍ ثُقِفُوا. ثم قال: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾. على غيرِ وجهِ الاتصالِ بالأولِ، ولكنه على\n_________\n(^١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"الحق\". وهو من قولهم: إنك لتكثر الحزَّ وتخطئ المفصل. مثل يضرب لمن يجتهد فى السعى ثم لا يظفر بالمراد. ينظر نهاية الأرب ٣/ ١١، ومجمع الأمثال ١/ ٩٦.\n(^٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المسكنة\".\n(^٣) فى ص، ت ١: \"قيل\".\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"هو\".","vol":"5","page":686},{"text":"الانقطاعِ عنه، ومعناه: ولكن قد (^١) يُثْقَفون بحبلٍ مِن اللهِ وحبلٍ مِن الناسِ، كما قيل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]. فالخطأُ وإن كان منصوبًا بما عمل فيما قبلَ الاستثناءِ، فليس قولُه باستثناءٍ متصلٍ بالأول بمعنى: إلا خطأً فإن له قتلَه كذلك. ولكنّ معناه: ولكن قد يَقْتُلُه خطأً. فكذلك قولُه: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾. وإن كان الذي جلب الباءَ التي بعد ﴿إِلَّا﴾ الفعلُ الذي يَقْتَضِيها قبلَ ﴿إِلَّا﴾، فليس الاستثناءُ بالاستثناءِ المتصلِ بالذى قبلَه، بمعنى أن القومَ إذا لُقُوا فالذلةُ زائلةٌ عنهم، بل الذلةُ ثابتةٌ لهم (^١) بكلِّ حالٍ، ولكن معناه ما بيَّنا آنفًا\n\n<span data-type='title' id=toc-1485>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: وتَحمَّلوا غضبَ اللهِ فانصرَفوا به مستحقِّيه. وقد بيّنا أصلَ ذلك بشواهدِه، ومعنى المسكنةِ، وأنها ذُلُّ الفاقةِ والفقرِ وخُشوعُهما، ومعنى الغضبِ مِن اللهِ، فيما مضَى بما أغنى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (^٢).\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. يعني جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾ أى: بَوْءُهم الذى باءوا به مِن غضبِ اللَّهِ، وضَرْبُ الذلةِ عليهم، بَدَلٌ مما كانوا يَكْفُرون بآياتِ اللهِ. يقولُ: مما كانوا يَجْحَدُون أعلامَ اللَّهِ وأدلتَه على صدقِ أنبيائِه، وما فُرِض عليهم مِن فرائضِه، ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْر\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) ينظر ما تقدم فى ١/ ١٨٩، ١٩٠، ٢/ ٢٦، ٢٧.","vol":"5","page":687},{"text":"حَقٍّ﴾. يقولُ: وبما كانوا يَقْتُلون أنبياءَهم ورُسُلَ اللَّهِ إليهم، اعتداءً على اللَّهِ، وجراءةً عليه بالباطلِ، وبغيرِ حقٍّ استحقُّوا منهم القتلَ.\nفتأويلُ الكلامِ: أُلزِموا الذلةَ بأىِّ مكانٍ لُقُوا، إلا بذمةٍ مِن اللهِ وذمةٍ مِن الناسِ، وانصرَفوا بغضبٍ مِن اللَّهِ مُتَحَمِّليه (^١)، وأُلزِموا ذُلَّ الفاقةِ وخشوعَ الفقرِ، بدلًا مما كانوا يَجْحَدُون بآياتِ اللهِ وأدلتِه وحججِه، ويَقْتُلون أنبياءَه بغيرِ حقٍّ ظلمًا واعتداءً.\n\n<span data-type='title' id=toc-1486>القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾.</span>\nيعنى (^٢) تعالى ذكرُه: فعَلنا بهم ذلك بكفرِهم وقَتْلِهم الأنبياءَ ومعصيتِهم ربَّهم واعتدائِهم أمرَه.\nوقد بيَّنّا معنى \"الاعتداءِ\" في غيرِ موضعٍ فيما مضَى مِن كتابنا بما (^٣) فيه الكفايةُ عن إعادتِه (^٤).\nفأعلَم ربُّنا جلَّ ثناؤُه عبادَه ما فعَل بهؤلاء القومِ مِن أهلِ الكتابِ؛ مِن إحلالِ الذلةِ والخزى بهم في عاجلِ الدنيا، مع ما ذخَر لهم في الآجلِ مِن العقوبةِ والنكالِ وأليمِ العذابِ، إذ تعدَّوا حدودَه واستحَلُّوا محارمَه؛ تذكيرًا منه تعالى ذكرُه لهم، وتنبيهًا على موضعِ البلاءِ الذى مِن قِبَلِه أُتوا، ليُنيبوا ويَذَّكَّروا، وعِظةً منه لأمتِنا ألا يَسْتَنُّوا بسنتهم ويَرْكَبوا منهجَهم (^٥)، فيَسْلُك بهم مسالِكَهم، ويُحِلَّ بهم مِن نقمِ اللَّهِ ومَثُلاتِه (^٦) ما أحلَّ بهم.\n_________\n(^١) في الأصل: \"محتمليه\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يقول\"\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مما\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٢/ ٣٢.\n(^٥) في ص: \"مناهجهم\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"منهاجهم\".\n(^٦) في س: \"بلائه\".","vol":"5","page":688},{"text":"كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾: اجْتَنِبوا المعصيةَ والعُدوانَ، فإن بهما أُهْلِك مِن أُهْلِك مِن (^١) قبلِكم مِن الناسِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-406\"></span><span data-type='title' id=toc-1487>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾.</span>\nيَعْنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾: ليس فريقَا أهلِ الكتابِ؛ أهلُ الإيمانِ منهم والكفرِ، سواءً. يعنى بذلك أنهم غيرُ متساوين (^٣). يَقُولُ: ليسوا مُتَعادِلين، ولكنهم مُتفاوِتون فى الصلاحِ والفسادِ، والخيرِ والشرِّ.\nوإنما قيل: ﴿لَيْسُوا (^٤)﴾؛ لأن فيه ذكرَ الفريقين مِن أهلِ الكتابِ اللذيْن ذكَرهما اللهُ فى قولِه: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ثم أخبَر جلَّ ثناؤُه عن حالِ الفريقين عندَه؛ المؤمنةِ منهما والكافرةِ، فقال: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾. أى: ليس هؤلاء سواء؛ المؤمنون منهم والكافرون. ثم ابتدَأ الخبرَ جلَّ ثناؤه عن صفةِ الفرقةِ المؤمنةِ مِن أهلِ الكتابِ، ومدَحهم وأثنى عليهم، بعدَ ما وصَف الفرقةَ الفاسقةَ منهم بما وصَفها به؛ مِن الهَلَع ونَخْبِ الجَنانِ، ومحالفةِ الذلِّ والصَّغارِ، وملازمةِ الفاقةِ والمسكنةِ، وتَحَمُّلِ خزي الدنيا وفضيحةِ الآخرةِ، فقال: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. الآيات الثلاث إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المسلمين\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٣٣٧ (٣٩٩٩) من طريق يزيد به.\n(^٣) فى ت ٢، س: \"متساويين\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"سواء\".","vol":"5","page":689},{"text":"فقولُه (^١): ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. مرفوعةٌ بقولِه: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.\nوقد توهَّم جماعةٌ مِن نحويِّى الكوفةِ والبصرةِ والمتقدَّمين منهم في صناعتِهم (^٢)، أن ما بعدَ ﴿سَوَاءً﴾ فى هذا الموضعِ مِن قولِه: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. ترجمةٌ عن ﴿سَوَاءً﴾ وتفسيرٌ عنه، بمعنى: لا يستوى مِن أهلِ الكتابِ أمةٌ قائمةٌ يَتْلون آياتِ اللَّهِ آناءَ الليلِ، وأخرى كافرةٌ. وزعَموا أن ذكرَ الفرقةِ الأخرى تُرِك اكتفاءً بذكرِ إحدى الفِرقَتين، وهى الأمةُ القائمةُ، ومثَّلوه بقولِ أبي ذُؤيبٍ (^٣):\nعصَيتُ إليها القلبَ إنِّي لأمرِها … سميعٌ فما أدْرى أرُشْدٌ طِلابُها\nولم يَقُلْ: أم غيرِ رشدٍ. اكتفاءً بقولِه: أرُشْدٌ. مِن ذِكرِ: أم غيرُ رشدٍ. وبقولِ الآخرِ (^٤):\nأرَاك (^٥) فلا أُدْرِى أَهَمِّ هَمَمْتُه … وذو الهَمِّ قِدْمًا خاشعٌ متضائلُ\nوهو مع ذلك خطأٌ عندَهم قولُ القائلِ المريدِ أن يَقُول: سواءٌ أَقُمْتَ أَم وَقعَدْتَ: سواءٌ أَقُمْتَ. حتى يَقُول: أم قعَدت. وإنما يُجيزون حذفَ الثاني فيما كان مِن الكلامِ مكتفيًا بواحدٍ، دونَ ما كان ناقصًا عن ذلك، وذلك نحوُ: ما أُبالى. أو: ما أدرى. فأجازوا في ذلك: ما أبالي أقُمْتَ. وهم يريدون: ما أُبالي أقمْتَ أم قعَدت. لاكتفاءِ: ما أبالى. بواحدٍ، وكذلك فى (^٦): ما (^٧) أدرى. وأبَوا الإجازةَ في\n_________\n(^١) فى م، ت ٢، ت ٣، س: \"قوله\".\n(^٢) ينظر معانى القرآن للفراء ١/ ٢٣٠، ٢٣١.\n(^٣) تقدم تخريج البيت في ١/ ٣٤٤.\n(^٤) معانى القرآن للفراء ١/ ٢٣١.\n(^٥) فى م: \"أزال\".\n(^٦) بعده في ت ٢: \"ما أبالي أو\".\n(^٧) بعده في الأصل: \"لا\".","vol":"5","page":690},{"text":"\"سواء\"، مِن أجلِ نقصانِه، وأنه غيرُ مكتفٍ بواحدٍ. فأغفَلوا في توجيهِهم قولَه: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. على ما حكَينا عنهم إلى ما وجَّهوه إليه - مذاهبَهم فى العربيةِ، إذ أجازوا فيه مِن الحذفِ ما هو غيرُ جائزٍ عندَهم في الكلامِ مع \"سواء\". وأخطَئوا تأويلَ الآيةِ، فـ ﴿سَوَاءً﴾ فى هذا الموضعِ بمعنى التمامِ والاكتفاءِ، لا بالمعنى الذى تأوَّله مِن حكَينا قولَه.\nوقد ذُكر أن قولَه: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. الآياتُ الثلاثُ نزَلت في جماعةٍ مِن اليهودِ أسلَموا فحُسن إسلامُهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما أَسلَم عبدُ اللهِ بنُ سلَامٍ، وثعلبةُ بنُ سَعْيةَ (^١)، وأُسَيدُ بنُ سَعيةَ، وأسدُ بنُ عبيدٍ، ومَن أسلَم مِن يهودَ معهم، فآمَنوا وصدَّقوا، ورغِبوا في الإسلامِ، وتنحَّوا (^٢) فيه، قالت أحبارُ يهودَ وأهلُ الكفرِ منهم: ما آمَن بمحمدٍ ولا اتَّبَعه إلَّا أشرارُنا، ولو كانوا مِن خيارِنا ما تَرَكوا دينَ آبائِهم وذهَبوا إلى غيرِه. فأنزَل اللهُ ﵎ في ذلك مِن قولِهم: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ إلى قولِه: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، س: \"سعيد\".\n(^٢) فى الأصل: \"تنخوا\"، وبدون نقط فى ص، وفى ت ١، ت ٣: \"منجوا\"، وفي ت ٢:\"محرا\"، وفى م، وتفسير ابن أبي حاتم: \"منحوا\"، وفى سيرة ابن هشام: \"رسخوا\". وتنحوا فيه: توجهوا له، وصاروا في ناحيته، وقصدوه. ينظر النهاية ٥/ ٣٠، والتاج \"ن ح و\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥٧، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٣٧ (٤٠٠٣) من طريق سلمة به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٤ إلى ابن المنذر.","vol":"5","page":691},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ (^١) بكيرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: ثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ الآية. يَقُولُ: ليس كلُّ القومِ هلَك، قد كان للهِ فيهم بقيةٌ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾: عبدُ اللهِ بنُ سلَامٍ، وثعلبةُ بنُ سَلَامٍ أخوه، وسَعيةُ ومُبَشِّرٌ، وأَسَيدٌ وأسَدٌ ابنا كعبٍ (^٤).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ليس أهلُ الكتابِ وأمةُ محمدٍ القائمةُ بحقِّ اللهِ سواءً عندَ اللهِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنً عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحِ، عن الحسنِ بنِ يزيدَ (^٥) العجلىِّ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أنه كان يَقُولُ في قولِه: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. قال: لا يَسْتوى أهلُ الكتابِ\n_________\n(^١) في النسخ: \"عن\".\n(^٢) أخرجه الطبراني (١٣٨٨) من طريق أبى كريب به، وأخرجه البيهقى فى الدلائل ٢/ ٥٣٣ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٢٩/ ١١٥ - من طريق يونس به.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٥ إلى المصنف.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبي يزيد\"، وفى س: \"أبي زيد\". وينظر التاريخ الكبير ٢/ ٣٠٨، والجرح ٣/ ٤٢.","vol":"5","page":692},{"text":"وأمةُ محمدٍ ﷺ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ الآية. يقولُ: ليس هؤلاءِ اليهودُ كمثَلِ هذه الأمةِ التى هى قائمةٌ (^٢).\nوقد بيَّنّا أن أوْلى القولين بالصوابِ في ذلك قولُ مَن قال: قد تمَّت القصةُ عند قولِه: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾. عن إخبارِ اللَّهِ بأمرِ مؤمنى أهلِ الكتابِ وأَهلِ الكفرِ منهم، وأن قولَه: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. خبرٌ مبتدأٌ عن مدحِ مؤمنيهم، ووصفِهم بصفتِهم، على ما قاله ابنُ عباسٍ وقتادةُ وابنُ جريجٍ.\nويَعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾: جماعةٌ ثابتةٌ على الحقِّ. وقد دلَّلنا على معنَى \"الأمةِ\" فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه (^٣).\nوأما القائمة\"، فإن أهل التأويلِ اختلفوا فى تأويله؛ فقال بعضُهم: معناها العادلةُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. قال: عادلةٌ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٣٧ (٤٠٠٠) من طريق ابن أبي نجيح به، وستأتي بقيته في ص ٦٩٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٣٧ (٤٠٠١) من طريق أحمد بن المفضل به، وفيه: قانتة لله.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٢٤.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٥٨ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٦ (١٢٢٣ - تحقيق حكمت بشير)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"5","page":693},{"text":"وقال آخرون: بل معنَى ذلك أنها قائمةٌ على كتابِ اللهِ وما أمَر به فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. يقولُ: قائمةٌ على كتابِ اللهِ وفرائضِه وحدودِه.\nحُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ يقولُ: قائمةٌ على كتابِ اللهِ وحدودِه وفرائضِه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. يقولُ: أمّةٌ مهتديةٌ، قائمةٌ على أمرِ اللَّهِ، لم تنزِعْ عنه وتترُكْه، كما ترَكه الآخرون وضيَّعوه (^٢).\nوقال آخرون: بل معنَى ﴿قَائِمَةٌ﴾: مُطيعةٌ.\nذكرُ مِن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ الآية. يقولُ: ليس هؤلاءِ اليهودُ كمثَلِ هذه الأمةِ التي هي قائمةٌ (^٣) للهِ، والقائمةُ (^٤) المطيعةُ (^٥).\nوأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ فى تأويلِ ذلك ما قاله ابنُ عباسٍ وقتادةُ ومَن قال\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٣٨ (٤٠٠٦) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٣٨ (٤٠٠٤، ٤٠٠٥) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) في م، وتفسير ابن أبي حاتم: \"قانتة\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"القانتة\".\n(^٥) تقدم فى الصفحة السابقة، إلى قوله: قائمة.","vol":"5","page":694},{"text":"بقولِهما، على ما روَينا عنهم، وإن كان سائرُ الأقوالِ الأُخَرِ متقاربةَ المعنى مِن معنى ما قاله ابنُ عباسٍ وقتادةُ في ذلك، وذلك أن معنى قولِه: ﴿قَائِمَةٌ﴾: مستقيمةٌ على الهُدَى وكتابِ اللهِ وفرائضِه وشرائِع دينِه، بالعدلِ والطاعةِ، وغير ذلك مِن أسبابِ الخيرُ مِن اللَّهِ صفةِ أهل الاستقامةِ على كتابِ اللهِ وسنةِ رسولِ اللهِ ﷺ. ونظيرُ ذلك الخبرُ الذى رواه النعمانُ بنُ بشيرٍ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: \"مثَلُ القائم على حدودِ اللَّهِ والواقعِ فيها كمثَلِ قومٍ ركِبوا سفينةً\" (^١). ثم ضرَب لهم مثلًا، فالقائمُ على حدودِ اللهِ هو الثابتُ على التمسكِ بما أمرَه اللهُ به واجتنابِ ما نهاه اللَّهُ عنه.\nفتأويلُ الكلامِ: مِن أهلِ الكتابِ جماعةٌ معتصمةٌ بكتابِ اللَّهِ مُتَمسكةٌ به، ثابتةٌ على العملِ بما فيه وبما (^٢) سنَّ لهم (^٣) رسولُه ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1488>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾.</span>\nيعنى بقولِه: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾: يَقْرَءون كتابَ اللَّهِ آناءَ الليلِ. ويَعْنى بقولِه: ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾ .. ما أنزَل اللهُ فى كتابِه مِن العبَرِ والمواعظِ. يقولُ: يَتْلُون ذلك آناءَ الليلِ (^٤) فيتدبرونه ويَتَفَكَّرون فيه.\nوأمّا ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾. فساعاتُ الليلِ، واحدُها إنيٌ، كما قال الشاعرُ (^٥):\nحُلْوٌ ومُرٌّ كعَطْفِ القِدْح مرَّتُه … في (^٦) كلِّ إِنِّي حَذَاه (^٧) الليلُ يَنْتَعِلُ (^٨)\n_________\n(^١) أخرجه الحميدي (٩١٩)، وأحمد ٣٠/ ٣١ (١٨٣٦١)، والبخاري (٢٤٩٣، ٢٦٨٦)، والترمذى (٢١٧٣).\n(^٢) سقط مِن: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى م: \"ما\".\n(^٣) فى النسخ: \"له\". والمثبت ما يقتضيه السياق\n(^٤) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يقول في ساعات الليل\".\n(^٥) هو المتنخل الهذلي، والبيت فى ديوان الهذليين ٢/ ٣٥.\n(^٦) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من\".\n(^٧) فى م: \"قضاه\".\n(^٨) كعطف القدح: يريد: طُوِى كما يطوى القدح. ومرتُه: فَتْلته. ينتعل: يسرى في كل ساحة من الليل =","vol":"5","page":695},{"text":"وقد قيل إن واحدَ الآناءِ: إنًى مقصورٌ، كما واحدٌ الأمعاءِ معًى.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: ساعاتُ الليلِ. كما قلنا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾: أى ساعات الليلِ (^١).\nحُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: آناءُ الليلِ ساعاتُ الليلِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: سمِعنا العربَ تقولُ: آناءُ الليلِ ساعاتُ الليلِ.\nوقال آخرون: آناءُ الليلِ جوفُ الليلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا: ثنا أسباطُ،، عن السدىِّ: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾: أمَّا ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾: فجوفُ الليلِ (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنى بذلك قومٌ كانوا يُصَلُّون العشاءَ الآخِرَةَ (^٤).\n_________\n= من هدايته. ينظر شرح أشعار الهذليين ٣/ ١٢٨٣.\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٣٩ عقب الأثر (٤٠١٣) معلقا\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٣٩ عقب الأثر (٤٠١٣) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٣٨ عقب الأثر (٤٠١٠) من طريق عمرو، عن أسباط به.\n(^٤) في م:\"الأخيرة\".","vol":"5","page":696},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن الحسنِ بنِ يزيدَ (^١) العجليِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾: صلاةُ العَتَمةِ هم يُصَلُّونها، ومَن سِواهم مِن أهلِ الكتابِ لا يُصَلِّيها (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني يحيى بنُ أيوبَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ زَحْرٍ، عن سليمانَ، عن زِرِّ بنِ حُبَيشِ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: احتَبس علينا رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ ليلةٍ، كان عندَ بعضِ أهلِه أو (^٣) نسائِه، فلم يَأْتِنا لصلاةِ العشاءِ حتى ذهَب ليلٌ، فجاء ومنّا المصلِّى ومنّا المضطجعُ، فبشَّرنا وقال: \"إنه لا يُصَلِّى هذه الصلاةَ أحدٌ مِن أهلِ الكتابِ\". فأنزَل اللهُ: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: ثنا علىُّ بنُ مَعْبَدٍ، عن [أبي يحيى] (^٥) الخراسانيِّ، عن نصرِ ابنِ طَريفِ، عن عاصمٍ، عن زرِّ بن حُبَيش، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: خرَج علينا رسولُ اللهِ ﷺ ونحن نَنْتَظِرُ العِشاء -يُريدُ العَتَمةَ- فقال لنا: \"ما على الأرضِ أحدٌ مِن أهلِ الأديانِ يَنْتَظِرُ هذه الصلاةَ في هذا الوقتِ غيرُكم\". قال:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبي يزيد\".\n(^٢) أخرجه البخارى فى التاريخ الكبير ٢/ ٣٠٨، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٣٩ (٤٠١٤) مِن طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٥ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر. وتقدم أوله في ص ٦٩٢، ٦٩٣.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"و\".\n(^٤) أخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ٨٨ من طريق يونس به، وأخرجه الطبراني في الكبير (١٠٢٠٩)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ١٨٧ من طريق يحيى بن أيوب به.\n(^٥) فى س: ابن أبي نجيح.","vol":"5","page":697},{"text":"فنزلت: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (^١).\nوقال آخرون: بل عُنى بذلك قومٌ كانوا يُصَلُّون فيما بينَ المغربِ والعِشاءِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، قال: بلَغنى أنها نزَلت -: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ - فيما بينَ المغربِ والعِشاءِ (^٢).\nوهذه الأقوالُ التي ذكَرتُها على اختلافِها متقاربةُ المعاني، وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه وصَف هؤلاءِ القومَ بأنهم يَتْلُون آياتِ اللَّهِ فى ساعاتِ الليلِ، وهى آناؤُه، وقد يكونُ تالِيها في صلاةِ العشاءِ تاليًا لها آناءَ الليلِ، وكذلك مَن تلاها فيما بينَ المغربِ والعِشاءِ، ومَن تلاها جوفَ الليلِ، فكلٌّ تالٍ لها (^٣) ساعاتِ الليلِ. غيرَ أن أوْلى الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: عُنى بذلك تلاوتُه (^٤) القرآنَ في صلاةِ العشاءِ؛ لأنها صلاةٌ لا يُصَلِّيها أحدٌ مِن أهلِ الكتابِ، فوصَف اللهُ جل ثناؤه أمّةَ محمدٍ ﷺ بأنهم يُصَلُّونها دونَ أهلِ الكتابِ الذين كفَروا باللهِ ورسولِه.\nوأما قولُه: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. فإن بعضَ أهلِ العربيةِ (^٥) زعَم أن معنى\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٣٠٤ (٣٧٦٠)، والنسائى فى الكبرى (١١٠٧٣)، والبزار (٣٧٥)، وأبو يعلى (٥٣٠٦)، وابن أبي حاتم ٣/ ٧٣٨ (٤٠٠٨، ٤٠٠٩)، وابن حبان (١٥٣٠)، والواحدى في أسباب النزول ص ٨٧، ٨٨ من طريق عاصم به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٥ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣١، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٣٩ (٤٠١٢) من طريق الثورى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"له\".\n(^٤) فى م، ت ٢، ت ٣، س: \"تلاوة\".\n(^٥) هو الفراء في معانى القرآن ١/ ٢٣١.","vol":"5","page":698},{"text":"السجودِ في هذا الموضعِ اسمٌ للصلاةِ لا للسجودِ؛ لأن التلاوةَ لا تكونُ في السجودِ ولا في الركوعِ، فكأنَّ معنى الكلامِ كان (^١) عندَه: يتلون آياتِ اللهِ آناءَ الليلِ وهم يُصلُّون.\nوليس المعنى على ما ذهَب إليه، وإنما معنى الكلامِ: مِن أهلِ الكتابِ أمةٌ قائمةٌ يَتْلُون آياتِ اللَّهِ آناءَ الليلِ في صلاتِهم، وهم مع ذلك يَسْجُدون فيها. فالسجودُ هو السجودُ المعروفُ في الصلاةِ.\n\n<span id=\"aya-407\"></span><span data-type='title' id=toc-1489>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾.</span>\nيعنى بقولِه: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: يُصَدِّقون باللهِ وبالبعثِ بعدَ المماتِ، ويَعْلَمون أن اللهَ مُجازِيهم بأعمالِهم، وليسوا كالمشركين الذين يَجْحَدُون وحدانيةَ اللَّهِ، ويَعْبُدون معه غيرَه، ويُكَذِّبون بالبعثِ بعدَ المماتِ، ويُنكرون المجازاةَ على الأعمالِ، والثوابَ والعقابَ.\nوقولُه: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يقولُ: ويَأْمُرون الناسَ بالإيمانِ باللهِ ورسولِه وتصديقِ محمدٍ [وما] (^٢) جاءهم به. ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. يَقُولُ: ويَنْهونَ الناسَ عن الكفرِ باللهِ وتكذيبِ محمدٍ وما جاءهم به مِن عندِ اللهِ. يعني بذلك أنهم ليسوا كاليهودِ والنصارى الذين يَأمُرون الناسِ بالكفرِ باللهِ وتكذيبِ محمدٍ فيما جاءهم به، ويَنْهونَهم عن المعروفِ مِن الأعمالِ، وهو تصديقُ محمدٍ فيما أتاهم به مِن عندِ اللَّهِ، ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾. يقولُ: ويَبْتَدِرون فعلَ الخيراتِ؛ خشيةَ أن يَفُوتَهم ذلك قبلَ معاجَلتهم مَنَاياهم.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في الأصل: \"بما\".","vol":"5","page":699},{"text":"ثم أخبرَ جلَّ ثناؤه أنَّ هؤلاءِ الذين هذه صفتُهم مِن أهلِ الكتابِ، هم مِن عِدادِ الصالحين؛ لأن مَن كان منهم فاسقًا قد باء بغضبٍ مِن اللهِ؛ لكفرِه باللهِ وآياتِه، وقتلهم الأنبياء بغيرِ حقٍّ، وعصيانه ربَّه، واعتدائِه في حدودِه.\n\n<span id=\"aya-408\"></span><span data-type='title' id=toc-1490>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)﴾.</span>\nاختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾. بالياءِ (^١) جميعًا، ردًّا على صفةِ القومِ الذين وصَفهم جلَّ ثناؤه بأنهم يَأمُرون بالمعروفِ ويَنْهونَ عن المنكرِ.\nوقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والحجازِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ، بالتاءِ في الحرفين جميعًا: (ومَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن تُكْفَرُوهُ) (^٢). بمعنى: وما تَفْعَلوا أنتم أيُّها المؤمنون مِن خيرٍ فلن يَكْفُرْكُمُوه ربُّكم.\nوكان بعضُ قرأةِ أهل البصرةِ يَرَى القراءتين فى ذلك جائزًا بالياءِ والتاءِ في الحرفين.\nوالصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندَنا: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾. بالياءِ في الحرفين كليهما، يَعْنى بذلك الخبرَ عن الأمةِ القائمةِ، التاليةِ آياتِ اللَّهِ. وإنما اختَرنا ذلك لأن ما قبلَ هذه الآية مِن الآياتِ خبرٌ عنهم،، فإلحاقُ هذه الآيةِ -إذ كان لا دلالةَ فيها تدلُّ على الانصرافِ عن صفتِهم- بمعاني الآياتِ\n_________\n(^١) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وهى قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص. ينظر حجة القراءات ص ١٧٠.\n(^٢) وهى قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبي عمرو البصرى وعاصم في رواية أبي بكر عنه. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢١٥.","vol":"5","page":700},{"text":"قبلَها أولى مِن صرفِها عن معانى ما قبلَها.\nوبالذى اختَرنا مِن القراءة كان ابن عباس يَقْرأُ.\nحدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ التَّغْلِبيُّ، قال ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن أبي عمرِو بنِ العلاءِ، قال: بلَغنى عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرَؤُهما جميعًا بالياءِ (^١).\nفتأويلُ الآيةِ إذن على ما اخترنا مِن القراءةِ: وما تَفْعَلْ هذه الأمةُ مِن خيرٍ وتعملْ مِن عملٍ للهِ فيه رضًا، فلن يَكْفُرَهم اللهُ ذلك. يَعْنى بذلك: فلن يُبْطِلَ اللَّهُ ثوابَ عملهم ذلك، ولا يَدَعَهم بغيرِ جزاءٍ منه لهم عليه، ولكنَّه يُجْزِلُ لهم الثوابَ عليه، ويُسْنى (^٢) لهم الكرامةَ والجزاءَ.\nوقد دلَّلنا على معنى \"الكفرِ\" فيما مضَى قبلُ بشواهدِه، وأن أصلَه تغطيةُ الشيءِ (^٣). فكذلك ذلك في قولِه: ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾: فلن يُغَطَّى على ما فعَلوا مِن خيرٍ، فيُتْرَكُوا بغيرِ مجازاةٍ، ولكنهم يُشْكَرون على ما فعَلوا مِن ذلك، فيُجْزَلُ لهم الثوابُ منه.\nوبنحوِ ما قلنا (^٤) مِن التأويلِ تأوَّل مَن تأوَّل ذلك مِن أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فلن تُكْفَرُوهُ). يقولُ: لن يُضَلَّ عنكم (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٥ إلى المصنف.\n(^٢) يعني: يزيد.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٦٢.\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"في ذلك\".\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر ٢/ ٦٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"5","page":701},{"text":"حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾. فإنه يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ ذو علمٍ بمن اتَّقاه بطاعتِه واجتنابِ معاصِيه، وحافظٌ أعمالَهم الصالحةَ حتى يُثيبهم عليها، ويجازِيَهم بها؛ تبشيرًا منه لهم جلَّ ذكرُه في عاجلِ الدنيا، وحضًّا لهم على التمسكِ بالذي هم عليه مِن صالحِ الأخلاقِ التى ارتَضاها لهم.\n\n<span id=\"aya-409\"></span><span data-type='title' id=toc-1491>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦)﴾.</span>\nوهذا وعيدٌ مِن اللهِ جل ثناؤه للأُمةِ الأُخرى الفاسقة مِن أهلِ الكتابِ، الذين أخبَر عنهم بأنهم فاسقون، وأنهم قد باءُوا بغضبٍ منه، ولمن كان مِن نُظَرائِهم مِن أهلِ الكفرِ باللهِ ورسولِه، وما جاء به محمدٌ ﷺ من عندِ اللهِ. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يَعْنى: الذين جَحَدوا نبوَّةَ محمدٍ ﷺ، وكذَّبوا به، وبما جاءهم به مِن عندِ اللهِ، ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، يعنى: لن تَدْفَعَ أموالُه التي جمَعها في الدنيا، وأولادُه الذين رَبَّاهم فيها، شيئًا مِن عقوبةِ اللهِ يومَ القيامةِ، إن أَخَّرَها لهم إلى يومِ القيامةِ، ولا في الدنيا إن عَجَّلَها لهم فيها.\nوإنما خَصَّ أمواله وأولاده؛ لأن أولادَ الرجلِ أقربُ أنْسِبَائِه إليه، وهو على مالِه أقدرُ (^٢) منه على مالِ غيرِه، وأمره فيه أجوزُ مِن أمرِه في مالِ غيرِه، فإذا لم يُغْنِ عنه ولدُه لصُلْبِه، ومالُه الذى هو نافِذُ الأمرِ فيه، فغيرُ ذلك مِن أقربائِه وسائرِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٤٠ (٤٠٢٠) مِن طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أقرب\".","vol":"5","page":702},{"text":"أنسِبائِه وأموالِهم، أبعدُ مِن أن تُغنى عنه مِن اللهِ شيئًا.\nثم أخبَر جلّ ذكرُه أنهم هم أهلُ النارِ الذين هم أهلُها بقولِه: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾. وإنما جعَلَهم أصحابَها؛ لأنهم أهلُها الذين لا يخرُجون منها ولا يُفارقونها، كصاحبِ الرجلِ الذى لا يُفارِقُه، وقَرينِه الذي لا يُزايلُه، ثم وَكَّدَ ذلك بإخبارِه عنهم أنهم فيها خالدون: إنَّ (^١) صُحْبَتَهم إيَّاها صحبةٌ لا انقِطاعَ لها، إِذْ كان مِن الأشياءِ ما يُفارِقُ صاحبَه فى بعضِ الأحوالِ، ويُزايله في بعضِ الأوقاتِ، وليس كذلك صحبةُ الذين كفروا بالله النارِ التى أُصْلُوها، ولكنها صحبةٌ دائمةٌ لا نهايةَ لها ولا انقطاعَ، نعوذُ باللهِ منها، ومما قرَّب منها مِن قولٍ وعملٍ.\n\n<span id=\"aya-410\"></span><span data-type='title' id=toc-1492>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾.</span>\nيَعْنى بذلك جلّ ثناؤُه: شَبَهُ ما يُنْفِقُ الذين كفروا -أي: شَبَهُ ما يَتَصدَّقُ به الكافرُ مِن مالِه، فيُعْطِيه مَن يُعْطِيه على وَجْهِ القُرْبةِ إِلى رَبِّه، وهو لوحدانيةِ اللهِ جاحدٌ، ولمحمدٍ نبيِّه ﷺ مُكَذِّبٌ، في أنَّ ذلك غيرُ نافِعِه مع كُفْرِه، وأنه مُضْمَحِلٌ عندَ حاجتِه إليه، ذاهبٌ بعد الذى كان يَرْجو مِن عائدةِ نَفْعِه عليه- كشَبَهِ ﴿رِيحٍ فِيهَا [صِرٌّ﴾ يعنى: فيها] (^٢) بَرْدٌ شديدٌ، ﴿أَصَابَتْ﴾ هذه الريحُ التي فيها البَرْدُ الشديدُ: ﴿حَرْثَ قَوْمٍ﴾. يعنى: زرعَ قومٍ، قد أَمَّلُوا إدراكَه، ورَجَوا رَيْعَه، وعائدةَ نَفْعِه، ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. يعنى: أصحابَ الزرعِ، عَصَوا اللَّهَ وتَعَدُّوا حدودَه؛ ﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾، يقولُ: فأهلَكَت الريحُ التي فيها الصِّرُّ زرعَهم ذلك، بعدَ الذى كانوا عليه مِن الأملِ، ورجاءِ عائدةِ نَفْعِه عليهم.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"5","page":703},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: فكذلك فِعْلُ اللَّهِ بنفقةِ الكافرِ وصدقتِه في حياتِه حينَ يَلْقاه، يُبْطِلُ ثَوابَها، ويُخيبُ رجاءَه منها.\nوخَرَج المثَلُ للنفقةِ، والمرادُ بالمثَلِ صنيِعُ اللهِ بالنفقةِ، يُبَيِّنُ ذلك قولُه: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾. فهو كما قد بَيَّنَّا فى مثلِه مِن قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]. وما أشبَه ذلك.\nفتأويلُ الكلامِ: مَثَلُ إبطالِ اللَّهِ أَجرَ ما يُنْفِقون في هذه الحياةِ الدنيا، كمثلِ ريحٍ فيها صِرٌّ. وإنما جاز تَرْكُ ذِكْرِ إبطالِ اللهِ أجرَ ذلك لدلالةِ آخِرِ الكلامِ عليه، وهو قولُه: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾. والمعرفةِ السامعِ ذلك معناه.\nواختلف أهلُ التأويلِ في معنى \"النفقةِ\" التي ذكَرها في هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: هي النَّفقة المعروفة في الناسِ.\nذكر مِن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول الله ﷿ ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: نَفَقةُ الكافر في الدنيا (^١).\nوقال آخرون: بل (^٢) الذى يقولُه بلسانه مما لا يُصَدِّقُه قلبه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤١ (٤٠٢٤) من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"ذلك قوله\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بقلبه\".","vol":"5","page":704},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثني أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾. يقولُ: مَثَلُ ما يُنْفِقُ (^١) فَلا يُقْبَلُ منه كمثلِ هذا الزرعِ إذا زَرَعه القومُ الظالمون، فأصابَتْه ريحٌ فيها صِرٌّ، أصابَته فأهلَكَته، فكذلك أنفَقوا، فأهلَكَهم شِرْكَهم (^٢).\nوقد بَيَّنَّا أولى ذلك بالصوابِ قبلُ.\nوقد تقدَّم بيَانُنا تأويلَ: ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. بما فيه الكفايةُ مِن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\nوأما الصِّرُّ فإنه شدةُ البَرْدِ، وذلك بعُصُوفٍ مِن الشمالِ في إعصارِ الطَّلِّ والأنْدَاءِ، في صبيحةٍ مغيمةٍ (^٤) بعَقِبِ ليلةٍ مُصْحِيَّة.\nكما حدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعِ، عن عثمانَ بنِ غِيَاثٍ، قال: سمعتُ عِكرمة يقولُ: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾. قال: بَرْدٌ شَديدٌ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال لي ابنُ جُرَيجٍ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾. قال: بَرْدٌ شَديدٌ وزَمْهَرِيرٌ.\n_________\n(^١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يقول\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٤١ (٤٠٢٨) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٢/ ٢١٦، ٣/ ٦٠٥.\n(^٤) فى م: \"معتمة\". ومعنى الكلام في صبيحة لا يرى فيها شمس من شدة الدَّجن، تعقب ليلة انقشع عنها الغيم. اللسان (غ ي م، ص ح و).\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤١ عقب الأثر (٤٠٢٥) معلقًا.","vol":"5","page":705},{"text":"حدَّثنا علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾. يقولُ: بَرْدٌ.\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن هارونَ بنِ عنترةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: الصِّرُ البَرْدُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرّ﴾. أى بَرْدٌ شديدٌ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن عَمَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيّ: (الصِّرُّ): البردُ (^٤).\nحدَّثنا محمد بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنا عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرّ﴾. يقولُ: ريحٌ فيها بَرْدٌ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾. قال: صِرٌّ باردةٌ أهلَكَت حَرْثَهم. قال: والعربُ تَدْعوها الضَّرِيب. تأتى الريحُ باردةً، فتُصبحُ ضَريبًا قد اخْتَرق الزرعُ. تقولُ: ضُرِب الليلةَ. أصابه ضَريبٌ، تلك الصِّرُّ التي أصابَته.\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٢٢ - تفسير)، وابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٤١ (٤٠٢٥) من طريق عنترة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٥ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤١ عقب الأثر (٤٠٢٥) معلقا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤١ عقب الأثر (٤٠٢٥) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س:\"الشديد\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤١ عقب الأثر (٤٠٢٥) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.","vol":"5","page":706},{"text":"حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾. قال: رِيحٌ فيها بَرْدٌ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1493>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾.</span>\nيَعْنى بذلك جلّ ثناؤه: وما فعَل اللهُ بهؤلاء الكفارِ ما فعَل بهم، مِن إحباطِه ثوابَ أعمالهم وإبطالِه أجورَها؛ ظُلْمًا منه لهم، يعنى: وَضْعًا منه لِما فعَل بهم من ذلك في غيرِ مَوْضِعِه، وعند غيرِ أهلِه، بل وَضَع فعله ذلك في مَوْضِعِه، وفعَل بهم ما هم أهلُه؛ لأن عَمَلَهم الذي عَمِلوه لم يكنْ للهِ وهم له بالوحدانيةِ دائِنون، ولأمرِه مُتَّبِعون، ولرسلِه مُصَدِّقون، بل كان ذلك منهم وهم به مشركون، ولأمرِه مخالِفون، ولرسلِه مُكذِّبون، بعدَ تَقَدُّم منه إليهم أنه لا يَقْبَلُ عملًا مِن عاملٍ، إلا مع إخلاصِ التوحيدِ له، والإقرار بنُبوّةِ أنبيائِه، وتصديقِ ما جاءوهم به، وتوكيدِه الحُجَجَ بذلك عليهم، فلم يكنْ بفعلِه ما فعل بمَن كفَر به، وخالَف أمرَه في ذلك، بعدَ الإعذارِ إليه، مِن إحباطِ أجرِ (^٢) عملِه، له ظالمًا، بل الكافرُ (^٣) هو الظالمُ نفِسه، لإكسابِها مِن معصيةِ اللهِ، وخلافِ أمرِه، ما أورَدها به نارَ جهنَم، وأصلَاها به سعيرَ سَقَرَ.\n\n<span id=\"aya-411\"></span><span data-type='title' id=toc-1494>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾.</span>\nيَعْنى بذلك جل ذكرُه: يا أيها الذين صَدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، وأقرُّوا بما جاءهم به بَبِيَّهم مِن عندِ ربِّهم، ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً﴾. يقولُ: لا تتخذوا أولياءَ وأصدقاءَ\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤١ عقب الأثر (٤٠٢٥) معلقًا.\n(^٢) في ص: \"وفر\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وافر\".\n(^٣) بعده في الأصل: \"و\".","vol":"5","page":707},{"text":"لأنفسِكم ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾. يقولُ: مِن دونِ أهلِ دينِكم ومِلَّتِكم. يعنى: مِن غيرِ المؤمنين. وإنما جعَل البطانةَ مَثَلًا لخليلِ الرجلِ، فَشَبَّهَه بما وَلِى بطنَه مِن ثيابِه؛ لحلولِه (^١) منه فى اطِّلاعِه على أسرارِه وما يَطْويه عن أباعدِه وكثيرٍ مِن أقاربِه، مَحِلَّ ما وَلِى جَسَدَه مِن ثيابِه.\nفَنهَى اللهُ المؤمنين به أن يتِخذوا مِن الكفارِ به أخِلَّاءَ وأصفياءَ، ثم عَرَّفهم ما هم عليه لهم مُنْطَوون، مِن الغِشِّ والخيانةِ، وبُغْيَتِهم (^٢) إيَّاهم الغَوائلَ، مُحَذِّرهم بذلك منهم ومن (^٣) مُخَالَّتِهم، فقال تعالى ذكرُه: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. يعني: لا يستطيعونكم شَرًّا. مِن: أَلُوتُ آلُو أَلْوا. يقال: ما أَلا فلانٌ كذا. أى: ما استطاع، كما قال الشاعرُ (^٤):\nجَهْراءُ لا تَأْلُو إذا هي أظهَرَت … بَصَرًا ولا مِن عَيْلَةٍ تُغْنِينى\nيعني: تستطيعُ عندَ الظهرِ إبصارًا.\nوإنما يعنى جلّ ذكرُه بقولِه: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. البِطانةَ التي نهَى المؤمنين عن اتخاذِها مِن دونِهم، فقال: إن هذه البِطانةَ لا تَتْرُكُكم طاقتَها خبالًا. أى: لا تَدَعُ جهدَها فيما أورَثَكم الخبالَ.\nوأصلُ الخَبَّلِ والخَبَالِ الفسادُ، ثم يُستَعملُ في معان كثيرة، يدُلُّ على ذلك الخبرُ عن النبيِّ ﷺ: \"مَن أُصيب بحَبْلٍ أو جِرَاحٍ\" (^٥)\n_________\n(^١) في الأصل: \"لجلوله\"\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س:\"بغيهم\".\n(^٣) في الأصل: \"عن\".\n(^٤) هو أبو العيال الهذلي، والبيت فى ديوان الهذليين ٢/ ٢٦٣.\n(^٥) أخرجه أحمد ٢٦/ ٢٩٦، ٢٩٧ (١٦٣٧٥)، والدارمي ٢/ ١٨٨، وأبو داود (٤٤٩٦)، وابن ماجه (٢٦٢٣) من حديث أبي شريح الخزاعي.","vol":"5","page":708},{"text":"وأما قولُه: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. فإنه يعنى: وَدُّوا عَنَتَكم. يقولُ: يَتَمَنَّون لكم العَنَتَ والشَّرَّ في دينِكم، وما يسوءَكم ولا يَسُرُّكم.\nوذُكِر أن هذه الآيةَ نَزَلَت في قومٍ من المسلمين كانوا يُخالِطون حلفاءَهم مِن اليهودِ وأهلِ النفاقِ منهم، ويُضافونهم المودَّةَ، بالأسبابِ التي كانت بينَهم في جاهليتِهم قبلَ الإسلامِ، فَنَهاهم اللهُ عن ذلك، وأن يَسْتَنصِحوهم في شيءٍ مِن أمورِهم.\nذكرُ [الخبر بذلك] (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: قال محمدُ ابنُ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رجالٌ مِن المسلمين يواصلون رجالًا مِن يهودَ؛ لما كان بينَهم مِن الجوارِ والحِلْفِ في الجاهليةِ، فأنزَل اللهُ ﵎ فيهم، يَنْهاهم عن مُباطَنتِهم؛ تَخَوَّفَ الفتنةِ عليهم منهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾: فى المنافقين مِن أهل المدينة، نهَى اللهُ جل ثناؤه المؤمنين أن يَتَولُّوهم (^٣).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من قال ذلك\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥٨، وذكره الواحدى فى أسباب النزول ص ٨٨ عن ابن عباس معلقًا، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٣ (٤٠٣٧) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبى محمد قوله. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٦ إلى ابن المنذر.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٥٨ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٢ (٤٠٣٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"5","page":709},{"text":"حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾: نهَى اللَّهُ جلّ ثناؤُه المؤمنين أن يَسْتدخِلوا المنافِقين أو يُؤاخوهم، أو (^١) يَتَولُّوهم مِن دونِ المؤمنين (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن، أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾: هم المنافِقون (^٣).\nحُدِّثت عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه عن الربيعِ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. يقولُ: لا تسْتدخِلوا المنافِقين، فتَولَّوْهم دونَ المؤمنينَ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوب بن إبراهيمَ، قالا: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا العَوَّامُ بنُ حَوشبٍ، عن الأزهرِ بنِ راشدٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لا تَسْتَضيئوا بنارِ أهلِ الشِّرْكِ، ولا تَنْقُشوا فى خَواتيمِكم عَرَبِيًّا\". قال: فلم يَدْرُوا ما ذلك حتى أتَوا الحسنَ فسألوه، فقال: نعم، أما قولُه: \"لا تَنْقُشوا في خَواتيمِكم عَرَبيًّا\". فإنه يقولُ: لا تَنْقُشوا فى خَواتيمكم محمدًا. وأما قولُه: \"ولا تَسْتَضيئوا بنارِ أهلِ الشركِ\". فإنه يَعْنى به المشركين، يقولُ لاتَسْتَشيروهم في شيءٍ من أمورِكم. قال: وقال الحسنُ: وتصديقُ ذلك فى كتابِ اللهِ. ثم تَلا هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) فى ص، ت ٢:\"أن\"، وفى م، ت ١، س: \"أى\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٤٣ (٤٠٣٥) من طريق شيبان، عن قتادة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٢ (٤٠٣٣) عن محمد بن سعد به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٣ عقب الأثر (٤٠٣٥) من طريق ابن أبي جعفر به،\n(^٥) أخرجه بتمامه أبو يعلى -كما في تفسير ابن كما في تفسير ابن كثير ٢/ ٨٩، ومسدد- كما في المطالب العالية (٢٤٧٩) - والبيهقى ١٠/ ١٢٧، وفى الشعب (٩٣٧٥) من طريق هشيم به، وأخرجه أحمد =","vol":"5","page":710},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾: أما البَطانةُ، فهم المنافِقون (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابنِ جُرَيج قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ الآية. قال: لا يَسْتدخِلُ المؤمنُ المنافقَ دونَ أخيه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ الآية. قال: هؤلاء المنافِقون، وقرَأ قولَه: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية.\nواختَلفوا في تأويلِ قولِه: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وَدُّوا ما ضَلَلْتم عن دينكم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، السُّدِّيِّ: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. يقولُ: ما ضَلَلْتم (^٢).\nوقال آخرون بما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. يقولُ: في دينِكم، يَعْنى أنهم يَوَدُّون أن تَعْنَتوا في دينِكم.\nفإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. فجاء بالخبرِ عن البِطانةِ\n_________\n= ١٩/ ١٨ (١١٩٥٤)، والنسائى (٥٢٢٤) وغيرهما من طريق هشيم به -بدون ذكر تفسير الحسن- وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٣ عقب الأثر (٤٠٣٥) من طريق عمرو بن حماد، أسباط به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٣ (٤٠٤٠) من طريق أسباط به.","vol":"5","page":711},{"text":"بلفظِ الماضي في مَحِلِّ الحالِ والقَطْعِ، بعدَ تَمامِ الخبرِ، والحالاتُ لا تكونُ إلا بصُورِ الأسماء أو الأفعالِ المستقبَلةِ، دونَ الماضية منها؟\nقيل: ليس الأمرُ في ذلك على ما ظَنَنتَ مِن أن قولَه: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾ حالٌ للبِطانةِ (^١)، وإنما هو خبرٌ عنهم ثانٍ، منقطع عن الأَوَّلِ، غيرُ مُتَّصِلٍ به.\nوإنما تأويلُ الكلامِ: يا أيُّها الذين آمنوا لا تَتَّخِذوا بطانةً صِفَتُهم كذا، صِفَتُهم كذا. فالخبرُ عن الصفةِ الثانيةِ غيرُ مُتَّصِلٍ بالصفةِ الأولى، وإن كانَتا جميعًا مِن صفةِ شخصٍ واحدٍ.\nوقد زعمَ بعضَ أهلِ العربيةِ أن قولَه: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. مِن صلةِ البِطانةِ، [وأن معنى ذلك: لا تَتَّخِذوا بطانةٌ ودُّوا -أي: أَحَبُّوا- ما عنِتُّم.\nوليس لهذا القولِ الذى قاله صاحبُ هذه المقالة وجهٌ معروفٌ؛ وذلك أن البِطانةِ] (^٢) قد وُصِلَت بقولِه: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. فلا وَجْهَ لصلةٍ أخرى بعدَ تَمامِ البِطانةِ بصِلتِه، ولكنّ القولُ في ذلك كما بَيَّنا قبل مِن أن قولَه: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾.\nخبرٌ مبتدأٌ عن البِطانةِ غيرُ الخبرِ الأولِ، وغيرُ حالٍ مِن البِطانةِ ولا قَطْعٍ منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1495>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾.</span>\nيَعْنى بذلك تعالى ذكرُه: قد بَدَت بَغْضاءُ هؤلاء الذين نَهَيتُكم أيُّها المؤمنون أن تتَّخِذوهم بِطانةً مِن دونكم، لكم بأفواهِهم، يعني: بألسنتِهم، والذي بَدا لهم منهم بألسنتِهم، إقامتُهم على كُفْرِهم، وعداوتُهم مَن خالف ما هم عليه مُقِيمون مِن الضَّلالة، فذلك مِن أوكدِ الأسبابِ فى مُعاداتهم أهلَ الإيمانِ؛ لأن ذلك\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من البطانة\"\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وفى م: \"و\".","vol":"5","page":712},{"text":"عداوةٌ على الدِّين، والعداوةُ على الدينِ العداوةُ التى لا زَوالَ لها إلا بانتقالِ أحدِ المُتعادِيَين إلى مِلَّةِ الآخرِ منهما، وذلك انتقالٌ مِن هدًى إلى ضلالةِ، كانت عندَ المُنْتقِل إليها ضَلالةً قبل ذلك، فكان في إبدائِهم ذلك للمؤمنين ومُقامهم عليه، أبْيَنُ الدلالةِ لأهلِ الإيمانِ على ماهم عليه لهم (^١) مِن البَغْضاءِ والعَداوةِ.\nوقد قال بعضُهم: معنى قولِه: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: قد بَدَت بغضاؤُهم لأهلِ الإيمانِ إلى أوليائِهم مِن المنافِقين وأهلِ الكفرِ، بإطلاعِ بعضِهم بعضًا على ذلك\nوزعَم قائِلو هذه المقالةِ أن الذين عُنُوا بهذه الآيةِ أهلُ النفاقِ، دونَ مَن كان مُصَرِّحًا بالكفر مِن اليهودِ وأهلِ الشِّرْكِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾. يقولُ: قد بَدَت البغضاء مِن أفواه المنافِقين إلى إخوانِهم من الكفارِ، مِن غِشِّهم للإسلامِ وأهلِه، وبُغْضِهم إياهم (^٢).\nحُدِّثت عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾. يقولُ: مِن أفواهِ المنافِقين (^٣).\nوهذا القولُ الذي ذكرناه عن قتادةَ قولٌ لا معنى له، وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه إنما نهَى المؤمنين أن يَتَّخِذوا بِطانةً ممن قد عَرَفوه بالغِشِّ للإسلامِ وأهلِه والبَغْضاءِ؛ إما\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٤ (٤٠٤٢) من طريق شيبان، عن قتادةَ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٤ عقب الأثر (٤٠٤٢) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"5","page":713},{"text":"بأدلةٍ ظاهرة دَالَّةٍ على أن ذلك مِن صِفَتِهم، وإما بإظهارِ الموصوفين بذلك العداوةَ والشَّنآنَ وبالمُناصَبةِ لهم، فأما مَن لم يُثْبِتوه (^١) معرفةً أنه الذي نَهاهم اللهُ ﷿ عن مُخالَّتِه ومُباطنته، فغيرُ جائزٍ أن يكونوا نُهُوا عن مُخالَّتِه ومُصادقتِه، إلا بعدَ تعريفِهم إياهم، إما بأعيانِهم وأسمائِهم، وإما بصفاتٍ قد عرَفوهم بها.\nوإذ كان ذلك كذلك، وكان إبداءُ المنافِقين بألسنتِهم ما في قلوبهم من بَعْضاءِ المؤمنين إلى إخوانِهم من الكفارِ، غيرَ مُدْرِكٍ به المؤمنون معرفةَ ما هم عليه لهم، مع إظهارِهم الإيمانَ بألسنتِهم لهم، والتَّوَدُّدِ إليهم، كان بَيِّنًا أن الذى نهَى اللَّهُ المؤمنين عن اتِّخاذِهم لأنفسِهم بِطانةً دونَهم، هم الذين قد ظهَرَت لهم بَغْضاؤُهم بألسنتِهم، على ما وصَفهم اللهُ ﵎ به، فعَرَفهم المؤمنون بالصفةِ التي نَعَتَهم اللهُ بها، وأنهم هم الذين وصَفهم تعالى ذكرُه بأنهم أصحابُ النارِ هم فيها خالدون، ممن كان له ذِمَّةٌ وعهدٌ مِن رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابه، مِن أهلِ الكتابِ؛ لأنهم لو كانوا المنافِقين، لكان الأمرُ فيهم على ما قد بَيَّنا، ولو كانوا الكفارَ ممن قد ناصَب المؤمنين الحربَ، لم يكن المؤمنون مُتَّخِذِيهم لأنفسهم بِطانةً مِن دونِ المؤمنين مع اختلافِ بلادِهم، وافتراقِ أمصارِهم، ولكنهم الذين كانوا بينَ أَظْهُرِ دُورِ (^٢) المؤمنين مِن أهلِ الكتابِ، أيامَ رسولُ اللهِ ﷺ، ممن كان له مِن رسولِ اللهِ ﷺ عهدٌ وعقدٌ، مِن يهودِ بني إسرائيلَ.\nوالبَغْضاءُ مصدرٌ، وقد ذُكِر أنها في قراءةِ ابن مسعودٍ (^٣): (قَدْ بَدَا البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ). على وَجْهِ التذكير، وإنما جاز ذلك بالتَّذكيرِ ولَفْظُه لَفْظُ المؤنثِ؛ لأن المصادرَ تأنيتُها ليس بالتأنيثِ اللازمِ، فيجوزُ تذكيرُ ما خرج منها على لفظِ\n_________\n(^١) لم يثبتوه: لم يعرفوه حق المعرفة.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) معانى القرآن للفراء ١/ ٢٣١، البحر المحيط ٣/ ٣٨.","vol":"5","page":714},{"text":"المؤنثِ وتأنيتُه، كما قال اللهُ جل ثناؤه: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧]. وكما قال: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧]. وفي موضع آخَرَ: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٩٤]، و﴿جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٧٣، ٨٥].\nوقال: ﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ وإنما بدا ما بَدا مِن البغضاءِ منهم (^١) بألسنتِهم؛ لأن المعنىَّ به الكلامُ الذى ظهَر للمؤمنين منهم مِن أفواهِهم، فقال: قد بَدَتِ البغضاءُ بألسنتِهم مِن أفواهِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1496>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾.</span>\nيَعْنى جل ثناؤه بذلك: والذى تُخْفِي ﴿صُدُورُهُمْ﴾. . يعنى: صدورُ هؤلاء الذين نَهاهم عن اتخاذِهم بِطانةً، فتَخْبِنُه (^٢) عنكم أيُّها المؤمنون، ﴿أَكْبَرُ﴾. يقولُ: أكبرُ مما قد بَدا لكم بألسنتِهم مِن أفواههم مِن البَغْضاءِ وأعظمُ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾. يقولُ: وما تُخْفِى صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتِهم (^٣).\nحُدِّثتُ عن عَمَّارٍ، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾. يقولُ: ما تُكِنُّ صدورُهم أكبرُ مما قد أبدَوا بألسنتِهم (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1497>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾.</span>\nيَعْنى بذلك جلّ ثناؤه: قد بَيَّنا لكم أيها المؤمنون ﴿الْآيَاتِ﴾. يعني بالآيات\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) فى م، ت ٢، ت ٣، س: \"فتخفيه\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٤٤ (٤٠٤٣) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"5","page":715},{"text":"العبَرَ. يقولُ: قد بَيَّنا لكم من أمرِ هؤلاء اليهودِ الذين نَهَيناكم أن تتَّخِذوهم بِطانةً من دونِ المؤمنين، ماتعتبرون وتتَّعظون به من أمْرِهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. يعنى: إن كنتم تَعْقِلُون عن اللهِ مَواعظه، وأمره ونهيَه، وتعرِفون مواقعَ نَفْعِ ذلك منكم، ومَبْلَغَ عائدتِه عليكم.\n\n<span id=\"aya-412\"></span><span data-type='title' id=toc-1498>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾.</span>\nيَعْنى بذلك جلّ ثناؤه: ها أنتم أيها المؤمنون الذين ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾. يقولُ: تُحبون هؤلاء الكفارَ الذين نَهَيتُكم عن اتِّخاذهم بِطانةً مِن دونِ المؤمنين، فَتَوَدُّونهم وتُواصلونهم، وهم لا يُحِبُّونكم، بل يَنْطَرُون (^١) لكم على (^٢) العداوةِ والغِشِّ، ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾.\nومعنى الكتابِ في هذا الموضعِ معنى الجمعِ، كما يقالُ: كثُر الدِّرْهَمُ في أيدى الناسِ. بمعنى: الدَّراهم. فكذلك قولُه: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾، إنما معناه: بالكُتُبِ كلِّها؛ كتابكم الذى أنزَله اللهُ ﵎ إليكم، وكتابِهم الذى أنزَله إليهم، وغيرِ ذلك مِن الكتبِ التى أنزَلها اللهُ تعالى ذكرُه على عبادِه.\nيقولُ جل ثناؤُه: فأنتم -إذ كنتم أيُّها المؤمنون تُؤمنون بالكُتُبِ كُلَّها، وتعلَمون أن الذين نَهَيتُكم عن أن تَتَّخِذوهم بِطانةً مِن دونكم، كفارٌ بذلك كلِّه؛ بجُحودهم [ما في] (^٣) ذلك كلِّه، مِن عُهودِ اللهِ إليهم، وتَبْديلِهم ما فيه مِن أمرِ اللَّهِ ونَهْيِه- أولى بعَداوتِكم إياهم، وبَغْضائهم وغِشِّهم، منهم بِعَداوَتِكم وبَغْضائكم، مع جُحودِهم بعضَ الكتبِ، وتكذيبِهم ببعضِها.\n_________\n(^١) في، م، ت ٢، ت ٣، س: \"ينتظرون\"، وفى ت ١: \"ينظرون\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) سقط من م، س، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فى\".","vol":"5","page":716},{"text":"كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: ثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ، عن عِكْرمةَ، أو عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ﴾. أى: بكتابِكم وكتابِهم، وبما مضَى من الكتبِ قبلَ ذلك، وهم يكفُرون بكتابِكم، فأنتم أحقُّ بالبَغْضاءِ لهم، منهم لكم (^١).\nوقال: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ﴾. ولم يَقُلْ: هؤلاء (^٢) أنتم. ففَرَّق بينَ \"ها\" و\"أولاءِ\"، بكنايةِ اسمِ المخاطَبين؛ لأن العربَ كذلك تفعَلُ في \"هاذا\"، إذا أرادَت به التقريبَ ومَذْهَبَ النُّقْصانِ الذى يَحتاجُ إلى تَمامِ الخبرِ، وذلك مثلُ أن يقالَ لبعضِهم: أين أنت؟ فيجيبُ المقولُ ذلك له: ها أنا ذا. فَتُفَرِّقُ بين التَّنبيهِ، و\"ذا\" (^٣) بمَكْنِيِّ اسمِ نفسِه، ولا يَكادون يقولون: هذا أنا. ثم يُثَنَّى ويُجْمَعُ على ذلك، وربما أعادوا حرفَ التَّنْبيهِ مع \"ذا\"، فقالوا: ها أنا هذا. ولا يفعَلون ذلك إلا فيما كان تقريبًا، فأما إذا كان على غيرِ التَّقريبِ والنقصانِ، قالوا: هذا هو، وهذا أنت. وكذلك يفعَلون مع الأسماءِ الظاهرةِ، يقولون: هذا عمرٌو قائمًا وإن كان \"هذا\" تَقْريبًا. وإنما فعَلوا ذلك فى المكْنيِّ مع التقريبِ؛ تَفْرقةً بين \"هذا\" إذا كان بمعنى الناقصِ الذى يحتاجُ إلى تَمامٍ، وبينَه إذا كان بمعنى الاسمِ الصحيحِ.\nوقولُه: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ خبرٌ للتقريبِ.\nوفى هذه الآية إبانةٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن حالِ الفريقَين -أعنى المؤمنين والكافرين- ورحمةِ أهلِ الإيمانِ ورَأْفتِهم بأهلِ الخلافِ لهم، وقَساوةِ قلوبِ أهلِ الكفرِ وغِلْظتِهم على أهلِ الإيمانِ.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١: \"هذا\".\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أولاء\".","vol":"5","page":717},{"text":"كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾: فواللهِ، إن المؤمنَ ليُحِبُّ المُنافِق، ويَأْوِى له ويَرْحَمُه، ولو أن المنافقَ يَقْدِرُ على ما يقدِرُ عليه المؤمنُ منه، لأَباد خضراءَه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: المؤمنُ خيرٌ للمنافقِ من المنافقِ للمؤمنِ، يَرحَمُه، ولو يَقدِرُ المنافقُ من المؤمنِ على مثلِ ما يَقدِرُ المؤمنُ عليه منه، لأبادَ خضراءَه (^٢).\nوكان مجاهدٌ يقولُ: نزَلت هذه الآيةُ في المنافِقين.\nحدَّثني بذلك محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1499>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤُه أن هؤلاء الذين نهَى اللهُ ﵎ المؤمنين أن يَتَّخِذوهم بطانةً من دونِهم، ووصَفهم بصفتِهم، إذا لَقُوا المؤمنين من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، أعطَوهم بألسنتِهم تَقِيَّةً؛ حَذرًا على أنفسِهم منهم، فقالوا لهم: قد آمَنَّا وصَدَّقنا بما جاء به محمدٌ. وإذا هم خَلَوا فَصاروا في خَلاءٍ حِيثُ لا يَراهم المؤمنون، عَضُّوا - على ما يَرَون من ائتلافِ المؤمنين واجتماعِ كلمتِهم وصلاحِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٤٥ (٤٠٤٧) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٦ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٥٨.","vol":"5","page":718},{"text":"ذاتِ بينِهم - أنامِلَهم، وهى أطرافُ أصابعِهم؛ تَغَيُّظًا مما بهم من المَوْجِدَةِ عليهم، وأَسًى على ظَهْرٍ يستندون إليه؛ لمُكاشَفتِهم العداوةَ، ومُناجَزتِهم المُحاربةَ.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾: إذا لَقُوا المؤمنين قالوا: آمَنَّا. ليس بهم إلا مَخافةٌ على دمائِهم وأموالِهم، فَصانَعوهم بذلك، ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾. يقولُ: مما يَجِدون في قلوبِهم من الغَيْظِ والكَراهةِ للذى هم عليه، لو يَجِدون رِيحًا (^١) لكانوا على المؤمنين، فهم كما نَعَت اللهُ ﵎ (^٢).\nحُدِّثتُ عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثلِه، إلا أنه قال: من الغيظِ لكراهيةِ الذى هم عليه. ولم يَقُلْ: لو يَجِدون رِيحًا. وما بعدَه (^٣).\nحدَّثنا العباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثني يحيى بنُ عمرِو ابنِ مالكٍ النُّكْرِيُّ (^٤)، قال: ثنا أبي، قال: كان أبو الجَوزاءِ إذا تَلا هذه الآيةَ: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾. قال: هم الإباضِيَّةُ (^٥).\n_________\n(^١) الريح هنا بمعنى الغلبة والقوة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٦ (٤٠٥٦) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٤٥ عقب الأثر (٤٠٥٢) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"البكرى\". وينظر الأنساب ٥/ ٥٢٢.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٥، ٧٤٦ (٤٠٥١، ٤٠٥٥) من طريق يحيى بن عمرو بن مالك به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"5","page":719},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1500>القولُ في تأْويلِ قولِه: ﴿الْأَنَامِلَ﴾</span>\nوالأناملُ جمعُ أَنْمُلَةٍ، ويقالُ: أُنْمُلةٌ. وربما جُمِعَت أَنْمُلًا، قال الشاعرُ (^١):\nأُوفِّيكما (^٢) ما بَلَّ حَلْقِيَ رِيقَتِي … وما حَمَلَت كَفَّايَ أَنْمُلِيَ العَشْرَا\nوهي أطرافُ الأصابعِ.\nكما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: الأناملُ أطرافُ الأصابعِ (^٣).\nحُدِّثتُ عن عَمَّارٍ، [عن ابنِ أبي] (^٤) جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ﴾: الأصابعُ (^٦).\nحدَّثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، [عن أبي إسحاقَ] (^٧)، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ قولَه: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغيْظِ﴾. قال: عَضُّوا\n_________\n= والإباضية: فرقة من الخوارج، وهم أصحاب عبد الله بن إباض التميمي، الذي خرج في أيام مروان بن محمد، ومن معتقداتهم أن مخالفيهم من أهل القبلة كفار غير مشركين، ومناكحتهم جائزة، وموارثتهم حلال، وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال، وما سواه حرام، ودار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد إلا معسكر السلطان، فإنه دار بغى، ومرتكبى الكبائر موحدون لا مؤمنون. ينظر الملل والنحل ١/ ٢٤٤.\n(^١) البيت في اللسان والتاج (ك ف ف).\n(^٢) في الأصل: \"أودبكما\"، وفى ص: \"أودكها\"، وفى م: \"أودكما\"، وفى ت ١: \"أوديكها\"، وفي ت ٢: \"أودفكما\"، وفى س: \"أوذيلها\". والمثبت موافق لما في اللسان والتاج، وما في هذه النسخ تحريف عنه.\n(^٣) ذكره ابن كثير ٢/ ٩٠.\n(^٤) في الأصل: \"قال: ثنا أبو\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٦ عقب الأثر (٤٠٥٤) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٦ عقب الأثر (٤٠٥٤) من طريق عمرو عن أسباط به.\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ١٠٢.","vol":"5","page":720},{"text":"على أصابِعهم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1501>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤه: قلْ يا محمدُ لهؤلاء اليهودِ الذين وصَفتُ لك صفتَهم، وأخبَرتُك أنهم إذا لَقُوا أصحابَك قالوا: آمَنَّا. وإذا خَلَوا عَضُّوا عليكم الأناملَ من الغيظِ -: ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾. [أى: موتُوا بالغَيظِ] (^٢) الذى بكم على المؤمنين؛ لاجتماعِ كلمتِهم، وائتلافِ جماعتِهم.\nوخَرَج هذا الكلامُ مَخْرجَ الأمرِ، وهو دعاءٌ مِن اللهِ ﵎ نبيَّه محمدًا ﷺ بأن يَدْعُوَ عليهم بأن يُهْلِكَهم اللهُ ﷿ كَمَدًا مما بهم من الغَيْظِ على المؤمنين، قبل أن يَرَوا فيهم ما يَتَمَنَّون لهم من العَنَتِ في دينِهم، والضلالةِ بعدَ هُداهم، فقال لنبيِّه ﷺ: قل يا محمدُ: اهلِكوا بغَيْظِكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. يعنى بذلك: إن اللهَ ذو علمٍ بالذي في صُدورِ هؤلاءِ الذين إذا لَقُوا المؤمنين قالوا: آمَنَّا. وما يَنْطَوون عليه لهم من الغِلِّ والغِمْرِ (^٣)، ويَعْتَقِدون لهم من العَداوةِ والبَغْضاءِ، وبما في صدورِ جميعِ خلقِه، حافِظٌ على جميعِهم ما هو عليه مُنْطَوِ من خيرٍ وشَرٍّ، حتى يُجازِىَ جميعَهم على ما قدَّم من خيرٍ وشرٍّ، واعتقد من إيمانٍ وكفرٍ، وانطَوى عليه لرسولِه وللمؤمنين من نصيحةٍ أو غِلٍّ وغمْرٍ.\n\n<span id=\"aya-413\"></span><span data-type='title' id=toc-1502>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾.</span>\nيعني بقولِه جل ثناؤه: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾: إِن تَنالُوا أَيُّها\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٣/ ٧٤٦ (٤٠٥٤) من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) الغمر، بكسر الغين: الحقد. النهاية ٣/ ٣٨٤.","vol":"5","page":721},{"text":"المؤمنون سرورًا بظُهورِكم على عدوٍّ لكم، وتَتابُعِ الناسِ في الدخولِ في دينِكم وتَصْديقِ نبيِّكم، ومُعاونتِكم على أعدائِكم، يَسُؤْهم (^١) [فيَحْزَنُوا لذلك، ويكتئبوا له، ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾. يقولُ] (^٢). وإِنْ تَنَلْكُم مَسَاءةٌ بإخفاقِ سَرِيَّةٍ لكم، أو بإصابةِ عدوٍّ لكم منكم، أو اختلافٍ يكونُ بينَ جماعتِكم، يفرَحوا بها.\nكما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾: فإذا رَأَوا من أهلِ الإسلام أُلْفةً وجماعةً وظُهورًا على عدوِّهم، غاظَهم ذلك وساءَهم، وإذا رَأَوا من أهلِ الإسلامِ فُرْقةً واختلافًا، أو أُصيب طَرَفٌ من أطرافِ المسلمين، سَرَّهم ذلك وأُعْجِبوا به وابتَهَجوا به، [فهو دَأبُهم] (^٣)، كلَّما خرَج منهم فِرْقٌ (^٤) أكذب اللهُ أُحْدوثته، وأوطَأ، مَحِلَّتَه، وأبطَل حُجَّتَه، وأظهَر عَوْرَتَه، فذاك قضاءُ اللهِ فِي مَن مضَى منهم، وفى مَن بقِى إلى يومِ القيامةِ (^٥).\nحُدِّثتُ عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾. قال: هم المنافِقون، إذا رَأَوا من أهلِ الإسلامِ جماعةً وظُهورًا على عدوِّهم، غاظَهم ذلك غَيْظًا شديدًا وساءَهم، وإذا رَأَوا من أهلِ الإسلامِ فُرْقةً واختلافًا، أو أُصِيب طَرَفٌ من أطرافِ المسلمين، سَرَّهم ذلك وأُعْجِبوا به، قال اللهُ ﷿: ﴿إوَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ٢، س.\n(^٢) سقط من ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣، س: \"فهم\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قرن\". والفرق: الطائفة من الناس. اللسان (ف ر ق).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٧ (٤٠٦٠، ٤٠٦٢) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى أيضا في الدر المنثور ٢/ ٦٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"5","page":722},{"text":"يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابنِ جُرَيجٍ قولَه: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾. قال: إذا رَأَوا من المؤمنين جماعةً وأُلْفةً ساءَهم ذلك، وإذا رَأَوا منهم فُرْقةً واختلافًا فَرِحوا (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾. فإنه يعنى بذلك جلّ ثناؤه: وإن تَصْبِروا أيُّها المؤمنون على طاعةِ اللهِ واتِّباع أمرِه فيما أمَركم به، واجتنابِ ما نَهاكم عنه، من اتخاذِ بطانةٍ لأنفسِكم من هؤلاء اليهودِ الذين وَصَف اللهُ جلَّ ثناؤه صفتَهم من دونِ المؤمنين، وغيرِ ذلك من سائرِ ما نَهاكم، وتَتَّقوا ربَّكم، فَتَخافوا التَّقدُّمَ بينَ يَديه فيما ألزَمكم وأوجَب عليكم من حقِّه وحَقِّ رسولِه ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾. أى: كَيْدُ هؤلاء الذين وَصَف صفتَهم.\nويعني بـ ﴿كَيْدُهُمْ﴾ غوائلَهم التي [يَبْتَغونها للمسلمين] (^٢)، ومَكْرَهم بهم؛ لِيَصُدُّوهم عن الهُدى وسبيلِ الحقِّ.\nواختَلفت القرأةُ فى قراءةِ قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾؛ فقَرَأ ذلك جماعةٌ من أهلِ الحجازِ وبعضُ البَصْريين: (لَا يَضِرْكُمْ). مخففةً بكَسْرِ الضادِ (^٣)، من قولِ القائلِ: ضَارَنى فلانٌ، فهو يَضِيرُنى ضَيْرًا. وقد حُكِى سَماعًا من العربِ: ما يَنْفَعُنى ذاك (^٤) ولا يَضُورُني. فلو كانت قُرِئت على هذه اللغةِ لقيل: لَا يَضُرْكُمْ كيدُهم شَيْئًا. ولكني لا أعلمُ أحدًا قرَأ به.\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٣/ ٤٣.\n(^٢) في ص: \"تنعوبها المسلمين\".\n(^٣) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ٢١٥.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"5","page":723},{"text":"وقرَأ ذلك جماعةٌ من أهلِ المدينةِ وعامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾. بضَمِّ الضادِ وتشديدِ الراءِ (^١)، من قولِ القائلِ: ضَرَّني فلانٌ فهو يَضُرُّني ضَرًّا.\nوأما الرفعُ فى قولِه: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾. فمن وجهَين؛ أحدُهما على إتْباعِ الراءِ في حركتِها -إذ كان الأصلُ فيها الجزمَ، ولم يُمْكِنْ جَزْمُها؛ لتَشْدِيدِها- أقربَ حركاتِ الحروفِ التي قبلَها، وذلك حركةُ الضَّادِ وهى الضمةُ، فأُلْحِقَت بها حركةُ الراءِ لقُرْبِها منها، كما قالوا: مُدُّ ياهذا، والوجهُ الآخرُ من وجهى الرفعِ في ذلك، أن تكونَ مرفوعةً على صحةٍ، وتكونَ \"لا\" بمعنى \"ليس\"، وتكون الفاءُ التي هي جوابُ الجَزاءِ متروكةً؛ لعلمِ السامعِ بموضعِها.\n·وإذا كان ذلك معناه، كان تأويلُ الكلامِ: وإن تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فليس يَضُرُّكم كَيْدُهم شيئًا. ثم تُرِكَت الفاءُ من قولِه: ﴿لَا (^٢) يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾. وَوُجِّهَت \"لا\" إلى معنى \"ليس\"، كما قال الشاعرُ (^٣):\nفإن كان لا يُرْضِيكَ حتى تَرُدَّنى … إلى قَطَرِيٍّ لَا إِخَالُكَ رَاضِيَا\nولو كانت الراءُ مُحَرَّكَةً إلى الخفضِ والنصبِ كان جائزًا، كما قيل: مُدِّ ياهذا، ومُدَّ.\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. يقولُ جل ثناؤه: إن اللهَ ﵎ بما يعمَلُ هؤلاء الكفارُ في عبادِه وبلادِه من الفسادِ، والصَّدِّ عن سبيلِه،\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٢١٥.\n(^٢) في الأصل: \"فلا\".\n(^٣) هو سوار بن المضرب السعدى، والبيت فى النوادر لأبي زيد ص ٤٥ ومعاني القرآن للفراء ١/ ٣٣٢ والكامل للمبرد ٢/ ١٠٢.","vol":"5","page":724},{"text":"والعَداوةِ لأهلِ دينِه، وغيرِ ذلك من معاصى اللهِ جَلَّ وعزَّ، مُحِيطٌ بجميعِه، حافظٌ له، لا يَعْرُبُ عنه شيءٌ منه، حتى يُوَفِّيَهم جَزاءَهم على ذلك كلِّه، ويُذِيقَهم عقوبتَه عليه.","vol":"5","page":725},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-414\"></span><span data-type='title' id=toc-1503>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)﴾.</span>\nيعني جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: وإن تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم أيُّها المؤمنون كَيْدُ هؤلاء الكفارِ من اليهودِ شيئًا، ولكن اللهَ ينصرُكم عليهم إن صَبَرتم على طاعتى واتباعِ أمرِ رسولى، كما نَصَرْتُكم ببدرٍ وأنتم أذِلَّةٌ، وإن أنتم خالَفتم أيُّها المؤمنون أمرِى، ولم تَصْبِروا على ما كَلَّفْتُكم من فَرائِضى، ولم تَتَّقُوا ما نهيتُكم عنه، وخالَفتم أمرِى وأمرَ رسولى، فإنه نازِلٌ بكم ما نزَل بكم بأُحُدٍ، فاذكُروا ذلك اليومَ، إذ غَدا نبيُّكم يُبَوِّئُ المؤمنين. فترَك ذكْرَ الخبرِ عن أمرِ القومِ إن لم يَصْبِروا على أمرِ ربِّهم، ولم يَتَّقُوه؛ اكتفاءً بدلالةِ ما ظهَر من الكلامِ على معناه، إذ ذكر ما هو فاعلٌ بهم من صَرْفِ كَيْدِ أعدائِهم عنهم، إن صَبَروا على أمرِه واتَّقَوا مَحارمَه، وتَعْقيبَه ذلك بتَذْكيرِهم ما حَلَّ بهم من البَلاءِ بأُحُدٍ، إذ خالَف بعضُهم أمرَ رسولِه ﷺ وتَنازَعوا الرأيَ بينَهم.\nوأُخْرِج الخِطابُ فى قولِه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. على وَجْهِ الخطابِ الرسولِ اللهِ ﷺ، والمرادُ بمعناه: الذين نَهاهم اللهُ أن يتَّخِذوا (^١) الكفارَ من اليهودِ بِطانةً مِن دونِ المؤمنين. فقد تَبَيَّن إذنْ أن قولَه: ﴿وَإِذْ﴾ إنما خبرُها (^٢) في معنى الكلامِ، على ماقد بَيَّنتُ وأوضَحتُ.\n_________\n(^١) فى م، ت ٢، ت ٣: \"يتخذ\".\n(^٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"جرها\".","vol":"6","page":5},{"text":"وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى اليومِ الذى عَنَى اللهُ ﵎ بقولِه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾، فقال بعضُهم: عَنَى بذلك يومَ أُحُدٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾. قال: مَشَى النبيُّ ﷺ يومَئِذٍ على رِجْلَيه يُبَوِّئُ المؤمنين (^١).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾: ذلك يومُ أُحَدٍ، غَدا نبيُّ اللهِ ﷺ من أهلِه إلى أُحُدٍ، يُبَوِّئُ المؤمنين مَقاعدَ للقتالِ (^٢).\nحُدِّثتُ عن عَمَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾: فَغَدا نبيُّ اللهِ ﷺ من أهلِه إلى أُحُدٍ، يُبَوِّئُ المؤمنين مقَاعدَ للقِتالِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾. فهو يومُ أحُدٍ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٨ (٤٠٦٧) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٢/ ٦٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٨ عقب الأثر (٤٠٦٩) معلقا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٨ عقب الأثر (٤٠٦٩) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٨ (٤٠٦٩) عن محمد بن سعد به.","vol":"6","page":6},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: هذا (^١) يومُ أحدٍ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: مما نزَل في يومِ أُحُدٍ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣).\nوقال آخرون: عَنَى بذلك يومَ الأحزابِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾. قال: يعني محمدًا ﷺ غَدا يُبَوِّئُ المؤمنين مقاعدَ للقتالِ يومَ الأحزابِ (^٤).\nوأولى هذين القولَين بالصواب قولُ مَن قال: عَنَى بذلك يومَ أُحُدٍ؛ لأن اللهَ جَلَّ ثناؤه يقولُ في الآيةِ التي بعدَها: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾. ولا خلافَ بينَ أهلِ التأويلِ أنه عُنِى بالطائفتَين بنو سَلِمةَ وبنو حارثةَ، ولا خلافَ بينَ أهلِ السيرِ والمعرفةِ بمَغازى رسولِ اللهِ ﷺ أن الذى ذكَر اللهُ ﵎ من أمرِهما إنما كان يومَ أُحدٍ دونَ يومِ الأحزابِ.\n_________\n(^١) في م: \"هنا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٤٨ عقب الأثر (٤٠٦٩) من طريق أسباط.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٦.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٤٨ (٤٠٧٠) من طريق أبي بكر الحنفى به.","vol":"6","page":7},{"text":"فإن قال لنا قائلٌ: فكيف يكونُ ذلك يومَ أحدٍ ورسولُ اللهِ ﷺ إنما راحَ إلى أُحُدٍ من أهلِه للقتال يومَ الجمعةِ، بعد ما صَلَّى الجمعةَ في أهلِه بالمدينةِ بالناسِ، كالذي حَدَّثكم ابنُ حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمد بنِ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ ابنُ مسلمِ بن عُبَيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بن شهابٍ الزُّهريُّ، ومحمدُ بنُ يحيى بنِ حَبَّانَ، وعاصمُ بنُ عمرَ بنِ قتادةَ، والحصينُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ عمرِو بنِ سعدِ بنِ معاذٍ، وغيرُهم من علمائِنا، أن رسولَ اللهِ ﷺ راحَ حينَ صَلَّى الجمعةَ إلى أُحُدٍ، دخَل فلَبِس لأْمتَه (^١)، وذلك يومَ الجمعةِ حينَ فرَغ من الصلاةِ، وقد مات في ذلك اليومِ رجلٌ من الأنصارِ، فصَلَّى عليه رسولُ اللهِ ﷺ، ثم خرَج عليهم وقال: \"ما يَنْبَغى للنبيِّ إذا لبِس لأْمَتَه أن يَضَعَها حتى يُقاتِلَ\" (^٢).\nقيل: إن النبيَّ ﷺ وإن كان خروجُه لقتالِ القومِ كان رواحًا (^٣)، فلم يكنْ تَبْوِئتُه المؤمنين مقاعدَهم للقتالِ عندَ خُروجِه، بل كان ذلك قبلَ خُروجِه لقتالِ عَدوِّه، وذلك أن المشركين نزَلوا مَنْزلَهم من أُحُدٍ -فيما بلَغنا- يومَ الأربعاءِ، فأقاموا به ذلك اليومَ ويومَ الخميسِ ويومَ الجمعةِ، حتى راحَ رسولُ اللهِ ﷺ إليهم في يومِ الجمعةِ، بعدَ ما صَلَّى بأصحابِه الجمعةَ، فأصبَح بالشِّعْبِ من أُحُدٍ يومَ السبتِ للنصفِ من شوالٍ.\nحدَّثنا بذلك ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ ابنُ مسلمٍ الزهريُّ، ومحمدُ بنُ يحيى بنِ حَبَّانَ، وعاصمُ بنُ عمرَ بنِ قتادةَ، والحصينُ بنُ عبدِ الرحمنِ وغيرُهم.\n_________\n(^١) اللأمة مهموزة: الدرع. وقيل: السلاح. ولأمة الحرب: أداته. النهاية ٤/ ٢٢٠.\n(^٢) جزء من أثر طويل في سيرة ابن هشام ٢/ ٦٠ - ٦٤، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٩٩ - ٥٠٣، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٣/ ٢٢٤ - ٢٢٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) الرواح: نقيض الصباح. وقيل: العشى أو من الزوال إلى الليل. التاج (ر وح).","vol":"6","page":8},{"text":"فإن قال: فكيف (^١) كانت تَبْوِئْتُه المؤمنين مقاعدَ للقتالِ غُدُوًّا قبلَ خُروجِه، وقد عَلِمتَ أن التَّبْوِئَةَ اتخاذُ المواضعِ (^٢)؟\nقيل: كانت تَبْوئتُه إياهم ذلك قبلَ مُناهضتِه عَدوَّه، عندَ مشورتِه على أصحابِه بالرأيِ الذي رآه لهم بيومٍ أو يومين، وذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ لمَّا سمِع بنزولِ المشركين من قريشٍ وأتباعِها أُحُدًا، قال -فيما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ- لأصحابِه: \"أَشِيروا عليَّ، ما أصنَعُ\"؟. فقالوا: يا رسولَ اللهِ، اخرُجْ بنا (^٣) إلى هذه الأكلُبِ. فقالت الأنصارُ: يا رسولَ اللهِ، ما غلَبَنا عدوٌّ لنا قطُّ (^٣) أتانا في ديارِنا، فكيف وأنت فينا! فَدَعا رسولُ اللهِ ﷺ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ ابنَ سَلُولَ، ولم يَدْعُه قَطُّ قبلَها، فاستَشاره، فقال: يا رسولَ اللهِ، اخرُجْ بِنا إلى هذه الأكلُبِ. وكان رسولُ اللهِ ﷺ يُعْجِبُه أن يدخُلوا عليه المدينةَ، فيُقاتَلُوا فى الأزقَّةِ، فأتاه النُّعْمانُ بنُ مالكٍ الأنصاريُّ فقال: يا رسولَ اللهِ، لا تَحرِمْنى الجنةَ، فوالذي بعَثَك بالحقِّ لأدخُلَنَّ الجنةَ. فقال له: \"بمَ\"؟ قال: بأنى أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأنك رسولُ اللهِ، وأنى لا أَفِرُّ من الزَّحْفِ. قال: \"صَدَقْتَ\". فقُتِل يومَئذٍ. ثم إن رسولَ اللهِ ﷺ دَعا بدرْعِه فلَبِسها، فلما رَأَوه قد لَبِس السلاحَ نَدِموا، وقالوا: بِئْسَما صنَعنا، نُشيرُ على رسولِ اللهِ ﷺ والوحيُ يَأتيه! فقاموا واعتَذروا إليه، وقالوا: اصنعْ ما رأيتَ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لا يَنْبَغِى لنَبِيٍّ أَنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَه فيَضَعَها حتى يُقاتِلَ\" (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: ثنى ابنُ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وكيف\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الموضع\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٠٣، وستأتي بقيته في ص ١٣.","vol":"6","page":9},{"text":"شِهابٍ الزهريُّ، ومحمدُ بنُ يحيى بنِ حَبَّانَ، وعاصمُ بنُ عمرَ قتادةَ، والحصينُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ عمرِو بنِ سعدِ بنِ معاذٍ، وغيرُهم من علمائِنا، قالوا: لمَّا سمِع رسولُ اللهِ ﷺ والمسلمون بالمشركين قد نزَلوا مَنْزلَهم من أُحُدٍ، قال رسولُ اللهِ ﷺ للمسلمين: \"إنِّي قد رأيتُ بَقَرًا، فَأَوَّلتُها خَيْرًا، ورأيتُ في ذُبابِ (^١) سَيْفِى ثَلْمًا (^٢)، ورأيتُ أَنِّى أَدْخَلتُ يَدِى فى دِرْعٍ حَصِينةٍ، فَأَوَّلْتُها المدينةَ، فَإِنْ رَأَيْتُم أن تُقِيمُوا بالمدينةِ وتَدَعُوهم حيثُ نزَلوا، فإن أقامُوا أقاموا بِشَرِّ مُقامٍ، وإِن هُم دخَلوا علينا قاتَلْناهم فيها\". وكان رأيُ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلُولَ مع رأيِ رسولِ اللهِ ﷺ، يرَى رأيَ رسولِ اللهِ ﷺ في ذلك ألا يخرُجَ إليهم، وكان رسولُ اللهِ ﷺ يَكْرَهُ الخروجَ من المدينةِ، فقال رجالٌ من المسلمين ممن أكرَم اللهُ بالشهادةِ يومَ أُحُدٍ، وغيرُهم ممن كان فاتَه بدرٌ وحضورُه: يا رسولَ اللهِ، اخرُجْ بنا إلى أعدائِنا، لا يَرَون أَنَّا [جَبُنَّا عنهم] (^٣) وضَعُفْنا. فقال عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سلولَ: يا رسولَ اللهِ، أَقِمْ بالمدينةِ، لا تخرُجْ إليهم، فواللهِ ما خرَجنا منها إلى عدوٍّ لنا قَطُّ إلا أصابَ منا، ولا دخَلها علينا (^٤) إلا أصَبْنا منه، فدَعْهم يا رسولَ اللهِ، فإن أقاموا أقاموا بِشَرِّ مَحْبَسٍ، وإن دخَلوا قاتَلهم الرجالُ فى وجوهِهم ورَماهم النساءُ والصبيانُ بالحجارةِ من فوقِهم، وإن رجَعوا رجَعوا خائِبِين كما جاءوا. فلم يَزَلِ الناسُ برسولِ اللهِ ﷺ، الذين كان من أمْرِهم حُبُّ لقاءِ القومِ، حتى دخَل رسولُ اللهِ ﷺ فَلَبِس لَأُمَتَه (^٥).\nفكانت تَبْوِئَةُ رسولِ اللهِ ﷺ المؤمنين المقاعدَ (^٦) للقتالِ، ما ذكَرنا من\n_________\n(^١) ذباب السيف: طرفه الذى يضرب به. النهاية ٢/ ١٥٢.\n(^٢) أي: كسرًا.\n(^٣) في س: \"خفنا منهم\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قط\".\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ٨.\n(^٦) في م: \"مقاعد\".","vol":"6","page":10},{"text":"مَشُورتِه على أصحابِه بالرأيِ الذي ذكَرنا، على ما وصَفه الذين حَكَينا قولَهم.\nيقالُ منه: بَوَّأْتُ القومَ مَنْزِلًا، وبَوَّأْتُه لهم، فأنا أُبَوِّتُهم المنزلَ تَبْوِئَةً، وأُبوِّئُ لهم مَنزِلًا تَبْوِئةً.\nوقد ذُكِر أن في قراءةِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ (^١): (وَإِذْ عَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّئُ للْمُؤْمِنينَ مَقاعِدَ للْقِتالِ). وذلك جائزٌ، كما يقالُ: رَدِفَكَ ورَدِفَ لك، ونَقَدتُ لها صداقَها ونَقَدْتُها، كما قال الشاعرُ (^٢):\nأستَغفِرُ اللهَ ذَنْبًا لستُ مُحْصِيَهُ … رَبَّ العِبادِ إليه الوَجْهُ والعملُ\nوالكلامُ: أستغفرُ اللهَ لذنبٍ.\nوقد حُكِى عن العربِ سَماعًا: أبَأْتُ القومَ مَنْزِلًا، فأنا أُبِيئُهم إباءةً. ويقالُ منه: أبأْتُ الإبلَ. إذا رَددتَها إلى المبَاءةِ. والمبَاءةُ المُرَاحُ الذي تَبيتُ فيه. والمقاعدُ، جمعُ مَقْعَدٍ، وهو المجلِسُ.\nفتأويلُ الكلامِ: واذْكُرْ إذ غَدوتَ يا محمدُ من أهْلِك، تَتَّخِذُ للمؤمنين مُعَسْكرًا ومَوْضِعًا لقتالِ عدوِّهم.\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. يعنى بذلك تعالى ذكرُه: واللهُ سميعٌ لِما يقولُ المؤمنون لك فيما شاوَرْتَهم فيه، من موضعِ لقائِك ولقائِهم عدوَّك وعدوَّهم، من قولٍ مَن قال: اخرُجْ بِنا إليهم حتى نَلْقاهم خارجَ المدينةِ. وقولِ من قال لك: لا تَخْرُجُ إليهم، وأقِمْ بالمدينةِ حتى يدْخلوها علينا -على ما قد يَيَّنا قبلُ- وبما (^٣) تُشِيرُ به عليهم أنت يا محمدُ، عليمٌ بأصلحِ تلك الآراءِ لك ولهم، وبما تُخْفيه صدورُ\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٣/ ٤٦.\n(^٢) تقدم في ١/ ١٧٠.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مما\".","vol":"6","page":11},{"text":"المُشِيرين عليك بالخروج إلى عدوِّك، وصدورُ المُشِيرين عليك بالمُقامِ في المدينةِ، وغيرِ ذلك من أمرِك وأمورِهم.\nكما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ في قولِه: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. أى سميعٌ لِما يقولون، عليمٌ بما يُخْفُون (^١).\n\n<span id=\"aya-415\"></span><span data-type='title' id=toc-1504>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤه: واللهُ سميعٌ عليمٌ حينَ هَمَّت طائفتان منكم أن تَفْشَلا. والطائفتان اللَّتان هَمَّتا بالفَشَلِ -فيما ذُكر لنا- بنو سَلِمةَ وبنو حارثةَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾. قال: بنو حارثةَ كانوا نحوَ أُحُدٍ، وبنو سَلِمة نحوَ سَلْعٍ، وذلك يومَ الخندقِ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وقد دلَّلنا على أن ذلك كان يومَ أُحُدٍ فيما مضَى بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه.\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ الآية: وذلك يومَ أُحُدٍ، والطائفتان بنو سَلِمةَ وبنو\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٦. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٨ (٤٠٧١، ٤٠٧٢) من طريق سلمة به.\n(^٢) تفسير مجاهد ٢٥٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"6","page":12},{"text":"حارثةَ؛ حَيَّان من الأنصارِ، هَمُّوا بأمرٍ، فعَصَمهم اللهُ ذلك. قال قتادةُ: وقد ذُكِر لنا أنه لمَّا أُنزِلت هذه الآيةُ قالوا: ما يَسرُّنا أنَّا لم نَهُمَّ بالذى هَمَمْنا به، وقد أخبَرنا اللهُ أنه وَليُّنا (^١).\n[حُدِّثت عن عَمَّارٍ، قال] (^٢): ثنا ابنُ أبي جعفرِ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ﴾ الآية: وذلك يومَ أُحُدٍ، فالطائفتان بنو سَلِمةَ وبنو حارثةَ؛ حَيَّانِ من الأنصارِ. فذَكَر مثلَ قولِ قتادةَ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ إلى أُحُدٍ في ألفِ رجلٍ، وقد وَعَدهم الفَتْحَ إِن صَبَروا، فلما خرَج (^٤)، رجَع عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلولَ في ثلاثِمائةٍ، فتَبِعهم أبو جابرٍ السُّلَمِيُّ يَدْعوهم، فلما غَلَبوه وقالوا له: ما نعلَمُ قِتالًا، ولئن أطَعْتَنا لتَرْجِعنَّ مَعَنا. وقال: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾. فهَمَّ بنو سَلِمةَ وبنو حارثةَ، هَمُّوا بالرجوعِ حينَ رجَع عبدُ اللهِ بنُ أبيِّ، فعَصَمهم اللهُ، وبَقِى رسولُ اللهِ ﷺ في سبعِمائةٍ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال عِكْرمةُ: نَزَلت في بني سَلِمةَ من الخَزرجِ، وبني حارثةَ من الأوسِ، ورَأْسِهم عبدِ اللهِ بنِ أَبِيِّ ابنِ سَلولَ (^٦).\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٩ عقب الأثر (٤٠٧٣) معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في س: \"حدثنا عمرو قال حدثنا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٩ عقب الأثر (٤٠٧٣) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) تتمة الأثر المتقدم فى ص ٩.\n(^٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٨ إلى المصنف.","vol":"6","page":13},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾. فهُم بنو حارثةَ وبنو سَلِمةَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾. والطائفتان بنو سَلِمةَ من جُشَمَ بنِ الخَزرجِ، وبنو حارثةَ بنِ النَّبِيتِ من الأوسِ، وهما الجنَاحان (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، عن عَبَّادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ الآية. قال: هما طائفتان من الأنصارِ، هَمَّا أَن يَفْشَلا، فعَصَمهما اللهُ وهَزَم عدوَّهما (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ عُيَينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾. قال: نحن (^٤) هم؛ بنو سَلِمةَ وبنو حارثةَ، وما نُحِبُّ أن لو لم [نَكُنْ هَمَمْنا] (^٥)؛ لقولِ اللهِ ﷿: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (^٦).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن عمرٍو،\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٩ عقب الأثر (٤٠٧٣) معلقا، وعزاه السيوطى في الدر ٢/ ٦٨ إلى المصنف.\n(^٢) ينظر سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٦.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٤٩ (٤٠٧٥) من طريق أبي بكر الحنفى به.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تكن همتا\".\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣١. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٤٩ (٤٠٧٧) عن الحسن بن يحيى به. وأخرجه سعيد بن منصور (٥٢٣ - تفسير)، والبخارى (٤٠٥١، ٤٥٥٨)، ومسلم (٢٥٠٥)، والبيهقي في الدلائل ٣/ ٢٢١ من طريق ابن عيينة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"6","page":14},{"text":"قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ. فذكَر نحوَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾. قال: هذا يومُ أُحُدٍ (^١).\nوأما قولُه: ﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾. فإنه يعنى: [هَمَّنَا أَن تَضْعُفا وتَجْبُنا] (^٢) عن لقاءِ عَدُوِّهما. يقالُ منه: فَشِل فلانٌ عن لقاءِ عدوِّه، يَفْشَلُ فَشَلًا.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: الفَشَلُ الجُبْنُ (^٣).\nوكان هَمُّهما الذى هَمَّا به من الفَشَلِ، الانصرافَ عن رسولِ اللهِ ﷺ والمؤمنين، حينَ انصرَف عنهم عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سلولَ بمَن معه، جُبْنًا منهم، من غيرِ شَكٍّ منهم في الإسلامِ ولا نفاقٍ، فعَصَمَهم اللهُ ﷿ مما هَمُّوا به من ذلك، ومَضَوا مع رسولِ اللهِ ﷺ لوَجْهِه الذى مَضَى له، وترَكوا عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ ابنَ سلولَ والمنافِقين معه، فأثْنَى اللهُ ﷿ عليهما بثُبوتِهما على الحقِّ، وأخبَر أنه وَليُّهما وناصرُهما على أعدائِهما من الكفارِ.\nكما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾. أى: المُدافِعُ (^٤) عنهما ما هَمَّا فَشَلِهما (^٥).\nوذلك أنه إنما كان ذلك منهما عن ضَعْفٍ ووَهَنٍ أصابَهما من غيرِ شَكٍّ أصابَهما في دينِهما، فتَوَلَّى دَفْعَ ذلك عنهما برَحْمتِه وعائدتِه، حتى سَلِمَتا من\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٢/ ٥٧٧.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"هما أن يضعفا ويجبنا\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٨ إلى المصنف.\n(^٤) فى م: \"الدافع\".\n(^٥) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٦.","vol":"6","page":15},{"text":"وَهَيْهما وضَعْفِهما، ولَحِقَتا بنَبيِّهما ﷺ.\nيقولُ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. أى: مَن كان به ضَعْفٌ من المؤمنين أو وَهَنٌ فَليَتَوَكَّلْ عليَّ، ولْيَسْتَعِنْ بي، أُعِنْه على أمرِه، وأدفَعْ عنه حتى أبلغَ به، وأُقَوِّيَه على نِيَّتِه.\nوقد ذُكِر أن ابنَ مسعودٍ ﵁ كان يقرَأُ: (وَاللهُ وَلِيُّهُمْ) (^١). وإنما جاز أن يقرَأَ ذلك كذلك؛ لأن الطائفَتين وإن كانَتا فى لفظِ اثنين، فإنهما في معنى جِماعٍ، بمنزلةِ الخَصْمَين والحِزْبَين.\n\n<span id=\"aya-416\"></span><span data-type='title' id=toc-1505>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤه: وإن تَصْبِروا وتَتَّقوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شيئًا، وينصُرُكم رَبُّكم، ولقد نصَركم اللهُ يبدرٍ على أعدائِكم وأنتم يومَئِذٍ أَذِلَّةٌ، يعني قليلون في غيرِ مَنَعَةٍ من الناسِ، حتى أظهَركم اللهُ على عدوِّكم، مع كثرةِ عددِهم وقلةِ عددِكم، وأنتم اليومَ أكثرُ عددًا منكم حينَئذٍ، فإن تَصْبِروا لأمرِ اللهِ ينصُرْكم كما نصَركم ذلك اليومَ، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: فاتقوا ربَّكم بطاعتِه، واجتنابِ محارمِه، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يقول: لتشكُروه على ما مَنَّ به عليكم من النصرِ على أعدائِكم، وإظهارِ دينِكم، ولِما هَداكم له من الحقِّ الذى ضَلَّ عنه مخالِفوكم.\nكما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾. يقولُ: وأنتم أقلُّ عددًا وأضعفُ قوَّةً، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ\n_________\n(^١) ينظر معانى القرآن للفراء ١/ ٢٣٣، والبحر المحيط ٣/ ٤٧.","vol":"6","page":16},{"text":"تَشْكُرُونَ﴾، أي: فاتقونِ، فإنه شكرُ نعمتى (^١).\nواختُلِف فى المعنى الذى من أجلهِ سُمِّى بدرٌ بدرًا؛ فقال بعضُهم: سُمِّى بذلك؛ لأنه كان ماءً لرجلٍ يُسَمَّى بدرًا، فسُمِّى باسمِ صاحبِه.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن زكريا، عن الشعبيِّ، قال: كانت بدرٌ لرجلٍ يقالُ له: بدرٌ. فسُمِّيَت به (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا زكريا، عن الشعبيِّ، أنه قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾. قال: كانت بدرٌ بئرًا لرجلٍ يقالُ له: بدرٌ. فسُمِّيت به.\nوأنكَر ذلك آخرون، وقالوا: ذلك اسمٌ سُمِّيت به البقعةُ كما سُمِّى سائرُ البُلدانِ بأسمائِها.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا ابنُ سعدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرَ الواقديًّ، قال: ثنا منصورٌ، عن أبي الأسودِ، عن زكريا، عن الشعبيِّ، قال: إنما سُمِّى بدرًا؛ لأنه كان ماءً لرجل من جُهَينةَ، يقالُ له: بدرٌ. قال الحارثُ، قال ابنُ سعدٍ، قال الواقديُّ: فذكَرْتُ ذلك لعبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ ومحمدِ بنِ صالحٍ، فأنكَراه،\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٦. وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٥١ (٤٠٨٨، ٤٠٩٠) من طريق سلمة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٧٥٠ (٤٠٨٣) من طريق وكيع به. وأخرجه ابن سعد ٢/ ٢٧، وابن أبي شيبة ١٤/ ٣٥٤، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٧٥٠ (٤٠٨٢) من طريق زكريا به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"6","page":17},{"text":"وقالا: فلايِّ شيءٍ سُمِّيت الصفراءُ (^١)؟ ولأى شيءٍ سُمِّيت الحمراءُ (^٢)؟ ولأيِّ شيءٍ سُمِّى رابغٌ؟ هذا ليس بشيءٍ، إنما هو اسمُ الموضعِ. قال: وذكَرْتُ ذلك ليحيى بنِ النعمانِ الغِفاريِّ. فقال: سمِعتُ شيوخَنا (^٣) من بنى غِفارٍ يقولون: هو ماؤُنا ومنزلُنا، وما مَلَكه أحدٌ قَطُّ يقالُ له: بدرٌ. وما هو من بلادِ جُهَينةَ، إنما هي بلادُ غِفارٍ. قال الواقديُّ: فهذا المعروفُ عندَنا (^٤).\nحُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ: بدرٌ ماءٌ عن يمينِ طريقِ مكةَ، بينَ مكةَ والمدينةِ (^٥).\nوأما قولُه: ﴿أَذِلَّةٌ﴾. فإنه جمعُ ذليلٍ، كما الأعِزَّةُ جمعُ عزيزٍ، والأَلِيَّةُ جمعُ لَبيبٍ، وإنما سَمَّاهم اللهُ ﷿ أَذلَّةً؛ لقلةِ عددِهم، لأنهم كانوا ثلاثَمائةِ نفسٍ وبضعة عشَرَ، وعدوُّهم ما بينَ التسعِمائةِ إلى الألفِ -على ما قد بَيَّنا فيما مضَى- فجعَلهم لقلةِ عددِهم أذلةً.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ\n_________\n(^١) الصفراء: واد من ناحية المدينة، وقال عرام بن الأصبغ السلمى: الصفراء: قرية كثيرة النخل والمزارع وماؤها عيون كلها وهى فوق ينبع مما يلى المدينة. معجم البلدان ٣/ ٣٩٩.\n(^٢) الحمراء: حمراء الأسد، موضع على ثمانية أميال من المدينة إليه انتهى رسول الله ﷺ يوم أحد في طلب المشركين. معجم البلدان ٢/ ٣٣٢.\n(^٣) في الأصل: \"شيوخا\".\n(^٤) الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ٢٧، وينظر: فتح البارى ٢/ ٢٧.\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٩ إلى المصنف.","vol":"6","page":18},{"text":"اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: وبدرٌ ماءٌ بينَ مكةَ والمدينةِ، التقَى عليه نبيُّ اللهِ ﷺ والمشركون، وكان أوَّلَ قتالٍ قاتله نبيُّ اللهِ ﷺ. [قال قتادةُ] (^١): ذُكِر لنا أنه قال لأصحابِه يومئذٍ: \"أنتم اليومَ بعِدَّةِ أَصحابِ طالوتَ يومَ لَقِى جالوتَ\". فكانوا ثلاثَمائةٍ وبضعَةَ عَشَر رجلًا، والمشركون يومَئِذٍ ألفٌ أو رَاهَقوا ذلك (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن عَبادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. قال: يقولُ: وأنتم قليلٌ أذلةٌ. وهم يومَئِذٍ بضعَةَ عَشَرَ وثلاثُمائةٍ (^٣).\nحُدِّثت عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، نحوَ قولِ قتادةَ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾. [يقولُ: وأنتم] (^٥) أقلُّ عددًا وأضعفُ قوةً (^٦).\nوأما قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. فإن تأويلَه كالذي قد بَيَّنتُ.\nكما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ\n_________\n(^١) فى م: \"و\".\n(^٢) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٢/ ٦٩ إلى المصنف وعبد بن حميد، وأخرج المرفوع عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٠١ عن معمر عن قتادة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٥١ (٤٠٨٦) من طريق أبي بكر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٥١ (٤٠٨٧) من طريق ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة والربيع.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٥١ (٤٠٨٨) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":19},{"text":"تَشْكُرُونَ﴾. أى: فاتَّقونى، فإنه شكرُ نِعْمتي (^١).\n\n<span id=\"aya-417\"></span><span data-type='title' id=toc-1506>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ولقد نصركم اللهُ ببدرٍ وأنتم أذلةٌ إذ تقولُ للمؤمنين بك من أصحابِك: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾، وذلك يومَ بدرٍ.\nثم اختلف أهلُ التأويلِ فى حُضور الملائكةِ يومَئِذٍ حَرْبَهم وفى أيِّ يومٍ وُعِدوا ذلك؟ فقال بعضُهم: إن اللهَ ﵎ ذكرُه كان وَعَد المؤمنين يومَ بدرٍ أن يُمِدَّهم بملائكتِه إنْ أتاهم العدوُّ من فَورِهم، فلم يَأْتوهم ولم يُمَدُّوا.\nذكرُ مَن قال ذلك\n\n<span id=\"aya-418\"></span>حدَّثني حُمَيدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: حُدِّث المسلمون [يومَ بدرٍ] (^٢) أن كُرْرَ بنَ جَابِرٍ المُحَارِبِيَّ يُمِدُّ المشركين. قال: فَشَقَّ ذلك على المسلمين، فقيل لهم: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. قال: فبَلَغَت كُرْزًا الهزيمةُ، فرجَع، ولم يُمدَّهم بالخمسةِ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٢/ ٧٥١ (٤٠٩٠) من طريق سلمة به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٥٨، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٧٥٢ (٤٠٩٥) من طريق داود به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٩ إلى ابن المنذر.","vol":"6","page":20},{"text":"حدَّثني ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: لمَّا كان يومُ بدرٍ، بَلَغ رسولَ اللهِ ﷺ. ثم ذكَر نحوَه، إلَّا أنه قال: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ -يعنى كُرْزًا وأصحابَه- ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. قال: فبَلَغ كُرْزًا وأصحابه الهزيمةُ، فلم يُمِدَّهم، ولم تَنْزِلِ الخمسةُ، وأُمِدُّوا بعد ذلك بألفٍ، فهم أربعةُ آلافٍ من الملائكةِ مع المسلمين (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، عن عَبَّادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ الآية كلّها. قال: هذا يومُ بدرٍ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، قال: حُدِّث المسلمون أن كُرْزَ بن جابر المُحارِبيَّ يريدُ أن يُمِدَّ المشركين ببدرٍ، قال: فشَقَّ ذلك على المسلمين، فأنزل اللهُ ﷿: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. قال: فبَلَغَته هزيمةُ المشركين، فلم يُمِدَّ أصحابَه، ولم يُمَدُّوا بالخمسةِ (^٣).\nوقال آخرون: كان هذا الوعدُ مِن اللهِ لهم يومَ بدرٍ، فَصَبَر المؤمنون، واتَّقَوا اللهَ، فأَمَدَّهم بملائكتِه على ما وعَدهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: ثنى\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٩ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٥٢، ٧٥٣ (٤٠٩٢، ٤١٠٤) من طريق أبي بكر الحنفى به.\n(^٣) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"6","page":21},{"text":"عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ، عن بعض بني ساعدةَ، قال: سمِعتُ أبا أُسَيدٍ مالك بنَ ربيعةَ، بعدَ ما أُصِيب بصرُه يقولُ: لو كنتُ معكم ببدرٍ الآنَ، ومعى بَصَرى، لأخبَرْتكم بالشِّعْبِ (^١) الذى خَرَجَت منه الملائكةُ، لا أَشُكُّ ولا أَتَمارَى (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ، وثنى عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ، عن بعضِ بني ساعدةَ، عن أبي أُسَيدٍ مالك بنِ ربيعةَ، وكان شهد بدرًا: أنه قال بعدَ إذ ذهب بصرُه: لو كنتُ معكم اليومَ ببدر، ومعى بَصَرى، لأريتُكم الشِّعْبَ الذى خَرَجَت منه الملائكةُ، لا أَشُكُّ ولا أَتَمارَى (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: وثنى عبدُ اللهِ ابنُ أبي بكر أنه حُدِّث عن ابنِ عباسٍ، أن ابنِ عباسٍ، قال: ثنى رجلٌ من بنى غِفَارٍ، قال: أقبَلتُ أنا وابنُ عَمٍّ لى، حتى أَصْعَدْنا في جبلٍ يُشْرِفُ بنا على بدرٍ، ونحن مُشْرِكان، نَنتظِرُ الوقعةَ على من تكونُ الدَّبْرةُ (^٤)، فنتَهِبُ مع من يَنْتَهِبُ. قال: فبينا نحن في الجبلِ، إذ دَنَت مِنَّا سحابةٌ، فسَمِعنا فيها حَمْحَمةَ الخيلِ، فسَمِعتُ قائلًا (١) يقولُ: أَقدِمْ حَيْرُومُ (^٥). قال: فأما ابنُ عمِّى فانكَشَف قِناعُ (^٦) قلبِه، فمات مكانَه، وأما أنا فكِدْتُ أهْلِكُ، ثم تماسَكْتُ (^٧).\n_________\n(^١) في ص: \"بالبعث\"، وفى ت ١: \"بالنقب\".\n(^٢) أخرجه البيهقى فى الدلائل ٣/ ٥٢، ٥٣ من طريق يونس بن بكير به.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٦٣٣.\n(^٤) الدبرة: أى الدولة والظفر والنصرة، وتفتح الباء وتسكن، ويقال: على من الدبرة أيضًا أى الهزيمة. النهاية ٢/ ٩٨.\n(^٥) حيزوم: جاء في التفسير أنه اسم فرس جبريل ﵇، والحيزوم لغة هو الصدر. وقيل وسطه. النهاية ١/ ٤٦٧.\n(^٦) قناع القلب: غشاؤه، تشبيها بقناع المرأة. النهاية ٤/ ١١٤.\n(^٧) سيرة ابن هشام ١/ ٦٣٣، وأخرجه المصنف في تاريخه ٣/ ٤٥٣، وعنه الأصفهاني في الأغانى ٤/ ١٩٨ =","vol":"6","page":22},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: وثنى الحسنُ ابنُ عمارةَ، عن الحكم بنِ عُتَيبةَ، عن مِقْسَمٍ، مولى عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ،، قال: لم تُقاتِل الملائكةُ في يومٍ من الأيامِ سوى يوم بدرٍ، وكانوا يكونون فيما سِواه من الأيامِ عَدَدًا ومَدَدًا لا يضرِبون (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: قال محمدُ بنُ إسحاقَ، حدَّثني أبي إسحاقُ بنُ يسارٍ، عن رجالٍ من بنى مازنِ بنِ النجارِ، عن أبي داود المازنيِّ -وكان شهد بدرًا- قال: إني لأتبَعُ رجلًا من المشركين يومَ بدرٍ لأضرِبَه، إذ وقع رأسُه قبلَ أن يَصِلَ إليه سيفى، فعَرَفْتُ أن قد قتَله غيرى (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: قال محمدٌ: ثنى حسينُ بنُ عبدِ اللهِ ابنِ عُبَيدِ اللهِ بنِ عباسٍ، عن عِكْرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، قال: قال أبو رافعٍ مولى رسولِ اللهِ ﷺ: كنتُ غُلامًا للعباسِ بن عبدِ المطلبِ، وكان الإسلامُ قد دخَلَنا أهلَ البيتِ، فأسلَم العباسُ، وأسْلَمَت أمُّ الفضلِ، وأسلمتُ، وكان العباسُ يَهابُ قومَه، ويكرَهُ أن يُخالِفَهم، وكان يَكْتُمُ إسلامَه، وكان ذا مالٍ كثيرٍ مُتفرِّقٍ في قومِه، وكان أبو لهبٍ عدوٌّ اللهِ قد تَخَلَّف عن بدرٍ، وبعَث مكانَه العاصِيَ بنَ هشام بنِ المغيرةِ، وكذلك صَنَعوا؛ لم يَتَخلَّفْ رجلٌ إلا بعَث مكانَه رجلًا، فلما جاء الخبرُ عن مُصابِ أصحابِ بدرٍ من قريشٍ، كَبَته اللهُ وأخزاه، ووَجَدْنا في\n_________\n= وأخرجه أبو نعيم فى الدلائل (٤٠٣)، والبيهقى فى الدلائل ٣/ ٥٢، من طريق ابن إسحاق به.\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٣٤، وأخرجه الأصفهانى فى الأغانى ٤/ ١٩٩ عن المصنف به، وأخرجه الطبراني (١٢٠٨٥) من طريق الحكم به.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٦٣٣، وأخرجه المصنف في تاريخه ٣/ ٤٥٣ وعند الأصبهاني في الأغانى ٤/ ١٩٨، وأخرجه أبو نعيم فى الدلائل (٤٠٤)، والبيهقى فى الدلائل ٣/ ٥٦ من طريق ابن إسحاق به.","vol":"6","page":23},{"text":"أنفسِنا قوةً وعزًّا (^١). قال: وكنتُ رجلًا ضعيفًا، وكنتُ أعمَلُ القِداحَ، أنْحِتُها في حجرةِ زمزمَ، فوالله إنى لجالسٌ فيها أنْحِتُ القِداحَ وعندى أمُّ الفضلِ جالسةً، وقد سَرَّنا ما جاءنا من الخبرِ، إذ أقبَل الفاسقُ أبو لَهَبٍ يَجُرُّ رجليه بشَرٍّ، حتى جَلَس على طُنُبِ (^٢) الحجرةِ، فكان ظهرُه إلى ظَهْرِى، فبَينا هو جالسٌ إذ قال الناسُ: هذا أبو سفيانَ بنُ الحارثِ بنِ عبدِ المطلبِ قد قَدِم. قال: قال أبو لَهَبٍ: هَلُمَّ إِليَّ يا ابنَ أخى، فعندَك (^٣) الخبرُ. قال: فجَلَس إليه، والناسُ قيامٌ عليه، فقال: يا ابنَ أخي، أخبِرْنى كيف كان أمرُ الناسِ؟ قال: لا شيءَ واللهِ، إن كان إلَّا أن لَقيناهم، فمَنَحْناهم أكتافَنا، يَقْتُلوننا ويأسِروننا كيف شاءوا، وايمُ اللهِ ذلك ما لُمْتُ الناسَ، لَقِينا رجالًا بِيضًا على خيلٍ بُلْقٍ (^٤) بينَ السماءِ والأرضِ، [ما تُلِيقُ شيئًا] (^٥)، ولا يقومُ لها شيءٌ. قال أبو رافعٍ: فرَفَعتُ طُنُبَ الحجرةِ بيدى، ثم قلتُ: تلك الملائكةُ (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدٍ، قال: ثني الحسنُ بنُ عمارةَ، عن الحكمِ بن عُتَيبةَ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان الذي أسَر العباسَ أبو اليَسَرِ كعب بنُ عمرٍو أخو بني سَلِمةَ، وكان أبو اليَسَرِ رجلًا مجموعًا (^٧)، وكان\n_________\n(^١) فى ص، ت ١: \"عنة\"، وفى م، ت ٢، ت ٣:\"عونة\".\n(^٢) الطنب: حبل طويل يشد به البيت والسرادق، وقيل الوتد، والجمع: أطناب وطِنبَة. اللسان (طنب).\n(^٣) في ص، ت ١: \"فعندي\".\n(^٤) بعده فى م، ت ٢، ت ٣، س: ما\". وبَلِق الفرس: كان فيه سواد وبياض، فهو أبلق جمعه بلق. اللسان (بلق).\n(^٥) فى م: \"ما يليق لها شيء\"، وما تليق شيئا. أى: ما تبقى شيئا، يقال: فلان ما يليق شيئا من سخائه. أي: ما يُمْسِك شيئا. ينظر اللسان (ل ى ق).\n(^٦) سيرة ابن هشام ١/ ٦٤٦، وأخرجه المصنف في التاريخ ٣/ ٤٦١ وعنه الأصفهاني في الأغاني ٤/ ٢٠٥، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٤/ ٧٣، والحاكم ٣/ ٣٢٣ من طريق ابن إسحاق به.\n(^٧) رجلًا مجموعًا: يراد به مجتمع الخلْق لم يبسط، كما يدل عليه سياق الأثر، وينظر التاج (ج م ع).","vol":"6","page":24},{"text":"العباسُ رجلًا جسيمًا، فقال رسولُ اللهِ ﷺ لأبى اليَسَرِ: \"كيف أسَرْتَ العباسَ يا أبا اليَسَرِ؟ \". قال: يا رسولَ اللهِ، لقد أعانني عليه رجلٌ ما رأيتُه قبلَ ذلك ولا بعدَه، هيئتُه كذا وكذا. قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لقد أعانَك عليه مَلَكٌ كريمٌ\" (^١).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. أُمِدُّوا بأَلْفٍ، ثم صاروا ثلاثةَ آلافٍ، ثم صاروا خمسةَ آلافٍ، ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ وذلك يومَ بدرٍ، أَمَدَّهم اللهُ بخمسةِ آلافٍ من الملائكةِ (^٢).\nحُدِّثتُ عن عَمَّارٍ، عن ابنِ أبي جعفرٍ (^٣)، عن أبيه، عن الربيعِ بنحوِه (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال ثني عمي، [قال: حدَّثني أبي] (^٥)، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. فإنهم أَتَوا محمدًا ﷺ مُسَوِّمين (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: [ثنا عبدُ الرحمنِ، قال] (^٧) ثنا سفيانُ، عن ابنِ خُثَيْمٍ، عن مُجاهدٍ، قال: لم تُقاتِلِ الملائكةُ إلا يومَ بدرٍ (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في التاريخ ٢/ ٤٦٣، وعنه الأصفهاني في الأغانى ٤/ ٢٠٦، وأخرجه أبو نعيم في الدلائل (٤٠٢) من طريق سلمة به، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٤/ ١٢ من طريق مقسم به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٣/ ٧٥٤ (٤١٠٥) من طريق يزيد، وعزاه السيوطى في الدر ٢/ ٦٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى م: \"نجيح\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٥٢ (٤٠٩٦) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٥٤ (٤١١٢) عن محمد بن سعد بأطول من هذا.\n(^٧) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٨) تفسير مجاهد ص ٢٥٩، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٥٤ من طريق سفيان به.","vol":"6","page":25},{"text":"وقال آخرون: إن اللهَ ﷿ إنما وَعَدهم يومَ بدرٍ أن يُمدَّهم إن صَبَروا عندَ طاعتِه، وجهادِ أعدائِه، واتَّقوه باجتنابِ محارمِه، أن يُمِدَّهم في حروبِهم كلِّها، فلم يَصْبِروا، ولم يَتَّقُوا إلّا فى يوم الأحزابِ، فأَمَدَّهم حينَ حاصَروا قُرَيظةَ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسْدِيُّ، قال: ثنا عبيدُ (^١) اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا سليمانُ بنُ زيدٍ أبو إدامٍ (^٢) المُحاربىُّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي أوفى، قال: كُنَّا مُحاصِرى قُرَيظة والنضيرِ ما شاء اللهُ أن تُحاصِرَهم، فلم يُفْتَحْ علينا، فرَجَعنا، [فدعا رسولُ اللهِ ﷺ من بغُسْلٍ، فهو] (^٣) يَغْسِلُ رأسَه، إذ جاءه جبريلُ ﷺ فقال: يا محمدُ، وَضَعْتم أسلحتَكم ولم تَضَعِ الملائكةُ أوزارَها! فَدَعا رسولُ اللَّهِ ﷺ بخِرْقَةٍ، فَلَفَّ بها رأسَه ولم يَغْسِلْه، ثم نادَى فينا، فقُمْنا [كالِّين مُعْيين] (^٤) لا نَعْبَأُ بالسيرِ شيئًا، حتى أتَينا قُرَيظةَ والنضيرَ، فيومَئذٍ أمدَّنا اللهُ ﷿ بثلاثةِ آلافٍ من الملائكةِ، وفتَح اللهُ لنا فَتْحًا يسيرًا، فانْقَلَبْنا بنعمةٍ مِن اللهِ وفضلٍ (^٥).\nوقال آخرون بنحوِ هذا المعنى، غيرَ أنهم قالوا: لم يَصْبِرِ القومُ، ولم يتَّقوا، ولم يُمَدُّوا بشيءٍ في أُحُدٍ.\n_________\n(^١) في ص، م: \"عبد\".\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"آدم\". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٤٣١.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فدعا رسول الله ﷺ فهو\"، وفى م: \"فبينا رسول الله ﷺ في بيته\". والغُسْل والغَسُّول: الماء يغتسل به. وينظر اللسان (غ س ل).\n(^٤) في م: \"كالزمعين\".\n(^٥) ذكره البغوى في تفسيره ٢/ ١٠٠، وعزاه السيوطى فى الخصائص الكبرى ١/ ٢٣٣ إلى المصنف.","vol":"6","page":26},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: أخبرني عمرُو بنُ دينار، عن عِكْرمةً، سَمِعتُه (^١) يقولُ: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾. قال: يومَ بدرٍ. قال: فلم يَصْبِروا ولم يَتَّقُوا، فلم يُمَدُّوا يومَ أُحُدٍ، ولو مُدُّوا لم يُهزموا يومَئذٍ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَينةَ، عن عمرِو ابنِ دينارٍ، قال: سمِعْت عِكْرمةَ يقولُ: لم يُمَدُّوا يومَ أُحدٍ ولا بمَلَكٍ واحدٍ. أو قال: إلا بمَلَكٍ واحدٍ (^٣). أبو جعفرٍ يَشُكُّ.\nحُدِّثتُ عن الحسيِن بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: حدَّثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ قولَه: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ﴾ إلى ﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. كان هذا مَوْعِدًا (^٤) من اللهِ يومَ أُحُدٍ، عَرَضه على نبيِّه محمدٍ ﷺ، أن المؤمنين إن اتَّقَوا وصَبَرُوا أَمْدَدْتُهم (^٥) بخمسةِ آلافٍ من الملائكةِ مُسَوَّمِين. فقَرَّ المسلمون يومَ أُحُدٍ وَوَلَّوا مُدْبِرين، فلم يُمدَّهم اللهُ (^٦).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بَلَى إِنْ\n_________\n(^١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"سمعه\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٩ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٥٢ (٤٠٩٧) من طريق ابن عيينة باللفظ الأول: \"ولا بملك واحد\". وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٩ إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(^٤) فى ص: \"موعودًا\".\n(^٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أمدهم\".\n(^٦) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٣/ ٧٥٢، ٧٥٣ (٤٠٩٨) من طريق أبي معاذ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٩ إلى ابن المنذر.","vol":"6","page":27},{"text":"تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ الآية كلّها، قالوا لرسولِ اللهِ ﷺ وهم ينتظرون (^١) المشركين: يا رسولَ اللهِ، أليس يُمِدُّنا اللهُ كما أمَدَّنا يومَ بدرٍ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾، وإنما أمَدَّكم يومَ بدرِ بألفٍ\". قال: فجاءت الزيادةُ من اللهِ على أن يَصْبِرُوا ويَتَّقُوا. قال: بشرطِ أن ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾ الآية كلّها (^٢).\nوأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إِن اللَّهَ ﷿ أخبرَ عن نبيِّه محمدٍ ﷺ أنه قال للمؤمنين: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾، فوعَدهم ثلاثةَ آلافٍ من الملائكةِ مَدَدًا لهم، ثم وَعَدهم بعدَ الثلاثةِ الآلافِ خمسةَ آلافٍ إن صَبَروا لأعدائِهم واتَّقَوا اللهَ، ولا دلالةَ في الآيةِ على أنهم أُمِدُّوا بالثلاثةِ الآلافِ، ولا بالخمسةِ الآلافِ، ولا على أنهم لم يُمَدُّوا بهم.\nوقد يجوزُ أن يكونَ اللهُ ﷿ أمَدَّهم، على نحوِ ما رَواه الذين أثْبَتوا أنه أمَدَّهم. وقد يجوزُ أن يكونَ لم يُمِدَّهم، على نحوِ الذي ذكَره مَن أنكَر ذلك، ولا خبرَ عندَنا صَحَّ من الوَجْهِ الذى يَثبُتُ أنهم أُمِدُّوا بالثلاثةِ الآلافِ، ولا بالخمسةِ الآلافِ، وغيرُ جائزٍ أن يقالَ فى ذلك قولٌ إلا بخبرٍ تقومُ الحُجَّةُ به، ولا خبرَ به كذلك، فنُسَلِّمُ لأحدِ الفريقَين قولَه؛ غيرَ أن فى القرآنِ دلالةً على أنهم قد أُمِدُّوا يوم بدرٍ بألفٍ من الملائكةِ، وذلك قولُه ﵎: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]. فأما في يومِ أُحُدٍ، فالدلالةُ على أنهم لم يُمَدُّوا أبينُ منها فى أنهم أُمِدُّوا، وذلك أنهم لو أُمِدُّوا\n_________\n(^١) فى م: \"ينظرون\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٩ إلى المصنف.","vol":"6","page":28},{"text":"لم يُهْزَموا، ويُنالُ منهم ما نِيلَ منهم.\nفالصوابُ فيه من القولِ: أن يقالَ كما قال تعالى ذكرُه. وقد بَيَّنا معنى الإمدادِ فيما مضَى، والمدَدِ، ومعنى الصبرِ والتقوى (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختَلَفوا فيه؛ فقال بعضُهم: معنى قولِه: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾. مِن وَجْهِهم هذا.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، عن عثمانَ بنِ غِيَاثٍ، عن عِكْرمةَ، قال: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾. قال: مِن وَجْههم هذا (^٢).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾. يقولُ: مِن وَجْهِهم هذا.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفىُّ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾: من وَجْهِهم هذا (^٤).\nحُدِّثْتُ عن عَمَّارِ بن الحسنِ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه:\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم فى ١/ ٢٣٧ - ٢٤٠، ٣١٨ - ٣٢٠، ٦١٧.\n(^٢) أخرجه عبد بن حميد -كما في تغليق التعليق ٤/ ١٨٨ - من طريق عثمان بن غياث به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٠.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٥٣ عقب الأثر ٤١٠٣ معلقًا، وذكره البغوي في تفسيره ٢/ ١٠٠.","vol":"6","page":29},{"text":"﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ يَقولُ: مِن وَجْهِهم هذا (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ قولَه: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾. يقولُ: مِن وَجْهِهم هذا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾. يقولُ: من سفرِهم هذا ويقالُ -يعنى عن غيرِ ابنِ عباسٍ-: بل هو من غضبِهم هذا (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾: مِن وَجْهِهِم هذا (^٤).\nوقال آخرون: معنى ذلك: من غضبِهم هذا.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عِكْرمةَ في قولِه: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾. قال: فَوْرُهم ذلك كان يومَ أُحُدٍ، غَضِبوا ليومِ بدرٍ مما لَقُوا (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمارةَ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، قال: سمِعتُ أبا صالحٍ مولى أمِّ هانئٍ يقولُ: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾. يقولُ: من\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٣/ ٧٥٣ عقب الأثر (٤١٠٣) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٥٣ (٤١٠٣) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٣/ ٧٥٣ (٤١٠١) عن محمد بن سعد به.\n(^٤) ذكره الطوسى فى التبيان ٢/ ٥٨١، والقرطبي في تفسيره ٤/ ١٩٦.\n(^٥) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٢/ ٦٩ إلى المصنف. وينظر تفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٧٥٣ عقب الأثر (٤١٠٢).","vol":"6","page":30},{"text":"غَضَبِهم هذا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾. قال: غَضَبٌ لهم -يعنى الكفارَ- فلم يُقاتِلوهم عندَ تلك الساعةِ، وذلك يومَ أُحدٍ (^٢).\nحدَّثنى القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيجٍ، قال مجاهدٌ: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾. قال: من غضبِهم هذا (١).\nحُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ فى قولِه: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾. يقولُ: من وَجْههم وغضبِهم (^٣).\nوأصلُ الفَوْرِ، ابتداءُ الأمرِ يؤخَذُ (^٤) فيه ثم يُوصَلُ بِآخَرَ، يقالُ منه: فازَت القِدْرُ، فهى تَفورُ فَوْرًا وفَوَرانًا. إذا ابتَدَأ ما فيها بالغَليانِ ثم اتَّصَل. ومَضَيتُ إلى فلانٍ من فَوْرِى ذلك. يُراد به: مِن وَجْهى الذى ابْتَدَأَتُ فيه.\nفالذي قال في هذه الآيةِ: معنى قولِه: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾: من وَجْهِهِم هذا. قَصَد إلى أن تأويلَه: ويأتِيكم كُرْزُ بنُ جابرٍ وأصحابُه يومَ بدرٍ، من ابتداءِ مَخْرَجهم الذى خَرَجوا منه، لنُصْرةِ أصحابِهم من المشركين.\nوأما الذين قالوا: معنى ذلك: من غضبِهم هذا، فإنما عَنَوا أن تأويلَ ذلك: ويأتيكم كفارُ قريشٍ وتُبَّاعُهم يومَ أُحُدٍ، من ابتداءِ غَضَبِهم الذي غَضِبوه لقتلاهم\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٩ إلى عبد بن حميد والمصنف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٥٩.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٩ إلى المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٣/ ٧٥٣ عقب الأثر (٤١٠٣) معلقًا.\n(^٤) في ص، م: \"يوجد\". وأخذ فى الأمر: شرع فيه. الوسيط (أ خ ذ).","vol":"6","page":31},{"text":"الذين قُتِلوا يومَ بدرٍ بها.\n﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ﴾، ولذلك من اختلافِ تأويلِهم في معنى قولِه: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ اختَلف أهلُ التأويلِ في إمدادِ اللَّهِ المؤمنين بأُحُدٍ بملائكتِه؛ فقال بعضُهم: لم يُمدُّوا بهم؛ لأن المؤمنين لم يَصْبِروا لأعدائِهم، ولم يَتَّقُوا اللهَ ﷿ بتَرْكِ من ترَك من الرُّماةِ طاعةَ رسولِ الله ﷺ في ثُبوتِه في الموضعِ الذى أمَره رسولُ الله ﷺ بالثبوتِ فيه، ولكنهم أخَلُّوا به؛ طلبَ الغنائمِ فقُتِل من [قُتِل من] (^١) المسلمين، ونالَ المشركون منهم ما نالوا (^٢)، وإنما كان اللهُ ﷿ وَعَد نبيَّه ﷺ إمدادَهم بهم إن صَبَروا واتَّقَوا اللَّهَ.\nوأما الذين قالوا: كان ذلك يومَ بدر بسببِ كُرْزِ بنِ جابرٍ. فإن بعضَهم قالوا: لم يأتِ كُرْزٌ وأصحابُه إخوانهَم من المشركين مدَدًا لهم ببدرٍ، ولم يُمِدَّ اللهُ المؤمنين بملائكتِه؛ لأن اللهَ ﷿ إنما وَعَدهم أن يُمِدَّهم بملائكتِه إن أتاهم كُرْزٌ ومَدَدُ المشركين من فَوْرِهم، ولم يأتِهم المَدَدُ.\nوأما الذين قالوا: إن اللهَ تعالى ذكرُه [قد كان] (^٣) أمَدَّ المسلمين بالملائكةِ يومَ بدرٍ. فإنهم اعتلُّوا بقولِ اللهِ ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩].\nقالوا (^٤): فالأَلْفُ منهم قد أتاهم مَدَدًا، وإنما الوعدُ الذى كانت فيه الشروطُ فيما زاد على الألفِ، فأما الألفُ فقد كانوا أُمِدُّوا به؛ لأن اللهَ ﷿ كان قد وَعَدهم ذلك، ولن يُخْلِفَ اللهُ وعدَه.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) بعده في الأصل، ص، ت ٢: \"منهم\".\n(^٣) زيادة من: الأصل.\n(^٤) في م: \"قال\".","vol":"6","page":32},{"text":"واختلفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: (مُسَوَّمين) بفتحِ الواوِ (^١)، بمعنى: أن اللَّهَ سَوَّمها.\nوقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بكسرِ الواوِ (^٢). بمعنى أن الملائكةَ سَوَّمَت أَنفُسَها (^٣).\nوأولى القراءتين فى ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ بكسرِ \"الواو\"؛ لتظاهُرِ الأخبارِ عن أصحابِ (^٤) رسولِ اللهِ ﷺ، [وأهلِ] (^٥) التأويلِ منهم ومن التابعين بعدَهم، بأن الملائكةَ هى التى سَوَّمَت أنفسَها، من غيرِ إضافةِ تَسْويمِها إلى اللهِ ﷿، أو إلى غيرِه من خلقِه.\nولا معنى لقولِ مَن قال: إنما كان يُختارُ الكسرُ في قولِه: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾. لو كان في البَشَرِ، فأما فى الملائكةِ فوَصْفُهم غيرُ ذلك، ظَنًّا منه بأن الملائكةَ غيرُ ممكنٍ فيها تَسْويمُ أنفسِها إمكانَ ذلك فِى البَشَرِ، وذلك أنه غيُر مستحيلٍ أن يكونَ اللهُ ﷿ مَكَّنها من تَسْويمُ أنفسِها نَحْوَ (^٦) تَمْكينِه البشرَ من تَسْويمِ أنفسِهم، فسَوَّموا أنفسَهم نَحْو (^٦) الذى سَوَّم البشرُ، طلبًا منها بذلك طاعةَ ربِّها، فأُضِيف تَسْويمُها أنفسَها إليها، وإن كان ذلك عن تَسْبيبِ اللهِ لهم أسبابَه، وهى إذا كانت موصوفةً بتَسْوِيمِها أَنفسَها؛ تَقَرُّبًا منها إلى ربِّها، كان أبلغَ في مدحِها، لاختيارِها طاعةَ اللَّهِ، من أن تكونَ موصوفةً بأن ذلك مفعولٌ بها.\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٢١٦.\n(^٢) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٢١٦.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س \"لنفسها\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فأهل\".\n(^٦) فى م: \"بحق\".","vol":"6","page":33},{"text":"ذكرُ الأخبارِ بما ذكَرنا من إضافةِ مَن أضافَ التسويمَ إلى الملائكةِ دونَ إضافةِ ذلك إلى غيرِهم، على نحوِ ما قلنا فيه\nحدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا ابنُ عونٍ (^١)، عن عُمَيرِ بنِ إسحاقَ، قال: إن أولَ ما كان الصُّوفُ لَيومَئِذٍ -يعني يومَ بدرٍ- قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"تَسَوَّمُوا؛ فإن الملائكةَ قد تُسَوَّمَتْ\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا مختارُ بنُ غَسَّانَ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ الغسيلِ، عن الزبيرِ بنِ المنذرِ، عن جدِّه أبى أَسَيْدٍ - وكان بَدْريًّا فكان يقولُ: لو أن بَصَرى معى (^٣)، ثم ذهَبتُم معى إلى أُحُدٍ، لأخبَرتُكم بالشَّعْبِ الذى خَرَجَت منه الملائكةُ فى عمائمَ صُفْرٍ، قد طرَحوها (^٤) بينَ أكتافِهم (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. يقولُ: مُعَلِّمِين، مَجْزوزةً أذنابُ خَيْلِهم ونواصِيها، فيها الصوفُ أو العِهْنُ، وذلك التَّسْويمُ (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبد الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ\n_________\n(^١) في م: \"عوف\".\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه ٢/ ٣١٠ (٢٨٦١)، وابن أبى شيبة ١٢/ ٢٦١، ١٤/ ٣٥٨ من طريق ابن عون به.\n(^٣) فى ص، ت ٢، س: \"حرح منه\".\n(^٤) فى س: \"أرخوها\".\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٧٠ إلى المصنف.\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٢٥٩، وأخرجه ابن أبى شيبة ١٢/ ٢٦١ من طريق ابن أبي نجيح به.","vol":"6","page":34},{"text":"مُسَوِّمِينَ﴾. قال: مَجْزوزةً أذنابُها وأعرافُها، فيها الصوفُ أو العِهْنُ، فذلك التسويمُ.\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾: ذُكِر لنا أن سِيماهم يومَئذٍ الصوفُ بنواصى خيلِهم وأذنابِها، وأنهم على خيلٍ بُلْقٍ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾. قال: كان سِيماها صُوفًا فى نواصِيها (^٢).\nحُدِّثت عن عَمَّارٍ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن لَيثٍ، عن مجاهدٍ، أنه كان يقولُ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾. قال: كانت خيولهُم مَجْزوزةَ الأعرافِ، مُعَلَّمةً نواصِيها وأذنابُها بالصوفِ والعِهْنِ (^٣).\nحُدِّثت عن عَمَّارٍ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، كانوا يومَئذٍ على خَيْلٍ بُلْقٍ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ وبعضِ أشياخِنا، عن الحسنِ، نحوَ حديثِ مَعْمَرٍ، عن قتادةَ (^٥).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، السُّدَّيِّ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾: مُعَلِّمِينَ (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٧٠ إلى عبد بن حميد والمصنف.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٠ وفيه زيادة: \"وأذنابها\".\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٣/ ٧٥٤ (٤١٠٩) من طريق أبى جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٧٠ إلى المصنف.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور ٣/ ١٠٨٩ (٥٢٤ - تفسير) من طريق جويبر به بمعناه.\n(^٦) ذكره الطوسي في التبيان ٢/ ٥٨٠.","vol":"6","page":35},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَهُ: ﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾: فإنهم أَتَوا محمدًا النبىَّ ﷺ مُسوّمين بالصوفِ، فَسَوَّم محمدٌ وأصحابُه أنفسَهم وخَيلَهم على سِيماهم بالصوفِ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، قال: ثنا هِشَامُ بْنُ عُرُوةَ، عَن عَبَّادِ بنِ حمزةَ، قال: نَزَلَت الملائكةُ فى سِيما الزبيرِ، عليهم عَمائمُ صُفْرٌ، وكانت عِمامةُ الزبيِر صَفراءَ (^٢).\nحدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾. قال: بالصوفِ في نواصِيها وأذنابِها.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، قال: نَزَلَت الملائكةُ يومَ بدرٍ على خيلٍ بُلْقٍ، عليهم عَمائمُ صُفْرٌ، وكان على الزبيرِ يومَئذٍ عِمامةٌ صفراءُ (^٣).\nحدَّثني أحمدُ بنُ يحيى الصُّوفىُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ شَرِيكٍ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا هشامُ بنُ عُروةَ، عن عُروةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ الزبيِر، أن الزبيرَ كانت عليه مُلاءةٌ صفراءُ يوم بدرٍ، فاعتمَّ بها؛ فنَزَلَت الملائكةُ يومَ بدرٍ على نبيِّ اللهِ ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٥٤ (٤١١٢) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٥٣٠) ابن أبي شيبة ١٢/ ٢٦١، ١٤/ ٣٧٧، وأحمد في فضائل الصحابة (١٢٦٨) وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٥٥ (٤١١٢)، وابن عساكر في تاريخه ١٨/ ٣٥٤ من طريق هشام به بنحوه.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣١، وأخرجه ابن سعد ٣/ ١٠٣، وأحمد في الفضائل (١٢٦٩)، والطبراني (٢٣٠)، وابن عساكر ١٨/ ٣٥٤ من طريق هشام عن أبيه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٧٠ إلى عبد بن حميد، ووقع فى مصادر التخريج: هشام بن عروة عن أبيه.","vol":"6","page":36},{"text":"مُعْتمِّين بعَمائمَ صُفْرٍ (^١).\nفهذه الأخبارُ التي ذكَرنا بعضها عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال لأصحابِه: \"تَسَوَّمُوا فإن الملائكةَ قد تَسَوَّمَتْ\". وقولُ أبى أُسَيْدٍ: خَرَجَت الملائكةُ فى عمائمَ صُفْرٍ قد طَرَحوها بيَن أكتافِهم. وقولُ مَن قال منهم: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾. مُعَلِّمِين. يُنْبِئُ جميعُ ذلك عن صحةِ ما اختَرنا من القراءةِ فى ذلك، وأن التَّسويَم كان من الملائكةِ بأنفسِها، على نحوِ ما قلنا في ذلك فيما مضَى.\nوأما الذين قرَءوا ذلك: (مُسَوَّمِينَ). بالفتحِ، فإنهم أُرَاهم تأوَّلوا في ذلك ما حدَّثنا به حُمَيدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، عن عثمانً بنِ غِياثٍ: عن عن عِكْرمة: (بخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُسَوَّمِين). يقولُ: عليهم سيما القتالِ (^٢).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُسَوَّمِين). يقولُ: عليهم سِيما القتالِ، وذلك يومَ بدرٍ، أَمَدَّهم اللهُ بخمسةِ آلافٍ من الملائكةِ مُسَوَّمين (^٣).\n[حُدِّثتُ عن عمارٍ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾] (^٤). يقولُ: عليهم سيما القتالِ.\nفقالوا: كان سيما القتالِ عليهم، لا أنهم كانوا تَسَوَّموا بسيما فيُضافُ إليهم التسويمُ. فمن أجلِ ذلك قرَءوا: (مسوَّمين). بمعنى أن اللهَ تعالى أضاف التسويمَ إلى\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر ١٨/ ٣٥٣ من طريق أحمد بن يحيى الصوفى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٠ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٣/ ٧٥٥ عقب الأثر (٤١١٥) عن عكرمة معلقا، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ٢/ ٧٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم ٣/ ٧٥٥ (٤١١٥) إلى قوله: \"القتال\" من غير هذا الطريق، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٢/ ٩٤. وأخرج ابن أبى حاتم باقيه في ٣/ ٧٥٤ (٤١٠٥) من طريق يزيد به\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":37},{"text":"مَن سَوَّمهم تلك السِّيما.\nوالسِّيما: العلامةُ، يقالُ: هي سيما حسنةٌ، وسِيمياءُ حسنةٌ. كما قال الشاعرُ (^١):\nغُلامٌ رَماه اللهُ بالحُسْنِ يافِعًا … له سِيمِيَاءٌ لا تَشُقُّ على البَصَرْ\nيعنى بذلك: علامةٌ مِن حُسْنٍ. فإذا أَعْلَمَ الرجلُ نفسَه (^٢) بعلامةٍ يُعْرَفُ بها في حربٍ أو غيرِها، قيل: سَوَّم نفسَه. فهو يُسَوِّمُها تَسْوِيمًا.\n\n<span id=\"aya-419\"></span><span data-type='title' id=toc-1507>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه: وما جعَل اللهُ وعدَه إياكم ما وعَدكم، من إمدادِه إياكم بالملائكةِ الذين ذكَر عددَهم ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾. يعنى بُشْرَى يُبَشِّرُكم بها. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾. يقولُ: وكى تَطْمَئِنَّ بوعدِه الذى وعَدكم من ذلك قلوبُكم، فتَسْكُنَ إليه، ولا تَجْزَعَ من كثرةِ عددِ عدوِّكم، وقلةِ عددِكم. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. يعنى: وما ظَفَرُكم إن ظَفِرْتم بعدوِّكم إلا بعونِ اللهِ، لا من قِبَلِ المَدَدِ الذى يأتيكم من الملائكةِ. يقولُ تعالى ذكرُه: فعلى اللهِ فتوكَّلوا، وبه فاستَعِينوا، لا بالجموعِ وكثرةِ العددِ، فإنَّ نَصْرَكم إن كان، إنما يكونُ باللهِ وبعونِه، و(^٣) معكم من ملائكتِه خمسةُ آلافٍ، فإنه إلى أن يكونَ ذلك بعونِ اللهِ وبتقويتِه إياكم على عدوِّكم -وإن كان معكم من البَشَرِ جموعٌ كثيرةٌ- أَخْرَى (^٤)، فاتَّقوا اللهَ واصبِروا على جهادِ عدوِّكم، فإن اللَّهَ ناصِرُكم عليهم.\nكما حدَّثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا\n_________\n(^١) تقدم في ٥/ ٢٧.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"غيره\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أخرى\".","vol":"6","page":38},{"text":"عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾. يقولُ: إنما جعَلهم لتَسْتبشِروا بهم، ولِتَطْمَئِنُّوا إليهم. ولم يُقاتِلوا معهم يومَئذٍ -يعنى يومَ أُحُدٍ- قال مجاهدٌ: ولم يُقاتِلوا معهم يَومئذٍ ولا قبلَه ولا بعدَه، إلا يومَ بدرٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾: لمِا أعرِفُ من ضَعْفِكم، وما النصرُ إلا من [عندى بسُلْطانى وقُدْرتى] (^٢)، وذلك [أن العِزَّ والُحكمَ إليَّ] (^٣) لا إلى أحدٍ من خَلقِى (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: لو شاء اللهُ أن يَنْصُرَكم بغيرِ الملائكةِ فَعَل، ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (^٥).\nوأما معنى قولِه: ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. فإنه جلّ ثناؤه يعنى: العزيزُ فى انتقامِه من أهلِ الكفرِ به بأيدى أوليائِه من أهلِ طاعتهِ، الحكيمُ في تَدْبيرِه لكم أيُّها المؤمنون على أعدائِكم من أهلِ الكفرِ، وغيرِ ذلك من أمورِه. يقولُ: فأبْشِروا أيُّها المؤمنون بتَدْبيرى لكم على أعدائِكم، ونَصْرى إياكم عليهم، إن أنتم أَطَعْتُموني فيما أمَرْتُكم به، وصَبَرْتم لجهادِ عدوِّى وعدوِّكم.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٥٩، ومن طريقه أخرج بعضه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٦٣ (٨٨٣٠، ٨٨٣١)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٧٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) فى ت ٢، س: \"عند الله وسلطانه وقدرته\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"أن العرف الحكمة التى\". وفى م: \"أنى أعرف الحكمة التي\". وفى س: \" أن العز والحكمة إلى\".\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٨، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٦٣ من طريق سلمة به.\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٧٠ إلى المصنف.","vol":"6","page":39},{"text":"<span id=\"aya-420\"></span><span data-type='title' id=toc-1508>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤه: ولقد نصَركم اللهُ ببدرٍ؛ ليقطَعَ طرفًا من الذين كفَروا. ويعنى بالطَرَفِ الطائفةَ والنَّفَرَ، يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد نَصَركم اللهُ ببدرٍ كَيْمَا (^١) يُهْلِكَ طائفةً من الذين كفَروا باللهِ ورسولِه، فجَحَدوا وحدانيةَ ربِّهم، ونُبوَّةَ نبيِّهم محمدٍ ﷺ.\nكما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. فقَطَع اللَّهُ يومَ بدرٍ طَرفًا من الكفارِ، وقَتَل صَناديدَهم ورؤساءَهم، وقادتَهم فى الشرِّ (^٢).\nحُدِّثت عن عَمَّارٍ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ نحوَه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنفىُّ، عن عَبَّادٍ، عن الحسنِ، في قولِه: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية كلّها. قال: هذا يومَ بدرٍ، قَطَع اللَّهُ طائفةً منهم، وبَقِيت طائفةٌ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، [عن ابنِ إسحاقَ] (^٥): ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. أى: لِيَقْطَعَ طَرَفًا من المشركين بقَتْلٍ يَنْتَقِمُ به منهم (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"كما\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٥٦ (٤١٢٠) من طريق يزيد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٥٦ بعد الأثر السابق من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٣/ ٧٥٥ (٤١١٩) من طريق أبي بكر الحنفى به.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٨، وأخرجه ابن أبي حاتم ٣/ ٧٥٦ (٤١٢٢) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":40},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك، وما النصرُ إلا من عندِ اللَّهِ؛ ليَقطَّعَ طَرَفًا من الذين كفروا. وقال: إنما عُنِى بذلك مَن قُتِل بأُحُدٍ.\nذكرُ من قال ذل ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: ذكَر اللهُ قَتْلى المشركين -يعنى بأُحُدٍ- وكانوا ثمانيةَ عشَرَ رجلًا، فقال: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ثم ذكَر الشهداءَ فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾. الآية [آل عمران: ١٦٩] (^١).\nوأما قولُه: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾. فإنه يعنى بذلك: أو يُخْزِيَهم بالخيبةِ مما (^٢) رَجَوا من الظَّفَرِ بكم. وقد قيل: إن معنى قولِه: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾: أَو يَصْرَعَهم لوجوهِهم. ذَكَر بعضُهم أنه سَمِع العربَ تقولُ: كَبَتَه اللهُ لوجهِه، بمعنى: صَرَعَه اللَّهُ.\nفتأويلُ الكلامِ: ولقد نصَركم اللهُ ببدرٍ؛ ليُهْلِكَ فريقًا من الكفارِ بالسيفِ، أو يُخْزِيَهم، بخيبتِهم مما طَمِعوا فيه من الظَّفرِ بكم، ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. يقولُ: فيرجِعوا عنكم خائبِين، لم يُصِيبوا منكم شيئًا مما رَجَوا أن يَنالوه منكم.\nكما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾: أو يَرُدَّهم خائِبين. أى (^٣): يَرجِعُ مَن بَقِى منهم فَلًّا (^٤) خائبين،\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٧٠ إلى المصنف.\n(^٢) في م: \"بما\".\n(^٣) في النسخ: \"أو\"، والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. وضرب عليه في ص. والفلُّ: القوم المنهزمون، من الفل: الكسر، وهو مصدر سمى به، ويقع على الواحد والاثنين والجمع. النهاية ٣/ ٤٧٣.","vol":"6","page":41},{"text":"لم يَنالوا شيئًا مما كانوا يَأْمَلون (^١).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾. يقولُ: يُخْزيَهم ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ (^٢).\nحُدِّثت عن عَمَّارٍ، عن ابنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (^٣).\n\n<span id=\"aya-421\"></span><span data-type='title' id=toc-1509>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكرُه: ليَقْطَعَ طَرَفًا من الذين كفَروا، أو يكبتَهم، أو يتوبَ عليهم، أو يعذبَهم، فإنهم ظالمون، ليس لك من الأمرِ شيءٌ. فقولُه: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. منصوبٌ عطفًا على قولِه: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾.\nوقد يَحتمِلُ أن يكونَ تأويلُه: ليس لك من الأمرِ شيءٌ حتى يتوبَ عليهم. فيكونَ نصبُ ﴿يَتُوبَ﴾ بمعنى \"أو\" التي هي في معنى \"حتى\".\nوالقولُ الأولُ أولى بالصوابِ؛ لأنه لا شيءَ من أمرِ الخلقِ إلى أحدٍ سوى خالقِهم قبلَ توبةِ الكفارِ وعقابِهم، وبعدَ ذلك.\nوتأويلُ قولِه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾: ليس إليك يا محمدُ من أمرِ خلقى إلا أن تُنفِذَ فيهم أمرى، وتَنتهىَ فيهم إلى طاعتى، وإنما أَمْرُهم إليَّ، والقضاءُ فيهم بيدى دونَ غيرِى، أقضِى فيهم، وأحكمُ بالذى أشاءُ، من التوبةِ على من كفَر\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٥٦ (٤١٢٣) من طريق سلمة به.\n(^٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٥٦ عقب الأثر (٤١٢١) معلقا.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٥٦ (٤١٢١) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"6","page":42},{"text":"بي وعَصاني، وخالَف أمرى، أو العذابِ؛ إما في عاجلِ الدنيا بالقتلِ والنِّقَمِ المُبِيرةِ، وإما فى أجلِ الآخرةِ، بما أعددتُ لأهلِ الكفرِ بى.\nكما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثم قال لمحمدٍ ﷺ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. أى: ليس لك من الحكمِ شيءٌ في عبادي، إلا ما أمَرْتُك به فيهم، أو أتوبَ عليهم برحمتى، فإن شئتُ فعلتُ، أو أعذبَهم بذنوبِهم، ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. أى: قد استحقوا ذلك بمعصيتِهم إياى (^١).\nوذُكِر أن اللهَ ﷿ إنما أنزَل هذه الآيةَ على نبيِّه محمدٍ ﷺ؛ لأنه لماَّ أصابه بأُحُدٍ ما أصابَه من المشركين، قال كالآيسِ لهم من الهدى، أو من الإنابةِ إلى الحقِّ: \"كيف يُفْلِحُ (^٢) قومٌ فعلوا هذا بنبيِّهم؟ \".\nذكرُ الروايةِ التي ورَدت بذلك\nحدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا حَمَيدٌ، قال: قال أنسٌ: قال النبُّي ﷺ يومَ أُحُدٍ، وكُسِرَت رَباعِيتُه، وشُجَّ، فجعَل يَمْسَحُ عن وجهِه الدمَ، ويقولُ: \"كيف يُفْلِحُ (^٣) قومٌ خَضَّبوا نبيَّهم بالدمِ، وهو يَدْعوهم إلى ربِّهم؟ \". فأُنْزِلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٨، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٥٧، ٧٥٨ (٤١٢٩، ٤١٣٠، ٤١٣١) من طريق سلمة به.\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"يصلح\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"يصلح\".\n(^٤) أخرجه أحمد ٢٠/ ٢١٣، ٢١٤، ٣٦٤ (١٢٨٣١، ١٣٠٨٣)، وابن ماجه (٤٠٢٧)، والترمذى (٣٠٠٣)، والنسائي (١١٠٧٧ - كبرى)، والواحدى فى أسباب النزول ص ٨٩، والبغوى (٣٧٤٨) من طريق ابن حميد به.","vol":"6","page":43},{"text":"حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى عدىٍّ، عن حُمَيدٍ، عن أنسٍ، عن النبِّي ﷺ نحوِه (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن حُمَيدٍ الطويلِ، عن أنسٍ، عن النبىِّ ﷺ بنحوِه (^٢).\nحدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعىُّ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، عن حُمَيدٍ الطويلِ، عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ شُجَّ فِي جَبْهِتِه، وكُسِرَت رَباعَيَتُه: \"لا يُفْلِحُ قومٌ صنَعوا هذا بنبيِّهم\". فأوحَى اللهُ إليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابنُ عونٍ، عن الحسنِ: أن النبيَّ ﷺ قال يومَ أُحُدٍ: \"كيف يُفْلِحُ قومٌ دمَّوا وَجْهَ نبيِّهم وهو يَدْعوهم إلى اللَّهِ ﷿؟ \". فنزَلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (^٤).\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن حُمَيدٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ نحوَ ذلك (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٢٠٦ (١٣١٦٠) عن ابن أبى عدى به.\n(^٢) أخرجه ابن سعد ٢/ ٤٤، وأحمد ١٩/ ٢٠ (١١٩٥٦)، والترمذى (٣٠٠٢) وابن حبان (٦٥٧٤)، وأبو يعلى (٣٧٣٨) من طريق هشيم به.\n(^٣) أخرجه الطحاوى فى المشكل (٥٧١) وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٥٦ (٤١٢٤) من طريق أبي بكر بن عياش به.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٧١ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٠٧٧) من طريق ابن علية به.","vol":"6","page":44},{"text":"حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. ذُكِر لنا أن هذه الآيةَ أُنزِلت على رسولِ اللهِ ﷺ يومَ أُحدٍ، وقد جُرح نبىُّ اللهِ ﷺ في وَجْهِه، وأُصِيب بعضُ رَبَاعيَتِه، فقال -وسالمٌ مولى أبي حُذَيفةَ يَغسِلُ عن وَجْهِه الدمَ-: \"كيف يُفْلِحُ قومٌ خَضَّبوا وَجْةَ نبيِّهم بالدمِ وهو يَدْعوهم إلى ربِّهم؟ \". فأنزَل اللهُ ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن مَطَرٍ، عن قتادةَ، قال أُصِيب النبيُّ ﷺ يومَ أُحدٍ، وكُسِرَت رَباعِيتُه، وفَرْقُ (^٢) حاجبِه، فوقَع، وعليه دِرْعان، والدمُ يسيلُ، فمَرَّ به سالمٌ مولى أبى حُذَيفةَ، فأجلَسه، ومَسَح الدمَ (^٣) عن وَجْهِه، فأفاقَ وهو يقولُ: \"كيف بقومٍ فَعَلوا هذا بنبيِّهم، وهو يَدْعوهم إلى اللهِ؟ \". فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.\nحُدِّثت عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه قولَه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. قال: قال الربيعُ بنُ أنسٍ: نزَلت هذه الآيةُ على رسولِ اللهِ ﷺ يومَ أُحُدٍ وقد شُجَّ رسولُ اللهِ ﷺ في وَجْهِه، وأُصِيبت رَباعِيَتُه، فَهَمَّ رَسولُ اللَّهِ ﷺ أَن يَدْعُوَ عليهم، فقال: \"كيف يُفْلِحُ قومٌ أدمَوا وَجْهَ نبيِّهم، وهو يَدْعوهم إلى اللهِ وهم يَدْعونه إلى الشيطانِ، ويَدْعوهم إلى الهُدى، ويَدْعونه إلى الضلالةِ، ويَدْعوهم إلى\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٧١ إلى المصنف.\n(^٢) فى الأصل، ص: \"فوق\". والفرق: الفصل بين الشيئين، وموضع المفرق من الرأس. وفَرْق الرأس: ما بين الجبين إلى الدائرة. وفرق الحاجب: لعله موضع افتراق الحاجبين. وينظر اللسان (ف ر ق) وسيأتى عن ابن عباس: \"شج النبي ﷺ في فرق حاجبه\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":45},{"text":"الجنةِ، ويَدْعونه إلى النارِ؟ \". فَهمَّ أن يَدْعُوَ عليهم، فأنزَل اللهُ ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. فَكَفَّ رسولُ اللهِ ﷺ عن الدعاءِ عليهم (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفىُّ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ، في قولِه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية كلّها. قال: جاء أبو سفيانَ من الحولِ غضبانَ لِما صُنع بأصحابِه يوم بدرٍ، فقاتَل أصحابَ محمد ﷺ يومَ أُحدٍ قِتالًا شديدًا، حتى قُتِل منهم بعددِ الأُسارى يومَ بدرٍ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ كلمةً عَلِم اللهُ أنها قد خالَطَت غَضَبًا: \"كيف يُفْلِحُ قومٌ خَضَّبوا وَجْهَ نبيِّهم بالدمِ وهو يَدْعوهم إلى الإسلامِ؟ \". فقال اللهُ ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، أن رَباعيةَ النبىِّ ﷺ أُصِيبت يومَ أُحُدٍ، أصابَها عُتْبةُ بن أبي وَقَّاصٍ، وشَجَّه فى وَجْهِه، وكان سالمٌ مولى أبي حُذَيفةَ يَغْسِلُ عن النبيِّ ﷺ الدمَ، والنبيُّ ﷺ يقولُ: \"كيف يُفْلِحُ قومٌ صَنَعوا بنبيِّهم هذا؟ \". فأنزَل اللهُ ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزهرىِّ، وعن عثمانَ الجزَرِيِّ، عن مِقْسَم، أن النبيَّ ﷺ دَعا على عُتْبَةَ بنِ أبي وَقَّاصٍ يومَ أحدٍ حيَن كسَر رَباعيتَه، ووَثَأ (^٣) وجهَه، فقال: \"اللهمَّ لا تُحِلْ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٧١ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣١، وأخرجه ابن سعد ٢/ ٤٥ من طريق معمر به. وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٢/ ٧١ إلى ابن المنذر.\n(^٣) الوثء: الضربُ حتى يرهص الجلد واللحم ويصل الضرب إلى العظم من غير أن ينكسر. اللسان (وثأ).","vol":"6","page":46},{"text":"عليه الحولَ حتى يموتَ كافرًا\". قال: فما حالَ عليه الحولُ حتى مات كافرًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابنُ عباسٍ: شُجَّ النبىُّ ﷺ في فَرْقِ حاجبِه، وكُسِرَت رَباعِيَتُه. قال ابنُ جُرَيجٍ: ذُكِر لنا أنه لمَّا جُرح، جعَل سالمٌ مولى أبي حُذَيفةَ يغسِلُ الدمَ عن وَجْهِه، ورسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: \"كيف يُفْلِحُ قومٌ خَضَّبُوا وَجْهَ نبيِّهم بالدمِ وهو يَدْعوهم إلى اللهِ\". فأنزَل اللهُ ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.\nوقال آخرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ على النبيِّ ﷺ؛ لأنه دَعا على قومٍ، فأنزَل اللهُ ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.\nذكرُ الروايةِ بذلك\nحدَّثني يحيى بنُ حبيبِ بنِ عربىٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا محمدُ ابنُ عَجْلانَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ كان يَدْعو على أربعةِ نَفَرٍ، فأنزَل اللهُ ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. قال: وهَداهم اللُه للإسلامِ (^٢).\nحدَّثني أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جُنادةَ، قال: ثنا أحمدُ بنُ بشيرٍ (^٣)، عن عمرَ بنِ حمزةَ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"اللهمَّ الْعَنْ أَبا سُفيانَ،\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣١، وفى مصنفه (٩٦٤٩)، ومن طريقه النحاس في ناسخه ص ٢٨٩، والبيهقي في الدلائل ٣/ ٢٦٥.\n(^٢) أخرجه أحمد ١٠/ ٧٦ (٥٨١٣)، والترمذى (٣٠٠٥)، وابن خزيمة (٦٢٣)، وابن حبان (١٩٨٨) من طريق ابن حبيب به. وأخرجه أحمد ١٠/ ٧٥ (٥٨١٢)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٥٧ (٤١٢٨) من طريق خالد بن الحارث به، وأخرجه الطحاوى فى المشكل (٥٦٨) من طريق ابن عجلان به.\n(^٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"سفيان\". ينظر تهذيب الكمال ١/ ٢٧٣.","vol":"6","page":47},{"text":"اللهمَّ الْعَنْ الحارثَ بنَ هشامٍ، اللهمَّ الْعَنْ صَفوانَ بنَ أُمَيَّةَ\". فَنَزَلَت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عَيَّاشِ بنِ أبي ربيعةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ كعبٍ، عن أبى بكرِ بنِ عبد الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ، قال: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ الفجرَ، فلمَّا رفَع رأسَه من الركعةِ الثانيةِ، قال: \"اللهمَّ أَنْجِ عَيَّاش بنَ أبي ربيعةَ، وسَلَمةَ بنَ هشامٍ، والوليدَ بنَ الوليدِ، اللهمَّ أنْجِ المُستضعفين من المسلمين، اللهمَّ اشدُدْ وَطْأتَك على مُضَرَ، اللهمَّ سنينَ كسنينِ آلِ يوسفَ\". فأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية (^٢).\nوحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرنى يونسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شهابٍ، أخبَره عن سعيدِ بنِ المسيبِ، وأبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، أنهما سَمِعا أبا هريرةَ يقولُ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يقولُ حينَ يَفْرَعُ في صلاةِ الفجرِ من القراءةِ، ويُكَبِّرُ ويرفَعُ رأسَه: \"سَمِع اللهُ لمَن حمِده، ربَّنا ولك الحمدُ\". ثم يقولُ وهو قائمٌ: \"اللهمَّ أنْجِ الوليدَ بنَ الوليدِ، وسَلَمةَ بنَ هشامٍ، وعَيَّاشَ بنَ أبي ربيعةَ، والمَستضعفين من المؤمنين، اللهمَّ اشدُدْ وَطْأتَك على مُضَرَ، واجعَلْها عليهم كَسِنى يوسفَ، اللهمَّ الْعَن لِحْيانَ ورِعْلًا وذَكْوانَ وعُصَيَّةَ عَصَتِ اللهَ ورسولَه\". ثم بَلَغَنا أنه ترَك ذلك لمَّا أُنزل عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٠٠٤) عن أبى السائب به، وأخرجه أحمد ٩/ ٤٨٦ (٥٦٧٤) من طريق عمر بن حمزة به. وأخرجه البخارى (٤٠٦٩) من طريق سالم بنحوه.\n(^٢) أخرجه الطحاوى ١/ ٢٤٢ وفى المشكل (٥٦٩) من طريق ابن إسحاق به.\n(^٣) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار مسند ابن عباس ١/ ٣٢٣ (٥٣٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٥٧ (٤١٢٦)، والطحاوي في شرح معانى الآثار ١/ ٢٤١، وأبو عوانة ٢/ ٢٨٠ والنحاس في ناسخه ص ٩٠ =","vol":"6","page":48},{"text":"<span id=\"aya-422\"></span><span data-type='title' id=toc-1510>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكرُه: ليس لك يا محمدُ من الأمرِ شيءٌ، وللهِ جميعُ ما بينَ أقطارِ السمواتِ والأرضِ من مَشْرقِ الشمسِ إلى مَغْربِها، دونَك ودونَهم، يحكمُ فيهم بما شاء، ويَقْضى فيهم ما أحَبَّ، فيتوبُ على مَن أحبَّ من خلقِه العاصين أمرَه ونَهْيَه، ثم يغفرُ له، ويعاقِبُ مَن شاء منهم على جُرْمِه، فيَنْتَقِمُ منه، وهو الغفورُ، الذى يسترُ ذنوبَ مَن أحبَّ أن يسترَ عليه ذنوبَه من خلقِه، بتَفَضُّلِه (^١) عليهم بالعفوِ والصفحِ، والرحيمُ بهم في تَرْكِه عقوبتَهم عاجِلًا على عظيمِ ما يَأْتون من المآثمِ.\nكما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أى يغفرُ الذنوبَ، ويرحَمُ العبادَ على ما فيهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-423\"></span><span data-type='title' id=toc-1511>القولُ في تأويل قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤه: يا أيُّها الذين آمَنوا باللَّهِ ورسولِه، لا تأكُلوا الربا في إسلامِكم، بعدَ إذ هَداكم له، كما كنتم تأكُلونه في جاهليتِكم. وكان أَكْلُهم ذلك في جاهليتِهم، أن الرجلَ منهم كان يكونُ له على الرجلِ مالٌ إلى أجلٍ، فإِذا حَلَّ الأجلُ طَلَبه من صاحبِه، فيقولُ له الذى عليه المالُ: أَخَّرْ عنى دَيْنَكَ، وأَزِيدُك على مالِك. فيفعَلان ذلك، فذلك هو الربا أضعافًا مُضاعفةً، فنَهاهم الله ﷿ في إسلامِهم عنه.\n_________\n= عن يونس بن عبد الأعلى به. وأخرجه مسلم (٢٩٤/ ٦٧٥)، وابن حبان (١٩٧٢)، والبيهقي ٢/ ١٩٧ من طريق ابن وهب به. وأخرجه أحمد ١٢/ ٤٣١ (٧٤٦٥)، والبخارى ٦/ ٤٧ (٤٥٦٠)، وابن خزيمة (٦١٩)، وأبو عوانة ٢/ ٢٨٠، والطحاوى ١/ ٢٤٢ وغيرهم من طريق الزهرى به.\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بفضله\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٥٨ (٤١٣٦، ٤١٣٧) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":49},{"text":"كما حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ (١)، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، قال: كانت ثقيفُ تَدَّاينُ فى بنى المغيرةِ فى الجاهليةِ، فإذا حَلَّ الأجلُ قالوا: نَزِيدُكم وتؤخِّرون، فنزَلت: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. أى: لا تأكُلوا في الإسلامِ، إذ هَداكم اللهُ له، ما كنتم تأكُلون إذ أنتم على غيرِه، مما لا يَحِلُّ لكم فى دينِكم (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، فى قولِ اللهِ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. قال: رِبا الجاهليةِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: سمِعتُ ابنَ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. قال: كان أَبِي يقولُ: إنما كان الرِّبا في الجاهليةِ فى التضعيفِ وفى السِّنِّ، يكونُ للرجلِ فضلُ دَيْنٍ، فيَأتيه إذا حلَّ الأجلُ، فيقولُ له: [تَقْضِى أو تُرْبى] (^٤)؟ فإن كان عندَه شيءٌ يَقْضيه قضَى، وإلا حوَّله إلى السِّنِّ التي فوقَ ذلك، إن كانت ابنةَ مَخاضٍ جَعَلها ابنةَ لبونٍ فى السنةِ الثانيةِ، ثم حِقَّةً، ثم جَذَعةً، ثم رَبَاعِيًا، ثم هكذا إلى فوقَ. وفى العَيْنِ، يأتيه، فإن لم يكنْ عندَه أضعَفه فى العامِ القابلِ، فإن لم يكنْ عندَه أضعَفه أيضًا، تكونُ مائةٌ،\n_________\n(١ في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"سنان\". وهو تصحيف.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٩.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٥٩. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٥٩ (٤١٣٩) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"تقضنى أو تزدنى\"، وفى م، ت ٣: \"تقضيني أو تزيدني\".","vol":"6","page":50},{"text":"فيجعلُها إلى قابلٍ مائتين، فإن لم يكنْ عندَه جعَلها (^١) أربعَمائةٍ، يُضعِفُها له كلَّ سنةٍ، أو يَقْضيه. قال: فهذا قولُه: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾.\nوأما قولُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فإنه يعنى: واتَّقوا اللهَ أيُّها المؤمنون في أمرِ الربا فلا تأكُلوه، وفى غيرِه مما أمَركم به، أو نَهاكم عنه، وأطِيعوه فيه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: لتنجَحوا فتَنْجُوا من عِقابِه، وتُدْرِكوا ما رَغَّبكم فيه من ثوابِه، والخلودِ في جِنانِه.\nكما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. أى: فأطِيعوا اللَّهَ لعلكم أن تَنْجُوا مما حَذَّركم من عذابِه، وتُدْرِكوا ما رَغَّبكم فيه من ثوابِه (^٢).\n\n<span id=\"aya-424\"></span><span data-type='title' id=toc-1512>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين: واتقوا أيُّها المؤمنون النارَ -أن تَصْلَوها بأكْلِكم الربا، بعدَ نَهْيِي إياكم عنه- التي أَعْدَدتُها لمَن كفَر بى، فتدخُلوا مَداخِلَهم (^٣) -بعدَ إيمانِكم بي- بخلافِكم أمرى، وتَرْكِكم طاعتى.\nكما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. أى: التي جُعِلَت دارًا لمن كفَر بي (^٤).\n\n<span id=\"aya-425\"></span><span data-type='title' id=toc-1513>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وأطِيعوا اللهَ أيُّها المؤمنون فيما نَهاكم عنه من أكْلِ الربا\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"جعله\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٩. وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٦٠ (٤١٤٦) من طريق سلمة به.\n(^٣) في ص: \"مدخلهم\".\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٩، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٦٠ (٤١٥٠) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":51},{"text":"وغيرِه من الأشياءِ، وفيما [أمَركم به. ﴿وَالرَّسُولَ﴾] (^١). يقولُ: وأطِيعوا الرسولَ أيضًا كذلك. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. يقولُ: لتُرْحَموا فلا تُعَذَّبوا.\nوقد قيل: إن ذلك مُعاتبةٌ من اللهِ ﷿ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ الذين خالَفوا أَمْرَه يومَ أُحُدٍ، فأَخَلُّوا بمراكزِهم التي أُمِروا بالثباتِ عليها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: مُعاتبةٌ للذين عَصَوا رسولَه ﷺ حيَن أمَرهم بما (^٢) أمَرهم به فى ذلك اليومِ وفي غيرِه (^٣). يعنى في يومِ أُحُدٍ.\n\n<span id=\"aya-426\"></span><span data-type='title' id=toc-1514>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَسَارِعُوا﴾: وبادِروا وسابِقوا ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يعنى: إلى ما يسترُ عليكم ذنوبَكم من رحمتِه، وما يُغَطِّيها عليكم من عَفْوِه عن عُقوبتِكم عليها، ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾. يعنى: وسارِعوا أيضًا إلى جنةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ. ذُكِر لنا أن معنى ذلك: وجنةٍ عرضُها كعرضِ السماواتِ السبعِ، والأرَضينَ السبعِ، إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعضٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) فى م: \"أمركم به الرسول\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. \"مما\"، وفي م: \"بالذي\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦١ (٤١٥٢) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":52},{"text":"السُّدّى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ: تُقْرَنُ السماواتُ السبعُ والأرَضون السبعُ، كما تُقْرَنُ الثيابُ بعضُها إلى بعضٍ، فذاك عرضُ الجنةِ (^١).\nوإنما قيل: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾. فوصَف عرضَها بالسماواتِ السبعِ (^٢) والأرضينَ (^٣) السبعِ (٢)، والمعنى ما وصَفنا من وَصْفِ عرضِها بعرضِ السماواتِ والأرضِ، تَشْبيهًا به في السَّعَةِ والعِظَمِ، كما قيل: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]. يعنى إلا كبَعْثِ نفسٍ واحدةٍ. وكما قال الشاعرُ (^٤):\nكأَنَّ عَذِيرَهِمْ (^٥) بِجَنُوبِ سِلَّى (^٦) … نعَامٌ فَاقَ (^٧) في بلدٍ قِفَارِ\nأى عَذِيرُ نعامٍ. وكما قال الأخرُ (^٨):\nحَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتي عَنَاقًا … وما هى وَيْبَ غَيرِكَ بالعَنَاقِ\nيريدُ صوتَ عَنَاقٍ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٧٢ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: ص، م.\n(^٣) في الأصل، ص: \"الأرض\".\n(^٤) نسبه سيبويه والأعلم وابن منظور فى اللسان إلى النابغة الجعدى، ونسبه ياقوت في معجم البلدان وابن برى -كما نقله عنه في اللسان- إلى شقيق بن جزء الباهلي.\nوالبيت في الكتاب ١/ ٢١٤، والكامل ٣/ ٣٢٢، ونكت الأعلم ١/ ٣١٣، واللسان (س ل ل، ق وق)، وشعر النابغة الجعدى ص ٢٤٢، ومعجم البلدان ٣/ ١٠٩، ١١٠.\n(^٥) في الكامل واللسان (ق وق): \"غديرهم\" بالغين المعجمة والدال المهملة على الجمع، وفي معجم البلدان \"غديرها\" والعذير: الحال، أراد: عذير نعام، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وزعم الأعلم أن العذير هنا الصوت.\n(^٦) سلى، بكسر أوله وتشديد ثانيه وقصر الألف: ماء لبنى ضبة باليمامة. معجم البلدان ٣/ ١٠٩.\n(^٧) قاق النعام: صوّت. اللسان (ق وق).\n(^٨) تقدم في ٢/ ٢٦٥، ٥٩١، ٣/ ٧٦.","vol":"6","page":53},{"text":"وقد ذُكِر أن رسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ فقيل له: هذه الجنةُ عرضُها (^١) السماواتُ والأرضُ، فأين النارُ؟ فقال: \"هذا النهارُ إذا جاء، أين الليلُ؟ \".\nذكرُ الأخبارِ بذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ وغيرِه\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني مسلمُ بنُ خالدٍ، عن ابنِ خُثَيمٍ، عن سعيدِ بنِ أبي راشدٍ، [عن يَعْلَى بنِ مُرَّةَ] (^٢)، قال: لَقِيتُ التَّنُوخِي رسولَ هِرَقْلَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وبِحمْصَ شيخًا كبيرًا، قد فَنِد (^٣)، قال: قَدِمتُ على رسولِ الله ﷺ بكتاب هِرَقْلَ، فناوّل الصحيفةَ رجلًا عن يسارِه. قال: قلت: مَن صاحبُكم الذى يَقْرَأُ؟ قالوا: معاويةُ، فإذا [كتابُ صاحبى] (^٤): إنك كتبتَ تدعونى إلى جنةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ (^٥) فأين النارُ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ \"سبحانَ اللَّهِ! فأين الليلُ إذا جاء النهارُ؟ \" (^٦).\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"كمثل\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يعلى بن أبى مرة\". وهو يعلى بن مرة الثقفى يروى عنه سعيد بن أبي راشد. وسقط هذا الراوى من مسند الإمام أحمد حيث ساقه من قول سعيد بن أبي راشد. وسعيد بن أبي راشد هذا يروى عن يعلى وعن التنوخى مباشرة كما في تهذيب الكمال ١٠/ ٤٢٦. ورأى الشيخ شاكر أن ذكر يعلى مقحم فى هذا السند. ونقله ابن كثير في تفسيره عن الطبري كالذي هنا. فالله أعلم. وينظر تفسير الطبرى بتحقيق الشيخ شاكر ٧/ ٢٠٩ - ٢١١.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"مد\". وفى م: \"أقعد\". وعند ابن كثير: \"فسد\". وصوبناه من لفظ المسند: \"بلغ الفند\". والفند بالتحريك: الخرف وإنكار العقل لهرم أو مرض. التاج (ف ن د).\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كان\"، وفى م: \"هو\". والمثبت من المسند وتفسير ابن كثير.\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أعدت للمتقين\".\n(^٦) أخرجه أحمد ٢٤/ ٤١٦ - ٤١٩ (١٥٦٥٥)، وابن زنجويه فى الأموال (١٠٤)، وعبد الله بن أحمد فى الزوائد ٢٧/ ٢٤٢ - ٢٤٥ (١٦٦٩٣، ١٦٦٩٤)، وأبو يعلى (١٥٩٧) من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم به بدون ذكر يعلى.","vol":"6","page":54},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن طارقِ بنِ شهابٍ، أن ناسًا من اليهودِ سألوا عمرَ بنَ الخطابِ، عن جنةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ، أين النارُ؟ قال: أرأيتم إذا جاء الليلُ أين يكونُ النهارُ؟ فقالوا: اللهمَّ نَزَعتَ بمثله (^١) من التوراةِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قيسِ ابنِ مسلمٍ، عن طارقِ بنِ شهابٍ: أن عمرَ أتاه ثلاثةُ نَفَرٍ من أهلِ نجرانَ، فسألوه، وعندَه أصحابهُ، فقالوا: أرأيتَ قولَه: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ﴾. فأين النارُ؟ فأحجَم الناسُ، فقال عمرُ: أرأيتم إذا جاء الليلُ، أين يكونُ النهارُ؟ وإذا جاء النهارُ، أين يكون الليلُ؟ فقالوا: لقد نَزَعْتَ مثلَها من التوراةِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: وأخبَرنا شعبةُ، عن إبراهيمَ (^٤) بن مُهاجرٍ، عن طارقِ بنِ شهابٍ، عن عمرَ، بنحوِه في الثلاثةِ الرَّهْطِ الذين أتَوا عمرَ، فسألوه عن جنةٍ عرضُها كعرضِ السماواتِ والأرضِ، بمثلِ حديثِ قيسِ بنِ مسلمٍ.\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا الأعمشُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن طارقِ بنِ شهابٍ، قال: جاء رجلٌ من اليهودِ إلى عمرَ، فقال: تقولون: جنةٌ عرضُها السماواتُ والأضُ، أين تكونُ النارُ؟ فقال له عمرُ: أرأيتَ النهار إذا جاء، أين يكونُ الليلُ؟ أرأيتَ الليلَ إذا جاء، أين يكونُ النهارُ؟ فقال: إنه\n_________\n(^١) فى م: \"مثله\". ونزعت بمثله، يعنى: جئت بما يشبهها. ينظر النهاية ٥/ ٤١.\n(^٢) ذكره بن كثير في تفسيره ٢/ ٩٩ عن سفيان، وعزاه السيوطى فى الدر ٢/ ٧٢ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٩٩ نقلا عن المصنف من طريق شعبة.\n(^٤) فى م: \"ابن إبراهيم\". وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٢١١.","vol":"6","page":55},{"text":"لَمِثْلُها في التوراةِ. فقال له صاحبُه: لم أخبرتَه؟ فقال [له صاحبُه] (^١): دَعْه إنه بكلٍّ مُوقِنٌ (^٢).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: أخبَرنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ بُرْقانَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ (^٣) الأصَمِّ، أن رجلًا من أهلِ الكتابِ أتَى ابنَ عباسٍ، فقال: تقولون: جنةٌ عرضُها السماواتُ والأرضُ، فأين النارُ؟ فقال ابن عباسٍ: أرأيتَ الليلَ إذا جاء، أين يكونُ النهارُ؟ وإذا جاء النهارُ، أين يكون الليلُ؟ (^٤).\nوأما قولُه ﷿: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. فإنه يعني أن الجنةَ التي عرضُها كعرضِ السمواتِ السبعِ (٣) والأرَضين السبعِ، أعدَّها اللهُ للمتقين، الذين اتقَوُا الله، فأطاعوه فيما أمرَهم ونَهاهم، فلم يَتَعَدُّوا حدودَه، ولم يُقَصِّروا في واجبِ حقِّه عليهم، فيُضَيِّعوه.\nكما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. أي: ذلك (^٥) لمن أطاعني، وأطاعَ رسولى (^٦).\n\n<span id=\"aya-427\"></span><span data-type='title' id=toc-1515>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾.</span>\n_________\n(^١) ليس في: الأصل.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٩٩ نقلا عن المصنف من طريق الأعمش.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٩٩ نقلا عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٢ إلى عبد بن حميد والمصنف.\n(^٥) في سيرة ابن هشام وتفسير ابن أبي حاتم: \"دارًا\".\n(^٦) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٩ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٢ (٤١٦٠) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":56},{"text":"يعني جلّ ثناؤه بقولِه: الَّذِينَ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾: أُعِدَّت الجنةُ التي عرضُها السمواتُ والأرضُ للمتقين، وهم المُنْفقون أموالَهم في سبيلِ اللَّهِ، إما في صَرْفِه على مُحْتاجٍ، وإما في تقوية مُضْعِفٍ (^١)، على النهوضِ لجهادِ عدوٍ في سبيلِ اللهِ.\nوأما قولُه: ﴿فِي السَّرَّاءِ﴾. فإنه يعنى: في حالِ السرورِ بكثرةِ المالِ، ورخاءِ العيش.\nوالسَّرَّاءُ، مصدرٌ، من قولهم: سَرَّنى هذا الأمرُ مَسَرَّةً وسُرورًا.\nوالضَّرَّاءُ مصدرٌ، من قولهم: قد ضُرَّ فلانٌ فهو يُضَرُّ. إذا أصابه الضُّرُّ، وذلك إذا أصابَه الضِّيقُ والجَهْدُ في عَيْشِه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾. يقولُ: في العسرِ واليسرِ (^٢).\nفأخبر جلّ ثناؤه أن الجنةَ التي وَصَف صفتها لَمَن اتَّقاه، وأنفَق مالَه في حالِ الرخاءِ (^٣) والسَّعَةِ، وفى حالِ الضِّيقِ والشدةِ، في سبيلِه.\nوقولُه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾. يعنى: والجارِعين الغيظَ عندَ امتلاءِ نفوسِهم، منه، يقال منه: كَظَم فلانٌ غَيْظَه. إِذا تَجَرَّعَه، فحَفِظ نفسَه من أن تُمضِيَ ما هي قادرةٌ على إمضائِه، باستِشْفائها (^٤) ممن غاظَها، وانتصارِها ممن ظَلَمها.\n_________\n(^١) أضعف فلان: ضعفت دابته، يقال: هو ضعيف مضعف. فالضعيف في بدنه، والمضعف في دابته التاج (ض ع ف).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٢ (٤١٦٢) عن محمد بن سعد به، وليس فيه: \"واليسر\".\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"الرضا\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"باستمكانها\".","vol":"6","page":57},{"text":"وأصلُ ذلك، من كَظْمِ القِرْبةِ، يقالُ منه: كَظَمْتُ القِرْبةَ (^١). إذا ملأتَها ماءً، وفلانٌ كَظِيمٌ ومَكْظومٌ. إذا كان مُمْتَلِئًا غَمًّا وحُزْنًا، ومنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤]. يعني: فهو (^٢) مُمتلئٌ من الحُزْنِ. ومنه قيل لمجارى الماءِ (^٣): الكَظائمُ. لامتلائِها بالماءِ، ومنه قيل: أخذتُ بكَظمه. يعني بمَجارِى نفسِه.\nوالغَيْظُ، مصدرٌ، من قولِ القائلِ: غاظني فلانٌ، فهو يَغِيظُنى غَيْظًا. وذلك إذا أحفَظه (^٤) وأغضَبه.\nوأما قولُه: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ فإنه يعنى: والصافِحين عن الناسِ عقوبةَ ذنوبِهم إليهم، وهم على الانتقامِ منهم قادِرون، فَتارِكيها (^٥) لهم.\nوأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. فإنه يعنى: فإن الله يُحِبُّ مَن عملِ بهذه الأمورِ، التي وَصَف أنه أعَدَّ للعاملين بها الجنةَ، التي عرضُها السمواتُ والأرضُ، والعامِلون بها هم المُحْسِنون، وإحسانُهم هو عملُهم بها.\nكما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ الآية إلى (٢): ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. أي: وذلك الإحسانُ، وأنا أحِبُّ مَن عمل به (^٦)\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ\n_________\n(^١) في ص: \"القرية\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المياه\".\n(^٤) يقال: أحفظه فاحتفظ، يعنى أغضبه فغضب. اللسان (ح ف ظ).\n(^٥) في م: \"فتاركوها\".\n(^٦) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٩.","vol":"6","page":58},{"text":"يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: قومٌ أنفقوا في العُسْرِ واليُسْرِ، والجَهْد والرخاءِ. فمَن استطاعَ أن يَغْلِبَ الشرَّ بالخيرِ فليفعَلْ، ولا قوةَ إلا باللهِ، فَنِعْمَتْ واللهِ يا بنَ آدمَ، الجَوْعَةُ تَجترعُها من صبرٍ، وأنت مَغِيظٌ، وأنت مظلومٌ (^١).\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ بِشْرٍ، قال: ثنا مُحْرِزٌ أبو رجاءٍ، عن الحسنِ، قال: يقالُ يومَ القيامةِ: لِيَقمْ مَن كان له على اللهِ أجرٌ. فما يقومُ إلا إنسانٌ عَفا، ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا داودُ بنُ قيسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن رجلٍ من أهلِ الشامِ، يقالُ له: عبدُ الجليلِ. عن عَمٍّ له، عن أبى هريرةَ في قولِه جل وعز: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ (^٢)﴾. أن النبيَّ ﷺ قال: \"مَن كَظَم غَيْظًا وهو يَقْدِرُ على إنفاذه، ملأه اللهُ أَمْنًا وإيمانًا\" (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ قولَه جل وعز: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ إلى قولِه ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: فـ ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ كقولِه: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]. يغضَبون في الأمرِ (^٤) لو وَقَعوا به كان حرامًا، فيَغْفِرون ويَعْفُون، يَلْتمِسون بذلك وجهَ اللهِ. ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ كقولِه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ قولِه إلى ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢].\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٢، ٧٦٣ عقب الأثرين (٤١٦٣، ٤١٦٤) معلقا.\n(^٢) بعده في الأصل: \"والعافين\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٢.\n(^٤) في ص: \"الأمن\".","vol":"6","page":59},{"text":"يقولُ: لا تُقْسِموا على أن لا تُعْطوهم من النفقةِ شيئًا، واعفُوا واصفَحوا (^١).\n\n<span id=\"aya-428\"></span><span data-type='title' id=toc-1516>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعز: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ وعز: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾. أن الجنةَ التي وصَف ﷿ صفتَها، أُعِدَّت للمتقين، [الذين ينفقون] (^٢) في السراءِ والضراءِ، والذين إذا فعَلوا فاحشةً، وجميعُ هذه النعوتِ من صفةِ المتقين الذين قال تعالى ذكرُه: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن ثابتٍ البُنَانيِّ، قال: سمِعتُ الحسنَ قرَأ هذه الآيةَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ثم قرَأ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ إلى ﴿أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. فقال: إن هذين النعتَين لَنَعْتُ رجلٍ واحدٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ بنُ عبد الحميدِ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: هذان (^٤) ذَنْبان؛ الفاحشةُ ذنبٌ، وظلموا أنفسَهم ذنبٌ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٣ (٤١٦٥) عن محمد بن سعد إلى قوله: \"وجه الله\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المنفقين\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٣.\n(^٤) في م: \"هذا\".\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٢٥ - تفسير) من طريق جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"6","page":60},{"text":"وأما الفاحشةُ فهى صفةٌ لمتروكٍ. ومعنى الكلامِ: والذين إذا فعَلوا فَعْلةً (^١) فاحشةً. ويعنى بالفاحشة: الفَعْلةُ القبيحةُ الخارجةُ عما أَذِن اللهُ ﷿ فيه.\nوأصلُ الفُحْشِ القُبْحُ والخروجُ عن الحَدِّ والمقدارِ في كلِّ شيءٍ، ولذلك (^٢) قيل للطويلِ المُفْرطِ الطولِ: إنه لفاحِشُ الطُّولِ. يرادُ به: قبيحُ الطولِ، خارجٌ عن المقدارِ المُسْتَحسَنِ، ومنه قيل للكلامِ القبيحِ غيرِ القصدِ (^٣): كلامٌ فاحشٌ. وقيل للمتكلمِ به (^٤): أفحَشَ في كلامه. إذا نَطَق بفُحْشٍ.\nوقد قيل: إن الفاحشة في هذا الموضعِ مَعْنيٌّ بها الزِّنَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1517>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا العباسُ بنُ عبدِ العظيم، قال: ثنا حِبَّانُ، [قال: ثنا حَمَّادٌ] (^٥)، عن ثابتٍ، عن جابرٍ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾. قال: زِنَا القومِ، وربِّ الكعبةِ (^٦).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾، أما الفاحشةُ فالزِّنا (^٧).\nوقولُه: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. يعني به: فعَلوا بأنفسِهم غيرَ الذي كان\n_________\n(^١) سقط من: ص.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، س. وفى م، ت ٣، س: \"منه\".\n(^٣) كلام قصد: سهل مستقيم. التاج (ق ص د).\n(^٤) ليست في: ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) سقط من: الأصل.\n(^٦) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٤ عقب الأثر (٤١٧٢) معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٤ (٤١٧٢) من طريق أحمد به.","vol":"6","page":61},{"text":"ينبغى لهم أن يفعَلوا بها. والذي فعَلوا من ذلك ركوبُهم من معصيةِ اللهِ جلَّ وعز، ما أوجَبوا لها به عقوبتَه.\nكما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: الظلمُ من الفاحشةِ، والفاحشةُ من الظلمِ (^١).\nوقولُه: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾. يعنى بذلك: ذكَروا وعيدَ اللَّهِ على ما أتَوا من معصيتِهم إياه، ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾. يقولُ: فسَألوا ربَّهم أن يَستُرَ عليهم ذنوبَهم، بصَفْحِه لهم عن العقوبةِ عليها. ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. يقولُ: وهل يغفرُ الذنوبَ - أي يعفو عن راكبها فيستُرُها عليه - إلا اللَّهُ. ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾. يقولُ: ولم يُقِيموا على ذنوبهم التي أتَوها، ومعصيتِهم التي ركِبوها ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: لم يُقِيموا على ذنوبهم عامِدين للمُقامِ عليها، وهم يعلَمون أن الله ﷿ قد تقدَّم بالنهى عنها، وأوعَد عليها العقوبةَ مَن ركِبها.\nوذُكِر أن هذه الآيةَ أُنزِلت خُصوصًا بتَخْفيفها ويُسْرِها أُمَّتَنا (^٢) مما كانت بنو إسرائيلَ مُمتحَنةً به من عظيمِ البلاءِ في ذنوبِها.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جرَيجٍ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، أنهم قالوا: يا نبي الله، بنو إسرائيل أكرم على اللَّهِ مِنّا؟!، كانوا إذا أذْنَب أحدهم أصبَحت كفارةٌ ذنبِه مكتوبةً في عَتَبةِ بابِه: اجدَعْ أُذنَكَ، اجدَعْ أنفك، افعلْ … فسكَت رسولُ اللهِ ﷺ، فنزَلَت: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٤ (٤١٧٣) من طريق وكيع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣ س: \"أمنا\". وقوله: \"أمتنا\" منصوب على المفعولية لقوله: \"خصوصا\".","vol":"6","page":62},{"text":"مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. إلى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ألا أُخبِرُكم بخيرٍ من ذلك؟ \" فقرَأ هؤلاء الآيات (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني [عمرُ بنُ خليفةَ] (^٢) العَبْدِيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ زيدِ بن جُدْعانَ، قال: قال ابن مسعودٍ: كانت بنو إسرائيلَ إذا أذنَبوا، أصبح مكتوبًا على بابِه الذنبُ وكفارتُه، فأُعْطِينا خيرًا من ذلك هذه الآيةُ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن ثابتٍ البُنَانيِّ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠] بكى إبليسُ فَزَعًا من هذه الآيةِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن ثابت البناني، قال: بَلَغنى أن إبليس حين نزلت هذه الآيةُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بكَى (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ عثمانَ مولى آلِ أبي عَقِيلٍ الثقفيَّ، قال: سمِعتُ عليَّ بنَ ربيعةَ يُحدِّثُ عن رجلٍ من فَزارةَ، يقالُ (^٥) له: أسماءُ. أو: ابن أسماءَ. عن عليٍّ، قال: كنتُ إذا\n_________\n(^١) ذكره الطوسى في التبيان ٢/ ٥٩٥، وأبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٥٩ عن عطاء.\n(^٢) كذا في النسخ، وصوابه: عمر بن أبي خليفة. ينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٣٣٠.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٧ إلى ابن المنذر.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في ص: \"فقال\".","vol":"6","page":63},{"text":"سمِعتُ من رسولِ اللهِ ﷺ شيئًا، نفعنى الله بما شاء أن ينفَعَني به، وحدَّثني أبو بكرٍ، وصدَق أبو بكر، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"ما من عبد\". قال شعبةُ: وأحسَبُه قال: \"مسلم\". \"يُذنب ذنبًا ثم يتوضأُ، ثم يصلِّى ركعتَين، ثم يستغفرُ الله لذلك الذنب [إلا غفَر له] (^١). قال شعبةُ: وقرَأ إحدى هاتين الآيتين: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾؛ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، وحدَّثنا الفضلُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مِسْعَرٍ وسفيانَ، عن عثمانَ بن المغيرةِ الثَّقَفيِّ، عن عليّ بن ربيعةَ الوَالِبيِّ، عن أسماءَ بن الحكمِ الفزاريِّ، عن عليّ بن أبى طالبٍ قال: كنتُ إذا سمِعتُ من رسولِ اللهِ ﷺ حديثا نفَعَنى اللَّهُ بما شاء منه، وإذا حدَّثنى عنه غيرُه، استحلَفتُه، فإذا حَلَف لى صدَّقتُه، وحدَّثنى أبو بكرٍ وصَدَق أبو بكرٍ، أنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ما من رجل يُذْنِبُ ذنبًا ثم يَتوضَّأُ، ثم يصلِّى\". قال أحدُهما: \"ركعتين\". وقال الآخَرُ: \"ثم يصلِّي ويَسْتغفِرُ اللَّهَ إلا غفر له\" (^٣).\nوحدَّثنا الزبيرُ بنُ بَكَّارٍ، قال: ثني سعدُ بنُ سعيدِ بن أبى سعيدٍ المَقْبُرِيُّ، عن أخيِه، عن جدِّه، عن عليّ بن أبى طالبٍ أنه قال: ما حدَّثني أحدٌ حديثا\n_________\n(^١) سقط من النسخ واستدركناه من مصادر التخريج ومن الروايات التي ستأتى.\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ٢١٩ (٤٨) والمروزى في مسند أبي بكر (١٠)، والبزار (٨)، وأبو يعلى (١٣) من طرق عن محمد بن جعفر به، وأخرجه الطيالسي (١)، وأحمد ١/ ٢١٨، ٢١٩ (٤٧)، وأبو يعلى (١٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٥ (٤١٨٠)، والبيهقى في الشعب (٧٠٧٧) من طريق شعبة.\n(^٣) أخرجه الحميدى (٤)، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٨٧، وأحمد ١/ ١٧٩ (٢)، والمروزي في مسند أبي بكر (٩)، وابن ماجه (١٣٩٥)، والبزار (٩)، وأبو يعلى (١٢)، من طريق وكيع به، وأخرجه الحميدي (١)، والنسائي (١٠٢٤٧، ١٠٢٤٨ - كبرى)، والطبراني في الدعاء (١٨٤٢) من طريق مسعر به، وأخرجه النسائي (١٠٢٤٩ - كبري)، وأبو يعلى (١٥)، والطبراني في الدعاء (١٨٤٢) من طريق سفيان به، وأخرجه الطيالسي (٢)، وأحمد ١/ ٢٢٣ (٥٦)، وأبو داود (١٥٢١) والترمذى (٤٠٦، ٣٠٠٦)، والنسائي (١٠٢٥٠ - كبرى)، والبزار (١٠)، وأبو يعلى (١١)، وابن حبان (٦٢٣)، والطبراني في الدعاء (١٨٤٢)، والبغوى (١٠١٥) من طريق عثمان بن المغيرة به.","vol":"6","page":64},{"text":"عن رسولِ اللهِ ﷺ إلا سألتُه أن يُقسِمَ لى باللهِ لهو سمِعه من رسولِ اللهِ ﷺ، إلا أبا بكر، فإنه كان لا يَكْذِبُ. قال عليٌّ ﵁: فحدَّثني أبو بكرٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"ما مِن عبدٍ يُذنبُ ذنبًا، ثم يقومُ عند ذكرِه ذنبَه ذلك، فيَتوضَّأُ ثم يصلِّى ركعتَين، ويستغفرُ الله من ذنبِه ذلك، إلا غفَره اللهُ له\" (^١).\nوأما قولُه: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾. فإنه كما بَيَّنا تأويلَه. وبنحوِ ذلك كان أهلُ التأويلِ يقولون.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾. أي: إن أتَوا فاحشةً. ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. بمعصيةٍ، ذكروا نَهْيَ اللهِ عنها، وما حرَّم اللهُ عليهم، فاستغفَروا لها، وعَرَفوا أنه لا يغفرُ الذنوبَ إلا هو (^٢).\nوأما قولُه: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. فإن اسمَ اللَّهِ مرفوعٌ، ولا جَحْد قبلَه، وإنما يُرْفَعُ ما بعد \"إلا\" بإتباعِه ما قبله، إذا كان نكرةً ومعه جَحْدٌ، كقولِ القائلِ: ما في الدارِ أحدٌ إلا أخوك. فأما إذا قيل: قام القومُ إلا أباك. فإن وَجْهَ الكلامِ في الأبِ النصبُ، و\"مَن\" بصلته في قوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ معرفةٌ. فإن ذلك إنما جاء رفعًا؛ لأن معنى الكلامِ: وهل يغفرُ الذنوبَ أحدٌ. أو: ما يغفرُ الذنوبَ أحدٌ إِلا اللَّهُ. فرُفِع ما بعدَ\" إلا\" من اسمِ \"اللهِ\" على تأويلِ الكلامِ، لا على لفظِه.\n_________\n(^١) أخرجه الحميدى في مسنده (٥)، والبزار في مسنده (٦)، وابن عدى في الكامل ٣/ ١١٩٠، والدارقطني في العلل ١/ ١٨٠ من طريق عن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٧ إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٩ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٤ - ٧٦٦ (٤١٧٠، ٤١٧٩، ٤١٨٣) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":65},{"text":"وأما قولُه: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختَلفوا في تأويلِ الإصْرارِ، ومعنى هذه الكلمةِ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك، لم يَثْبُتوا على ما أَتَوا من الذنوبِ، ولم يُقيموا عليه، ولكنهم تابوا واستغفَروا، كما وصَفهم اللهُ جلَّ ثناؤه به.\n\n<span data-type='title' id=toc-1518>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. فإياكم والإصرارَ، فإنما هَلَكَ المُصِرُّون الماضون قُدُمًا، لا يَنْهاهم مخافةُ الله ﷿ عن حرامٍ حَرَّمه عليهم، ولا يَتوبون من ذنبٍ أصابوه، حتى أتاهم الموتُ، وهم على ذلك (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قال: قُدُمًا قُدُمًا في معاصي اللهِ، لا تَنْهاهم مخافةُ اللهِ حتى جاءهم أمرُ اللهِ (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: لم يُقِيموا على مَعْصِيتى، كفعلِ من أشرَك بي، فيما عَمِلوا به مِن كفرٍ بى (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: لم يُواقِعوا الذنب إذا هَمُّوا به.\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٦٠ عن قتادة مختصرا بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٨ إلى ابن المنذر: وينظر الأثر التالي.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٣،١٣٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٦ (٤١٨٦) عن الحسنِ بن يحيى به.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٦ (٤١٨٨) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":66},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1519>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾. قال: إتيانُ العبدِ ذنبًا إصرارٌ حتى يتوبَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قال: لم يُواقِعوا (^٢).\nوقال آخرون: معنى الإصرار السكوتُ على الذنبِ، وتركُ الاستغفارِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1520>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أمَّا يُصِرُّوا: فيَسْكُتوا ولا يستغفِروا (^٣).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندَنا: قولُ مَن قال: الإصرارُ: الإقامةُ على الذنبِ عامدًا، و(^٤) ترك التوبةِ منه.\nولا معنى لقولِ مَن قال: الإصرارُ على الذنبِ، هو مُواقعتُه. لأن الله ﷿\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٣، ١٣٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٦ (٤١٨٦) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"يصروا\".\nوالأثر في تفسير مجاهد صفحة ٢٦٠ من طريق ابن أبي نجيح بنحوه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٦ (٤١٨٥) من طريق ابن جريج عن مجاهدٍ بنحوه، وذكره أبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٦٠ عن مجاهد بنحوه وفيها جميعًا: \"لم يمضوا\" ولم يقل \"لم يواقعوا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٦ (٤١٨٧) من طريق أحمد به.\n(^٤) في النسخ: \"أو\". وما أثبتناه هو المقتضى، يدلك عليه كلام المصنف عن الاستغفار بعد.","vol":"6","page":67},{"text":"مَدَح بتركِ الإصرارِ على الذنبِ مُوَاقِعَ الذنبِ، فقال ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾، ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾. ولو كان المُوَاقِع الذنبَ مُصِرًا بمُواقعته إياه، لم يكنْ للاستغفار وَجهٌ مفهومٌ؛ لأن الاستغفارَ من الذنبِ إنما هو التوبةُ منه والندمُ، ولا يُعرَفُ للاستغفارِ من ذنبٍ لم يُواقِعه صاحبه وَجْهٌ.\nوقد رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"ما أصَرَّ مَن استغفَر، وإن عاد في اليومِ سبعين مرةً\".\nحدَّثني بذلك الحسينُ بنُ يزيدَ السَّبِيعيُّ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن عثمانَ بن واقدٍ، عن أبي نُصَيرةَ (^١)، عن مولًى لأبي بكرٍ، عن أبي بكرٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ (^٢).\nفلو كان مُواقِعُ الذنبِ مُصِرًا، لم يكنْ لقولِه: \"ما أَصَرَّ مَن استغفَر وإن عاد في اليومِ سبعين مرةً\"، معنًى؛ لأن مُواقَعةَ الذنبِ، إذا كانت هي الإصرارُ، فلا يُزِيلُ الاسم الذي لَزِمه معنًى غيرُه، كما لا يزيل عن الزاني اسَم زانٍ، وعن القاتلِ اسمَ قاتلٍ، توبته منه، ولا معنًى غيرها. وقد أبانَ هذا الخبرُ أن المُسْتغفِرَ من ذنبِه غيرُ مُصِرٍّ عليه، فمعلومٌ بذلك أن الإصرارَ غيرُ المُواقعةِ، وأنه المُقامُ عليه، على ما قلنا قبلُ.\nواختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه، وهم يعلَمون أنهم قد أذنَبوا.\n_________\n(^١) في ص: \"نضيرة\" وفى س: \"نصرة\"، وينظر تهذيب الكمال ٣٤/ ٣٤٥.\n(^٢) أخرجه المروزي في مسند أبى بكر (١٢٢)، والترمذى (٣٥٥٩) عن الحسين بن يزيد السبيعي به، وأخرجه المروزي في مسند أبى بكر (١٢١)، وأبو يعلى (١٣٧، ١٣٨)، وابن السنى (٣٦١)، والبيهقى في الشعب (٦٤٢، ٧٠٩٩)، والبغوى (١٢٩٧) من طريق عبد الحميد الحماني به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٦ (٤١٨٤) من طريق عبد الحميد الحماني به، غير أنه قال: عن مولى لأبي بكر عن رسول الله. ولم يقل: عن أبي بكر. وأخرجه أبو داود في سننه ٢/ ٨٥ (١٥١٤)، والبيهقى ١٠/ ١٨٨ من طريق عثمان به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"6","page":68},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1521>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، أمَّا: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، فيعلَمون أنهم قد أذنَبوا، ثم أقاموا فلم يستغفِروا (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: وهم يعلَمون أن الذي أَتَوا معصيةُ اللَّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1522>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قال: يعلَمون بما حرَّمتُ عليهم من عبادةِ غيرى (^٢).\nقال أبو جعفر: وقد تقدَّم بيانُنا أَوْلَى ذلك بالصوابِ.\n\n<span id=\"aya-429\"></span><span data-type='title' id=toc-1523>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذِكْرُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: الذين ذكَر أنه أعدَّ لهم الجنةَ التي عرضُها السمواتُ والأرضُ مِن المتقين، ووَصَفهم بما وصَفهم به. ثم قال: هؤلاء الذين هذه صِفَتُهم ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ يعنى: ثَوابُهم من أعمالِهم التي وَصَفَهم تعالى ذِكْرُه أنهم عمِلوها ﴿مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: عَفْوٌ لهم مِن اللهِ عن عُقوبتِهم على ما سَلَف مِن ذنوبِهم، ولهم على ما أطاعوا اللَّهَ فيه مِن أعمالهم - [مع محوِ السيِّئ من أعمالِهم] (^٣) بالحسنِ منها - ﴿وَجَنَّاتٌ﴾، وهى البساتينُ، ﴿تَجْرِي مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٧ (٤١٩٢) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) السيرة ٢/ ١٠٩ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٧ (٤١٩٣) من طريق سلمة به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":69},{"text":"تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ: تَجْرِى خِلالَ أشجارها الأنهارُ وفي أسافلِها، جزاءً لهم على صالحِ أعمالِهم، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يعنى: دائمي المُقامِ في هذه الجَنَّاتِ التي وَصَفها. ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ يعنى: ونِعْمَ جزاء العاملين للهِ الجناتُ التي وَصَفها.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: أي ثوابُ المُطِيعين (^١).\n\n<span id=\"aya-430\"></span><span data-type='title' id=toc-1524>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)﴾</span>\nيعني بقولِه تعالى ذِكْرُه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾: قد مَضَتَ وسَلَفت منى في مَن كان قبلَكم - يا مَعْشَرَ أصحابِ محمدٍ وأهلَ الإيمانِ به - من نحوِ قومِ عادٍ وثمودَ وقومِ إبراهيمَ (^٢) وقومِ لوطٍ وغيرهم مِن سُلَّافِ الأُمَم قبلَكم ﴿سُنَنٌ﴾ يعني: [مُثُلًا وسِيَرًا سِرتُها] (^٣) فيهم وفى مَن (^٤) كَذَّبوا به مِن أنبيائِهم الذين أُرْسِلوا إليهم، بإمْهالى (^٥) أهلَ التكذيب بهم، واسْتِدراجي إياهم، حتى بلَغ الكتابُ فيهم أَجَلى (^٦) الذي أجَّلْتُه لإدالة أنبيائِهم وأهلِ الإيمانِ بهم عليهم، ثم أخْلَلتُ بهم عُقُوبَتى، وأنزلتُ بساحتِهم نِقْمَتِي (^٧)، فتركتُهم لمن بعدَهمِ أمثالًا وعِبرًا. ﴿فَسِيرُوا\n_________\n(^١) السيرة ٢/ ١٠٩ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٨ (٤١٩٩) من طريق سلمة به.\n(^٢) في الأصل، ص، م: \"هود\". وقد تقدم ذكر عاد قوم هود.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مثلات سيراسرتها\"، وفى م: \"مثلات سير بها\".\n(^٤) بعده في الأصل: \"كان\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بإمهال\".\n(^٦) في م: \"أجله\".\n(^٧) في ص: \"نقمى\".","vol":"6","page":70},{"text":"فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ: فسيروا - أيها الظَّانُّون أن إدالتي مَن أَدَلْتُ مِن أهلِ الشركِ يومَ أُحدٍ على محمدٍ وأصحابِه لغيِر اسْتِدْراجٍ منى لمن أشرَك بى وكفَر برسولى (^١) وخالَف أمْرِى - في ديارِ الأُمَمِ الذين كانوا قبلكم، ممن كان على مثلِ الذي عليه هؤلاء المُكذِّبون برسولي، والجاحِدون وَحْدانِيَّتى، فانْظُروا كيف كان عاقبةُ تكْذِيبِهم أنبيائى، وما الذي آل إليه غِبُّ (^٢) خلافِهم أمْرِى، وإنكارِهم وَحْدانِيَّتى، فتَعْلَموا عندَ ذلك أن إدالَتيِ مَن أَدَلْتُ مِن المشركين على نَبِيِّي محمدٍ وأصحابِه بأُحُدٍ، إنما هي اسْتِدْراجٌ وإمْهالٌ [منى لهم؛ ليَبلُغَ كتابى الأجلَ] (^٣) الذي أجَّلْتُ لهم، ثم: إما أن يَئُول حالُهم إلى مثلِ ما آل إليه حالُ الأُممِ الذين سلفوا قبلَهم، مِن تعجيلِ العقُوبِة عليهم، أو يُنيبوا إلى طاعتِي واتباعِ رَسُولى.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1525>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبَّادٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ فقال: ألم يَسِيروا (^٤) في الأرضِ فينْظُروا (^٥) كيف عَذَّب اللَّهُ قومَ نوحٍ وقومَ لوطٍ وقومَ صالحٍ، والأُمَمَ التي عَذَّبَ اللهُ ﷿ (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"برسلي\".\n(^٢) في ص: \"عب\"، بالعين المهملة، وفى م، ت ١، ت ٢، س: \"عن\". وغب الشيء، ومغبته عاقبته وآخره. التاج (غ ب ب).\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ليبلغ الكتاب أجله\".\n(^٤) في م، ت ١: \"تسيروا\".\n(^٥) في م، ت ١: \"فتنظروا\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٨، ٧٦٩ (٤٢٠٣، ٤٢٠٤) من طريق أبي بكر الحنفي به.","vol":"6","page":71},{"text":"أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا﴾. يقولُ: في الكفارِ والمؤمنين، والخيرِ والشرِّ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾: في (^٢) المؤمنين والكفارِ.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إِسحاقَ، قال: اسْتَقْبَل ذِكْرَ المُصِيبةِ التي نَزَلت بهم - يعنى بالمسلمين يومَ أُحدٍ - والبلاءِ الذي أصابَهم، والتَمحيصِ لما كان فيهم، واتخاذِه الشهداءَ منهم، فقال تَعْزيةً لهم، وتعريفًا لهم فيما صَنَعوا، وما هو صانعٌ بهم: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. أي: قد مَضَت منى وقائعُ نِقْمَةٍ في أهلِ التكذيبِ لرُسُلى والشركِ بي (^٣)؛ عادٍ وثمودَ وقومِ لوطٍ وأصحابِ مَدْينَ، فسيروا في الْأَرْضِ تَرَوْا مَثُلاتٍ قد مَضَت منى (^٤) فيهم، ولمن كان على مثلِ ما هم عليه مِثْلُ ذلك منى، وإن أمليتُ (^٥) لهم، أي: لئلا يَظُنُّوا أن نِقْمَتى انْقَطَعت عن عَدوِّهم وعَدوِّى، للدَّوْلةِ التي أدَلْتُها عليكم بها؛ لأبْتَلِيَكم بذلك، لأعْلَم ما عندَكم (^٦).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ: مَتَّعهم في الدنيا قليلًا، ثم صَيَّرهم إلى النارِ (^٧).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٦٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٩ (٤٢٠١)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في الأصل: \"من\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"في\".\n(^٤) ليست في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أمكنت\".\n(^٦) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٩، ١١٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٨ (٤٢٠٢)، من طريق سلمة به مختصرًا بنحوه.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٩ (٤٢٠٦)، من طريق يزيد بنحوه، ٣/ ٧٦٩ (٤٢٠٥) =","vol":"6","page":72},{"text":"وأما السُّننُ فهى جميعُ سُنةٍ. والسنَّةُ هي المثالُ المُتَّبع، والإمامُ المُؤْتمُّ به. يُقالُ منه: سَنَّ فلانٌ فينا سُنةً حَسَنةً، وسنَّ سَنَّةً سَيئةً. إذا عَمِل عملًا اتبع عليه مِن خيرٍ أو (^١) شرٍّ. ومنه قولُ لَبِيدِ بن رَبيعة (^٢).\nمِنْ مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهُمْ آبَاؤُهُمْ … ولكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها\nقولُ سليمانِ بن قَتَّةَ (^٣).\nوَإِنَّ الأُلَى بالطَّفِّ (^٤) مِنْ آلِ هَاشِمٍ … تَأْسَوْا (^٥) فَسَنُّوا للكِرَامَ التَّآسيا\nوقال ابن زيدٍ في ذلك بما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾. قال: أمثالٌ.\n\n<span id=\"aya-431\"></span><span data-type='title' id=toc-1526>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾</span>\nاختلف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي أُشِير إليه بـ ﴿هَذَا﴾؛ فقال بعضُهم: عنى بقولِه: ﴿هَذَا﴾. القرآنَ.\n_________\n= بلفظ المصنف من طريق شيبان عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٨ إلى عبد بن حميد.\n(^١) في م: \"و\".\n(^٢) شرح ديوان لبيد ص ٣٢٠.\n(^٣) البيت في الكامل ١/ ١٤، والأغاني ١٩/ ١٢٩، وشرح ديوان الحماسة ١/ ١٠٧، وأمالي الشجرى ١/ ١٣١. غير منسوب إلا في الأغاني.\n(^٤) الطف: أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية، كان فيها مقتل الحسين بن علي ﵁. معجم البلدان ٣/ ٥٣٩.\n(^٥) تآسوا، من المؤاساة مهموزة، من قولهم: آسى يؤاسى من الأسوة. يريد: صار بعضهم لبعض أسوة. ينظر اللسان (أ س ا).","vol":"6","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1527>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبادٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال: ﴿هَذَا﴾: القرآنُ (^١).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾: وهو هذا القرآنُ، جعله الله بيانًا للناسِ عامةً، وهُدًى ومَوْعِظَةً للمتقين خصوصًا (^٢).\nحدَّثنا المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾. [قال: كان تبيانُه للناسِ عامةً، ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾] (^٣): للمتقين خاصةً (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن ابن جرَيجٍ، في قولِه: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾: خاصةً.\nوقال آخرون: إنما أُشِيرَ بقولِه: ﴿هَذَا﴾، إلى قولِه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِين﴾. ثم قال: ﴿هَذَا﴾ الذي عَرَّفْتُكم يا مَعْشَرَ أصحابِ محمدٍ، ﴿بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٩ (٤٢١١) من طريق أبي بكر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٧٦٩ (٢٠٨) من طريق يزيد به. إلى قوله: عامة. وذكر بقيته في ٣/ ٧٧٠ عقب الأثر (٤٢١٦) معلقا.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٠ (٤٢١٦) من طريق أبي جعفر به بنحوه عن الربيع عن أبي العالية.","vol":"6","page":74},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1528>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ بذلك.\nوأوْلَى القولين في ذلك عندِى بالصوابِ قولُ مَن قال: قولُه: ﴿هَذَا﴾ إِشارةٌ إلى ما تقدَّم هذه الآيةَ مِن تذكيرِ اللهِ جلَّ ثناؤُه المؤمنين، وتعريفهم حُدودَه، وحضِّهم على لُزومِ طاعتِه والصبرِ على جهادِ أعدائِه وأعدائِهم؛ لأن قولَه: ﴿هَذَا﴾. إشارةٌ إلى حاضر؛ إما مَرْئيٍّ وإما مَسْموعٍ، وهو في هذا المَوْضعِ إلى حاضرٍ مَسْموعٍ مِن الآياتِ المُتقدِّمة. فمعنى الكلامِ: ﴿هَذَا﴾ الذِي أَوْضَحْتُ لكم وعَرَّفْتُكُموه ﴿بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾، يعنى بالبيانِ: الشَّرْحَ والتَّفْسِير.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾: أي هذا تَفْسيرٌ للناسِ إن قَبِلوه (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ والمَثنى، قالا: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سُفيانُ، عن بَيانٍ، عن الشَّعْبيِّ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾. قال: مِن العَمَى (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن [بيانٍ، عن] (^٣) الشعبيِّ مثلَه (^٤).\nوأما قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾. فإنه يعنى بالهُدَى: الدلالةَ على سبيلِ الحقِّ ومنهجِ الدينِ، وبالموعظةِ: التذكرة للصوابِ والرشادِ.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٩ (٤٣٠٩) من طريق سلمة به.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٨٠ ومن طريقه أبو نعيم في الحلية ٤/ ٣١١. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٢٧ - تفسير) مِن طريق بيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦٩ (٤٢٠٧) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"6","page":75},{"text":"كما حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ والمُثنى، قالا: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن بيانٍ، عن الشَّعْبيِّ: ﴿وَهُدًى﴾. قال: مِن الضلالةِ، ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾: مِن الجَهْلِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن بيانٍ، عن الشَّعْبيِّ مثلَه (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ قال: ثنا سلمةُ عن ابن إسحاقَ: [﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾: أي نورٌ وآدابٌ، فأما قولُه: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. فإنه يعنى: لمن اتقى الله ﷿ بطاعتِه واجتنابِ محارِمه.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ] (^٢): ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. أي: لمن أطاعنى، وعَرَف أمْرِى (^٣).\n\n<span id=\"aya-432\"></span><span data-type='title' id=toc-1529>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾.</span>\nوهذا مِن اللهِ تعالى ذِكْرُهِ تَعْزِيةٌ لأصحابِ رسولِه ﷺ على ما أصابهم مِن الجِراحِ والقَتْلِ بأُحُدٍ (^٤). قال: ولا تَهنوا ولا تَحْزنوا يا أصحابِ محمدٍ، يعني: ولا تَضْعُفوا بالذي نالكم مِن عَدوكِّم بأُحُدٍ مِن القتلِ والقُروحِ، عن جهادِ عَدوِّكم وحَرْبهم، مِن قولِ القائلِ: وهَنَ فلانٌ في هذا الأمرِ. فهو يَهِنُ وَهْنًا. ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾: ولا تَأْسَوا فتَجْزَعوا على ما أصابكم مِن المُصيبةِ يومئذ، فإنكم أنتم الأَعْلُون، يعنى: الظَّاهرون عليهم، ولكم العُقْبَى في الظَّفَرِ والنُّصْرَةِ عليهم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم مُصَدِّقِى نبيِّى محمدٍ فيما يعدُكم وفيما يُنْبِئُكم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٣/ ٧٦٩ (٤٢١٠)، عن الحسنِ بن يحيى به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٠ (٤٢١٧) من طريق سلمة به.\n(^٤) في ص، ت ١: \"بأخذه\".","vol":"6","page":76},{"text":"مِن الخَبَرَ عما يَئُولُ إليه أمرُكم وأمْرُهم.\nكما حدَّثنا المُثَنى، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ نَصْرٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن يونسُ، عن الزهريِّ، قال: كَثُرَ في أصحابِ محمدٍ ﷺ القتلُ والجراحُ، حتى خَلَص إلى كلِّ امرئ منهم البَأْسُ (^١)، فأنْزَل اللهُ ﷿ القرآن، فآسَى (^٢) فيه المؤمنين بأحسنِ ما آسَي به قومًا مِن المسلمين كانوا قبلَهم مِن الأممِ الماضيةِ، فقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، إلى قولِه: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ (^٣).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: يُعزِّى أصحابِ محمدٍ ﷺ كما تَسْمعون، ويَحُثُّهم على قتالِ عَدوِّهم، ويَنْهاهم عن العجزِ والوَهْنِ في طلبِ عَدوِّهم في سبيلِ اللهِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبادٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: يَأْمرُ محمدًا؛ يقولُ: ولا تهنوا (^٥) أَن تَمْضُوا في سبيلِ اللَّهِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ: عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾: ولا تَضْعُفوا (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"اليأس\". والبأس: الخوف. اللسان (ب أ س).\n(^٢) آساهم، يعني عزاهم. اللسان (أ س ا).\n(^٣) ذكره الحافظ في العجاب ٢/ ٧٥٨ عن ابن المبارك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٨ إلى المصنف، وينظر الفتح ٧/ ٣٤٧.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧١ (٤٢٢٠) من طريق يزيد به.\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س: \"و\".\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٢٦٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٠٠ (٤٢١٩).","vol":"6","page":77},{"text":"حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾. يقولُ: ولا تَضْعُفوا (^١).\nحدَّثني القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾. قال ابن جُرَيجٍ: ولا تَضْعُفوا في أمرِ عَدوِّكم، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾. قال: انْهَزَم أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ في الشُّعْبِ، فقالوا: ما فعَل فلانٌ؟ ما فعَل فلانٌ؟ فنَعَى بعضُهم بعضًا، وتَحدَّثوا أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قد قُتِلَ، فكانوا في همٍّ وحَزَنٍ، فبينما هم كذلك، إذ علا خالدُ بنُ الوليدِ الجبلَ بخَيلِ المشركين فوقَهم، وهم في أسفلِ الشِّعْبِ، فلما رَأَوُا النبيَّ ﷺ فَرِحوا، وقال النبيُّ ﷺ: \"اللَّهُمَّ (^٢) لا قوةَ لنا إلا بك، وليس يَعْبُدُك (^٣) بهذه البَلْدةِ غيرُ هؤلاءِ النَّفَرِ\".\nقال: وثاب نَفَرٌ مِن المسلمين رُماةٌ، فصَعِدوا، فرَمَوْا خيلَ المشركين حتى هَزَمهم اللهُ، وعلا المسلمون الجَبَل (^٤)، فذلك قولُه: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٥).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾. أي: لا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٠ عقب الأثر (٤٢١٩) مِن طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) سقط مِن: ص، ت، س.\n(^٣) في ص، ت ١: \"نعبدك\".\n(^٤) في ص: \"الخيل\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧١ (٤٢٢٣) من طريق ابن ثور عن ابن جريج، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٨ إلى ابن المنذر.","vol":"6","page":78},{"text":"تَضْعُفوا، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾: ولا تَأْسَوا (^١) على ما أصابكم ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾. أي: لكم تَكُونُ العاقبة والظُّهورُ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: إن كنتم صَدَّقْتُم نبيِّي بما جاءكم به عنِّي (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عَمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ، قال: أقْبل خالدُ بنُ الوليدِ يُريدُ أن يَعْلُوَ عليهم الجبلَ، فقال النبيُّ ﷺ: \"اللَّهُمَّ لا يَعْلُونَ علينا\". فأنْزَل اللهُ ﷿ ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-433\"></span><span data-type='title' id=toc-1530>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾.</span>\nاختلف القَرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقَرأَتْه عامةُ قَرأَةِ أهلِ الحجازِ والمدينةِ والبصرةِ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ (^٤)، كلاهما بفَتْحِ \"القاف\"؛ بمعنى: إن يَمْسَسْكُم القتْلُ والجراحُ يا معشرَ أصحابِ محمدٍ، فقد مَسَّ القومَ مِن أعدائكم مِن المشركين قَرْحٌ - قتلٌ وجراحٌ - مثلُه.\nوقرَأ ذلك عامةُ قَرأَةِ الكوفةِ: (إن تمسَسْكُمْ قُرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قُرْحٌ مثْلُهُ) (^٥). [بضمِّ القافِ فيهما جميعًا، بمعنى: إن يمسَسْكم ألمُ الجراحِ فقد مسَّ القومَ منكم مثلُه] (^٦).\nوأَوْلَى القِراءتين بالصواب قراءة مِن قرَأ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ\n_________\n(^١) في سيرة ابن هشام: \" تبتئسوا\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧١ (٤٢٢٢، ٤٢٢٤) من طريق سلمة به دون أوله.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٠٨. وينظر تفسير البغوي ٢/ ١١٠.\n(^٤) هذه قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه، ينظر السبعة ص ٢١٦.\n(^٥) هذه قراءة حمزة والكسائى وعاصم في رواية أبى بكر عنه. ينظر السبعة ص ٢١٦.\n(^٦) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":79},{"text":"قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾. بفتح \"القافِ\" في الحرفين؛ لإجماعِ أهلِ التأويلِ على أن معناه القتلُ والجِراحُ، فذلك يَدُلُّ على أن القراءةَ هي \"الفتحُ\". وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يَزْعُمُ أَن القَرْحَ والقُرْحَ لغتان بمعنًى واحدٍ، والمعروفُ عندَ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ [ما قلنا] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1531>ذِكْرُ مَن قال: إن القَرْحَ الجرِاحُ والقتلُ.</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾. قال: جراحٌ وقتلٌ.\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾. قال: إِن يُقْتَلْ (^٣) منكم (^٤) يومَ أحدٍ، فقد قَتَلتم منهم يومَ بدرٍ (^٥).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾: والقَرْحُ: الجرِاحةُ، وذاكم يومَ أُحدٍ، فَشَا في أصحابِ نبيِّ ﷺ يومَئذٍ القتلُ والجراحةُ، فأخبرَهم اللهُ ﷿ أن القومَ قد\n_________\n(^١) سقط مِن: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٦٠ ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٢ (٤٢٢٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"يقتلوا\". وفي ت ٢: \"تقتل\".\n(^٤) في الأصل: \"منهم\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٢ (٤٢٢٧)، من طريق أبي بكر الحنفى به.","vol":"6","page":80},{"text":"أصابهم مِن ذلك مِثْلُ الذي أصابكم، [من أعدائكم] (^١) عُقُوبةً (^٢).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾. قال: ذلك يومَ أُحُدٍ، فَشا في المسلمين [القَرْحُ، والقَرْحُ] (^٣) الجِراحُ، وفَشا فيهم القتلُ، فذلك قولُه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾. يقولُ: إن كان أصابكم قَرْحٌ فقد أصاب عَدُوِّكم مثله، يُعَزِّي أصحابِ محمدٍ ﷺ، ويَحُثُّهم على القتالِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾: والقَرْحُ هي الجرِاحاتُ (^٥).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ أي: جِراحٌ ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾، أي جِراحٌ مِثلُها (^٦).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا الحَكَمُ بْنُ أبانٍ، عن عِكْرمَة، عن ابنَ عباسٍ، قال: نام المسلمون وبهم الكُلُومُ، يعني يومَ أُحُدٍ، قال عِكرمةُ: وفيهم أنزلت: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، وفيهم أُنْزِلَت: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وأن الذي أصابكم\".\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٢ عقب الأثر (٤٢٢٦) معلقا، مقتصرا على لفظة: الجراحات، فقط.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٢ (٤٢٢٨) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به بنحوه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٢ عقب الأثر (٤٢٢٦) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.\n(^٦) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٠.","vol":"6","page":81},{"text":"يَرْجُونَ﴾ (^١) [النساء: ١٠٤].\nوأما تأويل قوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ﴾. فإنه: إن يُصبْكم.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ﴾: إن يُصِبْكم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1532>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا﴾؛ أَيامُ بدرٍ وأُحُدٍ. ويعنى بقولِه: ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: نجعلُها دُوَلًا بين الناسِ مُصَرَّفةً. ويعنى بالناسِ: المسلمين والمشركين، وذلك أن الله ﷿ أدالَ (^٣) المسلمين مِن المشركين ببَدْرٍ فقَتَلوا منهم سبعين وأسَرُوا سبعين، وأدال (^٣) المشركين مِن المسلمين بأُحُدٍ فقَتَلوا منهم سبعين سِوَى مَن جَرَحوا منهم. يُقالُ منه: أدال (^٣) اللهُ فلانًا مِن فلانٍ، فهو يُدِيلُه (^٤) منه إدالَةً (^٥): إذا ظفر به فانْتَصَر منه مما (^٦) كان نال (^٧) منه المُدَالُ (^٨) منه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧١ (٤٢٢٥) من طريق حفص عن الحكم عن عكرمة بنحوه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٩ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: أذال\". وفى س: \"أنال\".\n(^٤) في ت:١: \"يذيله\"، وفى ت ٢: \"يذله\"، وفى س: \"ينله\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"إذالة\"، وفى س: \"إنالة\".\n(^٦) في ت ٢: \"من\".\n(^٧) في ت ٢: \"ذال\".\n(^٨) في ت ١: \"الذال\"، وفى ت: \"الدال\"، وفى س: \"النال\".","vol":"6","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1533>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ سَنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. قال: جعل الله الأيامَ دُولًا، أدالَ (^١) الكفار يومَ أُحَدٍ مِن أصحابِ محمدٍ ﷺ (^٢).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: إنه واللهِ لولا الدُّوَلُ ما أُوذِى (^٣) المؤمنون، ولكن قد يُدَالُ للكافرِ مِن المؤمِنِ، ويُبْتَلَى المؤمنُ بالكافِرِ؛ ليعلم الله ﷿ مَن يُطِيعُه ممن يَعْصِيه، ويَعْلَمَ الصادق مِن الكاذبِ (^٤).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا﴾: فأظْهَر اللهُ ﷿ نبيَّه ﷺ وأصحابَه على المشركين يومَ بدرٍ، وأَظهر عليهم عدوِّهم يومَ أُحدٍ، وقد يُدالُ الكافرُ مِن المؤمنِ (^٥)، ويُبتلى المؤمنُ بالكافِرِ؛ ليعلَمَ اللَّهُ مَن يُطِيعُه ممن يَعْصِيه، ويَعْلَمَ الصادقَ مِن الكاذبِ، وأما مِن ابْتُليَ منهم - مِن المسلمين - يومَ أُحُدٍ، فكان (^٦) عُقوبةً بمعصيتِهم رسولَ اللهِ ﷺ (^٧).\n_________\n(^١) في ت ١: \"أذال\"، وفى س: \"أنال\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٣ (٤٢٣١) من طريق أبي بكر الحنفى به.\n(^٣) في م: \"أنزل\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٩ إلى المصنف.\n(^٥) في ت ١، ت ٢: \"المؤمنين\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فكانت\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٣ (٤٢٣٤) من طريق ابن أبي جعفر به ببعضه.","vol":"6","page":83},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: يومًا لكم ويومًا عليكم (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجاج، قال: قال ابن جُريجٍ: قال ابنَ عباسٍ: ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. قال: أدال المشركين على النبيِّ ﷺ يومَ أُحُدٍ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه،، عن ابنَ عباسٍ قولَه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: فإنه كان يومُ أُحُدٍ بيومِ بدرٍ؛ قُتِل المؤمنون يومَ أُحُدٍ، اتَّخَذَ اللَّهُ منهم شهداءَ، وغَلَب رسولُ اللهِ ﷺ يومَ بدرٍ المشركين، فجعَل له الدولةَ عليهم (^٣).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عِكرمةَ، عن ابنَ عباسٍ، قال: لما كان قِتالُ أُحُدٍ، وأصاب المسلمين ما (^٤) أصاب، صعِد النبيُّ ﷺ الجبل، فجاء أبو سفيانَ، فقال: يا محمدُ يا محمدُ، ألا تَخْرج؟ ألا تَخْرج؟ الحربُ سجالٌ، يومٌ لنا ويومٌ لكم. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: \"أَجِيبُوه\". فقالوا: لاسواءَ لاسواءَ، قَتْلانا في الجنةِ وقتلاكم في النارِ. فقال أبو سفيانَ: لنا عُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"قولوا: اللهُ مولانا ولا مَوْلَى لكم\". فقال أبو سفيانَ: اعْلُ هُبَلُ اعْلُ هُبل. فقال رسولُ\n_________\n(^١) ذكره الطوسى في التبيان ٢/ ٦٠١.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٧٢ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٢ (٤٢٣٠) عن محمد بن سعد به.\n(^٤) في ص: \"بما\".","vol":"6","page":84},{"text":"الله ﷺ: \"قولوا: اللَّهُ أَعْلَى وأَجَلُّ\". فقال أبو سفيانَ: موعدكم وموعدُنا بدرٌ الصُّغْرَى. قال عِكرمةُ: وفيهم أُنْزِلَتْ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (^١).\nحدَّثني المُثنى: قال: ثنا سويدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبَرنا ابن المبارك. عن ابن جريجٍ، عن ابنَ عباسٍ في قولِه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: فإنه أدال على النبيِّ ﷺ يومَ أُحُدٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: أي نُصرِّفُها للناسِ للبلاءِ (^٣) والتَّمحيص (^٤).\nحدَّثني إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ الوهَّابِ الحَجَبيُّ، قال: ثنا حماد بن زَيْدٍ، عن ابن عَوْنٍ (^٥)، عن محمدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. قال: يعنى الأُمراءَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1534>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذِكْرُه: وليعلم اللهُ الذين آمنوا ويتخِذَ منكم شُهداءَ، ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.\nولو لم يَكُن في الكلامِ واوٌ لكان قولُه: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ مُتَّصِلًا بما قبلَه، وكان: وتلك الأيامُ نُداوِلُها بينَ الناسِ ليَعْلَمَ اللهُ الذين آمنوا. ولكن لمَّا دَخَلت الواوُ فيه،\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٨٢ حاشية (١).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٩ إلى المصنف وابن المنذر. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧١، ٧٧٢ (٤٢٢٥) من طريق حفص عن الحكم عن عكرمة مطولًا.\n(^٣) في م: \"بالبلاء\".\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٣ (٤٢٣٣) من طريق سلمة به.\n(^٥) في ت ٢ س: \"عوف\". وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٣٩٥، ٣٩٦.","vol":"6","page":85},{"text":"آذَنَتْ بأن الكلامَ غيرُ (^١) مُتَّصِلٍ بما قبلَها، وأن بعدَها خبرًا مطلوبًا، اللامُ (^٢) التي في قولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾. به متعلِّقةٌ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قِيلَ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. [و﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾] (^٣) مَعرِفةٌ، وأنت لا تستجيزُ (^٤) في الكلامِ: \"قد سَأَلتُ فعَلِمتُ عبدَ اللهِ\"، وأنت تريدُ: عَلِمتُ شَخْصَه، إلا أن تُرِيدَ: عَلمِتُ صِفَتَه وما هو.\nقيل: إن ذلك إنما جاز مع \"الذين\"؛ لأن في \"الذين\" تأويلَ \"مَن\" و\"أي\"، وكذلك جائزٌ مِثْلُه في \"الألفِ واللامِ\"، كما قال تعالى ذِكُرُه: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]؛ لأن في \"الألفِ واللامِ\" مِن تأويلِ \"أي\"، و\"مَن\" مثلَ الذي في \"الذي\". ولو جُعِلَ مع الاسمِ المعرفةِ اسمٌ فيه دلالةٌ على \"أي\"، جاز كما يُقالُ: سَأَلْتُ لأعلمَ عبدَ اللهِ مِن عمرٍو. ويُرادُ بذلك: لأعرِفَ هذا من هذا (^٥).\nفتأويلُ الكلامِ: وليَعلمَ اللهُ الذين آمنوا منكم، أيها القومُ، مِن الذين نافَقوا منكم، نُداوِلُ بينَ الناسِ. فاسْتَغْنى بقولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من (^٦) ذكرِ قولِه: \"مِنَ الَّذينَ نافَقُوا\"؛ لدلالِة الكلامِ عليه؛ إذ كان في قولِه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تأويلُ \"أي\" على ما وَصَفْنا. فكأنه قيل: وليَعلمَ اللهُ أيُّكم المؤمنُ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢]. غيرَ أن \"الألفَ واللامَ\" و\"الذي\" و\"مَن\"، إذا وُضِعَتْ مع العَلَمِ مَوْضِعَ (^٧) \"أي\" نُصِبَت بوقوعِ العلمِ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في م: \"للام\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) في الأصل: \"تستحسن\"\n(^٥) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٢٣٤، ٢٣٥.\n(^٦) في م: \"عن\".\n(^٧) في ص، ت ١ س: \"مواضع\".","vol":"6","page":86},{"text":"عليه، كما قيل: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]. فأما \"أي\" فإنها تُرفعُ (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾. فإنه يعنى: وليعلمَ اللهُ الذين آمنوا، وليَتَّخِذَ منكم شُهداءَ، أي: ليُكْرِمَ منكم بالشهادةِ مَن أراد أن يُكْرِمَه بها. و\"الشهداءُ\": جمعُ شَهيدٍ.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ليُميِّزَ بينَ المؤمنين والمنافقين، وليُكْرِمَ مَن أكرَم مِن أهلِ الإيمانِ بالشهادةِ (^٢).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا سُويدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبرَنا ابن المباركِ قِراءةً على ابن جُريجٍ، في قولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾. قال: فإن المسلمين كانوا يسألون رَبَّهم: ربَّنا أرِنا يومًا كيومِ بدرٍ، تُقاتِلُ فيه المشركين، ونُبْلِيك (^٣) فيه خيرًا، ونَلْتَمِسُ فيه الشهادةَ، فَلَقُوا المشركين يومَ أُحُدٍ، فاتَّخَذ منهم شهداءَ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾: فكرَّم اللهُ أولياءَه بالشهادةِ بأيدى عَدوِّهم، ثم تَصِيرُ حواصلُ الأمورِ وعواقبُها لأهلِ طاعةِ اللهِ (^٤).\n_________\n(^١) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٢٣، ٢٣٥ ومغنى اللبيب بحاشية الأمير ١/ ٧٢، ٧٣.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧١ (١٥٢٠ - تحقيق د. حكمت بشير ياسين) من طريق سلمة به.\n(^٣) في س: \"وننال\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٧٣ - (١٥٢٣ تحقيق حكمت بشير ياسين) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"6","page":87},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾. قال: قال ابن عباسٍ: كانوا يَسْألون الشهادةَ، فَلَقُوا المشركين يومَ أُحُدٍ، فاتَّخذَ منهم شُهداءَ (^١).\nحدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفَرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال (^٢): أخبرَنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾: كان المسلمون يَسْأَلُون ربَّهم أن يُرِيَهم يومًا كيومِ بدرٍ، يُبْلُون فيه خيرًا، ويُرْزَقون فيه الشهادةَ، ويُرْزَقون الجنةَ والحياةَ والرِّزْقَ، [فَلَقَوا المشركين] (^٣) يومَ أُحُدٍ، فاتَّخذ اللهُ منهم شهداءَ، وهم الذين ذكَرهم اللهُ ﷿ فقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ (^٤) الآية [البقرة: ١٥٤].\nوأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. فإنه يعنى به: الذين ظَلَموا أنفسَهم بمعصيتِهم ربَّهم.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: أي: المنافقين الذين يُظْهِرون بألسنتِهم الطاعةَ، وقلوبُهم مُصِرةٌ على المعصيةِ (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٩ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"وقال\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"فلقى المسلمين\"، وفى م: \"فلقى المسلمون\".\n(^٤) بعده في الأصل: \"بل أحياء عند ربهم يرزقون\"، وهو من الآية ١٦٩ سورة آل عمران.\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٩ إلى ابن المنذر.\n(^٥) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٧٧٤ (٤٢٤١) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":88},{"text":"<span id=\"aya-434\"></span><span data-type='title' id=toc-1535>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذِكْرُه بقولِه: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: ولِيَخْتَبِرَ اللهُ الذين صَدَّقوا الله ورسولَه، فيَبتليَهم بإدالةِ (^١) المشركين منهم، حتى يَتَبَيَّنَ المؤمنَ منهم المخلصَ الصحيحَ الإيمانِ مِن المنافقِ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ (^٢) في قولِه: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: ليَبْتَلِيَ (^٣).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: ليُمَحِّصَ اللهُ المؤمنَ حتى يُصَدِّقَ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: يَبتلىَ المؤمنين (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال\n_________\n(^١) في ت ١: \"بإذالة\"\n(^٢) بعده في م: \"مثله\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٦٠. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٤ (٤٢٤٣).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٥ (٤٢٤٤) من طريق أبي بكر الحنفى به، وستأتي بقيته في ص ٩١.\n(^٥) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ٣ عن السدي بنحوه.","vol":"6","page":89},{"text":"ابن عباسٍ: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: يَبْتَلِيَهم (^١).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾: فكان تَمْحِيصًا للمؤمنين، ومَحْقًا للكافرين (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: يَخْتَبِرُ الذين آمنوا حتى يُخَلِّصَهم بالبلاءِ الذي نزَل بهم، وكيف صَبْرُهم ويَقِينُهم (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾. قال: يَمْحَقُ مَن مُحِق في الدنيا، وكان بَقِيةُ مَن يَمْحَقُ (^٤) في الآخرةِ في النارِ.\nوأما قولُه: (وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ)، فإنه يعنى به: أنه يَنْقُصُهم ويُفْنِيهم. يقالُ منه: مَحَق فلانٌ هذا الطعامَ - إذا نَقَصه أو أفناه - يَمْحَقُه مَحْقًا. ومنه قيل لمُحاقِ القمرِ (^٥): مُحاقٌ، وذلك لنقصانِه وفنائِه.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾. قال: يَنقُصُهم (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٥ (٤٢٤٦) من طريق ابن جريج به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣٠/ ٧٧٥ (٤٢٤٧) من طريق يزيد به.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٥ (٤٢٤٥) من طريق سلمة به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"يمحو\".\n(^٥) في ص، ت ٢، س: \"العمر\". ومحاق القمر: أن يستسرّ القمر ليلتين فلا يرى غدوة ولا عشية. ينظر اللسان (م ح ق).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٥ (٤٢٤٩) من طريق ابن جريج عن ابن عباس به.","vol":"6","page":90},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾. قال: يَمْحَقَ الكافرَ (^١) حتى يُكَذِّبَه (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾. أي: يُبْطِلَ مِن المُنافِقين قولَهم بأَلْسنتِهم ما ليس في قلوبِهم، حتى يَظْهَرَ منهم كفرُهم الذي يَسْتَتِرون (^٣) به منكم (^٤).\n\n<span id=\"aya-435\"></span><span data-type='title' id=toc-1536>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.</span>\nيعني بذلك جل ثناؤُه: أم حَسِبْتُم يا مَعْشَر أصحابِ محمدٍ، وظَنتم أن تَدْخُلُوا الجنةَ، وتنالوا كَرامَةَ ربِّكم وشَرَفَ المَنازِلِ عندَه، ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾. يقولُ: ولمَّا يَتَبَيَّنْ لعبادِى المؤمنين المجاهدُ منكم في سبيلى (^٥) على ما أَمَرتُه (^٦) به.\nوقد بَيَّنْتُ معنى قوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ وما أشبهَ ذلك، بأدلته فيما مضى (^٧)، بما أَغْنَى عن إعادتِه.\nوقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. يعني: الصابرين عندَ البأسِ، على ما ينَالُهم في ذاتِ اللهِ مِن جُروحٍ (^٨) وألمٍ وَمَكْروهٍ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"الكافرين\".\n(^٢) تتمة الأثر المتقدم ص ٨٩.\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"يستسرون\". وفي ت ٢: \"يستبشرون\".\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٥ (٤٢٤٨) من طريق سلمة به.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"سبيل الله\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢: \"أمر\"، وفى م: \"أمره\".\n(^٧) ينظر ما تقدم في ٢/ ٦٤١ - ٦٤٥.\n(^٨) في م: \"جرح\".","vol":"6","page":91},{"text":"كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾، وتُصِيبوا مِن ثوابى الكرامةَ، ولم أخْتَبِرْكم بالشِّدةِ، وأبْتَلِيَكم بالمكارِه، حتى أعْلَمَ صِدْقَ (^١) ذلك منكم؛ الإيمانُ (^٢) بي، والصبرُ على ما أصابكم فيَّ (^٣)؟\nونَصَب ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ على الصَّرْفِ. والصَّرْفُ: أَن يَجْتمعَ فِعْلَانِ ببعضِ حروفِ النسقِ، وفى أولِه ما لا يَحْسُنُ إعادتُه مع حرفِ النسقِ، فيُنْصَبُ الذي بعدَ حرفِ العطفِ على الصرفِ؛ لأنه مَصْروفٌ عن مَعْنى الأولِ، وذلك (^٤) يكونُ مع جَحْدٍ أو استفهامٍ أو نَهْيٍ في أولِ الكلامِ، وذلك كقولِهم: لا يسعُنى شيءٌ ويَضِيقَ عنك (^٥). لأن (لا) التي مع \"يسعنى\" لا يَحْسُنُ إعادتُها مع قولِه: ويضيقَ عنك. فلذلك نُصِبَ (^٦).\nوالقرأَةُ في هذا الحرفِ على النصبِ. وقد رُويَ عن الحسنِ أنه كان يَقْرأُ (وَيَعْلَمُ الصَّابِرِينَ). فيَكْسِرُ الميمَ من: (يعلمِ). لأنه كان يَنْوِى جَزْمَها على العطفِ به على قولِه: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ (^٧).\n\n<span id=\"aya-436\"></span><span data-type='title' id=toc-1537>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"أصدق\".\n(^٢) في سيرة ابن هشام: \"بالإيمان\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"بي\". والأثر في سيرة ابن هشام ٢/ ١١٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٥ من طريق سلمة به مقتصرا على قوله: وتصيبوا من ثوابى الكرامة.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لكن\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٦) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٠٧.\n(^٧) ينظر مختصر شواذ القرآن ص ٢٩ والبحر المحيط ٣/ ٦٦.","vol":"6","page":92},{"text":"رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾\nيعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾: ولقد كنتم يا مَعْشَرَ أصحابِ محمدٍ ﴿تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾، يعنى أسبابَ الموتِ، وذلك القتالُ، ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾. يقولُ: فقد رَأَيْتُم ما كنتم تمنَّونه.\nوالهاء في قوله: ﴿رَأَيْتُمُوهُ﴾، عائدة على الموتِ، والمعنى (^١) [ما وصفتُ] (^٢)، ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ يعني: قد رَأَيْتُموه بمرأًى منكم ومَنْظَرٍ، أي بقُربٍ منكم.\nوكان بعضُ أهل العربية يَزْعمُ أنه قيل: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. على وجهِ التوكيدِ للكلامِ، كما يقالُ: رأيته عِيانًا ورأيته بعينى وسمعتُه بأُذُنى. وإنما قيل: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾. لأن قومًا من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ممن [لم يَشْهدْ] (^٣) بدرًا، كانوا يَتَمنَّون قبلَ أُحُدٍ يومًا مثلَ يومِ بدرٍ، [فيُبْلُوا الله] (^٤) من أنفسهم خيرًا، ويَنَالوا مِن الأجرِ مثلَ ما نال أهلُ بدرٍ، فلما كان يومُ أُحُدٍ فرَّ بعضُهم، وصَبر بعضُهم حتى أَوْفَى بما كان عاهَد الله قبلَ (^٥) ذلك، فعاتَب اللهُ مَن فرَّ منهم فقال: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ الآية. وأَثْنَى على الصابرين منهم والمُوفِين بعهدِهم (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-1538>ذِكْرُ الأخبارِ بما ذكَرنا مِن ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال ثنا عيسى، عن ابن أبي\n_________\n(^١) في م: \"ومعنى\".\n(^٢) بياض في ص. وسقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، س: \"شهد\". وينظر الأثر التالى، وسيرة ابن هشام ٢/ ١١١.\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"فينيلوا من\"، وفى س: \"فينيلوا\".\n(^٥) في ت ٢: \"في\".\n(^٦) سقط من: ت ١، س.","vol":"6","page":93},{"text":"نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾. قال: غاب رجالٌ عن بدرٍ، فكانوا يَتَمنَّون مثلَ يومِ بدرٍ أن يلقَوه، فيُصيبوا مِن الخيرِ والأجرِ مثلَ ما أصاب أهلُ بدرٍ، فلما كان يومُ أُحدٍ وَلَّى مَن ولَّى منهم (^١)، فعاتَبَهم اللهُ - أو فعابَهم، أو: فعيَّبهم (^٢) - على ذلك. شك أبو عاصمٍ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: فعاتبهم الُله على ذلك، ولم يَشُكَّ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: أُناسٌ مِن المؤمنين لم يَشْهدوا يومَ بدرٍ والذي أعطى اللهُ أهلَ بدرٍ من الفضلِ والشرفِ [والأجرِ] (^٤)، فكانوا يَتَمنَّون أن يُرْزَقوا قتالًا فيُقاتلوا، [فسِيقَ إليهم] (^٥) القتالُ حتى كان في ناحيةِ المدينةِ يومَ أُحُدٍ، فقال اللهُ ﷿ كما تَسْمَعون: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾، حتى بلَغ ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ (^٦).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ص: \"فيعيهم\"، وفى م: \"فعتبهم\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٦٠ وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٦ عقب الأثر (٤٢٥٤) معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، س.\n(^٥) في ت: ٢ \"فسبق إليهم\"، وفى س: \"فشق عليهم\".\n(^٦) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٦ عقب الأثر (٤٢٥٤) معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٠ إلى عبد بن حميد والمصنف.","vol":"6","page":94},{"text":"قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾. قال: كانوا يَتَمنَّون أن يَلْقَوا المشركين فيُقاتِلوهم، فلما لَقُوهم يومَ أُحُدٍ ولَّوْا (^١).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: إن أُناسًا (^٢) من المؤمنين لم يَشْهَدوا يومَ بدرٍ والذي أعطاهم اللهُ مِن الفضلِ، فكانوا يَتَمنَّون أن يرَوا قتالًا فيقاتِلوا، فسِيقَ (^٣) إليهم القتالُ حتى كان بناحيةِ المدينةِ يومَ أُحُدٍ، فأنزل اللهُ ﷿: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ الآية (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ، قال: بلَغَنى أن رجالًا مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ كانوا يقولون: لئن لقِينا مع النبيِّ ﷺ لتَفْعَلنَّ (^٥) ولتَفْعلنَّ (^٥)، فابْتُلُوا بذلك، فلا واللهِ ما كلُّهم صدَق الله (^٦)، فأنزل اللهُ ﷿: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ الآية (^٧).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحُسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: كان ناسٌ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ لم يَشْهَدوا بدرًا، فلمَّا رَأَوا فَضِيلةَ أهلِ بدرٍ قالوا: اللهمَّ إنا نسأَلُك أن تُرِيَنا يومًا كيومِ بدرٍ، نُبْلِيك فيه خيرًا. فرَأَوا أُحُدًا، فقال\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٤.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ناسا\".\n(^٣) في ت ٢: \"فسبق\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٦ عقب الأثر (٤٢٥٤) من طريق ابن أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في ت ١، ت ٢: \"ليفعلن\".\n(^٦) سقط من: ص، م.\n(^٧) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٦ عقب الأثر (٤٢٥٤) معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٠ إلى المصنف.","vol":"6","page":95},{"text":"لهم: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: أي: لقد كنتم تَمَنَّون الشَّهادةَ على الذي أنتم عليه مِن الحقِّ، قبلَ أن تَلْقَوا عَدوَّكم، يعنى الذين استباصوا (^٢) رسولَ اللهِ ﷺ إلى (^٣) خُروجِه بهم إلى عَدوِّهم لِما فاتَهم مِن الحُضورِ في اليومِ الذي كان قبلَه ببدرٍ؛ رغبةً في الشَّهادةِ التي فاتَتْهم به، يقولُ: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. أي: الموتَ بالسيوفِ في أيدى الرجالِ قد خُلِّي (^٤) بينكم وبينهم، وأنتم تَنْظُرون إليهم، فصَدَدْتم عنهم (^٥).\n\n<span id=\"aya-437\"></span><span data-type='title' id=toc-1539>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾.</span>\nيعني تعالى ذِكْرُه بذلك: وما محمدٌ إلا رسولٌ كبعضِ رسلِ اللهِ الذين أَرْسَلَهم إلى خلقِه داعيًا إلى اللهِ وإلى طاعتِه، الذين حين انْقَضَتْ آجالُهم ماتوا وقَبضهم اللهُ إليه. يقولُ جل ثناؤُه: فمحمدٌ ﷺ إنما هو فيما اللهُ به صانعٌ مِن قَبْضِه إليه عندَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٦، عقب الأثر (٤٢٥٤) من طريق عمرو، عن أسباط به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٠ إلى المصنف.\n(^٢) في ص: \"استاصوا\" مصحفة، وفى م: \"حملوا\"، وفى تفسير ابن أبي حاتم: \"استناصوا\"، وفي سيرة ابن هشام: \"استنهضوا\". والبَوْص: أن تستعجل إنسانًا في تحميلكه أمرًا لا تدعه يتمهل فيه. التاج (ب وص).\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"على\".\n(^٤) في م: \"حل\"، وهي محتملة في ص، وفي ت ٢: \"فدخل\".\n(^٥) سيرة ابن هشام ٢/ ١١١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٦ (٤٢٥٥) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":96},{"text":"انقِضاءِ مُدَّةِ أَجلِه، كسائرِ (^١) رسلِه إلى خَلْقِه الذين مَضَوا قبلَه، وماتوا عندَ انقضاءِ مُدةِ آجالِهم. ثم قال لأصحابِ محمدٍ مُعاتِبَهم على ما كان منهم مِن الهَلَعِ والجَزَعِ، حينَ قيل لهم بأُحُدٍ: إن محمدًا قد قُتِلَ. ومُقَبِّحًا إليهم انصرافَ مَن انْصَرَف منهم عن عَدوِّهم وانْهِزامَه عنهم: أفإن مات محمدُ أيُّها القومُ؛ لانقضاءِ مُدَّةِ أجلِه، أو قتَله عَدُوُّه (^٢)، ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾. يعنى ارْتَدَدتم عن دينِكم الذي بعَث اللهُ محمدًا بالدعاءِ إليه، ورجَعتم عنه كفارًا باللَّهِ بعدَ الإيمانِ به، وبعدَ ما قد وَضَحت لكم صِحةُ ما دعاكم محمدٌ إليه، وحقيقةُ ما جاءكم به مِن عندِ رَبِّه، ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. يعنى بذلك: ومَن يَرْتَدَّ منكم عن دينِه ويَرْجِعْ كافرًا بعدَ إيمانِه ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾. يقولُ: فلن يُوهِنَ ذلك عِزَّةَ (^٣) اللهِ ولا سلطانَه، ولا يَدْخُلُ بذاك نقصٌ في مُلْكِه، بل نفسَه يَضُرُّ برِدَّتِه، وحَظَّ نفسِه يَنْقُصُ بِكُفْرِهِ، ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. يقولُ: وسيُثِيبُ اللهُ مَن شكَره على تَوْفِيقِه وهدايتِه إياه لدينِه بثبوتِه (^٤) على ما جاء به محمدٌ ﷺ إن هو مات أو قُتِل، واستقامتِه على مِنْهاجِه، وتَمَسُّكِه بدينِه ومِلَّتِه بعدَه.\nكما حدَّثنا المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ هاشمٍ، قال: أخبرَنا سيفُ بن عمرَ (^٥)، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ ﵀ في قولِه: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾: الثابتين على دينِهم؛ أبا بكرٍ وأصحابَه.\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مدة\".\n(^٢) في م: \"عدوكم\"، وفى ت ١ ت ٢، س: \"عدوهم\".\n(^٣) في ت ٢: \"غيره\".\n(^٤) في م: \"بنبوته\".\n(^٥) في م: \"عمرو\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٣٢٤.","vol":"6","page":97},{"text":"فكان عليٌّ ﵁ يقولُ: كان أبو بكرٍ أميرَ (^١) الشاكرين، وأميرَ (^١) أحباءِ اللهِ، وكان أشكرَهم (^٢)، وأحبَّهم إلى اللهِ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مُغِيرةَ، عن العلاءِ بن بدرٍ، قال: إن (^٤) أبا بكرٍ أميرُ (^١) الشاكرين. وتلا هذه الآيةَ: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: عن ابن إسحاقَ: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾: أي: مَن أطاعه وعمِل بأمرِه (^٥).\nوذُكِر أن هذه الآيةَ أُنزِلت على رسولِ الله ﷺ في مَن انهزَم عنه بأُحدٍ من اللهِ أصحابِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1540>ذِكْرُ الأخبارِ الواردةِ بذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، إلى قولِه: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾: ذاكم يومَ أُحُدٍ حينَ أصابهم القَرْحُ والقَتْلُ، ثم تناعَوا (^٦) رسولَ اللِه ﷺ على تَفِئَةِ (^٧) ذلك، فقال أناسٌ: لو كان نبيًّا ما قُتِلَ. وقال أناسٌ مِن عِلْيةِ أصحابِ نبيِّ اللهِ ﷺ: قاتِلوا على ما قاتَل عليه نبيُّكم، حتى يَفْتحَ اللهُ جل وعز لكم أو تَلْحَقوا به. فقال اللهُ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أمين\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س: \"أشكر\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨١، إلى المصنف.\n(^٤) في الأصل: \"وجدنا\"، وفى ص، ت ٢، س: \"وحدثنا\".\n(^٥) سيرة ابن هشام ٢/ ١١١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٩ (٤٢٦٧) من طريق سلمة به.\n(^٦) في م: \"تنازعوا\"، وفى تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور: \"تداعوا\".\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢: \"بقية\"، وغير منقوطة في ص. وتفئة الشيء: حينه وزمانه. وفي الأثر: ثم دخل أبو بكر على تفئة ذلك. أي: على إثره. ينظر النهاية ١/ ١٩٢، واللسان (ت ف أ).","vol":"6","page":98},{"text":"﷿: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾، يقولُ: إن مات نبيُّكم أو قُتِل ارْتَدَدتم كفارًا بعدَ إيمانِكم (^١)؟\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، بنحوِه، وزاد فيه: قال الربيعُ: وذُكِرَ لنا - واللهُ أعلمُ - أن رجلًا مِن المهاجرين مرَّ على رجلٍ مِن الأنصارِ، وهو يَتَشَحَّطُ (^٢) في دمِه، فقال: يا فلانُ أَشَعَرت أن محمدًا قد قُتِلَ؟ فقال الأنصاريُّ (^٣): إن كان محمدٌ قد قُتِلَ فقد بَلَّغَ، فقاتِلوا عن دينِكم. فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾، يقولُ: ارْتَدَدتم كفارًا بعدَ إيمانِكم (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لمَّا بَرَز رسولُ اللهِ ﷺ يومَ أُحُدٍ إليهم - يعنى إلى المشركين - أمر الرُّماةَ فقاموا بأَصْلِ الجبلِ في وجوهِ خيلِ المشركين، وقال: \"لا تَبْرَحُوا مكانَكم إن رأيْتُمونا قد هزَمْناهم، فإنَّا لن نزالَ غالبين ما ثبَتُّم مكانَكم\"، وأمَّر عليهم عبدَ اللهِ بنَ جُبيرٍ، أخا خَوَّاتِ بن جُبيرٍ، ثم شَدَّ الزُّبيرُ بنُ العَوَّامِ والمقدادُ بنُ الأسودِ على المشركين فهزَماهم، وحمَل النبيُّ ﷺ وأصحابُه فهَزَموا أبا سفيانَ، فلمَّا رأَى ذلك خالدُ بنُ الوليدِ، وهو على خيلِ المشركين، حمَل (^٥)، فرَمَتْه الرُّماةُ فَانْقَمَع، فلمَّا نظَر الرُّماةُ إلى\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٨ عقب الأثر (٤٢٦٢) معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٠، إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) تشحط القتيل في دمه: تخبط فيه واضطرب وتمرغ. التاج (ش ح ط).\n(^٣) قال الحافظ ابن كثير: لعل هذا الأنصارى هو أنس بن النضر؛ عم أنس بن مالك. البداية والنهاية ٥/ ٤٠١ بتحقيقنا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٨ (٤٢٦٢) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.\n(^٥) في ص: \"قد\"، وفى م: \"قدم\" والمثبت من التاريخ.","vol":"6","page":99},{"text":"رسول الله ﷺ وأصحابه في جوفِ عسكر المشركين يَنْتَهِبونه (^١)، بادَرُوا إلى (^٢) الغَنِيمةِ، فقال بعضُهم: لا تَتْرُكُ أمرَ رسولِ اللهِ ﷺ، فانْطَلَق عامَّتُهم فلَحِقوا بالعسكرِ، فلما رأَى خالدٌ قلَّةَ الرُّماةِ (^٣) صاح في خيلِه، ثم حمَل فقتَل الرُّماةَ، وحمَل على أصحابِ النبيِّ ﷺ، فلما رأَى المشركون أن خيلَهم تُقاتِلُ تَنادَوْا (^٤)، فشدُّوا على المسلمين، فهزَموهم وقتَلوهم، فأتَى ابن قَمِئَةَ (^٥) الحارثيُّ - أحدُ بني الحارثِ بن عبدِ مناةَ (^٦) بن كنانةَ - فرمَى رسولَ اللهِ ﷺ بحجرٍ، فكسَر أنفَه ورَباعِيته (^٧)، وشجَّه في وجهِه فأثْقَلَه (^٨)، وتفَرَّق عنه أصحابُه، ودخَل بعضُهم المدينةَ، وانْطَلَق بعضُهم فوقَ الجبلِ إلى الصخرةِ، فقاموا عليها، وجعَل رسولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو الناسَ: \"إليَّ عبادَ اللهِ، إليَّ عبادَ اللهِ\". فاجْتَمَع إليه ثلاثون رجلًا، فجعَلوا يَسِيرون بين يديه، فلم يَقِفْ أحدٌ إلا طلحةُ وسهلُ بنُ حُنَيفٍ، فحماه طلحةُ فرُمِيَ بسهمٍ في يدِه فيَبِسَت (^٩) يدُه، وأَقْبَل أُبَيُّ بنُ خَلَفِ الجُمَحِيُّ وقد حلَف لَيَقْتُلَنَّ النبيَّ ﷺ، فقال النبيُّ ﷺ له: \"بل أنا أقْتُلُه (^١٠) \"، فقال: \"يا كذابُ، أين تَفِرُّ منى (^٢)؟ \" فحمَل عليه، فطعَنه النبيُّ ﷺ طعنةً (^٢) في جيبِ (^١١)\n_________\n(^١) في ت ١: \"ينتهنونه\"، وفى ت: \"ينتهبوا به\"، وفى س: \"يتبعوا به\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في م: \"الرماح\".\n(^٤) في م: \"تبادروا\".\n(^٥) في م: \"قميئة\". وهو عبد الله بن قمئة الليثى الحارثي. ينظر سيرة ابن هشام ٢/ ٧٣، ٨٠، ٨٢، ٩٤، ١٢٢، وتاريخ الطبرى ٢/ ٥١٥، ٥١٦، ٥١٩، ٥٢٧، والروض الأنف ٥/ ٤٦٩، والبداية والنهاية ٥/ ٣٩٨ بتحقيقنا.\n(^٦) في النسخ: \"مناف\". والمثبت من تاريخ الطبرى ٢/ ٥١٩ وينظر جمهرة أنساب العرب ص ١٨٨.\n(^٧) الرباعية: السِّنُّ التي بين الثنيَّة والناب. ينظر التاج (ر ب ع).\n(^٨) في ت ٢: \"فأقبله\"، وفى س: \"فأفعله\".\n(^٩) في ص، ت ١، ت ٢ س: \"ويبست\". وينظر التاريخ ٢/ ٥٢٠.\n(^١٠) في م: \"أقتلك\".\n(^١١) جيب الشيء مدخله، ومنه: جيب الدرع: ما يدخل منه الرأس عند لبسه. ينظر التاج (ج ى ب).","vol":"6","page":100},{"text":"الدرعِ، فجُرِح جُرْحًا خفيفًا، فوقعَ يَخورُ خُوارَ (^١) الثُّورِ. فاحْتَمَلوه وقالوا: ليس بك جِراحةٌ [فما يُجزِعُك] (^٢). قال: أليس قال: \"لأقتُلنك\"؟ [واللهِ] (^٢) لو كانت لجميعِ ربيعةَ ومُضَرَ لقتَلَتْهم (^٣). فلم يَلْبَثْ إلا يومًا أو بعضَ يومٍ حتى مات مِن ذلك الجُرْحِ.\nوفشَا في الناسِ أن رسولَ اللهِ ﷺ قد قُتِل، فقال بعضُ أصحابِ الصخْرةِ: ليت لنا رسولًا إلى عبدِ اللهِ بن أُبَيٍّ، فَيَأْخُذَ (^٤) لنا أَمَنةً مِن أبي سفيانَ، يا قومِ إن محمدًا قد قُتِل، فارْجِعوا إلى قومِكم قبلَ أن يَأْتُوكم فيَقْتُلوكم. فقال أنسُ بنُ النَّضْرِ: يا قومِ، إن كان محمدٌ قد قُتِل فإن ربَّ محمدٍ لم يُقْتَلْ، فقاتِلوا على ما قاتَل عليه محمدٌ ﷺ، اللهم إنى أَعْتَذِرُ إليك مما يقولُ هؤلاء، وأَبْرَأُ إليك مما هؤلاء. ثم شدَّ (^٥) بسيفِه فقاتَل حتى قُتِل ﵀ ورضى عنه.\nوانْطَلَق رسولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو الناسَ حتى انْتَهى إلى أصحابِ الصخرةِ، فلما رأَوْه وضَع رجلٌ سَهْمًا في قوسه، فأراد أن يَرْمِيَه، فقال: \"أنا رسولُ اللهِ\". ففرِحوا (^٦) حينَ وجَدوا رسولَ اللهِ ﷺ حيًّا، وفرِح رسولُ اللهِ ﷺ حينَ رَأَى أن في أصحابِه مَن [يَمتَنِعُ به] (^٧)، فلمَّا اجْتَمَعوا وفيهم رسولُ اللهِ ﷺ ذهب عنهم الحُزْنُ، فأقْبَلوا يَذْكُرون الفتحَ وما فاتهم منه، ويَذْكُرون أصحابَهم (^٨) الذين قُتِلوا.\nفقال اللهُ ﷿ للذين قالوا: إن محمدًا قد قُتِل، فارْجِعوا إلى قومِكم:\n_________\n(^١) في النسخ: \"خوران\". والمثبت من تاريخ الطبرى.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"لقتلهم\". وينظر تاريخ الطبرى ٢/ ٥٢٠.\n(^٤) في م: \"فنأخذ\".\n(^٥) في س: \"سرى\".\n(^٦) بعده في الأصل: \"بذلك\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، س: \"به\".\n(^٧) في النسخ: \"يمتنع\"، وأثبتنا لفظة \"به\" من التاريخ.\n(^٨) في النسخ: \"أصحابه\" والمثبت من التاريخ.","vol":"6","page":101},{"text":"﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، قال: يَرْتَدُّ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ] (^٣)، عن أبيه، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن أبيه - أن رجلًا مِن المهاجرين، مرَّ على رجلٍ مِن الأنصارِ، وهو يَتَشَحَّطُ (^٤) في دمِه، فقال: يا فلانُ، أَشْعَرْتَ أن محمدًا قد (^٥) قُتِل؟ فقال الأنصاريُّ: إن كان محمدٌ قد قُتِل فقد بلَّغ، فقاتِلوا عن دينِكم (^٦).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، قال: ثني القاسمُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن رافعٍ أخو بني عَدِيِّ بن النَّجارِ، قال: انْتَهى أنسُ بنُ النضرِ ﵀ عمُّ أنسِ بن مالكٍ - إلى عمرَ وطلحةَ بن عُبيدِ اللهِ في رجالٍ مِن المهاجرين والأنصارِ وقد ألقَوْا بأيدِيهم، فقال: ما يُجْلِسُكم؟ قالوا (^٧): قُتِل محمدٌ رسولُ اللهِ. قال: فما تَصْنَعون بالحياةِ بعدَه؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسولُ اللهِ! ثم اسْتَقْبَل القومَ فقاتَل حتى قُتِل. وبه سُمِّى أَنسُ بنُ مالكٍ (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥١٩ - ٥٢١ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٧ (٤٢٥٩) من طريق أحمد بن المفضل به، مقتصرا على آخره.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٨ (٤٢٦٤) من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي أيضا في الدر المنثور ٢/ ٨١ إلى عبد بن حميد، وهو في تفسير مجاهد ص ٢٦١ عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، وينظر الأثر التالى.\n(^٣) في س: \"عن يحيى\".\n(^٤) في س: \"متشحط\".\n(^٥) ليست في: الأصل.\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٢٦٠، ٢٦١ عن ابن أبي نجيح، عن أبيه.\n(^٧) بعده في م، ت ٣: \"قد\".\n(^٨) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥١٧.","vol":"6","page":102},{"text":"حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: نادَى مُنادٍ يومَ أُحدٍ حينَ هُزِم أصحابُ محمدٍ ﷺ: ألا إن محمدًا قد قُتِل، فارْجِعوا إلى دينكم الأولِ. فأنزَل اللهُ جل ثناؤُه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (^٢)، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مُجاهدٍ، قال: أُلْقِى في أفْواهِ المسلمين يومَ أحدٍ أن النبيَّ ﷺ قد قُتِل، فنزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ اعْتَزل هو (^٤) وعِصابةٌ معه يومَئِذٍ على أَكَمةٍ، اللهِ والناسُ يَفِرُّون، ورجلٌ قائمٌ على الطريقِ يسأَلُهم: ما فعَل رسولُ اللهِ ﷺ؟ وجعَل كلَّما مروا عليه سألُهم (^٥)، فيقولون: واللهِ ما نَدْرِى ما فعَل. فقال: والذي نفسي بيدِه، لئن كان النبيُّ ﷺ قُتِل لَنُعْطِيَنَّهم بأيدِينا، إنهم لَعَشائرُنا وإخوانُنا. وقالوا: [لو أن محمدًا كان حيًّا] (^٦) لم يُهْزَمْ، ولكنه قد قُتِل. فترَخَّصُوا في الفِرارِ يومَئِذٍ (^٧). فأنْزَل اللهُ ﷿ على نبيِّه ﷺ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية كلها (^٨).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٠ إلى المصنف.\n(^٢) في ص، س: \"الحسن\".\n(^٣) ذكره الطوسى في التبيان ٣/ ٦ عن مجاهد بنحوه.\n(^٤) بعده في س: \"وأصحابه\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يسألهم\".\n(^٦) في م: \"إن محمدًا إن كان حيا\"، وفى س: \"إن كان محمد حيا\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حينئذ\".\n(^٨) سقط من: م.\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٠ إلى المصنف.","vol":"6","page":103},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفَرَجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية: ناسٌ مِن أهلِ الارْتِيابِ والمرضِ والنفاقِ قالوا [يومَ أحدٍ] (^١) يومَ فرَّ الناسُ عن نبيِّ اللهِ ﷺ، وشُجَّ فوق حاجبه، وكُسِرَت رَباعِيتُه: قُتِل محمدٌ فالْحَقُوا بدينِكم الأولِ. فذلك قولُه: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾. قال: ما بينَكم وبينَ أن تَدَعُوا الإسلامَ وتَنْقَلبوا على أعقابِكم إلا أن يموتَ محمد أو يُقْتَلَ، فسوف يَكونُ أحدُ هذين؛ فسوف يَموتُ أو يُقْتَلُ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، إلى قولِه: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. أي لقولِ (^٣) الناسِ: قُتِل محمدٌ. وانهزامهم عندَ ذلك، وانصرافِهم عن عدُوِّهم، أيْ: أفإنْ مات نبيُّكم (^٤) أو قُتِل، رجَعْتُم عن دينِكم كفارًا كما كنتم، وترَكتم جهادَ عدوِّكم وكتابَ اللهِ ﷿، وما قد خَلَّف نبيُّه مِن دينِه معكم وعندَكم، وقد بيَّن لكم فيما جاءَكم عنى أنه مَيِّتٌ ومُفارِقُكم، ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. أي: يَرْجِعُ عن دينِه، ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾. أي: لن يَنْقُصَ ذلك مِن عِزِّ اللهِ، ولا مُلْكِه، ولا سلطانِه (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ٦ عن الضحاك بنحوه.\n(^٣) في س: \"يقول\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٨ (٤٢٦٣) من طريق سلمة به. ينظر سيرة ابن هشام ٢/ ١١١.","vol":"6","page":104},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ: قال أهلُ المرضِ والارْتيابِ والنفاقِ - حينَ فرَّ الناسُ عن النبيِّ ﷺ: قد قُتِل محمدٌ، فالحقوا بدينكم الأول. فنزلت هذه الآيةُ (^١).\nومعنى الكلامِ: وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلَت مِن قبلِه الرسلُ، [أفتَنْقَلِبون على أعقابكم] (^٢) إن مات محمدٌ أو قُتِل؟ ومَن يَنْقَلِبْ على عقبيه فلن يَضُرَّ الله شَيئًا. فجعَل الاستفهامَ في حرفِ الجزَاءِ، ومعناه أن يَكونَ في جوابِه خبرٌ (^٣)، وكذلك كلُّ استفهامٍ دخل على جزاءٍ، فمعناه أن يَكونَ في جوابِه خيرٌ (^٣)؛ لأن الجواب خبرٌ يقومُ بنفسِه، والجزاء شرطٌ لذلك الخبر، ثم يُجْزَمُ جوابه وهو كذلك، ومعناه الرفعُ لمجيئِه بعدَ الجزاءِ، كما قال الشاعرُ (^٤):\nحلَفْتُ لَه إِن تُدْلِجِ اللَّيلَ لا يَزَلْ … أمَامَك بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِيَ سَائِرُ\nفمعنى \"لا يَزَلْ\" رفعٌ، ولكنه جُزِم لمجيئِه بعدَ الجزاءِ، فصار كالجوابِ، ومثلُه: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]. و[﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ﴾ [المزمل: ١٧]. ولو كان مكان ﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ \"يخلدون\". وقيل: أفائن مِتَّ يَخْلُدوا] (^٥). جاز الرفعُ فيه والجزمُ. وكذلك لو كان مكان \"انقلبتم\" \"تنقلبوا\"، جاز الرفعُ والجزمُ؛ لما وصفتُ قبلُ وتُركتْ إعادةُ الاستفهامِ ثانيةً مع قولِه: ﴿انْقَلَبْتُمْ﴾. اكتفاءً بالاستفهامِ في أولِ الكلامِ، وأن الاستفهامَ في أوَّلِه دالٌّ على مَوْضِعِه ومكانِه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٠ إلى المصنف.\n(^٢) في ص: \"فينقلبون على أعقابكم\"، وفى س: \"أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم فينقلبون على أعقابهم\".\n(^٣) هذه زيادة لازمة أثبتناها من معاني القرآن للفراء ١/ ٢٣٦.\n(^٤) هو الراعى النميرى، والبيت في ديوانه ص ١٢٩.\n(^٥) سقط من: س.","vol":"6","page":105},{"text":"وقد كان بعضُ القَرأَةِ يَخْتارُ في قولِه: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا [وَعِظَامًا أَإِنَّا (^١) لَمَبْعُوثُونَ﴾ (^٢) [المؤمنون: ٨٢، الصافات: ١٦، الواقعة: ٤٧]. تَرْكَ إعادِة الاستفهامِ مع ﴿أَإِنَّا﴾ اكتفاءً بالاستفهامِ في قولِه ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ (^٣)] (١)، ويَسْتَشْهِدُ على صحةِ وَجْهِ ذلك بإجماعِ القَرَأةِ على تركِهم إعادةَ الاستفهامِ مع قولِه: ﴿انْقَلَبْتُمْ﴾، اكتفاءً بالاستفهامِ في قولِه: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ﴾، إذ كان دالًّا على معنى الكلامِ وموضعِ الاستفهامِ منه، وكان يَفْعَلُ مثلَ ذلك في جميعِ القرآنِ. وسَنَأْتِى على الصوابِ من القولِ في ذلك إن شاء اللهُ، إذا انْتَهينا إليه.\n\n<span id=\"aya-438\"></span><span data-type='title' id=toc-1541>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وما يَموتُ محمدٌ ولا غيرُه مِن خلقِ اللهِ إلا بعدَ بلوغِ أجَلِه الذي جعَله الله غايةً لحياتِه وبقائِه، فإذا بلَغ ذلك مِن الأجَلِ الذي كتَبه اللهُ له، وأُذِن له بالموتِ، فحينَئذٍ يَموتُ، فأما قبلَ ذلك فلن يموتَ بكيدِ كائدٍ، ولا بحِيلةِ مُحتالٍ:\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾. أي: إن لمحمدٍ أجَلًا هو بالغُه، فإذا أذِن اللهُ (^٤) في ذلك كان (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في النسخ: \"أئذا كنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون\".\n(^٣) في النسخ: \"أئذا كنا ترابا\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"له\".\n(^٥) سيرة ابن هشام، ٢/ ١١١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٩ (٤٢٧١) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":106},{"text":"وقد قيل: إن معنى ذلك: وما كانت نفسٌ لِتموتَ إلا بإذنِ اللهِ.\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في المعنى الناصبِ قولَه: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: هو توكيدٌ، ونصبُه على: كتَب اللهُ كتابًا مؤجلًا. قال: وكذلك كلُّ شيءٍ في القرآنِ مِن قولِه: ﴿حَقًّا﴾، إنما هو: أُحِقُّ ذلك حقًّا. وكذلك ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٦]، و﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢]، و﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]، و﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. إنما هو: صَنَع اللهُ ذلك صُنْعًا. فهكذا تفسيرُ كلِّ شيءٍ في القرآنِ مِن نحو هذا، فإنه كثيرٌ (^١).\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: معناه: كتَب اللهُ أَجالَ النفوسِ، ثم قيل: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾. فأُخْرِج قولُه: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾. نصبًا مِن المعنى الذي في الكلامِ، إذ كان قولُه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قد أَدَّى عن معنى (^٢) كتَب. قال: وكذلك سائرُ ما في القرآنِ مِن نظائرِ ذلك، فهو على هذا النحوِ.\nوقال آخرون منهم: قولُ القائلِ: زيدٌ قائمٌ حقًّا. بمعنى: أقولُ زيدٌ قائمٌ حقًّا؛ لأن كلَّ كلامٍ قول، فأدَّى المَقولُ عن القولِ، ثم خرَج ما بعدَه منه، كما تقولُ: أقولُ قولًا حقًّا، وكذلك: \"ظنًّا\" و\"يقينًا\"، وكذلك: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٦]، وما أشْبَهَه.\n_________\n(^١) ينظر الكتاب لسيبويه ١/ ٣٨١ - ٣٨٣.\n(^٢) في م: \"معناه\".","vol":"6","page":107},{"text":"والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن كلَّ ذلك منصوبٌ على المصدرِ، من معنى الكلامِ الذي قبلَه؛ لأن في كلِّ ما قبلَ المصادرِ - التي هي مُخالفةٌ ألفاظُها الفاظَ ما قبلها مِن الكلامِ - معانيَ ألفاظِ المصادرِ، وإن خالَفها في اللفظِ، فنصبُها مِن معاني ما قبلَها دونَ ألفاظِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1542>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكرُه: ومَن يُرِدْ منكم أيُّها الناسُ (^١) بعملِه جزاءً منه، بعضَ أعراضِ الدنيا، دونَ ما عند اللهِ جل وعز مِن الكرامةِ لمَن ابتغَى بعملِه ما عندَه، ﴿نُؤْتِهِ﴾. يقولُ: نُعْطِه ﴿مِنْهَا﴾. يعني: من الدنيا، يعني أنه يُعْطِيه منها ما قُسِم له منها مِن رزقِ اللهِ (^٢) أيام حياته، ثم لا نَصيبَ له في كَرامَةِ اللهِ ﵎ التي أعَدَّها لمَن أطاعَه وطلَب ما عندَه في الآخرةِ. ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾. يقولُ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾ منكم بعملِه جزاءً منه ﴿ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾. يعنى: ما عندَ اللهِ مِن كرامتِه التي أعَدَّها للعامِلِين له في الآخرةِ ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾. يقولُ: نُعْطِه ﴿مِنْهَا﴾ يعنى: مِن الآخرةِ، والمعنى: مِن كرامةِ اللهِ التي خصَّ بها أهلَ طاعتِه في الآخرةِ، فخرَج الكلامُ على الدنيا والآخِرةِ، والمعنى: ما فيهما، كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، أيْ: فمَن كان منكم يُرِيدُ الدنيا، ليست له رغبة في الآخرة، نُؤْتِه ما قُسِم له منها مِن رِزقٍ، ولا حظَّ له في الآخرةِ، ومَن يُرِدْ ثوابَ الآخرةِ نُؤْتِه منها ما وعَدَه، مع ما يُجْرَى عليه مِن رزقِه في دنياه (^٣).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المؤمنون\"\n(^٢) سقط لفظ الجلالة من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١١١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٩ (٤٢٧٢) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":108},{"text":"وأما قولُه: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾. يقولُ: وسأُثِيبُ مَن شكَر لى ما أوْلَيْتُه مِن إحْساني إليه بطاعتِه إياى، وانتهائِه إلى أمرى، وتجنُّبِه محارمى، في الآخرةِ مثلَ الذي وعَدْتُ أوليائى مِن الكرامةِ على شكرهم إياى.\nوقال ابن إسحاقَ في ذلك بما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾. أي: وذلك جَزاءُ الشاكرين، يعنى بذلك: إعْطاءُ اللهِ إياه ما وعَدَه في الآخِرةِ، مع ما يُجْرِى عليه مِن الرزقِ في الدنيا (^١).\n\n<span id=\"aya-439\"></span><span data-type='title' id=toc-1543>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾.</span>\nاختَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَه بعضُهم: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾. بهمزِ الألفِ وتشديدِ الياءِ (^٢). وقرأَه آخرون بمدِّ الألفِ وتخفيفِ الياءِ (^٣).\nوهما قراءتان مَشْهورتان في قرأةِ المسلمين، ولغتان معروفتان لا اختلافَ في معناهما، فبأيِّ القراءتين قرَأ ذلك قارئٌ فمصيبٌ؛ لاتفاقِ معنيَىْ ذلك، وشهرتِهما في كلامِ العربِ، ومعناه: وكم مِن نبيٍّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1544>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَاتَلَ (^٤) مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾.</span>\nاختَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿قَاتَلَ (^٤) مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾؛ فقرَأ ذلك جماعةٌ مِن قَرأةِ الحجازِ والبصرةِ: (قُتِلَ) بضمِّ القافِ (^٥). وقرَأه جماعةٌ\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام، ٢/ ١١١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٩ (٤٢٧٣) من طريق سلمة به.\n(^٢) وهى قراءة نافع وعاصم وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ١٧٤.\n(^٣) وهى قراءة ابن كثير. المصدر السابق.\n(^٤) في الأصل: \"قُتِل\".\n(^٥) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو. ينظر السبعة ص ٢١٧.","vol":"6","page":109},{"text":"أخرى بفتحِ القافِ وبالألفِ، وهى قراءةُ جماعةٍ مِن قرأةِ الحجازِ والكوفةِ (^١).\nفأما مَن قرَأ: ﴿قَاتَلَ﴾ فإنه اختار ذلك؛ لأنه قال: لو قُتِلوا لم يَكُنْ لقولِه: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾. وجهٌ معروفٌ؛ لأنه يَسْتَحِيلُ أن يُوصَفوا بأنهم لم يَهِنوا ولم يَضْعُفوا بعدَ ما قُتِلوا.\nوأما الذين قرَءوا ذلك: (قُتِل). فإنهم قالوا: إنما عنَى بالقتلِ النبيَّ وبعضَ مَن معه مِن الرَّبيِّين دونَ جميعِهم، وإنما نفَى الوَهْنَ والضعفَ عمن بقى مِن الرِّبِّيِّين ممَّن لم يُقْتَلْ.\nوأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ عندَنا قراءةُ مَن قرأه بضم القافِ: (قُتل مَعَهُ رِبِّيُّونَ كثيرٌ)؛ لأن الله جلَّ ثناؤه إنما عاتب بهذه الآيةِ والآياتِ التي قبلَها مِن قولِه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ - الذين انْهَزَموا يومَ أَحدٍ، وترَكوا القتالَ، إِذْ سمِعوا الصائحَ يَصِيحُ: إن محمدًا قد قُتِل. فعذَلهم (^٢) اللهُ ﷿ على فرارِهم وتركِهم القتالَ، فقال لهم جلَّ ثناؤه: أفإن مات محمدٌ أو قُتِل أيُّها المؤمنون به ارْتَدَدْتُم عن دينِكم، وانْقَلَبْتُم على أعقابِكم؟! ثم أخبَرَهم عما كان من فعلِ كثيرٍ مِن أتباعِ الأنبياءِ قبلَهم، وقال لهم: هلَّا فعلْتُم كما كان أهلُ العلمِ والفضلِ مِن أتباعِ الأنبياءِ قبلَكم يفْعَلُونه إذا قُتِل نبيُّهم، مِن المُضِيِّ على مِنهاجِ نبيِّهم، والقتالِ على دينِه أعداءَ دينِ اللهِ، على نحوِ ما كانوا يُقاتِلون مع نبيِّهم، ولم تهِنوا ولم تضْعُفوا، كما لم يَضْعُفِ الذين كانوا قبلَكم مِن أهلِ العلمِ\n_________\n(^١) هي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص عنه. ينظر السبعة ص ٢١٧.\n(^٢) في ت ١، ت ٢ ت ٣، س: \"فعذبهم\".","vol":"6","page":110},{"text":"والبصائرِ، مِن أتباعِ الأنبياءِ إذ قُتِل نبيُّهم، ولكنهم صبَروا لأعدائِهم حتى حكَم اللهُ بينَهم وبينَهم. وبذلك مِن التأويلِ جاء تأويلُ المتأولين.\nوأما \"الرِّبيون\" فإنهم مرفوعون بقولِه: ﴿مَعَهُ﴾. لا بقولِه: (قُتِل).\nوإنما تأويلُ الكلامِ: وكأين مِن نبيٍّ قُتِل ومعه ربيون كثيرٌ، فما وهَنوا لمَا أصابهم في سبيلِ اللهِ. وفى الكلامِ إضمارُ واوٍ؛ لأنها واوٌ تَدُلُّ على معنى حالِ (^١) قَتْلِ النبيِّ ﷺ، غيرَ أنه اجْتُزِئ بدلالةِ ما ذُكِر مِن الكلامِ عليها مِن ذكرِها، وذلك كقولِ القائلِ في الكلامِ: قُتِل الأميرُ معه جيشٌ عظيمٌ. بمعنى: قُتِل ومعه جيشٌ عظيمٌ.\nوأما \"الربيون\"، فإن أهلَ العربيةِ اخْتَلَفوا في معناه؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: هم الذين يَعْبُدون الربَّ، واحدُهم رِبِّيٌّ.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: لو كانوا مَنْسُوبين إلى عبادةِ الربِّ، لكانوا رَبِّيُّون، بفتحِ الراءِ، ولكنهم (^٢) العلماءُ والألوفُ.\nوالرِّبيون عندَنا: الجماعاتُ (^٣) الكثيرةُ، واحدُهم رِبِّيٌّ، وهم جماعةٌ.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في معناه؛ فقال بعضُهم: مثلَ ما قلْنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1545>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لكنه\".\n(^٣) في م: \"الجماعة\".","vol":"6","page":111},{"text":"زِرٍّ، عن عبدِ اللهِ: الربيون الألوفُ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان (^٢) الثوري، عن عاصم، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللِه مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ وابنُ عُيينةَ، عن عاصمِ بن أبى النَّجودِ، عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، عن عبدِ اللهِ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن (^٤) عاصمٍ، عن زرٍّ، عن عبدِ اللهِ مثلَه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرَنا عوفٌ عمَّن حدَّثه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾. قال: جموعٌ كثيرةٌ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾. قال: جموعٌ (^٦).\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٨١ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٠ (٤٢٧٧)، والطبراني (٩٠٩٦) من، طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) بعده في م: \"عن\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٤.\n(^٤) في م: \"بن\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٢٠٥.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور ٣/ ١٠٩٦ (٥٣١) عن هشيم به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٠ (٤٢٧٨) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٢ إلى ابن المنذر.","vol":"6","page":112},{"text":"حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا شعبةُ، عن عاصم، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللهِ: (وكأَيَّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَه رِبِّيُّونَ). قال: الألوفُ (^١).\nوقال آخرون بما حدَّثني به سليمانُ بنُ عبدِ الجبَّارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ (^٢) مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾. قال: علماءُ كثيرٌ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أَخْبَرَنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ (^٢) مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾. قال فقهاءُ علماءُ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: (وكأيِّن مَنْ نَّبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رَبِّيُّونَ كَثِيرٌ). قال: الجموعُ الكثيرةُ. قال يعقوبُ: وكذلك قرأَها إسماعيلُ: (قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (وكأيِّن مِّنْ نَّبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثيِرٌ). يقولُ: جموعٌ كثيرةٌ (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قتل\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٣١ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٠ عقب الأثر (٤٢٧٩) معلقا.\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ١١٧، وابن كثير في تفسيره ٢/ ١١١ عن قتادة، وقراءة قتادة (قُتِّلَ) بالبناء للمفعول وتشديد التاء، نص على ذلك أبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٧٢.","vol":"6","page":113},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه: (قُتِلَ مَعَهُ رَبِّيُّونَ كَثيِرٌ). قال: [علماءُ كثيرٌ] (^١). قال قتادةُ: جموعٌ كثيرةٌ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابن عُيينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾، قال: جموعٌ كثيرة (^٣).\nحدَّثني عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُليُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ، مثلَه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: (قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ). قال: جموعٌ كثيرةٌ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٤).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: (قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ). يقولُ: جموعٌ كثيرةٌ (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"علماء كثيرة\". وفي س: \"علم كثير\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٠ (٤٢٨٠) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في تفسيره (٥٣٢ - تفسير) عن سفيان به.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٠ عقب الأثر (٤٢٧٩) معلقا.\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ٤/ ٢٣٠، وأبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٧٤، وابن كثير في تفسيره ٢/ ١١١.","vol":"6","page":114},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: (وكأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كثَيرٌ). يقولُ: جموعٌ كثيرٌ (^١)، قُتِل نبيُّهم (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرَنا ابن المبارَكِ، عن جعفرِ بن حَيَّانَ (^٣) والمباركِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾. قال جعفرٌ: علماءُ صُبُرٌ. وقال المباركُ (^٤): أتْقِياءُ صُبُرٌ (^٥).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرني عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ). يعني الجموعَ الكثيرةَ، قُتِل نبيُّهم.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾. يقولُ: جموعٌ كثيرةٌ (^٦).\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"كثيرة\".\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٧٤، وابن كثير في تفسيره ٢/ ١١١. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٣٣ - تفسير) عن الضحاك بمعناه.\n(^٣) في م، ت ١: \"حبان\". ينظر تهذيب الكمال ٥/ ٢٢.\n(^٤) في الأصل، ص، م: \"ابن المبارك\". وهو المبارك فضالة.\n(^٥) في م: \"صبروا\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨١ (٤٢٨١) من طريق أبي الأشهب جعفر بن حيان به، وبرقم (٤٢٨٢) من طريق المبارك به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٠ عقب الأثر (٤٢٧٩) من طريق أسباط به.","vol":"6","page":115},{"text":"حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ في قولِه: (وكأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ). قال: وكأين من نبيٍّ أصابه القتلُ، ومعه جماعاتٌ (^١).\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: (وكأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رَبِّيُّونَ). الرِّبيون هم الجموعُ الكثيرةُ (^٢).\nوقال آخرون: الربيون هم الأتباعُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1546>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وكأيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبيونَ كَثِيرٌ). قال: الرِّبيون الأتباعُ، والرَّبَّانِيُّون الولاةُ، والرِّبيون الرعيةُ، وبهذا (^٣) عاتَبَهم اللهُ حينَ انْهَزَموا عنه، حين صاح الشيطانُ: إن محمدًا قد قُتِل. قال: كانت الهزيمةُ عندَ صياحه في سبَبِه (^٤)، صاح: أيُّها الناسُ إن محمدًا رسولَ اللهِ قد قُتِل، فارْجِعوا إلى عَشائركم يُؤَمِّنوكم (^٥).\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام، ٢/ ١١٢ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٠ (٤٢٧٦) من طريق سلمة به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٢ إلى المصنف.\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"هذا\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"سسه\"، وفى م: \"سنينة\".\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ٤/ ٢٣٠ وأبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٧٤ ببعضه.","vol":"6","page":116},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1548>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾.</span>\nيعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: فما عجَزوا لمَا نالهم مِن ألمِ الجراحِ الذي نالهم في سبيلِ اللهِ، ولا لقتلِ مَن قُتلِ منهم عن حربِ أعداءِ اللهِ، ولا نكَلوا عن جهادِهم ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾. يقولُ: وما ضعفت قواهم لقتلِ نبيِّهم، ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾. يعنى: وما ذلُّوا فتخشَّعوا (^١) لعدوِّهم بالدخولِ في دينِهم، ومُداهنتهم فيه، خِيفَةً منهم، ولكن مضَوْا قُدُمًا على بصائرِهم، ومنهاجِ نبيِّهم، صُبُرًا على أمرِ اللهِ وأمرِ نبيِّهم وطاعةِ اللهِ، واتباعًا لتنزيلِه ووحيِه. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾. يقولُ: واللهُ يُحِبُّ هؤلاء وأمثالَهم مِن الصابرين لأمرِه وطاعتِه، وطاعةِ رسولِه، في جهادِ عدوِّه، لا مَن فشَل ففرَّ عن عدوِّه، ولا من انقَلَب على عقِبَيْه، فذلَّ لعدوِّه لأنْ قُتِل نبيُّه أو مات، ولا مَن دخَله وَهْنٌ عن عدوِّه وضعفٌ؛ لفقدِ نبيِّه.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1547>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾. يقولُ: ما عجَزوا، وما تضَعْضَعُوا\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، س، وفى م: \"فيتخشعوا\".","vol":"6","page":117},{"text":"لقتلِ نبيِّهم، ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾، يقولُ: ما ارْتَدُّوا عن بصيرتِهم (^١)، ولا عن دينِهم، أَنْ (^٢) قاتَلوا على ما قاتَل عليه نبيُّ اللهِ ﷺ، حتى لحِقوا باللهِ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا﴾. يقولُ: وما عجَزوا وما ضعُفوا لقتلِ نبيِّهم: ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾، يقولُ: وما ارْتَدُّوا عن بصيرتِهم (١)، قاتَلوا على ما قاتَل عليه نبيُّ اللهِ ﷺ، حتى لحِقوا باللهِ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾. قال: فما وهَن الرِّبِّيُّونَ ﴿لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ من قتلِ النبيِّ ﷺ (^٥). يقولُ: ما ضعُفوا في سبيلِ اللهِ، لقتلِ النبيِّ، ﴿[وَمَا ضَعُفُوا] (^٦) وَمَا اسْتَكَانُوا﴾. يقولُ: ما ذلُّوا حينَ قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"اللهمَّ ليس لهم أن يَعْلُونا\". ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٧).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ لفقدِ نبيِّهم، ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾ عن عدوِّهم، ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ لما أصابهم في الجهادِ عن\n_________\n(^١) في م: \"نصرتهم\".\n(^٢) في م: \"بل\".\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨١ عقب الأثر (٤٢٨٣) معلقا.\n(^٤) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٧٤، وابن كثير في تفسيره ٢/ ١١١ عن الربيع.\n(^٥) بعده في م: \"وما ضعفوا\".\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨١ (٤٢٨٥) من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"6","page":118},{"text":"اللهِ جلَّ ثناؤه، وعن دينِهم، وذلك الصبرُ، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾. قال: تَخَشَّعوا (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ: ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾. قال: ما اسْتَكانوا لعدوِّهم، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-440\"></span><span data-type='title' id=toc-1549>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧)﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾: وما كان قولَ الرِّبِّيين، والهاءُ والميمُ مِن ذكرِ أسماءِ الرَّبِّيين، ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾، يعنى: ما كان لهم قولٌ سوى هذا القولِ، إذ قُتِل نبيُّهم.\nوقولُه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾. يقولُ: لم يَعْتَصِموا إذ قُتِل نبيُّهم إلا بالصبرِ على ما أصابهم، ومُجاهَدةِ عدوِّهم، وبمسألةِ ربِّهم المغفرةَ والنصرَ على عدوِّهم.\nومعنى الكلامِ: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾.\nوأما الإسرافُ فإنه الإفراطُ في الشيءِ، يقالُ منه: أسْرَف فلانٌ في هذا\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨١، ٧٨٢ (٤٢٨٦، ٤٢٩٠، ٤٢٩٤) من طريق سلمة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٢ (٤٢٩٥) من طريق ابن جريج به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٢ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٢ (٤٢٩٣) عن يونس به.","vol":"6","page":119},{"text":"الأمرِ. إذا تجاوَز مِقدارَه فأَفْرَط.\nومعناه هاهنا: اغْفِرْ لنا ذنوبَنا الصِّغارَ منها، وما أسْرَفْنا فيه منها، فتخَطَّيْنا إلى العِظامِ، وكأنَّ معنى الكلامِ: اغْفِرْ لنا ذنوبَنا؛ الصغائرَ منها والكبائرَ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾. قال: خَطايانا (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾. قال: خَطايانا وظُلْمَنا أنفسَنا (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أَخْبَرَنَا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ في قولِه: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ الله: يعنى: الخطايا: الكبارَ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، عن عبيدِ بن سليمانَ، عن الضحاكِ بن مُزاحِمٍ، قال: الكبائرُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾. قال: خَطايانا.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٣ (٤٢٩٩) من طريق أبي حذيفة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٣ (٤٣٠٠) من طريق على بن الحكم عن الضحاك به.","vol":"6","page":120},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾. قال: خَطايانا (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾. فإنه يقولُ: اجْعَلْنا ممَّن يَثْبُتُ لحربِ عدوِّك وقتالِهم، ولا تَجْعَلْنا ممَّن يَنْهَزِمُ فيفِرَّ منهم، ولا يَثْبُتَ قدمُه في مكانٍ واحدٍ لحرِبهم، ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: وانْصُرْنا على الذين جحَدوا وحْدانيتَك ونبوةَ نبيِّك.\nوإنما هذا تأنيبٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤه عبادَه الذين فرُّوا عن العدوِّ يومَ أحدٍ، وترَكوا قتالَهم، وتأديبٌ لهم، يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤه لهم: هلَّا فعَلْتُم إذ قيل لكم: قُتِل نبيُّكم. كما فعَل هؤلاء الرِّبِّيون، الذين كانوا قبلكم مِن أتباعِ الأنبياءِ، إذ قُتِلَت أنبياؤُهم، فصبَرْتم لعدوِّكم صبرَهم، ولم تَضْعُفوا وتَسْتَكِينوا لعدوِّكم، فتُحاوِلوا الارْتِدادَ على أعقابِكم، كما لم يَضْعُف هؤلاء الرِّبيون، ولم يسْتَكِينوا لعدوِّهم، وسألْتُم ربَّكم النصرَ والظَّفَرَ كما سأَلوا، فَينْصُرَكم اللهُ جلَّ وعزَّ كما نُصِروا؛ فإن الله جلَّ وعزَّ يُحِبُّ مَن صبَر لأمرِه، وعلى جهادِ عدوِّه، فيُعطِيه النصرَ والظَّفَرَ على عدوِّه.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. أي: فقولوا كما قالوا، واعلَموا أنما ذلك بذنوبٍ منكم، واسْتَغْفِرُوا كما اسْتَغْفَروا، وامْضُوا على دينِكم، كما مضَوا على دينِهم، ولا تَرْتَدُّوا على أعقابِكم راجِعِين، واسْأَلوه كما سأَلوه أن يُثَبِّتَ أقدامَكم، واسْتَنْصِروه كما اسْتَنْصَروه على القومِ الكافرين، فكلُّ هذا مِن قولِهم قد كان، وقد قُتِل نبيُّهم، فلم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٣ (٤٢٩٨) عن محمد بن سعد به.","vol":"6","page":121},{"text":"يَفْعَلُوا كما فعَلْتُم (^١).\nوالقراءةُ التي هي القراءةُ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾. النصبُ (^٢)؛ لإجماعِ قَرَأةِ الأمْصارِ على ذلك، نقلًا مستفيضًا، وِراثةً عن الحُجَّةِ.\nوإنما اخْتِير النصبُ في \"القولِ\"؛ لأن \"أن\" (^٣) لا تكونُ إلا معرفةً، فكانت أولى بأن تكون هي الاسمَ دونَ الأسماءِ التي قد تَكونُ معرفةً أحيانًا ونكرةً أحيانًا، ولذلك اخْتِير النصبُ في كلِّ اسمٍ ولِى \"كان\"، إذا كان بَعده \"أن\" الخفيفةُ، كقولِه: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت: ٢٤]، وقولِه: (ثُمَّ لم تَكُنْ فِتْنَتَهم إلَّا أن قالوا) (^٤) [الأنعام: ٢٣].\nفأما إذا كان الذي يَلِى \"كان\" اسمًا معرفةً، والذي بعدَه مثلَه، فسواءٌ الرفعُ؛ والنصبُ في الذي ولِى \"كان\"، فإن جعَلْتَ الذي ولى \"كان\" هو الاسمَ رفَعْتَه، ونصَبْتَ الذي بعدَه، وإن جعَلْتَ الذي ولِى \"كان\" هو الخبرَ نصَبْتَه، ورفَعْتَ الذي بعدَه، كقولِه جل ثناؤُه: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠]. إن جعَلْتَ \"العاقبةَ\" الاسمَ رفَعْتَها، وجَعَلْتَ ﴿السُّوأَى﴾ هي الخبرَ منصوبةً، وإن جعَلْتَ \"العاقبة\" هي الخبرَ نَصَبْتَ، فقلتَ: ثم (^٥) كان عاقبةَ الذين أساءوا السوآى، وجَعَلْتَ ﴿السُّوأَى﴾ هي الاسمَ، فكانت مرفوعةً، وكما قال الشاعرُ (^٦):\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٣ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٢، ٧٨٣ (٤٢٩٧) من طريق سلمة به.\n(^٢) قراءة النصب هي قراءة الجمهور. وقرأ الحسن بالرفع. ينظر الإتحاف ١/ ١٣٠.\n(^٣) في م: \"إلا أن\".\n(^٤) يأتى الكلام على هذه القراءة عند تفسير الآية ٢٣ من سورة الأنعام.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"و\".\n(^٦) البيت في الكتاب لسيبويه، ١/ ٥٠، والمحتسب لابن جنى ٢/ ١١٦، وشرح المفصل لابن يعيش ٧/ ٩٦.","vol":"6","page":122},{"text":"لقد علِم الأقوامُ ما كان داءَها … بثَهْلانَ إلا الخِزْىُ ممَّن يَقُودُها\nورُوِى أيضًا: ما كان داؤُها بثَهْلانَ إلا الخزىَ. نصبًا ورفعًا، على ما قد بيَّنْتُ، ولو فُعِل مثلُ ذلك مع \"أن\" كان جائزًا، غيرَ أن أفصحَ الكلامِ ما وصَفْتُ عندَ العربِ.\n\n<span id=\"aya-441\"></span><span data-type='title' id=toc-1550>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: فأَعْطَى اللهُ الرِّبِّيين الذين وصَفَهم بما وصفهم - مِن الصبرِ على طاعةِ اللهِ ﷿ بعدَ مَقْتَلِ أنبيائِهم، وعلى جهادِ عدوِّهم، والاستعانةِ باللهِ في أمورِهم، واقتفائِهم مَناهجَ إمامِهم، على ما أَبْلَوْا في اللهِ جلَّ وعزَّ - ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾، يعني: جزاءً في الدنيا، وذلك النصرُ على عدوِّهم وعدوِّ اللهِ، والظَّفَرُ والفتحُ عليهم، والتمكينُ لهم في البلادِ، ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾، يعنى: وخيرَ جزاءِ الآخرةِ، على ما أسْلَفوا في الدنيا مِن أعمالِهم الصالحةِ، وذلك الجنةُ ونعيمُها.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، فقرَأ حتى بلَغ ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: إى واللهِ، لَآتاهم الفتحَ والظهورَ والتمكينَ والنصرَ على عدوِّهم في الدنيا، ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾، يقولُ: وحسنَ الثوابِ في الآخرةِ وهى الجنةُ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٤ (٤٣٠٥، ٤٣٠٧) من طريق يزيد به.","vol":"6","page":123},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾. ثم ذكَر نحوَه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ في قولِه: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾. قال: النصرَ والغَنيمةَ. ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾. قال: رضوانَ اللهِ ورحمتَه (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾: الظهورَ (^٣) على عدوِّهم، ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾: الجنةَ وما أعدَّ فيها (^٤).\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: فعَل اللهُ ذلك بهم (^٥) بإحسانهم، فإنه يُحِبُّ المحسنين، وهم الذين يَفْعَلون مثلَ الذي وصَف عنهم تعالى ذكرُه، وأنهم فعَلوه حينَ قُتِل نبيُّهم.\n\n<span id=\"aya-442\"></span><span data-type='title' id=toc-1551>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: يا أيُّها الذين صدَّقوا الله ورسولَه، في وعدِ اللهِ ووَعيدِه وأمرِه ونهيِه، ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يعني: الذين جحَدوا نبوةَ نبيِّكم محمدٍ ﷺ من اليهودِ والنصارى، فيما يَأْمُرونكم به، وفيما يَنْهَوْنَكُم عنه، فتَقْبَلُوا رأيَهم في ذلك، وتنتَصِحوهم فيما يزعمون أنهم لكم فيه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٤ عقب الأثر (٤٣٠٥) من طريق ابن أبي جعفر به نحوه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٣ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"وحسن الظهور\"، وفى م: \"حسن الظهور\".\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٣ بنحوه.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"6","page":124},{"text":"ناصحون ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾. يقولُ: يَحْمِلوكم على الرِّدةِ بعدَ الإيمانِ، والكفرِ باللهِ وآياتِه ورسولِه بعدَ الإسلامِ، ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. يقولُ: فتَرْجِعوا عن إيمانِكم ودينِكم الذي هداكم اللهُ ﷿ له، ﴿خَاسِرِينَ﴾، يعني: هالِكين، قد خسِرْتم أنفسَكم، وضلَلْتُم عن دينِكم، وذهَبَت دنياكم وآخرتُكم.\nيَنْهَى بذلك أهلَ الإيمانِ باللهِ أن يُطِيعوا أهلَ الكفرِ في آرائِهم، ويَنْتَصِحوهم في أديانِهم كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. أي: عن دينِكم، فتَذْهَبَ دنياكم وآخرتُكم (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال ابن جُريجٍ: يقولُ: لا تَنْتَصِحوا اليهودَ والنصارى على دينِكم، ولا تُصَدِّقوهم بشيءٍ في دينِكم (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. يقولُ: إِن تُطِيعوا أبا سفيانَ يردَّكم (^٣) كفارًا.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٤، ٧٨٥ (٤٣١١، ٤٣١٣) من طريق سلمة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٥ (٤٣١٢) من طريق ابن ثور عن ابن جريج، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٣ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في م: \"يردوكم\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٤ (٤٣٠٨)، من طريق أحمد بن المفضل به نحوه.","vol":"6","page":125},{"text":"<span id=\"aya-443\"></span><span data-type='title' id=toc-1552>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكرُه: أن الله ﷿ مُسَدِّدُكم أَيُّها المؤمنون، فمُنْقِذُكم مِن طاعةِ الذين كفَروا.\nوإنما قيل: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾؛ لأن في قولِه: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ نهيًا لهم عن طاعتِهم، فكأنه قال: يا أيُّها الذين آمنوا لا تُطِيعوا الذين كفَروا، فيردُّوكم على أعقابِكم. ثم ابْتَدَأ الخبرَ، فقال: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾، فأطِيعوه دونَ الذين كفَروا، فهو خيرُ مَن نَصَر، ولذلك رُفع اسمُ اللهِ، ولو كان منصوبًا على معنى: بل أطِيعوا الله مولاكم دون الذين كفَروا، كان وجهًا صحيحًا.\nويعنى بقولِه: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾: بل اللهُ وليُّكم وناصرُكم على أعدائِكم الذين كفَروا ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾، لا مَن فرَرْتُم إليه مِن اليهودِ وأهلِ الكفرِ باللهِ. فباللهِ الذي هو ناصرُكم ومولاكم فاعْتَصِموا، وإياه فاسْتَنْصِروا دونَ غيرِه ممَّن يَبْغِيكم الغَوائلَ، ويَرْصُدُكم بالمكارهِ.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾، إن كان ما تقولون بأْلسِنتِكم صدقًا في قلوبِكم، ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾، أيْ: فاعْتَصِموا به، ولا تَسْتَنْصِروا بغيرِه، ولا تَرْجِعوا على أعقابِكم مُرْتَدِّين عن دينِكم (^١).\n\n<span id=\"aya-444\"></span><span data-type='title' id=toc-1553>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا</span>\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٥ (٤٣١٥) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":126},{"text":"أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)﴾.\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: سيُلْقى اللهُ أيُّها المؤمنون ﴿فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بربِّهم، وجَحدوا نبوةَ محمدٍ ﷺ، ممن حارَبَكم بأُحُدٍ، ﴿الرُّعْبَ﴾، وهو الجزَعُ والهَلَعُ، ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾، يعني: بشركِهم باللهِ وعبادتِهم الأصنامَ، وطاعتِهم الشيطانَ، التي لم أَجْعَلْ لهم بها حُجةٌ. وهى السلطان التي أَخْبَر الله جلَّ ثناؤه أنه لم يُنَزِّله بكفرِهم وشركِهم.\nوهذا وعدٌ مِن اللهِ جل ثناؤُه أصحابَ رسولِه، بالنصرِ على أعدائِهم، والفَلْجِ (^١) عليهم ما اسْتَقاموا على عهدِه، وتَمسَّكوا بطاعتِه، ثم أَخْبَرَهم تعالى ذكرُه ما هو فاعلٌ بأعدائِه بعدَ مصيرِهم إليه، فقال جل ثناؤُه: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ يعني: ومَرْجِعُهم الذي يَرْجِعون إليه يومَ القيامةِ النارُ. ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: وبئس مُقامُ الظالمين الذين ظلَموا أنفسَهم باكتسابِهم ما أوْجَب لها عقابَ اللهِ، النارُ.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)﴾. فإني سألْقِي في قلوبِ الذين كفَروا الرعب الذي به كنتُ أَنْصُرُكم عليهم، بما أَشْرَكوا بي، ما لم أَجْعَلْ لهم به حجةً، أي: فلا تَظُنُّوا أن لهم عاقبةَ نصرٍ، ولا ظهورٍ عليكم، ما اعْتَصَمْتُم بى (^٢). واتَّبَعْتُم أمرى، للمُصيبةِ التي أصابَتْكم منهم، بذنوبٍ قدَّمْتُموها لأنفسِكم، خالَفْتُم\n_________\n(^١) الفَلْج: الظفر والفوز.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":127},{"text":"بها أمرى، وعصَيْتُم فيها نبيِّى ﵇ (^١).\nحدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لما ارْتحَلَ أبو سفيانَ والمشركون يومَ أحدٍ مُتَوَجِّهين نحوَ مكةَ، انْطَلَق أبو سفيان حتى بلَغ بعضَ الطريقِ، ثم إنهم ندِموا فقالوا: بئس ما صنَعْتُم، إنكم قَتَلْتُموهم، حتى إذا لم يَبْقَ إلا الشَّرِيدُ ترَكْتُموهم، ارْجِعوا فاسْتَأْصِلوهم. فقذَف اللهُ جلَّ وعزَّ في قلوبِهم الرعبَ، فانْهَزَموا، فَلَقُوا أعرابيًّا، فجعَلوا له جُعْلًا، فقالوا له: إن لقِيتَ محمدًا فأخْبِرْهمِ (^٢) بما قد جَمَعْنا لهم. فأَخْبَرَ الله تعالى ذكرُه رسولَه ﷺ، فطلَبَهم حتى بلَغ حمراءَ الأسَدِ، فأنْزَل اللهُ جلَّ ثناؤه في ذلك، يذكُرُ أبا سفيانَ حينَ أراد أن يَرْجِعَ إلى النبيِّ ﷺ، وما قُذِف في قلبِه مِن الرعبِ، فقال: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ (^٣) (^٤).\n\n<span id=\"aya-445\"></span><span data-type='title' id=toc-1554>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾: ولقد صَدَقكم الله أيُّها المؤمنون مِن أصحابِ محمدٍ ﷺ بأُحُدٍ، ﴿وَعْدَهُ﴾ الذي وعَدَكم (^٥) على لسانِ رسولِه محمدٍ ﷺ.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٣، وأخرجه ابن أبي حاتم ٣/ ٧٨٥ (٤٣١٧) من طريق سلمة به مختصرًا.\n(^٢) في م: \"فأخبره\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٣ إلى المصنف.\n(^٤) بعده في ص: \"يتلوه القول في تأويل قوله ولقد صدقكم الله وعده وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان قال أخبرَنا أبو جعفر محمد بن جرير\".\nوبعده في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أخبرَنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان قال أخبرَنا أبو جعفر محمد بن جرير ﵀\".\n(^٥) في م: \"وعدهم\".","vol":"6","page":128},{"text":"والوعدُ الذي كان وعَدَهم على لسانِه بأُحدٍ قولُه ﷺ للرُّماةِ: \"اثْبُتوا مكانَكم ولا تَبْرَحوا وإن رأيْتُمونا قد هزَمْناهم، فإنا لن نَزالَ غالِبِين ما ثبَتُّم مكانَكم\". وكان وعَدَهم رسولُ اللهِ ﷺ النصرَ يومئذٍ إن انتَهَوْا إلى أمرِه.\nكالذى حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لما بَرَز رسولُ اللهِ ﷺ إلى المشركين بأحدٍ، أمر الرُّماةَ، فقاموا بأصلِ الجبلِ في وجوهِ خيلِ المشركين، وقال: \"لا تَبْرَحوا مكانَكم إن رأيتمونا قد هزَمناهم، فإنَّا لن نزالَ غالبين ما ثَبتُّم مكانَكم\". وأمرَّ عليهم عبدَ اللهِ بنَ جُبيرٍ أخا خَوَّاتٍ بن جُبيرٍ.\nثم إن طلحةَ بنَ عثمانَ صاحبَ لواءِ المشركين قام فقال: يا معشرَ أصحابِ محمدٍ، إنكم تَزْعُمون أن الله يُعَجِّلُنا بسيوفِكم إلى النارِ، ويُعَجِّلُكم بسيوفِنا إلى الجنةِ، فهل منكم أحدٌ يُعَجِّلُه اللهُ بسيفى إلى الجنةِ، أو يعَجِّلُني بسيفه إلى النارِ؟ فقام إليه عليُّ بن أبى طالبٍ ﵁، فقال: والذي نفسي بيدِه، لا أُفَارِقُك حتى يُعَجِّلَك اللهُ بسيفى إلى النارِ، أو يُعَجِّلَنى بسيفِك إلى الجنةِ. فضرَبه عليٌّ، فقطَع رجلَه فسقَط، فانْكَشَفَت عورتُه، فقال: أَنْشُدُك الله والرحمَ يا بنَ عمِّ. فترَكه، فكبَّر رسولُ اللهِ ﷺ، وقال لعليٍّ أصحابُه: ما منَعك أن تُجْهِزَ عليه؟ فقال: إن ابنَ عمى ناشَدني الله حينَ انكَشَفت عورتُه، فاسْتَحْيَيْتُ منه.\nثم شدَّ الزبيرُ بنُ العوامِ والمِقْدادُ بنُ الأسودِ على المشركين، فهزَماهم، وحمَل النبيُّ ﷺ وأصحابُه، فهزَموا أبا سفيانَ، فلما رأَى ذلك خالدُ بنُ الوليدِ وهو على خيلِ المشركين حمَل، فرَمتْه الرُّماةُ فانْقَمَع، فلمَّا نظَر الرُّماةُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه في جوفِ عسكرِ المشركين يَنْتَهِبونه، بادَروا الغنيمةَ، فقال بعضُهم: لا نَتْرُكُ أمرَ رسولِ ﷺ. فانْطَلَق عامتهم، فلحِقوا بالعسكرِ، فلما رأَى خالدٌ قلةَ الرُّماةِ صاح في خيلِه، ثم حمَل فقتَل الرُّماةَ، وحمَل على أصحابِ النبيِّ ﷺ، فلمَّا","vol":"6","page":129},{"text":"رأَى المشركون أن خيلَهم تُقاتِلُ تَنادَوْا، فَشَدُّوا على المسلمين، فهزَموهم وقتَلوهم (^١).\nحدَّثنا هارون بنُ إسحاقَ، قال: ثنا مُصْعَبُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البَراءِ، قال: لما كان يومُ أحدٍ، ولقِينا المشركين، أجْلَس رسولُ اللهِ ﷺ رجالًا بإزاءِ الرُّماةِ، وأمرَّ عليهم عبدَ اللهِ بن جُبيرٍ أخا خَوَّاتٍ بن جُبيرٍ، وقال لهم: \"لا تَبْرَحوا مكانَكم، إن رأيْتُمونا ظهَرْنا عليهم ولا تَبْرَحوا مكانَكم، وإن رأَيْتُموهم ظهَروا علينا فلا تُعِينونا\". فلمَّا لِقىَ (^٢) القومَ هزم المشركين، حتى رأَيْتُ النساءَ رفَعْن عن سُوقِهن، وبدَت خَلاخِلُهن، فجعَلوا يقولون: الغنيمةَ الغنيمةَ. قال عبدُ اللهِ: مَهْلًا، أما علِمْتُم ما عهِد إليكم رسولُ اللهِ ﷺ فأبَوْا، فانْطَلَقوا، فلمَّا أتَوْهم صرَف اللهُ وجوهَهم، فأُصيب مِن المسلمين سبعون قَتيلًا (^٣).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البَراءِ، نحوه.\nحدَّثني محمد بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾. فإن أبا سفيانَ أقْبَل في ثلاثِ ليالٍ خلَوْن من شوالٍ، حتى نزَل بأحدٍ، وخَرج النبيُّ ﷺ، فأذَّن في الناسِ، فاجْتَمَعوا، وأمَّر الزبيرَ على\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٠٩، ٥١٠.\n(^٢) في م: \"التقى\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٠٧، ٥٠٨، وأخرجه البخارى (٤٠٤٣)، وابن حبان (٤٧٣٨) والبيهقي في الدلائل ٣/ ٢٦٧، ٢٦٨ من طريق إسرائيل به، وأخرجه الطيالسي (٧٦١)، وأحمد ٣٠/ ٥٤٤ - ٥٥٦، ٥٦٢ (١٨٠٩٣، ١٨٦٠٠)، والبخاري (٣٠٣٩، ٣٩٨٦، ٤٠٦١، ٤٠٦٧)، وأبو داود (٢٦٦٢)، والنسائى (٨٦٣٥، ١١٠٧٩ - كبرى)، والبيهقى في الدلائل ٣/ ٢٦٩ وغيرهم من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٥٣ إلى ابن المنذر.","vol":"6","page":130},{"text":"الخيلِ، ومعه يومَئذٍ المِقْدادُ بنُ الأسودِ الكِنْديُّ، وأعْطَى رسولُ اللهِ ﷺ اللواءَ رجلًا مِن قريشٍ، يقالُ له: مُصعبُ بنُ عميرٍ. وخرَج حمزةُ بنُ عبدِ المطلبِ بالحُسَّرِ (^١)، وبعَث حمزةَ بينَ يديه، وأقْبَل خالدُ بنُ الوليدِ على خيلِ المشركين ومعه عكرمةُ بنُ أبى جهلٍ، فبعَث رسولُ اللهِ ﷺ الزبيرَ، وقال: \"اسْتَقْبِل خالدَ بنَ الوليدِ، فكُنْ بإزائِه حتى أُوذِنَك\". وأمَر بخَيْلٍ أخرى، فكانوا مِن جانبٍ آخرَ، فقال: \"لا تَبْرحوا حتى أُوذِنَكم\". وأقْبَل أبو سفيانَ يَحْمِلُ اللَّاتَ والعُزَّى، فأَرْسَل النبيُّ ﷺ إلى الزبيرِ أن يَحْمِلَ، فحمَل على خالدِ بن الوليدِ، فهزَمه اللهُ ومَن معه، فقال جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾. وإن الله ﵎ وعَد المؤمنين أن يَنْصُرَهم، وأنه معهم (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ مسلمِ بن عبيدِ اللهِ الزهريُّ، و(^٣) محمدُ بنُ يحيى بن حَبَّانَ، وعاصمُ بنُ عمرَ بن قتادةَ، والحصينُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن عمرِو بن سعدِ بن معاذٍ، وغيرُهم من عُلمائنا - في قصةِ ذكَرها عن أُحدٍ - ذكَر أن كلَّهم قد حدَّث ببعضِها، وأن حديثَهم اجْتَمَع فيما ساق مِن الحديثِ، فكان فيما ذكَر في ذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ نزَلَ الشِّعْبَ مِن أُحدٍ في عُدْوةِ الوادى إلى الجبلِ، فجعَل ظهرَه وعسكرَه إلى أحدٍ، وقال: \"لا يقاتلَنَّ أحدٌ حتى نَأْمُرَه بالقتالِ\". وقد سرَّحَت قريشٌ الظَّهْرِ (^٤) والكُراعَ (^٥) في زروعٍ كانت\n_________\n(^١) الحُسَّرُ: جمع حاسر، وهو الذي لا درع عليه ولا مِغْفر. النهاية ١/ ٣٨٣.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٠٨، ٥٠٩، وأخرج آخره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٩ (١٦٢٥ - تحقيق حكمت بشير ياسين).\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أن\".\n(^٤) الظهر: الإبل التي يحمل عليها ويركب. اللسان (ظ هـ ر).\n(^٥) الكراع: الخيل. اللسان (ك ر ع).","vol":"6","page":131},{"text":"بالصَّمْغةِ (^١) مِن قَناةٍ (^٢) للمسلمين، فقال رجلٌ مِن الأنصارِ حينَ نهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن القتالِ: أَتُرْعَى زروعُ بنى قَيْلةَ (^٣)، ولمَّا نُضَارِبْ. وتَعبَّأ (^٤) رسولُ اللهِ ﷺ للقتالِ وهو في سبعِمائةِ رجلٍ، وتعبَّأت (^٥) قريشٌ وهم ثلاثةُ آلافٍ، ومعهم مائتا فرسٍ قد جَنَبوها (^٦)، فجعَلوا على مَيْمَنةِ الخيلِ خالدَ بنَ الوليدِ، وعلى مَيْسَرتِها عكرمةَ بن أبي جهلٍ، وأمَّر رسولُ اللهِ ﷺ على الرُّماةِ عبدَ اللهِ بن جُبيرٍ أخا بنى عمرِو بن عوفٍ، وهو يومئذٍ مُعلَّمٌ بثيابٍ بيضٍ، والرُّماةُ خمسون رجلًا، وقال: \"انْضَحُ (^٧) عنا الخيلَ بالنَّبْل، لا يَأْتُونا مِن خلفِنا، إن كانت لنا أو علينا فاثْبُتْ مكانَك، لا نُؤْتَيَنَّ مِن قِبَلِكَ\". فلما التَقَى الناسُ، ودنا بعضُهم من بعضٍ، واقْتَتَلوا حتى حمِيَت الحربُ، وقاتَل أبو دُجانةَ حتى أمْعَن في الناسِ، وحمزةُ بنُ عبدِ المطلبِ وعليُّ بن أبي طالبٍ في رجالٍ مِن المسلمين، فأنْزَل اللهُ نصرَه، وصدَقَهم وعدَه، فحسُّوهم بالسيوفِ حتى كشَفوهم، وكانت الهزيمةُ لا شكَّ فيها (^٨).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن يحيى بن عبَّادِ بن عبدِ اللهِ بن الزبيرِ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: قال الزبيرُ: واللَّهِ لقد رأيتُنى أَنْظُرُ إِلى خَدَمِ (^٩)\n_________\n(^١) الصمغة: أرض قرب أحد من المدينة. معجم البلدان ٣/ ٤١٨.\n(^٢) القناة: واد يأتى من الطائف وينتهى إلى أصل قبور الشهداء بأحد. ينظر معجم البلدان ٤/ ١٨٢.\n(^٣) بنو قيلة: هم الأوس والخزرج أمهما قيلة بنت الأرقم بن عمرو. جمهرة أنساب العرب ص ٣٣٢.\n(^٤) في م: \"صفنا\".\n(^٥) في م: \"تصاف\".\n(^٦) جنبوها: قادوها إلى جنبهم. ينظر اللسان (ج ن ب).\n(^٧) انضح: ادفع.\n(^٨) سيرة ابن إسحاق ص ٣٠١ عن الزهرى به، وهو في السيرة لابن هشام، ٢/ ٦٥، ٦٦ كلاهما بأتم من ذلك.\n(^٩) الخدم: جمع خَدَمةٍ، وهى الخلخال، وقد تسمى الساق خدمة حملا على الخلخال لكونها موضعه. اللسان (خ د م).","vol":"6","page":132},{"text":"هندِ بنتِ عُتْبةَ وصواحبها مُشَمِّراتٍ هَواربَ، ما دون أخْذِهنَّ (^١) قليلٌ ولا كثيرٌ، إذ مالت الرُّماةُ إلى العسكرِ حينَ كشَفْنا القومَ عنه، يُريدون النَّهْبَ، وخلَّوا ظهورَنا للخيلِ، فأُتِينا من أدْبارِنا، وصرَخ صارخٌ: ألا إن محمدًا قد قُتِل، فانْكَفَأْنا وانْكَفَأ علينا القومُ، بعد أن أَصَبْنا أصحابَ اللواءِ، حتى ما يَدْنُو منه أحدٌ مِن القومِ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾. أي: ولقد وفَيْتُ لكم بما وعَدْتُكم من النصرِ على عدوِّكم (^٣).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه جلّ وعزَّ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾. وذلك يومَ أُحدٍ، قال لهم: \"إنكم ستَظْهَرون، فلا أَعرِفنَّ (^٤) ما أصَبْتُم من غنائمِهم شيئًا، حتى تَفْرُغوا\". فتركوا أَمْرَ نبيِّ اللهِ ﷺ وعَصَوْا، ووقَعوا في الغنائمِ، ونَسُوا عهدَه الذي عهِد إليهم، وخالَفوا إلى غيرِ ما أَمَرَهم به (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1555>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكرُه: ولقد وَفَى اللهُ لكم أيُّها المؤمنون مِن أصحابِ محمدٍ، بما وعَدَكم مِن النصرِ على عدوِّكم بأحدٍ، حينَ ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾، يعني: حينَ تَقْتُلونهم. يقالُ منه: حسَّه يَحُسُّه حسًّا: إذا قتَلَه.\n_________\n(^١) في م: \"إحداهنَّ\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٧٧، ٧٨، كما أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥١٣.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٣.\n(^٤) في م: \"فلا تأخذوا\". والمعنى: أي لا يخفى عليَّ ذلك ولا مقابلته بما يوافقه وفيه زجر عن فعل هذا. ينظر التاج (ع ر ف).\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"6","page":133},{"text":"كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن سعيدٍ الواسطيُّ، قال: أخبرَنا يعقوبُ بنُ عيسى، قال: ثنى عبدُ العزيزِ بنُ عِمْرانَ بن عبدِ العزيز بن عمرَ بن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ عن محمدِ بن عبدِ العزيز، عن الزهريِّ، عن عبدِ الرحمنِ بن المِسْوَرِ بن مَخْرمةَ، عن أبيه، عن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ في قولِه: ﴿إِذ تَحُسُّونَهُمْ﴾. قال: الحَسُّ القتلُ.\nحدَّثني يونسُ بن عبدِ الأعلى، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخْبرَني ابن أبى الزِّنادِ، عن أبيه، قال: سمِعْتُ عبيدَ اللهِ بنَ عبدِ اللهِ (^١) يقولُ في قولِ اللهِ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾. قال: القتلُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾. قال: تَقْتُلونهم (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾، أي: قتلًا ﴿بِإِذْنِهِ﴾ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ يقولُ: إذ تَقْتُلونهم (^٥).\n_________\n(^١) بعده في مصادر التخريج: \"عن ابن عباس\". وهو الصواب، ولعله سقط من رواية الطبرى.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند ١/ ٢٨٧، ٢٨٨، وابن أبي حاتم في تفسيره (تحقيق د. حكمت بشير) ٢/ ٥٩٩ (١٦٢٧)، والطبرانى في المعجم الكبير ١٠/ ١٦٥ (١٠٧٣١)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٢٩٦، ٢٩٧، والبيهقي في الدلائل ٣/ ٢٦٩ - ٢٧١، كلهم عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله عن ابن عباس.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (تحقيق د. حكمت بشير) ٢/ ٦٠٠ (١٦٢٩) معلقا.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (تحقيق د. حكمت بشير) ٢/ ٦٠٠ (١٦٣٣) معلقا.\n(^٥) في الأصل: \"تقاتلونهم\".\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٥.","vol":"6","page":134},{"text":"حُدِّثْتُ عن عمارٍ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾: والحسُّ القتلُ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾. يقولُ: تَقْتُلونهم (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ بالسيوفِ، أي: بالقتلِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾، يعنى القتلَ (^٤).\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾. يقولُ تقتلونهم (^٥).\nوأما قولُه: ﴿بِإِذْنِهِ﴾، فإنه يعنى: بحُكْمى وقَضائى لكم بذلك، وتَسْليطي إياكم عليهم.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ يقولُ: تحسُّونهم بإذنى وتَسْليطى أيديَكم عليهم، وكَفِّي أيديهم عنكم (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (تحقيق د. حكمت) ٢/ ٦٠١ (١٦٣٤) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (تحقيق د. حكمت بشير) ٢/ ٦٠٠ (١٦٣١) من طريق أسباط به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٦ (٤٣١٩) من طريق سلمة به. وينظر سيرة ابن هشام ٢/ ١١٣.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (تحقيق د. حكمت بشير) ٢/ ٦٠٠ (١٦٣٠) معلقا.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٥ إلى المصنف.\n(^٦) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٣.","vol":"6","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1557>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾: حتى إذا جبُنْتُم ووخِمْتُم (^١)، ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. يقولُ: واخْتَلَفْتُم في أمرِ اللهِ. ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾. يقولُ وخالَفْتُم نبيَّكم ﷺ، فترَكْتُم أمرَه، وما عهِد إليكم. وإنما يعنى بذلك الرُّماةَ الذين كان ﷺ أمَرَهم بلزومِ مركزِهم ومقعدِهم مِن فم الشِّعْبِ بأحدٍ، بإزاءِ خالدِ بن الوليدِ ومَن كان معه مِن فُرسان المشركين الذين ذكَرْنا قبلُ أمْرَهم.\nوأما قولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾، فإنه يعنى بذلك: مِن بعدِ الذي أراكم اللهُ أيُّها المؤمنون بمحمدٍ ﷺ مِن النصرِ والظَّفَرِ بالمشركين، وذلك هو الهزيمةُ التي كانوا هزَمُوهم عن نسائِهم وأموالِهم، قبلَ ترْكِ الرُّماةِ مَقاعدَهم، التي كان رسولُ اللهِ ﷺ أقعَدَهم فيها، وقبلَ خروجِ خيلِ المشركين على المؤمنين مِن ورائِهم.\nوبنحوِ الذي قلنا تَظاهَرَت الأخبارُ عن أهلِ التأويلِ، وقد مضَى ذِكْرُ بعض مَن قال ذلك، وسنَذْكُرُ قولَ بعض مَن لم نذكُرْ قولَه فيما مضَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1556>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، أي: اخْتَلَفْتُم في الأمرِ ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾، وذاكم يومَ أحدٍ، عهد إليهم نبيُّ اللهِ ﷺ، وأمَرَهم بأمرٍ، فنَسُوا العهدَ، وجَاوَزوا وخالَفوا ما أمَرَهم نبيُّ اللهِ ﷺ، فصرَف (^٢) عليهم عدوَّهم، بعدَ ما أراهم مِن عدوِّهم ما يُحِبُّون.\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، ت ٣، س، وفى م: \"ضعفتم\".\n(^٢) في م: \"فانصرف\".","vol":"6","page":136},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ، بَعث ناسًا مِن الناسِ - يعنى: يومَ أحدٍ - فكانوا مِن ورائِهم، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"كُونوا هاهنا، فرُدُّوا وجهَ مَن [فرَّ منا] (^١)، وكونوا حَرَسًا لنا من قِبَلِ ظهورِنا\". وأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لمَّا هزَم القومَ هو وأصحابُه (^٢) الذين آمنوا الذين كانوا جُعِلوا مِن ورائِهم، فقال بعضُهم لبعضٍ، لما رأَوُا النساءَ مُصْعَداتٍ في الجبلِ، ورأَوُا الغَنائمَ، قالوا: انْطَلِقوا بنا إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فأدْرِكوا الغنيمةَ قبلَ أن تُسْبَقوا إليها. وقالت طائفةٌ أخرى: بل نُطِيعُ رسولَ اللهِ ﷺ، فتَنْبُتُ مكانَنا. فذلك قولُه لهم: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ للذين أرادوا الغنيمةَ، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ للذين قالوا: نُطِيعُ رسولَ اللهِ ﷺ، ونَثْبُتُ مكانَنا. فأتَوْا محمدًا ﷺ، فقُتِلوا (^٣) فكان فشلًا حينَ تَنازَعوا بينهم، يقولُ: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾، كانوا قد رأَوُا الفتحَ والغَنيمةَ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾. يقولُ: جبُنْتُم عن عدوِّكم، ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. يقولُ: اخْتَلَفْتُم، ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾، وذلك يوم أحدٍ، قال لهم: \"إنكم ستَظْهَرون فَلا أعرِفنَّ ما أصَبْتُم مِن غَنائمِهم شيئًا، حتى تَفْرُغوا\". فترَكوا أمرَ نبيِّ اللهِ ﷺ، وعَصَوْا، ووقَعوا في الغَنائِمِ، ونَسُوا عهدَه الذي عهِده إليهم، وخالَفوا إلى غيرِ ما أمَرَهم به، فانْصَرَف عليهم عدوُّهم مِن بعدِ ما أراهم فيهم\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قدمنا\".\n(^٢) بعده في م: \"اختلف\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٠٨، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٦، ٧٨٨، ٧٨٩، (٤٣٢٢، ٤٣٢٧، ٤٣٣٣) عن محمد بن سعد به.","vol":"6","page":137},{"text":"ما يُحِبُّون (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾. قال ابن جُريجٍ: قال ابن عباسٍ: الفشلُ الجُبْنُ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾، مِن الفتحِ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾، أي: تَخَاذَلْتُم ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: اختَلَفْتُم في أمرى ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾، أي: ترَكتُم أمر نبيِّكم ﷺ، وما عهِد إليكم، يعنى: الرُّماةَ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾، أي: الفتحَ لا شكَّ فيه، وهزيمةَ القومِ عن نسائِهم وأموالِهم (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن المباركِ، عن الحسنِ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾، يعنى: مِن الفتحِ.\nوقيل: معنى قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾. حتى إذا تَنَازَعْتُم في الأمرِ فشِلْتُم وعصَيْتُم ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾، و(^٥) أنه مِن المُقدَّمِ الذي معناه التأخيرُ. وأن الواوَ أُدخلت في ذلك،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٦ (٤٣٦٠، ٤٣٢٣) من طريق ابن أبي جعفر به مقتصرًا على أوله.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٥ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٨ (٤٣٢٩) من طريق أحمد به.\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٤، وأخرجه ابن أبي حاتم إلى قوله: \"تخاذلتم\" في تفسيره ٣/ ٧٨٦ (٤٣٢١) من طريق سلمة به.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"6","page":138},{"text":"ومعناها: السقوطُ كما قيل: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ﴾ [الصافات: ١٠٣، ١٠٤]. معناه: نادَيْناه. وهذا مقولٌ في \"حتى إذا\" وفي [\"فلما أن\". و\"فلما\"] (^١) ومنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾. ثم قال: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦، ٩٧]. ومعناه: اقْتَرَب. وكما قال الشاعرُ (^٢):\nحتى إذا قَمِلَت (^٣) بطونُكمُ .. ورأيتُمُ أبناءَكُمْ شَبُّوا\nوقلَبْتُمُ ظهْرَ المِجَنِّ (^٤) لنا … إن اللئيمَ العاجزَ الخَبُّ\n\n<span data-type='title' id=toc-1558>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾. الذين ترَكوا مقعدَهم الذي أقْعَدَهم فيه رسولُ اللهِ ﷺ بالشِّعْبِ مِن أُحُدٍ لخيلِ المشركين، ولَحِقُوا بمعسكرِ المسلمين؛ طَلَبَ النَّهْبِ، إذ رَأَوْا هزيمةَ المشركين. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ يعنى بذلك الذين ثبَتوا مِن الرُّماةِ في مقاعدِهم التي أَقْعَدَهم فيها رسولُ اللهِ (^٥)؛ محافظةً على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ [وأمرِه] (^٦)، وابْتِغاءَ ما عندَ اللهِ مِن الثوابِ بذلك مِن فعلِهم، والدارِ الآخرةِ.\nكما حدَّثنا محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ،\n_________\n(^١) في م: \"لما\".\n(^٢) البيتان في المقتضب ٢/ ٨١ ومعاني القرآن للفراء ١/ ١٠٧، ٢٣٨.\n(^٣) في المقتضب: \"امتلأت\"، وفى س: \"ثملت\". وقملت بطونكم، أي: كثرت قبائلكم. ينظر اللسان (ق م ل).\n(^٤) قلبتم ظهر المجن لنا، أي: عاديتمونا بعد مودة ورعاية.\n(^٥) بعده في م: \"واتبعوا أمره\".\n(^٦) سقط من: م.","vol":"6","page":139},{"text":"عن السديِّ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾: فالذين انْطَلَقوا يُرِيدون الغَنيمةَ هم أصحابُ الدنيا، والذين بَقُوا وقالوا: لا نُخالِفُ قولَ رسولِ اللهِ. أرادوا الآخرةَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ مثلَه (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾: فإنَّ نبيَّ اللهِ أمرَ يومَ أحدٍ طائفةً مِن المسلمين، فقال: \"كُونوا مَسْلَحةً (^٢) للناسِ\". بمنزلةٍ أمَرهم أن يَثْبُتوا بها، وأمَرَهم ألا يَرِيمُوا (^٣) مكانَهم حتى يَأْذَنَ لهم، فلما لَقِىَ نبيُّ اللهِ يومَ أحدٍ أبا سفيانَ ومَن معه مِن المشركين، هزَمَهم نبيُّ اللهِ ﷺ، فلمَّا رأَى المَسْلَحةُ أَن الله هزَم المشركين، انْطَلَق بعضُهم وهم يَتَنادَوْن: الغنيمةَ الغنيمةَ لا تَفُتْكم. وثبت بعضُهم مكانَهم، وقالوا: لا نَرِيمُ موضعَنا حتى يَأْذَنَ لنا نبيُّ ﷺ اللهِ. ففي ذلك نزل: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾. فكان ابن مسعودٍ يقولُ: ما شعرْتُ أن أحدًا مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ كان يُرِيدُ الدنيا وعَرَضَها حتى كان يومُ أحدٍ (^٤).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قال\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٨ (٤٣٣١) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) المسلحة: القوم الذين يحفظون الثغور من العدو، وسموا مسلحة لأنهم يكونون ذوى سلاح. اللسان (س ل ح).\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يبرحوا\". وهما بمعنى.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٦ إلى المصنف.","vol":"6","page":140},{"text":"ابن عباسٍ: لمَّا هزَم اللهُ المشركين يومَ أُحدٍ، قال الرُّماةُ: أَدْرِكوا الناسَ ونبيَّ اللهِ ﷺ، لا يَسْبِقوكم إلى الغنائمِ، فتَكونَ لهم دونَكم. وقال بعضُهم: لا نَرِيمُ حتى يَأْذَنَ لنا النبيُّ ﷺ. فنزَلَت: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (^١).\nقال ابن جريجٍ: قال ابن مسعود: ما علِمْنا أن أحدًا مِن أصحابِ رسولِ الله ﷺ كان يُرِيدُ الدنيا وعرَضَها حتى كان يومئذٍ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن المباركِ، عن الحسنِ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾: هؤلاء الذين يَجِيزُون (^٢) الغنائم، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾، الذين يَتَّبِعُونهم يَقْتُلونهم.\nحدَّثنا الحسينُ بنُ عمرِو بن محمدٍ العَنقَزيُّ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ بنُ نصرٍ، عن السديِّ، عن عبد خيرٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: ما كنتُ أَرَى أحدًا من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يُرِيدُ الدنيا، حتى نزَل فينا يومَ أحدٍ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن عبدِ خيرٍ، قال: قال ابن مسعودٍ: ما كنتُ أَظُنُّ في أصحابِ رسولِ الله يومئذ أحدًا يُريدُ الدنيا، حتى قال الله ما قال (^٤).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: قال عبدُ اللهِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٦ إلى المصنف.\n(^٢) في م: \"يحوزون\".\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٣٩٩) عن الحسين بن عمرو به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي عاصم في الزهد (٢٠٣) وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٨ (٤٣٣٠)، والبيهقي في الدلائل ٣/ ٢٢٨ من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"6","page":141},{"text":"ابن مسعودٍ لما رآهم وقَعوا في الغَنائمِ: ما كنتُ أَحْسَبُ أن أحدًا مِن أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ يُرِيدُ الدنيا حتى كان اليومُ.\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: كان ابن مسعودٍ يقولُ: ما شَعَرْتُ أن أحدًا مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ كان يُرِيدُ الدنيا وعرَضَها حتى كان يومئذٍ.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾. أي: الذين أرادوا النهبَ، رغبةً في الدنيا، وترْكَ ما أُمِروا به مِن الطاعةِ التي عليها ثواب الآخرةِ. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾، أي: الذين جاهَدوا في اللهِ و(^١) لم يُخالفوا إلى ما نهُوا عنه، لعَرَضٍ من الدنيا؛ رغبةً في رجاءِ ما عندَ اللهِ مِن حسنِ ثوابِه في الآخرةِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1559>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكرُه: ثم صرَفَكم أيُّها المؤمنون عن المشركين بعدَ ما أراكم ما تُحِبُّون فيهم وفي أنفسِكم، مِن هزيمتِكم إيَّاهم، وظهورِكم عليهم، فردَّ وجوهَكم عنهم؛ لمعصيتكم أمرَ رسولى، ومخالفتِكم طاعتَه، وإيثارِكم الدنيا على الآخرة؛ عقوبةً لكم على ما فعلْتُم، ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾. يقولُ: لِيَخْتَبِرَكم، فيَتَمَيَّزَ المنافقُ منكم مِن المخلصِ الصادقِ في إيمانِه منكم.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، ثم ذكَر حينَ مال عليهم خالدُ بنُ الوليدِ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٩ (٤٣٣٢) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":142},{"text":"لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾. قال: صرَف القومَ عنهم، فقُتِل من المسلمين بعِدَّةِ مَن أُسروا يوم بدرٍ، وقُتِل عمُّ رسولِ اللهِ ﷺ، وكُسِرَت رَبَاعِيتُه، وشُجَّ في وجهِه، فكان يَمْسَحُ الدمَ عن وجهِه ويقولُ: \"كيف يُفْلِحُ قومٌ فعلوا هذا بنبيِّهم، وهو يَدْعُوهم إلى ربِّهم؟ \" فنَزَلَت [هذه الآيةُ] (^٢): ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية [آل عمران: ١٢٨]. فقالوا: أليس كان رسولُ الله ﷺ وعَدَنا النصر؟ فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾. أي: صرَفَكم عنهم ليَخْتَبِرَكم، وذلك ببعض ذنوبِكم (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1560>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾.</span>\nيعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾: ولقد عفا اللهُ أَيُّها المُخالِفون أمْرَ رسولى، والتارِكون طاعتَه، فيما تقَدَّم إليكم مِن لزومِ الموضعِ الذي أمَرَكم بلزومِه - عنكم، فصفَح لكم مِن عقوبةِ ذنبِكم الذي أتَيْتُموه، عما هو أعظمُ مما عاقَبَكم به، من هزيمةِ أعدائِكم إياكم، وصَرْفِ وجوهِكم عنهم، إذ لم يَسْتَأْصِلْ جميعكم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٩ (٤٣٣٥) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٦ إلى المصنف.\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٩ (٤٣٣٦) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":143},{"text":"كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾. قال: قال الحسنُ - وصفَّق بيديه -: وكيف عفا عنهم وقد قُتِل منهم سبعون، وقُتِل عمُّ رسولِ اللهِ ﷺ، وكُسِرَت رَبَاعِيتُه، وشُجَّ في وجهه؟ قال: ثم يقولُ: قال الله: قد عفَوْتُ عنكم إذ عصَيْتُمونى، ألا أَكونَ اسْتأْصَلْتُكم. قال: ثم يقولُ الحسنُ: هؤلاء مع رسول الله، وفى سبيلِ الله، غِضابٌ للهِ، يُقاتِلون أعداءَ اللهِ، نُهُوا عن شيءٍ فضيَّعوه (^١)، فواللهِ ما تُرِكوا حتى غُمُّوا بهذا الغَمِّ، فأَفْسَقُ الفاسقين اليومَ يتجَرْثَمُ (^٢) كلَّ كبيرةٍ، ويَرْكَبُ كلَّ داهيةٍ، ويَسْحَبُ عليها ثيابَه، ويَزْعُمُ ألا بأسَ عليه، فسوف يَعْلَمُ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾. قال: لم يَسْتَأْصِلُكم (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾: ولقد عفا اللهُ عن عظيمِ ذلك، لم يُهْلِكُكم بما أتَيْتُم من معصيةِ نبيِّكم ﷺ، ولكن عُدْتُ بفَضْلِي عليكم (^٥).\nوأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. فإنه يعنى: واللهُ ذو طَوْلٍ [ومنٍّ] (^٦) على أهل الإيمانِ به وبرسولِه، بعفوِه لهم عن كثيرِ ما يَسْتَوْجِبون به العقوبة عليه من ذنوبهم، فإن عاقَبَهم على بعض ذلك، فذو إحسانٍ إليهم، بجميلِ أياديه عندَهم.\n_________\n(^١) في م: \"فصنعوه\".\n(^٢) في س: \"يتجرأ\"، وفى م: \"يتجرأ على\"، وتجرثم الشيءَ: أخذ معظمه. اللسان (جرثم).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٦ إلى المصنف بتمامه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٨٩ (٤٣٣٧) من طريق الحجاج، عن الحسن، مختصرا جدًّا.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٦ إلى المصنف، وابن المنذر.\n(^٥) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩٠ (٤٣٣٨) من طريق سلمة به.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":144},{"text":"كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وكذلك منَّ اللهُ على المؤمنين، أن عاقَبَهم ببعضِ الذنوبِ في عاجلِ الدنيا؛ أدبًا وموعظةً، فإنه غيرُ مُسْتَأْصِلٍ لكلِّ ما فيهم مِن الحقِّ له عليهم؛ لِما أصابوا مِن معصيتِه، رحمةً لهم، وعائدةً عليهم، لما فيهم (^١) مِن الإيمانِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-446\"></span><span data-type='title' id=toc-1561>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكرُه: ولقد عفا عنكم أيُّها المؤمنون إذ لم يَسْتَأْصِلْكم إهلاكًا منه جميعكم بذنوبِكم وهربِكم [عن عدوِّكم] (^٣) إذ تُصْعِدُون ولا تلوون على أحدٍ.\nواخْتَلَفَتِ القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ أهلِ الحجازِ والعراقِ والشامِ سوى الحسن البصريِّ: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ بضمِّ التاءِ وكسرِ العينِ. وبه القراءةُ عندَنا؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ على القراءةِ به، واستنكارِهم ما خالَفه.\nورُوِى عن الحسنِ البصريِّ ﵀ أنه كان يَقْرَأَ: (إِذْ تَصْعَدُونَ) بفتحِ التاءِ والعينِ (^٤).\nحدَّثني بذلك أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن يونُسَ بن عُبيدٍ، عن الحسنِ (^٥).\n_________\n(^١) في الأصل: \"فيه\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٤.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ١٠٨.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٦ إلى المصنف.","vol":"6","page":145},{"text":"فأما الذين قرَءوا: ﴿تُصْعِدُونَ﴾ بضمِّ التاءِ وكسرِ العينِ، فإنهم وجَّهوا معنى الله ذلك إلى أن القومَ حينَ انْهَزَموا عن عدوِّهم، أخَذُوا في الوادى هارِبين، وذكَروا أن ذلك في قراءةِ أبيٍّ: (إذ تُصْعِدون في الوادي).\nحدَّثنا بذلك (^١) أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا أبو عُبيدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ (^٢).\nقالوا: فالهربُ في مستوى الأرضِ وبطونِ الأوديةِ والشِّعابِ إصعادٌ لا صُعودٌ. قالوا: وإنما يَكونُ الصعودُ على الجبالِ والسَّلاليمِ والدَّرَجِ؛ لأن معنى الصعودِ الارتقاءُ والارتفاعُ على الشيءِ عُلُوًّا.\nقالوا: فأما الأخذُ في مستوى الأرضِ والهبوطِ، فإنما هو إصعادٌ، كما يقالُ: أصْعَدْنا من مكةَ. إذا ابْتَدَأْتَ في السفرِ منها والخروجِ وأصْعَدْنا من الكوفةِ إلى خُراسانَ، بمعنى: خرَجْنا منها سفرًا إليها، [وابْتَدَأْنا منها الخروجَ] (^٣) إليها.\nقالوا: وإنما جاء تأويلُ أكثرِ أهلِ التأويلِ بأن القومَ أخَذوا عندَ انهزامِهم عن عدوِّهم في بطنِ الوادى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1562>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾. ذاكم يومَ أُحُدٍ، أَصْعَدوا في الوادي فرَأوْا (^٤) نبيَّ اللهِ ﷺ يدعوهم: \" [أي عبادَ اللهِ\"] (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٦ إلى المصنف.\n(^٣) في الأصل: \"وابتدأ منها فالخروج\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وابتدأ منها الخروج\".\n(^٤) بياض في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وفى م: \"فرارًا و\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"6","page":146},{"text":"[حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾: وذلك يوم أحُدٍ، صعِدوا الواديَ فرأوا نبيَّ اللهِ يَدْعُوهم] (^١) في أُخْراهم: \" [يا لَعبادِ] (^٢) اللهِ، [يالَعبادِ] (^٢) اللهِ\".\nوأما الحسنُ ﵀ فإنى أُراه ذهَب في قراءتِه: (إِذْ تَصْعَدُونَ). بفتحِ التاءِ والعينِ، إلى أنَّ القومَ حينَ انْهَزَموا عن المشركين صعِدوا الجبلَ. وقد قال ذلك عددٌ مِن أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1563>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لما شدَّ المشركون على المسلمين بأحدٍ فهزَموهم، دخَل بعضُهم المدينةَ، وانْطَلَق بعضُهم فوقَ الجبلِ إلى الصخرةِ، فقاموا عليها، وجعل رسولُ اللهِ يَدْعو الناسَ: \"إليَّ عبادَ اللهِ، إلى عبادَ اللهِ\". فذكَر اللهُ صعودَهم على الجبلِ، ثم ذكَر دعاءَ النبيِّ ﷺ إياهم، فقال: (إذْ تَصْعدون ولا تَلْوون على أحدٍ والرسولُ يَدْعوكم في أُخراكم) (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ، قال: انحازوا إلى النبيِّ ﷺ، فجعَلوا يَصْعَدون في الجبلِ، والرسولُ يَدْعوهم في أُخْراهم.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"إلى عباد\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ١١٨ عن السدى.","vol":"6","page":147},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: (إذ تَصْعَدون ولا تَلْوُون على أحدٍ). قال: صَعِدوا (^١) في الجبلِ (^٢) فِرارًا (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وقد ذكَرْنا أن أولى القراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ بضمِّ التاءِ وكسرِ العينِ، بمعنى السَّيرِ (^٤) والهربِ في مستوى الأرضِ أو في المَهابطِ (^٥)؛ لإجماعِ الحُجَّةِ على أنَّ ذلك هو القراءةُ الصحيحةُ، ففي إجماعِها على ذلك الدليلُ الواضحُ على أن أولى التأويلين بالآية تأويلُ مَن قال: أَصْعَدوا في الوادى ومضَوْا فيه. دونَ قولِ مَن قال: صعِدوا على الجبلِ.\nوأما قولُه: ﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾. فإنه يعنى: ولا تَعْطِفون على أحدٍ منكم، ولا يَلْتَفِتُ بعضُكم إلى بعضٍ؛ هربًا مِن عدوِّكم مُصْعِدين في الوادي.\nويعنى بقولِه: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾: ورسولُ اللهِ يَدْعوكم أيُّها المؤمنون به من أصحابِه ﴿فِي أُخْرَاكُمْ﴾. يعنى أنه يُنادِيكم مِن خلفِكم: \"إليَّ عبادَ اللهِ، إليَّ عبادَ اللهِ\".\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾: \"أي (^٦) عبادَ اللهِ ارْجِعوا، أي (^٦) عبادَ اللهِ، ارْجِعوا\" (^٣).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالرَّسُولُ\n_________\n(^١) في الأصل: \"أصعدوا\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أحد\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٦، ٨٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"السبق\".\n(^٥) في الأصل: \"الهبوط\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إلى\".","vol":"6","page":148},{"text":"يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾: رأَوْا نبيَّ اللَّهِ يَدْعوهم: \"أي (^١) عبادَ اللهِ\" (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ مثلَه.\n[حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه] (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ قال: أَنَّبَهم اللهُ بالفرارِ عن نبيِّهم وهو يَدْعُوهم، لا يَعْطِفون عليه لدعائِه إياهم، فقال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ (^٤).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾: هذا يومَ أُحُدٍ حِينَ انْكَشَف الناسُ عنه (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1564>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)﴾.</span>\nيعنى بقوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ يَعْنى: فجازاكم بقرارِكم عن نبيِّكم، وفشَلِكم عن عدوّكم، ومعصيتِكم ربَّكم، ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾. يقولُ: غَمًّا على غمٍّ.\nوسمَّى العقوبةَ التي عاقَبَهم بها مِن تسليطٍ عدوِّهم عليهم، حتى نال منهم ما نال، ثوابًا، إذ كان جزاءً (^٦) من عملهم الذي سخطه ولم يَرْضَه منهم، فدلَّ بذلك تعالى ذكرُه أن كلَّ عِوَضٍ كان لمُعَوَّضٍ مِن شيءٍ مِن العملِ، خيرًا كان أو شرًّا، أو العوضِ الذي بذله رجلٌ لرجلٍ، أو يدٍ سلَفَت له إليه، فإنه مستحقٌّ اسمَ ثوابٍ، كان ذلك العِوَضُ تَكْرِمةً أو عقوبةً، ونظيرُ ذلك قولُ الشاعرِ (^٧):\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إلى\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ١٤٦.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٤.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ١١٨.\n(^٦) بياض في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وفى م: \"ذلك\".\n(^٧) هو الفرزدق، والبيت في ديوانه ص ٢٢٧.","vol":"6","page":149},{"text":"[أخافُ زيادًا] (^١) أن يكونَ عطاؤُه … أداهِمَ (^٢) سُودًا أو مُحَدْرَجةً (^٣) سُمْرَا\nفجعَل العطاءَ القيودَ (^٤)، وذلك كقولِ القائلِ لآخرَ سلَف إليه منه مكروهٌ: لأُجازيَنَّك على أفعالِك، ولأُثِيبَنَّك ثوابَك.\nوأما قولُه: ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾. فإنه قيل: ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾. ومعناه: غَمًّا على غَمٍّ. كما قال: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. بمعنى: ولأُصَلِّبَنَّكم على جذوعِ النخلِ. وإنما جاز ذلك لأن معنى قولِ القائلِ: أثابك اللهُ غمًّا على غمٍّ: جزاك اللهُ عَمًّا بعد غمٍّ تقدَّمه. فكان كذلك معنى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾. لأن معناه: فجزاكم عَمًّا بعقب غمٍّ تقدَّمه. وهو نظيرُ قولِ القائلِ: نزَلْتُ ببنى فلانٍ، ونزَلْتُ على بنى فلانٍ، وضرَبْتُه بالسيفِ، وعلى السيفِ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الغمِّ الذي أُثِيب القومُ على الغمِّ، وما كان غمُّهم الأول والثاني؟ فقال بعضُهم: أما الغَمُّ الأولُ، فكان ما تحَدَّث به القومُ أن نبيَّهم ﷺ قد قُتِل. وأما الغمُّ الآخرُ، فإنه كان ما كان نالَهم مِن القتلِ والجراحِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1565>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾: كانوا تحَدَّثوا يومَئذٍ أن نبيَّ اللهِ ﷺ أُصيب، وكان الغمُّ الآخرُ قتلَ أصحابِهم، والجِراحاتِ التي أصابَتْهم. قال: وذُكِر لنا أنه قُتِل يومَئذٍ سبعون رجلًا\n_________\n(^١) في الديوان: \"فلما خشيت\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"دراهم\". والأداهم: جمع أدهم، وهو القيد. اللسان (د هـ م).\n(^٣) في الأصل: \"مدحرجة\".\nوالمحدرجة: السياط التي أُحْكِم فتلها.\n(^٤) في م: \"العقوبة\"، وفى س: \"النقود\".","vol":"6","page":150},{"text":"مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ ستةٌ وستون من الأنصارٍ، وأربعةٌ مِن المهاجرين. وقولُه: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾. يقولُ: على ما فاتكم من غَنيمةِ القومِ، ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ في أنفسِكم مِن القتلِ والجِراحاتِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾. قال: فرَّةً بعد فرَّةٍ الأولى حينَ سمِعوا الصوتَ أن محمدًا قد قُتِل، فرجَع (^٢) الكفارُ فضرَبوهم مُدْبِرِين، حتى قتَلوا منهم سبعين رجلًا، ثم انْحازوا إلى النبيِّ ﷺ، فجعَلوا يَصْعَدون في الجبلِ والرسولُ يَدْعُوهم في أُخْراهم (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ نحوَه.\nوقال آخرون: بل غمُّهم الأولُ كان قَتْلَ مَن قُتِل منهم، وجَرْحَ مَن جُرِح منهم، والغمُّ الثاني كان مِن سَماعِهم صوتَ القائلِ: قُتِل محمدٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1566>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾. قال: الغمُّ الأولُ الجِراحُ والقتلُ، والغمُّ الثاني حينَ سمِعوا أن النبيَّ ﷺ قد قُتِل، فأنْساهم الغمُّ الآخرُ ما أصابهم مِن الجراحِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"الثانية حيث رجع\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩١ (٤٣٤٧) من طريق ابن أبي نجيح، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"6","page":151},{"text":"والقتلِ، وما كانوا يَرْجُون مِن الغَنيمةِ، وذلك حينَ يقولُ: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾. قال: الغمُّ الأولُ الجراحُ والقتلُ، والغمُّ الآخرُ حينَ سمِعوا أن رسولَ اللهِ ﷺ قد قُتِل، فأنْساهم الغمُّ الآخرُ ما أصابهم مِن الجراحِ والقتلِ، وما كانوا يَرْجون مِن الغَنيمةِ، وذلك حينَ يقولُ اللهُ: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ (^٢).\nوقال آخرون: بل الغمُّ الأولُ كان ما فاتهم من الفتحِ والغَنيمةِ، والثاني إشرافُ أبي سفيانَ عليهم في الشِّعْبِ، وذلك أن أبا سفيانَ - فيما زعم بعضُ أهلِ السِّيَرِ - لمَّا أصاب مِن المسلمين ما أصاب، وهرَب المسلمون، جاء حتى أشْرَف عليهم وفيهم رسولُ اللهِ ﷺ في شِعْب أُحُدٍ الذي كانوا وألُوا (^٣) إليه عند الهزيمةِ، فخافوا أن يَصْطَلِمَهم (^٤) أبو سفيانَ وأصحابُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1567>ذكرُ [من قال ذلك]</span> (^٥)\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباط، عن السديِّ، قال: انْطَلَق رسولُ اللهِ ﷺ يومَئذٍ يَدْعو الناسَ، حتى انْتَهَى إلى أصحابِ الصخرةِ، فلمَّا رأَوْه وضَع رجلٌ سهمًا في قوسِه، فأراد أن يَرْمِيَه، فقال: \"أنا رسولُ اللهِ\". ففرِحوا بذلك حينَ وجَدوا رسولَ اللهِ حيًّا، وفرِح رسولُ اللهِ ﷺ حينَ رأَى\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩١ (٤٣٤٨) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٧ إلى المصنف.\n(^٣) في م: \"ولو\". ووألوا: لجئوا. اللسان (وأ ل).\n(^٤) الاصطلام: افتعال من الصلم: القطع. النهاية ٣/ ٤٩.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الخبر بذلك\".","vol":"6","page":152},{"text":"أن (^١) في أصحابِه مَن يَمْتَنِعُ. فلمَّا اجْتَمَعوا وفيهم رسولُ اللهِ ﷺ (^٢) ذَهَب عنهم الحَزَنُ، فأقْبَلوا يَذْكُرون الفتحَ وما فاتهم منه، ويَذْكُرون أصحابَهم الذين قُتِلوا. فأقْبَل أبو سفيانَ حتى أشْرَف عليهم، فلمَّا نظَروا إليه، نَسُوا ذلك الذي كانوا عليه، وهمَّهم أبو سفيانَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ليس لهم أن يَعْلُونا، اللهم إن تُقْتَلْ هذه العِصابةُ لا تُعْبَدْ\". ثم ندَب أصحابَه، فرمَوْهم بالحجارةِ حتى أنْزَلُوهم، فقال أبو سفيانَ يومَئذٍ: اعْلُ هُبَلُ، حَنْظلةُ بحَنْظلةَ، ويومٌ بيومِ بدرٍ. وقتَلوا يومَئذٍ حنظلةَ بنَ الراهبِ، وكان جُنُبًا فغسَّلَته الملائكةُ، وكان حَنْظلةُ بنُ أبي سفيانَ قُتِل يومَ بدرٍ. وقال أبو سفيانَ: لنا العُزَّى، ولا عُزَّى لكم. فقال رسولُ اللهِ ﷺ لعمرَ: \"قلِ: اللهُ مولانا ولا مَوْلى لكم\". فقال أبو سفيانَ: أفيكم محمدٌ؟ قالوا: نعم. قال: أمَا إنها قد كانت فيكم مُثْلَةٌ، ما أمَرْتُ بها ولا نهَيْتُ عنها، ولا سرَّتْنى ولا ساءَتْني. فذكَر اللهُ إِسْرَافَ أبي سفيانَ عليهم، فقال: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾. الغمُّ الأولُ ما فاتهم من الغَنيمةِ والفتحِ، والغمُّ الثاني إشرافُ العدوِّ عليهم ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ مِن الغنيمةِ ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ من القتلِ حينَ تَذْكُرون. فشغَلهم أبو سفيانَ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني ابن شهابٍ الزهريُّ، ومحمدُ بنُ يحيى بن حَبَّانَ، وعاصمُ بنُ عمرَ بن قَتادةَ، والحصينُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن عمرِو بن سعدِ بن مُعاذٍ، وغيرُهم من علمائِنا فيما ذكَروا مِن حديثِ أُحُدٍ، قالوا: كان المسلمون في ذلك اليومِ - لِمَا أصابهم فيه مِن شدةِ البلاءِ - أثلاثًا؛ ثلثٌ قَتِيلٌ،\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حين\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٢٠، ٥٢١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم، وهو عند ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩١ (٤٣٤٩) من طريق أحمد به مختصرا جدا.","vol":"6","page":153},{"text":"وثلثٌ جَريحٌ، وثلثٌ مُنْهَزِمٌ وقد تَلَغَّبَتْه (^١) الحربُ حتى ما يَدْرِيَ مَا يَصْنَعُ، وحتى خلَص العدوُّ إلى رسولِ اللهِ فدُثَّ (^٢) بالحجارةِ، حتى وقَع لشِقِّه، وأُصِيبَتْ رَبَاعِيتُه، وشُجَّ في وَجْنتِه (^٣)، وكُلِمَت شَفَتُه (^٤)، وكان الذي أصابه عُتْبةُ بنُ أبي وَقَّاصٍ. وقاتَل مُصْعَبُ بن عُميرٍ دونَ رسولِ اللهِ ﷺ ومعه لِواؤُه حتى قُتِل، وكان الذي أصابه ابن قَمِيئَةَ الليثيُّ وهو يَظُنُّ أنه رسولُ اللهِ ﷺ، فرجَع إلى قريشٍ فقال: قد قتَلْتُ محمدًا (^٥).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: فكان أولَ مَن عرَف رسولَ اللهِ ﷺ بعدَ الهزيمةِ وقولِ الناسِ: قُتل رسولُ اللهِ ﷺ. كما (^٦) حدَّثني ابن شهابٍ الزهريُّ - كعب بنُ مالكٍ أخو بني سلِمةَ، قال: عَرَفْتُ عَيْنَيْه تَزْهَران (^٧) تحتَ المِغْفَرِ، فنادَيْتُ بأعْلَى صوتى: يا مَعْشرَ المسلمين، أبْشِروا، هذا رسولُ اللهِ ﷺ. فأشار إليَّ رسولُ اللهِ ﷺ: أن أنْصِتْ. فلمَّا عرَف المسلمون رسولَ اللهِ ﷺ انهَضوا به، ونهَض نحوَ الشِّعْبِ معه عليُّ بنُ أبى طالبٍ وأبو بكرِ بنُ أبي قُحافةَ وعمرُ بنُ الخطابِ وطلحةُ بن عُبيدِ اللهِ والزبيرُ بنُ العوَّامِ والحارثُ بنُ الصِّمَّةِ (^٨)، في رَهْطٍ مِن المسلمين، قال: فبينا رسولُ اللهِ ﷺ في الشِّعْبِ، ومعه أولئك النفرُ مِن أصحابِه، إذ علَت عاليةٌ مِن قريشٍ الجبلَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"اللهم إنه لا يَنْبَغِى لهم أن يَعْلُونا\". فقاتَل عمرُ بن الخطابِ ورهْطٌ معه مِن المهاجرين حتى أهْبَطوهم عن\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بلغته\".\n(^٢) الدث: الرجم. القاموس المحيط (د ث ث).\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وجهه\".\n(^٤) في الأصل: \"شفتيه\".\n(^٥) سيرة ابن هشام ٢/ ٧٣، ٧٩، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥١٤ - ٥١٦.\n(^٦) بعده في النسخ: \"حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال\". والمثبت من تاريخ المصنف.\n(^٧) تزهران: تشرقان.\n(^٨) في م: \"الصامت\".","vol":"6","page":154},{"text":"الجبلِ، ونهَض رسولُ اللهِ ﷺ إلى صخرةٍ من الجبلِ ليَعْلُوَها، وكان رسولُ اللهِ ﷺ قد بدَّن (^١)، وظاهرَ بينَ دِرْعَيْن (^٢)، فلمَّا ذهَب ليَنْهَضَ، فلم يَسْتَطِعْ، جلَس تحتَه طلحةُ بن عُبيدِ اللهِ، فنهَض حتى اسْتَوَى عليها.\nثم إنَّ أبا سفيانَ حينَ أراد الانصرافَ أشْرَف على الجبلِ، ثم صرَخ بأعلى صوتِه: أَنْعَمَتْ فعالِ (^٣)، إنَّ الحربَ سِجالٌ، يومٌ بيومِ بدرٍ، اعْلُ هُبَلُ. أَيْ: ظهَر دينُك. فقال رسولُ اللهِ ﷺ لعمرَ: \"قُمْ فَأَجِبْه، فقُلْ: اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، لا سَواءَ، قَتْلانا في الجنةِ، وقَتْلاكم في النارِ\". فلمَّا أجاب عمرُ ﵁ أبا سفيانَ، قال له أبو سفيانَ: هَلُمَّ إليَّ ياعمرُ، فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: \"ائْتِه فانْظُرْ ما شأنُه\"؟ فجاءَه فقال له أبو سفيانَ: أَنْشُدُك الله يا عمرُ، أقتَلْنا محمدًا؟ فقال عمرُ: اللهمَّ لا، وإنه لَيَسْمَعُ كلامَك الآنَ. فقال: أنت أصدقُ عندى مِن ابن قَمِيئَةَ وأبرُّ (^٤). لقولِ ابن قَمِيئةَ لهم: إنى قد قتَلْتُ محمدًا. ثم نادىَ أبو سفيانَ، فقال: إنه قد كان في قَتْلاكم مُثَلٌ (^٥)، واللهِ ما رضِيتُ ولا سخِطْتُ، وما نهَيْتُ ولا أمَرْتُ (^٦).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾، أي: كَرْبًا بعدَ كَرْبٍ، قَتْلُ مَن قُتِل من إخوانِكم، وعلوُّ عدوِّكم عليكم، وما وقَع في أنفسِكم مِن\n_________\n(^١) بدن: كبر وأسن. النهاية ١/ ١٠٧.\n(^٢) أي جمع ولبس إحداهما فوق الأخرى. النهاية ٣/ ١٦٦.\n(^٣) في م: \"فقال\". وقد كان الرجل من قريش إذا أراد ابتداء أمر عمد إلى سهمين فكتب على أحدهما: \"نعم\"، وعلى الآخر: \"لا\". ثم يتقدم إلى الصنم ويجيل سهامه، فإن خرج سهم \"نعم\" أقدم، وإن خرج سهم \"لا\" امتنع. وكان أبو سفيان لما أراد الخروج إلى أحد استفتى هبل، فخرج له سهم الإنعام فذلك قوله: \"أنعمت، فعال عنها\": أي تجاف عنها ولا تذكرها بسوء، يعنى آلهتهم. النهاية ٣/ ٢٩٤.\n(^٤) في م: \"وأشار\".\n(^٥) في م: \"مثلة\".\n(^٦) سيرة ابن هشام ٢/ ٨٣، ٨٦، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥١٨، ٥٢١، ٥٢٢، ٥٢٧.","vol":"6","page":155},{"text":"قولِ مَن قال: قُتِل نبيُّكم. فكان ذلك مما تَتابَع عليكم ﴿غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ مِن ظهورِكم على عدوِّكم بعد أن رأيْتُموه بأعينِكم، ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ مِن قتلِ إخوانِكم حين (^١) فرَّجْتُ بذلك الكربَ عنكم، ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. وكان الذي فرَّج به عنهم ما كانوا فيه من الكربِ والغمِّ الذي أصابهم أن الله تعالى ذكرُه ردَّ عنهم كِذْبةَ الشيطانِ بقتلِ نبيِّهم، فلمَّا رأَوْا رسولَ اللهِ ﷺ حيًّا بينَ أظْهُرِهم، وإن عليهم ما فاتهم مِن القومِ بعدَ (^٢) الظهورِ عليهم، والمصيبةِ التي أصابَتْهم في إخوانِهم، حينَ صرَف اللهُ القتلَ عن نبيِّهم ﷺ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾. قال ابن جُرَيجٍ: قال مجاهدٌ: أصاب الناسَ حُزْنٌ وغَمٌّ على ما أصابهم في أصحابِهم الذين قُتِلوا، فلمَّا توَلَّجوا في الشَّعْبِ [وهم فلٌّ مُصابون] (^٤)، وقف أبو سفيانَ وأصحابُه ببابِ الشِّعْبِ، فظنَّ المؤمنون أنهم سوف يَمِيلون عليهم فيقْتُلونهم أيضًا، فأصابهم حزنٌ في ذلك (^٥) أنساهم حُزنَهم في أصحابهم، فذلك قولُه: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾. قال ابن جُريجٍ: قولُه: ﴿عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾. يقولُ: على ما فاتكم مِن غَنائِمِ القومِ، ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ في أنفسِكم (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال:\n_________\n(^١) في م: \"حتى\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فهذا\"، وفى م: \"فهان\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٤، وأخرج بعضه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩١، ٧٩٢ (٤٣٥٠، ٤٣٥٧) من طريق سلمة به.\n(^٤) في ص: \"وهم مصابون\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يتصافون\".\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أيضا\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٧ إلى المصنف.","vol":"6","page":156},{"text":"أَخْبرَني عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ، عن عُبيدِ بن عُميرٍ قال: جاء أبو سفيانَ بنُ حربٍ ومَن معه حتى وقَف بالشِّعْبِ، ثم نادَى: أفى القوم ابن أَبي كَبْشَةَ؟ فسكَتوا، فقال أبو سفيانَ: قُتِل وربِّ الكعبةِ. ثم قال: أفى القومِ ابن أبي قُحافةَ؟ فسكَتوا، فقال: قتِل وربِّ الكعبةِ. ثم قال: أفى القوم ابن الخطابِ؟ فسكَتوا، فقال: قُتل وربِّ الكعبةِ. ثم قال أبو سفيانَ اعْلُ هُبَلُ، يومٌ بيومِ بدرٍ، [والحربُ سجالٌ] (^١) وحَنْظلةُ بحنظلةَ، وأنتم واجِدون في القومِ مُثَلًا لم تكُنْ عن رأى سَراتِنا وخِيارِنا، ولم نَكْرَهُه حين رأَيْناه. فقال النبيُّ ﷺ لعمرَ بن الخطابِ: \"قُم فنادِ، فقل: اللهُ أَعْلَى وأجَلُّ، نعم، هذا رسولُ اللهِ، وهذا أبو بكرٍ، وهأنذا، لا يَسْتَوِى أصحابُ النارِ وأصحابُ الجنةِ، أصحابُ الجنةِ هم الفائزون، قَتْلانا في الجنةِ، وقَتْلاكم في النارِ\".\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾: فرجَعوا فقالوا: واللهِ لَتَأْتِيَنَّهم، ثم لَنَقْتُلَنَّهم، قد جرَحوا (^٢) منا. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"مَهْلًا، فإنما أصابكم الذي أصابكم من أجلِ أنكم عصَيْتُمونى\". فبينما هم كذلك، إذ أتاهم القومُ قد ائْتَشبوا (^٣)، وقد اخْتَرَطوا سيوفَهم (^٤)، فكان عمُّ الهزيمةِ وغَمُّهم حينَ أتَوْهم، ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ مِن القتلِ ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ مِن الجِراحةِ، ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ الآية. وهو يومُ أحدٍ (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"خرجوا\".\n(^٣) في الأصل، وتفسير ابن أبي حاتم، والدر المنثور: \"أيسوا\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أنسوا\"، وغير منقوطة في ص، ولعل المثبت هو الصواب، يقال: ائتشب القوم: اجتمعوا.\n(^٤) اخترطوا سيوفهم: سلوها من أغمادها.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩٠، ٧٩١ (٤٣٤٣، ٤٣٤٥) عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"6","page":157},{"text":"وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآية قولُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [فأثابكم بغمِّكم] (^١) أيُّها المؤمنون بحرمانِ اللهِ إياكم غَنيمةَ المشركين والظُّفَرَ بهم والنصرَ عليهم، وما أصابكم من القتلِ والجراحِ يومئذٍ - بعدَ الذي كان قد أَراكم في كلِّ ذلك ما تُحبُّون - بمعصيتِكم ربَّكم، وخلافِكم أمرَ نبيِّكم ﷺ؛ غمَّ ظنِّكم أن نبيَّكم ﷺ قد قُتِل، وميلَ العدوِّ عليكم بعدَ فُلولِكم منهم.\nوالذي يَدُلُّ على أن ذلك أولى بتأويلِ الآية مما خالَفه [من الأقوالِ] (^١) قولُه: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾. والفائتُ لا شَكَّ أنه هو ما كانوا رجَوا الوصولَ إليه مِن غيرِهم، إمَّا مِن ظهورٍ عليهم بغلَبِهم، وإما مِن غنيمةٍ يَحْتارُونها، وأن قولَه: ﴿إِوَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ هو ما أصابهم إما في أبدانِهم، وإما في إخوانِهم.\nفإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الغمَّ الثانيَ هو معنًى غيرُ هذين؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه أخْبَر عبادَه المؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، أنه أثابهم غمًّا [بعدَ غمٍّ] (^٢)؛ لئلا يُحْزِنَهم ما نالهم مِن الغمِّ الناشئِ عما فاتهم مِن غيرِهم، ولا ما أصابهم قبلَ ذلك في أنفسِهم، وهو الغمُّ الأولُ على ما قد بَيَّناه قبلُ.\nوأما قولُه: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾، فإِن تأويلَه على ما قد بيَّنْتُ مِن أنه لكيلا تَحْزَنوا على ما فاتكم فلم تُدْرِكوه مما كنتم تَرْجون إدراكَه من عدوِّكم من الظَّفَر عليهم والظهورِ، وحِيازةِ غنائمِهم، ولا ما أصابكم في أنفسِكم من جرحِ مَن جُرح وقَتْلِ مَن قُتِل مِن إخوانِكم.\nوقد ذكَرْنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيه قبلُ على السبيلِ التي اخْتَلَفوا فيه.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٣، س: \"بغم\".","vol":"6","page":158},{"text":"وكما حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ (^١) وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾. قال: على ما فاتكم مِن الغَنيمةِ التي كنتم تَرْجُون، وَلَا تَحْزَنُوا على ما أصَابكم مِن الهزيمةِ.\nوأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. فإنه يعنى جلَّ ذكرُه: واللهُ بالذي تَعْمَلون أيُّها المؤمنون - مِن إصْعادِكم في الوادى هَرَبًا مِن عدوِّكم، وانهزِامِكم، وتَرْككم نبيَّكم وهو يَدْعُوكم في أُخْراكم، وحُزْنِكم على ما فاتكم من عدوِّكم، وما أصابكم في أنفسِكم منهم - ذو خبرةٍ وعلمٍ، وهو مُحْصٍ ذلك كلَّه عليكم حتى يُجازيَكم به؛ المُحْسِن منكم بإحْسانِه، والمسيء بإساءتِه، أو يَعْفُو عنه.\n\n<span id=\"aya-447\"></span><span data-type='title' id=toc-1568>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤُه: ثم أنزَل اللهُ أيُّها المُؤْمِنون من بعدِ الغمِّ الذي أثابَكم ربُّكم بعد غَمٍّ تقَدَّمه قبلَه، ﴿أَمَنَةً﴾ وهى الأمانُ على أهلِ الإخلاصِ منكم واليَقينِ، دونَ أهلِ النِّفاقِ والشَّكِّ.\nثم بيَّن تعالى ذكُره عن \"الأمَنَةِ\" التي أنْزَلها عليهم ما هي؟ فقال: ﴿نُعَاسًا﴾. ينصب \"النُّعاسِ\" على الإبْدالِ مِن \"الأَمَنةِ\".\nثم اخْتَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿يَغْشَى﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأَةِ الحِجازِ والمدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكُوفِيِّين بالتَّذْكِيرِ بالياءِ: ﴿يَغْشَى﴾ (^٢).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبى عمرو وابن عامر. ينظر حجة القراءات ص ١٧٦.","vol":"6","page":159},{"text":"وقرَأته جماعةٌ مِن قَرأَةِ الكُوفيين بالتأنيثِ: (تَغْشَى) بالتاءِ (^١).\nوذهَب الذين قرَءوا ذلك بالتَّذْكيرِ إلى أن النُّعاسَ هو الذي يَغْشَى الطائفةَ مِن المؤمنين دونَ الأمَنةِ، فذكَّره بتذكيرِ النُّعاسِ.\nوذهَب الذين قرَءوا ذلك بالتأنيثِ إلى أن الأمنةَ هي التي تَغْشاهم، فأنَّثُوه لتأنيثِ الأمَنةِ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان مَعْروفتانِ مُسْتَفِيضتان في قَرأةِ الأمْصارِ، غيرُ مختلفَتَين في معنًى ولا غيرِه؛ لأن الأمنةَ في هذا الموضعِ هي النُّعاسُ، والنعاسُ هو الأمَنةُ، وسواءٌ ذلك، وبأيَّتهما قرَأ القارئُ فهو مُصِيبٌ الحقَّ في قراءتِه، وكذلك جَميعُ ما في القرآنِ مِن نَظائرِه، مِن نحوِ قولِه: (إِن شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الأثيمِ * كالمُهْلِ تَغْلِى في البطونِ) [الدخان: ٤٣ - ٤٥]. و: (ألم يكُ نُطْفةً من منيٍّ تُمْنَى) [القيامة: ٣٧]. و: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ﴾ (^٢) [مريم: ٢٥].\nفإن قال قائلٌ: وما كان السببُ الذي مِن أجْلِه افْتَرَقَت الطائفتان اللتان ذكَرَهما اللهُ ﵎، فيما افْتَرَقَتا فيه من صفتَيْهما، فأمِنت إحداهما بنفسِها حتى نَعَسَت، وأهمَّت الأخرى أنفسُها ظنَّت باللهِ غيرَ الحقَّ ظنَّ الجاهليةِ؟\nقيل: كان سببُ ذلك فيما ذُكِر لنا كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: إن المشركين انْصَرَفوا يومَ أحدٍ بعدَ الذي كان مِن أمرِهم وأمْرِ المسلمين، فواعَدوا النبيَّ ﷺ بدرًا مِن قابلٍ، فقال لهم: \"نعم\". فتخَوَّف المسلمون أن يَنْزِلوا المدينةَ، فبعَث رسولُ اللهِ ﷺ رجلًا، فقال: \"انْظُرْ، فإن رأيْتَهم قعَدوا على أثقالِهم، وجنَبوا (^٣) خيولَهم، فإن\n_________\n(^١) وهى قراءة حمزة والكسائي. حجة القراءات ص ١٧٦.\n(^٢) سيأتي بيان هذه القراءات في مواضعها من التفسير.\n(^٣) جنَب الفرسَ: قادَه إلى جنبه. التاج (ج ن ب).","vol":"6","page":160},{"text":"القومَ ذاهبون، وإن رأيْتَهم قد قعَدوا على خُيولِهم، وجنَبوا (^١) أثقالَهم، فإن القومَ يَنْزِلون المدينةَ، فاتَّقوا الله واصْبِروا\". ووطَّنَهم على القتالِ، فلما أبْصَرَهم الرسولُ قد قعَدوا على الأثقالِ سراعًا عِجالًا، نادَى بأعلى صوتِه بذهابِهم، فلمَّا رأى المؤمنون ذلك، صدَّقوا نبيَّ اللهِ، فناموا، وبقى أناسٌ مِن المنافقين يَظُنُّون أن القومَ يَأْتُونهم، فقال اللهُ جل ثناؤُه، يَذْكُرُ حينَ أخْبرَهم النبيُّ ﷺ، إن كانوا ركِبوا الأثقالَ، فإنهم مُنطَلِقون، فناموا: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ (^٢) مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: أمَّنهم يومَئذٍ بنُعاسٍ غشَّاهم [بعدَ خوفٍ] (^٤)، وإِنما يَنْعُسُ مَن يَأْمَنُ، ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ (٣).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ، عن حُميدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، عن أبي طلحةَ، قال: كنتُ في مَن أُنْزِل عليه النُّعاسُ يومَ أحدٍ أَمَنَةً، حتى سقَط مِن يدى مِرارًا (^٥). يعني (^٦) سيفَه.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، عن أبي طلحةَ، قال: رفَعْتُ رأسى يومَ أحدٍ، فَجَعَلْتُ\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ٢، ت ٣، والدر المنثور: \"على\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الله عليهم\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٧ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) أخرجه النسائي في الكبرى (١١١٩٩) من طريق ابن أبي عدى به، وأخرجه في الكبرى (١١٠٨٠) وأبو يعلى (١٤٢٨)، من طريق حميد به.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قال أبو جعفر: يعني سوطه أو\".","vol":"6","page":161},{"text":"ما أَرَى أحدًا مِن القومِ إلا تحتَ حَجَفتِه (^١)، يَمِيدُ مِن النُّعَاسِ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا عمرانُ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، عن أبي طلحةَ، قال: كنتُ في مَن صُبَّ عليه النُّعاسُ يومَ أَحدٍ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثنا أَنسُ بنُ مالكٍ، عن أبي طلحةَ أنه كان يومئَذٍ ممن (^٤) غشِيه النُّعاسُ، قال: كان السيفُ يَسْقُطُ من يدى [ثم آخذُه ثم يسقطُ من يدى] (^٥) ثم آخُذُه، مِن النُّعاسِ (^٦).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، ذُكِر لنا - واللهُ أعلمُ - عن أنسٍ، أن أبا طلحةَ حدَّثهم، أنه كان يومَئذٍ [في مَن] (^٧) غشِيه النُّعاسُ، قال: فجعَل سيفى يَسْقُطُ مِن يدى وآخُذُه، ويَسْقُطُ وآخُذُه، ويَسْقُطُ، والطائفةُ الأخرى المنافقون، ليس لهم هِمَّةٌ إلا أنفسُهم، ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ الآية كلّها.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الترمذيُّ، قال: ثنا ضِرارُ بنُ صُرَدَ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن محمدِ بن عبدِ العزيزِ، عن الزهريِّ، عن عبدِ الرحمنِ بن المِسْوَرِ بن مَخْرَمةَ، عن أبيه، قال: سأَلْتُ عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ عن قولِ اللهِ ﷿: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾. قال: أَلْقِى علينا النومُ (^٨)\n_________\n(^١) الحَجَف: التروس من جلود بلا خشب ولا عقب، واحدتها حَجَفة. القاموس المحيط (ح ج ف).\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١١١٩٨) عن عمرو بن علي به، وأخرجه الترمذى (٣٠٠٧)، وأبو يعلى (١٤٢٢)، والحاكم ٢/ ٢٩٧، وأبو نعيم في الدلائل (٤٢١)، والبيهقى في الدلائل ٣/ ٢٧٢ من طريق حماد به.\n(^٣) أخرجه الطبراني (٤٦٩٩) من طريق عمران القطان به\n(^٤) في ت ٢: \"في من\"، وفى س: \"من\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) أخرجه البخارى (٤٠٦٨)، والطبراني (٤٧٠٠) من طريق يزيد به.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ممن\".\n(^٨) سقط من: ص، ت ١، ت ١، ت ٢، س.","vol":"6","page":162},{"text":"يومَ أحدٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ الآية: وذاكم يومَ أحدٍ، كانوا يومَئذٍ فريقَيْن، فأما المؤمنون فغشَّاهم اللهُ (^٢) النُّعاسَ؛ أمَنَةً منه ورحمةً (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ نحوَه.\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾. قال: ألقى اللهُ ﷿ عليهم النعاسَ، فكان ذلك أمَنةً لهم (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: النُّعاسُ في القتالِ أمنةٌ، والنعاسُ في الصلاةِ مِن الشيطانِ (^٥).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾. قال: أَنْزَل النُّعاسَ أمَنةً منه على أهلِ اليَقين به، فهم نِيامٌ لا يَخافون (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (٢٨٥) من طريق ضرار به، وأخرجه البيهقى في الدلائل ٣/ ٢٧٤ من طريق عبد العزيز به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩٣ (٤٣٥٨) من طريق المسور بن مخرمة به.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩٤ (٤٣٧٠) من طريق يزيد به.\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ٢٣.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩٣ (٤٣٦٠) من طريق سفيان به.\n(^٦) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩٤ (٤٣٦٤) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":163},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾. قال: أَلقَى اللهُ عليهم النُّعاسَ، فكان أمنةً لهم. قال: ذِكر أن أبا طلحةَ قال: أُلْقِى عليَّ النعاسُ يومَئِذٍ، فكنتُ أَنْعُسُ حتى يَسْقُطَ سيفي مِن يدى (^١).\nحدَّثنا ابن سنانٍ (^٢)، قال: ثنا إسحاقُ بنُ إدريسَ، قال: أخبرنا حمادُ بنُ سلمةَ، قال: أَخْبَرَنا ثابتٌ، عن أنسِ بن مالكٍ، عن أبي طلحةَ، وهشامُ بنُ عروَةَ، [عن عروةَ] (^٣)، عن (^٤) الزبيرِ، أنهما قالا: لقد رفَعْنا رءوسَنا يومَ أحدٍ، فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ، فما منهم مِن أحدٍ إلا وهو يَميلُ تحت (^٥) حَجَفتِه. قال: وتلا هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-1569>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤُه: وطائفةٌ منكم أيُّها المؤمنون، ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾، يقولُ: هم المنافقون، لا همَّ لهم غيرُ همِّ (^٧) أنفسِهم، فهم مِن حَذَرِ القتلِ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٧ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩٣ (٤٣٦١) عن الحسن به.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بشار\"، وينظر ترجمة إسحاق بن إدريس في الجرح والتعديل ٢/ ٢١٣.\n(^٣) سقط من: م، س.\n(^٤) في النسخ: \"بن\". والمثبت موافق لما في مصادر التخريج.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بجنب\".\n(^٦) أخرجه ابن سعد ٣/ ٥٠٥، وعبد بن حميد وعنه الترمذى (٣٠٠٧)، والبيهقي في الدلائل ٣/ ٢٧٣ من طريق حماد عن هشام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٨ إلى ابن أبي شيبة وابن مردويه والطبراني. وتقدم في ص ١٦١، ١٦٢ من طريق حماد عن ثابت.\n(^٧) سقط من: م.","vol":"6","page":164},{"text":"على أنفسِهم وخوفِ المنيةِ (^١) عليها في شُغْلٍ، قد طار عن أعينِهم الكَرَى، ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ﴾ الظنونَ الكاذبةَ، ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ مِن أهلِ الشركِ باللهِ، شكًّا في أمرِ اللهِ، وتكذيبًا لنبيِّه ﷺ، ومَحْسَبةً منهم أن الله خاذلٌ نبيَّه، ومُعْلٍ عليه أهلَ الكفرِ به، ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾.\nكالذي حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: والطائفةُ الأخرى المنافقون، ليس لهم همٌّ (^٢) إلا أنفسُهم، أَجْبَنُ قومٍ وأرعبُه، وأخذَلُه للحقِّ، ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ ظنونًا كاذبةً، إنما هم أهلُ شَكٍّ وريبةٍ في أمرِ اللهِ، ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: والطائفةُ الأخرى المنافقون، ليس لهم هِمَّةٌ إلا أنفسُهم، ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾. قال اللهُ ﷿: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ الآية (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾. قال: أهلُ النفاقِ، قد أهَمَّتْهم أنفسُهم تَخَوُّفَ القتلِ، وذلك أنهم لا يَرْجُون عاقبةً (^٥).\n_________\n(^١) في س: \"الفتنة\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩٤، ٧٩٥ (٤٣٦٧، ٤٣٧٠) من طريق يزيد به.\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ٢٣.\n(^٥) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٤٩٧ (٤٣٦٨) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":165},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: هؤلاء المنافقون (^١).\nوأما قولُه: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾. فإنه يعنى: أهلَ الشركِ.\nكالذى حدَّثني الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾. قال: ظنَّ أهلِ الشركِ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾. قال: ظنَّ أهلِ الشركِ (^٣).\nوفى رفعِ قولِه: ﴿وَطَائِفَةٌ﴾. وجهان؛ أحدُهما، أن تكونَ مرفوعةً بالعائدِ مِن ذكرِها في قولِه: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾. والآخرُ بقولِه: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾. ولو كانت منصوبةً كان جائزًا، وكانت الواوُ في قولِه: ﴿وَطَائِفَةٌ﴾. ظرفًا للفعلِ، بمعنى: وأهَمَّت طائفةً أنفسُهم. كما قال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-1570>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: الطائفةَ المنافقةَ التي قد أهمَّتهم أنفسُهم، أنهم يقولون: ليس لنا مِن الأمرِ (^٤) شيءٌ، ولو كان لنا مِن الأمرِ شَيءٌ ما خرَجْنا لقتالِ مَن\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ٢٣.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩٤ (٤٣٦٩) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٨ إلى المصنف.\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من\".","vol":"6","page":166},{"text":"قاتَلْناه فيقتلونا.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قيل لعبدِ اللهِ بن أبيٍّ: قُتِل بنو الخزْرجِ اليومَ. قال: وهل لنا مِن الأمرِ مِن شيءٍ؟ (^١).\n﴿قُلْ (^٢) إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾. وهذا أمرٌ مُبْتَدَأٌ مِن اللهِ ﷿، يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء المنافقين: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾. يُصَرِّفُه كيف يَشَاءُ، ويُدَبِّرُه كيف أحبَّ (^٣).\nثم عاد إلى الخبرِ عن ذكرِ نفاقِ المنافقين فقال: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾. يقولُ: يُخْفِى يا محمدُ هؤلاء المنافقون الذين وصفْتُ لك صفتَهم، في أنفسِهم مِن الكفرِ والشكِّ في اللهِ، ما لا يُبْدُون لك. ثم أَظْهَر نبيَّه ﷺ على ما كانوا يُخْفُونه بينهم مِن نفاقِهم، والحسرةِ التي أصابتهم على حضورِهم مع المسلمين مشهدَهم بأحدٍ، فقال مخبرًا عن قِيلِهم الكفرَ، وإعلانِهم النفاقَ بينَهم: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾. يعنى بذلك أن هؤلاء المنافقين يقولون: لو كان الخروجُ إلى حربِ مَن خرَجْنا لحربِه من المشركين إلينا، ما خرَجْنا إليهم، ولا قُتِل منا أحدٌ في الموضعِ الذي قُتِلوا فيه بأُحدٍ.\nوذُكرَ أن من (^٤) قال هذا القولَ مُعَتِّبُ بن قُشَيْرٍ، أخو (^٥) بني عمرِو بن عوفٍ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قيل\".\n(^٣) في م: \"يحسب\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ممن\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أحد\".","vol":"6","page":167},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1571>ذكرُ الخبرِ بذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: ثني يحيى بنُ عبادِ ابن (^١) عبدِ اللهِ بن الزبيرِ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بن الزبيرِ، عن الزبيرِ، قال: واللهِ إنى لأسْمَعُ قولَ مُعَتِّبِ بن قُشَيْرٍ أخى بني عمرِو بن عوفٍ، والنُّعاسُ يَغْشاني، ما أَسْمَعُه إلا كالحُلْم، حينَ قال: لو كان لنا مِن الأمرِ شيءٌ ما قُتِلْنا ههنا (^٢).\nحدَّثني سعيدُ بنُ يحيى الأُمويُّ، قال: ثنى أبي، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يحيى بنُ عبادِ بن عبدِ اللهِ بن الزبيرِ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بن الزبيرِ، عن أبيه بمثلِه.\nواختَلَفَتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ﴾. بنصبِ \"الكلّ\"، على وجهِ النعتِ للأمرِ والصفةِ له.\nوقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ البصرةِ: (قُلْ إنّ الأمرَ كُلُّه للهِ) (^٣). برفع \"الكلّ\" على توجيهِ الكلِّ إلى أنه اسمٌ، وقولُه: ﴿لِلَّهِ﴾ خبرُه، كقولِ القائلِ: إن الأمرَ بعضُه لعبدِ اللهِ.\nوقد يَجوزُ أن يكونَ \"الكلّ\" في قراءةِ مَن قرَأه بالنصبِ منصوبًا على البدلِ.\nوالقراءةُ التي هي القراءةُ عندَنا، النصبُ في \"الكلّ\"؛ لإجماعِ أكثرِ القرأةِ عليه، مِن غيرِ أن تكونَ القراءةُ الأخرى خطأً في معنًى أو عربيةٍ، ولو كانت القراءةُ بالرفعِ في ذلك مُسْتَفِيضةً في القَرأةِ، لكانت سواءً عندى القراءةُ بأيِّ ذلك قُرِئ؛ لاتفاقِ معاني ذلك بأى وجْهَيْه قُرِئ.\n_________\n(^١) في ص: \"عن\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩٥ (٤٣٧٢)، وأبو نعيم في الدلائل (٤٢٣)، والبيهقي في الدلائل ٣/ ٢٧٣ من طريق ابن إسحاق به.\n(^٣) بالرفع قرأ أبو عمرو وحده، وقرأ باقى السبعة بالنصب. السبعة لابن مجاهد ص ٢١٧.","vol":"6","page":168},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1572>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾.</span>\nيعني بذلك تعالى ذكرُه: قلْ يا محمدُ للذين وصَفْتُ لك [صفتَهم مِن] (^١) المنافقين: لو كنتُم في بيوتِكم لم تَشْهَدوا مع المؤمنين مَشْهَدَهم، ولم تَحْضُروا معهم حربَ أعدائِهم مِن المشركين، فيَظْهَرَ للمؤمنين ما كنتم تُخْفُونه مِن نفاقِكم، وتَكْتُمونه مِن شكِّكم (^٢) في دينِكم، ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾. يقولُ: لظهَر للموضعِ الذي كُتِب عليه مَصْرَعُه فيه مَن قد كُتِب عليه القتلُ منهم، ولخَرَجَ (^٣) من بيتِه إليه، حتى يُصْرَعَ في الموضعِ الذي كُتِب عليه أن يُصْرَعَ فيه.\nوأما قولُه: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾. [فإنه يعنى به: ولِيَبْتَلِى اللهُ ما في صدوركم أيُّها المنافقون، كنتم تَبْرُزون من بيوتِكم إلى مَضاجعِكم.\nويعنى بقولِه: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾] (^٤): ولِيَخْتَبِرَ اللهُ الذي في صدورِكم مِن الشكِّ، فيُمَيِّزَكم - بما يُظْهِرُه للمؤمنين مِن نفاقِكم - من المؤمنين.\nوقد دلَّلْنا فيما مضى على أن معانيَ نظائرِ قولِه: ﴿لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ﴾ و﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠] وما أشْبَه ذلك، وإن كان في ظاهرِ الكلامِ مضافًا إلى اللهِ الوصفُ به، فمرادٌ (^٥) به أولياؤُه وأهلُ طاعتِه، وأن معنى ذلك: ولِيَخْتَبِرَ أولياءُ اللهِ\n_________\n(^١) في س، ت ٢: \"من صفتهم\".\n(^٢) في م، س: \"شرككم\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يخرج\".\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في س: \"فمراده\".","vol":"6","page":169},{"text":"وأهلُ طاعتِه الذي في صدورِكم مِن الشكِّ والمرضِ، فيَعْرِفوكم (^١) مِن أهلِ الإخلاصِ واليقينِ (^٢).\n﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾. يقولُ: وليَتَبَيَّنوا ما في قلوبِكم مِن الاعتقادِ للهِ تعالى ذكرُه ولرسولِه ﷺ وللمؤمنين، من العَداوةِ أو الوِلايةِ.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. يقولُ: واللهُ ذو علمٍ بالذي في صدور خلقِه، مِن خيرٍ وشرٍّ، وإيمانٍ وكفرٍ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن أمورِهم؛ سرائرِها وعلانيتِها، وهو الجميعِ ذلك حافظٌ، حتى يُجازِيَ جميعَهم جزاءَهم، على قدرِ استحقاقِهم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك كان ابن إسحاق يقولُ.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ذكَر اللهُ ﷿ تَلاوُمَهم - يعنى تَلاوُمَ المنافقين - وحسْرتَهم على ما أصابهم، ثم قال لنبيِّه ﷺ: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ لم تَحْضُروا هذا الموضعَ الذي أظهَر اللهُ ﷿ فيه منكم ما أَظْهَر مِن سرائرِكم (^٣)، لأَخْرَج الذين كُتِب عليهم القتلُ إلى موطنٍ (^٤) غيرِه، يُصْرَعون فيه، حتى يَبْتَلِيَ به ما في صدورِكم، ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. أي: لا يَخْفَى عليه ما (^٥) في صدورِهم، مما اسْتَخْفَوْا به منكم (^٦).\n_________\n(^١) في س: \"فيعرفكم\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٦٤١ - ٦٤٥.\n(^٣) بعده في سيرة ابن هشام: \"لبرز\".\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١: \"مواطن\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"شيء ما\".\n(^٦) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩٦ (٤٣٧٦ - ٤٣٧٨) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":170},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا الحارثُ بنُ مسلمٍ، عن بَحْرٍ السَّقَّاءِ، عن عمرِو بن عُبيدٍ، عن الحسنِ، قال: سُئِل عن قولِه: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾. قال: كتَب اللهُ ﷿ على المؤمنين أن يُقاتِلوا في سبيلِه، وليس كلُّ مَن يُقاتِلُ يُقْتَلُ، ولكن يُقْتَلُ مَن كتَب اللهُ عليه القتلَ (^١).\n\n<span id=\"aya-448\"></span><span data-type='title' id=toc-1573>القول في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكرُه: إن الذين ولَّوا عن المشركين يوم أُحُدٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ فانْهَزَموا عنهم.\nوقولُه: ﴿تَوَلَّوْا﴾. تفعَّلوا، مِن قولِهم: ولَّى فلانٌ ظهرَه.\nوقولُه: ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾. يعنى: يومَ الْتَقَى جمعُ المشركين وجمعُ المسلمين بأُحُدٍ.\n﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾. أي إنما دعاهم إلى الزَّلَّةِ الشيطانُ.\nوقولُه: \"اسْتَزَلَّ\". اسْتَفْعَل مِن الزَّلَّةِ، والزَّلَّةُ هي الخَطيئةُ.\n﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾. يعنى: ببعضِ ما عمِلوا مِن الذنوبِ.\n﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾. يقولُ: ولقد تَجاوَز اللهُ لهم عن عقوبةِ ذنبِهم (^٢)، فصفَح لهم عنه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٨ إلى المصنف.\n(^٢) في م: \"ذنوبهم\".","vol":"6","page":171},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. يعني به: مُغَطٍّ على ذنوبِ مَنْ آمَن به واتَّبَع رسولَه، بعفوِه عن عقوبِته إياهم عليها، ﴿حَلِيمٌ﴾. يعنى أنه ذو أَناةٍ، لا يَعْجَلُ على مَن عصاه وخالَف أمرَه بالنِّقْمةِ.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في أعيانِ القومِ الذين عُنُوا بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها كلُّ مَن ولَّى الدُّبُرَ عن المشركين بأُحُدٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1574>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا أبو بكر بنُ عياشٍ، قال: ثنا عاصمُ بنُ كُلَيْبٍ، عن أبيه، قال: خطَب عمرُ يومَ الجمعةِ، فقرَأ \"آل عمرانَ\"، وكان يُعْجِبُه إذا خطَب أن يَقْرَأَها، فلما انْتَهى إلى قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِمٌ﴾. قال: لما كان يومُ أحدٍ هَزْمناهم، ففرَرْتُ حتى صَعِدْتُ الجبلَ، فلقد رأيْتُنى أَنْزُو كأننى أرْوَى (^١)، والناسُ يقولون: قُتِل محمدٌ. فقلتُ: لا أَجِدُ أحدًا يقولُ: قُتِل محمدٌ. إلا قتَلْتَه، حتى اجْتَمَعْنا على الجبلِ، فنزلَت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ الآية كلّها (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ الآية: وذلك يومَ أُحدٍ، ناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ توَلَّوا عن القتالِ، وعن نبيِّ اللهِ ﷺ يومَئذٍ، وكان ذلك مِن أمرِ الشيطانِ وتخويفِه، فأَنْزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه ما تَسْمَعون، أنه قد تَجاوَز لهم عن ذلك، وعفا عنهم (^٣).\n_________\n(^١) الأروى: أنثى الوعل. اللسان (ر وى).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٨ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٩ إلى المصنف.","vol":"6","page":172},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾ الآية. فذكَر نحوَ قولِ قتادةَ (^١).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك خاصٌّ ممَّن ولَّى الدُّبُرَ يومَئِذٍ. قالوا: وإنما عُنِى به الذين لحِقوا بالمدينةِ منهم دونَ غيرِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1575>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: لما انْهَزَموا يومَئِذٍ، تفَرَّق عن رسول اللهِ ﷺ أصحابُه، فدخَل بعضُهم المدينةَ، وانْطَلَق بعضُهم [فوقَ الجبلِ إلى] (^٢) الصخرةِ، فقاموا عليها، فذكَر اللهُ ﷿ الذين انْهَزَموا فدخَلوا المدينةَ، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ الآية (^٣).\nوقال آخَرون: بل نزَل ذلك في رجالٍ بأعيانِهم معروفين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1576>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال عكرمةُ في قولِه جل وعز: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾. قال: نزَلت في رافعِ بن المُعَلَّى وغيرِه مِن [الأنصارِ، وأبي] (^٤) حُذيفةَ بن عُتبةَ، ورجلٍ آخرَ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (بتحقيق د. حكمت) ٢/ ٦٢٣ (١٧٠٩) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) في س: \"إلى الجبل فوق\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩٦ عقب الأثر (٤٣٨٠) من طريق أسباط به.\n(^٤) في ص: \"الأنصار أبى\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أنصار أبى\".","vol":"6","page":173},{"text":"قال ابن جُريجٍ: وقولُه: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾: إذ لم يُعاقِبْهم (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: فرَّ عثمانُ بنُ عفانَ، وعقبةُ بنُ عثمانَ وسعدُ بنُ عثمانَ - رجلان مِن الأنصارِ - حتى بلَغوا الجَلْعَبَ - جبلٌ بناحيةِ المدينةِ مما يَلِى (^٢) الأعْوَصَ (^٣) - فأقاموا به ثلاثًا، ثم رجَعوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقال لهم: \"لقد ذهَبْتُم فيها عريضةً (^٤) \".\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ الآية: والذين اسْتَزَلَّهم الشيطانُ عثمانُ بنُ عفانَ، وسعدُ بنُ عثمانَ وعقبةُ بنُ عثمانَ، الأنصاريان ثم الزُّرَقيَّان (^٥).\nوأما قولُه: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾. فإن معناه: ولقد تَجاوَز اللهُ عن الذين توَلَّوْا منكم يومَ الْتَقى الجَمْعان أن يُعاقِبَهم بتَوَلِّيهم عن عدوِّهم.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ يقولُ: ولقد عفا اللهُ إذ لم يُعاقِبْهم (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٨ إلى المصنف دون قول ابن جريج.\n(^٢) في س: \"بين\".\n(^٣) الأعوص: موضع قرب المدينة. معجم البلدان ١/ ٣١٧.\n(^٤) عريضة: واسعة. النهاية ٣/ ٢١٠.\n(^٥) سيرة ابن إسحاق ص ٣١١ عن يحيى بن عباد، عن أبيه، عن جده بأطول مما هنا. ومن طريق ابن إسحاق أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٢٢. وعزاه ابن كثير في البداية والنهاية ٥/ ٣٩١ إلى الأموى في مغازيه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٩ إلى ابن المنذر.\n(^٦) ذكره الطوسى في التبيان ٣/ ٢٥ عن ابن جريج.","vol":"6","page":174},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه - في تولِّيهم يومَ أُحدٍ -: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾: فلا أَدْرِى ذلك (^١) العفوُ عن تلك العِصابةِ، أم عفوٌ عن المسلمين كلِّهم؟ (^٢).\nوقد بيَّنا تأويلَ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. فيما مضَى (^٣).\n\n<span id=\"aya-449\"></span><span data-type='title' id=toc-1577>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤُه: يا أيُّها الذين (^٤) صدَّقوا الله ورسولَه، وأَقَرُّوا بما جاء به محمدٌ عندِ اللهِ، لا تكونوا كمَن كفَر باللهِ وبرسولِه، فجحَد نبوةَ محمدٍ ﷺ، وقال لإخوانِه مِن أهلِ الكفرِ ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فَخَرَجوا مِن بلادِهم سَفْرًا في تجارةٍ، ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾. يقولُ: أو كان خروجُهم مِن بلادِهم غُزاةً، فهلَكوا فماتوا في سفرِهم، أو قُتِلوا في غزوِهم: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾. يُخْبِرُ بذلك عن قولِ هؤلاء الكافرين؛ أنهم يقولون لمن غزا منهم فقُتِل، أو مات في سفرٍ خرَج فيه في طاعةِ اللهِ ﷿، أو تجارةٍ: لو لم يكونوا خرَجوا مِن عندِنا، وكانوا أقاموا في بلدِهم، ما ماتوا، وما قُتِلوا. لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾. يعنى أنهم يقولون ذلك كى يَجْعَلَ اللهُ قولَهم ذلك حزنًا في قلوبِهم وغمًّا، ويَجْهَلون أن ذلك إلى اللهِ جل ثناؤُه وبيدِه.\nوقد قيل: إن الذين نهى اللهُ المؤمنين بهذه الآيةِ أن يَتَشَبَّهوا بهم فيما نهاهم عنه\n_________\n(^١) في م: \"أذلك\".\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ٣/ ٢٥ عن ابن زيد.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٤/ ٤٢.\n(^٤) بعده في س: \"آمنوا\".","vol":"6","page":175},{"text":"مِن سوءِ اليَقينِ باللهِ، هم عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابن سَلولَ وأصحابُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1578>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ الآية. قال: هؤلاء المنافقون أصحابُ عبدِ اللهِ بن أبيٍّ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾: قولُ المنافقِ عبدِ اللهِ بن أبيٍّ ابن سَلولَ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخَرون في ذلك: هم جميعُ المنافقين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1579>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية: أيْ: لا تكونوا كالمنافقين الذين يَنْهَوْنَ (^٣) إخوانَهم عن الجهادِ في سبيلِ اللهِ والضربِ في الأرضِ في طاعةِ اللهِ وطاعةِ رسولهِ، ويقولون إذا ماتوا أو قُتِلوا: لو أطاعونا ما ماتوا وما قُتِلوا (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩٨ (٤٣٩٤) من طريق أحمد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩٩ (٤٣٩٧) من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٩ إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(^٣) في س: \"يمنعوا\".\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩٨، ٧٩٩ (٤٣٩٣، ٤٣٩٥،=","vol":"6","page":176},{"text":"وأما قولُه: ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾. فإنه اخْتُلِف في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: هو السفرُ في التجارةِ، والسيرُ في الأرضِ طلَبَ المعيشةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1580>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾: وهى التجارةُ (^١).\nوقال آخَرون: بل هو السيرُ في طاعةِ اللهِ وطاعةِ رسولهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1581>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾: الضربُ في الأرضِ في طاعةِ اللهِ وطاعةٍ رسولهِ (^٢).\nوأصلُ الضَّرْبِ في الأرضِ الإبعادُ فيها سيرًا.\nوأما قولُه: ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾. فإنه يعنى: أو كانوا غُزاةً في سبيلِ اللهِ.\nوالغُزَّى جمعُ غازٍ، جُمِع على فُعَّل، كما يُجْمَعُ شَاهِدٌ شُهَّد، وقائلٌ قُوَّل، وقد يُنْشَدُ بيتُ رُؤْبةَ (^٣):\nفاليومَ قد نَهْنَهَنِى تَنَهْنُهِي (^٤)\n_________\n=٤٣٩٩) من طريق سلمة به.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩٩ (٤٣٩٦) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) هو من الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٣) ديوانه (مجموع أشعار العرب) ص ١٦٦.\n(^٤) النهنهة: الكف. تقول: نهنهت فلانا، إذا زجرته فكف. اللسان (نهنه).","vol":"6","page":177},{"text":"وأوْلُ (^١) حِلْمٍ ليس بالمُسَفَّهِ\nوقُوَّلٌ إِلَّا دَهٍ فَلا دَهِ (^٢)\nويُنْشَدُ أيضًا:\nوقولُهم إِلَّا دَهٍ فلا دَهِ\nوإنما قيل: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾. [فَأَصحَب ماضىَ] (^٣) الفعلِ الحرفَ الذي لا يَصْحَبُ مع الماضي منه إلا المستقبلُ، فقيل: ﴿وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ﴾. ثم قيل: ﴿إِذَا ضَرَبُوا﴾. وإنما يُقالُ في الكلامِ: أكْرَمْتُك إذ زُرْتَنى. ولا يُقالُ: أَكْرَمْتُكَ إِذَا زُرْتَني. لأن القولَ الذي في قولِه: ﴿وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ﴾. وإن كان في لفظِ الماضي، فإنه بمعنى المستقبلِ. وذلك أن العربَ تَذْهَبُ بـ\"الذين\" مذهبَ الجَزَاءِ، وتُعامِلُها في ذلك مُعاملةَ \"من\" و\"ما\"؛ لتقاربِ معاني ذلك في كثيرٍ من الأشياءِ، وأَنَّ جَميعَهُنَّ (^٤) أشياءُ مَجهولاتٌ غيرُ مُوَقَّتاتٍ (^٥) توقيتَ عمرو وزيدٍ. فلمَّا كان ذلك كذلك، وكان صحيحًا في الكلامِ فَصيحًا أن يُقال للرجلِ: أكْرِمْ مَن أَكْرَمَك، وأَكْرِمْ كُلَّ رجلٍ أكْرمَك. فيَكونُ الكلامُ خارجًا بلفظِ الماضي مع \"مَن\"، و\"كلٌّ\" مجهولٌ،\n_________\n(^١) الأوْل: الرجوع. اللسان (أول).\n(^٢) إلا دَهٍ فلا دَه. معناه: إن لم يكن هذا الأمر الآن فلا يكون بعد الآن. واختلف في أصل هذه الكلمة اختلافًا كثيرا، ينظر في اللسان (دهده).\n(^٣) في م: \"بإصحاب ماضى\"، وفى س: \"فأصبحت ما مضى\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"جمعهن\".\n(^٥) غير الموقت هنا هو الاسم الموصول، فهو معرفة غير موقتة؛ لأنه لا يحدد المراد منه تعيينا. ينظر المصطلح النحوى ص ١٦٨، ومصطلحات النحو الكوفي ص ١٤٩.","vol":"6","page":178},{"text":"ومعناه الاستقبالُ، إذ كان الموصوفُ بالفعلِ غيرَ مُوَقَّتٍ، وكان \"الذين\" في قوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، غيرَ مُوقَّتِينَ - أُجْرِيَت مُجْرَى \"مَن\"، و\"ما\" في [توجيهها إلى] (^١) مَذْهَبِ (^٢) الجَزاءِ وإخراجِ صِلاتِها (^٣) بألفاظِ الماضي من الأفعالِ، وهى بمعنى الاستقبالِ، كما قال الشاعرُ (^٤):\nوإني لآتِيكم تَشَكُّرَ ما مضَى … مِن الأمرِ واسْتِيجابَ ما كان في غَدِ\nفقال: ما كان في غد. وهو يريدُ ما يكونُ في غدٍ، ولو كان أراد الماضيَ لَقال: ما كان في أمسِ. ولم يَجُزْ له أن يَقولَ: ما كان في غدٍ.\nولو كان \"الذي\" مُؤقَّتًا، لم يَجُزْ أن يُقالَ ذلك. خطاٌ أن يُقالَ: لأُكْرِمَنَّ (^٥) هذا الذي أكْرَمَك إذا زُرْتَه. لأن \"الذي\" ههنا مُوَقَّتٌ، فقد خرَج مِن معنى الجَزاءِ، ولو لم يَكُنْ في الكلامِ \"هذا\"، لكان فصيحًا جائزًا؛ لأن \"الذي\" يَصيرُ حينَئذٍ مجهولًا غيرَ مُوَقَّتٍ، ومِن ذلك قولُ اللهِ جلّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٥]. فردَّ ﴿يَصُدُّونَ﴾ على ﴿كَفَرُوا﴾؛ لأن ﴿الَّذِينَ﴾ غيرُ موقتةٍ، فقولُه: ﴿كَفَرُوا﴾. وإن كان في لفظِ ماضٍ، فمعناه الاستقبالُ. وكذلك قولُه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم: ٦٠]. وقولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]. معناه: إلا الذين يَتُوبون مِن قبلِ أن تَقْدِروا عليهم، وإلا مَن يَتوبُ ويُؤْمِنُ. ونَظائرُ ذلك في\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ترجمتها التي تذهب\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في س: \"صفاتها\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في ما\". والبيت تقدم في ٢/ ٢٥٧، ٢٥٨.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لكن من\"، وفى م: \"لك من\"، وفى س: \"لكن في\".","vol":"6","page":179},{"text":"القرآنِ والكلامِ كثيرٌ، والعلةُ في (^١) ذلك واحدةٌ.\nوأما قولهُ: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾. فإنه يعنى بذلك: حُزْنًا في قلوبِهم.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾. قال: يَحْزُنُهم قولُهم (^٢)، لا يَنْفَعُهم شيئًا (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾: لقلةِ اليقينِ بربِّهم ﵎ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1582>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)﴾.</span>\nيعنى بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: واللهُ المُعَجِّلُ الموتَ لَمن يَشاءُ (^٥) حيث يَشاءُ، والمُمِيتُ مَن يَشاءُ كُلَّما شاء، دونَ غيرِه مِن سائرِ خلقِه.\nوهذا مِن اللهِ ﷿ تَرْغيبٌ لعبادِه المؤمنين على جهادِ عدوِّه، والصبرِ على\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كل\".\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، س: \"قوله\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩٩ (٤٤٠١) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٠ (٤٤٠٢) من طريق سلمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٩ إلى ابن المنذر.\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من\".","vol":"6","page":180},{"text":"قتالِهم، وإخراجِ هَيْبتِهم مِن صدورِهم، وإن قلّ عددُهم، وكثُر عددُ أعدائِهم وأعداءِ اللهِ، وإعلامٌ منه لهم أن الإماتَةَ والإحْياءَ بيدِه، وأنه لن يموتَ أحدٌ ولا يُقْتَلَ إلا بعدَ فَناءِ أَجَلِهِ الذي كُتِب له، ونَهْىٌ منه لهم - إذ كان ذلك كذلك - أن يَجْزَعوا لموتِ مَن مات منهم، أو قتلِ مَن قُتِل منهم في حربِ المشْركين.\nثم قال جل ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ (^١) بَصِيرٌ﴾. يقولُ: إِنَّ الله يَرَى ما تَعْمَلون مِن خيرٍ وشرٍّ، [فاتقوا الله] (^٢) أيُّها المؤمنون، فإنه مُحْصٍ ذلك كلَّه، حتى يُجازِيَ كلَّ عاملٍ بعملِه على قدرِ اسْتحقاقِه.\nوبنحو الذي قلْنا في ذلك قال ابن إسحاقَ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: يُعَجِّلُ ما يَشاءُ، ويُؤَخِّرُ ما يَشاءُ مِن آجالِهم بقدرتِه (^٣).\n\n<span id=\"aya-450\"></span><span data-type='title' id=toc-1583>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (^٤) (١٥٧)﴾.</span>\nيخاطبُ (^٥) بذلك تعالى ذكرُه عبادَه المؤمنين، يقولُ لهم: لا تكونوا أيُّها المؤمنون في شكٍّ مِن أن الأمورَ كلَّها بيدِ اللهِ، وأن إليه الإحياءَ والإماتةَ، كما شكَّ\n_________\n(^١) في ت ١، س: \"يعملون\". وهى قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي، وقرأ باقى السبعة بالتاء. حجة القراءات ص ١٧٧.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فاتقوه\"، وفى س: \"فاتقوا\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٠ (٤٤٠٣) من طريق سلمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٩ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في ت ١، س: \"تجمعون\". والمثبت قراءة عاصم في رواية حفص عنه، ولم يروها غيره، وقرأ الباقون بالتاء. السبعة لابن مجاهد ص ٢١٨.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فخاطب\".","vol":"6","page":181},{"text":"المنافقون في ذلك، ولكن جاهِدوا في سبيلِ اللهِ، وقاتِلوا أعداءَ اللهِ، على يقينٍ منكم بأنه (^١) لا يُقْتَلُ في حربٍ (^٢)، ولا يموتُ في سفرٍ، إلا مَن قد بلَغ أجلَه وحانَت وفاتُه. ثم وعَدَهم على جهادِهم في سبيلِ اللهِ المغفرةَ والرحمةَ، وأخْبرَهم أن موتًا في سبيلِ اللهِ، أو (^٣) قتلًا في دينِه (^٤)، خيرٌ لهم مما يَجْمَعون في الدنيا من حُطامِها، ورَغيدِ عيشِها، الذي مِن أجلِه يَتَثاقَلون عن الجهادِ في سبيلِ اللَّهِ، ويَتَأَخَّرون عن لقاءِ العدوِّ.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (^٥)﴾ أي: إِنَّ الموتَ كائنٌ لا بد منه، فموتٌ في سبيلِ اللهِ، أو قتلٌ، خيرٌ - لو علِموا (^٦) وأيقَنُوا - مما يَجْمَعون من (^٧) الدنيا التي لها يَتَأَخَّرون عن الجهادِ؛ تخوُّفًا من الموتِ والقتلِ، لما جمَعوا مِن زهيدِ (^٨) الدنيا، وزَهادةً في الآخرةِ (^٩).\nوإنما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (^١٠)﴾. وابْتَدَأ الكلامَ: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ بحذفِ جزاء \"لَئِن\"؛ لأنَّ في قولِه:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"فإنه\".\n(^٢) بعده في ت ٢، س: \"منكم\".\n(^٣) في م: \"و\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الله\".\n(^٥) في الأصل، ص، ت ١: \"تجمعون\".\n(^٦) في س: \"تعلمون\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"في\".\n(^٨) في سيرة ابن هشام: \"زهرة\"، وفى تفسير ابن أبي حاتم: \"زهيدة\".\n(^٩) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٠ (٤٤٠٤) من طريق سلمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٩ إلى ابن المنذر.\n(^١٠) في س: \"تجمعون\".","vol":"6","page":182},{"text":"﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (^١)﴾. معنى جوابٍ (^٢) للجَزاءِ، وذلك أنه وَعْدٌ خرَج مَخرجَ الخبرِ.\nفتأويلُ الكلامِ: ولئن قُتِلْتُم في سبيلِ اللهِ أو مُتُّم، لَيَغْفِرَنَّ اللهُ لكم ولَيَرْحَمَنَّكم، فدلَّ على ذلك بقولِه: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (^٣)﴾. وجمع مع الدلالةِ به عليه الخبرَ عن فضلِ ذلك على ما يُؤْثِرونه (^٤) مِن الدنيا وما يَجْمَعون (^٥) فيها.\nوقد زعَم بعضُ أهل العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ أنه إن قيل: كيف يكونُ: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ﴾ جوابًا لقولِه: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾ فإن القولَ فيه أن يُقالَ: كأنه قال: ولئن مُتُّم أو قُتِلْتُم [فذلك لكم] (^٦) رحمةٌ (^٧) ومغفرةٌ، إذ كان ذلك في السبيل، فقال: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ﴾. يقولُ: لَذلك خيرٌ ممَّا تجمَعون. يعنى: لَتلك المغفرةُ والرحمةُ خيرٌ مما تَجْمَعون. ودخَلَت اللامُ في قولِه: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ لدخولِها في قولِه: ﴿وَلَئِنْ﴾. كما قيل: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَار﴾ [الحشر: ١٢].\n\n<span id=\"aya-451\"></span><span data-type='title' id=toc-1584>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولكن مُتُّم أو قُتِلْتم أيُّها المؤمنون، فإلى (^٨) اللهِ مَرْجِعُكم ومَحْشَرُكم، فيُجازِيكم بأعمالِكم، فآثِرُوا ما يُقَرِّبُكم من اللهِ ويُوجِبُ لكم رِضاه،\n_________\n(^١) في ص، س: \"تجمعون\".\n(^٢) في ص: \"حوار\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"جواز\".\n(^٣) في الأصل، ت ١، س: \"تجمعون\".\n(^٤) في س: \"تؤثرونه\".\n(^٥) في س: \"تجمعون\".\n(^٦) في النسخ: \"فذكر لهم\". وينظر تعليق الشيخ شاكر على هذا الموضع.\n(^٧) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من الله\".\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فإن إلى\".","vol":"6","page":183},{"text":"ويُقَرِّبُكم من الجنةِ؛ مِن الجهادِ في سبيلهِ، والعملِ بطاعتِه، على (^١) الرُّكونِ إلى الدنيا، وما تَجْمَعون فيها مِن حُطامِها الذي هو غيرُ باقٍ لكم، بل هو زائلٌ عنكم (^٢)، وعلى تركِ طاعةِ اللهِ ﷿ والجهادِ، فإنَّ ذلك يُبْعِدُكم مِن (^٣) ربِّكم، ويُوجِبُ لكم سَخَطَه، ويُقَرِّبُكم من النارِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال ابن إسحاقَ.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾: أي ذلك كان، ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ أَي: إنَّ إِلى اللهِ المَرْجِعَ، فلا تَغُرَّنَّكم (^٤) الدنيا، ولا تَغْتَرُّوا بها، ولْيَكُنِ الجهادُ وما رغَّبَكم اللهُ فيه منه آثَرَ عندَكم منها (^٥).\nوأُدْخِلَت اللامُ في قولِه: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾. لدُخولِها في قولِه: ﴿وَلَئِنْ﴾. ولو كانت اللامُ مُؤَخَّرةً إلى قولِه: ﴿تُحْشَرُونَ﴾. لأُحْدِثَتِ النونُ الثقيلةُ فيه، كما تقولُ في الكلامِ: لئن أَحْسَنْتَ إِليَّ لأُحْسِنَنَّ إِليك. بنونٍ مُثَقَّلةٍ، فكان كذلك قولُه (^٦): ولئن مُتُّم أو قُتِلْتم لَتُحْشَرُنَّ إلى اللهِ. ولكن لما حِيل (^٧) بين اللامِ وبين ﴿تُحْشَرُونَ﴾ بالصِّفةِ (^٨)، أُدْخِلَت في الصِّفةِ، وسلِمَت: ﴿تُحْشَرُونَ﴾ فلم تَدْخُلُها النونُ الثَّقيلةُ، كما تقولُ في الكلامِ: لئن أَحْسَنْتَ إليَّ لَإليك أُحْسِنُ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عن\".\n(^٢) في س: \"منكم\".\n(^٣) في م، ت ٢: \"عن\".\n(^٤) بعده في م: \"الحياة\".\n(^٥) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٦ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٠ (٤٤٠٥) من طريق سلمة به.\n(^٦) في ص: \"وقوله\".\n(^٧) في ص، ت ٢، ت ٣: \"حين\"، وفى م: \"حيز\"، وفى ت ١: \"جين\". والمثبت هو الصواب.\n(^٨) الصفة: حرف الجر. وهو اصطلاح نحويي الكوفة.","vol":"6","page":184},{"text":"بغيرِ نونٍ مُثَقَّلةٍ.\n\n<span id=\"aya-452\"></span><span data-type='title' id=toc-1585>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.</span>\nيعنى بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: فبرحمةٍ مِن اللهِ. و\"ما\" صِلَةٌ. وقد بيَّنْتُ وجهَ دُخولِها في الكلامِ في قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (^١) [البقرة: ٢٦]. والعربُ تَجْعَلُ \"ما\" صِلَةً في المعرفةِ والنَّكرةِ، كما قال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥، المائدة: ١٣]. والمعنى: فبنقْضِهم ميثاقَهم. وهذا في المعرفةِ، وقال في النكرةِ: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠]. والمعنى: عن قليل. وربما جُعِلَت اسمًا، وهي في مذهبِ صِلَةٍ، فيُرْفَعُ ما بعدَها أحيانًا على وجهِ الصَّلةِ، ويُخْفَضُ على إتباعِ الصلةِ ما قبلَها، كما قال الشاعرُ (^٢):\nفكَفى بنا فَضْلًا على مَن غَيْرِنا … حُبُّ النبيِّ محمدٍ إِيَّانَا\nإذا جُعِلتْ \"غيرُ\" صلةً رُفِعتْ بإضمارِ \"هو\"، وإِن خُفِضَتْ أَتْبَعتَه \"مَن\" فأَعْرَبَتْه بإعرابِه (^٣). فذلك حكمُه على ما وصَفْنا مع النَّكِراتِ.\nفأما إذا كانت الصلةُ مَعْرفةً، كان الفَصِيحَ مِن الكلامِ الإتْباعُ، كما قيل: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾. والرفعُ جائزٌ في العربيةِ.\nوبنحوِ ما قلْنا في قولِه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾. قال جماعةٌ مِن\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٢٨ - ٤٣٠.\n(^٢) تقدم في ١/ ٤٢٩.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":185},{"text":"أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1586>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾. يقولُ: فبرحمةٍ مِن اللهِ لنْتَ لهم (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. فإنه يعنى بالفَظِّ الجافيَ، وبالغليظِ القلبِ القاسيَ القلبِ غيرَ ذى رحمةٍ ولا رأفةٍ، وكذلك كانت صفتُه ﷺ، كما وصَفَه اللهُ به: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].\nفتأويلُ الكلامِ (^٢): فبرحمةِ اللهِ (^٣) يا محمدُ، وبرأْفَتِه بك، وبمَن آمَن بك مِن أصحابِك، لِنتَ لتُبَّاعِك وأصْحابِك، فسهُلَت لهم خَلائِقُك (^٤)، وحسُنَت لهم أخْلاقُك، حتى احْتَمَلْتَ أذَى مَن نالك منهم أذاه، وعفَوْتَ عن ذى الجُرْمِ منهم جُرْمَه، وأَغْضَيْتَ عن كثيرٍ ممَّن لو جفَوْتَ به، وأَغْلَظْتَ عليه، لترَكَك ففارَقَك ولم يَتَّبِعْك، ولا ما بُعِثْتَ به مِن الرحمةِ (^٥)، ولكنَّ الله جَلَّ وعزَّ رحِمَهم ورحِمَك معهم، فبرحمةٍ مِن اللهِ لِنْتَ لهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٠ (٤٤٠٨) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في س: \"الآية\".\n(^٣) في س: \"من الله\".\n(^٤) في س: \"أحلامك\".\n(^٥) أي: ولم يتبع ما بعثت به من الرحمة.","vol":"6","page":186},{"text":"غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾: إى واللهِ، [لَطهَّره اللَّهُ] (^١) مِن الفَظاظةِ والغِلْظَةِ، وجعَله قريبًا رَحيمًا بالمؤمنين. [وقد] (^٢) ذُكر لنا أنَّ نَعْتَ محمدٍ ﷺ في التَّوْرَاةِ: ليس بفَظٍّ ولا غليظٍ، ولا صَخوبٍ (^٣) في الأسْواقِ، ولا يَجْزِى بالسيئةِ مثلَها، ولكن يَعْفُو ويَصْفَحُ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنحوِه (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ في قولِه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. قال: ذكَر لِينَه لهم، وصبْرَه عليهم؛ لضعفِهم وقلةِ صبرِهم على الغِلظةِ لو كانت منه، في كلِّ ما خالَفوا فيه مما افْتُرِض عليهم مِن طاعةِ نبيِّهم (^٦).\nوأما قولِه: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. فإنه يعنى: لتَفَرَّقوا [مِن حولِك وانصرَفوا] (^٧) عنك.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. قال: انْصَرَفوا عنك (^٨).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾: أي: لَتَرَكُوك (^٩).\n_________\n(^١) في س: \"مطهره\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"رءوفا و\".\n(^٣) في س: \"صخاب\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٩، ٩٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٨٠١ عقب الأثر (٤٤٠٩) معلقا.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠١ (٤٤٠٩) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٦) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٦.\n(^٧) سقط من: م، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من حولك ما تفرقوا\".\n(^٨) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٠ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٩) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠١ (٤٤١٠) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":187},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1588>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾: فتَجاوَزْ يا محمدُ عن تُبَّاعِك وأصْحابِك مِن المؤمنين بك، وبما جئتَ به مِن عندى، ما نالك مِن أذاهم، ومَكْروهٍ في نفسِك، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾: وادْعُ ربَّك لهم بالمغفرةِ لما أَتَوْا مِن جُرْمٍ، واسْتَحَقُّوا عليه عقوبةً منه.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾: أي: فتَجاوَزْ عنهم، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ذُنوبَ مَن قارَف مِن أهلِ الإيمانِ منهم (^١).\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي مِن أجلِه أمَر تعالى ذكرُه نبيَّه ﷺ أن يُشاوِرَهم، وما المعنى الذي أمَره أن يُشاوِرَهم فيه؟ فقال بعضُهم: أمر اللهُ جلَّ ثناؤه نبيه ﷺ بقولِه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. بمشاوَرةِ أصحابِه في مكايدِ الحربِ، وعندَ لقاءِ العدوِّ، تَطْييبًا منه بذلك أنفسَهم، وتألُّفًا لهم على دينِهم، ولِيَرَوْا أَنه يَسْمَعُ منهم، ويَسْتَعِينُ بهم، وإن كان اللهُ جلَّ ثناؤه قد أغْناه (^٢) - بتدْبيرِه له أمورَه، وسِياستِه إياه، وتَقْويمِه أسبابَه - عنهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1587>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾: أَمَرَ اللهُ جَلَّ ثناؤه نبيَّه ﷺ أن يشاوِرَ أصحابَه في الأمورِ، وهو يَأْتِيه وَحْىُ السماءِ؛ لأنه أطيبُ لأنْفُسِ القومِ،\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام، ٢/ ١١٦ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسير ٣/ ٨٠١ (٤٤١١، ٤٤١٢) من طريق سلمة به.\n(^٢) في ت ٢، س: أعفاه\".","vol":"6","page":188},{"text":"وأن القومَ إذا شاوَر بعضُهم بعضًا وأرادوا بذلك وجهَ اللهِ ﷿ عُزِم لهم على أَرْشَدِه (^١).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. قال: أمَر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يُشاوِرَ أصحابَه في الأمورِ، وهو يَأْتِيه الوَحْىُ من السماءِ؛ لأنه أطْيَبُ لأنفسِهم (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: أي: لِتُرِيَهم أنك تَسْمَعُ منهم، وتَسْتَعِينُ بهم، وإن كنتَ عنهم غَنِيًّا، تألَّفُهم (^٣) بذلك على دينِهم (^٤).\nوقال آخَرون: بل أمَرَه بمشورتِهم (^٥) في ذلك؛ ليتبيَّنَ (^٦) له الرأىُ، وأَصْوَبُ الأمورِ في التدبيرِ؛ لمَا علِم في المَشورةِ تعالى ذكرُه من الفضلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1589>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضَّحَّاكِ بن مُزاحِمٍ قولَه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. قال: ما أمَر اللهُ جلَّ ثناؤُه نبيَّه ﷺ بالمَشورةِ إلا لمَا علِم فيها مِن الفضلِ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٢ (٤٤١٨) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٢ (٤٤١٧) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٣) في م، وتفسير ابن أبي حاتم: \"تؤلفهم\"، وفى سيرة ابن هشام: \"تألَّفا لهم\".\n(^٤) سيرة ابن هشام، ٢/ ١١٦، ١١٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٢ (٤٤٢٠) من طريق سلمة به.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بذلك\".\n(^٦) في م: \"وإن كان\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٩، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠١ (٤٤١٥) من طريق وكيع عن سفيان، عن رجل، عن الضحاك.","vol":"6","page":189},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا مُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، عن إياسِ بن دَغْفَلٍ، عن الحسنِ: ما شاوَر قومٌ قَطُّ إِلا هُدُوا لأَرْشَدِ أُمورِهم (^١).\nوقال آخَرون: إنما أمَرَه اللهُ جلَّ ثناؤه بمُشاوَرَةِ أصحابِه فيما أمَره بمُشاوَرتِهم فيه، مع إغنائه (^٢) - بتَقويمِه إياه (^٣)، وتدْبيرِه أسبابَه - عن آرائِهم؛ ليَتَّبِعَه المؤمنون مِن بعدِه فيما حزَبَهم مِن أمْرِ دينِهم، فيَسْتَنُّوا بسنتِه في ذلك، ويَحْتَذُوا المثالَ الذي رأَوْهُ يَفْعَلُه في حياتِه، مِن مُشاورتِه في أمورِه - مع المَنزِلةِ التي هو بها مِن اللهِ ﷿ أصحابَه وتُبَّاعَه في الأمرِ يَنْزِلُ بهم مِن أمرِ دينِهم أو دُنْياهم، فيَتَشاوَرُوا بينَهم، ثم يَصْدُرُوا عما اجْتَمَع عليه ملؤهم؛ لأن المؤمنين إذا تَشاوَرُوا في أمورِ دينِهم مُتَّبِعين الحقَّ في ذلك، لم يُخْلِهم اللهُ جلَّ ثناؤُه مِن لُطْفِه، وتوفيقِه للصوابِ مِن الرأيِ والقولِ فيه. قالوا: وذلك نظيرُ قولِه جل ثناؤُه الذي مدَح به أهلَ الإيمانِ: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-1590>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ العَنْبَرِيُّ، قال: قال سفيانُ بنُ عُيَينةَ في قولِه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. قال: هي للمؤمنين أن يَتَشاوَروا فيما لم يَأْتِهم عن النبي ﷺ فيه أَثَرٌ.\nقال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ بالصوابِ في ذلك أن يُقالَ: إِن الله جلَّ ثناؤه أمَر نبيَّه ﷺ بمُشاوَرةِ أصحابِه فيما حزَبه مِن أمرِ عدوِّه، ومَكايِدِ حربِه؛ تألُّفًا منه بذلك\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ١٠ من طريق إياس بن دغفل به، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٢٥٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠١ (٤٤١٤) بإسنادين إلى الحسن.\n(^٢) في ت ٢، س: \"إعفائه\".\n(^٣) بعده في الأصل، ت ١، ٢، ت ٣، س: \"عنهم\".","vol":"6","page":190},{"text":"مَن لم تكنْ بَصيرتُه بالإسلامِ البصيرةَ التي يُؤْمَنُ عليه معها فتنةُ الشيطانِ، وتعريفًا منه أمتَه مأْتى (^١) الأمورِ التي تَحْزُبُهم مِن بعدِه ومطلبِها؛ ليقْتَدوا به في ذلك عندَ النَّوازلِ التي تَنْزِلُ بهم، فيَتَشاوَروا فيما بينَهم، كما كانوا يَرَوْنه في حياتِه ﷺ يَفْعَلُه، فأما النبيُّ ﷺ، فإن الله جلَّ ثناؤه كان يُعَرِّفُه مَطالبَ وجوهِ ما حزَبه مِن الأمورِ، بوحيِه أو إلهامِه إياه صوابَ ذلك، فأما أمتُه، فإنهم إذا تَشاوَروا مُسْتَنِّين بفعلِه في ذلك على تصادُقٍ وتَأَخٍّ (^٢) للحقِّ، وإرادةِ جميعِهم للصوابِ، مِن غيرِ مَيْلٍ إِلى هَوًى، ولا حَيْدٍ عن هُدًى، فاللهُ مُسَدِّدُهم ومُوَفِّقُهم.\nوأما قولُه جلَّ وعزَّ: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، فإنه يعنى: فإذا صحَّ عزمُك بتَثْبيتِنا إياك، وتَسْديدِنا لك، فيما نابَك وحزَبَك مِن أمرِ دينِك ودُنْياك، فامْضِ لما أمَرْناك به على ما أمَرْناك به، وافَقَ ذلك آراءَ أصحابِك وما أشارُوا به عليك، أو خالَفَها، وتوَكَّلْ (^٣) - فيما تأْتى مِن أمورِك وتَدَعُ، وتُحاوِلُ أو تُزاوِلُ - على ربِّك، فثِقْ به في كلِّ ذلك، وارْضَ بقضائِه في جميعِه، دونَ آراءِ سائرِ خلقِه ومعونتِهم، فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾، وهم الراضُون بقضائِه، المُسْتَسْلِمون لحكمِه فيهم، وافَق ذلك منهم هَوًى أو خالَفَه.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾: أي على أمرٍ جاءك منى، أو أمرٍ مِن دينِك في جهادِ عدوِّك، لا يُصْلِحُك ولا يُصْلِحُهم إلا ذلك، فامْضِ على ما أُمِرْتَ به، على خلافِ مَن خالَفك، ومُوافَقَةِ مَن وافَقَك، ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾،\n_________\n(^١) في م: \"ما في\".\n(^٢) التأخي: التحرى. ينظر اللسان (أخ ا).\n(^٣) بعده في س: \"على الله\".","vol":"6","page":191},{"text":"أي: ارضَ به مِن العبادِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: أمَر اللهُ نبيَّه ﷺ ما إذا عزَم على أمرٍ أن يَمْضِىَ فيه، ويَسْتَقيمَ على أمرِ اللهِ جل ثناؤُه، ويَتَوَكَّلَ على اللهِ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية: أمَرَه اللهُ إذا عزَم على أمرٍ أَن يَمْضِىَ فيه ويَتَوَكَّلَ عليه (^٣).\n\n<span id=\"aya-453\"></span><span data-type='title' id=toc-1591>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤُه: إن يَنْصُرْكم اللهُ أيُّها المؤمنون باللهِ ورسولِه، على مَن ناوَأَكم وعاداكم مِن أعدائِه والكافرين به، ﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ مِن الناسِ. يقولُ: فلن يَغْلِبَكم - مع نصرِه إياكم - أحدٌ، ولو اجْتَمَع عليكم مَن بينَ أَقْطارِها مِن خلقِه، فلا تَهابُوا أعداءَ اللهِ لقلةِ عددِكم وكثرةِ عددِهم، ماكنتم على أمرِه، واسْتَقَمْتُم على طاعتِه وطاعةِ رسولِه، فإن الغَلَبةَ لكم، والظَّفَرَ عليهم دونَهم، ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. يعنى: وإن يَخْذُلُكم ربُّكم - بخلافِكم أمرَه، وتَرْكِكم طاعتَه وطاعةَ رسولِه - فيَكِلْكم إلى أنفسِكم ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ يقولُ: [فَأْيَسُوا مِن نُصرةِ الناسِ] (^٤)، فإنكم لا تَجِدون ناصرًا (^٥) مِن بعدِ خِذْلانِ اللهِ إياكم إن خذَلكم. يقولُ: فلا تَتْرُكوا أمرى وطاعتى وطاعةَ\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام، ٢/ ١١٧ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٢ (٤٤٢٣، ٤٤٢٤) من طريق سلمة به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٠ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٢ عقب الأثر (٤٤٢٢) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) في س: \"فاسألوا من نصر الله\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أمرا\".","vol":"6","page":192},{"text":"رسولى، فتَهْلِكوا [بخِذْلانى إياكمٍ] (^١)، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يعنى: ولكن على ربِّكم أيُّها المؤمنون فتَوَكَّلوا دون سائرِ خلقِه، وبه فارْضَوْا مِن جميعِ مَن دونَه، ولقضائِه فاسْتَسْلِموا، وجاهِدوا فيه أعداءَه، يَكْفِكُم بعونِه، ويُمْدِدْكم بنصرِه.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: أَي: إن يَنْصرْك اللهُ فلا غالبَ لك مِن الناسِ، لَن يَضُرَّكَ خِذْلانُ مَن خذَلك، وإن يَخْذُلْك فلن يَنْصُرَك الناسُ، ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: لئلّا (^٢) تَتْرُكَ أمرى للناسِ، وارْفُضِ (^٣) الناسَ لأمرى، ﴿وَعَلَى اللَّهِ (^٤) فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (^٥).\n\n<span id=\"aya-454\"></span><span data-type='title' id=toc-1592>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾.</span>\nاخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلكِ؛ فقرَأَتْه جماعةٌ مِن قرأةِ الحجازِ والعراقِ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ (^٦)﴾. بمعنى: أن يَخُونَ أصحابَه فيما أفاء اللهُ عليهم مِن أموالِ أعدائِهم (^٧).\n_________\n(^١) في س: \"لخذلانى\".\n(^٢) في م: \"لا\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"إن قصر\".\n(^٤) بعده في مصادر التخريج: \"لا على الناس\".\n(^٥) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٨٠٣ (٤٤٢٥ - ٤٤٢٧) من طريق سلمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩١ إلى ابن المنذر.\n(^٦) وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٢١٨.\n(^٧) في س: \"عدوهم\".","vol":"6","page":193},{"text":"واحتجَّ بعضُ قارئى هذه القراءةِ، أنَّ هذه الآيةَ نزَلَت على رسولِ اللهِ ﷺ في قَطِيفةٍ فُقِدَت مِن مَغانمِ القومِ يومَ بدرٍ، فقال بعضُ مَن كان مع النبيِّ ﷺ: لعل رسولَ اللهِ ﷺ أخَذَها. [ورَوَوْا في ذلك رِواياتٍ] (^١).\nفمنها ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بن أبى الشَّوارِبِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بن زيادٍ، قال: ثنا خُصَيفٌ، قال: ثنا مِقْسَمٌ، قال: ثنى ابن عباسٍ أنَّ هذه الآيةَ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ له نزَلَت في قَطيفةٍ حَمراءَ فُقِدت يومَ بدرٍ، قال: فقال بعضُ الناسِ: أَخَذَها. قال: فأكْثَروا في ذلك، فأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن أبى الشّوارِب، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا خُصَيفٌ، قال: سأَلْتُ سعيدَ بنَ جُبيرٍ: كيف تَقْرَأُ هذه الآيةَ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أو (يُغَلَّ) فقال: لا، بل ﴿يَغُلَّ﴾، فقد كان واللهِ النبيُّ يُغَلُّ ويُقْتَلُ.\nحدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن حَبيبِ بن الشَّهِيدِ، قال: ثنا عَتَّابُ بنُ بَشِيرٍ، عن خُصَيفٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. قال: كان ذلك في قَطِيفةٍ حمراءَ فُقِدَت في غزوةِ بدرٍ، فقال ناسٌ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: فلعلَّ النبيَّ أَخَذَها. فأَنْزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. قال سعيدٌ: بلى واللهِ، إِن النبيَّ ليُغَلُّ ويُقْتَلُ.\n_________\n(^١) في س: \"وورد في ذلك روايتان\".\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٩٧١)، والترمذى (٣٠٠٩)، من طريق عبد الواحد بن زياد به، وأخرجه الطحاوى في المشكل (٥٦٠٢) من طريق خصيف به.","vol":"6","page":194},{"text":"حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا خَلَّادٌ، عن زُهَيْرٍ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت قَطيفةٌ فُقِدَت يومَ بدرٍ، فقالوا: أَخَذَها رسولُ اللهِ ﷺ فأنْزَل اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا زُهَيْرٌ، قال: ثنا خُصَيفٌ، عن سعيدِ بن جبيرٍ وعكرمةَ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. قالا: يَغُلَّ. قال: قال عكرمةُ أو غيرُه، عن ابن عباسٍ، قال: كانت قَطيفةٌ فُقِدَت يومَ بدرٍ، فقالوا: أَخَذَها رسولُ اللهِ ﷺ. فأنزل اللهُ هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾.\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا قَزَعَةُ بنُ سُوَيْدٍ الباهليُّ، عن حُميدٍ الأعْرجِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. في قطيفةٍ حمراءَ فُقِدَت يومَ بدرٍ مِن الغنيمةِ (^٢).\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا مُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن سليمانَ الأعمشِ، قال: كان ابن مسعودٍ يَقْرَأُ: (ما كان لنبيٍّ أن يُغَلَّ). فقال ابن عباسٍ: بلى، ويُقْتَلُ. قال: فذكَر ابن عباسٍ أنه إنما كانت في قَطِيفةٍ قالوا: إن رسولَ اللهِ ﷺ غَلَّها يومَ بدرٍ. فأَنْزَلَ اللهُ جَلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (^٣).\nوقال آخرون ممَّن قرَأ ذلك كذلك؛ بفتحِ الياءِ وضمِّ الغينِ: إنما نَزَلَت هذه الآيةُ\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٢٤٣٨)، والطحاوى في المشكل (٥٦٠١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٣ (٤٤٢٩)، والطبراني في الكبير (١٢٠٢٨، ١٢٠٢٩)، والواحدى في أسباب النزول ص ٩٣ من طريق خصيف به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩١ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩١ إلى المصنف.","vol":"6","page":195},{"text":"في طَلائِعَ كان رسولُ اللهِ ﷺ وجَّههم في وجهِ، ثم غنِم النبيُّ ﷺ فلم يَقْسِمْ للطلائعِ، فأنْزَل اللهُ هذه الآية على نبيِّه ﷺ، يُعْلِمُه فيها أنَّ فعلَه الذي فعَله خطأٌ، وأنَّ الواجبَ عليه في الحكمِ أن يَقْسِم للطلائعِ مثلَ ما قَسم لغيرِهم، ويُعَرِّفُه الواجبَ عليه مِن الحكمِ فيما أفاء اللهُ عليه مِن الغنائمِ، وأنه ليس له أن يَخُصَّ بشيءٍ منها أحدًا ممَّن شهِد الوَقْعةَ، أو ممَّن كان رِدْءًا لهم في غزوهم، دونَ أحدٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1593>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ: ما كان لنبيٍّ أن يَقْسِمَ لطائفةٍ من المسلمين ويَتْرُكَ طائفةٌ ويَجورَ في القَسْمِ، ولكن يَقْسِمُ بالعدلِ، ويَأْخُذُ فيه بأمرِ اللهِ، ويَحْكُمُ فيه بما أَنْزَلَ اللهُ. يقولُ: ما كان اللهُ لِيَجْعَلَ نبيًّا يَغُلُّ مِن أصحابِه، فإذا فعَل ذلك النبيُّ ﷺ اسْتَنُّوا به (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ أنه كان يقرأُ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. قال: أَن يُعْطِيَ بعضًا ويتركَ بعضًا، إذا أصاب مَغْنمًا (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحاكِ، قال: بعَث رسولُ اللهِ ﷺ طَلائعَ، فغنِم النبيُّ ﷺ، فلم يَقْسِمْ للطلائعِ، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَمَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٣ (٤٤٣١) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٣ عقب الأثر (٤٤٣١) معلقا.","vol":"6","page":196},{"text":"كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أَبا مُعاذٍ، قال: أَخْبَرَنَا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. يقولُ: ما كان لنبيٍّ أن يَقْسِمَ لطائفةٍ من أصحابِه ويَتْرُكَ طائفةً، ولكن يَعْدِلُ، ويَأْخُذُ في ذلك بأمرِ اللهِ، ويَحْكُمُ فيه بما أنْزَل اللهُ.\nحدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخْبَرَنا يزيدُ، قال: أخبرنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. قال: ما كان له إذا أصاب مَغْنَمًا أن يَقْسِمَ لبعضِ أصحابِه ويَدَعَ بعضًا، ولكن يَقْسِمُ بينَهم بالسَّوِيَّةِ.\nوقال آخرون ممَّن قرَأ ذلك بفتحِ الياءِ وضمِّ الغينِ: إنما أنْزَل ذلك تعريفًا للناسِ أن النبيَّ ﷺ لَا يَكْتُمُ مِن وَحْيِ اللهِ شَيْئًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1594>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إِسْحَاقَ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. أَي: ما كان لنبيٍّ أن يَكْتُمَ الناسَ ما بعَثه اللهُ به إليهم، عن رَهْبَةٍ مِن الناسِ، ولا رَغْبةٍ، ومَن يَغْلُلْ (^٢) ذلك يَأْتِ به يومَ القيامةِ (^٣).\nفتأويلُ قراءةِ مَن قرَأ ذلك كذلك: ما يَنْبَغِي لنبيٍّ أن يَكونَ غالًّا. بمعنى: أنه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٤١٣، والواحدى في أسباب النزول ص ٩٣ من طريق وكيع مطولًا.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يعمل\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٤ (٤٤٣٤، ٤٤٣٧) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":197},{"text":"ليس مِن أفعالِ الأنبياءِ خيانةُ أممِهم. يقالُ منه: غلَّ الرجلُ، فهو يَغُلُّ، إذا خان، غُلُولًا. ويُقالُ أيضًا منه: أَغَلَّ الرجلُ، فهو يُغِلُّ إغلالًا، كما قال شُرَيْحٌ: ليس على المُسْتَعِيرِ غيرِ المُغِلِّ ضَمانٌ (^١). يعنى غيرَ الخائنِ. ويقالُ منه: أَغلَّ الجازرُ. إذا سرَق من اللحمِ شيئًا مع الجلدِ (^٢).\nوبما قلْنا في ذلك جاء تأويلُ أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1595>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. يقولُ: ما كان يَنْبَغِي له أن يَخونَ، فكما لا يَنْبَغى له أن يَخونَ فلا تَخونوا.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. قال: أَن يَخونَ (^٣).\nوقرأ ذلك آخَرون: (وما كان لنبيٍّ أن يَغَلَّ). بضمِّ الياءِ وفتحِ الغينِ، وهى قراءةُ عُظْمِ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ (^٤).\nواخْتَلَف قارئو ذلك كذلك في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: ما كان لنبيٍّ أن يَغُلَّه أصحابُه. ثم أُسْقِط الأصحابُ، فبَقِى الفعلُ غيرَ مُسَمًّى فاعلُه. وتأويلُه: وما\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (١٤٧٨٢، ١٤٧٨٣) ووكيع في أخبار القضاة ٢/ ٣٣١، والدارقطني ٣/ ٤١، والبيهقى ٦/ ٩١.\n(^٢) وذلك إذا سلخ فترك من اللحم ملتزقا بالإهاب. اللسان (غ ل ل).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٣ (٤٤٣٠) من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) قرأ بها نافع وابن عامر وحمزة والكسائي. وينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢١٨.","vol":"6","page":198},{"text":"كان لنبيٍّ أن يُخانَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1596>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرنا عوفٌ، عن الحسنِ أنه كان يَقْرَأُ: (وما كان لنبيٍّ أن يُغَلَّ). قال عوفٌ: قال الحسنُ: أَن يُخانَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: (وما كان لنبيٍّ أن يُغَلَّ). يقولُ: وما كان لنبيٍّ أن يَغُلَّه أصحابُه الذين معه مِن المؤمنين، ذُكِر لنا أن هذه الآيةَ نزَلَت على النبيِّ ﷺ يومَ بدرٍ، وقد غَلَّ طوائفُ مِن أصحابِه (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: (وما كان لنبيٍّ أن يُغَلَّ). قال: أن يَغُلَّه أصحابُه (^٣).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: (وما كان لنبيٍّ أن يُغَلَّ). قال الربيعُ بنُ أنسٍ: يقولُ: ما كان لنبيٍّ أن يَغُلَّه أصحابُه الذين معه. قال: ذُكِر لنا - واللهُ أعلمُ - أن هذه الآيةَ أُنزِلَت على نبيِّ اللهِ ﷺ يومَ بدرٍ، وقد غَلَّ طوائفُ مِن أصحابِه (^٤).\nوقال آخرون منهم: معنى ذلك: وما كان لنبيٍّ أن يُتَّهَمَ بالغُلولِ فيُخَوَّنَ ويُسَرَّقَ. وكأن مُتأوِّلى ذلك كذلك وجَّهوا قولَه: (وما كان لنبيٍّ أن يُغَلَّ).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٣٧ - تفسير) عن هشيم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩١ إلى المصنف وعبد بن حميد. وذكره الواحدى في أسباب النزول ص ٩٤.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٤ (٤٤٣٢) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩١ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"6","page":199},{"text":"إلى أنه مرادٌ به \"يُغَلَّل\": \"يُفَعَّل (^١) \"، ثم خُفِّفَت العينُ من \"يُفَعَّل\"، فصارَت \"يُفَعْل\"، كما قرَأ مَن قرَأ قولَه: (فإنهم لا يُكْذِبونك) (^٢) [الأنعام: ٣٣]. بتأوُّلِ: ﴿يُكَذِّبُونَكَ﴾.\nوأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك عندى قراءةُ مَن قرأَ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. بمعنى: ما الغُلولُ من صفاتِ الأنبياءِ، ولا يكونُ نبيًّا مَن غَلَّ.\nوإنما اخْتَرْنا ذلك لأن الله ﷿ أوْعَد عَقِيبَ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. أهلَ الغُلولِ فقال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية والتي بعدَها. فكان في وَعِيدِه عَقِيبَ ذلك أهلَ الغلولِ الدليلُ الواضحُ على أنه إنما نهَى بذلك عن الغلولِ، وأخْبَر عبادَه أن الغلولَ ليس مِن صفاتِ أنبيائِه بقولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. لأنه لو كان إنما نهَى بذلك أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ أن يتَّهِموا رسولَ اللهِ ﷺ بالغلولِ، لعقَّب ذلك بالوعيدِ على التُّهَمةِ وسوءِ الظنِّ برسولِ اللهِ ﷺ، لا بالوعيدِ على الغُلولِ، وفي تعقيبِه ذلك بالوعيدِ على الغلولِ بيانٌ بَيِّنٌ أنه إنما عرَّف المؤمنين وغيرَهم مِن عبادِه، أن الغلولَ مُنْتَفٍ مِن صفةِ الأنبياءِ وأخلاقِهم؛ لأن ذلك جُرْمٌ عظيمٌ، والأنبياءُ لا تَأْتى مثلَه.\nفإن قال قائلٌ ممَّن قرَأ ذلك كذلك: فأولى منه: وَما كان لنبيٍّ أن يَخونَه أصحابُه. إن كان (^٣) ذلك كما ذكَرْتَ، ولم يُعَقِّبِ اللهُ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. إلا بالوعيدِ على الغلولِ، ولكنه إنما وجَب الحكمُ بالصحةِ لقراءةِ مَن قرَأ: \"يُغَلَّ\". بضمِّ الياءِ وفتحِ الغينِ؛ لأن معنى ذلك: وما كان للنبيِّ أن يَغُلَّه أصحابُه\n_________\n(^١) سقط من م.\n(^٢) سيأتي تخريج هذه القراءة في موضعها.\n(^٣) زيادة يقتضيها السياق وليست في النسخ.","vol":"6","page":200},{"text":"فيَخُونوه في الغَنائمِ.\nقيل له: أفكان لهم أن يَغُلُّوا غيرَ النبيِّ ﷺ فيَخُونوه، حتى خُصُّوا بالنهيِ عن خيانة النبيِّ ﷺ؟.\nفإن قالوا: نعم. خرَجوا مِن قولِ أهلِ الإسلامِ؛ لأن الله لم يُبحْ خِيانةَ أحدٍ في قولِ أحدٍ مِن أهلِ الإسلامِ قطُّ.\nفإن قال قائلٌ: لم يكنْ ذلك لهم (^١) في نبيٍّ ولا غيرِه.\nقيل: فما وجهُ خُصوصِهم إذن بالنهيِ عن خِيانةِ النبيِّ ﷺ، وغُلُولُه وغُلولُ بعضِ اليهود بمنزلةٍ، فيما حرَّم اللهُ على الغالِّ مِن أموالِهما، و(^٢) ما يَلْزَمُ المُؤْتَمَنَ مِن أَداءِ الأمانةِ إليهما؟\nوإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن معنى ذلك هو ما قلْنا مِن أن الله ﷿ نفَى بذلك أن يكونَ الغلولُ والخيانةُ من صفاتِ أنبيائِه، ناهيًا بذلك عبادَه عن الغلولِ، وآمِرًا لهم بالاسْتِنانِ بمنهاج نبيِّهم، كما قال ابن عباسٍ في الروايةِ التي ذكَرْناها مِن روايةِ عَطيَّةَ (^٣)، ثم عقَّب تعالى ذكرُه نهيَهم عن الغلولِ بالوعيدِ عليه، فقال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. الآيتَيْن معًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1597>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.</span>\nيعني بذلك تعالى ذكرُه: ومَن يَخُنْ مِن غَنائمِ المسلمين شيئًا، وفَيْئِهم، وغيرِ ذلك، يَأْتِ به يومَ القيامةِ في المَحْشَرِ.\nكما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن يحيى بن سعيدٍ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"منهم\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أو\"\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ١٩٦.","vol":"6","page":201},{"text":"[أبي حَيَّانَ] (^١)، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قام خطيبًا، فوعَظ وذكَّر، ثم قال: \"ألا عَسَى رجلٌ منكم يَجِيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه شاةٌ لها ثُغاءٌ، يقولُ: يا رسولَ اللهِ أَغِثْنى. فأقولُ: لا أَمْلِكُ لك شيئًا، قد أَبْلَغْتُك. ألا هل عسى رجلٌ منكم يَجِيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه فرسٌ لها حَمْحَمَةٌ، يقولُ: يا رسولَ اللهِ، أَغِثْنى. فأقولُ: لا أَمْلِكُ لك شيئًا، قد أبْلَغْتُك. ألا هل عسى رجلٌ منكم يُجيءُ يومَ القيامةِ على رقبته صامتٌ (^٢)، فيقولُ: يا رسولَ اللهِ، أَغِثْني، فَأَقولُ: لا أَمْلِكُ لك شيئًا، قد أَبْلَغْتُك. ألا هل عسى رجلٌ منكم يَجِئُ يومَ القيامةِ على رقبته بقرةٌ لها خُوَارٌ، يقولُ: يا رسولَ اللهِ، أَغِثْنى. فأقولُ: لا أَمْلِكُ لك شيئًا، قد أَبْلَغْتُك. ألا هل عسى رجلٌ منكم يَجِيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه رِقاعٌ تَخْفِقُ (^٣)، يقولُ: يا رسولَ اللهِ، أَغِثْنى. فأقولُ: لا أَمْلِكُ لك شيئًا، قد أَبْلَغْتُك\" (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ (^٥)، عن أبي حَيَّانَ، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبي ﷺ مثلَ هذا، زاد فيه: \"على رقبتِه بَعِيرٌ له رُغَاءٌ، لا أُلْفِينَّ أحدَكم على رقبتِه نفْسٌ (^٦) لها صِياحٌ (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: س، وفى ص: \"عن أبي حيان\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٢٩٣. ولا يعكر عليه أن يحيى بن سعيد - وهو القطان - يروى هذا الحديث عن أبي حيان، كما عند البخاري (٣٠٧٣) لأن رواية البخاري عن مسدد، عن يحيى بن سعيد القطان عن أبي حيان، وفى السند الذي معنا فإن ابن فضيل يروى عن أبي حيان، كما في ترجمته.\n(^٢) الصامت: الذهب والفضة، خلاف الناطق، وهو الحيوان. النهاية ٣/ ٥٢.\n(^٣) أراد بالرقاع ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرقاع، وخفوقها: حركتها. النهاية ٢/ ٢٥١، واستبعده ابن الجوزي وفسر الرقاع بالثياب؛ لأن الحديث سيق في الغلول الحسى، فحمله على الثياب أنسب. ينظر الفتح ٨/ ١٨٦.\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٠٧٣)، ومسلم (١٨٣١)، وابن حبان (٤٨٤٨)، والبيهقى ٩/ ١٠١ من طريق أبي حيان به.\n(^٥) في النسخ، وشعب الإيمان: \"الرحمن\". وسيأتي على الصواب في آخر الحديث التالي، وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٣٦.\n(^٦) قال الحافظ في الفتح ٦/ ١٨٦: كأنه أراد بالنفس ما يغله من الرقيق من امرأة أو صبي.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٤٩٢، ٤٩٣ - ومن طريقه مسلم (١٨٣١)، والبيهقي في الشعب (٤٣٣٠) - عن عبد الرحيم به.","vol":"6","page":202},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا أبو حَيَّانَ، عن أبي زُرْعةَ بن (^١) عمرِو بن جَريرٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قام فينا رسولُ اللهِ ﷺ يومًا، فذكَر الغُلولَ، فعظَّمه وعظَّم أمرَه، فقال: \"لا أُلْفِيَنَّ [يَجِئُ أحدُكم] (^٢) يومَ القيامةِ على رقبتِه بعيرٌ له رُغاءٌ، يقولُ: يا رسولَ اللهِ، أَغِثْنى\" (^٣). ثم ذكَر نحوَ حديثِ أبي كُريبٍ، عن عبدِ الرحيمِ (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ بشرٍ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، قال: ثنا حفصُ بنُ حميدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لا أَعْرِفَنَّ أحدَكم يَأْتِى يومَ القيامةِ يَحْمِلُ شاةً لها ثُغاءٌ، يُنادِى: يا محمدُ، يا محمدُ. فأقولُ: لا أَمْلِكُ لك مِن اللهِ شيئًا، قد بلَّغْتُك. [ولا أعرفنَّ] (^٥) أحدَكم يَأْتى (^٦) يومَ القيامةِ يَحْمِلُ (^٧) جملًا له رُغاءٌ، يقولُ: يا محمدُ، يا محمدُ. فأقولُ: لا أَمْلِكُ لك مِن اللهِ شيئًا، قد بلَّغْتُك. ولا أَعْرِفَنَّ أحدَكم يأْتى يومَ القيامةِ، يَحْمِلُ فرسًا له حَمْحَمَةٌ، ينادى: يا محمدُ، يا محمدُ. فأقولُ: لا أملكُ لك من اللهِ شيئًا، قد بلَّغْتُك ولا أعرِفَنَّ أحدَكم يأتى يومَ القيامةِ يَحْمِلُ قَشْعًا (^٨) مِن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\"، وفى س: \"عن أبي\". والمثبت كما في مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ٣٢٣.\n(^٢) في م: \"أحدكم يجئ\". وهو لفظ رواية مسلم، والمثبت من باقي النسخ كلفظ رواية أحمد.\n(^٣) أخرجه أحمد ١٥/ ٣٠٧، ٣٠٨ (٩٥٠٣)، ومسلم (٢٤/ ١٨٣١) من طريق إسماعيل ابن علية به.\nوأخرجه مسلم (١٨٣١) /٢٥، وأبو يعلى (٦٠٨٣)، وابن حبان (٤٨٤٧) من طريق أبي زرعة به.\n(^٤) في م، س: \"الرحمن\".\n(^٥) في الأصل: \"ولأعرفن\". وكذا هو في الأصل في مواضعه التي ستأتي. قال النووى: قوله ﷺ \"فلأعرفن\". هكذا هو ببعض النسخ وفى بعضها: \"لا أعرفن\". بالألف على النفي، قال القاضي: هذا أشهر. قال: والأول هو رواية أكثر رواة صحيح مسلم. مسلم بشرح النووى ١٢/ ٢٢٠.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٧) بعده في س: \"على رقبته\".\n(^٨) في الأصل، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قسما\"، وغير مقروءة في ص. وساقه ابن الأثير في النهاية ٤/ ٦٥ على الصواب، ونقله عنه صاحب اللسان (ق ش ع). =","vol":"6","page":203},{"text":"أَدمٍ يُنادِى: يا محمدُ، يا محمدُ. فَأَقولُ: لا أَمْلِكُ لك مِن اللهِ شيئًا، قد بلَّغْتُك\" (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أبو إسحاقَ الشَّيْبانيُّ، عن عبدِ اللهِ بن ذَكْوَانَ، عن عروةَ بن الزبيرِ، عن أبي حُميدٍ، قال: بَعث رسولُ اللهِ ﷺ مُصَدِّقًا (^٢)، فجاء بسَوَادٍ كثيرٍ (^٣)، قال: فبعَث رسولُ اللهِ ﷺ مَن يَقْبِضُه منه، فلمَّا أَتَوْه جعَل يقولُ: هذا لى، وهذا لكم. قال: فقالوا: من أين لك هذا؟ قال: أُهْدِى إليَّ، فأتَوْا رسولَ اللهِ ﷺ فأخْبَروه بذلك، فخرَج فخطَب، فقال: \"أَيُّها الناسُ، ما بالى أَبْعَثُ قومًا إلى الصدقةِ، فيَجِئُ أحدُهم بالسَّوَادِ الكثيرِ، فإذا بعَثْتُ مَن يَقْبِضُه قال: هذا لى، وهذا لكم. فإن كان صادقًا أفلا أُهْدِيَ له وهو في بيتِ أبيه أو (^٤) في بيتِ أمِّه؟ \" ثم قال: \"أيُّها الناسُ، مَن بَعَثْناه على عملٍ فغَلَّ شيئًا، جاء (^٥) يوم القيامةِ على عنقِه يَحْمِلُه، فاتَّقُوا الله أن يَأْتِيَ أحدُكم يومَ القيامةِ على عنقِه بعيرٌ له رُغاءٌ، أو بقرةٌ تَخورُ، أو شاةٌ تَثْغُو (^٦) \".\nحدَّثنا أبو كُريب، قال: ثنا أبو مُعاويةَ وابنُ نُمَيْرٍ وعَبْدةُ بنُ سليمانَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن أبي حُميدٍ الساعديِّ، قال: اسْتَعْمَل رسولُ اللهِ ﷺ رجلًا\n_________\n= قال ابن الأثير: القشع: الجلد اليابس، وقيل: النطع. وقيل: أراد القربة البالية.\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ١٣٢ عن المصنف، وقال: لم يروه أحد من أهل الكتب الستة.\n(^٢) المصدق: العامل على الزكاة الذي يأخذ الحقوق من الإبل والغنم. وينظر اللسان (ص د ق).\n(^٣) أي بأشياء كثيرة. وأشخاص بارزة من حيوان وغيره، والسواد يقع على كل شخص. صحيح مسلم بشرح النووى ١٤/ ٢٢١.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"و\". وينظر صحيح ابن خزيمة. وينظر أيضًا الأثر القادم.\n(^٥) بعده في م: \"به\".\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تنعق\".\nوالحديث أخرجه مسلم (٢٩/ ١٨٣٢)، وابن خزيمة (٢٣٨٢) من طريق أبي إسحاق به.","vol":"6","page":204},{"text":"مِن الأزْدِ، يقال له: ابن اللُّتْبِيَّةِ (^١) على صدَقاتِ بني سُلَيْمٍ، فلما جاء قال: هذا لكم، وهذا هديةُ أُهْدِيَت لى. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أَفَلا يَجْلِسُ أَحدُكم في بيتِه، فتَأْتِيَه هديتُه؟ \". ثم حمِد الله، وأثْنَى عليه، ثم قال: \"أمَّا بعدُ، فإني أَسْتَعْمِلُ رجالًا منكم على أمورٍ ممَّا ولَّانى اللهُ، فيَقول أحدُهم: هذا الذي لكم، وهذا هديةٌ أُهْدِيَت إليَّ. أفلا يَجْلِسُ في بيتِ أبيه أو في (^٢) بيتِ أمَّه، فتأْتِيَه هديتُه! والذي نفسي بيدِه، لا يَأْخُذُ أحدُكم مِن ذلك شيئًا إلا جاء به يومَ القيامةِ يَحْمِلُه على عنقِه، فلا أَعْرِفَنَّ ما جاء رجلٌ يَحْمِلُ بعيرًا له رُغاءٌ، أو بَقرةً لها خوَارٌ، أو شاةً تَبْعَرُ (^٣) \". ثم رفَع يدَيه (^٤)، فقال: \"ألا هل بلَّغْتُ\" (^٥).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ، عن هشامِ بن عُروةً، عن أبيه، عن أبي حُميدٍ، حدَّثه بمثلِ هذا الحديثِ، قال: \"أفلا جلَسْتَ في بيتِ أبيك وأمِّك حتى تَأْتِيَك هديتُك؟ \". ثم رفَع يدَيه (^٦) حتى إنى لأَنْظُرُ إلى بياضِ إِبْطَيْه، ثم قال: \"اللهم هل بلَّغْتُ\". قال أبو حُميدٍ: بَصُر عينى وسَمِع أذنى (^٧).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهب، قال: ثنا عمى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، قال: أَخْبَرَنى عمرُو بنُ الحارثِ، أن موسى بنَ جُبَيرٍ (^٨) حدَّثه، أن عبدَ اللهِ بنَ عبدِ الرحمنِ بن الحُبابِ الأنصاريِّ، حدَّثه أن عبدَ اللهِ بنَ أُنَيْسٍ (^٩) حدَّثه، أنه تذاكَر هو\n_________\n(^١) في ص: \"الأُتْبيَّة\". وورد عند مسلم على الوجهين، وينظر التاج (ل ت ب).\n(^٢) سقط من: م، ت ٢.\n(^٣) في م: \"تثغو\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يده\".\n(^٥) أخرجه مسلم (٢٨/ ١٨٣٢) عن أبي كريب به. وأخرجه البخارى (٧١٩٧) من طريق عبدة - وحده - به.\n(^٦) في النسخ: \"يده\". وصوبناه من ابن أبي شيبة وصحيح مسلم.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٤٩٣ - وعنه مسلم (٢٨/ ١٨٣٢) - عن عبد الرحيم به. وأخرجه الشافعي ١/ ٦٦٩، والطيالسي (١٣٠٩)، وعبد الرزاق في مصنفه (٦٩٥٠، ٦٩٥١)، والبخارى (٦٩٧٩)، ومسلم ٢٨/ ١٨٣٢، والبزار (٣٧٠٨)، وابن خزيمة (٢٣٤٠)، وابن حبان (٤٥١٥) من طريق هشام به.\n(^٨) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حنين\". وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٤٢.\n(^٩) في ت ٢، س: \"أنس\". وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٣١٣.","vol":"6","page":205},{"text":"وعمرُ يومًا الصدقةَ، فقال: ألم تَسْمَعْ رسولَ اللهِ ﷺ حينَ ذكَر غُلُولَ الصدقةِ: \"مَن غَلَّ منها بعيرًا أو شاةً، فإنه يَحْمِلُه يومَ القيامةِ؟ \" قال عبدُ اللهِ بنُ أُنَيْسٍ: بلى (^١).\nحدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأُمَويُّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ بَعَث سعدَ بنَ عُبادةَ مُصَدِّقًا، فقال: \"إياك يا سعدُ أن تَجيءَ يومَ القيامةِ ببعيرٍ تَحْمِلُه له رُغاءٌ\". قال: لا آخُذُه ولا أَجِيءُ به، فأعفاه (^٢).\nحدَّثني أحمدُ بنُ المغيرةِ الحمْصيُّ أبو حُميدٍ، قال: ثنا الربيعُ بنُ رَوْحٍ، قال: ثنا ابن عَيَّاشٍ، قال: ثني عُبيدُ اللهِ بن عمرَ بن حفصٍ، عن نافعٍ مولى ابن عمرَ، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَل سعدَ بنَ عُبادةَ، فأتَى النبيَّ ﷺ فسلَّم عليه، فقال له النبيُّ ﷺ: \"إياك يا سعدُ أن تَجِيءَ يومَ القيامةِ تَحْمِلُ على عنقِك بعيرًا له رُغاءٌ\". فقال سعدٌ: فإن فعَلتُ يا رسولَ اللهِ، إن ذلك لكائنٌ؟ قال: \"نعم\". قال سعدٌ: قد علِمْتَ يا رسولَ اللهِ أنى أُسْأَلُ فَأُعْطِي، فأَعْفِني. فأعفاه (^٣).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حبابٍ (^٤) قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ الحارثِ، قال: ثنى جَدَى عُبيدُ بنُ أَبي عبيدٍ - وكان أولَ مولودٍ بالمدينةِ - قال: اسْتُعْمِلْتُ على صدقةِ دَوْسٍ، فجاءني أبو هريرةَ في اليومِ الذي خرَجْتُ فيه، فسلَّم، فخرَجْتُ إِليه، فسلَّمْتُ عليه، فقال: كيف أنت والبعيرَ؟ كيف أنت والبقرَ؟ كيف أنت والغنمَ؟ ثم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢٥/ ٤٦٣ (١٦٠٦٣)، وابن ماجة (١٨١٠)، وعبد الله بن أحمد في الزوائد على المسند ٢٥/ ٤٦٣ (١٦٠٦٣) من طريق ابن وهب به.\n(^٢) أخرجه البزار (٨٩٨ - كشف)، وابن حبان (٣٢٧٠)، والحاكم، ١/ ٣٩٩، وابن عساكر في تاريخه ٢٠/ ٢٥٩ من طريق سعيد بن يحيى به.\n(^٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٢٠/ ٢٥٩ من طريق ابن عياش، عن يحيى بن سعيد الأنصارى عن نافع به.\n(^٤) في م، س: \"حبان\"، وفى ت ١: \"خباب\". وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٤٠.","vol":"6","page":206},{"text":"قال: سمِعْتُ حِبِّى رسولَ اللهِ ﷺ أبا القاسمِ قال: \"مَن أخَذ بعيرًا بغيرِ حقِّه، جاء به يومَ القيامةِ له رُغاءٌ، ومَن أخَذ بقرةً بغيرِ حقِّها، جاء بها يومَ القيامةِ لها خُوارٌ، ومَن أخَذ شاةً بغير حقِّها، جاء بها يومَ القيامةِ على عنقِه لها يُعارٌ (^١) \". فإياك والبقرَ، فإنها أحَدُّ قرونًا وأشدُّ أظْلافًا.\n[حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثني [محمدٌ، عن] (^٢) عبدِ الرحمنِ بن الحارثِ، عن جدِّه عبيدِ بن أبي عبيدٍ، قال: اسْتُعْمِلْتُ على صدقةِ دَوْسٍ، فلمَّا قضَيْتُ العملَ قدِمْتُ، فجاءنى أبو هريرةَ فسلَّم عليَّ، فقال: أخْبِرْني كيف أنت والإبلَ. ثم ذكَر نحوَ حديثِه عن زيدٍ، إلا أنه قال: \"جاء به يومَ القيامةِ على عنقِه له رُغاءٌ\" (^٣)] (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال قتادةُ: كان النبيُّ ﷺ إذا غنِم مَغْنمًا بَعث مناديًا: \"ألَا لا يَغُلَّنَّ رجلٌ مِخْيَطًا\" (^٥) فما دونَه، ألا لا يَغُلَّنَّ رجلٌ بعيرًا، فيَأْتِىَ به على ظهرِه يومَ القيامةِ له رُغاءٌ، ألا لا يَغُلَّنَّ رجلٌ فرسًا، فيأْتِىَ به يومَ القيامةِ على ظهرِه له حَمْحَمةٌ\" (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-1598>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١)﴾.\n_________\n(^١)</span> في م: \"ثغاء\".\n(^٢) سقط من: الأصل، وفى ص، ت ١: \"محمد بن\".\n(^٣) عزاه في كنز العمال ٤/ ٣٨٦ (١١٠٤٣) إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: ت ٢، س.\n(^٥) المِخْيَط: الإبرة. النهاية ٢/ ٩٢.\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٧. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٢ إلى ابن المنذر، وفيه: \"فما فوقه\" بدلًا من: \"فما دونه\".","vol":"6","page":207},{"text":"يعني بقولِه تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾: ثم تُعْطَى كُلُّ نَفْسٍ جَزاءَ ما كسَبَت بكسبِها، وافيًا غيرَ مَنْقوصٍ، مما اسْتَحَقَّه واسْتَوْجَبه مِن ذلك، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. يقولُ: [وهم] (^١) لا يُفْعَلُ بهم إلا الذي يَنْبَغِى أَن يُفْعَلَ بهم، مِن غيرِ أن يُعْتَدَى عليهم، فيُنْقَصُوا عما اسْتَحَقُّوه.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: ثم يُجْزَى بكسبِه غيرَ مظلومٍ، ولا مُتعدًى (^٢) عليه (^٣).\n\n<span id=\"aya-455\"></span><span data-type='title' id=toc-1600>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ في تركِ الغُلولِ، ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ بِغُلُولِهِ ما غَلَّ؟\n\n<span data-type='title' id=toc-1599>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابن عُيينةَ، عن مُطَرِّفٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾. قال: مَن لم يَغُلَّ، ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾: كمَن غَلَّ (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: م. وفي س: \"ومن\".\n(^٢) في م: \"معتدى\".\n(^٣) سيرة ابن هشام، ٢/ ١١٧ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٥ (٤٤٤٤) من طريق سلمة به.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٨، وذكر أوله ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٦ عقب الأثر (٤٤٤٧) معلقا، وأخرج آخره (٤٤٥٢) من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٣ إلى ابن المنذر.","vol":"6","page":208},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن مُطَرِّفِ بن طَريفٍ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾. قال: أَمَنْ (^١) أَدَّى الخُمُسَ، ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾: [غلّ فباء بسخطٍ من اللهِ] (^٢)، فَاسْتَوْجَب سَخَطًا مِنَ اللهِ؟\nوقال آخَرون في ذلك بما حدَّثنا به ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾: على ما أحَبَّ الناسُ وسخِطوا، ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ لرِضَا الناسِ وسَخَطِهم؟ يقولُ: أفمَن كان على طاعتى، وثوابُه الجنةُ ورِضْوانٌ مِن ربِّه، ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فَاسْتَوْجَب غضبَه، وكان مأواه جهنمَ، وبِئْسَ المصيرُ؟ أَسَواءٌ المثلان؟ أي: فاعْرِفوا (^٣).\nوأولى التأويلين بتأويلِ الآيةِ عندى قولُ الضحاكِ بن مُزاحِمٍ؛ لأن ذلك عَقيبَ وَعيدِ اللهِ جل ثناؤُه على الغُلولِ ونهيِه عبادَه عنه، ثم قال لهم بعدَ نهيِه عن ذلك ووعيدِه: أسَواءٌ المطيعُ لله ﷿ فيما أمَره به ونهاه، والعاصي له في ذلك؟ أي أنهما لا يَسْتَوِيان، ولا تَسْتَوِى حالتاهما عندَه؛ لأن لمن أطاع الله فيما أمَره ونهاه الجنةَ، ولمن عصاه فيما أمَره ونهاه النارَ.\nفمعنى قولِه: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾. إذن: أفَمن ترَك الغُلولَ وما نهاه اللهُ ﷿ عنه مِن مَعاصيه، وعمِل بطاعةِ اللهِ في تركِه ذلك، وفي غيرِه مما أمَره به (^٤) من فرائضِه، مُتَّبِعًا في كلِّ ذلك رضا اللهِ، ومُجْتَنِبًا (^٥) سَخَطَه، ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾. يعنى: كمَن انْصَرَف مُتَحَملًا سَخَطَ اللهِ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٧ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٦، ٨٠٧ (٤٤٤٩، ٤٤٥٤) من طريق سلمة به حتى قوله: غضبه.\n(^٤) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ونهاه\".\n(^٥) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تجنبا\".","vol":"6","page":209},{"text":"وغضبَه، فاسْتَحَقَّ بذلك سُكْنَى جهنمَ؟ يقولُ: ليسا سواءً.\nوأما قولُه: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. [فإنه يعنى: وبئس الشيءُ (^١)] (^٢) الذي يَصِيرُ، ويَئُوبُ إليه من باء بسَخَطٍ مِن اللهِ - جهنمُ.\n\n<span id=\"aya-456\"></span><span data-type='title' id=toc-1602>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكرُه أن مَن اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ، ومَن باء بسخَطٍ مِن اللهِ، مختلِفو المَنازِلِ عندَ اللهِ، فلِمَن اتَّبَع رضوانَ اللهِ الكرامةُ والثوابُ الجَزيلُ، ولمَن باء بسخَطٍ مِن اللهِ المهانةُ والعذابُ الأليمُ.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. أي: لكلٍّ دَرَجَاتٌ مما عمِلوا في الجنةِ والنارِ، إن الله لا يَخْفَى عليه أهلُ طاعتِه مِن أهلِ معصيتِه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾. يقولُ: بأعمالِهم (^٤).\nوقال آخرون: معنى ذلك: لهم درجاتٌ عندَ اللهِ. يعنى: لمن اتَّبَع رضوانَ اللهِ منازلُ عندَ اللهِ كريمةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1601>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ. عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: هي كقولِه: لهم\n_________\n(^١) في ص، م، س: \"المصير\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٧.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٧ (٤٤٥٨) عن محمد بن سعد به.","vol":"6","page":210},{"text":"عندَ اللهِ (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾. يقولُ: لهم درجات عندَ اللَّهِ (^٢).\nوقيل: قولُه: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾. كقولِ القائلِ: هم طَبِقاتٌ. كما قال ابن هَرْمةَ (^٣):\n[أرجمًا للمنونِ] (^٤) يكونُ قَوْمى (^٥) … لرَيْبِ الدَّهْرِ أم دَرَجَ (^٦) السُّيولِ\nوأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾، فإنه يعنى: واللهُ ذو علمٍ بما يَعْمَلُ أهلُ طاعتِه ومعصيتِه، لا يَخْفَى عليه مِن أعمالِهم شيءٌ، يُحْصِى على الفريقَيْن جميعًا أعمالَهم، حتى تُوفَّى كلُّ نفسٍ منهم جَزاءَ ما كسَبَت مِن خيرٍ أو شرٍّ.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إن الله لا يَخْفَى عليه أهلُ طاعتِه مِن أهلِ معصيتِه (^٧).\n\n<span id=\"aya-457\"></span><span data-type='title' id=toc-1603>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾.</span>\n_________\n(^١) يعني قوله تعالى: ﴿لهم درجات عند ربهم﴾. الآية ٤ من سورة الأنفال.\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٢٦١. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٧ (٤٤٥٧) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٣) هو إبراهيم بن هرمة، والبيت في مجاز القرآن لأبي عبيد ١/ ١٠٧، واللسان (د ر ج)، والخزانة ١/ ٤٢٤، وأنشد سيبويه آخره في الكتاب ١/ ٤١٥. ورواية اللسان والخزانة:\nأنصب للمنية تعتريهم … رجالى أم هم درج السيول\n(^٤) في م: \"أإن حم المنون\".\n(^٥) في النسخ: \"قوم\". والمثبت من مجاز القرآن، واستظهارًا من شرح البيت ومن رواية البيت الأخرى، حيث قال: \"رجالي\".\n(^٦) درج السيل ومدرجه: منحدره وطريقه في معاطف الأودية. اللسان (د ر ج).\n(^٧) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٧.","vol":"6","page":211},{"text":"بذلك تعالى ذكره: لقد تَطوَّل اللهُ تبارك اسمُه على [أهلِ التصديقِ به وبرسولهِ] (^١)، ﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا﴾: حينَ أرْسَل فيهم رسولًا، ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: نبيًّا مِن أهلِ لسانِهم، ولم يَجْعَلْه مِن غيرِ أهلِ لسانِهم، فلا يَفْقَهوا عنه ما يقولُ، ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾. يقولُ: يَقْرَأُ عليهم آىَ كتابِه وتنزيلِه، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾. يعنى: يُطَهِّرُهم مِن ذنوبِهم باتِّباعِهم إياه وطاعتِهم له، [فيما أمَرَهم ونهاهم] (^٢)، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. يعنى: ويُعَلِّمُهم كتابَ اللهِ ﷿ الذي أنْزَله عليه، ويُبَيِّنُ لهم تأويلَه ومعانيَه، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾. ويعنى بالحكمةِ السُّنَّةَ التي سنَّها اللهُ ﷿ للمؤمنين على لسانِ رسولِه، وبيانَه لهم، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يعنى: وإن كانوا مِن قبلِ أن يَمُنَّ اللهُ عليهم بإرسالِه رسولَه الذي هذه صفتُه، ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: في جَهالةٍ جَهْلاءَ، وفي حَيرةٍ عن الهُدَى عَمْياءَ، لا يَعْرِفون حقًّا، ولا يُبْطِلون باطلًا.\nوقد بيَّنَّا أصلَ الضَّلال (^٣) فيما مضَى، وأنه الأخْذُ على غيرِ هُدًى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٤).\nوالمُبِينُ: الذي يُبِينُ لمن تأَمَّله بعقلِه، وتدَبَّره بِفهمِه، أنه على غيرِ استقامةٍ ولا هُدًى.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المؤمنين\".\n(^٢) في س: \"في أمره ونهيه\".\n(^٣) في م، س: \"الضلالة\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٢/ ٤١٥، ٤١٦.","vol":"6","page":212},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1604>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: [مَنٌّ مِنَ اللهِ] (^١) عظيمٌ (^٢)، مِن غَيرِ دَعْوةٍ ولا رغبةٍ من هذه الأمةِ، جعَله اللهُ ﷿ رحمةً لهم؛ ليُخْرِجَهم مِن الظلماتِ إلى النورِ، ويَهْدِيَهُم إلى صراطٍ مستقيمٍ، قولُه: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾: الحكمةُ السنةُ، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ليس واللهِ كما تَقولُ أهلُ حَرُوراءَ (^٣): محنةٌ غالبةٌ، مَن أَخْطَأها أُهرِيق دمُه. ولكنَّ الله بعَث نبيَّه ﷺ إلى قومٍ لا يَعْلَمون فعلَّمهم، وإلى قومٍ لا أدبَ لهم فأدَّبَهم (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: أي: لقد منَّ اللهُ عليكم يا أهلَ الإيمانِ، إذ بعَث فيكم رسولًا مِن أنفسِكم، يَتْلُو عليكم آياتِه، ويُزَكِّيكم فيما أحدثتم (^٥)، وفيما عمِلْتُم، ويُعَلِّمُكم الخيرَ والشرَّ، لتَعْرِفوا الخيرَ فتَعْمَلوا به، والشرَّ فتَتَّقُوه، ويُخْبِرُكم برضاه عنكم إذا أطَعْتُموه؛ لتَسْتَكْثِروا مِن طاعتِه، وتتجنَبوا ما سخِط منكم مِن معصيتِه، فتَتَخَلَّصوا بذلك مِن نِقْمتِه، وتُدْرِكوا بذلك ثوابَه مِن جنتِه، وإن كنتم مِن قبلُ ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي في عَمْياءَ من الجاهليةِ، لا تَعْرِفون\n_________\n(^١) في م، وتفسير ابن أبي حاتم: \"منّ الله\". وينظر الدر المنثور.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عليهم\".\n(^٣) حروراء كجَلُولاء بالمد، وقد تقصر: قرية بالكوفة على ميلين منها، نزل بها جماعة خالفوا عليا ﵁ من الخوارج. التاج (ح ر ر).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٨، ٨٠٩، ٨١٠ (٤٤٦٣، ٤٤٧٣) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) في م، س: \"أخذتم\".","vol":"6","page":213},{"text":"حسنةً، ولا تَسْتَعْتِبون (^١) مِن سيئةٍ، صُمٌّ (^٢) عن الحقِّ، عُمْيٌ عن الهُدَى (^٣).\n\n<span id=\"aya-458\"></span><span data-type='title' id=toc-1605>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكرُه: أَوَ حينَ أصابتكم أيها المؤمنون ﴿مُصِيبَةٌ﴾، وهى القَتْلَى (^٤) الذين قُتِلوا منهم يومَ أُحدٍ، والجَرْحَى الذين جُرِحوا منهم بأحدٍ، وكان المشركون قتَلوا منهم يومَئذٍ سبعين نفرًا، ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾. يقولُ: قد أَصْبتُم أنتم أيها المؤمنون من المشركين مِثلَىْ هذه المصيبةِ، التي أصابوا هم منكم، وهى المصيبةُ التي أصابها المسلمون من المشركين ببدرٍ، وذلك أنهم قتَلوا منهم سبعين، وأسَروا سبعين ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ يعنى: قلتُم لما أصابتكم مصيبتُكم بأحدٍ: ﴿أَنَّى هَذَا﴾ من أيِّ وجهٍ هذا؟ ومن أينَ أصابَنا هذا الذي أصابنا، ونحن مسلمون وهم مشركون، وفينا نبيُّ اللهِ ﷺ، يأتيه الوحيُ من السماءِ، وعدوُّنا أهلُ كفرٍ باللهِ وشركٍ؟ ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ للمؤمنين بك من أصحابِك: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. يقولُ: قل لهم: أصابكم هذا الذي أصابكم من عندِ أنفسِكم، بخلافِكم أمرى، وتركِكم طاعتى، لا من عندِ غيرِكم، ولا من قِبَلِ أحدٍ سواكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، يقولُ: إن الله على جميعِ ما أراد بخلقِه من عفوٍ وعقوبةٍ وتفضُّلٍ وانتقامٍ ﴿قَدِيرٌ﴾. يعني: ذو قدرةٍ.\n_________\n(^١) في م: \"تستغيثون\". وفى مصدرى التخريج: \"تستغفرون\".\n(^٢) بعده في سيرة ابن هشام: \"عن الخير، بُكْم\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٨ - ٨١٠ (٤٤٦٢، ٤٤٦٥، ٤٤٦٨، ٤٤٧٤) من طريق سلمة به إلى قوله: ولا تستغفرون من سيئة.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"القتل\".","vol":"6","page":214},{"text":"ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. بعدَ إجماعِ جميعِهم على أن تأويلَ سائرِ الآيةِ، على ما قلنا في ذلك من التأويلِ؛ فقال بعضُهم: تأويلُ ذلك: قل: هو من عندِ أنفسِكم، بخلافِكم على نبيِّ اللهِ، إذْ أشار عليكم بتركِ الخروجِ إلى عدوِّكم والإصحارِ (^١) لهم، حتى يدخُلوا عليكم مدينتَكم، ويصيروا بينَ آطامِكم (^٢)، فأبيتُم ذلك عليه، وقلتُم له: اخرُجْ بنا إليهم، حتى نُصحِرَ لهم، فنقاتلَهم خارجَ المدينةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1606>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾: أُصِيبوا يومَ أحدٍ، قُتِل منهم سبعون (^٣) يومَئذٍ، وأصابوا مِثْلَيها (^٤) يومَ بدرٍ، قتَلوا من المشركين سبعين، وأسَروا سبعين، ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾: ذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال لأصحابِه يومَ أحدٍ، حينَ قدِم أبو سفيانَ والمشركون، فقال نبيُّ اللهِ ﷺ لأصحابِه: \"إِنَّا في جُنَّةٍ (^٥) حصينةٍ\" - يعنى بذلك المدينةَ - \"فَدَعُوا القومَ أن يدخُلوا علينا نقاتلْهم\". فقال له ناسٌ من أصحابِه من الأنصارِ: يا نبيَّ اللهِ: إنا نكرَهُ أَن نُقتَلَ في طرقِ المدينةِ، وقد كنا نمتنعُ [من الغزوِ] (^٦) في الجاهليةِ، فبالإسلامِ أحقُّ أن نمتنعَ فيه، فابرُزْ بنا إلى القومِ. فانطلق نبيُّ اللهِ ﷺ، فلبِس لأْمتَه (^٧)، فتلاوم القومُ، فقالوا\n_________\n(^١) الإصحار: مصدر أصحر القوم، إذا برزوا في الصحراء. تاج العروس (ص ح ر).\n(^٢) جمع أطم، كل حصن مبنى بحجارة وكل بيت مربع مسطح. القاموس المحيط (أ ط م).\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"سبعين\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مثلها\".\n(^٥) الجُنَّةُ - بالضم -: ما واراك من السلاح واستترت به منه. والجنة أيضًا السترة والوقاية. لسان العرب (ج ن ن).\n(^٦) في الأصل: \"من العرب\". وفى م: \"في الغزو\". ينظر مصدر التخريج.\n(^٧) اللأمة: الدرع. وقيل: السلاح. ولأمة الحرب: أداته. النهاية ٤/ ٢٢٠.","vol":"6","page":215},{"text":"عرَّض نبيُّ اللهِ بأمرٍ، وعرَّضتم بغيرِه، اذهبْ يا حمزةُ فقل لنبيِّ اللهِ: أمرُنا لأمرِك تَبَعٌ، فأتَى حمزةُ، فقال له: يا نبيَّ اللهِ، إن القومَ قد تلاوموا، وقالوا: أمرُنا لأمرِك تبعٌ. فقال النبيُّ ﷺ: \"إنه ليس لنبيٍّ إذا لبس لأْمتَه أن يضعها حتى يُناجزَ، وإنه ستكونُ فيكم مصيبةٌ\". قالوا: يا نبيَّ اللهِ، خاصَّةً أو عامَّةٌ؟ قال: \"سترَوْنها\" (^١).\nوذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ رأى في النومِ (^٢) أن بقرًا تُنحَرُ، فتأوَّلها قتلًا في أصحابِه، ورأى أن سيفَه ذا الفَقارِ (^٣) انْفَصم (^٤)، فكان قتلُ عمِّه حمزةَ، قُتِل يومَئذٍ، وكان يقالُ له: أسَدُ اللهِ. ورأى أن كبشًا أَغبَرَ قُتِل (^٥)، فتأوَّله كبشَ الكتيبةِ عثمانَ بنَ أبي طلحةَ، أُصِيب يومَئذٍ، وكان معه لواءُ المشركين.\nحُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع بنحوِه، غيرَ أنه قال: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾. يقولُ: مِثْلَى ما أُصِيب منكم، ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. يقولُ: بما عصَيتم.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: أُصِيب المسلمون يومَ أحدٍ مصيبةً، وكانوا قد أصابوا مِثْلَيْها يومَ بدرٍ ممن قُتِلوا وأُسِروا، فقال اللهُ جل ثناؤه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عمرَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"المنام\".\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١: \"الفقارين\".\n(^٤) في م: \"انقصم\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٨، وعنده: \"مثلها\" بدلًا من \"مثليها\".","vol":"6","page":216},{"text":"ابن عطاءٍ، عن عكرمةَ، قال: قتَل المسلمون من المشركين يومَ بدرٍ سبعين، وأسَروا سبعين، وقتَل المشركون يومَ أحدٍ من المسلمين سبعين، فذلك قولُه: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾، ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ ونحن مسلمون نقاتلُ غضبًا للهِ، وهؤلاء مشركون؟! ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ عقوبةً لكم بمعصيتِكم النبيَّ ﷺ حينَ قال ما قال (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. قالوا: فإنما أصابنا هذا؛ لأنا قَبِلنا الفداءَ يومَ بدرٍ من الأُسارى، وعصَينا النبيَّ ﷺ يومَ أحدٍ، فمن قُتِل منا كان شهيدًا، ومن بقىَ منا كان مطهَّرًا، رضِينا ربَّنا (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ وابنِ جريجٍ، قالا: معصيتُهم أنه قال لهم: \"لا تتَّبعوهم\"، يومَ أحدٍ، فاتَّبعوهم (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، ثم ذكَر ما أُصِيب من المؤمنين، يعنى بأحدٍ، وقُتِل منهم سبعون إنسانًا، ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾: كانوا يومَ بدرٍ أسَروا سبعين رجلًا، وقتَلوا سبعين، ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾: أي من أين هذا؟ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ إنكم عصَيتم (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٣ إلى المصنف.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"بالله ربا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم. وهو عند ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٩٧، ٧٩٨ (٤٣٩٧) من طريق سعيد بن سليمان عن مبارك عن الحسن مطولًا بمعناه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨١٠ عقب الأثر (٤٤٧٥) من طريق أسباط به.","vol":"6","page":217},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾، يَقولُ إنكم أَصَبتم من المشركين يومَ بدرٍ مِثْلَىْ ما أصابوا منكم يومَ أحدٍ (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، ثم ذكَر المصيبةَ التي أصابتْهم، فقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. أي إن تكُ قد أصابتكم مصيبةٌ في إخوانِكم فبذنوبِكم، قد أَصَبْتُم مِثْلَيها (^٢)؛ قتلًا من عدوِّكم في اليومِ الذي كان قبلَه ببدرٍ، قتلَى وأسرَى، ونسِيتُم معصيتَكم وخلافَكم ما أمَركم به نبيُّكم ﷺ، إنكم أَحْلَلتم ذلك بأنفسِكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: إن الله على كلِّ ما أراد بعبادِه من [نقَمِه أو عفوِه] (^٣) قديرٌ (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ الآية. يعنى بذلك: أنكم أصَبْتُم من المشركين يومَ بدرٍ مِثْلَى ما أصابوا منكم يومَ أحدٍ.\nوقال بعضُهم: بل تأويلُ ذلك: قل هو من عندِ أنفسِكم بإسارِكم المشركين ببدرٍ، وأخذِكم منهم الفداءَ، وتركِكم قتلَهم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨١٠ (٤٤٧٥) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) في ص: \"مثلها\".\n(^٣) في م: \"نقمة أو عفو\".\n(^٤) سيرة ابن هشام، ٢/ ١١٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨١٠ (٤٤٧٧) من طريق سلمة به، وعنده: \"إن لم تكن\". بدلًا من: \"إن تك\".","vol":"6","page":218},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1607>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن أشعثَ بن سوَّارٍ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: أسَر المسلمون من المشركين سبعين، وقتَلوا سبعين، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"اخْتَاروا؛ أن تأخُذوا منهم الفِداءَ، فتَقوَوْا (^١) به على عدوِّكم، وإن قبِلتموه قُتِل منكم سبعون، أو تَقْتُلوهم\". فقالوا: بل نأخُذُ الفديةَ منهم، ويُقتَلُ منا سبعون. قال: فأخَذوا الفديةَ منهم، وقتَلوا منهم سبعين. قال عَبيدةُ: وطلَبوا الخِيَرَتين كلتَيْهما (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا ابن عونٍ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ، أنه قال في أُسارى بدرٍ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إن شئتُم قتلتُموهم، وإن شئتُم فادَيْتُموهم، واسْتُشْهِد منكم بعِدَّتِهم\" قالوا: بل نأخُذُ الفداءَ، فنسْتَمْتِعُ به، ويُسْتَشْهَدُ منا بعِدَّتِهم (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني إسماعيلُ، عن ابن عونٍ، عن محمدٍ، عن (^٤) عَبيدةَ السَّلْمانيِّ، وحدثني حجَّاجٌ، عن جريرٍ، عن محمدٍ، عن (^٥) عَبيدةَ السَّلْمانيِّ، عن عليٍّ، قال: جاء جبريلُ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا محمدُ، إن الله قد كرِه ما صنَع قومُك في أخذِهم الأُسارى، وقد أمَرك أن تخيِّرَهم بينَ أمرين: أن يُقَدَّموا فتُضرَبَ أعناقُهم، وبينَ أن يأخُذوا الفداءَ، على أن يُقتَلَ منهم عِدَّتُهم.\n_________\n(^١) في م: \"فتتقووا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٦٨ من طريق أشعث به.\n(^٣) أخرجه البزار عقب الحديث (٥٥١) من طريق ابن عون به مرسلًا كذا رواه ابن علية عن ابن عون مرسلًا، وفى الإسناد التالى رواه عن ابن عون مسندًا. وقد رجح الدارقطني الإرسال. ينظر علل الدارقطني ٤/ ٣٠ (٤١٨).\n(^٤) في ص، م، ت ١: \"بن\". وهو تحريف.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بن\".","vol":"6","page":219},{"text":"قال: فدعا رسولُ اللهِ ﷺ، فذكَر ذلك لهم، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، عشائرُنا وإخوانُنا، لا، بل نأخُذُ فداءَهم، فنتقوَّى به على قتالِ عدوِّنا، ويُسْتَشْهَدُ منا عِدَّتُهم، فليس في ذلك ما نكرَه. قال: فقُتِل منهم يومَ أحدٍ سبعون رجلًا، عِدَّةُ أُسارى أهلِ بدرٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-459\"></span><span data-type='title' id=toc-1608>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: والذي أصابكم يومَ الْتَقى الجمعانِ، وهو يومُ أحدٍ حينَ الْتَقى جمعُ المسلمين والمشركين، ويعنى بالذي أصابهم: ما نال مِن القتلِ مَن قُتِل منهم، ومِن الجراحِ مَن جُرِح منهم، ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، يقول: فهو بإِذنِ اللهِ كان. يعنى: بقضائِه وقَدَرِه فيكم، وأجاب ﴿مَا﴾ بالفاءِ؛ لأن ﴿وَمَا﴾ حرفُ جزاءٍ، وقد بيَّنتُ نظيرَ ذلك فيما مضى قبلُ (^٢). ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾. بمعنى: وليعلَمَ اللهُ المؤمنين، وليعلَمَ الذين نافقوا، أصابكم ما أصابكم يومَ التقى الجمعانِ بأحدٍ؛ ليميِّزَ لأهلِ (^٣) الإيمانِ باللهِ ورسولِه المؤمنين منكم، من المنافقين، فيعرِفوهم ولا يخفى عليهم أمرُ الفريقين. وقد بيَّنا تأويلُ قولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فيما مضى، وما وجهُ ذلك، بما أغنى عن إعادتِه\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ١٤٠، والبيهقى ٦/ ٣٢١، وفى الدلائل ٣/ ١٣٩ - ١٤٠ من طريق عبد الله بن عون عن ابن سيرين، به. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٦٨ - ٣٦٩ والترمذى (١٥٦٧) والبزار (٥٥١)، والدارقطنى في العلل ٤/ ٣١، ٣٢ من طريق ابن سيرين به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٣ إلى ابن مردويه.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٥/ ١٧، ١٨.\n(^٣) في م: \"أهل\".","vol":"6","page":220},{"text":"في هذا الموضعِ (^١).\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال ابن إسحاقَ.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي (^٢) منكم؛ ما أصابكم حينَ التقيتُم أنتم وعدوُّكم فبإذنى كان ذلك، حينَ فعَلتُم ما فعَلتُم بعدَ أن جاءكم نصْرى، وصدَقتكم (^٣) وعدى. ليميِّزَ بينَ المنافقين والمؤمنين، ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ منكم، أي: ليُظْهِروا ما فيهم (^٤).\n\n<span id=\"aya-460\"></span><span data-type='title' id=toc-1609>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك عبدَ اللهِ بنَ أُبيٍّ ابنَ سلولَ المنافقَ، وأصحابَه الذين رجَعوا عن النبيِّ ﷺ عن أصحابِه، حينَ سار نبيُّ اللهِ ﷺ إلى المشركين بأحدٍ لقتالِهم، فقال لهم المسلمون: تعالوا قاتلوا المشركين معنا، أوِ ادْفَعوا بتكثيرِكم سوادَنا. فقالوا: لو نعلَمُ أنكم تقاتلون لسِرْنا معكم إليهم، ولكُنَّا معكم عليهم، ولكن لا نُرَى أنه يكونُ بينَكم وبينَ القومِ قتالٌ. فَأَبْدَوْا مِن نفاقِ أنفسِهم ما كانوا يكتُمونه، وأبدوْا بألسنتِهم بقولِهم: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾. غيرَ ما كانوا يكتُمونه ويُخفونه؛ من عداوةِ رسولِ اللهِ ﷺ، وأهلِ الإيمانِ به.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٦٤١ - ٦٤٥.\n(^٢) في ص: \"أو\"، وفى ت ١: \"إذ\".\n(^٣) في م، ت ٢، س: \"صدقتم\".\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٨.","vol":"6","page":221},{"text":"كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ مسلمِ بن شهابٍ الزُّهْريُّ ومحمدُ بنُ يحيى بن حَبَّانَ وعاصمُ بنُ عمرَ بن قتادةَ والحصينُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن عمرِو بن سعدِ بن معاذٍ وغيرُهم من علمائِنا، كلُّهم قد حدَّث، قال: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ يعني حينَ خرَج إلى أحدٍ - في ألفِ رجلٍ من أصحابِه، حتى إذا كانوا بالشَّوْطِ (^١) بينَ أحدٍ والمدينةِ، انْخَزَل (^٢) عنهم عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابن سلولَ بثلثِ الناسِ، فقال: أطاعهم فخرَج وعصاني، وواللهِ ما نَدْرِى علامَ نقتُلُ أنفسَنا ههنا أيُّها الناسُ؟ فرَجع بمن اتَّبعه من الناسِ من قومِه من أهلِ النفاقِ وأهلِ الرَّيْبِ. واتَّبعهم عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بن حَرامٍ، أخو بني سَلِمةَ، يقولُ: يا قومُ أُذكِّرُكم الله أن تخذُلوا نبيَّكم وقومَكم عندَما حضَر من عدوِّهم، فقالوا: لو نعلَمُ أنكم تُقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لا نُرَى أن يكونَ قتالٌ، فلما اسْتَعصَوا عليه، وأَبَوا إلا الانصرافَ عنهم، قال: أَبْعدَكم اللهُ يا أعداءَ (^٣) اللهِ، فسيُغْنى اللهُ عنكم. ومضَى رسولُ اللهِ ﷺ (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾. يعنى: عبدَ اللهِ بنَ أُبيٍّ ابنَ سلولَ وأصحابَه، الذين رجَعوا عن رسولِ اللهِ ﷺ، حينَ سار إلى عدوِّه من المشركين بأحدٍ. وقولُه: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾. يقولُ: لو نعلَمُ أنكم تقاتلون لَسِرْنا معكم، ولدفَعنا\n_________\n(^١) الشوط: بستان من بساتين المدينة عند جبل أُحُد. ينظر معجم البلدان ٣/ ٣٣٥، وتاج العروس (ش وط).\n(^٢) انخزل: انفرد. النهاية ٢/ ٢٩.\n(^٣) في ص، ت، ت ٣: \"أعفا\".\n(^٤) ينظر سيرة ابن هشام ٢/ ٦٤.","vol":"6","page":222},{"text":"عنكم، ولكن لا نظنُّ أن يكونَ قتالٌ، فظهَر منهم ما كانوا يُخفون في أنفسِهم. يقولُ اللهُ ﷿: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ [يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾. أي: يُظهرون لكم الإيمانَ] (^١)، وليس في قلوبهِم، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾: أي: بما يُخفون (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، خرَج رسولُ اللهِ ﷺ يعنى يومَ أحدٍ - في ألفِ رجلٍ، وقد وعَدهم الفتحَ إن صبَروا؛ فلما خرَجوا رجَع عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابن سلولَ في ثلاثِمائةٍ، فتبِعهم أبو جابرٍ السُّلَميُّ يَدْعوهم، فلما غلَبوه وقالوا له: ما نعلَمُ قتالًا، ولئن أَطَعْتَنا لترجِعَنَّ معنا. قال: فذكَر اللهُ جل وعز أصحابَ عبدِ اللهِ بن أُبيٍّ ابن سلولَ، وقولَ [عبدِ اللهِ أبى جابرِ بن عبدِ اللهِ] (^٣) الأنصاريِّ حينَ دعاهم، فقالوا: ما نعلَمُ قتالًا، ولئن أَطَعْتُمونا لترجِعُنَّ معنا. فقال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قال عكرمةُ: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾. قال: نزَلت في عبدِ اللهِ بْنِ أَبِيٍّ ابن سلولَ (^٤). قال ابن جُريجٍ: وأخبرنى عبدُ اللهِ بنُ كَثِيرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا﴾. قال: لو نعلَمُ أنا واجِدون معكم قتالًا، لو نعلَمُ مكانَ قتالٍ لاتَّبعناكم (^٥).\nواخْتَلفوا في تأويلِ قولِه: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾؛ فقال بعضُهم: إن معناه: أو\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٨.\n(^٣) في م: \"عبد الله بن جابر بن أبى عبد الله\". وهو خلط وتحريف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٤ إلى المصنف.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"6","page":223},{"text":"كثِّروا، فإنكم إذا كثَّرتم دفَعتم القومَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1610>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾. يقولُ: أو كثِّروا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾. قال: بكثرتِكم العدوَّ، وإن لم يكنْ قتالٌ (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: أو رابِطوا إن لم تقاتِلوا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1611>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا إسماعيلُ بنُ حفصٍ الأُبُلِّيُّ (^٣) وعليُّ بنُ سهلٍ الرَّمْليُّ، قالا: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا عتبةُ بنُ ضَمْرةً، قال: سمِعتُ أبا عونٍ الأنصاريَّ في قولِه: ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾. قال: رابِطوا (^٤).\nوأمَّا قولُه: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾. فإنه يعنى به: واللهُ أعلمُ من هؤلاء المنافقين الذين يقولون للمؤمنين: لو نعلمُ قتالًا لاتَّبعْناكم. بما يُضْمِرون في أنفسِهم للمؤمنين ويكتُمونه، فيستُرونه، من العداوةِ والشَّنَآنِ، وأنهم لو علِموا قتالًا ما تبِعوهم، ولا دفعوا عنهم، وهو تعالى ذكرُه محيطٌ بما هم\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ١٣٠.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ٣/ ٤٣.\n(^٣) في ص: \"الأمل\" بغير نقط، وفى م، ت ١، س: \"الأملى\". وهو تحريف. وينظر ترجمته في تحرير التقريب ١/ ١٣١ (٤٣٤).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"6","page":224},{"text":"مُخفوه من ذلك، مُطَّلِعٌ عليه، ومُحْصيه عليهم، حتى يهتِكَ به (^١) أستارَهم في عاجلِ الدنيا، فيفضَحَهم به، ويُصْلِيَهم به في (^١) الدَّرْكَ الأسفلَ من النارِ في الآخرةِ.\n\n<span id=\"aya-461\"></span><span data-type='title' id=toc-1612>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: وليعلَمَ اللهُ الذين نافقوا، الذين قالوا لإخوانِهم وقعَدوا فموضعُ ﴿الَّذِينَ﴾ نصبٌ على الإبدالِ من ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾، وقد يجوزُ أن يكونَ رفعًا على الترجمةِ عمَّا في قولِه: ﴿يَكْتُمُونَ﴾. من ذكرِ ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾. فمعنى الآيةِ: وليعلَمَ اللهُ الذين قالوا لإخوانِهم الذين أُصيبِوا مع المسلمين في حربِهم المشركين بأحدٍ يومَ أحدٍ، فقُتِلوا هنالك، من عشائرِهم وقومِهم، ﴿وَقَعَدُوا﴾. يعنى: وقعَد هؤلاء المنافقون القائلون ما قالوا، مما أَخْبَرَ اللهُ ﷿ عنهم، من قيلِهم عن الجهادِ مع إخوانِهم وعشائرِهم في سبيلِ اللهِ: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾. يعني: لو أطاعنا مَن قُتِل بأحدٍ مِن إخوانِنا وعشائرِنا ﴿مَا قُتِلُوا﴾. يعني: ما قُتِلوا هنالك. قال اللهُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ قل يا محمدُ لهؤلاء القائلين هذه المقالةَ من المنافقين: ﴿فَادْرَءُوا﴾. يعني: فادْفَعوا، من قولِ القائلِ: دَرَأَتُ عن فلانٍ القتلَ - بمعنى: دفَعتُ عنه - أَدْرَؤُه دَرْءًا. ومنه قولُ الشاعر (^٢):\nأقولُ (^٣) وقد دَرَأْتُ لها وَضِينى … أهذا دينُه أبدًا ودِيني\nيقولُ تعالى ذكرُه: قل لهم: فادْفَعوا - إن كنتُم أيها المنافقون صادقين في\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) هو المثقب العبدي، وقد تقدم في ٢/ ٤٧٠، ٤٧١.\n(^٣) في م: \"تقول\". ومثله ما تقدم، والمثبت رواية أخرى ينظر ديوان المثقب ص ١٩٧.","vol":"6","page":225},{"text":"قيلِكم: لو أطاعنا إخوانُنا في تركِ الجهادِ في سبيلِ اللهِ مع محمد ﷺ، وقتالِهم أبا سفيانَ ومَن معه مِن قريشٍ، ما قُتِلوا هنالك بالسيفِ، ولكانوا أحياءً بقعودِهم معكم وتخلُّفِهم عن محمدٍ ﷺ، وشهودِ جهادِ أعداءِ اللهِ معه - الموتَ، فإنكم قد قعَدتم عن حربِهم. و(^١) تخلَّفتُم عن جهادِهم، وأنتم لا محالةَ ميِّتون.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ﴾ الذين أُصيبوا معكم من عشائرِهم وقومِهم: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ الآية. أي: إنه لابدَّ من الموتِ، فإنِ استطَعْتم أن تدفَعوه عن أنفسِكم فافعَلوا. وذلك أنهم إنما نافقوا وترَكوا الجهادَ في سبيلِ اللهِ؛ حرصًا على البقاءِ في الدنيا، وفِرارًا من الموت (^٢).\nذكرُ مَن قال: الذين قالوا لإخوانِهم هذا القولَ، هم الذين قال اللهُ فيهم: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا﴾ الآية. ذُكِر لنا أنها نزَلت في عدوِّ اللهِ عبدِ اللهِ بن أُبيٍّ (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: هم عبد اللهِ بنُ أُبيٍّ وأصحابُه (^٤).\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، س: \"قد\".\n(^٢) سيرة ابن هشام، ٢/ ١١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٤ إلى المصنف.","vol":"6","page":226},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: هو عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ الذي قعَد، و﴿[قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ] (^١)﴾ الذين خرَجوا مع النبيِّ ﷺ يومَ أحدٍ: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾. الآية (^٢).\nقال ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال جابرُ بنُ عبدِ اللهِ: هو عبدُ اللهِ بْنُ أَبِيٍّ ابن سَلُول (^٣).\nحُدِّثت عن عمارٍ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ الآية. قال: نزَلت في عدوِّ اللهِ عبدِ اللهِ بن أُبيٍّ (^٣).\n\n<span id=\"aya-462\"></span><span data-type='title' id=toc-1613>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.</span>\nيعني بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾: ولا تَظنَّنَّ.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾: ولا تظنَّنَّ (^٤).\nوقولُه: ﴿الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يعنى: الذين قُتِلوا بأُحدٍ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ﴿أَمْوَاتًا﴾. يقولُ: ولا تحسَبَنَّهم يا محمدُ أمواتًا، لا يُحسُّون شيئًا، ولا يَلْتذُّون، ولا يتنعَّمون، فإنَّهم أحياءٌ عندى، متنعِّمون في رزقي،\n_________\n(^١) في م: \"وقال لإخوانه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨١١ (٤٤٨٣) من طريق ابن ثور عن ابن جريج.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٩. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨١٢ (٤٤٨٨) من طريق سلمة مطولًا به.","vol":"6","page":227},{"text":"فرِحون مسرورون بما آتيتُهم من كرامتى وفضلى، وحبَوتُهم به من جزيلِ ثوابي وعطائي.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، وحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عياشٍ، عن ابن إسحاقَ، عن إسماعيلَ بن أميَّةَ، عن أبي الزُّبيرِ المكيِّ، عن ابن عباسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"لما أُصِيب إخوانُكم بأحدٍ، جعَل اللهُ أرواحَهم في أجوافِ طيرٍ خُضْرٍ، ترِدُ أنهارَ الجنَّةِ، وتأكُلُ من ثمارِها، وتأوِى إلى قناديلَ من ذهبٍ في ظلِّ العرشِ، فلما وجَدوا طِيبَ مشرَبهِم ومأكلِهم وحسنَ مَقيلِهم (^١)، قالوا: يا ليتَ إخوانَنا يعلَمون ما صنَع اللهُ بنا؛ لئلا يزهَدُوا في الجهادِ، ولا ينكُلوا (^٢) عن الحربِ، فقال اللهُ ﵎: أنا أُبلِّغُهم عنكم، فأَنْزل اللهُ ﷿ على رسولِه هؤلاء الآيات (^٣) \".\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، وحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، [عن ابن إسحاقَ، جميعًا] (^٤) عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقِ بن الأجدعِ، قال: سألْنا عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ، عن هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. فقال: أمَا إنا قد سألْنا عنها، فقيل لنا: إنه لما أُصيب إخوانُكم\n_________\n(^١) المقيل: الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن معها نوم. النهاية ٤/ ١٣٣.\n(^٢) ينكلوا: يجبنوا. القاموس المحيط (ن ك ل).\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٩. وأخرجه ابن أبي عاصم في الجهاد (١٩٥)، من طريق إسماعيل بن عياش به، وأخرجه ابن المبارك في الجهاد (٦٢)، ابن أبي شيبة ٥/ ٢٩٤، ٢٩٥، وهناد (١٥٥)، وأحمد ٤/ ٢١٨ (٢٣٨٨) والبيهقى في الشعب (٤٢٤٠)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٩٤)، من طريق ابن إسحاق به، وانظر الدر المنثور ٢/ ٩٥.\n(^٤) في م: \"قالا جميعًا محمد بن إسحاق\".","vol":"6","page":228},{"text":"بأُحُدٍ، جعَل اللهُ أرواحَهم في أجوافِ طيرٍ خُضْرٍ، ترِدُ أنهارَ الجنةِ، وتأكُلُ من ثمارِها، وتأوِى إلى قناديلَ من ذهبٍ في ظلِّ العرشِ، فيطَّلِعُ اللهُ إليهم اطلاعةً فيقولُ: يا عبادى ما تشتهون فأزيدَكم؟ فيقولون: ربَّنا لا فوقَ ما أعطَيْتَنا، الجنة نأكُلُ منها حيث شئْنا. ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثم يطَّلعُ فيقولُ: يا عبادى ما تشتهون فأزيدَكم؟ فيقولون: ربَّنا لا فوقَ ما أعطيتَنا، الجنة نأكُلُ منها حيثُ شئنا، إلا أنا نختارُ أن ترُدَّ أرواحَنا في أجسادِنا، ثم تردَّنا إلى الدنيا، فنقاتلَ فيك حتى نُقتَلَ فيك مرَّةً أخرى (^١).\nحدَّثنا [الحسنُ بنُ يحيى العَبْديُّ] (^٢)، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ، قال: سألْنا عبدَ اللهِ عن هذه الآيةِ، ثم ذكَر نحوَه، وزاد فيه: فقال: إني قد قضيتُ ألا تَرْجِعوا.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن عبدِ اللهِ بن مرَّةَ، عن مسروقٍ، قال: سألنا عبدَ اللهِ عن أرواحِ الشهداءِ، ولولا عبدُ اللهِ ما أَخْبَرنا به أحدٌ، قال: أرواحُ الشهداءِ عندَ اللهِ في أجوافِ طيرٍ خضرٍ، في قناديلَ تحتَ العرشِ، تسرَحُ في الجنةِ حيثُ شاءت، ثم ترجعُ إلى قناديلِها، فيطَّلعُ إليها ربُّها، فيقولُ: ماذا تريدون؟ فيقولون: نريدُ أن نرجِعُ إلى الدنيا، فنُقتَلَ مرَّةً\n_________\n(^١) ذكره الدارقطنى في العلل ٥/ ٢٥٦، وابن عبد البر في التمهيد ١١/ ٦٢، عن ابن إسحاق به.\nورواه غير واحد عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق بدلًا من أبي الضحى، وسيأتي. قال الدارقطني: الصواب عبد الله بن مرة.\nوقال ابن عبد البر: وذكر أبي الضحى في هذا الإسناد عندى خطأ، وأظن الوهم فيه من ابن إسحاق. والله أعلم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الحسن بن أبي يحيى المقدسى\". وهو تحريف. وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٣٣٤،٣٣٥.","vol":"6","page":229},{"text":"أخرى (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ وعَبْدةُ بنُ سليمانَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن الحارثِ بن فُضيلٍ، عن محمودِ بن لَبيدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"الشهداءُ على بارقٍ: على (^٢) نهرٍ ببابِ الجنةِ، في قُبَّةٍ خضراءَ - وقال عَبْدةُ (^٣): \"في روضةٍ خضراءَ\" - يخرُجُ عليهم رزقُهم من الجنةِ بُكرةً وعشيًّا\" (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثني الحارثُ بنُ فُضيلٍ، عن محمودِ بن لَبيدٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوه (^٥)، إلا أنه قال: \"في قُبَّةٍ خضراءَ\". وقال: \"يخرُجُ عليهم فيها\".\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدثنا ابن إدريسَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى الحارثُ بنُ فُضيلٍ، عن محمودِ بن لَبيدٍ (^٦)، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: قال محمدُ بنُ إسحاقَ: وحدثني الحارثُ بنُ الفضيلِ الأنصاريُّ عن محمودِ بن لَبيدٍ الأنصاريِّ، عن ابن عباسٍ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١١/ ٦٢ من طريق محمد بن أبى عدى به. والطيالسي (٢٨٩)، والدارمي ٢/ ٢٠٦ من طريق شعبة به.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص: \"عنده\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٩٠، وهناد (١٦٦)، وعبد بن حميد (٧٢١)، وأحمد ٤/ ٢٢٠ (٢٣٩٠)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٩٩)، والطبراني (١٠٨٢٥)، والحاكم ٢/ ٧٤، والبيهقي في الشعب (٤٢٤١) من طريق ابن إسحاق به، وقد تقدم في ٢/ ٧٠٤.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. وفى م: \"بمثله\".\n(^٦) في ص: ت ١: \"أسيد\".","vol":"6","page":230},{"text":"قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"الشهداءُ على بارقٍ؛ نهرٍ ببابِ الجنةِ، في قُبَّة خضراءَ، يخرُجُ عليهم رزقُهم من الجنةِ بُكرةً وعشيًّا\" (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: ثني أيضًا - يعني إسماعيلَ بنَ عيَّاشٍ عن ابن إسحاقَ، عن الحارثِ بن الفضيلِ، عن محمودِ بن لَبيدٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال محمدُ بنُ إسحاقَ: وحدَّثنى بعضُ أصحابي، عن عبدِ اللهِ بن محمدِ بن عَقيلِ بن أبي طالبٍ، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: قال لى رسولُ اللهِ ﷺ: \"ألا أبشِّرُك يا جابرُ؟ \". قال: قلتُ: بلى يا رسولَ اللهِ. قال: \"إن أباك حيثُ أُصيب بأحدٍ أَحْيَاه اللهُ، ثم قال له: ما تُحِبُّ يا عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو أن أفعَلَ بك؟ قال: يا ربِّ أُحبُّ أن تردَّني إلى الدنيا، فأُقاتلَ فيك، فأُقتَلَ مرَّةً أخرى\" (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ذُكِر لنا أن رجالًا من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، قالوا: يا ليتنا نعلَمُ ما فعَل إخوانُنا الذين قُتِلوا يومَ أُحدٍ! فأَنْزَل اللهُ ﵎ في ذلك القرآنَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. كنا نُحدَّثُ أن أرواحَ الشهداءِ تعارفُ في طيرٍ بيضٍ تأكُلُ من ثمارِ الجنةِ، وأن مساكنَهم السِّدْرةُ (^٣).\nحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: حدثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع بنحوِه، إلا\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الشعب (٤٢٤١) من طريق ابن إسحاق به.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١٢٠، وأخرجه الحميدى (١٢٦٥)، وأحمد ٢٣/ ١٦٣ (١٤٨٨١)، وعبد بن حميد (١٠٣٨)، وأبو يعلى (٢٠٠٢)، والحاكم ٢/ ١١٩، ١٢٠ من طريق ابن عقيل به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٥ إلى المصنف.","vol":"6","page":231},{"text":"أنه قال: تعارَفُ في طيرٍ خُضْرٍ وبيضٍ. وزاد فيه أيضًا: وذُكِر لنا عن بعضِهم في قولِه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾. قال: هم قتلى بدرٍ وأُحدٍ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن محمدِ بن قيسِ بن مَخْرمةَ، قال: قالوا: يا ربِّ، أَلا رسولٌ لنا يُخبِرُ النبيِّ ﷺ عنَّا بما أعطيْتَنا؟ فقال اللهُ جل وعز: أنا رسولُكم. فأمَر جبريلَ ﵇ أن يأتىَ النبيَّ ﷺ بهذه الآيةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيتين (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، قال: سألْنا عبدَ اللهِ (^٣) عن هذه الآياتِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. قال: أرواحُ الشهداءِ عندَ اللهِ كطيرِ خُضْرٍ، لها قناديلُ معلَّقةٌ بالعرشِ، تسرَحُ في الجنةِ حيثُ شاءت، قال: فاطَّلع إليهم ربُّك اطِّلاعةً فقال: هل تشتهون من شيءٍ فأزيدَكموه؟ قالوا: ربَّنا ألسنا نسرَحُ في الجنةِ في أيِّها شئنا! ثم اطَّلع [إليهم الثانيةَ فقال: هل تشتهون من شيءٍ فأَزيدَكموه؟ قالوا: ربنا، ألسنا نَسرحُ في أنهار الجنة في أيها شئنا! ثم اطَّلَع إليهم] (^٤) الثالثةَ فقال: هل تشتهون من شيءٍ فأزيدَكموه؟ قالوا: تُعيدُ أرواحَنا في أجسادِنا، فنُقاتِلُ في سبيلِك مرةً أخرى. فسكَت عنهم (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٥ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٥ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) في تفسير عبد الرزاق: \"عبد الله بن عمر\". وهو خطأ بين.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٩، وأخرجه في مصنفه (٩٥٥٤) ومن طريقه الطبراني (٩٠٢٣). وأخرجه مسلم (١٨٨٧)، والترمذى (٣٠١١)، وابن ماجه (٢٨٠١)، وابن منده في الإيمان (٢٤٤)، والبيهقى ٩/ ١٦٣، وفي الدلائل ٣/ ٣٠٣، والبغوى في شرح السنة ١٠/ ٣٦٤ من طرق عن الأعمش به.","vol":"6","page":232},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيينةً، عن عطاءِ بن السائبِ، عن [أبي عُبيدةَ] (^١)، عن عبدِ اللهِ، أنهم قالوا في الثالثةِ حينَ قال لهم: هل تشتهون من شيءٍ فأزيدَكموه؟ قالوا: تُقرِئُ نبيَّنا عنا السلامَ، وتُخبِرُه أنّا قد رضِينا ورُضى عنا (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قال اللهُ ﵎ لنبيِّه محمدٍ ﷺ، يرغِّبُ المؤمنين في ثوابِ الجهادِ (^٣)، ويهوِّنُ عليهم القتلَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ أي: قد أحييتُهم، فهم عندى يُرْزَقون في رَوْحِ الجنةِ وفضلِها، مسرورين بما آتاهم اللهُ من فضلِ ثوابِه على جهادِهم عنه (^٤).\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ، قال: كان المسلمون يسألون ربَّهم أن يُريَهم يومًا كيومِ بدرٍ، يُبلون فيه خيرًا ويُرْزَقون فيه الشهادةَ؛ يُرْزَقون فيه الجنةَ، والحياةَ في الرزقِ، فلقوا المشركين يومَ أحدٍ، فاتَّخذ اللهُ منهم شهداءَ، وهم الذين ذكَرهم اللهُ ﷿ فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية.\nحدَّثنا محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ. قال: ذكَر الشهداءَ فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. إلى قولِه: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وزعَم أن أرواحَ الشهداءِ\n_________\n(^١) في ص س: \"أبى عيينة\"، وفى ت ١: \"ابن عيينة\". وأبو عبيدة هو ابن عبد الله بن مسعود.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٩، وأخرجه في مصنفه (٩٥٥٥) عن ابن عيينة به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الجنة\". وينظر مصدر التخريج.\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٩.","vol":"6","page":233},{"text":"في أجوافِ طيرٍ خُضْرٍ، في قناديلَ من ذهبٍ، معلَّقة بالعرشِ، فهي تَرْعَى بُكرةً وعشيَّةً في الجنةِ، [فإذا كان الليلُ بِتْنَ] (^١) في القناديلِ، فإذا سرَحن نادى منادٍ: ماذا تريدون؟ وماذا تشتهون؟ فيقولون: ربَّنا نحن فيما اشتهتْ أنفسُنا. فيسألُهم رُّبهم أيضًا: ماذا تشتهون، وماذا تريدون؟ فيقولون: نحن فيما اشتهت أنفسُنا. فيُسْأَلُون الثالثةَ، فيقولون ما قالوا، ولكنَّا نُحِبُّ أن تُردَّ أرواحُنا في أجسادِنا. لما رأَوا (^٢) من فضلِ الثوابِ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا عبادٌ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ معمرٍ، عن الحسنِ، قال: ما زال ابن آدمَ يَتحمَّدُ حتى صار حيًّا ما يموتُ، ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ مرزوقٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ يونسَ، [عن عكرمةَ] (^٤) قال: ثنا إسحاقُ بنُ أبي طلحةَ، قال: ثني أنسُ بنُ مالكٍ في أصحابِ النبيِّ ﷺ، الذين أَرْسَلهم النبيُّ ﷺ إلى أهلِ بئرِ معونةَ، قال: لا أدرى أربعين، أو سبعين، وعلى ذلك الماءِ عامرُ بنُ الطُّفيلِ الجَعْفريُّ، فخرَج أولئك النفرُ من أصحابِ النبيِّ ﷺ، حتى أتوا غارًا مشرفًا على الماءِ فقعدوا فيه، ثم قال بعضُهم لبعضٍ: أيُّكم يُبلِّغُ رسالةَ رسولِ اللهِ ﷺ أهلَ هذا الماءِ؟ فقال -- أُرَاه [ابنَ مِلْحانَ] (^٥) الأنصاريَّ -: أنا أُبلِّغ رسالةً رسولِ اللهِ\n_________\n(^١) في ص: \"بتن\". وفى ت ١: \"يبتن\". وفى م، ت ٢، ت ٣، س: \"تبيت\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يرون\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٦ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. وينظر تاريخ المصنف.\n(^٥) في النسخ: \"أبو ملحان\". والمثبت من مصادر التخريج وهو حرام بن ملحان الأنصاري، خال أنس بن مالك. ينظر أسد الغابة ١/ ٤٧٣، والإصابة ٢/ ٤٧.","vol":"6","page":234},{"text":"ﷺ، فخرَج حتى [أتى حِوَاء] (^١) منهم، فاحتبى أمامَ البيوتِ، ثم قال: يا أهلَ بئرِ مَعونةَ، إنى رسولُ رسولِ اللهِ ﷺ إليكم، إنى أَشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، فآمِنوا باللهِ ورسولِه (^٢)، فخرَج إليه رجلٌ من كِسْرِ البيتِ (^٣) برمحٍ، فضرَب به في جنبِه، حتى خرَج من الشَّقِّ الآخرِ، فقال: اللهُ أكبرُ، فزتُ وربِّ الكعبةِ. فاتبعوا أثَرَه حتى أتوا أصحابَه في الغارِ، فقتَلهم (^٤) أجمعين عامرُ بنُ الطُّفيلِ. قال: قال إسحاقُ: حدَّثني أنسُ بنُ مالكٍ أن الله ﷿ أنْزَل فيهم قرآنًا: \" [بلغوا قومَنا عنّا أنّا قد لِقينا ربَّنا فرضِى عنا ورضِينا عنه\". ثم نُسخت فرُفعت] (^٥) بعدَ ما قرأناه زمانًا، وأَنزل اللهُ ﷿: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (^٦).\nحدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبرنا جُويبرٌ، عن الضحَّاكِ، قال: لما أُصيب الذين أُصيبوا يومَ أحدٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ، لقُوا ربَّهم فأَكْرمهم، فأصابوا الحياة والشهادةَ والرزقَ الطيِّبَ، قالوا: يا ليت بيننا وبينَ إخوانِنا من يُبلِّغُهم أنّا لقينا ربَّنا، فرضِى عنا وأرضانا، فقال اللهُ ﵎ لهم: أنا رسولُكم إلى نبيِّكم وإخوانِكم، فأَنْزَل اللهُ جل ذكره على نبيِّه ﷺ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. إلى قولِه: ﴿وَلَا هُمْ\n_________\n(^١) في م: \"أتى حيًّا\". والحواء: بيوت مجتمعة من الناس على ماء. اللسان (ح وا).\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"رسله\".\n(^٣) البيت: الخيمة. والكِسْرُ: أسفل شُقَّةِ البيت التي تلى الأرض من حيث يكسر جانباه، من عن يمينك ويسارك. الصحاح (ك س ر).\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. \"فقتلوهم\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"رفع\". وينظر تاريخ المصنف.\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٤٩، ٥٥٠، وأحمد ٢٠/ ٤٢٠ (١٣١٩٥)، والبخاري (٢٨٠١، ٤٠٩١) من طريق همام عن إسحاق به.","vol":"6","page":235},{"text":"يَحْزَنُونَ﴾. فهذا النبأُ (^١) الذي بلَّغ اللَّهُ [رسولَه والمؤمنين] (^٢) ما قال الشهداءُ (^٣).\n\n<span id=\"aya-463\"></span>وفى نصبِ قولِه: ﴿فَرِحِينَ﴾. وجهان؛ أحدُهما، أن يكونَ منصوبًا على الخروجِ (^٤) من قولِه: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. والآخرُ من قولِه: ﴿يُرْزَقُونَ﴾. ولو كان رفعًا بالردِّ على قولِه: \"بل أحياءٌ فرِحون\"، كان جائزًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1614>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكرُه: ويفرَحون بمن لم يلحَقْ بهم من إخوانِهم الذين فارقوهم وهم أحياءٌ في الدنيا على مناهجِهم، من جهادِ أعداءِ اللَّهِ مع رسولِه، لعلمِهم بأنهم إن اسْتُشهدوا فلحِقوا بهم، صاروا من كرامةِ اللَّهِ، إلى مثلِ الذي صاروا هم إليه، فهم لذلك مستبشرون بهم، فرِحون أنهم إذا صاروا كذلك، لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، يعنى بذلك: لا خوفٌ عليهم؛ لأنهم قد أمِنوا عقابَ اللَّهِ، وأيقنوا برضاه عنهم، فقد أمِنوا الخوفَ الذي كانوا يَخافونه من ذلك في الدنيا، ولا هم يحزَنون على ما خلَّفوا وراءَهم من أسبابِ الدنيا، ونكَدِ عيشِها، للخفضِ الذي صاروا إليه، والدَّعَةِ والزُلْفَةِ (^٥).\nونصبُ ﴿أَلَّا﴾ بمعنى: يستبشرون لهم بأنهم لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزَنون.\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"الثناء\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ورسوله المؤمنين\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٥ إلى المصنف.\n(^٤) يعنى بالنصب على الخروج أنه منصوب على الحالية. وانظر ما تقدم في ٤/ ٣٩٩، ٤٠٠، ٥/ ٥٦١، ٥٧٢، ٥٩٧.\n(^٥) في الأصل: \"الراحة\". والخفض: لين العيش وسعته. والزلفة: القربة والدرجة والمنزلة. (خ ف ض)، اللسان (ز ل ف).","vol":"6","page":236},{"text":"وبنحوِ ما قلنا في تأويلِ ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1615>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية. يقولُ: لإخوانِهم الذين فارقوهم على دينِهم وأمرِهم؛ لِما قدِموا عليه من الكرامةِ والفضلِ والنعيمِ الذي أعطاهم (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية. قال: يقولون (^٢): إخوانُنا يُقتَلون كما قُتِلنا، يلحقون فيُصيبون مِن كرامةِ اللَّهِ تعالى ما أَصبْنا (^٣).\nحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ذُكر لنا عن بعضِهم في قولِه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. قال: هم قتلى بدرٍ وأحدٍ، زعَموا أن اللَّهَ ﵎ لما قبَض أرواحَهم، وأَدْخَلهم الجنةَ، جُعِلت أرواحُهم في طيرٍ خُضْرٍ تَرْعَى في الجنةِ، وتأوِى إلى قناديلَ من ذهبٍ تحتَ العرشِ، فلما رأوْا ما أعطاهم اللَّهُ من الكرامةِ، قالوا: ليت إخوانَنا الذين بعدَنا يعلَمون ما نحن فيه، فإذا شهِدوا قتالًا تعجَّلوا إلى ما نحن فيه. فقال اللَّهُ ﵎: إنى منزِّلٌ على نبيِّكم، ومخبرٌ إخوانَكم بالذي أنتم فيه. ففرِحوا به واستبشروا، وقالوا: يُخبرُ اللَّهُ نبيَّكم وإخوانَكم بالذي أنتم فيه، فإذا شهدوا قتالًا أتوكم. قال فذلك قولُه: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، إِلى قولِه: ﴿أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ٤٨.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يقول\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٥ إلى المصنف.","vol":"6","page":237},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾. أي: ويُسَرُّون بلُحوقِ من لحِق بهم من إخوانِهم، على ما مضَوا عليه من جهادِهم، ليَشْرَكوهم فيما هم فيه من ثوابِ اللَّهِ الذي أعطاهم، وقد أَذْهب اللَّهُ عنهم الخوفَ والحزنَ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾. قال: هم إخوانُهم من الشهداءِ ممن يُسْتَشهَدُ مِن بعدِهم: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، حتى بلَغ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أما ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾، فإن الشهيدَ يُؤْتَى بكتابٍ فيه مَن يقدَمُ عليه مِن إخوانِه وأهلِه، فيقالُ: يقدَمُ عليك فلانٌ يومَ كذا وكذا، ويقدَمُ عليك فلانٌ يومَ كذا وكذا. فيستَبْشرُ حينَ يَقْدَمُ عليه، كما يستبشرُ أهلُ الغائبِ بقدومِه في الدنيا (^٢).\n\n<span id=\"aya-464\"></span><span data-type='title' id=toc-1616>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾: يفرَحون، ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: بما حبَاهم به تعالى ذكرُه من عظيمِ كرامتِه عندَ ورودِهم عليه، ﴿وَفَضْلٍ﴾ يقولُ: وبما أَسْبَغ عليهم من الفضلِ، وجزيلِ الثوابِ، على ما سلَف منهم مِن طاعةِ اللَّهِ وطاعةِ (^٣) رسولِه ﷺ، وجهادِ أعدائِه، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٩. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨١٤ (٤٤٩٧) من طريق سلمة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٨١٤ (٤٤٩٩) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":238},{"text":"كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ الآية؛ لما عاينوا من وفاءِ الموعودِ، وعظيمِ الثوابِ (^١).\nواخْتَلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ فقرَأ ذلك بعضُهم بفتحِ الألفِ من \"أَنَّ\" (^٢)، بمعنى: يستبشرون بنعمةٍ من اللَّهِ وفضلٍ، وبأن اللَّهَ لا يضيعُ أجرَ المؤمنين. [فموضعُ \"أن\" إذا فُتِحتُ خُفِض بالعطف على \"الفضلِ\". وقرأ ذلك آخرون: (وإن الله)] (^٣) بكسرِ الألفِ على الاستئنافِ (^٤). واحتج مَن قرَأ ذلك كذلك بأنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وَفَضْلٍ وَاللَّهُ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُؤْمنِين). قالوا: فذلك دليلٌ على أن قولَه: (وإن الله). مستأنَفٌ غيرُ متصلٍ بالأولِ.\nومعنى قولِه: ﴿لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. لا يُبْطِلُ جزاءَ أعمالِ من صدَّق رسولَه واتَّبعه، وعمِل بما جاءَه به من عندِ اللَّهِ.\nوأولى القراءتين بالصوابِ قراءةُ من قرَأ ذلك: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾. بفتحِ الألفِ؛ الإجماعِ الحجَّةِ من القرأةِ على ذلك.\n\n<span id=\"aya-465\"></span><span data-type='title' id=toc-1617>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وأن اللَّهَ لا يضيعُ أجرَ المؤمنين، المستجيبين للَّهِ والرسولِ، من بعدِ ما أصابهم الجِراحُ والكُلُومُ (^٥)، وإنما عنى اللَّهُ تعالى ذكرُه بذلك\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٩. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٨١٥ (٤٥٠٤) من طريق سلمة به.\n(^٢) وهى قراءة السبعة ما عدا الكسائي. ينظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٢١٩.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) وهى قراءة الكسائي. ينظر المصدر السابق.\n(^٥) الكلوم: جمع كَلْم، وهو الجرح. اللسان (ك ل م).","vol":"6","page":239},{"text":"الذين اتَّبَعوا رسولَ اللَّهِ ﷺ إلى حَمراءِ الأسَدِ في طلبِ العدوِّ؛ أبي سفيانَ، ومن كان معه من مشرِكي قريشٍ، مُنْصرَفَهم عن أُحدٍ، وذلك أن أبا سفيانَ لما انصرَف عن أُحدٍ خرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ في أثَرِه، حتى بلَغ حَمراءَ الأسَدِ، وهي على ثمانيةِ أميالٍ من المدينةِ، لِيُرِىَ الناسَ أن به وأصحابِه قوةً على عدوِّهم.\nكالذي حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى حسينُ (^١) بنُ عبدِ اللَّهِ، عن عكرمةَ، قال: كان يومُ أُحدٍ يومَ السبتَ للنصفِ من شوَّالٍ، فلما كان الغدُ من يومِ أُحدٍ، يومَ الأحدِ لستَّ عشْرةَ ليلةً مضَت من شوَّالٍ، أذَّن مؤذِّنُ رسولِ اللَّهِ ﷺ في الناسِ بطلَبِ العدوِّ، وأذَّن مؤذِّنُه: أن لا يخرُجَنَّ معنا أَحدٌ إلا من حضَر يومَنا بالأمسِ. فكلَّمه جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عمرِو بن حَرامٍ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إن أبي كان خلَّفني على أخواتٍ لى سبعٍ، وقال لي: يا بُنيَّ، إنه لا ينبغى لى ولا لك أن نترُكَ هؤلاء النسوةَ لا رجلَ فيهن، ولستُ بالذي أُوثِرُكَ بالجهادِ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ على نفْسي، فتخلَّفْ على أخواتِك. فتخلَّفتُ عليهنَّ. فأذِن له رسولُ اللَّهِ ﷺ، فخرَج معه، وإنما خرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ مُرْهِبًا للعدوِّ؛ ليبلِّغَهم أنه خرَج في طلبِهم، ليظنُّوا به قوةً وأن الذي أصابهم لم يُوهِنْهم عن عدوِّهم (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: فحدثني عبدُ اللَّهِ بنُ خارجةَ بن زيدِ بن ثابتٍ، عن أبي السائبِ مولى عائشةَ بنتِ عثمانَ، أن رجلًا من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ من بنى عبدِ الأَشْهِل، كان شهِد شهد أُحدًا قال:\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حسان\". ينظر تهذيب الكمال ٦/ ٣٨٣.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠١، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٣٤ بهذا الإسناد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٢ إلى المصنف.","vol":"6","page":240},{"text":"شهِدتُ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ أحدًا أنا وأخٌ لى، فرجَعنا جريحين، فلما أذِن رسولُ اللَّهِ ﷺ بالخروجِ في طلبِ العدوِّ، قلتُ لأخى، أو قال لى: أتَفوتُنا غزوةٌ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ؟ واللَّهِ ما لنا من دابَّةٍ نركبُها، وما منا إلا جريحٌ ثقيلٌ، فخرَجنا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ، وكنتُ أيسرَ جُرْحًا منه، فكنتُ إذا غُلِب حمَلتُه عُقْبَةً (^١)، ومشَى عُقْبةً، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون، فخرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ، حتى انتهى إلى حَمراءِ الأسَدِ، وهى من المدينةِ على ثمانيةِ أميالٍ، فأقام بها ثلاثًا؛ الاثنينَ والثلاثاءَ والأربِعاءَ، ثم رجَع إلى المدينةِ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: فقال اللَّهُ ﵎: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾. أي الجراحُ، وهم الذين ساروا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ الغدَ من يومِ أُحدٍ إلى حَمراءِ الأسَدِ، على ما بهم من ألمِ الجرِاحِ، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ الآية. وذلك يومَ أُحدٍ بعدَ القتلِ والجراحِ، وبعدَ ما انصرَف المشركون؛ أبو سفيانَ وأصحابُه، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ لأصحابِه: \"أَلا عصابةٌ تنتدبُ (^٤) لأمرِ اللَّهِ تطلُبُ عدوَّها، فإنه أنكى للعدوِّ، وأبعدُ للسَّمْعِ\". فانطلَق عصابةٌ منهم على ما يَعْلَمُ اللَّهُ تعالى من الجهدِ (^٥).\n_________\n(^١) العقبة: الشوط. النهاية لابن الأثير ٣/ ٢٦٩.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠١. وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٣/ ٣١٤، ٣١٥ من طريق ابن إسحاق به.\n(^٣) سيرة ابن هشام في السيرة ٢/ ١٢١.\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، س: \"تشدد\"، وفى م، ت ٢، ت ٣: \"تشد\"، والمثبت من أسباب النزول للواحدي، وما سيأتي من حديث ابن عباس.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨١٧ (٤٥١٣) من طريق يزيد بنحوه، والواحدى في أسباب النزول ص ٩٧ من طريق سعيد به.","vol":"6","page":241},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: انطلَق أبو سفيانَ منصرِفًا من أُحدٍ، حتى بلَغ بعضَ الطريقِ، ثم إنهم ندِموا وقالوا: بئْسَما صنَعتُم (^١)، إنكم قتَلْتُموهم، حتى إذا لم يبقَ منهم إلا الشَّريدُ ترَكتُموهم! ارجِعوا واستأصِلوهم. فقذَف اللَّهُ في قلوبِهم الرُّعبَ، فهُزِموا، فأَخْبَر اللَّهُ رسولَه، فطلَبهم حتى بلَغ حمراءِ الأسَدِ، ثم رجَعوا من حَمراءِ الأسَدِ، فأَنْزَلَ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه فيهم: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: إن اللَّهَ جلَّ وعزَّ قذَف في قلبِ أبي سفيانَ الرُّعبَ - يعني يومَ أُحدٍ - بعدَ ما كان منه ما كان، فرجَع إلى مكةَ، فقال النبيُّ ﷺ: \"إن أبا سفيانَ قد أصاب منكم طَرْفًا، وقد رجَع، وقذَف اللَّهُ في قلبِه الرعبَ\". وكانت وقعةُ أحدٍ في شوَّالٍ، وكان التُّجارُ يَقدَمون المدينةَ في ذى القَعدةِ، فينزِلون ببدرٍ الصُّغْرَى في كلِّ سنةِ مرَّةً، وإنهم قدِموا بعدَ وقْعةِ أُحدٍ، وكان أصاب المؤمنين القَرْحُ، واشتكَوا ذلك إلى نبيِّ اللَّهِ ﷺ، واشتَدَّ عليهم الذي أصابَهم، وإن رسولَ اللَّهِ ندَب الناسَ لينطلِقوا معه، ويتَّبِعوا ما كانوا مُتَّبِعين، وقال (^٣): \"إنما يرتَحِلون الآنَ، فيأتُونَ الحجَّ ولا يقدِرون على مثلِها حتى عامٍ مُقبلٍ\". فجاء الشيطانُ فخوَّف أولياءَه، فقال: إن الناسَ قد جمَعوا لكم. فأبى عليه الناسُ أن يتَّبِعوه، فقال: \"إني ذاهبٌ، وإن لم يتَّبِعْني أَحدٌ لأُحضِّضَ الناسَ\". فانْتَدَب معه أبو بكرٍ الصديقُ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، والزبيرُ، وسعدٌ، وطلحةُ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، وعبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ،\n_________\n(^١) في ص: \"صنعنا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٢ إلى المصنف بنحوه.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذلك\".","vol":"6","page":242},{"text":"وحذيفةُ بنُ اليمانِ، وأبو عُبيدةَ بنُ الجرَّاحِ في سبعين رَجُلًا، فساروا في طلبِ أبي سفيانَ، فطلَبوه حتى بلَغوا الصَّفْراءَ (^١)، فأَنْزل اللَّهُ تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، قال: ثنا أبو سعيدٍ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنها قالت لعبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ: يا بنَ أُختى، أَمَا واللَّهِ إن أباك وجدَّك - تعنى أبا بكرٍ والزبيرَ - لمِن الذين قال اللَّهُ تعالى فيهم: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أُخْبِرتُ أن أبا سفيانَ بنَ حربٍ لما راحَ هو وأصحابُه يومَ أُحدٍ، قال المسلمون للنبيِّ ﷺ: إنهم عامِدون إلى المدينةِ. فقال: \"إن رَكِبوا الخيلَ وترَكوا الأثقالَ، فإنهم عامِدون إلى المدينةِ، وإن جلَسوا على الأثقالِ وترَكوا (^٤) الخيلَ، فقد رَعَبَهم (^٥) اللَّهُ ولَيْسوا بعامِدِيها\". فركِبوا الأثْقالَ، فرعَبهم اللَّهُ، ثم ندَب ناسًا يتْبَعونهم؛ ليُرَوا أن بهم قوةً، فأَتْبَعوهم ليلتَيْن أو ثلاثًا، فنزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الصفا\"، والصفراء: واد من ناحية المدينة، وهو واد كثير النخل والزرع والخير في طريق الحاج. معجم البلدان ٣/ ٣٩٩.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠١ إلى المصنف، وينظر تفسير ابن كثير ٢/ ١٤٥.\n(^٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٩٨ من طريق هاشم بن القاسم به، وفيه هشام بن القاسم، وهو خطأ، وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ١٣٠.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ركبوا\".\n(^٥) في م: \"أرعبهم\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٢ إلى المصنف.","vol":"6","page":243},{"text":"حدَّثني سعيدُ بنُ الرَّبيعِ، قال: ثنا سفيانُ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، قال: قالت لى عائشةُ: إن كان أبَوَاك لمن الذين استجابوا للَّهِ والرسولِ من بعدِ ما أصابهم القرحُ. تعنى أبا بكرٍ والزبيرَ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: كان عبدُ اللَّهِ من الذين استجابوا للَّهِ والرسولِ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: فوعَد اللَّهُ مُحسِنَ مَن ذكَرنا أمرَه - من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ؛ الذين استجابوا للَّهِ والرسولِ من بعدِ ما أصابهم القَرْحُ، إذا اتَّقى اللَّهَ ﷿ فخافه، فأدَّى فرائضَه، وأطاعه في أمرِه ونهيِه فيما يَستقبِلُ من عُمُرِه - أجرًا عظيمًا، وذلك الثوابُ الجزيلُ، والجزاءُ العظيمُ، على ما قدَّم من صالحِ أعمالِه في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-466\"></span><span data-type='title' id=toc-1618>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذِكرُه: وأن اللَّهَ لا يُضيعُ أجرَ المؤمنين، الذين قال لهم الناسُ: إن الناسَ قد جمَعوا لكم. و﴿الَّذِينَ﴾ في موضعِ خفضٍ، مردودٌ على ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾. وهذه الصفةُ من صفةِ الذين استجابوا للَّهِ والرسولِ. و﴿النَّاسُ﴾ الأوَّلُ: هم قومٌ - فيما ذُكِر لنا - كان أبو سفيانَ قد سأَلهم أن يُثبِّطوا رسولَ اللَّهِ ﷺ وأصحابَه الذين خرَجوا في طلَبِه بعدَ مُنصرَفِه عن أُحدٍ إلى حَمراءِ الأسَدِ. و﴿النَّاسُ﴾ الثاني: هم أبو سفيانَ وأصحابُه من قريشٍ الذين كانوا معه بأُحدٍ.\n_________\n(^١) أخرجه الحميدى (٢٦٣)، وسعيد بن منصور في سننه (٥٤٥ - تفسير)، وابن ماجه (١٢٤)، وابن أبي داود في مسند عائشة (١٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٨/ ٣٥٨، ٣٥٩، من طريق سفيان به بنحوه. وأخرجه ابن سعد ٣/ ١٠٤، والبخاري (٤٠٧٧)، ومسلم (٢٤١٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨١٥ (٤٥٠٧)، والحاكم ٢/ ٢٩٨، والبيهقي في دلائل النبوة ٣/ ٣١٢ من طريق هشام بن عروة به بنحوه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٢ إلى المصنف.","vol":"6","page":244},{"text":"يعني بقولِه: ﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾. قد جمَعوا الرجالَ للقائِكم والكرَّةِ إليكم لحربِكم. ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾، يقولُ: فاحْذَروهم، واتَّقوا لقاءَهم؛ فإنه لا طاقةَ لكم بهم. ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾، يقولُ: فزادهم ذلك من تخويفِ مَن خوَّفهم أمرَ أبى سفيانَ وأصحابِه من المشركين، يقينًا إلى يقينِهم، وتصديقًا للَّهِ ولوعدِه ووعدِ رسولِه إلى تصديقِهم، ولم يُثْنِهم ذلك عن وجهِهم، الذي أمَرهم رسولُ اللَّهِ ﷺ بالسيرِ فيه. ولكن ساروا حتى بلَغوا رضوانَ اللَّهِ منه. ﴿وَقَالُوا﴾ - ثقةً باللَّهِ، وتوكُّلًا عليه، إذ خوَّفهم مَن خوَّفهم أبا سفيانَ وأصحابَه من المشركين -: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. يعنى بقولِه: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾. كفانا (^١) اللَّهُ، يعنى (^٢): يكفينا اللَّهُ. ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، يقولُ: ونعْمَ المَوْلى لمن ولِيَه وكفَله.\nوإنما وصَف تعالى نفسَه بذلك؛ لأن \"الوكيلَ\" في كلامِ العربِ: هو المُسْنَدُ إليه القيامُ بأمرِ مَن أَسْنَد إليه القيامَ بأمرِه، فلما كان القومُ الذين وصَفهم اللَّهُ بما وصَفهم به في هذه الآياتِ، قد كانوا فوَّضوا أمرَهم إلى اللَّهِ، ووثِقوا به، وأَسْنَدوا ذلك إليه، وصَف نفسَه بقيامِه لهم بذلك، وتفويضِهم أمرَهم إليه بالوَكالةِ، فقال: ونِعْم الوكيلُ اللَّهُ تعالى لهم.\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ في الوقتِ الذي قال مَن قال لأصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: قيل ذلك لهم في وجهِهم الذي خرَجوا فيه مع رسولِ اللَّهِ ﷺ من أُحدٍ إلى حَمَراءِ الأسَدِ، في طلبِ أبي سفيانَ ومَن معه من المشركين.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"كفينا\".\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"بمعنى\".","vol":"6","page":245},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1619>ذكرُ مَن قال ذلك، وذكرُ السببِ الذي من أجلِه قيل ذلك، ومَن قائلُه</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي بكرِ بن محمدِ بن عمرِو بن حزمٍ، قال: مرَّ به - يعني برسولِ اللَّهِ ﷺ مَعْبدٌ الخُزاعيُّ بحمراءِ الأسَدِ، وكانت خزاعةُ، مسلمُهم ومشركُهم، عَيْبةَ (^١) نُصحٍ الرسولِ اللَّهِ ﷺ بتِهَامةَ، صَفْقَتُهم معه، لا يُخفون عليه شيئًا كان بها، ومعبدٌ يومَئذٍ مشركٌ، فقال: يا محمدُ، أَمَا واللَّهِ لقد عزَّ علينا ما أصابك في أصحابِك، ولَوَدِدنا أن اللَّهَ ﷿ كان أعفاك فيهم. ثم خرَج من عندِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بحمراءِ (^٢) الأسَدِ، حتى لقِى أبا سفيانَ بنَ حربٍ ومن معه بالرَّوْحاءِ، قد أَجْمعوا الرَّجْعةَ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه، وقالوا: أصبْنا حَدَّ (^٣) أصحابِه وقادتَهم وأشرافَهم، ثم نرجِعُ قبلَ أن نستأصِلَهم؟! لنكُرَّنَّ على بقيَّتِهم، فلْنفرُغَنَّ منهم. فلما رأى أبو سفيانَ مَعْبدًا، قال: ما وراءَك يا معبدُ؟ قال: محمدٌ قد خرَج في أصحابِه يطلُبُكم في جمعٍ لم أرَ مثلَه قطُّ، يتحرَّقون عليكم تحرُّقًا، قد اجْتَمع معه من كان تخلَّف عنه في يومِكم، وندِموا على ما صنَعوا، فيهم (^٤) من الحَنَقِ عليكم شيءٌ (^٥) لم أرَ مثلَه قطُّ. قال: ويْلَك ما تقولُ؟ قال: واللَّهِ ما أراك ترتحلُ حتى ترى نواصيَ الخيلِ. قال: فواللَّهِ لقد أَجْمَعْنا الكرَّةَ عليهم لنستأصلَ بقيَّتَهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، فواللَّهِ لقد حمَلني ما رأيتُ على أن قلتُ فيه أبياتًا من شعرٍ! قال: وما قلتَ؟ قال: قلتُ (^٦):\n_________\n(^١) عيبة الرجل: موضع سره. النهاية ٣/ ٣٢٧، واللسان (ع ى ب).\n(^٢) في م: \"من حمراء\".\n(^٣) في ص، س: \"محمدا و\"، وفي م، ت ٢، ت ٣: \"في أحد\". وينظر سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٢، ١٠٣.\n(^٤) في م: \"فهم\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بشيء\".\n(^٦) الأبيات في سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٣.","vol":"6","page":246},{"text":"كادَتْ تُهَدُّ من الأصواتِ راحلتى … إذْ سالتِ الأرضُ بالجُرْدِ (^١) الأبابِيلِ (^٢)\nتَرْدِي (^٣) بأُسْدٍ كرامٍ لا تَنابلةٍ (^٤) … عندَ اللِّقاءِ ولا مِيلٍ (^٥) مَعَازيلِ (^٦)\nفظَلْتُ عَدْوًا (^٧) أظُنُّ الأرضَ مائلةً … لما سَمَوا برئيسٍ غيرِ مَخْذولِ\nفقلتُ ويلَ ابن حربٍ من لقائِكمُ … إذا تَغَطْمَطَت (^٨) البطحاءُ بالجيلِ (^٩)\nإنّي نذيرٌ لأهلِ البَسْلِ (^١٠) ضاحيةً … لكلِّ ذى إرْبةٍ منهم ومَعْقولِ\nمِن جيشِ أحمدَ لا وَخْشٍ (^١١) تَنَابلةٍ … وليس يُوصَفُ ما أَنْذَرتُ بالقيلِ\n_________\n(^١) الجرد: جمع أجرد، وهو القصير الشعر من الخيل، وقيل: الخيل العتاق. شرح غريب السيرة ٢/ ١١٧، ١١٨، واللسان (ج ر د).\n(^٢) الأبابيل: الجماعات المتفرقة. اللسان (أ ب ل).\n(^٣) ردت الخيل تردى: رجمت الأرض بحوافرها في سيرها أو عدوها. ينظر غريب السيرة ٢/ ١١٨، واللسان (ر د ى).\n(^٤) التنابلة: جمع تنبال، والتنبال: القصير: اللسان (ت ن ب ل).\n(^٥) في الأصل، ص، ت ٢، ت ٣، س: \"خرق\". والميل: جميع أَميل، وهو الذي يميل على السرج في جانب لا يستوى عليه، وقيل: هو الذي لا سيف معه ولا رمح أو لا ترس معه. ينظر غريب السيرة ٢/ ١١٨، واللسان (م ي ل).\n(^٦) المعازيل: الذين لا سلاح معهم. غريب السيرة ٢/ ١١٨، اللسان (ع ز ل).\n(^٧) العدو: مشى سريع. غريب السيرة ٢/ ١١٨.\n(^٨) تغطمطت: اهتزت وارتجت، والبطحاء: السهل من الأرض. غريب السير ٢/ ١١٨.\n(^٩) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بالخيل\"، وغير منقوطة في ص. والجيل: الصنف من الناس. ينظر غريب السيرة ٢/ ١١٨، والخيل بالفتح: اسم للأفراس والفرسان جميعًا. تاج العروس (خ ى ل). قال السهيلي في الروض الأنف ٦/ ٤٨،٤٩: قوله: بالخيل: جعل الردف - وهو الحرف الذي يكون قبل حرف الروى - حرف لين، والأبيات كلها مُردَفة الرويّ بحرف مد ولين. وهذا هو السِّناد.\n(^١٠) البسل: الحرام. وأراد بأهل البسل قريشًا؛ لأنهم أهل مكة، ومكة حرام. غريب السيرة ٢/ ١١٨، واللسان (ب س ل).\n(^١١) الوخش: رذالة الناس وأخساؤهم. اللسان (وخ ش).","vol":"6","page":247},{"text":"قال: فثَنى ذلك أبا سفيانَ ومن معه، ومرَّ به رَكْبٌ من عبدِ القَيْسِ، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريدُ المدينةِ. قال: ولِمَ؟ قالوا: نريدُ المِيرةَ. قال: فهل أنتم مُبلِّغون عنى محمدًا رسالةً أُرسلُكم بها إليه (^١)، وأُحَمِّلُ لكم إبلَكم هذه غدًا زبيبًا بعُكاظَ إذا وافيتُموها؟ قالوا: نعم. قال: فإذا جئْتُموه فأخبِروه أنا قد أجْمَعنا السيرَ إليه وإلى أصحابِه؛ لنستأصلَ بقيَّتَهم، فمرَّ الرَّكْبُ برسولِ اللَّهِ ﷺ وهو بحمراءِ الأسَدِ، فأخبروه بالذي قال أبو سفيانَ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ (^٢): \"حَسْبُنا اللَّهُ ونعمَ الوكيلُ\" (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: فقال اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. والناسُ الذين قال لهم ما قالوا، النفرُ من عبدِ القيسِ، الذين قال لهم (^٤) أبو سفيانَ ما قال؛ إن أبا سفيانَ ومن معه راجعون إليكم. يقولُ اللَّهُ ﵎: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ الآية (^٥).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: لما ندِموا - يعنى: أبا سفيانَ وأصحابِه - على الرجوعِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه وقالوا: ارجعوا فاستأصِلوهم فقذَف اللَّهُ في قلوبِهم الرُّعْبَ فهُزِموا، فلَقُوا أَعرابيًّا، فجعَلوا له جُعْلًا، فقالوا له: إن لقيتَ محمدًا وأصحابَه فأخبرْهم أنا قد جمَعنا لهم،\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) بعده في الأصل: \"وأصحابه\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٢، ١٠٣، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٣/ ٣١٥، ٣١٦ من طريق ابن إسحاق به.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الناس\".\n(^٥) سيرة ابن هشام ٢/ ١٢١ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨١٨ (٤٥١٧) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":248},{"text":"فأخبرَ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه رسولَه ﷺ، فطلَبهم حتى بلَغ حَمراءِ الأسَدِ، فلقُوا الأعرابيَّ في الطريقِ، فأخبَرهم الخبرَ، فقالوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونعمَ الوكيلُ. ثم رجَعوا من حمراءِ الأسَدِ، فأَنْزَل اللَّهُ تعالى فيهم، وفى الأعرابيِّ الذي لقِيَهم: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: استقبل أبو سفيانَ في مُنصرَفِه من أُحدٍ عيرًا واردةً المدينةَ ببضاعةٍ لهم، وبينهم وبينَ النبيِّ ﷺ جِبالٌ، فقال: إن لكم عليَّ رضاكم إن أنتم ردَدتُم على محمدًا ومن معه، إن أنتم وجَدتموه في طلَبي، وأخبرتموه أني قد جمَعت له جموعًا كثيرةً، فاستقبلَت العيرُ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فقالوا له: يا محمدُ، إنا نخبرُك أن أبا سفيانَ قد جمَع لك جموعًا كثيرةً، وأنه مقبلٌ إلى المدينةِ، وإن شئتَ أن ترجِعَ فافعَلْ، ولم يَزِدْه ذلك ومن معه إلا يقينًا، وقالوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونعمَ الوكيلُ. فأَنْزَل اللَّهُ ﵎: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: انطلَق رسولُ اللَّهِ ﷺ وعصابةٌ من أصحابِه بعدَ ما انصرَف أبو سفيانَ وأصحابُه من أُحدٍ خلْفَهم، حتى كانوا بذي الحُلَيفةِ، فجعَل الأعرابُ والناسُ يأتون عليهم، فيقولون لهم: هذا أبو سفيانَ مائلٌ عليكم بالناسِ، فقالوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونعمَ الوكيلُ. فأَنْزل اللَّهُ تعالى فيهم: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٢ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٣ إلى المصنف.","vol":"6","page":249},{"text":"وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (^١).\nوقال آخرون: بل قال ذلك لرسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه من قال ذلك له في غزوةِ بدرٍ الصُّغرى، وذلك في مسيرِ النبيِّ ﷺ من عامِ قابلٍ من وقعةِ أُحدٍ، للقاءِ عدوِّه أبى سفيانَ وأصحابِه، للموعدِ الذي كان واعَده الالتقاءَ بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1620>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾. قال: هذا أبو سفيانَ، قال لمحمدٍ ﷺ: موعدُكم بدرٌ حيثُ قتَلتُم أصحابَنا. فقال: محمدٌ ﷺ \"عسى\". فانطلق رسولُ اللَّهِ ﷺ لموعدِه حتى نزَل بدرًا، فوافقوا السوقَ فيها، وابتاعوا، فذلك قولُه ﵎: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾. وهى غزوةُ بدرٍ الصُّغرى (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، وزاد فيه: وهى بدرٌ الصغرى. قال ابن جُريجٍ: لما عمَد النبيُّ ﷺ لموعدِ أبي سفيانَ، فجعَلوا يلقَوْن المشركينَ، ويسألونهم عن قريشٍ، فيقولون: قد جَمعوا لكم. يكِيدونهم بذلك، يريدون أن يَرْعَبوهم، فيقولُ المؤمنون: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ الله. حتى قدِموا بدرًا، فوجَدوا أسواقَها عافيةً لم ينازِعْهم فيها أحدٌ، وقدِم رجلٌ من المشركين، فأَخْبَر أهلَ مكةَ بخيلِ محمدٍ ﵇، وقال\n_________\n(^١) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ٩٧ من طريق سعيد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٨١٩ (٤٥٢٣) من طريق ابن أبي نجيح به.","vol":"6","page":250},{"text":"في ذلك (^١):\nنفَرَتْ قُلُوصى عن خيولِ محمدِ\nوعَجْوةٍ منثورةٍ كالعُنْجُدِ (^٢)\nواتَّخَذَتْ ماءَ قُدَيدٍ (^٣) مَوْعدى\nقال أبو جعفرٍ: هكذا أنشدنا القاسمُ، وهو خطأٌ، وإنما هو:\nقد نفَرَتْ من رُفْقَتى محمدِ\nوعَجْوةٍ من يثربٍ كالعُنْجُدِ\nتَهْوِى على دينِ أبيها الأَتْلدِ\nقد جعَلَتْ ماءَ قُدَيدٍ مَوْعدى\nوماءَ ضَجْنانَ لها ضُحَى الغدِ (^٤)\nحدَّثني الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ، قال: كانت بدرٌ متجرًا في الجاهليةِ، فخرَج ناسٌ من المسلمين يريدونه، فلقِيهم ناسٌ من المشركين، فقالوا لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾. فأما الجبانُ فرجَع، وأما الشُّجاعُ فأخَذ الأُهْبةَ للقتالِ، وأهبةَ التجارةِ، وقالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. فأَتَوْهم فلم يلْقَوا أحدًا، فأَنْزَل اللَّهُ ﷿ فيهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) هو معبد بن أبي معبد الخزاعي.\n(^٢) العنجد: حب العنب، ويقال: هو الزبيب الأسود. اللسان (عنجد).\n(^٣) قديد: اسم موضع قرب مكة معجم البلدان ٤/ ٤٢.\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٢١٠، وذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ١٤٩ المصنف.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٠، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٤٣ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨١٨ (٤٥٢٢) من طريق سفيان بن عيينة به.","vol":"6","page":251},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيينةَ، قال: أخبرني زكريا، عن الشعبيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو، قال: هي كلمةُ إبراهيمَ ﷺ حينَ أُلقِىَ في النارِ، فقال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (^١).\nوأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: إن الذي قيل لرسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه، من أن الناسَ قد جَمعوا لكم فاخشَوْهم. كان في حالِ خُروجِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، وخُروجِ مَن خرَج معه في أَثرِ أبى سفيانَ ومن كان معه من مشركي قريشٍ، منصرفَهم عن أُحدٍ إلى حَمراءِ الأسَدِ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذِكرُه إنما مدَح الذين وصَفهم بقيلِهم: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. لما قيل لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾. بعدَ الذي قد كان نالهم من القروحِ والكُلُومِ، بقولِه: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾. ولم تكنْ هذه الصفةُ إلا صفةَ من تَبِع رسولَ اللَّهِ ﷺ، من جَرْحَى أصحابِه بأُحدٍ إلى حَمراءِ الأسَدِ. فأما (^٢) الذين خرَجوا معه إلى غزوةِ بدرٍ الصُّغرى، فإنه لم يكُنْ فيهم جريحٌ، إلا جريحٌ قد تقادَم اندمالُ جُرْحِه، وبرَأ كَلْمُه. وذلك أن رسولَ اللَّهِ ﷺ إنما خرَج إلى بدرٍ الخَرْجةَ الثانيةَ إليها لموعدِ أبي سفيانَ الذي كان واعَده اللقاءَ بها بعدَ سنةٍ من غزوةِ أُحدٍ [في قولِ بعضٍ، وفي قولِ آخرين: خرج إليها بعدَما مضى عشرةُ أشهرٍ من أحدٍ] (^٣)، في شعبانَ سنةَ أربعٍ من الهجرةِ. وذلك أن وقعةَ أُحدٍ كانت في النصفِ من شوَّالٍ من سنةِ ثلاثٍ، وخُروجَ النبيَّ ﷺ لغزوةِ بدرٍ الصُّغرى إليها في شعبانَ من سنةِ أربعٍ، ولم يكنْ للنبيِّ ﷺ بينَ ذلك وقعةٌ مع المشركين كانت بينَهم فيها حربٌ جُرحِ فيها\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٠، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٣٥٣ من طريق الشعبي بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٣ إلى ابن المنذر.\n(^٢) بعده في م: \"قول\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":252},{"text":"أصحابُه، ولكن قد كان قُتِل في وقعةِ الرَّجِيعِ من أصحابِه جماعةٌ لم يشهَدْ أحدٌ منهم غزوةَ بدرٍ الصُّغْرَى، وكانت وقعةُ الرَّجِيعِ فيما بينَ وقعةِ أُحدٍ، وغزوةِ النبيَّ ﷺ بدرًا الصُّغرى.\n\n<span id=\"aya-467\"></span><span data-type='title' id=toc-1622>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. فانصرَف الذين استجابوا للَّهِ والرسولِ من بعدِ ما أصابَهم القرْحُ، من وجهِهم الذي توجَّهوا فيه، وهو سيرُهم في أثَرِ عدوِّهم إلى حَمراءِ الأسَدِ. ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾، يعني: بعافيةٍ من ربِّهم، لم يَلْقَوا بها عدوًّا، ﴿وَفَضْلٍ﴾، يعنى ما (^١) أصابوا فيها من الأرباحِ بتجارتِهم التي تَجَروا بها، والأجرِ الذي اكتسبوه، ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾. يعنى: لم ينَلْهم بها مكروةٌ من عدوِّهم ولا أذًى، ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾. يعنى بذلك: أنهم أَرْضَوا اللَّهَ بفعلِهم ذلك، واتباعِهم رسولَه إلى ما دعاهم إليه، من اتباعِ أَثرِ (^٢) العدوِّ وطاعتِهم، ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾. يعنى: واللَّهُ ذو إحسانٍ وطَوْلٍ عليهم، بصرفِ عدوِّهم الذي كانوا قد همُّوا بالكرَّةِ إليهم، وغيرِ ذلك من أياديه عندَهم، وعلى غيرِهم بنعَمِه، ﴿عَظِيمٍ﴾ عندَ من أَنْعَم به عليه من خلقِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1621>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾. قال: والفضلُ ما أصابوا من\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أمر\".","vol":"6","page":253},{"text":"التجارةِ والأجرِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: وافقوا السوقَ فابتاعوا، وذلك قولُه: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾. قال: الفضلُ ما أصابوا من التجارةِ والأجرِ. قال ابن جُريجٍ: ما أصابوا من البيعِ نعمةٌ من اللَّهِ وفضلٌ، أصابوا عفوَه وعزَّتَه، لا ينازِعُهم فيه أحدٌ. قال: وقولُه: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾. قال: قَتْلٌ. ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾. قال: طاعة النبيِّ ﷺ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾. لما صرَف عنهم من لقاءِ عدوِّهم (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: أطاعوا اللَّهَ، وابتغَوا حاجتَهم، ولم يؤذِهم أحدٌ: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: أعطَى رسولُ اللَّهِ ﷺ أصحابِه (^٤) - يعني: حينَ خرَج إلى غزوةِ بدرٍ الصغرى - ببدرٍ دراهمَ ابتاعوا بها من موسمِ بدرٍ، فأصابوا تجارةً، فذلك قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾. أما \"النعمةُ\"، فهى العافيةُ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨١٩ (٤٥٢٦) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٤ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١٢١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢٠ (٤٥٣٢) من طريق آخر عن ابن إسحاق به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨١٩، ٨٢٠ (٤٥٢٩، ٤٥٣١) عن محمد بن سعد به.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":254},{"text":"وأما \"الفضلُ\" فالتجارةُ، و\"السوءُ\" القتلُ (^١).\n\n<span id=\"aya-468\"></span><span data-type='title' id=toc-1623>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكرُه: إنما الذي قال لكم، أيها المؤمنون: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ فخوَّفوكم بجموعِ عدوِّكم، ومسيرِهم إليكم، من فعلِ الشيطانِ ألقاه على أفواهِ من قال ذلك لكم، يخوِّفُكم بأوليائِه من المشركين؛ أبي سفيانَ وأصحابِه من قريشٍ، لتَرْهَبوهم، وتَجْبُنوا عنهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾: يخوِّفُ واللَّهِ المؤمنَ بالكافرِ، ويُرْهِبُ المؤمنَ بالكافرِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال مجاهدٌ قولَه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾. قال: يخوِّفُ المؤمنين بالكفارِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾. يقولُ: الشيطانُ يخوِّفُ المؤمنين بأوليائِه (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾: أي: أولئك الرهطُ - يعنى النفرَ من عبدِ القيسِ - الذين قالوا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨١٩، ٨٢٠ (٤٥٢٥، ٤٥٣٠) من طريق أحمد بن مفضل به، و٣/ ٨١٩ عقب الأثر (٤٥٢٦) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢١ (٤٥٣٧) من طريق يزيد به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٤ إلى المصنف، وذكره بنحوه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٨٢٠ عقب الأثر (٤٥٣٣) معلقًا عن العوفي عن ابن عباس.","vol":"6","page":255},{"text":"لرسولِ اللَّهِ ﷺ ما قالوا، وما أَلقى الشيطانُ على أفواهِهم، ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾. أي: يُرْهبُكُم بأوليائِه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا عليُّ بنُ مَعْبَدٍ، عن عتَّابِ بن بشيرٍ، مولى قريشٍ، عن سالمٍ الأَفْطسِ في قولِه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾. قال: يُخوِّفُكم بأوليائِه.\nوقال آخرون: معنى ذلك: إنما ذلكم الشيطانُ يعظِّمُ أمرَ المشركين، أيها المنافقون، في أنفسِكم لتخافونه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1624>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: ذكَر أمرَ المشركين وعظَّمهم في أعينِ المنافقين، فقال ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾. يقولُ: يعظِّمُ أولياءَه في صدورِكم فتخافونَهم (^٣).\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾. وهل يخوِّفُ الشيطانُ أولياءَه؟ [وكيف] (^٤) قيل: إن كان معناه: يخوِّفُكم بأوليائِه: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾؟\nقيل: ذلك نظيرُ قولِه: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢]. بمعنى: لينذرَكم بأسَه الشديدَ، وذلك أن البأسَ لا يُنذَرُ، وإنما يُنْذَرُ به (^٥).\nوقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ يقولُ: معنى ذلك: يخوِّفُ الناسَ\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ١٢١ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٨٢١ (٤٥٤٠) من طريق سلمة به.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"فتخافوه\". وفى م، ت ٢، ت ٣: \"فتخافونه\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢٠ (٤٥٣٥) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٢٤٨.","vol":"6","page":256},{"text":"أولياءَه، كقولِ القائلِ: هو يُعْطِى الدراهمَ، ويكسو الثيابَ. بمعنى: هو يُعطِى الناسَ الدراهمَ، ويكْسُوهم الثيابَ، فحذَف ذلك للاستغناءِ عنه. وليس الذي شبَّه من (^١) ذلك بمشتَبِهٍ (^٢)، لأن الدراهمَ في قولِ القائلِ: هو يُعطى الدراهمَ. معلومٌ أن المعطَى هي الدراهمُ، وليس كذلك الأولياءُ في قولِه: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾. مخوَّفين، بل التخويفُ من الأولياءِ لغيرِهم، فلذلك افْتَرقا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1625>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه: فلا تخافوا أيها المؤمنون المشركين، ولا يعظُمَنَّ عليكم أمرُهم، ولا تَرْهَبوا جمعَهم مع طاعتِكم إياى؛ ما أطعْتَموني، واتبعتم أمرى، وإني متكفِّلٌ (^٣) لكم بالنصرِ والظَّفَرِ، ولكن خافونِ، واتقوا أن تَعصُوني، وتخالفوا أَمْرِى، فتَهلِكوا، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: ولكن خافونى دونَ المشركين، ودونَ جميعِ خلقى أن تخالفوا أَمرِى، إن كنتم مصدِّقي رسُولي، وما جاءكم به من عندِي.\n\n<span id=\"aya-469\"></span><span data-type='title' id=toc-1626>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولا يَحْزُنْك يا محمدُ كفرُ الذين يسارعون في الكفرِ، مرتدِّين على أعقابِهم من أهلِ النفاقِ، فإنهم لن يضرُّوا اللَّهَ شيئًا بمسارعتِهم في الكفرِ، كما أن مسارعتَهم لو سارعوا إلى الإيمانِ لم تكنْ بنافعتِه، فكذلك مسارعتُهم إلى الكفرِ غيرُ ضارَّتِه.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ص.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بمشبه\".\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"متكلف\".","vol":"6","page":257},{"text":"كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾. يعنى: إنهم (^١) المنافقون (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾. أي: المنافقون (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1627>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يريدُ اللَّهُ ألا يجعلَ لهؤلاء الذين يسارعون في الكفرِ نصيبًا في ثوابِ الآخرةِ، فلذلك خذَلهم فسارعوا فيه، ثم أَخْبَر أنهم مع حِرمانِهم ما حُرِموا من ثوابِ الآخرةِ، لهم عذابٌ عظيمٌ في الآخرةِ، وذلك عذابُ النارِ.\nوقال ابن إسحاقَ في ذلك بما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾: أَن يُحْبِطَ أعمالَهم (^٤).\n\n<span id=\"aya-470\"></span><span data-type='title' id=toc-1628>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكرُه المنافقين الذين تقدَّم إلى نبيِّه ﷺ فيهم، ألَّا يحزنَه مسارعتُهم إلى الكفرِ، فقال لنبيِّه ﷺ: إن هؤلاء الذين ابتاعوا الكفرَ بإيمانِهم، فارتدُّوا عن إيمانِهم بعدَ دخولِهم فيه، ورضُوا بالكفرِ باللَّهِ وبرسولِه، عوضًا من\n_________\n(^١) في م: \"هم\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٦٢. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢٢ (٤٥٤٥) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١٢١.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢٢ (٤٥٤٦)، من طريق سلمة به.","vol":"6","page":258},{"text":"الإيمانِ، لن يضرُّوا اللَّهَ بكفرِهم، وارتدادِهم عن إيمانِهم شيئًا، بل إنما يضرُّون بذلك أنفسَهم بإيجابِهم بذلك لها من عقابِ اللَّهِ ما لا قِبلَ لها به.\nوإنما حثَّ اللَّهُ عزَّ ذكرُه بهذه الآياتِ من قولِه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ الله﴾. إلى هذه الآيةِ - عبادَه المؤمنين على إخلاصِ اليقينِ، والانقطاعِ إليه في أمورِهم، والرضا به ناصرًا وحدَه دونَ غيرِه منِ سائرِ خلقِه، ورغَّب بذلك في جهادِ أعدائِه وأعداءِ دينِه، وشجَّع بها قلوبَهم، وأَعْلَمهم أن من ولِيه بنصرِه، فلن يُخْذَلَ، ولو اجتمع عليه جميعُ من خالَفه وحادَّه، وأن من خذَله، فلن ينصُرَه ناصِرٌ ينفَعُه نصرُه ولو كثُرت أعوانُه [ونصراؤُه] (^١).\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾: أي المنافقين، ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي مُوجعٌ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: هم المنافقون (^٢).\n\n<span id=\"aya-471\"></span><span data-type='title' id=toc-1629>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكرُه: ولا يظُنَّنَّ الذين كفَروا باللَّهِ ورسولِه، وما جاء به من عندِ اللَّهِ، أن إملاءَنا لهم (^٣) خيرٌ لأنفسِهم.\nويعنى بالإملاءِ: الإطالةَ في العمُرِ، والإنساءَ في الأجلِ، ومنه قوله جلَّ ثناؤُه:\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣، س: \"أو نصراؤه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢٣ (٤٥٥٠) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٣) في الأصل: \"إياهم\".","vol":"6","page":259},{"text":"﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]. أي حينًا طويلًا. ومنه قيل: عِشْتَ طويلًا، وتملَّيتَ حَبِيبًا (^١). والملا نفسُه: الدهرُ، والملَوانِ: الليلُ والنهارُ. ومنه قولُ تميمِ بن مُقْبِل (^٢):\nألا يا ديارَ الحَيِّ بالسَّبُعانِ (^٣) … أملَّ عليها بالبِلَى المَلوَانِ\nيعنى بالمَلَوينِ (^٤): الليلَ والنهارَ.\nوقد اخْتَلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾، فقرأ ذلك جماعةٌ منهم: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياءِ، وبفتحِ الألفِ من قولِه: ﴿أَنَّمَا﴾، على المعنى الذي وصَفتُ من تأويلِه (^٥). وقرأه آخرون: (ولَا تَحْسَبنَّ) بالتاءِ، و﴿أَنَّمَا﴾، أيضا بفتحِ الألفِ من \"أَنَّما\"، بمعنى: ولا تَحْسَبَنَّ يا محمدُ أنت (^٦) الذين كفَروا أنما نُمْلِى لهم خيرٌ لأنفسِهم (^٧).\nفإن قال قائلٌ: فما الذي من أجلِه فُتحِت الألفُ من قولِه: ﴿أَنَّمَا﴾. في قراءةِ من قرأ: (تَحْسَبَنَّ). بالتاءِ، وقد علِمتَ أن ذلك إذا قُرِئ بالتاءِ، فقد أَعْملتَ ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ في ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وإذا أعملتَها في ذلك لم يجُزْ لها أن تقعَ على \"أنما\"؛ لأن \"أنما\" إنما يعمَلُ فيها عاملٌ يعمَلُ في شيئين نصبًا؟\nقيل: أما الصوابُ في العربيةِ، ووجهُ الكلامِ المعروفُ من كلامِ العربِ كَسْرُ\n_________\n(^١) في الأصل، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حينًا\". وفى ص: \"حنينا\". والمثبت هو الصواب، وتمليت حبيبا: عشتَ معه ملاوة من ذهرك وتمتعت به. اللسان (م ل ي).\n(^٢) ديوانه ص ٣٣٥.\n(^٣) السبعان: موضع معروف في ديار قيس، وقيل: هو جبل قبل فلج. ينظر معجم البلدان ٣/ ٣٣.\n(^٤) في ص، م: \"بالملوان\".\n(^٥) هذه قراءة العشرة إلا حمزة. ينظر السبعة ص ٢١٩، والنشر ٢/ ١٨٤.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٧) هذه قراءة حمزة، ووافقه المطوعي. ينظر المصدران السابقان، وينظر إتحاف فضلاء البشر ص ١١٠.","vol":"6","page":260},{"text":"\"إنَّ\" إذا قُرِئت (تَحْسَبنَّ) بالتاءِ؛ لأن (تَحْسَبَنَّ) إذا قُرِئت بالتاءِ، فإنها قد نصَبت ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فلا يجوزُ أن تعمَلَ، وقد نصَبتْ اسمًا، في \"أن\"، ولكنى أظُنُّ أن من قرَأ ذلك بالتاءِ في (تحسَبَنَّ)، وفتحِ الألفِ من ﴿أَنَّمَا﴾، إنما أراد تكريرَ (تحسبَنَّ) على ﴿أَنَّمَا﴾، كأنه قصَد إلى أن معنى الكلامِ: ولا تحسبَنَّ يا محمدُ أنت الذين كفَروا، لا تحسبَنَّ أنما نملى لهم خيرٌ لأنفسِهم، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ [محمد: ١٨] بتأويلِ: هل ينظُرون إلا الساعةَ، هل ينظُرون إلا أن تأتيَهم بغتةً؟ وذلك وإن كان وجهًا جائزًا في العربيةِ، فوجهُ كلامِ العربِ ما وصَفنا قبلُ.\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا قراءةُ من قرأ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. بالياءِ من ﴿يَحْسَبَنَّ﴾، وبفتحِ الألفِ من ﴿أَنَّمَا﴾، على معنى أنَّ (^١) الحِسْبانَ للذين كفَروا دونَ غيرِهم، ثم يعمَلُ في ﴿أَنَّمَا﴾ نصبًا؛ لأن ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ حينَئذٍ لم تشْغَلْ بشيءٍ عُمِلت فيه، وهى تطلُب منصوبين. وإنما اخْتَرنا ذلك لإجماعِ القرأةِ على فتحِ الألفِ من ﴿أَنَّمَا﴾ الأُولى، فدلَّ ذلك على أن القراءةَ الصحيحةَ في ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ بالياءِ (^٢) لما وصَفنا. وأما ألفُ ﴿أَنَّمَا﴾ الثانيةِ فبالكسرِ (^٣) على الابتداءِ بإجماعٍ من القرأةِ عليه.\nوتأويلُ قولِه: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾: إنما نؤخِّرُ آجالَهم فنُطِيلُها (^٤).\n﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾، يقولُ: يكتسِبوا المعاصىَ، فتزدادَ آثامُهم وتكثُرَ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص: \"بالفاء\".\n(^٣) في م: \"فالكسر\".\n(^٤) في ص: \"فيطيلها\".","vol":"6","page":261},{"text":"﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، يقولُ: ولهؤلاء الذين كفَروا باللَّهِ ورسولِه في الآخرةِ عقوبةٌ لهم مُهينةٌ مُذلَّةٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك جاء الأثرُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن خَيْثمةَ، عن الأسودِ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: ما من نفسٍ برَّةٍ ولا فاجرةٍ إلا والموتُ خيرٌ لها. وقرأ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾. وقرأ: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ (^١) [آل عمران: ١٩٨].\n\n<span id=\"aya-472\"></span><span data-type='title' id=toc-1630>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾: ما كان اللَّهُ ليدعَ المؤمنين، على ما أنتم عليه من التباسِ المؤمنِ منكم بالمنافقِ، فلا يُعرَفَ هذا من هذا، ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. يعنى بذلك: حتى يميزَ الخبيثَ، وهو المنافقُ المُسْتَسِرُّ للكفرِ، من الطيِّبِ، وهو المؤمنُ المخلصُ الصادقُ الإيمانِ - بالمحنِ والاختبارِ، كما ميَّز بينَهم يومَ أُحدٍ، عندَ لقاءِ العدوِّ، و(^٢) عندَ خروجِهم إليهم (^٣).\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في \"الخبيث\" الذي عنى اللَّهُ في هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٤٢ عن الثوري به، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٣/ ٣٠٣ (١٦٤٢٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢٣ (٤٥٥٥)، والطبراني (٨٧٥٩)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٢٩٨، من طريق الأعمش بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٤ إلى عبد بن حميد وأبى بكر المروزي في كتاب الجنائز وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"إليه\".","vol":"6","page":262},{"text":"فيه مثلَ قولِنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1631>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو (^١)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ جلَّ وعز: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. قال: ميَّز بينَهم يومَ أَحدٍ؛ المنافقَ من المؤمنِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. قال ابن جريجٍ: يقولُ: ليبيِّنَ الصادقَ بإيمانِه من الكاذبِ. قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: يوم أُحدٍ ميَّز بعضَهم عن بعضٍ؛ المنافقَ عن المؤمنِ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. أي المنافِقِين (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: حتى يميزَ المؤمنَ من الكافرِ بالهجرةِ والجهادِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1632>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾. يعنى: الكفارَ. يقولُ: لم يكنِ اللَّهِ ليدعَ المؤمنين على ما أنتم عليه من الضلالةِ ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾: يُميِّزَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"سعد\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢٤ (٤٥٦٤) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"المنافق\"، والأثر في سيرة ابن هشام ٢/ ١٢١.","vol":"6","page":263},{"text":"بينَهم في الجهادِ والهجرةِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. قال: حتى يميزَ الفاجرَ من المؤمنِ (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. قالوا: إن كان محمدٌ صادقًا، فلْيُخْبِرْنا بمن يُؤمِنُ [به منّا] (^٣) ومن يكفُرُ. فأَنْزَل اللَّهُ: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾: حتى يُخْرِجَ المؤمنَ من الكافرِ (^٤).\nوالتأويلُ الأولُ أَوْلى بتأويلِ الآيةِ؛ لأن الآياتِ قبلَها في ذكرِ المنافقين، وهذه في سياقتِها، فكونُها بأن تكونَ فيهم أشبهُ منها بأن تكونَ في غيرِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1633>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا به محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾: وما كان اللَّهُ لِيطلِعَ محمدًا على الغيبِ، ولكن اللَّهَ اجتباه، فجعله رسولًا (^٥).\nوقال آخرون بما حدَّثنا به ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَمَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٢٤، ٨٢٥ (٤٥٥٨، ٤٥٦٦) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٠.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"باللَّه\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢٤ (٤٥٥٩، ٤٥٦٣) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢٥ (٤٥٦٨) من طريق أحمد بن المفضل بنحوه.","vol":"6","page":264},{"text":"كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾. أي فيما يريدُ أن يبتليَكم به؛ لتحذروا ما يدخُلُ عليكم فيه، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: بِعِلْمِه (^١).\nوأولى الأقوال في ذلك بتأويلِه: وما كان اللَّهُ ليطلعَكم على ضمائرِ قلوبِ عبادِه، فتعرِفوا المؤمنَ منهم من المنافقِ والكافرِ، ولكنه يميِّزُ بينَهم بالمحنِ والابتلاءِ، كما ميَّز بينَهم بالبأساءِ يومَ أُحدٍ، وجهادِ عدوِّه، وما أشبَهَ ذلك من صنوفِ المحنِ، حتى تعرِفوا مؤمنَهم من كافرِهم ومنافقِهم، غيرَ أنه جل وعز يجتبى من رسلِه من يشاءُ، فيصطفيه، فيطلِعُه على بعضِ ما في ضمائرِ بعضِهم، بوحيِه ذلك إليه ورسالتِه.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. [يجتبى: يَمتحِنُ؛ يُخْلِصُهم لنفسِه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾] (^٣). قال: يُخلِصُهم لنفسِه.\nوإنما قلنا: هذا التأويلُ أولى بتأويلِ الآيةِ؛ [لأن ابتداءَها] (^٤) خبرٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه أنه غيرُ تاركٍ عبادَه - يعنى بغيرِ محَنٍ - حتى يفرَّقَ بالابتلاءِ بينَ مؤمنِهم وكافرِهم وأهلِ نفاقِهم، ثم عقَّب ذلك بقولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾.\n_________\n(^١) في مصدري التخريج: \"يعلمه\". والأثر في سيرة ابن هشام ٢/ ١٢١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢٥، ٨٢٦ (٤٥٦٩، ٤٥٧٣) من طريق سلمة به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٦٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٢٥، ٨٢٦ (٤٥٧٠، ٤٥٧٢).\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) في ص: \"ابتداءها\". وفى م: \"وابتداؤها\". وفى ت ١، ت ٢، س: \"وابتدأها\".","vol":"6","page":265},{"text":"فكان فيما افْتَتح به من صفةِ إظهارِ اللَّهِ نفاقَ المنافقِ، وكفرَ الكافرِ، دَلالةٌ واضحةٌ على أن الذي وَلِى ذلك هو الخبرُ عن (^١) أنه لم يكنْ ليطلْعَهم على ما يَخفَى عنهم من باطنِ سرائرِهم، إلا بالذي ذكَر أنه مميِّزٌ به بينَهم (^٢)، إلا مَن استثنَاه من رسلِه، الذي خصَّه بعلمِه جلَّ وعز.\n\n<span data-type='title' id=toc-1634>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا﴾: وإن تصدِّقوا من اجْتَبيتُه من رسلِى بعلمِى (^٣)، وأَطْلَعتُه على المنافقين منكم، ﴿وَتَتَّقُوا﴾ رَبَّكم بطاعتِه فيما أمركم به نبيُّكم محمدٌ ﷺ، وفيما نهاكم عنه، ﴿فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: فلكم بذلك من إيمانِكم واتقائِكم ربَّكم، ثوابٌ عظيمٌ.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾. أي ترجِعوا وتتوبوا، ﴿فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (^٤).\n\n<span id=\"aya-473\"></span><span data-type='title' id=toc-1635>القولُ في تأويلِ قولِه ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾.</span>\nاخْتَلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته جماعةٌ من أهلِ الحجازِ والعراقِ: ﴿وَلَا\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"غير\".\n(^٢) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"نعتهم\". وفى ت ١: \"نفيهم\" وفى س: \"منهم\".\n(^٣) في ص، س: \"لعلمي\".\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١٢١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢٦ (٤٥٧٤) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":266},{"text":"يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾. بالياءِ، من ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ (^١). وقرأته جماعةٌ أخرُ: (ولا تحسبَنَّ). بالتاءِ (^٢).\nثم اخْتَلف أهلُ العربيةِ في تأويلِ ذلك، فقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: معنى ذلك: لا يحسبَنَّ الباخلون البخلَ هو خيرًا لهم. فاكْتَفى بذكرِ ﴿يَبْخَلُونَ﴾ من \"البخلِ\"، كما تقولُ: قدِم فلانٌ فسُرِرتُ به وأنت تريدُ: فسُرِرتُ بقدومِه. وهو عمادٌ.\nوقال بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ: إنما أراد بقولِه: (ولا تَحسبَنَّ (^٣) الَّذينَ يَبخَلُونَ بِما أتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ هو خَيرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ). لا تحسبَنَّ البخلَ هو خيرًا لهم. وألقَى الاسمَ الذي أَوقَع عليه الحِسْبانَ، وهو البخلُ؛ لأنه قد ذكَر الحِسْبانَ، وذكَر ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، فأَضْمرَهما إذ ذكَرهما. قال: وقد جاء من الحذفِ ما هو أشدُّ من هذا، قال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾. ولم (^٤) يقُلْ: ومن أَنْفَق (^٥) من بعدِ الفتحِ. لأنه لما قال: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ﴾ [الحديد: ١٠]. كان فيه دليل على أنه قد عناهم.\nوقال بعضُ من أَنْكَر قولَ من ذكَرنا قولَه من أهلِ البصرةِ: إن \"من\" في قولِه: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾. في معنى جمعٍ. ومعنى الكلامِ: لا يَسْتَوى منكم مَن أَنْفَق [من قبلِ الفتحِ في منازلِهم وحالاتِهم، فكيف مَن أنفق] (^٦) مِن بعدِ الفتحِ؟ فالأولُ مكتفٍ. وقال: في قولِه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ\n_________\n(^١) قرأ نافع والكسائي وعاصم، ومعهم ابن عامر: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياءِ وفتح السين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (ولا يحسبن) بالياءِ، وكسر السين. ينظر السبعة ص ٢١٩، ٢٢٠.\n(^٢) هذه قراءة حمزة، بالتاءِ وفتح السين. ينظر السبعة ص ٢٢٠.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"يحسبن\".\n(^٤) في ص، ت ١، س: \"من\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢: \"نيفن\".\n(^٦) سقط من: ت ١، ت ٢، س.","vol":"6","page":267},{"text":"يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. محذوفٌ، غيرَ أنه لم يُحذَفْ إلا وفى الكلامِ ما قام مقامَ المحذوفِ؛ لأن ﴿هُوَ﴾ عائدُ البخلِ، و﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ عائدُ الأسماءِ، فقد دلَّ هذان العائدان على أن قبلَهما اسمين، واكتفى بقولِه: ﴿يَبْخَلُونَ﴾. مِن البخلِ. قال: وهذا إذا قُرِئَ بالتاءِ، فالبخلُ قبلَ ﴿الَّذِينَ﴾، وإذا قُرِئ بالياءِ، فالبخلُ بعدَ ﴿الَّذِينَ﴾، وقد اكتفى بـ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ من البخلِ، كما قال الشاعرُ (^١):\nإذا نُهِى السَّفيهُ جَرَى إليه (^٢) … وخالَف والسفيهُ إلى خِلافِ\nكأنه قال: جَرَى إلى السَّفَهِ. فاكتَفى [بالسَّفيهِ من السَّفهِ] (^٣)، كذلك اكتَفى بـ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ من البخلِ.\nوأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك عندِى قراءةُ مَن قرأ: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ). بالتاءِ، بتأويلِ: ولا تحسبَنَّ أنت يا محمدُ بخلَ الذين يبخَلون بما آتاهم اللَّهُ من فضلِه هو خيرًا لهم. [ثم (^٤) ترَك ذكرَ البخلِ (^٥)؛ إذ كان في قولِه: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾] (^٦). دَلالةٌ على أنه مرادٌ في الكلامِ، إذ كان قد تقدَّمَه قولُه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.\nوإنما قلنا: قراءةُ ذلك بالتاءِ أولى بالصوابِ من قراءتِه بالياءِ؛ لأن المَحْسَبةَ من\n_________\n(^١) البيت في معاني القرآن للفراء ١/ ١٠٤، ٢٤٩، ومجالس ثعلب ١/ ٧٥، والخزانة ٤/ ٣٦٤، غيرَ منسوب.\n(^٢) في س: \"إليها\".\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"بالسفيه بالسفه\"، وفى م: \"عن السفه بالسفيه\".\n(^٤) في ص: \"من\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١.\n(^٦) سقط من: ت ١، ت ٢، س.","vol":"6","page":268},{"text":"شأنِها طلبُ اسمٍ وخبرٍ، فإذا قُرِئ قولُه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾، بالياءِ، لم يكنْ للمحسبةِ اسمٌ يكونُ قولُه: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. خبرًا عنه. وإذا قُرِئ ذلك بالتاءِ كان قولُه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾. اسمًا له، قد أدَّى عن معنى البخلِ الذي هو اسمُ المحسبةِ المتروكُ، وكان قولُه: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. خبرًا لها، فكان جاريًا مَجْرَى المعروفِ من كلامِ العربِ الفصيحِ؛ فلذلك اخترنا القراءةَ بالتاءِ في ذلك على ما قد بيَّنا، وإن كانت القراءةُ بالياءِ غيرَ خطأً، ولكنه ليس بالأفصَحِ ولا الأشهرِ من كلامِ العربِ (^١).\nوأمَّا تأويلُ الآيةِ الذي (^٢) هو تأويلُها على ما اخترنا من القراءةِ في ذلك: ولا تَحْسَبنَّ يا محمدُ بخلَ الذين يبخَلون بما أعطاهم اللَّهُ من فضلِه في الدنيا من الأموالِ، فلا يُخرِجون منه حقَّ اللَّهِ الذي فرَضه عليهم فيه من الزكواتِ، هو خيرًا لهم عندَ اللَّهِ يومَ القيامةِ، بل هو شرٌّ لهم عندَه في الآخرةِ.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ (^٣)، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: (ولَا تَحْسَبنَّ الَّذينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ): [أما الذين يبخلون بما] (^٤) آتاهم اللَّهُ من فضلِه، فبخِلوا أن يُنفقوها في سبيلِ اللَّهِ، ولم يُؤدُّوا زكاتَها (^٥).\n_________\n(^١) الوجه في القراءة أنها سنة متبعة، فلا وجه لتفضيل قراءة على أخرى، ولم يكن القراء يراعون لا فُشُوَّ استعمال ولا اطراد قياس. وينظر تعليقنا المتقدم ٢/ ٢١٣، ٢١٤.\n(^٢) في ص، ت ١: \"التي\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"الحسن\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، س: \"هم الذين\". والمثبت موافق لما في مصدر التخريج.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢٦ (٤٥٧٧) من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"6","page":269},{"text":"وقال آخرون: بل عنى بذلك اليهودَ الذين بخِلوا أن يُبيِّنوا للناسِ ما أَنْزَل اللَّهُ إليهم في التوراةِ من أمرِ محمدٍ ﷺ ونعتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1636>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: (ولَا تَحْسَبنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)، إلى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. [يعنى بذلك] (^١) أهلَ الكتابِ أنهم بخِلوا بالكتابِ أن يُبيِّنوه (^٢) للناسِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: (ولا تَحْسَبنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ). قال: هم يهودُ، إلى قولِه: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (^٤)﴾.\nوأولى التأويلين بتأويلِ هذه الآية التأويلُ الأولُ، وهو أنه مَعنيٌّ بالبخل في هذا الموضعِ منعُ (^٥) الزكاةِ؛ لتظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللَّهِ أنه تأوَّل قولَه: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: البخيلُ الذي منَع حقَّ اللَّهِ منه، أنه يصيرُ ثعبانًا في عنقِه. ولقولِ (^٦) اللَّهِ ﷿ عَقِيبَ هذه الآيةِ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، فوصَف جلَّ ثناؤُه قولَ المشركين\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"بمعنى وذلك\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"يعينوه\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٣/ ٨٢٦ (٤٥٧٥) بهذا الإسناد.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"المبين\". وهى بعضُ الآية ١٨٤. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٥ إلى المصنف.\n(^٥) في ت ١: \"معنى\".\n(^٦) في ت ٢: \"كقول\"، وفى س: \"بقول\".","vol":"6","page":270},{"text":"من اليهودِ الذين زعَموا عندَ أمرِ اللَّهِ إياهم بالزكاةِ، أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه فقيرٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1637>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾. سيجعَلُ اللَّهُ ما بخِل به المانعون الزكاةَ طَوْقًا في أعناقِهم، كهيئةِ الأطواقِ المعروفةِ.\nكالذي حدَّثني الحسنُ بنُ قَزَعةَ (^١)، قال: ثنا مسلمةُ بنُ علقمةَ، قال: ثنا داودُ، عن أبي قَزَعةَ (^١)، عن أبي مالكٍ العبديِّ، قال: ما من عبدٍ يأتيه ذو رَحِم له يسألُه من فضلٍ عندَه، فيبخَلُ عليه، إلا أُخْرِج له الذي بخِل به عليه شجاعًا أقرعَ (^٢). قال: وقرأ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. إلى آخرِ الآيةِ (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن أبي قَزَعةَ، [عن رجلٍ] (^٤)، عن النبيِّ ﷺ قال: \"ما مِن ذِي رَحِمٍ يأتى ذا رَحِمِه، فيسألُهُ مِن فَضْلٍ جعَله اللَّهُ عندَه، فيبخَلُ به عليه، إلا أُخرِجَ له من جهنَّمَ شجاعٌ يتلمَّظُ (^٥)، حتى يُطَوِّقَه\" (^٦).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو معاويةَ محمدُ بنُ خازمٍ الضريرُ، قال: ثنا داودُ، عن [أبي قَزَعةَ، عن حُجَيْرِ بن بَيانٍ] (^٧)، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ما مِن ذِى رَحِمٍ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"قرعة\".\n(^٢) بعده في الأصل: \"من النار\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ١٥٢.\n(^٤) سقط من: س. وبعده في: ت ١: \"عن رجل عنه\".\n(^٥) لمظ الرجل يلمظ وتلمَّظ: إذا تتبع بلسانه بقية الطعام بعد الأكل، أو مسح به شفته. ومن المجاز تلمظت الحية: أخرجت لسانها. الأساس (ل م ظ).\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ١٥٢.\n(^٧) في الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢: \"أبى قزعة حجر بن بيان\". وفي س: \"ابن أبي قزعة حجر =","vol":"6","page":271},{"text":"يأتى ذا رَحِمِه، فيسألُه من فَضْلٍ أعطاه اللَّهُ إياه، فيبخَلُ به عليه، إلا أُخرِج له يومَ القيامةِ شجاعٌ من النارِ يتلمَّظُ، حتى يُطَوِّقَه\". ثم قرأ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، حتى انتهى إلى قولِه: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^١).\nحدَّثني زيادُ بنُ عبيدِ اللَّهِ المرِّيُّ (^٢)، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، وحدَّثني [عبدُ اللَّهِ] (^٣) بنُ عبدِ (^٤) اللَّهِ الكلابيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ بكرٍ (^٥) السَّهْميُّ، وحدَّثني يعقوبُ ابن إبراهيمَ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ واصلٍ أبو عبيدةَ الحدَّادُ - واللفظُ ليعقوبَ - جميعًا، عن بَهْزِ بن حكيمِ بن معاويةَ بن حَيْدةَ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: سمِعتُ نبيَّ اللَّهِ ﷺ يقولُ: \"لا يأتى رجلٌ، مولاه، فيسألُه من فضلِ مالٍ عندَه فيمنَعُه إيَّاه، \"إلا دعا له يومَ القيامةِ شجاعًا يتلمَّظُ فضْلَه الذي منَع\" (^٦).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: ثعبانٌ ينقُرُ رأسَ أحدِهم، يقولُ: أنا مالُك الذي بخِلتَ به (^٧).\n_________\n= بن بيان\". وأبو قزعة هو سويد بن حجير بن بيان، يروى عن أبيه حجير. ينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٢٤٤، ٢٤٥.\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده (٥٩٣)، وهناد في الزهد (١٠١٧) عن أبي معاوية به.\n(^٢) في الأصل: \"المزني\".\n(^٣) في م: \"محمد بن عبد الله الكلابي\". ولم نجد له ترجمة.\n(^٤) في الأصل: \"عبيد\".\n(^٥) في ت ١: \"بكير\"، وفى س: \"أبى بكر\".\n(^٦) أخرجه البيهقى في الشعب (٣٣٩٠) من طريق عبد الله بن بكر السهمى به، وأخرجه أحمد ٥/ ٢، ٣، ٥ (ميمنية)، وأبو داود (٥١٣٩)، والنسائي (٢٥٦٥) من طريق بهز بن حكيم به، وأخرجه أحمد ٥/ ٣ (ميمنية)، والبيهقي في الشعب (٣٣٩١) من طريق حكيم بن معاوية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٥ إلى عبد بن حميد والترمذي.\n(^٧) تفسير سفيان ص ٨٢، ومن طريقه الحاكم ٢/ ٢٩٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢٧ (٤٥٧٩) من طريق ابن مهدى به، وأخرجه الطبراني (٩١٢٤) من طريق الفريابي عن سفيان به.","vol":"6","page":272},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ أبا وائلٍ يحدِّثُ أنه سمِع عبدَ اللَّهَ قال في هذه الآيةِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: شجاعٌ يلتَوى برأسِ أحدِهم (^١).\nحدَّثني ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، [وحدَّثنا] (^٢) خلَّادُ بنُ أَسْلمَ، قال: أخبرنا النضرُ بنُ شُميلٍ، قال: أخبرنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ بمثلِه (^٣)، إلا أنهما قالا: قال: شجاعٌ أسودُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي وائلٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: يجيءُ مالُه يومَ القيامةِ ثعبانًا، فينقُرُ رأسَه فيقولُ: أنا مالُك الذي بخِلتَ به. فينطوى على عُنُقِه (^٣).\nحُدِّثتُ عن سفيانَ بن عيينةَ، قال: ثنا [جامعُ بنُ أبي راشِدٍ] (^٤) وعبدُ الملكِ بنُ أَعْينَ، عن أبي وائلٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ما من أحدٍ لا يؤدِّى زكاةَ مالِه، إلا مُثِّل له شجاعٌ أقرعُ يُطوِّقُه\". ثم قرأ علينا رسولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ الآية (^٥):\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢٧ (٤٥٨٠) من طريق شعبة به.\n(^٢) في م: \"قال: ثنا\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤١، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٤٩ - تفسير)، وابن زنجويه في الأموال (١٣٥٧)، وابن أبي حاتم ٣/ ٨٢٧ (٤٥٨١)، والطبراني (٩١٢٢، ٩١٢٣)، والحاكم ٢/ ٢٩٨، ٢٩٩، وابن عبد البر في التمهيد ١٧/ ١٥٠، ١٥١ من طريق أبي إسحاق به، وأخرجه الطبراني (٩١٢٥) من طريق أبي وائلٍ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٥ إلى عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر.\n(^٤) في النسخ: \"جامع بن شداد\". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٤٨٥.\n(^٥) أخرجه الشافعي (٦١٠)، والحميدي (٩٣)، وأحمد ٦/ ٤٨، ٤٩ (٣٥٧٧)، وابن زنجويه في الأموال (١٣٥٨)، وابن ماجه (١٧٨٤)، والترمذي (٣٠١٢)، والنسائي (٢٤٤٠)، وابن خزيمة (٢٢٥٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢٧ (٤٥٧٨)، والبيهقي ٤/ ٨١، وابن عبد البر في التمهيد ١٧/ ١٥٠ من طريق ابن عيينة به.","vol":"6","page":273},{"text":"[حدَّثنا ابن المثنى، قال: حدَّثني عبدُ الصمدِ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن المغيرةِ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: شجاعٌ يلتوى] (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثني أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: أَمَّا ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. فإنه يُجعَلُ مالُه يومَ القيامةِ شجاعًا أقرعَ يُطوِّقُه، فيأخُذُ بعنقِه، فيتبعُه حتى يقذِفَه في النارِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا خلفُ بنُ خليفةَ، عن أبي هاشمٍ، عن أبي وائلٍ، قال: هو الرجلُ الذي يرزُقُه اللَّهُ مالًا، فيمنَعُ قرابتَه الحقَّ الذي جعَل اللَّهُ لهم في مالِه، فيُجْعَلُ حيَّةً، فيُطوَّقُها، فيقولُ: مالى ولك؟! فيقولُ: أنا مالُك (^٢).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو غسانَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن حكيمِ بن جُبيرٍ، عن سالمِ بن أبي الجعدِ، عن مسروقٍ، قال: سألتُ ابنَ مسعودٍ عن قولِه: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: يطوَّقون شجاعًا أقرعَ ينهَشُ رأسَه (^٣).\nوقال آخرون: معنى (^٤) ذلك: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: فيُجعَلُ في أعناقِهم طَوْقًا من نارٍ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٥٠ - تفسير)، وابن أبي شيبة في المصنف ٣/ ٢١٣ من طريق خلف عن أبي هاشم عن أبي وائلٍ عن مسروق، وعزاه السيوطي إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن مسروق.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢٧ (٤٥٨٢)، والطبراني (٩١٢٦) من طريق إسرائيل بنحوه.\n(^٤) في ص، ت ١: \"بمعنى\".","vol":"6","page":274},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1638>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: طَوْقًا من نارٍ (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: طَوْقًا من نارٍ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾. قال: طَوْقًا من نارٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: طَوْقًا من نارٍ (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: سيُحمَّلُ الذين كتَموا نبوَّةَ محمدٍ ﷺ من أحبارِ اليهودِ، ما كتَموا من ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1639>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: [يقولُ: سيُحمَّلون يومَ القيامةِ ما بخلوا به] (^٤) ألم تسمَعْ أنه قال: ﴿يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٨٢، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢٨ (٤٥٨٤).\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤١.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٥١ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٣/ ٢١٣ عن جرير به.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":275},{"text":"بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧]. يعنى: أهلَ الكتابِ، يقولُ: يكتُمون ويأمُرون الناسَ بالكتمانِ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: سيُكلَّفون أن يأتوا يومَ القيامةِ بما بخِلوا به في الدنيا من أموالِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1640>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: سيكلَّفون أن يأتوا بما بخِلوا به، إلى قولِه: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾: سيكلَّفون أن يأتوا بمثلِ ما بخِلوا به من أموالِهم يومَ القيامةِ.\nوأولى الأقوالِ بتأويلِ هذه الآيةِ التأويلُ الذي قلناه في ذلك في مبدأَ قولِه: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ﴾؛ للأخبارِ (^٣) التي ذكَرنا في ذلك عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، ولا أحد أعلَمُ بما عنى اللَّهُ ﵎ بتنزيِله منه ﵇.\n\n<span data-type='title' id=toc-1641>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾.</span>\n_________\n(^١) وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢٦ (٤٥٧٥) عن محمد بن سعد به بنحوه.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٦٢. وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢٧ عقب الأثر (٤٥٨٣) معلقًا.\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"الأخبار\".","vol":"6","page":276},{"text":"يعني تعالى ذكرُه بذلك: أنه الحيُّ الذي لا يموتُ، والباقي بعدَ فناءِ جميع خَلْقِه.\nفإن قال قائلٌ: فما معنى قولِه: ﴿[وَلِلَّهِ] (^١) مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. والميراثُ المعروفُ: هو ما انتقَل من ملكِ مالكٍ إلى وارثِه بموتِه، وللَّهِ الدنيا قبلَ فناءِ خلقِه وبعدَه؟\nقيل: إن معنى ذلك ما وصَفنا من وصفِه نفسَه بالبقاءِ، وإعلامِ خلقِه أنه كتَب عليهم الفناءَ. وذلك أن مُلكَ المالكِ إنما يصيرُ ميراثًا بعدَ وفاتِه، فإنما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. إعلامًا منه بذلك عبادَه، أن أملاكَ جميعِ خلقِه منتقلةٌ. عنهم بموتِهم، وأنه لا أحدَ إلا وهو فانٍ سواه، فإنه الذي إذا هلَك جميعُ خلقِه، فزالت أملاكُهم عنهم، لم يبقَ أحدٌ يكونُ له ما كانوا يملِكونَه غيرُه.\nوإنما معنى الآيةِ: ولا تحسبنَّ الذين يبخلون بما آتاهم اللَّهُ من فضلِه هو خيرًا لهم، بل هو شرٌّ لهم، سيُطوَّقون ما بخِلوا به يومَ القيامةِ، بعدَ ما يهلِكون، وتزولُ عنهم أملاكُهم، في الحينِ الذي لا يملِكون شيئًا، وصار للَّهِ ميراثُه، وميراثُ غيرِه من خلقِه. ثم أَخْبَر تعالى ذكرُه أنه بما يعمَلُ هؤلاء الذين يبخَلون بما آتاهم اللَّهُ من فَضلِه (^٢)، وغيرُهم من سائرِ خلقِه، ذو خبرةٍ وعلمٍ، محيطٌ بذلك كلِّه، حتى يجازِيَ كلًّا منهم على قدرِ استحقاقِه؛ المحسنَ بالإحسانِ، والمسيءَ على ما يرَى تعالى ذكرُه.\n\n<span id=\"aya-474\"></span><span data-type='title' id=toc-1642>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.</span>\nذُكِر أن هذه الآيةَ وآياتٍ بعدَها نزَلت في بعضِ اليهودِ الذين كانوا على عهدِ النبيِّ ﷺ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"له\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فضل\".","vol":"6","page":277},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1643>ذكرُ الأخبارِ (^١) بذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن عكرمةَ، أنه حدَّثه عن ابن عباسٍ، قال: دخَل أبو بكرٍ الصدِّيقُ ﵀ بيتَ المِدْراسِ (^٢)، فوجَد ناسًا من يهودَ كثيرًا قد اجتمَعوا إلى رجلٍ منهم يقالُ له: فِنْحاصُ. وكان من علمائِهم وأحبارِهم، ومعه حَبْرٌ يقالُ له: أشيعُ. فقال أبو بكرٍ لفنحاصَ: ويحَك يا فنحاصُ، اتَّقِ اللَّهَ وأسلمْ، فواللَّهِ إنك لتعلَمُ أن محمدًا رسولُ اللَّهِ، قد جاءكم بالحقِّ من عندِ اللَّهِ، تجدونَه مكتوبًا عندَكم في التوراةِ والإنجيلِ. قال فنحاصُ: واللَّهِ يا أبا بكرٍ، ما بنا إلى اللَّهِ من فقرٍ، وإنه إلينا لفقيرٌ، وما نتضرَّعُ إليه كما يتضرَّعُ إلينا، وإنا عنه لأغنياءُ، ولو كان عنا غنيًّا [ما [اسْتَقرضَنا أموالَنا] (^٣) كما يزعُمُ صاحبُكم، ينهاكم عن الرِّبا ويُعطِيناه، ولو كان غنيًّا عنا] (^٤) ما أعطانا الرِّبا. فغضِب أبو بكرٍ، فضرَب وجهَ فِنْحاصَ ضربةً شديدةً، وقال: والذي نفسي بيدِه، لولا العهدُ الذي بينَنا وبينَك لضرَبتُ عُنُقَك يا عدوَّ اللَّهِ، فأَكْذِبونا ما استطعتُم إن كنتم صادقين. فذهَب فنحاصُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال: يا محمدُ، انظُرْ ما صنَع بي صاحبُك. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ لأبي بكرٍ: \"ما حمَلك على ما صنعتَ\"؟ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إن عدوَّ اللَّهِ قال قولًا عظيمًا؛ زعَم أن اللَّهَ فقيرٌ، وأنهم عنه أغنياءُ، فلما قال ذلك غضِبتُ للَّهِ مما قال، فضرَبتُ وجهَه. فجحَد ذلك فنحاصُ، وقال: ما قلتُ ذلك؟ فأَنْزَل اللَّهُ جلَّ ثناؤُه فيما قال فنحاصُ، ردًّا عليه، وتصديقًا لأبي بكرٍ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الآثار\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وتفسير ابن أبي حاتم: \"المدارس\". ومدارس اليهود: البيت الذي يدرسون فيه. ينظر اللسان (د ر س).\n(^٣) في م: \"استقرض منا\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":278},{"text":"اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾. إلى قولِه: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. و(^١) قولِ أبي بكرٍ وما بلَغه في ذلك من الغضبِ: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبى محمدٍ مولى آلِ زيدِ بن ثابتٍ، عن عكرمةَ مولى ابن عباسٍ، قال: دخَل أبو بكرٍ. فذكَر نحوَه، غيرَ أنه قال: وإنا عنه لأغنياءُ، وما هو عنا بغنيٍّ، ولو كان غنيًّا. ثم ذكَر سائرَ الحديثِ نحوَه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾: قالها فِنْحاصُ اليهوديُّ من بنى مَرْثَدٍ، لقِيَه أبو بكرٍ فكلَّمه، فقال له: يا فنحاصُ، اتَّقِ اللَّهَ وآمِنْ وصَدِّقْ، وأقرضِ اللَّهَ قرضًا حسنًا. فقال فنحاصُ: يا أبا بكرٍ، تزعُمُ أن ربَّنا فقيرٌ، يستَقْرِضُنا أموالَنا؟ وما يستقرِضُ إلا الفقيرُ مِن الغنيِّ، إن كان ما تقولُ حقًّا، فإن اللَّهَ إذن لفقيرٌ. فأَنْزَل اللَّهُ ﵎ هذا، فقال أبو بكرٍ: فلولا هُدْنةٌ كانت بينَ النبيِّ ﷺ وبينَ بنى مَرْثدِ لقتلتُه (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: صكَّ أبو بكرٍ رجلًا منهم، الذين قالوا: إن اللَّهَ فقيرٌ ونحن\n_________\n(^١) في م: \"وفي\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢٨، ٨٢٩ (٤٥٨٩)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٨٣٠) من طريق يونس بن بكير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٥، ١٠٦ إلى ابن المنذر. وذكره الواحدي في أسباب النزول، ص ٩٨ عن عكرمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٦ إلى ابن المنذر.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥٨، ٥٥٩.\n(^٤) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٩٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٦ إلى المصنف.","vol":"6","page":279},{"text":"أغنياءُ، لم يستقرِضُنا وهو غنيٌّ؟ وهم يهودُ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، قال: الذين قالوا: إن اللَّهَ فقيرٌ ونحن أغنياءُ، لِمَ يستقرِضُنا وهو غنيٌّ؟ قال شِبلٌ: بلَغني أنه فِنْحاصُ اليهوديُّ، وهو الذي قال: إن اللَّهَ ثالثُ ثلاثةٍ، ويدُ اللَّهِ مغلولةٌ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: [حدَّثنا أبو حمزةَ] (^٣)، عن عطاءٍ، عن الحسنِ، قال: لما نزَلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]. قالت اليهودُ: إن ربَّكم يَسْتَقْرِضُ منكم. فأنزَل اللَّهُ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ الآية.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن الحسنِ البصريِّ، قال: لما نزَلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. قال: عجِبت اليهودُ فقالت: إن اللَّهَ فقيرٌ يستقرِضُ. فنزَلت: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾: ذُكِر لنا أنها نزَلت في حُيَيِّ بن أَخْطبَ لما أَنْزل اللَّهُ ﵎: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. قال: يستقرِضُنا ربُّنا؟ إنما يستقرِضُ الفقيرُ الغنيَّ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٦٣. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ٩٨، ٩٩ من طريق شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حدثت\"، وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٥٤٤.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٦ إلى المصنف، وينظر البحر المحيط ٣/ ١٣٠.","vol":"6","page":280},{"text":"قتادةَ، قال: لما أنزل اللَّهُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. قالت اليهودُ: إنما يستقرِضُ الفقيرُ من الغنيِّ. فأَنْزل اللَّهُ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سمِعت ابنَ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾. قال: هؤلاء يهودُ.\nفتأويلُ الآيةِ إذنْ: لقد سمِع اللَّهُ قولَ الذين قالوا من اليهودِ: إن اللَّهَ فقيرٌ إلينا ونحن أغنياءُ عنه. سنكتُبُ ما قالوا من الإفكِ والفِرْيةِ على ربِّهم، وقتلَهم أنبياءَهم بغيرِ حقٍّ.\nواختلفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولهِ: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾؛ فقرأ ذلك قرأَةُ الحجازِ وعامةُ قرأةِ العراقِ: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ بالنون ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾. بنصبِ القتلِ (^٢).\nوقرأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفيين: (سَيُكْتَبُ ما قالُوا وَقَتْلُهُمُ الأنْبياءَ). بالياءِ من (سَيُكْتَبُ)، وبضمِّها، ورفعِ \"القتل\" (^٣)، على مذهبِ ما لم يُسمَّ فاعلُه، اعتبارًا بقراءةٍ يُذكَرُ أنها من قراءةِ عبدِ اللَّهِ في قولِه: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا﴾. يُذكَرُ أنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (ويُقالُ) (^٤).\nفأَغْفَل قارئُ ذلك وجهَ الصوابِ فيما قصَد إليه من تأويلِ القراءةِ التي تُنْسَبُ إلى عبدِ اللَّهِ، وخالف الحجةَ من قرأَةِ الإسلامِ، وذلك أن الذي ينبغِي لمن قرَأ:\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤١.\n(^٢) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبي عمرو والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٢١.\n(^٣) وهى قراءة حمزة وحده. المصدر السابق.\n(^٤) ينظر المصاحف لابن أبي داود ص ٦٠.","vol":"6","page":281},{"text":"(سيُكْتَبُ ما قالوا وَقَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ). على وجهِ ما لم يُسمَّ فاعلُه، أن يقرَأَ: (ويُقالُ)؛ لأن قولَه: ﴿وَنَقُولُ (^١)﴾. عطفٌ على قولِه: ﴿سَنَكْتُبُ (^٢)﴾. فالصوابُ من القراءةِ أن يُوفَّقَ بينهما في المعنى، بأن [يُقرَأَ جميعُهما] (^٣) على مذهبِ ما [قد سُمَّىَ] (^٤) فاعلُه، أو على مذهبِ ما [لم يسمَّ] (^٥) فاعلُه، فأما أن يُقرَأَ أَحدُهما على مذهبِ ما لم يُسمَّ فاعلُه، والآخرُ على وجهِ ما قد سُمِّى فاعلُه من غيرِ معنًى ألجأه إلى (^٦) ذلك، فاختيارٌ خارجٌ عن الفصيحِ من كلامِ العربِ.\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا: ﴿سَنَكْتُبُ﴾. بالنونِ: ﴿وَقَتْلَهُمُ﴾. بالنصبِ؛ لقولِه: ﴿وَنَقُولُ﴾. ولو كانت القراءةُ في: ﴿سَنَكْتُبُ﴾. بالياءِ وضمِّها، لقيل: (ويقالُ) على ما قد بيَّنا.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. وقد ذكَرتَ في الآثارِ التي رَوَيتَ أن الذين عُنُوا بقولِه: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾. بعضُ اليهودِ الذين كانوا على عهدِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ، ولم يكنْ من أولئك أحدٌ قتَل نبيًّا من الأنبياءِ؛ لأنهم لم يُدرِكوا نبيًّا من أنبياءِ اللَّهِ فيقتُلوه؟\nقيل: إن معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذي ذهبتَ إليه، وإنما قيل ذلك كذلك؛ لأن الذين عنى اللَّهُ جل وعز بهذه الآيةِ كانوا راضين بما فعَل أوائِلُهم من قَتْلِ من قتَلوا من الأنبياءِ، وكانوا منهم، وعلى منهاجِهم، من استحلالِ ذلك واستجازَتِه،\n_________\n(^١) في الأصل \"يقول\".\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سيكتب\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يقرأا جميعا\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لم يسم\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢: \"يسمى\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣، س: \"علي\".","vol":"6","page":282},{"text":"فأضاف جلَّ وعزَّ فِعْلَ ما فعَله مَن كانوا على منهاجِه وطريقتِه إلى جميعِهم، إذ كانوا أهلَ ملةٍ واحدةٍ، ونِحْلةٍ واحدةٍ، وبالرِّضا من جميعِهم فَعَلَ مَا فَعَلَ فاعِلُ ذلك منهم، على ما قد بيَّنا من نظائرِه فيما مضَى قبلُ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1644>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ونقولُ للقائلين: إنَّ اللَّهَ فقيرٌ ونحن أغنياءُ. القاتلين أنبياءَ اللَّهِ بغيرِ حقٍّ - يومَ القيامةِ: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. يعنى بذلك: عذابَ نارٍ محرقةٍ ملتهبةٍ. والنارُ اسمٌ جامعٌ للملتهبةِ منها وغيرِ الملتهبةِ، وإنما الحريقُ صفةٌ لها، يرادُ بها أنها مُحرِقَةٌ، كما قيل: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. بمعنى: مُؤلمٌ. و: وجيعٌ. بمعنى: مُوجِعٌ.\n\n<span id=\"aya-475\"></span>وأما قولُه: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. يعنى أن قولَنا لهم يومَ القيامةِ: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. بما أَسْلَفت أيديكم، واكتسبتها في أيامِ حياتِكم في الدنيا (^٢)، وبأن اللَّهَ جلَّ ثناؤه عَدْلٌ لا يجورُ فيُعاقِبَ عبدًا له بغيرِ استحقاقٍ منه العقوبةَ، ولكنه يجازِى كلَّ نفسٍ بما كسَبت، ويُوفِّي كلَّ عاملٍ جزاءَ ما عمِل فجازى الذين قال لهم يومَ القيامةِ، من اليهودِ الذين وصَف صفتَهم، فأَخْبَر عنهم أنهم قالوا: إن اللَّهَ فقيرٌ ونحن أغنياءُ. وقتَلوا بغيرِ حقٍّ الأنبياءَ صلواتُ اللَّهِ عليهم - بما جازاهم به من عذابِ الحريقِ، بما اكتسبوا من الآثامِ، واجترحوا من السيئاتِ، وكذَبوا على اللَّهِ، بعدَ الإعذارِ إليهم والإنذارِ. فلم يكنْ عزَّ ذِكْرُه بما عاقَبهم به من إذاقتِهم عذابَ الحريقِ، ظالمًا، ولا واضعًا عقوبتَه في غيرَ أهلِها، وكذلك هو جلَّ ثناؤُه غيرُ ظلَّامٍ أحدًا من خلقِه، ولكنه العادلُ بينَهم، والمتفضِّلُ على جميعِهم، بما\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٤٢، ٦٤٣، ٢/ ٥٦، ٥٧.\n(^٢) بعده في ص، ت ١: \"والآخرة\".","vol":"6","page":283},{"text":"أحبَّ من فواضلِه ونعَمِه.\n\n<span id=\"aya-476\"></span><span data-type='title' id=toc-1645>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: لقد سمِع اللَّهُ قولَ الذين قالوا: إن اللَّهَ [فقيرٌ. الذين قالوا: إن الله] (^١) عهِد إلينا ألا نؤمنَ لرسولٍ.\nوقولُه: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ﴾. في موضعِ خفضٍ ردًّا على قولِه: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾.\nويعنى بقولِه: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ﴾: أوصانا وتقدَّم إلينا في كتبِه، وعلى ألسنِ أنبيائِه ﴿أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ﴾. يقولُ: ألا نصدِّقَ رسولًا فيما يقولُ أنه جاء به من عندِ اللَّهِ، من أمرٍ ونَهْيٍ وغيرِ ذلك، ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾. يقولُ: حتى يجيئَنا بقربانٍ. وهو ما تقرَّب به العبدُ إلى ربِّه من صدقةٍ، وهو مصدرٌ مثلُ العُدْوانِ والخُسْرانِ، من قولِك: قرَّبتُ قُرْبانًا. وإنما قال: ﴿تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾؛ لأن أكلَ النارِ ما قرَّبه أحدُهم للَّهِ في ذلك الزمانِ كان دليلًا على قبولِ اللَّهِ منه ما قرَّب له، ودَلالةً على صِدقِ المقرِّبِ فيما ادَّعى أنه مُحِقٌّ فيما نازع أو قال.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾: كان الرجلُ يتصدَّقُ، فإذا تُقُبِّل منه أُنْزِلت عليه نارٌ من السماءِ فأكلَتْه (^٢).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٣١ (٤٥٩٨) عن محمد بن سعد به.","vol":"6","page":284},{"text":"حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمِعت الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾: كان الرجلُ إذا تصدَّق بصدقةٍ فتُقُبِّلت منه، بعَث اللَّهُ نارًا، فنزَلت على القربانِ فأكلَتْه (^١).\nفقال اللَّهُ تعالى لنبيِّه محمدٍ ﷺ: [قُلْ للقائلين هذا القولَ، يا محمدُ: قد جاءكم يا معشرَ مَن يزعمُ أنّ الله عهِد إليه] (^٢) ألا يؤمنَ لرسولٍ حتى يأتيَه بقربانٍ تأكلُه النارُ - رسلٌ من اللهِ من قَبلى، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾. يعنى: بالحججِ الدالةِ على صدقِ نبوَّتِهم، وحقيقةِ قولِهم، ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾. يعنى: وبالذى ادَّعيتم أنه إذا جاء به لزِمكم تصديقُه والإقرارُ بنبوَّتِه، مِن أكلِ النارِ قربانَه إذ قرَّب للَّهِ دَلالةً على صدقِه، ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. يقولُ له: قل لهم: قد جاءكم الرسلُ الذين كانوا من قبلى بالذي زعَمتم أنه حُجَّةٌ لهم عليكم، فقتَلتموهم، فلِمَ قَتلتموهم وأنتم مقرُّون بأن الذي جاءوكم به من ذلك كان حجَّةً لهم عليكم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أن اللَّهَ عهِد إليكم أن تؤمنوا بمن أتاكم من رسلِه بقربانٍ تأكلُه النارُ حجَّةً له على نبوَّتِه؟\nوإنما أَعْلَم اللَّهُ عبادَه بهذه الآيةِ أن الذين وصَف صفتَهم، من اليهودِ الذين كانوا على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، لن يَعْدُوا (^٣) أن يكونوا - في كذبِهم على اللَّهِ، وافترائِهم على ربِّهم، وتكذيبِهم محمدًا ﷺ، وهم يعلَمونه صادقًا محقًّا، وجحودِهم نبوَّتَه، وهم يجِدونَه مكتوبًا عندَهم في عهدِ اللَّهِ تعالى إليهم، أنه\n_________\n(^١) التبيان ٣/ ٦٨.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وكتب مقابلها في حاشية ص: \"ط ط، كذا\"، دلالة على وجود خطأ.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقروا\"، وفى م، س: \"يفروا\".","vol":"6","page":285},{"text":"رسولُه إلى خلقِه، مفروضةٌ طاعتُه - إلا كمن مضَى من أسلافِهم الذين كانوا يقتُلون أنبياءَ اللَّهِ، بعدَ قطعِ اللَّهِ عذرَهم بالحججِ التي أيَّدهم بها، والأدلةِ التي أبان صدقَهم بها، افتراءً على اللَّهِ، واستخفافًا بحقوقِه.\n\n<span id=\"aya-477\"></span><span data-type='title' id=toc-1646>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾.</span>\nوهذا تعزيةٌ من اللَّهِ جلَّ ثناؤُه نبيَّه محمدًا ﷺ على الأَذَى الذي كان ينالُه من اليهودِ وأهلِ الشركِ باللَّهِ، من سائرِ أهلِ المللِ، يقولُ اللَّهُ تعالى له: لا يحزُنْك يا محمدُ كَذِبُ هؤلاء الذين قالوا: إن اللَّهَ فقيرٌ. وقالوا: إن اللَّهَ عهِد إلينا ألا نؤمنَ لرسولٍ حتى يأتينَا بقُرْبانٍ تأكُلُه النارُ. وافتراؤُهم على ربِّهم؛ اغترارًا بإمهالِ اللَّهِ إيَّاهم، ولا يعظُمَنَّ عليك تكذيبُهم إيَّاك، وادعاؤُهم الأباطيلَ، من عهودِ اللَّهِ إليهم، فإنهم إن فعَلوا ذلك بك فكذَّبوك، وكذَبوا على اللَّهِ، فقد كَذَّب أسلافُهم من رسلِ اللَّهِ قبلَك مَن جاءهم بالحججِ القاطعةِ العذرَ، والأدلةِ الباهرةِ العقلَ، والآياتِ المعجزةِ الخلقَ، وذلك هو البيِّناتُ.\nوأما \"الزُّبُرُ\" فإنه جمعُ زَبورٍ، وهو الكتابُ، وكلُّ كتابٍ فهو زَبورٌ، ومنه قولُ امرئ القَيْسِ (^١).\nلِمَنْ طَلَلٌ أَبْصَرتُه فَشَجَانِي … كخطِّ زَبورٍ في عَسِيبِ (^٢) يَمَانِ\nويعنى بالكتابِ التوراةَ والإنجيلَ، وذلك أن اليهودَ كذَّبت عيسى وما جاء به، وحرَّفت ما جاء به موسى، من صفةِ محمدٍ ﷺ، وبدَّلت عهدَه إليهم فيه،\n_________\n(^١) ديوانه ص ٨٥.\n(^٢) العسيب: جريدة النخل، إذا نحى عنه خوصه، كانوا يكتبون فيه قبل الإسلام.","vol":"6","page":286},{"text":"[وأن] (^١) النصارى جحَدت ما في الإنجيلِ من نعتِه (^٢)، وغيَّرت (^٣) ما أمَرهم به في أمرِه.\nوأما قولُه: ﴿الْمُنِيرِ﴾. فإنه يعنى: الذي يُنيرُ، فيُبِينُ الحقَّ لمن التبس عليه ويوضِّحُه له. وإنما هو من النورِ والإضاءةِ، يقالُ: قد أنار لك هذا الأمرُ. بمعنى: قد أضاء لك وتبيَّن، فهو يُنيرُ إنارةً، والشيءُ منيرٌ (^٤).\nوقد حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾، قال: يُعزِّى نبيَّه ﷺ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال: يعزِّى نبيَّه ﷺ.\nوهذا الحرفُ في مصاحفِ أهلِ الحجازِ والعراقِ: ﴿وَالزُّبُرِ﴾. بغيرِ باءٍ، وهو في مصاحفِ أهلِ الشامِ: (وبِالزُّبُرِ). بالباءِ، مثلُ الذي في سورةِ \"فاطرٍ\" (^٥).\n\n<span id=\"aya-478\"></span><span data-type='title' id=toc-1647>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، س: \"فإن\".\n(^٢) في ص، س: \"بعثه\".\n(^٣) في س: \"حرفوا\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المنير\".\n(^٥) ينظر المصاحف ص ٤٤، ٤٥. وبإثبات الباء قرأ ابن عامر وحده، وقرأ باقى السبعة بغير باء. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٢١.","vol":"6","page":287},{"text":"يعنى بذلك تعالى ذكرُه أن مصيرَ هؤلاء المفترين على اللَّهِ، من اليهودِ المكذِّبين برسولِه، الذين وصَف صفتَهم، وأخبر عن جراءتِهم على ربِّهم، ومصيرَ غيرِهم من جميعِ خلقِه تعالى ذكرُه، ومرجعَ جميعِهم إليه؛ لأنه قد حتَم الموتَ على جميعِهم، فقال لنبيِّه ﷺ: لا يحزُنْك تكذيبُ من كذَّبك يا محمدُ، من هؤلاء اليهودِ وغيرِهم، وافتراءُ من افترى على اللَّهِ، فقد كُذِّب قبلَك رسلٌ جاءوا [من الآياتِ] (^١) والحججِ من أُرْسِلوا إليه، بمثلِ الذي جئتَ إلى من أُرْسِلتَ إليه، فلك بهم أسوةٌ تنعزَّى بهم، ومصيرُ من كذَّبك وافترى عليَّ، وغيرِهم، ومرجعُهم إليَّ، فأُوفِّى كلَّ نفسٍ منهم جزاءَ عملِه يومَ القيامةِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يعنى أجورَ أعمالِكم، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ، ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾. يقولُ: فمن نُحِّى عن النارِ، وأُبْعِد منها، ﴿فَقَدْ فَازَ﴾. يقولُ: فقد نجا وظفِر بحاجتِه. يقالُ منه: فاز فلانٌ بطَلِبتِه، يفوزُ فوزًا ومَفازًا ومفازةً. إذا ظفِر بها.\nوإنما معنى ذلك: فمن نُحِّى عن النارِ فأُبْعِد منها، وأُدْخِل الجنةَ، فقد نجا وظفِر بعظيمِ الكرامةِ، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. يقولُ: وما لذاتُ الدنيا وشهواتُها، وما فيها من زينتِها وزخارفِها، ﴿إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. يقولُ: إلا متعةٌ يمتِّعُكموها الغرورُ والخداعُ المضمحِلُّ الذي لا حقيقةَ له عندَ الامتحانِ، ولا صحةَ له عندَ الاختبارِ، فأنتم تلتذُّون بما متَّعكم الغرورُ من دنياكم، ثم هو عائدٌ عليكم بالفجائعِ والمصائبِ والمكارهِ. يقولُ جلَّ وعزَّ: ولا تركَنوا إلى الدنيا، فتسكُنوا إليها، فإنما أنتم منها في غرورٍ تُمَتَّعون، ثم أنتم عنها بعد قليلٍ راحلون.\nوقد رُوى في تأويلِ ذلك ما حدَّثني به المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا\n_________\n(^١) في ت ٢: \"بالآيات\"، وفى س: \"بالبينات\".","vol":"6","page":288},{"text":"جريرٌ، عن الأعمشِ، عن بُكيرِ بن الأَخْنسِ، عن عبدِ الرحمنِ بن سابطٍ في قولِه: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. قال: كزادِ الراعي، يزوِّدُ (^١) الكفَّ من التمرِ، أو الشيءَ من الدقيقِ، أو الشيءَ يشرَبُ عليه اللبنَ (^٢).\nفكأن ابنَ سابطٍ ذهَب في تأويلِه هذا إلى أن معنى الآيةِ: وما الحياةُ الدنيا إلا متاعٌ قليلٌ، لا يُبلِّغُ مَن تَمتَّعَه، ولا يكفيه لسفرِه.\nوهذا التأويلُ وإن كان وجهًا من وجوهِ التأويلِ، فإن الصحيحَ من القولِ فيه هو ما قلنا؛ لأن الغُرورَ إنما هو الخداعُ في كلامِ العربِ. وإذ كان كذلك، فلا وجهَ لصرفِه إلى معنى القلةِ؛ لأن الشيءَ قد يكونُ قليلًا وصاحبُه منه في غيرَ خداعٍ ولا غرورٍ، فأما الذي هو في غرورٍ، فلا القليلُ يَصِحُّ له ولا الكثيرُ، مما هو منه في غرورٍ.\nوالغُرورُ مصدرٌ من قولِ القائلِ: غرَّنى فلانٌ، فهو يَغُرُّنى غُرورًا. بضمِّ الغينِ، وأما إذا فتحتَ الغينَ من الغرورِ، فهو صفةٌ للشيطانِ الغَرورِ الذي يَغرُّ ابنَ آدَمَ، حتى يُدْخِلَه من معصيةِ اللَّهِ فيما يستوجِبُ به عقوبتَه.\nوقد حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عَبْدةُ وعبدُ الرحيمِ، قالا: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال النبيُّ ﷺ: \"موضِعُ سوطٍ في الجنةِ خيرٌ من الدنيا وما فيها، واقرَءوا إن شئتم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ \" (^٣).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يزوده\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٧ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣٢٩٢) عن أبي كريب به، وأخرجه هناد في الزهد (١١٣)، وابن حبان (٤٧١٧) من طريق عبدة بن سليمان به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٠١، ١٠٢، وأحمد ١٥/ ٤٠٨ (٩٦٥١)، وعبد بن حميد وعند الترمذي (٣٠١٣)، والنسائي (١١٠٨٥ - كبرى)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٣٣ (٤٦١٠)، والحاكم ٢/ ٢٩٩ وغيرهم من طريق محمد بن عمرو به.","vol":"6","page":289},{"text":"<span id=\"aya-479\"></span><span data-type='title' id=toc-1648>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾.</span>\n\nيعنى بقولِه: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ﴾: لَتُختبرُنَّ بالمصائبِ في أموالِكم، ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾. يعنى: وبهلاكِ الأقرباءِ والعشائرِ، من أهلِ نصرتِكم وملَّتِكم، ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. يعنى: من اليهودِ، وقولِهم: إنَّ اللَّهَ فقيرٌ ونحن أغنياءُ. وقولِهم: يدُ اللَّهِ مغلولةٌ. وما أشبهَ ذلك من افترائِهم على اللَّهِ، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. يعني: النصارى، ﴿أَذًى كَثِيرًا﴾. والأذى من اليهودِ ما ذكَرنا، ومن النصارى قولُهم: المسيحُ ابن اللَّهِ. وما أَشْبهَ ذلك من كفرِهم باللَّهِ، ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ (^١). لأمرِ اللَّهِ الذي أمَركم به فيهم وفي غيرِهم، من طاعتِه، ﴿وَتَتَّقُوا﴾. يقولُ: وتتقوا اللَّهَ فيما أمَركم ونهاكم، فتعمَلوا في كلِّ (^٢) ذلك بطاعتِه، ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. يقولُ: فإن ذلك الصبرَ والتقوى مما عزَم اللَّهُ عليه، وأمَركم به.\nوقيل: إن ذلك كلَّه نزَل في فنحاصَ اليهوديِّ سيدِ بني قَيْنُقاعَ.\nكالذى حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال عكرمةُ في قولِه: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾. قال: نزَلت هذه الآيةُ في النبيِّ ﷺ وفي أبي بكرٍ، رضوانُ اللَّهِ عليه، وفي فنحاصَ اليهوديِّ سيدِ بني قَيْنُقاعَ. قال: بعَث النبيُّ ﷺ أبا بكرٍ الصديقَ\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وتتقوا. يقول: وإن تصبروا\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":290},{"text":"﵀ إلى فنحاصَ اليهوديِّ يستمِدُّه، وكتَب إليه بكتابٍ، وقال لأبي بكرٍ: \"لا تفتاتَنَّ على بشيءٍ حتى ترجِعَ\". فجاء أبو بكرٍ وهو متوشِّحٌ السيف، فأعطاه الكتابَ، فلما قرأه قال: قد احتاج ربُّكم أن نُمِدَّه. فهمَّ أبو بكرٍ أن يضرِبَه بالسيفِ، ثم ذكَر قولَ رسولِ اللَّهِ ﷺ: \"لا تفتاتَنَّ عليَّ بشيءٍ حتى ترجِعَ\". فكفَّ، ونزَلت: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾. وما بين الآيتين إلى قولِه: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾. نزَلت هذه الآياتُ في بنى قَيْنُقاعَ إلى قولِه: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال ابن جريجٍ: يعزِّى نبيَّه ﷺ؛ قال: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾. قال: أعْلَم اللَّهُ المؤمنين أنه سَيَبْتَليهم فينظُرُ كيف صبرُهم على دينِهم، ثم قال: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. يعنى: اليهودَ والنصارى، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾، فكان المسلمون يسمَعون من اليهودِ قولَهم: عُزَيرٌ ابن اللَّهِ. ومن النصارى: المسيحُ ابن اللَّهِ. فكان المسلمون يَنْصِبون لهم الحربَ، ويسمَعون إشراكَهم، فقال اللَّهُ: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. يقولُ: من القوةِ مما عزَم اللَّهُ عليه وأمَركم به (^١).\nوقال آخرون: بل نزَلت في كعبِ بن الأشرفِ، وذلك أنه كان يهجو رسولَ اللَّهِ ﷺ، ويُشبِّبُ بنساءِ المسلمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1649>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٦ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"6","page":291},{"text":"الزهريِّ في قولِه: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾. قال: هو كعبُ بنُ الأشرفِ، وكان يحرِّضُ المشركين على النبيِّ ﷺ وأصحابِه في شعرِه، ويهجو النبيَّ ﷺ [وأصحابه] (^١)، فانطلَق إليه خمسةُ نفرٍ من الأنصارِ فيهم محمدُ بنُ مَسْلمةَ، ورجلٌ يقالُ له: أبو عَبْسٍ، فأَتَوْه وهو في مجلسِ قومِه بالعوالي (^٢)، فلما رآهم ذُعِر منهم. وأنكر شأنَهم، وقالوا: جئناك لحاجةٍ. قال: فلْيَدْنُ إليَّ بعضُكم فلْيحدِّثْني بحاجتِه. فجاءه رجلٌ منهم فقال: جئناك لنبيعَك أدراعًا عندَنا، لنستنفِق بها. فقال: واللَّهِ لئن فعَلتم لقد جهِدتم منذ نزَل بكم هذا الرجلُ. فواعدوه أن يأتُوه عِشاءً حينَ يَهْدَأُ (^٣) عنهم الناسُ، فأتَوه فنادَوه، فقالت امرأتُه: ما طرَقك هؤلاء ساعتَهم هذه لشيءٍ مما تحِبُّ. قال: إنهم حدَّثوني بحديثِهم وشأنِهم. قال معمرٌ: فأخبرني أيوبُ، عن عكرمةَ، أنه أَشْرَف عليهم فكلَّمهم، فقال (^٤): أتَرْهَنوني أبناءَكم - وأرادوا أن يبيعَهم تمرًا - قال: فقالوا: إنا نستحيى أن تُعَيَّرَ أبناؤُنا، فيقالَ: هذا رهينةُ وَسْقٍ، وهذا رهينةُ وَسْقين. فقال: أتَرْهَنوني نساءَكم؟ فقالوا: أنت أجملُ الناسِ، ولا نأمَنُك، وأيُّ امرأةٍ تمتنعُ منك لجمالِك؟ ولكنا نَرْهَنُك سلاحَنا، فقد علِمتَ حاجتَنا إلى السلاحِ اليومَ. فقال: ائتونى بسلاحِكم واحْتَمِلوا ما شئتُم. قالوا: فانزِلْ إلينا نأخُذْ عليك وتأخُذُ علينا. فذهَب ينزِلُ، فتعلَّقت به امرأتُه وقالت: أَرْسِلْ إلى أمثالِهم من قومِك يكونوا معك. قال: لو\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) العوالي: ضيعة بينها وبين المدينة أربعة أميال، وقيل: ثلاثة. وذلك أدناها، وأبعدها ثمانية. معجم البلدان ٣/ ٧٤٣.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"هدي\"، وفى م: \"هدأ\". والمثبت من تفسير عبد الرزاق.\n(^٤) بعده في تفسير عبد الرزاق: \"ما ترهنوني\".","vol":"6","page":292},{"text":"وجَدونى هؤلاء نائمًا ما أيقظونى. قالت: فكلِّمْهم من فوقِ البيتِ. فأبى عليها، فنزَل إليهم يفوحُ ريحُه، قالوا: ما هذه الريحُ يا أبا (^١) فلانٍ؟ قال: هذا عطرُ أمِّ فلانٍ. امرأتِه، فدنا إليه بعضُهم يَشْتَمُّ (^٢) رأسَه (^٣)، ثم اعتنقه، ثم قال: اقتُلوا عدوَّ اللَّهِ. فطعَنه أبو عَبْسٍ في خاصرتِه، وعلاه محمدُ بنُ مسلمةَ بالسيفِ، فقتَلوه، ثم رجَعوا، فأصبحت اليهودُ مذعورين، فجاءوا إلى النبيِّ ﷺ فقالوا: قُتِل سيدُنا غِيلَةً. فذكَّرهم النبيُّ ﷺ صنيعَه، وما كان يحضُّ عليهم، ويحرِّضُ في قتالِهم، ويؤذيهم، ثم دعاهم إلى أن يكتُبَ بينَه وبينَهم صُلْحًا. فقال: فكان ذلك الكتابُ مع عليٍّ رضوانُ اللَّهِ عليه (^٤).\n\n<span id=\"aya-480\"></span><span data-type='title' id=toc-1650>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ (^٥) لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكرُه: واذكرْ أيضًا من هؤلاءِ اليهودِ وغيرِهم من أهلِ الكتابِ منهم يا محمدُ، إذ أخَذ اللَّهُ ميثاقَهم لَيبيِّنُنَّ للناسِ أمرَك الذي أخَذ ميثاقَهم على بيانِه للناسِ، في كتابِهم الذي في أيديهم، وهو التوراةُ والإنجيلُ، وأنك للَّهِ رسولٌ مرسَلٌ بالحقِّ، (ولا يكتُمونه فنبذوه وراءَ ظهورَهم). يقولُ: فترَكوا أمرَ اللَّهِ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في الأصل، م: \"يشم\"، وفى تفسير عبد الرزاق: \"ليشتم\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"رائحته\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٢، ١٤٣. والحديث له أصل في البخاري (٤٠٣٧) موصولًا من حديث جابر بن عبد الله.\n(^٥) هنا وفيما يأتى في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ليبيننه للناس ولا يكتمونه\". وسنثبتها فيما يأتى بالياء. وهى القراءة التي رجحها المصنف. وسيذكر المصنف هاتين القراءتين بعدُ.","vol":"6","page":293},{"text":"وضيَّعوه، ونقضُوا ميثاقَه الذي أخَذ (^١) عليهم بذلك، فكتَموا أمرَك، وكذَّبوا بك، ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. يقولُ: وابتاعُوا بكتمانِهم ما أخَذ عليهم الميثاقَ ألَّا يكتُموه من أمرِ نبوَّتِك، عِوضًا منه، خسيسًا قليلًا من عَرَضِ الدنيا. ثم ذمَّ جَلَّ ثناؤُه شراءَهم ما اشْتَرَوا به من ذلك، فقال: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾.\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ في من عُنِى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها اليهودَ خاصَّةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-1651>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن عكرمةَ، أنه حدَّثه عن ابن عباسٍ: (وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذيِن أُوتُوا الكِتابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ للنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ). إلى قولِه: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يعنى: فِنحاصَ وأشيعَ، وأشباهَهما من الأحبارِ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي محمدٍ مولى آل زيدِ بن ثابتٍ، عن عكرمةَ مولى ابن عباسٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ). كان أمَرهم أن يتَّبعوا النبيَّ الأُمِّيَّ الذي يؤمنُ باللَّهِ وكلماتِه، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].\n_________\n(^١) في س: \"أخذه\".\n(^٢) جزء من الأثر المتقدم تخريجه في ص ١٩٤.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٣٨ (٤٦٤٠) من طريق سلمة به.","vol":"6","page":294},{"text":"فلما بعَث اللَّهُ محمدًا ﷺ قال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]. عاهَدهم على ذلك، فقال حينَ بعَث محمدًا: صدِّقوه، وتَلقَوْن الذي أحببتم عندِى (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ لَيُبِيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ) الآية. قال: إن اللَّهَ أَخَذ ميثاقَ اليهودِ لَيُبِّنُنَّه للناسِ؛ محمدًا ﷺ، (ولا يكتُمونه فَنَبَذُوهُ) اليهودُ (^٢) ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن أبي الجَحَّافِ، عن مسلمٍ البَطينِ، قال: سأل الحجَّاجُ بنُ يوسفَ جلساءَه عن هذه الآيةِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. قال: فقام رجلٌ إلى سعيدِ بن جُبيرٍ فسأله، فقال: وَإِذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ أهلِ الكِتابِ: يهودُ، (لَيُبِيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ) محمدًا ﷺ (وَلَا يَكتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ) (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾. قال: وكان فيه: إن الإسلامَ دينُ اللَّهِ الذي افترَضه على عبادِه، وإن محمدًا يجدُونَه مكتوبًا عندَهم في التوراةَ والإنجيلِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٣٥ (٤٦٢٣) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) سقط من: م، وفى تفسير ابن أبي حاتم: \"فنبذوا العهد\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٣٦ عقب الأثر (٤٦٣١)، وفى ٣/ ٨٣٧ (٤٦٣٥) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٣٦ (٤٦٢٨) عن الحسن بن يحيى به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٣٥، ٨٣٦، ٨٣٨، ٨٤٠ (٤٦٢٥، ٤٦٣١، ٤٦٤٢، ٤٦٤٣، ٤٦٤٩) من طريق سفيان به.","vol":"6","page":295},{"text":"وقال آخرون: عُنِى بذلك كلُّ من أُوتِىَ علمًا بأمرِ الدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1652>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ الآية: هذا ميثاقٌ أخذه الله على أهل العلم، فمن علم شيئًا فليعلِّمه، وإيّاكم وكتمانَ العلمِ، فإن كتمان العلمِ هَلَكَةٌ، ولا يتكلَّفَنَّ رجلٌ ما لا عِلْمَ له به، فيخرُجَ من دينِ اللَّهِ، فيكونَ المتكلِّفين، كان يقالُ: مثَلُ علمٍ لا يقالُ به، كمثل كَنزٍ لا يُنفَقُ منه، ومثلُ حكمةٍ لا تُخرَجُ، كمثل صنمٍ قائمٍ لا يأكُلُ ولا يشرَبُ. وكان يقالُ: طُوبَى لعالمٍ ناطقٍ، وطُوبَى لمستمعٍ واعٍ، هذا رجلٌ عَلم علمًا فعلَّمه، وبذله ودعا إليه، ورجلٌ سمِع خيرًا فحفِظه ووعاه، وانتفع به (^١).\nحدَّثني يحيى بنُ إبراهيم المسعوديُّ، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّةً، عن أبي عُبيدةَ، قال: جاء رجلٌ إلى قومٍ في المسجدِ وفيه عبد الله بنُ مسعودٍ، فقال: إن أخاكم كعبًا يُقرئُكم السلام، ويبشِّرُكم أن هذه الآيةَ ليست فيكم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾. فقال له عبد الله: وأنت فأقرِتْه السلام، وأخبره أنها نزلت وهو يهوديٌّ.\nحدَّثني ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن أبي عُبيدةَ بنحوه، عن عبدِ اللهِ وكعبٍ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٣٦، ٨٣٧ (٤٦٢٧، ٤٦٢٩، ٤٦٣٢) من طريق يزيد به ببعضه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر بتمامه.\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٠/ ١٧٢ من طريق جرير به بنحوه، وهو في تفسير الثورى ص ٨٣ عن الأعمش به.","vol":"6","page":296},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك: وإذ أخذ الله ميثاقَ النبِّيين على قومهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1653>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، قال: ثنى حبيبُ (^١) بنُ أبى ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: قلتُ لابن عباسٍ: إن أصحاب عبدِ اللهِ يقرءون: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنَ الذينَ أوتُوا الكِتابَ مِيثاقهم). قال: من النبيِّين على قومهم.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا قَبيصةُ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، عن سعيدٍ قال: قلت لابن عباسٍ: إن أصحاب عبد الله يقرءون: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. ونقرأُ (^٢): ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١]. قال: فقال: أخذ الله ميثاق النبيِّين على قومهم (^٣).\nوأما قوله: (لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ). فإنه كما حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنى أبى، قال: ثنا محمدُ بن ذَكوانَ، قال: ثنا أبو نعامة السعديُّ، قال: كان الحسنُ يفسِّرُ قوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يُكتُمُونَهُ): لَيتكلَّمُنَّ بالحقِّ، ولَيُصدِّقُنَّه بالعمل (^٤).\nواختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُهم: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾. بالتاء جميعًا (^٥)، وهى قراءةُ عُظْم قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ (^٦)، على وجه المخاطبة (^٧)، بمعنى: قال الله لهم: لتَبينُنَّه للناس ولا تكتُمونه.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يحيى\". ينظر ترجمة حبيب بن أبى ثابت في تهذيب الكمال ٥/ ٣٥٨.\n(^٢) سقط من: م، ت ٢، ت ٣، وفى ص، ت ١، س: \"ويقرأ\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٣٥ (٤٦٢٤) من طريق به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٨ إلى المصنف.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) وهى قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي، وعاصم في رواية حفص. السبعة لابن مجاهد ص ٢٢١.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المخاطب\".","vol":"6","page":297},{"text":"وقرأ ذلك آخرون: (لَيُبَيِّنُنَّهُ للنَّاسِ وَلا يَكْتُمُونَهُ). بالياء جميعًا (^١)، على وجهِ الخبرِ عن الغائبِ؛ لأنهم في وقتِ إخبارِ اللهِ جَلّ وعزَّ نبيَّه ﷺ بذلك عنهم كانوا غيرَ موجودين، فصار الخبرُ عنهم كالخبرِ كالخبرِ عن الغائبِ.\nوالقولُ في ذلك عندنا أنهما قراءتان صحيحةٌ وجوهُهما، مستفيضتان في قرأة الإسلامِ، غيرُ مختلِفَتى المعانى، فبأيتِهما قرأ القارئُ فقد أصاب الحقَّ والصوابَ في ذلك، غيرَ أن الأمرَ في ذلك وإن كان كذلك، فإن أحبَّ القراءتين إليَّ أن أقرأ بها (^٢): (لَيُبَيِّنُنَّهُ للنَّاس وَلا يَكْتُمُونَهُ). بالياء جميعًا، استدلالًا بقوله: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾. - أنه إذ كان قد خرَج مَخْرَجَ الخبر عن الغائب على سبيلِ قوله: ﴿فَنَبَذُوهُ﴾. - حتى يكون الكلامُ متَّسقًا كله على معنًى واحدٍ ومثالٍ واحدٍ، ولو كان الأولُ بمعنى الخطاب، لكان أن يقالَ: فنبذتموه وراءَ ظهورِكم. أَوْلى من أن يقالَ: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾.\nوأما قولُه: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾. فإنه مثلٌ لتضييعهم القيام بالميثاق، وتركِهم العمل به.\nوقد بيَّنَّا المعنى الذي من أجلِه قيل ذلك كذلك فيما مضَى من كتابنا هذا (^٣)، فكرهنا إعادتَه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وعاصم في رواية أبى بكر. المصدر السابق.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بهما\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٢/ ٣١١.","vol":"6","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1654>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخْبرَنا يحيى بنُ أيوبَ البَجَليُّ، عن الشعبيِّ في قوله: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾. قال: إنهم قد كانوا يقرءونه، إنما نبذوا العمل به (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾. قال: نبذوا الميثاق (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمر، قال: ثنا مالكُ بن مِغْولٍ، قال: نُبِّئتُ عن الشعبيِّ في هذه الآية: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾. قال: قذَفُوه بين أيديهم، وترَكوا العمل به (^٣).\nوأما قولُه: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. فإن معناه ما قلنا، من أَخْذهم ما أخَذُوا على كتمانهم الحقَّ، وتحريفِهم الكتابَ.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال، ثنا أحمدُ بن مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: أخذوا طمعًا، وكتَموا اسمَ محمدٍ ﷺ (^٤).\nوقولُه: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾. يقولُ: فبئس الشراءُ يشترُون في تضييِعهم الميثاقَ، وتبديلِهم الكتابَ.\nكما حدَّثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٣ (٤٦٣٤) من طريق ابن إدريس به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٨ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث ٤/ ١٧٤، ١٧٥ من طريق مالك بن مغول به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٣٦ عقب الأثر (٤٦٣١) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.","vol":"6","page":299},{"text":"نَجيحٍ، عن مجاهد: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾. قال: تبديلُ اليهود التوارة (^١).\n\n<span id=\"aya-481\"></span><span data-type='title' id=toc-1656>القولُ في تأويل قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك قومٌ من أهل النفاقِ كانوا يقعُدون خِلافَ رسول الله ﷺ إذا غَزا العدوَّ، فإذا انصرف رسولُ الله ﷺ اعتذروا إليه، وأحبُّوا أن يُحْمَدوا بما لم يفعلوا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1655>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بن سهلٍ بن عَسكرٍ وابنُ عبدِ الرحيم البرقيُّ، قالا: ثنا ابن أبى مريمَ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفر بن أبى كثيرٍ، قال: ثنى زيدُ بنُ أسلمَ، عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدْرِيِّ، أن رجالًا من المنافقين كانوا على عهد رسول الله ﷺ إذا خرَج النبيُّ ﷺ إلى الغزو، تخلَّفوا عنه، وفرحوا بمقعَدِهم خِلافَ رسول الله ﷺ، فإذا قدم النبيُّ من السفر اعتذروا إليه، وأحبُّوا أن يُحْمَدوا بما لم يفعلوا، فأَنْزَل الله تعالى فيهم: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الآية (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾. قال: هؤلاء المنافقون يقولون للنبيِّ ﷺ: لو قد خرَجتَ لخرَجنا معك. فإذا خرَج النبيُّ ﷺ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٦٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٣٧ (٤٦٣٨). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧٧٧) عن محمد بن سهل به، وأخرجه البخارى (٤٥٦٧)، ومسلم (٢٧٧٧)، وابن أبى حاتم في تفسيره ٣/ ٨٣٩ (٤٦٤٦)، والبيهقى في الشعب (٤٧٨٢)، والواحدى في أسباب النزول ص ١٠١ من طريق ابن أبي مريم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٨ إلى ابن المنذر.","vol":"6","page":300},{"text":"تخلَّفوا وكذَبوا، ويفرَحون بذلك، ويرَون أنها حِيلةٌ احتالوا بها (^١).\nوقال آخرون: بل عُنى بذلك قومٌ من أحبارِ اليهودِ كانوا يفرَحون بإضلالِهم الناسَ، ونسبةِ الناس إيَّاهم إلى العلمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1657>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن عكرمة مولى ابن عباسٍ، أو سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: يعنى فِنْحاصَ وأشيعَ وأشباهَهما من الأحبارِ الذين يفرَحون بما يُصيبون من الدنيا على ما زيَّنوا للناس من الضلالة، ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾: أن يقول لهم الناسُ: علماءُ. وليسوا بأهل علمٍ، لم يحملوها (^٢) على هُدًى ولا خيرٍ، ويحبُّون أن يقولَ لهم الناس: قد فعلوا (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بن بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاق، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن عكرمةَ، أنه حدَّثه عن ابن عباسٍ بنحوِ ذلك، إلا أنه قال: وليسوا بأهل علمٍ، لم يحملوهم على هُدًى (^٤).\nوقال آخرون: بل عُنى بذلك قومٌ من اليهودِ فرِحوا باجتماعِ كلمتهم على تكذيبِ محمدٍ ﷺ، ويحبُّون أن يُحْمَدوا بأن يقال لهم (^٥): هم أهلُ صلاة وصيامٍ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٩ إلى المصنف.\n(^٢) في م: \"يحملوهم\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٣٨، ٨٤٠ (٤٦٤٠، ٤٦٥٠) من طريق سلمة به بدون ذكر سعيد بن جبير.\n(^٤) جزء من الأثر المتقدم في ص ٢٧٨، ٢٧٩.\n(^٥) في الأصل: \"لكم\".","vol":"6","page":301},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1658>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحُدِّثت عن الحسينِ بن الفَرَج، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخْبرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحَّاكَ بنَ مُزاحمٍ يقولُ في قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾: فإنهم فرِحوا باجتماعهم على كفرِهم بمحمدٍ ﷺ، وقالوا: قد جمع الله كلمتنا، ولم يخالف أحدٌ منا أحدًا [أن محمدًا ليس بنبيٍّ] (^١) \". وقالوا: نحنُ أبناءُ اللهِ وأحبَّاؤُه، ونحن أهلُ الصلاة والصيام. وكذَبوا، بل هم أهلُ كفرٍ وشركٍ وافتراءٍ على الله، قال اللَّهُ: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ (^٢).\nحدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخْبرَنا يزيدُ، قال: أخْبرَنا جُوَيبرٌ، عن الضحَّاكِ في قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾. قال: كانت (^٣) اليهودُ أمرَ بعضُهم (^٤) بعضًا، فكتَب بعضُهم إلى بعضٍ: إن محمدًا ليس بنبيٍّ، فأَجْمِعوا كلمتَكم، وتمسَّكُوا بديِنكم وكتابِكم الذي معكم. ففعلوا، وفرحوا (^٥) بذلك، وفرِحوا باجتماعِهم على الكفرِ بمحمدٍ ﷺ (^٦).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: قال: كتَموا اسمَ محمدٍ ﷺ، ففرحوا بذلك (^٧) حين اجتَمعوا عليه، وكانوا يزكُّون أنفسَهم فيقولون: نحنُ أهلُ الصيامِ، وأهلُ الصلاةِ، وأهلُ الزكاةِ، ونحن على دين\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٣: \"أن بنبى\"، وفى م، س: \"أنه نبى\"، وفى ت ٢: \"إلا نبى\". والمثبت كما في الأثر التالى.\n(^٢) ينظر التبيان ٣/ ٧٦، والبحر المحيط ٣/ ١٣٧.\n(^٣) في النسخ: \"قالت\". والصواب ما أثبتناه (٤).\n(^٤) في م: \"بعضكم\".\n(^٥) في ص، ت ١، ٢، ت ٣: \"ففرحوا\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٩ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٧) بعده في ص، م، ت ١، ت ٣، س: \"وفرحوا باجتماعهم على الكفر بمحمد ﷺ. حدَّثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط عن السدى قال: كتموا اسم محمد ﷺ وفرحوا بذلك\". وهو تكرار خلط بين الأثر السابق وهذا الأثر.","vol":"6","page":302},{"text":"إبراهيم. فأَنْزَل الله جل ثناؤه فيهم: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ من كتمانِ محمدٍ ﷺ، ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾، أحبُّوا أن تحمدَهم العربُ بما يزكُّون به أنفسهم، وليسوا كذلك (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاق، قال: أخْبرَنا الثوريُّ، عن أبى الجَحَّافِ، عن مسلمٍ البَطينِ، قال: سأل الحجَّاجُ جلساءَه عن هذه الآيةِ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾. قال [سعيدُ بنُ جبيرٍ] (^٢): بكتمانِهم محمدًا، ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾. قال: هو قولُهم: نحن على دين إبراهيم ﵇ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾: هم أهلُ الكتابِ، أُنْزِل عليهم الكتابُ، فحكَموا بغير الحقِّ، وحرَّفوا الكَلِمَ عن مواضعِه، وفرِحوا بذلك، وأحبُّوا أن يُحْمَدوا بما لم يفعلوا، فرحوا بأنهم كفَروا بمحمدٍ ﷺ وما أُنزل إليه (^٤)، وهم يزعُمون أنهم يعبُدون الله، ويصُومون، ويصلُّون، ويطيعُون الله، فقال الله جلَّ ثناؤُه لمحمدٍ ﷺ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾، كُفْرًا (^٥) بالله، وكُفْرًا (^٥) بمحمدٍ ﷺ ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾، من الصلاة والصوم، فقال الله جلَّ وعزَّ لمحمدٍ ﷺ: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٩ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تقدم في ص ٢٩٥.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الله\".\n(^٥) في م وتفسير ابن أبي حاتم: \"كفروا\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٣٨، ٨٠ (٤٦٣٩، ٤٦٤٨) عن محمد بن سعد به.","vol":"6","page":303},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تحسَبَنَّ الذين يفرَحون بما أَتَوْا من تبديلِهم كتابَ الله، ويحبُّون أن يحمَدَهم الناسُ على ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1659>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾. قال: يهودُ، فرحوا بإعجاب الناس بتبديلهم الكتابَ، وحمدِهم إيَّاهم عليه، ولا تملكُ يهودُ ذلك (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك أنهم فرحوا بما أعطَى الله تعالى آل إبراهيم ﵇.\n\n<span data-type='title' id=toc-1660>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي المُعَلَّى، عن سعيدِ بن جُبير أنه قال في هذه الآية: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾. قال: اليهودُ، يفرَحون بما أتى الله إبراهيم ﵇ (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا وهبُ بنُ جَريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي المُعَلَّى العطَّارِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: هم اليهودُ، فرِحوا بما أعطى اللَّهُ إبراهيمَ الكتاب (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنِي بذلك قومٌ من اليهودِ سألهم رسولُ اللهِ ﷺ عن شيءٍ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٦٣. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وينظر تفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٨٣٧ (٤٦٣٨).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٩ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":304},{"text":"فكتَموه، ففرِحوا بكتمانِهم ذلك إيَّاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1661>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاق، قال: أخْبرَنا ابن جريجٍ، قال: أخبرني ابن أبى مُليكةَ، أن علقمة [بن وقاصٍ] (^١) أخبره، أن مَرْوانَ قال لرافعٍ: اذهب يا رافعُ إلى ابن عباسٍ فقل له: لئن كان كلُّ امرئ منا فرح بما أتى (^٢)، وأحبَّ أن يُحْمَدَ بما لم يفعل معذَّبًا، ليعذِّبَنا الله أجمعين. فقال ابن عباسٍ: وما لكم ولهذه؟ إنما دعا النبيُّ ﷺ يهودَ فسألهم عن شيءٍ فكتَموه إيَّاه، وأخبَروه بغيرِه، فأرَوه أن قد استجابوا لله بما أخبروه عنه مما سألهم، وفرِحوا بما أَتَوْا (^٣) من كتمانهم إيَّاه، ثم قرأ (^٤): ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: أخبرني عبدُ الله بن أبى مُليكةَ، أن حميدَ بن عبدِ الرحمن بن عوفٍ أخبره، أن مَرْوانَ بنَ الحكم قال لبوَّابِه: يا رافعُ، اذهب إلى ابن عباسٍ فقل له: لئن كان كلُّ امرئ منا فرِح بما أَتَى، وأحبَّ أن يُحْمدَ بما لم يفعَلْ مُعذَّبًا، لَنُعذَّبَنَّ جميعًا. فقال ابن عباسٍ: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما أُنْزِلت في أهلِ الكتابِ. ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾. قال ابن عباسٍ: سألهم النبيُّ ﷺ عن شيءٍ فكتَموه إياه، وأخبَروه\n_________\n(^١) في م: \"بن أبى وقاص\". وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٣١٣.\n(^٢) في تفسير عبد الرزاق وصحيح البخارى: \"أوتى\".\n(^٣) في س: \"أوتوا\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قال\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤١، ١٤٢، ومن طريقه أخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ١٠١، ١٠٢. وقد أخرجه البخارى (٤٥٦٨)، والبغوى في تفسيره ٢/ ١٥٠ من طريق ابن جريج به.","vol":"6","page":305},{"text":"بغيرِه، فخرجوا وقد أَرَوه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، فاسْتَحْمَدوا بذلك إليه، وفرِحوا بما أَتَوْا من كتمانِهم إيَّاه ما سألهم عنه (^١).\nوقال آخرون: بل عُنى بذلك قومٌ من يهودَ أَظْهَرُوا النفاقَ للنبى ﷺ؛ محبةً منهم للحمدِ، والله عالمٌ منهم خلافَ ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1662>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أن أعداء الله اليهودَ؛ يهودَ خيبرَ، أتوا نبيَّ الله ﷺ، فزعَموا أنهم راضون (^٢) بالذي جاءهم به، وأنهم متابِعوه، وهم متمسِّكون بضلالتِهم، وأرادوا أن يحمَدَهم نبيُّ الله ﷺ بما لم يفعَلوا، فأَنزل الله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الآية (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ قال: إن أهل خيبرَ أَتَوُا النبيَّ ﷺ وأصحابَه فقالوا: إنَّا على رأيِكم وهيئتِكم، وإنا لكم رِدْءٌ (^٤). فأَكْذَبهم الله فقال: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ الآيتين (^٥).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن أبي عُبيدةَ، قال: جاء رجلٌ إلى عبدِ اللَّهِ فقال: إن كعبًا يقرأ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٤٤٤، ٤٤٥ (٢٧١٢)، والبخارى (٤٥٦٨)، ومسلم (٢٧٧٨)، والترمذى (٣٠١٤)، والنسائى (١١٠٨٦ - كبرى)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٣٩ (٤٦٤٧)، والطبرانى (١٠٧٣٠)، والبيهقى في الشعب (٧٠١٩) من طريق حجاج به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٩٩ من طريق ابن جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٠٨ إلى ابن المنذر به.\n(^٢) في س: \"رضوا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٩ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) في ت ٢: \"ردف\"، وفى تفسير عبد الرزاق: \"ود\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٤.","vol":"6","page":306},{"text":"عليك السلامَ ويقولُ: إن هذه الآيةَ لم تنزل فيكم: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾. قال: أخبروه أنها نزلت وهو يهوديٌّ (^١).\nوأَوْلَى هذه الأقوال بالصوابِ في تأويلِ قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ الآية. قولُ من قال: عُنِى بذلك أهلُ الكتاب الذين أَخْبَر الله جلَّ وعزَّ أنه أخذ ميثاقَهم، ليُبيِّنُنَّ للناسِ أمرَ محمدٍ ﷺ، ولا يكتُمونه؛ لأن قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ الآية. في سياق الخبرِ عنهم، وهو شبيهٌ بقصتِهم، مع اتفاقِ أهلِ التأويل على أنهم المعنيُّون بذلك.\nفإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: لا تحسَبَنَّ يا محمدُ الذين يفرَحون بما أَتَوا من كتمانِهم الناسَ أمرَك، وأنك لى رسولٌ مرسَلٌ بالحقِّ، وهم يجدونَك مكتوبًا عندَهم في كتُبِهم، وقد أخَذتُ عليهم الميثاقَ بالإقرار بنبوَّتِك وبيانِ أمرِك للناسِ، وألَّا يكتُموهم ذلك، وهم مع نقضهم ميثاقى الذي أخَذْتُ عليهم بذلك، يفرَحون بمعصيتِهم إياى في ذلك، ومخالفتهم أمرى، ويحبُّون أن يحمَدَهم الناسُ بأنهم أهلُ طاعةٍ لله وعبادةٍ وصلاةٍ وصومٍ، واتِّباعٍ لوحيِه وتنزيلِه الذي أنزله على أنبيائِه، وهم من ذلك أبرياءُ أَخْلِياءُ؛ لتكذيبهم رسولَه، ونقضِهم ميثاقَه الذي أخَذ عليهم، لم يفعلوا شيئًا مما يحبُّون أن يحمَدَهم الناسُ عليه، ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n[ويعنى بقوله] (^٢): ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾: فلا تظُنُّنَّهم بمنجاةٍ من عذابِ الله الذي أعدَّه لأعدائِه في الدنيا، من الخَسفِ والمَسْخِ والرَّجْفِ\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٨٣ بنحوه. وينظر ما تقدم في ص ٢٩٦.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وقوله\".","vol":"6","page":307},{"text":"والقتل، وما أشبَه ذلك من عقابِ اللهِ، ولا هم ببعيدٍ منه.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾. قال: بمنجاةٍ من العذابِ، [ولا هم ببعيدٍ منه] (^١).\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم عذابٌ في الآخرةِ أيضًا مؤلمٌ، مع الذي لهم في الدنيا مُعَجَّلٌ.\n\n<span id=\"aya-482\"></span><span data-type='title' id=toc-1663>القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾.</span>\nوهذا تكذيبٌ من الله للذين قالوا: إن الله فقيرٌ ونحن أغنياءُ. يقولُ تعالى ذكرُه مكذِّبًا لهم: للَّهِ مُلكُ جميع ما حوته السماوات والأرضُ، فكيف يكونُ - أيها المفترون على الله - من كان مُلكُ ذلك له فقيرًا؟ ثم أَخْبَر جلَّ ثناؤه أنه القادرُ على تعجيل العقوبة لقائلى ذلك، ولكلِّ مكذِّبٍ به، ومفترٍ عليه، وعلى غير ذلك مما أراد وأحبَّ، ولكنه تفضَّلَ بحِلْمِه على خلقِه، فقال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يعني: من إهلاك قائلى ذلك، وتعجيل عقوبتِه لهم، وغير ذلك من الأمور.\n\n<span id=\"aya-483\"></span><span data-type='title' id=toc-1664>القولُ في تأويل قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾.</span>\nوهذا احتجاجٌ من الله تعالى ذكرُه على قائلِ ذلك، وعلى سائرِ خلقِه، بأنه المديِّرُ المصرِّفُ الأشياءَ، والمسخِّرُ ما أحبَّ، وأن الإغناءَ والإفقارَ إليه وبيدِه، فقال جلَّ ثناؤُه: تدبَّروا أيها الناسُ واعتبِروا، ففيما أنشأتُه فخلقتُه من\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٠ إلى المصنف.","vol":"6","page":308},{"text":"السماواتِ والأرضِ لمعاشِكم وأقواتِكم وأرزاقِكم، وفيما عقَّبْتُ بينَه من الليل والنهارِ، فجعَلتُهما يختلِفان ويعتقبان عليكم، تتصرَّفون في هذا المعاشكم، وتسكُنون في هذا راحةً لأبدنِكم (^١) - معتبرٌ ومدَّكرٌ، وآياتٌ وعظاتٌ، لمن كان منكم ذا لُبٍّ وعقل يعلَمُ به أن من نسبنى إلى أنى فقيرٌ وهو غنيٌّ، كاذبٌ مفترٍ، فإن ذلك كلَّه بيدى، أقلِّبُه وأصرِّفُه، ولو أبطَلْتُ ذلك لهلَكتم، فكيف يُنْسَبُ إلى فقرٍ من كان كلُّ ما به عيشُ ما في السماواتِ والأرض بيده وإليه؟ أم كيف يكون غنيًّا من كان رزقُه بيدِ غيره؟ إذا شاء رزَقه، وإذا شاء حرَمه، فاعتبروا يا أولى الألباب.\n\n<span id=\"aya-484\"></span>القولُ في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.\nوقولُه: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾. من نعتِ \"أُولى الألباب\"، و﴿الَّذِينَ﴾ في موضع خفضٍ ردًّا على قوله: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.\nومعنى الآية: إن في خلق السماواتِ والأرض، واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب، الذاكرين الله قيامًا وقعودًا، وعلى جنوبهم. يعنى بذلك: قيامًا في صلاتهم، وقعودًا في تشهُدهم، وفى غيرِ صلاتِهم، وعلى جنوبِهم نيامًا.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ الآية. قال: هو ذكرُ الله في الصلاة وفى غير الصلاة، وقراءة القرآن (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾: وهذه حالاتُك كلُّها يابنَ آدمَ،\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لأجسادكم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٠ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"6","page":309},{"text":"[فاذكر الله وأنت قائمٌ فإن لم تَستَطِعْ فاذكُره وأنت قاعدٌ، فإن لم تَستَطِعْ] (^١) فاذكُره وأنت على جنبِك، يُسْرًا من الله وتخفيفًا (^٢).\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾. فعطف به ﴿عَلَى﴾ وهى صفةٌ، على \"القيام والقعود\"، وهما اسمان؟\nقيل: لأن قوله: ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾. في معنى الاسم، ومعناه: ونيامًا، أو: (^٣) مضطجعين على جنوبهم. فحسُن عطفُ ذلك على القيامِ والقعودِ لذلك (^٤) المعنى، كما قيل: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس: ١٢]. فعطف بقوله: ﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾. على قوله: ﴿لِجَنْبِهِ﴾. لأن معنى قوله: ﴿لِجَنْبِهِ﴾: مضطجعًا. فعطف بـ \"القاعد والقائم\" على معناه، فكذلك ذلك في قوله: ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾.\nوأما قولُه: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. فإنه يعنى بذلك أنهم يعتبِرون بصنعةِ صانع ذلك، فيعلمون أنه لا يصنَعُ ذلك إلا من ليس كمثله شيءٌ، ومَن هو مالكُ كلِّ شيءٍ ورازقُه، وخالقُ كلِّ شيءٍ ومدبِّرُه، ومن هو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وبيده الإغناءُ والإفقارُ، والإعزازُ والإذلالُ، والإحياءُ والإماتةُ، والشقاءُ والسعادةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1665>القولُ في تأويل قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكره: وَيَتَفَكَّرُون في خَلق السماوات والأرض قائلين: رَبَّنَا\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٤٢ (٤٦٥٨) من طريق يزيد به.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، س: \"و\".\n(^٤) بعده في الأصل، ص، ت ١، س: \"من\".","vol":"6","page":310},{"text":"مَا خَلَقتَ هذا باطلًا. فترَك ذكر \"قائلين\"؛ إذ كان فيما ظهَر من الكلامِ دَلالةٌ عليه.\nوقولُه: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾. يقولُ: لم تخلُق هذا الخلقَ عبثًا ولا لعِبًا، ولم تخلُقْه إلا لأمرٍ عظيمٍ، من ثوابٍ وعقابٍ، ومحاسبةٍ ومجازاةٍ.\nوإنما قال: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾. ولم يقل: ما خلَقْتَ هذه. ولا: هؤلاء. لأنه أراد بـ ﴿هَذَا﴾ الخلق الذي في السماوات والأرض، يدلُّ على ذلك قولُه: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. ورغبتُهم إلى ربِّهم في أن يقيَهم عذابَ الجحيم. ولو كان المعنيُّ بقولِه: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾. السماواتِ والأرضَ، لما كان لقولِه عَقِيبَ ذلك: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. معنًى مفهومٌ؛ لأن السماواتِ والأرضَ أدلةٌ على بارئها، لا على الثواب والعقابِ، وإنما الدليلُ على الثوابِ والعقاب الأمرُ والنهىُ.\nوإنما وصَف جلَّ ثناؤُه أولى الألبابِ الذين ذكَرهم في هذه الآيةِ أنهم إذا رأَوُا المأمورين المنهيين، قالوا: يا رَبَّنا، لم تخلُق هؤلاء باطلًا عبثًا.\n﴿سُبْحَانَكَ﴾. يعني: تنزيهًا لك [وتعظيمًا لك] (^١) من أن تفعَلَ شيئًا عبثًا، ولكنك خلقتهم (^٢) لعظيم من الأمرِ، لجنةٍ أو نارٍ. ثم فزِعوا إلى ربِّهم بالمسألةِ أن يُجيرَهم من عذابِ النار، وألَّا يجعَلَهم ممن عصاه وخالَف أمرَه، فيكونوا من أهل جهنَّمَ.\n\n<span id=\"aya-485\"></span><span data-type='title' id=toc-1666>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢)﴾.</span>\nاختَلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ربَّنا إنك من تُدْخِل النارَ من عبادك فتخلِّده فيها فقد أَخْزَيتَه. قالوا (^٣): ولا يُخْزَى مؤمِنٌ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في س: \"جعلتهم\".\n(^٣) في م، س: \"قال\".","vol":"6","page":311},{"text":"مصيرُه إلى الجنةِ، وإن عُذِّب بالنارِ بعضَ العذابِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1667>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو حفصٍ الجُبيريُّ ومحمدُ بنُ بشارٍ، قالا: أخْبرَنا المؤمَّلُ، أخْبرَنا (^١) أبو هلالٍ، عن قتادةَ، عن أنسٍ في قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾. قال: من تُخَلِّد فيها (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا الثوريُّ، عن رجلٍ، عن ابن المسيَّب: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾. قال: هي خاصَّةٌ لمن لا يخرُجُ منها (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو النعمان عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا قبيصةُ بنُ مَرْوانَ، عن الأشعثِ الحُمْليِّ، قال: قلتُ للحسنِ: يا أبا سعيدٍ، أرأيتَ ما تذكُرُ من الشفاعة حقٌّ هو؟ قال: نعم حقٌّ. قال: قلتُ: يا أبا سعيدٍ، أرأيتَ قول الله جل وعز: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧]. قال: فقال لي: إنك والله لا تَسْطُو (^٤) عليَّ بشيءٍ (^٥)، إن للنار أهلًا لا يخرُجون منها كما قال الله. قال: قلتُ:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وأخبرنا\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٤٢ (٤٦٦٠) من طريق قتادة به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٢.\n(^٤) في م: \"تستطيع\". وأصل السطو القهر، يريد أنك لا تقهرنى وتغلبنى بحجة.\n(^٥) في م: \"شيء\".","vol":"6","page":312},{"text":"يا أبا سعيدٍ: [فيمَ دَخَلوها وبم] (^١) خرجوا؟ قال: كانوا (^٢) أصابوا ذُنوبًا في الدنيا، فأَخَذهم اللهُ بها، فأَدْخَلهم بها، ثم أَخْرَجهم بما يعلَمُ في قلوبِهم من الإيمانِ والتصديق به (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ قوله: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾. قال: هو من يُخلَّدُ فيها (^٤).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ربَّنا إنك من تُدْخِل النارَ من مخلَّدِ فيها وغيرِ مخلَّدٍ فيها، فقد أُخْرى بالعذابِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1668>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا الحارثُ بنُ مسلمٍ، عن بحرٍ (^٥)، عمرِو بن دينارٍ، قال: قدِم علينا جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ في عُمْرَةٍ، فانتهيتُ إليه أنا وعطاءٌ، فقلتُ: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾. قال: وما أَخزاه (^٦) حينَ أَحْرَقه (^٧) بالنار! إِنَّ دونَ ذاك لخزيًا (^٨).\nوأولى القولين بالصوابِ عندى قولُ جابرٍ أن من أُدْخِل النارَ فقد أُخْزِى بدخولِه إياها وإن أُخرج منها. وذلك أن الخزىَ إنما هو هتكُ سِترِ المُخْرَى وفضيحتُه، ومن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"في من دخلوها ولم\"، وفى م: \"في من دخلوها ثم\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كان\".\n(^٣) أخرجه البيهقى في شعب الإيمان (٣٢٢) من طريق الأشعث بن جابر الحُمْلى بمعناه مختصرًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٠ إلى ابن المنذر ببعضه.\n(^٤) ينظر التبيان ٣/ ٨٢.\n(^٥) في النسخ: \"يحيى\"، والمثبت من مصدر التخريج. وهو بحر بن كَنِيز الباهلى السقاء. ينظر تهذيب الكمال ٤/ ١٢.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"إخزاؤه\".\n(^٧) في ص: \"أحروه\"، وفى ت ١، ت ٣، س: \"أخزوه\"، وفى ت ٢: \"أحزوه\".\n(^٨) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٠٠ من طريق الحارث بن مسلم به نحوه.","vol":"6","page":313},{"text":"عاقبه ربُّه في الآخرةِ على ذنُوبِه، فقد فضَحه بعقابِه إياه، وذلك هو الخزىُ.\nوأما قولُه: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. يقولُ: وما لمن خالف أمر الله فعصاه، من ذى نصرة له ينصُرُه من الله، فيدفَعَ عنه عقابَه، أو يُنْقِذَه من عذابِه.\n\n<span id=\"aya-486\"></span><span data-type='title' id=toc-1670>القولُ في تأويلِ قولِه ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣)﴾.</span>\nاختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ المنادِى الذي ذكَره الله تعالى في هذه الآية؛ فقال بعضُهم: المنادِى في هذا الموضع القرآنُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1669>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا قَبيصةُ بنُ عُقْبَةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بن عُبيدةَ، عن محمدٍ بن كعبٍ: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾. قال: هو الكتابُ، ليس كلُّهم لَقِى النبيَّ ﷺ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا منصورُ بنُ حَكِيمٍ، عن خارجةَ، عن موسى بن عُبيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ في قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾. قال: ليس كلُّ الناسِ سمع النبيِّ ﷺ، ولكنَّ المنادِىَ القرآن (^٢).\nوقال آخرون: بل هو محمدٌ ﷺ.\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٨٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٤٢ (٤٦٦٢) من طريق سفيان به.\n(^٢) أخرجه الخطيب البغدادى في المتفق والمفترق ١/ ٥٧٩ (٣٢١) من طريق موسى بن عبيدة به مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"6","page":314},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1671>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾. قال: هو محمدٌ ﷺ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾. قال: ذلك رسولُ الله ﷺ (^٢).\nوأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ محمدِ بن كعبٍ، وهو أن يكونَ المنادِى القرآنَ؛ لأن كثيرًا ممن وصَفهم اللهُ جل ثناؤه بهذه الصفةِ في هذه الآياتِ، ليسوا ممن رأى النبيَّ ﷺ ولا عاينه، فىَسْمَعُوا (^٣) دعاءَه إلى الله ﵎ ونداءه، ولكنه القرآنُ، وهو نظيرُ قولِه جلَّ ثناؤُه مخبرًا عن الجنِّ إذ سمِعوا كلام الله يُتْلَى عليهم، أنهم قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ١، ٢].\nوبنحو ذلك [كان قتادةُ يقول] (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾: سمِعوا دعوةً من الله فأجابوها، [وأَحْسَنوا] (^٥) فيها، وصبَروا عليها. ينبِّئُكم الله عن مؤمنِ الإنس كيف قال، وعن مؤمنِ الجنِّ كيف قال؛ فأما [مؤمنُ الجنِّ فقال: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾. وأما] (^٦) مؤمنُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٤٣ (٦٤٦٤) من طريق ابن ثور عن ابن جريجٍ بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١١ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فسمعوا\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فأحسنوا الإجابة\".\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":315},{"text":"الإنس فقال: ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ الآية (^١).\nوقيل: ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾. يعنى: ينادى إلى الإيمان. كما قال تعالى ذكرُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]. بمعنى: هدانا إلى هذا. وكما قال الراجزُ (^٢):\nأَوْحَى لها القرارَ فَاسْتَقَرَّتِ\nوشدَّها بالراسيات الثُّبَّتِ\nبمعنى: أَوْحَى إليها. ومنه قولُه: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥].\nوقيل: يحتملُ أن يكونَ معناه: إننا سمعنا مناديًا للإيمانِ ينادى: أن آمِنُوا بربِّكم. فتأويلُ الآية إذن: ربَّنا إننا سمعنا داعيًا يدعو إلى الإيمان. يقولُ: إلى التصديقِ بك، والإقرار بوحدانيتك، واتِّباع رسولك وطاعتِه، فيما أمَرنا به، ونهانا عنه، مما جاء به من عندك، ﴿فَآمَنَّا رَبَّنَا﴾. يقولُ: فصدَّقنا بذلك يا ربَّنا، ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾. يقولُ: فاسْتُر علينا خطايانا، ولا تفضحنا بها في القيامة على رءوس الأشهادِ، بعقوبتِك إيانا عليها، ولكن كفِّرها عنا، وسيئات أعمالنِا، فامْحُها بفضلك ورحمتك إيانا، ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾. يعنى بذلك: واقبضنا إليك - إذا قبَضتنا إليك - في عِدادِ الأبرار، واحْشُرْنا مَحْشَرَهم ومعهم.\nوالأبرارُ جمعُ بَرٍّ، وهم الذين برُّوا الله ﵎ بطاعتهم إياه، وخدمتهم له، حتى أرضَوْه فَرضى عنهم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٤٣ (٤٦٦٣) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تقدم في ٥/ ٤٠١، ٤٠٢.","vol":"6","page":316},{"text":"<span id=\"aya-487\"></span><span data-type='title' id=toc-1672>القول في تأويل قوله: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾.</span>\nإن قال لنا قائلٌ: وما وجهُ مسألة هؤلاء القوم ربَّهم أن يؤتيَهم ما وعَدهم، وقد علِموا (^١) أن الله منجزٌ وعدَه، وغير جائزٍ أن يكونَ منه إخلافُ موعدٍ؟\nقيل: قد (^٢) اختَلف في ذلك أهلُ البحثِ؛ فقال بعضُهم: ذلك قولٌ خرج مَخْرَجَ المسألةِ، ومعناه الخبرُ. قالوا: وإنما تأويلُ الكلام: ربَّنا إِنَّنا سمِعنا مناديًا يُنادِى للإيمان أن آمنوا بربِّكم فآمنَّا، ربَّنا فاغفر لنا ذنوبَنا وكفِّر عنا سيِّئاتِنا وتوفَّنا مع الأبرار، لتؤتيَنا ما وعَدتنا على رسلِك، ولا تُخْزِنا يوم القيامة. قالوا: وليس ذلك على أنهم قالوا: إن توفَّيتَنا مع الأبرارِ فَأَنجز لنا ما وعَدتنا؛ لأنهم قد علِموا أن اللَّهَ لا يُخْلِفُ الميعادَ، وأن ما وعَد على ألسنةِ رسلِه، ليس يعطيه (^٣) بالدعاءِ، ولكنه تفضَّل بابتدائه (^٤)، ثم ينجزُه.\nوقال آخرون: بل ذلك قولٌ من قائلِيه (^٥) على معنى المسألةِ والدعاء لله بأن يجعَلَهم ممن آتاهم ما وعَدهم من الكرامةِ على ألسُن رسلِه، لا أنهم كانوا قد استحقُّوا منزلة الكرامة عندَ اللهِ في أنفسهم، ثم سألوه أن يؤتيَهم ما وعَدهم، بعد علمِهم باستحقاقهم عند أنفسهم، فيكون ذلك مسألةً لربِّهم ألا يُخلفَ وعده. قالوا: ولو كان القومُ إنما سألوا ربَّهم أن يؤتيهم ما وعَد الأبرار، لكانوا قد زكَّوْا أنفسَهم، وشهِدوا لها أنها ممن قد اسْتَوْجب كرامةَ اللهِ وثوابَه. قالوا: وليس ذلك صفةَ أهل الفضل من المؤمنين.\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"علمت\".\n(^٢) زيادة من: الأصل.\n(^٣) في ص: \"بعطية\"، وفى س: \"معطيه\".\n(^٤) في م: \"بإيتائه\".\n(^٥) في م: \"قائله\".","vol":"6","page":317},{"text":"وقال آخرون: بل قالوا هذا القولَ على وجه المسألة والرغبةِ منهم إلى الله أن يؤتيهم ما وعدهم؛ من النصر على أعدائهم من أهل الكفر، والظَّفَرِ بهم (^١)، وإعلاء كلمة الحقِّ على الباطلِ، فيعجِّل ذلك لهم (^٢). قالوا: ومُحالٌ أن يكونَ القومُ مع وصف الله إياهم بما وصَفهم به، كانوا على غير يقينٍ من أن اللَّهَ لا يُخلِفُ الميعادَ، فيرغبوا إلى اللَّهِ جلَّ ثناؤُه في ذلك، ولكنهم كانوا وُعِدوا النصرَ، ولم يُوَقَّتْ لهم في [ذلك وقتٌ فرغبوا إلى الله في] (^٣) تعجيلِ ذلك لهم، لما في تعجيله (^٤) من سرور الظُّفَرِ وراحةِ الجسدِ.\nوالذي هو أولى الأقوالِ بالصواب في ذلك عندى، أن هذه الصفةَ صفةُ من هاجر من أصحاب رسول الله ﷺ من وطنِه ودارِه، مفارقًا لأهل الشركِ بالله، إلى اللَّهِ ورسولِه، وغيرِهم من تُبَّاعِ رسول الله ﷺ، الذين رغبوا إلى الله في تعجيل نُصرتِهم على أعداءِ اللَّهِ وأعدائِهم، فقالوا: ربَّنا آتنا ما وعَدتنا من نصرتِك عليهم عاجلًا، فإنك لا تخلفُ الميعادَ، ولكن لا صبرَ لنا على أناتِك وحِلْمِك عنهم، فعجِّل خِزيَهم (^٥)، ولنا الظفرَ عليهم. يدلُّ على صحةِ ذلك آخرُ الآية الأخرى، وهو قولُه: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ الآيات بعدها.\nوليس ذلك مما ذهب إليه الذين حكيتُ قولَهم في شيءٍ. وذلك أنه غيرُ موجودٍ في كلامِ العربِ أن يقالَ: افعل بنا يا ربِّ كذا وكذا. بمعنى: [لتَفْعَل بنا كذا وكذا] (^٦)\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"به\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) سقط من: ص، م ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) في م: \"تعجله\".\n(^٥) في م: \"حربهم\".\n(^٦) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"افعل بنا كذا الذي\"، وفى م: \"افعل بنا لكذا الذي\". والصواب ما أثبت، ويؤيده قوله بعد: أقبل إلى لتكلمنى.","vol":"6","page":318},{"text":"ولو جاز ذلك، لجاز أن يقول القائلُ لآخر (^١): أقبل إليَّ وكَلِّمْني. بمعنى: أقبل إليَّ لتُكلِّمنى. وذلك غيرُ موجودٍ في الكلام، ولا معروفٍ جوازُه، وكذلك أيضًا غيرُ معروفٍ في الكلام: آتنا ما وعدتنا. بمعنى: اجعلنا ممن آتيته ذلك. وإن كان كلُّ من أُعْطِيَ شيئًا سَنِيًّا، فقد صُيِّر نظيرًا لمن كان مَثلَه في المعنى الذي أُعطِيَه، ولكن ليس الظاهرُ من معنى الكلام ذلك، وإن كان قد يَئُولُ معناه إليه.\nفتأويلُ الكلام إذن: ربَّنا أعطِنا ما وعدتنا على ألسُنِ رُسلك، إنك تُعلى كلمتك كلمة الحقِّ، فأيِّدنا (^٢) على من كفر بك، وحادَّك، وعبَد غيرَك، وعجِّل لنا ذلك، فإنا قد علمنا أنك لا تخلِفُ ميعادَك، ولا تُخْزِنا يوم القيامة، فتفضحنا بذنوبنا التي سلَفت منا، ولكن كفِّرها عنا، واغفرها لنا.\nوقد حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ قوله: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾. قال: يَسْتَنْجِزُ موعودَ اللهِ على رسله (^٣).\n\n<span id=\"aya-488\"></span><span data-type='title' id=toc-1673>القولُ في تأويل قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤه: فأجاب هؤلاء الداعين - بما وصف الله عنهم أنهم دَعوه (^٤) به - ربُّهم، بأنى لا أضيعُ عمل عاملٍ منكم عمِل خيرًا؛ ذكرًا كان العاملُ أو أُنثى.\nوذُكِر أنه قيل لرسول الله ﷺ: ما بالُ الرجال يُذكَرون ولا تُذْكَرُ النساءُ في الهجرةِ. فأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ في ذلك هذه الآية.\n_________\n(^١) في النسخ: \"الآخر\". والمثبت هو الصواب.\n(^٢) في ص: \"يأيدينا\"، وفى م، ت ٢، ت ٣: \"بتأييدنا\"، وفى ت ٢: \"بايداننا\". غير منقوطة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٤٣ (٤٦٦٥) من طريق ابن ثور عن ابن جريج.\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣، س: \"دعوا\".","vol":"6","page":319},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قالت أمُّ سَلَمةَ: يا رسولَ اللَّهِ، يُذْكَرُ الرجالُ في الهجرةٍ ولا نُذْكَرُ. فنزلت: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاق، قال: أخْبرَنا ابن عُيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: سمعت رجلًا من ولد أمِّ سَلَمَةَ زوج النبيِّ ﷺ يقولُ: قالت أمُّ سَلَمَةَ: يا رسول الله، لا أسمعُ الله يذكُرُ النساءَ في الهجرة بشيءٍ. فأَنزل الله ﵎: [﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ] (^٢) أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ (^٣).\nحدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرو بن دينارٍ، عن رجلٍ من ولد أمِّ سَلَمَةَ، عن أمِّ سَلَمَةَ، أنها قالت: يا رسول الله، لا أسْمَعُ الله ذكَر النساء في الهجرة بشيءٍ. فأَنزَل الله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ (^٤).\nوقيل: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ﴾. بمعنى: فأجابهم، كما قال الشاعرُ (^٥):\nوداعٍ دعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدَى … فلم يَسْتَجِبْه عند ذاك مُجيبُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٤٤ (٤٦٦٩)، والحاكم ٢/ ٤١٦، من طريق سفيان الثورى به.\nوجاء في تفسير ابن أبي حاتم قال: قالت أم سلمة، فذكر نحوه، وكأن فيه سقطًا؛ لأنه لم يسبق الأثر قبل.\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ س: \"الذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٤.\n(^٤) أخرجه الحميدى (٣٠١)، وسعيد بن منصور في سننه (٥٥٢ - تفسير)، والترمذى (٣٠٢٣)، وأبو يعلى (٦٩٥٨)، والطبراني ٢٣/ ٢٩٤ (٦٥١)، والحاكم ٢/ ٣٠٠، والواحدى في أسباب النزول ص ١٠٣ من طريق ابن عيينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١١ إلى ابن المنذر.\n(^٥) تقدم تخريج البيت في ١/ ٣٣٥.","vol":"6","page":320},{"text":"بمعنى: فلم يُجبه (^١) عند ذاك مجيبٌ.\nوأُدْخِلَت ﴿مِنْ﴾ في (^٢) قوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾. على الترجمة والتفسير عن قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾. بمعنى: لا أضيعُ عَمَلَ عاملٍ منكم من الذكور والإناث. وليست \"من\" هذه بالتي يجوزُ إسقاطُها وحَذْفُها من الكلام في الجحد؛ لأنها دخَلت بمعنًى لا يصلُحُ الكلام إلَّا به.\nوزعم بعضُ نحويِّى البصرة أنها دخلت في هذا الموضع كما تدخُلُ في قولهم: قد كان من حديثٍ. قال: و﴿مِنْ﴾ هاهنا أحسنُ؛ لأن حرف (^٣) النهى قد دخل في قوله: ﴿لَا أُضِيعُ﴾.\nوأنكَر ذلك بعضُ نحويِّى الكوفةِ، وقال: لا تدخُلُ \"مِنْ\" ولا (^٣) تخرج إلَّا في موضع الجحدِ. وقال: قولُه: ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾. لم يُدْرِكْه الجحدُ؛ لأنك لا تقولُ: لا أضرِبُ غلامَ رجلٍ في الدارِ ولا في البيت. فتُدخِلُ \"ولا\"؛ لأنه لم يَنَله الجحدُ، ولكن \"من\" مفسِّرةٌ.\nوأما قوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾. فإنه يعنى: ﴿بَعْضُكُمْ﴾ أيها المؤمنون الذين [يذكرون الله] (^٤) قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، ﴿مِنْ بَعْضٍ﴾؛ في النُّصرة والملَّة (^٥) والدين، وحكمُ جميعِكم فيما أنا بكم فاعلٌ (^٦) حكم أحدِكم، في أنى لا أضيعُ عمل (^٧) ذكرٍ منكم ولا أُنثَى.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يُجِبْ\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ٢، س.\n(^٣) زيادة من: الأصل.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يذكرونى\".\n(^٥) في م: \"المسألة\".\n(^٦) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"على\".\n(^٧) بعده في الأصل: \"عامل\".","vol":"6","page":321},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1674>القول في تأويلِ قولِه: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾.</span>\nيعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾: [يعنى هاجَرُوا] (^١) قومَهم من أهلِ الكفرِ وعشيرتَهم، في الله، إلى إخوانهم من أهلِ الإيمان بالله والتصديق برسوله، ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾. وهم المهاجرون الذين أخرَجهم مشركو قريشٍ من ديارِهم بمكةَ، ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾. يعنى: وأُوذوا في طاعتهم ربَّهم، وعبادتهم إياه، مخلصين له الدينَ. وذلك هو سبيلُ الله التي أذى فيها المشركون من أهلِ مكةَ المؤمنين برسول الله ﷺ من أهلها، [(وقُتِلُوا). يعنى: وقُتِلُوا في سبيل الله، (وقاتَلُوا) فيها] (^٢)، ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾. يعنى: لأمْحُونَّها عنهم، ولأتَفَضَّلنَّ عليهم بعَفوى ورَحمتى، ولأغْفِرَنَّها لهم، ﴿وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿ثَوَابًا﴾. يَعْنى: جزاءٌ لهم على ما عملوا وأبلَوا في الله وفى سبيله، ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. يَعْنى: مِن قِبَلِ اللَّهِ لهم، ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾. يَعْنى: أن الله عندَه مِن جزاء أعمالهم لهم (^٣) جميعُ صنوفِه، وذلك ما لا يَبْلُغُه وَصْفُ واصفٍ؛ لأنه مما لا عينٌ رأت، [ولا أُذنٌ سمعت] (^٤)، ولا خطَر على قلبِ بشرٍ.\nكما حدَّثنا [أحمدُ بنُ] (^٥) عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثنا عمِّى عبد الله بنُ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) هكذا بالإبدال. وينظر القراءات التي سيذكرها المصنف بعد.\n(^٣) زيادة من: الأصل، ص.\n(^٤) سقط من: الأصل، ص.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":322},{"text":"وهبٍ، قال: ثنى عمرُو بنُ الحارثِ، أن أبا عُشَّانةَ المَعافريَّ حدَّثه، أنه سمع عبدَ الله بنَ عمرِو بن العاصِ يقولُ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: \"إن أول ثُلَّةٍ (^١) تَدْخُلُ (^٢) الجنةَ لفقراءُ المهاجرين، الذين تُتَّقى بهم المكارهُ، إذا أُمِروا سمِعوا وأطاعُوا، وإن كانت لرجلٍ منهم حاجةٌ إلى السلطانِ لم تُقضَ (^٣) حتى يَمُوتَ وهى في صدرِه، وإن الله يَدْعُو يومَ القيامةٍ الجنةَ، فتأتى بزخرفها وزينتِها، فيقُولُ: أين عبادى الذين قاتَلوا في سبيلى وقُتلوا، وأُوذوا في سبيلى، وجاهَدوا في سبيلى؟ ادخُلوا الجنةَ. فيدْخُلونها بغير عذابٍ ولا حسابٍ، وتأتى الملائكةُ فيسْجُدون ويَقُولون: ربَّنا نحن نُسبِّحُ لك الليلَ والنهارَ، ونُقَدِّسُ لك، من هؤلاء الذين آثَرْتَهم علينا؟ فيقُولُ الربُّ جلَّ ثناؤه: هؤلاء عبادى الذين قاتلوا في سبيلى، وأُوذوا في سبيلى. فتَدْخُلُ الملائكة عليهم من كلِّ بابٍ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (^٤) [الرعد: ٢٤].\nواختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ فقرأ بعضُهم: (وَقَتَلُوا وقُتِلُوا). بالتخفيف (^٥)، بمعنى: أنهم قَتَلوا من قتلوا من المشركين، [ثم قتلهم المشركون] (^٦).\nوقرأ ذلك آخرون: (وَقاتَلُوا وَقُتُلُوا). بتشديد: (قُتِّلوا) (^٧)، بمعنى: أنهم قاتلوا المشركين، وقتَّلهم المشركون بعضًا بعد بعضٍ، وقتلًا بعد قتلٍ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"ثلاثة\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"يدخلوا\".\n(^٣) بعده في الأصل: \"لهم\".\n(^٤) أخرجه الحاكم في ٢/ ٧١، ٧٢، والبيهقى في شعب الإيمان (٤٢٥٩) من طريق عبد الله بن وهب به، وأخرجه أحمد في المسند ١١/ ١٣١ - ١٣٣ (٦٥٧٠، ٦٥٧١)، وعبد بن حميد (٣٥٢)، والبزار (٢٤٥٧)، وابن حبان (٧٤٢١)، والطبراني ١٣/ ٦١ (١٥١)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٤٧ من طريق أبى عشانة به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢ إلى أبى الشيخ.\n(^٥) وهى قراءة شاذة، حكاها أبو حيان عن عمر بن عبد العزيز. البحر المحيط ٣/ ١٤٥.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٧) وهى قراءة ابن كثير وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٢٢١.","vol":"6","page":323},{"text":"وقرأ ذلك عامةُ قرأة المدينةِ وبعضُ الكوفىين: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾. بالتخفيف (^١)، بمعنى: أنهم قاتلوا المشركين وقُتِلوا.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: (وَقُتِلُوا): بالتخفيفِ، (وَقاتَلُوا) (^٢). بمعنى: أن بعضَهم قُتِل، وقاتَل مَن بَقى منهم.\nوالقرأةُ التي لا أسْتَجِيزُ أن أغدُوَها إحدى هاتين القراءتين، وهى: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾. بالتخفيف، أو: (وقُتِلوا). بالتخفيف، (وَقاتَلُوا). لأنها القراءةُ المنقولة نقل وراثةٍ، وما عَدَاهما فشاذٌّ (^٣). وبأيِّ هاتين القراءتين اللتين ذكَرتُ أنى لا أَسْتَجِيزُ أن أعْدُوهما، قرأ قارئٌ فمصيبٌ في ذلك الصوابَ مِن القراءة؛ لاستفاضة القراءة بكلِّ واحدةٍ منهما في قرَأة الإسلام، مع اتفاق معنَييهما.\n\n<span id=\"aya-489\"></span><span data-type='title' id=toc-1675>القولُ في تأويل قولِه: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ يا محمدُ، ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ يَعْنى: تَصَرُّفُهم في الأرضٍ وضَرْبُهم فيها.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: هو ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾. يقولُ: ضربُهم في البلادِ (^٤).\nفنهى الله تعالى ذكرُه نبيَّه ﷺ عن الاغترار بضربهم في البلاد وإمهال الله إياهم، مع شركهم وجحودهم نِعَمَه، وعبادتهم غيرَه. وخرج الخطابُ بذلك\n_________\n(^١) وبها قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو. السبعة الموضع السابق.\n(^٢) وقرأ بها حمزة والكسائى. السبعة الموضع نفسه.\n(^٣) وتقدم أن ابن كثير وابن عامر - وهما من السبعة - قرأ: (وقاتَلوا وقتِّلوا). فليست قراءتهما شاذة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٤٥ (٤٦٧٣) من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"6","page":324},{"text":"للنبيِّ ﷺ، والمعنيُّ به غيرُه من أتباعه وأصحابه، كما قد بيَّنَّا فيما مضَى قبلُ [مِن أشكاله (^١)، وما اغترَّ ﷺ بهم ولا خدَعوه عن شيءٍ] (^٢) من أمر الله، ولكن كان بأمرِ الله صادِعًا، وإلى الحقِّ داعيًا.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال قتادةُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾: والله ما غرُّوا نبيَّ اللهِ، ولا وكَل إليهم شيئًا مِن أَمرٍ الله، حتى قبَضه الله على ذلك (^٣).\n\n<span id=\"aya-490\"></span>وأما قولُه: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾. فإنه يعنى أن تَقَلُّبَهم في البلادِ وتَصَرُّفَهم فيها مُتعةٌ يُمَتَّعُون (^٤) بها قليلًا، حتى يبلُغوا آجالَهم فتَختَرِمَهم منيَّاتُهم، ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ بعدَ مماتِهم. والمأوى: الموضعُ (^٥) الذي يَأْوُون إليه يوم القيامةِ، فيَصِيرون فيه.\nويَعنى بقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: وبئس الفراشُ والمَضْجَعُ جهنمُ.\n\n<span id=\"aya-491\"></span><span data-type='title' id=toc-1676>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾.</span>\nيعنى بقوله (^٦): ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾: لكن الذين اتَّقَوُا الله بطاعتِه واتباع مرضاتِه، في العمل بما أمرَهم به، واجتنابِ ما نهاهم عنه، ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾. يعني: بساتينُ، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يَقُولُ: باقين فيها\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٤٠٤ - ٤٠٦.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٤٥ (٤٦٧٤) من طريق يزيد به.\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١: \"يتمتعون\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المصير\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بذلك جل ثناؤه\".","vol":"6","page":325},{"text":"أبدًا، ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. يعنى: إنزالًا مِن اللَّهِ إياهم فيها أَنزَلَهمُوها.\nونَصَبَ ﴿نُزُلًا﴾ على التفسير من قوله: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. كما يُقالُ: لك عندَ اللهِ جناتٌ تجرى من تحتها الأنهارُ ثوابًا. وكما يُقَالُ: هو لك صدقةً. و: هو لك هبةً.\nوقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. يَعْنى: مِن قِبَل الله، ومن كرامة الله إياهم، وعطاياه لهم.\nوقوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾. يقولُ: وما عند الله من الحياة والكرامة وحُسن المآب، خيرٌ للأبرار مما يَتَقَلَّبُ فيه الذين كفروا، فإن الذي يَتَقَلُّبون فيه زائلٌ فانٍ، وهو قليلٌ من المتاع خسيسٌ وما عندَ اللهِ (^١) مِن كرامته للأبرار - وهم أهل طاعته - باقي غيرُ فانٍ ولا زائلٍ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سمعت ابن زيدٍ يقولُ في قوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾. قال: لمن يُطِيعُ اللَّهَ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن خيثمةَ، عن الأسود، عن عبدِ اللهِ، قال: ما من نفسٍ برَّةٍ ولا فاجرةٍ إلا والموتُ خيرٌ لها. ثم قرأ عبد الله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾. وقرأ هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ الآية (^٣).\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"خير\"، ومضروب عليها في ص.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٣ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. والأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٢، وينظر ما تقدم في ص ٢٦٢.","vol":"6","page":326},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن فرَجِ بن فَضالةَ، عن لقمانَ، عن أبي الدرداءِ، أنه كان يقولُ: ما من مؤمنٍ إلا والموتُ خيرٌ له، وما من كافرٍ إلا والموتُ خيرٌ له، ومَن لم يُصَدِّقْنى فإن الله يقولُ: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ ويَقُولُ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-492\"></span><span data-type='title' id=toc-1678>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويل في من عُنى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنى بها أَصْحَمةُ النجاشيُّ، وفيه أُنزِلت.\n\n<span data-type='title' id=toc-1677>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عصام (^٢) بن روَّادِ بن الجراحِ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أبو بكرٍ الهُذليُّ، عن قتادة، عن سعيد بن المسيَّب، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، أن النَّبيَّ ﷺ قال: \"اخْرُجوا فصَلُّوا على أخٍ لكم\". فخرج (^٣) فصلَّى بنا فكبَّر أربع تكبيراتٍ، فقال: \"هذا النجاشيُّ أَصْحَمةُ\". فقال المنافقون: انْظُروا إلى هذا يُصَلِّي على عِلْجٍ (^٤) نصرانيٍّ لم يَرَهُ قَطُّ. فأنزل الله جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٤٧ - تفسير) عن فرج بن فضالة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) بعده في م: \"بن زياد\". وينظر الجرح والتعديل ٧/ ٢٦.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) العلج: الرجل من كفار العجم. اللسان (ع ل ج).\n(^٥) أخرجه ابن عدى في الكامل ٣/ ١١٧١ من طريق رواد بن الجراح به.","vol":"6","page":327},{"text":"حدَّثنا [محمدُ بنُ بشَّارٍ] (^١)، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبى، عن قتادة، أن النبيَّ ﷺ قال: \"إن أخاكم النجاشيَّ قد مات فصلُّوا عليه\". قالوا: تُصَلِّى على رجلٍ ليس بمسلمٍ؟ قال: فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾. قال قتادةُ: فقالوا: فإنه كان لا يُصَلِّي (^٢) القبلة. فأنزل الله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (^٣) [البقرة: ١١٥].\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾: ذُكر لنا أن هذه الآية نزَلت في النجاشيِّ وفى ناسِ من أصحابه، آمنوا بنبيِّ الله ﷺ وصدَّقوا به. قال: وذكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ اسْتَغْفَرَ للنجاشيِّ وصلَّى عليه حينَ بلَغه موتُه، قال (^٤) لأصحابه: \"صلُّوا على أخٍ لكم قد مات بغير بلادكم\". فقال أناسٌ من أهلِ النفاقِ: يُصَلِّي على رجلٍ مات ليس من أهل دينه؟ فأَنزَلَ اللهُ هذه الآيةَ: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاق، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ\n_________\n(^١) في س: \"بشر\".\n(^٢) بعده في م: \"إلى\".\n(^٣) أسباب النزول للواحدي ص ١٠٣. وتقدم في ٢/ ٤٥٥.\n(^٤) في س: \"وقال\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"6","page":328},{"text":"إِلَيْهِمْ﴾. قال: نزلت في النجاشيِّ وأصحابه ممن آمن بالنبيِّ ﷺ، واسمُ النجاشيِّ أصحمُة. [قال الثوريُّ: واسمُ النجاشيِّ أصحمةُ] (^١).\nحدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: قال عبدُ الرزاقِ: وقال ابن عيينةَ: اسمُ النجاشيِّ بالعربيةِ عطيةُ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: لما صلَّى النبيُّ ﷺ على النجاشيِّ، طعن في ذلك المنافقون، فنزلت هذه الآيةُ: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى آخِرِها (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ ومَن معه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1679>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: [قال آخرون] (^٤): نزلت - يَعنى هذه الآية ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ الآية في عبد الله بن سلامٍ ومن معه (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية كلها. قال: هؤلاء يهودٌ (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٤.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٤.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٣ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٣ إلى المصنف وابن المنذر، وينظر البحر المحيط ٣/ ١٤٨.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٣ إلى المصنف.","vol":"6","page":329},{"text":"وقال آخرون: بل عُنِى بذلك مُسْلِمةُ أهل الكتاب كلُّهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1680>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: من اليهود والنصارى، وهم مُسْلِمةُ أهل الكتابِ (^١).\nوأولى هذه الأقوال بتأويل الآيةِ ما قال مجاهدٌ، وذلك أن الله جلَّ ثناؤه عمَّ بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. أهلَ الكتابِ جميعًا، فلم يخصُصْ منهم النصارى دونَ اليهود، ولا اليهودَ دونَ النصارى، وإنما أخبَر أن مِن أهل الكتاب مَن يُؤمِنُ بالله، وكلا الفريقين - أعنى اليهودَ والنصارى - من أهل الكتاب.\nفإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ في الخبرِ الذي رويتَ عن جابرٍ وغيره أنها نزلت في النجاشيِّ وأصحابِه؟\nقيل: ذلك خبرٌ في إسنادِه نَظَرٌ، ولو كان صحيحًا لا شكَّ فيه لم يَكُنْ لما قلنا في معنى الآية بخلافٍ (^٢)، وذلك أن جابرًا ومَن قال بقوله إنما قالوا: نزلت في النجاشيِّ. وقد تَنْزِلُ الآيةُ في الشئ ثم يُعَمُّ بها كلُّ مَن كان في معناه. فالآيةُ وإن كانت نزلت في النجاشيِّ، فإن الله ﵎ قد جعل الحكم الذي حكَم به للنجاشيِّ حكمًا لجميع عباده الذين هم بصفة النجاشيِّ، في اتباعِهم رسول الله ﷺ والتصديق بما جاءهم به مِن عندِ اللهِ، بعد الذي كانوا عليه قبل ذلك، مِن اتباع أمرِ اللهِ، فيما أمر به عباده في الكتابين؛ التوراة والإنجيل.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٤٦ (٤٦٨٤) من طريق أبى حذيفة به.\n(^٢) في م: \"خلاف\".","vol":"6","page":330},{"text":"فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآية: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: التوراة والإنجيل، ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾، فيُقرُّ بوحدانيته، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ أيُّها المؤمنون. يقولُ: وما أنزل إليكم من كتابه ووحيه على لسانِ رسولِه محمدٍ ﷺ، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾. يَعْنى: وما أُنزِل إلى أهل الكتاب من الكتب، وذلك التوراةُ والإنجيلُ والزَّبُورُ، ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾. يَعْنى: خاضعين لله بالطاعة له، مُسْتَكِينين له بها متذلِّلين.\nكما حدَّثنا يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني ابن زيدٍ في قوله: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾. قال: الخاشع المتذلِّلُ للهِ الخائفُ.\nونَصَب قوله: ﴿خَاشِعِينَ﴾. على الحالِ مِن قوله ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾. وهو حالٌ مما في ﴿يُؤْمِنُ﴾ من ذكر ﴿مِنْ﴾.\n﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. يقُولُ: لا يُحرِّفون ما أنزل الله إليهم في كتبه من نعتِ محمدٍ ﷺ، فيُبدِّلونه، ولا غيرَ ذلك مِن أحكامه وحُجَجه فيه، لعرضٍ من الدنيا خسيسٍ، يُعْطَوْنه على ذلك التبديل، وابتغاء الرياسة على الجهال، ولكنَّهم يَنْقادُون للحقِّ، فيعملون بما أمرهم الله به فيما أنزل إليهم في كتبِه، ويَنْتَهُون عما نهاهم عنه فيها، ويُؤثرون أمر الله على هوى أنفسهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1681>القولُ في تأويل قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾: هؤلاء الذين يُؤْمِنون بالله وما أُنزل إليكم وما أُنزِل إليهم، ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. يَعْنى: لهم عِوَضُ أعمالهم التي عملوها، وثوابُ طاعتهم ربَّهم فيما أطاعوه فيه، ﴿عِنْدَ","vol":"6","page":331},{"text":"رَبِّهِمْ﴾. يَعْنى: مذخورٌ ذلك لهم لديه، حتى يَصيروا إليه في القيامةِ فيُوَفِّيَهم ذلك، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. وسرعةُ حسابه تعالى ذكرُه أنه لا يَخْفَى عليه شيءٌ من أعمالهم قبل أن يَعْمَلوها وبعد ما عملوها، فلا حاجة به إلى إحصاء عدد ذلك، فيقع في الإحصاء إبطاءٌ، فلذلك قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.\n\n<span id=\"aya-493\"></span><span data-type='title' id=toc-1683>القول في تأويل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: اصبِروا على دينكم، وصابروا الكفار ورابطوهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1682>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا سويدُ بن نصرٍ، قال: أخْبرَنا ابن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن أنه سمعه يقولُ في قولِ اللهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾. قال: أمرهم أن يصبروا على دينهم، فلا يَدَعوه لشدّةٍ ولا رخاءٍ، ولا سرَّاءَ ولا ضرَّاءَ، وأمرهم أن يُصابروا الكفارَ، وأن يُرابطوا المشركين (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾. أي: اصبروا على طاعة الله، وصابِروا أهل الضلالة، ورابطوا في سبيل الله، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^٢).\n_________\n(^١) الجهاد لابن المبارك (١٧٠)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٤٧ (٤٦٩٠) من طريق المبارك بن فضالة.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"6","page":332},{"text":"حدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾. يقولُ: صابِروا المشركين، ورابطوا في سبيل الله (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿اصْبِرُوا﴾ على الطاعة، ﴿وَصَابِرُوا﴾ أعداء الله، ﴿وَرَابِطُوا﴾ في سبيل الله.\nحدَّثنا يحيى بنُ أبى طالب، قال: أخْبرَنا يزيدُ، قال: أخْبرَنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾. قال: اصبروا على ما أُمرتم به، وصابروا العدوَّ ورابطوهم.\nوقال آخرون: [معنى ذلك] (^٢): اصبروا على دينكم، وصابِروا وَعْدى إياكم على طاعتكم لى، ورابطوا أعداءَكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1684>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني أبو صخرٍ، عن محمدِ بن كعب القُرَظِيِّ، أنه كان يقولُ في هذه الآية: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ يقولُ: اصبروا على دينكم، وصابروا الوعد الذي وعدتُكم، ورابطوا عدوِّى وعدوَّكم حتى يَتْرُكَ دينَه لدينِكم (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: اصبروا على الجهاد، وصابروا عدوَّكم ورَابطوهم.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٤، وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ٢٢٤ من طريق معمر به.\n(^٢) في س: \"يعنى بذلك\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٤٧، ٨٤٨، ٨٥٠ (٤٦٨٩، ٤٦٩٧، ٤٧٠٤) عن يونس به، وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ٢٢٤ من طريق ابن وهب به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٤ إلى ابن المنذر.","vol":"6","page":333},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1685>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: أخْبرَنا هشامُ بن سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ في قوله: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾. قال: اصبروا على الجهادِ، وصابروا عدوَّكم، ورابطوا على عدوِّكم (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا مُطَرِّفُ بنُ عبدِ الله المدنيُّ (^٢)، قال: ثنا مالكٌ - يعنى ابن أنسٍ - عن زيد بن أسلمَ، قال: كتب أبو عبيدة بنُ الجراح إلى عمر بن الخطاب، يَذْكُرُ له جموعًا من الروم، وما يَتَخوَّفُ منهم، فكتب إليه عمرُ: أما بعد، فإنه مهما نزل بعبدٍ مؤمنٍ من منزلة شدَّةٍ، يجعَلُ الله له بعدَها فرجًا، وإنه لن يَغْلِبَ عسرٌ يُسرين، وإن الله ﵎ يَقُولُ في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^٣).\nوقال آخرون: معنى قوله: ﴿وَرَابِطُوا﴾. أي: رابطوا على الصلوات، أي: انتظروها واحدةً بعد واحدةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1686>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخْبرَنا ابن المبارك، عن مصعب بن ثابتِ بن عبد الله بن الزبير، قال: ثنى داودُ بن صالحٍ، قال: قال لى أبو سلمةَ بنُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٤٨، ٨٥٠ (٤٦٩٤، ٤٧٠٦)، والبيهقي في الشعب (٤٢٠٥) من طريق جعفر بن عون به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ص: \"المرنى\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المرى\". وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٧٠.\n(^٣) الموطأ ٢/ ٤٤٦، وأخرج نحوه ابن المبارك في الجهاد (٢١٧)، وابن أبي شيبة ٥/ ٣٣٥، ١٣/ ٣٧، ٣٨، وابن أبي الدنيا - كما في الدر المنثور ٢/ ١١٤ - ومن طريقه البيهقى في الشعب (١٠٠١٠)، والحاكم ٢/ ٣٠١، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٥/ ٤٧٧ من طريق زيد بن أسلم عن أبيه بنحوه.","vol":"6","page":334},{"text":"عبد الرحمن: يا بن أخى، هل تَدْرِى في أيِّ شيءٍ نزلت هذه الآيةُ: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾؟ قال: قلتُ: لا. قال: [إنه يا بنَ أخى] (^١) لم يَكُنْ في زمانِ النبيِّ ﷺ غَزْوٌ يُرابَط فيه، ولكنه انتظارُ الصلاة خلف الصلاةِ (^٢).\nحدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيلٍ، عن عبد الله بن سعيدٍ المقبريِّ، عن جدِّه، عن شُرَحبيلٍ، عن عليٍّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"ألا أدُلُّكم على ما يُكَفِّرُ [الله به] (^٣) الذنوب والخطايا؟ إسباغُ الوضوء على المكاره، وانتظارُ الصلاةِ بعد الصلاةِ، فذلك الرِّباطُ (^٤).\nحدَّثنا موسى بنُ سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مهاجرٍ، قال: ثنى يحيى بنُ يزيدَ، عن زيدِ بن أبى أُنَيسةَ، عن شُرَحبيلٍ، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"ألا أدُلُّكم على ما يَمْحُو الله به الخطايا، ويُكفِّرُ به الذنوب؟ قال: قلنا: بلى يا رسولَ اللهِ. قال: \"إسباغُ الوضوء في أماكنها، وكثرةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّباط\" (^٥).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، عن العلاء بن عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"ألا\n_________\n(^١) في المستدرك: \"يا ابن أخى إنى سمعت أبا هريرة يقول\".\n(^٢) الزهد لابن المبارك (٤٠٨)، ومن طريقه الحاكم ٢/ ٣٠١، والبيهقة في الشعب (٢٨٩٧)، والواحدى في أسباب النزول ص (١٠٤)، وابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ٢٢٤. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٣ إلى ابن المنذر.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) أخرجه عبد بن حميد (٩١)، والبزار (٥٢٨)، وأبو يعلى (٤٨٨)، والحاكم ١/ ١٣٢، وابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ٢٢٤ من طريق سعيد بن المسيب، عن علي.\n(^٥) أخرجه ابن حبان (١٠٣٩)، والبزار (٤٤٩ - كشف) من طريق زيد بن أبى أنيسة به، وأخرجه البزار (٤٥٠ - كشف) من طريق الشعبي، عن جابر بنحوه.","vol":"6","page":335},{"text":"أدُلُّكم على ما يَحُطُّ الله به (^١) الخَطايا، ويَرْفَعُ به الدرجات\"؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: \"إسباغُ الوُضوء عند المكاره، وكثرةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظارُ الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّباط، فذلكم الرِّباطُ\" (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن العلاءِ بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ بنحوه (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى التأويلات بتأويل الآية قولُ مَن قال في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: يا أيُّها الذين صدَّقوا الله ورسوله، ﴿اصْبِرُوا﴾ على دينِكم وطاعة ربِّكم. وذلك أن الله جل ثناؤُه لم يَخْصُصُ من معاني الصبر على الدين والطاعة شيئًا فيَجُوزَ إخراجُه من ظاهرِ التنزيل؛ فلذلك قلنا: إنه عَنَى بقوله: ﴿اصْبِرُوا﴾. الأمر بالصبر على جميع معاني طاعة الله فيما أمر به ونهى؛ صعبها وشديدها، وسهلها (^٤) وخفيفها. ﴿وَصَابِرُوا﴾. يعنى: وصابروا أعداءكم من المشركين.\nوإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب؛ لأن المعروف من كلام العرب في المفاعلة أن تكونَ من فريقين، أو اثنين فصاعدًا، ولا تكونُ من واحدٍ إلا قليلًا في أحرفٍ\n_________\n(^١) في ص: \"فيه\".\n(^٢) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ٢٢٣ من طريق أبى كريب به.\n(^٣) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ٢٢٣، ٢٢٤ من طريق الحسين بن داود سنيد به، وأخرجه مسلم (٢٥١)، والترمذى (٥١)، وأبو يعلى (٦٥٠١)، وابن خزيمة (٥) من طريق إسماعيل بن جعفر به، وأخرجه مالك ١/ ١٦١، وعبد الرزاق - كما في الدر المنثور ٢/ ١١٣ - وعنه أحمد ١٢/ ١٤٣، ١٣/ ١٦٢ (٧٢٠٩، ٧٧٢٩)، ومسلم (٢٥١)، والنسائى ١/ ٨٩ (١٤٣)، وابن خزيمة (٥)، وأبو عوانة ١/ ٢٣١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٤٩ (٤٧٠٣) من طريق العلاء بن عبد الرحمن به.\n(^٤) في الأصل: \"ثقيلها\".","vol":"6","page":336},{"text":"معدودة. وإذ كان ذلك كذلك، فإنما أُمر المؤمنون أن يُصابروا غيرهم من أعدائهم حتى يُظْفِرَهم الله بهم، ويُعْلِيَ كلمته، ويُخْزِى أعداءهم، وألا يكونَ (^١) عدوُّهم أصبرَ منهم.\nوكذلك قوله: ﴿وَرَابِطُوا﴾. معناه: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم من أهل الشركِ في سبيل الله.\nوأرَى أصلَ الرِّباط ارتباط الخيلِ للعدوِّ، كما ارتبط عدوُّهم لهم خيلهم (^٢)، ثم استُعمل ذلك في كلِّ مقيمٍ في ثغرٍ يَدْفَعُ عمن وراءه من أرادهم من أعدائهم بسوءٍ، ويَحْمى عنهم من بينه وبينهم ممن بغاهم بشرٍّ، كان ذا خيلٍ قد ارتَبَطها، أو ذا رُجْلةٍ (^٣) لا مَرْكبَ له.\nوإنما قلنا: معنى: ﴿وَرَابِطُوا﴾: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم؛ لأن ذلك هو المعنى المعروفُ من معاني الرِّباطِ، وإنما يُوَجَّهُ الكلامُ إلى الأغلب المعروفِ في استعمال الناسِ مِن معانيه دونَ الخَفَيِّ، حتى تأتى بخلاف ذلك - مما (^٤) يُوجِبُ صرفه إلى الخَفَيِّ مِن معانيه - حجةٌ يَجِبُ التسليمُ لها، من كتاب الله ﷿، أو خبر عن الرسول ﷺ، أو إجماعٍ من أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1687>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يعنى تعالى ذكرُه: واتَّقوا الله أيها المؤمنون، فاحذروه أن\n_________\n(^١) في م: \"يكن\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"حناهم\"، وفى ت:٢: \"حيالهم\"، وفى ت ٣: \"خبالهم\".\n(^٣) الرجلة: المشى راجلًا. اللسان (ر ج ل).\n(^٤) في النسخ: \"ما\". والمثبت ما يقتضيه السياق.","vol":"6","page":337},{"text":"تخالِفوا أمرَه أو (^١) تَتَقَدَّموا على نهيه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: لتُفْلِحوا فتبقوا في نعيم الأبدِ، وتُنْجِحوا في طلباتكم عنده.\nكما حدَّثنا يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني أبو صخرٍ، عن محمد بن كعبٍ القرظيِّ أنه كان يقولُ في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: واتَّقونى (^٢) فيما بينى وبينكم، لعلكم تُفلِحون غدًا إذا لَقِيتُموني (^٣).\nتمَّ التفسيرُ تفسيرُ سورة \"آل عمران\"\nوالحمدُ لله ربِّ العالمين\n_________\n(^١) في م: \"و\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"اتقوا الله\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥١، (٤٧٠٩، ٤٧١١) عن يونس به، وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ٢٢٤ من طريق ابن وهب به. وهو من تمام الأثر المتقدم في ص ٣٣٣.","vol":"6","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1688>القولُ في تفسير السورة التي يُذكر فيها النساءُ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-494\"></span><span data-type='title' id=toc-1689>القول في تأويل قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.</span>\nقال أبو جعفر: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. احْذَروا أيُّها الناسُ ربَّكم في أن تُخالفوه فيما أمركم أو فيما نهاكم، فيُحِلَّ بكم مِنْ عقوبته ما لا قبل لكم به، ثم وصف تعالى ذكرُه نفسه بأنه المتوحِّدُ بخلقِ جميع الأنامِ من شخصٍ واحدٍ، وعرَّف عبادَه كيف كان مبتدأُ انتشائِه ذلك من النفس الواحدة (^١)، مُنَبِّهَهم بذلك على أن جميعهم بنو رجلٍ واحدٍ وأم واحدةٍ، وأن بعضهم من بعضٍ، وأن حقَّ بعضهم على بعضٍ واجبٌ وجوبَ حقَّ الأخ على أخيه؛ لاجتماعهم في النسب إلى أبٍ واحدٍ وأمِّ واحدةٍ، وأن الذي يَلْزَمُهم مِن رعاية بعضهم حقَّ بعض - وإن بُعد التلاقى في النسب إلى الأب الجامع بينَهم، مثلُ الذي يَلْزَمُهم مِن ذلك في النسب [إلى الأب] (^٢) الأدنى، وعاطفًا بذلك بعضهم على بعضٍ، ليتناصفوا ولا يَتَظالموا، وليَبْذُلَ القويُّ منهم من نفسه للضعيف حقَّه بالمعروفِ على ما ألزمه الله له، فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. يعنى: من آدم ﵇.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضلٍ، قال: ثنا\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"و\".\n(^٢) ليست في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":339},{"text":"أَسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: أما خَلْقُكم من نفسٍ واحدةٍ فمن آدم (^١).\nحدَّثنا (^٢) بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. يَعْنى: آدم ﷺ (^٣).\nحدَّثنا [سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى] (^٤)، عن سفيان، عن رجلٍ واحدٌ (^٥)، عن مجاهدٍ: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. قال: آدمُ (^٦).\nونظيرُ قوله: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، والمعنيُّ به رجلٌ، قول الشاعرِ (^٧):\nأبوك خليفةٌ ولدته أخرى … وأنت خليفةٌ ذاك الكمالُ\nفقال: ولدته أخرى. وهو يُريدُ الرجل، فأنَّث للفظ الخليفة، وقال تعالى ذكرُه: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. لتأنيثِ النفس، والمعنى: من رجلٍ واحدٍ، ولو قيل: \"من نفس واحدٍ\". فأُخْرِج اللفظُ (^٨) على التذكير للمعنى كان صوابًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1690>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾.</span>\nيعنى بقوله جل ثناؤه: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: وخلق من النفس الواحدة زوجها، يعنى بالزوج: الثاني لها. وهو فيما قال أهلُ التأويل، امرأتُها حواءُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٢ (٤٧١٤) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) في ت ٢: \"كما حدَّثنا محمد بن الحسين قال حدَّثنا\".\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٢ عقب الأثر (٤٧١٤)، ٥/ ١٦٣٠ معلقا.\n(^٤) في س: \"بشر بن معاذ قال حدَّثنا يزيد\".\n(^٥) تفسير سفيان ص ٨٥.\n(^٦) ليست في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٧) تقدم في ٥/ ٣٦٢.\n(^٨) ليست في: الأصل.","vol":"6","page":340},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1691>[ذكرُ مَن قال ذلك]</span> (^١)\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾. قال: حوّاءُ مِن قُصَيْرَى (^٢) آدم وهو نائمٌ، فاستيقظ فقال: أثا. بالنَّبطيَّة امرأةٌ (^٣).\nحدَّثني المثَنّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: يَعْنى حوّاء، خُلِقت مِن آدمَ من ضِلَعٍ مِن أضلاعه (^٥).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمَّادٍ، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: أَسْكن آدمُ الجنةَ، فكان يمشى فيها وَحْشًا ليس له زوجٌ يَسْكُنُ إليها، فنام نومةٌ فاستيقظ، وإذا عند رأسه امرأةٌ قاعدةً، خلقها الله من ضِلعِه، فسألها: ما أنت؟! قالت: امرأَةٌ. قال: ولم خُلِقْتِ؟ قالت: لتَسْكُنَ إليَّ (^٦).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: أَلْقَى على آدم ﷺ السِّنَةَ - فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة، وغيرهم من أهل العلم، عن\n_________\n(^١) زيادة من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) القُصَيْرى: أسفل الأضلاع، وقيل: هي الضلع التي تلى الشاكلة بين الجنب والبطن. تاج العروس (ق ص ر).\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٠٤، وهو في تفسير مجاهد ص ٢٦٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٣، (٤٧١٩)، ٥/ ١٦٣٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٦ إلى عبد بن حميد وابن أبى شيبة وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٠٥.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٠٥. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣١ من طريق يزيد به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٨٥ (٣٧٢) من طريق عمرو بن حماد به. وتقدم تخريجه في ١/ ٥٤٨.","vol":"6","page":341},{"text":"عبد الله بن عباس وغيره - ثم أخَذ ضِلَعًا من أضلاعه مِن شِقِّه الأيسر، ولأَم مكانه لحمًا (^١)، وآدم نائمٌ لم يَهْبُبْ مِن نومتِه، حتى خلَق اللهُ مِن ضِلَعِه تلك زوجته حَوّاءَ، فسواها امرأةً ليَسْكُنَ إليها، فلما كشَفَ (^٢) عنه السِّنةَ وهَبَّ مِن نومتِه، رآها إلى جنبِه، فقال - فيما يَزْعُمون والله أعلم -: لحمى ودَمى وزوجتى. فسكن إليها (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: جَعَل مِن آدمَ حوّاءَ (^٤).\nوأما قولُه: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾. فإنه يعنى: ونشر منهما؛ يعنى من آدم وحواء ﵉ رجالًا كثيرًا ونساءً قد رآهم، كما قال جل ثناؤُه: ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]. يقالُ منه: بثَّ الله الخلقَ، وأبَثَّهم.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1692>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾: وبثَّ: خلَق (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1693>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾:</span>\nاختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامَّة قرأة أهل المدينةِ والبصرةِ:\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"كشفت\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٠٤. وتقدم تخريجه ضمن حديث طويل في ١/ ٥٤٩.\n(^٤) بعده في الأصل: \"صلوات الله عليه\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٢ (٤٧١٥، ٤٧١٦) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٣ (٤٧٢٠) من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"6","page":342},{"text":"(تَسَّاءَلُونَ) بالتشديد (^١)، بمعنى [تَتَساءَلون، ثم أدغم] (^٢) إحدى التاءين في السين، فجعلهما سينًا مشددةً. وقرَأه بعضُ قرأة الكوفة: ﴿تَسَاءَلُونَ﴾ بالتخفيف (^٣)، على مثالِ تَفَاعَلون.\nوهما قراءتان معروفتان، ولغتان فَصيحتان، أعنى التشديد والتخفيف في قوله: ﴿تَسَاءَلُونَ﴾. فبأيِّ ذلك قرأ القارئُ أصاب الصواب فيه؛ لأن معنى ذلك بأيِّ وجْهَيه قُرِيء غيرُ مختلفٍ.\nوأما تأويلُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. أيُّها الناسُ، الذي إذا سأل بعضُكم بعضًا سأل به، فقال السائلُ للمسئول: أسألُك بالله، وأَنْشُدُك بالله، وأعزِمُ عليك بالله. وما أشبه ذلك، يقولُ تعالى ذكرُه: فكما تعظِّمون أيُّها الناسُ ربَّكم بألسنتكم، حتى تَرَوا أن مَن أعطاكم عهدَه فأَخْفَرَكُمُوه (^٤)، فقد أتى عظيمًا، فكذلك فعظِّموه بطاعتكم إياه فيما أمركم به (^٥)، واجتنابكم ما نهاكم عنه،، واحْذَروا عقابه في (^٦) مخالفتكم إياه فيما أمركم به أو نهاكم عنه.\nكما حدَّثنى المُثَنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبِرٍ، عن الضحّاكِ في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾. قال: يَقُولُ: اتقوا الله الذي به تَعَاقدون وتَعاهَدون (^٧).\n_________\n(^١) قرأ بذلك ابن كثير ونافع وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٢٢٦.\n(^٢) في الأصل: \"تتساءلون به ثم يدغم\".\n(^٣) قرأ بذلك عاصم وحمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ٢٢٦.\n(^٤) أخفر: نقض عهده، يقال: أخفر الذمة، إذا لم يف بها وانتهكها. تاج العروس (خ ف ر).\n(^٥) ليست في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من\".\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ١٧٩.","vol":"6","page":343},{"text":"حدَّثني المُثَنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾. يَقُولُ: اتقوا الله الذي به تَعاقَدون وتَعاهَدون (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن [ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه] (^٢)، عن [الرَّبيع بن أنسٍ بمثله.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال] (^٣) ابن عباسٍ: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾. قال: تعاطفون به (^٤).\nوأما قولُه: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾. فإن أهل التأويل اختلَفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه واتقُوا الله الذي إذا سألتم بينكم، قال السائلُ للمسئول: أسألُك به وبالرَّحم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1694>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن إبراهيم: (اتَّقُوا اللَّهَ الذي تساءلُونَ به والأرحام) (^٥). [يَقُولُ: اتقوا الله الذي تعاطفون بهِ. (والأرحام)] (^٦)، يقول: الرجلُ يَسْأَلُ بالله وبالرحم (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٥٤ (٤٧٢٥) من طريق أبى جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في الأصل: \"أبى جعفر\".\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٦ إلى المصنف، وفيه: \"تعاطون به\".\n(^٥) هذا الأثر وما بعده على قراءة من قرأ بكسر الميم من قوله: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾. وستأتى.\n(^٦) سقط من: ت ٢.\n(^٧) أخرجه ابن المبارك في كتاب البر والصلة ص ١٥١ (١٤٠) من طريق منصور به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"6","page":344},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: هو كقول الرجلِ: أسألك بالله أسألُكَ (^١) بالرحم، يَعنى قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ به وَالأَرْحَامِ) (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: (اتَّقُوا الله الذي تَسَاءَلُونَ بِه والأَرْحَامِ). قال: يَقولُ: أسألُك بالله وبالرحم\" (^٣).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مُغيرة، عن إبراهيمَ: هو كقولِ الرجلِ: أسألُك بالرحمِ.\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: (اتَّقُوا اللَّهَ الذِي تَسَاءَلُونَ بِه والأَرْحَامِ). قال: يَقُولُ: أسألك بالله وبالرحم (^٤).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا الحمّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن منصورٍ أو مُغيرةَ، عن إبراهيمَ في قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِه والأَرْحَامِ). قال: هو قولُ الرجل: أسألك بالله وبالرَّحِمِ.\nحدَّثني المُثَنّى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخْبرَنا ابن المُبَارَكِ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسن، قال: هو قولُ الرجلِ: أَنْشُدُك بالله وبالرحمِ (^٤).\n_________\n(^١) في ت ٢: \"و\".\n(^٢) تفسير سفيان ص ٨٥.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٨٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٠٣ (٤٧٢٣) من طريق عبد الرحمن بن مهدى، وأخرجه ابن المبارك في البر والصلة ص ١٥١ (١٤١) عن الثورى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٧ إلى ابن المنذر.\n(^٤) البر والصلة لابن المبارك ص ١٥١ (١٤٢)، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٤٥ عن معمر به.","vol":"6","page":345},{"text":"قال أبو جعفرٍ: وعلى هذا التأويل قرأ (^١) بعضُ مَن قرأ قوله: (والأرْحامِ) بالخفض، عطفًا بالأرحام على الهاء التي في قوله: ﴿بِهِ﴾ (^٢). كأنه أراد: واتقوا الله الذي تَسَاءَلون به وبالأرحام. فعطف بظاهر على مكنيٍّ مخفوضٍ، وذلك غيرُ فصيحٍ من الكلام عند العرب؛ لأنها [لا تَنْسُقُ بظاهرٍ على مَكْنيٍّ] (^٣) في الخفضِ إلا في ضرورة شعرٍ، وذلك لضيق الشِّعرِ. وأما الكلام فلا شيء يضطرُّ المتكلم إلى اختيار المكروه من المنطق والردئ في الإعراب منه، ومما جاء في الشعر من ردِّ ظاهرٍ على مكنيٍّ في حال الخفض قولُ الشاعر (^٤):\nنُعَلِّقُ (^٥) في مثل السَّوارِى سُيوفنا … وما بينها والكَعْب [غَوْطٌ نَفَائِفُ] (^٦)\nفعطف بالكعب، وهو ظاهرٌ، على الهاءِ والألف في قوله: \"بينها\". وهى مكنيةٌ.\nوقال آخرون: بل (^٧) تأويل ذلك: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾. واتقوا الأرحام أن تَقْطَعوها.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٣، س: \"قول\".\n(^٢) هي قراءة حمزة. السبعة لابن مجاهد ص ٢٢٦.\n(^٣) تنسق أي تعطف، فالنسق أو الرَّد: العطف، والمكنى: الضمير. وينظر مصطلحات النحو الكوفى ص ٣٦، ٦٠، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٢٥٢، ٢٥٣.\n(^٤) هو مسكين الدارمى، والبيت في ديوانه (مجموع) ص ٥٣. وينظر الحيوان ٦/ ٤٩٤، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٢٥٣، وخزانة الأدب ٥/ ١٢٥.\n(^٥) في الحيوان: \"تعلق\".\n(^٦) في الحيوان: \"منا تنائف\". والغوط: المطمئن الواسع من الأرض. تاج العروس (غ وط)، والنفنف: الهواء بين الشيئين. تاج العروس (غ وط)، (نفنف).\n(^٧) ليست في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":346},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1695>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بن المُفَضَّل، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السُّدِّي في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾. يَقُولُ: اتقُوا الله واتقوا الأرحام لا تقطعوها (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (^٢). ذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان ما يَقُولُ: \"اتقوا الله وصِلُوا الأرحامَ، فإنه أبقى لكم في الدنيا، وخيرٌ لكم في الآخرة\" (^٣).\nحدَّثنا عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحة، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾. يَقُولُ: اتقوا الله الذي تَسَاءلون به، واتقوا الله في الأرحام فصِلُوها (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن منصورٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾. قال: اتقوا الله الذي تَسَاءَلون به، واتَّقوه في الأرحام (^٥).\nحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن خُصيفٍ، عن عِكْرِمَةَ في قولِ\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٢/ ٩٩.\n(^٢) بعده في س: \"القول في تأويل قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ \".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٤ (٤٧٢٦) من طريق أبى صالح به.\n(^٥) أخرجه ابن المبارك في كتاب البر والصلة ص ١٥١ (١٣٩ - زيادات المروزى) عن هشيم به.","vol":"6","page":347},{"text":"الله ﷿: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾. قال: اتَّقوا الأرحام أن تَقْطَعوها (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامِ). قال: هو قولُ الرجلِ: أنشدك باللهِ والرَّحِم (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، أن النبي ﷺ قال: \"اتقُوا الله وصلُوا الأرحام\" (^٣).\nحدَّثنى المُثَنّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾. قال: اتقُوا الأرحام أن تَقْطَعوها (^٤).\nحدَّثنى المُثَنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنى أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحّاك في قوله: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾. قال: يَقُولُ: واتَّقُوا الله في الأرحام فصِلُوها (^٥).\nحدَّثني المُثنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: (اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ). قال: يَقُولُ: واتَّقُوا الله في الأرحامِ فصِلُوها (^٦).\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٨٥. وأخرجه ابن المبارك في كتاب البر والصلة ص ١٥١ (١٣٧ - زيادات المروزى)\nمن طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) هذا الأثر موضعه قراءة من قرأ بالكسر في قوله: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾. ولعل وروده هاهنا خطأ، وينظر ما تقدم ص ٣٤٤.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٥.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ١٧٩.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٤ عقب أثر (٤٧٢٦) معلقًا، وذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ١٧٩.\n(^٦) ذكره الطوسى في التبيان ٣/ ٩٩، وابن كثير في تفسيره ٢/ ١٧٩.","vol":"6","page":348},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، عن [عبد الرحمن] (^١) بن أبى حمادٍ، [وأخْبرَنا أبو جعفرٍ] (^٢) الخَزّازُ، عن جويبرٍ، عن الضحّاكِ، أن ابن عباسٍ كان يَقْرَأُ: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾. يَقُولُ: اتقوا الله لا تَقْطَعوها (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: يقولُ اتَّقُوا الأرحام (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الرَّبيع، قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾: أَن تَقْطَعوها (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ [وَالْأَرْحَامَ﴾. قال: يقولُ: اتقوا الله الذي تساءلون به] (^٦) واتَّقُوا الأرحام أن تَقْطَعُوها .. وقرأ: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ (^٧) [الرعد: ٢١].\nقال أبو جعفرٍ: وعلى هذا التأويل قرأ ذلك من قرأه نصبًا، بمعنى واتَّقُوا الله الذي تساءلون به، واتقُوا الأرحام أن تَقْطَعوها، عطفا بالأرحام في إعرابها بالنصب على اسم الله تعالى ذكره.\n_________\n(^١) في س: \"عبد الله\".\n(^٢) في الأصل: \"قال حدَّثني أبو حفص\".\n(^٣) ذكره الطوسى في التبيان ٣/ ١٠٠، وابن كثير في تفسيره ٢/ ١٧٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٧ إلى المصنف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٧ إلى المصنف.\n(^٥) ذكره الطوسى في التبيان ٣/ ١٠٠، وابن كثير في تفسيره ٢/ ١٧٩.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٧) ذكره الطوسى في التبيان ٣/ ١٠٠.","vol":"6","page":349},{"text":"قال: والقراءةُ التي لا أَسْتَجِيزُ لقارئ أن يقرأ غيرَها في ذلك النصبُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾.\nبمعنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها؛ لما قد بينّا من أن العرب لا تَعْطِفُ بظاهرٍ من الأسماء على مكنيٍّ في حال الخفض إلا في ضرورة شعرٍ، على ما وصَفْتُ قبلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1696>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا </span>(١)﴾.\nقال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكرُه بذلك: إن الله لم يَزَلْ عليكم رقيبًا، ويَعْنى بقوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾: على الناس الذين قال لهم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾.\nو[إنما قال ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وهو يعنى الذين خوطبوا بالآية ومن قد مضى من بنى آدم؛ لأن] (^١) المخاطَب والغائب إذا اجتمَعا في الخبر، فإن العرب تُخْرِج الكلامَ على الخطاب، فتقولُ - إذا خاطَبَتْ رجلًا واحدًا أو جماعةً فعَلتْ هي وآخرون غُيَّبٌ معهم فعلًا -: فعلتم كذا، وصنعتم كذا.\nويعنى بقوله: ﴿رَقِيبًا﴾: حفيظًا مُحْصِيًا عليكم أعمالَكم، مُتَفَقِّدًا رعايتكم حرمة أرحامكم وصِلتَكم إياها، أو قَطْعَكُمُوها وتضييعَكم حرمتَها.\nكما حدَّثنا المُثَنّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ له: حفيظًا (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: سمعت ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. على أعمالكم، يَعْلَمُها ويَعْرفُها (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٤ (٤٧٢٧) من طريق أبى حذيفة به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٧ إلى المصنف.","vol":"6","page":350},{"text":"ومنه قولُ أبى دُوادٍ الإيادِيِّ (^١):\nكمقاعِد الرُّقباء للضُّـ … ـــرباءِ أيديهم نواهِدْ (^٢)\n\n<span id=\"aya-495\"></span><span data-type='title' id=toc-1697>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يَعنى بذلك تعالى ذكرُه أوصياء اليتامى، يَقُولُ لهم: وأعطُوا يا معشَرَ أوصياءِ اليتامى اليتامى (^٣) أموالهم، إذا هم بلغوا الحُلُمَ، وأُويس منهم الرُّشْدُ، ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ يَقُولُ: ولا تَسْتَبدلوا الحرام عليكم من أموالهم بأموالكم الحلال لكم.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله جل وعز: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. قال: الحلال بالحرام (^٤).\nحدَّثنى المُثَنّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، -، عن مجاهدٍ مثله (^٥).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. قال: الحرام مكانَ الحلال (^٥).\n_________\n(^١) ديوانه ص ٣٠٧ (مطبوع ضمن دراسة في الأدب العربى) لغرنباوم.\n(^٢) الرقباء جمع رقيب: وهو الذي يعقد أمينا المراقبة لاعبى الميسر. والضرباء: المتياسرون. والنواهد: المرتفعة. تاج العروس (ر ق ب)، (ض ر ب)، (ن هـ د).\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٦٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٥ (٤٧٣٣) من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) تفسير سفيان ص ٨٥، ٨٦ ومن طريقه البيهقى في الشعب (١١٨٤). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"6","page":351},{"text":"قال أبو جعفرٍ: ثم اختلف أهلُ التأويلِ في صفة تبدُّلهم الخبيث (^١) بالطَّيبِ الذي نُهُوا عنه ومعناه؛ فقال بعضُهم: كان أوصياءُ اليتامى يَأْخُذون الجيدَ مِن مالِهم (^٢) والرفيعَ منه، ويجعلون مكانه لليتيم الردئ والخسيسَ، فذلك تبديلُهم الذي نهاهم الله تعالى عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1698>ذكرُ مِن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن مُغيرة، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. قال: لا تُعْطِ زَيْفًا وتأخذ جيدًا (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيان، عن السديِّ، وعن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدٍ بن المسيبِ، ومَعْمَرٍ عن الزهريِّ، قالوا: يُعْطِى مَهْزولًا ويَأْخُذُ سمينًا.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الضحاك، قال: لا تُعْطِ فاسدًا وتَأْخُذَ جيدًا (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾: كان أحدُهم يَأْخُذُ الشاةَ السمينةَ مِن غنمِ\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"كان\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ماله\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٦ (٤٧٣٧) من طريق يحيى بن يمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٧ إلى ابن المنذر.\n(^٤) قول السدى في تفسير سفيان ص ٨٦، وقول سعيد أخرجه ابن أبي حاتم ٣/ ٨٥٥ (٤٧٣٦) من طريق يحيى بن يمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٧ إلى ابن المنذر. وقول الزهرى أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٥ عقب أثر (٤٧٣٦) معلقًا. وقول الضحاك في تفسير سفيان ص ٨٦.","vol":"6","page":352},{"text":"اليتيم، ويَجْعَلُ (^١) مكانَها الشاةَ المهزولة، ويَقُولُ: شاةٌ بشاةٍ. ويَأْخُذُ الدرهم الجيدَ ويَطْرَحُ مكانَه الزيفَ، ويَقُولُ: درهمٌ بدرهمٍ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تَسْتَعْجِلِ الرزقَ الحرامَ وتَأْكُلُه قبل أن يَأتيَك الذي قد قُدِّر لك من الحلال.\n\n<span data-type='title' id=toc-1699>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. قال: لا تَعْجَلْ بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلالُ الذي قُدِّر لك (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ عن سفيانَ، عن إسماعيل، عن أبي صالحٍ مثله (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك كالذى حدَّثني يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. قال: كان أهلُ الجاهلية لا يُورِّثون النساء ولا يُوَرِّثون الصغارَ، يَأْخُذُه الأكبرُ، وقرأ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]. قال: إذا لم يَكُنْ لهن (^٥) شيءٌ، ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ لا [تُوَرِّثُونَهم شيئًا] (^٦)، قال: فنصيبُه من الميراث\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ٢، س: \"فيها\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٥٦ (٤٧٣٨) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٣) أخرجه البيهقى في شعب الإيمان (١١٨٤) من طريق أبى كريب به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٥ (٤٧٣٢) من طريق يحيى بن يمان به، وفى ٣/ ٨٥٥ (٤٧٣٤) من طريق يحيى بن يمان عن سفيان عن أبي صالح.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لهم\".\n(^٦) في ص، م، ت ٣: \"يورثونهم\".","vol":"6","page":353},{"text":"طيبٌ، وهو للذى أخَذه خبيثٌ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوال بتأويل هذه الآية قولُ مَن قال: تأويلُ ذلك: ولا تَتَبدَّلوا أموالَ أيتامكم - أيُّها الأوصياءُ - الحرام عليكم، الخبيثَ لكم، فتأخُذوا رفائعَها وجيادَها وخيارَها، بالطيبِ الحلالِ لكم من أموالكم [وتجعلوا] (^٢) الردئ الخسيسَ بدلًا منه. وذلك أن تَبَدُّلَ الشئِ بالشئِ في كلام العربِ، أَخْذُ شيءٍ مكان آخر غيره، يُعْطِيه المأخوذ منه أو يَجْعَلُه مكان الذي أخَذه، فإذ كان ذلك معنى التَّبَدُّلِ والاستبدال، فمعلومٌ أن الذي قاله ابن زيدٍ - من أن معنى ذلك هو أخذُ أكبر ولد الميتِ جميعَ مالِ ميْتِه ووالده دونَ صغارِهم إلى ماله - قولٌ لا معنى له؛ لأنه إذا أخذ الأكبرُ من ولدِه جميع مالِه دونَ الأصاغر منهم، فلم يَسْتَبْدِلْ مما أَخَذ شيئًا، فما التبدُّلُ الذي قاله جل ثناؤه: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. ولم يبذُل الآخِذُ مكان المأخوذ بدلًا؟\nوأما الذي قاله مجاهدٌ وأبو صالحٍ من أن معنى ذلك: لا تَتَعَجَّل الرزقَ الحرامَ قبلَ مجئ الحلال. فإنهما أيضًا إن لم يَكُونا أرادا بذلك نحو الذي رُوى عن ابن مسعودٍ أنه قال: إن الرجلَ ليُحْرَمُ الرزقَ بالمعصيةِ يَأْتيها. ففسادُه نظيرُ فسادِ قول ابن زيدٍ؛ لأن من اسْتَعْجَل الحرام فأكله، ثم آتاه الله رزقَه الحلال فأكله (^٣)، فلم يُبَدِّلُ شيئًا مكانَ شيءٍ. وإن كانا أرادا بذلك أن الله جل ثناؤه نهى عباده أن يَسْتَعْجِلُوا الحرام، فيَأْكُلوه قبل مجئ الحلالِ، فيكون أكلُهم ذلك سببًا لحرمان الطيِّب منه،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٧ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: الأصل، ص، ت ١، س.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":354},{"text":"فذلك وجهٌ معروفٌ ومذهبٌ مقولٌ (^١) يَحْتَمِلُه التأويلُ. غير أن [أشبه من] (^٢) في ذلك بتأويل الآية ما قلنا؛ لأن ذلك هو الأظهرُ من معانيه؛ لأن الله جلّ ثناؤه إنما ذكر ذلك في قصةِ أموال اليتامى وأحكامها، فَلأنُ (^٣) يكونُ ذلك من جنس حكم أوّل الآية [وآخرِها، أولى] (^٤) فأخرَجها مِن أَن يَكُونَ مِن غيرِ جنسِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1700>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفر: يعنى بذلك تعالى ذكرُه: ولا تَخْلِطوا أموالهم - يَعْنى أموال اليتامى - بأموالكم فتأكُلوها مع أموالكم.\nكما حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، [قال: ثنا عبدُ الرحمن] (^٥) قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾. [قال: أموالهم مع أموالكم (^٦).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: نا أحمدُ، قال نا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾] (٥). يَقُولُ: لا تَأْكُلوا أموالكم وأموالهم، تَخْلِطوها فتَأْكُلُوها جميعًا (^٧).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن مباركٍ، عن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"معقول\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الأشبه في\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فآخرها\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٦ عقب الأثر (٤٧٣٩) معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقى في الشعب.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٦ (٤٧٣٩) من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"6","page":355},{"text":"الحسنِ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ في أموال اليتامى، كرهوا أن يُخالطوهم، وجعَل وليُّ اليتيم يَعْزِلُ مالَ اليتيم عن مالِه، فشكَوا ذلك إلى النبيّ ﷺ، فأنزل اللهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. قال: فخالَطوهم واتقَوا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1701>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا </span>(٢)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: يَعْنى بذلك عز ذكرُه: إن أكلَكم أموالَ أيتامِكم مع أموالِكم حُوبٌ كبيرٌ، والهاء في قوله ﴿إِنَّه﴾ دالَّةٌ على اسم الفعلِ، أَعْنى الأكلَ.\nوأما الحُوبُ: فإنه الإثم. يقالُ منه: حاب الرجلُ يحوبُ حُوبًا وحَوْبا وحيابةً. ويُقالُ منه: قد تحوّب الرجلُ من كذا (^٢). إذا تأثَّم منه، ومنه قولُ أميةَ بن الأَسْكَرِ الليثيِّ (^٣):\nوإِنَّ مُهَاجِرَين تَكنَّفَاهُ … غَدَاتَئِذٍ لقد خَطِئَا وحابَا\nومنه قيل: نزَلنا بحَوبةٍ مِن الأرضِ، وبحِيبةٍ من الأَرضِ. إذا نزَلوا بموضعِ سُوءٍ منها. والكبيرُ: العظيمُ، فمعنى ذلك: إن أكلَكم أموالَ اليتامى مع أموالِكم إثمٌ عندَ اللهِ عظيمٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في الحُوبِ، قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٧ إلى المصنف.\n(^٢) بعده في الأصل: \"وكذا\".\n(^٣) تقدم في ١/ ٧٢٢.","vol":"6","page":356},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1702>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو [وعمرُو] (^١) بنُ عليٍّ، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قول اللهِ ﷿: ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾. قال: إثمًا (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾. قال: إثمًا عظيمًا (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضّلِ، قال: ثنا أَسْبَاطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ له قال: أما حُوبًا فإثمًا (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾. قال: إثمًا (^٥).\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾. يَقُولُ: ظلمًا كبيرًا (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، س.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٦ عقب أثر (٤٧٤٠) معلقًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٧ (٤٧٤٣) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٨ إلى ابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٦ عقب أثر (٤٧٤٠) من طريق أسباط به.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٥.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ١٨١ عن قتادة بلفظ: إثما كبيرًا.","vol":"6","page":357},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: سمِعت ابنَ زيدٍ يَقُولُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾. قال: ذنبًا كبيرًا، قال وهى لأهلِ الإسلامِ (^١).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا قرةُ بنُ خالدٍ، قال: سمِعت الحسنَ يَقُولُ: ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾. قال: إثمًا واللهِ عظيمًا (^٢).\n\n<span id=\"aya-496\"></span><span data-type='title' id=toc-1704>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وإن خفتم يا معشرَ أولياءِ اليتامى ألا تُقْسِطُوا في صَدَاقِهنَّ، فتَعْدِلُوا فيه، وتَبْلُغوا بصَداقِهن صَدُقات أمثالِهنّ، فلا تَنْكِحُوهنَّ، ولكن انْكِحوا غيرَهنَّ مِن الغرائبِ اللواتى أحلَّهنَّ الله لكم وطيَّبَهنَّ، من واحدةٍ إلى أربعٍ، فإن خِفتم أن تجُورُوا - إذا نكَحتم من الغرائبِ أكثرَ من واحدةٍ - فلا تعدِلوا، فانْكِحُوا منهنَّ واحدةً، أو ما ملَكتم (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1703>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا ابن المُباركِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. فقالت: يا بنَ أختى، هي اليتيمةُ تَكُونُ في حجرِ وليِّها، فيَرْغَبُ في مالِها وجمالِها، ويُرِيدُ أن يَنْكِحَها بأدنى من سُنَّةِ صداقها، فنُهوا أن يَنْكِحُوهُنَّ إلا أن يُقْسِطُوا لهنَّ في\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٦ عقب أثر (٤٧٤٠) معلقًا، وابن كثير في تفسيره ٢/ ١٨١.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٦ عقب أثر (٤٧٤٠) معلقًا، وابن كثير في تفسيره ٢/ ١٨١.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ملكت أيمانكم\".","vol":"6","page":358},{"text":"إكمالِ الصداقِ، وأُمِرُوا أَن يَنْكِحوا ما سواهنَّ مِن النساءِ (^١).\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرَنى يونسُ بْنُ يزيدَ، عن ابن شِهابٍ، قال: أخبَرني عُروةُ بنُ الزبيرِ، أنه سأَل عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ، عن قولِ اللهِ ﵎: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قالت: يا بنَ أختى، هذه اليتيمةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وليِّها، تُشارِكُه في مالِه، فيُعْجِبُه مالُها وجمالُها، فيُريدُ وليُّها أن يَتَزَوَّجَها بغيرِ أن يُقْسِطَ في صداقِها، فيُعْطِيَها مثلَ ما يُعطِيها غيرُه؛ فنُهوا (^٢) أن يَنْكِحُوهن إلا أن يُقْسِطُوا لهنَّ، ويَبْلُغُوا بهنَّ أعلى [سُنتهنَّ في] (^٣) الصداقِ، وأُمروا أن يَنْكِحُوا ما طاب لهم مِن النساءِ سواهنَّ (^٤).\nقال يونسُ بنُ يزيدَ، قال ربيعةُ في قولِ الله ﷿: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. قال: يَقُولُ: اتْرُكُوهن فقد أحلَلت لكم أربعًا (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ الجُنَيدِ، [قال: ثنا] (^٦) سعيدُ بنُ مَسْلمةَ، [قال: أنبأنا] (^٧) إسماعيلُ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٤٥ عن معمر به.\n(^٢) في الأصل: \"منعوا\".\n(^٣) في الأصل: \"سبيلهن من\".\n(^٤) أخرجه مسلم (٣٠١٨)، وأبو داود (٢٠٦٨)، والنسائى (٣٣٤٦)، وابن حبان (٤٠٧٣)، والبيهقى ٧/ ١٤٢ من طريق ابن وهب به، وأخرجه البخارى (٥٠٦٤) من طريق يونس به، وأخرجه البخارى (٢٤٩٤، ٢٦٧٣، ٤٥٧٤، ٥٠٩٢، ٦٩٦٥)، ومسلم (٣٠١٨)، والنسائى (١١٠٩٠ - كبرى)، والبيهقى ٧/ ١٤١، والبغوى في تفسيره ٢/ ١٦٠ من طريق الزهرى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) أخرجه أبو داود (٢٠٦٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٧، ٨٥٨ (٤٧٤٥، ٤٧٤٩)، والبيهقى ٧/ ١٤٢ من طريق ابن وهب به.\n(^٦) في ت ١: \"وأبا\"، وفى م: \"وأبو\"، وفى ص: \"وأخبرنا\"، وفى ت ٢، ت ٣، س: \"أخبرنا\". تهذيب الكمال ١١/ ٦٤.\n(^٧) في ص: \"قانا\"، وفى ت ٢، ص: \"فأنا\"، وفى م: \"قالا أنبأنا\". وما أثبتاه هو الصواب. وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٦٤.","vol":"6","page":359},{"text":"ابن أُميةَ، عن ابن شهابٍ، عن عُروةَ بن الزبيرِ، قال: سأَلتُ عائشةَ أمَّ المؤمنين، قلت: يا أمَّ المؤمنين، أرأيتِ قولَ اللهِ ﷿: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قالت: يا بنَ أختى، هي اليتيمةُ تَكُونُ في حِجْرِ وليِّها، فيَرْغَبُ في جمالِها ومالِها، ويُريدُ أن يَتَزوَّجَها بأدنى مِن سُنَّةِ صَداقِ نسائها، فنُهوا عن ذلك أن يَنْكِحُوهُنَّ إلا أن يُقْسِطُوا، فيُكْمِلوا لهنَّ الصَّداقَ، ثم أُمِرُوا أَن يَنْكِحُوا سِوَاهُنَّ مِن النساءِ إن لم يُكْمِلُوا لهنَّ الصَّداقَ.\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثني يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: ثنى عُروةُ بنُ الزُّبيرِ، أنه سأَل عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ، فذكرَ نحوَ حديث يونسَ عن ابن وَهْبٍ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، عن عُروَةَ، عن عائشةَ، مثلَ حديثِ ابن حُمَيدٍ عن ابن المباركِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن هشامٍ، عن أبيه، عائشةَ، قالت: نزَلت - يعنى قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية - في اليتيمةِ تَكُونُ عندَ الرجلِ وهى ذاتُ مالٍ، فلعله يَنْكِحُها لمالها وهى لا تُعْجِبُه، ثم يُضِرُّ بها، ويُسيءُ صُحبتَها، فوُعِظ في ذلك (^٢).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٥.\n(^٢) أخرجه البخارى (٤٥٧٣، ٤٦٠٠، ٥٠٩٨، ٥١٢٨، ٥١٣١)، ومسلم (٣٠١٨) /٧، ٨، ٩، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٧ (٤٧٤٤)، والبيهقى ٧/ ١٤٢، والواحدى في أسباب النزول ص ١٠٥ من طريق هشام به.","vol":"6","page":360},{"text":"قال أبو جعفرٍ: فعلى هذا التأويل جوابُ قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾. قولُه: ﴿فَانكِحُوا﴾.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: النهيُ عن نكاحِ ما فوقَ الأربعِ [من النساءِ حذارا] (^١) على أموالِ الأيتامِ أن يُتْلِفَها أولياؤهم. وذلك أن قريشًا، كان الرجلُ منهم يَتَزوَّجُ العشْرَ من النساءِ، والأكثرَ والأقلَّ، فإذا صار مُعْدِمًا، مال على مالِ يتيمِه الذي في حِجْرِه فأنفَقه أو تزوَّج به، فنُهوا عن ذلك، وقيل لهم: إن أنتم خفتم على أموالِ أيتامِكم أن تُنْفِقوها فلا تَعْدِلُوا فيها، مِن أجلِ حاجتِكم إليها، لما يَلْزَمُكم مِن مُؤَنِ نسائِكم، فلا تُجاوِزوا فيما تَنْكِحون مِن عددِ النساءِ على أربعِ، وإن خِفْتم أيضًا مع الأربعِ، ألا تَعْدِلوا في أموالِهم، فاقْتَصِروا على الواحدةِ، أو على ما مَلَكت أيمانُكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1705>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، قال: سمِعت عِكرمةَ يَقُولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. قال: كان الرجلُ مِن قريشٍ تَكونُ عندَه النِّسْوةُ ويَكونُ عندَه الأيتامُ، فيَذهَبُ مالُه، فيَميلُ على مالِ الأيتامِ. قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا هنّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحوَصِ، عن سِماكٍ، عن عِكرمةَ في قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: كان الرجلُ يَتَزَوَّجُ\n_________\n(^١) في ص: \"حذارا\". وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حذرا\". تاج العروس (ح ذ ر).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٥٩ عن محمد بن جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٨ إلى ابن المنذر.","vol":"6","page":361},{"text":"الأربعَ والخمسَ والستَّ والعَشْرَ، فيَقولُ الرجلُ: ما يَمْنَعُنى أن أَتَزَوَّجَ كما تَزَوَّج فلانٌ؟ فَيَأْخُذُ مالَ يتيمِه، فيَتَزَوَّجُ به، فنُهوا أن يتزوَّجوا فوقَ الأربعِ (^١).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قُصِر الرجالُ على أربعٍ، مِن أجلِ أموالِ اليتامى (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ له: فإن الرجلَ كان يَتَزَوَّجُ بمالِ اليتيمِ ما شاء اللهُ، فنَهى اللهُ ﷿ عن ذلك (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إن القومَ كانوا يَتَحَوَّبون في أموالِ اليتامى ألا يَعْدِلُوا فيها، ولا يَتَحَوَّبون في النساءِ أَلا يَعْدِلُوا فيهنَّ، فقال (^٤) لهم: كما خِفْتُم أَلّا تَعْدِلوا في اليتامَى، فكذلك فخافوا في النساءِ ألَّا تعدلوا فيهنَّ، ولا (^٥) تَنْكِحُوا منهنَّ إلا مِن واحدةٍ إلى الأربعِ، ولا تَزيدوا على ذلك، وإن خِفْتُم ألا تعدِلوا أيضًا في [الزيادةِ على] (^٦) الواحدةِ، فلا تَنْكِحوا إلا ما لا تَخَافون أن تَجُوروا فيهن مِن واحدةٍ، أو ما ملَكت أيمانُكم.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٨ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٩ (٤٧٥٥) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٨ إلى الفريابي وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٨ إلى المصنف.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فقيل\".\n(^٥) في الأصل: \"فلا\".\n(^٦) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢.","vol":"6","page":362},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1706>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، [قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ] (^١)، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كان الناسُ على جاهليتِهم، إلا أن يُؤْمَروا بشيءٍ أو يُنْهَوا عنه، قال: فذكَروا اليتامى فنزَلت: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: فكما خِفْتم ألا تُقْسِطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا ألا تُقْسِطُوا في النساءِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: قال كانوا يُشَدِّدون في اليتامى ولا يُشَدِّدون في النساءِ، يَنْكِحُ أحدُهم النسوةَ فلا يَعْدِلُ بينَهنَّ، فقال اللهُ جل وعز: كما تخافون ألّا تَعْدِلُوا في اليتامى فخافُوا في النساءِ، فانْكِحوا واحدةً إلى أربعٍ، فإن خِفْتم ألا تَعْدِلوا فواحدةً أو ما ملَكت أيمانُكم (^٣).\nحدَّثنا بِشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. حتى بلَغ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. يَقُولُ: كما خِفْتم الجَوْرَ في اليتامى وهمَّكم ذلك، فكذلك فخافوا في جمعِ (^٤) النساءِ. وكان الرجلُ في الجاهليةِ يَتَزَوَّجُ العَشْرَ فما دونَ ذلك، فأحلَّ اللهُ جلَّ ثناؤه أربعًا، ثم صيرهنَّ إلى أربعٍ قولُه: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، س. وينظر تهذيب الكمال ٣/ ٢٣.\n(^٢) سيأتي تخريجه في الصفحة القادمة.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ١٠٣، والواحدى في أسباب النزول ص ١٠٥، والبغوي في تفسيره ٢/ ١٦١.\n(^٤) في ت ١، س: \"جميع\".","vol":"6","page":363},{"text":"خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾. يقولُ: إِن خِفْتَ ألا تَعْدِلَ (^١) في أربعٍ فثلاثٍ، وإلا فثنتين، وإلا فواحدةٍ، وإن خِفت ألا تَعْدِلَ في واحدةٍ فما ملَكت يمينُك (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. [قال خاف الناسُ ألا يقسطوا في اليتامى فنزلت] (^٣) ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. يَقُولُ: ما حَلَّ لكم مَثْنَى وثُلاثَ ورُباع، فخافوا في النساءِ مثلَ الذي خِفْتُم في اليتامى ألا تُقْسِطُوا فيهن (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحَجّاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: جاء الإسلامُ والناسُ على جاهليتِهم إلا أن يُؤْمروا بشيءٍ فيَتَّبِعوه، أو يُنْهَوا عن شيءٍ فيَجْتَنِبوه، حتى سأَلوا عن اليتامى، فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مَّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو النعمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: بعَث اللهُ ﵎ محمدًا ﷺ والناسُ على أمرِ جاهليتِهم، إلا أن يُؤمَروا بشيءٍ أو يُنْهَوا عنه، وكانوا يَسْأَلونه عن اليتامى فأنزل اللهُ ﵎: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. قال: فكما تخافون ألا تُقْسِطوا في اليتامى، فخافوا ألا تُقْسِطُوا وتَعْدِلُوا في النساءِ (^٥).\n_________\n(^١) في الأصل: \"تعدلوا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٩ (٤٧٥٩) من طريق يزيد به ببعضه.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٥، ١٤٦.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٥٤ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٩ (٤٧٥٧) من طريق حماد بن زيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"6","page":364},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحِ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. قال: كانوا في الجاهليةِ يَنْكِحُون عَشْرًا مِن النساءِ الأيامى، وكانوا يُعَظِّمون شأنَ اليتيمِ، فتَفَقَّدوا مِن دينِهم شأنَ اليتامى، وترَكوا ما كانوا يَنْكِحون في الجاهليةِ، [فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. ونهاهم عما كانوا يَنْكِحون في الجاهلية] (^١).\nحُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعت الضَّحَّاكَ يَقُولُ في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾: كانوا في جاهليتهم لا يَرْزَءون (^٢) من مالِ اليتيمِ شيئًا، وهم يَنْكِحُون عَشْرًا مِن النساءِ، ويَنْكِحُون نساءَ آبائهم فتفَقَّدوا من دينِهم شأنَ [اليتامى فسألوا نبيَّ الله ﷺ عن مخالطتِهم ولم يتفقدوا من دِينهم شأنَ] (^٣) النساءِ، فوعَظهم اللهُ في اليتامى وفى النساءِ، فقال في اليتامى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ إلى ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]. ووعَظهم في شأنِ النساءِ، فقال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. وقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ الآية (^٤) [النساء: ٢٢].\nحُدِّثت عن عمارٍ، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ إلى ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. يَقُولُ: فإن\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، س.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٩ (٤٧٥٦) من طريق أبي صالح به.\n(^٢) لا يرزءون: لا يصيبون منه شيئًا. تاج العروس (ر ز أ).\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٨ إلى المصنف.","vol":"6","page":365},{"text":"خِفْتم الجَوْرَ في اليتامى وغمَّكم ذلك، فكذلك فخافوا في جمعِ (^١) النساء، قال: وكان الرجلُ يَتَزَوَّجُ العَشْرَ في الجاهليةِ فما دونَ ذلك، فأحلَّ الله أربعًا، وصيَّرهنَّ إلى أربعٍ، يَقُولُ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾. فإن خِفْت ألا تَعْدِلَ في واحدةٍ فما ملكت يمينُك (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: فكما خِفْتم في اليتامى، فكذلك فتخوَّفوا في النساءِ أن تَزْنوا بهنَّ، ولكن انْكِحُوا ما طاب لكم مِن النساءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1707>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرَنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. يَقُولُ: إِن تَحَرَّجتم من ولايةِ اليتامى وأكلِ أموالِهم إيمانًا وتصديقًا، فكذلك فتَحَرَّجوا من الزنى، وانْكِحُوا النساءَ نكاحًا طيبًا: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^٣).\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وإن خِفْتم ألا تُقْسِطوا في اليتامى اللاتي أنتم وُلاتُهن فلا تَنْكِحُوهُنَّ، وانْكِحُوا أنتم ما أحلَّ لكم منهنَّ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"جميع\".\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ١٠٣.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٦٦. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٨ (٤٧٤) من طريق ابن أبي نجيح به، وفي ٣/ ٨٥٧ (٤٧٤٨) من طريق ابن جريج عن مجاهد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"6","page":366},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1708>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. قالت (^١): نزَلت في اليتيمةِ تَكُونُ عندَ الرجلِ؛ هو وَلِيُّها ليس لها وليٌّ غيرُه، وليس أحدٌ يُنازِعُه فيها، ولا يُنْكِحُها لمالِها فيُضِرَّ بها ويسيءَ صحبتَها (^٢).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾: أي ما حلَّ لكم [من يتامَاكم] (^٣) مِن قَراباتِكم: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ التي ذكَرناها في ذلك بتأويلِ الآية قولُ مَن قال: تأويلُها: وإن خِفْتُم ألا تُقْسِطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساءِ فلا تَنْكِحوا منهنَّ إلا ما لا تَخافون أن تَجُوروا فيه منهنَّ، مِن واحدةٍ إلى الأربعِ، فإن خِفْتُم الجَوْرَ في الواحدةِ أيضًا، فلا تَنْكِحُوها ولكن عليكم بما ملَكت أيمانُكم، فإنه أحرى ألا تَجُوروا عليهنّ.\nوإنما قلنا: إن ذلك أولى بتأويلِ الآية؛ لأن الله جلَّ ثناؤه افتَتح الآيةَ التي قبلَها، بالنهي عن أكلِ أموالِ اليتامى بغيرِ حقِّها، وخلطِها بغيرِها مِن الأموالِ، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ\n_________\n(^١) في النسخ: \"قال\". وما أثبتاه هو الصواب.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣٥٩.\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، س.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٨ (٤٧٥٣) من طريق يزيد به بنحوه.","vol":"6","page":367},{"text":"إنَّهُ كَانَ حُوبًا كبيرًا﴾ [النساء: ٢]. ثم أعلَمهم أنهم إن اتَّقَوُا الله في ذلك فتحرَّجوا فيه، فالواجبُ عليهم (^١) مِن اتقاءِ اللهِ والتحرُّجِ في أمرِ النساءِ، مثلُ الذي عليهم من (^٢) التحرُّج في أمرِ اليتامى، وأعلَمهم كيف المَخْلَصُ لهم مِن الجَوْرِ فيهن، كما عرَّفهم المخلَصَ لهم من الجَوْرِ في أموالِ اليتامى، فقال: انْكِحُوا - إن أمِنتم الجَوْرَ في أمرِ النساءِ على أنفسِكم - ما أبَحْتُ لكم منهنّ وحلَّلته؛ مثنى وثلاثَ وَرُبَاعَ، فإن خِفتم أيضًا الجَوْرَ في أمرِهن على أنفسِكم [من [عَجْزٍ عن] (^٣) العدد إن نكحتموهن، فلا تجاوزوا واحدةً، وإن خفتم أيضا الجور على أنفسكم] (^٤) في أمرِ الواحدِة، بألّا (^٥) تقدِرُوا على إنصافِها، فلا تَنْكِحوها، ولكن تَسَرَّوا (^٦) مِن المماليكِ، فإنكم أحرى ألا تجوروا عليهن؛ لأنهن أملاكُكم وأموالُكم، ولا يَلْزَمُكم لهن مِن الحقوقِ كالذي يَلْزَمُكم للحرائرِ، فيكونَ ذلك أقربَ لكم إلى السلامةِ مِن الإِثمِ والجَوْرِ.\nففى الكلامِ - إذ كان المعنى ما قلنا - متروكٌ استُغْنِى بدَلالةِ ما ظهَر مِن الكلامِ عن ذِكرِه، وذلك أن معنى الكلامِ: وإن خِفْتم ألّا تقسطوا في أموالِ اليتامى فتَعْدِلُوا فيها، فكذلك فخافوا ألا تُقْسِطوا في حقوقِ النساءِ اللّاتى (^٧) أوجَبها اللهُ عليكم، فلا تَتَزَوَّجوا منهن إلا ما أمِنتم معه الجَوْرَ؛ مثنى وثلاثَ ورُباعَ، وإن خِفْتم أيضًا من (^٨) ذلك فواحدةً، وإن خفتم في الواحدةِ فما ملَكت أيمانُكم. فتُرِك ذكرُ قولِه: فكذلك\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"عليهن\".\n(^٢) في م: \"ظن\".\n(^٣) هاتان الكلمتان غير مقروءتين في المخطوط، والمثبت أقرب للمعنى وأنسب لقراءتهما.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في م: \"بأن\".\n(^٦) في ت ١: \"تشروا\"، وفى ت ٢: \"تشتروا\".\n(^٧) في م، ت ٣، س: \"التي\".\n(^٨) في م، ت ٣: \"في\".","vol":"6","page":368},{"text":"فخافوا ألّا (^١) تُقْسِطوا في حقوقِ النساءِ. بدَلالةِ ما ظهَر مِن قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.\nفإن قال قائلٌ: فأين جوابُ قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؟ قيل: قولُه: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم﴾. غيرَ أن المعنى الذي يدلُّ على أن (^٢) المرادَ بذلك ما قلنا قولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.\nوقد بينا فيما مضى قبلُ (^٣) أنّ مَعْنى الإقساط في كلامِ العربِ: العدلُ والإنصافُ، وأن القَسْطَ: الجَوْرُ والحَيفُ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضعِ. وأما اليتامى، فإنها جمعٌ لذُكرانِ الأيتامِ وإناثِهم في هذا الموضعِ.\nوأما قولُه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. فإنه يَعْنى: فانْكِحُوا ما حلَّ لكم منهن دونَ ما حرُم عليكم منهن.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ في قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ قال: ما حَلَّ لكم (^٤).\nنا حميدُ بنُ مسعدةَ قال: نا يزيدُ قال: نا يونسُ عن الحسنِ: قولَه: ﴿مَا طَابَ لَكُم﴾ أي ما حلَّ لكم (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن\n_________\n(^١) في م: \"أن\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٣) تقدم في ٥/ ١٠٣، ٢٧٨، ٢٨٠.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٥٩، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٨ (٤٧٥٠) من طريق إسماعيل بن أبي خالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٩ إلى المصنف، وذكره القرطبي في تفسيره ٥/ ١٥ عن الحسن.","vol":"6","page":369},{"text":"أيوبَ، عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. يَقُولُ: ما أَحَلَّ لكم (^١).\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. ولم يَقُلْ: فانْكِحُوا مَن طاب لكم، وإنما يُقالُ \"ما\" في غيرِ الناس؟ قيل: معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذي ذهبتَ إليه، وإنما معناه: فانكِحُوا نكاحًا طيبًا.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: [حدثنا أبو عاصمٍ، قال] (^٢): ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مَّنَ النِّسَاءِ﴾: فانكِحُوا النساءَ نكاحًا طيبًا (^٣).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nفالمعنيُّ بقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُم﴾. الفِعْلُ دونَ أعيانِ النساءِ وأشخاصِهنَّ؛ فلذلك قيل: \"ما\". ولم يُقَلْ: \"مَن\". كما يقالُ: خُذْ مِن رَقِيقى ما أَرَدْتَ. إذا عَنَيْت: خُذْ منهم إرادتَك. ولو أرَدتَ: خُذِ الذي تُرِيدُ منهم، لقلت: خُذْ مِن رَقيقى مَن أَرَدْتَ منهم. وكذلك قولُه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. بمعنى: أو مِلكَ أيمانِكم.\nوإنما [عنى بقولِه] (^٤) جل ثناؤه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٥.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٨ (٤٧٥٤) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"معنى قوله\".","vol":"6","page":370},{"text":"وَرُبَاعَ﴾: فلْيَنْكِحْ كلُّ واحدٍ منكم مَثْنَى وثُلاثَ ورُباعَ، كما قيل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. [يعنى به فاجلدوا كلَّ واحدٍ منهم ثمانين جلدةً] (^١).\nوأما قولُه: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. فإنهن (^٢) تُرِكَ إجْراؤُهن؛ لأنهن مَعْدولاتٌ عن اثْنينِ وثلاثٍ وأربعٍ، كما عُدِلَ عُمَرُ عن عامرٍ وزُفَرُ عن زافرٍ، فتُرِكَ إجْراؤُه. وكذلك أحادُ وثُناءُ، ومَوْحدُ ومَثْنَى ومَثلثْ ومَربعُ، لا يُجْرَى ذلك كلُّه؛ للعلةِ التي ذَكَرْتُ، من العُدولِ عن وُجوهِه. ومما يَدُلُّ على أن ذلك كذلك، أنَّ (^٣) الذكرَ والأُنثى فيه سواءٌ، فقيلَ (^٤) في هذه السورةِ (^٥): ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. [للإناث وقيل في موضعٍ آخر: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾] (^٦) يُرادُ به الجنَاحُ، والجَناحُ ذَكَرٌ، وأنه أيضًا لا يُضافُ إلى ما يُضافُ إليه الثلاثةُ والثلاثُ، وأن الألفَ واللامَ لا تَدْخلُه، فكان في ذلك دليلٌ على أنه اسمٌ للعددِ مَعْرفةٌ، ولو كان نَكِرةٌ لدخَله الألفُ واللامُ، وأُضيفَ كما يُضافُ الثلاثةُ والأربعةُ، ومما يُبَيِّنُ ذلك قولُ تَمِيمِ بن أُبَيٍّ بن مُقْبلٍ (^٧):\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في م، ت ٣: \"فإنما\".\n(^٣) في م، ت ٣: \"وأن\".\n(^٤) في م، ت ٣: \"ما قيل\".\n(^٥) بعده في م، ت ٣: \"وسورة فاطر\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٧) ديوانه ص ٢٥٢.","vol":"6","page":371},{"text":"تَرَى النُّعَرَاتِ (^١) الزُّرْقُ (^٢) تَحْتَ لَبانِه (^٣) … أُحَادَ (^٤) ومَثْنَى أَصْعَقَتْها صَوَاهِلُهْ\nفردّ أُحادَ ومثنى على النُّعَراتِ، وهى معرفةٌ، وقد تَجْعَلُها العربُ نكرةً فتُجْرِيها، كما قال الشاعرُ (^٥):\nقتَلنا به مِن بين مَثْنًى وَمَوْحَدِ\nبأربعةٍ منكمْ وآخَرَ خامسِ (^٦)\nومما يُبَيِّنُ أن ثُناءَ وأُحادَ غيرُ جاريةٍ قولُ الشاعرِ (^٧):\n[ولقد قتَلْتُكُمُ] (^٨) ثُناءَ وموْحَدًا … وتَرَكْتُ [مُرَّةً مثلَ أمسِ] (^٩) المُدْبِرِ (^١٠)\nومنه قولُ [صخرٍ الغيِّ] (^١١):\n_________\n(^١) النعرات: جمع نُعَرَة: ذباب ضخم أزرق العين أخضر له إبرة في طرف ذَنَبه يلسع بها الدواب ذوات الحافر خاصة وربما دخل في أنف الحمار فيركب رأسه ولا يرده شيء. تاج العروس (ن ع ر).\n(^٢) في الديوان: \"الخضر\".\n(^٣) اللَّبَان: الصدر. لسان العرب (ل ب ن).\n(^٤) في الديوان: \"فرادى\".\n(^٥) معاني القرآن للفراء ١/ ٢٥٤.\n(^٦) هذا البيت شطران من بيتين، فالشطر الأول منه هو عجز بيت، صدره: \"وإن الغلام المستهامَ بذكره\"، والشطر الثاني هو صدر البيت الثاني، عجزه \"وسادٍ مع الإظلام في رمح معبد\".\n(^٧) البيت لصخر بن عمرو بن الشريد السلمى، وهو في مجاز القرآن ١/ ١١٥، والأغانى ١٥/ ١٠٠، والاقتضاب ٣/ ٤١٤، وشرح أدب الكاتب ص ٣٩٤.\n(^٨) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"ولقد قتلكم\"، وفى شرح أدب الكاتب: \"إني سأقتلكم\".\n(^٩) في شرح أدب الكاتب: \"ناصركم كأمس\".\n(^١٠) في م، وشرح أدب الكاتب: \"الدابر\".\n(^١١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الشاعر\". والمثبت موافق لمجاز القرآن ١/ ١١٥، والبيت في ديوان الهذليين ٣/ ١١٧، وشرح الديوان ٢/ ٥٧٠، والمعانى الكبير ٢/ ٨٤٠ لعمرو ذى الكلب. وفي اللسان (م ن ي) غير منسوب.","vol":"6","page":372},{"text":"مَنَت (^١) لك أن تُلاقِيَنى المَنايا … أُحَادَ أُحَادَ في شهرٍ حلال\nولم يُسْمَعْ مِن العرب صرفُ ما جاوَز الرُّباعَ والمَرْبعَ عن جهتِه، لم يُسْمَعْ منها خُماسٌ ولا المخمسُ، ولا السُّباعُ ولا المَسْبعُ، وكذلك ما فوق الرُّباعِ، إلا في بيتِ الكُميْتِ، فإنه يُرْوى له في العشرةِ عُشارٌ، وهو قولُه: (^٢)\nفلم يَسْتَرِيثُوك (^٣) حتى رَمَيـ … ـت فوقَ الرجالِ خِصالًا عُشارَا\nيُريدُ عَشْرًا، يقالُ: إنه لم يُسْمَعْ غيرُ ذلك.\nوأما قولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا [فَوَاحِدَةً﴾. فإن (^٤) نصبَ واحدةٍ، بمعنى: فإن خِفْتم ألا تَعْدِلوا] (^٥) - فيما يَلْزَمُكم مِن العدلِ بين (^٦) ما زاد على الواحدةِ مِن النساءِ عندَكم بنكاحٍ فيما أوجَبه اللهُ لهنّ عليكم - فانْكِحُوا واحدةً منهنَّ. ولو كانت القراءةُ جاءت في ذلك بالرفعِ كان جائزًا، بمعنى: فواحدةٌ كافيةٌ، أو فواحدةً مُجْزِئةٌ، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وإن قال لنا قائلٌ: قد علِمت أن الحلالَ [لنا مِن جمعِ النساءِ الحرائرِ بالنكاحِ] (^٧) أربعٌ، فكيف قيل: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. وذلك في العددِ تسعٌ؟ قيل: إن تأويلَ ذلك: فانْكِحُوا ما طاب لكم مِن النساءِ، إما مَثْنَى إن أمِنتم الجَوْرَ مِن أنفسِكم فيما يَجِبُ لهما عليكم، وإما ثُلاثَ إن لم تخافوا\n_________\n(^١) منت: أي قدَّرت لك الأقدار. لسان العرب (م ن ي).\n(^٢) ديوان الكميت، ١/ ١٩١، ومجاز القرآن، ١/ ١١٦، ولسان العرب (ع ش ر).\n(^٣) يستريثوك: يستبطئوك. تاج العروس (ر ى ث).\n(^٤) في الأصل: \"فإنه\".\n(^٥) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لكم من جميع النساء الحرائر نكاح\".","vol":"6","page":373},{"text":"ذلك؛ وإما أربعٌ إن أمِنتم ذلك فيهن، يَدُلُّ على صحةِ ذلك قولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾. لأن المعنى: فإن خِفْتم في الثنتين، فانكحوا واحدةً، ثم قال: فإن خِفْتم ألا تَعْدِلُوا أيضًا في الواحدةِ، فما ملَكت أيمانُكم.\nفإن قال قائلٌ: فإنّ [مِن قولِك: إن] (^١) أمرَ الله ونهيَه على الإيجابِ والإلزامِ حتى تَقُومَ حجةٌ بأن ذلك على الندبِ (^٢) والإرشاد أو (^٣) الإعلامِ، وقد قال تعالى ذكرُه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، وذلك أمرٌ، فهل مِن دليلٍ على أنه مِن الأمرِ الذي هو على غيرِ وجهِ الإلزامِ والإيجابِ؟ قيل: نعم، والدليلُ على ذلك قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾. فكان معلومًا بذلك أن قولَه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. وإن كان مَخْرِجُه مَخْرَجَ الأمرِ، فإنه بمعنى الدَّلالةِ على النهيِ عن نكاحِ ما خاف الناكحُ الجَوْرَ فيه مِن عددِ النساءِ، لا بمعنى الأمرِ بالنكاح، وأنَّ المعنىَّ به: وإن خِفْتم ألا تُقْسِطوا في اليتامى فتَحَرَّجتم فيهم، فكذلك فتَحَرَّجوا في النساءِ، فلا تَنْكحوا إلا ما أمِنتم الجَوْرَ فيه منهن، مما أحْلَلْتُه لكم منهن مِن الواحدةِ إلى الأربعِ. وقد بيَّنا في غيرِ هذا الموضعِ، بأن العربَ تُخْرِجُ الكلامَ بلفظِ الأمرِ، ومعناها فيه النهيُ أو التهديدُ والوعيدُ، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. وكما قال: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥، والروم: ٣٤]. فخرَج (^٤) ذلك مَخْرَجَ الأمرِ، والمقصودُ به التهددُ والوعيدُ، والزجرُ والنهيُ (^٥)، فكذلك قولُه:\n_________\n(^١) سقط من: م، س.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"التأديب\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"و\".\n(^٤) في الأصل: \"فمخرج\".\n(^٥) ينظر ما تقدم في ٢/ ١٩٣، ١٩٤.","vol":"6","page":374},{"text":"﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. بمعنى النهي، فلا تَنْكِحُوا إلا ما طاب لكم من النساءِ، على النحوِ الذي [بينا، وبنحو الذي] (^١) قلنا في معنى قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1709>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. يَقُولُ: فإن خِفْتَ أَلا تَعْدِلَ في واحدةٍ، فما ملَكت يمينُك (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيّ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانَكُمْ﴾: السَّرَارِيُّ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: فإِن خِفْتَ (^٤) أَلا تَعْدِلَ في واحدةٍ، فما ملَكت يمينُك (^٥).\nحدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: ثنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾. قال: في الحُبِّ والمجامعةِ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-1710>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٩ إلى المصنف وعبد بن حميد مطولًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٩ (٤٧٦٠) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٤) في الأصل: \"خفتم\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٩ إلى المصنف.\n(^٦) سقط من: ت ١. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٩ إلى المصنف.","vol":"6","page":375},{"text":"قال أبو جعفرٍ: يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿ذَلِكَ﴾ وإن خِفْتم ألا تَعْدِلُوا في مَثْنَى أو ثُلاثَ أو رُباعَ، فنكَحتم واحدةً، أو خِفْتم ألا تَعْدِلوا في الواحدةِ فَتَسَرَّرتم ملكَ أيمانِكم - فهو ﴿أَدْنَى﴾؛ يَعْنى أقربَ ﴿ألَّا تَعُولُوا﴾، يَقُولُ: ألا تَجُوروا ولا تَمِيلوا، يُقَالُ منه: عال الرجلُ فهو يَعُول عَوْلًا وعِيالةً. إِذا مال وجار، ومنه عَوْلُ الفرائضِ؛ لأن سِهامَها إذا زادَت دخَلها النقصُ؛ وأما مِن الحاجةِ، فإنما يُقالُ: عال [فلانٌ يعيلُ] (^١) عَيْلةً. وذلك إذا احتاج، كما قال الشاعرُ (^٢):\nوما (^٣) يَدْرِى الفقيرُ متى غِناه … وما (^٤) يَدْرى الغنيُّ متى يَعِيلُ\nبمعنى متى يَفْتَقِرُ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1711>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. قال: العَوْلُ: الميلُ في النساءِ (^٥).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنى حَكامٌ، عن عَنْبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. [ألَّا تَمِيلوا] (^٦).\n_________\n(^١) في م، ت ٣: \"الرجل\".\n(^٢) هذا البيت لأحيحة بن الجلاح الأوسى. وفى معاني القرآن للفراء ١/ ٢٥٥، وجمهرة أشعار العرب ٢/ ٦٥٩، ولسان العرب (ع ى ل).\n(^٣) في الأصل: \"لما\"، وفي معاني القرآن: \"لا\"\n(^٤) في معاني القرآن وجمهرة أشعار العرب: \"لا\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٦١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٩ (٤٧٥٨) من طريقين عن الحسن.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يقول لا تميلوا\".\nأخرجه الثورى في تفسيره ص ٨٧، وابن أبي شيبة ٤/ ٣٦١ من طريق آخر عن مجاهد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٩ إلى ابن المنذر. وعند الثوري: ألا تضلوا.","vol":"6","page":376},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾: ألا تَمِيلوا (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا [محمدُ بنُ] (^٢) المثنى، قال: ثنا أبو النعمان محمدُ بنُ الفضلِ عارمٌ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عكرمةَ: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾. قال: ألا تَمِيلوا. قال ثم قال: أما سمِعت إلى قولِ أبي طالبٍ:\n* بميزانِ قِسْطٍ وَزْنُه غيرُ عَائِلِ (^٣) *\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حَجّاجٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن [الزبيرِ بن الخِرِّيتِ] (^٤)، عن عِكرمةَ في هذه الآيةِ ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾. قال: ألا تميلوا. قال: وأنشد بيتًا مِن شعرٍ زعَم أن أبا طالبٍ قاله:\nبميزانِ قِسْطٍ لا يُخِسُّ (^٥) شَعيرةً … ووَازنِ صدقٍ وَزْنُهُ غيرُ عائلِ (^٦)\nقال أبو جعفرٍ: ويُرْوَى هذا البيتُ على غيرِ هذه الروايةِ (^٧):\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٦٦.\n(^٢) سقط من: م. ينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٢٨٧.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٥٧ - تفسير) عن هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في النسخ: \"الزبير عن حريث\". والمثبت من مصدر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٣٠١.\n(^٥) في مصدر التخريج: \"يخيس\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٠ (٤٦٧٢) من طريق حماد بن زيد به.\n(^٧) ينظر سيرة ابن هشام ١/ ٢٤٢، والبداية والنهاية ٤/ ١٣٩، ولسان العرب (ع ى ل)، (ح ص ص).","vol":"6","page":377},{"text":"بميزانِ قسْطٍ (^١) لا يُغِلُّ شعيرةً … له شاهدٌ مِن نفسِه غيرُ عائلِ\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾. قال: ألا تَمِيلوا (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ مثلَه (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن أبي إسحاقَ الكوفيِّ، قال: كتَب عثمانُ بنُ عفانَ ﵁ إلى أهلِ الكوفةِ في شيءٍ عاتَبوه عليه فيه: إنى لست بميزانٍ لا أعولُ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثَّامُ (^٤) بنُ عليٍّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ في قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. قال: ألا (^٥) تَمِيلوا (^٦).\nحدَّثنا بِشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ يقولُ: أدنى ألا تَمِيلوا (^٧).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾. قال: تَمِيلوا (^٨).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"صدق\".\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٥٥ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عباد\"، تقدم مرارا.\n(^٥) في م، ومصنف ابن أبي شيبة \"لا\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٦١ عن عباد به، وسفيان في تفسيره ص ٨٦ عن إسماعيل بن أبي خالد به.\n(^٧) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٠ عقب الأثر (٤٧٦١) معلقًا.\n(^٨) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٦.","vol":"6","page":378},{"text":"حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. يَقُولُ: ألا تَمِيلوا (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. يَقُولُ: ألّا تَمِيلوا (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. يعنى: ألا تَمِيلوا (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. يقولُ: ذلك أدنى ألا تَمِيلوا.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ في قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. قال: ألا تَجُورواه (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونِ، وعارمٌ أبو النعمانِ، قالا: ثنا هشيمٌ، عن حصينٍ، عن أبي مالكٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن يونسَ، عن أبي (^٥) إسحاقَ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٣/ ١٦٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٠ عقب الأثر (٤٧٦١) من طريق أسباط به.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٥٨ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٤/ ٣٦١ من طريق الشعبي عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٥٦ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٥) في النسخ: \"ابن\" وهو خطأ. وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ١٠٢.","vol":"6","page":379},{"text":"﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. قال: تَمِيلوا (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. قال: ذلك أقلُّ لنَفَقَتِك، الواحدةُ أقلُّ مِن ثنتين وثلاثٍ وأربعٍ، وجاريتُك أهونُ نفقةً مِن حرَّةٍ، ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾: أهونُ عليك (^٢) في العيالِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-497\"></span><span data-type='title' id=toc-1712>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يَعْنى بذلك تعالى ذكرُه: وأعطُوا النساءَ مُهورَهنَّ عطيةً واجبةً، وفريضةً لازمةً؛ يُقالُ منه: نحَل فلانٌ فلانًا كذا وكذا، فهو يَنْحَلُه نِحْلةً ونُحْلًا.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. يَقولُ: فَرِيضةً (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: أخبرَنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾: يعنى بالنِّحْلةِ المهرَ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. قال: فريضةً مسماةً (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٦١ من طريق يونس به.\n(^٢) بعده في الأصل: \"و\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"القتال\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٩ إلى المصنف.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦١ عقب أثر (٤٧٦٩) معلقًا، والبغوى في تفسيره ٢/ ١٦٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦١ (٤٧٧٠) من طريق أبي صالح به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦١ (٤٧٧١) من طريق ابن ثور عن ابن جريج، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٠ إلى ابن المنذر.","vol":"6","page":380},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: سمِعت ابنَ زيدٍ يَقُولُ في قولِه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. قال: النِّحْلَةُ في كلامِ العربِ: الواجبُ، يَقولُ: لا يَنْكِحُها إلا بشيءٍ واجبٍ لها؛ صَدُقةٍ يُسمِّيها لها واجبةٍ، وليس يَنْبَغى لأحدٍ - بعد النبيِّ ﷺ أن يَنْكِحَ امرأةً إلا بصداقٍ واجبٍ، ولا يَنْبَغى أن يَكُونَ تسميةُ الصداقِ كذِبًا بغيرِ حقٍّ (^١).\nوقال آخرون: بل عَنى بقولِه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾: أولياءَ النساءِ، وذلك أنهم كانوا يَأخُذون صَدُقاتِهن.\n\n<span data-type='title' id=toc-1713>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عون، قال: ثنا هشيمٌ، عن سيارٍ، عن أبي صالحٍ، قال: كان الرجلُ إذا زوَّج أَيِّمَه (^٢) أَخَذَ صَداقَها دونَها، فنهاهم اللهُ ﵎ عن ذلك، ونزَلت: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (^٣).\nوقال آخرون: بل كان ذلك مِن أولياءِ النساءِ، بأن يُعْطِىَ الرجلُ أختَه الرجلَ، على أن يُعْطِيَه الآخرُ أختَه، على أن لا كثيرَ مهرٍ بينَهما، فنُهوا عن ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1714>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: زعَم حضرميٌّ أن ناسًا كانوا يُعْطِى هذا الرجلَ أختَه، ويَأْخُذُ أَختَ الرجلِ، ولا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٠ إلى المصنف.\n(^٢) الأيِّم من النساء: التي لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيبًا، ومن الرجال الذي لا امرأة له. لسان العرب (أ ى م).\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٥٩ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٠، ٨٦٢ (٤٧٦٥، ٤٧٧٥) من طريق هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"6","page":381},{"text":"يَأْخُذُون كبيرَ (^١) مهرٍ، فقال اللهُ ﵎: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى التأويلاتِ التي ذكَرناها في ذلك التأويلُ الذي قلناه، وذلك أن الله ﵎ ابتدَأ ذكرَ هذه الآيةِ بخطابِ الناكحين النساءَ، ونهاهم عن ظُلْمِهن والجَورِ عليهن، وعرَّفهم سبيلَ النجاةِ من ظلمِهنّ. ولا دَلالةَ في الآيةِ على أن الخطابَ قد صُرِف عنهم إلى غيرِهم، فإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الذين قيل لهم: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. هم الذين قيل لهم: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾. وأن معناه: وآتُوا مَن نكَحتم مِن النساءِ [صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلةً؛ لأنه قال في أوَّلِ الآيةِ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾] (^٣). ولم يقُلْ: \"فأنكحوا\". فيكونَ قولُه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. مصروفًا إلى أنه معنيٌّ به أولياءُ النساءِ دونَ أزواجِهنَّ، وهذا أمرٌ مِن اللهِ أزواجَ النساءِ المدخولِ بهن، أو المسمَّى لهنّ الصداقُ، بإيتائهن (^٤) صَدُقاتِهن دون المطلقاتِ قبلَ المدخولِ بهن، ممن لم يُسمَّ لها في عقدِ النكاحِ صداقٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1715>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا </span>(٤)﴾.\nيَعْنى بذلك جل ثناؤه: فإن وهَب لكم أيُّها الرجالُ نساؤكم شيئًا من صَدُقاتِهن طيبةً بذلك أنفسُهن، فكُلوه هنيئًا مريئًا.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا بِشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كثير\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١١٩ إلى المصنف\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، وفى م: \"أن يؤتوهن\".","vol":"6","page":382},{"text":"عُمارةُ، عن عِكرمةَ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. قال: المهرُ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى حَرَميُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، عن عُمارةَ، عن عِكرمةَ (^٢) في قولِ اللهِ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. قال: الصَّدُقاتُ (^٣).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا الحِمّاني، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. قال: الأزواجُ (^٤).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن عُبَيدةَ، قال: قال لى إبراهيمُ: أكلتَ مِن الهَنئِ المرِئِ؟ قلت: ما ذلك؟ قال: امرأتُك أعطَتك مِن صداقِها (^٥).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: دخَل رجلٌ على علقمةَ وهو يَأْكُلُ من طعامٍ بينَ يَدَيه؛ مِن شيءٍ أعطَتْه امرأتُه مِن صداقِها أو غيرِه، فقال له علقمةُ: ادْنُ (^٦)، فَكُلْ مِن الهَنيءِ المَرِيءِ (^٧).\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٢ عقب الأثر (٤٧٧٨) معلقًا. وينظر الأثر التالى.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عن عمارة\"، وهو تكرار بيّن، وقد تقدم هذا الإسناد كثيرًا.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦١ (٤٧٧٢) من طريق سالم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٦٠ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إذن\".\n(^٧) أخرجه الثورى في تفسيره ص ٨٧ - ومن طريقه ابن سعد ٦/ ٨٧ - عن منصور به، نحوه.","vol":"6","page":383},{"text":"حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. يَقُولُ: إذا كان غيرَ إضرارٍ ولا خديعةٍ، فهو هَنئٌ مَرِئٌ، كما قال اللهُ جل ثناؤه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. قال: الصَّداقُ ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: سمِعت ابنَ زيدٍ يَقُولُ في قولِه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. [قال: طِبن لكم بشيءٍ من الصَّداقِ (^٢) نفْسًا بعد أن تُوجِبوه لهن] (^٣) فكُلوه هنيئًا مريئًا.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المَعتمرُ، عن أبيه، قال: زعَم حَضْرَمِيٌّ أن أناسًا كانوا يَتَأَثَّمون أن يُراجِعَ (^٤) أحدُهم في شيءٍ مما ساق إلى امرأتِه، فقال الله ﷿: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. يَقولُ: ما طابت به نفسُها في غيرِ كُرْهٍ (^٦) أو هوانٍ، فقد أحلَّ اللهُ لك ذلك أن تَأْكُلَه هنيئًا مَرِيئًا (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٢ (٤٧٨٠) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في الأصل: \"الصدقات\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"يرجع\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٠ إلى المصنف.\n(^٦) في ص، ت ١: \"ذكره\"، وفي ت ٢: \"ذلك\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦١ (٤٧٧٤) من طريق يزيد به.","vol":"6","page":384},{"text":"وقال آخرون: بل عَنَى بهذا القولِ أولياءَ النساءِ، فقيل لهم: إن طابت (^١) النساءُ اللواتي إليكم عِصْمةُ نكاحهنَّ بصَدُقاتِهن نفسًا، فكُلُوه هَنيئًا مَرِيئًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1716>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا سيارٌ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. قال: كان الرجلُ إذا زوَّج ابنتَه عمَدَ إلى صداقِها فأخَذه، قال: فنزلت هذه الآيةُ في الأولياءِ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (^٢).\nوأولى التأويلين في ذلك بالصوابِ التأويلُ الذي قُلْنا، وأن الآيةَ مخاطبٌ بها الأزواجُ؛ لأن افتتاحَ الآية مُبْتَدَأٌ بذكرِهم، وقولُه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. في سياقِه.\nوإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. وقد علمت أن معنى الكلامِ: فإن طابت لكم أنفسُهن بشيءٍ، وكيف وُحِّدت النفسُ والمعنى للجميعِ، وذلك أنه تعالى ذكرُه قال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾؟ قيل: أما نقلُ فعلِ النفوسِ إلى أصحابِ النفوسِ، فإن ذلك المستفيضُ في كلامِ العربِ، من كلامِها المعروفِ: ضِقْتُ بهذا الأمرِ ذراعًا وَذَرْعًا، وقَرِرْتُ بهذا الأمرِ عينًا. والمعنى: ضاق به ذراعى، وقرَّت به عينى، كما قال الشاعرُ (^٣):\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أنفس\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣٨١.\n(^٣) البيت للقطامي، وهو في ديوانه ص ٤٠، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٢٥٦، ولسان العرب (ت ى ز).","vol":"6","page":385},{"text":"إذا التَّيَّازُ (^١) ذو العَضَلاتِ قلنا … إليكَ إليكَ ضاقَ بها ذِراعًا\nفنقَل صفةَ الذراعِ إلى ربِّ الذراعِ، ثم أخرَج الذراعَ مُفَسِّرةً (^٢) لموقِع الفعلِ، وكذلك وحَّد النفسَ في قولِه: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مَّنْهُ نَفْسًا﴾. إذ كانت النفسُ مفسِّرةً لموقعِ الخبرِ. وأما توحيدُ النفسِ [فإن أهلَ العربيةِ اختلفوا فيه؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أجزأ النفسُ] (^٣) مِن النفوسِ؛ لأنه إنما أراد الهوى، والهوى يكون جماعةً، كما قال الشاعرُ (^٤):\nبها جِيَفُ الحَسْرَى (^٥) فأما عِظامُها … فبِيضٌ وأما جلدُها فصَلِيبُ (^٦)\nوكما قال الآخرُ (^٧):\nفي حَلْقِكم عَظْمٌ وقد شَجِينا (^٨)\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: جائزٌ في النفسِ في هذا الموضعِ، الجمعُ والتوحيدُ، فإن طِبْنَ لكم طِبْنَ لكم عن شيءٍ منه نفسًا وأنفسًا، وضِقْت به [ذَرْعًا وذراعًا، فيَكْفِي المصدرُ من الاسمِ، وضِقْنا به أَذْرعًا وذَرْعًا وذراعًا] (^٩)؛ لأنه\n_________\n(^١) تَّيَاز كشداد: القصير الغليظ الملزَّز الخلق الشديد العضل مع كثرة لحم فيها. تاج العروس (ت ى ز).\n(^٢) مصطلح التفسير يطلق على التمييز. ينظر مصطلحات النحو الكوفي ص ٢٩.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) البيت لعلقمة الفحل وهو في ديوانه ص ٤٠.\n(^٥) الحسرى: البعير المعيى الذي كُلَّ من كثرة السير. تاج العروس (ح س ر).\n(^٦) الصليب: الصديد الذي يسيل من الميت. لسان العرب (ص ل ب).\n(^٧) البيت للمسيب بن زيد مناة، وهو في الكتاب لسيبويه ١/ ٢٠٩، وشرح المفضليات ص ٧٧٨، ولسان العرب (ش ج ا)، وهو عجز بيت صدره:\n\"لا تنكروا القتل وقد سُبِينا\"\n(^٨) الشَّجا: ما اعترض في حلق الإنسان والدابة من عظم أو عود أو غيرهما. لسان العرب (ش ج ا).\n(^٩) سقط من: س، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذراعا وذرعا وذراعا\"، وفى م: \"ذراعا وذرعا وأذرعا\".","vol":"6","page":386},{"text":"منسوبٌ إليك، وإلى مَن تُخْبِرُ عنه، فاكتفى بالواحد من الجمعِ لذلك، ولم يَذْهَبِ الوهمُ إلى أنه ليس بمعنى جمعٍ؛ لأن قبلَه جمعًا.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن النفسَ وقَع موقعَ الأسماءِ التي تأتى بلفظِ الواحدِ مؤدّيةً [عن معنى الجميعِ، فتجمَعُ ذلك العرب أحيانًا لمعناه، وتوحِّدُه أحيانًا استغناءً بمعرفتِهم] (^١) بمعناه (^٢) إذا ذكِر بلفظِ الواحدة أنه (^٣) بمعنى الجمعِ، عن الجمعِ.\nوأما قولُه: ﴿هَنِيئًا﴾. فإنه مأخوذٌ مِن هَنَأْتُ البعيرَ بالقطِرانِ: وذلك إذا جرِب فعولِج به، كما قال الشاعرُ (^٤):\nمُتَبَذِّلًا تَبْدُو محاسنُه … يَضَعُ الهِناءَ (^٥) مواضعَ النُّقْبِ (^٦)\nفكأن معنى قولِه: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. فكُلُوه دواءً شافيًا. يقالُ منه: هنَأنى الطعامُ ومرَأنى. أي: صار لي دواءً وعلاجًا شافيًا، وهَنِئَنى ومرِئَنى بالكسرِ، وهي قليلةٌ، والذين يَقولون هذا القولَ يقولون: يَهْنَأُنى ويَمْرَأُنى، والذين يَقولون: هنَأنى. يَقولون: يهنِئُنى ويمرِئُنى. فإذا أفرَدوا، قالوا: قد أمرَأنى هذا الطعامُ [ولا يقولون قد: أَهْنَأنى. والمصدرُ منه هَنْأً مَرْأً، وقد مَرُؤ هذا الطعامُ] (^٧) مراءةً (^٨). ويقالُ:\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في م: معناه.\n(^٣) في م: \"وأنه\".\n(^٤) البيت لدريد بن الصِّمَّة. وهو في الشعر والشعراء لابن قتيبة ١/ ٣٤٣، والأغاني ١٠/ ٢٢، ولسان العرب (ن ق ب).\n(^٥) الهِنَاء: القَطِران. تاج العروس (هـ ن أ).\n(^٦) النُّقْب، والنُّقَب: القطع المتفرقة من الجَرَب، الواحدة نُقبة. تاج العروس (ن ق ب).\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٨) في م: \"إمراء\".","vol":"6","page":387},{"text":"هنأتُ القومَ. إذا عُلْتَهم، سُمِع مِن العربِ يقولون: إنما سمِّيتَ هانئًا لِتَهنَأَ. بمعنى: لتَعولَ وتَكْفِي.\n\n<span id=\"aya-498\"></span><span data-type='title' id=toc-1718>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾.</span>\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في السُّفَهاءِ الذين نَهَى اللهُ عبادَه أن يُؤْتُوهم أموالَهم؛ فقال بعضُهم: هم النساءُ والصبيانُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1717>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثَنَا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عبدِ الكريمِ، عن، عن سعيدٍ بن جُبَيْرٍ، قال: اليتامَى والنساءُ (^١).\nحدَّثَنَا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أَخْبَرَنَا هُشَيمٌ، عن يُونسَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: لا تُعْطوا الصغارَ والنِّساءَ (^٢).\nحدَّثَنَا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيعٍ، عن يُونسَ، عن الحسنِ، قال: المرأةُ والصبيُّ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٣ (٤٧٨٧) من طريق سالم عن سعيد بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٦١ - تفسير) عن هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٣ (٤٧٨٤) من طريق يونس به. وذكره في ٣/ ٨٦٣ عقب الأثر (٤٧٨٦) معلقًا بلفظ: \"النساء والصبيان\".","vol":"6","page":388},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ (^١)، عن أبي حُرَّةَ (^٢)، عن الحسن، قال: النِّساءُ والصغارُ. والنساءُ أَسْفَهُ السُّفَهاءِ (^٣).\nحدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنَا عبدُ الرزاق، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: السفهاءُ: ابنُك السَّفِيهُ، وامرأتُك السفيهةُ وقد ذُكِرَ أن رسولَ اللهِ ﷺ، قال: \"اتَّقُوا الله فِي الضَّعِيفَيْنِ: اليتيمِ والمرأةِ\" (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنى الحِمَّانِيُّ، قال: أَخْبَرَنَا حُمَيدُ بنُ (^٥) عبدِ الرحمنِ الرُّؤاسيُّ، عن السُّديِّ - قال: يَرُدُّه إلى عبدِ اللهِ - قال: النساءُ والصبيانُ (^٦).\nحدَّثَنَا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. أما السفهاءُ فالولدُ والمرأةُ (^٧).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بنُ سُلَيمانَ، عن الضَّحاكِ قولَه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. يعنى بذلك: ولدَ الرجلِ وامرأتَه، وهى أسْفَهُ السُّفَهاءِ (^٨).\n_________\n(^١) بعده في ص، م: \"عن شريك\". والمثبت من مصدر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٢٧٢.\n(^٢) في ص، م: \"حمزة\". وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٢٧٢.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٦١ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٦.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٣٧٥.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٣ عقب الأثر (٤٧٨٦) معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٠ إلى ابن المنذر.\n(^٧) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ١١٢، وأبو حيان في البحر المحيط ٣/ ١٦٩.\n(^٨) ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ١٦٤ معلقًا.","vol":"6","page":389},{"text":"حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أَخْبَرَنَا يزيدُ، قال: أَخْبَرَنَا جُوَيبِرٌ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: السُّفَهَاءُ الولدُ والنساءُ أسْفَهُ السُّفَهاءِ، فيكونوا عليكم أرْبابًا (^١).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: أَخْبَرَنَا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بن نُبَيطٍ، عن الضَّحاكِ، قال: أبناؤُكم ونساؤكم (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانِيُّ، قال: ثنى أبي، عن سَلَمَةَ، عن الضَّحاكِ، قال: النِّسَاءُ والصِّبيانُ.\nحدَّثَنَا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: أَخْبَرَنَا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن حُميدٍ الأعْرَجِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: النساءُ والولَدُ (^٣).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثني أبو نُعيمٍ، قال: ثنا ابن أبي غَنِيَّةَ (^٤)، عن الحَكمِ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: النساءُ والولَدُ (^٥).\nحدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾: أمَر اللهُ بهذا المالِ أن يُخْزَنَ فتُحْسَنَ خِزانَتُه، ولا تُمَلَّكَه المرأةُ السَّفِيهةُ ولا الغلامُ السَّفِيهُ (^٦).\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ١٦٤ معلقًا.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ٣/ ١١٢، وابن كثير في تفسيره ٢/ ١٨٦.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٨٨.\n(^٤) في ص: \"عنية\"، وفى ت ٢: \"عيينة\"، وفى م: \"عنبسة\". وما أثبتاه هو الصواب. وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٣٠٢.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٣ عقب الأثر (٤٧٨٦) معلقًا، وابن كثير في تفسيره ٢/ ١٨٦.\n(^٦) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٣/ ١٦٩ بنحوه.","vol":"6","page":390},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن إسماعيلَ، عن أبي مالكٍ، قال: النساءُ والصبيانُ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: امرأتَك وبَنِيك. وقال: السفهاءُ الولدانُ، والنساءُ أسفَهُ السفهاءِ (^٢).\nوقال آخرون: بل السفهاءُ: الصِّبيانُ خاصةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-1719>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أَخْبَرَنَا ابن المباركِ، عن شَريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: هم اليتامَى (^٣).\nحدَّثَنَا ابن وَكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن شَريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ، قال: السفهاءُ: اليتامَى.\nحدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أَخْبَرَنَا يُونسُ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. يقولُ: لا تَنْحَلوا الصِّغارَ (^٤).\nوقال آخرون: بل عَنَى بذلك السفهاءَ مِن ولدِ الرجلِ.\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ١١٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٣ (٤٧٨٦) من طريق الضحاك عن ابن عباس بنحوه، وأخرجه سفيان في تفسيره ص ٨٨ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس بلفظ: \"هي أسفه السفهاء\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٣ (٤٧٨٧) من طريق شريك به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٣ (٤٧٨٤) من طريق يونس به، وتقدم تخريجه في ص ٣٨٨ من طريق هشيم به، حاشية (٢).","vol":"6","page":391},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1720>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثَنَا سعيدُ بنُ يحيى الأُمويُّ، قال: أَخْبَرَنَا ابن المباركِ، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن أبي مالكٍ قولَه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: لا تُعْطِ وَلَدَك السَّفِيهَ مالَك فيُفْسِدَه، الذي هو قوامُك بعدَ اللهِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. يقولُ: لا تُسَلِّطِ السَّفيهَ مِن ولدِك. فكان ابن عباسٍ يقول: نزَل ذلك في السفهاءِ، وليس اليَتامَى مِن ذلك في شيءٍ (^٢).\nحدَّثَنَا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن فِراسٍ، عن الشعبيِّ، عن أبي بُردةَ، عن أبي موسى الأشْعَريِّ أنه قال: ثلاثةٌ يَدعون الله فلا يَسْتَجِيبُ لهم: رجلٌ كانت له امرأةٌ سيئةُ الخُلُقِ فلم يُطَلِّقْها، ورجلٌ أَعْطَى مالَه سفيهًا، وقد قال اللهُ ﷿: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. ورجلٌ كان له على رجلٍ دَينٌ، فلم يُشْهِدْ عليه (^٣).\nحدَّثَنَا يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قال: سمعت ابنَ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ الآية. قال: لا تُعْطِ السَّفِيهَ من ولدِك رأسًا ولا حائطًا، ولا شيئًا هو لك قَيِّمًا مِن مالِك (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٣ (٤٧٨٣) من طريق إسماعيل بن أبي خالد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٢ (٤٧٨٢) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٠٩، ٦/ ٩٧ من طريق شعبة به، وأخرجه الطحاوي في المشكل (٢٥٣٠)، والحاكم ٢/ ٣٠٢، وأبو نعيم في \"مسانيد أبي يحيى فراس بن يحيى\"، والبيهقى ١٠/ ١٤٦، وفي الشعب (٨٠٤١) من طريق شعبة به مرفوعًا.\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ١١٤.","vol":"6","page":392},{"text":"وقال آخرون: بل السفهاءُ في هذا الموضعِ النساءُ خاصةً دونَ غيرِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1721>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتمِرُ، عن أبيه، قال: زعَم حَضْرميٌّ أن رجلًا عَمَد فَدَفَع مالَه إلى امرأتِه، فوَضعتْه في غيرِ الحقِّ، فقال اللهُ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (^١).\nحدَّثَنَا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن حُميدِ بن قيسٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: النساءُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن حُميدِ بن قَيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: هنَّ النساءُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله ﷿: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. قال: نَهَى (^٣) الرجالَ أن يُعْطُوا النساءَ أموالَهم وهنَّ سفهاءُ، مَن كُنَّ أَزواجًا أو أمهاتٍ أو بناتٍ (^٤).\nحدَّثَنَا المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثَنَا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا هشامٌ، عن الحسنِ، قال: المرأةُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٠ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٨٨.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نهوا\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٦٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"6","page":393},{"text":"حدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أَخْبَرَنَا جويبرٌ، عن الضَّحاكِ، قال: النساءُ مِن أسفهِ السفهاءِ (^١).\nحدَّثَنَا المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أَخْبَرَنَا ابن المباركِ، عن أبي عَوانةَ، عن عاصمٍ، عن مُوَرِّقٍ، قال: مَرَّت امرأةٌ بعبدِ اللهِ بن عُمرَ، لها شارةٌ وَهْيئةٌ، فقال لها ابن عمرَ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في تأويلِ ذلك عندَى، أن الله عَزَّ ذكرُه عمَّ بقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. فلم يَخْصُصْ سفيهًا دونَ سفيهٍ، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ أن يُؤتىَ سفيهًا مالَه، صبيًا صغيرًا كان أو رجلًا كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى. والسفيهُ الذي لا يجوزُ لوليِّه أن يُؤْتيَه مالَه، هو المُسْتَحِقُّ الحَجْرَ بتَضْيِيعِه مالَه، وفسادِه وإفسادِه، وسوءِ تَدْبيرِه ذلك.\nوإنما قلنا ما قلنا مِن أن المعنيَّ بقولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. هو مَن وَصَفْنا دونَ غيرِه؛ لأن الله عز ذكرُه قال في الآيةِ التي تَتْلُوها: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]. فأمَر أولياءَ اليَتامَى بدَفْعِ أموالِهم إليهم، إذا بَلَغوا النكاحَ، وأُونِسَ منهم الرُّشْدُ، وقد يَدْخُلُ في اليَتامَى الذكورُ والإناتُ، فلم يَخْصُصْ بالأمرِ بدفعِ ما لهم مِن الأموالِ الذكورَ دونَ الإناثِ، ولا الإناثَ دونَ الذكورِ.\nوإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الذين أُمِرَ أولياؤهم بدَفِعِهم أموالَهم إليهم وأُجِيزَ للمسلمين مُبايَعتُهم ومُعامَلتُهم، غيرُ الذين أُمِرَ أولياؤهم بمَنْعِهم أموالَهم وحُظِرَ على المسلمين مُداينتُهم ومُعامَلتُهم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في صفحة ٣٩٠.\n(^٢) عزاه السيوطي الدر المنثور ٢/ ١٢٠ إلى المصنف.","vol":"6","page":394},{"text":"فإذا كان ذلك كذلك، فَبَيِّنٌ أن السُّفهاء الذين نهَى الله المؤمنين أن يُؤْتُوهم أموالَهم هم المُسْتَحِقون الحَجْرَ والمُسْتَوْجِبون أن يُولَى عليهم أموالُهم، وهم مَن وَصَفْنا صِفَتَهم قبلُ، وأن مَن عدا ذلك فغيرُ سَفِيهٍ؛ لأن الحَجْرَ لا يَسْتَحِقُّه مَن قد بلَغ وأُونِسَ رُشْدُه.\nوأما قولُ مَن قال: عنَى بالسفهاءِ النساءَ خاصةً. فإنه حمَل اللغةَ على غيرِ وجهِها، وذلك أن العربَ لا تكادُ تَجمَعُ \"فعيلًا\" على \"فُعَلاءَ\"، إلا في جمعِ الذكورِ، أو الذكورِ والإناثِ، فأما إذا أرادوا جمعَ الإناثِ خاصةً لا ذُكْرانَ معها، جمعوه على: فَعائِلَ وفَعِيلاتٍ، مثل غريبةٍ تُجمَعُ على غَرائبَ وغَريباتٍ؛ فأَما الغُرباءُ فجَمْعُ غريبٍ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنَى بذلك: لا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ مِن النساءِ والصبيانِ - على ما قد ذَكَرْنا مِن اخْتِلافِ مَن حَكَيْنا قولَه قبلُ - أيُّها الرُّشداءُ، أموالَكم التي تَمْلِكونها، فتُسَلِّطوهم عليها فيُفْسِدوها ويُضَيِّعوها، ولكن ارْزُقوهم أنتم منها، إن كانوا ممن يَلْزَمُكم نَفَقَتُه، واكْسُوهم، وقولوا لهم قولًا مَعْروفًا.\nوقد ذَكَرْنا الرِّوايةَ عن جماعةٍ ممن قال ذلك، منهم أبو موسى الأشعريُّ، وابنُ عباسٍ، والحسنُ، ومجاهدٌ، وقتادةُ، والحَضْرَمِيُّ، وسَنَذْكُرُ أقوالَ الآخرين الذين لم يُذكَرْ قولُهم فيما مَضَى قبلُ.\nحدَّثَنَا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾. يقولُ: لا تُعْطِ امرأتَك وولدَك مالَك، فيكونوا هم الذين يَقُومون عليك، وأطْعِمُهم","vol":"6","page":395},{"text":"مِن مالِك واكْسُهم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. يقولُ: لا تُسَلِّطِ السفيهَ مِن ولدِك على مالِك، وأمَرك أن تَرْزُقَه منه وتَكْسُوَه (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: لا تُعْطِ السفيهَ من مالِك شيئًا هو لك.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تُؤْتُوا السفهاءَ أموالَهم، ولكنه أُضِيفَ إلى الوُلاةِ؛ لأنهم قُوَّامُها ومُدَبِّروها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1722>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُويدُ بنُ نصرٍ، قال: أَخْبَرَنَا ابن المباركِ، عن شَريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. [قال: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ أموالَهم. بمنزلةِ قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. قال: وهم اليتامى يقولُ: لا تؤتوهم أموالَهم وارزقوهم منها واكسوهم (^٣).\nوأولى الأقوالِ بتأويلِ ذلك أن يقال: إن الله جلَّ وعزَّ نهى المؤمنين أن يُؤتوا السفهاءَ أموالَهم] (^٤) وقد يدخلُ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. أَمْوالُ المَنْهِيين\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ١١٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٢ (٤٧٨٢) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٣ (٤٧٩٠) من طريق شريك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٠ إلى ابن المنذر.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":396},{"text":"عن أن يُؤْتُوهم ذلك، وأموالُ السفهاءِ؛ لأن قولَه: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ غيرُ مَخْصوصٍ منها بعضُ الأموال دونَ بعضٍ، ولا تمتنعُ العربُ أن تُخاطِبَ قومًا خِطابًا، فيَخْرُجَ الكلامُ بعضُه خبرٌ عنهم، وبعضُه عن غَيَبٍ، وذلك نَحْوُ أن يقولوا: \"أكَلْتم يا فلانُ أموالَكم بالباطلِ. فخاطب الواحدَ خِطابَ الجميعِ، بمعنى إنك وأصحابَك وقومك أكَلْتم أموالَكم. فكذلك قولُه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾. معناه: ولا تُؤْتُوا أيُّها الناسُ سُفهاءَكم أموالَكم التي بعضُها لكم وبعضُها لهم، فتُضَيِّعوها (٣).\nوإذا كان ذلك كذلك، وكان اللهُ ﷿ قد عمَّ بالنهيِ عن إيتاءِ السفهاءِ الأموال كلَّها، ولم يَخْصُصُ منها شيئًا دونَ شيءٍ، كان بيِّنا بذلك أنّ معنى قولِه: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. إنما هو التي جعَل اللهُ لكم ولهم قِيامًا، ولكن السُّفهاءَ دخَل ذِكْرُهم في ذكرِ المُخاطَبين بقولِه: ﴿لَكُمْ﴾.\nوأما قولُه: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. [فإنه يعنى: التي جعَلها اللهُ قوامَ معايشِكم ومعايشِ سُفهائِكم التي بها تقومون] (^١). \"قيامًا\" و\"قِيَمًا\" و\"قِوَامًا\" في معنًى واحدٍ. وإنما \"القيامُ\" أصلُه \"القِوَامُ\"، غيرَ أن القافَ التي قبلَ الواوِ لمّا كانت مكسورةً، جُعِلَت الواوُ ياءً لكسرةِ ما قبلَها، كما يُقالُ: صُمْتُ صيامًا، وحُلتُ حِيالًا، ويقالُ منه: فلانٌ قِوَامُ أهلِ بيتِه، وقيامُ أهلِ بيتِه.\nواخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُهم (^٢): (الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيمًا) بكسرِ القافِ وفتحِ الياءِ بغيرِ ألفٍ. وقرأه آخرون (^٣): ﴿قِيَامًا﴾ بألفٍ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فإن\".\n(^٢) هي قراءة نافع وابن عامر. السبعة ص ٢٢٦.\n(^٣) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.","vol":"6","page":397},{"text":"والقراءةُ التي نَخْتارُها: ﴿قِيَامًا﴾ بالألفِ؛ لأنها القراءةُ المعروفةُ في قراءةِ أمصارِ الإسلامِ، وإن كانت الأُخْرَى غيرَ خَطأ ولا فاسدٍ. وإنما اخترنا ما اخترنا مِن ذلك؛ لأن القراءاتِ إِذا اخْتَلَفت في الألفاظِ واتفَقَت في المعنى، فأعجبُها إلينا ما كان أظهرُ وأشهرَ في قراءةِ أمصارِ الإسلامِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿قِيَامًا﴾، قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1723>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثَنَا سعيدُ بنُ يحيى الأُمويُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾: الذي هو قِوَامُك بعدَ اللهِ (^١).\nحدَّثَنَا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾: فإن المالَ هو قِيَامُ الناسِ؛ قِوَامُ معايشِهم. يقولُ: كن (^٢) أنت قَيِّمَ أهلِك، ولا تُعْطِ امرأَتَك [وولدَك] (^٣) مالَك، فيكونوا هم الذين يَقُومون عليك (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. يقولُ اللهُ ﷿: لا تَعْمِدُ إلى مالِك وما خَوَّلك اللهُ وجعَله لك معيشةً، فتُعْطِيَه امرأتَك أو بَنِيك ثم تَنْظُرَ إلى ما في أيديهم، ولكن أَمْسِكْ مالَك وأصْلِحْه، وكن أنت الذي تُنْفِقُ عليهم في كِسْوَتِهم ورِزْقِهم ومُؤْنَتِهم. قال: وقولُه: ﴿قِيَامًا﴾. يعنى: قِوَامَكم في\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٣٩٢، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٤ عقب الأثر (٤٧٩٢) معلقًا.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣، س: \"كنت\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٣٩٦.","vol":"6","page":398},{"text":"معايشِكم (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنَا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا معمرٌ، عن الحسنِ قولَه: ﴿قِيَامًا﴾. قال: قِيامُ عيشِك (^٢).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا (^٣) بَكْرُ بنُ شرودٍ، عن (^٤) مجاهدٍ أنه قرأ: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. [بالألفِ، يقولُ: قيِامُ عيشِك (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾] (^٦). قال: لا تُعْطِ السفيهَ من ولدِك شيئًا هو لك قِيَمٌ مِن مالِك، وارزقوهم (^٧).\nوأما قولُه: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلفوا في تأويلِه، فأما الذين قالوا: إنما عَنَى اللهُ جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾: أموالَ (^٨) أولياءِ السُّفهاءِ، [لا أموالَ] (^٩) السفهاءِ، فإنهم قالوا: معنى ذلك: وارْزُقوا أيُّها الناسُ سفهاءَكم مِن نسائِكم وأولادِكم، مِن أموالِكم طعامَهم، وما لابدَّ لهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٤ (٤٧٩١) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٦.\n(^٣) بعده في ص: \"ابن أبي جعفر أبا\". وينظر لسان الميزان ٢/ ٥٢.\n(^٤) بعده في النسخ: \"ابن\". والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢١ إلى المصنف\n(^٦) سقط من: ت ١.\n(^٧) سقط من: م، ت ٣، س. والأثر تقدم تخريجه في ص ٣٩٢.\n(^٨) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٩) في ص، ت ١، ت ٢: \"لأموال\".","vol":"6","page":399},{"text":"منه، مِن مُؤنَتِهم (^١) وكسْوَتِهم.\nوقد ذَكَرنا بعضَ قائلى ذلك فيما مَضَى، وسَنَذْكُر مَن لم نَذْكُرْ مِن قائليه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: نا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: أُمِروا أن يَرْزُقوا سُفَهاءَهم، مِن أزواجِهم وأمهاتِهم وبناتِهم مِن أموالِهم (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَارْزُقُوهُمْ﴾. قال: يقول: أنْفِقُوا عليهم (^٣).\nحدَّثَنَا [محمدُ بنُ الحسينِ] (^٤)، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾. يقولُ: أَطْعِمْهم (^٥) مِن مالِك واكْسُهْم (^٦).\nوأما الذين قالوا: إنما عَنَى بقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾: أَموالَ السفهاءِ ألا يُؤْتيَهموها أولياؤُهم، فإنهم قالوا: معنى قولِه: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾: وارْزُقوا أيُّها الوُلاةُ - وُلاةُ أموالِ السفهاءِ - سفهاءَكم مِن أموالِهم، طعامَهم وما لابدَّ لهم مِن مُؤَنِهم وكِسْوتِهم، وقد مَضَى ذِكْرُ ذلك.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مؤنهم\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣٩٠.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢١ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) في س: \"المثنى\".\n(^٥) في س: \"أعطهم\".\n(^٦) تقدم تخريجه في ص ٣٩٦.","vol":"6","page":400},{"text":"قال أبو جعفرٍ: وأما الذي نراه صوابًا في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. من التأويل، فقد ذَكَرناه، ودَلَّلنا على صحةِ ما قلنا في ذلك، بما أغْنَى عن إعادتِه.\nفتأويلُ قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ - على التأويلِ الذي قلنا في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ -: وأَنْفِقُوا على سفهائِكم من أولادِكم ونسائِكم [الذي يجبُ عليكم نفقتُه في] (^١) طعامِهم وكِسْوتِهم من (^٢) أموالِكم، ولا تُسَلِّطوهم على أموالِكم فيُهْلِكوها - وعلى سفهائِكم منهم، ممن لا تَجِبُ عليكم نَفَقَتُه، ومِن غيرِهم الذين تَلُون أنتم أمورَهم مِن أموالِهم، فيما لا بدَّ لهم مِن مُؤَنِهم في طعامِهم وشرابِهم وكِسْوتِهم؛ لأن ذلك هو الواجبُ مِن الحُكْمِ في قولِ جميعِ الحجةِ، لا خلافَ بينَهم في ذلك مع دَلالة ظاهرِ التنزيل على صحة ما قلنا في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1725>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾:</span>\nقال أبو جعفرٍ: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: عِدْهم عِدَةٌ جميلةٌ من البرِّ والصِّلَةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1724>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال: أُمِروا أن يقولوا لهم قولًا معروفًا في البرِّ والصَّلَةِ، يَعْنى النساءَ، وهن السفهاءُ عندَه (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"الذين تجب عليكم نفقتهم من\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"في\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٦٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٤ (٤٧٩٥) من طريق أبي عاصم به ببعضه.","vol":"6","page":401},{"text":"حدَّثَنَا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ (^١): ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال: عِدَةً تَعِدونهم (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ادْعُوا لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1726>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: إن كان ليس مِن ولدِك، ولا ممن يَجِبُ عليك أن تُنْفِقَ عليه، فقل له (^٣) قولًا معروفًا، قل له (١): عافانا اللهُ وإياك، بارك (^٤) اللهُ فيك (^٥).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ في ذلك بالصحةِ ما قاله ابن جُرَيجٍ، وهو أن مَعْنَى قوله: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. أي قولوا يا معاشَرَ وُلاةِ السفهاءِ قولًا معروفًا للسفهاء: إن صَلَحْتم ورَشَدْتم سَلَّمْنا إليكم أموالَكم، وخَلَّيْنا بينَكم وبينها، فاتقوا الله في أنفسِكم وأموالِكم. وما أَشْبَهَ ذلك مِن القولِ الذي فيه (^٦) حثٌّ على طاعةِ الله، ونَهىٌ عن معصيتِه.\n\n<span id=\"aya-499\"></span><span data-type='title' id=toc-1727>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾.</span>\nيعني تعالى ذِكْرُه بقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾. واخْتَبِروا عقولَ يتاماكم في\n_________\n(^١) بعده في م: \"عن مجاهد\". والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٢) في الأصل، م، ت ١، ت ٢، س: \"تعدوهم\". والمثبت موافق لما في مصدر التخريج. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢١ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لهم\".\n(^٤) في م: \"وبارك\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢١ إلى المصنف.\n(^٦) في الأصل: \"هو\".","vol":"6","page":402},{"text":"أفهامِهم، وصلاحِهم في أديانِهم، وإصلاحِهم أموالَهم.\nكما حدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنَا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ والحسنِ في قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾. قالا: يقولُ: اخْتَبِروا اليتامى (^١).\nحدَّثَنَا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: أما: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾. فجرِّبوا عقولَهم (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾. قال: عقولَهم (^٣).\nحدَّثني المُثنى، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾. قال: اخْتَبِروهم (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾. قال: اخْتَبِروه (^٥) في رأيِه وفي عقلِه كيف هو، إذا عُرِفَ أنه قد أُونِس منه رُشْدٌ، دُفِعَ إليه مالُه. قال: وذلك بعدَ الاحتلامِ (^٦).\nقال أبو جعفرٍ: وقد دَلَّلنا فيما مضَى قبلُ على أن مَعْنى الابتلاءِ الاختبارُ، بما فيه\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٤ عقب الأثر (٤٧٩٨) من طريق السدى به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٦٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٤ (٤٧٩٨) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢١ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٤ (٤٧٩٧)، والبيهقى ٦/ ٥٩ من طريق عبد الله بن صالح به، بأتم من هذا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢١ إلى ابن المنذر.\n(^٥) في الأصل، ت ١، ت ٢، س: \"اختبروهم\".\n(^٦) ينظر التبيان للطوسي ٣/ ١١٦.","vol":"6","page":403},{"text":"الكفايةُ عن إعادتِه.\nوأما قولُه: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾. فإنه يعنى: حتى إذا بَلَغوا الحُلُمَ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [قال: الحُلُمَ (^١).\nنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: نا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾] (^٢): حتى إذا احْتَلَموا (^٣).\nحدَّثني عليُّ بن داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ عن ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾: قال: عندَ الحُلُمِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾. قال: الحُلُمَ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1728>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾.</span>\nيعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾: فإن وَجَدتم منهم وعَرَفتم.\nكما حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾. قال: عَرَفتم منهم.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٦٧.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٥ عقب الأثر (٤٨٠٠) معلقًا.\n(^٤) ينظر التبيان ٣/ ١١٦.","vol":"6","page":404},{"text":"يقالُ منه: آنَسْتُ مِن فلانٍ خيرًا وبرًّا (^١) - بمدِّ الألفِ - إيناسًا. وأَنَسْتُ به آنَسُ أُنْسًا. بِقَصْرِ أَلْفِها: إِذا أَلِفْتَه.\nوقد ذُكِرَ أنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فإن أَحسْتُم (^٢) منهم رشدًا). بمعنى: أَحْسَسْتُم: أي وَجَدتم.\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنى الرُّشْدِ في هذا الموضعِ الذي ذكَره اللهُ؛ فقال بعضُهم: معنى الرشدِ في هذا الموضعِ في هذه الآيةِ: العقلُ والصلاحُ في الدينِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1729>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثَنَا محمدُ بنُ الحُسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾: عقولًا وصلاحًا (^٣).\nحدَّثَنَا بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾. يقولُ: صلاحًا في عقلِه ودينِه (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: صلاحًا في دينهم، وإصلاحًا لأموالِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1730>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثَنَا ابن وَكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن مباركٍ، عن الحسنِ، قال: رُشْدًا في\n_________\n(^١) في ت ١: \"وقرا\"، وفى م: \"وقرئ\".\n(^٢) في ص: \"أحسستم\"، وفى م: \"أحسيتم\". وما أثبتاه موافق لما في معاني القرآن للفراء ١/ ٢٧٥. وقد نبه محققه أن هذا تحريف عن \"أحسيتم\"، الذي بمعنى أحسستم. وليس كما قال. قال أبو حيان: (أحستم) يريد أحسستم، فحذف عين الكلمة، وهذا الحذف شذوذ لم يرد إلا في ألفاظ يسيرة. ينظر البحر المحيط ٣/ ١٧٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢١ إلى المصنف.\n(^٤) ينظر التبيان ٣/ ١١٦، ١١٧.","vol":"6","page":405},{"text":"الدين وصلاحًا وحفظًا للمالِ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾: في حالِهم، والإصلاحَ في أموالِهم (^٢).\nوقال آخرون: بل ذلك هو العقلُ خاصةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-1731>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثَنَا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: لا يُدفَعُ (^٣) إلى اليتيمِ مالُه وإن أخَذ بلحيتِه، وإن كان شيخًا، حتى يُؤْنسَ منه رُشْدُه؛ العقلُ (^٤).\n[أنا ابن حميدٍ قال: نا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: الرشدُ العقلُ (^٥).\nحدَّثَنَا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ قال: العقلُ.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ٦/ ٥٩ من طريق هشام عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٥ (٤٨٠٥)، والبيهقى ٦/ ٥٩ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢١ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في ص، م: \"ندفع\"، وفى ت ٢، س: \"تدفع\". والمثبت موافق لما في سنن سعيد.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٦٣ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٨/ ٤٨٨ (٥٩٩٦) من طريق منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":406},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أَخْبَرَنَا أبو شُبْرُمةَ، عن الشعبيِّ، قال: سَمِعْتُه يقولُ: إن الرجلَ ليَأْخُذُ بلحيتِه وما بلَغ رُشْدَه (^١).\nوقال آخرون: بل هو الصلاحُ، والعلم بما يُصْلِحُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1732>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾. قال: صلاحًا وعلمًا بما (^٢) يُصْلِحُهُ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى الأقوالِ عندى بمعنى الرُّشْدِ في هذا الموضعِ: العقلُ وإصلاحُ المالِ؛ لإجماعِ الجميعِ على أنه إذا كان كذلك لم يَكُنْ ممَن يَسْتَحِقُّ الحَجْرَ عليه في مالِه، وحَوْزَ ما في يدِه عنه، وإن كان فاجرًا في دينِه. فإذْ كان ذلك إجماعًا من الجميعِ، فكذلك حُكْمُه إذا بلَغ وله مالٌ في يدِ وَصِيِّ أبيه، أو في يَدِ حاكمٍ قد وَلِىَ مالَه لطفولتِه، واجبٌ عليه تَسْليمُ مالِه إليه إذا (^٤) كان عاقلًا بالغًا، مُصْلِحًا لمالِه غيرَ مفسدٍ؛ لأن المعنى الذي به يَسْتَحِقُّ أن يُولَّى على مالِه الذي هو في يدِه هو المَعْنَى الذي بهِ يَسْتَحِقُّ أن تُمْنَعَ يدُه مِن مالِه الذي هو في يَدِ وليِّ مالِه (^٥) لا فرقَ بينَ ذلك.\nوفي إجماعِهم على أنه غيرُ جائزٍ حِيازةُ ما في يدِه في حالِ صحةٍ عَقْلِه وإصلاحِ ما في يدِه، الدليلُ الواضحُ على أنه غيرُ جائزٍ مَنْعُ يدِه مما هو له في مثلِ ذلك الحالِ، وإن كان قبلَ ذلك كان في يدِ غيرِه، لا فرقَ بينهما، ومَن فَرَّقَ بينَ ذلك عُكِسَ عليه\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٦٤ - تفسير) من طريق مغيرة عن الشعبي.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"لما\".\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ١١٧.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"وإذا\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فإنه\".","vol":"6","page":407},{"text":"القولُ في ذلك، وسُئِلَ الفرقَ بينهما من أَصْلٍ أو نَظِيرٍ، فلن يقولَ في أحدِهما قولًا إِلا أُلْزِمَ في الآخرِ مثلَه.\nفإذ كان ما وَصَفْنا من الجميعِ إجماعًا، فبَيِّنٌ أن الرُّشْدَ الذي به يَسْتَحِقُّ اليتيمُ - إذا بلَغ، فأُونِسَ منه - دَفْعَ مالِه إليه، هو ما قُلْنَا مِن صحةِ عَقْلِه وإصلاحِه مالَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1733>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكْرُه وُلاةَ أموالِ اليتامى، يقولُ اللهُ لهم: فإذا بلَغ أيتامُكم الحُلُمَ، فآنَسْتُم منهم عقلًا وإصلاحًا لأموالِهم، فادْفَعوا إليهم حينَئذ أموالَهم، ولا تَحْبِسُوها عنهم.\nوأما قولُه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا﴾. [فإنه يَعْنى: ولا تَأْكُلُوا يا معشرَ ولاةِ أموالِ اليتامَى أموالَهم ﴿إِسْرَافًا﴾] (^١) يعنى: بغيرِ ما أباحه اللهُ لكم (^٢).\nكما حدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنَا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا معمرٌ، عن قتادةَ والحسنِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا﴾. يقول: لا تُسْرِفُ فيها (^٣).\nحدَّثَنَا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا﴾. قال: تُسْرِفُ في الأكلِ (^٤).\nوأصلُ الإسرافِ: تجاوزُ الحدِّ المباحِ إلى ما لم يُبَحْ، وربما كان ذلك في\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"لك\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٦.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٦ (٤٨١٢) من طريق أحمد بن المفصل به.","vol":"6","page":408},{"text":"الإفراطِ، وربما كان في التقصيرِ (^١)، غيرَ أنه إذا كان في الإفراطِ، فاللغةُ المستعملةُ فيه أن يقالَ: أَسْرَف يُسْرِف إسرافًا. وإذا كان كذلك في التقصير، فالكلامُ منه: سَرِفَ يَشرَفُ سَرَفًا. يقالُ: مَرَرْتُ بكم فسَرَفْتُكم. يرادُ به: فسَهَوْتُ عنكم وأَخْطَأْتُكم، كما قال الشاعرُ (^٢):\nأَعْطُوا هُنَيْدَةَ (^٣) يَحْدُوها ثمَانِيَةٌ … ما في عطَائِهِمُ مَنٌّ ولا سَرَفُ يعنى بقولِه: ولا سَرَف: لا خطأَ فيه، يرادُ به: أنهم يُصِيبون مواضعَ العطاءِ، فلا يُخْطِئونها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1734>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾.</span>\nيعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿وَبِدَارًا﴾: ومبادرةً. وهو مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: بادَرْتُ هذا الأمرَ مُبادَرةً وبدارًا. وإنما يعنى بذلك جلّ ثناؤُه وُلاةَ أموالِ اليتامى، يقولُ لهم: لا تَأْكلوا أموالَهم إسرافًا - يعنى (^٤): ما أباح اللهُ لكم أكْلَه - ولا مُبادرةً منكم بُلُوغَهم وإيناسَ الرُّشْدِ منهم؛ حذرًا أن يَبْلُغوا فيَلْزَمَكم تَسْليمُه إليهم.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾. يعنى: يأكلُ (^٥) مالَ اليتيمِ يُبادِرُ (^٦) أن يَبْلُغَ، فيَحُولَ بينَه وبينَ مالِه (^٧).\n_________\n(^١) في ص، س: \"التصعير\"، وفى ت ٢: \"التصغير\".\n(^٢) البيت لجرير، وهو في ديوانه ١/ ١٧٤.\n(^٣) هنيدة: اسم لكل مائة من الإبل وغيرها. تاج العروس (هـ ن د).\n(^٤) في الأصل: \"بغير\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أكل\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فبادرا\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٧ (٤٨١٣) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢١ إلى ابن المنذر.","vol":"6","page":409},{"text":"حدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنَا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ والحسنِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾. يقولُ: لا تُسْرِفْ فيها ولا تُبادِرْ (^١).\nحدَّثَنَا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَبِدَارًا﴾: [أن تُبادِرَ] (^٢) أن يَكْبَروا فيَأْخُذُوا أموالَهم (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾. قال: هذه لوليِّ اليتيمِ خاصةً (^٤)، جُعِلَ (^٥) له أن يَأْكُلَ معه، إذا لم يَجِدْ شيئًا يَضَعُ يدَه معه، فيذهبُ يُؤخِّرُه (^٦)، يقول: لا أَدْفَعُ إليه مالَه. وجعلْتَ تَأْكُلُه تَشْتَهِي أَكْلَه، لأنك إن (^٧) لم تَدْفَعْه إليه لك فيه نَصِيبٌ، وإذا دَفَعْتَه إليه، فليس لك فيه نصيبٌ.\nومَوْضِعُ \"أن\" في قولِه: ﴿أَن يَكْبَرُوا﴾، نَصْبٌ بـ\"المُبادرةِ\" (^٨)؛ لأن مَعْنَى الكلامِ: لا تَأْكُلوها مُبادرةَ كِبَرِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1735>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"تبادره\"، وفى ت ٢: \"تبدره\". والأثر تقدم تخريجه في ص ٤٠٨.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تبادرا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٧ عقب الأثر (٤٨١٣) من طريق أسباط به بنحوه.\n(^٤) سقط من ص، ت ١، س. وفى الأصل: \"بدارا بل كله\".\n(^٥) في الأصل، ص، ت ١، س: \"جعلوا\".\n(^٦) في م، س: \"بوجهه\"، وفى ت ١: \"ترجمه\".\n(^٧) سقط من: ص، ت ١. وفي الأصل: \"ما\".\n(^٨) يعنى نصب بالمصدر، كأنه قال: لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها وتقولون: ننفق كما نشتهى قبل أن يكبر اليتامى. ينظر الكشاف ١/ ٥٠٢.","vol":"6","page":410},{"text":"يعنى بقوله جلّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا﴾. مِن وُلاةِ أموالِ اليتامى عن أموالِهم فَلْيَسْتَعْفِفْ بمالِه عن أكلِها بغيرِ الإسرافِ والبِدارِ أن يَكْبَروا، وبما أباح اللهُ له أكلَها به.\nكما حدَّثَنَا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ وابنِ أبي ليلى، عن الحكمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾. قال: بغِناهُ مِن مالِه حتى يَسْتَغْنِيَ عن مالِ اليتيمِ (^١).\nحدَّثَنَا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، [عن إبراهيمَ] (^٢) في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾: بغِناهُ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن ليثٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: مِن مالِ نفسه، ومَن كان فقيرًا منهم إليها محتاجًا فليَأْكُلْ بالمعروفِ.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في \"المعروفِ\" الذي أَذِنَ اللهُ لوُلاةِ أموالِهم في أكلِها به، إذا كانوا أهلَ فقرٍ وحاجةٍ إليها؛ فقال بعضُهم: ذلك هو القَرْضُ يَسْتَقْرِضُه مِن مالِه ثم يَقْضِيه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٨ (٤٨٢٠) من طريق أبي أحمد الزبيرى به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٩ (٤٨٢٨)، وأبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٢٩٩، والحاكم ٢/ ٣٠٢ من طريق سفيان به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٨ عقب الأثر (٤٨٢٠) معلقًا.","vol":"6","page":411},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1736>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثَنَا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ وإسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن حارثةَ بن مُضَرِّبٍ (^١)، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ، ﵁: إنى أنزلتُ مالَ اللَّهِ منى بمنزلةِ والى (^٢) اليتيمِ، إِنِ اسْتَغْنَيتُ اسْتَغْفَفْتُ، وإنِ افْتَقَرْتُ أَكلتُ بالمعروفِ، فإذا أَيْسَرْتُ قَضَيتُ (^٣).\nحدَّثَنَا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن عليةَ (^٤)، عن زُهيرٍ، عن العلاءِ بن المُسَيَّبِ، عن حمادٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: هو القَرْضُ (^٥).\nحدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سَمِعتُ يونسَ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ أنه قال في هذه الآية: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، قال: الذي يُنْفِقُ مِن مالِ اليتيمِ يكونُ عليه قرضًا.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: ثنا سلمةُ بنُ علقمةَ، عن محمدِ بن سيرينَ، قال: سألت عَبيدةَ عن قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مصرف\".\n(^٢) في ص، م، ت ٢، ت ٣، س: \"مال\".\n(^٣) أخرجه ابن سعد ٣/ ٢٧٦، وابن أبي شيبة ١٢/ ٣٢٤ عن وكيع به، وأخرجه ابن سعد في الموضع السابق من طريق أبي إسحاق به، وأخرجه سعيد بن منصور في تفسيره (٧٨٨ - تفسير)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٢٩٦، والبيهقى ٦/ ٣٥٤ من طريق أبي إسحاق، عن يرفأ مولى عمر عن عمر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢١ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن المنذر.\n(^٤) في النسخ: \"عطية\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢١ إلى المصنف.","vol":"6","page":412},{"text":"فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: إنما هو قرضٌ، ألا ترَى أنه قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾. قال: فظنَنتُ أنه قالها برَأْيِه (^١).\nحدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنَا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا هشامٌ، عن محمدٍ، عن عَبيدةَ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: وهو عليه قرضٌ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن سَلَمةَ بن (^٣) علقمةَ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: المعروفُ القرضُ، ألا ترَى إلى قولِه جلّ وعزّ: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ (^٤)؟\nحدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن ابن سيرينَ، عن عبيدةَ مِثْلَ حديثِ عبدِ الرزّاقِ، عن هشامٍ، عن محمدٍ (^٥).\nحدَّثني المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يعنى: القرضَ (^٦).\n[حدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنَا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أَخْبَرَنَا معمرٌ عن أيوبَ، عن ابن سيرين، عن عبيدةَ مثلَه] (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣٨٠ عن ابن علية به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٧.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عن\".\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٧٤ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٨.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٩ (٤٨٢٩) من طريق أبي صالح به.\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٨.","vol":"6","page":413},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يقولُ: إن كان غنيًّا فلا يَحِلُّ له مِن مالِ اليتيمِ أن يأكلَ منه شيئًا، وإن كان فقيرًا فليَسْتقرِضُ منه، فإذا وجد مَيْسرةً فليُعْطِه ما اسْتَقرضَ منه، فذلك أكلُه بالمعروفِ (^١).\nحدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن (^٢) إدريسَ، قال: سمِعت أبي يَذكُرُ عن حمادٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: يَأْكُلُ قرضًا بالمعروفِ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: هو القرضُ، ما أصاب منه مِن شيءٍ قَضَاه إِذا أَيْسَر. يعنى قولَه: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن هشامٍ الدَّسْتُوائيِّ، قال: ثنا حمادٌ، قال: سَأَلتُ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ عن هذه الآيةِ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: إِن أَخَذ مِن مالِه قَدْرَ قُوتِه، قرضًا، فإن أَيْسَر بعدُ قَضَاه، وإن حَضَره الموتُ ولم يُوسِرْ تَحَلَّله (^٤) مِن اليتيمِ، وإن كان صغيرًا تَحَلَّله (^٥) مِن وَليِّه (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن حمادٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: هو\n_________\n(^١) أخرجه ابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٤٨ من طريق محمد بن سعد به.\n(^٢) في ص، م، ت ٢، س: \"أبو\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٧٥ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٤) في تفسير ابن أبي حاتم: \"فليستحله\".\n(^٥) في ص: \"حلله\". وفى تفسير ابن أبي حاتم: \"فليستحله\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٠ (٤٨٣١) من طريق هشام الدستوائي به.","vol":"6","page":414},{"text":"القرضُ (^١).\nحدَّثَنَا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرِو بن أبي قيسٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن الشعبيِّ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: لا يَأْكُلُه إلا أن يُضْطَرَّ إليه، كما يُضْطَرُّ إلى المَيْتَةِ، فإنْ أكَل منه شيئًا قَضَاه (^٢).\nحدَّثَنَا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ اللهِ بن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: قرضًا.\nحدَّثَنَا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مِثْلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: سَلَفًا مِن مالِ يَتِيمِه (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنَا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا الثوريُّ، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ، وعن حمادٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قالا: هو القرضُ. قال الثوريُّ: وقاله الحَكَمُ أيضًا: ألا ترَى أنه قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ (^٤)؟\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٠ (٤٨٣٠) من طريق عطاء عن دينار، عن سعيد بن جبير بنحوه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٠ (٤٨٣٤) من طريق عمرو بن قيس به، وأخرجه في ٣/ ٨٦٨ (٤٨٢١) من طريق عطاء به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٦٧، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٦٧ - تفسير)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٢٩٧، وابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٤٨ من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٤) تفسير الثورى ص ٨٨، ٨٩، وتفسير عبد الرزاق، ١/ ١٤٧، وأخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣٨١ عن =","vol":"6","page":415},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن مجاهدٍ، قال: هو القَرْضُ، ما أصاب منه مِن شيءٍ قَضَاه إِذا أَيْسَر بغِنًى (^١): ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعٍ، عن أبي العاليةِ: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: القرضُ، ألا ترَى إلى قولِه: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (^٣)؟\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ، قال: قرضًا (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: إذا احتاج الواليُّ (^٥) و(^٦) افْتَقَر فلم يَجِدْ شيئًا، أكَل مِن مالِ اليتيمٍ وكتَبه، فإن أَيْسَر قضاه، وإن لم يُوسِرْ حتى تَحْضُرَه الوفاةُ دعا اليتيمَ، فاستحلَّ منه ما أكَل.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: أخبرنا ابن أبى نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. [قال: يَسْتَسْلِفُ منه فيَتَّجِرُ فيه] (^٧) (^٨).\n_________\n= سفيان عن حماد به.\n(^١) في م: \"يعنى\".\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٧٥ - تفسير) من طريق هشيم عن حجاج عمن سمع مجاهدا به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣٨١ عن وكيع به. وأخرجه ٦/ ٣٨٠ من طريق الربيع به نحوه.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٠ عقب الأثر (٤٨٣١) معلقًا.\n(^٥) في م: \"الولى\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أو\".\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣٨١ عن ابن علية به.","vol":"6","page":416},{"text":"[حدَّثنا سعيدُ بن الربيعِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: يَسْتَسْلِفُ، فإذا أيَسَر أدَّى.\nحدَّثنا حميدُ (^١) بنُ سعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا شعبةُ (^٢)، عن حمادٍ، عن سعيدِ بن جبير، قال: يأكلُ قرضًا (^٣).\nوقال آخرون: بل معنَى ذلك: فليأكُلْ بالمعروف] (^٤) مِن مالِ اليتيمِ بغيرِ إسرافٍ، ولا قَضاءَ عليه فيما أكَل منه.\nواخْتَلَف قائلو هذه المقالةِ في معنى أكلِ ذلك بالمعروفِ؛ فقال بعضُهم: هو أن يَأْكُلَ مِن طعامِه بأطرافِ الأصابعِ، ولا يَكْتسِىَ (^٥) منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1737>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّديِّ، قال: أخبرني مَن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: بأطرافِ أصابعِه.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ الأشْجَعيُّ، عن سفيانَ، عن السُّديِّ، عمن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ. فذكَر مثلَه (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: \"ابن حميد\".\n(^٢) في الأصل: \"سعيد\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٤٧، وابن أبي شيبة ٦/ ٣٨١ من طريق حماد به.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يلبس\".\n(^٦) تفسير سفيان ص ٨٩، وأخرجه البيهقى ٦/ ٤ من طريق عبيد الله به وفيه: عكرمة، عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٩ (٤٨٢٥) من طريق السدى، عن عكرمة عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"6","page":417},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يقولُ: فمن كان غنيًّا [ممن ولِىَ] (^١) مالَ اليتيمِ فليَسْتَعْفِفْ عن أكلِه (^٢)، ومَن كان فقيرًا [ممن ولِىَ] (١) مالَ اليتيمِ فليَأْكُلْ [بالمعروفِ، يأكُلُ] (^٣) معه بأصابعِه، لا يُسْرِفُ في الأكلِ ولا يَلْبَسُ (^٤).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا حَرَمِيُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شُعْبةُ، عن عُمارةَ، عن عِكْرمةَ في مالِ اليتيمِ: يَدُك مع أيديهم، ولا تَتَّخِذُ منه قَلَنْسُوةً.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ وعطاءٍ، قالا: تَضَعُ يَدَك مع يدِه (^٥).\n[حدَّثنا سعيدُ بن الربيعِ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ وعكرمةَ مثلَه] (^٦).\nوقال آخرون: بل المعروفُ في ذلك أن يَأْكُلَ ما [سَدَّ الجَوْعةَ] (^٧)، ويَلْبَسَ ما وارَى العَوْرةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1738>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا مُغِيرةً، عن إبراهيمَ، قال: إن المعروفَ ليس بلبسِ الكَتّانِ ولا الحُلَلِ، ولكن ما سدَّ الجوعَ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من والى\".\n(^٢) في م، ت ٢، س: \"ماله\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٠ عقب الأثر (٤٨٣١) من طريق عمرو، عن أسباط به.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٨، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٦٦ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٦/ ٣٨٢ عن ابن عيينة به.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يسد جوعه\".","vol":"6","page":418},{"text":"ووارَى العَوْرةَ (^١).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن مُغِيرة، عن إبراهيمَ، قال: كان يقالُ: ليس المعروفُ بلبسِ الكَتّانِ ولا الحُلَلِ، ولكنَّ المعروفَ ما سدَّ الجوعَ ووارَى العَوْرةَ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ نحوَه (^٢).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو مَعْبَدٍ، قال: سُئِلَ مَكْحولٌ عن والى (^٣) اليتيمِ: ما أكْلُه بالمعروفِ إذا كان فقيرًا؟ قال: يدُه مع يدِه. قيل له: فالكِسْوةُ؟ قال: يَلْبَسُ مِن ثيابِه، فأما أن يَتَّخِذَ مِن مالِه مالًا لنفسِه فلا (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا الأشْجَعيُّ، عن سفيانَ، عن مُغِيرة، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: ما سدَّ الجوعَ ووَارَى العورةَ، أما إنه ليس لَبُوسَ الكَتَّانِ والحُلَلِ.\nوقال آخرون: بل ذلك المعروفُ، أكْلُ ثَمَرِه (^٥)، وشُرْبُ رِسْلِ ماشيتِه، بقيامِه على ذلك، فأما الذهبُ والفِضَّةُ فليس له أخذُ شيءٍ منهما إلا على وجهِ القرضِ.\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٦٨ - تفسير) عن هشيم به، وهو في تفسير مجاهد ص ٢٦٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٠ (٤٨٣٢) من طريق مغيرة.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٨٩ - ومن طريقه ابن الجوزى في النواسخ ص ٢٤٩ - وتفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٧، ومن طريقه النحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٢٩٨.\n(^٣) في م: \"ولى\".\n(^٤) سقط من: ت ٢، والأثر ذكره الطوسى في التبيان ٣/ ١١٩ بنحوه، وابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٤٩.\n(^٥) في م: \"تمره\".","vol":"6","page":419},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1739>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، عن القاسمِ بن محمدٍ، قال: جاء رجلٌ إلى ابن عباسٍ، فقال: إن في حجْرِى أموالَ أيتامٍ وهو يَسْتأذِنُه أن يُصِيبَ منها. فقال ابن عباسٍ: ألستَ تَبْغِى ضالَّتَها؟ فقال: بلى. قال: ألستَ تَهْنَأُ (^١) جَرْباها؟ قال: بلى. قال: ألستَ تَلوطُ (^٢) حياضَها؟ قال: بلى. قال: ألستَ تَفْرِطُ (^٣) عليها يومَ وِرْدِها (^٤)؟ قال: بلى. قال: فأَصِبْ مِن رِسْلِها. يعنى: من لبنِها (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن القاسمِ بن محمدٍ، قال: جاء أعرابيٌّ إلى ابن عباسٍ، فقال: إن في حجْرِى أيتامًا، وإن لهم إبلًا، ولى إبلٌ، وأنا أَمْنَحُ (^٦) في (^٧) إبلى [وأفقِرُ] (^٨)، فماذا يحلُّ لى (^٩) مِن ألبانِها؟ قال: إِن كُنْتَ تَبْغِى ضالَّتَها، وتَهْنَأُ جَرباها، وتلوطُ حوضَها، وتَسْعَى (^١٠) عليها، فاشْرَبْ غيرَ مُضِرٍّ بنسلٍ، ولا\n_________\n(^١) في تفسير عبد الرزاق: \"تهنئ\"، وهَنَأ الإبل: طلاها بالهناء، وهو القطران. القاموس المحيط (هـ ن أ).\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تليط\". ولاط الحوض يلوطه ويليطه: أصلحه بالطين. تاج العروس (ل وط).\n(^٣) فرط يفرط، فهو فارط وفرط بالتحريك: إذا تقدم وسبق القوم ليرتاد لهم الماء، ويهيئ لهم الدِّلاء والأرشِية. النهاية ٣/ ٤٣٤.\n(^٤) في م، س: \"ورودها\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق، ١/ ١٤٦، وأخرجه البيهقى ٦/ ٤ من طريق معمر به.\n(^٦) منح الناقة: جعل له وبرها ولبنها وولدها ثم يعيدها. تاج العروس (م ن ح).\n(^٧) في م، ت ٢، س: \"من\".\n(^٨) في م: \"فقراء\"، وفى ت ٢: \"ذا فقر\". وأفقر بعيره: أعاره للركوب. تاج العروس (ف ق ر).\n(^٩) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^١٠) في الأصل، وتفسير عبد الرزاق، والناسخ والمنسوخ: \"تسقى\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، وتفسير سفيان: \"تستقى\". وما في المطبوعة موافق لما في سنن البيهقى والدر المنثور. ويسعى عليها، يعنى يسعى في رعايتها.","vol":"6","page":420},{"text":"ناهكٍ في الحَلْبِ (^١).\nحدَّثني ابن (^٢) المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن أبي العاليةِ في هذه الآيةِ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: مِن فَضْلِ الرُّسُلِ والثَّمَرةِ (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن أبي العاليةِ، في والى مالِ اليتيمِ، قال: يأكلُ مِن رِسْلِ الماشيةِ، ومِن الثَّمَرةِ لقيامِه عليها، ولا يأكلُ مِن المالِ، وقال: ألا تَرَى أنه قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾؟\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا داودُ، عن رُفيعٍ (^٤) أبى العاليةِ، قال: رُخِّصَ لوالى (^٥) اليتيمِ أن يُصِيبَ مِن الرِّسْلِ، ويأكلَ مِن الثمرةِ، فأما الذهبُ والفضةُ فلابد من أن يُرَدَّ. ثم قرَأ: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. ألا ترى أنه لا بدَّ مِن أن يَدْفَعَ؟\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا عوفٌ، عن الحسنِ أنه قال: إنما كانت أموالُهم [إذ ذاك] (^٦) النخلَ والماشيةَ، فرُخِّصَ لهم إذا كان أحدُهم مُحتاجًا أن\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٩١، وتفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٧، وأخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٩٣٤، وسعيد بن منصور في سننه (٥٧١ - تفسير)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٢٩٨، والبغوى في تفسيره ٢/ ١٦٨ من طريق يحيى بن سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ٥/ ٤٢، وأبو حيان في البحر المحيط ٣/ ١٧٣.\n(^٤) بعده في ص، ت ٢: \"عن\".\n(^٥) في م: \"لولى\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أدخال\".","vol":"6","page":421},{"text":"يُصِيبَ مِن الرَّسْلِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ (^٢)، قال: أخبرنا إسماعيلُ بنُ (^٣) سالمٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: إذا كان فقيرًا أكَل مِن الثمرِ، وشَرِبَ مِن اللبنِ، وأصاب مِن الرِّسْلِ (^٤).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: ذُكِرَ لنا أن عمَّ (^٥) ثابتِ بن رِفاعةَ - وثابتٌ يومَئذٍ يتيمٌ في حجْرِه - مِن الأنصارِ أتَى (^٦) نبيَّ الله ﷺ، فقال: يا نبيَّ اللهِ، إن ابنَ أخى (^٧) يتيمٌ في حِجْرِى، فما يحلُّ لى مِن مالِه؟ قال: \"أن تأْكُلَ بالمَعْرُوفِ مِن غيرِ أن تَقِىَ مالَك بمالِه، ولا تَتَّخِذَ مِن مالِه وَفْرًا\". وكان اليتيمُ يكونُ له الحائطُ مِن النخلِ، فيَقُومُ وَليُّه على صلاحِه وسَقْيِه، فيُصِيبُ مِن ثمرتِه، أو تكونُ له الماشيةُ، فيقومُ وَليُّه على صلاحِها، أو يَلِى علاجَها ومؤنتَها، فيُصِيبُ مِن جُزازِها (^٨) وعَوارضِها (^٩) ورِسْلِها، فأما رِقابُ المالِ وأصولُ المالِ، فليس له\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٧٣ - تفسير) من طريق يونس ومنصور، عن الحسن بنحوه.\n(^٢) في الأصل: \"هشام\".\n(^٣) في الأصل: \"عن\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣٨٣ من طريق مغيرة، عن الشعبى بنحوه.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"عمر بن\". وينظر الإصابة ١/ ٣٨٧.\n(^٦) في ت ٢: \"وافى\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢: \"أختى\".\n(^٨) في م: \"جذاؤها\". وفى ت ١: \"حرارها\"، وفى ت ٢: \"جذارها\". والجزاز: صوف النعجة أو الكبش إذا جُزّ فلم يخالطه غيره. تاج العروس (ج ز ز).\n(^٩) العوارض جمع عارض: وهى الناقة المريضة أو الكسير التي أصابها كسر أو آفة. تاج العروس (ع ر ض).","vol":"6","page":422},{"text":"أن يَسْتهلكَه (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعت أبا معاذٍ، يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يعنى: ركوبَ الدابةِ وخدمةَ الخادمِ، فإن أخَذ مِن مالِه قرضًا في غِنًى، فعليه أن يؤدِّيَه، وليس له أن يأكلَ مِن مالِه شيئًا (^٢).\nوقال آخرون منهم: له أن يأكلَ مِن جميعِ المالِ إذا كان يلى ذلك وإن أتَى على المالِ، ولا قضاءَ عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1740>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ صُبَيحٍ، عن أبي أُوَيسٍ (^٣)، عن يحيى بن سعيدٍ ورَبِيعةَ جميعًا، عن القاسمِ بن محمدٍ، قال: سُئِلَ عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ عما يَصْلُحُ لوليِّ اليتيمِ؟ قال: إن كان غنيًّا فليَسْتَعْفِفْ، وإن كان فقيرًا فليَأْكُلْ بالمعروفِ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرنا يحيى بنُ أيوبَ، عن محمدِ بن عَجْلانَ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيه، أن عمرَ بنَ الخطابِ كان يقولُ: يحلُّ لوالى الأمرِ ما يَحِلُّ لوليِّ اليتيمِ؛ مَن كان غنيًّا فليَسْتَعفِفْ، ومَن كان فقيرًا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٢ إلى المصنف وعبد بن حميد. وذكره الحافظ في الإصابة ١/ ٣٨٧، وقال: ورواه ابن منده من طريق عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة. ثم قال: هذا مرسل ورجاله ثقات.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٩ عقب الأثر (٤٨٢٩) معلقًا.\n(^٣) في م: \"إدريس\". وينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٣٤٦.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٦٧، ٨٧١ (٤٨١٨، ٤٨٣٥) من طريق يحيى بن سعيد وربيعة قولهما.","vol":"6","page":423},{"text":"فليَأْكُلْ بالمعروفِ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا الفَضْلُ بنُ عطيةَ، عن عطاءِ بن أبى رباحٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: إذا احتاج فليَأْكُلْ بالمعروفِ، فإن أَيْسَر بعدَ ذلك فلا قضاءَ عليه (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النَّحْويِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا: ذكَر اللهُ مالَ اليتامى، فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: ومعروفُ ذلك أن يتقىَ الله في يتيمِه (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ أنه كان لا يرَى على والى اليتيمِ قضاءً إذا أكَل وهو محتاجٌ (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ (^٢)، عن مغيرةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. في الوصيِّ، قال: لا قضاءَ عليه (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ أنه قال في هذه الآية: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: إذا عَمِل فيه والى اليتيمِ أكَل بالمعروفِ (^١).\n[حدَّثنا حمد بنُ مَسْعدة، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: إذا كان يعملُ فيه أكَلَ] (^٣).\n_________\n(^١) ينظر تفسير القرطبي ٥/ ٤٢.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عن منصور\". وينظر ما تقدم في ١/ ٢٣٢، ٤١٧، ٥٢٠.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":424},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: إذا احتاج أكَل بالمعروفِ مِن المالِ، طُعْمَةً مِن اللهِ [﷿] (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيَينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن الحسنِ العُرَنيِّ (^٢)، قال: قال رجلٌ للنبيِّ ﷺ: إن في حجْرِى يتيمًا، أفأَضْرِبُه؟ قال: \"مما (^٣) كُنْتَ ضَارِبًا منه ولدَك\". قال: فأُصِيبُ مِن مالِه؟ قال: \"بالمعروفِ غيرَ مُتَأثِّلٍ (^٤) مالًا، ولا واقٍ مالَك بمالِه\" (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن الزبيرِ (^٦) بن موسى، عن الحسنِ العُرَنيِّ (٢) مثلَه (^٧).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ أنه قال: يَضَعُ يدَه مع أيديهم، فيَأْكُلُ معهم كقَدرِ (^٨) خدمتِه وقدرِ عملِه (^٩).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: والِى اليتيمِ إذا كان محتاجًا يَأْكُلُ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"له\".\n(^٢) في م: \"البصرى\".\n(^٣) في ص، ت ٢: \"فما\"، وفى م: \"فيما\".\n(^٤) في ت ٢: \"متأثم\". والتأثُّل: اتخاذ أصل مال. وتأثل مالًا: اكتسبه واتخذه وثَمّره. اللسان (أ ث ل).\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٨، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٧٢ - تفسير)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٣٠٠ من طريق ابن عيينة به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣٧٩، والبيهقى ٦/ ٤ من طريق عمرو بن دينار به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) في ت ٢: \"الزهرى\".\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٩.\n(^٨) في ت ١: \"قدر\"، وفى تفسير مجاهد: \"بقدر\".\n(^٩) تفسير مجاهد ص ٢٦٧.","vol":"6","page":425},{"text":"بالمعروفِ لقيامِه [في مالِه] (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، وسألتُه عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾؟ قال: إِن اسْتَغْنَى كفَّ، وإن كان فقيرًا أكَل بالمعروفِ. قال: أكَل بيدِه معهم، لقيامِه على أموالِهم، وحفظِه إياها، يَأْكُلُ مما يأكلون منه. وإن اسْتَغْنَى كفَّ عنه، ولم يَأْكُلْ منه شيئًا (^٢).\n[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: إذا افْتَقَر الوصيُّ، واحْتاجَ ولم يَجِدْ شيئًا، أكَلَ بالمعروفِ] (^٣).\nوأوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: المعروفُ (^٤) الذي عَنَاه اللَّهُ ﷿ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. أكلُ مالِ اليتيمِ عندَ الضرورةِ والحاجةِ إليه على وجهِ الاستقراضِ منه، فأما على غير ذلك الوجهِ فغيرُ جائزٍ له أكلُه (^٥)، وذلك أن الجميعَ مُجْمِعون على أن والىَ (^٦) اليتيمِ لا يَمْلِكُ مِن مالِ يتيمِه إلا القيامَ بمصلحتِه؛ فلما كان إجماعًا منهم (^٧) أنه غيرُ مالكِه، وكان غيرَ جائزٍ لأحدٍ أن يَسْتَهْلِكَ مالَ أحدٍ غيرِه - يتيمًا كان ربُّ المالِ أو مُدْرِكًا رشيدًا - وكان عليه إن تَعَدَّى\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بماله\".\nوالأثر أخرجه البخارى (٢٢١٢، ٢٧٦٥، ٤٥٧٥)، ومسلم (٣٠١٩)، وابن أبي شيبة ٦/ ٣٨٢، والبيهقى ٦/ ٤ طريق هشام بن عروة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤١٩ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) في النسخ: \"بالمعروف\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"أكلها\".\n(^٦) في م، ت ٢، ت ٣، س: \"ولى\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢: \"منه\".","vol":"6","page":426},{"text":"فاسْتَهْلَكَه (^١)، بأكلٍ أو غيرِه، ضمانُه لِمَن اسْتَهْلَكه عليه بإجماعٍ من الجميعٍ، وكان والى اليتيمِ سبيلُه سبيلُ غيرِه في أنه لا يَمْلِكُ مالَ يتيمِه، كان كذلك حُكْمُه فيما يلزمُه مِن قضائِه إذا أكَل منه، سبيلُه سبيلُ غيرِه، وإن فارَقه في أن له الاستقراضَ منه عندَ الحاجةِ إليه، [كما له الاستقراضُ عليه عندَ حاجتِه] (^٢) إلى ما يَسْتَقْرِضُ عليه له (^٣)، إذ كان قَيِّمًا بما فيه مصلحتُه.\nولا معنى لقولِ مَن قال: إنما عَنَى بالمعروفِ في هذا الموضعِ أكلَ والى اليتيمِ مِن مالِ يتيمِه، لقيامِه عليه (^٤) على وجهِ الاعتياضِ على عملِه وسعيِه له؛ لأن لوالى اليتيمِ أن يؤاجرَ نفسَه منه للقيامِ بأمورِه، إذا كان اليتيمُ محتاجًا إلى ذلك، بأجرةٍ معلومةٍ كما يَسْتَأْجِرُ له غيرَه مِن الأُجَراءِ، وكما يَشْتَرِى له مِن نفسِه (^٥)؛ غنيًّا كان الوالى أو فقيرًا.\nوإذ كان ذلك كذلك، وكان اللهُ تعالى ذِكْرُه قد دلَّ بقولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. على أن أكلَ مالِ اليتيمِ إنما أُذِنَ لمن أُذِنَ له مِن وُلاتِه، في حالِ الفقرِ والحاجةِ، وكانت الحالُ التي للوُلاةِ أن يُؤاجِروا أنفسَهم مِن الأيتامِ، مع حاجةِ الأيتامِ إلى الأُجَراءِ، [كلَّ حالٍ] (^٦) غيرَ مخصوصٍ بها حالُ غِنًى ولا حالُ فَقْرٍ - كان معلومًا أن المعنى الذي أُبِيحَ لهم مِن أموالِ أيتامِهم في كلِّ أحوالهِم غيرُ المعنى الذي أُبِيحَ لهم ذلك فيه في حالٍ دونَ حالٍ.\n_________\n(^١) في ت ١: \"فاستملكه\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١.\n(^٣) سقط من: م، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، س.\n(^٥) في م: \"نصيبه\".\n(^٦) سقط من: م، ت ٣، س، وفى ص، ت ٢: \"كان أحوالهم\".","vol":"6","page":427},{"text":"ومَن أبَى ما قلنا ممن زعَم أن لوالى اليتيمِ أكلَ مالِ يتيمِه عندَ حاجتِه إليه على غيرِ وجهِ القرضِ، استدلالًا بهذه الآيةِ، قيل له: أَمُجْمَعٌ على أن الذي قُلْتَ تأويلُ قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾؟ فإن قال: لا. قيل له: فما برهانُك على أن ذلك تأويلُه وقد عَلِمْتَ أنه غيرُ مالكٍ مالَ يتيمِه؟ فإن قال: لأن الله أذِن له بأكلِه. قيل له: أذِنَ له بأكلِه مطلقًا أم بشرطِ؟ فإن قال: بشرطٍ، وهو أن يَأْكُلَه بالمعروفِ. قيل له: فما ذلك المعروفُ وقد عَلِمْتَ القائلين مِن الصحابةِ والتابعين ومَن بعدَهم مِن الخالِفين أن ذلك هو أكلُه قرضًا وسلفًا؟.\nويقالُ لهم أيضا مع ذلك: أرأيتُم المُولَّى عليهم أموالُهم مِن المجانينِ والمعاتيهِ، ألِوُلاةِ أموالِهم أن يأكلوا مِن أموالِهم عندَ حاجتِهم إليه على غيرِ وجه القرضِ ولا الاعتياضِ مِن قيامِهم بها، كما قلتم ذلك في أموالِ اليتامى فأبَحْتُموها لهم؟ فإن قالوا: ذلك لهم. خرجوا مِن قولِ جميعِ الحُجَّةِ. وإن قالوا: ليس ذلك لهم. قيل لهم: فما الفرقُ بينَ أموالِهم وأموالِ اليتامى، وحكمُ وُلاتِهم واحدٌ في أنهم ولاةُ أموالِ غيرِهم؟ فلن يقولوا في أحدِهم شيئًا إلا أُلزِموا في الآخرِ مثلَه.\nويُسألون كذلك عن المحجورِ عليه: هل لمَن يَلِى مالَه أن يَأْكُلَ مالَه عندَ حاجتِه إليه؟ نحو سُؤالِناهُم عن أموالِ المجانينِ والمعاتيهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1741>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يعنى بذلك جل ثناؤُه: وإِذا دَفَعْتُم يا معشرَ وُلاةِ","vol":"6","page":428},{"text":"أموالِ [اليتامى إلى اليتامى أموالَهم، ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: فأشهِدوا على الأيتامِ باستيفائِهم ذلك منكم، ودَفْعِكُموه إليهم.\nكما] (^١) حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: إذا دفَع (^٢) إلى اليتيمِ مالَه، فليَدْفَعْه إليه بالشهودِ كما أمَره اللهُ تعالى (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1742>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكْرُه: وكفَى باللهِ كافيًا مِن الشهودِ الذين يُشْهِدُهم والى اليتيمِ على دَفْعِه مالَ يتيمِه إليه.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾. يقولُ: شهيدًا (^٤).\nيُقالُ منه: قد أَحْسَبنى الذي عندِى. يُرادُ به: كفانى. وسُمِعَ مِن العربِ: لأحْسِبَنَّكم مِن الأَسْوَدَين. يَعْنِى به: مِن الماءِ والتمرِ. والمُحْسِبُ مِن الرجالِ: المُرْتَفِعُ الحَسَبِ. والمُحْسَبُ: المَكْفِيُّ (^٥).\n\n<span id=\"aya-500\"></span><span data-type='title' id=toc-1743>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذِكْرُه: للذكورِ مِن أولادِ الرجلِ الميِّتِ حِصَّةٌ مِن ميراثِه، وللإناثِ منهم حِصَّةٌ منه، مِن قليلِ ما خَلَّف بعدَه وكثيرِه، حِصَّةً مفروضةٌ واجبةٌ، معلومةٌ مؤقتةٌ.\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) في ت ١: \"دفعتم\"، وفى س: \"وقع\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧١ (٤٨٣٨) عن محمد بن سعد به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٢ إلى المصنف.\n(^٥) إلى هنا ينتهى الجزء الحادى عشر من مخطوط جامعة القرويين بفاس، وستجد أرقام المخطوط ت ١ بين معقوفتين فيما سيأتي من النص المحقق.","vol":"6","page":429},{"text":"وذُكِرَ أن هذه الآيةَ نزَلت مِن أجلِ أن أهلَ الجاهليةِ كانوا يُورِّثون (^١) الذكورَ دونَ الإناثِ.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: كانوا لا يُورِّثون النساءَ، فنزَلت: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عِكرمةَ، قال: نزَلت في أمِّ كُجَّةَ (^٣) وابنةِ أُمِّ (^٣) كُجَّةَ (^٤) وثعلبةَ وأوسِ بن ثابتٍ (^٥)، وهم مِن الأنصارِ. كان أحدُهم زوجَها والآخرُ عمَّ ولدِها، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، تُوفِّيَ زوجِى وتَرَكنِى وابنتَه، فلم نُورَّثْ (^٦)! فقال عمُّ ولدِها: يا رسولَ اللهِ، ولدُها (^٧) لا يركبُ فرسًا، ولا يحْمِلُ كلًّا، ولا يَنْكَأُ (^٨) عدوًّا، يُكْسبُ عليها (^٩) ولا تَكْتَسِبُ!\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، س: \"يرزقون\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٩. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٢ (٤٨٤٥) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٢ إلى ابن المنذر.\n(^٣) سقط من: النسخ، والمثبت من الإصابة ٨/ ٢٨٥.\n(^٤) في ص، ت ١: \"كحلة\"، وفى م، وأسباب النزول: \"كحة\". والمثبت من تفسير البغوي والإصابة. قال الحافظ: ومما لم يتقدم من الاختلاف هناك أن الطبرى أخرج من طريق ابن جريج، عن عكرمة، قال: نزلت في أم كجة وبنت أم كجة، وثعلبة وأوس بن ثابت، وهم من الأنصار … وقال أيضًا في ٨/ ٢٨٦: وأما المرأة فلم يختلف في أنها أم كجة، بضم الكاف وتشديد الجيم، إلا ما حكى أبو موسى عن المستغفرى أنه قال فيها: أم كُحْلة بسكون المهملة بعدها لام.\n(^٥) في النسخ: \"سويد\". والمثبت من مصدرى التخريج. وقد اختلف في اسم زوج صاحبة القصة، فذكر ابن الأثير في أسد الغابة ١/ ١٦٦ في ترجمة أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصارى، أن الآية إنما نزلت فيه، وكذا ذكر ذلك الحافظ في الإصابة ١/ ١٤٤، ١٤٥، ثم عاد فذكر في ١/ ١٥٥ في ترجمة أوس بن سويد الأنصارى أن الباوردى ذكره في الصحابة، وساق أثرًا أخرجه الباوردى عن عكرمة أن الآية إنما نزلت في أوس بن سويد هذا.\n(^٦) في ت ١: \"يورث\"، وفى س: \"تورث\".\n(^٧) سقط من م، س. وينظر مصدرى التخريج. وإنما يعنون بولدها بناتها، فكل مولود ولد.\n(^٨) نكأت العدو أنكؤهم لغة في نكيتهم: أي هزمته وغلبته. ينظر اللسان (ن ك أ).\n(^٩) يعنى: يكسب لها.","vol":"6","page":430},{"text":"فنَزَلت: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾. قال: كان النساءُ لا يُوَرَّثْنَ في الجاهليةِ مِن الآباءِ، وكان الكبيرُ يَرِثُ، ولا يَرِثُ الصغيرُ وإن كان ذَكرًا، فقال اللهُ ﵎: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: ونُصِبَ قولُه: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. وهو نعتٌ للنكرةِ، لخروجِه مخرجَ المصدرِ، كقولِ القائلِ: لك عليَّ حقٌّ واجبًا. ولو كان مكانَ قولِه: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ اسمٌ صحيحٌ لم يَجُزْ نَصْبُه، لا يُقالُ: لك عندى حقٌّ درهمًا. فقولُه: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. كقولِه: نصيبًا فريضةً وفرضًا، كما يُقالُ: عندِى درهمٌ هبةً مقبوضةً.\n\n<span id=\"aya-501\"></span><span data-type='title' id=toc-1745>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ذكرُه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في حكمِ هذه الآيةِ، هل هو مُحْكَمٌ أو مَنْسوخٌ؟ فقال بعضُهم: هو مُحْكَمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1744>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن الشيبانيِّ، عن\n_________\n(^١) ذكره الواحدى في أسباب النزول ص ١٠٦، والبغوى في تفسيره. ٢/ ١٦٩. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٢ (٢٨٤٤) من طريق ابن جريج عن ابن عباس مختصرًا.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ٣/ ١٢٠.","vol":"6","page":431},{"text":"عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: مُحكمةٌ وليست منسوخةً. يعنى قولَه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ الآية (^١).\n[حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن الشيبانيِّ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه] (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا [ابن يمانٍ] (^٣)، عن سفيانَ، عن مُغِيرة، عن إبراهيمَ والشعبيِّ، قالا: هي مُحْكَمةٌ.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: واجبٌ ما طَابت به أنفسُ أهلِ الميراثِ (^٤).\nوحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾. قال: هي واجبةٌ على أهلِ الميراثِ، ما طابت به أنفسُهم.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن مُغِيرة، عن إبراهيمَ والشعبيِّ، قالا: هي مُحْكمةٌ، ليست بمنسوخةٍ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ٦/ ٢٦٦ من طريق المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ١٩٦ عن ابن يمان به، وأخرجه البخارى (٤٥٧٦)، والبيهقى ٦/ ٢٦٦، ٢٦٧ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٣ إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"الأشجعى\". وسيأتي من طريق الأشجعى بعد قليل.\n(^٤) تفسير سفيان ص ٨٩ وأخرجه أبو عبيد في الناسخ ص ٣٠، وسعيد بن منصور في سننه (٥٧٧ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٥ (٤٨٦٢)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٣٠٥ من طريق سفيان به.\n(^٥) أخرجه ابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٥٥ من طريق الأشجعى به.","vol":"6","page":432},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عبدِ الرحمنِ، عن سفيانَ، وحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: هي واجبةٌ على أهلِ الميراثِ ما طابت به أنفسُهم (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ أنه سُئِلَ عن قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. فقال سعيدٌ: هذه الآيةُ يَتَهاونُ بها الناسُ. قال: وهما وَليَّانِ: أحدُهما يَرِثُ، والآخرُ لا يَرِثُ، والذي يَرِثُ هو الذي أُمِرَ أن يَرْزُقَهم (^٢) - قال: يُعْطِيهم - قال: والذي لا يَرِثُ هو الذي أُمِرَ أن يقولَ لهم قولًا معروفًا، وهى مُحْكَمةٌ وليست بمنسوخةٍ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا مُغِيرةُ، عن إبراهيمَ بنحوِ ذلك، وقال: هي مُحْكمةٌ، وليست بمنسوخةٍ (^٤).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن مَطَرٍ (^٥)، عن الحسنِ، قال: هي ثابتةٌ، ولكنَّ الناسَ بَخِلوا وشَحُّوا (^٦).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٩.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"يرزقوهم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٤ (٤٨٥٧)، وابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٥٤ من طريق هشيم به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٨٠ - تفسير)، وابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٥٤ من طريق هشيم به.\n(^٥) في النسخ: \"مطرف\". والمثبت من نواسخ القرآن. وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٥١.\n(^٦) أخرجه ابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٥٤ من طريق سعيد به.","vol":"6","page":433},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا مَنْصورٌ، عن (^١) الحسنِ، قال (^٢): هي مُحْكَمةٌ، وليست بمنسوخةٍ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبادُ بنُ العوَّامِ، عن الحجاجِ، عن الحكمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ، قال: هي قائمةٌ يُعْمَلُ بها (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾: ما طابت به الأنفسُ حقًّا واجبًا.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ والزهريِّ، قالا في قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾. قالا (^٥): هي مُحْكمةٌ (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا منصورٌ، عن قتادةَ، عن يحيى بن يَعْمَرَ، قال: ثلاثُ آياتٍ مُحْكماتٍ مدنياتٍ ترَكهن الناسُ: هذه الآيةُ، وآيةُ الاسْتِئذانِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٥٨]. وهذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (^٧) [الحجرات: ١٣].\n_________\n(^١) في النسخ: \"و\". والمثبت من سنن سعيد. وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٩٥.\n(^٢) في م: \"قالا\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٨٠ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ١٩١ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٣ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) في النسخ: \"قال\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٤٩، وابن أبي شيبة ١١/ ١٩٤، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٣٠٥، وابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٥٥ من طريق معمر به.\n(^٧) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٧٨ - تفسير) عن هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٣ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"6","page":434},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: هي ثابتةٌ.\nوقال آخرون: منسوخةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1746>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ ومحمدُ بنُ المُثنى، قالا: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾. قال: كانت هذه الآيةُ قِسمةً قبلَ المواريثِ، فلما أنزَل اللهُ المواريثَ لأهلِها جُعِلَتِ الوصيةُ لذَوِى القَرابةِ الذين يَحزنون ولا يَرِثون.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ، عن قتادةَ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ المُسَيَّبِ عن هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾. قال: هي منسوخةٌ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: كانت هذه قبلَ الفرائضِ وقِسمةِ الميراثِ (^١)، فلما كانت الفرائضُ والمواريثُ نُسِخَتْ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: نَسَختها آيةُ الميراثِ (^٣).\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س: \"المواريث\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٤٩، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص ٣١، ٣٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٦ (٤٨٦٥)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٣٠٢، والبيهقى ٦/ ٢٦٧، وابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٥٧، من طريق قتادة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٣ إلى أبى داود في ناسخه وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ١٩٦، وابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٥٧ من طريق ابن يمان به.","vol":"6","page":435},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنا عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ الآية إلى قولِه: ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: وذلك قبلَ أن تَنْزِلَ الفرائضُ، فأنزل اللهُ ﵎ بعدَ ذلك الفرائضَ، فأعْطَى كلَّ ذى حقٍّ حقَّه، فجُعِلت الصدقةُ فيما سمَّى المُتوفَّى (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا جُوبيرٌ، عن الضحّاكِ، قال: نسَختها المواريثُ (^٢).\nوقال آخرون: هي محكمةٌ وليست بمنسوخةٍ، غيرَ أن معنى ذلك: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ يَعْنِى بها قِسْمَةَ المَيِّتِ مالَه بوصيتِه لمَن كان يُوصِى له به. قالوا: وأُمِرَ بأن يَجْعَلَ وصيتَه في مالِه لمَن سمَّاه اللهُ تعالى في هذه الآيةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1747>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا [سعيدُ بنُ يحيى] (^٣) الأُمَوِيُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن ابن جُرَيجٍ، عن ابن أبى مُلَيكةَ، عن القاسمِ بن محمدٍ أن عبدَ اللهِ بنَ عبدِ الرحمنِ قسَم ميراثَ أبيه وعائشةُ حيةٌ، فلم يَدَعْ في الدارِ أحدًا إلا أعطاه، وتلا هذه الآيةَ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٣ (٤٨٥٠)، وابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٥٦ من طريق محمد بن سعد به.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٨٢ - تفسير) عن هشيم به، وأخرجه ابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٥٧ بإسناده إلى الضحاك.\n(^٣) في م، ت ١: \"يحيى بن سعيد\". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ١٠٤.","vol":"6","page":436},{"text":"الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾. قال القاسمُ: فذَكَرتُ ذلك لابنِ عباسٍ، فقال: ما أصاب، إنما هذه الوصيةُ، يريدُ المَيِّتَ أن يُوصِىَ لقرابتِه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن جُريجٍ، قال: أخبرني ابن أبى مُليكةَ، أن القاسمَ بنَ محمدٍ أخبره أن عبدَ اللهِ بنَ عبدِ الرحمنِ بن أبي بكرٍ قسَم، فذكَر نحوَه (^١).\nحدَّثنا عِمرانُ بنُ موسى القَزّازُ (^٢)، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ في قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾. قال: أُمِرَ أن يُوصِىَ بثُلُثِه في قرابتِه (^٣).\nحدَّثنا [ابن المثنَّى] (^٤)، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بن المُسيبِ، قال: إنما ذلك عندَ الوصيةِ في ثُلُثِه (٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بن المُسيبِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾. قال: هي الوصيةُ مِن الناسِ (٣).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾. قال: القسمةُ الوصيةُ، كان الرجلُ إذا أَوْصَى قالوا: فلانٌ يَقْسِمُ مالَه. فقال: ارْزُقوهم منه. يقولُ: أَوْصُوا لهم. يقولُ للذى\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٥ (٤٨٦٣) عن الحسن بن يحيى به، وأخرجه البيهقى ٦/ ٢٧٦ من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٣ إلى عبد بن حميد وأبى داود في ناسخه.\n(^٢) في النسخ: \"الصفار\". ولم نجد هذا اللقب إلا في هذا الموضع من التفسير، وتقدم كما أثبتناه في ٣/ ١٧٥، وكذا سيأتي في ٥/ ١١٧، ٥/ ٢٥٥، وكذا روى عنه المصنف في تاريخه ١/ ١٣٤. وينظر الكمال ٢٢/ ٣٦٠.\n(^٣) ينظر التبيان ٣/ ١٢٣.\n(^٤) في النسخ: \"ابن المبارك\". وظاهر أن ابن المبارك ليس شيخ المصنف، وأثبتاه كما تقدم في ٣/ ١٩٠.","vol":"6","page":437},{"text":"يُوصِى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. إن لم تُوصُوا لهم، فقولوا لهم خيرًا (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وأوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ قولُ مَن قال: هذه الآيةُ مُحكَمةٌ غيرُ منسوخةٍ، وإنما عنَى بها الوصيةَ لأُولِى قُرْبَى المُوصِى، وعنى باليتامى والمساكينِ أن يُقالَ لهم قولٌ معروفٌ.\nوإنما قلنا: ذلك أولى بالصحةِ مِن غيرِه؛ لما قد بينَّا في غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا وغيرِه (^٢) أن شيئًا مِن أحكامِ اللهِ ﵎ التي أثْبَتها في كتابِه، أو بَيَّنها على لسانِ رسولِه ﷺ، غيرُ جائزٍ فيه أن يُقالَ له: ناسخٌ لحكمٍ آخرَ. أو: منسوخٌ لحكمٍ آخرَ. إلا والحُكمان اللذان قُضِىَ لأحدِهما بأنه ناسخٌ والآخرُ بأنه منسوخٌ، نافٍ كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه، غيرُ جائزٍ اجتماعُ الحُكْمِ بهما في وقتٍ واحدٍ، بوجهٍ مِن الوجوهِ، وإن كان جائزًا صرفُه إلى غيرِ النسخِ، أو يقومَ بأن أحدَهما ناسخٌ والآخرَ منسوخٌ (^٣) - حجةٌ يجِبُ التسليمُ لها.\nوإذ كان ذلك كذلك؛ لما قد دلَّلنا في غيرِ موضعٍ - وكان قولُه تعالى ذِكْرُه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾. مُحْتمِلًا أن يكونَ مرادًا به: وإذا حضَر قسمةَ مالِ قاسمٍ مالَه بوصيةٍ، أولو قرابتِه واليتامى والمساكينُ، فارزقوهم منه. يُرادُ به (^٤): فأَوْصوا لأُولِى قرابتِكم الذين لا يرِثونكم منه، وقولوا لليتامى والمساكينِ قولًا معروفًا. كما قال في موضعٍ آخرَ: ﴿كُتِبَ\n_________\n(^١) ذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٣٠٤.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٣٨٨ - ٣٩٠، ٤٠١، ٤٠٢، ٤٥٧، ٤٥٨، ٤/ ٥٥٣، ٥٥٤، ٥/ ٧٩، ٨٠، ١٤٢، ١٤٣، ١٤٤.\n(^٣) سقط من ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١.","vol":"6","page":438},{"text":"عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. ولا يكونُ منسوخًا بآيةِ الميراثِ - لم يَكُنْ لأحدٍ صرفُه إلى أنه منسوخٌ بآيةِ الميراثِ، إذ كان لا دَلالةَ على أنه منسوخٌ بها مِن كتابٍ أو سنةٍ ثابتةٍ، وهو مُحْتَمِلٌ مِن التأويلِ ما بَيَّنا.\nوإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾. قِسْمةَ الموصِى مالَه بالوصيةِ أولو قرابتِه واليتامى والمساكينُ، ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾. يقول: فاقسِموا لهم منه بالوصيةِ. يعنى: فأَوْصوا لأُولِى القُرْبَى مِن أموالِكم، ﴿وَقُولُوا لَهُمْ﴾. يعنى الآخرين، وهم اليتامى والمساكينُ، ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. يعنى: يُدْعَى لهم بخيرٍ، كما قال ابن عباسٍ وسائرُ مَن ذكَرنا قولَه قبلُ.\nوأما الذين قالوا: إن الآيةَ منسوخةٌ بآيةِ المواريثِ. والذين قالوا: هي مُحْكمةٌ، والمأمورُ بها ورثةُ المَيِّتِ. فإنهم وَجَّهوا قولَه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾. [يقولُ: فأعطوهم منه] (^١) وقولوا لهم قولًا معروفًا. وقد ذكَرنا بعضَ مَن قال ذلك، وسنذكُرُ بقيةَ مَن قال ذلك ممن لم نَذْكُرْه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾: أمَر اللهُ جل ثناؤه المؤمنين عندَ قسمةِ مواريثِهم أن يَصِلوا أرحامَهم ويتاماهم مِن الوصيةِ إن كان أَوْصَى، وإن لم تَكُنْ وصيةٌ، وصَل إليهم مِن\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"6","page":439},{"text":"مواريثِهم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾. الآية. يعنى: عندَ قسمةِ الميراثِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن هشامِ بنِ عروةَ، أن أباه أعطاه مِن ميراثِ المُصْعَبِ حينَ قسَم مالَه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا عوفٌ، عن ابن سيرينَ، قال: كانوا يَرْضَخُون لهم عندَ القِسْمةِ (^٣).\nحدَّثنا بِشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن مطرٍ، عن الحسنِ، عن حِطَّانَ، أن أبا موسى أمَر أن يُعْطَوا إذا حضَر قِسْمةَ الميراثِ أولو القُرْبَى واليتامى والمساكينُ والجيرانُ مِن الفقراءِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وابنُ أبى عديٍّ ومحمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن قتادةَ، عن يونسَ بن جُبَيرٍ، عن حِطَّانَ بن عبدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ، قال: قسَم أبو موسى بهذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٣،٨٧٤ (٤٨٥٢، ٤٨٥٤، ٤٨٥٥)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٣٠٣ من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٩، وأخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ١٩٥ من طريق هشام بن عروة بنحوه به.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في (٥٨١ - تفسير) عن هشيم به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ١٩٤، وابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٥٤ من طريق ابن سيرين بنحوه.\n(^٤) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص ٣٠ عن يحيى بن سعيد به، وابن أبي شيبة ١١/ ١٩٤، =","vol":"6","page":440},{"text":"حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدٌ ويحيى بنُ سعيدٍ، عن شُعْبةَ، عن قتادةَ، عن يونسَ بن جُبَيرٍ، عن حِطَّانَ، عن أبي موسى في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ الآية. قال: قضَى بها أبو موسى.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرة، عن العلاءِ بن بَدْرٍ في الميراثِ إذا قُسِم، قال: كانوا يُعْطُون منه التابوتَ والشئَ الذي يُسْتَحيا مِن قِسْمتِه (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن الحسنِ وسعيدِ بن جبيرٍ، كانا يقولان: ذاك عندَ قسمةِ الميراثِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن أبي العاليةِ والحسنِ، قالا: يَرْضَخون ويقولون قولًا معروفًا. في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ (^٣).\nثم اخْتَلف الذين قالوا: هذه الآيةُ مُحْكَمةٌ، وإن القسمةَ لأولِى القُرْبَى واليتامى والمساكينِ واجبةٌ على أهل الميراثِ، إن كان بعضُ أهلِ الميراثِ صغيرًا فقسَم عليه الميراثَ وليُّ مالِه؛ فقال بعضُهم: ليس لوليِّ مالِه أن يَقْسِمَ مِن مالِه\n_________\n= ١٩٥ عن غندر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٥ (٤٨٦١) من طريق شعبة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"قسمه\". والأثر ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ١٧٠ عن الحسن بنحوه.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٣ عقب الأثر (٤٨٥٠) معلقًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ١٩٤ عن يحيى بن يمان به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٣ (٤٨٥٣) من طريق عاصم به بنحوه.","vol":"6","page":441},{"text":"ووصيتِه (^١) شيئًا؛ لأنه لا يَمْلِكُ مِن المالِ شيئًا، ولكنه يقولُ لهم قولًا معروفًا. قالوا: والذي أمَره اللهُ بأن يقولَ لهم قولًا (^٢) معروفًا، هو وليُّ مالِ اليتيمِ إذا قسَم مالَ اليتيمِ بينَه وبينَ شُرَكاءِ اليتيمِ، إلا أن يكونَ وليُّ مالِه أحدَ الورثةِ، فيُعْطِيَهم مِن نصيبِه، ويُعْطِيَهم مَن يجوزُ أمرُه في مالِه مِن أنصبائِهم. قالوا: فأما مِن مالِ الصغيرِ [الذي يُوَلَّى على] (^٣) مالِه، فلا يجوزُ لوليِّ مالِه أن يُعْطِيهَم منه شيئًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1748>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن أبى سعيدٍ، قال: سألت سعيدَ بنَ جُبَيرٍ عن هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾. قال: إن كان المَيِّتُ أَوْصَى لهم بشيءٍ أُنْفِذَتْ لهم وَصيتُهم، وإن كان (^٤) الورثةُ كبارًا رَضَخُوا لهم، وإن كانوا صغارًا، قال وليُّهم: إنى لست أمْلِكُ هذا المالَ، وليس لى، وإنما هو للصغارِ، فذلك قولُه: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (^٥).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال: هما وَليَّان: وليُّ يَرِثُ، ووليٌّ لا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نصيبه\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٣: \"فالذى يولى عليه\"، وفى ت ٢: \"فالذى تولى عليه\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كانوا\".\n(^٥) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص ٢٧، ٢٨ عن عبد الرحمن به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ١٩٥، ١٩٦ من طريق الثورى به.","vol":"6","page":442},{"text":"يَرِثُ، فأما الذي يَرِثُ فيُعْطَى، وأما الذي لا يَرِثُ، فقولوا له قولًا معروفًا (^١).\nحدَّثني ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنى داودُ (^٢)، عن الحسنِ وسعيدِ بن جبيرٍ، كانا يقولان: ذلك عندَ قِسمةِ الميراثِ؛ إن كان الميراثُ لمَن قد أدرَك، فله أن يكسُوَ منه، وأن يُطْعِمَ الفقراءَ والمساكينَ، وإن كان الميراثُ ليتامى صغارٍ، فيقولُ الوليُّ: إنه لِيتامى صغارٍ. ويقولُ لهم قولًا معروفًا (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي سعيدٍ (^٤)، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: إن كانوا كبارًا رَضَخُوا، وإن كانوا صغارًا اعْتَذَروا إليهم.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن سليمانَ الشيبانيِّ، عن عِكْرمةَ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾. قال: كان ابن عباسٍ يقولُ: إذا وَلِىَ شيئًا مِن ذلك يَرْضَخُ لأقرباءِ الميتِ، وإن لم يَفْعَلْ اعْتَذَر إليهم، وقال لهم قولًا معروفًا (^٥).\nحدَّثنا محمدُ (^٦) بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. هذه تكونُ على ثلاثةِ أوجهٍ: أمَّا وجهٌ (^٧) فيُوصِى لهم وصيةً،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤٣٣.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ابن داود\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٤٤١.\n(^٤) في ص: \"سعد\". وهو أبو سعد الأزدى، قارئ الأزد، ويقال: أبو سعيد. وأثبتناه هكذا ليوافق ما تقدم في الصفحة السابقة.\n(^٥) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٠٢، ٣٠٣، والبيهقى ٦/ ٢٦٦، ٢٦٧، وابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٥٣، ٢٥٤ من طريق سليمان الشيبانى به.\n(^٦) في النسخ: \"أحمد\".\n(^٧) في م: \"الأول\".","vol":"6","page":443},{"text":"فيَحْضُرون ويأخذون وَصِيتَهم. وأما الثاني: فإنهم يَحْضُرون فيَقْتَسِمون إذا كانوا رجالًا، فيَنْبغِى لهم أن يُعطوهم. وأما الثالثُ: فتكونُ الورثةُ صغارًا، فيقومُ وَلِيُّهم إذا قسَم بينَهم، فيقولُ للذين حضروا: حَقُّكم حقٌّ، وقرابتُكم قرابةٌ، ولو كان لى في الميراثِ نصيبٌ لأعْطَيتُكم، ولكنهم (^١) صِغارٌ، فإِن [يَكْبَروا فسيعرِفون] (^٢) حَقَّكم. فهذا القولُ المعروفُ (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن رجلٍ، عن سعيدٍ أنه قال: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال: إذا كان الوارثُ عندَ القسمةِ، فكان الإناءُ والشئُ الذي لا يُستطاعُ أن يُقْسَمَ، فليَرْضَخْ لهم، وإن كان الميراثُ لليتامى، فلْيقلْ لهم قولا معروفًا.\nوقال آخرون منهم: ذلك واجبٌ في أموالِ الصغارِ والكبارِ لأُولِى القُربى واليتامى والمساكينِ، فإن كان الورثةُ كِبارًا تَوَلَّوا عندَ القِسمةِ إعطاءَهم ذلك، وإن كانوا صِغارًا تَولَّى إعطاءَ ذلك منهم وليُّ مالِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1749>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن يونسَ في قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾. فحدَّث عن محمدٍ، عن عَبِيدةَ أنه وَلِىَ وصيةً، فأمَر بشاةٍ فذُبِحت، وصنَع طعامًا لأهلِ (^٤) هذه\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لكنكم\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تكبروا فستعرفون\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٣ (٤٨٥١) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٤) في م: \"لأجل\". وينظر تفسير البغوي ٢/ ١٧٠.","vol":"6","page":444},{"text":"الآيةِ، وقال: لولا هذه الآيةُ لكان هذا مِن مالى.\nقال (^١): وقال الحسنُ: لم تُنْسَخْ، كانوا يَحْضُرون فيُعْطُون الشئَ والثوبَ الخَلِقَ.\nقال يونسُ: إن محمدَ بنَ سيرينَ وَلِىَ وصيةً - أو قال: أيتامًا - فأمر بشاةٍ فذُبِحت، فصنَع طعامًا كما صنَع عَبِيدةُ (^٢).\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرنا هشامُ بنُ حسانَ، عن محمدٍ، أن عَبِيدةَ قسَم ميراثَ أيتامٍ، فأمر بشاةٍ فاشْتُريت مِن مالِهم، وبطعامٍ فصُنِعَ، وقال: لولا هذه الآيةُ لأحببتُ أن يكونَ مِن مالى. ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ الآية (^٣).\nفكأن مَن ذهَب مِن القائلين القولَ الذي ذكَرناه عن ابن عباسٍ وسعيدِ بن جبيرٍ، ومَن قال: يَرْضَخُ عندَ قِسْمةِ الميراثِ لأُولِى القُرْبَى واليتامى والمساكينِ.\nتَأوَّل قولَه: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾: فأَعْطُوهم منه. وكأن الذين ذهَبوا إلى ما قال عَبِيدةُ وابنُ سيرينَ تأوَّلوا قولَه: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾: فأَطْعموهم منه.\nواخْتَلفوا في تأويلِ قولِه: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾؛ فقال بعضُهم: هو أمرٌ مِن اللهِ تعالى ذِكْرُه ولاةَ اليتامى أن يقولوا لأولِى قرابتِهم ولليتامى والمساكينِ إذا حَضَروا قِسْمَتَهم مالَ مَن وَلُوا عليه مالَه مِن الأموالِ بينَهم وبينَ شركائِهم مِن الورثةِ\n_________\n(^١) أي: يونس.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٤ (٤٨٥٦،٤٨٥٩) من طريق ابن علية به، ليس فيه أثر ابن سيرين. وأخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ١٩٣ من طريق ابن سيرين به.\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٢٨ من طريق هشام به.","vol":"6","page":445},{"text":"فيها، أن يَعْتذِروا إليهم، على نحو ما قد ذكرناه فيما مضَى مِن (^١) الاعتذارِ.\nكما حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: ثنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال: هو الذي لا يَرثُ، أُمِرَ أن يقولَ لهم قولًا معروفًا. قال: يقولُ: إن هذا المالَ لقومٍ غَيَبٍ، أو ليتامى صغارٍ، ولكم فيه حقٌّ، ولسنا نَمْلِكُ أن نُعْطِيَكم منه شيئًا. قال: فهذا القولُ المعروفُ.\nوقال آخرون: بل المأمورُ بالقولِ المعروفِ الذي أمَر جل ثناؤُه أن يُقالَ له، هو الرجلُ الذي يُوصِى في مالِه، والقولُ المعروفُ هو الدعاءُ لهم بالرزقِ والغِنَى وما أَشْبَهَ ذلك مِن قولِ الخيرِ. وقد ذكَرنا قائلى ذلك أيضًا فيما مضَى (^٢).\n\n<span id=\"aya-502\"></span><span data-type='title' id=toc-1751>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: ﴿وَلْيَخْشَ﴾: ليَخَفِ الذين يَحضُرون موصيًا يُوصِى في مالِه أن يَأْمُرَه بتفريقِ مالِه وصيةً به في من لا يَرِثُه، ولكن ليَأْمُرُه أَن يُبْقِىَ مالَه لولدِه، كما لو كان هو الموصِيَ، يَسُرُّه أَن يحثَّه مَن يحضُرُه على حفظِ مالِه لولده، وألا يَدَعَهم عالةً مع ضعفهم وعجزِهم عن التصرفِ والاحتيالِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1750>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بما أغنى عن إعادته\".","vol":"6","page":446},{"text":"ابن صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخرِ الآية: فهذا في الرجل يحضُرُه الموتُ، فيسمَعُه يُوصِى بوصيةٍ تضرُّ بورثتِه، فأمَر اللَّهِ سبحانَه الذي يسمَعُه أن يتقىَ اللَّهَ ويُوفِّقَه ويُسَدِّدَه للصوابِ، وليَنْظُرْ لورثتِه كما كان يُحِبُّ أن يصنَعَ لورثتِه إذا خَشِيَ عليهم الضَّيْعةَ (^١).\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾: يعنى الذي يَحْضُرُه الموتُ، فيقال له: تَصَدَّقْ مِن مالِك، وأَعْتِقْ وأَعْطِ منه في سبيلِ اللَّهِ. فنُهوا أن يَأْمُروه بذلك، يعنى أن مَن حضَر منكم مريضًا عندَ الموتِ، فلا يَأْمُرُه أَن يُنْفِقَ مالَه في العتقِ، أو الصدقةِ، أو في سبيلِ اللَّهِ، ولكن يَأْمُرُه أن يُبَيِّنَ مالَه وما عليه مِن دَيْنٍ، ويُوصِيَ في مالِه لذَوِى قرابتِه الذين لا يَرِثون، ويُوصِيَ لهم بالخُمُسِ أو الرُّبُعِ، يقولُ: أليس يَكْرَهُ (^٢) أحدُكم إذا مات وله وَلَدٌ ضعافٌ - يعنى: صغارٌ - أن يَتْرُكَهم بغيرِ مالٍ، فيكونوا عِيالًا على الناسِ، فلا يَنبَغِى أن تَأْمُروه بما لا تَرْضَوْن به لأنفسِكم ولا أولادِكم، ولكن قولوا الحَقَّ مِن ذلك (^٣).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير ٣/ ٨٧٧ (٤٨٧٤)، والبيهقي ٦/ ٢٧١ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٣ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٦، ٨٧٧ (٤٨٦٩)، والبيهقي ٦/ ٢٧٠، ٢٧١ من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"6","page":447},{"text":"﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾. قال: يقولُ: مَن حضَر ميِّتًا فَلْيَأْمُرْه بالعدلِ والإحسانِ، وَليَنْهَه عن الحَيْفِ والجَورِ في وصيَّتِهِ، وَلْيَخْشَ على عِيالِه ما كان خائفًا على عيالِه لو نزَل به الموتُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾. قال: إذا حضَرتَ وصيةَ ميِّتٍ، فمُرْه بما كنتَ آمِرًا نفسَك بما تَتَقَرَّبُ به إلى اللَّهِ، وخَفْ في ذلك ما كنتَ خائفًا على ضَعَفةٍ (^١) لو تركتَهم بعدَك. يقول: فاتَّقِ اللَّهِ وقل قولًا سديدًا إن هو زاغ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا: ثنا أسباطُ، عن السُدِّيِّ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾: الرجلُ يحضُرُه الموتُ، فيحضُرُه القومُ عندَ الوصيَّةِ، فلا ينبغى لهم أن يقولوا له: أوص بمالِك كلِّه، وقدِّمْ لنفسِك، فإن اللَّهَ سيرزقُ عيالَك. ولا يترُكوه يُوصِي بمالِه كلِّه، يقولُ للذين حضَروا: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾. فيقولُ: كما يخافُ أحدُكم على عيالِه لو مات - إنْ يَتْركْهم صِغارًا ضعافًا، لا شيءَ لهم - الضيعةَ بعدَه، فَلْيَخَفْ ذلك على عيالِ أخيه المسلمِ، فيقولَ له القولَ السديدَ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ،\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"ضعفتك\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٠.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ٥/ ٥١، ٥٢.","vol":"6","page":448},{"text":"قال: ذهَبتُ أنا والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ (^١) إلى سعيدِ بن جُبيرٍ، فسألناه عن قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ الآية. قال: قال: الرجلُ يَحْضُرُه الموتُ، فيقولُ له مَن يَحْضُرُه: اتَّقِ اللَّهَ، صِلْهم، أَعْطِهم، بِرَّهم. ولو كانوا هم الذين يأمُرُهم بالوصيَّةِ، لأحَبُّوا أن يُبْقُوا لأولادِهم (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾. قال: يَحْضُرُهم اليتامى فيقولون: اتقِ اللَّهِ وصِلْهم وأَعْطِهم. فلو كانوا هم لأَحَبُّوا أن يُبْقوا لأولادِهم (^٣).\nحدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبرَنا يزيدُ، قال: أخبرَنا جُويبرٌ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ الآية. يقولُ: إذا حضَر أحدُكم مَن حضَره الموتُ عندَ وصيَّتِه، فلا يقلُ: أَعْتِقْ مِن مالِك، وتَصَدَّقْ. فيُفَرِّقَ مالَه، ويَدَعَ أهلَه عُيَّلًا، ولكن مُرُوه فَلْيَكْتُبُ مَا لَهُ مِن دَينٍ وما عليه، ويجعَلْ مِن مالِه لذَوِي قرابته خُمُسَ مالِه، ويَدَعْ سائرَه لورثتِه (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية. قال: هذا يُفَرِّقُ المالَ حين يُقَسِّمُ، فيقولُ الذين يَحْضُرون: أقللتَ، زِدْ فلانًا. فيقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾.\n_________\n(^١) في النسخ: \"عيينة\". وتقدم في ٤/ ٥٣، ١٥٥، ٢٥٥.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٨٩، ٩٠.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٠.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ٥/ ٥٢.","vol":"6","page":449},{"text":"فَلْيَخْشَ أولئك، وليقولوا فيهم مثلَ ما يُحِبُّ أحدهم أن يقالَ في ولدِه بالعدلِ إذا أكْثَر: أبقِ على ولدِك (^١).\nوقال آخَرون: بل معنى ذلك: وَلْيَخْشَ الذين يَحْضُرون المُوصِىَ وهو يُوصِى - - الذين لو ترَكوا مِن خلفِهم ذُرِّيَّةٌ ضعافًا، فخافوا عليهم الضيعةَ مِن ضعفِهم وطفولتِهم - أن يَنْهَوْه عن الوصيةِ لأقربائِه، وأن يَأْمُروه بإمساكِ مالِه، والتحفُّظِ به لولدِه، وهم لو كانوا مِن أقرباءِ المُوصِى، لسرَّهم أن يُوصِيَ لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1752>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، قال: ذهبتُ أنا والحكمُ بنُ عُتَيْبَةَ (^٢)، فأتيْنا مِقْسَمًا، فسألناه - يعنى عن قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ الآية - فقال: ما قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ؟ فقلنا: كذا وكذا. فقال: ولكنه الرجلُ يَحْضُرُه الموتُ، فيقولُ له مَن يَحْضُرُه: اتق اللَّهِ وأَمْسِكْ عليك مالَك، فليس أحدٌ أحقَّ بمالِك مِن ولدِك. ولو كان الذي يُوصِى ذا قرابةٍ لهم، لأحَبُّوا أن يُوصِىَ لهم (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، قال: قال مِقْسَمٌ: هم الذين يقولون: اتقِ اللَّهَ وأَمْسِكْ عليك مالَك. فلو كان ذا قرابةٍ لهم لأَحبُّوا أن يُوصِيَ لهم (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٦٨، والبيهقي ٦/ ٢٧١، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٨٤ - تفسير) من طريق أبي إسحاق عن مجاهد به.\n(^٢) في النسخ: \"عيينة\".\n(^٣) تفسير سفيان ص ٨٩، ٩٠.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٠.","vol":"6","page":450},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بن سليمانَ، عن أبيه، قال: زعم حَضْرَميٌّ، وقرَأ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾. قال: قالوا: حَقيقٌ أن يأمُرَ صاحبَ الوصيةِ بالوصيةِ لأهلِها، كما أن لو كانت ذُرِّيَّةُ نفسِه بتلك المنزلةِ، لأحبَّ أن يُوصِىَ لهم، وإن كان هو الوارثَ، فلا يَمْنَعْه ذلك أن يَأْمُرَه بالذي يَحِقُّ عليه، فإنَّ وَلَدَه لو كانوا بتلك المنزلةِ أحبَّ أن يُحَثَّ عليه، فَلْيَتَّقِ هو، [فَلْيَأْمُرْه] (^١) بالوصيَّةِ وإن كان هو الوارثَ. أو نحوًا من ذلك (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أمرٌ مِن اللَّهِ ولاةَ اليتامى أن يَلُوهم بالإحسانِ إليهم في أنفسِهم وأموالِهم، ولا يأكُلوا أموالَهم إسرافًا وبِدارًا أن يَكْبَروا، وأن يكونوا لهم كما يُحِبُّون أن يكونَ وَلاهُ وَلَدِه الصغارِ بعدَهم لهم بالإحسانِ إليهم، لو كانوا هم الذين ماتوا وترَكوا أولادَهم يتامى صغارًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1753>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾: يعنى بذلك الرجلَ يموتُ وله أولاد صغار ضعاف، يخافُ عليهم العَيْلةَ والضَّيعةَ، ويخافُ بعده ألا يُحْسِنَ إليهم مَن يَليهم، يقولُ: فإِن وَلِى مثل ذُرِّيَّتِه ضعافًا يتامى، فَلْيُحْسِن إليهم، ولا يأكلْ أموالهم إسرافًا وبدارًا خشيةَ أن يَكْبَروا، فَلْيَتَّقوا اللَّهَ وَلْيَقُولوا قولًا سديدًا (^٣).\n_________\n(^١) في ص: \"قلت أمره\".\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ٥/ ٥٢ بنحوه.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٤ إلى المصنف، وذكره ابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٥٩.","vol":"6","page":451},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾: يَكْفِهم اللَّهُ أمرَ ذُرِّيتهم بعدَهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1754>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا إبراهيمُ بنُ عطيةَ بن رُدَيحِ (^١) بن عطيةَ، قال: ثني عمى محمدُ بنُ رُدَيحٍ (^١)، عن أبيه، عن السَّيْبانيِّ (^٢)، قال: كنا بالقُسْطَنْطِينِيَّةِ أَيامَ مَسْلَمَةَ بن عبدِ الملكِ، وفينا ابن مُحَيْرِيزٍ وابنُ الدَّيْلَميِّ وهانئُ بنُ كُلْثُومٍ، قال: فجَعَلْنَا نَتَذَاكَرُ ما يكونُ في آخرِ الزمانِ، قال: فضِقْتُ ذَرْعًا بما سمِعتُ. قال: فقلتُ لابنِ الدَّيْلَميِّ: يا أبا بشرٍ، بودِّى أنه لا يُولَدُ لى ولدٌ أبدًا. قال: فضرَب بيده على مَنْكِبي، وقال: يابنَ أخى لا تَفْعَلْ، فإنه ليست مِن نَسَمَةٍ كتَب اللَّهِ لها أن تَخْرُجَ مِن صُلْبِ رجلٍ إلا وهى خارجةٌ، إن شاء وإن أبَى. قال: ألا أَدُلُّك على أمرٍ إن أنت أدْرَكته نجَّاك اللَّهُ منه، وإن ترَكتَ ولدَك مِن بعدِك حفِظهم اللَّهُ فيك؟ قال: قلتُ: بلى. قال: فتلا عندَ ذلك هذه الآيةَ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى التأويلاتِ بالآيةِ قولُ مَن قال: تأويلُ ذلك: وَلْيَخْشَ الذين لو ترَكوا مِن خلفِهم ذريةً ضعافًا خافوا عليهم العَيْلَةَ، لو كانوا فرَّقوا أموالَهم في حياتِهم، أو قَسَّموها وصيةً منهم بها لأُولى قرابتِهم وأهلِ اليُتمِ والمسكنةِ، فأَبْقَوْا أموالَهم لولدِهم؛ خشيةَ العَيْلةِ عليهم بعدَهم، معَ ضعفِهم وعجزِهم عن المطالبِ، فَلْيَأْمُرُوا مَن حضَروه وهو يُوصِى لذَوِى قرابتِه، وفي اليتامى والمساكينِ، وفي غيرِ\n_________\n(^١) في م: \"دريج\"، وفى ت ١، ت: \"دويج\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ١٧٥.\n(^٢) في م: \"الشيباني\". والسيبانى هو يحيى بن أبي عمرو. وينظر الأنساب ٣/ ٣٥٤.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٤ إلى المصنف.","vol":"6","page":452},{"text":"ذلك - بمالِه بالعدل، وَلْيَتَّقوا اللَّهَ وليقولوا قولًا سديدًا، وهو أن يُعَرِّفوه ما أباح اللَّهُ له مِن الوصيةِ، وما اختاره للمُوصِين (^١) مِن أهلِ الإيمانِ باللَّهِ وبكتابِه وسُنَّتِه.\nوإنما قلنا: ذلك بتأويلِ الآيةِ أَوْلَى مِن غيرِه من التأويلاتِ؛ لِما قد ذكَرنا فيما مضَى قبلُ مِن أن معنى قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: وإذا حضر الوصيَّةَ (^٢) أولو القربى واليتامى والمساكينُ فأوصوا لهم - بما قد دَلَّلنا عليه مِن الأدلةِ. فإذ كان ذلك تأويلَ قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ الآية. فالواجبُ أن يكونَ قولُه تعالى ذكرُه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾. تأديبًا منه عبادَه في أمرِ الوصيةِ بما أذِنهم فيه، إذ كان ذلك عَقِيبَ الآيةِ التي قبلَها في حكمِ الوصيةِ، وكان أظهر معانيه ما قلنا، فإلحاقُ حكمِه بحكمِ ما قبلَه أولى، مع اشتباهِ معانيهما، مِن صرفِ حكمِه إلى غيرِه بما هو له غيرُ مُشْبِهٍ.\nوبمعنى ما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. قال مَن ذكَرنا قولَه في مُبْتَدأِ تأويلِ هذه الآيةِ، وبه كان ابن زيدٍ يقولُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. قال: يقولُ قولًا سديدًا، يَذْكُرُ هذا المسكينَ ويَنْفَعُه، ولا يُجْحِفُ بهذا اليتيمِ وارثِ المؤدِّي ولا يُضِرُّ به؛ لأنه صغيرٌ لا يَدْفَعُ عن نفسِه، فانْظُرْ له كما يُنْظَرُ لوَلَدِك لو كانوا صغارًا.\nوالسديدُ مِن الكلامِ هو العدلُ والصوابُ.\n_________\n(^١) سقط من: س، وفى ص: \"المؤمنين\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المؤمنون\". والمثبت هو الصواب.\n(^٢) في م، ت ٢: \"القسمة\".","vol":"6","page":453},{"text":"<span id=\"aya-503\"></span><span data-type='title' id=toc-1755>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾. يقولُ: بغيرِ حقٍّ. ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ يومَ القيامةِ، بأكلِهم أموالَ اليتامى ظلمًا في الدنيا، نارَ جَهَنَّمَ، ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾ بأكلهم ﴿سَعِيرًا﴾.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾. قال: إذا قام الرجلُ يأكلُ مالَ اليتيمِ ظلمًا، يُبْعَثُ يومَ القيامةِ ولهبُ النارِ يخرُجُ مِن فيه ومِن مسامعِه ومِن أُذُنَيه وأنفِه وعينَيْهِ، يَعْرِفُه مَن رآه بأْكلِ (^١) مالِ اليتيمِ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: أخبرَني أبو هارونَ العَبْدِيُّ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: حدَّثنا النبيُّ ﷺ عن ليلةِ أُسْرِى به، قال: \"نظَرتُ فإذا أنا بقومٍ لهم مشافِرُ كمشافِرِ الإِبلِ، وقد وُكِّل بهم مَن يأخُذُ بمشافرِهم، ثم يجعَلُ في أفواهِهم صخرًا من نارٍ يخرُجُ مِن أسافِلِهم. قلتُ: يا جبريلُ، مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يَأْكُلون أموالَ اليتامى ظُلمًا إنما يأكَلون في بطونِهم نارًا (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ\n_________\n(^١) في م: \"يأكل\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٩ (٤٨٨٢) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٧٩ (٤٨٨٤) من طريق أبي هارون العبدي به نحوه.","vol":"6","page":454},{"text":"سَعِيرًا﴾. قال: قال أبي: إن هذه لأهلِ الشرْكِ حين كانوا لا يُوَرِّثُونهم ويأكُلون أموالَهم (^١).\nوأمَّا قولُه: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. فإنه مأخوذٌ من الصَّلا، والصَّلا: الاصْطِلاءُ بالنارِ، وذلك التسخُّنُ بها، كما قال الفَرَزْدَقُ (^٢):\nوقاتَلَ كَلْبُ الحَيِّ عن نارِ أهْلِهِ … ليَرْبضَ فيها والصَّلا مُتَكَنَّفُ\nوكما قال العَجَّاجُ (^٣):\nوَصَالِيَاتٌ (^٤) للصَّلا صُلِيُّ\nثم اسْتُعْمِل ذلك في كلِّ مَن باشَر بيدِه أمرًا مِن الأمورِ، مِن حربٍ أو قتالٍ أو خصومةٍ أو غيرِ ذلك، كما قال الشاعرُ (^٥):\nلم أَكُنْ مِن جُنَاتِها علِم اللَّهُ … وإنِّي بحرِّها اليومَ صالِي\nفجعَل ما باشر مِن شدَّةِ الحربِ وأَذَى (^٦) القتال بمنزلةِ مباشرةِ أذى النارِ وحرِّها.\nواختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قَرَأَةِ المدينةِ والعراقِ: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾، بفتحِ الياءِ (^٧)، على التأويلِ الذي قلناه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٤ إلى المصنف.\n(^٢) ديوانه ص ٥٦٠.\n(^٣) ديوانه ص ٣١١.\n(^٤) في م: \"وصاليان\"، وفى ت ١، ت ٣: \"الصاليات\". والصاليات: الأحجار التي يوضع عليها القِدْر.\n(^٥) هو الحارث بن عباد البكرى، والبيت في مجمع الأمثال ٢/ ١٨٣، والكامل لابن الأثير ١/ ٥٣٦، وخزانة الأدب ١/ ٢٢٦.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أحرى\"، وفى م: \"إجراء\". والمثبت هو الصواب.\n(^٧) وهى قراءة نافع وابن كثير وحفص عن عاصم وأبي عمرو وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ١٩١.","vol":"6","page":455},{"text":"وقرَأ ذلك بعضُ المكيِّين وبعضُ الكوفيِّين: (وَسَيُصْلَوْنَ سَعِيرًا). بضمِّ الياءِ (^١)، بمعنى: يُحْرَقُون. مِن قولِهم: شاةٌ مَصْلِيَّةٌ. يعنى: مشويةٌ.\nقال أبو جعفرٍ: والفتحُ بذلك أَوْلَى مِن الضمِّ؛ لإجماعِ جميعِ القَرَأَةِ على فتحِ الياءِ مِن قولِه: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥]. ولدلالةِ قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] علَى أن الفتحَ بها أولى من الضمِّ.\nوأما السعيرُ، فإنه شدَّةُ حرِّ جهنَّمَ، ومنه قيل: اسْتَعرت الحربُ: إذا اشتدَّتْ. وإنما هو \"مسعور\"، ثم صُرِف إلى \"سَعِير\"، كما (^٢) قيل: كفٌّ خَضِيبٌ، ولحيةٌ دَهِينٌ. وإنما هي مخضوبةٌ صُرِفت إلى \"فَعِيل\".\nفتأويلُ الكلامِ إذن: وسَيَصْلَوْن نارًا مُسْعَرَةً، أي: موقودةً مُشْعَلةٌ، شديدًا حرُّها.\nوإنما قلنا: إن ذلك كذلك؛ لأن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه قال: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: ١٢]. فوصَفها بأنها مسعورةٌ.\nثم أخْبَر جلَّ ثناؤُه أن أكَلَةَ أموالِ اليتامى يَصْلونها وهي كذلك، فالسعيرُ إذن في هذا الموضعِ صفةٌ للجحيمِ على ما وصَفنا.\n\n<span id=\"aya-504\"></span><span data-type='title' id=toc-1756>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾: يَعْهَدُ اللَّهِ إليكم ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. يقولُ يَعْهَدُ إليكم ربُّكم إذا مات الميِّتُ منكم،\n_________\n(^١) هي قراءة ابن عامر، وأبي بكر عن عاصم. حجة القراءات ص ١٩١.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"6","page":456},{"text":"وخلَّف أولادًا ذكورًا وإناثًا، فلوَلَدِه الذكورِ والإناثِ ميراثُه أجمعُ بينَهم، للذكَرِ منهم مثلُ حظِّ الأُنثيين، إذا لم يكنْ له وارثٌ غيرُهم، سواءٌ فيه صغارُ وَلدِه وكبارُهم (^١) وإناثُهم، في أن جميعَ ذلك بينَهم، للذكرِ مثلُ حظِّ الأُنثيين.\nورُفِع قولُه: ﴿مِثْلُ﴾. بالصفةِ، وهى اللامُ التي في قولِه: ﴿لِلذَّكَرِ﴾. ولم يُنْصَبْ بقولِه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾. لأن الوصيةَ في هذا الموضعِ عهدٌ وإعلامٌ بمعنى القولِ، والقولُ لا يَقَعُ على الأسماءِ المُخْبَرِ عنها، فكأنه قيل: يقولُ اللَّهُ ﵎: لكم في أولادِكم للذكرِ منهم مثلُ حظِّ الأُنثيين.\nوقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على النبيِّ ﷺ تبيينًا مِن اللَّهِ الواجبَ مِن الحكمِ في ميراثِ (^٢) مَن مات وخلَّف ورثةً، على ما بيَّن؛ لأن أهلَ الجاهليةِ كانوا لا يَقْسِمون مِن ميراثِ الميتِ لأحدٍ من ورثتِه بعدَه، ممن كان لا يُلاقى العَدُوَّ، ولا يُقاتِلُ في الحروبِ مِن صغارِ ولدِه، ولا للنساءِ منهم، وكانوا يَخُصُّون بذلك المُقاتِلَةَ دونَ الذُّرِّيَّةِ، فأخبَر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أن ما خلَّفه الميتُ بين مَن سَمَّى وفرَض له ميراثًا في هذه الآيةِ وفي آخرِ هذه السورةِ، فقال في صغارِ وَلَدِ الميتِ وكبارِهم وإناثِهم: لهم ميراثُ أبيهم إذا لم يكنْ له وارثٌ غيرُهم، للذكرِ منهم مثْل حظِّ الأنثيين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1757>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾: كان أهلُ\n_________\n(^١) في ص: \"كباره\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مواريث\".","vol":"6","page":457},{"text":"الجاهليةِ لا يُوَرِّثون الجوارىَ ولا الضعفاءَ (^١) من الغِلْمانِ، لا يَرِثُ الرجلَ مِن وَلدِه إلا مَن أطاق القتالَ، فمات عبدُ الرحمنِ أخو حسَّانَ الشاعرِ (^٢)، وترَك امرأةً يُقالُ لها: أمُّ كُجَّةَ (^٣)، وترَك خمسَ أخواتٍ (^٤)، فجاءت الورثةُ يأخذون مالَه، فشكَت أمُّ كُجَّةَ (٣) ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فأنْزَل اللَّهُ ﵎ هذه الآيةَ: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾. ثم قال في أُمِّ كُجَّةَ: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾ (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾: وذلك أنه لمَّا نزَلت الفرائضُ التي فرَض اللَّهُ فيها ما فرَض للولدِ الذكرِ والأنثى والأبوين، كرِهها الناسُ أو بعضُهم، وقالوا: تُعْطَى المرأةُ الربعَ و(^٦) الثمنَ، وتُعْطَى الابنةُ النصفَ، ويُعْطَى الغلامُ الصغيرُ، وليس مِن هؤلاء أحدٌ يُقاتِلُ القومَ، ولا يَحُوزُ الغنيمةَ! اسْكُتوا عن هذا الحديثِ، لعلَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ ينساه، أو نقولُ له فيُغَيِّره. فقال بعضُهم: يا رسولَ اللَّهِ، أَنُعْطِى الجاريةَ نصفَ ما ترَك أبوها وليست تَرْكَبُ الفرسَ ولا تُقاتِلُ القومَ! ونُعْطِى الصبيَّ الميراثَ وليس يُغْنى شيئًا! وكانوا يفعَلون ذلك في الجاهليةِ، لا يُعْطُون الميراثَ إلا مَن قاتَلَ، يُعْطُونه الأكبرَ\n_________\n(^١) في م: \"الصغار\".\n(^٢) قال الحافظ في الإصابة ٤/ ٢٩٣ ولم أره لغيره، ولا ذكر أهل النسب لحسان أخا اسمه عبد الرحمن.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كحة\". وينظر ما تقدم في ص ٤٣٠.\n(^٤) في الإصابة: \"جوار\".\n(^٥) ذكره الحافظ في الإصابة ٨/ ٢٨٥، ٢٨٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٥ إلى المصنف.\n(^٦) في س والدر المنثور: \"أو\".","vol":"6","page":458},{"text":"فالأكبرَ (^١).\nوقال آخَرون: بل نزَل ذلك مِن أجلِ أن المالَ كان للولدِ قبلَ نزولِه، وللوالدينِ الوصيةُ، فنسَخ اللَّهِ ﵎ ذلك بهذه الآيةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1758>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ أو عطاءٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. قال: كان المالُ للولدِ، وكانت الوصيةُ للوالدينِ والأقربينَ، فنسَخ اللَّهُ مِن ذلك ما أحبَّ، فجعَل للذكرِ مثلَ حظِّ الأنثيين، وجعَل للأبوينِ لكلِّ واحدٍ منهما السدسَ مع الولدِ، وللزوجِ الشَّطْرَ والربعَ، وللزوجةِ الربَع والثمنَ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. قال: كان ابن عباسٍ يقولُ: كان المالُ، وكانتِ الوصيةُ للوالدينِ والأقربينَ، فنسَخ اللَّهُ ﵎ مِن ذلك ما أحبَّ، فجعَل للذَّكرِ مثلَ حظِّ الأنثيينِ. ثم ذكَر نحوَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ مثله.\nورُوِى عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ ما حدَّثنا به محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا وهبُ بنُ جرير، قال: ثنا شعبةُ، عن محمدِ بن المُنكَدِرِ، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٨٢ (٤٨٩٦) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٦٨ ومن طريقه البيهقى ٦/ ٢٢٦، ٢٦٣، وأخرجه البخاري (٤٥٧٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٨٠ (٤٨٨٧)، من طريق ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"6","page":459},{"text":"قال: دخَل عليَّ رسولُ الله ﷺ وأنا مريضٌ، فتوضَّأ ونضَح عليَّ مِن وَضُوئِه، فأفقتُ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنما يَرِثُنى كَلالةٌ، فكيف بالميراثِ؟ فنزلت آيةُ الفرائضِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُريجٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ المُنكَدِرِ، عن جابرٍ، قال: عادني رسولُ اللَّهِ ﷺ وأبو بكرٍ ﵁ في بني سِلمةَ يمشيان، فوَجَدانى لا أَعْقِلُ، فدعا بماءٍ (^٢) فتوضَّأَ، ثم رشَّ عليَّ، فأفقْتُ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، كيف أَصْنَعُ في مالى؟ فنزَلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1759>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾.</span>\nيعنى بقولِه: ﴿فَإِنْ كُنَّ﴾: [فإن كان المتروكاتُ] (^٤) نساءً فوق اثنتين، ويعنى بقولِه: ﴿نِسَاءً﴾: بنات الميتِ ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾. يقولُ: أكثرَ في العددِ مِن اثنتين، ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾. يقولُ: فلِبَناتِه الثُّلثان مما ترَك بعدَه مِن ميراثِه دونَ سائرِ ورثتِه، إذا لم يكن الميتُ خلَّف ولدًا ذكرًا معَهن.\nواختلف أهلُ العربية في المعنى بقولِه: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾؛ فقال بعضُ نحويِّي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨/ ١٦١٦) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه البيهقى ٦/ ٢١٢ من طريق وهب بن جرير به، وأخرجه الطيالسي (١٨١٥)، وأحمد ٢٢/ ٩٤ (١٤١٨٦)، والبخاري (١٩٤)، ومسلم (٨/ ١٦١٦)، وابن حبان (١٢٦٦)، والبيهقي ١/ ٢٣٥ من طريق شعبة به.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ٢، ت ٣، وفى م: \"بوضوء\".\n(^٣) أخرجه مسلم (١٦١٦) والنسائى في الكبرى (٦٣٢٣، ١١٠٩١)، والواحدي في أسباب النزول ص ١٠٧ من طريق حجاج به، والبخارى (٤٥٧٧) وابن الجارود (٩٥٦)، والبيهقي ٦/ ٢١٢ من طريق ابن جريج به، وأخرجه الترمذى (٢٠٩٦)، وأبو داود (٢٨٨٦)، وابن ماجه (١٤٣٦، ٢٧٢٨) وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٨٠ (٤٨٨٦)، والحاكم ٢/ ٣٠٣ من طريق ابن المنكدر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٤، ١٢٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. وينظر الدر المنثور ٢/ ١٢٤، ١٢٥.\n(^٤) في س: \"نساء، فإن كان المتروك\".","vol":"6","page":460},{"text":"البصرةِ بنحوِ الذي قلنا: فإن كان المتروكاتُ نساءً. وهو أيضًا قولُ بعضٍ نحويِّي الكوفةِ.\nوقال آخَرون منهم: بل معنى ذلك: فإن كان الأولادُ نساءً. وقالوا: إنما ذكَر اللَّهِ الأولادَ، فقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. ثم قسَم الوصيةَ، فقال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾: وإن كان الأولادُ واحدةً (^١). ترجمةً منه بذلك عن \"الأولادِ\".\nقال أبو جعفرٍ: والقولُ الأَوَّلُ الذي حكَيناه عمَّن حكَيْناه عنه مِن البصريِّين أَوْلَى بالصوابِ في ذلك عندى؛ لأن قولَه: وإن كُنَّ. لو كان معنيًّا به الأولادُ، لقيل: وإن كانوا. لأن الأولادَ تَجْمَعُ الذكورَ والإناثَ، وإذا كان كذلك، فإنما يقالُ: كانوا. لا: كنَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1760>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾.</span>\nيعنى بقولِه: وإن كانتِ المتروكةُ ابنةً واحدةً، ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾. يقولُ: فلِتِلْك الواحدةِ نصفُ ما ترَك المَيِّتُ مِن ميراثِه، إذا لم يكنْ مَعها غيرُها مِن ولدِ الميتِ ذكرٌ ولا أنثى.\nفإن قال قائلٌ: فهذا فرضُ الواحدةِ مِن النساءِ وما فوقَ الاثنتين، فأين فريضةُ الاثنتينِ؟ قيل: فريضتُهم بالسُّنَّةِ المنقولةِ نقْلَ الوِراثةِ التي لا يجوزُ فيها الشكُّ (^٢).\nوأما قولُه: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾. فإنه يعنى: ولأَبَوَي الميت، ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ مِن تَرِكَتِه، وما خلَّف مِن مالِه سواءٌ فيه الوالدةُ والوالدُ، لا يَزْدَادُ واحدٌ\n_________\n(^١) تقدير الكلام: فإن كان الأولاد نساء، وإن كان الأولاد واحدة.\n(^٢) يشير إلى ما أخرجه أحمد ٢٣/ ١٠٨ (١٤٧٩٨)، وأبو داود (٢٨٩١، ٢٨٩٢)، وابن ماجه (٢٧٢٠)، والترمذى (٢٠٩٢) وغيرهم من حديث جابر.","vol":"6","page":461},{"text":"منهما على السدسِ، ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾: ذكَرًا كان الولدُ أو أنثى، واحدًا كان أو جماعةً.\nفإن قال قائلُ: فإن كان كذلك التأويلُ، فقد يَجِبُ ألا يُزَادَ الوالدُ معَ الابنةِ الواحدةِ على السدسِ مِن ميراثِه عن ولدِه الميتِ. وذلك إن قلتَه، قولٌ خلافٌ لما عليه الأُمَّةُ مُجْمِعةٌ، مِن تصييرِهِم باقىَ تركةِ الميتِ مع الابنةِ الواحدةِ بعدَ أخذِها نصيبَها منها لوالدِه أجمعَ؟\nقيل: ليس الأمرُ في ذلك كالذى ظننتَ، وإنما لكلِّ واحدٍ مِن أبويِ الميتِ السدسُ مِن تَرِكته مع ولدِه، ذكَرًا كان الولدُ أو أنثى، واحدًا كان أو جماعةً، فريضةً من اللَّهِ لهُ مُسَمَّاةً، فإمَّا (^١) زِيدَ على ذلك مِن بقيةِ النصفِ مع الابنةِ الواحدةِ، إذا لم يكنْ غيرُه وغيرُ ابنةٍ للميتِ واحدةٍ، فإنما زِيدَها ثانيًا لقُربِ (^٢) عَصَبَةِ الميتِ إليه، إذ كان حكمُ كلِّ ما أبقَتْه سهامُ الفرائضِ فلأَوْلى عصَبةِ الميتِ، وأقربِهِم إليه بحكمِ ذلك لها على لسانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ (^٣)، وكان الأبُ أقربَ عصبةِ ابنِه وأولاها به، إذا لم يكنْ لابنِه الميتِ ابنٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1761>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ﴾: فإن لم يكنْ للميتِ ﴿وَلَدٌ﴾ ذكرٌ ولا أنثى، ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ دونَ غيرِهما من ولدٍ وارثٍ، ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾. يقولُ: فلأُمِّه مِن تَرِكَتِه وما خلَّف بعدَه، ثلثُ جميعِ ذلك.\nفإن قال قائلٌ: فمَن الذي له الثُّلُثَانِ الآخَرانِ؟ قيل له: الأبُ. فإن قال: بماذا؟\n_________\n(^١) في م، س: \"فإن\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قرب\".\n(^٣) يشير إلى ما أخرجه الطيالسي (٢٧٣١)، وأحمد ٤/ ٤٠١ (٢٦٥٧)، والبخاري (٦٧٣٢، ٦٧٣٥، ٦٧٣٧)، ومسلم (١٦١٥) من حديث ابن عباس.","vol":"6","page":462},{"text":"قلتُ: بأنه أقربُ أهلِ (^١) الميتِ إليه، ولذلك ترَك ذكْرَ تسميةِ مَن له الثُّلثان الباقيان، إذ كان قد بيَّن على لسانِ رسولِه ﷺ العبادِه أن كلَّ ميتٍ فأقربُ عصبتِه به أَوْلَى بميراثِه، بعدَ إعطاءِ ذَوِى السِّهامِ المفروضةِ سهامَهم مِن ميراثِه. وهذه العلةُ هي العلةُ التي مِن أجلِها سمَّى للأُمِّ ما سَمَّى لها، إذا لم يكنِ الميتُ خلَّف وارثًا غيرَ أبويه؛ لأن الأُمَّ ليست بعصبةٍ في حالٍ للميتِ، فبيَّن اللَّهُ جلَّ ثناؤه لعبادِه ما فرَض لها مِن ميراثِ ولدِها الميتِ، وترَك ذكرَ مَن له الثلثان الباقيان منه معها، إذ كان قد عرَّفهم في جملةِ بيانِه لهم مَن له بقايا تركةِ الأموالِ، بعدَ أخذِ أهلِ السهامِ سهامَهم وفرائضَهم، وكان بيانُه ذلك [مغنيًا لهم عن] (^٢) تكريرِ حكمِه معَ كلِّ مَن قسَم له حقًّا مِن ميراثِ ميتٍ، وسمَّى له منه سهمًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1762>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ذكرُه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾.</span>\nإن قال قائلٌ: وما المعنى الذي مِن أجلِه ذُكِر حكمُ الأبويْنِ (^٣) معَ الإخوةِ، وتُرِك ذكرُ حكمِهما معَ الأخِ الواحدِ؟ قلتُ (^٤): اختلافُ حكمِهما مع الإخوةِ الجماعةِ والأخِ الواحدِ، فكان في إبانةِ اللَّهِ جَلَّ ثناؤه لعبادِه حكمَهما فيما يَرِثان من ولدِهما الميتِ معَ إخوتِه غنًى وكفايةٌ عن أن حكمَهما فيما ورِثا منه غيرُ مُتغيِّرٍ عما كان لهما ولا أخَ للميتِ ولا وارثَ غيرُهما، إذ كان معلومًا عندهم أن كلَّ مُسْتَحِقٍّ حقًّا بقضاءِ اللَّهِ ذلك له لا يَنْتَقِلُ حقُّه الذي قضَى به له ربُّه جلَّ ثناؤه عما قضَى به له إلى غيرِه إلا بنقلِ اللَّهِ ذلك عنه إلى مَن نقَله إليه مِن خلقِه، فكان في فرْضِه تعالى ذكرُه للأُمِّ ما\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ولد\".\n(^٢) في م: \"معينا لهم على\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أبوين\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":463},{"text":"فرَض - إذا لم يكن لولدِها الميتِ وارثٌ غيرُها وغيرُ والدِه، [ولا أخَ] (^١) - الدَّلالةُ الواضحةُ للخلقِ، أن ذلك المفروضَ - و(^٢) هو ثُلُثُ مالِ ولدِها الميتِ - حقٌّ لها واجبٌ، حتى يُغَيِّرَ ذلك الفرضَ مَن فرَض لها، فلمَّا غيَّر تعالى ذكرُه ما فرَض لها مِن ذلك مع الإخوةِ الجماعةِ، وترَك تغييرَه مع الأخِ الواحدِ، عُلِم بذلك أن فرضَها غيرُ متغيِّرٍ عما فُرِض لها إلا في الحالِ التي غيَّره فيها مَن لزِم العبادَ طاعتُه، دونَ غيرِها مِن الأحوالِ.\nثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في عددِ الإخوةِ الذين عناهم اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾؛ فقال جماعةُ أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، والتابعين لهم بإحسانٍ، ومَن بعدهم مِن علماءِ أهلِ الإسلامِ، في كلِّ زمانٍ: عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾: اثنين كان الإخوةُ أَو أكثرَ منهما، أُنثَيَيْنِ كانتا، أو كُنَّ إناثًا، أو ذكَرينِ كانا، أو كانوا ذكورًا، أو كان أحدُهما ذكرًا والآخرُ أنثى. واعتلَّ كثيرٌ ممن قال ذلك بأن ذلك قالتْه الأمةُ عن بيانِ اللَّهِ جل ثناؤُه على لسانِ رسولِه ﷺ، فنقلته أُمَّة نبيِّه ﵇ نقلًا مستفيضًا، قطَع العذرَ مجيئُه، ودفَع الشكَّ فيه عن قلوبِ الخلقِ ورودُه.\nورُوى عن ابن عباسٍ ﵁ أنه كان يقولُ: بل عنَى اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾: جماعةٌ أقلُّها ثلاثةٌ، وكان يُنْكِرُ أن يكونَ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه حجَب الأُمَّ عن ثلثِها معَ الأبِ (^٣) بأقلَّ من ثلاثةِ إخوةٍ، فكان يقولُ في أبوين وأخوين: للأمِّ الثلثُ، وما بقى فللأبِ. كما قال أهلُ العلمِ في أبوين وأخٍ واحد.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ولائح\"، وفى م: \"لوائح\"، وفى س: \"ولائج\". والمثبت هو الصواب.\n(^٢) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"إلا\".","vol":"6","page":464},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1763>ذكرُ الروايةِ عنه بذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا ابن أَبي فُدَيْكٍ، قال: ثني ابن أبي ذئبٍ، عن شُعْبَةَ مولى ابن عباسٍ، عن ابن عباسٍ أنه دخَل على عثمانَ ﵁، فقال: لمَ صار الأخَوان يَرُدَّان الأمَّ إلى السدسِ، إنما قال اللَّهُ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾. والأخَوان في لسانِ قومِك وكلامِ قومك ليسا بإخوةٍ؟ فقال عثمانُ ﵁: هل أستطيعُ نقضَ أمرٍ كان قبلى، وتوارَثَه الناسُ، ومضَى في الأمصارِ (^١)؟\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن المَعْنِيَّ بقولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾. اثنان من إخوةِ الميتِ فصاعدًا، على ما قاله أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ، دونَ ما قاله ابن عباسٍ ﵁؛ لنقلِ الأمَّةِ وراثةً صحةَ ما قالوه مِن ذلك عن الحجةِ، وإنكارِهم ما قاله ابن عباسٍ في ذلك.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل في الأخوين: إخوةٌ. وقد علِمتَ للأخوين في منطقِ العرب مثالًا لا يُشْبِهُ مثالَ الإخوةِ في منطقِها؟ قيل: إن ذلك وإن كان كذلك، فإن من شأنِها التأليفَ بين الكلامين [يتقاربُ معنياهما] (^٢)، وإن اختلفا في بعضِ وجوهِهما، فلمَّا كان ذلك كذلك، وكان مستفيضًا في منطقِها منتشرًا مُستعمَلًا في كلامِها: ضرَبتُ مِن عبدِ اللَّهِ وعَمْرٍو رءوسَهما، وأَوْجَعَتُ [مِن أَخَويْك] (^٣) ظهورَهما. وكان ذلك أشدَّ استفاضةً في منطقِها مِن أن يقالَ: أَوْجَعتُ منهما ظهرَهما. وإن كان مقولًا: أَوْجَعتُ ظهرَيهما (^٤). كما قال\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٤/ ٣٣٥، والبيهقي ٦/ ٢٢٧ من طريق ابن أبي ذئب به بنحوه.\n(^٢) في م: \"بتقارب معنييهما\".\n(^٣) في م: \"منهما\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ظهرهما\".","vol":"6","page":465},{"text":"الفَرَزْدَقُ (^١):\nبما في فؤادَيْنا من الشوقِ (^٢) والهوى … فَيَبْرَأُ مُنْهاضُ الفؤادِ المُشَغَّفُ (^٣)\nغيرَ أن ذلك وإن كان مقولًا، فأفصحُ منه: بما في أفئدتِنا. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].\nفلمَّا كان ما وصَفتُ مِن إخراجِ كلِّ ما كان في الإنسانِ واحدًا إذا ضُمَّ إلى الواحدِ منه آخرُ مِن إنسانٍ آخرَ، فصارا اثنين مِن اثنين، بلفظِ (^٤) الجمعِ (^٥)، أفصحَ في منطقِها، وأشهرَ في كلامِها، وكان الأخوان شخصين، كلُّ واحدٍ منهما غيرُ صاحبِه مِن نفسَيْن مختلفينِ، أشبَه معنياهما (^٦) معنى ما كان في الإنسانِ مِن أعضائِه واحدًا لا ثانيَ له، فأُخرِج اثناهما (^٧) بلفظِ اثْنَى (^٨) العضوَيْن اللذين وصَفتُ، فقيل: إخوةٌ. في معنى الأخَوَين، كما قيل ظهورٌ في معنى الظهرين، وأفواهٌ في معنى فموين، وقلوبٌ في معنى قلبين.\nوقد قال بعضُ النحويين: إنما قيل إخوة لأن أقلَّ الجمعِ اثنان، وذلك [أن ذلك] (^٩) ضَمُّ شيءٍ إلى شيءٍ صارا جميعًا (^١٠) بعدَ أن كانا فردَيْن، فَجُمِعا لِيُعْلَمَ أَن الاثنين جمعٌ.\n_________\n(^١) ديوانه ص ٥٥٤.\n(^٢) في م: \"الحب\"، وفى الديوان: \"الهم\".\n(^٣) في الديوان: \"المسقف\". والمشغف: هو الذي شغفه الحب إذا بلغ شغاف قلبه.\n(^٤) في م: \"فلفظ\".\n(^٥) في ص، س: \"الجميع\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"معناهما\".\n(^٧) في م: \"أنثييهما\".\n(^٨) في م: \"أنثى\".\n(^٩) في م: \"أنه إذا\".\n(^١٠) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"جمعا\".","vol":"6","page":466},{"text":"وهذا وإن كان كذلك في المعنى، فليس بعلَّةٍ تُنْبئُ عن جوازِ إخراجِ ما قد جرَى الكلامُ مستعملًا مستفيضًا على ألسنِ العربِ لاثْنَيْه بمثالٍ وصورةٍ، غيرِ مثالِ ثلاثةٍ فصاعدًا منه وصورتِها؛ لأن مَن قال: أخواك قاما. فلا شكَّ أنه قد علِم أنَّ كلَّ واحدٍ مِن الأخوين فردٌ، ضُمَّ أحدُهما إلى الآخرِ فصارا جميعًا، بعد أن كانا شتَّى. [غيرَ أن] (^١) الأمرَ، وإن كان كذلك فلا تَسْتَجِيزُ العربُ في كلامِها أن يقالَ: أخواك قاموا. فيَخْرُجُ قولُهم: \"قاموا\"، وهو لفظٌ للخبر عن الجميعِ خبرًا عن الأخوينِ، وهما بلفظِ الاثنين، لأن لكلِّ ما قد جرَى به الكلامُ على [ألسنتِهم معروفًا عندهم بمثالٍ] (^٢) وصورةٍ إذا غيَّره مغيِّرٌ عمَّا قد عرَفوه فيهم نَكِروه، فكذلك الأخوان، وإن كانا مجموعين ضُمَّ أحدُهما إلى صاحبِه، فلهما مثالٌ في المنطقِ وصورةٌ غيرُ مثالِ الثلاثةِ منهم فصاعدًا وصورتِهم، فغيرُ جائزٍ أن أن يُغَيَّرَ أحدُهما إلى الآخرِ إلا بمعنًى مفهومٍ، وإذ كان ذلك كذلك، فلا قولَ أوْلى بالصحةِ مما قلنا قبلُ.\nفإن قال قائلٌ: ولم نُقِصتِ الأمُّ عن ثلثِها بمصيرِ إخوةِ الميتِ معَها؛ اثنين فصاعدًا؟ قيل: اخْتَلفتِ العلماءُ في ذلك؛ فقال بعضُهم: نُقصتِ الأمُّ عن ذلك [وورثه الأبُ] (^٣)؛ لأن على الأبِ مُؤَنَهم دون أمِّهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1764>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ\n_________\n(^١) في النسخ: \"عنوان\". وهو تحريف. والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٢) في م: \"مثالًا معروفًا عندهم\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وردته الأم\"، وفى م: \"دون الأب\". والمثبت هو الصواب.","vol":"6","page":467},{"text":"السُّدُسُ﴾: [أَضَرُّوا بالأمِّ] (^١)، ولا يَرِثون، ولا يَحْجُبُها الأخُ الواحدُ من الثلثِ، ويَحْجُبُها ما فوق ذلك. وكان أهلُ العلمِ يَرَوْن أنهم إنما حجَبوا أمَّهم مِن الثلثِ، لأن أباهم يَلِى نكاحَهم والنفقةَ عليهم دونَ أمِّهم (^٢).\nوقال آخَرون: بل نُقِصت الأمُّ السدسَ، وقُصِر بها على سدسٍ واحدٍ؛ معونةً لإخوةِ الميتِ بالسدسِ الذي حجَبوا أمَّهم عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1765>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: السدسُ الذي حجَبتْه الإخوةُ الأمَّ، لهم، إنما حجبوا أمَّهم عنه ليكونَ لهم دونَ أبيهم (^٣).\nوقد رُوِى عن ابن عباسٍ خلافُ هذا القولِ، وذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، عن الحسنُ بن محمدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: الكَلالةُ مَن لا ولدَ له ولا والدَ (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى ذلك بالصوابِ أن يقالَ في ذلك: إن اللَّهِ تعالى ذكرُه فرَض للأمِّ معَ الإخوةِ السدسَ؛ لما هو أعلمُ به مِن مصلحةِ خَلقِه، وقد يجوزُ أن يكونَ ذلك كان لِما أُلْزِم الآباءُ لأولادِهم، وقد يجوزُ أن يكونَ ذلك لغيرِ ذلك، وليس\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أمروا الأمر\"، وفى م: \"أنزلوا الأم\". والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٨٣ (٤٩٠٥) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في النسخ: \"أمهم\". والمثبت من مصادر التخريج، ومن تعقيب المصنف على هذا القول.\nوالأثر أخرجه عبد الرزاقِ في المصنف (١٩٠٢٧)، ومن طريقه البيهقي ٦/ ٢٢٧.\n(^٤) سيأتي تخريجه في ص ٤٧٧.","vol":"6","page":468},{"text":"ذلك مما كُلِّفْنا عِلْمَه، وإنما أُمِرنا بالعملِ بما علِمنا\nوأما الذي رُوِى عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ، فقولٌ لما عليه الأُمَّةُ مخالفٌ، وذلك أنه لا خلافَ بين الجميعِ ألا ميراثَ لأخِي ميتٍ مع والدِه، فكَفى إجماعُهم على خلافِه شاهدًا على فسادِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1766>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. أن الذي قسَم اللَّهُ ﵎ لولدِ الميتِ الذكورِ منهم والإناثِ ولأبويه مِن تَرِكتِه مِن بعدِ وفاتِه، إنما يَقْسِمُه لهم على ما قسَمه لهم في هذه الآيةِ، مِن بعدِ قضاءِ دَينِ الميتِ الذي مات وهو عليه مِن تركتِه، ومِن بعدِ تنفيذِ وصيتِه في بابِها، بعدَ قضاءِ دَينِه كلِّه، فلم يَجْعَل تعالى ذكره لأحدٍ مِن ورثةِ الميتِ، ولا لأحدٍ ممن أوصَى له بشيءٍ، إلا مِن بعدِ قضاءِ دَينِه مِن جميعِ تركتِه، وإن أحاط بجميعِ ذلك، ثم جعَل أهلَ الوصايا بعدَ قضاءِ دَينِه شركاءَ ورثتِه فيما بقِى لِما أوصَى لهم به، ما لم يُجَاوِزُ ذلك ثلثَه، فإن جاوَز ذلك ثلثَه جُعِل الخيارُ في إجازةِ ما زاد على الثلثِ مِن ذلك أو ردِّه إلى ورثتِه، إِن أَحَبُّوا أجازوا الزيادةَ على ثلثِ ذلك، وإن شاءوا رَدُّوه، فأمَّا ما كان مِن ذلك إلى الثلثِ، فهو ماضٍ عليهم. وعلى كلِّ ما قلْنا من ذلك الأُمَّة مجمعةٌ.\nوقد رُوِى عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بذلك خبرٌ، وهو ما حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرَنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ الأعورِ، عن عليٍّ ﵁، قال: إنكم تقرَءون هذه الآيةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. وإن رسولَ اللَّهِ ﷺ قضَى بالدَّيْنِ قبلَ الوصيةِ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٢٠٩٤) عن محمد بن بشار به، وأخرجه عبد الرزاق (١٩٠٠٣)، وابن أبي شيبة ١٠/ ١٦٠، ١١/ ٤٠٢، ٤٠٣، وأحمد ٢/ ٣٣١ (١٠٩١)، وابن ماجه (٢٧١٥)، وأبو يعلى (٦٢٥)، =","vol":"6","page":469},{"text":"حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: ثنا زكريا بنُ أبي زائدةَ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ رضوانُ اللَّهِ عليه، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه (^١).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِيَاثٍ، قال: ثنا أشعثُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن ابن مجاهدٍ، عن أبيه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. قال: يُبْدَأُ بالدَّين قبلَ الوصيةِ (^٢).\nواخْتَلفتِ القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتُه عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ والعراقِ: ﴿يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (^٣).\nوقرَأ بعضُ أهلِ مكةَ والشامِ والكوفةِ: (يُوصَى بها). على معنى ما لم يُسَمَّ فاعلُه (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى القراءتينِ بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ ذلك: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. على مذهبِ ما قد سُمِّى فاعلُه؛ لأن الآيةَ كلَّها خبرٌ عمن قد سُمِّى فاعلُه، ألا ترَى أنه يقولُ: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾. فكذلك الذي هو أَوْلَى بقولِه: ﴿يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. أن\n_________\n= وابن الجارود (٩٥٠)، والدارقطنى ٤/ ٨٦، ٨٧، والحاكم ٤/ ٣٣٦ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^١) أخرجه الترمذى عقب الحديث (٢٠٩٤) عن ابن بشار به، وأخرجه أحمد ٢/ ٣٩٢ (١٢٢٢)، والبيهقي ٦/ ٢٦٧ من طريق يزيد بن هارون به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٣٨٣ (٤٩٠٦) من طريق أبي إسحاق به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٦ إلى المصنف.\n(^٣) وهى قراءة نافع وحفص عن عاصم وأبي عمرو وحمزة والكسائي. حجة القراءات ص ١٩٣.\n(^٤) وهى قراءة ابن كثير وأبي بكر عن عاصم وابن عامر. المصدر السابق.","vol":"6","page":470},{"text":"يكونَ خبرًا عمن قد سُمِّى فاعلُه؛ لأن تأويلَ الكلامِ: ولأبويه لكلِّ واحدٍ منهما السدسُ مما ترَك إن كان له ولدٌ، مِن بعدِ وصيةٍ يُوصِى بها أو دَينٍ يُقْضَى عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1769>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾.</span>\nيعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾: هؤلاء الذين أوصاكم اللَّهُ به فيهم - مِن قسمةِ ميراثِ ميتِكم فيهم، على ما سَمَّى لكم وبيَّنه في هذه الآيةِ - ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾. يقولُ: أعطُوهم حقوقَهم مِن ميراثِ ميتِهم الذي أوصيتُكم أن تُعْطُوهُموها، فإنكم لا تَعْلَمون أيُّهم أدنى وأشدُّ نفعًا لكم، في عاجلِ دنياكم وآجلِ أُخْراكم.\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾؛ فقال بعضُهم: يعنى بذلك: أيُّهم أقربُ لكم نفعًا في الآخرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1767>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾. يقولُ: أطوعُكم للَّهِ مِن الآباءِ والأبناءِ، أرفعُكم درجةً يومَ القيامةِ؛ لأن اللَّهَ سبحانه يُشَفِّعُ المؤمنين بعضَهم في بعضٍ (^١).\nوقال آخَرون: معنى ذلك: لا تَدْرُون أَيُّهم أقربُ لكم نفعًا في الدنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1768>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٨٤ (٤٩١٠) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٦ إلى ابن المنذر.","vol":"6","page":471},{"text":"نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾: في الدنيا (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفَة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾، قال بعضُهم: في نفعِ الآخرةِ. وقال بعضُهم: في نفعِ الدنيا (^٢).\nوقال آخرون في ذلك بما قلنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1770><span data-type='title' id=toc-1771>ذكرُ مَن قال ذلك</span></span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾. قال: أيُّهم خيرٌ لكم في الدِّين والدنيا، الوالدُ أو الولدُ الذين يَرِثونكم، لم يُدْخِلْ عليكم غيرَهم، فرضِى لهم المواريثَ، لم يأتِ بآخَرين يَشْرَكُونهم في أموالِكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1772>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾.</span>\nيعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾: وإن كان له إخوةٌ فلأُمِّه السدسُ ﴿فَرِيضَةً﴾. يقولُ: سهامًا معلومةً مُوَقَّتَةً بيَّنها اللَّهُ لهم.\nونصب قولَه: ﴿فَرِيضَةً﴾ على المصدرِ من قولِه ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ - ﴿فَرِيضَةً﴾. فَأَخْرَج ﴿فَرِيضَةً﴾\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٦٩، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٨٤ عقب الأثر (٤٩١١) معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٨٤ (٤٩١١) من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"6","page":472},{"text":"مِن معنى الكلامِ، إذ كان معناه ما وصَفتُ.\nوقد يجوزُ أن يكونَ نصَبَه على الخروجِ مِن قولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ - ﴿فَرِيضَةً﴾، فتكونُ \"الفريضةُ\" منصوبةً على الخروجِ مِن قولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (^١). كما تقولُ: هو لك هبةً، وهو لك صدقةً منِّي عليك.\nوأمَّا قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. فإنه يعنى جلَّ ثناؤُه: إن اللَّهَ لم يَزَلْ ذا علمٍ بما يُصْلِحُ خلقه أيُّها الناسُ، فانتهوا إلى ما يَأْمُرُكم، يُصْلِحْ لكم أمورَكم. ﴿حَكِيمًا﴾. يقولُ: لم يَزَلْ ذا حكمةٍ في تدبيرِه، وهو كذلك فيما يَقْسِمُ لبعضِكم مِن ميراثِ بعضٍ، وفيما يَقْضِي بينكم مِن الأحكامِ، لا يَدْخُلُ حكمه خَلَلٌ ولا زَلَلٌ؛ لأنه قضاءُ مَن لا يخْفَى عليه مواضعُ المصلحةِ في البدءِ والعاقبةِ.\n\n<span id=\"aya-505\"></span><span data-type='title' id=toc-1773>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ولكم أيُّها الناسُ نصفُ ما ترَك أزواجُكم بعد وفاتهنَّ مِن مالٍ وميراثٍ، إن لم يكنْ لهنَّ ولدٌ يومَ يَحْدُثُ بهنَّ الموتُ، لا ذكَرٌ ولا أنثى، ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾. أي: فإن كان لأزواجِكم يومَ يَحْدُثُ بهنَّ الموتُ ولدٌ ذَكَرٌ أو أنثى، ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ مِن مالٍ وميراثٍ، ميراثًا لكم عنهنَّ. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. يقولُ: ذلكم لكم ميراثًا عنهنَّ، مما يَبْقَى مِن تَرِكاتِهنَّ وأموالِهنَّ، مِن بعدِ قضاءِ دُيُونِهِنَّ التي يَمُتْنَ وهى عليهن، ومِن بعدِ إنفاذِ وصاياهن الجائزةِ، إن كُنَّ أَوْصِينَ بها.\n_________\n(^١) بعده في ص: \"فتكون الفريضة على الخروج مِن قوله له فلأمه السدس\".","vol":"6","page":473},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1774>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.</span>\nيعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾: ولأزواجِكم أيها الناسُ ربعُ ما ترَكتم بعدَ وفاتِكم مِن مالٍ وميراثٍ، إن حدَث بأحدِكم حَدَثُ الوفاةِ ولا ولدَ له ذكرٌ ولا أُنثى، ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ﴾. يقولُ: فإن حدَث بأحدِكم حدثُ الموتِ، وله ولدٌ ذكَرٌ أو أنثى، واحدًا كان الولدُ أو جماعةً، ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾، يقولُ: فلأزواجِكم حينَئذٍ مِن أموالِكم وتَركتِكم التي تُخَلِّفُونها بعدَ وفاتِكم، الثُّمُنُ، مِن بعد قضاءِ ديونِكم التي حدَث بكم حدثُ الوفاةِ وهى عليكم، ومِن بعدِ إنفاذِ وصاياكم الجائزةِ التي تُوصون بها.\nوإنما قيل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. فقدَّم ذكرِ \"الوصيةِ\" على ذكرِ \"الدَّينِ\"؛ لأن معنى الكلامِ: إن الذي فرَضتُ لمن فرَضْتُ له منكم في هذه الآياتِ، إنما هو له مِن بعدِ إخراجِ أيِّ هذين كان في مال الميت منكم، مِن وصيةٍ أو دَينٍ. فلذلك كان سواءً تقديمُ ذكرِ الوصيةِ قبلَ ذكرِ الدَّينِ، وتقديمُ ذكرِ الدَّينِ قبلَ ذكرِ الوصيةِ؛ لأنه لم يُرِدْ مِن معنى ذلك إخراجَ (^١) الشيئين؛ الدَّينِ والوصيةِ مِن مالِه، فيكونَ ذكرُ الدَّين أوْلَى أن يُبْدَأَ به مِن ذكرِ الوصيةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1775>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وإن كان رجلٌ أو امرأةٌ يُورَثُ كَلالةً.\nثم اخْتَلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرأَةِ أَهل الإسلامِ: ﴿وَإِنْ\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٣، س: \"أحد\".","vol":"6","page":474},{"text":"كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾. بمعنى: وإن كان رجلٌ يُورَثُ مُتَكَلِّلُه (^١) النَّسَبُ. فـ \"الكلالةُ\" على هذا القولُ مصدرٌ مِن قولِهم: تَكَلَّله النَّسَبُ تَكَلُّلًا وكَلالةً. بمعنى: تعطَّف عليه النسبُ.\nوقرأه بعضُهم: (وإنْ كان رجلٌ يُورثُ كَلالَةً) (^٢).\nبمعنى: وإن كان رجلٌ يُورِثُ مَن يَتَكَلَّلُه. بمعنى: مَن يَتَعَطَّفُ عليه بنسَبه من أخٍ أو أُختٍ.\nواختلف أهلُ التأويلِ في \"الكلالةِ\"؛ فقال بعضُهم: هي ما خلا الوالدَ والولدَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1776>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الوليدُ بنُ شُجَاعِ السَّكُونيُّ، قال: ثنى على بنُ مُسْهِرٍ، عن عاصمٍ، عن الشَّعْبيِّ، قال: قال أبو بكرٍ ﵁: إنى قد رأيتُ في الكَلالةِ رأيًا، فإن كان صوابًا فمِن اللَّهِ وحدَه لا شريكَ له، وإن يَكُ خطأً فمنِّى والشيطانِ، واللَّهُ منه بريءٌ، وإن الكَلالةَ ما خلا الولدَ والوالدَ. فلمَّا اسْتُخْلِف عمرُ ﵁ قال: إني لأَسْتَحْيِي مِن اللَّهِ ﵎ أن أُخَالِفَ أبا بكرٍ في رأيٍ رآه (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا عاصمٌ الأحولُ، قال: ثنا الشَّعْبِيُّ، أن أبا بكر ﵁ قال في الكَلالةِ: أقولُ فيها برأيي، فإن\n_________\n(^١) في م: \"متكلل\".\n(^٢) هذه قراءة الحسن. البحر المحيط ٣/ ١٨٩، وهي قراءة شاذة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في ١١/ ٤١٥، ٤١٦، والدارمي ٢/ ٣٦٥ مِن طريق عاصم به بنحوه.","vol":"6","page":475},{"text":"كان صوابًا فمن الله: هو ما دونَ الولدِ والوالدِ. قال: فلمَّا كان عمرُ ﵁ قال: إنى لأَسْتَحْيِي (^١) الله أن أُخَالِفَ أبا بكرٍ (^٢).\nحدَّثنا [يونسُ بنُ عبد الأعلى] (^٣)، قال: أخبرَنا سفيانُ، عن عاصمٍ الأحول، عن الشعبيِّ، أن أبا بكرٍ وعمرَ بنَ الخَطابِ ﵄، قالا: الكَلالةُ مَن لا ولدَ له ولا والدَ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن عِمرانَ بن حُدَيْرٍ، عن السُّمَيْطِ، قال: كان عمرُ رجلًا أَيْسَرَ (^٥)، فخرَج يومًا وهو يقولُ بيدِه هكذا، يُدِيرُها، إلا أنه قال: أَتَى عليَّ حينٌ ولستُ أدرى ما الكَلالةُ؟ ألا وإن الكَلالةَ ما خلا الولدَ والوالدَ (^٦).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن أبي بكرٍ، قال: الكَلالةُ ما خلا الولدَ والوالدَ (^٧).\n_________\n(^١) بعده في م: \"من\".\n(^٢) أخرجه البيهقى في المعرفة (٣٨٤٩) من طريق هشيم به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أبو بشر عبد الأعلى\". وفى م: \"أبو بشر بن عبد الأعلى\".\nوتقدم على الصواب في ١/ ٦٣، ٧٩.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٩١٩١)، وسعيد بن منصور في سننه (٥٩١ - تفسير)، والبيهقى ٦/ ٢٢٤ من طريق سفيان بن عيينة به، بأطول من هذا.\n(^٥) كذا في النسخ. وقد ورد في صفة عمر ﵁ أنه كان أعسر أيسر، وأعسر يَسَر، بفتح السين. ورجل أعسر يسر، يعمل بكلتا يديه جميعًا، فإن عمل بالشمال فهو أعسر بين العسر. ينظر تاريخ دمشق ٤٤/ ١٩، والنهاية ٥/ ٢٩٧، والتاج (ع س ر، ي س ر).\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٤١٧ عن وكيع به، والبيهقى ٦/ ٢٢٤ من طريق عمران به دون ذكر القصة.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٩١٩٠) عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٠ إلى ابن المنذر.","vol":"6","page":476},{"text":"حدَّثني يونس، قال: أخبرنا سفيانُ، عن عمرو بن دينارٍ، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس، قال: الكَلالةُ مَن لا ولدَ له ولا والدَ (^١).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سَمِعتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يُحَدِّثُ عن عمرو بن دينارٍ، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس، قال: الكَلالةُ مَن لا ولد له ولا والد (^٢).\nحدَّثنا محمد بن بشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد ابن الحَنَفِيَّةِ، عن ابن عباس، قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد (^٣).\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ وابن وكيعٍ، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيلُ (^٤)، عن أبي إسحاق، عن سُلَيْمِ بن عبدِ، عن ابن عباس بمثلِهِ (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سُلَيْمٍ بن عبدٍ السَّلُوليِّ، عن ابن عباس، قال: الكلالة ما خلا الوالد والولد (^٦).\nحدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية بن صالح، عن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٩١٨٩)، وسعيد بن منصور في سننه (٥٨٨ - تفسير)، والبيهقى ٦/ ٢٢٥، من طريق سفيان بن عيينة به بزيادة. وتقدم في ص ٤٦٨.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٩١٨٩)، وابن أبي شيبة ١١/ ٤١٦، من طريق ابن جريج به.\n(^٣) أخرجه الدارمي ٢/ ٣٦٦ من طريق الثورى به.\n(^٤) في م: \"أبى عن إسرائيل\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٨٧ (٤٩٣٤) من طريق عبد الرحمن بن مهدى به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٤١٧ عن وكيع به، وأخرجه البيهقى ٢/ ٢٤٢ من طريق أبي إسحاق به.","vol":"6","page":477},{"text":"عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة﴾. قال: الكَلالةُ من لم يترُك والِدًا ولا ولدًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُبَيْدٍ المُحَارِبيُّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سُلَيْمِ بن عبدٍ، قال: ما رأيتُهم إلا قد اتَّفقوا أنه من مات ولم يَدَعْ ولدًا ولا والدًا أنه كلالةٌ.\nحدَّثنا تَمِيمُ بنُ المُنتَصِرِ، قال: ثنا إسحاق بن يوسفَ، عن شَرِيكٍ، عن أبي إسحاق، عن سُلَيْم بن عبدٍ، قال: ما رأيتُهم إلا قد أجمعوا أن الكلالة الذي ليس له ولدٌ ولا والدٌ.\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سُلَيْم بن عبدِ، قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن أشعثَ، عن أبي إسحاق، عن سُلَيْم بن عبدٍ، قال: أدركتُهم وهم يقولون: إذا لم يَدَعِ الرجل ولدًا ولا والدًا وُرِث كلالةً.\nحدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة﴾: والكلالةُ الذي لا ولد له ولا والد، لا أب ولا جَدَّ، ولا ابن ولا ابنة، فهؤلاء الإخوةُ مِن الأُمِّ.\nحدَّثني محمد بن المثنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، عن شُعْبَةَ، عن الحكم، قال في الكلالةِ: ما دونَ الولدِ والوالدِ (^٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٠ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٤١٦ من طريق شعبة به.","vol":"6","page":478},{"text":"حدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: الكَلالَةُ كلُّ مَن لا يَرِثُه والدٌ ولا ولدٌ، وكلٌّ مَن لا ولد له ولا والد، فهو يُورَثُ كَلالَةٌ، مِن رجالهم ونسائهم.\nحدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ والزُّهْرِيِّ وأبى إسحاق، قال (^١): الكَلالةُ مَن ليس له ولدٌ ولا والدٌ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمد بن حميدٍ (^٣)، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ وقتادة وأبي إسحاق مثله.\nوقال آخرون: الكلالة ما دون الولد. وهذا قولٌ عن ابن عباسٍ، وهو الخبر الذي ذكرناه قبلُ من رواية طاوس عنه، أنه ورث الإخوة من الأمِّ السدسَ معَ الأبوين (^٤).\nوقال آخرون: الكلالة ما خلا الوالد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1777>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا سهل بن يوسفَ، عن شُعْبَةَ، قال: سألتُ الحكَمَ عن الكلالة؟ قال: فهو ما دونَ الأبِ (^٥).\nواختلف أهل العربية في الناصب للكلالةِ؛ فقال بعضُ البصريين: إن شئتَ نصبتَ ﴿كَلَالَةً﴾ على خبر ﴿كَانَ﴾، وجَعَلْتَ ﴿يُورَثُ﴾ مِن صفةِ\n_________\n(^١) كذا في النسخ. وينظر ما سيأتي في تخريج الأثر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٧ بدون ذكر أبي إسحاق، ثم رواه عن معمر، عن أبي إسحاق الهمذاني، عن عمرو بن شرحبيل قوله، وأخرجه في مصنفه (١٩١٩٢) عن معمر، عن الزهري وقتادة وأبي إسحاق عن عمرو بن شرحبيل قوله.\n(^٣) في م: \"محمد\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ١٠٩.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٤٦٨.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٤١٦ عن سهل به. وعنده: ما دون الولد والأب.","vol":"6","page":479},{"text":"الرجل، وإن شئتَ جَعَلتَ ﴿كَانَ﴾ تَسْتَغْنى عن الخبر نحو \"وقع\"، وجعلتَ نصْبَ ﴿كَلَالَةً﴾ على الحال، أي: يُورث كَلالةً. كما يقال: يُضْرَبُ قائمًا.\nوقال بعضُهم: قوله: ﴿كَلَالَةً﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، لا يكون الموروثُ كلالةً، وإنما الوارث الكلالةُ.\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى: أن \"الكلالة\" منصوبٌ على الخروج من قوله: ﴿يُورَثُ﴾، وخبرُ ﴿كَانَ﴾ - ﴿يُورَثُ﴾، والكلالة وإن كانت منصوبةً بالخروج من ﴿يُورَثُ﴾، فليست منصوبةً على الحالِ، ولكنْ على المصدر من معنى الكلام؛ لأن معنى الكلام: وإن كان رجلٌ يُورَثُ مُتَكَلِّلُه النَّسَبُ كَلالةً. ثم تَرَك ذكر \"متكلّله\"، اكتفاءً بدَلالة قوله: ﴿يُورَثُ﴾. عليه.\nواختلف أهل العلم في المُسَمَّى \"كلالةً\"؛ فقال بعضهم: الكلالةُ الموروثُ، وهو الميتُ نفسه، سُمِّى بذلك إذا ورثه غيرُ والده وولده.\n\n<span data-type='title' id=toc-1778>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ قوله (^١) في \"الكلالةِ\"، قال: الذي لا يَدَعُ ولدًا ولا والدًا.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن سليمان الأحول، عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كنتُ آخِرَ الناسِ عهدًا بعمر ﵁، فسمعتُه يقولُ: القولُ (^٢) ما قلتُ. قلتُ: وما قلت؟ قال: الكلالةُ مَن لا ولد له (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"قولهم\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٩١٨٨) - وعنده: حسبت أنه قال: ولا والد - وأخرجه سعيد بن =","vol":"6","page":480},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي ويحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سُليم (^١) بن عبدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: الكَلالةُ مَن لا ولد له ولا والدَ.\nوقال آخرون: الكلالة هي الورثة الذين يرثون الميت، إذا كانوا إخوةً أو أخوات أو غيرهم إذا لم يكونوا ولدًا ولا والدًا. على ما قد ذكرنا من اختلافهم في ذلك.\nوقال آخرون: بل الكلالة الميتُ والحيُّ جميعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1779>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: الكلالةُ الميتُ الذي لا ولد له ولا والد، والحيُّ، كلُّهم كَلالةٌ، هذا يَرِثُ بالكلالةِ، وهذا يُورَثُ (^٢) بالكلالة (^٣).\nقال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندى ما قاله هؤلاء، وهو أن الكلالة الذين يرثون الميتَ مَن عدا ولده ووالده؛ وذلك لصحة الخبر الذي ذكرناه عن جابرِ بن عبدِ اللهِ أنه قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إِنما يَرِثْنى كَلالَةٌ، فكيف\n_________\n= منصور في سننه (٥٨٩ - تفسير)، وابن أبي شيبة ١١/ ٤١٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٨٧ (٤٩٣٣) - ولفظه: قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد -، والحاكم ٢/ ٣٠٣، والبيهقى ٦/ ٢٢٥. من طريق ابن عيينة به. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٩١٨٧) من طريق طاوس به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٠ إلى ابن المنذر.\nقال الحاكم: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال البيهقي: كذا في هذه الرواية، والذي روينا عن عمر وابن عباس في تفسيره الكلالة أشبه بدلائل الكتاب والسنة من هذه الرواية، وأولى أن يكون صحيحًا لانفراد هذه الرواية وتظاهر الروايات عنهما بخلافها، والله أعلم.\n(^١) في النسخ: \"سليمان\". والمثبت هو الصواب.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يرث\".\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ١٣٥.","vol":"6","page":481},{"text":"بالميراثِ (^١)؟\nولما (^٢) حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عَن ابْنِ عَونٍ، عَن عَمْرِو بن سعيدٍ، قال: كُنَّا مع حُميدِ بن عبدِ الرحمنِ في سوق الرقيق، قال: فقام من عندنا ثم رجع، فقال: هذا آخِرُ ثلاثةٍ من بنى سعدٍ حدثوني هذا الحديث، قالوا: مرض سعدٌ بمكة مرضًا شديدًا، قال: فأتاه رسولُ الله ﷺ يعودُه، فقال: يا رسول الله، لى مالٌ كثيرٌ، وليس لى وارثٌ إلا كلالةٌ، فأُوصى بمالى كُلِّه؟ فقال: \"لا\" (^٣).\nحدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا إسحاق بن سُوَيدٍ، عن العلاء بن زيادٍ، قال: جاء شيخٌ إلى عمر ﵁، فقال: إنى شيخٌ، وليس لي وارثٌ إلا كلالةٌ، أعرابٌ مُتَراخٍ نسبُهم، أفأُوصِي بثلث مالي؟ قال: لا (^٤).\nفقد أنبأتُ هذه الأخبار عن صحة ما قلنا في معنى الكلالة، وأنها وَرَثَةُ الميتِ دون الميت ممن عدا والده وولده.\n\n<span data-type='title' id=toc-1780>القول في تأويل قوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾.</span>\nيعنى بقوله جل ثناؤُه: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾: وللرجل الذي يُورَثُ كَلالةً\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤٥٩، ٤٦٠.\n(^٢) في النسخ: \"بما\" والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (٧٨١) من طريق ابن علية به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٣١) من طريق ابن عون به، وأخرجه ابن سعد ٣/ ١٤٥، وأحمد ٣/ ٥٠ (١٤٤٠)، والبخارى في الأدب المفرد (٥٢٠)، ومسلم (١٦٢٨) / ٩، وابن خزيمة (٢٣٥٥)، والبيهقى ٩/ ١٨ من طريق عمرو بن سعيد به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٣٥)، والدارمى ٢/ ٤٠٨ من طريق إسحاق به سويد به.","vol":"6","page":482},{"text":"﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾، يعنى: أَخًا أو أُختًا من أُمِّه.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن يعلى بن عطاءٍ، عن القاسم، عن سعدٍ أنه كان يقرأ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾. قال سعدٌ: لأُمِّه (^١).\nحدَّثنا محمد بن المُثنَّى، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن يَعْلَى بن عطاءٍ، قال: سمعتُ القاسم بن ربيعة يقولُ: قرأتُ على سعد: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾. قال سعدٌ: لأُمِّه (^٢).\nحدَّثني محمد بن المثنَّى، قال: ثنا وهب بن جريرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن يَعْلَى بَنِ عطاءٍ، عن القاسم بن ربيعة [بن قائِفٍ] (^٣)، قال: قرأتُ على سعدٍ. فذكر نحوه.\nحدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا يَعْلى بن عطاءٍ، عن القاسم بن ربيعة، قال: سمعتُ سعد بن أبي وقَّاصٍ قرأ: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة وَلَهُ أُخْتٌ من أُمِّه) (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾: فهؤلاء الإخوة من الأمِّ، إن كان واحدًا فله السدُسُ، وإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاءُ في الثلُث، ذكَرُهم وأُنثاهم فيه سواءٌ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة، ١١/ ٤١٦، ٤١٧، والدارمي ٢/ ٣٦٦، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٨٧ (٤٩٣٦) من طريق سفيان به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٨٧ (٤٩٣٦) من طريق شعبة به.\n(^٣) في م: \"عن فاتك\" وتقدم في ٢/ ٣٩٢.\n(^٤) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٦٩، وسعيد بن منصور في تفسيره (٥٩٢ - تفسير)، والبيهقى ٦/ ٢٣١ من طريق هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"6","page":483},{"text":"حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾: فهؤلاء الإخوةُ من الأُمِّ، فهم شركاء في الثلثِ، سواءٌ الذكرُ والأُنثى.\nوقوله: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾. إذا انفرد الأخُ وحدَه، أو الأختُ وحدها، ولم يكن أخٌ غيرُه أو غيرُها من أُمِّه، فله السدُسُ من ميراث أخيه لأمِّه، فإن اجتمع أخٌ وأختٌ، أو أخوان لا ثالث معهما لأمِّهما، أو أختان كذلك، أو أخٌ وأختٌ ليس معهما غيرهما من أُمِّهما، فلكلِّ واحدٍ منهما من ميراث أخيهما لأمِّهما السدُسُ، ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾. يعنى: فإن كان الإخوة والأخواتُ لأمِّ الميت الموروث كلالةً أكثر من اثنين، ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾. يقولُ: فالثلثُ الذي فرَضْتُ لاثنيهم - إذا لم يكن غيرُهما من أمِّهما ميراثًا لهما من أخيهما الميتِ الموروثِ كَلالةً - شَرِكةٌ بينهم، إذا كانوا أكثر من اثنين إلى ما بلغ عددُهم، على عدد رءوسهم، لا يُفَضَّلُ ذَكَرٌ منهم على أنثى في ذلك، ولكنه بينهم بالسَّوِيَّةِ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾. ولم يُقَل: لهما أخٌ أو أختٌ. وقد ذُكر قبلَ (^١) ذلك رجلٌ أو امرأة، فقيل: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة﴾؟\nقيل: إن من شأن العرب إذا قدَّمت ذِكْرَ اسمين قبل الخبر، فعطفت أحدهما على الآخرِ بـ \"أو\"، ثم أتَت بالخبر - أضافت الخبرَ إليهما أحيانًا، وأحيانًا إلى أحدهما، وإذا أضافت إلى أحدهما، كان سواءً عندها إضافة ذلك إلى أيِّ الاسمين اللذين ذكرتهما، أضافته، فتقولُ: مَن كان عنده غلامٌ أو جاريةٌ، فَلْيُحْسِنُ إِليه - يعنى: فَلْيُحْسِنُ إلى الغلام - و: فَلْيُحْسِنْ إليها - يعنى: فَلْيُحْسِنْ\n_________\n(^١) في النسخ: \"مثل\". والمثبت ما يقتضيه السياق.","vol":"6","page":484},{"text":"إلى الجارية - و: فَلْيُحْسِنُ إليهما.\nوأمَّا قوله: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ - وقد تقدَّم ذكر الأخ والأختِ بعطف أحدهما على الآخر. والدَّلالة على أن المراد بمعنى الكلام أحدهما في قوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ - فإن ذلك إنما جاز لأن معنى الكلام: ولكلِّ واحدٍ من المذكورين السدُسُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1781>القولُ في تأويل قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾.</span>\nيعنى جلّ ثناؤه بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا﴾. أي: هذا الذي فرضتُ لأخى الميت الموروث كلالةً وأخته أو إخوته وأخواته من ميراثِه وتركتِه، إنما هو لهم من بعدِ قضاءِ دَيْنِ الميتِ الذي كان عليه يومَ حدَث به حدَثُ الموتِ مِن تَرِكتِه، وبعد إنفاذ وصاياه الجائزة التي يُوصى بها في حياته لمن أَوْصَى له بها بعد وفاتِه.\nكما حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: والدَّيْنُ أحقُّ ما بُدِئَ به مِن جميع المال، فيُؤَدَّى عن أمانة الميت، ثم الوصيةُ، ثم يَقْسِمُ أهل الميراث ميراثَهم.\nوأمَّا قوله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾. فإنه يعنى تعالى ذكرُه: من بعدِ وصيةٍ يُوصَى بها غيرَ مُضَارٌّ ورثته في ميراثهم عنه.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾. قال: في ميراث أهله (^١).\nحدَّثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾. قال: في ميراث أهله.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٦٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٨٩ (٤٩٤٥).","vol":"6","page":485},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذ، قال: حدَّثنا يزيد، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾. وإن الله ﵎ كره الضِّرارَ في الحياة وعند الموت، ونهَى عنه، وقدَّم فيه، فلا تَصْلُحُ مُضَارَّةٌ في حياةٍ ولا موتٍ (^١).\nحدَّثني نصرُ بن عبد الرحمن الأوديُّ، قال: ثنا عبيدةُ بن حميدٍ، وثني يعقوبُ بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، جميعًا عن داود بن أبي هندٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾. قال: الضِّرارُ في الوصية من الكبائرِ (^٢).\nحدَّثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: الضرار في الوصية من الكبائر.\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بِشرُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داودُ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الحيْفُ في الوصية من الكبائر.\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ وعبد الأعلى، قالا: ثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الضرارُ والحَيْفُ في الوصية من الكبائر.\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ١٨٠.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٤٥٦)، وسعيد بن منصور في سننه (٢٥٨، ٢٥٩، ٢٦٠ - تفسير، وابن أبي شيبة ١١/ ٢٠٤، والنسائى في الكبرى (١١٠٩٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٨٨ (٤٩٤٠)، والبيهقى ٦/ ٢٧١ من طريق داود بن أبي هند به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"6","page":486},{"text":"حدَّثني موسى بن سهلٍ الرَّمليُّ، قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم [أبو النَّضْرِ] (^١)، قال: ثنا عمرُ (^٢) بن المُغيرة، قال: ثنا داود بن أبي هندٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"الضِّرارُ في الوصيةِ مِن الكبائرِ\" (^٣).\nحدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا أبو عمرٍو التَّيْمِيُّ، عن أبي الضُّحى، قال: دخَلت مع مسروقٍ على مريضٍ، فإذا هو يُوصى، قال: فقال له مسروقٌ: اعْدِلْ لا تَضْلِلْ (^٤).\nونُصبت ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ على الخروج من قوله: ﴿يُوصَى بِهَا﴾.\nوأما قوله: ﴿وَصِيَّةٌ﴾. فإن نصبه من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. وسائرِ ما أَوْصى به في الاثنين، ثم قال: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ مصدرًا من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ﴾.\nوقد قال بعضُ أهل العربية (^٥): ذلك منصوبٌ من قوله: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ - ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾. وقال: هو مثلُ قولك: لك درهمان نفقةً إلى أهلك.\nوالذي قلناه بالصواب أولى؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه افتَتح ذكر قسمة المواريث في\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أبو النصر\". وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٣٨٩.\n(^٢) في النسخ: \"عمرو\". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٣٨٩.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٣/ ٨٨٨ (٤٩٣٩) من طريق أبي النضر به، وأخرجه العقيلي ٣/ ١٨٩، والدارقطني ٤/ ١٥١، والطبرانى في الأوسط (٨٩٤٧)، والبيهقى ٦/ ٢٧١ من طريق عمر بن المغيرة به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٦٠، ٣٦١، ٣٦٢)، والبيهقى ٦/ ٢٧١ من طريق أبي الضحى به مطولًا.\n(^٥) هو الفراء في معاني القرآن ١/ ٢٥٨.","vol":"6","page":487},{"text":"هاتين الآيتين بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾. ثم ختَم ذلك بقوله: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾. أخْبَر أن جميعَ ذلك وصيةٌ منه به عبادَه. فنصبُ قوله: ﴿وَصِيَّةً﴾ على المصدر من قولِه: ﴿يُوصِيكُمُ﴾. أولى من نصبه على التفسيرِ مِن قولِه: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾؛ لما ذكرنا.\nويعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾: عهدًا مِن اللهِ إليكم فيما يجبُ لكم من ميراث مَن مات منكم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: والله ذو علمٍ بمصالح خلقِه ومضارِّهم، ومَن يَسْتَحِقُّ أن يُعْطَى مِن أقرباء مَن مات منكم وأنسبائِه مِن ميراثِه، ومَن يُحْرَمُ ذلك منهم، ومبلغ ما يَسْتَحِقُّ به كلُّ مَن استحقَّ منهم قَسْمًا، وغيرِ ذلك مِن أمورِ عبادِه ومصالِحهم. ﴿حَلِيمٌ﴾. يقولُ: ذو حِلمٍ عن (^١) خلقِه، وذو أناةٍ في تركه معاجلتَهم بالعقوبةِ، على ظلمِ بعضِهم بعضًا، في إعطائِهم الميراث لأهل الجلد والقوة من ولد الميتِ، وأهلِ الغَنَاءِ والبأسِ منهم، دونَ أهل الضعفِ والعجزِ مِن صِغار ولده وإناثهم.\n\n<span id=\"aya-506\"></span><span data-type='title' id=toc-1783>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اختلف أهلُ التأويل في تأويل قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ فقال بعضُهم: يعني به: تلك شروطُ اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1782>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) في ص: \"بمن\"، وفى م: \"على\".","vol":"6","page":488},{"text":"السُّدِّيِّ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾. يقولُ: شروطُ اللهِ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: تلك طاعةُ الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1784>ذكرُ مَن قال ذلك:</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾. يعني: طاعة الله. يعنى: المواريثُ التي سمَّى الله (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: تلك سنَّةُ اللهِ وأمرُه.\nوقال آخَرون: بل معنى ذلك: تلك فرائضُ اللهِ.\nقال أبو جعفر: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصواب ما نحن مُبَيِّنوه، وهو أن حدَّ كلِّ شيءٍ ما فصَل بينَه وبينَ غيره، ولذلك قيل لحدود الدارِ وحدودِ الأرَضين: حدودٌ؛ لفصولِها بيَن ما حُدَّ بها وبينَ غيره، فكذلك قولُه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾. معناه: هذه القسمةُ التي قسَمها لكم ربُّكم، والفرائضُ التي فرَضها لأحيائكم من موتاكم في هذه الآية، على ما فرَض وبيَّن في هاتين الآيتين، ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾. يعنى: فصولُ ما بين طاعةِ الله ومعصيتِه في قَسْمِكم مواريثَ موتاكم. كما قال ابن عباسٍ، وإنما تُرِك \"طاعة\" (^٣)، والمعنيُّ بذلك حدودُ طاعة الله؛ اكتفاءً بمعرفة المخاطَبين بذلك بمعنى الكلام من ذكرها. والدليلُ على صحة ما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٩٠ (٤٩٥١) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٩٠ (٤٩٤٩) من طريق أبي صالح به.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الله\".","vol":"6","page":489},{"text":"قلنا في ذلك قولُه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. [والآيةُ] (^١) التي بعدها: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤].\nفتأويلُ الآية إذن: هذه القسمةُ التي قسَم بينكم أيُّها الناسُ عليها ربُّكم مواريث موتاكم، فصولٌ فصَل بها لكم بيَن طاعتِه ومعصيتِه، وحدودٌ لكم تنتهون إليها، فلا تَتَعَدَّوْها؛ ليعلَمَ (^٢) منكم أهلَ طاعتِه مِن أهل معصيته، فيما أمَركم به مِن قسمةِ مواريثِ موتاكم بينَكم، وفيما نهاكم عنه منها. ثم أَخْبَر جَلَّ ثناؤُه عمَّا أعدَّ لكلِّ فريقٍ منهم، فقال لفريق أهلِ طاعتِه في ذلك: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في العملِ بما أمَره به، والانتهاء إلى ما حدَّه له، في قسمة المواريثِ وغيرها، ويَجْتَنِبُ ما نهاه عنه في ذلك وغيره، ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. فقوله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾. يعني: بساتين تَجْري من تحتِ غُروسِها وأشجارها الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: باقين فيها أبدًا، لا يموتون فيها، ولا يَفْنَوْن، ولا يخرُجون منها، ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. يقولُ: وإدخالُ الله إياهم الجِنانَ التي وصَفها على ما وصَف مِن ذلك، ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. يعنى: الفَلْجُ العظيمُ.\nوبنحو ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1785>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن\n_________\n(^١) في النسخ: \"الآية\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٢) في ص: \"سلم\" كذا بغير إعجام، وفى م: \"وفصل\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فسلم\"، وفى س: \"بينكم\"، والمثبت هو الصواب.","vol":"6","page":490},{"text":"مجاهدٍ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ﴾ الآيةَ.\nقال: في شأن المواريث التي ذكَر قبلُ (^١).\nحدَّثنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ: التي حدَّ لخلقه، وفرائضُه بينَهم مِن الميراث والقسمةِ، فانْتَهُوا إليها، ولا تَعَدَّوْها إلى غيرها (^٢).\n\n<span id=\"aya-507\"></span><span data-type='title' id=toc-1787>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومن يَعْصِ الله ورسوله في العمل بما أمَراه به مِن قسمةِ المواريثِ على ما أمَراه بقسمةِ ذلك بينَهم، وغير ذلك من فرائضِ اللهِ، مخالفًا أمرَهما إلى ما نَهَياه عنه، ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾. يقولُ: ويَتَجاوَزْ فصولَ طاعتِه التي جعَلها تعالى فاصلةً بينَها وبينَ معصيتِه، إلى ما نهاه عنه من قسمةِ تَرِكاتِ موتاهم بين ورثتِه، وغير ذلك من حدوده، ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾. يقولُ: باقيًا فيها أبدًا، لا يموتُ، ولا يَخْرُجُ منها أبدًا، ﴿وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. يعنى: وله عذابٌ مُذِلُّ مَن عُذِّب به، مُخْزٍ له.\nوبنحوِ ما قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1786>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٨ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"6","page":491},{"text":"حُدُودَهُ﴾ الآية: في شأن المواريثِ التي ذكَر قبلُ.\nقال ابن جُرَيْج: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال: مَن أصاب من الذُّنوب ما يُعَذِّبُ اللهُ عليه.\nفإن قال قائلٌ: أو مُخَلَّدٌ (^١) في النار مَن عصَى الله ورسولَه في قسمة المواريث؟\nقيل: نعم، إذا جمَع إلى معصيتهما في ذلك شكًّا في أن الله فرض عليه ما فرَض على عبادِه في هاتين الآيتين، أو علم ذلك فحادَّ الله ورسوله في أمرهما، على ما ذكَر ابن عباس مِن قولِ مَن قال حين نزَل على رسول الله ﷺ قولُ الله ﵎: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى تمام الآيتين. أَيُوَرَّثُ مَن لا يَرْكَبُ الفرسَ ولا يُقاتِلُ العدوَّ ولا يَحُوزُ الغنيمةَ، نصفَ المال أو جميع المال (^٢)؟ استنكارًا منهم قسمةَ اللهِ ما قسَم لصغارِ ولد الميتِ ونسائِه وإناثِ ولده، فمن (^٣) خالَف قسمةَ اللهِ ما قسَم مِن ميراثِ أهل الميراث بينَهم، على ما قسَمه في كتابِه، وخالَف حكمَه في ذلك وحكمَ رسولِه، استنكارًا منه حكمَهما، كما اسْتَنكره الذين ذكَر أمرَهم ابن عباسٍ، ممن كان بينَ أظهُرِ أصحاب رسول الله ﷺ من المنافقين، الذين فيهم نزَلت وفي أشكالِهم هذه الآية - فهو من أهل الخلودِ في النار؛ لأنه باستنكاره حُكْمَ اللهِ في تلك يَصِيرُ باللهِ كافرًا، ومن ملَّةِ الإسلام خارجًا.\n\n<span id=\"aya-508\"></span><span data-type='title' id=toc-1788>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يخلد\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٤٥٥.\n(^٣) في النسخ: \"ممن\". والمثبت ما يقتضيه السياق.","vol":"6","page":492},{"text":"يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾: والنساءُ اللاتى يَأْتِينَ بالزنى، أي: يَزنِينَ، ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ وهن مُحْصَنَاتٌ ذواتُ أزواجٍ، أو غيرُ ذواتِ أزواجٍ، ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾. يقولُ: فاسْتَشْهِدوا عليهنَّ بما أَتَيْنَ به من الفاحشةِ أربعةَ رجالٍ مِن رجالِكم، يعني: من المسلمين، ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ عَلَيْهِنَّ، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾. يقولُ: فاحْبِسوهنَّ في البيوتِ ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾. يقولُ: حتى يمتن ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. يعنى: أو يَجْعَلَ اللهُ لهنَّ مَخْرَجًا وطريقًا إلى النجاة مما أَتَيْنَ به مِن الفاحشة.\nوبنحو ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1789>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ (^١) محمدُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي زائدةَ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾: أمر بحبسِهنَّ في البيوتِ حتى يمتن، ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. قال: الحَدُّ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. قال: الزنى، كان أمر بحبسِهنَّ حينَ يَشْهَدُ عليهنَّ أربعةٌ حتى يَمُتْنَ، ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾.\n_________\n(^١) بعده في م: \"عن\".\n(^٢) أخرجه البيهقى ٨/ ٢١٠ من طريق ابن أبي نجيح به بنحوه.","vol":"6","page":493},{"text":"والسبيلُ: الحَدُّ (^١).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. إلى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾: فكانت المرأة إذا زنَت حُبِست في البيت حتى تموتَ، ثم أنْزَل الله ﵎ بعدَ ذلك: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. فإن كانا مُحْصَنَيْن رُجِما، فهذا سبيلُهما الذي جعَل اللهُ لهما (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾: فقد جعَل الله لهنَّ، وهو الجَلْدُ والرجمُ.\nحدَّثني بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾. حتى بلغ: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾: كان هذا من قبل الحدودِ، فكانا يُؤْذَيانِ بالقول جميعًا، وبحبسِ المرأةِ، ثم جعَل الله لهنَّ سبيلًا، فكان سبيلَ مَن أَحْصَن جلدُ مائةٍ، ثم رَمْىٌ بالحجارة، وسبيلَ مَن لم يُحْصنْ جَلْدُ مائةٍ، ونفىُ سنةٍ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال عطاءُ بن أبي رَبَاحٍ وعبد الله بن كثيرٍ: الفاحشةُ الزنى. والسبيلُ:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٦٩، وأخرجه البيهقي ٨/ ٢١٠ من طريق أبي عاصم به.\n(^٢) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٣١٠، والبيهقي ٨/ ٢١١ وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٢٦٣ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٩ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٦٤ من طريق سعيد به.","vol":"6","page":494},{"text":"الحدُّ؛ الرجمُ والجلدُ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ إلى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. هؤلاء اللاتي قد نكَحن وأَحْصَنَّ. إذا زنَت المرأةُ فإنها كانت تُحبَسُ في البيتِ، ويَأْخُذُ زوجها مهرَها فهو له، فذلك قولُه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] - ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]: الزنى (^٢)، ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. حتى جاءت الحدودُ فنسَختها، فجُلِدت ورُجِمت، وكان مهرُها ميراثًا، فكان السبيلُ هو الجلدَ (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسين بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبيدُ بنُ سليمان، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ بن مُزاحِمٍ يقولُ في قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. قال: الحَدُّ، نسَخ الحدُّ هذه الآية (^٤).\nحدَّثنا أبو هشام الرِّفاعيُّ، قال: ثنا يحيى، عن إسرائيل، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. قال: جلدُ مائةٍ الفاعل والفاعلةَ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير ٢/ ٢٠٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٩٢، ٨٩٣، ٨٩٥ (٤٩٧٠، ٤٩٨٢) من طريق حجاج عن ابن جريجٍ وعثمان بن عطاء عن ابن عباس.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٩ إلى المصنف.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٠٤.","vol":"6","page":495},{"text":"حدَّثنا الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى، عن وَرْقَاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الجلدُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قَتادةَ، عن الحسن، عن حِطَّانَ بن عبدِ اللهِ الرَّقاشيِّ، عن عُبادة بن الصامت، أن النبيَّ ﷺ كان إذا نزَل عليه الوحيُ نكَس رأسَه، ونكَس أصحابُه رءوسَهم، فلمَّا سُرِّي عنه رفَع رأسَه فقال: \"قد جعَل الله لهن سبيلًا، الثَّيِّبُ بالثَّيِّب، والبكْرُ بالبكر، أما الثَّيِّبُ فيجلدُ ثم يُرْجَمُ، وأمَّا البِكْرُ فيُجْلَدُ ثم يُنْفَى\" (^١).\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، [عن الحسن] (^٢)، عن حِطَّانَ بن عبدِ اللهِ، عن عُبادة بن الصامت، قال: قال نبيُّ الله ﷺ: \"خُذُوا عنِّي قد جعَل الله لهنَّ سبيلًا، الثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ، [البِكْرُ بالبكر] (^٣)، [والثَّيِّبُ] (٢) يُجْلَدُ مائةٌ ويُرْجَمُ بالحجارة، والبِكْرُ جلدُ مائةٍ ونفىُ سنَةٍ\" (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن الحسن، عن حِطَّانَ بن عبدِ اللهِ أخى بنى رَقَاشِ، عن عُبادةَ بن الصامتِ، أن رسول الله ﷺ كان إذا نُزِّل عليه (^٥)، كُرِب لذلك، وتَرَبَّد له وجهُه، فأنزل الله عليه ذاتَ يومٍ، فلقى ذلك، فلمَّا سُرِّي عنه، قال: \"خُذُوا عنِّى؛ قد جعَل الله لهنَّ سبيلًا، الثَّيِّبُ بالثيِّبِ، جلدُ مائةٍ ثم رجمٌ بالحجارة، والبِكْرُ بالبكر، جلدُ مائةٍ ثم نفيُ سنةٍ\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٦٩٠/ ١٣) عن محمد بن بشار به.\n(^٢) سقط من: النسخ. والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه مسلم (١٦٩٠/ ١٣) من طريق محمد بن بشار به.\n(^٥) بعده في م: \"الوحى\".\n(^٦) أخرجه النسائي في الكبرى (٧١٤٣) من طريق يزيد بن زريع به، وأخرجه أحمد ٥/ ٣١٨، ٣٢٠، ٣٢١ (الميمنية)، وأبو داود (٤٤١٥)، وابن حبان (٤٤٤٣) من طريق سعيد به.","vol":"6","page":496},{"text":"حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهَبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. قال: يقولُ: لا تَنْكِحوهنَّ حتى يتوفَّاهُنَّ الموتُ، ولم يُخْرِجْهنَّ مِن الإِسلام، ثم نسَخ هذا، وجعَل السبيل (^١) أن يُجْعَلَ لهنَّ سبيلًا. قال: فجعل لها السبيل، إذا زنت وهى مُحْصَنَةٌ، رُجمت وأُخْرِجت، وجعَل السبيلَ للبكر جلدَ مائةٍ.\nحدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ [قال: أخبرنا يزيدُ] (^٢)، قال: أخبرنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحَّاكِ في قوله: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. قال: الجَلدُ والرَّجْمُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ (^٤) المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ (^٥) جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قَتادةَ، عن الحسن، عن حِطَّانَ بن عبد اللهِ الرَّقَاشيِّ، عن عُبادة بن الصامت، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"خُذُوا عَنِّي، قد جعل الله لهنَّ سبيلًا، الثَّيِّبُ بالطَّيِّبِ، والبِكْرُ بالبِكْرِ، الثَّيِّبُ يُجْلَدُ ويُرْجَمُ، والبِكْرُ يُجْلَدُ ويُنفى\" (^٦).\nحدَّثني يحيى بنُ إبراهيم المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن\n_________\n(^١) بعده في م: \"التي ذكر\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٠٤.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبي\".\n(^٦) أخرجه مسلم (١٤/ ١٦٩٠)، والبزار (٢٦٨٦) عن ابن المثنى، وأخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص ١٧٨، وأحمد ٥/ ٣٢٠ (الميمنية)، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٨٠، والطحاوى ٣/ ١٣٤، وفى المشكل (٤٥٤٣) وابن حبان (٤٤٢٧) من طريق شعبة به، وأخرجه عبد الرزاق (١٣٣٦٠)، والدرامي ٢/ ١٨١ وغيرهما من طريق قتادة به، وأخرجه الطيالسي (٥٨٥)، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص ١٧٨، ١٧٩، والترمذى (١٤٣٤)، وابن الجارود (٨١٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٩٤، ٨٩٥ (٤٩٨١)، والنحاس ص ٣٠٨ وغيرهم من طريق الحسن به، وأخرجه ابن ماجه (٢٥٥٠) من طريق حطان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"6","page":497},{"text":"الأعمش، عن إسماعيل بن مسلمٍ البصريِّ، عن الحسن، عن عُبادة بن الصامت، قال: كُنَّا جلوسًا عند النبيِّ ﷺ إذا احمرَّ وجهه، وكان يَفْعَلُ ذلك إذا نزل عليه الوحى، فأخذه كهيئةِ الغَشْى؛ لِما يَجِدُ مِن ثِقَل ذلك، فلمَّا أفاق قال: \"خُذُوا عنِّى قد جعَل الله لهنَّ سبيلًا، البِكْرانِ يُجْلَدانِ ويُنْفَيانِ سَنَةً، والثَّيِّبَانِ يُجْلَدانِ ويُرْجَمانِ\" (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى الأقوال بالصحة في تأويل قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. قولُ مَن قال: السبيلُ التي جعلها الله جلَّ ثناؤُه للثَّيِّبَين المحَصَنين الرجمُ بالحجارة، وللبِكْرَيْنِ جلد مائةٍ ونفىُ سنةٍ؛ لصحَّة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه رجَم ولم يجلدْ (^٢)، وإجماع الحجَّة التي لا يجوز عليها فيما نقلته مجمعةً عليه - الخطأُ والسهو والكذبُ، وصحة الخبر عنه أنه قضى في البِكْرَيْنِ بجلدِ مائةٍ ونَفْي سَنةٍ، فكان في الذي صحَّ عنه من تركه جلدَ مَن رُجمِ مِن الزُّناةِ في عصره دليلٌ واضحٌ على وَهَاءِ الخبر الذي رُوى عن الحسن، عن حِطَّانَ، عن عبادة، عن النبي ﷺ أنه قال: \"السبيلُ للثَّيِّبِ المُحصن الجلد والرجمُ\".\nوقد ذكر أن هذه الآيةَ في قراءةِ عبدِ اللهِ: (واللاتى يَأْتِينَ بالفاحشةِ مِن نسائكم) (^٣). والعربُ تقولُ: أتيتُ أمرًا عظيمًا، وبأمرٍ عظيمٍ، وتكلَّمْتُ بكلامٍ قبيحٍ، وكلامًا قبيحًا.\n\n<span id=\"aya-509\"></span><span data-type='title' id=toc-1790>القول في تأويل قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾: والرجل والمرأة اللذان\n_________\n(^١) أخرجه الشافعي (٢٥٢)، وفى الرسالة (٣٧٩)، والطيالسي (٣٧٩)، والطيالسي (٥٨٥)، وأحمد ٥/ ٣٢٧ (الميمنية)، والنسائى في الكبرى (٧١٤٢)، والبيهقى ٨/ ٢١٠، والبغوى (٢٥٨٠) وفي التفسير ٢/ ١٨١ من طريق الحسن به.\n(^٢) أخرجه البخارى (٦٨١٤)، ومسلم (١٦٩٢) / ١١٧ من حديث جابر وينظر الطيالسي (١٧٩٦).\n(^٣) تفسير القرطبي ٥/ ٨٣، البحر المحيط ٣/ ١٩٥.","vol":"6","page":498},{"text":"يَأْتِيَانِهَا﴾، يقولُ: يأتيان الفاحشة. والهاءُ والألفُ في قوله: ﴿يَأْتِيَانِهَا﴾ عائدةٌ على \"الفاحشة\" التي في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. والمعنى: واللذان يأتيان منكم الفاحشة فآذُوهما.\nثم اختلف أهل التأويل في المَعْنِيِّ بقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾؛ فقال بعضُهم: هما البِكْرانِ اللذان لم يُحْصنا، وهما غيرُ اللاتي عُنِينَ بالآية قبلها. وقالوا: قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. مَعْنيٌّ به الثَّيِّبات المُحصنات بالأزواج. وقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾. يعني به: البكرانِ غير المُحَصَنين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1791>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ذكر الجوارى والفتيان اللذين لم ينكحوا، فقال: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ (^١).\nحدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾: البِكران ﴿فَآذُوهُمَا﴾.\nوقال آخرون: بل عُنى بقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾: الرجلان الزانيان.\n\n<span data-type='title' id=toc-1792>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا يحيى، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٩٥ (٤٩٨٥) من طريق أحمد بن مفضل به.","vol":"6","page":499},{"text":"﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾. قال: الرجلان الفاعلان، لا يَكْنِى.\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾: الزانيان (^١).\nوقال آخرون: بل عُنى بذلك الرجلُ والمرأةُ، إلا أنه لم يُقصَد به بكرٌ دونَ ثَيِّبٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1793>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا يحيى، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾. قال: الرجلُ والمرأة (^٢).\nحدَّثنا محمد بن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيد النحويِّ، عن عكرمة والحسن البصريِّ، قالا: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. إلى قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]: فذكر الرجلَ بعد المرأة، ثم جمعهما جميعًا، فقال: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (^٣).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال عطاءٌ وعبدُ اللهِ بنُ كَثِيرٍ قولَه: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾. قال: هذه للرجل والمرأة جميعًا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٩٥ (٤٩٨٤) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٠ إلى المصنف.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٠٥.","vol":"6","page":500},{"text":"قال أبو جعفر: وأَوْلَى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾: قولُ مَن قال: عُنى به البكران غيرُ المحصنين إذا زَنَيا، وكان أحدُهما رجلًا والآخَرُ امرأةً؛ لأنه لو كان مقصودًا بذلك قصد البيان عن حكم الزناة من الرجال، كما كان مقصودًا بقوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. قصد البيان عن حكم الزواني، لقيل: والذين يأتونها منكم فآذوهم. أو قيل: والذي يأتيها منكم. كما قيل في التي قبلها: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾. فَأَخْرَج ذكرهنَّ على الجميعِ، ولم يَقُلْ: واللتان يأتيان الفاحشة.\nوكذلك تَفْعَلُ العربُ إذا أرادت البيانَ على الوعيد على فعلٍ، أو الوعد عليه، أَخْرَجَت أسماء أهله بذكر الجميع أو الواحد، وذلك أن الواحد يَدُلُّ على جنسه، ولا تُخْرِجُها بذكر اثنين، فتقولُ: الذين يفعلون كذا فلهم كذا، والذي يفعل كذا فله كذا. ولا تقولُ: اللذان يفعلان كذا فلهما كذا، إلا أن يكون فعلًا لا يكون إلا من شخصين مختلفين، كالزنى لا يكونُ إلا من زانٍ وزانيةٍ. فإذا كان ذلك كذلك قيل بذكر الاثنين، يُرادُ بذلك الفاعل والمفعولُ به. فأَمَّا أَن يُذْكَرَ بذكرِ الاثنين، والمراد بذلك شخصان في فعل قد يَنْفَرِدُ كلُّ واحد منهما به، أو في فعلٍ لا يكونان فيه مشتركين، فذلك ما لا يُعْرَفُ في كلامها.\nوإذا كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ فسادُ قولِ مَن قال: عُنى بقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾. الرجلان، وصحة قول من قال: عُنى به الرجل والمرأةُ. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنهما غيرُ اللواتي تقدَّم بيانُ حُكْمِهن في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾؛ لأن هذين اثنان، وأولئك جماعةٌ.\nوإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الحبس كان للثَّيِّباتِ عقوبةً حتى يُتَوَفَّينَ من قبل أن يَجعَلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا؛ لأنه أغلَظُ في العقوبة من الأذى الذي هو تعنيفٌ","vol":"6","page":501},{"text":"وتوبيخٌ، أو سَبٌّ وتغييرٌ، كما كان السبيل التي جُعلت لهنَّ من الرَّجم أغلظ من السبيل التي جُعِلَت للأبكارِ مِن جَلْدِ المائةِ ونَفْي السنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1796>القولُ في تأويل قوله: ﴿فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾.</span>\nاختلف أهل التأويل في \"الأذى\" الذي كان الله تعالى ذكرُه جعَله عقوبةً لِلَّذِين يأتيان الفاحشة من قبل أن يَجعَلَ لهما سبيلًا منه؛ فقال بعضُهم: ذلك الأذى، أذًى بالقول واللسان، كالتَّعْيير والتوبيخ على ما أتَيا من الفاحشة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1794>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشْرُ بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَآذُوهُمَا﴾. قال: كانا يُؤْذَيَانِ بالقول جميعًا (^١).\nحدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾: فكانت الجارية والفتى إذا زَنَيا يُعَنَّفان ويُعَيَّران حتى يَتْرُكا ذلك (^٢).\nوقال آخرون: كان ذلك الأذى أذًى باللسان، غير أنه كان سَبًّا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1795>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمد بن عمرٍو (^٣)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ،\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ١٨٢، والقرطبي في تفسيره ٥/ ٨٦ بنحوه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، ت ١ ت، ٢ ت، ٣، س: \"سعد\".","vol":"6","page":502},{"text":"عن مجاهدٍ: ﴿فَآذُوهُمَا﴾. يعنى: سبًّا (^١).\nوقال آخرون: بل كان ذلك الأذى باللسان واليد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1797>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾: فكان الرجلُ إذا زنَى أُوذِيَ بالتَّعْيير وضُرِب بالنِّعالِ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكرُه كان أمر المؤمنين بأذى الزانيين المذكورين إذا أتَيا ذلك وهما من أهل الإسلام، والأذى قد يَقَعُ بكلِّ (^٣) مَكْروهٍ نالَ الإنسانَ؛ مِن قولٍ سيِّئ باللسان، أو فعلٍ. وليس في الآية بيان أيِّ (^٤) ذلك كان أُمر به المؤمنون يومئذٍ، ولا خبرٌ به عن رسول الله ﷺ، مِن نَقْلِ الواحد ولا نقل الجماعة الموجبِ مَجِيئُها قطعَ العُذْرِ. وأهلُ التأويل في ذلك مُخْتَلِفون، وجائزٌ أن يكون ذلك أذًى باللسان أو (^٥) اليد، وجائزٌ أن يكون كان أذًى بهما (^٦)، وليس في العلم بأيِّ (^٧) ذلك كان من أيٍّ نفعٌ في دينٍ ولا دُنيا، ولا في\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٧٠، ومن طريقه البيهقى ٨/ ٢١٠ وابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٦٣.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص ١٧٧، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٩٥، ٨٩٦ (٤٩٨٨)، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٢٦٣ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٠ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في ص: \"لكل\".\n(^٤) في م: \"أن\".\n(^٥) في النسخ: \"و\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٦) في م: \"بأيهما\".\n(^٧) في النسخ: \"بأن\". والصواب ما أثبت.","vol":"6","page":503},{"text":"الجهل به مَضَرَّةٌ إذ كان الله جلّ ثناؤُه قد نسَخ ذلك من مُحْكَمِه بما أوجب من الحكم على عباده فيهما، وفى اللاتي قبلهما، فأما الذي أوجب من الحكم عليهم فيهما، فما أوجب في سورة \"النور\" بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. وأما الذي أوجب في اللاتي قبلهما، فالرَّجمُ الذي قضى به رسول الله ﷺ فيهما، وأجمع أهلُ التأويل جميعًا على أن الله تعالى ذكرُه قد جعل لأهل الفاحشة من الزُّناة والزَّوانى سبيلًا بالحدود التي حكم بها فيهم.\nوقال [جماعةٌ من] (^١) أهل التأويل: إن الله سبحانه نسخ بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾. قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1798>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾. قال: كلُّ ذلك نَسَخته الآية التي في \"النور\" بالحدِّ المفروض (^٢).\nحدَّثنا أبو هشام، قال: ثنا يحيى، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ الآية. قال: هذا نَسخته الآية في سورة \"النور\" بالحدِّ المفروض (^٢).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، قال: ثنا الحسين بن واقدٍ، عن يزيد\n_________\n(^١) في ت ١، س: \"جماعة\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٧٠، ومن طريقه البيهقى ٨/ ٢١٠ نحوه.","vol":"6","page":504},{"text":"النحويِّ، عن عكرمة والحسن البصريِّ، قالا في قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ الآية: نسخ ذلك بآية الجَلْدِ، فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾: فَأَنزَل اللهُ بعد هذا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، فإن كانا مُحْصَنَين رُجِما في سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ (^٢).\nحدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّي: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الآية: جاءت الحدود فنسَخَتها.\nحُدِّثْتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخبرنا عُبَيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ: نَسَخ الحدُّ هذه الآية (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سُفيان، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ الآية. قال: نسختها الحدود. وقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾. نَسَختها الحدود (^١).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ الآية: ثم نُسخ هذا، وجُعل السبيلُ لها إذا زَنَت\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٩٤ عقب الأثر (٤٩٧٩) معلقًا.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص ١٧٧، ١٧٨ وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٩٥ (٤٩٨٨) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٠ إلى ابن المنذر.","vol":"6","page":505},{"text":"وهى مُحْصَنَةٌ رُجِمَت وأُخْرِجَت، وجُعِل السبيلُ للذَّكَرِ جلد مائة.\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ١٥]. قال: نَسختها الحدود (^١).\nوأما قوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾. فإنه يعنى به جلّ ثناؤُه: فإن تابا من الفاحشة التي أتيا، فراجعا طاعة الله بينهما، ﴿وَأَصْلَحَا﴾. يقولُ: وأصلحا دِينَهما بمُراجعة التوبة من فاحشتهما، والعمل بما يُرْضِى الله. ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾. يقولُ: فاصفَحوا عنهما، وكُفُّوا عنهما الأذى الذي كنتُ أمرتكم أن تُؤذوهما به عقوبة لهما على ما أتيا من الفاحشة، ولا تُؤذوهما بعد توبتهما.\nوأما قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. فإنه يعنى: إن الله لم يَزَلْ راجعًا لعبيده إلى ما يُحِبُّون، إذا هم راجعوا ما يُحِبُّ منهم من طاعته، رحيمًا بهم، يعني: ذا رحمة ورأفة.\n\n<span id=\"aya-510\"></span><span data-type='title' id=toc-1799>القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾.</span>\nيعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾: ما التوبة على الله لأحدٍ من خلقه إلا للذين يعملون السوء من المؤمنين بجهالة، ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، يقولُ: ما اللهُ براجعٍ لأحدٍ من خلقه إلى ما\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥١ ومن طريقه ابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٦٤، وأخرجه النحاس ص ٣٠٦ من طريق معمر به وسقط من المطبوع إسناده إلى معمر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"6","page":506},{"text":"يُحِبُّه من العفو عنه، والصفح عن ذنوبه التي سَلَفت منه، إلا للذين يأتُون ما يأتونه من ذنوبهم جهالةً منهم، وهم بربِّهم مؤمنون، ثم يُراجعون طاعةَ اللهِ، ويُنيبُونَ (^١) منه إلى ما أمرهم الله به، من الندم عليه والاستغفار وترك العود إلى مثله، من قبل نزول الموت بهم. وذلك هو \"القريبُ\" الذي ذكره الله تعالى ذكره فقال: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾.\nوبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل، غير أنهم اختلفوا في معنى قوله: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾؛ فقال بعضُهم في ذلك بنحو ما قلنا فيه، وذهب إلى أن عمله السوء هو الجهالة التي عناها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1800>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن أبي العالية أنه كان يُحدِّثُ أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: كلُّ ذنبٍ أصابه عبدٌ فهو بجهالة (^٢).\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرَأَوا أن كلَّ شيءٍ عُصِى به فهو جهالةٌ، عمدًا كان أو غيره (^٣).\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾، قال: كلُّ مَن\n_________\n(^١) في م: \"يتوبون\". وفى س: \"يتبعون\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٠ إلى المصنف.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥١.","vol":"6","page":507},{"text":"عَصَى ربَّه فهو جاهلٌ، حتى ينزِعَ عن معصيته (^١).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. قال: كلُّ مَن عَمِل بمعصية الله، فذاك منه بجهلٍ حتى يَرْجِعَ عنه.\nحدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾: ما دام يَعْصِى الله فهو جاهلٌ.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن فُضَيل بن غزوان، عن أبي النَّضْرِ، عن أبي صالح، عن ابن عباس: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. قال: مَن عَمِل السوء فهو جاهلٌ؛ مِن جَهالته عَمِل السوءَ (^٢).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهد، قال: مَن عَصَى الله فهو جاهلٌ، حتى يَنْزِعَ عن معصيته.\nقال ابن جُرَيج: وأَخبَرَنى عبد الله بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ عاملٍ بمعصية فهو جاهلٌ، حينَ عَمِل بها (^٣).\nقال ابن جريج: وقال لى عطاء بن أبي رَبَاحٍ نحوه (^٤).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قول\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٧٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٩٧ (٤٩٩٩) وأخرجه البيهقي في الشعب (٧٠٧٣) من طريق أبي عاصم به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر ٣/ ١٣٠ إلى المصنف.\n(^٣) ذكره ابن كثير في التفسير ٢/ ٢٠٦.\n(^٤) تفسير الثورى ص ٩٢ عن ابن جريج به.","vol":"6","page":508},{"text":"اللهِ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. قال: الجهالة كلُّ امرئٍ عمل شيئًا من معاصى الله، فهو جاهلٌ أبدًا حتى يَنْزِعَ عنها. وقرأ: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩]. وقرأ: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]. قال: مَن عصى الله فهو جاهِلٌ حتى يَنْزِعَ عن معصيته.\nوقال آخرون: معنى قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾: يعملون ذلك على عمدٍ منهم له.\n\n<span data-type='title' id=toc-1801>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن مجاهد: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. قال: الجهالةُ العمدُ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثله (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاك: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. قال: الجهالة العمدُ (١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوءَ في الدنيا.\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ٥/ ٩٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٩٧ (٥٠٠٠) من طريق سفيان، عن جابر، عن مجاهد.","vol":"6","page":509},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1802>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا معتمرُ بن سليمان، عن الحكمِ بن أبان، عن عكرمة قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. قال: الدنيا كلُّها جهالةٌ (^١).\nقال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوالِ بتأويل الآية قولُ مَن قال: تأويلُها: إنما التوبةُ على الله للذين يعملون السوء، وعملُهم السوء هو الجهالة التي جَهلوها، عامدين كانو للإثم أو جاهلين بما أعَدَّ اللهُ لأهلها، وذلك أنه غير موجودٍ في كلام العرب تَسْمِيةُ العامدِ للشيء؛ الجاهل به، إلا أن يكونَ مَعْنِيًّا به أنه جاهلٌ بقَدْر مَنْفعتِه ومَضَرَّتِه، فيقالُ: هو به جاهلٌ. على معنى جهله بمعنى (^٢) نفعه وضَرِّه، فأما إذا كان عالمًا بقَدْرِ مبلغ نفعه وضُرِّه، قاصدًا إليه، فغير جائز مِن أجلِ (^٣) قَصْدِه إليه أن يقال: هو به جاهلٌ؛ لأن الجاهل بالشيء هو الذي لا يعلَمُه ولا يَعرِفُه عند التقدم عليه، أو يَعلَمُه فيُشَبَّهُ فَاعِلُه، إذ كان خَطَأً ما فعله، بالجاهل الذي يأتى الأمر وهو به جاهلٌ، فيُخطِئُ موضعَ الإصابة منه، فيقالُ: إنه لجاهلٌ به. وإن كان به عالمًا؛ لإتيانه الأمر الذي لا يأتى مثله إلا أهل الجهل به.\nوكذلك معنى قوله: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. قيل فيهم: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. وإن أتوه على علمٍ منهم بمبلغ عقاب الله أهله، عامدين إتيانه، مع معرفتهم بأنه عليهم حرامٌ؛ لأن فعلهم ذلك كان من الأفعال التي لا يأتى مثله إلا مَن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٧٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٩٨ (٥٠٠٣) من طريق معتمر بن سليمان به.\n(^٢) كذا في النسخ، ولعل الصواب \"بمبلغ\".\n(^٣) في النسخ: \"غير\". والمثبت ما يقتضيه السياق.","vol":"6","page":510},{"text":"جَهِل عظيم عقاب الله عليه أهله، في عاجل الدنيا وآجل الآخرة، فقيل لمن أتاه وهو به عالمٌ: أتاه بجهالة. بمعنى أنه فعَل فِعلَ الجُهَّالِ به، لا أنه كان به جاهِلًا.\nوقد زَعَم بعضُ أهل العربية (^١) أن معناه أنهم جَهلوا كُنْهَ ما فيه من العقابِ، فلم يَعْلَموه كعلم العالم، وإن عَلِموه ذَنْبًا، فلذلك قيل: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾.\nولو كان الأمرُ على ما قال صاحبُ هذا القولِ لوَجَب أَلَّا تكونَ توبةٌ لَمَنْ علِم كُنْه ما فيه، وذلك أنه جلَّ ثناؤه قال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. دون غيرهم، فالواجبُ على صاحب هذا القول ألا يكون للعالم الذي عَمِل سوءًا على علم منه بكُنه ما فيه، ثم تاب من قريب - توبةٌ، وذلك خلافُ الثابت عن رسول الله ﷺ، من أن كلَّ تائبٍ عسى الله أن يتوب عليه (^٢)، وقوله: \"بابُ التَّوبة مفتوحٌ ما لم تَطْلُع الشمسُ من مَغْربِها\" (^٣).\nوخلافُ قولِ اللهِ ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-1804>القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾.</span>\nاختلف أهل التأويل في معنى \"القريب\" في هذا الموضع؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ثم يتوبون في صحتهم قبل مرضهم وقبل موتهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1803>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن\n_________\n(^١) هو القراء كما في معاني القرآن ١/ ٢٥٩.\n(^٢) يشير إلى ما أخرجه أحمد ٢٨/ ١١٢ (١٦٩٠٧)، والنسائى (٣٩٥٥) والطبراني ١٩/ ٣٦٤، ٣٦٥ (٨٥٦ - ٨٥٨)، والحاكم ٤/ ٣٥١ من حديث معاوية، وما أخرجه أبو داود (٤٢٧٠)، وابن حبان (٥٩٨٠)، والحاكم ٤/ ٣٥١ من حديث أبي الدرداء.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٧٥٩) من حديث أبي موسى بلفظ آخر.","vol":"6","page":511},{"text":"السُّدِّيِّ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾: والقريبُ قبل الموتِ ما دام في صحته (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن أبي النَّضْرِ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. قال: في الحياة والصحة (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم يتوبون من قبل مُعاينة مَلَكِ الموتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1805>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاوية بن صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾: والقريب فيما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمان، قال: سمعتُ عِمران بن حُديرٍ، قال: قال أبو مجلزٍ: لا يزالُ الرجلُ في توبةٍ حتى يُعايِنَ الملائكة (٢).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمد بن قيسٍ، قال: القريب ما لم تنزِلْ به آيةٌ من آياتِ اللهِ تعالى، ويَنزِلْ به الموتُ (٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٩٩ (٥٠٠٨) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٠ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٩٨ (٥٠٠٥) من طريق أبي صالح به.","vol":"6","page":512},{"text":"قَرِيبٍ﴾: له التوبةُ ما بينه وبين أن يُعايِنَ مَلَكَ الموتِ، فإذا تاب حين ينظُرُ إلى مَلَكِ الموت، فليس له ذاك (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم يتوبون من قبل الموت.\n\n<span data-type='title' id=toc-1806>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن رجلٍ، عن الضحاك: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. قال: كلُّ شيءٍ قبل الموت فهو قَريبٌ (^٢).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. قال: الدنيا كلُّها قَريبٌ (^٣).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾: قبل الموتِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذ بن هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قَتادةَ، عن أبي قلابةَ، قال: ذُكِر لنا أن إبليس لمَّا لُعِن وأُنظِر، قال: وعِزَّتِك لا أخرُج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح. فقال ﵎: وعِزَّتى لا أمنعه التوبة ما دامَ فيه الروح.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٠ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥١، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٩٦ - تفسير)، ومن طريقه البيهقى في الشعب (٤٠٧٤) - من طريق رجل من أهل الكوفة، عن الضحاك.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٧٠ عن معتمر بن سليمان به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٩٨ (٥٠٠٧) من طريق الحكم بن أبان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"6","page":513},{"text":"حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا عمران، عن قَتادةَ، قال: كُنَّا عندَ أنس بن مالكٍ وثَمَّ أبو قلابة، فحَدَّث أبو قلابة، قال: إن الله ﵎ لما لَعَن إبليس سأله النَّظِرةَ، فقال: وعِزَّتِك لا أخرج من قلب ابن آدم. فقال الله ﵎: وعِزَّتى لا أمنعُه التوبة ما دامَ فيه الروح.\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن أبي قلابة، قال: إن الله ﵎ لما لَعَن إبليس سأله النَّظرة، فأنظره إلى يوم الدين، قال: وعزَّتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح. قال: وعزَّتى لا أحجُبُ عنه التوبة ما دامَ فيه الروح (^١).\nحدَّثني ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسن، قال: بلغنى أن رسول الله ﷺ قال: \"إن إبليس لمَّا رأى آدمَ أجْوَفَ قال: وعِزَّتِك لا أخرُجُ مِن جَوْفِه ما دامَ فيه الروح. فقال الله ﵎: وعِزَّتى لا أحُولُ بينه وبين التوبة ما دام فيه الروح\" (^٢).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا معاذ بن هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قَتادةَ، عن العلاء بن زياد، عن أبي أيوب بُشير بن كعبٍ، أن نبيَّ الله ﷺ، قال: \"إنَّ الله يقبل توبةَ العَبْدِ ما لم يُغَرْغِرْ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٨٧، وابن المبارك في الزهد (١٠٤٥ - زيادات المروزي)، وأبو نعيم ٢/ ٢٨٤ من طريق عبد الوهاب به.\n(^٢) أخرجه أحمد ١٧/ ٣٣٧، ٣٤٤ (١١٢٣٧، ١١٢٤٤)، وأبو يعلى (١٣٩٩)، والحاكم ٤/ ٢٦١ من حديث أبي سعيد الخدري.\n(^٣) أخرجه أحمد ١٠/ ٣٠٠، ٤٦١ (٦١٦٠، ٦٤٠٨)، وابن ماجه (٤٢٥٣)، والترمذى (٣٥٣٧)، وابن حبان (٦٢٨)، والحاكم ٤/ ٢٥٧، والبيهقى في الشعب (٧٠٦٣) من حديث ابن عمر.","vol":"6","page":514},{"text":"حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن عُبادةَ بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال. فذكر مثله (^١).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغنى أن رسول الله ﷺ قال: \"إِنَّ الله ﵎ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العبدِ ما لم يُغَرْغِرْ\" (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: تأويلُه: ثم يتوبون قبل مماتهم، في الحال التي يفهمون فيها أمر الله ﵎ ونهيه، وقبل أن يُغلبوا على أنفسهم وعقولهم، وقبل حال اشتغالهم بكرب الحشرجة، وغَمِّ الغَرْغَرةِ، فلا يعرفوا أمرَ اللهِ ونهيه، ولا يعقِلوا التوبةَ؛ لأن التوبة لا تكون توبةً إلا ممَّن (^٣) ندم على ما سَلَف منه، وعزم فيه على تركِ المعاودة، وهو يعقِلُ الندم، ويختارُ ترك المعاودةِ، فأما إذا كان بكربِ الموتِ مَشْغولًا، وبغَمِّ الحَشْرجةِ مَغْمورًا، فلا إخالُه إلا عن الندم على ذنوبه مَغْلوبًا، ولذلك قال مَن قال: إن التوبة مقبولةٌ ما لم يُغَرْغِرِ العبد بنفسه. فإن كان المرءُ في تلك الحال يعقِلُ عقل الصحيح، ويفهم فهم العاقل الأريب، فأحدث إنابةً من ذنوبه، ورَجعةٌ من شُرودِه عن ربِّه إلى طاعته، كان إن شاء الله ممن دخل في وعدِ الله الذي وَعَد التائبين إليه من إجرامهم من قريبٍ بقوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1807>القول في تأويل قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ﴿فَأُولَئِكَ﴾: فهؤلاء الذين يعملون السوء بجهالةٍ ثم يتوبون من قريبٍ، ﴿يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، دونَ مَن لم يَتُبْ، حتى غُلِب\n_________\n(^١) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (١٠٨٥) من طريق قتادة به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٠٧ عن المصنف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من\".","vol":"6","page":515},{"text":"على عقلِه، وغَمَرتُه حَشْرجةُ مِيتته، فقال وهو لا يفقَهُ ما يقولُ: ﴿إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. خداعًا لربِّه، ونفاقًا في دينه.\nومعنى قوله: ﴿يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: يَرزُقُهم إنابةً إلى طاعتِه، ويَتَقَبَّلُ منهم أَوْبتَهم إليه وتوبتهم التي أحدثوها من ذنوبهم.\nوأما قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. فإنه يعنى: ولم يَزَلِ الله جلَّ ثناؤُه عليمًا بالناس من عباده المُنيبين إليه بالطاعة، بعد إدبارهم عنه، المُقبلين إليه بعدَ التولية، وبغير ذلك من أمورِ خلقه، حكيمًا في توبته على من تابَ منهم من معصيته، وفى غير ذلك من تدبيره وتقديره، ولا يدخُلُ أفعاله خَلَلٌ، ولا يَخْلِطُه خطأٌ ولا زَلَلٌ.\n\n<span id=\"aya-511\"></span><span data-type='title' id=toc-1808>القول في تأويل قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وليست التوبة للذين يعملون السيئات من أهل الإصرار على معاصى اللهِ، ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ يقولُ: إِذا حَشْرَج أحدُهم بنفسه، وعاين ملائكة ربِّه قد أقبلوا إليه لقبضِ روحه قال - وقد غُلب على نفسه، وحِيلَ بينه وبينَ فَهْمِه، بشُغْلِه بكربٍ حَشْرَجَتِهِ وَغَرْغَرتِه -: ﴿إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. يقولُ: فليس لهذا عند الله ﵎ توبةٌ؛ لأنه قال ما قال في غير حالِ توبة.\nكما حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن يَعْلى بن نَعْمَانَ، قال: أخبَرَنى من سمع ابن عمر يقولُ: التوبة مبسوطةٌ ما لم يُسَقْ. ثم قرأ ابن عمر: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. ثم قال: وهل الحضور إلا","vol":"6","page":516},{"text":"السَّوْقُ (^١).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. قال: إذا تَبَيَّن الموتُ فيه لم يقبل الله له توبةً.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن أبي النَّضْرِ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾: فليس لهذا عند الله تَوْبَةٌ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، قال: سمِعتُ إبراهيم بن ميمونٍ يُحدِّثُ عن رجل من بني الحارث، قال: ثنا رجلٌ مِنَّا، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو أنه قال: مَن تاب قبل موته بعامٍ تيب عليه. حتى ذكر شهرًا، حتى ذكر ساعةً، حتى ذكر فُوَاقًا (^٣)، قال: فقال رجلٌ: كيف يكون هذا، والله تعالى يقولُ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾؟ فقال عبد الله: أنا أحدِّثك ما سمعتُ من رسولِ الله ﷺ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٩٢ - ومن طريقه البيهقى في الشعب (٧٠٧٢) - وتفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٠ (٥٠١٧) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣١ إلى المصنف.\n(^٣) فواق الناقة هو ما بين الحلبتين الراحة، وتضم فاؤه وتفتح. النهاية ٣/ ٤٧٩.\n(^٤) أخرجه الطيالسي (٢٣٩٨)، وأحمد ١١/ ٥١٧ (٦٩٢٠)، والبخارى في الكبير ١/ ٤٢٧، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٨٩، ٩٠٠ (٥٠١٠، ٥٠١٤)، والبيهقى في الشعب (٧٠٦٧) من طريق شعبة به.","vol":"6","page":517},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن إبراهيمَ بن مُهاجِرٍ، عن إبراهيم، قال: كان يقالُ: التوبة مبسوطةٌ ما لم يُؤْخَذْ بكَظَمِه (^١).\nواختلف أهل التأويل في مَن عنَى بقوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى به أهلَ النِّفاقِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1809>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. قال: نَزَلَت الأولى في المؤمنين، ونَزَلَت الوسطى في المنافقين - يعنى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ - والأخرى في الكفار. يعنى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ (^٢).\nوقال آخرون: بل عنى بذلك أهل الإسلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-1810>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سُفيانَ، قال: بلغنا في هذه الآيةِ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. قال: هم المسلمون، ألا ترى أنه قال: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾؟\n_________\n(^١) الكَظَم: مخرج النفس من الحلق. النهاية ٤/ ١٧٨.\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٠ إلى المصنف.","vol":"6","page":518},{"text":"وقال آخرون: بل هذه الآية كانت نَزَلَت في أهل الإيمان، غير أنها نُسِخَت.\n\n<span data-type='title' id=toc-1811>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية بن صالحٍ، عن على بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: فأنزل الله ﵎ بعد ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]. فحَرَّم الله تعالى المغفرة على من مات وهو كافرٌ، وأَرْجَأَ أهل التوحيد إلى مَشِيئَتِه، فلم يُؤيسْهم من المغفرة المغفرة (^١).\nقال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندى بالصواب ما ذكره الثوريُّ أنه بلغه أنه في الإسلام. وذلك أن المنافقين كفارٌ، فلو كان مَعْنِيًّا به أهلَ النِّفاقِ، لم يكن لقوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. معنًى مفهومٌ؛ لأنهم [إن كانوا] (^٢) الذين قبلهم في معنًى واحدٍ، من أن جميعهم كفارٌ، فلا (^٣) وَجْهَ لتَفْريقِ أحكامهم (^٤)، و(^٥) المعنى الذي من أجلِه بَطَل أن تكونَ توبةٌ؛ واحدٌ (^٦). وفى تفرقة الله جلّ ثناؤه بين أسمائهم وصِفاتِهم، بأن سَمَّى أحدَ الصِّنفين كافرًا، ووَصف الصِّنْفَ الآخَرَ بأنهم أهلُ سَيئاتٍ، ولم يُسَمِّهم كفارًا، ما دَلَّ على افتراقِ مَعانِيهم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠١ (٥٠٢٠) من طريق عبد الله بن صالح به، دون قوله: وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣١ إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"إن كانوا هم و\"، وفى س: \"إما كانوا\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ولا\".\n(^٤) في م، ت ١: \"أحد منهم\".\n(^٥) في م: \"في\".\n(^٦) بعده في م: \"مقبولة\".","vol":"6","page":519},{"text":"وفي صحة كون ذلك كذلك صحة ما قلنا وفساد ما خالفه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1812>القول في تأويل قوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤه: ولا التوبة للذين يموتون وهم كفارٌ. فمَوضِعُ ﴿الَّذِينَ﴾ خَفْضٌ؛ لأنه معطوفٌ على قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يقولُ: هؤلاء الذين يموتون وهم كفارٌ أعتدنا لهم عذابًا أليمًا؛ لأنهم [من التوبة أبعد، لموتهم] (^١) على الكفر.\nكما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن أبي النضر، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: أولئك أبعد من التوبة (^٢).\nواختلف أهل العربية في معنى: ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾؛ فقال بعضُ البصريين: معنى ﴿أَعْتَدْنَا﴾: أفعلنا، من العتاد. قال: ومعناها: أعددنا.\nوقال بعضُ الكوفيين: أعْدَدنا وأعتدنا معناهما واحدٌ.\nفمعنى قوله: ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾: أعْدَدنا لهم. ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يقولُ: مؤلمًا مُوجِعًا.\n\n<span id=\"aya-512\"></span><span data-type='title' id=toc-1813>القولُ في تأويل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"أبعدهم من التوبة كونهم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣١ إلى المصنف.","vol":"6","page":520},{"text":"يعنى ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: يا أيُّها الذين صدَّقوا الله ورسوله ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. يقولُ: لا يَحِلُّ لكم أن تَرِثوا نكاح نساء أقاربكم وآبائكم كَرْهًا.\nفإن قال قائلٌ: كيف كانوا يرثونهن؟ وما وَجْهُ تَحريم وراثتهنَّ، وقد عَلِمتَ أن النساءَ مُوَرَّثاتٌ (^١) كما الرجالُ مُوَرَّثون (^٢)؟\nقيل: إن ذلك ليس من معنى وِراثتهنَّ إذا هن مِتْنَ فتَرَكنَ مالًا، وإنما ذلك أنهن في الجاهلية كانت إحداهنَّ إذا مات زوجها، كان ابنه أو قَريبُه أَوْلَى بها من غيرِه، ومنها بنفسها، إن شاء نَكَحها، وإن شاء عَضَلها، فمنعها من غيرِه ولم يتزوَّجها (^٣) حتى تموت، فحَرَّم الله تعالى ذلك على عباده، وحَظَر عليهم نكاح حلائل آبائهم، ونهاهم عن عَضْلِهن عن النِّكاح.\nوبنحو القول الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1814>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا أسباط بن محمدٍ، قال: ثنا أبو إسحاق - يعنى الشيبانيَّ - عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾. قال: كانوا إذا مات الرجل، كان أولياؤه أحقُّ بامرأته، إن شاء بعضُهم تَزوَّجَها، وإن\n_________\n(^١) في ت ١: \"موروثات\".\n(^٢) في ت ١: \"موروثون\".\n(^٣) في م: \"يزوجها\".","vol":"6","page":521},{"text":"شاءوا زَوَّجوها، وإن شاءوا لم يُزَوِّجوها، وهم أحقُّ بها من أهلها، فنَزَلَت هذه الآية في ذلك (^١).\nوحدثني أحمد بن محمد الطُّوسيُّ، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالحٍ، قال: ثني محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيفٍ، عن أبيه، قال: لما تُوفِّى أبو قيس بن الأسلتِ أرادَ ابنُه أن يتزوج امرأته، وكان ذلك لهم في الجاهلية، فأنزل اللهُ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحويِّ، عن عكرمة والحسن البصري، قالا في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: وذلك أن الرجل كان يَرِثُ امرأة ذى قرابته، فيَعضُلُها حتى تموتَ أو تَرُدَّ إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك، يعني أن الله نهاكم عن ذلك.\nحدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سليمان التَّيميِّ، عن أبي مجلزٍ في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. قال: كانت الأنصارُ تفعل ذلك، كان الرجلُ إذا مات حَميمُه، وَرِثْ حَميمُه امرأته، فيكون أولى بها من وليِّ نفسها (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٤٥٧٩)، وأبو داود (٢٠٨٩)، والنسائى في الكبرى (١١٠٩٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٢ (٥٠٢٩)، والبيهقى ٧/ ١٣٨ والواحدى في أسباب النزول ص ١٠٧، ١٠٨ من طريق أسباط به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٠٩٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٢ (٥٠٣٠) من طريق محمد بن فضيل به.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٩٢ عن التيمي به بنحوه.","vol":"6","page":522},{"text":"حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حَجَّاجُ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآية. قال: كان الرجل إذا مات أبوه أو حَميمُه، فهو أحقُّ بامرأتِه، إن شاء أمسكها، أو يحبسها حتى تفتدى منه بصداقها، أو تموت فيذهب بمالها (^١).\nقال ابن جريجٍ: فأخبرنى عطاءُ بن أبي رباحٍ أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجلُ فتَرَك امرأةٌ، حَبَسها أهله على الصبيِّ يكون فيهم. فنزلت: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآية (^٢).\nقال ابن جريجٍ، وقال مجاهدٌ: كان الرجلُ إذا تُوفِّى أبوه كان أحقَّ بامرأتِه، يَنكِحُها إن شاء، إذا لم يكن ابنَها، أو يُنكِحُها مَن (^٣) شاء؛ أخاه أو ابنَ أخيه.\nقال ابن جُريجٍ: وقال عكرمة: نزَلَت فِي كُبَيشَةَ بنتِ مَعْنِ بن عاصمٍ من الأوس، توفِّي عنها أبو قيس بنُ الأسلتِ، فَجَنَح عليها (^٤) ابنه، فجاءت النبيَّ ﷺ فقالت: يا نبيَّ الله، لا أنا ورثت زوجى، ولا أنا تُرِكتُ فأُنْكَحَ. فنزَلَت هذه الآيةُ (^٥).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٢، ٩٠٣ عقب الأثر (٥٠٣٢) معلقًا. وينظر تفسير ابن كثير ٢/ ٢١٠.\n(^٣) في م: \"إن\".\n(^٤) جنح عليها: أي مال عليها ليحول بين الناس وبينها.\n(^٥) ذكره ابن الأثير في أسد الغابة ٦/ ٢٥٧، ٧/ ٢٥٠ عن حجاج، عن ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٢ إلى ابن المنذر.","vol":"6","page":523},{"text":"عن مجاهدٍ في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. قال: كان إذا توفِّى الرجلُ، كان ابنه الأكبر هو أحقَّ بامرأته، يَنكِحُها إذا شاء إذا لم يكن ابنَها، أو يُنكِحُها مَن شاء؛ أخاه أو ابن أخيه (^١).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عمرو بن دينارٍ مثل قول مجاهدٍ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شِبلٌ، قال: سمعتُ عمرو بن دينار يقول مثل ذلك.\nحدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أما قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. فإن الرجل في الجاهلية كان يموتُ أبوه أو أخوه أو ابنه، فإذا مات وترك امرأته، فإن سَبَق وارِثُ الميت فألقى عليها ثوبه، فهو أحقُّ بها أن يَنكِحَها بمَهْرِ صاحبِه، أو يُنكِحَها فيَأْخُذَ مهرها، وإن سبقته فذهَبَت إلى أهلها، فهم أحقُّ بنفسها (^٢).\nحُدِّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبَيدُ بنُ سليمان الباهليُّ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾: كانوا بالمدينة إذا ماتَ حَميمُ (^٣) الرجل وتَرَك امرأةً، ألقى الرجلُ عليها ثَوبَه، فوَرِث نكاحها، وكان أحقَّ بها، وكان ذلك عندهم نكاحًا، فإن شاء أمسَكها حتى تفتدِيَ منه، وكان هذا في الشِّرْكِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٧٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٢ (٥٠٣١) من طريق السدى عن أبي مالك بنحوه.\n(^٣) في س: \"منهم\".","vol":"6","page":524},{"text":"حدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. قال: كانت الوراثة (^١) في أهل يثرب بالمدينة ههنا، فكان الرجلُ يموتُ فيَرِثُ ابنه امرأة أبيه، كما يَرِثُ أمَّه، لا يستطيعُ أَن يُمنع. فَإِن أَحَبَّ أن يَتخِذَها اتخَذَها، كما كان أبوه يتخِذُها، وإن كَرِه فارَقَها، وإن كان صغيرًا حُبِسَت عليه حتى يَكْبَرَ، فإن شاء أصابها، وإن شاء فارقها، فذلك قولُ الله ﵎: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾: وذلك أن رجالًا من أهل المدينة كان إذا مات حَميمُ أحدهم، ألقَى ثوبَه على امرأتِه، فوَرِث نِكَاحَها، فلم ينكحها أحدٌ غيرُه، وحَبَسها عنده حتى تفتدِيَ منه بفديةٍ، فأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (^٣).\nحدثني ابن وَكيع، قال: ثنى أبي، قال: ثنا سفيان، عن عليِّ بن بَذِيمةَ، عن مِقْسَمٍ، قال: كانت المرأةُ في الجاهلية إذا مات زوجُها، فجاء رجلٌ فألقى عليها ثوبه، كان أحقَّ الناس بها. قال: فنزلت هذه الآيةُ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (^٤).\nفتأويل الآية على هذا التأويل: يا أيُّها الذين آمنوا لا يَحِلُّ لكم أن ترثوا آباءكم\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"الوارثة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٣ (٥٠٣٣) عن يونس به وفيه زيادة.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٢ إلى المصنف.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٠٩.","vol":"6","page":525},{"text":"وأقاربكم نكاح نسائهم كَرْهًا. فترك ذكر الآباء والأقارب والنكاح، ووجَّه الكلام إلى النهي عن وِراثة النساء؛ اكتفاء بمعرفة المخاطبين بمعنى الكلام، إذ كان مفهومًا معناه عندهم.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يَحِلُّ لكم أيُّها الناسُ أن تَرِثوا النساءَ تَرِكاتِهن كَرْهًا. قالوا: وإنما قيل ذلك كذلك لأنهم كانوا يَعضُلُونَ أَيَامَاهُنَّ وهُنَّ كَارِهاتٌ للعضل، حتى يَمُتْنَ فيرِثوهن أموالهن.\n\n<span data-type='title' id=toc-1815>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. قال: كان الرجل إذا مات وترك جاريةً، ألقى عليها حَميمُه ثوبه، فمنعها من الناس، فإن كانت جميلةٌ تَزَوَّجها، وإن كانت ذميمةً (^١) حبسها حتى تموتَ فيرِثَها (^٢).\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. قال: نزلت في ناسٍ من الأنصار، كانوا إذا مات الرجلُ منهم، فأملك الناس بامرأتِه وَلِيُّه، فيُمسكها حتى تموتَ فيرِثَها، فنَزَلَت فيهم (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى القولين بتأويل الآية القولُ الذي ذكرناه عمَّن قال: معناه:\n_________\n(^١) في م: \"قبيحة\"، وأثبتناه كباقى النسخ وابن أبي حاتم والدر المنثور ٢/ ١٣١، وعند ابن كثير: \"دميمة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٢ (٥٠٢٨) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥١.","vol":"6","page":526},{"text":"لا يَحِلُّ لكم أن ترثوا النساء (^١) أقاربكم؛ لأن الله جل ثناؤه قد بَيَّن مَواريث أهل المواريث، فذلك لأهله، كره (^٢) وراثتهم إياه الموروث ذلك عنه من الرجال أو النساء، [أو رضى] (^٣).\nفقد عُلم بذلك أنه جلّ ثناؤه لم يَحظُرْ على عباده أن يرثوا (^٤) النساء ما جعله لهم ميراثًا عنهن، وأنه إنما خطر أن يُكْرَهن موروثاتٍ، بمعنى حَظرِ وراثة نكاحهن، إذ كان ميِّتهم الذي ورثوه قد كان مالكًا عليهن أمرهن في النِّكاح مِلْكَ الرجل مَنْفعةَ ما استأجر من الدُّور والأرضين وسائر ما له منافعُ (^٥).\nفأبانَ الله جلّ ثناؤه لعباده أن الذي يملكه الرجلُ منهم من يُضْعِ زَوْجِه، معناه غيرُ معنى ما يملكُ أحدهم من منافع سائر المملوكات التي تجوز إجارتها، [بمعنى الإجارة] (٣)، فإن المالِكَ بُضْعَ زوجته إذا هو مات، لم يكن ما كان له ملكًا من زوجته بالنكاح لورثته بعده، كما لهم من الأشياء التي كان يملكها بشراءٍ أو هبةٍ أو إجارةٍ بعد موته بميراثه ذلك عنه.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾. فَإِن أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: تأويله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. أي: ولا تحبسوا يا معشرَ وَرثَةٍ من مات من الرجال أزواجهم عن نكاحِ مَن أَرَدْنَ نِكَاحَه من\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١: \"كرها\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"نحوه\". وفى م: \"نحو\". وأثبتنا ما يتسق والسياق، يدل على صحته قوله بعد ذلك \"أو رضى\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يوتوا\".\n(^٥) في ص: \"نافع\".","vol":"6","page":527},{"text":"الرجال، كيما يمتن فتَذهَبوا ببعض ما آتيتموهن، أي: فتأخُذوا من أموالهن إذا مِتْنَ، ما كان موتاكم الذين ورثتموهم (^١) ساقوا إليهن من صدُقاتهن. وممن قال ذلك جماعةٌ قد ذكرنا بعضهم، منهم ابن عباسٍ، والحسن البصريُّ، وعكرمة.\nوقال آخرون: بل معني ذلك: ولا تَعْضُلوا أيُّها الناسُ نساءكم، فتحبسوهن ضرارًا، ولا حاجة بكم إليهن، فتُضِرُّوا بِهن، ليَفْتَدِين منكم بما آتيتموهن من صدقاتهن.\n\n<span data-type='title' id=toc-1816>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. يقولُ: لا تَقْهَروهنّ. ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾. يعنى: الرجلُ تكون له المرأة وهو كارِهٌ لصُحْبتِها، ولها عليه مَهْرٌ، فَيُضِرُّ بها لتَفْتِدِى (^٢).\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. يقولُ: لا ينبغي (^٣) لك أن تحبس امرأتك ضرارًا حتى تَفْتدِيَ منك (^٤). قال: وأَخبرنا مَعْمَرٌ، قال: وأخبرني سماكُ بن الفضل (^٥)، عن ابن البيلمانيِّ (^٦)، قال: نزلت هاتان الآيتان، إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ورثتموهن\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٣ (٥٠٣٧) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) في م، ت ١: \"يحل\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢١٠.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المفضل\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ١٢٥، ١٢٦.\n(^٦) في ت ١، س: \"السلماني\". وينظر تهذيب الكمال ٨/ ١٧.","vol":"6","page":528},{"text":"أمر الإسلام.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن مَعْمَرٍ، قال: أخبرنا سماكُ بنُ الفضل (^١)، عن عبدِ الرحمنِ بن البَيْلَماني (^٢) في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. قال: نزلت هاتان الآيتان، إحداهما في الجاهلية، والأخرى في أمر (^٣) الإسلام. قال عبد الله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ﴾ في الجاهلية، ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ في الإسلامِ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحمَّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن سالم، عن سعيدٍ: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. قال: لا تَحْبِسوهنّ (^٥).\nحدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾: أما ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾، فيقولُ: تُضارُّوهن ليَفْتَدِين منكم (^٦).\nحدِّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. قال: العَضْلُ أن يُكْرِهَ الرجل امرأته فيُضِرُّ بها حتى تفتدِى منه، قال الله ﵎: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (^٧) [النساء: ٢١].\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المفضل\".\n(^٢) في ت ١، س: \"السلماني\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٥٢ عن معمر به، دون قول عبد الله. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٣٢ إلى ابن المنذر.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٥٢ عقب الأثر (٥٠٣٤) معلقًا.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٣ عقب الأثر (٥٠٣٦) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.\n(^٧) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٣ عقب الأثر (٥٠٣٦) معلقًا.","vol":"6","page":529},{"text":"وقال آخرون: المعنيُّ بالنهي عن عَضْل النساء في هذه الآية أولياؤهنَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1817>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾: أن يَنْكِحْنَ أزواجهن، كالعضل في سورة \"البقرة\" (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ مثله.\nوقال آخرون: بل المنهيُّ عن ذلك زوج المرأة بعد فراقه إياها. وقالوا: ذلك كان من فعل الجاهلية، فنُهوا عنه في الإسلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-1818>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونس بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: كان العَضْلُ في قريش بمكة؛ يَنكِحُ الرجلُ المرأة الشريفة، فلعلَّها لا (^٢) توافقه، فيُفارِقُها على ألا تَتزوَّجَ إلا بإذنه، فيأتى بالشهودِ، فيكتُبُ ذلك عليها ويُشْهِدُ، فإذا خطبها خاطِبٌ، فإن أعطته وأرضَتْه أذن لها، وإلا عَضَلها. قال: فهذا قولُ اللهِ ﵎: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الآية (^٣).\nقال أبو جعفر: قد بَيَّنَّا فيما مضى معنى \"العَضْل\"، وما أصله بشواهد ذلك من الأدلة (^٤). وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بالصحة في تأويل قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٣٧ بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في ص: \"ألا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٢ إلى المصنف.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٤/ ١٩٣، ١٩٤.","vol":"6","page":530},{"text":"لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾. قولُ مَن قال: نهى الله جلّ ثناؤه زوج المرأةِ عن التَّضْييقِ عليها والإضرار بها وهو لصُحْبتها كارهٌ، ولفِراقِها مُحِبٌّ، لتفتدِيَ منه ببعض ما آتاها من الصَّداق.\nوإنما قلنا: ذلك أولى بالصحة؛ لأنه لا سبيل لأحدٍ إلى عَضْلِ امرأةٍ إِلَّا لأحدٍ رجلين؛ إمّا لزوجها بالتَّضييق عليها، وحَبْسِها على نفسه وهو لها كارِهٌ، مُضارَّةً منه لها بذلك؛ ليَأخُذَ منها ما آتاها، بافتدائها منه نفسَها بذلك، أو لوليِّها الذي إليه إنكاحُها، وإذا كان لا سبيل إلى عَضْلِها لأحدٍ غيرهما، وكان الوليُّ معلومًا أنه ليس ممّن آتاها شيئًا فيقال إن عَضَلَها عن النِّكاح: عَضَلها ليَذهَبَ ببعض ما آتاها. كان معلومًا أن الذي عنى الله ﵎ بنهيه عن عَضْلِها هو زوجها الذي له السبيلُ إلى عَضْلِها ضِرارًا لتفتدِى منه.\nوإذا صحَّ ذلك، وكان معلومًا أن الله تعالى ذكره لم يجعل لأحدٍ السبيل على زوجته بعد فراقه إياها وبَيْنونَتِها منه، منه، فيكون له إلى عَضْلِها سبيلٌ لتَفْتِدِيَ منه مِن عَضْلِه إياها، أتَتْ بفاحشة أم لم تأتِ بها، وكان الله جلّ ثناؤه قد أباحَ للأزواج عَضْلَهن إذا أَتَيْنَ بفاحشةٍ مُبَيِّنَةٍ حتى يَفْتدِين منه - كان بَيِّنًا بذلك خطأُ التأويل الذي تأوَّله ابن زيد، وتأويل من قال: عُنى بالنهي عن العَضْل في هذه الآية أولياء الأيامى. وصحةُ ما قلنا فيه.\n﴿لَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. في موضع نَصْبٍ عطفًا على قوله: ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. ومعناه: لا يَحِلُّ لكم أن تَرِثُوا النساءَ كَرْهًا ولا أَنْ تَعْضُلوهن. وكذلك هي فيما ذُكر في حرف ابن مسعودٍ (^١).\n_________\n(^١) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٢٥٩.","vol":"6","page":531},{"text":"ولو قيل: هو في موضع جزم على وَجْهِ النهي. لم يكن خطأً.\n\n<span data-type='title' id=toc-1820>القول في تأويل قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤه: لا يَحِلُّ لكم أيُّها المؤمنون أن تَعْضُلوا نساءكم، ضِرارًا منكم لهن، وأنتم لصُحْبتهن كارهون، وهُنَّ لكم طائعاتٌ، لتذهَبوا ببعض ما آتيتُمُوهن مِن صَدُقَاتِهِنَّ، إلا أن يَأْتين بفاحشةٍ مُبيِّنةٍ، فيَحِلَّ لكم حينئذٍ الضِّرارُ بهنَّ؛ ليَفْتَدِين منكم.\nثم اختلف أهل التأويل في معنى \"الفاحشة\" التي ذكرها الله جلّ ثناؤه في هذا الموضع؛ فقال بعضُهم: معناها: الزِّنَى. وقال: إذا زَنَت امرأة الرجل، حَلَّ له عَضْلُها والضِّرارُ بها لتفتدِى منه بما آتاها من صداقها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1819>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا أشعثُ، عن الحسن في البِكْرِ تَفْجُرُ، قال: تُضرَبُ مائةً، وتُنفَى سنةً، وتَرُدُّ إلى زوجها ما أخَذَت منه. وتأوَّلَ هذه الآيةَ: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (^١).\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن عطاءٍ الخراساني، في الرجل إذا أصابت امرأتُه فاحشةً، أخذ ما ساق إليها وأخرجها، فنَسَخ ذلك الحدود (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٤/ ٢٦٤ عن ابن إدريس به بنحوه.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٢، وفي مصنفه (١١٠٢٠)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٢ إلى ابن المنذر.","vol":"6","page":532},{"text":"حدَّثنا أحمد بن منيعٍ، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: إذا رأى الرجلُ مِن امرأته فاحِشَةً، فلا بأس أن يُضارَّها، ويَشُقَّ عليها حتى تختلِعَ منه (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرني مَعْمَرٌ، عن أيوب، عن أبي قلابة في الرجل يَطَّلِعُ من امرأته على فاحشةٍ. فذكر نحوه.\nحدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: وهو الزِّنَى، فإِذا فَعَلْن ذلك فَخُذُوا مُهورهنَّ (^٢).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: أخبرني عبد الكريم أنه سمع الحسن البصريَّ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾. قال: الزِّنَى. قال: وسمِعتُ الحسنَ وأبا الشَّعْثاءِ يَقولان: فإِن فَعَلَت، حَلَّ لزوجها أن يكون هو يسألُها الخُلْعَ لِتفتدِىَ (^٣).\nوقال آخرون: الفاحشة المبيِّنة في هذا الموضع النُّشُوزُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1821>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية بن صالحٍ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٢ إلى ابن المنذر بنحوه، وذكره أبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٢٠٣ عن أبي قلابة. وينظر ابن أبي شيبة ٥/ ١٠٧.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ٥/ ٩٥.\n(^٣) في ص: \"يعتدى مسلها\"، وفى ت ١: \"لفتدى مسلها\"، وفى: ت ٢: \"لتفتدى نسكها\"، وفى س: \"فيفتدى منها\". وليس في مصدر التخريج. ورأى الشيخ شاكر أن صواب قراءتها: \"لتفتدي نفسها\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٢ إلى المصنف.","vol":"6","page":533},{"text":"على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: وهو البُغْضُ والنُّشُوزُ، فإذا فَعَلَت ذلك، فقد حَلَّ له منها الفِدْية (^١).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عَنْبسةُ، عن عليِّ بن بَذِيمةَ، عن مقسمٍ في قوله: (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتذهبوا ببعض ما آتيتموهُنَّ إلا أَنْ يُفْحِشْنَ) في قراءة ابن مسعودٍ، قال: إذا عصتك (^٢) وآذتك، فقد حلَّ لك أخذُ ما أخَذَتْ منك (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُطَرِّفِ بن طَرِيفٍ، عن خالدٍ، عن الضحَّاكِ بن مُزَاحِمٍ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: الفاحشة هاهنا النشوزُ، فإذا نشَزت حلَّ له أن يَأْخُذَ خُلْعَها منها (١).\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: هو النشوزُ (^٤).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال عطاءُ بن أبي رَبَاحٍ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: فَإِن فَعَلْنَ؛ إِن شِئتُم أمْسَكتُموهنَّ، وإِن شِئتُم أَرْسَلْتُموهنَّ.\nحدِّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أَخبرنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحَّاكَ بنَ مُزاحِمٍ يقولُ في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: عدل ربُّنا ﵎ في القضاء، فرجع إلى النساء،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٢ إلى المصنف.\n(^٢) في م: \"عضلت\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٠٨ من طريق على بن بذيمة مختصرًا.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٢، وفى مصنفه (١١٠٢٠).","vol":"6","page":534},{"text":"فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: والفاحشة العصيانُ والنُّشُوزُ، فإذا كان ذلك مِن قِبَلِها، فإن قبلها، فإن الله أمره أن يَضْرِبَها، وأمره بالهجرِ، فإن لم تدع العصيان والنشوز، فلا جناح عليه بعد ذلك أن يَأْخُذَ منها الفدية (^١).\nقال أبو جعفر: وأَوْلَى ما قيل في تأويل قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. أَنَّه مَعْنيٌّ به كلُّ فاحشةٍ من بذاءةٍ باللسان على زوجها، وأذًى له، وزِنًى بفرجها، وذلك أن الله جل ثناؤه عمَّ بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. كل فاحشة مبيِّنةٍ ظاهرة، فكلُّ زوج امرأة أتت بفاحشة من الفواحش التي هي زِنًى أو نشوزٌ، فله عَضْلُها على ما بيَّن الله في كتابه، والتضييق عليها حتى تَفْتَدِى منه - بأيِّ معاني فواحش أتت، بعد أن تكونَ ظاهرةٌ مُبيِّنةً - بظاهر كتاب الله ﵎، وصحة الخبر عن رسول الله ﷺ.\nكالذي حدَّثني يوسف (^٢) بن سلمان (^٣) البصريُّ، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، قال: ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، أن رسول الله ﷺ، قال: \"اتَّقوا الله في النساء، فإنكم أخَذْتُموهنَّ بأمانةِ اللهِ، واستحلَلْتُم فُروجَهنَّ بكلمة الله، وإنّ لكم عليهنَّ ألَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تَكْرَهُونه، فإن فعَلْنَ ذلك، فاضْرِبُوهُنَّ ضربًا غَيرَ مُبَرِّحٍ، ولهنَّ عليكم رِزْقُهنَّ وكسْوَتُهنَّ بالمعروف\" (^٤).\nحدَّثنا موسى بن عبدِ الرحمنِ المَسْرُوقيُّ، قال: ثني زيدُ بن الحُبابِ، قال: ثنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٠٨ من طريق خالد السجستاني، عن الضحاك مختصرًا.\n(^٢) في م: \"يونس\".\n(^٣) في النسخ: \"سليمان\". وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٤٣٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة القسم الأول من الجزء الرابع ص ٣٧٧ - ٣٨١، وعبد بن حميد (١١٣٥)، ومسلم ٢/ (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥)، وابن ماجه (٣٠٧٤) وابن خزيمة (٢٦٨٧، ٢٨٠٢، ٢٨٠٩، ٢٨١٢، ٢٨٢٦، ٢٨٥٥، ٢٩٤٤)، والطحاوى ٢/ ١٩٠، وفى المشكل (٢٤٣٤، ٤٣٠٠) وابن حبان (٣٩٤٤)، والبيهقى ٥/ ٤٣٣ - ٤٣٨ من طريق حاتم بن إسماعيل به.","vol":"6","page":535},{"text":"موسى بنُ عُبيدَةَ الرَّبَذِيُّ، قال: ثنى صدقةُ بنُ يَسَارٍ، عن ابن عمرَ، أَن رسول الله ﷺ قال: \"أيُّها الناسُ، إن النساء عندكم عَوَانٍ (^١)، أَخَذْتُمُوهُنَّ بأمانةِ اللهِ، واسْتَحْلَلْتُم فُرُوجَهنَّ بكلمة الله، ولكم عليهِنَّ حقٌّ، ولهنَّ عليكم حقٌّ، ومن حقِّكم عليهنَّ ألَّا يُوطِئْنَ فرشكم أحدًا، ولا يَعْصِينَكم في معروف، فإذا فعلن ذلك، فلهنَّ رزقهنَّ وكسوتُهنَّ بالمعروفِ\" (^٢).\nفأخبر ﷺ أن من حقِّ الزوج على المرأة ألا تُوطِئَ فراشه أحدًا، وألا تعصيه في معروفٍ، وأن الذي يجبُ لها من الرزق والكسوة عليه، إنما هو واجبٌ عليه إذا أدَّت هي إليه ما يجب عليها من الحقِّ، بتركها إيطاءَ فراشه غيره، وتركها معصيته في معروفٍ، ومعلومٌ أن معنى قول النبيِّ ﷺ: \"من حقِّكم عليهنَّ أَلَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا\". إنما هو: ألّا يُمَكِّنَّ أنفسَهنَّ مِن أحدٍ سواكم. وإذا كان ما روينا في ذلك صحيحًا عن رسول الله ﷺ، فبيِّنٌ أن لزوج المرأة إذا أوطأت امرأته نفسها غيره، وأمكنت من جماعها سواه، أن له من منعها الكسوة والرزق بالمعروف، مثل الذي له من منعها ذلك إذا هي عصته في المعروف، وإذا كان ذلك له، فمعلومٌ أنه غيرُ مانعٍ لها - بمنعه إيَّاها ما له منعها - حقًّا لها واجبًا عليه، وإذا كان ذلك كذلك فبيِّنٌ أنها إذا افتدت نفسها عند ذلك من زوجها، فأخذ منها زوجها ما أعطَتْه، أنه لم يَأْخُذْ ذلك عن عضْلٍ مَنْهيٍّ عنه، بل هو أخذ ما أخذ منها عن عَضْلٍ له مُباحٍ، وإذ كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا أنه داخلٌ في استثناءِ الله ﵎ الذي استثناه من العاضلين بقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. وإذ صحَّ ذلك، فبيِّنٌ فسادُ قولِ مَن قال: قولُه: ﴿إِلَّا\n_________\n(^١) عوان: جمع عانية، وهى الأسيرة. أي: أسراء، أو كالأسراء. ينظر النهاية ٣/ ٣١٤.\n(^٢) أخرجه عبد بن حميد (٨٥٦) من طريق زيد بن الحباب به مطولا.","vol":"6","page":536},{"text":"أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. منسوخٌ بالحدود؛ لأن الحد حقُّ الله جل ثناؤه على مَن أتى الفاحشة التي هي زنًى، وأمَّا العَضْلُ لِتَفْتَدِى المرأة من الزوج بما آتاها أو ببعضه، فحقٌّ لزوجها، كما عَضْلُه إيَّاها وتضييقه عليها إذا هي نشرت عليه لِتَفْتَدِى منه، حقٌّ له، وليس حكم أحدهما يُبْطِلُ حكم الآخرِ.\nفمعنى الآية: ولا يَحِلُّ لكم أيها الذين آمنوا أن تَعْضُلُوا نساءكم، فتضيِّقوا عليهنَّ، وتمنعوهنَّ رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف؛ لِتَذْهَبوا ببعض ما آتَيْتُموهنَّ مِن صَدُقاتِكم، ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾ مِن زنًى أو بذاءٍ عليكم، وخلاف لكم فيما يَجِبُ عليهنَّ لكم. ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾: ظاهرة. فيحلَّ لكم حينئذٍ عَضْلُهنَّ والتضييق عليهنَّ؛ لِتَذْهَبوا ببعض ما آتيتموهنَّ مِن صَداقٍ، إن هنَّ افْتَدَيْنَ منكم به.\nواخْتَلفت القَرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾؛ فقرأ ذلك بعضُهم: (مُبَيَّنَةٍ) بفتح الياء (^١)، بمعنى أنها قد بُيِّنت لكم، وأُعلنت وأُظْهِرت.\nوقرأه بعضُهم: ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ بكسر الياء (^٢)، بمعنى أنها ظاهرةٌ بيِّنةٌ للناس أنها فاحشةٌ.\nوهما قراءتان مستفيضتان في قَرَأَةِ أمصار الإسلام، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ في قراءته الصوابَ؛ لأن الفاحشة إذا أظْهَرها صاحبها فهي ظاهرةٌ بَيِّنةٌ، وإذا ظهرت فبإظهارِ صاحبها إيَّاها ظهرت، فلا تكون ظاهرةً بيِّنةٌ إلا وهي مُبَيَّنَةٌ، ولا مُبَيَّنَةٌ إلا وهى مُبَيِّنَةٌ، فلذلك رأيتُ القراءةَ بأيِّهما قرأ القارئ صوابًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1822>القول في تأويل قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.</span>\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر، وحجة القراءات ص ١٩٦.\n(^٢) وهى قراءة نافع وعاصم في رواية حفص وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. المصدر السابق.","vol":"6","page":537},{"text":"يعنى جلّ ثناؤهُ بقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾: وخالِقُوا (^١) أَيُّها الرجالُ نساءَكم، وصاحبوهنَّ بالمعروف. يعنى: بما أمرتُكم به من المصاحبة، وذلك إمساكهنَّ بأداءِ حقوقهنَّ التي فرض الله جل ثناؤُه لهنَّ عليكم إليهنَّ، أو تسريحٌ منكم لهنَّ بإحسانٍ.\nكما حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يقولُ: وخالطوهنَّ. كذا قال محمد بن الحسين، وإنما هو: خالِقوهنَّ. مِن العِشْرَةِ وهى المُصَاحَبَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1823>القول في تأويل قوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكرُه: لا تَعْضُلوا نساءكم لتَذْهَبوا ببعض ما آتَيْتُمُوهُنَّ مِن غير ريبةٍ ولا نشوزٍ كان منهنَّ، ولكن عاشروهنَّ بالمعروف وإن كرهتموهنَّ، فلعلَّكم أن تَكْرَهُوهنَّ فتُمْسِكُوهُنَّ، فيجعل الله لكم في إمساككم إيَّاهنَّ على كُرهٍ منكم لهنَّ، خيرًا كثيرًا، مِن ولدٍ يَرْزُقُكم منهنَّ، أو عطفكم عليهنَّ بعد كراهتكم إيَّاهنَّ.\nكما حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. يقولُ: فعسى الله أن يَجْعَل في الكراهة خيرًا كثيرًا (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\n_________\n(^١) في س: \"خالطوا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٥ (٥٠٤٦) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"6","page":538},{"text":"حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثني أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ في قوله: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. قال: الولد (^١).\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾: والخير الكثير أن يَعْطِفَ عليها، فيُرْزَقَ الرجلُ ولدها، ويجعَلَ اللهُ في وَلدِها خيرًا كثيرًا (^٢).\nوالهاء في قوله: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. على قول مجاهدٍ الذي ذكرناه، كنايةٌ عن مصدرِ ﴿تَكْرَهُوا﴾. كأن معني الكلام عنده: فإن كرِهْتُموهنَّ، فعسى أن تكرهوا شيئًا، ويجعَلَ اللهُ [في كرهِهِ] (^٣) خيرًا كثيرًا. ولو كان تأويل الكلام: فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعَلَ اللهُ في ذلك الشيء الذي تكرهونه خيرًا كثيرًا. كان جائزًا صحيحًا.\n\n<span id=\"aya-513\"></span><span data-type='title' id=toc-1824>القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾: وإن أَرَدْتُم أَيُّها المؤمنون نكاح امرأةٍ مكانَ امرأة لكم تُطَلِّقونها، ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ﴾. يقولُ: وقد أعْطَيتُم التي تُرِيدُون طلاقها من المهر ﴿قِنْطَارًا﴾. والقنطار المالُ الكثيرُ. وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف أهل التأويل في مبلغه، والصواب من القول في ذلك عندنا (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٥ (٥٠٤٩) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٥ (٥٠٤٥، ٥٠٤٨) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) في ص، م، س: \"فيه\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في ذلك الشيء الذي تكرهونه\" انتقال نظر من العبارة الآتية. والمثبت هو الصواب على ما يقتضيه أثر مجاهد المتقدم.\n(^٤) تقدم في ٥/ ٢٥٤ - ٢٦٠.","vol":"6","page":539},{"text":"﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾. يقولُ: فلا تَضُرُّوا بِهِنَّ إِذا أَرَدْتُم طَلاقَهُنَّ؛ ليَفْتَدِينَ منكم بما أتيتُموهنَّ.\nكما حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾: طلاق امرأة مكانَ أخرى، فلا يَحِلُّ له مِن مالِ المطلقة شيءٌ وإن كثر (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\n\n<span data-type='title' id=toc-1825>القولُ في تأويل قوله: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾</span>\nيعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ﴾: أتأخذون ما آتيتموهنَّ مِن مُهورهنَّ، ﴿بُهْتَانًا﴾. يقولُ: ظلمًا بغير حقٍّ، ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. يعنى: وإثمًا قد أبان أمرُ آخذه أنه بأخذه إيَّاه لمن أخَذه منه ظالمٌ.\n\n<span id=\"aya-514\"></span><span data-type='title' id=toc-1826>القول في تأويل قوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾: وعلى أيِّ وجهٍ تأخُذون مِن نسائكم ما آتيتموهنَّ مِن صَدُقَاتِهِنَّ إذا أردتُم طلاقهنَّ، واستبدال غيرِهنَّ بهنَّ أزواجًا، ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، فتباشَرتُم وتلامَسْتُم.\nوهذا كلامٌ وإن كان مَخْرَجُه مخرجَ الاستفهام، فإنه في معنى النكير والتغليظ، كما يقولُ الرجلُ لآخر: كيف تفعل كذا وكذا وأنا غير راضٍ به؟ على معنى التهدُّدِ (^٢) والوعيد.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٧١. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"التهديد\".","vol":"6","page":540},{"text":"وأمَّا الإفضاء إلى الشيء، فإنه الوصول إليه بالمباشرة له، كما قال الشاعر (^١):\nبِلًى [وثأًى] (^٢) أَفضَى إلى كلِّ (^٣) كُتبةٍ … بدا سيرُها من باطنٍ بعد ظاهرِ\nيعنى بذلك أن الفساد والبِلَى وصل إلى الخُرَزِ.\nوالذي عُنى به الإفضاء في هذا الموضع، الجماعُ في الفرج.\nفتأويلُ الكلام - إذ كان ذلك معناه -: وكيف تأخُذون ما آتيتموهنَّ وقد أفْضَى بعضُكم إلى بعضٍ بالجماع؟\nوبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1827>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبد الحميد بن بيانٍ القَنَّادُ، قال: ثنا إسحاق، عن سفيان، عن عاصم، عن بكرِ بن عبدِ اللهِ، عن ابن عباس، قال: الإفضاء المباشرة، ولكنَّ الله كريمٌ، يَكْنِي عمَّا يشاءُ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن بكرٍ، عن ابن عباس، قال: الإفضاءُ الجماعُ، ولكنَّ الله يَكْنِى (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، عن (^٦) بكرِ بن عبدِ اللهِ المزنيِّ،\n_________\n(^١) البيت في التبيان ٣/ ١٥٣ غير منسوب.\n(^٢) مكانها بياض في النسخ، والمثبت من التبيان.\n(^٣) سقط من النسخ، والمثبت من التبيان.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٨٢٦) عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٣ إلى ابن المنذر.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٨ (٥٠٦٦) من طريق سفيان به دون آخره.\n(^٦) في م: \"بن\".","vol":"6","page":541},{"text":"عن ابن عباس، قال: الإفضاء هو الجماع.\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. قال: مجامعة النساءِ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: يعنى المجامعة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1828>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾.</span>\nأي: ما وثَّقتم (^٣) به لهنَّ على أنفسكم، من عهد وإقرار منكم بما أقْرَرْتُم به على أنفسكم، من إمساكهنَّ بمعروف، أو تسريحهنَّ بإحسان، وكان في عقد المسلمين النِّكاح قديمًا، فيما بلغنا، أن يقال للناكح: الله عليك، لَتُمْسِكُنَّ بمعروف، أو لَتُسَرِّحَنَّ بإحسانٍ.\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: والميثاق الغليظُ الذي أخذه للنساء على الرجال؛ إمساكٌ بمعروفٍ، أو تسريحٍ بإحسانٍ، وقد كان في عقد (^٤) المسلمين عند\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٧١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٨ عقب الأثر (٥٠٦٦) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.\n(^٣) في النسخ: \"وثقت\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٤) في م: \"عهد\".","vol":"6","page":542},{"text":"إنكاحهم: اللهِ عليك لَتُمْسِكَنَّ بمعروفٍ، أو لَتُسَرِّحَنَّ بإحسانٍ (^١).\nواختلف أهل التأويل في الميثاقِ الذي عنَى اللهُ جَلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾؛ فقال بعضُهم: هو إمساكٌ بمعروفٍ، أو تسريحٌ بإحسان.\n\n<span data-type='title' id=toc-1829>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاكِ في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسانٍ (^٢).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عون، قال: ثنا هشيم، عن جويبرٍ، عن الضحَّاك مثله.\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادةَ في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: هو ما أخذ الله ﵎ للنساء على الرجال؛ فإمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. قال: وقد كان ذلك يُؤْخَذُ عندَ عقدِ النكاحِ (^٣).\nحدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: أَمَّا: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. فهو أن يَنْكِحَ المرأة فيقول\n_________\n(^١) أخرجه البغوي في تفسيره ٢/ ١٨٧ من طريق شيبان ومعمر عن قَتادةَ به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١٤٣ من طريق جويبر به، ووقع عنده جرير بدلًا من جويبر، وذكره البغوي في تفسيره ٢/ ١٨٧.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١٢/ ١٥٢. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٣ إلى عبد بن حميد.","vol":"6","page":543},{"text":"وَلِيُّها: أَنْكَحْناكَها بأمانةِ اللهِ، على أن تُمسكها بالمعروف، أو تُسَرِّحَها بإحسانٍ (^١).\nحدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: الميثاق الغليظ الذي أخذه الله للنساء؛ إمساك بمعروفٍ، أو تسريح بإحسانٍ، وكان (^٢) في عُقدة المسلمين عند نكاحهنَّ: للهِ (^٣) عليك، لَتُمْسِكَنَّ بمعروف، ولَتُسَرِّحَنَّ بإحسانٍ.\nحدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو قتيبة، قال: ثنا أبو بكرٍ الهُذَليُّ، عن الحسن ومحمد بن سيرين في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسانٍ (^٤).\nوقال آخرون: هو كلمة النِّكاح التي اسْتَحَلَّ بها الفرج.\n\n<span data-type='title' id=toc-1830>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: كلمة النِّكاح التي اسْتَحَلَّ بها فروجَهنَّ (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٩ عقب الأثر (٥٠٧١) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٣: \"وكانت\"، وفى ت ٢، س: \"فكانت\".\n(^٣) في م: \"أيم الله\". واللام في \"لله\" لام القسم. ينظر الكتاب ٣/ ٤٩٧.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٩ عقب الأثر (٥٠٧١) معلقًا عن الحسين، وذكره الطوسي في التبيان ٣/ ١٥٣، والبغوى ٢/ ١٨٧ عن الحسن وابن سيرين.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٢٧١، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٩ (٥٠٦٩).","vol":"6","page":544},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشمٍ المكِّيِّ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: قوله: نكَحت.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عَنْبسةُ، عن محمد بن كعبٍ القُرَظيِّ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: هو قولهم: قد ملَكْتُ النِّكاح.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيان، عن سالمٍ الأفطس، عن مجاهد: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: كلمة النِّكاح (^١).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: الميثاق النِّكاح.\nحدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، قال: ثنى سالم الأفطس، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: كلمةُ النِّكاح، قوله: نكَحتُ (^١).\nوقال آخرون: بل عنى قول النبيِّ ﷺ: \"أخَذْتُموهنَّ بأمانةِ اللهِ، واسْتَحْلَلْتُم فُروجَهنَّ بكلمةِ اللهِ\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1831>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن (^٣) عكرمة:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١٤٣ من طريق سفيان به.\n(^٢) تقدم تخريجه ص ٥٣٢.\n(^٣) في النسخ: \"و\". والمثبت من مصنف ابن أبي شيبة. وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٤٦٥.","vol":"6","page":545},{"text":"﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال (^١): \"أخذتموهنَّ بأمانة الله، واسْتَحللتم فُروجَهنَّ بكلمةِ اللهِ\" (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: والميثاق الغليظُ: \"أَخَذْتُموهنَّ بأمانة الله، واسْتَحللتم فُروجَهنَّ بكلمةِ اللهِ\" (^٣).\nقال أبو جعفر: وأَوْلَى هذه الأقوالِ بتأويل ذلك قولُ مَن قال: الميثاق الذي عُنِى به في هذه الآية، هو ما أُخِذ للمرأة على زوجها عند عقد (^٤) النِّكاح، من عهدٍ على إمساكها بمعروفٍ، أو تسريحها بإحسانٍ، فأقرَّ به الرجلُ؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه بذلك أوْصَى الرجال في نسائهم.\nوقد بيَّنَّا معنى الميثاق فيما مضى قبل (^٥)، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.\nواختلف في حكم هذه الآية؛ أمُحكَمٌ أم منسوخٌ؟ فقال بعضُهم: مُحْكَمٌ، وغير جائزٍ للرجل أخذُ شيءٍ مما آتاها إذا أراد طلاقها، إلا أن تكون هي المريدةَ الطلاق.\nوقال آخرون: هي مُحكمةٌ، وغير جائز له أخذُ شيءٍ مما آتاها منها بحالٍ، كانت هي المريدة الطلاق أو هو. وممن حكى عنه هذا القولُ بكرُ بنُ عبدِ اللهِ المُزنيُّ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قالا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١٤٣ عن وكيع به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٩ (٥٠٧٠) من طريق أبي جعفر الرازى به.\n(^٤) في م، ت ١: \"عقدة\".\n(^٥) تقدم في ١/ ٤٣٩.","vol":"6","page":546},{"text":"حدَّثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا عُقْبَةُ بنُ أبي الصَّهْباءِ (^١)، قال: سألتُ بكرًا عن المختلعة: أيَأْخُذُ منها شيئًا؟ قال: لا، ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (^٢).\nوقال آخرون: بل هي منسوخةٌ، نسخها قوله ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-1832>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾. إلى قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: ثم رخَّص بعد، فقال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. قال: فنسَخت هذه تلك (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى الأقوال بالصواب في ذلك قولُ مَن قال: إنها مُحْكَمَةٌ غير منسوخةٍ، وغير جائز للرجل أخذُ شيءٍ مما آتاها، إذا أراد طلاقها من غيرِ نُشوزٍ كان منها، ولا ريبةٍ أتَتْ بها. وذلك أن الناسخَ من الأحكام ما نفى خلافه من الأحكام، على ما قد بيَّنَّا في سائر كتبنا، وليس في (^٤) قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٣، س: \"المهنا\"، وفى ت ٢: \"المنهال\". والمثبت مما تقدم في ٤/ ١٦١. وينظر الجرح والتعديل ٦/ ٣١٢، وتعجيل المنفعة ٢/ ١٨.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٤/ ١٦١.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٤ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: م، س.","vol":"6","page":547},{"text":"زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾. نفى حكم قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. لأن الذي حرَّم الله على الرجل بقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾. أخذُ ما آتاها منها، إذا كان هو المريد طلاقها.\nوأمَّا الذي أباح له أخذه منها بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. فهو إذا كانت هي المريدة طلاقه، وهو له كارهٌ، ببعض المعاني التي قد ذكرنا في غير هذا الموضع (^١)، وليس في حكم إحدى الآيتين نفيُ حكم الأخرى.\nوإذا كان ذلك كذلك، لم يجز أن يُحْكم لإحداهما بأنها ناسخةٌ، وللأخرى بأنها منسوخةٌ، إلا بحجَّةِ يَجِبُ التسليم لها.\nوأمَّا ما قاله بكرُ بنُ عبدِ اللهِ المُزَنيُّ، مِن أنه ليس لزوج المختلعة أخذُ ما أعطته على فراقه إيَّاها، إذا كانت هي الطالبة الفرقة وهو الكارة، [فليس بصوابٍ] (^٢)، لصحَّة الخبر عن رسول الله ﷺ بأنه أمر ثابت بن قيس بن شَمَّاسٍ بأخذ ما كان ساق إلى زوجته، وفراقها إن طلبتْ فراقه، وكان النشوزُ مِن قِبَلِها (^٣).\n\n<span id=\"aya-515\"></span><span data-type='title' id=toc-1833>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾.</span>\nذكر أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يَخْلُفُون على حلائل آبائهم، فجاء الإسلام وهم على ذلك، فحرَّم الله ﵎ عليهم المقام عليهنَّ، وعفا لهم\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٤/ ١٣٤ وما بعدها.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٤/ ١٣٨، ١٣٩.","vol":"6","page":548},{"text":"عمّا كان سلف منهم في جاهليتهم وشركهم، من فعل ذلك، لم يُؤَاخِذْهم به إن هم اتقَوُا الله في إسلامهم، وأطاعوه فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1834>ذكرُ الأخبار التي رُويت في ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ المُخَرِّميُّ (^١)، قال: ثنا قُرَادٌ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن (^٢) عمرٍو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهليَّةِ يُحَرِّمون ما يُحَرَّمُ إلا امرأةَ الأب، والجمع بين الأختين. قال: فأنزل الله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. قال: كان أهلُ الجاهليَّةِ يُحَرِّمون ما حرَّم الله، إلا أن الرجل كان يَخْلُفُ على حَليلةِ أبيه، ويَجْمَعون بين الأختين، فمِن ثَمَّ قال الله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (^٤).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ عن عكرمة في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. قال: نزلت في أبي قيس بن الأَسْلَتِ، خَلَف على أُمِّ عُبيدٍ بنتِ ضَمْرَةَ (^٥)، كانت تحتَ الأَسْلَتِ أبيه؛ وفى الأسودِ بن خَلَفٍ، وكان خلف على بنتِ\n_________\n(^١) في ت ١: \"الحرمى\"، وفى ت ٢: \"مخرومي\"، وفى س: \"المخزومي\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٥٣٤، ٥٣٥.\n(^٢) في النسخ: \"و\". والمثبت من تفسير ابن كثير. وعمرو هو ابن دينار. ينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٥.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢١٥ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢١٥.\n(^٥) كذا في النسخ والدر المنثور، وفى أسد الغابة ٧/ ٣٦٤ والإصابة ٨/ ٢٥٥: \"صخر\".","vol":"6","page":549},{"text":"أبي طلحةَ بن عبدِ العُزَّى بن عثمانَ بن عبد الدارِ، وكانت عند أبيه خلفٍ؛ وفى فاختةَ بنتِ الأسودِ بن المُطَّلِبِ بن أَسَدٍ، وكانت عند أُمَيَّةَ بن خلفٍ، فخلف عليها صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ؛ وفي منظورِ بن زَبَّانَ (^١)، وكان خلَف على مُلَيْكَةَ ابنة خارجةَ، وكانت عند أبيه زَبَّانَ (^١) بن سَيَّارٍ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعطاءِ بن أبي رباحٍ: الرجلُ يَنْكِحُ المرأة ثم لا يراها حتى يُطَلِّقَها، أَتُحِلُّ لابنه؟ قال: هي مرسَلةٌ، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قال: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُه: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؟ قال: كان الأبناءُ يَنْكِحون نساءَ آبائِهم في الجاهلية (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. يقولُ: كلُّ امرأةٍ تزوَّجها أبوك وابنُك، دخَل أو لم يدخُلْ، فهى عليك حرامٌ (^٤).\nواخْتُلِف في معنى قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، فقال بعضُهم: معناه: لكن ما قد سلَف فدَعُوه. وقالوا: هو مِن الاستثناءِ المنقطِع.\nوقال آخَرون: معنى ذلك: ولا تَنْكِحوا نكاحَ آبائِكم. بمعنى: ولا تَنْكِحوا\n_________\n(^١) في م والدر المنثور، \"رباب\". وينظر المؤتلف والمختلف ٢/ ١٠٨١، ١٠٨٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٤ إلى المصنف، وذكره ابن كثير في التفسير ٢/ ٢١٤ عن المصنف.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٨٠٥، ١٠٨١٦)، وابن أبي شيبة ٤/ ١٧٣ عن ابن جريج به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩١٠ (٥٠٧٤)، والبيهقى ٧/ ١٦١، من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٤ إلى ابن المنذر.","vol":"6","page":550},{"text":"كنكاحِهم، كما نَكَحوا على الوجوه الفاسدةِ التي لا يجوزُ مثلُها في الإسلام. ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. يعنى: أن نكاحَ آبائِكم الذي كانوا يَنْكِحونه في جاهليتِهم، كان فاحشةً ومقتًا وساء سبيلًا، إلا ما قد سلَف منكم في جاهليتِكم، مِن نكاح لا يجوزُ ابتداءُ مثلِه في الإسلام، فإنه معفوٌّ لكم عنه.\nوقالوا: قولُه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. كقول القائلِ للرجل: لا تَفْعَلْ ما فعلتُ، ولا تَأْكُلْ ما أكلتُ. بمعنى: ولا تأكل كما أكلتُ. ولا تفعَلْ كما فعلتُ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: ولا تَنْكِحوا ما نكح آباؤكم من النساءِ بالنكاحِ الجائز كان عقدُه بينهم، إلا ما قد سلَف منهم من وجوه الزنى عندهم، فإن نكاحَهنَّ لكم حلالٌ (^١)؛ لأنهنَّ لم يَكُنَّ لهم حلائل، وإنما كان (^٢) ما كان من آبائِكم [ومنهنَّ] (^٣) من ذلك فاحشةً ومقتًا وساء سبيلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1835>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية. قال: الزنى، ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، فزاد ههنا المقت (^٤).\nقال أبو جعفر: وأَوْلَى الأقوال في ذلك بالصواب - على ما قاله أهلُ التأويل في\n_________\n(^١) بعده في م: \"كان\".\n(^٢) سقط من: م، ت ٢.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"منهن\".\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ٥/ ١٠٥. ويعنى بقوله: زاد ههنا المقت. أي على ما جاء في سورة الإسراء من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ الآية ٣٢.","vol":"6","page":551},{"text":"تأويله - أن يكون معناه: ولا تَنْكِحوا من النساء نكاحَ آبائِكم، إلا ما قد سلَف منكم فمضَى في الجاهليةِ، فإنه كان فاحشةً ومقتًا وساء سبيلًا. فيكونُ قولُه: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾. من صلة قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾. ويكونُ قولُه: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾. بمعنَى المصدر، ويكونُ قولُه: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. بمعنى الاستثناء المنقطع؛ لأنه يحسُنُ في موضعِه: لكن ما قد سلَف فمضَى، إنه كان فاحشةً ومقتًا وساء سبيلًا.\nفإن قال قائلٌ: وكيف يكونُ هذا القولُ موافقًا قولَ مَن ذَكَرتَ قولَه مِن أهل التأويل، وقد علِمتَ أن الذين ذكرت قولَهم في ذلك إنما قالوا: أُنْزِلت هذه الآيةُ في النهي عن نكاحِ حلائلِ الآباءِ، وأنت تذكُرُ أنهم إنما نُهوا أن يَنْكِحوا نكاحَهم.\nقيل له: إنما (^١) قلنا: إن ذلك هو التأويلُ الموافقُ لظاهر التنزيل؛ إذ كانت \"ما\" في كلام العرب لغيرِ بنى آدم، وأنه لو كان المقصود بذلك النهيُ عن حلائل الآباء، دونَ سائر ما كان من مناكِحِ آبائهم حرامًا ابْتداءُ مثله في الإسلام، بنهي الله جلَّ ثناؤُه عنه، لقيل: ولا تَنْكِحوا مَن نكَح آباؤُكم من النساء إلا ما قد سلف. لأن ذلك هو المعروفُ في كلام العرب؛ إذ كان \"من\" لبنى آدم، و\"ما\" لغيرهم، ولم (^٢) يُقَل: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. [وأما قولُه] (^٣): فإنه يدخُلُ في \"ما\" ما كان من مناكح آبائهم التي كانوا يَتَناكَحونها في جاهليتِهم، فحرَّم عليهم في الإسلام بهذه الآية نكاحَ حلائلِ الآباء، وكلَّ نكاحٍ\n_________\n(^١) في النسخ: \"إن\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٢) في النسخ: \"لا\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٣) زيادة يقتضيها السياق، وينظر تعليق الشيخ شاكر على هذا الموضع من التفسير.","vol":"6","page":552},{"text":"سواه نهَى الله تعالى ذكرُه ابتداءَ مثله في الإسلام، مما كان أهلُ الجاهليَّةِ يَتَناكَحونه في شِركِهم.\nومعنى قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾: إلا ما قد مضَى، ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾. يقولُ: إن نكاحَكم الذي سلَف منكم كنكاح آبائكم المُحَرَّم عليكم ابتداءُ مثلِه في الإسلام، بعد تحريمى ذلك عليكم، ﴿فَاحِشَةً﴾. يقولُ: معصيةٌ. ﴿وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. أي: بئس طريقًا ومنهجًا ما كنتم تَفْعَلُون في جاهليتِكم، مِن المناكِحِ التي كنتم تَناكَحُونها.\n\n<span id=\"aya-516\"></span><span data-type='title' id=toc-1836>القولُ في تأويل قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكرُه: حُرِّم عليكم نكاحُ أمهاتِكم. فتَرَك ذكرَ النِّكاح اكتفاءً بدلالة الكلام عليه.\nوكان ابن عباسٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن الثوريِّ، عن الأعمش، عن إسماعيلَ بن رجاءٍ، عن عُميرٍ مولى ابن عباسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: حرُم من النسبِ سبعٌ، ومن الصِّهْرِ سبعٌ، ثم قرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾. حتى بلغ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. قال: والسابعةُ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ","vol":"6","page":553},{"text":"آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا مُؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاءٍ، عن عُميرٍ مولى ابن عباسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يَحْرُمُ مِن النسب سبعٌ، ومن الصِّهْرِ سبعٌ. ثم قرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾. إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ مرةً أخرى، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاءٍ، عن عُميرٍ مولى ابن عباسٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن الزُّهريِّ بنحوه.\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: حُرِّم عليكم سبعٌ نَسَبًا، وسبعٌ صِهْرًا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن عليِّ بن صالحٍ، عن سمَاكِ بن حربٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ٩٣، ومن طريقه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٨٠٨)، والطبراني (١٢٢٢٢)، والحاكم ٢/ ٣٠٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٥ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩١١، ٩١٤ (٥٠٨٢، ٥٠٩٨) من طريق أبي أحمد الزبيرى به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩١١ (٥٠٨١)، والإسماعيلي في مستخرجه - كما في الفتح ٩/ ١٥٤، والبيهقى ٧/ ١٥٨ من طريق عبد الرحمن به. وأخرجه البخارى (٥١٠٥)، والبيهقى ٧/ ١٥٨ من طريق سفيان به.","vol":"6","page":554},{"text":"وَأَخَوَاتُكُمْ﴾. قال: حرَّم الله مِن النَّسَبِ سبعًا، ومِن الصِّهْرِ سبعًا. ثم قرأ: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُطَرِّفٍ، عن عَمرِو بن سالمٍ مولى الأنصارِ، قال: حُرِّم مِن النَّسَبِ سبعٌ، ومِن الصِّهْرِ سبعٌ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾. ومن الصِّهْرِ: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ثم (^٢) قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.\nفكلُّ هؤلاء اللواتى سمَّاهنَّ الله ﵎ وبيَّن تحريمهن في هذه الآية، مُحَرَّماتٌ غيرُ جائزٍ نكاحُهنَّ لمن حرَّم الله ذلك عليه من الرجال، بإجماعِ جميعِ الأمةِ، لا اختلافَ بينهم في ذلك، إلا في أمهات نسائِنا اللواتي لم يَدْخُلْ بهِنَّ أزواجهنَّ، فإن في نكاحِهنَّ اختلافًا بيْن بعض المتقدِّمين من الصحابة، إذا بانت (^٣) الابنةُ قبل الدخول بها من زوجها، هل هنَّ مِن المُبْهَماتِ (^٤)، أم هنَّ مِن المشروط\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (١١٧٧٢) من طريق علي بن صالح به، وعبد الرزاق في مصنفه (١٣٩٥١) من طريق سماك به بنحوه.\n(^٢) في ت ١، ت ٣: \"وإياه\"، وغير منقوطة في ص، ت ٢.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كانت\".\n(^٤) في س: \"الأمهات\". وقال القرطبي في تفسيره ٥/ ١٠٧: تحريم الأمهات عام في كل حال لا يتخصص بوجه من الوجوه، ولهذا يسميه أهل العلم المبهم، أي: لا باب فيه، ولا طريق إليه، لانسداد التحريم وقوته. وينظر تهذيب اللغة ٦/ ٣٣٥، ٣٣٦.","vol":"6","page":555},{"text":"فيهنَّ الدخولُ ببناتِهنَّ؟\nفقال جميعُ أهل العلم متقدِّمُهم ومتأخرُهم: مِن المبهَماتِ، وحرامٌ على من تزوَّج امرأةً؛ أمُّها، دخَل بامرأتِه التي نكَحها أو لم يَدْخُلْ بها. وقالوا: شرطُ الدخول في الربيبة دونَ الأُمِّ، فأمَّا أمُّ المرأة فمُطْلَقَةٌ بالتحريم. قالوا: ولو جاز أن يكون شرطُ الدخول في قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾. يَرْجِعُ (^١) موصولًا به قولُه: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾. جاز أن يكونَ الاستثناءُ في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. مِن جميع المُحَرَّماتِ بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. قالوا: وفى إجماع الجميع على أن الاستثناءَ في ذلك إنما هو مما وَليَه من قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾. أبينُ الدلالة على أن الشرط في قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾. مما وليَه من قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾. دونَ أمهاتِ نسائِنا.\nورُوى عن بعض المتقدِّمين أنه كان يقولُ: حلالٌ نكاحُ أمهاتِ نسائِنا اللواتي لم نَدْخُلْ بهنَّ، وإن حكمَهنَّ في ذلك حكمُ الربائبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1837>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ وعبدُ الأعلى، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن خِلَاسِ بن عَمْرٍو، عن عليٍّ ﵁، في رجلٍ تزوَّج امرأةً فطلَّقها قبل أن يَدْخُلَ بها، أَيَتَزَوَّجُ أَمَّها؟ قال: هي بمنزلة الرَّبِيبةِ (^٢).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"موضع\"، وفى م: \"فوضع\". ولعل الصواب ما أثبت، وينظر تعليق الشيخ شاكر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١٧١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩١١ (٥٠٨٥) من طريق سعيد بن أبي عروبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"6","page":556},{"text":"حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، قال: ثنا قتادةُ، عن خلاسٍ، عن عليٍّ ﵁، قال: هي بمنزلة الرَّبيبة.\nحدَّثنا حُميدٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، قال: ثنا قتادةُ، عن سعيد بن المُسَيَّبِ، عن زيد بن ثابتٍ، أنه كان يقولُ: إذا ماتت امرَأتُه عندَه، فأخَذ ميراثَها، كُرِه أن يَخْلُفَ على أمِّها، وإذا طلَّقها قبلَ أن يَدْخُل بها، فإن شاء فعل (^١).\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن (^٢) سعيدٍ، عن قتادة، عن سعيد بن المسيَّبِ، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: إذا طلَّق الرجلُ امرأته قبل أن يَدْخُلَ بها، فلا بأسَ أن يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ: أخبرني عكرمةُ بنُ خالدٍ، أن مجاهدًا قال له: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾: أريد بهما الدخولُ جميعًا (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: والقولُ الأولُ أولى بالصوابِ، أعنى قولَ من قال: الأمُّ من المبهَماتِ؛ لأن الله لم يَشْرُط معَهنَّ الدخول ببناتِهنَّ، كما شرَط ذلك مع أمَّهاتِ الربائب، مع أن ذلك أيضًا إجماعٌ مِن الحُجَّةِ التي لا يجوزُ خلافُها فيما جاءت به مُتَّفقةً عليه.\nوقد رُوِى بذلك أيضًا عن النبيِّ ﷺ، خبرٌ، غير أن في إسناده نظرًا، وهو ما حدَّثنا به المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بن موسى، قال: أخبَرنا ابن المُبارك، قال: أخبَرنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١٧٢ من طريق سعيد بن أبي عروبة به، والبيهقى ٧/ ١٦٠ من طريق سعيد بن المسيب به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في النسخ: \"بن\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٨١٧)، وابن أبي شيبة ٤/ ١٧٣، من طريق ابن جريج به.","vol":"6","page":557},{"text":"المُثَنَّى بنُ الصَّبَّاحِ، عن عَمرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"إذا نكَح الرجلُ المرأةَ، فلا يَحِلُّ له أن يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا، دخل بالابنة أمْ لم يَدْخُلْ، وإذا تزوَّج الأُمَّ فلم يَدْخُلْ بها، ثم طلَّقها، فإن شاء تزوَّج الابْنة\" (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وهذا خبرٌ، وإن كان في إسنادِه ما فيه، فإن في إجماعِ الحُجَّةِ على صحة القولِ به مُسْتَغْنًى عن الاستشهاد على صحته بغيره.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قلنا لعطاءٍ: الرجلُ يَنْكِحُ المرأة لم يَرَها ولا يُجَامِعُها حتى يُطَلِّقَها، أَتَحِلُ له أَمُّها؟ قال: لا، هي مرسَلةٌ. قلتُ لعطاءٍ: أكان ابن عباس يَقْرَأَ: (وأمهاتُ نسائِكم اللَّاتى دَخَلْتم بهنَّ). قال: لا. تَتْرَى (^٢). قال حجَّاجٌ: قلتُ لابن جُرَيجٍ: مَا تَتْرَى (^٢)؟ قال: كأنه قال: لا، لا (^٣).\nوأما \"الربائبُ\" فإنَّها (^٤) جمعُ رَبيبةٍ، وهى ابنةُ امرأة الرجل، قيل لها: ربيبةٌ. لتربيته إيَّاها، وإنما هي مربوبةٌ، صُرفت إلى ربيبةٍ، كما يقالُ: هي قتيلةٌ (^٥). من مقتولةٍ (^٦)، وقد يقالُ لزوج المرأةِ: هو ربيبُ ابن امرأته. يعنى به: هو رابُّه. كما يقالُ: هو [خابرٌ وخبيرٌ] (^٧)، وشاهدٌ وشهيدٌ.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ٧/ ١٦٠ من طريق ابن المبارك به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٠٨٢١) من طريق المثنى بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"تبرأ\".\n(^٣) ينظر ما تقدم تخريجه في ص ٥٥٠.\n(^٤) في م، س: \"فإنه\".\n(^٥) في النسخ: \"قبيلة\". وينظر التبيان ٣/ ١٥٧.\n(^٦) في النسخ: \"مقبولة\".\n(^٧) في النسخ: \"جابر وجبير\". والخابر والخبير: العالم بالخبر. اللسان. (خ ب ر). وينظر التبيان ٣/ ١٥٨.","vol":"6","page":558},{"text":"واخْتَلف أهلُ التأويل في معنى قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، فقال بعضُهم: معنى الدخول في هذا الموضع الجماع.\n\n<span data-type='title' id=toc-1838>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباس قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾: والدخولُ النِّكاح (^١).\nوقال آخرون: الدخولُ في هذا الموضع هو التجريد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1839>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قلت لعطاءٍ: قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾. ما الدخولُ بهنَّ؟ قال: أن تُهْدَى إليه فيَكْشِفَ، ويَعْتَسَّ (^٢)، ويَجْلِسَ بين رجليها. قلتُ: أرأيتَ إن فعل ذلك في بيتِ أهلها؟ قال: هو سواءٌ، وحَسْبُه، قد حرَّم ذلك عليه ابنتها. قلتُ: تَحْرُمُ الربيبة ممن يَصْنَعُ هذا بأمِّها، ألا (^٣) يَحْرُمُ عليَّ مِن أَمَتى إن صنَعْتُه بأمِّها؟ قال: نعم، سواءٌ. قال عطاءٌ: إذا كشف الرجلُ أمَتَه وجلس بين رجلَيْها، أَنْهاه عن أمها وابنتها (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى القولين عندى بالصواب في تأويل ذلك ما قاله ابن عباس، مِن أن معنى الدخول الجماعُ والنكاح؛ لأن ذلك لا يَخْلُو معناه مِن أحدِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩١٢ (٥٠٩١)، والبيهقى ٧/ ١٦٢، من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص: \"يعيس\"، وفى م: \"يعس\".\n(^٣) في النسخ: \"إلا ما\". وينظر تعليق الشيخ شاكر على هذا الموضع.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٨٢٢) عن ابن جريج به.","vol":"6","page":559},{"text":"أمرين؛ إما أن يكون على الظاهرِ المتعارفِ من معاني الدخول في الناس، وهو الوصول إليها بالخلوة بها، أو يكون بمعنى الجماع. وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأته لا يُحَرِّمُ عليه ابنتها، إذا طلَّقها قبلَ مَسِيسِها ومباشرتها، أو قبل النظر إلى فرجها بالشهوة، ما يَدُلُّ على أن معني ذلك هو الوصول إليها بالجماع. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الصحيح من التأويل في ذلك ما قلناه.\nوأما قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. فإنه يقولُ: فإن لم تكونوا أيُّها الناسُ دخلتم بأمهات ربائبكم اللاتي في حجوركم، فجامَعْتُموهنَّ حتى طلَّقْتُمُوهُنَّ (^١)، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: فلا حرج عليكم في نكاح من كان من ربائبكم كذلك.\nوأما قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾. فإنه يعنى: وأزواج أبنائكم الذين من أصلابكم. وهى جمعُ حَلِيلةٍ، وهي امرأته. وقيل: سُمِّيت امرأةُ الرجل حليلته؛ لأنها تحلُّ معه في فراشٍ واحدٍ.\nولا خلاف بين جميع أهل العلم أن حليلة ابن الرجل حرامٌ عليه نكاحها بعقد ابنه عليها النِّكاح، دخل بها أو لم يَدْخُلْ بها.\nفإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ في حلائلِ الأبناء من الرضاع، فإن الله تعالى إنما حرَّم حلائل أبنائنا مِن أصلابنا؟\nقيل: إن حلائل الأبناء من الرضاع، وحلائل الأبناء من الأصلاب، سواءٌ في التحريم، وإنما قال (^٢): ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾. لأن معناه:\n_________\n(^١) سقط من: س، وفى، ص، ت ٢، ت ٣: \"طالقتموهن\"، وفى ت ١: \"خالفتموهن\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قيل\".","vol":"6","page":560},{"text":"وحلائلُ أبنائكم الذين ولدتموهم، دون حلائل أبنائكم الذين تَبَنَّيتُموهم.\nكما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريجٍ، قال: قلتُ لعطاء: قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾؟ قال: كنَّا نَتَحَدَّثُ - والله أعلم - أنها نزلت في محمدٍ ﷺ حين نكح امرأة زيد بن حارثة، قال المشركون في ذلك، فنزلت: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾. ونزلت: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، ونزَلت: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (^١) [الأحزاب: ٤٠].\nوأمَّا قولُه: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾. فإن معناه: وحُرِّم عليكم أن تجمعوا بين الأختين عندكم بنكاح. فـ ﴿وَأَنْ﴾ في موضع رفعٍ، كأنه قيل: والجمع بين الأختين. ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾: لكن ما قد مضى منكم، فإن الله كان غفورًا لذنوب عباده، إذا تابوا إليه منها، رحيمًا بهم فيما كلَّفهم من الفرائض، وخفَّف عنهم فلم يُحَمِّلْهم فوق طاقتِهم.\nيُخْبِرُ بذلك جل ثناؤه أنه غفورٌ لمن كان جمع بين الأختين بنكاح في جاهليته، وقبل تحريمه ذلك، إذا اتَّقى الله ﵎ بعد تحريمه ذلك عليه، فأطاعه باجتنابه، رحيمٌ به وبغيره من أهل طاعته من خلقه.\n\n<span id=\"aya-517\"></span><span data-type='title' id=toc-1840>القول في تأويل قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤه: حُرِّمت عليكم المحصنات من النساء إلا ما ملكت\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٨٣٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩١٣ (٥٠٩٦) من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٦ إلى ابن المنذر.","vol":"6","page":561},{"text":"أيمانُكم.\nواختلف أهل التأويل في المُحْصَناتِ التي عناهنَّ (^١) الله في هذه الآية؛ فقال بعضُهم: هنَّ ذواتُ الأزواج غير (^٢) المَسْبيَّاتِ منهنَّ، [ومِلْكُ] (^٣) اليمين السبايا اللَّواتي فرَّق بينَهنَّ وبين أزواجهنَّ السِّباءُ، فحلَلْنَ لمن صِرْنَ له بملك اليمين، من غيرِ طلاقٍ كان من زوجها الحربيِّ لها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1841>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي حصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كلُّ ذاتِ زوجٍ إتيانها زنًى، إلا ما سَبَيْتَ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عُلية (^٥)، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس مثله.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. يقولُ: كلُّ امرأة لها زوجٌ فهى عليك حرامٌ، إلا أمةً ملكتها ولها زوجٌ بأرض الحرب، فهى لك حلالٌ إذا اسْتَبرأتها (^٦).\n_________\n(^١) في ت ٢، س: \"عنى\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وقالوا\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ملك\".\n(^٤) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٠٤، والبيهقى ٧/ ١٦٧، من طريق أبي حصين به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٨ من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) في النسخ: \"عطية\" وتقدم مرارًا.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩١٦ (٥١١٤) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"6","page":562},{"text":"وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، عن خالدٍ، عن أبي قلابة في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: ما سبيتُم من النساء، إذا سُبيت المرأة ولها زوجٌ في قومها، فلا بأس أن يطأها (^١).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: كلُّ امرأةٍ محصنة لها زوجٌ فهي محرَّمةٌ، إلا ما ملكت يمينك من السبي وهى محصنةٌ لها زوج، فلا تَحْرُمُ عليك به. قال: كان أبي يقولُ ذلك (^١).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عُتْبَةُ بنُ سعيد الحِمْصِيُّ، قال: ثنا سعيدٌ، عن مكحولٍ في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: السَّبايا (^٢).\nواعتلَّ قائلو هذه المقالة بالأخبار التي رُويت أن هذه الآية نزلت في من سُبِى مِن أوطاسٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1842>ذكرُ الرواية بذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشميِّ، عن أبي سعيد الخدري، أن نبيَّ الله ﷺ يوم حنين بعَث جيشًا إلى أوطاس، فلَقُوا عدوًّا، فأصابوا سبايا لهنَّ أزواجٌ من المشركين، فكان المسلمون يتأَثَّمون من غِشْيانِهِنَّ، فَأَنزل الله ﵎ هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. أي: هنَّ حلالٌ لكم إذا ما انقضت عِدَدُهنَّ (^٣).\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٣/ ٢١٤.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩١٦ عقب الأثر (٥١١٢) معلقًا.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٤٥٦/ ٣٣)، وأبو داود (٢١٥٥)، والنسائي (٣٣٣٣)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣٩٣٠)، والواحدى في أسباب النزول ص ١١٠ من طريق يزيد بن زريع به.","vol":"6","page":563},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن صالح أبي الخليل، أن أبا علقمة الهاشميَّ حدَّث، أن أبا سعيد الخدرى حدَّث، أن نبيَّ الله ﷺ بعث يومَ حُنينٍ سَرِيَّةً، فأصابوا حيًّا من أحياء العرب يومَ أوطاس، فهزموهم وأصابوا لهم سبايا، فكان ناسٌ من أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ يَتَأثَّمون من غِشْيانِهِنَّ مِن أجل أزواجهنَّ، فأنزل الله ﵎: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ منهنَّ، فحلالٌ لكم ذلك (^١).\nحدَّثني عليُّ بن سعيدٍ الكنديُّ (^٢)، قال: ثنا عبد الرحيم بن سليمانَ، عن أَشْعَثَ بن سَوَّارٍ، عن عثمان البَتِّيِّ، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري، قال: لمَّا سبى رسول الله ﷺ أهلَ أوطاس قلنا: يا رسول الله، كيف نَقَعُ على نساءٍ قد عرفنا أنسابَهنَّ وأزواجهنَّ؟ قال: فنزلت هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^٣).\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن عثمان البتِّيِّ، [عن أبي الخليل] (^٤)، عن أبي سعيد الخدري، قال: أَصَبْنا نساءً مِن سبي أوطاسٍ لهنَّ أزواج، فكرهنا أن نقع عليهنَّ ولهنَّ أزواجٌ، فَسَأَلْنَا النبيَّ ﷺ، فنزلت: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. فَاسْتَحْلَلْنا فُروجَهنَّ (^٥).\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٥٦/ ٣٤) عن محمد بن بشار به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٥ عن عبد عبد الأعلى به.\n(^٢) في النسخ: \"الكناني\". وسيأتي على الصواب في ص ٥٦٩، وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٥٠.\n(^٣) أخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ١٠٩ من طريق عبد الرحيم به.\n(^٤) سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٥) أخرجه أحمد ١٨/ ٢٢٣ (١١٦٩١) عن عبد الرزاق به، والنسائى في الكبرى (٥٤٩١)، وأبو يعلى (١١٤٨)، والطحاوي في المشكل (٣٩٢٧)، والواحدى في أسباب النزول ص ١٠٩ من طريق سفيان الثوري به.","vol":"6","page":564},{"text":"قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد، قال: نزلت في يوم أوطاسٍ، أصاب المسلمون سبايا لهنَّ أزواجٌ في الشركِ، فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. يقول: إلا ما أفاء الله عليكم. قال: فاسْتَحْلَلْنا بها فُروجَهنَّ (^١).\nوقال آخرون - ممن قال: المحصنات ذوات الأزواج في هذا الموضع -: بل هنَّ كلُّ ذاتِ زوجٍ من النساء، حرامٌ على غير أزواجهنَّ، إلا أن تكون مملوكةً اشتراها مشترٍ من مولاها فتَحِلَّ لَمُشْتَرِيها، ويُبْطِلُ بيع سيِّدها إيَّاها النِّكاح بينها وبين زوجها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1843>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جُنادَةَ، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: كلُّ ذاتِ زوجٍ عليك حرامٌ إلا أن تَشْتَرِيَها، أو ما مَلَكَتْ يمينك (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا محمد (^٣) بن جعفرٍ، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، أنه سُئل عن الأَمَةِ تُباع ولها زوجٌ، قال: كان عبد الله يقولُ: بيعها طلاقها. ويتلو هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيم، عن عبدِ اللهِ في\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٣.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٠٥ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٧ عن أبي معاوية به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣٨، إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"أحمد\".\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٩٤٢) من طريق المغيرة به دون ذكر الآية.","vol":"6","page":565},{"text":"قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: كلُّ ذاتِ زوجٍ عليك حرامٌ، إلا ما اشتريتَ بمالِك. وكان يقولُ: بيعُ الأَمَةِ طلاقُها.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن ابن المسيَّبِ قولَه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قال: هنَّ ذواتُ الأزواجِ، حرَّم اللهُ نكاحَهنَّ، إلا ما ملَكتْ يمينُك، فبيعُها طلاقُها. قال مَعْمَرٌ: وقال الحسنُ مثلَ ذلك (^١).\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: إذا كان لها زوجٌ فبيعُها طلاقُها (^٢).\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن أُبَيَّ بنَ كعبٍ، وجابرَ بنَ عبدِ اللهِ، وأنسَ بنَ مالكٍ، قالوا: بيعُها طلاقُها (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن أُبَيَّ بنَ كعبٍ، وجابرًا، وابنَ عباسٍ، قالوا: بيعُها طلاقُها.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عُبيدٍ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللهِ: بيعُ الأَمَةِ طلاقُها.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق (١/ ١٥٣).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٨٤) من طريق سعيد بن أبي عروبة به بنحوه.\n(^٣) أثر أُبي أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٣١٦٨)، من طريق سعيد به، وأثر جابر أخرجه (١٣١٧٠)، من طريق قتادة به.","vol":"6","page":566},{"text":"حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ ومغيرةَ والأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ، قال: بيعُ الأمةِ طلاقُها (^١).\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ مثلَه (^٢).\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ مثلَه.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن خالدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: طلاقُ الأمةِ سِتٌّ (^٣)، بيعُها طلاقُها، وعِتْقُها طلاقُها، وهِبَتُها طلاقُها، وبراءتُها طلاقُها، وطلاقُ زوجِها طلاقُها (^٤).\nحدَّثني أحمدُ بنُ المغيرةِ الحِمْصِيُّ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن عيسى بن أبى إسحاقَ، عن أَشْعَثَ، عن الحسنِ، عن أُبَيِّ بن كعبٍ أنه قال: بيعُ الأَمَةِ طلاقُها.\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: بيعُ الأمَةِ طلاقُها، وبيعُه طلاقُها (^٥).\nحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا خالدٌ، عن أبي قِلابةَ، قال: قال عبدُ اللهِ: مشتريها أحقُّ ببُضْعِها. يعنى الأمةَ تُباعُ ولها زوجٌ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٢٤). وقال: وهو منقطع.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣١٦٩) من طريق حماد به.\n(^٣) كذا في النسخ وتفسير ابن كثير والدر المنثور، والمعدود بعده خمس، ولعل السادس هو الإرث. ينظر ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٨٤) مجاهد.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٢٤)، عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٣٨) إلى المصنف. وأخرج بعضه سعيد بن منصور في سننه (١٩٤٧) من طريق خالد به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٨٤) عن عبد الأعلى به.","vol":"6","page":567},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ، عن أبيه، عن الحسنِ، قال: طلاقُ الأَمَةِ بيعُها (^١).\nحدَّثنا حُميدٌ، قال: ثنا سفيانُ بنُ حبيبٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ، أن أُبَيًّا قال: بيعُها طلاقُها (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا سفيانُ، عن خالدٍ، عن أبي قِلابةَ، عن ابن مسعودٍ، قال: إذا بِيعتِ الأمةُ ولها زوجٌ، فسيِّدُها أحقُّ ببُضْعِها (^٣).\nحدَّثنا حُميدٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثني سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ، قال: بيعُها طلاقُها. قال: فقيلَ لإبراهيمَ: فبيعُه؟ قال: ذلك (^٤) ما لا نقولُ فيه شيئًا.\nوقال آخَرون: بل معنى المحصناتِ في هذا الموضعِ العفائفُ. قالوا: وتأويلُ الآيةِ: والعفائفُ مِن النساءِ حرامٌ أيضًا عليكم، إلا ما ملَكتْ أيمانُكم منهنَّ بنكاحٍ وصَدَاقٍ وبَيِّنَةٍ (^٥) وشهودٍ، مِن واحدةٍ إلى أربعٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1844>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن أبي العاليةِ، قال: يقولُ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. ثم حرَّم ما حرَّم مِن النَّسَبِ والصِّهْرِ، ثم قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣١٧٣) عن المعتمر بن سليمان به.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٩٤٣) عن يونس به.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٢٤) عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٣٨) إلى المصنف.\n(^٤) في ص، ت ٢: \"ذاك\".\n(^٥) في النسخ والدر المنثور: \"سنة\". والمثبت من التبيان (٣/ ١٦٣). وينظر ما سيأتي في أثر ابن عباس ص ٥٦٧، ٥٦٨. وينظر تعليق الشيخ شاكر في هذين الموضعين.","vol":"6","page":568},{"text":"أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: فرجَع إلى أولِ السورةِ إلى أربعٍ، فقال: هنَّ حرامٌ أيضًا، إلا بصَداقٍ وبَيِّنَةٍ (^١) وشهودٍ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن ابن سِيرِينَ، عن عَبِيدَةَ، قال: أَحَلَّ اللهُ لك أربعًا في أولِ السورةِ، وحرَّم نكاحَ كلِّ مُحْصَنَةٍ بعدَ الأربعِ، إلا ما ملَكت يمينُك. قال مَعْمَرٌ: وأخبرني ابنُ طاوسٍ، عن أبيه: إلا ما ملَكت يمينُك، قال: فزوجُك مما ملَكت يمينَك، يقولُ: حرَّم اللهُ الزنى، لا يَحِلُّ لك أن تَطَأَ امرأَةً إلا ما ملَكت يمينُك (^٣).\nحدَّثني عليُّ بنُ [سعيدِ بن] (^٤) مسروقٍ الكِنْديُّ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ، عن هشامِ بن حسَّانَ، عن ابن سِيرِينَ، قال: سألتُ عَبِيدَةَ عن قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. قال: أربعٌ (^٥).\nحدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ، عن أَشْعَثَ بن سَوَّارٍ، عن ابن سيرِينَ، عن عَبيدَةَ، عن عمرَ بن الخطابِ مثلَه (^٦).\nحدَّثنا أبو كَريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: الأربعُ، فما بعدَهنَّ حرامٌ (^٧).\n_________\n(^١) في النسخ والدر المنثور: \"سنة\". والمثبت من التبيان (٣/ ١٦٣).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٣٨) إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق (١/ ١٥٣).\n(^٤) سقط من: م، وفى س: \"سعيد عن\". وينظر تهذيب الكمال (٢٠/ ٤٥٠).\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٤/ ٢٦٦) من طريق هشام وأشعث به بنحوه.\n(^٦) ينظر تفسير ابن كثير (٢/ ٢٢٥).\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٦٧) عن ابن يمان به دون آخره.","vol":"6","page":569},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: سألتُ عطاءً عنها، فقال: حرَّم اللهُ ذواتِ القرابةِ، ثم قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. يقولُ: حرَّم ما فوقَ الأربعِ منهنَّ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قال: الخامسةُ حرامٌ كحرمةِ الأُمَّهاتِ والأخواتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1845>ذكرُ مَن قال: عَنى بالمُحْصَناتِ في هذا الموضعِ العفائفَ مِن المسلمين وأهلِ الكتابِ</span>\nحدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن حبيبِ بن الشهيدِ، قال: ثنا عتَّابُ بنُ بَشِيرٍ، عن خَصيفٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ﴾. قال: العفيفةُ العاقلةُ؛ مِن مسلمةٍ [أو مِن] (^٢) أهلِ الكتابِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كَريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن بعضِ أصحابِه، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: العفائفُ (^٤).\nوقال آخَرون: المحصناتُ في هذا الموضعِ ذواتُ الأزواجِ، غيرَ أن الذي حرَّم اللهُ منهنَّ في هذه الآيةِ الزنى بهنَّ، وأباحَهنَّ بقولِه: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. بالنكاحِ أو المِلْكِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٣٨) إلى المصنف.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"و\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦١١ - تفسير)، من طريق عتاب به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٣٨) إلى ابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٦٠) عن ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد.","vol":"6","page":570},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1846>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿والْمُحْصَنَاتُ﴾. قال: نهَى عن الزنى (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قال: نهَى عن الزنى؛ أن تَنْكِحَ المرأةُ زوجَيْنِ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: كلُّ ذاتِ زوجٍ عليكم حرامٌ، إلا الأربعَ اللاتى يُنْكَحْنَ بالبيِّنةِ والمهرِ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عثمانَ، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا أبي، قال: سمِعتُ النعمانَ بنَ راشدٍ يُحَدِّثُ عن الزُّهْرِيِّ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، أَنه سُئِل عن المُحْصَناتِ من النساءِ، قال: هنَّ ذواتُ الأزواجِ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمَّادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ، قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: ذواتُ الأزواجِ مِن المسلمينِ والمشركينِ. وقال عليٌّ: ذواتُ الأزواجِ مِن المشركين (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٦٨، ٢٦٩) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩١٦) (٥١١١) من طريق عبد الله بن صالح به.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٣٨) إلى الطبراني.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٦٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩١٦) (٥١١٠) من طريق الزهرى به.\n(^٤) أخرجه الطبراني (٩٠٣٦) من طريق سفيان به، وابن أبي شيبة في مصنفه (٤/ ٢٦٥، ٢٦٦)، عن عبد الرحمن به مقتصرًا على قول على.","vol":"6","page":571},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قال: كلُّ ذاتِ زوجٍ عليكم حرامٌ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن عبدِ الكريمِ، عن مكحولٍ نحوَه (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن الصَّلْتِ بن بَهْرامَ، عن إبراهيمَ نحوَه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. إلى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: يعني ذواتِ الأزواجِ مِن النساءِ لا يَحِلُّ نكاحُهنَّ، يقولُ: لا تَخْلُبْ (^٣) ولا تَعِدْ فتَنْشُزَ على زوجِها، وكلُّ امرأةٍ لا تُنْكَحُ إلا ببَيِّنَةٍ ومهرٍ فهى مِن المُحْصناتِ التي حرَّم اللهُ، ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. يعنى التي أحَلَّ اللهُ مِن النساءِ، وهو ما أحَلَّ مِن حرائرِ النساءِ مثنى وثُلاثَ ورُباع (^٤).\nوقال آخَرون: بل هنَّ نساءُ أهلِ الكتابِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1847>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عيسى بنُ عُبيدٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٦٨) من طريق عبد الكريم به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٦٦) من طريق الصلت بن بهرام به.\n(^٣) خلب فلانا خِلابة: خدعه وفتن قلبه أو خدعه برقيق الحديث. ينظر الوسيط (خ ل ب).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩١٥، ٩١٧) (٥١٠٩، ٥١١٠) عن محمد بن سعد به.","vol":"6","page":572},{"text":"أيوبَ بن (^١) أبي العَوْجاءِ عن أبي مِجْلَزٍ في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: نساءُ أهلِ الكتابِ.\nوقال آخَرون: بل هنَّ الحرائرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1848>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنى حَمَّادُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا سليمانُ، عن (^٢) عَزْرةَ (^٣) في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قال: الحرائرُ.\nوقال آخَرون: المحصناتُ هن العفائفُ وذواتُ الأزواجِ، وحرامٌ كلٌّ مِن الصَّنْفيْنِ إلا بنكاحٍ أو مِلْكِ يمينٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1849>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثني عُقَيْلٌ، عن ابن شهابٍ، وسُئِل عن قولِ اللهِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية. قال: نرى أنه حرَّم في هذه الآيةِ المحصناتِ مِن النساءِ ذواتِ الأزواجِ أن يُنْكَحْنَ مع أزواجِهنَّ، والمحصناتُ العفائفُ، ولا يَحْلِلْنَ إلا بنكاحٍ أو مِلْكِ يمينٍ، والإحصانُ إحصانان؛ إحصانُ تزويجٍ، وإحصانُ عفافٍ في الحرائرِ والمملوكاتِ، كلَّ ذلك حرَّم اللهُ، إلا بنكاحٍ أو مِلْكِ يمين (^٤).\n_________\n(^١) في النسخ: \"عن\". وينظر الجرح والتعديل (٢/ ٢٥٤).\n(^٢) في النسخ: \"بن\". وينظر تهذيب الكمال (٢٠/ ٥١، ٥٢).\n(^٣) في م: \"عرعرة\"، وفى س: \"عروة\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٣٩) إلى المصنف، وأخرج بعضه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩١٥) (٥١٠٥)، من طريق الزهرى، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"6","page":573},{"text":"وقال آخَرون: نزَلت هذه الآيةُ في نساءٍ كنَّ يُهَاجِرْنَ (^١) إلى رسولِ اللهِ ﷺ ولهنَّ أزواجٌ، فيَتَزَوَّجُهنَّ بعضُ المسلمين، ثم يَقْدَمُ أزواجُهنَّ مهاجرينَ، فنُهِي المسلمون عن نكاحِهنَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1850>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: ثنى حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: كان النساءُ يَأْتِينَنَا ثم يُهاجِرُ أزواجُهنَّ، فمُنِعْناهنَّ. يعنى بقولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^٢).\nوقد ذُكِرَ عن (^٣) ابن عباسٍ وجماعةٍ غيرِه أنه كان مُلْتَبِسًا عليهم تأويلُ ذلك.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عَمرِو بن مُرَّةَ، قال: قال رجلٌ لسعيدِ بن جُبيرٍ: أمَا رأيتَ ابنَ عباسٍ حينَ سُئِل عن هذه الآيةِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. فلم يَقُلْ فيها شيئًا؟ قال: فقال: كان لا يَعْلَمُها (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الرحمنِ بن يحيى، عن مجاهدٍ، قال: لو أَعْلَمُ مَن يُفَسِّرُ لى هذه الآيةَ لضرَبتُ إليه أكبادَ الإبلِ؛ قولَه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿فَمَا\n_________\n(^١) في س: \"مهاجرات\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٣٨) إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: م، س.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٣٩) إلى المصنف.","vol":"6","page":574},{"text":"اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: فأَمَّا المُحْصَنَاتُ، فإنهنَّ جمعُ مُحْصَنَةٍ، وهي التي قد مُنِع فرجُها بزوجٍ: يقالُ منه: أَحْصَنَ الرجلُ امرأتَه فهو يُحْصِنُها إحصانًا، وحصَنتْ هي فهي تَحْصُنُ حصانةً، إذا عفَّتْ، وهى حاصنٌ مِن النساءِ، عفيفةٌ، كما قال العجَّاجُ (^٢):\nوحاصِنٍ مِن حاصناتٍ مُلْسِ\nمن [الأذَى ومن] (^٣) قِرافِ الوَقْسِ (^٤)\nويقالُ أيضًا إذا هي عفّت فحفِظتْ فرجَها مِن الفجورِ: قد أحْصَنت فرجَها فهي مُحْصَنَةٌ. كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢]. بمعنى: حفِظتْه مِن الريبةِ، ومنَعتْه مِن الفجورِ. وإنما قيل لحصونِ المدائنِ والقرى: حُصُونٌ. لمنعِها مَن أرادها وأهلَها، وحفْظِها ما وراءَها ممن بغاها مِن أعدائِها، ولذلك قيل للدرعِ: درعٌ حَصِينةٌ.\nفإذ كان أصلُ الإحصانِ ما ذكَرنا مِن المنعِ والحفظِ، فبيِّنٌ أن معنى قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾: والممنوعاتُ مِن النساءِ حرامٌ عليكم، ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. وإذ كان ذلك معناه، وكان الإحصانُ قد يكونُ بالحُرِّيَّةِ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. ويكونُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٣٩) إلى المصنف.\n(^٢) ديوانه ص ٤٨١.\n(^٣) في م: \"عن\".\n(^٤) الوقس: الجَرَب، ضربه مثلًا للفاحشة. اللسان (وق س).","vol":"6","page":575},{"text":"بالإسلامِ، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. ويكونُ بالعِفَّةِ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (النور: ٤). ويكونُ بالزوجِ، ولم يكنْ ﵎ خصَّ محصَنةً دونَ محصَنةٍ في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ - فواجبٌ أن تكونَ كلُّ محصَنةٍ - بأيِّ معاني الإحصانِ كان إحصانُها - حرامًا علينا، سفاحًا أو نكاحًا، إلا ما ملَكتْه أيمانُنا منهنَّ؛ بشراءٍ، كما أباحه لنا كتابُ اللهِ جلَّ ثناؤه، أو نكاح (^١)، على ما أطْلَقه لنا تنزيلُ اللهِ. فالذي أباحه ﵎ لنا نكاحًا مِن الحرائرِ، الأربعُ سوى اللَّواتى حُرِّمن علينا بالنَّسَبِ والصِّهْرِ، ومِن الإماءِ ما سبَيْنا مِن العدوَّ سوى اللواتى وافَق معْناهن معَنى ما حُرّم علينا مِن الحرائرِ بالنَّسَبِ والصِّهْرِ، فإنهن والحرائرَ فيما يَحِلُّ ويَحْرُمُ بذلك المعنى متفقاتُ المعانى، وسوى اللَّواتى سبَيْناهنَّ مِن أهل الكتابَيِنْ ولهنَّ أزواجٌ، فإن السِّباءَ يُحِلُّهنَّ لمن سباهنَّ بعدَ الاستبراءِ، وبعدَ إخراجِ حقِّ اللهِ ﵎ الذي جعَله لأهلِ الخُمْسِ منهنَّ.\nفأمَّا السِّفاحُ، فإن الله ﵎ حرَّمه مِن جميعِهن، فلم يُحِلَّه مِن حُرَّةٍ ولا أَمَةٍ، ولا مسلمةٍ ولا كافرةٍ مشركةٍ.\nوأمَّا الأمَةُ التي لها زوجٌ، فإنها لا تَحِلُّ لمالِكها إلا بعدَ طلاقٍ زوجِها إيَّاها، أو وفاتِه وانقضاءِ عدَّتِها منه. فأمَّا بيعُ سيدِها إيَّاها، فغيرُ مُوجِبٍ بينَها وبيَن زوجِها فراقًا ولا تحليلًا لمشترِيها؛ لصحَّةِ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه خيَّر بَرِيرةَ إذ أعْتَقَتْها عائشةُ، بينَ المُقام معَ زوجِها، الذي كان سادتُها زوَّجوها منه في حالِ رقِّها، وبينَ فِراقِه (^٢)، ولم يَجْعَلْ ﷺ عتقَ عائشةَ إيَّاها لها طلاقًا. ولو كان عتقُها وزوالُ مِلْكِ عائشةَ إِيَّاها\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣، س: \"نكاحا\".\n(^٢) أخرجه البخارى (٥٢٨٠ - ٥٢٨٢)، ومسلم (١٥٠٤).","vol":"6","page":576},{"text":"لها (^١) طلاقًا، لم يكن لتخييرِ النبيِّ ﷺ إيَّاها بينَ المُقامِ مع زوجِها والفراقِ معنًى، [ولوجَب] (^٢) بالعتقِ الفِراقُ، وبزوالِ ملكِ عائشةَ عنها الطلاقُ. فلمَّا خيَّرها النبيُّ ﷺ بينَ الذي ذكَرْنا وبينَ المُقامِ مع زوجِها والفِراقِ، كان معلومًا أنه لم يُخَيِّرْ بينَ ذلك إلا والنكاحُ عقدُه ثابتٌ، كما كان قبلَ زوالِ ملكِ عائشةَ عنها، فكان نظيرًا للعتقِ - الذي هو زوالُ ملكِ مالكِ المملوكةِ ذاتِ الزوجِ عنها - البيعُ الذي هو زوالُ ملكِ مالِكها عنها؛ إذ كان أحدُهما زوالًا ببيعٍ، والآخرُ بعتقٍ، في أن الفُرْقةَ لا تجِبُ (^٣) بينَها وبينَ زوجِها بهما ولا بواحدٍ منهما، [ولا يجِبُ بهما ولا بواحدٍ منهما] (^٤) طلاقٌ (^٥) وإن اختلفا في معانٍ أُخَرَ، مِن أن لها في العتقِ الخيارَ في المُقامِ مع زوجِها والفِراقِ، لعلةٍ مفارقةٍ معنى البيعِ، وليس ذلك لها في البيعِ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف يكونُ معنيًّا بالاستثناءِ مِن قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾. ما وراءَ الأربعِ مِن الخَمْسِ إلى ما فوقَهنَّ بالنكاحِ، والمنكوحاتُ به غيرُ مملوكاتٍ؟\nقيل له: إن الله تعالى لم يَخُصَّ بقولِه: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. المملوكاتِ الرقابَ دونَ المملوكِ عليها بعقدِ النكاحِ أمرُها، بل عمَّ بقولِه: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. كلا المعنيينِ، أعنى ملكَ الرقبةِ وملكَ الاستمتاعِ بالنكاحِ؛ لأن جميعَ ذلك ملَكتْه أيمانُنا، أمَّا هذه فملكُ استمتاعٍ، وأمَّا هذه فملكُ استخدامٍ واستمتاعٍ وتصريفٍ فيما أُبِيح لمالِكِها منها.\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ٢: \"عنها\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وقد وجب\".\n(^٣) بعده في م: \"بها\".\n(^٤) سقط من النسخ، وأثبتناه لاستقامة السياق، وينظر تعليق الشيخ شاكر.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وطلاق\".","vol":"6","page":577},{"text":"ومَن ادَّعى أن الله تبارك وتعالى عنَى بقولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾. محصَنةً وغيرَ محصَنةٍ سوى مَن ذكَرْنا أولًا بالاستثناءِ بقولِه: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ - بعضَ أملاكِ أيمانِنا دونَ بعضٍ، غيرَ الذي دللْنا على أنه غيرُ معنيٍّ به، سُئِل البرهانَ على دعواه مِن أصلٍ أو نظيرٍ، فلن يقولَ في ذلك قولًا إلا أُلْزِم في الآخَرِ مثلَه.\nفإن اعتلَّ معتلٌّ منهم (^١) بحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ أن هذه الآيةَ نزَلت في سبايا أوطاسٍ، قيل له: إن سبايا أوطاسٍ لم يُوطَأْنَ بالمِلْكِ والسِّباءِ دونَ الإسلامِ؛ وذلك أنهنَّ كنَّ مشركاتٍ مِن عَبَدَةِ الأوثانِ، وقد قامت الحجةُ بأن نساءَ عبدةِ الأوثانِ لا يَحْلِلْنَ بالملكِ دونَ الإسلامِ، وأنهنَّ إذا أسلمْنَ فَرَّق الإسلامُ بينهنَّ وبينَ الأزواجِ، سبايا كنَّ أو مُهاجِراتٍ، غيرَ أنهن إذا كنَّ سبايا، حلَلْنَ إذا هنَّ أَسْلَمْنَ بالاستبراءِ، فلا حجةَ لمحتجٍّ في أن المحصَناتِ اللاتى عناهنَّ بقولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾. ذواتُ الأزواجِ مِن السبايا دونَ غيرِهن، بخبرِ أبى سعيدٍ الخُدْريِّ في (^٢) أن ذلك نزَل في سبايا أوطاسٍ؛ لأنه وإن كان فيهن نزَل، فلم يَنْزِلْ في إباحةِ وطئِهِنَّ بِالسَّباءِ خاصَّةً دون غيرِه مِن المعانى التي ذكَرْنا، معَ أن الآيةَ تَنْزِلُ في معنىً، فتَعُمُّ ما نزَلت به فيه وغيرَه، فيَلْزَمُ حكمُها جميعَ ما عمَّتْه؛ لِما قد بيَّنَّا مِن القولِ في العمومِ والخصوصِ في كتابِنا \"كتابِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ\".\nالقولُ في تأويلِ قولِ اللهِ: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.\nيعنى تعالى ذكرُه: كتابًا مِن اللهِ عليكم. فأخْرج الكتابَ مَصْدَرًا (^٣) مِن غيرِ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منكم\".\n(^٢) سقط من: م، ت ٢.\n(^٣) المراد بالمصدر هنا المفعول المطلق. المصطلح النحوى ص ١٣٩.","vol":"6","page":578},{"text":"لفظِه. وإنما جاز ذلك لأن قولَه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. بمعنى (^١): كتَب اللهُ تحريمَ ما حرَّم مِن ذلك، وتحليلَ ما حلَّل مِن ذلك عليكم، كتابًا.\nوبما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1851>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. قال: ما حرَّم عليكم (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: سألتُ عطاءً عنها، فقال: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. قال: هو الذي كتَب عليكم الأربعَ ألا تَزِيدوا (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن عونٍ، عن محمدِ بن سِيرينَ، قال: قلتُ لعَبِيدَةَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. وأشار ابن عونٍ بأصابعِه الأربعِ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا هشامٌ، عن ابن سِيرِينَ، قال: سألتُ عَبيدَةَ عن قولِه: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. قال: أربعٌ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يعني\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩١٧) (٥١١٨)، من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٣٩) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩١٧) عقب الأثر (٥١١٧) معلقًا.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ٥٦٥.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩١٧) (٥١١٧) من طريق هشام به.","vol":"6","page":579},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: الأربعُ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. قال: هذا أمرُ اللهِ عليكم. قال: يُريدُ ما حرَّم عليهم مِن هؤلاءِ، وما أحلَّ لهم. وقرَأ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيةِ. قال: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: الذي كتَبه، وأمْرُه الذي أمَرَكم به، ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: أمرُ اللهِ.\nوقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ (^٢) يَزْعُمُ أن قولَه: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. منصوبٌ على وجهِ الإغراءِ، بمعنى: عليكم كتابَ اللهِ: الْزَموا كتابَ اللهِ.\nوالذي قال مِن ذلك غيرُ مستفيضٍ في كلامِ العربِ، وذلك أنها لا تكادُ (^٣) تَنْصِبُ بالحرفِ الذي تُغْرِى به، [إذا أخَّرت الإغراءَ وقدَّمت المُغْرَى به] (^٤). لا تكادُ تَقولُ: أخاك عليك، وأباك دونَك. وإن كان جائزًا.\nوالذي هو أَوْلَى بكتابِ اللهِ أن يكونَ محمولًا على المعروفِ مِن لسانِ مَن نزَل بلسانِه، هذا مع ما ذكَرْنَا مِن تأويلِ أهلِ التأويلِ ذلك بمعنَى ما قلناه، وخلافِ ما وجَّهه إليه مَن زعَم أنه نُصِب على وجهِ الإغراءِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩١٧) عقب الأثر (٥١١٧) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.\n(^٢) نسبه القرطبي في تفسيره (٥/ ١٢٣، ١٢٤) إلى الزجاج والكوفيين. وذكره الفراء في معاني القرآن (١/ ٢٦٠) ولم يذكر قائله.\n(^٣) سقط من النسخ، والمثبت ما يقتضيه السياق، وليوافق قول المصنف: وإن كان جائزًا.\n(^٤) تكملة لازمة، وينظر كلام المصنف على الإغراء في (١/ ١١٨)، وينظر تعليق الشيخ شاكر على هذا الموضع.","vol":"6","page":580},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1854>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وأُحِلَّ لكم ما دونَ الخَمْسِ، أن تَبْتَغوا بأموالِكم على وجهِ النكاحِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1852>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: ما دونَ الأربع، ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن هشامٍ، عن ابن سِيرينَ، عن عَبِيدَةَ السَّلْمانيِّ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: يعنى ما دونَ الأربع (^٢).\nوقال آخَرون: بل معنى ذلك: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾؛ مَن سَمَّى لكم تحريمَه مِن أقاربِكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1853>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: سألتُ عطاءً عنها، فقال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. قال: ما وراءَ ذاتِ القرابةِ، ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (^٣).\nوقال آخَرون: بل معنى ذلك: وأُحِلَّ لكم ما وراءَ (^٤) عددِ ما أُحِلَّ لكم مِن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩١٨) (٥١٢٣) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩١٨) (٥١٢٢) من طريق هشام به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٣٩) إلى المصنف.\n(^٤) بعده في م: \"ذلكم\".","vol":"6","page":581},{"text":"المحصَناتِ مِن النساءِ الحرائرِ؛ مِن (^١) الإماءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1855>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. قال: ما ملَكت أيمانُكم (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ ما نحن مُبَيِّنوه (^٣)، وهو أن الله جلَّ ثناؤه بيَّن لعبادِه المحرَّماتِ بالنَّسَبِ والصِّهْرِ، ثم المحرَّماتِ مِن المحصَناتِ مِن النساءِ، ثم أخبرَهم جلَّ ثناؤه أنه قد أحلَّ لهم ما عدا هؤلاء المحرَّماتِ المبيَّناتِ في هاتيْن الآيَتيْنِ أن نَبْتَغِيَه بأموالِنا نكاحًا ومِلْكَ يمينٍ، لا سَفاحًا.\nفإن قال قائلٌ: عرَفْنا المحلَّلاتِ اللواتى هنَّ وراءَ المحرَّماتِ بالأنسابِ والأصهارِ، فما المحلَّلاتُ مِن المحصناتِ والمحرَّماتُ منهنَّ؟\nقيل: هو ما دونَ الخَمْسِ مِن واحدةٍ إلى أربعٍ - على ما ذكَرْنا عن عَبِيدَةَ والسُّدِّيِّ - مِن الحرائرِ، فأمَّا ما عدا ذواتِ الأزواجِ، فغيرُ عددٍ محصورٍ بمِلْكِ اليمينِ.\nوإنما قلنا: إن ذلك كذلك؛ لأن قولَه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ عامٌّ في كلِّ مُحَلَّلٍ لنا مِن النساءِ أن نبتغِيَها بأموالِنا، فليس توجيهُ معنى ذلك إلى بعضٍ منهنَّ بأولى من بعضٍ، إلا أن تقومَ بأن ذلك كذلك حجةٌ يجِبُ التسليمُ لها، ولا حُجَّةَ بأن ذلك كذلك.\n_________\n(^١) في م: \"ومن\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٣٩) إلى المصنف وابن المنذر. وينظر تفسير ابن كثير (٢/ ٢٢٥).\n(^٣) في س: \"نبينه\".","vol":"6","page":582},{"text":"واختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾؛ فقرأ ذلك بعضُهم: (وأَحَلَّ لَكُمْ). بفتحِ الألفِ مِن (أَحَلَّ) (^١). بمعنى: كَتب اللهُ عليكم، وأحَلَّ لكم ما وراءَ ذلكم.\nوقرَأه آخَرون: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (^٢). اعتبارًا بقولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ - ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.\nقال أبو جعفرٍ: والذي نقولُ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قَرَأَةِ الإسلامِ، غيرُ مختَلِفَتَى المعنى، فبأَيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ الحقَّ.\nوأمَّا معنى قولِه: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. فإنه يعنى: ما عدا هؤلاءِ اللواتي حرَّمْتُهن عليكم، ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾. يقولُ: أَن تَطْلُبُوا وتَلْتَمِسوا بأموالِكم؛ إما شراءً بها، وإما نكاحًا بصَداقٍ معلومٍ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة: ٩١]. يعني: بما عداه وبما سواه.\nوأمَّا موضعُ: ﴿أَنْ﴾. مِن قولِه: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾. فرفعٌ؛ ترجمةً عن ﴿مَّا﴾ التي في قولِه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. في قراءةِ مَن قرَأ: ﴿وَأُحِلَّ﴾. بضمِّ الألفِ، ونصبٌ على ذلك في قراءةِ مَن قرَأ ذلك: (وأَحَلَّ). بفتح الألفِ. وقد يَحْتَمِلُ النصبُ في ذلك في القراءتيِن على معنى: وأحلَّ لكم ما وراءَ ذلكم لأن تَبْتَغوا. فلمَّا حُذِفتِ اللَّامُ الخافضةُ اتَّصلت بالفعلِ قبلَها فنُصِبت.\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل. السبعة لابن مجاهد ص ٢٣١.\n(^٢) وهى قراءة حمزة والكسائي، وعاصم في رواية حفص. المصدر السابق، وينظر حجة القراءات ص ١٩٨.","vol":"6","page":583},{"text":"وقد يَحْتَمِلُ أن تكونَ في موضعِ خفضٍ بهذا (^١) المعنى، إذ كانت اللامُ في هذا الموضعِ معلومًا أن بالكلامِ إليها الحاجةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1856>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿مُحْصِنِينَ﴾: أعفَّاءَ بابتغائِكم ما وراءَ ما حُرِّم (^٢) عليكم مِن النساءِ بأموالِكم، ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾. يقولُ: غَيرَ مُزَانِينَ (^٣).\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مُحْصِنِينَ﴾. قال: متناكِحِين، ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾. قال: زانِينَ بكلِّ زانيةٍ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿مُحْصِنِينَ﴾: مُتَناكِحِين، ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾: السِّفاحُ الزنَى.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾. يقولُ: مُحْصِنين غيرَ زُناةٍ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1857>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.</span>\n_________\n(^١) في النسخ: \"فهذا\". والمثبت ما يستقيم به السياق.\n(^٢) بعده في ت ٢: \"الله\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مرتابين\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٧٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩١٨) (٥١٢٥، ٥١٢٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٣٩) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩١٨) عقب الأثر (٥١٢٨) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.","vol":"6","page":584},{"text":"اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: فما نكَحْتُم منهنَّ فجامَعْتُموهنَّ، يعنى مِن النساءِ، ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. يعنى: صَدُقاتِهنَّ فريضةً معلومةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-1858>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. يقولُ: إذا تزوَّج الرجلُ منكم المرأةَ، ثم نكَحها مرةً واحدةً، فقد وجَب صداقُها كلُّه، والاستمتاعُ هو النكاحُ، وهو قولُه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرَنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾. قال: هو النكاحُ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾: النكاحُ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾. قال: النكاحَ أراد.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨٦١، ٩١٩) (٤٧٧٠، ٥١٣١، ٥١٣٣)، والنحاس في ناسخه ص ٣٢٩ من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق (١/ ١٥٤)، ومن طريقه النحاس في ناسخه ص ٣٢٥.\n(^٣) أخرجه النحاس في ناسخه ص ٣٢٥ من طريق ابن أبي نجيح به.","vol":"6","page":585},{"text":"اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الآية. قال: هذا النكاحُ، وما في القرآنِ إِلَّا نكاحٌ، إذا أخَذْتَها واسْتَمتعتَ بها، فأعْطِها أجرَها؛ الصداقَ، فإن وضَعَتْ لك منه شيئًا فهو لك سائغٌ، فرَض اللهُ عليها العِدَّةَ، وفرَض لها الميراثَ. قال: والاسْتِمْتاعُ هو النكاحُ ههنا إذا دخَل بها (^١).\nوقال آخَرون: بل معنى ذلك: فما تمتَّعْتُم به منهنَّ بأجرٍ تمتُّعَ اللذةِ، لا بنكاحٍ مطلقٍ على وجهِ النكاحِ الذي يكونُ بوليٍّ وشهودٍ ومهرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1859>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: (فما اسْتَمْتَعْتُم به منهنَّ إلى أجلٍ مسمًّى فآتُوهُنَّ أجورَهُنَّ فريضةً ولا جُناحَ علَيكم فِيما تراضَيْتُم به مِن بعدِ الفريضةِ): فهذه المتعةُ؛ الرجلُ يَنْكِحُ المرأةَ بشرطِ إلى أجلٍ مسمًّى، ويُشْهِدُ، شاهديْنِ، ويَنْكِحُ بإذنِ وليِّها، وإذا انْقَضت المدةُ، فليس له عليها سبيلٌ، وهى منه بَرِيَّةٌ، وعليها أن تَسْتَبْرِئَ ما في رحمِها، وليس بينَهما ميراثُ، ليس يَرِثُ واحدٌ منهما صاحبَه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾. قال: يعنى نكاحَ المتعةِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، قال: ثنا نُصَيْرُ بنُ أَبي الأشعثِ، قال: ثني ابن (^٤) حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن أبيه، قال: أعطانى ابن عباسٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٤١) إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٤٠) إلى المصنف. وينظر تفسير ابن كثير (٢/ ٢٢٦).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٤٠) إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"6","page":586},{"text":"مصحفًا، فقال: هذا على قراءةِ أُبَيٍّ. قال أبو كُريبٍ (^١): قال يحيى: فرأيتُ المصحفَ عندَ نُصيرٍ فيه: (فما اسْتَمْتَعْتُم به منهنَّ إلى أجلٍ مسمًّى).\nحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا داودُ، عن أبي نَضْرَةَ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن متعةِ النساءِ، قال: أمَا تَقْرَأ سورةَ \"النساءِ\"؟ قال: قلتُ: بلى. قال: فما تَقْرَأُ فيها: (فما اسْتَمْتَعْتُم به منهنَّ إلى أجلٍ مسمًّى)؟. قلتُ: لا، لو قرأتُها هكذا ما سألتُك. قال: فإنها كذا.\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنى داودُ، عن أبي نَضْرَةَ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن المتعةِ. فذكَر نحوَه.\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي مَسْلَمةَ (^٢)، عن أبي نَضْرَةَ، قال: قرَأتُ هذه الآيةَ على ابن عباسٍ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾. فقال ابن عباسٍ: (إلى أجلٍ مسمًّى). قال: قلتُ: ما أَقْرَؤُها كذلك. قال: واللهِ لأَنْزَلَها اللهُ كذلك. ثلاثَ مراتٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن هُبَيرةَ (^٤)، أن ابنَ عباسٍ قرَأ: (فما اسْتَمْتَعْتُم به منهنَّ إلى أَجَلٍ مسمًّى) (^٥).\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، وحدَّثنا خلَّادُ بنُ\n_________\n(^١) في النسخ: \"بكر\". والمثبت هو الصواب.\n(^٢) في النسخ: \"سلمة\". والمثبت من المصاحف والمستدرك، وينظر تهذيب الكمال (١١/ ١١٤).\n(^٣) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ٨١، والحاكم (٢/ ٣٠٥) من طريق شعبة به.\n(^٤) في ص، م: \"عمير\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عمر\". والمثبت من المصاحف، وينظر تهذيب الكمال (٣٠/ ١٥٠).\n(^٥) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ٨١ من طريق شعبة به، وفى ص ٧٧، ٨١، من طرق عن أبي إسحاق به.","vol":"6","page":587},{"text":"أَسْلَمَ، قال: أخبرَنا النَّضْرُ، قال: أخبرَنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن ابن عباسٍ بنحوِه.\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: في قراءةِ أُبَيِّ بن كعبٍ: (فما اسْتَمْتَعْتُم به منهنَّ إلى أَجَلٍ مسمًّى) (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكَمِ، قال: سألتُه عن هذه الآيةِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. إلى هذا الموضع: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ أمنسوخةٌ هي؟ قال: لا. قال الحكمُ: وقال عليٌّ ﵁: لولا أن عمرَ ﵁ نهَى عن المتعةِ، ما زنَى إلا شقيٌّ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا عيسى بنُ عمرَ القارئُ الأَسَديُّ، عن عَمْرِو بن مُرَّةَ، أنه سمِع سعيدَ بنَ جُبيرٍ يَقْرَأ: (فما اسْتَمتعتم به منهنَّ إلى أَجَلٍ مُسَمًّى فآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى التأويلين في ذلك بالصوابِ تأويلُ مَن تأوَّلَه: فما نَكَحْتُموه منهنَّ فجامَعْتُموه، فآتُوهُنَّ أجورَهنَّ. لقيامِ الحجةِ بتحريمِ اللهِ مُتْعَةَ النساءِ على غيرِ وجهِ النكاحِ الصحيحِ أو المِلْكِ الصحيحِ، على لسانِ رسولِه ﷺ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن عبدِ العزيزِ بن عمرَ بن عبدِ العزيزِ، قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٤٠) إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٧٠ من طريق محمد بن المُثَنَّى به، وينظر مصنف عبد الرزاق (١٤٠٢٩).\n(^٣) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ٥٣، من طريق عيسى بن عمر به.","vol":"6","page":588},{"text":"ثنى الربيعُ بنُ سَبْرَةَ الجُهَنِيُّ، عن أبيه، أن النبيَّ ﷺ قال: \"اسْتَمْتِعوا مِن هذه النساءِ\". والاستمتاعُ عندنا يومَئذٍ التزويجُ (^١).\nوقد دَلَّلْنا على أن المتعةَ على غيرِ النكاحِ الصحيحِ حرامٌ، في غيرِ هذا الموضعِ مِن كُتُبِنا، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.\nوأمَّا ما رُوِى عن أُبَيِّ بن كعبٍ وابنِ عباسٍ مِن قراءتِهما: (فما اسْتَمْتَعتم به منهنَّ إلى أَجَلٍ مسمًّى). فقراءةٌ بخلافِ ما جاءت به مصاحفُ المسلمين، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ أن يُلْحِقَ في كتابِ اللهِ تعالى شيئًا لم يأتِ به الخبرُ القاطعُ العذرَ عَمَّن لا يجوزُ خلافُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1861>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لا حرَجَ عليكم أيُّها الأزواجُ، إن أدْرَكتكُم عُسْرَةٌ بعدَ أن فرَضْتُم لنسائِكم أجورَهُنَّ فريضةً، فيما تراضَيْتُم به مِن حطٍّ وبراءةٍ، بعد الفرضِ الذي سلَف منكم لهنَّ ما كنتم فرَضتم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1860>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: زعَم حَضْرَميٌّ أن رجالًا كانوا يَفْرِضون المهرَ، ثم عسى أن يُدرِكَ أحدَهم العسرةُ،\n_________\n(^١) جزء من حديث طويل أخرجه أحمد (٢٤/ ٦٨) (١٥٣٥١)، وابن الجارود (٦٩٩)، وابن حبان (٤١٤٧) من طريق وكيع به. وأخرجه مسلم (١٤٠٦/ ٢١)، وابن ماجه (١٩٦٢) من طريق عبد العزيز به.","vol":"6","page":589},{"text":"فقال اللهُ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ولا جُناحَ عليكم أيُّها الناسُ فيما تراضَيتُم أنتم والنساءُ اللواتى اسْتَمْتَعْتُم بهنَّ إلى أجَلٍ مسمًّى، إذا انْقَضى الأجلُ الذي أجَّلْتموه بينَكم وبينهنَّ في الفراقِ، أَن يَزِدْنَكم (^٢) في الأجلِ، وتَزِيدوا مِن الأجرِ والفريضةِ، قبلَ أَن يَسْتَبْرِئْنَ أرحامَهنَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1862>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾: إن شاء أرضاها مِن بعدِ الفريضةِ الأُولَى - يعنى الأجرةَ التي أعطاها على تمتُّعِه بها - قبلَ انقضاءِ الأجلِ بينَهما، فقال: أَتَمَتَّعُ منكِ أيضًا بكذا وكذا، فازداد قبلَ أن يَسْتَبْرِئَ رحِمَها، ثم تَنْقَضِى المُدَّةُ، وهو قولُه: ﴿فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ (^٣).\nوقال آخَرون: معنى ذلك: ولا جُناحَ عليكم أيُّها الناسُ فيما تراضَيْتُم به أنتم ونساؤُكم بعدَ أن تُؤتُوهُنَّ أجورَهنَّ على استِمْتاعِكم بهنَّ مِن مُقامٍ وفراقٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1863>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٤١) إلى المصنف.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يزيدوكم\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٤١) إلى المصنف.","vol":"6","page":590},{"text":"مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾: والتراضى أن يُوَفِّيَها صداقَها ثم يُخَيِّرَها (^١).\nوقال آخَرون: بل معنى ذلك: ولا جُناحَ عليكم فيما وضَعتْ عنكم نساؤكم مِن صدُقاتِهنَّ مِن بعدِ الفريضةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1864>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾. قال: إن وضَعتُ لك منه شيئًا فهو لك سائغٌ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ولا حرجَ عليكم أيُّها الناسُ، فيما تَراضَيْتُم به أنتم ونساؤُكم، مِن بعدِ إعطائِهنَّ أجورَهُنَّ على النكاحِ الذي جرَى بينَكم وبينهنَّ، مِن حطِّ ما وجَب لهنَّ عليكم، أو إبراءٍ، أو تأخيرٍ ووضعٍ. وذلك نظيرُ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. فأمَّا الذي قاله السُّدِّيُّ فقولٌ لا معنى له؛ لفسادِ القولِ بإحلالِ جماعِ امرأةٍ بغير نكاحٍ ولا ملكِ يمينٍ.\nوأمَّا قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، فإنه يعنى: إن الله كان ذا علمٍ بما يُصْلِحُكم أيُّها الناسُ، في مناكحِكم وغيرِها مِن أمورِكم وأمورِ سائرِ خلقِه، بما يُدَبِّرُ لكم ولهم مِن التدبيرِ، وفيما يأمرُكم وينهاكم، لا يَدْخُلُ حكمتَه خَلَلٌ ولا زَلَلٌ.\n\n<span id=\"aya-518\"></span><span data-type='title' id=toc-1865>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى الطَّوْلِ الذي ذكَره اللهُ تعالى في هذه الآيةِ؛ فقال\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٠) (٥١٣٦) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٤١) إلى ابن المنذر والنحاس في ناسخه.\n(^٢) جزء من الأثر المتقدم ص ٥٨٥، ٥٨٦ وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٤١) إلى المصنف.","vol":"6","page":591},{"text":"بعضهُم: هو الفضلُ والمالُ والسَّعَةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1866>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾. قال: الغِنَى.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾. يقولُ: مَن لم يكنْ له سَعَةٌ (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾. يقولُ: من لم يَسْتَطِعْ منكم سَعَةً (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: ثنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ قولَه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾. قال: الطولُ الغِنَى (^٤).\nحدَّثنا المُثَنَّى (^٥)، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، قال:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٧٢، ومن طريقه البيهقى (٧/ ١٧٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٤٢) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٠) (٥١٣٩)، والبيهقى (٧/ ١٧٣) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٤١) إلى ابن المنذر.\n(^٣) ينظر التبيان (٣/ ١٦٨).\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٢٨)، (٦١٧ - تفسير)، والبيهقى (٧/ ١٧٤) من طريق هشيم به.\n(^٥) في م: \"ابن المُثَنَّى\"، وهو خطأ، وسيأتي على الصواب في الصفحة التالية.","vol":"6","page":592},{"text":"أخبَرنا هُشَيْمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾. قال: الطَّوْلُ السَّعَةُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾: أمَّا قولُه: ﴿طَوْلًا﴾. فَسَعةٌ مِن المالِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية. قال: ﴿طَوْلًا﴾: لا يَجِدُ ما يَنْكِحُ به حُرَّةً (^٢).\nوقال آخرون: معنى الطَّوْلِ في هذا الموضعِ، الهَوَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1867>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: ثنى عبدُ الجبَّارِ بنُ عمرَ (^٣)، عن رَبيعةَ، أنه قال في قولِ اللهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾. قال: الطَّوْلُ الهَوَى. قال: يَنكِحُ الأَمَةَ إذا كان هَوَاهُ فيها (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: كان رَبيعةُ يُلَيِّنُ فيه بعضَ التَّلْبِينِ، كان يقولُ: إذا خَشِى على نفسِه إذا أحَبَّها - أي الأمةَ - وإن كان يَقْدِرُ على نِكاحِ غيرِها، فإني أرَى أن يَنْكِحَها.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابن المباركِ، قال: أخبرَنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٠) عقب الأثر (٥١٣٩) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.\n(^٢) ينظر التبيان (٣/ ١٦٨).\n(^٣) في النسخ: \"عمرو\". وهو عبد الجبار بن عمر الأيلى أبو عمر. ينظر تهذيب الكمال (١٦/ ٣٨٨).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٠) (٥١٤٠) من طريق ابن وهب به.","vol":"6","page":593},{"text":"حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنه سُئِل عن الحُرِّ يَتزوَّجُ الأمةَ، فقال: إن كان ذا طَوْلٍ فلا. قيل: إن وَقَع حُبُّ الأَمَةِ في نفسِه؟ قال: إِن خَشِي العَنَتَ فلْيَتَزَوَّجُها (^١).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن عُبَيدةَ، عن الشَّعْبيِّ، قال: لا يَتَزَوَّجُ الحرُّ الأمةَ إلا أن لا يَجِدَ. وكان إبراهيمُ يقولُ: لا بأسَ به (^٢).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابن المباركِ، قال: أخبرَنا ابن جُرَيجٍ، قال: سمِعتُ عطاءً يقولُ: لا نَكْرَهُ (^٣) أن يَنْكِحَ ذو اليَسارِ اليومَ (^٤) الأَمَةَ إِذا خَشِي أَن يَشْقَى (^٥) بها.\nقال أبو جعفرٍ: وأَولى القولَين في ذلك بالصوابِ، قولُ مَن قال: معنى الطَّوْلِ في هذا الموضعِ، السَّعَةُ والغِنى من المالِ؛ لإجماعِ الجميعِ على أن الله ﵎ لم يُحَرِّمْ شيئًا من الأشياءِ، سوى نكاحِ الإماءِ لِوَاجِدِ الطَّوْلِ إلى الحُرَّةِ، فأَحَلَّ ما حَرَّم من ذلك عندَ غَلَبَةِ (^٦) المُحَرَّمِ عليه له، لقضاءِ لَذَّةٍ. فإذ كان ذلك إجماعًا من الجميعِ فيما عَدا نكاحِ الإماءِ لِواجِدِ الطَّوْلِ، فمِثْلُه في التحريمِ نكاحُ الإماءِ لِواجِدِ الطَّوْلِ؛ لا يَحِلُّ له مِن أجلِ غَلَبةِ هوًى عندَه (^٧)\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٤٢) إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٣٧) من طريق آخر عن الشعبي بمعناه، دون قول إبراهيم.\n(^٣) في ص، س: \"يكره\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في م، ت ٢، س: \"يسعى\"\n(^٦) في م: \"غلبته\".\n(^٧) في م: \"سره\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، س \"غيره\". والمثبت هو الصواب.","vol":"6","page":594},{"text":"فيها؛ لأن ذلك - مع وجودِه الطولَ إلى الحُرَّةِ - منه قَضاءُ لَذَّةٍ وشَهْوةٍ، وليس بمَوضعِ ضَرورةٍ [تُرْفَعُ برُخْصَةٍ] (^١)، كالميتِة للمُضطرِّ الذي يَخافُ هلاكَ نفسِه، فيَتَرَخَّصُ في أكِلها ليُحْيِيَ بها نفسَه، وما أشْبَهَ ذلك من المُحَرَّماتِ اللواتى رَخَّص اللهُ لعبادِه في حالِ الضرورةِ والخوفِ على أنفسِهم الهلاكَ منه، ما حَرَّم عليهم منها في غيرِها من الأحوالِ، ولم يُرَخَّصِ اللهُ ﵎ لعبدٍ في حرامٍ لقضاءِ لَذَّةٍ.\nوفي إجماعِ الجميعِ على أن رجلًا لو غَلَبه هوى امرأةٍ حرةٍ أو أمَةٍ (^٢)، أنها لا تَحِلُّ له إلا بنكاحٍ، أو شراءٍ على ما أَذِنَ اللهُ به، ما يُوضِّحُ فسادَ قولِ مَن قال: معنى الطَّوْلِ في هذا الموضعِ، الهَوَى. وأجاز لِواجِدِ الطَّوْلِ لحُرَّةٍ نِكَاحَ الإماءِ.\nفتأويلُ الآيةِ، إذْ كان الأمرُ على ما وَصَفْنا: ومَن لم يَجِدْ منكم سَعَةً من مالٍ لِنكاحِ الحَرائرِ، فلْيَنكِحْ مما مَلَكَت أيمانُكم.\nوأصلُ الطَّوْلِ: الإفضالُ. يقالُ منه: طالَ عليه يَطُولُ طَوْلًا. في الإفضالِ. وطالَ يَطولُ طُولًا. في الطُّولِ الذي هو خلافُ القِصَرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1868>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.</span>\nيعنى بذلك: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ﴾ أَيُّها الناسُ ﴿طَوْلًا﴾ يعنى: من الأحرارِ، ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ وهنَّ الحَرَائرُ المؤمناتُ اللواتي قد صَدَّقْن بتوحيدِ اللهِ وبما جاء به رسولُ اللهِ ﷺ من الحقِّ.\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"تدفع ترخصه\"، وفى ت ١: \"برفع يرخصه\"، وفى س: \"تدفع برخصة\".\n(^٢) في م: \"امرأة\".","vol":"6","page":595},{"text":"وبنحوِ ما قلنا في المُحصناتِ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1869>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللِه بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾. يقولُ: أن يَنكِحَ الحَرائرَ، فلْيَنْكِحْ مِن إماءِ المؤمنين (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: المُحصناتُ الحَرَائرُ، فَلْيَنْكِحِ الأَمَةَ المؤمنةَ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أمَّا ﴿فَتَيَاتِكُمُ﴾، فإماؤُكم (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: أخبرَنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا أبو بِشْرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. قال: أما مَن لم يَجِدْ ما يَنْكِحُ به (^٤) الحُرَّةَ؛ تَزَوَّجَ (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٠، ٩٢١) (٥١٤١، ٥١٤٥)، والبيهقى (٧/ ١٧٣) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٤١) إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٧٢، ومن طريقه البيهقى (٧/ ١٧٤).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢١) عقب الأثر (٥١٤٥) من طريق أسباط به.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. والمثبت موافق لما في مصادر التخريج.\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣: \"فيتزوج\".","vol":"6","page":596},{"text":"الأَمَةَ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. قال: لا (^٢) يَجِدُ ما يَنْكِحُ به حُرَّةً، فيَنكِحُ هذه الأمَةَ، فيَتَعَفَّفُ بها، ويَكفِيه أهلُها مُؤْنتَها، ولم يُحِلُّ اللهُ ذلك لأحدٍ إلَّا أَلَّا (^٣) يَجِدَ ما يَنْكِحُ به حُرَّةً ويُنفِقُ عليها، ولم يُحِلَّ له حتى يَخْشَى العَنَتَ.\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابن المباركِ، قال: أخبرَنا سُفيانُ، عن هشامٍ الدَّسْتُوائيِّ، عن عامرٍ الأحْوَلِ، عن الحسنِ، أن رسولَ اللهِ ﷺ نهَى أن تُنْكَحَ الأَمَةُ على الحُرَّةِ، وتُنْكَحَ الحُرَّةُ على الأَمَةِ، ومَن وجَد طَوْلًا لحُرَّةٍ، فلا يَنْكِحْ أَمَةً (^٤).\nواختَلَفتِ القَرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته جماعةٌ مِن قرأَةِ الكوفيين والمَكِّيين: (أن يَنكِحَ المُحْصِنَاتِ) بكسر الصادِ (^٥) مع سائرِ ما في القرآنِ من نظائرِ ذلك سوى قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. فإنهم فَتحوا الصادَ منها، وَوَجَّهوا تأويلَه إلى أنهن مُحْصَناتٌ بأزواجِهن، وأن أزواجَهن هم\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٢٨)، (٦١٧ - تفسير)، والبيهقى (٧/ ١٧٤) من طريق هشيم به، وهو تتمة الأثر السابق تخريجه ص ٥٩٢.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"من لم\".\n(^٣) في م: \"لمن لا\"، وسقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه البيهقى (٧/ ١٧٥) من طريق هشام عن عاصم به، وابن أبي شيبة (٤/ ١٤٨) من طريق هشام عن رجل عنه به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣٠٩٩، ١٣١٠١)، وسعيد بن منصور في سننه (٧٤١)، والبيهقى (٧/ ١٧٥) من طرق عن الحسن به.\n(^٥) وهى قراءة الكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٣٠.","vol":"6","page":597},{"text":"أحْصَنوهنَّ. وأما سائرُ ما في القرآنِ، فإنهم تَأَوَّلوا في كسرِهم الصادَ منه إلى أن النساءَ هنَّ أَحصَنَّ أَنفُسَهن بالعفةِ.\nوقرَأَت عامةُ قَرَأَةِ المدينةِ والعراقِ ذلك كلَّه بالفتحِ (^١)، بمعنى أن بعضَهن أحصنَهنَّ أزواجُهن، وبعضَهن أحصَنَهنَّ حُرِّيَّتُهن أو إسلامُهن.\nوقرَأ بعضُ المُتقدِّمِين كلَّ ذلك بالكسرِ، بمعنى أنهن عَفَفْنَ وأَحصَنَّ أَنفسَهنَّ.\nوذُكِرَت هذه القراءةُ - أعنى بكسرِ الجميعِ - عن عَلْقمةَ، على اختلافٍ (^٢) في الروايةِ عنه (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ عندَنا من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مُسْتَفِيضَتان في قرأةِ الأمصارِ مع اتفاقِ ذلك في المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ، إلا في الحرفِ الأولِ مِن سورةِ \"النساءِ\"، وهو قولُه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. فإني لا أستَجِيزُ الكسرَ في صادِه؛ لاتِّفَاقِ قَرَأَةِ الأمصارِ على فتحِها، ولو كانت القراءةُ بكسرِها مُسْتفيضةً استفاضَتَها بفتحِها، كان صوابًا القراءةُ بها كذلك، لِما ذكَرْنا من تَصَرُّفِ الإحصانِ في المعاني التي بَيَّنَّاها، فيكونُ معني ذلك لو كُسِر: والعَفائفُ من النساءِ حرامٌ عليكم، إلا ما ملكَت أيمانُكم. بمعنى أنهنَّ أَحْصَنَّ أنفسَهنَّ بالعِفَّةِ.\nوأما الفتياتُ، فإنهن جمعُ فتاةٍ، وهنَّ الشَّوَابُّ من النساءِ، ثم يقالُ لكلِّ مملوكةٍ ذاتِ سِنٍّ أو شَابَّةٍ: فتاةٌ. والعبدُ: فَتًى.\nثم اخْتَلف أهلُ العلمِ في نكاحِ الفَتَياتِ غيرِ المؤمناتِ، وهل عنَى اللهُ بقولِه:\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة. المصدر السابق.\n(^٢) في م: \"الاختلاف\".\n(^٣) ذكر أبو حيان في البحر المحيط (٣/ ٢١٤) أن قراءة علقمة بفتح الصاد.","vol":"6","page":598},{"text":"﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. تحريمَ ما عدا المؤمناتِ مِنهنَّ، أم ذلك مِن اللهِ تأديبٌ للمؤمنين؟ فقال بعضُهم: ذلك مِن اللهِ تعالى ذكرُه دَلالةٌ على تَحريمِ نِكاحِ إماءِ المشركين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1870>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: أخبرَنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. قال: لا يَنْبغِى أَن يَتزوَّجَ مملوكةً نَصْرانيةً.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. قال: لا ينبغى للحُرِّ المسلمِ أن يَنْكِحَ المملوكةَ مِن أهلِ الكتابِ (^١).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: سمِعتُ أبا عمرٍو، و(^٢) وسعيدَ بنَ عبدِ العزيزِ، ومالكَ بنَ أنسٍ، [وأبا بكرِ] (^٣) بنَ عبدِ اللهِ ابن أبي مريمَ يقولون: لا يَحِلُّ لحُرٍّ مسلمٍ ولا لعبدٍ مسلمٍ، الأَمَةُ النصرانيةُ؛ لأَنَّ الله يقولُ: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. يعنى بالنكاحِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٦٠) عن وكيع به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣١٠٦)، وسعيد بن منصور في سننه (٦١٩ - تفسير)، والبيهقى (٧/ ١٧٧) من طريق سفيان الثورى به.\n(^٢) سقط من النسخ، وينظر تهذيب الكمال (١٧/ ٣٠٧)، (١٠/ ٥٣٩).\n(^٣) في النسخ: \"ومالك\". وهو أبو بكر بن عبد الله الغساني الشامي. ينظر تهذيب الكمال (٣٣/ ١٠٨).\n(^٤) ذكَر قولَ مالك والأوزاعى ابن عبد البر في الاستذكار (١٦/ ٢٦٢، ٢٦٤) (٢٤٣٦٥، ٢٤٣٦٧، ٢٤٣٧٦)، وذكَر الطوسى قولَ مالك وسعيد وأبي بكر في التبيان (٣/ ١٦٩).","vol":"6","page":599},{"text":"وقال آخرون: ذلك من اللهِ على الإرشادِ والنَّدْبِ، لا على التحريمِ. وممن قال ذلك جماعةٌ من أهلِ العراقِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1871>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ (^١)، عن مُغِيرةَ، قال: قال أبو مَيسرةَ: إماءُ (^٢) أهلِ الكتابِ بمنزلةِ الحَرائرِ (^٣).\nومنهم أبو حنيفةَ وأصحابُه (^٤)، واعْتَلُّوا لقولِهم بقولِ اللهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]. قالوا: فقد أحَلَّ اللهُ محصَناتِ أهلِ الكتابِ عامًّا، فليس لأحدٍ أن يَخُصَّ منهن أَمَةً ولا حُرَّةً. قالوا: ومعنى قولِه: ﴿فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: غيرَ المشركاتِ مِن عَبدَةِ الأوثانِ.\nقال أبو جعفرٍ: وأَولى القولَين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: هو دَلالةٌ على تَحريمِ نِكاحِ إِماءِ أهلِ الكتابِ، فإنهن لا يَحْلِلْنَ إلا بملْكِ اليَمينِ، وذلك أن الله، جلَّ ثناؤه، أحَلَّ نِكَاحَ الإماءِ بشروطٍ، فما لم تَجْتَمِعِ الشروطُ التي سَمَّاهُنَّ (^٥) فيهن، فغيرُ جائزٍ لمسلمٍ نِكاحُهنَّ.\n_________\n(^١) بعده في م: \"عن منصور\".\n(^٢) في م: \"أما\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٦٠) عن جرير به.\n(^٤) ينظر الحجة لمحمد بن الحسن (٣/ ٣٣٧)، (٣٤٩ - ٣٥٥).\n(^٥) في م: \"سماها\".","vol":"6","page":600},{"text":"فإن قال قائلٌ: فإن الآيةَ التي في \"المائدةِ\" تَدُلُّ على إباحتِهنَّ بالنكاحِ.\nقيل: إن التي في \"المائدةِ\" قد أبان أن حكمَها في خاصٍّ مِن مُحْصناتِهم، وأنها مَعْنِيٌّ بها حرائرُهم دونَ إمائِهم، قولُه: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. وليست إحدى الآيتين دافعًا (^١) حكمُها حكمَ الأخرى، بل إحداهما مُبَيِّنَةٌ حكمَ الأخرى، وإنما تكونُ إحداهما دافعةً حكمَ الأخرى، لو لم يكنْ جائزًا اجتماعُ حُكْمَيْهما على صحةٍ .. فأمَّا وهما جائزٌ اجتماعُ حُكْمَيْهما (^٢) على الصحةِ، فغيرُ جائزٍ أن يُحْكَمَ لإحداهما بأنها دافِعةٌ حكمَ الأخرى، إلا بحُجَّةٍ يجبُ التسليمُ لها من خبرٍ أو قياسٍ، ولا خبرَ بذلك ولا قياسَ، والآيةُ مُحتَمِلةٌ ما قلنا: والمَحصَناتُ من حَرائرِ الذين أوتوا الكتابَ من قَبْلِكم دونَ إمائِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1872>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾.</span>\nوهذا من المُؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ.\nوتأويلُ ذلك: ومَن لم يَسْتَطِعْ منكم طَوْلًا أن يَنكِحَ المحصناتِ المؤمناتِ، فمما مَلَكَت أيمانُكم من فَتياتِكم المؤمناتِ، فلْيَنْكِحْ بعضُكم من بعضٍ. بمعنى: فلْيَنْكِحْ هذا فتاةَ هذا. فـ \"البعضُ\" مرفوعٌ بتأويلِ الكلامِ ومعناه؛ إذ كان قولُه: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، في تأويلِ: فليَنكِحْ مما مَلَكَت أيمانُكم. ثم رُدَّ ﴿بَعْضُكُمْ﴾ على ذلك المعنى فرُفِع.\nثم قال جلّ ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾. أي: واللهُ أعلمُ بِإِيمانِ مَن آمَن منكم باللهِ ورسولِه، وما جاء به من عندِ اللهِ، فصَدَّق بذلك كلِّه، منكم.\n_________\n(^١) في م: \"دافعة\".\n(^٢) في النسخ: \"حكمهما\". والمثبت ما تستقيم به العبارة مع سابقتها.","vol":"6","page":601},{"text":"يقولُ: فليَنكِحْ مَن لم يَسْتَطِعْ منكم طَوْلًا لحرةٍ، مِن فَتياتِكم المؤمناتِ، ليَنكِحْ هذا المُقْتِرُ الذي لا يَجِدُ طَوْلًا لحرَّةٍ، من هذا المُوسِرِ فتاتَه المؤمنةَ التي قد أبْدَتِ الإيمانَ فأَظْهَرَتْه، وكِلُوا سَرائرَهُنَّ إِلى اللهِ، فإِنَّ عِلْمَ ذلك إلى اللهِ دونَكم، واللهُ أعلمَ بسَرائرِكم وسَرائرِهنَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1873>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾: فتَزَوَّجوهنَّ، وبقولِه: ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾: بإذن أرْبابِهنَّ وأمرِهم إيَّاكم بنِكاحِهنَّ ورضاهم. ويعنى بقولِه: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: وأعطُوهنَّ مُهورَهنَّ.\nكما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. قال: الصَّداقُ. ويعنى بقولِه: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: على ما تَراضَيْتم به مما أحَلَّ اللهُ لكم، وأباحَه لكم أن تجعَلوه مُهورًا لهن.\n\n<span data-type='title' id=toc-1874>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.</span>\nيعني بقولِه: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾: عفيفاتٍ، ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾: غيرَ مُزانِياتٍ، ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾. يقولُ: ولا مُتَّخِذاتِ أصدقاءَ على السِّفاحِ.\nوذُكِر أن ذلك قيل كذلك؛ لأن الزَّوَانيَ كُنَّ في الجاهليةِ في العربِ، المُعلِناتِ بالزِّنى. والمُتَّخِذات الأخدانِ: اللواتى قد حَبَسْن أنفسَهن على الخليلِ والصديقِ،","vol":"6","page":602},{"text":"للفجورِ بها سِرًّا دونَ الإعلانِ بذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1875>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾. يعني: تَنْكِحُوهُنَّ عَفَائفَ غَيرَ زَوَانٍ (^١) في سِرٍّ ولا علانيةٍ. ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾. يعنى: أخِلَّاءَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾: المُسافِحاتُ المُعالِناتُ (^٣) بالزِّنى، ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ فذاتُ الخليلِ الواحدِ. قال: كان أهلُ الجاهليةِ يُحَرِّمون ما ظهَر مِن الزِّنى، ويَسْتَحِلُّون ما خَفِي، يقولون: أما ما ظهَر منه فهو لُؤْمٌ، وأما ما خَفِى فلا بأسَ بذلك. فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (^٤) [الأنعام: ١٥١].\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا مُعْتَمِرٌ، قال: سمِعتُ داودَ يُحدِّثُ عن عامرٍ، قال: الزِّنى زِناءَانِ؛ تَزْنى بالخِدْنِ ولا تَزْنى بغيرِه، وتكونُ المرأةُ سَوْمًا (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"زواني\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٢) (٥١٥٢، ٥١٥٣، ٥١٥٥) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) في ص: \"المعاليات\"، وفى س: \"العالنات\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٤٢) إلى المصنف.\n(^٥) في م: \"شؤما\"، وفى س: \"شوما\". والسوم: عَرْضُ السلعة على البيع. وقال شمر: ساموهم: أرادوهم به، وقيل: عرضوا عليهم. لسان العرب (س وم).","vol":"6","page":603},{"text":"ثم قرَأ: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أما المُحصناتُ فالعَفائفُ، فليَنْكِحِ الأَمَةَ بإذنِ أهلِها مُحصَنةً - والمُحصَناتُ العَفائفُ - غيرَ مُسافِحةٍ - والمُسافِحَةُ المُعَالِنَةُ بالزِّني - ولا مُتَّخِذَةً صديقًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾. قال: الخَليلَةُ يَتَّخِذُها الرجلُ، والمرأةُ تَتخِذُ الخليلَ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾: المُسافِحَةُ: البَغِيُّ التي تُؤاجِرُ نفسَها مَن عرَض لها، وذاتُ الخِدْنِ: ذاتُ الخليلِ الواحدِ، فنَهاهم اللهُ عن نكاحِهما جميعًا.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحاكَ بنَ مُزاحِمٍ يقولُ في قولِه: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾: أما المُحصَناتُ فَهُنَّ الحَرَائرُ، يقولُ: تَزَوَّجْ حُرَّةً. وأما المُسافِحاتُ [فهُنَّ المُعلنِاتُ] (^٣) بغيرِ مَهْرٍ، وأما مُتَّخِذَاتُ أخدانٍ فذاتُ الخليلِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢١، ٩٢٢) (٥١٤٢، ٥١٤٩، ٥١٥٤) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٧٢.\n(^٣) في ص، ت ٢: \"فهى المعالنة\"، وفى س: \"فهي المبالغة\".","vol":"6","page":604},{"text":"الواحدِ المُسْتَسِرَّةُ به، نهَى اللهُ عن ذلك (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أَخبَرَنا إِسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن الشعبيِّ، قال: الزِّنا وَجْهان قَبيحان، أحدُهما أخبَثُ من الآخرِ؛ فأما الذي هو أخبَثُهما، فالمُسافِحةُ التي تَفْجُرُ بَمن أتاها، وأما الآخرُ: فذاتُ الخِدْنِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾. قال: المُسافِحُ الذي يَلْقَى المرأةَ فيَفجُرُ بها، ثم يَذهَبُ وتذهَبُ، والمُخادِنُ (^٢) الذي يُقِيمُ معها على معصيةِ اللهِ وتُقِيمُ معه؛ فذاك الأخْدانُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1876>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾.</span>\nاخْتَلفتِ القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك (^٣)، فقرَأه بعضُهم: (فَإِذَا أَحْصَنَّ). بفتحِ الأَلِفِ، بمعنى: إِذا أَسْلَمْنَ، فصِرْنَ ممنوعاتِ الفُروجِ من الحرامِ بالإسلامِ.\nوقرَأه آخرون: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾، بمعنى: فإِذا تَزَوَّجْنَ، فصِرْنَ ممنوعاتِ الفُروجِ من الحرامِ بالأزواجِ.\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك عندى أنهما قِراءتان مَعْروفَتان مُسْتَفيضَتان في أمصارِ الإسلامِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصِيبٌ في قراءتِه الصوابَ.\nفإن ظَنَّ ظَانٌّ أن ما قلنا في ذلك غيرُ جائزٍ؛ إذ كانتا مُخْتَلِفَتَي المعنى، وإنما تجوزُ\n_________\n(^١) أخرج ابن أبي حاتم بعضه في تفسيره (٣/ ٩٢٣) (٥١٥٦) من طريق أبي معاذ به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الأخدان\".\n(^٣) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ﴿أُحْصِنَّ﴾ مضمومة الألف. وقرأ الكسائي وحمزة (أَحْصَنَّ) مفتوحة الألف. واختُلف عن عاصم فروى عنه حفص ﴿أُحْصِنَّ﴾ مضمومة. وروى عنه المفضل وأبو بكر (أَحْصَنّ) بالفتح. ينظر السبعة في القراءات ص ٢٣٠، ٢٣١، وحجة القراءات ص ١٩٨.","vol":"6","page":605},{"text":"القراءةُ بالوجهين فيما اتفَقَت عليه المعانى، فقد أغْفَل، وذلك أن مَعْنَيَىْ ذلك وإن اختَلَفا، فغيرُ دافعٍ أحدُهما صاحبَه؛ لأن الله قد أوجَب على الأَمَةِ ذاتِ الإسلامِ وغيرِ ذاتِ الإسلامِ على لسانِ رسولِه ﷺ، الحَدَّ.\nفقال ﷺ: \"إذا زَنَتْ أَمَةُ أحدِكم فلْيَجْلِدُها، كتابَ اللهِ، ولا يُثَرِّبْ عليها، ثم إن عادَت فلْيَضْرِبْها، كتابَ اللهِ، ولا يُثَرِّبْ عليها، ثم إن عادَت فليَضْربْها، كتابَ اللهِ، ولا يُثَرِّبْ عليها، ثم إن زَنَتِ الرابعةَ فليَضْرِبْها، كتابَ اللهِ، ولْتَبِعْها ولو بحبلٍ من شَعَرٍ\" (^١).\nوقال ﷺ: \"أَقِيموا الحدودَ على ما مَلَكَت أيمانُكم\" (^٢).\nفلم يَخْصُصْ بذلك ذاتَ زوجٍ منهن، ولا غيرَ ذاتِ زوجٍ، فالحدودُ واجبةٌ على مَوالى الإماءِ إقامتُها عليهن - إذا فَجَرْنَ - بكتابِ اللهِ وأمرِ رسولِ اللهِ ﷺ.\nفإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ فيما حَدَّثكم به ابن بَشَّارٍ قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن الزهريِّ، عن عُبَيدِ اللهِ بن عبدِ اللهِ، عن أبي هُريرةَ وزيدِ بن خالدٍ، أن النبيَّ ﷺ سُئِل عن الأَمةِ تَزْنى ولم تُحْصَنْ، قال: \"اجْلِدُها، فإن زَنَتْ فاجْلِدْها، فإن زَنَتْ فاجْلِدْها، فإن زَنَتْ - فقال في الثالثةِ أو الرابعةِ - فبِعْها ولو بضَفِيرٍ\" (^٣). والضَّفِيرُ الشَّعَرُ.\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٢١٥٢)، ومسلم (١٧٠٣)، والنسائى في الكبرى (٧٢٤٥) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٣٨) (٧٣٦)، وأبو داود (٤٤٧٣)، والنسائى في الكبرى (٧٢٣٩، ٧٢٦٨، ٧٢٦٩) وغيرهم من حديث على بن أبي طالب.\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٨٢٦، ٨٢٧)، ومن طريقه البخارى (٢١٥٣، ٢١٥٤)، ومسلم (١٧٠٤/ ٣٣).","vol":"6","page":606},{"text":"حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن الزهريِّ، عن عُبَيدِ اللهِ بن عبدِ اللهِ، عن أبي هُريرةَ وزيدِ بن خالدٍ (^١)، أن رسولَ اللهِ ﷺ سُئِل (^٢). فذكر نحوَه (^٣).\nفقد بَيَّنَ أن الحَدَّ الذي وجَب إقامتُه بسُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ على الإماءِ، هو ما كان قبلَ إحصانِهنَّ، فأما ما وجَب من ذلك عليهنَّ بالكتابِ، فبعدَ إحصانِهنَّ.\nقيل له: قد بَيَّنَّا أن أحدَ معاني الإحصانِ الإسلامُ، وأن الآخَرَ منه: التزويجُ، وأن الإحصانَ كلمةٌ تَشْتَمِلُ على معانٍ شَتَّى، وليس في روايةِ مَن رَوَى عن النبيِّ ﷺ أنه سُئِل عن الأمةِ تَزْنى قبلَ أن تُحْصَنَ، بيانُ أن التي سُئِل عنها النبيُّ ﷺ، هي التي تَزْني قبلَ التزويجِ، فيكونَ ذلك حُجَّةٌ لمُحْتَجٍّ في أن الإحصانَ الذي سَنَّ ﷺ حَدَّ الإماءِ في الزِّنى هو الإسلامُ دونَ التزويجِ، ولا أنه هو التزويجُ دونَ الإسلامِ.\nوإذ كان لا بيانَ في ذلك، فالصوابُ من القولِ أن كلَّ مملوكةٍ زَنَتْ، فواجِبٌ على مَولاها إقامةُ الحَدِّ عليها، مُتروِّجَةً كانت أو غيرَ مُتَزَوِّجَةٍ، بظاهرِ (^٤) كتابِ اللهِ والثابتِ من سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ، إِلَّا مَن أَخْرَجه مِن وجوبِ الحدِّ عليه مِنهنَّ بما يَجِبُ التسليمُ له، وإذ كان ذلك كذلك، تَبَيَّن به صحةُ ما اخْتَرنا من القراءةِ (^٥) في قولِه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾.\nفإِن ظَنَّ ظانٌّ أن في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وسئل\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٥٥٥، ٢٥٥٦) من طريق سفيان بن عيينة به.\n(^٤) في م: \"لظاهر\".\n(^٥) كذا قال المصنف، وهو لم يختر قراءة من القراءتين - كما سبق - بل الصواب عنده أنهما قراءتان صواب.","vol":"6","page":607},{"text":"يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. دَلالةً على أن قولَه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾. معناه تَزَوَّجْن، إذ كان ذكرُ ذلك بعدَ وَصْفِهنَّ بالإيمانِ بقولِه: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، وحَسِبَ أن ذلك لا يَحْتَمِلُ معنًى غيرَ معنى التَّزْويجِ، مع ما تَقدَّم ذلك مِن وَصْفِهِنَّ بالإيمانِ - فقد ظَنَّ خطأً؛ وذلك أنه غيرُ مستحيلٍ في الكلامِ أن يكونَ معنى ذلك: ومَن لم يَسْتطِعْ منكم طَوْلًا أن يَنْكِحَ المُحصَناتِ المؤمناتِ فمما مَلَكَت أيمانُكم من فُتياتِكم المؤمِناتِ، فإِذا هُنَّ آمَنَّ، فإن أتَينَ بفاحشةٍ، فعليهنَّ نصفُ ما على المُحْصناتِ مِن العذابِ. فيكونُ الخبرُ مُبْتَدَأَ (^١) عما يَجِبُ عليهنَّ من الحَدِّ إذا أَتَيَن بفاحشةٍ بعدَ إيمانِهنَّ، بعدَ البَيانِ عما لا يجوزُ لناكِحِهنَّ من المؤمنين من نِكَاحِهنَّ، وعمَّن يجوزُ نِكاحُه له مِنهنَّ.\nفإذْ كان ذلك غيرَ مُسْتحيلٍ في الكلامِ، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ صَرْفُ معناه إلى أنه التَّزْويجُ دونَ الإسلامِ؛ من أجلِ ما تَقدَّم مِن وَصْفِ اللهِ إياهنَّ بالإيمانِ.\nغيرَ أن الذي نختارُ لمن قرَأ: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ بِفَتْحِ الصادِ في هذا الموضعِ، أن يقرَأ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾. بضَمِّ الأَلِفِ. ولَمَن قرأ: (مُحْصِناتٍ) بكسرِ الصادِ فيه، أن يَقْرَأَ: (فإذا أَحْصَنَّ) بفتحِ الألِفِ؛ لتَأْتَلِفَ قراءةُ القارئَ على معنًى واحدٍ وسياقٍ واحدٍ؛ لقُرْبِ قولِه: (مُحصِناتٍ). من قولِه: (فإذا أَحْصَنَّ). ولو خالَف مِن ذلك لم يكنْ لَحْنًا، غيرَ أن وَجْهَ القراءةِ ما وصَفتُ.\nوقد اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك نظيرَ اختلافِ القَرَأةِ في قراءتِه؛ فقال بعضُهم: معنى قولِه: (فَإِذَا أَحْصَنَّ): فإِذا أَسْلَمْنَ.\n_________\n(^١) في م: \"بيانا\".","vol":"6","page":608},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1877>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ، عن سعيدِ، عن (^١) أبي مَعْشرٍ، عن إبراهيمَ، أن ابنَ مسعودٍ، قال: إسلامُها إحصانُها (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبَرني جَريرُ بنُ حازمٍ، أن سليمانَ بنَ مِهْرانَ حَدَّثه عن إبراهيمَ بن يَزِيدَ، عن هَمَّامٍ بن الحارثِ، [عن عمروِ بن شرحبيلَ] (^٣) أن مَعْقِلَ (^٤) بنَ مُقَرْنٍ سأل عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ، فقال: أَمَتِي زَنَتْ. فقال: اجلِدْها خمسين جلدةً. قال: إنها لم تُحْصَنْ. فقال ابن مسعودٍ: إحصانُها إسلامُها (^٥).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَمَّادٍ، عن إبراهيمَ، أن معقلَ (^٦) بنَ مُقَرِّنٍ سأل ابنَ مسعودٍ عن أَمَةٍ زَنَتْ وليس لها زوجٌ، فقال: إسلامُها إحصانُها (^٧).\n_________\n(^١) في النسخ: \"بن\". وينظر تهذيب الكمال (١١/ ٥، ٩/ ٥٠٤).\n(^٢) أخرجه الطحاوى في شرح مشكل الآثار (٩/ ٣٤٥) عقب حديث (٣٧٢٧) من طريق سعيد بن أبي عروبة به. وأيضًا في (٩/ ٣٤٦) من طريق أبي معشر به بنحوه.\n(^٣) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٤) في النسخ: \"النعمان بن عبد الله\". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر الإصابة (٦/ ١٨٣، ١٨٤).\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٥١٤، ٥٤٠) من طريق الأعمش به، وسعيد بن منصور في سننه (٧٧٣ - تفسير)، والطبراني (٩٦٩٢)، والبيهقى (٨/ ٢٤٣) من طريق إبراهيم به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٧٤ - تفسير) من طريق إبراهيم النخعى عن همام دون ذكر عمرو بن شرحبيل. وسيأتي تتمة الأثر في (٨/ ٦٥٠) عند تفسير الآية ٨٩ من سورة المائدة.\n(^٦) في م: \"النعمان\".\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٣٦٠٤) ومن طريقة الطبراني (٩٦٩١) من طريق سفيان - وهو الثورى - به.","vol":"6","page":609},{"text":"حدَّثني ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعبةُ، عن حَمَّادٍ، عن إبراهيمَ، أن معقلًا (^١) قال: قلت لابنِ مسعودٍ: أَمَتِى زَنَتْ. قال: اجلِدْها. قلتُ: فإنها لم تُحْصَنْ. قال: إحصانُها إسلامُها.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرة، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، قال: كان عبدُ اللهِ يقولُ: إحصانُها إسلامُها.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرَنا إسماعيلُ بنُ سالم، عن الشَّعْبيِّ، أنه تَلا هذه الآيةَ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾. قال: يقولُ: إِذا أَسْلَمْنَ (^٢).\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي زائدةَ، عن أَشْعَثَ، عَن الشعبيِّ، قال: قال عبدُ اللهِ: الأَمَةُ إحصانُها إسلامُها.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: مُغِيرَةُ أَخْبَرَنَا عن إبراهيمَ، أنه كان يقولُ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾. يقولُ: إذا أَسْلَمْنَ (^٣).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى زائدةَ، عن أَشْعَثَ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: الإحصانُ الإسلامُ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن بُرْدِ بن سِنانٍ، عن الزهريِّ، قال: جَلَد عمرُ، ﵁، وَلائدَ أبكارًا من وَلائدِ الإمارةِ في الزِّنى (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا\n_________\n(^١) في م: \"النعمان\".\n(^٢) أخرجه البيهقى (٨/ ٢٤٣) من طريق إسماعيل به.\n(^٣) أخرجه البيهقى (٨/ ٢٤٣) من طريق هشيم به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٣٦١١) من طريق الزهرى به بمعناه.","vol":"6","page":610},{"text":"أسباطُ، عن السُّدِّي: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾. يقولُ: إِذا أَسْلَمْنَ.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن سالمٍ والقاسمِ، قالا: إحصانُها إسلامُها وعَفافُها في قولِه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ (^١).\nوقال آخرون: معنى قولِه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾: فإِذا تَزَوَّجن.\n\n<span data-type='title' id=toc-1878>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾. يعنى إِذا تَزَوَّجْنَ حُرًّا (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (^٣)، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أَخبَرَنا حُصَينٌ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، أنه كان يقرَأُ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾. يقولُ: إِذا تَزَوَّجْنَ (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ (^٥)، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرةَ، عن عِكْرمةَ، أن ابنَ عباسٍ كان يقرَأُ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾. يقولُ: تَزَوَّجْنَ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ لَيْثًا، عن مجاهدٍ، قال: إحصانُ الأَمَةِ أن يَنْكِحَها الحرُّ، وإحصانُ العبدِ أن يَنْكِحَ الحُرَّةَ (^٦).\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعبةُ، عن عمرِو بن\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٣) عقب الأثر (٥١٥٧) معلقًا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٤) (٥١٦٠) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الحسن\". وينظر تهذيب الكمال (١٢/ ١٦١).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٩٤)، والبيهقى (٨/ ٢٤٣) من طريق هشيم به.\n(^٥) في م: \"وكيع\". وينظر تهذيب الكمال (٢٥/ ٩٧).\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٦٧) عن ابن إدريس به.","vol":"6","page":611},{"text":"مُرَّةَ، أنه سَمِع سعيدَ بنَ جُبَيرٍ يقولُ: لا تُضْرَبُ الأَمَةُ إِذا زَنَتْ ما لم تَتَزَوَّجْ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾. قال: أَحْصَنَتْهُنَّ البُعُولَةُ (^٢).\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾. قال: أَحصَنَتْهُنَّ البُعُولَةُ.\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبَرني عِياضُ بنُ عبدِ اللهِ، عن أبى الزِّنادِ، أن الشعبيَّ أخبرَه، أن ابنَ عباسٍ أخبرَه، أنه أصابَ جاريةً له قد كانت زَنَتْ، وقال: حَصَّنْتُها (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وهذا التأويلُ على قراءةِ مَن قرَأَ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾. بضَمِّ الألِفِ، وعلى تأويلِ مَن قرَأ: (فَإِذَا أَحْصَنَّ). بفَتْحِها. وقد بَيَّنا الصوابَ مِن القولِ والقراءةِ في ذلك عندَنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1879>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾: فإن أتَتْ فَتَياتُكم - وهُنَّ إماؤُكم - بعدَ ما أَحْصَنَّ بإسلامٍ، أو أُحْصِنَّ بنكاحٍ، بفاحشةٍ وهى الزنا، ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. يقولُ: فعليهنَّ نصفُ ما على الحرائرِ مِن الحدِّ، إذا هُنَّ زَنَيْنَ قبلَ الإحصانِ بالأزواجِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٥١٨) من طريق شعبة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٩٤) عن عبد الأعلى به.\n(^٣) في م: \"أحصنتها\". والأثر أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٢٨١٠). وسعيد بن منصور في سننه (٢٠٤٠، ٢٠٤١) من طريق آخر عن ابن عباس.","vol":"6","page":612},{"text":"والعذابُ الذي ذكَره اللهُ ﵎ في هذا الموضعِ هو الحَدُّ، وذلك النصفُ الذي جعَله اللهُ عذابًا لمَن أتَى بالفاحشةِ مِن الإماءِ إِذَا هُنَّ أُحْصِنَّ، خمسونَ جلدةً، ونَفْىُ ستةِ أشهرٍ، وذلك نصفُ عامٍ؛ لأن الواجبَ على الحُرَّةِ إذا هي أَتَتْ بفاحشةٍ قبلَ الإحصانِ بالزوجِ، جَلْدُ مائةٍ ونَفْىُ حَوْلٍ، فالنصفُ من ذلك خمسون جَلْدةٌ ونَفْىُ نصفِ سنةٍ، وذلك الذي جعَله اللهُ عذابًا للإماءِ المُحْصَنَاتِ إِذَا هُنَّ أَتَينَ بفاحشةٍ.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (^١).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾: خمسون جَلْدةً، ولا نَفْىَ، ولا رَجْمَ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾؟ وهل يكونُ الجَلْدُ على أحدٍ؟\nقيل: إن معنى ذلك: فلازمُ أبدانِهنَّ أن تُجْلَدَ نصفَ ما يَلْزَمُ أبدانَ المُحصناتِ، كما يقالُ: عليَّ صلاةُ يومٍ. بمعنى: لازِمٌ عليَّ أن أُصَلِّيَ صلاةَ يومٍ. وعليَّ الحَجُّ والصَّيامُ. مثلَ ذلك. وكذلك: عليه الحَدُّ. بمعنى: لازمٌ له إمكانُ نفسِه من الحدِّ ليُقامَ عليه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٤) (٥١٦٣) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"6","page":613},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1881>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذا الذي أَبَحْتُ أَيُّها الناسُ مِن نكاحِ فَتياتِكم المؤمناتِ لَمن لا يَسْتطيعُ منكم طَوْلًا لِنكاحِ المحصناتِ المؤمِناتِ، أَبَحْتُه لمن خَشِي العَنَتَ منكم دونَ غيرِه، ممن لا يَخْشَى العَنَتَ.\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو الزِّنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1880>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ لَيْثًا، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. قال: الزِّنا (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن العَوَّامِ، عمَّن حدَّثه، عن ابن عباسٍ، أنه قال: ما ازْلَحَفَّ (^٢) ناكِحُ الأَمَةِ عن الزِّنا إلا قليلًا (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ، قال: العَنَتُ الزنا (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ يحيى، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: العَنَتُ الزنا.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرَنا أبو بِشْرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ،\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٤) عقب الأثر (٥١٦٤) معلقًا.\n(^٢) ما ازْلَحَفَّ: أي ما تَنَحَّى وما تَباعَد. يقال: ازْلحفّ وازْحَلَفّ، على القَلْب، وتزَلْحف. النهاية (٢/ ٣٠٨).\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٢٠ - تفسير)، وابن أبي شيبة (٤/ ١٤٦) عن هشيم به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٤) (٥١٦٤) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"6","page":614},{"text":"قال: ما ازْلَحَفَّ ناكِحُ الأَمَةِ عن الزنا إلا قليلًا؛ ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا أبو سَلَمةَ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعبةُ، عن أبي بِشْرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ نحوَه.\nحدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبَرَنا ابن المُباركِ، قال: أخبَرَنا فُضَيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ في قولِه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. قال: الزنا (^٢).\nحدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي حمَّادٍ، قال: ثنا فُضَيلٌ، عن عطيةَ العَوفيِّ مثلَه.\nحدَّثني المثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. قال: الزنا (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أَخبَرَنَا عُبَيدةٌ (^٤)، عن الشعبيِّ وجُوَيبرٌ، عن الضحاك، قالا: العَنَتُ الزنا (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث (٤/ ٤٣٨)، وسعيد بن منصور في سننه (٧٣٢)، (٦١٨ - تفسير)، وابن أبي شيبة (٤/ ١٤٦)، والبيهقى (٧/ ١٧٤) عن هشيم به، وعبد الرزاق في المصنف (١٣١٠٠) عن ابن جريج عن سعيد بن جبير به.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٤) عقب الأثر (٥١٦٤) معلقًا.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٣١)، (٦٢١ - تفسير) من طريق جويبر به.\n(^٤) في م: \"عبيد\". وهو عبيدة بن مُعتِّب الضَّبِّي. ينظر تهذيب الكمال (١٩/ ٢٧٣).\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٣٠) من طريق هشيم عن عبيدة عن الشعبي - وحده - به.","vol":"6","page":615},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. قال: العَنَتُ الزنا.\nوقال آخرونَ: معنى ذلك، العقوبةُ التي تُعْنِتُه، وهى الحدُّ.\nوالصوابُ مِن القولِ في قولِه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾؛ ذلك لمَن خافَ منكم ضَرَرًا في دينِه وبَدَنِه.\nوذلك أن العَنَتَ هو ما ضَرَّ الرجلَ، يقالُ منه: قد عَنِتَ فلانٌ فهو يَعْنَتُ عَنَتًا. إذا أَتَى ما يَضُرُّه في دينٍ أو دنيا. ومنه قولُ اللهِ ﵎: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]. ويقالُ: قد أَعْنَتَنى فلانٌ، فهو يُعْنِتُنى. إذا نالَنى بَمَضَرَّةٍ. وقد قيل: العَنَتُ الهَلاكُ.\nفالذين وَجَّهوا تأويلَ ذلك إلى الزنا، قالوا: الزنا ضَرَرٌ في الدينِ، وهو من العَنَتِ. والذين وَجَّهوه إلى الإثمِ، قالوا: الآثامُ كلُّها ضَرَرٌ في الدينِ، وهى من العَنَتِ. والذين وَجَّهوه إلى العقوبةِ التي تُعْنِتُه في بَدنِه من الحدِّ، فإنهم قالوا: الحَدُّ مَضَرَّةٌ على بدنِ المحدودِ في دُنياه، وهو من العَنَتِ.\nوقد عَمَّ اللهُ بقولِه: ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. جميعَ معاني العَنَتِ، ويجمعُ جميعَ ذلك الزنا؛ لأنه يُوجِبُ العقوبةَ على صاحبِه في الدنيا بما يُعْنِتُ بدنَه، ويَكْتَسِبُ به إثمًا ومَضَرَّةً في دينِه ودُنياه. وقد اتَّفَق أهلُ التأويلِ الذين هم أهلُه، على أن ذلك معناه: فهو وإن كان في عينِه لَذَّةً وقَضاءَ شهوةٍ، فإنه بأدائِه إلى العَنَتِ، منسوبٌ إليه موصوفٌ به، إذْ (^١) كان للعَنَتِ سَبَبًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1882>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"أن\".","vol":"6","page":616},{"text":"يعنى جلَّ ثناؤه بذلك: وأن تَصْبِروا أيُّها الناسُ عن نِكاحِ الإماءِ خيرٌ لكم، واللهُ غفورٌ لكم نِكاحَ الإماءِ أن تَنْكِحوهنَّ على ما أحلَّ لكم وأذِن لكم به، وما سلَف منكم في ذلك؛ إن أصلحتم أمورَ أنفسِكم فيما بينَكم وبينَ اللهِ، رحيمٌ بكم، إذ أذِن لكم في نكاحِهن عندَ الافتقارِ وعدمِ الطَّوْلِ للحرةِ.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1883>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: عن نكاحِ الأمةِ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ لَيْثًا، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: عن نكاحِ الإماءِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقولُ: وأن تَصْبرَ (^٣) ولا تَنْكِحَ الأمةَ فيكونَ وَلَدُكَ مَمْلُوكِين، فهو خيرٌ لك (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقولُ: وأن تَصْبِروا عن نكاحِ الإماءِ خيرٌ لكم، وهو حِلٌّ (^٥).\n_________\n(^١) هو تتمة الأثر الذي تقدم تخريجه ص ٦١١ حاشية (١).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٤٣) إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر.\n(^٣) في ت ١، س: \"تصبروا\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٥) (٥١٦٦) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٢٧٢، ومن طريقه البيهقي في (٧/ ١٧٤).","vol":"6","page":617},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقولُ: وأن تَصْبِروا عن نكاحِهنَّ - يعنى: نكاحِ الإماءِ - خيرٌ لكم (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبَرَنا ابن المباركِ، قال: أخبَرَنا فُضَيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ في قولِه: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: أن تَصْبروا عن نكاحِ الإماءِ خيرٌ لكم (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حِبانُ، قال: ثنا ابن المباركِ، قال: أخبَرَنا ابن جُريجٍ، قال: أخبَرَنا ابن طاوسٍ، عن أبيه: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: أن تَصْبِرُوا عن نكاحِ الأمةِ خيرٌ لكم (^٢).\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدَ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: وأن تَصْبِروا عن (^٣) نكاحِ (^٤) الأمةِ فهو (^٥) خيرٌ لكم (^٦).\nو﴿وَأَنْ﴾ في قولِه: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾. في موضعِ رفعٍ بـ ﴿خَيْرٌ﴾. بمعنى: والصبرُ عن نكاحِ الإماءِ خيرٌ لكم.\n\n<span id=\"aya-519\"></span><span data-type='title' id=toc-1884>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ</span>\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٤، ٩٢٥) عقب الأثر (٥١٦٥) معلقًا.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣٠٩٧) عن ابن جريج به.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٤، ٩٢٠) (٥١٦٥)، والبيهقى (٧/ ١٧٣)، من طريق عبد الله صالح به.","vol":"6","page":618},{"text":"قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾.\nيَعْنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ حلالَه وحرامَه، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. يقولُ: وليُسَدِّدَكم ﴿سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، يَعْنى: سُبُلَ مَن قبلَكم مِن أهلِ الإيمانِ باللهِ وأنبيائِه، ومناهجَهم، فيما حرَّم عليكم مِن نكاحِ الأمهاتِ والبناتِ والأخواتِ، وسائرِ ما حرَّم عليكم في الآيتيْن اللتين بيَّنَ فيهما ما حرَّم مِن النساءِ، ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: ويُريدُ اللهُ أَن يَرْجِعَ بكم إلى طاعتِه في ذلك، مما كنتم عليه مِن معصيتِه في فعلِكم ذلك قبلَ الإسلامِ، وقبلَ أن يُوحِىَ ما أوحَى إلى نبيِّه مِن ذلك عليكم، ليَتَجاوزَ لكم - بتوبتِكم - عما سلَف منكم مِن قبيحِ ذلك، قبلَ إنابتِكم وتوبتِكم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾. يقُولُ: واللهُ ذو علمٍ بما يُصْلِحُ عبادَه في أديانِهم ودنياهم، وغيرِ ذلك مِن أمورِهم، وبما يَأْتون ويَذَرون؛ مما أحلَّ أو حرَّم عليهم، حافظٌ ذلك كلَّه عليهم، ﴿حَكِيمٌ﴾ بتدبيرِه فيهم، في تصريفِهم فيما صرَّفهم فيه.\nواختلَف أهلُ العربيةِ في معنى قولِه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، فقال بعضُهم: معنى ذلك: يريدُ اللهُ هذا مِن أجلِ أن يُبَيِّنَ لكم. وقال ذلك كما قال: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]. بكسرِ اللامِ؛ لأن معناه: أُمِرتُ بهذا مِن أجلِ ذلك.\nوقال آخرون: معنى ذلك: يُريدُ اللهُ أن يُبَيِّنَ لكم، ويهديَكم سُنَنَ الذين مِن قبلِكم. وقالوا: مِن شأنِ العربِ التعقيبُ بينَ كَيْ ولامِ كَيْ وأَنْ، وَوَضْعُ كلِّ واحدةٍ منهن موضعَ كلِّ واحدةٍ مِن أختِها مع \"أَرَدتُ\" و\"أَمَرتُ\"، فيقولون: أَمَرْتُك أن تَذْهَبَ ولِتَذْهَبَ. وأرَدتُ أن تَذْهَبَ وَلِتَذْهَبَ. كما قال اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١]. وقال في موضعٍ","vol":"6","page":619},{"text":"آخرَ: ﴿[إِنِّي أُمِرْتُ] (^١) أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ [الأنعام: ١٤]. وكما قال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨]. ثم قال في موضع آخرَ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا﴾ [التوبة: ٣٢]. واعتلُّوا في تَوْجيهِهم \"أنْ\" مع \"أَمَرتُ\" و\"أَرَدتُ\" إلى معني \"كَىْ\"، وتوجيه \"كَىْ\" مع ذلك إلى معنى \"أنْ\"، لطَلَبِ \"أَرَدتُ\" و\"أمَرتُ\" الاستقبالَ، وأنَّهما (^٢) لا يَصْلُحُ معهما (^٣) الماضي؛ لا يُقالُ: أَمَرتُك أن قُمْتَ. ولا: أرَدتُ أن قُمْتَ. قالوا: فلما كانت \"أنْ\" قد تَكُونُ مع الماضي في غيرِ \"أرَدتُ\" و\"أمَرتُ\"، وكَّدوا (^٤) لها معنى الاستقبالِ بما لا يَكُونُ معه ماضٍ مِن الأفعالِ بحالٍ، مِن \"كَىْ\" و\"اللامِ\" التي في معنى \"كَىْ\". قالوا: ولذلك جَمَعتِ العربُ بينَهن أحيانًا في الحرفِ الواحدِ، فقال قائلُهم في الجمعِ (^٥):\nأَرَدْتَ لِكَيْمَا أَن تَطِيرَ بِقِرْبَتِي … فتَتْرُكَها شَنًّا بِبَيْدَاءَ (^٦) بَلْقَعِ (^٧)\nفجمَع بينَهنَّ لاتفاقِ مَعانِيهنَّ واختلافِ ألفاظِهن، كما قال الآخرُ (^٨):\n* قد يَكْسِبُ المالَ الهِدانُ الجافِى (^٩) *\n_________\n(^١) في النسخ: \"وأُمِرتُ\". وقد أثبتنا نص التلاوة.\n(^٢) في في م: \"أيهما\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"معها\".\n(^٤) في م: \"ذكروا\".\n(^٥) معاني القرآن (١/ ٢٦٢)، وخزانة الأدب (١/ ١٦، ٨/ ٤٨١، ٤٨٤ - ٤٨٧)، غير منسوب لقائله.\n(^٦) في م: \"ببلقاء\".\n(^٧) الشَّنّ: القِرْبة الخلَق الصغيرة يكون الماء فيها أبرد من غيرها. والبيداء: الفلاة؛ وهى الأرض الواسعة المُقْفِرة. والبلقع: الخالى من كل شيء. ينظر الوسيط (ش ن ن)، (ب ي د)، (ف ل و)، (بلقع).\n(^٨) ديوان العجاج ص ١١٢، ومعاني القرآن (١/ ٢٦٢) - ونَسَبه لرؤبة ولم نجده في ديوانه - ولسان العرب (ص ر ف)، (ع ص ف)، (هـ د ن) - ونسبه للعجاج في الموضعين الأولين ولرؤبة في الثالث -، وخزانة الأدب (٨/ ٤٨٦)، ونسبه لرؤبة أيضًا. ولم يذكر كلا البيتين إلا صاحب اللسان. وهما من قصيدة يعاتب فيها ولده رؤبة، ولعل ذلك ما سبَّب الخلط، والصحيح أنها للعجاج كما أثبت ذلك صاحب اللسان.\n(^٩) الهدان: الأحمق الجافى الوخم الثقيل في الحرب. اللسان (هـ د ن).","vol":"6","page":620},{"text":"*بغَيْرِ لا عَصْفٍ ولا اصْطِرَافِ (^١) *\nفجمَع بينَ \"غيرِ\" و\"لا\"، توكيدًا للنفى، قالوا: وربما يَجُوزُ أَن يُجْعَلَ \"أنْ\" مكانَ \"كَىْ\"، و\"كَىْ\" مكانَ \"أنْ\"، في الأماكنِ التي لا يَصْحَبُ جالبَ ذلك ماضٍ مِن الأفعالِ أو غيرُ المستقبلِ. فأما ما صَحِبَه ماضٍ مِن الأفعالِ وغيرُ المستقبلِ، فلا يَجوزُ ذلك. لا يَجُوزُ عندَهم أن يُقالَ: ظَنَنتُ ليَقُومَ. ولا: أظنُّ ليَقُومَ. بمعنى: أظنُّ أن يقُومَ. لأنَّ التي (^٢) تدخُلُ مع الظنِّ تكُونُ مع الماضي مِن الفعلِ؛ يقالُ: أظنُّ أن قد قام زيدٌ. ومع المستقبلِ، ومع الأسماءِ.\nقال أبو جعفرٍ: وأولى القولَيْن في ذلك بالصوابِ عندى، قولُ مَن قال: إن اللامَ في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ بمعنى: يُريدُ اللهُ أَن يُبَينَ لكم. لِمَا ذَكَرتُ مِن علةِ مَن قال أن ذلك كذلك.\n\n<span id=\"aya-520\"></span><span data-type='title' id=toc-1885>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾.</span>\nيَعْنى بذلك تعالى ذكرُه: واللهُ يُريدُ أن يُراجعَ بكم طاعتَه والإنابةَ إليه؛ ليَعْفُوَ لكم عما سلَف مِن آثامِكم، ويَتَجاوزَ لكم عما كان منكم في جاهليَّتِكم؛ مِن استحلالِكم ما هو حرامٌ عليكم مِن نكاحِ حلائلِ آبائِكم وأبنائِكم، وغيرِ ذلك مما كنتم تَسْتَحِلُّونه وتَأْتُونه، مما كان غيرَ جائزٍ لكم إتيانُه مِن معاصى اللهِ، ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾. يقولُ: ويُريدُ الذين يَطْلُبون لذَّاتِ الدنيا وشهواتِ أنفسِهم فيها ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ عن أمرِ اللهِ ﵎، فتَجُوروا عنه بإتيانِكم ما حرَّم\n_________\n(^١) العصف: الكسب. والاصطراف: يصطرف لعياله: أي يكتسب لهم اللسان (ع ص ف)، (ص ر ف).\n(^٢) أي: لأنَّ \"أَنْ\" التي .. إلى آخر الكلام.","vol":"6","page":621},{"text":"عليكم، وركوبِكم معاصيَه، ﴿مَيْلًا عَظِيمًا﴾ جَوْرًا وعدولًا عنه شديدًا.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين وَصَفَهم اللهُ بأنهم يَتَّبِعون الشهواتِ؛ فقال بعضُهم: هم الزناةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1886>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾. قال: الزنا. ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾. قال: يُريدُون أن تَزْنُوا (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾: أن تكُونوا مثلَهم تَزْنُون كما يَزْنُون.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾. قال: الزنا. ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾. قال: يَزْنى أهلُ الإسلامِ كما يَزْنُون. قال: هي كهيئةِ ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩].\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي زائدةَ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾. قال: الزنا. ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ قال: أن تَزْنُوا.\nوقال آخرون: بل هم اليهودُ والنصارى.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٧٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٦) (٥١٧٢، ٥١٧٣). وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٤٣) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"6","page":622},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1887>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى، ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (^١).\nوقال آخرون: بل هم اليهودُ خاصةً، وكانت إرادتُهم مِن المسلمين اتِّباعَ شهواتِهم في نكاحِ الأخواتِ مِن الأبِ، وذلك أنهم يُحِلُّون نكاحَهنَّ، فقال الله ﵎ للمؤمنين: ويُريدُ الذين يُحَلِّلون نكاحَ الأخواتِ مِن الأبِ، أن تَميلوا عن الحقِّ، فتَسْتَحِلُّوهن كما استَحَلُّوا.\nوقال آخرون: معنى ذلك: كلُّ مُتَّبِعٍ شهوةً في دينِه لغيرِ الذي أُبيح له.\n\n<span data-type='title' id=toc-1888>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: سمِعتُ ابنَ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ الآية. قال: يُرِيدُ أَهلُ الباطلِ وأهلُ الشهواتِ في دينِهم، ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ في دينِكم، ﴿مَيْلًا عَظِيمًا﴾ تتَّبِعون أمرَ دينِهم، وتَتْرُكون أمرَ اللهِ وأمرَ دينِكم.\nقال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ويُرِيدُ الذين يَتَّبعون شهواتِ أنفسِهم مِن أهلِ الباطلِ وطُلَّابِ الزنا ونِكَاحِ الأخواتِ مِن الآباءِ وغيرِ ذلك مما حرَّمه اللهُ، أن تميلوا (^٢) عن الحقِّ وعما أذِن اللهُ لكم فيه،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٥) (٥١٧١) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) بعده في النسخ: \"ميلًا عظيما\". وهي زيادة عن سبق قلم من الناسخ. حذفناها ليستقيم السياق مع آخر الفقرة.","vol":"6","page":623},{"text":"فتَجُوروا عن طاعتِه إلى معصيتِه، وتَكُونوا أمثالَهم في اتِّباعِ شهواتِ أنفسِكم فيما حرَّم اللهُ، وتَرْكِ طاعتِه، ميلًا عظيمًا.\nوإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن الله ﷿ عَمَّ بقولِه: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾، فَوَصَفَهم باتِّباعِ شهواتِ أنفسِهم المذمومِة، وعمَّهم بوَصْفِهم بذلك، مِن غيرِ وصفِهم باتباعِ بعضِ الشهواتِ المذمومةِ. فإذ كان ذلك كذلك، فأوْلى المعانى بالآيةِ ما دلَّ عليه ظاهرُها، دونَ باطِنِها الذي لا شاهدَ عليه مِن أصلٍ أو قياسٍ. وإذا كان ذلك كذلك، كان داخلًا في الذين يَتَّبعون الشهواتِ، اليهودُ والنصارى والزناةُ، وكلُّ مُتَّبعٍ باطلًا؛ لأنَّ كلَّ مُتَّبعٍ ما نهاه اللهُ عنه فمتبعٌ شهوةَ نفسِه. وإذا كان ذلك بتأويلِ الآيةِ أولى، وَجَبَتْ صحةُ ما اخترنا مِن القولِ في تأويلِ ذلك.\n\n<span id=\"aya-521\"></span><span data-type='title' id=toc-1889>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾.</span>\nيَعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾: يُرِيدُ اللهُ أَن يُيَسِّرَ عليكم، بإذنِه لكم في نكاحِ الفتياتِ المؤمناتِ إذا لم تَسْتَطِيعوا طَوْلًا لحرَّةٍ، ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾. يقولُ: يسَّر ذلك عليكم إذا كنتم غيرَ مُسْتَطيعى الطَّوْلِ للحرائرِ؛ لأنكم خلِقتُم ضعفاءَ عَجَزَةً عن تَرْكِ جماعِ النساءِ قليلى الصبرِ عنه، فأذِن لكم في نكاحِ فتياتِكم المؤمناتِ، عندَ خوفِكم العَنَتَ على أنفسِكم، ولم تجدوا طولًا لحرةٍ، لِئَلَّا تَزْنُوا؛ لقلةِ صبرِكم على تَرْكِ جماعِ النساءِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.","vol":"6","page":624},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1890>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾: في نكاحِ الأمةِ، وفى كلِّ شيءٍ فيه يُسْرٌ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾. قال: في أمرِ الجِماعِ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾. قال: في أمرِ النساءِ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا معمرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾. قال: في أمورِ النساءِ، ليس يَكُونُ الإنسانُ في شيءٍ أضعفَ منه في النساءِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾. قال: رخَّص لكم في نكاحِ هؤلاءِ الإماءِ حين اضْطُرُّوا إليهنَّ، ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾. قال: لو لم يُرَخِّصْ له فيها لم يَكُنْ إلا الأمرُ الأولُ، إذا لم يَجِدْ حرّةً (^٤).\n\n<span id=\"aya-522\"></span><span data-type='title' id=toc-1891>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ</span>\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٧٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٦) (٥١٧٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٤٣) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٦) (٥١٧٧) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٤٣) إلى ابن المنذر.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق (١/ ١٥٤).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٤٣) إلى المصنف.","vol":"6","page":625},{"text":"بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.\nيَعْنى بذلك جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: صَدَّقوا الله ورسولَه ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، يَقُولُ: لا يَأْكُلْ بعضُكم أموالَ بعضٍ بما حُرِّم عليه مِن الرِّبا (^١) والقِمارِ، وغيرِ ذلك من الأمورِ التي نهاكم اللهُ عنها، ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾: أمَّا (^٢) أَكْلُهم أموالَهم بينَهم بالباطلِ، فبالرِّبا (^٣) والقمارِ والنَّجْشِ (^٤) والظلمِ، إلا أن تَكُونَ تجارةً، لِيَرْبَحْ في الدرهمِ ألفًا إن اسْتَطاع (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا خالدٌ الطَّحّانُ، قال: أخبَرنا داودُ بنُ أبى هندٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. قال: الرجلُ يَشْتَرى السِّلعةَ، فيَرُدُّها ويردُّ معها درهمًا (^٦).\n_________\n(^١) في ص، س، ت ١: \"الزنا\".\n(^٢) في م: \"نهى عن\".\n(^٣) في م: \"وبالربا\"، وفى ت ١: \"فالزنا\"، وفى س: \"والزنا\"، وفى تفسير ابن أبي حاتم: \"فبالزنا\".\n(^٤) في م، ت ١: \"البخس\"، وفى س: \"النجس\". والنَّجْش: هو أن يريد الإنسان أن يبيع بياعة فتساومه فيها بثمن كثير؛ لينظر إليك ناظر فيقع فيها. التاج (ن ج ش).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٢٧، ٩٢٨ (٥١٨٣، ٥١٨٥) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٢١ (١٧٠٣)، ٣/ ٩٢٧ (٥١٨٢) من طريق داود بن أبي هند به بمعناه. وقد تقدم في ٣/ ٢٧٨ من طريق خالد عن داود عن عكرمة قوله.","vol":"6","page":626},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ في الرجلِ يَشْتَرى مِن الرجلِ الثوبَ، فَيَقُولُ: إن رَضِيته أَخَذْته، وإلا رَدَدْته وردَدت معه درهمًا. قال: هو الذي قال اللهُ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.\nوقال آخرونَ: بل نَزَلَتْ هذه الآيةُ بالنَّهْيِ عن أن يَأْكُلَ بعضُهم طعامَ بعض إلا بِشِراءٍ، فأما قِرًى فإنه كان محظورًا بهذه الآيةِ، حتى نُسِخ ذلك بقولِه في سورةِ النورِ: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية [النور: ٦١].\n\n<span data-type='title' id=toc-1892>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسنِ بن واقدٍ، عن يزيدَ النَّحْويِّ، عن عِكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا في قولِه: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ الآية. فكان الرجلُ يَتَحَرَّجُ أن يَأْكُلَ عندَ أحدٍ من الناسِ بعدما نزَلتْ هذه الآيةُ، فنُسِخ ذلك بالآيةِ التي في \"النورِ\"، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (^١) إلى قولِه: ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١]. فكان الرجلُ الغنيُّ يَدْعو الرجلَ من أهلِه إلى الطعامِ، فيَقُولُ: إني لأَتَجَنَّحُ - والتَّجَنُّحُ: التَّحَرُّجُ - ويَقُولُ: المساكينُ أحقُّ به منى، فأحلَّ مِن ذلك أن تَأْكُلوا مما ذكِر اسمُ اللهِ عليه،\n_________\n(^١) في النسخ: \"ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم\"، وأثبتنا نصَّ التلاوة.","vol":"6","page":627},{"text":"وأحلَّ طعامَ أهلِ الكتابِ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى هذين القولين بالصوابِ في ذلك، قولُ السديِّ؛ وذلك أن الله تعالى ذكرُه حرَّم أكْلَ أموالِنا بينَنا بالباطلِ. ولا خلافَ بينَ المسلمين أن أكلَ ذلك حرامٌ علينا، فإن الله لم يُحِلُّ قَطُّ أكلَ الأموالِ بالباطلِ.\nوإذا كان ذلك كذلك، فلا معنَى لقولِ مَن قال: كان ذلك نهيًا عن أكلِ الرجلِ طعامَ أخيه قِرًى، على وَجْهِ ما أُذِن له، ثم نُسِخ ذلك. لنقلِ علماءِ الأمةِ جميعًا وجُهَّالِها؛ أن قِرَى الأضيافِ وإطعامَ الطعامِ كان مِن حميدِ أفعالِ أهلِ الشركِ والإسلامِ، التي حَمِد اللهُ أهلَها عليها (^٢) ونَدَبَهم إليها، وأن الله لم يُحَرِّمْ ذلك في عصرٍ مِن العصورِ، بل ندَب اللهُ عبادَه وحَثَّهم عليه. وإذا كان ذلك كذلك، فهو من معنى الأكْلِ بالباطلِ خارجٌ، ومِن أنْ يَكُونَ ناسخًا أو منسوخًا بمَعْزِلٍ؛ لأن النَّسْخَ إنما يَكُونُ لمنسوخٍ، ولم يَثْبتِ النهيُ عنه، فيَجُوزَ أن يَكُونَ منسوخًا بالإباحةِ. وإذا كان ذلك كذلك، صحَّ القولُ الذي قلناه - من أن الباطلَ الذي نهَى اللهُ عن أكلِ الأموالِ به، هو ما وَصَفْنا مما حرَّمه على عبادِه في تنزيلِه، أو على لسانِ رسولِه ﷺ وفَسَد (^٣) ما خالَفه. واخْتَلَفت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾؛ فقرَأها بعضُهم: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ). رَفْعًا (^٤)، بمعنى: إلا أن تُوجَدَ تجارةٌ، أو: تَقَعَ تجارةٌ، عن تراضٍ منكم، فيَحِلَّ لكم أكلُها حينَئذٍ بذلك المعنى. ومذهبُ مَن قرأ ذلك على هذا الوجهِ (^٥)، أَنَّ \"تكونَ\" تامَّةٌ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤٣ إلى المصنف مختصرًا.\n(^٢) في م: \"عليهم\".\n(^٣) في م: \"شد\"، وفى س: \"فساد\".\n(^٤) قرأ بذلك ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر. السبعة في القراءات ص ٢٣١، وحجة القراءات ص ١٩٩.\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"إلا\".","vol":"6","page":628},{"text":"ههنا لا حاجةَ بها إلى خبرٍ، على ما وَصَفتُ. وبهذه القراءةِ قرَأ أكثرُ أهلِ الحجازِ وأهلِ البصرةِ. وقرَأ ذلك، آخرون وهم عامةُ قرَأةِ الكوفيين: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾. نصبًا (^١)، بمعنى: إلا أن تَكُونَ الأَمْوَالُ التي تَأْكُلُونها بينَكم تجارةً، عن تراضٍ منكم، فيَحِلَّ لكم هنالك أكْلُها. فتكونُ الأموالُ مُضْمَرَةً في قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ﴾، والتجارةُ منصوبةً على الخبرِ. وكلتا القراءتَيْن عندَنا صوابٌ جائزةٌ (^٢) القراءةُ بها (^٣)، لاستفاضتِهما (^٤) في قَرَأَةِ الأمصارِ مع تقارُب معانِيهما. غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، فإن قراءةَ ذلك بالنصبِ أَعْجَبُ إليَّ مِن قراءتِه بالرفعِ؛ لقوّةِ النصبِ من وجهين؛ أحدُهما: أنّ في ﴿تَكُونَ﴾ ذكرًا من الأموال والآخَرُ: أنه لو لم يُجْعَل فيها ذِكرٌ منها، ثم أُفرِدَتْ بـ \"التجارةِ\"، وهى نكرةٌ، كان فصيحًا في كلامِ العربِ النَّصْبُ، إذ كانت مَبْنِيَّةً على اسمٍ وخبرٍ، فإذا لم يَظْهَرْ معها إلا نكرةٌ واحدةٌ، نَصَبوا ورَفَعوا، كما قال الشاعرُ (^٥):\n* إذا كان طَعْنًا بينَهم وعِنَاقا *\nففى هذه الآيةِ إبانةٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن تكذيبِ قولِ الجهلةِ من المُتَصَوِّفةِ، المنكرين طَلَبَ الأقواتِ بالتجاراتِ والصناعات، واللهُ تعالى يَقُولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً\n_________\n(^١) قرأ بذلك حمزة والكسائي وعاصم. السبعة في القراءات ص ٢٣١ وحجة القراءات ص ١٩٩.\n(^٢) في م: \"جائز\".\n(^٣) في م: \"بهما\".\n(^٤) في ت ٢: \"لاستفاضتها\".\n(^٥) تقدم البيت بتمامه في ٥/ ١٠٧.","vol":"6","page":629},{"text":"عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾: اكتسابًا منا (^١) ذلك بها (^٢).\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. قال: التجارة رزقٌ مِن رزقِ اللهِ، وحلالٌ مِن حلالِ الله لمن طَلَبها بصدقِها وبِرِّها، وقد كنا نُحَدَّثُ أن التاجرَ الأمينَ الصدوقَ مع السبعةِ في ظِلِّ العرشِ يومَ القيامةِ (^٣).\nوأما قولُه: ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾، فإن معناه كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﵎: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾: في تجارةٍ أو بيعٍ أو عطاءٍ يُعطيه أحدٌ أحدًا (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾: في تجارةٍ أو بيعٍ أو عطاءٍ يُعْطيه أحدٌ أحدًا.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن القاسمِ بن (^٥) سليمانَ الجُعْفيِّ، عن أبيه، عن ميمونِ بن مِهْرانَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"البيعُ عن تَراضٍ، والخيارُ بعدَ الصَّفْقَةِ، ولا يَحِلُّ المسلمٍ أن يَغُشَّ مسلمًا\" (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال:\n_________\n(^١) في م: \"أحل\"، وفى س: \"من\".\n(^٢) سقط من: س. وفى ص، م، ت ٢: \"لها\". وأثبتنا ما يقتضيه السياق. والمراد؛ أن ذلك المال أو القوت اكتسابًا منا بالتجارة إذ هي أكل للمال بالحلال. كما سيأتي في الأثر التالي.\n(^٣) أخرجه البيهقى ٥/ ٢٦٣ من طريق سعيد به ببعضه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٢٧ (٥١٨٤) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٥) في م: \"عن\". وينظر الجرح والتعديل ٧/ ١٢٤، والميزان ٣/ ٣٨٣، واللسان ٤/ ٤٦٩.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٨٣، ٨٤ عن وكيع به، وعنده: \"يغبن\" بدل \"يغش\".","vol":"6","page":630},{"text":"قلتُ لعطاءٍ: المُماسَحَةُ (^١)، بَيْعٌ هي؟ قال لا، حتى يُخَيِّرَه، التَّخْيِيرُ بعدَما يَجِبُ البيعُ؛ إن شاء أخَذ، وإن شاء ترَك.\nواختلَف أهلُ العلم في معنى التراضى في التجارةِ؛ فقال بعضُهم: هو أن يُخَيَّرَ كلُّ واحدٍ من المُتَبايِعَيْنِ بعدَ عَقْدِهما البيعَ بينَهما فيما تَبَايَعا فيه؛ مِن إمضاءِ البيعِ أو نَقْضِه، أو يَتَفرَّقا عن مجلسِهما - الذي تَواجَبًا فيه البيعَ بأبدانِهما - عن تَرَاضٍ منهما بالعَقْدِ الذي تَعاقَداه بينهما قبلَ التَّفاسُخِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1893>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن شُرَيحٍ، قال: اخْتَصَم رجلان، باع أحدُهما مِن (^٢) الآخرِ بُرْنُسًا، فقال: إنى بِعْتُ مِن هذا بُرْنُسًا، فَأَرْضَيتُه (^٣) فلم يُرْضِنى. فقال: أَرْضِه كما أرْضاك. قال: إني قد أعطَيْتُه دراهمَ ولم يَرْضَ. قال: أَرْضِه كما أرْضاك. قال: قد أَرْضَيْته فلم يَرْضَ. فقال: البَيِّعان (^٤) بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا (^٥).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بن أبي السَّفَرِ، عن الشَّعْبِيِّ، عن شُرَيحٍ، قال: البَيِّعان بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا (^٦).\n_________\n(^١) المماسحة من: تَمَاسَحَا: إذا تَبَايَعا فتَصافَقَا. ينظر تاج العروس (م س ح).\n(^٢) باع منه: باع له. ينظر اللسان (ب ى ع).\n(^٣) في م: \"فاسترضيته\".\n(^٤) البيعان: هما البائع والمشترى، يقال لكل واحدٍ منهما: بَيِّع وبائع. النهاية ١/ ١٧٣.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٤٢٦٩)، ووكيع في أخبار القضاة ٢/ ٣٣٩ من طريق ابن سيرين به.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٤٢٧١) وابن أبي شيبة ٧/ ١٢٦، ووكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٤٦، ٢٦٠ من طريق سفيان الثورى به.","vol":"6","page":631},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شُعْبَةَ، عن الحَكَمِ، عن شُرَيحٍ مثلَه (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن جابرٍ، قال: ثني أبو الضُّحَى، عن شُرَيحٍ أنه قال: البيِّعان بالخيارِ ما لم يَتَفرَّقا. قال: قال أبو الضُّحى: كان شُرَيحٌ يُحَدِّثُ عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه (^٢).\nوحدَّثنى الحُسينُ (^٣) بنُ يزيدَ الطّحانُ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن عبدِ السلامِ، عن رجلٍ، عن أبي حَوْشَبٍ، عن ميمونٍ، قال: اشْتَرَيْتُ مِن ابن سيرينَ سابِرِيًّا (^٤)، فسام عليَّ سَوْمَه، فقلتُ: أَحْسِنْ، فقال: إما أن تَأْخُذَ، وإما أن تَدَعَ، فَأَخَذْتُ منه، فلَمَّا وَزَنتُ الثمنَ وضَع الدراهمَ، فقال: اخْتَرْ؛ إمَّا الدراهمَ، وإمَّا المتاعَ. فاختَرتُ المَتاعَ فأخَذتُه.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن إسماعيلَ بن سالمٍ، عن الشعبيِّ، أنه كان يقولُ في البَيِّعَين: إنهما بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا، فإذا تَصادَرا (^٥) فقد وَجَب البيعُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحْمَسيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبَيدٍ، قال: ثنا\n_________\n(^١) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٦٧ من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ١٢٦ من طريق شعبة به.\n(^٢) أخرجه ابن حزم في المحلى ٩/ ٣٠٠ من طريق أبي الضحى في سياق قصة بنحوه، دون قوله: \"قال أبو الضحى: كان شريح يحدث … \".\n(^٣) في النسخ: \"الحسن\". والمثبت من تهذيب الكمال ٦/ ٥٠١.\n(^٤) السابِريُّ: ثوبٌ، كما جاء في حديث حبيب بن أبي ثابت: رأيت على ابن عباس ثوبا سابريًّا أستشفُّ ما وراءه. كلُّ رَقيقٍ عندهم سابريٌّ، والأصل فيه الدِّرْعُ السابرية، وهى درعٌ دقيقةُ النسجِ في إحكامِ صَنْعةٍ، منسوبة إلى الملك سابور. ينظر النهاية ٢/ ٣٣٤، وتاج العروس (س ب ر).\n(^٥) تصادرا: انصرفا. ينظر التاج (ص د ر).","vol":"6","page":632},{"text":"سفيانُ بنُ دينارٍ، عن طَيْسَلَةَ (^١)، قال: كنتُ في السوقِ وعليٌّ ﵁ في السوقِ، فجاءتْه جاريةٌ إلى بَيِّعِ فاكهةٍ بدرهمٍ، فقالت: أعْطِنى هذا، فأعطاها إياه، فقالت: لا أُريدُه، أَعْطِني درهمي. فأبى، فأَخَذَه منه عليٌّ فأعطاها إياه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرة، عن الشعبيِّ، أنه أتى في رجلٍ اشترى مِن رجلٍ بِرْذَونًا (^٢) ووجَب له، ثم إن المُبْتاعَ ردَّه قبلَ أَن يَتَفَرَّقا، فقَضَى أَنه قد وجَب عليه، فشَهِد عندَه أبو الضُّحى: أن شُرَيحًا قضى في مثلِه أَن يَرُدَّه على صاحبِه، فرجع الشعبيُّ إلى قضاءِ شريحٍ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: ثنا هشامٌ، عن ابن سيرينِ، عن شُرَيحٍ، أنه كان يَقُولُ في البَيِّعَيْن: إذا ادَّعى المُشترِى أنه قد أوجَب له البيعَ، وقال البائعُ: لم أوجِبْه (^٤) له. قال: شاهدان عَدْلان أنكما افْتَرَقْتُما عن تراضٍ بعدَ بيعٍ أو تخايُرٍ، وإلَّا فيمينُ البائِع أنكما ما (^٥) افترقتما عن [بيعٍ ولا] (^٦) تخايُرٍ (^٧).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، قال: كان شُرَيحٌ يَقُولُ: شاهدان ذوا عدلٍ أنكما افْتَرَقْتُما عن تراضٍ بعدَ بيعٍ وتخايرٍ، وإلا فيمينُه باللهِ\n_________\n(^١) في ص: \"طسه\" غير منقوطة، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"طيبه\"، وفى س: \"ظبية\"، وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٤٦٧، والتاريخ الكبير ٤/ ٣٦٧، والجرح والتعديل ٤/ ٥٠١.\n(^٢) البرذون: يُطلق على غير العربي من الخيل والبغال، عظيم الخلقة، غليظ الأعضاء، قوى الأرجل، عظيم الحوافر. ينظر الوسيط (برذن).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ١٢٦ عن جرير به.\n(^٤) في م: \"أوجب\".\n(^٥) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٦) في س: \"تراض بعد بيع أو\".\n(^٧) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ٢/ ٣٦٢ من طريق هشام بمعناه مختصرا.","vol":"6","page":633},{"text":"ما تَفَرَّقْتما عن تراضٍ بعدَ بيعٍ أو تخايرٍ.\nحدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا ابن عَوْنٍ، عن محمدِ بن سِيرينَ، عن شُرَيحٍ، أنه كان يقولُ: شاهدان ذَوَا عدلٍ أنهما تَفَرَّقا عن تراضٍ بعدَ بيعٍ أو تخايرٍ.\nوعلةُ مَن قال هذه المقالةَ ما حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن [عُبَيدِ اللهِ] (^١)، قال: أخبَرنى نافعٌ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"كلُّ بَيِّعَين فلا بيعَ بينَهما حتى يَتَفَرَّقا إلا أن يَكُونَ خيارًا\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، قال: ثني يحيى بنُ أيوبَ، قال: كان أبو زُرْعَةَ إذا بايَع رجلًا يَقُولُ له: خيِّرْني. ثم يَقولُ: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لا يَفْتَرقِ اثنانِ إلا عن رضًا\" (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"يا أهلَ البَقيعِ\". فسَمِعوا صوتًا، ثم قال: \"يا أهلَ البقيعِ\". فاشرَأَبُّوا يَنْظُرون حتى عرَفوا أنه صوتُه، ثم قال: \"يا أهلَ البقيعِ، لا يَتَفَرَّقَنَّ بَيِّعان إلا عن رِضًا\" (^٤).\n_________\n(^١) في النسخ: \"عبد الله\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٥٣١) من طريق ابن المثنى به، وأخرجه أحمد ٩/ ١٥١ (٥١٥٨)، ومسلم (١٥٣١)، والنسائي (٤٤٧٨) من طريق يحيى بن سعيد به.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٤٥٨)، والبيهقي في سننه ٥/ ٢٧١، من طريق مروان بن معاوية به، وأخرجه أحمد ١٦/ ٥٣٧ (١٠٩٢٢)، والترمذى (١٢٤٨) من طريق يحيى بن أيوب به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٨٢ عن ابن علية به مختصرا، وأخرجه عبد الرزاق (١٤٢٦٨) من طريق أيوب به، وأخرجه البيهقى ٥/ ٢٧١ من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ.","vol":"6","page":634},{"text":"حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا أبو داودَ الطيالسيُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا سِماكٌ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أن النبيَّ ﷺ بايَع رجلًا ثم قال له: \"اخْتَرْ\". فقال: قد اخْتَرْتُ. فقال: \"هكذا البيعُ\" (^١).\nقالوا: فالتجارةُ عن تراضٍ، هو ما كان على ما بيَّنه النبيُّ ﷺ مِن تَخْيِيرِ كلِّ واحدٍ مِن المُشترى والبائعِ في إمضاءِ البيعِ فيما يَتَبَايَعانِه بينَهما، أو نقضِه بعدَ عقدِ البيعِ بينَهما وقبلَ الافتراقِ، أو ما تفرَّقا عنه بأبدانِهما عن تراضٍ منهما بعدَ مُواجَبَةِ البيعِ فيه عن مجلِسِهما. فما كان بخلافِ ذلك، فليس مِن التجارةِ التي كانت بينَهما عن تراضٍ منهما.\nوقال آخرون: بل التراضى في التجارةِ تَواجُبُ عقدِ البيع فيما تَبايَعَه المتبايعان بينَهما، عن رِضًا مِن كلِّ واحدٍ منهما ما مُلِّك عليه صاحبُه، ومَلَّك صاحبَه عليه، افْتَرَقا عن مجلسِهما ذلك أو لم يَفْتَرِقا، تَخايَرا في المجلسِ أو لم يَتَخَايَرا فيه بعدَ عَقْدِه.\nوعلةُ من قال هذه المقالةَ، أن البيعَ إنما هو بالقولِ، كما أن النكاحَ بالقولِ، ولا خلافَ بينَ أهلِ العلمِ في الإجبارِ في النكاحِ لأحدِ المُتَناكِحَين على صاحبِه، افْتَرَقا أو لم يَفْتَرِقا عن مجلسِهما الذي جرَى ذلك فيه. قالوا: فكذلك حكمُ البيعِ. وتأوَّلوا قولَ النبيِّ ﷺ: \"البيِّعان بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا\". على أنه: ما لم يَتَفَرَّقا بالقولِ. وممن قال هذه المقالةَ مالكُ بنُ أنسٍ وأبو حنيفةَ وأبو يوسفَ ومحمدٌ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٢٧٩٧)، ومن طريقه البزار (١٢٨٣ - كشف)، وابن عدي ٣/ ١١٢٢، والبيهقي ٥/ ٢٧٠.\n(^٢) المدونة الكبرى ٤/ ١٨٨، والموطأ رواية محمد بن الحسن الشيباني ص ٢٥٣ عقب الحديث (٧٨٥)، والحجة على أهل المدينة ٢/ ٦٨٠ - ٦٩٤.","vol":"6","page":635},{"text":"قال أبو جعفرٍ: وأولى القولين بالصوابِ في ذلك عندَنا، قولُ مَن قال: إن التجارةَ التي هي عن تراضٍ بينَ المتبايعين، ما تفرَّق المتَبايِعان على المجلسِ - الذي تَوَاجَبا فيه بينَهما عُقْدةَ البيعِ - بأبدانِهما، عن تراضٍ منهما بالعقدِ الذي جرَى بينهما، وعن تخييرِ كلِّ واحدٍ منهما صاحبَه؛ لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بما حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبرَنا أيوبُ، وحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"البَيِّعان بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا، أو يَكونُ بيعَ خيارٍ\". وربما قال: \"أو يَقُولُ أحدهما للآخَرِ: اخْترْ\" (^١).\nفإذ كان ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ صحيحًا، فليس يَخْلو قولُ أحدِ المُتبابِعَين لصاحبِه: اخْتَر. مِن أن يَكُونَ قبلَ عقدِ البيعِ أو معه أو بعدَه؛ فإن يَكُنْ قبلَه، فذلك الخَلْفُ مِن الكلامِ (^٢) الذي لا معنى له؛ لأنه لم يَمْلِكْ قبلَ عقدِ البيعِ أحدُ المُتبايِعَين على صاحبِه، ما لم يَكُنْ له مالكًا، فيَكُونَ لتخييرِه صاحبَه فيما مَلَك (^٣) عليه وجهٌ مفهومٌ، ولا فيهما مَن يَجْهَلُ أنه بالخيارِ في تمليكِ صاحبِه ما هو له غيرُ مالكٍ بعِوَضٍ يَعْتاضُه منه، فيقالُ له: أنت بالخيارِ فيما تُريدُ أن تُحدِثَهُ مِن بيعٍ أو شراءٍ. أو يَكُونَ - إن بطَل هذا المعنى - تخييرُ كلِّ واحدٍ منهما صاحبَه مع عقدِ البيعِ، ومعنى التخييرِ في تلك الحال نظيرُ معنى التخييرِ قبلَها؛ لأنها حالةٌ لم يَزُلْ فيها عن (^٤) أحدِهما ما كان مالكَه قبلَ ذلك إلى صاحبِه، فيكون للتخييرِ وجهٌ مفهومٌ، أو يكونَ ذلك بعدَ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٨/ ٦٤ (٤٤٨٤)، ومسلم (١٥٣١)، والنسائى (٤٤٨٢) من طريق ابن علية به.\n(^٢) الخلف من الكلام: الردئ من القول. ينظر الوسيط (خ ل ف).\n(^٣) في م: \"يملك\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عين\".","vol":"6","page":636},{"text":"عقدِ البيعِ، إذا فسَد هذان المعنيان. وإذا كان ذلك كذلك، صحَّ أن المعنى الآخرَ مِن قولِ رسولِ اللهِ ﷺ - أعنى قولَه: \"ما لم يَتَفَرَّقا\" - إنما هو التَّفَرُّقُ بعدَ عقدِ البيعِ، كما كان التخييرُ بعدَه. إذا صحَّ ذلك، فسَد قولُ مَن زعم أن معنى ذلك إنما هو التفرُّقُ بالقولِ الذي به يَكُونُ البيعُ. وإذا فسَد ذلك، صحَّ ما قلنا مِن أن التخييرَ والافتراقَ إنما هما مَعْنَيانِ بهما يَكُونُ تمامُ البيعِ بعدَ عقدِه، وصحَّ تأويلُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾: إلا أن يَكُونَ أكلُكم الأموالَ التي تأكُلُها بعضُكم لبعضٍ، عن مِلْكٍ منكم عمن ملَكْتُموها عليه، بتجارةٍ تَبايَعْتُموها بينَكم، وافْتَرَقتم عنها عن تَراضٍ منكم بعدَ عقدِ البيعِ بينَكم بأبدانِكم، أو يُخَيِّرَ بعضُكم بعضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1895>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾.</span>\nيعني بقولِه (^١) جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: ولا يَقْتُلْ بعضُكم بعضًا وأنتم أهلُ ملَّةٍ واحدةٍ ودعوةٍ واحدةٍ ودينٍ واحدٍ. فجعَل جلَّ ثناؤُه أهلَ الإسلامِ كلَّهم بعضَهم مِن بعضٍ، وجعَل القاتلَ منهم قتيلًا، في قتلِه إياه منهم، بمنزلةِ قَتْلِه نفسَه، إذ كان القاتلُ والمقتولُ أهلَ يدٍ واحدةٍ على مَن خالَف ملتَهما.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1894>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن\n_________\n(^١) في م: \"بذلك\".","vol":"6","page":637},{"text":"السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. يَقولُ: أهل ملَّتِكم (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءِ بن أبي رَباحٍ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: قَتْلُ بعضِكم بعضًا (^٢).\nوأما قولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. فإنه يَعْنى أن الله ﵎ لم يَزَلْ رحيمًا بخلقِه، ومِن رحمتِه بكم كفُّ بعضِكم عن قتلِ بعضٍ أيُّها المؤمنون، بتحريمِ دماءِ بعضِكم على بعضٍ إلا بحقِّها، وحَظْرِ أكلِ مالِ بعضِكم على بعضٍ بالباطلِ، إلا عن تجارةٍ يَمْلِكُ بها عليه برِضاه وطِيبِ نفسِه، لولا ذلك هَلَكتم وأهْلَك بعضُكم بعضًا، قَتْلًا وسَلْبًا وغَصْبًا.\n\n<span id=\"aya-523\"></span><span data-type='title' id=toc-1897>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ومَن يَقْتُلْ نفسَه. بمعنى: ومَن يَقْتُلْ أخاه المؤمنَ عدوانًا وظلمًا ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1896>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أرأيتَ قولَه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾، في كلِّ ذلك، أو في قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾؟ قال: بل في قولِه:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤٤ إلى المصنف وابن المنذر، بلفظ: أهل دينكم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤٤ إلى المصنف.","vol":"6","page":638},{"text":"﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ومَن يَفْعَلْ ما حَرَّمْتُه عليه مِن أوّلِ هذه السورةِ إلى قولِه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾؛ مِن نكاحِ مَن حَرَّمْتُ نكاحَه، وتعدِّى حدودِه، وأكْلِ أموال الأيتامِ ظلمًا، وقَتْلِ النفسِ المحرَّمِ قتلُها ظلمًا بغيرِ حقٍّ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ومَن يَأْكُلْ مالَ أخيه المسلمِ ظلمًا بغيرِ طِيبِ نفسٍ منه، وقَتَلَ أخاه المؤمنَ ظلمًا، فسوف نُصلِيه نارًا.\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يُقالَ: معناه: ومَن يَفْعَلْ ما حرَّم اللهُ عليه مِن قوِله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ إلى قولِه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾. مِن نكاحِ المحرَّماتِ، وعَضْلِ المحرَّمِ عَضْلُها مِن النساءِ، وأكْلِ المالِ بالباطلِ، وقَتْلِ المحرَّمِ قتلُه من المؤمنينِ؛ لأن كلَّ ذلك مما وعَد اللهُ عليه أهلَه العقوبةَ.\nفإن قال قائلٌ: فما مَنَعك أن تَجْعَلَ قولَه: ﴿ذَلِك﴾ معنِيًّا به جميعَ ما أوعَد اللهُ عليه العقوبةَ مِن أولِ السورةِ؟ قيل: مَنَعَنى (^٢) ذلك، أن كلَّ فَصْلٍ مِن ذلك قد قد قُرِن بالوعيدِ، إلى قولِه: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، ولا ذِكْرَ للعقوبةِ مِن بعدِ ذلك على ما حرَّم اللهُ في الآيِ التي بعدَه، إلى قولِه: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾. فكان قولُه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾؛ معنيًّا به ما قلنا مما لم يُقْرَنْ بالوعيدِ، مع إجماع الجميعِ على أن الله تعالى قد تَوَعَّد على كلِّ ذلك، أَوْلَى مِن أَن يَكُونَ معنيًّا به ما يتسلَّفُ (^٣) فيه الوعيدُ بالنَّهي مقرونًا قبلَ ذلك.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤٥ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"منع\".\n(^٣) في م: \"سلف\". ويتسلَّف: يتقدم.","vol":"6","page":639},{"text":"وأما قولُه: ﴿عُدْوَانًا﴾. فإنه يعْنى به: تَجاوُزًا لما أباح اللهُ له، إلى ما حرَّمه عليه، ﴿وَظُلْمًا﴾ يَعْنى: فعلًا منه ذلك بغيرِ ما أذِن اللهُ به، ورُكوبًا منه ما قد نهاه اللهُ عنه.\nوقولُه: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾. يَقُولُ: فسوف نُورِدُه نارًا يَصْلَى بها فيَحْتَرِقُ فيها. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾، يعني: وكان إصلاءُ فاعلِ ذلك النارَ وإحراقُه بها، على اللهِ سهلًا يسيرًا؛ لأنه لا يَقْدِرُ على الامتناعِ على ربِّه مما أراد به مِن سوءٍ، وإنما يَصْعُبُ الوفاءُ بالوعيدِ لِمَنْ تَوَعَّده، على مَن كان إذا حاول الوفاء به قَدَر المُتَوَعَّدُ من الامتناعِ منه، فأمَّا مَن كان في قَبْضَةِ مُوعِدِه، فيَسيرٌ عليه إمْضاءُ حُكمِه فيه، والوفاءُ له بوَعِيدِه، غيرُ عَسيرٍ عليه أمرٌ أرادَه به (*).\n\n<span id=\"aya-524\"></span><span data-type='title' id=toc-1898>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الكبائرِ التي وعَد اللهُ جلَّ ثناؤُه عبادَه باجتنابِها تكفيرَ سائرِ سيئاتِهم عنهم؛ فقال بعضُهم: الكبائرُ التي قال اللهُ ﵎: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. هي ما تقدَّم اللهُ إلى عبادِه بالنَّهْي عنه من أوّلِ سورةِ \"النساءِ\" إلى رأسِ الثلاثين منها.\n_________\n(*) بعده في ص: \"نجز الجزء السادس من الكتاب بحمد الله تعالى وعونه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. يتلوه في الجزء السابع إن شاء الله تعالى: القول في تأويل قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. وكان الفراغ منه في بعض شهور سنة خمس عشرة وسبعمائة، أحْسَنَ اللهُ تَقَضِّيَها وخاتمتَها في خير وعافية بمنه وكرمه. غفر الله لصاحبه ولكاتبه ولمؤلفه والجميع المسلمين. الحمد لله رب العالمين. طالعه الفقير إليه سبحانه محمد بن محمود بن محمد بن حسين الجزائري الحنفى، عُفى عنهم بمنِّه، وأتمه بتاريخ ثانى شهر ربيع الأول من سنة تسع وثلاثين واثنى عشر مئة. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله. بسم الله الرحمن الرحيم. ربِّ أعن\".","vol":"6","page":640},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1899>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: الكبائرُ مِن أَوَّلِ سورةِ النساءِ إلى ثلاثين منها (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ بمثلِه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حَجَّاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن إبراهيمَ، عن ابن مسعودٍ مثلَه.\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، قال: ثنى علقمةُ، عن عبدِ اللهِ، قال: الكبائرُ مِن أوّلِ سورةِ النساءِ إلى قولِه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (^٢).\nحدَّثنا الرفاعيُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ وأبو خالدٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: الكبائرُ مِن أوّلِ سورةِ النساءِ إلى قولِه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (^٣).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: سُئل عبدُ اللهِ عن الكبائرِ، قال: ما بينَ فاتحةِ سورةِ النساءِ إلى رأسِ\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوى في المشكل ٢/ ٣٥٤ عقب حديث (٨٩٩) من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٣٣ (٥٢١٤) من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه البزار في مسنده (١٥٣٢) من طريق أبى معاوية به، بلفظ: ما بين أول سورة النساء إلى رأس =","vol":"6","page":641},{"text":"الثلاثين.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مغيرةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن ابن مسعودٍ، قال: الكبائرُ ما بينَ فاتحةِ سورةِ \"النساء\" إلى رأسِ الثلاثين.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مغيرةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن ابن مسعودٍ، قال: الكبائرُ ما بينَ فاتحةِ سورةِ \"النساءِ\" إلى ثلاثين آيةً منها، ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ، أنه قال: الكبائرُ من أوّلِ سورةِ النساءِ إلى الثلاثين منها؛ ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّة، عن ابن عَونٍ، عن إبراهيمَ، قال: كانوا يَرَوْن أن الكبائرَ فيما بينَ أول هذه السورةِ؛ سورةِ \"النساءِ\" إلى هذا الموضعِ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن عاصمِ بن أبى النَّجودِ، عن زِرِّ بن حُبَيشٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: الكبائرُ مِن أوَّلِ سورةِ النساءِ إلى ثلاثين آيةً منها. ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا مِسْعرٌ، عن عاصمِ بن أبي النَّجودِ،\n_________\n= الثلاثين، والطحاوى في المشكل ٢/ ٣٥٤ من طريق إبراهيم به.\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٢/ ٢٤٥، ٢٤٦.","vol":"6","page":642},{"text":"عن زِرِّ بن حُبَيشٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: الكبائرُ ما بينَ أوّلِ سورةِ النساءِ إلى رأسِ الثلاثين.\nوقال آخرونَ: الكبائرُ سبعٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1900>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرَنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بن سهلِ بن أبي حَثْمَةَ، عن أبيه، قال: إنى لفى هذا المسجدِ؛ مسجدِ الكوفةِ، وعليٌّ ﵁ يَخْطُبُ الناسَ على المنبرِ، فقال: ياأيُّها الناسُ إن الكبائرَ سبعٌ. فأصاخ الناسُ، فأعادَها ثلاثَ مراتٍ، ثم قال: ألا (^١) تَسْأَلونى عنها؟ قالوا: يا أميرَ المؤمنين؛ ما هي؟ قال: الإشراكُ باللهِ، وقتلُ النفسِ التي حرَّم اللهُ، وقَذْفُ المُحْصنةِ، وأكلُ مالِ اليتيمِ، وأكلُ الرِّبا، والفرارُ يومَ الزحفِ، والتَّعَرُّبُ بعدَ الهجرةِ. فقلت لأبي: يا أَبَتِ (^٢)؛ التَّعَرُّبُ بعدَ الهجرةِ، كيف لحِق (^٣) ههنا؟ فقال: يا بُنيَّ؛ وما أعْظَمُ مِن أن يُهاجِرَ الرجلُ، حتى إذا وقَع سهمُه في الفَيْءِ ووجَب عليه الجهادُ، خلَع مِن ذلك عنقِه فرجَع أعرابيًّا كما كان (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُبيدٍ المُحارِبيُّ، قال: ثنا أبو الأَحْوَصِ سَلَّامُ بنُ سُلَيمٍ، عن ابن إسحاقَ، عن عُبَيدِ (^٥) بن عُميرٍ، قال: الكبائرُ سبعٌ، ليس منهن كبيرةٌ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لا\". وفي تفسير ابن كثير: \"لم لا\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ما\".\n(^٣) في: ص، ت ٢، س: \"نحن\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٤٤ عن المصنف.\n(^٥) في م: \"عبيدة\".","vol":"6","page":643},{"text":"إلا وفيها آيةٌ مِن كتابِ اللهِ؛ الإشراكُ باللهِ منهن ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الحج: ٣١] و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] و﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] و﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: ٢٣]، والفرارُ مِن الزَّحْفِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]، والتَّعرُّبُ بعدَ الهجرةِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: ٢٥]، وقَتْلُ النفسِ (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن ابن إسحاقَ، عن عُبيدِ بن عُميرٍ اللَّيْثيِّ، قال: الكبائرُ سبعٌ؛ الإشراكُ باللهِ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾، وقَتْلُ النفسِ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية [النساء: ٩٣]، وأكلُ الرِّبا ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ الآية، وأكْلُ أموالِ اليَتامَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية، والفِرارُ مِن الزحفِ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ الآية [الأنفال: ١٦]، والمُرْتَدُّ أعْرابيًّا بعدَ هجرتِه ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ الآية.\nحدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن عَوْنٍ، عن محمدٍ، قال: سأَلت عَبِيدةَ عن الكبائرِ، فقال: الإشراكُ باللهِ، وقتلُ النفسِ التي حرَّم اللهُ بغيرِ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٤٧ عن المصنف.","vol":"6","page":644},{"text":"حقِّها، وفرارٌ يومَ الزحفِ، وأكلُ مالِ اليتيمِ بغيرِ حقِّه، وأكلُ الرِّبا، والبُهتانُ. قال: ويَقُولون: أعْرابِيَّةٌ بعدَ هِجْرةٍ. قال ابن عونٍ: فقُلْتُ لمحمدٍ فالسحرُ؟ قال: إن البُهتانَ يَجْمَعُ شرًّا كثيرًا (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا منصورٌ وهشامٌ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ أنه قال: الكبائرُ؛ الإشراكُ، وقتلُ النفسِ الحرامِ، وأكلُ الرِّبا، وقذفُ المُحْصَنةِ، وأكلُ مالِ اليتيمِ، والفرارُ مِن الزحفِ، والمرتدُّ أعرابيًّا بعدَ هجرتِه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا هشامٌ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ بنحوِه.\nوعلةُ من قال هذه المقالةَ ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: أخبَرنى الليثُ، قال: ثنى خالدٌ، عن سعيدِ بن أبي هلالٍ، عن نُعَيْمٍ المُجْمِرِ، قال: أخبَرني صُهَيبٌ مولى العُتْوَاريِّ أنه سَمع مِن أبى هريرةَ وأبي سعيدٍ الخُدْريِّ، يَقولانِ: خَطَبَنا رسولُ اللهِ ﷺ يومًا، فقال: \"والذي نفسي بيدِه\" ثَلاثَ مراتٍ. ثم أكَبَّ، فأكبَّ كلُّ رجلٍ منا يَبْكى، لا يَدْرِى على ماذا حلَف، ثم رفَع رأسَه (^٢) في وجهه البِشْرُ، فكان أحبَّ إلينا مِن حُمْرِ النَّعَمِ، فقال: \"ما مِن عبدٍ يُصَلِّي الصلواتِ الخمسَ، ويَصُومُ رمضانَ، ويُخْرِجُ الزكاةَ، ويَجْتَنِبُ الكبائر السبعَ، إلا فُتحتْ له أبوابُ الجنةِ، ثم قيل: ادخُلْ بسلامٍ\" (^٣).\n_________\n(^١) نقله ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٤٧ بإسناده ولفظه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤٨ إلى المصنف.\n(^٢) بعده في م: \"و\". والمثبت كما في سنن النسائي.\n(^٣) أخرجه البخارى في تاريخه الكبير ٤/ ٣١٦ من طريق عبد الله بن صالح به، والنسائي في سننه (٢٤٣٧) من طريق الليث به، وابن خزيمة (٣١٥) من طريق سعيد بن أبي هلال به.","vol":"6","page":645},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، قال: الكبائرُ سبعٌ: قتلُ النفسِ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليتيمِ، ورَمْيُ المحصنةِ، وشهادةُ الزُّورِ، وعقوقُ الوالدَيْنِ، والفرارُ يومَ الزحفِ.\nوقال آخرون: هي تسعٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1901>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا زيادُ بنُ مِخْراقٍ، عن طَيْسَلةَ بن مَيَّاسٍ، قال: كنتُ مع النَّجَداتِ (^١)، فأصبتُ ذُنوبًا لا أُراها إلا مِن الكبائرِ، فلَقِيتُ ابنَ عمرَ، فقُلْتُ: إنى أصبتُ (^٢) ذُنوبًا لا أُراها إلا مِن الكبائرِ. قال: وما هي؟ قلتُ: أصبتُ (^٣) كذا وكذا. قال: ليس مِن الكبائرِ - قال: بشيءٍ (^٤) لم يُسَمِّهِ (^٥) طَيْسَلةُ - قال: هي تِسعٌ، وسأَعُدُّهنّ عليك؛ الإشراكُ باللهِ، وقَتْلُ النَّسَمةِ بغيرِ حلِّها، والفرارُ من الزحفِ، وقذفٌ المُحْصَنةِ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليتيمِ ظلمًا، وإلحادٌ في المسجد الحرام، والذي يَسْتَسْحِرُ، وبكاء الوالدين مِن العُقوقِ. قال (^٦) زيادٌ: وقال طَيْسَلةُ: لَمَّا رأى ابن عمرَ فَرَقِى قال: أَتَخافُ النارَ أَن تَدْخُلَها؟ قُلْتُ: نعم. قال: وتُحِبُّ أن تَدْخُلَ الجنةَ؟ قُلْتُ (^٧): نعم. قال: أَحَيٌّ والِدَاك؟\n_________\n(^١) في م: \"الحدثان\". والنجدات أصحاب نَجْدَة بن عامر الحَرُورى الحَنَفيّ، من بني حَنِيفة، خارجيٌّ من اليَمامة، وأصحابه قوم من الحروريةِ، ويقال لهم أيضًا النجدية. ينظر تاج العروس (ن ج د).\n(^٢) في ص، م: \"أصيب\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"أشيء\".\n(^٥) في م، س: \"يسمعه\".\n(^٦) بعده في م: \"ابن\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".","vol":"6","page":646},{"text":"قلت: عندى أُمِّي. قال: فواللهِ لئن أنت ألَنْتَ لها الكلامَ، وأطْعَمْتَها الطعامَ، لتَدْخُلَنَّ الجنةَ ما اجْتَنَبْتَ المُوجِباتِ (^١).\nحدَّثنا سليمانُ بنُ ثابتٍ الخَرّازُ الواسطيُّ، قال: أَخبَرنا سَلْمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: أخبَرنا أيوبُ بنُ عُتْبَةَ، عن طَيْسَلةَ بن عليٍّ النَّهْدِيِّ (^٢)، قال: أَتَيْتُ ابنَ عمرَ، وهو في ظلِّ أراكٍ يومَ عَرَفةَ، وهو يَصُبُّ الماءَ على رأسِه ووجهِه قال: قُلْتُ: أخبِرني عن الكبائر؟ قال: هي تِسعٌ. قلتُ: ما هنَّ؟ قال: الإشراكُ باللهِ، وقذفُ المحصنةِ - قال: قلت: قبلَ القتلِ؟ قال: نعم، ورَغْمًا - وقتلُ النفسِ المؤمنةِ، والفرارُ من الزحفِ، والسحرُ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليتيمِ، وعقوقُ الوالِدَيْن المسلمَيْن، وإلحادٌ (^٣) بالبيتِ الحرامِ قبلتِكم أحياءً وأمواتًا (^٤).\nحدَّثنا سليمانُ بنُ ثابتٍ الخَرّازُ، قال: أخبَرنا سَلْمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: أخبَرنا أيوبُ بن عتبةَ، عن يحيى، عن (^٥) عُبيدِ بن عُميرٍ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ، بمثلِه. إلا أنه قال: بدَأ بالقتلِ قبلَ القذفِ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده - كما في المطالب العالية ٨/ ٥٤٥ (٣٩٣٥) - والبخاري في الأدب المفرد (٨) عن ابن علية به، وذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٣٨ عن المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر والقاضي في أحكام القرآن.\n(^٢) كذا في النسخ. وهو في تاريخ البخارى وغيره: \"البهدلى\". قال البخارى: وبهدلة من بنى سعد، والنهدى لا يصح. التاريخ ٤/ ٣٦٧.\n(^٣) في م: \"الإلحاد\"، وفى ت ١: \"الخلا\"، وفى س: \"الجلاس\".\n(^٤) أخرجه البغوي في الجعديات ٢/ ٨٠ (٣٣٣٩)، والخرائطى في مساوئ الأخلاق ص ١١٨ (٢٤٧)، والبيهقى ٣/ ٤٠٩، والخطيب في الكفاية ص ١٠٥ من طريق أيوب بن عتبة به.\n(^٥) في النسخ: \"بن\". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٥٠٤.\n(^٦) أخرجه الطبراني ١٧/ ٤٨ (١٠٢) من طريق أيوب بن عتبة به، وأبو داود (٢٨٧٥)، والنسائي (٤٠٢٣)، والطبراني ١٧/ ٤٧، ٤٨ (١٠١)، والحاكم ١/ ٥٩، ٤/ ٢٥٩، ٢٦٠ من طريق يحيى بن أبي =","vol":"6","page":647},{"text":"وقال آخرون: هي أربعٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1902>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامُ بنُ سَلْمٍ، عَن عَنْبَسَةَ، عَن مُطَرِّفٍ، عن وَبَرَةَ، عن ابن مسعودٍ، قال: الكبائرُ؛ الإشراكُ باللهِ، والقُنوطُ مِن رحمةِ اللهِ، والإياسُ مِن رَوْحِ اللهِ، والأمنُ مِن مكرِ اللهِ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ. قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا مُطَرِّفٌ، عن وَبَرةَ بن عبدِ الرحمنِ، عن أبي الطُّفيلِ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: أكبرُ الكبائرِ الإشراكُ باللهِ، والإياسُ مِن رَوْحِ اللهِ، والقُنوطُ من رحمةِ اللهِ، والأمنُ مِن مكرٍ اللهِ (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن وَبَرةَ بن عبدِ الرحمنِ، قال: قال عبدُ اللهِ: إن الكبائرَ الشركُ باللهِ، والقُنوطُ مِن رحمةِ اللهِ، والأمنُ مِن مكرِ اللهِ، والإياسُ مِن رَوْحِ اللهِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: سَمِعْت مُطَرِّفًا عن وَبَرَةَ، عن أبي الطُّفَيلِ، قال: قال عبدُ اللهِ: الكبائرُ أربعٌ؛ الإشراكُ باللهِ، والقُنوطُ مِن رحمةِ اللهِ، واليأسُ مِن رَوْحِ اللهِ، والأمنُ مِن مكرِ اللهِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيد (^٢) الله، قال: أخبَرنا شَيْبانُ،\n_________\n= كثير عن عبد الحميد بن سنان عن عبيد بن عمير به.\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٤٣ عن المصنف.\n(^٢) في النسخ: \"عبد الله\". وقد تقدم مرارًا.","vol":"6","page":648},{"text":"عن الأعمشِ، عن وَبَرَةَ، عن أبي الطُّفيلِ، قال: سمِعت ابنَ مسعودٍ يقول: أكبرُ الكبائرِ الإشراكُ باللهِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيد (^١) اللهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن وَبَرةَ، عن أبي الطفيلِ، عن عبدِ اللهِ بنحوِه (^٢).\nحدَّثني ابن المثنى، قال: ثنى وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الملكِ عن (^٣) أبي الطُّفَيْلِ، عن عبدِ اللهِ، قال: الكبائرُ أربعٌ؛ الإشراكُ باللهِ، والأمنُ مِن مكرِ اللهِ، والإياسُ مِن رَوْحِ اللهِ، والقُنوطُ مِن رحمةِ اللهِ (^٤).\nوبه قال: ثنا شعبةُ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن أبي الطُّفَيلِ، عن عبدِ اللهِ بمثلِه.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن أبي الطُّفيلِ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودِ بنحوِه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ العزيزِ بن رُفَيْعٍ، عن أبي الطُّفيلِ، عن ابن مسعودٍ، قال: الكبائرُ أربعٌ؛ الإشراكُ باللهِ، وقتلُ النفسِ التي حرَّم اللهُ، والأمنُ لمكرِ اللهِ، والإياسُ مِن رَوْحِ اللهِ.\n_________\n(^١) في النسخ: \"عبد الله\". وقد تقدم مرارًا.\n(^٢) أخرجه معمر بن راشد في جامعه (١٩٧٠١) عن أبي إسحاق به، وعنه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٥٥، والطبراني (٨٧٨٤).\n(^٣) في النسخ: \"بن\".\n(^٤) أخرجه الطبراني (٨٧٨٣) من طريق عبد الملك به، وأخرجه (٨٧٨٥) من طريق أبي وائل عن ابن مسعود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي الدنيا في التوبة.","vol":"6","page":649},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن المَسْعوديِّ، عن فُراتٍ القَزَّازِ، عن أبي الطُّفيلِ، عن عبدِ اللهِ، قال: الكبائرُ؛ القُنوطُ مِن رحمةِ اللهِ، والإياسُ مِن رَوْحِ اللهِ، والأمنُ لمكرِ اللهِ، والشركُ باللهِ.\nوقال آخرون: كلُّ ما نهَى اللهُ عنه فهو كبيرةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1903>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن منصورٍ، عن ابن سيرينَ، عن ابن عباسٍ، قال: ذُكِرت عندَه الكبائرُ، فقال: كلُّ ما نهى اللهُ عنه فهو كبيرةٌ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرَنا أيوبُ، عن محمدٍ، قال: أُنْبِئتُ أن ابنَ عباسٍ كانَ يَقُولُ: كلُّ ما نهَى اللهُ عنه كبيرةٌ. وقد ذُكِرت الطَّرْفَةُ، قال: هي النَّظْرةُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا مُعتمِرٌ، عن أبيه، عن طاوسٍ، قال: قال رجلٌ لعبدِ اللهِ بن عباسٍ: أخبِرْنى بالكبائرِ السبعِ. قال: فقال ابن عباسٍ: هي أكثرُ مِن سبعٍ وسبعٍ (^٣). فما أدرى كم قالها مِن مرةٍ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سليمانَ التَّيْمِيِّ (^٥)، عن طاوسٍ، قال: ذكَروا عندَ ابن عباسٍ الكبائرَ، فقالوا: هي سبعٌ. قال: هي أكثرُ مِن\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في شعب الإيمان (٢٩٢، ٧١٥٠) من طريق ابن سيرين به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٤٧ عن المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤٥، ١٤٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر والطبراني.\n(^٣) في م: \"تسع\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٤٦ عن المصنف.\n(^٥) في م: \"التميمى\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٥.","vol":"6","page":650},{"text":"سبعٍ وسبعٍ (^١). قال سليمان: فلا أدرى كم قالها مِن مرةٍ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وابنُ أبى عديٍّ، عن عوفٍ، قال: قام أبو العاليةِ الرِّيَاحيُّ على حَلْقَةٍ أنا فيها، فقال: إن ناسًا يَقُولُون: الكبائرُ سبعٌ. وقد خِفْتُ أن تَكُونَ الكبائرُ سبعين أو يَزِدْنَ على ذلك (^٢).\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، قال: سمِعت أبا عمرٍو يُخْبِرُ عن الزُّهْريِّ، عن ابن عباسٍ، أنه سئِل عن الكبائرِ: أسبعٌ هي؟ قال: هي إلى السبعين أقربُ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، أن رجلًا قال لابنِ عباسٍ: كم الكبائرُ؟ سبعٌ هي؟ قال: إلى سبعمائةٍ أقربُ منها إلى سبعٍ، غيرَ أنه لا كبيرةَ مع استغفارٍ، ولا صغيرةَ مع إصرارٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ، قال: جاء رجلٌ إلى ابن عباسٍ فقال: أرأيت الكبائرَ السبعَ التي ذكَرهنَّ اللهُ ما هن؟ قال: هن إلى سبعين (^٤) أدنى منها إلى سبعٍ (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: قيل لابنِ عباسٍ: الكبائرُ سبعٌ؟ قال: هي إلى السبعين أقربُ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"تسع\".\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٣٤ عقب الأثر (٥٢١٦) معلقا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٣٤ (٥٢١٧) من طريق شبل به.\n(^٤) في م، وتفسير ابن أبي حاتم: \"السبعين\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٣٤ (٥٢١٦) من طريق ليث به.\n(^٦) أخرجه معمر بن راشد في جامعه (١٩٧٠٢) عن ابن طاوس به، وعنه عبد الرزاق الصنعاني في تفسيره ١/ ١٥٥، والبيهقي في الشعب (٢٩٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"6","page":651},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: أخبَرَنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ مَعْدانَ (^١)، عن أبي الوليدِ، قال: سأَلتُ ابنَ عباسٍ عن الكبائرِ، قال: كلُّ شيءٍ عُصِى اللهُ فيه فهو كبيرةٌ (^٢).\nوقال آخرون: هي ثلاثٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1904>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن مسعودٍ قال: الكبائرُ ثلاثٌ؛ اليأسُ مِن رَوْحِ اللهِ، والقُنوطُ مِن رحمةِ اللهِ، والأمنُ مِن مكرِ اللهِ.\nوقال آخرون: كلُّ مُوجِبَةٍ، وكلُّ ما أَوْعَد الله أهلَه عليه النار فكبيرةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1905>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾. قال: الكبائرُ كلُّ ذنبٍ ختَمه اللهُ بنارٍ أو غضَبٍ، أو لعنةٍ، أو عذابٍ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا هشامُ بنُ حَسَّانَ، عن محمدِ بن واسعٍ، قال: قال سعيدُ بنُ جبيرٍ: كلُّ مُوجِبةٍ في القرآنِ كبيرةٌ.\n_________\n(^١) في النسخ: \"سعدان\". والمثبت من مصدر التخريج. وينظر التاريخ الكبير ٥/ ٢١٠، والجرح والتعديل ٥/ ١٧٦.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٤٧ عن المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤٦ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه البيهقى في شعب الإيمان (٢٩٠) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"6","page":652},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن محمدِ بن مِهْزَمٍ الشَّعّابِ، عن محمدِ بن واسعٍ الأزديِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كلُّ ذنبٍ نسَبه اللهُ إلى النارِ، فهو مِن الكبائرِ (^١).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن سالمٍ أنه سمِع الحسنَ يَقُولُ: كلُّ مُوجِبةٍ في القرآنِ كبيرةٌ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾. قال: الموجباتُ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا جُويبِرٌ، عن الضحاكِ، قال: الكبائرُ كلُّ مُوجبةٍ أوجَب اللهُ لأهلِها النارَ، وكلُّ عملٍ يُقامُ به الحدُّ فهو مِن الكبائرِ (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: والذي نَقولُ به في ذلك ما ثبَت به الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ؛ وذلك ما حدَّثنا به أحمدُ بنُ الوليدِ القرشيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنى عبيدُ اللهِ بنُ أبى بكرٍ، قال: سَمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ قال: ذكَر رسولُ اللهِ ﷺ الكبائرَ - أو سئِل عن الكبائرِ - فقال: \"الشركُ باللهِ، وقَتْلُ النفسِ،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تاريخه ١/ ٢٣٠ من طريق محمد بن مهزم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤٦ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٩٣٤ عقب الأثر (٥٢١٥) معلقًا بنحوه.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٧٣.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤٦ إلى المصنف.","vol":"6","page":653},{"text":"وعُقوقُ الوالِدَيْنِ\". فقال: \"ألا أُنَبِّئُكُم بأكبرِ الكبائرِ؟ \" قال: \"قولُ الزُّورِ\". أو قال: \"شهادةُ الزُّورِ\". قال شعبةُ: وأكبرُ ظَنِّي أنه قال: \"شهادةُ الزُّورِ\" (^١).\nحدَّثنا يحيى بنُ حَبيبِ بن عَرَبيٍّ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: أخبَرنا عبيدُ اللهِ بنُ أبى بكرٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ في الكبائرِ، قال: \"الشركُ باللهِ، وعُقوقُ الوالِدَيْنِ، وقَتْلُ النفسِ، وقولُ الزُّورِ\" (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ كَثيرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عُبيدِ اللهِ بن أبى بكرٍ، عن أنسٍ، قال: ذكَروا الكبائرَ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: \"الإشراك باللهِ، وعُقوقُ الوالِدَيْن، وقتلُ النفسِ، ألا أُنَبِّئُكم بأكبر الكبائرِ؟ قولُ الزُّورِ\".\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن فِراسٍ، عن الشَّعْبيِّ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، عن النبيِّ ﷺ، قال (^٣): \"الكبائرُ: الإشراكُ بالله، وعُقوقُ الوالِدَيْن، أو (^٤) قتل النفسِ\" - شعبةُ الشاك - \"واليمينُ الغَمُوسُ\" (^٥).\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا [عُبيدُ اللهِ] (^٦) بنُ موسى، قال: ثنا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١٩/ ٣٤٣، ٣٤٤ (١٢٣٣٦)، والبخارى (٥٩٧٧)، ومسلم (٨٨) من طريق محمد بن جعفر به.\n(^٢) أخرجه مسلم (٨٨/ ١٤٤)، وابن منده في الإيمان (٤٧٤) من طريق يحيى بن حبيب به، والترمذي (١٢٠٧، ٣٠١٨)، والنسائى (٤٠٢١، ٤٨٨٢) من طريق خالد بن الحارث به. وينظر الطيالسى (٢١٨٨).\n(^٣) بعده في م: \"أكبر\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"و\".\n(^٥) أخرجه أحمد ١١/ ٤٧٥، ٤٧٦ (٦٨٨٤)، والبخارى (٦٨٧٠)، والترمذى (٣٠٢١) من طريق محمد بن جعفر به.\n(^٦) في النسخ: \"عبد الله\". والمثبت من مصادر التخريج.","vol":"6","page":654},{"text":"شَيْبانُ، عن فراسٍ، عن الشعبيِّ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: ما الكبائر؟ قال: \"الشركُ باللهِ\". قال: ثم مَهْ؟ قال: \"وعُقوقُ الوالِدَين\". قال: ثم مَهْ؟ قال: \"واليمينُ الغَمُوسُ\". قلت للشعبيِّ: ما اليمينُ الغَموسُ؟ قال: الذي يَقْتَطِعُ مالَ امرئ مسلمٍ بيَمينِه وهو فيها كاذبٌ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا ابن أبى السَّرِيِّ محمدُ بنُ المُتوكِّلِ العسقلانيُّ، قال: ثنا بَحِيرُ (^٢) بنُ سعدٍ، عن خالدِ بن مَعْدَانَ، عن أبي رُهمٍ، عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"من أقام الصلاةَ، وآتى الزكاةَ، وصام رمضانَ، واجْتَنَب الكبائرَ فله الجنةُ\". قيل: وما الكبائرُ؟ قال: \"الإشراكُ باللهِ، وعُقوقُ الوَالِدَين، والفِرارُ يومَ الزحفِ\" (^٣).\nحدَّثني عباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا [سعدُ بنُ عبدِ الحميدِ بن جعفرٍ] (^٤)، عن ابن أبي الزِّنادِ، عن موسى بن عُقْبةَ، عن [عُبيدِ اللهِ سَلْمَانَ] (^٥) الأَغَرِّ، عن أبيه أبي عبدِ اللهِ سلمانَ الأغرِّ، قال: قال أبو أيوبَ خالدُ بنُ\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٦٩٢٠)، وابن حبان (٥٥٦٢)، والبيهقي في ١٠/ ٣٥ من طريق عبيد الله بن موسى به.\n(^٢) في م، س: \"محمد\". وهو بَحير بن سعد السحولي أبو خالد الحمصى. ينظر تهذيب الكمال ٤/ ٢٠.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٥/ ٤١٣، ٤١٤ (الميمنية)، والنسائى (٤٠٢٠)، والطحاوي في مشكل الآثار (٨٩٦)، من طريق بحير بن سعد به.\n(^٤) في النسخ: \"سعد بن عبد الحميد عن جعفر عن ابن أبي جعفر\" وهذا تخليط من النساخ، وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٢٨٥، ٢٨٦.\n(^٥) في م: \"عبد الله بن سلمان\"، وفى ت ٢: \"عبيد بن سليمان\"، وفى س: \"عبد بن سلمان\". وقد جاء في بعض مصادر التخريج \"عبيد الله بن سليمان\"، وفي أحدها \"عبد الله بن سلمان\".","vol":"6","page":655},{"text":"زيدٍ (^١) الأنصاريُّ عَقَبيٌّ بَدْرِيٌّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ما مِن عبدٍ يَعْبُدُ اللهَ لا يُشْرِكُ به شيئًا، ويُقيمُ الصلاةَ، ويُؤْتى الزكاةَ، ويَصُومُ رمضانَ ويَجْتَنِبُ الكبائرَ إلا دخَل الجنةَ\". فسأَلوه: ما الكبائرُ؟ قال: \"الإشراكُ باللهِ، والفِرارُ مِن الزحفِ، وقَتْلُ النفسِ\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ عَبّادٍ، عن جعفرِ بنِ الزبيرِ، عن القاسمِ، عن أبي أُمامةَ أن ناسًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ذكَروا الكبائرَ، وهو مُتَّكِئٌ، فقالوا (^٣): الشركُ باللهِ، وأكلُ مالِ اليتيمِ، وفِرارٌ مِن الزحفِ، وقذفُ المُحصَنةِ، وعقوقُ الوالِدَين، وقولُ الزُّورِ والغُلولُ والسِّحرُ وأكلُ الربا. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"فأين تَجْعَلُون: ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٤) [آل عمران: ٧٧].\nحدَّثنا عُبيدُ اللهِ بنُ محمدِ الفِرْيابيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي معاويةَ، عن أبي عمرٍو الشَّيْبَانيِّ، عن عبدِ اللهِ، قال: سأَلْتُ النبيِّ ﷺ: ما الكبائرُ؟ قال: \"أن تَدْعُوَ لله نِدًّا خلَقك، وأن تَقْتُلَ ولدَك مِن أجلِ أن يَأْكُلَ معك، وأن تَزْنِيَ بحليلةِ جارِك\". وقرَأ علينا رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا\n_________\n(^١) فى النسخ: \"أيوب\". وهو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة أبو أيوب الأنصاري الخزرجي. ينظر ترجمته أسد الغابة ٢/ ٩٤، والإصابة ٢/ ٢٣٤، وتهذيب الكمال ٨/ ٦٦.\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٣٢٤٧)، وابن منده في الإيمان (٤٧٨)، والحاكم ١/ ٢٣ ثلاثتهم من طريق موسى بن في عقبة به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فقال\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٤٤، ٢٤٥ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ١٤٧ إلى المصنف.","vol":"6","page":656},{"text":"يَزْنُونَ﴾ (^١) [الفرقان: ٦٨].\nحدَّثنى هذا الحديثَ عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الزُّهْريُّ، فقال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو معاويةَ النَّخَعيُّ -وكان على السجنِ- سمِعه مِن أبي عمرٍو، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: سأَلْتُ رسولَ اللهِ ﷺ، قلتُ (^٢): أيُّ العملِ شرٌّ؟ قال: \"أَن تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وهو خلَقك، وأن تَقْتُلَ ولدَك [من أَجْلِ] (^٣) أن يَأْكُلَ معك، وأن تَزْنِيَ بجارتِك\". وقرَأ عليَّ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى ما قيل في تأويلِ الكبائرِ بالصحةِ، ما صحَّ به الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ دونَ ما قاله غيرُه، وإن كان كلُّ قائلٍ فيها قولًا مِن الذين ذَكَرنا أقوالَهم، قد اجتهَد وبالَغ فى نفسِه، ولقولِه فى الصحةِ مذهبٌ. فالكبائرُ إذن؛ الشركُ باللهِ، وعُقوقُ الوالِدَيْن، وقتلُ النفسِ المحرَّمِ قتلُها، وقولُ الزُّورِ -وقد يَدْخُلُ فى قولِ الزُّورِ شهادةُ الزورِ- وقذفُ المُحصَنةِ، واليمينُ الغَموسُ، والسِّحرُ- ويَدْخُلُ في قتلِ النفسِ المحرَّمِ قتلُها، قتلُ الرجلِ ولدَه مِن أجلِ أن يَطْعَمَ معه- والفرارُ مِن الزحفِ، والزِّنا بحليلةِ الجارِ.\nوإذ (^٥) كان ذلك كذلك، صحَّ كلُّ خبرٍ رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ في معنى الكبائرِ، وكان بعضُه مصدِّقًا بعضًا؛ وذلك أن الذى رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"هي سبعٌ\"، يَكُونُ معنى قولِه حينَئذٍ: \"هي سَبْعٌ\". على التفصيلِ، ويَكُونُ معنى قولِه في الخبرِ الذى رُوِى عنه أنه قال: \"هي الإشراكُ باللهِ، وقتلُ\n_________\n(^١) أخرجه الحميدى (١٠٣)، والبيهقى ٨/ ١٨ من طريق سفيان بن عيينة به.\n(^٢) في م: \"فقلت\".\n(^٣) في م: \"خشية\".\n(^٤) أخرجه الطبراني (٩٨١١) من طريق أبي عمرو به.\n(^٥) في ص، ت ١، س: \"إذا\".","vol":"6","page":657},{"text":"النفسِ، وعُقوقُ الوالِدَين، وقولُ الزُّورِ\". على الإجمالِ؛ إذ كان قولُه: \"وقولُ الزُّورِ\". يَحْتَمِلُ معانيَ شَتَّى، وأَن يَجْمَعَ جميعَ ذلك قولُ الزورِ.\nوأما خبرُ ابنِ مسعودٍ الذى حدَّثني به الفِريابيُّ على ما ذكَرتُ، فإنه عندى غَلَطٌ مِن عُبيدِ اللهِ بنِ محمدٍ؛ لأن الأخبارَ المُتَظاهِرةَ مِن الأوجهِ الصِّحاحِ عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ، بنحوِ الروايةِ التي رَواها الزُّهْريُّ عن ابن عُيَينةَ، ولم يَقُلْ أحدٌ منهم في حديثِه عن ابنِ مسعودٍ، أن النبيَّ ﷺ سُئِل عن الكبائرِ. فنَقْلُهم ما نقَلوا مِن ذلك عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ، أَوْلَى بالصحةِ مِن نَقْلِ الفريابيِّ.\nفمَنِ اجْتَنَب الكبائرَ التي وعَد اللهُ مُجْتَنِبَها تكفيرَ ما عَداها مِن سيئاتِه، وإدخالَه مدخلًا كريمًا، وأدَّى فرائضَه التى فرَضها اللهُ عليه، وجَد اللهَ لما وعَده مِن وَعْدٍ مُنْجِزًا، وعلى الوفاءِ له (^١) ثابتًا (^٢).\nوأما قولُه: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. فإنه يعنى به: نُكَفِّرْ عنكم أيُّها المؤمنون باجتنابِكم كبائرَ ما يَنهاكم عنه ربُّكم صغائرَ سيئاتِكم. يعني صغائرَ ذُنوبِكم.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ (^٣)، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾: الصَّغَارَ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ عَوْنٍ، عن الحسنِ، أن ناسًا لَقُوا عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو بمصرَ، فقالوا: نَرَى أشياءَ مِن كتابِ اللهِ أَمَر أَن يُعْمَلَ\n_________\n(^١) في م: \"به\".\n(^٢) فى م: \"دائبا\". وفى ت ١: \"ثانيا\"، وفى ص، س: غير منقوطة.\n(^٣) في النسخ: \"الحسن\". وقد تقدم مرارًا.\n(^٤) فى م: \"الصغائر\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٣٤ (٥٢٢٠) من طريق أسباط به.","vol":"6","page":658},{"text":"بها، لا يُعْمَلُ (^١) بها، فأرَدْنا أن نَلْقَى أميرَ المؤمنين فى ذلك. فقَدِم وقدِموا معه، فلَقِيَه عمرُ، ﵁، فقال: متى قدمت؟ قال: منذُ كذا وكذا. قال: أبإِذْنِ قدِمتَ؟ قال: فلا أدرى كيف ردَّ عليه. فقال: يا أميرَ المؤمنين، إن ناسًا لَقُونى بمصرَ، فقالوا: إنّا نَرَى أشياءَ مِن كتابِ اللهِ ﵎ أمَر أن يُعْمَلَ بها، لا يُعْمَلُ (^٢) بها. فأَحَبُّوا أن يَلْقَوْك فى ذلك. فقال: اجْمَعْهم لى. قال: فجمَعتُهم له -قال ابنُ عونٍ: أظُنُّه قال: في بَهْوٍ (^٣) - فأخذ أدناهم رجلًا، فقال: أنْشُدُك باللهِ وبحقِّ الإسلامِ عليك، أقرَأتَ القرآنَ كلَّه؟ قال: نعم. قال: فهل أحْصيْتَه في نفسِك؟ قال: اللهمَّ لا. قال: ولو قال: نعم. لخَصَمَه. قال: فهل أحصيتَه في بصرِك؟ هل أحصَيْته فى لفظِك؟ هل أَحْصَيْتَه فى أثَرِك (^٤)؟ قال: ثم تَتَبَّعَهم حتى أتَى على آخرِهم، فقال: ثَكِلَتْ عمرَ أمُّهُ، أَتُكَلِّفونه أن يُقيمَ الناسَ على كتابِ اللهِ، قد علِم ربُّنا أن ستَكُونُ لنا سيئاتٌ. قال: وتلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. هل علِم أهلُ المدينةِ -أو قال: هل علِم أحدٌ- فيما (^٥) قَدِمتم؟ قالوا: لا. قال: لو علِموا لَوَعَظْتُ بكم (^٦).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا زيادُ بنُ مِخْراقٍ، عن معاويةَ بنِ قُرَّةَ، قال: أَتَيْنا أنسَ بنَ مالكٍ، فكان فيما حدَّثنا قال: لم أَرَ مثلَ الذي بَلَغَنا عن ربِّنا، لم نَخْرُجْ له عن كلِّ أهلٍ ومالٍ. ثم سكَت هُنَيْهَةً، ثم قال: واللهِ لقد كلَّفَنا ربُّنا\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نعمل\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢: \"نعمل\".\n(^٣) في النسخ: \"نهر\". والمثبت من تفسير ابن كثير. والبهو: البيت المقدم أمام البيوت. اللسان (ب هـ و).\n(^٤) في تفسير ابن كثير: \"أمرك\".\n(^٥) فى م، وتفسير ابن كثير: \"بما\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٤٥ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ١٤٥ إلى المصنف.","vol":"6","page":659},{"text":"أهونَ من ذلك، لقد تجاوَز لنا عما دونَ الكبائرِ، فما لنا ولها. ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية: إنما وعَد اللهُ المغفرةَ لمن اجتنَب الكبائرَ. وذكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: \"اجتنِبوا الكبائرَ، وسدِّدُوا، وأبْشِروا\" (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن رجلٍ، عن ابنِ مسعودٍ. قال في خمسِ آياتٍ من سورةِ \"النساءِ\": لَهُنَّ أَحبُّ إليَّ مِن الدنيا جميعًا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]. وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وقولُه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (^٣) [النساء: ١٥٢].\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو النَّضْرِ، عن صالحٍ المُرِّيِّ، عن قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ثمانِ آياتٍ نزَلت فى سورةِ \"النساءِ\" هي خيرٌ لهذه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٦٤ من طريق معاوية بن قرة به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٢/ ١٤٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٤٨ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ١٤٨ إلى عبد بن حميد، وأخرج أحمد ٢٣/ ٣٩٧ (١٥٢٣٨) الجزء المرفوع عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٥ وأخرجه الطبراني (٩٠٦٩)، والحاكم ٢/ ٣٠٥ من طريق معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه عن جده بنحوه، وأخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (٧١٤١) من طريق عطاء البزاز عن بشير الأزدي عن ابن مسعود نحوه.","vol":"6","page":660},{"text":"الأمةِ مما طَلَعَتْ عليه الشمسُ وغَرَبتْ؛ أُولاهُنَّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦]. والثانيةُ: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]. والثالثةُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]. ثم ذكَر مثلَ قولِ ابنِ مسعودٍ سواءً، وزاد فيه: ثم أقبَل يُفَسِّرُها فى آخرِ الآيةِ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ للذين عمِلوا الذَّنوبَ ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. فإن القَرَأةَ اخْتَلَفَتْ في قراءتِه؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين: (وَنُدْخِلْكُمْ مَدْخَلًا كَرِيمًا) بفتحِ الميمِ (^٢)، وكذلك الذى فى \"الحجِّ\": (لَيُدْخِلَنَّهُمْ مَدْخَلًا يَرْضَوْنه) [الحج: ٥٩]، فمعنى: (ونُدْخِلْكُمْ مَدْخَلًا). فيَدْخُلون دُخولًا كَرِيمًا. وقد يَحْتَمِلُ على مذهبِ مَن قرَأ هذه القراءةَ أن يَكُونَ المعنى في المَدْخَلِ: المكانَ والموضِعَ؛ لأن العربَ ربما فَتَحتِ الميمَ من ذلك بهذا المعنى، كما قال الراجزُ (^٣):\n* بِمَصْبَحِ الحَمْدِ وحيثُ يُمْسى *\nوقد أنشدنى بعضُهم سَماعًا مِن العربِ (^٤):\nالحمدُ للهِ مَمْسانا ومَصْبَحَنا … بالخيرِ صَبَّحنا ربي ومَسَّانا\nوأنشَدني آخرُ غيرَه:\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (٧١٤٥) من طريق صالح المرى به.\n(^٢) هي قراءة نافع وحده. السبعة لابن مجاهد ص ٢٣٢.\n(^٣) معانى القرآن ١/ ٢٦٤، واللسان (ص ب ح) غير منسوب فيهما.\n(^٤) البيت لأمية بن أبي الصلت، وهو في ديوانه ص ٤٦.","vol":"6","page":661},{"text":"* الحمدُ للهِ مُمْسانا ومُصْبَحَنا *\nلأنه مِن أصبَح وأمْسَى. وكذلك تَفْعَلُ العربُ فيما كان مِن الفعلِ بناؤُه على أربعةٍ؛ تَضُمُّ ميمه فى مثلِ هذا، فتَقُولُ: دَحْرَجتُه [أُدَحْرِجُه دَحْرَجَةً ودِحْراجًا] (^١) فهو مُدَحْرَجٌ، ثم يُحْمَلُ ما جاء على \"أَفْعَلَ (^٢) يُفْعِلُ\" على ذلك؛ لأنَّ \"يُفْعِلُ\" من \"يُدْخِلُ\"، وإن كان على أربعةٍ، فإن أصلَه أن يكونَ على \"يُؤَفِّعِلُ (^٣) \": يُؤَدْخِلُ، ويُؤَخْرِجُ. فهو نظيرُ: يُدَحْرِجُ.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين والبصريين: ﴿مُدْخَلًا﴾ بضمِّ الميمِ (^٤)، يعني: ونُدْخِلْكم إدخالًا كرِيما.\nقال أبو جعفر: وأَوْلَى القراءتَيْن بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ ذلك: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ بضمِّ الميمِ؛ لما وصَفْنا مِن أن ما كان مِن الفِعْلِ بناؤُه على أَربعةٍ في \"فَعَل\" (^٥)، فالمصدرُ منه \"مُفْعَلٌ\"، وأن أدْخَل ودَحْرَج \"فَعَل\" منه على أربعةٍ، فالمُدخَلُ مصدرُه أَوْلى مِن \"مَفْعَلٍ\"، مع أن ذلك أفصحُ في كلامِ العربِ في مصادرِ ما جاء على \"أفْعَلَ\"، كما يُقالُ: أقام بمكانٍ فطاب له المُقامُ، إذا أُرِيد به الإقامةُ.\n_________\n(^١) سقط من: س، وفى ص بياض بقدر ثلاث كلمات. وفى م: \"مدحرجًا\". وفي ت ١ بياض بقدر كلمتين. وقد أثبتنا مقتضى ما أورده صاحب تاج العروس (مادة: دحرج) فإنه قال: دحرجه يدحرجه دحرجة، بالفتح على القياس، ودحراجًا، بالكسر وهو مقيس أيضًا كالأول. انتهى قوله. وقد رد -أى الزبيدي صاحب التاج- بعد ذلك على من قال أنه لم يسمع في دحرج: دحراج.\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فعل\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يفتعل\".\n(^٤) هي قراءة ابن كثير المكى وأبى عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي.\n(^٥) يعنى: أن ما كان من الأفعال من أربعة حروف -كـ \"أدخل\" و\"أخرج\" وغيرهما- في \"فعل\"؛ أي في الفعل الماضي.","vol":"6","page":662},{"text":"وقام في موضعِه فهو في مَقامٍ واسع. كما قال جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١]. من: قام يَقُومُ. ولو أُريد به الإقامةُ لقُرِئَ: (إِنَّ المُتَّقِينَ في مُقَامٍ أمينٍ). كما قُرِئَ ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠]، بمعنى الإدخالِ والإخراجِ، ولم يَبْلُغْنا عن أحدٍ أنه قرَأ: مَدْخَلَ صِدْقٍ (^١)، ولا: مَخْرَجَ صِدْقٍ. بفتحِ الميمِ.\nوأما المُدْخَلُ الكريمُ فهو الطيبُ الحسنُ، المكرَّمُ بنَفْيِ الآفاتِ والعاهاتِ عنه، وبارتفاعِ الهمومِ والأحزانِ ودخولِ الكَدَرِ في عيشِ مَن دَخَلَه، فلذلك سَمَّاه اللهُ كريمًا.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾. قال: الكريمُ هو الحسَنُ في الجنةِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-525\"></span><span data-type='title' id=toc-1906>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.</span>\nيَعْنى بذلك جلَّ ثناؤه: ولا تَتَشَهَّوْا ما فضَّل اللهُ به بعضَكم على بعضٍ. وذُكِر أن ذلك نزَل في نساءٍ تَمَنَّيْنَ منازلَ الرجالِ، وأن يَكُونَ لهم ما لهم، فنهَى اللهُ عبادَه عن الأمانيِّ الباطلةِ، وأمرهم أن يسألوه مِن فضلِه، إذْ كانت الأمانيُّ تُوَرِّثُ أَهلَها الحسدَ والبَغْيَ بغيرِ الحقِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1907>ذكرُ الأخبارِ بما ذَكَرنا</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قالت أمُّ سَلَمةَ: يا رسولَ اللهِ، لا نُعْطَى الميراثَ، ولا نَغْزُو في\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، س.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٩٣٤ (٥٢٢١) من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"6","page":663},{"text":"سبيل الله فتُقْتَلَ؟! فنَزَلتْ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن سفيانَ الثوريِّ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قالت أمُّ سَلَمَةَ: يا رسولَ اللهِ، تَغْرُو الرجالُ ولا نَغْرُو، وإنما لنا نصفُ الميراثِ؟! فنَزَلَتْ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾. ونزَلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥].\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. يقولُ: لا يَتَمَنَّى الرجلُ يقولُ: ليت أنَّ لي مالَ فلانٍ وأهلَه. فنهَى اللهُ سبحانَه عن ذلك، ولكن لِيسْأَلِ اللهَ مِن فضلِه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، قال: قولُ النساءِ: ليتَنا رجالًا (^٣) فتَغْزُوَ، ونَبْلُغَ ما يَبْلُغُ الرجالُ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٣٥ (٥٢٢٤، ٥٢٢٥)، والحاكم ٢/ ٣٠٥، ٣٠٦ من طريق سفيان الثورى به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٣٥ (٥٢٢٦) من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح به.\n(^٣) في م: \"رجال\" وقد جاء في مصدر التخريج: \"ليتنا كنا رجالًا\". وقد أجاز الفراء نصب اسم ليت وخبرها فقال: ليت زيدًا قائما على معنى ليت، فكأنه قال: أتمنى زيدا قائما. وأجاز الكسائي نصبهما أيضا، على إضمار \"كان\"، والتقدير عنده: ليت زيدًا كان قائما، وينظر تفصيلًا أكثر في شرح المفصل لابن يعيش ٨/ ٨٤.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٧٣، ٢٧٤.","vol":"6","page":664},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: قولُ النساءِ يَتَمَنَّين: ليتنا رجالٌ فَنَغْزُوَ. ثم ذكَر مثلَ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ عُيَينةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قالت أمُّ سَلَمَةَ: أَي رسولَ اللهِ، أَتَغْزُو الرجالُ ولا تَغْزُو، وإنما لنا نصفُ الميراثِ؟! فنزَلت: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن شيخٍ مِن أهلِ مكةَ قولَه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. . قال: كان النساءُ يَقُلْن: ليتَنا رجالٌ فنُجاهدَ كما يُجاهِدُ الرجالُ، ونَغْزُوَ في سبيلِ اللهِ. فقال اللهُ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: [لا تَمَنَّ] (^٣) مالَ فلانٍ، ولا (^٤) مالَ فلانٍ، وما يُدْريك لعلَّ هلاكَه في ذلك المالِ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ، أنهما قالا: نزلت في أمِّ سَلَمَةَ ابنةِ أبى أميةَ بن المغيرةِ (^٦).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٦، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٢٤ - تفسير)، وأحمد ٦/ ٣٢٢ (الميمنية)، والترمذى (٣٠٢٢)، وأبو يعلى (٦٩٥٩)، والواحدى فى أسباب النزول ص ١١٠ من طريق ابن عيينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٦.\n(^٣) في م: \"تتمنى\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٣٥ عقب الأثر (٥٢٢٦) معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤٩ إلى المصنف.\n(^٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ١٤٩ إلى المصنف.","vol":"6","page":665},{"text":"وبه قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، قال: هو الإنسانُ يَقُولُ: وَدِدتُ أن لى مالَ فلانٍ. قال: اسْأَلوا اللهَ مِن فضلِه. وقولُ النساءِ: ليتَنا رجالٌ فتَغْزُو، ونَبْلُغَ ما يَبْلُغُ الرجالُ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يَتَمَنَّ بعضُكم ما خَصَّ اللهُ بعضًا مِن منازلِ الفضلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: فإن الرجالَ قالوا: تُريدُ أن يَكُونَ لنا مِن الأجرِ الضِّعْفُ على أجرِ النساءِ، كما لنا في السهامِ سهمان، فنُريدُ أن يَكُونَ لنا فى الأجرِ أجران. وقالت النساءُ: نُرِيدُ أَن يَكُونَ لنا أجرٌ مثلُ أجرِ الرجالِ، فإنا لا نَسْتَطيعُ أن تُقاتِلَ، ولو كُتِب علينا القتالُ لقاتَلْنا. فأَنزَل اللهُ تعالى ذلك (^٢)، وقال لهم: سَلُوا اللهَ مِن فضلِه يَرْزُقْكم الأعمالَ، وهو خيرٌ لكم (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، قال: نُهِيتُم عن الأمانيِّ، ودُلِلْتُم على ما هو خيرٌ منه، وسَلُوا اللهَ مِن فضلِه (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عارِمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، قال: كان محمدٌ (^٥) إذا سمِع الرجلَ يَتَمَنَّى فى الدنيا، قال: قد نهاكم اللهُ عن هذا: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، ودلَّكم على خيرٍ منه: ﴿وَاسْأَلُوا\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٣٥ عقب الأثر (٥٢٢٦) معلقًا، وينظر تفسير ابن كثير ٢/ ٢٥١.\n(^٢) في م: \"الآية\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٩٣٦ (٥٢٢٩) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٩٣٥ عقب الأثر (٥٢٢٦) بنحوه معلقا.\n(^٥) أى محمد بن سيرين.","vol":"6","page":666},{"text":"اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: فتأويلُ الكلامِ على هذا التأويلِ: ولا تَتَمَنَّوْا أيها الرجالُ والنساءُ الذي فضَّل اللهُ به بعضَكم على بعضٍ مِن منازلِ الفضلِ ودرجاتِ الخيرِ، ولْيَرْضَ أحدُكم بما قسَم اللهُ له مِن نصيبٍ، ولكنْ سَلُوا اللهَ مِن فضلِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1908>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: للرجالِ نصيبٌ مما اكتَسَبوا مِن الثوابِ على الطاعةِ، والعقابِ على المعصيةِ، وللنساءِ نصيبٌ من ذلك مثلُ ذلك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾: كان أهلُ الجاهليةِ لا يُوَرِّثون المرأةَ شيئًا، ولا الصَّبِيَّ شيئًا (^٢)، وإنما يَجْعَلُون الميراثَ لمن يَحْتَرِفُ ويَنْفَعُ ويَدْفَعُ، فلما لَحِق للمرأةِ نصيبُها وللصبيِّ نصيبُه، وجُعِل للذَّكَرِ مثلُ حظِّ الأنثيين، قال النساءَ: لو كان جُعِل أنصِباؤنا (^٣) في الميراثِ كأَنْصِباءِ الرجالِ. وقالتِ الرجالُ: إنا لنَرْجُو أن نُفَضَّلَ على النساءِ بحسناتِنا فى الآخرةِ، كما فُضِّلْنا عليهنّ فى الميراثِ. فأنْزَل اللهُ: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا فى كتاب المتمنين ص ٧٨ (١٣١) من طريق حماد بن زيد به.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) فى م، والدر المنثور: \"أنصباءنا\".","vol":"6","page":667},{"text":"اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ يقولُ: المرأةُ تُجْزَى بحسنتِها عَشْرَ أمثالِها كما يُجْزَى الرجلُ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حمادٍ، قال: ثني أبو ليلى، قال: سَمِعتُ أبا حَرِيزٍ (^٢) يَقُولُ: لما نزَل: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. قالت النساءُ: كذلك عليهم نَصِيبان من الذنوبِ، كما لهم نَصِيبان مِن الميراثِ. فأنزَل اللهُ: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ يعني: الذُّنوبَ: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ﴾ يا معشرَ النساءِ ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٣).\nوقال آخرون: بل مَعْنى ذلك: للرجال نصيبٌ مما اكْتَسبوا مِن ميراثِ موتاهم، وللنساءِ نصيبٌ منهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾. يَعْنى: ما ترَك الوالِدان والأقرَبون، يَقُولُ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن عكرمةَ أو غيرِه في\n_________\n(^١) ذكره الواحدى فى أسباب النزول ص ١١٠، ١١١ بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ١٤٩ إلى عبد بن حميد والمصنف.\n(^٢) فى ص: \"حرير\" غير منقوطة، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"جرير\". والمثبت من مصدر التخريج. ينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٤٢٠، ١٦/ ١٩٦.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ١٤٩ إلى المصنف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٩٣٦ (٥٢٢٧) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"6","page":668},{"text":"قولِه: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾. قال: في الميراثِ، كانوا لا يورِّثون النساءَ.\nقال أبو جعفرٍ: وأوْلى القولين فى ذلك بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال معناه: للرجالِ نصيبٌ مِن ثوابِ اللهِ وعقابِه مما اكتَسَبوا، فعَمِلوه مِن خيرٍ أو شرٍّ، وللنساءِ نصيبٌ مما اكتسَبن من ذلك كما للرجالِ.\nوإنما قلنا: إن ذلك أولى بتأويلِ الآيةِ مِن قولِ مَن قال: تأويلُه: للرجالِ نصيبٌ مِن الميراثِ وللنساءِ نصيبٌ منه؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخبرَ أن لكلِّ فريقٍ مِن الرجالِ والنساءِ نصيبًا مما اكْتَسَب، وليس الميراثُ مما اكْتَسَبَه الوارثُ، وإنما هو مالٌ أورثه اللهُ عن مَيِّتِه بغيرِ اكتسابٍ. وإنما الكَسْبُ العملُ، والمكتسِبُ المُحْتَرِفُ، فغيرُ جائزٍ أن يَكُونَ معنى الآيةِ، وقد قال اللهُ: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾: للرجالِ نصيبٌ مما ورِثوا وللنساءِ نصيبٌ مما وَرِثْنَ. لأن ذلك لو كان كذلك لَقِيلَ: للرجالِ نصيبٌ مما لم يَكْتسبوا، وللنساءِ نصيبٌ مما لم يَكْتَسِبن.\n\n<span data-type='title' id=toc-1909>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤه: واسْأَلوا الله من عونِه وتوفيقِه للعملِ بما يُرْضِيه عنكم من طاعتِه. ففَضْلُه في هذا الموضِع: توفيقُه ومعونتُه.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ مسلمٍ الرازيُّ، قال: ثنا أبو جعفرٍ النُّفَيْليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن سعيدٍ: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال: العبادةُ ليست مِن أمرِ الدنيا (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٩٣٦ (٥٢٣١) من طريق أبي جعفر النفيلي به.","vol":"6","page":669},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنى أبو جعفرٍ، قال: ثنا موسى، عن لَيْثٍ، قال: فضلُه: العبادةُ، ليس مِن أمرِ الدنيا.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هشامٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال: ليس بعرَضِ الدنيا (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾: يَرْزُقُكم الأعمالَ، وهو خيرٌ لكم (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا إسرائيلُ، عن حُكَيمِ بنِ جبيرٍ، عن رجلٍ لم يُسَمِّه، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"سَلُوا اللهَ مِن فضلِه، فإنه يُحِبُّ أن يُسْأَلَ، وإن مِن أفضلِ العبادةِ انتظارَ الفرجِ\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1910>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾.</span>\nيَعْنى بذلك جلَّ ثناؤه: إن اللهَ كان بما يُصْلِحُ عبادَه فيما قسَم لهم مِن خيرٍ، ورفَع بعضَهم فوق بعضٍ فى الدينِ والدنيا، وبغيرِ ذلك من قضائِه وأحكامِه فيهم ﴿عَلِيمًا﴾. يَقُولُ: ذا علمٍ، ولا تَتَمنَّوا غيرَ الذي قضى لكم، ولكنْ عليكم بطاعتِه، والتسليمِ لأمرِه، والرضا بقضائِه، ومسألتِه مِن فضلِه.\n\n<span id=\"aya-526\"></span><span data-type='title' id=toc-1911>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٣/ ٥٦٩، وأحمد في الزهد ص ٣٨١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٣٦ (٥٢٣٠) وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٨١ من طريق ليث به.\n(^٢) جزء من أثر تقدم تخريجه ص ٦٦٦.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ١٤٩ إلى المصنف.","vol":"6","page":670},{"text":"يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾: ولكلِّكم أيُّها الناسُ ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾. يقولُ: وَرَثَةً مِن بنى عمِّه وإخوتِه وسائرِ عَصَبَتِه غيرِهم. والعربُ تُسَمَّى ابنَ العمِّ المَوْلَى، ومنه قولُ الشاعرِ:\nومَوْلًى رمَيْنا حولَه وَهُوَ مُدْغِلٌ (^١) … بأعْراضِنا والمُنْدياتُ (^٢) سُروعُ\nيعنى بذلك: وابن عمٍّ رمَينا حولَه، ومنه قولُ الفضلِ بنِ العبَّاسِ (^٣):\nمهلًا بنى عمِّنا مهلًا مَوالِينا … لا [تُظْهِرُنَّ لنا] (^٤) ما كان مَدْفُونَا\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثنا إدريسُ، قال: ثنا طلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾. قال: وَرَثَةً (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾. قال: المَوَالى العَصَبةُ، يعنى الوَرَثَةَ (^٦).\n_________\n(^١) رجل مدغل: مُخابٌّ مفسد. اللسان (د غ ل).\n(^٢) المنديات: المخزيات. اللسان (ن دى).\n(^٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٢٥، والكامل للمبرد ٤/ ٤٦.\n(^٤) في الكامل: \"تنبشوا بيننا\".\n(^٥) أخرجه البخارى (٤٥٨٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٣٧ (٥٢٣٣) من طريق أبي أسامة به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٣٧ (٥٢٣٤) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٤٩ إلى ابن المنذر والنحاس وابن مردويه.","vol":"6","page":671},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾. قال: المَوَالَى العَصَبَةُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾. قال: هما الأولياءُ (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾. يَقُولُ: عَصَبةً (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾. قال: الموالى أولياءُ الأبِ، أو (^٣) الأخُ، أو ابنُ الأخِ، أو غيرُهما من العَصَبَةِ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾: أما ﴿مَوَالِيَ﴾، فهم أهلُ الميراثِ (^٥).\nحدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾. قال: الموالِى العصبةُ، هم كانوا في الجاهليةِ الموالِيَ، فلما دخَلت العَجَمُ على العربِ لم يَجِدوا لهم اسمًا، فقال اللهُ ﵎: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. فسُمُّوا (^٦)\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٧، وهو فى مصنفه (١٩١٩٨).\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٩٣٧ عقب الأثر (٥٢٣٤) معلقا.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٦.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٣٧ عقب الأثر (٥٢٣٤) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.\n(^٦) في ص، ت ١، س: \"فسمي\".","vol":"6","page":672},{"text":"المَوالِيَ. قال: والمَوْلى اليومَ مَوْلَيان؛ مولًى يَرِثُ وَيُورَثُ، فهؤلاء ذَوُو الأرحامِ (^١)، ومَوْلى يُورَثُ ولا يَرِثُ، فهؤلاء العتاقةُ (^٢). وقال: ألا تَرَوْن قولَ زكريا: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم: ٥]. فالموالى ههنا الوَرَثَةُ (^٣).\nويَعْنى بقولِه: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾: [من تَرِكةِ والديه وأَقْرَبيه] (^٤) مِن الميراثِ.\nفتأويلُ الكلامِ: ولكلِّكم أيُّها الناسُ جعَلنا عَصَبَةً يَرِثون به مما ترَك والِدَه وأقْربوه مِن ميراثِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1912>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ (^٥) أَيْمَانُكُمْ﴾.</span>\nاختلفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. بمعنى: والذين عقَدت أيمانُكم الحلِفَ بينَكم وبينَهم. وهى قراءةُ عامَّةِ قرأةِ الكوفيين (^٦).\nوقرأ ذلك آخرون: (والذين عاقدتْ أيمانُكم) (^٧) بمعنى: والذين عاقَدت أيمانُكم وأيمانُهم الحلِفَ بينَكم وبينَهم.\nقال أبو جعفرٍ: والذى نَقُولُ به فى ذلك أنهما قراءتان معْروفتان مستفيضتان في\n_________\n(^١) بعده فى س: \"وموالى يرثون فهؤلاء العصبة\".\n(^٢) العتاقة: مصدر مثل العتق، والمراد المعتقون.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ١٥٠ إلى المصنف.\n(^٤) فى م: \"مما تركه والده وأقرباؤه\".\n(^٥) في النسخ: \"عاقدت\". وأثبتنا ما رجحه المصنف كما في الصفحة التالية.\n(^٦) قرأ بها عاصم وحمزة والكسائي. حجة القراءات ص ٢٠١.\n(^٧) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. المصدر السابق.","vol":"6","page":673},{"text":"قرأَةِ أمصارِ المسلمين بمعنًى واحدٍ.\nوفى دَلالةِ قولِه: ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾. على أنها أيمانُ العاقِدين والمعقودِ عليهم الحِلفُ، مستغنًى عن الدَّلالةِ على ذلك بقراءةِ قولِه: ﴿عَقَدَتْ﴾، (عاقدَتْ). [وذلك] (^١) أن الذين قرَءوا ذلك: (عاقَدَتْ). قالوا: لا يَكُونُ عَقْدُ الحِلْفِ إلا مِن فريقين، ولابدَّ لنا مِن دَلالةٍ في الكلامِ على أن ذلك كذلك. وأغفَلوا موضعَ دَلالةِ قولِه: ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾. على أن معنى ذلك: أيمانُكم وأيمانُ المعقودِ عليهم، وأن العقْدَ إنما هو صفةٌ للأيمانِ دونَ العاقِدين الحِلْفَ. حتى زعَم بعضُهم أن ذلك إذا قُرِئ: ﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. [فالكلامُ] (^٢) محتاجٌ إلى ضميرِ [صفةٍ تَقِي] (^٣) الكلامَ حتى يَكُونَ الكلامُ معناه: والذين عقَدت لهم أيمانُكم. ذَهابًا منه عن الوجهِ الذي قلنا في ذلك؛ مِن أن الأيمانَ معنيٌّ بها أيمانُ الفريقين.\nوأما: (عاقَدَت أيمانُكم). فإنه فى تأويلِ: عاقدت أيمانُ هؤلاء أيمانَ هؤلاء الحِلْفَ. فهما متقاربا المعنى، وإن كانت قراءةُ مَن قرَأ ذلك: ﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. بغيرِ (^٤) ألفٍ، أصحَّ معنًى مِن قراءةِ مَن قرَأه: (عَاقَدَتْ). للذى ذكَرنا مِن الدَّلالةِ على المعنيِّ (^٥) في صفةِ الأيمانِ بالعقدِ، على أنها أيمانُ الفريقين مِن الدَّلالةِ على ذلك بغيرِه.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ذلك\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"والكلام\".\n(^٣) فى م: \"صلة فى\"، ويقصد بالضمير هنا: الإضمار، وبالصفة: حرف الجر. ينظر ما تقدم في ١/ ٣١٠، ٤٥٣.\n(^٤) فى س: \"من غير\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المعنيه\". وجعل الشيخ شاكر العبارة هكذا: الدلالة المغنية. وينظر تفسيره للضمائر في هذه الجملة.","vol":"6","page":674},{"text":"وأما معنى قولِه: ﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. فإنه: وصَلَت وشَدَّت ووكَّدت، ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾. يعنى: مواثيقُكم التى واثَق بعضُكم (^١) بعضًا.\n﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"النصيب\" الذي أمَر اللهُ أهلَ الحلِفِ أن يُؤْتِيَ بعضُهم بعضًا في الإسلامِ؛ فقال بعضُهم: هو نصيبُه مِن الميراثِ؛ لأنهم في الجاهليةِ كانوا يَتَوارَثون، فأوجَب اللهُ في الإسلامِ من بعضِهم لبعضٍ بذلك الحِلفِ، وبمثلِه فى الإسلامِ، مِن المُوارثةِ مثلَ الذي كان لهم في الجاهليةِ، ثم نسَخ ذلك بما فرَض مِن الفرائضِ لذوى الأرحامِ والقراباتِ.\nذكرُ مِن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ بنِ واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ فى قولِه: (والذين عاقَدَتْ (^٢) أيمانكم فآتوهم نصيبَهم إنَّ اللهَ على كلِّ شَيْءٍ شهيدًا) قال: كان الرجلُ يحالِفُ الرجلَ، ليس بينَهما نسبٌ، فيرِثُ أحدُهما الآخرَ، فنسَخ اللهُ ذلك في \"الأنفالِ\"، فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٣) [الأنفال: ٧٥].\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِ اللهِ: (والذين عَاقَدَتْ أيمانُكم). قال: كان الرجلُ يُعاقِدُ الرجلَ فيَرِثُه، وعاقَد أبو بكرٍ ﵁ مولًى فورِثَه (^٤).\n_________\n(^١) فى النسخ: \"بعضهم\". والمثبت هو الصواب.\n(^٢) كذا في النسخ، وستأتى فى موضع أخرى ﴿عقدت﴾. وأثبتنا القراءة في كل أثر كما جاء في النسخ.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٩٣٨ عقب الأثر (٥٢٣٧) معلقًا.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٥٨)، (٦٢٥ - تفسير) عن هشيم عن أبي بشر به، وعزاه =","vol":"6","page":675},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: (وَالَّذِينَ عَاقَدَت أَيْمَنُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ): فكان الرجلُ يُعاقِدُ الرجلَ؛ أيُّهما مات ورِثه الآخرُ، فَأَنزَلَ اللهُ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ يَقُولُ: إلا أن يُوصُوا لأوليائِهم الذين عاقَدوا وصيةً، فهو لهم جائزٌ مِن ثُلُثِ مالِ الميتِ، وذلك هو المعروفُ (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾: كان الرجلُ يُعاقدُ الرجلَ فى الجاهليةِ فيُقُولُ: دمى دمُك، وهَدَمى هَدَمُك وتَرِثُنى (^٢) وأرِثُك، وتَطْلُبُ بى وأطْلُبُ بك. فجعَل له السُّدُسَ مِن جميعِ المالِ في الإسلامِ، ثم يَقْسِمُ أهلُ الميراثِ ميراثَهم، فنسِخ ذلك بعدُ في سورةِ \"الأنفالِ\"، فقال اللهُ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: (والذين عاقَدَتْ أيمانُكم) قال: كان الرجلُ في الجاهليةِ يعاقِدُ الرجلَ فيَقُولُ: دمى دمُك (^٤)، وتَرِثُنى وأرِثُك، وتَطْلُبُ بى وأطْلُبُ بك. فلما جاء الإسلامُ بقى منهم\n_________\n= السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٥٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^١) أخرجه النحاس في ناسخه ص ٣٣٣ من طريق عبد الله بن صالح.\n(^٢) قال ابن الأثير في حديث بيعة العقبة: \"بل الدم الدم والهدم الهدم\". قال: فالهدم بالتحريك: القبر، يعني إني أقبر حيث تقبرون. وقيل: هو المنزل: أى منزلكم منزلى. والهدم بالسكون وبالفتح أيضا: هو إهدار دم القتيل، والمعنى: إن طُلب دمكم فقد طُلب دمى، وإن أهدر دمكم فقد أهدر دمى .. وهو قول معروف للعرب عند المعاهدة والنصرة. النهاية ٥/ ٢٥١.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ١٥٠ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) بعده في س: \"وثوبى ثوبك\".","vol":"6","page":676},{"text":"ناسٌ، فأُمِروا أن يُؤْتُوهم نصيبَهم مِن الميراثِ وهو السُّدُسُ، ثم نسِخ ذلك بالميراثِ، فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا همامُ بنُ يحيى، قال: سمِعتُ قتادةَ يَقُولُ فى قولِه: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ): وذلك أن الرجلَ كان يُعَاقِدُ الرجلَ فى الجاهليةِ فيَقُولُ: هَدَمى هَدَمُك، ودمى دمُك، وتَرِثْنى وأَرِثُك، وتَطْلُبُ بي وأطْلُبُ بك. فجعَل له السُّدُسَ مِن جميعِ المالِ، ثم يَقْتَسِمُ أهلُ الميراثِ ميراثَهم، فنسَخ ذلك بعدُ فى \"الأنفالِ\"، فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. فصارَت المواريثُ لذَوِى الأرحامِ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عِكْرمةَ، قال: هذا خِلْفٌ كان في الجاهليةِ، كان الرجلُ يقولُ للرجلِ: تَرِثُنى وأَرِثُكَ، وتَنْصُرُني وأنصُرُك، وتَعْقِلُ عنى وأعقِلُ عنك (^٢).\nحُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (وَالذِينَ عَاقَدَتْ أَيَمَانُكُم): كان الرجلُ يَتْبَعُ الرجلَ فيُعاقِدُه: إِن مِتُّ فَلَكَ مثلُ ما يَرِثُ بعضُ ولدى. وهذا منسوخٌ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَتَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ): كان (^٤) الرجلُ في الجاهليةِ قد كان\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٧، وهو في مصنفه (١٩١٩٧).\n(^٢) عقل عنه: أدَّى جنايته، وذلك إذا لزمته دية فأعطاها عنه. اللسان (ع ق ل).\n(^٣) ذكره النحاس في ناسخه ص ٣٣٣ معلقًا.\n(^٤) فى م: \"فإن\".","vol":"6","page":677},{"text":"يُلْحِقُ به الرجلَ، فيكونُ تابِعَه، فإذا مات الرجلُ صار لأهلِه وأقاربِه الميراثُ، وبَقِى تابعًا (^١) ليس له شيءٌ، فأنزَل اللهُ، (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَتُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ). فكان يُعْطَى من ميراثِه، فأنزَل اللهُ بعدَ ذلك: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (^٢).\nوقال آخرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ فى الذين آخى بينَهم رسولُ اللهِ ﷺ من المهاجرين والأنصارِ، فكان بعضُهم يَرِثُ بعضًا بتلك المُؤاخاةِ، ثم نَسَخ اللهُ ذلك بالفرائضِ، وبقولِه: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو أُسامةً، قال: ثنا إدريسُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا طلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَتُكُمْ فَتَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ). قال: كان المهاجِرون حينَ قَدِموا المدينةَ [يرِثُ المهاجرِيُّ الأنصاريَّ] (^٣) دونَ ذوى رَحِمِه (^٤)، للأخوةِ التي أخَى رسولُ اللهِ ﷺ بينَهم، فلما نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾. نُسِخَت (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: (وَالَّذِينَ\n_________\n(^١) فى م: \"تابعه\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ١٥٠ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يورث الأنصار\"، وفى س، وسنن أبى داود، والكبرى للنسائي: \"تورث الأنصار\"، وفي تفسير ابن أبي حاتم: \"يورث الأنصارى\". والمثبت من المطبوعة موافق لما في صحيح البخاري.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"رحمهم\".\n(^٥) أخرجه البخاري (٤٥٨٠، ٦٧٤٧)، وأبو داود (٢٩٢٢)، والنسائى فى الكبرى (٦٤١٧، ١١١٠٣)، وابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٩٣٧ (٥٢٣٦)، والنحاس في ناسخه ص ٣٣١، والحاكم ٢/ ٣٠٦، والبيهقى ١٠/ ٢٩٦ من طريق أبي أسامة به.","vol":"6","page":678},{"text":"عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ): الذين عَقَد رسولُ اللهِ ﷺ، ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ إذا لم يأْتِ رَحِمٌ يحولُ بينَهم. قال: وهو لا يكونُ اليومَ، إنما كان في نَفَرٍ آخَى بينَهم رسولُ اللهِ ﷺ، وانقطَع ذلك، ولا يكونُ هذا لأحدٍ إلا للنبيِّ ﷺ، كان آخى بينَ المُهاجِرين والأنصارِ، واليومَ لا يُؤاخَى بينَ أحدٍ (^١).\nوقال آخرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ في أهلِ العَقْدِ بالحِلْفِ، ولكنهم أُمِروا أن يُؤْتِيَ بعضُهم بعضًا أنصباءَهم من النُّصْرَةِ والنصيحةِ وما أشبَه ذلك، دونَ الميراثِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، قال: ثنا إدريسُ الأَوْدِيُّ، قال: ثنا طلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾: من النصرِ والنصيحةِ والرِّفادةِ (^٢)، ويُوصِى لهم، وقد ذهَب الميراثُ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سُفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: كان حِلْفٌ في الجاهليةِ، فأُمِروا في الإسلامِ أن يُعْطوهم نصيبَهم من العَقْلِ والمَشورةِ والنصرةِ، ولا ميراثَ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ١٥٠ إلى المصنف.\n(^٢) الرفادة: العطية. فتح البارى ٨/ ٢٤٩.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٩٣٨ (٥٢٣٩) من طريق أبي أسامة به. وهو تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٣٨ (٥٢٤٠)، والنحاس في ناسخه ص ٣٣٤ من طريق سفيان به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ١٥٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد.","vol":"6","page":679},{"text":"حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ أنه قال في هذه الآيةِ: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَشَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ): من العونِ والنصرِ والحِلْفِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ). قال: كان هذا حِلْفًا في الجاهليةِ، فلما كان الإسلامُ أُمِروا أن يُؤتوهم نصيبَهم من النصرِ والوَلاءِ والمشورةِ، ولا ميراثَ (^١).\nحدَّثنا زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ، قال: ثنا حجاجٌ، قال ابنُ جُرَيجٍ: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ): أخبرَني عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: هو الحِلْفُ، عقَدت أيْمانُكم. قال: ﴿فَآتُوهُمْ﴾ (^٢). قال: النصرُ.\nحدَّثني زكريا بنُ يحيى، قال: ثنا حجاجٌ، قال ابنُ جُرَيجٍ: أخبرَني عطاءٌ، قال: هو الخَلْفُ. قال: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. قال: العَقْلُ والنصرُ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ). قال: لهم (^٤) نصيبُهم من النصرِ والرِّفادةِ والعَقْلِ (^٥).\n_________\n(^١) هو من تمام الأثر المتقدم في ص ٦٦٨ حاشية (١).\n(^٢) في النسخ: \"وآتوهم\"، وأثبتنا قراءة الآية.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ١٨٨.\n(^٤) في س: \"فآتوهم\".\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٦٠)، (٦٢٦ - تفسير) عن سفيان عن ابن أبي نجيح به.","vol":"6","page":680},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: هم الحلفاءُ (^١).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عَن خُصَيفٍ، عن عِكرمةَ مثلَه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾: أَما ﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. فالحِلْفُ، كان الرجلُ في الجاهليةِ يَنْزِلُ في القومِ فيُحالِفونه على أنه منهم، يُواسُونه بأنفسِهم، فإذا كان لهم حقٌّ أو قتالٌ كان مثلَهم، وإذا كان له حقٌّ أو نُصْرَةٌ خَذَلوه، فلما جاء الإسلامُ سألوا عنه، وأبَى اللهُ إلا أن يُشَدِّدَه، وقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لم يَزِدِ الإسلامُ الحُلفاءَ إلا شِدَّةً\" (^٢).\nوقال آخرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ فى الذين كانوا يَتَبَنَّون أبناءَ غيرِهم في الجاهليةِ، فأُمِروا [في الإسلامِ] (^٣) أن يُوصوا لهم عندَ الموتِ وصيةً.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: إن اللهَ قال: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ). قال\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٣٨ عقب الأثر (٥٢٣٧) معلقا.\n(^٢) سيأتى تخريج المرفوع منه في ص ٦٧٩.\n(^٣) في م: \"بالإسلام\".","vol":"6","page":681},{"text":"سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: إنما نزَلَت هذه الآيةُ فى الذين كانوا يَتَبَنَّون رجالًا غيرَ أبنائِهم ويُوَرِّثونهم، فأنزَل اللهُ فيهم، فجعَل لهم نَصيبًا فى الوصيةِ، ورَدَّ الميراثَ إلى الموالى فى ذِى (^١) الرحمِ والعَصَبةِ، وأبَى اللهُ للمُدَّعَيْن ميراثًا ممن ادَّعاهم وتَبَنَّاهم، ولكنَّ اللهَ جعَل لهم نَصيبًا في الوصيةِ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأَولى الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قولُ مَن قال: والذين عَقَدَت أيمانُكم على المُخَالفةِ، وهم الحلفاءُ. وذلك أنه معلومٌ عندَ جميعِ أهلِ العلِم بأيامِ العربِ وأخبارِها، أَن عَقْدَ الحِلْفِ بينَها كان يكونُ بالأيمانِ والعهودِ والموَاثيقِ، على نحوِ ما قد ذكَرنا من الروايةِ في ذلك. فإذ كان اللهُ جلّ ثناؤُه إنما وَصَف الذين عَقَدَت أيمانُهم مَا عَقَدوه بها بينَهم، دونَ مَن لم يَعْقِدْ عقدَ ما بينهم أيمانُهم، وكانت مُؤاخاةُ النبيِّ ﷺ بينَ مَن آخَى بينَه وبينَه من المُهاجِرِين والأنصارِ، [لم تكنْ] (^٣) بينَهم بأيمانِهم، وكذلك التَّبَنِّى - كان معلومًا أن الصوابَ من القولِ فى ذلك قولُ مَن قال: هو الحِلْفُ. دونَ غيرِه؛ لِما وَصفنا من العِلَّةِ.\nوأمَّا قولُه: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. فإن أَولى التأويلَين به ما عليه الجميعُ مُجْمِعون من حكمِه الثابتِ، وذلك إيتاءُ أهلِ الحِلْفِ الذي كان في الجاهليةِ دونَ الإسلامِ، بعضِهم بعضًا أنصباءَهم؛ من النُّصْرَةِ والنصيحةِ والرأيِ، دونَ الميراثِ؛ وذلك لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"لا حِلْفَ في الإسلامِ، وما كان من حِلْفٍ في الجاهليةِ، فلم يَزِدْه الإسلامُ إِلا شِدَّةً\".\n_________\n(^١) في م: \"ذوى\".\n(^٢) أخرجه النحاس في ناسخه ص ٣٣٢، والبيهقى ٦/ ٢٦٣ من طريق الزهرى به.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"6","page":682},{"text":"حدَّثنا بذلك أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شَريكٍ، عن سِماكٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ (^١).\nوحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ المِقْدامِ، عن إسرائيلَ بن يونسَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ مولى آلِ، طلحةَ، عن عِكْرمةَ، عنِ ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لا خِلْفَ في الإسلامِ، وكلُّ حِلْفٌ كان في الجاهليةِ فلم يَزِدْه الإسلامُ إلا شِدَّةً، وما يَسُرُّنى أن لى حُمْرَ النَّعَمِ وأَني نَقَضْتُ الحِلْفَ الذي كان في دارِ الندوةِ\" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرةَ، عن أبيه، عن شعبةَ بن التوأمِ الضَّبِّيِّ، أن قيسَ بنَ عاصمٍ سأل النبيَّ ﷺ عن الحِلْفِ، فقال: \"لا حِلْفَ في الإسلامِ، ولكن تَمَسَّكوا بحِلْفِ الجاهليةِ\" (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةُ، عن أبيه، عن شعبةَ بنِ التوأمِ، عن قيسِ بنِ عاصمٍ، أنه سأل النبيَّ ﷺ عن الحِلْفِ، قال: فقال: \"ما كان مِن حِلْفٍ فى الجاهليةِ فتَمَسَّكوا به، ولا حِلْفَ فى الإسلامِ\" (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن داودَ بنِ أبي عبدِ اللهِ، عن ابنِ جُدْعانَ، [عَن جَدَّتِه] (^٥)، عن أمِّ سَلَمَةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"لا حِلْفَ في الإسلامِ، وما كان مِن حِلْفٍ في الجاهليةِ لم يَزِدْه الإسلامُ إلا شِدَّةً\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٨٠، ١٦٧ (٢٩٠٩، ٣٠٤٥)، والدارمي ٢/ ٢٤٣، وأبو يعلى (٢٣٣٦)، وابن حبان (٤٣٧٠)، والطبراني (١١٧٤٠) من طرق عن شريك به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٥٣ عن المصنف.\n(^٣) أخرجه الطيالسي (١١٨٠)، والطبراني ١٨/ ٣٣٧ (٦٨٤) من طريق جرير به.\n(^٤) أخرجه أحمد ٥/ ٦١ (ميمنية) عن هشيم به.\n(^٥) في م، ص: \"عمن حدثه\". والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٦) أخرجه أبو يعلى (٦٩٠٢)، والطبراني ٢٣/ ٣٧٥ (٨٨٨) من طريق وكيع به.","vol":"6","page":683},{"text":"حدَّثنا [حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا حُسينٌ المُعَلِّمُ] (^١)، وحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ قال: ثنا حُسينٌ المُعَلِّمُ، وحدَّثنا حاتمُ بنُ بكرٍ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، [عن حسينٍ المُعَلِّمِ، قال: ثنا أبي، عن عمرِو بنِ شُعيبٍ] (^١)، عن أبيه، عن جدِّه، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال في خُطبتِه يومَ فتحِ مكةَ: \"فُوا بحِلْفِ، فإنه لا يَزِيدُه الإسلامُ إلا شِدَّةً، ولا تُحْدِثوا حِلْفًا في الإسلامِ\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ وعَبْدَةُ بنُ عبدِ اللهِ الصَّفَارُ، قالا: ثنا محمدُ بنُ بِشْرٍ، قال: ثنا زكريا بنُ أبي زائدةَ، قال: ثني سعدُ بنُ إبراهيمَ، عن أبيه، عن جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: \"لا حِلْفَ فى الإسلامِ، وأيُّما حِلْفٍ كان في الجاهليةِ، فلم يَزِدْه الإسلامُ إلا شِدَّةً\" (^٣).\nحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ ومحمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قالا: ثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن محمدِ بنِ جُبيرِ بن مُطْعِمٍ، عن أبيه، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"شَهِدْتُ خِلْفَ المُطَيِّبِين وأنا غُلامٌ مع عُمومتى، فما أُحِبُّ أَن لِى حُمْرَ النَّعَمِ وأَنِّى أَنْكُثُه\". زادَ يعقوبُ في حديثِه\n_________\n(^١) كذا في النسخ، وقد وقع هنا في هذين الإسنادين خطأان؛ أولهما: أن حميد بن مسعدة شيخ الطبرى توفى سنة ٢٤٤ هـ، فمن المحال أن يروى عن حسين المعلم وقد توفى سنة ١٤٥ هـ، أي إن بين وفاتهما ٩٩ سنة، فلا بد من وجود واسطة بينهما كما في الإسنادين الآخرين. الثاني: المعروف أن حسينًا المعلم يروى مباشرة عن عمرو بن شعيب، وذكوان -والد حسين- ليس له ذكر فى دواوين الرجال -فيما نعلم- فالراجح أنها زيادة مقحمة من النساخ. وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٣٧٢، ٧/ ٣٩٥، وتعليق الشيخ شاكر ٨/ ٢٨٥.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ١٥٠، ١٥١ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢٩٢٥) من طريق محمد بن بشر به، وأخرجه أحمد ٢٧/ ٣٢٥ (١٦٧٦١)، ومسلم (٢٥٣٠)، وأبو داود (٢٩٢٥)، وغيرهم من طرق عن زكريا بن أبي زائدة به.","vol":"6","page":684},{"text":"عن ابنِ عُليَّةَ، قال: وقال الزهريُّ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لم يُصِبِ الإسلامُ حِلْفًا إِلا زَادَه شِدَّةً\". قال: \"ولا حِلْفَ في الإسلامِ\". قال: وقد أَلَّف رسولُ اللهِ ﷺ بينَ قريشٍ والأنصارِ (^١).\nحدَّثنا تَميمُ بن المُنْتصِرِ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عمرٍو ابنِ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: لمَّا دخَل رسولُ اللهِ ﷺ مكةَ عامَ الفتحِ، قام خَطيبًا في الناسِ فقال: \"يا أيُّها الناسُ، ما كان مِن حِلْفٍ في الجاهليةِ فإن الإسلامَ لم يَزِدْهُ إِلا شِدَّةً، ولا حِلْفَ فى الإسلامِ\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عمرِو بنِ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ الحارِث، عن عمرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (^٤).\nفإذ كان ما ذكَرنا عن رسولِ اللهِ ﷺ صحيحًا، وكانت الآيةُ إذا اختُلف في حُكْمِها منسوخٌ هو (^٥) أم غيرُ منسوخٍ، غيرُ جائزٍ القضاءُ عليه بأنه منسوخٌ - مع\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ١٩٣ (١٦٥٥)، وابن عدى فى الكامل ٤/ ١٦١٠، والبزار (١٠٠٠)، وأبو يعلى (٨٤٥)، والبيهقى ٦/ ٣٦٦ من طريق بشرٌ بن المفضل به، وأحمد ٣/ ٢١٠ (١٦٧٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٥٦٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٢١)، وأبو يعلى (٨٤٦)، وابن حبان (٤٣٧٣)، والحاكم ٢/ ٢١٩، ٢٢٠، والبيهقى ٦/ ٣٦٦، وفى الدلائل ٢/ ٣٧ من طرق عن إسماعيل ابن علية به.\n(^٢) أخرجه أحمد ١١/ ٢٨٨ (٦٦٩٢) عن يزيد به، بأطول من هذا.\n(^٣) أخرجه البيهقى ٨/ ٢٩ من طريق يونسُ بن بكير به.\n(^٤) أخرجه البخارى فى الأدب المفرد (٥٧٠) عن خالد بن مخلد به.\n(^٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"هي\".","vol":"6","page":685},{"text":"اختلافِ المُخْتلِفين فيه، ولوجوبِ حُكْمِها ونَفْيِ النسخِ عنها وَجْهٌ صحيحٌ -إلا بحُجَّةٍ يجبُ التسليمُ لها؛ لِما قد بَيَّنَّا في غير موضعٍ من كُتُبِنا الدلالةَ على صحةِ القولِ بذلك- فالواجبُ أن يكونَ الصحيحُ من القولِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. هو ما ذكَرنا من التأويلِ، وهو أن قوله: ﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. من الحِلفِ، وقولَه: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. مِن النُّصْرةِ والمعونةِ والنصيحةِ والرأيِ، على ما أمَر به مِن ذلك رسولُ اللَّهِ ﷺ في الأخبارِ التي ذكَرْناها عنه، دونَ قولِ مَن قال: معنى قوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. مِن الميراثِ، وأن ذلك كان حُكْمًا ثم نُسِحَ بقولِه: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. [ودون] (^١) ما سِوى القولِ الذي قلناه في تأويلِ ذلك.\nوإذا صَحَّ ما قلنا في ذلك، وَجَب أن تكونَ الآيةُ مُحْكَمةً لا منسوخةً. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾.\nيعنى بذلك جلّ ثناؤُه: فآتُوا الذين عَقَدَتْ أيمانُكم نصيبَهم من النُّصْرةِ والنصيحةِ والرأيِ، فإن اللَّهَ شاهدٌ على ما تفعَلون من ذلك، وعلى غيرِه من أفعالِكم، مُرَاعٍ لكلِّ ذلك حافظٌ، حتى يُجازِيَ جميعَكم على جميعِ ذلك جزاءَه، أما المُحسِنَ منكم المُتَّبِعَ أمرى وطاعتى، فبالحُسْنى، وأما المُسِيءَ منكم المُخالِفَ أمرى ونَهْيِي، فبالسوأى.\nومعنى قولِه: ﴿شَهِيدًا﴾ (^٢): ذو شهادةٍ على ذلك.\n_________\n(^١) فى النسخ: \"دون\". والمثبت هو الصواب.\n(^٢) بعده فى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يعني\".","vol":"6","page":686},{"text":"<span id=\"aya-527\"></span><span data-type='title' id=toc-1913>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾: الرجالُ أَهلُ قيامٍ على نسائِهم، في تأديبِهن والأَخْذِ على أيديهن فيما يَجِبُ عليهن للَّهِ ولأنفسِهم، ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. يعني: بما فَضَّل اللَّهُ به الرجالَ على أزواجِهم؛ من سَوْقِهم إليهنَّ مُهورَهن، وإنفاقِهم عليهن أموالَهم، وكِفايتِهم إياهن مُؤَنَهن، وذلك تفضيلُ اللَّهِ ﵎ إياهم (^١) عليهنَّ، ولذلك صاروا قُوَّامًا عليهن، نافِذى الأمرِ عليهن، فيما جعَل اللَّهُ إليهم من أمورِهن.\nوبما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾: يعنى أمراءَ، عليها أن تُطِيعَه فيما أمَرها اللَّهُ به مِن طاعتِه، وطاعتُه أن تكونَ مُحْسِنةً إلى أهلِه، حافِظةً لمالِه، وفضْلُه عليها بنفَقَتِه وسَعْيِه (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحاكِ في قولِه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: يقولُ: الرجلُ قائمٌ على المرأةِ، يأمُرُها بطاعةِ اللَّهِ، فإن أبَتْ فله أن يَضْرِبَها ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ، وله عليها الفضلُ بنفقتِه وسَعْيِه (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"إياهن\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٣٩، ٩٤٠ (٥٢٤٥، ٥٢٤٧) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٢/ ١٥١ إلى المصنف.","vol":"6","page":687},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾. قال: يأخُذون على أيديهن ويُؤدِّبوهن (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ، موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: سمِعتُ سُفيان يقولُ: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. قال: بِتَفْضِيلِ اللَّهِ الرجالَ على النساءِ (^١).\nوذُكر أن هذه الآيةَ نَزَلَت في رجلٍ كان (^٢) لَطَم امرأتَه، فخُوصِم إلى النبيِّ ﷺ في ذلك، فقَضَى لها بالقصاصِ.\nذكرُ الخبرِ بذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثنا الحسنُ، أن رجلًا لَطَم امرأته، فأَتَتِ النبيَّ ﷺ، فأراد أن يُقصَّها منه، فأنزَل اللَّه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. فدعاه النبيُّ ﷺ فتَلَاها عليه، وقال: \"أردتُ أمرًا وأراد اللَّهُ غيرَه\" (^٣).\nحدَّثنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥١ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥١ إلى المصنف وعبد بن حميد، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٠ (٥٢٤٦) من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن نحوه.","vol":"6","page":688},{"text":"أَمْوَالِهِمْ﴾: ذُكِر لنا أن رجلًا لَطَم امرأتَه، فأتَتِ النبيَّ ﷺ، ثم ذكَر نحوَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن\nقتادةَ في قولِه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، قال: صَكَّ رجلٌ امرأتَه، فأتَتِ النبيَّ ﷺ، فأراد أن يُقِيدَها منه، فأنزَل اللَّهُ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن جريرِ بنِ حازمٍ، عن الحسنِ، أن رجلًا من الأنصارِ لطَمَ امرأتَه، فجاءت تلتمِسُ القصاصَ، فجعل النبي ﷺ بينهما القصاصَ، فنزَلَت: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]. ونزَلَت: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: لَطَم رجلٌ، امرأتَه، فأراد النبيُّ ﷺ القصاصَ، فبينما هم كذلك نزَلَت الآيةُ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أما: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾. فإن رجلًا من الأنصارِ كان بينَه وبينَ امرأتِه كلامٌ فلَطَمها، فانطلَق أهلُها، فذكَروا ذلك للنبيِّ ﷺ، فأخبرَهم: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾. الآية (^٣)\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥١ إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥١ إلى المصنف.","vol":"6","page":689},{"text":"وكان الزهريُّ يقولُ: ليس بيَن الرجلِ وامرأتِه قصاصٌ فيما دونَ النفسِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، سمِعتُ الزُّهْرى يقولُ: لو أن رجلًا شَجَّ امرأتَه أو جرَحها، لم يكنْ عليه في ذلك قَوَدٌ، وكان عليه العَقْلُ، إلا أن يَعْدُو عليها فيَقْتُلَها، فيُقتَلَ بها (^١).\nوأما قوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. فإنه يعنى: وبما ساقُوا إليهن من صَداقٍ، وأنفَقُوا عليهن من نَفَقةٍ.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بن صالحٍ، عن عليٍّ ابن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: فَضْلُه عليها بنفقتِه وسَعْيه (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ، موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: سمِعتُ سُفيان يقولُ: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾: بما ساقوا من المَهْرِ (^٣).\nفتأويلُ الكلامِ إذن: الرجالُ قَوَّامون على نسائِهم بتفضيلِ اللَّهِ إياهم عليهن، وبإنفاقِهم عليهن مِن أموالِهم.\nو\"ما\" التي في قوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾. والتي في قولِه: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾. في معنى المصدرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1914>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾.</span>\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٧ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥١ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) جزء من الأثر المتقدم تخريجه ص ٦٨٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٠ (٥٢٤٩) من طريق ابن المبارك به.","vol":"6","page":690},{"text":"يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾: المستقيماتُ الدينِ، العاملاتُ بالخيرِ.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المُباركِ، قال: سمِعتُ سُفيان يقولُ: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ يَعْمَلُن بالخيرِ (^١).\nوقوله: ﴿قَانِتَاتٌ﴾. يعنى: مطيعاتٌ للَّهِ ولأزواجِهن.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَانِتَاتٌ﴾. قال: مُطيعاتٌ (^٢).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَانِتَاتٌ﴾. قال: مُطِيعاتٌ (^٣).\nحدَّثني عليُّ بنُ (^٤) داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَانِتَاتٌ﴾: مُطِيعاتٌ (^٥).\nحدَّثنا بِشْرُ (^٦) بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَانِتَاتٌ﴾: أي: مُطِيعاتٌ للَّهِ ولأزواجِهنَّ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٠ (٥٢٥٢) من طريق ابن المبارك به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٧٥.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح مثله، وكذا في س دون قوله: \"مثله\". ثم أعاده مرة أخرى في ت ٢ كما هو في المتن. وكله تكرار لا معنى له.\n(^٤) في النسخ: \"عن\"، وقد تقدم مرارًا.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٠ (٥٢٥٣) من طريق أبي صالح به.\n(^٦) في النسخ: \"الحسن\"، وتقدم مرارًا.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"6","page":691},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: ﴿قَانِتَاتٌ﴾: مُطِيعاتٌ (^١)\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: القانِتاتُ المُطِيعاتُ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ، موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: سمِعتُ سُفيان يقولُ في قولِه: ﴿قَانِتَاتٌ﴾: مُطيعاتٌ لأزواجِهن (^٣).\nوقد بَيَّنَّا مَعنى القُنوتِ فيما مضَى، وأنه الطاعةُ، ودَلَّلنا على صحةِ ذلك من الشواهدِ بما أغنَى عن إعادتِه (^٤).\nوأما قوله: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾. فإنه يعني: حافِظاتٌ لأنفسِهنَّ عندَ غَيْبة أزواجِهنَّ عنهن، في فُروجِهن وأموالِهم، وللواجبِ عليهنّ من حقِّ اللَّهِ في ذلك وغيرِه.\nكما حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾. يقولُ: حافظاتٌ لِما استَودَعَهنَّ اللَّهُ من حقِّه، وحافِظاتٌ لغَيْبِ أزواجِهن (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. يقولُ: تَحفَظُ على زوجِها مالَه\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٠ عقب الأثر (٥٢٥٣) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ١٨٩.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٢/ ٤٦٢ وما بعدها.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"6","page":692},{"text":"وفَرْجَها حتى يَرْجِعَ، كما أمَرها اللَّهُ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُه: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾؟ قال: حافِظاتٌ للزوجِ (^٢).\nحدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا حَجَّاجُ، قال: قال ابنُ جُرَيجٍ: سألتُ عطاءً عن: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾. قال: حافِظاتٌ للأزواجِ.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: سمِعتُ سُفيانَ يقولُ: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾: حافِظاتٌ لأزواجِهنَّ لِما غابَ من (^٣) شأنِهنَّ.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُ (^٤) أبي سعيدٍ المقبرِيُّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"خَيْرُ النساء امرأةٌ إذا نَظَرْتَ إليها سَرَّتْك، وإذا أمَرْتَها أَطاعَتك، وإذا غِبْتَ عنها حَفِظَتْك في نفسِها ومَالِهَا (^٥) \". قال: ثم قرأ رسولُ اللَّهِ ﷺ الآيةَ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ إلى آخر الآية (^٦).\nقال أبو جعفر: وهذا الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ يَدلُّ على صحةِ ما قلنا في تأويلِ ذلك، وأن معناه صالحاتٌ في أديانهنَّ، مُطِيعاتٌ لأزواجِهنَّ، حافِظاتٌ [لهم في أنفسهنَّ] (^٧) وأموالِهم.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥١ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ١٨٩.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عن\".\n(^٤) في النسخ: \"عن\". والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٥) في م: \"ومالك\".\n(^٦) أخرجه البغوى في تفسيره ٢/ ٢٠٧ من طريق أبي معشر به. وينظر الطيالسي (٢٤٢٤).\n(^٧) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لأنفسهن\".","vol":"6","page":693},{"text":"وأما قولُه: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. فإن القَرأةَ اختَلفت في قراءتِه؛ فقرَأته عامةُ القَرأةِ في جميعِ أمصارِ الإسلامِ: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. برفعِ اسمِ (اللَّه)، على معنى: بحِفْظِ اللَّهِ إياهنَّ إذ صَيَّرَهن كذلك.\nكما حدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيج: سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. قال: يقولُ: حَفِظَهِنَّ اللَّهُ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ، موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، قال: سمِعتُ سُفيانَ يقولُ في قولِه: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. قال: بحِفْظِ اللَّهِ إيَّاها أنه جعَلها كذلك (^٢).\nوقرَأ ذلك أبو جعفرٍ يزيدُ بنُ القَعْقَاع المَدَنىُّ (^٣): (بما حفظ اللَّه) (^٤) يعنى: بحفظهنَّ (^٥) اللَّه في طاعتِه، وأداءِ حَقِّه بما (^٦) أمرهنَّ مِن حِفْظِ غَيْبِ أَزواجهنَّ، كقولِ الرجلِ للرجلِ: ما حَفِظْتَ اللَّه في كذا وكذا. بمعنى: راقَبْتَه [ولا حَظْتَه] (^٧).\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القراءةِ في ذلك ما جاءت به قرأةُ المسلمين مِن القراءةِ مَجِيئًا يقطَعُ عُذْرَ مَن بَلَعَه، ويُثْبِتُ عليه حُجَّته، دونَ ما انفرَد به أبو جعفرٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥١ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤١ (٥٢٥٩) من طريق ابن المبارك به.\n(^٣) تابعى أحد القراء العشرة كان إمام أهل المدينة في القراءة، تصدى لإقراء القرآن دهرًا، قليل الحديث، وثقه ابن معين والنسائى. معرفة القراء الكبار للذهبى ص ٥٨.\n(^٤) النشر ٢/ ١٨٧.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حفظهن\".\n(^٦) في ص، ت ٢: \"فيما\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٣: \"ولا خفته\".","vol":"6","page":694},{"text":"فشَذَّ عنهم -وذلك (^١) القراءةُ برفعِ اسمِ اللَّهِ ﵎: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. مع صحةِ ذلك في العربيةِ وكلامِ العربِ، وقُبْحِ نَصْبِه في العربيةِ؛ لخروجِه عن المعروفِ مِن مَنْطقِ العربِ، وذلك أن العربَ لا تَحذِفُ الفاعلَ مع المصادرِ، من أجلِ أن الفاعلَ إذا حُذِف معها لم يكنْ للفعلِ صاحبٌ معروفٌ (^٢).\nوفى الكلامِ متروكٌ استُغْنِىَ بدلالةِ الظاهرِ من الكلامِ عليه من ذكرِه، ومعناه: فالصالحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ للغيبِ بما حفِظ اللَّهُ، فأحسِنوا إليهنَّ وأصلِحوا.\nوكذلك هو فيما ذُكِر في قراءةِ ابنِ مسعودٍ.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حَمَّادٍ، قال: ثنا عيسى الأعمَى، عن طلحةَ بنِ مُصَرِّفٍ، قال: في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فالصالحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ للغيبِ بما حفِظ اللَّهُ فأصلِحُوا إليهن واللاتى تخافُونَ نُشوزهنَّ) (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّدّى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾، فأحسِنوا إليهن (^٣).\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾، فأصلِحوا إليهنَّ (^٤).\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"تلك\".\n(^٢) وتقدم أن القراءة بنصب لفظ الجلالة قراءة أبي جعفر المدنى أحد العشرة، وقراءته متواترة، وقال أبو حيان: وهذا كله توجيه شذوذ أدى إليه قول من قال في هذه القراءة: إن \"ما\" مصدرية. ولا حاجة إلى هذا القول، بل ينزه القرآن عنه، البحر المحيط ٣/ ٢٤٠.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥٢ إلى المصنف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥١ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"6","page":695},{"text":"حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ ابن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾: يعنى إذا كُنَّ هكذا فأَحْسِنوا (^١) إليهنَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1915>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ </span>(^٢)﴾.\nاختلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: واللاتي تعلَمون نشوزَهنَّ.\nووَجْهُ صَرْفِ الخوفِ في هذا الموضعِ إلى العلمِ في قولِ هؤلاء نظيرُ صرفِ الظنِّ إلى العلمِ؛ لتَقاربِ (^٣) معنييْهما، إذ كان الظنُّ شكًّا، وكان الخوفُ مقرونًا برَجاءٍ، وكانا جميعًا من فعلِ المرءِ بقلبِه، كما قال الشاعرُ (^٤):\nولا تَدْفِتَنِّي في الفَلَاةِ فإنَّني … أخافُ إذا ما مِتُّ أَن لا أَذُوقُها\nبمعنى (^٥): فإننى أَعلَمُ. وكما قال الآخرُ (^٦):\nأَتاني كلامٌ عن نُصَيْبٍ يَقُولُهُ … وما خِفْتُ يا سَلَّامُ أَنَّكَ عَائِبي\nبمعنى: وما ظَنَنتُ.\nوقال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ: معنى الخوفِ في هذا الموضعِ الخوفُ الذي هو خلافُ الرجاءِ. قالوا: ومعنى ذلك: إذا رأيتُم منهن ما تَخافون أن يَنْشُزْنَ عليكم،\n_________\n(^١) في ص، م: \"فأصلحوا\".\n(^٢) ليست في النسخ، وسيفسرها المصنف في هذا الموضع بعد.\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"لتفاوت\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ٤/ ١٣٦.\n(^٥) في م، ت ٢: \"معناه\".\n(^٦) تقدم تخريجه في ٤/ ١٣٥.","vol":"6","page":696},{"text":"من نَظَرٍ إلى ما لا ينبغى لهنَّ أَن يَنْظُرْنَ إليه، ويَدخُلنَ ويَخْرُجْنَ، واستَرَبْتُم بِأَمرِهنَّ، فعظوهنَّ واهجروهنَّ. وممن قال ذلك محمدُ بنُ كعبٍ (^١).\nوأما قولُه: ﴿نُشُوزَهُنَّ﴾. فإنه يعنى: استعلاءَهنَّ على أزواجِهن، وارتفاعهنَّ عن فُرُشِهم بالمعصيةِ منهن، والخلافَ عليهم فيما لَزِمَهن طاعتُهم فيه، بُغْضًا منهن (^٢)، وإعراضًا عنهم.\nوأصلُ النُّشوزِ الارتفاعُ. ومنه قيل للمكانِ المرتفعِ من الأرضِ: نَشْزٌ ونَشَازٌ.\n﴿فَعِظُوهُنَّ﴾. يقولُ: ذَكِّروهن اللَّه، وخَوِّفوهن وَعيدَه، في ركوبِها ما حَرَّم اللَّهُ عليها من معصيةِ زوجِها فيما أوجب عليها طاعتَه فيه.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال: النشوزُ البُغْضُ ومَعصيةُ الزوجِ\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾. قال: بُغْضُهنَّ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾. قال: التى تخافُ مَعْصيتَها. قال: النُّشُورُ معصيتُه وخِلافُه (^٤).\n_________\n(^١) سيأتى الأثر عن محمد بن كعب في ص ٦٩٩.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"منهم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٢ (٥٢٦٣) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥٥ إلى المصنف.","vol":"6","page":697},{"text":"حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾: تلك (^١) المرأةُ تَنْشُزُ، وتَسْتَخِفُّ بحَقِّ زوجِها ولا تطيعُ أمرَه (^٢).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا رَوْحُ، قال: ثنا ابنُ جُرَيجٍ، قال: قال عطاءٌ: النُّشورُ أن تُحِبَّ فِراقَه، والرجلُ كذلك.\nذكرُ الرواية عمَّن قال ما قلنا في قولِه: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾: يعني: عِظُوهُنَّ بكتابِ اللَّهِ. قال: أمَره اللَّهُ إذا نَشَرَت أن يَعِظُها ويُذَكِّرَها اللَّهَ، ويُعَظِّمَ حَقَّه عليها (^٣).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾. قال: إذا نَشَرَت المرأةُ عن فراشِ زوجِها يقولُ لها: اتقى اللَّهَ وارجِعى إلى فِراشِك. فإن أطاعَته فلا سبيلَ له عليها (^٤).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن يونسَ، عن الحسنِ، قال: إذا نَشَزَت المرأةُ على زوجِها فليعِظُها بلسانِه. يقولُ: يأمُرُها بتقوى اللَّهِ وطاعتِه.\n_________\n(^١) في النسخ: \"قيل\". والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم، وفي سنن البيهقي: \"فتلك\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤١ (٥٢٦٠، ٥٢٦١)، والبيهقى ٧/ ٣٠٣، من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥٤، ١٥٥ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٢ (٥٢٦١، ٥٢٦٤)، والبيهقي ٧/ ٣٠٣ من طريق عبد الله صالح به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٢ (٥٢٦٦) من طريق أبي حذيفة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥٥ إلى ابن المنذر.","vol":"6","page":698},{"text":"حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عُبَيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ، قال: إذا رأى الرجلُ [خِفَّةً في بَصرِهَا و] (^١) مَدْخَلَها ومَخْرَجَها. قال: يقولُ لها بلسانِه: قد رأيتُ منكِ كذا وكذا فانتَهِى. فإن أعتَبَت (^٢) فلا سبيلَ له عليها، وإِن أَبَتْ هَجَر مَضْجَعَها (^٣).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾. قال: إِذا نَشَرَت المرأةُ عن فراشِ زوجِها، فإنه يقولُ لها: اتقى اللَّهَ وارجِعى.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عطاءٍ: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾. قال: بالكلامِ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيج قولَه: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾. قال: بالألسنةِ.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرِو بنِ أبي قيسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾. قال: عِظُوهنَّ باللسانِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1916>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.</span>\nاختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فعِظُوهنَّ في\n_________\n(^١) في م: \"تقصيرها في حقه في\".\n(^٢) في س: \"انتهت\". وأعتبنى فلان: ترك ما كنت أجد عليه من أجله ورجع إلى ما أرضاني عنه بعد إسخاطه إياى عليه. التاج (ع ت ب).\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٢/ ٢٥٨.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٢ معلقا عقب الأثر (٥٢٦٥).","vol":"6","page":699},{"text":"نُشوزهن عليكم أيُّها الأزواجُ، فإن أبَيْنَ مُراجعة الحقِّ في ذلك والواجبِ عليهن لكم، فاهجُروهنَّ بتَرْكِ جِماعِهن في مضاجعتِكم إياهن.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: يعنى: عِظُوهنَّ، فإن أطَعْنَكم، وإلا فاهجُرُوهنَّ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: يعنى بالهِجْرانِ أن يكونَ الرجلُ وامرأتُه على فِراشٍ واحدٍ لا يُجامِعُها (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ. قال: الهَجْرُ هَجْرُ الجِماعِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أما: ﴿تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾. فإن على زَوْجِهَا أَن يَعِظُها، فإن لم تَقْبَلْ فليَهْجُرُها في المَضْجَعِ. يقولُ: يَرْقُدُ عندَها ويُولِّيها ظهرَه، ويَطَؤُها، ولا يُكَلِّمُها (١). هكذا في كتابي: ويَطَؤُها ولا يُكَلِّمُها.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال: يُضاجِعُها ويَهْجُرُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥٥ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ١٩٠.","vol":"6","page":700},{"text":"كلامَها، ويُوَلِّيها ظَهْرَه (^١).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا شَرِيكٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدٍ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال: لا يُجامِعُها (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: واهجُروا كلامَهن في تَرْكِهِنَّ مُضاجَعَتَكم (^٣)، حتى يَرْجِعْن إلى مُضاجَعَتِكم (^٣).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ، عن أبي الضُّحَى، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: إنها [لا تُتْرَكُ] (^٤) في الكلامِ، ولكنَّ الهِجْرانَ في أمرِ المَضْجَعِ.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. يقولُ: حتى يَأْتِينَ مَضاجِعَكم.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: في الجِماعِ.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٥٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥٥ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مضاجعكم\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لو تركت\".","vol":"6","page":701},{"text":"عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال: يَعِظُها، فإن هي قَبِلَت، وإلا هَجَرها في المَضْجَعِ، ولا يُكَلِّمُها، من غيرِ أَن يَذَرَ نِكَاحَها، وذلك عليها شديدٌ (^١).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ، موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: أخبَرنا شَرِيكٌ، عن خُصَيفٍ، عن عِكْرمةَ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: الكلامَ والحديثَ (^٢).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني الحسنُ بنُ زُرَيقِ الطَّهَوِيُّ، قال: ثنا أبو بكرِ بن عَيَّاشٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال: لا تُضاجِعوهن (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرةً، عن الشعبيِّ، قال: الهِجْرانُ ألّا يُضاجِعَها (^٤).\nوبه قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغِيرةَ، عن عامرٍ وإبراهيمَ، قالا: الهِجْرانُ في المَضْجَعِ ألّا يُضاجِعَها على فراشٍ (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا مُغِيرةً، عن إبراهيمَ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ٧/ ٣٠٣ من طريق عبد الله بن صالح به، وهو تمام الأثر المتقدم في ص ٦٩٥.\n(^٢) أخرجه جه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٣ (٥٢٧٢) من طريق خصيف به بنحوه. والسياق بعده في النسخ كما ترى، وهو قول آخر في تفسير الهجر وأنه ترك قربها في الفراش حتى ترجع، فصوابه أن يزاد هذا أو نحوه في هذا الموضع، وينظر تعليق الشيخ شاكر على هذا الموضع.\n(^٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٤٠١ عن أبي بكر بن عياش به.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٧٥\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٠١ عن جرير به.","vol":"6","page":702},{"text":"والشعبيِّ، أنهما قالا في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قالا: يَهْجُرُ مُضاجَعَتَها حتى تَرجِعَ إلى ما يُحِبُّ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن مُغِيرةً، عن إبراهيمَ والشعبيِّ، أنهما كانا يقولان: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قالا: يَهْجُرُها في المَضْجَعِ.\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن خُصيفٍ، عن مِقْسَمٍ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال: هَجْرُها في مَضْجَعِها ألا يَقرَبَ فِراشَها (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن موسى بن عُبَيدةَ، عن محمد بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ، قال: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال: يَعِظُها بلسانِه، فإِن أَعْتَبَت فلا سبيلَ له عليها، وإِن أَبَت هَجَر مَضْجَعَها (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ﴾. قالا: إذا خاف نُشوزَها وَعَظَها، فإن قَبِلَت وإلا هَجَر مَضْجَعَها (^٤).\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال: تَبدَأُ يا بنَ آدمَ فَتَعِظُها، فإن أَبَت عليك فاهجُرْها. يعنى به فِراشَها.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٧٥، وأخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٤٠١ من طريق مغيرة به بنحوه.\n(^٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٤٠١ من طريق شريك عن حصين عن مقسم وعكرمة.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٣ عقب الأثر (٥٢٧١) معلقا.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٨.","vol":"6","page":703},{"text":"وقال آخرون: معنى قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: قولوا لهنَّ مِن القولِ هُجْرًا فِي تَرْكِهِنَّ مُضاجَعَتَكُم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن رجلٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال: يَهْجُرُها بلسانه، ويُغْلِظُ لها بالقولِ، ولا يَدَعُ جِماعَها (^١).\nوبه قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن خُصَيفٍ، عن عِكْرمةَ، قال: إنما الهِجْرانُ بالمنطقِ أن يُغْلِظَ لها، وليس بالجِماعِ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةٌ، عن أبي الضُّحَى في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال: يَهجُرُ بالقولِ، ولا يَهجُرُ مُضاجَعتَها حتى تَرجِعَ إلى ما يريدُ (^٣).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بن موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، عن رجلٍ، عن الحسنِ، قال: لا يَهجُرُها إلا في المَبيتِ (^٤)؛ في المَضْجَعِ، ليس له أن يَهجُرَ في كلامٍ ولا شيءٍ إلا في الفراشِ.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنى يَعْلَى، عن سُفيانَ في قولِه:\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٨.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٣ (٥٢٧٢) عن الحسن بن يحيى به، وابن أبي شيبة ٤/ ٤٠٢ من طريق حصين، عن عكرمة.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٣ عقب الأثر (٥٢٧٢) معلقًا.\n(^٤) في ص، ت ١، س: \"البيت\".","vol":"6","page":704},{"text":"﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال: في مُجامَعتِها، ولكن يقولُ لها: تَعالَىْ، وافعَلى. كلامًا فيه غِلْظَةٌ، فإذا فَعَلَت ذلك، فلا يُكَلِّفها أن تُحيَّه، فإن قلبَها (^١) ليس في يَدَيها.\nولا معنَى للهَجْرِ في كلامِ العربِ إلا على أحدِ ثلاثةِ أَوجُهٍ:\nأحدُها: هَجْرُ الرجلِ كلامَ الرجلِ وحديثَه. وذلك رَفْضُه وتَرْكُه، يقالُ منه: هَجَر فلانٌ أهلَه يَهْجُرُها هَجْرًا وَهِجْرانًا\nوالآخرُ: الإكثارُ من الكلامِ بتَرْديدٍ، كهيئةِ كلامِ الهازئِ، يقالُ منه: هَجَر فلانٌ في كلامه يَهْجُرُ هَجْرًا. إذا هَذَى ومَدَّد الكلمةَ. وما زالَتْ تلك هِجِّيراه وإهْجِيرَاه. ومنه قولُ ذي الرُّمَّةِ (^٢):\nرَمَى فَأَخْطَأ والأقدارُ غالِبةٌ … فانْصَعْنَ (^٣) والوَيلُ هِجيرَاهُ (^٤) والحَرَبُ (^٥)\nوالثالثُ: هجْرُ البعيرِ، إذا رَبَطَه صاحبه بالهِجَارِ؛ وهو حبلٌ يُربَطُ في حَقْوَيها ورُسْعِها، ومنه قولُ امرئِ القيسِ (^٦):\nرَأَتْ هَلَكًا (^٧) بنِجَافِ (^٨) الغَبيطِ (^٩) … فَكادَت تَجُدُّ (^١٠) لذاكَ الهِجَارا\nفأما القولُ الذى فيه الغِلْظةُ والأذَى، فإنما هو الإهجارُ، ويقالُ منه: أَهْجَر فلانٌ\n_________\n(^١) في ص: \"قلبه\".\n(^٢) ديوانه ١/ ٧١.\n(^٣) انصعن: تفرقن. التاج (ص وع).\n(^٤) هجيراه: دأبه وديدنه وشأنه وعادته. التاج (هـ ج ر) والبيت فيه.\n(^٥) الحرب: أن يسلب الرجل ماله. التاج (ح ر ب).\n(^٦) ديوانه ص ٢٠٦.\n(^٧) الهلك: المهواة بين الجبلين. اللسان (هـ ل ك). والبيت فيه.\n(^٨) النجاف جمع نجَفَة: أرض مستديرة مشرفة على ما حولها. التاج (ن ج ف) والبيت فيه.\n(^٩) الغبيط: أرض لبنى يربوع. معجم البلدان ٣/ ٧٧٤.\n(^١٠) تجد: تقطع. اللسان (ج د د).","vol":"6","page":705},{"text":"في مَنْطِقِه -إذا قال الهُجْرَ، وهو الفُحْشُ من الكلامِ- يُهْجِرُ إهجارًا وهُجْرًا.\nفإذ كان لا وَجْهَ الهَجْرِ في الكلامِ إلا أحدَ المعاني الثلاثةِ، وكانت المرأةُ المخوفَ نُشورُها، إنما أُمِر زوجُها بوَعْظِها لتُنِيبَ إلى طاعتِه فيما يجبُ عليها له من مُوافاتِه عندَ دعائه إياها إلى فِراشِه -فغيرُ جائزٍ أن تكونَ عِظَتُه لذلك، ثم تَصيرُ المرأةُ إلى أمرِ اللَّهِ وطاعةِ زوجِها في ذلك، ثم يكونُ الزوجُ مأمورًا بهَجْرِها في الأمرِ الذي كانت عِظَتُه إياها عليه.\nوإذ كان ذلك كذلك، بَطَل قولُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: واهجُروا جِماعَهن.\nأو يكونُ -إذ بطَل هذا المعنى- بمعنَى (^١): واهجُروا كلامهنَّ بسببِ هَجْرِهن مَضاجِعَكم. وذلك أيضًا لا وَجْهَ له مفهومٌ؛ لأن اللَّه تعالى ذكرُه قد أخبر على لسانِ نبيِّه ﷺ أنه لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يَهْجُرَ أخاه فوقَ ثلاثٍ (^٢). على أن ذلك لو كان حَلالًا لم يكنْ لهَجْرِها في الكلامِ معنًى مفهومٌ؛ لأنها إذا كانت عنه مُنصرِفةٌ، وعليه ناشِزًا، فمن سُرورِها ألا يُكلِّمها ولا يَراها ولا تَراه، فكيف يُؤْمَرُ الرجلُ في حالِ بُغْضِ امرأتِه إياه، وانصِرافِها عنه بتَرْكِ ما في تَرْكِه سُرورُها مِن تَرْكِ جِماعِها ومُحَادَثَتِها (^٣) وتَكْليمِها، وهو يُؤمَرُ بِضَرْبِها لتَرْتدِعَ عما هي عليه؛ من تَرْكِ [طاعةِ اللَّهِ في تركِ] (^٤) طاعته إذا دَعاها إلى فِراشِه، وغيرِ ذلك مما يَلزَمُها طاعتُه فيه.\nأو يكونُ -إذ فَسَد هذان الوجهان- يكونُ معناه: واهجُروا في قولِكم لهم.\n_________\n(^١) في النسخ: \"فمعنى\". والمثبت صواب السياق.\n(^٢) أخرجه البخارى (٦٠٧٦) من حديث أنس، وفى (٦٠٧٧) من حديث أبي أيوب.\n(^٣) في م: \"مجاذبتها\".\n(^٤) سقط من: م.","vol":"6","page":706},{"text":"بمعنى: رَدِّدُوا عليهنَّ كلامَكم إذا كَلَّمْتُموهنَّ بالتَّغليظِ لهنَّ. فإن كان ذلك معناه، فلا وَجْهَ لإعمالِ الهَجْرِ في كنايةِ أسماءِ النساءِ الناشزاتِ -أعنى في الهاءِ والنونِ مِن قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾. لأنه إذا أُرِيد به ذلك المعنى، كان الفعلُ غيرَ واقعٍ (^١)، إنما يقالُ: هَجَر فلانٌ في كلامِه. ولا يقالُ: هَجَرَ فلانٌ فلانًا.\nفإذ كان في كلِّ هذه المعانى ما ذَكَرنا من الخَلَلِ اللاحِقِ، فأَولى الأقوالِ بالصوابِ في ذلك أن يكونَ قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾. مُوَجَّها معناه إلى معنى الرَّبْطِ بالهِجَارِ، على ما ذكَرنا من قبلِ العربِ للبعيرِ إذا رَبَطه صاحبُه بحبلٍ على ما وَصَفنا: هَجَره فهو يَهْجُرُه هَجْرًا (^٢).\nوإذا كان ذلك معناه، كان تأويلُ الكلامِ: واللاتى تَخافون نُشُوزَهنّ: فعِظُوهُنَّ في نُشُورهنَّ عليكم، فإن اتَّعَطِّنَ فلا سبيلَ لكم عليهنَّ، وإِن أَبَيْنَ الأَوْبةَ من نُشوزهن، فاستوثقوا منهنَّ رِباطًا في مَضاجِعِهِنَّ (^٣). يعني: في مَنازِلِهِنَّ وبُيُوتِهِنَّ التي يَضْطَجِعن فيها ويُضاجِعْنَ فيها أزواجَهنَّ.\nكما حدَّثني عباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى بُكَيرٍ، عن شِبْلٍ، قال: سمِعتُ أبا قَرَعَةَ يُحدِّثُ عن (^٤) عمرِو بنِ دينارٍ، عن حكيمِ بنِ مُعاويةً، عن أبيه، أنه جاء إلى النبيِّ ﷺ فقال: ما حَقُّ زوجةِ أحدِنا عليه؟ قال: \"يُطْعِمُها،\n_________\n(^١) غير واقع يعنى لازما والفعل الواقع: هو المتعدى. المصطلح النحوى ص ١٨٠.\n(^٢) رد العلماء على المصنف في اختياره هذا القولُ في تفسير قولِه تعالى: ﴿فاهجروهن﴾ ينظر مثلًا أحكام القرآن لابن العربى ١/ ٤١٨ وما بعدها، والكشاف ١/ ٥٢٤، ٥٢٥.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مضاجعتهن\".\n(^٤) قوله: \"عن\". كذا في النسخ ومطبوعة مسند أحمد، والصواب حذفها كما في مخطوطة الرياض من المسند -ذكره الشيخ شاكر- وتفسير النسائي، ومعجم الطبرانى. وينظر أطراف المسند ٥/ ٣٢٦ (٧٢٣٥).","vol":"6","page":707},{"text":"ويكْسُوها، ولا يَضْرِبُ الوَجْهَ، ولا يُقَبِّحُ، ولا يَهْجُرُ إلا في البيتِ (^١) \".\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عَرفةَ، قال: ثنا يزيدُ (^٢)، عن شُعبةَ بنِ الحَجَّاجِ، عن أَبي قَزَعَةَ، عن حكيمِ بنِ مُعاويةَ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (^٣).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا بَهْزُ ابنُ حكيمٍ، [عن أبيه] (^٤)، عن جدِّه، قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، نِساؤُنا، ما نأتى منها وما نَذَرُ؟ قال: \"حَرْثُكَ، فَأْتِ حَرْثَكَ أَنَّى شِئْتَ، غير ألا تَضْرِبَ الوَجْهَ، ولا تُقَبِّحَ، ولا تَهْجُرَ إلا في البيتِ، وأَطْعِمْ إذا طَعِمْتَ، واكْسُ إذا اكتَسَيتَ، كيف وقد أفضَى بعضُكم إلى بعضٍ؟ إلا بما حَلَّ عليها (^٥) \".\nوبنحوِ الذى قُلنا في تأويلِ ذلك قال عِدَّةٌ من أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبَرنا هُشَيمٌ، عن الحسنِ، قال: إذا نَشَرَت المرأةُ على زوجِها، فليَعِظْها بلسانِه، فإن قَبِلَت فذاك، وإلا ضَرَبها\n_________\n(^١) في م: \"المبيت\".\nوالحديث أخرجه أحمد ٤/ ٤٤٦ (الميمنية)، والنسائي في الكبرى (١١٤٣١)، والطبراني في ١٩/ ٤٢٧ (١٠٣٨)، من طريق يحيى بن أبى بكير به بأطول مما هنا.\n(^٢) بعده في س: \"بن محمد\". ومكان كلمة \"محمد\" بياض في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣. وصوابه يزيد ابن هارون.\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ٤٤٧ (الميمنية)، والنسائي في الكبرى (١١١٠٤)، وابن ماجه (١٨٥٠)، والطبراني ١٩/ ٤٢٨ (١٠٣٩)، من طريق يزيد به.\n(^٤) سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٥) في س: \"عليهن\"، وهي رواية في المسند.\nوالحديث أخرجه أحمد ٥/ ٣، ٥ (الميمنية) وأبو داود (٢١٤٣)، والنسائي في الكبرى (٩١٦٠) من طريق بهز به.","vol":"6","page":708},{"text":"ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ، فإن رَجَعَت فذاك، وإلا فقد حَلَّ له أَن يَأْخُذَ منها ويُخَلِّيها.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن الحسنِ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ، عن أبي الضُّحَى، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. قال: يَفعَلُ بها ذاك ويَضْرِبُها حتى تُطِيعَه في المَضاجعِ، فإذا أطاعتَه [في المَضْجَعِ] (^١)، فليس له عليها سبيلٌ إذا ضاجَعَته (^٢).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ، قال: ثنا ابنُ المُباركِ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ بِشْرٍ، أنه سمِع عِكْرمةَ يقولُ في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾: ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ. قال: قال رسولُ اللَّهِ: \"اضْرِبُوهُنَّ إذا عصينكم في المعروفِ ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ\" (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: فكلُّ هؤلاء الذين ذكرنا قولهم لم يُوجبوا للهَجْرِ معنًى غير الضَّرْبِ، ولم يُوجِبوا هَجْرًا -إذ كان هَيْئَةٌ من الهَيئاتِ التي تكونُ بها المضروبةُ عندَ الضَّرْبِ، مع دَلالةِ الخبرِ الذي رواه عِكْرمة عن النبيِّ ﷺ، أنه أمَر بضَرْبهِنَّ إذا عَصَين أزواجهنَّ في المعروفِ، من غير أمر منه أزواجهنَّ بهَجْرِهنَّ -لِما وَصَفنا من العِلَّةِ.\nفإِن ظَنَّ ظانٌّ أن الذى قُلنا في تأويلِ الخبرِ عن النبيِّ ﷺ الذي رَواه عِكْرمةُ، ليس كما قلنا، وصَحَّ أن تَرْكَ النبيِّ ﷺ أمرَ الرجلِ بهَجْرِ زوجتِه إذا عَصَته في المعروفِ، وأمره بضَرْبها قبلَ الهَجْرِ، لو كان دليلًا على صحةِ ما قُلنا من أن معنى الهَجْرِ هو ما بَيَّنَّاه -لَوَجَب أن يكونَ لا معنى لأمر اللَّه زوجها أن يَعِظُها إذا هى\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٠١ من طريق الحسن بن عبيد الله به بنحوه.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥٥ إلى المصنف.","vol":"6","page":709},{"text":"نَشَزَتَ، إذ كان لا ذِكْرَ للعِظَةِ في خبرِ عِكْرمةَ عن النبيِّ ﷺ - فإن الأمرَ في ذلك بخلافِ ما ظَنَّ، وذلك أن قولَه ﷺ: \"إذا عَصَيْنَكم في المعروفِ\". دَلالةٌ بَيِّنةٌ أنه لم يُبِحْ للرجلِ ضَرْبَ زوجتِه إلا بعد عِظَتِها مِن نُشوزِها، وذلك أنه لا تكونُ له عاصِيةٌ إلا وقد تقدَّم منه لها أمرٌ أو عِظَةٌ بالمعروفِ على ما أمَر اللَّهُ تعالى ذكرُه به.\n\n<span data-type='title' id=toc-1917>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤُه: فعِظُوهنَّ أَيُّها الرجالُ في نُشوزِهنَّ، فإِن أَبَينَ الإيابَ إلى ما يَلْزَمُهنَّ لكم، فشُدُّوهنَّ وَثاقًا في منازِلِهنَّ، واضربوهنَّ ليَؤُبْنَ إلى الواجبِ عليهن من طاعةِ اللَّهِ في اللازمِ لهنّ مِن حُقوقِكم.\nوقال أهلِ التأويلِ: صفةُ الضَّرْبِ التى أباحَ اللَّهُ لزوج الناشزِ أَن يَضْرِبَها، الضَّرْبُ غير المُبَرِّحِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. قال: ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: أخبَرنا أبو حمزةَ، عن عطاءِ ابنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: الضَّرْبُ غيرُ مُبَرِّحٍ (^١).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا\n_________\n(^١) في م: \"المبرح\".","vol":"6","page":710},{"text":"شَرِيكٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. قال: ضَرْبًا غَيرَ مُبَرِّحٍ (^١).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. قال: تَهْجُرُها في المَضْجَعِ، فإن أقبَلَت وإلا فقد أذِن اللَّهُ لك أن تَضْرِبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، ولا تَكْسِرُ لها عَظْمًا، فإن أقبلَت، وإلا فقد حَلَّ لك منها الفِدْيةُ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الحسن وقتادةَ في قولِه: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. قال: ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ (^٣).\nوبه قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ جُرَيجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ قال: ضربًا غَيرَ مُبَرِّحٍ (^٣).\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. قال: تَهْجُرُها فِي المَضْجَعِ، فَإِن أَبَتْ عليك فاضرِبْها ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ، أي: غيرَ شائنٍ.\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ [في قولِه: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. قال: يَضْرِبُها ضربًا غَيرَ مُبَرِّحٍ] (^٤). قال: السَّوَاكُ وشِبْهُهُ، يَضْرِبُها به.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٥٨.\n(^٢) أخرجه البيهقى ٧/ ٣٠٣ من طريق أبي صالح به، وهو من تمام الأثر المتقدم في ص ٦٩٤.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٨.\n(^٤) في م، ت ٢: قال: \"قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرح؟ \".","vol":"6","page":711},{"text":"حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجَوْهَرِيُّ، قال: ثنا ابنُ عُبَينَةَ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ، ما الضربُ غيرُ المُبَرِّحِ؟ قال: بالسَّوَاكِ ونحوِه (^١).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: أخبَرنا ابنُ عُيَينةَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ في خُطبتِه: \"ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ\". قال: السَّوَاكُ ونحوُه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"لا تَهْجُروا النساءَ إلا في المضاجِعِ، واضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ\". يقولُ: غيرَ مُؤَثِّرٍ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عطاءٍ: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. قَالَ: ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ.\nحدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: ثنا يحيى بنُ بِشْرٍ، عن عِكْرمةَ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. قال: إن أقبَلَت في الهِجْرانِ، وإلا ضرَبَها ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بنِ عُبَيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥٥ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٤ (٥٢٧٥) من طريق ابن عيينة به دون المرفوع.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥٥ إلى المصنف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٠٢ من طريق حصين، عن عكرمة.","vol":"6","page":712},{"text":"قال: تَهْجُرُ مَضْجَعَها ما رأيتَ أن تَنْزعَ، فإن لم تَنْزِعُ ضَرَبها ضَرْبًا غَيرَ مُبَرِّحٍ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن يونسَ، عن الحسنُ: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. قال: ضربًا غَيرَ مُبَرِّحٍ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا عبدُ الوارثِ ابن سعيدٍ، عن رجلٍ، عن الحسنِ: ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ: غَيرَ مُؤَثْرٍ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1918>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤُه: فإن أطَعْنَكم (^٢) أيُّها الناسُ نساؤكم اللاتي تَخافون نُشوزهنَّ عندَ وَعْظِكم إيَّاهن، فلا تَهْجُرُوهن في المَضاجعِ، فإن لم يُطعنَكم، فاهجُرُوهنَّ في المَضاجعِ واضربوهنَّ، فإن راجَعْنَ طاعتَكم عندَ ذلك، وفِتْنَ (^٣) إلى الواجب عليهنَّ، فلا تَطْلُبُوا طريقًا إلى أذاهنَّ ومَكْرُوهِهِنَّ، ولا تَلْتَمِسوا سبيلًا إلى ما لا يَحِلُّ لكم من أبدانِهنَّ وأموالِهن بالعِلَل، وذلك أن يقولَ أحدُكم لإحداهن وهى له مُطِيعةٌ: إنكِ لستِ تُحبِّيني، وأنت لى مُبْغِضَةٌ. فيَضرِبُها على ذلك أو يُؤذيها. فقال اللَّهُ تعالى للرجال: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾. أى: على بُغْضِهِنَّ لكم، فلا تَجنُّوا عليهن، ولا تُكَلِّفُوهُنَّ مَحَبَّتكم؛ فإن ذلك ليس بأيدِيهن، فتَضْرِبوهنَّ أو تُؤْذُوهُنَّ عليه.\nومعنى قولِه: ﴿فَلَا تَبْغُوا﴾: لا تَلْتَمِسوا ولا تَطْلُبوا. من قولِ القائلِ: بَغَيتُ الضَّالَّةَ. إذا التَمسْتَها، ومنه قولُ الشاعرِ في صفةِ الموتِ (^٤):\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٠٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٤ (٥٢٧٤) من طريق حميد، عن الحسن.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أطاعكم\".\n(^٣) في س: \"رجعن\".\n(^٤) تقدم تخريج البيت في ٣/ ٥٠٢.","vol":"6","page":713},{"text":"بَغاكَ وما تَبْغِيه حتى وَجَدْتَه … كأنَّك قد وَاعَدْتَه أَمسِ مَوْعِدَا\nبمعنى: طَلَبك وما تَطْلُبُه.\nوبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾. قال: إذا أطاعَتْكَ فلا تَتَجَنَّ عليها العِلَلَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن الحسنِ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ، عن أبي الضُّحَى، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا أطاعَتْه فليس له عليها سبيلٌ إذا ضاجَعَتْه (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ جُرَيجٍ قولَه: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾. قال: العِلَلُ (^٣).\nوقال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال الثوريُّ في قولِه: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ قال: إن أَتَتِ (^٤) الفِراشَ وهى تُبْغِضُه (^٥).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يَعْلَى، عن سُفيانَ، قال: إذا فَعَلَت ذلك لا يُكَلِّفُها أن تُحِبَّه؛ لأن قلبَها ليس في يدَيها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٤ (٥٢٧٧)، والبيهقى ٧/ ٣٠٣، من طريق أبي صالح به، وهو تمام الأثر المتقدم في ص ٦٩٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٠١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٤ (٥٢٧٦) من طريق الحسن به بنجوه.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٨.\n(^٤) في ص، ت ١، س: \"أبت\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٨، وفي مصنفه (١١٨٧٨).","vol":"6","page":714},{"text":"حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: إن أطاعَتْه فَضاجَعَته، فإن اللَّه يقولُ: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾.\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾. يقوّلُ: فإن أطاعَتْكَ فلا تَبْغِ عليها العِلَلَ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1919>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾.</span>\nيقولُ: إن اللَّه ذو عُلُوٍّ على كلِّ شيءٍ، فلا تَبْغُوا أَيُّها الناسُ على أزواجِكم إذا أَطَعْنَكم فيما أَلْزَمَهنَّ اللَّهُ لكم من حَقٍّ سبيلًا؛ لعُلُوِّ أيديكم على أيديهن، فإن اللَّهَ أعلى منكم ومن كلِّ شيءٍ، [وأعلى] (^٢) منكم عليهن، وأكبر منكم، ومن كلِّ شيءٍ، وأنتم في يَدِه وقَبْضتِه، فاتَّقُوا اللَّهَ أن تَظْلِموهنّ وتَبْغُوا عليهنّ سبيلًا وهن لكم مُطِيعات، فيَنْتَصِرَ لهن منكم رَبُّكم الذي هو أعلى منكم ومن كلِّ شيءٍ، وأكبرُ منكم ومن كلِّ شيءٍ.\n\n<span id=\"aya-528\"></span><span data-type='title' id=toc-1920>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾: وإِن عَلِمتُم أَيُّها الناسُ ﴿شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾، وذلك مُشَاقَّةُ كلِّ واحدٍ منهما صاحِبَه، وهو إتيانُه ما يَشُقُّ عليه من الأمورِ. فأما من المرأةِ فالنُّشوزُ، وتَرْكُها أداءَ حَقِّ اللَّهِ عليها الذى ألزَمَها اللَّهُ لزوجِها، وأما مِن الزوجِ، فتَرْكُه إمساكَها بالمعروفِ أو تَسْريحَها بإحسانٍ.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٤ عقب الأثر (٥٢٧٧) معلقًا.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"عليم\".","vol":"6","page":715},{"text":"والشَّقَاقُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: شاق فلانٌ فلانًا. إذا أتى كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبِه ما يَشُقُّ عليه من الأمورِ -فهو يُشَاقُّه مُشَاقَّةٌ وشِقاقًا، وذلك قد يكونُ عَداوةً.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾. قال: إن ضَرَبها فَأَبَت أن تَرْجِعَ وشَاقَّتْه. يقولُ: عادَتْه.\nوإنما أُضِيفَ \"الشَّقاقُ\" إلى \"البَينِ\"؛ لأن البَيْنَ قد يكونُ اسمًا، كما قال جلّ ثناؤُه: (لقد تقطَّعَ بَيْنُكم) [الأنعام: ٩٤]. فى قراءةِ مَن قرَأ ذلك (^١).\nوأما قولُه: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾. فَإِن أَهْلَ التأويلِ اختَلَفوا فى المُخاطَبِين بهذه الآيةِ؛ من المأمورُ ببَعْثَةِ الحكمَين؟ فقال بعضُهم: المأمورُ بذلك السلطانُ الذي يُرْفَعُ ذلك إليه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ أنه قال في المُخْتَلِعَةِ: يَعِظُها، فإن انتَهَت وإلا هَجَرها، فإن انتهت وإلا ضَرَبها، فإن انتَهَت وإلا رَفَع أمرَها إلى السلطانِ، فيَبعَثُ حَكَمًا من أهلِه وحَكَمًا من أهلِها، فيقولُ الحَكَمُ الذى من أهلِها: يَفعَلُ بها كذا. ويقولُ الحَكَمُ الذى مِن أهلِه: تَفعَلُ به كذا (^٢). فأيُّهما كان الظالمَ (^٣) ردَّه السلطانُ، وأخذ فوقَ يَديه، وإن\n_________\n(^١) أي برفع البين، وسيأتى تخريج هذه القراءة في موضعها من التفسير.\n(^٢) بعده في ص، ت ٢: \"وتفعل به كذا\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الحكم\".","vol":"6","page":716},{"text":"كانت ناشِزًا أَمَره أن يَخْلَعَ (^١).\nحدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: بل ذلك إلى السلطانِ.\nوقال آخرون: بل المأمورُ بذلك الرجلُ والمرأةُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾: إنْ ضَرَبها، فإن رَجَعَت فإنه ليس له عليها سبيلٌ، فإن أَبَت أن تَرْجِعَ وشاقَّتْه، فليَبعَثْ حَكَمًا مِن أهلِه، وتَبْعَثُ حَكَمًا مِن أهلِها.\nثم اختَلف أهلُ التأويلِ فيما يُبعَثُ له الحكمان، وما الذى يجوزُ للحكَمَين من الحُكْمِ بينَهما، وكيف وَجْهُ بَعْثهما بينَهما؟ فقال بعضُهم: يَبعَثُهما الزوجان بتوكيلٍ (^٢) منهما إياهما بالنظرِ بينَهما، وليس لهما أن يَعْمَلا شيئًا في أمرِهما إلا ما وكلاهما به، أو وكله كلُّ واحدٍ منهما بما إليه، فيَعْمَلان بما وَكَّلهما به مَن وَكَّلَهما مِن الرجلِ والمرأةِ فيما يجوزُ توكيلُهما فيه، أو توكيلُ مَن وُكِّل منهما في ذلك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بتوكل\"، وفى س: \"بقول كل\".","vol":"6","page":717},{"text":"عَبِيدَةَ، قال: جاء رجلٌ وامرأتُه بينهما شِقاقٌ إلى عليٍّ ﵁، مع كلِّ واحدٍ منهما فِئامٌ من الناسِ، فقال عليٌّ ﵁: ابعَثوا حَكَمًا مِن أَهلِهِ وحَكَمًا من أهلِها. [ثم قال للحكَمَين: تَدْرِيان ما عليكما؟ عليكما] (^١) إن رأيتُما أن تَجْمَعَا، أن تَجْمَعا، وإن رأيتُما أن تُفَرِّقا، أن تُفَرِّقا. قالت المرأةُ: رَضِيتُ بكتابِ اللَّهِ بما عليَّ فيه ولى. وقال الرجلُ: أما الفُرْقَةُ فلا. فقال عليٌّ ﵁: كَذَبْتَ واللَّه، لا تَنْقَلِبُ حتى تُقِرَّ بمثلِ الذى أقرَّتُ به (^٢).\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا هشامُ بْنُ حَسَّانَ وعبدُ اللَّهِ ابنُ عَوْنٍ، عن محمدٍ، أن عليًّا رضِي اللَّهُ أتاه رجلٌ وامرأتُه، ومع كلِّ واحدٍ منهما فِئامٌ من الناسِ، فأمَرهما عليٌّ ﵁ أن يَبْعَثًا حَكَمًا مِن أَهلِهِ وحَكَمًا من أهلِها ليَنْظُرا، فلما دَنا منه الحَكَمان قال لهما عليٌّ ﵁: أتدرِيان ما لَكما؟ لكما إن رأيتُما أن تُفَرِّقا فَرَّقْتُما، وإن رأيتُما أن تَجْمَعا جَمَعْتُما. قال هشامٌ في حديثِه: فقالت المرأةُ: رَضِيتُ بكتابِ اللَّهِ لى وعليَّ. فقال الرجلُ: أما الفُرْقةُ فلا. فقال عليٌّ: كَذَبْتَ واللَّهِ، حتى تَرْضَى مثلَ ما رَضِيتَ. به. وقال ابنُ عَوْنٍ في حديثِه: كذَبتَ واللَّهِ، لا تَبْرَحُ حتى تَرْضَى بمثلِ ما رَضِيتَ به.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا منصورٌ وهشامٌ، عن ابنِ سيرينَ، عن عِبِيدةَ، قال: شَهِدتُ عليًّا ﵁. فذكَر مثلَه (^٣).\n_________\n(^١) سقط من ص، ت ١، ت ٢، ت ٢، س.\n(^٢) أخرجه الشافعي في الأم ٥/ ١٩٥، ومن طريقه البيهقى ٧/ ٣٠٦، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٥٨، ١٥٩، وفى المصنف (١١٨٨٣) ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٥ (٥٢٨٢)، سعيد بن منصور في سننه (٦٢٨ - تفسير)، من طريق أيوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٢٩ - تفسير) - ومن طريقه البيهقي ٧/ ٣٠٦ - عن هشيم به.","vol":"6","page":718},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: إذا هَجَرها في المَضْجَعِ وضَرَبها، فَأَبَت أَن تَرْجِعَ وشاقَّتْه، فليَبعَثْ حَكَمًا من أهلِه، وتَبعَثْ حَكَمًا من أهلِها، تقولُ المرأةُ لحَكَمِها: قد وَلَّيتُك أمرى، فإن أمَرتَني أن أرجِعَ رَجَعْتُ، وإن فَرَّقتَ تَفَرَّقْنا. وتُخبِرْه بأمرِها؛ إن كانت تريدُ نَفَقةً (^١)، أو كَرِهَت شيئًا من الأشياءِ، وتأمُرُه أن يَرفَعَ ذلك عنها وتَرجِعَ، أو تُخبِرُه أنها لا تريدُ الطلاقَ، ويَبعَثُ الرجلُ حَكَمًا من أهلِه يُولِّيه أمرَه، ويُخبِرُه، يقولُ له حاجتَه إن كان يريدُها، أو لا يريدُ أن يُطَلِّقَها، أعطاها ما سألَت وزادَها في النفقةِ، وإلا قال له: خُذْ لي منها ما لَها عليَّ وطَلِّقها. فيُولِّيه أمرَه، فإن شاء طَلَّق، وإن شاء أمسَك، ثم يَجتمِعُ الحَكَمان، فيُخْبِرُ كلُّ واحدٍ منهما ما يريدُ لصاحبِه، ويَجْهَدُ كلُّ واحدٍ منهما ما يريدُ لصاحبِه، فإن اتَّفَق الحَكَمان على شيءٍ فهو جائزٌ، إن طَلَّقا، وإن أمسَكا، فهو قولُ اللَّهِ: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. فإن بَعَثَت المرأةُ حَكَمًا وأتى الرجلُ أن يَبعَثَ، فإنه لا يَقْرَبُها حتى يَبْعَثَ حَكَمًا.\nوقال آخرون: إن الذى يَبْعَثُ الحَكَميَن هو السلطانُ، غيرَ أنَّه إنما يَبعَثُهما ليَعْرِفا الظالمَ من المظلومِ منهما، ليَحْمِلَهما على الواجبِ لكلِّ واحدٍ منهما قِبَلَ صاحبِه، لا (^٢) التفريق بينَهما.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن الحسن -وهو قولُ قتادةَ- أنهما قالا: إنما يُبْعَثُ الحَكَمان ليُصْلِحا ويَشْهَدا على\n_________\n(^١) في ص، س: \"نفقته\".\n(^٢) في س، ت ٢: \"إلا\".","vol":"6","page":719},{"text":"الظالمِ بظلمِه، وأما الفُرْقةُ فليست [في أيديهما] (^١)، ولم يَمْلِكا ذلك. يعنى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (^٢).\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ الآية: إنما يُبْعَثُ الحَكَمان ليُصْلِحا، فإن أعيَاهما أن يُصْلِحا، شَهِدا على الظالمِ بظُلْمِه، وليس بأيدِيهما فُرْقةٌ، ولا يَمْلِكان ذلك (^٣).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ (^٤)، عن قيسِ بنِ سعدٍ، قال: وسألتُ عن الحَكَمَين، قال: ابعَثوا حَكَمًا مِن أهلِه وحَكَمًا مِن أهلِها، فما حَكَم الحَكَمان مِن شيءٍ فهو جائزٌ، يقولُ اللَّهُ ﵎: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. قال: يَخْلو حكَمُ الرجلِ بالزوجِ، وحكَمُ المرأةِ بالمرأةِ، فيقولُ كلُّ واحدٍ منهما لصاحبِه: اصدُقْنى ما في نفسِك. فإذا صَدَق كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه، اجتَمَع الحَكَمان، وأخَذ كلُّ واحدٍ منهما على صاحبِه مِيثَاقًا لتَصْدُقَنِّي الذي قال لك صاحبُك، ولأَصْدُقَنَّك الذى قال لى صاحبي. فذاك حينَ أرادا الإصلاحَ، ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. فإذا فَعَلا ذلك اطَّلَع كلُّ واحدٍ منهما على ما أفضَى به صاحبُه إليه، فيَعْرِفان عندَ ذلك مَن الظالمُ والناشِرُ منهما، فَأتَيا عليه، فحَكَما عليه، فإن كانت المرأةُ، قالا: أنتِ الظالِمِةُ العاصِيةُ، لا يُنفِقُ عليك حتى تَرْجِعى إلى الحقِّ، وتُطِيعى اللَّهَ فيه. وإن كان الرجلُ هو الظالمَ، قالا: أنتَ الظالمُ المُضارُّ، لا تَدخُلْ بَيْتًا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت، ت ٢، س: \"بأيديهما\".\n(^٢) أخرجه البيهقى ٧/ ٣٠٧ من طريق سعيد به، من قول الحسن وحده.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٦ (٥٢٨٥) من طريق يزيد به.\n(^٤) بعده في م: \"عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد\".","vol":"6","page":720},{"text":"حتى تُنْفِقَ عليها، وتَرْجِعَ إلى الحقِّ والعدلِ. فإن (^١) كانت هي الظالِمَة العاصيةَ، أخَذ (^٢) منها مالَها، وهو له حلالٌ طيبٌ، وإن كان هو الظالمَ المُسِيءَ إليها المُضارَّ لها، طَلَّقها، ولم يَحِلَّ له مِن مالِها شيءٌ، فإن أمسَكها أمسَكها بما أمَر اللَّهُ، وأنفَق عليها وأحسَن إليها.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بنِ عُبَيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ، قال: كان عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁ يَبْعَثُ الحَكَمَين، حَكَمًا مِن أهلِه وحَكَمًا مِن أهلِها، فيقولُ الحَكَمُ من أهلِها: يا فلانُ، ما تَنْقِمُ مِن زوجتِك؟ فيقولُ: أَنْقِمُ منها كذا وكذا. قال: فيقولُ: أفرأيتَ إِن نَزَعَت عما تَكْرَهُ إلى ما تُحِبُّ، هل أنتَ مُتَّقِى اللَّهَ فيها، ومُعاشِرُها بالذى يَحِقُّ عليك في نَفَقَتِها وكِسْوتِها؟ فإذا قال: نعم. قال الحَكَمُ مِن أهلِه: يا فلانةُ، ما تَنْقِمين من زوجِك فلانٍ؟ فيقولُ مثلَ ذلك. فإن قالت: نعم. جُمع بينَهما. قال: وقال عليٌّ ﵁: الحَكَمان بهما يَجمَعُ اللَّهُ وبهما يُفَرِّقُ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، قال: قال الحسنُ: الحَكَمان يَحْكُمان في الاجتماعِ، ولا يَحْكُمان في الفُرْقة (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾: وهى المرأةُ التي تَنْشِزُ على زوجِها، فلزوجِها أن يَخْلَعَها حينَ يأمُرُ الحَكَمان بذلك، وهو بعدَ ما تقولُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ما رأيت ذلك\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وأخذ\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥٧ إلى المصنف.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٩.","vol":"6","page":721},{"text":"لزوجِها: واللَّهِ لا أَبَرُّ لك قَسَمًا، ولآذَنَنَّ (^١) في بيتِك بغيرِ أمرِك. ويقولُ السلطانُ: لا نُجيزُ لك خُلْعًا حتى تقولَ المرأةُ لزوجِها: واللَّهِ لا أغتسِلُ لك من جَنابةٍ، ولا أُقِيمُ لك صلاةً. فعندَ ذلك يقولُ السلطانُ: اخْلَعِ المرأةَ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾. قال: تَعِظُها، فإن أبَت وغَلَبَت، فاهجُرْها في مَضْجَعِها، فإن غَلَبَت هذا أيضًا فاضرِبْها، فإن غَلَبَت هذا أيضًا، بُعِثَ حَكَمْ مِن أهلِه وحَكَمٌ مِن أهلِها، فإن غَلَبَت هذا أيضًا وأرادَت غيرَه، فإنَّ (^٣) أبِي كان (^٤) يقولُ: ليس بيَدِ الحَكَمَين مِن الفراقِ (^٥) شيءٌ، إن رأيا الظلْمَ مِن ناحيةِ الزوجِ، قالا: أنتَ يا فلانُ ظالمٌ، انْزِعُ. فإن أبَى رَفَعا ذلك إلى السلطانِ، [وإن رآها ظالمةً، قال لها: أنت ظالمةٌ، انزعى. فإن أبت رفعا ذلك إلى السلطانِ] (^٦)، ليس إلى الحَكَمَين من الفِراقِ شيءٌ.\nوقال آخرون: بل إنما يَبْعَثُ الحَكَمَين السلطانُ على أنّ حُكْمَهما ماضٍ على الزوجَين في الجمعِ والتَّفْريقِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ بنِ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لا دين\"، وغير منقوطة في ص، وفي تفسير ابن أبي حاتم: \"لا أدبر\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٢ (٥٢٦٢) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قال و\".\n(^٤) بعده في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبي\".\n(^٥) في م: \"الفرقة\".\n(^٦) سقط من: م.","vol":"6","page":722},{"text":"أبي طلحة، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾: فهذا الرجلُ والمرأةُ، إذا تَفاسَد الذي بينهما، فأمَر اللَّهُ سبحانه أن يَبْعَثوا رجلًا صالحًا من أهلِ الرجلِ، ومثلَه مِن أهلِ المرأةِ، فينظران أيَّهما المُسِئَ، فإن كان الرجلُ هو المُسِئَ، حَجَبوا عنه امرأتَه، وقَصَروه (^١) على النفقةِ، وإن كانت المرأةُ هي المَسِيئةَ، قَصَروها على زوجها، ومَنَعوها النفقةَ، فإن اجتَمَع رأيُهما على أن يُفَرِّقا أو يَجْمَعا، فأمرُهما جائزٌ، فإن رَأيا أن يَجْمَعا، فرَضِى أحدُ الزوجَين وكَرِه ذلك الآخَرُ، ثم مات أحدُهما، فإن الذي رَضِي يَرِثُ الذى كَرِه، ولا يَرِثُ الكارِهُ الراضِيَ، وذلك قولُه: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾. قال: هما الحَكَمان، ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، أن الحَكَمَ من أهلِها والحَكَمَ مِن أهلِه يُفَرِّقان ويَجْمَعان إذا رَأيا ذلك، ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾.\nحدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ عن الحَكَمَين، فقال: لم أُولَدْ إذ ذاك (^٣). فقلتُ: إنما أعنى حَكَمَ الشِّقاقِ. قال: يُقْبِلان على الذي جاء التدارِي (^٤) من عندِه، فإن فعَل وإلا أقبَلا على الآخَرِ، فإن فعَل وإلا حَكَما، فما حَكَما\n_________\n(^١) يقال: قصرت نفسى على الشيء: إذا حبستها عليه وألزمتها إياه. التاج (ق ص ر).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٥ (٥٢٨٠، ٥٢٨٣)، والبيهقى ٧/ ٣٠٦ مختصرًا من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥٦ إلى ابن المنذر.\n(^٣) يعنى الحكمين في أمر على ومعاوية ﵄.\n(^٤) في م: \"الأذى\"، وفى س: \"الراوى\" والتدارى من التدارؤ ترك همزه، والمراد: المشاغبة والمخالفة والاختلاف. ينظر اللسان (د ر أ).","vol":"6","page":723},{"text":"من شيءٍ فهو جائزٌ (^١).\nحدَّثنا عبد الحميد بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ في قولِه: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: ما قَضَى الحَكَمان من شيءٍ فهو جائزٌ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرةً، عن داودَ، عن إبراهيمَ، قال: ما حَكَما من شيءٍ فهو جائزٌ، إن فَرَّقا بينهما بثلاثِ تَطليقات أو تطليقتين فهو جائزٌ، وإن فَرَّقا بتطليقة فهو جائزٌ، وإن حَكَما عليه بهذا مِن ماله فهو جائزٌ، فإن أصلحا فهو جائزٌ، وإن (^٣) وَضَعا من شيءٍ فهو جائزٌ (^٤).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: ما صَنَع الحَكَمان من شيءٍ فهو جائزٌ عليهما، إن طَلَّقا ثلاثًا فهو جائزٌ عليهما، وإن طلَّقا (^٥) واحدةً أو طَلَّقاها (^٦) على جُعْلٍ، فهو جائزٌ، وما صَنَعا من شيءٍ فهو جائزٌ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٨٨٨)، وسعيد بن منصور في سننه (٦٣٣ - تفسير)، والبيهقي ٧/ ٣٠٦، من طريق شعبة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢١١، وسعيد بن منصور في سننه (٦٣١ - تفسير) -ومن طريقه البيهقي في ٧/ ٣٠٦ - من طريق إسماعيل به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٨٨٤) من طرق عن الشعبي.\n(^٣) في ص، ت،١، ت ٢، ت: \"ما\".\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور (٦٣٢ - تفسير) -ومن طريقه البيهقي ٧/ ٣٠٦ - من طريق عبيدة، عن إبراهيم، وأحالا على لفظ الشعبي.\n(^٥) في م: \"طلقها\".\n(^٦) في ص، ت،١، ت ٢، ت ٣: \"طلقها\".","vol":"6","page":724},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: إن شاء الحَكَمان أن يُفَرِّقا فَرَّقا، وإن شاءا أن يَجْمَعا جَمَعًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن حُصَينٍ، عن الشعبيِّ، أن امرأةً نَشَرَت على زوجِها، فاختَصَموا إلى شُرَيحٍ، فقال شُرَيحٌ: ابعَثوا حَكَمًا مِن أهلِه وحَكَمًا مِن أهلِها. فنَظَر الحَكَمان في أمرِهما، فَرَأيا أن يُفَرِّقا بينهما، فكَرِه ذلك الرجلُ، فقال شُرَيحٌ: فَفِيمَ كانا اليومَ؟ وأجاز قولَهما (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن عِكْرمةَ بنِ خالدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: بُعِثْتُ أنا ومعاويةُ حَكَمَين. قال مَعْمَرٌ: بَلَغَنى أن عثمانَ ﵁ بَعَثهما، وقال لهما: إن رأيتُما أن تَجْمَعا جَمعْتُما، وإن رأيتُما أن تُفَرِّقا فَرَّقْتُما (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: ثنا ابْنُ جُرَيجٍ، قال: ثني ابنُ أبي مُلَيكةَ، أن عقيلَ بن أبي طالبٍ تَزوَّج فاطمةَ ابنةَ عُتْبَةَ، فكان بينَهما كلامٌ، فجاءت عثمانَ، فذكَرَت ذلك له، فأرسَل ابنَ عباسٍ ومُعاويةَ، فقال ابنُ عباسٍ: لأَفَرْقَنَّ بينَهما. فقال مُعاويةُ: ما كنتُ لأُفَرِّقَ بينَ شيخَين من بنى عبدِ منافٍ. فأتَياهما وقد اصطَلَحا (^٤).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٩، وفى مصنفه (١١٨٨٢)، وأخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢١٢ من طريق يحيى به.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٣٠ - تفسير) -ومن طريقه البيهقي ٧/ ٣٠٦ - عن هشيم به، بلفظ: فقيم كنا فيه.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه البيهقي ٧/ ٣٠٦ من طريق ابن جريج به.","vol":"6","page":725},{"text":"حدَّثني يحيى بنُ أبى طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبَرنا جُوَييرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾: يكونان عَدْلَين عليهما وشاهِدَين، وذلك إذا تَدَارَأ الرجلُ والمرأةُ وتَنازَعا إلى السلطانِ، جَعَل عليهما حَكَمَين، حَكَمًا من أهلِ الرجلِ وحَكَمًا مِن أهلِ المرأةِ، يكونان أمينَين عليهما جميعًا، ويَنْظُران من أيِّهما يكونُ الفسادُ، فإنْ كان الأمْرُ (^١) مِن قِبَلِ المرأةِ، أُجْبِرَت على طاعةِ زوجِها، وأُمر أن يَتَّقِيَ اللَّهَ ويُحْسِنَ صُحْبَتَها، ويُنْفِقَ عليها بقَدْرِ ما آتاه اللَّهُ، إمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ، وإن كانت الإساءةُ من قِبَلِ الرجلِ أُمِر بالإحسانِ إليها، فإن لم يَفْعَلْ، قيل له: أعطِها حَقَّها، وخَلِّ سبيلَها. وإنما يَلِى ذلك منهما السلطانُ.\nقال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ بالصوابِ في قولِه: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾. أن اللَّهَ خاطَب المسلمين بذلك، وأمَرهم ببَعْثةِ الحَكَمين عندَ خوفِ السِّقاقِ بينَ الزوجَين، للنظرِ في أمرِهما، ولم يَخْصُصُ بالأمرِ بذلك بعضَهم دونَ بعضٍ.\nوقد أجمَع الجميعُ على أن بَعثةَ الحَكَمين في ذلك ليست لغيرِ الزوجَين وغيرِ السلطانِ الذى هو سائسٌ أمْرَ المسلِمين، أو مَن أَقامَه في ذلك مُقامَ نفسِه.\nواختَلَفوا في الزوجَين والسلطانِ، ومَن المأمورُ بالبَعْثةِ في ذلك؛ الزَّوْجان، أو السلطانُ، ولا دَلالةَ في الآيةِ تَدُلُّ على أن الأمرَ بذلك مخصوصٌ به أحدُ الزوجَين، ولا أَثَرَ به عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، والأمةُ فيه مُخْتلِفةٌ. وإذ كان الأمرُ على ما وَصَفنا، فأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يكونَ مخصوصًا من الآيةِ مَن أجْمع الجميعُ على\n_________\n(^١) سقط من: م.","vol":"6","page":726},{"text":"أنه مخصوصٌ منها (^١). وإذ كان ذلك كذلك، فالواجبُ أن يكونَ الزوجان والسلطانُ ممن قد شَمِله حُكْمُ الآية والأمرُ بقولِه: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾. إذ كان مُخْتلَفًا بينَهما (^٢)؛ هل هما مَعْنِيَّان بالأمرِ بذلك أم لا؟ وكان ظاهرُ الآيةِ قد عَمَّهما، فالواجبُ مِن القولِ إذ كان صحيحًا ما وَصَفنا، صحيحًا (^٣) أن يقالَ: إن بعَث الزوجانِ كلُّ واحدٍ منهما حَكَمًا مِن قِبَلِه، ليَنْظُرَ في أمرِهما، وكان لكلِّ (^٤) واحدٍ منهما ممن (^٥) بَعَثه مِن قِبَلِه في ذلك طاقةٌ على صاحبِه ولصاحبِه عليه، فتَوكيلُه بذلك مَن وُكِّل جائزٌ له وعليه.\nوإن وَكَّله ببعضٍ ولم يُوَكِّلْه بالجميعِ، كان ما فعَله الحَكَمُ مما (^٦) وَكَّله به صاحبُه ماضِيًا جائزًا على ما وَكَّله به، وذلك أن يُوَكَّلَه أحدُهما بما لَه دونَ ما عليه، [وإن] (^٧) لم يُوَكَّلْ كلُّ واحدٍ من الزوجَين بمالَه وعليه، أو بما لَه، أو بما عليه، [إلا الحَكَمَين] (^٨) كليهما، [لم يَجُزْ] (^٩) إلا ما اجتَمَعا عليه دونَ ما انفرَد به أحدُهما، وإن لم يُوَكِّلْهما واحدٌ منهما بشيءٍ، وإنما بَعَثاهما للنظرِ بينهما (٢)؛ ليَعْرِفا الظالمَ مِن المظلومِ منهما، ليَشْهَدا عليهما عندَ السلطانِ، إن احْتاجا إلى شهادتِهما، لم يكنْ لهما أن يُحْدِثا بينَهما شيئًا غيرَ ذلك؛ من طَلاقٍ، أو أخْذِ مالٍ، أو غيرِ ذلك، ولم يَلْزَمِ الزوجَين ولا\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، س: \"أم لا\".\n(^٢) في ص، ت ٢، س: \"منهما\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ص، ت ١، س: \"كل\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ما\".\n(^٧) في م: \"أو\".\n(^٨) في م: \"فليس للحكمين\".\n(^٩) زيادة لازمة، وينظر تعليق الشيخ شاكر.","vol":"6","page":727},{"text":"واحدًا منهما شيءٌ مِن ذلك.\nفإن قال قائلٌ: وما معنى الحَكَمَين إذ كان الأمرُ على ما وَصَفتَ؟\nقيل: قد اختُلِف في ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى الحَكَم النَّظِرُ العَدْلُ، كما قال الضَّحاكُ بن مُزاحِمٍ في الخبرِ الذي ذكَرناه، الذي حدَّثنا به يحيى بنُ أبي طالبٍ، عن يزيدَ، عن جُوَيبرٍ، عنه: لا، أنتما قاضِيان تَقْضِيان بينَهما. على السبيلِ التي بَيَّنَّا مِن قولِه.\nوقال آخرون: معنى ذلك أنهما القاضِيان يَقْضِيان بينَهما ما فَوَّض إليهما (^١) الزوجان.\nوأيُّ الأمرَين كان، فليس لهما ولا لواحدٍ منهما الحُكْمُ بينَهما بالفُرْقةِ، ولا بأخذِ مالٍ إلا برضا المحكومِ عليه بذلك، وإلا ما لَزِم مِن حَقٍّ لأحدِ الزوجَين على الآخرِ في حُكْمِ اللَّهِ، وذلك ما لَزِم الرجلَ لزوجتِه مِن النفقةِ والإمساكِ بمعروفٍ، إن كان هو الظالمَ لها.\nفأما غيرُ ذلك، فليس ذلك لهما ولا لأحدٍ مِن الناسِ غيرِهما، لا السلطانِ، ولا غيرِه، وذلك أن الزوجَ إن كان هو الظالمَ للمرأةِ، فللإمامِ السبيلُ إلى أخْذِه بما يَجِبُ لها عليه من حَقٍّ، وإن كانت المرأةُ هى الظالمةَ زوجَها، الناشِزَ (^٢) عليه، فقد أباحَ اللَّهُ له أخْذَ الفِدْية منها، وجَعَل إليه طلاقَها على ما قد بَيَّنَّاه في سورةِ \"البقرةِ\" (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إليه\".\n(^٢) في م: \"الناشزة\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٤/ ١٢٥ وما بعدها.","vol":"6","page":728},{"text":"وإذ كان الأمرُ كذلك، لم يكنْ لأحدٍ الفُرْقةُ بينَ رجلٍ وامرأةٍ بغيرِ رِضا الزوجِ، ولا أَخْذُ مالٍ مِن المرأةِ بغيرِ رضاها بإعطائِه، إلا بحُجَّةٍ يجبُ التسليمُ لها من أصلٍ أو قياسٍ.\nوإن بَعَث الحَكَمَين السلطانُ، ولا يجوزُ لهما أن يَحْكُما بينَ الزوجَين بفُرْقةٍ إلا بتَوكيلِ الزوجِ إياهما بذلك، ولا لهما أن يَحْكُما بأخْذِ مالٍ من المرأةِ إلا برضا المرأةِ، يَدلُّ على ذلك ما قد بَيَّناه قبلُ مِن فعلِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁، بذلك، والقائلين بقولِه، ولكن لهما أن يُصْلِحا بينَ الزوجَين، ويَتَعرَّفا الظالمَ منهما مِن المظلومِ، ليَشْهَدا عليه إن احتاجَ المظلومُ منهما إلى شهادتِهما.\nوإنما قلنا: ليس لهما التَّفْرِيقُ. للعلة التي ذكَرناها آنفًا، وإنما يَبْعَثُ السلطانُ الحَكَمَين إذا بَعَثهما، إذا ارتَفَع إليه الزوجان فَشَكا كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَه، وأَشْكَل عليه المُحِقُّ منهما من المُبْطِلِ؛ لأنه إذا لم يُشْكِل المُحِقُّ من المُبْطِلِ، فلا وَجْهَ لبَعْثِه الحَكَمَين في أمرٍ قد عُرِف الحُكْمُ فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1921>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾: إن يُرِدِ الحَكَمان إصلاحًا بينَ الرجلِ والمرأةِ -أعنى بينَ الزوجَين المخوفِ شِقاق بينِهما- يقولُ: يُوَفِّقِ اللَّهُ بينَ الحَكَمَين، فيَتَّفِقا على الإصلاحِ بينَهما، وذلك إذا صَدَق كلُّ واحدٍ منهما فيما (^١) أفضَى إليه مَن بُعِثَ للنظر في [أمرِ الزوجَين] (^٢).\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٣: \"عما\"، وفي ت ٢: \"على\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أمره بين الزوجين\".","vol":"6","page":729},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سُفيانَ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾. قال: أمَا إنه ليس بالرجلِ والمرأةِ، ولكنه الحَكَمان (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. قال: هما الحَكَمان، إن يُرِيدا إصلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بينَهما (^٢).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾: وذلك الحَكَمان، وكذلك كلُّ مُصْلِحٍ يُوفقه اللَّهُ للحَقِّ والصوابِ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾: يعنى بذلك الحَكَمَين.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾. قال: إن يُرد الحَكَمان إصلاحًا أصلحا (٢).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٨٨٩)، وابن أبى شيبة ٥/ ٢١٢ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٦ عقب الأثر (٥٢٨٦) معلقًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٦ (٥٢٨٧) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"6","page":730},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾: يُوَفِّقِ اللَّهُ بينَ الحَكَمَينَ (^١).\nحدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾: قال: هما الحَكَمان إذا نَصَحا المرأةَ والرجلَ جميعًا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1922>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾.</span>\nيعنى جلّ ثناؤُه: إنَّ اللَّهَ كان عليمًا بما أراد الحَكَمان من إصلاحٍ بينَ الزوجَين وغيرِه، خبيرًا بذلك وبغيرِه من أمورِهما وأمورِ غيرِهما، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منه، حافظٌ عليهم، حتى يُجازِىَ كُلًّا منهم جزاءَه، بالإحسانِ إحسانًا، وبالإساءةِ غُفرانًا أو عِقابًا.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٩.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥٧ إلى المصنف.","vol":"6","page":731},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-529\"></span><span data-type='title' id=toc-1923>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ذكرُه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤُه: وذِلُّوا للَّهِ بالطاعةِ، واخضَعوا له بها، وأفرِدوه بالربوبيةِ، وأخلِصوا له الخُضوعَ والذُّلَّةَ، بالانتهاءِ إلى أمرِه، والانْزجارِ عن نَهْيِه، ولا تجعَلوا له في الربوبيةِ والعبادةِ شَرِيكًا تُعَظِّمونه تَعْظيمَكم إياه.\n﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. يقولُ: وأمَركم بالوالدين إحسانًا، يعنى بِرًّا بهما. ولذلك نصب الإحسانَ؛ لأنه أمْرٌ منه جلّ ثناؤُه بلُزومِ الإحسانِ إلى الوالدين على وَجْهِ الإغراءِ. وقد قال بعضُهم: معناه: واستَوصُوا بالوالدين إحسانًا. وهو قريبُ المعنى مما قلناه.\nوأما قوله: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾. فإنه يعنى: وأمر أيضًا بذى القُرْبى -وهم ذَوو قَرابةِ أحدِنا مِن قِبَل أبيه أو أمِّه، ممن قَرُبَت منه قرابتُه برَحِمِه مِن أحدِ الطرفَين- إحسانًا بصِلَةِ رحمِه.\nوأما قولُه: ﴿وَالْيَتَامَى﴾. فإنهم جمعُ يتيمٍ، وهو الطفلُ الذي قد مات والدُه وهَلَك.\n﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾. وهم جمعُ مسكينٍ، وهو الذي قد رَكِبه ذُلُّ الفاقةِ والحاجةِ، فتَمَسْكَن لذلك.\nيقولُ تعالى ذكرُه: استوصُوا بهؤلاء إحسانًا إليهم، وتَعَطَّفوا عليهم، والزَموا","vol":"7","page":5},{"text":"وَصِيَّتى في الإحسانِ إليهم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1924>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: والجارِ ذى القَرابةِ والرَّحِمِ منك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾. يعنى: الذي بينَك وبينه قَرابةٌ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾: يعنى ذا الرَّحِمِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ وابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾. قال: جارُك هو ذو قَرابتِك (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عِكْرمةَ ومجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾. قالا: القَرابةُ (^٤).\n_________\n(^١) في ص: \"إليكم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٨ (٥٢٩٦)، والبيهقي في الشعب (٩٥٢٤) كلاهما من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر ٢/ ١٥٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٩، وأخرجه ابن المبارك في كتاب البر والصلة (٢١٥) عن معمر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٨ عقب أثر (٥٢٩٦) معلقا عن عكرمة ومجاهد.","vol":"7","page":6},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾. قال: جارُك الذي بينَك وبينَه قَرابةٌ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾: جارُك ذو القَرابةِ.\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾: إذا كان له جارٌ له رَحِمٌ، فله حَقَّان اثنان: حَقٌّ القَرابةِ، وحَقُّ الجارِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾. قال: الجارُ ذو القُرْبى: ذو قَرابتِك.\nوقال آخرون: بل هو جارُ ذى قَرابتِك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا جَريرٌ، عن لَيْثٍ، عن مَيمونِ بنِ مِهْرانَ في قولِه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾. قال: الرجلُ يَتوسَّلُ إليك بجِوارِ ذى قَرابتِك.\nقال أبو جعفر: وهذا القولُ قولٌ مُخالِفٌ المعروفَ مِن كلامِ العربِ، وذلك أن الموصوفَ بأنه ذو القَرابةِ في قولِه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾. الجارُ دونَ غيرِه، فجَعَله قائلُ هذه المقالةِ جارَ ذى القَرابةِ، ولو كان معنى الكلامِ كما قال مَيمونُ بنُ مِهْرانَ، لقيل: وجارِ ذى القُرْبى. ولم يُقَل: والجارِ ذى القُرْبى. فكان يكونُ\n_________\n(^١) ابن أبي حاتم، الموضع السابق، معلقا.","vol":"7","page":7},{"text":"حينَئذ -إذا أُضِيف الجارُ إلى ذى القَرابةِ- الوصيةُ (^١) بين (^٢) جارِ ذى القَرابةِ دونَ الجارِ ذى القُرْبي، وأما ﴿وَالْجَارِ﴾ بالألفِ واللامِ، فغيرُ جائزٌ أن يكونَ ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾ إلا مِن صفةِ الجارِ.\nوإذا كان ذلك كذلك، كانت الوصيةُ مِن اللَّهِ في قولِه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾. ببرٍّ (^٢) الجارِ ذى القُرْبى، دونَ جارِ ذى القَرابةِ، وكان بَيِّنًا خطأُ ما قال ميمونُ بنُ مِهْرَانَ في ذلك.\nوقال آخرون: معنى ذلك: والجارِ ذى القُرْبى منكم بالإسلامِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: ثنا شيبانُ (^٣)، عن أبي إسحاقَ، عن نَوْفٍ الشَّامِيِّ: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾: المسلمُ (^٤). وهذا أيضًا مما لا معنى له، وذلك أن تأويلَ كتابِ اللَّهِ ﵎ غيرُ جائزٍ صَرْفُه إلا إلى الأغلبِ من كلامِ العربِ الذين نزَل بلسانِهم القرآنُ المعروفِ فيهم، دونَ الأنكرِ الذى لا تتعارَفُه، إلا أن يقومَ بخلافِ ذلك حُجَّةٌ يجبُ التسليمُ لها.\nوإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أن المُتعارَفَ مِن كلامِ العربِ، إذا قيل: فلانٌ ذو قَرابةِ. إنما يعنى به أنه قريبُ الرَّحِمِ منه دونَ القُرْبِ بالدِّينِ - كان صَرْفُه إلى\n_________\n(^١) في م: \"والوصية\".\n(^٢) في النسخ: \"بين\". والصواب ما أثبت.\n(^٣) في النسخ: (سفيان). وسيأتى في ص ١٠، ١٢/ ١٩٣، وهو كذلك في تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٨ (٥٢٩٨) معلقًا عن عبيد الله بن موسى عن شيبان عنه به.","vol":"7","page":8},{"text":"القَرابةِ بالرحمِ، أولى مِن صَرْفِه إلى القُرْبِ بالدينِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1925>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾.</span>\nاختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: والجارِ البعيدِ الذي لا قَرابةَ بينَك وبينَه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ، عن عليٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: الذى ليس بينَك وبينَه قَرابةٌ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: يعنى الجارَ مِن قومٍ جُنُبٍ.\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْجَارِ لْجُنُبِ﴾: الذى ليس بينَهما قرابةٌ وهو جائزٌ، فله حَقٌّ الجوارِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: الجارُ الغريبُ يكونُ في القومِ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ وابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: جارُكَ مِن قومٍ آخرين (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٨ (٥٢٩٩)، والبيهقي في الشعب (٩٥٢٤) من طريق أبي صالح به، وهو جزء من الأثر السابق تخريجه ص ٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٨ عقب الأثر (٥٢٩٩) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٩، وأخرجه ابن المبارك في كتاب البر والصلة ٥/ ٢ عن معمر به.","vol":"7","page":9},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: جارُك لا قَرابةَ بينَك وبينَه، البعيدُ في النَّسَبِ وهو جارٌ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عِكْرمةَ ومُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾. قال: المُجانِبُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: الذى ليس بينَك وبينَه رَحِمٌ (^١) ولا قَرابةٌ.\nحدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُوَيبرٌ، عن الضحاك: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾. قال: مِن قومِ آخَرين (^٢).\nوقال آخرون: هو الجارُ المُشْرِكُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارة الأسدِيُّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: ثنا شَيْبانُ، عن أبي إسحاقَ، عن نَوْفٍ الشاميِّ: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾. قال: اليَهوديُّ والنَّصْرانيُّ (^٣).\nوأولى القولَين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى الجُنُبِ في هذا الموضعِ: الغريبُ البعيدُ، مسلمًا كان أو مُشْرِكًا، يَهوديًّا كان أو نصرانيًّا، لِما\n_________\n(^١) في م: \"وجه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٨ عقب أثر (٥٢٩٩) معلقًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٩ (٥٣٠١). معلقًا عن عبيد اللَّه بن موسى به.","vol":"7","page":10},{"text":"بَيَّنَّا قبلُ مِن أن ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾، هو الجارُ ذو القَرابةِ والرَّحِمِ.\nوالواجبُ أن يكونَ الجارُ ذو الجَنابةِ، الجارَ البعيدَ؛ ليكون ذلك وصيةً بجميعِ أصنافِ الجيرانِ، قريبِهم وبعيدِهم.\nوبعدُ، فإن الجُنُبَ في كلامِ العربِ البعيدُ، كما قال أعشى بني قيسٍ (^١):\nأَتيتُ حُرَيْثًا زائرًا عن جَنابَةٍ … فكان حُرَيْثٌ في عَطائيَ جامِدا\nيعنى بقولِه: عن جَنابةٍ. عن بُعْدِ وغُرْبةٍ. ومنه قيل: اجتَنَب فلانٌ فلانًا. إذا بَعُدَ منه وتَجَنَّبه. [وجنّبه خيرَه] (^٢): إذا منَعه إياه. ومنه قيل للجَنُبِ: جُنُبٌ. لاعتزالِه الصلاةَ حتى يَغْتَسِلَ.\nفمعنى ذلك: والجارِ المُجانِبِ للقَرابةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1926>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾.</span>\nاختَلف أهلُ التأويلِ في المَعْنِيِّ بذلك؛ فقال بعضُهم: هو رَفيقُ الرجلِ في سَفرِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد اللَّه بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: الرفيقُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سُفيانُ، عن\n_________\n(^١) ديوانه ص ٦٥.\n(^٢) في م: \"فيره\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٩ (٥٣٠٣)، والبيهقي في الشعب (٩٥٢٤) كلاهما من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥٩ إلى ابن المنذر.","vol":"7","page":11},{"text":"أبى بكيرٍ (^١)، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ، يقولُ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: الرفيقُ في السَّفَرِ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ وابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: صَاحِبُك في السَّفَرِ (^٣).\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: وهو الرفيقُ في السَّفَرِ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: الرفيقُ في السفرِ، منزلُه منزلُك (^٥)، وطعامُه طعامُك، ومسيرُه مسيرُك (^٦).\nحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: قالا: الرفيقُ في السفرِ (^٧).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بكر\". وانظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٣٧٥.\n(^٢) تفسير سفيان الثورى ص ٩٥ (٢١٧)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٩ (٥٣٠٧) من طريق أبي نعيم عن سفيان به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٩، وأخرجه ابن المبارك في كتاب البر والصلة (٢١٥) عن معمر به.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٩ عقب أثر (٥٣٠٤) عن قتادة معلقًا، وكذلك البيهقي في الشعب ٧/ ٧٣.\n(^٥) بعده في س: \"وقوله قولك\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٩ (٥٣٠٥) من طريق أبي حذيفة به.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٩ (٥٣٠٤) من طريق إسرائيل به.","vol":"7","page":12},{"text":"عليٍّ وعبدِ اللَّهِ، قالا: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: الرفيقُ الصالحُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخبرَنى سُلَيْمٌ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: رفيقُك في السفرِ الذي يأتيك ويدُه مع يدِك (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ قراءةً على ابنِ جريجٍ، قال: أخبَرني سُلَيْمٌ أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾. فذكَر مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: الصاحبُ في السفرِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو ابنُ (^٢) دُكَيْنٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي بُكَيْرٍ (^٣)، عن سعيدِ بنِ حُبيرٍ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: الرفيقُ الصالحُ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن أبي بُكَيْرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ مثلَه (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عَمْرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيْمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾. قال: الرفيقُ في السفرِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٩ (٥٣٠٠) من طريق ابن جريج به.\n(^٢) في م: \"أبو\". وانظر تهذيب الكمال ٢٣/ ١٩٧.\n(^٣) في س، ت ١، ت ٢: \"بكر\". وتقدم التعليق عليه.\n(^٤) تنظر الصفحة السابقة حاشية (٢).\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٠.","vol":"7","page":13},{"text":"حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يزيد، قال: أخبَرنا جُوييرٌ، عن الضحَّاكِ مثلَه.\nوقال آخَرون: بل هو امرأةُ الرجلِ التي تكونُ معَه إلى جنبِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ أو القاسمُ، عن عليٍّ وعبد اللَّه ﵄: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾. قالا: هي المرأةُ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عَمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن بعضِ أصحابِه، عن جابرٍ، عن عليٍّ وعبدِ اللَّهِ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: يعنى الذى معك في منزلِك (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن هلالٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾. قال: هي المرأةُ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٤٩ (٥٣٠٢) من طريق وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عامر-وحده- به، وأخرجه الطبراني (٩٠٣٧) من طريق الفريابي عن سفيان عن جابر عن القاسم أو عامر عن ابن مسعود -وحده- به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٥٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر ٢/ ١٥٩ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب العيال (٤٧٧) من طريق شعبة به.","vol":"7","page":14},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى الهيثمِ، عن: إبراهيمَ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾. قال: المرأةُ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال الثوريُّ، قال أبو الهيثمِ، عن إبراهيمَ: هي المرأةُ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى الهيثمِ، عن إبراهيمَ مثلَه (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن محمدِ بنِ سُوقَةَ، عن أبي الهيثمِ، عن إبراهيمَ مثلَه (^٣).\nحدَّثني عمرُو بنُ يَبْدَقَ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن محمدِ بنِ سُوقةَ، عن أبي الهيثمِ، عن إبراهيمَ مثلَه (^٣).\nوقال آخَرون: هو الذي يَلْزَمُك ويَصْحَبُك رجاءَ نفعِك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: الملازم. وقال أيضًا: رفيقُك الذي يُرافِقُك.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: الذي يَلْصَقُ بك وهو إلى جنبِك، ويكونُ معَك إلى جنبِك رجاءَ\n_________\n(^١) تفسير سفيان الثوري ص ٩٥ عن أبى الهيثم قوله.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٠.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٣٤ - تفسير)، وابن أبي الدنيا في كتاب العيال (٤٧٦) من طريق ابن المبارك عن محمد بن سوقة به.","vol":"7","page":15},{"text":"خيرِك ونفعِك.\nوالصوابُ مِن القولِ في تأويلِ ذلك عندى أن معنى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: الصاحبُ إلى الجنبِ، كما يقال: فلانٌ بجنبِ فلانٍ وإلى جنبِه. وهو مِن قولِهم: جنَب فلانٌ فلانًا فهو يَجْنُبه جنبًا. إذا كان لجنبِه، ومن ذلك: جنَب الخيلَ: إذا قاد بعضَها إلى جنبِ بعضٍ. وقد يَدْخُلُ في هذا الرفيقُ في السفرِ، والمرأةُ، والمنقطعُ إلى الرجلِ الذى يُلازِمُه رجاءَ نفعِه؛ لأن كلَّهم بجنبِ الذي هو معه، وقريبٌ منه، وقد أوْصَى اللَّهُ تعالى بجميعِهم لوجوبِ حقٍّ الصاحبِ على المصحوبِ.\nوقد حدَّثنا سهلُ بنُ موسى الرازيُّ، قال: ثنا ابنُ أَبي فُدَيْكِ، عن فلانِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن الثقةِ عندَه أن رسولَ اللَّه ﷺ كان معَه رجلٌ مِن أصحابِه، وهما على راحلتينِ، فدخَل النبيُّ ﷺ في غيضةِ طرفاءٍ (^١)، فقطَع قَصيلينِ (^٢) أحدُهما مُعْوَجٌّ، والآخرُ معتدِلٌ، فخرَج بهما فأعطى صاحبَه المعتدلَ وأخَذ لنفسِه المعوجَّ، فقال الرجلُ: يا رسولَ اللَّهِ، بأبي أنت وأمى، أنت أحقُّ بالمعتدلِ منى، فقال: \"كلَّا، يا فلانُ، إن كلَّ صاحبٍ يَصْحَبُ صاحبًا مسئولٌ عن صحابتِه ولو ساعةً مِن\n_________\n(^١) الطرفاء: شجر، وهى أربعة أصناف، منها الأثل، وقال أبو حنيفة: الطرفاء من العِضاه، وهُدْبُه مثل هُدْب الأثل، وليس له خشب، وإنما يخرج عِصيًّا سمحة في السماء. الواحدة طرفاءة، وطرفة محركة. التاج (ط ر ف).\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فصيلين\". وفي س: \"فصلين\". وفى الدر المنثور: \"نصلين\".\nوالقصيل: ما اقتصل من الزرع أخضر -أي قطع- والجمع قصلان. يريد أنه اقتطع عصوين لسَوْق الراحلتين. والله أعلم.\nأما النصل وإن كان بعض معانيه متعلقا بالنبات فإنه ليس مما يصلح ههنا ولا مما يقتضيه السياق. وانظر اللسان (ق ص ل، ن ص ل).","vol":"7","page":16},{"text":"نهارٍ\" (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن حَيْوَةَ، قال: ثنى شُرَحْبيلُ بنُ شَريكٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ الحُبُلِّيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"إن خيرَ الأصحابِ عندَ اللَّهِ ﵎ خيرُهم لصاحبِه، وخيرَ الجيرانِ عندَ اللَّهِ خيرُهم لجارِه\" (^٢).\nوإن كان الصاحب بالجنب محتملًا (^٣) معناه ما ذكَرْناه مِن أن يكونَ داخلًا فيه كلُّ مَن جنب رجلًا بصُحْبةٍ في سفرٍ، أو بنكاحٍ، أو انقطاعٍ إليه واتصالٍ به، ولم يكن اللَّه جلّ ثناؤُه خصَّ بعضَهم مما احْتَمله ظاهرُ التنزيلِ -فالصوابُ أن يقالَ: جميعُهم معنيُّون بذلك، وبكلِّهم قد أوْصَى اللَّهُ بالإحسانِ إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1927>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: ابنُ السبيلِ هو المسافرُ الذي يَجْتازُ مارًّا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ وابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: الذي يَمُرُّ عليك وهو مسافرٌ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر ٢/ ١٥٩ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه الترمذى (١٩٤٤)، وابن خزيمة (٢٥٣٩)، كلاهما من طريق ابن المبارك به، وأخرجه أحمد ١١/ ١٢٦ (٦٥٦٦)، والبخارى في الأدب المفرد (١١٥) وغيرهما من طرق عن حيوة به.\n(^٣) سقط من: م. وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"متصلًا\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ٣/ ٨٣.","vol":"7","page":17},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن مَعْمَرٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وقتادة مثلَه (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. قال: هو المارُّ عليك وإن كان في الأصلِ غنيًّا (^٢).\nوقال آخَرون: هو الضيفُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. قال: الضيفُ له حقٌّ في السفرِ والحضرِ.\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. وهو الضيفُ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عَمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيْمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. قال: الضيفُ.\nحدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ مثلَه.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن ابنَ السبيلِ هو صاحبُ الطريقِ. والسبيلُ هي الطريقُ، وابنُه: صاحبُه الضاربُ فيه. فله الحقُّ على مَن مرَّ به محتاجًا منقطعًا به- إذا كان سفرُه في غيرِ معصيةِ اللَّهِ- أن يُعينه إن احتاج إلى معونةٍ، ويُضَيَّفَه إن احتاج\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٣/ ٨٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٥٠ عقب الأثر (٥٣١٠) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"7","page":18},{"text":"إلى ضيافةٍ، وأن يَحْمِلَه إن احتاج إلى حُمْلانٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1928>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤه: والذين ملَكْتموهم مِن أرِقَّائِكم. فأضاف المِلْكَ إلى اليميِن؛ كما يقالُ: تكلَّم فوك، ومشَت رجلُك، وبطَشت يدُك. بمعنى: تكلَّمْتَ، ومشَيْتَ، وبطَشْتَ. غيرَ أن ما وُصِف به كلُّ عضوٍ مِن ذلك، فإنما أَضِيفَ إليه ما وُصِف به، لأنه بذلك يكونُ فى المتعارَفِ في الناسِ، دونَ سائرِ جوارح الجسدِ، فكان معلومًا -بوصفِ ذلك العضوِ بما وُصِف به مِن ذلك المعنى- المرادُ مِن الكلامِ، فكذلك قولُه: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. لأن مماليكَ أحدِنا تحتَ يَدَيْه (^١)، إنما [تَطْعَمُ ما تُناوِلُه أيمانُنا وتكتسى ما تَكْسُوه وتَصْرِفُه] (^٢) فيما أحبَّ صرفَه فيه بها، فأُضِيف ملكُهم إلى الأيمانِ لذلك.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: ما خوَّلك اللهُ، كلُّ هذا أوصى اللهُ به (^٣).\nوإنما يعنى مجاهدٌ بقولِه: كلُّ هذا أوصى اللهُ به. الوالدين وذا القربى واليتامى والمساكينَ والجارَ ذا القُرْبَى، والجارَ الجُنُبَ، والصاحبَ بالجنبِ، وابنَ السبيلِ، فأوصى ربُّنا جل ثناؤه بجميع هؤلاء عبادَه؛ إحسانًا إليهم، وأمَر خلقه بالمحافظةِ على\n_________\n(^١) في م: \"يده\".\n(^٢) فى م: \"نطعم .... ونكسى .... ونصرفه\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٣/ ٩٥٠ (٥٣١١) من طريق أبي حذيفة به، وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور ٢/ ١٥٩ إلى ابن المنذر.","vol":"7","page":19},{"text":"ـوصيتِه فيهم، فحقٌّ على عبادِه حفظُ وصيةِ اللهِ فيهم، ثم حفظُ وصيةِ رسولِه ﷺ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾.\nيعنى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا﴾: إن اللهَ لا يُحِبُّ مَن كان ذا خُيَلاء. والمختالُ: المفتَعِلُ، مِن قولِك: خال الرجلُ فهو يَخُولُ خَوْلًا وخَالًا. ومنه قولُ الشاعرِ (^١):\nفإن كُنتَ سَيِّدَنَا سُدْتَنا … وإن كنتَ للخالِ فَاذْهَبْ فَخَلْ\nومنه قولُ العجَّاجِ (^٢):\nوالخالُ ثوبٌ من ثيابِ الجُهَّالْ\nوأمَّا الفخورُ: فهو المُفْتَخِرُ على عبادِ اللهِ بما أنْعَم اللهُ عليه مِن آلائِه، وبسَط له مِن فضلِه، ولا يَحْمَدُه على ما آتاه مِن طَوْلِه، ولكنه به مختالٌ مُسْتَكْبِرٌ، وعلى غيرِه به مستطيلٌ مفتخِرٌ.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. قال: متكبرًا فخورًا. قال: يَعُدُّ ما أَعْطَى، وهو لا يَشْكُرُ اللهَ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنا محمدُ بنُ كَثِيرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ\n_________\n(^١) البيت في مجاز القرآن ١/ ١٢٧ منسوبًا للعبدى أنس بن مساحق. وفى الحماسة لأبى تمام ١/ ١٤٣ منسوبا لرجل من بني نبهان -هو حريث بن عناب بن مطر- وفي اللسان (خ س ل)، وقوله: فخل. أى: اختل، وروى البيت: فاذهب فخُل، بضم الخاء؛ لأن فعله خال يخول. ينظر مجاز القرآن واللسان.\n(^٢) مجاز القرآن ١/ ١٢٧، واللسان (خ ى ل).\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٤٢، وعزاه السيوطى فى الدر ٢/ ١٦١ إلى المصنف.","vol":"7","page":20},{"text":"واقدٍ أبى رجاءٍ الهَرَوىِّ، قال: لا تَجِدُه (^١) سَيِّئَ المَلَكَةِ إلا وجَدْتَه مختالًا فخورًا. وتلا: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. ولا عاقًّا إلا وجَدْتَه جبَّارً اشقيًّا. وتلا: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ (^٢) [مريم: ٣٢].\n\n<span id=\"aya-530\"></span><span data-type='title' id=toc-1929>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤه: إن اللَّهَ لا يُحِبُّ المختالَ الفخورَ، الذي يَبْخَلُ وَيَأْمُرُ الناسَ بالبخلِ، فـ ﴿الَّذِينَ﴾ يَحْتَمِلُ أن يكونَ فى موضعِ رفعٍ ردًّا على ما فى قولِه: ﴿فَخُورًا﴾ مِن ذكرٍ (^٣)، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ نصبًا على النعتِ لـ \"مَن\".\nوالبخلُ فى كلامِ العربِ: منعُ الرجلِ سائلَه ما لديه وعندَه مِن (^٤) فضلٍ عنه.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن ابنِ طاوسٍ عن أبيه فى قولِه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. قال: البخلُ أن يَبْخَلَ الإنسانُ بما في يديه، والشُّحُّ: أن يَشحَّ على ما في أيدى الناسِ. قال: يُحِبُّ أن يكونَ له ما في أيدى الناس بالحلِّ والحرامِ، لا يَقْنَعُ (^٥).\nواختلفت القَرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾؛ فقرَأتْه عامَّةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (بالبَخَلِ) بفتحِ الباءِ والخاءِ، وقرَأتْه عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ\n_________\n(^١) في م والدر المنثور وتفسير ابن كثير: \"تجد\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ١٦٢ إلى المصنف. وذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٦٥ عن المصنف.\n(^٣) فى م: \"ذم\".\n(^٤) كذا في النسخ، ولعل صوابها و\"ما\"، وينظر تعليق الشيخ شاكر عليها.\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٣/ ٩٥١ (٥٣١٨) من طريق ابن جريج به. إلى قوله: \"يديه\"، وأخرجه المزى فى تهذيب الكمال ٣/ ٣٦٤ معلقا عن ابن جريج به.","vol":"7","page":21},{"text":"وبعضُ البصريين بضمِّ الباء: ﴿بِالْبُخْلِ﴾ (^١). وهما لغتان فصيحتان بمعنًى واحدٍ، وقراءتان معروفتان، غيرُ مختلفتَى المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فهو مصيبٌ في قراءتِه.\nوقد قيل: إن اللهَ جل ثناؤه عنَى بقولِه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. الذين كتَموا اسمَ محمدٍ ﷺ الله وصفتَه من اليهودِ، ولم يُبَيِّنوه للناسِ، وهم يَجِدُونه مكتوبًا عندهم في التوراةِ والإنجيلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحّدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بن سليمانَ، عن أبيه، عن الحَضْرَمىِّ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال: فهم اليهودُ، بِخلوا بما عندَهم مِن العلمِ وكتَموا ذلك (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾. ما بين ذلك في يهودَ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. وهم أعداءُ اللهِ أهلُ الكتابِ، بخِلوا بحقِّ اللهِ\n_________\n(^١) قرأ حمزة والكسائي بفتحتين وقرأ الباقون بضم الباء وإسكان الخاء، ومثله فى الحديد. الكشف ١/ ٣٨٩.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ١٦٢ إلى المصنف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٧٦، بنحوه، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٩٥٣ (٥٣٢٨)، وعزاه السيوطى أيضًا فى الدر ٢/ ١٦٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"7","page":22},{"text":"عليهم، وكتَموا الإسلامَ ومحمدًا ﷺ، وهم يَجِدُونه مكتوبًا عندهم في التوراةِ والإنجيلِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: أمَّا ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾، فهم اليهودُ، ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: اسمَ محمدٍ ﷺ، [وأما] (^٢) ﴿يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾: يَبْخَلون باسمِ محمدٍ ﷺ، ويَأْمُرُ بعضُهم بعضًا بكتمانِه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ مسلمٍ الرازىُّ: قال: ثنى أبو جعفرٍ الرازىُّ، قال: ثنا يحيى، [عن عارمٍ] (^٤)، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ فى قولِه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. قال: هذا للعلمِ، [ليس للدنيا منه شيءٌ] (^٥).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. قال] (^٦): هؤلاء يهودُ، وقرَأ: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال: يَبْخَلون بما آتاهم اللهُ مِن الرزقِ، ويَكْتُمون ما آتاهم اللهُ مِن الكتبِ، إذا سُئلوا عن الشئِ وما أَنْزَل اللهُ كتَموه. وقرَأ: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣].\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٣/ ٩٥٢، ٩٥٣ (٥٣٢١، ٥٣٢٦) من طريق يزيد بن زريع به، وعزاه السيوطى أيضًا في الدر المنثور ٢/ ١٦٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"أو\". .\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٩٥٢ (٥٣٢٠) من طريق ابن المفضل به مختصرًا.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بن تمام\". والذى يروى عنه أبو جعفر الرازي هو يحيى بن مسلم البكاء. وانظر تهذيب الكمال ٣١/ ٥٣٣، ٥٣٤.\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٣/ ٩٥١ (٥٣١٦) من طريق أشعث به.\n(^٦) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"7","page":23},{"text":"مِن بخلِهم (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدٍ بنِ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان كَرْدَمُ بنُ زيدٍ -حليفُ كعبِ بنِ الأشرفِ- وأسامةُ بنُ حَبيبٍ ونافِعُ بْنُ أَبِى نافعٍ، وبَحْرِيٌّ بنُ عَمرٍو، وحُيَىُّ بنُ أَخْطَبَ، ورفاعةُ بنُ زيدِ بنِ التابوتِ، يأتون رجالًا مِن الأنصارِ -وكانوا يُخالِطُونهم، يَتَنصَّحون لهم- مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، فيقولون لهم: لا تُنْفِقوا أموالكم، فإِنَّا نَخْشَى عليكم الفقرَ فى ذَهابِها، ولا تُسارِعوا في النفقةِ، فإنكم لا تَدْرُون ما يكونُ. فأنْزَل اللهُ فيهم: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. أى مِن النبوَّةِ التي فيها تصديقُ ما جاء به محمدٌ ﷺ. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. إلى قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ (^٢).\nفتأويلُ الآيةِ على التأويلِ الأولِ: واللهُ لا يُحِبُّ ذَوِى الخُيَلاءِ والفخرِ الذين يَبْخَلُون بتبيينِ ما أمَرهم اللهُ بتبيينِه للناسِ مِن اسمِ محمدٍ ﷺ ونعتِه وصفتِه التي أنْزَلها في كتبِه على أنبيائِه، وهم به عالمون، ويَأْمُرون الناسَ الذين يَعْلَمون ذلك، مثلَ علمِهم [بكتمانِه مَنْ] (^٣) أَمَرهم اللهُ بتبيينِه له، ويَكْتُمون ما آتاهم اللهُ مِن علمِ ذلك ومعرفتِه مَن حرَّم اللهُ عليه كتمانَه إيَّاه.\nوأمَّا على تأويلِ ابنِ عباسٍ وابنِ زيدٍ: إن اللهَ لا يُحِبُّ مَن كان مُختالًا فخورًا،\n_________\n(^١) انظر تبيان الطوسى ٣/ ١٩٦.\n(^٢) أخرجه ابن إسحاق كما في الدر المنثور ٢/ ١٦٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٥٣ (٥٣٢٧) من طريق سلمة به، مختصرا وعزاه السيوطى أيضًا في الدر المنثور ٢/ ١٦٢ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في م: \"بكتمان ما\".","vol":"7","page":24},{"text":"الذين يَبْخَلون على الناسِ بفضلِ ما رزَقهم اللهُ مِن أموالِهم. ثم سائرُ تأويلِهما وتأويلِ غيرِهما سواءٌ.\nوأَوْلَى الأقوالِ بالصوابِ فى ذلك ما قاله الذين قالوا: إن اللهَ وصَف هؤلاءِ القومَ الذين وصَف صفتَهم في هذه الآيةِ بالبخلِ، بتعريفِ مَن جهِل أمرَ محمدٍ ﷺ، أنه حقٌّ، وأن محمدًا للهِ نبىٌّ مبعوثٌ، وغيَر ذلك من الحقِّ الذي كان اللهُ تعالى ذكرُه قد بيَّنه فيما أوْحَى إلى أنبيائِه مِن كتبِه، فبخِل بتبيينِه للناسِ هؤلاء، وأمَروا مَن كانت حالُه حالَهم في معرفتِهم به أن يَكْتُموه مَن جهِل ذلك، ولا يُبَيِّنوه للناسِ.\nوإنما قلنا: هذا القولُ أَوْلَى بتأويلِ الآيةِ؛ لأن اللهَ جل ثناؤه وصَفهم بأنهم يَأْمُرون الناسَ بالبخلِ، ولم يَبْلُغْنَا عن أُمَّةٍ مِن الأممِ أنها كانت تَأْمُرُ الناسَ بالبخلِ دِيانةً ولا تَخَلُّقًا، بل ترَى ذلك قبيحًا، ويُذَمُّ فاعلُه، ولا يُمْتَدَحُ؛ وإن هي تخلَّقت بالبخلِ واسْتَعْمَلته في أنفسِها، فالسخاءُ والجودُ تَعُدُّه مِن مكارمِ الأفعالِ، وتَحُثُّ عليه، ولذلك قلنا: إن بخلَهم الذى وصَفهم اللهُ به، إنما كان بخلًا بالعلمِ الذي كان اللهُ آتاهموه، فبخِلوا بتبيينِه للناسِ، وكتَموه دونَ البخلِ بالأموالِ، إلا أن يكونَ معنى ذلك: الذين يَبْخَلون بأموالِهم التى يُنْفِقُونها في حقوقِ اللهِ وسبلِه، ويَأْمُرون الناسَ مِن أهلِ الإسلامِ بتركِ النفقةِ في ذلك، فيكونُ بخلُهم بأموالِهم وأمرِهم الناسَ بالبخلِ، فهذا المعنى على ما ذكَرْنا مِن الروايةِ عن ابنِ عباسٍ، فيكونُ لذلك وجةٌ مفهومٌ في وصفِهم بالبخلِ، وأمرِهم به.\n\n<span data-type='title' id=toc-1930>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤُه: ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾: وجعَلْنا للجاحدينَ نعمةَ اللهِ التى أنْعَم بها عليهم مِن المعرفةِ بنبوَّةِ محمدٍ ﷺ، المكذَّبين به بعدَ علمِهم به، الكاتمين نَعْتَه","vol":"7","page":25},{"text":"وصفتَه مَن أمَرهم اللهُ ببيانِه له مِن الناسِ، ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ يعنى: العقابَ المُذِلَّ مَن عُذِّب بخلودِه فيه، عتادًا له فى آخرتِه إذا قدِم على ربِّه، وآخَذه بما سلَف منه مِن جحودِه فرضَ اللهِ الذى فرَض عليه.\n\n<span id=\"aya-531\"></span><span data-type='title' id=toc-1931>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وأعتَدْنا للكافرين باللهِ مِن اليهودِ، الذين وصَف اللهُ صفتَهم عذابًا مُهِينًا، ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾. و﴿وَالَّذِينَ﴾ في موضعِ خفضٍ عَطْفًا على الكافرين.\nوقولُه: ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾. يعنى: يُنفِقُه مراءاةَ الناسِ في غيرِ طاعةِ اللهِ أو غيرِ سبيلِه، ولكن في سبيلِ الشيطانِ، ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يقولُ: ولا يُصَدِّقون بوحْدانيَّةِ اللهِ، ولا بالمعادِ (^١) إليه يومَ القيامةِ -الذي فيه جزاءُ الأعمالِ- أنه كائنٌ، وقد قال مجاهدٌ: إن هذا مِن صفةِ اليهودِ. وهو صفةُ أهلِ النفاقِ الذين كانوا أهلَ شركٍ، فأظْهَروا الإسلامَ تقيَّةٌ مِن رسولِ اللهِ ﷺ وأهلِ الإيمانِ به، وهم على كفرِهم مقيمون، أشبهُ منهم بصفةِ اليهودِ؛ لأن اليهودَ كانت تُوَحِّدُ اللهَ، وتُصَدِّقُ بالبعثِ والمَعَادِ، وإنما كان كفرُها تكذيبَها بنبوَّةِ محمدٍ ﷺ.\nوبعدُ؛ ففى فصلِ اللهِ بينَ صفةِ الذين لا يُؤْمِنون باللهِ ولا باليومِ الآخِرِ، وصفةِ الفريقِ الآخَرِ الذين وصَفهم في الآيةِ قبلَها وأخبر أن لهم عذابًا مُهِينًا، بالواوِ الفاصلةِ بينَهم - ما يُنْبِئُ عن أنهما صفتانِ مِن نوعيْن مِن الناسِ مختلفَي المعاني، وإن كان\n_________\n(^١) فى م: \"بالميعاد\".","vol":"7","page":26},{"text":"جميعُهم أهلَ كفرٍ باللهِ، ولو كانت الصفتان كلتاهما صفةَ نوعٍ مِن الناسِ لقيل إن شاء اللهُ: وأعْتَدنا للكافرين عذابًا مُهينًا، الذين يُنفِقون أموالَهم رئاءَ الناسِ. ولكن فصَل بينَهم بالواوِ لما وصَفْنا.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن دخولَ الواوِ غيرُ مُسْتَنْكَرٍ فى عطفِ صفةٍ على صفةٍ لموصوفٍ واحدٍ فى كلامِ [العربِ. قيل: ذلك] (^١) وإن كان كذلك، فإن الأفصحَ في كلامِ العربِ إذا أُرِيد ذلك، تركُ إدخالِ الواوِ، وإذا أُرِيد بالثانى وصفٌ آخرُ غيرُ الأَوَّلِ، إدخالُ (^٢) الواوِ، وتوجيهُ كلامِ اللهِ إلى الأفصحِ الأشهرِ مِن كلامِ مَن نزَل بلسانِه كتابُه أَوْلَى بنا مِن توجيهِه إلى الأنكرِ مِن كلامِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1932>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومَن يَكُنِ الشيطانُ له خليلًا وصاحبًا، يَعْمَلُ بطاعتِه ويَتَّبِعُ أمرَه، ويَتْرُكُ أمرَ اللَّهِ، فى إنفاقِه مالَه رئاءَ الناسِ في غيرِ طاعتِه وجُحودِه وحْدانيَّةَ اللهِ والبعثَ بعدَ المماتِ - ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾. يقولُ: فساء الشيطانُ قرينًا، وإنما نُصِب القرينُ؛ لأن فى \"ساء\" ذكرًا مِن الشيطانِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]. وكذلك تَفْعَلُ العربُ في \"ساء\" ونظائرِها. ومنه قولُ عَدِيٍّ بنِ زيدٍ (^٣):\nعن المرءِ لا تَسْأَلْ وأبْصِرُ (^٤) قرينَه … [فإنَّ القَرينَ] (^٥) بالمُقارَنِ مُقْتَدِ (^٦)\n_________\n(^١) في ص: \"من الفريفان ذلك\".\n(^٢) فى م، ت ٢، ت ٣: \"أدخل\".\n(^٣) البيت في بهجة المجالس ١/ ٧٠٣، وفصل المقال ص ١٦٤، ومجموعة المعاني ص ١٤.\n(^٤) فى م، ومصادر التخريج: \"وسل عن\".\n(^٥) في م، ومصادر التخريج: \"فكل قرين\".\n(^٦) فى م، وفصل المقال: \"يقتدى\".","vol":"7","page":27},{"text":"يُرِيدُ بالقرينِ الصاحبَ والصديقَ.\n\n<span id=\"aya-532\"></span><span data-type='title' id=toc-1934>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤُه: أىُّ شيءٍ على هؤلاء الذين يُنْفِقُون أموالَهم رِئَاءَ الناسِ، ولا يُؤمِنون باللهِ ولا باليومِ الآخرِ ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ لو صدَّقوا بأن اللَّهَ واحدٌ لا شريكَ له، وأخْلَصوا له التوحيدَ، وأيْقَنوا بالبعثِ بعدَ المماتِ، وصدَّقوا بأن اللهَ مجازيهم بأعمالِهم يومَ القيامةِ، ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾. يقولُ: وأدَّوْا زكاةَ أموالِهم التى رزَقهم اللهُ، وأعطاهموها طيبةً بها أنفسُهم، ولم يُنفِقوها رئاءَ الناسِ، التماسَ الذِّكْرِ والفخرِ عندَ أهلِ الكفرِ باللهِ، والمحمدةِ بالباطلِ عندَ الناسِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ بهؤلاء الذين وصَف صفتَهم أنهم يُنفِقون أموالهَم رِئَاءَ الناسِ نفاقًا، وهم باللهِ واليومِ الآخرِ مكذِّبون ﴿عَلِيمًا﴾. يقولُ: ذا علمٍ بهم وبأعمالِهم وما يَقْصِدون ويُرِيدُون بإنفاقِهم، وما يُنفقون مِن أموالِهم، وأنهم يُرِيدُون بذلك الرياءَ والسُّمعةَ والمحمدةَ في الناسِ، وهو حافظٌ عليهم أعمالَهم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منها حتى يُجَازِيَهم بها جزاءَهم عندَ (^١) مَعادِهم إليه.\n\n<span id=\"aya-533\"></span><span data-type='title' id=toc-1933>القولُ (*) في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفر، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وماذا عليهم لو آمَنوا باللهِ واليومِ الآخرِ، وأنفَقوا مما رزَقهم الله، فإن اللهَ لا يَبْخَسُ أحدًا مِن خلقِه أنْفَق في سبيلِه\n_________\n(^١) فى م: \"عنا\".\n(*) من هنا بداية الجزء الثانى عشر من مخطوطة جامعة القرويين المسماة بالأصل، وسيجد القارئ أرقام صفحاتها بين معقوفين.","vol":"7","page":28},{"text":"مما رزَقه مِن ثوابِ نفقتِه في الدنيا، ولا مِن أجرِها يومَ القيامةِ ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [يعنى: ميزانَ ذرةٍ] (^١) أي ما يَزِنُها ويكونُ على قدرِ ثقلِها في الوزنِ، ولكنه يُجازيه به، ويُثيبُه عليه.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ أنه تلا هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾. قال: لأن تَفْضُلَ حسناتى [سيئاتي بِمثقالِ] (^٢) ذرَّةٍ أحبُّ إليَّ مِن الدنيا وما فيها (^٣).\nحدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ: لأن تَفْضُل حسناتى على سيئاتي ما يَزِنُ ذرةً أحبُّ إليَّ مِن أن تكونَ لى الدنيا جميعًا.\nوأمَّا الذرَّةُ، فإنه ذُكِر عن ابن عباسٍ أنه قال فيها، كما حدَّثني إسحاقُ بنُ وهبٍ الواسطيُّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا شَبيبُ بنُ بِشرٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾. قال: رأسُ نملةٍ حمراءَ (^٤).\n[حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ القَزّازُ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: حدثنا ابن بِشرٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: حمراءَ.\nقال أبو جعفرٍ] (^٥): قال لى إسحاقُ بنُ وهبٍ: قال يزيدُ بنُ هارونَ: زعَموا أن\n_________\n(^١) ليست في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"ما يزن\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٢ إلى المصنف وعبد بن حميد، وسيأتي عند المصنف في تفسير سورة الزلزلة.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"7","page":29},{"text":"هذه الذرَّةَ (^١) الحمراءَ ليس لها وزنٌ (^٢).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك صحَّت الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1935>[ذكرُ مَن قال ذلك]</span> (^٣)\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى ومحمدُ بنُ بشّارٍ، قالا: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا عمرانُ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"إن الله لا يَظْلِمُ المؤمنَ حسنةً، يُثابُ عليها الرزقَ في الدنيا، ويُجْزَى بها في الآخرةِ، وأمَّا الكافرُ فيَطْعَمُ بها في الدنيا، فإذا كان يومُ القيامةِ لمْ تكن له (^٤) حسنةٌ\" (^٥).\nحدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هشامُ بنُ سعدٍ، قال: أخبَرنا زيدُ بنُ أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، [عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ: ﷺ] (^٦) \"والذي نفسي بيدِه، ما أحدُكم بأشدَّ مناشدةً في الحقِّ يَرَاهُ مُصِيبًا له مِن المؤمنين في إخوانِهم إذا رأَوْا أن قد خلَصوا مِن النارِ، يقولون: أي ربَّنا، إخوانُنا كانوا يُصَلُّون معَنا ويَصُومون معَنا ويَحُجُّون معَنا ويُجاهِدُون معَنا، قد أخَذَتْهم النارُ، فيقولُ اللهُ لهم: اذْهَبوا فمَن عرَفْتُم صورتَه فأَخْرِجوه، ويُحَرِّمُ صُوَرَهم (^٧)\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، وفى ص، ت ١: \"الدود\"، وفى م، ت ٢، ت ٣، س: \"الدودة\". والمثبت من تفسير القرطبي.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ٥/ ١٩٥ عن يزيد بن هارون.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) في الأصل: \"لهم\".\n(^٥) أخرجه أبو داود الطيالسي (٢١٢٣) عن عمران القطان به، وابن المبارك في الزهد (٣٢٧)، وأحمد ١٩/ ٢٦٦، ٢٨٥ (١٢٢٣٧، ١٢٢٦٤)، ٣/ ٢٨٣ (ميمنية) والبخارى في خلق أفعال العباد (٣٤٠)، ومسلم (٢٨٠٨)، وابن حبان (٣٧٧)، والبغوى في شرح السنة ١٤/ ٣١٠ (٤١١٨) وغيرهم من طرق عن قتادة به.\n(^٦) سقط من: ص، م.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"صورتهم\".","vol":"7","page":30},{"text":"على النارِ، فيَجِدون الرجلَ قد أخَذَتْه النارُ إلى [قدَمَيه وإلى] (^١) أنصَافِ ساقَيْه وإلى ركبتَيْه وإلى حَقْوَيْه (^٢)، فيُخرِجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يَعُودون فيَتَكَلَّمون، فيقولُ: اذْهَبُوا فَمَن (^٣) وجَدْتُم في قلبِه مثقالَ قيراطِ (^٤) خيرٍ فأَخْرِجُوه. فيُخْرِجُون منها بشرًا كثيرًا، ثم يَعُودون فيَتَكَلَّمون [فيقولُ: اذهبوا فمَن وجدتم في قلبِه مثقالَ نصفِ قيراطِ خيرٍ فأخرجوه. فيُخْرِجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يعودون فيتكلمون] (^٥) \"فَلا يَزالُ يقولُ ذلك لهم حتى يقولَ: اذْهَبوا، فمَن وجَدْتُم في قلبِه مثقالَ ذرةٍ فأَخْرجوه\". فكان أبو سعيدٍ إذا حدَّث بهذا الحديثِ، قال: إن لم تُصَدِّقوا فاقرءوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. \"فيقولون: ربَّنا لم نَذَرْ فيها خيرًا\" (^٦).\n[حدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبرنا أبى، قال: حدَّثنا الأوزاعِيُّ، قال: حدَّثني مَن سمِع زيدَ بنَ أسلمَ يُحدِّثُ عن عطاءِ بن يَسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه، إلا أنه قال: \"فيقولُ اللهُ - في المرةِ الثانيةِ -: أخرجوا مَن وجدتُم في قلبِه مثقالَ دينارٍ مِن خيرٍ\"، وفى الثالثةِ: \"نصفِ دينارٍ\"، وفى الرابعةِ: \"مثقالَ حبةٍ مِن خَردَلٍ\". وسائرُ الحديثِ نحوَه] (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) الحَقو: مشد الإزار. الصحاح (ح ق و).\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣، س: \"لمن\".\n(^٤) في مصادر التخريج: \"دينار\". والقيراط: جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عُشره في أكثر البلاد. النهاية ٤/ ٤٢. وانظر التاج (ق ر ط).\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) أخرجه مسلم (١٨٣/ ٣٠٣) وغيره من طريق جعفر بن عون به، وأخرجه الطيالسي (٢٢٩٣ - طبعتنا) وأحمد ١٨/ ٣٩٤ (١١٨٩٨) والبخارى (٤٥٨١) ومسلم (١٨٣/ ٣٠٢) والترمذى (٢٥٩٨) والنسائي (٥٠٢٥) وابن ماجه (٦٠) وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٥٤ (٥٣٣١) وغيرهم من طرق عن زيد بن أسلم به، وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور ٢/ ١٦٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"7","page":31},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: حدثنا أبي وشعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، عن خالدِ بن يزيدَ، عن ابن (^١) أبى هلالٍ، عن زيدِ بن أَسْلَمَ، عن عطاءِ بن يَسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه (^٢).\nوقال آخَرون في ذلك بما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا صدقةُ بنُ أبى سهلٍ، قال: ثنا أبو عمرٍو، عن زاذانَ، قال: أتيتُ ابنَ مسعودٍ، فقال: إذا كان يومُ القيامةِ جمَع اللهُ الأَوَّلينَ والآخرين، ثم نادَى منادٍ مِن عندِ اللَّهِ: ألا مَن كان (^٣) يَطْلُبُ مَظْلِمةً فَلْيَجِئْ إلى حقِّه فَلْيَأْخُذْه. قال: فيَفْرَحُ واللَّهِ المَرَّءُ (^٤) أَن يدورَ (^٥) له الحقُّ على والدِه، أو ولدِه، أو زوجتِه، [أو أختِه] (^٦) فيَأْخُذَه منه، وإن كان صغيرًا، ومصداقُ ذلك في كتابِ اللهِ: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]. فيقالُ له: آتِ هؤلاء حقوقَهم. أي: أعطِ هؤلاءِ حقوقَهم. فيقولُ: يا (^٧) [ربِّ، مِن أين وقد ذهَبتِ الدنيا؟ فيقولُ اللهُ لملائكتِه: أي ملائكتي، انْظُروا في أعمالِه الصالحةِ، فأَعْطُوهم منها. فإن بقِي مثقالُ ذرَّةٍ مِن حسنةٍ، قالت الملائكةُ: يا ربَّنا - وهو أعلمُ بذلك منها - أعطيْنا كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، وبقِى له مثقالُ ذرَّةٍ مِن حسنةٍ. [فيقولُ للملائكةِ] (^٨): ضعِّفوها لعبدى، وأدْخِلوه بفضلِ رحمتى الجنةَ. ومصداقُ ذلك في كتابِ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. أي الجنةَ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل. وانظر تهذيب الكمال ١١/ ٩٤.\n(^٢) أخرجه البخارى (٤٩١٩، ٧٤٣٩) ومسلم (١٨٣/ ٣٠٢) وغيرهما من طرق عن الليث به.\n(^٣) لسيت في: الأصل.\n(^٤) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"الصبي\".\n(^٥) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"يذوب\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أي\".\n(^٨) في الأصل: \"فتقول الملائكة\".","vol":"7","page":32},{"text":"يُعطيها. وإن فنِيتْ حسناتُه وبقِيتْ سيِّئاتُه، قالت الملائكةُ - وهو أعلمُ بذلك -: إلهَنا، فنِيت حسناتُه، وبَقِيت سيِّئاتُه، وبقِى طالبون كثيرٌ؟ فيقولُ اللَّهُ: ضَعُوا (^١) عليها مِن أوزارِهم واكْتُبوا له كتابًا إلى النارِ. قال صدقةُ: أو: صكًّا إلى جهنمَ. شَكَّ صدقةُ أيَّهما قال (^٢).\nحُدِّثْتُ عن محمدِ بن عُبيد، عن هارونَ بن عنترةَ (^٣)، عن عبدِ اللَّهِ بن السائبِ، قال: سمِعتُ زاذانَ يقولُ: قال عبدُ اللهِ بنُ مسعود: يُؤْخَذُ بيدِ العبدِ والأَمَةِ يومَ القيامةِ، فيُنادي منادٍ على رءوسِ الأوَّليَن والآخرين: هذا فلانُ بنُ فلانٍ، مَن كان له حقٌّ فليأتِ إلى حقِّه. فَتَفْرَحُ المرأةُ أن يَذُوبَ (^٤) لها الحَقُّ على أبيها (^٥)، أو على أخيها، أو على زوجِها [ثم قرَأ ابن مسعودٍ] (^٦): ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]. فيَغْفِرُ اللَّهُ مِن حقِّه ما شاء، ولا يَغْفِرُ مِن حقوقِ الناسِ شيئًا، فيَنْصِبُ (^٧) للناسِ فيقولُ: [أتُوا إلى الناسِ حقوقهم] (^٨) فيقولُ: ربِّ، فنِيت الدنيا، مِن أين (^٩) أُوتِيهم حقوقَهم؟ فيقولُ: خُذوا مِن أعمالِه الصالحةِ، فأَعْطُوا كلَّ ذى حقٍّ حقَّه بقدرِ طَلِبَتِه (^١٠). فإن كان وليًّا للهِ، ففضَل له مثقالُ ذرَّةٍ ضاعفها له حتى يُدْخِلَه بها الجنةَ، ثم قرَأ علينا:\n_________\n(^١) في الأصل: \"أضعفوا\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ضعفوا\".\n(^٢) تنظر الحاشية (٤) من الصفحة التالية.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عتيرة\". وانظر تهذيب الكمال ٣٠/ ١٠٠.\n(^٤) في مصدر التخريج: \"يدور\". ومعنى يذوب: أي يجب. النهاية ٢/ ١٧١.\n(^٥) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أو على ابنها\".\n(^٦) سقط من الأصل.\n(^٧) في الأصل: \"فينصت\".\n(^٨) في ص، ت ١: \"ائتوا إلى حقوقكم\".\n(^٩) في الأصل: \"أن\".\n(^١٠) في ص: \"ظلمته\"، وفى م، ت ٢، ت ٣: \"مظلمته\".","vol":"7","page":33},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، [قال: أدخِلوه (^١) الجنةَ] (^٢). وإن كان عبدًا شقيًّا قال الملَكُ: ربِّ، فنِيت حسناتُه، وبقِى طالبون (^٣) كثيرٌ. فيقولُ: خُذوا مِن سيئاتِهم، فأَضِيفوها إلى سيئاتِه، ثم صُكُّوا له صَكًّا إلى النارِ (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: فتأويلُ الآيةِ على تأويلِ عبدِ اللهِ هذا: إن الله لا يَظْلِمُ عبدًا وجَب له مثقالُ ذرّةٍ قِبَلَ عبدٍ له آخرَ في معادِه ويومَ لقائِه فما فوقه، فَيَتْرُكَه عليه فلا يَأْخُذَه للمظلومِ مِن ظاِلمِه، ولكنه يَأْخُذُه منه له، ويَأْخُذُ مِن كُلِّ ظالمٍ للمظلومِ (^٥) تَبِعَتَه قِبَلَه، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾. يقولُ: وإن تُوجَدْ (^٦) له حسنةٌ [بعدَ ذلك] (^٧) يُضَاعِفُها، بمعنى: يُضَاعِفُ له ثوابَها وأجرَها، ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. يقولُ: ويُعْطِه مِن عندِه أجرًا عظيمًا، والأجرُ العظيمُ الجنةُ، على ما قاله عبدُ اللهِ.\nولكلا التأويلينِ وجهٌ مفهومٌ، أعنى التأويلَ الذي قاله ابن مسعودٍ، والذي قاله قتادةُ، وإنما اخترنا التأويلَ الأولَ لموافقتِه الأثرَ عن رسولِ اللهِ ﷺ، مع دلالةِ ظاهرِ التنزيلِ على صحَّتِه، إذ كان في سياقِ الآيةِ التي قبلَها، التي حثَّ اللهُ جلَّ ثناؤُه فيها على النفقةِ في طاعتِه، وذمَّ النفقةَ في طاعةِ الشيطانِ. ثم وصَل (^٨) ذلك بما وعَد المُنفقينَ (^٩) في طاعتِه بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً\n_________\n(^١) في ص: \"ادخلوا\".\n(^٢) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في الأصل: \"مطالبون\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٥٤ (٥٣٣٥) من طريق هارون بن عنترة عن عبد الله بن السائب عن زاذان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في ص، م: \"لكل مظلوم\".\n(^٦) في الأصل: \"وجد\".\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٨) في الأصل: \"فصل\".\n(^٩) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المنافقين\".","vol":"7","page":34},{"text":"يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nواخْتَلفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ (^١) العراقِ: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ بنصبِ الحسنةِ، بمعنى: وإن تكُ زِنَةُ الذرَّةِ حسنةً يُضَاعِفُها. وقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ (^٢) المدينةِ: (وَإِنْ تَكُ حسنةٌ) برفعِ الحسنةِ، بمعنى: وإن تُوجَدْ حسنةٌ (^٣)، على ما ذكَرتُ عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ مِن تأويلِ ذلك.\nوأمَّا قولُه: ﴿يُضَاعِفْهَا﴾، فإنه جاء بالألفِ، ولم يقلْ: \"يُضَعِّفْها\". لأنه أُرِيد به - في قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ -: يُضَاعِفُها أضعافًا كثيرةً؛ ولو أُرِيد به في قولِه: يُضَعِّف ذلك ضِعْفين لقيلَ: \"يُضَعِّفْها\" بالتشديدِ (^٤).\nثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في الذين وعَدهم اللهُ بهذه الآيةِ ما وعَدهم فيها؛ فقال بعضُهم: هم جميعُ أهلِ الإيمانِ باللهِ وبمحمدٍ ﷺ.\nواعتلُّوا في ذلك بما حدَّثنا به الفضلُ بنُ الصَّبَّاحِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن مُبارَكِ بن فَضَالةَ، عن عليّ بن زيدٍ، عن أبي عثمانَ النَّهْدَيِّ، قال: لقِيتُ أبا هريرةَ فقلتُ له: إنه بلَغنى أنك تقولُ: إن الحسنةَ لتُضَاعَفُ ألفَ ألفِ حسنةٍ! قال: وما أعْجَبَك من ذلك؟ فواللهِ، لقد سمِعتُه - يعنى النبيَّ ﷺ - يقولُ: \"إن الله\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) قرأ بالنصب أبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، وقرأ بالرفع نافع وابن كثير. السبعة لابن مجاهد ص ٢٣٣، وحجة القراءات ص ٢٠٣.\n(^٤) لم يشر المصنف إلى أن (يضعِّفْها) بالتشديد قراءة معتبرة عند أهل الأداء، وهى قراءة ابن كثير وابن عامر. وقراءة الباقين؛ وهم نافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي بالألف. حجة القراءات ٢٠٣.","vol":"7","page":35},{"text":"لَيُضَاعِفُ الحسنةَ ألفَىْ (^١) ألفِ حسَنةٍ\" (^٢).\nوقال آخرون: بل ذلك للمهاجرين (^٣) خاصَّةً دونَ أهلِ البوادى والأعرابِ.\nواعتلُّوا في ذلك بما حدَّثنا به محمدُ بنُ هارونَ أبو نَشيطٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي بُكَيْرٍ، قال: ثنا فُضَيْلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ العوفيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ، قال: نزَلت هذه الآيةُ في الأعرابِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. قال: فقال رجلٌ: فما للمهاجرين؟ قال: ما هو أعظمُ مِن ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وإذا قال اللهُ لشيءٍ: عظيمٌ. فهو عظيمٌ (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى القولينِ في ذلك بالصوابِ، قولُ مَن قال: عنَى بهذه الآيةِ المهاجرين دونَ الأعرابِ، وذلك أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ في أخبارِ اللهِ أو أخبارِ رسولِه ﷺ شيءٌ يَدْفَعُ بعضُه بعضًا، فإذا كان صحيحًا وعدُ اللَّهِ مَن جاء مِن عبادِه المؤمنين بالحسنةِ مِن الجزاءِ عشرَ أمثالِها، ومَن جاء بالحسنةِ منهم أن يُضاعِفَها له، وكان الخبران اللذان ذكَرْناهما عنه ﷺ صحيحين - كان غيرَ جائزٍ إلا أن يكونَ أحدُهما مُجْمَلًا، والآخَرُ مُفَسَّرًا، إذ كانت أخبارُه ﷺ يُصَدِّقُ بعضُها بعضًا. وإذ كان ذلك كذلك، صحَّ أن خبَر أبى هريرةَ معناه أن الحسنةَ لتُضَاعَفُ للمهاجرين مِن أهلِ الإيمانِ ألفَىْ ألفِ حسنةٍ، وللأعرابِ منهم عشرَ أمثالِها، على ما\n_________\n(^١) في الأصل: \"ألف\".\n(^٢) أخرجه أحمد ١٣/ ٣٢٧ (٧٩٤٥) عن يزيد بن هارون به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٣ إلى المصنف. وإسناده ضعيف؛ لضعف على بن زيد.\n(^٣) في ص، م: \"المهاجرون\".\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور (٦٣٦ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٥٥ (٥٣٣٨، ٥٣٣٩)، ٥/ ١٤٣٢ (٨١٦٨) من طريق فضيل بن مرزوق به، وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور ٢/ ١٦٢ إلى ابن المنذر والطبراني.","vol":"7","page":36},{"text":"رُوى عن (^١) ابن عمرَ عن النبيِّ ﷺ. وأن قولَه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. [يعنى: مَن جاء بالحسنةِ مِن أعرابِ المؤمنين فله عشرُ أمثالِها] (^٢)، ومَن جاء بالحسنةِ مِن مهاجريهم يُضَاعَفْ له، ويُؤْتِهُ اللَّهُ مِن لَدُنْه أَجرًا [عظيمًا.\nوأما قولُه: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾] (^٣). فإنه يعنى: ويُعْطِه مِن عندِه أجرًا عظيمًا. يعنى: عِوَضًا من حسنتِه عظيمًا، وذلك العوضُ العظيمُ الجنةُ.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا صدقةُ بنُ أبى سهلٍ، قال: ثنا أبو عَمروٍ، عن زاذانَ، عن ابن مسعودٍ: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، أي: الجنةَ يُعطيها (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرَنى عبَّادُ بنُ أبى صالحٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال: الأجرُ العظيمُ الجنةُ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾. الجنةَ (^٦).\n\n<span id=\"aya-534\"></span><span data-type='title' id=toc-1936>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: الأصل، ت ١.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في ص، م: \"يعطها\". والأثر تقدم تخريجه ص ٣٣.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٥٥ عقب الأثر (٥٣٣٧) معلقا. وذكره أبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٢٥٢.\n(^٦) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٢٥٢.","vol":"7","page":37},{"text":"وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾.\nقال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه، إن الله لا يَظْلِمُ عبادَه مثقالَ ذرَّةٍ، فكيف بهم ﴿إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾، يعنى بمَن يَشْهَدُ عليها بأعمالِها وتصديقِها رُسُلَها (^١) أو تكذيبِها إيَّاها (^٢)، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، يقولُ: وَجِئْنَا بك يا محمدُ ﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾: أي على أُمَّتِك ﴿شَهِيدًا﴾، [يقولُ: شاهدًا] (^٣).\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. قال: إن النبيِّين يَأْتُون يومَ القيامةِ، منهم مَن أَسْلَم معَه مِن قومِه الواحدُ، والاثنان، والعشرةُ، وأقلُّ وأكثرُ مِن ذلك، حتى يأتىَ (^٤) لوطٌ، لم يُؤْمِنْ معَه إلا ابنَتاه (^٥)، فيقالُ لهم: هل بلَّغْتُم ما أُرسِلْتُم به؟ فيقولون: نعم. فيقالُ لهم: مَن يَشْهَدُ لكم؟ فيقولون: أُمَّةً محمدٍ. [فتُدعى أمهُ محمدٍ] (^٦)، فيقالُ لهم: أَتَشْهَدون أن الرُّسُلَ أوْدَعوا عندَكم شهادةً، فيمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: ربَّنا نَشْهَدُ أَنهم قد بلَّغوا كما شهِدوا في الدنيا بالتبليغِ. فيقالُ: مَن يَشْهَدُ على ذلك؟ فيقولون: محمدٌ. فيُدْعَى محمدٌ ﷺ، فيَشْهَدُ أن أُمَّتَه قد صدَقوا، وأن الرسلَ قد بلَّغوا، فذلك قولُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) سقط من ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣: \"يؤتى بقوم\".\n(^٥) في الأصل: \"ابناه\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ﷺ\".","vol":"7","page":38},{"text":"شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\nحدَّثنا القاسمُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ قولَه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾. قال: رسولُها، يَشْهَدُ عليها أن قد أبْلَغهم ما أرْسَله اللهُ به إليهم، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. قال: كان النبيُّ ﷺ إذا أتَى عليها فاضت عيناه (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ (^٢)، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣]. قال: الشاهدُ محمدٌ، والمشهودُ يومُ الجمعةِ، فذلك قولُه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (^٣).\nحدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الزُّهْريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن المسعوديِّ، عن جعفرِ بن عَمرِو بن حُرَيْثٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"شَهِيدًا عَلَيْهِم مَا دُمْتُ فِيهِم، فَلَمَّا (^٤) تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِم [وأنتَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] (^٥) \".\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٣، ١٦٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحسن\". وانظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٣٢، ٦/ ٤٩١.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٦١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٢ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر بنحوه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٥٦ (٥٣٤٢) من طريق شبيب عن عكرمة موصولًا عن ابن عباس دون ذكر الجمعة.\n(^٤) في الأصل: \"فإذا\".\n(^٥) سقط من: الأصل. والأثر أخرجه الحميدى (١٠٢) من طريق سفيان به، ومسلم (٨٠٠/ ٢٤٨)، من طريق جعفر بن عمرو به بنحوه، وذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٦٩ نقلا عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٤ إلى المصنف.","vol":"7","page":39},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ أبى الوزيرِ (^١)، قال: ثنا سفيانُ بن عُيَيْنَةَ، عن المسعوديِّ، عن القاسمِ، أن النبيَّ ﷺ قال لابنِ مسعودٍ: \"اقْرَأْ عليَّ\". قال: أَقْرَأُ عليك، وعليك أُنزِلَ؟ قال: \"إِنِّي أُحِبُّ أَن أَسْمَعَه مِن غيرِى\". فقرَأ ابن مسعودٍ [النساءَ، حتى بلَغ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. قال: قال: اسْتَعبر النبيُّ ﷺ، وكفَّ ابن مسعودٍ] (^٢).\nقال المسعوديُّ: فحدَّثنى جعفرُ بنُ عَمرِو بن حُرَيْثٍ، عن أبيه، أن النبيَّ ﷺ -قال: \"شَهِيدًا عَلَيْهِم (^٣) ما دُمْتُ فِيهِم، فإذَا تَوَفَّيتَنِي كُنتَ أنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِم، وأنتَ على كلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-535\"></span><span data-type='title' id=toc-1937>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يومَ نَجَئُ مِن كلِّ أُمَّةٍ بشهيدٍ، ونجيءُ بك على أمتِك يا محمدُ شهيدًا، ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: يَتَمَنَّى الذين جحَدوا وحدانيَّةَ اللهِ، ﴿وَعَصَوُا﴾ رسولَه، ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾.\nواخْتَلفتِ القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ أهلِ الحجازِ ومكةَ والمدينةِ: (لَوْ تَسَّوَّى بهم الأرضُ) بتشديدِ السينِ والواوِ وفتحِ التاءِ، بمعنى: لو تَتَسَوَّى بهم الأرضُ، ثم أُدْغِمت التاءُ الثانية في السينِ، يُرادُ به (^٥): أنهم يَوَدُّون لو صاروا ترابًا،\n_________\n(^١) في الأصل: \"الزبير\". وهو تحريف. انظر تهذيب الكمال ٢/ ١٥٧.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عليكم\".\n(^٤) أخرجه الحميدى (١٠١) عن سفيان به، وانظر الحديث السابق.\n(^٥) في الأصل: \"بهم\".","vol":"7","page":40},{"text":"فكانوا سواءً هم والأرضُ.\nوقرَأ ذلك آخرون: (لَوْ تَسَوَّى بهمُ الأرضُ). بفتحِ التاءِ وتخفيفِ السيِن، [وهى قراءةُ عامَّةِ قرَأَةِ أهلِ الكوفةِ بالمعنى الأوَّلِ، غيرَ أنهم ترَكوا تشديدَ السينِ] (^١)، واعتلُّوا بأن العربَ لا تكادُ تَجْمَعُ بينَ تشديديْنِ في حرفٍ واحدٍ.\nوقرَأ ذلك آخرون: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾. بمعنى: لو سوَّاهم (^٢) اللهُ والأرضَ، فصاروا ترابًا مثلَها بتصييرِه إيَّاهم، كما يَفْعَلُ ذلك بمَن ذكَر أنه يَفْعَلُه به مِن البهائمِ (^٣).\nوكلُّ هذه القراءاتِ متقارباتُ المعانى (^٤)، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ لأن مَن تمنَّى منهم أن يكونَ يومئذٍ ترابًا، إنما يَتَمَنَّى أن يكونَ كذلك بتكوينِ اللهِ إيَّاه كذلك، وكذلك من تمنَّى منهم (^٥) أن يكونَ اللهُ جعَله كذلك، فقد تمنَّى أن يكونَ ترابًا. غيرَ (^٦) أن الأمرَ وإن كان كذلك، فأعجبُ القراءةِ إليَّ في ذلك: (لَوْ تَسَوَّى بهم الأرضُ). بفتحِ التاءِ وتخفيفِ السينِ؛ كراهيةَ الجمعِ بينَ تشديدينِ في حرفٍ واحدٍ، وللتوفيقِ في المعنى بيَن ذلك، وبيَن قولِه: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في الأصل: \"سوى بهم\".\n(^٣) أما القراءة بتشديد السين والواو وفتح التاء فهى قراءة نافع وابن عامر، وأما القراءة بتخفيف السين وفتح التاء فهي قراءة حمزة والكسائي، وأما القراءة بتخفيف السين وتشديد الواو وضم التاء فهي قراءة ابن كثير وأبى عمرو وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٢٣٤، وحجة القراءات ص ٢٠٣، ٢٠٤.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المعنى\".\n(^٥) ليست في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في م، ت ٢، ت ٣: \"على\".","vol":"7","page":41},{"text":"تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠]. فأخْبَر اللهُ عنهم، أنهم يَتَمَنَّوْن (^١) أن يَكونوا (^٢) كانوا ترابًا، ولم يُخْبِرْ عنهم أنهم قالوا: يا ليتنى كنتُ ترابًا. فكذلك قولُه: (لو تَسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ) فيُسَوَّوْا (^٣) هم؛ وهى أعجبُ إليَّ ليوافقَ ذلك المعنى الذي [أخْبَر عنهم] (^٤) بقولِه: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾.\nوأمَّا قولُه: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثً﴾. فإن أهلَ التأويلِ تأوَّلوه بمعنى: ولا تَكْتُمُ الله جوارِحُهم حديثًا وإن جحَدَتْ (^٥) أفواهُهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1938>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عَمرٌو، عن مُطَرِّفٍ، عن المِنهالِ ابن (^٦) عَمرٍو، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: أتى رجلٌ إلى ابن عباسٍ، فقال: سمِعتُ الله يقولُ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. وقال في آيةٍ أخرى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾. فقال ابن عباسٍ: أمَّا قولُه: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فإنهم لمَّا رَأَوْا أنه لا يَدْخُلُ الجنةَ إلا أهلُ الإسلامِ، قالوا: تعالَوْا فَلْنَجْحَدْ. فقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. فختَم اللهُ على أفواهِهم، وتكلَّمت أيديهم وأرجلُهم، فلا يكتمونَ الله حديثًا (^٧).\n_________\n(^١) في الأصل: \"يشتهون\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في الأصل: \"فتح التاء على معنى أنهم تمنوا أن يكونوا يصيرون ترابا كالأرض فتسوا\".\n(^٤) في الأصل: \"أخبرهم\".\n(^٥) بعده في ص، م: \"ذلك\".\n(^٦) في الأصل: \"عن\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٥٧، ٤/ ١٢٧٤ (٥٣٤٨، ٧١٨٠)، والحاكم ٢/ ٣٠٦ من طريق عمرو به، وأخرجه البخارى ٨/ ٥٥٥، ٥٥٦ (فتح)، والطبراني في الكبير ١٠/ ٣٠٠ (١٠٥٩٤)، والبيهقى في الأسماء والصفات ٢/ ٢٤٥ (٨٠٩) من طريق المنهال بن عمرو به مطولا، وذكره ابن كثير في تفسيره =","vol":"7","page":42},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن رجلٍ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: جاء رجلٌ إلى ابن عباسٍ، فقال: أشياءُ تَخْتَلِفُ عليَّ في القرآنِ. فقال: ما هو؟ أشكٌّ في القرآنِ؟ قال: ليس بالشكِّ، ولكنه اختلافٌ. قال: فهاتِ ما اخْتَلف عليك مِن ذلك. قال: أَسْمَعُ الله يقولُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. وقال: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾. فقد كتَموا. فقال ابن عباسٍ: أمَّا قولُه: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. فإنهم لمَّا رَأَوْا يومَ القيامةِ أن الله يَغْفِرُ لأهلِ الإسلامِ ويَغْفِرُ الذنوبَ ولا يَغْفِرُ شَرْكًا، ولا يَتَعاظَمُه ذنبٌ أن يَغْفِرَه - جحَد المشركون، فقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. رجاءَ أن يَغْفِرَ لهم، فختَم على أفواهِهم وتكلَّمت أيديهم وأرجلُهم بما كانوا يَعْمَلون، فعندَ ذلك: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا جُويبِرٌ (^٢)، عن الضحَّاكِ، أن نافعَ بنَ الأزرقِ أتَى ابنَ عباسٍ فقال: يا ابنَ عباسٍ، قولَ اللهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾. وقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾؟ فقال له ابن عباسٍ: إني أَحْسَبُك قُمْتَ مِن عندِ أصحابِك، فقلتَ: أُلْقِى على ابن عباسٍ متشابهَ القرآنِ. فإذا رجَعْتَ إليهم، فأخبِرْهم أن الله جامعُ الناسِ يومَ القيامةِ في بَقيعٍ واحدٍ، فيقولُ المشركون:\n_________\n= ٢/ ٢٧٠ نقلا عن المصنف، وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور ٢/ ١٦٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٠.\n(^٢) في الأصل: \"جرير\"، وفى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الزبير\". والمثبت من تفسير ابن كثير والدر المنثور. وانظر تهذيب الكمال ١٣/ ٢٩١، ٥/ ١٦٧.","vol":"7","page":43},{"text":"إن اللَّهَ لا يَقْبَلُ مِن أحدٍ شيئًا إلا ممَّن وحَّده. فيقولون: تَعَالَوْا نَقُل (^١). فَيَسْأَلُهم، فيقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. قال: فيَخْتِمُ اللَّهُ على أفواهِهم، ويَسْتَنْطِقُ جوارحَهم، فتَشْهَدُ عليهم جوارحُهم أنهم كانوا مشركين، فعند ذلك تَمَنَّوْا لو أن الأرضَ سُوِّيت بهم، ولا يَكْتَمون الله حديثًا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: حدثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾. يعنى: أن تُسَوَّى (^٣) الأرضُ بالجبالِ [والأرضُ] (^٤) عليهم (^٥).\nفتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ الذي حكَيْناه عن ابن عباسٍ: يومَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَروا وعَصَوا الرسولَ لو تُسَوَّى بهِمُ الأرضُ [ولم يَكتُموا] (^٦) الله حديثًا. [كأنهم تَمَنَّوْا أنهم سُوُّوا معَ الأرضِ، وأنهم لم يكونوا كتَموا الله حديثًا] (^٧).\nوقال آخرون: معنى ذلك: يومئذٍ لا يَكْتُمون الله حديثًا، ويَوَدُّون لو تُسَوَّى\n_________\n(^١) في م، س: \"نجحد\". وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فصل\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٧٠ نقلا عن المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١٦٤/ ٢ إلى المصنف عن جويبر عن الضحاك. و\"نقل\" \"من\" \"القول\"، يراد به الكذب أو التعريض به. ينظر ما قاله الشيخ محمود شاكر في تفسير الطبرى ٨/ ٣٧٤ حاشية (٢).\n(^٣) في الأصل، ت ١: \"تستوى\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٥٧ (٥٣٤٦) عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٤ إلى المصنف.\n(^٦) في م، ت ٢، ت ٣: \"ولا يكتمون\".\n(^٧) في الأصل: \"ويودون لو تسوى بهم الأرض\".","vol":"7","page":44},{"text":"بهم الأرضُ (^١)، وليس بُمنْكتمٍ (^٢) عن اللهِ شيءٌ من حدِيثِهم؛ لعلمه جلَّ ذكرُه بجميعِ حديثِهم وأمرِهم، [وإن هم كتَموه] (^٣) بألسنتِهم فجحَدوه، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منه.\n\n<span id=\"aya-536\"></span><span data-type='title' id=toc-1940>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.</span>\nقال أبو جعفر، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسولَه، ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾. لا تُصَلُّوا ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾. وهو جمعُ سَكْرَانَ، حتى تعلموا ما تقرَءون في صلاتِكم، وتقولون فيها، ممَّا أمَركم اللهُ، [جلَّ ثناؤُه] (^٤)، أو ندَبكم إلى قِبلِه فيها، مما نهاكم عنه وزجَركم.\nثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في السُّكْرِ الذي عناه اللهُ بقولِه: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾؛ فقال بعضُهم: عنى بذلك السُّكْرَ (^٥) مِن الشرابِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1939>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ (^٦)، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ عن عليٍّ، أنه كان هو وعبدُ الرحمنِ ورجلٌ آخرُ شرِبوا الخمرَ، فصلَّى بهم عبدُ الرحمنِ، فقرَأ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"وقال آخرون: معناه يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض\".\n(^٢) في الأصل: \"يمكنهم\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"فإن هم كتموه\". وفى م، ت ٢، ت ٣، س: \"فإنهم إن كتموه\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"به\".\n(^٥) في الأصل: \"السكران\".\n(^٦) في الأصل: \"عبد الرزاق\". والتصويب من مصادر التخريج، وانظر تهذيب الكمال ١٧/ ٤٣٠، ٢٤/ ٥١١.","vol":"7","page":45},{"text":"فخلَط فيها، فنزَلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ المِنْهَالِ، قال: ثنا حَمَّادٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن [عبدِ اللهِ] (^٢) بن حبيبٍ، أن (^٣) عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ صنَع طعامًا وشرابًا، فدعا نفرًا مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ، فأكَلوا وشرِبوا حتى ثِملوا (^٤)، فقدَّموا عليًّا يُصَلِّي بهم المغربَ، فقرَأ: قل يا أيُّها الكافرون، أَعْبُدُ ما تَعْبُدُون، وأنتم عابدون ما أَعْبُدُ، وأنا عابدٌ ما عبَدْتُم، لكم دينُكم ولى دينِ. فَأَنْزَل اللهُ ﵎ هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبى، أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. وذلك أن رجالًا كانوا يأتون الصلاةَ وهم سُكَارى] (^٥) قبل أن تُحَرَّمَ الحمرُ، فقال اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآيةَ (^٦).\n_________\n(^١) تفسير سفيان الثورى ص ٩٦ (٢٢١)، وأخرجه النسائي في الكبرى كما في التحفة ٧/ ٤٠٢ (١٠١٧٥) من طريق ابن مهدى عن سفيان به، وأخرجه أبو داود في سننه (٣٦٧١)، والحاكم ٢/ ٣٠٧، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٣٣٨ من طرق عن سفيان به، وأخرجه عبد بن حميد (٨٢)، والترمذى (٣٠٢٦)، والبزار في مسنده (٥٩٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٥٨ (٥٣٥٢) من طرق عن عطاء به، وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور ٢/ ١٦٤، ١٦٥ إلى ابن المنذر. وفى بعض الروايات: \"فتقدم رجل\" وفي بعضها: \"فقدموا عليًا\".\n(^٢) في الأصل: \"عبد الرحمن\". وانظر تهذيب الكمال ١٤/ ٤٠٨.\n(^٣) في الأصل: \"بن\".\n(^٤) الثَّمَل: السُّكر والنَّشوة، وقد ثَمِل الرجل فهو ثَمِلٌ، أخذ فيه الشراب فهو نَشْوان. تاج العروس (ث م ل).\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٧٢ نقلا عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٥ إلى المصنف.","vol":"7","page":46},{"text":"حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرة، عن أبي رَزينٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾. قال: نزَل هذا وهم يَشْرَبون الخمرَ، قال: وكان هذا قبلَ أن يَنزِلَ تحريُم الخمرِ (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبي رَزينٍ، قال: كانوا يَشْرَبون [الخمرَ (^٢) بعدَ] (^٣) ما أُنْزِلت التي في البقرةِ، [وبعدَ] (^٤) التي في النساءِ، فلما أُنْزِلت التي في المائدةِ ترَكوها.\nحدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نجَيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. قال: نُهُوا أن يُصَلُّوا وهم سكارى، ثم نسَخها تحريمُ الخمرِ (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نجَيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾. قال: كانوا يَجْتَنِبون السُّكْرَ عندَ حضورِ الصلواتِ، ثم نُسِخ [في تحريمِ] (^٦) الخمرِ (^٧).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٧٢.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في الأصل: \"بعد\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٦) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"بتحريم\". وفى ت ١: \"تحريم\".\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٣.","vol":"7","page":47},{"text":"[حدَّثنا ابن حمُيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبي وائلٍ وأبى رَزينٍ وإبراهيمَ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. وقولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]. قالوا: كان هذا قبلَ أن يَنزِلَ تحريمُ الخمرِ.\n[حدثنا ابن حُميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: كان عليٌّ في نَفَرٍ مِن أصحابِ النبيِّ، ﵇، في بيتِ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، فطعِموا، فأتاهم بخمرٍ فشرِبوا منها، وذلك قبل أن تُحرَّمَ الخَمرُ، فحضَرتِ الصلاةُ، فقدَّموا عليًّا، فقرَأ بهم: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. فلم يقرأها كما ينبغى، فأنزل اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾] (^١).\nوقال آخَرون: معنى ذلك: لا تَقْرَبوا الصلاةَ وأنتم سُكارى من النومِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1941>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾. قال: سكرَ النومِ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ نُبَيطٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾. قال:\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، والأثر تقدم تخريجه ص ٤٦ حاشية (١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٥٩ (٥٣٥٦)، وابن عبد البر في التمهيد ٢٢/ ١١٨ من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور ٢/ ١٦٥ إلى عبد بن حميد والفريابي وابن المنذر.","vol":"7","page":48},{"text":"لم يَعْنِ بها سكرَ الخمرِ، وإنما عنَى بها سكرَ النومِ.\nقال أبو جعفرٍ: وأولى القولين في ذلك بتأويلِ الآية، تأويلُ من قال: ذلك نهيٌ من اللهِ المؤمنين عن أن يقرَبوا الصلاةَ وهم سكارى من الشراب قبلَ تحريمِ الخمرِ؛ للأخبارِ المتظاهرةِ عن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، بأن ذلك كذلك (^١)، وأن هذه الآيةَ نزَلت فيمن ذُكِرت أنها نزَلت فيه.\nفإن قال لنا قائلٌ: وكيف يكونُ ذلك معناه، والسكرانُ في حالِ زوالِ عقلِه، نظيرُ المجنونِ في حال زوالِ عقلِه، وأنت ممن تُحِيلُ تكليفَ المجانين لفقدِهم الفهمَ، بما يُؤْمَرُ ويُنْهَى؟ قيل له: إن السكرانَ لو كان في معنى المجنونِ لكان غيرَ جائزٍ أمرُه ونهيُه، ولكنَّ السكرانَ هو الذي يَفْهَمُ ما يَأْتِي وما يَذَرُ، غيرَ أن الشرابَ قد أَثْقَل لسانَه، [وأجزاءَ جسمِه وأخدَرَها] (^٢)، حتى عجَز عن إقامةِ قراءتِه في صلاتِه وحدودِها (^٣) الواجبة عليه فيها من غيرِ زوالِ عقلِه، فهو بما أُمِر به ونُهِى عنه عارفٌ فَهِمٌ، وعن أداءِ بعضِه عاجزٌ بخَدَرِ جسمِه من الشرابِ؛ فأما من صار إلى حدٍّ لا يَعْقِلُ ما يأتى ويَذَرُ، فذلك مُنْتَقِلٌ من السُّكْرِ إلى الخَبَلِ [ومعدودٌ في المجانينِ] (^٤) المجانين، وليس ذلك الذي خُوطِب (^٥) بقولِه: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾. لأنَّ ذلك مجنونٌ، وإنما خُوطِب به السكرانُ، والسكرانُ (^٦) ما وصَفْنا صفتَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1942>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.</span>\n_________\n(^١) بعده في ص، م: \"نهى من الله\".\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"وأخرجه وأخدره\".\n(^٣) في الأصل: \"حدوده\".\n(^٤) في الأصل، ت ١: \"معاني\"، وفي ص: \"ومعافى\".\n(^٥) في الأصل: \"خاطب\".\n(^٦) في الأصل: \"السكر\".","vol":"7","page":49},{"text":"اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لا تَقْرَبوا الصلاةَ وأنتم سُكارى حتى تَعْلَموا ما تقولون، ولا تَقْرَبوها وأنتم جُنُبٌ إلا عابري سبيلٍ، يعنى: إلا أن تكونوا مجتازى طريقٍ، أي (^١): مسافرين، حتى تَغْتَسِلوا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1943>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ ومحمدُ بنُ المثنى، قالا (^٢): ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: المسافرُ. وقال ابن (^٣) المُثَنَّى: في السفرِ (^٤).\nوحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. يقولُ: لا تَقْرَبوا الصلاةَ وأنتم جنبٌ، إذا وجَدْتُم الماءَ، فإن لم تَجِدوا الماءَ، فقد أحْلَلْتُ لكم أن تَمْسَحوا بالأرضِ (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن المنهالِ، عن عبَّادِ بن عبدِ اللهِ، أو عن زِرٍّ، عن عليٍّ ﵁: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.\n_________\n(^١) في الأصل: \"أو\".\n(^٢) في م: \"قال\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢٩٠٨) من طريق روح عن شعبة به، وابن أبي شيبة ١/ ١٥٧، وابن المنذر في الأوسط ٢/ ١٠٨ (٦٣٥)، والطبراني (١٢٩٠٧) من طرق عن قتادة به، وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور ٢/ ١٦٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"7","page":50},{"text":"قال: إلا أن تكونوا (^١) مسافرين فلا تَجدوا الماءَ فتَيَمَّموا (^٢).\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: المسافرُ (^٣).\n[حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سلمةَ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه] (^٤).\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا هشامٌ، عن قتادةَ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن ابن عباسٍ بمثلِه (^٥).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عَنْبَسَةَ، عن ابن أبي ليلى، عن المِنْهَالِ بن (^٦) عَمرٍو، عن (^٧) عبَّادِ بن عبدِ اللهِ، عن عليٍّ، ﵁، قال: نزَلت في السفرِ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. وعابرُ السبيلِ: المسافرُ إذا لم يَجِدِ الماءَ تَيَمَّم (٢).\n_________\n(^١) في الأصل: \"يكون\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٥٧ من طريق ابن أبي ليلى به، وأخرجه ابن المنذر في الأوسط ٢/ ١٠٨ (٦٣٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٠ (٥٣٦٠) من طريق ابن أبي ليلى عن المنهال عن زر - وحده - به، وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٥٩ (٥٣٥٩)، والبيهقى ١/ ٢١٦ من طريق المنهال عن زر - وحده - به. وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور ٢/ ١٦٥ إلى الفريابي وعبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٠ عقب الأثر (٥٣٦٠) معلقًا.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، والأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ١/ ٤١٣ (١٦١٥) عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٥، إلى عبد بن حميد.\n(^٥) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة حاشية (٤).\n(^٦) في الأصل: \"عن\".\n(^٧) في الأصل: \"بن\".","vol":"7","page":51},{"text":"حدَّثنا ابن حُميدٍ (^١)، قال: ثنا هارونُ، عن ابن مجاهدٍ، عن أبيه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: المسافرُ إذا لم يَجِدِ الماء فإنه يَتَيَمَّمُ [ويدخُلُ ويصلِّى] (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، [وعن] (^٣) ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قالا (^٤): هو الرجلُ (^٥) يكونُ في السفرِ فتُصِيبُه الجنابةُ فيتَيَمَّم ويُصَلِّي (^٦).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: مسافرين لا يَجِدون الماءَ فيَتَيَمَّمون صعيدًا طيبًا، حتى (^٧) يَجِدوا الماءَ فيَغْتَسِلوا (^٨).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: مُسافِرين لا يَجِدون ماءً.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن مِسْعَرٍ، عن بُكَيْرِ بن الأَخْنَسِ، عن الحسنِ بن مسلمٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: إلا أن يَكونوا\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"المثنى\"، وفى ت ١ بياض مكانها. وانظر تهذيب الكمال ٣٠/ ١١٠.\n(^٢) في ص: \"ويدخله فيصلي\"، وفى م: \"فيصلي\"، سقط من: ت ١. والأثر أخرجه البغوي في تفسيره ٢/ ٢٢٠ بإسناده إلى ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.\n(^٣) في الأصل، م: \"عن\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٥) بعده في الأصل: \"عبد الرحمن\".\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٣.\n(^٧) في ص: \"كى\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".\n(^٨) تقدم تخريجه في حاشية (٢ - ٢) بنحوه. وانظر الصفحة السابقة.","vol":"7","page":52},{"text":"مسافِرِين، فلم (^١) يَجِدوا ماءً فيَتَيَمَّموا (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن الحكمِ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: المسافرُ تُصيبُه الجنَابةُ، فلا يَجِدُ ماءً، فيتَيَمَّمُ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ المُبارَكِ، عن سفيانَ، عن سالمِ الأفْطَسِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، وعن منصورٍ، عن الحَكَم في قولِه: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. قالا (^٤): المسافرُ الجُنُبُ لا يَجِدُ الماءَ، فيَتَيَمَّمُ فيُصَلِّي (٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾: إلا أن يكونَ مُسافِرًا (^٥).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن الحكمِ بنحوه (٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ، قال: كنا نَسْمَعُ أنه في السفرِ (^٦).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"تلا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٥٧ عن وكيع به.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ٢٠٦، والقرطبي في تفسيره ٥/ ٢٠٦، وأبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٢٥٧، وابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٧٤.\n(^٤) في الأصل: \"قال\".\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ٢٢٠.\n(^٦) ذكره الطوسى في التبيان ٣/ ٢٠٦، وابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٧٤.","vol":"7","page":53},{"text":"جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. هو المسافرُ الذي لا يَجِدُ الماءَ، فلا بدَّ له مِن أَن يَتَيَمَّمَ ويُصَلِّيَ [فهو يَتَيَمَّمُ ويُصَلِّي (^١)] (^٢). قال: كان أبي يقولُ ذلك (^٣).\nوقال آخَرون: معنى ذلك: لا تَقْرَبوا المُصَلَّى للصلاةِ وأنتم سُكارَى حتى تَعْلَموا ما تقولون، ولا تَقْرَبوه جُنُبًا حتى تَغْتَسِلوا إلا عابرى سبيلٍ، يعني: إلا مُجْتازِين فيه للخروجِ منه.\nفقال أهلُ هذه المَقالةِ: أُقيمَت الصلاةُ مُقامَ المُصَلَّى والمسجدِ، إذ كانت صلاةُ المسلمين المكتوبةُ (^٤) في مساجدهم أيَّامَئذٍ لا يَتَخَلَّفون عن التجميعِ (^٥) فيها، فكان في النهيِ عن أن يَقْرَبوا الصلاةَ كفايةٌ عن ذكرِ المساجدِ والمُصَلَّى الذي يُصَلُّون فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1944>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن عبد الكريم الجَزَريِّ، عن أبي عُبيدةَ بن عبدِ اللهِ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: هو المَمَرُّ (^٦) في المسجدِ (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في ص، م: \"هذا\". والأثر ذكره الطوسى في التبيان ٣/ ٢٠٦ عن ابن زيد، وابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٧٤ عن زيد بن أسلم بنحوه.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢.\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣: \"التجمع\".\n(^٦) في تفسير عبد الرزاق: \"المار\". والمثبت موافق لإحدى نسختيه.\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٣، وأخرجه ابن المنذر في الأوسط ٢/ ١٠٧ (٦٣٣)، والبيهقى ٢/ ٤٤٣ من طريق عبد الرزاق به.","vol":"7","page":54},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن زيدِ بن أَسْلَمَ، عن ابن يَسَارٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: لا تَقْرَبِ (^١) المسجدَ إلا أن يكونَ طريقُك فيه، فثَمُرُ مَارًّا [ولا] (^٢) تَجْلِسَ (^٣).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قَتادةَ، عن سعيدٍ في الجُنُبِ: يَمُرُّ في المسجدِ مُجْتازًا، وهو قائمٌ، لا يَجْلِسُ، وليس بمُتَوَضِّئِ. وتلا هذه الآية: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن نَهْشَلٍ، عن الضَّحَّاك عن ابن عباسٍ، قال: لا بأسَ للحائضِ والجُنُبِ أن يَمُرَّا في المسجدِ ما لم يَجْلِسا فيه (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا أبو الزبيرِ، [عن جابرٍ] (^٦)، قال: كان أحدُنا يَمُرُّ في المسجدِ [وهو جُنبٌ، مُجْتازًا] (^٧).\n_________\n(^١) في الأصل: \"تقول\".\n(^٢) في الأصل، ت ١: \"لا\".\n(^٣) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٢/ ١٠٦ (٦٣٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٠ (٥٣٦١)، والبيهقى ٢/ ٤٤٣، وفي معرفة السنن والآثار ٢/ ٢٥٧ (١٢٨٧) من طريق أبي جعفر به، وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور ٢/ ١٦٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٤٦ من طريق قتادة به، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٠ عقب الأثر (٥٣٦١) معلقًا.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٦ إلى المصنف.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) سقط من: الأصل. والأثر أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٤٥ - تفسير)، وابن أبي شيبة ١/ ١٤٦، وابن المنذر في الأوسط ٢/ ١٠٦ (٦٣١)، والبيهقى ٢/ ٤٤٣ من طريق هشيم به.","vol":"7","page":55},{"text":"[حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: الجنبُ يَمُرُّ في المسجدِ] (^١)، ولا يَقْعُدُ فيه.\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قالا جميعًا: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: إذا لم يَجِدْ طريقًا إلا في (^٢) المسجدِ، يَمُرُّ فيه (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو غَسَّانَ مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: لا بأسَ أن يَمُرَّ الجنبُ في المسجدِ إذا لم يَكُنْ له طريقٌ غيرُه (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه (^٣).\nحدَّثني المثنى، [قال: حدثني الحِمَّانيُّ] (^٤) قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ قال: الجُنُبُ يَمُرُّ في المسجدِ ولا يَجْلِسُ فيه، ثم قرَأ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (^٥).\n[حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن عبدِ الكريمِ، عن أبي عبيدَة مثلَه] (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٤٦ عن جرير عن منصور به.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٤٦ عن شريك به، ووقع فيه سعد بدلا من سعيد.\n(^٦) سقط من: الأصل، والأثر أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٤٦ عن شريك به.","vol":"7","page":56},{"text":"حدَّثني المثنى، [قال: ثنا الحمانيُّ] (^١)، قال: ثنا شَريكٌ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ مثلَه (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن الحسنِ بن (^٣) عُبيدِ اللهِ، عن أبي الضُّحَى مثلَه (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن إسماعيلَ، عن الحسنِ، قال: لا بأسَ للحائضِ والجنبِ أن يَمُرَّا في المسجدِ ولا يَقْعُدا فيه (^٥):\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ، عن الزهريِّ، قال: رُخِّص للجنبِ أن يَمُرُّ في المسجدِ (^٦).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثنى يزيدُ بنُ أبي حَبيبٍ عن قولِ اللهِ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾: أن رجالًا من الأنصارِ كانت أبوابُهم في المسجدِ فكانت (^٧) تُصِيبُهم جَنابةٌ، ولا ماءَ عندَهم، فيُريدون الماءَ ولا يَجِدون مَمرًّا إلا في المسجدِ، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (^٨).\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٤٦ عن شريك عن سماك به.\n(^٣) في الأصل، ت ١: \"عن\". وانظر تهذيب الكمال ٦/ ١٩٩.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٠ عقب الأثر (٥٣٦١) معلقًا.\n(^٥) أخرجه البغوي في تفسيره ٢/ ٢٢٠ بإسناده إلى الحسن.\n(^٦) ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ٢٢٠ عن الزهري معلقًا.\n(^٧) سقط من: الأصل.\n(^٨) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٧٣ نقلًا عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٦ إلى المصنف.","vol":"7","page":57},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بن نصرٍ، قال: أَخْبَرنا ابن المُباركِ، عن شعبةَ (^١)، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: لا يَجْتازُ في المسجدِ إلَّا ألا يَجِدَ طريقًا غيرَه.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن ابن مُجاهدٍ، عن أبيه، قال: لا يَمُرُّ الجنُب في المسجدِ يَتَّخِذُه طريقًا.\nوأولى القولين بتأويلِ ذلك، تأويلُ من تأوَّله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. إلا مُجْتازِى (^٢) طريقٍ فيه. وذلك أنه قد بيَّن حكمَ المسافرِ إذا عَدِم الماءَ وهو جُنبٌ في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. فكان معلومًا بذلك أن (^٣) قولَه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. لو كان مَعْنِيًّا به المسافرُ، لم يَكُن لإعادةِ ذكرِه في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. معنًى مفهومٌ، وقد مضَى ذكرُ حُكْمِه قبلَ ذلك.\nوإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: يا أيُّها الذين آمنوا لا تَقْرَبُوا المساجدَ للصلاةِ مُصَلِّين فيها، وأنتم سكارَى حتى تَعْلَموا ما تَقولون، ولا تَقْرَبوها أيضًا جُنبًا حتى تَغْتَسِلوا، إلا عابرى سبيلٍ.\nوالعابرُ السبيلَ المُجْتازُه (^٤) مَرًّا وقَطْعًا، يقالُ منه: عبَرْتُ الطريقَ، فأنا أَعْبُرُه\n_________\n(^١) في الأصل: \"سعيد\". وانظر تهذيب الكمال ١١/ ٤٧٩.\n(^٢) في الأصل: \"مجتاز في\".\n(^٣) في الأصل \"إلى\".\n(^٤) في الأصل: \"المجتاز\".","vol":"7","page":58},{"text":"عَبْرًا وعُبورًا. ومنه قيل: عبرَ فلانٌ النهرَ. إذا قطَعه وجازه، ومنه قيل للناقةِ القويةِ على الأسْفارِ (^١): هي عُبْرُ أسفارٍ، [وعِبْرُ أسفارٍ] (^٢). لقوتِها على قَطْعِ (^٣) الأسْفارِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1945>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ مِن جُرحٍ أو جُدَرِيٍّ، وأنتم جنبٌ. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ (^٤)، قال: ثنا أبو المُنَبِّهِ (^٥) الفضلُ بنُ سُلَيْمٍ، عن الضحاكِ، عن ابن مسعودٍ قولَه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. قال: المريضُ الذي قد أُرْخِص له في التَّيَمُّمِ هو الكسيرُ والجَريحُ، فإذا أصابَت الجَنابةُ الكَسيرَ اغْتَسَل [ولم يَحُلَّ جَبائرَه] (^٦)، والجَريحُ لا يَحُلُّ جراحتَه إلا جِراحةً لا يَخْشَى عليها (^٧).\nحدَّثنا تَميمُ (^٨) بن المُنْتَصِرِ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ يُوسُفَ، عن شَريكٍ، عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ قال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. قال: هي للمريضِ الذي به الجِراحةُ التي يَخافُ منها أن يَغْتَسِلُ (^٩)، فرُخِّص له في التَّيمُّمِ.\n_________\n(^١) بعده في م، ت ٢، ت ٣: \"لقوتها\".\n(^٢) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في الأصل: \"وضاح\". وقد تقدم مرارًا.\n(^٥) في ت ١: \"المنية\".\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٦ إلى المصنف.\n(^٨) في الأصل: \"نعيم\". وانظر تهذيب الكمال ٤/ ٣٣٤.\n(^٩) بعده في ص، م: \"فلا يغتسل\".","vol":"7","page":59},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. والمرضُ: هو الجِراحُ، والجِراحةُ التي يُتَخَوَّفُ [عليه من] (^١) الماءِ، إن أصابه ضَرَّ صاحبَه، فذلك يَتَيَمَّمُ صَعِيدًا طَيِّبًا (^٢).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن عزرةَ (^٣)، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. قال: إذا كان به جُروحٌ أو قُروحٌ يَتَيَمَّمُ (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. قال: مِن القُروحِ تكونُ في الذِّراعَيْن (^٥).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. قال: القروحُ في الذِّراعَيْن (^٥).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ، قال: صاحبُ الجِراحةِ التي يُتَخَوَّفُ عليه (^٦) يَتَيَمَّمُ. ثم قرَأ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"عليه منه\"، وفى م، ت ٣: \"عليها من\".\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ٢٠٧.\n(^٣) في النسخ \"عروة\" والصواب \"عزرة\" وقد تقدم مرارًا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٠١ عن عبدة بن سليمان عن سعيد به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٣٧ - تفسير) من طريق سعيد عن قتادة قال: قلنا لسعيد بن جبير، وانظر تفسير مجاهد ص ٣٠١.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٠١ من طريق حماد عن إبراهيم به.\n(^٦) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منها\".\n(^٧) ذكره الطوسى في التبيان ٣/ ٢٠٧ عن الضحاك.","vol":"7","page":60},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. والمرضُ أن يُصِيبَ الرجلَ [الجَرْحُ والقُروحُ والجُدَرِيُّ] (^١)، فيخافَ على نفسِه من بردِ الماءِ وأذاه، يَتَيَمَّمُ بالصَّعِيدِ، كما يَتَيَمَّمُ المسافرُ الذي لا يَجِدُ الماءَ (^٢).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قَتادةَ، عن عاصمٍ - يعنى الأحْوَلَ - عن الشعبيِّ، أنه سُئِل عن (^٣) المَجْدورِ تُصيبُه الجَنابةُ؟ قال: ذهَب فُرْسانُ هذه الآيةِ (^٤).\n[حدَّثني ابن المثنى، قال: حدَّثني عمرُو بن أبي سَلمةَ، عن سعيدٍ بن (^٥) عبدِ العزيزِ أن عطاءً الخُراسانِيِّ، قال في الرجلِ تكونُ به الجائفةُ والمَأْمومَةُ (^٦) والجُدَرِيُّ، أنهم يَتيمَّمون، ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾. فذَكرتُ ذلك للزهريِّ فلم يَعرفْه] (^٧) (^٨).\nوقال آخَرون في ذلك بما حدَّثني به يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ … ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"الجرح والقرح والجدري\"، وفى م، ت ٢، ت ٣: \"الجرح أو القرح أو الجدرى\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨٦٣) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٣) بعده في ص: \"قوله\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٠١ من طريق أشعث عن الشعبي به.\n(^٥) بعده في الأصل: \"أبي\". والمثبت من مصدر التخريج. وانظر تهذيب الكمال ١٠/ ٥٣٩.\n(^٦) الجائفة: الطعنة التي تبلغ الجوف، والمأمومة: الشَّجَّة التي تبلغ أم الدماغ حتى يبقى بينها وبين الدماغ جلد رقيق. اللسان (ج وف)، (أ م م).\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦١ (٥٣٦٤) من طريق سعيد به.","vol":"7","page":61},{"text":"فَتَيَمَّمُوا﴾. قال: المريضُ الذي لا يَجِدُ أحدًا يَأْتِيه بالماءِ، ولا يَقْدِرُ عليه، وليس له خادِمٌ ولا عَوْنٌ، فإذا لم يَسْتَطِعْ أن يَتَنَاوَلَ الماءَ، وليس عندَه مَن يَأْتِيه به، ولا يَحْبو إليه - تيَمَّم وصلَّى إذا حانَتْه (^١) الصلاةُ. قال: هذا كلُّه قولُ أَبِي، إذا كان لا يَسْتَطيعُ أن يَتَناوَلَ الماءَ، وليس عندَه مَن يَأْتيه به، فلا يَتْرُكِ الصلاةَ، [وهو أعْذَرُ] (^٢) مِن المسافرِ (^٣).\nفتأويلُ الآيةِ إذن: وإن كنتم جَرْحَى أو بكم قُروحٌ أو كَسْرٌ أو عِلَّةٌ، لا تَقْدِرون معها على الاغتِسالِ من الجَنابةِ، وأنتم مُقيمون غيرُ مسافرين، فتيمَّموا صَعيدًا طيبًا.\nوأما قولُه: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. فإنه يعنى: أو إن كنتم مُسافرين، وأنتم أَصِحَّاءُ جُنُبٌ، فتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طيِّبًا (^٤).\nوكذلك تأويلُ قولِه: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ يقولُ: وإن (^٥) جاء أحدٌ منكم مِن الغائطِ، قد قضَى حاجتَه، وهو مسافرٌ صحيحٌ، فلْيَتَيَمَّمْ صَعيدًا طيبًا أيضًا (^٦). والغائطُ: ما اتَّسَع مِن الأوْدِيةِ وتصَوَّب، وجُعِل كِنايةَ عن قَضاءِ حاجةِ الإنسانِ؛ لأن العربَ كانت تَخْتارُ قَضاءَ حاجتِها في الغِيطانِ، فكثُر ذلك منها، حتى غلَب ذلك عليهم، فقيل لكلِّ من قضَى حاجتَه، التي كانت تُقْضَى في الغِيطان حيث قضاها مِن الأرضِ: مُتَغَوِّطٌ. و(^٦) جاء فلانٌ مِن الغائطٍ. يعني: قضَى\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حلت\".\n(^٢) في الأصل: \"وهذا أعذر\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٦ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أو\".\n(^٦) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.","vol":"7","page":62},{"text":"حاجتَه التي كانت تُقْضَى في الغيطانِ (^١) مِن الأرضِ.\nوذُكِرَ عن مُجاهِدٍ أنه قال في الغائطِ: الوادى.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾. قال: إن (^٢) الغائطَ الوادي (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1947>القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه ذلك: أو باشَرْتُم النساءَ بأبدانِكم (^٤).\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في اللَّمْسِ الذي عناه اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك الجِماعَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1946>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: ذكَروا اللَّمْسَ، فقال ناسٌ من المَوالى: ليس بالجماعِ. وقال ناسٌ مِن العربِ: اللَّمْسُ الجماعُ. قال: فأَتَيْتُ ابنَ عباسٍ، فقلتُ: إنّ ناسًا مِن الموالى والعربِ اخْتَلَفوا في اللمسِ، فقالت الموالي: ليس الجماعَ. وقالت العربُ: الجماعُ. قال: مِن أيِّ الفريقَيْن كنتَ؟ قلتُ: [كنتُ من] (^٥) الموالي. قال:\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الغائط\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦١ (٥٣٦٦) من طريق أبي حذيفة به.\n(^٤) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"بأيديكم\".\n(^٥) في الأصل: \"مع\".","vol":"7","page":63},{"text":"غُلِب فريقُ المَوالى؛ إن المسَّ و(^١) اللَّمسَ والمُباشَرةَ الجِماعُ، ولكنَّ الله يَكْنِى ما شاء بما شاء (^٢).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بِشرٍ (^٣)، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه (٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعْتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يُحدِّث عن ابن عباسٍ، أنه قال: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. قال: هو الجماعُ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا وهبُ بنُ جَريرٍ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: اختَلفتُ أنا وعطاءٌ وعبيدُ بنُ عميرٍ في قولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. فقال عبيدُ بنُ عميرٍ: هو الجماعٌ. وقلتُ أنا وعطاءٌ: هو اللَّمْسُ. قال: فدخَلْنا على ابن عباسٍ، فسأَلْناه، فقال: غُلِب فريقُ المَوالى وأصابَت العربُ، هو الجِماعُ، ولكنَّ الله يَعِفُّ ويَكْنِى (^٥).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عِكرمةَ وسعيدِ بن جبيرٍ وعطاءِ بن أبي رَباحٍ وعُبيدِ بن عُميرٍ، اخْتَلَفوا فِي المُلامَسةِ، فقال\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه البيهقى ١/ ١٢٥ من طريق وهب بن جرير عن شعبة به، وسعيد بن منصور في سننه (٦٤٠، ٦٤١ - تفسير)، وابن أبي شيبة ١/ ١٦٦ من طريق أبي بشر به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٦٦، وابن المنذر في الأوسط ١/ ١١٦ (٩٠٨) من طرق عن سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قيس\". وأبو بشر هو جعفر بن إياس وهو ابن أبي وحشية. وانظر تهذيب الكمال ٥/ ٥.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٦٦، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦١ (٥٣٦٧) عن وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٦ إلى ابن المنذر، وانظر الأثر السابق.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق (٥٠٦) عن معمر عن قتادة به في مصنفه.","vol":"7","page":64},{"text":"سعيدُ بنُ جُبيرٍ وعطاءٌ: المُلامَسةُ ما دونَ الجِماعِ. وقال عُبيدٌ: هو النِّكاحُ. فخرَج عليهم ابن عباس، فسأَلوه، فقال: أخطَأ المَوْلَيَان، وأصاب العربيُّ، الملامسةُ النكاحُ، ولكنَّ الله يَكْنِى ويَعِفُّ.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: اجْتَمَع سعيدُ بنُ جبيرٍ وعطاءٌ وعبيدُ بنُ عميرٍ، فذكَر نحوَه.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ عَثْمةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشيرٍ، عن قتادةَ، قال: قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ وعطاءٌ في اللِّماسِ (^١): الغَمْرُ باليد. وقال عُبيدُ بنُ عُميرٍ: الجِماعُ. فخرَج عليهم ابن عباسٍ فقال: أخْطَأ المَوْلَيانِ، وأصاب العربيُّ، ولكنَّه يَعِفُّ ويَكْنِى.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: [حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا خالدٌ الحذاءُ، عن عكرمة، قال] (^٢): قال ابن عباسٍ: اللمسُ الجماعُ (^٣).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ وعبدُ الوَهَّابِ، عن خالدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: ثنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: اللمسُ والمَسُّ والمُباشَرَةُ: الجماعُ، ولكنَّ الله يَكْنِى بما شاء (^٤).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"التماس\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ١/ ١١٦ (٧) من طريق عاصم الأحوال عن عكرمة به، وعبد بن حميد، كما في الفتح ٨/ ٢٧٢ من طريق عكرمة به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٤١ - تفسير)، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٦٧، والبيهقى ٧/ ٤٢٤، ٤٢٥ كلهم من طريق هشيم به، وتقدم في حاشية (٢) في الصفحة السابقة.","vol":"7","page":65},{"text":"حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: ثنا إسحاقُ الأزْرقُ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ الأحْولِ، عن بكرِ بن عبدِ اللهِ، عن (^١) ابن عباسٍ، قال: المُلامَسةُ الجِماعُ، ولكنَّ الله كَريمٌ يَكْنِي عما شاء (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحَكَمِ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سُوَيْدٍ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن بكرِ بن عبدِ اللهِ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن داودَ، عن جعفرِ بن أبى وَحْشِيَّةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: اخْتَلَفت العربُ والمَوالِي في المُلامَسةِ على بابِ ابن عباسٍ، فقالت العربُ: الجماعُ. وقالت المَوالِي: باليدِ. قال: فخرج ابن عباسٍ، فقال: غُلِب فريق الموالى، الملامسةُ: الجِماعُ (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ قال: كنا على بابِ ابن عباسٍ. فذكَر نحوَه.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا داودُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قعَد قومٌ على بابِ ابن عباسٍ. فذكَر نحوَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. والملامَسةُ هو النكاحُ (^٤).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيْرٍ، عن الأعمشِ، عن عبدِ الملكِ بن مَيْسَرةَ،\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٠٨ (٥٠٦٦) من طريق سفيان به نحوه، وأخرجه عبد الرزاق كما في الفتح ٨/ ٢٧٢ من طريق بكر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٦٦ من طريق داود به، وتقدم في ص ٦٤ حاشية (٢).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩١٢ (٥٠٩١) من طريق عبد الله بن صالح به نحوه، وعلقه البخاري ٨/ ٢٧١.","vol":"7","page":66},{"text":"عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: اجْتَمَعَت المَوالى والعربُ في المسجدِ وابنُ عباسٍ في الصُّفَّةِ، فاجْتَمَعَت الموالى على [أن اللمسَ ما] (^١) دونَ الجماعِ، واجْتَمَعَت العربُ على أنه الجِماعٌ، فقال ابن عباسٍ: من أيِّ الفريقَيْن أنت؟ قلتُ: مِن الموالى. قال: غُلِبَت الموالي (^٢).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: اللمسُ الجماعُ (^٣).\nوبه عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن بكرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن الأعمشِ، عن حَبيبٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: هو الجماعُ (^٥).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا مالكٌ، عن زُهَيْرٍ، عن خُصيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه (^٦).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن داودَ، عن جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. قال: الجِماعُ (^٧).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أشعثَ، عن الشعبيِّ، عن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أنه اللمس\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٦٦ من طريق الأعمش به نحوه.\n(^٣) تقدم تخريجه ص ٦٤ حاشية (٤).\n(^٤) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة حاشية (٢).\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٦٦ عن حفص به.\n(^٦) تقدم تخريجه ص ٦٥ حاشية (٤).\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٦٦ من طريق حفص به.","vol":"7","page":67},{"text":"عليٍّ ﵁، قال: الجِماعُ (^١).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: الجماعُ (^٢).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا مالكٌ [عن زُهَيرٍ] (^٣)، عن خُصيفٍ، قال: سأَلْتُ مجاهدًا، فقال ذلك (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ والحسنِ، قالا: غِشْيانُ النساءِ (^٥).\nوقال آخَرون: عنَى اللهُ بذلك كلَّ لمسٍ، بيدٍ كان أو بغيرِها مِن أعْضاءِ جسدِ الإنسانِ، وأَوْجَبوا الوضوءَ على (^٦) مَن مسَّ بشَيْءٍ (^٧) من جسدِه شيئًا مِن جسدِها مُفْضِيًا إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1948>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٦٦ من طريق أشعث عن الشعبي عن أصحاب على عن علي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٦٦ من طريق عبد الأعلى به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، وقد تقدم مرارًا.\n(^٤) أخرجه البغوي ٢/ ٢٢٢ بإسناده عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه البغوي ٢/ ٢٢٢ بإسناده عن قتادة والحسن.\n(^٦) بعده في الأصل: \"كل\".\n(^٧) في الأصل: \"شيء\".","vol":"7","page":68},{"text":"مُخارِقٍ، عن طارقِ بن شِهابٍ، عن عبدِ الله، أنه قال شيئًا هذا معناه: الملامسةُ ما دونَ الجِماعِ (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن هِلالٍ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ، أو عن أبي عُبيدةَ - منصورٌ الذي شكَّ - قال: القُبلةُ مِن اللَّمس (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن مُخارِقٍ، عن طارقٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: اللمسُ ما دونَ الجِماعِ (١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن شعبةَ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: قال ابن مسعودٍ: اللمسُ ما دونَ الجماعِ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: القُبْلَةُ مِن اللَّمْسِ (^٤).\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا ابن\n_________\n(^١) أخرجه مسدد كما في المطالب ١/ ٤٧١، ٤٧٢ (١٤٠)، وابن المنذر في الأوسط ١/ ١١٨ (١٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٦١ (٥٣٦٨)، والبيهقى ١/ ١٢٤، من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المس\"، والأثر أخرجه الدارقطنى ١/ ١٤٥ من طريق شعبة به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٦٦ عن وكيع عن سفيان عن مغيرة به، والطبراني (٩٢٢٩) من طريق حماد عن إبراهيم به.\n(^٤) أخرجه الدارقطني ١/ ١٤٥ من طرق سفيان الثورى به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف ١/ ١٣٣ (٥٠٠)، وسعيد بن منصور في سننه (٦٣٩ - تفسير)، والطبراني (٩٢٢٧) من طريق سفيان بن عيينة به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف ١/ ١٣٣ (٤٩٩)، وابن أبي شيبة ١/ ٤٥، وابن المنذر في الأوسط ١/ ١١٧، ١١٨ (١١)، (١٤)، والدارقطنى ١٨/ ١٤٥، والبيهقى ١/ ١٢٤ من طرق عن الأعمش به.","vol":"7","page":69},{"text":"فُضَيْل، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: القُبْلَةُ من اللَّمْسِ، وفيها الوضوءُ (^١).\nحدَّثنا تَميمُ بنُ المُنْتَصرِ، قال: أَخْبَرَنا إسحاقُ، عن شَريكٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ مثلَه.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضَّبِّيُّ، قال: أخْبرَنا سُلَيمُ بنُ أَخْضَرَ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عن محمدٍ، قال: سأَلْتُ عَبيدةَ عن قولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. قال: فأشار بيدِه هكذا. وحكاه سُلَيْمٌ، وأراناه أبو عبدِ اللهِ (^٢)، فضمَّ أصابِعَه (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ وابنُ وَكيعٍ قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سَلَمَةَ بن عَلْقَمَةَ، عن محمدٍ، قال: سأَلْتُ عَبيدةَ، عن قولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. فقال بيدِه، فظننتُ ما عنَى، فلم أَسْأَلْه (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن عَوْنٍ، قال: ذكَروا عندَ محمدٍ مَسَّ الفرجِ، وأَظُنُّهم ذكَروا ما قال ابن عمرَ في ذلك، فقال محمدٌ: قلتُ لعَبيدةَ: قولَه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. فقال بيدِه. فقال ابن عونٍ بيدِه، كأنه يتناوَل شيئًا يَقْبِضُ عليه (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبرَنا خالدٌ، عن محمدٍ، قال: قال\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٦٦ عن ابن فضيل به.\n(^٢) هو أحمد بن عبدة الضبّى.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٦٦ عن وكيع، عن ابن عون به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٤٣ - تفسير)، وابن أبي شيبة ١/ ١٦٣، ١٦٦ عن ابن علية به، بزيادة ذكر ابن عمر كما في الأثر الآتي.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٦٣ من طريق محمد بن سيرين به.","vol":"7","page":70},{"text":"عَبيدةُ: اللمسُ باليدِ (^١).\n[حدَّثني يعقوبُ] (^٢)، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن هشامٍ، عن محمدٍ، قال: سأَلْتُ عَبيدةَ عن هذه الآيةِ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. فقال بيدِه، وضمَّ أصابعَه، حتى عرَفْتُ الذي أراد.\nحدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَنى عبدُ (^٣) اللهِ بنُ عمرَ، عن نافعٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يَتَوَضَّأُ مِن قُبْلِةِ المرأةِ، ويَرَى فيها الوضوءَ، ويقولُ: هي مِن اللِّماسِ (^٤).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانِ، قال: أَخْبَرَنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ، قال: المُلامَسةُ ما دونَ الجماعِ (^٥).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا مُحِلُّ بنُ مُحْرِزٍ، عن إبراهيمَ، قال: اللمسُ مِن شهوةٍ يَنْقُضُ الوضوءَ (^٦).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبرنا شُعبةُ، عن الحكمِ وحمادٍ، أنهما قالا: اللمسُ ما دونَ الجِماعِ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ١/ ١٣٤ (٥٠٤)، وفي التفسير ١/ ١٨٤ من طريق أيوب عن ابن سيرين به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م: \"عبيد الله\"، وانظر تهذيب الكمال ١٦/ ٢٧٨.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق (٤٩٧)، والدارقطنى ١٢/ ١٤٥ من طريق عبد الله بن عمر العمرى به. وأخرجه الدارقطني ١/ ١٤٥ من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر به، وابن أبي شيبة ١/ ٤٥ ومن طريقه الدارقطني ١/ ١٤٥ من طريق عبيد الله بن عمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر. وهو في الموطأ ١/ ٤٣ (٦٤)، وعند الشافعي وابن المنذر والبيهقي وغيرهم.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٦٦ من طريق إسماعيل به.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١/ ١٣٣ (٥٠١) من طريق محل به.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٤٥، ٤٦ من طريق شعبة بنحوه.","vol":"7","page":71},{"text":"حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عطاءٍ قال: المُلامَسةُ ما دونَ الجِماعِ (^١).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن أشعثَ، عن الشعبيِّ، عن أصحابِ عبدِ اللهِ، عن عبدِ اللهِ، قال (^٢): ما دونَ الجماعِ (^٣).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن بَيانٍ، عن عامرٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: الملامسةُ ما دونَ الجماعِ (^٤).\n[حدَّثنا ابن وكيعٍ] (^٥) قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ مثلَه (^٦).\n[حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن منصور، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ مثلَه] (^٥).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ مثلَه (^٦).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن سعيدٍ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللهِ: المُلامَسةُ ما دونَ الجماعِ. ثم قرَأ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص ٦٤، ٦٥ حاشية (٥).\n(^٢) بعده في م: \"الملامسة\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٦٦ من طريق حفص به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٣٨ - تفسير)، والطبراني (٩٢٢٨) من طريق بيان به.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٦٦ من طريق سفيان عن مغيرة به. وتقدم تخريجه ص ٦٩ حاشية (٣).","vol":"7","page":72},{"text":"[حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا ابن بشرٍ، عن زكريا، قال عامرٌ: المُلامسةُ ما دونَ الجماعِ] (^١) (^٢).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن هشامٍ، عن ابن سِيرينَ، قال: سأَلْتُ عَبيدَة عن: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. فقال بيدِه هكذا، فعرَفْتُ ما يَعْنى (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه وحسنِ بن صالحٍ، عن منصورٍ، عن هلال بن يسافٍ، عن أبي عُبيدةَ، قال: القبلةُ مِن اللمسِ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، عن زُهَيْرٍ، عن خُصَيفٍ، عن أبي عُبيدةَ: القُبلةُ والشيءُ (^٥).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى القولَيْن في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: عنَى اللهُ بقولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: الجماعَ دونَ غيرِه من معاني اللمسِ؛ لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قبل بعضَ نسائِه، ثم صلَّى ولم يَتَوَضَّأُ.\nحدَّثني بذلك إسماعيلُ بن موسى السُّديُّ، قال: أَخْبَرَنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، عن الأعمشِ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان النبيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ، ثم يُقَبِّلُ، ثم يُصَلِّي ولا يَتَوَضَّأُ (^٥).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن حَبيبٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أن النبيَّ ﷺ قبل بعضَ نسائِه، ثم خرَج إلى الصلاةِ ولم يَتَوَضَّأُ. قلتُ: مَن\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) تقدم تخريجه ص ٧١ حاشية (٦).\n(^٣) تقدم نحوه عن عبيدة ص ٧٠.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٦٦ من طريق وكيع عن الحسن به. وتقدم تخريجه ص ٦٩ حاشية (٢).\n(^٥) أخرجه الدارقطني ١/ ١٣٨ من طريق إسماعيل بن موسى به.","vol":"7","page":73},{"text":"هي إلا أنتِ. فضحِكَت (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن حجاجٍ، عن عمرِو بن شعيبٍ، عن زَيْنبَ السَّهْميةِ، عن النبيِّ ﷺ أنه كان يُقَبِّلُ، ثم يُصَلِّي ولا يَتَوَضَّأُ (^٢).\nحدَّثنا أبو زيدٍ عمرُ بنُ شَبَّةَ، قال: ثنا شِهابُ (^٣) بنُ عبادٍ، قال: ثنا مِنْدَلٌ، عن ليثٍ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، وعن أبي رَوْقٍ، عن إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَنالُ منى القُبْلَة بعدَ الوُضوءِ، ثم لا يُعيدُ الوُضوءَ (^٤).\nحدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأُمَويُّ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا يزيدُ بنُ سِنانٍ، عن عبدِ الرحمنِ الأوْزاعيِّ، عن يحيى بن أبى كَثيرٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ كان يُقَبِّلُها وهو صائمٌ، ثم لا يُفْطِرُ، ولا يُحْدِثُ وُضوءًا (^٥).\nففى صحةِ الخبرِ فيما ذكَرْنا عن رسولِ اللهِ ﷺ الدَّلالةُ الواضحةُ على أن اللَّمْسَ في هذا الموضعِ لَمْسُ الجِماعِ، لا جَميعُ معاني اللَّمْسِ، كما قال الشاعرُ (^٦):\nوهُنَّ يَمْشين بنا هَمِيسَا\nإنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَميسَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٤٤، وأحمد ٦/ ٢١٠ (ميمنية)، وأبو داود (١٧٩)، وابن ماجه (٥٠٢)، والترمذى (٨٦) عن وكيع به، وابن المنذر في الأوسط ١/ ١٢٨ (١٥)، والدارقطنى ١/ ١٣٧، ١٣٨ (١٥).\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٦٢ (ميمنية)، وابن ماجه (٥٠٣)، من طريق حجاج عن عمرو بن شعيب عن زينب عن عائشة به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٧٩ نقلًا عن المصنف.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سهاد\".\n(^٤) أخرجه الدارقطني ١/ ١٣٧، ١٤٢ من طريق عطاء عن عائشة به، وأخرجه عبد الرزاق (٥١١)، وابن أبي شيبة ١/ ٤٥، وأحمد ٦/ ٢١٠ (ميمنية)، وأبو داود (١٧٨)، والنسائى (١٧٠)، والدارقطني ١/ ١٣٩، ١٤٠ (٢٠) من طريق أبى روق به.\n(^٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣٨٠٥) من طريق سعيد بن يحيى به، وذكره الهيثمي في المجمع ١/ ٢٤٧ وقال: وفيه يزيد بن سنان ضعفه أحمد … وبقية رجاله موثقون.\n(^٦) تقدم في ٣/ ٤٥٩.","vol":"7","page":74},{"text":"يعنى بذلك: نَنِكْ لِماسًا (^١).\nوذُكر أن هذه الآيةَ نزَلَت في قومٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أصابَتْهم جَنابةٌ وهم جراحٌ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1949>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بن نصر، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، عن محمدِ بن جابرٍ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، في المريضِ لا يَسْتَطيعُ الغُسْلَ مِن الجَنابةِ أو الحائضِ، قال: يُجْزِئُهم التَّيممُ. [وقال: أصابَ] (^٣) أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ جِراحةٌ، ففشَتْ فيهم، ثم ابْتُلُوا بالجَنابةِ، فشكَوْا ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فنزَلَت: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الآية كلّها (^٤).\nوقال آخَرون: بل نزَلَت في قومٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ أَعْوَزَهم الماءُ، فلم يَجِدُوه في سَفرٍ لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1950>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعْلَى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بن سليمان، قال: سَمِعْتُ عُبيدَ اللهِ بنَ عمرَ، عن عبدِ الرحمنِ بن القاسمِ، عن عائشةَ، أنها قالت: كنتُ في مَسيرٍ مع رسولِ اللهِ ﷺ، حتى إذا كنا بذاتِ الجَيْشِ (^٥)، ضَلَّ عِقْدى، فَأَخْبَرْتُ بذلك\n_________\n(^١) في الأصل: \"لمسا\". هذا ولم نجد فيما اطلعنا عليه من المراجع أن اللميس هي المرأة الناعمة الملمس، وأنها علم على النساء، كما تقدم في ٣/ ٤٤٦.\n(^٢) كذا في النسخ، ولم نجد فيما اطلعنا عليه من المراجع هذا الجمع. فلعل السياق: وفيهم جراح.\n(^٣) في م: \"ونال\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٠١ من طريق حماد به بنحوه.\n(^٥) ذات الجيش: وادٍ قرب المدينة. التاج (ج ى ش).","vol":"7","page":75},{"text":"النبيَّ ﷺ، فأمَر بالْتماسِه، فالْتُمِس فلم يُوجَدْ، فأناخ النبيُّ ﷺ، وأناخ الناسُ، فباتوا ليلتَهم تلك، فقال الناسُ: حبَسَت عائشةُ النبيَّ ﷺ. قالت: فجاء إليَّ أبو بكرٍ، ورأسُ النبيِّ ﷺ في حِجْرِى وهو نائمٌ، فجعَل يَهْمِرُني ويَقْرُصُنى ويَقولُ: مِن: أجلِ عِقْدِك حبَسْتِ [النبيَّ ﷺ] (^١)! قالت: فلا أَتَحَرَّكُ مَخافةَ أن يَسْتَيْقِظَ النبيُّ ﷺ، وقد أَوْجَعَنى فلا أَدْرِى كيف أَصْنَعُ، فلمَّا رآني لا أُحيرُ (^٢) إليه انْطَلَق؛ فلمَّا اسْتَيْقَظَ النبيُّ ﷺ وأراد الصلاةُ فلم يَجِدْ ماءً، قالت: فأَنْزَلَ اللهُ تعالى آيةَ التَّيممِ. قالت: فقال ابن حُضَيْرٍ: ما هذا بأوَّلِ بَرَكتِكم يا آل أبي بكرٍ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن أيوبَ، عن ابن أبي مُلَيْكةَ، أن النبيَّ ﷺ كان في سفرٍ، ففقدت عائشةُ قِلادةً لها، فأمَر الناسَ بالنُّزولِ، فنزَلوا وليس معهم ماءٌ، فأَتى أبو بكرٍ على عائشةَ، فقال لها: شَقَقْتِ على الناسِ. وقال أيوبُ بيدِه، يَصِفُ أنه قرَصَها، قال: ونزَلَت آيةُ التَّيمُّمِ، ووُجِدَت القِلادةُ في مُناخِ البَعيرِ، فقال الناسُ: ما رأَيْنا قطُّ امرأةً أعْظَمَ بَركةً منها (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الهِلاليُّ، قال: ثني عِمْرانُ بنُ محمدٍ الحَدَّادُ، قال: ثنى الربيعُ بنُ بدرٍ، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن رجلٍ منا مِن بَلَعْرَجِ (^٥)، يقال له: الأسْلَعُ. قال: كنتُ أَخْدِمُ النبيَّ ﷺ، وأَرْحَلُ له، فقال لى ذاتَ ليلةٍ: \"يا أَسْلَعُ، قُمْ فارْحَلْ لى\". قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أصابَتْنَى جَنابةٌ. فسكَتَ ساعةً، ثم دعاني،\n_________\n(^١) في الأصل: \"الناس\".\n(^٢) لا أحير إليه: لا أرد إليه جوابا. اللسان (ح ور).\n(^٣) سيأتي من طريق عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة بنحوه في ص ٧٨، ولعله قد سقط لفظة: \"عن أبيه\" من هذا الإسناد.\n(^٤) سيأتي من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة في ص ٧٩.\n(^٥) بلعرج: هي قبيلة بني قبيلة بني الأعرج.","vol":"7","page":76},{"text":"وأتاه جبريلُ ﵇ بآيةِ الصَّعيدِ، ووصَف لنا ضرْبَتَيْن (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ خالدٍ، قال: حدثنا الربيعُ بنُ بدرٍ، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن رجلٍ منا، يقالُ له: الأَسْلَعُ. قال: كنتُ أَخْدِمُ النبيَّ ﷺ. فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: فسكَتَ رسولُ اللهِ ﷺ شيئًا - أو قال: ساعةً. الشكُّ مِن عمرٍو - قال: وأتاه جبريلُ ﵇ بآيةِ الصَّعيدِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"قُمْ يا أَسْلَعُ فَتَيَمَّمُ\". قال: فتَيَمَّمْتُ، ثم رَحَلْتُ له، قال: فسِرْنا حتى مرَرْنا بماءٍ، فقال: \"يا أَسْلَعُ، مَسَّ - أو: أمِسَّ - هذا جِلْدَك\". قال: وأَرانى التَّيَمُّمَ، كما أراه أبوه؛ ضَرْبةً للوجهِ، وضَرْبةً لليدين و(^٢) المِرْفقَيْن (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ بُغيلٍ (^٤)، قال: ثنا زُهَيْرُ بنُ مُعاويةَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ بن خُثَيْمٍ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ عُبِيدِ اللهِ بن أبي مُلَيْكَةَ، أنه حدَّثه ذَكْوانُ أبو عمرٍو حاجبُ عائشةَ، أن ابنَ عباسٍ دخَل عليها في مرضِها، فقال: أَبْشِرِى، كنتِ أَحَبَّ نساءِ رسول اللهِ ﷺ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ولم يَكُنْ رسولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ إلا طَيِّبًا، وسقَطَت قِلادَتُك ليلةَ الأَبْوَاءِ (^٥)، فَأَصْبَح رسولُ اللهِ ﷺ يَلْتَقِطُها، حتى أصْبَح في المَنْزِلِ، فأصْبَح الناسُ ليس معهم ماءٌ، فأنْزَل اللهُ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فكان ذلك من سببِك، وما أذِن اللهُ لهذه\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني ١/ ١٧٩، والبيهقى ١/ ٢٠٨، والطبراني (٨٧٦) من طريق الربيع بن بدر به. وهو في تفسير مجاهد ص ٣٠١ من طريق آدم عن الربيع بن بدر به.\n(^٢) في م: \"إلى\".\n(^٣) أخرجه الطبراني (٨٧٥) من طريق عمرو بن خالد به.\n(^٤) في النسخ: \"نفيل\". وهو تحريف، والمثبت هو الصواب. وانظر تهذيب الكمال ٧/ ٥، وتبصير المنتبه ١/ ٩٧.\n(^٥) الأبواء: قرية من أعمال الفرع من المدينة بينها وبين الجحفة مما يلى المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا. معجم البلدان ١/ ١٠٠.","vol":"7","page":77},{"text":"الأُمَّةِ مِن الرُّخْصَةِ (^١).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيْرٍ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنها اسْتعَارَت مِن أسماءَ قِلادةً، فهَلَكَت، فبعَث رسولُ اللهِ ﷺ رِجالًا في طلبِها، فوجَدوها، وأدْرَكَتهم الصلاةُ وليس معهم ماءٌ، فصلَّوْا بغيرِ وُضوءٍ. فشكَوْا ذلك إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فأنْزَل اللهُ آيةَ التَّيممِ، فقال أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ لعائشةَ: جزاكِ اللهُ خيرًا، فواللهِ ما نزَل بكِ أمرٌ تَكْرَهينه إلا جعَل اللهُ لكِ وللمسلمين فيه خيرًا (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثنى عمى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، قال: أَخْبَرَني عمرُو بنُ الحارثِ، أن عبدَ الرحمنِ بنَ القاسمِ، حدَّثه عن أبيه، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ، أنها قالت: سقَطَت قِلادةٌ لى بالبَيْداءِ، ونحن داخِلون إلى المدينةِ، فأناخ رسولُ اللهِ ﷺ ونزَل، فبينا رسولُ اللهِ ﷺ في حِجْرى راقدٌ، أقْبَل أبي، فلكَزَنى لكْزةً (^٣)، ثم قال: حبِسْتِ الناسَ [في قِلادةٍ! فقالت عائشةُ: فَبِيَ الموتُ؛ لِمكان رسول اللهِ ﷺ منى وقد أوجعَنى] (^٤)، ثم إن رسولَ اللهِ ﷺ اسْتَيْقَظ وحضَرَت الصبحُ، فالتُمِس ماءٌ (^٥)، فلم يُوجَدْ، ونزَلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآيةَ [المائدة: ٦]. قال: أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ: لقد بارَك اللهُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/ ٧٥، والدارمي في الرد على الجهمية ص ٢٢ من طريق زهير به، وأحمد ٤/ ٢٩٨، ٣٠٠ (٢٤٩٦، ٣٢٦٢) من طريق ابن خثيم به.\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٥٧ (ميمنية)، والبخارى (٣٣٦)، من طريق ابن نمير به.\nوأخرجه البخارى (٣٧٧٤، ٤٥٨٣، ٥٨٨٢)، ومسلم (٣٦٧/ ١٠٩)، وأبو داود (٣١٧)، والنسائي (٣٢٢)، وابن ماجه (٥٦٨) من طرق عن هشام به.\n(^٣) اللَّكز: هو الضرب بجُمْع الكف في جميع الجسد. وقيل: هو الوجء في الصدر. تاج العروس (ل ك ز).\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في م: \"الماء\".","vol":"7","page":78},{"text":"للناس فيكم يا آل أبي بكر، ما أنتم إلا بركةٌ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ شَبِيبٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ بن خُثَيْمٍ، عن عبدِ اللهِ بن أبى مُلَيْكَةَ، قال: دخلَ ابن عباسٍ على عائشةَ، فقال: كنتِ أعْظمَ المسلمين بركةً على المسلمين، سقَطَت قِلادتُكَ بالأَبْواءِ، فَأَنْزَل اللهُ فيك آيةَ التيممِ (^٢).\n[حدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن هشامِ بن (^٣) عُروة، عن أبيه، قال: سقَطت قِلادةٌ لها ليلةَ بالأبْواءِ، فأرسَل رسولُ اللهِ ﷺ من رجلَين، فأدركَتْهما الصلاةُ، ولم يكنْ معهما ماءٌ، فلم يَدْرِيا كيف يَصنعان، فأنزَل اللهُ التيممَ، فقال لها أُسيدُ بنُ حُضَيرٍ: جزاكِ اللهُ خيرًا، فما نزَل بك أمرٌ تَكرهينه إلا جعَل اللَّهُ لكِ منه مَخرجا، وجعَل للمسلمين فيه خيرًا (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: حدثنا ابن أبى عديٍّ، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ، قالت: كنا في مَسيرٍ ففقدتُ قِلادتي فالتمستُها، فجاء أبو بكرٍ، فقال: حبَستِ الناسَ وقد حضَرت الصلاةُ وليس ماءٌ! فقلتُ: أبي، فقدتُ قِلادَتى، فقال: قبَّحَها اللهُ مِن قِلادَةٍ. فأناخَ، وأناخ الناسُ، ونزَلت آيةُ التُّيمُّمِ، فتيمَّم الناسُ وصَلُّوا الغَداةَ. قال ابن أبى مُلَيكَةَ: إنها كانت مباركةً] (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٦٠٨، ٦٨٤٥) من طريق ابن وهب به. وأخرجه مالك ومن طريقه أحمد ٦/ ١٧٩ (ميمنية)، والبخارى (٣٣٤، ٣٦٧٢، ٥٢٥٠)، ومسلم (٣٦٧)، والنسائى (٣٠٩) وغيرهم عن عبد الرحمن بن القاسم به.\n(^٢) أخرجه الحاكم ٤/ ٨، ٩ من طريق ابن عيينة به، وأخرجه أحمد ٣/ ٣٨٩ (١٩٠٥)، وابن حبان (٧١٠٨)، وأبو نعيم ٢/ ٤٥ من طرق عن ابن خثيم به.\n(^٣) في الأصل: \"عن\". وهو خطأ.\n(^٤) أخرجه الحميدى (١٦٥) عن سفيان عن هشام عن أبيه عن عائشة به.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) تقدم من طريق عروة والقاسم عن عائشة في ص ٧٨.","vol":"7","page":79},{"text":"واخْتَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ البصريين والكوفيين ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، بمعنى: أو لَمَسْتُم نساءَكم ولمَسْنَكم.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرِأة الكوفيين: (أوْ لَمَسْتُمُ النِّساء) بمعنى: أو لَمَسْتُم أنتم أيُّها الرجالُ نساءَكم (^١).\nوهما قراءتان مُتَقارِبتا المعنى؛ لأنه لا يَكونُ الرجلُ لامِسًا امرأتَه إلا وهى لامِستُه، فاللَّمْسُ في ذلك يَدلُّ على معنى اللِّماس، واللِّماسُ على معنى اللمسِ مِن كلِّ واحدٍ منهما صاحبَه، فبأيِّ القراءتين قرَأ ذلك القارئُ فمُصيبٌ؛ لاتفاقِ معنَيَيهْما.\n\n<span data-type='title' id=toc-1951>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾: أو لمَسْتُم النساءَ، فطلَبْتُم الماءَ لتَتَطَهَّرُوا به، فلم تَجِدوه بثمنٍ ولا غيرِ ثمنٍ ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾. يقولُ: فتعَمَّدوا. وهو \"تفَعَّلوا\" مِن قوِل القائلِ: تيَمَّمْتُ كذا - إِذا قصَدْتَه وتَعَمَّدْتَه - فأنا أَتَيَمَّمُه. وقد يقال منه: يمَّمَه فلانٌ فهو يُتَمِّمُه، وأمَّمْتُه (^٢) أنا وأمَمْتُه خفيفةً، وتَيَمَّمْتُ وتأمَّمْتُ، ولم يُسمَع فيها يَمَمْتُ خَفيفةً، ومنه قولُ أغْشَى بني ثعلبةَ (^٣):\nتَيَمَّمْتُ قَيْسًا وكم دونَه … من الأرضِ من مَهْمَةٍ ذى شَزَنْ\nيعني بقوله: تيمَّمت: تعَمَّدْتُ وقصَدْتُ.\nوقد ذُكِر أنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فأُمُّوا صَعِيدًا) (^٤).\n_________\n(^١) قراءة: (لمستم) بغير ألف هي قراءة حمزة والكسائي، وقراءة: ﴿لَامَسْتُمُ﴾ بألف هي قراءة الباقين. ينظر السبعة في القراءات ص ٢٣٤ وحجة القراءات ص ٢٠٤، ٢٠٥.\n(^٢) في م: \"وأيممته\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ٤/ ٦٩٨.\n(^٤) هي شاذة لم ترد عن أحد من العشرة.","vol":"7","page":80},{"text":"وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1952>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عَبْدانُ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ المبارك، قال: سمِعْتُ سفيانَ يقولُ في قولِه: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. قال: تَحَرَّوْا؛ تعَمَّدوا (^١) صَعيدًا طيِّبًا (^٢).\nوأما الصَّعيدُ، فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا فيه؛ فقال بعضُهم: هو الأرضُ الملساءُ التي لا نَباتَ فيها ولا غَرَاسَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1953>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. قال: [الصعيدُ الأرضُ] (^٣) التي ليس فيها شجرٌ ولا نباتٌ (^٤).\nوقال آخرون: بل هو الأرضُ المستويةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1954>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الصعيدُ المُسْتَوِى.\nوقال آخَرون: بل الصعيدُ الترابُ.\n_________\n(^١) في م: \"وتعمدوا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٢ (٥٣٧٢) من طريق ابن المبارك به، وعزاه السيوطي في الدر المنشور ٢/ ١٦١ إلى ابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٧ إلى المصنف.","vol":"7","page":81},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1955>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلَائيُّ، قال: الصعيدُ الترابُ (^١).\nوقال آخَرون: الصعيدُ وجهُ الأرضِ.\nوقال آخَرون: بل هو وجهُ الأرضِ ذاتِ الغُبارِ والترابِ.\nوأولى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: هو وجهُ الأرضِ الخاليةِ مِن الغُروسِ والنباتِ والبناء، المُسْتَوِيةِ. ومنه قولُ ذِى الرُّمَّةِ (^٢).\nكأنَّه بالضُّحَى تَرْمِي الصَّعيد به … دَبَّابةٌ في عِظامِ الرأْسِ خُرْطُومُ (^٣)\nيعنى: تَضْرِبُ به وجهَ الأَرضِ.\nوأما قولُه: ﴿طَيِّبًا﴾ فإنه يعنى به: طاهرًا مِن الأقذارِ والنَّجاساتِ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿طَيِّبًا﴾، فقال بعضُهم: حلالًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1956>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدانُ (^٤)، قال: أخْبرَنا ابن المبارَكِ، قال: سمِعْتُ سفيان يقولُ في قولِه: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. قال (^٥): حَلالًا (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٧ إلى المصنف.\n(^٢) ديوانه ١/ ٣٨٩.\n(^٣) يصف ولد ظبي، يقول: كأنه مِن وسنه ونُعاسه ضربت به الأرضَ الخمر وهى الدبابة. والخرطوم: الخمر السريعة الإسكار. انظر شرح الديوان، واللسان (خرطم).\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبد الرزاق\". وانظر تهذيب الكمال ١٥/ ٢٧٦.\n(^٥) بعده في النسخ: \"قال بعضهم\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٣ (٥٣٧٦) من طريق مهران عن سفيان به.","vol":"7","page":82},{"text":"وقال بعضُهم بما حدَّثني عبدُ اللهِ، قال: ثنا عبْدانُ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ المباركِ، عن ابن جُرَيجٍ قراءةً، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. قال: أطيبُ (^١) ما حولَك. قلتُ: مكانٌ [جُرُزٌ غيرُ بَطِحٍ] (^٢)، أَيُجْزِئُ عنى؟ قال: نعم (^٣).\nومعنى الكلامِ: فإن لم تَجِدوا ماءً أيُّها الناسُ، وكنتُم مرضى أو على سفرٍ أو جاء أحدٌ منكم مِن الغائطِ أو لامستُمُ النساءِ، فأرَدْتُم أن تُصَلُّوا ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾. يقولُ: فتعَمَّدوا وجهَ الأرضِ الطاهرَ، و﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1957>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يعنى تعالى ذكرُه بذلك: فامْسَحوا منه بوجوهِكم وأيديكم.\nولكنه تركَ ذكْرَ \"منه\" اكْتِفاء بدَلالةِ الكلامِ عليه\nوالمسحُ منه بالوجهِ أن يَضْرِبَ المُتَيمِّمُ بيديه على وجهِ الأرضِ الطاهرِ، أو ما قام مَقامَه، فيَمْسَحَ بما علقِ مِن الغبارِ وجهَه، فإن كان الذي علقِ به مِن الغُبارِ كثيرًا، فنفَخ عن يديه أو نفَضَهما فجائزٌ، وإن لم يَعْلَقُ بيديه مِن الغُبارِ شيءٌ وقد ضرَب بيديه أو إحداهما الصعيدَ، ثم مسَح بهما أو بها وجهَه، أجْزَأه ذلك؛ لإجماعِ جميعِ الحُجَّةِ على أن المتيمِّمَ لو ضرَب بيديه الصعيدَ، وهو أرضُ رَمْلٍ فلم يَعْلَقْ بيديه منها شيءٌ فتيَمَّم به، أن ذلك مُجْزِئُه، لم يُخالف ذلك مَن يَجوزُ\n_________\n(^١) في الأصل، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الطيب\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جرد غير بطح\"، وفى م: \"جرد غير أبطح\". ومكان جرز، أي: لا ينبت. والبَطِح بمعنى الأَبْطَح: وهو مسيل واسع فيه دقاق الحصى. اللسان (ج ر ز، ب ط ح).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١/ ٢١١ (٨١٥) من طريق ابن جريج به مختصرًا.","vol":"7","page":83},{"text":"أَن يُعْتَدُّ خِلافًا (^١)، فلمَّا كان ذلك إجماعًا منهم كان معلومًا أن الذي يُراد به مِن ضَرْبِ الصَّعيدِ باليدين مباشرةُ الصَّعيدِ بهما بالمعنى الذي أمَر اللهُ بمباشرتِه بهما، لا لأخذ تُرابٍ منه.\nوأمَّا المسحُ باليدين، فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا في الحدِّ الذي أمرَ اللهُ بمسِحه مِن اليدين.\nفقال بعضُهم: حدُّ ذلك الكفَّانِ إلى الزَّنْدَين، وليس على المُتَيمِّمُ مسحُ ما وراءَ ذلك مِن الساعدَيْن.\n\n<span data-type='title' id=toc-1958>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني أبو السائبِ سَلْمُ بن جُنادةُ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن حُصَيْنٍ، عن أبي مالكٍ، قال: تيَمَّم عمَّارٌ، فضرَب بيديه الترابَ ضربةً واحدةً، ثم مسَح يديه (^٢) واحدةً على الأخرى، ثم مسَح وجهَه، ثم ضرَب بيديه أُخرى، فجعَل يَلْوِى يدَه على الأخرى، ولم يَمْسَحِ الذِّراعَ (^٣).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ابن أبي خالدٍ، قال: رأَيْتُ الشَّعْبيَّ وصَف لنا التيممَ، فضرَب بيديه إلى الأرضِ ضربةً، ثم نفَضَهما، ومسَح وجهَه، ثم ضرَب أخرى، فجعَل يَلْوِى كفَّيه إحداهما على الأخرى، ولم يَذْكُرْ أنه مسَح الذِّراعَ (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"بخلافه\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بيديه\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٥٩ من طريق ابن إدريس به نحوه، وابن المنذر في الأوسط ٢/ ٥٢ (٥٤٧)، والدارقطني ١/ ١٨٤ من طريق حصين به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٥٩ عن ابن إدريس، وعبد الرزاق في المصنف ١/ ٢١٣ (٨٢٦) مِن طريق =","vol":"7","page":84},{"text":"حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحْوَصِ، عن حُصَيْنٍ، عن أبي مالكٍ، قال: وضَع عمار بن ياسر كفيه في التراب، ثم رفعهما، فنفَخَهما، فمسَح وجهَه وكفَّيْه، ثم قال: هكذا التيممُ (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا أبو تُميْلَةَ، قال: ثنا سَلَّامٌ مولى حفصٍ، قال: سمِعْتُ عكرمةَ يقولُ: التيممُ ضربتان؛ ضربةٌ للوجهِ، وضربةٌ للكفَّيْن.\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن الأوزاعيِّ، و(^٢) سعيدٍ وابنِ جابرٍ، أن مَكْحولًا كان يقولُ: التيممُ ضربةٌ للوجهِ والكفين إلى الكوع. ويَتَأَوَّلُ مَكْحولٌ القرآنُ في ذلك: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وقوله في التيمم ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]، ولم يَسْتَثْنِ فيه كما اسْتَثْنَى في الوضوء إلى المرافق، قال مَكْحولٌ: قال اللهُ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. فإنما تُقْطَعُ يد السارق مِن مَفْصِلِ الكُوعِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا بشرُ بنُ بكرٍ التِّنِّيسيُّ، عن ابن جابرٍ، أنه رأَى مَكْحولًا يَتَيَمَّمُ؛ يَضْرِبُ (^٤) بيديه على الصَّعيدَ، ثم يَمْسَحُ بهما\n_________\n= ابن أبي خالد به.\n(^١) تقدم في الصفحة السابقة، وأخرجه ابن المنذر في الأوسط ٢/ ٥٢ (٥٤٦) من طريق أبي الأحوص به.\n(^٢) في ص: \"وعن\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\". وانظر تهذيب الكمال ١٧/ ٣٠٧، ٢٨/ ٤٦٤.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٥٩ من طريق معتمر بن برد عن مكحول بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٧ إلى المصنف.\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فضرب\".","vol":"7","page":85},{"text":"وجهه وكفيه بواحدةٍ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ أنه قال: التيمُّمُ ضربةٌ للوجهِ والكفَّيْن (^٢).\nوعلةُ مِن قال هذه المقالةَ مِن الأثَرِ ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عَبْدةُ ومحمدُ بنُ بشرٍ، عن ابن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن عبدِ الرحمنِ بن أَبْزَى، عن أبيه، عن عمارِ بن ياسرٍ، أنه سأَل رسولَ اللهِ ﷺ عن التيممِ، فقال: \"مَرَّةً بالكفين و(^٣) الوجهِ\" (^٤).\nوفي حديثِ ابن (^٥) بشرٍ: أن عمارًا سأَل النبيَّ ﷺ عن التيممِ.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عُبيدُ (^٦) بنُ سعيدٍ القُرشيُّ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن ابن أبْزَى، قال: جاء رجلٌ إلى عمرَ، فقال: إنى أجْنَبْتُ، فلم أَجِدِ الماء (^٧)، فقال له عمارٌ: أَمَا تَذْكُرُ أنَّا كنا (^٨) في مسيرٍ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فأَجْنَبْتُ أنا وأنت، فأمَّا أنت فلم تُصَلِّ، وأمَّا أنا فتمَعَّكْتُ (^٩) في الترابِ وصلَّيْتُ، فأُتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ، فذكَرْتُ ذلك له، فقال: \"إنما كان يَكْفِيك\". وضرَب بكفِّيه الأرضَ،\n_________\n(^١) انظر الأثر السابق.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٥٨ عن ابن علية به نحوه.\n(^٣) في م: \"على\".\n(^٤) أخرجه أبو داود (٣٢٧)، والترمذى (١٤٤)، والنسائى في الكبرى (٣٠٦)، وابن خزيمة (٢٦٧)، والبيهقى ١/ ٢١٠ من طريق ابن أبي عروبة به، وأخرجه أحمد ٣٠/ ٢٥٤ (١٨٣١٩) وغيره من طريق قتادة به.\n(^٥) في الأصل: \"أبي\".\n(^٦) في م: \"عبيدة\". وانظر تهذيب الكمال ١٩/ ٢٠٩.\n(^٧) بعده في م: \"فقال عمر: لا تصل\". وكذا عند مسلم، والمثبت موافق لما في البخارى. وقال ابن حجر في الفتح ١/ ٤٤٣: \"هذه الرواية اختصر فيها جواب عمر، وليس ذلك مِن المصنف، فقد أخرجه البيهقي من طريق آدم أيضًا بدونها.\n(^٨) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٩) الدمعك: التمرغ والتقلب في التراب. اللسان (م ع ك).","vol":"7","page":86},{"text":"ونفَخ فيهما، ومسَح وجهَه وكفيه مرةً واحدةً (^١)؟\nوقالوا: أمَر اللهُ في التَّيمُّمِ بمسِح الوجهِ واليدينِ، فما مسِح مِن وجهِه ويديه في التيمُّمِ أجْزَاه، إلا أن يمْنَعَ مِن ذلك ما يَجِبُ التَّسليمُ له مِن أصلٍ أو قياسٍ.\nوقال آخَرون: حدُّ المسحِ الذي أمَر اللهُ به في التيممِ أن يَمْسَحَ جميعَ الوجهِ واليدين إلى المرفقين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1959>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عمرانُ بن موسى القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا أيوبُ، عن نافعٍ، أن ابنَ عمرَ تَيَمَّم بِمِرْبَدِ النَّعَمِ (^٢)، فضربَ ضربةٌ فمسَح وجهَه، وضرَب ضربةً [فمسَح يديه] (^٣) إلى المرفقين (^٤).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سَمِعْتُ عُبيدَ اللَّهِ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ، أنه قال: التيممُ مَسْحتانِ، يَضْرِبُ الرجلُ بيديه الأرضَ، يَمْسَحُ بهما وجهَه، ثم يَضْرِبُ بهما مرةً أخرى، فيَمْسَحُ يديه إلى المرفقين (^٥).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى، عن (^٦) عُبيدِ اللهِ، قال: أخْبرَنى نافعٍ، عن ابن\n_________\n(^١) علقه البخاري عقب حديث (٣٣٩)، ووصله مسلم (٣٦٨/ ١١٣)، وابن الجارود (١٢٥)، وأبو عوانة ١/ ٣٠٧ من طرق عن شعبة عن الحكم عن سعيدِ بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار به، وأخرجه الطيالسى (٦٧٣ - طبعتنا)، وأحمد ٣٠/ ٢٧٥ (١٨٣٣٢)، والبخارى (٣٣٨ - ٣٤٣)، ومسلم (٣٦٨/ ١١٢، ١١٣)، وغيرهم من طرق عن شعبة عن الحكم عن زر بن عبد الله، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه به.\n(^٢) مِرْبَد النَّعَم: موضع على ميلين مِن المدينة، والمربد: كل شيء حبست فيه الإبل. معجم البلدان ٤/ ٤٨٤.\n(^٣) سقط مِن: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٥٨ من طريق أيوب به.\n(^٥) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٢/ ٤٨ (٥٣٨)، والدارقطني في سننه ١/ ١٨٠، والبيهقى ١/ ٢٠٧ من طريق عبيد الله به بنحوه.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بن\".","vol":"7","page":87},{"text":"عمرَ في التيممِ، قال: ضربةٌ للوجهِ، وضربةٌ للكفين إلى المرفقين (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن عُبيدِ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ قال: كان يقولُ في المسِح في التيممِ إلى المرفقين (^٢).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا ابن عونٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ عن التيممِ، فضربَ بيديه على الأرضِ، فمسَح بهما وجهَه، وضرَب بيديه، فمسَح بهما ذراعيه ظاهرهما وباطنَهما (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. وقال في هذه الآيةِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. قال: أمرَ أن يُمسَحَ في التيممِ ما أمَر أن يُغْسَلَ في الوضوءِ، وأبْطَل ما أمَر أن يُمسَحَ في الوضوءِ؛ الرأسُ والرَّجْلان (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، وحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثني محمدُ بنُ أبي عديٍّ جميعًا، عن داودَ، عن الشعْبيِّ في التيممِ، قال: ضربةٌ للوجهِ واليَدينِ (^٥) إلى المرفقين (^٦).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةً، عن الشعْبيِّ، قال: أمَر بالتيممِ\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطنى ١/ ١٨٠، والبيهقى ١/ ٢٠٧ من طريق يحيى بن سعيد به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١/ ٢١٢ (٨١٩)، والدارقطني ١/ ١٨١ (١٨) من طريق نافع به. وانظر حاشية (٥) في الصفحة السابقة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٥٨ من طريق حبيب بن الشهيد عن الحسن به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١/ ٢١٢ (٨٢١)، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٥٨ كلاهما من طريق داود به بنحوه.\n(^٥) في م: \"ضربة لليدين\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٥٨ عن ابن علية به.","vol":"7","page":88},{"text":"فيما أمَر بالغَسْلِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن أيوبَ، قال: سأَلْتُ سالمَ بنَ عبدِ الله عن التيممِ، فضربَ بيديه على الأرضِ ضربةً، فمسَح بهما وجهَه، ثم ضرب بيديه على الأرضِ ضربةً أخرى، فمسَح بهما يديه إلى المرفقين (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: وأخبرنا حَبيبُ بنُ الشَّهيدِ، عن الحسنِ، أنه سُئِل عن التيممِ فقال: ضربةٌ يَمسَحُ بها وجهَه، ثم ضربةٌ أخرى يَمْسَحُ بها يديه إلى المرفقين (^٣).\nوعلَّةُ مِن قال هذه المَقالةَ أن التيممَ بدلٌ مِن الوضوءِ، فعلى المُتيمِّمِ أن يَبْلُغَ بالترابِ مِن وجهَه ويديه ما كان عليه أن يَبْلُغَه بالماءِ منهما في الوضوءِ.\nواعْتَلُّوا مِن الأثَرِ بما (^٤) حدَّثني به موسى بنُ سهلٍ الرَّمْليُّ، قال: ثنا نُعَيْم بنُ حمادٍ، قال: ثنا خارجةُ بنُ مُصْعبٍ، عن عبدِ اللهِ بن عَطاءٍ، عن موسى بن عُقبَةَ، عن الأعْرجِ، عن أبي جُهَيْمٍ، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَبولُ، فسلَّمْتُ عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، [فلما فرَغ] (^٥) قام إلى حائطٍ، فضربَ بيديه عليه، فمسَح بهما وجهَه، ثم ضرَب بيديه على الحائطِ، فمسَح بهما يديه إلى المرفقين، ثم ردَّ عليَّ السلامَ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٥٩، والدارقطنى ١٨/ ١٨٤ من طريق جرير به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٥٨ من طريق ابن علية به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٥٨ من طريق ابن علية به.\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ما\".\n(^٥) في الأصل: \"حتى فرغ ثم\".\n(^٦) أخرجه الدارقطنى ١/ ١٧٧ من طريق أبي معاذ النحوى عن خارجة به، والشافعي في مسنده ١/ ١٣١، ١٣٢، والبيهقى ١/ ٢٠٥ من طريق أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية عن الأعرج به، ووقع فيه عندهم أن الذي ألقى السلام هو أبو جهيم نفسه، وأن النبي - صلى الله عليه وسل - مسح وجهه وذراعيه، ولفظة: \"ذراعيه\" منكرة من حديث أبي جهيم، وأبو الحويرث ضعيف، وخارجة بن مصعب متروك، والأعرج لم يسمعه من أبي جهيم، والحديث أخرجه البخاري (٣٣٧)، وأبو داود (٣١٠)، والنسائي (٢٧٤)، وابن خزيمة (٢٧٤)، وغيرهم =","vol":"7","page":89},{"text":"وقال آخَرون: الحدُّ الذي أمَرَ اللَّهُ أَن يُبْلَغَ بالترابِ إليه في التيممِ الآباطُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1960>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أَبي سَلَمَةَ التَّنِّيسيُّ، عن الأوْزاعيِّ، عن الزهريِّ، قال: التيممُ إلى الآباطِ (^١).\nوعلةُ مَن قال ذلك أن اللَّهَ جَلَّ ثناؤُه أمَر بمسحِ اليدِ في التيممِ، كما أمَر بمسح الوجهِ، وقد أجْمَعوا أن عليه أن يَمْسَحَ جميعَ الوجهِ، فكذلك عليه أن [يمسحَ] (^٢) جميعَ اليدِ، ومِن طرفِ الكفِّ إلى الإبِطِ يدٌ.\nواعْتَلُّوا مِن الخبرِ بما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا صَيْفيُّ بنُ رِبْعيٍّ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن الزهريِّ، عن عُبيدِ اللهِ بن عبدِ اللهِ، عن أبي اليَقْظانِ، قال: كنا مع رسولِ اللهِ، ﷺ فهلَك عِقْدٌ لعائشةَ، فأقام رسولُ اللهِ ﷺ، حتى أضاء الصبحُ، فتغَيَّظ أبو بكرٍ على عائشةَ، فنزَلَت عليه الرُّخْصةُ؛ المسحُ بالصَّعيد، فدخَل أبو بكرٍ فقال لها: إنك لمُبارَكَةٌ، نزَل فيك رُخصةٌ. فضرَبْنا بأيدينا ضربةً لوجوهِنا (^٣) وضربةً بأيدينا إلى المنَاكبِ والآباطِ (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن الحدَّ الذي لا يُجْزِئُ المُتَيممَ أن يُقصِّرَ عنه في مَسْحِه بالترابِ مِن يديه، الكفَّان إلى الزَّنْدَيْن؛ لإجماعِ الجميعِ على أن التَّقْصيرَ عن ذلك غيرُ جائزٍ، ثم هو فيما جاوَز ذلك مُخَيَّرٌ إن شاء بلَغ بمسحِه\n_________\n= من طريق جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن عمير مولى ابن عباس عن أبي الجهيم به، وانظر الفتح ١/ ٤٤٤، ٤٤٥، وسنن البيهقى ١/ ٢٠٥.\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٧ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لوجهنا\".\n(^٤) أخرجه الطيالسي (٦٧٢) - طبعتنا)، وأحمد ٤/ ٣٢٠ (الميمنية) من طريق ابن أبي ذئب به، وإسناده منقطع؛ عبيد الله بن عبد الله لم يسمع من عمار.","vol":"7","page":90},{"text":"المرْفَقَيْن، وإن شاء الآباطَ.\nوالعلةُ التي مِن أجلِها جعَلْناه مُخَيَّرًا فيما جاوَز الكفين أن اللَّهَ لم يَحُدَّ في مسحِ ذلك بالترابِ في التيممِ حدًّا لا يَجُوزُ التَّقْصيرُ عنه، فما مسَح المُتَيمِّمُ مِن يديه أجْزَأَه، إلا ما أُجْمِع عليه، أو قامَت الحُجَّةُ بأنه لا يُجْزِئُه التَّقْصيرُ عنه (^١)، وقد أجْمَع الجميعُ على أن التَّقْصيرَ عن الكفَّيْن غيرُ مُجْزِئ، فخرَج ذلك بالسُّنَّةِ، وما عدا ذلك فمُخْتَلَفٌ فيه، وإذ كان مختلفًا فيه، وكان الماسحُ بكفيه داخلًا في عمومِ الآيةِ كان خارجًا مما لزِمه مِن فرضِ ذلك.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الجُنُبِ، هل هو ممَّن دخَل في رُخصةِ التيممِ إذا لم يَجِد الماء أم لا؟\nفقال جماعةُ (^٢) أهلِ التأويلِ مِن الصحابِة والتابعين ومن بعدَهم مِن الخالِفين: حُكْمُ الجنبِ فيما لزِمه مِن التيممِ إذا لم يَجِدِ الماءِ حُكْمُ مَن جَاء مِن الغائطِ وسائرِ مَن أحْدَث ممَّن جُعِل التيممُ له طُهورًا لصلاتِه. وقد ذكَرْتُ قولَ بعضِ مَن تأوَّل قولَ اللَّهِ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: أو جامعْتُموهن، وتركنا ذكرَ الباقين؛ لكثرةِ مِن قال ذلك.\nواعتلَّ قائلو هذه المَقالةِ بأن للجنبِ التَّيَمُّمَ إذا لم يَجِدِ الماءَ في سفرِه بإجماعِ الحُجَّةِ على ذلك؛ نقْلًا عن نبيِّها ﷺ، الذي يَقْطَعُ العُذْرَ، ويُزِيلُ الشَّكَّ.\nوقال جماعةٌ مِن المُتَقَدِّمين: لا يُجْزِئُ الجنبَ غيرُ الاغْتِسالِ بالماءِ، وليس له أن يُصَلِّي بالتَّيممِ، والتَّيممُ لا يُطَهِّرُه. قالوا: وإنما جُعِل التيممُ رُخصةً لغيرِ الجنبِ، وتأَوَّلوا قولَ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. قالوا:\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) بعده في م: \"من\".","vol":"7","page":91},{"text":"وقد نهَى اللهُ الجنبَ أن يَقْرَبَ مُصَلَّى المسلمين إلا مُجْتازًا فيه حتى يَغْتَسِل، ولم يُرخِّصْ له في التَّيممِ. قالوا: وتأويلُ قولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: أو لامَسْتُموهن باليدِ دونَ الفرجِ ودونَ الجماعِ. قالوا: فلم نَجِدِ الله رخَّص للجنبِ في التيممِ، بل أمره بالغُسْلِ، وأَلّا يَقْرَبَ الصَّلاةَ إلا مُغْتَسِلًا. قالوا: فالتُّيممُ لا يُطَهِّرُه لصلاتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1961>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعْمشِ، عن شَقِيقٍ، قال: كنتُ مع عبدِ اللهِ بن مسعودٍ وأبي موسى الأشْعَريِّ، فقال أبو موسى: يا أبا عبدِ الرحمنِ، أرأَيْت رجلًا أجْنَب، فلم يَجِدِ الماءِ شهرًا أيَتَيَمَّمُ؟ فقال عبدُ اللهِ: لا يَتَيَمَّمُ، وإن لم يَجِدِ الماءِ شهرًا. فقال أبو موسى: فكيف تَصْنَعون بهذه الآيةِ في سورةِ المائدةِ ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فقال عبدُ اللهِ: إِن رُخِّص لهم في هذا لأَوْشَكوا إذا بَرَد عليهم الماءُ أن يَتَيَمَّموا بالصَّعيدِ. فقال له أبو موسى: إنما كرِهْتُم هذا لهذا؟ قال: نعم. قال أبو موسى: ألم تَسْمَعْ قول عمارٍ لعمرَ: بَعَثْنى رسولُ اللهِ ﷺ في حاجةٍ فأَجْنَبْتُ، فلم أَجِدَ الماءَ، فتَمَرَّغْتُ في الصَّعيدِ، كما تمرَّغُ الدَّابَّةُ؟ قال: فذكَرْتُ ذلك للنبيِّ ﷺ، فقال: \"إنما يَكْفيك أن تَصْنَعَ هكذا\". وضرَب بكفَّيْه ضربةً واحدةً، ومسَح بهما وجهَه، ومسَح كفَّيْه. فقال عبدُ اللهِ: ألم تَرَ عمرَ لم يَقْنَعْ لقولِ عمارٍ (^١)!.\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سُفيانُ، عن سَلمةَ، عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٣١٩)، وفى الكبرى (٣٠٨) عن أبي كريب محمد بن العلاء - وحده - به، وأحمد ٣٠/ ٢٦٩ (١٨٣٢٨)، والبخارى (٣٤٧)، ومسلم (٣٦٨/ ١١٠)، وأبو داود (٣٢١)، وابن خزيمة (٢٧٠) وغيرهم من طريق أبي معاوية به.","vol":"7","page":92},{"text":"مالكٍ، وعن عبدِ اللهِ بن عبدِ الرحمنِ بن أَبْزَى، [عن عبدِ الرحمنِ بن أبزى] (^١)، قال: كنا عندَ عمرَ بن الخطابِ، فأتاه رجلٌ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَّا نَمكُثُ الشهرَ والشهرَيْن لا نَجِدُ الماءَ. فقال عمرُ: أمَّا أنا فلو لم أَجِدِ الماءَ لم أَكُنْ لِأُصَلِّيَ حتى أَجِدَ الماءَ. فقال عمارُ بنُ ياسرٍ: أَتَذْكُرُ يا أميرَ المؤمنين حيثُ كنتَ (^٢) بمكانِ كذا وكذا، ونحن نَرْعَى الإبلَ، فتَعْلَمُ أَنَّا أَجْنَبنا؟ قال: نعم. فأمَّا (^٣) أنا فتَمَرَّغْتُ في الترابِ، فاتَيْنا النبيَّ ﷺ، فضَحِك وقال: \"إن كان الصَّعيدُ لَكافِيك\". وضرَب بكفِّيه الأرضَ، ثم نفَخ فيهما، ثم مسَح وجهَه وبعضَ ذراعيه؟ فقال: اتَّقِ الله يا عمارُ. فقال: يا أمير المؤمنين، إن شئتَ لم أَذْكُرْه. فقال: لا، ولكن نُوَلِّيك مِن ذلك ما توَلَّيْتَ (^٤). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: سألتُ (^٥) إبراهيمَ في دُكَّانِ مسلمٍ الأعورِ، فقلتُ: أَرأَيْتَ إن لم نَجِدِ الماءَ وأنت جنبٌ؟ قال: لا أُصَلِّى (^٦).\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك: أن الجنبَ ممَّن أمَره اللهُ جلَّ ثناؤُه بالتيممِ، إذا لم يَجِدِ الماءَ، والصلاةِ بقولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. وقد بيَّنَّا أن معنى المُلامَسةِ في هذا الموضعِ الجماعُ ثَمَّ، بنقلِ الحُجَّةِ التي لا يَجوزُ الخطأُ فيما نقَلَته مُجْمِعةً عليه، ولا السهْوُ ولا\n_________\n(^١) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م: \"كتا\".\n(^٣) في الأصل: \"قال: أما\".\n(^٤) أخرجه النسائي في الكبرى (٣٠٢) عن ابن بشار به، وأخرجه أحمد ٤/ ٣١٩ (الميمنية) من طريق عبد الرحمن بن مهدي به.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سمعت\".\n(^٦) ذكره الطوسى في التبيان ٣/ ٢٠٨ عن إبراهيم بنحوه.","vol":"7","page":93},{"text":"التَّواطُؤُ والتشاعُرُ (^١)، بأن حكمَ الجنبِ في ذلك حكمُ سائرِ مَن أَحْدَث فلزمه التَّطهُّرُ لصلاتِه مع ما قد رُوِى في ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ مِن الأخبارِ التي قد ذكَرْنا بعضَها وترَكْنا ذكْرَ كثيرٍ منها؛ استغناءً بما ذكَرْنا منها عما لم نَذْكُرْ، وكراهةً منا إطالةَ الكتابِ باسْتِقْصاءِ جميعِه.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، و(^٢) هل ذلك أمرٌ مِن اللهِ بالتَّيممِ كلَّما لزِمه طلبُ الماءِ، أم ذلك أمْرٌ منه بالتيممِ كلما لزِمه الطلبُ وهو مُحْدِثٌ حدثًا يَجِبُ عليه منه الوضوءُ بالماءِ، لو كان للماءِ واجدًا؟\nفقال بعضُهم: ذلك أمرٌ مِن اللهِ بالتيممِ كلما لزِمه فرضُ الطلبِ بعدَ الطلبِ، مُحْدثًا كان أو غيرَ مُحْدِثٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1962>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن الحجاجِ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ ﵁، أنه كان يَقولُ: التيممُ لكلِّ صلاةٍ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ مثلَه.\n_________\n(^١) في م: \"التضافر\". والتشاعر: التواطؤ، مِن قولهم: \"شعر\" أي \"علم\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٦٠، والدارقطني في سنته ١/ ١٨٤، والبيهقى ١/ ٢٢١ من طريق هشيم به.","vol":"7","page":94},{"text":"حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عَبْدانُ، قال: حدَّثنا ابن المُباركِ، قال: أخبرنا عبدُ الوارثِ، قال: أخبرنا عامرٌ الأحْوَلُ، عن نافعٍ أنه حدثه عن ابن عمرَ مثلَ ذلك (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نُوحٍ، قال: حدَّثنا مُجالدٌ، عن الشعبيِّ، قال: لا يُصَلِّي بالتيممِ إلا صلاةً واحدةً (^٢).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبرَنا ابن المُباركِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: يَتَيَمَّمُ لكلِّ صلاة، ويَتَأوَّلُ هذه الآيةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (^٣).\n[حدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا سُوَيدٌ] (^٤)، قال: أخْبرَنا ابن المُباركِ [عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: يَتيممُ الذي لا يجدُ الماءَ لكلِّ صلاةٍ (^٥).\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ] (٤)، قال: ثنا الفِرْيابيُّ، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى بن سعيدٍ وعبدِ الكريمِ و(^٦) رَبيعةَ بن أبى عبدِ الرحمنِ، قالوا: التيممُ لكلِّ صلاةٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا عِمْرانُ القَطَّانُ، عن قتادةَ، عن النخعيِّ، قال: يَتَيَمَّمُ لكلِّ صلاةٍ (^٧).\nوقال آخَرون: بل ذلك أمرٌ مِن اللهِ بالتيممِ بعدَ طلبِ الماءِ مَن لزِمه فرضُ الطلبِ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ١/ ٢٢١ من طريق ابن المبارك به، والدارقطني في سننه ١/ ١٨٤ من طريق عبد الوارث به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٦٠ من طريق مجاهد عن عامر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٦٠ من طريق سعيد به بنحوه.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١/ ٢١٥ (٨٣٣)، والدارقطنى ١/ ١٨٤، والبيهقى ١/ ٢٢١ من طريق عمر به بنحوه.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بن\". وانظر تهذيب الكمال ٩/ ١٢٣، ١٧/ ٣٠٧.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١/ ١٢٥ (٨٣٢) من طريق إبراهيم النخعى به.","vol":"7","page":95},{"text":"إذا كان مُحْدِثًا، فأمَّا مِن لم يَكُنْ أحْدَث بعدَ تطهُّرِه بالترابِ، فلزِمه فرضُ الطلبِ، فليس عليه تَجْديدُ تَيمُّمِه، وله أن يُصَلِّي بتيميه الأولِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1963>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا سُفيانُ بنُ حَبيبٍ، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: التيممُ بمنزلةِ الوضوءِ (^١).\nحدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى السُّديُّ، قال: أخبرنا عمرُ بنُ شاكرٍ، عن الحسنِ، قال: يُصَلِّي المُتَيمِّمُ بتيممِه ما لم يُحْدِثُ، فإن وجد الماء فلْيَتَوَضَّأُ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أَخْبَرَنا هِشامٌ، عن الحسنِ، قال: كان الرجلُ يُصَلِّي الصَّلواتِ كلَّها بوُضوءٍ واحدٍ ما لم يُحْدِثُ، وكذلك المُتَيمِّمُ (^٢) (^١).\n[حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخْبَرنا هشامٌ، عن الحسنِ، قال: كان الرجلُ يُصَلِّي الصَّلواتِ كلَّها بوضوءٍ واحدٍ (^١).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: يُصَلِّي الصَّلواتِ بالتيممِ ما لم يُحدِث] (^٣) (^٤).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا سُفيانُ بنُ حَبيبٍ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٦٠ من طريق يونس به، وعبد الرزاق في المصنف ١/ ٢١٥، ٢١٦ (٨٣٥، ٨٣٦) عن الحسن بنحوه.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"التيمم\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) كذا جاء هذا الأثر في ص، ت ١، وفى ت ٢، ت: ثنا أبي قتادة، ولعل الصواب: ثنا ابن بشار، ثنا معاذ بن هشام، ثنا أبي عن قتادةَ عن الحسن، وقد سبق مرارًا.","vol":"7","page":96},{"text":"عَطاءٍ، قال: التيممُ بمنزلةِ الوضوءِ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وأوْلى القولين في ذلك عندنا بالصوابِ قولُ مَن قال: يَتَيَمَّمُ المُصَلِّى لكلِّ صلاةٍ لزِمه طلبُ الماء للتَّطهُّرِ لها فرضًا؛ لأن الله تعالى ذكرُه أمَر كلَّ قائمٍ إلى الصلاةِ بالتطهُّرِ بالماءِ، فإن لم يَجِدِ الماءَ فالتيممُ، ثم أَخْرَجَ القائمَ إلى الصلاةِ - مِن كان قد تقدَّم قيامَه إليها الوضوءُ بالماءِ - سنةُ رسولِ اللهِ ﷺ، إلا أن يَكونَ قد أحْدَث حَدَثًا يَنقُضُ طَهارتَه، فيَسْقَطَ فرضُ الوضوءِ منه بالسنة، وأما القائمُ إليها وقد تقَدَّم قيامَه إليها التيممُ لصلاةٍ قبلَها، ففرضُ التيممِ له لازمٌ بظاهرِ التَّنْزيلِ بعدَ طلبِه الماءَ إذا أعْوَزَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1964>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن الله لم يَزَلْ عَفُوًّا عن ذنوبِ عبادِه، بتَرْكِه العقوبةَ على كثيرٍ منها ما لم يُشْرِكوا به، كما عفا لكم (^٢) أيُّها المؤمنون عن قيامِكم إلى الصلاةِ التي فرَضَها عليكم في مساجدِكم، وأنتم سُكارَى. ﴿غَفُورًا﴾ يقولُ: ولم يَزَلْ يَسْتُرُ ذنوبهَم بتركِه مُعاجَلتَهم العذابَ على خَطاياهم، كما ستَر عليكم أيُّها المؤمنون بتركِه مُعاجَلتَكم على صلاتِكم في مساجدِكم سُكارى، يقولُ: فلا تَعودُوا لمثلِها فيَنالَكم بعَوْدِكم لما قد نهَيْتُكم عنه مِن ذلك عقوبةٌ (^٣) مُنَكِّلةٌ (^٤).\n\n<span id=\"aya-537\"></span><span data-type='title' id=toc-1965>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٦٠ من طريق ابن جريج به نحوه، ومن طريق المثنى بن الصباح عن عطاء نحوه.\n(^٢) في م: \"عنكم\".\n(^٣) سقط من: ص، م.\n(^٤) المراد: عقوبة تجعلهم عبرة ونكالًا لغيرهم. ينظر اللسان (ن ك ل).","vol":"7","page":97},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: اخْتَلَف أهلِ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ فقال قومٌ: معناه ألم تُخْبَرْ (^١)؟\nوقال آخَرون: معناه ألم تَعْلَمْ؟\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك: ألم تَرَ بقلبِك (^٢) يا محمدُ علمًا إلى الذين أُوتُوا نَصيبًا، وذلك أن الخبرَ والعلمَ لا يَجْلِبان رُؤْيةً (^٣)، ولكنه رُؤيةُ القلبِ بالعلمِ بذلك (^٤) كما قلنا فيه.\nوأما تأويلِ قولِه: ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾. فإنه يعنى: إلى الذين أعْطُوا حَظًّا مِن كتاب الله، فعلموه.\nوذُكِر أن الله جلَّ ثناؤُه عنى بذلك طائفةً مِن اليهودِ؛ الذين كانوا حَوالَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1966>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾: فهم أعداءُ اللهِ اليهودُ، اشْتَرَوُا الضَّلالة.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عِكْرمة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قولِه: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ\n_________\n(^١) في الأصل: \"تخبره\".\n(^٢) في ص: \"يعلمك\".\n(^٣) في الأصل، ص: \"إلى\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لذلك\".","vol":"7","page":98},{"text":"عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٤ - ٤٦] قال: نزَلت في رفاعةَ بن زيدِ بن السائبِ اليهوديِّ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابن (^٢) إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ أو عِكْرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رفاعةُ بنُ زيدِ بن التابوتِ مِن عُظمائهم - يعنى مِن عُظماء اليهودِ - إذا كَلَّم رسولَ اللهِ ﷺ لَوَى لسانَه وقال: راعِنا سمعَك يا محمدُ حتى نَفْهَمَك. ثم طعَن في الإسلامِ وعابَه، فأنزَل اللهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (^٣). [النساء: ٤٤ - ٤٦].\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن (^٤) إسحاقَ بإسنادِه، عن ابن عباسٍ مثلَه (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1967>القول في تأويلِ قولِه: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلّ ثناؤُه بقوله: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾: اليهودَ الذين أُوتوا نصيبًا مِن الكتابِ، يَخْتارون الضلالةِ؛ وذلك الأخْذُ على غيرِ طريقِ الحقِّ، ورُكوبُ غيرِ سبيلِ الرُّشْدِ والصوابِ، على (^٦) العلمِ منهم بقصْدِ السبيلِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س\" أبي\".\n(^٣) أخرجه البيهقى في دلائل النبوة ٢/ ٥٣٣، ٥٣٤ من طريق يونس به، وذكره ابن هشام في السيرة النبوية ١/ ٥٦٠، ٥٦٢ عن ابن إسحاق.\n(^٤) في الأصل، م: \"أبي\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٣ (٥٣٨١) من طريق سلمة به.\n(^٦) في م: \"مع\".","vol":"7","page":99},{"text":"ومنهج الحقِّ، وإنما عنَى الله جلَّ ثناؤُه بوَصْفهم باشترائِهم الضلالةَ مُقامَهم على التكذيبِ لمحمدٍ (^١) ﷺ، وتَرْكَهم الإيمانَ به، وهم عالمِون أن سبيلَ الحقِّ الإيمانُ به وتَصْديقُه بما قد وَجَدوا مِن صفتِه في كتبِهم التي عندَهم.\nوأمَّا قولُه: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾. فإنه (^٢) يعنى بذلك: ويريدُ هؤلاء اليهودُ الذين وصفهم جلَّ ثناؤُه بأنهم أوتوا نصيبًا مِن الكتابِ أن تَضِلُّوا أنتم يا معشرَ أصحابِ محمدٍ ﷺ المُصَدِّقِين به. ﴿أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ يقولُ: أن تَزولوا عن قَصْدِ الطريقِ ومَحَجَّةِ الحقِّ، فتُكذِّبوا بمحمد وتكونوا ضُلَّالًا مثلَهم.\nوهذا مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه تَحذيرٌ منه عبادَه المؤمنين أن يَسْتَنصِحوا أحدًا مِن أعداءِ الإسلامِ في شيءٍ مِن أمرِ دينِهم، أو أن يسمَعوا شيئًا مِن طَعْنِهم في الحقِّ.\n\n<span id=\"aya-538\"></span>ثم أخبرَ اللهُ جلَّ ثناؤُه عن عَداوةِ هؤلاءِ اليهودِ الذين نهىَ المؤمنين أن يَسْتَنصحوهم في دينِهم بأمرِهم (^٣) إياهم، فقال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾. يعنى بذلك تعالى ذكرُه: واللهُ أعلمُ منكم بعداوةِ هؤلاءِ اليهودِ لكم أيُّها المؤمنون. يقولُ: فانتَهُوا إلى طاعتي فيما (^٤) نَهيتُكم عنه مِن استنصاحِهم في دينِكم، فإنى أعلمُ بما هم عليه لكم مِن الغشِّ والعداوةِ والحسدِ، وأنهم إنما يَبْغونكم الغَوائلَ، ويطلُبون أن تَضِلُّوا عن مَحَجَّةِ الحَقِّ، فتَهْلِكُوا.\nوأمَّا قولُه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾. فإنه يقولُ (^٥): فباللهِ أيُّها\n_________\n(^١) في م، ص، ت ١، ت ٢، س: \"محمد\".\n(^٢) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) في ص، ت ١: \"مما\"، وفى م، ت ٢، ت ٣، س: \"عما\".\n(^٥) في الأصل: \"يعنى بقوله\".","vol":"7","page":100},{"text":"المؤمنون فثِقُوا، وعليه فتوَكَّلوا، وإليه فارغَبوا دونَ غيرِه (^١) يَكْفِكم (^٢) مَهَمَّكم، ويَنْصُرُكم على أعدائِكم؛ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾ يقولُ: وكفاكم وحسْبُكم باللهِ ربَّكُم وَلِيًّا يَلِيكم ويلى أمورَكم بالحياطةِ لكم، والحراسةِ مِن أن يَسْتفِزَّكم أعداؤُكم عن دينِكم، أو يَصُدُّوكم عن اتِّباعِ نبيِّكم؛ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يقولُ: وحَسْبُكم أيضًا باللهِ ناصرًا لكم على أعدائِكم وأعداءِ دينِكم، وعلى مَن بَغاكم الغَوائل، وبَغَى دينَكم العوَجَ.\n\n<span id=\"aya-539\"></span><span data-type='title' id=toc-1968>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: ولقولِه تعالى ذكره: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ وَجْهان مِن التأويلِ:\nأحدُهما: أن يكونَ معناه: ألم تَرَ إلى الذين أُوتوا نَصيبًا مِن الكتابِ مِن الذين هادوا يُحَرِّفون الكَلِمَ. فيكونَ قولُه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾. مِن صلةِ ﴿الَّذِينَ﴾. وإلى هذا القولِ كانت عامَّةُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ الكوفة يُوَجِّهون قولَه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ﴾.\nوالآخَرُ منهما: أن يكونَ معناه: مِن الذين هادوا مَن يُحَرِّفُ الكَلِمَ عن مَواضعِه. فتكونَ \"مِن\" محذوفةً من الكلامِ؛ اكتفاءً بدلالةِ قولِه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾. عليها.\nوذلك أن \"مِن\" لو ذُكرت في الكلام كانت بعضًا لـ\" مِن\"،\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"غيركم\".\n(^٢) في الأصل: \"يكفيكم\".","vol":"7","page":101},{"text":"فاكتُفِى بدَلالةٍ \"مِن\" عليها. والعربُ [تَفْعَلُ ذلك إذا ابْتدأت بـ \"مِنْ\" في مبتدأ الكلامِ] (^١)، تقولُ: [مِنَّا يقولُ ذلك، ومِنَّا لا يقولُه] (^٢). بمعنى: مِنَّا مَن يقولُ ذلك، ومِنَّا مَن لا يقولُه. فتحذفُ \"مَن\" اكتفاءً بدلالةِ \"مِن\" عليه، كما قال ذو الرُّمَّة (^٣):\nفَظَلُّوا ومنهم (^٤) دَمْعُه سابِقٌ (^٥) له … وآخَرُ يَثْني (^٦) دَمْعَةَ العَيْنِ بالمهلِ (^٧)\nيعني: ومنهم مَن دَمْعُه. وكما قال اللهُ ﵎: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]. وإلى هذا المعنى كانت عامةُ أهلِ العربيةِ مِن أهل البصرةِ يُوجهون تأويلَ قولِه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾. غير أنهم كانوا يقولون: المُضْمَرُ في ذلك القومُ (^٨)، كأن معناه عندَهم: مِن الذين هادوا قومٌ يُحَرِّفون الكَلِمَ، ويقولون: نظيرُ قولِ النابغةِ (^٩):\nكأنك مِن جِمالِ بنى أُقَيْشٍ … يُقَعْقَعُ خَلْفٌ رِجْلَيهِ بِشَنِّ\nيعني: كأنك جَمَلٌ مِن جِمالِ بني أُقَيْشٍ.\nفأمَّا [نحويو الكوفيين] (^١٠) فيُنْكِرون [أن يكونَ] (^١١) المُضْمَرُ مع \"مِن\" إلا\n_________\n(^١) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ص.\n(^٢) في ص: \"ذلك ومثالا بقوله\"، وفى م: \"منا من يقول ذلك، ومنا لا يقوله\".\n(^٣) شرح ديوان ذي الرمة ١/ ١٤١.\n(^٤) بعده في ص، ت ١: \"من\".\n(^٥) في الأصل: \"سائق\".\n(^٦) في م: \"يذرى\". ويثني: يصرف. اللسان (ث ن ي).\n(^٧) في ص، ت ١: \"بالهمل\". وبالمهل: بالسكينة والتؤدة والرفق. اللسان (م هـ ل).\n(^٨) في الأصل: \"القول\".\n(^٩) تقدم في ١/ ١٧٩.\n(^١٠) في الأصل: \"تحرير الكوفيين\". وفي م: \"نحويو الكوفة\".\n(^١١) سقط من: الأصل.","vol":"7","page":102},{"text":"\"مَن\" أو ما أشبَهها (^١).\nوالقولُ الذي هو أَولى بالصوابِ عندى في ذلك قولُ مَن قال: قولُه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ مِن صِلة: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ لأن الخبرَين جميعًا والصِّفَتَين مِن صفة نوعٍ واحدٍ مِن الناسِ، وهم اليهودُ الذين وَصَف اللهُ جلَّ ثناؤُه صِفَتَهم في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾. وبذلك جاء تأويلُ أهلِ التأويلِ، فلا حاجةَ بالكلامِ - إذ كان الأمرُ كذلك - إلى أن يكونَ فيه متروكٌ.\nوأما تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾. فإنه يقولُ: يُبَدِّلون معناها ويُغَيِّرونها عن تأويلِها (^٢)\nوالكَلِمُ جماعُ كلمةٍ، وكان مجاهدٌ يقولُ: عَنَى بالكلم التوراةَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾: تَبْدِيلُ اليهودِ التوراة (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\nوأمَّا قولُه: ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾. فإنه يعنى: عن أماكنِه ووجوهِه التي هي وجوهُه.\n_________\n(^١) معاني القرآن للفراء ١/ ٢٧١.\n(^٢) في ص، م: \"تأويله\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٨٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٥ (٥٣٨٩). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، مطولًا. وستأتي بقيته.","vol":"7","page":103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1969>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: مِن الذين هادوا يقولون: سِمعنا يا محمدُ قولَك، وعَصينا أمرَك.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسةً، عنبسة، [عن محمدِ] (^١) بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾. قال: قالت اليهودُ: سَمِعنا ما تقولُ، ولا نُطِيعُك.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [قال: حدَّثنا] (^٢) عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾. قالوا: [سَمِعنا، ونحن لا نُطِيعُك] (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1970>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾.</span>\nالله قال أبو جعفرٍ رحمه وهذا خبرٌ مِن اللهِ ﷿ عن اليهودِ الذين كانوا حَوالَىْ (^٥) مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ في عصره، أنهم كانوا يَسُبُّون رسول اللهِ ﷺ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل. وعنبسة هو ابن سعيد الرازي، يروى عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.\n(^٢) في ص، م: \"عن\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٨٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٥ (٥٣٩٢)، وهو بقية الأثر المتقدم.\n(^٤) في ص، م: \"قد سمعنا ولكن لا نطيعك\". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٨٤ عن ابن زيد.\n(^٥) في الأصل: \"خرجوا إلى\".","vol":"7","page":104},{"text":"ويُؤْذونه بالقَبيحِ مِن القولَ، ويقولون له: اسمَعْ منا غيرَ مُسْمَعٍ، كقولِ القائلِ للرجلِ يَسُبه: اسمَعْ، لا أسمَعَك (^١) اللهُ.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾. قال: هذا قولُ أهلِ الكتابِ يهودَ - كهيئةِ ما [تقولُ للإنسانِ] (^٢): اسمَعْ لا سَمِعتَ - أذًى لرسولِ اللهِ ﷺ، وشَتْمًا له واستهزاءً به (^٣).\nحُدِّثتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾. قال: يقولون (^٤) لك: واسمَعْ لا سَمِعتَ (^٥).\nوقد رُوِى عن مجاهدٍ والحسنِ، أنهما كانا يَتأوَّلان ذلك بمعنى: واسمَعْ غيرَ مقبولٍ منك. ولو كان ذلك معناه لقيل: واسمَعْ غير مسموعٍ. ولكن معناه: واسمَعْ لا تَسمَعْ. ولذلك قال اللهُ جلَّ وعز: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾. فوصَفهم بتَحريفِ الكلامِ بألسنتهم، والطَّعْنِ في الدين بسَب النبيِّ ﷺ.\nوأما القولُ الذي ذكرتُه عن مجاهدٍ [والحسنِ فحدثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمن، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ] (^٦):\n_________\n(^١) في الأصل: \"سمعك\".\n(^٢) في ص، م: \"يقول الإنسان\".\n(^٣) سقط مِن: م. وانظر التبيان ٣/ ٢١٣.\n(^٤) في الأصل: \"يقول\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٥، ٩٦٦ (٥٣٩٣، ٥٣٩٤)، والطبراني في الكبير (١٢٠٥٩) من طريق المنجاب به.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"7","page":105},{"text":"﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾. يقولُ: غير مقبولٍ ما تقولُ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾. قال: غيرَ مُسْتَمِعٍ.\nقال ابن جُريج، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾: غيرَ مقبولٍ ما تقولُ.\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾. قال: كما تقولُ: اسمَعْ غَيرَ مَسْموعٍ منك (^٣).\nوحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: كان ناسٌ منهم يقولون: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾. كقولك: اسمَعْ غيرَ صاغرٍ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1971>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾.</span>\n_________\n(^١) بعده في ص، م: \"فهو كما\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٨٢ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٦ (٥٣٩٥)، وتقدم أوله في ص ١٠٣.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٦ (٥٣٩٦) عن الحسنِ بن يحيى به.\n(^٤) في م: \"صاغ\". وقوله: اسمع غير صاغر أي لا أصغرك الله. وقال الأزهرى والراغب: رُوى أن أهل الكتاب كانوا يقولون ذلك للنبي ﷺ، يوهمونه أنهم يعظمونه ويدعون له، وهم يدعون عليه. انظر التاج (س م ع).\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٦ (٥٣٩٧) عن أبي زرعة عن عمرو بن حماد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٨ إلى ابن المنذر، بزيادة.","vol":"7","page":106},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَرَاعِنَا﴾: وراعنا سمعك؛ افهَمْ عَنَّا وأفهِمْنا.\nوقد بيَّنَّا تأويلَ ذلك في سورةِ البقرةِ بأدلته بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه (^١).\nثم أخبرَ اللهُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم يقولون ذلك لرسول اللهِ ﷺ ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾. يعنى: تَحْريكًا منهم ألسنتَهم (^٢) بتَحريفٍ منهم لمعناه إلى المكروهِ مِن مَعْنَيَيه، واستخفافًا منهم بحقِّ النبيِّ ﷺ ﴿وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾.\nكما حدَّثني الحسنُ (^٣) بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، قال: قال قتادةُ: كانت اليهودُ يقولون للنبيِّ ﷺ: راعِنا سمعَك، يَسْتهزئون بذلك، فكانت في (^٤) اليهودِ قبيحةً، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَرَاعِنَا﴾ سمعَك، ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ والليُّ: تَحْريكُهم ألسنتَهم بذلك، ﴿وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ (^٥).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾: كان الرجلُ مِن المشركين يقولُ: أَرْعِنى سمعَك. يَلْوى بذلك لسانَه، يعني: يُحَرِّفُ معناه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) تقدم في ٢/ ٣٧٣.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بألسنتهم\".\n(^٣) في الأصل: \"الحسين\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٣. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٨ إلى ابن المنذر. وينظر ما تقدم في ٢/ ٣٧٥.","vol":"7","page":107},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، إلى: ﴿وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾: فإنهم كانوا يَسْتَهزئون، ويلوون ألسنتَهم برسولِ اللهِ ﷺ، ويطعَنون في الدينِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾. قال: راعِنا طعنَهم في الدينِ، ولَيَّهم بألسنتهم ليُبْطِلوه ويُكَذِّبوه. قال: والرَّاعِنُ: الخطأُ مِن الكلام.\nحُدِّثتُ عن المِنْجابِ (^١)، قال: ثنا بَشْرٌ، قال: ثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾. قال: تَحريفًا بالكذب (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1972>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولو أن هؤلاءِ اليهودَ الذين وَصَف الله صِفَتَهم، قالوا للنبيِّ ﵇: سَمِعنا يا محمدُ قولك، وأطَعنا أمرَك، وقَبلنا ما جئتَنا به مِن عندِ ربِّك، واسمَعْ منا، وانظُرْنا ما نقولُ، وانتَظِرْنا نفهَمْ عنك ما تقولُ لنا ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾. يقولُ: لكان ذلك خيرًا لهم عندَ اللَّهِ وأقومَ، يقولُ: وأعدلَ وأصوبَ في القولِ، وهو مِن الاستقامة مِن قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]. بمعنى: وأصوبُ قِيلًا.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:\n_________\n(^١) في الأصل: \"المنهال\".\n(^٢) في الأصل: \"بالكتاب\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٧ (٥٤٠١) عن أبي زرعة عن المنجاب به.","vol":"7","page":108},{"text":"﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. قال: يقولون: اسمَعْ مِنَّا، فإِنَّا قد سمعنا وأطَعنا، وانْظُرْنا، فلا تَعْجَلْ علينا.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُميْلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، [عن عِكْرمَة ومجاهدٍ] (^١) قولَه: ﴿وَانْظُرْنَا﴾. قال: اسمَعْ مِنَّا.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَانْظُرْنَا﴾. قال: أفهِمْنا.\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن (^٢) ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ: ﴿وَانْظُرْنَا﴾. قال: أفهِمْنا (^٣).\n[حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله] (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الذي قاله مجاهدٌ وعِكْرِمةُ مِن تَوْجيههما معنى: ﴿وَانْظُرْنَا﴾. إلى: اسمَعْ مِنَّا، وتَوْجِيهِ مجاهدٍ ذلك إلى: أفهِمْنا. ما لا يُعرَفُ في كلامِ العربِ، إلا أن يكونَ أراد بذلك من تَوْجيهه إلى: أفهِمْنا، انتظرْنا نَفهَمْ ما تقولُ. أو: انتظِرْنا نَقُلْ حتى تَسمَعَ مِنَّا. فيكونَ ذلك معنًى مفهومًا، وإن كان غيرَ تأويلِ الكلمةِ ولا تفسيرٍ لها ولا يُعرَفُ: \"انظُرْنا\" في كلامِ العربِ، إلا بمعنى انتظِرْنا\n_________\n(^١) في الأصل: \"عن مجاهد عن عكرمة\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٨٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٨ (٥٤٠٧)، وأخرجه أيضًا في ٣/ ٩٦٨ (٥٤٠) من طريق مسلم بن خالد عن ابن أبي نجيح به، بزيادة: لا تعجل علينا سوف نتبعك إن شاء الله، وتقدم أوله في ص ١٠٣.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣.","vol":"7","page":109},{"text":"وانظُرْ إلينا. فأما انظُرْنا (^١) [بمعنى انتظِرْنا] (^٢)، فمنه قولُ الحُطَيئةِ (^٣):\n[وقَدْ نَظَرْتُكُمُ أعشاءَ صادرةٍ … للخِمْسِ طال بها حَوْزِى وتَنْساسِي] (^٤)\nوأما \"انظُرْنا\" بمعنى، انظُرْ إلينا، فمنه قولُ عبدِ اللهِ بن قيسِ الرُّقيَّاتِ (^٥):\nظاهراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنظُرْ … نَ كما يَنْظُرُ الأَراكَ الظِّباءُ\n[بمعنى كما يَنظُرُ] (^٦) إلى الأَرَاكِ الظِّبَاءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1973>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولكنَّ الله ﵎ أخْرَى هؤلاء اليهودَ، الذين وَصَف صفتَهم في هذه الآيةِ، فأقصَاهم وأبعدَهم مِن الرُّشْدِ [واتِّباعِ] (^٧) الحقِّ، ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ يعني: بجحودِهم نُبوَّة نبيِّه محمدٍ ﷺ، وما جاءهم به مِن عندِ ربِّهم مِن الهُدَى والبيناتِ. ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ: فلا يصدِّقون بمحمدٍ ﷺ، وما جاءهم به مِن عندِ ربِّهم، ولا يَقرُّون بنبوَّته ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يقولُ: لا يُصَدِّقون بالحقِّ الذي جئتَهم به يا محمدُ إلا إيمانًا قليلًا.\n_________\n(^١) في الأصل: \"انظر\".\n(^٢) سقط مِن: ص، وفي الأصل: \"فالمعنى انتظر\".\n(^٣) تقدم في ٢/ ٣٨٤.\n(^٤) في الأصل:\n\"وقد نظرتكم اننا صادرة … للخمس طال بها مسحى وتيناس\"\nوفى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣:\n\"وقد نظرتكم لو أن درتكم … يومًا يجيء بها مسحى وإبساسي\"\nوالمثبت مِن مصدر التخريج ومما تقدم.\n(^٥) ديوانه ص ٨٨.\n(^٦) في ص: \"بمعنى ينظرن\"، وفي الأصل: \"ينظر\".\n(^٧) في الأصل: \"باتباع\".","vol":"7","page":110},{"text":"كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: لا يؤمنون هم إلا قليلًا (^١).\nوقد بَيَّنَّا وَجْهَ ذلك بعلَلِه في سورةِ \"البقرةِ\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-540\"></span><span data-type='title' id=toc-1974>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: اليهودَ مِن بني إسرائيلَ الذين كانوا حَوالَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ، قال اللهُ لهم: يا أيُّها الذين أُنزِل إليهم الكتاب فأُعْطُوا العلمَ به، ﴿آمِنُوا﴾ يقولُ: صدِّقوا، ﴿بِمَا نَزَّلْنَا﴾ (^٣) [يعني: بما أنزلنا] (^٤) إلى محمدٍ مِن الفُرْقانِ، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾. يعنى: مُحقِّقًا للذى معكم مِن التوراةِ التي أنزَلتُها إلى موسى بن عِمْرانَ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾.\nواختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: طَمْسُه إياه مَحْوُه آثارَها حتى تصيرَ كالأقْفَاءِ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أن نَطْمِسَ أبصارها، فنُصَيِّرَها عُمْيًا، ولكنَّ الخبرَ خَرج بذِكْرِ الوَجْهِ، والمرادُ به بصرُه، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: فنجعلَ (^٥) أبصارَها مِن قبَلِ أقْفائِها.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٤.\n(^٢) ١/ ٤٠٨، ٤٠٩.\n(^٣) في الأصل، م: \"أنزلنا\".\n(^٤) سقط من: ص، م.\n(^٥) في الأصل: \"فيجعل\".","vol":"7","page":111},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1975>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا﴾. إلى قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾. وطَمْسُها أن تُعْمَى، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. يقولُ: أن نجعلَ وجوهَهم مِن قِبَلِ أقفِيتِهم، فيَمْشون القَهْقَرى، ونجعَلَ لأحدِهم عينَين في قَفاه (^١).\nحدَّثني أبو العالية إسماعيلُ بنُ الهيثمِ العَبْديُّ، قال: ثنا أبو قُتَيبةَ، عن فُضَيلِ بن مَرْزُوقٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ في قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. قال: نجعَلَها في أقفائِها، فتَمْشي على أعقابِها القَهْقَرَى (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسْديُّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بن موسى، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ مَرْزُوقٍ، عن عطيةَ بنحوِه، إلا أنه قال: طَمْسُها أن يَرُدُّها في (^٣) أقفائِها (٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. قال: نُحوِّل وجوهَها قِبَلَ ظهورها (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: مِن قبل أن نُعْمِيَ قومًا عن الحقِّ، فَنَرُدَّها (^٥) على أدبارِها في الضلالةِ والكفرِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٨، ٩٦٩ (٥٤١٢، ٥٤١٥) عن محمد بن سعد به. وانظر مسائل نافع بن الأزرق ص ١٩٨.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٩ عقب الأثر (٥٤١٥) معلقًا.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"على\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٣.\n(^٥) في الأصل: \"فيردها\".","vol":"7","page":112},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1976>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: فنَرُدَّها [عن الصِّراطِ] (^١) الحقِّ، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. قال (^٢): في الضلالِة (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾: عن (^٤) صِراطِ الحَقِّ، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: في الضلالِة.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبرَنا ابن المُباركِ قراءةً عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال (^٥) مَعْمَرٌ، و(^٦) قال: الحسنُ: ﴿نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾. يقولُ: نَطْمِسَها عن الحقِّ، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: على ضَلالتِها (^٧).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ إلى قولِه: ﴿كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ\n_________\n(^١) في الأصل: \"على الصراط عن\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٨٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٦٩٦ (٥٤١٤، ٥٤١٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في الأصل: \"على\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أخبرنا\".\n(^٦) سقط من: ص.\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٣، ١٦٤. وستأتي بقيته في ص ١٢٠.","vol":"7","page":113},{"text":"السَّبْتِ﴾. قال: نَزَلت في مالكِ بن الصَّيفِ، ورِفاعةَ بن زيدِ بن التابوتِ، مِن بنى قَيْنُقاعَ، أمَّا: ﴿أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. يقولُ: فنُعْمِيَها عن الحقِّ، ونُرْجِعَها كفارًا (^١).\nحُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: يعنى أن نَرُدَّهم عن الهدى والبَصيرةِ، فقد رَدَّهم على أدبارِهم، فكَفَروا بمحمدٍ ﷺ وما جاء به (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: مِن قبلِ أن نَمْحُوَ آثارَهم مِن وجوهِهم التي هم بها، وناحيتِهم التي هم بها نُزولٌ (^٣)، فنَرُدُّها على أدبارِها مِن حيثُ جاءوا (^٤) منه بَدِيًّا (^٥) مِن الشامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1977>ذكر مِن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. قال: كان أبي يقولُ: إلى الشام (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٨، ٩٦٩ (٥٤١٠، ٥٤١٧) مِن طريق أحمد بن مفضل به بزيادة: ويجعلهم قردة.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٩ إلى ابن المنذر نحوه.\n(^٣) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في الأصل: \"جاء\".\n(^٥) في الأصل: \"فديا\"، وفى م: \"بدءا\". والبديّ - بالتشديد -: الأول. والمعنى: في أول أمرهم. ينظر اللسان (ب دو).\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم عن ابن زيد، بزيادة: أي رجعت =","vol":"7","page":114},{"text":"وقال آخرون (^١): بل معنى ذلك: مِن قَبْلِ أن نَطْمِسَ وجوهًا فَنَمْحُو آثارَها ونُسَوِّيَها، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: بأن نجعلَ الوجوهَ مَنابِتَ للشَّعَرِ، كما وجوهُ القِرَدةِ مَنابِتُ للشَّعَرِ؛ لأن شُعورَ بنى آدمَ في أدبارِ وجوهِهم، فقالوا: إذا أنْبَتَ الشُّعورَ في وجوهِهم، فقد رَدَّها على أدبارِها، بتَصْييرِه إيَّاها كالأقفاءِ وأدبارِ الوجوهِ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مِن قال: معنى قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾: مِن قبل أن نَطْمِسَ أبصارَها، ونَمْحُو آثارَها، فنُسَوِّيها كالأقْفاءِ، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: فنَجْعلَ أبصارَها في أدبارِها.\nيعنى بذلك: فنَجعَلَ الوجوهَ في أدبارِ الوجوهِ، فيكونُ معناه: فنُحوِّلَ الوجوهَ أقْفاءِ، والأقفاءَ وجوهًا، فيَمْشوا (^٣) القَهْقَرَى. كما قال ابن عباسٍ وعطيةُ ومَن قال ذلك.\nوإنما قُلنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن الله جلَّ ثناؤه خاطَب بهذه الآيةِ اليهودَ الذين وَصَف صفتَهم بقولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾. ثم حَذَّرهم تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. الآيةَ بأسَه وسَطُوتَه، وتَعْجيلَ عِقابِه لهم، إن هم لم يُؤْمِنوا بما أمَرهم بالإيمانِ به، ولا شَكّ\n_________\n= إلى الشام من حيث جاءت ردوا إليه. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٩ (٥٤١٨) عن يونس بن عبد الأعلى به، مثله، دون ذكر زيد بن أسلم.\n(^١) معاني القرآن للقراء ١/ ٢٧٢.\n(^٢) بعده في الأصل: \"ذكر من قال ذلك\".\n(^٣) في ص، م: \"فيمشون\".","vol":"7","page":115},{"text":"أنهم كانوا لمَّا أمَرهم بالإيمانِ به يومَئذٍ كفارًا.\nوإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ فسادُ قولِ مَن قال: تأويلُ ذلك: [من قبلِ] (^١) أن نُعْمِيها عن الحقِّ فنَرُدَّها في الضلالةِ، [وما] (^٢) وَجْهُ رَدِّ مَن هو في الضلالِة فيها؟ وإنما يُرَدُّ في الشيءِ مِن كان خارجًا منه، فأما مَن هو فيه، فلا وَجْهَ لأَنْ يقالَ: يَرُدُّه فيه.\nوإذ كان ذلك كذلك، وكان صحيحًا أن الله جلَّ ثناؤه قد تَهَدَّد الذين ذكَرهم في هذه الآيةِ، بِرَدِّه وجوهَهم على أدبارِهم، كان بَيِّنًا فسادُ تأويلِ مَن قال: معنى ذلك: يُهَدِّدُهم بِرَدِّهم في ضَلالتِهم.\nفأما الذين قالوا: معنى ذلك: مِن قبلِ أن نجعَلَ الوجوهَ مَنابِتَ للشَّعَرِ، كَهَيْئةِ وجوهِ القِرَدةِ، فقولٌ لقولِ أهلِ التأويلِ مُخالفٌ، وكَفَى بخُروجِه عن قولِ أهلِ العلمِ مِن الصحابةِ والتابعين، فمَن بعدهم مِن الخالِفين، على خطِئه شاهدًا.\nوأما قولُ مَن قال: معناه: مِن قبل أن نَطْمِسَ وجوهَهم التي هم فيها، فنَرُدُّهم إلى الشامِ مِن مساكنِهم بالحجازِ ونَجْدٍ، فإنه وإن كان قولًا له وَجْهٌ، فممَّا (^٣) يدلُّ عليه ظاهرُ التنزيلِ بعيدٌ، وذلك أن المعروفَ مِن الوجوهِ في كلامِ العربِ [إذا هي ذُكرت مطلقةً غيرَ موصولةٍ بما (^٤) يَدُلُّ على أنها عُنى بها غيرُ الوجوهِ التي هي خلافُ الأقفاءِ، أنه مرادٌ بها] (^٥) التي هي خلافُ الأقفاءِ، وكتابُ الله جلَّ ثناؤُه يُوَجَّهُ (^٦) تأويلُه إلى\n_________\n(^١) سقط من: ص، م.\n(^٢) في ص، م: \"فما\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كما\".\n(^٤) في الأصل: \"ما\"، وما أثبتناه موافق لسياق الكلام.\n(^٥) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في الأصل: \"موجه\".","vol":"7","page":116},{"text":"الأغلب في كلامِ مَن نَزَل بلسانه، حتى [يأتىَ ما] (^١) يَدُلُّ على أنه مَعْنِيٌّ به غيرُ ذلك مِن الوجوهِ التي (^٢) يجِبُ التسليمُ له.\nوأما الطَّمْسُ: فهو العُفُوُّ والدُّثورُ في استواءٍ، ومنه يقالُ: طُمِسَتْ أَعلامُ الطريقِ تَطْمِسُ طُمُوسًا. إذا دَثَرَتْ وعفَت (^٣)، فانْدقَّت (^٤) واستَوتْ بالأرضِ، كما قال كعبُ بنُ زُهَيرٍ (^٥):\nمِن كُلِّ نَضَّاخَةِ (^٦) الذِّفْرَى إِذا عَرَقَت … عُرْضَتُها طَامِسُ الأعلامِ مَجْهولُ\nيعني بطامِس (^٧) الأعلامِ: دائِرَ الأعلامِ مُنْدَقَّها (^٨)، ومِن ذلك قيل للأعمى الذي قد تَعَفَّى غَرُّ (^٩) ما بينَ جَفْنَى عَيْنَيه فدُثِر: أعمى مَطْموسٌ وطَمِيسٌ. كما قال اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦].\nقال أبو جعفرٍ: [الغَرُّ: الشَّقُّ] (^١٠) الذي بينَ الجَفْنَيْنِ (^١١).\nفإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ كما وَصَفتَ مِن تأويلِ الآية، فهل كان ما تَوَعَّدهم به؟\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) بعده في م: \"ذكرت دليل\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تعفت\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فاندفنت\".\n(^٥) تقدم في ٤/ ١١.\n(^٦) في الأصل، ص، ت ١: \"نضاحة\". وينظر ما تقدم في ٤/ ١١.\n(^٧) في الأصل: \"بقوله طامس\"، وفي ص، ت ٢: \"طامس\".\n(^٨) في ص، م: \"مندفنها\".\n(^٩) سقط من: الأصل، م، ت ١، ت ٣.\n(^١٠) في الأصل: \"العرا الشق\"، وفي م: \"العراسق\".\n(^١١) في م: \"الخفين\".","vol":"7","page":117},{"text":"قيل: لا (^١)، لم يكن؛ لأنه آمَن منهم جماعةٌ؛ منهم عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ، وثَعْلَبَةُ بنُ سَعْيَةَ (^٢)، وأُسَيْدُ (^٣) بنُ سَعْيَةَ (^٢)، وأَسَدُ بنُ عُبَيدٍ، ومُخَيْرِيقٌ (^٤)، وجماعةٌ غيرُهم، فدفَع عنهم بإيمانِهم.\nومما يُبَيِّنُ عن أن هذه الآيةَ نزَلَت في اليهودِ الذين ذَكَرنا صفتَهم، ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، وحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ جميعًا، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، أو (^٥) عِكْرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: كَلَّم رسولُ اللَّهِ ﷺ رؤساءَ مِن أحبارِ يهودَ؛ منهم عبدُ اللهِ بن صُوريَا، وكعبُ بنُ أسدٍ (^٦)، فقال لهم: \"يا معشرَ يهودَ، اتَّقُوا الله وأسْلِموا، فواللهِ إنكم لتَعْلَمون أن الذي جِئْتُكم به لحَقٌّ\". فقالوا: ما نَعْرِفُ ذلك يا محمدُ. وجَحَدُوا ما عَرَفوا، وأصَرُّوا على الكفرِ، فأنزَل اللهُ فيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾. إلى آخرِ الآيةِ (^٧).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن عيسى بن المُغِيرةِ، قال:\n_________\n(^١) سقط مِن: م.\n(^٢) في الأصل، ص: \"شعبة\". وينظر سيرة ابن هشام ٢/ ٢٣٨، والبداية والنهاية ٦/ ٨١.\n(^٣) في ص، م: \"أسد\". وينظر البداية والنهاية الموضع السابق.\n(^٤) في الأصل: \"محيريز\"، وفى ص، م: \"مخيرق\". وينظر سيرة ابن هشام ١/ ٥١٤، والبداية والنهاية ٥/ ٦، ٨، ٤١٦، ٤١٧.\n(^٥) في الأصل: \"و\".\n(^٦) في الأصل: \"أسيد\". وينظر سيرة ابن هشام، ١/ ٥١٥، والبداية والنهاية ٥/ ٧، ٥٥١، ٥٥٢.\n(^٧) أخرجه ابن إسحاق، كما في الدر المنثور ٢/ ١٦٨، وأخرجه البيهقى في الدلائل ٢/ ٥٣٣ من طريق يونس بن بكير به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٨ (٥٤١١) من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة، من قوله. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٨ إلى ابن المنذر.","vol":"7","page":118},{"text":"تَذاكَرْنا عندَ إبراهيمَ إسلامَ كعبٍ، فقال: أسلَم كعبٌ في زمنِ عمَر، أقبَل وهو يريدُ بيتَ المَقْدسِ، فمَرَّ على المدينة، فخَرَج إليه عمرُ، فقال: يا كعبُ؛ أسِلمْ. قال: ألَسْتُم تَقْرَءون في كتابِكم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]. وأنا قد حَمَلتُ التوراة. قال: فتَرَكه، ثم خَرَج حتَّى انتَهى إلى حِمْصَ. قال: فسَمِع رجلًا مِن أهلِها حزينا، وهو يقولُ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. الآية. فقال كعبٌ: يا ربِّ آمَنْتُ، يا ربِّ أَسْلَمْتُ. مخافةَ أن تُصِيبَه هذه (^١) الآيةُ، ثم رجع فأتَى أهلَه باليمن، ثم جاء بهم مسلمين (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1978>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾: أو نَلْعَنَكم، فنُخْزِيَكم، ونجعلكم قردةً، [﴿كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ يقول: كما أَخْزَيْنا الذين اعتدَوا في السبتِ مِن أسلافِكم. قيل ذلك] (^٣) على وَجْهِ الخطابِ في قولِه: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾. كما قال ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس:٢٢].\nوقد يحتملُ أن يكونَ معناه: مِن قَبْل أن نَطْمِسَ وجوهًا، فنَرُدُّها على أدبارِها، أو نَلْعَنَ أصحابَ الوجوه، فجعل الهاءَ والميمَ في قولِه: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾. مِن ذكرِ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٨٥ عن المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٨ إلى المصنف. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٦٩ (٥٤١٣) من وجه آخر بلفظ آخر.\n(^٣) في الأصل: \"وقال: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ فرجع إلى الخبر عن الغائب. وقد مضى الكلام قبل ذلك\".","vol":"7","page":119},{"text":"أصحابِ الوجوهِ، إذ كان في الكلامِ دَلالةٌ على ذلك.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1979>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشْرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ إلى قولِه: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾. أي: نُحوِّلَهم قِرَدةً (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾. يقولُ: أو نجعَلَهم قِرَدةً (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾: أو نَجَعَلَهم قِرَدةً (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾: [قال: هم يهودُ جميعًا، نَلْعَنُ هؤلاء، كما لَعَنَّا الذين لَعَنَّا منهم مِن أصحابِ السبتِ] (^٤).\nوأما قولُه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. فإنه يعنى: وكان جميعُ ما أمَر اللهُ جلَّ ثناؤُه أن يكونَ كائنًا مخلوقًا موجودًا، لا يمتنعُ عليه خلقُ شيءٍ شَاء خَلْقَه.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٦٣ عن معمر عن قتادة.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٠ (٥٤١٩) عن الحسن بن يحيى به. وتقدم أوله في ص ١١٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٠ عقب الأثر (٢٤١٩) من طريق أسباط به.\n(^٤) سقط مِن: الأصل.","vol":"7","page":120},{"text":"والأمرُ في هذا الموضعِ المأمورُ، سُمِّى أمرَ اللهِ جلَّ ثناؤُه؛ لأنه عن أمرِه كان وبأمرِه. والمعنى: وكان ما أمَر اللهُ به مفعولًا.\n\n<span id=\"aya-541\"></span><span data-type='title' id=toc-1980>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾. و﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^١): فإن الله لا يغفرُ الشِّرْكَ به والكفرَ، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾: الشركِ، ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾: مِن أهلِ الذنوب والآثامِ.\nفإذا كان ذلك معنى الكلامِ، فإن (^٢) قولَه: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾. في موضعِ نصبٍ بوقوعِ ﴿يَغْفِرُ﴾ (^٣) عليها، وإن شئتَ قلتَ (^٤) بفَقْدِ الخافضِ الذي كان يَخْفِضُها لو كان ظاهرًا. وذلك أن يُوجَّه معناه إلى: إن الله لا يَغْفِرُ أَن (^٥) يُشْرَكَ به، على تأويلِ الجَزاءٍ، كأنه قيل: إن الله [لا يغفرُ] (^٦) ذَنْبًا مع شِرْكٍ أو عن شِرْكٍ به.\nوعلى هذا التأويلِ، يَتَوجَّه أن [تكونَ \"أن\" في موضعِ خَفْضٍ] (^٧) في قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ (^٨).\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"أي\".\n(^٢) بعده في الأصل: \"من\".\n(^٣) في الأصل: \"فغفر\".\n(^٤) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بأن\".\n(^٦) سقط من: الأصل.\n(^٧) في الأصل: \"يكون في مع خفض\".\n(^٨) معاني القرآن للفراء ١/ ٢٧٢.","vol":"7","page":121},{"text":"وذُكر أن هذه الآيةَ نَزَلَت في سببِ (^١) أقوامٍ ارْتابوا في أمرِ المشركين حينَ (^٢) نَزَلَت: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-1981>ذكرُ الخبر بذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ثنى مُجَبَّرٌ (^٣)، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، أنه قال: لمَّا نزَلت: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. الآية. قام رجلٌ، فقال: والشِّرْكُ يا نبيَّ اللهِ. فكَرِه ذلك النبيُّ ﷺ، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (^٤).\nحُدِّثت عن عَمَّارٍ [بن الحسنِ] (^٥)، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قال: أخبرَنى مُجَبَّرٌ (٣)، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، أنه قال: لما نَزَلَت هذه الآيةُ: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. قام رجلٌ فقال: والشِّرْكُ يا نبيَّ اللهِ. فكره ذلك النبيُّ ﵇، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.\nحدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا الهيثمُ بنُ حَمَّادٍ (^٦)،\n_________\n(^١) سقط من: م. وفى ص، ت ٢: \"سب\".\n(^٢) في الأصل: \"حتى\".\n(^٣) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مخبر\"، وفى م: \"محبر\". وغير منقوطة في ص. والمثبت من مصدر التخريج. وينظر المؤتلف والمختلف للدارقطني ٤/ ٢٠١٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٠ (٥٤٢٢) من طريق ابن أبي جعفر به. وينظر الحلية ٣/ ٢٢٦.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى ص: \"ابن الحسين\".\n(^٦) كذا في النسخ، وتفسير ابن كثير عن المصنف. والصواب جَمَّاز. ينظر المؤتلف والمختلف للدارقطني ٢/ ٧٤١.","vol":"7","page":122},{"text":"قال: ثنا بكرُ بنُ عبدِ اللهِ المُزَنيُّ، عن ابن عمرَ، قال: كُنَّا معشرَ أصحابِ النبيِّ ﷺ، لا نَشُكُّ في قاتلِ المؤمنِ (^١)، وآكِلِ مالِ اليتيم، وشاهدِ الزورِ، وقاطعِ الرَّحِمِ، حتى نَزَلَت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فأمسَكْنا عن الشهادِة (^٢).\nوقد أبانَت هذه الآيةُ أن كلَّ صاحبِ كبيرةٍ ففى مَشِيئةِ اللهِ، إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقَبه عليه ما لم تكُنْ كبيرتُه (^٣) شِرْكًا باللهِ ﵎.\n\n<span data-type='title' id=toc-1982>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومَن يُشْرِكْ باللهِ في عبادتِه غيرَه مِن خَلْقِه، ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، يقولُ: فقد اختَلَق إثمًا عظيما، وإنما جعَله عز ذكرُه مُفْتَرِيًا؛ لأنه قال زُورًا وإفكًا بجُحودِه وحدانيةَ اللهِ، وإقرارِه بأن للهِ ﷿ شَريكًا مِن خلقِه أو (^٤) صاحبةً أو ولدًا. فقائلُ ذلك مُفْتَرٍ، وكذلك كلُّ كاذبٍ فهو مُفْتَرٍ في كذبِه مُخْتَلِقٌ له.\n_________\n(^١) في ص، م: \"النفس\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧١ (٥٤٢٦) من طريق الهيثم، عن سلام بن أبي مطيع، عن بكر به. وذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٩٠ عن ابن أبي حاتم، وقال: ورواه ابن جرير مِن حديث الهيثم به، فالله أعلم.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧١ (٥٤٢٧)، والطبراني في الأوسط في تفسيره (٣٠٢١) من طريق آخر عن بكر به. وأخرجه البزار (٣٢٥٤ - كشف)، وأبو يعلى (٥٨١٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٠ (٥٤٢١)، وابن عدى ٢/ ٨٢٥ من طريقين عن نافع، عن ابن عمرَ. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢١١ رواه البزار، وإسناده جيد. وعزاه ابن كثير إلى ابن مردويه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٩ إلى ابن الضريس وابن المنذر، قال: بسند صحيح.\n(^٣) في م: \"كبيرة\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".","vol":"7","page":123},{"text":"<span id=\"aya-542\"></span><span data-type='title' id=toc-1984>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بذلك تعالى ذكرُه: ألم تَرَ يا محمدُ بقلْبِك الذين يُزَكُّون أنفسَهم مِن اليهودِ فيُبَرِّئُونها مِن الذنوبِ، ويُطَهِّرونها.\nواختَلف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي كانت اليهودُ تُزَكِّي به أنفسَها؛ فقال بعضُهم: كانت تَزْكِيتُهم أنفسَهم قولَهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-1983>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشْرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾: وهم أعداءُ اللَّهِ اليهودُ، زَكَّوا أنفسَهم بأمرٍ لم يَبْلُغوه، فقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. وقالوا: لا ذنوبَ لنا (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن الحسنَ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى، قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. وقالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ (^٢) [البقرة: ١١١].\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن عُبَيدِ بن سُليمانَ، عن الضحاكِ، قال: قالت اليهودُ: ليست لنا ذنوبٌ إلا كذُنوبِ أولادِنا يومَ\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ٢٣٣، وابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٨١ عن قتادة.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٢ (٥٤٣١) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"7","page":124},{"text":"يُولَدون، فإن كانت لهم ذنوبٌ، فإن لنا ذنوبًا، فإنما نحن مِثْلُهم. قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: قال أهلُ الكتابِ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. وقالوا: نحن على الذي يُحِبُّ الله. فقال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. حينَ زعَموا أنهم يَدْخُلون الجنةَ، وأنهم أبناءُ اللَّهِ وأحباؤه وأهل طاعتِه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾: نَزَلَت في اليهودِ، [قالت (^٣) اليهودُ] (^٤): إنا نُعَلِّمُ أبناءَنا التوراةَ صِغارًا، فلا تكونُ لهم ذنوبٌ، وذنوبُنا مثلُ ذنوبِ أبنائِنا، ما عَمِلنا بالنهارِ كُفِّر عنا بالليلِ (^٥).\nوقال آخرون: بل كانت تَزْكيتُهم أنفسَهم، تَقْديمَهم أطفالَهم لإمامتِهم في صلاتِهم، زعمًا منهم أنهم لا ذنوبَ لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1985>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: يهودُ كانوا يُقَدِّمون صِبْيانَهم في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٢ (٥٤٣٢) من طريق آخر عن الضحاك.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٩١ عن ابن زيد.\n(^٣) في ص: \"وقالت\".\n(^٤) في م: \"قالوا\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٢ عقب الأثر (٥٤٣٠) من طريق أسباط به.","vol":"7","page":125},{"text":"الصلاةِ فَيَؤمُّونهم، يَزْعُمون أنهم لا ذنوبَ لهم، فتلك التَّزْكيةُ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن الأعرجِ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يُقَدِّمون الصِّبْيانَ أمامَهم في الدعاءِ والصلاةِ، يَؤمُّونهم، ويزعُمون أنهم لا ذنوبَ لهم، فتلك تَزْكيةٌ. قال ابن جُرَيجٍ: هم اليهودُ والنصارى.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن حُصَينٍ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: نَزَلَت في اليهودِ كانوا يُقَدِّمون صِبْيانَهم، يقولون: ليست لهم ذنوبٌ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن [أبي مَكِينٍ] (^٣)، عن عِكْرمةَ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: كان أهلُ الكتابِ يُقَدِّمون الغِلمانَ الذين لم يَبْلُغوا الحِنْثَ (^٤) يُصَلُّون بهم، يقولون: ليس لهم ذنوبٌ. فأنزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٨٣. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٠ إلى المصنف. وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٢ عقب الأثر (٥٤٣٠) معلقًا.\n(^٣) في الأصل: \"أبي مسكين\". وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٥٠.\n(^٤) يقال: بلغ الغلام الحنثَ، أي الإدراك والبلوغ، وهو مجاز. وقيل: إذا بلغ مبلغا جرى عليه القلم بالطاعة والمعصية. وقيل: الحنث الحُلُمُ. تاج العروس (ح ن ث).\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٠ إلى المصنف، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٢ عقب الأثر (٥٤٣٠) معلقا. وأخرج ابن أبي حاتم ٣/ ٩٧٢ (٥٤٣٠) نحوه من طريق آخر عن عكرمة عن ابن عباس.","vol":"7","page":126},{"text":"وقال آخرون: بل تزكيتُهم أنفسَهم كانت قولَهم: إن أبناءَنا يَسْتَشْفِعون (^١) لنا ويُزَكُّوننا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1986>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: وذلك أن اليهودَ قالوا: إن أبناءَنا (^٢) تُوفُّوا وهم لنا قُرْبةٌ عند الله، ويَسْتَشْفِعون لنا (^١) ويُزَكُّوننا. فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه لمحمدٍ ﵇: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (^٣).\nوقال آخرون: بل ذلك كان منهم تزكيةً مِن بعضِهم لبعضٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1987>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المَسْعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، [عن جدِّه] (^٤)، عن الأعمشِ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن طارقِ بن شهابٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: إن الرجلَ ليَغْدو بدينِه، [ثم يَرْجِعُ] (^٥) وما معه منه شيءٌ، يَلْقَى الرجلَ ليس يَملِكُ له نفعًا ولا ضرًّا، فيقولُ: واللهِ إنك [لذيْتَ وذَيْتَ] (^٦). فلعلَّه (^٧) أن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سيشفعون\".\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قد\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٩٢ عن المصنف مِن طريق العوفى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٠ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: ص، م. وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٤١٧.\n(^٥) سقط من: الأصل.\n(^٦) ذيت وذيت: من ألفاظ الكنايات، يقولون: كان مِن الأمر ذيت وذيت. أي كيت وكيت. التاج (ذ ى ت).\n(^٧) في م: \"ويجعله\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ولعله\".","vol":"7","page":127},{"text":"يَرجِعَ، ولم يَحْلَ (^١) مِن حاجتهِ بشيءٍ، وقد أسْخَط الله عليه، ثم قرَأ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. الآية (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى تَزْكية القومِ الذين وَصَفهم اللهُ بأنهم يُزَكُّون أنفسَهم: وَصْفُهم إياها بأنها لا ذنوبَ لها ولا خَطايا، وأنهم لله جلَّ ثناؤُه أبناءٌ وأحباءُ، كما أخبرَ اللهُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم كانوا يقولونه؛ لأن ذلك هو أظهرُ مَعانيه، لإخبارِ اللهِ عنهم أنهم (^٣) إنما كانوا يُزَكُّون أنفسَهم دونَ غيرِها.\nوأما الذين قالوا: معنى ذلك، تَقْديمُهم أطفالهَم للصلاةِ، فتأويلٌ لا تُدْرَكُ صحتُه إلا بخبرٍ حُجَّةٍ يُوجِبُ العلم.\nوأما قولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾. فإنه تكذيبٌ مِن الله ﷿ المُزَكِّين أنفسَهم مِن اليهودِ والنصارى، المُبَرِّئيها مِن الذنوبِ. يقولُ اللهُ لهم: ما الأمرُ كما زعَمتم؛ أنه لا ذنوب لكم ولا خَطايا، وأنكم بُرَآءُ مما يَكْرَهُه اللهُ، ولكنكم أهلُ فِرْيةٍ وكذبٍ على اللهِ، وليس المُزكَّى مَن زَكَّى نفسَه، ولكنه الذي يُزَكِّيه الله، واللهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ مِن خلقِه، [فيطهِّرُه ويبرِّئُه] (^٤) مِن الذنوبِ؛ بتَوفيقه لاجْتِنابِ ما يَكْرَهُه مِن مَعاصيه إلى ما يَرْضاه مِن طاعِته.\n_________\n(^١) حَلى منه بخير وحلا: أصاب منه خيرًا. قال ابن بري: وقولهم: لم يحل بطائل، أي لم يظفر ولم يستفد منها كبير فائدة، ولا يُتكلَّم به إلا مع الجحد. اللسان (ح ل و).\n(^٢) سقط من الأصل.\nوالأثر أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٨٢٤)، والخلال في السنة (١٤٨٧، ١٥٤٩، ١٥٥٠)، والحاكم ٤/ ٤٣٧ من طريق قيس به.\n(^٣) في م: \"أنها\".\n(^٤) في الأصل: \"بتطهيره وتبرئته\".","vol":"7","page":128},{"text":"وإنما قلنا: إن ذلك كذلك؛ لقوله جلّ ثناؤُه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. فأخبَر (^١) أنهم يَفْتَرون على اللهِ الكذبَ بدَعْواهم أنهم أبناءُ اللهِ وأحباؤُه، وأن اللهُ جلَّ ثناؤُه قد طَهَّرهم مِن الذنوبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1989>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولا يَظْلِمُ اللَّهُ هؤلاء الذين أخبرَ عنهم أنهم يُزَكُّون أنفسَهم ولا غيرَهم مِن خلقه، فيُبْخَسَهم - في تَرْكه تَزْكيتَهم وتَزْكيةَ مَن تَرَكَ تَزْكيتَه، وفى تَزْكِيةِ مَن زَكَّى مِن خلقه - شيئًا مِن حقوقِهم، ولا يَضَعُ شيئًا في غيرِ موضعهِ، ولكنه يُزَكِّي مَن يَشَاءُ مِن خَلقِه، فيُوَفِّقُه، ويَخذُلُ مَن يشاءُ مِن أهل مَعاصِيه، كلُّ ذلك إليه وبيدِه، وهو في كلِّ ذلك غيرُ ظالمٍ أحدًا، ممن زَكَّاه أو لم يُزَكِّه، فَتِيلًا.\nواختَلف أهلُ التأويلِ في معنى الفَتِيلِ؛ فقال بعضُهم: هو ما خَرَجَ مِن بين الإصْبَعَين والكَفَّين مِن الوَسَخِ، إذا فَتَلْتَ إحداهما بالأخرى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1988>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، [قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ] (^٢)، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن قابوسَ [بن أبي ظَبْيانَ] (^٣)، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: الفَتِيلُ: ما خَرَج مِن بين إصْبَعَيكَ (^٤).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وأخبر\".\n(^٢) سقط مِن ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣ وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٣٩٧.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ٢، ت ٣. وينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٣٢٧.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"7","page":129},{"text":"حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكّام، عن عَنْبَسةَ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدَانيِّ، عن التِّميميِّ (^١)، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن قولِه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال: ما فَتَلْتَ بينَ إصْبَعَيك.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن يزيدَ (^٢) بن دِرْهمٍ أبى العلاءِ، قال: سَمِعتُ أبا العالية، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال: الفَتِيلُ: هو الذي يخرُجُ مِن بين إِصْبَعَى الرجلِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال (^٣): الفَتِيلُ: هو أن تَدْلُكَ (^٤) إصْبَعَيكَ، فما خرَج منهما (^٥) فهو ذلك.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال: الفَتِيلُ: الوَسَخُ الذي يَخْرُجُ مِن بين الكَفِّين (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: الفَتِيلُ ما فَتَلْتَ به يَدَيك، فَخَرَجَ وَسَخٌ (^٧).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"التيمي\" وهو تحريف. وهو أربدة التميمي. ينظر تهذيب الكمال ٢/ ٣١٠.\n(^٢) في م \"زيد\". وينظر الجرح والتعديل ٩/ ٢٦٠.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٤) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بين\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢ ت:٣ \"بينهما\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٢ عقب الأثر (٥٤٣٤) معلقًا.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٢ عقب الأثر (٥٤٣٤) معلقًا من طريق أسباط به.","vol":"7","page":130},{"text":"حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال: ما تَدْلُكُه في يَدَيك، فيَخْرُجُ (^١) بينَهما (^٢).\nوأناسٌ يقولون: هو (^٣) الذي يكونُ في شَقِّ (^٤) النَّوَاةِ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1990>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَتِيلًا﴾. قال: الذي في شَقِّ (^٦) النواة (^٧).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن طَلْحةَ بنَ عمرٍو (^٨)، عن عطاءٍ، قال: الفَتِيلُ: الذي في بَطْنِ النواة (^٩).\nحدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وهب، قال: ثني طلحةُ بنُ عمرٍو، أنه سمِع عطاءَ بنَ أبي رباحٍ يقولُ. فذكَر مثلَه (^٩).\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فخرج\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٢ (٥٤٣٤) من طريق منصور به. وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور ٢/ ١٧١ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد.\n(^٣) سقط من: ص، م.\n(^٤) في م: \"بطن\".\n(^٥) بعده في الأصل، ص، ت ١، ت ٢،: \"وقال آخرون الفتيل الذي في شق النواة\"، وبيِّنٌ أنه تكرار.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بطن\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٣ (٥٤٣٥) من طريق عبد الله بن صالح به. وينظر مسائل نافع بن الأزرق ص ١٢٨، والدر المنثور ٢/ ١٧١.\n(^٨) في الأصل: \"عمر\". وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٤٢٧.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٣ (٥٤٣٦) من طريق وكيع به. وطلحة متروك.","vol":"7","page":131},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاج، قال: قال ابن جُرَيج: أخبرَني عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ، أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: الفَتِيلُ: الذي في شَقِّ النّوَاةِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى (^٢) بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قال: الفتيلُ في النواةِ.\nحدَّثنا الحسنُ (^٣) بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال: الفَتِيلُ الذي في شَقِّ النَّوَاةِ (^٤).\nحُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبَيدُ بنُ سُليمانَ، قال: سَمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ: الفَتيلُ: شَقُّ النَّوَاةِ (^٥)\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الفَتِيلُ: الذي في بَطْن النَّوَاةِ.\nحدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرَنا يزيد، قال: حدَّثنا جُوَيبرٌ، عن الضَّحاكِ، قال: الفَتِيلُ: الذي يكونُ في شَقِّ النَّوَاةِ.\nحدَّثنا المُثَنَّى (^٦)، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾: فَتِيلُ النَّوَاةِ: شَقُّها (^٧).\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٣ عقب الأثر (٥٤٣٦) معلقًا بلفظ: بطن النواة.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"محمد\".\n(^٣) في الأصل: \"الحسين\"، وتقدم كثيرًا.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٤، ٣٨٢.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٣ عقب الأثر (٥٤٣٦) معلقًا.\n(^٦) في الأصل: \"ابن المثنى\". وتقدم كثيرا.\n(^٧) سقط مِن ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣. والأثر في تفسير مجاهد ص ٢٨٣.","vol":"7","page":132},{"text":"حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن عَطِيةَ، قال: الفَتِيلُ: الذي في بَطْنِ النَّوَاةِ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وأصلُ الفَتِيلِ: المفتولُ، صُرِف عن (^٢) \"مفعول\" إلى \"فعيل\"، كما قيل: صَريعٌ ودَهِينٌ. مِن مَصْروعٍ ومَدْهونٍ.\nوإذ كان ذلك كذلك، فكان اللهُ جلَّ ثناؤُه إنما قصَد بقولِه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. الخبرَ عن أنه لا يظلِمُ عبادَه أقلَّ الأشياءِ التي لا خَطَرَ لها، فكيف بما له خَطَرٌ، [وكان] (^٣) الوَسَخُ الذي يخرجُ مِن بين إصْبَعَى الرجل، أو مِن بين كَفَّيْهِ إِذا فَتَل إحداهما على الأخرى، كالذى هو في شَقِّ النواةِ وبَطْنِها، وما أشْبَه ذلك مِن الأشياءِ التي هي مَفْتولةٌ، مما لا خطرَ له ولا قيمةَ، فواجبٌ أن يكونَ كلُّ ذلك داخلًا في معنى الفَتيلِ، إلا أن (^٤) يُخرج شيئًا مِن ذلك ما يجبُ التسليمُ له مما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ.\n\n<span id=\"aya-543\"></span><span data-type='title' id=toc-1991>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بذلك عز ذكرُه: انظُرْ يا محمدُ كيف يَفْتَرى هؤلاء الذين يُزَكُّون أنفسَهم مِن أهلِ الكتابِ، القائلون: نحن أبناء اللهِ وأحباؤُه، وإنه لن يَدخُلَ الجنةَ إلا مِن كان هودًا أو نصارى، الزاعِمون أنه لا ذنوبَ لهم، الكَذِبَ والزُّورَ مِن القولِ، فيَختَلِقونه على اللَّهِ، ﴿وَكَفَى بِهِ﴾. يقولُ: وحَسْبُهم بقِيلهم ذلك الكذبَ والزورَ على اللهِ جلَّ ﴿إِثْمًا﴾، لهم (^٥)\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٣ عقب الأثر (٥٤٣٦) معلقًا.\n(^٢) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٣) في الأصل: \"فكان\".\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"7","page":133},{"text":"﴿مُبِينًا﴾. يعنى أنه يُبَيِّنُ كذبَهم السامعيه، ويُوضِّحُ لهم أنهم أَفَكَةٌ فَجَرَةٌ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى، ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. [بقيلهم ذلك] (^١).\n\n<span id=\"aya-544\"></span><span data-type='title' id=toc-1993>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ألم تَرَ بقلبِك يا محمدُ إلى الذين أُعْطوا ﴿نَصِيبًا﴾ (^٢): حَظًّا مِن كتاب اللَّهِ، فَعَلِموه، ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ يعنى يُصَدِّقون بالجِبْتِ والطاغوتِ، ويَكْفُرون باللَّهِ، وهم يَعْلَمون أن الإيمانَ بهما، باللهِ (^٢) كُفْرٌ، والتصديقَ بهما شِرْكٌ.\nثم اختَلف أهلُ التأويلِ في معنى الجِبْتِ والطاغوتِ؛ فقال بعضُهم: هما صَنَمان كان المشركون يعبُدُونهما مِن دونِ اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1992>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، قال: أخبرَنا أيوب، عن عِكْرمةَ أنه قال: الجِبْتُ والطاغوتُ صَنَمان (^٣).\nوقال آخرون: الجِبْتُ الأصنام، والطاغوتُ تَراجِمةُ الأصنام.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٥.","vol":"7","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1994>ذكر مِن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾: الجبْتُ الأصنامُ، والطاغوتُ الذين يكونون بينَ يدَى (^١) الأصنام، يُعبِّرون عنها الكذبَ؛ ليُضِلُّوا الناسَ، وزَعَم رجالٌ أن الجبْتَ الكاهِنُ، والطاغوتَ رجلٌ مِن اليهودِ يُدْعَى كعب بن الأشرف، كان سَيِّدَ اليهودِ (^٢).\nوقال آخرون: الجِبْتُ: السِّحْرُ، والطاغوتُ الشيطانُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1995>ذكر مِن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي عَدِيٍّ، عن شُعْبَةَ، عن أبي إسحاقَ، عن [حَسَّانَ بن فائدٍ] (^٣)، قال: قال عمرُ: الجِبْتُ: السحرُ، والطاغوتُ الشيطانُ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن حَسَّانَ بن فائدٍ العَبْسيِّ، عن عمرَ مثلَه (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أيدى\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٥ (٥٤٤٦، ٥٤٥١) عن محمد بن سعد به، إلى قوله: ليضلوا الناس.\n(^٣) في الأصل: \"حسان بن قائد\"، وفى ص: \"حيان بن قائد\". وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حبان بن فائد\". وتقدم في ٤/ ٥٥٦.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٨٤ من طريق أبي إسحاق به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٥، ٣/ ٩٧٤، ٩٧٥ (٢٦١٨، ٥٤٤٣، ٥٤٤٩) من طريق وكيع به. وينظر ما تقدم في ٤/ ٥٥٦.","vol":"7","page":135},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عمَّن حدَّثه، عن مجاهدٍ، قال: الجِبْتُ السحرُ، والطاغوتُ الشيطانُ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا زكريا، عن الشعبيِّ، قال: الجِبْتُ السحرُ، والطاغوتُ الشيطانُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. قال: الجبْتُ السحرُ، والطاغوتُ (^٣) الشيطانُ في صورةِ إنسانٍ يَتَحاكمون إليه، وهو صاحبُ أمرهم (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عبدُ الملكِ، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ، قال: الجبْتُ السحرُ، والطاغوتُ الشيطانُ و(^٥) الكاهنُ.\nوقال آخرون: الجِبْتُ الساحرُ، والطاغوتُ الشيطانُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1996>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرَنا ابن زيدٍ، قال: كان أبي يقولُ: الجِبْتُ الساحرُ، والطاغوتُ الشيطانُ.\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ٢٣٤ عن مجاهد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٢ إلى المصنف وعبد بن حميد، بلفظ: الجبت: الساحر، والطاغوت: الشيطان. وينظر ما تقدم في ٤/ ٥٥٦.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٤، ٩٧٥ عقب الأثر (٥٤٤٩،٥٤٤٣) معلقًا. وينظر ما تقدم في ٤/ ٥٥٦.\n(^٣) بعده في الأصل: \"من\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٨٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٩٥، ٣/ ٩٧٦ (٢٦٢١، ٥٤٥٥).\n(^٥) في الأصل: \"في\".","vol":"7","page":136},{"text":"وقال آخرون: الجِبْتُ الساحرُ، والطاغوتُ الكاهنُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1997>ذكر مِن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بِشْرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. قال: الجِبْتُ الساحرُ بلسانِ الحبشة، والطاغوتُ الكاهنُ (^١).\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ (^٢)، قال: ثنا داودُ، عن رُفَيعٍ، قال: الجِبْتُ الساحرُ، والطاغوتُ الكاهنُ (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن أبي العاليةِ أنه قال: الطاغوتُ الساحرُ، والجبْتُ الكاهنُ (^٤)\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، عن داودَ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. قال: أحدُهما السحْرُ، والآخَرُ الشيطانُ (^٥).\nوقال آخرون: الجِبْتُ الشيطانُ، والطاغوتُ الكاهنُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٢ إلى المصنف. وصحح إسناده الحافظ في الفتح ٨/ ٢٥٢. وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٤، ٩٧٦ عقب الأثر (٥٤٤٣، ٥٤٥٣) معلقًا بلفظ: الجبت السحر.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأعلى\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٨٤ من طريق داود به، بلفظ: والطاغوت الكافر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٢ إلى المصنف. وقد ذكره المصنف في ٤/ ٥٦١ عن ابن المثنى به وقال: قد خولف عبد الأعلى في هذه الرواية ثم ذكر رواية عبد الوهاب السابقة.\n(^٥) ينظر تفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٩٧٤، ٩٧٥ (٥٤٤٣، ٥٤٤٩)، وتفسير ابن كثير ٢/ ٢٩٣.","vol":"7","page":137},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1998>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ (^١): كُنَّا نُحدَّثُ أن الجبْتَ شيطانٌ، والطاغوتُ الكاهنُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيّ، قال: الجبْتُ الشيطانُ، والطاغوتُ الكاهنُ (^٣).\n[حدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ، قال: حدَّثنا أبو اليمان، قال: حدَّثنا صفوانُ بنُ عمرٍو، عن رِشْدِينَ بن سعدٍ، عن عِكْرمةَ، عن أبي بردةَ، أنه كان كاهنًا في الجاهلية، فتنافَر (^٤) إليه ناسٌ ممن أسلم، فأنزل اللهُ ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ إلى آخرِ الآية] (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"الكاهن\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٤. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٢ إلى عبد بن حميد. وتقدم في ٤/ ٥٥٧ بهذا الإسناد بلفظ: الطاغوت الشيطان.\n(^٣) ذكر ابن أبي حاتم أوله في تفسيره ٣/ ٩٧٤ عقب الأثر (٥٤٤٤) معلقًا من قول أبي مالك، وأخرج باقيه في ٣/ ٩٧٦ (٥٤٥٣) من طريق السدى عن أبي مالك من قوله. وينظر ما تقدم في ٤/ ٥٥٧.\n(^٤) تنافر: تخاصم.\n(^٥) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩١ (٥٥٤٧) عن محمد بن عوف، عن أبي اليمان، عن صفوان، عن عكرمة، عن ابن عباس، في سبب نزول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (١٢٠٤٥) من طريق أبى اليمان به، مثل رواية ابن أبي حاتم. وهكذا ذكره الحافظ في الإصابة ٧/ ٣٨، وجود إسناده، والسيوطى في الدر المنثور ٢/ ١٧٨: وصحح إسناده.","vol":"7","page":138},{"text":"وقال آخرون: الجِبْتُ الكاهنُ، والطاغوتُ الشيطانُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1999>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: الجبْتُ الكاهنُ، والطاغوتُ الشيطانُ (^١).\n[وقال آخرون: الجبتُ الكاهنُ، والطاغوتُ الساحرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2000>ذكرُ مَن قال ذلك]</span> (^٢)\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا حَمَّادُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن محمدٍ، قال في الجبْتِ والطاغوتِ. قال: الجبْتُ الكاهنُ، والآخَرُ الساحرُ (^٣).\n[حدَّثني ابن البرقيِّ، قال: حدَّثنا عمرو بنُ أبي سلمةَ، عن سعيدِ بن عبدِ العزيزِ عن الجبتِ، قال: قال مكحولٌ: الكاهن] (^٤).\nوقال آخرون: الجِبْتُ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ، والطاغوتُ كعبُ بن الأشرفِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2001>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. الطاغوتُ كعبُ بن الأشرف،\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الساحر\".\nوالأثر ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٥ عقب الأثر (٥٤٤٩،٥٤٤٧) معلقا.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ٢٣٤ معلقا.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣. والأثر ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ٢٣٤ معلقا.","vol":"7","page":139},{"text":"والجبْتُ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ، قال: الجِبْتُ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ، والطاغوتُ كعبُ بنُ الأشرف (^٢).\nحدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبرنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. قال: الجِبْتُ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، والطاغوتُ كعبُ بنُ الأشرفِ.\nوقال آخرون: الجِبْتُ كعبُ بن الأشرفِ، والطاغوتُ الشيطانُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2002>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: الجِبْتُ كعبُ بنُ الأشرفِ، والطاغوتُ الشيطانُ كان في صورة إنسانٍ (^٣).\nوالصوابُ من القول في تأويل قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. أن يقالَ: يُصَدِّقون بمعبودَين مِن دونِ اللهِ، فَيَعبُدُونهما من دون الله، ويَتَّخذونهما إلهين؛ وذلك أن الجبت والطاغوت اسمان لكلِّ مُعَظَّمٍ بعبادةٍ مِن دونِ اللَّهِ أو طاعةٍ أو خضوعٍ له، كائنًا [ما كان ذلك] (^٤) المُعَظَّمُ؛ مِن حَجَرٍ أو إنسانٍ أو شيطانٍ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٥ (٥٤٥٠) من طريق عبد الله بن صالح به، في تفسير الطاغوت. وعلق باقيه عقب الأثر (٥٤٤٦). وأخرج عن ابن عباس ٣/ ٩٧٤ (٥٤٤٥) من طريق عبد الله بن صالح به، بلفظ: الجبت الشرك.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٢ إلى المصنف. وتقدم في ٤/ ٥٥٦ عن الضحاك بهذا الإسناد بلفظ: الطاغوت الشيطان.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم من طريق ليث به. وهو عند ابن أبي حاتم ٣/ ٩٧٥ (٥٤٤٨) من طريق ليث به في تفسير الجبت. وتقدم باقيه عن مجاهد.\n(^٤) في الأصل: \"من ذلك كان\".","vol":"7","page":140},{"text":"وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأصنامُ التي كانت (^١) الجاهليةُ تَعْبُدُها، كانت مُعَظَّمةً بالعبادةِ مِن دونِ اللهِ، فقد كانت جُبُوتًا وطواغيت. وكذلك الشياطينُ التي كانت الكفارُ تُطِيعُها في معصيةِ الله، وكذلك الساحرُ والكاهنُ اللذان كان مقبولًا منهما ما قالا في أهل الشرك بالله. وكذلك حُيَيُّ بنُ أَخطبَ وكعبُ بن الأشرف؛ لأنهما كانا مُطاعَين في أهلِ مِلَّتِهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتيَن طاغوتين (^٢).\nوقد بيَّنتُ الأصلَ الذي منه قيل للطاغوت: طاغوتٌ. بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2003>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جل ثناؤُه: ويقولون للذين جحَدوا وحدانية الله ورسالة رسولِه محمدٍ ﷺ: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ يعنى بذلك: هؤلاء (^٤) الذين وصفهم الله بالكفر، ﴿أَهْدَى﴾. يعنى: أقوم وأعدلَ، ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يعنى: من الذين] (^٥) صَدَّقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيُّهم محمدٌ ﷺ، ﴿سَبِيلًا﴾. يعنى: طريقًا.\nوإنما ذلك مَثَلٌ، ومعنى الكلامِ أن الله جل ثناؤُه وَصَف الذين أُوتوا نصيبًا مِن\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"في\".\n(^٢) في م: \"وطاغوتين\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٤/ ٥٥٨، ٥٥٩.\n(^٤) بعده في الأصل: \"يعنى\".\n(^٥) في الأصل: \"أي\".","vol":"7","page":141},{"text":"الكتابِ من اليهود، بتَعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة، في الكفر بالله ورسوله ومعصيتهما، وأنهم قالوا: إن أهلَ الكفر باللهِ أولى بالحقِّ من أَهلِ الإيمان به، وإن دينَ أهل التكذيب لله جلَّ ثناؤُه ولرسوله ﵇، أعدلُ وأصوبُ من دينِ أهل التصديق لله ولرسوله.\nوذُكر أن ذلك من صفة كعبِ بن الأشرفِ وأنه قائلُ ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-2004>ذكرُ الآثار الواردة بما قلنا</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أبى عَدِيٍّ، عن داودَ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا قدِم كعبُ بن الأشرفِ مكةَ، قالت له قريشٌ: أنت خيرُ (^١) أهلِ المدينة وسيدُهم؟ قال: نعم. قالوا: ألَا تَرَى إلى هذا الصُّنبورِ (^٢) المُنبتِرِ مِن قومه، يَزْعُمُ أنه خيرٌ منَّا، ونحن أهلُ الحَجيج وأهلُ السَّدَانة (^٣) وأهلُ السِّقاية؟ قال: أنتم خيرٌ منه. قال: فأنزِلَت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]. وأُنزِلَت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. إلى قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (^٤).\n_________\n(^١) كذا في النسخ ومصادر التخريج، وفى اللسان والتاج (ب ت ر): \"حبر\". بالحاء المهملة والباء الموحدة بعدها.\n(^٢) الصنبور: الرجل الفرد الضعيف الذليل، بلا أهل ولا عقب ولا ناصر، أرادوا أنه أبتر لا عقب له ولا أخ، فإذا مات انقطع ذكره. ينظر التاج: (ص ن ب ر).\n(^٣) سدانة الكعبة: خدمتها وتولى أمرها، وفتح بابها وإغلاقه. النهاية ٢/ ٣٥٥.\n(^٤) أخرجه أحمد - كما في تفسير ابن كثير ٢/ ٢٩٥، والدر المنثور ٢/ ١٧١ - والنسائى في الكبرى (١١٧٠٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٣ (٥٤٤٠) - تعليقا - من طريق ابن أبي عدى به.\nوأخرجه البزار (٢٢٩٣ - كشف) من طريق داود به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧١، ٦/ ٤٠٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\nورواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، واختلف عليه، كما سيأتي في الأثر بعده.","vol":"7","page":142},{"text":"حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عِكرمةَ في هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾. ثم ذكَر نحوه (^١).\nحدَّثني إسحاق بنُ شاهينٍ، قال: حدَّثنا خالدٌ الواسطيُّ، عن داود، عن عكرمة، قال: قَدِم كعبُ بن الأشرفِ مكةَ، فقال له المشركون: احكُم بينَنا وبيَن هذا الصُّنبور الأبتر، فأنتَ سيدُنا وسيدُ قومِك. فقال كعبٌ: أنتم والله خيرٌ منه. فأنزل الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾. إلى آخر الآية.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، قال: أخبرني أيوبُ، عن عكرمةَ، أن كعبَ بن الأشرف انطلَق إلى المشركين من كفارِ قريشٍ، فاستَجاشَهم (^٢) على النبيِّ ﷺ، [وأمرهم] (^٣) أن يَغْزوه، وقال: إنا معكم نُقاتله. فقالوا: إنكم أهلُ كتابٍ، وهو صاحبُ كتابٍ، ولا نأمَنٌ أن يكونَ هذا مَكْرًا منكم، فإن أردت أن تخرُجَ معك، فاسجُد لهذين الصَّنمَين، وآمن بهما. ففَعَل، ثم قالوا: نحن أهدى أم محمدٌ، فنحن نَنْحَرُ الكَوْماء (^٤)، ونَسْقى اللبن علي الماءِ، ونَصِلُ الرَّحِمَ، ونَقْرِى الضَّيْفَ، ونطوفُ بهذا البيت، ومحمدٌ قَطَع رَحِمَه،\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٤٨ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٤ (٥٤٤١) من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، مرسلًا.\nوأخرجه الطبراني في الكبير ١١/ ٢٥١ (١١٦٤٥)، والبيهقى في الدلائل ٣/ ١٩٣، ١٩٤ من طريق ابن عيينة عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس. المجمع ٧/ ٦.\n(^٢) أي: طلب منهم جيشا. اللسان (ج ى ش).\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) ناقة كوماء: عظيمة السنام طويلته. اللسان (ك وم).","vol":"7","page":143},{"text":"وخَرَج من بلده؟ قال: بل أنتم خيرٌ وأهدَى. فنزلت فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا كان من أمرِ رسول الله ﷺ واليهود من (^٢) النَّضير ما كان، حين أتاهم يستعِينُهم (^٣) في دية العامِريَّين، فهَمُّوا به وبأصحابه، فأطَلع الله رسوله على ما هَمُّوا به من ذلك، ورجع رسولُ الله ﷺ إلى المدينة، هرب (^٤) كعبُ بنُ الأشرف حتى (^٥) أتَى مكةَ، فعاهَدهم (^٦) على محمدٍ ﷺ، فقال له أبو سُفيانَ: يا أبا سعيدٍ (^٧)، إنكم قومٌ تَقْرءُون الكتاب، وتَعْلَمون، ونحن قومٌ لا نَعلَمُ، فأخبرنا؛ دينُنا خيرٌ أم دينُ محمدٍ؟ قال كعبٌ: اعرِضُوا عليَّ دينكم. فقال أبو سُفيانَ: نحن قومٌ نَنحَرُ الكَوْماءَ، ونسقى الحَجيج الماءَ، ونَقْرِى الضيفَ، ونَعْمُرُ بيت ربِّنا، ونعبدُ آلهتنا التي كان يَعبُدُ آباؤنا، ومحمدٌ يأمُرُنا أن نَترُكَ هذا ونَتَّبِعُه. قال: دينُكم خيرٌ من دينِ محمدٍ، فاثبُتُوا عليه، ألا ترون أن محمدًا يزعم أنه بُعث بالتَّواضع، وهو يَنكِحُ من النساء ما شاء، وما نَعلَمُ مُلْكًا أعظم مِن مُلْكِ النساءِ. فذلك حين يقول جلَّ ثناؤه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٤، ١٦٥.\n(^٢) في م: \"بنى\".\n(^٣) في الأصل: \"يستغيثهم\".\n(^٤) سقط من: س، وفى الأصل: \"و\"، وفى م: \"فهرب\".\n(^٥) في الأصل: \"حين\".\n(^٦) في الأصل: \"فعادهم\".\n(^٧) في ص، م، ت ١: \"سعد\".","vol":"7","page":144},{"text":"أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: نزلت في كعبِ بن الأشرف وكفار قريشٍ، أنه (^٢) قال: كفارُ قريشٍ أهدى من محمدٍ، قال ابن جُريجٍ: قِدم كعبُ بنُ الأشرف، فجاءته قريشٌ فسألته عن محمدٍ، فصغَّر أمره ويسَّره، وأخبرهم أنه ضالٌّ. قال: ثم قالوا له: نَنشُدُك الله، أنحن أهْدَى أم هو؟ فإنك قد علمت أنّا نَنحَرُ الكُومَ، ونَسقى الحجيج، ونَعْمُرُ البيتَ، ونُطعِمُ ما هَبَّت الريحُ. قال: أنتم أهْدَى (^٣).\n[حدَّثنا ابن بشَّار، قال: حدَّثنا ابن أبى عَدِيٍّ، قال: أنبأنا داودُ بن أبى هندٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا قدِم كعبِّ بن الأشرف بمكة أتوه فقالوا له: نحن أهلُ السَّقاية والسدانة، وأنت سيِّدُ أهل المدينة، فنحن خيرٌ أم هذا الصُّنبورُ المبتَّرُ من قومه، يَزْعُمُ أنه خيرٌ منا؟ قال: بل أنتم خيرٌ منه. قال: فنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ونزلت عليه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيرًا﴾] (^٤).\nوقال آخرون: بل هذه الصفةُ صفةُ جماعةٍ من اليهود؛ منهم (^٥) حيَيُّ بنُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧١ إلى المصنف وعبد بن حميد عن السدي عن أبي مالك. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٦، ٩٧٧ (٥٤٥٧) من طريق إسرائيل عن السدى، عن أبي مالك، بنحوه.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) عزاه في الدر ٢/ ١٧١، ١٧٢ إلى المصنف دون قول ابن جريج.\nوأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٧ (٥٤٥٨) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد نحوه.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٣، ٩٧٤ (٥٤٤٠) - معلقا - وابن حبان (٦٥٧٢) من طريق ابن بشار به.\n(^٥) في الأصل: \"فيهم\".","vol":"7","page":145},{"text":"أخطبَ، وهم الذين قالوا للمشركين ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2005>ذكرُ الأخبار بذلك عمَّن قاله</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ (^١) قال: حدَّثني محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عِكرمةَ، أو عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان الذين حَزَّبوا الأحزابَ من قريشٍ وغَطَفانَ وبنى قُرَيظةَ، حُيَيُّ بْنُ أَخطبَ، وَسَلَّامُ بنُ أَبى الحُقَيقِ [أبو رافعٍ] (^٢)، والربيعُ [بنُ الربيعِ] (^٣) بن أبى الحُقَيقِ، وأبو عمَّارٍ (^٤)، ووَحْوَحُ بنُ عامرٍ، وهَوْذَةُ بنُ قَيسٍ؛ فأما وَحْوَحٌ، وأبو عمَّارٍ (^٤)، وهَوْذَةُ؛ فمِن بني وائلٍ، وكان سائرُهم مِن بنى النَّضِيرٍ، فلما قَدِموا على قريشٍ، قالوا: هؤلاء أحبارُ يهودَ، وأهلُ العلم بالكُتُبِ الأُولِ، فسَلوهم: أدينُكم خيرٌ أم دينُ محمدٍ؟ فسألوهم، فقالوا: بل دينُكم خيرٌ مِن دينِه، وأنتم أهدَى منه وممن اتَّبعه. فأنزَلَ اللَّهُ فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ (^٥).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ الآية. قال: ذُكرِ لنا أن هذه الآية أُنزِلَت في كعبِ بن الأشرفِ، وحُيَيِّ بن أخطبَ، [ورجُلَيْن] (^٦) مِن\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عمن قاله\".\n(^٢) في م، والدر المنثور، ونسختين من سيرة ابن هشام: \"وأبو رافع\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"عامر\".\n(^٥) سيرة ابن هشام ١/ ٥٦١، ٥٦٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٢ إلى المصنف وابن إسحاق. وذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٩٥ عن ابن إسحاق به.\n(^٦) كذا في النسخ، وفى مصادر التخريج: \"رجلين\".","vol":"7","page":146},{"text":"اليهودِ من بني النضيرِ، لَقِيا قريشًا بموْسمٍ، فقال لهم المشركون: أنحن أهدَى أم محمدٌ وأصحابُه، فإنّا أهلُ السِّدَانِةِ والسِّقايةِ وأهلُ الحَرَمِ؟ فقالا: لا، بل أنتم (^١) أهدَى مِن محمدٍ وأصحابِه. وهما يَعْلَمان أنهما كاذبان، إنما حَمَلهما على ذلك حَسَدٌ محمدٍ ﷺ وأصحابِه (^٢).\nوقال آخرون: بل هذه صفةُ حُيَيِّ بن أخطبَ وحدَه، وإيّاه عَنَى بقولِه: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-2006>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: جاء حُيَيُّ بنُ أخطبَ إلى المشركين، فقالوا: يا حُيَيُّ، إنكم أصحابُ كُتبٍ، فنحن خيرٌ أم محمدٌ وأصحابُه؟ فقال: نحن وأنتم خيرٌ منهم. فذلك قولُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾.\nوأَولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ، قولُ مَن قال: إن ذلك خبرٌ مِن الله جلّ ثناؤه عن جماعةٍ مِن أهلِ الكتابِ من اليهودِ. وجائزٌ أن تكونَ (^٣) الجماعةَ الذين سَمَّاهم ابن عباسٍ في الخبرِ الذي رَواه محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عِكْرمةَ، أو عن سعيدِ بن جبيرٍ، [وجائزٌ أن يكونَ كان] (^٤) حُيَيًّا وآخَرَ معَه، إما كَعْبًا وإما غيرَه.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٧ (٥٤٥٩) من طريق يزيد به مختصرا.\nوأخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ١١٥ من طريق روح، عن سعيد به بأطول منه.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٧٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. وستأتي بقيته في الصفحة التالية.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كانت\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أن يكون\".","vol":"7","page":147},{"text":"<span id=\"aya-545\"></span><span data-type='title' id=toc-2007>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاء الذين وَصَف صفتَهم أنهم أُوتُوا نَصيبًا مِن الكتابِ وهم يؤمنون بالجبْتِ والطاغوتِ، هم ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾. يقولُ: أخزاهم الله فأبَعدهم مِن رحمتِه بإيمانِهم بالجِبْتِ والطاغوتِ، وكُفْرِهم بالله ورسولِه، عنادًا منهم لله ولرسولِه، وبقولهِم للذين كفَروا: ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ - ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ﴾. يقولُ: ومَن يُخْزِه الله فيُبْعِدْه من رحمتِه، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾. يقولُ: فلن تَجِدَ له يا محمدُ ناصرًا ينصُرُه من عقوبةِ الله ولعنتِه التي تَحِلُّ به، فيَدْفَعَ ذلك عنه.\nكما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال كعبُ بن الأشرفِ وحُيَيُّ بنُ أَخطبَ ما قالا، يعنى (^١) قولهما: ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾، وهما يَعْلَمان أنهما كاذبان، فأنزَل الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾.\n\n<span id=\"aya-546\"></span><span data-type='title' id=toc-2008>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾.</span>\nيعني جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾: أم لهم حظٌّ مِن المُلْكِ.\nيقولُ: ليس لهم حَظٌّ مِن المُلْكِ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾. يقولُ: لو كان لهم نصيبٌ مِن\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من\".","vol":"7","page":148},{"text":"المُلْكِ، إذن لم يُؤتوا محمدًا نَقِيرًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: قال الله: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾. قال: فليس لهم، [فلو كان لهم] (^٢) نصيبٌ مِن المُلْكِ [لم يؤتوا الناسَ نقيرًا. يقولُ] (^٣): ولو كان لهم نصيبٌ وحَظٌّ مِن المُلْكِ، لم يكونوا إذن يُعْطُون (^٤) الناسَ نَقيرًا مِن بُخْلِهم (^٥).\nواختَلف أهلُ التأويلِ فى معنى \"النَّقِير\"، فقال بعضُهم: هو النقطةُ التي في ظَهْرِ النواةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2009>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنى عبدُ الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿نَقِيرًا﴾. يقولُ: النقطةُ التي في ظَهْرِ النواةِ (^٦).\nحدَّثني سليمانُ بنُ (^٧) عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن قابوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: النقيرُ الذي في ظَهْرِ النواةِ (^٨).\nحدَّثني جعفرُ بنُ محمدٍ الكوفيُّ الدُّوريُّ (^٩)، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٧ (٥٤٦٠، ٥٤٦٢) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في م: \"فإذا لا يؤتون الناس نقيرا\".\n(^٤) في الأصل: \"يعطوا\".\n(^٥) تفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٩٧٧ (٥٤٦١)، والتبيان ٣/ ٢٢٧.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٧ (٥٤٦٣) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي أيضا في الدر المنثور ٢/ ١٧١، ١٧٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. وينظر مسائل نافع ص ١٣١.\n(^٧) في الأصل: \"عن\".\n(^٨) في الأصل: \"القطمير\".\n(^٩) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المروزى\". وقد تقدم في ١/ ٥٠٨، وما سيأتي في تفسير الآية ١٧٢ من هذه السورة باسم البزورى.","vol":"7","page":149},{"text":"عن خُصيفٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: النَّقِيرُ وَسَطُ النواةِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾. قال النَّقِيرُ نَقِيرُ النواةِ، وَسَطُها.\n[حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبد الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿نَقِيرًا﴾. قال: النقيرُ الذي في وَسَطِ النواةِ من ظهرِها] (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾. يقولُ: لو كان لهم نَصيبٌ مِن المُلْكِ، إذن لم يُؤتوا محمدًا نَفِيرًا، والنَّقِيرُ النُّكْتةُ التي في وَسَطِ النواةِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: ثنى طلحةُ بنُ عمرٍو، أنه سَمِع عطاءَ بنَ أبى رباحٍ، يقولُ: النقيرُ الذي في ظَهْرِ النواةِ (^٤).\n[حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: النقيرُ: الذي في ظهرِ النواةِ] (^٥).\nحدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخْبرَنا يزيدُ، قال: أخْبرَنا جُوَيبرٌ، عن\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٥٠ - تفسير) من طريق خصيف به، بلفظ: شق النواة.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٧ عقب الأثر (٥٤٦٣) من طريق أسباط به، بلفظ: ظهر النواة.\n(^٤) ينظر التبيان ٣/ ٢٢٧.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت، س.","vol":"7","page":150},{"text":"الضحاكِ، قال: النَّقِيرُ النُّقَيْرَةُ (^١) التي تكونُ في ظهْرِ النواةِ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ، قال: النقيرُ الذي في ظَهْرِ النواةِ (^٣).\nوقال آخرون: بل (^٤) النَّقِيرُ الحَبَّةُ التي تكونُ في وَسَطِ النواةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2010>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿نَقِيرًا﴾. قال: النَّقِيرُ حبةُ النواةِ التي في وَسَطِها (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾. قال: النقيرُ حبةُ النواةِ التي في وَسَطِها.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: النَّقِيرُ في النَّواة (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: أخبَرنى عبدُ الله بنُ كثيرٍ، أنه سَمِع مجاهدًا يقولُ: النَّقِيرُ نَقِيرُ النواةِ التي (^٧) في بطنها (٤) وَسَطَها.\n_________\n(^١) في ص، م: \"النقرة\".\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٧ عقب الأثر (٥٤٦٣) معلقا.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٧ عقب الأثر (٥٤٦٣) معلقا، وأخرجه في ٣/ ٩٧٨ (٥٣٦٤) من طريق السدى عن أبي مالك، بلفظ: الذي في وسط النواة.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٢٨٤.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"النوى\".\n(^٧) في م: \"الذي\".","vol":"7","page":151},{"text":"حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخْبرَنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحِمٍ يقولُ: النَّقِيرُ نَقِيرُ النواةِ الأبيضُ (^١) الذي يكونُ في وسطِ النواةِ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: نَقْرُ الرجلِ الشيءَ بطَرَفِ إبهامِه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2011>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن [يزيدَ بن] (^٣) دِرهمٍ أبى العلاءِ، قال: سمِعتُ أبا العالية، [عن ابن عباسٍ: النقيرُ نقرُ الرجلِ إِصْبَعَيْه كما يَنْقُرُ الدرهمَ. قال أبو العاليةِ] (^٤): ووَضَع ابن عباسٍ طَرَفَ الإبهامِ على باطنِ (^٥) السَّبَّابةِ، ثم رفَعَهما وقال: هذا النَّقِيرُ (^٦).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله جل ثناؤُه وَصَف هؤلاء الفِرْقةَ مِن أهلِ الكتابِ بالبُخْلِ باليسيرِ مِن الشيءِ الذي لا خطَرَ له، ولو كانوا مُلُوكًا وأهلَ قُدْرةٍ على الأشياءِ الجليلةِ الأقدارِ، فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بمعنى النَّقِيرِ أن يكونَ أصغرَ ما يكونُ مِن النُّقَر. وإذا كان ذلك أولى به، فالنُّقْرَةُ التي هي (^٦) في ظَهْرِ النواةِ مِن صِغارِ النُّقَرِ، وقد يَدخُلُ في ذلك كلُّ ما شاكَلها مِن النُّقَرِ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) نفى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أصابعه\".\n(^٣) في ص: \"ابن رد بن\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ابن رزين\"، وغير واضح في س، وتقدم في ص ١٣٠.\n(^٤) سقط من ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ظهر\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٣ إلى المصنف وابن المنذر. وينظر التبيان ٣/ ٢٢٧، وتفسير البغوي ٢/ ٢٣٦.","vol":"7","page":152},{"text":"ورُفِع قولُه: ﴿يُؤْتُونَ النَّاسَ﴾. ولم يُنصَبْ بـ \"إذن\"، ومِن حُكْمِها أن تَنصِبَ الأفعالَ المُستقبَلةَ إذا ابتُدئَ بها الكلامُ؛ لأن معها فاءً، ومِن حُكْمِها إذا دخَل فيها بعضُ حروفِ العطفِ أن تُوَجَّهَ إلى الابتداءِ بها مَرَّةً، وإلى النَّقْلِ عنها إلى غيرِها أخرى، وهذا المَوضِعُ مما أُرِيدَ بالفاءِ فيه النقلُ عن \"إذن\" إلى ما بعدَها، وأن يكونَ معنى الكلامِ: أم لهم نصيبٌ [من المُلْكِ] (^١) فلا يُؤتون الناسَ نَقِيرًا إذن.\n\n<span id=\"aya-547\"></span><span data-type='title' id=toc-2012>القولُ في تأويلِ قولهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.</span>\n[قال أبو جعفرٍ، ﵀: يقولُ جلّ ثناؤُه] (^٢): أم يًحسُدُ هؤلاء الذين أُوتوا نَصيبًا مِن الكتابِ من اليهودِ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾. قال: يهودُ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٤).\nوأمَّا قولُه: ﴿النَّاسَ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختَلَفوا في من عَنَى اللَّهُ جل ثناؤه\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يعني بقوله جل ثناؤه أم يحسدون الناس\".\n(^٣) في م: \"اليهود\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٨ (٥٤٦٥) من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. وسيأتي بطوله في ص ١٥٩.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٣ إلى المصنف. وستأتي بقيته في ص ١٥٦.","vol":"7","page":153},{"text":"به؛ فقال بعضُهم: عَنَى الله بذلك محمدًا ﷺ خاصةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-2013>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرو [بنُ عونٍ] (^١)، قال: أخْبرَنا هُشَيمٌ، عن خالدٍ، عن عِكْرمةَ في قولِه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال: الناسُ في هذا الموضعِ النبيُّ ﷺ خاصةً (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنى أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾: يعني محمدًا ﷺ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال: الناسُ محمدٌ ﷺ (^٤)\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخْبرَنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ. فذكَر نحوَه (٣).\nوقال آخرون: بل عَنَى الله جلَّ ثناؤُه به العربَ.\n_________\n(^١) في ص، م: \"قال: ثنا أسباط\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ١٧٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٨ (٥٤٦٩) من طريق عمرو بن رافع، عن هشيم به، بلفظه. ومن طريق أبى معمر القطيعي، عن هشيم بلفظ: محمد وأصحابه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ينظر التبيان ٣/ ٢٢٧.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٣ إلى المصنف.","vol":"7","page":154},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2014>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أولئك اليهودُ، حَسَدوا هذا الحيَّ من العربِ على ما آتاهم الله مِن فضلِه (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله جلَّ ثناؤُه عاتَب اليهودَ الذين وَصَف صِفَتَهم في هذه الآياتِ، فقال لهم [مُوَبِّخًا لهم] (^٢) - في قِيلِهم للمشركين مِن عَبَدةِ الأوثانِ: أنتم (^٣) أهدَى مِن محمدٍ وأصحابِه سَبيلًا (^٤). على علمٍ منهم بأنَّهم في قِيلِهم ما قالوا مِن ذلك كَذَبَةٌ -: أيَحسُدُون (^٥) محمدًا وأصحابَه على ما آتاهم الله مِن فضلِه.\nوإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن ما قبلَ قولِه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. مضَى بذمِّ القائِلين من اليهودِ للذين كفَروا: ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾. فإلحاقُ قولِه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. بذَمِّهم (^٦) على ذلك، وتَقْريظِ (^٧) الذين آمَنوا الذين (^٨) قيل فيهم ما قيل - أشبَهُ وأَولى، ما لم تأتِ دَلالةٌ على انصرافِ معناه عن معنى ذلك.\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٣/ ٢٢٧.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"إنهم\".\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أم يحسدون\".\n(^٦) في ص، ت ١، س: \"فذمهم\".\n(^٧) التقريظ: مدح الإنسان وهو حى. اللسان (قرظ).\n(^٨) في الأصل: \"للذين\".","vol":"7","page":155},{"text":"واختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ الفَضْلِ الذي أخبرَ اللَّهُ أَنه آتَى الذين ذكَرهم في قولِه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: ذلك الفضلُ هو النُّبُوَّةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2015>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: حَسَدوا هذا الحيَّ مِن العربِ على ما آتاهم الله [مِن فضلِه] (^١)؛ بَعَث الله منهم نَبِيًّا، فحَسَدوهم على ذلك (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: ﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال: النُّبُوَّةُ (^٣).\nوقال آخرون: بل ذلك الفَضْلُ الذي ذَكَر الله أنه آتَاهُمُوه، هو إباحتُه ما أباحَ لنَبِيِّه محمدٍ ﷺ مِن النساءِ؛ أن (^٤) يَنكِحَ منهنّ ما شاء بغيرِ عَدَدٍ. قالوا: وإنما يعنى بالناسِ محمدًا ﷺ. على ما ذَكَرتُ قبلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2016>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآيةَ: وذلك أن أهلَ الكتابِ قالوا: زَعَم محمدٌ أنه أُوتى ما أُوتى في تَواضُعٍ، وله\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) تقدم أوله في ص ١٥٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٣ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"7","page":156},{"text":"تِسْعُ نسوةٍ، ليس هَمَّه إلا النكاحَ، فأيُّ مُلكِ أفضلُ مِن هذا؟ فقال الله جل ثناؤه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^١).\n[حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾] (^٢) قال: يعني محمدًا ﷺ أن يَنكِحَ ما شاء مِن النساءِ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ [أبا مُعاذٍ يقولُ: أخْبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ] (^٤) الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: وذلك أن اليهودَ قالوا: ما شأنُ محمدٍ أُعْطِى النبوةَ كما يَزِعُمُ، وهو جائعٌ عارٍ، وليس له هَمٌ إلا نكاحَ النساءِ؟ فحسَدوه على تزويجِ الأزواجِ، وأحلَّ الله لمحمدٍ ﷺ أن يَنكِحَ منهن ما شاء أن يَنكِحَ (^٥).\nوأولى التأويلَين في ذلك بالصوابِ قولُ قتادةَ وابنِ جُرَيجٍ الذي ذكَرناه قبلُ، أن معنى الفَضْلِ في هذا الموضعِ، النُّبُوةُ التي فَضَّل الله بها محمدًا ﷺ، وشَرَّف بها العربَ، إذ آتاها رجلًا منهم (^٦) دونَ غيرِهم؛ لِما ذكَرنا قبلُ مِن أن دَلالةَ ظاهرِ هذه الآيةِ تَدُلُّ على أنها تَقْرِيظٌ (^٧) للنبيِّ ﷺ وأصحابِه؛ على ما قد بَيَّنَّا قبلُ، وليس النكاحُ وتَزْويجُ النساءِ - وإن كان مِن فَضْلِ اللهِ جلّ ثناؤه الذي آتاه عبادَه -\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٨ (٥٤٧٠) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) سقط من: الأصل، س.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٩ عقب الأثر (٥٤٧٠) من طريق أسباط به.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٩ عقب الأثر (٥٤٧٠) معلقًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٣ إلى المصنف.\n(^٦) في الأصل: \"منها\".\n(^٧) في الأصل: \"تقريض\". وهما بمعنى. ينظر التاج (ق ر ض).","vol":"7","page":157},{"text":"بتقْريظٍ (^١) لهم ومدحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2018>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جل ثناؤُه: أم يَحسُدُ (^٢) هؤلاء اليهودُ، الذين وَصَف صفتَهم في هذه الآياتِ، الناسَ (^٣) على ما آتاهم الله مِن فضلِه، مِن أجلِ أنهم ليسوا منهم؟ فكيف لا يحسُدُون آلَ إبراهيم، فقد آتيَناهم الكتابَ (^٤).\nويعنى بقولِه: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾: فقد أعطَينا آلَ إبراهيمَ. يعنى أهلَه وتُبَّاعَه (^٥) على دينِه ﴿الْكِتَابَ﴾. يعني: كتابَ الله الذي أوحاه إليهم، وذلك كصُحُفِ إبراهيمَ وموسى والزبورِ، وسائرِ ما آتاهم من الكُتُبِ.\nوأما الحكمةُ: فما أُوحِي إليهم مما لم يكنْ كتابًا مَقْروءًا.\n﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. [واختَلف] (^٦) أهلُ التأويلِ في معنى المُلْكِ العظيمِ الذي عنى الله في هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: هو النُّبُوةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2017>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا [محمدُ بنُ عمرٍو] (^٧)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ الله جل ثناؤُه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾. قال: هم يهودُ، ﴿عَلَى\n_________\n(^١) في الأصل: \"بتقريض\".\n(^٢) في الأصل: \"يحسد الناس\"، وفى ت ١، ت ٢ ت ٣، س: \"يحسدون\".\n(^٣) في الأصل: \"للناس\".\n(^٤) في م: \"بالكتاب\".\n(^٥) في م: \"أتباعه\".\n(^٦) في الأصل: \"فاختلف\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المثنى\".","vol":"7","page":158},{"text":"مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. وليسوا منهم، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. قال: النبوةُ (^١).\nوقال آخرون: بل ذلك تحليلُ النساءِ. قالوا: وإنما عَنَى الله جل ثناؤُه بذلك: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ محمدًا، على ما أحلَّ الله له مِن النساءِ، فقد أحلَّ اللَّهُ مثلَ الذي أحَلَّه له (^٢) منهن، لداودَ وسليمانَ وغيرِهما (^٣) من الأنبياءِ، فكيف لم يَحسُدُوهم على ذلك وحَسَدوا محمدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2019>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾: سليمانَ وداودَ، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾. يعنى: النُّبُوةَ، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. في النساءِ، فما بالُه حَلَّ لأولئك وهم أنبياءُ، أن يَنكِحَ داودُ تِسْعًا وتسعين امرأةً، ويَنكِحَ سليمانُ مائةً، ولا يَحِلُّ لمحمدٍ أن يَنكِحَ كما نَكَحوا (^٤)؟\nوقال آخرون: بل معنى قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾: الذي أُوتِى (^٥) سليمانُ بنُ داودَ.\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله، إلا أنه قال: ﴿مُلْكًا﴾: النبوة\".\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٢٨٤، وتقدم طرف منه في ص ١٥٣، وستأتي بقيته في ص ١٦١.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"غيرهم\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٧٩، ٩٨٠ (٥٤٧٢، ٥٤٧٧، ٥٤٨٠) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"آتي\".","vol":"7","page":159},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2020>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾: يعنى ملكَ سليمانَ (^١).\nوقال آخرون: بل كانوا أُيِّدوا بالملائكةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2021>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ الغفاريُّ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن همامٍ بنِ الحارثِ: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. قال: أُيِّدوا بالملائكةِ والجنودِ (^٢).\n[حدَّثني أحمدُ بنُ عثمانَ بن حَكِيمٍ الْأَوْدِيُّ، قال: ثنا شُرَيْحُ بنُ مَسْلَمةَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يوسفَ بن أبى إسحاقَ، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمن بن يزيدَ، عن أبي مسلمٍ في قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. قال: أُيِّدوا بالملائكةِ] (^٣) (^٤).\nوأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ (^٥) قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. القولُ الذي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨٠ (٥٤٧٩) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨٠ عقب الأثر (٥٤٨١) معلقا عن إسرائيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ص، م.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨٠ (٥٤٨١) عن أحمد بن عثمان به. وقال ابن أبي حاتم: اختلفت الروايات عن أبي إسحاق؛ فروى أشعث بن سوار، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قوله. ورُوي عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن همام بن الحارث هذا التفسير.\n(^٥) بعده في م: \"الآية وهي\".","vol":"7","page":160},{"text":"رُوِى عن ابن عباسٍ أنه قال: يَعْنى مُلْكَ سليمانَ؛ لأن ذلك هو المعروفُ في كلامِ العربِ، دونَ الذي قال [من قال] (^١): إنه مُلْكُ النُّبَّوةِ. ودونَ قولِ مَن قال: إنه تحليلُ النساءِ والمِلْكُ عليهنَّ؛ لأن كلامَ الله جل ثناؤه الذي خُوطِبت به العربُ غيرُ جائزٍ توجيهُه إلا إلى المعروفِ المستعمَلِ فيهم مِن معانيه، إلا أن تَأْتِيَ دَلالَةٌ أَو تَقُومَ حُجَّةٌ على أن ذلك بخلافِ ذلك، يَجِبُ التسليمُ لها.\n\n<span id=\"aya-548\"></span><span data-type='title' id=toc-2022>القولُ في تأويلِ قولهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤه: فمِن الذين أُوتُوا الكتابَ من يهودِ بني إسرائيلَ الذين قال لهم جلَّ ثناؤُه: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ - ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾. يَقُولُ: مَن صدَّق بما أنْزَلنا على محمدٍ ﷺ مصدِّقًا لما معهم، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾. يقولُ: ومنهم مَن أعرَض عن التصديقِ به.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني عيسى، وحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾. قال: بما (^٢) أُنْزِل على محمدٍ مِن يهودَ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في الأصل: \"ما\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٨٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨١ (٥٤٨٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وتقدم أوله في ص ١٥٣، ١٥٨، ١٥٩.","vol":"7","page":161},{"text":"وفى هذه الآيةِ دَلالةٌ على أن الذين صَدُّوا عما أنزَل الله على محمدٍ ﷺ، من يهودِ بني إسرائيلَ الذين كانوا حوالَىْ مُهاجرِ رسولِ الله ﷺ، إنما رُفِع عنهم وعبدُ اللهُ الذي تَوَعَّدَهم به في قولِه: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. في الدنيا، وأُخِّرت عقوبتُهم إلى يومِ القيامةِ؛ لإيمانِ مَن آمَن منهم، [وأن الوعيدَ لهم مِن اللهِ بتعجيلِ] (^١) العقوبةِ في الدنيا إنما كان على مُقامِ جميعِهم على الكفرِ بما أنزَل اللهُ على نبيِّه محمدٍ ﷺ، فلما آمَن بعضُهم خرَجوا مِن الوعيدِ الذي توعَّده في عاجلِ الدنيا، وأخِّرت عقوبةُ المقيمين على التكذيبِ إلى الآخرةِ، فقال لهم: كفاكم بجهنمَ سعيرًا.\nويَعْنى بقولِه: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾: وحسبُكم أيُّها المكذِّبون بما أنْزَلْتُ على محمدٍ نبيِّى ورسولى ﴿بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾. يَعْنى: بنارٍ جَهَنَّمَ تُسْعَرُ عليكم. أي: تُوقَدُ عليكم.\nوقيل: ﴿سَعِيرًا﴾. وأصلُه \"مَسْعُورا\"، من: سُعِرتْ تُسْعَرُ فهي مَسْعُورةٌ، كما قال الله جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: ١٢]. ولكنها صُرِفت إلى فَعيلٍ، كما قيل: كفٌّ خَضِيبٌ ولحيةٌ دَهِينٌ. بمعنى: مَخْضُبةٌ ومَدْهونةٌ.\nوالسعيرُ الوَقودُ.\n\n<span id=\"aya-549\"></span><span data-type='title' id=toc-2023>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾.</span>\n_________\n(^١) في الأصل: \"وإن الوعيد من الله لم يتعجل\".","vol":"7","page":162},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: وهذا وعيدٌ مِن اللهِ للذين أقاموا على تكذيبِهم بما أنزَل الله على محمدٍ مِن يهودِ بنى إسرائيلَ وغيرِهم مِن سائِر الكفّارِ [به و] (^١) برسولِه. يقُولُ الله لهم: إن الذين جحَدوا ما أَنْزَلْتُ (^٢) على رسولى محمدٍ ﷺ مِن آياتى. يَعْنى: مِن آياتِ تنزيلِه، ووَحْى كتابِه، وهى [دَلالتُه وحُجَّتُه] (^٣) على صدقِ محمدٍ ﷺ، فلم يُصَدِّقوا به مِن يهودِ بني إسرائيل وغيرِهم من سائرِ أهلِ الكفرِ به، ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾. يقولُ: سوف تُنْضِجُهم في نارٍ يُصْلَون فيها، أي: يُشْوَوْن فيها، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾. [يَقُولُ: كلَّما انْشَوَتُ بها جُلودُهم] (^٤) فاحْتَرَقت، ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾. يَعْنى: غيرَ الجلودِ التي قد نضِجت فانْشَوَت.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن ثُوَيرٍ (^٥)، عن ابن عمرَ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾. قال: إذا احْتَرَقَت جُلودُهم بَدَّلناهم جُلودًا بيضًا أمثالَ القراطيسِ (^٦).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾. يَقُولُ: كُلَّما احْتَرَقت جُلودُهم بدَّلْناهم جلودًا غيرَها.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، ت ٢،، س: \"أنزل\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"دلالاته وحججه\".\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) غير منقوطة في ت ١، وفى الأصل، ص: \"نويرة\"، وفى م: \"نويرا\"، وفى ت ٢: \"توير\"، وفى س: \"ثورا\". وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٤٢٩.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨٢ (٥٤٩٢، ٥٤٩٤) من طريق جرير به.","vol":"7","page":163},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ قال: سمِعنا أنه مكتوبٌ في الكتابِ الأوّلِ أن (^١) جلدَ أحدِهم أربعون ذراعًا، [وسِنَّه سبعون ذراعًا] (^٢)، وبَطْنَه لو وُضِع فيه جبلٌ لوَسِعه (^٣)، فإذا أكَلت النارُ جُلودَهم بُدِّلوا جُلودًا غيرَها (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبرَنا ابن المباركِ، قال: بَلَغني عن الحسنِ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، قال: تُنْضِجُهم (^٥) في اليومِ سبعين ألفَ مرَّةٍ (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو عُبَيدةَ الحدادُ، عن هشامِ بن حسانَ، عن الحسنِ قولَه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾. قال: تُنْضِجُ النارُ كلَّ يومٍ سبعين ألفَ جلدٍ. قال (^٧): وغلظُ جلدِ الكافرِ أربعون ذراعًا، فالله (^٨) أعلمُ بأيِّ ذراعٍ (^٩).\n[وإن سأَلنا] (^١٠) سائلٌ فقال: وما معنى قوِله جلَّ ثناؤُه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في الأصل: \"وستة وتسعون ذراعًا\".\n(^٣) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وسعه\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨٢ (٥٤٩٥) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ننضجهم\".\n(^٦) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٢٩ - زوائد نعيم بن حماد) عن رجل، عن الحسن.\n(^٧) سقط من: م.\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"والله\".\n(^٩) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٦٣، وإسحاق بن راهويه في مسنده - كما في تخريج أحاديث الكشاف ١/ ٣٢٨. وابن أبي الدنيا في صفة النار (١١٦، ١١٧، ٢٤٥، ٢٦٢)، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ص ٢٦٩، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨٣ (٥٤٩٦) من طرق عن هشام. به. وعند ابن أبي شيبة: عن الحسن بلغنى.\n(^١٠) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فإن سأل\".","vol":"7","page":164},{"text":"بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾؟ وهل يَجُوزُ أن يُبَدَّلُوا جُلُودًا غيرَ جُلودِهم التي كانَت لهم في الدنيا فيعذَّبوا فيها؟ فإن جاز ذلك عندَك، فأجِزْ أَن يُبَدَّلُوا أجسامًا وأرواحًا غيرَ أجسامِهم وأرواحِهم التي كانت لهم في الدنيا فتُعذَّبَ، فإِن أَجَزْت ذلك لزِمك أن يكونَ المعذَّبون في الآخرةِ بالنارِ غيرَ الذين أوْعَدَهم الله العقابَ على كفرِهم به ومعصيتِهم إياه، وأن يَكُونَ الكفارُ قد ارتفَع عنهم العذابُ!\nقيل: إن الناسَ اختلَفوا في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: العذابُ إنما يَصِلُ إلى الإنسانِ الذي هو غيرُ (^١) الجلدِ واللحم، وإنما يُحْرَقُ الجلدُ ليَصِلَ إلى الإنسانِ ألمُ العذابِ، فأما الجلدُ واللحمُ فلا يَأْلَمان. قالوا: فسواءٌ أُعِيدَ على الكافرِ جلدُه الذي كان له في الدنيا أو جلدٌ غيرُه، إذ كانَت الجلودُ غيرَ آلمةٍ ولا معذَّبةٍ، وإنما الآلِمةُ المعذَّبةُ النفسُ التي تُحِسُّ الألمَ، ويَصِلُ إليها الوجَعُ. قالوا: وإذ كان ذلك كذلك، فغيرُ مستحيلٍ أن يُخْلَقَ لكلِّ كافرٍ في النارِ في كلِّ لحظةٍ وساعةٍ مِن الجلودِ ما لا يُحْصَى عددُه، ويُحْرَقُ ذلك عليه (^٢)، ليَصِلَ إلى نفِسه ألمُ العذابِ، إذ كانت الجلودُ لا تألمُ.\nوقال آخرون: بل الجلودُ تَأْلمُ، واللحمُ وسائرُ أجزاءِ جِرْمِ ابن (^٣) آدمَ، وإذا أُحْرِق جلدُه أو غيرُه من أجزاءِ جسدِه، وصل ألمُ ذلك إلى جميعِه. قالوا: ومعنى قولِه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾: بدَّلناهم جُلودًا غيرَ مُحْتَرِقةٍ، وذلك أنها تُعادُ جديدةً، والأُولى كانَت قد احتَرَقت فأُعِيدَت غيرَ محترقةٍ، فلذلك قيل ﴿غَيْرَهَا﴾؛ لأنها غيرُ الجلودِ التي كانَت لهم في الدنيا التي عصَوُا الله وهي لهم.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) من هنا إلى قوله: ﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾، في ص ١٦٧، خرم في الأصل.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بنى\".","vol":"7","page":165},{"text":"قالوا: وذلك نظيرُ قولِ العربِ للصائغِ - إذا اسْتَصَاغَتْه خاتَمًا مِن خَاتَمٍ مصوغٍ، بتحويلِه عن صِياغتِه التي هو (^١) بها إلى صياغةٍ أُخرى -: صُغْ لى مِن هذا الخاتمِ خاتَمًا غيرَه. فيَكْسِرُه ويَصوغُه (^٢) له منه خاتَمًا غيرَه، والخاتمُ المصوغُ بالصياغةِ (^٣) الثانيةِ هو الأوّلُ، ولكنه لما أُعيدَ بعدَ كسرِه خاتَمًا قيل: هو غيرُه. قالوا: فكذلك معنى قولِه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾. لما احْتَرَقت الجلودُ ثم أُعِيدَت جديدًا (^٤) بعدَ الاحتراقِ قيل: هي غيرُها. على ذلك المعنى.\nوقال آخرون: معنى ذلك: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾. سرابيلُهم، بدَّلناهم سرابيلَ مَن قَطِرانٍ غيرَها، فجُعِلَت السَّرابيلُ القَطِرانُ لهم جُلودًا، كما يُقالُ للشيءِ الخاصِّ بالإنسانِ: هو جِلدةُ ما بينَ عيْنَيه ووجهِه؛ لخُصوصِه به. قالوا: فكذلك سرابيلُ القَطِران التي قال الله في كتابِه: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]. لما صارَت لهم لباسًا لا تُفارقُ أجسامَهم جُعِلت لهم جلودًا، فقيل: كلما اشتعَل القَطِرانُ في أجسامِهم واحترَق، بُدِّلوا سرابيلَ من قَطِرانٍ آخَرَ. قالوا: وأما جلودُ أهلِ الكفرِ مِن أهلِ النارِ فإنها لا تحترقُ (^٥)؛ لأن في احتراقِها إلى حالِ إعادتِها فناءَها، وفى فنائِها راحتُها. قالوا: وقد أخبرَ الله تعالى ذكرُه [عنها أنهم لا يموتون] (^٦) ولا يُخَفَّفُ عنهم مِن عذابِها، قالوا: وجلودُ الكفارِ أحدُ أجزاءِ (^٧) أجسامِهم، ولو جاز أن يَحْتَرِقَ منها شيءٌ فيَفْنَى ثم يُعادَ بعد الفناءِ في النارِ،\n_________\n(^١) في م: \"هي\".\n(^٢) في م: \"يصوغ\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"والصياغة\".\n(^٤) في م: \"جديدة\".\n(^٥) في م: \"تحرق\".\n(^٦) في ص: \"عنها أنها لا تموت\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أنها لا تموت\".\n(^٧) سقط من ص، ت ١، س.","vol":"7","page":166},{"text":"جاز ذلك في جميعِ أجزائِها، وإذا جاز ذلك وجَب أن يَكُونَ جائزًا عليهم الفناءُ، ثم الإعادةُ والموتُ، ثم الإحياءُ، وقد أخبرَ الله عنهم أنهم لا يَمُوتون. قالوا: وفى خبرِه عنهم أنهم لا يَمُوتون دليلٌ واضحٌ أنه لا يَمُوتُ شيءٌ مِن أجزاءِ أجسامِهم، والجلودُ أحدُ تلك الأجزاءِ.\nوأما معنى قولِه: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ فإنه يقولُ: فعَلنا ذلك بهم ليَجِدُوا ألمَ العذابِ وكَرْبَه وشِدَّتَه، بما كانوا في الدنيا يُكَذِّبون آياتِ اللهِ ويَجْحَدُونها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2024>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾.</span>\nيقولُ: إن الله لم يَزَلْ عزيزًا في انتقامِه ممن انتقَم منه مِن خلقِه، لا يَقْدِرُ على الامتناعِ منه أحدٌ أراده بضرٍّ، ولا الانتصارِ منه أحدٌ أحلَّ به عقوبةً، حكيمًا في تدبيرِه وقضائِه.\n\n<span id=\"aya-550\"></span><span data-type='title' id=toc-2025>القولُ في تأويلِ قولهِ جل ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾</span> (^١).\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: والذين آمَنوا بالله ورسولِه محمدٍ ﷺ، وصدَّقوا بما أنزَل الله على محمدٍ مصدِّقًا لما معهم؛ من يهودِ بنى إسرائيلَ وسائرِ الأممِ غيرِهم، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يَقُولُ: وأدَّوْا ما أمَرهم الله به مِن فرائضِه، واجْتَنَبوا ما حرَّم الله عليهم مِن معاصيه، وذلك هو الصالحُ مِن أعمالِهم، ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقول: سوف يُدْخِلُهم الله يومَ القيامةِ جناتٍ، يَعْنى بساتينَ، ﴿تَجْرِي\n_________\n(^١) إلى هنا ينتهى الخرم الذي بدأ في ص ١٦٥.","vol":"7","page":167},{"text":"مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ: تَجْرِى مِن تحتِ تلك الجناتِ الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. يقولُ: باقين فيها أبدًا بغيرِ نهايةٍ ولا انقطاعٍ، دائمًا ذلك لهم فيها أبدًا، ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾. يقولُ: لهم في تلك الجناتِ التي وصَف صفتَها ﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. يَعْنى: بريئاتٌ مِن الأدناسِ والرِّيَبِ والحيضِ والغائطِ والبولِ والحبَلِ (^١) والبُصاقِ، وسائرِ ما يَكونُ في نساءِ أهلِ الدنيا.\nوقد ذكَرنا ما في ذلك مِن الآثار فيما مضَى قبلُ فأغنَى ذلك عن إعادتِها (^٢).\nوأما قولُه: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾. فإنه يقولُ: ونُدْخِلُهم ظِلَّا كَنِينًا. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠].\nوكما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قالا جميعًا: ثنا شعبةُ، قال: سمِعت أبا الضحاكِ يُحدِّثُ عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: \"إن في الجنةِ لشجرةً يَسيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يَقْطَعُها؛ شجرةُ الخُلدِ\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-551\"></span><span data-type='title' id=toc-2026>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَف أهلُ التأويلُ فيمن عُنِى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها ولاةُ أمورِ المسلمينِ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"الحمل\".\n(^٢) ينظر تقدم في ٤١٩ - ٤٢٢.\n(^٣) حديث صحيح دون قوله: \"شجرة الخلد\". وسيأتي تخريجه في تفسير الآية ٣٠ من سورة الواقعة.","vol":"7","page":168},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2027>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي مكينٍ (^١)، عن زيدِ بن أَسْلَمَ، قال: نزَلت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (^٢). في وُلاةِ الأمرِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا ليثٌ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، قال: نزَلت في الأمراءِ خاصةً ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن مصعبِ بن سعدٍ، قال: قال عليٌّ كلماتٍ أصاب فيهنّ: حقٌّ على الإمامِ أن يَحْكُم بما أنزَل اللهُ، وأن يُؤَدِّيَ الأمانةَ، وإذا فعَل ذلك، فحقٌّ على الناسِ أن يَسْمَعُوا وأن يُطِيعُوا، وأن يُجيبُوا إذا دُعوا (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن مصعبِ بن سعدٍ، عن عليٍّ بنحوِه.\n_________\n(^١) في الأصل \"بكر\". وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٥٠.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال نزلت\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨٦ (٩٨٦) من طريق أبي أسامة به. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٢٢٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨٦ (٥٥٢٣) من طريق أبي مكينٍ به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٥ إلى ابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨٦ (٥٥٢١) من طريق ابن إدريس به.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٥١ - تفسير)، وابن أبي شيبة ١٢/ ٢١٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨٦ (٥٥٢٠) من طريق إسماعيل بن أبي خالد به، بلفظه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٥ إلى الفريابي وابن المنذر.","vol":"7","page":169},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عُبَيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا موسى بنُ عميرٍ، عن مكحولٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: هم أهلُ الآيةِ التي قبلها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. إلى آخرِ الآيةِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنا ابن زيدٍ، قال: [قال أبي: هم] (^٢) الوُلاةُ، أمَرهم أن يُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهلِها (^٣)\nوقال آخرونَ: أمَر السلطانَ بذلك؛ أن يَعِظُوا النساءَ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-2028>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾: يَعْنِي السلطانَ، [يَعِظون النساءَ] (^٥).\nوقال آخَرون: الذي خوطِب بذلك النبيُّ ﷺ في مفاتيحِ الكعبةِ، أُمِر بردِّها على عثمانَ بن طلحةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2029>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. قال: نزَلت في\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٦ إلى المصنف.\n(^٢) في الأصل: \"إبراهيم\".\n(^٣) تقدم في الصفحة السابقة حاشية ٣.\n(^٤) في م: \"الناس\".\n(^٥) في م: \"يعطون الناس\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨٦ (٥٥١٨) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"7","page":170},{"text":"عثمانَ [بن طلحةَ] (^١) بن أبي طلحةَ، قبَض منه النبيُّ ﷺ مِفتاحِ (^٢) الكعبةِ، ودخَل به (^٣) البيتَ يومَ الفتحِ، فخرَج وهو يَتْلُو هذه الآيةَ، فدَعا عثمانَ فدفَع إليه المِفتاحَ. قال: وقال عمرُ بنُ الخطابِ لما خرَج رسولُ اللهِ ﷺ [مِن الكعبةِ] (^٤) وهو يَتْلُو هذه الآيةَ: فِداه أبي وأمى، ما سمِعتُه يَتْلُوها قبلَ (^٥) ذلك (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا الزَّنْجيُّ بنُ خالدٍ، عن الزهريِّ، قال: دفَعه إليه وقال: \"أعينُوه\" (^٧).\nوأوَلى هذه الأقوالِ بالصوابِ في ذلك عندى قولُ مِن قال: هو خطابٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه ولاةَ أمورِ المسلمين بأداءِ الأمانةِ إلى مَن وَلُوا أَمْرَه فِي فَيْئِهم وحقوقِهم، وما ائْتُمِنوا عليه مِن أمورِهم، وبالعدلِ بينَهم في القضيةِ، والقَسْمِ بينَهم بالسويةِ، يَدُلُّ على ذلك ما وعَظ به الرعيةَ في قولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. فأمَرهم اللهُ بطاعتِهم، وأوْصَى الراعىَ برعيِّتِه، وأوْصَى الرعيةِ بالطاعةِ.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: قال أبي: هم السلاطينُ. وقرَأ ابن زيدٍ: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، س.\n(^٢) في ص، م: \"مفاتيح\".\n(^٣) في م: \"بها\"\n(^٤) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بعد\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٩٩ عن المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٧) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عينوه\". ونص في اللسان (ع ون) على أن الثلاثي: عان يعون. وإن لم ينطق به ويستعمل فإنه في حكم المنطوق به والمستعمل.\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٩٩٢ عن المصنف.","vol":"7","page":171},{"text":"مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]. [وإنما نقولُ: هم العلماء الذين يَطَيفون (^١) على السلطانِ] (^٢)، ألا تَرَى أنه أمرهم فبدأ بهم؛ بالولاةِ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. [والأماناتُ هي] (^٣) الفَيْءُ الذي اسْتَأْمنهم على جمعِه وقَسمِه، والصَّدَقَاتُ التي اسْتَأْمَنهم على جَمْعِها وقِسْمتِها، ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ الآية كلها. فأمَر بهذا الولاةَ، ثم أقبَل علينا نحن فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.\nوأما الذي قال ابن جريجٍ مِن أن هذه الآية نزَلت في عثمانَ بن طلحةَ، فإنه جائزٌ أن تَكُونَ نزَلت فيه وأُرِيدَ به كلُّ مُؤتَمنٍ على أمانةٍ، فدخَل فيه وُلاةُ أمورِ المسلمينِ وكلُّ مُؤْتَمَنٍ على أمانةٍ في دينٍ أو دنيا، ولذلك قال مَن قال: عُنى به قضاءُ الدَّيْنِ وردُّ حقوقِ الناسِ.\nكالذي حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾: فإنه لم يُرخِّصْ لمُوسرٍ ولا مُعْسرٍ أن يُمسكها (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. عن الحسنِ أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يَقُولُ: \"أد الأمانةَ إلى مِن ائْتَمنك، ولا تَخُنْ مِن خانكَ\" (^٥).\n_________\n(^١) في الأصل: \"يطعمون\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط مِن: الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٥ إلى المصنف.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٥ إلى المصنف. وروى من حديث أبي هريرة وأنس وغيرهما، =","vol":"7","page":172},{"text":"فتأويلُ الآيةِ إذن، إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا: إن اللهَ يَأْمُرُكم يا معشرَ وُلاةِ أمورِ المسلمين (^١) أن تُؤَدُّوا ما ائْتَمَنكم عليه رَعِيَّتُكُم مِن فَيْئِهم وحُقُوقِهم وأموالِهم وصَدَقاتهم إليهم (^٢)، على ما أمَركم اللهُ بأداءِ كلِّ شيءٍ مِن ذلك إلى مَن هو له، بعدَ أن تصيرَ في أيديكم، لا تَظْلِموها أهلَها، ولا تَسْتأثِروا بشيءٍ منها، ولا تَضَعوا شيئًا منها في غيرِ موضعِه (^٣)، ولا تَأْخُذُوها إلا ممَّن أذِن اللهِ لكم بأخذِها منه، قبلَ أن تَصيرَ في أيديكم، ويَأْمُرُكم إذا حَكَمتم بين رعِيَّتِكم أن تَحْكُموا بينَهم بالعدلِ والإنصافِ، وذلك حكمُ اللهِ الذي أنزَله في كتابه، وبَيَّنَه على لسانِ رسولِه، لا تَعْدُوا ذلك فتَجُورُوا عليهم (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-2030>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن الله - يا معشرَ ولاةِ أمورِ المسلمين - نِعْمَ الشيءُ يَعِظُكم به، ونِعْمَت العِظةُ يَعِظُكم بها، في أمْرِه إياكم أن تُؤدُّوا الأماناتِ إلى أهلها، وأن تَحْكُموا بينَ الناسِ بالعدلِ، و﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. يقولُ: إن الله لم يَزَلْ سميعًا بما تَقُولون وتَنْطِقُون، وهو سميعٌ لذلك منكم\n_________\n= وهو حديث ضعيف. قال الشافعي: هذا الحديث ليس بثابت. وقال أحمد: حديث باطل لا أعرفه من وجه يصح. وقال ابن الجوزى: لا يصح من جميع طرقه. وينظر سنن البيهقى ١٠/ ٢٧١، والعلل المتناهية ٢/ ١٠٢، ١٠٣، والتلخيص ٣/ ٩٧ وعون المعبود ٣/ ٣١٣، ٣١٤، والإرواء ٥/ ٣٨١، والسلسلة الصحيحة (٤٢٣).\n(^١) في الأصل: \"الناس\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في الأصل: \"موضعها\".\n(^٤) في الأصل: \"عليكم\".","vol":"7","page":173},{"text":"إذا حكَمتم بينَ الناسِ، ولِمَا (^١) تُحاوِرونَهم (^٢) به [وتنطِقون] (^٣)، ﴿بَصِيرًا﴾ بما تفعلون فيما ائْتُمِنْتم (^٤) عليه مِن حقوق رعيَّتِكم وأموالِهم، وما تَقْضُون به (^٥) بينَهم مِن أحكامِكم، بعدلٍ تَحكمون أو جورٍ، لا يَخْفى عليه شيءٌ مِن ذلك، حافظٌ ذلك كلَّه عليكم (^٦)، حتى يُجَازِى مُحسِنَكم بإحسانِه، ومُسيئكم بإساءته، أو يَعْفُو بفضله.\n\n<span id=\"aya-552\"></span><span data-type='title' id=toc-2031>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا أيُّها الذين آمَنوا أطِيعوا اللهِ ربَّكم فيما أمرَكم به وفيما نهاكم عنه، وأطِيعوا رسولَه محمدًا ﷺ، فإن في طاعتِكم إياه لربِّكم طاعةً، وذلكم أنكم تُطِيعونه لأمرِ اللهِ إياكم بطاعتِه.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول اللهِ ﷺ: \"مَن أطاعَنى فقد أطاع الله، ومَن أطاع أميرى (^٧) فقد أطاعَنى، ومن عَصاني فقد عصَى الله، ومَن عَصا أميرِى (^٧) فقد عَصاني\" (^٨).\n_________\n(^١) في م: \"لم\".\n(^٢) في الأصل: \"تجاوزونهم\"، وفي م: \"تجاوزوهم\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"ائتمنكم\".\n(^٥) في الأصل: \"له\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٧) في الأصل: \"أمرى\".\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٢١٢، وأحمد ١٢/ ٤٠٥ (٧٤٣٤) ١٦/ ١٠٦ (١٠٠٨٩)، وابن ماجه (٢٨٥٩)، وغيرهم مِن طرق عن الأعمش به وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٦٦، والبخاري (٧١٣٧)، ومسلم (١٨٣٥)، وغيرهم من طرق عن أبي هريرة. وينظر مسند الطيالسي (٢٥٥٤).","vol":"7","page":174},{"text":"واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؛ فقال بعضُهم: ذلك أمرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه باتباعِ سنتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2032>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. قال: طاعةُ الرسولِ اتباعُ سنتِه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يَعْلَى بْنُ عُبيد، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ قولَه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. قال: طاعةُ الرسولِ اتباعُ الكتابِ والسنةِ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه (^٢).\nوقال آخرون: ذلك أمرٌ مِن اللهِ بطاعةِ الرسولِ في حياته.\n\n<span data-type='title' id=toc-2033>ذكر مِن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾: إن كان حيًّا.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: هو أمرٌ مِن الله تعالى بطاعةِ رسولِه في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨٧ (٥٥٢٨) من طريق يعلى به. وأخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه (١٠٠ - ١٠٣) مِن طريق عبد الملك به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٦ إلى عبد بن حميد. وستأتي بقيته في ص ١٨٠، ١٨١.\n(^٢) أخرجه الطحاوى في المشكل ٤/ ١٨٤ (١٥٢٤)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٤١٧) من طريق ابن المبارك به.","vol":"7","page":175},{"text":"حياتِه فيما أمَر ونهَى، وبعدَ وفاتِه باتباعِ سنتِه؛ وذلك أن الله عمَّ بالأمرِ بطاعتِهِ ولم يَخْصُصْ ذلك (^١) في حالٍ دونَ حالٍ، فهو على العمومِ حتى يخصَّ ذلك ما يَجِبُ التسليمُ له.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في أُولى الأمِر الذين أمَر اللهُ عبادَه بطاعتِهم في هذه الآية؛ فقال بعضُهم: هم الأمراءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2034>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ في قولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: هم الأمراء (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ الصَّبَاحِ البزارُ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبَرني يَعْلى بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه قال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾: نزَلت في رجلٍ بعَثه النبيُّ ﷺ على سريةٍ (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بذلك\".\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٥٢ - تفسير) والطحاوى في المشكل ٤/ ١٨٦، ١٨٧ (١٥٢٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨٨ (٥٥٣٢) من طريق أبي معاوية به.\nوأخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٢١٢ - ٢١٤، والخلال في السنة (٤٨)، والطحاوى ٤/ ١٨٦ (١٥٢٥)، وابن أبي حاتم ٣/ ٩٨٨ (٥٥٣٠) من طريق الأعمش به، وصحح إسناده الحافظ في الفتح ٨/ ٢٥٤، وعزاه السيوطي أيضا في الدر المنثور ٢/ ١٧٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وينظر الفقيه والمتفقه (٩٢).\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٢٢٩ (٣١٢٤)، والبخارى (٤٥٨٤)، ومسلم (١٨٣٤)، وأبو داود (٢٦٢٤)، والترمذى (١٦٧٢)، والنسائي (٤٢٠٥)، وفى الكبرى (١١١٠٩)، وابن الجارود (١٠٤٠)، والطحاوي في المشكل (١٥٢٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨٧ (٥٥٢٩)، والواحدى في أسباب النزول =","vol":"7","page":176},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ الله (^١) بن مسلم بن هُرْمُزَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أن هذه الآيةَ نزَلت في عبدِ اللهِ بن [حذافةَ بن قيسٍ] (^٢) السَّهْمِيِّ إذ بعَثه النبيُّ ﷺ في السرية.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكام، عن عنيسةً، عن ليثٍ، قال: سأَل مَسلمةُ ميمونَ بنَ مهرانَ عن قولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: أصحابُ السَّرَايا على عهدِ النبيِّ ﷺ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: قال أبي: هم السلاطينُ. قال: وقال ابن زيدٍ: قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: قال أبي: قال رسولُ اللهِ: \"الطاعةَ الطاعةَ، وفي الطاعةِ بَلاءٌ\". قال: ولو شاء اللهُ (^٤) لجعَل الأمرَ في الأنبياءِ يُقْضَى (^٥)، لقد جعِل (^٦) إليهم والأنبياءُ معهم، ألا ترى حينَ حكَموا في قتلِ يحيى بن زكريا (^٧).\n_________\n= ص ١١٧، والبيهقي في الدلائل ٤/ ٣١١، والبغوى في تفسيره ٢/ ٢٤١، وغيرهم من طرق عن حجاج به، وفيه تسمية الرجل كما في الرواية الآتية، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٦ إلى ابن المنذر.\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عبيد\". وينظر الجرح ٥/ ١٦٤.\n(^٢) في الأصل \"قيس بن حذافة\". وينظر الإصابة ٤/ ٥٧.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٦ إلى المصنف. وينظر الفتح ٨/ ٢٥٤.\n(^٤) زيادة من: م.\n(^٥) في م، والدر المنثور: \"يعنى\".\n(^٦) في الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"جعلت\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٦ إلى المصنف.","vol":"7","page":177},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾. قال: بعَث رسولَ اللهِ ﷺ سريةً عليها خالدُ بنُ الوليدِ، وفيها عمارُ بنُ ياسرٍ، فساروا قِبلَ القومِ الذين يُريدون، فلمّا بلَغوا قريبًا منهم عرَّسوا (^١)، وأتاهم ذو (^٢) العُيَيْنَتَينِ (^٣) فأخبرَهم، فأصبَحوا قد هرَبوا غيرَ رجلٍ أمَر أهلَه فجمَعوا متاعَهم، ثم أقبَل يمشى في (^٤) ظلمةِ الليلِ، حتى أتَى عسْكرَ خالدٍ، فسأَل عن عمارِ بن ياسرٍ فأتاه، فقال: يا أبا اليَقْظانِ. إنى قد أسلمتُ، وشهِدتُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، وإن قومى لمّا سمِعوا بكم هرَبوا، وإنى بقِيتُ، فهل إسلامى نافعى غدًا، وإلا هربتُ؟ قال عمار: بل هو يَنْفَعُك، فأقِم. فأقام، فلمّا أصبَحوا أغار خالدٌ، فلم يَجِد أحدًا غيرَ الرجلِ، فأخَذه وأخَذ مالَه، فبلَغ عمارًا الخبرُ، فأتى خالدًا فقال: خلٍّ عن الرجلِ فإنه قد أسلَم، وهو (^٥) في أمانٍ منِّى. قال خالدٌ: وفيم أنت تُجيرُ؟ فاستبًا وارْتَفعا إلى النبيِّ ﷺ، فأجاز أمانَ عمارٍ ونهاه أن يُجيرَ الثانيةَ على أميرٍ، فاستبّا عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال خالدٌ: يا رسولَ اللهِ، أَتَتْرُكُ هذا العبدَ الأجدعَ يَسُبُّني؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"يا خالدُ، لا تَسُبَّ عمارًا، فإنه مِن سبَّ عمارًا سبَّه اللهُ، ومَن أَبْغَضَ عمارًا أبْغَضَه اللهُ، ومَن لعَن عمارًا لعَنه اللهُ\". فغضِب عمارٌ، فقام، فتبِعه خالدٌ حتى أخَذ بثوبِه فاعتذَر إليه، فرضِى عنه، فأنزَل اللهُ (^٦) قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ\n_________\n(^١) عرس القوم في السفر: نزلوا في آخر الليل للاستراحة، ثم أناخوا وناموا نومة خفيفة، ثم ساروا مع انفجار الصبح سائرين. التاج (ع ر س).\n(^٢) في م: \"ذوا\".\n(^٣) ذو العينين. الجاسوس. اللسان (ع ى ن).\n(^٤) في الأصل: \"إلى\".\n(^٥) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"إنه\".\n(^٦) بعده في الأصل، ص: \"يعنى\"، وفى ت ١، س: \"تعالى يعني\".","vol":"7","page":178},{"text":"مِنْكُمْ﴾ (^١).\nوقال آخرون: هم أهلُ العلمِ والفقهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2035>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن عليٍّ بن صالحٍ، عن عبدِ اللهِ بن محمدِ بن عَقيلٍ، عن [جابرِ بن عبدِ اللهِ] (^٢)، قال (^٣): ثنا جابرُ بنُ: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: أولو الفقه منكم (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا ليثٌ، عن مجاهدٍ في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨٨، ٩٨٩ (٥٥٣١، ٥٥٤٠) من طريق أحمد بن مفضل به. وأخرجه ابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير ٢/ ٣٠٣ - وابن عساكر في تاريخه ١٢/ ٦٢٥ (مخطوط) من طريق الحكم بن ظهير، عن السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.\nوأخرجه أحمد ١٢/ ٢٨، ١٣ (١٦٨١٤)، والنسائى في الكبرى (٨٢٧١)، والطبراني في الكبير (٣٨٣٠)، والحاكم، ٣/ ٣٨٩، وغيرهم من حديث خالد بن الوليد مختصرا، وينظر مسند الطيالسى (١٢٥٢ - طبعتنا).\n(^٢) سقط من: الأصل. والأثر عزاه الحافظ في الفتح ٨/ ٢٥٤ إلى المصنف بلفظ: هم أهل العلم والخير. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٢١٣، والحاكم ١/ ١٢٢، ١٢٣ - وصححه - من طريق وكيع به، بلفظ: أولو الفقه، أولو الخير. وأخرجه الطحاوى في المشكل ٤/ ١٨٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨٨ (٥٥٣٣)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٤١٩) من طريق الحسن بن صالح، عن ابن عقيل به، وأخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه (٩١) من طريق أبي الزبير، عن جابر. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر والحكيم الترمذي في نوادر الأصول.\n(^٣) يعني سفيان بن وكيع.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٥٣) - تفسير، وأبو خيثمة في العلم (٦٢) - ومن طريقه تمام في الفوائد (١٣٣٥ - الروض البسام - وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٩٢، والخطيب في الفقيه والمتفقه (٩٣، ٩٤) من طرق عن الأعمش به، نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"7","page":179},{"text":"قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: أولو الفقهِ والعلمِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: أولو الفقهِ في الدينِ والعقلِ.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بن صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾: يَعْنى أهلَ الفقهِ و(^٣) الدينِ (^٤).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيفٍ (^٥)، عن مجاهدٍ: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: أهلُ العلمِ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ (^٦) في قولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: أولو العلم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨٩ (٩٨٩)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (٩٦) من طريق ابن إدريس به. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٥٦ - تفسير)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (٩٧، ٩٨)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٤١٨) من طريق ليث به. وعزاه البسيوطى في الدر المنثور ٢/ ١٧٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وستأتى بقيته في ص ١٨٥، ١٨٦.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٨٥.\n(^٣) في الأصل: \"في\".\n(^٤) أخرجه الطحاوى في المشكل ٤/ ١٨٥، ١٨٦، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨٩ (٥٥٣٤)، والحاكم ١/ ١٢٣ من طريق عبد الله بن صالح به، مطولا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٦ إلى ابن المنذر.\n(^٥) في م: \"حصين\".\n(^٦) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بن السائب\". وعطاء هنا هو ابن أبي رباح. =","vol":"7","page":180},{"text":"والفقه (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: الفقهاءُ والعلماءُ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: هم العلماءُ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، عن الثَّوْرِيِّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: هم أهلُ الفقهِ والعلمِ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: حدَّثني إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: هم أهلُ العلمِ، ألا تَرَى أنه يَقُولُ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (^٤) [النساء: ٨٣].\nوقال آخَرون: هم أصحابُ محمدٍ ﷺ.\n_________\n= وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٣٢٢.\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٥٥ - تفسير) - ومن طريقه الطحاوى في المشكل ٤/ ١٨٣ - عن هشيم به، وتقدم أوله في ص ١٧٥.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٦. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٥٤) - تفسير، ومن طريقه الخطيب في الفقيه والمتفقه (١٠٢)، والطحاوى في المشكل ٤/ ١٨٣ (١٥٢٤) مِن طريق منصور عن الحسن، بلفظ: أولى الفقه والعلم. وأخرجه الخطيب (١٠٤) من طريق منصور أيضا بلفظ: العلماء والفقهاء. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨٩ (٥٥٣٦) من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن مثله، وزاد: والعقل والرأى. مثله في تفسيره مجاهد ص ٢٨٥ من طريق المبارك.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٦.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٢١٣، ٢١٤ من طريق أبي جعفر به، مختصرا.","vol":"7","page":181},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2036>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: كان مجاهدٌ يَقُولُ: أصحابُ محمدٍ. قال: وربما قال: [أولو العقلِ] (^١) والفقهِ ودينِ اللهِ (^٢).\nوقال آخَرون: هم أبو بكرٍ وعمرُ ﵄.\n\n<span data-type='title' id=toc-2037>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البصريُّ [وسعدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قالا] (^٣): ثنا حفصُ بنُ عمرَ العَدَنيُّ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: أبو بكرٍ وعمرُ (^٤).\nوأوْلَى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: هم الأمراءُ والوُلاةُ؛ لصحةِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بالأمرِ بطاعةِ الأئمةِ والوُلاةِ فيما كان للهِ (^٥) طاعةً، وللمسلمين مصلحةً.\n_________\n(^١) في م: \"أولى الفضل\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٢١٣، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٩٣ من طريق ابن علية به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قال\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨٩ (٥٥٣٧) من طريق حفص به. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٥٧) - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٨٩ (٥٥٣٨)، والبيهقى ١٠/ ٣٤٦، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٣٢٥) من طريق الحكم به، في قصة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٧ إلى عبد بن حميد وابن عساكر.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"7","page":182},{"text":"كالذي حدَّثني عليُّ بنُ مسلمٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا ابن أبي فُدَيكٍ (^١)، قال: ثني عبدِ اللهِ بن محمدِ بن عُروةَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبي صالحٍ السَّمَّانِ، عن أبي هريرة، أن النبيَّ ﷺ قال: \"سيَلِيكم بعدى وُلاةٌ، فتليكم البَرُّ ببِرِّه، و(^٢) الفاجرُ بفُجوره، فاسْمَعوا لهم وأطِيعُوا في كلِّ ما وافَق الحقَّ، وصَلُّوا وراءَهم، فإن أحْسَنوا [فلكم ولهم] (^٣)، وإن أساءُوا فلكم وعليهم\" (^٤).\nحدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا يحيى، عن (^٥) عبيدِ اللهِ، قال: أخبرَنى نافعٌ: عن [عبدِ اللهِ] (^٦)، عن النبيِّ ﷺ قال: \"على المرءِ المسلمِ [السمعُ و] (^٧) الطاعةُ فيما أحبَّ و(^٨) كرِه، إلا أن يُؤمر بمعصيةٍ، فإن (^٩) أُمرِ بمعصيةِ فلا طاعةَ\" (^١٠).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: حدَّثنا خالدٌ عن (^١١) عبيدِ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ،\n_________\n(^١) في الأصل: \"يزيد\".\n(^٢) بعده في الأصل: \"يليكم\".\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"فلهم ولكم\".\n(^٤) أخرجه الدارقطنى ٢/ ٥٥ - ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية ١/ ٤٢٤ - من طريق على بن مسلم به. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٦٣١٠) من طريق عبد الله بن محمد بن عروة به. وقد تفرد به عبد الله بن محمد، وهو متروك. وينظر الإرواء ٢/ ٣٠٥.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بن\". وينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٣٢٩.\n(^٦) في الأصل: \"عبيد الله بن عمر\"\n(^٧) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٨) في الأصل: \"أو\".\n(^٩) في ص، م ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فمن\".\n(^١٠) أخرجه أحمد ٨/ ٢٩٣ (٤٦٦٨)، والبخارى (٢٩٥٥)، ومسلم (١٨٣١)، وأبو داود (٢٦٢٦)، والبيهقي ٣/ ١٢٧، ٨/ ١٥٦، والبغوى في تفسيره ٢/ ٢٤٠، وفي شرح السنة (٢٤٥٣) من طريق يحيى به. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٥٤٢، وعبد بن حميد (٧٥٢)، وابن زنجويه في الأموال (٢١)، والبخارى (٢٩٥٥)، ومسلم (١٨٣٩)، والترمذى (١٧٠٧)، وابن ماجه (٢٨٦٤)، والنسائي (٤٢١٧)، وغيرهم من طرق عن عبيد الله به.\n(^١١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بن\". وينظر تهذيب الكمال ٨/ ٣٥.","vol":"7","page":183},{"text":"عن النبيِّ ﷺ نحوَه.\nفإذ كان معلومًا أنه لا طاعةَ واجبةٌ لأحدٍ غيرِ اللهِ أو رسولِه أو إمامٍ عَدْلٍ، وكان اللهُ قد أمَر بقولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. بطاعةِ ذوِى أمرِنا، كان معلومًا أن الذين أمَر بطاعتِهم تعالى ذكرُه مِن ذوِى أمرِنا هم الأئمةُ ومَن [وَلَّوْه أمَر المسلمين] (^١)، دونَ غيرِهم مِن الناسِ، وإن كان فرضًا القبولُ مِن كلِّ [آمرٍ أمَر] (^٢) بتَركِ معصيتِه ودعا إلى [طاعتِه، غيرَ] (^٣) أنه لا طاعةَ تَجِبُ لأحدٍ فيما أمَر ونهَى فيما (^٤) لم تُقمْ حجةُ وجوبِه إلا للأئمةِ الذين ألزَم اللهُ عبادَه طاعتَهم فيما أمَروا به رعيَّتَهم، مما هو مصلحةٌ لعامةِ الرعيةِ، فإن على مَن أمَروه بذلك طاعتَهم، وكذلك في كلِّ ما لم يَكُنْ للهِ معصيةً. وإذ كان ذلك كذلك، كان معلومًا بذلك صحةُ ما اخْتَرنا مِن التأويلِ دونَ غيرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2038>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فإن اختلَفتم أيها المؤمنون، في شيءٍ مِن أمرِ دينِكم؛ أنتم فيما بينَكم، أو أنتم ووُلاة أمرِكم، فاشْتَجَرتم فيه، ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾. يَعْنى بذلك: فارْتَادوا معرفةَ حكمِ ذلك (^٥) الذي اشْتَجَرتم أنتم بينكم، أو أنتم وولاةُ أمرِكم فيه، مِن عندِ اللهِ، يَعْنى بذلك: مِن كتابِ اللهِ، فاتَّبِعوا (^٦) ما\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ص: \"ولوه المسلمين\"، وفى م: \"ولاه المسلمون\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أمر\"، وفى م \"من أمر\"، وفى س: \"أمره\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٣، س: \"طاعة الله\"، وفى م، ت ٣: \"طاعة الله و\".\n(^٤) في الأصل: \"مما\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) في الأصل: \"فابتغوا\".","vol":"7","page":184},{"text":"وجَدتم فيه (^١)، [وأطيعوا الله باتِّباعِكم ما فيه مِن أمرِه ونَهْيِه، وحكمِه وقضائه] (^٢).\nوأما قولُه: ﴿وَالرَّسُولِ﴾. فإنه يَقُولُ: فإن لم تَجِدوا (^٣) عِلْمَ ذلك في كتابِ اللهِ مُبَيَّنًا (^٤)، فارْتادُوا معرفةً ذلك أيضًا مِن عندِ الرسولِ إن كان حيًّا، وإن كان ميِّتًا فمِن سنَّتِه، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يَقُولُ: افْعَلُوا ذلك إن كنتم تصدِّقون باللهِ واليومِ الآخرِ. يعنى: بالمعادِ الذي فيه الثوابُ والعقابُ، فإنكم إن فعَلتم ما أُمِرتم به مِن ذلك، فلكم مِن الله الجزيلُ مِن الثوابِ، وإن لم تفعَلوا ذلك، فلكم الأليمُ مِن العقابِ.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2039>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا ليثٌ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال: فإن تنازَع العلماءُ ردُّوه إلى اللهِ والرسولِ (^٥)؛ إلى (^٦) كتابِ اللهِ وسنةِ رسولِه. ثم نزَع (^٧) مجاهدٌ بهذه (^٨) الآيةِ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"إلى\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"سبيل\"، وفى م: \"سبيلا\".\n(^٥) بعده في م: \"قال يقول فردوه\".\n(^٦) سقط من: الأصل.\n(^٧) في م: \"قرأ\".\n(^٨) في م: \"هذه\".","vol":"7","page":185},{"text":"مِنْهُمْ﴾ (^١) [النساء: ٨٣].\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال: إلى (^٢) كتابِ اللهِ وسنَّةِ نبيِّه ﷺ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: حدَّثنا الثوري، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال: إلى الله: إلى كتابِه، وإلى الرسول: إلى سنَّةِ نبيِّه (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، قال: سأَل مَسْلمةُ ميمونَ بنَ مهرانَ عن قولِه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال: إلى (٢) اللهِ: كتابِه، ورسولِه: سنتِه. فكأنما ألْقمه حجرًا.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ بُرْقَانَ (^٥)، عن ميمونِ بن مهرانَ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال: الردُّ إلى اللهِ، الردُّ إلى كتابِه، والردُّ إلى رسولِه إن كان حيًّا، فإن قبَضه الله إليه فالردُّ إلى السنةِ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩٠ (٥٥٤١، ٥٥٤٢) من طريق ابن إدريس به. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٥٦) - تفسير، وتقدم أوله في ص ١٧٩، ١٨٠.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) تفسير الثورى ص ٩٦، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٩٣، ٢٩٤، والخطيب في الفقيه والمتفقه (٣٧٧)، وزاد أبو نعيم: ما دام حيًّا، فإذا قبض فإلى سنته.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٧.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مروان\"، وفى ت ١: \"مروان\"، وفى س: \"عروان\". وينظر تهذيب الكمال ٥/ ١١، ١٢.\n(^٦) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٣٤٤) من طريق أبي نعيم به. وأخرجه الطحاوى في =","vol":"7","page":186},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. يقولُ: رُدُّوه إلى كتابِ اللهِ وسنةِ رسولِه ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (^١)\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: إن كان الرسولُ حيًّا، ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ قال: إلى كتابِه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2040>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ﴾: فرَدُّ ما تنازَعتم فيه مِن شيءٍ إلى اللهِ والرسولِ، ﴿خَيْرٌ﴾. لكم عندَ اللهِ في مَعادِكم، وأصلحُ لكم في دنياكم؛ لأن ذلك يَدْعُوكُم إلى الألفةِ وتركِ التنازِع والفُرقةِ، ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. يعنى: وأحمَدُ موئلًا ومغبَّةً، وأجملُ عاقبةً. وقد بينا فيما مضَى أن التأويلَ التفعيلُ، مِن \"تأوَّل\"، وأن قولَ القائل: تأوَّل: \"تفعَّل\" مِن قولِهم: آلَ هذا الأمرُ إلى كذا أي: رجَع. بما أغنَى عن إعادتِه (^٣).\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n= المشكل ٤/ ١٨٣، وابن عبد البر (١٤١٤، ٢٣٢٨)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (٣٧٥، ٣٧٦) من طريق جعفر بن برقان به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٨ إلى ابن المنذر.\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩٠ عقب الأثر (٥٥٤١، ٥٥٤٣) معلقا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٨ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩٠ (٥٥٤٣) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٥/ ٢٢٢.","vol":"7","page":187},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2041>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. قال: وأحسنُ جزاءً (^١)\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. يقولُ: ذلك أحسنُ ثوابًا وخيرٌ عاقبةٌ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. قال: عاقبةً (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. قال: وأحسنُ عاقبةٌ. قال: والتأويلُ التصديقُ.\n\n<span id=\"aya-553\"></span><span data-type='title' id=toc-2042>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمدُ بقلبِك فتَعْلمَ، إلى الذين يَزْعُمون أنهم صدَّقوا بما أَنْزَلْنا إليك مِن الكتابِ، وإلى الذين يَزْعُمون أنهم آمنوا بما أَنْزَلْنَا مِن قَبْلِك مِن الكتبِ ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا﴾. في\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٨٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩٠ (٥٥٤٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩٠ (٥٥٤٤) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٨ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩٠ (٥٥٤٦) من طريق أحمد بن مفضل به.","vol":"7","page":188},{"text":"خصومتهم ﴿إِلَى الطَّاغُوتِ﴾. يَعْنى: إلى مَن يُعَظِّمونه ويَصْدُرون عن قولِه، ويَرْضَون بحكمه مِن دونِ حكمِ اللهِ، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾. يَقولُ: وقد أمَرهم اللهُ أن يُكَذِّبوا بما جاءَهم به الطاغوتُ الذي يَتَحاكَمون إليه، فترَكوا أمَر اللهِ، واتَّبعوا أمْرَ الشيطانِ، ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. يَعْنى أن الشيطانَ يُريدُ أن يصدَّ هؤلاء المتحاكِمين إلى الطاغوتِ عن سبيلِ الحقِّ والهدى. فيُضِلُّهم عنها ضلالًا بعيدًا، يعني: فيجورَ بهم عنها جَوْرًا شديدًا.\nوقد ذكِر أن هذه الآية نزَلت في رجلٍ مِن المنافقين دعا رجلًا مِن اليهود في خصومةٍ كانت بينَهما إلى بعضِ الكُهانِ ليَحْكُم بينَهم، ورسولُ اللهِ ﷺ بينَ أظهرهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2043>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾. قال: كان بينَ رجلٍ مِن اليهودِ وبينِ رجلٍ مِن المنافقين خصومةٌ، فكان المنافقُ يَدْعُو إلى اليهودِ؛ لأنه يَعْلَمُ أنهم يَقْبَلُون الرِّشوةَ، وكان اليهوديُّ يَدْعُو إلى المسلمين؛ لأنه يَعْلَمُ أنهم لا يَقْبَلون الرِّشوةَ، فاصْطَلحا أن يَتَحاكما إلى كاهنٍ مِن جُهَيْنةَ، فأنزَلَ اللهُ ﷿ فيه هذه الآيةَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ حتى بلَغ: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ١١٩ من طريق داود. به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٨ إلى ابن المنذر.","vol":"7","page":189},{"text":"حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. فذكرَ نحوَه، وزاد فيه: فأنزَل اللهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: يعنى المنافقَ (^١)، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: يعنى اليهودِيَّ (^٢)، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾. يقولُ: إلى (^٣) الكاهن، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾: أُمِر هذا في كتابِه، وأُمِر هذا في كتابه، أن يَكْفُرَ بالكاهنِ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابن عليةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، قال: كانت بينَ رجلٍ ممن يَزْعُمُ أنه مسلمٌ وبينَ رجلٍ مِن اليهودِ خصومةٌ، فقال اليهوديُّ: أُحاكمُك إلى أهل دينِك. أو قال: إلى النبيِّ، لأنه قد عِلم أن النبيَّ ﷺ يأْخذُ الرِّشوةَ في الحكمِ، فاختلفا، فاتَّفَقا على أن يَأْتِيا كاهنًا في جُهَيْنَةً. قال: فنزَلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: يَعْنى الذي مِن الأنصارِ، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: يَعْنى اليهوديَّ، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾: إلى الكاهنِ، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾. يَعْنى: أُمِر هذا في كتابِه، وأُمِر هذا في كتابِه. ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. وقرَأ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. إلى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: زعَم حضرميٌّ أن رجلًا مِن اليهودِ كان قد أسلَم، فكانت بينَه وبين رجلٍ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المنافقين\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"اليهود\".\n(^٣) سقط من: الأصل.","vol":"7","page":190},{"text":"مِن اليهودِ مُدارَاةٌ (^١) في حقٍّ، فقال اليهوديُّ له: انْطَلِق إلى نبيِّ اللهِ. فعرَف أنه سيَقْضِي عليه، قال: فأبى، فانْطَلَقا إلى رجلٍ مِن الكهانِ، فتَحاكَما إليه، فأنزَل (^٢) اللهُ جل ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية. حتى بلغ: ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾: ذُكر لنا أن هذه الآيةَ نزَلت في رجلين؛ رجلٍ مِن الأنصارِ يُقال له: بشرٌ. وفى رجلٍ مِن اليهودِ، في مُدارَأَةٍ كانت بينَهما في حقٍّ، فتَدارَءا بينَهما فيه، فتَنافَرا إلى كاهنٍ بالمدينة يَحْكُم بينَهما، وترَكا نبيَّ اللهِ ﷺ، فعاب اللهُ ذلك عليهما (^٤)، وذُكِر لنا أن اليهوديَّ كان يَدْعُوه إلى النبيِّ ﷺ ليَحْكُمَ بينَهما، وقد عِلم أن النبيَّ ﷺ الله لن يَجُورَ عليه، فجعَل الأنصاريُّ يَأْتِي عليه، وهو يَزْعُمُ أنه مسلمٌ، ويَدْعُوه إلى الكاهنِ، فأنزَل اللهُ ما تَسْمَعُون، فعاب ذلك (^٥) على الذي يَزْعُمُ أنه مسلمٌ، وعلى اليهوديِّ الذي هو مِن أهلِ الكتابِ، فقال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. إلى قولِه: ﴿صُدُودًا﴾ (^٦).\n_________\n(^١) المداراة: التدافع في الخصومة. التاج (د رأ).\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قال\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢٠/ ١٧٩ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) بعده في الأصل: \"عليه\".\n(^٦) أخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ١١٩ من طريق سعيد عن قتادة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"7","page":191},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾. قال: كان ناسٌ مِن اليهودِ قد أسلَموا ونافَق بعضُهم، وكانت قريظةُ والنضيرُ في الجاهليةِ إذا قُتِل الرجلُ مِن بني النضيرِ؛ قتَلتْه بنو قُرَيظةَ، قتَلوا به منهم، فإذا قُتِل الرجلُ مِن بني قريظة؛ قتَلته النَّضِيرُ، أعطَوْا دِيتَه ستين وَسْقًا (^١) مِن تمرٍ، فلما أسلَم ناسٌ مِن بني قُرَيظةَ والنَّضيرِ، قتَل رجلٌ مِن مِن بني النضيرِ رجلًا مِن بنى قريظةَ، فتَحاكَموا إلى النبيِّ ﷺ، فقال النَّضَرِيُّ: يا نبيَّ اللهِ، إنا كنا نُعْطِيهم في الجاهليةِ الدِّيَةَ، فنحن نُعْطِيهم اليومَ ذلك. فقالت قُرَيْظَةُ: لا، ولكنا إخوانُكم في النَّسَبِ والدين، ودماؤُنا مثلُ دمائِكم، ولكنكم كنتم تَغْلِبوننا في الجاهليةِ، فقد جاء اللهُ بالإسلامِ. فأنزَلَ اللهُ يُعَيِّرُهم بما فعَلوا، فقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]. [عيَّرهم بما فعَلوا] (^٢)، ثم ذكَر قولَ النَّضَريِّ: كنا نُعْطيهم في الجاهليةِ ستين وسْقًا ونَقْتُلُ منهم ولا يَقْتُلُوننا. فقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. فأخذ النَّضريَّ فقتَله بصاحبِه، فتَفاخَرتِ النَّضيرُ وقُريظةُ، فقالت النضيرُ: نحن أكرمُ منكم. وقالت قريظةُ: نحن أكرمُ منكم. ودخَلوا المدينةَ إلى أبي بُرْدَة (^٣) الكاهنِ الأسلميِّ، فقال المنافقون (^٤) مِن قُرَيظةَ والنَّضيرِ: انْطَلِقوا إلى أبى بُرْدَة (٣) يُنْفِر (^٥) بينَنا. وقال المسلمون مِن قُرَيظةَ والنَّضِيرِ: لا، بل النبيُّ ﷺ يُنْفِرُ بينَنا، فتعالَوا إليه. فأبَى المنافقون،\n_________\n(^١) الوسق ستون صاعا، والصاع: هو خمسة أرطال وثلث. اللسان (وس ق).\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ص: \"فعيرهم\".\n(^٣) في م: \"أبي برزة\". وينظر الإصابة ٦/ ٤٣٤، ٧/ ٣٧، ٣٨.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣ س: و\"المنافق\".\n(^٥) نافرت الرجل منافرة: إذا قاضيته. ونفّره وأنفره إذا حكم له بالغلبة. وهو مِن المنافرة، وهي المفاخرة. النهاية ٥/ ٩٣، واللسان (ن ف ر).","vol":"7","page":192},{"text":"وانْطَلَقوا إلى أبى بُرْدَةَ (^١) فسأَلوه، فقال: أعظِموا اللُّقمةَ. يَقُولُ: أعظِموا الخَطَرَ (^٢). فقالوا: لك عَشَرَةُ أوساقٍ. قال: لا، بل مائةُ وَسْقٍ، دِيَتِى، فإني أخافُ أَن أُنْفِرَ النَّضِيرَ فتَقْتُلَنِى قُرَيظَةُ، أو أُنْفِرَ قُرَيْظَةَ فتَقْتُلَنِي النَّضِيرُ، فَأَبَوْا أَن يُعْطُوه فوقَ عَشَرَةِ أوساقٍ، وأبَى أن يَحْكُمَ بينَهم، فأنزلَ اللهُ ﷿: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾: وهو أبو بُرْدَةَ (١)، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (^٣).\nوقال آخَرون: الطاغوتُ في هذا الموضعِ هو كعبُ بنُ الأشرفِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2044>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾: والطاغوتُ رجلٌ مِن اليهودِ كان يقالُ له: كعبُ بنُ الأشرفِ. وكانوا إذا ما دُعوا إلى ما أنْزَل اللهُ وإلى الرسولِ ليَحْكُمَ بينَهم قالوا: بل نحاكِمُكم إلى كعبِ. فذلك قولِه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ الآية (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ،، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا\n_________\n(^١) في م: \"برزة\". وينظر الإصابة ٦/ ٤٣٤، ٧/ ٣٧، ٣٨.\n(^٢) الخطر: الرهن بعينه، وهو ما يتراهن عليه. التاج (خ ط ر).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩١ (٥٥٤٩) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩٢ (٥٥٥٣) عن محمد بن سعد به.","vol":"7","page":193},{"text":"أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قال: تنازَع رجلٌ مِن المنافقين ورجلٌ مِن اليهودِ، فقال المنافقُ: اذْهَبْ بنا إلى كعبُ بنُ الأشرفِ. وقال اليهوديُّ: اذْهَبْ بنا إلى النبيِّ محمدٍ (^١). فقال اللهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾. الآية والتي تليها فيهما (^٢) أيضًا.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: وقال اليهوديُّ: اذْهَبْ بنا إلى محمدٍ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. إلى قولِه: ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. قال: كان رجلان مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ بينَهما خصومةٌ؛ أحدُهما مؤمنٌ والآخر منافقٌ، فدعاه المؤمنُ إلى النبيِّ ﷺ، ودعاه المنافقُ إلى كعبُ بنُ الأشرفِ، فأنزَل اللهُ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ عن مجاهدٍ قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾. قال: تنازَع رجلٌ مِن المؤمنين\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وبعده في هذه النسخ: \"ﷺ\". واليهود لا تقوله.\n(^٢) في م: \"فيهم\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٨٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩١ (٥٥٤٨)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٩ إلى المصنف.","vol":"7","page":194},{"text":"ورجلٌ مِن اليهودِ، فقال اليهوديُّ: اذْهَبْ بنا إلى كعبُ بنُ الأشرفِ. وقال المؤمنُ: اذْهَبْ بنا إلى النبيِّ ﷺ فقال اللهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾. إلى قولِه: ﴿صُدُودًا﴾ قال ابن جريجٍ: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. قال: القرآنُ، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال: التوراةُ. قال: ويَكُونُ بينَ المسلمِ والمنافقِ الحقُّ، فيَدْعُوه المسلمُ إلى النبيِّ ﷺ؛ ليُحاكِمَه إليه، فيَأْتِي المنافقُ ويَدْعُوه إلى الطاغوتِ. قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: الطاغوتُ كعبُ بنُ الأشرفِ (^١).\nحدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾: هو كعبُ بنُ الأشرفِ (^٢)\nوقد بينا معنى الطاغوتِ في غيرِ هذا الموضعِ، فكرِهنا إعادتَه (^٣).\n\n<span id=\"aya-554\"></span><span data-type='title' id=toc-2045>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ألم تَرَ يا محمدُ إلى الذين يَزْعُمون أنهم آمنوا بما أُنْزِل إليك مِن المنافقين، وإلى الذين يَزْعُمون أنهم آمَنوا بما أُنْزِل مِن قبلِك، مِن أهلِ الكتابِ، يُريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوتِ، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا (^٤) إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾. يَعْنى بذلك: وإذا قيل لهم (^٥): هَلُمُّوا إلى حكمِ اللهِ الذي أَنْزَله في كتابِه، وإلى الرسولِ ليحكُمَ بينَنا،\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"وقد أمروا أن يكفروا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٩ إلى المصنف.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٤/ ٥٥٥ - ٥٥٨.\n(^٤) في ص، م: \" تعالوا هلموا\".\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تعالوا\".","vol":"7","page":195},{"text":"﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾. يَعْنى بذلك: يَمْتَنِعون مِن المصيرِ إليك لتَحْكُمَ بينَهم، ويَمْنَعُون مِن المصيرِ إليك كذلك (^١) غيرَهم ﴿صُدُودًا﴾.\nوقال ابن جريجٍ في ذلك بما حدَّثنا به القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾. قال: دعَا المسلمُ المنافقَ إلى رسولِ اللهِ ليَحْكُم بينَهم (^٢). قال: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾.\nوأما على تأويلِ (^٣) مِن جعَل ذلك (٢) الداعيَ إلى النبيِّ ﷺ اليهوديَّ، والمَدْعُوَّ إليه المنافقَ، على ما ذكَرتُ مِن أقوالِ مَن قال ذلك في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. فإنه على ما بَيَّنتُ قبلُ.\n\n<span id=\"aya-555\"></span><span data-type='title' id=toc-2046>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فكيف بهؤلاء الذين يُريدون أن يَتَحاكموا إلى الطاغوتِ، وهم يَزْعُمُون أنهم آمَنوا بما أُنزِل إليك وما أُنزل مِن قبلِك ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾. يَعْنى: إذا نزَلت بهم نقمةٌ مِن الله، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. يَعْنى: بذُنوبِهم التي سلَفت منهم، ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾. يقولُ: ثم جاءوك يخلفون باللهِ كذبًا وزورًا، ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾. وهذا خبرٌ مِن الله عن هؤلاء المنافقين أنهم لا يَرْدَعُهم عن النفاقِ\n_________\n(^١) في الأصل، ص، س: \"لذلك\".\n(^٢) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ص.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قول\".","vol":"7","page":196},{"text":"الغِيرُ (^١) والنِّقَمُ، وأنهم وإن نالتَهم (^٢) عُقوبةٌ مِن اللهِ على احتكامِهم إلى الطاغوتِ، لم يُنيبوا ولم يَتُوبوا، ولكنهم يَحْلِفُون بالله كذبًا وجُرْأةً على اللهِ: ما أَرَدْنا باحتكامِنا إليه إلا الإحسانَ مِن بعضنا إلى بعضٍ، والصوابَ فيما احتكَمنا فيه إليه [باحتكامِنا إليه] (^٣).\n\n<span id=\"aya-556\"></span><span data-type='title' id=toc-2047>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاء المنافقون، ﴿الَّذِينَ﴾ وصَفتُ (^٤) لك يا محمدُ صفتَهم، ﴿يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ في احتكامِهم إلى الطاغوتِ، وتركِهم الاحتكامَ إليك، وصدودِهم عنك، مِن النفاقِ والزَّيْغِ، وإن حلَفوا باللهِ ما أرَدنا إلا إحسانًا وتوفيقا، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾. يقولُ: فدَعْهُم فلا تُعاقِبْهم في أبدانِهم وأجسامِهم، ولكن عِظْهم بتخويفِك إياهم بأسَ اللهِ أن يَحِلَّ بهم، وعُقوبته أن تَنْزِلَ بدارِهم، وحَذِّرْهم غِبَّ (^٥) مكروهِ ما هم عليه مِن الشكِّ في أمرِ اللهِ وأُمِر رسولِه، ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾. يقولُ: مُرْهم باتقاءِ اللهِ والتصديقِ به وبرسولِه ووعدِه ووعيدِه.\n\n<span id=\"aya-557\"></span><span data-type='title' id=toc-2048>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"العبر\" والغير: أحداث الدهر وأحواله المتغيرة. للسان (غ ى ر).\n(^٢) في ص، م، ت ٢: \" نأتهم\"، وفى ت ١، س: \"يأتيهم\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، وفى ت ٣، س: \"احتكامنا إليه\".\n(^٤) في الأصل: \"وصف\".\n(^٥) في م: \"من\"، وفى ت ١: \"عن\".","vol":"7","page":197},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولم تُرسل يا محمدُ رسولًا إلا فَرَضْتُ طاعتَه على مَن أَرْسَلْتُه إليه. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فأنتَ يا محمدُ مِن الرسلِ الذين فَرَضْتُ طاعتَهم على مَن أرسَلْتُه إليه.\nوإنما هذا توبيخٌ مِن الله جل ثناؤُه للمُحْتَكِمين مِن المنافقين، الذين كانوا يَزْعُمون أنهم يُؤْمنون بما أُنْزِل إلى النبيِّ ﷺ، فيما اختصموا فيه إلى الطاغوتِ، صُدُودًا عن رسولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ لهم تعالى ذكرُه: ما أَرْسَلْتُ رسولًا إِلا فَرَضْتُ طاعتَه على مَن أَرْسَلْتُه إليه، فمحمدٌ ﷺ مِن أولئك الرسلِ، فمن ترَك طاعتَه والرضا بحكمِه واحتَكَم إلى الطاغوتِ، فقد خالَف أمْرِى وضيَّع فرْضِى. ثم أخبرَ جلَّ ثناؤُه أن مَن أطاع رُسُلَه، فإنما يُطيعُهم بإذنِه. يعنى: بتقديرِه ذلك له (^١)، وقضائه السابق في علمه ومشيئتِه.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: نا عيسى، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن شبلٍ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: واجبٌ لهم أن يطيعَهم مِن شاء الله، ولا يطيعَهم أحدٌ إلا بإذنِ اللهِ (^٢)\nوإنما هذا تعريضٌ مِن الله تعالى ذكرُه لهؤلاء المنافقين، بأن تَرْكَهم طاعةَ اللهِ وطاعةَ رسولِه والرضَا بحكِمه، إنما هو للسابقِ (^٣) مِن خِذْلانِه وغلبة الشَّقاءِ عليهم، ولولا ذلك لكانوا ممن أذِن اللهِ له في الرضَا بحكمِه، والمسارعةِ إلى طاعتِه.\n_________\n(^١) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٨٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٠ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في الأصل: \"السابق\".","vol":"7","page":198},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2049>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولو أن هؤلاء المنافقين الذين وصَف صفتَهم في هاتين الآيتين، الذين إذا دُعُوا إلى حكمِ اللهِ وحكمِ رسولِه صَدُّوا صدودًا ﴿إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ باكتسابِهم (^١) العظيمَ مِن الإثمِ في احتكامِهم إلى الطاغوتِ، وصدودِهم عن كتابِ اللهِ وسنةِ رسولِه إذا دُعُوا إليها، ﴿جَاءُوكَ﴾ يا محمدُ حينَ فعَلوا ما فعَلوا من مصيرِهم إلى الطاغوتِ راضين بحكمِه دونَ حكمِك، جاءوك تائبين مُنيبين، فسأَلوا الله أن يَصْفَحَ لهم عن عقوبةِ ذنبِهم بتغطيتِه عليهم (^٢)، وسأَل لهم الله رسولُه ﷺ مثلَ ذلك. وذلك هو معنى قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾.\nوأما قولُه: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. فإنه يقولُ: لو كانوا فعَلوا ذلك فتابوا من ذنبِهم (^٣)، ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا﴾. يَقُولُ: راجعًا لهم مما يَكْرَهون إلى ما يُحِبون، ﴿رَحِيمًا﴾ بهم في تركِه عقوبتَهم على ذنبِهم الذي تابوا منه.\nوقال مجاهدٌ: عُنِى بذلك اليهوديُّ والمسلمُ اللذان تحاكَما إلى كعبِ بن الأشرفِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قال: هو الرجلُ اليهوديُّ والرجلُ المسلمُ اللذان تحاكَما إلى كعبِ بن\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"إياها\".\n(^٢) في الأصل: \"عليه\".\n(^٣) في م: \"ذنوبهم\".","vol":"7","page":199},{"text":"الأشرفِ (^١).\n\n<span id=\"aya-558\"></span><span data-type='title' id=toc-2050>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَلَا﴾: فليس الأمرُ كما يَزْعُمون أنهم يؤمنون بما أُنْزِل إليك، وهم يحتكِمون إلى الطاغوتِ، ويَصُدُّون عنك إذا دُعُوا إليك يا محمدُ. ثم (^٢) اسْتَأْنَف القَسَمَ جلَّ ثناؤُه، فقال: ﴿وَرَبِّكَ﴾ يا محمدُ، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾. أي: لا يُصَدِّقون بي وبك وما أنزلتُ إليك، ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. يَقُولُ: حتى يَجْعَلُوك حكَمًا بينهَم فيما اختلَط بينَهم مِن أمورِهم، فالْتَبَس عليهم حُكْمُه.\nيُقَالُ منه (^٣): شجَر يَشْجُرُ شُجُورًا [وشَجْرًا] (^٤)، وتشاجَر القومُ، إذا اختلَفوا في الكلامِ والأمرِ، مُشاجرةً وشِجارًا.\n﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾. يقولُ: ثم لا يَجِدوا في أنفسِهم ضِيقًا مما قضَيت. وإنما معناه: ثم لا تَخْرَجُ أنفسُهم مما قضَيت. أي: لا تأْثَمُ بإنكارِها ما قضيتَ، وشكِّها في طاعتِك، وأن الذي (^٥) قضَيت به بينَهم حقٌّ لا يَجُوزُ لهم خلافُه.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٨٦، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩٣ (٥٥٥٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"و\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) بعده في الأصل: \"قضيته\".","vol":"7","page":200},{"text":"كما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾. قال: يقولُ: شكًّا (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾. يَقُولُ: شكًّا.\nحدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرَنا يزيدُ، قال: أخبرَنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾. قال: إثمًا. [وقولُه] (^٢): ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. يقولُ: ويُسَلِّموا لقضائِك وحكمِك، إذعانًا منهم لك (^٣) بالطاعةِ، وإقرارًا لك بالنبوَّةِ تسليمًا (^٤).\nواختلَف أهلُ التأويلِ فيمَن عُنِى بهذه الآيةِ، وفيمن نزَلت؛ فقال بعضُهم: نزَلت في الزبيرِ بن العوامِ وخَصْمٍ له مِن الأنصارِ، اختصَما إلى النبيِّ ﷺ في بعضِ الأمورِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2051>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَني يونسُ والليثُ بنُ سعدٍ، عن ابن شهابٍ، أن عروةَ بنَ الزبيرِ حدَّثه، أن عبدَ اللهِ بنَ الزبيرِ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٨٦، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩٥ (٥٥٦٢). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) تفسير القرطبي ٥/ ٢٦٩، والدر المنثور ٢/ ١٨١.","vol":"7","page":201},{"text":"حدَّثه، عن الزبيرِ بن العوامِ، أنه خاصَم رجلًا من الأنصارِ، قد شهِد بدرًا مع رسولِ اللهِ ﷺ، في شِراجٍ (^١) مِن الحرَّةِ، كانا يَسقِيان به كلاهما النخلَ، فقال الأنصاريُّ: سرِّحِ الماءَ يَمُرُّ. فأبَى عليه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"اسْقِ يا زُبيرُ، ثم أرْسِلِ الماءَ (^٢) إلى جارِك\". فغضب الأنصاريُّ وقال: يا رسولَ اللهِ، أنْ كان ابن عمَّتِك؟ فتلوَّن وجهُ رسولِ اللهِ ﷺ، ثم قال: \"اسْقِ يا زُبَيرُ، ثم احْبِس (^٣) الماءَ (^٤) حتى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ\". واستوعَى (^٥) رسولُ اللهِ ﷺ للزبيرِ حقَّه (^٦). وكان رسولُ اللهِ ﷺ قبلِ ذلك أشار على الزبيرِ برأيٍ أراد فيه الشفقةَ له وللأنصاريِّ، فلما أحفَظ (^٧) رسولَ اللهِ ﷺ الأنصاريُّ، استَوْعَى (^٨) للزبيرِ حقَّه في صريحِ الحكمِ، قال: فقال الزبيرُ: ما أحسَبُ هذه الآية أنزِلت إلا في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية (^٩).\n_________\n(^١) الشِّراج، بالكسر جمع شَرَج، وهو مسيل الماء من الحرة إلى السهل. التاج (ش ر ج).\n(^٢) سقط من: الأصل، ص.\n(^٣) في الأصل: \"احتبس\".\n(^٤) بعده في الأصل: \"ثم قال يا زبير\".\n(^٥) استوعى: استوعب واستوفى. اللسان (وع ى).\n(^٦) بعده في ص، م: \"قال أبو جعفر: والصواب: استوعب\".\n(^٧) أحفظه: أغضبه. التاج (ح ف ظ).\n(^٨) في م: \"استوعب\".\n(^٩) أخرجه الطحاوى في المشكل (٦٣٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩٣، ٩٩٤ (٥٥٥٨) عن يونس بن عبد الأعلى به، وأخرجه الطحاوى في المشكل (٥٤٤٨) بسنده ومتنه وليس في إسناده عبد الله بن الزبير، وأخرجه النسائي (٥٤٢٢) عن يونس بن عبد الأعلى، والحارث بن مسكين عن ابن وهب به. وأخرجه ابن الجارود في المنتقى (١٠٢١) من طريق ابن وهب به. وأخرجه الحاكم ٣/ ٣٦٤ من طريق ابن أخي الزهري عن الزهرى به. وأخرجه أحمد (١٤١٩)، والبخارى (٢٧٠٨)، والبغوى (٢١٩٤) من طريق شعيب عن الزهرى عن عروة عن الزبير به (لم يذكر في إسناده عبد الله بن الزبير) وأخرجه أحمد (١٦١١٦)، وعبد بن حميد (٥١٩ - منتخب)، والبخارى (٢٣٥٩)، ومسلم (٢٣٥٧)، وأبو داود (٣٦٣٧) والترمذى =","vol":"7","page":202},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ، عن عبدِ الرحمنِ بن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، قال: خاصَم الزبيرَ رجلٌ مِن الأنصارِ في شَرْجٍ مِن شراجِ (^١) الحَرَّةِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"يا زُبيرُ، أَشْرِبْ ثم خلِّ سبيلَ الماءِ\". فقال الذي مِن الأنصارِ [مِن بني أميةَ] (^٢): اعْدِلْ يا نبيَّ اللهِ وإن كان ابنَ عمتِك. قال: فتَغَير وجه رسول الله حتى عُرف أن قد ساعه ما قال، ثم قال: ويا زبير، احْبِسِ الماءَ إلى الجَدْرِ - أو: إلى الكعبين - ثم خلِّ سبيلَ الماءَ\". قال: ونزَلت: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (^٣).\nحدَّثني عبدُ اللهِ بنُ عميرٍ (^٤) الرازيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا عمرُو بنُ دينارٍ، عن سلمةَ؛ رجلٍ من ولدِ أمِّ سلمةَ، عن أمِّ سلمةَ، أن الزبيرَ خاصَم رجلًا إلى النبيِّ ﷺ، فقضَى النبيُّ ﷺ الزبيرِ، فقال الرجلُ لما قضَى للزبيرِ: أن كان ابن عمَّتِك؟ فأنزَل اللهُ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾. إلى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (^٥).\n_________\n= (١٣٦٣، ٣٠٢٧)، والنسائى (٥٤٣١)، وابن ماجه (١٥، ٢٤٨٠)، والطحاوى في المشكل (٦٣٣) وابن حبان (٢٤) من طرق عن الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عبد الله بن الزبير به (ليس في إسناده الزبير) وسيأتي عن عروة مرسلًا.\n(^١) في الأصل: \"شرج\".\n(^٢) سقط من: م. وبنو أمية هم بنو زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس، وليسوا بني أمية بن عبد شمس، فهؤلاء قرشيون. ينظر جمهرة أنساب العرب ص ٣٤٥.\n(^٣) أخرجه يحيى بن آدم (٣٣٧)، والبخارى (٢٣٦١، ٢٣٦٢، ٤٥٨٥)، والبيهقى ٦/ ١٥٤ من طرق عن الزهري به.\n(^٤) في الأصل: \"عمر\".\n(^٥) أخرجه الحميدى (٣٠٠)، وسعيد بن منصور في سننه (٦٦٠ - تفسير)، والطبراني في الكبير ٢٣/ ٢٩٤ (٦٥٢)، والواحدى في أسباب النزول ص ١٢٢ من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢٠/ ١٨٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"7","page":203},{"text":"وقال آخَرون: بل نزَلت هذه الآيةُ في المنافقِ واليهوديِّ اللَّذَين وصَف اللهُ صفتَهما في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-2052>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفة، قال حدَّثنا شِبْلٌ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قال: هذا الرجلُ اليهوديُّ والرجلُ المسلمُ اللذان تحاكَما إلى كعبِ بن الأشرفِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمِ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ بنحوِه، إلا أنه قال: احتكَما (^٢) إلى الكاهنِ (^٣).\nوهذا القولُ - أعنِى قول من قال: عُنِى به المحتكِمان إلى الطاغوتِ، اللذان وصف اللهُ شأنَهما في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ - أولى بالصوابِ؛ لأن قولَه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. في سياقِ قصةِ الذين ابتدأ اللهُ الخبرَ عنهم بقولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. ولا دلالةَ تَدُلُّ على انقطاعِ قصتِهم، والحاقُ بعضِ ذلك ببعضٍ - ما لم تأْتِ دلالةٌ على\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٨٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٠ إلى المصنف.","vol":"7","page":204},{"text":"انقطاعِه، أَوْلَى.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن في الخبرِ (^١) الذي روِى عن الزبيرِ (^٢) وابن الزبيرِ من قصتِه وقصةِ الأنصاريِّ في شِراجِ الحرَّةِ، وقولِ مَن قال في خبرِهما: فنزَلت: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. ما يُنْبِئُ عن (^٣) انقطاعِ حكمِ هذه الآيةِ وقصتِها من قصةِ الآياتِ قبلَها، فإنه غيرُ مستحيلٍ أن تكونَ الآيةُ نزلت في قصةِ المحتِكمين إلى الطاغوتِ، ويَكُونَ فيها بيانُ حكمِ (١) ما اختصَم (^٤) فيه الزبيرُ وصاحبُه الأنصاريُّ، إذ [كان في الآيةِ دلالَةٌ] (^٥) على ذلك، وإذ كان ذلك غيرَ مستحيلٍ، فإن إلحاقَ معنى بعضِ ذلك ببعضٍ أولى، ما دام الكلامُ مُتَّسِقَةً معانيه على سياقٍ واحدٍ، إلا أن تَأْتِيَ دلالةٌ على انقطاعِ بعضِ ذلك مِن بعضٍ، فيُعْدَلَ به عن معنى ما قبلَه.\nوأما قولُه: ﴿وَيُسَلِّمُوا﴾. فإنه منصوبٌ عطفًا على قولِه: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾. [نصبَه عطفًا به على قولِه] (^٦): ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.\n\n<span id=\"aya-559\"></span><span data-type='title' id=toc-2053>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في الأصل: \"أبي الزبير\".\n(^٣) بعده في الأصل: \"حكم\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"احتكم\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كانت الآية دالة\".\n(^٦) سقط من: س، وفي ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وقوله ثم لا يجدوا في أنفسهم نصب عطفا على قوله\".","vol":"7","page":205},{"text":"قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: ولو أنا فرَضنا على هؤلاء الذين يَزْعُمون أنهم آمنوا بما أُنْزِلَ إليك، المُحْتَكِمين إلى الطاغوتِ، أن يَقْتُلُوا أنفسَهم، وأمَرْناهم بذلك، أو أن يَخْرُجُوا مِن ديارِهم مهاجرِين منها إلى دارٍ أخرى سِواها، ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾. يقولُ: ما قتَلوا أنفسَهم بأيديهم، ولا هاجَروا مِن ديارِهم، فيخرُجوا عنها إلى اللهِ ورسولِه؛ طاعةٌ للهِ ولرسولهِ، ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال [جماعةٌ مِن] (^١) أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2054>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: يهودُ، يَعْنى - [أو كلمةٌ تشبِهُها] (^١) - والعربَ، كما أُمر أصحابُ موسى ﵇ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾: كما أمِر أصحابُ موسى أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا بالخناجِرِ لم يَفْعَلُوا إلا قليلٌ منهم.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٨٦ بنحوه، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩٥ (٥٥٦٣)، وعن السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨١ إلى عبد بن حميد.","vol":"7","page":206},{"text":"إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾: افْتَخَر ثابتُ بنُ قيسِ بن شَمَّاسٍ ورجلٌ مِن يهودَ، فقال اليهوديُّ: واللهِ لقد (^١) كتب اللهُ علينا أن اقْتُلُوا أنفسَكم، فقتَلْنا (^٢) أنفسَنا، فقال ثابتٌ: واللهِ لو كتَب اللهُ علينا أنِ اقتُلُوا أنفسَكم لقتَلْنا أنفسَنا. فأنزَل اللهُ في هذا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (^٣).\nحدَّثني المثنَّى: قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن إسماعيلَ، عن أبي إسحاقَ السَّبِيعيِّ، قال: لما نزَلت: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾. قال رجلٌ: لو أمِرنا لفعَلنا، والحمدُ للهِ الذي عَافانا. فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فقال: \"إن من أمتى لرجالًا، الإيمانُ أثْبَتُ في قلوبهم مِن الجبالِ الرُّواسي\" (^٤).\nواختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ الرفعِ في قولِه: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾؛ فكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يَزْعُم أنه رُفِع ﴿قَلِيلٌ﴾؛ لأنه جعِل بدلًا من الأسماءِ المضمرةِ في قولِه: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾؛ لأن الفعلَ لهم.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: إنما رُفِع على نيةِ التكريرِ، كأنَّ معناه: ما فعَلوه، ما فعَله إلا قليلٌ منهم. كما قال عمرُو بنُ معدِيكَرِبَ (^٥):\nوكلُّ أخٍ مفارقُه أخوه … لعمْرُ أبيك إلا الفَرْقَدانِ (^٦)\n_________\n(^١) في الأصل: \"لو\".\n(^٢) في الأصل: \"لقتلنا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩٦ (٥٥٦٨) من طريق أحمد بن مفضل.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨١ إلى المصنف.\n(^٥) ديوانه ص ١٨١. ونسبه الآمدى إلى حضرمى بن عامر. ينظر المؤتلف والمختلف ص ١١٦.\n(^٦) الفرقدان: نجمان في السماء لا يغربان، ولكنهما يطوفان بالجدى، وقيل: هما كوكبان قريبان من القطب، وقيل: هما كوكبان في بنات نعش الصغرى. التاج (ف ر ق د).","vol":"7","page":207},{"text":"وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: رفَع القليلَ بالمعنى الذي دلَّ عليه قولُه: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾. وذلك أن معنى الكلامِ: ولو أنا كتَبنا عليهم أن اقْتُلُوا أنفسَكم، أو اخْرُجُوا من ديارِكم، ما فعَله (^١) إلا قليلٌ منهم. فقيل: ما فعَلوه (^٢). على الخبرِ عن الذين مضَى ذكرُهم في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. ثم استَثْنى القليلَ، فرُفع بالمعنى الذي ذكَرنا؛ إذ كان الفعلُ منفِيًّا عنه.\nوهي في مصاحفِ أهلِ الشامِ: (ما فَعَلُوه إلا قليلًا منهم) (^٣). وإذا قُرِئ كذلك، فلا مؤونةَ (^٤) على قارئِه في إعرابِه؛ لأنه المعروفُ مِن كلامِ العربِ، إذ كان الفعلُ مشغولًا بما فيه مِن (^٥) كنايةِ مَن قد جرَى ذكرُه، ثم استَثْنى منهم القليلَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2055>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا </span>(٦٦)﴾.\nيَعْنى جلَّ ثناؤُه بذلك: ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يَزْعُمون أنهم آمَنوا بما أُنْزِل إليك، وهم يَتَحاكَمون إلى الطاغوتِ، ويَصُدُّون عنك صُدُودًا، ﴿فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾. يَعْنى: ما يُذَكَّرون به مِن طاعةِ اللهِ، والانتهاءِ إلى أمرِه، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. في عاجلِ دنياهم وآجلِ معادِهم، ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾: وأثبتَ لهم في أمورِهم، وأقوَى (^٦) لهم عليها (^٧). وذلك أن\n_________\n(^١) في الأصل: \"فعلوه\".\n(^٢) بعده في الأصل: \"على الحكم\".\n(^٣) ينظر المصاحف ص ٤٥. وهى قراءة ابن عامر من السبعة. ينظر حجة القراءات ص ٢٠٦.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مرد به\"، وفى س: \"يرد\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أقوم\".\n(^٧) في الأصل: \"عليهم\".","vol":"7","page":208},{"text":"المنافقَ يَعْمَلُ على شكٍّ، فعَمَلُه يَذْهَبُ باطلًا، وعناؤُه (^١) يَضْمَحِلُّ فيَصيرُ هباءً، وهو بِشَكِّه يَعْمَلُ على وناءٍ (^٢) وضعفٍ، ولو عمِل على بصيرةٍ لَاكتَسَب بعملِه أجرًا، ولكان له عندَ اللهِ ذُخرًا، وكان على عملِه الذي يَعْمَلُ أقوَى، [ولنفسِه أشدَّ] (^٣) تَثْبيتًا؛ لإيمانِه بوعدِ اللهِ على طاعتِه وعملِه الذي يَعْمَلُه (^٤). ولذلك قال مَن قال: معنى قولِه: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾: تصديقًا.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾. قال: تصديقًا (^٥).\nلأنه إذا كان مصدّقا كان لنفسِه أشدَّ تثبيتًا، ولعزمِه فيه أشدَّ تصحيحًا. وهو نظيرُ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. وقد أتَيْنا على بيان ذلك في موضعِه بما فيه الكفايةُ مِن إعادتِه (^٦).\n\n<span id=\"aya-560\"></span><span data-type='title' id=toc-2056>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولو أنَّهم فعَلوا ما يُوعظُون به لكان خيرًا لهم، لإيتائِنا إياهم على فعلِهم ما وُعِظوا به مِن طاعتِنا، والانتهاءِ إلى\n_________\n(^١) في م: \"غناؤه\"، وفى س: \"عتاده\".\n(^٢) في الأصل: \"رياء\". والوناء ممدود ومقصور: الضعف والتعب والفترة. اللسان (ون ى).\n(^٣) في م: \"لنفسه وأشد\".\n(^٤) بعده في الأصل: \"له\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩٦ (٥٥٦٩) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٦) تقدم في ٤/ ٦٧ وما بعدها.","vol":"7","page":209},{"text":"أمرِنا، ﴿أَجْرًا﴾. يعنى: جزاءً وثوابًا عظيمًا، وأشدَّ تثبيتًا لعزائِمهم وآرائِهم، وأقوى لهم على أعمالِهم لِهدَايتِناهم (^١) صراطًا مستقيمًا. يَعْنى: طريقًا لا اعْوجاجَ فيه، وهو دينُ اللهِ القيِّمُ (^٢) الذي اختارَه لعبادِه، وشرَعه لهم، وذلك الإسلامُ.\n\n<span id=\"aya-561\"></span>ومعنى قولِه: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾: ولوفَّقناهم للصراطِ المستقيمِ.\nثم ذكر جلَّ ثناؤُه ما وعَد أهلَ طاعتِه وطاعةِ رسولِه ﵊ مِن الكرامةِ الدائمةِ لدَيْه، والمنازِل الرفيعةِ عندَه، فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ الآية.\n\n<span id=\"aya-562\"></span><span data-type='title' id=toc-2057>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ بالتسليمِ لأمرِهما، وإخلاصِ الرضَا بحكمِهما، والانتهاءِ إلى أمرِهما، والانزجارِ عما نَهيا (^٣) عنه من معصيةِ اللهِ، فهو ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بهدايتِه (^٤) والتوفيقِ لطاعتِه في الدنيا مِن أنبيائِه في (^٥) الآخرةِ إذا دخَل الجنةَ ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ وهم جمعُ (^٦) صدِّيقٍ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"لهديناهم\"، وفى م: \"لهدايتنا إياهم\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"القويم\".\n(^٣) في الأصل: \"نهى\"، وفى ت ١: \"نهينا\".\n(^٤) في الأصل: \"لهدايته\".\n(^٥) في م: \"وفى\".\n(^٦) في الأصل: \"جميع\".","vol":"7","page":210},{"text":"واختلِف في معنى \"الصدِّيقين\"؛ فقال بعضُهم: الصدِّيقون: تُبّاعُ الأنبياءِ الذين صدَّقوهم واتَّبَعوا منهاجَهم بعدَهم حتى لحِقوا بهم، فكأنَّ الصِّدِّيقَ \"فِعِّيل\" - على مذهبِ قائلى هذه المقالةِ - مِن الصدقِ، كما يُقالُ: رجلٌ سِكِّيرٌ - مِن السُّكْرِ، إذا كان مُدْمِنًا على ذلك - وشِرِّيبٌ وخِمِّيرٌ.\nوقال آخَرون: بل هو \"فِعِّيل\" مِن الصَّدَقَةِ. وقد رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِ تأويلِ من قال ذلك خبرٌ (^١)، وهو ما حدَّثنا به سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا خالدُ بن مَخْلَدٍ، عن موسى بن يعقوبَ، قال: أخبرَتنى عمَّتى قُرَيْبَةُ بنتُ عبدِ اللهِ بن وهبِ بن زَمعةَ، عن أمِّها كَرِيمةَ [بنتِ المقدادِ] (^٢)، عن ضُباعةَ (^٣) بنتِ الزبيرِ - وكانت تحتَ المقدادِ - عن المقدادِ، قال: قلتُ للنبيِّ ﷺ: شيءٌ سمِعتُه منك شَكَكْتُ فيه. قال: \"إذا شَكَّ أحدُكم في الأمرِ فَلْيَسْأَلْني عنه\". قال: قُلْتُ: قولُك في أزواجِك: \"إنى لأرْجُو لهن مِن بعديَ الصدِّيقين\". قال: \"مَن تَعْنون (^٤) الصدِّيقين؟ \". قلتُ: أولادُنا الذين يَهْلِكون صغارًا، قال: \"لا، ولكن الصدِّيقين هم المصدِّقون\" (^٥).\nوهذا خبرٌ لو كان إسنادُه صحيحًا لم نَسْتَجِزْ أن نَعْدُوه إلى غيرِه، ولكنْ (^٦) في\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، ت ١: \"ابنة المقدام\". وينظر تهذيب الكمال ٣٥/ ٢٩٣.\n(^٣) في ص، ت ١: \"متاعه\". وينظر تهذيب الكمال ٣٥/ ٢٢١.\n(^٤) في ت ١، س: \"يعنون\". وفي مصدرى التخريج: \"تعدون\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده (٤٨٩) - ومن طريقه الطبراني ٢٠/ ٢٦٠ (٦١٣) - عن خالد به، وأخرجه الطبراني ٢٠/ ٢٦١ (٦١٣) من طريق خالد به.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ولو كان\".","vol":"7","page":211},{"text":"إسنادِه بعضُ ما فيه. فإذ كان ذلك كذلك، فالذى هو أولى بـ \"الصدِّيقِ\" (^١) أن يَكُونَ معناه: المصدِّقَ (^٢) قولَه بفعلِه. إذ كان الفِعِّيلُ في كلامِ العربِ [إنما يأتى] (^٣) إذا كان مأخوذًا من الفعلِ بمعنى المبالغةِ، إما في المدحِ وإما في الذمِّ، ومنه قولُه جلَّ ثناؤُهُ في صفةِ مريمَ: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥]. وإذا (^٤) كان معنى ذلك ما وصَفنا، كان داخلًا من كان موصوفًا بما قُلْنا في صفةِ المُتصدِّقين والمصدِّقين (^٥).\n﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾. وهم جمعُ شهيدٍ: وهو المقتولُ في سبيلِ اللهِ، سمِّى بذلك لقيامِه بشهادةِ الحقِّ في جنبِ اللهِ حتى قُتِل، ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ وهم جمعُ صالحٍ، وهو كلُّ مَن (^٦) صلُحت سريرتُه وعلانِيَتُه.\nوأما قولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. فإنه يَعْنى: وحسُن هؤلاء الذين نعتُّهم ووصَفْتُهم (^٧) رفقاءَ في الجنةِ. والرفيقُ في لفظِ واحدٍ (^٨)، بما الجميعِ (^٩)، كما قال الشاعرُ (^١٠):\nدَعَوْنَ (^١١) الهَوَى ثم ارْتَمَيْن قلوبَنا … بأسْهُمِ أعداءٍ وهن صديقُ\n_________\n(^١) في الأصل: \"بالتصديق\".\n(^٢) في الأصل: \"المتصدق\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في الأصل: \"إنما\"، وفى س: \"إن\".\n(^٥) بعده في س: \"به والصديقين\".\n(^٦) في الأصل: \"ما\".\n(^٧) في ص، م: \"وصفهم\".\n(^٨) في م: \"الواحد\".\n(^٩) في الأصل: \"الجمع\".\n(^١٠) هو جرير بن عطية، والبيت في ديوانه ١/ ٣٧٢.\n(^١١) في م: \"نصبن\".","vol":"7","page":212},{"text":"بمعنى: وهنّ صدائقُ.\nوأما نصبُ الرفيق فإن أهلَ العربيةِ مختلفون فيه، فكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يَرَى أنه منصوبٌ على الحالِ، ويَقُولُ: هو كقولِ القائلِ (^١): كرُم زيدٌ رجلًا. ويَعْدِلُ به عن معنى: نِعم الرجلُ، ويَقُولُ: إنّ \"نِعمَ (^٢) \"، لا تقَعُ إلا على اسمٍ فيه ألفٌ ولامٌ أو على نكرةٍ. وكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يَرَى أنه منصوبٌ على التفسيرِ (^٣)، ويُنْكِرُ أن يَكُونَ حالًا، ويَسْتَشْهِدُ على ذلك بأن العربَ تَقولُ: كرُم زيدٌ مِن رجلٍ، وحسُن أولئك مِن رفقاءَ. وأن دخولَ \"مِن\" دَلالةٌ على أن الرفيقَ مُفَسِّرُه، قال: وحُكِى عن العربِ: نَعِمتم رجالًا. فدلَّ (^٤) على أن ذلك نظيرُ قولِه: وحَسُنتم رُفَقاءَ. وهذا القولُ أولى بالصوابِ؛ للعلةِ التي ذكرناها لقائِليه. وقد ذكِر (^٥) أن هذه الآيةَ نزَلت؛ لأن قومًا (^٦) حزِنوا على فقدِ رسولِ اللهِ ﷺ حذَرًا أن لا يَرَوْه في الآخرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2058>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرِ بن أبى المغيرةِ، عن سعيدِ ابن جبيرٍ، قال: جاء رجلٌ من الأنصارِ إلى النبيِّ ﷺ، وهو، وهو محزونٌ، فقال له النبيُّ ﷺ: \"يا فلانُ، ما لي أرَاك محزونًا؟ \" قال: يا نبيَّ اللهِ، شيءٌ فكرتُ فيه. فقال: \"ما هو؟ \" قال: نحن نَغْدُو عليك ونَرُوحُ، نَنظُرُ في وجهِك ونُجالسُك، غدًا تُرفَعُ مع النبيين فلا نَصِلُ إليك. فلم يَرُدُّ النبيُّ ﷺ شيئًا، فأتاه\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الرجل\".\n(^٢) بعده في الأصل: \"الرجل\".\n(^٣) هو التمييز. وقد تقدم مرارًا.\n(^٤) في الأصل: \"يدل\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"وذكرنا\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢: \"قوله\".","vol":"7","page":213},{"text":"جبريلُ بهذه الآيةِ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ قال: فبعَث النبيُّ ﷺ (^١) فبشَّره (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، قال: قال أصحابُ النبيِّ ﷺ: يا رسولَ اللهِ ما يَنْبَغِي لنا أن نُفَارِقَك في الدنيا، فإنك لو قد مِتَّ رُفِعت فوقَنا فلم نَرَك. فأنزَل اللهُ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (^٣).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾: ذكِر لنا أن رجالًا قالوا: هذا (^٤) نبيُّ اللهِ نراه (^٥) في الدنيا، فأما في الآخرةِ [فيُرْفعُ بفضلِه] (^٦)، فلا نَراه (٥)، فأنزَل اللهُ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (^٧).\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"فيه\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٣١٠ نقلا عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٢ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩٧ (٥٥٧٧) من طريق جرير به، والواحدى في أسباب النزول صفحة ١٢٢، ١٢٣ من طريق منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) بعده في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يا\".\n(^٥) في س: \"نراك\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيرفع\". وفى س: \"ترفع\"، وفي الدر المنثور كرواية الأصل.\nوفى أسباب النزول: \"فإنك ترفع عنا بفضلك\".\n(^٧) أخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ١٢٣ من طريق سعيد به. وروايته كرواية \"س\" بكاف =","vol":"7","page":214},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ (^١) بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. قال: قال ناسٌ مِن الأنصارِ: يا رسولَ اللهِ، إذا أدخَلك اللهُ الجنةَ، فكنت في أعلاها ونحن نَشْتاقُ إليك، فكيف نَصْنَعُ؟ فأنزَل اللهُ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: [ثنا إسحاقُ، قال] (^٣): ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ الآية. قال: إن أصحابَ النبيِّ ﷺ قالوا: قد علمنا أن النبيَّ ﷺ له فضلٌ (^٤) على مَن آمَن به في درجاتِ الجنةِ (^٥) ممن اتَّبعه وصدَّقه، فكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنةِ أن يَرَى بعضُهم بعضًا؟ فأنزَل اللهُ في ذلك. فقال (^٦): \"إن الأعلَين يَنْحَدِرون إلى مَن هو (^٧) أسفلَ منهم (^٨)، فيَجتَمِعون في رِياضِها فيذْكرون ما أنعمَ اللهُ عليهم ويُثْنُون عليه، [ويَنْزِلُ لهم] (^٩) أهلُ الدرجاتِ فيَسْعَون (^١٠) عليهم بما (^١١)\n_________\n= المخاطب. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر كرواية الأصل وباقي النسخ بهاء الغائب.\n(^١) في الأصل: \"محمد\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٢ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في ص، ت ١، س: \"فضله\".\n(^٥) في ص، ت ١: \"الجنات\".\n(^٦) أي النبي ﷺ، وينظر مصدر التخريج.\n(^٧) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"هم\".\n(^٨) سقط من: الأصل، م، ت ١، ت ٢.\n(^٩) في الأصل، ص، ت ١: \"وينزلهم\"، وينظر تفسير ابن كثير.\n(^١٠) في س: \"فيتمنون\".\n(^١١) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ما\". وينظر تفسير ابن كثير.","vol":"7","page":215},{"text":"يَشْتَهون، وما يَدْعُون به، فهم في روضةٍ يُخبَرون ويَتَنعَّمون فيه\" (^١).\n[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن عامرٍ، قال: جاء رجلٌ من الأنصارِ إلى النبيِّ ﵇، وهو يبكى، فقال: \"ما يبكيك يا فلانُ؟ \" قال: يا نبيَّ اللهِ، والذي لا إلهَ إلا هو لأنتَ أحبُّ إليَّ من أهلي ومالي، واللهِ الذي لا إله إلا هو لأنت أحبُّ إليَّ من نفسى وأبى، نذكُرُك أنا وأهلى فيأخذُنى الجُنونُ حتى أتألمَ، فذكرتُ موتَك وموتى، فعَرفتُ أنى لن أجامعَك إلا في الدنيا، وأنك تُرفَعُ مع الشرفِ، وعرَفتُ أنى إن أُدخِلتُ الجنةَ كنتُ في منزلٍ أَدْنَى من مَنزِلِك. فلم يردَّ النبيُّ ﵇ شيئًا، فأنزَل اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ الآية (^٢)] (^٣).\n\n<span id=\"aya-563\"></span>وأما قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾. [فإنه يقولُ: كونُ من أطاع الله والرسولَ مع الذين أنعمَ اللهُ عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداءِ والصالحينَ، الفضلُ من اللهِ] (^٤). يَقُولُ: ذلك عطاءُ اللهِ إياهم وفضلُه عليهم، لا باستيجابِهم (^٥) ذلك لسابقةٍ سبَقت لهم.\n_________\n(^١) في الأصل: \"فيها\".\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٣١٠ نقلا عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٢ إلى المصنف مختصرًا إلى قوله: \"يثنون عليه\".\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٦١ - تفسير)، من طريق عطاء بن السائب به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٢ إلى ابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. وقد ذكر هذا الأثر ابن كثير في تفسيره ٢/ ٣١١ عن عطاء، عن عامر، عن ابن عباس. ثم قال: وقد رواه ابن جرير، عن ابن حميد، عن جرير، عن عطاء، الشعبي، مرسلًا. وينظر تخريجه في الحاشية التالية.\n(^٤) سقط من: الأصل، س.\n(^٥) في الأصل، س: \"باستحقاقهم\".","vol":"7","page":216},{"text":"فإن قال قائلٌ: أوَ ليس بالطاعةِ وصَلوا [إلى ما وصَلوا] (^١) إليه من فضلِه؟ قيل له: إنهم لم يُطِيعوه في الدنيا إلا بفضلِه (^٢) الذي تَفَضَّل به عليهم، فهَداهم به لطاعتِه، فكلُّ ذلك فضلٌ منه تعالى ذكرُه.\nوقولُه تعالى ذكرُه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ يَقُولُ: وحَسْبُ العبادِ باللهِ الذي خلقَهم عليمًا بطاعةِ المطيعِ منهم ومعصيةِ العاصى، فإنه لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن ذلك، ولكنه يُحْصِيه عليهم ويَحْفَظُه عليهم حتى يُجازِى جميعَهم جزاءَه (^٣)؛ المحسنَ (^٤) منهم بالإحسانِ، والمسيءَ منهم بالإساءةِ، و(^٥) يعْفوَ عمن شاء مِن أهلِ التوحيدِ.\n\n<span id=\"aya-564\"></span><span data-type='title' id=toc-2059>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: صدَّقوا الله ورسولَه ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾: خذوا جُنَّتَكم وأسلحتَكم التي تَتَّقون بها من عدوِّكم، لغَزْوِهم وحربِهم، فانِفروا إليهم ثُباتٍ، وهي جمعُ ثُبةٍ، والثُّبةُ: العُصْبةُ. ومَعْنى الكلامِ: فانفِروا إلى عدوِّكم جماعةً بعد جماعةٍ مُتَسلِّحِين. ومن الثُّبَةِ قولُ زُهَيرِ بن أبي سلمى (^٦):\nوقد أغْدُو (^٧) على [ثُبَةٍ كرامٍ] (^٨) … نَشَاوَى واجِدين لما نشاءُ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في ص: تفضله.\n(^٣) في م: \"فيجزي\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المحسنين\".\n(^٥) في الأصل: \"أو\".\n(^٦) شرح ديوان زهير صفحة ٧٢.\n(^٧) في ص، ت ١: \"أعدوا\".\n(^٨) الرواية في شرح الديوان: \"شرب كرام\".","vol":"7","page":217},{"text":"وقد يُجمَعُ الثبةُ [على ثُبِين] (^١).\n﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ يَقُولُ: أو انفِروا جميعًا مع نبيِّكم ﷺ لقتالِهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2060>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾. يَقُولُ: عُصَبًا. يَعْنى: سرايا مُتَفرِّقين. ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾. يَعْنى: كلَّكم (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾. قال: فِرَقًا قليلًا (^٣).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾. قال: الثُّبَاتُ: الفِرَقُ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ (^٥) بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ (^٦)، عن قتادةَ مثلَه (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣. وفي س: \"به جميعًا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩٨، ٩٩٩ (٥٥٨٣، ٥٥٨٤) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٣ إلى ابن المنذر.\n(^٣) بعده في الأصل، ص، م، ت ٢: \"قليلًا\". وليس هذا التكرار في مصدري التخريج. والأثر في تفسير مجاهد ص ٢٨٦ بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩٨ عقب الأثر (٥٥٨٣) معلقا.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الحسين\".\n(^٦) في الأصل: \"عمرو\".\n(^٧) سقط من: ص.","vol":"7","page":218},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾: يعني (^١): العصبةُ، وهى الثُّبَةُ. ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾: مع النبيِّ ﷺ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، يَقُولُ: أخبرَنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضَّحّاكَ يَقُولُ في قولِه: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾: يَعْنى: عُصبًا مُتَفَرِّقينَ (^٣).\n\n<span id=\"aya-565\"></span><span data-type='title' id=toc-2061>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وهذا نعتٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤه للمنافقين، نعَتهم لنبيِّه ﷺ وأصحابِه، ووصَفهم بصفتِهم، فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ﴾. أَيُّها المؤمنون، يَعْنى: من عِدادِكم وقومِكم، ومَن تَشبَّه بكم، ويُظْهِرُ أنه مِن أهلِ دعوتِكم ومِلَّتِكم، وهو منافقٌ يُبَطِّئُ مَن أطاعه منكم عن جهادٍ عدوِّكم وقتالِهم إذا أنتم نفَرتم إليهم. ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾. يَقُولُ: فإن أصابتَكم هزيمةٌ، أو نالَكم قتلٌ أو جِراحٌ مِن عدوِّكم، قال: قد أنعَم اللهُ عليَّ إذ لم أَكُنْ معهم شاهدًا (^٤)، فيُصيبَني جراحٌ أو ألمٌ أو قتلٌ، وسرَّه (^٥) تَخَلُّفُه عنكم شماتة بكم؛ لأنه من أهل الشك في وعدِ اللهِ الذي وعَد المؤمنين - على ما نالَهم في سبيلِه - من الأجرِ والثوابِ، وفى وَعيدِه،\n_________\n(^١) في ص، م: \"فهى\".\n(^٢) أخرج ابن أبي حاتم شطره الأول في تفسيره ٣/ ٩٩٨ عقب الأثر (٥٥٨٣) من طريق عمرو بن حماد به، وأخرج شطره الثاني في ٣/ ٩٩٩ (٥٥٨٦) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩٨ عقب الأثر (٥٥٨٣) معلقا.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"شهيدًا\".\n(^٥) في الأصل: \"شده\".","vol":"7","page":219},{"text":"فهو غيرُ (^١) راجٍ ثوابًا ولا خائفٍ عقابًا.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2062>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾. إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: ما بينَ ذلك في المنافقين (^٢).\nحدَّثنا [بشرُ بنُ معاذٍ] (^٣)، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾: عن الجهادِ والغزوِ في سبيلِ اللهِ، ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾. قال: هذا قولُ مكذِّبٍ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: المنافقُ يُبَطِّئُ المسلمين عن الجهادِ في سبيلِ اللهِ، قال اللهُ: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾. قال: بقتلِ العدوِّ مِن المسلمين. ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ت ٢.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٨٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩٩ (٥٥٨٧) - مختصرا - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في الأصل: \"المثنى\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٩٩ (٥٥٩٠) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"7","page":220},{"text":"شَهِيدًا﴾. قال: هذا قولُ الشامتِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾. قال: هزيمةٌ.\nودخَلتِ اللامُ في قوله: ﴿لَمَنْ﴾. وفتِحت؛ لأنها اللامُ التي تَدْخُلُ توكيدًا للخبرِ مع \"إنّ\"، كقولِ القائلِ: إِنَّ في الدارِ لمن يُكْرِمُك. وأما اللامُ الثانيةُ التي في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ فدخَلت الجوابِ القَسَمِ، كأن معنى الكلامِ: وإن منكم أيُّها القومُ لمن واللهِ ليُبَطِّئَنَّ.\n\n<span id=\"aya-566\"></span><span data-type='title' id=toc-2063>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَقُولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾. ولئِنْ أظْفَرَكم اللهُ بعدوِّكم، فأصَبْتم منهم (^٢) غَنيمةً، ﴿لَيَقُولَنَّ﴾. هذا المُبَطِّئُ المسلمين عن الجهادِ معكم في سبيلِ اللهِ، [مِن المنافقين] (^٣) - ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ -: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾؛ بما أُصِيبُ معهم مِن الغنيمةِ، ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾.\nوهذا خبرٌ مِن الله تعالى ذكرُه عن هؤلاء المنافقين أن شُهودَهم الحربَ مع المسلمين - إن شهِدوها - لطلبِ الغنيمةِ، وإن تَخَلَّفوا عنها فللشكِّ (^٤) الذي\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٣ إلى المصنف وابن المنذر. وستأتي بقيته في الصفحة التالية.\n(^٢) في الأصل: \"منه\".\n(^٣) في ص: \"المنافقين\". وفى، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المنافق\".\n(^٤) في الأصل: \"فالشدة\".","vol":"7","page":221},{"text":"في قلوبِهم، وأنهم لا يَرْجون بحضورِها (^١) ثوابًا، ولا يَخافون بالتخلف عنها مِن اللهِ عقابًا.\nوكان قتادةُ وابنُ جريجٍ يقولان: إنما قال من قال مِن المنافقين، إذا كان الظَّفَرُ للمسلمين: يا ليتنى كنتُ معهم. حَسَدًا منهم لهم.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. قال: قولُ حاسدٍ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ، قولَه: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: ظُهورُ المسلمين على عدوِّهم، فأصابوا الغنيمةَ؛ ليقولَنّ: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. قال: قولُ الحاسدِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-567\"></span><span data-type='title' id=toc-2064>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وهذا حضٌّ مِن اللهِ جل ثناؤه المؤمنين على جهاد عدوِّه مِن أهلِ الكفرِ به على أحايينِهم (^٤) - غالبين كانوا أو مَغْلُوبين -، والتهاونِ\n_________\n(^١) في ص، م: \"لحضورها\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٠٠ (٥٥٩٦) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تقدم أوله في ص ٢٢٠.\n(^٤) في الأصل: \"كل أحد\".","vol":"7","page":222},{"text":"بأحوالِ المنافقين في جهادِ مَن جاهدوا من المشركين؛ وقَع (^١) جهادُهم [أعداءَ اللهِ وأعداءَهم بالمسرَّةِ فيهم أو بالمَساءةِ؛ لأنّهم في جهادِهم] (^٢) إياهم - مغلوبِين كانوا أو غالِبين - بمنزلةٍ مِن اللهِ رفيعةٍ.\nيَقُول اللهُ جلَّ ثناؤُه لهم: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يَعْنى: في دينِ اللهِ والدعاءِ إليه، والدخولِ فيما أمَر به أهلَ الكفرِ به. ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾. يَعْنى: الذين يبيعون (^٣) حياتَهم الدنيا بثوابِ الآخرةِ، وما وعَد اللهُ أهلَ طاعتِه فيها (^٤). وبيعُهم إياها بها: إنفاقُهم أموالَهم في طلبِ رضا اللهِ؛ بجهادِ (^٥) مَن أمر بجهادِهم مِن أعدائِه وأعداءِ دينِه، وبذلُهم (^٦) مُهَجَهم له في ذلك، ثم (^٧) أخبَر جلَّ ثناؤُه بما لهم في ذلك إذا فعَلوه، فقال: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. يَقُولُ: ومَن يُقاتِلْ في طلبِ إقامةِ دينِ اللهِ، وإعلاءِ كلمةِ اللهِ أعداءَ اللهِ، ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾. يَقُولُ: فيَقْتُلُه أَعداءُ اللهِ أو يَغْلِبْهم، فيَظْفَرُ بهم ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. يَقُولُ: فسوف نُعطيه في الآخرةِ ثوابًا وأجرًا (^٨) عظيمًا. وليس لما سمَّى اللهُ: \"عظيمًا\". مقدارٌ يَعْرِفُ مَبْلَغَه عبادُ اللهِ، وقد دلَّلنا فيما مضى على أن الأغلبَ على معنى \"شَرَيت\" في كلامِ\n_________\n(^١) في الأصل: \"ومع\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في الأصل: \"يبتاعون\".\n(^٤) في الأصل: \"منها\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كجهاد\".\n(^٦) في الأصل: \"بذله\".\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٨) في الأصل: \"جزاء\".","vol":"7","page":223},{"text":"العرب: \"بِعْت\" بما أغنى (^١).\nوقد حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن مفضل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾. يَقُولُ: يَبِيعون الحياةَ الدنيا بالآخرةِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾: يَشْرِى: يَبيعُ، ويَشْرِى: يَأْخُذُ، فَأَخبَر (^٣) أَنّ الحمقى باعوا [الآخرةَ بالدنيا] (^٤).\n\n<span id=\"aya-568\"></span><span data-type='title' id=toc-2065>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وما لكم أيُّها المؤمنون لا تُقاتِلون في سبيل اللهِ، وفى ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾. يَقُولُ: وعن المستَضْعَفين منكم مِن الرجالِ والنساء والوِلدان؛ فأما ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ فإنهم كانوا قد أسلَموا بمكةَ فغَلبتهم عشائرُهم على أنفسهم بالقَهْرِ (^٥) لهم، وآذَوهم ونالوهم بالعذابِ والمكارِه في أبدانِهم؛ ليَفْتِنُوهم عن دينِهم، فحض اللهُ المؤمنين على استِنْقاذِهم من أيدى مَن قد غلَبَهم على أنفسهم مِن الكفارِ، فقال لهم: وما شأنُكم لا تقاتِلون في سبيلِ اللهِ، وعن مستَضْعَفى أهلِ\n_________\n(^١) تقدم في ٢/ ٢٤٧، ٢٤٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٠١ (٥٦٠٢) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٣) في ص، م: \"و\".\n(^٤) في م: \"الدنيا بالآخرة\". وينظر التبيان ٣/ ٢٥٧.\n(^٥) في الأصل: \"بالغمة\".","vol":"7","page":224},{"text":"دينِكم وملَّتِكم الذين استضَعَفَهم الكفارُ، فاستذَلُّوهم ابتغاءَ فتنتِهم وصَدِّهم (^١) عن دينِهم من الرجالِ والنساءِ والولدانِ - جمعُ وَلَدٍ: وهم الصِّبيانُ - ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾. يَعْنى بذلك أن هؤلاء المستَضْعَفين مِن الرجالِ والنساءِ والوِلدانِ يقولون في دعائِهم ربَّهم، بأن يُنْجِيَهم مِن فتنةِ من قد استضْعَفَهم من المشركين: يا ربَّنا، أخرِجْنا من هذه القريةِ. والعربُ تسمى كلَّ مدينةٍ قريةً. ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾. يعنى: التي قد ظلمتنا وأنفسها أهلُها، وهى (^٢) في هذا الموضعِ - فيما فسَّر أهلُ التأويلِ - مكةُ.\nوخُفِض ﴿الظَّالِمِ﴾؛ لأنه مِن صفةِ الأهلِ، وقد عادَت الهاءُ والألفُ اللتان فيه على القرية، وكذلك تَفْعَلُ العربُ: إذا تَقَدَّمت صفةُ الاسمِ الذي معه كنايةٌ (^٣) لاسمٍ قبلَها، أتبعتْ إعرابَها إعرابَ الاسمِ الذي قبلَها، كأنها صفةٌ له، فتَقُولُ: مرَرْتُ بالرجلِ الكريمِ أبوه. ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾. يعنى أنهم يَقُولون أيضًا ذلك في دعائِهم: يا ربَّنا، واجْعَلْ لنا مِن عندِك وليًّا، يَلِى أمرَنا بالكفايةِ مما نحن فيه مِن فتنةِ أهلِ الكفرِ بك ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾. يعنى: ويَقُولون: واجْعَلْ لَنَا مِن عِندِكَ مَن يَنْصُرُنا على مَن ظلَمَنا من أهلِ هذه القريةِ الظالمِ أهلُها بصدِّهم إيانا عن سبيلِك، حتى تُظْفِرَنا بهم وتُعلى دينَك.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"بعدهم\".\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"هم\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"عادر\"، وفى م، ت ٢: \"عائد\". وفي س: \"الذي عاد\".","vol":"7","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2066>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللهِ جل ثناؤه: ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾. قال: أمَر المؤمنين (^١) أن يُقاتِلوا عن مستضعفي المؤمنين كانوا بمكةَ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ (^٣) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾: مكةُ، أُمِر المؤمنون أن يُقاتِلوا عن [مستَضْعَفين مؤمنين] (^٤) كانوا بمكةَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ يقولُ: وما لكم لا تقاتلون في سبيلِ اللهِ وفى المستَضْعَفِين. فأما القريةُ: فمكةُ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن (^٦) المباركِ، عن عثمان\n_________\n(^١) في الأصل: \"المؤمنون\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٨٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٠٢ (٥٦١٠)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"الصبيان\"، وبعده في س: \"الضعفاء\".\n(^٤) في الأصل: \"مستضعفى مؤمنين\"، وفى س: \"مستضعفى المؤمنين\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٠٢ عقب الأثر (٥٦١٤) من طريق أسباط به مختصرًا.\n(^٦) سقط من: م.","vol":"7","page":226},{"text":"ابن عطاءٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ قال: وفى المستَضْعَفِين (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: أخبَرني عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ، أنه سمِع محمدَ بنَ مسلمِ بن شهابٍ يَقُولُ: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾. قال: في سبيلِ اللهِ، وفى سبيلِ المستَضْعَفين (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ (^٣) بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: حدَّثنا معمرٌ، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه: ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ قالا: خرَج رجلٌ (^٤) من القريةِ الظالمةِ إلى القريةِ الصالحةِ، فأَدْرَكَه الموتُ في الطريقِ، فناء (^٥) بصدرِه إلى القريةِ الصالحةِ، [قالا: فمَا تلافاه إلا ذلك] (^٦)، فاحْتَجَّتْ فيه ملائكةُ الرحمةِ وملائكةُ العذابٍ، فأُمِروا أن يُقَدِّروا أقربَ القريتَين إليه، فوجَدوه أقربَ إلى القريةِ الصالحةِ بشبرٍ (^٧)، وقال بعضُهم: قرَّب اللهُ إليه القريةَ الصالحةَ، فتَوَفَّتْه ملائكةُ الرحمةِ (^٨).\n_________\n(^١) الجهاد لابن المبارك (٧٤).\n(^٢) ينظر تفسير البغوي ٢/ ٢٥٠.\n(^٣) في ص: \"الحسين\".\n(^٤) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في الأصل وتفسير عبد الرزاق: \"ناء\". وناء بصدره: أي نهض. ويحتمل أنه بمعنى نأي، أي بعد. يقال: ناء ونأى بمعنًى - النهاية ٥/ ١٢٣.\n(^٦) سقط من: م. وفى ت ١، ت ٢: \"قالا: من ما تلاقاه إلا ذلك\".\n(^٧) في الأصل: \"بيسير\".\n(^٨) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٠٣ (٥٦١٥) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"7","page":227},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾: هم أناسٌ مسلمون كانوا بمكةَ لا يَسْتَطِيعون أن يخرُجُوا منها فيُهاجِروا (^٢)، فعذَرهم اللهُ، [فهم أولئك] (^٣). قولُه: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾: فهى مكةُ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾. قال: وما لكم لا تَفْعَلون؛ تُقاتِلون، [وهؤلاء] (^٥) الضعفاءُ المساكينُ (^٦) يَدْعُون الله بأن يُخْرِجَهم من هذه القريةِ الظالم أهلُها، وهم (^٧) ليس لهم قوةٌ، فما لكم لا تُقاتِلون حتى يُسَلِّمَ اللهُ (^٨) هؤلاء ودينَهم، قال: والقريةُ الظالمُ أهلُها: مكةُ (^٩).\n\n<span id=\"aya-569\"></span><span data-type='title' id=toc-2067>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾.</span>\n_________\n(^٢) في م: \"ليهاجروا\".\n(^٣) في م: \"وفيهم نزل\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٠٢ (٥٦١٢) عن محمد بن سعد به.\n(^٥) في م: \"لهؤلاء\".\n(^٦) بعده في م: \"الذين\".\n(^٧) في ص، م: \"فهم\".\n(^٨) في م: \"لله\".\n(^٩) ينظر التبيان ٣/ ٢٥٩.","vol":"7","page":228},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى تعالى ذكرُه بذلك: الذين صدَّقوا الله ورسولَه، وأيْقَنوا بمَوْعودِ اللهِ لأهلِ الإيمانِ به ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يَقُولُ: في طاعةِ اللهِ ومِنهاجِ دينِه وشريعتِه التي شرَعها لعبادِه، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾. يَقُولُ: والذين جحَدوا وَحدانيةَ اللهِ، وكذَّبوا رسولَه (^١) وما جاءهم به مِن عندِ ربِّهم، ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾. يَعْنى: في طاعةِ الشيطانِ وطريقِه ومنهاجِه الذي شرَعه لأوليائِه مِن أهلِ الكفرِ به. يقولُ اللهُ جل ثناؤه مُقوِّيًا عزْمَ المؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، ومُحرِّضَهم على أعدائِه وأعداءِ دينِه مِن أهلِ الشركِ: ﴿فَقَاتِلُوا﴾ أيُّها المؤمنون ﴿أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾. يَعْنى بذلك: الذين يَتَولُّونه، ويُطِيعون أمرَه في خلافِ طاعةِ اللهِ، والتكذيبِ به، ويَنْصُرُونه (^٢) ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾. يَعْنى بكيدِه: ما كاد به المؤمنين مِن تحزيبِه أولياءَه مِن الكفارِ باللهِ على رسولِه وأوليائِه مِن (^٣) أهلِ (^٤) الإيمانِ به. يقولُ: فلا تهابُوا أولياءَ الشيطانِ، فإنما هم حِزْبُه، وأنصارُه، وحزبُ الشيطانِ أهلُ وَهَنٍ وضَعْفِ. وإنما وصَفهم اللهُ جلَّ ثناؤُه بالضعفِ؛ لأنهم لا يُقاتلِون رجاءَ ثوابٍ (^٥)، ولا يَتْرُكُون القتالَ خوفَ عقابٍ، وإنما يُقَاتِلون حمِيَّةً أو حسَدًا للمؤمنين على ما آتاهم اللهُ مِن فضلِه، والمؤمنون يُقاتِلُ مَن قاتَل منهم رجاءَ العظيمِ مِن ثوابِ اللهِ، ويَتْرُكُ القتالَ - إن تَرَكَه - على خوفٍ مِن وعيدِ اللهِ في تَرْكِه، فهو يُقاتِلُ على بصيرةٍ بما له عندَ اللهِ إن قُتِل، وبما له من الغنيمةِ والظَّفَرِ إن سَلِم، والكافرُ يُقاتِلُ على حَذَرٍ مِن القَتْلِ،\n_________\n(^١) في الأصل: \"رسله\".\n(^٢) في الأصل: \"يقصِّرونه\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) بعده في الأصل: \"الله\".","vol":"7","page":229},{"text":"وإياسٍ مِن مَعادٍ، فهو ذو ضَعْفٍ وخَوْفٍ.\n\n<span id=\"aya-570\"></span><span data-type='title' id=toc-2068>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾.</span>\nذُكِر (^١) أن هذه الآيةَ نزَلت في قومٍ مِن أصحابِ رسولِ الله ﷺ كانو قد آمَنوا به وصدَّقوه قبلَ أن يُفْرَضَ عليهم الجهادُ (^٢)، وقد فُرِض عليهم الصلاةُ والزكاةُ، وكانوا يَسْأَلُون الله أن يَفْرِضَ عليهم القتالَ، فلما فُرض عليهم القتالُ شَقَّ عليهم ذلك، وقالوا ما أخبَر اللهُ عنهم في كتابِه.\nفتأويلُ قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾: ألم تَرَ بقلبِك يا محمدُ، فتَعْلَمَ، إلى الذين قيل لهم مِن أصحابِك حين سأَلوك أن (^٣) تَسْأَلَ ربَّك أن يَفْرِضَ عليهم القتال: كُفُّوا أيديَكم؛ فأمْسِكُوها عن قتالِ المشركين وحربِهم، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. يَقُولُ: وأدُّوا الصلاةَ التي فرَضها اللهُ (^٤) بحدودِها، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. يَقُولُ: وأعطُوا الزكاةَ أهلَها الذين جعَلها اللهُ لهم مِن أموالِكم تطهيرًا لأبدانكم وأموالِكم، كرِهوا ما أُمِروا به مِن كفِّ الأيدى عن قتالِ المشركين، وشَقَّ (^٥) ذلك عليهم، ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾. يَقُولُ: فلما فُرض عليهم القتالُ\n_________\n(^١) في الأصل: \"ذكروا\".\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) في الأصل: \"ألم\".\n(^٤) بعده في ص: \"عليهم\". وفى م: \"عليكم\".\n(^٥) في الأصل: \"فشق\".","vol":"7","page":230},{"text":"الذي كانوا سألوا أن يُفْرَضَ عليهم ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، يَعْنى: جماعةٌ منهم، ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾. يَقُولُ: يَخافون الناسَ أن يُقاتِلوهم، ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾. [كخوفِهم الله] (^١) ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ أو أشدَّ خوفًا. ﴿وَقَالُوا﴾ جَزَعًا مِن القتالِ الذي فرَض اللهُ عليهم: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾: لم فرَضْتَ علينا القتالَ؟ رُكونًا منهم إلى الدنيا، وإيثارًا للدَّعَةِ فيها [والخَفض، على] (^٢) مكروهِ لقاءِ العدوِّ، ومشقَّةِ حربِهم وقتالِهم. ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا﴾: يخبِرُ عنهم أنهم (^٣) قالوا: هلَّا أخَّرْتَنا ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ يَعْنى: إلى أن يَمُوتوا على فُرُشِهم وفي منازِلِهم.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في أنّ هذه الآيةَ نزَلت فيه، قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2069>ذكرُ الآثارِ بذلك، والروايةِ عمَّن قاله</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عليٍّ بن الحسن (^٤) بن شقيقٍ، قال: سمعت أبي، قال: أخبرَنا الحسين بنُ واقدٍ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أن عبدَ الرحمنِ بنَ عوف وأصحابًا له، أتَوا النبيَّ ﷺ فقالوا: يا رسولَ اللهِ، كنا في عزٍّ (^٥) ونحن مشركون، فلما آمَنّا صِرْنا أذلةً. فقال: \"إنّى أُمِرْتُ بالعَفوِ فلا تقاتِلوا\". فلما حوَّله اللهُ إلى المدينةِ أُمِر بالقتالِ فكَفُّوا، فأنْزَل اللهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ س: \"والحفظ على\". وفى م: \"والحفظ عن\". والخفض: لين العيش وسعته. اللسان (خ ف ض).\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) في النسخ: \"الحسين\". وصوبناه من كتب الرجال ومصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ١٣٤.\n(^٥) في الأصل: \"عزة\". وتنظر مصادر التخريج.\n(^٦) أخرجه النسائي (٣٠٨٦)، والواحدى في أسباب النزول ص ١٢٤، عن محمد بن علي بن الحسن به. =","vol":"7","page":231},{"text":"حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمةَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾: عن الناسِ، ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾: نزلت في أناسٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ. قال ابن جريجٍ: وقولُه: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾. قال: إلى أن يموتَ (^١) موتًا هو الأجلُ القريبُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. فقرَأ حتى بلغَ: ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أناسٌ مِن أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ وهو يومَئذٍ بمكةَ قبلَ الهجرة - تَسَرَّعوا إلى القتالِ [وسارعوا إليه] (^٣)، فقالوا لنبيِّ اللهِ ﷺ: ذَرْنا تَتَّخِذْ مَعاوِلَ فتُقاتِل بها المشركين بمكةَ، فنهاهم النبيُّ، ﵇، عن ذلك، قال: \" [لَمْ أومَرْ] (^٤) بذلك\". فلما كانَت الهجرةُ وأمِر بالقتالِ، كرِه القومُ ذلك، فصنعوا فيه (^٥) ما تَسْمَعون، فقال اللهُ ﵎: ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (^٦).\nحدَّثنا محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: هم قومٌ أسلَموا قبل أن يُفْرَضَ عليهم القتالُ، ولم يَكُنْ عليهم إلا الصلاةُ\n_________\n= وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٠٥ (٥٦٣٠)، والحاكم ٢/ ٦٦، ٣٠٧، والبيهقى ٩/ ١١ من طريق على بن الحسن به.\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"نموت\". وما أثبتناه موافق لما في الدر المنثور.\n(^٢) ذكر السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٤ قول ابن جريج وعزاه إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في الأصل: \"ثم أمر\".\n(^٥) في الأصل: \"منه\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"7","page":232},{"text":"والزكاةُ، فسأَلوا الله أَن يُفْرَضَ عليهم القتالُ، [﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ] (^١) إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾، وهو الموتُ، قال اللهُ: ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (^٢).\nوقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ وآياتٌ بعدَها في اليهودِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2070>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ إلى قولِه: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: ما بينَ ذلك في اليهودِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾: نهَى اللهُ ﵎ هذه الأمةَ أن يَصْنَعوا صنيعَهم (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-2071>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء القومِ الذين قالوا: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٠٤، ١٠٠٥ (٥٦٢٠، ٥٦٣١) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٠٣ (٥٦١٩) من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح به بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٠٦ (٥٦٣٣) عن محمد بن سعد به.","vol":"7","page":233},{"text":"إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ عيشُكم في الدنيا و(^١) تَمَتُّعُكم بها قليلٌ؛ لأنها فانيةٌ وما فيها فانٍ، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾. يَعْنى: ونعيمُ الآخرةِ خيرٌ؛ لأنها باقيةٌ، ونعيمُها باقٍ دائمٌ. وإنما قيل: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾. ومعنى الكلامِ ما وصَفتُ مِن أَنه مَعنِيٌّ به نعيمُها؛ لِدلالةِ ذكرِ الآخرةِ بالذي ذُكِرَت به، على المعنى المرادِ منه، ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾. يَعْنى: لمن اتقى الله بأداء فرائضِه، واجتنابِ معاصِيه، فأطاعه في كلِّ ذلك، ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. يَعْنى: ولا يَنْقُصَنَّكم اللهُ مِن أجورِ أعمالِكم فتيلًا، وقد بيَّنَّا معنى الفَتيلِ فيما مضَى بما أغْنى عن إعادتِه ههنا (^٢).\n\n<span id=\"aya-571\"></span><span data-type='title' id=toc-2073>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه: حيثما تَكُونُوا يَنَلْكم الموتُ فتَمُوتوا، ولو كنتم في بروجٍ مشيَّدةٍ، يَقُولُ: فلا تَجْزَعُوا مِن الموتِ، ولا تَهْرُبُوا مِن القتالِ وتَضْعُفوا عن لقاءِ عدوِّكم؛ حذَرًا على أنفسِكم مِن القتلِ والموتِ، فإن الموتَ بإزائِكم أينَ كنتم وواصِلٌ إلى أنفُسِكم حيثُ كنتم، ولو تحصَّنتم منه بالحصونِ المنيعةِ.\nواختلفَ أهلُ التأويلِ في معنى قولِه. ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾؛ فقالَ بعضُهم: يَعْنى قُصورًا محصَّنةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-2072>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ\n_________\n(^١) في الأصل: \"أو\".\n(^٢) تقدم في ص ١٢٩ - ١٣٣.","vol":"7","page":234},{"text":"مُشَيَّدَةٍ﴾. يَقُولُ: في قصورٍ محصَّنةٍ (^١).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا أبو همامٍ، قال: ثنا كثِيرٌ أبو الفضلِ، عن مجاهدٍ، قال: كان فيمن كان (^٢) قبلَكم امرأةٌ، وكان لها أجيرٌ، فولَدت جاريةً فقالت لأجيرِها: اقْتَبِسْ لنا نارًا. فخرَج فوجَد بالبابِ رجلًا، فقال له الرجلُ: ما ولَدتْ هذه المرأةُ؟ قال: جاريةً. قال: أمَا إنَّ هذه الجاريةَ لا تَموتُ حتى تَبْغِى بمائةٍ، ويتَزَوَّجَها أجيرُها، ويَكُونَ موتُها بالعنكَبوتِ. قال: فقال الأجيرُ في نفسِه: فأنا أريدُ هذه بعدَ أن تَفْجُرَ بمائةٍ! لأقتُلنَّها (^٣). فأخَذ شَفْرةً فدخَل فشَقَّ بطنَ الصبيَّةِ [وخرَج على وجهِه، وركِب البحرَ، وخِيط بطنُ الصبيَّةِ] (^٤) وعُولِجَت فبَرِئت، فشبَّت، وكانت تَبْغِى، فأتَتْ ساحلًا مِن سواحلِ البحرِ، فأقامَت عليه تَبْغِى، ولِبث الرجلُ ما شاء اللهُ، ثم قدِم ذلك الساحلَ ومعه مالٌ كثيرٌ، فقال لامرأةِ مِن أهلِ الساحلِ: ابْغينى امرأةً مِن أجملِ امرأةٍ في القريةِ أَتَزَوَّجُها. فقالت: هاهنا امرأةٌ مِن أجملِ الناسِ، ولكنَّها تَبْغِى. قال: ائْتِينى بها. فأتَتْها فقالت: قدِم رجلٌ له مالٌ كثيرٌ، وقد قال لى كذا، فقلتُ له كذا. فقالت: إني قد ترَكتُ البغاءَ، ولكن إن أراد تزوَّجتُه. قال: فتزَوَّجها، فوقَعت منه موقِعًا، فبينا هو يومًا عندَها، إذ أخبَرها بأمره، فقالت: أنا تلك الجاريةُ - وأرَته الشقَّ في بطنِها - وقد كنتُ أبْغِى، فما أَدْرِى بمائة أو أقل أو أكثر. قال: فإنه قال لى: يَكُونُ موتُها بعنكبوتٍ (^٥). قال: فبَنَى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر، وينظر تفسير البغوي ٢/ ٢٥٢.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بالعنكبوت\".","vol":"7","page":235},{"text":"لها بُرْجًا بالصحراءِ وشيَّدَه، فبينا هما (^١). يومًا في ذلك البرجِ، إذا عَنْكَبُوتٌ في السقفِ [فقال: هذا عَنْكبوتٌ] (^٢). فقالت: هذا يَقْتُلُنى؟! لا يَقْتُلُه أحدٌ غيرى. فحرَّكتْه (^٣) فسقَط فأتَتْه فوضَعت إبهامَ رجلِها عليه فشَدَخَتْه، وساح سمُّه بينَ ظُفْرِها واللحمِ، فاسودَّتْ رِجْلُها فماتت، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. قال: قصورٍ مُشَيَّدةٍ.\nوقال آخرون: عنى بذلك قصورًا بأعيانِها في السماءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2074>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. وهى قصورٌ بيضٌ في السماءِ الدنيا مَبْنِيةٌ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ (^٦)، قال حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ في قولِه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، س: \"هو\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١: \"فحركه\".\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٨٨، ٢٨٩ من طريق المصنف به، وفيه: \"أبو حازم\" مكان: أبو همام\". كما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٠٧ (٥٦٤٠) من طريق كثير به بنحوه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣٠/ ١٠٠٨ (٥٦٤٣) من طريق أحمد بن مفضل به بنحوه.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سعيد\"، وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدشتكي أبو محمد الرازي، ينظر تهذيب الكمال، ١٧/ ٢١٠، وسيأتي على الصواب.","vol":"7","page":236},{"text":"كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. يَقُولُ: ولو كنتُم في قصورٍ في السماءِ (^١).\nواختلَف أهلُ العربيةِ في معنى المُشَيَّدةِ؛ فقال بعضُ أهلِ (^٢) البصرةِ منهم: المُشَيَّدةُ: المطوَّلةُ (^٣). قال: وأما المَشِيدُ بالتخفيفِ، فإنه المزيَّنُ.\nوقال آخرون منهم نحو ذلك القولِ، غيرَ أنه قال: المَشيدُ بالتخفيفِ، المعمُولُ بالشِّيدِ، والشِّيدُ الجِصُّ.\nوقال بعضُ أهلِ الكوفةِ: والمشيَّدُ والمَشِيدُ أصلُهما واحدٌ، غيرَ أن ما شُدِّد منه فإنما شُدِّد لتفرُّقِ (^٤) الفعلِ فيه في جمعٍ، مثلَ قولِهم: هذه ثيابٌ مُصَبَّغَةٌ (^٥). وغنَمٌ مُذبَّحَةٌ، فشدَّد؛ لأنها جمعٌ يُفرَّقُ فيها الفعلُ، فكذلك مِثْلُه \"قصورٌ مُشيدةٌ\"؛ لأن القصورَ [الكثيرةَ يوجدُ] (^٦) فيها التَّشْيِيدُ، ولذلك قيل: ﴿بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. ومنه قولُه: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ [يوسف: ٢٣]. وكما يُقالُ: كَسَّرتُ العُودَ. إذا جعلتَه قِطَعًا؛ قطعةً بعدَ قطعةٍ. وقد يَجُوزُ في ذلك التخفيفُ.\nفإذا أُفْرِد من ذلك الواحدُ، فكان الفعلُ يَتَردُّدُ فيه، ويَكْثُرُ تردُّدُه في جمعٍ منه جاز التشديدُ عندَهم والتخفيفُ، فيقالُ منه: هذا ثوبٌ مُخَرَّقٌ، وجلدٌ مُقَطَّعٌ؛ لتردُّدِ الفعلِ فيه وكثرتِه بالقَطعْ والخَرْقِ. فإن كان الفعلُ لا يَكْثُرُ فيه ولا يَتَرَدَّدُ لم يُجيزُوه إلا بالتخفيفِ، وذلك نحوُ قولِهم: رأيتُ كبشًا مَذْبوحًا. فلا يُجِيزُون فيه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٠٨ عقب الأثر (٥٦٤١) من طريق ابن أبي جعفر عن أبيه به.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الطويلة\". وينظر مجاز القرآن ١/ ١٣٢.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لنفسه\". وفى م، س: \"لتردد\". وينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٢٧٧.\n(^٥) في الأصل: \"مصنفة\".\n(^٦) في ص، م: \"كثيرة تردد\".","vol":"7","page":237},{"text":"مذبَّحًا؛ لأن الذبحَ لا يَتَرَدَّدُ فيه تردُّدَ التَّخَرُّقِ في الثوبِ، وقالوا: فلهذا قيل: قصرٌ مشِيدٌ؛ لأنه واحدٌ، فجُعِل بمنزلةِ قولِهم: كبشٌ مذبوحٌ (^١). قالوا: وجائزٌ في القصرِ أن يُقالَ: قصرٌ مُشَيَّدٌ. بالتشديدِ؛ لتردُّدِ البناءِ فيه [والتَّشْيِيدِ، ولا] (^٢) يَجُوزُ ذلك في كبشٍ مذبوحٍ؛ لما ذكَرْنا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2076>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. وإن يَنَلْهُم رَخاءٌ وظَفَرٌ وفَتْحٌ ويُصيبوا غَنيمةً يَقُولوا ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. يَعْنى: مِن قِبَلِ اللهِ ومِن تقديرِه، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾. يَقُولُ: وإن تَنَلْهم شدَّةٌ مِن عيشٍ وهزيمةٍ مِن عدوٍّ وجِراحٍ وألمٍ يَقُولوا: يا محمدُ: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ لخطَئِك التدبيرَ. وإنما هذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن الذين [قال (^٤) لنبيِّه ﷺ] (^٥): ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2075>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ وابنُ أبي جعفرٍ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في الأصل: \"والتشديد لا\".\n(^٣) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٢٧٧.\n(^٤) في ص، ت ١: \"قالوا\". وبعده في م، ت ٢، ت ٣: \"فيهم\".\n(^٥) في س: \"قالوا\".","vol":"7","page":238},{"text":"قالا: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾. قال: هذه في السرَّاءِ والضراءِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ مثلَه.\nحدَّثني يونس، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾. قال: إن هذه الآياتِ نزَلت في شأنِ الحربِ، فقرَأَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾. فقرَأ حتى بلَغ ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ﴾ مِن عندِ محمدٍ، أساء التدبيرَ وأساء النظرَ، ما أحسَن التدبيرَ ولا النظرَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2077>القول في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: قُلْ يا محمدُ لهؤلاءِ القائلين إذا أصابَتهم حسنةٌ: هذه مِن عندِ اللهِ. وإذا أصابَتهم سيئةٌ: هذه مِن عندِك. [قل: ﴿كُلٌّ] (^٣) مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ دوني ودونَ غيرى، مِن عندِه الرخاءُ والشدَّةُ، ومنه النصرُ والظَّفَرُ، ومِن عندِه الفلَلُ (^٤) والهزيمةُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٠٨، ١٠٠٩ (٥٦٤٥، (٥٦٤٧) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٥ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٥ إلى المصنف.\n(^٣) في ص: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كل ذلك\".\n(^٤) في ص: \"العال\" غير منقوطة، وفى م: \"القتل\".","vol":"7","page":239},{"text":"كما حدَّثني المثنى، قال: [حدَّثنا إسحاقُ، قال:] (^١) ثنا عبدُ الرزاقِ، قالَ: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. النِّعَمُ والمصائبُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ النصرُ والهزيمةُ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾. يَقُولُ: الحسنةُ والسيئةُ مِن عندِ اللهِ، أما الحسنةُ فأنعَم بها عليك، وأما السيئةُ فابتلاك بها (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-2078>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ﴾. فما شأنُ هؤلاءِ القومِ الذين إن تُصِبْهم حسنةٌ يَقُولُوا: هذه من عند اللهِ. وإن تُصبهم سيئةٌ يَقُولُوا: هذه من عندِك يا محمدُ. ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾: يَقُولُ: لا يَكادُون يَعْلَمُون حقيقةَ ما تُخبرهم به مِن أن كلَّ ما أصابَهم: مِن خيرٍ [وشرٍّ، [وسراءَ وضراءَ، و] (^٥) شدةٍ ورخاءٍ] (^٦)، فمن عندِ اللهِ، لا يَقْدِرُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٥ إلى عبد الرزاق وابن المنذر مطولا، وهو في تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٩ وليس فيه ذكر قتادة.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٥ إلى المصنف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٠٩ (٥٦٥٠) من طريق عبد الله بن صالح بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٥ إلى ابن المنذر.\n(^٥) في ص، س: \"أو ضر أو\".\n(^٦) في م، ت ٢، ت ٣: \"أو شر أو ضر وشدة أو رخاء\".","vol":"7","page":240},{"text":"أحدٌ (^١) على ذلك غيرُه، ولا يُصيبُ أحدًا سيئةٌ إلا بتقديرِه، ولا يَنالُ رخاءً ونعمةً إلا بمشيئتِه، وهذا إعلامٌ مِن اللهِ عبادَه أن مفاتِحَ الأشياء كلَّها بيدِه، ولا يَمْلِكُ شيئًا منها أحدٌ غيرُه.\n\n<span id=\"aya-572\"></span><span data-type='title' id=toc-2079>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾: ما يُصِيبُك يا محمدُ مِن رخاءٍ ونعمةٍ وعافيةٍ وسلامةٍ، فمِن فضلِ اللهِ عليك، تَفَضَّلَ به عليك؛ إحسانًا منه إليك. وأما قولُه: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾. فإنه يَعْنى: وما أصابَك مِن شدَّةٍ ومشقةٍ وأذًى ومكروهٍ فمن نفسِك، [يقولُ: فمِن قِبَلِ نفسِك] (^٢)، يَعْنى: بذنبٍ استوجَبْتَها به اكتَسَبَتْه نفسُك.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾: أَما مِن نفسِك، فيَقُولُ: مِن ذنبِك (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾. عقوبةً يا ابن آدم بذنبك، قال: وذكر لنا أن نبي الله كان يَقُولُ: \"لا يُصِيبُ رجلًا خَدْشُ عُودٍ، ولا عَثْرةُ قدمٍ، ولا اختِلاجُ عِرْقٍ إلا بذنبٍ، وما يَعْفُو الله عنه أكثرُ\" (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٣١٨ عن السدي.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٥ إلى المصنف وعبد بن حميد، وقال ابن كثير في تفسيره =","vol":"7","page":241},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ يَقُولُ: الحسنةُ: ما فتَح اللهُ عليه يومَ بدرٍ وما أصابه (^١) مِن الغنيمةِ والفتحِ. والسيئةُ: ما أصابه يومَ أُحُدٍ أَن شُجَّ في وجهِه، وكُسِرت رَباعِيَتُه (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: حدَّثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾. [قال: كان الحسنُ يقولُ: ما أصابك من نعمةٍ فمِن اللهِ، وما أصابك من سيئةٍ فمِن نفسِك] (^٣). يَقُولُ: بذنبِك. ثم قال: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. النِّعَمُ والمصائبُ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا [إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ] (^٥) بنُ سعدٍ وابنُ أبى جعفرٍ، قالا: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ قولَه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾. قال: هذه في الحسناتِ والسيئاتِ (^٦).\n_________\n= ٢/ ٣١٨: وهذا الذي أرسله قتادة قد روى متصلًا في الصحيح: \"والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن همّ ولا حزن ولا نصب حتى الشوكة يشاكها إلَّا كفر الله عنه بها من خطاياه\". والحديث عن غير واحد الصحابة منها حديث أبي سعيد وأبي هريرة عند البخارى (٦٤١، ٥٦٤٢)، ومسلم (٢٥٧٣).\n(^١) في الأصل: \"أصابك\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٠ (٥٦٥٣، ٥٦٥٤، ٥٦٥٨) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٥ إلى ابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وينظر تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٩.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المصيبات\". والأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٩. وليس ذكر قتادة.\n(^٥) في الأصل: \"أبو إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق\". وتقدم كثيرا.\n(^٦) ينظر التبيان ٣/ ٢٦٥.","vol":"7","page":242},{"text":"حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية مثله.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُريج: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾. قال: عُقوبةً بذنبِك (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾. بذنبِك، كما قال لأهلِ أُحُدٍ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]. بذُنوبِكم (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالِحٍ في قولِه: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾. قال: بذنبِك، وأنا قدَّرتُها عليك (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾. وأنا الذي قدَّرتُها عليك.\nحدَّثني موسى بن عبد الرحمن المسروقى، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ عن أبي صالحٍ مثلَه (^٤).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٣١٨.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٥ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٦٢ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١١ (٥٦٦١) من طريق سفيان به. وأخرجه ابن المقرئ في معجمه (٧٠٨، ٧٨٦، ٩٨١) من طريق إسماعيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٩٤٠) من طريق محمد بن بشر به.","vol":"7","page":243},{"text":"قال أبو جعفرٍ: فإن قال قائلٌ: وما وجهُ دُخولِ \"مِن\" في قولِه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾. و﴿مِنْ سَيِّئَةٍ﴾؟ قيل: قد اختلَف في ذلك أهلُ العربيةِ؛ فقال بعضُ نحويِّيِ البصرةِ: أُدْخِلَت \"مِن\"؛ لأن \"مِن\" تَحْسُنُ مع النفي، مثلَ: ما جاءَني مِن أحدٍ. قال: وجُعِلَ (^١) الخبرُ بالفاءِ؛ [لأنَّ ما] (^٢) بمنزلةِ \"مَن\".\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: أُدخلت \"مِن\" مع \"ما\"، كما تَدْخُلُ على \"إنْ\" في الجزاءِ؛ لأنهما حرفا جزاءٍ، وكذلك تَدْخُلُ مع \"مَن\" إذا كانت جزاءً، فتَقولُ العربُ: ما (^٣) يَزُرْك مِن أحدٍ فتُكرِمْه. كما تَقُولُ: إِن يَزُرْكَ مِن أحدٍ فَتُكْرِمُه. قال: وإنما (^٤) أدخَلُوها مع \"ما\" و\"مَن\"؛ ليُعْلمَ [بدخولِها معهما] (^٥) أنهما جزاءٌ، قالوا: وإذا أدخلَتْ معهما لم تُحْذَفْ؛ لأنها إذا حذِفت صار الفعلُ رافعًا شيئين، وذلك أن \"ما\" في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ رُفِع بقولِه ﴿أَصَابَكَ﴾ فلو حَذَفَتَ \"مِن\" رفَع قولُه: ﴿أَصَابَكَ﴾ السيئةَ؛ لأن معناه: إِن تُصِبْك سيئةٌ، فلم يَجُزْ حَذْفُ \"مِن\" لذلك؛ لأن الفعلَ الذي هو على فعَل أو يَفعلُ لا يَرْفَعُ شيئين، وجاز ذلك مع \"مَن\"؛ لأنها تُشَبَّهُ (^٦) بالصفاتِ، وهى في موضعِ اسمٍ، فأما \"إن\"، فإن \"مِن\" تَدْخُلُ معها وتَخْرُجُ، ولا تدخلُ (^٧) مع \"أي\" لأنها تُعْرَبُ، فيتبيَّن (^٨) فيها الإعرابُ،\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"دخول\".\n(^٢) في ص، م: \"لازما\". وهو تحريف واضح.\n(^٣) في م: \"من\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى ص، س: \"إذا\".\n(^٥) في الأصل: \"بدخولهما معها\".\n(^٦) في م، ت ٢، ت ٣، س: \"تشتبه\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تخرج\" وهو خطأ من حيث المعنى.\n(^٨) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيبين\". وفى س: \"يتعين\".","vol":"7","page":244},{"text":"ودخَلت مع \"ما\" (^١)؛ لأن الإعرابَ لا يَظهَرُ فيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2080>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾. إنما جعَلناك يا محمد رسولًا بينَنا وبينَ الخلقِ تُبَلِّغُهم ما أرسَلناك به مِن رسالةٍ إليهم، وليس عليك غيرُ البلاغِ وأداءُ الرسالةِ إلى مَن أُرْسِلتَ إليه، فإن قَبِلوا ما أُرْسِلتَ به فلأنفسِهم، وإن رَدُّوا فعليها، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾. عليك وعليهم ﴿شَهِيدًا﴾. يَقُولُ: حسبُك اللهُ تعالى ذكرُه شاهدًا عليك في بلاغِك ما أُمِرتَ (^٢) ببلاغِه من رسالتِه ووحيِه، وعلى مَن أُرْسِلتَ إِليه في قبولِهم منك ما أُرْسِلتَ به إليهم؛ فإنه لا يخفَى عليه أمرُك وأمرُهم، وهو مُجازِيك ببلاغِك ما وَعَدَك به (^٣)، ومُجازِيهم بما عَمِلوا مِن خيرٍ وشرٍّ، جزاءَهم (^٤)؛ المُحْسِنَ بإحسانِه، والمُسيءَ بإساءتِه.\n\n<span id=\"aya-573\"></span><span data-type='title' id=toc-2081>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وهذا إعذارٌ من اللهِ إلى خلقِه في نبيِّه محمدٍ ﷺ. يقولُ اللهُ جلّ ذكرُه لهم: مَن يُطِعْ منكم، أيُّها الناسُ رسولى (^٥) - محمدًا - إليكم (^٥).\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"ومن\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أمرتك\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) في م، س: \"جزاء\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"7","page":245},{"text":"فقد أطاعنى بطاعتِه إياه، فاسمَعوا قولَه، وأطيعوا أمرَه، فإنه مَهْما يأمُرْكم به مِن شيءٍ فعن أمرى يأمُرُكم، وما ينهاكم عنه مِن شيءٍ فعن نَهْيِي، فلا يَقولَنَّ أحدُكم: إنما محمدٌ بَشَرٌ مِثْلُنا، يريدُ أن يَتَفضَّلَ علينا.\nثم قال جلَّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ومَن تَوَلَّى عن طاعتِك يا محمدُ، فأعرِضْ عنه، فإنَّا لم نُرْسِلْك عليهم حفيظًا - يعنى حافظًا لِما يعمَلون مُحاسِبًا - بل إنما أرسَلناك لتُبَيِّنَ لهم ما نُزِّل إليهم، وكفَى بنا حافِظين لأعمالِهم، ولهم عليها مُحاسِبِين.\nونَزَلَت هذه الآيةُ فيما ذُكِر قبلَ أن يُؤْمَرَ بالجهادِ.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: سألتُ ابنَ زيدٍ عن قولِ اللهِ جلَّ ذكرُه: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾. قال: هذا أَوَّلَ ما بَعَثه. قال: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]. قال: ثم جاء بعدَ هذا أمرُه (^١) بجهادِهم والغِلْظةِ عليهم (^٢) حتى يُسْلِموا (^٣).\n\n<span id=\"aya-574\"></span><span data-type='title' id=toc-2082>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾. يعني الفريقَ الذي أخبَر اللهُ جلَّ ثناؤه عنهم أنهم لمَّا كُتِب عليهم القتالُ، خَشُوا الناسَ كخشيةِ اللهِ أو أشدَّ خَشْيةً، يقولون لنبيِّ الله ﷺ، إذا أمَرهم بأمرٍ: أمْرُك طاعةٌ (^٤)\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يأمره\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٥ إلى المصنف.\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ولك منا طاعة\".","vol":"7","page":246},{"text":"فيما تأمُرنا به وتَنْهانا عنه. ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾. يقولُ: فإذا خَرَجوا مِن عندِك يا محمدُ. ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾. يعنى بذلك جلّ ثناؤه، غَيَّر جماعةٌ منهم ليلًا الذي تقولُ لهم.\nوكلُّ عملٍ عُمِل ليلًا فقد بُيِّتَ، ومِن ذلك بَياتُ (^١) العدوِّ، وهو الوقوعُ بهم ليلًا، ومنه قولُ عُبَيدةَ بن هَمَّامٍ (^٢):\nأَتَوْنِى فَلَمْ أَرْضَ ما بَيَّتُوا … وكانوا أَتَوْنِي بِشَيْءٍ نُكُرْ\nلأُنْكِحَ أَيِّمَهُمْ (^٣) مُنْذِرًا … وَهَلْ يُنْكِحُ العَبْدَ حُرٌّ لحُرّ (^٤)\nيعني بقولِه: فلم أرضَ ما بَيَّتوا (^٥). أي ما أَبْرَموه ليلًا وعَزَموا عليه.\nومنه قولُ النَّمِرِ بن تَوْلَبٍ العُكْليِّ (^٦):\nهَبَّتْ لِتَعْذُلَنى بِلَيْلِ (^٧) فَاسْمَعِي (^٨) … سَفَهًا تَبَيُّتُكِ المَلَامَةَ فَاهْجَعِي\nيقولُ اللهُ جلّ ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾. يعنى يذلك جلَّ ثناؤه: واللهُ يُثْبِتُ (^٩) ما يُغَيِّرون مِن قولِك ليلًا في كُتُبِ أعمالِهم [التي تَكْتُبُها] (^١٠) حَفَظَتُه\n_________\n(^١) في م: \"بيت\".\n(^٢) البيتان في مجاز القرآن ١/ ١٣٣، والحيوان ٤/ ٣٧٦، والكامل ٣/ ٣٠، ١٦٣، واللسان (ن ك ر) ونسبهما للأسود بن يعفر.\n(^٣) في ص، ت ١: \"إليهم\".\n(^٤) في الأصل، ص، ت ٢، ت ٣، س: \"بحر\". وتنظر مصادر التخريج السابقة.\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ليلا\".\n(^٦) البيت في مجاز القرآن ١/ ١٣٣، وخزانة الأدب ١/ ٣١٧، وفيهما (من الليل)، وفى الخزانة (سفه) بالرفع، وأشار إلى رواية النصب.\n(^٧) في ص: \"بليلي\".\n(^٨) في ص، م: \"اسمعى\".\n(^٩) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يكتب\".\n(^١٠) في الأصل: \"الذي يكتبها\".","vol":"7","page":247},{"text":"وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2083>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾. قال: يُغَيِّرون ما عَهِد نبيُّ اللهِ ﷺ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا يوسفُ بنُ خالدٍ، قال: ثنا نافعُ بنُ مالكٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾. قال: غَيَّر أولئك ما قال النبيُّ ﷺ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ (^٣)، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾. [قال: غَيَّر أولئك ما قال النبيُّ ﷺ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ] (^٥) وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾. قال: هؤلاء المنافقون الذين يقولون إذا حَضَروا النبيَّ ﷺ فأمرهم بأمرٍ، قالوا: طاعةٌ. فإذا خَرَجوا مِن عندِه (^٦) غَيَّر طائفةٌ منهم ما\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٢ عقب الأثر (٥٦٦٩) معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٦ إلى المصنف.\n(^٣) في الأصل: \"الحسن\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٢ (٥٦٦٩) من طريق أحمد بن مفضل به، بنحوه.\n(^٥) زيادة من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) في الأصل، ص، ت ١: \"عندك\".","vol":"7","page":248},{"text":"يقولُ النبيُّ ﷺ، ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾. يقولُ: ما يقولون (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين (^٢)، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾. قال: يُغَيِّرون ما قال رسولُ اللهِ ﷺ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قولَه: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾. وهم ناسٌ كانوا يقولون عندَ رسولِ اللهِ ﷺ: آمَنَّا بِاللَّهِ ورسولِه. ليأمَنوا على دمائِهم وأموالِهم، وإذا بَرَزوا مِن عندِ رسولِ الله ﷺ، خالَفوا إلى غيرِ ما قالوه عندَه، فعابَهم اللهُ، فقال: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾. يقولُ: يُغَيِّرون ما قال النبيُّ ﷺ (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيد بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾. يقولُ: هم أهلُ النِّفاقِ (^٥).\nوأما رَفْعُ: ﴿طَاعَةٌ﴾. فإنه بالمتروكِ الذي دَلَّ عليه الظاهرُ مِن القولِ، وهو: أمرُك طاعةٌ، أو مِنَّا طاعةٌ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٢، ١٠١٣ (٥٦٦٦، ٥٦٦٧، ٥٦٦٩، ٥٦٧٦) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) في الأصل: \"الحسن\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٦ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٢، ١٠١٣ (٥٦٦٥، ٥٦٦٨، ٥٦٧٠، ٥٦٧٤) عن محمد بن سعد به. وينظر الدر المنثور ٢/ ١٨٥، ١٨٦.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٢ (٥٦٧١) من طريق على بن الحكم عن الضحاك به.\n(^٦) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٢٧٨.","vol":"7","page":249},{"text":"وأما قولُه: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾. فإن التاءَ مِن ﴿بَيَّتَ﴾. [بحركَتِها بالفتحِ، عليه] (^١) عامةُ قرأةِ المدينةِ والعراقِ وسائرُ القَرَأةِ؛ لأنها لامُ الفعلِ (^٢).\nوكان بعضُ قرأةِ العراقِ يُسَكِّنها، ثم يُدْغِمُها في الطاءِ لمقارَبتِها في المَخْرَجِ (^٣).\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك، تَرْكُ الإدغامِ (^٤)، لأنهما، أعنى التاءَ والطاءَ مِن حرفَين مختلفين، وإذا كان ذلك كذلك كان تَرْكُ الإدغامِ أفصحَ اللغتَين عندَ العربِ، واللغةُ الأخرى جائزةٌ، أعنى الإدغام في ذلك، مَحْكِيَّةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2084>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ، ﵀: يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤه لمحمدٍ ﷺ: فأعرضْ يا محمدُ، عن هؤلاء المنافقِين الذين يقولُون لك فيما تأمرهم به: أمرك طاعةٌ. فإذا برزوا مِن عندِك خالفوا ما أمَرْتَهم به، وغَيَّروه إلى ما نَهَيتَهم عنه، وخَلِّهم وما هم عليه مِن الضلالةِ، وارضَ لهم بى مُنْتَقِمًا منهم، ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ أنت يا محمدُ ﴿عَلَى اللَّهِ﴾، يقولُ: وفَوِّضْ أمرَك إلى اللهِ، وثِقْ به في أمورِك، ووَلِّها إياه، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، يقولُ: وكَفاك اللهِ، أي: وحَسْبُك باللهِ وكيلًا، أي: [قيِّمًا بأمورِك] (^٥)، ووَليًّا (^٦) لها، ودافِعًا عنك وناصِرًا.\n_________\n(^١) في ص، س: \"يحركها والفتح\"، وفى، م، ت ٢، ت ٣: \"تحركها بالفتح\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فعل\". وهى قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم والكسائي. السبعة في القراءات ص ٢٣٥.\n(^٣) هي قراءة أبي عمرو وحمزة. المصدر السابق.\n(^٤) كلا القراءتين صواب، فهما متواترتان، ومن أسباب الإدغام تقارب الحرفين، وهما هنا متقاربان.\n(^٥) في الأصل، ت ٢، ت ٣: \"فيما بأمرك\"، وفى م: \"فيما يأمرك\".\n(^٦) في الأصل: \"ووليها\".","vol":"7","page":250},{"text":"<span id=\"aya-575\"></span><span data-type='title' id=toc-2085>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾. أفلا يَتَدبَّرُ (^١) المُبَيِّتون غيرَ الذي تقولُ لهم يا محمدُ، كتابَ اللهِ، فيَعْلَموا حُجَّةَ اللهِ عليهم في طاعتِك واتِّبَاعِ أمرِك، وأن الذي أتيتَهم به من التنزيلِ مِن عندِ ربِّهم؛ لاتِّساقِ معانِيه، وائتلافِ أحكامِه، وتأيِيدِ بعضِه بعضًا بالتصديقِ، وشهادةِ بعضِه لبعضٍ بالتَّحْقيقِ، فإنَّ ذلك لو كان مِن عندِ غيرِ اللهِ لاختَلَفَت أحكامُه، وتناقضَت معانيه، وأبان بعضُه عن فسادِ بعضٍ.\nكما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾: أي قولُ اللهِ لا يَختلفُ، وهو حقٌّ ليس فيه باطلٌ، وأن قولَ الناسِ يَخْتَلِفُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: إن القرآنَ لا يُكذِّبُ بعضُه بعضًا، ولا يَنْقُضُ بعضُه بعضًا، ما جَهِل الناسُ مِن أمرٍ (^٣)، فإنما هو من تقصيرِ عقولِهم وجَهالتِهم. وقرَأ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ قال: فحَقٌّ على المؤمِنِ أن يقولَ: كلٌّ مِن عندِ اللهِ. ويُؤْمِنَ بالمُتَشابهِ، ولا يضرِبَ بعضَه ببعضٍ، إذا جَهِل أمرًا ولم يَعرِفْه أن يقولَ: الذي قال اللهُ حَقٌّ. ويَعرِفَ أن الله تعالى لم يَقُلْ قولًا ويَنقُضَه، ينبغى أن يُؤْمِنَ بحقيقةِ ما جاء مِن عندِ اللهِ\n_________\n(^١) في الأصل: \"يتدبرون\". وهي لغة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٣ (٥٦٧٩) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣، س: \"أمره\".","vol":"7","page":251},{"text":"﵎ (^١).\nحدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرَنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾. قال: يَتَدَبَّرون النَّظَرَ فيه (^٢).\n\n<span id=\"aya-576\"></span><span data-type='title' id=toc-2086>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾. وإذا جاء هذه الطائفةَ المُبَيِّنةَ غيرَ الذي يقولُ رسولُ اللهِ ﷺ ﴿أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾. فالهاءُ والميمُ مِن قولِه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾. مِن ذكرِ الطائفةِ المُبَيِّنةِ. يقولُ جلَّ ثناؤه: وإذا جاءهم خبرٌ عن سَرِيَّةٍ للمسلمين غازيةٍ بأنهم قد أمِنوا من عدوِّهم بغَلَبَتِهم إياهم، ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾. يقولُ: أو تخوُّفِهم مِن عدوِّهم بإصابةِ عدوِّهم منهم، ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾. يقولُ: أَفْشَوه وبَثُّوه في الناسِ قبلَ (^٣) رسولِ اللهِ ﷺ، وقبل أمراءِ سرايا رسولِ اللهِ، والهاءُ في قولِه: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾. مِن ذكرِ \"الأمر\". وتأويله: أذاعوا بالأمرِ من الأمنِ أو الخوفِ الذي جاءهم، يقالُ منه: أذاعَ فلانٌ بهذا الخبرِ، وأذاعَه. ومنه قولُ أبى الأَسودِ (^٤):\nأذاعَ به في الناسِ حتى كأنَّه … بِعَلْياءَ نارٌ أُوقِدَتْ بِثَقُوبِ (^٥)\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٦ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٣ (٥٦٧٨) من طريق جويبر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٦ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في الأصل: \"قتل\".\n(^٤) البيت في الأغانى ١٢/ ٣٠٥، ومجاز القرآن ١/ ١٣٣، واللسان (ذ ى ع).\n(^٥) في الأصل: \"بثقيف\". والثقوب: ما توقد به النار من دقاق العيدان. التاج (ث ق ب).","vol":"7","page":252},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2087>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾. يقولُ: سارَعوا به وأَفْشَوه (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾. يقولُ: إذا جاءهم أمرٌّ أنهم قد أمِنوا مِن عدوِّهم، أو أنهم خائفون منهم، أذاعُّوا بالحديثِ حتى يَبْلُغَ عدوِّهم أمرُهم (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾. قال: أَفْشَوه وسَعَوْا (^٣) به.\nأخبرَنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾. قال: هذا في الأخبارِ، إذا غَزَتْ سَرِيَّةٌ من المسلمين (^٤) [تَخَبَّر الناسُ بينَهم (^٥)] (^٦) فقالوا: أصاب المسلمون (^٧) مِن\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٤ عقب الأثر (٥٦٨٣) معلقا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٤، ١٠١٥ (٥٦٨١، ٥٦٨٥) من طريق طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"شنعوا\"، وفى س: \"سمعوا\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٤ (٥٦٨٣) عن محمد بن سعد به، وعزاه الحافظ في الفتح ٨/ ٢٥٧ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في الأصل: \"الناس\".\n(^٥) في الأصل: \"بهم\".\n(^٦) في م: \"خبر الناس عنها\". وتخبر الناس بينهم: تساءلوا عن الأخبار، يقال: تخبر الخبر واستخبر: إذا سأل عن الأخبار ليعرفها. اللسان (خ ب ر)\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المسلمين\".","vol":"7","page":253},{"text":"عدوِّهم كذا وكذا. [وأصاب العدوُّ من المسلمين كذا وكذا] (^١)؛ فأفشَوه بينهم من غيرِ أن يكونَ النبيُّ ﷺ هو الذي أخبَرهم (^٢). قال ابن جُرَيجٍ: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾. قال: أعلَنوه وأَفْشَوه (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾. قال: نَشَروه، والذين أذاعَوا به قومٌ؛ إما مُنافِقون، وإما آخرون ضعُفوا (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: [أخبرنا عبيدُ بن سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾. يقولُ] (^٥): أَفْشَوه وسَعَوْا (^٦) به، وهم أهلُ النفاقٍ (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-2088>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾: الأمرَ الذي جاءهم (^٨) من عدوِّهم والمسلمين، إلى رسول اللهِ ﷺ، ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ﴾، يعنى إلى أُمرائِهم، وسكتوا فلم يُذِيعوا ما جاءهم من الخبرِ، حتى يكونَ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ص، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"يخبرهم به\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٦ إلى المصنف وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس، بتمامه.\n(^٤) في م: \"ضعفاء\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٦ إلى المصنف.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) في م: \"شنعوا\". وفي س: \"سمعوا\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٤ (٥٦٨٤) من طريق على بن الحكم عن الضحاك به.\n(^٨) ص، م، ت، ١، ت ٢، ت ٣ س: \"نالهم\".","vol":"7","page":254},{"text":"رسولُ اللهِ ﷺ، أو ذَوو أمرِهم، هم (^١) الذين يتولَّوْن (^٢) الخبرَ عن ذلك، بعدَ أن تثبُتَ عندَهم صِحَّتُه أو بُطولُه، فيُصحِّحوه إن كان صحيحًا، أو يُبْطِلوه إن كان باطلًا، ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: لعَلِم حقيقةَ ذلك الخبرِ الذي جاءهم به، الذين يَبْحَثون عنه، ويَسْتَخرِجونه ﴿مِنْهُمْ﴾، يعنى مِن أولى الأمرِ. والهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿مِنْهُمْ﴾ مِن ذكْرِ أُولى الأمرِ، يقولُ: لَعَلِم ذلك مِن أُولى الأمرِ مَنْ (^٣) يَستَنْبِطُه.\nوكلُّ مُسْتَخْرِجٍ شيئًا كان مُسَتَّرًا (^٤) عن إبصارِ العيونِ، أو عن مَعَارِفِ القلوبِ، فهو له مُسْتَنبِطٌ، يقالُ: استَنْبَطْتُ الرَّكِيَّةَ (^٥). إذا استَخرَجتَ ماءَها، ونَبَطْتُها أَنْبِطُها [وأنبُطُها نُبُوطًا، وقيل: إن النَّبَطَ (^٦) دُعُوا نَبَطًا مِن ذلك؛ لاستنباطِهم الأرضَ، أو الماءَ، أي: استخراجِهم] (^٧). والنَّبَطُ: الماءُ المُسْتَنبَط مِن الأرضِ. ومنه قولُ الشاعرِ (^٨):\n_________\n(^١) في الأصل: \"بهم\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س \"يقولون\".\n(^٣) في الأصل: \"ممن\".\n(^٤) في ص، ت ١: \"متسترا\"، وفى م، ت ٢، ت ٣، س \"مستترا\".\n(^٥) الركية: البئر تحفر، والجمع رُكِيٍّ ورَكايا. اللسان (ر ك و).\n(^٦) النبط: جيل ينزلون السواد. وفي المحكم: ينزلون سواد العراق، وهم الأنباط. اللسان (ن ب ط).\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٨) في الأصل: \"النابغة\". والبيت في أمالي القالي ٢/ ١٤٩ لكعب بن سعد الغنوى، وقيل: لسهم الغنوى، وهو من قوم كعب وليس بأخيه، وفى الأصمعيات ص ١٠٠ ضمن قصيدة نسبها الأصمعي لغريقة بن مسافع العبسى، وقد نسبه محققا الكتاب إلى الخطأ أو الوهم، وجزما بنسبة القصيدة كلها لكعب بن سعد الغنوى. وكذا هو في اللسان وأساس البلاغة ما (ن ب ط) منسوب لكعب، ومعنى (قريب ثراه): قريب خيره و(قطوب): عبوس.","vol":"7","page":255},{"text":"قَريبٌ ثَراه (^١) ما يَنالُ عَدُوُّه … له نَبَطًا أبِى الهَوَانِ قَطُوبُ\nيعنى بالنَّبَطِ: الماءَ المُسْتَنبَطَ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2089>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: ولو سَكَتوا ورَدُّوا الحديثَ إلى النبيِّ ﷺ، وإلى أميرِهم (^٢) حتى يَتَكَلَّمَ هو به: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾. يعنى عن الأخبارِ، وهم الذين يُنقِّرُون (^٣) عن الأخبارِ (^٤).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: إلى عُلمائِهم، ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾: لعَلِمه الذين يَفْحَصُونَ (^٥) عنه، ويُهمهم ذلك (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ﴾ حتى يكونَ هو الذي يُخبرهم: ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾:\n_________\n(^١) في الأصل، ص: \"تراه\".\n(^٢) في م: \"أولى أمرهم\". وت ١، ت ٢، ت ٣: \"أمرهم\".\n(^٣) في الأصل، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ينفرون\". وغير منقوطة في ص، والمثبت من مصدر التخريج، وينقرون عن الأخبار، أي: يبحثون عنها. ينظر التاج (ن ق ر).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٥، ١٠١٦ (٥٦٨٧، ٥٦٨٨، ٥٦٩٥) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٥) في الأصل: \"يحضون\"، وفي ص: \"يفصحون\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٥ (٥٦٨٩) من طريق يزيد به إلى قوله: علمائهم. وباقيه عقب الأثر (٥٦٩٥) معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"7","page":256},{"text":"الفِقْهِ (^١) في الدينِ والعقلِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، [عن عن أبي جعفرٍ] (^٢)، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾. [قال: العلمِ] (^٣). ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾: [يَتَّبَعُونه فيَتَحَسَّسونه] (^٤) (^٥).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبرَنا الليثُ، عن مجاهدٍ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. قال: الذين يسألون عنه ويَتَحَسَّسونه (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾. قال: قولُهم: ماذا كان؟ ماذا سَمِعتُم؟ (^٧).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾. قال: الذين يَتَحَسَّسونه.\n_________\n(^١) في م: \"أولى الفقه\".\n(^٢) في الأصل: \"ابن جريج\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ص: \"يتتبعونه يتحسسونه\". وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يتتبعونه ويتحسسونه\" وفي مصدر التخريج: \"يتتبعونه ويتجسسونه\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٦ (٥٦٩٣) من طريق أبي جعفر عن أبي العالية. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٨٦، ١٨٧ إلى ابن المنذر.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٨٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٧) تفسير مجاهد ص ٢٨٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٦ (٥٦٩٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"7","page":257},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: لعَلِمه الذين يَتَحَسَّسونه (^١).\nحُدِّثتُ عن [الحسينِ بن الفرجِ] (^٢)، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرَنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾. قال: يتَّبَّعونه (^٣).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾. قال: الولاةُ الذين يكونون في الحربِ عليهم، الذين يَتَفَكَّرون فيَنْظُرون لِما جاءهم مِن الخبرِ؛ أصِدْقٌ أم كَذِبٌ؟ باطلٌ فيُبْطِلونه، أو حقٌّ يُحقِّقُونه (^٤)؟ [الولاةُ الذين يستنبِطُونه على القومِ في الحربِ] (^٥). قال: وهذا في الحربِ [وقد] (^٦) أذَاعُوا به، ولو فَعَلوا غيرَ هذا و(^٧) ردُّوه إلى اللهِ و﴿إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾. الآية.\n[حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى وابنُ بشارٍ، قالا: حدَّثنا عمرُ بنُ يونسَ، وحدثنا أحمدُ بنُ منصورٍ، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قالا جميعًا: حدَّثنا عكرمةُ بنُ عمارٍ،] (^٨)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٦ (٥٦٩٢) عن محمد بن سعد به، بنحوه.\n(^٢) في الأصل: \"الحسن\".\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"يتتبعونه\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣ س: \"يحقونه\" وهما لغتان؛ يقال: حقَّ الأمرَ وحقَّقه: صدَّقه. اللسان (ح ق ق).\n(^٥) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وقرأ\".\n(^٧) سقط من: الأصل، ص، س.\n(^٨) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"7","page":258},{"text":"[عن سِمَاكٍ أبي رُمَيْلٍ، قال: أخبرنا ابن عباسٍ، أن عمرَ بنَ الخطابِ حدَّثه قال: لما اعتزَل رسولُ اللهِ ﷺ نساءَه، وكان وجَد عليهن في اعتزالِهنَّ في مشرُبَةٍ (^١) له في خِزانتِه، فقال عمرُ: دخلتُ المسجدَ فإذا الناسُ ينكُتُون الحصباءَ، ويقولون: طلَّق رسولُ اللهِ ﷺ نساءَه. فقلتُ: لأعلَمنَّ هذا اليومَ. وذلك قبلَ أن يأمرَ النبيُّ، ﵇، بالحجابِ، فدخَلْتُ على عائشةَ بنتِ أبي بكرٍ، فقلتُ: يا بنتَ أبي بكرٍ، قد بلَغ مِن أمرِكِ أن تؤذِى رسولَ اللهِ؟! قالت: ما لي وما لَك يا بنَ الخطابِ، عليك بعَيْبَتِكَ (^٢). فأتيتُ حفصةَ بنتَ عمرَ، فقلتُ: يا حفصةُ، واللهِ لقد علِمتِ أنّ رسولَ اللَّهِ لم يُحبَّكِ، ولولا أنا لطلَّقكِ. قال: فبكتْ (^٣) أشدَّ البكاءِ. قال: ثمّ قلتُ: أينَ رسولُ اللَّهِ؟ فقالت: في خزانتِه. فذهبتُ فإذا أنا برَبَاحٍ غلامِ رسولِ اللهِ ﷺ قاعِدًا على أُسْكُفَّةِ (^٤) الغرفةِ مُدَلِّيا رجلَيْه على نَقِيرٍ - يعنى جِذْعًا مَبْقُورًا (^٥) - فقلتُ: يا رباحُ، استأذِنْ لي عندَك على رسولِ اللهِ. فنظر رباحٌ إلى الغرفةِ، ثم نظَر إليَّ فسكَت، قال: فرفعتُ صوتي فقلتُ: استأذِن لي يا رباحُ؛ فإني أظنُّ أنّ رسولَ اللَّهِ يظنُّ أنّى إنما جئتُه مِن أجلِ حفصةَ، واللَّهِ لئن أمَرني رسولُ اللَّهِ أن أضربَ عنقَها لأضرِبنَّ عنقَها. قال: فنظر رباحٌ إلى الغرفةِ، ثم نظر إليّ فقال بيدِه هكذا - يعنى أنه أشار بيدِه أنِ ادْخُلْ - قال: فدخَلتُ على رسولِ اللهِ في خزانتِه، فإذا هو مضطجِعٌ على حصيرٍ، وإذا عليه إزارٌ، وجلَس فإذا الحصيرُ قد] (^٦)\n_________\n(^١) المشربة بضم الراء وفتحها: الغرفة. النهاية (ش ر ب).\n(^٢) العيبة في كلام العرب: وعاء يجعل الإنسان فيه أفضل ثيابه ونفيس متاعه، فشبهت ابنته بها، والمراد عليك بوعظ بنتك حفصة. صحيح مسلم بشرح النووى ١٠/ ٨٢.\n(^٣) في الأصل: \"فبكيت\". والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٤) الأسكفة: عتبة الباب السفلى. المصدر السابق ١٠/ ٨٢.\n(^٥) مبقور: أي مشقوق. التاج (ب ق ر).\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"7","page":259},{"text":"[أثَّر في جنبِه، وقلَّبتُ عينيَّ في خزانةِ رسولِ اللهِ فإذا ليس فيها شيءٌ في الدنيا غيرَ قبْضَةٍ من شعيرٍ وقبضةٍ من قُرْطٍ (^١)، إنهما نحوُ الصاعَيْن، وإذا أَفِيقٌ (^٢) معلَّقٌ أو أفيقان معلقٌ (^٣)، فابتدَرتْ عيناى (^٤). فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ما يبكيكَ يا بنَ الخطابِ؟ \" فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، وما لى لا أبكى وأنت صفوةُ اللهِ ورسولُه وخيرتُه من خلقِه، وهذه خزانتُكَ، وهذه الأعاجمُ؛ كسرى وقيصرُ في الثمارِ والأنهارِ، وأنت هكذا قال: \"يا بن الخطابِ، أمَا ترضى أن تكونَ لنا الآخرةُ، ولهم الدنيا؟ \". قلتُ: بلى يا رسولَ اللهِ. قال: \"فاحمَد الله\". قال: ما تكلَّمتُ بشيءٍ قطُّ إلا أنزل اللهُ تصديقَ قولِه لى من السماءِ. فقلتُ: يا نبيَّ اللهُ، إنْ كُنتَ طلَّقتَهنَّ فإنَّ الله معك وجبريلُ وميكائيلُ وأنا وأبو بكرٍ والمؤمنون. فأنَزل اللهُ: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ﴾ [التحريم: ٤] إلى آخرِ الآيةِ، فما زلتُ أحدَّثُ نبيَّ اللهِ، ﵇، وأنا أعرِفُ الغضبَ في وجهِه حتى جعَل وجهُه يتهلَّلُ، قال: وكَشَر (^٥)، فرأيتُ ثغرَه، وكان من أحسنِ الناسِ ثغرًا. قال: أجَلْ، إني لم أطلِّقْهنَّ. فقلتُ: يا نبيَّ اللهِ، إنهم قد أذاعوا أنك قد طلَّقْتَ نساءَك فأُخبرُهم (^٦) أنك لم تُطلِّقْهنَّ؟ فقال: \"إنْ شئتَ فعلتَ\". فقمتُ على بابِ المسجدِ، فقلتُ: ألا إن] (^٧)\n_________\n(^١) في مصادر التخريج \"قرظ\" بفتحتين وظاء معجمة وعرفه الشراح بأنه ورق السلم الذي يدبغ به، وكذا تعريفه في معاجم اللغة، والقرط: هو الذي تعلفه الدواب، وهو شبيه بالرطبة وهو أجل منها وأعظم ورقًا. اللسان (ق ر ط).\n(^٢) هو الجلد الذي لم يتم دباغه، وجمعه أُفَق كأديم وأدم. صحيح مسلم بشرح النووى ١٠/ ٨٣.\n(^٣) كذا في الأصل.\n(^٤) فابتدرت عيناي: أي سالتا بالدموع. النهاية (ب د ر).\n(^٥) أي أبدى أسنانه تبسما، ويقال أيضا في الغضب، وقال ابن السكيت: كشر وبسم وابتسم وافترّ، كله بمعنى واحد فإن زاد قيل: قهقه وزهدق وكركر. صحيح مسلم بشرح النووى ١٠/ ٨٤.\n(^٦) في الأصل: \"فأخبرتهم\" والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"7","page":260},{"text":"[رسولَ اللهِ لم يطلقْ نساءَه، فأنزل اللهُ في الذي كان مِن شأنى وشأنِه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ قال عمرُ: فأنا الذي استنبطتُ منه (^١)] (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2090>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤه، ولولا إنعامُ اللهِ عليكم، أيُّها المؤمنون، بفَضْلِه وتَوْفِيقِه ورَحْمتِه، فأنقَذَكم مما ابتَلى به هؤلاء المنافِقين، الذين يقولون لرسولِ اللهِ ﷺ إذا أمَرهم بأمرٍ: طاعةٌ. فإذا بَرَزُوا مِن عندِه بَيَّت طائفةٌ منهم غيرَ الذي تقولُ، لكنتُم مثلَهم فاتَّبَعتُم الشيطانَ. كما اتَّبَعه هؤلاء الذين وَصَف صفتَهم.\nوخاطَب بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾. الذين خاطَبهم بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١].\nثم اختَلف أهلُ التأويلِ في القليلِ الذين استَثْناهم اللهُ، مَنْ هُم؟ ومِن أيِّ شيءٍ من الصفاتِ استَثْناهم؟ فقال بعضُهم: هم المستنبطون مِن أولى الأمرِ، استثناهم مِن قولِه: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. ونَفَى عنهم أن يَعْلَموا بالاستنباطِ ما يَعلَمُ\n_________\n(^١) أخرجه البخارى في الأدب المفرد (٨٣٥)، ومسلم (١٤٧٩)، والترمذى (٢٦٩١)، وابن ماجه (٤١٥٣)، وابن خزيمة (١٩٢١، ٢١٧٨) من طرق عن عمر بن يونس به. وللحديث طرق أخرى عن ابن عباس عند البخارى وغيره، ينظر مسند الطيالسي (٢٣ - طبعتنا).\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"7","page":261},{"text":"به غيرُهم مِن المُسْتَنبِطين مِن الخبرِ الواردِ عليهم مِن الأمنِ أو الخوفِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2091>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: إنما هو: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ إلا قليلًا (^١) ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ: لاتَّبَعتم الشيطانَ كُلُّكم. وأما قولُه: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾. فهو كقولِه: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. إلا قليلًا (^٣).\n[حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ قراءةً، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: يقولُ: لاتَّبَعْتم الشيطانَ كُلُّكم. وأما: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾. فهو كقولِه: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ إِلَّا قَلِيلًا] (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ نحوَه - يعني نحوَ قولِ قتادةَ - وقال: لَعَلِموه (^٥) إلا قليلًا.\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت: \"منهم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٦، ١٦٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٧ (٥٧٠١) عن الحسن بن يحيى به. مختصرًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٨٧ إلى ابن المنذر.\n(^٤) زيادة من ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في الأصل: \"لعلمه\".","vol":"7","page":262},{"text":"وقال آخرون: بل هم الطائفةُ الذين وصف اللهُ أنهم يقولون لرسولِ اللهِ ﷺ: طاعةٌ. فإذا بَرَزوا من عنده بَيَّتوا غيرَ الذي قالوا [له، وقالوا: واستثناهم اللهُ مِن قولِه: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾. وقالوا] (^١): معنى الكلامِ: وإذا جاءهم أمرٌ من الأمنِ أو الخوفِ أذاعُوا به، إلا قليلًا منهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2092>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾: [فانقَطَع الكلامُ. وقولُه] (^١) \": ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾. فهو في أوَّلِ الآيةِ يُخبِرُ عن (^٢) المنافِقين، قال (^٣): ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾: يعنى بالقليلِ المؤمنين. [يقولُ اللهُ] (^٤): الحمدُ للهِ الذي أنزل الكتاب عدلًا قيمًا، ولم يجعلْ له عوجًا (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: هذه الآيةُ مُقَدَّمَةٌ ومُؤخَّرَةٌ، إنما هي: أذاعُوا به إلا قليلًا منهم، [﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ هذه مقدَّمةٌ. وقال] (^١): ولولا فضلُ اللهِ عليكم\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في الأصيل: \"به\"، وسقط من: ص، ت ١، س.\n(^٣) في الأصل: \"قالوا\".\n(^٤) في ص، م: \"كقول\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يقول\". والمصنف هنا ذكر ما في آية الكهف \"الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما\" من التقديم والتأخير.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٧ (٥٧٠٠، ٥٧٠٢) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٧ إلى ابن المنذر.","vol":"7","page":263},{"text":"ورحمتُه لم يَنْجُ قليلٌ ولا كثيرٌ (^١).\nوقال آخَرون: بل ذلك استثناءٌ من قولِه: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾. وقالوا (^٢): الذين استُثْنُوا؛ هم قومٌ لم يكونوا هَمُّوا بما كان الآخَرون هَمُّوا به مِن اتِّباعِ الشيطانِ. فعَرَّف اللهُ جلَّ ثناؤه الذين أنقَذهم مِن ذلك مَوْقِعَ نِعْمتِه منهم، واستَثْنى الذين لم يكنْ منهم في ذلك ما كان من الآخَرِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-2093>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ (^٣)، قال: سمعتُ الضَّحَّاكَ بنَ مُزاحِمٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: هم أصحابُ النبيِّ ﷺ، كانوا حَدَّثوا أنفسَهم بأمورٍ من أمورِ الشيطانِ، إلا طائفةً منهم (^٤).\nوقال آخرَون: معنى ذلك: ولولا فضلُ اللهِ عليكم ورحمتُه لاتَّبَعْتم الشيطانَ [جميعًا. قالوا: وقولُه] (^٥): ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾. خَرَجَ مَخْرِجَ الاستثناءِ في اللفظِ، وهو دليلٌ على الجميعِ والإحاطةِ، وأنه لولا فَضْلُ اللهِ عليهم ورحمتُه لم يَنْجُ أحدٌ مِن الضلالةِ، فجعَل قولَه: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾. دليلًا على الإحاطةِ، واستَشْهَدوا على ذلك بقولِ الطِّرِمَّاحِ بن حكيمٍ في مدحِ يزيدَ بن المُهَلَّبِ (^٦):\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٧ إلى المصنف. وينظر التبيان ٣/ ٢٧٤.\n(^٢) في الأصل، ت ١: \"قال\".\n(^٣) في م: \"سلمان\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٧ (٥٧٠٣) من طريق على بن الحكم عن الضحاك، بنحوه.\n(^٥) سقط من: الأصل.\n(^٦) ديوانه ص ٨٣.","vol":"7","page":264},{"text":"أَشَمُّ كَثِيرُ [يُدِيِّ النَّوَالِ] (^١) … قليلُ المَثَالِبِ والقَادِحَهْ\nقالوا: فظاهرُ هذا القولِ وَصْفُ الممدوحِ بأن فيه المَثالِبَ والمَعايِبَ، ومعلومٌ أن معناه، أنه لا مَثالِبَ فيه ولا مَعايِبَ؛ لأن مَن وَصَف رجلًا بأن فيه مَعايبَ - وإنْ وَصَف الذي فيه مِن (^٢) المعايب بالقِلَّةِ (^٣) - فإنما ذَمَّه ولم يمدَحْه، ولكنَّ ذلك على ما وَصَفْنَا مِن نَفْي (^٤) جميعِ المَعايبِ عنه. قالوا: فكذلك قولُه: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. إنما معناه، لاتَّبَعْتُم جميعُكم الشيطانَ.\nوأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ في ذلك عندى، قولُ مَن قال: عَنَى باستثناءِ القليلِ من الإذاعةِ، وقال: معنى الكلامِ: وإذا جاءهم أمرٌ مِن الأمنِ أو الخوفِ أذاعوا به إلا قليلًا، ولو رَدُّوه إلى الرسولِ.\nوإنما قلنا: إنَّ ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنه لا يَخْلو القولُ في ذلك مِن أحدِ الأقوالِ التي ذكَرْنا، وغيرُ جائزٍ أن يكونَ مِن قولِه: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾؛ لأنَّ مَن تَفَضَّلَ اللهُ عليه بفضلهِ ورحمتِه، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ مِن أتْبَاعِ الشيطانِ.\nوغيرُ جائزٍ أن نحمِلَ معاني كتابِ اللهِ على غيرِ الأغلبِ المفهومِ بالظاهرِ مِن الخطابِ في كلامِ العربِ، ولنا إلى حَمْلِ ذلك على الأغلبِ من كلامِ العربِ سبيلٌ، فتَوْجِيهُه إلى المعنى الذي وَجَّهَه إليه القائلون: معنى ذلك، لاتَّبَعتم الشيطانَ جميعًا. ثم زعَم أن قولَه: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾. دليل على الإحاطةِ بالجميعِ. هذا مع\n_________\n(^١) في الأصل، ص: \"ندى النوادى\" وفى الديوان: \"بوادى النوال\". وقوله: (يدى) هو جمع يد. ينظر الوسيط (ى د ى).\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في الأصل: \"والقلة\".\n(^٤) سقط من: الأصل.","vol":"7","page":265},{"text":"خروجِه من تأويلِ أهلِ التأويلِ، [لا وجهَ له] (^١).\nوكذلك لا وَجْهَ [لتَوجِيه ذلك] (^٢) إلى الاستثناءِ مِن قولِه: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾؛ لأن علمَ ذلك إذا رُدَّ إلى الرسولِ وإلى أولى الأمرِ منهم، فَبَيَّنه رسولُ اللهِ ﷺ، وأولو العلمِ (^٣) منهم بعدَ وضوحِه لهم، استَوى في علمِ ذلك كلُّ مُسْتنبط حقيقته (^٤)، فلا وَجْهَ لاستثناءِ بعضِ المُسْتَنبِطِين منهم، وخصوصِ بعضِهم لعلمِه (^٥)، مع استواءِ جميعِهم في علمِه.\nوإذ كان لا قولَ في ذلك إلا ما قُلنا، فدَخَل (^٦) هذه الأقوالَ الثلاثةَ ما بَيَّنَّا مِن الحَالِ (^٧)، فبَيِّنٌ أن الصحيحَ مِن القولِ في ذلك هو الرابعُ (^٨)، وهو القولُ الذي قَضَينا له بالصوابِ مِن أنّ (^٩) الاستثناءَ من الإذاعةِ (^١٠).\n\n<span id=\"aya-577\"></span><span data-type='title' id=toc-2094>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾:\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ص، ت ١، س.\n(^٢) في الأصل: \"للتوجيه ذلك إلا\".\n(^٣) في ص، م: \"الأمر\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حقيقة\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بعلمه\".\n(^٦) كذا في النسخ جميعها، ولعل الأولى: \"ودخل\" بالواو لا بالفاء.\n(^٧) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"الخلل\". وفي ت ١: \"الجليل\".\n(^٨) في الأصل: \"الرامع\". ولا وجه له.\n(^٩) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^١٠) وهو الذي استحسنه الفراء في معانيه ١/ ٢٧٩.","vol":"7","page":266},{"text":"فَجَاهِدْ يا محمد أعداءَ اللهِ مِن أهلِ الشركِ به ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يعني: في دينِه الذي شَرَعه لك، وهو الإسلامُ، وقاتِلْهم فيه بنفسِك.\nفأما قولُه: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، فإنه يعنى: لا يُكَلِّفُ اللهُ فيما فَرَض عليك مِن جهادِ عدوِّك وعدوِّه، إلا ما حمَّلك مِن ذلك دونَ ما حَمَّل غيرَك منه، أي إنك إنما تُتَّبع (^١) بما اكتسبتَه دونَ ما اكتَسَبه غيرُك، وإنما عليك ما كُلِّفتَه دونَ ما كُلِّفه غيرُك.\nثم قال له: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني: وحُضَّهم على قتالِ مَن أمرَتُك بقتالِهم معك، ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: لعل الله أن يَكُفَّ قتالَ مَن كفَر باللهِ وجَحَد وَحْدانيتَه وأنكَر رسالتَك، عنك وعنهم، ونِكايتَهم.\nوقد بَيَّنَّا فيما مضَى أنَّ \"عسى\" مِن اللهِ واجبةٌ بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\n﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾. يقولُ: واللهُ أَشَدُّ نِكايةً في عدوَّه مِن أهلِ الكفرِ به، به، منهم فيك يا محمدُ وفى أصحابك فلا تَنْكُلَنَّ عن قتالهم، فإنى راصِدُهم بالبأسِ والنِّكايةِ والتَّنْكيلِ والعقوبةِ، لأُوهِنَ كيدَهم، وأُضْعِفَ بأسَهم، وأُعْلِىَ الحقَّ عليهم.\nوالتَّنْكِيلُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: نَكَّلتُ بفلانٍ، فأنا أُنكِّلُ به تَنْكِيلًا. إذا أوجَعْتَه عقوبةً.\n_________\n(^١) في الأصل: \"تنتفع\".\n(^٢) لم نهتد فيما مضى إلى تبيين الطبرى أن \"عسى\" من الله واجبة.","vol":"7","page":267},{"text":"كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾: أي عُقوبةً (^١).\n\n<span id=\"aya-578\"></span><span data-type='title' id=toc-2095>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾.</span>\nيعنى بقوله جلّ ثناؤه: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾: مَن يَصِرْ يا محمد شَفْعًا لوِتْرِ أصحابِك، فيَشْفَعُهم في جهادِ عدوِّهم وقتالِهم في سبيلِ اللهِ، وهو الشَّفاعةُ الحسنةُ، ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾. يقولُ: يكنْ له مِن شفاعتِه تلك نَصِيبٌ، وهو الحَظُّ من ثوابٍ اللهِ، وجزيلِ كرامتِه: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾. يقولُ: ومَن يَشْفَعْ وِتْرَ أهلِ الكفرِ باللهِ على المؤمنين به، فيُقاتِلْهم معهم، وذلك هو الشفاعةُ السيئةُ، ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾. يعني بالكِفْلِ: النصيبَ والحظَّ من الوِزْرِ والإثمِ، وهو مأخوذٌ مِن كِفْلِ البعيرِ والمَرْكَبِ، وهو الكساءُ أو الشيءُ يُهَيَّأُ عليه، شَبيهًا بالسَّرْجِ على الدابةِ. يقالُ منه: جاءنا فلانٌ مُكْتَفِلًا. إذا جاءنا على مَرْكَبٍ قد وُطِّئَ له - على ما بَيَّنَّا - لركوبِه.\nوقد قيل: إنه عَنَى بقولِه: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾. الآية: شفاعةَ الناسِ بعضهم لبعض. وغيرُ مُسْتَنكَرٍ أن تكونَ الآيةُ نَزَلَت فيما ذكَرنا، ثم عُمَّ بذلك كلُّ شافعٍ (^٢) بخيرٍ أو شرٍّ.\nوإنما اخترنا ما قُلنا مِن القول في ذلك؛ لأنه في سياق الآيةِ التي أمرَ اللهُ نبيَّه ﷺ ما فيها بحَضِّ المؤمنين على القتالِ، فكان ذلك بالوعدِ لمَن أجابَ رسولَ اللهِ ﷺ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٨ (٥٧٠٩) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في الأصل: \"شفاعة\".","vol":"7","page":268},{"text":"والوعيدِ لمَن أبَى إجابتَه، أشبهَ منه مِن الحَثِّ على شفاعةِ الناسِ بعضِهم لبعضٍ التي لم يَجْرِ لها ذكرٌ قبلُ، ولا لها ذكرٌ بعدُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2096>ذكرُ مَن قال ذلك في شفاعة الناس بعضهم لبعضٍ</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾، ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾. قال: [شفاعةُ بعضِ الناسِ لبعضٍ] (^١) (^٢).\nحُدِّثتُ عن ابن مَهْدِيٍّ، عن حَمَّادِ بن سَلَمَةَ، عن حُمَيدٍ، عن الحسنِ، قال: مَن يَشْفَعُ شفاعةً حسنةً، كان له [فيها أجران] (^٣) و[إن لم يُشَفَّعْ] (^٤)؛ لأن الله يقولُ: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾، ولم يقُلْ: مَن يُشَفَّعْ (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن رجلٍ، عن الحسنِ، قال: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾. كُتب له أجرُها ما جَرَت مَنْفعتُها (^٦).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: سألتُه - يعنى ابنَ\n_________\n(^١) في الأصل: \"شفاعة الناس بعضهم بعض\". والمثبت موافق لما في الدر المنثور وتفسير ابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٨٧ ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٨ (٥٧١١)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح ١٠/ ٤٥١.\n(^٣) في م: \"أجرها\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، س.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٨ (٥٧١٢) من طريق حماد بن سلمة به، بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٧ إلى المصنف.","vol":"7","page":269},{"text":"زيد - عن قولِ اللهِ: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾، قال: الشفاعةُ الصالحةُ التي شُفع فيها وعُمِل بها، هي بينَك وبينَه، هما فيها شريكان. ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾. قال: هما شَرِيكان فيها كما كان هذان (^١) شَريكَين.\n\n<span data-type='title' id=toc-2097>ذكرُ مَن قال: الكِفْلُ النصيبُ</span>\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾، أي: حَظَّ مِنها ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾. والكِفْلُ هو الإثمُ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾: أمَّا الكِفْلُ فالحَظُّ (^٣).\nحدَّثني المُثَنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾. قال: حَظٌّ منها، فبِئْس الحظُّ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الكِفْلُ والنصيبُ واحدٌ. وقرَأ: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ (^٥) [الحديد: ٢٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-2098>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أهلها\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٩ (٥٧١٨) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٩ (٥٧١٦) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٩ (٥٧١٧) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٧ إلى المصنف.","vol":"7","page":270},{"text":"اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: وكان اللهُ على كلِّ شيءٍ حفيظًا وشهيدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2099>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾. يقولُ: حفيظًا (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُقِيتًا﴾: شهيدًا (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن رجلٍ [لم يُسمِّه] (^٣)، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُقِيتًا﴾. قال: شهيدًا، حسيبًا، حفيظًا (^٤).\nحدَّثنى أحمدُ بنُ عثمانَ بن حَكيمٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ شَرِيكٍ، قال: ثنا أبي، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ أبي الحَجَّاجِ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾. قال: المُقِيتُ الحسيبُ (^٥).\nوقال آخرون: معنى ذلك: القائمُ على كلِّ شيءٍ بالتدبيرِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠١٩ (٥٧١٩)، والبيهقى في الأسماء والصفات (١١٣) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٨٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٠ (٥٧٢١).\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣ س: \"اسمه مجاهد\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٠ (٥٧٢٤) من طريق شريك به.","vol":"7","page":271},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2100>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ كَثِيرٍ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾. قال: المُقِيتُ الواصِبُ (^١).\nوقال آخرون: بل هو القديرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2101>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾. أمَّا المُقِيتُ فالقديرُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾. قال: على كلِّ شيءٍ قديرًا. المقيتُ: القديرُ (^٣).\nوالصوابُ من هذه الأقوالِ قولُ مَن قال: معنى المُقيتِ: القديرُ. وذلك أن ذلك - فيما يُذكرُ - كذلك بلغةِ قريشٍ، ويُنشَدُ للزبيرِ بن عبدِ المطلبِ، عمِّ رسولِ اللهِ ﷺ (^٤):\nوَذِى ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عنه … وكُنتُ على مَساءَتِه مُقِيتَا\nأي: قادرًا (^٥). وقد قيل: إن منه قولَ النبيِّ ﷺ: \"كَفى بالمرءِ إثمًا أن يُضِيعَ\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٢/ ٣٢٤، والواصب: المواظب على الشيء، يقال: وصب الرجل في ماله وعلى ماله: واظب عليه. ينظر التاج (وص ب).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٠ عقب الأثر (٥٧٢٢) من طريق أسباط به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٨ إلى المصنف.\n(^٤) البيت في اللسان (ق وت) معزوا لأبي قيس بن رفاعة، قال: وقد روى أنه للزبير بن عبد المطلب، وأورده السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٧، ١٨٨ وقد استشهد به ابن عباس ونسبه لأحيحة بن الجلاح الأنصاري.\n(^٥) في م: \"قديرا\".","vol":"7","page":272},{"text":"مَن يُقِيتُ\" (^١). في روايةِ مَن رَواها: يُقِيتُ، يعني: مَن هو تحتَ يَدَيه وفي سلطانِه من أهلِه وعيالِه، فيُقَدِّرُ له قوته. يقالُ منه: أقاتَ فلانٌ الشيءَ يُقِيتُه إقاتةً، وقاتَه يَقوتُه قياتةً وقَوْتًا، والقُوتُ الاسمُ. وأما المُقِيتُ في بيت اليهوديِّ (^٢) الذي يقولُ فيه:\nليتَ شِعْرِي وأَشْعُرَنَّ إذا ما … قَرَّبوها مَطْوِيَّةً (^٣) ودُعِيتُ\nأَلِي الفَضْلُ أَم عَلَيَّ إِذا حُو … سِبْتُ إنِّي على الحسابِ مُقِيتُ\nفإنّ معناه: فإنِّى على الحسابِ موقوفٌ، وهو مِن غيرِ هذا المعنى.\n\n<span id=\"aya-579\"></span><span data-type='title' id=toc-2102>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾</span>\nيعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾: إذا دُعِى لكم بطولِ الحياةِ والبقاءِ والسلامةِ، ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. يقولُ: فَادْعُوا لَمَن دَعا لكم بذلك بأحسَنَ مما دعا لكم، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾، يقولُ: أو رُدُّوا التحيةَ.\nثم اختَلف أهلُ التأويلِ في صفةِ التحيةِ التي هي أحسنُ مما حُيِّى به المُحَيَّا، والتي هي مثلُها؛ فقال بعضُهم: التي هي أحسنُ منها أن يقولَ المُسلَّمُ عليه إذا قيل: السلامُ عليكم: وعليكم السلامُ ورحمةُ اللهِ. فيزيدُ على دعاءِ الداعِى له. والردُّ أن يقولَ: السلامُ عليكم. مثلَ ما قيل له، أو يقولَ: وعليكم السلامُ. فيَدْعُو للدَّاعِى له مثلَ الذي دَعا له.\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٢٣٩٥) - طبعتنا)، وأحمد ١١/ ٣٦ (٦٤٩٥)، وأبو داود (١٦٩٢)، والنسائي في الكبرى (٩١٧٦)، وابن حبان (٤٢٤٠) من حديث عبد الله بن عمرو. وأخرجه مسلم (٩٩٦) بلفظ: \"كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته\".\n(^٢) هو السموأل بن عادياء والبيتان في ديوانه ص ٨١ ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٣٥، واللسان (ق وت).\n(^٣) في م: \"منشورة\" وكذا في الديوان واللسان، وما أثبتناه موافق لما في مجاز القرآن.","vol":"7","page":273},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2103>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. يقولُ: إذا سَلَّم عليك أحدٌ (^١)، فقل أنت: وعليك السلامُ ورحمةُ اللهِ، أو تَقطَعَ إلى: السلامُ عليك. كما قال لك (^٢).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ قولَه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. قال: في أهلِ الإسلامِ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيدُ بن نصرٍ، قال: أخبرَنا ابن المُباركِ، عن ابن جُريجٍ، فيما قُرِئَ عليه عن عطاءٍ، قال: في أهلِ الإسلامِ.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن شُرَيحٍ، أنه كان يرُدُّ: السلامُ عليكم. كما يُسَلَّمُ عليه (^٤).\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبى، عن ابن عَوْنٍ وإسماعيل بن أبي خالدٍ، عن إبراهيمَ، أنه كان يَرُدُّ: السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ (^٥).\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"فسلم عليه بأحسن مما سلَّم عليك أو ردّ عليه مثل ما قال، وذلك أن تقول إذا سلم عليك أحد\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٨ إلى المصنف.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢١ عقب الأثر (٥٧٢٧) معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٦١١، ٦١٢ عن وكيع به، وأخرج نحوه ابن سعد ٦/ ١٤١ عن القاسم عن شريح.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٨/ ٦١٢ عن وكيع به.","vol":"7","page":274},{"text":"حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن عطيةَ (^١)، عن ابن عمرَ، أنه يَرُدُّ: وعليكم (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: فحَيُّوا بأحسنَ منها أهلَ الإسلامِ، أو رُدُّوها على أهلِ الكفرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2104>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني إسحاقُ بن إبراهيمَ بن حبيبِ بن الشهيدِ، قال: ثنا حُمَيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن الحسنِ بن صالحٍ، عن سِمَاكِ بن حربٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: مَن سَلَّم عليك مِن خَلْقِ اللهِ، فاردُدْ عليه وإن كان مجوسِيًّا، فإن الله يقولُ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سالمُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أَبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾: للمسلمين، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ على أهلِ الكتابِ (^٤).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ\n_________\n(^١) في الأصل: \"عطاء\".\n(^٢) أخرجه ابن سعد ٤/ ١٥٦، ١٥٧، وابن أبي شيبة ٨/ ٦١١، والبيهقى في الشعب (٩٠٩٥) من طريقين عن ابن عمر، نحوه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٦٣١، وابن أبي الدنيا في الصمت (٣٠٧)، وفي مداراة الناس (١٠٥)، وأبو يعلى (١٥٣٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٠ (٥٧٢٥) من طريق حميد به. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (١١٠٧) من طريق سماك به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٨ إلى ابن المنذر. وفي رواية سماك عن عكرمة اضطراب. وينظر مجمع الزوائد (٨/ ٤١).\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حدَّثنا بشر بن معاذ قال: حدَّثنا يزيد قال حدَّثنا سعيد عن قتادة في قوله: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها للمسلمين أوردوها على أهل الكتاب\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢١ (٥٧٢٧، ٥٧٣٠) من طريق سعيد به.","vol":"7","page":275},{"text":"بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾. يقولُ: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ أي على المسلمين، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ على أهلِ الكتابِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. قال: قال أبي: حَقٌّ على كلِّ مسلمٍ حُيِّىَ بتحيةٍ أن يُحَيِّىَ بأحسَنَ منها، وإذا حَيَّاه غيرُ أهلِ الإسلامِ، أن يَرُدَّ عليه بمثلِ ما قال.\nوأَوْلى التأويلَين بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: ذلك في أهلِ الإسلامِ. ووَجَّه معناه إلى أن يَرُدُّ السلام على المُسْلِم إذا حَيَّاه تَحيَّةً أحسَنَ مِن تَحيَّتِه أو مثلَها. وذلك أن الصَّحاحَ مِن الآثارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ، [أنه قال: \"إذا سلَّم عليكم أهلُ الكتابِ فقولوا: وعليكم\" (^١). فبيَّن ﷺ] (^٢) أنه واجبٌ على كلِّ مسلمٍ ردُّ تحيةِ كلِّ كافرٍ بأحسنَ مِن تَحيَّتِه. وقد أمَر اللهُ جلّ ثناؤه بِرَدِّ الأحسَنِ أو المِثْلِ في هذه الآيةِ، مِن غيرِ تمييزٍ منه بينَ المُسْتَوجِبِ ردَّ الأحسنِ من تحيتِه عليه، والمردودِ عليه مثلُها، بدلالةٍ يُعْلَمُ بها صحةُ قولِ مَن قال: عَنَى برَدِّ الأحسنِ المُسْلِمَ، وبرَدِّ المِثْلِ أهلَ الكفرِ.\nفالصوابُ - إذا لم يكنْ في الآيةِ دلالةٌ على صحةِ ذلك، [ولا جاء بصحتِه] (^٣) أثرٌ لازمٌ عن الرسولِ ﷺ أن يكونَ الخيارُ في ذلك إلى المُسلَّمِ عليه؛ بينَ (^٤) رَدَّ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١٩/ ١٤ (١١٩٤٨)، والبخارى (٦٢٥٨)، ومسلم (٢١٦٣) من حديث أنس.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ولا بصحة\"، وفى م: \"ولا بصحته\".\n(^٤) في الأصل: \"من\".","vol":"7","page":276},{"text":"الأحسنِ أو المثلِ، إلا في الموضعِ الذي خَصَّ شيئًا من ذلك سُنَّةٌ مِن رسولِ اللهِ ﷺ، فيكونُ مُسَلَّما لها، وقد خَصَّتِ السُّنَّةُ أهل الكفرِ بالنَّهْى عن رَدَّ الأحسنِ مِن تحيتِهم عليهم أو مثلِها، إلا بأن يُقالَ: وعليكم. فلا ينبغي لأحدٍ أن يَتَعدَّى ما حَدَّ في ذلك رسولُ اللهِ ﷺ، فأما أهلُ الإسلامِ فإنّ لمَن سُلِّم عليه منهم في الردِّ مِن الخيارِ ما جعَل اللهُ له من ذلك.\nوقد رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ في تأويلِ ذلك بنحوِ ما قلنا خَبَرٌ.\nوذلك ما حدَّثني موسى بنُ سهلٍ الرَّمْلِيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ السَّرِيِّ الأنْطَاكِيُّ، قال: ثنا هشامُ بن لاحقٍ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن أبي عثمانَ النَّهْدِيِّ، عن سَلْمانَ الفارسيِّ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: السلامُ عليك يا رسولُ اللهِ. فقال: \"وعَلَيكَ ورحمةُ اللهِ\". ثم أتى آخَرُ فقال: السلامُ عليك يا رسولَ اللهِ ورحمةُ اللهِ. فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: \"وعَلَيك ورحمةُ اللهِ وَبَرَكاتُه\". ثم جاء آخَرُ فقال: السلامُ عليك يا رسولَ اللهِ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه. فقال له: \"وعَلَيكَ\". فقال له الرجلُ: يا نبيَّ الله، بأبي أنت وأمى، أتاك فلانٌ وفلانٌ، فَسَلَّما عليك، فرَدَدْتَ عليهما أكثر مما رَدَدْتَ عليَّ؟ فقال: \"إنكَ لم تَدَعْ لنا شيئًا، قال اللهُ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. فرَدَدْناها عليكَ\" (^١).\nفإن قال قائلٌ: أفواجبٌ رَدُّ التَّحِيةِ على ما أمَر اللهُ في كتابِه؟ قيل: نعم، وبه كان يقولُ جماعةٌ من المُتَقدِّمِين.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٠، ١٠٢١ (٥٧٢٦) من طريق الأنطاكي به، وأخرجه أحمد في الزهد - كما في الدر المنثور ٢/ ١٨٨ - ومن طريقه الطبراني (٦١١٤) عن هشام بن لاحق به. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٣٣ هشام بن لاحق قواه النسائي وترك أحمد حديثه. وينظر الميزان ٤/ ٣٠٦. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٨ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"7","page":277},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2105>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا ابن المُباركِ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: أخبَرني أبو الزُبيرِ أنه سمِع جابرَ بن عبدِ اللهِ يَقولُ ما رأيتُه إلا يُوجِبُه قولَه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (^١).\nحدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أَخْبَرَنا ابن المُبارَكِ، عن سُفيانَ، عن رجلٍ، عن الحسنِ قال: السلامُ تَطوُّعٌ، والردُّ فَريضةٌ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2106>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جل ثناؤُه: إن الله كان على كلِّ شيءٍ مما تَعْمَلون أيُّها الناسُ مِن الأعْمالِ، من طاعةٍ ومعصيةٍ، حَفيظًا عليكم، حتى يُجازِيَكم بها جَزاءه.\nكما حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿حَسِيبًا﴾. قال: حَفيظًا (^٣).\nوأصْلُ الحَسِيبِ في هذا الموضعِ عندى فَعِيلٌ مِن الحسابِ، الذي هو في معنى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٠٩٥) عن محمد بن مقاتل عن ابن المبارك به. وينظر صحيح الأدب المفرد (٨٣٣).\n(^٢) أخرجه البخارى في الأدب المفرد (١٠٤٠) من طريق سفيان عن هشام عن الحسن به. وينظر صحيح الأدب المفرد (٧٩٤).\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٨٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣٠/ ١٠٢١ (٥٧٣٢)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٨٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"7","page":278},{"text":"الإحْصاءِ، يُقالُ منه: حاسَبْتُ فلانًا على كذا وكذا، وفلانٌ يُحاسِبُه (^١) علي وكذا وكذا، فهو حَسِيبُه، وذلك إذا كان صاحبَ حِسابِه.\nوقد زعَم بعضُ أهلِ البصرةِ من أهلِ اللغةِ، أن معنى الحَسيبِ في هذا الموضعِ: الكافِى، يُقالُ منه: أَحْسَبَنى الشيء يُحْسِبُنى إحْسابًا، بمعنى: كفاني، من قولهم: حَسْبي كذا وكذا.\nقال أبو جعفر ﵀: وهذا غلطٌ مِن القولِ وخطأٌ، وذلك أنه لا يُقالُ في \"أَحْسَبَنى (^٢) الشيءَ\": أحْسَبَنى (^٢) على الشيءِ فهو حَسِيبٌ عليه، وإنما يُقالُ: هو حَسْبُه وحَسِيبُه، واللهُ يقولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾.\n\n<span id=\"aya-580\"></span><span data-type='title' id=toc-2107>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾: المَعْبودُ الذي لا تَنْبَغى العُبودَةُ إلا له هو، الذي له عِبادةُ كلِّ شيءٍ، وطاعةُ كلٌ طائعٍ.\nوقولُه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يقولُ: ليَبْعَثَنَّكُم مِن بعدِ مَماتِكم، فلَيَحْشُرَنَّكم جميعًا إلى موقفِ الحسابِ الذي يُجازى الناسَ فيه بأعْمالِهم، ويَقْضِى فيه بينَ أهلِ طاعتِه ومعصيتِه، وأهلِ الإيمانِ به والكفرِ، ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، يقولُ: لا شكَّ في حقيقةِ ما أَقولُ لكم مِن ذلك، وأُخْبِرُكم من خبرِى، بأنِّي جامِعُكم إلى يومِ القيامةِ بعدَ مَماتِكم. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، يعنى بذلك: فاعْلَموا حقيقةَ ما أَخْبرتُكم مِن الخبرِ، فإنِّي جامِعُكم إلى يومِ القيامةِ للجَزاءِ والعَرْضِ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حاسبه\".\n(^٢) في النسخ: \"أحسبت\". والمثبت ما يقتضيه السياق.","vol":"7","page":279},{"text":"والحسابِ والثوابِ والعقابِ يقينًا، فلا تَشُكُّوا في صحتِه، ولا تَمْتَرُوا في حقيقتِه، فإن قولِى الصدقُ الذي لا كَذِبَ فيه، ووَعْدى الحقُّ (^١) الذي لا خُلْفَ له. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. يقولُ: وأيُّ ناطقٍ أصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا، وذلك أن الكاذبَ إنما يَكْذِبُ ليَجْتَلِب بكذبِه إلى نفسِه نفعًا، أو يَدْفَعَ عنها ضَرًّا، واللهُ تعالى ذكرُه خالقُ الضَّرِّ والنفعِ، فغيرُ جائزٍ أن يَكونَ منه كذبٌ؛ لأنه [لا يَدْعُو إلى ذلك اجْتِلابُ نفعٍ به، ولا دفعُ ضَرٍّ عن نفسِه، وإنّما يجوزُ ذلك على مَن دونَه، فمنَ ذا الذي لا يحتاجُ إلى اجتلابِ نفعٍ إلى] (^٢) نفسِه، أو دفعِ ضَرٍّ عنها سواه تعالى ذكرُه، فيَجوزَ أن يَكونَ له في اسْتِحالةِ الكذبِ منه نظيرٌ؟ أو مَن أَصْدَقُ مِن الله حديثًا وخبرًا؟\n\n<span id=\"aya-581\"></span><span data-type='title' id=toc-2108>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾: فما شأنُكم أيُّها المؤمنون في أهلِ النِّفاقِ فِرْقتَين (^٣) مُخْتلِفتَين. ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾، يعنى بذلك: واللهُ رَدَّهم إلى أحكامِ أهلِ الشركِ في إباحةِ دمائهم، وسَبْي ذَراريِّهم، [﴿بِمَا كَسَبُوا﴾، يعنى: بما كذَبوا الله ورسولَه، وكفَروا بعدَ إسلامِهم] (^٤).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الصدق\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لا يدعوه إلى اجتلاب نفع ولا دفع ضر عن\"، وفى م: \"لا يدعوه إلى اجتلاب نفع إلى\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فئتين\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"7","page":280},{"text":"والإرْكاسُ الردُّ، ومنه قولُ أُميةَ بن أبي الصَّلْتِ الثقَفِيِّ (^١):\nفأُرْكِسوا في حَمِيم النارِ أَنَّهُمُ … كانوا عُصاةً وقالوا الإفْكَ والزُّورَا\nيقال منه: أَرْكسَهم ورَكَسَهم.\nوقد ذُكِر أنها في قراءةِ عبدِ اللهِ وأُبَيٍّ: (واللهُ ركَسَهم) بغيرِ ألفٍ (^٢).\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين نزَلَت فيهم هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزلَت في اختلافِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في الذين تخَلَّفوا عن رسولِ اللهِ ﷺ يومَ أُحدٍ، وانْصَرَفوا إلى المدينةِ، وقالوا لرسولِ اللهِ ﷺ ولأصحابِه: لو نعلَمُ قتالًا لاتَّبَعْناكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2109>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الفضلُ بنُ داودَ (^٣) الواسطيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، عن شعبةَ، عن عديِّ بن ثابتٍ، قال: سمعْتُ عبدَ اللهِ بنَ يزيدَ الأنصاريَّ يُحَدِّثُ عن زيدِ بن ثابتٍ، أن النبيَّ ﷺ لمَّا خرَج إلى أُحدٍ، رجَعَت طائفةٌ ممَّن كان معه، فكان أصحابُ النبيِّ ﷺ فيهم فرقتَيْن؛ فرقةٌ تَقولُ: نَقْتُلُهم. وفرقةٌ تقولُ: لا. فنزَلَت هذه الآيةُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ الآية. قال رسولُ اللهِ ﷺ في المدينة: \"إنها طَيْبةُ، وإنها تَنْفِى خَبَثَها كما تَنْفِى النارُ خَبَثَ الفِضَّةِ\" (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثنا شعبةُ، عن عديِّ بن\n_________\n(^١) ديوانه ص ٤٩.\n(^٢) وهي قراءة شاذة. ينظر تفسير القرطبي ٥/ ٣٠٧.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣ س: \"زياد\"، وينظر الجرح والتعديل ٧/ ٦٢، وتاريخ واسط ص ٢٤٢.\n(^٤) أخرجه الطيالسي (٦٠٧، ٦٠٨ - طبعتنا)، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٢، ١٠٢٣ (٥٧٣٩). وأخرجه أحمد ٥/ ١٨٤، ١٨٧، ١٨٨، ٢٨٧ (الميمنية)، وعبد بن حميد (٢٤٢)، والبخارى (١٨٨٤، ٤٠٥٠، ٤٥٨٩)، ومسلم (١٣٨٤)، (٢٧٧٦)، والترمذى (٣٠٢٨)، والنسائي في الكبرى (١١١١٣) كلهم من طرق عن شعبة به.","vol":"7","page":281},{"text":"ثابتٍ، عن عبدِ اللهِ بن يزيدَ، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ، فذكَر مثلَه (^١).\nحدَّثني زُرَيقُ بنُ السَّخْتِ، قال: ثنا شَبَابِةُ، [حدَّثنا شعبةُ] (^٢)، عن عديِّ بن ثابتٍ، عن عبدِ اللهِ بن يزيدَ، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: ذكَروا المنافقين عندَ النبيِّ ﷺ، فقال فريقٌ: نَقْتُلُهم. وقال فريقٌ: لا تَقْتُلُهم. فأنْزَل اللهُ ﵎: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٣).\nوقال آخرون: بل نزَلَت في اختلافٍ كان بينَ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في قومٍ كانوا قدِموا المدينة من مكةَ، فأظهروا للمسلمين أنهم مُسلمون، ثم رجَعوا إلى مكةَ، فأظْهَرُوا لهم الشرك.\n\n<span data-type='title' id=toc-2110>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾. قال: قومٌ خرجوا مِن مكةَ حتى أتَوُا المدينةَ يَزْعُمون أنهم مُهاجرون، ثم ارْتَدُّوا بعد ذلك، واسْتَأْذَنوا النبيَّ ﷺ إلى مكة ليَأْتُوا ببَضائعَ لهم يَتَّجرون فيها، فاخْتَلَف فيهم المؤمنون، فقائلٌ يقولُ: هم مُنافِقون. وقائلٌ يقولُ: هم مؤمنون. فبيَّن اللهُ نفاقَهم، فأمرَ بقتالِهم، فجاءوا ببَضائعِهم يُرِيدون المدينةَ، فلقيهم [عليُّ بنُ عُوَيْمِرٍ أو] (^٤) هلالُ بنُ عُوَيْمرٍ الْأَسْلَمِيُّ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٤٠٦ عن أبي أسامة به.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وفى الأصل: \"حدَّثنا سعيد\". وما في الأصل تحريف. والمثبت هو الصواب، فمدار الحديث على شعبة.\n(^٣) أخرجه الطحاوى في المشكل (٥١٧٢) من طريق شبابة، عن شعبة به.\n(^٤) سقط من: م، وفى الأصل: \"على بن عويمر و\".","vol":"7","page":282},{"text":"وبينَه وبينَ النبيِّ ﷺ حِلْفٌ، وهو الذي حَصِر صدرُه أن يُقاتِلَ المؤمنين أو يُقاتِلَ قومه، فدفَع عنهم بأنهم يؤمُّون (^١) هلالًا، وبينَه وبينَ النبيِّ ﷺ عَهْدٌ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ بنحوِه، غيرَ أنه قال: فبيَّن اللهُ نفاقَهم، وأمَر بقتالِهم، فلم يُقاتَلوا يومَئذٍ، فجاءوا ببَضائِعهم يُرِيدون هلالَ بنَ عُوَيمرٍ الأَسْلَميَّ، وبينَه وبينَ رسولِ اللهِ ﷺ حِلْفٌ [وقال أيضًا: فدفَع عنهم بأنَّهم يؤمُّون هلالًا، وبينَه وبين رسولِ اللهِ ﵇ حِلْفٌ] (^٣) (^٤).\nوقال آخرون: بل كان اختلافُهم في قومٍ من أهلِ الشركِ، كانوا أظْهَروا الإسلامَ بمكةَ، وكانوا يُعِينون المُشْرِكين على المسلمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-2111>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾: وذلك أن قومًا كانوا بمكةَ قد تَكَلَّموا بالإسلامِ، وكانوا يُظاهرون المشركين، فخرَجوا من مكةَ يَطْلُبون حاجةً لهم، فقالوا: إن لِقينا أصحابَ محمدٍ فليس علينا منهم بأسٌ. وأن المؤمنين لما أُخبِروا أنهم قد خرَجوا من مكةَ، قالت فئةٌ مِن المؤمنين: ارْكَبوا إلى الخُبْثَاءِ فَاقْتُلُوهم، فإنهم يُظاهرون عليكم عدوَّكم. وقالت فئةٌ أخرى مِن المؤمنين: سبحانَ اللهِ - أو كما قالوا - تقْتُلون قومًا قد تكَلَّموا بمثلِ ما تكَلَّمْتُم به، مِنْ أَجْلِ أنهم لم يُهاجِروا\n_________\n(^١) في م: \"يؤمنون\". ومعنى يؤمون: يقصدون.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٨٨ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٤ (٥٧٤٤)، والطحاوي في المشكل (٥١٧٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص: \"عهد\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"7","page":283},{"text":"ويَتْرُكوا ديارَهم؟ تُسْتَحَلُّ دماؤُهم وأموالُهم لذلك؟ فكانوا كذلك فتتين، والرسولُ ﵊ عندَهم لا يَنْهَى واحدًا من الفريقين عن شيءٍ، فنزَلَت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا بشر بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الآيةَ: ذُكِر لنا أنهما كانا رجلَينْ مِن قريشٍ، كانا مع المشركين بمكةَ، وكانا قد تكلَّما بالإسلامِ، ولم يُهاجِرا إلى النبيِّ ﷺ، فلقِيَهما ناسٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، وهما مُقْبِلان من مكة، فقال بعضُهم: إن دماءهما وأموالَهما حَلالٌ. وقال بعضُهم: لا تَحِلُّ لكم. فتشاجَروا فيهما، فأنْزَل اللهُ في ذلك: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ حتى بلغ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسم [قال: حدَّثنا الحسينُ] (^٣)، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرِ بن راشدٍ، قال: بلَغَنى أن ناسًا مِن أهلِ مكةَ كتَبوا إلى النبيِّ ﷺ أنهم قد أسْلَموا، وكان ذلك منهم كذبًا، فلقُوهم، فاخْتَلَف فيهم المسلمون، فقالت طائفةٌ: دماؤُهم حلالٌ. وقالت طائفةٌ: دماؤهم حَرامٌ. فأنزَل اللهُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أَبا مُعاذٍ، يقولُ: أَخْبَرَنَا عُبيدٌ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٣ (٥٧٤١) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ١٦٢، ٢٥/ ١٠٩.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٠ إلى المصنف.","vol":"7","page":284},{"text":"قال: سمِعْتُ الضَّحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾: هم ناسٌ تخَلَّفوا عن نبيِّ اللهِ ﷺ، وأقاموا بمكةَ، وأعْلَنوا الإيمانَ، ولم يُهاجِروا، فاخْتَلَف فيهم أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ، فتوَلَّاهم ناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، وتبرَّأَ مِن وَلايتِهم آخرون، وقالوا: تخَلَّفوا عن رسولِ اللهِ ﷺ، ولم يُهاجروا. فسمَّاهم اللهُ مُنافِقِين، وبرَّأ المؤمنين من وَلايتِهم، وأمَرهم ألَّا يَتَوَلَّوْهم حتى يُهاجروا (^١).\nوقال آخرون: بل كان اخْتلافُهم في قومِ كانوا بالمدينةِ أرادوا الخروجَ عنها نِفاقًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2112>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾. قال: كان ناسٌ من المنافقين أرادوا أن يَخْرُجوا من المدينةِ، فقالوا للمؤمنين: إنَّا قد أصابَنا أوْجاعٌ في المدينةِ واتَّخَمْناها (^٢)، فلعلَّنا أن نَخْرُجَ إِلى الظَّهْرِ (^٣)، حتى نَتَماثَلَ ثم نَرْجِعَ، فإنا كنا أصحابَ بَرِّيَّةٍ. فانْطَلَقوا. فاخْتَلَف فيهم أصحاب النبيِّ ﷺ، فقالت طائفةٌ: أعداءُ الله منافقون، ودِدْنا أن رسول اللهِ ﷺ أذِن لنا فقاتَلْناهم. وقالت طائفةٌ: لا، بل إخْوانُنا غمَّتْهم (^٤) المدينةُ، فاتَّخَموها، فخرَجوا إلى الظُّهْرِ يَتَنَزَّهون، فإذا برَءوا رجَعوا. فقال اللهُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾. يقولُ: ما لكم\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٠، ١٩١ إلى المصنف.\n(^٢) اتخمناها: استثقلناها.\n(^٣) الظهر: ما غلظ من الأرض وارتفع. التاج (ظ هـ ر).\n(^٤) في م، س: \"تخمتهم\".","vol":"7","page":285},{"text":"تكونون فيهم فئتين، ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ (^١).\nوقال آخَرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ في اختلافِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في أمر أهلِ الإفْكِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2113>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ حتى بلَغ: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. قال: هذا في شأنِ ابن أُبَيٍّ حينَ تكَلَّم في عائشةَ بما تكَلَّم بِه.\n[وحدثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: إنّ هذه الآيةَ أُنزِلت حينَ أُنزِلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، فقرأ حتى بلَغ: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^٢). فقال سعدُ بنُ مُعَاذٍ: فإني أَبْرَأُ إِلى اللهِ وإلى رسولِه [من فئتِه] (^٣). يُرِيدُ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ ابنَ سَلُولَ (^٤).\nوأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ في ذلك قولُ مَن قال: نزَلت هذه الآيةُ في اخِتلافِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في قومٍ كانوا ارْتَدُّوا عَن الإسلامِ بعدَ إسلامِهم، مِن أهلِ مكةَ. وإنما قلْنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن اختلافَ [أهلِ التأويلِ في ذلك إنما هو على (^٥) قولين؛ أحدهما] (^٦): أنهم قومٌ كانوا مِن أهلِ مكةَ على ما قد\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٤ عقب الأثر (٥٧٤٢) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"منه\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩١ إلى المصنف، وينظر التبيان ٣/ ٢٨٢.\n(^٥) بعده في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أحد\".\n(^٦) في م: \"ذلك إنما هو على قولين التأويل في أحدهما\".","vol":"7","page":286},{"text":"ذكرْنا الروايةَ عنهم. والآخرُ: أنهم قومٌ كانوا مِن أهلِ المدينةِ.\nوفى قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أوْضَحُ الدليلِ على أنهم كانوا مِن غيرِ أهلِ المدينةِ؛ لأن الهجرةَ كانت على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ إلى دارِه ومدينتِه من سائرِ أرضِ الكفرِ، فأمَّا مَن كان بالمدينةِ في دارِ الهجرة مُقيمًا من المنافقين وأهلِ الشركِ، فلم يَكُنْ عليه فرضُ هجرةٍ؛ لأنه في دارِ الهجرةِ كان وطنُه ومُقامُه.\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في نصبِ قولِه: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ فقال بعضُهم: هو منصوبٌ على الحالِ، كما تَقولُ: \"مالك قائمًا\". بمعنى ما لك في حالِ القيامِ، وهذا قولُ بعضِ البصريين.\nوقال بعضُ نحويي الكوفيين: هو منصوبٌ على فعلِ \"مالك\". قال: ولا تُبالِ كان المنصوبُ في \"ما لَك\" معرفةً أو نكرةً. قال: ويَجوزُ في الكلامِ أن تَقولَ: ما لَك السائرَ معنا. لأنه كالفعلِ الذي يُنْصَبُ بـ \"كان\" و\"أَظُنُّ\" وما أَشْبَهَهما. قال: وكلُّ موضعٍ صلَحَت فيه فعَل ويَفْعَلُ مِن المنصوبِ جاز نصْبُ المعرفةِ منه والنكرةِ، كما يَنْصِبُ \"كان\" و\"أَظُنُّ\"؛ لأنهن نواقصُ في المعنى، وإن ظنَنْتَ أنهن تامَّاتٌ.\nوهذا القولُ أولى بالصوابِ في ذلك؛ لأن المطلوبَ في قول القائلِ: ما لَك قائمًا. القيامُ، فهو في مذهبِ كان وأخواتِها وأَظُنُّ وصَواحباتِها.\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾.\nاختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ فقال بعضُهم: معناه ردَّهم. كما قلنا.","vol":"7","page":287},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2114>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\n[حدَّثنا القاسمُ قال: حدَّثنا الحسين] (^١)، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ ردَّهم (^٢).\nوقال آخَرون: معنى ذلك: واللهُ أَوْقَعهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2115>ذُكر مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾: يقولُ: أَوْقَعهم (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: أضَلَّهم وأهْلَكهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2116>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قَتادةَ: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾: أَهْلَكَهم (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن قَتادةَ:\n_________\n(^١) في ص، م: \"حدَّثنا الحسن\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حدَّثنا الحسين\". وينظر تغليق التعليق ٤/ ١٩٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٥ (٥٧٤٧) من طريق ابن عطاء عن أبيه به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩١ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٣/ ١٠٢٥ (٥٧٤٥) عن أبيه عن أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩١ إلى ابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩١ إلى عبد الرزاق والمصنف وابن المنذر.","vol":"7","page":288},{"text":"﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾: أهلكهم بما عملوا (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾: [يقولُ: أَضلَّهم بما كسبوا (^٢).\nحدثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾] (^٣): أهْلكهم.\nوقد أتينا على البيان عن معنى ذلك قبلُ بما أغْنَى عن إعادتِه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-2117>القول في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤُه بقوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾: أتريدون أيُّها المؤمنون أن تهدوا إلى الإسلام، فتوفِّقوه للإقرار (^٥) به والدُّخول فيه، من أضَلَّه الله عنه. يعنى بذلك: مَن خَذَله الله عنه، فلم يُوَفِّقه للإقرار به؟\nوإنما هذا خطابٌ من الله تعالى ذكرُه للفئة التي دافعت عن هؤلاء المنافقين الذين وصف الله صفتهم في هذه الآية، يقول لهم جلَّ ثناؤُه: أتبغون هداية هؤلاء الذين أضلَّهم الله، فخذَلَهم عن الحقِّ [واتباع الإسلام] (^٦)، بمُدافعتكم عن قتالهم مَن أراد قتالهم من المؤمنين؟ ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾. يقولُ: ومَن\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٥ (٥٧٤٦) من طريق ابن مفضل به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) تقدم في ص ٢٨١.\n(^٥) في س: \"إلى الإقرار\".\n(^٦) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"واتباعه للإسلام\".","vol":"7","page":289},{"text":"يخذُله الله عن دينِه واتِّباع ما أمَرَ به؛ من الإقرار به وبنبيِّه محمد ﷺ وما جاء به من عندِه، فأضَلَّه عنه ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ﴾ يا محمدُ، ﴿سَبِيلًا﴾ يقولُ: فلن تَجِدَ له طريقًا تَهْدِيه فيه إلى إدراك ما خذَله الله [فأضله عنه] (^١)، ولا منهجًا يَصِلُ به (^٢) منه إلى الأمرِ الذي قد حرمه الوصول إليه.\n\n<span id=\"aya-582\"></span><span data-type='title' id=toc-2118>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾: تمَنَّى أيُّها المؤمنون، هؤلاء المنافقون الذين أنتم فيهم فئتان، أن تَكْفُرُوا فتَجْحَدُوا وَحْدانية ربِّكم، وتصديق نبيِّكم محمدٍ ﷺ، ﴿كَمَا كَفَرُوا﴾. يقولُ: كما جحَدوا هم ذلك، ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾. يقول: فتكونون كفَّارًا مثلَهم، وتَسْتَوُون أنتم وهم في الشرك بالله، ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. [يقول جل ثناؤه: فاستغشُّوهم، ولا تنصحُوهم، ولا تستنصروهم، ولا تتَّخِذُوا منهم وليًّا ولا نصيرًا ولا خليلًا مُصَافِيًا، ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾] (١) يقولُ: حتى يَخْرُجوا من دار الشرك، ويُفارقوا أهلها الذين هم بالله مُشْرِكون، إلى دار الإسلام وأهلها، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يعنى: في ابتغاء دينِ اللهِ، وهو سبيلُه، فيَصيروا عند ذلك مثلكم، ويَكونَ لهم حينئذٍ حُكْمُكم.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾: حتى يَصْنَعوا كما صنَعْتُم - يعنى الهجرة -\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"7","page":290},{"text":"[يقولُ: حتى يهاجرُوا] (^١) في سبيلِ اللَّهِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2120>القولُ في تأويلِ قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يعنى جلَّ ثناؤه بذلك: فإِنْ أدْبَر هؤلاء المنافقون عن الإقرار بالله ورسوله، وتَولَّوْا عن الهجرة من دار الشركِ إلى دار الإسلام، [وعن مفارقة أهل الكفر إلى الإسلام] (^٣)، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ أيُّها المؤمنون، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ من بلادهم وغير بلادهم، أين أصَبْتُموهم مِن أَرضِ اللَّهِ، ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. يقولُ: ولا تَتَّخِذُوا منهم خَليلًا يُواليكم على أموركم، ولا ناصرًا يَنصُرُكم على أعدائكم، فإنهم كفارٌ لا يألونكم خبالًا، وَدُّوا ما عنتُّم.\nوهذا الخبرُ من الله جل ثناؤُه إبانةٌ عن صحةِ نفاق الذين اخْتَلَف المؤمنون في أمرِهم، وتحذيرٌ لمن دافَع عنهم عن المُدافعة عنهم.\nوبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-2119>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾: فإن تَوَلَّوْا عن الهجرة\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٦ (٥٧٥١) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وعلى مفارقة الكفر إلى الإسلام\"، وفى س: \"صدقة\" بدلا من: \"مفارقة\"، وفى م: \"ومن الكفر إلى الإسلام\".","vol":"7","page":291},{"text":"﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. يقولُ: إذا أظْهَروا الكُفْرَ فاقْتُلُوهم حيث وجَدْتُموهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-583\"></span><span data-type='title' id=toc-2121>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾: فإن تولّى هؤلاء المنافقون الذين اخْتَلَفتم فيهم عن الإيمان بالله ورسولِه، وأبَوُا الهجرة، فلم يُهاجروا في سبيل الله، فخُذُوهم واقتُلوهم حيثُ وجدتُموهم، سوى من وصل منهم إلى قوم بينكم وبينهم موادعةٌ وعهدٌ وميثاقٌ، فدخلوا بينهم (^٣)، وصاروا منهم، ورضُوا بحكمهم، فإنَّ لمَن وصل إليهم (^٤) فدخل فيهم من أهلِ الشركِ راضيًا بحكمَهم حكمهم (^٥)؛ في حَقن دمائِهم بدخوله فيهم، و(^٦) ألَّا تُسبَى نساؤُهم وذَرارِيُّهم، ولا تُغْنَمَ أموالُهم.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. يقول: إذا أظهروا كفرهم فاقْتُلُوهم حيث وجدتُموهم، فإن أحدٌ منهم دخل في قومٍ بينكم وبينهم ميثاقٌ، فأجرُوا عليه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٦ (٥٧٥٣) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٦ (٥٧٥٤) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٣) في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فيهم\".\n(^٤) في الأصل: \"فيهم\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) سقط من: م.","vol":"7","page":292},{"text":"مثل ما تُجْرُون على أهلِ الذِّمَّةِ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. [قال: الذين] (^٢) يصلون إلى هؤلاء الذين بينكم وبينهم ميثاقٌ من القومِ، لهم من الأمانِ مثلُ ما لهؤلاء (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمة قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. قال: [نزَلَت في هلال بن عُوَيمِرٍ الأَسْلَميِّ، وسُراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ، وجَذِيمة (^٤) بن عامرٍ بن عبدِ مناةَ] (^٥) (^٦).\nوقد زعم بعضُ أهل العربية (^٧) أن معنى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ﴾: إلا الذين يَتَّصِلُون في أنسابهم لقوم بينكم وبينهم ميثاقٌ. من قولهم: اتَّصَل الرجلُ. بمعنى: انْتَمَى وانْتَسَب. كما قال الأَعْشَى في صفةِ امرأةٍ انْتَسَبَت إلى قومٍ (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٦ (٥٧٥٣) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) التبيان ٣/ ٢٨٥.\n(^٤) في الأصل، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خزيمة\"، وغير منقوطة في ص، وفى تفسير ابن أبي حاتم: \"بنى جذيمة\". وينظر جمهرة أنساب العرب ص ١٨٧.\n(^٥) سقط من: س.\n(^٦) في النسخ، وتفسير ابن أبي حاتم: \"مناف\". وينظر المصدر السابق.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٧ (٥٧٥٧) من طريق ابن جريج عن عكرمة عن ابن عباس به، نحوه.\n(^٧) مجاز القرآن لأبى عبيدة ١/ ١٣٦.\n(^٨) ديوانه ص ٨١.","vol":"7","page":293},{"text":"إذا اتَّصلت قالَتْ أبكر بن وائلٍ … وبَكْرٌ سبَتْها والأُنوفُ رَواغِمُ\nيعنى بقوله: اتَّصَلَت. انْتَسَبَت.\nولا وجهَ لهذا التأويل في هذا الموضعِ؛ لأن (^١) الانْتِسابَ إلى قومٍ مِن أهلِ المُوادعةِ والعَهْدِ، لو كان يُوجِبُ للمُنتَسِبين إليهم ما لهم، إذا لم يَكُنْ لهم مِن العهد والأمانِ [ما لمن له العهدُ والأمان منهم] (^٢) - لما كان رسولُ اللهِ ﷺ لِيُقاتِلَ قريشًا وهم أنسباءُ السابقين الأوَّلين، ولأهل الإيمان من الحقِّ بإيمانهم أكثرُ مما لأهل العهدِ بعهدِهم، وفى قتال رسولِ اللهِ ﷺ مُشْرِكى قريشٍ بتركها الدخول فيما دخل فيه أهلُ الإيمان منهم، مع قرب أنسابِهم من أنسابِ المؤمنين منهم - الدليلُ الواضحُ أن انتِسابَ مَن لا عهد له إلى ذى العهد منهم، لم يَكُنْ مُوجِبًا له من العهد ما لذي العهد منهم من انتسابه.\nفإن ظنَّ ذو غَفْلَةٍ أن قِتالَ النبيِّ ﷺ مَن قاتَل مِن أنْسِباء المؤمنين من مشركى قريشٍ، إنما كان بعدَ ما نُسخ قولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. فإنّ أهل التأويل أجمَعوا على أن ذلك نُسخ [\"ببراءة\"، و\"براءة\"] (^٣) نزَلَت بعدَ فتح مكةَ ودخول قريشٍ في الإسلامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2122>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يعنى بقوله جل ثناؤُه: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾: فإن تولَّوْا فَخُذُوهم واقتُلوهم حيث\n_________\n(^١) في الأصل: \"إلا\".\n(^٢) في م: \"ما لهم\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قراءة\".","vol":"7","page":294},{"text":"وجَدْتُموهم، إلا الذين يَصِلُون إلى قومٍ بينكم وبينَهم ميثاقٌ، أو: إلا الذين جاءوكم منهم قد حصِرَت صدورُهم عن (^١) أن يُقاتِلوكم أو يُقاتِلوا قومَهم، فدخَلوا فيكم.\nويعنى بقوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾: ضاقَت صدورهم عن (^١) أن يُقاتلوكم أو يُقاتلوا قومَهم. والعربُ تقولُ لكلِّ مَن ضاقَت نفسُه عن شيءٍ مِن فعلٍ أو كلامٍ: قد حصِرَ. ومنه الحَصَرُ في القراءةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-2123>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾. يقولُ: رجعوا فدخلوا فيكم، ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾. يقولُ: ضاقَت صدورُهم ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ (^٢).\nوفى قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾. متروكٌ تُرك ذكرُه لدَلالةِ الكلامِ عليه؛ وذلك أن معناه: أو جاءوكم قد حصرَت صدورُهم. فتُرك ذكرُ \"قد\"؛ لأن من شأنِ العربِ فعلَ مثلِ ذلك، تقولُ: أتاني فلانٌ ذهَب عقلُه. بمعنى: قد ذهَب عقلُه. ومَسْموعٌ منهم: أَصْبَحْتُ نظَرْتُ إلى ذاتِ التَّنانير (^٣). بمعنى: قد نظَرْتُ. ولإضمارِ \"قد\" مع الماضي جاز وضْعُ الماضي من الأفعالِ في مواضعِ (^٤)\n_________\n(^١) في الأصل: \"على\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٧، ١٠٢٨ (٥٧٥٨، ٥٧٦١) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٣) ذات التنانير: أرض بين الكوفة وبلاد غطفان. معجم ما استعجم ١/ ٣٢٠.\n(^٤) في م: \"موضع\".","vol":"7","page":295},{"text":"الحال؛ لأنّ \"قد\" إذا دخَلَت معه أذنَته من الحالِ، وأَشْبَهَتْهُ (^١) الأسماء.\nوعلى هذه القراءةِ - أعنى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ قراءةُ القَرَأةِ في جميعِ الأمصارِ، وبها يُقْرَأُ لإجماع الحُجَّة عليها (^٢).\nوقد ذُكر عن الحسن البصريِّ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (أو جاءُوكم حصِرَةً صدورُهم) (^٣). نصبًا [على الحال] (^٤). وهى صحيحةٌ في العربيةِ، فصيحةً، غيرَ أنها غيرُ جائزة القراءةُ عندى بها؛ لشُذوذها وخُروجِها من قراءةِ قَرَأَةِ أهل الإسلام.\n[حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: نا يونسُ بنُ محمدٍ، عن أبانٍ، عن قتادة: (أو جاءُوكم حَصِرَةً (^٥) صُدورُهم): أي كارهةً صدُورُهم] (^٤) (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-2124>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يعنى جل ثناؤُه بقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾: ولو شاء الله تسلَّط هؤلاء الذين يَصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاقٌ، فيَدْخُلون في جوارهم وذمَّتهم، والذين يَجِيئُونكم (^٧) قد حصرَت\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أشبهت\"، وفى م: \"وأشبه\".\n(^٢) معاني القرآن للفراء ١/ ٢٨٢، والبحر المحيط ٣/ ٣١٧.\n(^٣) هي قراءة الحسن ويعقوب. مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٣٤.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في الأصل، وتفسير ابن أبي حاتم: \"حصرت\" بالتاء المفتوحة، والمثبت ما ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٣١٧، والسيوطى في الدر المنثور، ٢/ ١٩١، ويؤيده تفسيره لها بقوله: كارهة.\n\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٨ (٥٧٦٢) من طريق سعيد عن قتادة وعزاه السيوطي في الدر المنشور ٢/ ١٩١، ١٩٢ إلى ابن المنذر.\n(^٧) في الأصل، ص، س: \"يحبونكم\".","vol":"7","page":296},{"text":"صدورُهم عن قتالِكم وقتال قومهم - عليكم أيُّها المؤمنون، فقاتَلوكم مع أعدائكم من المشركين، ولكنَّ الله تعالى ذكره كفَّهم عنكم. يقولُ جل ثناؤُه: فأطيعوا الذي أنعَم عليكم - بكفِّهم عنكم، مع سائر ما أنعَم به عليكم - فيما أمركم به من الكفِّ عنهم إذا وصلوا إلى قوم بينَكم وبينَهم ميثاقٌ، أو جاءُوكم حصرَت صدورُهم عن قتالِكم وقتالِ قومِهم. ثم قال جل ثناؤُه: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾. يقولُ: فإِن اعْتَزَلكم هؤلاء الذين أمَرْتُكم بالكفِّ عن قتالِهم من المنافقين، بدخولهم في أهل عهدكم، أو بمصيرهم إليكم حصِرةً (^١) صدورُهم عن قتالِكم وقتالِ قومِهم، ﴿فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾. يقولُ: وصالَحوكم. والسَّلَم هو الاستسلامُ. وإنما هذا مثلٌ، كما يقولُ الرجلُ للرجلٍ: أعطيتُك قيادى، وألقيتُ إليك خطامى إذا استسلم له وانقاد لأمره. فكذلك قولُه: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾. إنما هو: والْقَوْا إليكم قيادهم فاسْتَسْلَموا لكم؛ صلحًا منهم لكم وسَلَمًا. ومِن السَّلَمِ قولُ الطِّرِمَّاح (^٢):\nوذاك أن تميمًا غادَرَت سَلَمًا … للأشد كلَّ حَصانٍ وَعْنَةِ (^٣) اللَّبَدِ (^٤)\nيعنى بقوله: سَلَمًا: اسْتِسْلامًا.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-2125>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿فَإِنِ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حضرت\".\n(^٢) ديوانه ص ١٦١.\n(^٣) الوعثة: كثيرة اللحم، كأن الأصابع تسوخ فيها من لينها وكثرة لحمها. اللسان (وع ث).\n(^٤) في الأصل: \"الكبد\"، غير منقوطة، وفى الأصل المخطوط من الديوان: \"الكبد\". واللبد: جمع لبدة: وهى داخل الفخذ. التاج (ل ب د).","vol":"7","page":297},{"text":"اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾. قال: الصلحُ (^١).\nوأما قولُه: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾. فإنه يقولُ: إذا استسلم لكم هؤلاء المنافقون الذين وصف صفتَهم، صلحًا منهم لكم، ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾. أي: فلم يَجْعَلِ اللهُ لكم على أنفسِهم وأموالِهم وذراريِّهم ونسائِهم طريقًا إلى قتلٍ أو غنيمةٍ أو سباءٍ، بإباحةٍ منه ذلك لكم ولا إذْنٍ، فلا تَعَرَّضُوا لهم في ذلك إلا بسبيل (^٢) خيرٍ.\nثم نسخ الله جل ثناؤُه جميع حكم هذه الآية والتي بعدها بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-2126>ذكرُ مَن قال في ذلك مثلَ الذي قلنا فيه</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة والحسن قالا: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. وقال في المُمْتَحَنَةِ: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. وقال فيها: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٨ (٥٧٦٥) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"سبيل\".","vol":"7","page":298},{"text":"الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾. إلى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩،٨]. فنسَخ هؤلاء الآياتِ الأربع في شأن المشركين، فقال: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (^١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ١، ٢]. فجعل لهم أربعة أشهرٍ يسيحون في الأرضِ، وأبطلَ ما كان قبلَ ذلك، وقال في التي تليها: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾. ثم نسَخ واسْتَثنَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦].\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزَّاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادة: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾. قال: نسخها قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجُ بنُ المِنْهال، قال: ثنا هَمَّامُ (^٣) بنُ يحيى، قال: سمِعْتُ قتادة يقولُ في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. إلى قولِه: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾: ثم نَسَخ ذلك بعد في \"براءة\". وأمَر نبيَّه ﷺ أن يُقاتِل المشركين [حتى يشهدوا ألَّا إلهَ إلا الله، وأنّ محمدًا رسولُ الله، فقال] (^٤): ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٧ عقب الأثر (٥٧٥٦) معلقا.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٧، ومن طريقه أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٣٤٠، ٣٤١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٢ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في الأصل: \"هشام\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. وفى م: \"بقوله\".","vol":"7","page":299},{"text":"كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: هو ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ الآية. قال: نُسِخ هذا كلُّه جميعٌ (^٢)، نسَخَه الجهادُ، ضُرِب لهم أَجَلٌ؛ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، إمَّا أن يُسْلِموا، وإِمَّا أَن يَكونَ الجهادُ.\n\n<span id=\"aya-584\"></span><span data-type='title' id=toc-2127>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وهؤلاء فريقٌ آخَرُ مِن المنُافِقِين كانوا يُظهرون الإسْلامَ لرسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه؛ ليَأمَنوا به عندَهم من القتلِ والسّباءِ وأخذِ الأمْوالِ، وهم كُفَّارٌ، يَعْلَمُ ذلك (^٣) منهم قومُهم، إذا لَقُوهم كانوا معهم، وعبَدوا ما يَعْبُدُونه مِن دونِ اللهِ؛ ليَأمَنوهم على أنفسِهم وأموالِهم ونِسائِهم وذَرارِيِّهم، يَقولُ الله: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾. يَعْنى: كُلَّما دَعاهم قومُهم (^٤) إلى الشِّرْكِ باللَّهِ ارْتَدُّوا فصاروا مُشْرِكِين مثلَهم.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: هم ناسٌ كانوا مِن أهلِ مكةَ أسْلَمُوا على ما وصَفَهم الله به مِن التَّقِيَّةِ [وكانوا كُفَّارًا] (^٥)؛ ليَأْمَنوا عندَ هؤلاء وهؤلاء.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٨ (٥٧٦٤) من طريق همام به، وأخرجه النحاس في ناسخه ص ٢٤٠ من طريق سعيد بن أبى عروبة عن قتادة نحوه.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٣، س: \"أجمع\"، وفى ت ٢: \"جمع\".\n(^٣) بعده في الأصل: \"به\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في م: \"وهم كفار ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم، يقول الله: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾. يعنى: كلما دعاهم إلى الشرك بالله ارتدوا، فصاروا مشركين مثلهم\".","vol":"7","page":300},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2128>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثني عيسى، وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾. قال: ناسٌ كانوا يَأْتُونَ النبيَّ ﷺ فيُسْلمون رياءً، فيَرْجِعون (^١) إلى قريشٍ، فيَرْتَكِسون في الأوثانِ، يَبْتَغون بذلك أن يَأْمَنوا هاهنا وهاهنا، فأُمِر (^٢) بقتالِهم إن لم يَعْتَزِلوا ويُصْلِحوا (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾. يقولُ: كُلَّما أرادوا أن يَخْرُجوا مِن فِتْنَةٍ أُرْكِسوا فيها، وذلك أن الرجلَ كان يُوجَدُ قد تَكلَّم بالإسْلام، فيُقَرَّبُ إلى العُودِ والحَجَرِ (^٤) وإلى العَقْرَبِ والخُنْفَساءِ، فيَقولُ المُشْرِكون لذلك المُتَكَلِّم بالإسلامِ: قُلْ: هذا رَبَّى. للخُنْفَساءِ والعَقْرَبِ (^٥).\nوقال آخَرون: بل هم قومٌ مِن أهلِ (^٦) الشركِ، كانوا طلَبوا الأَمانَ مِن رسولِ الله ﷺ؛ ليَأمَنوا عندَه وعندَ أصحابِه وعندَ المشركين.\n_________\n(^١) في م: \"ثم يرجعون\".\n(^٢) بعدها في تفسير مجاهد: \"النبي ﷺ \".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٨٨ بنحوه. ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٩، ١٠٣٠ (٥٧٦٥، ٥٧٧٥). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في م: \"الجحر\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٩ (٥٧٧٠) عن محمد بن سعد به مختصرًا.\n(^٦) سقط من: الأصل.","vol":"7","page":301},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2129>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾: حَيٌّ كانوا بتِهامةَ، قالوا: يا نبيَّ الله، لا نُقاتِلُك ولا نُقاتِلُ قومَنا. وأرادوا أن يَأْمَنوا نبيَّ الله ﷺ ويأْمَنوا قومَهم، فأبَى الله عليهم ذلك، فقال الله: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾. يَقولُ: كُلَّما عرَضَ لهم بَلاءٌ هلَكوا فيه (^١).\nوقال آخَرون: نزَلَت هذه الآيةُ في نُعَيْمِ بن مسعودٍ الأشْجَعيِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2130>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: ثم ذكَر نُعَيْمَ بنَ مسعودٍ الأشْجَعيَّ، و(^٢) كان يَأْمَنُ في المشركين والمسلمين، بنقلِ (^٣) الحديثِ بين (^٤) النبيِّ ﷺ والمشركين، فقال: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ﴾. يقولُ: إلى الشركِ (^٥).\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾. فإنه كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾. قال: كُلَّمَا ابْتُلُوا بها عَمُوا فيها (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٩، ١٠٣٠ (٥٧٦٨، ٥٧٧١، ٥٧٧٣) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في الأصل: \"فقال\".\n(^٣) في م: \"ينقل\".\n(^٤) في الأصل: \"من\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٩ (٥٧٧٢، ٥٧٦٧) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣٠ (٥٧٧٤) من طريق ابن أبي جعفر به.","vol":"7","page":302},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كُلَّما عرَض لهم بَلاءٌ هلَكوا فيه.\nوالقولُ في ذلك ما قد بيَّنْتُ قبلُ، وذلك أن الفِتنةَ في كلامِ العربِ الاخْتِبارُ، والإرْكاسَ الرُّجوعُ (^١).\nفتأويلُ الكلامِ (^٢): كُلَّما رُدُّوا إلى الاخْتبارِ ليَرْجِعوا إلى الكفرِ والشركِ رجَعوا إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2131>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ أَيُّها المُؤْمِنون، هؤلاء الذين يُرِيدون أن يَأْمَنوكم ويَأْمَنوا قومَهم، وهم كُلَّما دُعُوا إلى الشركِ أجابوا إليه، ﴿وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾. يقولُ: ولم يَسْتَسْلِموا لكم (^٣) فيُعْطُوكم (^٤) المقادَ ويُصالحوكم - كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾. قال: الصُّلْحَ.\n﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾. يقولُ: ويَكُفُّوا أيديَهم عن قتالِكم، ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: فإن لم يَفْعَلُوا\n_________\n(^١) ينظر معنى الفتنة في ٢/ ٣٥٦، ٣٥٧، ومعنى الإركاس في ص ٢٨٠، ٢٨١.\n(^٢) في س: \"الآية\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"إليكم\".\n(^٤) في الأصل: \"فيعطوهم\".","vol":"7","page":303},{"text":"ذلك (^١) فخُذُوهم أين أصَبْتُموهم مِن الأرضِ ولقِيتُموهم فيها، فاقْتُلوهم، فإن دماءَهم لكم حينَئذٍ حَلالٌ، ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. يقولُ جل ثناؤُه: وهؤلاء الذين يُرِيدون أن يَأْمَنوكم ويَأْمَنوا قومَهم، وهم على ما هم عليه مِن الكفرِ، إن لم يَعْتَزِلُوكم، ويُلْقُوا إليكم السَّلَم، ويَكُفُّوا أيديَهم، جعَلْنا لكم عليهم (^١) حُجَّةً في قتلِهم أينما لقِيتُموهم؛ لمُقامِهم (^٢) على كفرِهم، وترْكِهم هِجْرةَ دارِ الشركِ، ﴿مُبِينًا﴾. يعنى: أنها تَبِينُ عن استحقاقِهم ذلك [منكم، وإصابتِكم] (^٣) الحقَّ في قتلِهم، وذلك قولُه: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. والسُّلْطانُ هو الحجة.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا قَبيصةُ، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن عكرمةَ، قال: ما كان في القرآنِ مِن سلطانٍ فهو حُجَّةٌ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: أمَّا السُّلْطانُ المبينُ فهو الحُجَّةُ (^٥).\n\n<span id=\"aya-585\"></span><span data-type='title' id=toc-2132>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بمقامهم\".\n(^٣) في الأصل: \"فيكم وأصابكم\".\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣٠ عقب الأثر (٥٧٧٨) معلقًا.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣٠ (٥٧٧٧) من طريق أحمد بن مفضل به.","vol":"7","page":304},{"text":"يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾: وما أذِن الله لمؤمنٍ ولا أباح له أن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا. يقولُ: ما كان ذلك له فيما جعَل له ربُّه وأذِن له فيه من الأشياءِ ألْبتةَ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾. يقولُ: ما كان له ذلك فيما أتاه مِن ربِّه مِن عَهْدِ اللَّهِ الذي عهِد إليه (^١).\nوأما قولُه: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾. فإنه يقولُ جل ثناؤُه: إلا أن المؤمنَ قد يَقْتُلُ المُؤْمنَ خَطأً، وليس ذلك (^٢) مما جعَل له ربُّه فأباحه له. وهذا من الاسْتِثْناء الذي تُسَمِّيه أهلُ العربيةِ الاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ، كما قال جَرِيرُ بنُ عَطِيَّة (^٣):\nمن البيضِ لم تَظْعَنْ بَعيدًا ولم تَطَأ … على الأرضِ إِلا [رَيْطَ بُرْدٍ] (^٤) مُرحَّلٍ (^٥)\nيعنى: ولم تَطَأْ على الأرضِ إلا أن تَطَأَ [ذَيْلَ البُرْدِ] (^٦). وليس ذيلُ البُرْدِ مِن الأرض (^٧).\nثم أخْبَر جل ثناؤُه عبادَه بحُكْمِ مَن قتل مِن المؤمنين مؤمنًا (^٨) خطأً، فقال: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. يقولُ: فعليه تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤمنةٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"له\".\n(^٣) ديوانه ٢/ ٩٤٥.\n(^٤) في الديوان: \"نير مرط\".\n(^٥) في الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مرجل\"، وفى س: \"موحل\". والمرحل: ضرب من برود اليمن، سمى مرحلا؛ لأن عليه تصاوير رحلَ اللسان (ر ح ل).\n(^٦) في الأصل: \"ريطة ذيل برد\".\n(^٧) ينظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١/ ٣١٧.\n(^٨) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"7","page":305},{"text":"في مالِه، ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾. تُؤَدِّيها عاقِلتُه ﴿إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾. يقول: إلا أن يَصَّدَّقَ أهلُ القتيلِ خَطأً على مَن لَزِمَته دِيَةُ قَتيلِهم، فيَعْفُوا عنه ويَتَجَاوَزوا عن [دِيَتِه، فتَسْقُطَ] (^١) عنه.\nومَوْضِعُ ﴿أَنْ﴾ في (^٢) قولهِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾. نَصْبٌ؛ لأن (^٣) معناه: فعليه ذلك إلا أن يَصَّدَّقوا.\nوذُكِر أن هذه الآيةَ نزلَت في عياشِ بن أبى رَبيعةَ المَخْزوميِّ، وكان قد (^٤) قتَل رجلًا مُسْلِمًا بعدَ إسْلامه، وهو لا يَعْلَمُ بإسلامِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2133>ذكرُ الآثار بذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾. قال: عَبَّاشُ بنُ أبى رَبيعَة قتَل رجلًا مؤمنًا كان يُعَذِّبُه مع أبى جهلٍ، وهو أخوه لأمِّه، فاتَّبَع النبيَّ ﷺ، وهو يَحْسَبُ أن ذلك الرجلَ كان كما هو، وكان عَيَّاشٌ هاجرَ إلى النبيِّ ﷺ مُؤْمنًا، فجاءه أبو جَهْلٍ وهو أخوه لأُمِّه، فقال: إِن أُمَّكَ تُناشِدُكَ رَحِمَها وحقَّها أن تَرْجِعَ إليها. وهى أسماءُ بنتُ مُخَرِّبَةَ (^٥)، فأقْبَل معه، فربَطه أبو جهلٍ حتى قدِم مكةَ، فلمَّا رآه (^٦) الكفارُ زادهم ذلك كفرًا وافْتِتانًا، وقالوا: إن أبا جهلٍ لَيَقْدِرُ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذنبه فىسقط\"، وفى س: \"ذنبه فسقط\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٣) في الأصل: \"إلا أن\".\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) في الأصل، م، ت ٢، ت ٣، س: \"مخرمة\"، وفى ت ١: \"محزمة\". وينظر جمهرة أنساب العرب ص ٢٣٠.\n(^٦) في الأصل: \"رأوه\".","vol":"7","page":306},{"text":"مِن محمدٍ [على ما يَشاءُ] (^١)، ويَأْخُذُ أصحابَه (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال في حديثِه: فاتَّبع النبيَّ ﷺ ذلك الرجلُ، وعَيَّاشٌ يَحْسَبُه (^٣) أنه كافرٌ كما هو، وكان عَيَّاشٌ هاجرَ إلى المدينةِ مؤمنًا، فجاءه أبو جهلٍ وهو أخوه لأُمِّه (^٤)، فقال: إن أُمَّك تَنْشُدُك برحِمِها وحقِّها إلا رجَعْتَ إليها. وقال أيضًا: يَأْخُذُ (^٥) أصحابَه فيَرْبِطُهم.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ (^٦) بنحوِه. قال ابن جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ: و(^٧) كان الحارثُ بنُ يزيدَ بن أُنَيْسَة (^٨) مِن بنى عامرِ بن لُؤَيٍّ يُعَذِّبُ عَيَّاشَ بنَ أبى ربيعةَ مع أبى جهلٍ، ثم خرَج (^٩) الحارثُ بنُ يزيدَ مُهاجِرًا إلى النبيِّ ﷺ، فلقِيه عَيَّاشٌ بالحرَّةِ، فعلاه بالسيفِ حتى سكَت (^١٠)، وهو يَحْسَبُ أنه كافرٌ، ثم جاء إلى النبيِّ ﷺ فَأَخْبَرَه، ونزَلَت: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ الآية. فقرَأَها عليه، ثم قال له: \"قُمْ فحَرِّرْ\" (^١١).\n_________\n(^١) في الأصل: \"كما يشاء\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٨٨، ٢٨٩. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣١ (٥٧٨١). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"حسبه\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لأبيه\".\n(^٥) في ص: \"ويأخذ\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فيأخذ\".\n(^٦) في الأصل: \"عامر\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قال\".\n(^٨) في الأصل: \"نميشة\"، وفى م، ت ٢، والدر المنثور: \"نبيشة\"، وفى ت ١، ت ٣، س: \"نبسه\"، وكذا في ص، ولكن بدون نقط. والمثبت من الجرح والتعديل ٣/ ٩٣، وأسد الغابة ١/ ٤٢٢.\n(^٩) بعده في الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال فكان\".\n(^١٠) أي سكن ومات. النهاية ٢/ ٣٨٣.\n(^١١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٢ إلى المصنف.","vol":"7","page":307},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾. قال: نزَلَت في عَيَّاشِ بن أبى رَبيعةَ المخَزْوميِّ، فكان أخًا لأبى جهلِ بن هشامٍ لأمِّه، وأنه أسْلَم وهاجَر مع (^١) المهاجِريِن الأوَّلِين قبلَ قدومِ رسول اللهِ ﷺ، فطلَبه أبو جهلٍ والحارثُ بنُ هشامٍ، وتَبعِهما (^٢) رجلٌ مِن بنى عامرِ بن لؤَيٍّ، فأَتَوْه بالمدينةِ، وكان عَيَّاشٌ أَحَبَّ إخوتِه إلى أمِّه، فكلَّموه وقالوا: إن أمَّك قد حلَفَت أن لا يُظِلُّها بيتٌ حتى تَراك، وهى مُضْطَجعةٌ في الشمسِ، فأتِها فَلْتَنْظُرُ (^٣) إليك ثم ارْجِعْ. وأَعْطَوْه مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لا يَهِيجونه (^٤) حتى يَرْجِعَ إلى (^٥) المدينةِ، فأعْطاه بعضُ أصحابِه بعيرًا له نَجيبًا، وقال: إن خِفْتَ منهم (^٦) شيئًا فاقْعُدْ على النَّجيبِ. فلما أَخْرَجوه من المدينةِ أخَذوه فأَوْثَقوه، وجلَده العامريُّ، فحلَف ليَقْتُلَنَّ العامريَّ، فلم يَزَلْ مَحْبوسًا بمكةَ حتى خرَج عامَ (^٧) الفتحِ، فاسْتَقْبَله العامريُّ وقد أسْلَمَ، ولا يَعْلَمُ عَيَّاشٌ بإسلامِه، فضرَبه فقتَلَه، فأنْزَل الله جل ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾. يقولُ: وهو لا يَعْلَمُ أنه مُؤْمِنٌ، ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ فيَتْرُكوا الدِّيَةَ (^٨).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"في\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"معهما\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لتنظر\".\n(^٤) في الأصل: \"يهيجوه\"، وفى م: \"يحجزونه\".\n(^٥) سقط من: الأصل.\n(^٦) في الأصل: \"منهما\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يوم\".\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣١ عقب الأثر (٥٧٨٢) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٢ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"7","page":308},{"text":"وقال آخرون: بل (^١) نزَلَت هذه الآيةُ في أبى الدَّرداءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2134>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ الآية كلّها. قال: [نزلت هذه] (^٢) الآية (^٣) في رجلٍ قتَله أبو الدَّرداءِ، [أُنْزِل هذا كلُّه فيه، كان] (^٤) في سَرِيَّةٍ، فعدَل أبو الدرداءِ إلى شِعْبٍ يُرِيدُ حاجةً له، فوجَد رجلًا مِن القومِ في غنمٍ له، فحمَل عليه بالسيفِ، فقال: لا إلهَ إلا الله. فبَدر (^٥) فضرَبه، ثم جاء بغنمهِ إلى القومِ، ثم وجَد في نفسِه شيئًا، فأتَى رسول الله ﷺ فذكَر ذلك له، فقال له رسولُ الله ﷺ: \"ألا شقَقْتَ عن قلبهِ؟ \" فقال: ما عسَيْتُ أن (^٦) أَجِدَ، هل هو يا رسولَ الله إلا دمٌ أو ماءٌ؟ قال: \"فقد (^٧) أخْبَرَك بلسانِه فلم تُصَدِّقْه؟ \" فقال: كيف بى (^٨) يا رسولَ الله؟ قال: \"فكيف بلا إلهَ إلا الله؟ \" قال: فكيف بى (^٩) يا رسولَ الله؟ قال: \"فكيف بلا إلهَ إلا الله؟ \". حتى تمنَّيْتُ أن يَكونَ ذلك مُبْتَدَأَ (^١٠) إسْلامى. قال: فنزَل القرآنُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ حتى بلَغ ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، م: \"نزل هذا\".\n(^٣) زيادة من: س.\n(^٤) في م: \"كانوا\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قال\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س\n(^٧) في الأصل: \"وقد\".\n(^٨) في الأصل: \"لى\".\n(^٩) سقط من: الأصل.\n(^١٠) في الأصل: \"اليوم منذ\".","vol":"7","page":309},{"text":"قال: إلا أن يَضعوها (^١).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يُقالَ: إن الله عرَّف عباده بهذه الآية ما على مَن قتَل مؤمنًا خطأً من كفَّارة وديةٍ، وجائزٌ أن تَكونَ الآيةُ هذه (^٢) نزَلَت في عيَّاش بن أبى ربيعة وقَتيِله، وفى أبى الدرداءِ وصاحبِه، وأيُّ ذلك كان، فالذى عنَى الله [بهذه الآية] (^٣) تعريفُ عباده ما ذكَرنا، وقد عرف ذلك [من عقل ذلك عنه من عباده كتابه وتنزيله] (^٤)، وغيرُ ضائِرِهم جهلُهم بمن نزَلَت فيه.\nوأما الرقبةُ المؤمنةُ، فإن أهلَ العلمِ مُخْتَلِفون في صفتِه (^٥)؛ فقال بعضُهم: لا تكونُ الرقبةُ مؤمنةً حتى تكونَ قد اختارَت الإيمانَ بعد بلوغها وصلَّت وصامَت، ولا يَسْتَحِقُّ الطفلُ هذه الصفةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2135>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن أبي (^٦) حَيَّانَ، قال: سأَلْتُ الشعبيَّ عن قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. قال: قد صلَّت وعرَفَت الإيمان (^٧).\n_________\n(^١) في الأصل: \"تضعوها\"، وفى س: \"يصدقوها\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٣ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بالآية\"، وفى س: \"به بالآية\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من عقل عنه عباده وتنزيله\"، وفى م: \"من عقل عنه من عباده تنزيله\".\n(^٥) في م: \"صفتها\".\n(^٦) في الأصل: \"ابن\". وينظر في تهذيب الكمال ٣١/ ٣٢٣.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣٢ (٥٧٨٨) من طريق سفيان الثورى عن أبي حيان به.","vol":"7","page":310},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾: يعنى بالمؤمنة من قد (^١) عقَل الإيمان وصام وصلَّى (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: ما كان في القرآن من رقبةٍ مؤمنةٍ، فلا يُجزئُ (^٣) إلا مَن صام وصلَّى، وما كان في القرآنِ من رقبةٍ ليست مؤمنةً، فالصبيُّ يُجزئُ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن يزيدَ بن هارونَ، عن هشام بن حسَّانَ، عن الحسن، قال: كلُّ شيءٍ في كتاب الله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، فمن صلَّى وصام وعقَل، وإذا قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. فما شاء (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاق، قال: أخْبرَنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآن: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. فالذى قد صلَّى، وما لم تَكُنْ مؤمنةً، فتحريرُ مَن لم يصلِّ (^٦).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾: والرقبةُ المؤمنةُ عند قتادةَ من قد صلَّى، وكان يَكْرَهُ أن يُعْتَقَ في هذا الطفلُ الذي لم يُصلِّ، ولم يَبْلُغْ ذلك (^٦).\nحدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ اليَربوعيُّ، قال: ثنا فُضَيْلُ بنُ عِياضٍ، عن مُغيرةَ، عن\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣٢ (٥٧٨٧) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٣ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في الأصل: \"يجزيه\"، وفى ت ١: \"تجزى\".\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣٢ عقب الأثر (٥٧٨٧) معلقا.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٨، وهو في مصنفه ٩/ ١٨١ (١٦٨٤٣).\n(^٦) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣٢ عقب الأثر (٥٧٨٨) معلقا.","vol":"7","page":311},{"text":"إبراهيم في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. قال: إذا عقل دينه (^١).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاقِ، عن مَعمر، عن قَتادةَ، قال: في [حرفِ أُبيٍّ] (^٢): (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ لَا يُجْزِئُ فيها صبيٌّ) (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى مُعاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾: يعنى بالمؤمنة مَن قد عقَل الإيمانَ وصام وصلَّى، فإن لم يجد رقبةً فصيامُ شهرَين مُتتابعين، وعليه ديةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهلِه، إلا أن يُتَصَدَّقَ (^٤) بها عليه (^٥).\nوقال آخرون: إذا كان مولودًا بين أبوين مسلمَين فهو مُؤمنٌ وإن كان طفلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2136>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ، قال: كلُّ رقبة وُلِدَت في الإسلام فهى تُجزِئُ (١).\nوأوْلَى [الأقوال في ذلك بالصواب] (^٦) قولُ مَن قال: لا يُجْزِئُ في قتل الخطأَ من الرِّقاب إلا من قد آمَن، وهو يَعْقِلُ الإيمان من بالغ (^٧) الرجال والنساء، إذا كان\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣٢ عقب الأثر (٥٧٨٨) معلقًا.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٩/ ١٧٩ (١٦٨٣١) عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يصدقوا\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣٢، ١٠٣٣ (١٧٨٧، ٥٧٩٣) من طريق عبد الله بن صالح به. وتقدم تخريج أوله في الصفحة السابقة.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت،٣ س: \"القولين بالصواب في ذلك\".\n(^٧) سقط من: م، ت ٢، وفى ص، ت ١، ت ٣: \"تابعى\".","vol":"7","page":312},{"text":"ممَّن كان أبواه على ملَّةٍ من الملل سوى الإسلام ووُلد [بينهما وهما] (^١) كذلك، ثم لم يُسلِما ولا واحدٌ منهما حتى أُعتِق في كفَّارة الخطأ. فأما مَن وُلد بين أبوين مسلمين، فقد أجْمَع الجميعُ مِن أهل العلمِ أنه وإن لم يَبْلُغ حدَّ الاختيارِ والتمييز، ولم يُدْرِك الحلُم، فمحكومٌ له بحكم أهل الإيمان في المُوارثة، والصلاة عليه إن مات، وما يَجِبُ عليه إن جَنَى، ويَجِبُ له إن جُنى عليه، وفى المُناكحةِ، فإذ كان ذلك من جميعِهم إجماعًا، فواجبٌ أن يكونَ له من الحكم فيما يُجْزِئُ فيه من كفارة الخطأ إذا أُعتِق فيها، من حكم أهلِ الإيمان - مثلُ الذي له من حكم الإيمان (^٢) في سائر المعانى التي [ذكرنا غيرها] (^٣). ومَن أَبَى ذلك عُكِس عليه الأمرُ فيه، ثم سُئِل الفرق بين ذلك من أصلٍ أو قياسٍ، فلن يقول في شيءٍ مِن ذلك قولًا إلا أُلْزِم في غيره مثله.\nوأما الديةُ المُسَلَّمةُ إلى أهل القَتيلِ، فهى المدفوعةُ إليهم على ما وجَب لهم، مُوَفَّرةً غيرَ مُنتَقَصةٍ حقوقُ أهلها (^٤) منها. وذُكر عن ابن عباسٍ أنه كان يقولُ: هي الموفرة.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباس قوله: (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ). قال: موفَّرةٌ (^٥).\nوأما قولُه: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾. فإنه يَعْنى به: إلا أن يَتَصَدَّقوا بالدَّية على القاتلِ أو على عاقلتِه. فأُدغمت التاءُ من قوله: يَتَصَدَّقوا. في الصادِ، فصارتا صادًا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يتيما وهو\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١: \"بمثل الذي له من حكم الإيمان\".\n(^٣) في م: \"ذكرناها وغيرها\".\n(^٤) في م: \"أهلهم\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٣ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"7","page":313},{"text":"مُشَدَّدةً (^١).\nوقد ذُكر أن ذلك في قراءةِ أُبيٍّ: (إلا أن يَتَصَدَّقوا).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا بكرُ بنُ الشَّرُودِ (^٢)، قال (^٣): في حرفِ أُبيٍّ: (إلا أنْ يَتَصَدَّقُوا) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-2137>القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.</span>\nقال أبو جعفر، ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: فإن كان هذا القتيلُ الذي قتَله المؤمنُ خطأً، ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾. يعنى: مِن عِدَادِ قومٍ هم (^٥) أعداءٌ لكم في الدِّينِ مشركون، [قد ناصبوكم] (^٦) الحربَ على خلافِكم على الإسلام، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. يقولُ: فإذا قتَل المسلمُ خطأً رجلًا مِن عِداد المشركين، والمقتولُ مؤمنٌ، والقاتلُ يَحْسَبُ أنه على كفرِه، فعليه تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وإن كان المقتولُ من قومٍ هم عدوٌّ لكم، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. أي: بينَ أَظْهِرِكم لم يُهاجِرْ، فقتله مؤمنٌ، فلا دية عليه، وعليه تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في الأصل: \"سرور\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٤ إلى المصنف.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) في ص، س: \"قد يأمنوكم\". وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لم يأمنوكم\".","vol":"7","page":314},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2138>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيان، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، والمغيرةِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. قالا (^١): هو الرجلُ يُسْلِمُ في دار الحرب فيُقْتَلُ. فقالا (^٢): ليس فيه ديةٌ، وفيه الكفارة (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. قال: يعنى المقتولَ يكونُ مؤمنًا وقومُه كفارٌ. قال: فليس له ديةٌ، ولكن [تحريرُ رقبةٍ] (^٤) مؤمنةٍ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو غَسَّانَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. قال: يكونُ الرجلُ مؤمنًا وقومُه كفارٌ، فلا ديةَ له، ولكن تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: في دار الحرب (^٧)،\n_________\n(^١) في النسخ: \"قال\". والمثبت من مصنف ابن أبي شيبة.\n(^٢) في الأصل: \"فقال\"، وفى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قال\". والمثبت ما يقتضيه السياق على ما أثبتناه من المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٤٢، ١٢/ ٤٦٥ عن يحيى بن سعيد القطان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٤ إلى ابن المنذر عن إبراهيم وحده نحوه.\n(^٤) في ص، ت ١، س: \"تجوز فيه رقبة\".\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣٤ عقب الأثر (٥٧٩٨) معلقا.\n(^٦) أخرجه البيهقى ٨/ ١٣١ من طريق إسرائيل به.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الكفر\".","vol":"7","page":315},{"text":"يقولُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. وليس له ديةٌ (^١).\nحدَّثنا بشرُ بن مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾: ولا ديةَ لأهلِه؛ من أجلِ أنهم كفارٌ، وليس بينهم وبين [نبيِّ الله ﷺ] (^٢) - عهدٌ ولا ذِمَّةٌ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، قال: أخْبرَنا عطاءُ بنُ السائب، عن [أبى عياضٍ] (^٤) أنه قال في قول الله جل ثناؤه: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إلى آخر الآية. قال: كان الرجلُ يُسْلِمُ، ثم يَأْتى قومه، فيُقِيمُ فيهم وهم مُشْرِكون، فيمرُّ بهم الجيشُ لرسولِ الله ﷺ، فيُقْتَلُ فيمن يُقْتَلُ، فيُعْتِقُ قاتلُه رقبةً، ولا دية له (^٥).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيم: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. قال: هذا إذا كان الرجلُ المسلمُ من قومٍ عدوٍّ و(^٦) ليس لهم عهدٌ، فقُتِل (^٧) خطأً، فإنما (^٨) على من قتله تحريرُ رقبةٍ مؤمنة (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣٤ عقب الأثر (٥٧٩٨) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الله\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٥، ١٦٨ عن معمر عن قتادة.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ \"ابن عياض\"، وفى م: \"ابن عباس\". وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٥٤٣.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٤ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر.\n(^٦) في م: \"لكم أي\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يقتل\".\n(^٨) في ص، م، ت ٢، س: \"فإن\".\n(^٩) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٨٢٨)، (٦٦٤ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٩/ ٤٤٣، ١٢/ ٤٦٥ عن جرير به.","vol":"7","page":316},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. يقولُ: فإن كان في أهل الحرب وهو مؤمنٌ، فقتله خطأ، فعلى قاتلِه أن يُكَفَّرَ بتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ، أو صيام شهرَين مُتتابعَين، ولا ديةً عليه (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: القتيلُ مسلمٌ وقومُه كفّارٌ، ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، ولا يُؤَدِّي إليهم الدية فيَتَقَوَّون بها عليكم.\nوقال آخرون: بل عُنى به الرجلُ من أهلِ الحرب يَقْدَمُ دار الإسلام، فيُسْلِمُ، ثم يَرْجِعُ إلى دار الحرب، فإذا مرَّ بهم الجيشُ من أهلِ الإسلام هرَب قومُه، وأقام ذلك المسلمُ بينهم (^٢) فيها، فيقْتُلُه (^٣) المسلمون وهم يَحسَبونه كافرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2139>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾: فهو المؤمنُ يكون في العدوِّ بين (^٤) المشركين، يَسْمَعون بالسَّرِيَّة من أصحابِ محمدٍ ﷺ، فيَفرُّون (^٥) ويَلبَثُ (^٦) المؤمنُ فيُقْتَلُ، ففيه تحريرُ\n_________\n(^١) ذكره البيهقى ٨/ ١٣١ عن علي بن أبى طلحة عن ابن عباس معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"منهم\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فقتله\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من\".\n(^٥) في ص، ت ١: \"فيقرون\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، والدر المنثور: \"يثبت\".","vol":"7","page":317},{"text":"رقبةٍ مؤمنةٍ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-2141>القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. أي (^٢): وإن كان القتيلُ الذي قتله المؤمنُ خطأ، ﴿مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ﴾ أيُّها المؤمنون، ﴿وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. أي: عهدٌ وذمةٌ، وليسوا أهل حربٍ لكم، ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾. يقولُ: فعلى قاتله ديةٌ مسلَّمةٌ إلى أهلِه يَتَحَمَّلُها (^٣) عاقلتُه، ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ كفارةً لقتله.\nثم اخْتَلَف أهل التأويل في صفة هذا القَتيلِ الذي هو من قوم بيننا وبينهم ميثاقٌ، أهو مؤمنٌ أم كافرٌ؟ فقال بعضُهم: هو كافرٌ، إلا أنه لزمت قاتلَه ديتُه؛ لأن له ولقومِه عهدًا، فوجب (^٤) أداءُ ديتِه إلى قومه للعهدِ الذي بينهم وبين المؤمنين، وأنها مالٌ مِن أموالهم، ولا يَحِلَّ للمؤمنين شيءٌ من أموالهم بغيرِ طِيبِ أنفسهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2140>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. يقولُ: إذا كان كافرًا في ذمتكم فقتِل، فعلى قاتله الديةُ مُسَلَّمَةٌ إلى أهلِه وتحريرُ رقبةٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٤ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في الأصل: \"فتحملها\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فواجب\".","vol":"7","page":318},{"text":"مؤمنةٍ، أو صيام شهرين مُتَتابعَيْن (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أيوبَ، قال: سَمِعْتُ الزهريَّ يقولُ: ديةُ الذميِّ ديةُ المسلمِ. قال: وكان يَتَأَوَّلُ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ، عن [عيسى بن أبي المغيرةِ] (^٣)، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. قال: مِن أهلِ العهدِ (^٤)، وليس بمؤمنٍ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن مَهْدِيٍّ، عَن هُشَيْمٍ، عَن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾: وليس بمؤمن.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾: بقتْلِه، أي بالذي أصاب مِن أهل ذمتِه وعَهْدِهِ، ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ﴾ الآية.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٢٨٧ عن ابن علية به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٨٤٩١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣٥ (٥٨٥٣) من طريق معمر وعقيل عن الزهري.\n(^٣) كذا في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. ولعله: عيسى بن أبى عزة، ابن عم الشعبي، أو عيسى بن المغيرة - وهو كذلك عند ابن أبي شيبة - لم يرو عنه سوى الثورى فيما قاله الذهبي. وفي الأصل: \"عيسى عن أبي المغيرة\". وفى الرواة عن الشعبي: مغيرة بن مقسم الضبي، والله أعلم.\n(^٤) في الأصل: \"العدل\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٤٤، ١٢/ ٤٦٥ عن ابن إدريس به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٤ إلى ابن المنذر.","vol":"7","page":319},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾. يقولُ: فأدُّوا إليهم الديةَ بالميثاقِ. قال: وأهلُ الذمةِ يَدْخُلُون في هذا، ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ الآية.\nوقال آخرون: بل هو مؤمنٌ، وعلى قاتلِه ديةٌ يُؤَدِّيها إلى قومِه مِن المشركين؛ لأنهم أهلُ ذمةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2142>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةً، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. قال: هذا الرجلُ المسلمُ وقومُه مشركون لهم عقدٌ، فتكونُ ديتُه لقومِه، ومِيراثُه للمسلمين، ويَعْقِلُ عنه قومُه، ولهم دِيتُه (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا ابن المُبارَكِ، عن هُشَيْمٍ، عن أبي إسحاقَ الكوفيِّ، عن جابرِ بن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. قال: وهو مؤمنٌ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن مَهْديٍّ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن يونُسَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. قال: [كلُّهم مؤمنٌ] (^٣).\n_________\n(^١) هو تتمة الأثر المتقدم تخريجه في ص ٣١٦.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) في م، والدر المنثور: \"هو كافر\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٤ إلى المصنف.","vol":"7","page":320},{"text":"وأولى القولين في ذلك بتأويلِ الآيةِ قولُ من قال: عنَى بذلك المقتولَ مِن أهلِ العهدِ؛ لأن الله أبْهَم ذلك، فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. ولم يَقُلْ: وهو مؤمنٌ. كما قال في القتيل من المؤمنين وأهلِ الحربِ، [إذ عنى المؤمنين] (^١): ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. فكان في تركِه وصفَه بالإيمانِ الذي وصَف به القتيلَيْن الماضيَ ذكرُهما قبلُ، الدليلُ الواضحُ على صحةِ ما قلْنا في ذلك.\nفإن ظنّ ظانٌّ أن في قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾. دليلًا على أنه مِن أهل الإيمانِ؛ لأن الديةَ عندَه لا تكونُ إلا لمؤمنٍ، فقد ظنَّ خطأً، وذلك أن ديةَ الذميِّ وأهلِ الإسلامِ سواءٌ؛ لإجماعِ جميعِهم على أن دِيَاتِ عبيدِهم الكفارِ وعبيدِ المؤمنين من أهلِ الإيمانِ سَواءٌ، فكذلك حكمُ دِياتِ أحْرارِهم سواءٌ. مع أن دياتِهم لو كانت على ما قال مَن خالَفَنا في ذلك، فجعَلها على النصفِ مِن دِياتِ أهلِ الإيمانِ، أو على الثلثِ، لم يَكُنْ في ذلك دليل على أن المعنيَّ بقولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. من أهلِ الإيمانِ؛ لأن ديةَ المؤمنةِ (^٢) لا خلاف بين الجميع - إلا من لا يُعَدُّ خلافًا - أنها على النصفِ مِن ديةِ المؤمنِ، وذلك غيرُ مُخْرِجها مِن أن تكونَ ديةً (^٣)، فكذلك حكمُ دياتِ أهلِ الذمةِ، لو كانت مُقَصِّرةً عن (^٤) دياتِ أهلِ الإيمانِ، لم يُخْرِجُها ذلك مِن أن تكونَ دياتٍ، فكيف والأمرُ في ذلك بخلافِه، ودياتُهم ودياتُ المؤمنين سَواءٌ.\nوأما الميثاقُ، فإنه العهدُ والذمةُ، وقد بيَّنا في غيرِ هذا الموضعِ أن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أو عنى المؤمن\".\n(^٢) في الأصل: \"المؤمن\".\n(^٣) في ص، س: \"ديته\".\n(^٤) في الأصل: \"على\".","vol":"7","page":321},{"text":"ذلك كذلك، والأصلَ الذي منه أُخِذ، بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-2143>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أَسْبَاطُ، عن السُّديِّ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. يقولُ: عهدٌ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. قال: هو المُعاهَدةُ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو غَسَّانَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾: عهدٌ (^٤).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ مثلَه.\nفإن قال قائلٌ: وما صفةُ الخطأِ الذي إذا قتل المؤمنُ المؤمنَ أو المعاهَدَ لزِمَته ديتُه والكفارةُ؟\nقيل: هو ما قال النَّخَعيُّ في ذلك؛ وذلك ما حدَّثنا به (^٥) ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٣٩، ٢/ ٤٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣٤ عقب الأثر (٥٨٠٠) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط عن السدى به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٧، وفيه: المعاهدُ.\n(^٤) هو تتمة الأثر المتقدم تخريجه في ص ٣١٥.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"7","page":322},{"text":"عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: الخطأُ أن يُرِيدَ الشيءَ فيُصِيبَ غيرَه (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هُشَيْمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: الخطأُ أن [يَرْمى الشيءَ فيُصِيبَ] (^٢) إنسانًا، وهو لا يُرِيدُه، فهو خطأٌ، وهو على العاقِلةِ.\nفإن قال قائلٌ (^٣): فما بالُ (^٣) الديةِ الواجبةِ في ذلك؟\nقيل: أما في قتلِ المؤمنِ فمائةٌ من الإبلِ، إن كان من أهلِ الإبلِ، على (^٤) عاقلةِ قاتلِه، لا خلافَ بينَ الجميعِ في ذلك، وإن كان في مَبْلَغِ [أسنانِها اختلافٌ بينَ] (^٥) أهلِ العلمِ. فمنهم مَن يقولُ: هي أرباعٌ؛ خمسٌ وعشرون منها حِقَّةً (^٦)، وخمسٌ وعشرون منها (٣) جَذَعةً (^٧)، وخمسٌ وعشرون بَناتِ (^٨) مَخَاضٍ (^٩)، وخمسٌ وعشرون بناتِ لبُونٍ (^١٠).\n\n<span data-type='title' id=toc-2144>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٧٢٠٨)، وابن أبي شيبة ٩/ ١٤٠ عن الثورى به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ١٤١ عن جرير عن مغيرة به.\n(^٢) في الأصل: \"ترمى الشيء فتصيب\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) في الأصل: \"أسنانه اختلافًا من\".\n(^٦) الحق، والأنثى الحقة: البعير إذا استكمل السنة الثالثة ودخل في الرابعة. اللسان (ح ق ق).\n(^٧) الجذع، والأنثى الجذعة: البعير إذا استكمل أربعة أعوام ودخل في السنة الخامسة. اللسان (ج ذ ع).\n(^٨) في الأصل: \"بنت\".\n(^٩) ابن المخاض، والأنثى بنت مخاض: ما دخل في السنة الثانية. اللسان (م خ ض).\n(^١٠) ابن اللبون، والأنثى بنت اللبون: ما أتى عليه سنتان ودخل في السنة الثالثة. اللسان (ل ب ن).","vol":"7","page":323},{"text":"منصور، عن إبراهيمَ، عن عليٍّ ﵁: في الخطأِ شِبْهِ العَمْدِ ثلاثٌ وثلاثون حِقَّةً، وثلاثٌ وثلاثون جَذَعةً، وأربعٌ وثلاثون ثَنِيَّةً (^١) إلى بازِلِ (^٢) عامِها، وفي الخطأِ خمسٌ وعشرون حِقَّةً، وخمسٌ وعشرون جَذَعةً، وخمسٌ وعشرون بناتِ مَخاضٍ، وخمسٌ وعشرون بناتِ لَبُونٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن فِراسٍ والشَّيْبانيِّ، عن الشعبيِّ، عن عليّ بن أبي طالبٍ بمثلِه.\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عاصمِ بن ضَمْرةَ، عن عليٍّ بنحوِه (^٤).\nحدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن أشعثَ بن سَوَّارٍ، عن الشعبيِّ، عن عليٍّ، أنه قال: في قتلِ الخطأِ الديةُ مائةٌ أرْباعًا. ثم ذكَر مثلَه.\nوقال آخرون: هي أخماسٌ؛ عشرون حِقَّةً، وعشرون جَذَعةً، وعشرون بناتِ لَبونٍ، وعشرون بنو لَبُونٍ، وعشرون بناتِ مَخَاضٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2145>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أبي\n_________\n(^١) الثنى من الإبل: الذي يلقى ثنيتيه، وذلك في السادسة. اللسان (ث ن ي).\n(^٢) البازل: البعير إذا استكمل السنة الثامنة وطعن في التاسعة وفطر نابه. اللسان (ب ز ل).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (١٧٢٢٢، ١٧٢٣٦) وابن أبي شيبة ٩/ ١٣٤ عن الثورى به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ١٣٤، وأبو داود (٤٥٥١، ٤٥٥٣)، والدارقطني ٣/ ١٧٧، والبيهقي ٨/ ٧٤ من طرق عن سفيان به.","vol":"7","page":324},{"text":"مِجْلَزٍ، عن أبي عُبيدةَ، عن أبيه (^١) عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: في الخطأِ عشرون حِقَّةً، وعشرون جَذَعةً، وعشرون بناتِ لَبونٍ، وعشرون بنو لَبونٍ، وعشرون بناتِ مَخَاضٍ (^٢).\nوحدثني واصلُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن أشعثَ، عن عامرٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ: في قتلِ الخطأِ مائةٌ مِن الإبلِ أَحْمَاسًا؛ خُمْسٌ جِدَاعٌ، وخُمْسٌ حِقَاقٌ، وخُمْسٌ بناتُ لَبونٍ، وخُمْسٌ بناتُ مَخَاضٍ، وخُمْسٌ بنو مَخَاضٍ (^٣).\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرَنا سليمانُ التَّيْميُّ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: الديةُ أخْماسٌ؛ ديةُ الخطأِ؛ خُمْسٌ بناتُ مَخَاضٍ، وخُمْسٌ بنو مخاضٍ، وخُمْسٌ بناتُ لَبونٍ، وخُمْسٌ حِقاقٌ، وخُمْسٌ جِذاعٌ (^٤).\nواعْتَلَّ قائلو هذه المَقالةِ بحديثٍ حدَّثنا به أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى ابن (^٥) أبي زائدةَ وأبو خالدٍ الأحمرُ، عن حجاجٍ، عن زيدِ بن جُبَيْرٍ، عن الخِشْفِ بن مالكٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، أن النبيَّ ﷺ قضَى في الديةِ في الخطأِ أخْماسًا. قال أبو هشامٍ: قال ابن أبي زائدةَ: عشرون حِقَّةً، وعشرون جذعةً، وعشرون ابنةَ\n_________\n(^١) بعده في م: \"عن\".\n(^٢) أخرجه الدارقطني في سننه ٣/ ١٧٢ من طريق سعيد به، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ١٣٥، ١٣٦ من طريق ابن أبي خالد عن الشعبي به.\n(^٤) أخرجه الدارقطني ٣/ ١٧٢، والبيهقى ٨/ ٧٥ من طريق سليمان به.\n(^٥) في الأصل: \"عن\".","vol":"7","page":325},{"text":"لَبونٍ، وعشرون ابنةَ مَخَاضٍ، وعشرون بنو (^١) مَخَاضٍ (^٢).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا يحيى، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، أنه قضَى بذلك (^٣).\nوقال آخَرون: هي أرْباعٌ، غير أنها ثلاثون حِقَّةً، وثلاثون بناتِ لَبونٍ، وعشرون بناتِ مَخَاضٍ، وعشرون بنو لَبونٍ ذكورٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2146>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عبدِ ربِّه، عن أبي عِياضٍ، عن عثمانَ وزيدِ بن ثابتٍ، قالا: في الخطأِ شِبْهِ العمدِ أربعون جَذَعَةً خَلِفَةً (^٤)، وثلاثون حِقَّةً، وثلاثون بناتِ (^٥) مَخَاضٍ، وفى الخطأِ ثلاثون حِقَّة، وثلاثون جَذَعةً، وعشرون بناتِ مَخَاضٍ، وعشرون بنو لَبونٍ\n_________\n(^١) في م: \"بني\".\n(^٢) أخرجه الترمذى عقب (١٣٨٦) عن أبي هشام الرفاعى به، وأخرجه أحمد ٧/ ٣٢٨ (٤٣٠٣) والترمذي (١٣٨٦) والنسائي (٤٨١٦) من طريق يحيى بن أبي زائدة به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ١٣٣، والدارقطني ٣/ ١٧٥ من طريق أبي خالد الأحمر به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ١٣٣، وأحمد ٦/ ١٤٣ (٣٦٣٥)، والدارمي ٢/ ١٩٣، وأبو داود (٤٥٤٥)، وابن ماجه (٢٦٣١) وغيرهم من طرق عن حجاج به، وقد اختلف في رفعه ووقفه، والصحيح أنه موقوف على ابن مسعود، قاله البيهقى وانظر: نصب الراية ٤/ ٣٥٧، والتلخيص ٤/ ٢١، وعلل الدارقطني ٥/ ٤٨. والسنن له ٣/ ١٧٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ١٣٣، والدارقطني ٣/ ١٧٢، والبيهقى ٨/ ٧٤، من طرق عن أبي إسحاق به، وأعله البيهقى بأن أبا إسحاق لم يسمع من علقمة، وأخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ١٣٥ عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن علقمة والأسود عنه به.\n(^٤) الخلفة: الحامل من الإبل. المصباح (خ ل ف).\n(^٥) في الأصل: \"بنت\".","vol":"7","page":326},{"text":"ذُكورٌ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن سعيدِ بن المسيب، عن زيدِ بن ثابتٍ: في ديةِ الخطأِ ثلاثون حِقَّةً، وثلاثون بناتِ لَبونٍ، وعشرون بناتِ مَخَاضٍ، وعشرون بنو لَبونٍ ذكورٌ (^٢).\nحدَّثنا ابن بَشارٍ، قال: ثنا ابن عَثْمةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشيرٍ، عن قتادةَ، عن عبدِ ربِّه، عن أبي عِياضٍ، عن عثمانَ بن عفانَ ﵁، قال: وحدَّثنا سعيدُ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، عن زيدِ بن ثابتٍ مثلَه.\nوالصوابُ مِن [ذلك عندَنا] (^٣) أن الجميعَ مُجْمِعون على (^٤) أن في قتلِ الخطأِ المَحْضِ على أهلِ الإبلِ مائةً من الإبلِ. ثم اخْتَلَفُوا في مَبالغِ أسْنانِها، وأجْمَعوا على أنه لا يُقْتَصَرُ (^٥) بها في الذي وجَبَت له الأسنانُ عن (^٦) أقلِّ ما ذكَرْنا مِن أسْنانِها التي حدَّها الذين ذكَرْنا اخْتِلافَهم فيها، وأنه لا يُجاوَزُ بها الذي وجَبَت عليه (^٧) عن أعْلاها. وإذ كان ذلك من جميعهم إجْماعًا، فالواجبُ أَن يَكونَ مُجْزِئًا مَن لزِمَته ديةُ قتلٍ خطأ - أيُّ هذه الأسنانِ التي اخْتَلَف المُخْتلفون فيها أدَّاها إلى (^٨) مَن وجَبَت له؛ لأن الله جلَّ ذكرُه لم يَحُدَّ ذلك بحدٍّ لا يُجاوِزُه (^٩) ولا يُقصِّرُ عنه، ولا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ١٣٥، وأبو داود (٤٥٥٤) والدارقطني ٣/ ١٧٧، والبيهقى ٨/ ٧٤ من طرق عن سعيد عن قتادة به.\n(^٢) أخرجه الدارقطني ٣/ ١٧٧ من طريق الشعبي عن زيد بن ثابت به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من القول في ذلك\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يقصر\".\n(^٦) في الأصل: \"على\".\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٨) في الأصل: \"على\".\n(^٩) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يجاوز به\".","vol":"7","page":327},{"text":"رسولُه ﷺ، إلا ما ذكَرْتُ مِن إجماعِهم فيما أجْمَعوا عليه؛ لأنه (^١) ليس للإمامِ مُجاوَزةُ ذلك في الحكمِ بتقصيرٍ ولا زيادةٍ، وله التَّخَيُّرُ (^٢) فيما بينَ ذلك بما رأَى الصَّلاحَ فيه للفريقيْن.\nوإن كانت عاقِلةُ القاتلِ مِن أهلِ الذهبِ، فإن لورثةِ القتيلِ عليهم عندَنا ألفَ دينارٍ، وعليه علماءُ الأمصارِ.\nوقال بعضُهم: ذلك تقويمٌ مِن عمرَ الإبلَ (^٣) على أهلِ الذهبِ في عصرِه، فالواجبُ أن يُقَوَّمَ في كلِّ زمانٍ قيمتُها إذا عدِم الإبلَ عاقلةُ القاتلِ.\nواعْتَلُّوا [في ذلك] (^٤) بما حدَّثنا ابن بَشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أيوبَ بن موسى، عن مكحولٍ، قال: كانت الديةُ تَرْتَفِعُ وتَنْخَفِضُ (^٥)، فتُوُفِّي رسولُ اللهِ ﷺ وهى ثمانمائةِ دينارٍ، فخشِي عمرُ مِن بعدِه، فجعَلها اثنى عشَرَ ألفَ درهمٍ أو ألفَ دينارٍ (^٦).\nوأما الذين أوْجَبوها في كلِّ زمانٍ على أهلِ الذهبِ ذهبًا ألفَ دينارٍ، فقالوا: ذلك فريضةٌ فرَضها اللهُ على لسانِ نبيِّه محمدٍ ﷺ، كما فرَض الإبلَ على أهلِ الإبلِ. قالوا: وفي إجماعِ علماءِ الأمْصارِ في كلِّ عصرٍ وزمانٍ، إلا مَن شَذَّ عنهم، على أنها لا تُزادُ على ألفِ دينارٍ، ولا تَنْقُصُ عنها - أوضحُ الدليلِ على أنها الواجبةُ على أهلِ الذهبِ، وجوبَ الإبلِ على أهلِ الإبلِ؛ لأنها لو كانت قيمةَ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فإنه\".\n(^٢) في م: \"التخيير\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"للإبل\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في الأصل: \"تخفض\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ١٢٦ من طريق سفيان به.","vol":"7","page":328},{"text":"المائة (^١) من الإبل لَاخْتَلَف ذلك بالزيادة والنقصان لتغير أسعار الإبل.\nقال أبو جعفر ﵀: وهذا القول هو الحق في ذلك عندى (^٢)؛ لما ذكرنا من إجماع الحجة عليه.\nوأما من الوَرِقِ على أهلِ الوَرِقِ عندنا، فاثنا عشر ألف درهم، وقد بينا العِلل في ذلك في كتابنا كتاب \"لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام\".\nوقال آخرون: إنما على أهلِ الوَرِقِ مِن الوَرِقِ عشرة آلاف درهم.\nوأما ديةُ المُعاهَدِ الذي بيننا وبين قومه ميثاق، فإن أهل العلم اختلفوا في مبلغها؛ فقال بعضُهم: ديته ودية الحرّ المسلم سواء.\n\n<span data-type='title' id=toc-2147>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا بشرٌ بن السِّريِّ، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، أن أبا بكر وعثمان كانا يَجْعَلان دية اليهودي والنصراني إذا كانا مُعاهَدَيْن كدية المسلم (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا بشرُ بنُ السَّرِيِّ، عن الدَّسْتُوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحكم بن عتيبة (^٤)، أن ابن مسعودٍ كان يَجْعَلُ ديةَ أهل الكتاب إذا كانوا أهلَ ذمّةٍ، كدية المسلمين (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لمائة\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) أخرجه الدارقطني ٣/ ١٢٩، ١٣٠ من طريق إبراهيم بن سعد به.\n(^٤) في النسخ: \"عيينة\". وتقدم على الصواب.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق (١٨٤٩٦، ١٨٤٩٧) - ومن طريقه الدارقطني ٣/ ١٤٩ - عن معمر، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن ابن مسعود، وأخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٢٨٦ من طريق أبان بن صالح عن مجاهد، عن =","vol":"7","page":329},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن حمادٍ، قال: سأَلَنى عبدُ الحميدِ عن ديةِ أهلِ الكتابِ، فأخْبَرْتُه أن إبراهيمَ قال: إن ديتَهم وديتَنا سَواءٌ (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا حمادٌ، عن إبراهيمَ، وداودَ، عن الشعبيِّ، أنهما قالا: ديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ والمجوسيِّ مثلُ ديةِ الحرِّ المسلمِ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: كان يقالُ: ديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ والمجوسيِّ كديةِ المسلمِ إذا كانت له ذمةٌ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: ثنا ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ وعطاءٍ، أنهما قالا: ديةُ المعاهَدِ (^٢) ديةُ المسلمِ (^٣).\nحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا بشرُ بن المُفَضَّلِ، قال: ثنا المَسْعوديُّ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، أنه قال: ديةُ المسلمِ والمعاهَدِ سَواءٌ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا ابن عُليةَ، عن أيوبَ، قال: سمِعتُ الزهريَّ يقولُ: ديةُ الذميِّ ديةُ المسلمِ (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن أشْعَثَ، عن عامرٍ، قال: ديةُ\n_________\n= ابن مسعود وأخرجه أيضًا ٩/ ٢٨٦، والبيهقى ٨/ ١٠٣ من طريق القاسم بن عبد الرحمن به عن ابن مسعود.\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٢٨٧ من طريق الحكم وحماد عن إبراهيم به.\n(^٢) بعده في الأصل: \"في\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٢٨٦ عن ابن علية به.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٣١٩.","vol":"7","page":330},{"text":"الذميِّ مثلُ ديةِ المسلمِ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن سعيدِ بن أبي عَروبةَ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: [ديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ والمجوسيِّ من أهلِ العهدِ كديةِ المسلمِ] (^٢).\nحدَّثنا عبدُ الحميد بنُ بَيانِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ، وبلَغه أن الحسنَ كان يقولُ: ديةُ المجوسيِّ ثمانِمائةٍ، وديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ أربعةُ آلافٍ [أربعةُ آلافٍ] (^٢)، فقال: ديتُهم واحدةٌ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن الشعبيِّ، قال: ديةُ المسلمِ والمعاهَدِ و(^٣) كفارتُهما سَواءٌ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: ديةُ المعاهَدِ والمسلمِ سواءٌ (^٥).\nوقال آخَرون: بل ديتُه على النصفِ من ديةِ المسلمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2148>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: حدَّثني عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عمرِو بن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٢٨٧ من طريق أشعث به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في ص، م: \"في\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٨٥٠١) عن الثورى به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٢٨٧ من طريق سفيان به.","vol":"7","page":331},{"text":"شُعيبٍ في ديةِ اليهوديِّ والنصرانيِّ، قال: جعَلها عمرُ بنُ الخطابِ نصفَ ديةِ المسلمِ، و(^١) المجوسيَّ ثمانِمائةٍ فقلتُ لعمرِو بن شُعيبٍ: إن الحسنَ يقولُ: أربعةُ آلافٍ. [قال: كان ذلك قبلَ القيمةِ] (^٢). وقال: وإنما جعل ديةَ المجوسيِّ بمنزلةِ العبدِ.\nحدَّثني أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبيدُ (^٣) اللهِ الأشْجَعيُّ، عن سفيانَ، عن أبي الزِّنادِ، عن عمرَ بن عبدِ العزيزِ، قال: ديةُ المعاهَدِ على النصفِ مِن ديةِ المسلمِ (^٤).\nوقال آخَرون: بل ديتُه على الثلثِ مِن ديةِ الحُرِّ (^٥) المسلمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2149>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عَن مُطَرِّفٍ، عن أبي عثمانَ، قال - وكان قاضيًا لأهلِ مَرْوِ - قال: جعَل عمرُ ﵁ ديةَ اليهوديِّ والنصرانيِّ أربعةَ آلافٍ (^٦) أربعةَ آلافٍ.\nحدَّثني عمارُ بنُ خالدٍ الواسطيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن الأعمشِ، عن ثابتٍ (^٧)، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: قال عمرُ: ديةُ النصرانيِّ أربعةُ آلافٍ، والمجوسيِّ ثمانِمائةٍ (^٨).\n_________\n(^١) بعده في م: \"دية\".\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣، س: \"كان ذلك قبل العلمة\"، وفى م: \"لعله كان قبل\"، وفي ت ١: \"كان ذلك قبل العلة\".\n(^٣) في النسخ: \"عبد\". وتقدم على الصواب في ٦/ ٤١٧، وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ١٠٧.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٢٨٨ من طريق سفيان به، وأخرجه عبد الرزاق (١٨٤٧٨) من طريق الزهرى وغيره عن عمر بن عبد العزيز. وعلقه الترمذى ٤/ ١٨.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"و\".\n(^٧) بعده في الأصل: \"الجزاء\" وصوابه الحداد، ثابت بن هرمز، أبو المقدام، ينظر تهذيب الكمال ٤/ ٣٨٠.\n(^٨) أخرجه الشافعي في مسنده (٣٥٦) والدارقطني ٣/ ١٣١، ١٧٠ والبيهقى ٨/ ١٠٠ من طرق =","vol":"7","page":332},{"text":"حدَّثنا محمدُ (^١) بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن ثابتٍ، قال: سمِعْتُ سعيدَ بنَ المسيبِ يقولُ: قال عمرُ: ديةُ أهلِ الكتابِ أربعةُ آلافٍ، وديةُ المجوسيِّ ثمانِمائةٍ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ثابتٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: فذكَر مثلَه (^٢).\n[حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، وحُمَيْدٍ، عن الحسنِ، عن عمرَ مثلَه] (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن أبي المليح، أن رجلًا مِن قومِه رَمَى يهوديًّا أو نصرانيًّا بسهمٍ فقتَله، فرُفِع ذلك إلى عمرَ بن الخطابِ، فأْغْرَمه ديتَه أربعةَ آلافٍ.\n[حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ] (^٤)، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: قال عمرُ: ديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ أربعةُ آلافٍ أربعةُ آلافٍ (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أَخْبَرَنا بعضُ أصحابِنا، عن سعيدِ بن المسيبِ، عن عمرَ مثلَه.\n_________\n= عن ثابت أبى المقدام به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٢٨٩، والبيهقى ٨/ ١٠٠ من طريق صدقة بن يسار عن سعيد بن المسيب به.\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (١٨٤٧٩)، وابن أبي شيبة ٨/ ٢٨٨، والبيهقى ٨/ ١٠١ من طريق سفيان به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) في ص م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وبه\".\n(^٥) أخرجه الدارقطني في سننه ٣/ ١٣٠ من طريق سعيد به.","vol":"7","page":333},{"text":"[أخبرَنا يعقوبُ] (^١)، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن ابن أبي ليلى، عن عطاءٍ، عن عمرَ مثلَه.\n[حدَّثني يعقوبُ] (^١)، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال أخْبرَنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سليمانَ بن يَسارٍ أنه قال: ديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ أربعةُ آلافٍ، والمجوسيِّ ثمانِمائةٍ (^٢).\nحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا عبدُ الملكِ، عن عَطاءٍ مثلَه (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ في قولِه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾: الصيامُ لمن لا يَجِدُ رقبةً، وأما الديةُ فواجبةٌ لا يُبْطِلُها شيءٌ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-2150>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾: فمَن لم يَجِدْ رقبةً مؤمنةً يُحَرِّرُها كفارةً لخطئِه في قتلِه مَن قتَل مِن مؤمنٍ أو معاهَدٍ؛ لعُشرتِه بثمنِها، ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾. يقولُ: فعليه صيامُ شهرَيْن متتابِعَين.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم فيه بنحوِ ما قْلنا فيه.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٢٨٩، والبيهقى في المعرفة (٤٩٣٨) من طريق يحيى بن سعيد به نحوه.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (١٨٤٧٣، ١٨٤٨٣) عن ابن جريج عن عطاء بنحوه.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٥ إلى المصنف.","vol":"7","page":334},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2151>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾. قال: مَن لم يَجِدْ عِتْقًا، أو عَتاقةً - شك أبو عاصمٍ - في قتلِ مؤمنٍ خطأً. قال: وأُنْزِلَت في عيَّاشٍ بن أبي ربيعةَ، قتَل مؤمنًا خطأً (^١).\nوقال آخرون: صومُ الشهرين عن الديةِ والرقبةِ. قالوا: وتأويلُ الآيةِ: فمن لم يَجِدْ رقبةً مؤمنةً، ولا دِيةٌ يُسَلَّمُها إلى أهلِها، فعليه صومُ شهرين متتابعين.\n\n<span data-type='title' id=toc-2152>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن زكريا، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، أنه سُئِل عن الآيةِ التي في سورةِ النساءِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾: صيامُ الشهرين عن الرقبةِ وحدَها، أو عن الديةِ والرقبةِ؟ فقال: مَن لم يَجِدْ فهو عن الديةِ والرقبةِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن زكريا، عن عامرٍ، عن مسروقٍ بنحوِه.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن الصومَ عن الرقبةِ دونَ الديةِ؛ لأن ديةَ الخطأِ على عاقلةِ القاتلِ، والكفارةَ على القاتلِ، بإجماعِ الحُجَّةِ على ذلك، نقلًا عن نبيِّها ﷺ، ولا يَقْضِى صومُ صائمٍ عما لزِم غيرَه في مالِه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣٥ (٥٨٠٥) من طريقه عن ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣٥ (٥٨٠٨) من طريق زكريا به.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٥ إلى ابن المنذر وعبد بن حميد.","vol":"7","page":335},{"text":"والمُتابَعةُ صومُ الشهرين ممَّا (^١) لا يَقْطَعُه بإفطارِ بعضِ أيامِه لغيرِ علةٍ حائلةٍ بينَه وبينَ صومِه.\nثم قال جل ثناؤُه: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾. يعنى: رجعةً (^٢) مِن اللهِ لكم إلى التيسيرِ عليكم (^٣)، بتخفيفِه عنكم ما خفّف عنكم مِن فرضِ تحريرِ الرقبةِ المؤمنةِ إذا أعْسَرْتُم بها، بإيجابِه عليكم صومَ شهرين مُتتابعين، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. يقولُ: ولم يَزَلِ اللهُ عليمًا بما يُصْلِحُ عبادَه فيما يُكَلِّفُهم مِن فرائضِه، وغير ذلك، حكيمًا بما يَقْضِى فيهم ويُرِيدُ.\n\n<span id=\"aya-586\"></span><span data-type='title' id=toc-2153>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومَن يَقْتُلْ مؤمنًا عامدًا قتلَه، مُريدًا إتلافَ نفسِه ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ: فثوابُه مِن قتلِه إياه ﴿جَهَنَّمُ﴾، يعنى: عذابَ جهنمَ ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾، يعني: باقيًا فيها، والهاءُ والألفُ في قولِه: ﴿فِيهَا﴾ مِن ذكرِ جهنمَ، ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: وغضِب اللهُ عليه بقتلِه إياه متعمِّدًا، ﴿وَلَعَنَهُ﴾. يقولُ: وأَبْعَدَه مِن رحمتِه وأخْزاه، ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. وذلك ما لا يَعْلَمُ قدْرَ مبلغِه سواه.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ القتلِ الذي يَسْتَحِقُّ صاحبُه أن يُسَمَّى متعمِّدًا، بعدَ إجماعِ جميعِهم على أنه إذا ضرَب رجلٌ رجلًا بحدِّ حَدِيدٍ يَجْرَحُ بحدِّه، أو\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"وألا\"، وفى م، ت ٢، ت ٣، س: \"و\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"رحمة\"، وفى م: \"تجاوزًا\".\n(^٣) في م: \"عليه\".","vol":"7","page":336},{"text":"يَبْضَعُ (^١) ويَقْطَعُ، فلم يُقلِعْ عنه ضربًا به، حتى أتْلَف نفسَه، وهو في حالِ ضربِه إياه به قاصدٌ ضربَه، أنه عامدٌ قتلَه. ثم اخْتَلَفوا فيما عدا ذلك؛ فقال بعضُهم: لا عمدَ إلا ما كان كذلك على الصفةِ التي وصَفْنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2154>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قال: قال عطاءٌ: العَمدُ: السلاحُ، أو قال: الحديدُ. قال: وقال سعيدُ بنُ المسيّبِ: هو السلاحُ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هُشَيْمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: العمدُ ما كان بحَديدةٍ، وما كان بدونِ حَديدةٍ فهو شِبْهُ العمدِ، لا قَوَدَ فيه (^٣).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: العمدُ ما كان بحَديدةٍ، وشِبْهُ العمدِ ما كان بخَشَبةٍ، وشِبْهُ العمدِ لا يَكونُ إلا في النفسِ (^٣).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حمادٍ الدُّولابيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن طاوسٍ،\n_________\n(^١) يبضع: يقطع.\n(^٢) أما أثر عطاء فقد أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٩/ ٢٧١ (١٧١٧٣) وابن أبي شيبة ٩/ ٣٤٣ كلاهما من طريق ابن جريج به.\nوأما أثر سعيد بن المسيب فقد أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٣٤٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣٨ (٥٨١٨) كلاهما من طريق ابن جريج به عمن سمع سعيد بن المسيب بنحوه.\nوأخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٩/ ٢٧٢ (١٧١٧٧) من طريق عمرو بن سليم عن ابن المسيب بنحوه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٣٤٤، وابن حزم في المحلى ١٢/ ٥٤ عن سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٣٤٥، ٣٥٤ عن جرير عن المغيرة به.","vol":"7","page":337},{"text":"قال: مَن قُتِل في عصبيَّةٍ (^١) في رِمِّيَّا (^٢) يَكونُ بينهم (^٣) بحجارةٍ، أو جلدٍ بالسِّياطِ، أو ضرْبٍ بالعصِيِّ فهو خطأٌ، ديتُه ديةُ الخطأِ، ومَن قُتِل عمدًا فهو قَودُ يدِه (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن (^٥) مُغيرةَ، عن الحارثِ وأصحابِه في الرجلِ يَضْرِبُ الرجلَ فيَكونُ مريضًا حتى يَموتَ، قال: أَسْأَلُ الشُّهود أنه ضرَبه، فلم يَزَلْ مَرِيضًا مِن ضربتِه حتى مات، فإن كان بسلاحٍ فهو قَوَدٌ، وإن كان بغيرِ ذلك فهو شِبْهُ العمدِ.\nوقال آخَرون: كلُّ ما عَمَد به (^٦) الضاربُ إتلافَ نفسِ المضروبِ فهو عمدٌ، إذا كان الذي ضرَب به (^٦) الأَغْلَبُ منه أنه يَقْتُلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2155>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، عن حِبَّانَ بن أبي جَبَلةَ، عن عُبَيدِ بن عُميرٍ، أنه قال: وأيُّ عمدٍ هو أعْمدُ مِن أن يَضْرِبَ رجلًا بعضًا، ثم لا يُقْلِعَ عنه حتى يَموتَ (^٧)؟\n_________\n(^١) في الأصل: \"غضبة\".\n(^٢) في ص، م: \"رمى\". والرميا - بوزن الهِجِّيرا والخِصِّيصا - من الرمي، وهو مصدر يراد به المبالغة النهاية ٢/ ٢٦٩.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"منهم\".\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣: \"يديه\"، والأثر أخرجه ابن حزم في المحلى ١٢/ ٦٧ من طريق ابن طاوس عن أبيه، وأخرجه أيضًا ١٢/ ٦٨ من طريق عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس وأبي هريرة مرفوعًا.\n(^٥) في م: \"و\". وهو خطأ. وينظر ترجمة المغيرة بن مقسم في تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٩٧.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٩/ ٢٧٤ (١٧١٨٥)، وابن أبي شيبة ٩/ ٣٤٥ من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن عبيد بن عمير بنحوه.\nوأخرجه البيهقى في الكبرى ٨/ ٤٤ من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير نحوه.","vol":"7","page":338},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن إبراهيمَ، قال: إذا خنَقَه بحبلٍ حتى يَموتَ، أو ضرَبه بخشبةٍ حتى يموتَ فهو القَوَدُ.\nوعلةُ مَن قال: كلُّ ما عدا الحديدَ خطأٌ ما حدَّثنا به ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن أبي عازبٍ، عن النعمانِ بن بشيرٍ، قال: قال النبيُّ ﷺ: كلُّ شيءٍ خطأٌ إلا السيفَ، ولكلِّ خطأٍ أَرْشٌ (^١) \" (^٢).\nوعلةُ مَن قال: حكمُ كلِّ ما قُتِل المضروبُ به مِن شيءٍ حكمُ السيفِ في أن مَن قُتِل به فهو (^٣) قَتيلُ عمدٍ، ما حدَّثنا به ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن يهوديًّا قتَل جاريةً على أوْضاحٍ (^٤) لها بينَ حَجَرَيْن، فأُتِي به النبيُّ ﷺ، فقتَله بينَ حجرين (^٥).\nقالوا: فأقاد النبيُّ ﷺ مِن قاتلٍ بحجرٍ، وذلك غيرُ حَديدٍ. قالوا: وكذلك حكمُ كلِّ من قتَل رجلًا بشيءٍ الأغْلَبُ منه أنه يَقْتُلُ مثلَ المقتولِ به، نظيرُ حكمِ اليهوديِّ القاتلِ الجاريةَ بينَ حجرين (^٦).\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا قولُ مَن قال: كلُّ مَن\n_________\n(^١) الأرش: دية الجراحة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٣٤٤، وأحمد ٣٠/ ٣٤٢ (١٨٣٩٥)، والدارقطني في السنن ٣/ ١٠٦، وابن أبي عاصم في الديات ص ٨٧ كلهم من طريق وكيع به. وإسناده ضعيف؛ لجهالة أبي عازب وضعف جابر الجعفى. وينظر الطيالسي (٨٣٩).\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) الأوضاح: نوع من الحلى يُعمل من الفضة، سُمِّيت بها، لبياضها، واحدها: وَضَحٌ. النهاية (وض ح).\n(^٥) أخرجه الطحاوى في شرح المعانى ٣/ ١٩٠ من طريق أبي الوليد الطيالسي به، وأخرجه أحمد ٢/ ٢٤٧ (١٢٨٩٥)، والبخاري (٢٤١٣، ٢٧٤٦، ٦٨٧٦، ٦٨٨٤، ٦٨٨٥)، ومسلم (١٦٧٢) وأبو داود (٤٥٢٧، ٤٥٣٥)، والترمذى (١٣٩٤)، والنسائى (٤٧٥٦)، وابن ماجه (٢٦٦٥) كلهم من طرق عن همام، عن قتادة به، وينظر الطيالسي (٢٠٩٨).\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الحجرين\".","vol":"7","page":339},{"text":"ضرَب إنسانًا بشيءٍ، الأغلبُ منه أنه يُتْلِفُه، فلم يُقْلِعْ عنه حتى أتْلَفه (^١) نفسَه به، أنه قاتلُ عمدٍ ما كان المضروبُ به مِن شيءٍ؛ لِلذى ذكَرْنا مِن الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ.\nوأما قولُه: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾. فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا في معناه؛ فقال بعضُهم: معناه: فجزاؤُه جهنمُ إن جازاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2156>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن سليمانَ التَّيْميِّ، عن أبي مِجْلَزٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. قال: هو جزاؤُه، وإن شاء تجاوز عنه (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو النعمانِ الحكمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ، عن سيَّارٍ (^٣)، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. قال: جزاؤُه (^٤) إن جازاه (^٥).\nوقال آخَرون: عُنِى بذلك رجلٌ بعينِه، كان أسْلَم فارْتَدَّ عن إسلامِه وقتَل رجلًا مؤمنًا. قالوا: فمعنى الآيةِ: ومَن يَقْتُلْ مؤمنًا متعمِّدًا مُسْتَحِلًّا قتله، فجزاؤُه جهنمُ\n_________\n(^١) في م: \"أتلف\".\n(^٢) أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في ناسخه ص ٣٩١ عن ابن علية به. وأخرجه أيضًا ص ٣٩١ وسعيد بن منصور في سننه (٦٧٤ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٩/ ٣٦١، وأبو داود (٤٢٧٦)، والبيهقى ٨/ ١٦ من طرق عن التيمي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٧ إلى ابن المنذر وعبد بن حميد.\n(^٣) في ص، م، ت ٢، ت ٣، ص: \"يسار\"، وفي ت ١: \"بشار\". وكلاهما تحريف. وهو سيار أبو الحكم العنزى الواسطى. ينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٢١٣.\n(^٤) بعده في م: \"جهنم\".\n(^٥) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٩١، وابن أبي شيبة ٩/ ٣٦١ من طريق شعبة عن سيار به.","vol":"7","page":340},{"text":"خالدًا فيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2157>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ، أن رجلًا مِن الأنصارِ قتَل أخا مِقْيَسِ بن ضُبابةَ (^١)، فأعطاه النبيُّ ﷺ الديةَ فقبِلها، ثم وثَب على قاتلِ أخيه فقتَله. قال ابن جُريجٍ: وقال غيرُه: ضرَب النبيُّ ﷺ ديتَه على بنى النَّجَّارِ، ثم بعَث مِقْيَسًا، وبعث معه رجلًا مِن بنى فِهْرٍ في حاجةٍ للنبيِّ ﷺ، فاحْتَمَل مِقْيَسٌ الفِهْريَّ وكان أيِّدًا (^٢)، فضرَب به الأرضَ، ورضَخ رأسَه بينَ حجرين، ثم أَلْقَى يَتَغَنَّى (^٣):\nقتَلْتُ (^٤) به فِهْرًا وحمَّلْتُ عقلَهُ … سَراةَ بنى النجارِ أربابِ فارِعِ (^٥)\nفقال النبيُّ ﷺ: \"أظُنُّه قد أحْدَث حَدَثًا، أمَا واللهِ لئن كان فعَل لا أُومِنُه في حِلٍّ ولا حَرَمٍ، ولا سِلْمٍ ولا حربٍ\". فقُتِل يومَ الفتحِ. قال ابن جُرَيْجٍ: وفيه نزَلَت هذا الآيةُ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية (^٦).\nوقال آخَرون: معنى ذلك: إلا مَن تاب.\n_________\n(^١) كذا في الأصل، م، ت ٢، ت ٣، س، والدر المنثور ومعجم البلدان، وفي ص، ت ١، ومغازي الواقدي، وتاريخ الطبرى، وسيرة ابن هشام: \"صبابة\"، وفى التاج (ق ى س): \"حبابة\".\n(^٢) الأيد: القوى.\n(^٣) البيت في مغازى الواقدى ٢/ ٨٦٢، وسيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٤، وتاريخ الطبرى ٢/ ٦٠٩، ومعجم البلدان ٣/ ٨٣٩.\n(^٤) في مصادر التخريج: \"ثأرت\". وسياق الخبر هنا غيره في مصادر التخريج.\n(^٥) فارع: اسم حصن لبنى النجار.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٥ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"7","page":341},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2158>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبيرٍ، أو حدَّثني الحكمُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: سأَلْتُ ابنَ عباسٍ عن قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. قال: إن الرجلَ إذا عرَف الإسلامَ وشَرائعَ الإسلامِ، ثم قتَل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤُه جهنمُ، ولا توبةَ له. فذكَرْتُ ذلك لمجاهدٍ، فقال: إلا مَن ندِم (^١).\nوقال آخَرون: ذلك إيجابٌ مِن اللهِ الوعيدَ لقاتلِ المؤمنِ متعمِّدًا، كائنًا مَن كان القاتلُ على ما وصَفَه في كتابِه، ولم يَجْعَلْ له توبةً مِن فعلِه. قالوا: فكلُّ قاتلٍ مؤمنًا متعمدًا فله ما أوْعَده اللهُ مِن العذابِ، والخلودِ في النارِ، ولا تَوبةَ له. وقالوا: نزَلَت هذه الآيةُ بعد التي في سورةِ الفرقانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2159>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني ابن حُميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جَريرٌ، عن يحيى الجابرِ (^٢)، عن سالِم بن أبي الجَعْد، قال: كنا عندَ ابن عباسٍ بعدَ ما كُفَّ بصرُه، فأتاه رجلٌ فناداه: يا عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ، ما تَرَى في رجلٍ قتَل مؤمنًا متعمدًا؟ فقال: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. قال: أفرأَيْتَ إن تاب وآمَن وعمِل صالحًا، ثم اهَتَدَى؟ قال ابن عباسٍ: ثَكلَتْه أمه، وأَنَّى له التوبةُ والهُدَى؟ فوالذي نفسي بيده، لقد سمِعْتُ نبيَّكم ﷺ يقولُ: \"ثكِلَتْه\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٣٨٥٥)، وأبو داود (٤٢٧٣)، والحاكم ٢/ ٤٠٣ من طريق جرير عن منصور به مطولًا.\n(^٢) في م: \"الجارى\". وينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٤٠٤.","vol":"7","page":342},{"text":"أمُّه، [قاتلُ مؤمنٍ] (^١) متعمدًا، جاء يومَ القيامةِ آخِذَه (^٢) بيمينه أو بشمالِه، تَشْخَبُ أوْداجُه (^٣) دمًا في قُبُلِ عرشِ الرحمنِ، يَلْزَمُ قاتلَه بيدِه الأخرى، يقولُ: سَلْ هذا فيمَ قتَلَنى؟ \" والذي نفسُ عبدِ اللهِ بيدِه، لقد أُنْزِلَت هذه الآيةُ فما نسَخَتها مِن آيةٍ حتى قُبِض نبيُّكم ﷺ، وما نزَل بعدَها مِن بُرْهانٍ (^٤).\n[حدَّثنا عثمانُ بنُ يحيى، عن عثمانَ القَرْقَسانيِّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عمارٍ، عن سالمٍ، قال: سُئل ابن عباسٍ عن رجلٍ قتَل مؤمنًا متعمِّدًا، تاب وآمن وعمِل صالحًا. قال: فأَنَّى له الهدَى؟! سمِعتُ نبيَّكم ﷺ يقولُ: \"يَجِيءُ المقتولُ يومَ القيامةِ متعلِّقًا بالقاتلِ، يقولُ: أيْ ربِّ، سَلْ هذا فيمَ قتَلني؟ \" ويحَه! أنَّى له الهدَى؟ لقد أنزلها اللهُ على نبيِّكم ﵇، ثم ما نسَخَها بعدَ إِذْ أنزلها] (^٥) (^٦).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن عمرِو بن قيسٍ، عن يحيى بن\n_________\n(^١) في م: \"رجل قتل رجلًا\".\n(^٢) في م: \"آخذا\".\n(^٣) الشخب: السيلان. وأصل الشخب: ما يخرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة وعصرة لضرع الشاة. والأوداج: جمع وَدَج، وهو عرق الأخدع الذي يقطعه الذابح فلا يبقى معه حياة. التاج (ش خ ب)، والمصباح (ود ج).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٣٥٦ وأحمد ٤/ ٤٤، ٤٢، (٢١٤٢، ٢٦٨٣)، وعبد بن حميد (٦٧٩ - منتخب) من طرق عن يحيى الجابر به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٦٦ - تفسير)، والحميدى (٤٨٨) عن سفيان عن يحيى - مقرونًا برواية عمار الدهني - به، وأخرجه أحمد ٥/ ٤١٢ (٣٤٤٥) من طريق سفيان عن يحيى - وحده - به.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) أخرجه أحمد ٣/ ٤١٣ (١٩٤١)، والنسائى (٤٠١٠)، وابن ماجه (٢٦٢١)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٣٤٦، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣٦ (٥٨١٣) من طريق سفيان عن عمار عن سالم به، وأخرجه الطبراني (١٢٥٩٧) من طريق ليث بن أبي سليم عن سالم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٦ إلى ابن المنذر، وينظر الحديث السابق.","vol":"7","page":343},{"text":"الحارثِ التَّيْميِّ، عن سالمِ بن أبي الجَعْدِ، عن ابن عباسٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ: \" ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ \". فقيل له: وإن تابَ وآمَن وعمِل صالحًا؟ فقال: \"وأَنَّى له التوبةُ\" (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا موسى بنُ داودَ، قال: ثنا همامُ بنُ (^٢) يحيى، عن رجلٍ، عن سالمٍ، قال: كنتُ جالسًا مع ابن عباسٍ، فسأَله رجلٌ، فقال: أرأَيْتَ رجلًا قتَل مؤمنًا مُتَعمدًا أين منزلُه؟ قال: ﴿جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. قال: أفرأَيْتَ إن هو تاب وآمَن وعمل صالحًا ثم اهْتَدَى؟. قال: وأنَّى له الهدَى ثَكلَتْه أمُّه؟ والذي نفسي بيدِه لسمِعْتُه يقولُ - يعنى النبيَّ ﵇: \"يَجِيءُ يومَ القيامةِ مُعَلِّقًا رأسَه بإحدى يديه، إما بيمينِه أو بشمالِه، آخِذًا صاحبَه بيدِه الأخرى تَشْخَبُ أَوْداجُه حِيالَ عرشِ الرحمنِ، يقولُ: ياربَّ، سَلْ عبدَك هذا عَلامَ قتَلَنى؟ \" فما جاء نبيٌّ بعدَ نبيِّكم، ولا نزَل كتابٌ بعدَ كتابِكم (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا قَبِيصةُ، قال: ثنا [عمارُ بنُ رُزَيْقٍ] (^٤)، عن عمارٍ الدُّهْنيِّ، عن سالمِ بن أبي الجعدِ، عن ابن عباسٍ نحوَه، إلا أنه قال في حديثِه: فواللهِ لقد أُنْزِلَت على نبيِّكم ﷺ، ثم ما نسخها شيْءٌ، ولقد سمِعْتُه يقولُ (^٥): \"ويلٌ لقاتلِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٩٠ من طريق أبي خالد الأحمر به، والأصبهاني في الترغيب والترهيب ٢/ ٩٤٢ (٢٣٠٠) من طريق عمرو بن قيس عن يحيى به.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عن\".\n(^٣) تنظر الصفحة السابقة حاشية (٤، ٦)\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عمان بن زريق\". وهو تحريف. وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ١٨٩.\n(^٥) بعده في الأصل: \"ويل للقاتل\".","vol":"7","page":344},{"text":"المؤمنِ، يَجِيءُ يومَ القيامةِ آخِذًا رأسه بيدِه\" ثم ذكَر الحديثَ نحوَه (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ (^٢)، عن أبي بشرٌ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ أَبْزَى: سُئِل ابن عباسٍ عن قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. فقال: لم يَنْسَخْها شيْءٌ. وقال في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]. قال: نزَلَت في أهلِ الشركِ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: أمَرَنى عبدُ الرحمنِ مِنْ أَبْزَى أَن أَسْأَلَ ابنَ عباسٍ عن هاتين الآيتين، فذكَر مثلَه (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو حُدِّثْتُ عن سعيدِ بن جبيرٍ، أن عبدَ الرحمنِ بنَ أَبْزَى أُمَره أن يَسْأَلَ ابنَ عباسٍ عن هاتينِ الآيتين؛ التي في النساءِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. والتي في الفرقانِ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ إلى: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. قال ابن عباسٍ: إذا دخَل الرجلُ في الإسلامِ وعلِم شرائعَه وأمْرَه، ثم قتَل مؤمنًا متعمدًا، فلا توبةَ له، وأما\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٣٤٣.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"سعيد\".\n(^٣) أخرجه مسلم (٣٠٢٣/ ١٨)، والنسائي (٤٠١٣) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه مسلم (٣٠٢٣/ ١٨) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه البخارى (٤٧٦٤، ٤٧٦٦) من طريق شعبة به. كما أخرجه في (٣٨٥٥، ٤٧٦٥)، وأبو داود (٤٢٧٣) من طريق منصور به.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نحوه\".","vol":"7","page":345},{"text":"التي في الفرقانِ، فإنها لمَّا أُنْزِلَت قال المشركون مِن أهلِ مكةَ: فقد عدَلْنا (^١) باللهِ وقتَلْنا النفسَ التي حرَّم اللهُ بغيرِ الحقِّ (^٢)، فما يَنْفَعُنا الإسلام؟ قال: فنَزَلَت: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ بن النعمانِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. قال: ما نسَخَها شيْءٌ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: هي مِن آخرِ ما نزَلَت، ما نسَخَها شيءٌ (^٥).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ بن النعمانِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: اخْتَلَف أهلُ الكوفةِ في قتلِ المؤمنِ، فدخَلْتُ إلى ابن عباسٍ فسأَلْتُه، فقال: لقد نزَلت في آخرِ ما نزَل مِن القرآن (^٦)، وما نسَخها شيءٌ.\n_________\n(^١) عدل بربه عدلًا وعدولًا: أشرك وسوًى به غيره.\n(^٢) بعده في م والدر المنثور: \"وأتينا الفواحش\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٦ إلى المصنف. وتنظر الصفحة السابقة حاشية (٣).\n(^٤) تفسير سفيان ص ٩٦، ومن طريقه أخرجه ابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٩٠.\nوأخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٨٦، وأبو داود (٤٢٧٥) من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان به.\n(^٥) أخرجه مسلم (٣٠٢٣/ ١٧) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه البخارى (٤٧٦٣)، ومسلم (١٧/ ٣٠٢٣) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه البخارى (٤٥٩٠)، ومسلم (٣٠٢٣/ ١٦) والنسائي (٤٠١١) من طرق عن شعبة به.\n(^٦) في الأصل، ت ٢: \"الفرقان\".","vol":"7","page":346},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو إياسٍ معاويةُ بنُ قُرَّةَ، قال: أَخْبَرَنى شهرُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: نزلَت هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، بعدَ قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ بسنَةٍ (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، قال: ثنا شعبة، عن معاويةَ بن قُرَّةَ عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. قال: نَزَلت بعدَ ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ بسنةٍ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو إياسٍ، قال: حدَّثني مَن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ في قاتلِ المؤمنِ: نزَلَت بعدَ ذلك بسنةٍ. فقلتُ لأبى إياسٍ: مَن أَخْبَرَك؟ فقال: شهرُ بنُ حَوْشبٍ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾. قال: ليس لقاتلٍ توبةٌ إلا أن يَسْتَغْفِرَ الله (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية. قال عطيةُ: وسُئِل عنها ابن عباسٍ، فزعَم أنها نزَلَت بعدَ الآيةِ التي في سورةِ الفرقانِ بثمانِ سنين، وهو قولُه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قولِه: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (^٣) [الفرقان: ٧٠].\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٧. وأخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٨٧ من طريق الثوري عن أبي حصين به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٦ إلى المصنف.","vol":"7","page":347},{"text":"حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن مُطَرِّفٍ، عن أبي السَّفَرِ، عن ناجيةَ، عن ابن عباسٍ، قال: هما المُبْهَمَتان (^١): الشركُ، والقتلُ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ، قال: أكبرُ الكبائرِ الإشراكُ باللهِ، وقتلُ النفسِ التي حرَّم اللهُ؛ لأن الله سبحانَه يقولُ: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، عن بعضِ أشياخِه الكوفيين، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. قال: إنها لمُحَكْمَةٌ، وما تَزْدادُ إلا شدةَ (^٤).\nحدَّثنا [ابن البَرْقيِّ] (^٥)، قال: ثنا ابن أبي مَريمَ، قال: حدَّثنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: ثنى أبو صَخْرٍ، عن أبي معاويةَ البَجَليِّ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ: يأتى المقتولُ يومَ القيامةِ آخِذًا رأسَه بيمينه، وأوْداجُه تَشْخَبُ دمًا، يقولُ: يا ربِّ،\n_________\n(^١) المبهمتان: المسألتان المعضلتان المشكلتان اللتان لا مخرج منهما.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٣٥٦ من طريق وكيع به، وأبو عبيد في ناسخه ص ٣٨٧ من طريق عاصم بن بهدلة عن أبي رزين عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٧ إلى عبد بن حميد والمصنف.\n(^٣) أخرجه البيهقى في شعب الإيمان ١/ ٢٧١ (٢٩١) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٦، ١٩٧ إلى المصنف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٧ إلى عبد بن حميد والمصنف.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ابن الرقى\". وهو تحريف. وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٥٠٣.","vol":"7","page":348},{"text":"دمى عندَ فُلانٍ. فيُؤْخَذان فيُسْنَدان إلى العرشِ، فما أَدْرِى مَا يُقْضَى بينهما، ثم نزَع بهذه الآيةِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية. قال ابن عباسٍ: والذي نفسي بيدِه، ما نَسَخَها اللهُ جلَّ وعزَّ منذ أنْزَلَها على نبيِّكم ﵊.\n[حدثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بن سعيد، قال: ثنا هَيَّاجُ بنُ بِسْطامٍ، عن محمدِ بن عمرٍو، عن موسى بن عقبةَ، عن أبي الزِّنادِ، عن خارجةَ بن زيدٍ، عن زيد بن ثابتٍ، قال: نزلت سورةُ النساء بعدَ سورةِ الفرقانِ بستةِ أشهرٍ] (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن ابن عُيَينةَ، عن أبي الزِّنادِ، قال: سمِعْتُ رجلًا يُحَدِّثُ خارجةَ بنَ زيدِ بن ثابتٍ، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: سمِعْتُ أباك يقولُ: نزَلَت الشديدةُ بعدَ الهَيِّنةِ بستةِ أشهرٍ، قولُه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، بعد قولِه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٢).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣. وقد جاء هذا الأثر في ص، م، س قبل الأثر السابق. وقد أخرجه النسائي (٤٠١٨)، والطبراني (٤٨٦٨) من طريق محمد بن عمرو عن موسى به، وأبو عبيد في ناسخه ص ٣٨٤، والنحاس في ناسخه ص ٣٤٥، والطبراني (٤٨٦٩) من طريق جهم بن أبي الجهم عن أبي الزناد به، وأخرجه النسائي (٤٠١٧) من طريق محمد بن عمرو عن أبي الزناد - دون ذكر موسى بن عقبة - وقال: لم يسمع محمد بن عمرو من أبي الزناد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٦ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٦٧ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣٧ (٥٨١٤)، وابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٩٢ من طرق عن سفيان بن عيينة به.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٦ إلى ابن المنذر، وأخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٨٥، والبخاري في تاريخه ٧/ ٥٨، ٨/ ١٠، وأبو داود (٤٢٧٢)، والنسائى (٤٠١٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣٧ (٥٨١٥)، والطبراني (٤٩٠٥، ٤٩٠٦)، والبيهقى ٨/ ١٦ من طريق عبد الرحمن بن إسحاق وابن أبي الزناد وابن إسحاق عن أبي الزناد، وسموا الرجل المبهم: عوف بن مجالد، أو: مجالد بن عوف عن خارجة به.","vol":"7","page":349},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيَيْنةَ، عن أبى الزِّنادِ، قال سمِعتُ رجلًا يُحَدِّثُ خارجةَ بنَ زيدٍ، قال: سمِعتُ أباك في هذا المكانِ بمنًى يقولُ: نزَلت الشديدةُ بعدَ الهَيِّنَةِ. يقولُ: أُراهُ بستةِ أشهرٍ، يعنى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾. بعدَ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾. (^١) [النساء: ٤٨، ١١٦].\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سلَمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحَّاكِ بن مُزاحِمٍ، قال: ما نسَخها شيءٌ منذُ نزَلت، وليس له توبةٌ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: ومَن يَقْتُل مؤمنًا مُتَعَمِّدًا فجزاؤُه - إنْ جزاه - جهنَّمُ خالدًا فيها، ولكنه يعفو ويَتَفَضَّلُ على أهلِ الإيمانِ به وبرسولِه، فلا يُجازيهم بالخلودِ فيها، ولكنه تعالى ذكرُه، إما أن يَعْفُوَ بفضلِه فلا يُدْخِلَه النارَ، وإِمَّا أَن يُدْخِلَه إيَّاها ثم يُخْرِجَه منها بفضلِ رحمتِه؛ لما سلَف مِن وعدِه عبادَه المؤمنين بقولِه: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣].\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن القاتلَ إن وجَب أن يكونَ داخلًا في هذه الآيةِ، فقد يَجِبُ أن يكونَ المُشْرِكُ داخلًا فيه؛ لأن الشركَ من الذنوبِ، فإن الله قد أَخْبَر جلَّ ثناؤُه أنه غيرُ غافرٍ الشركَ لأحدٍ بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٨، وكذا جعل عبد الرزاق في روايته للحديث عن ابن عيينة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ بدل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ فخالف سعيد بن منصور ويحيى بن آدم وابن المقرئ - كما سبق في تخريج الحديث السابق - فجميع هؤلاء الثلاثة رووه عن ابن عيينة بذكر آية الفرقان بدل آية النساء، وهو الصواب.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٩/ ٣٥٧، ٣٥٨ عن وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"7","page":350},{"text":"لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]. والقتلُ دونَ الشركِ.\n\n<span id=\"aya-587\"></span><span data-type='title' id=toc-2160>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (^١): يا أيها الذين صدَّقوا الله وصدَّقوا رسولَه، فيما جاءهم به مِن عند ربِّهم ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يقولُ: إذا سِرْتُم مسيرًا للهِ في جهادِ أعدائِه (^٢) ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ يقولُ: فتَأَنَّوْا في قتلِ مَن أَشْكَل عليكم أمرُه، فلم (^٣) تَعْلَموا حقيقةً إسلامِه ولا كفرِه، ولا تَعْجَلوا فتَقْتُلُوا مَن الْتَبس عليكم أمرُه، ولا تَتَقَدَّموا على قتلِ أحدٍ إلا على قتلِ مَن علِمْتُموه يقينًا حربًا لكم وللهِ ولرسولِه، (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم [السَّلَمَ (^٤). يقولُ: ولا تقولوا] (^٥) لمن اسْتَسلم لكم فلم يُقاتِلْكم، مظهِرًا لكم أنه مِن أهلِ ملَّتِكم ودعوتِكم ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ فتَقْتُلوه ابتغاءَ: ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، يقولُ: طلبَ متاعِ الحياةِ الدنيا؛ فإن عندَ اللهِ مغانمَ كثيرةً مِن رزقِه، وفواضلِ نعمِه، فهو (^٦) خيرٌ لكم إن أطَعْتُم الله فيما أمرَكم به، ونهاكم عنه،\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"إذا ضربتم في سبيل الله\".\n(^٢) في ص، م: \"أعدائكم\".\n(^٣) في ص: \"فلما\".\n(^٤) في م وما سيأتي من مواضع: \"السلام\". وما أثبتناه هو القراءة التي رجحها المصنف.\n(^٥) في الأصل: \"السلم لست مؤمنا يقول\".\n(^٦) في م: \"فهى\".","vol":"7","page":351},{"text":"فأثابكم بها على طاعتِكم إياه، فالتمسوا ذلك مِن عندِه، ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: كما كان هذا الذي أَلْقَى إليكم السلمَ، فقلتم (^١) له: لستَ مؤمنًا. فقَتَلْتُموه، ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ﴾ أنتم ﴿مِنْ قَبْلُ﴾، يعنى: مِن قبلِ إعزازِ اللهِ دينَه بتُبَّاعِه وأنصارِه، تَسْتَخْفُون بدينِكم كما اسْتَخْفى هذا الذي قتَلتموه وأخَذْتم مالَه، بدينِه من قومِه، أن يُظْهِرَه لهم حذَرًا على نفسِه منهم، وقد قيل: إن معنى قولِه: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾. كنتم كفَّارًا مثلَهم ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، يقولُ: فتَفَضَّل اللهُ عليكم بإعزازِ دينِه بأنصارِه، وكثرةِ تباعِه، وقد قيل: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالتوبةِ من قتلكم هذا الذي قتَلتموه، وأخَذتم مالَه بعدَ ما ألْقَى إليكم السلمَ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، يقولُ: فلا تَعْجَلُوا بقتلِ مَن أَرَدْتُم قتلَه ممن (^٢) التبس عليكم أمرُ إسلامِه، فلعلَّ الله أن يكونَ قد منَّ عليه من الإسلامِ مثلَ الذي منَّ به عليكم، وهداه (^٣) [بمثل الذي هداكم به] (^٤) مِن الإيمانِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. يقولُ: إن الله كان بقتِلكم مَن تَقْتُلُون، وكفِّكم عمَّن تَكُفُّون عن قتِله مِن أعداءِ اللهِ وأعدائِكم، وغيرِ ذلك مِن أمورِكم وأمورِ غيرِكم ﴿خَبِيرًا﴾، يعني: ذا خِبْرٍ (^٥) وعلمٍ به، يَحْفَظُه عليكم وعليهم، حتى يُجازِىَ جميعَكم به يومَ القيامةِ جزاءَ (^٦) المحسنِ بإحسانِه والمسيءِ بإساءتِه.\n_________\n(^١) في م: \"فقلت\".\n(^٢) في الأصل: \"من\".\n(^٣) في ص: \"هدى\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"لمثل الذي هداكم له\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"خبرة\". والخِبْر والخُبر والخبرة: العلم بالشيء. اللسان (خ ب ر).\n(^٦) في الأصل، س: \"جزاه\".","vol":"7","page":352},{"text":"وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت في سببِ قتيلٍ قتَلته سَرِيَّةٌ لرسولِ اللهِ ﷺ بعدَ ما قال: إنى مسلمٌ. أو بعدَ ما شهِد شهادةَ الحقِّ، أو بعد ما سلَّم عليهم؛ لغنيمةٍ كانت معَه، أو غيرِ ذلك مِن مِلْكِه، فأخَذوه منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2161>ذكرُ الروايةِ والآثارِ بذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: بعَث رسولُ اللهِ ﷺ مُحَلِّمَ بنَ جثَّامةَ مبعثًا، فلقِيهم عامرُ بنُ الأَضْبَطِ، فحيَّاهم بتحيةِ الإسلامِ، وكانت بينهم حِنَةٌ (^١) في الجاهليةِ، فرمَاه مُحَلِّمٌ بسهمٍ فقتَله، فجاء الخبرُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فتكلَّم فيه عُيَيْنَةُ والأقْرَعُ، فقال الأَقْرَعُ: يا رسولَ اللهِ، سُنَّ اليومَ وغيِّرْ غدًا، فقال عُيَيْنَةُ: لا واللهِ، حتى تَذُوقَ نساؤُه مِن الثُّكْلِ مثلَ (^٢) ما ذاق نسائى، فجاء مُحَلِّمٌ في بُرْدَيْنِ (^٣)، فجلَس بين يَدَى رسولِ اللهِ ﷺ ليَسْتَغْفِرَ له، فقال له النبيُّ ﷺ: \"لا غفَر اللهُ لك! \" فقام وهو يَتَلَقَّى دموعَه ببُرْدَيْهِ، فما مضَت به ساعةٌ (^٤) حتى مات ودَفنوه، فلفَظته الأرضُ، فجاءوا إلى النبيِّ ﷺ، فذكروا ذلك له، فقال: \"إن الأرْضَ تَقْبَلُ مَن هو شَرٌّ مِن صاحبِكم، وَلَكِنَّ الله أَرَادَ أن [يُعَظِّمَ من حُرْمَتِكم\"] (^٥) ثم طرَحوه بين صَدَفَىْ (^٦) جبلٍ، وألْقَوْا عليه من الحجارةِ، ونزَلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ\n_________\n(^١) في م: \"إحنة\"، والمثبت كما في باقى النسخ. والحنة: العداوة، وهي لغة قليلة في الإحنة. النهاية (ح ن ن)، واللسان (أ ح ن).\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٣) في ص: \"برد\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"سابعة\".\n(^٥) في م: \"يعظكم\".\n(^٦) صدفا الجبل: جانباه المتحاذيان. الوسيط (ص د ف).","vol":"7","page":353},{"text":"اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بن (^٢) عبدِ اللهِ بن قُسَيْطٍ، عن أبي القعقاعِ بن عبدِ اللهِ بن أبي حَدْرَدٍ الأَسْلَميِّ، عن أبيه عبد اللهِ بن أبي حَدْرَدٍ، قال: بعَثنا رسولُ اللهِ ﷺ إلى إِضَمٍ (^٣) فَخَرَجت في نفرٍ مِن المسلمين فيهم أبو قتادةَ الحارثُ بنُ رِبْعِيٍّ، ومُحَلِّمُ بن جَثَّامَةَ بن قيسٍ الليثيُّ، فخرَجنا حتى إذا كنا ببطنِ إِضَمٍ، مرَّ بنا عامرُ بنُ الأضبطِ الأَشْجَعيُّ على قعودٍ (^٤) له، معه مُتَيِّعٌ (^٥) له ووَطْبٌ (^٦) مِن لبنٍ، فلمَّا مرَّ بنا سلَّم علينا بتحيةِ الإسلامِ، فأمْسَكنا عنه، وحمَل عليه مُحَلِّمُ بنُ جَثَّامَةَ الليثيُّ لشيءٍ كان بينه وبينه، فقتَله وأخَذ بعيَره ومُتَيِّعَه؛ فلمَّا قدِمْنا على رسولِ اللهِ ﷺ فأخْبَرناه (^٧) الخبرَ، نزَل فينا القرآن: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيلِ اللهِ فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلمَ لست مؤمنًا) الآية (^٨).\nحدَّثني هارونُ بنُ إدريسَ الأصمُّ، قال: ثنا المُحاربيُّ عبدُ الرحمنِ بن محمدٍ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٠ إلى المصنف.\n(^٢) في م: \"عن\".\n(^٣) إضم: وادٍ دون المدينة. معجم ما استعجم ١/ ١٦٥، ١٦٦.\n(^٤) القعود: البعير المتخذ للركوب. شرح غريب السيرة ٣/ ١٧٣.\n(^٥) المتيع: تصغير المتاع.\n(^٦) الوطب: الزق الذي يكون فيه السمن واللبن، وهو جلد الجذع فما فوقه. النهاية ٥/ ٢٠٣.\n(^٧) في م: \"وأخبرناه\".\n(^٨) أخرجه المصنف في تاريخه ٣/ ٣٥، ٣٦ عن ابن حميد به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٥٤٧، وأحمد ١١/ ٢٩١ - ميمنية، وابن أبي حاتم ٣/ ١٠٤٠ (٥٨٢٦)، والبيهقي في الدلائل ٤/ ٣٠٥، والواحدى في أسباب النزول ص ١٢٩ من طرق عن ابن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٩، ٢٠٠ إلى ابن سعد وابن المنذر وأبي نعيم في الدلائل.","vol":"7","page":354},{"text":"عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيْطٍ، عن ابن (^١) أَبي حَدْرَدٍ الأَسْلَميِّ، عن أبيه بنحوِه (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرِو [بن دينارٍ] (^٣)، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لحِق ناسٌ مِن المسلمين (^٤) رجلًا في غُنَيْمَةٍ له، فقال: السلامُ عليكم فقتلوه، وأخذوا تلك الغُنيمةَ، فنزَلت هذه الآيةُ: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَض الحيَاةِ الدُّنْيا): تلك الغُنيمةَ (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ بنحوِه (^٦).\n[حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، سمِع عطاءً، عن ابن عباسٍ، قال: لحِق المسلمون رجلًا، ثم ذكَر مثلَه] (^٧) (٦).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ بن سليمانَ (^٨)، عن إسرائيلَ، عن\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٠ (٥٨٢٦) من طريق المحاربي عن ابن إسحاق به، وأخرجه أيضًا ٣/ ١٠٤٠ (٥٨٢٧)، والبيهقى في الدلائل ٤/ ٣٠٦ من طريق ابن إسحاق عن يزيد عن ابن حدرد الأسلمي عن أبيه، وعن أبي حدرد عن أبيه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٠ إلى ابن إسحاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبغوى في معجمه.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٤) في الأصل: \"الناس\".\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٧٧ - تفسير)، والبخارى (٤٥٩١)، ومسلم (٣٠٢٥/ ٢٢)، وأبو داود (٣٩٧٤)، والنسائى في الكبرى (١١١١٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣٩ (٥٨٢٥) من طرق عن ابن عيينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٠.\n(^٧) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٨) في الأصل: \"سليم\". وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٣٦.","vol":"7","page":355},{"text":"سمَاكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: مرَّ رجلٌ من بنى سُلَيْمٍ على نفرٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ وهو في غنمٍ له، فسلَّم عليهم، فقالوا: ما سلَّم عليكم إلا ليتعوَّذَ منكم، فعَمدوا إليه فقتَلوه، وأخَذوا غنمَه، فأَتَوْا بها رسولَ اللهِ ﷺ، فأَنزل اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى آخرِ الآية (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [عبدُ اللهِ] (^٢)، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﵇ مثلَه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان الرجلُ يَتَكَلَّمُ بالإسلامِ ويُؤْمِنُ باللهِ والرسولِ، ويكونُ في قومِه، فإذا جاءت سَرِيَّةُ محمدٍ ﷺ أخْبَر بها حيَّه، يعنى قومَه، ففرُّوا (^٤)، وأقام الرجلُ لا يَخَافُ المؤمنين مِن أجلِ أنه على (^٥) دينِهم حتى يَلْقاهم، فيُلْقِى إليهم بالسلام، فيقولُ المؤمنون: لست مؤمنًا - وقد ألقى السلام - فيَقْتُلُونه، فقال اللهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ١٢٥، ١٢/ ٣٧٧، ومن طريقه ابن حبان (٤٧٥٢) عن عبد الرحيم بن سليمان به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ١٢٥، ١٢/ ٣٧٨، وأحمد ٣/ ٤٦٧، ٤/ ٢٧١، ٥/ ١٢٨ (٢٠٢٣، ٢٤٦٢، ٢٩٨٦)، والترمذى (٣٠٣٠)، والطبراني (١١٧٣١) من طرق عن إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وينظر تفسير ابن كثير ٢/ ٣٣٧.\n(^٢) في م: \"عبيد الله\"، وكل من عبيد الله بن موسى، وعبد الله بن إدريس يروى عن إسرائيل ويروى عنه سفيان بن وكيع ينظر تهذيب الكمال ١١/ ٢٠٠.\n(^٣) أخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ١٢٨ عن أبي كريب عن عبد الله عن إسرائيل به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٣٥، وعنه البيهقى ٩/ ١١٥ عن محمد بن مهران عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل به.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، س.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.","vol":"7","page":356},{"text":"﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. يعني: تَقْتُلونه إرادةَ أن يَحِلُّ لكم مالُه الذي وُجد (^١) معَه، وذلك عرضُ الدنيا، فإن عندى مغانمَ كثيرةً، فالْتَمِسوا مِن فضلِ اللهِ، وهو رجلٌ اسمُه مِرْدَاسٌ جلا (^٢) قومُه هاربين مِن خيلٍ بعَثها رسولُ اللهِ ﷺ عليها رجلٌ من بنى ليثٍ اسمُه قليبٌ، ولم يُجَامِعهم وإذا لَقِيهم مِرْدَاسٌ، فسلَّم عليهم قتَلوه، فأمَر رسولُ اللهِ ﷺ لأهلِه بدِيَتِه، وردَّ عليهم (^٣) مالَه، ونَهَى المؤمنين عن مثلِ ذلك (^٤).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية، قال: هذا الحديثُ في شأنِ مِرْداسٍ رجلٍ مِن غَطَفانَ ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ، بَعث جيشًا عليهم غالبٌ الليثيُّ إلى أهلِ فَدَكَ، وبه ناسٌ مِن غَطَفَانَ وكان مِرْدَاسٌ منهم، ففرَّ أصحابُه، فقال مرداسٌ: إني مؤمنٌ وإنى غيرُ مُتَّبِعِكم، فصبَّحَتْه الخيلُ غدوةً، فلمَّا لَقُوه سلَّم عليهم مِرْداسٌ، فدعاه (^٥) أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ فقتلوه، وأخَذوا ما كان معه مِن متاعٍ، فأنْزل اللهُ تعالى في شأنِه (لَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)؛ لأن تحيةَ المسلمين السلامُ، بها يَتَعارفون، وبها يُحَيِّى بعضُهم بعضًا (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) في ص، م: \"وجدتم\".\n(^٢) في الأصل: \"خلا\"، وفى ص: \"حلا\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إليهم\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤١ (٥٨٣١، ٥٨٣٢) مقتصرا على شطره الثاني، من طريق محمد بن سعد به.\n(^٥) في م: \"فتلقوه\"، وفى الدر المنثور: \"فرماه\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٠ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"7","page":357},{"text":"السُّدِّيِّ: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبتُم فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَينُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلقَى إِليكم السَّلم لَسْتَ مؤمنًا تَبتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِن قَبلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيكُم فَتَبَيَّنُوا): بعَث رسولُ اللهِ ﵇ سَرِيَّةً عليها أسامةُ بنُ زيدٍ إلى بنى ضَمْرَةَ، فَلَقُوا رجلًا منهم يُدْعَى مِرْداسَ بنَ نَهِيكٍ معَه غُنَيْمَةٌ له وجملٌ أحمرُ، فلمَّا رآهم أوَى إلى كهفِ جبلٍ، واتَّبعه أسامةُ، فلمَّا بلَغ مرداسٌ الكهفَ وضَع فيه غنمَه، ثم أقبل إليهم فقال: السلامُ عليكم، أشْهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأن محمدًا رسولُ اللهِ، فشدَّ عليه أسامةُ فقتَله مِن أجلِ جملِه وغُنَيمتِه (^١)، وكان النبيُّ ﷺ إذا بعَث أسامةَ أحبَّ أن يُثْنَى عليه خيرًا، ويَسْأَلُ عنه أصحابَه، فلمَّا رجَعوا لم يَسْأَلهم عنه، فجعَل القومُ يُحَدِّثون النبيَّ ﷺ ويقولون: يا رسولَ اللهِ، لو رأيت أسامةَ ولَقِيه رجلٌ، فقال الرجلُ: لا إله إلا الله محمدٌ رسولُ اللهِ، فشدَّ عليه فقتله؟ وهو معرضٌ عنهم، فلمَّا أكْثَروا عليه، رفَع رأسه إلى أسامةَ فقال: \"كيف أنت ولا إلهَ إلا اللهُ؟ \" فقال: يا رسولَ اللهِ، إنما قالها مُتَعَوِّذًا (^٢)، تَعَوّذ بها. فقال له رسول اللهِ ﷺ: \"هلا شقَقْتَ عن قلبِه فنظَرتَ إليه؟ \" قال: يا رسولَ اللهِ، إنما قلبُه بَضْعَةٌ مِن جسدِه، فأَنْزَلَ اللهُ خبر هذا، وأخبره إنما قتَله مِن أجلِ جملِه وغنمِه، فذلك حين يقولُ: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. فلمَّا بلغ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ تاب (^٣) اللهُ عليكم، فحلَف أسامةُ أن لا يُقاتِلَ رجلًا يقولُ: لا إله إلا اللهُ. بعدَ ذلك الرجلِ، وما لقِى مِن رسولِ اللهِ ﷺ (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل: \"غنمه\".\n(^٢) بعده في الأصل: \"و\".\n(^٣) في م، والدر المنثور: \"فتاب\".\n(^٤) أخرج بعضه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٢ (٥٨٤٠) من طريق أحمد بن مفضل به. وعزاه =","vol":"7","page":358},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا). قال: بلغني أن رجلًا من المسلمين أغار على رجلٍ من المشركين، فحمَل عليه، فقال له المشركُ: إنى مسلمٌ (^١)، لا إلهَ إلا اللهُ. فقتَله المسلمُ بعد أن قالها، فبلَغ ذلك النبيَّ ﷺ، فقال للذى قتَله: \"أقتَلْتَه وقد قال: لا إله إلا اللهُ؟ \". فقال - وهو (^٢) يَعْتَذِرُ -: يا نبيَّ اللهِ إنما قالها مُتَعَوِّذًا وليس كذلك. فقال النبيُّ ﷺ: \"فَهَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟ \". ثم مات قاتلُ الرجلِ فقُبِر، فلفَظته الأرضُ، فذُكِر ذلك للنبيِّ ﵇، فأمَرهم أن يَقْبُروه، ثم (^٣) لفَظته الأرضُ، حتى فُعِل به ذلك ثلاثَ مرَّاتٍ، فقال النبيُّ ﷺ: \"إن الأرْضَ أبت أن تَقْبَلَه فَأَلْقُوه في غارِ مِن الغِيرانِ\". قال مَعْمَرٌ: و(^٤) قال بعضُهم: \"إن الأرضَ تَقْبَلُ مَن هو شرٌّ منه، ولكن الله جعَله لكم عبرةً (^٥) \".\nحدَّثنا محمدُ بن بشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ: أن قومًا مِن المسلمين لقُوا رجلًا مِن المشركين في غُنَيْمَةٍ فقال: السلامُ عليكم، إنى مؤمنٌ. فظنُّوا أنه يَتَعوَّذُ بذلك، فقتَلوه، وأخَذوا غُنَيْمَتَه، قال: فأنْزَل اللهُ جل ثناؤُه: (ولَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيا): تلك الغُنَيْمَةَ ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ (^٥).\n_________\n= السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٠ إلى المصنف.\n(^١) بعده في م: \"أشهد أن\".\n(^٢) في الأصل: \"مر\".\n(^٣) بعده في الأصل: \"قد\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٨، ١٦٩.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤١ (٥٨٣٦) من طريق أبي أحمد به، وأخرج أوله أيضًا (٥٨٣٠) معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠١ إلى المصنف.","vol":"7","page":359},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حبيبَ بن (^١) أبي عَمْرَةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾. قال: خرَج المقدادُ بنُ الأسودِ في سريَّةٍ بعَثه رسولُ اللهِ ﷺ، قال: فمرُّوا برجلٍ في غُنَيْمَةٍ له، فقال: إنى مسلمٌ. فقتله المقدادُ (^٢)، فنزَلت هذه الآيةُ: (ولَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا، تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحيَاةِ الدُّنْيَا). قال: الغُنَيْمَةَ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، نزَل ذلك في رجلٍ قتَله أبو الدرداءِ، فذكَر من قصَّةِ أبي الدرداءِ نحوَ القصةِ التي ذُكِرت عن أسامةَ بن زيدٍ، وقد ذكَرت ذلك (^٤) في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾. ثم قال في الخبرِ: ونزَل القرآنُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ [غنمَه التي كانت عرضَ الحياةِ الدنيا ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾. خيرٌ من تلك الغنمِ] (^٥)، إلى قولهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا\n_________\n(^١) في الأصل: \"عن\" محرفة. وينظر تهذيب الكمال ٥/ ٣٨٦.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"الأسود\". وبعده في م: \"فلما قدموا ذكروا ذلك للنبي ﷺ \".\n(^٣) وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ١٢٤، ١٢/ ٣٧٧، والواحدى في أسباب النزول ص ١٢٨ عن وكيع به، وأخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده (٣ - بغية) من طريق سفيان به.\n(^٤) سقط من: ص، م.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠١ إلى المصنف.","vol":"7","page":360},{"text":"[تبتغون عرضَ الحياة الدنيا)] (^١) قال: راعى غنمٍ، لقِيه نفرٌ من المؤمنين، فقتَلوه وأخَذوا ما معَه، ولم يَقْبَلوا منه: السلامُ عليكم، فإنى مؤمنٌ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ بن أبي طلحةَ عن ابن عباسٍ قولَه: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا). قال: حرَّم اللهُ على المؤمنين أن يقولوا لمن شهِد أن لا إلهَ إلا اللهُ: لستَ مؤمنًا. كما حرَّم عليهم الميتةَ، فهو آمنٌ على مالِه ودمِه، فلا تَرُدُّوا عليه قولَه (^٣).\nواخْتَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ المكيِّين (^٤) والمدنيِّين وبعضُ الكوفيِّين والبصريِّين: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾. بالياءِ (^٥) والنونِ مِن التبيُّنِ (^٦)، بمعنى: التأنِّي والنظرِ والكشفِ عنه حتى يَضِحَ، وقرَأ ذلك عظمُ قَرَأَةِ الكوفيين: (فتَثَبَّتُوا) (^٧) بمعنى التثبُّتِ الذي هو خلافُ العَجَلةِ.\nوالقولُ عندنا في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قَرَأَةِ المسلمين بمعنًى واحدٍ وإن اخْتَلَفت بهما الألفاظُ؛ لأن المتثبِّتَ مُتَبَيِّنٌ، والمُتبيِّنَ متثبِّتٌ، فبأيِّ القراءتين قرَأ القارئ فمصيبٌ صوابَ القراءةِ في ذلك.\nواخْتَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾؛ فقرَأ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٨٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٠ (٥٨٢٩) من طريق أبي صالح به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠١ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في الأصل، ص، ت ٢: \"الكوفيين\".\n(^٥) في الأصل، م: \"بالباء\". وكلاهما محتمل، وينظر الحجة ص ٢٠٩.\n(^٦) قرأ بها العشرة غير حمزة والكسائى وخلف. النشر، ٢/ ١٨٩، والإتحاف ص ١١٦.\n(^٧) قرأ بها حمزة والكسائى وخلف. المصدران السابقان.","vol":"7","page":361},{"text":"ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ المكيين والمدنيين والكوفيين: (السَّلَمَ) [بفتحِ السينِ واللامِ] (^١) بغيرِ ألفٍ (^٢)، بمعنى الاستسلامِ، وقرَأه بعضُ الكوفيين والبصريين (السلامَ) بالألفِ، بمعنى التحيَّةِ (^٣).\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندنا (^٤): (لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ). بمعنى: مَن اسْتَسلم لكم مُذْعِنًا للهِ بالتوحيدِ مُقِرًّا لكم بملَّتِكم.\nوإنما اخْتَرنا ذلك؛ لاختلافِ الرواية في ذلك؛ فمن راوٍ روَى أنه اسْتَسلم بأن شهِد شهادةَ الحقِّ وقال: إنى مسلمٌ. ومِن راوٍ روَى أنه قال: السلامُ عليكم. فحيَّاهم تحيةَ الإسلامِ، ومن راوٍ روى أنه كان [مسلمًا بإسلامٍ] (^٥) قد تقدَّم منه قبلَ قتِلهم إيَّاه، وكلُّ هذه المعانى يَجْمَعُها السَّلَمُ؛ لأن المسلمَ مستسلِمٌ، والمحيِّىَ بتحيةِ الإسلامِ مستسلمٌ، والمتشهِّدَ (^٦) شهادةَ الحقِّ مستسلمٌ لأهلِ الإسلامِ، فمعنى السَّلَمِ جامعٌ جميعَ المعانى التي رُوِيت في أمرِ المقتولِ الذي نزَلت في شأنِه هذه الآيةُ، وليس ذلك في السلامِ؛ لأن السلامَ لا وجهَ له في هذا الموضعِ إلا التحيةُ، فلذلك وصَفنا السَّلَمَ بالصوابِ.\nواخْتَلف أهلُ التأويل في تأويل قولِه: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألْقَى [السَّلَمَ إليكم] (^٧)\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) قرأ بها نافع وأبو جعفر، وابن عامر، وحمزة، وخلف. النشر ٢/ ١٨٩، والإتحاف ص ١١٦.\n(^٣) قرأ بها ابن كثير، وعاصم، والكسائي، ويعقوب. المصدران السابقان.\n(^٤) كلتا القراءتين متواترة.\n(^٥) في ص، ت ٢، س: \"متكلما بالإسلام\".\n(^٦) في الأصل: \"المستشهد\".\n(^٧) في م، ص، ت ١، س: \"إليكم السلام\".","vol":"7","page":362},{"text":"مُسْتَخْفِيًا في قومه بدينِه؛ خوفًا على نفسِه منهم (^١)، كنتم أنتم مستخفِينَ بأديانِكم من قومِكم؛ حذَرًا على أنفسِكم منهم، فمنَّ اللهُ عليكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2162>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرَنا ابن جُريجٍ، قال: أخبرني عبدُ اللهِ بنُ كَثِيرٍ، عن سعيدٍ بن جُبيرٍ في قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: كذلك كنتم من قبلُ تَسْتَخْفُون بإيمانكم كما اسْتَخفى هذا الراعي بإيمانِه (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حبيب بن أبي عَمْرَةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾: تَكْتُمون إيمانَكم في المشركينَ (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: كما كان هذا الذي قتلتموه بعدَ ما ألْقَى إليكم السَّلَمَ كافرًا (^٤) كنتم كفَّارًا، فهداه اللهُ (^٥) كما هداكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2163>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، س: \"منكم\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٠.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤١ (٥٨٣٥) من طريق الحسن بن يحيى عنه به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ١٢٤، ١٢٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤١ (٥٨٣٤) من طريق وكيع عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) سقط من: الأصل، ص، س.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.","vol":"7","page":363},{"text":"﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: كفَّارًا مثلَه ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾.\nوأَوْلى هذين القولينِ بتأويلِ الآيةِ القولُ الأوّلُ، وهو قولُ مَن قال: كذلك كنتُم من قبلُ تُخْفُون إيمانكم في قومِكم مِن المشركينَ، وأنتم مقيمون بينَ أظهرِهم، كما كان هذا الذي قتلتموه مقيمًا بينَ أظهرِ قومِه مِن المشركين، مستخفيًا بدينه منهم.\nوإنما قلنا: هذا التأويلُ أَوْلَى بالصواب؛ لأن الله إنما عاتب الذين قتَلوه مِن أهلِ الإيمان بعدَ إلقائِه إليهم السَّلَمَ، ولم يُقَدْ به قاتلوه لِلَّبْسِ الذي كان دخَل في أمرِه على قاتليه بمُقامِه بين أظهرِ قومِه مِن المشركين، وظنِّهم أنه ألقى السَّلَمَ إلى المؤمنين تعوُّذًا منهم، ولم يُعاتِبْهم على قتلِهم إيَّاه مشركًا، فيقالُ: كما كان كافرًا كنتُم كفَّارًا، بل لا وجه لذلك؛ لأن الله جل ثناؤُه لم يُعاتِبْ أحدًا مِن خلقِه على قتلِ محاربٍ للهِ ولرسولِه مِن أهلِ الشركِ بعدَ إذنِه له بقتلِه.\nواختلف أيضًا أهل التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فمَنَّ اللهُ عليكم بإظهارِ دينِه، وإعزازِ أهلِه، حتى أظهروا الإسلامَ بعدَ ما كانوا يَكْتُمونه مِن أهلِ الشركِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2164>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حبيبِ بن أبي عَمْرَةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: فأظْهَر الإسلامَ (^١).\nوقال آخَرون: معنى ذلك: فمنَّ اللهُ عليكم، أيها القاتلون الذي ألقى إليكم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ١٢٤، ١٢٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٢ (٥٨٣٨) من طريق وكيع به.","vol":"7","page":364},{"text":"السَّلَمَ طَلَبَ عَرَضِ الحياةِ الدنيا بالتوبةِ مِن قتلِكم إيَّاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2165>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: تاب اللهُ عليكم (^١).\nوأَوْلى التأويلين في ذلك بالصوابِ، التأويلُ الذي ذكَرْنا عن سعيدِ بن جُبيرٍ؛ لما ذكَرْنا مِن الدلالةِ على أن معنى قولِه: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾. ما وصَفْنا مِن (^٢) قبلُ، فالواجبُ أن يكونَ عَقِيبَ ذلك: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. برفعِ ما كنتم فيه مِن الخوفِ مِن أعدائِكم عنكم بإظهارِ دينِه، وإعزازِ أهله، حتى أمْكَنكم إظهارُ ما كنتم تَسْتَخْفُون به، مِن توحيدِه وعبادتِه، حذارًا (^٣) مِن أهلِ الشركِ.\n\n<span id=\"aya-588\"></span><span data-type='title' id=toc-2166>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾: لا يَعْتَدِلُ المتخلِّفون عن الجهادِ في سبيلِ اللهِ من أهلِ الإيمانِ باللهِ وبرسولِه، المُؤْثِرون الدَّعَةَ والخَفْضَ والقعودَ في منازلِهم، على مقاساةِ حُزُونةِ (^٤) الأسفارِ، والسيرِ في الأرضِ، ومشقَّةِ ملاقاةِ أعداءِ اللهِ بجهادِهم في ذاتِ اللهِ، وقتالِهم في طاعةِ اللهِ، إلا أهلُ العذرِ منهم بذَهَابِ أبصارهم، وغير\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٢ (٥٨٤٠) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ص، م، ت ٢: \"حذرًا\".\n(^٤) في الأصل: \"حروبهم\". والحزونة: الخشونة. اللسان (ح ز ن).","vol":"7","page":365},{"text":"ذلك مِن أهلِ (^١) العللِ التي لا سبيلَ لأهلها - للضررِ الذي بهم - إلى قتالِهم وجهادِهم في سبيلِ اللهِ، والمجاهدون في سبيلِ اللهِ، ومنهاجِ دينِه؛ لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا، المستفرِغون طاقتَهم في قتالِ أعداءِ اللهِ وأعداءِ دينِه (^٢) بأموالهم، إنفاقًا لها فيما أوْهَن كيدَ أعداء أهل الإيمان باللهِ وبأنفسِهم، مباشرةً بها قتالَهم، بما تكونُ به كلمةُ اللهِ العاليةَ، وكلمةُ الذين كفَروا السافلةَ.\nواخْتَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ ومكةَ والشامِ (غيرَ أُولى الضَّرَرِ) نصبًا (^٣)، بمعنى: إلا أولى الضررِ. وقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ أهل العراقِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ برفعِ \"غير\" على مذهبِ النعتِ للقاعدين (^٤).\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا: (غيرَ أُولى الضَّرَرِ). بنصبِ \"غير\"؛ لأن الأخبارَ متظاهرةٌ بأن قولَه: (غيرَ أُولى الضَّرَرِ). نزَل بعدَ قولِه: (لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ والمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ). استثناءً مِن قوله: لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2167>ذكرُ (^٥) الأخبارِ الواردةِ بذلك</span>\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهَضَمِيُّ، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بن سليمان، عن أبيه، عن أبي\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٢) في م: \"دينهم\".\n(^٣) قرأ بها نافع وأبو جعفر والكسائي وابن عامر وخلف. السبعة لابن مجاهد ص ٢٣٧، والنشر ٢/ ١٨٩.\n(^٤) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة ويعقوب. المصدر السابق.\n(^٥) بعده في م: \"بعض\".","vol":"7","page":366},{"text":"إسحاقَ، عن البراءِ، أن رسولَ الله ﷺ قال: \"ائتونى بالكتفِ واللوحِ، فكتب: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمجاهِدُونَ) وعمرُو بنُ أُمِّ مكتومٍ خلفَ ظهرِه، فقال: هل لى مِن رخصةٍ يا رسولَ اللهِ؟ فنزَلت (غيرَ أُولى الضَّرَرِ) \" (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. جاء ابن أُمٍّ مكتومٍ وكان أعمَى، فقال: يا رسول اللهِ، كيف وأنا أعمى؟ فما برِح حتى نزَلت: (غيرَ أُولى الضَّرَرِ) (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي (^٣) إسحاقَ، عن البراءِ بن عازبٍ في قولِه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قال: لمَّا نزَلت جاء عمرُو بنُ أُمِّ مكتومٍ إلى النبيِّ ﵇، وكان ضريرَ البصرِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، ما تَأْمُرُني، فإنى ضريرُ البصرِ، فأنْزَل اللهُ هذه الآيةَ، فقال: \"ائتوني بالكتف (^٤) والدواةِ، أو اللوحِ وَالدواةِ\" (^٥).\nحدَّثني [إسماعيلُ بنُ إسرائيلَ السلالُ (^٦) الرَّمْليُّ] (^٧)، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (١٦٧٠)، والنسائي (٣١٠١)، وابن حبان (٤١) عن نصر بن علي الجهضمى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٢ إلى ابن سعد، وعبد بن حميد، وابن الأنبارى في المصاحف، والبغوى في معجمه.\n(^٢) أخرجه النسائي (٣١٠٢) عن محمد بن عبيد، عن أبي بكر بن عياش به.\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"ابن\". وهو تحريف. وقد ورد على الصواب مرارا.\n(^٤) الكتف: عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان، كانوا يكتبون فيه؛ لقلة القراطيس عندهم. النهاية (ك ت ف).\n(^٥) أخرجه أحمد ٤/ ٢٩٠، ٢٩٩ (١٨٥٧٩، ١٨٦٧١ - ميمنية)، والترمذى (٣٠٣١) من طريق وكيع به، وأخرجه الطحاوى في المشكل (١٥٠٢) من طريق الفريابي عن سفيان به.\n(^٦) في ص: \"الدلال\". وانظر السابق.\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢، س: \"محمد بن إسماعيل بن إسرائيل الدلال المصري\". وانظر ترجمته في الجرح والتعديل ٢/ ١٥٨ (٥٣٣).","vol":"7","page":367},{"text":"ابن المغيرةِ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ أنه قال: لمَّا نزَلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. كلَّمه ابن أُمِّ مكتومٍ، فأُنْزِلت (غيرَ أُولى الضَّرَرِ) (^١).\nحدَّثنا محمدُ بن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي (^٢) إسحاقَ أنه سمِع البراءَ يقولُ في هذه الآيةِ: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) (^٣): فأمَر رسولُ اللهِ ﷺ زيدًا، فجاء بكتفٍ فكتَبها، قال: فشكا إليه ابن أُمِّ مكتومٍ ضرارتَه (^٤)، فنزَلت: (لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ) (^٥).\nقال شعبةُ: وأخبرنى سعدُ (^٦) بنُ إبراهيمَ، عن أبيه، عن رجلٍ، عن زيدٍ في هذه الآيةِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ مثلَ حديثِ البَرَاءِ.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن أبي سِنَانٍ الشَّيبانيِّ، عن أبى (٢) إسحاقَ، عن زيد بن أَرْقَمَ، قال: لَمَّا نزَلتْ: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ). جاء ابن أمِّ مكتومٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨٩٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤١٣ (٥٨٤٥) من طريق مسعر به.\n(^٢) في م: \"ابن\".\n(^٣) بعده في ص، م: \"قال\".\n(^٤) في الأصل: \"ضرره\". والضرارة: العمى. وهى من الضُّرِّ: سوء الحال. التاج (ض ر ر).\n(^٥) أخرجه مسلم (١٨٩٨) عن ابن المثنى وابن بشار، عن محمد بن جعفر به، وأخرجه الطيالسى (٧٤٠)، والبخارى (٢٨٣١، ٤٥٩٣)، والواحدى في أسباب النزول ص ١٣١، وغيرهم من طرق عن شعبة به.\n(^٦) في الأصل: \"سعيد\".","vol":"7","page":368},{"text":"مالى من (^١) رخصةٍ؟ فقال (^٢): لا. قال ابن أُمِّ مكتومٍ: اللهمَّ، إنى ضريرٌ فرَخِّصْ لى، فأَنْزل اللهُ: (غيرَ أُولى الضَّرَرِ)، فأمَر (^٣) رسولُ اللهِ ﷺ فكتَبها، يعنى: الكاتبَ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، عن عبدِ الرحمنِ بن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن سهلِ بن سعدٍ (^٥)، قال: رأيتُ مروانَ بنَ الحكمِ جالسًا، فجئتُ حتى جلَستُ إليه، فحدَّثنا أن زيدَ بنَ ثابتٍ حدَّثه \"أن رسولَ الله ﷺ أملَى (^٦) عليه: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والمجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ). قال: فجاء ابن أُمِّ مكتومٍ وهو يُمْلِيها عليَّ، فقال: يا رسولَ اللهِ، لو أستطيعُ الجهادَ لجاهدْتُ، قال: فأَنزل اللهُ عليه وفخذُه على فخذِي، فثقُلت [حتى ظنَنْتُ أن سترضُّ] (^٧) فخذى، ثم سُرِّى عنه، فقال: (غَيْرَ أُوْلِى الضَّرَرِ) (^٨).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"قال\".\n(^٣) في ص، م: \"وأمر\".\n(^٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٥٠٥٣) من طريق أبي كريب به، وانظر الفتح ٨/ ٢٦١.\n(^٥) في الأصل: \"سعيد\". وهو تحريف.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"أنزل\".\n(^٧) في ص م: \"فظننت أن ترض\". ورَضّ الشيء يرُضُّه رضًّا: كسره. اللسان (ر ض ض).\n(^٨) أخرجه النسائي (٣٠٩٩) عن محمد بن عبد الله بن بزيع - وحده - به، وأخرجه ابن سعد ٤/ ٢١٢، والطبراني (٤٨١٤) من طريق بشر بن المفضل به، وأخرجه الطبراني (٤٨١٥) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق به، وأخرجه ابن سعد ٤/ ٢١١، وأحمد ٥/ ١٨٤ (٢١٦٤٢ - ميمنية)، والبخاري (٢٨٣٢، =","vol":"7","page":369},{"text":"الزُّهْريِّ، عن قبيصَةَ بن ذُؤَيْبٍ، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: \"كنتُ أَكْتُبُ لرسولِ اللهِ ﷺ، فقال: \"اكْتُبْ: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ فِي سَبِيل اللهِ) \". فجاء عبدُ اللهِ بنُ أُمِّ مكتومٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إني أُحِبُّ الجهادَ في سبيلِ اللهِ، ولكنَّ بى مِن الزَّمانةِ ما قد تَرَى، قد ذهب بصَرِى، قال زيدٌ: فثقُلت فَخِذُ رسولِ اللهِ ﵇ على فخذى حتى خشِيتُ أن تَرُضَّها، ثم قال: \"اكْتُبُ: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (^١) \".\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابن جُريجٍ، قال: أخبرني عبدُ الكريمِ أن مِقْسمًا مولى عبدِ اللهِ بن الحارثِ أَخْبَرَه أن ابنَ عباسٍ أخْبَره، قال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. عن بدرٍ والخارجون إلى بدرٍ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ [عن ابن جريجٍ] (^٣)، قال: أخبرني عبدُ الكريمِ أنه سمع مِقْسَمًا يُحَدِّثُ عن ابن عباسٍ، أنه سمِعه يقولُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. عن بدرٍ والخارجون إلى بدرٍ. لمَّا [نزَل غزو بدرٍ] (^٤)، قال عبدُ اللهِ بنُ أُمِّ مكتومٍ وأبو أحمدَ بنُ جحشِ بن قيسٍ الأسديُّ: يا رسولَ اللهِ،\n_________\n= ٤٥٩٢)، والترمذى (٣٠٣٣)، والنسائي (٣١٠٠)، وابن الجارود (١٠٣٤)، والطحاوي في المشكل (١٤٩٧)، والبيهقى ٩/ ٢٣ وغيرهم من طرق عن الزهرى به، وعزاه السيوطي في الدر ٢/ ٢٠٢، ٢٠٣ إلى المصنف، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبى داود، وأبي نعيم في الدلائل.\n(^١) تفسير عبد الرزاق ص ١٦٩ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٣ (٥٨٤٦) من طريق الحسن به، ومن طريقه عبد الرزاق، أخرجه أحمد ٥/ ١٨٤ (٢١٦٤١ - ميمنية)، والطبراني (٤٨٩٩).\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٣ (٥٨٤٨) عن الحسن بن يحيى به، وأخرجه البخارى (٤٥٩٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٢ (٥٨٤٤) من طريق عبد الرزاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، م، س.\n(^٤) في الأصل: \"نزل عن\". وفي م: \"نزلت غزوة\".","vol":"7","page":370},{"text":"إنَّا (^١) أعميان، فهل لنا رخصةٌ؟ فنزَلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ فسمع بذلك عبدُ اللهِ بنُ أُمِّ مكتومٍ الأعمى، فأتى رسول اللهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، قد أمرك (^٣) اللهُ في الجهادِ ما قد علِمْتَ وأنا رجلٌ ضريرُ البصرِ لا أستطيعُ الجهادَ، فهل لى مِن رُخصةٍ عندَ اللهِ إِن قعَدْتُ؟ فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: \"ما أُمِرْتُ في شأنِك بشيءٍ ولا (^٤) أَدْرِى هل يَكُونُ لك ولأصحابِك من رُخصةٍ؟ \". فقال ابن أُمٍّ مكتومٍ: اللهمَّ إنى أَنْشُدُكَ بَصَرِى! فَأَنْزَل الله بعد ذلك على رسوله ﷺ، فقال: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. إلى قولِه: ﴿عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ (^٥).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ، قال: نزَلت: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) فقال رجلٌ أعمى: يا نبيَّ اللهِ، فأنا أُحِبُّ الجهادَ ولا أَسْتَطِيعُ أَن أُجَاهِدَ، فنزَلَت: ﴿غَيْرُ أُولِي\n_________\n(^١) في م: \"إننا\".\n(^٢) أخرجه الترمذى (٣٠٣٢)، والنسائي في الكبرى (١١١١٧)، والطحاوى في مشكل الآثار (١٤٩٦)، والبيهقى ٩/ ٤٧ من طريق حجاج به، وأخرجه البخارى (٣٩٥٤) من طريق هشام عن ابن جريج به مختصرًا، وعزاه السيوطي أيضا في الدر المنثور ٢/ ٢٠٣ إلى ابن المنذر. وانظر الفتح ٨/ ٢٦٢.\n(^٣) في م: \"أنزل\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"ما\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٤ إلى المصنف.","vol":"7","page":371},{"text":"الضَّرَرِ﴾ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمِ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: حدَّثنا حُصينٌ، عن عبدِ اللهِ بن شدَّادٍ، قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ في الجهادِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال عبدُ اللهِ بنُ أُمِّ مكتومٍ: يا رسولَ اللهِ، إنى ضريرٌ كما تَرَى، فنزَلت: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ثم (^٣) عذَر اللهُ أهلَ العُذْرِ مِن الناسِ، فقال: (غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ). كان منهم ابن أُمِّ مكتومٍ، ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) إلى قولِه: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾: لمَّا ذُكِر فضلُ المجاهدين (^٥)، قال ابن أُمِّ مكتومٍ: يا رسولَ اللهِ، إنى أعمى ما (^٦) أُطِيقُ الجهادَ. فأنْزَل اللهُ فيه: (غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ) (^٧).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٤ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٨٢ - تفسير) من طريق حصين به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) بعده في ص: \"أنزل\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في ص، م: \"الجهاد\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"ولا\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٤ إلى المصنف.","vol":"7","page":372},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا [محمدُ بنُ عبدِ اللهِ] (^١) النُّفَيْليُّ، قال: ثنا زهيرُ بنُ معاويةَ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ، قال: كنتُ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال لي: \"ادْعُ لى زيدًا وقُلْ له: ائْتِ (^٢) \". أو: \"يَجِيءُ بالكَتِفِ والدواةِ\". أو \"اللوحِ والدواةِ\". الشكُّ من زُهيرٍ \"اكْتُبْ: (لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) \". فقال ابن أمِّ مكتومٍ: يا رسولَ اللهِ، إن بعينيَّ ضررًا. فنزَلت قبلَ أن يَبْرَحَ: (غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ) (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ البصريُّ (^٤)، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ بنحوهِ، إلا أنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ادعُ لى زيدًا، وَلْيَجِئْ (^٥) معه بكَتِفٍ ودَوَاةٍ، أو لوحٍ ودَوَاةٍ\" (^٦).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا [عُبيدُ اللهِ] (^٧) بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن زِيادِ بن فيَّاضٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾، قال عمرُو بن أمِّ مكتومٍ: يا ربِّ ابْتَليتنى فكيف أَصْنَعُ؟ قال: فنزَلت: (غيرَ أُولى الضَّرَرِ) (^٨).\n_________\n(^١) في الأصل: \"عبد الله بن محمد\". وفيه قلب. وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٨٨، والأنساب ٥/ ٥١٦.\n(^٢) في م: \"يأتي\".\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ٣٠١ (١٨٧٠١ - ميمنية)، والبغوى في الجعديات (٢٥٢٣) من طريق زهير عن أبي إسحاق به.\n(^٤) في ص: \"المصرى\". وهو تحريف. وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٤٩٥.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"وليجئني\".\n(^٦) أخرجه البخارى (٤٥٩٤، ٤٩٩٠) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به.\n(^٧) في الأصل: \"عبد الله\".\n(^٨) أخرجه ابن سعد ٤/ ٢١٠ من طريق عبيد الله بن موسى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"7","page":373},{"text":"[حدَّثنا سعيدُ بن الربيعِ المرائيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: قال زيدُ بن ثابتٍ، كنتُ عندَ النبيِّ ﷺ أكْتُبُ ما يُمْلى عليَّ - قال سعيدٌ: قال سفيانُ: وكان أهلُ المدينةِ يُسَمُّونه كاتب الوحي - قال: وفَخِذه على فخذى، قال: فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. اعترض ابن أُمِّ مكتومٍ، فقال النبيُّ ﷺ: \" (غيرَ أولى الضررِ) \". فثقُلت فخذُه على فخذى حتى كادت أن تُحْطَمَ] (^١).\nوكان ابن عباسٍ يقولُ في معنى: (غيرَ أُولى الضَّرَرِ) نحوًا مما قلنا.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ عن ابن عباسٍ قولَه: (غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ). قال: أهلُ الضررِ (^٢).\n[حدَّثنا ابن سنانٍ البزارُ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إدريسَ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحد بنُ زيادٍ، قال: حدَّثنا عاصمُ بن كليبٍ الجَرْميُّ، حدَّثني أبي، أن خالي الفَلَتانَ بنَ عاصمٍ حدَّثه، قال: كُنَّا قعودًا عندَ النبيِّ ﷺ فأنزل اللهُ، وكان إذا أُنْزِل عليه دام بصرُه مفتوحةً عيناه وفرَّغ سمعَه وبصرَه لمَا يأتيه من اللهِ. قال: وكُنَّا نَعْرِفُ ذلك في وجهِه. قال: فلمَّا فرَغ قال للكاتب: \"اكْتُبْ: (لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ والمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) \". إلى آخرِ الآيةِ. قال: فقام الأعمى فقال: يا رسولَ اللهِ، ما ذنبُنا؟ فأنزل اللهُ على رسولِه ﵇، فقلتُ للأعمى: إنه يُنْزَلُ عليه. قال: فخاف أن يكون فيه شيءٌ. قال:] (^٣)\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س. وقد تقدم تخريجه في ص ٣٦٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٣ (٥٨٤٧). من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٤ إلى ابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ص، م.","vol":"7","page":374},{"text":"[فبقِى قائمًا مكانَه يقولُ: أتوبُ إلى اللهِ! حتى فرَغ رسولُ اللهِ ﷺ فقال للكاتبِ: \"اكتُبْ: (غَيْرَ أُولى الضَّرَرِ) \"] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-2168>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾: فضَّل اللهُ المجاهدين بأموالِهم وأنفسِهم على القاعدين من أُولى الضررِ درجةً واحدةً، يعنى فضيلةً واحدةً، وذلك بفضلِ جهادِه بنفسه، فأمَّا فيما سوى ذلك فهما مستويان.\nكما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابن المُباركِ، أنه سمِع ابن جُريجٍ يقولُ: في: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾. قال: على أهلِ الضررِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2169>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾: وعَد (^٣) اللهُ الكلَّ من المجاهدين بأموالِهم وأنفسِهم، والقاعدين مِن أُولى الضررِ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م. وقد أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده كما في الإصابة ٥/ ٣٧٨، والبزار في مسنده (٣٦٩٩)، وأبو يعلى (١٥٨٣)، وابن حبان (٤٧١٢)، والطبراني ١٨/ ٣٣٤ (٨٥٦) من طرق عن عبد الواحد بن زياد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٣، ٢٠٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٣ (٥٨٤٩) من طريق عبدة عن ابن المبارك، عن أبي الحسن به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٤ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في الأصل: \"ووعد\".","vol":"7","page":375},{"text":"الحسنى. ويعنى جل ثناؤُه بالحسنى: الجنةَ.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. وهى الجنةُ، واللَّهُ يُؤْتى كلَّ ذى فضلٍ فضلَه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: الحسنى الجنةُ.\nوأمَّا قولُه: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. فإنه يعنى: وفضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسِهم على القاعدين مِن غيرِ أولى الضررِ أجرًا عظيمًا.\nكما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾. قال: على القاعدين مِن المؤمنين غيرِ أولى الضررِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-589\"></span><span data-type='title' id=toc-2170>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفر، ﵀: يعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾: فضائل منه ومنازل من منازلِ الكرامةِ.\nواختلف أهل التأويلِ في معنى الدرجات التي قال اللهُ ﷿: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا به بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾: كان يقالُ: الإسلام درجةٌ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٤ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٤ إلى المصنف. وينظر ما تقدم في ص ٣٧٥.","vol":"7","page":376},{"text":"[والهجرةُ في الإسلامِ] (^١) درجةٌ، والجهادُ في الهجرة درجةٌ، والقتلُ في الجهادِ درجةٌ (^٢).\nوقال آخَرون بما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: سألتُ ابن زيدٍ، عن قولِ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾. قال: الدرجاتُ: هي السبع التي ذكَرها الله في سورةِ \"براءة\": ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] فقرَأَ حتى بلغ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢١]. قال: هذه السبعُ الدرجاتِ. قال: وكان أوَّلَ شيءٍ، فكانت درجةُ الجهادِ مجملَةً، فكان الذي جاهد بمالِه له اسمٌ في هذه، فلمَّا جاءت هذه الدرجاتُ [والتفضيلُ] (^٣) أُخْرِج منها، ولم يكن له منها إلا النفقةُ. ثم قرَأ: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾. وقال: ليس هذا لصاحبِ النفقةِ. ثم قرَأ: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً﴾. قال: وهذه نفقةُ القاعدِ (^٤).\nوقال آخَرون: عُنى بذلك درجاتُ الجنةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2171>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا على بن الحسنِ الأَزْديُّ، قال: ثنا الأَشْجَعيُّ، عن سفيانَ، عن هشامِ بن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"والإسلام في الهجرة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٥ (٥٨٥٩) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٤ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في ص، م، ت ٢،: \"بالتفصيل\"، وفى ت ١ \"بالتفضيل\"\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٤ إلى المصنف.","vol":"7","page":377},{"text":"حسَّانَ، عن جَبَلَةَ بن سُحَيمٍ (^١)، عن ابن مُحَيْرِيزٍ في قولِه: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾. إلى قولِه: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ قال: الدرجاتُ سبعون درجةً، ما بينَ الدرجتين حُضُرُ (^٢) الفرسِ الجوادِ المُضَمَّر (^٣) سبعين سنةً (^٤).\nوأَوْلَى التأويلاتِ بتأويلِ قولِه: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾. أن يكون معنيًّا به درجاتُ الجنةِ، كما قال ابن مُحَيْرِيزٍ؛ لأن قولَه تعالى ذكرُه: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾. ترجمةٌ وبيانٌ عن قولِه: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ومعلومٌ أن الأجرَ إنما هو الثوابُ والجزاءُ، وإذا كان ذلك كذلك، و(^٥) كانت الدرجاتُ والمغفرةُ والرحمةُ ترجمةً عنه، كان (^٦) معلومًا أن (٥) لا وجهَ لقولِ مَن وجَّه معنى قولِه: ﴿دَرَجَاتٍ﴾. إلى الأعمالِ وزيادتِها على أعمالِ القاعدين عن الجهادِ كما قال قتادةُ أو (^٧) ابن زيدٍ.\nوإذا كان ذلك كذلك، وكان الصحيحَ من تأويل ذلك ما ذكَرْنا، فبيِّنٌ أن معنى الكلامِ: وفضَّل اللهُ المجاهدين في سبيلِ اللهِ على القاعدين من غيرِ أُولى الضَّرَرِ أجرًا عظيمًا، وثوابًا جزيلًا، وهو درجاتٌ أعطاهموها في الآخرةِ من درجاتِ الجنةِ،\n_________\n(^١) في م: \"سخيم\" وهو تصحيف. وانظر تقريب التهذيب ١/ ٢١٠ (٨٩٧).\n(^٢) الحضر - بالضم -: العَدْو. وأحضر يحضر فهو محضرٌ إذا عدا. النهاية (ح ض ر).\n(^٣) في الأصل: \"المصبر\".\n(^٤) في الأصل: \"درجة\". وقد أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره في ٣/ ١٠٤٤ (٥٨٥٦) من طريق أبي معاوية عن هشام بن حسان به، وفي ٣/ ١٠٤٥ (٥٨٥٧) من طريق سفيان عن هشام به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) سقط من: الأصل.\n(^٦) في الأصل: \"وكان\".\n(^٧) في م: \"و\".","vol":"7","page":378},{"text":"رفَعهم بها على القاعدين بما أَبْلَوْا في ذاتِ اللهِ، ﴿وَمَغْفِرَةً﴾، يقولُ: وصفَح لهم عن ذنوبهم، فتفضَّل عليهم بتركِ عقوبتِهم عليها، ﴿وَرَحْمَةً﴾. يقولُ: ورأفةً بهم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يقولُ: ولم يزل الله غفورًا لذنوب عباده المؤمنين، يصفحُ لهم عن العقوبة عليها، رحيمًا بهم، بتفضُّله عليهم بنعمه، مع خلافِهم أمرَه ونهيه، وركوبِهم معاصيَه.\n\n<span id=\"aya-590\"></span><span data-type='title' id=toc-2172>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: إن الذين تَقْبِضُ أرواحَهم الملائكةُ، ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. يعني: مُكْسِبِي أنفسِهم غضبَ الله وسخطَه. وقد بيَّنَّا معنى الظلمِ فيما مضَى قبلُ (^١)، ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾. يقولُ: قالت الملائكةُ لهم: فيمَ كنتم؟ في أيِّ شيءٍ كنتم من دينكم؟ ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾. يعنى: قال الذين توفَّاهم الملائكةُ ظالمى أنفسِهم: كنَّا مستضعَفين في الأرض، يَسْتَضْعِفُنا أهلُ الشرك بالله في أرضِنا وبلادِنا، بكثرة عَددِهم وقوَّتِهم فيَمْنَعونا من الإيمان بالله، واتباع نبيِّه ﵇. معذرةٌ ضعيفةٌ، وحُجَّةٌ واهيةٌ، ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾. [يعنى قالت لهم الملائكةُ الذين يتوفَّوْنهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾] (^٢). يقولُ: فتَخْرُجوا من أرضِكم ودُورِكم، وتُفارِقوا من يَمْنَعُكم بها مِن الإيمان بالله، واتباعِ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٥٩، ٥٦٠.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.","vol":"7","page":379},{"text":"رسوله ﷺ إلى الأرض التي يَمْنَعُكم أهلُها من سلطانِ أهلِ الشركِ بالله، فتُوَحِّدوا الله فيها فتَعْبُدُوه، وتَتَّبِعُوا نبيَّه ﷺ، يقولُ الله جل ثناؤُه: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: أي فهؤلاء الذين وصَفتُ لكم صفتَهم، الذين تَوفَّاهُم الملائكةُ ظالمي أنفسِهم، ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ: مصيرُهم في الآخرة جهنمُ، وهى مسكنُهم، ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. يعنى: وساءت جهنمُ لأهلِها الذين صاروا إليها مصيرًا ومسكنًا ومأوًى.\nثم اسْتَثْنى جل ثناؤُه المستضعَفين الذين اسْتَضعفهم المشركون من الرجال والنساء والولدان؛ وهم العَجَزةُ عن الهجرة بالعُسْرَةِ وقلَّة الحيلة وسوءِ البصرِ والمعرفةِ بالطريق من أرضِهم، أرض الشركِ إلى أرض الإسلام من القوم الذين أخْبَر جل ثناؤُه أن مأواهم جهنمُ، أن تكونَ جهنمُ مأواهم، للعذرِ الذي هم فيه، على ما بيَّنه تعالى ذكرُه.\n\n<span id=\"aya-591\"></span>ونصَب (المستضعَفِينَ) على الاستثناءِ مِن الهاء والميم اللتين في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ الله جل ثناؤُه: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾. يعني: هؤلاء المستضعَفينَ، يقولُ: لعلَّ الله أن يَعْفُو عنهم للعذر الذي هم فيه وهم مؤمنون، فَيَتَفَضَّلَ عليهم بالصفح عنهم في تركهم الهجرة؛ إذ لم يَتْرُكوها اختيارًا، ولا إيثارًا منهم لدار الكفر على دار الإسلام، ولكن للعجز الذي هم فيه عن النُّقْلَةِ عنها، ﴿وَكَانَ اللَّهُ [عَفُوًّا غَفُورًا] (^١)﴾. يقولُ: ولم يَزَلِ اللهُ ﴿عَفُوًّا﴾. يعني: ذا صفحٍ بفضلِه عن ذنوبِ عباده، بتركه العقوبةَ عليها، ﴿غَفُورًا﴾: ساترًا عليهم ذنوبَهم بعفوِه لهم عنها.\n_________\n(^١) في ص: \"غفورًا رحيمًا\".","vol":"7","page":380},{"text":"وذُكِر أن هاتينِ الآيتينِ والتي بعدَهما نزَلت في أقوامٍ من أهلِ مكة كانوا قد أسْلَموا وآمنوا بالله وبرسولِه، وتخلَّفوا عن الهجرة مع رسول الله ﷺ حين هاجر، وعُرِض بعضُهم على الفتنة فافْتَتن، وشهِد معَ المشركين حربَ المسلمين، فأبى الله قبولَ معذرتهم التي اعْتَذروا بها، التي بيَّنها في قوله خبرًا عنهم: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-2173>ذكرُ الأخبار الواردة بصحةِ ما ذكَرْنا مِن نزولِ الآيةِ في الذين ذكَرْنا أنها نزَلت فيهم</span>\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، قال: ثنا أَشْعَثُ، عن عكرمةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: كان ناسٌ مِن أهل مكة أسْلَموا، فمَن مات منهم بها هلك، قال الله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ﴾. إلى قوله: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾. قال ابن عباسٍ: فأنا منهم وأُمِّى منهم. قال عكرمةُ: وكان العباسُ منهم (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، قال: ثنا أبو أحمد الزُّبَيْريُّ، قال: ثنا محمدُ (^٢) بنُ شَريكٍ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: كان قومٌ مِن أهل مكةَ أسْلَموا، وكانوا يَسْتَخْفُونَ بالإسلام، فأَخْرَجهم المشركون يوم بدر معهم، فأُصيب بعضُهم، فقال المسلمون: كان أصحابُنا هؤلاء مسلمين وأُكرِهوا. فاسْتَغْفَروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١١٧٨) والواحدى في أسباب النزول ص ١٣٢ من طريق سهل بن عثمان عن عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس.\n(^٢) في الأصل: \"أحمد\".","vol":"7","page":381},{"text":"الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ إلى آخرِ الآية، قال: فكُتب إلى مَن بقى بمكة من المسلمين بهذه الآيةِ (^١)، لا عذرَ لهم. قال: فخرَجوا، فلحِقهم المشركون، فأَعْطَوهم الفتنة، فنزلت فيهم هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾. [العنكبوت: ١٠] إلى آخر الآية، فكتَب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا (^٢) وأيِسوا من كلِّ خيرٍ، ثم نزلت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]. فكتَبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجًا، فخرَجوا، فأدْرَكهم المشركون، فقاتَلوهم حتى نجا مَن نجا، وقُتِل مَن قُتِل (^٣).\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني حَيْوَةُ أو ابن لهيعةَ - الشكُّ مِن يونسَ - عن أبي الأسود، أنه سمِع مولى ابن عباسٍ يقولُ عن ابن عباسٍ: إن ناسًا مسلمين كانوا مع المشركين يُكثِّرون سوادَ المشركين على النبيِّ ﷺ، فيأتى السهمُ يُرْمَى (^٤)، فيُصِيبُ أحدهم فيَقْتُلُه، أو يُضْرَبُ فيُقْتَلُ، فأنزل اللهُ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. حتى بلغ: ﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (^٥).\n_________\n(^١) بعده في م: \"وأنه\".\n(^٢) سقط من: ت ٢، وفى م: \"فحزنوا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٦ (٥٨٦٣)، وأخرجه ٩/ ٣٠٣٧ (١٧١٧٠) عن أحمد بن منصور به. وأخرجه الطحاوى في المشكل (٣٣٧٧) من طريق أبي أحمد الزبيرى به، وأخرجه البزار (٢٢٠٤ - كشف) من طريق محمد بن شريك به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه. وقال الهيثمى في المجمع ٧/ ١٠: رجاله رجال الصحيح غير محمد بن شريك، وهو ثقة.\n(^٤) بعده في م: \"به\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٥ (٥٨٦٢) عن يونس به، وأخرجه الطبراني في الكبير ١١/ ٢٠٥ (١١٥٠٥) من طريق ابن لهيعة به. وبعده في الأصل: \"حدَّثنا سعيد بن الربيع، قال: حدَّثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة في قوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾: لا يستطيعون نهوضًا إلى =","vol":"7","page":382},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ [ومحمدُ بنُ سنانٍ القزَّاز] (^١)، قالا (^٢): ثنا أبو عبدِ الرحمنِ المُقْرِئُ، قال: حدَّثنا حَيْوَةُ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن نوفلٍ الأسديُّ، قال: قُطع على أهل المدينة بعثٌ (^٣)، فاكتُتِبْتُ فيه، فلقِيتُ عكرمة مولى ابن عباسٍ، فنهانى عن ذلك أشدَّ النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباسٍ، أن ناسًا مسلمين كانوا مع المشركين. ثم ذكر مثل حديثِ يونس، عن ابن وهبٍ (^٤).\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾: فهم قومٌ تخلَّفوا بعد النبيِّ ﵇ وتركوا أن يَخْرُجوا معه، فمن مات منهم قبل أن يَلْحَقَ بالنبيِّ ﵇ ضرَبت الملائكةُ وجهَه ودُبُرَه (^٥).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. قال: نزلت في قيس (^٦) بن الفاكهِ بن المغيرةِ، والحارث بن\n_________\n= المدينة\". وهذا الأثر ليس هنا موضعه وسيأتي في موضعه على الصواب في ص ٣٩١ حاشية (١ - ١).\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"قال\".\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"إلى اليمن \". وقد قال الحافظ في الفتح ٨/ ٢٦٣: قوله: \"قطع\" بضم أوله. وقوله: \"بعث\" أي جيش. والمعنى: أنهم ألزموا بإخراج جيش لقتال أهل الشام، وكان ذلك في خلافة عبد الله بن الزبير على مكة.\n(^٤) أخرجه البخارى (٤٥٩٦) عن أبي عبد الرحمن المقرئ به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٦ إلى المصنف.\n(^٦) كذا في النسخ. وفي سيرة ابن هشام ١/ ٦٤١، والفتح ٨/ ٢٦٣: أبو قيس.","vol":"7","page":383},{"text":"زَمْعَةً (^١) بن الأسود بن أسدٍ، وقيس بن الوليد بن المغيرة، [وأبي العاص] (^٢) بن منبِّهِ بن الحجَّاج، وعليِّ بن أمية بن خلفٍ. قال: لمَّا خرج المشركون من قريش وأتباعِهم لمنع أبي سفيان بن حربٍ، وعيرِ قريشٍ من رسول اللهِ ﷺ وأصحابه، [وأن يطلبوا] (^٣) ما نِيل منهم يوم نخلة، خرجوا معهم بشبابٍ (^٤) كارهين، كانوا قد أسلَموا واجتمعوا ببدرٍ على غير موعدٍ، فقُتلوا ببدرٍ كفَّارًا، ورجعوا عن الإسلام، وهم هؤلاء الذين سمَّيناهم (^٥).\nقال ابن جُريجٍ: وقال مجاهدٌ: نزلت هذه الآيةُ فيمَن قُتِل يوم بدرٍ من الضعفاءِ من كفار قريشٍ (^٦).\nقال ابن جُريجٍ: وقال عكرمة: لمَّا نزل القرآنُ في هؤلاء النفر، إلى قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾. قال: يعنى الشيخَ الكبيرَ، والعجوزَ والجوارىَ والصغارَ والغلمانَ (^٧).\nحدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. إلى قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. قال: لمَّا أُسِر العباسُ وعَقِيلٌ ونوفلٌ؛ قال النبيُّ (^٨) ﷺ للعباس: \"افْدِ\n_________\n(^١) في الأصل: \"ربيعة\". وهو تحريف. وينظر المصدر السابق.\n(^٢) كذا في النسخ. والصواب: \"العاص\". وينظر المصادر السابقة\n(^٣) في الأصل: \"وإن طلبوا\".\n(^٤) في الأصل: \"بشبان\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٦ (٥٨٦٥) من طريق ابن جريج عن عكرمة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) سيأتي بنحوه في ص ٣٨٨ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٨) في ص، م: \"رسول الله\".","vol":"7","page":384},{"text":"نفسك وابنَ أخيك\". قال: يا رسول اللهِ، ألم نُصَلِّ قبلتَك، وَنَشْهَدْ شهادتَك؟! قال: \"يا عبّاسُ، إنكم خاصَمْتُم فَخُصِمْتُم\". ثم تلا عليه (^١) هذه الآيةَ: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. فيوم نزلت هذه الآيةُ كان من أسْلَم ولم يُهَاجِرْ فهو كافرٌ، حتى يُهاجِرَ، إلا المستضعفين الذين ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ حيلةً في المالِ، والسبيلُ: الطريق [إلى المدينة] (^٢)، قال ابن عباسٍ: كنتُ أنا منهم من الولدانِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-592\"></span>حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: [أخبرنا عبدُ الرزاق، قال] (^٤): أخبرنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرو بن دينارٍ، قال: سمعتُ عكرمة يقولُ: كان ناسٌ بمكة قد شهِدوا أن لا إلهَ إلا الله، فلمَّا خرج المشركون إلى بدرٍ خرجوا (^٥) معهم، فقُتلوا، فنزلت فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكة، قال: فخرج ناسٌ من المسلمين حتى إذا كانوا ببعضِ الطريقِ طلَبهم المشركون فأدركوهم، فمنهم من أعْطَى الفتنة، فأنزل الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]. فكتَب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكةَ، وأنْزَل الله في أولئك الذين أعْطَوا الفتنة: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا﴾. إلى: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٦) [النحل: ١١٠].\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، م.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٧ (٥٨٦٩) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"أخرجوهم\".\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧١. وأخرجه البيهقى ٩/ ١٤ من طريق ابن عيينة به.","vol":"7","page":385},{"text":"قال ابن عُيَيْنَةَ: أخبرني محمد بن إسحاق في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. قال: هم خمسةُ فتية من قريشٍ: عليُّ بنُ أُمَيَّةَ، وأبو قيسِ بن الفاكه، وزَمْعَةُ بنُ الأسود، و[أبو العاص] (^١) بن مُنَبِّهٍ، ونسيتُ الخامسَ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. حُدِّثنا أن هذه الآية نزلت (^٣) في أناسٍ تكلَّموا بالإسلام من أهل مكةَ، فخرجوا مع عدوِّ اللهِ أبي جهلٍ، فقُتِلوا يوم بدرٍ، فاعتذروا بغير عذرٍ، فأتى الله أن يَقْبَلَ ذلك منهم.\nوقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أناسٌ مِن أهلِ مكة عذَرهم اللهُ، فاستَثناهم فقال: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. قال: وكان ابن عباسٍ يقولُ: كنتُ أنا وأمى (^٤) من الذين لا يَسْتَطِيعون حيلةٌ ولا يهتدون سبيلًا (^٥).\nحُدِّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبَيْدُ بنُ سليمان (^٦)، قال: سمعتُ الضحَّاك يقولُ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. قال: هم أناسٌ من المنافقين تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ، فلم\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٣٨٤ حاشية (٢ - ٢).\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٨٣، وتفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٢. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٦ (٥٨٦٤) عن الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في ص، م: \"أنزلت\".\n(^٤) في الأصل: \"أبي\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٦) في م: \"سلمان\". انظر ترجمته في تهذيب الكمال ١٩/ ٢١٢.","vol":"7","page":386},{"text":"يَخْرُجوا معه إلى المدينةِ، وخرجوا مع مشركي قريشٍ إلى بدرٍ، فأصيبوا يومئذٍ فيمن أُصِيب، فأنزَل اللهِ ﷿ فيهم هذه الآية (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سألتُه، يعني ابن زيدٍ، عن قولِ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. فقرأ حتى بلغ: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾. فقال: لما بُعث النبيُّ ﷺ وظهر، ونبع الإيمانُ نبع النفاقُ معه (^٢)، فأتى إلى رسول اللهِ ﷺ رجالٌ، فقالوا: يا رسول الله، لولا أنَّا نخافُ هؤلاء القومَ يُعَذِّبوننا ويفعَلون بنا ويفعلون لأَسْلَمْنا، لكنَّنا نَشْهَدُ أن لا إله إلا اللهُ، وأنك رسولُ اللهِ. فكانوا يقولون ذلك له، فلمَّا كان يومُ بدرٍ قام المشركون، فقالوا: لا يَتَخَلَّفُ عنَّا أحدٌ إلا هدَمْنا دارَه، واسْتَبحنا مالَه. فخرج أولئك الذين كانوا يقولون ذلك القولَ للنبيِّ ﷺ معهم، فقُتلت طائفةٌ منهم وأسرت طائفةٌ، قال: فأمَّا الذين قتلوا فهم الذين قال اللهُ (^٣): ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية كلّها ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾. وتَتْرُكوا هؤلاء الذين يَسْتَضْعِفونكم ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. قال: ثم عذَر الله أهل الصدقِ، فقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾. يتوجَّهون له ولو خرجوا لهلَكوا، أولئك (^٤) عسى الله أن يَعفُوَ عنهم وإقامتِهم بين ظَهْرَانى المشركين، وقال الذين أُسروا: يا رسول الله، إنك تَعْلَمُ أنَّا كُنَّا نَأْتِيك فنَشْهدُ أن لا إله إلا اللهُ، وأنك رسول الله، وأن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٦ (٥٨٦٦) من طريق أبي معاذ به.\n(^٢) في م: \"منه\".\n(^٣) بعده في م: \"فيهم\".\n(^٤) في م: \"فأولئك\".","vol":"7","page":387},{"text":"هؤلاء القوم أخرجونا (^١) معهم خوفًا، فقال الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. [الأنفال: ٧٠] صنيعَكم الذي صنعتم؛ خروجكم (^٢) مع المشركين على النبيِّ ﷺ ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ (^٣) فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾. خرجوا معَ المشركين ﴿فَأَمْكَنَ (^٤) مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (^٥) [الأنفال: ٧١].\nحدَّثني محمد بن خالد بن خداشٍ، قال: ثنى أبي، عن حمَّاد بن زيدٍ، عن أيوب، عن عبد الله بن أبي مُلَيْكَةَ، عن ابن عباسٍ، أنه قال: كنتُ أنا وأمى (^٦) ممَّن عذَر اللهُ ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (^٧).\nحدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شَرِيكٍ، عن عطاء بن السائبِ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾. قال ابن عباسٍ: أنا من المستضعَفين.\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾. قال: مَن [قُتِل من] (^٨) ضعفاء كفار قريشٍ يوم بدرٍ (^٩).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"خرجنا\".\n(^٢) في م: \"بخروجكم\".\n(^٣) بعده في الأصل: \"يخونونك\".\n(^٤) بعده في الأصل: \"الله\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٦ إلى المصنف.\n(^٦) في الأصل: \"أبي\".\n(^٧) أخرجه البخاري (٤٥٨٨، ٤٥٩٧) من طريق حماد به.\n(^٨) في الأصل: \"قبل\".\n(^٩) تفسير مجاهد ٢٨٩.","vol":"7","page":388},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوه (^١).\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيَيْنَةَ، عن [عبد الله بن أبي يزيدَ] (^٢)، قال: سمعتُ ابن عباسٍ يقولُ: كنتُ أنا وأمى (^٣) من المستضعفين من النساء والولدان (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجَّاجُ، قال: ثنا حمَّادٌ، عن عليٍّ بن زيدٍ، عن عُبيدِ اللهِ أو إبراهيم بن عبد الله القرشيِّ، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يَدْعُو في دُبُرِ (^٥) صلاة الظهر: \"اللهم خلِّصِ الوليد وسلمة بن هشامٍ وعيَّاشَ بن أبي ربيعةَ وضَعَفَةَ المسلمينَ مِن أيْدِى المشركين، الذين لا يستطيعونَ حِيلةً ولا يَهْتَدُونَ سبيلًا\" (^٦).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، قال: مُؤمِنون مستضعَفون بمكة، فقال فيهم (^٧) أصحاب محمدٍ ﷺ: هم بمنزلة هؤلاء الذين قُتلوا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٧ (٥٨٦٧) من طريق شبل عن ابن أبي نجيحٍ به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في الأصل: \"عبد الله بن أبي زيد\". والمثبت موافق لما في تفسير عبد الرزاق. وعند البخاري: \"عبيد الله بن أبي يزيد\" وهو الصواب. وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ١٧٨.\n(^٣) في الأصل: \"أبي\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٢. وأخرجه البخارى (٤٥٨٧) من طريق سفيان عن عبيد الله به.\n(^٥) في الأصل: \"خبر\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٨ (٥٨٧٢) من طريق على بن زيد. وعلى بن زيد ضعيف لا يحتج به. لكن أخرج نحوه البخارى (٤٥٩٨) من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة.\n(^٧) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س: \"لهم\". والمثبت كما في مصدر التخريج.","vol":"7","page":389},{"text":"ببدرٍ ضعفاء مع (^١) كفَّارِ قريشٍ، فأَنْزَل الله فيهم: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ الآية (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nوأمَّا قوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾. فإن معناه كما حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرٍو، عن عكرمة في قوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾: مخرجًا (^٣)، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾: طريقًا إلى المدينة (^٤).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾: طريقًا إلى المدينة (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: الحيلةُ: المالُ، والسبيلُ: الطريقُ إلى المدينةِ (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ص، ت ١، س.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٨٩.\n(^٣) في م، ت ١: \"نهوضًا إلى المدينة\"، وسقط من: ت ٢.\n(^٤) في الأصل: \"مكة\". والأثر في تفسير عبد الرزاق ص ١٧٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٨ (٥٧٨٥) من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٧ إلى ابن المنذر وعبد بن حميد.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٢٩٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) أخرج ابن أبي حاتم شطره الأول في تفسيره ٣/ ١٠٤٨ (٥٨٧٤) من طريق أحمد بن مفضل. وأخرجه شطره الثاني ٣/ ١٠٤٨ عقب الأثر (٥٨٧٥) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.","vol":"7","page":390},{"text":"[حدَّثني سعيد بن الربيعِ، قال: حدَّثنا سفيان، عن عمرٍو، عن عكرمة: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾. طريقًا إليها. يعنى إلى المدينة] (^١).\nوأمَّا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. ففيه وجهان؛ أحدهما: أن يكون \"توفَّاهم\" في موضع نصبٍ (^٢) بمعنى المضِيِّ؛ لأن \"فَعَّلَ\" منصوبةٌ في كلِّ حالٍ. والآخرُ: أن يكون في موضع رفعٍ بمعنى الاستقبالِ، يُراد به: إن الذين تتوَفَّاهم الملائكةُ، فتكونَ إحدى التاءين من \"تتوفَّاهم\" محذوفةً، وهي [مرادةٌ في] (^٣) الكلمة؛ لأن العربَ تَفْعَلُ ذلك إذا اجتمعت تاءانِ في أَوَّلِ الكلمة ربما حذَفت إحداهما وأثبتت الأخرى، وربما أثبتتهما جميعًا (^٤).\n\n<span id=\"aya-593\"></span><span data-type='title' id=toc-2174>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفر، ﵀: يعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: ومَن يُفارِقْ أَرضَ (^٥) الشركِ وأهلَها هربًا بدينِه منها ومنهم إلى أرض الإسلام (^٦) وأهلِها المؤمنين، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يعنى: في منهاج دينِ اللهِ وطريقه الذي شرعه لخلقه، وذلك الدين القيِّم، ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾. يقولُ: يجد هذا المهاجرُ في سبيلِ اللهِ مُراغَمًا كثيرًا، وهو المُضْطَرَبُ في البلادِ والمَذْهَبُ،\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، س. وانظر طريق عبد الرزاق عن ابن عيينة السابق.\n(^٢) يريد كونه فعلا ماضيا، وعبر بالنصب عن الفتح علامة بناء الماضي.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ٢٨٤.\n(^٥) في الأصل: \"أهل\".","vol":"7","page":391},{"text":"يقال منه: راغم فلانٌ قومه مُراغَمًا ومُراغمةً، مصدران (^١). ومنه قولُ نابغةِ بنى جَعْدَة (^٢):\nكَطَوْدٍ (^٣) يُلاذُ (^٤) بأركانِهِ … عزِيزِ الْمُرَاغَمِ والمَهْرَبِ (^٥)\nوقولُه جل ثناؤه: ﴿وَسَعَةٌ﴾. فإنه يحتمل السَّعةَ في [الرزق، ويحتملُ السعةَ ممَّا كان القومُ فيه من تضييق المشركين عليهم في] (^٦) أمر دينهم بمكة، وذلك منعُهم إيَّاهم - كان (^٧) - من إظهار دينهم، وعبادة ربِّهم علانيةً، ثم أخبر جل ثناؤه [عمّا لمن] (^٨) خرج مهاجرًا مِن أرض الشركِ فارًّا بدينه إلى اللهِ وإلى رسوله، إن أدركته منيَّتُه (^٩) قبل بلوغه أرض الإسلام ودار الهجرة، فقال: مَن (^١٠) كان كذلك فقد وقع أجرُه على الله، وذلك ثوابُ عمله وجزاءُ هجرته وفراق وطنه وعشيرتِه إلى دار الإسلام وأهل دينه. يقولُ جل ثناؤه: و(^١١) مَن خرج (^١٢) مهاجرًا مِن دارِه إِلى اللهِ وإلى (^١٣) رسوله، فقد (^١٤) استوجَب ثوابَ هجرته و(^١٥) إن لم يَبْلُغْ دار هجرته؛\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ص: \"مصدرًا\".\n(^٢) شعر النابغة الجعدى ص ٣٣.\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"كطرد\". والطود: الجبل العظيم. الصحاح (ط ود).\n(^٤) في ص، ت ١، س: \"بلاد\".\n(^٥) في ت ١: \"المهدب\"، وفى س: \"المهذب\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، س.\n(^٧) سقط من: م.\n(^٨) في م: \"عمن\".\n(^٩) في ص، س: \"ميتته\".\n(^١٠) في الأصل: \"لمن\".\n(^١١) سقط من: ص، س.\n(^١٢) في م: \"يخرج\".\n(^١٣) سقط من: الأصل\n(^١٤) في الأصل: \"وقد\".\n(^١٥) سقط من: ص، م، س.","vol":"7","page":392},{"text":"باخترام المنيةِ إياه قبل بلوغِه إياها على ربِّه.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يقولُ: ولم يَزَلِ اللهُ تعالى ذكره ﴿غَفُورًا﴾.\nيعني: ساترًا ذنوب عباده المؤمنين بالعفو لهم عن العقوبة عليها، ﴿رَحِيمًا﴾. بهم رفيقًا.\nوذكر أن هذه الآية نزلت بسبب بعض من كان مقيمًا بمكة وهو مسلمٌ، فخرج لمَّا بلغه أن الله أَنْزَل الآيتين قبلها، وذلك قولُه جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، فمات في طريقه قبل بلوغه (^١) المدينة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2175>ذكرُ الأخبار الواردة بذلك</span>\nحدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ في قوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. قال: كان رجلٌ مِن خُزاعةَ يُقالُ له: ضَمْرَةُ بنُ العِيصِ أو العيصُ بِنْ ضَمْرَةَ بن زِنْباعٍ، قال: فلمَّا أُمِرُوا بالهجرة كان مريضًا، فأمر أهلَه أن يَفْرِشوا له على سريرِه ويَحْمِلوه إلى رسول الله ﷺ. قال: ففعلوا، فأتاه الموتُ وهو بالتنعيم، فنزلت هذه الآية (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبيرٍ، أنه قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. في ضَمْرَةَ بن العِيصِ بن\n_________\n(^١) في ص، س: \"بلوغ\".\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور (٦٨٥ - تفسير) - ومن طريقه البيهقى ٩/ ١٤ - عن هشيم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"7","page":393},{"text":"الزِّنْباع، أو فلانِ بن ضَمْرَةَ بن العِيصِ بن الزِّنْبَاعِ حين بلغ التنعيم فمات (^١) فنزلت فيه.\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عمرو بن عونٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن العوَّامِ بن حوشبٍ، عن إبراهيم التيميِّ بنحو حديث يعقوب، عن هُشَيْمٍ، قال: وكان رجلًا من خزاعة.\nحدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾. الآية، قال: لمَّا أَنْزَل الله هؤلاء الآيات في (^٢) رجلٍ مِن المؤمنين يقال له: ضَمْرَةُ. بمكة، قال: والله، إن لى مِن المال ما يبلِّغنى المدينة وأبعد منها، وإني لأَهْتَدِى، أخرجوني. وهو مريضٌ يومئذٍ، فلمَّا جاوز الحرم قبضه الله فمات، فأَنْزَل الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ [وَرَسُولِهِ] (^٣)﴾ الآية (^٤).\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة، قال: لما نزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ قال رجلٌ من المسلمين يومئذ وهو مريض: والله ما لي مِن عذرٍ؛ إنى لدليلٌ بالطريق: وإني لموسرٌ، فاحملوني. فحملوه فأدركه الموتُ بالطريق، فنزل فيه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ (^٤).\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيَيْنَةَ، عن\n_________\n(^١) في ص، م، س: \"مات\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"و\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٠، ١٧١.","vol":"7","page":394},{"text":"عمرو بن دينار، قال: سمعتُ عكرمة يقولُ: لمَّا أَنْزَل الله في الذين كانوا بمكةَ ثم خرجوا مع المشركين إلى بدر ثم قُتِلوا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، الآيتين؛ قال رجلٌ مِن بنى ضَمْرَةَ - وكان مريضًا: أخرجوني إلى الروح (^١). فأخرجوه، حتى إذا كان بالحَصْحَاص (^٢) مات فنزَل فيه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن المُنْذِرِ بن ثَعْلَبَةَ، [عن عِلْباءَ بن أحمر (^٤)] (^٥) اليَشكرى (^٦) في قوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. قال: نزلت في رجُلٍ مِن خُزاعة (^٧).\n[حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الضحَّاكِ في قوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. قال: لمَّا سمع رجلٌ مِن أهل مكة أن بني كنانة قد ضربت وجوههم وأدبارَهم الملائكةُ، قال لأهله: أَخْرِجونى. وقد [أدنف للموتِ] (^٨)، قال:] (^٩)\n_________\n(^١) الرَّوح: الراحة والاستراحة من غم النفس. التاج (ر وح).\n(^٢) الحصحاص، وذو الحصحاص: جبل مشرف على ذى طوى، وهو موضع بالحجاز. معجم البلدان ٢/ ٢٧٤، معجم ما استعجم ٢/ ٤٥١.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧١. وأخرجه الأزرقى في أخبار مكة ١/ ٤٣٥ - ومن طريقه الواحدي في أسباب النزول ص ١٣٢ - من طريق ابن عيينة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في ت ١: \"محمد\".\n(^٥) في الأصل: \"بن عليا بن عم\". وهو تحريف. وانظر تهذيب الكمال ١٨/ ٤٩٩، ٥٠٠، ٢٠/ ٢٩٣.\n(^٦) في ت ١، ت ٢: \"السكرى\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٨ إلى المصنف.\n(^٨) في الأصل: \"أذيقه الموت\". غير منقوطة الياء. ويقال: دنف فلان وأدنف: إذا براه المرض حتى أشفى على الموت\n(^٩) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.","vol":"7","page":395},{"text":"[احملوني (^١). فاحْتُمِل حتى انتهى إلى عقَبةٍ قد سمَّاها، فتوفِّى، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية] (^٢).\nحدَّثنا محمدُ [بنُ الحسينٍ (^٣)] (^٤)، قال: ثنا أحمدُ [بنُ مُفَضَّلٍ] (^٤)، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا سمِع هذه - يعنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ [عَفُوًّا غَفُورًا (^٥)﴾ - ضَمْرَةُ بنُ جُنْدَبٍ الضمريُّ، قال لأهلِه وكان وَجِعًا: أَرْحِلوا راحلتي، فإن الأَخْشَبَين قد غمَّاني، يعنى جبلَىْ مكةً، لعلى أن أخْرُجَ [قبل التنعيم] (^٦) فيُصيبَني رَوْحٌ. فقعد على راحلته ثم توجَّه نحوَ المدينة فمات في الطريقِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. وأَمَّا حِينَ توجَّه نحو المدينة، فإنه قال: اللهمَّ إنى مهاجرٌ إليك وإلى رسولك (^٧).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمة، قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ، يعنى (^٨) قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. قال [جُنْدُبُ بنُ ضَمْرَةَ] (^٩) الخُزاعيُّ (^١٠): اللهمَّ أبْلَغَتَ في (^١١) المعذرة والحُجَّة،\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"الحسن\".\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) في الأصل: \"غفورًا رحيمًا\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٨ إلى المصنف.\n(^٨) سقط من: الأصل.\n(^٩) كذا جاء هاهنا. وفى الأثر قبله: \"ضمرة بن جندب الضمرى\". وقد اضطربت المصادر في ذكر اسمه اضطرابًا كبيرًا. انظر الإصابة ١/ ٥١٥، ٥١٦.\n(^١٠) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"الجندعي\".\n(^١١) سقط من: ت ١، ت ٢، س.","vol":"7","page":396},{"text":"و(^١) لا معذرةَ لى ولا حُجَّةَ. قال: ثم خرَج وهو شيخٌ كبيرٌ فمات ببعض الطريق، فقال أصحابُ رسول الله ﷺ: مات قبل أن يُهاجِرَ، فلا ندرى (^٢) أعلى ولاية هو (^٣) أم لا؟ فنزلت: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (^٤).\nحُدِّثتُ (^٥) عن الحسين بن الفرج، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، يقولُ (^٦): أخبرنا عُبيدُ [بنُ سليمان] (^٧)، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ: لمَّا أنْزَل الله في الذين قُتلِوا مع مشركي قريشٍ ببدرٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. سمِع ما أنزل الله فيهم رجلٌ مِن بنى ليثٍ كان على دين النبيِّ ﵇ مقيمًا بمكة، وكان ممن عذَر الله وكان شيخًا كبيرًا وَصِبًا (^٨)، فقال لأهله: ما أنا ببائتٍ الليلة بمكة. فخُرج (^٩) به مريضًا (^١٠) حتى إذا بلَغ التنعيمَ من طريق المدينة أدركه الموتُ، فنزل فيه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ الآية (^١١).\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في ص، ت ١ س: \"يدرى\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٨ إلى المصنف.\n(^٥) في ص: \"حدث\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، س: \"قال\".\n(^٧) سقط من: الأصل. وفى م: \"عبيد بن سلمان\". وهو تحريف. وانظر تهذيب الكمال ١٩/ ٢١٢.\n(^٨) في الأصل: \"وصبيا\"، وفى ص: \"وصبا\" بدون نقط، وفى م: \"وضيئا\"، وفى س: \"وصيا\". وكله تصحيف. والوصب، بكسر الصاد: من لزمه المرض والوجع، وبفتحها دوام الوجع ولزومه. التاج (وص ب).\n(^٩) في م، ت ١: \"فخرجوا\".\n(^١٠) سقط من: ص، ت ٢، س.\n(^١١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"7","page":397},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرني ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾. قال: و(^١) هاجَر رجلٌ من بنى كنانةَ يُرِيدُ النبيَّ ﷺ، فمات في الطريق، فسخِر به قومُه واسْتَهزءوا به، وقالوا: لا هو بلَغ الذي يُريدُ، ولا هو أقام في أهله يقومون عليه ويُدْفَنُ. قال: فنزل القرآنُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، قال: ثنا [محمدُ بنُ] (^٣) شَرِيكٍ، عن عمرو بن دينارٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا (^٤) نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، فكان بمكة رجلٌ يقالُ له: ضَمْرَةُ، من بنى بكرٍ وكان مريضًا، فقال لأهلِه: أَخْرِجوني مِن مكةَ، فإنى أَجِدُ الحرَّ. فقالوا: أين نُخرجُك؟ فأشار بيده نحو المدينة، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى آخر الآية (^٥).\nحدَّثنا الحارثُ [بنُ أبي أسامة (٧)] (^٦)، قال: ثنا عبدُ العزيز بنُ أبانٍ، قال: ثنا قيسٌ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيد بن جُبيرٍ، قال: لمَّا نزَلت هذه الآية: ﴿لا\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٨ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٥٠ (٥٨٨٧). وأخرجه أبو يعلى (٢٦٧٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٥١ (٥٨٨٩)، والطبراني ٥/ ٢٧٢ (١١٧٠٩)، والواحدى ص ١٣٢ من طريق أشعث بن سوار عن عكرمة به نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٧ إلى ابن المنذر.\n(^٦) سقط من: الأصل.","vol":"7","page":398},{"text":"يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قال: رخَّص فيها قومٌ من المسلمين ممن كان بمكة من أهل الضررِ، حتى نزلت فضيلةُ المجاهدين على القاعدين، [فقالوا: قد بيَّن الله فضيلة المجاهدين على القاعدين] (^١)، ورخّص لأهلِ الضَّرَرِ، حتى نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، إلى قولِه: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. قالوا: هذه موجبةٌ. حتى نزلت: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، فقال ضمرةُ بنُ العيص (^٢) الزرقيُّ (^٣) - أحدُ بني ليثٍ، وكان مُصابَ البصر -: إني لذو حيلةٍ، لى مالٌ ولى رقيقٌ، فاحملوني. فخَرَج وهو مريضٌ، فأدركه الموتُ عندَ (^٤) التَّنْعيم، فدُفِن عندَ مسجد التَّنْعيم، فنزَلَت فيه هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ الآية (^٥).\nواختَلف أهلُ التأويل في تأويلِ المُراغَمِ (^٦)؛ فقال بعضُهم: هو التَّحوُّلُ مِن أَرضِ إلى أرضٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2176>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثني أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾. قال: المُرَاغَمُ التَّحَوُّلُ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في ص: \"معص\". وفى ت ١: \"بعص\" كذا بدون إعجام. وانظر ص ٣٩٦ حاشية (٩ - ٩).\n(^٣) في الأصل: \"الذي\". وفى ص: \"الذقى\". وفى ت ٢، س: \"المديني\".\n(^٤) بعده في الأصل: \"مسجد\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٨ إلى المصنف.\n(^٦) في ص، س: \"الآية\".","vol":"7","page":399},{"text":"من [أرضٍ إلى أرضٍ] (^١).\nحُدِّثتُ (^٢) عن الحسين (^٣) بن الفرج، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعت الضَّحَّاك، يقولُ في قوله: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾، يقولُ: متَحَوَّلًا (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾. قال: مُتَحَوَّلًا (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، [قال: ثنى حَجَّاجٌ] (^٦)، قال: ثنا أبو سُفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسن أو قتادة: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾. قال: مُتَحَوَّلًا.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله ﷿: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا﴾. قال: مَنْدوحَةً عما يَكْرَهُ (^٧).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ [في قولِ اللهِ] (^٨): ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾. قال: مُزَحْزَحًا عما\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"الأرض إلى الأرض\". وقد أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٩ (٥٨٧٨) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص: \"حدث\".\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، س: \"الحسن\".\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٢٩ عقب الأثر (٥٨٧٨).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٩ عقب الأثر (٥٨٧٨) من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٦) سقط من: الأصل.\n(^٧) تفسير مجاهد ص ٩٠، وأخرجه من طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٩ (٥٨٧٩)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٧ إلى ابن المنذر وعبد بن حميد.\n(^٨) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، وفى م: \"قال\".","vol":"7","page":400},{"text":"يَكْرَهُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾. قال: مُتَزَحْزَحًا عما يَكْرَهُ.\nوقال آخرون: مُبْتَغَى معيشةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2177>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا﴾. يقولُ (^١): مُبْتَغَى المعيشة (^٢).\nوقال آخرون: [المُرَاغمةُ المُهاجرةُ] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2178>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: المُراغَمُ المُهاجَرُ (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: وقد بَيَّنَّا أولى الأقوال بالصوابِ في ذلك فيما مَضَى قبلُ.\nواختَلفوا أيضًا في معنى السَّعَةِ التي ذكرها الله في هذا الموضعِ، فقال: ﴿وَسَعَةً﴾؛ فقال بعضُهم: هي السَّعَةُ في الرِّزْقِ.\n_________\n(^١) في ص، س: \"قال\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"للمعيشة\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٩ (٥٨٨١) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"المراغم المهاجر\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٧ إلى المصنف.","vol":"7","page":401},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2179>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾. قال: السَّعَةُ (^١) الرزق (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾. قال: السَّعَةُ في الرزق (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسين بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخبَرنا عُبَيدُ [بنُ سليمان (^٤)] (^٥)، قال: سَمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَسَعَةً﴾. يقولُ: سَعَةٌ في (^٦) الرزق (^٧).\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثناه بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾. قال (^٨): إي والله؛ مِن الضلالة إلى الهدى، ومِن العَيْلَةِ إلى الغِنى (^٩).\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقال: إن الله\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"في\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٥٠ (٥٨٨٤) من طريق أبي صالح به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره عقب الأثر السابق من طريق ابن أبي جعفر به.\n(^٤) في ص، م: \"سلمان\". وانظر ص ٣٩٧ حاشية (٧ - ٧).\n(^٥) سقط من: الأصل.\n(^٦) في ص، ت ١، س: \"من\".\n(^٧) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٥٠ عقب الأثر (٥٨٨٤).\n(^٨) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٤٩ (٥٨٨٠) من طريق يزيد بن زريع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"7","page":402},{"text":"﵎ أخبر أن مَن هاجَر في سبيله يَجِدْ في الأرضِ مُضْطَرَبًا ومُتَّسَعًا. وقد يَدخُلُ في السَّعَةِ السَّعَةُ في الرزقِ والغِنَى مِن الفَقْرِ، ويَدخُل فيه السَّعَةُ مِن ضِيقِ الهَمِّ والكَرْبِ الذي كان فيه أهلُ الإيمان بالله من المشركين بمكةَ، وغيرُ ذلك من معاني السَّعَةِ، التي هي بمعنى الرَّوْحِ والفَرَجِ مِن مَكْرُوهِ ما كَرِهِ اللهُ للمؤمنين [لمُقامِهم بينَ ظَهْرَانَي] (^١) المشركين وفى سُلطانهم. ولم يَضَعِ اللهُ دَلالةً على أنه عَنَى بقوله: ﴿وَسَعَةً﴾. بعضَ معاني السَّعَةِ التي وَصَفنا، فكلُّ مَعاني السَّعَةِ التي هي بمعنى الرَّوْحِ والفَرَج مما كانوا فيه من ضيق العيشِ، وغَمِّ جِوارِ أهلِ الشِّرْكِ، وضِيقِ الصَّدْرِ، بتَعَذُّرِ (^٢) إظهار الإيمان بالله، وإخلاص توحيده، وفِراقِ الأندادِ والآلهة - داخلٌ في ذلك.\nوقد تأوَّل قومٌ من أهل العلم هذه الآيةَ - أعنِى قولَه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ - أنها [حكمٌ في] (^٣) الغازى يَخرُجُ للغزو، فيدْرِكُه الموتُ بعد ما يَخرُجُ مِن (^٤) مَنْزله فاصلًا (^٥)، فيموتُ، أن له سَهْمَه مِن المَغْنَمِ، وإن لم يكن شَهِد (^٦) الوقعة.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا يوسفُ بنُ عَدِيٍّ، قال: حدَّثنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي (^٧) حبيبٍ، أن أهل المدينة يقولون: مَن خَرَج فاصِلًا وَجَب سهمُه. وتأوَّلوا قولَ اللهِ جلّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"بمقامهم بين ظهري\".\n(^٢) في الأصل: \"سعد\" هكذا بدون نقط.\n(^٣) في م: \"في حكم\".\n(^٤) في ص، س: \"إلى\".\n(^٥) فاصلًا: أي خارجًا عن البلد. الصحاح (ف ص ل).\n(^٦) في الأصل: \"يشهد\".\n(^٧) سقط من: الأصل.","vol":"7","page":403},{"text":"مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.\n\n<span id=\"aya-594\"></span><span data-type='title' id=toc-2180>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. وإذا سرتُم أيُّها المؤمنون في الأرضِ، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾. يقولُ: فليس عليكم حَرَجٌ ولا إثمٌ ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. يعنى أن تَقْصُروا من عددِها، فتُصَلُّوا ما كان (^١) عددُه منها في الحَضَرِ وأنتم مُقيمون أربعًا اثنتين، في قول بعضهم.\nوقيل: معناه: لا جُناحَ عليكم أن تَقْصُروا من الصلاة التي (^٢) عددُها في حالٍ ضَرْبكم في الأرضِ اثنتانِ (^٣) إلى واحدة في قول آخرين.\nوقال آخرون: معنى ذلك: لا جُناحَ عليكم أن تَقْصُروا من حدودِ الصلاة.\n﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يعنى: إن خَشِيتُم أَن يَفْتِنَكم الذين كَفَروا في صلاتكم. ويشتهم إياهم فيها (^٤): حَمْلُهم عليهم وهم فيها ساجدون، حتى يقتلوهم أو يَأْسِرُوهم، فيَمْنَعُوهم من إقامتِها وأدائِها، ويحُولوا بينهم وبين عبادة الله وإخلاص التوحيد له. ثم أخبرهم جلّ ثناؤه [عما عليه] (^٥) أهل الكفر لهم، فقال لهم (^٦): ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. يعني الجاحدين وَحْدانيةَ اللهِ ﴿كَانُوا\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"لكم\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"إلى التي\"، وفى م: \"إلى أقل\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"أشار\".\n(^٤) في م، س: \"فيما\".\n(^٥) في ت ١: \"من\"، وفى ت ٢: \"مما عملته\"، وفى س: \"ما عملته\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.","vol":"7","page":404},{"text":"لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾، يقولُ: عَدُوًّا قد أبانوا لكم عَداوتهم، بمُناصبتهم لكم الحربَ على إيمانكم بالله وبرسوله، وتركِكم عبادة ما يعبدون (^١) من الأوثان والأصنامِ، ومخالفتِكم ما هم عليه من الضلالةِ.\nواختلف أهلُ التأويل في معنى القَصْرِ الذي وَضَعَ اللهُ الجُناحَ فيه عن (^٢) فاعلِه؛ فقال بعضُهم: [هو القصرُ] (^٣) في السَّفَرِ مِن الصلاة التي كان واجبًا إتمامُها (^٤) في الحضرِ أربع ركعاتٍ، فأذن في قَصْرِها في السفر إلى اثنتين.\n\n<span data-type='title' id=toc-2181>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عُبَيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّارِيُّ (^٥)، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن جُريجٍ، عن ابن (^٦) أبي عَمَّارٍ، عن عبدِ اللهِ بن بَابَيْهِ، عَن يَعْلَى بن أُمَيَّةَ (^٧)، قال: قلتُ لعمر بن الخطابِ ﵁: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾. وقد أمِن الناسُ؟ فقال: عَجِبتُ مما عجبت منه (^٨)، حتى سألت النبيَّ ﷺ عن ذلك، فقال: \"صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بها عليكم، فاقبلوا صَدَقته\" (^٩).\nحدَّثني أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، عن ابن جُريجٍ، عن ابن أبي عَمَّارٍ،\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، س: \"تعبدون\".\n(^٢) في الأصل: \"على\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٤) سقط من: الأصل. وفى م: \"تمامها\".\n(^٥) في الأصل: \"النيارى\" غير منقوطة الياء. وانظر تهذيب الكمال ١٩٩/ ١٨٦.\n(^٦) سقط من: الأصل، ص، س، وهو عبد الله بن أبي عمار. وانظر تهذيب الكمال ١٥/ ٣٢٦.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢: \"منبه\". وانظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٣٧٨.\n(^٨) سقط من: ص، ت ١، س.\n(^٩) أخرجه أحمد ١/ ٣٠٨ (١٧٤)، ومسلم (٦٨٦)، والنسائى (١٤٣٢)، وابن ماجه (١٠٦٥)، وغيرهم من طريق ابن إدريس به.","vol":"7","page":405},{"text":"عن عبد اللهِ بن بَابَيْهِ، عن يَعْلَى بن أُمَيَّةَ، عن عمر، عن النبيِّ ﷺ مثلَه.\nحدَّثنا سعيدٌ بن يحيى الأُمويُّ، قال: ثنا محمد بن أبي عَدِيٍّ، عن ابن جريجٍ، قال: سمعت عبد الرحمن بن عبدِ اللهِ بن أبي عَمَّارٍ، يُحَدِّثُ عن عبدِ اللهِ بن بَابَيْهِ، يُحَدِّثُ عن يعلى بن أُمَيَّةَ، قال: قُلتُ لعمر بن الخطابِ: أَعجَبُ مِن قصْرِ الناسِ الصلاةَ، وقد أَمِنوا، وقد قال الله ﵎: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. فقال عمرُ: عَجِبتُ ممّا عجبت منه، فذَكَرتُ ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: \"صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بها عليكم، فاقبلوا صَدَقته\".\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا هشام بن عبد الملك، قال: ثنا أبو عوانة، عن قَتادةَ، عن أبي العالية، قال: سافرت إلى مكة، فكنتُ أُصَلِّي ركعتين، فَلَقِينِي قُرَّاءٌ مِنْ أَهْلِ هذه الناحية، فقالوا: كيف تُصَلِّى؟ قلتُ: ركعتين. قالوا: أَسُنَّةٌ أم (^١) قرآن؟ قلت: كلُّ ذلك (^٢)، سنةٌ وقرآنٌ. قلت: صَلَّى رسول الله ﷺ ركعتين. قالوا: إنه كان في حربٍ. قلت: قال الله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧]. و(^٣) قال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. فقرَأ حتى بلغ: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله بن هاشمٍ، قال: أخبرنا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"أو\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٩ إلى المصنف.","vol":"7","page":406},{"text":"سيفٌ (^١)، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي (^٢) أيوبَ، عن عليٍّ ﵁، قال: سأل قومٌ من التُّجَّار رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، إنَّا نَضْرِبُ (^٣) في الأرض، فكيف نُصَلِّي؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. ثم انقطع الوَحْىُ، فلما كان بعد ذلك بحَوْلٍ، غَزا (^٤) النبيُّ ﵇، فصَلَّى الظُّهْرَ، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمدٌ وأصحابه من ظهورهم، هَلَّا (^٥) شَدَدتُم عليهم. فقال قائلٌ منهم: إن لهم أخرى مثلها في إثرها. فأنزل اللهُ ﵎ بين الصلاتين: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾. إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، فنزَلَت صلاةُ الخوفِ (^٦).\nقال أبو جعفر: [وهذا من تأويل الآية حسنٌ] (^٧)، لو لم يكن في الكلام \"إذا\"، [ولكن قوله: ﴿وَإِذَا﴾] (^٨) تؤذِنُ بانقطاع ما بعدَها عن معنى ما قبلها، ولو لم يكن في الكلام \"إذا\"، كان (^٩) معنى الكلام على هذا التأويل الذي رواه سَيْفٌ، عن أبي رَوْقٍ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾، أيُّها المؤمنون، ﴿أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في صلاتكم، وكنت فيهم يا محمد، ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ\n_________\n(^١) في ص، س، م: \"يوسف\". وهو سيف بن عمر التميمي الأخبارى، صاحب المغازي. وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٣٢٤.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٣) في ص: \"نصرف\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢ س: \"عن\".\n(^٥) في ص، س: \"فلا\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٩ إلى المصنف. وأبو روق وسيف بن عمر ضعيفان.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"وهذا تأويل للآية حسن\".\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وإذا\".\n(^٩) في الأصل: \"لكان إذا كان\".","vol":"7","page":407},{"text":"مَعَكَ﴾ الآية.\nوبعدُ (^١)، فإن ذلك فيما ذُكر في قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ (^٢): (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تَقْصُروا من الصلاة (^٣) أن يَفْتِنَكم الذين كفروا).\nحدَّثني بذلك الحارثُ، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا الثوريُّ، عن واصل بن حَيَّانَ (^٤)، عن عبدِ اللهِ بن عبدِ الرحمنِ بن أَبْرَى، عن أبيه، عن أُبَيٍّ بن كعبٍ، أَنَّه كان يَقْرَأُ: (فاقْصُروا (^٥) من الصلاة أن يَفْتِنَكم الذين كفروا). ولا يقرأُ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا بكرُ بنُ شَرودٍ (^٦)، عن الثوريِّ، عن واصلٍ الأحدبِ، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أُبيٍّ بن كعبٍ أنه قرأ: (أن تَقْصُروا من الصلاةِ أنْ يفتنكم الذين كفروا). قال بكرٌ: وهى في الإمامِ، مصحفِ عثمان بن عفان ﵀: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (^٧).\n[وهذه القراءة تُنبِئُ على أن قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾] (^٨).\n_________\n(^١) في ص، س: \"بعدد\".\n(^٢) ينظر البحر المحيط ٣/ ٣٣٩. وهي قراءة شاذة.\n(^٣) بعده في ت ١، ت ٢، س: \"إن خفتم\".\n(^٤) في الأصل: \"حسان\"، وفى ص، ت ١: \"حبان\". وانظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٤٠٠.\n(^٥) في م: \"أن تقصروا\".\n(^٦) في الأصل: \"سرور\"، وفي ص، ت ١: \"سرود\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٠ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٨) سقط من: ص، س.","vol":"7","page":408},{"text":"مُواصِلٌ (^١) قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. وأن معنى الكلام: وإذا ضَرَبْتُم في الأرض، فإن خِفْتُم أن يَفْتِنَكم الذين كفروا، فليس عليكم جُناحُ أن تَقْصُروا من الصلاة، وأن قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ قصةٌ مُبْتَدَأَةٌ غيرُ قصة هذه الآية؛ وذلك أن تأويل قراءةِ (^٢) أَبَيِّ بن كعبٍ هذه التي ذكرناها عنه: وإذا ضربتُم في الأرضِ فليس عليكم جناحٌ أن تقصُروا من الصلاةِ أن لا يفتتكم الذين كفروا. فحُذفت \"لا\" لدَلالة الكلام عليها، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. بمعنى: أن لا تَضِلُّوا.\nففىما وَصَفْنا دَلالةٌ بَيِّنَةٌ على فسادِ التأويل الذي رواه سيفٌ، عن أبي روقٍ.\nوقال آخرون: بل هو القَصْرُ في السفر، غير أنه إنما أذن جل ثناؤُه به للمسافر، في حالِ خَوْفِهِ مِن عدوٍّ يَخْشَى أَن يَفْتِنَه في صلاته.\n\n<span data-type='title' id=toc-2182>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو عاصمٍ عمرانُ بنُ محمدٍ الأَنْصَارِيُّ، قال: ثنا [عبدُ الكبير] (^٣) بنُ عبد المجيد، قال: حدَّثنا محمدُ (^٤) بنُ عبدِ اللهِ بن محمدِ بن (^٥) عبدِ الرحمن بن أبى بكر الصديق، قال: سمعتُ أبى، يقولُ: سَمِعتُ عائشة تقولُ في\n_________\n(^١) في ص، س: \"من أصل\".\n(^٢) في الأصل: \"قوله\".\n(^٣) في الأصل: \"عبد الكريم\". وانظر ترجمته في تهذيب الكمال ٢٤٣/ ١٨.\n(^٤) في النسخ: \"عمر\". وهو خطأ تتابع عليه النساخ وانظر ترجمته في تهذيب الكمال ٢٥/ ٥٤٩.\n(^٥) في ص، س: \"عن\".","vol":"7","page":409},{"text":"السفرِ: أتِمُّوا صلاتكم. فقالوا: إن رسول الله ﷺ كان (^١) يُصَلِّي في السفر ركعتين؟ فقالت: إن رسول الله ﷺ كان في حربٍ (^٢)، وكان يخافُ، هل تخافون أنتم؟ (^٣)\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحَكَم، قال: ثنا ابن أبي فُدَيْكٍ، قال: ثنا ابن أبي ذئبٍ، عن ابن شهابٍ، عن أُمَيَّةَ بن عبدِ اللهِ بن خالد بن أَسِيدٍ، أنه قال لعبد اللهِ بن عمرَ: إِنَّا نَجِدُ في كتابِ اللَّهِ قَصْرَ [صلاة الخوف] (^٤)، ولا نَجدُ قَصْرَ صلاةِ المسافر؟ فقال عبد الله: إنَّا وَجَدْنا نَبِيَّنا ﷺ يَعْمَلُ عملًا عَمِلْنا به (^٥).\nحدَّثنا عليُّ بن سهلٍ الرَّمليُّ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، أن عائشةَ كانت تُصَلِّي في السفر أربعًا (^٦).\nحدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى، قال: ثنى أبى، قال: ثنا ابن جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ:\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، س: \"خوف\".\n(^٣) ذكره ابن حجر في الفتح ٢/ ٥٧١ عن المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٠ إلى المصنف.\n(^٤) في الأصل: \"صلاة\"، وفى ص، س: \"الصلاة الخوف\"، وفى م: \"الصلاة في الخوف\".\n(^٥) أخرجه مالك ١/ ١٤٥، ومن طريقه أحمد ٩/ ٢٣٨ (٥٣٣٣)، عن الزهرى، عن رجل من آل خالد بن أسيد أنه سأل ابن عمر.\nوأخرجه عبد الرزاق (٤٢٧٦)، وأحمد ٩/ ٤٩٥ (٥٦٨٣)، ١٠/ ٤٢٢ (٦٣٥٣)، والنسائى (١٤٣٣)، وابن ماجة (١٠٦٦)، وابن حبان (١٤٥١)، وابن عبد البر في التمهيد ١١/ ١٦٣، ١٦٤، وغيرهم من طريق معمر والليث ويونس، عن الزهرى، عن عبد الله بن أبى بكر بن عبد الرحمن، عن أمية بن عبد الله بن خالد به.\nوأخرجه النسائي (٤٥٦) من طريق محمد بن عبد الله الشعيثى عن عبد الله بن أبى بكر بن عبد الرحمن، عن أمية بن عبد الله به. وانظر السنن الكبرى للبيهقى ٣/ ١٣٦ والتمهيد ١١/ ١٦١ - ١٦٤.\n(^٦) في ص، م، س: \"ركعتين\". والأثر أخرجه البيهقى ٣/ ١٤٣ من طريق هشام بن عروة، وفيه زيادة. وذكره ابن حجر في الفتح ٢/ ٥٧١.\nوأخرجه البيهقى أيضًا ٣/ ١٤٣ من طريق عروة. وفيه قصة.","vol":"7","page":410},{"text":"أيُّ أصحاب رسولِ اللهِ ﵇ كان يُتِمُّ الصلاة في السفرِ؟ قال: عائشةُ وسعدُ بن أَبِي وَقَّاصٍ (^١).\nوقال آخرون: بل عَنَى بهذه الآيةِ، قَصْرَ صلاةِ الخوفِ في غيرِ حالِ المُسَايَفةِ. قالوا: وفيها أُنْزِلتْ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2183>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾. قال: يومَ كان النبيُّ ﵇ وأصحابُه بعُسْفانَ (^٣)، والمشركون بضَجْنَانَ (^٤)، فَتَواقَفوا (^٥)، فصَلَّى النبيُّ ﷺ بأصحابِه صلاةَ الظهرِ ركعتَين، أو أربعًا - شَكّ أبو عاصمٍ - ركوعُهم وسجودُهم وقيامُهم معًا جميعًا، فَهَمَّ بهم المشركون أن يُغيروا على أمتعاتِهم (^٦) وأثقالِهم، فأنزَل الله عليه: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾. فصَلَّى العصرَ، وصَفَّ أصحابَه صَفَّين، ثم كَبَّر بهم جميعًا، ثم سَجَد الأَوَّلون سَجْدةً (^٧)، والآخَرون قيامٌ، ثم سَجَد الآخَرون حينَ قامَ النبيُّ ﷺ، ثم كَبَّر بهم ورَكَعوا جميعًا، فتَقَدَّم الصَّفُّ الآخَرُ، واستأخَر الصفُّ الأَوَّلُ، فَتَعاقَبوا السُّجودَ،\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوى في مشكل الآثار ١/ ٤٢٤ من طريق ابن جريج.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"نزل\".\n(^٣) عسفان: واد على طريق حجاج مصر، على ثلاث مراحل من مكة، وهى الآن محطة من محطات الطريق بين جدة والمدينة. انظر جغرافية شبه جزيرة العرب لكحالة حاشية المعلق ص ١٧٠.\n(^٤) ضجنان: جبل بناحية مكة على طريق المدينة. معجم ما استعجم ٣/ ٨٥٦.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فتوافقوا\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أمتعايهم\". وفى م: \"أمتعتهم\".\n(^٧) في الأصل: \"لسجودهم\".","vol":"7","page":411},{"text":"كما فَعَلُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ، وقَصَر صلاةَ العصرِ إلى الركعتَين (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدثني شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. قال: كان النبيُّ ﷺ وأصحابُه بعُسْفانَ، والمشركون بضَجْنَان، فتَواقَفوا (^٢)، فصَلَّى النبيُّ ﷺ بأصحابهِ (^٣) صلاةَ الظهرِ ركعتَين؛ ركوعُهم وسجودُهم وقيامُهم معًا (^٤) جميعًا، فَهَمَّ بهم المشركون أن يُغِيروا على أمتِعَتِهم (^٥) وأثقالِهم، فأنزَل الله ﵎: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾. فصَلَّى صلاةَ العصرِ؛ فصَفَّ أصحابَه صَفَّين، ثم كَبَّر بهم جميعًا، ثم سَجَد الأَوَّلون لسجودِه (^٦)، والآخَرون قيامٌ لم يسجُدوا، حتى قامَ النبيُّ ﷺ ثم كَبَّر (^٧) وركَعوا جميعًا، فتقدَّمَ الصفُّ الآخَرُ، واستأخَر الصَّفُّ المُقَّدمُ، فتَعاقَبوا السجودَ كما فعَلوا (^٨) أَوَّلَ مَرَّةٍ، [وقَصُرَت] (^٩) صلاةُ العصرِ إلى ركعتَين.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: حدَّثني جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبى (^١٠) عَيَّاشِ الزَّرَقيِّ، كُنَّا مع النبيِّ ﵇ بعُسْفانَ، وعلى المشركين\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٩٠ ومن طريقه ابن أبي حاتم ٣/ ١٠٥٢ (٥٨٩٥). وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٤٢٣٥، ٤٢٣٦)، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٣، من طرق عن مجاهد به.\n(^٢) في س، م: \"فتوافقوا\".\n(^٣) في م: \"وأصحابه\".\n(^٤) زيادة من: س.\n(^٥) في الأصل، س: \"أمتعاتهم\".\n(^٦) في الأصل: \"سجودهم\"، وفى م: \"بسجوده\".\n(^٧) بعده في م: \"بهم\".\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣ س: \"دخلوا\".\n(^٩) في الأصل: \"وقصر\".\n(^١٠) في الأصل: \"ابن\".","vol":"7","page":412},{"text":"خالدُ بنُ الوليدِ، قال: فَصَلَّينا الظهرَ، فقال المشركون: لقد (^١) كانوا على حالٍ، لو أرَدْنا لأَصَبْنا غِرَّةً، لأَصَبْنا غَفْلَةً. فَأُنزِلَت آيةُ القَصْرِ بينَ الظهرِ والعصرِ، فأخَذ الناسُ السلاحَ، وصَفَّوا خلفَ رسولِ الله ﷺ مُسْتَقْبِلى القبلةِ والمشركون مُسْتَقْبلُوهم (^٢)، فكَبَّر رسولُ اللهِ ﷺ وكَبَّروا جميعًا، ثم ركَع وركَعوا جميعًا، ثم رَفَع رأسَه ورفَعوا جميعًا، ثم سَجَد وسَجَد الصَّفُّ الذي يَلِيه، وقام الآخَرون يَحْرُسونهم، فلما فَرَغ هؤلاء مِن سجودِهم سَجَد هؤلاء، ثم نَكَص الصفُّ الذي يَلِيه، وتَقَدَّم الآخَرون فقاموا في مُقامِهم، فرَكَع رسولُ الله ﷺ فرَكَعوا جميعًا، ثم رَفَع رأسه فرَفَعوا جميعًا، ثم سَجَد وسَجَد الصَّفُّ الذي يَلِيه، وقام الآخَرون يَحْرُسونهم، فلما فَرَغ هؤلاء مِن سجودِهم، سَجَد هؤلاء الآخَرون، ثم استَوَوا معهم (^٣) فقَعَدوا جميعًا، ثم سَلَّم عليهم جميعًا، فصلَّاها (^٤) بعُسْفانَ، وصلَّاها يومَ بنى (^٥) سُلَيمٍ (^٦).\nوحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ موسى، عن شَيْبَانَ النَّحْوِيِّ، عن\n_________\n(^١) سقط من: م، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لو\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مستقبلهم\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت، س: \"معه\".\n(^٤) في الأصل: \"فصلي\".\n(^٥) في الأصل: \"فتح\".\n(^٦) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٨٦ - تفسير)، وأبو داود (١٢٣٦)، والدارقطني ٢/ ٦٠، والطبراني في الكبير (٥١٤٠)، والحاكم ١/ ٣٣٧، والبيهقى ٣/ ٢٥٦، ٢٥٧ من طريق جرير بن عبد الحميد به.\nوأخرجه الطيالسي (١٤٤٤)، وعبد الرزاق في المصنف (٤٢٣٧)، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٣، ٤٦٥، وأحمد ٢٧/ ١٢٠ - ١٢٣ (١٦٥٨٠ - ١٦٥٨٢)، والنسائي (١٥٤٨، ١٥٤٩)، وغيرهم من طرق عن منصور به. وسيأتي من طريق عبد العزيز بن عبد الصمد، عن منصور في ص ٤٤٠، ٤٤١. وينظر تخريج الحديث والكلام عليه في مسند الطيالسى (١٤٤٤).","vol":"7","page":413},{"text":"منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي عَيَّاشٍ الزُّرَقيِّ، و(^١) عن إسرائيلَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي عَيَّاشٍ (^٢) قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ بعُسْفَانَ. ثم ذكَر نحوَه (^٣).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: حدَّثني أبى، عن قتادةَ، عن سليمانَ (^٤) اليَشْكُرِيِّ، أنه سأل جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ عن إقصارِ الصلاةِ، أيَّ يومٍ أُنْزِل؟ أو في أيِّ يومٍ هو؟ فقال جابرٌ: انطلَقنا نَتَلقَّى عِيرَ قريشٍ آتيةً مِن الشأمِ، حتى إذا كُنَّا بنَخْلٍ، جاء رجلٌ مِن القومِ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: يا محمدُ. قال: \"نعم\". قال: هل تخافُني؟ قال: \"لا\". قال: فمَن يَمْنَعُك منى؟ قال: \"اللَّهُ يَمْنَعُنى مِنْكَ\". قال: فَسَلَّ السيفَ، ثم هَدَّده وأوعَده، ثم نادَى بالرحيلِ (^٥)، وأخَذ السلاحَ، ثم نُودِيَ بالصلاةِ، فصَلَّى رسولُ الله ﷺ بطائفةٍ مِن القومِ، وطائفةٌ أخرى تَحْرُسُهم، فصَلَّى بالذين يَلُونه ركعتَين، ثم تأخَّر الذين يَلُونه على أعقابِهم، فَقاموا في مَصَافِّ (^٦) أصحابِهم، و(^٧) جاء الآخرون، فصَلَّى بهم ركعتَين، والآخرون يَحْرُسونهم، ثم سَلَّم. فكانت للنبيِّ ﷺ أربعَ ركعاتٍ، وللقومِ ركعتَين ركعتيَن، فيومَئذٍ أنزَل الله في إقصارِ الصلاةِ، وأمَر المؤمنين بأخْذِ السلاحِ (^٨).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) بعده في: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"نحوه\".\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٥١٣٩) من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل به.\n(^٤) في الأصل: \"سليم\". وسليمان بن قيس اليشكرى له ترجمة في تهذيب الكمال ١٢/ ٥٥.\n(^٥) في ص، ت ١: \"بالرجل\".\n(^٦) المَصافّ - بالفتح وتشديد الفاء - جمع مَصَفٌ، وهو موضع الحرب الذي يكون فيه الصفوف. النهاية ٣/ ٣٨.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ثم\".\n(^٨) أخرجه الطحاوى ١٠/ ٣١٧، وابن حبان (٢٨٨٢) من طريق معاذ بن هشام به. =","vol":"7","page":414},{"text":"وقال آخرون: بل عَنَى بها قَصْرَ صلاةِ الخوفِ في حالٍ غيرِ شدةِ الخوفِ، إلَّا أنه عَنَى به القَصْرَ من (^١) صلاةِ السفرِ، لا من (^٢) صلاةِ الإقامةِ، قالوا: وذلك أن صلاةَ السفرِ في غيرِ حالِ الخوفِ ركعتان تمامٌ غيرُ قَصْرٍ، كما أن صلاةَ الإقامةِ أربعُ ركعاتٍ في حالِ الإقامةِ. قالوا: فقَصُرَت في السفرِ في حالِ الأمنِ غيرِ الخوفِ عن صلاةِ المُقِيمِ، فجُعِلَت على (^٣) النصفِ، وهى تمامٌ في السفرِ، ثم قَصُرَت في حالِ الخوفِ في السفرِ عن صلاةِ الأمنِ فيه، فجُعِلَت على النصفِ، ركعةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-2184>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطٌ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. إلى قولِه: ﴿عَدُوًّا مُبِينًا﴾. إن الصلاةَ إذا صُلِّيَتْ ركعتَين في السفرِ فهو (^٤) تَمامٌ. والتقصيرُ لا يَحِلُّ، إلا أن تخافَ من الذين كفَروا أن يَفْتِنوك عن الصلاةِ. والتقصيرُ فيه (^٥) ركعةٌ، يقومُ الإمامُ، ويقومُ جندُه جندَين؛ طائفةٌ خلفَه، وطائفةٌ يُوازون العدوَّ، فيُّصَلِّي بمَن معه ركعةً، ويمشُون إليهم على أدبارِهم حتى (^٦) يَقوموا في مُقامِ\n_________\n= وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٥٠٤ - تفسير)، وأحمد ٣/ ٣٦٤، ٣٩٠ (الميمنية)، وأبو يعلى (١٧٧٨)، والطحاوى ١/ ٣١٥، وابن حبان (٢٨٨٣) من طريق سليمان اليشكري به بنحوه. وأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٤، وأحمد ٣/ ٣٦٤ (الميمنية)، والبخارى (٤١٣٦) تعليقًا، ومسلم (٨٤٣)، وابن حبان (٢٨٨٤)، وغيرهم من طريق أبى سلمة، عن جابر به بنحوه. وفيه: أن الغزوة كانت ذات الرقاع.\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"في\".\n(^٢) في م، س: \"في\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣: \"فهي\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) في الأصل: \"ثم\".","vol":"7","page":415},{"text":"أصحابهم، وتلك المِشْيَةُ القَهْقَرَى. ثم تأتى الطائفةُ الأخرى، فتُصَلِّى مع الإمامِ ركعةً أخرى، ثم يَجلِسُ الإمامُ فيُسَلِّمُ، فيَقُومون فيُصَلُّون لأنفسِهم ركعةً، ثم يَرْجِعون إلى صَفِّهم، ويقومُ الآخرون فيُضِيفون إلى ركعتِهم ركعةً. والناسُ يقولون: لا، بل هي ركعةٌ واحدةٌ، لا يُصَلِّى أحدٌ منهم إلى ركعتِه شيئًا، تُجزِئُه ركعةُ الإمامِ. فيكونُ للإمامِ ركعتان، ولهم ركعةٌ، فذلك قولُ الله ﷿: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾. إلى قولِه: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ القُرَشِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ الحَنَفيِّ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن صلاةِ السفرِ؟ فقال: ركعتان تمامٌ غيرُ قَصْرٍ، إنما القصرُ صلاةُ المخافةِ. فقلتُ: وما صلاةُ المخافةِ؟ قال: يُصَلِّي الإمامُ بطائفةٍ ركعةً، ثم يَجِيء هؤلاء مكانَ هؤلاء، ويَجِيءُ (^٢) هؤلاء (^٣) مكانَ هؤلاء، فيُصَلِّي بهم ركعةً، فيكونُ للإمامِ ركعتان (^٤)، ولكلِّ طائفةٍ ركعةٌ ركعةٌ (^٥).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى (^٦)، قال: ثنا سفيانُ، عن سالمٍ الأفْطَسِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: كيف تكونُ قَصْرًا وهم يُصَلُّون ركعتَين (٢)، إنما هي ركعةٌ (^٧).\nحدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا بَقِيَّةُ، قال: ثنا المسعوديُّ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٥٢ (٥٨٩٤) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، س.\n(^٣) بعده في: ص، ت ١، ت ٢، س: \"إلى\".\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س: \"ركعتين\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٤٤٩، والبيهقى ٣/ ٢٦٣ من طريق مسعر عن سماك الحنفى مختصرًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) في الأصل: \"ابن يحيى\".\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٤٢٥٢)، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٦ من طريق سفيان به.","vol":"7","page":416},{"text":"ثنى يزيدُ الفقيرٌ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: صلاةُ الخوفِ ركعةٌ (^١).\nحدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنى عمى عبدُ اللَّهِ بنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، قال: ثنى بكرُ بنُ سَوادةَ، أن زيادَ بنَ نافعٍ حدَّثه، عن كعبٍ، وكان مِن أصحابِ رسول الله ﷺ ما قُطِعَت يَدُه يومَ اليمامةِ، أن صلاةَ الخوفِ لكلِّ طائفةٍ ركعةٌ وسجدَتان (^٢).\nواعتَلَّ قائلو هذه المقالة [مِن الآثار] (^٣) بما حدَّثنا به محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال (^٤): ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى أشعثُ بنُ أبى الشَّعْثاءِ، عن الأسودِ بن هلالٍ، عن ثَعْلبةَ بن زَهْدَمٍ اليَرْبُوعِيِّ، قال: كُنَّا مع سعيدِ بن العاصِ بطَبَرِسْتانَ، فقال: أيُّكم يَحْفَظُ صلاةَ رسولِ الله ﷺ في الخوفِ؟ فقال حُذَيفةُ: أنا. فأَقامنا خلفَه صَفًّا وصفًّا (^٥) موازىَ العدوِّ، فصلَّى بالذين يَلُونه ركعةً، و(^٦) ذهَب هؤلاء إلى مَصافِّ أولئك، [وجاء هؤلاءِ فصلَّى بهم ركعةً] (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (١٨٩٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٥٣ (٥٨٩٨)، وابن خزيمة (١٣٦٤)، والنسائي (١٥٤٥)، وغيرهم من طريق المسعودى به، وسيأتي من طريق الحكم، عن يزيد الفقير في ص ٤١٩، ٤٢٠.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه ٢/ ٢٠١ (٢٠٥٧) عن عبد الله بن وهب به.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١.\n(^٤) بعده في الأصل: \"حدَّثنا يحيى بن بشار قال\".\n(^٥) في م: \"صف\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ثم\".\n(^٧) في الأصل: \"فصلى بهم ركعة\". وقد أخرجه ابن خزيمة (١٣٤٣) عن ابن بشار ومحمد بن المثنى، عن يحيى به. وقد أخرجه أبو داود (١٢٤٦)، والنسائى (١٥٢٩)، والحاكم ١/ ٣٣٥ من طريق يحيى القطان به.\nوأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٤٢٤٩) وابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١، وأحمد ٥/ ٣٨٥ (ميمنية)، والنسائى (١٥٢٨)، وغيرهم من طريق سفيان. وسيأتي من طريق عبد الرحمن عن سفيان في الأثر بعد القادم.","vol":"7","page":417},{"text":"حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا [يحيى و] (^١) عبد الرحمن، قالا (^٢): ثنا سُفيانُ، عن الرُّكينِ بن الربيع، عن القاسم بن حَسَّانَ، قال: سألتُ زيد بن ثابت عنه، فحَدَّثنى بنحوه (^٣).\n[حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن الأشْعَثِ، عن الأسود بن هلالٍ، عن ثعلبةَ بن زَهْدَمٍ اليَرْبُوعِيِّ، عن حُذيفة بنحوه] (^٤).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال حدَّثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو بكر بنُ أبى الجهم، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباسٍ، أن رسول الله ﷺ صلى بذى قَرَدٍ (^٥) نَصَفُ الناس خلفه صفَّين؛ صَفًّا خلفَه، وصفًّا موازى العدوِّ، فصلَّى بالذين خلفه ركعةٌ، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك، فصلَّى بهم ركعةً، ولم يقضوا (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في الأصل: \"قال\".\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة (١٣٤٥) عن ابن بشار ومحمد بن المثنى، عن يحيى به. وأخرجه النسائي (١٥٣٠) من طريق يحيى به.\nوأخرجه عبد الرزاق (٤٢٥٠) وابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١، وأحمد ٥/ ١٨٣ (ميمنية)، وابن حبان (٢٨٧٠)، والبيهقى ٣/ ٢٦٢ من طرق عن سفيان به.\n(^٤) سقط من: ص. وقد أخرجه أحمد ٥/ ٣٩٩ (ميمنية) عن عبد الرحمن بن مهدى به. وانظر الأثر قبل السابق.\n(^٥) ذو قرد: ماء على ليلتين من المدينة بينها وبين خيبر. معجم البلدان ٤/ ٥٥.\n(^٦) أخرجه النسائي (١٥٣٢) وابن خزيمة (١٣٤٤) وابن حبان (٢٨٧١) من طريق ابن بشار به. وعند ابن خزيمة مقرونًا بمحمد بن المثنى.\nوأخرجه الحاكم ١/ ٣٣٥ من طريق يحيى القطان به.\nوأخرجه عبد الرزاق (٤٢٥١)، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١، وأحمد (٢٠٦٣، ٣٣٦٤)، والبيهقي ٣/ ٢٦٢ وغيرهم من طرق عن سفيان به.","vol":"7","page":418},{"text":"حدَّثنا تميمُ بنُ المُنتَصِرِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ الأزرقُ، عن شَرِيكٍ، عن أبي بكر بن صُخَيْرٍ (^١)، عن عُبَيدِ اللهِ بن عبدِ اللهِ، عن ابن عباسٍ مثله.\nحدَّثنا بشرُ بن مُعاذٍ، قال: ثنا أبو عَوَانةَ، عن بُكير بن الأخنس، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: فَرَض الله الصلاة على لسان نبيِّكم ﷺ في الحَضَرِ أربعًا، وفى السفر ركعتين، وفى الخوف ركعةً (^٢).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا أبو عَوَانةَ، عن بُكَيرِ بن الْأَخْنَسِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباس مثله (^٣).\nحدَّثنا نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ (^٤)، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن أيوب بن عائذٍ الطائيِّ، عن بُكَيرِ بن الأَخْنَسِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ مثله.\nحدَّثنا يعقوبُ بن ماهان، قال: ثنا القاسمُ بن مالكٍ، عن أيوب بن عائذٍ الطَّائيِّ، عن بُكَيرِ بن الأَخْنَسِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ مثله (^٥).\nحدَّثنا محمد بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن يزيد الفقير، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، أن رسول الله ﷺ صَلَّى بهم (^٦)\n_________\n(^١) في النسخ: \"صحير\" والمثبت من مصادر الترجمة. وانظر تهذيب الكمال ٣٣/ ٩٩.\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة (٣٠٤، ٩٤٣، ١٣٤٦) عن بشر بن معاذ به.\nوأخرجه أحمد (٢١٢٤، ٢٢٩٣، ٣٣٣٢)، والبخارى في القراءة خلف الإمام (٢٢٦) ومسلم (٦٨٧) وأبو داود (١٢٤٧)، وابن ماجة (١٠٦٨)، وغيرهم من طرق عن أبي عوانة به.\n(^٣) أخرجه النسائي (٤٥٥) من طريق عبد الرحمن بن مهدى ويحيى القطان، عن أبي عوانة به.\n(^٤) في الأصل: \"الأزدى\".\n(^٥) أخرجه النسائي (١٤٤١) عن يعقوب بن ماهان به.\nوأخرجه أحمد (٢١٧٧)، ومسلم (٦٨٧)، وغيرهم من طرق عن القاسم بن مالك به.\n(^٦) سقط من: الأصل.","vol":"7","page":419},{"text":"صلاة الخوف، فقامَ صَفٌّ بينَ يَدَيه وصَفٌّ خلفَه بينَ يَدَيه وصَفٌّ خلفَه، فصَلَّى بالذين خلفه ركعةً وسجدتين، ثم تقدَّم هؤلاء حتى قاموا مَقامَ أصحابهم، وجاء أولئك حتى قاموا مقام هؤلاء، فصَلَّى بهم رسول الله ﷺ ركعةً وسجدتين ثم سَلَّم، فكانت للنبيِّ ﷺ ركعتين ولهم ركعةً (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وَهْبٍ، قال: ثنى عمى عبدُ اللَّهِ بنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني عمرُو بنُ الحارث أن بكر بن سَوادةَ، حدَّثه عن زياد بن نافعٍ، حدَّثه عن أبى موسى، أن جابر بن عبدِ اللهِ حدثَّهم، أن رسول الله ﷺ صَلَّى الخوفِ يومَ مُحارب وثعلبة، لكلِّ طائفةٍ ركعةً وسجدتين (^٢).\nحدَّثني أحمدُ بنُ محمد الطُّوسِيُّ، قال: ثنا عبدُ الصَّمَدِ، قال: ثنا سعيدُ بنُ عُبَيْدٍ (^٣) الهُنَائِيُّ (^٤)، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ شَقِيقٍ، قال: ثنا أبو هريرة أن رسول اللهِ ﷺ نَزَل بينَ ضَجْنانَ (^٥) وعُسْفانَ، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاةً هي أحبُّ إليهم من أبنائهم وأبكارهم (^٦)، وهى العصرُ، فأجمعوا أمركم، فميلوا عليهم مَيْلةً واحدةً، وإن جبريل ﷺ أتى النبي ﵇ فأمره (^٧) أن يُقِيمَ (^٨) أصحابه\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (١٣٤٧) عن أبي موسى محمد بن المثنى به.\nوأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٢، وأحمد ٣/ ٢٩٨ (ميمنية) وابن حبان (٢٨٦٩) عن محمد بن جعفر به.\nوأخرجه النسائي (١٥٤٤)، وابن خزيمة (١٣٤٧) من طرق عن شعبة به، وقد سبق من طريق المسعودى، عن يزيه الفقير في ص ٤١٦، ٤١٧.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٥٠٥) عن عبد الله بن وهب به، وانظر التغليق ٤/ ١١٦.\n(^٣) في ص، م: \"عبد\". وانظر تهذيب الكمال ١٠/ ٥٥١.\n(^٤) في الأصل: \"البيانى\"، وفى ت ١: \"الهبائى\"، وانظر المصدر السابق.\n(^٥) في الأصل: \"صحيان\".\n(^٦) جمع بكر، والمراد بها الأبكار من الإبل. الصحاح (بكر).\n(^٧) في م، ت ٢، ت ٣: \"وأمره\".\n(^٨) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقسم\".","vol":"7","page":420},{"text":"شَطْرَين (^١)، فيُصَلِّي ببعضهم (^٢)، وتقوم طائفةٌ أخرى وراءهم، فيأخُذوا جذْرَهم وأسلحتهم، ثم تأتى (^٣) الأخرى فيصَلُّوا معه، ويأخُذُ هؤلاء حِذرَهم وأسلحتهم، فتكونُ لهم ركعةٌ ركعةٌ مع رسول الله ﷺ، ولرسول الله ﷺ ركعتين\" (^٤).\nوقال آخرون (^٥): بل عَنَى به القَصْرَ في السَّفَرِ، إلا أنه عَنَى به القَصْرَ في شِدَّةِ الخوف (^٦)، وعند المُسايفة، فأُبيح عند التحام الحربِ للمُصَلِّي أَن يَرْكَعَ ركعةً إيماءً برأسه حيثُ تَوَجَّه بوجهه. قالوا: فذلك معنى قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-2185>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية: [وقَصْرُ] (^٧) الصلاة، إن لقيت\n_________\n(^١) في الأصل: \"ينتظرون\".\n(^٢) في م: \"بعضهم\".\n(^٣) في ص، م: \"يأمر\".\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٥٢٢ (١٠٠٧٧)، والترمذى (٣٠٣٥)، والنسائى في الكبرى ١/ ٥٩٤ (١٩٣٢)، وابن حبان في صحيحه ٧/ ١٢٣ (٢٨٧٢) من طريق عبد الصمد عن سعيد عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة.\nقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة.\nوقال البخارى: وحديث عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة حسن. العلل الكبير (١٦٧).\n(^٥) بعده في الأصل بياض بمقدار كلمة.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحرب\".\n(^٧) في الأصل: \"وقضوا\"، وفى ص، م: \"قصر\".","vol":"7","page":421},{"text":"العدوَّ وقد حانت الصلاةُ: أن تُكَبِّرَ اللَّهَ وتَخفِضَ رأسك إيماءً، راكبًا كنتَ أو ماشيًا (^١).\nقال أبو جعفرٍ، ﵀: وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية، قولُ من قال: عَنى بالقَصْرِ فيها، القَصْرَ مِن حدودها. وذلك تَرْكُ إتمام ركوعها وسجودها، وإباحةُ أدائها كيف أمكن أداؤها، مُسْتقبل القبلة فيها ومُسْتدبرها، وراكبًا وماشيًا، وذلك في حالِ السَّلَّةِ (^٢) والمُسايفة والتحام الحرب، وتزاحُف الصُّفوف، وهى الحال التي قال الله جلَّ ثناؤه فيها: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وأذن بالصلاة المكتوبة فيها راكبًا، إيماءً بالركوع والسجودِ على نحو ما رُوى عن ابن عباسٍ من تأويله في ذلك.\nوإنما قُلنا ذلك أولى التأويلات بقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ لدّلالةِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. على أن ذلك كذلك؛ لأن إقامتها إتمامُ حدودها من الركوع والسجودِ وسائرِ فروضِها، دونَ الزيادة في عددها التي لم تكن واجبةً في حال الخوفِ.\nفإن ظَنَّ ظانٌّ أن ذلك أمرٌ مِن الله بإتمام عددها الواجب عليه في حال الأمن بعد زوالِ الخوفِ، فقد يجبُ أن يكون المسافرُ في حال قَصْرِه صلاته عن صلاة [المُقِيمِ، غير مُقيمٍ] (^٣) صلاته لنَقص عددِ صلاتِه من الأربعِ اللازمةِ\n_________\n(^١) علقه النحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٣٥٢.\n(¬٢ في الأصل: \"السلم\". وفى م: \"الشبكة\". والسلة: استلال السيوف. اللسان (س ل ل).\n(^٣) في الأصل: \"المقصر غير المقصر\".","vol":"7","page":422},{"text":"كانت له في حال إقامته إلى الركعتين. وذلك قولٌ (^١) إن قاله قائلٌ، مخالفٌ لما عليه الأمةُ مُجْمِعَةٌ مِن أن المسافر لا يَسْتَحِقُّ أن يقال له - إذا أتى بصلاته بكمال حدودها المفروضة عليه فيها، وقصر عددها عن أربعٍ إلى اثنتين -: إنه غير مُقيمٍ صلاته.\nوإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره قد أمر الذي أباح له أن يَقْصِر صلاته خوفًا من عدوِّه أن يَفْتِنَه، أن يقيم صلاتَه إذا اطمأنَّ وزال الخوفُ، كان معلومًا أنَّ الذي فَرَض عليه من إقامة ذلك في حال الطمأنينة، عينُ (^٢) الذي كان أسقط عنه في حال الخوفِ. وإذ كان الذي فَرَض عليه في حالِ الطُّمأنينة: إقامة صلاته، فالذى أسقط عنه في غير حالِ الطُّمأنينة: تَرْكُ إقامتها. وقد دلَّلنا على أن تَرْكَ إقامتها، إنما هو تَرْكُ حدودِها، على ما بيَّنَّا قبلُ.\n\n<span id=\"aya-595\"></span><span data-type='title' id=toc-2186>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾.</span>\nقال أبو جعفر، ﵀: يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: وإذا كنتَ في الضاربين في الأرض من أصحابك يا محمدُ، الخائفين عدوُّهم أن يَفْتِتَهم ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾. يقولُ: فأتممتَ (^٣) لهم الصلاة بحدودها وركوعها وسجودها، ولم\n_________\n(^١) في ص، س: \"قوله\".\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"غير\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فأقمت\". وانظر التبيان ٣/ ٣٠٩.","vol":"7","page":423},{"text":"تَقْصُرُها القَصْرَ الذي أبَحْتُ (^١) لهم أن يَقْصُروها في حال تلاقيهم وعدوَّهم، وتَزاحُفِ بعضهم إلى بعض، مِن تَرْكِ إقامة حدودها وركوعها وسجودها وسائر فروضها، ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾. يعنى: فلتَقُمْ فِرْقةٌ من أصحابك الذين وتكون أنت فيهم معك في صلاتِك، وليكن سائرُهم في وجوه العدوِّ - وترك ذكر ما ينبغى لسائر الطوائف غير المُصلِّية مع النبيِّ ﷺ أن يفعله لدلالة الكلام المذكور على المراد به، والاستغناء بما ذُكر عما تُرك ذكرُه - ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾.\nواختلف أهلُ التأويل في الطائفة المأمورة بأخذ السلاح؛ فقال بعضُهم: هي الطائفةُ التي كانت تُصلِّى مع رسول الله ﷺ. قال: ومعنى الكلام: ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾. يقولُ: ولتأخذ الطائفةُ المُصَلِّيةُ معك من طوائفهم ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾. والسلاحُ الذي أُمروا بأخذِه عندهم في صلاتهم، كالسيف يَتقلَّدُه أحدُهم، والسكين، والخنجرِ يَشُدُّه إلى دِرْعه (^٢) وثيابه التي هي عليه، ونحوِ ذلك من سلاحه.\nوقال آخرون: بل الطائفةُ المأمورةُ بأخذِ السلاح منهم الطائفةُ التي كانت بإزاء العدوِّ، دونَ المُصَلِّية مع رسول الله ﷺ. وذلك قولُ ابن عباس.\nحدَّثني بذلك المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ يقولُ: فإذا سجدتِ الطائفةُ التي قامت معك في صلاتك تُصلِّي بصلاتك، فَفَرَغَت من سجودِها، ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾.\n_________\n(^١) في الأصل، والتبيان: \"يجب\".\n(^٢) في الأصل، ت ٢، س: \"ذراعه\".","vol":"7","page":424},{"text":"يقولُ: فليصيروا بعدَ فراغِهم من سجودِهم خلفكم مُصَافِّى (^١) العدوِّ في المكان الذي فيه سائرُ الطوائف التي لم تُصَلِّ معك، ولم تَدخُلْ معك في صلاتك (^٢).\nثم اختلف أهلُ التأويل في تأويل قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: فإذا صَلُّوا فَفَرَغوا من صلاتهم، فليكونوا من ورائكم.\nثم اختلف أهلُ هذه المقالة؛ فقال بعضُهم: إذا صَلَّت هذه الطائفةُ مع الإمام ركعةً، سَلَّمَت وانصرفت من صلاتها، حتى تأتى مُقامَ أصحابها بإزاء العدوِّ، ولا قضاء عليها. وهم الذين قالوا: عَنَى الله بقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. أن تجعلوها - إذا خفتم الذين كفروا أن يَفْتِنوكم - ركعةً. ورَوَوا (^٣) عن النبيِّ ﷺ أنه صلَّى بطائفةٍ صلاةَ الخوفِ ركعةً، ولم يَقْضُوا، وبطائفةٍ أخرى ركعةً (^٣) ولم يَقْضُوا.\nوقد ذكرنا بعض ذلك فيما مَضَى، وفىما ذكرنا كفايةٌ عن استيعابِ ذكرِ جميع ما فيه (^٤).\nوقال آخرون منهم: بل الواجبُ كان على هذه الطائفة التي أمرها الله بالقيام مع نبيِّها، إذا أراد إقامة الصلاةِ بهم في حالِ خوفِ العدو، إذا فَرَغَت من ركعتها التي أمرها الله أن تصلِّى مع النبيِّ ﷺ على ما أمرها به في كتابه - أن تَقُومَ في مُقامِها الذي صَلَّت فيه مع رسولِ اللَّهِ ﷺ، فتُصَلِّي لأنفسها بَقِيَّةَ\n_________\n(^١) في الأصل: \"مكافئ\" ومُصافّ العدو: أي مقابلهم. النهاية ٣/ ٣٨.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"روى\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) انظر ما تقدم في ص ٤١٥ وما بعدها.","vol":"7","page":425},{"text":"صلاتها [وتُسَلِّمَ] (^١)، وتأتى مصافَّ أصحابها، وكان على النبيِّ ﷺ أن يثبُت (^٢) قائمًا في مُقامِه حتى تَفْرُغَ الطائفةُ التي صَلَّت معه الركعة الأولى من بقيَّة صلاتها - إذا كانت صلاتُها التي صلَّت معه مما يجوزُ قَصْرُ عددِها عن الواجب على المُقيمين في أَمْنٍ - وتَذْهَبَ إلى مصافِّ أصحابها، وتأتي الطائفةُ التي كانت مُصَافَّةً عدوَّها، فيُصَلِّي بها ركعةً أخرى من صلاتها.\nثم هم في حكم هذه الطائفة الثانية مُختلفون؛ فقالت فرقةٌ من أهل هذه المقالة: كان على النبيِّ ﷺ إذا فَرَغ من ركعتيه (^٣)، ورفَع رأسَه من سجوده من ركعتِه الثانية، أن يَقْعُدَ للتشهُّدِ، وعلى الطائفة التي صَلَّت معه الركعة الثانية، ولم تُدْرِكْ معه الركعة الأولى؛ لاشتغالها بعدوِّها أن تقوم فتقضى ركعتها الفائتةَ مع النبيِّ ﷺ، وعلى النبيِّ ﷺ انتظارُها قاعدًا في تشهُّده حتى تَفْرُغَ هذه الطائفةُ مِن ركعتها الفائتة وتتشهَّدَ، ثم يُسَلَّم بهم.\nوقالت فرقةٌ أخرى منهم: بل كان الواجبُ على الطائفة التي لم تُدْرِكْ معه الركعة الأولى إذا قعد النبيُّ ﷺ [للتشهُّد، أن تَقْعُدَ معه للتشهد فتَتَشهَّدَ بتَشهُّدِه، فإذا فرغ النبيُّ ﷺ] (١) مِن تَشهُدِه سَلَّم، ثم قامتِ الطائفةُ التي صَلَّت معه الركعة الثانية حينئذٍ، فقَضَت ركعتها الفائتة.\nوكلُّ قائلٍ من الذين ذكرنا قولهم، روى عن رسول الله ﷺ أخبارًا بأنه كما قال فعل.\n_________\n.\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في الأصل: \"يلبث\".\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ركعته\".","vol":"7","page":426},{"text":"ذكرُ مَن قال: انتظر النبيُّ ﷺ الطائفتين حتى قضت صلاتها (^١)، ولم يَخْرُجُ مِن صلاته (^٢) إلا بعد فراغ الطائفتين (^٣) من صلاتهما (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني مالكٌ، عن يزيد بن رُومان، عن صالح بن خَوَّاتٍ، عمَّن صلَّى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، يومَ ذاتِ الرِّقاعِ، أن طائفةٌ صَفّت معه، وطائفةٌ وجاه (^٥) العدو، فصلَّى بالذين معه ركعةً، ثم ثَبَت قائمًا، فأتَمُّوا لأنفسهم، ثم جاءت الطائفةُ الأخرى، فصلَّى بهم، ثم ثَبَت جالسًا فأتمُّوا لأنفسهم، ثم سَلَّم بهم (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى [عُبَيدُ اللهِ] (^٧) بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا شعبةُ، عن عبد الرحمن بن القاسمِ، عن أبيه، عن صالحِ بن خَوَّاتٍ، عن سهلِ بن أبى حثمةً، قال: صلَّى النبيُّ ﷺ بأصحابه [في خوفٍ، فجعلهم خلفه صفَّين] (^٨)، فصلَّى بالذين يلُونه ركعةً، ثم قام، فلم يَزَلْ قائمًا حتى صَلَّى الذين خلقه ركعةً، ثم تقدَّموا (^٩) وتخلَّف الذين كانوا قُدَّامهم، فصلَّى بهم ركعةً، ثم جلَس حتى صَلَّى الذين تخلَّفوا (^١٠)\n_________\n(^١) في م: \"صلاتهما\".\n(^٢) في الأصل: \"صلاة\".\n(^٣) في الأصل: \"الطائفة\".\n(^٤) في الأصل، ص، ت ٢، س: \"صلاتها\".\n(^٥) وجاه العدو: أي مقابلهم وحذاءهم، وتكسر الواو وتضم. النهاية ٥/ ١٥٩.\n(^٦) أخرجه مالك في الموطأ، ١/ ١٨٣، ومن طريقه الشافعي في الرسالة ص ١٨٢، ٢٤٤، والبخارى (٤١٢٩)، وفى التاريخ ٤/ ٢٧٦، ومسلم (٨٤٢)، وأبو داود (١٢٣٨)، والنسائى (١٥٣٦)، والطحاوى ١/ ٣١٢، ٣١٣، والدارقطنى ٢/ ٦٠، والبيهقى ٣/ ٢٥٢، ٢٥٣، والبغوى (١٠٩٤).\n(^٧) في الأصل: \"عبد الله\".\n(^٨) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فجعلهم صفين\".\n(^٩) في م: \"تقدم\".\n(^١٠) في الأصل: \"خلفه\".","vol":"7","page":427},{"text":"ركعةٌ، ثم سلَّم (^١).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خَوَّاتٍ، عن سهل بن أبى حَثْمَةَ، عن رسولِ الله ﷺ أنه قال في صلاة الخوف: \"تَقُومُ طائفةٌ بينَ يَدَى الإمام وطائفةٌ خَلْفَه، فيُصَلِّى بالذين خلفه ركعةً وسَجْدَتَين، ثم يَقْعُدُ مكانَه حتى يَقْضُوا ركعةً وسجدَتين، ثم يَتَحَوَّلون إلى مكان أصحابهم، ثم يَتَحَوَّلُ أولئك إلى مكان هؤلاء، فيُصَلِّي بهم ركعةً وسجدَتَين، ثم يَقْعُدُ مكانَه حتى يُصَلُّوا ركعةً وسَجْدَتَين، ثم يُسَلِّمُ\" (^٢).\nذكرُ مَن قال: كانت الطائفةُ الثانيةُ تَقعُدُ مع النبيِّ ﷺ حتى يَفْرُعَ النبيُّ ﷺ من صلاته، ثم تَقْضِى ما بَقِيَ عليها (^٣) بعدُ.\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: سمعتُ يحيى بن سعيدٍ، قال: سمِعتُ القاسم، قال: ثنى صالحُ بنُ خَوَّاتِ بن جُبَيرٍ، أن سهلَ بن أبى حَثْمَةَ حَدَّثه أن صلاة الخوفِ أن يقوم الإمامُ إلى القبلة يُصلِّى ومعه طائفةُ من أصحابه، وطائفةٌ أخرى مُواجهة العدوِّ، فيُصَلِّي، فيركَعَ الإمامُ بالذين معه، ويَسجُدَ ثم يقوم، فإذا استوى قائمًا ركَع الذين وراءَه لأنفسهم ركعةً وسجدتَين، ثم سَلَّموا فانصرفوا والإمامُ قائمٌ، فقاموا إزاء العدوِّ، وأقبَل الآخرون فكَبَّروا مكان الإمام، فركع بهم الإمام، وسجد ثم سَلَّم، فقاموا فرَكَعوا لأنفسهم ركعةً وسجدتين، ثم سلَّموا (^٤).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: أخْبرَنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٤١)، وأبو داود (١٣٣٧)، والبيهقى ٣/ ٢٥٣ من طريق عبيد الله بن معاذ به.\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٤٤٨ (ميمنية)، وابن خزيمة (١٣٥٩)، وابن حبان (٢٨٨٦) من طريق روح عن شعبة به.\n(^٣) في الأصل: \"عليه\".\n(^٤) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ١٨٣، ١٨٤، وأحمد ٣/ ٤٤٨ (الميمنية)، والبخارى (٤١٣١)، وأبو داود (١٢٣٩)، وابن خزيمة (١٣٥٨)، وابن حبان (٢٨٨٥)، والبيهقى ٣/ ٢٥٣ من طرق عن يحيى بن سعيد الأنصارى به.","vol":"7","page":428},{"text":"القاسم بن محمدٍ، أن صالحَ بنَ خَوَّاتٍ أخبره، عن سهلِ بن أبى حَثْمةَ في صلاةِ الخوف. ثم ذكر نحوه (^١).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، [وسألته] (^٢)، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، عن القاسم بن محمدٍ، عن صالحٍ، عن سهلٍ بن أبى حَثْمةَ في صلاةِ الخوفِ، قال: يقومُ الإمامُ مُسْتقبل القبلة، وتقوم طائفةٌ منهم معه، وطائفةٌ مِن قِبَلِ العدوِّ، وجوهُهم إلى العدوِّ، فيرَكَعُ بهم ركعةً، ثم يركَعون لأنفسهم ويسجُدون سجدتين في مكانهم، ويذهبون إلى مُقام أولئك، ويجئُ أولئك، فيركعُ بهم ركعةً ويَسجُدُ سجدتين، فهى له ركعتان ولهم واحدةٌ، ثم يركعون ركعةً، ويسجُدون سجدتين (^٣).\nقال بندَارٌ (^٤): سألتُ يحيى بن سعيدٍ عن هذا الحديثِ، فحدَّثنى عن شُعْبَةَ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خَوَّاتٍ، عن سهلِ بن أبى حَثْمةَ، عن النبيِّ ﷺ بمثل حديث يحيى بن سعيدٍ، وقال لى: اكتُبه إلى جنبه، فلستُ أحفَظُه، ولكنه مثل حديث يحيى بن سعيد (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٦ عن يزيد بن هارون به.\n(^٢) سقط من: الأصل، وفى م: \"وسأله\".\n(^٣) أخرجه الدارمى ١/ ٣٥٨، والترمذى (٥٦٥)، وابن ماجه (١٢٥٩)، وابن خزيمة (١٣٥٦)، والبيهقى ٣/ ٢٥٣ من طريق ابن بشار به. وأخرجه البخاري (٤١٣١)، والنسائى (١٥٥٢) من طريق القطان به.\n(^٤) في الأصل: \"بشار\".\n(^٥) أخرجه الدارمى ١/ ٣٥٨، والترمذى (٥٦٦)، وابن ماجه (١٢٥٩)، وابن خزيمة (١٣٥٦)، والبيهقى ٣/ ٢٥٣، ٢٥٤٣ عن بندار به. وأخرجه البخارى (٤١٣١)، والنسائي (١٥٣٥)، عن يحيى بن سعيد به.","vol":"7","page":429},{"text":"حدَّثنا نَصْرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ، عن القاسم بن محمدِ بن أبى بكرٍ، عن صالح بن خَوَّاتٍ، أن الإمام يقوم فيصُفُّ صفَّين، طائفةٌ مُواجهة العدوِّ، وطائفةٌ خلفَ الإمام، فيُصَلِّي الإمام بالذين خلفه ركعةً، ثم يقومون فيُصلُّون لأنفسهم ركعةً، ثم يسلِّمون (^١)، ثم يَنطلقون فيصُفُّون، ويجئ الآخرون فيصَلِّي بهم ركعةً، ثم يُسلِّم، فيقُومون فيُصَلُّون لأنفسهم ركعةً (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا مُعْتَمِرُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ عُبيد الله، عن القاسم بن محمدٍ، عن صالح بن خَوَّاتٍ، عن رجلٍ مِن أصحاب النبيِّ ﷺ، أنه قال: صلاةُ الخوف أن تقوم طائفةٌ من خلف الإمام، وطائفةٌ يَلُون العدوّ، فيُصَلِّي الإمام بالذين خلفه ركعةً، ويقومُ قائمًا، فيُصَلِّي القومُ إليها ركعةً أخرى، ثم يُسلمون (^٣) فينطلقون إلى أصحابهم، ويَجِئُ أصحابُهم والإمامُ قائمٌ، فيُصَلّي بهم ركعةً فيُسلَّمُ، ثم يقومون فيُصَلُّون إليها ركعةً أخرى، ثم يَنْصَرِفون. قال عُبَيدُ اللَّهِ: فما سمِعتُ فيما يُذكر (^٤) في صلاة الخوف شيئًا هو أحسنُ عندى من هذا.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾. فهذا عند الصلاة في الخوفِ، يقومُ الإمامُ وتقومُ معه طائفةٌ منهم، وطائفةٌ يأخُذُون أسلحتهم، ويقفون بإزاء العدوّ، فيُصَلّي الإمامُ بمن معه ركعةً، ثم يجلسُ على\n_________\n(^١) في الأصل: \"يسلم\".\n(^٢) أخرجه البيهقى ٣/ ٢٥٣ من طريق عبيد الله عن القاسم عن صالح بن خوات عن أبيه به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يسلم\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تذكره\".","vol":"7","page":430},{"text":"هيئته، فىقومُ القومُ فيُصَلُّون لأنفسهم الركعة الثانية والإمامُ جالسٌ، ثم يَنْصَرِفون حتى يأتُوا أصحابَهم، فيقفُون مَوْقِفَهم، ثم يُقْبِلُ الآخرون فيُصَلِّي بهم الإمامُ الركعةَ الثانية ثم يُسَلِّمُ، فيقومُ القومُ فيُصَلُّون لأنفسهم الركعة الثانية، فهكذا صلَّى رسولُ الله ﷺ يومَ بَطْنِ نَخلة (^١).\nوقال آخرون: بل تأويلُ قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾: فإذا سَجَدَت الطائفةُ التي قامت مع النبيِّ ﷺ حين دَخَل في صلاته فدَخَلت معه في صلاتِه - السجدة الثانيةَ من ركعتها الأولى ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ يعنى: من ورائك يا محمدُ، ووراء أصحابك الذين لم يُصَلُّوا بإزاء العدو. قالوا: وكانت هذه الطائفةُ لا تُسَلِّمُ من ركعتِها إِذا هي فَرَغَت مِن سَجْدَتَى ركعتها التي صَلَّت مع النبيِّ ﷺ، ولكنها تمضى إلى مؤقف أصحابها بإزاء العدوِّ، وعليها بَقِيَّةُ صَلاتِها. قالوا: وكانت تأتى الطائفةُ الأخرى التي كانت بإزاء العدوِّ، حتى تَدخُلَ مع النبيِّ ﷺ في بقيَّة صلاته (^٢)، فيُصَلِّي بها النبيُّ ﷺ الركعة التي كانت قد بَقيَت عليه. قالوا: وذلك معنى قول الله جل ثناؤُه: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾.\nثم اختلف أهلُ هذه المقالة في صفة قضاء ما كان تَبَقَّى على كلِّ طائفةٍ من هاتين الطائِفَتين من صلاتِها بعد فراغ النبيِّ ﷺ من صلاته وسلامه من صلاته، على قولِ قائلى هذه المقالة ومُتأوِّلى هذا التأويل؛ فقال بعضُهم: كانت الطائفةُ الثانية التي صَلَّت مع النبيِّ ﷺ الركعة الثانية من صلاتِه (^٣)، إذا سلَّم النبيُّ ﷺ من\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٣٠٢١) من طريق أبى صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"صلاتها\".\n(^٣) في م: \"صلاتها\".","vol":"7","page":431},{"text":"صلاته، قامت فقَضَت ما فاتَها من صلاتها مع النبيِّ ﷺ في مَقامِها، بعد فراغ النبيِّ ﷺ من صلاته، والطائفةُ التي صَلَّت مع النبيِّ ﷺ الركعة الأُولى بإزاء العدوِّ بعدُ لم تُتِمَّ صلاتها (^١)، فإذا هي فَرَغَت مِن بَقِيَّة صلاتها التي فاتتها مع النبيِّ ﷺ مضت إلى مصافِّ أصحابها بإزاءِ العدوِّ، وجاءت الطائفةُ الأُولى التي صَلَّت مع رسول الله ﷺ الركعة الأولى إلى مقامها التي كانت صَلَّت فيه خلفَ رسول الله ﷺ، فقَضَت بَقِيَّةَ صلاتها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2187>ذكرُ الرواية بذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الملك بنُ أبى الشَّواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحد بنُ زيادٍ، قال: ثنا خُصيفٌ، قال: ثنا أبو عُبَيدةَ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: قال عبد الله: صَلَّى بنا رسولُ الله ﷺ صلاة الخوف، فقامت طائفةٌ مِنَّا خلفه، وطائفةٌ بإزاء - أو مُسْتقبلى - العدوِّ، فصلَّى النبيُّ ﷺ بالذين خلفه ركعةً، ثم نكصوا، فذهبوا إلى مقام أصحابهم، وجاء الآخرون فقاموا خلف النبيِّ ﷺ، فصلَّى بهم رسول الله ﷺ ركعةً، ثم سلَّم رسول الله ﷺ، ثم قام هؤلاء فصَّلوا لأنفسهم ركعةً، ثم ذَهَبوا فقاموا مَقامَ أصحابِهم مُسْتَقبلى العدوِّ، ورَجَع الآخرون إلى مقامهم، فصلَّوا لأنفسهم ركعةً (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، قال: ثنا خُصيفٌ، عن أبي عُبَيدةَ، عن عبد الله، قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فذكر نحوه (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) بعده في الأصل: \"ثم سلموا\". والأثر أخرجه الإمام أحمد (٣٨٨٢)، والطحاوى ١/ ٣١١، والبيهقى ٣/ ٢٦١ من طريق خصيف به. وإسناده منقطع؛ أبو عبيدة لم يسمع من أبيه.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (٣٥٦١)، وأبو داود (١٢٤٤)، وأبو يعلى (٥٣٥٣) من طريق محمد بن فضيل به.","vol":"7","page":432},{"text":"حدَّثنا تميمُ بن المُنتصِرِ، قال: أخْبرَنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن خُصيفٍ، عن أبي عُبَيدةَ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ نحوه (^١).\nوقال آخرون: بل كانت الطائفةُ الثانيةُ التي صَلَّت مع رسول الله ﷺ [الركعة الثانية، لا تَقضى بقيَّةَ صلاتِها بعدما يُسَلِّمُ رسولُ الله ﷺ] (^٢) مِن صلاته، ولكنها كانت تَمضى قبلَ (^٣) أن تَقْضِىَ بَقِيَّةَ صلاتِها، فتَقِفُ مَوْقِفَ أصحابها الذين صَلُّوا مع رسولِ الله ﷺ الركعة الأولى، [بإزاء العدوِّ وترجعُ الطائفةُ التي صلَّت مع رسول الله ﷺ الركعة الأولى] (^٤) إلى مَوْقِفها الذي صَلَّت فيه ركعتها الأولى مع رسولِ اللهِ، فتَقْضِى ركعتَها التي كانت بَقيَت عليها من صَلاتِها. فقال بعضُهم: كانت تَقضِى تلك الركعةَ بغير قراءةٍ. وقال آخرون: بل كانت تَقضى بقراءةٍ، فإذا قضَت ركعتها الباقية عليها هنالك وسَلَّمَت، مَضَت إلى مصافِّ أصحابها بإزاءِ العدوِّ، وأقبَلَت الطائفةُ التي صَلَّت مع رسول الله ﷺ الركعةَ الثانيةَ إلى مَقامِها الذي صَلَّت فيه مع رسول الله ﷺ [الركعة الثانية من صلاة رسول الله ﷺ] (^٥)، فقَضَت الركعةَ الثانية من صلاتِها بقراءةٍ، فإذا فَرَغَت وسَلَّمَت، انصرَفَت إلى أصحابها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2188>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا سُفيانُ، عن حَمَّادٍ، عن إبراهيم في صلاة الخوفِ، قال: يَصُفُّ صَفًّا خلفَه، وصفًّا بإزاء العدوِّ في غيرِ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٢٤٥) عن تميم بن المنتصر به. وأخرجه الطبراني في الكبير (١٠٢٧٢) من طريق إسحاق الأزرق عن شريك عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة به.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في الأصل: \"بعد\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وفى م: \"وتجئ الطائفة الأولى\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"7","page":433},{"text":"صلاةٍ (^١)، فيُصَلِّي بالصَّفِّ الذي خلفه ركعةً، ثم يذهبون إلى مصافِّ أولئك، وجاء أولئك الذين بإزاء العدوِّ، فصلَّى (^٢) بهم ركعةً، ثم سلَّم (^٣) عليهم، وقد صَلَّى هو ركعتين، وصلَّى كلُّ صَفٍّ ركعةً، ثم قام هؤلاء الذين سَلَّم عليهم إلى مصافِّ أولئك الذين بإزاءِ العدوِّ، فقاموا مقامَهم، وجاءوا فقَضَوا الركعة، ثم ذهبوا فقاموا مُقامَ أولئك الذين بإزاء العدوِّ، وجاء أولئك فصلَّوا ركعةً. قال سُفيانُ: فيكون لكلِّ إنسانٍ [ركعتين ركعتين] (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ. وحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ (^٥) جميعًا، عن سُفيانَ، قال: كان إبراهيمُ يقولُ في صلاةِ الخوفِ، فذكَر نحوَه.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا سُفيانُ، عن منصورٍ، عن عمرَ بن الخطابِ مثل ذلك.\nوقال آخرون: بل (^٦) كلُّ طائفةٍ من الطائفتَين تَقْضِى صلاتَها، على ما أمكَنها، مِن غير تضييعٍ [منهم بعضها] (^٧).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مصلاه\". وانظر مصنف عبد الرزاق.\n(^٢) في م: \"فيصلى\".\n(^٣) في م: \"يسلم\".\n(^٤) في م: \"ركعتان ركعتان\". يريد: فيكون ذلك الذي فعلوا … ركعتين. والأثر أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٤٢٤٦) من طريق سفيان الثورى به بنحوه، وأخرجه محمد بن الحسن في كتاب الآثار (١٩٤) عن أبي حنيفة عن حماد به بنحوه.\n(^٥) في الأصل، ت ٢: \"يزيد\".\n(^٦) في الأصل: \"منهم بل كان\".\n(^٧) في الأصل: \"منها بغيرها\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"منهم بغيرها\".","vol":"7","page":434},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2189>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن يونسَ بن عُبَيدٍ، عن الحسن، أن أبا موسى الأشعريَّ صَلَّى بأصحابه صلاة الخوف بأَصْبَهانَ إذ غَزاها. قال: فصلَّى بطائفةٍ من القوم ركعةً، وطائفةٌ تَحرُسُ (^١)، فنَكَص هؤلاء الذين صلَّى بهم ركعة، [وخلفهم الآخرون، فقاموا مقامهم، فصلَّى بهم ركعة] (^٢)، ثم سلَّم، فقامت كلُّ طائفة فصلَّت ركعةً (^٣).\nحدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا يونسُ، عن الحسن، عن أبي موسى بنحوه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بن هشامٍ (^٤)، قال: ثنى أبى، عن قتادة، عن أبي العالية ويونس بن جُبيرٍ، قالا: صَلَّى أبو موسى الأشعريُّ [بأصحابه من الذين بأصبهان] (^٥)، وما بهم يومئذٍ خوفٌ، ولكنه أحبَّ أن يُعَلِّمَهم صلاتهم، فصفَّهم صفَّين، صفًّا خلفَه، وصفًّا مُواجهة العدوِّ، مُقبلين على عدوِّهم، فصلى بالذين يلُونه\n_________\n(^١) في الأصل: \"آخرين\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٥ عن عبد الأعلى عن يونس به. وعلقه أبو داود عقب الأثر (١٢٤٣) عن يونس به، وأخرجه الطحاوى ١/ ٣١١ من طريق أبى حرة عن الحسن عن أبي موسى مرفوعًا، والحسن لم يسمع من أبى موسى. انظر سنن الدارقطنى ١/ ١٠٢، تحفة التحصيل (ص ٧٠).\n(^٤) في الأصل: \"هاشم\".\n(^٥) في ص، ت ١، س: \"بأصحابه بالذين من أصبهان\". وفى ت ٢، ت ٣: \"بالذين من أصبهان\". وعند ابن أبي شيبة - وسيأتي تخريجه في الأثر التالي - وفى الدر المنثور: \" … أن أبا موسى كان بالدار من أصبهان\". وأثبته الشيخ شاكر: \"بأصحابه بالدير من أصبهان\". قال - وأشار إلى ما في الدر -: \"ولم نهتد إلى موضع يقال له الدير أو الدار من بلاد أصبهان\". وانظر ما عند البيهقى، وسيأتي تخريجه.","vol":"7","page":435},{"text":"ركعةً، ثم ذهبوا إلى مصافِّ أصحابهم، وجاء أولئك فصَفَّهم خلفَه، فصَلَّى بهم ركعةً ثم سلَّم، فقَضَى هؤلاء ركعةً وهؤلاء ركعةً، ثم سلَّم بعضُهم على بعضٍ، فكانت للإمام ركعتين (^١) في جماعةٍ، ولهم ركعةً ركعةً (^٢).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أبي العالية، عن أبي موسى مثله (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، [عن أيوب] (^٤)، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أنه قال في صلاة الخوف: يُصَلِّي بطائفةٍ (^٥) من القومِ ركعةً، وطائفةٌ تَحرُسُ، ثم ينطلقُ هؤلاء الذين صَلَّى بهم ركعةٌ حتى يَقُوموا مَقامَ أصحابهم، ثم يَجِئُ أولئك فيُصَلِّي بهم ركعةً، ثم يُسَلِّمُ فتقومُ كلُّ طائفةٍ فتُصَلِّى (^٦) ركعةً.\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمر بنحوه.\nحدَّثني عِمْرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلاعِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ صالحٍ، قال: ثنا ابن عَيَّاشٍ، قال: ثنا عُبَيدُ (^٧) اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ أنه صلَّى صلاة الخوفِ، فذكر نحوه (^٨).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ركعتان\".\n(^٢) أخرجه البيهقى ٣/ ٢٥٢ من طريق قتادة عن أبي العالية به، مختصرًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٢ من طريق سعيد به.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في م: \"طائفة\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فيصلى بهم\".\n(^٧) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عبد\".\n(^٨) أخرجه ابن ماجه (١٢٥٨) من طريق جرير عن عبيد الله بن عمر به بنحوه. =","vol":"7","page":436},{"text":"حدَّثنا سعيدٌ بنُ يحيى الأُمويُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا ابن جريجٍ، قال: أخبرني الزُّهْرِيُّ، عن سالمٍ، عن ابن عمر، أنه كان يُحدِّثُ أَنه صَلَّى مع رسولِ الله ﷺ، ثم ذكر نحوه (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا [ابن عبد الأعلى] (^٢)، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سالمٍ، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ بنحوه (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ اللهِ بن نافعٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: قال النبيُّ ﷺ في صلاة الخوف: \"يَقُومُ الأميرُ وطائفةٌ مِن الناسِ، فيسْجُدُون سَجْدةً واحدةً، وتَكُونُ طائفةٌ منهم بينهم وبين العدوِّ\". ثم ذكر نحوه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ هارون الحربيُّ، قال: ثنا أبو المُغيرةِ الحِمْصِيُّ، قال: ثنا الأَوْزاعِيُّ، عن أيوب بن موسى، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أن النبيَّ ﷺ صلَّى صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعةً، ثم ذكر نحوه (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن\n_________\n= وأخرجه أحمد (٦٤٣١)، والبخارى (٩٤٣)، ومسلم (٨٣٩/ ٣٠٦)، والنسائي (١٥٤١) من طريق موسى بن عقبة عن نافع به.\nوأخرجه البخارى (٤٥٣٥)، وابن خزيمة (٩٨٠، ٩٨١، ١٣٦٦، ١٣٦٧) من طريق مالك عن نافع به.\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٤٢٤٢)، ومن طريقه أحمد (٦٣٧٧) عن ابن جريج به.\n(^٢) في ص، ت ١: \"عبد الأعلى\". وهو: عبد الأعلى بن عبد الأعلى.\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة (١٣٥٤) من طريق عبد الأعلى به. وأخرجه عبد الرزاق (٤٢٤١)، والبخارى (٤١٣٣)، ومسلم (٨٣٩/ ٣٠٥)، وأبو داود (١٢٤٣)، والترمذى (٥٦٤)، والنسائي (١٥٣٧)، وابن خزيمة (١٣٥٥) من طرق عن معمر به.\n(^٤) أخرجه أحمد (٦١٥٩)، والطحاوى ١/ ٣١٢ من طريق الأوزاعى به.","vol":"7","page":437},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾. إلى قوله: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾. فإنه كانت تأخُذُ طائفةٌ منهم السلاح، فيُقبِلون على العدوِّ، والطائفةُ الأخرى يُصَلُّون (^١) مع الإمام ركعةً، ثم يأخُذُون أسلحتهم، فىستقبلون العدوَّ، ويَرْجِعُ أصحابُهم فيُصَلُّون مع الإمام ركعةً، فيكونُ للإمام ركعتان ولسائرِ الناس ركعةٌ واحدةً، ثم يَقْضُون ركعةً أخرى، وهذا تَمامُ (^٢) الصلاةِ (^٣).\n\nوقال آخرون: بل نَزَلَت هذه الآيةُ في صلاة الخوف، والعدوُّ يومَئِذٍ في ظَهْرِ القبلة بين المسلمين وبينَ القبلةِ، فكانت الصلاةُ التي صَلَّى بهم يومئذٍ النبيُّ ﷺ صلاة الخوف، إذ<span data-type='title' id=toc-2190> كان العدوُّ بين الإمامِ وبينَ القبلةِ.\nذكرُ الآثار المنقولة بذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنى يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن النَّضْرِ (^٤) أبى عمر، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: خَرج رسولُ اللهِ ﷺ في غَزاةٍ، فَلَقِى المشركين بِعُسْفانَ، فلما صَلَّى الظهر فرأوه يَركَعُ ويَسجُدُ هو وأصحابهُ، قال بعضُهم لبعضٍ يومئذٍ: كان فُرصةً لكم، لو أغَرْتُم عليهم ما علموا بكم حتى تُواقِعوهم. قال قائلٌ منهم: فإن لهم صلاةً أخرى هي أحبُّ إليهم من أهليهم وأموالهم، فاستعدُّوا حتى تُغيروا عليهم فيها. فأنزل الله على نبيِّه، ﵊: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾. إلى آخرِ الآية، وأعْلَمَه ما ائتَمَر به المشركون. فلمَّا صَلَّى رسولُ الله ﷺ العصر، وكانوا قُبالَتَه في القبلة، فجَعَل المسلمين خلفه صفَّين، فكَبَّر\n_________\n(^١) في الأصل: \"تكون\".\n(^٢) بعده في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٤ إلى المصنف.\n(^٤) بعده في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بن\". وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٣٩٣.","vol":"7","page":438},{"text":"رسولُ اللهِ ﷺ، وكَبَّروا جميعًا، ثم ركَع وركَعوا معه جميعًا، فلما سَجَد سَجَد معه الصَّفُّ الذين يَلُونه، وقام الصَّفُّ الذين خلفَهم مُقبِلِين على العدوٍّ، فلمَّا فَرَغ رسولُ اللهِ ﷺ مِن سجودِه وقام، سَجَد الصَّفُّ الثاني ثم قاموا، وتأخَّر الذين يَلُون رسولَ اللهِ ﷺ وتقدَّم الآخرون، فكانوا يَلُون رسولَ اللهِ ﷺ، فلما ركَع ركَعوا معه جميعًا، ثم رفَع فرفَعوا معه، ثم سجَد فسجَد معه الذين يَلُونه، وقام الصَّفُّ الثاني مُقْبِلِين على العدوِّ، فلما فَرَغ رسولُ اللهِ ﷺ مِن سجودِه، وقعَد الذين يَلُونه سجَد الصَّفُّ المُؤخَّرُ، ثم قعَدوا، فتَشَهِّدوا مع رسولِ اللهِ ﷺ جميعًا، فلما سَلَّم رسولُ اللهِ ﷺ سلّم عليهم جميعًا، فلما نَظَر إليهم المشركون يَسجُدُ بعضُهم ويقومُ بعضٌ ينظُرُ إليهم، قالوا: لقد أُخْبِروا بما أرَدْنا (^١).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ ذَرٍّ، قال: ثنى مجاهدٌ، قال: كان النبيُّ ﷺ بعُسْفانَ والمشركون بضَجْنانَ (^٢) بالماءِ الذي يَلى مكةَ، فلما صلَّى النبيُّ ﷺ الظهرَ، فرَأَوه سَجَد وسجَد الناسُ، قالوا: إذا صَلَّى صلاةً بعد هذه أَغَرْنا عليه. فحَذَّره الُله ذلك، فقام النبيُّ ﷺ في الصلاةِ، فكبَّر وكبَّر الناسُ معه، فذكَر نحوَه (^٣).\nحدثني عِمْرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ صالحٍ، قال: ثنا ابن عَيَّاشٍ، قال: أخبرَني عُبَيدُ (^٤) اللهِ بنُ عمرَ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ،\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٣/ ٣٠ من طريق يونس بن بكير به. وأخرجه البزار (٦٧٩ - كشف) من طريق النضر أبي عمر به.\nوالنضر هو ابن عبد الرحمن الخزاز متروك، ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما.\n(^٢) في الأصل: \"بصحيان\". وفي مصدر التخريج: \"بصحنان\". وضجنان: جبل بناحية مكة، على طريق المدينة. معجم ما استعجم ٣/ ٨٥٦.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٢، ٤٦٣ عن وكيع عن عمر بن ذر به.\n(^٤) في الأصل: \"عبد\".","vol":"7","page":439},{"text":"قال: كنتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ، فَلَقِينا المشركين بنَخْلٍ (^١)، فكانوا بينَنا وبينَ القبلةِ، فلما حَضَرَت صلاةُ الظهرِ، صلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ ونحن جميعٌ، فلما فَرَغنا تَذامَر (^٢) المشركون، فقالوا: لو كُنَّا حمَلنا عليهم وهم يُصَلُّون! فقال بعضُهم: فإن لهم صلاةً ينتَظرُونها تأتى الآنَ، هي أحبُّ إليهم مِن أبنائِهم، فإذا صَلوا فمِيلوا عليهم. قال: فجاء جبريلُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ بالخبرِ، وعَلَّمه كيف يُصَلِّي، فلما حَضَرَت العصرُ، قام نبيُّ اللهِ ﷺ مما يَلى العدوَّ، وقُمْنا خلفَه صَفَّين، فكَبَّر رسولُ اللهِ ﷺ وكبَّرنا جميعًا، ثم ذكَر نحوَه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، قال: ثنا حَمَّادُ بنُ مَسْعَدةَ، عن هشامِ بن أبى عبدِ اللهِ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه (^٤).\nحدَّثنا مُؤَمَّلُ (^٥) بنُ هشامٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن هشامٍ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرٍ، قال: كُنَّا مع رسولِ اللهِ ﷺ، فذكَر نحوَه (٤).\n[حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الصَّمَدِ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ، قال: كُنَّا مع رسولِ اللهِ ﷺ بعُسْفانَ، فصلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ صلاةَ الظهرِ، وعلى المشركين خالدُ بنُ الوليدِ. فقال المشركون: لقد أصَبْنا منهم غرَّةً، ولقد أصَبْنا منهم غَفْلَةً. فأنزَل] (^٦)\n_________\n(^١) نخل: منزل من منازل بني ثعلبة، من المدينة على مرحلتين. معجم البلدان ٤/ ٧٩٨.\n(^٢) تذامر المشركون: أي تلاوموا على ترك الفرصة، وقد يكون بمعنى تحاضوا على القتال. والذمر: الحث مع لوم واستبطاء. النهاية ٢/ ١٦٧.\n(^٣) أخرجه مسلم (٨٤٠)، والنسائى (١٥٤٧)، وابن ماجه (١٢٦٠)، وابن خزيمة (١٣٥٠)، والبيهقى ٣/ ٣٥٧ من طريق أبي الزبير به.\n(^٤) أخرجه الطيالسي (١٨٤٤)، وأحمد ٣/ ٣٧٤ من طريق هشام به.\n(^٥) في الأصل: \"نوفل\". وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ١٨٦.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"7","page":440},{"text":"[اللهُ صلاةَ الخوفِ بينَ الظهرِ والعصرِ، فصَلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ صلاةَ العصرِ؛ صَفَّنا (^١) فرقتَين؛ فرقةً تُصَلِّى مع النبيِّ ﷺ، وفرقةً تصلِّى خلفَهم يحرسونهم، ثم كبَّر فكبَّروا جميعًا وركَعوا جميعًا، ثم سجَد الذين (^٢) يَلُون رسولَ اللهِ ﷺ، ثم قام، فتقدَّم الآخرون فسجَدوا، ثم قامَ فركَع بهم جميعًا، ثم سجَد الذين (^٣) يَلُونه ثم (^٤) تأخَّر هؤلاء، فقاموا في مَصافِّ أصحابِهم، ثم تَقَدَّم الآخرون فسجَدوا، ثم سلَّم عليهم. فكانت لكلَّهم ركعتَين مع إمامِهم. وصَلَّى مرةً أخرى في أرضِ بنى سُلَيمٍ] (^٥).\nقال أبو جعفرٍ: فتأويلُ الآيةِ، على قولِ هؤلاء الذين قالوا هذه المقالةَ، ورَوَوا هذه الروايةَ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ﴾ يا محمدُ ﴿فِيهِمْ﴾ يعني: في أصحابِك خائفًا ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ يعنى: ممن دخَل معك في صلاتِك. ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ يقولُ: فإذا سجَدَت هذه الطائفةُ بسُجُودِك، ورَفَعَت رءوسَها مِن سجودِها ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾. يقولُ: فليَصِرْ مَن خلفَك خلفَ (^٦) الطائفةِ التي حرَسَتْك وإياهم إذا سَجَدتَ بهم وسَجَدوا معك ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ يعنى الطائفةَ الحارسةَ التي صَلَّت معه، غيرَ أنها لم تَسجُدْ بسُجُودِه. فمعنى قولِه: ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾ - على مَذْهبِ هؤلاء -: لم\n_________\n(^١) في م: \"يعني\".\n(^٢) في م: \"بالذين\".\n(^٣) في م، ومصدر التخريج: \"بالذين\".\n(^٤) في م: \"حتى\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. وقد أخرجه النسائي (١٥٤٩) من طريق عبد العزيز بن عبد الصمد به. وتقدم في ص ٤١٢ من طريق منصور.\n(^٦) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وخلف\".","vol":"7","page":441},{"text":"يسجُدوا بسُجُودِك. ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾. يقولُ: فليسجُدُوا بسُجُودِك إذا سَجَدْتَ، ويَحرُسُك وإياهم الذين سَجَدوا بسُجُودِك في الركعةِ الأُولى ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾. يعنى الحارسةَ.\nوأَوْلى الأقوالِ التي ذكَرناها بتأويلِ الآية قولُ مَن قال: معنى ذلك فإذا سَجَدَت الطائفةُ التي قامَت معك في صلاتِها ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾. يعني: مِن خلفِك وخلف مَن يَدخُلُ في صلاتك ممن لم يُصَلِّ معك الركعة الأُولى [بإزاء العدوِّ، بعد (^١) فَراغِها مِن بَقِيَّةِ صلاتِها. ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ وهى الطائفةُ التي كانت بإزاءِ العدوِّ ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾. يقولُ: لم يُصَلُّوا معك الركعةَ الأولى] (^٢). ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾. يقولُ: فليصَلُّوا معك الركعةَ التي بَقِيَت عليك، ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾ [من عدوِّهم] (^٣) ﴿وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ لقتالِ عدوِّهم، بعدَ ما يفرَغون مِن صلاتِهم.\nوذلك نظيرُ الخبرِ الذي رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ، أنه فعله يومَ ذاتِ الرِّقاعِ، والخبرِ الذي رَوَى سهلُ بن أبي حَثْمةَ (^٤).\nوإنما قُلنا ذلك أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لأن الله جل ثناؤُه قال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾. وقد دلَّلنا على أن إقامتَها إتمامُها بركوعِها وسجودِها، ودلَّلنا مع ذلك على أن قولَه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. إنما هو إذنٌ بالقَصْرِ مِن ركوعِها وسجودِها في حالِ شدةِ الخوفِ.\n_________\n(^١) في ص: \"وبعد\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ٤٢٧، ٤٢٨.","vol":"7","page":442},{"text":"فإذ صَحَّ ذلك، كان (^١) بَيِّنًا أن لا وجهَ لتأويلِ مَن تأوَّل ذلك: أن الطائفةَ الأولى إذا سَجَدَت مع الإمامِ، فقد انقَضَتْ (^٢) صلاتُها؛ لقولِه: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ لاحتمالِ ذلك مِن المعانى ما ذكرتُ قبلُ، ولأنه لا دلالةَ في الآيةِ على أن القَصْرَ الذي ذُكِر في الآيةِ التي قبلَها، عُنِى به القَصْرُ مِن عددِ الركعاتِ.\nوإذ كان لا وجهَ لذلك، فقولُ مَن قال: أُريدَ بذلك [التقدمُ والتأخُّرُ] (^٣) في الصلاةِ على نحوِ صلاةِ النبيِّ ﷺ بعُسْفانَ، أبعدُ؛ وذلك أن الله جلّ ثناؤُه يقولُ: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾. وكلتا الطائفتَين قد كانت صَلَّت مع النبيِّ ﷺ ركعتَه الأُولى في صلاتِه بعُسْفانَ. ومُحالٌ أن تكونَ التي صَلَّت معه هي التي لم تُصَلِّ معه.\nفإن ظَنَّ ظَانٌّ أنه أُرِيدَ بقولِه: ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾. لم يَسْجُدُوا؛ فإن ذلك غيرُ الظاهرِ المفهومِ مِن معاني الصلاةِ، [وإنما تُوَجَّهُ معاني كلامِ اللهِ جلّ ثناؤُه إلى الأظْهرِ والأشْهرِ مِن وجوهِها (^٤)] (^٥)، ما لم يَمنَعْ من ذلك ما يجبُ التسليمُ له.\nوإذ كان ذلك كذلك، ولم يكنْ في الآيةِ أمرٌ مِن اللهِ جل ثناؤُه الطائفةَ الأُولى بتَأْخيرِ قَضاءِ ما بَقِى عليها مِن صلاتِها إلى فراغِ الإمامِ مِن بَقِيَّةِ صلاتِه، ولا على المسلمين الذين بإزاءِ العدوِّ في اشتغالِها (^٦) بقَضاءِ ذلك ضَرَرٌ، لم يكنْ لأمرِها بتَأْخيرِ ذلك وانصرافِها قبلَ قضاءِ باقي صلاتِها عن مَوْضِعِها معنًى.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في ص، س: \"انتقصت\".\n(^٣) في الأصل: \"التقديم والتأخير\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في م: \"وجوههما\".\n(^٦) في الأصل: \"استقبالها\".","vol":"7","page":443},{"text":"غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، فإنَّا نَرى أن مَن [صلّاها مِن الأئمةِ] (^١)، فوافَقَت صلاتُه بعضَ الوجوهِ التي ذكَرناها عن رسولِ اللهِ ﷺ أَنه صَلَّاها، فصَلاتُه مُجْزِئَةٌ عنه تامةٌ؛ لصحةِ الأخبارِ بكلِّ ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ، وأنه مِن الأمورِ التي عَلَّم رسولُ اللهِ ﷺ أمتَه، ثم أباح لهم العملَ بأيِّ ذلك شاءوا.\nوأما قولُه جل ثناؤه: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾. فإنه يعنى: تَمَنَّى الذين كفَروا باللَّهِ ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾. يقولُ: لو تَشْتَغِلون بصَلاتِكم عن أسلحتِكم التي تُقاتِلونهم بها، وعن أمتعتكم التي بها بلاغُكم في أسْفارِكم، فتَسْهَون عنها ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾. يقولُ: فيَحْمِلون عليكم وأنتم مَشاغِيلُ بصلاتِكم عن أسلحتِكم [وأَمتعتِكم حملةً (^٢) واحدةً، فيُصِيبون منكم غِرَّةً بذلك، فيَقْتُلونكم ويَسْتَبِيحون عَسْكرَكم] (^٣).\nيقولُ جل ثناؤُه: فلا تَفْعَلوا ذلك بعدَ هذا، فتَشْتَغِلوا جميعُكم بصَلاتِكم إذا حَضَرَتكم صلاتُكم وأنتم مُواقفو (^٤) العدوَّ، فتُمَكِّنوا عدوَّكم مِن أنفسِكم وأسلحتِكم وأمتعتِكم، ولكن أَقِيموا الصلاةَ على ما بَيَّنتُ لكم، وخُذُوا مِن عدوِّكم حِذْرَكم وأسلحتَكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2191>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾.</span>\n_________\n(^١) في الأصل: \"صلى بها من الأمة\".\n(^٢) في م: \"جملة\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) في م: \"موافقو\".","vol":"7","page":444},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ولا حَرَج عليكم ولا إثمَ ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾. يقولُ: إن نالَكم أذىً (^١) مِن مطرٍ تُمطَرُونه وأنتم مُواقِفو (^٢) عدوِّكم ﴿أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. يقولُ: أو كنتم جَرْحَى أو أَعِلَّاءَ ﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾. إن ضَعُفْتُم عن حَمْلِها، ولكن إن وضَعْتم أسلحتَكم (^٣) مِن أَذَى مطرٍ أو مرضٍ، فخُذوا مِن عدوِّكم ﴿حِذْرَكُمْ﴾. يقولُ: احتَرِسوا منهم أن يَمِيلوا عليكم وأنتم عنهم غافِلون غارُّون. ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، يعنى بذلك: أعدَّ لهم عذابًا مُذِلًّا يَبْقَون فيه أبدًا، لا يَخرُجون منه، وذلك هو عذابُ جهنمَ.\nوقد ذُكِر أن قولَه: ﴿أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. نزَل في عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، وكان جريحًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2192>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: أَخبَرَني يَعْلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾: عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، كان جريحًا (^٤).\n\n<span id=\"aya-596\"></span><span data-type='title' id=toc-2193>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في م: \"موافقو\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) أخرجه البخارى (٤٥٩٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٥٥ (٥٩٠٣)، والحاكم ٢/ ٣٠٨، والبيهقى ٣/ ٢٥٥ من طريق حجاج به.","vol":"7","page":445},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جل ثناؤُه: فإذا فَرَغتم أيُّها المؤمنون من صلاتِكم - وأنتم مُواقِفو عدوِّكم - التي بَيَّنَّاها لكم، فاذكُروا الله على كلِّ أحوالِكم، قيامًا وقعودًا ومُضْطَجِعِين على جُنُوبِكم، بالتعظيمِ له والدعاءِ لأنفسِكم بالظَّفَرِ على عدوِّكم، لعل الله أن يُظْفِرَكم بهم ويَنْصُرَكم عليهم. وذلك نظيرُ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].\nوكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (^١). يقولُ: لا يَفرِضُ اللهُ على عبادِه فريضةً، إلا جعَل لها حدًّا (^٢) معلومًا، ثم عَذَر أَهلَها في حالِ عُذْرٍ غَيرَ الذِّكْرِ، فإن الله لم يَجْعَلْ له جَدًّا يُنتهى إليه، ولم يَعذِرُ أحدًا في تَرْكِه إلا مغلوبًا على عقلِه، فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾. بالليلِ والنهارِ، في البرِّ والبحرِ، وفى السَّفَرِ والحَضَرِ، والغِنى والفقرِ، والسَّقَمِ والصحةِ، والسَّرِّ والعلانيةِ، وعلى كلِّ حالٍ (^٣).\nوأمَّا قولُه: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختَلفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى قولِه: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾، فإذا اسْتَقْرَرْتُم في أوطانِكم، وأقَمْتم في أمصارِكم ﴿فَأَقِيمُوا﴾. يعنى: فأتِمُّوا الصَّلاةَ التي أُذِن لكم بقَصْرِها في حالِ خَوْفِكم في سَفَرِكم، وضَرْبِكم في الأرضِ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"واذكروا الله ذكرًا كثيرًا\". وفى م: \"فاذكروا الله قيامًا\".\n(^٢) في م، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"جزاء\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٥٦ (٥٩١١) من طريق أبي صالح به، دون أوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٤ إلى ابن المنذر.","vol":"7","page":446},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2194>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾. قال: الخروجُ مِن دارِ السفرِ إلى دارِ الإقامةِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾. يقولُ: فإذا اطمأننتُم في أمصارِكم فأتِمُّوا الصلاةَ (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك، فإذا اسْتَقرَرْتُم [بزوالِ الخوفِ من عدوِّكم وحدوثِ الأمنِ لكم] (^٣)، ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. أي: فأتِمُّوا حدودَها بركوعِها وسجودِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2195>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدُيِّ: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾. قال: فإذا اطْمَأَنَتْتُم بعدَ الخوفِ (^٤).\nوحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. قال: فإذا اطمأنَنْتُم فصَلُّوا الصلاةَ، لا تُصَلِّها راكبًا ولا ماشيًا ولا قاعدًا (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٥٦ (٥٩١٣) من طريق وكيع به. وفي إسناده راوٍ مبهم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٢.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٥٦ (٥٩١٤) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٥ إلى المصنف.","vol":"7","page":447},{"text":"المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. قال: أَتِمُّوها (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلى التأويلَين بتأويلِ الآيةِ، تأويلُ مَن تأوَّله: فإذا زالَ خوفُكم مِن عدوِّكم وأَمِنْتم أيُّها المؤمنون واطْمَأنَّت نفوسُكم بالأمنِ ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. فأَتِمُّوها بحُدودِها المفروضةِ عليكم، غيرَ قاصِرِيها عن شيءٍ مِن حُدودِها.\nوإنما قُلنا ذلك أَوْلى التأويلَين بالآيةِ؛ لأن الله تعالى ذكرُه عَرَّف عبادَه المؤمنين الواجبَ عليهم مِن فَرْضِ صلاتِهم بهاتَين الآيتين في حالَين:\nإحداهما: حالُ شدةِ خوفٍ، أُذِن لهم فيها بقصْرِ الصلاةِ، على ما بَيَّنتُ مِن قَصْرِ حُدودِها عن التمامِ.\nوالأُخْرى: حالُ غيرِ شدةِ الخوفِ، أمَرهم فيها بإقامةِ حدودِها وإتمامِها، على ما وَصَفه لهم جلّ ثناؤه مِن مُعاقبةِ بعضِهم بعضًا في الصلاةِ خلفَ أئمتِهم، وحِراسةِ بعضِهم بعضًا مِن عدوِّهم، وهي حالةٌ لا قَصْرَ فيها؛ لأنه يقولُ جلّ ثناؤه لنبيِّه ﷺ في هذه الحالِ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ فمعلومٌ بذلك أن قولَه: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. إنما هو: فإذا اطْمأننتُم مِن الحالِ التي لم تكونوا مُقِيمِين فيها صلاتَكم، فأَقِيموها. وتلك حالةُ شدةِ الخوفِ؛ لأنه قد أمرهم بإقامتها في غيرِ حالِ شدةِ الخوفِ بقولِه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾. الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-2196>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٩١، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٥٧ (٥٩١٦).","vol":"7","page":448},{"text":"قال أبو جعفرٍ، ﵀: اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: إن الصلاةَ كانت على المؤمنين فريضةً مَفْروضةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-2197>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السَّائبِ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، [عن فُضَيلِ] (^١) بن مرزوقٍ، عن عطيةَ العَوْفِيِّ في قولِه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. قال: [فريضةً مفروضةً] (^٢).\n[حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني [معاويةُ، عن] (^٣) عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ يعني: مَفْروضًا] (^٤).\n[حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. قال: مفروضًا] (^٥). الموقوتُ: المفروضُ (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، س.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"مفروضًا\". وفى ت ٢: \"فرضا واجبا\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٥٧، عقب أثر (٥٩١٧) معلقًا.\n(^٣) في الأصل: \"أبو صالح\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ س. والأثر أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٥٧ (٥٩١٧) من\nطريق عبد الله بن صالح به.\n(^٥) سقط من: م، ت ١.\n(^٦) ينظر التبيان ٣/ ٣١٣.","vol":"7","page":449},{"text":"السُّدِّيِّ، قال: أما كتابًا مَوْقوتًا، فمفروضًا (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سُفيانُ، عن لَيْثٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. قال: مَفروضًا (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضًا واجبًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2198>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. قال: كتابا واجبًا (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدَّثني المثنى: قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. قال: واجبًا (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن مَعْمَرِ بن سامٍ (^٥)، عن أبي جعفر في قوله: ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. قال: مَوْجوبًا (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٥٧ عقب أثر (٥٩١٧) من طريق أسباط به.\n(^٢) تفسير الثورى ص ٩٧ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٥ إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٣٣) من طريق أبى رجاء به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٥ إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٥٧ عقب الأثر (٥٩١٧) معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في ص، م: \"هشام\". وهو خطأ. وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٢٣.\n(^٦) في م: \"موجبا\".","vol":"7","page":450},{"text":"حدَّثني محمد بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾: والموقوتُ الواجبُ (^١).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: أخبرَنا أبو نُعَيمٍ، قال: أخبرَنا مَعْمَرُ بنُ يحيى، قال: سَمِعتُ أبا جعفرٍ يقولُ (^٢): ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. قال: وجوبُها.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا مَوْقوتًا، مُنَجَّمًا يُؤَدُّونها في أَنْجمِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2199>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. قال: قال ابن مسعودٍ: إن للصلاةِ وقتًا كوقتِ الحجِّ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن زيد بن أسلم في قولِه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ قال: مُنْجَّمًا، كلما مضَى نَجمٌ جاء نجمٌ آخرُ. يقولُ: كلما مضَى وقتٌ جاء وقتٌ آخرُ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٥ إلى المصنف.\n(^٢) بياض في الأصل بمقدار كلمتين.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٢، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣٧٤٧) دون ذكر الآية، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٥٧ (٥٩١٨) عن الحسن بن يحيى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٣٤)، وابن أبي حاتم ٤/ ١٠٥٧ (٥٩١٩) من طريق أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٥ إلى ابن المنذر.","vol":"7","page":451},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن زيدِ بنِ أسلمَ مثلَه.\nوهذه الأقوالُ قريبٌ معنى بعضِها مِن بعضٍ؛ لأن ما كان مفروضًا فواجبٌ، وما كان واجبًا أداؤُه في وقت بعدَ وقتٍ فمنجَّمٌ (^١).\nغيرَ أن أولى المعانى بتأويلِ الكلمةِ قولُ من قال: إن الصلاةَ كانت على المؤمنين فرضًا منجَّمًا؛ لأن المَوُقوتَ إنما هو مفعولٌ مِن قول القائلِ: وقَّت اللهُ عليك فرضَه، فهو يَقِتُه. ففرضُه عليك مَوْقوتٌ. إذا أخبَر أنه جعَل له وقتًا يَجِبُ عليك أداؤُه، فكذلك معنى قولِه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ إنما هو كانت على المؤمنين فرضًا، وقَّت لهم وقتَ وُجوبِ أدائه، فبيَّن ذلك لهم.\n\n<span id=\"aya-597\"></span><span data-type='title' id=toc-2200>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾. ولا تَضْعُفوا. مِن قولهم: وهَن فلانٌ في هذا الأمرِ يَهِنُ وَهْنًا ووُهُونا.\nوقوله: ﴿فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾. يعنى: في التماسِ القومِ وطلبِهم، والقومُ هم أعداءُ اللهِ جل ثناؤه وأعداءُ المؤمنين مِن أهلِ الشركِ باللهِ، ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾. يقولُ: إن تَكُونوا أيُّها المؤمنون تَيْجَعون (^٢) مما يَنالُكم من الجراحِ منهم في الدنيا، ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾، يقولُ: فإن المشركين يَيْجَعون مما يَنالُهم منكم مِن الجِراحِ والأذى، مثلَ ما تَيْجَعون أنتم مِن جِراحِهم وأذاهم فيها.\n_________\n(^١) في الأصل: \"فنجم\".\n(^٢) في الأصل: \"تتوجعون\".","vol":"7","page":452},{"text":"﴿وَتَرْجُونَ﴾ أنتم أيها المؤمِنون ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مِن الثوابِ على ما يَنالُكم منهم ﴿مَا لَا يَرْجُونَ﴾ هم (^١) على ما يَنالُهم منكم، يقولُ: فأنتم إن (^٢) كنتم موقنين مِن ثوابِ اللهِ لكم على ما يُصيبُكم منهم بما هم به مكذِّبون، أولى وأحرى أن تَصْبِروا على حربِهم وقتالِهم منهم على قتالِكم وحربِكم، وأن تَجِدُّوا في (^٣) طلبِهم وابتغائِهم لقتالِهم على ما يَهِنون هم فيه ولا يَجِدُّون، فكيف على [ما جَدُّوا] (^٤) فيه ولم يهِنوا؟\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2201>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ منهم (^٥)، ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾، يَقُولُ: لا تَضْعُفُوا في طلبِ القومِ، فإنكم إن تَكُونوا تَيْجَعُون، فإنهم يَيْجَعون كما تَيْجَعون، ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ مِن الأجرِ والثوابِ ﴿مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدَّيِّ: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾. قال: لا تَضْعُفوا في طلبِ القومِ، فإن تَكُونوا تَيْجَعون مِن\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، س.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"إذ\".\n(^٣) في النسخ: \"من\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٤) في الأصل، م، ت: ٢: \"ما وجدوا\"، وفى ص: \"فاحذوا\"، وفى ت ١: \"فأخذوا\". وأثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٥ إلى المصنف.","vol":"7","page":453},{"text":"الجِراحاتِ، فإنهم يَيْجَعون كما تَيْجعون (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾: لا تَضْعُفوا.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قولَه: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾. [يَقُولُ: لا تَضْعُفوا (^٢).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا] (^٣) فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾. يَقُولُ: لا تَضْعُفوا عن ابتغائِهم (^٤). ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ القتالَ، ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ وهذا قبلَ أن تُصِيبَهم الجِراحُ، إن كنتم تَكْرَهون القتالَ وتَأْلَمونه، ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾. يَقُولُ: فلا تَضْعُفوا في ابتغائِهم لمكانِ (^٥) القتالِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾: تَوْجَعون (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾. قال: تَوْجَعون لما يُصِيبُكم منهم، فإنهم يَوْجَعون كما تَوْجَعون، ﴿وَتَرْجُونَ﴾ أنتم مِن الثوابِ فيما يُصِيبُكُم ﴿مَا لَا يَرْجُونَ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٥٨ (٥٩٢٣) من طريق أحمد بن مفضل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٥ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٩١\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٤) في الأصل: \"اتباعهم\".\n(^٥) في م، ت ١: \"مكان\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٥٨ (٥٩٢٢) من طريق أبي صالح به.","vol":"7","page":454},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما كان قتالُ أُحُدٍ، وأصاب المسلمين ما أصابَ، صعِد النبيُّ ﷺ الله الجبلَ، فجاء أبو سفيانَ فقال: يا محمدُ، [يا محمدُ] (^١)، [ألا تَخرجُ ألا تَخرجُ] (^٢)، الحربُ سجالٌ، يومٌ لنا ويومٌ لكم. فقال رسولُ الله ﷺ لأصحابه: \"أجِيبُوهُ\". فقالوا: لا سَواءَ [لا سواءَ] (^١)، قتلانا في الجنةِ، وقتلاكم في النارِ. فقال أبو سفيانَ: عُزَّى لنا ولا عُزَّى لكم. فقال رسولُ الله ﷺ: \" [قُولوا له] (^٣): اللهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لكم\". قال أبو سفيانَ: اعْلُ هُبَلُ، اعْلُ هُبَلُ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"قُولوا (^٤): اللهُ أعلَى وأجلُّ\". فقال أبو سفيانَ: موعِدُنا وموعِدُكم بدرٌ الصغرى. ونام المسلمون وبهم الكُلومُ، قال عكرمةُ: وفيها أُنزِلت: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ (*) وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، وفيهم أُنْزِلت: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (^٥).\nحدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخَبرَنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾. قال: يَيْجَعون كما تَيْجَعون (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٢) في م، ت ٢: \"لا جرح إلا بجرح\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٤) بعده في م: \"له\".\n(*) إلى هنا ينتهى الجزء الثاني عشر من مخطوطة جامعة القرويين بفاس والمشار إليها بالأصل. ويليه الجزء الثالث عشر، ويبدأ بالورقة ١٣/ ١ ظ، عند قوله: القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ …﴾ [النساء: ١٠٥].\n(^٥) تقدم مختصرًا في ٤/ ١٠٥ عند تفسير الآية ١٤٠ من سورة آل عمران.\n(^٦) ذكره أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٥٨ عقب الأثر (٥٩٢٢) معلقًا.","vol":"7","page":455},{"text":"وقد ذكِر (^١) عن بعضِهم أنه كان يَتَأَوَّلُ قولَه: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾: وتَخافون مِن اللهِ ما لا يَخافُون، مِن قولِ اللهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤]. بمعنى: لا يَخافون أيامَ اللهِ. وغيرُ معروفٍ صرفُ الرجاءِ إلى معنى الخوفِ في كلامِ العربِ، إلا مع جَحْدٍ سابقٍ له، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣] بمعنى: لا تَخافون للهِ عظمةً. كما قال الشاعرُ (^٢):\nلا تَرْتجِي حينَ تُلاقي الذّائدا … أسَبْعَةً لاقَتْ معًا أم واحدا\nوكما قال أبو ذؤيبٍ الهُذليُّ (^٣):\nإذا لسَعَتْه النحلُ لم يَرْجُ لَسْعَها … وخالَفَها (^٤) في بيتِ نُوبٍ (^٥) عواسلِ (^٦)\nوهى فيما بلغنا لغةٌ لأهلِ الحجازِ (^٧)، يَقُولونها بمعنى: ما أُبالى وما أَحْفِلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2202>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾.</span>\nيَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولم يَزَلِ اللهُ عليمًا بمصالحِ خلقِه، حكيمًا في تدبيرِه وتقديرِه، ومِن علمِه أيُّها المؤمنون بمصالحِكم؛ عرَّفكم - عندَ (^٨) حُضورِ صلاتِكم\n_________\n(^١) في م: \"ذكرنا\".\n(^٢) بعده في م: \"الهذلي\". والبيت في معاني القرآن ١/ ٢٨٩، والأضداد ص ١١، والتبيان ٣/ ٣١٥.\n(^٣) ديوان الهذليين ١/ ١٤٣، وفيه \"الدبْر\" بدلًا من \"النحل\"، ومعاني القرآن ١/ ٢٨٦، واللسان (ر ج و).\n(^٤) في ت ١: \"حالفها\". وهي رواية.\n(^٥) النوب من النحل: ذباب العسل سميت نوبا لأنها تضرب إلى السواد. وقيل: لأنها ترعى ثم تنوب، تشبيها بنوبة الناس والرجوع المرة بعد المرة. التاج (ن وب).\n(^٦) في ص، ت ١، س: \"عوامل\". وهى رواية معاني القرآن. والعواسل: النحل التي تصنع العسل، أو ذوات العسل.\n(^٧) ينظر معاني القرآن ١/ ٢٨٦.\n(^٨) في ص: \"عنه\".","vol":"7","page":456},{"text":"وواجبِ فرضِ اللهِ عليكم وأنتم مواقفو عدوِّكم - ما يَكُونُ به وصولُكم إلى أداءِ (^١) فرضِ اللهِ عليكم والسلامةُ من عدوِّكم، ومن حكمتِه بصَّركم (^٢) بما فيه تأييدُكم، وتوهينُ كيدِ عدوِّكم.\n\n<span id=\"aya-598\"></span><span data-type='title' id=toc-2203>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بن جريرٍ، ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾: إنا أنزَلنا إليك يا محمدُ، ﴿الْكِتَابَ﴾، يعنى: القرآنَ؛ ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾: لتَقْضِيَ بينَ الناسِ، فتَفْصِلَ بينَهم ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، يعني: بما أنزَل اللهُ إليك مِن كتابِه، ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. يقولُ: ولا تَكُنْ لمَن خان مسلمًا أو معاهِدًا في نفسِه أو مالِه ﴿خَصِيمًا﴾: تخاصِمُ عنه (^٣)، وتَدْفَعُ عنه من طالبَه بحقِّه الذي خانه فيه،\n\n<span id=\"aya-599\"></span>﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾. [يقولُ: اسْتَغفرِ الله] (^٤) يا محمدُ وسَلْه أن يَصْفَحَ لك عن عُقوبةِ ذنبِك في مخاصَمَتِك عن الخائنِ [مَن خان] (^٥) مالًا لغيرِه. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يَقُولُ: إن الله لم يَزَلْ يَصْفَحُ عن ذُنوبِ عبادِه المؤمنين بتركِه عُقوبتهم عليها إذا اسْتَغْفَروه منها، رحيمًا بهم، فافْعَلْ ذلك أنت يا محمدُ، يَغْفِرِ اللهُ لك ما سلَف من خصومتِك عن هذا الخائنِ. وقد قيل: إن النبيَّ ﷺ لم يَكُنْ\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"أدى\".\n(^٢) في ت ١: \"نصركم\".\n(^٣) في الأصل: \"عنده\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.","vol":"7","page":457},{"text":"خاصَم (^١) عن الخائنِ، ولكنه همَّ بذلك، فأمَره اللهُ بالاستغفارِ مما همَّ به مِن ذلك.\nوذُكِر أن الخائنين الذين عاتَب اللهُ جلَّ ثناؤُه نبيَّه ﷺ في خصومتِه عنهم بنو أُبَيْرِقٍ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في خيانتِه التي كانت منه، فوصَفه اللهُ بها؛ فقال بعضُهم: كانت سرقةً سرَقها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2204>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، إلى قولِه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾: فيما بينَ ذلك، في [ابن أُبَيْرِقٍ] (^٢) ودرعِه مِن حديدٍ (^٣) التي سرَق، قال أصحابُه مِن المؤمنين للنبيِّ (^٤): اعْذُره في الناسِ بلسانِك، ورمَوا بالدرعِ رجلًا من يهودَ بريئًا (^٥).\n[حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه] (^٦).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ أحمدَ بن أبي شُعيبٍ (^٧) أبو مسلمٍ الحرانيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سلمةَ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عاصمِ بن عمرَ بن قتادةَ، عن أبيه، عن جدِّه\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"يخاصم\".\n(^٢) في م، والدر المنثور، وإحدى نسخ تفسير مجاهد: \"طعمة بن أبيرق\".\n(^٣) بعده في ص، ت ١ س: \"من يهود\".\n(^٤) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٢٩١، ٢٩٢. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٧) في الأصل: \"شعبة\". وانظر تهذيب الكمال ٦/ ٤٨، ومصدر التخريج.","vol":"7","page":458},{"text":"قتادةَ بن النعمانِ، قال: كان أهلُ بيتٍ منا (^١) يُقالُ لهم: بنو أُبَيرِقٍ؛ بِشَرٌ وبُشَيرٌ ومُبَشِّرٌ، وكان بُشَيرٌ رجلًا، منافقًا، وكان يَقُولُ الشعرَ يَهْجُو به أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ، ثم يَنْحُلُه بعضَ (^٢) العربِ، ثم يَقُولُ: قال فلانٌ كذا، وقال فلانٌ كذا. فإذا سمِع أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ذلك الشعرَ، قالوا: واللهِ ما يَقُولُ هذا الشعرَ إلا هذا الخبيثُ. فقال:\nأوَ (^٣) كلَّما قال الرجالُ قصيدةً … أضِمُوا (^٤) وقالوا ابن الأُبَيرِقِ قالَهَا\nقال: وكانوا أهلَ بيتِ فاقةٍ وحاجةٍ في الجاهليةِ والإسلامِ، وكان الناسُ إنما طعامهم بالمدينةِ التمرُ والشعيرُ، وكان الرجلُ إذا كان له يَسَارٌ، فقدِمت ضافِطةٌ (^٥) مِن الشامِ بالدَّرْمكِ (^٦)، ابتاع الرجلُ منها (^٧) فخصَّ به نفسَه، فأما العيالُ فإنما طعامُهم التمرُ والشعيرُ، فقدِمت ضافطةٌ مِن الشامِ، فابتاع عمى عمى رفاعةُ بنُ زِيدٍ حِملًا مِن الدرمكِ، فجعله في مَشْرُبةٍ (^٨) له، وفى المَشْرُبةِ سلاحٌ له؛ دِرْعان وسَيْفاهما وما يُصْلِحُهما، فعُدِى عليه مِن تحتِ الليلِ فنُقِبت (^٩) المَشْرُبةُ، وأُخِذ الطعامُ والسلاحُ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"منها\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"إلى بعض\".\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١: \"أفى\".\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س: \"نحلت\". وأضم الرجل: غضب. وقيل: أضمر حقدًا لا يستطيع أن يمضيه. التاج (أ ض م).\n(^٥) ضافطة: الضافط والضفاط، الذي يجلب الميرة والمتاع إلى المدن والمكارى الذي يكرى الأحمال، وكانوا يومئذ قومًا من الأنباط يحملون إلى المدينة الدقيق والزيت وغيرهما. النهاية ٣/ ٩٤، ٩٥.\n(^٦) الدرمك: الدقيق الحوّارى. النهاية ٢/ ١١٤.\n(^٧) في ص، ت ١، ص: \"منا\"، وفى م: \"منهم\".\n(^٨) المشربة بالضم والفتح: الغرفة. النهاية ٢/ ٤٥٥.\n(^٩) في الأصل: \"فثقبت\"، وفي ت ١: \"فبقيت\".","vol":"7","page":459},{"text":"فلما أصبح أتانى عمى رفاعةُ، فقال: يا بنَ أخى، تَعْلَمُ أنه قد عُدِى علينا في ليلتِنا هذه، فنُقبت مَشْرُبَتُنا، فذُهِب بطعامِنا وسلاحِنا. قال: فتَحَسَّسْنا (^١) في الدارِ وسأَلنا، فقيل لنا: قد رَأَيْنا بنى أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدوا في هذه الليلةِ، ولا نَرَى فيما نراه إلا على بعضِ طعامِكم، قال: وقد كان بنو أُبَيرِقٍ قالوا - ونحن نَسْأَلُ (^٢) في الدارِ -: واللهِ ما نَرَى صاحبَكم إلا لبيدَ بنَ سهلٍ (^٣)، رجلٌ منا له صلاحٌ وإسلامٌ، فلما سمِع بذلك لبيدٌ اخْتَرَط سيفَه، ثم أتى بنى أُبَيْرِقٍ، فقال: واللهِ ليُخالِطَنّكم هذا السيفُ أو لتُبيِّنُنَّ هذه السرقةَ. قالوا: إليك عنا أيُّها الرجلُ، فواللهِ ما أنت بصاحبِها. فسألنا في الدارِ حتى لم نَشُكَّ أنهم أصحابُها. فقال عمى: يا بنَ أخي، لو أتيتَ رسولَ اللهِ ﷺ فذكَرتَ ذلك له. [قال قتادةُ: فأَتَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذلك له] (^٤)، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إن أهلَ بيت منا أهلَ جفاءٍ، عمَدوا إلى عمِّى رفاعةَ بن زيدٍ فَنَقَبوا مَشْرُبَةً له، وأَخَذُوا سلاحَه وطعامَه، فَلْيَرُدُّوا علينا سلاحنا، فأما الطعامُ فلا حاجةَ لنا به (^٥). فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"سَأَنْظُرُ (^٦) في ذلك\". فلما سمِع ذلك بنو أُبَيْرِقٍ أتَوا (^٧) رجلًا منهم يُقالُ له: أَسَيرُ (^٨) بنُ عُرْوةَ. فكلَّموه في ذلك، واجْتَمَع إليه ناسٌ مِن أهلِ الدارِ، فأتَوا رسولَ اللهِ ﷺ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، إن قتادةَ بنَ النعمانِ وعمَّه عمَدوا إلى أهلِ بيتٍ منا أهلِ إسلامٍ وصلاحٍ، يَرْمونهم\n_________\n(^١) في الأصل، ص، م، والدر المنثور: \"فتجسسنا\".\n(^٢) بعده في ت ١، ت ٢، س: \"الله\".\n(^٣) في الأصل: \"سهيم\"، وفى م: \"سهم\". وانظر الإصابة ٥/ ٦٨٠.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢: \"فيه\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"أنظر\".\n(^٧) في ت ١، ت ٢، س: \"أبرز\".\n(^٨) في الأصل: \"أمير\". وانظر الإصابة ١/ ٨٦.","vol":"7","page":460},{"text":"بالسرقةِ عن (^١) غيرِ بينةٍ ولا ثَبَتٍ (^٢). قال قتادةُ: فأَتَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ فكلَّمْتُه (^٣)، فقال: \"عمَدْتَ إلى أهلِ بيتٍ ذُكِر منهم إسلامٌ وصلاحٌ، تَرْمِيهم بالسَّرقةِ على غيرِ بينةٍ ولا ثَبَتٍ\". قال: فرجَعت ولوَدِدْتُ أنى خرَجتُ مِن بعضِ مالي ولم أُكَلِّمْ رسولَ اللهِ ﷺ في ذلك، فأتَيْتُ عمِّى رِفاعةَ، فقال: يا بنَ أخي، ما صَنَعْتَ؟ فَأَخبَرتُه بما قال لى رسولُ اللهِ ﷺ، فقال: اللهُ المستعانُ. فلم نَلْبَثْ أن نزَل القرآنُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾؛ بنى أُبَيرِقٍ، ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾، أي مما قلتَ لقتادة (^٤)، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: بني أَبَيرِقٍ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾، إلى قولِه: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، أي: إنهم إن يَسْتَغْفِرُوا الله يَغْفِرْ لهم. ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾: قولُهم للبيدٍ، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾، يَعْنى: أسيرًا وأصحابَه، ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nفلما نزل القرآنُ أُتِى رسولُ اللهِ ﷺ بالسلاحِ، فردَّه إلى رفاعةَ.\nقال قتادةُ: فلما أتَيْتُ عمِّى بالسلاحِ وكان شيخًا قد عسَا (^٥) في الجاهليةِ،\n_________\n(^١) في م: \"من\".\n(^٢) في ص: \"بيت\". والثبت، بالتحريك: الحجة والبينة. اللسان (ث ب ت).\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"فسألته\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"لعبادة\".\n(^٥) في الترمذي: \"عشى\". وعسا: أي كبر وأسن. وعشى: أي ضعف بصره. النهاية ٣/ ٢٣٨.","vol":"7","page":461},{"text":"وكُنتُ أرى إسلامَه مدخولًا (^١)؛ فلما أتَيْتُه بالسلاحِ، قال: يا بنَ أخي، هو في سبيلِ اللهِ. قال: فعرَفت أن إسلامَه كان صحيحًا. فلما نزَل القرآنُ لحق بُشَيرٌ بالمشركين فنزَل على سُلافةَ (^٢) بنتِ سعدِ بن شُهَيدٍ (^٣)، فأنزَل اللهُ فيه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، إلى قولِه: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، فلما نزَل على سُلافةَ رماها حسانُ بنُ ثابتٍ بأبياتٍ مِن شعرٍ، فأَخَذَت رَحْلَه فوضَعَتْه على رأسها ثم خرجت به فرَمَتْ به في الأبطحِ، ثم قالت: أَهْدَيْتَ إليَّ شعرَ حسانَ، ما كنتَ تَأتينى بخيرٍ (^٤).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾. يَقُولُ: بما أنزَل اللهُ عليك وبيَّن لك. ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. فقرَأ إلى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾: ذُكِر لنا أن هؤلاء الآياتِ أُنزِلت في شأنِ طُعْمَةَ بن أُبَيْرقٍ، وفيما همَّ به نبيُّ اللهِ ﷺ من عُذْرِه، وبيَّن اللهُ شَأنَ طعمةَ بن أُبيرِقٍ، ووعَظ نبيَّه وحذَّره أن يَكُونَ للخائنين خصيمًا، وكان طُعْمَةُ بنُ أُبَيْرِقٍ رجلًا مِن الأنصارِ ثم أحدَ بني ظَفَرٍ، سرَق درعًا لعمِّه كانت وديعةً عندَه، ثم قذَفها (^٥) على يهوديٍّ كان يَغْشاهم، يُقال له: زيدُ بنُ السمينِ. فجاء اليهوديُّ إلى نبيِّ اللهِ ﷺ\n_________\n(^١) الدخَل، بالتحريك: العيب والغش والفساد، يعنى أن إيمانه كان متزلزلًا فيه نفاق. النهاية ٢/ ١٠٨.\n(^٢) في ص، ت ١ س: \"سلاقة\"، وفى ت:١ \"سلام\". وانظر الإصابة ٧/ ٧٢٤.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"سهيل\"، وفى م: \"سهل\".\n(^٤) أخرجه الترمذى (٣٠٣٦) عن الحسن بن أحمد وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٥٩، ١٠٦٠ (٥٩٣٣، ٥٩٣٤، ٥٩٣٦) من طريق محمد بن سلمة به، والحاكم ٤/ ٣٨٥ - ٣٨٨ من طريق محمد بن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٥ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"قدمها\".","vol":"7","page":462},{"text":"يهتِفُ، فلما رأى ذلك قومُه بنو ظَفَرٍ جاءوا إلى نبيِّ اللهِ ﷺ ليَعْذِروا صاحبَهم، وكان نبيُّ اللهِ ﷺ قد همَّ بعذرِه، حتى أنزَل اللهُ جل ثناؤه في شأنِه ما أَنْزَل؛ فقال: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾، إلى قولِه: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، يَعْنى بذلك قومَه. ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، وكان طُعْمَةُ قد قذَف بها بريئًا، فلما بَيَّنَ اللهُ شَأنَ طُعْمَةَ، نافَق ولحِق بالمشركين بمكةَ، فأنزَل اللهُ في شأنِه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾: وذلك أن نفرًا مِن الأنصارِ غَزَوا مع النبيِّ ﷺ في بعضِ غَزَواتِه، فسُرِقت درعٌ لأحدِهم، فأظنَّ (^٢) بها رجلًا مِن الأنصارِ، فأتي صاحبُ الدِّرْعِ رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: إِن طُعْمَةَ بنَ أُبَيْرِقٍ سَرَق دِرْعِي، فأتى به رسولَ اللهِ ﷺ، فلما رأَى السارِقُ ذلك، عمَد إليها فألقاها في بيتِ رجلٍ بَرِئٍ، وقال لنفرٍ (^٣) من عشيرتِه: إنى قد غيِّبتُ الدرعَ وألقيتُها في بيت فلانٍ، وستوجد عندَه. فانطَلَقوا إلى نبيِّ اللهِ ﷺ ليلًا، فقالوا: يا نبيِّ اللهِ، إن صاحبَنا برئٌ، وإن سارق الدرِع فلانٌ، وقد أحَطنا بذلك علمًا، فاعْذِرْ صاحبَنا على رُءوسِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أظن: أي اتهم. اللسان (ظ ن ن).\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"النفر\".","vol":"7","page":463},{"text":"الناسِ وجادِلْ عنه، فإنه إلا يعْصِمْه اللهُ بك يَهْلِكُ. فقام رسولُ اللهِ ﷺ فبرَّأه وعذَره على رُءوسِ الناسِ، فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ يَقُولُ: احْكُمْ بينَهم بما أنزَل اللهُ إليك في الكتابِ، ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية. ثم قال للذين أتَوا رسولَ اللهِ ﵊ ليلًا [يَسْتَخفون بالكذبِ] (^١): ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. يَعْنى الذين أَتَوا رسولَ اللهِ ﷺ [مُسْتَخفين يُجادلون عن الخائنِ. ثم قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، يعني، الذين أَتَوا رسولَ اللهِ ﵇] (^٢) مَسْتَخْفين بالكذبِ. ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. يَعْنى: السارقَ، والذين يُجادِلون عن السارقِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ الآية. قال: كان رجلٌ سرَق درعًا مِن حديدٍ في زمانِ النبيِّ ﷺ وطرَحه على يهوديٍّ، فقال اليهوديُّ: واللهِ ما سرَقتُها يا أبا القاسمِ، ولكن طُرِحت عليَّ. وكان للرجلِ الذي سَرَق جيرانٌ يُبَرِّئونه ويَطْرَحونه على اليهوديِّ، ويَقُولون:\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٥٩ - ١٠٦٣ (٥٩٣٠، ٥٩٤٠، ٥٩٤٤، ٥٩٥٠) مفرقًا من طريق محمد بن سعد به.","vol":"7","page":464},{"text":"يا رسولَ اللهِ، إن هذا اليهوديَّ لخبيثٌ (^١) يَكْفُرُ باللهِ وبما جِئْت به. قال: حتى قال (^٢) عليه النبيُّ ﷺ ببعضِ القولِ، فعاتَبه اللهُ ﷿ في ذلك، فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ مما (^٣) قلت لهذا اليهوديِّ، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ثم أقبل على جيرانِه فقال: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. قال: ثم عرض التوبة فقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾: فما أدْخَلكم أنتم أيُّها الناسُ على خطيئةِ هذا تَكَلَّمون دونَه، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ وإن كان مشركًا، ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. [فقرَأ حتى بلَغ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾] (^٤)، فقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾. قال: أبَى أن يَقْبَلَ التوبة التي عرَض اللهُ له، وخرَج إلى المشركين بمكةَ، فنقَب بيتًا ليَسْرِقَه، فهدَمه اللهُ عليه فقتَله، فذلك قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. ويقالُ: هو طُعْمةُ بنُ أُبَيْرقٍ، وكان نازِلًا في بنى ظفَرٍ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"الخبيث\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"مال\".\n(^٣) في ص، م، ت ٢: \"بما\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٧ إلى المصنف.","vol":"7","page":465},{"text":"وقال آخرون: بل الخيانةُ التي وصَف اللهُ بها مَن وصَفه بها بقولِه: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾: جحودُه وديعةً كان أُودِعَها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2205>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. قال: أمَّا ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، فما أوحَى إليك. قال: نزَلت في طُعْمَةَ بن أُبَيْرِقٍ، اسْتَودَعه رجلٌ مِن اليهود درعًا، فانطَلَق بها معه (^١) إلى دارِه، فحفَر لها اليهوديُّ ثم دفَنها، فخالَفه إليها طُعْمةُ، فاحتفَر عنها فأخَذها، فلما جاء اليهوديُّ يَطْلُبُ درعَه كابَره (^٢) عنها، فانطلَق إلى ناسٍ من اليهودِ مِن عشيرتِه، فقال: انْطَلِقوا معى، فإنى أعرِفُ موضِعَ الدرعِ. فلما علم بهم طُعمةُ، أخَذ الدرعَ فألقاها في دارِ أبى مُلَيلٍ الأنصاريِّ، فلما جاءت اليهودُ تَطْلُبُ الدرعَ فلم تَقْدِرُ عليها (^٣)، وقع به طُعمهُ وأناسٌ من قومِه فسبُّوه، قال: أتَّخَوِّنُونَني؟! فانطَلَقوا يَطْلُبونها في دارِه، فأشرَفوا على بيتِ أبي مُلَيلٍ، فإذا هم بالدرعِ، وقال طُعْمَةُ: أخذها أبو مُلَيلٍ. وجادَلت الأنصارُ دونَ طُعْمةَ، وقال لهم: انْطَلِقوا معى إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقُولوا له يَنْضَحُ (^٤) عنى ويُكَذِّبُ حجةَ اليهوديِّ، فإني إن أُكَذَّبْ كذَب على أهلِ المدينةِ اليهوديُّ، فأتاه أناسٌ مِن الأنصارِ فقالوا: يا رسولَ اللهِ، جادلْ عن طُعمةَ، وأكذِبِ اليهوديَّ. فهمَّ رسولُ اللهِ ﷺ أن يَفْعَلَ، فأنزل اللهُ عليه: ﴿وَلَا تَكُنْ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"كافره\". وكابره على حقه: جاحده وغالبه عليه. التاج (ك ب ر).\n(^٣) في الأصل: \"عليه\". والدرع مما يؤنث وقد يذكر.\n(^٤) نضح عنه: ذب ودفع. اللسان (ن ض ح).","vol":"7","page":466},{"text":"لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ مما أرَدْت، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾. ثم ذكَر الأنصارَ ومُجادَلَتهم عنه، فقال: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ (^١). إلى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، ثم دعاهم إلى التوبةِ، فقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ثم ذكَر قولَه حينَ قال: أخذها أبو مُلَيلٍ. فقال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾، ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. ثم ذكر الأنصارَ وإتيانَها (^٢) إياه أن يَنْضَحَ عن صاحبِهم، ويُجَادِلَ عنه، فقال: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. يَقُولُ: النبوَّةَ. ثم ذكَر مناجاتَهم فيما يُرِيدُون أن يُكَذِّبوا عن طُعْمَةً، فقال: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. فلما فضَح اللهُ طُعْمة بالمدينةِ بالقرآنِ، هرَب حتى أتَى مكةَ، فكفَر بعد إسلامِه، ونزَل على الحجاجِ بن عِلاطٍ (^٣) السُّلَميِّ، فنقَب بيتَ الحجاجِ فأراد أن يَسْرِقَه، فسمِع الحجاجُ خَشْحَشةً في بيتِه، وقَعْقَعَةَ جلودٍ كانت عندَه، فنظَر فإذا هو بطُعْمَةَ، فقال: ضيفى وابنُ عمِّى وأَرَدْتَ أَن تَسْرِقَنى! فأخرَجه، فمات بحَرَّةِ بني سُلَيمٍ (^٤) كافرًا، وأنزَل اللهُ فيه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ\n_________\n(^١) بعده في م: \"يقول: يقولون ما لا يرضى من القول\".\n(^٢) في الأصل: \"اتباعهم\"، وفى م: \"إتيانهم\".\n(^٣) في الأصل: \"غلاط\". وينظر سيرة ابن هشام ٢/ ٣٤٥.\n(^٤) حرة بنى سليم: موضع في عالية نجد. ينظر معجم البلدان ٢/ ٣٢٩.","vol":"7","page":467},{"text":"لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عكرمةَ، قال: اسْتَوْدَع رجلٌ مِن الأنصارِ طُعْمَةَ بنَ أُبَيْرِقٍ مَشْرُبةً له فيها درعٌ (^٢)، وخرَج فغاب، فلما قدِم الأنصاريُّ فتَح مَشْرُبتَه فلم يَجِدِ الدِّرْعَ، فسأَل عنها طُعْمَةَ بنَ أُبَيْرِقٍ، فرمَى بها رجلًا من اليهودِ، يقالُ له: زيدُ بنُ السمينِ. فتعلَّق صاحبُ الدرعِ بطُعْمَةَ في درعِه؛ فلما رَأى ذلك قومه أتَوُا النبيَّ ﷺ، فكلَّموه (^٣) ليَدْرَأ عنه، فهمَّ بذلك، فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. يَعْنِي: طُعمةَ بنَ أُبَيرِقٍ وقومَه (^٤)، ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ له: محمدٌ ﷺ وقومُ طُعْمةَ. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: محمدٌ وطُعْمَةُ وقومُه، قال ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ الآية: طُعْمَةُ. ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾، يعني: زيد بن السمين، ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾: طُعْمَةُ مِنْ أُبَيْرِقٍ. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ - محمدٌ ﵇ ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾: قومُ طُعْمَةَ بن أُبَيْرِقٍ. ﴿وَأَنْزَلَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٦٣ - ١٠٦٦ (٥٩٤٩، ٥٩٥٩، ٥٩٦٧) مفرقًا من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) في ص، س: \"أدرع\".\n(^٣) في الأصل: \"فكلمه\".\n(^٤) في الأصل: \"قوله\".","vol":"7","page":468},{"text":"اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾: محمدٌ. ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾، حتى تَنْقَضِىَ الآيةُ: للناسِ عامةً (^١). ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية. قال: لما نزَل القرآنُ في طُعْمَةَ بن أُبَيْرِقٍ، لحِق بقُرَيشٍ ورجَع في دينِه، ثم عدَا على مَشْرُبةٍ للحجاجِ ابن عِلَاطٍ البَهْزِيِّ (^٢) ثم السُّلَمِيِّ - حليفٌ لبنى عبدِ الدارِ فنَقَبها، فسقَط عليه حجرٌ فلَحِج (^٣)، فلمّا أصبَح أخرَجوه مِن مكةَ، فخرَج فلقِي رَكْبًا مِن بَهْراءَ مِن قُضاعةَ، فعرَض لهم، فقال: ابن سبيلٍ مُنْقَطَعٌ به. فحمَلوه حتى إذا جَنَّ عليه الليلُ عَدا عليهم فسرَقهم ثم انطلقَ، فرجَعوا في طلبِه فأدْرَكوه، فقذَفوه بالحجارةِ حتى مات.\nقال ابن جريجٍ: فهذه الآياتُ كلُّها فيه نزَلت، إلى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. أُنْزِلت في طُعْمَةَ بن أُبَيْرِقٍ، يَقُولون: إنه رَمَى بالدرعِ في دارِ أبى مُلَيلٍ بن عبدِ اللهِ الخزرجيِّ، فلما نزَل القرآنُ لحِق بقُرَيشٍ، فكان مِن أمرِه ما كان (^٤).\nحُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ (^٥)، قال: سمِعت الضحاكَ يَقُولُ في قولِه: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾. يَقُولُ: بما أَنْزَلَ اللهُ عليك وأَراكَه في كتابِه، ونزَلت هذه الآيةُ في رجلٍ مِن\n_________\n(^١) في الأصل: \"عليه\".\n(^٢) في الأصل: \"الفهرى\". وانظر سيرة ابن هشام ٢/ ٣٤٥.\n(^٣) لحج بالمكان: لزمه. التاج (ل ح ج).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٨ إلى المصنف وسنيد وابن المنذر.\n(^٥) في م: \"سلمان\".","vol":"7","page":469},{"text":"الأنصارِ اسْتُودِع درعًا فجحَد صاحبَها، فخوَّنه رجالٌ مِن أصحابِ نبيِّ اللهِ ﷺ، فغضِب له قومُه، وأتَوا نبيَّ اللهِ ﷺ، فقالوا: خوَّنوا صاحبَنا وهو أمينٌ سَلَّمٌ، فاعْذِرْه يا نبيَّ اللَّهِ وَازْجُرُ (^١) عنه. فقام نبيُّ اللهِ ﷺ ما فعذَره، وكذَّب. عنه، وهو يَرَى أنه برئٌ وأنه مكذوبٌ عليه، فأنْزَل اللهُ جل ثناؤُه بيانَ ذلك فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، إلى قوله: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. فبَيَّن اللهُ جل ثناؤُه خيانتَه، فلحِق بالمشركين مِن أهلِ مكةَ، وارتدَّ عن الإسلامِ، فنزَل فيه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى التأويلين في ذلك بما دلَّ عليه ظاهرُ الآيةِ قولُ مَن قال: كانت خيانتُه التي وصَفه اللهُ بها في هذه الآيةِ جحودَه ما أُودِع؛ لأن ذلك هو المعروفُ مِن معاني الخياناتِ في كلامِ العربِ، وتوجيهُ تأويلِ القرآنِ إلى الأشهرِ مِن معاني كلامِ العربِ - ما وُجِد إليه سبيلٌ - أولى مِن غيره.\n\n<span id=\"aya-600\"></span><span data-type='title' id=toc-2206>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تُجَادِلْ﴾ يا محمدُ فتُخاصِمْ ﴿عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾، يَعْنِي: يخوِّنون أنفسَهم؛ يَجْعَلُونَها خَوَنةً بخيانتِهم ما خانوا مِن أموالِ مَن خانوه (^٣) مالَه (^٤)، وهم بنو\n_________\n(^١) في الأصل: \"أوجر\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٨، إلى المصنف.\n(^٣) في ص: \"حابوه\".\n(^٤) في الأصل: \"مالهم\".","vol":"7","page":470},{"text":"أُبَيْرِقٍ، يقول: لا تُخاصِمُ عنهم مَن طالَبَهم بحقوقِهم، وما خانوه فيه مِن أموالِهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾، يَقولُ: إن الله لا يُحِبُّ مَن كان مِن صفتِه خيانةُ الناسِ في أموالِهم، وركوبُ الإثمِ في ذلك وغيرِه مما حرَّمه اللهُ عليه.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وقد تقدَّم ذكرُ الروايةِ عنهم.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: اخْتَان رجلٌ (^١) عمًّا له درعًا، فقذَف بها يهوديًّا كان يَغْشاهم، فجادَل عمُّ الرجلِ قومَه، فكان النبيُّ ﷺ عذَره، ثم لِحق بأرضِ الشركِ، فنزَلت فيه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-601\"></span><span data-type='title' id=toc-2207>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ، ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾: يَسْتَخْفِى هؤلاء الذين يَخْتانُون أنفسَهم ما أتَوا (^٣) من الخيانةِ وركِبوا مِن العارِ والمعصيةِ مِن الناسِ الذين لا يَقْدرون (^٤) لهم على شيءٍ إلا ذكرَهم بقبيحِ ما أتَوا (٣) من فعلِهم، وشَنيعِ ما ركِبوا مِن جُزْمِهم إذا اطَّلعوا عليه، حياءً منهم وحذرًا مِن قبيحِ الأُحْدوثةِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ص: \"له\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٢.\n(^٣) في ص، م، ت ٢، س: \"أوتوا\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ص: \"يعذرون\".","vol":"7","page":471},{"text":"﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ الذي هو مطَّلعٌ عليهم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن أعمالِهم، وبيَدِه العقابُ والنَّكالُ وتعجيلُ العذابِ، وهو أحقُّ أن يُسْتَحْيا منه مِن غيرِه، وأولى بأن يُعَظَّمَ؛ بأن لا يراهم حيثُ يَكْرَهون أن يَراهم أحدٌ مِن خلقِه، ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾، يعنى: واللهُ شاهدُهم، ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾. يَقُولُ: حين يُسِرُّون (^١) ليلًا ما لا يَرْضى اللهُ مِن القولِ فيُغَيِّرونه عن وجهِه، ويَكْذِبون فيه. وقد بيَّنا معنى التَّثبيتِ في [غيرِ هذا الموضعِ (^٢)، وأنه كلُّ كلامٍ أو أمرٍ أُصلِح ليلًا. وقد حُكِى عن بعضِ الطائيِّين أن التَّبْيِيتَ في] (^٣) لغتِهم التَّبْديلُ، وأنشدَ للأسودِ (^٤) بن عامرِ بن جُوَينٍ (^٥) الطائيِّ في معاتبةِ رجلٍ:\nوبيَّتَّ قَوْلِيَ عبدَ (^٦) المليـ … ــكِ قاتَلَك (^٧) اللهُ عبدًا كَنودَا (^٨)\nبمعنى: بدَّلت قولى.\nورُوِى عن أبي رزينٍ أنه كان يَقولُ في معنى قولِه: يُبَيِّتون: يُؤَلِّفون.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي رَزينٍ: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾. قال: يُؤَلِّفون ما لا يَرْضَى مِن القولِ.\n_________\n(^١) في م، ص، ت ١، ت ٢، س: \"يسوون\".\n(^٢) انظر ما تقدم في: ٢٤٦، ٢٤٧.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٤) في ص، ت ٢، س: \"الأسود\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"جرير\". وانظر الاشتقاق ص ٣٩١، والخزانة ١/ ٥٣، ٥٤.\n(^٦) في الأصل: \"عند\".\n(^٧) في ص، ت ١، س: \"فأملك\".\n(^٨) البيت في التبيان ٣/ ٣١٩.","vol":"7","page":472},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ سنانٍ الواسطيُّ، قال: ثنا أبو يحيى الِحمانيُّ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي رَزينٍ بنحوه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن أبي رَزينٍ مثلَه.\nقال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ شبيهُ المعنى بالذي قلناه، وذلك أن التأليفَ هو التسويةُ (^٢) والتغييرُ (^٣) عما هو به، وتحويلُه عن معناه إلى غيرِه.\nوقد قيل: عنَى بقولِه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾. الرهطَ الذين مشَوا إلى رسولِ الله ﷺ في مسألةِ المدافعةِ عن ابن (^٤) أُبَيْرِقٍ والجدالِ عنه، على ما قد ذكَرنا قبلُ فيما مضَى عن ابن عباسٍ وغيرِه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾. يَعْنى جلَّ ثناؤه: وكان اللهُ بما يَعْمَلُ هؤلاء المُسْتَخْفُون مِن الناسِ فيما أَتَوا (^٥) من جُرْمِهم، حياءً منهم مِن تَبْبِيتِهم ما لا يَرْضَى مِن القولِ وغيرِه مِن أفعالِهم. ﴿مُحِيطًا﴾: مُحْصِيًا، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منه، حافظًا لذلك عليهم، حتى يُجازِيَهم عليه جزاءَهم.\n\n<span id=\"aya-602\"></span><span data-type='title' id=toc-2208>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٦١ (٥٩٤١) عن أحمد بن سنان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٩ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد.\n(^٢) في الأصل: \"البيتوتة\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"التعبير\".\n(^٤) في النسخ: \"بنى\". وما أثبتناه اعتمادا على السياق ودلالة الآثار السابقة.\n(^٥) في ص، م، س: \"أوتوا\".","vol":"7","page":473},{"text":"قال أبو جعفرٍ، ﵀: يَعْنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. ها أنتم الذين جادَلتم يا معشرَ مَن جادَل عن بنى أُبَيْرِقٍ في الحياةِ الدنيا - والهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿عَنْهُمْ﴾ مِن ذكرِ الخائنين - ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ﴾، يَقُولُ: فمَن ذا يُخاصِمُ الله عنهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، أي يومَ يَقُومُ الناسُ مِن قُبورِهم محشرِهم فيُدَافِعُ عنهم ما اللهُ فاعلٌ بهم ومعاقبُهم به؟ وإنما يَعْنى بذلك جل ثناؤه: أنكم أيُّها المدافِعون عن هؤلاء الخائنين أنفسَهم، وإن دافَعْتم عنهم في عاجلِ الدنيا، فإنهم سيَصِيرون في آجلِ الآخرةِ إلى مَن لا يُدافعُ عنهم عندَه (^١) أحدٌ فيما يَحِلُّ بهم مِن أليمِ العذابِ ونَكالِ العقابِ.\nوأما قولُه: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. فإنه يَعْنى: ومَن ذا الذي يَكُونُ على هؤلاء الخائِنين وكيلًا يومَ القيامةِ، أي ومَن يَتَوَكَّلُ لهم في خصومةِ ربِّهم عنهم يومَ القيامةِ. وقد بيَّنَّا معنى الوكالةِ فيما مضَى (^٢)، وأنها القيامُ بأمرِ مَن توكَّلَ له.\n\n<span id=\"aya-603\"></span><span data-type='title' id=toc-2209>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يَعْنى بذلك جَلَّ ثناؤُه: ومَن يَعْمَلْ ذنبًا - وهو السوءُ - أو يَظْلِمْ نفسَه بإكسابِه (^٣) إياها ما يَسْتَحِقُّ به عقوبةَ اللَّهِ، ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾. يَقُولُ: ثم يَتُوبُ إلى اللهِ بإنابتِه مما عمِل مِن السوءِ وظلمِ نفسِه، ومراجعةِ ما يُحِبُّه اللهُ مِن الأعمالِ الصالحةِ التي تَمْحو ذنبَه وتُذْهِبُ جُرمَه،\n_________\n(^١) في الأصل: \"غيره\".\n(^٢) تقدم في ٦/ ٢٤٥.\n(^٣) في الأصل، ت ١، س: \"باكتسابه\".","vol":"7","page":474},{"text":"﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يَقُولُ: يَجِدِ الله ساتِرًا عليه ذنبَه بصفحِه له عن عقوبةِ (^١) جُرمِه، رحيمًا به.\nواختلَف أهلُ التأويلِ فيمن عُنِى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها الذين وصفَهم اللهُ بالخيانة بقولِه: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.\nوقال آخرون: عُنِى بها الذين كانوا (^٢) يجادلون عن الخائنين الذين قال اللهُ لهم: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. وقد ذكَرنا قائلى القولَين كليهما فيما مضَى.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا: أنه عُنِى بها كلُّ مَن عَمِل سُوءًا أو ظلَم نفسَه، وإن كانت نزَلت في أمرٍ الخائنين والمجادِلين عنهم، الذين ذكَر اللهُ أمرَهم في الآياتِ قبلَها.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2210>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: كانت بنو إسرائيلَ إذا أصاب أحدُهم ذنبًا أصبح قد كُتِب كفارةُ ذلك الذنبِ على بابِه، وإذا أصاب البولُ شيئًا منه قرَضه بالمقراضِ (^٣). فقال رجلٌ: لقد آتَى اللهُ بنى إسرائيلَ خيرًا. فقال عبدُ اللهِ: ما آتاكم اللهُ خيرٌ مما آتاهم؛ جعَل اللهُ الماءَ لكم طهورًا، وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ\n_________\n(^١) في م: \"عقوبته\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في الأصل: \"بالمقراضين\".","vol":"7","page":475},{"text":"ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا ابن عونٍ، عن حبيبِ بن أبى ثابتٍ، قال: جاءت امرأةٌ إلى عبدِ اللَّهِ بن مُغَفَّلٍ (^٢)، فسألتْه عن امرأةٍ فجَرت فحَبِلت، فلما ولَدت قتَلت ولدَها، قال: فقال ابن مُغَفَّلٍ (^٢) مالها! لها النارُ. فانصَرَفت وهى تَبْكى فدَعاها، قال: ثم قال: ما أرى أمرَك إلا أحدَ أمرين: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. قال: فمسَحت عينَها ثم مضَت (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسِ قولَه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. قال: أخبَر اللهُ عبادَه بحلمِه وعفوِه وكرَمِه، وسَعةِ رحمتِه ومغفرتِه، فمن أذنبَ ذنبًا - صغيرًا كان أو كبيرًا - ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ولو كانت ذنوبُه أعظمَ مِن السمواتِ والأرضِ والجبالِ (^٤).\n\n<span id=\"aya-604\"></span><span data-type='title' id=toc-2211>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومَن يأتِ ذنبًا على عمدٍ منه\n_________\n(^١) أخرجه معمر في جامعه (٢٠٢٤٧) والطبراني (٨٧٩٤) والبيهقى في الشعب (٧١٤٣) عن أيوب عن ابن سيرين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في الأصل، ت ١، ت ٢، س: \"معقل\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٩ إلى المصنف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٩ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"7","page":476},{"text":"له [ومعرفةٍ به] (^١)، فإنما يَجْتَرِحُ (^٢) وبالَ ذلك الذنبِ وضُرَّه وخِزْيَه وعارَه على نفسِه دونَ غيرِه مِن سائرِ خلقِ اللَّهِ. يَقُولُ: فلا تجادِلوا أيُّها الذين تجادِلون عن هؤلاء الخونةِ، فإنكم وإن كنتم لهم عشيرةً وقرابةً وجيرانًا براءُ مما أتَوه مِن الذنبِ ومِن التبِعةِ (^٣) التي يُتْبَعون (^٤) بها، فإنكم متى دافَعتم عنهم أو خاصَمتم بسببِهم كنتم مثلَهم، فلا تُدافعوا عنهم ولا تخاصِموا.\nوأما قولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. فإنه يَعْنى: وكان اللهُ عالمًا بما تَفْعلون أيُّها المجادِلون عن الذين يَخْتانون أنفسَهم في جدالِكم عنهم وغيِر ذلك مِن أفعالِكم وأفعالِ غيرِكم، وهو يُحْصِيها عليكم وعليهم، حتى يجازِىَ جميعَكم بها ﴿حَكِيمًا﴾. يقولُ: وهو حكيمٌ بسياستِكم وتدبيرِكم وتدبيرِ جميعِ خلقِه. وقيل: نزَلت هذه الآيةُ في بنى أُبَيْرِقٍ، وقد ذكَرنا مَن قال ذلك فيما مضَى قبلُ.\n\n<span id=\"aya-605\"></span><span data-type='title' id=toc-2212>القولُ في تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفر محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومَن يَعْمَلْ خطيئةً، وهى الذنبُ، أو إثمًا، وهو ما لا يحلُّ مِن المعصيةِ.\nوإنما فرَّق بينَ الخطيئةِ والإثمِ؛ لأن الخطيئةَ قد تَكُونُ مِن قِبَلِ العمدِ وغيرِ العمدِ، والإثمُ لا يَكُونُ إلا مِن العمدِ، ففصَل جلَّ ثناؤُه لذلك بينَهما، فقال: ومَن يَأْتِ خَطيئةً على غيرِ عمدٍ منه لها، أو إثمًا على عمدٍ منه، ﴿ثُمَّ يَرْمِ\n_________\n(^١) في الأصل: \"مغفرة له\".\n(^٢) في الأصل: \"يحرج\".\n(^٣) في ت ١، س: \"البيعة\".\n(^٤) في ت ١: \"يبيعون\".","vol":"7","page":477},{"text":"بِهِ بَرِيئًا﴾ (^١). يَعْنى: ثم يُضيفُ (^٢) [ما أتَى] (^٣) مِن خطئِه أو إثمِه الذي تَعَمَّده بريئًا مما أضافه إليه، ونحَله إياه، ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. يَقُولُ: فقد تَحمَّلَ بفعلِه ذلك فِرْيةً وكذبًا وإثمًا عظيمًا، يقولُ: وجُرْمًا عظيمًا على علمٍ منه وعَمْدٍ لما أتَى مِن معصيتِه وذنبِه.\nواختلَف أهلُ التأويلِ فيمن عنَى اللهُ بقولِه: ﴿بَرِيئًا﴾. بعدَ إجماعِ جميعِهم على أن الذي رمَى البرئَ بالإثم الذي كان أتاه ابن أُبَيْرِقٍ: الذي وصَفنا شأنَه قبلُ؛ فقال بعضُهم: عَنى اللهُ ﷿ بالبرئِ رجلًا مِن المسلمين يُقال له: لبيدُ بنُ سهلٍ.\nوقال آخرون: بل عنَى به رجلًا مِن اليهودِ يُقال له: زيدُ بنُ السَّمِينِ. وقد ذكَرنا الروايةَ عمن قال ذلك فيما مضَى، وممن قال: كان يَهُوديًّا، ابن سيرينَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا غُنْدَرٌ، عن شعبةَ، عن خالدٍ الحذاءِ، عن ابن سيرينَ: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾، قال: يهوديًّا (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا بَدَلُ بنُ المُحبَّرِ، قال: ثنا شعبةُ، عن خالدٍ الحذَّاءِ، عن ابن سِيرينَ مثلَه (^٤).\nوقيل: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾، بمعنى: ثم يَرْمِ بالإثمِ الذي أتى هذا الخائنُ مَن هو برئٌ مما رمَاه به، فالهاءُ في قولِه ﴿بِهِ﴾ عائدةٌ على الإثمِ، ولو جُعِلت كنايةٌ مِن ذكرِ الإثمِ والخَطيئةِ كان جائزًا؛ لأن الأفعالَ وإن اختلَفت العباراتُ عنها فراجعةٌ إلى\n_________\n(^١) بعده في م: \"يعنى بالذي تعمده بريئا\".\n(^٢) في م: \"يصف\".\n(^٣) في ص، ت ١ ت ٢، س: \"ما له\". وبعده في الأصل: \"من أتى\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٦٣ (٥٩٥٢) من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٠ إلى ابن المنذر.","vol":"7","page":478},{"text":"معنى واحدٍ بأنها فعلٌ.\nوأما قولُه: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. فإن معناه: فقد تَحمَّل هذا الذي رمَى بما أتى مِن المعصيةِ، وركِب مِن الإثمِ والخطيئةِ مَن هو برئٌ مما رماه به مِن ذلك ﴿بُهْتَانًا﴾ - وهو الفِرْيةُ والكَذِبُ - ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، يَعْنى: وِزرًا (^١) مبينًا، يعنى أنه يُبِينُ عن أمرِ مُتَحمِّله (^٢) وجُرأتِه على ربِّه، وتَقَدُّمِه على خلافِه فيما نهاه عنه لمن يَعْرِفُ أمرَه.\n\n<span id=\"aya-606\"></span><span data-type='title' id=toc-2213>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ، ﵀: يَعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾. ولولا أن الله تَفَضَّل عليك يا محمدُ فعصَمك بتوفيقِه وتِبيانِه لك أمرَ هذا الخائنِ، فكَفَفْتَ لذلك عن الجدالِ عنه، ومدافعةِ أهلِ الحقِّ عن حقِّهم قِبَلَه، ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾. يَقُولُ: لهمَّت فرقةٌ منهم، يَعْنى: مِن هؤلاءِ الذين يَخْتَانُون أنفسَهم ﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾. يَقُولُ: يُزِلُّوك عن طريقِ الحقِّ، وذلك لتلبِيسِهم أمرَ الخائنِ عليه ﷺ، وشَهادتِهم للخائنِ عندَه بأنه برئٌ مما ادُّعِى عليه، ومسألتِهم إياه أن يَعْذِرَه، ويَقُومَ بمعذِرتِه في أصحابِه، فقال اللهُ ﵎: وما يُضِلُّ هؤلاء الذين همُّوا بأن يُضِلوك عن الواجبِ مِن الحكمِ في أمرِ هذا الخائنِ درعَ جارِه، إلا أنفسَهم.\n_________\n(^١) في الأصل: \"زورا\".\n(^٢) في م: \"عمله\".","vol":"7","page":479},{"text":"فإن قال قائلٌ: وما كان وجهُ إضلالِهم أنفسَهم؟ قيل: وجهُ إضلالِهم أنفسَهم: أخذُهم بها في غيرِ ما أباح اللهُ لهم الأخذَ بها فيه مِن سُبُلِه، وذلك أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قد كان تَقَدَّم إليهم فيما تَقَدَّم في كتابِه على لسانِ رسولِه ﷺ إلى خلقِه، بالنهى عن التعاونِ على الإثمِ والعُدْوانِ، والأمرِ بالتعاونِ على الحقِّ، فكان مِن الواجبِ للهِ على من سعَى في أمرِ الخائنين الذين وصَف اللهُ أمرَهم بقولِه: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾، معاونةُ مَن ظلَموه دونَ مَن خاصَمهم إلى رسولِ اللهِ ﷺ في طلبِ حقِّه منهم، فكان سعيُهم في معونتِهم دونَ معونةِ مَن في ظلَموه، أخذًا منهم في غيرِ سبيلِ اللهِ، وذلك هو إضلالهُم أنفسَهم، الذي وصَفه اللهُ فقال: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: وما يَضُرُّك هؤلاء الذين همُّوا بك أن يُزِلُّوك عن الحقِّ في أمرِ هذا الخائنِ مِن قومِه وعشيرتِه مِن شيءٍ؛ لأن الله مُثَبِّتُك ومسدِّدُك في أمورِك، ومبينٌ لك أمرَ مَن سعَوا في إضلالِك عن الحقِّ في أمرِه وأمرِهم، ففاضِحُه وإياهم.\nوقولُه: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. يَقُولُ: ومِن فضلِ اللهِ عليك يا محمدُ مع سائرِ ما تَفَضَّل به عليك مِن نعمِه، أنه أنزَل عليك أيضًا الكتابَ، وهو القرآنُ الذي فيه تِبيانُ كلِّ شيءٍ وهدًى وموعظةٌ، و﴿وَالْحِكْمَةَ﴾، يَعْنى: وأنزل عليك مع الكتابِ الحكمةَ، وهى بيانُ ما كان في الكتابِ مجملًا ذكرُه، مِن حلالِه وحرامِه، وأمرِه ونهيِه وأحكامِه، ووعدِه ووعيدِه، ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ مِن خبرِ الأوَّلين والآخرين، وما كان وما هو كائنٌ (^١)، فكل ذلك مِن فضلِ اللهِ عليك.\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"قبل\".","vol":"7","page":480},{"text":"[وقولُه: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. يقولُ: ولم يَزَلْ فضلُ اللَّهِ عليك] (^١) يا محمدُ مذ خلَقك، عظيمًا فاشْكُرْه على ما أوْلاك مِن إحسانِه إليك بالتمسُّكِ بطاعتِه، والمسارعةِ إلى رضاه ومحبتِه، ولزومِ العملِ بما أنْزَل إليك في كتابِه وحكمتِه، ومخالفةِ مَن حاول إضلالَك عن طريقِه ومنهاجِ دينِه، فإن اللَّهَ هو الذي يَتَولّاك بفضلِه ويَكْفِيك غائلةَ مَن أرادَك بسوءٍ وحاوَل صدَّك عن سبيلِه، كما كفاك أمرَ الطائفةِ التي همَّت أن تُضِلُّك عن سبيلِه في أمرِ هذا الخائنِ، ولا أحدَ مِن دونِه يُنْقِذُك مِن سوءٍ إن أراد بك، إن أنت خالَفتَه في شيءٍ مِن أمره ونهيِه، واتَّبَعْت هوَى مَن حاوَل صدَّك عن سبيلِه.\nوهذه الآيةُ تَنْبِيهٌ مِن اللهِ ﷿ نبيَّه محمدًا ﷺ على موضعِ خَطئِه (^٢)، وتذكيرٌ منه له الواجبَ عليه مِن حقِّه.\n\n<span id=\"aya-607\"></span><span data-type='title' id=toc-2214>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾. لا خيرَ في كثيرٍ مِن نجوى الناسِ جميعًا، ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾. والمعروفُ: هو كلُّ ما أمَر اللهُ به أو ندَب إليه مِن أعمالِ البرِّ والخيرِ، ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾: وهو الإصلاحُ بينَ المتبايِنَيْن أو المختصمَيْن بما أباح اللَّهُ الإصلاحَ بينَهما ليَتَراجَعا إلى ما فيه الأُلْفَةُ واجتماعُ الكلمةِ على ما أذِن اللهُ وأمَر به.\nثم أخبَر جلَّ ثناؤُه بما وعَد مَن فعَل ذلك، فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٢) في الأصل، م: \"حظه\".","vol":"7","page":481},{"text":"مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. يَقُولُ: ومَن يَأْمُرْ بصدقةٍ أو معروفٍ مِن الأمرِ (^١)، أو يُصْلِحْ بينَ الناسِ ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾، يَعْنى: طلبَ رَضا اللَّهِ بفعلِه ذلك، ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. يَقُولُ: فسوف نُعْطِيه جزاءً لما فعل مِن ذلك أجْرًا (^٢) عظيمًا، ولا حدَّ لمبلغِ ما سمَّى اللهُ عظيمًا يَعْلَمُه سواه (^٣).\nواختلَف أهلُ العربيةِ في مَعْنَى قولِه: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معنى ذلك: لا خيرَ في كثيرٍ من نجواهم إلا في نجوى مَن أمَر بصدقةٍ، كأنه عطَف بـ\"مَن\" على \"الهاءِ والميمِ\" التي في ﴿نَجْوَاهُمْ﴾. وذلك خطأٌ عندَ أهلِ العربيةِ؛ لأن \"إلا\" لا تُعْطَفُ على \"الهاءِ والميمِ\" في مثلِ هذا الموضعِ مِن أجلِ أنه لم يَنَلْه الجحدُ.\nوقال بعضُ نحوييِّ الكوفةِ: قد تَكُونُ \"من\" (^٤) في موضعِ خفضٍ ونصبٍ. أما الخفضُ فعلى قولِك: لا خيرَ في كثيرٍ مِن نجواهم إلا فيمن أمَر بصدقةٍ. فتَكُونُ النَّجْوى على هذا التأويلِ: هم الرجالُ المناجُون، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]. وكما قال ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧]. وأما النصبُ، فعلى أن تَجْعَل النجوى فعلًا (^٥) فيَكُونَ نصبًا؛ لأنه حينَئذٍ يَكُونُ (^٦) استثناءً منقطعًا؛ لأن (^٧) \"مَن\" خلافُ \"النجوى\"، فيَكُونُ\n_________\n(^١) في الأصل: \"الأمراء\".\n(^٢) سقط من: الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢.\n(^٣) في الأصل: \"سواء\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٥) يقصد بـ \"فعلًا\" مصدرًا، يعني مناجاتهم.\n(^٦) في الأصل: \"قد يكون\".\n(^٧) في الأصل: \"لا\"، وفى م: \"لأنه\".","vol":"7","page":482},{"text":"ذلك نظيرَ قولِ الشاعرِ (^١).\n… ... … ... … ... … وَما بالرَّبْعِ مِن أحدِ\nإلا أَوَارِيَّ لأْيًا ما أُبَيِّنُها … ..................\nوقد يَحْتَمِلُ [\"مَن\" على] (^٢) هذا التأويلِ أن يَكُونَ رفعًا، كما قال الشاعرُ (^٣):\nوبلدةٍ ليس بها أَنِيسُ … إلا اليَعافيرُ وإلا العِيسُ (^٤)\nقال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ في ذلك أن تَجْعَلَ \"مَن\" في موضعِ خفضٍ بالردِّ على النَّجْوى، وتكُونُ النَّجْوَى بمعنى جمع المُتناجِين، خرج مَخرجَ السَّكْرَى والجَرْحَى والمَرْضَى، وذلك أن ذلك أظهرُ معانيه، فيَكُونُ تأويلُ الكلامِ: لا خيرَ في كثيرٍ من المتناجِين يا محمدُ [مِن الناسِ] (^٥)، إلا في من أمَر بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بينَ الناسِ، فإن أولئك فيهم الخيرُ.\n\n<span id=\"aya-608\"></span><span data-type='title' id=toc-2215>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾. ومَن يُبايِنِ الرسولَ محمدًا ﷺ المعاديًا له، فيُفارِقْه على العداوةِ له، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾. يَعْنى: مِن بعدِ ما تَبَيَّن له أنه رسولُ اللهِ، وأنَّ ما\n_________\n(^١) هو النابغة الذبيانى، والبيتان تقدما بتمامهما في ١/ ١٨٣، ١٨٤.\n(^٢) سقط من: الأصل، ص، ت ٢.\n(^٣) هو جران العود النميرى، والبيت في ديوانه ص ٥٢، والكتاب ٢/ ٣٢٢، ومعاني القرآن ١/ ٢٨٨، والخزانة ٤/ ١٢١.\n(^٤) اليَعْفور واليُعْفور: الظبى الذي لونه كلون العَفَر وهو التراب. وقيل هو الظبى عامة. والعِيس: الإبل تضرب إلى الصفرة. اللسان (ع ف ر، ع ى س).\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.","vol":"7","page":483},{"text":"جاء به مِن عندِ اللهِ يَهْدِى إلى الحقِّ وإلى طريقٍ مستقيمٍ، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يَقُولُ: ويَتَّبِعْ طريقًا غيرَ طريقِ أهلِ التصديقِ، ويَسْلُكْ منهاجًا غيَر منهاجِهِم، وذلك هو الكفرُ باللهِ؛ لأن الكفرَ باللهِ وبرسولِه غيُر سبيلِ المؤمنين وغيرُ منهاجِهم، ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾. يَقُولُ: نَجْعَلْ ناصرَه ما استَنْصَرَه واستَعَان به مِن الأوثانِ والأصنامِ، وهى لا تُغْنيه ولا تَدْفَعُ عنه مِن عذابِ اللَّهِ شيئًا، ولا تَنْفَعُه.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾. قال: مِن [آلهةِ الباطلِ] (^١) (^٢).\nحدَّثني المثنى (^٣)، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢).\n﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾. يَقُولُ: ونَجْعَلْه يصْلَى نارَ جهنمَ، يَعْنى: نُحْرِقُه بها.\nوقد بينَّا معنى الصَّلاءِ فيما مضَى (^٤)، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ، ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. يَقُولُ: وساءت جهنَّمُ مَصيرًا: موضعًا يَصيرُ إليه مَن صار إليه، ونزَلت هذه الآيةُ في الخائِنين الذين ذكَرهم اللهُ في قولِه: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ لما أبَى التوبةَ مَن أبى منهم، وهو طُعْمَةُ بنُ الأُبَيْرقِ، ولِحق بالمشركين مِن عبدةِ الأوثانِ بمكةَ مرتدًّا مفارِقًا لرسولِ اللهِ ﷺ ودينِه.\n\n<span id=\"aya-609\"></span><span data-type='title' id=toc-2216>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) في الأصل: \"من الأئمة الأباطيل\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٩٢. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٦٦ (٥٩٦٨) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٣) في م: \"ابن المثنى\".\n(^٤) تقدم في ٦/ ٤٥٥ ـ","vol":"7","page":484},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إِن اللَّهَ لا يَغْفِرُ لِطُعْمَةَ إِذ أَشْرَك ومات على شركِه باللهِ ولا لغيرِه مِن خلقِه شرْكَهم وكفْرَهم به، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. يَقُولُ: ويَغْفِرُ ما دونَ الشركِ باللهِ مِن الذنوبِ لمن يَشاءُ، يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: أن طُعْمَةً لولا أنه أشْرَك باللهِ ومات على شركِه لكان في مشيئةِ اللهِ على ما سلَف مِن خيانتِه ومعصيتِه، وكان إلى اللهِ أمرُه في عذابِه والعفوِ عنه - وكذلك حكمُ كلِّ (^١) مَن اجْتَرَم جُرْمًا، فإلى اللهِ أمرُه، إلا أن يَكُونَ جُرْمُه شركًا باللهِ وكفرًا، فإنه (^٢) ممن حَتْمٌ عليه أنه مِن أهلِ النارِ إذا مات على شركِه - [فأما إذا (^٣) مات] (^٤) مات على شركِه، فقد حرَّم اللهُ عليه الجنةَ، ومأواه النارُ.\nوقال السُّديُّ في ذلك بما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. يَقُولُ: مَن يَجْتَنِبُ الكبائرَ مِن المسلمين.\nوأما قولُه: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. فإنه يَعْنى: ومَن يَجْعَلْ للَّهِ في عبادتِه شريكًا، فقد ذهَب عن طريقِ الحقِّ، وزال عن قصدِ السبيلِ ذهابًا بعيدًا وزوالًا شديدًا، وذلك أنه بإشراكِه باللهِ في عبادتِه قد أطاع الشيطانَ وسلَك طريقه، وترَك طاعةَ اللهِ ومنهاجَ دينِه، فذاك هو الضلالُ البعيدُ والخُسرانُ المبينُ.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) بعده في الأصل: \"أجرم\".\n(^٣) في الأصل: \"إذ\".\n(^٤) في م: \"فإذا\".","vol":"7","page":485},{"text":"<span id=\"aya-610\"></span><span data-type='title' id=toc-2218>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إن يَدْعُون مِن دونِه إلا اللاتَ والعُزَّى ومناةَ، فسمّاهنّ اللهُ إناثًا بتسميةِ المشركين [إياهم بأسماءِ] (^١) الإناثِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2217>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾. قال: اللاتَ والعزَّى ومناةَ، كلُّها مؤنثٌ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن حُصَينٍ، عن أبى مالكٍ بنحوِه، إلا أنه قال: كلُّهن (^٣) مؤنثٌ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾. يَقُولُ: يُسَمُّونَهم إناثًا؛ لاتَ ومناةَ وعُزَّى (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾. قال: آلهتُهم: اللاتُ والعُزَّى ويَسافُ (^٥)\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، س: \"إياهن بتسمية\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٦٧ عقب أثر (٥٩٧٣) معلقًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٢ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر.\n(^٣) في الأصل: \"كله\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٦٧ عقب الأثر (٥٩٧٣) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٣ إلى المصنف.\n(^٥) في الأصل: \"مناة\".","vol":"7","page":486},{"text":"ونائلةُ، هم إناتٌ يَدْعُونهم مِن دونِ اللهِ، وقَرَأَ: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾.\nوقال آخرون: معنى ذلك: إن يَدْعُون مِن دونِه إلا مَواتًا لا رُوح فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2219>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾. يَقُولُ: مَيْتًا (^١).\nحدَّثني بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ: قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾: أي إلا مَيْتًا لا رُوح (^٢) فيه (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا مباركُ بنُ فَضالةَ، عن الحسنِ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾. قال: والإناتُ: كلُّ شيءٍ ميتٌ ليس فيه روحٌ: خشبةٌ يابسةٌ أو حجرٌ يابسٌ، قال اللهُ تعالى ذِكرُه: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾، إلى قولِه: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ (^٤).\nوقال آخرون: عُنِى بذلك: أن المشركين كانوا يَقُولون: الملائكةُ بناتُ اللهِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٦٧ (٥٩٧١) من طريق الضحاك عن ابن عباس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٣ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، س: \"أرواح\".\n(^٣) في الأصل، ص: \"فيها\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٩٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٦٧ (٥٩٧٢) من طريق مبارك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"7","page":487},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2220>[ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾. قال: الملائكةُ، يَزْعُمون أَنَّهم بناتُ اللهِ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: أن أهلَ (^٢) الأوثانِ كانوا يُسَمُّون أوثانَهم إناثًا، فأنزَل اللهُ ذلك كذلك] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2221>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن نوحِ بن قيسٍ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ قال: كان لكلِّ حيٍّ مِن أحياءِ العربِ صنمٌ يُسَمُّونها أنثى [بنى فلانٍ] (^٤)، فأنزَل اللهُ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا نوحُ بنُ قيسٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ سيفٍ أبو رجاءٍ الحرانيُّ، قال: سمِعت الحسنَ يَقُولُ: كان لكلِّ حَيٍّ مِن العربِ، فذكَر نحوَه (^٥).\nوقال آخرون: الإناثُ في هذا الموضعِ الأوثانُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٦٧ (٥٩٧٤) من طريق جويبر به بنحوه.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، س.\n(^٤) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٨٨ - تفسير) من طريق نوح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٣ إلى ابن المنذر.","vol":"7","page":488},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2222>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَاثًا﴾ قال: أوثانًا (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامِ بن عُرْوةَ، عن أبيه، قال: كان في مصحفِ عائشةَ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ (^٢).\nوقد رُوِى عن ابن عباسٍ أنه كان يَقْرَؤُها (^٣): (إن يَدْعُون مِن دونِه إلا أُثُنًا (^٤». بمعنى جمعِ وَثَنٍ، فكأنه جمَع وَثَنًا وُثْنًا (^٥)، ثم قَلب الواوَ همزةً مَضْمومةً، كما قيل: ما أحسَنَ هذه الأُجُوهَ. بمعنى \"الوُجوه\"، وكما قيل: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] بمعنى: وُقِّتت.\nوذكِر عن بعضِهم أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (إن يَدْعُون مِن دونِه إلا أُنُثًا). كأنه أراد جمعَ الإناثِ، فجمَعها أُنُثًا، كما تُجمَعُ الثمارُ \"ثُمُرا\" (^٦).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٩٢. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٦٧ عقب أثر (٥٩٧٣) معلقًا.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٧٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٦٧ (٥٩٧٣) من طريق هشام به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٣ إلى ابن الأنبارى في المصاحف وابن المنذر.\n(^٣) في الأصل: \"يقول\".\n(^٤) في الأصل: \"أوثانا\". وهذه إحدى قراءتين عن ابن عباس في هذا الحرف. ورويت عن ابن عباس وابن عمر وعطاء: (إلا أنثا)، يريدون (وثنا)، فأبدل الهمزة واوا، وخرج على أنه جمع إذ أصله وثن. والصواب إلا (أثنا) وهى قراءة شاذة … إلخ. وروى عنه ﵁ أيضا أنه قرأها (إلا أنثا) كقولهم ثمار وثُمُر. البحر المحيط ٣/ ٣٥٢.\n(^٥) في الأصل، س: \"أثنا\". وانظر البحر المحيط ٣/ ٣٥٢.\n(^٦) معاني القرآن ١/ ٢٨٨، ٢٨٩، وهى قراءة ابن عباس وأبى حيوة والحسن وعطاء وأبى العالية وأبى نهيك ومعاذ القارئ. وانظر البحر المحيط ٣/ ٣٥٢.","vol":"7","page":489},{"text":"والقراءةُ التي لا أستجيزُ القراءةَ بغيرِها قراءةَ مَن قرَأ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾. بمعنى جمع الأُنثى؛ لأنها كذلك في مصاحفِ المسلمين، ولإجماعِ الحجةِ على قراءةِ ذلك كذلك.\nوأولى التأويلاتِ التي ذُكِرت بتأويلِ ذلك - إذ كان الصوابُ عندَنا مِن القراءةِ ما وصَفْتُ - تأويلُ مَن قال: عنِى بذلك الآلهةُ التي كان مشرِكو العربِ يَعْبُدونها مِن دونِ اللهِ، ويُسَمُّونها بالإناثِ مِن الأسماءِ، كاللاتِ والعزَّى ونائلةَ ومناةَ، وما أشبَه ذلك.\nوإنما قلنا ذلك أولى بتأويلِ الآية؛ لأن الأظهرَ مِن معاني الإناثِ في كلامِ العربِ ما عُرَّف بالتأنيثِ دونَ غيره، فإذ كان ذلك كذلك، فالواجبُ توجيهُ تأويلِه إلى الأَشْهرِ مِن معانيه، وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: ومَن يُشَاقِقِ الرسولَ مِن بعدِ ما تَبَيَّن له الهدى، [ويَتَّبِعْ غيرَ سبيلِ المؤمنين] (^١)، نُوَلِّه ما تولَّى ونُصْلِه جهنمَ وساءَت مصيًرا، ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، يَقولُ: ما يَدْعُو الذين يُشَاقُّون الرسولَ ويَتَّبِعون غيرَ سبيلِ المؤمنين شيئًا مِن دونِ اللهِ بعدَ اللهِ وسواه (^٢) ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾، يَعْنى: إلا ما سمَّوه بأسماءِ الإناثِ، كاللاتِ والعزَّى وما أشبَه ذلك، يَقُولُ جلَّ ثناؤُه: فحسِب هؤلاء الذين أشرَكوا باللهِ وعبَدوا ما عبَدوا مِن دونِه مِن الأوثانِ والأندادِ - حجةً عليهم في ضلالتِهم وكفرِهم وذهابِهم عن قصدِ السبيلِ - أنهم يَعْبُدُون إناثًا ويَدْعُونها آلهةً وأربابًا. والإناتُ مِن كلِّ شيءٍ أخسُّه (^٣). فهم يُقِرُّون للخسيسِ مِن الأشياءِ بالعبوديةِ على علمٍ منهم بخساستِه، ويَمْتَنِعون مِن\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في الأصل: \"رسوله\".\n(^٣) في الأصل: \"أخشنه\".","vol":"7","page":490},{"text":"إخلاصِ العبوديةِ للذى له مُلْكُ كلِّ شيءٍ، وبيدِه الخلقُ والأمرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2223>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾. وما يَدْعُو هؤلاء الذين يَدْعُون هذه الأوثانَ الإناثَ مِن دونِ اللَّهِ بدعائِهم إياها إلا شيطانًا مريدًا، يَعْنى متمرِّدًا على اللهِ جل ثناؤه في خلافِه فيما أمرَه به، وفيما نهاه عنه.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾. قال: تمرَّد على معاصى اللهِ (^١).\n\n<span id=\"aya-611\"></span><span data-type='title' id=toc-2224>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾. أخْزاه وأقْصاه وأبعَده.\nومعنى الكلامِ: وإن يَدْعُون إلا شيطانًا مريدًا قد لعَنه اللهُ، وأبعَده مِن كلِّ خيرٍ.\nوقال: ﴿لأَتَّخِذَنَّ﴾. يَعْنى بذلك أن الشيطانَ المريدَ قال (^٢) لربِّه إذ لعَنه: ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. يعنى بالمفروضِ: المعلومَ.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن جويبرٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٦٨ (٥٩٧٧) من طريق يزيد به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"كان\".","vol":"7","page":491},{"text":"الضحاكِ: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. قال: معلومًا (^١).\nفإن قال لنا قائلٌ: وكيف يَتَّخِذُ الشيطانُ مِن عبادِ اللهِ نصيبًا مفروضًا؟ قيل: يَتَّخِذُ منهم ذلك النصيبَ بإغوائِه إياهم عن قصدِ السبيلِ، ودعائِه إياهم إلى طاعتِه، وتَزْيينِه لهم الضلالَ والكفرَ، حتى يُزِيلَهم عن منهجِ الطريقِ، فمن أجاب دعاءَه واتَّبع ما زيَّنه له، فهو مِن نصيبِه المعلومِ وحظِّه المقسومِ، وإنما أخبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه في هذه الآيةِ بما أخبَر عن الشيطانِ مِن قبلِه: ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ ليَعْلَمَ الذين شاقُّوا الرسولَ من بعدِ ما تَبَيَّن لهم الهدى أنهم مِن نصيبِ الشيطانِ - الذي لعَنه اللهُ - المفروضِ، وأنه ممن صدَّق عليهم ظنَّه. وقد دللَّنا على معنى اللعنةِ فيما مضَى (^٢)، فكرِهنا إعادتَه.\n\n<span id=\"aya-612\"></span><span data-type='title' id=toc-2225>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يَعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه مخبِرًا عن قِيلِ الشيطانِ المَريدِ، الذي وصَف صفتَه في هذه الآيةِ: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾. ولأَصُدَّنُّ (^٣) النصيبَ المفروضَ الذي أتَّخِذُه مِن عبادِك (^٤) عن مَحَجَّةِ الهدى إلى الضلالِ، ومِن الإسلامِ إلى الكفرِ، ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾، يَقُولُ: لأَزِيغَنَّهم بما أَجْعَلُ في نفوسِهم مِن الأمانيِّ عن طاعتِك وتوحيدِك إلى طاعتى، والشركِ بك، ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾، يَقُولُ: ولآمُرَنَّ النصيبَ المفروضَ لى مِن عبادِك\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٣ إلى المصنف.\n(^٢) تقدم في ٢/ ٢٣١، ٢٣٢، ٧٣٢، ٧٣٣.\n(^٣) في الأصل: \"لأصدق\"، وفى ص: \"لآخذن\".\n(^٤) في الأصل، ت ١: \"عباده\".","vol":"7","page":492},{"text":"بعبادةِ غيرِك مِن الأوثانِ والأندادِ، حتى يَنْسُكوا له ويُحَرِّموا ويُحَلِّلُوا له، ويَشْرَعوا غيَر الدينِ (^١) الذي شَرَعتَه لهم فيَتَّبِعونى ويُخالِفوك.\nوالبَتْكُ (^٢): القَطْعُ، وهو في هذا الموضعِ: قطعُ أُذُنِ البَحِيرةِ (^٣) ليُعلمَ أنها بَحيرةٌ، وإنما أراد بذلك الخبيثُ: أنه يَدْعوهم إلى البَحيرَةِ، فيَسْتَجيبون له، ويَعْمَلُون بها طاعةً له.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2226>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾. قال: البَتْكُ في البَحِيرةِ والسائبةِ (^٤)، كانوا يُبَتِّكون آذانَها لطَواغِيتِهم (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾: أما يُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنعامِ: فيَشُقُّونها فيَجْعَلونها بَحِيرةً (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال:\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، س: \"التبتيك\".\n(^٣) البحيرة: الناقة كانت في الجاهلية إذا ولدت خمسة أبطن شقوا أذنها، وأعفوها أن ينتفع بها، ولم يمنعوها من مرعى ولا ماء. اللسان (ب ح ر).\n(^٤) السائبة: الناقة في الجاهلية كانت تسيب لنذر ونحوه، فلا ينتفع بظهرها ولا تركب، ولا تمنع من كلأ ولا ماء. اللسان (س ى ب).\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٦٩ (٥٩٨٣) من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"7","page":493},{"text":"أخبَرنى القاسمُ بنُ أبى بَزَّةَ، عن عِكرمةَ: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾، قال: دينٌ شرَعه لهم إبليسُ كهيئةِ البحائرِ والسُّيَّبِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-2228>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ولآمُرَنَّهم فليُغَيرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ مِن البهائمِ بخِصائِهم (^٢) إياها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2227>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عمارِ بن أبى، عمارٍ، عن ابن عباسٍ، أنه كرِه الإخصاءَ وقال: فيه نزَلت: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أنسٍ، أنه كرِه الإخصاءَ، وقال: فيه نزَلت: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي جعفرٍ الرزايِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: هو الإخصاءُ، يَعْنى قولَ اللهِ: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"السوائب\"، وهما بمعنى، والواحدة سائبة، والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٦٩ (٥٩٨٢) من طريق ابن جريج به.\n(^٢) في م: \"بإخصائهم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٦٩ (٥٩٨٤) من طريق حماد به بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٢٢٦ عن وكيع به، وعبد الرزاق في مصنفه (٨٤٤٤) عن أبي جعفر الرازى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"7","page":494},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن (^١) فُضيل، عن مُطَرِّفٍ، قال: ثنى رجلٌ، عن ابن عباسٍ، قال: إخصاءُ البهائمِ مُثلةٌ. ثم قرَأ: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: مِن تغييرِ خلقِ اللهِ الخِصاءُ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا جعفرُ بنُ سليمانَ، قال: أخبَرنى شُبَيلٌ (^٤)، أنه سمِع شهرَ بنَ حَوْشَبٍ قرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال: الخصِاءُ. قال: فأمَرتُ أبا التَّياحِ، فسأل الحسنَ عن خِصاءِ الغنمِ، فقال: لا بأسَ به (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: ثنا عمى وهبُ بنُ نافعٍ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، قال: أمَرنى مجاهدٌ أن أسْألَ عكرمةَ عن قولِه: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. فَسَأَلته، فقال: هو الخِصاءُ (^٦).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنى أبى، عن عبدِ الجبارِ بن وَرْدٍ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، قال: قال لى مجاهدٌ، سَلْ عنها عكرمةَ: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، فسأَلتُه، فَقال: الإخصاءُ. قال مجاهدٌ: ما له لعنه اللهُ! فواللهِ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٢٢٧ عن ابن فضيل به.\n(^٣) في ص، م: \"الإخصاء\". والأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٣.\n(^٤) في الأصل، م: \"شبل\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٣٧٣.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٣، وفى مصنفه (٨٤٤٨)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٣، وفى مصنفه (٨٤٤٥).","vol":"7","page":495},{"text":"لقد علِم أنه غيرُ الإخصاءِ، ثم قال لي: سَلْه. فسألتُه، فقال عكرمةُ: ألم تَسْمَعْ إلى قولِ اللهِ ﵎: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾؟ [الروم: ٣٠] قال: لدينِ اللهِ. فحدَّثت به مجاهدًا فقال: ما له أخزاه اللهُ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن لَيْثٍ، قال: قال عكرمةُ: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال: الإخصاءُ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هارونُ النَّحْويُّ، قال: ثنا مطرٌ الورّاقُ، قال: سئل عكرمةُ عن قولِه: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال: هو الإخصاءُ.\nحدَّثنا ابن وكيعِ قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ (^٢)، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن أبي صالحٍ، قال: الإخصاءُ (^٣).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: سمِعت أنسَ بنَ مالكٍ يَقُولُ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال: منه الحصاءُ (^٤).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن عمارِ بن أبى عمارٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٩٠ - تفسير) من طريق حميد الأعرج عن عكرمة به.\n(^٢) في الأصل: \"بيان\". وانظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٥٥، ٥٦.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٢٢٧ عن ابن يمان به.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٤٩٤ حاشية (٤).\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ٤٩٤ حاشية (٣).","vol":"7","page":496},{"text":"حدَّثنا عمرو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبى، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، أنه كرِه الإخصاءَ. قال: وفيه نزَلت: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (^٢).\n[حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا سفيانُ في قوله: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال: هو الِخصاءُ] (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ولآمُرَنَّهم فليغَيِّرُنَّ دينَ اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2229>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾: قال: دينَ اللهِ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ وأبو أحمدَ، قالا: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال: دينَ اللهِ (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٩٢، والبيهقى ١٠/ ٢٤ من طريق حماد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٢٢٧ من طريق أبى مسكين عن عكرمة به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٦٩ عقب الأثر (٥٩٨٤) معلقًا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٦٩ (٥٩٨٥) من طريق آخر عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) تفسير الثورى ص ٩٧ (٢٢٥)، وتفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"7","page":497},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى قيسُ بنُ مسلمٍ، عن إبراهيمَ مثلَه (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، عن سفيانَ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن إبراهيمَ مثلَه (^١).\n[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ مثلَه (^١).\n[حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى ومِسْعَرٌ، عن سفيانَ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن إبراهيمَ مثلَه] (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: [أخبرنا وهبٌ] (^٣)، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةً، قال: أخبَرت مجاهدًا بقولِ عكرمةَ في قولِه: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، [فقال: أخطَأ، ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾: دينَ اللَّهِ] (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هارونُ النحويُّ، قال: ثنا مطرٌ الوراقُ، قال: ذكَرت المجاهدٍ قولَ عكرمةَ في قولِه: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. فقال: كذَب العبدُ، ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال: دينَ اللهِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٩٣، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٨٩ - تفسير) والبيهقى ١٠/ ٢٥ من طرق عن مغيرة به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حدثنا عمى\". ووهب هو وهب بن نافع عم عبد الرزاق.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قال دين الله\". والأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٣. وأخرجه أيضًا في مصنفه (٨٤٤٥).","vol":"7","page":498},{"text":"حدثنا ابن وكيعٍ وعمرُو بنُ عليٍّ، قالا: ثنا أبو معاوية، عن ابن جريجٍ، عن القاسم بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ وعكرمة، قالا: دين الله.\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربيُّ وحفصٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: دينَ اللهِ، ثم قرأ: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (^١) [يوسف: ٤٠].\nحدَّثنا محمد بن عمرٍو وعمرُو بنُ عليٍّ، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال: الفطرةُ دينُ اللهِ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال: الفطرةُ الدينُ.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: أخبرني عبد الله بن كثيرٍ، أنه سمع مجاهدًا يَقُولُ: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال: دينُ اللهِ.\nحدثنا بشر بن معاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. أي: دينَ اللهِ. في قول الحسن وقتادة (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال: دين الله (^٤).\n_________\n(^١) تفسير سفيان الثورى ص ٩٧ (٢٢٦) عن ليث به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وآدم بن أبى إياس.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٩٣، والبيهقى ١٠/ ٢٥ من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٦٩ عقب أثر (٥٩٨٥) معلقًا.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٣.","vol":"7","page":499},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بن عبد الملك، عن عثمان بن الأسود، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ في قوله: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال: دينَ اللهِ.\nحدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال: أما خلق الله فدينُ الله (^١).\nحُدِّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعت الضحاكَ يَقُولُ في قوله: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال: دين الله، وهو قولُ اللهِ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]. يَقُولُ: لدينِ اللهِ (^٢).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سمعت ابن زيدٍ يَقُولُ في قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال: دين الله. وقرأ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. قال: لدينِ اللهِ.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا قيس بن مسلمٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، قال: دين الله (^٣).\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا معاذ بن معاذٍ، قال: ثنا عمرانُ بنُ حُدَيرٍ، عن عيسى بن هلالٍ، قال: كتب كثيرٌ مولى ابن سَمُرةَ إلى الضحاك بن مزاحمٍ يَسْأَله عن قوله:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٦٩ عقب أثر (٥٩٨٥) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٦٩ عقب أثر (٥٩٨٥) معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٤ إلى المصنف.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٤٩٧.","vol":"7","page":500},{"text":"﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. فكتب أنه دين الله.\nوقال آخرون: معنى ذلك: ولآمُرنَّهم فليُغَيِّرُنَّ خلق الله بالوَشْم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2230>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبد الرحمن بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمة، عن يونس، عن الحسن في قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال: الوَشْمُ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [يزيد، عن نوح بن قيسٍ] (^٢)، عن خالد بن قيسٍ، عن الحسنِ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال: الوَشْمُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني هُشَيمٌ، قال: أخبرنا يونس بن عبيدٍ أو غيره، عن الحسنِ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال: الوَشْمُ.\nحدَّثنا أحمد بن حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا أبو هلال الراسبيُّ، قال: سأل رجلٌ الحسنَ: ما تقول في امرأةٍ قَشرت وجهَها (^٣)؟ قال: ما لها لعنها الله، غيَّرت خلق اللهِ!\nحدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: لعن الله المُتَفَلِّجات والمُتَنمِّصات والمُتوشِّماتِ (^٤) المُغيِّراتِ خَلْقَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٠ (٥٩٨٦) من طريق حماد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"يزيد بن نوح عن قيس\". وانظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٥٣.\n(^٣) قشرت وجهها: أي عالجته بالغُمْرة - قيل الزعفران، وقيل غير ذلك - ليصفوا لونها. النهاية ٤/ ٦٤.\n(^٤) في م: \"المستوشمات\". والوشم: أن يغرز الجلد بإبرة، ثم يحشى بكحل أو نيل، فيزرق أثره أو يخضر. والنمص: نتف شعر الوجه. والفلج: فرجة ما بين الثنايا والرباعيات، والمتفلجات: النساء اللاتي يفعلن ذلك بأسنانهن رغبة في التحسين. النهاية ٣/ ٤٦٨، ٥/ ١١٩، ١٨٩.","vol":"7","page":501},{"text":"الله (^١).\nحدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللهِ، قال: لعن اللهُ الواشراتِ (^٢) والمُسْتَوشِماتِ والمتنمِّصات والمُتفلِّجات للحسن، المغيِّرات خلق الله (^٣).\nحدَّثني ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لعن الله المتنمِّصات والمتفلِّجات. قال شعبة: وأحسبُه قال: المغيِّرات خلق الله (^٤).\nقال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قولُ مَن قال: معناه: ولأمُرنَّهم فَلَيغَيِّرُنَّ دينَ اللهِ. وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه، وهى قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]. وإذا كان ذلك معناه دخل في ذلك فعلُ كلِّ ما نهى اللهُ عنه من خصاءِ ما لا يَجُوزُ خِصاؤُه، ووَشْمِ ما نهى عن وشمه ووشره، وغير ذلك من المعاصى، ودخل فيه تَرْكُ كلِّ ما أمر الله جلَّ ثناؤه به؛ لأنَّ الشيطان لا شكَّ أنه يَدْعو إلى جميع معاصى الله، ويَنْهَى عن جميع طاعتِه، فذلك معنى أمره نصيبه المفروض من عباد الله، بتغيير ما خلق اللهُ مِن دينه.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٥١١٥) من طريق أبي معاوية، لكن بلفظ: \"لعن رسول الله\".\n(^٢) الواشرة: المرأة التي تحدد أسنانها وترقق أطرافها. تفعله المرأة الكبيرة تتشبه بالشواب. النهاية ٩/ ١٨٨.\n(^٣) أخرجه البخاري عقب حديث (٥٩٤٤)، ومسلم (٢١٢٥/ ١٢٠) عن محمد بن بشار به، وأخرجه أحمد ٧/ ١٩٧ (٤١٢٩)، والبخارى (٥٩٤٨)، ومسلم (٢١٢٥)، وابن ماجه (١٩٨٩) من طرق عن عبد الرحمن بن مهدي به.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢١٢٥/ ١٢٠) عن ابن المثنى به مرفوعًا.\nوأخرجه أحمد ٧/ ٤٣٤ (٤٤٣٤)، والنسائى (٥٢٦٧) عن محمد بن جعفر عن شعبة به.","vol":"7","page":502},{"text":"فلا معنى لتوجيه من وجَّه قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، إلى أنه وعْدُ الآمر بتغيير بعض ما نهى الله عنه دونَ بعضٍ، أو بعض ما أمر به دونَ بعضٍ. فإن كان الذي وجَّه معنى ذلك إلى الخصاء والوَشْم دونَ غيرِه، إنما فعل ذلك؛ لأن معناه كان عنده أنه عنى تغيير الأجسام، فإنَّ في قوله جلَّ ثناؤه إخبارًا عن قيل الشيطان: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ ما يُنبئ أن معنى ذلك على غير ما ذهب إليه؛ لأن تبتيك آذانِ الأنعام من تغيير خلق الله الذي هو أجسامٌ، وقد مضى الخبرُ عنه أنه وَعْدُ الآمر بتغيير خلقِ اللهِ مِن الأجسام مفسَّرًا، فلا وجهَ لإعادة الخبر عنه به مُجملًا، إذ كان الفصيح من كلام العرب أن يُتَرْجَمَ عن المجمل من الكلام بالمفسَّرِ، وبالخاصِّ عن العامِّ، دونَ الترجمة عن المفسَّرِ بالمجمل، وبالعامِّ عن الخاصِّ. وتوجيه كتاب الله إلى الأفصح من الكلام أولى من توجيهه إلى غيره ما وُجِدَ إليه سبيلٌ.\n\n<span id=\"aya-613\"></span><span data-type='title' id=toc-2231>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وهذا خبرٌ من الله جلَّ ثناؤه عن حال نصيب الشيطانِ المفروض (^١) الذين شاقُّوا الله ورسوله من بعد ما تبيَّن لهم الهدى، يقولُ الله: ومَن يتَّبع الشيطان فيُطِعْه في معصية الله وخلافِ أمره، ويُواله فيَتَّخِذه وليًّا لنفسه ونصيرًا دونَ اللهِ، ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ يَقُولُ: فقد هلك هلاكًا، وبخس نفسه حظَّها فَأَوْبَقَها بَخْسًا مبينًا يبيِّن عن عطَبِه وهلاكه؛ لأن الشيطان لا تملكُ له نصرًا من دونِ اللهِ، إذا عاقبه على معصيته إياه وخلافه أمره، بل يَخْذُلُه عند\n_________\n(^١) بعده في م: \"من\".","vol":"7","page":503},{"text":"حاجته إليه، وإنما حاله معه ما دام حيًّا مُمهَلًا بالعقوبة، كما وصفه الله جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يَعِدُ الشيطان المريدُ أولياءه الذين هم نصيبُه المفروض أن يَكُونَ لهم نصيرًا ممن أرادهم بسوء، وظهيرًا لهم عليه، يمنَعُهم منه، ويدافع عنهم، ويُمنِّيهم الظُّفَرَ على من حاول مكروههم والفَلْجَ (^١) عليهم، ثم قال: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. يَقُولُ: وما يَعِدُ الشيطانُ أولياءه الذين اتَّخَذوه وليًّا مِن دونِ اللهِ إِلا غُرُورًا، يَعْنى: إلا باطلًا، وإنما جعَل عِدَتَه إياهم ما وعدهم غُرورًا؛ لأنهم كانوا يحسبون أنهم في اتخاذهم إياه وليًّا على حقيقةٍ (^٢) من عِداته الكاذبة (^٣) وأمانيه الباطلة، حتى إذا حَصْحَصَ الحقُّ وصاروا إلى الحاجة إليه (^٤)، قال لهم عدوُّ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. وكما قال للمشركين ببدر وقد زيَّن لهم أعمالهم: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾. وحَصْحَصَ الحقُّ وَعَاينَ جِدَّ (^٥) الْأَمْر وَنُزُولَ عَذابِ اللهِ بِحزْبِهِ ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨]. فصارت عِداتُه - عدوَّ اللهِ - إياهم عندَ حاجتهم إليه غُرورًا ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ\n_________\n(^١) الفلج: الظفر والفوز. التاج (ف ل ج).\n(^٢) في م: \"حقيقته\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"الكذب\".\n(^٤) في الأصل: \"إليهم\".\n(^٥) في ص، م: \"حد\".","vol":"7","page":504},{"text":"شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩].\n\n<span id=\"aya-614\"></span><span data-type='title' id=toc-2232>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾. هؤلاء الذين اتَّخَذُوا الشيطان وليًّا مِن دونِ اللهِ ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ يَعْنى: مصيرُهم الذي يصيرون إليه جهنم: ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾. يَقُولُ: لا يَجِدُون عن جهنم - إذا صيَّرهم اللهُ إليها يوم القيامةِ - مَعْدِلًا يَعْدِلون إليه. يُقال منه: حاص فلانٌ عن هذا الأمر يحيصُ حَيْصًا وحُيوصًا: إذا عَدل عنه، ومنه خبر ابن عمر أنه قال: بعَثنا رسولُ الله ﷺ سريةً كنت فيهم، فلقِينا المشركين فحِصْنا حَيْصَةٌ (^١). وقال بعضُهم: فجاصوا جَيْصَةً. والحَيْصُ والجَيْصُ مُتقاربا المعنى.\n\n<span id=\"aya-615\"></span><span data-type='title' id=toc-2233>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يعنى جلّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ والذين صدَّقوا الله ورسوله، وأقروا له بالوحدانية ولرسوله بالنُّبُوَّةِ وعملوا الصالحاتِ، يَقُولُ: وأدَّوا فرائضَ اللهِ التي فرضها عليهم ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ يَقُولُ: سوف نُدْخِلُهم يوم القيامة إذا صاروا إلى الله، جزاءً بما عملوا في الدنيا من الصالحاتِ ﴿جَنَّاتٍ﴾. يَعْنى بساتينَ تَجْرِى مِن تحتها الأنهارُ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ يَقُولُ: باقين في هذه الجناتِ التي\n_________\n(^١) أخرجه الحميدى (٦٨٧)، وأحمد ٩/ ٢٨١ (٥٣٨٤)، والبخارى في الأدب المفرد (٩٧٢)، وأبو داود (٢٦٤٧)، والترمذى (١٧١٦) من طرق عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه به.","vol":"7","page":505},{"text":"وصَفها أبدًا دائمًا، وقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾. يَعْنى: عِدَةٌ مِن الله لهم بذلك في الدنيا \"حقًّا\". يَعْنى: يقينًا صادقًا، لا كعِدَةِ الشيطان الكاذبة التي هي غرورُ مَن وُعِدها من أوليائِه، ولكنها عِدةٌ ممن لا يَكْذِبُ ولا يَكُونُ منه الكذبُ ولا يُخْلِفُ وعدَه.\nوإنما وصَف جلَّ ثناؤُه وعدَه بالصدقِ والحقِّ في هذه، لما سبَق من خبرِه جلَّ ثناؤُه عن قولِ الشيطانِ الذي قصَّه في قولِه: ﴿وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ ثم قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. ولكنَّ الله يَعِدُ الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ أنه سيُدْخِلُهم جناتٍ تجرى من تحتِها الأنهارُ خالدين فيها أبدًا، ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾. لا كوعدِ الشيطان الذي وصف صفتَه، فوصَف تعالى ذِكْرُه صفةَ الوَعْدَين والواعِدَيْن (^١)، وأخبرَ بحكمِ أهلِ كلِّ وعد منهما؛ تَنْبيهًا منه جلَّ ثناؤُه خلقَه على ما فيه مصلحتُهم، وخَلاصُهم من الهلكة والعَطَبِ؛ ليَنْزَجروا عن معصيته ويَعْمَلُوا (^٢) بطاعته، فيَفوزوا بما أعدَّ لهم في جناته من ثوابِه.\nثم قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾. يَقُولُ: ومَن أصدقُ أَيُّها الناسُ مِن اللهِ قِيلًا: أي لا أحدَ أصدقُ منه قيلًا، فكيف تَتْرْكون العملَ بما وعَدكم على العمل به ربُّكم جناتٍ تجرى من تحتها الأنهارُ خالدِين فيها أبدًا، وتكْفُرون به، وتُخالِفون أمرَه، وأنتم تَعْلَمُون أنه لا أحدَ أصدقُ منه قيلًا، وتَعْمَلُونَ (^٣) بما يَأْمُرُكم به\n_________\n(^١) في الأصل: \"الوعيدين\".\n(^٢) في م: \"يعلموا\".\n(^٣) في الأصل: \"تعلمون\".","vol":"7","page":506},{"text":"الشيطانُ - رجاءً لإدراك ما يَعِدُكم مِن عِداته الكاذبة، وأمانيِّه الباطلةِ، وقد علِمتم أن عِداته غرورٌ لا صحة لها، ولا حقيقةَ - وتَتَّخِذُونه وليًّا مِن دونِ اللهِ، وتَتركُون أن تُطِيعوا الله فيما يَأْمُرُكم به ويَنْهَاكم عنه، فتَكُونوا له أولياءَ. ومعنى القِيل والقولِ واحدٌ.\n\n<span id=\"aya-616\"></span><span data-type='title' id=toc-2235>القولُ في تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾.</span>\nقال أبو جعفر محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: اختلَف أهلُ التأويل (^١) في الذين عُنُوا بقوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، فقال بعضُهم: عُنى بقولِه: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾: أهلُ الإسلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-2234>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مَسْروقٍ، قال: تَفاخَر النصارى وأهلُ الإسلام، فقال هؤلاء: نحن أفضلُ منكم. وقال هؤلاء: نحن أفضلُ منكم. فأنزل الله جل ثناؤه: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، قال: لما نزلت: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. قال أهلُ الكتابِ: نحن وأنتم سواءٌ، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (^٢).\n_________\n(^١) في الأصل: \"الكتاب\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٢ (٦٠٠٠) من طريق أبي عوانة عن الأعمش به. وعزاه =","vol":"7","page":507},{"text":"حدَّثني أبو السائبِ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمش، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ في قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. قال: احتجَّ المسلمون وأهلُ الكتاب، فقال المسلمون: نحن أهدى منكم. وقال أهلُ الكتاب: نحن أهدى منكم. فأنزل الله جل ثناؤه: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قال: ففلَج عليهم المسلمون بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إلى آخرِ الآيتين (^١).\nحدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: ذُكر لنا أن المسلمين وأهلَ الكتابِ افتخَروا، فقال أهلُ الكتاب: نبيُّنا قبل نبيِّكم، وكتابُنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم. وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم: ونبيُّنا خاتَمُ النبيِّين، وكتابُنا يَقْضِى على الكتب التي كانت قبله، فأنزل اللهُ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ إِلى قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥] فأفلج الله حُجَّةَ المسلمين على من ناوَأَهم مِن أهل الأديان (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: التقى ناسٌ من اليهودِ والنصارى، فقالت اليهودُ للمسلمين: نحن خيرٌ منكم، دينُنا قبل دينِكم، وكتابُنا قبلَ كتابِكم، ونبيُّنا قبل نبيِّكم، ونحن على دين\n_________\n= السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٥ إلى ابن المنذر.\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٩٣ - تفسير) عن أبي معاوية به.\n(^٢) في الأصل: \"الأوثان\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"7","page":508},{"text":"إبراهيمَ، ولن يَدْخُلَ الجنةَ إلا مَن كان يهوديًا. وقالت النصارى مثل ذلك، فقال المسلمون: كتابُنا بعدَ كتابِكم، ونبيُّنا بعد نبيِّكم، وقد أُمِرْتم أن تَتَّبعونا، وتَتْرُكوا أمركم، فنحن خيرٌ منكم، نحن على دين إبراهيم وإسماعيلَ وإسحاق، ولن يَدْخُل الجنة إلا مَن كان على دينِنا، فردَّ اللهُ عليهم قولَهم، فقال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ثم فَضَّل الله المؤمنين عليهم، فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (^١).\nحُدِّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمِعت أبا معاذٍ يَقُولُ: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يَقُولُ في قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾: تخاصَم أهلُ الأديان، فقال أهلُ التوراة: كتابُنا أوَّلُ كتابٍ وخيرُها، ونبيُّنا خيرُ الأنبياءِ، وقال أهلُ الإنجيل نحوًا من ذلك. وقال أهلُ الإسلام: لا دينَ إلا الإسلامُ، وكتابُنا نسَخ كلَّ كتابٍ، ونبيُّنا خاتمُ النبيِّين، وأمرنا أن نَعْمَلَ بكتابنا، وتُؤْمِنَ بكتابكم، فقضَى الله بينَهم، فقال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. ثم خيَّر بينَ أهلِ الأديانِ، ففَضَّل أهل الفضلِ، فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٠ (٥٩٨٩) من طريق أحمد بن مفضل به، دون قوله: ثم فضل الله المؤمنين … إلخ.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٥ إلى المصنف.","vol":"7","page":509},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى: ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾: تخاصم (^١) أهلُ الأديان، فقال أهلُ التوراة: كتابُنا خيرُ الكتب، أُنْزِل قبلَ كتابكم، ونبيُّنا خيرُ الأنبياء. وقال أهلُ الإنجيل مثل ذلك. وقال أهلُ الإسلام: لا دينَ إلا الإسلامُ، كتابُنا نسَخ كلَّ كتابٍ، ونبيُّنا خاتمُ النبيِّين، وأُمِرْتم وأُمِرْنا أن نُؤْمِن بكتابِكم ونَعْمَلَ بكتابنا. فقضَى الله بينهم فقال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. وخيَّر بين أهل الأديانِ فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يعلى بنُ عبيدٍ وأبو زهيرٍ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ، قال: جلَس أناسٌ من أهلِ التوارةِ وأهل الإنجيلِ وأهلِ الإيمان، فقال هؤلاء: نحن أفضلُ. وقال هؤلاء: نحن أفضلُ. فأنزل الله جل ثناؤه: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. ثم خصَّ الله أهلَ الإيمانِ فقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ، قال:\n_________\n(^١) في م: \"تحاكم\".\n(^٢) أخرج ابن أبي حاتم بعضه في تفسيره ٤/ ١٠٧٣ (٦٠٠٤) عن محمد بن سعد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٦ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٣ (٦٠٠١) من طريق يعلى وأبى أسامة عن إسماعيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"7","page":510},{"text":"جلَس أهلُ التوراة وأهلُ الإنجيل وأهلُ الزَّبورِ (^١) فتَفاخَروا، فقال هؤلاء: نحن أفضلُ. وقال هؤلاء: نحن أفضلُ. [وقال هؤلاء: نحن أفضل] (^٢) فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾.\nحدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. قال: افتخر أهلُ الأديان، فقال اليهودُ: كتابُنا خيرُ الكتب وأكرمُها على الله، ونبيُّنا أكرمُ الأنبياء على الله، موسى كلَّمه الله قِبَلًا (^٣)، وخلا به نجيًّا، ودينُنا خيرُ الأديانِ. وقالت النصارى: عيسى ابن مريمَ خاتمُ الرسلِ، وآتاه الله التوراة والإنجيلَ، ولو أدركَه موسى (^٤) لا تَّبَعَه، ودينُنا خيرُ الأديان. وقالت المجوسُ وكفارُ العرب: دينُنا أقدمُ الأديان وخيرُها. وقال المسلمون: محمدٌ نبيُّنا خاتمُ النبيِّين وسيدُ الأنبياء، والفُرقان آخرُ (^٥) ما أُنزِلَ مِن الكتب من عند الله، وهو أمينٌ على كلِّ كتاب، والإسلامُ خيرُ الأديان، فخيَّر الله بينهم، فقال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (^٦).\nوقال آخرون: بل عنَى الله بقوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: أهل الشرك به من عبدة الأوثان.\n_________\n(^١) بعده في م: \"وأهل الإيمان\".\n(^٢) سقط من: الأصل، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م: \"قيلا\". وقبلًا: أي عيانًا ومقابلة، لا من وراء حجاب. النهاية ٤/ ٨.\n(^٤) في الدر المنثور: \"محمد\".\n(^٥) في الأصل: \"خير\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٦ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"7","page":511},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2236>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. قال: قريشٌ قالت: لن نُبْعَثَ ولن نُعذَّب.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾. قال: قالت قريشٌ: لن نُبْعَثَ ولن نُعَذَّبَ، فَأَنْزَل الله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾.\nحدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: [ثنا ابن أبي نجيح] (^١)، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: قالت العربُ: لن نُبْعَثَ ولن نُعَذَّبَ. وقالت اليهودُ والنصارى: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، أو (^٢) قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] شكَّ أبو بشرٍ (^٣).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾: قريشٌ وكعب بن الأشرف وحدَه (^٤): ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرني ابن وهبٍ، قال: سمعت ابن زيدٍ يَقُولُ في قوله:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قال ابن جريج\".\n(^٢) في الأصل: \"و\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٠ (٥٩٩٠) من طريق ابن علية به.\n(^٤) سقط من: م. وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"نحوه\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٦ إلى ابن المنذر.","vol":"7","page":512},{"text":"﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ٥١] إلى آخر الآية. قال: جاء حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ إلى المشركين، فقالوا له: يا حُيَيُّ إنكم أصحابُ كُتُبٍ، فنحن، فنحن خيرٌ أم محمد وأصحابه؟ فقال: [نحن خيرٌ و] (^١) أنتم خيرٌ منهم (^٢)، فذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١، ٥٢]. ثم قال للمشركين: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ فقرأ حتى بَلَغ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ رسول الله ﷺ وأصحابُه، ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾. قال: ووعَد الله المؤمنين أن يُكَفِّرَ عنهم سيئاتِهم، ولم يَعِدْ أولئك. وقرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٣) [العنكبوت: ٧].\nحدَّثنا [ابن حميدٍ] (^٤)، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: قالت قريشٌ: لن نُبْعَثَ ولن نُعَذَّبَ.\nوقال آخرون: عُنِى به أهلُ الكتاب خاصةً.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ص، م: \"منه\".\n(^٣) تقدم في ص ١٤٧.\n(^٤) في م: \"أبو كريب\"، وكلاهما يروى عن \"حكام بن سلم الرازي\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٩٧، ٢٦/ ٢٤٤.","vol":"7","page":513},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2237>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، [عن أبي سيدانَ] (^١)، قال: سمعت الضحاك يَقُولُ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية. قال: نزلت في أهلِ الكتاب حينَ خالَفوا النبيَّ ﷺ.\nقال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك ما قال مجاهدٌ مِن أنه عنَى بقوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾: مشركي قريشٍ. وإنما قُلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن المسلمين لم يَجرِ لأمانيِّهم ذكرٌ فيما مضى من الآي قبل قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾. وإنما جرى ذكرُ أمانيِّ نصيب الشيطان المفروض، وذلك في قوله: ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾. وقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾. فإلحاقُ معنى قوله جل ثناؤه: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾. بما قد جرى ذكره قبلُ أحقُّ وأولى من ادِّعاء تأويلٍ فيه لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل، ولا أثر عن الرسول ﷺ، ولا إجماع من أهل التأويل.\nوإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية إذن: ليس الأمرُ بأمانيِّكم يا معشر أولياء الشيطانِ وحزبه التي يُمنيِّكمُوها وليُّكم عدوُّ اللهِ مِن إنقاذكم ممن أرادَكم بسوءٍ، ونُصْرتكم عليه، وإظفارِكم به، ولا أمانيِّ أهل الكتاب الذين قالوا اغترارًا بالله وبحلمِه عنهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، و﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، فإن الله مجازٍ كلَّ عاملٍ منكم جزاء عمله، مَن يَعْمَلْ منكم سوءًا، أو من غيركم يُجْزَ به، ولا يَجِد له\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ثنا أبي سفيان\". وفى م: \"عن أبي أسيد\". وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٢٩٢، ١٩/ ٢١٦.","vol":"7","page":514},{"text":"من دونِ الله وليًّا ولا نصيرًا، ومَن يَعْمَلْ مِن الصالحاتِ مِن ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ، فأولئك يدخلون الجنة.\nومما يَدُلُّ أيضًا على صحة ما قلنا في تأويل ذلك، وأنه عُنى بقوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾. مشركو العرب كما قال مجاهدٌ: إن الله وصف وَعْدَ الشيطان ما وَعَد أولياءَه، وأخبَر بحالِ وَعْدِه، ثم أتبَع ذلك بصفة وَعْدِه الصادق بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾. وقد ذكر جلَّ ثناؤُه مع وصفِه وَعْدَ الشيطان أولياءَه، وتمنيتَه إياهم الأمانيَّ بقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾. كما ذكَر وعدَه إياهم، فالذى هو أشبه أن يُتبعَ تَمنيته إياهم من الصفة، بمثل الذي أتبع عِدَته إياهم به من الصفة. وإذ كان ذلك كذلك صحَّ أن قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآية، إنما هو خبرٌ من الله عن أمانيِّ أولياءِ الشيطان وما إليه صائرةٌ أمانيُّهم مع سيِّئَ أعمالهم من سوء الجزاء، وما إليه صائرةٌ أعمال أولياء الله مِن حُسْنِ الجزاء، وإنما ضَمَّ جلَّ ثناؤه أهل الكتاب إلى المشركين في قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛ لأن أمانيَّ الفريقين من تمنيةِ الشيطان إياهم التي وعَدهم أن يُمنيِّهموها بقوله: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-2238>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويل في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنى بالسوء كلُّ معصيةٍ لله. وقالوا: معنى الآية: مَن يَرْتَكِبْ صغيرةً أو كبيرةً من مؤمنٍ أو كافرٍ من معاصى الله، يجازِه اللهُ بها.","vol":"7","page":515},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2239>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ أن [الربيع بن زيادٍ] (^١) سأل أبيَّ بن كعبٍ عن هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. فقال: ما كُنْتُ أراك إلا أفقة مما أرى: النكبة (^٢) والعود والخدْشَ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا غُندرٌ، عن هشام الدستوائيِّ، قال: ثنا قتادةُ، عن الربيع بن زيادٍ، قال: قلت لأبيِّ بن كعبٍ: قول الله ﵎: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ واللهِ إن كان كلُّ ما عمِلنا جُزينا به هلكنا. قال: واللهِ إن كنتُ لأراك أفقهَ مما أرى، لا يُصِيبُ رجلًا خَدْشٌ ولا عَثْرةٌ إلا بذنبٍ، وما يَعْفُو اللهُ عنه أكثرُ، حتى اللدغة والنفحةُ (^٣).\nحدَّثنا القاسم بن بشرِ بن معروفٍ (^٤)، قال: ثنا سليمان بن حربٍ، قال: ثنا حمادُ بن زيدٍ، عن حجاجٍ الصوّاف، عن أيوبَ، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، قال: دخلتُ على عائشة في (^٥) هذه الآية: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قالت: ذاك مما يُصيبُكم في الدنيا (^٦).\n_________\n(^١) في النسخ: \"زياد بن الربيع\"، والتصويب من تهذيب الكمال ٩/ ٧٨، والتاريخ الكبير ٣/ ٢٦٨.\n(^٢) نكبت الحجارة رجله: لثمتها وأدمتها. التاج (ن ك ب).\n(^٣) النفح: الضرب والرمي، وفى الحديث: \"أنه أبطل النفح\" أراد نفح الدابة برجلها وهو رفسها. ٥/ ٨٩. والأثر أخرجه البخاري في تاريخه ٣/ ٢٦٨ من طريق هشام الدستوائي عن قَتادةَ به، وأخرجه البيهقى في الشعب (٩٨١٤) من طريق قتادة عن يزيد بن عبد الله عن زياد بن الربيع - وهو خطأ - عنه به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٧ إلى عبد بن حميد وابن أبي الدنيا.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"معرور\". وانظر تاريخ بغداد ١٢/ ٤٢٧، وتاريخ الطبرى ١/ ٢٣، ٤٥.\n(^٥) سقط من: ص، وفى م: \"كى أسألها عن\"، وفي س: \"كي في\".\n(^٦) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٠٨ من طريق سليمان بن حرب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٧ إلى ابن راهويه في مسنده وعبد بن حميد.","vol":"7","page":516},{"text":"حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني خالدٌ أنه سمع مجاهدًا يَقُولُ في قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: يُجْزَ به في الدنيا. قال: قلت: وما تَبْلُغُ المصيباتُ؟ قال: ما تَكْرَهُ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: مَن يَعْمَلْ سوءًا مِن أَهلِ الكفرِ يُجْزَ به.\n\n<span data-type='title' id=toc-2240>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن حميدٍ، عن الحسنِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال: الكافرُ، ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧]. قال: من الكفار (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سهلٌ، عن حميدٍ، عن الحسن مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو همام الأهوازيُّ، عن يونس بن عبيدٍ، عن الحسن، أنه كان يَقُولُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ يَعْنى بذلك الكفار، ولا يَعْنى بذلك أهل الصلاةِ.\nحدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز بن أبانٍ، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسن في قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: واللهِ ما جازَى اللهُ عبدًا بالخير والشرِّ إلا عذَّبه، قال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]. قال: أما واللهِ لقد كانت لهم ذنوبٌ، ولكنه غفَرها لهم، ولم يجازِهم بها، إن الله لا يجازى عبدَه المؤمن بذنبٍ؛ إذن توبِقُه ذنوبُه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سمعت ابن زيدٍ يَقُولُ في قوله:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٢ (٥٩٩٧) من طريق حماد به.","vol":"7","page":517},{"text":"﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: وعَد الله المؤمنين أن يُكَفِّرَ عنهم سيئاتِهم، ولم يَعِد أولئك، يَعْنى المشركين.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاوية، عن عاصمٍ، عن الحسنِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: إنما ذلك لمن أراد اللهُ هوانَه، فأما من أراد كرامتَه، فإنه مِن أهل الجنة، وعْدَ الصدق الذي كانوا يُوعدون (^١).\nحدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبرَنا يزيدُ، قال: أخبرَنا جويبرٌ، عن الضحاكِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. يَعْنى بذلك: اليهود والنصارى والمجوسَ وكفار العرب، ولا يَجِدون لهم من دونِ اللهِ وليًّا ولا نصيرًا (^٢).\nوقال آخرون: معنى السوء في هذا الموضع: الشركُ. قالوا: وتأويلُ قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾: مَن يُشْرِكْ بِاللهِ يُجْزَ بشركِه، ولا يجد له مِن دونِ الله وليًّا ولا نصيرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2241>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. يَقُولُ: مَن يُشْرِكْ يُجْزَ به، وهو السوءُ، ولا يَجدْ له مِن دونِ الله وليًّا ولا نصيرًا، إلا أن يَتُوبَ قبل موتِه، فيتوب الله عليه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٩٨ - تفسير)، وابن أبي شيبة ١٤/ ٤٢، والبيهقي في الشعب (٩٨١٢) عن أبي معاوية به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٨ لهناد والحكيم الترمذى.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٦ إلى ابن المنذر والمصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٨ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"7","page":518},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، عن عنبسةَ، عن ابن أبي ليلى، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: الشركُ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى التأويلات التي ذكَرناها بتأويل الآية التأويلُ الذي ذكَرناه عن أبيِّ بن كعبٍ وعائشةَ، وهو أن كلَّ مَن عمِل سوءًا؛ صغيرًا أو كبيرًا، من مؤمنٍ أو كافرٍ جُوزِى به.\nوإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية؛ لعموم الآية كلَّ عاملِ سوءٍ، من غير أن يُخَصَّ أو يُسْتَثْنَى منهم أحدٌ، فهى على عمومِها إذ لم يكن في الآية دلالةٌ على خُصوصِها، ولا قامَت حجةٌ بذلك من خبرٍ عن الرسول ﷺ.\nفإن قال قائلٌ: وأين ذلك من قولِ اللهِ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]. وكيف يَجوزُ أن يُجَازِيَ على ما قد وعد تكفيره؟ قيل: إنه لم يَعِدْ بقوله: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ تَرْكَ المجازاة عليها، وإنما وعَد التكفيرَ بترك الفضيحةِ منه لأهلِها في معادهم، كما فضَح (^٢) أهل الشرك والنفاق، فأما إذا جازاهم في الدنيا عليها بالمصائب ليُكَفِّرَها عنهم بها ليُوافُوه ولا ذنبَ لهم، يَسْتَحِقُون المجازاةَ عليه، فإنما وفَى لهم بما وعَدهم بقوله: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ﴾. وأنْجَز لهم ما ضمِن لهم بقولِه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [النساء: ١٢٢].\nوبنحو الذي قلنا في ذلك، تظاهرَت الأخبارُ عن رسول الله ﷺ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٩ إلى المصنف.\n(^٢) في ص: \"قصى\"، وفي ت ٢: \"قضى\".","vol":"7","page":519},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2242>ذكرُ الأخبار الواردة بذلك </span>(^١)\nحدَّثنا أبو كريبٍ وسفيانُ بنُ وكيعٍ ونصرُ بنُ على وعبد الله بن أبي زيادٍ القَطَوانيُّ، قالوا: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن ابن مُحَيْصِنٍ، عن محمد بن قيس بن (^٢) مَخْرَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: لما نزلت هذه الآيةُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. شقَّت على المسلمين، وبلغت منهم ما شاء اللهُ أَن تَبْلُغَ، فشَكُوا ذلك إلى رسول الله ﷺ، فقال: \"قارِبوا وسدِّدوا، ففى كلِّ ما يُصابُ به المسلمُ كفارةٌ، حتى النكبةُ يُنْكَبُها، أو الشوكةُ يُشاكُّها\" (^٣).\n[حدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ابن (^٤) محيصنٍ، سمِع محمدَ بن قيسِ بن مَخرمةَ، قال: أظنُّه عن أبي هريرة، قال: لمَّا نزلت هذه الآية، ثم ذكر مثله] (^٥).\nحدَّثني عبدُ الله بنُ أبي زيادٍ وأحمدُ بنُ منصورٍ الرَّمَاديُّ، قالا: ثنا [زيدُ بنُ حُبابٍ، قال] (^٦): حدَّثنا عبدُ الملك بنُ الحسن الحارثيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيدِ بن قُنْفُذٍ، عن عائشةَ، عن أبي بكرٍ، قال: لما نزَلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عن\".\n(^٣) أخرجه الترمذى (٣٠٣٨) من طريق عبد الله بن أبي زياد به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٩٤ - تفسير) وابن أبي شيبة ٣/ ٢٢٩، ٢٣٠ والحميدى (١١٤٨) وأحمد ١٢/ ٣٤١ (٧٣٨٦) ومسلم (٢٥٧٤) والنسائى في الكبرى (١١١٢٢)، والبيهقى ٣/ ٣٧٣ من طرق عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٧ إلى ابن المنذر وابن مردويه. ومحمد بن قيس بن مخرمة لم يسمع من أبي هريرة. انظر تحفة التحصيل.\n(^٤) في الأصل \"أبي\". وانظر مصادر التخريج السابقة.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) في م: \"يزيد بن حيان قالا\".","vol":"7","page":520},{"text":"قال أبو بكر: يا رسولَ اللهِ، [كلُّ ما نَعْمَلُ نُؤاخَذُ به] (^١)؟ فقال: \"يا أبا بكرٍ، أليس يصُيبُك كذا وكذا؟ فهو كفارتُه\" (^٢).\nحدَّثني إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهريُّ، قال: ثنا عبدُ الوهاب بنُ عطاءٍ، عن زيادٍ الجصاصِ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن مجاهدٍ، قال: ثنى عبدُ الله بنُ عمرَ، أنه سمِع أبا بكرٍ يَقُولُ: سمعت النبيَّ ﷺ يقولُ: \"مَن يَعْمَلُ سوءًا يُجْزَ به في الدنيا\" (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، عن إسماعيل، عن أبي بكر بن أبي زُهيرٍ (^٤)، عن أبي بكرٍ الصديق أنه قال: يا نبيَّ الله، كيف الصلاحُ بعد هذه الآية؟ فقال النبيُّ ﷺ: \"أَيُّةُ آية؟ \" قال: يَقُولُ اللهُ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. فما عمِلناه جُزينا به، فقال النبيُّ ﷺ: \"غفَر اللهُ لك يا أبا بكرٍ ألست تَمْرَضُ، ألست تَحْزَنُ، ألست تُصِيبُك اللأَوَاءُ (^٥)؟ قال: فهو ما تُجزَون به\" (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: \"كل من يعمل يؤاخذ به\".\n(^٢) عزاه في الدر المنثور ٢/ ٢٢٦ إلى المصنف، وإسناده منقطع، محمد بن زيد بن قنفذ لم يلق عائشة.\n(^٣) أخرجه أحمد ١/ ٢٠٤ (٢٣) والبزار في مسنده (٢١) وأبو يعلى (١٨) والمروزي (٢٢) وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧١ (٥٩٩٣) والعقيلي في الضعفاء ٢/ ٧٩ وابن مردويه كما في تفسير ابن كثير ٢/ ٣٧١ وأبو ١/ ٣٣٤ من طرق عن عبد الوهاب بن عطاء به. وزياد الجصاص وعلى بن زيد ضعيفان، وانظر علل الدارقطنى ١/ ٢٢٤ (٢٩).\n(^٤) في الأصل: \"رهين\".\n(^٥) اللأواء: الشدة وضيق المعيشة. اللسان (ل أ ى).\n(^٦) تفسير سفيان الثورى ص ٩٧ (٢٢٧)، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٩٦، ٦٩٧ - تفسير) وأحمد ١/ ٢٢٩، ٢٣٢ (٦٨، ٧٠)، وهناد في الزهد ١/ ٤٨ (٤٢٩) والمروزى (١١٢) وأبو يعلى ٩٨، ١٠١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧١ (٥٩٩٢) وابن حبان (٢٩١٠)، والحاكم ٣/ ٧٤، والبيهقى ٣/ ٣٧٣، وفى الشعب (٩٨٠٥) من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٦، إلى عبد بن حميد والحكيم الترمذى وابن المنذر والضياء في المختارة.","vol":"7","page":521},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي بكر بن أبي زُهَيرٍ، أن أبا بكرٍ قال للنبيِّ ﷺ: كيف الصلاحُ، فذكر نحوَه.\nحدَّثنا يونسُ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، قال: أظنُّه عن أبي بكرٍ الثقفيِّ (^١)، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال أبو بكرٍ: كيف الصلاحُ، ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه زاد فيه: \"أَلَسْتَ تُنْكَبُ؟ \".\nحدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أبو مالكٍ الجَنْبيُّ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي بكر بن أبي زهيرٍ الثقفيِّ، قال: قال أبو بكرٍ: يا رسول الله، فذكَر نحوَه، إلا أنه قال: فكلُّ سوءٍ عمِلناه جُزِينا به. وقال أيضًا: \"ألست تَمْرَضُ، ألست تَنْصَبُ، ألست تَحْزَنُ، أليس تُصيبُك الأوَاءُ؟ \" قال: بلى. قال: \"فهو ما تُجْزَون به\" (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن [ابن أبي خالدٍ] (^٣)، عن أبي بكر بن أبي (^٤) زهيرٍ الثقفيِّ، قال: لما نزلت هذه الآيةُ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: قال أبو بكر: يا رسول الله، وإنا\n_________\n(^١) بعده في م: \"عن أبي بكر\".\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٩٥ - تفسير) وأحمد ١/ ٢٣١ (٦٩) عن ابن عيينة به، وقال الدارقطني في العلل: واختلف على ابن عيينة، فرواه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن بهلول عن ابن عيينة على الصواب، ورواه إسحاق بن إسماعيل عن ابن عيينة عن ابن أبي خالد عن أبي بكر بن أبي زهير، قال: أراد عن أبي هريرة، ووهم فيه. فرواه سعيد بن منصور عن ابن عيينة عن إسماعيل عن أبي بكر بن عمارة بن روبية الثقفى، ووهم فيه أيضًا، ورواه عثام بن علي عن إسماعيل عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر، وهذا وهم قبيح، والصواب قول الثورى، ومن تابعه. انظر علل الدارقطني ١/ ٢٨٤ (٧٤).\n(^٣) في الأصل: \"ابن خالد\"، وفى ص: \"أبي خالد\".\n(^٤) سقط من: الأصل.","vol":"7","page":522},{"text":"لنُجْزَى بكلِّ شيءٍ نَعْمَلُه؟ قال: \"يا أبا بكرٍ، ألست تَنْصَبُ، ألست تَحْزَنُ، ألست تُصيبُك اللأواءُ؟ فهذا ما تَجزَون به\" (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا [ابن أبي خالدٍ] (^٢)، قال: ثنا أبو بكر بن أبي زهيرٍ الثقفيُّ، عن أبي بكرٍ، فذكَر مثلَ ذلك (^٣).\nحدَّثنا أبو السائبِ وسفيانُ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، قال: قال أبو بكرٍ: يا رسول الله، ما أشدَّ هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. فقال: \"يا أبا بكرٍ، المُصيبةُ في الدنيا جزاءٌ\" (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادة، قال: ثنا أبو عامرٍ الخزازُ (^٥)، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ قالت: قلت: إني لأعْلَمُ أيُّ آيةٍ في كتابِ اللهِ أَشدُّ. فقال لى النبيُّ ﷺ: \"أيُّ آية؟ \" فقلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: \"إن المؤمن ليُجازَى بأسوأ عمله في الدنيا\". ثم ذكَر أشياءَ منهنّ المرضُ والنَّصَبُ، فكان آخرُه أنه ذكَر النكبةَ، فقال: \"كلُّ ذى يُجْزَى (^٦) به (^٧) بعمله يا عائشةُ، إنه ليس أحدٌ يُحَاسَبُ يوم القيامةِ إلا يُعَذَّبُ (^٨) \". فقلت: أليس يَقُولُ الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٢٣٢ (٧١) وأبو يعلى (٩٩) عن وكيع به، عدا أبي يعلى فبدون ذكر أبي بكر بن أبي زهير.\n(^٢) في الأصل: \"يحيى بن أبي خالد\". وفى ص، س: \"أبي عن خالد\". وقد سبق كثيرًا.\n(^٣) أخرجه المروزى في مسند أبي بكر الصديق (١١١)، وأبو يعلى (٩٨ - ١٠٠)، وابن حبان (٢٩٢٦)، وابن السُّنى في عمل اليوم والليلة (٣٩٢)، والبيهقى في الشعب (٩٨٠٥) من طرق عن يحيى بن سعيد به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٠٠ - تفسير) عن أبي معاوية به.\n(^٥) في الأصل: \"الجزار\". وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س \"الحرار\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٦) في الأصل: \"يجازي\".\n(^٧) سقط من: م.\n(^٨) في ص، ت ٢، س: \"معذب\".","vol":"7","page":523},{"text":"حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]؟ فقال: \"ذاك عندَ العرضِ، إنه مَن نُوقِش الحسابَ عُذِّب\". وقال بيدِه على إصبَعه كأنه يَنْكُتُه (^١).\nحدَّثني القاسمُ بنُ بشرِ بن مَعروفٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن عليٍّ بن زيدٍ، عن أُميةَ، قالت (^٢): سأَلْتُ عائشةَ عن هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، و﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قالت: ما سألنى عنها أحدٌ منذ سأَلْتُ رسول الله ﷺ عنها، فقال: \"يا عائشةُ، ذلك مثابةُ اللهِ العبد مما يُصيبه من الحمَّى والكبَرِ، والبضاعةِ يَضَعُها في كُمِّه فيَفْقِدُها، فيَفْزَعُ لها فيَجِدُها في كُمِّه، حتى إن المؤمنَ ليَخْرُجُ مِن ذُنوبه كما يَخْرُجُ التِّبْرُ الأحمرُ مِن الكير\" (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ الخزازُ، قال: ثنا ابن أبي مليكة، عن عائشةَ، قالت: قلت: يا رسولَ اللهِ، إنى أعْلَمُ أَشدَّ آية في القرآنِ. فقال: \"ما هي يا عائشةُ؟ \" قلت: هي هذه الآيةُ يا رسولَ اللهِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. فقال: \"هو ما يُصِيبُ العبدَ المؤمنَ، حتى النكبةُ يُنْكَبُها\" (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل، س: \"ينكبه\"، وفى م: \"ينكت\".\nوالحديث أخرجه أبو داود (٣٠٩٣)، والبيهقى في الشعب (٩٨١٠) من طرق عن أبي عامر الخزاز به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٧ إلى ابن مردويه، وأصل الحديث دون ذكر الآية عند أحمد ٦/ ٤٧ (٢٤٢٤٦ - ميمنية)، والبخارى (١٠٣، ٤٩٣٩)، ومسلم (٢٨٧٦)، والترمذي (٢٤٢٦، ٣٣٣٧)، والنسائي في الكبرى (١١٦٥٩) من طرق عن ابن أبي مليكة به.\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قال\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ٥/ ١٤٣ حاشية (٣).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٢ (٥٩٩٦) من طريق هشيم به.","vol":"7","page":524},{"text":"حدَّثني يَعْقُوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن الربيع بن صبيحٍ (^١)، عن عطاءٍ، قال: لما نزَلت: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال أبو بكرٍ: يا رسول الله، ما أشدَّ هذه الآية. قال: يا أبا بكرٍ، إنك تَمْرَضُ، وإنك تحزنُ، وإنك يُصيبُك الأذى، فذاك بذاك\".\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرنا عطاءُ بنُ أبي رباحٍ، قال: لما نزَلت، قال أبو بكرٍ: جاءت قاصمةُ الظهر. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إنما هي المصيباتُ في الدنيا\" (^٢).\n[حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني عمرُو بنُ الحارث، عن بكر بن سوادةَ، عن يزيدَ بن أبي يزيدَ، عن عبيدِ بن عميرٍ، عن عائشةَ، أن رجلًا تلا هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: إنا لنُجْزَى بكلِّ ما عمِلناه، هلكنا إذن، فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه، فقال: \"نعم، يُجْزَى به المؤمنُ في الدنيا في مصيبةٍ في جسدِه، فيما يؤذيه\"] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2243>القولُ في تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا يَجِدْ﴾: الذي يَعْمَلُ سوءًا مِن معاصى اللهِ وخلافِ ما أمَره به، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يَعْنى: مِن بعدِ اللهِ وسِواه، ﴿وَلِيًّا﴾ يلى\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"صبح\"، وانظر تهذيب الكمال ٩/ ٨٩.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٧ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. والحديث أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٢ (٥٩٩٥) عن يونس به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٩٩ - تفسير) وأحمد ٦/ ٦٥ (٢٤٤١٣ - ميمنية)، والبخاري في تاريخه ٨/ ٣٧١، وأبو يعلى (٤٦٧٥، ٤٨٣٩)، وابن حبان (٢٩٢٣)، والبيهقي في الشعب (٩٨٠٦، ٩٨٠٧) من طرق عن ابن وهب، به، وإسناده ضعيف لجهالة يزيد بن أبي يزيد.","vol":"7","page":525},{"text":"أمرَه، ويَحْمِي عنه ما يَنْزِلُ به من عقوبة الله، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يَعْنى: ولا ناصرًا يَنْصُرُه مما يَحِلُّ به مِن عُقُوبَةِ اللهِ وأليمِ نَكالِه.\n\n<span id=\"aya-617\"></span><span data-type='title' id=toc-2244>القولُ في تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: الذين قال لهم: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. يَقُولُ الله لهم: إنما يَدْخُلُ الجنةَ ويَنْعَمُ فيها في الآخرةِ مَنْ يَعْمَلُ مِن الصالحاتِ مِن ذُكوركم وإناثِكم، وذكورِ عبادى وإناثِهم، وهو مؤمنٌ بي وبرسولي محمدٍ، مُصَدِّقٌ بوحدانيتي، ونُبوةِ محمدٍ ﷺ، وبما جاء به مِن عندى، لا أنتم أيُّها المشركون بى، المكذِّبون رسولي، فلا تَطْمَعُوا أن تَحُلوا وأنتم كفارٌ مَحَلَّ المؤمنين بي، وتَدْخُلُوا مَداخِلَهم في القيامة، وأنتم مكذِّبون رسولي.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ قولَه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. قال: أبَى أن يَقْبَلَ الإيمان إلا بالعملِ الصالحِ، وأبَى أن يَقْبَلَ الإسلامَ إلا بالإحسانِ (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾. فإنه يَعْنى: ولا يَظْلِمُ الله هؤلاء الذين يَعْمَلُون الصالحاتِ مِن ثوابِ عملِهم مقدار النُّقْرَةِ (^٢) التي تَكُونُ فِي ظَهْرِ النواة في القِلةِ، فكيف بما هو أعْظَمُ مِن ذلك وأكثرُ، وإنما يُخْبِرُ بذلك جلَّ ثناؤُه عبادَه أنه لا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٣ (٦٠٠٢) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في الأصل: \"النقيرة\".","vol":"7","page":526},{"text":"يَبْخَسُهم من جزاءِ أعمالِهم قليلًا ولا كثيرًا، ولكن يُوفِّيهم ذلك كما وعَدهم.\n[وبنحوِ الذي قلنا في معنى النقير قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2245>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾. قال: النَّقِيرُ: الذي يَكُونُ في ظهرِ النواةِ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن عطيةَ، قال: النَّقِيرُ: الذي في وَسَطِ النواة] (^٢).\nفإن قال لنا قائلٌ: وما وجهُ دُخول \"من\" في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾، [ولم يَقُلْ: ومَن يَعْمَلْ الصالحات] (^٣)؟ قيل: لدُخولِها وجهان؛ أحدُهما: أن يَكُونَ الله قد عَلِم أَنَّ عبادَه المؤمنين لن يُطِيقوا أن يَعْمَلُوا جميع الأعمال الصالحةِ، فأَوْجَب وَعْدَه لمن عمِل ما أطاق منها، فلم يَحْرِمُه فضلَه، بسبب ما عجَزت عن عملهِ منها قواه (^٤).\nوالآخرُ منهما: أن يَكُونَ اللهُ تعالى ذكرُه أوْجَب وَعْدَه لمن اجْتَنَب الكبائرَ وأدَّى الفرائضَ، وإن قصَّر في بعضِ الواجبِ له عليه، تفضلًا منه على عبادِه المؤمنين، إذ كان التفضلُ به أولى، والصَّفْحُ عن أهلِ الإيمانِ به أُحْرَى. وقد تَقَوَّلَ قومٌ مِن أَهلِ العربية أنها أُدْخِلَت في هذا الموضعِ بمعنى الحذفِ، ويَتَأَوَّله: ومَن يَعْمَل (^٥) الصالحاتِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) سقط من: الأصل، ت ٢.\n(^٤) في ص، س: \"قوله\".\n(^٥) بعده في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".","vol":"7","page":527},{"text":"من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ، وذلك عندى غير جائزٍ؛ لأن دُخولَها لمعنًى، فغيرُ جائزٍ أن يَكُونَ معناها الحذفَ.\n\n<span id=\"aya-618\"></span><span data-type='title' id=toc-2246>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وهذا قضاءٌ من الله جلَّ ثناؤه للإسلام وأهلِه بالفضلِ على سائرِ المللِ غيره وأهلِها، يَقُولُ الله جل وعز: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾ أَيُّهَا النَّاسُ، وأصوبُ طريقًا، وأهدى سبيلًا، ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ يَقُولُ: ممن اسْتَسْلَم وجهه للهِ، فانْقَاد له بالطاعةِ، مصدِّقًا نبيَّه محمدًا ﷺ فيما جاء به من عندِ ربِّه، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ يَعْنى: وهو عاملٌ بما أمَره به ربُّه، محرِّمٌ حرامَه، ومحلِّلٌ حلالَه، ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ يَعْنى بذلك: واتَّبَع الدينَ الذي كان عليه إبراهيمُ خليلُ الرحمن، وأمَر به بنيه مِن بعدِه وأوصاهم به، ﴿حَنِيفًا﴾ يَعْنى: مستقيمًا على منهاجِه وسبيلِه.\nوقد بيَّنا اختلافَ المختلفين فيما مضَى قبلُ في معنى \"الحنيف\"، والدليلَ على الصحيح من القول في ذلك بما أغْنَى عن إعادته (^١).\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. وممن قال ذلك أيضًا الضحاكُ؛\nحدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرَنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ، قال: فضَّل الله الإسلامَ على كلِّ دينٍ، فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾. إلى قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ وليس\n_________\n(^١) تقدم في ٢/ ٥٩١ - ٥٩٥.","vol":"7","page":528},{"text":"يُقْبَلُ فيه (^١) عملٌ غيرُ الإسلامِ وهى الحَنيفيةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2247>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: واتخَذ اللهُ إبراهيمَ وليًّا.\nفإن قال قائلٌ: وما معنى الخُلةِ التي أُعطِيَها إبراهيمُ؟ قيل: ذلك مِن إبراهيمَ ﵇ العداوةُ في اللهِ والبُغْضُ فيه، والوَلايةُ في اللهِ والحبُّ فيه، على ما يُعْرَفُ مِن معاني الخلَّةِ، وأما مِن اللهِ لإبراهيمَ، فنُصْرَتُه على مَن حاوَله بسوءٍ، كالذى فعَل به إذ أراده نُمْروذُ بما أراده به مِن الإحراقِ بالنارِ، فأنقَذَه منها، وأعلى حُجَّتَه عليه إذ حاجَّه، وكما فعَل بمَلكِ مصرَ إذ أراده عن أهلِه، وتمكينُه مما أحبَّ، وتَصْيِيرُه إمامًا لمن بعدَه مِن عبادِه وقدوةً لمن خلفه في طاعتِه وعبادتِه، فذلك معنى خِلالَتِه (^٢) إياه. وقد قيل: سمّاه اللهُ خليلًا مِن أجلِ أنه أصاب أهلَ ناحيتِه جَذْبٌ، فارتَحَل إلى خليلٍ له مِن أهل المَوْصِلِ - وقال بعضُهم: مِن أهلِ مصرَ في امتيارِ طعامٍ لأهلِه مِن قبَلِه فلم يُصِبْ عندَه حاجتَه، فلما قرُب مِن أهلِه مرَّ بمفازةٍ ذاتِ رملٍ، فقال: لو ملأتُ غَرائرى مِن هذا الرملِ لئلا أغُمَّ أهلى برُجُوعى إليهم بغيرِ ميرةٍ، وليَظُنُّوا أنى قد أتَيْتُهم بما يُحِبُّون، ففعَل ذلك، فتحوَّل ما في غَرائرِه مِن الرملِ دقيقًا، فلما صار إلى منزلِه نام وقام أهلُه، ففتَحوا الغرائرَ فوجَدوا دقيقًا، فعجَنوا منه وخبَزوا، فاسْتَيْقَظَ فسأَلَهم عن الدقيقِ الذي منه خَبَزُوا، فقالوا: مِن الدقيقِ الذي جئتَ به مِن عندِ خليلِك. فعلِم، فقال: نعم، هو مِن خليلى اللهِ، قالوا: فسمّاه اللهُ بذلك خليلًا.\n_________\n(^١) في الأصل: \"منه\".\n(^٢) في م: \"مخالته\".","vol":"7","page":529},{"text":"<span id=\"aya-619\"></span><span data-type='title' id=toc-2248>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾.</span>\nيَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ لطاعتِه ربَّه، وإخلاصِه العبادةَ له، والمسارعةِ إلى رضاه ومحبتِه، لا مِن حاجةٍ به إليه وإلى خُلَّتِه. [ثم قال: فكيف] (^١) يَحْتاجُ إليه وإلى خُلَّتِه، وله ما في السمواتِ وما في الأرضِ مِن قليلٍ وكثيرٍ مِلْكًا، والمالكُ الذي إليه حاجةُ مُلْكِه دونَ حاجتِه إليه. يقولُ: فكذلك حاجةُ إبراهيمَ إليه، لا حاجتُه إليه، فيَتَّخِذُه مِن أجلِ حاجتِه إليه خليلًا، ولكنه اتَّخَذه خليلًا لمسارعتِه إلى رضاه ومحبتَه. فكذلك فسارِعوا إلى رِضاىَ ومحبَّتى لأتَّخِذكم لى أولياءَ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ يقولُ: ولم يَزَلِ اللَّهُ مُحْصِيًا لكلِّ ما هو فاعلُه عبادُه مِن خيرٍ وشرٍّ، عالمًا بذلك، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منه، ولا يَعْزُبُ عنه مثقالُ ذَرَّةٍ.\n\n<span id=\"aya-620\"></span><span data-type='title' id=toc-2249>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾.</span>\nيَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾: ويَسْأَلُك يا محمدُ أصحابُك أن تُفْتِيَهم في أمرِ النساءِ والواجبِ لهنَّ وعليهنَّ، فاكْتَفَى بذكرِ النساءِ مِن ذكرِ شأنِهنَّ؛ لدِلالةِ ما ظهَر مِن الكلامِ على المرادِ منه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾: قل يا محمدُ لهم: ﴿اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾. يَعْنى في النساءِ، ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾.\n_________\n(^١) في م: \"وكيف\".","vol":"7","page":530},{"text":"واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾؛ فقال بعضُهم: يَعْنى بقولِه: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فيهنَّ، وفيما يُتْلى عليكم. قالوا: والذي يُتْلى عليهم هو آياتُ الفرائضِ التي في أولِ هذه السورةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2250>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامُ بنُ سَلْمٍ (^١)، عن عمرِو بن أبى قيسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾. قال: كان أهلُ الجاهليةِ لا يُوَرِّثون المولودَ حتَّى يَكْبَرَ، ولا يُوَرِّثون المرأةَ؛ فلما كان الإسلامُ قال: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ في أوَّلِ السورةِ في الفرائضِ، ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. قالت: هذا في اليتيمةِ تَكُونُ عندَ الرجلِ لعلَّها أن تَكُونَ شَريكتَه في مالِه، وهو أولى بها مِن غيرِه (^٣)، فيَرْغَبُ عنها أن يَنْكِحَها، ويَعْضُلُها لمالِها ولا يُنْكِحُها غيرَه؛ كراهيةَ أن يَشْرَكَه أحدٌ في مالِها (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل: \"سلام\"، وفى ت ٢، س: \"سالم\". وهو حَكَّام بن سَلْم الكِنانى أبو عبد الرحمن الرازى. انظر تهذيب الكمال ٧/ ٨٣.\n(^٢) في م: \"كتب الله لهن\". والأثر أخرجه الحاكم في مستدركه ٢/ ٣٠٨ من طريق عمار بن رزيق عن عطاء به، بنحوه. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣١ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في ص، ت ٢، ت ٣، س: \"غيرها\".\n(^٤) أخرجه البخارى (٥١٢٨) عن يحيى عن وكيع به مثل رواية المصنف، وأخرجه في (٤٥٧٤)، (٤٦٠٠)، (٥١٣١)، ومسلم (٣٠١٨)، والنسائى في الكبرى (١١١٢٤)، وابن أبي حاتم ٤/ ١٠٧٧ (٦٠٢٤)، والبيهقى ٧/ ١٤٢ من طرق عن هشام به بنحوه.\nوللحديث طريق آخر عن عروة سيأتي ص ٣٠١.","vol":"7","page":531},{"text":"حدَّثنا ابن حُميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كانوا لا يُوَرِّثون في الجاهليةِ النساءَ والفَتَى (^١) حتى يَحْتَلِمَ، فأنزَل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ في أولِ سورةٍ النساءِ مِن الفرائضِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ (^٣)، قال: كانوا في الجاهليةِ لا يُوَرِّثُون اليتيمةَ ولا يَنْكِحونها، ويَعْضُلُونها، فأنزَل اللهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: أخبَرنى الحَجَّاجُ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبَرنى (^٤) عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ أنه سَمِع سعيدَ بنَ جبيرٍ يَقُولُ في قولِه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ الآية. قال: كان لا يَرِثُ إلا الرجلُ الذي قد بلَغ، لا يَرِثُ الرجلُ الصغيرُ ولا المرأةُ، فلما نزَلتِ (^٥)\n_________\n(^١) في م: \"الصبى\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٥٨، وابن أبي حاتم ٤/ ١٠٧٦ (٦٠٢١) من طريق عطاء به، بنحوه.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"شعبة\"، وهو خطأ، والراوى عن سعيد جعفرُ بن إياس اليشكرى، يروى عنه شعبة بن الحجاج وأشعث بن سوار، ويروى هو عن سعيد بن جبير، انظر تهذيب الكمال ٥/ ٥، ١٠/ ٣٥٨.\n(^٤) بعده في الأصل: \"عمى\". ولم نجد ذكر هذه الصلة - العمومة - في ترجمة ابن جريج أو عبد الله؛ فعبد الله هو عبد الله بن كثير بن عمرو الدارى المكى أبو معبد القارئ، أحد القراء السبعة، انظر ترجمته في تهذيب الكمال ١٥/ ٤٦٨، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٣١٨، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج القرشى الأموى، ترجمته في تهذيب الكمال ١٨/ ٣٣٨، وسير أعلام النبلاء ٦/ ٣٢٥.\n(^٥) بعده في م: \"آية\".","vol":"7","page":532},{"text":"المواريثُ في سورةِ النساءِ، شقَّ ذلك على الناسِ، وقالوا: يَرِثُ الصغيرُ الذي لا يَعْمَلُ في المالِ [ولا يَقُومُ فيه، والمرأةُ التي (^١) هي كذلك، فيَرِثانِ كما يَرِثُ الرجلُ الذي يَعْمَلُ في المالِ] (^٢)، فَرَجَوْا أن يَأتىَ في (^٣) ذلك حَدَثٌ مِن السماءِ، فانتَظَرُوا، فَلمَّا رأَوْا أنه لا يَأْتِى حَدَثٌ، قالوا: لئن تمَّ هذا إنه لواجبٌ ما منه بدٌّ. ثم قالوا: سَلُوا. فسأَلوا النبيَّ ﷺ، فأنزَل اللهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ في أولِ السورةِ ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. قال سعيدُ بنُ جبيرٍ: وكان الوليُّ إذا كانت المرأةُ ذاتَ جمالٍ ومالٍ رغِب فيها، ونكَحها واستَأْثَر بها، وإذا لم تَكُنْ ذاتَ جمالٍ ومالٍ أنْكَحَها ولم يَنْكِحْها (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. قال: كانوا إذا كانَت الجاريةُ يتيمةً دَميمةً (^٥) لم يُعْطُوها ميراثَها، وحبَسوها من (^٦) التزويجِ حتى تَموتَ، فيَرِثوها، فأنزَل اللهُ هذا (^٧).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من\". والمثبت موافق لما في الدر المنثور.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣١ إلى المصنف، وابن المنذر، وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٨ (٦٠٣٢) آخرة من طريق ابن جريج به.\n(^٥) في ص، ت ١، س: \"ذميمة\".\n(^٦) في م: \"عن\". والمثبت موافق لما في مصدر التخريج.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣١ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"7","page":533},{"text":"في قولِه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾. قال: كان الرجلُ منهم تَكُونُ له اليتيمةُ بها الدَّمامَةُ (^١)، والأمرُ الذي يَرْغَبُ عنها فيها، ولها مال. قال: فلا يَتَزَوَّجُها ولا يُزَوِّجُها حتى تموتَ فيَرِثَها. قال: فنهاهم اللهُ عن ذلك.\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا [عُبيدُ اللهِ] (^٢)، عن إسرائيلَ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. قال: كانت المرأةُ إذا كانت عندَ وليٍّ رَغِب (^٣) عنها، حبَسها إن لم يَتَزَوَّجها، ولم يَدْعُ أحدًا يَتَزَوَّجُها (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ قال: كان أهلُ الجاهليةِ لا يُوَرِّثون النساءَ ولا الصبيانَ شيئًا، كانوا يَقُولون: لا يَغْزُون ولا يُغْنُون (^٥) خيرًا. ففرَض اللهُ لهم (^٦) الميراثَ حقًّا واجبًا (^٧)؛ ليَتَنافَسَ أو ليَنْفَسَ الرجلُ في مالِ يَتيمتِه إِن لم (^٨) تَكُنْ حَسَنَةً (^٩).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"الإمامة\".\n(^٢) في م: \"عبد الله\". وهو عبيد الله بن موسى بن أبى المختار. وينظر تهذيب التهذيب ٧/ ٥٠.\n(^٣) في م: \"يرغب\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٤/ ٣٥٨، ٣٥٩، عن عبيد الله به نحوه.\n(^٥) في م: \"يغنمون\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لهن\".\n(^٧) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٨) سقط من: م.\n(^٩) تفسير مجاهد ص ٢٩٣، ٢٩٤، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٦، ١٠٧٧ (٦٠٢٢). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"7","page":534},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني (^١) أبى، قال: حدثني (^١) عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾: يَعْنى الفرائضَ التي افْتُرِضَتْ (^٢) في أمرِ النساءِ، ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. قال: كانت اليتيمةُ تَكُونُ (^٣) في حِجْرِ الرجلِ، فيَرْغَبُ أن يَنْكِحَها أو يُجَامِعَها، ولا يُعْطِيها مالَها، رجاءَ أن تَمُوتَ فيَرِثَها، وإن مات لها حميمٌ لم تُعْطَ (^٤) مِن الميراثِ شيئًا، وكان ذلك في الجاهليةِ، فبَيَّن اللهُ لهم ذلك (^٥).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ. عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. فكان الرجلُ تَكُونُ في حِجْرِه اليَتيمةُ بها دَمامةٌ ولها مالٌ، فكان يَرْغَبُ عنها أن يَتَزَوَّجَها، ويَحْبِسُها لمالِها، فأنزَل اللهُ فيه (^٦) ما تَسْمَعون.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾. قال: كانت اليتيمةُ تَكُونُ في حِجْرِ الرجلِ فيها دَمامةٌ، فيَرْغَبُ عنها أن يَنْكِحَها، ولا يُنْكِحُها رغبةً في مالِها (^٧).\n_________\n(^١) في م: \"ثنا\".\n(^٢) في م: \"افترض\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في الأصل: \"يعط\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٦ (٦٠١٨). عن محمد بن سعد به مقتصرًا على أوله، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣١ دون صدر الأثر وعزاه إلى المصنف.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٢، إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"7","page":535},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ قولَه: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿بِالْقِسْطِ﴾. قال: كان جابرُ بن عبدِ اللهِ الأنصاريُّ ثم السَّلَمِيُّ له ابنةُ عمٍّ (^١) عمياءُ، وكانت دميمةً (^٢)، وكانت قد وَرِثتْ عن أبيها مالًا، فكان جابرٌ يَرْغَبُ عن نِكاحِها، ولا يُنْكِحُها رَهْبَةً أن يَذْهبَ الزوجُ بمالِها، فسأل النبيَّ ﷺ عن ذلك، وكان ناسٌ في حُجُورِهم جَوارى (^٣) أيضًا مثلَ ذلك، فجعَل جابرٌ يَسألُ النبيَّ ﷺ: أثَرِثُ الجاريةُ إذا كانت قَبِيحةً عَمْياءَ؟ فجعَل النبيُّ ﷺ يقولُ: \"نعم\". فأنزَل اللهُ فيهم (^٤) هذا (^٥).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ويَسْتفتونك في النساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فيهن وفيما يُتْلَى عليكم في الكتابِ، في آخرِ سورةِ النساءِ؛ وذلك قولُه: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ إلى آخرِ السورةِ [النساء: ١٧٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-2251>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سلَّامُ بنُ سُلَيمٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ قال: كان أهلُ الجاهليةِ [لا يُوَرِّثون] (^٦) الوِلْدانَ حتى\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"ذميمة\".\n(^٣) في م: \"جوار\". وانظر تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٤) في م: \"فيهن\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٧، ١٠٧٨ (٦٠٢٧) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣١ إلى المصنف.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ص.","vol":"7","page":536},{"text":"يَحْتَلِموا، فأنزَل اللهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ إلى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ قال: فنزَلَتْ (^١) هذه الآيةُ ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ الآية كلّها [النساء: ١٧٦] (^٢).\nوقال آخرونَ: بل معنى ذلك: ويَسْتفتونك في النساء قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فيهن وفيما يُتْلَى عليكم في الكتابِ؛ يعنى في أوَّلِ هذه السورةِ، وذلك قولُه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-2252>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونسُ بنُ يَزِيدَ، عن ابن شِهابٍ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزبيرِ، أنه سَأَل عائشةَ زَوْجَ النبيِّ ﷺ عن قولِ اللهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قالت: يا بنَ أُختى (^٣)، هي اليتيمةُ تَكُونُ في حِجْرِ (^٤) وَليِّها، تُشارِكُه في مالِه، فيُعْجِبُه مالُها وجمالُها، فيُريدُ وَليُّها أن يَتَزوَّجَها بغيرِ (^٥) أَن يُقْسِطَ في صَداقِها فيُعْطِيَها مثلَ ما يُعْطِيها (^٦) غيرُه، فنُهوا أن يَنْكِحوهن إلا أن يُقْسِطوا لهن، ويَبْلُغوا بهن أعلى (^٧) سُنَّتِهنَّ (^٨) مِن الصَّداقِ، وأُمِروا أن يَنْكِحوا ما طاب لهم مِن النساءِ سواهن. قال\n_________\n(^١) في م: \"ونزلت\".\n(^٢) تقدم بنحوه من طريق عطاء عن سعيد ص ٥٣٢.\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أخى\".\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الرجل\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يعنى\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يعطى\".\n(^٧) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"على\".\n(^٨) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"سبيلهن\".","vol":"7","page":537},{"text":"عُروةُ: قالت عائشةُ: ثم إن الناسَ (^١) اسْتَفْتَوْا رسولَ ﷺ بعدَ هذه الآيةِ فيهن، فأنزَل اللهُ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قالت: والذي ذكَر اللهُ أنه يُتْلَى في الكتابِ، الآيةُ الأولَى التي قال فيها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (^٢).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى يونسُ، عن ابن شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ مثلَه.\nفعلى هذه الأقوالِ الثلاثةِ التي ذكَرناها؛ \"ما\" التي في قولِه: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ في موضِعِ خَفْضٍ بمعنى العطفِ على الهاءِ والنونِ التي في قولِه: ﴿يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾. فكأنهم وَجَّهوا تأويلَ الآيةِ: قُلِ اللهُ يُفْتِيكم أيُّها الناسُ في النساءِ وفيما (^٣) يُتْلَى عليكم في الكتابِ (^٤).\nوقال آخرون (^٥): نزَلتْ هذه الآيةُ على رسولِ اللهِ ﷺ في قومٍ مِن أصحابِه سأَلوه عن أشياءَ مِن أمرِ النساءِ، وترَكوا المسألةَ عن أشياءَ أُخَرَ كانوا يَفْعَلُونها، فأَفْتاهم اللهُ فيما سَأَلوا عنه، وفيما ترَكوا المسألةَ عنه.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"النساء\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ٦/ ٣٥٩.\n(^٣) في الأصل: \"ما\".\n(^٤) ينظر معاني القرآن ١/ ٢٩٠.\n(^٥) بعده في الأصل: \"معنى ذلك: قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب\". وبعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"معنى ذلك: قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب. وقال آخرون\".","vol":"7","page":538},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2253>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثنى وسفيانُ بنُ وَكيعٍ؛ قال (^١) سفيانُ: ثنا عبدُ الأعلى، وقال ابن المُثنى: ثنى عبد الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن محمدِ بن أبى موسى في هذه الآيةِ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾. قال: اسْتَفْتَوْا نبيَّ اللهِ ﷺ في النساءِ، وسَكَتوا عن شيءٍ كانوا يَفْعَلونه، فأنزَل اللهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾. ويُفْتِيكم فيما لم تَسْأَلوا عنه، قال: كانوا (^٢) لا يَتَزَوَّجون اليتيمةَ إذا كان بها دَمامةٌ، ولا يَدْفَعون إليها مالَها فتَنْفُقَ (^٣)، فنَزَلتْ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ (^٤) وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. قال: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ قال: كانوا يُوَرِّثون الأكابرَ ولا يُوَرِّثون الأصاغرَ. ثم أفتاهم فيما سَكَتوا عنه فقال: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا (^٥) بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ (^٦)﴾. ولفظُ الحديثِ لابنِ المثنى.\nقال أبو جعفرِ: فعلى هذا القولِ: الذي يُتْلَى علينا في الكتابِ، الذي قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾، ﴿وَإِنِ\n_________\n(^١) في الأصل: \"قالا حدثنا\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فكانوا\".\n(^٣) تنفق: يَكْثُر خُطَّابها. الوسيط (ن ف ق).\n(^٤) في النسخ \"في النساء\".\n(^٥) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يصالحا\". وينظر ما سيأتي ص ٥٤٨، ٥٦٠.\n(^٦) ينظر التبيان ٣/ ٣٤٤.","vol":"7","page":539},{"text":"امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الآية. والذي سأَل القومُ فأُجِيبوا عنه، في (^١) يتامَى النساءِ اللاتى كانوا لا يُؤْتونهن ما كتَب اللهُ لهن مِن الميراثِ عمَّن وَرِثْنَه عنه.\nوأولى هذه الأقوالِ التي ذكَرنا عمن ذكَرناها عنه بالصوابِ، وأشْبَهُها بظاهرِ التنزيلِ، قولُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾: وما يُتْلَى عليكم مِن آياتِ الفرائضِ في أولِ هذه السورةِ وآخرِها.\nوإنما قلنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن الصداقَ ليس مما كُتِبَ للنساءِ إلا بالنكاحِ، فما لم تُنْكَحْ فلا صداقَ لها قِبَلَ أَحَدٍ. وإذا لم يكن ذلك لها [قبَلَ أحدٍ، لم يَكُنْ مما كُتِبَ لها. وإذا لم يَكُنْ مما كُتِبَ لها] (^٢)، لم يَكُنْ لقولِ قائلٍ - عَنَى بقولِه: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾: الإقساطَ في صَدَقَاتِ يتامى النساءِ - وَجْهٌ (^٣)؛ لأن الله قال في سياقِ الآيةِ، مُبيِّنًا عن الفُتْيَا التي وعَدَنا أن يُفْتِيَناها: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾، فأَخْبَر أن بعضَ الذي يُفْتِينا فيه من أمرِ النساءِ، أَمْرُ اليتيمةِ المَحُولِ (^٤) بينَها وبينَ ما كتَب اللهُ لها. والصداقُ قبلَ عَقْدِ النكاحِ، ليس مما كتَب اللهُ لها على أحدٍ. فكان معلومًا بذلك أن التي عَنَى (^٥) بهذه الآيةِ، هي التي قد حِيلَ بينَها وبينَ الذي كُتِبَ لها مما يُتْلَى علينا في كتابِ اللَّهِ أمْرُه (^٦). فإذا كان\n_________\n(^١) \"في يتامى النساء … \" إلى آخر العبارة، هو جواب قوله: والذي سأل القوم فأجيبوا عنه. أي: سؤال القوم الذي أُجيبوا عنه، كان عن يتامى النساء\" إلخ.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المحولة\".\n(^٥) في م: \"عنيت\".\n(^٦) سقط من: م.","vol":"7","page":540},{"text":"ذلك كذلك، كان معلومًا أن ذلك هو الميراثُ الذي فَرَضَه (^١) اللهُ لهن في كتابِه.\nفأما الذي ذُكِرَ عن محمدِ بن أبى موسى (^٢)، فإنه - مع خروجِه مِن قولِ أهلِ التأويلِ - بعيدٌ مما يَدلُّ عليه ظاهرُ التنزيلِ؛ وذلك أنه زعَم أن الذي عَنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾، هو ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. وإذا وُجِّهَ الكلامُ إلى المَعْنَى الذي تَأوَّلَه، صار الكلامُ مُبْتَدأً مِن قولِه: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾، [ترْجَمَةً بذلك عن قولِه: ﴿فِيهِنَّ﴾، ويَصِيرُ معنى الكلامِ: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فيهن؛ في يَتامى النساءِ اللاتي لا تُؤْتونهن] (^٣). ولا دَلالةَ في الآيةِ على ما قالَه، ولا أَثَرَ عمَّن يُعْلَمُ بقولِه صحةُ ذلك، وإذ كان ذلك كذلك، كان وَصْلُ معاني الكلامِ بعضِه ببعضٍ أَوْلَى، ما وُجدَ إليه سَبيلٌ. فإذ كان الأمرُ على ما وَصَفْنا، فقولُه (^٤): ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾. بأن يكونَ صلةً لقولِه (^٥): ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. أَوْلَى مِن أن يكونَ ترجمةً عن قولِه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾؛ لقُرْبِه مِن قولِه: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾، وانقطاعِه عن قولِه: ﴿يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾.\nوإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: ويَسْتَفتونك في النساءِ، قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فيهن، وفيما يُتْلَى عليكم في كتابِ اللهِ الذي أنْزَلَه [على نبيِّه] (^٦) في أمرِ يتامى النساءِ اللاتى لا تُعْطُونهن ما كُتِبَ لهن؛ يعنى: ما فرَض اللهُ لهن مِن الميراثِ عمن وَرِثْنَه.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يوجبه\".\n(^٢) يعنى المصنِّفُ، ﵀، بذلك الأثر الذي ساقه في ص ٥٣٩ بإسناده.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في الأصل: \"بقوله\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قوله\".\n(^٥) في ص، س: \"كقوله\".\n(^٦) زيادة من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"7","page":541},{"text":"كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾. قال: لا تُوَرِّثونهن (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن مُغِيرة، عن إبراهيمَ قولَه: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾. قال: مِن الميراثِ. قال: كانوا لا يُوَرِّثون النساءَ (^٢). ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾.\n[واخْتَلف أهلُ التأْويلِ في معنى قولِه: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾] (^٣)؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وتَرْغَبون عن نكاحِهن. وقد مضَى ذِكْرُ جماعةٍ ممن قال ذلك، وستَذْكُرُ قولَ آخَرين لم نَذْكُرْهم.\nحدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعَدَةَ (^٤)، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا [عبدُ اللَّهِ] (^٥) بنُ عَوْنٍ، عن الحسنِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. قال: تَرْغَبون عنهن (^٦).\nحدَّثنا يعقوبُ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن عونٍ، عن الحسنِ مثلَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيدَ، عن ابن\n_________\n(^١) في الأصل: \"تورثوهن\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تؤتونهن\". وينظر التبيان ٣/ ٣٤٥.\n(^٢) تقدم بمعناه من طريق المغيرة عن إبراهيم ص ٥٣٣، ٥٣٤.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) بعده في م: \"الشامى\". وهو تصحيف، وإنما هو حميد بن مسعدة بن المبارك السامى، بالمهملة، وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٣٩٥.\n(^٥) في م: \"عبيد الله\". خطأ؛ وهو عبد الله بن عون بن أَرْطبان المُزَني، أبو عون البصرى. ينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٣٩٤.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٤/ ٣٥٧ من طريق عبد الله بن عون به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٢ إلى ابن المنذر.","vol":"7","page":542},{"text":"شهابٍ، عن عُرْوةَ، قال: قالت عائشةُ في قولِ اللهِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾: رَغْبَةَ أحدِكم عن يتيمتِه التي تكونُ في حِجْرِه، حينَ تكونُ قليلةَ المالِ والجمالِ، فنُهُوا أن يَنْكِحوا مَن رَغِبوا في مالِها وجمالِها مِن يتامى النساءِ إلا بالقسطِ؛ مِن أجلِ رغبتِهم عنهن (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: قال عُرْوةُ: قالت عائشةُ، فذكَر مثلَه (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: وتَرْغَبون في نكاحِهن. وقد مضَى ذِكْرُ جماعةٍ ممن قال ذلك قبلُ، ونحن ذاكروُ قولِ مَن لم نَذْكُرْ منهم.\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا ابن عونٍ، عن محمدٍ، عن عَبِيدَةَ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. قال: وتَرْغَبون فيهن (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن عَوْنٍ، عن محمدٍ، قال: قلتُ لعَبِيدةَ ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. قال: تَرْغَبون فيهن (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. فكان الرجلُ في الجاهليةِ تكونُ عندَه اليتيمةُ فيُلْقِى عليها ثوبَه، فإذا فعَل ذلك بها لم يَقْدِرْ أحدٌ أن يَتَزوَّجَها أبدًا. فإن كانت جميلةً وهَوِيَها، تَزوَّجَها وأكَل مالَها، وإن كانت دَمِيمةً (^٣)، منَعها الرجلَ أبدًا حتى تَموتَ، فإذا ماتت وَرِثَها.\n_________\n(^١) تقدم في ص ٥٣٨، ٦/ ٣٦٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٤/ ٣٥٧ من طريق عبد الله بن عون به، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٢ وعزاه إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد بلفظ: \"ترغبون عنهن\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ذميمة\".","vol":"7","page":543},{"text":"فحَرَّم اللهُ ذلك ونهَى عنه (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى القولين بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: وتَرْغَبون عن أن تَنْكِحوهن؛ لأن حَبْسَهم (^٢) أموالَهن عنهن مع عَضْلِهم (^٣) إياهنَّ؛ إنما كان ليَرِثوا أموالَهن دونَ زوجٍ إن تَزَوَّجْنَ، ولو كان الذين حبَسوا عنهنَّ أموالَهن إنما حَبَسوها عنهنَّ رغبةً في نكاحِهنَّ، لم يَكُنْ للحَبْسِ عنهنَّ وجةٌ معروفٌ؛ لأنهم كانوا أولياءَهن، ولم يَكُنْ يَمْنَعُهم مِن نكاحِهنَّ مانعٌ، فيَكُونَ به حاجةٌ إلى حَبْسِ مالِها عنها؛ لِيَتَّخِذَ حَبْسَه (^٤) عنها سببًا إلى إنكاحِها نَفْسَها منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2254>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ويَسْتَفتونك في النساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فيهن، وفيما يُتْلَى عليكم في الكتابِ، وفى المُسْتَضْعَفِين مِن الولدانِ، وفى أن تَقُوموا لليتامى بالقِسْطِ.\nوقد ذَكَرْنا الرِّوايةَ بذلك عمَّن قاله مِن الصحابةِ والتابعين فيما مضَى. والذي أفتاهم في أمرِ المُسْتَضْعَفِين مِن الوِلْدانِ، أن يُؤْتوهم (^٥) حُقوقَهم مِن الميراثِ؛ لأنهم كانوا لا يُوَرِّثون الصِّغارَ مِن أولادِ المَيِّتِ، وأَمَرَهم أن يُقْسِطوا فيهم فيَعْدِلوا ويُعْطوهم فَرائِضَهم على ما قسَم اللهُ لهم في كتابِه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٧ (٦٠٢٦) من طريق أبى صالح به مثله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٢ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حبستم\".\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عضلهن\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حبسها\".\n(^٥) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تؤتوهم\".","vol":"7","page":544},{"text":"كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحُسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾، كانوا لا يُوَرِّثون جاريةً ولا غُلامًا صغيرًا، فأمَرَهم اللهُ أن يَقُوموا لليتامى بالقسطِ. والقِسْطُ: أَن يُعْطِىَ كُلَّ دَى حقٍّ منهم حَقَّه، ذكرًا كان أو أُنْثَى، الصغيرُ منهم بمنزلةِ الكبيرِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرني ابن وهبِ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾. قال: لا تُوَرِّثونَهنَّ (^٢) قال (^٣): ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾. قال: فدخَل النساءُ والصغيرُ والكبيرُ في [المواريثِ، ونَسَخَتِ] (^٤) المواريثُ ذلك الأولَ.\nحدُثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [قال: حدثني] (^٥) عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾: أُمِروا لليتامى بالقِسْطِ: بالعدلِ (^٦).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [عُبَيدُ اللهِ] (^٧)، عن إسرائيلَ، عن السُّديِّ، عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٨، ١٠٧٩ (١٠٣٣) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تورثوهن\".\n(^٣) في م: \"مالا\".\n(^٤) في الأصل بياض بقدر كلمتين أو ثلاث كلمات.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عن\".\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٢٩٣، ٢٩٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٨ (٦٠٣١). وعندهما \"لليتيم\" بدل \"لليتامى\".\n(^٧) في الأصل: \"عبد الله\". وينظر ص ٥٣٤ حاشية (٢ - ٢).","vol":"7","page":545},{"text":"مالكٍ: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾. قال: كانوا لا يُوَرِّثون إلا الأكبرَ فالأكبرَ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾: فكانوا في الجاهليةِ لا يُوَرِّثون الصغارَ ولا البناتِ، فذلك قولُه: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾. فنهَى اللَّهُ عن ذلك، وبَيَّنَ لكلِّ ذى سَهُمٍ سَهْمَه، فقال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. صغيرًا كان أو كبيرًا. (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾، وذلك أنهم كانوا لا يُوَرِّثون الصغيرَ والضعيفَ شيئًا، فأمَر اللهُ أن يُعْطَى (^٣) نَصِيبَه مِن الميراثِ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مُغِيرةُ عن إبراهيمَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ كان إذا جاءه وليُّ اليتيمةِ، فإن كانت حَسَنةً غَنِيَّةً، قال له عمرُ: زَوِّجْها مِن غيرِك، والْتَمِس لها [مَن هو خيرٌ منك] (^٥). وإذا كانت بها دَمامةٌ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٤/ ٣٥٨، ٣٥٩ مطولًا من طريق عبيد الله - وهو ابن موسى بن أبي المختار - به، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٨ (٦٠٢٩) من طريق يحيى بن أبى زائدة عن إسرائيل به بلفظ: \"كانوا لا يورثون إلا الأكابر\". وانظر ص ٥٣٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٨ (٦٠٢٨) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٢ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في م: \"يعطيه\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣١ إلى المصنف، وهو تمام الأثر المتقدم في صفحة ٥٣٥.\n(^٥) في الأصل: \"كفوا\".","vol":"7","page":546},{"text":"ولا مالَ لها، قال: تَزَوَّجْها فأنت أحقُّ بها (^١).\n[حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ] (^٢)، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا يونسُ بنُ عُبَيدٍ، عن الحسنِ (^٣)، قال جاء رجلٌ إلى عليّ بن أبى طالبٍ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما أمْرِى وما أمْرُ يَتِيمتى؟ قال في أيِّ [ذلك ما] (^٤) قال. ثم قال عليٌّ: أمُتَزَوِّجُها أنتَ وهى غنيةٌ جميلةٌ؟ قال: نعم والإلهِ. قال: فتَزَوَّجْها دَمِيمةً لا مالَ لها. ثم قال عليٌّ: [خِرْ لها] (^٥)، فإن كان غيرُك خيرًا لها فألْحِقْها بالخَيْرِ.\nقال أبو جعفرٍ: فقِيامُهم لليتامى بالقسطِ، كان العدلَ فيما أمَر اللهُ فيهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2255>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾.</span>\nيعنى بذلك جل ثناؤه: ومهما يَكُنْ منكم أيُّها المؤمنون، مِن عدلٍ في أَمْرِ (^٦)\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٣/ ٣٦٢.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الحسين بن الفرج\". والحسين بن الفرج إنما هو شيخ \"شيخ الطبرى\". والحسن هذا هو الحسن بن أبى الحسن البصرى، يروى عن عليٍّ مرسلًا. ويروى عنه يونسُ بن عبيد بن دينار العبدى أبو عبد الله - ويقال: أبو عبيد - البصرى. انظر تهذيب الكمال ٦/ ٩٥، ٣٢/ ٥١٧.\n(^٤) في ص: \"بالكما\"، وفى م، ت ٢، ت ٣: \"بالكما\"، وفى ت ١، س: \"نالكما\". أما قوله: \"قال في أي ذلك ما قال\" فمعناه: قال في شأنه وشأن اليتيمة التي يتولى أمرها ما شاء مما يريد فيه فتوى أمير المؤمنين على.\n(^٥) في الأصل: \"خذها\"، وفى م: \"تزوجها إن كنت خيرًا لها\".\n(^٦) في م: \"أموال\".","vol":"7","page":547},{"text":"اليتامى التي أمرَكم اللهُ أن تقوموا فيهنَّ (^١) بالقسطِ، وانتِهاءٍ إلى أمرِ اللهِ في ذلك وفى غيرِه وإلى طاعتِه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ (^٢) كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾، لم يَزَلْ عالمًا بما هو كائنٌ منكم [في ذلك] (^٣)، وهو مُحْصٍ ذلك كُلَّه عليكم، حافظٌ له (^٤)، حتى يُجازيَكم به جزاءَكم يومَ القيامةِ.\n\n<span id=\"aya-621\"></span><span data-type='title' id=toc-2256>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا (^٥) بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جل ثناؤُه: ﴿وَإِنِ [امْرَأَة خَافَتْ] مِنْ بَعْلِهَا﴾ (^٦). يقولُ: عَلِمَتْ مِن زوجِها ﴿نُشُوزًا﴾. يعنى: اسْتِعْلاءً بنفسِه عنها إلى غيرِها، أثرَةً عليها، وارْتِفاعًا بها عنها؛ إما لبِغْضةٍ، وإما لكَرَاهَةٍ (^٧) منه بعضَ أسْبابِها (^٨)؛ إما دَمامَتُها، وإما سِنُّها وكِبَرُها، أو غيرُ ذلك مِن أمورِها، ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾. يعنى: انْصِرافًا عنها بوجهِه، أو ببعضِ منافعِه التي كانت لها منه، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ يقولُ: فلا حرجَ عليهما. يعنى: على المرأةِ الخائفةِ نُشُوزَ بَعْلِها أو إعراضَه عنها. ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ وهو أن تَتْرُكَ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، س: \"فيهم\".\n(^٢) بعده في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"جل ثناؤه\".\n(^٣) سقط من: م، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ذلك\".\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س \"لكم\".\n(^٥) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، هنا وفيما سيأتي: \"يَصّالحا\". وهى القراءة التي سيختارها المنصف، وأثبتناها كما في المطبوعة، وهى قراءتنا.\n(^٦) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"خافت امرأه\".\n(^٧) في الأصل: \"لكراهية\".\n(^٨) في م: \"أشياء بها\".","vol":"7","page":548},{"text":"له يَوْمَها، أو تَضَعَ عنه (^١) بعضَ الواجبِ لها مِن حقٌّ عليه، تَسْتَعْطِفُه بذلك وتَسْتَدِيمُ المُقامَ في حبالِه، والتَّمسُّكَ بالعَقْدِ الذي بينَها وبينَه من النكاحِ. يقولُ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. يعنى تعالى ذكرُه: والصُّلْحُ بتَرْكِ بعضِ الحقَّ اسْتِدامةً للحُرْمةِ، [وتَمَسُّكًا بعقدِ] (^٢) النكاحِ، خيرٌ مِن طَلَبِ الفُرْقةِ والطلاقِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2257>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأَحْوَصِ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن خالدِ بن عُرْعُرَةَ، أن رجلًا أتى عليًّا ﵁ يَسْتَفْتِيه في امرأةٍ خافت مِن بَعْلِها نُشوزًا أو إعراضًا، فقال: قد تكونُ المرأةُ عندَ الرجلِ، فتَنْبو عيناه عنها مِن دمامتِها، أو كِبَرِها، أو سُوءِ خلقِها، أو فَقْرِها، فتَكْرَهُ فِراقَه، فإن وَضَعتْ له مِن مهرِها شيئًا حلَّ له، وإن جَعَلتْ له مِن أيامِها شيئًا فلا حرجَ (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بن حربٍ، عن خالدِ بن (^٤) عُرْعُرةَ، قال: سُئِلَ عليٌّ: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾. قال: المرأةُ الكبيرةُ، أو الدَّمِيمةُ، أو لا يُحِبُّها زوجُها، فيَصْطَلِحان.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"منه\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وتمسكا لعقدة\"، وفى م: \"وتماسكا بعقد\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٠٣، ٢٠٤، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٠ (٦٠٤٢)، من طريق أبى الأحوص به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٢ إلى الطيالسى وابن راهويه وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقى.\n(^٤) في م: \"عن\". وانظر التاريخ الكبير ٣/ ١٦٢، والجرح والتعديل ٣/ ٣٤٣.","vol":"7","page":549},{"text":"حدَّثنا ابن المثنى، قال ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شُعْبَةُ وحمادُ بنُ سَلَمَةَ وأبو الأحوصِ، كلُّهم عن سماكِ بن حربٍ، عن خالدِ بن عُرْعُرَةَ (^١)، عن عليٍّ، بنحوِه (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن خالدِ بن عُرْعُرَةَ التَّيْميِّ (^٣)، أن رجلًا سأل عليًّا ﵁ عن قولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾. قال: تكونُ المرأةُ عندَ الرجلِ دَمِيمةً فتَنْبو عينُه عنها مِن دَمامتِها أو كِبَرِها، فإن جَعَلتْ له مِن أيامِها أو مالِها شيئًا [فليس عليه جناحٌ] (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا جَريرٌ، عن أشْعَثَ، عن ابن سيرينَ، قال: جاء رجلٌ إلى عمرَ فسَأله عن آيةٍ، فكَرِة ذلك وضرَبه بالدِّرَّةِ، فسأله آخرُ عن هذه الآيةِ: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. فقال: عن مِثلِ هذا فسَلُوا. ثم قال: هذه المرأةُ (^٥) تكونُ عندَ الرجلِ قد خلا مِن سِنِّها (^٦)، فيَتَزوجُ المرأةَ الشابةَ يَلْتَمِسُ ولدَها، فما اصطَلحا عليه مِن شيءٍ فهو جائزٌ (^٧).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عِمرانُ بنُ عُيَيْنةَ، قال: ثنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"التميمى\". وإنما هو تيمى لا تميمى كما في المصادر السابقة.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٣٨٠ عن أبي داود الطيالسى به، وهو في تفسير مجاهد ص ٢٩٤، وسنن البيهقى ٧/ ٢٩٧، من طريق حماد بن سلمة به، بنحوه.\n(^٣) في الأصل: \"التميمى\":\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فلا جناح عليه\".\n(^٥) في ص، ت ١، وتفسير ابن كثير: \"إلا مرأة\".\n(^٦) خلا من سنها: كَبِرت ومضَى معظم عمرها. واللسان (خ ل و).\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٣٨٠ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٢ إلى المصنف.","vol":"7","page":550},{"text":"إِعْرَاضًا﴾. قال: هي المرأةُ تكونُ عندَ الرجلِ حتى تَكْبَرَ، فيُرِيدُ أن يَتَزوَّجَ عليها، فيَتَصَالحَانِ (^١) بينَهما صُلْحًا، على أن لها يومًا، ولهذه يومان أو ثلاثةٌ (^٢).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا عِمرانُ، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ بنحوِه، إلا أنه قال: حتى تَلِدَ أو تَكْبَرَ. وقال أيضًا: فلا جُناحَ عليه (^٣) أن يُصالِحَها (^٤) على ليلةٍ، وللأخرى (^٥) لَيْلَتين.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ، قال: هي المرأةُ تكونُ عندَ الرجلِ قد طالتْ صُحْبَتُها وكَبِرَتْ. قال (^٦): فيُريدُ أن يَتَبَدَّلَ (^٧) بها، فتَكْرهُ أن تُفارِقَه، ويَتَزَوَّجُ عليها، فيُصالِحُها (^٨) على أن يَجْعَلَ لها أيامًا، وللأُخرى الأيامَ والشهرَ (^٩).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو بن أبى قَيْسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. قال: هي المرأةُ تكونُ عندَ الرجلِ، فيُرِيدُ أن يُفارِقَها، فتَكْرَهُ أن يُفَارِقَها، ويُريدُ أن يَتَزوجَ، فيقولُ: إنى لا أستطيعُ أن أقْسِمَ لكِ مثلَ (^١٠) ما أَقْسِمُ لها. فتُصالحُه على أن يكونَ لها\n_________\n(^١) في الأصل، ت ٢: \"فيصالحان\"، وفى م: \"فيتصالحا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٣ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"عليهما\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يصالحا\".\n(^٥) في م: \"الأخرى\".\n(^٦) سقط من: م، وفى الأصل: \"قالت\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يستبدل\". وهما بمعنى.\n(^٨) في م: \"فيصالحا\".\n(^٩) ينظر التبيان ٣/ ٣٤٦، وتفسير ابن كثير ٢/ ٣٨٠.\n(^١٠) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بمثل\".","vol":"7","page":551},{"text":"في الأيامِ يومٌ، فيَتَراضَيانٍ على ذلك، فيَكُونانِ على ما اصْطَلَحا عليه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قالت: هذا في المرأةِ تكونُ عندَ الرجلِ، فلَعَلَّه [ألا يكونَ يَسْتَكْثِرُ] (^١) منها، ولا يَكونُ لها ولدٌ، ويكونُ (^٢) لها صُحْبَةٌ، فتقولُ: لا تُطَلِّقْني وأنت في حِلٍّ مِن شَأْنى (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حَجّاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن عروةَ، عن عائشةَ في قولِه: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. قالت: هذا الرجلُ يكونُ (^٤) له امرأتان (^٥)؛ إحداهما قد عَجَزتْ، أو هي دَمِيمةٌ، وهو لا يَسْتَكْثِرُ منها، فتقولُ: لا تُطَلِّقْنى، وأنت في حلٍّ مِن شَأْنى (^٦).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ بنحوِه، غيرَ أنه قال: فتقولُ: أجْعَلُك مِن شأنى في حِلٍّ. فنَزَلت هذه الآيةُ [في ذلك] (^٧).\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"أن يكون يستكبر\"، وفى م، ت ٢، ت ٣: \"لا يكون يستكثر\"، وفى س: \"أن يكون يستكثر\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٣٨٠ عن المصنف.\n(^٤) في الأصل: \"تكون\".\n(^٥) بعده في الأصل، ص: \"تكون\"، وبعده في ت ١، س: \"يكون\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٣٨٠ عن المصنف.\n(^٧) سقط من: الأصل.\nوالأثر أخرجه البخارى (٤٦٠١، ٥٢٠٦)، ومسلم (٣٠٢١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧٩، =","vol":"7","page":552},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. [قال: تلك] (^١) المرأةُ تكونُ عندَ الرجلِ لا يَرَى منها [كبيرَ ما يُحِبُّ] (^٢)، وله امرأةٌ غيرُها أَحَبُّ إليه منها، فيُؤْثِرُها عليها، فأمَرَ (^٣) اللهُ إذا كان ذلك أن يقولَ لها: يا هذه، إن شِئْتِ أن تُقِيمى على ما تَرَين مِن الأَثَرَةِ، فأُواسِيَك وأُنْفِقَ عليك فأَقيمِى، وإِن كَرِهْتِ خَلَّيْتُ سَبِيلَك. فإن هي رَضِيَتْ أن تُقيمَ بعدَ أن يُخَيِّرَها فلا جُناحَ عليه، وهو قولُه: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. وهو التَّخْيِيرُ (^٤).\nحدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ [وبحرُ بنُ نصرٍ، قالا] (^٥): ثنا ابن وهبٍ، قال: ثنى ابن أبى الزِّنادِ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: أنْزَلَ اللَّهُ هذه الآيةَ في المرأةِ إذا دَخَلَتْ في السِّنِّ، فتَجْعَلُ يَومَها لامرأةٍ أخرى. قالت: ففى ذلك [أنْزَل اللهُ] (^٦): ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (^٧).\n_________\n= ١٠٨١ (٦٠٣٧، ٦٠٤٥)، والبيهقى في ٧/ ٢٩٦، والواحدى في أسباب النزول ص ١٣٧، من طريق هشام بن عروة به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٢ إلى ابن المنذر.\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فتلك\".\n(^٢) في م: \"كثير ما يجب\".\n(^٣) في م: \"فأمره\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨١ (٦٠٤٦) من طريق أبى صالح به مقتصرًا على آخره. وعزاه السيوطي بتمامه في الدر المنثور ٢/ ٢٣٣، إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قال\".\n(^٦) في ص: \"أنزل\"، وفى م: \"أنزلت\".\n(^٧) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٠٢ - تفسير) ومن طريقه البيهقى ٧/ ٢٩٧، عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن هشام عن أبيه أن الآية أنزلت في سودة فذكر الحديث.\nوهو عند أبى داود في سننه (٢١٣٥) والحاكم ٢/ ١٨٦، والبيهقى ٧٤/ ٧، ٧٥ من طريق ابن أبي الزناد عن هشام عن أبيه عن عائشة به نحوه.","vol":"7","page":553},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا هشامٌ، عن ابن سيرينَ، عن عَبِيدةَ، قال: سألْتُه عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. قال: هي المرأةُ تَكُونُ مع زوجِها، فيريدُ أن يَتَزَوَّجَ عليها، فتُصالِحُه مِن يومِها على صلحٍ. قال: فهما على ما اصْطَلحا عليه، فإن انْتَقَصَتْ (^١) به فعليه أن يَعْدِلَ عليها أو يُفَارِقَها.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، [قال: أخبرَنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ أنه كان يقولُ ذلك (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ] (^٣)، قال: أخبرَنا حجاجٌ، عن مجاهدٍ أنه كان يقولُ ذلك.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن ابن سِيرينَ، عن عَبِيدةَ في قولِه: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: يُصالحُها على ما رَضِيَتْ دونَ حقِّها، فله ذلك ما رضِيت، فإذا أنكَرتْ - أو [قال: غَيَّرتْ] (^٤) - فلها أن يَعْدِلَ عليها، أو يُرْضِيَها، أو يُطَلِّقَها.\nحدَّثني ابن وَكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، قال: سأَلتُ عَبيدةَ عن قولِ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾.\n_________\n(^١) في م: \"انتقضت\".\n(^٢) ينظر التبيان ٣/ ٣٤٦.\n(^٣) في الأصل: \"قال أخبرنا حجاج عن مجاهد أنه كان يقول، حدثني يعقوب\"، وفى ص: \"قال حدثنا حجاج عن مجاهد أنه كان يقول ذلك. قال حدثنا هشيم\"، ومثله في ت ١، ت ٢، ت ٣، س، دون: \"قال\" الثانية.\n(^٤) في م: \"قالت غرت\".","vol":"7","page":554},{"text":"قال: هو الرجلُ تكونُ له المرأةُ، قد خلا من (^١) سنِّها، فتصالحُه من (^٢) حقِّها على شيءٍ، فهو له ما رضِيَتْ، [فإذا كرِهَتْ] (^٣) فلها أن يعدِلَ عليها، أو يرضِيَها من حقِّها، أو يطلِّقَها (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، قال سألتُ عَبيدةَ عن قولِه: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾: فذكَر نحوَ ذلك، إلا أنه قال: فإن سخِطَتْ فله أن يُرَضِيَها، أو يُوَفِّيَها حقَّها كلَّه، أو يُطَلِّقَها.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، قال: قال إبراهيمُ: إذا شاءتْ كانت على حقِّها، وإن شاءت أَبَتْ فردَّتِ الصُّلحَ، فذلك بيدِها، فإن شاء طلَّقها، وإن شاء أمْسَكَها على حقِّها.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾. قال: قال عليٌّ: تكونُ المرأةُ عندَ الرجلِ الزمانَ الكثيرَ، فتَخافُ أن يُطَلِّقَها، فتُصَالحُه على صُلْحٍ بما (^٥) شاء وشاءتْ، يَبِيتُ عندَها في كذا وكذا ليلةً، وعند الأُخرى (^٦) ما تَرَاضَيا عليه، وأن تكونَ نَفَقَتُها دونَ ما كانتْ، وما صالَحَتْه عليه مِن شيءٍ فهو جائزٌ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عبدِ الملكِ، عن أبيه، عن الحكمِ: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. قال: هي المرأةُ تكونُ عندَ الرجلِ، فيُريدُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في م: \"عن\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فإن أكرهت\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٠٣ عن عبد الوهاب به.\n(^٥) في م: \"ما\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وأخرى\".","vol":"7","page":555},{"text":"أن يُخَلِّىَ سبيلَها، فإذا خافَت ذلك منه ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾. تَدَعُ مِن أيامِها إذا تَزَوَّج (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَهَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. إلى قولِه: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْر﴾: و(^٢) هو الرجلُ تَكُونُ تحتَه المرأةُ الكبيرةُ، فيَنْكِحُ عليها المرأةَ الشابةَ، فيَكْرَهُ أن يُفَارِقَ أمَّ ولدِه، فيُصالِحُها (^٣) على عَطِيَّةٍ مِن مالِه ونفسِه، فيَطِيبُ له ذلك الصلحُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الآية فقرَأ حتى بلَغ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾: وهذا في الرجلِ تكونُ عندَه المرأةُ قد خلا من سِنِّها، وهان عليه بعضُ أمرِها، فيقولُ: إن كنتِ راضيةً مِن نفسى ومالى بدونِ ما كنتِ تَرْضَين به قبلَ اليومِ. فإن اصْطَلَحا مِن ذلك على أمرٍ، فقد أَحَلَّ اللهُ لهما ذلك، وإن أبَت فإنه لا [يَحِلُّ له] (^٤) أن يَحْبِسَها على الخَسْفِ (^٥).\nوحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨١ عقب الأثر (٦٠٤٥) معلقًا نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٣ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في الأصل: \"فيصالحا\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يصلح\"، وفى م: \"يصلح له\".\n(^٥) في س: \"الحيف\". والخسف: الإذلال، وأن يحملك الإنسان ما تكره. والحيف: الجور والظلم. التاج (ح ى ف، خ س ف).\nوالأثر ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨١ عقب الأثر (٦٠٤٥) معلقًا بنحوه، وانظر التبيان ٣/ ٣٤٦، وتفسير ابن كثير ٢/ ٣٨٠.","vol":"7","page":556},{"text":"الزُّهْرِيِّ، عن سعيدِ بن المسيبِ وسليمانَ بن يسارٍ، أن رافعَ بنَ خَدِيجٍ كانتْ (^١) تحتَه امرأةٌ قد خَلَا مِن سِنِّها، فتَزَوَّج عليها شابةً، فآثَر الشابةَ عليها، فأبَتِ امرأتُه الأولى أن تقرَّ (^٢) على ذلك، فطَلَّقَها تطليقةً، حتى إذا بَقِيَ مِن أجَلِها يَسيرٌ قال: إن شِئْتِ راجَعْتُكِ وصبرَتِ على الأَثَرَةِ، وإن شِئْتِ تَرَكْتُك حتى يَخْلُوَ أجَلُك. قالت: بل راجِعْنى وأصبرُ على الأثَرَةِ. فراجَعَها، ثم آثَر عليها فلم تَصْبِرْ على الأثَرَةِ، فَطَلَّقَها أُخرى، وآثَر عليها الشابةَ. قال: فذلك الصلحُ الذي بَلَغَنا أن الله أنْزَل فيه: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (^٣).\nقال الحسنُ: قال عبدُ الرزاقِ: قال معمرٌ وأخبرَنى أيوبُ، عن ابن سِيرينَ، عن عَبِيدةَ بمثلِ حديثِ الزهريِّ، وزاد فيه: فإنْ أضَرَّ بها الثالثةَ فإن عليه أن يُوَفِّيِها حقَّها، أو يطلِّقَها (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كان\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تقيم\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٥، وهو في مصنفه (١٠٦٥٣)، ومن طريقه الحاكم ٢/ ٣٠٨، وصححه على شرط الشيخين. وأخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٨١ (٦٠٤٤)، والبيهقى ٧/ ٢٩٦ من طريق شعيب بن أبى حمزة عن الزهرى به نحوه.\nوأخرجه الشافعي في مسنده ٢/ ٥٣، ٥٤، وسعيد بن منصور في سننه (٧٠١ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٠٢، والبيهقى ٧/ ٢٩٦، والواحدى في أسباب النزول ص ١٣٧ من طريق سفيان عن الزهرى عن سعيد بن المسيب وحده بنحوه.\nوأخرجه مالك ٢/ ٥٤٨، ٥٤٩ عن ابن شهاب عن رافع به مرسلًا.\nوالحديث عراه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٢ إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٥، وهو في مصنفه (١٠٦٥٤).","vol":"7","page":557},{"text":"نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. قال: قولُ الرجلِ لامرأتِه: أنت كبيرةٌ، وأنا أُرِيدُ أن أسْتَبْدِلَ امرأةً شابةً وَضِيئَةٌ، فقَرِّى على وَلَدِك، فلا أُقْسِمُ لك مِن نفسى شيئًا. فذلك الصلحُ بينَهما، وهو أبو السَّنابلِ بنُ بَعْكَكٍ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ: ﴿مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. ثم ذكَر نحوَه. قال شبلٌ: فقلت له: فإن كانت لك امرأةٌ، فتَقْسِمُ لها ولم تَقْسِمْ لهذه؟ قال: إذا [صالَحَتْه على ذلك] (^٢) فليس عليه شيءٌ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، قال: سأَلت عامرًا عن الرجلِ تَكُونُ عندَه المرأةُ يُرِيدُ أن يُطَلِّقَها فتقولُ: لا تُطَلِّقْنى، واقسِمْ لى يومًا، وللتى تَزوَّجُ يَومين. قال: لا بأسَ (^٣)، هو صُلْحٌ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ (^٥)، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. قال: المرأةُ تَرَى مِن زوجِها بعضَ الجفاءِ، أو (^٦) تَكُونُ قد كَبِرَتْ، أو لا تَلِدُ، فيُريدُ زوجُها أن يَنْكِحَ غيرَها فيَأْتِيها، فيقولُ: إنى أُرِيدُ أن أنْكِحَ امرأةً أَشَبَّ (^٧) منك، لَعَلَّها أن تَلِدَ لى، وأُوثِرَها في الأيامِ والنفقةِ. فإن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٩٤.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"صالحت على هذا\".\n(^٣) بعده في م: \"به\".\n(^٤) ينظر التبيان ٣/ ٣٤٦، وتفسير ابن كثير ٢/ ٣٨٠.\n(^٥) في الأصل: \"المثنى\".\n(^٦) في م: \"و\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"شابة أنسب\".","vol":"7","page":558},{"text":"رَضيت بذلك وإلا طَلَّقَها، فيَصْطَلِحان على ما أحبَّا (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. قال: ﴿نُشُوزًا﴾ عنها، عَرَّضَ بها (^٢) - الرجلُ تَكُونُ له امْرَأَتانِ (^٣) - ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ فيَتْرُكُها (^٤) ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾. إما أن يُرْضِيَها فتُحَلِّلَه، وإما أن تُرْضِيَه فتَعْطِفَه على نفسِها (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾: يَعْنى البُغْضَ (^٥).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يَقُولُ: أخبرَنا عبيدُ بنُ سُليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يَقُولُ في قولِه: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾: فهو الرجلُ تكونُ تحتَه المرأةُ الكبيرةُ، فيَتَزَوَّجُ عليها المرأةَ الشابةَ، فيَمِيلُ إليها، وتكونُ أعْجَبَ إليه مِن الكبيرةِ، فيُصالِحُ الكبيرةَ على أن يُعْطِيَها مِن مالِه، ويَقْسِمَ لها مِن نفسِه نصيبًا معلومًا.\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٣/ ٣٤٦.\n(^٢) عرَّض لفُلان وبه: إذا قال فيه قولًا وهو يَعِيبُه. اللسان (ع ر ض).\n(^٣) في م: \"المرأتان\".\n(^٤) في ص، ت ١، س: \"فتركها\"، وفى م، ت ٢، ت ٣: \"يتركها\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٠ (٦٠٣٩) من طريق أبى صالح به. وينظر فتح البارى ٨/ ٢٦٥.","vol":"7","page":559},{"text":"[حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ وزيدُ بنُ أخْزَمَ (^١)، قالا: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا سليمانُ بن معاذٍ، عن سِمَاكِ بن حربٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: خَشِيَتْ سودةُ أن يُطَلِّقَها رسولُ اللهِ ﷺ، فقالت: لا تُطَلِّقْنى، [واحبِسْنى مع] (^٢) نسائِك، ولا تَقْسِمْ لى. ففعَل، فنَزَلتْ: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾] (^٣).\nواختَلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: (أن يَصَّالحا بينَهما صلحًا)؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ بفتحِ الياءِ وتشديدِ الصادِ (^٤)، بمعنى: أن يَتَصالَحَا بينَهما صُلْحًا. ثم أُدْغِمت التاءُ في الصادِ فصُيِّرَتا صادًا مُشَدَّدَةٌ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾. بضَمِّ الياءِ وتخفيفِ الصادِ، بمعنى: أصْلَح الزوجُ والمرأةُ بينَهما.\nوأَعْجَبُ القِراءتَيْن في ذلك إليَّ قراءةُ مَنْ قرَأ (^٥): (أنْ يَصَّالَحَا بَيْنَهُما صُلْحًا). بفتح الياءِ وتشديدِ الصادِ، بمعنى \"يَتَصالَحا\"؛ لأن التَّصالُحَ في هذا الموضعِ أشهرُ وأوضحُ معنَى، وأفصحُ وأكثرُ على أَلْسُنِ العربِ، مِن الإصلاحِ، والإصلاحُ (^٦) في\n_________\n(^١) في م: \"أخرم\". وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٥.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في الأصل: \"واحسنى مع\"، وفى م: \"على\". والحديث أخرجه الطيالسى (٢٨٠٥ - طبعتنا) ومن طريقه الترمذى (٣٠٤٠)، وابن أبي حاتم ٤/ ١٠٧٩، ١٠٨٠ (٦٠٣٦، ٦٠٤٣)، والطبرانى (١١٧٤٦)، والبيهقى ٧/ ٢٩٧، وسليمان بن معاذ ضعيف.\n(^٤) وهى قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبى عمرو، وقرأ عاصم وحمزة والكسائى بضم الياء وسكون الصاد وكسر اللام. حجة القراءات ص ٢١٣، ٢١٤.\n(^٥) بعده في النسخ: \"إلا\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الاصطلاح\".","vol":"7","page":560},{"text":"خلافِ الإفسادِ أَشهرُ منه في معنى التَّصالُحِ.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن في قولِه: ﴿صُلْحًا﴾. دَلالةً على أن قراءةَ مَن قرَأ ذلك: ﴿يُصْلِحَا﴾. بضمِّ الياءِ أولى بالصوابِ. فإن الأمرَ في ذلك بخلافِ ما ظنَّ؛ وذلك أن الصلحَ اسمٌ وليس بفعلٍ فيُسْتَدَلَّ به على أوْلَى القراءتين بالصوابِ في قولِه: ﴿يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-2259>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وأُحْضِرَتْ أنفُسُ النساءِ الشُّحَّ على أنْصِبائِهِنَّ مِن أَنْفُسِ أزْواجِهِنَّ وأموالِهم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-2258>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عِمرانُ بنُ عُيَينةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾. قال: نَصِيبَها منه (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، قالا جميعا: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾. قال: في الأيامِ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جُريجٍ،\n_________\n(^١) في الأصل، م: \"أموالهن\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٢ (٦٠٥٠) من طريق عطاء بن السائب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٣ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"7","page":561},{"text":"عن عطاءٍ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾. قال: في الأيامِ والنفقةِ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن مَهْدِيِّ وابنُ يَمانٍ، عن سُفْيانَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، قال: في النفقةِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، قال: في النفقةِ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾. قال: في الأيامِ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعْبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾. قال: نَفْسُ المرأةِ على نَصِيبِها مِن زوجِها مِن نفسِه ومالِه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، مِثْلَه (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخْبَرَنا ابن المباركِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى (^٤)، عن سفيانَ، [عن رجلٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: في النفقةِ (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [ابن يَمَانٍ] (^٦)، عن سفيانَ] (^٧)، عن الشَّيْبانيِّ، عن بُكَيرِ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٦٥١) عن ابن جريج عن عطاء.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٦٥ من طريق الضحاك بن مخلد، عن ابن جريج، عن عطاء.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٦٥ عن وكيع به بنحوه.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ابن يمان\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٦٦ عن وكيع به.\n(^٦) في م: \"ابن مهدى\".\n(^٧) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"7","page":562},{"text":"ابن الأخْنَسِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: في [الأيامِ و] (^١) النفقةِ.\n[حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن مهديٍّ، عن سفيانَ، عن الشَّيْبانيِّ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: في الأيامِ والنفقةِ] (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾. قال: المرأةُ تَشِحُّ على مالِ زوجِها ونفسِه (^٣).\nحدَّثنا المثنى، قال: أخبرنا حِبانُ بنُ موسى، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن شَرِيكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: جاءت امرأةٌ (^٤) حينَ نزَلت هذه الآية: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. قالت: إنى أُريدُ أن تَقْسِمَ لى مِن نفسِك (^٥). وقد كانت رَضِيَتْ أن يَدَعَها فلا يُطَلِّقَها، ولا يَأْتِيَها، فأنزَل اللهُ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾. قال: تَطَلَّعُ نفسُها إلى زوجِها وإلى نفقتِه (^٦). قال: وزعَم أنها نَزَلتْ في رسولِ اللهِ ﷺ وفى سودةَ بنتِ زَمْعَةَ، كانت\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، س.\n(^٢) سقط من: الأصل.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٢ (٦٠٥٢) من طريق ابن مهدى به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٢ (٦٠٤٩) من طريق مسلم بن إبراهيم به، وفيه: بنيه. بدلا من: نفسه.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"والمرأة\".\n(^٥) في ص، ت ٢، س: \"نفقتك\"، وبعده في الأصل: \"بكعل\". هكذا رسمت.\n(^٦) في الأصل: \"النفقة\".","vol":"7","page":563},{"text":"قد كَبِرَتْ، فأراد رسولُ اللهِ ﷺ أن يُطَلِّقَها، فاصْطَلَحا على أن يُمْسِكَها، ويَجْعَلَ يومَها لعائشةَ، فشَحَّتْ بمكانِها مِن رسولِ اللهِ ﷺ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: وأُحْضِرَتْ نَفْسُ كلِّ واحدٍ مِن الرجلِ والمرأةِ الشحَّ بحقِّه قِبَلَ صاحبِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2260>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سَمِعْتُ ابنَ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾. قال: لا تَطِيبُ نَفْسُه أن يُعْطِيَها شيئًا فتُحَلِّلَه، ولا تَطِيبُ نَفْسُها أن تُعْطِيَه شيئًا مِن مالِها، فتَعْطِفَه (^٢) عليها (^٣).\nوأَوْلَى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عَنَى بذلك: وأُحْضِرَتْ أَنْفُسُ النساءِ الشُحَّ بأنْصِبائِهِنَّ مِن أزواجِهِنَّ في الأيامِ والنفقةِ. والشُّحُّ الإفراطُ في الحِرْصِ على الشئِ. وهو في هذا الموضعِ إفراطُ حرصِ المرأةِ على نصيبِها مِن أيامِها مِن زوجِها ونفقتِها.\nفتأويلُ الكلامِ: وأُحْضِرَتْ أنْفسُ النساءِ أهْوَاءَهن؛ مِن فَرْطِ الحرصِ على حُقُوقِهِنَّ مِن أزواجِهِنَّ، والشُّحِّ بذلك على ضرائرِهن.\nوبنحوِ ما قلنا. في معنى الشحِّ ذُكِرَ عن ابن عباسٍ أنه كان يقولُ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾: والشحُّ هواه في الشئِ يَحْرِصُ عليه (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٣ - مختصرًا - إلى المصنف، وينظر التبيان ٣/ ٣٤٧.\n(^٢) في الأصل: \"فيعطيه\".\n(^٣) ينظر التبيان ٣/ ٣٤٧.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٢ (٦٠٥١)، والبيهقى ٧/ ٢٩٨، من طريق أبى صالح به. =","vol":"7","page":564},{"text":"وإنما قلنا: هذا القولُ أولى بالصوابِ مِن قولِ مَن قال: عَنَى بذلك: وأُحْضِرَتْ أَنْفُسُ الرجالِ والنساءِ الشُّحَّ. على ما قاله ابن زيدٍ؛ لأن مُصالَحةَ الرجلِ امرأتَه بإعطائِه إياها مِن مالِه جُعْلًا، على أن تَصْفَحَ له عن القَسْمِ لها، غيرُ جائزةٍ؛ وذلك أنه غيرُ مُعتاضٍ عِوَضًا مِن جُعْلِه الذي بَذَلَه لها. والجُعْلُ لا يَصِحُّ إلا على عوضٍ؛ إما عَلَى (^١) عَيْنٍ، وإما عَلَى (^٢) مَنْفَعَةٍ. والرجلُ متى جعَل للمرأةِ جُعْلًا على أن تَصْفَحَ له عن يومِها وليلتِها، فلم يَمْلِكْ عليها عينًا ولا منفعةً. وإذا كان ذلك كذلك، كان ذلك مِن معاني أكلِ المالِ بالباطلِ. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه لا وجهَ لقولِ مِن قال: عَنَى بذلك الرجلَ والمرأةَ.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن ذلك إذ كان حقًّا للمرأةِ، ولها المطالبةُ به (^٣)، فللرجلِ افتداؤُه منها بجُعْلٍ، فإن شُفْعَةَ المُسْتَشْفِعِ في حِصَّةٍ مِن دارٍ اشتراها رجلٌ مِن شريكٍ له فيها حَقُّ (^٤) المُطالَبَةِ بها، فقد يَجِبُ أن يكونَ للمطلوبِ افتداءُ ذلك منه بجُعْلٍ. وفى إجماعِ الجميعِ على أن الصُّلْحَ في ذلك على عوضٍ غيرُ جائرٍ؛ إذ كان غيرَ مُعْتاضٍ منه المطلوبُ بالشُّفْعَةِ (^٥) عينًا ولا نفعًا، ما يَدُلُّ على بُطُولِ صُلْحِ الرجلِ امرأتَه على عِوَضٍ، على أن تَصْفَحَ عن مُطالَبَتِها إياه بالقِسْمَةِ لها.\nوإذا فسَد ذلك، صحَّ أن تأويلَ الآيةِ ما قلنا. وقد أبان الخبرُ الذي ذَكَرْناه عن سعيدِ بن المُسَيِّبِ وسليمانَ بن يَسارٍ أن قولَه: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ\n_________\n= وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٣ إلى ابن المنذر. وينظر فتح البارى ٨/ ٢٦٥.\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في الأصل: \"له\"، وفى: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بها\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"له\".\n(^٥) في م: \"في الشفعة\".","vol":"7","page":565},{"text":"إِعْرَاضًا﴾ الآية. نَزَلتْ في أَمْرِ رافعِ بن خَدِيجٍ وزوجتِه، إذ تَزَوَّج عليها شابَّةً، فآثَر الشابةَ عليها، فأَبَتِ الكبيرةُ أن تقِرَّ على الأثَرَةِ، فَطَلَّقها تَطْليقةً وترَكها، فلَمَّا قارَب انْقِضاءُ عِدَّتِها، خَيَّرها بينَ الفِراقِ والرَّجْعةِ والصبرِ على الأَثَرَةِ، فاخْتارَت الرَّجْعةَ والصبرَ على الأَثَرةِ، فراجَعها وآثَر عليها، فلم تَصْبِرْ، فطَلَّقَها (^١). ففى ذلك دليلٌ واضحٌ على أن قولَه: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾. إنما عنَى به: وأُحْضِرت أنْفُسُ النساءِ الشحَّ بحقوقِهنَّ مِن أزواجِهنَّ. على ما وَصَفْنا.\nوأما قولُه: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾. فإنه يَعْنى: وإن تُحْسِنوا أيها الرجالُ، في أفعالِكم إلى نسائِكم، إذا كَرِهتم منهن دَمامةً أو خُلُقًا، أو بعضَ ما تَكْرَهون منهن، بالصبرِ عليهن، وإيفائِهِنَّ حُقُوقَهنَّ وعِشْرَتِهِنَّ بالمعروفِ، ﴿وَتَتَّقُوا﴾. يقول: وتَتَّقُوا الله فيهن، بتَرْكِ الجَوْرِ منكم عليهن فيما يَجِبُ لمَن كَرِهْتُموه منهن عليكم، مِن القِسْمةِ له والنفقةِ والعِشْرةِ بالمعروفِ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. يقولُ: فإن الله كان بما تعملون في أمورِ نسائِكم، أيها الرجالُ، مِن الإحسانِ إليهن والعِشْرةِ بالمعروفِ، والجَوْرِ عليهن فيما يَلْزَمُكم لهن ويَجِبُ، ﴿خَبِيرًا﴾. يَعْنِى عالمًا [خابرًا، لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ، بل هو به عالمٌ، وله مُحْصٍ عليكم، حتى يُوَفِّيَكم جزاءَ] (^٢) ذلك (^٣)، المُحْسنَ منكم بإحسانِه، والمُسِيءَ بإساءتِه.\n\n<span id=\"aya-622\"></span><span data-type='title' id=toc-2261>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٥٧.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) بعده في الأصل: \"منكم\".","vol":"7","page":566},{"text":"بَيْنَ النِّسَاءِ﴾: ولن تُطِيقوا أيُّها الرجالُ أن تُسَرُّوا بينَ نسائِكم وأزواجِكم في حُبِّهن بقلوبِكم حتى تَعْدِلوا بينَهن في ذلك، فلا يكونَ في قلوبِكم لبعضِهن مِن المحبةِ إلا مِثْلُ ما لصَواحِبِها؛ لأن ذلك مما (^١) لا تَمْلِكونه، وليس إليكم، ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾. يقولُ: ولو حرَصتم في تَسْوِيَتِكم بينهنَّ في ذلك.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾. قال: واجب (^٢)، ألَّا تَسْتَطيعوا العَدْل بينَهن.\n﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾. يقولُ: فلا تَمِيلوا بأهوائِكم إلى مَن لم تَمْلِكوا محبتَه منهن (^٣) كلَّ الميلِ، حتى يَحْمِلكم ذلك على أن تَجُوروا على صَوَاحِبِها في تَرْكِ أداءِ الواجبِ لهن عليكم، مِن حَقٍّ في القَسْمِ لهنَّ، والنفقةِ عليهنَّ، والعِشْرةِ بالمعروفِ، ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾. يقولُ: فتَذَروا التي هي سِوَى التي مِلْتُم بأهوائِكم إليها ﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾، يعنى: [مثل التي] (^٤) لا هي ذاتُ زوجٍ، ولا هي أيِّمٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2262>ذِكْرُ مَن قال ما قلنا في قولِه: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن هشامِ بن حسانَ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عَبِيدةَ: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ما\".\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"واحب\".\n(^٣) في الأصل: \"منه\".\n(^٤) في م: \"كالتى\".","vol":"7","page":567},{"text":"النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾. قال: بنَفْسِه في الحبِّ والجِماعِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بُشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن يونسَ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عَبيدةَ: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾. قال: بنفسِه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حَفْصٌ، عن أشْعَثَ وهشامٍ، عن ابن سيرينَ، عن عَبِيدةَ، قال: سألتُه عن قولِه: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾. فقال: في الجِماعِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: في الحُبِّ والجِماعِ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سهلٌ، عن عمرٍو، عن الحسنِ: في الحُبِّ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، عن عَبِيدةَ، قال: في الحبِّ والجِماعِ.\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن ابن سيرينَ، عن عبيدةَ في قولِه: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾. قال: في المودةِ. كأنَّه يَعْنى الحُبَّ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٠٣ - تفسير)، ومن طريقه البيهقى ٧/ ٢٩٨ من طريق هشام بن حسان به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٣٣ عن حفص عن أشعث - وحده دون هشام - به بلفظ: الحب والجماع، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٣ عقب الأثر (٦٠٥٧) معلقا بمثل لفظ ابن أبي شيبة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٣٣ عن سهل به، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٣ عقب الأثر (٦٠٥٧) معلقا بلفظ: \"في الحب والجماع\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٦.","vol":"7","page":568},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾. يقولُ: لا تَسْتَطيعُ أن تَعْدِلَ بالشهوةِ فيما بينهن ولو حَرَصْتَ (^١).\nحدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، وحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِرَ لنا أن عُمَرَ بنَ الخطابِ كان يقولُ: اللهم أمَّا قَلْبِي فلا أمْلِكُ، وأمَّا ما (^٢) سِوَى ذلك فأَرْجُو أن أعْدِلَ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾: يعنى (^٣) في الحبِّ والجِماعِ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، وحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّاب، قالا جميعًا: ثنا أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ كان يَقْسِمُ بينَ نسائِه فيَعْدِلُ، ثم يقولُ: \"اللَّهُمَّ [هذه قِسْمَتى] (^٥) فيما أمْلِكُ، فلا تَلُمْنى فيما تَمْلِكُ (^٦) ولا أَمْلِكُ\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٣ (٦٠٥٧) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يقول\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٣ (٦٠٥٧) من طريق أبى صالح به. وهو تمام الأثر المتقدم في ص ٥٦٤ حاشية (٤).\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"هذا قسمى\".\n(^٦) بعده في مصنف ابن أبي شيبة: \"أنت\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٨٦ عن ابن علية عن أيوب به. وسيأتي في ص ٥٧٢، ٥٧٣، مرسلًا وموصولًا والصواب المرسل، ينظر علل ابن أبي حاتم (١٢٧٩).","vol":"7","page":569},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن زائدةَ، عن عبدِ العزيزِ بن رُفَيعٍ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، قال: نَزَلَتْ هذه الآيةُ في عائشةَ: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ (^١).\n[حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحاكِ، قال: في الشهوةِ والجِماعِ] (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ، قال: في الجماعِ.\nحدَّثنا عليُّ بنُ سَهْلٍ، قال: ثنا زيدُ (^٣) بنُ أبى الزَّرْقاءِ، قال: قال سفيانُ في قولِه: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾. قال: في الحُبِّ والجماعِ.\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾. قال: ما يكونُ [بينَ يَدَيْه] (^٤) وقلبِه، فذلك شيءٌ لا يَسْتطيعُ يَمْلِكُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2263>ذِكْرُ مَن قال ما قلنا في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٣٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٣ (٦٠٥٦) من طريق حسين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: الأصل.\nوالأثر ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٣ عقب الأثر (٦٠٥٧) معلقًا.\n(^٣) في الأصل: \"يزيد\". وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٧٠.\n(^٤) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"من بدنه\"، وفى ت ١، س: \"من يديه\".","vol":"7","page":570},{"text":"حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابن عَوْنٍ، عن محمدٍ، قال: قلتُ لعَبِيدةَ: قولُه: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾؟ قال: بنَفْسِه (^١).\nحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن عَوْنٍ، عن محمدٍ، عن عَبِيدةَ مِثْلَه.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، عن عَبِيدةَ: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾. قال هشامٌ: أظنُّه قال: في الحبِّ والجِماعِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حبانُ بنُ موسى، قال: أخبرنا ابن المباركِ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن ابن سيرينَ، عن عَبِيدة في قولِه: ﴿كُلَّ الْمَيْلِ﴾. قال: بنَفْسِه.\n[حدَّثني بحرُ بنُ نَصْرٍ الخَوْلانيُّ، قال: ثنا بِشرُ بنُ بكرٍ (^٢)، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن ابن سيرينَ، قال: سألتُ عَبِيدةَ عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾. قال: بنَفْسِه] (^٣).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا سهلُ بنُ يُوسفَ، عن عمرٍو، عن الحسنِ، قال: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾، قال: في الغِشْيانِ والقَسْمِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيِحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾: لا تَعَمَّدوا الإساءةَ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٣ (٦٠٥٩) من طريق ابن سيرين به.\n(^٢) في الأصل: \"بكير\". ينظر تهذيب الكمال ٤/ ٩٥.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٣٣ عن سهل به، ولم يذكر القسم.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٢٩٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٣ (٦٠٦٠)، والبيهقى ٧/ ٢٩٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٣ إلى ابن المنذر.","vol":"7","page":571},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مِثْلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: بلَغنى عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾. قال: يَتَعَمَّدُ أن يُسِئَ ويَظْلِمَ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مِثْلَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾. قال: هذا في العملِ في مَبِيتِه عندَها، وفيما تُصِيبُ مِن خيرِه.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحُسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾. يقولُ: يَمِيلُ عليها فلا يُنْفِقُ عليها، ولا يَقْسِمُ لها يومًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾. قال: [لا تَعمَّدوا] (^٢) الإساءةَ. يقولُ: لا تمِيلوا كلَّ الميلِ. قال: وبلَغنى أنه في (^٣) الجِماعِ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن حمادِ بن زَيْدٍ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، قال: كان النبيُّ ﷺ يَقْسِمُ بينَ نسائِه فيَعْدِلُ، ويقولُ: \"اللَّهُمَّ هذه قِسْمَتِى فيما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٣ (٦٠٦١) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) في، ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يتعمد\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"7","page":572},{"text":"أمْلِكُ، فلا تَلُمْنِى فيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ\" (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الوَهّابِ، عن أيوبَ، عن أبي قِلَابةَ، عن (^٢) عبدِ اللهِ بن يزيدَ (^٣)، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن همامِ بن يحيى، عن قتادةَ، عن النَّضْرِ بن أنسٍ، عن بَشيرِ بن نَهيكٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"مَن كانت له امرأتانِ يَمِيلُ مع إحداهما على الأُخْرَى، جاء يومَ القيامةِ أَحَدُ شِقَّيْهِ ساقِطٌ\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-2264>ذِكْرُ مَن قال ما قلنا في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ ابن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾. يقولُ: تَذَروها لا هي أَيِّمٌ، ولا\n_________\n(^١) ذكره الترمذى عقب الحديث (١١٤٠)، وقد روى موصولًا، والصواب إرساله كما سيأتي في الأثر التالى.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في النسخ: \"زيد\". والمثبت من مصادر التخريج، ينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٣٠٦، وتحفة الأشراف ١١/ ٤٧١.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٨٦، ٣٨٧، وأحمد ٦/ ١٤٤ (الميمنية)، وأبو داود (٢١٣٤)، والترمذى (١١٤٠)، والنسائى (٣٩٥٣)، وابن ماجه (١٩٧١)، وابن حبان (٤٢٠٥)، والحاكم ٢/ ١٨٧، والبيهقى ٧/ ٢٩٨ من طرق عن حماد بن سلمة به.\nوقد خالفه غير واحد فرواه عن أيوب عن أبي قلابة مرسلًا، وينظر علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٢٥، ونصب الراية ٣/ ٢١٤، ٢١٥.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٨٨، وأحمد (١٠٠٠٩)، وابن ماجه (١٩٦٩)، والطحاوى في المشكل (٢٣٤)، وابن حبان (٤٢٠٧) من طريق وكيع به.\nوأخرجه الطيالسى (٢٥٧٦)، وأحمد (٧٩٣٦، ٨٥٦٨)، وأبو داود (٢١٣٣)، والترمذى (١١٤١)، والنسائى (٣٩٥٢)، والحاكم ٢/ ١٨٦، والبيهقى ٧/ ٢٩٧ من طرق عن همام بن يحيى به.","vol":"7","page":573},{"text":"هي (^١) ذاتُ زوجٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن أَشْعَثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾. قال: لا أيِّمًا ولا ذاتَ بَعْلٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن مباركٍ، عن الحسنِ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾. قال: لا مُطَلقةً ولا ذاتَ بعلٍ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سهلُ بنُ يُوسفَ، عن عمرٍو، عن الحسنِ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾: أي كالمحبوسةِ، أو كالمسجونِة.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾. قال: كالمَسْجُونةِ؛ كالمحبوسةِ (^٥).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ في قولِه: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾. يقول: لا مُطَلقةً ولا ذاتَ بعلٍ (^٦).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبرنا\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه البيهقى ٧/ ٢٩٨ من طريق أبى صالح عبد الله بن صالح به نحوه.\nوأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٣٣، ٢٣٤ وابن أبي حاتم ٤/ ١٠٨٤ (٦٠٦٤) من طريق يزيد النحوى عن عكرمة عن ابن عباس به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في الأصل: \"زوج\". والأثر: ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٤ عقب الأثر (٦٠٦٤) معلقا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٣٣ عن سهل بن يوسف به.\n(^٥) سقط من: م. والأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٦، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٤ (٦٠٦٥). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٤ عقب الأثر (٦٠٦٤) من طريق أبى جعفر به بنحوه.","vol":"7","page":574},{"text":"أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾: لا مُطَلقةً (^١) ولا ذاتَ بعلٍ.\n[حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: بلَغنى عن مجاهدٍ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾. قال: لا أيِّمًا ولا ذاتَ بَعْلٍ] (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾: ليست (^٣) بأيِّمٍ ولا ذاتِ زوج.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ وأبو خالدٍ وأبو معاويةَ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحاكِ، قال: لا تَدَعْها كأنها ليس لها زوجٌ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحُسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾. قال: لا أيِّمًا ولا ذاتَ بَعْلٍ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾. قال: المُعَلَّقةُ التي ليست بمُخَلَّاةٍ (^٦) ونَفْسَها فتَبْتَغِىَ لها، وليستْ مُتَهَيِّئَةً كهيئةِ المرأةِ مِن زوجِها، لا هي عندَ زوجِها، ولا مُفارَقَةٌ فَتَبْتَغِىَ لنفسِها، فتلك المُعَلَّقةُ (^٧).\n_________\n(^١) في الأصل: \"أيما\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في الأصل: \"ليس\".\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٤ عقب الأثر (٦٠٦٤) معلقا.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٤ عقب الأثر (٦٠٦٤) من طريق أسباط به بنحوه، وينظر تفسير ابن كثير ٢/ ٣٨٢.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مخلاة\".\n(^٧) ينظر التبيان ٣/ ٣٤٩.","vol":"7","page":575},{"text":"وإنما أمَر اللهُ جل ثناؤُه بقولِه: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾. الرجالَ بالعدلِ بينَ أزْواجِهم (^١) فيما استطاعوا فيه العدلَ بينهن (^٢)، مِن القسمةِ بينَهن، والنفقةِ، وتركِ الجَوْرِ في ذلك بإيثارِ إحداهن على الأُخْرى فيما فَرَضَ عليهم العَدْلَ بينَهن فيه؛ إذ كان قد صفَح لهم عما لا يُطِيقون العَدْلَ فيه بينَهن، مما في القلوبِ من المحبةِ والهوَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-2265>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ أعمالَكم أيُّها الناسُ، فتَعْدِلوا في [قَسْمِكم بينَ] (^٣) أزواجِكُم، وما فرَض اللهُ لهن عليكم مِن النفقةِ والعِشْرةِ بالمعروفِ، فلا تَجُوروا في ذلك، ﴿وَتَتَّقُوا﴾. يقولُ: وتَتَّقُوا اللَّهَ في المَيْلِ الذي نهاكم عنه، بأن تَمِيلوا لإحداهن على الأُخْرَى، فتَظْلِموها (^٤) حَقَّها، مما أوْجَبَه (^٥) اللهُ لها (^٦) عليكم، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا﴾. يقولُ: فإن الله يَسْتُرُ عليكم ما سلَف منكم؛ مِن مَيْلِكم وجَوْرِكم عليهن قبلَ ذلك، بتركِه عُقوبتَكم [عليه، ويُغَطِّى ذلك عليكم بعَفْوِه عنكم ما مضَى منكم] (^٧) في ذلك قبلُ، ﴿رَحِيمًا﴾. يقولُ: وكان رحيمًا بكم إذ (^٨) تاب عليكم، فقَبِلَ توبتَكم مِن الذي سلَف منكم؛ مِن\n_________\n(^١) في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أزواجهن\".\n(^٢) في الأصل: \"بينهم\".\n(^٣) في الأصل: \"قسمتكم من\"، وفى ت ٢: \"قسمتكم بين\".\n(^٤) بعده في الأصل: \"لها\".\n(^٥) في م: \"أوجبها\".\n(^٦) في م: \"له\".\n(^٧) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٨) في م، ت ١، س: \"إذا\".","vol":"7","page":576},{"text":"جَوْرِكم في ذلك عليهن، وفى ترخيصِه لكم الصُّلْحَ بينكم وبينَهن، بصَفْحِهن عن حُقوقِهن لكم مِن القَسْمِ على أن لا يُطَلَّقْن.\n\n<span id=\"aya-623\"></span><span data-type='title' id=toc-2266>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جل ثناؤه: فإِن أَبَتِ المرأةُ - التي قد نشَز عليها زوجُها، أو أَعْرَضَ عنها، بالليلِ منه إلى ضَرَّتِها، لجمالِها، أو شبابِها، أو غيرِ ذلك مما تَمِيلُ النفوسُ به (^١) إليها - الصُّلْحَ بصَفْحِها (^٢) لزوجِها عن يومِها وليلتِها، وطَلَبَتْ حَقَّها منه مِن القَسْمِ والنَّفَقَةِ [وما] (^٣) أَوْجَب اللهُ لها عليه، وأبَى الزوجُ الأَخْذَ عليها بالإحسانِ الذي نَدَبَه اللهُ إليه بقولِه: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. وإلحاقَها في القَسْمِ لها والنَّفَقةِ والعِشْرةِ بالتى هو إليها مائلٌ، فتَفَرَّقا بطلاقِ الزوجِ (^٤) إياها، ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾. يقولُ: يُغْنِ اللهُ الزوجَ والمرأةَ المُطَلَّقةَ مِن سَعَةٍ فَضْلِه؛ أما هذه فبِزَوْجٍ هو أصْلَحُ لها مِن المُطَلِّقِ الأوَّلِ، أو (^٥) برزْقٍ واسعٍ وعِصْمةٍ، وأما هذا فبرِزْقٍ واسعٍ وزوجةٍ هي أصْلَحُ له مِن المُطَلَّقةِ، أو عِفَّةٍ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾. يعنى: وكان اللهُ واسعًا لهما في رِزْقِه إياهما وغيرَهما مِن خَلْقِه، ﴿حَكِيمًا﴾ فيما قضَى بينَه وبينَها مِن الفُرْقَةِ والطلاقِ، وسائرِ المعانى التي عَرَّفَناها مِن الحُكْمِ بينهما في هذه الآياتِ وغيرِها، وفى غيرِ ذلك مِن أحكامِه وتدبيرِه وقضاياه في خَلْقِه.\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"له\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لصفحها\".\n(^٣) في الأصل: \"مما\".\n(^٤) بعده في الأصل: \"لها\".\n(^٥) في الأصل، ص، ت ١، س: \"وإما\".","vol":"7","page":577},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2267>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾. قال: الطلاقُ، يُغْنى اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِه (^١).\n\n<span id=\"aya-624\"></span><span data-type='title' id=toc-2268>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يعنى بذلك جل ثناؤه: وللَّهِ مُلْكُ جميعِ ما حَوَتْه السماواتُ السبعُ والأَرَضُونَ السبعُ مِن الأشياءِ كلِّها. وإنما ذكَر جلَّ ثناؤُه [ذلك بعَقِبِ] (^٢) قولِه: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾. تنبيهًا منه خلقَه على مَوْضعِ الرغبةِ عندَ فِراقِ أحدِهم زوجتَه؛ ليَفْزَعوا إليه عندَ الجَزَعِ مِن الحاجةِ والفاقةِ والوَحْشَةِ بفِراقِ سَكَنِه وزَوْجَتِه، وتَذْكيرًا منه له أنه الذي له الأشياءُ كلُّها، وأنَّ مَن كان له مُلْكُ جميعِ الأشياءِ، فغيرُ مُتَعَذَّرٍّ عليه أن يُغْنِيَه وكلَّ ذى فاقةٍ وحاجةٍ، ويُؤْنِسَ كلَّ ذى وَحْشَةٍ. ثم رجَع جل ثناؤُه إلى عَدْلِ مَن سعَى في أمرِ بنى أُبَيْرِقٍ وتَوْبيخِهم، ووَعِيدِ مَن فعَل (^٣) فِعْلَ المرتدِّ منهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٩٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٣، ٢٣٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"بعقب ذلك\".\n(^٣) بعده في م: \"ما\".","vol":"7","page":578},{"text":"وَإِيَّاكُمْ﴾. يقولُ: ولقد أمَرْنا أهلَ الكتابِ، وهم أهلُ التوراةِ والإنجيلِ، ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾. يقولُ: وأمَرْناكم وقلنا لكم ولهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: احْذَروا الله (^١) أن تَعْصُوه وتخالفوا أمرَه ونهيَه، ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾. يقولُ: وإِن تَجْحَدوا وَصِيَّتَه إياكم أيها المؤمنون، فتُخالِفوها، ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: فإنكم لا تَضُرُّون بخلافِكم وصيتَه غيرَ أنْفُسِكم، ولا تَعْدُون في كفرِكم ذلك أن تكونوا مِثْلَ (^٢) اليهودِ والنصارى، في نزولِ عقوبتِه بكم، وحلولِ غضبِه عليكم، كما حلَّ بهم، إذ بَدَّلوا عهدَه ونَقَضوا ميثاقَه، فغَيَّر بهم ما كانوا فيه مِن خَفْضِ العَيْشِ وأَمْنِ السِّرْبِ (^٣)، وجعَل منهم القِرَدَةَ والخنازيرَ، وذلك أن له مُلْكَ جميعِ ما حَوَتْه السماواتُ والأرضُ، لا يَمْتَنِعُ عليه شيءٌ أراده بجميعِه وبشيءٍ منه؛ مِن إعْزازِ مَن أرادَ إعزازَه، وإذْلالِ مَن أراد إذلالَه، وغيرِ ذلك مِن الأموِر كلِّها؛ لأن الخَلْقَ خلقُه، بهم إليه الفاقةُ والحاجةُ، وبه قُواهم وبَقاؤُهم، وهَلاكُهم وفَناؤُهم. وهو الغنيُّ الذي لا حاجةَ تُخِلُّ (^٤) به إلى شيءٍ، ولا فاقةَ تَنْزِلُ بِه تَضْطَرُّه إليكم أيُّها الناسُ، ولا إلى غيرِكم، والحَمِيدُ الذي اسْتَوْجَب عليكم أيُّها الخلقُ الحَمْدَ بصَنائِعِه الحميدةِ إليكم، وآلائِه الجميلةِ لديكم، فاسْتَديموا ذلك أيُّها الناسُ باتِّقائِه، والمسارعةِ إلى طاعتِه فيما يَأْمُركم به، ويَنْهاكم عنه.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ هاشمٍ، قال: أخبرنا سَيْفٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن عليٍّ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾. قال: غَنِيًّا عن خلقِه،\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، م.\n(^٢) في م: \"أمثال\".\n(^٣) في م: \"الشرب\". وآمن في سِرْبه: آمن في أهله وماله وولده. تاج العروس (س ر ب).\n(^٤) في ص، م، ت ٢، ت ٣، س: \"تحل\"، وفى ت ١: \"بحل\". وخَلَّ الرَّجُلُ خَلًّا وأُخِلَّ، بالضَّمِّ: أي احْتاج، وأَخَلّ الرجلُ: افْتَقَر. تاج العروس (خ ل ل).","vol":"7","page":579},{"text":"﴿حَمِيدًا﴾. قال: مُسْتَحْمَدًا إليهم (^١).\n\n<span id=\"aya-625\"></span><span data-type='title' id=toc-2269>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جل ثناؤُه: وللهِ مُلْكُ جميعِ ما حَوَتْه السماواتُ والأرضون، وهو القَيِّمُ بجميعِه والحافظُ لذلك كلِّه، لا يَعْزُبُ عنه عِلْمُ شيءٍ منه، ولا يَؤُودُه حفظُه وتدبيرُه.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. قال: حفيظًا (^٢).\nفإن قال قائلٌ: وما وَجْهُ تَكْرارِ قولِه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. في آيتينِ إحْداهما في إثْرِ الأُخْرى؟\nقيل: كَرَّر ذلك لاختلافِ معنى الخبريْنِ عما في السماواتِ والأرضِ [في الآيتين] (^٣)؛ وذلك أن الخبرَ عنه في إحدى الآيتين ذِكْرُ حاجتِه إلى بارئِه، وغِنَى بارئِه عنه، وفى الأُخْرَى حِفْظُ بارئِه إياه (^٤) وعِلْمُه به وتدبيرُه (^٥).\nفإن قال: أفلا قِيل: وكانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا وَكَفَى بِاللهِ (^٦) وَكِيلًا؟\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"تم الجزء من أجزاء الشيخ ﵀\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٥ (٦٠٧١) من طريق إسحاق به، بنحوه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٤ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) بعده في م: \"به\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بتدبيره\".\n(^٦) في الأصل: \"به\".","vol":"7","page":580},{"text":"قيل: إن الذي في الآيةِ التي قال فيها: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾. مما صَلَح أن يَخْتِمَ ما ختَم به مِن وَصْفِ اللَّهِ بالغِنَى وأنه محمودٌ، ولم يَذْكُرْ فيها ما يَصْلُحُ أن يَخْتِمَ بوَصْفِه معه بالحفظِ والتدبيرِ، فلذلك كَرَّر قولَه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.\n\n<span id=\"aya-626\"></span><span data-type='title' id=toc-2270>القولِ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جل ثناؤُه: ﴿إِنْ يَشَأْ﴾ اللهُ، أيُّها الناسُ ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾. أي: يُذْهِبْكم بإهلاكِكم وإفنائكم، ﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾. يقولُ: ويَأْتِ بناسٍ آخرين غيرِكم، لمُؤَازَرَةِ نبيِّه محمدٍ ﷺ ونُصْرَتِهِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾. يقولُ: وكان اللهُ على إهلاكِكم وإفنائِكم، واسْتِبْدالِ آخرين غيرِكم بكم، ﴿قَدِيرًا﴾. يعنى: ذا قدرةٍ على ذلك.\nوإنما وَبَّخ جل ثناؤُه بهذه الآياتِ (^١) الخائنين الذين خانوا الدِّرْعَ التي وَصَفْنا شأنَها، الذين ذكَرهم اللهُ في قولِه: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. وحذَّر أصحابَ محمدٍ ﷺ أن يكونوا مِثْلَهم، وأن يَفْعَلوا فِعْلَ المُرْتَدِّ منهم في ارتدادِه ولَحَاقِهِ بالمشركين، وعرَّفهم أنَّ مَن فعَل فِعْلَه منهم، فلن يَضُرَّ إلا نفسَه، ولن يُوبِقَ برِدَّتِه غيرَ نفسِه؛ لأنه المحتاجُ - مع جميعِ ما في السماواتِ وما في الأرضِ - إلى اللهِ، واللهُ الغنيُّ عنهم. ثم تَوَعَّدَهم في قولِه: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾. بالهلاكِ والاسْتِئْصالِ إن هم فعَلوا فِعْلَ ابن أُبَيْرِقٍ (^٢) طُعْمَةَ المرتدِّ، وباستبدالِ آخرين غيرِهم بهم لنُصْرةِ نبيِّه محمدٍ ﷺ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"الآية\".\n(^٢) بعده في الأصل: \"و\". وينظر ما تقدم في ص ٤٦٢.","vol":"7","page":581},{"text":"وصُحْبتِه، ومؤازرتِه على دينِه، كما قال في الآيةِ الأخرى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨].\nوقد رُوىَ عن النبيِّ ﷺ أنها لما نَزَلَتْ ضرَب بيدِه على ظهرِ سلمانَ، فقال: \"هم قومُ هذا\". يَعْنى عَجَمَ الفُرْسِ.\nكذلك حُدِّثْتُ عن عبدِ العزيزِ بن محمدٍ، عن سُهيلِ بن أبى صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ (^١).\nوقال قتادةُ في ذلك بما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾: قادرٌ واللهِ ربُّنا على ذلك، أن يُهْلِكَ مَن يشاءُ مِن خلقِه، ويَأْتِ بآخرين مِن بعدِهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-627\"></span><span data-type='title' id=toc-2271>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ﴾. ممن أظهرَ الإيمانَ بمحمدٍ ﷺ مِن أهلِ النِّفاقِ، الذين يَسْتَبْطِنون الكفرَ، وهم مع ذلك يُظْهِرون الإيمانَ، ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾. يعنى: عَرَضَ الدنيا، بإظهارِه ما أظهَر مِن الإيمانِ بلسانِه، ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا﴾.\n_________\n(^١) عبد العزيز بن محمد هو الدراوردى، وسيأتي الحديث من طريق آخر في تفسير سورة (محمد)، وينظر تخريجه هناك.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٥ (٦٠٧٣) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"7","page":582},{"text":"يعنى: جزاؤُه في الدنيا منها، وثوابُه فيها (^١) هو ما يُصِيبُ مِن المَغْنَمِ إِذا شَهِد مع [النبيِّ ﷺ] (^٢) مَشْهَدًا، وأَمْنُه على نفسِه وذُرِّيِته ومالِه، وما أشبَه ذلك، وأما ثوابُه في الآخرةِ فنارُ جهنمَ.\nفمعنى الآيةِ: مَن كان من العامِلين في الدنيا من المنافقين، يريدُ بعملِه ثوابَ الدنيا وجزاءَها مِن عملِه، فإن اللَّهَ مُجازِيه بها (^٣) جزاءَه في الدنيا مِن الدنيا، وجزاءَه في الآخرةِ (^٤) مِن العقابِ والنَّكَالِ، وذلك أن الله قادرٌ على ذلك كلِّه، وهو مالكُ جميعِه، كما قال في الآيةِ الأُخرى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦].\nوإنما عَنَى بذلك جلّ ثناؤُه الذين سَعَوا في أمرِ بنى أُبَيْرِقٍ، والذين وَصَفهم في قولِه: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾. ومَن كان مِن نُظَرائِهم في أفعالِهم ونفاقِهم.\nوقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. يعنى: وكان اللهُ سميعًا لِما يقولُ هؤلاء المُنافِقون الذين يُريدون ثوابَ الدنيا بأعمالِهم، وإظهارِهم للمؤمنين ما يُظْهِرون لهم، إذا لَقُوا المؤمنين، وقولِهم لهم: آمنّا، ﴿بَصِيرًا﴾. يعنى: وكان [ذا بَصَرٍ] (^٥) بهم وبما\n_________\n(^١) بعده في: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"و\".\n(^٢) في الأصل: \"المسلمين\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) بعده في م: \"من الآخرة\".\n(^٥) في الأصل: \"أبصر\".","vol":"7","page":583},{"text":"هم عليه مُنْطَوُون للمؤمنين، مما (^١) يَكْتُمونه ولا يُبْدُونه لهم مِن الغشِّ والغِلِّ الذي في صدورِهم لهم.\n\n<span id=\"aya-628\"></span><span data-type='title' id=toc-2272>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: وهذا تَقَدُّمٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه إلى عبادِه المؤمنين به وبرسولِه، أن يَفْعَلوا فعلَ الذين سَعَوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ في أمرِ بنى أبَيْرِقٍ، أن يقومَ بالعُذْرِ لهم في أصحابِه، وذَبَّهم عنهم، وتَحْسينَهم أمرَهم؛ بأنهم أهلُ فاقةٍ وفَقْرِ، يقولُ اللهُ لهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾. يقولُ: لِيَكُنْ مِن أخلاقِكم وصفاتِكم القيامُ بالقسطِ. يعنى: بالعَدْلِ. ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾. والشهداءُ: جمعُ شهيدٍ. ونُصِبَت الشهداءُ على القَطْعِ مما في قولِه: ﴿قَوَّامِينَ﴾. مِن ذكرِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ومعناه: قُوموا بالقِسْطِ للهِ عندَ شهادتِكم. أو حينَ شهادتِكم. ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. يقولُ: ولو كانت شهادتُكم على أنفسِكم، أو على والدَين لكم، أو أقْرَبيكم، فقُوموا فيها بالقسطِ والعدلِ، وأقِيموها على صحتِها، بأن تقولوا فيها الحقَّ، ولا تَمِيلُوا فيها لغنيٍّ لِغِناه على فقيرٍ، ولا لفقيرٍ لفَقْرِه على غَنيٍّ، فتَجُوروا؛ فإن الله الذي سَوَّى بينَ حُكْمِ الغنيِّ والفقيرِ فيما ألزَمكم، أيُّها الناسُ، مِن إقامةٍ الشهادةِ لكلِّ واحدٍ منهما بالعَدْلِ ﴿أَوْلَى بِهِمَا﴾ وأحقُّ منكم؛ لأنه مالِكُهما [وإلهُهما، دونَكما] (^٢)، فهو أعلمُ بما فيه مصلحةُ كلِّ واحدٍ منهما في ذلك، وفى غيرِه مِن الأمورِ كلِّها منكم، فلذلك أمَركم\n_________\n(^١) في الأصل: \"بما\"، وفى م، ت ٢: \"فيما\"، وفى ت ١، س: \"ما\".\n(^٢) في م: \"وأولى بهما دونكم\".","vol":"7","page":584},{"text":"بالتسوِيةِ بينَهما في الشهادةِ لهما وعليهما. ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾. يقولُ: فلا تَتَّبِعوا أهواءَ أنفسِكم في المَيْلِ في شهادتِكم إذا قُمْتُم بها، لغنيٍّ على فقيرٍ، أو لفقيرٍ على غنيٍّ إلى أحد الفريقَين، فتَقولوا غيرَ الحقِّ، ولكن قُوموا فيه بالقِسْطِ، وأدُّوا الشهادةَ على ما أمَركم اللهُ بأدائِها، بالعَدْلِ لَمن شَهِدْتم عليه وله.\nفإن قال قائلٌ: وكيف يقومُ بالشهادةِ على نفسِه الشاهدُ بالقِسْطِ؟ وهل يَشْهَدُ الشاهدُ على نفسِه؟\nقيل: نعم، وذلك أن يكونَ عليه حقٌّ لغيرِه، فيُقِرَّ له به، فذلك قيامٌ منه له بالشهادةِ على نفسِه. وهذه الآيةُ عندى تأديبٌ مِن اللهِ جلّ ثناؤه للمؤمنين، أن يفعَلوا ما فعَله الذين عَذَروا بنى أُبَيْرِقٍ في سرقتِهم ما سَرَقوا، وخيانتِهم ما خانوا مَن [ذكَرْنا قبلُ] (^١) عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، وشهادتِهم لهم عندَه بالصلاحِ، فقال لهم: إذا قُمْتُم بالشهادةِ لإنسانِ أو عليه، فقُوموا (^٢) فيها بالعَدْلِ، ولو كانت شهادتُكم على أنفسِكم وآبائِكم وأمهاتِكم وأقْرِبائِكم، ولا يَحْمِلَنَّكم غِنَى مَن شَهِدتم له أو فَقْرُه أو قَرابتُه ورَحِمُه منكم على الشهادةِ له بالزُّورِ، ولا على تَرْكِ الشهادةِ عليه بالحقِّ وكِتْمانِها.\nوقد قيل: إنها نَزَلَت تأديبًا لرسولِ اللَّهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2273>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحُسَينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾. قال:\n_________\n(^١) في م: \"ذكر ما قيل\".\n(^٢) في ص، ت ٢: \"فقولوا\".","vol":"7","page":585},{"text":"نَزَلَت في النبيِّ ﷺ، واخْتَصَم إليه رجلان؛ غنيٌّ وفقيرٌ، فكان ضَلْعُه (^١) مع الفقيرِ؛ يَرَى أن الفقيرَ لا يَظْلِمُ الغنيَّ، فأبَى اللهُ إلا أن يقومَ بالقِسْطِ في الغنيِّ والفقيرِ، فقال: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ الآية (^٢).\nوقال آخرون في ذلك نحوَ قولِنا: إنها نَزَلَت في الشهادةِ. أمرًا مِن اللهِ المؤمنين أن يُسَوُّوا في قيامِهم بشهاداتِهم لمَن قاموا له (^٣) بها بينَ الغنيِّ والفقيرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2274>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. قال: أمَر اللهُ سبحانَه المؤمنين أن يقولوا الحقَّ ولو على أنفسِهم أو آبائِهم أو أبنائِهم، ولا يُحابُوا غنيًّا لِغِناه، ولا يَرْحَموا مسكينًا لمَسْكنتِه، وذلك قولُه: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾. فَتَذَرُوا الحقَّ فتَجُورُوا (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُويدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبَرنا ابن المُباركِ، عن يونسَ، عن ابن شهابٍ في شهادةِ الوالدِ لولدِه وذى القَرابةِ، قال: كان ذلك فيما مَضَى من السُّنَّةِ في سَلَفِ المسلمين، وكانوا يَتأوَّلون في ذلك قولَ اللَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا\n_________\n(^١) ضلعه: ميله. النهاية ٣/ ٩٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٦، ١٠٨٨ (٦٠٧٨، ٦٠٨٨) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٣) سقط من: ص، ت ٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٦، ١٠٨٨ (٦٠٧٧، ٦٠٨٧، ٦٠٩٠)، والبيهقى ١٠/ ١٥٨ من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٤ إلى ابن المنذر.","vol":"7","page":586},{"text":"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ الآية. فلم يكُنْ يُتَّهَمُ سَلَفُ المسلمين الصالحُ في شهادةِ الوالدِ لولدِه، ولا الولدِ لوالدِه، ولا الأخِ لأخيه، ولا الرجلِ لامرأتِه، ثم دَخِلَ الناسُ (^١) بعدَ ذلك، فظَهَرَت منهم أمورٌ حَمَلَت الولاةَ على اتِّهامِهم، فتُرِكَت شهادةُ مَن يُتَّهَمُ إذا كانت مِن أقربائِهم، وصار ذلك مِن الولدِ والوالدِ والأخِ والزوجِ والمرأةِ، لم يُتَّهَمْ إلا هؤلاء في آخرِ الزمانِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيةِ. قال: لا يَحْمِلُك فَقْرُ هذا على أن تَرْحَمَه، فلا تُقِيمَ عليه الشهادةَ. قال: يقولُ هذا للشاهدِ.\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾. الآية: هذا في الشهادةِ، فأقِم الشهادةَ يابنَ آدمَ، ولو على نفسِك، أو الوالِدَين، أو على ذَوى قَرابتِك، أو شَرَفِ (^٣) قومِك، فإنما الشهادةُ للهِ وليست للناسِ، وإن الله رَضِى العدلَ لنفسِه، والإقْساطُ والعَدْلُ مِيزانُ اللهِ في الأرضِ، به يَرُدُّ اللَّهُ مِن الشديدِ على الضعيفِ، ومِن الكاذبِ على الصادقِ، ومِن المُبْطِلِ على المُحِقِّ، وبالعدلِ يُصَدِّقُ الصَّادِقَ، ويُكَذِّبُ الكاذِبَ، ويَرُدُّ المُعْتَدِىَ ويُوَبِّخُه، تعالى ربُّنا وتبارك، وبالعدلِ يَصْلُحُ الناسُ، يا بنَ آدمَ، ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾. يقولُ: أوْلى بغَنِيِّكم وفقيرِكم. قال: وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ موسى ﵇ قال: ربِّ،\n_________\n(^١) دخِل الناس: فسد داخلهم: الوسيط (د خ ل).\n(^٢) ينظر التبيان ٣/ ٣٥٥.\n(^٣) في م، ومصدرى التخريج: \"أشراف\". والشرف والأشراف بمعنى. التاج (ش ر ف).","vol":"7","page":587},{"text":"أيُّ شيءٍ وَضَعْتَ في الأرضِ أقلَّ؟ قال: العَدْلُ أقلُّ ما وَضَعتُ في الأرضِ، فلا يَمْنَعَنَّكَ غِنَى غنيٍّ، ولا فَقْرُ فقَيرٍ، أن تَشهَدَ عليه بما تَعْلَمُ، فإن ذلك عليك مِن الحقِّ. وقال جل ثناؤه: ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ (^١).\nوقد قيل: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾. الآية، أرِيدَ: فاللَّهُ أوْلى بغِنَى الغَنِيِّ، وفَقْرِ الفقيرِ؛ لأن ذلك منه لا مِن غيرِه؛ فلذلك قيل: ﴿بِهِمَا﴾ ولم يُقَلْ: به.\nوقال آخرون: إنما قيل: ﴿بِهِمَا﴾؛ لأنه قال: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾. فلم يَقصِدْ فقيرًا بعَيْنِه، ولا غَنِيًّا بعَيْنِه، وهو مجهولٌ، وإذا كان مجهولًا، جازَ الرَّدُّ عليه (^٢) بالتوحيدِ والتثنيةِ والجمعِ. وذَكَر قائلو هذا القولِ أنه في قراءةِ أبَيٍّ: (فاللهُ أوْلى بِهِمْ) (^٣).\nوقال آخرون: \"أو\"، بمعنى \"الواوِ\" في هذا الموضعِ.\nوقال آخرون: جازَ تَثْنِيةُ قولِه: ﴿بِهِمَا﴾. لأنهما قد ذُكِرا، كما قيل: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢]. وقيل: جازَ ذلك؛ لأنه أضْمَر فيه \"مَن\"، كأنه قيل: إن يكنْ مَن خاصَم غَنِيًّا أو فقيرًا. بمعنى: غَنِيَّين أو فقيرَين، فاللهُ أوْلى بهما.\nفتأويلُ قولِه: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾. [على ما ذكَرنا من أقوالِ من ذكرنا قولَه: فلا تَتَّبعِوا الهَوَى في أن تَعْدِلوا] (^٤) عن الحقِّ، فَتَجُوروا بتَرْكِ إقامةِ الشهادةِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٨٧ (٦٠٨١) من طريق يزيد بن زريع ببعضه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"منه\".\n(^٣) هي قراءة شاذة، وينظر البحر المحيط ٣/ ٣٧٠.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"7","page":588},{"text":"بالحقِّ. ولو وُجِّه إلى أن معناه: فلا تَتَّبِعوا أهواءَ أنفسِكم؛ هربًا مِن أنْ تَعْدِلُوا في إقامةِ الشهادةِ بالقِسْطِ. كان وَجْهًا.\nوقد قيل: معنى ذلك: فلا تَتَّبِعوا الهَوى لتَعْدِلوا. كما يقالُ: لا تَتَّبِعْ هَواك لتُرْضِيَ ربَّك. بمعنى: أنْهاك عنه؛ كيما تُرْضِيَ ربَّكَ بتَرْكه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2276>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.</span>\nاختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: عَنَى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾، أيُّها الحُكَّام، في الحُكْمِ لأحدِ الخَصْمَين على الآخرِ ﴿أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. ووَجَّهوا معنى الآيةِ إلى أنها نَزَلت في الحُكَّامِ، على نحوِ القولِ الذي ذَكَرنا عن السُّدِّيِّ مِن قولِه: إن الآيةَ نَزَلَت في رسولِ اللهِ ﷺ. على ما ذكرنا قبلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2275>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا جَرِيرٌ، عن قابوسِ بن أبى ظَبْيانَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾. قال: هما الرجلان يَجْلِسان بينَ يَدَي القاضِى، فيكونُ لَيُّ القاضِي وإعراضُه لأحدِهما على الآخرِ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾، أيُّها الشهداءُ، في شهاداتِكم، فتُحَرِّفوها ولا تُقِيموها، ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ عنها فَتَتْرُكوها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ١١٨، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٩ (٦٠٩٨) وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٣٤ من طريق جرير به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٤ إلى أحمد في الزهد وابن المنذر.","vol":"7","page":589},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2277>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾. يقولُ: إِن تَلْوُوا بألسنتِكم بالشهادةِ، أو تُعْرِضوا عنها (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾. يقولُ: تَلْوِى لسانَك بغيرِ الحقِّ. وهى اللَّجْلَجَةُ، فلا تقيمُ الشهادةَ على وَجْهِها، والإعراضُ: التَّرْكُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾. أي تُبَدِّلُوا الشهادةَ ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾. قال: تَكْتُموها (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾. قال: تَبْدِيلُ الشهادةِ، والإعراضُ: كِتْمانُها.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾. قال: إن تُحَرِّفوا أو تَتْرُكوا (^٤).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٩ (٦٠٩٦، ٦١٠٠) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٩، ١٠٩٠ (٦٠٩٧، ٦١٠١) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٩٥. ومن طريقه أخرجه البيهقى ١٠/ ١٥٨.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٨٩، ١٠٩٠ (٦٠٩٩، ٦١٠٢) من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"7","page":590},{"text":"تُعْرِضُوا﴾. قال: تُلَجْلِجوا أو تكْتُموا، وهذا في الشهادةِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾. أما ﴿تَلْوُوا﴾: فتَلْوِى للشهادةِ فتحَرِّفُها حتى لا تُقِيمَها، وأما ﴿تُعْرِضُوا﴾: فتُعْرِضُ عنها فَتَكْتُمُها، وتقولُ: ليس عندى شهادةٌ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾. فتَكْتُموا الشهادةَ، يَلْوِى: ينقصُ (^٢) منها، أو يُعْرِضُ عنها فيَكْتُمُها، فيَأْتِي أَن يَشْهَدَ عليه، يقولُ: أكْتُمُ عنه لأنه مسكينٌ أرحَمُه. فيقولُ: لا أقِيُم الشهادةَ عليه. ويقولُ: هذا غَنِيٌّ أبَقِّيه وأرجو ما قِبَلَه، فلا أشْهَدُ عليه. فذلك قولُه: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾: تُحَرِّفوا. ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾: تَتْرُكوا.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا حسنُ بن عَطِيَّةَ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ مَرْزُوقٍ، عن عَطِيَّةَ في قولِه: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾. قال: إن تُلَجْلِجوا في الشهادةِ فتُفْسِدوها. ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾. قال: تَتْرُكوها (^٤).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبَرنا هُشَيمٌ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٩، ١٠٩٠ عقب الأثرين (٦٠٩٧، ٦١٠٢) مِن طريق عمرو بن حماد به.\n(^٢) في ص، ت ١: \"يبعض\".\n(^٣) ينظر التبيان ٣/ ٣٥٦.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٩، ١٠٩٠ عقب الأثرين (٦٠٩٧، ٦١٠٢) معلقًا.","vol":"7","page":591},{"text":"جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾. قال: أن تَلْوُوا في الشهادةِ: أن لا تُقِيموها (^١) على وَجْهِها، ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾. قال: تَكْتُموا الشهادةَ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بن أبي حَمَّادٍ، قال: ثنا شَيْبانُ، عن قتادةَ أنه كان يقرأُ (^٣): ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾. بواوَيْن (^٤)، يعني: تُلَجْلِجوا. ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾. قال: تَدَعُها فلا تَشْهَدُ.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سُلَيْمانَ (^٥)، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾. أما ﴿تَلْوُوا﴾. فهو أن يَلْوِىَ الرجلُ لسانَه بغيرِ الحقِّ. يعني: في الشهادةِ.\nقال أبو جعفرٍ: وأوْلى التأويلَين بالصوابِ في ذلك، تأويلُ مَن تأوَّله أَنه لَيُّ الشاهدِ شَهادتَه لَمَن شَهِدَ له وعليه، وذلك تَحْرِيفُه إياها بلسانِه، وتَرْكُه إقامتَها؛ ليُبْطِلَ بذلك شهادتَه لمِن شَهِد له، وعمن شَهِد عليه. وأما إعراضَه عنها، فإنه تَرْكُه أداءَها والقيامَ بها، فلا يَشْهَدُ بها.\nوإنما قُلنا: هذا التأويلُ أوْلى بالصوابِ؛ لأن الله جلّ ثناؤه قال: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾. فأمَرَهم بالقيامِ بالعَدْلِ شهداءَ، وأظْهْرُ معاني الشهداءِ ما ذكَرنا مِن وَصْفِهم بالشهادةِ.\n_________\n(^١) في الأصل، ص، س، ت ١: \"نقيمها\".\n(^٢) ينظر التبيان ٣/ ٣٥٦.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يقول\".\n(^٤) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. وينظر ما يأتي في الصفحة التالية.\n(^٥) في م: \"سلمان\". وينظر ترجمته في تهذيب الكمال ١٩/ ٢١٢.","vol":"7","page":592},{"text":"واختَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾؛ فقَرَأ ذلك عامةُ قَرَأةِ الأمصارِ سِوَى لكوفةِ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ بوَاوَين، مِن: لَوانى الرجلُ حقِّى، والقومُ يَلْووننى دَيْني. وذلك إذا مَطَلُوه لَيًّا.\nوقرَأ ذلك جماعةٌ مِن قَرَأةِ الكوفةِ: (وَإِنْ تَلُوا) بواوٍ واحدةٍ (^١). ولقراءةِ مَن قرَأ ذلك كذلك وجهان.\nأحدُهما: أن يكونَ قارِئُها أرادَ همز \"الواوٍ\" لانْضِمامها، ثم أسقَطَ الهمزَ، فصارَ إعرابُ الهمزِ في اللامِ إذ أسقَطَه، وبَقِيَت واوٌ واحدةً، كأنه أرادَ: تَلْؤُوا. ثم حَذَف الهمز، وإذا عَنَى هذا الوجهَ، كان معناه معنى مَن قرَأ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ بواوَين، غيرَ أنه خالَف المعروفَ مِن كلامِ العربِ، وذلك أن الواوَ الثانيةَ مِن قولِه: ﴿تَلْوُوا﴾ واوٌ جمعٍ، وهى عَلَمٌ لمعنًى، فلا يَصِحُّ همزُها، ثم حَذْفُها بعدَ همزِها، فيَبْطُلُ عَلَمُ المعنى الذي له أُدْخِلَت الواوُ المحذوفُة.\nوالوجه الآخرُ: أن يكونَ قارئها كذلك، أراد: (وإن تَلُوا) مِن الولايةِ، فيكونُ معناه: وإن تَلُوا أمورَ الناس أو تَتْرُكوها. وهذا معنًى - إذا وَجَّهَ القارئُ قراءتَه، على ما وَصْفنا، إليه - خارجٌ عن معاني أهلِ التأويلِ، وما وَجَّه إليه أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ والتابعون تأويلَ الآيةِ.\nفإذ كان فسادُ ذلك واضحًا مِن كِلا وَجْهَيه، فالصوابُ مِن القراءة الذي لا يَصْلُحُ غيره أن يُقرَأ به، عندَنا: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾. بمعنى اللَّيِّ، الذي هو مَطْلٌ (^٢)، فيكونُ تأويلُ الكلامِ: وإن تَدْفَعوا القيام بالشهادةِ على وَجْهِها لمَن لَزِمكم\n_________\n(^١) قرأ حمزة وابن عامر بواو واحدة واللام مضمومة. وقرأ الباقون بواوين. التيسير ص ٨١، النشر ٢/ ١٩٠.\n(^٢) كلتا القراءتين صحيحة لأنهما متواترتان. المصدران السابقان.","vol":"7","page":593},{"text":"القيام له بها، فتُغَيِّرُوها وتُبَدِّلوا، أو تُعْرِضوا عنها، فَتَتْرُكوا القيامَ له بها، كما يَلْوِى الرجلُ دَيْنَ الرجلِ، فيُدافعه بأدائِه إليه على ما أوجَب عليه له، مَطْلًا منه له، كما قال الأعْشَى (^١):\nيَلْوِينَنِي دَيْنِي النَّهَارَ وأَقْتَضِى … دَيْني إذا وَقَذَ (^٢) النُّعاسُ الرُّقَّدَا\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. فإنه أرادَ: فإن الله كان بما تعمَلون مِن إقامتِكم الشهادةَ، وتَحِريفِكم إياها، وإعراضِكم عنها بكِتْمانِكموها ﴿خَبِيرًا﴾ يعنى: ذا خبرةٍ وعلمٍ به؛ يَحْفَظُ ذلك منكم عليكم، حتى يُجازِيَكم به جزاءَكم في الآخرة؛ المُحْسِنُ منكم بإحسانِه، والمُسِيءُ بإساءتِه. يقولُ: فاتَّقُوا ربَّكم في ذلك.\n\n<span id=\"aya-629\"></span><span data-type='title' id=toc-2278>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بمَن قبلَ محمدٍ مِن الأنبياءِ والرسلِ، وصَدَّقوا بما جاءوهم به مِن عندِ اللهِ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. يقولُ: صَدِّقوا باللهِ، وبمحمدٍ رسولِه، أنَّه للهِ رسولٌ، مُرْسَلٌ إليكم وإلى سائرِ الأممِ قبلكم ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ يقولُ: وصَدِّقوا بما جاءكم به محمدٌ مِن الكتابِ الذي نَزَّل اللهُ عليه - وذلك القرآنُ - ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: وأمِنوا بالكتابِ الذي أنَزَل اللهُ مِن قبلِ الكتابِ الذي نزَّله على محمدٍ ﷺ، وذلك هو التوراةُ والإنجيلُ.\n_________\n(^١) ديوان الأعشى الكبير ص ٢٢٧.\n(^٢) وقذه: صرعه، ومن المجاز: وقذه النعاس، إذا غلبه. التاج (وق ذ).","vol":"7","page":594},{"text":"فإن قال قائلٌ: وما وَجْهُ دعاءِ هؤلاء إلى الإيمانِ باللهِ ورسولِه وكتبِه، وقد سَمَّاهم مؤمنين؟\nقيل: إنه جلّ ثناؤه لم يُسَمِّهم مؤمنين، وإنما وَصَفهم بأنهم آمَنوا، وذلك وَصْفٌ لهم بخصوصٍ مِن التصديقِ، وذلك أنهم كانوا صِنْفَين؛ صِنْفٌ (^١) أهلُ توراةٍ مُصَدِّقِين بها وبمَن جاء بها، وهم مُكَذِّبون بالإنجيلِ والفُرقانِ وعيسى ومحمدٍ، صلواتُ اللهِ عليهما. وصِنْفٌ أهلُ إنجيلٍ، وهم مُصَدِّقون به وبالتَّوراةِ وسائرِ الكتبِ، مُكَذِّبون بمحمدٍ ﷺ والفُرْقانِ، فقال اللهُ لهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: بما هم به مؤمنون مِن الكُتُبِ والرسلِ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ محمدٍ والكتاب الذي نَزَّلَ عليه، فإنكم قد علمتم أن محمدًا رسولُ اللهِ؛ تجدون صفته في كتبكم، وبالكتابِ الَّذِى نَزَّلَ مِن قَبْلِه الذي تَزْعُمون أنكم به مؤمنون، فإنكم لن تكونوا به مؤمنين وأنتم بمحمدٍ مُكَذِّبون؛ لأن كتابَكم يأمركم بالتَّصْديقِ به، وبما جاءكم به، فآمِنوا بكتابكم في اتِّباعِكم محمدًا، وإلا فأنتم به كافِرون.\nفهذا وَجْهُ أمرِهم بالإيمانِ بما أمَرَهم بالإيمانِ به، بعدَ أن وَصَفهم بما وَصَفهم بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.\nوأما قولُه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فإن معناه: ومَن يَكْفُرْ محمدٍ ﷺ، فيَجْحَد نُبوَّتَه، [﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، وإنما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ومعناه: ومن يَكْفُرْ بمحمدٍ وبما جاء به مِن عندِ اللهِ] (^٢)؛ لأن جُحودَ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"فهو يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر\".","vol":"7","page":595},{"text":"شيءٍ مِن ذلك، بمعنى جُحودِ جميعِه، [ولأنه] (^١) لا يَصِحُّ إيمانُ أحدٍ مِن الخلقِ إلا بالإيمانِ بما أمَره اللهُ بالإيمانِ به، والكفر بشيءٍ منه كفرٌ بجميعِه، فلذلك قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ بِعَقِبِ خطابِه أهلَ الكتابِ، وأمْرِه إياهم بالإيمانِ بمحمدٍ ﷺ تهديدًا منه لهم، وهم مُقِرُّون بوحدانية اللهِ، والملائكةِ والكتبِ والرسلِ واليومِ الآخرِ، سوى محمدٍ ﷺ، وما جاء به مِن الفُرْقانِ.\nوأما قولُه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، فإنه يعنى: فقد ذَهَب عن قَصْدِ السبيلِ، وجارَ عن مَحَجَّةِ الطريقِ إلى المَهالكِ (^٢) ذهابًا وَجَوْرًا بعيدًا؛ لأن كُفْرَ مَن كفَر بذلك خروجٌ منه عن دينِ اللهِ الذي شَرَعه لعباده. والخروجُ عن دينِ اللَّهِ الهلاكُ الذي فيه البَوَارُ، والضَّلال عن الهُدَى الذي هو الضَّلَالُ.\n\n<span id=\"aya-630\"></span><span data-type='title' id=toc-2280>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بموسى ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ به ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾ - يعني النصارى - بعيسى ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ به ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ بمحمدٍ ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-2279>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ\n_________\n(^١) في الأصل: \"وذلك\"، وفى م: \"وذلك لأنه\".\n(^٢) في الأصل: \"الهلاك\".","vol":"7","page":596},{"text":"الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ وهم اليهودُ والنصارى، آمَنَت اليهودُ بالتوراةِ ثم كفَرَت، وآمَنَت النصارى بالإنجيلِ ثم كفَرَت. وكفرُهم به تَرْكُهم إياه، ثم ازدادوا كفرًا بالفرقانِ وبمحمدٍ ﷺ، فقال اللهُ: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾. يقولُ: لم يكنِ اللهُ ليغفرَ لهم ولا ليَهْديَهم طريقَ هدًى، وقد كفَروا بكتابِ اللهِ وبرسولِه محمدٍ ﷺ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾. قال: هؤلاء اليهودُ، آمَنوا بالتوراةِ، ثم كفَروا. ثم ذكَر النصارى، ثم قال: ﴿ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾. يقولُ: آمنوا بالإنجيلِ ثم كفَروا به، ثم ازدادوا كفرا بمحمدٍ ﷺ (^٢).\nوقال آخرون: بل عنَى بذلك أهلَ النفاقِ، أنهم آمَنوا ثم ارتَدُّوا، ثم آمنوا ثم ارتَدُّوا، ثم ازدادوا كفرًا بموتِهم على الكفرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2281>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾. قال: كُنَّا نَحْسَبُهم المنافقين، ويَدْخُلُ في ذلك مَن كان مثلَهم ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾. قال: تَمُّوا (^٣) على كفرهم حتى ماتُوا (^٤).\n_________\n(^١) أخرج بعضه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٩٢ (٦١١٧ - ٦١١٩) من طريق يزيد بن زريع. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٦. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٩١ (٦١١٢، ٦١١٣، ٦١١٦) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٤، ٢٣٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في الأصل: \"بقوا\"، وفى م: \"نموا\". وتم على الأمر: استمر عليه. النهاية ١/ ١٩٧.\n(^٤) ذكر السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٥ أوله بلفظ: \"هم المنافقون\" وعزاه إلى ابن المنذر ثم ذكر آخره =","vol":"7","page":597},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾. قال: ماتُوا (^١).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾. قال: حينَ (^٢) ماتُوا.\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ الآية، قال: هؤلاء المنافقون، آمَنوا مَرَّتَين، وكفَروا مَرَّتَين، ثم ازدادوا كفرًا بعدَ ذلك (^٣).\nوقال آخرون: بل هم أهلُ الكتابَين؛ التوراةِ والإنجيلِ، أتَوا ذنوبًا في كفرِهم فتابوا، فلم تُقبَلْ منهم التوبةُ منها (^٤)، مع إقامتِهم على كفرِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2282>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن أبي العاليةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ قال: هم اليهودُ والنصارى، أذنَبوا في شِرْكِهم، ثم تابوا فلم تُقْبَلْ توبتهم، ولو تابوا مِن الشركِ لقُبِل منهم (^٥).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ، قولُ مَن قال: عَنَى بذلك أهلَ\n_________\n= وعزاه إلى المصنف وابن المنذر.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٩١ (٦١١٥) من طريق عبد الرحمن به.\n(^٢) في م: \"حتى\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٥ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، س. وفى م: \"فيها\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٩١ (٦١١١) من طريق أبي خالد به.","vol":"7","page":598},{"text":"الكتابِ الذين أقرُّوا بحُكْمِ التوراةِ، ثم كَذَّبوا بخلافِهم إياه، ثم أقرَّ مِن أقرَّ منهم بعيسى والإنجيلِ، ثم كَذَّب به بخلافِه إياه، ثم كَذَّب بمحمدٍ ﷺ والفُرْقانِ، فازادادَ بتَكْذيبِه به كفرًا على كفرِه.\nوإنما قلنا: ذلك أوْلى بالصوابِ في تأويلِ هذه الآيةِ؛ لأن الآيةَ قبلَها في قصصِ أهلِ الكتابَين - أعنِى قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ - ولا دَلالةَ تدلُّ على أن قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ مُنْقِطعٌ معناه مِن معنى ما قِبَلَه، فإلحاقُه بما قبلَه أوْلى، حتى تأتىَ دَلالةٌ دالَّةٌ على انقطاعِه منه.\nوأما قولُه: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ﴾. فإنه يعنى: لم يكُنِ اللَّهُ لِيَسْتُرَ عليهم كفرَهم وذنوبَهم، بعفوه عن العقوبةِ لهم عليه، ولكنه يَفْضَحُهم على رءوسِ الأشهادِ. ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾. يقولُ: ولم يَكُنْ لِيُسَدِّدَهم لإصابةِ طريقِ الحقِّ فيُوَفِّقَهم لها، ولكنه يَخْذُلْهم (^١) عنها؛ عقوبةً لهم على عظيمِ جُرْمهم وجُرْأَتِهم على ربهم.\nوقد ذهَب قومٌ إلى أن المرتدَّ يُسْتَتاب ثلاثًا، انتزاعًا منهم بهذه الآيةِ، وخالَفهم على ذلك آخرون.\n\n<span data-type='title' id=toc-2283>ذكرُ مَن قال: يستتاب ثلاثًا</span>\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا حَفْصٌ، عن أشْعَثَ، عن الشَّعْبيِّ، عن عليٍّ، قال: إن كنتُ لمُسْتَتيبًا المرتدَّ ثلاثًا. ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ (^٢).\n_________\n(^١) في الأصل: \"عدلهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ١٣٨، ١٢/ ٢٧٤ (٩٠٣٥، ١٢٨٠٤)، ومن طريقه البيهقي ٨/ ٢٠٨ عن حفص بن غياث به.","vol":"7","page":599},{"text":"حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن عليٍّ، ﵁: يُسْتَابُ المُرْتَدُّ ثلاثًا، ثم قرَأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن عبدِ الكريمِ، عن رجلٍ، عن ابن عمرَ، قال: يُسْتَتاب المرتدُّ ثلاثًا (^٢).\nوقال آخرون: يُسْتَاب كلما ارتدَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2284>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن عمرِو بن قيسٍ، عمن سمِع إبراهيمَ، قال: يُسْتَتابُ المُرُتَدُّ كلما ارْتَدَّ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وفى قيامِ الحُجَّةِ بأن المرتدَّ يُسْتتابُ المرةَ الأولى، الدليلُ الواضحُ على أن حُكْمَ كلِّ مَرَّةٍ ارتدَّ فيها عن الإسلامِ حكمُ المرةِ الأولى، في أن توبتَه مقبولةٌ، وأن إسلامَه حَقَنَ له دمَه؛ لأن العلةَ التي حَقَنَت دمَه في المرةِ الأولى إسلامُه، فغيرُ جائزٍ أن تُوجَدَ العلةُ التي مِن أجلِها كان دمُه محقونًا في الحالةِ الأولى، ثم يكونَ دمُه مباحًا مع وجودِها، إلا أن يُفَرِّقَ بينَ حُكْمِ المرةِ الأولى وسائرِ المراتِ غيرِها، ما يَجِبُ التسليمُ له مِن أصلٍ مُحْكَمٍ، فيَخْرُجَ مِن حكمِ القياسِ حينَئذٍ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٢٧٣ (١٢٨٠٣)، والبيهقى ٨/ ٢٠٧ من طريق وكيع به. وأخرجه الطحاوى في شرح معاني الآثار ٣/ ٢١٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٩١ (٦١١٠) من طريق شريك عن جابر به، وعند الطحاوى في أوله قصة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ١٣٨، ١٢/ ٢٧٤ (٩٠٣٦، ١٢٨٠٥)، ومن طريقه البيهقى ٨/ ٢٠٧ عن وكيع به، وزاد ابن أبي شيبة في الموضع الأول: \"فإن تاب تُرِك، وإن أبي قُتل\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٢٧٢ (١٢٧٩٨) عن وكيع به. وأخرجه عبد الرزاق (١٨٦٩٧)، والبيهقي ٨/ ١٩٧ من طريق سفيان به.","vol":"7","page":600},{"text":"<span id=\"aya-631\"></span><span data-type='title' id=toc-2285>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾. أَخْبِرِ المنافقين - وقد بَيَّنَّا معنى التبشيرِ فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه (^١) - ﴿بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ يعنى: بأن لهم يومَ القيامةِ مِن اللهِ على نفاقِهم عَذَابًا أَلِيمًا، وهو الموجعُ، وذلك عذابُ جهنمَ.\n\n<span id=\"aya-632\"></span><span data-type='title' id=toc-2286>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾.</span>\nأما قولُه جلّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فمِن صفةِ المنافقين. يقولُ اللهُ لنبيِّه: يا محمدُ، بَشِّرِ المنافقين الذين يَتَّخِذون أهلَ الكفرِ بى والإلحادِ في ديني ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، يعنى: أنصارًا وأخلافًا (^٢) ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعنى: مِن غيرِ المؤمنين ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾. يقولُ: أيطلبون عندَهم المَنَعَة والقوةَ باتخاذِهم إياهم أولياءَ مِن دونِ أهلِ الإيمانِ؟ ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. يقولُ: فإن الذين اتخذوهم مِن الكافرين أولياءَ ابتغاءَ العزةِ عندَهم هم الأذِلاءُ الأقِلاءُ، فهلا اتَّخَذوا الأولياءَ مِن المؤمنين، فيَلْتَمِسوا العِزَّةَ والمَنَعةَ والنُّصْرةَ مِن عندِ اللَّهِ، الذي له العِزَّةُ والمَنَعَةُ، الذي يُعِزُّ مَن يَشَاءُ، ويُذِلُّ مَن يَشَاءُ، فيُعِزُّهم ويَمْنَعُهم.\nوأصلُ العِزَّةِ الشِّدَّةُ. ومنه قيل للأرضِ الصُّلْبة الشديدةِ: عَزَازٌ. وقيل: قد\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ٤٠٥ - ٤٠٧.\n(^٢) في م: \"أخلاء\".","vol":"7","page":601},{"text":"اسْتُعِزُّ على المريض. إذا اشتدَّ مرضُه وكاد يُشْفَى. ويقالُ: تَعَزَّز اللحمُ. إذا اشتدَّ. ومنه قيل: عَزَّ على أن يكونَ كذا وكذا. بمعنى: اشتدَّ عليَّ.\n\n<span id=\"aya-633\"></span><span data-type='title' id=toc-2287>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤُه: وبَشِّرِ المنافقين الذين يَتَّخِذون الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين - ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾. يقولُ: أَخْبِرُ مَن اتَّخَذ مِن هؤلاء المنافقين الكفارَ أنصارًا وأولياءَ بعدَ ما نزل عليهم مِن القرآنِ: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. يعنى: بعدَ ما عَلِموا نَهْيَ اللهِ عن مجالسةِ الكفارِ الذين يَكْفُرون بحُجَجِ اللهِ وآيِ كتابِه، ويَسْتَهْزِئون بها. ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. يعنى بقولِه: ﴿يَخُوضُوا﴾. يَتَحَدَّثوا (^١) حديثًا غيرَه - ﴿بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.\nوقولُه: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾. يعنى: وقد نَزَّل عليكم أنكم إنْ جالَسْتم مِن يَكْفُرُ بآياتِ اللهِ، ويَسْتَهْزِئُ بها وأنتم تَسْمَعون، فأنتم مِثلُهم (^٢)، يعني: فأنتم - إن لم تَقُوموا عنهم في تلك الحال - مِثلُهم في فعليهم؛ لأنكم قد عَصَيْتم الله بجلوسِكم معهم، وأنتم تَسْمَعون آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بها ويُسْتَهْزَأُ بها، كما عَصَوه باستهزائهم بآياتِ اللهِ، فقد أتَيتُم مِن معصيةِ اللهِ نحوَ الذي أَتَوه منها، فأنتم إذن مِثْلُهم في ركوبِكم (^٣) معصيةَ اللهِ، وإتيانِكم ما نهَى اللهُ عنه.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"يتخذوا\".\n(^٢) في م: \"مثله\".\n(^٣) في الأصل: \"ركوبهم\".","vol":"7","page":602},{"text":"وفى هذه الآيةِ الدلالةُ الواضحةُ على النهيِ عن مجالسةِ أهلِ الباطلِ مِن كلِّ نوعٍ؛ مِن المبتدعةِ والفسقةِ، عند خوضِهم في باطلِهم.\nوبنحوِ ذلك كان جماعةٌ مِن [الأئمةِ الماضين] (^١) يقولون، تأوُّلًا منهم هذه الآيةَ، أنه مُرادٌ بها النَّهى عن مُشاهدةِ كلِّ باطلٍ عندَ خَوْضِ أهلِه فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2288>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يزيدُ بن هارونَ، عن العَوَّامِ بن حَوْشَبٍ، عن إبراهيمَ التَّيْمِيِّ، عن أبي وائلٍ، قال: إن الرجلَ ليَتكلَّم بالكلمةِ في المجلسِ مِن الكذبِ ليُضْحِكَ بها (^٢) جُلساءَه (^٣)، فيَسْخَطُ اللَّهُ عليهم. قال: فذَكَرْت ذلك لإبراهيمَ النَّخَعِيِّ، فقال: صدَق أبو وائلٍ، أو ليس ذلك في كتابِ اللهِ: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن إدريسَ، عن العلاءِ بن مِنْهال، عن هشامِ بن عُرُوةَ، قال: أخذ عمرُ بنُ عبدِ العزيز قومًا على شرابٍ، فضرَبهم وفيهم صائمٌ، فقالوا: إن هذا صائمٌ. فتلا: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ\n_________\n(^١) في م: \"الأمة الماضية\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"جلساؤه\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٣ (٦١٢٦) مِن طريق يزيد بن هارون به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٠٥ - تفسير) من طريق أبي وائل به دون قوله: \"فذكرت ذلك لإبراهيم .... إلخ. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٥ إلى ابن المنذر.\nوأثر إبراهيم أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٠٤ - تفسير)، من طريق عبيد المُكْتِب عن إبراهيم به بنحوه.","vol":"7","page":603},{"text":"حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾. قال: وقولَه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقولَه ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. ونحوَ هذا مِن القرآنِ، قال: أمَر اللهُ المؤمنين بالجماعةِ، ونَهاهم عن الاختلافِ والفُرْقَةِ، وأخبرَهم: إنما هَلَك مَن كان قبلكم بالمراءِ والخُصوماتِ في دينِ اللهِ (^٢).\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾. يقولُ: إن الله جامعٌ الفريقَين مِن أهلِ الكفرِ والنِّفاقِ في القيامةِ في النارِ، فمُوفِّقٌ بينَهم في عقابِه في جهنمَ، وأليمِ عذابِه، كما اتَّفَقوا في الدنيا، فاجتَمَعوا على عداوةِ المؤمنين، وتَوازَرُوا (^٣) على التخذيل عن دينِ اللهِ الذي ارتَضاه وأمَر به أهله (^٤).\nواختَلَفت القَرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾؛ فقَرَأ ذلك عامةُ القَرَأةِ بضمِّ \"النونِ\"، وتثقيلِ \"الزايِ\" وتشديدِها، على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه. وقرَأه بعضُ الكُوفيين بفتحِ \"النون\"، وتشديدِ و\"الزايِ\" على معنى: وقد نَزَّل اللهُ عليكم. وقرَأ ذلك بعضُ المَكَيِّين: (وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْكُمْ). بفتحِ \"النونِ\" وتخفيفِ \"الزايِ\" بمعنى: وقد جاءكم مِن اللهِ أن إذا سَمِعتم (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في ٧/ ٤٦٩ (٣٨٢١)، وابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٣ (٦١٢٧) من طريق عبد الله إدريس به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٣ (٦١٢٤) من طريق أبي صالح به.\n(^٣) توازروا: تآزروا، ومعناه: تعاونوا. التاج (وزر).\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"وأهله\".\n(^٥) قرأ عاصم ويعقوب بفتح النون والزاى مشددة، وقرَأ الباقون بضم النون وكسر الزاي مشددة. وقرأ =","vol":"7","page":604},{"text":"قال أبو جعفرٍ: وليس في هذه القراءاتِ الثلاثِ وجهٌ يَبْعُدُ معناه مما يحتمِلهُ الكلامُ، غير أن الذي أختارُ القراءةَ به، قراءةُ مَن قرَأ: (وَقَدْ نُزِّل) بضَمِّ \"النونِ\" وتَشْديدِ \"الزايِ\"، على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعله؛ لأن معنى الكلامِ فيه، التقديمُ على ما وصَفْتُ (^١) قبلُ، على معنى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ - (وَقَد نُزِّلَ عَلَيكُم في الكِتَابِ أَن إِذَا سَمِعتُم) إلى قولِه: ﴿حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ - ﴿[أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ] [¬*]﴾. فقولُه: ﴿[فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا] [¬*]﴾ يعنى التأخيرَ، فلذلك كان ضمُّ \"النونِ\" مِن قولِه: (نُزِّل). أصوبَ عندنا في هذا الموضعِ.\n\nوكذلك اختَلَفوا في قراءةِ قوله: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾؛ فقرَأه بفتح ﴿نَزَّلَ﴾ و﴿أَنْزَلَ﴾ أكثرُ القَرَأَةِ، بمعنى: والكتابِ الذي نَزَّل اللهُ على رسولِه، والكتابِ الذي أنزَل مِن قبلُ. وقرَأ ذلك بعضُ قَرَأةِ البصرةِ بضمِّه في الحرفين كليهما، بمعنى ما لم يُسَمَّ فاعلُه (^٢). وهما متقارِبتا المعنى، غيرَ أن الفتح في ذلك أعجبُ إلى مِن الضمِّ؛ لأن ذكرَ اللهِ قد جرَى قبلَ ذلك في قولِه: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.\n\n<span id=\"aya-634\"></span><span data-type='title' id=toc-2289>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ</span>\n_________\n= أبو حيوة وحميد: (نزل) مخففا مبنيا للفاعل وهى قراءة شاذة. النشر ٢/ ١٩٠، والإتحاف ص ١١٧، وينظر في الوجه الثالث البحر المحيط ٣٧٤.\n(^١) في م: \"وصلت\".\n(^٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بالبناء للمجهول (نُزِّل) و(أُنْزِل). وقرأ الباقون بالبناء للفاعل وروى الكسائي، عن أبي بكر، عن عاصم مثل قراءة أبي عمرو في (نزل) بالضم ينظر السبعة في القراءات ص ٢٣٩، وحجة القراءات ص ٢١٦، ٢١٧.\n\n[¬*] (تعليق الشاملة): بياض في المطبوع، وأكملناه من الطبعات الأخرى للتفسير","vol":"7","page":605},{"text":"سَبِيلًا (١٤١)﴾.\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾: الذين يَنْتِظُرُون أَيُّها المؤمنون بكم، ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾. يعنى: فإنْ فتَح اللهُ عليكم فتحًا مِن عدوِّكم، فأفاءَ عليكم فَيْئًا مِن المغانمِ، ﴿قَالُوا﴾ لكم: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ نُجاهِدُ معكم عدوَّكم، ونَغْزُوهم معكم، فأعْطُونا نصيبَنا مِن الغنيمةِ، فإنا قد شَهدِنا القتالَ معكم. ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾. يعنى: وإن كان لأعدائِكم مِن الكافرين حظٌّ منكم بإصابتِهم منكم، ﴿قَالُوا﴾. يعنى: قال هؤلاء المنافقون للكافرين: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾؛ ألم نَغْلِبُ عليكم حتى قَهَرْتم المؤمنين، ونَمْنَعْكم منهم بتخذيلِنا إياهم، حتى امتَنَعوا منكم، فانصَرَفوا، ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يعنى: فاللَّهُ يَحْكُمُ بين المؤمنين والمنافقين يومَ القيامةِ، فيَفْصِلُ بينَهم (^١) بالقضاءِ الفاصلِ بإدخالِ أهلِ الإيمانِ جنتَه، وأهلِ النفاقِ مع أوليائِهم مِن الكفارِ نارَه. ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. يعني: حجةً يوَم القيامةِ.\nوذلك وعدٌ مِن اللهِ المؤمنين، أنه لن يُدْخِلَ المنافقين مُدْخَلَهم مِن الجنةِ، ولا المؤمنين مُدْخَلَ المنافقين، فيكونَ بذلك للكافرين على المؤمنين حجةٌ، بأن يقولوا لهم إن أُدْخِلوا مُدْخَلَهم: ها أنتم (^٢) كنتم في الدنيا أعداءَنا، وكان المنافقون أولياءنَا، وقد اجتَمعتم في النارِ، فجُمِع بينكم وبينَ أوليائِنا، فأين الذي كنتم تَزْعُمون أنكم تُقاتلوننا مِن أجلِه في الدنيا؟ فذلك هو السبيلُ الذي وعَد اللهُ المؤمنين أن لا يَجعَلها عليهم للكافرين.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"بينكم\".\n(^٢) في الأصل: \"فأنتم\".","vol":"7","page":606},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2290>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: المنافقون يَتَربَّصون بالمسلمين، ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ﴾ قال: إن (^١) أصاب المسلمون مِن عدوِّهم غنيمةً، قال المنافقون: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾، قد كنا معكم، فأعْطُونا غنيمةً مثل ما تأخُذُون، وإن كان للكافرين نصيبٌ يُصيبونه مِن المسلمين، قال المنافقون للكافرين: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قد كنا نُثَبِّطُهم عنكم (^٢).\nواختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ألم نغْلِبْ عليكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2291>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾. قال: نَغْلِبُ عليكم (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ألم نُبَيِّنْ لكم أنا معكم على ما أنتم عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2292>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿أَلَمْ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ص، ت ١، س.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ٣/ ٣٦٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٥ إلى المصنف وابن المنذر عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٤ (٦١٣٢) من طريق أحمد بن مفضل به.","vol":"7","page":607},{"text":"نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾: ألم نُبَيِّنْ لكم أنا (^١) على ما أنتم عليه (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وهذان القولان مُتقاربِا المعنى، وذلك أن مِن تأوَّله بمعنى: ألم نُبَيِّنْ لكم، إنما أراد - إن شاء اللهُ - ألم نَغْلِبْ عليكم بما كان منَّا مِن البيانِ لكم أنَّا معكم.\nوأصلُ الاستحواذِ في كلامِ العربِ - فيما بَلَغَنا - الغَلَبَةُ، ومنه قولُ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة: ١٩]. بمعنى غَلَب عليهم، يقالُ منه: حاذَ عليه، واستَحاذَ يَحِيذُ ويَسْتَحِيذُ، وأحاذَ يُحِيذُ. ومِن لغةِ مَن قال: \"حاذَ\"، قولُ العَجَّاجِ في صفةِ ثَوْرٍ وكلابٍ (^٣):\nيَحُوذُهنَّ وله حُوذِيُّ\nوقد أنشَد بعضُهم:\nيَحُوزُهنَّ وله حوزِيُّ\nوهما مُتَقارِبا المعنى.\nومن لغة مِن قال: \"أحاذَ\"، قول لبيد في صفةِ عَيْرٍ وأُتُنٍ (^٤):\nإذا اجتَمَعَت وأَحْوَذَ جانِبَيْها … وأَوْرَدَها على عُوجٍ طِوَالِ\nيعنى بقوله: وأَحْوَذَ جانِبَيْها: غَلَبَها وقَهَرها حتى حاذِ كلا جانبيَها، فلم يَشِذَّ منها شيءٌ.\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢: \"معكم\".\n(^٢) ينظر التبيان ٣/ ٣٦٣، وراجع حاشية (٢).\n(^٣) ديوان العجاج ص ٣٣٢، ورواية الديوان: \"يحوذها وهو لها حوذى\".\n(^٤) شرح ديوان لبيد ص ٨٦. والعير: الحمار. والأُتُن: جمع أَتان وهى أنثاه. وأحوذ: جَمَع وضَمَّ. والعوج. الطوال، أراد: قوائهما.","vol":"7","page":608},{"text":"وكان القياسُ في قولِه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ أن يأتي: استحاذَ عليهم؛ لأن الواوَ إذا كانت عينَ الفعلِ، وكانت متحركةً بالفتحِ وما قِبَلَها ساكنٌ، جَعَلَت العربُ حرَكَتَها في فاءِ الفعلِ قبلَها، وحَوَّلوها أَلِفًا مُتَّبِعةً حركةَ ما قِبَلَها، كقولِهم: استَحال هذا الشيءُ عما كان عليه. مِن حالَ يَحولُ. واستَنارَ فلانٌ بنورِ اللهِ. مِن النورِ، واستَعاذَ باللهِ مِن عاذَ يَعوذُ. وربما تَرَكوا ذلك على أصلِه، كما قال لبيدٌ: وأَحْوَذَ. ولم يقلْ: وأحاذَ.\nوبهذه اللغةِ جاء القرآنُ في قولِه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾.\nوأما قولُه: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، فلا خلافَ بينَهم في أن معناه: ولن يَجْعَل اللهُ للكافرين يومَئذٍ على المؤمنين سبيلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2293>ذكرُ الخبرِ عن بعض مِن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن الأعمشِ، عن ذَرٍّ، عن يُسَيعٍ (^١) الحَضْرَميِّ، قال: كنتُ عندَ عليِّ بن أبى طالبٍ، فقال رجلٌ: يا أمير المؤمنين، أرأيتَ قولَ اللهِ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ وهم يُقاتِلوننا، فيَظْهَرون ويَقْتُلون؟ قال له عليٌّ: ادْنُهُ ادْنُه. ثم قال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، يومَ القيامةِ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن ذَرٍّ، عن يُسَيعٍ (١) الكِنْديِّ في قولِه: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"نسيع\". وفى الأصل غير منقوطة. وهو يسيع بن معدان الحضرمي. وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٣٠٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٥ (٦٦١٣٥) من طريق الأعمش بمعناه.","vol":"7","page":609},{"text":"الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. قال: جاء رجلٌ إلى عليّ بن أبي طالبٍ، فقال: كيف هذه الآيةُ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ فقال عليٌّ: ادْنُه، ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾ يومَ القيامةِ ﴿لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن ذَرٍّ، عن يُسَيعٍ (^٢) الحَضْرَميِّ مثلَه (^٢).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا غُنْدَرٌ، عن شُعْبَةَ، قال: سَمِعتُ سليمانَ يُحَدِّثُ [عن ذَرٍّ] (^٣)، عن رجلٍ، عن عليٍّ؛ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. قال: في الآخرةِ (^٤).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. يومَ القيامةِ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. قال: ذاك يومُ القيامةِ (^٦).\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ٩٨، وعبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٧٥، والحاكم ٢/ ٣٠٩، وابن حزم في المحلى ١٢/ ٢٠ من طريق سفيان به.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن علي بنحوه\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٥ إلى المصنف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٥ عقب الأثر رقم (٦١٣٥) معلقا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٥ إلى المصنف، وعبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"7","page":610},{"text":"وأما السبيلُ في هذا الموضعِ فالحُجَّةُ، كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. قال: حُجَّةً (^١).\n\n<span id=\"aya-635\"></span><span data-type='title' id=toc-2294>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾.</span>\nقد دلَّلنا فيما مضَى قبلُ على معنى خداعِ المنافقِ ربُّه، ووجهِ خِداعِ اللهِ إياهم، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ، واختلافِ المختلفين في ذلك (^٢).\nفتأويلُ ذلك: إن المنافقين يُخادِعون الله بإحرازِهم بنفاقِهم دماءَهم وأموالَهم، واللهُ خادعُهم بما حكَم فيهم مِن منعِ دمائِهم بما أظهَروا بألسنتهِم مِن الإيمانِ، مع علمِه بباطنِ ضمائرِهم، واعتقادِهم الكفرَ، استدراجًا منه لهم في الدنيا، حتى يَلْقَوه في الآخرةِ، فيُورِدُهم بما استَبطَنوا مِن الكفرِ نارِ جهنمَ.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾. قال: يُعْطِيهم يومَ القيامةِ نورًا يمشون فيه مع المسلمين، كما كانوا معهم في الدنيا، ثم يَسْلُبُهم ذلك النورَ فيُطْفِئُه، فيَقومون في ظُلْمتِهم، ويُضرَبُ بينَهم بالسُّورِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾. قال: نَزَلَت في عبدِ اللَّهِ بن أُبَيٍّ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٥، ١٠٩٧ (٦١٣٦، ٦١٥٠) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) تقدم في ١/ ٢٧٩ - ٢٨٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٥ (٦١٣٧) مِن طريق أحمد بن مفضل به.","vol":"7","page":611},{"text":"وأبي عامرِ بن النُّعْمانِ، وفى المنافقين: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾. قال: مثلَ قوله في البقرةِ: (يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يُخادعون (^١) إِلَّا أَنفُسَهُم) [البقرة: ٩]. قال: وأما قولُه: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾. فيقولُ: في النورِ الذي يُعْطَى المنافقون مع المؤمنين، فَيُعْطُون النورَ، فإذا بَلَغوا السورَ (^٢)، و[ما ذكَر اللهُ مِن قولِه] (^٣): ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. قال: قولُه: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بن هارونَ، عن سُفيانَ بن حُسَينٍ، عن الحسنِ، أنه كان إذا قرَأ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾. قال: يُلْقَى على كلِّ مؤمنٍ ومُنافقٍ نورٌ يَمْشون به، حتى إذا انتَهَوا إلى الصراطِ، طُفِيء نورُ المنافقين، ومضَى المؤمنون بنورِهم، فيُنادُونهم: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحديد: ١٣، ١٤]. قال الحسنُ: فتلك خَدِيعَةُ اللَّهِ إياهم (^٥).\nوأما قولُه: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾، فإنه يعنى: أن المنافقين لا يعمَلون شيئًا مِن الأعمالِ التي فَرَضها اللهُ على المؤمنين على وَجْهِ التَّقَرُّبِ بها إلى اللهِ؛ لأنهم غيرُ موقنين بمعادٍ، ولا ثوابٍ ولا عقابٍ، وإنما يَعْمَلون ما عَمِلُوا مِن الأعمالِ الظاهرةِ إبقاءً على أنفسِهم، وحِذارًا\n_________\n(^١) كذا في النسخ، وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو، وقرَأ الباقون ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾. ينظر السبعة في القراءات ص ١٣٩، وحجة القراءات ص ٨٧، وينظر ما تقدم في ١/ ٢٨٥.\n(^٢) بعده في م: \"سلب\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وما ذكر منه\".\n(^٤) ذكر السيوطي بعضه في الدر المنثور ٢/ ٢٣٥ وعزاه إلى المصنف، وينظر التبيان ٣/ ٣٦٥.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٥ (٦١٣٨) من طريق يزيد بن هارون به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٥ إلى المنذر.","vol":"7","page":612},{"text":"مِن المؤمنين عليها أن يُقْتَلُوا أو يُسْلَبوا أموالَهم، فهم إذا قاموا إلى الصلاة التي هي مِن الفرائضِ الظاهرةِ، قاموا كُسالَى إليها، رياءً للمؤمنين، ليَحْسَبوهم منهم، وليسوا منهم؛ لأنهم غيرُ مُعْتَقِدِى فرضَها ووجوبَها عليهم، فهم في قيامِهم إليها كُسالَى.\nكما حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾. فإنه واللهِ لولا الناسُ ما صلَّى المنافقُ، ولا يُصَلِّي إلا رياءً وسُمْعةً (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾. قال: هم المنافقون؛ لولا الرياءُ ما صَلَّوا (^٢).\nوأما قولُه: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فلعل قائلًا أن يقولَ: وهل مِن ذكرِ اللهِ شيءٌ قليلٌ؟\nقيل له: إن معنى ذلك بخلافِ ما إليه ذهَبتَ، وإنما معناه: ولا يَذْكُرون الله إلا ذِكْر رياءٍ، ليَدْفَعوا به عن أنفسِهم القتلَ والسِّبَاءَ وسلبَ الأموالٍ، لا ذِكرَ مُوقِنٍ مُصَدِّقٍ بتوحيد اللهِ، مخلصٍ له الربوبيةَ، فلذلك سمَّاه الله قليلًا؛ لأنه غيرُ مقصودٍ به اللهُ، ولا مُبْتَغى به التقربُ إلى اللهِ، ولا مُرادٍ به ثوابُ الله وما عندَه، فهو - وإن كَثُر مِن وَجْهِ نَصَبٍ عامِلِه وذاكره - في معنى السَّراب الذي له ظاهرٌ بغيرِ حقيقةِ ماءٍ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٦ (٦١٤٠) من طريق يزيد بن زريع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٦ إلى ابن المنذر وعبد بن حميد.\n(^٢) ينظر التبيان ٣/ ٣٦٦.","vol":"7","page":613},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2295>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي الأَشْهَبِ، قال: قرَأ الحسنُ: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: إنما قَلَّ؛ لأنه كان لغيرِ اللهِ (^١).\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يَزِيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: إنما قَلَّ ذكرُ المنافقِ؛ لأن الله لم يَقبَلْه، وكلُّ ما رَدَّ الله قليلٌ، وكلُّ ما قَبِل الله كثيرٌ (^٢).\n\n<span id=\"aya-636\"></span><span data-type='title' id=toc-2296>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾.</span>\nيعنى جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾. مُرَدَّدِين. وأصلُ التَّذَبْذُبِ: التحركُ والاضطرابُ، كما قال النابغةُ (^٣).\nألم تَرَ أَن اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةً … تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ\nوإنما عنى اللهُ جل ثناؤه بذلك: أن المنافقين مُتَحَيِّرون في دينِهم، لا يَرْجِعون إلى اعتقادِ شيءٍ على صحةٍ، فَهُم لا مع المؤمنين على بصيرةٍ، ولا مع المشركين على جَهالةٍ، ولكنهم حَيارَى بينَ ذلك، فمَثَلُهم المثلُ الذي ضَرَب لهم رسولُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٣/ ٥٣٠ (١٧١٦٧) عن أبي أسامى به. وأخرجه الإمام أحمد في الزهد ص ٢٧١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٦ (٦١٤١)، والبيهقي في الشعب (٦٨٦٦) من طريق أبي الأشهب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٦ (٦١٤٣) من طريق يزيد بن زريع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ديوان النابغة الذبياني ص ٧٨. والسُّورة بالضم: المنزلة والرفعة والشرف اللسان (س ور).","vol":"7","page":614},{"text":"الله ﷺ، الذي حدَّثنا به محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"مَثَلُ المنافقِ كَمَثَل الشاةِ العائرةِ بينَ الغَنَمِينِ (^١)، تَعِيرُ إلى هذه مرةً، وإلى هذه مرةً، لا تَدْرى أيَّتَهما (^٢) تَتَّبَعُ\" (^٣).\nوحدَّثنا به محمدُ بنُ المُثَنَّى مَرَّةً أخرى عن عبدِ الوَهَّابِ، فوَقَف به على ابن عمرَ ولم يَرْفَعُه. وقال: حدَّثنا به عبدُ الوَهَّابِ مَرَّتين كذلك (^٤).\nحدَّثني عِمْرَانُ بنُ بَكَّارٍ، قال: ثنا أبو رَوْحٍ، قال: ثنا ابن عياشٍ (^٥)، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ بن عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ مثلَه (٣).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2297>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾. يقولُ: ليسوا بمشركين، فيُظهروا الشرك، وليسوا بمؤمنين (^٦).\n_________\n(^١) العائرة بين الغنمين: المترددة بين القطعتين. النهاية ٣/ ٣٢٨.\n(^٢) في، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أيهما\".\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٧٢٨) عن ابن المثنى به.\nوأخرجه أحمد (٥٠٧٩، ٥٧٩٠، ٦٢٩٨)، ومسلم (٢٧٨٤) من طرق عن عبيد الله به.\nوينظر تخريج الحديث في مسند الطيالسي (١٩١١ - طبعتنا).\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٣٩١ عن المصنف.\n(^٥) في النسخ: \"عباس\". وهو تصحيف. والمثبت هو الصواب وابن عباس هو إسماعيل بن عياش بن سُليم العنسي أبو عتبة الحمصي. ينظر ترجمته في تهذيب الكمال ٣/ ١٦٣.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٧ (٦١٤٩) من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"7","page":615},{"text":"حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾. يقولُ: ليسوا بمؤمنين مخلِصين، ولا مشركين مصرِّحين بالشركِ. قال: وذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان يَضْرِبُ مَثَلًا للمؤنِ وللمنافقِ واللكافرِ، كمثلِ رَهْطٍ ثلاثةٍ دَفَعوا إلى نهرٍ، فَوَقَع المؤمنُ فقَطَع، ثم وقَع المنافقُ، حتى إذا كاد يَصِلُ إلى المؤمنِ، نَاداه الكافرُ أَن هَلُمَّ إليَّ، فإني أخشَى عليك. وناداه المؤمنُ: أَن هَلُمَّ إليَّ؛ فإن عندى وعندى. يُحْصِى له ما عندَه، فما زالَ المنافِقُ يَتردَّدُ بينَهما، حتى أتَى عليه آذِيٌّ (^١) فَغَرَّقه، وإن المنافِقَ لم يَزَلْ فِي شَكٍّ وشبهةٍ، حتى أتى عليه الموتُ وهو كذلك. قال: وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"مَثَلُ المُنافِقِ كَمَثَل ثاغيَةٍ (^٢) بينَ غَنَمَين، رأت غنمًا عَلى نَشَزٍ (^٣)، فأتَتْها وشامَّتْها (^٤) فلم تَعْرِفُ، ثم رأت غَنَمًا على نَشَزٍ، فأَتَتْها وشامَّتْها فلم تَعْرِفُ\" (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾. قال: المنافقون (^٦).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾. يقولُ: لا إلى\n_________\n(^١) في م:: \"الماء\". والآذى: الموج الشديد. النهاية ١/ ٣٤.\n(^٢) الثاغية الشاة. اللسان (ت غ و)\n(^٣) النشز: المرتفع من الأرض. النهاية ٥/ ٥٥.\n(^٤) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. وشامتها: تشممتها لتعريفها.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٧ (٦١٤٧) من طريق يزيد بن زريع به مقتصرًا على قول قتادة دون المرفوع وقد ذكره ابن كثير ٢/ ٣٩٢ والمنتقى في الكنز (٨٦٩) عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٦ إلى ابن المنذر.\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٢٩٥. ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٧ (٦١٤٥).","vol":"7","page":616},{"text":"أصحاب محمدٍ ﷺ، ولا إلى هؤلاء اليهودِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾. قال: لم يُخلصوا الإيمانَ، فيكونوا مع المؤمنين، وليسوا مع أهلِ الشركِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾. بينَ الإسلامِ والكفرِ ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ (^٣).\nوأمَّا قولُه: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾، فإنه يعنى: مِن يَخْذُلْه اللهُ عن طريقِ الرشادِ، وذلك هو الإسلامُ الذي دَعا اللهُ إليه عباده. يقولُ: مَن خَذَله (^٤) اللهُ عنه فلم يُوفِّقْه له ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ﴾. يا محمدُ ﴿سَبِيلًا﴾. يعني طريقًا يَسلُكُه به إلى الحقِّ غيرَه، وأيُّ سبيلٍ يكونُ له إلى الحقِّ غيرُ الإسلامِ؟ وقد أخبرَ اللهُ جل ثناؤُه أنه مَن يَبْتَغِ (^٥) غيرَه دِينًا فلن يُقْبَلَ منه، ومَن أضَلَّهُ اللهُ عنه فقد غَوَى، فلا هَادِيَ له غيرُه.\n\n<span id=\"aya-637\"></span><span data-type='title' id=toc-2298>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)﴾.</span>\nوهذا نَهيٌّ مِن اللهِ عباده المؤمنين أن يَتَخَلَّقوا بأخلاقِ المنافقين، الذين يَتَّخِذون الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين، فيكونوا مثلَهم في ركوبِ ما نَهاهم اللهُ عنه مِن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٩٥. ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٧ (٦١٤٦، ٦١٤٨)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٤٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ينظر التبيان ٣/ ٣٦٦.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٦ إلى المصنف. وينظر التبيان ٣/ ٣٦٦.\n(^٤) في م: \"يخذله\".\n(^٥) في م: \"يتبع\".","vol":"7","page":617},{"text":"مُوَالاةِ أعدائِه، يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: يا أيُّها الذين آمَنوا باللهِ ورسولِه، لا تُوالوا الكفار، فتُوازِروهم مِن دونِ أهلِ ملِتكم ودينِكم مِن المؤمنين، فتكونوا كمَن أَوجَب اللهُ له النارَ مِن المنافقين.\nثم قال جلّ ثناؤُه متوعِّدًا مَن اتَّخَذ منهم الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين، إن هو لم يَرْتدِع عن موالاتِه، ويَنْزَجر عن مُخالَّتِه، أن يُلْحِقَه بأهل ولايتِهم مِن المنافقين الذين أمَر نبيَّه ﷺ بتبشيرِهم بأن لهم عذابًا أليما: ﴿أَتُرِيدُونَ﴾ أيُّها المتخِذون الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين، ممن قد آمَن بي وبرسولى ﴿أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. يقولُ: حجةً باتخاذكم الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين، فتَسْتوجِبوا منه ما استَوجَبه أهلُ النفاقِ الذين وَصَف لكم صفتَهم، وأخبرَكم بمَحِلِّهم عندَه ﴿مُبِينًا﴾. يعنى: يُبِينُ (^١) عن صحتِها وحَقيقتِها. يقولُ: فلا تَعَرَّضوا لغضبِ اللهِ، بإِيجابِكم الحجةَ على أنفسِكم، في تَقَدُّمكم على ما نَهاكم ربُّكم مِن موالاةِ أعدائِه وأهلِ الكفرِ به.\nوبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2299>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. وإن للهِ السلطانَ على خلقِه، ولكنه يقولُ: عُذرًا مبِينًا (^٢).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٧ (٦١٥٢) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"7","page":618},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا قَبِيصةُ، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن عِكْرمةَ، قال: ما كان في القرآنِ مِن سلطانٍ فهو حُجَّةٌ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. قال: حُجَّةً (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه (^٢).\n\n<span id=\"aya-638\"></span><span data-type='title' id=toc-2300>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ (^٣) الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾.</span>\nيعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ (^٣) الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾: إن المنافقين في الطَّبَقِ الأسفلِ من أطباقِ جهنمَ. وكلُّ طَبَقٍ من أطباقِ جهنمَ دَركٌ. وفيه لغتان: دَرَكٌ، بفتحِ الراءِ، ودَرْكٌ، بتسكينِها. فمَن فتَح الراءَ جمَعه: أدْراكٌ في القِلَّةِ [والكثرةِ] (^٤)، وإن شاء جمَعه في الكثرةِ: الدُّروكُ. ومَن سَكَّن الراءَ قال: ثلاثةُ أَدْرُكٍ، وللكثيرِ: الدُّروكُ.\nوقد اختَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقَرَأته عامةُ قَرَأةِ المدينةِ والبصرةِ: (في الدَّرَكِ) بفتح الراءِ. وقَرَأته عامةُ قَرَأةِ الكوفةِ بتسكينِ \"الراءِ\" (^٥). وهما قراءتان معروفتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارِئُ فمُصِيبٌ؛ لاتفاقِ معنى ذلك، واستفاضةِ القراءةِ بكلِّ واحدةٍ منهما في قراءةِ الإسلامِ، غير أني رأيتُ أهلَ العلمِ بالعربيةِ يَذْكُرون أن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٧ عقب الأثر رقم (٦١٥١) معلقًا.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٩٥. وأخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٧ عقب الأثر رقم (٦١٥١) معلقًا.\n(^٣) في الأصل: \"الدَّرَك\" بفتح الراء.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) قرأ نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر بفتح الراء، وقرأ الباقون بتسكين الراء. السبعة في القراءات ص ٢٣٩، وحجة القراءات ص ٢١٨.","vol":"7","page":619},{"text":"فَتْحَ الراءِ منه في العربِ، أشهرُ مِن تَسْكينِها، وحَكَوا سماعًا منهم: أعْطِني دَرَكًا أَصِلُ به حَبْلى. وذلك إذا سأل ما يَصِلُ به حَبْلَه الذي قد عجَز عن بلوغِ الرَّكِيَّةِ (^١).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2301>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن سَلَمَةَ بن كُهَيلٍ، عَن خَيْثَمَةَ، عن عبدِ اللهِ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. قال: في تَوابِيتَ مِن حديدٍ مُبْهَمةٍ عليهم (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ، عَن شُعبةَ، عَن سَلَمَةَ، عن خَيْثَمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: إنَّ المنافقين في توابيتَ مِن حديدٍ مُقْفَلةٍ عليهم في النارِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن ذَكْوانَ، عن أبي هريرةَ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. قال: في توابيتَ تُرْتَجُ (^٣) عليهم (^٤).\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن\n_________\n(^١) الزكية. البئر تُحفَر. اللسان (ركو).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٠٠ - زوائد نعيم)، وابن أبي شيبة في مصنفه ١٣/ ١٥٣ (١٩٩٧٢)، وابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٨ (٦١٥٣) من طريق وكيع به.\nوأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (١٠٤) من طريق خيثمة مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٦ إلى الفريابي، وهناد.\n(^٣) ترتج: تغلق.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٦ إلى المصنف، وابن المنذر، وأخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٨ (٦١٥٤) من طريق عاصم بمعناه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد، وينظر تفسير ابن كثير ٢/ ٣٩٣.","vol":"7","page":620},{"text":"عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. يعني: في أسفلِ النارِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال لى عبدُ اللهِ بنُ كثير قولَه: ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. قال: سَمِعنا أن جهنم أَدراكٌ، منازلُ (^٢).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سُفيانُ، عن سَلَمَةَ بن كُهَيلٍ، عن خَيْثَمَةَ، عن عبدِ اللهِ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. قال: تَوابيتُ مِن نارٍ تُطْبَقُ عليهم.\nوأما قولُه: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾، فإنه يعنى: ولن تَجِدَ لهؤلاء المنافقين، يا محمدُ، مِن اللهِ إذا جَعَلهم في الدَّرْكِ الأسفلِ مِن النارِ ناصرًا يَنصُرُهم منه، فيُنْقِذُهم من عذابِه، ويَدْفَعُ عنهم أليمَ عقابِه.\n\n<span id=\"aya-639\"></span><span data-type='title' id=toc-2302>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾.</span>\nوهذا استثناءٌ من اللهِ جلّ ثناؤُه، استَثنى التائبِين مِن نفاقِهم إذا أصلَحوا، وأخلَصوا الدينَ للهِ وحدَه، وتَبَرَّءُوا مِن الآلهةِ والأندادِ، وصَدَّقوا رسولَه، أن يكونوا مع المُصِرِّين على نفاقِهم - حتى تُوافَيهم (^٣) مَناياهم - في الآخرةِ، وأن يَدْخُلوا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩٨ (٦١٥٥) من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٦ للمصنف وابن المنذر.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، م: \"يوفيهم\"، وفى الأصل: \"توفتهم\". والمثبت ما يقتضيه السياق.","vol":"7","page":621},{"text":"مَداخِلَهم مِن جهنمَ، بل وَعَدهم جلّ ثناؤه أن يُحِلَّهم مع المؤمنين مَحِلَّ الكرامةِ، ويُسْكِنَهم معهم مساكنَهم في الجنةِ، ووَعَدهم مِن الجزاءِ على توبتِهم الجزيلَ من العطاءِ، فقال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾.\nفتأويلُ الآيةِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. أي راجَعوا الحقَّ، [وآبُوا إلى] (^١) الإقرارِ بوحدانيةِ اللهِ وتَصْديقِ رسولِه وما جاء به من عندِ ربِّه، من نفاقِهم ﴿وَأَصْلَحُوا﴾. يعني: أصلَحوا أعمالَهم، فعَمِلوا بما أمَرهم اللهُ به، وأدَّوا فرائضَه، وانتَهَوا عما نَهاهم عنه، وانزَجَروا عن معاصِيه، ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾. يقولُ: وتَمَسَّكوا بعهدِ اللهِ.\nوقد دَلَّلنا فيما مضَى قبلُ، على أن الاعتصامَ التمسكُ والتَّعَلُّقُ (^٢). فالاعتصامُ باللهِ: التَّمَسُّكُّ بعهدِه وميثاقِه الذي عَهِد في كتابِه إلى خلقِه، من طاعتِه، وتَرْكِ معصيتِه.\n﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾. يقولُ: وأخلَصوا طاعتَهم وأعمالَهم التي يعمَلونها للهِ، فأرادوه بها، ولم يَعْمَلوها رئاءَ الناسِ ولا على شكٍّ منهم في دينِهم، وامتراءٍ منهم، في أن الله مُحْصٍ عليهم ما عَمِلوا، فمُجازِى المحسِنِ بإحسانِه، والمُسِيءِ بإساءتِه، ولكنهم عَمِلوها على يقينٍ منهم في ثوابِ المحسِنِ على إحسانِه، وجزاءِ المسيءِ على إساءتِه، أو يَتَفَضَّلُ عليه ربُّه، فيَعْفو، مُتَقرِّبين بها إلى اللهِ، مرِيدين بها وجهَه، فذلك معنى إخلاصِهم للهِ دينَهم.\nثم قال جلّ ثناؤه: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: فهؤلاء الذين\n_________\n(^١) في م: \"أبوا إلا\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٥/ ٦٣٥.","vol":"7","page":622},{"text":"وَصَف صفتَهم مِن المنافقين بعدَ توبتِهم وإصلاحِهم، واعتصامِهم باللهِ، وإخلاصِهم دينَهم (^١)، ﴿مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في الجنةِ، لا مع المنافقين الذين ماتوا على نفاقِهم، الذين أوعَدَهم الدَّرْكَ الأسفلَ مِن النارِ.\nثم قال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. يقولُ: وسوف يُعْطِى اللهُ هؤلاء الذين هذه صفتُهم، على تَوْبتِهم وإصلاحِهم، واعتصامِهم باللهِ، وإخلاصِهم دينَهم له؛ على إيمانِهم، ثوابًا عظيمًا، وذلك درجاتٌ في الجنةِ، كما أعطَى الذين ماتوا على النفاقِ منازلَ في النارِ، وهى السفلَى منها؛ لأن الله جلّ ثناؤه وَعَد عبادَه المؤمنين أن يُؤتِيَهم على إيمانِهم ذلك، كما أوعَد المنافقين على نفاقِهم ما ذكَر في كتابِه.\nوهذا القولُ هو معنى قولِ حُذَيفةَ بن اليمانِ الذي حدَّثنا به ابن حُميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، قال حُذَيفةُ: لَيَدْخُلَنَّ الجنةَ قومٌ كانوا منافقين. فقال عبدُ اللهِ: وما عِلْمُك بذلك؟ فَغَضِب حُذَيْفَةُ، ثم قامَ فَتَنَحَّى، فلما تَفَرَّقوا، مَرَّ به علقمةُ فدَعَاه، فقال: أمَا إن صاحبَك يَعْلَمُ الذي قلتُ. ثم قرَأ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾.\n\n<span id=\"aya-640\"></span><span data-type='title' id=toc-2303>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾.</span>\nيعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾: ما يَصْنَعُ اللهُ، أيُّها المنافقون، بعذابِكم، إن أنتم تُبْتُم إلى اللهِ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"دينهم أي\"، وفى م، ت ٢، ت ٣، س: \"له\".","vol":"7","page":623},{"text":"وراجَعتم الحقَّ الواجبَ للهِ عليكم، فشَكَرتموه على ما أنعَم عليكم مِن نِعَمِه في أنفسِكم وأهاليكم وأولادِكم بالإنابةِ إلى توحيدِه، والاعتصامِ به، وإخلاصِ أعمالِكم لوجهِه، وتَرْكِ رياءِ الناسِ بها، وآمَنْتم برسولِه محمدٍ ﷺ فصَدَّقْتموه، وأقرَرْتم بما جاءكم به مِن عندِه، فعمِلتم به؟ يقولُ: لا حاجةَ باللهِ إلى أن يَجْعَلَكم في الدَّرْكِ الأَسفلِ مِن النارِ، إن أنتم أَنَبتُم إلى طاعتِه، وراجَعْتم العملَ بما أمَركم به، وتَرْكِ ما نهاكم عنه؛ لأنه لا يَجتلِبُ بعذابِكم إلى نفسِه نفعًا، ولا يَدْفَعُ عنها ضَرًّا، وإنما عقوبتُه من عاقَب من خلقِه جزاءٌ منه له على جُرْأتِه عليه، وعلى خلافِه أمرَه ونَهْيَه، وكُفْرانِه شُكْرَ نِعَمِه عليه، فإن أنتم شَكَرْتم له على نِعَمِه، وأَطَعْتُموه في أمرِه ونَهْيه، فلا حاجةَ به إلى تَعْذيبِكم، بل يَشْكُرُ لكم ما يكونُ منكم مِن طاعةٍ له وشُكْرٍ، بمُجازاتِكم على ذلك بما تَقْصُرُ عنه أَمانِيُّكم، ولم تَبْلُغُه آمالُكم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا﴾ لكم ولعبادِه على طاعتِهم إياه، بإجزالِه لهم الثوابَ عليها، وإعظامِه لهم العِوَضَ منها ﴿عَلِيمًا﴾ بما تَعْمَلُون، أيُّها المُنافِقون، وغيرُكم من خيرٍ وشَرٍّ، وصالحٍ، وطالحٍ، مُحْصٍ ذلك كلَّه عليكم، مُحِيطٌ بجميعِه، حتى يُجازِيَكم جزاءَكم يومَ القيامةِ، المُحسِنَ بإحسانهِ، والمُسِيءَ بإساءتِه.\nوقد حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾. قال: وإن الله لا يُعَذِّبُ شاكرًا ولا مُؤْمِنًا (^١).\n\n<span id=\"aya-641\"></span><span data-type='title' id=toc-2304>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٧ إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"7","page":624},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: اخْتَلَفَت القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتْه عامةُ قرأَةِ أمصارِ الإسلامِ: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ بضمِّ الظاءِ (^١)، وقرأه بعضُهم: (إلا مَن ظَلَم) بفتح الظاءِ (^٢).\nثم اخْتَلَف الذين قرَءوا ذلك بضمِّ الظاءِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك لا يُحِبُّ اللهُ تعالى ذكره أن يَجْهَرَ أحدٌ بالدعاءِ على أحدٍ، وذلك عندَهم هو الجهرُ بالسُّوءِ، ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ يقولُ: إلا مَن ظُلِم فيَدْعُو على ظالمِه، فإن الله لا (^٣) يَكْرَهُ ذلك؛ لأنه قد رخَّص له في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-2305>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثني أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾. يقول: لا يُحِبُّ اللهُ سبحانه أن يَدْعُوَ أحدٌ على أحدٍ إلا أن يكونَ مظلومًا، فإنه قد أَرْخَص له أن يَدْعُوَ على مَن ظَلَمَه، وذلك قولُه: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. وإن صبَر فهو خيرٌ له (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [يعنى مَن ظُلِم] (^٥) فإنه يُحِبُّ الجهرَ بالسُّوءِ [إِذَا ظُلِم] (^٦).\n_________\n(^١) وهى قراءة القراء العشرة. النشر ٢/ ١٩٠.\n(^٢) قرأ بذلك ابن عباس وابن عمر وابن جبير وعطاء بن السائب والضحاك وزيد بن أسلم وابن أبي إسحاق ومسلم بن يسار والحسن وابن المسيب وقتادة وأبو رجاء. البحر المحيط ٣/ ٣٨٢.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٠٠ (٦١٦٩) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٧ إلى ابن المنذر.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) في ص، م: \"من القول\".","vol":"7","page":625},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾: عذَر اللهُ المظلومَ كما تَسْمَعون أن يَدْعُو.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا أبو عُبيدٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: هو الرجلُ يَظْلِمُ الرجلَ، فلا يَدْعُ عليه، ولكن لِيَقُلْ: اللهم أعِنِّي عليه، اللهم اسْتَخْرِج لى حقِّى، اللهم حُلْ بينى (^١) وبينَ ما يُرِيدُ، هذا ونحوُه من الدعاءِ (^٢).\nفـ\"مَن\" على قولِ ابن عباسٍ هذا في موضعِ رفعٍ؛ لأنه وجَّهه إلى أن الجهرَ بالسوءِ في معنى الدعاءِ، واسْتُثْنِى المظلومُ منه، [فكان معنى الكلامِ - على قوله -: لا يُحِبُّ اللهُ أن يَجْهَرَ بالسوءِ من القولِ إلا المظلومٌ] (^٣) فلا حرجَ عليه في الجهرِ به.\nوهذا مذهبٌ يراه (^٤) أهلُ العربيةِ خطأً في العربيةِ، وذلك أن \"مَن\" لا يَجوزُ أن يَكونَ رفعًا عندَهم بالجهرِ؛ لأنها في صلةِ أنْ، ولم (^٥) يَنَلْه الجَحْدُ، فلا يجوزُ العطفُ عليه. [مِن خطأٍ] (^٦) عندَهم أن يُقالَ: لا يُعْجِبُنى أن يقومَ إلا زيدٌ.\nوقد يَحْتَمِلُ أن تكونَ مَن نصبًا على تأويل قولِ ابن عباس، ويكون قولُه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾. كلامًا تامًّا، ثم قيل: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. فلا\n_________\n(^١) في م: \"بينه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٠١ (٦١٧١) من طريق إسماعيل بن مسلم، عن الحسن بمعناه. وذكره ابن كثير ٢/ ٣٩٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٧ إلى ابن المنذر.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في الأصل: \"قرأه\".\n(^٥) في م: \"أن لم\".\n(^٦) في الأصل: \"بمن خطأ\"، وفى م: \"من الخطأ\".","vol":"7","page":626},{"text":"حرجَ عليه، فيكونَ \"مَن\" اسْتثناءً من الفعل، وإن لم يَكُنْ قبل الاستثناءِ شيءٌ ظاهرٌ يُسْتَثْنَى منه، كما قال جل ثناؤُه: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٢، ٢٣]. وكقولِه (^١): إنى لأَكْرَهُ الخُصومةَ والمِراءَ، اللهم إلا رجلًا يُرِيدُ الله بذلك. ولم يُذْكَرْ قبله شيءٌ مِن الأسماءِ.\nو\"مَن\" (^٢) على قولِ الحسنِ هذا نصبٌ على أنه مُسْتَثْنًى مِن (^٣) معنى الكلامِ، لا مِن الاسمِ كما ذكَرْنا قبلُ في تأويلِ (^٤) ابن عباسٍ إذا وجَّه \"مَن\" إلى النصبِ، وكقولِ القائلِ: كان مِن الأمرِ كذا وكذا، اللهم إلا أن فلانًا جزاه اللهُ خيرًا فعَل كذا وكذا.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يُحِبُّ اللهُ الجهرَ بالسوءِ مِن القولِ إلا مَن ظُلِم، فيُخْبِرُ بما نِيل منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2306>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ، قال: هو الرجلُ يَنْزِلُ بالرجلِ، فلا يُحْسِنُ ضِيافتَه، فيَخْرُجُ مِن عندِه، فيقولُ: أساء ضِيافتى ولم يُحْسِنْ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وكقولهم\".\n(^٢) بعده في الأصل: \"قال\".\n(^٣) في الأصل: \"و\".\n(^٤) بعده في م: \"قول\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٢٩٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٧ للمصنف والفريابي وعبد بن حميد.","vol":"7","page":627},{"text":"مُجاهدٍ: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾. قال: إلا مَن أَثَر (^١) ما قيل له.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. قال: هو الضيفُ (^٢) المُحَوَّلُ رحلُه، فإنه يَجْهَرُ لصاحبِه بالسوءِ مِن القولِ.\nوقال آخَرون: عنى بذلك الرجلَ يَنْزِلُ بالرجلِ فلا يَقْرِيه، فيَنالُ مِن الذي لم يَقْرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2307>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. قال: إلا مَن ظُلِم فانْتَصَر، يَجْهَرُ بِالسُّوءِ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن إبراهيمَ [ابن أبي بكرٍ] (^٤)، عن مُجاهدٍ، وعن حُميدٍ الأعْرجِ، عَن مُجَاهِدٍ: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. قال: هو الرجلُ يَنْزِلُ بالرجلِ فلا يُحْسِنُ إِليه، فرُخِّص له بأن يقولَ فيه (^٥).\n_________\n(^١) أثر ما قيل له: رواه وحكاه. النهاية ١/ ٢٢، ٢٣.\n(^٢) في ص: \"الضعيف\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٩٦.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن أبي بكير\"، وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٦٣.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور (٧٠٧ - تفسير)، وابن أبي حاتم ٤/ ١١٠٠ (٦١٧٠) من طريق سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن أبي بكر وحده عن مجاهد.","vol":"7","page":628},{"text":"حدَّثني أحمدُ بنُ حمادٍ الدَّوْلابيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن إبراهيمَ بنِ أبي بكرٍ (^١)، عن مجاهدٍ: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. قال: هو فى الضِّيافةِ؛ يَأْتى الرجلُ القومَ، فيَنْزِلُ عليهم فلا يُضَيِّفونه، رُخِّص له أن يَقولَ فيهم.\nحدَّثنا الحسنُ (^٢) بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا المثنى بنُ الصَّبَّاحِ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. قال: ضاف رجلٌ رجلًا، فلم يُؤَدِّ إليه حقَّ ضِيافتِه، فلمَّا خرَج أَخْبَر الناسَ به، فقال: ضِفْتُ فلانًا، فلم يُؤَدِّ حقَّ ضِيافتي. فذلك جَهْرٌ بالسوءِ، ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾: حين لم يُؤَدِّ إليه ضِيافتَه (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ، قال مُجاهدٌ: إلا مَن ظُلم فانْتَصَر، [بجهرٍ من السوءِ] (^٤). قال مجاهدٌ: نزَلت في رجلٍ ضاف رجلًا بفَلاةٍ من الأرضِ فلم يُضِفْه، فنزَلَت: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. ذكَر أنه لم يُضِفْه، لا يَزِيدُ على ذلك.\nوقال آخَرون: معنى ذلك: إلا مَن ظُلِم، فانْتَصَر من ظالمِه، فإن اللهَ قد أذِن له في ذلك.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بكير\".\n(^٢) في الأصل: \"الحسين\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٠٠ (٦١٦٨)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يجهر بسوء\".","vol":"7","page":629},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. يقولُ: إِن اللهَ لا يُحِبُّ الجهرَ بالسوءِ مِن أحدٍ من الخلقِ، ولكن يقولُ من ظُلِم فانْتَصَر بمثلِ ما ظُلِم، فليس عليه جناحٌ (^١).\nفـ \"مَن\" على هذه الأقوالِ التي ذكَرْناها سوى قولِ ابنِ عباسٍ، في موضعِ نصبٍ، على انْقطاعِه من الأولِ، والعربُ مِن شأنِها أن تَنْصِبَ ما بعدَ \"إلا\" في الاستثناءِ المنقطعِ.\nفمعنى الكلامِ على هذه الأقوالِ سوى قولِ ابنِ عباسٍ: لا يُحِبُّ اللهُ الجهرَ بالسوءِ مِن القولِ، ولكنْ مَن ظُلِم فلا حَرجَ عليه أن يُخْبِرَ بما نِيل منه أو يَنْتَصِرَ ممَّن ظلَمه.\nوقرَأ ذلك آخَرون بفتحِ الظاءِ (إلا من ظَلَم)، وتأوَّلوه (^٢): لا يُحِبُّ اللهُ الجهرَ بالسوءِ مِن القولِ، إلا مَن ظَلَم، فلا بأسَ أن يُجْهَرَ له بالسوءِ مِن القولِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنى ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: كان أَبي يَقْرَأُ: (لا يُحِبُّ الله الجَهْرَ بالسوءِ مِن القولِ إلا مَن ظَلَم). قال ابنُ زيدٍ: يقولُ (^٣): مَن أقام على ذلك النفاقِ يُجْهَرُ له بالسوءِ حتى يَنْزِعَ. قال: وهذه مِثلُ: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ﴾. أن تُسَمِّيَه بالفسقِ ﴿بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٣٧ للمصنف.\n(^٢) في الأصل: \"تأوله\".\n(^٣) بعده في م: \"إلا\".","vol":"7","page":630},{"text":"بعدَ إذ كان مؤمنًا، ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ من ذلك العملِ الذي قيل له ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] قال: هو أشرُّ ممَّن قال ذلك له (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: (لا يُحِبُ اللهُ الجهرَ بالسوءِ مِن القولِ إلَّا مَن ظَلَمَ). فقرَأ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ثم قال بعدَ ما قال لهم: فى ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ (لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ). قال: لا يُحِبُّ اللهُ أن يُقالَ (^٢) لهذا: ألسْتَ (^٣) نافقْتَ؟ ألسْتَ المنافقَ؟ ألست الذى ظلَمْتَ وفعَلْتَ وفعَلْتَ؟ من بعدِ ما تاب (إلا مَن ظَلَم) إلا مَن أقام على النِّفاقِ. قال: وكان أَبي يقول ذلك له ويَقْرَؤُها: (إلا مَن ظلَم).\nفـ\"مَن\" على هذا التأويلِ نصْبٌ؛ لتعلُّقِه بالجهرِ. وتأويلُ الكلامِ على قولِ قائلِ هذا القولِ: لا يُحِبُّ اللهُ أن يَجْهَرَ أحدٌ لأحدٍ من المُنافقين بالسُّوءِ من القولِ إلا لَمَن ظَلَم منهم نفسَه (^٣) فأقام على نفاقِه، فإنه لا بأسَ بالجهرِ له بالسوءِ مِن القولِ.\nقال أبو جعفرٍ: وأولى القراءتين بالصوابِ فى ذلك قراءةُ مَن قرَأَ: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ بضمِّ الظاءِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ وأهلِ التأويلِ على صحتِها، وشذوذِ قراءةِ مَن قرَأ ذلك بالفتحِ.\nفإذ كان ذلك أولى القراءتين بالصوابِ، فالصوابُ في تأويلِ ذلك: لا يُحِبُّ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٣٧ للمصنف.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يقول\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"7","page":631},{"text":"اللهُ أَيُّها الناسُ أن يَجْهرَ أحدٌ لأحدٍ بالسوءِ من القولِ، ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ بمعنى: إِلَّا مَن ظُلِمَ فلا حرجَ عليه أن يُخْبِرَ بما أُسِيءَ إليه. وإذا كان ذلك معناه دخَل فيه إخبارُ مَن لم يُقْرَ أو أُسِيء قِراه، [أو نيلَ بظلمٍ في نفسِه أو مالِه، غيرَه] (^١) من سائرِ الناسِ، وكذلك دعاؤُه على مَن نالَه بظلمٍ أن يَنْصُرَه اللهُ عليه؛ لأن في دعائِه عليه إعلامًا (^٢) منه لمَن سمِع دُعاءَه عليه بالسوءِ له.\nفإذا كان ذلك كذلك، فـ\"من\" في موضعِ نصبٍ؛ لأنه مُنْقطِعٌ عما قبلَه، وأنه لا أسماءَ قبلَه يُسْتَثْنَى منها، فهو نظيرُ قولِه: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٢، ٢٣].\nوأما قولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾. فإنه يعنى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾: لما تَجْهَرون (^٣) به من سوءِ القولِ لمَن تَجْهَرون له به، وغيرِ ذلك مِن أصواتِكم وكلامِكم، ﴿عَلِيمًا﴾: بما تُخْفون مِن سوءِ قولِكم وكلامِكم لمَن تُخْفُون له به فلا تَجْهَرون به له، مُحْصٍ كلَّ ذلك عليكم حتى يُجازِيَكم على ذلك كلِّه جزاءَكم (^٤) المسيءَ بإساءتِه والمحسنَ بإحسانِه.\n\n<span id=\"aya-642\"></span><span data-type='title' id=toc-2308>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرِ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ أيُّها الناسُ ﴿خَيْرًا﴾. يقولُ: إن تَقولوا جميلًا مِن القولِ لمَن أحْسَن إليكم، فتُظْهِروا ذلك\n_________\n(^١) في الأصل: \"وقيل بظلم فى نفسه أو ماله أو غيره\". وفى م: \"أوقيل بظلم في نفسه أو ماله عنوة\" وقوله: \"غيره\" مفعول للمصدر \"إخبار\".\n(^٢) في الأصل: \"إعلانًا\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يجهرون\".\n(^٤) في الأصل: \"جزاء\".","vol":"7","page":632},{"text":"شكرًا منكم له على ما كان منه من حَسَنٍ إليكم، ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾. يقولُ: أَو تَتْرُكوا إظهارَ ذلك فلا تُبْدوه، ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾. يقول: أو تَصْفَحوا لمَن أساء إليكم عن إساءتِه، فلا تَجْهَرُوا له بالسوءِ مِن القولِ الذى قد أَذِنْتُ لكم أن تَجْهَروا له به ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا﴾ يقولُ: لم يَزَلْ ذا عفوٍ عن خلْقِه، يَصْفَحُ لهم (^١) عمَّن عَصَاه وخالَف أمرَه، ﴿قَدِيرًا﴾. يقولُ: ذا قُدْرةٍ على الانتقامِ منهم.\nوإنما يعنى بذلك: أن اللهَ لم يَزَلْ ذَا عَفْوٍ عن عبادِه معَ قدرتِه على عقابِهم على معصيتِهم إياه.\nيقولُ: فاعفُوا أنتم أيضًا أيُّها الناسُ عمَّن أتَى إليكم ظلمًا، ولا تَجْهروا له بالسوءِ مِن القولِ، وإن قدَرْتُم على الإساءةِ إليه، كما يَعْفُو عنكم ربُّكم، مع قدرتِه على عقابِكم، وأنتم تَعْصُونه وتُخالِفون أمرَه.\nوفي قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾. الدلالةُ الواضحةُ على أن تأويلَ قولِه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. يخالفُ (^٢) التأويلَ الذى تأوَّله زيدُ بنُ أسلمَ في زعمِه أن معناه: لا يُحِبُّ اللهُ الجهرَ بالسوءِ مِن القولِ لأهلِ النفاقِ، إلا لمَن أقام على نفاقِه، فإنه لا بأسَ بالجهرِ له بالسوءِ مِن القولِ، وذلك أنه جل ثناؤُه قال عَقِيب ذلك: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾. ومعقولٌ أن اللهَ جل ثناؤُه لم يَأْمُرِ المؤمنين بالعفوِ [للمنَافقِين عن] (^٣) نفاقِهم، ولا نهاهم أن يُسَمُّوا (^٤) مَن كان\n_________\n(^١) في الأصل: \"له\".\n(^٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بخلاف\".\n(^٣) فى م: \"عن المنافقين على\".\n(^٤) في ص: \"يشتموا\".","vol":"7","page":633},{"text":"منهم مُعْلِنَ النفاقِ [مُنافقًا، بل العفوُ عن ذلك مما] (^١) لا وجهَ له معقولٌ؛ لأن العفوَ المفهومَ إنما هو صفْحُ المرءِ عما له قِبَلَ غيرِه مِن حقٍّ، وتسميةُ المنافقِ باسمِه ليس بحقٍّ لأحدٍ قِبَلَه، فيُؤْمَرَ بعفوِه عنه، وإنما هو اسمٌ له، وغيرُ مفهومٍ الأمرُ بالعفوِ عن تسميةِ الشيءِ بما هو اسمُه.\n\n<span id=\"aya-643\"></span><span data-type='title' id=toc-2309>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ مِن اليهودِ والنصارى، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾: بأن يُكَذِّبوا رسلَ اللهِ الذين أَرْسَلَهم إلى خلقِه بوحيِه، ويَزْعُمون أنهم افْتَرَوْا على ربِّهم، وذلك هو معنى إرادتِهم التفريقَ بينَ اللهِ ورسلِه، بنِحْلتِهم (^٢) إياهم الكذبَ والفِرْيةَ على اللهِ، وادِّعائِهم عليهم الأباطيلَ، ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾. يعنى أنهم يقولون: نُصَدِّقُ بهذا وتُكذِّبُ بهذا، كما فعَلَت اليهودُ مِن تكذيبِهم عيسى ومحمدًا صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم وتصديقِهم بموسى وسائرِ الأنبياءِ قبلَهما (^٣) بزعمِهم، وكما فعَلَت النصارى من تكذيبِهم محمدًا ﷺ وتصديقِهم بعيسى وسائرِ الأنبياءِ قبلَه بزعمِهم، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. يقولُ: ويُرِيدُ المُفَرِّقون بينَ اللهِ ورسلِه، الزاعِمون أنهم يُؤْمِنون ببعضٍ، ويَكْفُرون\n_________\n(^١) في ص: \"مقابل العفو عن ذلك بما\".\n(^٢) في الأصل: \"منحلهم\".\n(^٣) في م: \"قبله\".","vol":"7","page":634},{"text":"ببعضٍ، أن يَتَّخِذوا بينَ أَضْعَافِ قولِهم: نُؤْمِنُ ببعضِ الأنبياءِ ونَكْفُرُ ببعضِهم ﴿سَبِيلًا﴾. يعني: طريقًا إلى الضَّلالةِ التي أحْدَثوها، والبدعةِ التي ابْتَدَعوها، يَدْعُون أهلَ الجهلِ (^١) مِن الناسِ إليه.\n\n<span id=\"aya-644\"></span>فقال اللهُ جل ثناؤُه لعبادِه، مُنَبِّهًا (^٢) لهم على (^٣) ضلالتِهم وكفرِهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾. يقولُ: أَيُّها الناسُ، هؤلاء الذين وصَفْتُ لكم صفتَهم هم أهلُ الكفرِ بي، المُسْتَحِقُون عذابي، والخلودَ في نارى حقًّا، فاسْتَيْقِنوا ذلك، ولا يُشَكِّكَنَّكم (^٤) فى أمرِهم انْتحالُهم الكذبَ (^٥)، ودَعْواهم أنهم يُقِرُّون بما زعَموا أنهم مُقِرُّون به مِن الكتبِ والرسلِ، فإنهم في دَعْواهم ما ادَّعَوْا من ذلك كَذَبةٌ، وذلك أن المؤمنَ بالكتبِ والرسلِ هو المُصَدِّقُ بجميعِ ما في الكتابِ الذى يَزْعُمُ أنه به مُصَدِّقٌ، وبما جاء به الرسولُ الذي يَزْعُمُ أَنه به مؤمنٌ، فأَما مَن صدَّق ببعضِ ذلك وكذَّب ببعضِ، فهو لنبوةِ مَن كذَّب ببعضِ ما جاء به جاحدٌ، ومَن جحَد نبوةَ نبيٍّ فهو به مكَذِّبٌ، وهؤلاء الذين جحَدوا نبوةَ بعضِ الأنبياءِ، وزعَموا أنهم مُصَدِّقُون ببعضٍ، مُكَذِّبونَ مَن زعَموا أنهم به مؤمنون؛ لتَكْذيبِهم ببعضِ ما جاءهم به من عندِ ربِّهم، فهم باللهِ وبرسلِه، الذين يَزْعُمون أنهم بهم (^٦) مُصَدِّقون، والذين يَزْعُمون أنهم (^٧) بهم مُكَذِّبون، كافرون، فهم (^٨)\n_________\n(^١) فى م: \"الجهر\".\n(^٢) في الأصل: \"منهيا\".\n(^٣) في الأصل: \"عن\".\n(^٤) في الأصل: \"يشكنكم\".\n(^٥) في الأصل: \"الكتب\".\n(^٦) في الأصل: \"به\".\n(^٧) في الأصل: \"لهم\".\n(^٨) فى الأصل: \"بهم\".","vol":"7","page":635},{"text":"الجاحِدون وحدانيةَ اللهِ ونبوةَ أنبيائِه حقَّ الجحودِ، المكذِّبون بذلك حقَّ التكذيبِ، فاحْذَروا أن تَغْتَرُّوا بهم وببدَعِهم، فإنا قد أعْتَدْنا لهم عذابًا مُهينًا.\nوأما قولُه: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ فإنه يعنى به: وَأَعتَدنَا لمن جحَد باللهِ (^١) ورسولِه جُحودَ هؤلاء الذين وصَفْتُ لكم أيُّها الناسُ أمْرَهم مِن أهلِ الكتابِ، ولغيرِهم مِن سائرِ أجْناسِ الكفارِ (^٢) ﴿عَذَابًا﴾ في الآخرةِ ﴿مُهِينًا﴾ يعنى: يُهين (^٣) مَن عُذِّب به بخلودِه فيه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾: أولئك أعداءُ اللهِ اليهودُ والنصارى؛ آمَنَت اليهودُ بالتوراةِ وموسى، وكفَروا بالإنجيلِ وعيسى، [وآمَنَت النصارى بالإنجيلِ وعيسى] (^٤)، وكفَروا بالفرقانِ (^٥) ومحمدٍ ﷺ، فاتَّخذوا اليهوديةَ والنصرانيةَ، وهما بِدْعتان ليستا مِن اللهِ،\n_________\n(^١) في الأصل: \"الله\".\n(^٢) في الأصل: \"الكفر\".\n(^٣) في الأصل: \"مهين\".\n(^٤) سقط من الأصل.\n(^٥) في م: \"بالقرآن\".","vol":"7","page":636},{"text":"وترَكوا الإسلامَ وهو دينُ اللهِ الذي بعَث به رسلَه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾: يقولون: محمدٌ ليس برسولِ اللهِ. وتقولُ اليهودُ: عيسى ليس برسولِ اللهِ. فقد فرَّقوا بينَ اللهِ ورسلِه، وَيَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِبَعْضِ، ونَكْفُرُ [بهؤلاء. فهم] (^٢) يُؤْمِنون ببعضٍ ويَكْفُرون ببعضٍ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. قال: اليهودُ والنصارى آمَنَت اليهودُ بعُزَيْرٍ وكَفَرَت بعيسى، وآمَنَت النصارى بعيسى وكفَرَت بعُزَيْرٍ، وكانوا يُؤْمِنون بالنبيِّ ويَكْفُرون بالآخرِ، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ قال: دِينًا يَدِينون به اللهَ.\n\n<span id=\"aya-645\"></span><span data-type='title' id=toc-2310>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ (^٤) أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جل ثناؤُه: والذين صدَّقوا بوَحْدانيةِ اللهِ، وأقرُّوا بنبوةِ رسلِه أجمعين، وصدَّقوهم فيما جاءوهم به مِن\n_________\n(^١) في الأصل: \"رسوله\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٠١، ١١٠٢ (٦١٧٦، ٦١٧٩) من طريق عبد العزيز بن المغيرة، عن يزيد بن زريع به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٣٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) فى ص: \"ببعض ونكفر بهؤلاء فهم\"، وفى م: \"ببعض فهؤلاء\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٠٢ (٦١٧٨) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"نؤتيهم\". وبالنون هي قراءة ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر والكسائي، وبالياء قرأ عاصم وحمزة. السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٠.","vol":"7","page":637},{"text":"عندِ اللهِ مِن شَرائعِ دينِه، ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: ولم يُكَذِّبوا بعضَهم، ويُصَدِّقوا بعضَهم، ولكنهم أقرُّوا أن كلَّ ما جاءوا به من عندِ ربِّهم حقٌّ، ﴿أُولَئِكَ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين هذه صفتُهم من المؤمنين باللهِ ورسلِه (سوف نُؤْتيهم (^١». يقولُ: سوف نُعْطِيهم (^٢) ﴿أُجُورَهُمْ﴾ يعنى: جزاءَهم وثوابَهم على تصديقِهم الرسلَ في توحيدِ اللهِ وشَرائعِ دينِه، وما جاءت به من عندِ اللهِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يقولُ: يَغْفِرُ لَمَن فعَل ذلك مِن خَلْقِه، ما سلَف له من آثامِه، فيَسْتُرُ عليه بعفوِه له عنه، وبتركِ العقوبةِ عليه، فإنه لم يَزَلْ لذنوبِ المُنيبِين إليه مِن خلقِه غفورًا ﴿رَحِيمًا﴾. يعنى: ولم يَزَلْ بهم رحيمًا بتفضُّلِه عليهم بالهِدايةِ إلى سبيلِ الحقِّ وتوفيقِه إياهم لما فيه خَلاصُ رِقابِهم مِن النارِ.\n\n<span id=\"aya-646\"></span><span data-type='title' id=toc-2311>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿يَسْأَلُكَ﴾، يا محمدُ ﴿أَهْلُ الْكِتَابِ﴾، يعنى بذلك: أهلَ التوراةِ مِن اليهودِ، ﴿أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الكتابِ الذى سأَل اليهودُ محمدًا ﷺ أن يُنَزِّلَه عليهم مِن السماءِ؛ فقال بعضُهم: سأَلوه أن يُنَزِّل عليهم كتابًا من السماءِ مَكتوبًا، كما جاء\n_________\n(^١) في م: \"يؤتيهم\".\n(^٢) في م: \"يعطيهم\".","vol":"7","page":638},{"text":"موسى بني إسرائيلَ بالتوراةِ مكتوبًا (^١) من عندِ اللهِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: كما (^٢) قالت اليهودُ: إن كنتَ صادقًا أنك رسولُ اللهِ، فآتِنا كتابًا مكتوبًا مِن السماءِ، كما جاء به موسى (^٣).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ (^٤)، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، قال: جاء ناسٌ مِن اليهودِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقالوا: إن موسى جاء بالألْواحِ مِن عندِ اللهِ، فأْتِنا بالألواحِ مِن عندِ اللهِ حتى نُصَدِّقَكَ. فأنزَل اللهُ: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (^٥).\nوقال آخرون: بل سأَلوه أن يُنَزِّلَ عليهم كتابًا خاصَّةً لهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: أى كتابًا خاصةً\n_________\n(^١) في م: \"مكتوبة\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٠٣ (٦١٨٦) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٤) في الأصل: \"معتمر\".\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٣٨ للمصنف.","vol":"7","page":639},{"text":"﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (^١).\nوقال آخرون: بل سأَلوه أن يُنَزِّلَ على رجالٍ منهم بأعْيانِهم كتبًا بالأمرِ بتصديقِه واتِّباعِه.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيجٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: وذلك أن اليهودَ والنصارى أَتَوا النبيَّ ﷺ، فقالوا: لن نُتابِعَك (^٢) على ما تَدْعُونا إليه حتى تَأْتِيَنا بكتابٍ مِن عندِ اللهِ؛ [مِن اللهِ] (^٣) إلى فلانٍ أنك رسولُ اللهِ، [وإلى فلانٍ (^٤) أنك رسولُ اللهِ] (^٥). قال اللهُ جل ثناؤُه: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾.\nقال أبو جعفرٍ: وأوْلى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن أهلَ التوراةِ سَأَلوا رسولَ اللهِ ﷺ أن يَسْأَلَ رَبَّه أن يُنَزِّلَ عليهم كتابًا مِن السماءِ آيةً مُعْجِزةً جميعَ الخلقِ أن يَأْتُوا بمثلِها، شاهدةً لرسولِ اللهِ ﷺ بالصدقِ، آمِرَةً لهم باتِّباعِه.\nوجائزٌ أن يَكونَ الذي سأَلوه من ذلك كتابًا مكتوبًا يُنَزَّلُ عليهم مِن السماءِ إلى جماعتِهم، وجائزٌ أن [تكونَ مسألتُهم إياه] (^٦) ذلك كتبًا إلى أشْخاصٍ بأعيانِهم (^٧)،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٠٣ (٦١٨٧، ٦١٨٨) من طريق عبد العزيز بن المغيرة عن يزيد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٣٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"نبايعك\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) بعده في م: \"بكتاب\".\n(^٥) سقط من: الأصل، س.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يكون\".\n(^٧) في م: \"بأعينهم\".","vol":"7","page":640},{"text":"بل الذى هو أولى بظاهرِ التلاوةِ أن تكونَ مسألتُهم إياه ذلك كانت مسألةً لتنزيلِ (^١) الكتابِ الواحدِ إلى جماعتِهم لذكرِ اللهِ فى خبرِه عنهم الكتابَ بلفظِ الواحدٍ، بقولِه: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. ولم يَقُلْ: كتبًا.\nوأما قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾. فإِنه تَوْبِيخٌ مِنَ اللهِ جل ثناؤُه سائلى الكتابِ الذى سأَلوا رسولَ اللهِ ﷺ أن يُنَزِّلَه عليهم مِن السماءِ في مسألتِهم إياه ذلك، وتَقْريعٌ منه لهم. يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ، لا يَعْظُمَنَّ عليك مسألتُهم ذلك، فإنهم من جهلِهم باللهِ وجرْأتِهم (^٢) عليه واغْتِرارِهم بحلمِه، لو أَنْزَلْتُ عليهم الكتابَ الذى سأَلوك أن تُنَزِّله عليهم، لخَالَفوا أمْرَ اللهِ كما خالَفوه بعدَ إحْياءِ اللهِ أوائلَهم من صَعْقتِهم (^٣)، فعبَدوا العجلَ واتَّخَذوه إلهًا يَعْبُدونَه مِن دونِ خالقِهم وبارئِهم الذي أراهم مِن قدرتِه وعظيمِ سلطانِه ما أراهم؛ لأنهم لن يَعْدُوا (^٤) أن يَكونوا كأوائِلهم وأسلافِهم.\nثم قصَّ اللهُ مِن قصتِهم وقصةِ موسى ما قصَّ، يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾. يعنى: فقد سأَل أسلافُ هؤلاء اليهودِ وأوائلُهم موسى أعظمَ مما سأَلوك مِن تَنزيلِ كتابٍ عليهم مِن السماءِ، فقالوا له: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾. أى عيانًا نُعايِنُه ونَنظُرُ إليه.\nوقد أتَيْنا على معنى الجَهْرةِ (^٥) بما في ذلك من الروايةِ، والشَّواهِدِ\n_________\n(^١) في م: \"لينزل\".\n(^٢) في ص، م: \"وجراءتهم\".\n(^٣) في الأصل: \"ضعفتهم\"، وفي ص: \"صعفتهم\".\n(^٤) في الأصل: \"يقدروا\".\n(^٥) في الأصل: \"الجهر\".","vol":"7","page":641},{"text":"على صحةِ ما قلنا في معناه فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (^١).\nوقد رُوِى (^٢) عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ في ذلك بما حدَّثني به الحارثُ، قال: ثنا أبو عُبيدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ بنِ موسى، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ معاويةَ، عن ابنِ عباسٍ في هذه الآيةِ قال: إنهم إذا رأوْه (^٣) فقد رأَوْه، إنما قالوا جَهْرةً: ﴿أَرِنَا اللَّهَ﴾. قال: هو مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ (^٤). وكان ابنُ عباسٍ يَتَأَوَّلُ ذلك أن سؤالَهم موسى كان جَهْرةً.\nوأما قولُه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾. فإنه يقولُ: فصَعِقوا بظلمِهم أنفسَهم، وظلمُهم أنفسَهم كان مسألتَهم موسى أن يُرِيَهم ربَّهم جَهْرَةً؛ لأن ذلك مما لم يَكُنْ لهم مسألتُه.\nوقد بيَّنَّا معنى الصاعقةِ فيما مضَى، واختلافَ (^٥) المُخْتَلِفين في تأويلِها، والدليلَ على أوْلى ما قيل فيها بالصوابِ (^٦).\nوأما قولُه: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾. فإنه يعنى: ثم اتَّخَذ هؤلاء الذين سأَلوا موسى ما سأَلوه -مِن رُؤْيةِ ربِّهم جهرةً، بعدَ ما أحْياهم اللهُ فبعَثهم مِن صَعْفتِهم- العجلَ الذي كان السامريُّ نبَذ فيه ما نبَذ مِن القَبْضةِ التي قبَضَها مِن أَثَرِ فرسِ جِبريلَ ﵇، إلهًا يَعْبُدونَه مِن دونِ اللهِ.\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ٦٨٧ - ٦٩٠.\n(^٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ذكر\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"رأوا الله\".\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٣٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"باختلاف\".\n(^٦) تقدم في ٦٩٠، ٦٩١.","vol":"7","page":642},{"text":"وقد أتَيْنا على ذكرِ السببِ الذى مِن أجلِه اتَّخَذوا العجلَ، وكيف كان أمْرُهم وأمْرُه، فيما مضَى بما فيه الكِفايةُ (^١).\nوقولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. يعنى: مِن بعد ما جاءَت هؤلاء الذين سأَلوا موسى ما سأَلوا البَيِّناتُ مِن اللهِ، والدَّلالاتُ الواضحاتُ بأنهم لن يَرَوُا اللهَ عِيانًا جهارًا. وإنما عُنِى بالبيناتِ: أنها آياتٌ تُبِينُ عن أنهم لن يَرَوُا اللهَ في أيامِ حَياتِهم في الدنيا جَهْرةً، وكانت تلك الآياتُ البيناتُ لهم على أن ذلك كذلك؛ [إصْعاقُ اللهِ إياهم عندَ] (^٢) مسألتِهم موسى أن يُرِيَهم ربَّهم جَهْرةً، ثم إحْياؤُه إياهم بعدَ مماتِهم، مع سائرِ الآيات التي أَراهم اللهُ- دلالةً على ذلك.\nيقولُ اللهُ جلّ ثناؤُه مُقبِّحًا إليهم فعْلَهم ذلك، ومُوَضِّحًا لعبادِه جهلَهم، ونقصَ عقولِهم وأحلامِهم: ثم أقَرُّوا للعجلِ بأنه لهم إلهٌ، وهم يَرَوْنَه عِيانًا، ويَنْظُرون إليه جِهارًا بعدَ ما أراهم ربُّهم مِن الآياتِ البيناتِ ما أراهم، أنهم لا يَرَوْن رَبَّهم جَهْرةً وعِيانًا في حياتِهم الدنيا، فعكَفوا على عبادتِه، مُصَدِّقِين بأُلوهتِه.\nوقولُه: ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾. يقولُ: فعفَوْنا لعَبَدةِ العجلِ عن عبادتِهم إياه، وللمُصَدِّقين منهم بأنه إلهُهم، بعدَ الذى أراهم اللهُ، أنهم لا يَرَوْن ربَّهم في حياتِهم، مِن الآياتِ ما أراهم عن تَصْديقِهم بذلك بالتوبةِ التي تابوها إلى ربِّهم، بقتلِهم أنفسَهم، وصبرِهم فى ذلك على أمرِ ربِّهم، ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. يقولُ: وآتَيْنا موسى حُجَّةً تُبِينُ عن صدقِه وحقيقَةِ نُبُوَّتِه، وتلك الحُجَّةُ هي الآياتُ البَيِّناتُ التي آتاه اللهُ إياها.\n_________\n(^١) تقدم فى ١/ ٦٦٩ وما بعدها.\n(^٢) في الأصل: \"إصداق الله إياهم عن\".","vol":"7","page":643},{"text":"<span id=\"aya-647\"></span><span data-type='title' id=toc-2312>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ يعنى: الجبلَ، وذلك لمَّا امْتَنَعوا من العملِ بما فى التوراةِ، وقبولِ ما جاءهم به موسى فيها، ﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾ يعنى: بما أعْطَوُا اللهَ من الميثاقِ والعهدِ؛ لَتَعْمَلَنَّ بما في التوراةِ، ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾. يعنى: باب حِطَّةٍ، حينَ أُمِروا أن يدْخُلوا منه سُجَّدًا، فدخلوا يَزْحَفون على أَسْتاهِهم، ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾. يعنى بقولِه: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ (^١). لا تُجاوِزوا (^٢) في يومِ السبتِ ما أُبِيح لكم إلى ما لم يُبَحْ لكم.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾. قال: كنا نُحَدِّثُ أنه بابٌ من أبوابِ بيتِ المقدسِ. ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ أُمِر القومُ أن لا يأْكُلُوا الحيتانَ يومَ السبتِ، ولا يَعْرِضوا لها، وأُحِلَّ لهم ما خلا ذلك (^٣).\nواخْتَلَفَت القرَأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأه عامَّةُ قرأةِ أمْصارِ الإسلامِ: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ بتخفيفِ العينِ (^٤)، من قولِ القائلِ: عَدَوْتُ في الأمرِ. إذا تجاوَزْتَ الحقَّ فيه، أعْدُو عَدْوًا وعُدْوانًا وعَداءً.\n_________\n(^١) ضبطت في الأصل بفتح العين وضم الدال المشددة وهي قراءة وسيأتى تخريجها بعد.\n(^٢) في ص، م: \"تتجاوزوا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٠٧ (٦٢١٣) من طريق عبد العزيز بن المغيرة عن يزيد بن زريع به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٣٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) قرأ بذلك ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف. النشر ٢/ ١٩٠.","vol":"7","page":644},{"text":"وقرَأ ذلك بعضُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ: (وقلنا لهم لا تَعْدُّوا) بتسكينِ العينِ وتشديدِ الدالِ والجمعِ بينَ ساكنَيْن (^١)، بمعنى تَعْتَدُوا، ثم تُدْغَمُ التاءُ في الدالِ فَتَصِيرُ دالًا مُشَددةً مضمومةً، كما قرَأ مَن قرَأ: (أمْ مَّنْ لَا يَهْدِّى) بتسكينِ الهاءِ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ يعنى: عهدًا مُؤَكَّدًا شديدًا، بأنهم (^٣) يَعْمَلُون بما أمَرَهم اللهُ به، ويَنْتَهون عما نهاهم اللهُ عنه مما ذكَر في هذه الآيةِ، ومما في التوراةِ.\nوقد بيَّنا فيما مضَى السببَ الذى من أجلِه كانوا أُمِروا أن يدخُلوا البابَ سُجَّدًا، وما كان مِن أمرِهم فى ذلك، وخبرِهم وقصَّتِهم، وقصةِ السبتِ، وما كان اعْتداؤُهم فيه بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٤).\n\n<span id=\"aya-648\"></span><span data-type='title' id=toc-2313>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فبنَقْضِ هؤلاء الذين وصفْتُ صفتهم مِن أهلِ الكتابِ، ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾. يعنى: عهودَهم (^٥) التي عاهَدوا اللهَ أَن يَعْمَلوا بما (^٦) في\n_________\n(^١) قالون وأبو جعفر، وروى عنه ورش: (لا تعَدُّوا) بفتح العين وتشديد الدال. النشر ٢/ ١٩٠.\n(^٢) هي قراءة نافع وأبي عمرو؛ بإسكان الهاء وتشديد الدال، غير أن أبا عمرو كان يشم الهاء شيئًا من الفتح. السبعة لابن مجاهد ص ٣٢٦ والحجة ص ٣٣٢.\n(^٣) في الأصل: \"بما أنهم\".\n(^٤) تقدم في ١/ ٧٢٢ - ٧٢٩.\n(^٥) سقط من: الأصل.\n(^٦) في الأصل: \"بها\".","vol":"7","page":645},{"text":"التوراةِ، ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. يقولُ: وجُحودِهم، ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. يعني: بأعلامِ اللهِ وأدلتِه التى احْتَجَّ بها عليهم في صدقِ أنبيائِه ورسلِه، وحقيقةِ ما جاءُوهم به مِن عندِه، ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. يقولُ: وبقتلِهم الأنبياءَ بعدَ قيامِ الحُجَّةِ عليهم بنبوَّتِهم، ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. يعني: بغيرِ استحقاقٍ منهم ذلك لكبيرةٍ أتَوْها، ولا لخَطيئةٍ اسْتَوْجبوا القتلَ عليها، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ يعنى: وبقولِهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ يعنى يقولون: عليها غِشاوةٌ وأغْطِيةُ عما تَدْعُونا إليه، فلا نَفْقَهُ ما تَقولُ، ولا نَعْقِلُه.\nوقد بيَّنَّا معنى الغُلْفِ، وذكَرْنا ما فى ذلك من الروايةِ فيما مضى قبلُ (^١).\n﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: كذَبوا في قولِهم: قلوبُنا غُلْفٌ. [ما هى] (^٢) بغُلْفٍ، ولا عليها، أغْطيةٌ، ولكنَّ اللهَ جل ثناؤُه جعَل عليها طابِعًا بكفرِهم باللهِ.\nوقد بيَّنَّا صفةَ الطبعِ على القلبِ فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه (^٣).\n﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يقولُ: فلا يُؤْمِنُ هؤلاء الذين وصَف اللهُ صفتَهم [في طبعِه] (^٤) على قلوبِهم -فيُصَدِّقوا باللهِ [ورسولِه وما جاءهم] (^٥) به مِن عندِ اللهِ- إلا إيمانًا قليلًا، يعنى إلَّا تصديقًا قليلًا. وإنما صار قليلًا؛ لأنهم لم يُصَدِّقوا على ما أمَرَهم اللهُ به، ولكن صدَّقوا ببعضِ الأنبياءِ وبعضِ\n_________\n(^١) تقدم في ٢/ ٢٢٧ - ٢٣١.\n(^٢) في الأصل: \"يعني\".\n(^٣) تقدم في ١/ ٢٦٧.\n(^٤) فى م: \"ورسله وما جاءتهم\".\n(^٥) في ص، م: \"لطبعه\".","vol":"7","page":646},{"text":"الكتبِ، وكذَّبوا ببعضٍ، فكان تصديقُهم بما صدَّقوا به قليلًا؛ لأنهم وإن صدَّقوا به مِن وجهٍ، فهم به مُكَذِّبون من وجهٍ آخرَ، وذلك مِن وجهِ تكذيبِهم مَن كذَّبوا به مِن الأنبياءِ، وما جاءوا به مِن كتبِ اللهِ، ورسلُ اللهِ يُصَدِّقُ بعضُهم بعضًا، وبذلك أمَر كلُّ نبيٍّ أمتَه، وكذلك كتبُ اللهِ يُصَدِّقُ بعضُها بعضًا، ويُحَقِّقُ بعضٌ بعضًا، فالمُكَذِّبُ ببعضِها مُكَذِّبٌ بجميعِها مِن جهةِ جحودِه ما صدَّقه الكتابُ الذى يُقِرُّ بصحتِه، فلذلك صار إيمانُهم بما آمَنوا مِن ذلك قليلًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾. يقولُ: فبنقضِهم ميثاقَهم لعَنَّاهم، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: لا تفقهُ، ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾، ولعنَهم حينَ فعَلوا ذلك (^١).\nواخْتُلِف فى معنى قولِه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ الآية، وهل هو مُواصِلٌ لما (^٢) قبلَه من الكلامِ، أم هو مُنْفَصِلٌ منه؛ فقال بعضُهم: هو مُنْفَصِلٌ مما قبلَه، ومعناه: فينقضِهم ميثاقَهم وكفرِهم بآياتِ اللهِ وقتلِهم الأنبياءَ بغيرِ حقٍّ، وَقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ (^٣). طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ولعَنَهم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٢/ ٢٢٩.\n(^٢) في الأصل: \"بما\".\n(^٣) بعده في الأصل، م: \"بل\". على ذكر سياق الآية، وبحذفها يستقيم الكلام وقوله: (فبنقضهم) متعلق بـ (طبع).","vol":"7","page":647},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: لما ترَك القومُ أمرَ اللهِ، وقتَلوا رسلَه، وكفَروا بآياتِه، ونقَضوا الميثاقَ الذي أُخِذ عليهم - طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهم ولعَنَهم.\nوقال آخَرون: بل هو مُواصِلٌ لما قبلَه. قالوا: ومعنى الكلامِ: فأخذتهم الصاعقةُ بظلمِهم، فبنقضِهم ميثاقَهم، وكفرِهم بآياتِ اللهِ، وبقتلِهم الأنبياءَ بغيرِ حقٍّ، وبكذا وكذا أخَذَتْهم الصاعقةُ. قالوا: فتبِع الكلامُ بعضُه بعضًا، ومعناه مَرْدودٌ إلى أولِه، وتَفْسيرُ ظلمِهم الذى أخَذَتْهم الصاعقةُ مِن أجلِه ما فسَّرَه تعالى ذكرُه من نقضِهم الميثاقَ، وقتلِهم الأنبياءَ، وسائرِ ما بيَّن مِن أمرِهم الذى ظلَموا فيه أنفسَهم.\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن قولَه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾. وما بعدَه مُنْفَصِلٌ معناه مِن معنى ما قبلَه، وإنما معنى الكلامِ: فيما نقضِهم ميثاقَهم وكفرِهم بآياتِ اللهِ، وبكذا وبكذا، لعَنَّاهم وغضِبْنا عليهم، فترَك ذكرَ \"لَعَنَّاهم\" لدلالةِ قولِه: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾. على معنى ذلك، إذ كان مَن طُبِع على قلبِه فقد لُعِن وسُخِط عليه.\nوإنما قلنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن الذين أخَذَتْهم الصاعقةُ إنما كانوا على عهدِ موسى، والذين قتَلوا الأنبياءَ والذين رمَوْا مَريمَ بالبُهتانِ العظيمِ وقالوا: قتلْنا المسيحَ. كانوا بعدَ موسى بدهْرٍ طويلٍ، ولم يُدْرِكِ الذين رمَوْا مريمَ بِالبُهْتَانِ زمانَ موسى، ولا مَن صَعِقَ مِن قومِه.\nوإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الذين أخَذَتْهم الصاعقةُ، لم تَأْخُذْهم","vol":"7","page":648},{"text":"عقوبةٌ لرمْيِهم مريمَ بالبهُتانِ العظيمِ، ولا لقولِهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾. وإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ أن الذين قالوا هذه المقالةَ هم غيرُ الذين عُوقِبوا بالصاعقةِ، وإذا كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا انفصال معنى قولِه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ مِن معنى قولِه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾.\n\n<span id=\"aya-649\"></span><span data-type='title' id=toc-2314>القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وبكفرِ هؤلاء الذين وصَف صفتَهم، ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ يعني: بفِرْيتِهم عليها، ورمْيِهم إياها (^١) بالزنى، وهو البُهتانُ العظيمُ؛ لأنهم رمَوْها بذلك، وهى مما رمَوْها به بغيرِ ثَبَتٍ ولا برهانٍ بَريئةٌ، فبهَتوها بالباطلِ مِن القولِ.\nوبمثلِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ يعني: أنهم رَمَوْها بالزنى (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾: حينَ قذَفوها بالزنى (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل: \"إياهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٠٩ (٦٢٣٠) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٤/ ١١٠٩ عقب الأثر (٦٢٣٠) من طريق أسباط به.","vol":"7","page":649},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يَعْلَى مِنْ عُبَيدٍ، عَن جُوَيْبرٍ في قولِه: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾. قال: قالوا: زنَت (^١).\n\n<span id=\"aya-650\"></span><span data-type='title' id=toc-2315>القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وبقولِهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾. ثم كذَّبهم اللهُ في قِيلِهم، فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾. يعني: وما قتَلوا عيسى، وما صلَبوه، ولكن شُبِّه لهم.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى صفةِ التَّشبيهِ الذى شُبِّه لليهودِ في أمرِ عيسى؛ فقال بعضُهم: لمَّا أحاطَت اليهودُ به وبأصحابِه، أحاطوا بهم، لا يَثَّبَّتون معرفةَ عيسى بعينِه، وذلك أنهم جميعًا حُوِّلوا فى صورةِ عيسى، فأشكَل على الذين كانوا يُريدون قتلَ عيسى ابنِ مريمَ، عيسى مِن غيرِه منهم، وخرَج إليهم بعضُ مَن كان فى البيتِ مع عيسى، فقتَلوه وهم يَحْسَبونه عيسى.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن هارونَ بن عَنْتَرةَ، عن وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ، قال: أُتِى عيسى، ومعه سبعةَ (^٢) عشَرَ مِن الحواريِّين في بيتٍ، وأحاطوا بهم، فلما دخَلوا عليهم، صوَّرهم اللهُ كلَّهم على صورةِ عيسى، فقالوا لهم: سحَرْتُمونا، لَيَبْرُزَنّ لنا عيسى، أو لَنَقْتُلَنَّكم جميعًا. فقال عيسى لأصحابِه: مَن يَشْتَرى نفسَه\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٠٩ عقب الأثر (٦٢٣٠) معلقًا.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تسعة\".","vol":"7","page":650},{"text":"منكم اليومَ بالجنةِ؟ فقال رجلٌ منهم: أنا. فخرَج إليهم فقال: أنا عيسى. وقد صوَّره اللهُ على صورةِ عيسى، فأخَذوه فقتَلوه وصلَبوه، فمن ثَمَّ شُبِّه لهم، وقد ظنُّوا أنهم قد قتَلوا عيسى، وظنَّت النصارى مثلَ ذلك أنه عيسى، ورفَع اللهُ عيسى من يومِه ذلك (^١).\nوقد رُوِى عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ غيرُ هذا القولِ، وهو ما حدَّثني به المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبد الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ (^٢)، أنه سمِع وهبًا يَقولُ: إن عيسى ابنُ مريمَ لمَّا أعْلَمَه اللهُ جل ثناؤُه أنه خارجٌ من الدنيا جَزِع مِن الموتِ وشقَّ عليه، فدعا الحواريِّين فصنَع لهم طعامًا، فقال: احْضُروني الليلةَ، فإن لى إليكم حاجةً. فلما اجْتَمَعوا إليه [مِن الليلِ] (^٣) عَشَّاهم، وقام يَخْدِمُهم، فلمَّا فرَغوا مِن الطعامِ أخَذ يَغْسِلُ أيديَهم، ويُوَضِّئُهم بيدِه، ويَمْسَحُ أيديَهم بثيابِه، فتَعاظَموا ذلك وتَكارَهوه، فقال: ألا مَن ردَّ عليَّ شيئًا الليلةَ مما أَصْنَعُ، فليس مني، ولا أنا منه. فأقرُّوه حتى إذا فرَغ مِن ذلك، قال: أمَّا ما صنَعْتُ بكم الليلةَ مما خدَمْتُكم [على الطعامِ، وغسَلْتُ أيديَكم يبدى، [فَلْيَكُنْ لكم بي] (^٤) أُسْوةٌ، فإنكم تَرَوْن أنى خيرُكم] (^٥)، فلا يتعاظمْ (^٦) بعضُكم على بعضٍ، ولْيَبْذُلْ بعضُكم نفسَه لبعضٍ، كما بذَلْتُ نفسى لكم، وأما حاجتي التي اسْتَعَنْتُكم عليها، فتدْعُون ليَ اللهَ، وتَجْتَهِدون فى الدعاءِ، أن يُؤَخِّرَ أَجَلى. فلما نَصَبوا أنفسَهم\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٤٠١، وقال: هذا سياق غريب جدا.\n(^٢) في الأصل: \"معتل\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في الأصل: \"فلكم فيّ\".\n(^٦) في ص، م: \"يتعظم\".","vol":"7","page":651},{"text":"للدعاءِ، وأرادوا أن يَجْتَهِدوا، أخَذَهم النومُ، حتى لم يَسْتَطِيعوا دُعاءً، فجعَل يُوقِظُهم ويَقولُ: سبحانَ اللهِ، ما تَصْبِرون لى ليلةً واحدةً تُعِينوني فيها؟ قالوا: واللهِ ما نَدْرِى ما لنا، لقد كنا نَسْمُرُ فنُكْثِرُ السَّمَرَ، وما نُطِيقُ الليلةَ سَمَرًا، وما نُرِيدُ دُعاءً إلا حِيلَ بينَنا وبينَه. فقال: يُذْهَبُ بالراعي وتَتَفَرَّقُ الغنمُ. وجعَل يَأْتي بكلامٍ نحوَ هذا يَنْعَى به نفسَه، ثم قال: الحقُّ لِيَكْفُرَنَّ بي أحدُكم قبلَ أن يَصِيحَ الدِّيكُ ثلاثَ مراتٍ، وليبيعَنَّنِي أحدُكم بدراهمَ يَسيرةٍ ولَيَأْكُلَنَّ ثمنى. فخرَجوا وتفَرَّقوا، وكانت اليهودُ تَطْلُبُه، فأخَذُوا شَمْعونَ أحدَ الحواريِّين، فقالوا: هذا مِن أصحابِه فجحَد وقال: ما أنا بصاحبِه. فترَكوه، ثم [اخَذَه آخرون، فجحَد] (^١) كذلك، ثم سمع صوتَ دِيكٍ (^٢)، فبكَى وأحْزَنه، فلمَّا أَصْبَحَ أَتَى أحدُ الحواريِّين إلى اليهودِ، فقال: ما تَجْعَلون لى إن دَلْلتُكم على المسيحِ؟ فجعَلوا له ثلاثين درهمًا، فأخَذها ودلَّهم (^٣) عليه -وكان شُبِّه عليهم قبلَ ذلك- فأَخَذُوه، فاسْتَوْثَقوا منه، وربَطوه بالحبلِ، فجعَلوا يَقُودُونه ويقولون: أنت كنتَ تُحْيِى المَوْتَى، وتَنْتَهِرُ الشيطانَ، [وتُبْرِئُ المجنونَ] (^٤)، أفلا تَفْتَحُ (^٥) نفسَك مِن هذا الحبلِ؟ ويَبْصُقون عليه، ويُلْقُون عليه الشَّوْكَ، حتى أتَوْا به الخشبةَ التي أرادوا أن يَصْلُبوه عليها، فرفَعه اللهُ إليه، وصلَبوا ما شُبِّه لهم، فمكَث سبعًا. ثم إنَّ أمَّه والمرأةَ التي كان يُداوِيها عيسى، فأَبْرَأَها اللهُ مِن الجنونِ جاءتا تَبْكِيان حيث المصلوبُ، فجاءَهما عيسى، فقال: علامَ تَبْكِيان؟ قالتا: عليك. فقال: إني قد\n_________\n(^١) في الأصل: \"أخذ آخرون فجحدوا\".\n(^٢) بعده في الأصل: \"كذلك\".\n(^٣) في الأصل: \"وحلم\".\n(^٤) في الأصل: \"فيبرأ المجنونُ\".\n(^٥) في ص، م: \"تنجى\".","vol":"7","page":652},{"text":"رفَعَنى اللهُ إليه، ولم يُصِبْنى إلا خيرٌ، وإن هذا شيءٌ شُبِّه لهم، فأْمُرَا الحواريِّين أن يَلْقَونى إلى مكانِ كذا وكذا. فلقُوه إلى ذلك المكانِ أحدَ عَشَرَ، وفُقِد الذي كان باعه ودلَّ عليه اليهودَ، فسأَل عنه أصحابَه، فقالوا: إنه ندِم على ما صنَع، فاخْتَنَق وقتَل نفسَه. فقال: لو تابَ لتابَ اللهُ عليه. ثم سأَلهم عن غلامٍ يَتْبَعُهم يُقالُ له: يُحَنَّى (^١). فقال: هو معكم، فانْطَلِقوا فإنه سيُصْبِحُ كلُّ إنسانٍ منكم يُحَدِّثُ بلغةِ قومٍ (^٢)، فَلْيُنْذِرْهم ولْيَدْعُهم (^٣).\nوقال آخرون: بل سأل عيسى من كان معه في البيتِ أن يُلْقَى على بعضِهم شبهُه، فانْتَدَب لذلك منهم رجلٌ، فأُلْقِى عليه شبهُه، فقُتِل ذلك الرجلُ، ورُفِع عيسى.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾. إلى قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾: أولئك أعداءُ اللهِ اليهودُ ابتَهَرُوا (^٤) بقتلِ عيسى ابنِ مريمَ رسولِ اللهِ، وزعَموا أنهم قتَلوه وصلَبوه. وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ عيسى ابنَ مريمَ قال لأصحابِه: أيُّكم يُقْذَفُ عليه شبهى فإنه مقتولٌ. قال رجلٌ من أصحابِه: أنا يا نبيَّ اللهِ. فقُتِل\n_________\n(^١) فى س، وتاريخ الطبرى، وتفسير ابن كثير: \"يحيى\"، ورسمت في الأصل هكذا: \"يحيى\" غير، منقوطة. وما أثبتناه موافق لما فى الدر المنثور والبداية والنهاية ٢/ ٥١٤.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٦٠١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٣٩ إلى المصنف وعبد بن حميد. وذكره ابن كثير ٢/ ٤٠١، وقال: سياق غريب جدًا.\n(^٤) فى م: \"اشتهروا\". وفي الدر المنثور: \"افتخروا\" وغير واضحة في ص. وابتهروا: ادعوا كذبا. التاج (ب هـ ر).","vol":"7","page":653},{"text":"ذلك الرجلُ، ومنَع اللهُ نبيَّه (^١)، ورفَعه إليه (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾. قال: أُلْقِى شبهُه على رجلٍ من الحواريِّين فقُتِل، وكان عيسى ابنُ مريمَ عرَض ذلك عليهم، فقال: أيُّكم أُلْقِى عليه شبهى وله الجنةُ؟ فقال رجلٌ: عليَّ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، أن بنى إسرائيلَ حصَروا (^٤) عيسى وتسعةَ عشَرَ رجلًا من الحواريِّين في بيتٍ، فقال عيسى لأصحابِه: مَن يأخُذُ صورتى فيُقْتَلَ وله الجنةُ؟ فأَخَذها رجلٌ منهم، وصُعِد بعيسى إلى السماءِ، فلما (^٥) خرَج الحواريُّون أبصروهم تسعةَ عشَرَ، فأخبروهم أن عيسى ﵇ قد صُعِد به إلى السماءِ، فجعَلوا يَعُدُّون القومَ، فيجدونهم ينقُصون رجلًا من العِدَّةِ، ويرون صورةَ عيسى فيهم، فشكُّوا (^٦) فيه، وعلى ذلك قتلوا الرجلَ وهم يرون أنه عيسى وصلَبوه، فذلك قولُ اللهِ ﵎: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (^٧).\n_________\n(^١) في الأصل: \"منه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٠٩ (٦٢٣١) من طريق يزيد به مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٧.\n(^٤) في الأصل: \"حضروا\".\n(^٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فجعلوا\".\n(^٦) في ص، ت ١: \"نشركوا\".\n(^٧) أخرجه البغوى فى تفسيره ٢/ ٤٥ من طريق أسباط به.","vol":"7","page":654},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ (^١)، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، أن عيسى ابنَ مريمَ، قال: أيُّكم يُلْقَى عليه شبهِى فيُقْتَل مكاني؟ فقال رجلٌ مِن أصحابِه: أنا يا رسولَ اللهِ. فألقِى عليه شبهُه، فقتَلوه، فذلك قولُه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: كان اسمُ ملِكِ بني إسرائيلَ الذي بعَث إلى عيسى ليقتُلَه، رجلًا منهم يقالُ له: داودُ (^٢)، فلما أَجْمَعوا لذلك منه لم يُقْطَعْ عبدٌ من عبادِ اللهِ بالموتِ -فيما ذُكر لى- فَظَعَه، ولم يجزَعْ منه جزعَه، ولم يدْعُ اللهَ فى صرْفِه عنه دعاءَه، حتى إنه ليقولُ -فيما يزعُمون-: اللهمَّ إن كنتَ صارفًا هذه الكأسَ عن أحدٍ من خلقِك، فاصْرِفْها عنى. وحتى إن جلدَه مِن كَرْبِ ذلك ليتفصَّدُ دمًا، فدخَل المدخَل الذى أجْمَعوا أن يدخلُوا (^٣) عليه فيه؛ ليقتُلوه هو وأصحابَه، وهم ثلاثةَ عشرَ بعيسى، فلما أيقن أنهم داخلون عليه، قال لأصحابِه مِن الحواريِّين وكانوا اثنى عشرَ رجلًا؛ فُطْرُسُ (^٤)، ويعقوبُ بنُ زَيْدِي، ويُحَنَّسُ (^٥)، [أخو يعقوبَ] (^٦)، وأَنْدَرا بِيسُ (^٧)، وفِيلِبُّسُ (^٨)، وأَبَرَثَلْمَا (^٩)، ومَتَّى،\n_________\n(^١) بعده في ص، م: \"عن ابن أبي نجيح\" وشبل يروى عن القاسم بن أبي بزة. ينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٣٥٦.\n(^٢) في م: \"داودا\".\n(^٣) فى م: \"يدخل\".\n(^٤) فى م: \"بطرس\".\n(^٥) بعده في الأصل: \"ويحيمر\".\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) فى م: \"أندراوس\". وينظر تاريخ الطبرى ١/ ٦٠٣.\n(^٨) في الأصل: \"فبلس\" وفي ص: \"قبلس\".\n(^٩) في ص: \"ابن تلما\".","vol":"7","page":655},{"text":"وتُوماسُ، ويعقوبُ بنُ حلقايا (^١)، وتُدَّاوسيسُ (^٢)، وفتاتيا (^٣)، ويُودُسُ (^٤) زكريا يُوطا (^٥).\nقال ابنُ حُميدٍ: قال سَلَمةُ (^٦): قال ابنُ إسحاقَ: وكان فيهم -فيما ذُكر لى- رجلٌ اسمُه سَرْجِسُ، فكانوا ثلاثةَ عشَرَ رجلًا سوى عيسى، جحَدته النصارى، وذلك أنه هو الذي شُبِّه لليهودِ مكانَ عيسى، قال: ولا أَدْرِى أهو (^٧) من هؤلاء الاثنى عشَرَ، أم كان (^٨) ثالث عشَرَ. فجحَدوه حينَ أقرُّوا لليهودِ بصلبِ عيسى، وكفَروا بما جاء به محمدٌ ﷺ من الخبرِ عنه، فإن كانوا ثلاثةَ عشَرَ فإنهم دخَلوا المَدْخَلَ حينَ دخَلوا، وهم بعيسى أربعةَ عشرَ، وإن كانوا (^٩) اثنى عشَرَ فإنهم دخَلوا المدخَلَ حينَ دخَلوا وهم بعيسى ثلاثةَ عشَر (^١٠).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثنى رجلٌ كان نصرانيًّا فأَسْلَم، أن عيسى حينَ جاءه من اللهِ: \"إنى رافعُك إليَّ\". قال: يا معشرَ الحواريِّين، أيُّكم يُحِبُّ أن يكونَ رفيقى فى الجنةِ حتى يُشَبَّه للقومِ في صورتي،\n_________\n(^١) في ص، م: \"حلقيا\"، وما أثبتناه موافق أيضا لمخطوطة تفسير ابن كثير. ينظر تفسيره ٢/ ٤٠٣ حاشية (٥).\n(^٢) في الأصل: \"تدارسيس\" وفي م: \"تداوس\".\n(^٣) رسمت في الأصل هكذا: \"منابنا\" وفى ص: \"قنابيا\".\n(^٤) في الأصل: \"يوذسُ\" بالذال المعجمة.\n(^٥) في الأصل: \"وكربانوحا\" غير منقوطة، وفى ص: \"وكريابوطا\" وينظر تفسير ابن كثير ٢/ ٤٠٣، وتاريخ الطبرى ١/ ٦٠٣.\n(^٦) في الأصل: \"ابن سلمة\".\n(^٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ما هو\".\n(^٨) في م: \"كانوا\".\n(^٩) في م: \"كان\".\n(^١٠) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٤٠٣ عن المصنف.","vol":"7","page":656},{"text":"فيقتُلوه مكانى؟ فقال سَرْجِسُ: أنا يا روحَ اللهِ. قال: فاجلسْ في مجلسي. فجلَس (^١) فيه، ورُفِع عيسى صلواتُ اللهِ عليه، فدخلوا عليه فأخَذوه وصلَبوه، فكان هو الذى صلَبوه وشُبِّهَ لهم به، وكانت عِدَّتُهم حينَ دخلوا مع عيسى معلومةً. قد رأوْهم وأَحْصَوا عِدَّتَهم، فلما دخَلوا عليه ليأخُذوه وجدوا عيسى -فيما يُرَوْنَ- وأصحابَه، وفقَدوا رجلًا من العِدَّةِ، فهو الذى اخْتَلفوا فيه، وكانوا لا يعرِفون عيسى، حتى جعَلوا ليُودُسَ زكريا يُوطا ثلاثين دِرْهمًا (^٢) على أن يدُلَّهم عليه، ويُعرِّفَهم إيَّاه، فقال لهم: إذا دخَلتم عليه، فإني سأقبِّلُه (^٣)، وهو الذى أقبِّلُ (^٤)، فخُذوه فلما دخَلوا عليه، وقد رُفِع عيسى، رأى سَرْجِسَ في صورةِ عيسى، فلم يشكَّ أنه هو عيسى، فأكبَّ عليه فقبَّله (^٥)، فأخذوه فصلَبوه، ثم إن يُودُسَ زكريا يُوطا ندِم على ما صنَع، فاخْتَنق بحبلٍ حتى قتَل نفسَه، وهو ملعونٌ في النصارى، وقد كان أحدَ المعدودِين من أصحابِه. وبعضُ النصارى يزعُم أن يُودُسَ زكريا يُوطا هو الذى شُبِّه لهم فصلَبوه، وهو يقولُ: إنى لستُ بصاحبِكم، أنا الذى دللتكم عليه. واللهُ أعلمُ أيُّ ذلك كان (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (^٧)، قال: ثني حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: بلَغنا أن عيسى ابنَ مريمَ قال لأصحابِه: أيُّكم يَنْتَدِبُ فيُلْقَى عليه شبَهى فيُقْتَلَ؟ فقال رجلٌ من أصحابِه: أنا يا نبيَّ اللهِ، فأُلقِى عليه شبهُه فقُتِل، ورفَع اللهُ نبيَّه\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في الأصل: \"دراهما\".\n(^٣) في الأصل: \"سأقتله\".\n(^٤) في الأصل: \"أقتل\".\n(^٥) في الأصل: \"فقتله\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٤٠٣ نقلا عن المصنف.\n(^٧) في الأصل: \"الحسن\".","vol":"7","page":657},{"text":"إليه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو (^١)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿شُبِّهَ لَهُمْ﴾. قال: صلَبوا رجلًا غيرَ عيسى يحسَبونه إيَّاه (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾. فذكَر مثلَه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: صلَبوا رجلًا شبَّهوه بعيسى، يحسَبونه إيَّاه، ورفَع اللهُ إليه عيسى ﵇ حيًّا (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ أحدُ القولين اللَّذَين ذكَرناهما عن وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ، من أن شبَهَ عيسى أُلقِى على جميعِ مَن كان في البيتِ مع عيسى حينَ أُحِيط به وبهم، من غيرِ مسألةِ عيسى إيَّاهم ذلك، ولكن ليُخْزِيَ اللهُ بذلك اليهودَ، وينقِذَ به نبيَّه ﵇ من مكروهِ ما أرادوا به من القتلِ، ويبتليَ به مَن أراد ابتلاءَه من عبادهِ، في قيلِه في عيسى، وصِدْقِ الخبرِ عن أمرِه - أو (^٤) القولُ الذى رواه [عبدُ العزيزِ] (^٥) عنه.\n_________\n(^١) في الأصل: \"عمر\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٣٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٩٦.\n(^٤) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"و\".\n(^٥) كذا في النسخ. والصواب: \"عبد الصمد\" وهو ابن معقل وينظر الأثر نفسه ص ٦٥١.","vol":"7","page":658},{"text":"وإنما قلنا: ذلك أَوْلَى القولَين بالصوابِ؛ لأن الذين شهِدوا عيسى من الحواريِّين لو كانوا في حالِ ما رُفِع عيسى، وأُلْقِى شبهُه على مَن أُلْقِى عليه شبهُه، كانوا قد عايَنوا عيسى وهو يُرْفَعُ من بينِهم، وأثبَتوا الذى أُلْقِى عليه شبهُه، وعاينوه متحوِّلًا في صورتِه بعدَ الذي كان به من صورةِ نفسِه بمحضَرٍ منهم - لم يَحْفَ ذلك مِن أمرِ عيسى (^١)، وأمرِ مَن أُلْقِى عليه شبهُه عليهم، مع معاينتِهم ذلك كلَّه، ولم يلتبسْ عليهم ولم يُشكل عليهم، وإن أشكل على غيرهم من أعدائهم من اليهود أن المقتولَ والمصلوبَ كان غيرَ عيسى، وأن عيسى رُفِع من بينِهم حيًّا، وكيف يجوزُ أن يكونَ كان أَشْكَل ذلك عليهم، وقد سمِعوا من عيسى مقالتَه: من يُلْقى عليه شبهى، ويكونَ رفيقى فى الجنةِ؟ إن كان قال لهم ذلك، وسمِعوا جوابَ مجيبِه منهم: أنا (^٢). وعاينوا تحوُّلَ المجيبِ فى صورةِ عيسى بعَقِبِ جوابِه، ولكنّ ذلك كان إن شاء اللهُ على نحوِ ما وصَف وهبُ بنُ منبهٍ، إما أن يكونَ القومُ الذين كانوا مع عيسى في البيتِ الذى رُفِع منه من حواريِّه، حولَّهم اللهُ جميعًا في صورةِ عيسى حينَ أراد اللهُ رفعَه، فلم يَثَّبّتوا عيسى معرفةً بعينِه من غيرِه؛ لتشابهِ صُوَرٍ جميعِهم، فقتلت اليهودُ منهم مَن قتَلت، وهم يَرَونه بصورةِ عيسى، ويحسَبونه إيَّاه؛ لأنهم كانوا به عارفين قبلَ ذلك، وظنَّ الذين كانوا فى البيتِ مع عيسى، مثلَ الذي ظنَّت اليهودُ؛ لأنهم لم يُميِّزوا شخصَ عيسى من شخصِ غيرِه، لتشابِه شخصِه وشخصِ غيرِه، ممن كان معه فى البيتِ، فاتَّفَق جميعُهم -أعنى اليهودَ والنصارى مِن أجلِ ذلك- على أن المقتولَ كان عيسى، ولم يكنْ، ولكن شُبِّه لهم، كما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾، أو [يكونُ الأمرُ] (^٣) في ذلك كان\n_________\n(^١) في الأصل: \"شبهه\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إذا\".\n(^٣) في الأصل: \"تكون الآية\".","vol":"7","page":659},{"text":"على نحوِ ما روى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، عن وهبِ بن منبهٍ، أن القومَ الذين كانوا مع عيسى في البيتِ تفرَّقوا عنه قبلَ أن يدخُلَ عليه اليهودُ، وبَقِى عيسى، وأُلْقِى شبهُه على بعضِ أصحابِه الذين كانوا معه فى البيتِ بعدَما تفرَّقَ القومُ [عنه -وبقي عيسى- غيرَ الذي] (^١) أُلْقِى عليه شبهُه، ورُفِع عيسى، فقُتِل (^٢) الذي تحوَّل في صورةِ عيسى من أصحابِه، وظنَّ أصحابُه واليهودُ أن الذى قُتِل وصُلِب هو عيسى؛ لِمَا رَأَوْا من شبهِه به، وخفاءِ أمرِ عيسى عليهم؛ لأنّ رفعه وتحوُّلَ المقتولِ في صورتِه، كان بعد تفرُّقِ أصحابِه عنه، وقد كانوا سمِعوا عيسى من الليلِ يَنْعَى نفسَه، ويحزَنُ لما قد ظنَّ أنه نازلٌ به من الموتِ، فحكَوا ما كان عندَهم حقًّا، والأمرُ عندَ اللهِ في الحقيقةِ بخلافِ ما حكَوا، فلم يستحقَّ الذين حكوا ذلك مِن حواريِّيه أن يكونوا كَذَبةً؛ إذ (^٣) حكَوا ما كان حقًّا عندَهم فى الظاهرِ، وإن كان الأمرُ عندَ اللهِ فيد الحقيقةِ بخلافِ الذى حكَوا (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-2316>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. اليهودَ الذين أحاطوا بعيسى وأصحابِه حينَ أرادوا قتلَه. وذلك أنهم كانوا قد عرَفوا عِدَّةَ مَن فى البيتِ قبلَ دخولِهم، فيما ذُكر، فلما دخَلوا عليهم (^٥)، فقَدوا واحدًا منهم، فالْتَبس أمرُ عيسى عليهم بفقدِهم واحدًا من العِدَّةِ التي كانوا\n_________\n(^١) في ص: \"غير عيسى وغير عيسى وغير الذى\" وفى م: \"غير عيسى وغير\".\n(^٢) في الأصل: \"فقيل\".\n(^٣) في ص، ت ٢، س: \"إذا\"، وفى م: \"أو\".\n(^٤) في الأصل: \"حكينا\".\n(^٥) في ص، ت ٢، س: \"عليه\".","vol":"7","page":660},{"text":"قد أَحْصَوها، وقتلوا من قتلوا على شكٍّ منهم في أمرِ عيسى.\nوهذا التأويلُ على قولِ مَن قال: لم يفارقِ الحواريُّون عيسى حتى رُفِع ودخَل عليهم اليهودُ.\nوأما تأويلُه على قولِ مَن قال: تفرَّقوا عنه من الليلِ. فإنه: ﴿وَإِنَّ (^١) الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾ في عيسى، هل هو الذى بَقِى فى البيتِ منهم بعدَ خروجِ مَن خرَج منهم من العِدَّةِ التي كانت فيه أم لا؟ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾. يعنى: من قتلِه؛ لأنهم كانوا أَحْصَوا من العِدَّةِ حين دخَلوا البيتَ أكثرَ ممن خرَج منه ومَن وُجِد فيه، فشكُّوا في الذي قتَلوه هل هو عيسى أم لا؟ من أجلِ فقدِهم مَن فقَدوا من [العِدَّةِ التى كانوا أحصَوها] (^٢)، ولكنهم قالوا: قتلنا عيسى. لمشابهةِ المقتولِ عيسى في الصورةِ. يقولُ اللهُ: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾. يعنى: أنهم قتَلوا مَن قتَلوه على شكٍّ منهم فيه واختلافٍ، هل هو عيسى أم هو غيرُه؟ من غيرِ أن يكونَ لهم بمن قتلوه علمٌ، مَن هو؟ أهو عيسى أم هو غيرُه؟ ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه: ما كان لهم بمَن قتَلوه من علمٍ، ولكنهم اتَّبعوا ظنَّهم، فقتَلوه ظنًّا منهم أنه عيسى، وأنه الذي يريدون قتلَه، ولم يكنْ به. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾. يقولُ: وما قتَلوا ظنَّهم (^٣) الذي اتَّبَعوه في المقتولِ الذى قتَلوه -وهم يحسَبونه عيسى- يقينًا أنه عيسى ولا أنه غيرُه، ولكنهم كانوا منه على ظنٍّ وشبهةٍ.\nوهذا كقولِ القائلِ (^٤) للرجلِ: ما قتلتُ هذا الأمرَ علمًا. وما قتلتُه يقينًا. إذا\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"كان\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"العدد الذى كانوا أحصوه\"، وفي س: \"العدة الذي كانوا أحصوه\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"هذا\".\n(^٤) فى م: \"الرجل\".","vol":"7","page":661},{"text":"تكلَّم فيه بالظنِّ على غيرِ يقينِ (^١) علمٍ. فالهاءُ في قولِه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾. عائدةٌ على الظنِّ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾. قال: يعنى: ولم يقتُلوا ظنَّهم يقينًا (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يَعْلَى بْنُ عُبيدٍ، عن جُوَيبرٍ في قولِه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾. قال: ما قتَلوا ظنَّهم يقينًا (^٣).\nوقال السُّديُّ فى ذلك، ما حدَّثني به محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثني أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾: وما قتلوا أمرَه يقينًا أن الرجلَ هو عيسى، بل رفَعه اللهُ إليه (^٣).\n\n<span id=\"aya-651\"></span><span data-type='title' id=toc-2317>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: وأما قولُه: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾. فإنه يعنى: بل رفَع اللهُ المسيحَ إليه، يقولُ: لم يقتُلوه ولم يصلِبوه، ولكنَّ اللهُ رفَعه إليه، فطهَّره من الذين كفَروا.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٤/ ١١١ (٦٢٣٩) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٣٩ إلى المصنف.","vol":"7","page":662},{"text":"وقد بيَّنا كيف كان رَفْعُ اللهِ إياه إليه (^١) فيما مضى، وذكَرنا اختلافَ المختلِفين في ذلك، والصحيحَ من القولِ فيه، بالأدلةِ الشاهدةِ على صحتِه، بما أغنى عن إعادتِه (^٢).\nوأما قولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. فإنه يعنى: ولم يزلِ اللهُ منتقِمًا من أعدائِه، كانتقامِه من الذين أخَذَتْهم الصاعقةُ بظلمِهم، وكلعنِه الذين قصَّ قصتَهم بقولِه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. ﴿حَكِيمًا﴾. يقولُ: ذا حكمةٍ في تدبيرِه وتصريفِه خلقَه في قضائِه، يقولُ: فاحْذَروا -أيُّها السائلون محمدًا أن يُنَزِّلَ عليكم كتابًا من السماءِ- من حلولِ عقوبتي بكم، كما حلَّ بأوائلِكم الذين فعَلوا فعلكم فى تكذيبِهم (^٣) رسلي، وافترائِهم على أوليائي.\nوقد حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ (^٤) بنِ أبي سارةَ الرُّؤَاسيُّ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه (^٥): ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. قال: معنى ذلك: أنه كذلك (^٦).\n\n<span id=\"aya-652\"></span><span data-type='title' id=toc-2318>القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.</span>\n_________\n(^١) تقدم في ٤٤٧ - ٤٥٣.\n(^٢) سقط من: الأصل، م، ت ١.\n(^٣) في الأصل: \"تكذيبكم\".\n(^٤) في الأصل: \"الحسن\".\n(^٥) في الأصل: \"قوله غفورا رحيما\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قول الله وكان الله غفورا رحيما\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١١٢ (٦٢٤٤) وابن أبي شيبة ١١/ ٥٤٦ (١١٩٢٥) من طريق الأعمش به.","vol":"7","page":663},{"text":"قال أبو جعفرٍ: اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾. يعني بعيسي، ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، يعني: قبلَ موتِ عيسى. يُوجِّهُ ذلك إلى أن جميعَهم يصدِّقون به إذا نزَل لقتلِ الدجَّالِ، فتصيرُ المللُ كلُّها واحدةً، وهى ملةُ الإسلامِ الحنيفيةُ، دينُ إبراهيمَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: قبل (^١) موتِ عيسى ابنِ مريمَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: قبلَ موتِ عيسى (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن أبى\n_________\n= وبعد هذا الأثر فى ص: \"نجز الجزء السابع من كتاب البيان بحمد الله وعونه وحسن توفيقه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. الحمد لله رب العالمين. يتلوه فى أول الثامن إن شاء الله تعالى القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ وكان الفراغ منه فى شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة وسبعمائة، غفر الله لمؤلفه ولصاحبه ولكاتبه ولمن طالع فيه ودعا لهم بالمغفرة ورضى الله تعالى والجنة والجميع المسلمين. آمين يارب العالمين. بسم الله الرحمن الرحيم، رب يسر برحمتك يا كريم\".\n(^١) سقط من: الأصل، ص، ت ١، س.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٩٨ وأخرجه الحاكم ٢/ ٣٠٩ من طريق سفيان به بلفظ: \"خروج عيسى ابن مريم صلوات الله عليه\" وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٤/ ١١١٤ (٦٢٥٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٤/ ١٠١ (مخطوط) من طرق عن سفيان به.","vol":"7","page":664},{"text":"مالكٍ في قولِه: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: ذلك (^١) عندَ نزولِ عيسى ابنِ مريم، لا يَبْقَى أحدٌ من أهلِ الكتابِ إلا [يؤمنُ به] (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن حُميدٍ، عن الحسنِ، قال: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: قبلَ أن يموتَ عيسى (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، قال: قبلَ موت عيسى، واللهِ إنه الآن لحيٌّ عندَ اللهِ، ولكنه إذا نزَل آمَنوا به أجمعون (^٤).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. يقولُ: قبلَ موتِ عيسى (^٥).\n[حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: قبلَ موتِ عيسى، إذا نزَل آمنت به الأديانُ كلُّها] (^٦).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ ابن أنسٍ، عن الحسنِ، قال: قبلَ موتِ عيسى.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) فى م: \"ليؤمنن\". والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٤١ إلى المصنف.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره ٤/ ١١١٤ (عقب الأثر ٦٢٥٤) معلقا.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٤١ إلى المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٤٠٤.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١١٤ عقب الأثر (٦٢٥٤) معلقا.\n(^٦) ذكر هذا الأثر فى م مرتين، واختصره في المرة الأولى إلى قوله: قبل موت عيسى. وهو في تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٧.","vol":"7","page":665},{"text":"حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: عيسى، ولم يمتْ بعدُ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرانُ بن عُبينةَ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ، قال: لا يَبْقَى أحدٌ منهم عندَ نزولِ عيسى إلا آمن به (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ، قال: قبلَ موتِ عيسى.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: إذا نزَل عيسى ابنُ مريمَ، فقتَل الدجَّالَ، لم يَبْقَ يهوديٌّ فى الأرضِ إلا آمن به. قال: فذلك حينَ لا ينفَعُهم الإيمانُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. يعنى: أنه سيُدرِكُ أناسٌ من أهلِ الكتابِ حينَ يُبْعَثُ عيسي، سيؤمنون (^٣) به، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورِ ابنِ زاذانَ، عن الحسنِ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١١٣ (٦٢٥٣) من طريق حصين به.\n(^٢) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٢/ ٢٤١ إلى المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٤٠٤.\n(^٣) في الأصل: \"مؤمنون\"، وفى م: \"فيؤمنون\".\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٤١ إلى المصنف.","vol":"7","page":666},{"text":"بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (^١). أظنُّه أنا (^٢) قال: إذا خرَج عيسى آمنت به اليهودُ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: وإن من أهلِ الكتابِ إلا (^٣) ليُؤمننَّ بعيسى قبلَ موتِ الكتابيِّ. يُوجِّهُ (^٤) ذلك إلى أنه إذا عاين علِمَ الحقَّ من الباطلِ؛ لأن كلَّ مَن نزَل به الموتُ لم تخرُجْ نفسُه حتى يتبيَّنَ له الحقُّ من الباطلِ في دينِه.\n[ذكرُ من قال ذلك] (^٥)\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: لا يموتُ يهوديٌّ حتى يؤمنَ بعيسى.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال (^٦): ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: لا تخرُجُ نفسُه حتى يؤمنَ بعيسى، وإن غرِق أو تردَّى من حائطٍ، أو (^٧) أيُّ مِيتةٍ كانت (^٨).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: كلُّ صاحبِ كتابٍ\n_________\n(^١) بعده في م: \"قال أبو جعفر\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"إنما\".\n(^٣) بعده في ص، ت ٢: \"من\".\n(^٤) فى الأصل: \"ذكر من قال\"، وفى م: \"ذكر من كان يوجه\".\n(^٥) زيادة لازمة، كنهج المصنف فيما مضى.\n(^٦) فى م: \"وابن حميد قالا\".\n(^٧) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٨) تفسير مجاهد ص ٢٩٦ إلى قوله: أو تردى.","vol":"7","page":667},{"text":"ليُؤمننَّ ﴿بِهِ﴾: بعيسى، ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾: موتِ (^١) صاحبِ الكتابِ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾: كلُّ صاحبِ كتابٍ يُؤْمِنُ بعيسى، ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. موتِ صاحبِ الكتابِ. قال ابنُ عباسٍ: لو ضُرِبت عنقُه، لم تخرُجْ لم تخرُجْ نفسُه حتى يؤمِنَ بعيسى.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا يموتُ اليهوديُّ حتى يشهَدَ أن عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه، ولو عُجِّل عليه بالسلاحِ (^٣).\nحدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن حَبيبِ بنِ الشهيدِ، قال: ثنا عتَّابُ بنُ بشيرٍ، عن خُصَيفٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: هى فى قراءةِ أُبيٍّ: (قبلَ موتِهم) (^٤): ليس يهوديٌّ يموتُ أبدًا حتى يؤمنَ بعيسى. قيل لابنِ عباسٍ: أرأيتَ إن خرَّ من فوقِ بيتٍ؟ قال: يتكلَّمُ به في الهُوِيِّ (^٥). فقيل: أرأيت إن ضُرِبت عنقُ أحدٍ منهم؟ قال: يُلجْلِجُ (^٦) بها لسانُه (^٧).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيفٍ،\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"صاحب\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٩٦.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٤١ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) ينظر البحر المحيط ٣/ ٣٩٣ وهي قراءة شاذة.\n(^٥) في الأصل: \"الهواء\". والهوى مصدر بمعنى السقوط. اللسان (هـ وى).\n(^٦) فى م: \"يتلجلج\" واللجلجة والتلجلج تردد اللسان. التاج (لجلج).\n(^٧) أخرجه سعيد بن منصور في سننه ٤/ ١٤٢٧ (٧٠٩ - تفسير) من طريق عتاب بن بشير به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٤١ إلى الطيالسي وابن المنذر.","vol":"7","page":668},{"text":"عن عكرمةَ (^١)، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: لا يموتُ يهوديٌّ حتى يؤمنَ بعيسى ابنِ مريمَ. [قال: وإن ضُرِب بالسيفِ تكلَّم به. قال: وإِنْ هوَى تكلَّم] (^٢) به وهو يَهوِى (^٣).\n[حدَّثنا ابنُ المثنى] (^٤)، قال: ثنى محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي هارونَ الغَنَويِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: لو أن يهوديًّا وقَع من فوقِ هذا البيتِ لم يمتْ حتى يؤمنَ به. يعني بعيسى (^٥).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن مولًى لقريشٍ (^٦)، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ: لو وقَع يهوديٌّ من فوقِ القَصْرِ، لم يبلُغْ إلى الأرضِ حتى يؤمنَ بعيسى.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ الرُّمَّاتيِّ، عن مجاهدٍ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: وإن وقَع من فوقِ البيتِ، لا يموتُ حتى يؤمنَ به (^٧).\n_________\n(^١) بعده في م: \"عن جبير\".\n(^٢) في م: \"قيل: وإن ضرب بالسيف؟ قال: يتكلم به. قيل: وإنْ هوى؟ قال: \"يتكلم\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٣٤١ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) فى ص، ت ١: \"وحدَّثني المثنى\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١١٣ (٦٢٥٠) من طريق شعبة به، وعزاه ابن كثير في تفسيره ٢/ ٤٠٥ إلى أبي داود الطيالسي. وقال -بعد أن ساق الأثرين السابقين-: فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس.\n(^٦) في الأصل: \"العرس\".\n(^٧) تفسير سفيان ص ٩٨ (٢٣٠) وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (مخطوط) ١٤/ ١٠١ من طرق عن سفيان به.","vol":"7","page":669},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرِو بنِ أبي قَيْسٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: لا يموتُ رجلٌ من أهلِ الكتابِ حتى يؤمنَ به، وإن غرِق أو تردَّى أو مات بشيءٍ (^١).\nحدَّثني يعقوب بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: لا تخرُجُ نفسُه حتى يؤمِنَ به (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حُصَيفٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: لا يموتُ أحدُهم حتى يؤمنَ به -يعني بعيسى- وإن خرَّ مِن فوقِ بيتٍ، يُؤمِنُ به وهو يَهْوِى.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: ليس أحدٌ من اليهودِ يخرُجُ من الدنيا حتى يؤمنَ بعيسى.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن فُراتٍ القزَّازِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: لا يموتُ أحدٌ منهم حتى يُؤمنَ بعيسى. [يعنى اليهودَ والنصارى (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن فُراتٍ القزّازِ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: لا يموتُ أحدٌ منهم حتى يؤمنَ بعيسى] (^٤) قبلَ أن يموتَ (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ٢٩٦.\n(^٢) في الأصل: \"حدثنا ابن وكيع قال: لا تخرج نفسه حتى يؤمن به\".\n(^٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٤/ ١٠١ من طريق إسرائيل به.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، س.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٧.","vol":"7","page":670},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ عطيةَ، عن محمدِ ابنِ سيرينَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: موت الرجلِ من أهلِ الكتابِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ: ليس من يهوديٍّ (^١) يموتُ حتى يؤمنَ بعيسى ابن مريمَ. فقال له رجلٌ من أصحابِه: كيف والرجلُ يغرَقُ، أو يحترقُ، أو يسقطُ عليه الجدارُ، أو يأكلُه السَّبُعُ؟ فقال: لا تخرُجُ روحُه من جسدِه حتى يُقْذَفَ فيه الإيمانُ بعيسى.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفَرَجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: فلا يموتُ أحدٌ من اليهودِ حتى يشهَدَ أن عيسى رسولُ اللهِ.\nحدَّثني المثنى (^٢)، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يَعْلَى، عن جُويبرٍ في قولِه: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: [في قراءةِ] (^٣) أُبيٍّ: (قبلَ موتِهم).\nوقال آخرون: معنى ذلك: وإنْ من أهلِ الكتابِ إلا ليؤمنَنَّ بمحمدٍ ﷺ قبلَ موتِ الكتابيِّ.\n_________\n(^١) بعده في م: \"ولا نصراني\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ابن المثنى\".\n(^٣) في الأصل: \"قرأه\".","vol":"7","page":671},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن حُميدٍ، قال: قال عكرمةُ: لا يموتُ النصرانيُّ واليهوديُّ حتى يؤمنَ بمحمدٍ ﷺ. يعني في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.\nوأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ (^١) قولُ من قال: تأويلُ ذلك: وإنْ من أهل الكتابِ إلَّا ليؤمنَنَّ بعيسى قبلَ موتِ عيسى.\nوإنما قلنا: ذلك أَوْلَى بالصوابِ من غيرِه من الأقوالِ؛ لأنَّ الله ﷿ حكَم لكلٍّ مؤمنٍ بمحمدٍ ﷺ بحكمِ أهلِ الإيمانِ في الموارثةِ، والصلاةِ عليه، والحاقِ صغارِ أولادِه بحُكْمِه في الملةِ، فلو كان كلُّ كتابيٍّ يُؤْمِنُ بعيسى [قبلَ موتِه] (^٢)، لوجب أن لا يرِثَ (^٣) الكتابيَّ إذا مات على ملتِه إلا أولادُه الصغارُ، أو (^٤) البالغون منهم من أهلِ الإسلامِ، إن (^٥) كان له ولدٌ صغيرٌ، أو بالغٌ مسلمٌ، وإن لم يكنْ له ولدٌ صغيرٌ، ولا بالغٌ مسلمٌ، [أن يكونَ] (^٦) ميراثُه منصرِفًا (^٧) حيثُ [يَنصرِفُ] (^٨) إليه مالُ المسلمِ يموتُ ولا وارثَ له، [وأن يكونَ] (^٩) حكمه حكمَ المسلمين في الصلاةِ عليه\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بالصحة والصواب\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في الأصل: \"يموت\".\n(^٤) في الأصل: \"و\".\n(^٥) في الأصل: \"وإن\".\n(^٦) في الأصل: \"أيكون\"، وفى م: \"كان\".\n(^٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مصروفًا\".\n(^٨) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يصرف\".\n(^٩) في الأصل: \"فإن يكن\".","vol":"7","page":672},{"text":"وغسلِه وتقبيرِه؛ لأنّ مَن مات مؤمنًا بعيسى، فقد مات مؤمنًا بمحمدٍ [وبجميعِ الرسلِ] (^١)، وذلك أن عيسى صلواتُ اللهِ عليه جاء بتصديقِ محمدٍ وجميعِ المرسلين صلى اللهُ عليهم، فالمصدِّقُ فالمصدِّقُ بعيسى والمؤمنُ به مصدِّقٌ وبجميعِ أنبياءِ اللهِ ورسلِه، [كما أن المؤمنَ] (^٢) بمحمدٍ مؤمنٌ بعيسى وبجميعِ أنبياءِ اللهِ ورسلِه، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ مؤمنًا بعيسى من كان بمحمدٍ مكذِّبًا.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن معنى إيمانِ اليهوديِّ بعيسى (^٣) الذي ذكَره اللهُ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. إنما هو إقرارُه بأنه للهِ نبيٌّ مبعوثٌ، دونَ تصديقِه بجميعِ ما أتَى به من عندِ اللهِ. فقد ظنَّ خطأً، وذلك أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ منسوبًا إلى الإقرارِ بنبوةِ نبيٍّ، من كان له مكذِّبًا في بعضِ ما جاء به من وحي اللهِ وتنزيلِه، بل غيرُ جائزٍ أن يكونَ منسوبًا إلى الإقرارِ بنبوةِ أحدٍ من أنبياءِ اللهِ؛ لأن الأنبياءَ جاءت الأممَ بتصديقِ جميعِ أنبياءِ اللهِ ورسلِه، فالمكذِّبُ بعضَ أنبياءِ اللهِ [في بعضِ ما] (^٤) أَتَى به أمتَه من عندِ اللهِ، مكذِّبٌ جميعَ أنبياءِ اللهِ فيما دَعَوْا إليه من دينِ اللهِ (^٥) عبادَ اللهِ. وإذ كان ذلك كذلك، و[كان] (^٦) الجميعُ من أهلِ الإسلامِ مُجمعين (٥) على أن كلَّ كتابيٍّ مات قبلَ إقرارِه بمحمدٍ صلواتُ اللهِ عليه وما جاء به من عند الله، فمحكوم له بحكم الملة التى كان عليها أيام حياته، غير منقول شيءٌ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في الأصل: \"فالمؤمن، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كما المؤمن\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فيما\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) في م: \"كان في إجماع\".","vol":"7","page":673},{"text":"من أحكامِه فى نفسِه ومالِه وولدِه صغارِهم وكبارِهم، بموتِه عما كان عليه في حياتِه - أدلّ الدليلِ على أن معنى قولِ اللهِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. إنما معناه: إلا ليؤمنَنَّ بعيسى قبلَ موتِ عيسى. [وأن ذلك] (^١) في خاصٍّ من أهلِ الكتابِ، ومعنيٌّ به أهلُ زمانٍ منهم دونَ أهلِ كلِّ الأزمنةِ التي كانت بعدَ عيسى، وأن ذلك كائنٌ عندَ نزولِه.\nكالذى حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ آدمَ، عن أبي هريرةَ، أن النبيَّ ﷺ، قال: \"الأنبياءُ إخوةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهم شَتَّى ودينُهم واحدٌ، وإنِّى أَوْلَى الناسِ بعيسى ابنِ مريمَ؛ لأنَّه لم يكنْ بينى وبينَه نبيٌّ، وإنه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعْرِفُوه، فإنه رجلٌ مَرْبوعُ الخَلْقِ، إلى الحُمْرةِ والبياضِ، سَبْطُ الشَّعَرِ، كأنّ رأسَه يقطُرُ وإن لم يُصِبْهُ بِلَلٌ، بينَ مُمَصَّرَتَيْن (^٢)، فيدُقُّ الصليب، ويقتُلُ الخِنْزيرَ، ويضعُ الجزيةَ، ويَفِيضُ (^٣) المالُ، ويقاتلُ الناسَ على الإسلامِ حتى يُهلِكَ اللهُ فى زَمانِه المِلَلَ كلَّها غيرَ الإسلامِ، ويُهلِكَ اللهُ في زمانِه مسيحَ الضلالةِ الكذَّابَ الدجَّالَ، وتقَعُ الأَمَنةُ في الأرضِ في زمانِه، حتى ترتَعَ الأُسُودُ معَ الإبلِ، والنمورُ مع البَقَرِ، والذئابُ مع الغنمِ، وتلعَبُ الغِلمانُ والصِّبيانُ بالحيَّاتِ، لا يضُرُّ بعضُهم بعضًا، ثم يَلْبَثُ فى الأرضِ ما شاء اللهُ -وربما قال: أربعين سنةً- ثم يُتَوفَّى، ويُصلِّى عليه المسلمون ويَدْفِنونه\" (^٤).\nوأما الذي قال (^٥): عنَى بقولِه: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾: ليؤمِنَنَّ\n_________\n(^١) في الأصل: \"وذلك أن\".\n(^٢) في الأصل: \"مصرتين\". والممصرة من الثياب: التي فيها صفرة خفيفة. النهاية ٤/ ٣٣٦.\n(^٣) في الأصل: \"يقبل\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقبض\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ٥/ ٤٥٢.\n(^٥) بعده في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من قال\".","vol":"7","page":674},{"text":"بمحمدٍ ﷺ قبلَ موتِ الكتابيِّ. فما (^١) لا وجهَ له مفهومٌ؛ لأنه مع فسادِه من الوجهِ الذى دلَّلنا على فسادِ قولِ من قال: عنى به: ليؤمنَنَّ بعيسى قبل موتِ الكتابيِّ. يَزيدُه (^٢) فسادًا أنه لم يَجْرِ لمحمدٍ ﷺ في الآياتِ التي قبلَ ذلك ذكرٌ، فيجوزَ (^٣) صرفُ الهاءِ التى فى قولِه: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾. إلى أنها من ذكرِه، وإنما قولُه: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾. في سياقِ ذكرِ عيسى وأمِّه واليهودِ، فغيرُ جائزٍ صرفُ الكلامِ عما هو في سياقِه إلى غيرِه، إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها، من دلالةِ ظاهرِ التنزيلِ، أو خبرٍ عن الرسولِ تقومُ به حجَّةٌ. فأما الدعاوَى فلا تتعذَّرُ على أحدٍ.\nفتأويلُ الآيةِ إذ كان الأمرُ على ما وصَفتُ (^٤): وما من أهلِ الكتابِ إِلَّا مَن (^٥) ليؤمنَنَّ (^٦) بعيسى قبلَ موت عيسى. وحُذِف \"مَنْ\" بعدَ \"إِلَّا\" لدلالةِ الكلامِ عليه، فاسْتُغْنى بدلالتِه عن (^٧) إظهارِه، كسائرِ ما قد تقدَّم من أمثالِه التي قد أتينا على البيانِ عنها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2319>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرِ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ويومَ القيامةِ يكونُ عيسى على أهلِ الكتابِ ﴿شَهِيدًا﴾. يعنى: شاهدًا عليهم بتكذيبِ مَن\n_________\n(^١) فى م: \"فمما\"، وفي ت ٢: \"مما\".\n(^٢) في الأصل: \"يزيد\".\n(^٣) في الأصل \"يجوز\".\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وصفنا\".\n(^٥) زيادة من: م.\n(^٦) بعده في الأصل: \"به\".\n(^٧) في الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من\".","vol":"7","page":675},{"text":"كذَّبه منهم، وتصديقٍ مَن صدَّقه منهم، فيما أتاهم به من عندِ اللهِ، وبإبلاغِه رسالةَ ربِّه.\nكالذي حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾: أنْ قد أبْلَغهم ما أُرسِل به إليهم.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾. يقولُ: يكونُ عليهم شهيدًا يومَ القيامةِ، على أنه قد بلَّغ رسالةَ ربِّه، وأقرَّ بالعبوديةِ على نفسِه (^١).\n\n<span id=\"aya-653\"></span><span data-type='title' id=toc-2320>القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فحرَّمنا على اليهود الذين نقَضوا ميثاقَهم الذى واثقوا ربَّهم، وكفَروا بآياتِ اللهِ، وقتَلوا أنبياءَه (^٢)، وقالوا البهتانَ على مريمَ، وفعَلوا ما وصفَهم اللهُ به في كتابِه -طيباتٍ من المآكلِ وغيرِها كانت لهم حلالًا؛ عقوبةً لهم بظلمِهم الذي أَخْبَر اللهُ عنهم في كتابِه.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية: عُوقب القومُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١١٤ (٦٢٥٨) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٤١ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أنبياءهم\".","vol":"7","page":676},{"text":"بظلمٍ ظلَموه، وبَغْيٍ بَغَوْه، حُرِّمت عليهم أشياءُ ببغيِهم وبظلمِهم (^١).\nوقولُه: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. يعنى: وبصدِّهم عبادَ اللهِ عن دينِه وسبيلِه (^٢) التي شرعَها (^٣) لعبادِه صدًّا كثيرًا.\nوكان صدُّهم عن سبيلِ اللهِ بقولِهم على اللهِ الباطلَ، وادِّعائِهم أن ذلك عن اللهِ، وتبديلهم كتابَ اللهِ، وتحريفِ معانيه عن وجُوهِه. وكان من عظيمِ ذلك جحودُهم نبوةَ نبيِّنا محمدٍ ﷺ، وتركُهم بيانَ ما قد علِموا من أمرِه لمن جهِل أمرَه من الناسِ. وبنحوِ ذلك كان مجاهدٌ يقولُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. قال: أنفسَهم وغيرَهم عن الحقِّ (^٤).\n\n<span id=\"aya-654\"></span>وقولُه: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾. وهو أخذُهم ما أَفْضَلوا على رءوسِ أموالِهم؛ لفضلِ تأخيرٍ في الأجَلِ بعدَ مَحِلِّها.\nوقد بيَّنتُ معنى الرِّبا فيما مضى قبلُ، بما أغنى عن إعادتِه (^٥).\n﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾. يعنى: عن أخذِ الرِّبا.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٤١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"سبله\".\n(^٣) فى م: \"شرحها\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٩٦.\n(^٥) ينظر ما تقدم في ٥/ ٣٧، ٣٨.","vol":"7","page":677},{"text":"وقولُه: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾. يعنى: ما كانوا يأخُذون من الرِّشَا على الحُكْمِ، كما وصَفهم اللهُ به في قولِه: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٢]. وكان من أكلِهم أموالَ الناسِ بالباطلِ ما كانوا يأخُذون من أثمانِ الكتبِ التي كانوا يكتُبونها بأيديهم، ثم يقولون: هذا من عندِ اللهِ. وما أَشْبَهَ ذلك من المآكلِ الخسيسةِ (^١) الخبيثةِ. فعاقبَهم اللهُ على جميعِ ذلك بتحريمِه ما حرَّم عليهم من الطيباتِ التي كانت لهم حلالًا قبلَ ذلك. وإنما وصَفهم اللهُ بأنهم أكَلوا ما أكَلوا من أموالِ الناسِ كذلك بالباطلِ؛ لأنهم (^٢) أكَلوه بغيرِ استحقاقٍ، وأخَذوا أموالَهم منهم بغيرِ استيجابٍ (^٣).\nوقولُه جل ثناؤُه: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يعنى: وجَعَلنا للكافرين باللهِ ورسولِه محمدٍ ﷺ من هؤلاء اليهود العذابَ الأليمَ، وهو المُوجِعُ من عذابِ جهنمَ، عُدَّةً (^٤) يصلَوْنها في الآخرةِ، إذا ورَدوا على ربِّهم، فيعاقبُهم بها.\n\n<span id=\"aya-655\"></span><span data-type='title' id=toc-2321>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: وهذا من اللهِ جلَّ ثناؤُه استثناءٌ، اسْتَثنى من أهلِ الكتابِ من اليهودِ الذين وصَف صفتَهم في هذه الآياتِ التي مضَت من قولِه: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في م: \"بأنهم\".\n(^٣) في الأصل: \"استحباب\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عنده\".","vol":"7","page":678},{"text":"ثم قال جلَّ ثناؤُه لعبادِه مبيِّنًا لهم حكمَ مَن قد هداه لدينِه منهم منهم، ووفَّقه لرشدِه: ما كُلُّ أهلِ الكتابِ صفتُهم الصفةُ التى وَصفتُ لكم، ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾. وهم الذين قد رسَخوا فى العلمِ بأحكامِ اللهِ التي جاءت بها أنبياؤُه، وأَتْقَنوا (^١) ذلك، وعرَفوا حقيقتَه.\nوقد بيَّنا معنى الرسوخِ فى العلمِ بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\n﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ يعنى: والمؤمنون باللهِ ورسلِه منهم (^٣)، يؤمِنون بالقرآنِ الذى أَنْزَل اللهُ إليك يا محمدُ، وبالكتبِ التى أَنْزَلها على مَن قبلَك من الأنبياءِ والرسلِ، ولا يسألُونك [ما سأَلك] (^٤) هؤلاء الجَهَلَةُ منهم، أن تُنزِّلَ عليهم كتابًا من السماءِ؛ لأنهم قد علِموا بما قرَءوا من كتبِ اللهِ، وأتتْهم به أنبياؤُهم، [أنك للهِ] (^٥) رسولٌ، واجبٌ عليهم اتباعُك، لا يَسعُهم غيرُ ذلك، فلا حاجةَ بهم إلى أن يسألُوك آيةً معجِزةً ولا دلالةً، غيَر الذى قد علِموه من أمرِك بالعلمِ الراسخِ في قلوبِهم، من إخبارِ أنبيائِهم إيَّاهم بذلك، وبما أعطيتُك من الأدلةِ على نبوّتِك، فهم لذلك من علمِهم ورسوخِهم فيه يُؤْمنون [بك و] (^٦) بما أُنزِل إليك من الكتابِ، وبما أُنزل من قبلِك من سائرِ الكتبِ.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: اسْتَثنى اللهُ ثَنِيَّةً (^٧) من أهلِ الكتابِ، وكان منهم من يؤمِنُ باللَّهِ وما أُنْزِل\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"وأيقنوا\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٥/ ٢٢٣ - ٢٢٥.\n(^٣) فى م: \"وهم\".\n(^٤) في ص: \"كما سألك\" وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كما سأل\".\n(^٥) في الأصل: \"أنه\".\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) غير منقوطة في الأصل، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منهم نبيه\"، وفى س: \"منهم بقية\"، =","vol":"7","page":679},{"text":"عليهم، وما أُنزِل على نبيٍ اللهِ، يؤمنون به، ويصدِّقون به، ويعلَمون أنه الحقُّ من ربَّهم (^١).\nثم اختلَفوا فى المقيمين الصلاةَ، أهم الراسخون في العلمِ أم (^٢) غيرهم؟ فقال بعضُهم: هم هم، ثم اخْتَلف قائلو ذلك في سببِ مخالفةِ إعرابِهم إعرابَ الراسخين في العلمِ، وهما من صفةِ نوعٍ من الناسِ؛ فقال بعضُهم: ذلك غَلَطٌ من الكاتبِ، وإنما هو: لكنِ الراسخون في العلمِ منهم والمقيمون الصلاةَ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمَةَ، عن الزُّبيرِ، قال: قلت لأبانِ بنِ عثمانَ: بنِ عفانَ ما شأنها كُتِبت: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾. قال: إن الكاتبَ لما كتَب: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾. حتى إذا بلَغ، قال: ما أكتبُ؟ قيل له: اكتبْ: والمقيمن الصلاةَ. فكتَب ما قيل له (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ (^٤)، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، أنه سأل عائشةَ عن قولِه: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾. وعن قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]. وعن قولِه: هذن ﴿إِنْ هَذَانِ\n_________\n= والثنية: ما استثنى من الشئ. اللسان (ث ن ى).\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٤٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"هم\".\n(^٣) أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة ٣/ ١٠١٤، وابن أبى داود في المصاحف ص ٣٣ من طريق حماد بن سلمة به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٢/ ٢٤٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وينظر مجموع الفتاوى ١٥/ ٢٥٥.\n(^٤) في م: \"حميد\".","vol":"7","page":680},{"text":"لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣]. فقالت: يا بنَ أختى (^١)، هذا عملُ الكُتَّابِ (^٢) أَخْطئوا فى الكِتَابِ (^٣).\nوذُكِر أن ذلك في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (والمقيمون الصلاةَ) (^٤).\nوقال آخرون -وهو قولُ بعضِ (^٥) بعض نحويِّى الكوفةِ والبصرةِ-: والمقيمون من صفةِ الراسخين في العلمِ. ولكنّ الكلامَ لما تطاوَل، واعْتَرَض بينَ الراسخين في العلمِ والمقيمين الصلاةَ ما اعْتَرَض من الكلامِ، فطال، نصَب المقيمين الصلاةَ على وجهِ المدحِ. قالوا: والعربُ تفعَلُ ذلك فى صفةِ الشيءِ الواحدِ ونعتِه، إذا تطاولت بمدحٍ أو ذمٍّ، خالفوا بينَ إعرابِ أوَّلِه وأوسطِه أحيانًا، ثم رجَعوا بآخرِه إلى إعرابِ أوَّلِه، وربما أَجْرَوا إعرابَ آخرِه على إعرابِ أوسطِه، وربما أَجْرَوا ذلك على نوعٍ واحدٍ من الإعرابِ. واسْتَشْهَدوا لقولِهم ذلك بالأبياتِ (^٦) التي قد ذكرتُها فى\n_________\n(^١) فى ص، ت ٢، س، ومعانى القرآن للفراء: \"أخى\".\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"الكاتب\".\n(^٣) أخرجه الفراء في معانى القرآن ١/ ١٠٦،، وأبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٦٠، ١٦١، وسعيد بن منصور في سننه (٧٦٩ - تفسير)، وابن أبي داود في المصاحف ص ٣٤ من طريق أبي معاوية به. وأخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة ٣/ ١٠١٣، ١٠١٤ من طريق هشام به. وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٢/ ٢٤٦ إل ابن أبي شيبة وابن المنذر. وقال ابن هشام في شذور الذهب ص ٥٠، ٥١: وهذا خبر باطل لا يصح من وجوه؛ أحدها: أن الصحابة ﵃ كانوا يتسارعون إلى إنكار المنكرات، فكيف يُقرون اللحن في القرآن؟!، والثاني: أن العرب كانت تستقبح اللحن غاية الاستقباح في الكلام فكيف في القرآن؟! ثم قال، نقلا عن المهدونى فى شرح الهداية: … ولم يوجد في القرآن العظيم حرف واحد إلا وله وجه صحيح في العربية، وقد قال الله تعالى (لا يأتيه الباطل من بين يديه …) والقرآن محفوظ من اللحن والزيادة والنقص. وينظر تفسير البغوى ٢/ ٣١٠، وتفسير القرطبي ١٤/ ٦، ١٥، والفتاوى ١٥/ ٢٤٨ وما بعدها، والإتقان ١/ ١٨٣.\n(^٤) ينظر معانى القرآن للفراء ١/ ١٠٦.\n(^٥) سقط من: الأصل.\n(^٦) في الأصل، م، ت ٢، س: \"بالآيات\".","vol":"7","page":681},{"text":"قولِه: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ (^١) [البقرة: ١٧٧].\nوقال آخرون: بل المقيمون الصلاةَ من صفةِ غيرِ الراسخين فى العلمِ فى هذا الموضعِ، وإن كان الراسخون فى العلمِ من المقيمين الصلاةَ.\nوقال قائلو هذه المقالةِ جميعًا: موضعُ المقيمين فى الإعرابِ خفضٌ؛ فقال بعضُهم: موضعُه خفضٌ على العطفِ على \"ما\" التي فى قولِه: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: ويؤمنون بالمقيمين الصلاةَ.\nثم اخْتَلَف متأوِّلو ذلك (^٢) هذا التأويلَ فى معنى الكلامِ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: والمؤمنون يؤمنون بما أُنزِل إليك وما أُنْزِل من قبلِك وبإقامِ الصلاةِ، قالوا: ثم ارْتَفع قولُه: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. عطفًا على ما فى ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ من ذكرِ المؤمنين. كأنه قيل: والمؤمنون يؤمنون بما أُنْزِل إليك هم (^٣) والمؤتون الزكاةَ.\nوقال آخرون: بل المقيمون الصلاةَ الملائكةُ. قالوا: وإقامتُهم الصلاةَ تسبيحُهم ربَّهم، واستغفارُهم لمن فى الأرضِ. قالوا: ومعنى الكلامِ: والمؤمنون يؤمنون بما أُنْزِل إليك وما أُنْزِل من قبلِك وبالملائكةِ.\nوقال آخرون منهم: بل معنى ذلك: والمؤمنون يؤمنون بما أُنْزِلَ إليك وما أُنْزِل من قبلك، ويؤمنون بالمقيمين الصلاةَ، هم والمؤتون الزكاةَ. كما قال جلَّ ثناؤُه: ؤمن ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١]. وأَنْكَر قائلو هذه المقالةِ أن يكونَ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم فى ٣/ ٨٩، ٩٠.\n(^٢) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فى\".\n(^٣) زيادة من: م.","vol":"7","page":682},{"text":"﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ منصوبًا على المدح. وقالوا: إنما تنصِبُ العربُ على المدح [من نعتِ] (^١) مَن ذكَرتْه بعدَ تمامِ خبرِه. قالوا: وخبرُ الراسخين في العلمِ قولُه: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قالوا: فغيرُ جائزٍ نصبُ ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ على المدحِ وهم (^٢) في وسَطِ الكلامِ، ولمّا يَتِمَّ خبرُ الابتداءِ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: لكن الراسخون في العلمِ منهم ومن المقيمين الصلاةَ. وقالوا: موضع ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ خفضٌ.\nوقال آخرون: معناه: والمؤمنون يؤمنون بما أُنْزِل إليك وإلى المقيمين الصلاةَ.\nوهذا الوجهُ و(^٣) الذى قبلَه متكرَّةٌ (^٤) عندَ العربِ، ولا تكادُ العربُ تعطِفُ بظاهرٍ (^٥) على مكنىٍّ في حالِ الخفضِ، وإن كان ذلك قد جاء في بعضِ أشعارِها.\nوأولى الأقوالِ عندى بالصوابِ أن يكونَ ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ في موضعِ خفضٍ، نَسَفًا على ﴿وَمَا﴾ التى فى قولِه (^٦): ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. وأن يُوجَّهَ معنى المقيمين الصلاةَ إلى الملائكةِ. فيكون تأويلُ الكلامِ: والمؤمنون منهم يؤمنون بما أُنزِل إليك يا محمدُ من الكتابِ، وبما أُنْزِل مِن قبلِك من كُتُبِي، وبالملائكةِ الذين يقيمون الصلاةَ. ثم يرجِعُ إلى صفةِ الراسخين في العلمِ فيقولُ: لكنِ الراسخون في العلمِ منهم والمؤمنون بالكتبِ والمؤتون الزكاةَ والمؤمنون باللهِ واليومِ الآخرِ.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هو\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"منكر\".\n(^٥) فى م: \"لظاهر\".\n(^٦) بعده فى م: \"بما أنزل إليك\".","vol":"7","page":683},{"text":"وإنما اخْتَرنا هذا القولَ على غيرِه؛ لأنه قد ذُكِر أن ذلك فى قراءةِ أُبىِّ بنِ كعبٍ: (والمقيمين) (^١). وكذلك هو في مصحفِه [فيما ذكَروا] (^٢)، فلو كان ذلك خطأً من الكاتبِ لكان الواجبُ أن يكونَ فى كل المصاحفِ غيرِ مصحفِنا الذى كتبَه لنا الكاتبُ الذى أَخْطَأ في كتابتِه (^٣)، بخلافِ ما هو في مصحفِنا، وفي اتفاقِ مصحفِنا ومصحفِ أُبىٍّ فى ذلك، ما يدلُّ على أن الذى في مصحفِنا من ذلك صوابٌ غيرُ خطأٌ. مع أن ذلك لو كان خطأً مَن جهةِ الخطِّ، لم يكنِ الذين أُخِذ عنهم القرآنُ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يعلِّمون مَن علَّموا ذلك من المسلمين على وجهِ اللحنِ، ولأصلَحُوه بألسنَتِهم، ولقَّنوه الأُمَّةَ تعليمًا على وجهِ الصوابِ. وفى نقلِ المسلمين جميعًا ذلك قراءةً على ما هو به في الخطِّ مرسومًا، أدلُّ الدليلِ على صحةِ ذلك وصوابِه، وأن لا صُنْعَ في ذلك للكاتبِ.\nوأما مَن وجَّه ذلك إلى النصبِ على وجهِ المدحِ للراسخين في العلمِ، وإن كان ذلك قد يَحْتَمِلُ على بُعْدٍ من كلامِ العربِ؛ لما قد ذكرْتُ قبلُ من العلةِ، وهو أن العربَ لا تعدِلُ عن إعرابِ الاسمِ المنعوتِ بنعتٍ فى نعتِه إلا بعدَ تمامِ خبرِه، وكلامُ اللهِ أفصحُ الكلامِ، فغيرُ جائزٍ توجيهُه إلا (^٤) إلى الذي هو به من الفصاحةِ.\nوأما توجيهُ مَن وجَّه ذلك إلى العطفِ به على (^٥) الهاءِ والميم في قولِه: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾. أو إلى العطفِ على الكافِ من قولِه: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. أو إلى الكافِ من قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. فإنه أبعدُ من الفصاحةِ\n_________\n(^١) ينظر معاني القرآن ١/ ١٠٦.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في ص، م، ت، ت ٢، ت ٣، س: \"كتابه\".\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) في الأصل: \"إلى\".","vol":"7","page":684},{"text":"من نصبِه على المدح؛ لما قد ذكَرتُ قبلُ من قُبْحِ ردِّ الظاهرِ على المكنىِّ في الخفضِ.\nوأما توجيهُ من وجَّةَ المقيمين إلى الإقامةِ، فإنه دَعْوَى لا برهانَ (^١) عليها من دلالةِ ظاهرِ التنزيلِ، ولا خبرٍ تثبُتُ حجَّتُه، وغيرُ جائزٍ نقلُ ظاهرِ التنزيلِ إلى باطنٍ بغيرِ برهانٍ.\nوأما قوله: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. فإنه معطوفٌ على قولِه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ﴾. وهو من صفتِهم، وتأويلُه: والذين يعطُون زكاةَ أموالِهم مَن جعَلها اللهُ له، وصرَفها إليه، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يعنى: والمصدِّقون بوحدانيةِ اللهِ وألوهتِه (^٢)، وبالبعثِ بعدَ المماتِ، والثوابِ والعقابِ، ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. يقولُ: هؤلاء الذين هذه صفتُهم ﴿سَنُؤْتِيهِمْ﴾. يقولُ: سَنُعطيهم ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾. يعنى: جزاءً على ما كان منهم من طاعةِ اللهِ، واتِّباعِ أمرِه، وثوابًا عظيمًا وذلك الجنةُ.\n\n<span id=\"aya-656\"></span><span data-type='title' id=toc-2322>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾: إنا أَرْسَلنا إليك يا محمدُ بالنبوَّةِ كما أَرْسَلَنا إلى نوحٍ وإلى سائرِ الأنبياءِ الذين سمَّيتُهم لك مِن بعدِه، والذين لم أُسمّهم لك.\nكما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن مُنْذِرٍ الثورىِّ، عن\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"له\".\n(^٢) فى م: \"ألوهيته\".","vol":"7","page":685},{"text":"الرَّبيع بن خُثَيم (^١) فى قولِه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. قال: أَوْحَى اللهُ إليه كما أَوْحَى إلى جميعِ النبيِّين مِن قبلِه (^٢).\nوذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ؛ لأن بعضَ اليهودِ لما فضَحهم اللهُ بالآياتِ التى أَنْزَلها على رسولِه ﷺ، وذلك من قولِه: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. فتلا ذلك عليهم رسولُ اللهِ ﷺ قالوا (^٣): ما أَنْزَل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ من بعدِ موسى. فأَنْزَل اللهُ هذه الآياتِ تكذيبًا لهم، وأَخْبَر نبيَّه والمؤمنين به أنه قد أَنْزَل عليه بعدَ موسى، وعلى من سمَّاهم فى هذه الآيةِ، وعلى آخرِين لم يسمِّهم.\nكما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، وحدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال سُكَينٌ [وعدىُّ بنُ زيدٍ] (^٤): يا محمدُ، ما نعلَمُ اللَّهَ أَنْزَل على بشرٍ من شيءٍ بعدَ موسى. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فى ذلك من قولِهما: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. إلى آخرِ الآياتِ (^٥).\n_________\n(^١) فى الأصل، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"خيثم\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٤٦ إلى المصنف.\n(^٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قال\".\n(^٤) فى الأصل \"وعدنى أبو زيد\" وفى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وعدى بن ثابت\" وفى تفسير ابن أبى حاتم ودلائل النبوة للبيهقى: \"وعدى بن يزيد\". والمثبت من سيرة ابن هشام والدر المنثور، وقد ذكره ابن هشام ضمن من ذكرهم من يهود بنى قينقاع هو وصاحبه سكين بن أبى سكين ٢/ ٥١٤.\n(^٥) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٦٢، وأخرجه البيهقى فى الدلائل ٢/ ٥٣٥ من طريق يونسُ بن بكير به. وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٤/ ١١١٨ (٦٢٧٨) من طريق سلمة عن ابن إسحاق من قوله، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ٢/ ٢٤٦ إلى ابن المنذر.","vol":"7","page":686},{"text":"وقال آخرون: بل قالوا لما أنزل اللهُ جل ثناؤُه الآياتِ التي قبلَ هذه فى ذكرِهم: ما أنزل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ، ولا على موسى، ولا على عيسى. فَأَنْزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^١) [الأنعام: ٩١].\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعشرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرْظىِّ، قال: أَنْزَل اللهُ: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾. فلما تلاها عليهم، يعنى على اليهودِ، وأَخْبَرهم بأعمالِهم الخبيثةِ، جحَدوا كلَّ ما أَنْزَلَ اللَّهُ، وقالوا: ما أنزل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ، ولا على موسى، ولا على عيسى، وما أنزل اللهُ على نبىٍّ من شيءٍ. قال: فحلَّ حُبْوتَه (^٢)، وقال: ولا على أحدٍ! فَأَنْزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٣).\nوأما قولُه: اوود ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. فإن القرَأةَ اخْتَلفت فى قراءتِه؛ فقرَأته عامةُ قرأَةِ أمصارِ الإسلامِ غيرَ نفرٍ من قرأَةِ الكوفِة: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. بفتحِ الزاىِ على التوحيدِ، بمعنى: وآتينا داودَ الكتابَ المسمَّى زبورًا.\nوقرأ ذلك بعضُ قرأَةِ الكوفيين: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. بضمِّ الزاىِ (^٤)، جمعُ\n_________\n(^١) بعده فى م: \"ولا على موسى ولا على عيسى\".\n(^٢) الحُبْوة: الاسم من الاحتباء، وهو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ويشده عليه، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب. اللسان (ح ب و).\n(^٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢/ ٤٢٢ عن المصنف. وبضم الزاى قرأ حمزة، وقرأ الباقون بفتح الزاى كالوجه الأول. حجة القراءات ص ٢١٩.\n(^٤) بعده فى الأصل: \"بمعنى\".","vol":"7","page":687},{"text":"زَبْرٍ. كأنهم وجَّهوا تأويلَه: وآتينا داودَ كتبًا وصحفًا مَزبورةً. من قولِهم: زَبَرْتُ الكتابَ أَزْبُرُه زَبُرًا، وزَبَرْتُه أَزْبِرُه زَبْرًا: إذا كتبتَه.\nوأَوْلَى القراءتين فى ذلك بالصوابِ عندَنا قراءةُ مَن قرأ: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. بفتح الزاىِ على أنه اسمُ الكتابِ الذى أُوتيَه داودُ، كما سُمِّى الكتابُ الذى أُوتيَه موسى التوراةَ، والذى أُوتيَه عيسى الإنجيلَ، والذي أُوتيَه محمدٌ الفرقانَ؛ لأن ذلك هو الاسمُ المعروفُ به ما أُوتىَ داودُ. إنما تقولُ العربُ: زَبورُ داودَ. بذلك يعرِفُ كتابَه سائرُ الأممِ.\n\n<span id=\"aya-657\"></span><span data-type='title' id=toc-2323>القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إنا أَوْحَينا إليك كما أوحينا إلى نوحٍ وإلى رسلٍ قد قصَصناهم عليك، ورسلٍ (^١) لم نقصُصْهم عليك.\nفلعل قائلًا أن يقولَ: فإذا كان ذلك معناه، فما بالُ قولِه: ﴿وَرُسُلًا﴾. منصوبًا غيرَ (^٢) مخفوضٍ؟ قيل: نُصِب ذلك إذ لم يَعُدْ عليه \"إلى\" التى خفَضت الأسماءَ قبلَه، وكانت الأسماءُ قبلَه (^٣) وإن كانت مخفوضةً، فإنها فى معنى النصبِ؛ لأن معنى الكلامِ: إنا أرسلناك رسولًا كما أرسلنا نوحًا والنبيِّين من بعدِه. فعُطِفت الرسلُ على معنى الأسماءِ قبلَها فى الإعرابِ؛ لانقطاعِها عنها دونَ\n_________\n(^١) فى الأصل، س: \"ورسلا\".\n(^٢) فى الأصل: \"على\".\n(^٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قبلها\".","vol":"7","page":688},{"text":"ألفاظِها، إذ لم يعُدْ (^١) عليها ما خفَضها، كما قال الشاعرُ (^٢):\nلو جِئْتَ بالخُبْزِ (^٣) له مُنَشَّرَا (^٤) … والبَيْضَ مَطْبُوحًا معا (^٥) والشكَّرَا\nلم يُرْضِهِ ذلك حتى يَسْكَرَا (^٦)\nوقد يَحتمِلُ أن يكونَ نصَب الرسلَ لتَعَلُّقِ الواوِ بالفعلِ، بمعنى: وقصَصنا رسلًا عليك من قبلُ. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١].\nوقد ذُكِر أن ذلك فى قراءةِ أُبَىٍّ: (ورسلٌ قد قصَصناهم عليك من قبلُ ورسلٌ لم نَقصُصْهم عليك) (^٧). فرفْعُ ذلك إذا قُرِئ كذلك بعائدِ الذِّكْرِ فى قولِه: ﴿قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ﴾.\nوأما قولُه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. فإنه يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وخاطَب اللهُ موسى بكلامِه خطابًا.\nوقد حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا نوحُ بنُ أبى مريمَ (^٨) وسُئل: كيف كلَّم اللهُ موسى تكليمًا؟ فقال: مشافهةً (^٩).\nوقد حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن ابنِ مبارَكٍ، عن معمرٍ ويونسَ،\n_________\n(^١) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يكن\".\n(^٢) الرجز فى التبيان ٣/ ٣٩٣.\n(^٣) فى ص، ت ١، س: \"لنا بالخير\".\n(^٤) فى الأصل، والتبيان: \"ميسرا\"، وفى ص، ت ١، س: \"مبشرا\".\n(^٥) فى الأصل: \"له\".\n(^٦) فى التبيان: \"يشكرا\".\n(^٧) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٢٩٥.\n(^٨) فى ص، ت ٢، س: \"هند\"، وفى ت ١: \"نوح\".\n(^٩) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١١٢٠ (٦٢٨٩) من طريق أبى تميلة.","vol":"7","page":689},{"text":"عن الزهرىِّ، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ، قال: أخبرنى جُزَىُّ (^١) بنُ جابرٍ الخَثْعَمىُّ، قال: سمِعتُ كعبًا يقولُ: إن اللهَ لما كلَّم موسى، كلّمه بالألسنةِ كلِّها قبلَ كلامِه -يعنى كلامَ موسى- فجعَل موسى يقولُ: يا ربِّ، لا أفهَمُ. حتى كلَّمه بلسانِه آخرَ الألسنةِ، فقال: يا ربِّ، هكذا كلامُك؟ قال: لا، ولو سمِعتَ كلامي -أى على وجهِهِ- لم تكُ (^٢) شيئًا (^٣).\nقال ابنُ وكيعٍ (^٤)، قال أبو أسامةَ: وزادني أبو بكرٍ الصَّغَانىُّ (^٥) فى هذا الحديثِ: أن موسى قال: يا ربِّ، هل فى خلقِك شيءٌ يُشْبِهُ كلامَك؟ قال: لا، وأقربُ خلقِى (^٦) شبهًا بكلامى، أشدُّ ما يسمَعُ الناسُ من الصواعقِ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عمرَ (^٧) بن حمزةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ (^٨)، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظىَّ يقولُ: سئِل موسى: ما شبَّهتَ كلامَ ربِّك مما خلَق؟ فقال موسى: الرعدُ الساكنُ (^٩).\n_________\n(^١) فى م: \"جزء\". وقد اختلف فى اسمه على الزهرى. ينظر التاريخ الكبير ٢/ ٢٥٦، والجرح ٢/ ٥٤٦، ٥٤٧.\n(^٢) فى الأصل: \"يك\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢٣٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١١٥ إلى ابن أبى حاتم والبيهقي فى الأسماء والصفات.\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كعب\".\n(^٥) أبو بكر الصغاني شيخ الطبرى، ولا شك أن أبا أسامة لم يرو عنه قط، فواضح أن القائل: وزادني أبو بكر الصغانى هو المصنف، فإما أن يكون سقط من الناسخ شيء، أو أن يكون المملى أراد أن ينتقل إلى الإسناد التالي فأملى صدر الإسناد ثم عاد لما فاته من تتمة كلام الطبرى، أفاده الشيخ محمود شاكر ﵀ فى تعليقه ٩/ ٤٠٥.\n(^٦) فى الأصل: \"خلقا\".\n(^٧) فى الأصل: \"عمرو\". وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٣١١.\n(^٨) فى ص: \"عمرو\".\n(^٩) كذا فى النسخ والدر المنثور، وقد تكون: \"الساكب\". من سكب الماء بمعنى صبه. ينظر التاج (س ك ب). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١١٥ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"7","page":690},{"text":"[حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ، أنه أخبره عن جزءِ (^١) بنِ جابرٍ الخَثْعَمىِّ، قال: لما كلَّم اللهُ موسى كلَّمه (^٢) بالألسنةِ كلِّها قبل لسانِه، فطفِق يقولُ: واللهِ يا ربِّ، ما أفقَهُ هذا. حتى كلَّمه بلسانِه آخرَ الألسنةِ، بمثلِ صوتِه، فقال موسى: يا ربِّ، هذا كلامُك؟ قال: [لا. قال: هل فى خلقِك شيءٌ يشبهُ كلامَك؟ قال] (^٣): لا، وأقربُ خلقى شبهًا بكلامى، أشدُّ ما يسمعُ الناسُ من الصواعقِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الرحيمِ البرْقىُّ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا زُهيرٌ، عن يحيى، عن الزُّهْرِيِّ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ، عن [جَزْءِ ابنِ] (^٣) جابرٍ، أنه سمِع كعبَ الأحبارِ يقولُ: لما كلَّم اللهُ موسى بالألسنةِ قبلَ لسانِه، طَفِق موسى يقولُ: أَىْ ربِّ، لا أفقهُ هذا. حتى كلَّمه اللهُ آخرَ الألسنةِ بمثلِ لسانِه، فقال موسى: أَىْ ربِّ، هذا كلامُك؟ قال اللهُ: لو كلَّمتُك بكلامى لم تكُ شيئًا. قال: يا ربِّ، فهل مِن خلقِك شيءٌ يشبهُ كلامَك؟ قال: لا، وأقربُ خَلْقى شبهًا بكلامي، أشدُّ ما يُسْمَعُ من الصواعقِ] (^٤).\nحدَّثنى أبو يونسَ المكىُّ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يزيدَ، قال: ثنا ابنُ أبى أُوَيسٍ، قال: أخبرنى أخى، عن سليمانَ، عن محمدِ بنِ أبى عَتيقٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن\n_________\n(^١) فى الأصل: \"جرير\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. وقد أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١١١٩ (٦٢٨٧) من طريق الزهرى به.","vol":"7","page":691},{"text":"أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامِ، أنه أخبره جزءُ (^١) بنُ جابرٍ الخَثْعَمِىُّ، أنه سمِع [كعبَ الأحبارِ يقولُ] (^٢): لما كلَّم اللهُ موسى كلَّمه (^٣) بالألسنةِ كلِّها قبلَ لسانهِ، فطَفِق موسى يقولُ: أَى ربِّ، واللهِ ما أفقهُ هذا. حتى كلَّمه آخرَ الألسنةِ بلسانهِ، بمثلِ صوتِه، فقال موسى: أى ربِّ، أهذا (^٤) كلامُك؟ قال: لو كلَّمتُك بكلامى لم تكُ شيئًا. قال: أَىْ ربِّ، هل من (^٥) خلقِك شيءٌ يشبِهُ كلامَك؟ قال: لا، وأقربُ خلقى شبهًا بكلامي، أشدُّ ما يُسْمَعُ من الصواعقِ (^٦).\n\n<span id=\"aya-658\"></span><span data-type='title' id=toc-2324>القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: إنا أَوْحينا إليك كما أوحينا إلى نوحٍ والنبيِّين من بعدِه. ومَن ذكَر من (^٧) الرسلِ، ﴿رُسُلًا﴾. فنصَب (^٨) الرسلَ على القطعِ من أسماءِ الأنبياءِ الذين ذكَر أسماءَهم، ﴿مُبَشِّرِينَ﴾. يقولُ: أرسلتُهم رسلًا إلى خلقى وعبادي، مبشرين بثوابى مَن أطاعنى، واتَّبع أمرى، وصدَّق رسلى، ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ عقابى مَن عصانى،\n_________\n(^١) فى الأصل: \"جرير\".\n(^٢) فى م: \"الأحبار تقول\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) فى م: \"أهكذا\".\n(^٥) فى م: \"فى\".\n(^٦) قال ابن كثير فى تفسيره ٢/ ٤٢٨: فهذا موقوف على كعب الأحبار، وهو يحكى عن الكتب المتقدمة المشتملة على أخبار بنى إسرائيل، وفيها الغث والسمين.\n(^٧) سقط من ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٨) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"به\".","vol":"7","page":692},{"text":"وخالف أمرى، وكذَّب رسلى، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. يقولُ: أرسلتُ رسلى إلى عبادِى مبشِّرين ومنذِرين؛ لئلا يحتجَّ من كفَر بى وعبَد الأندادَ مِن دونى، أو ضلَّ عن سبيلى، بأن يقولَ إن أردتُ عقابَه: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]. فقطع جل ثناؤُه حُجَّةَ كلِّ مبطلٍ أَلْحد فى توحيدِه، وخالَف أمرَه، بجميعِ (^١) معانى الحُججِ القاطعةِ عُذْرَه، إعذارًا منه بذلك إليهم؛ لتكونَ للهِ الحجةُ البالغةُ عليهم، وعلى جميعِ خلقِه.\nوبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾: فيقولوا: ما أرسلتَ إلينا رسولًا (^٢).\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾. يقولُ: ولم يزلِ اللَّهُ ذا عزةٍ فى انتقامِه ممَّن انتقَم مِن خلقِه على، كفرِه به، ومعصيتِه إيَّاه، بعدَ تثبيتِه حجتَه (^٣) عليه برسلِه وأدلتِه، ﴿حَكِيمًا﴾ فى تدبيرِه فيهم ما دبَّر.\n\n<span id=\"aya-659\"></span><span data-type='title' id=toc-2325>القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) فى الأصل: \"وجميع\".\n(^٢) فى م: \"رسلًا\".\n(^٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حجته\".","vol":"7","page":693},{"text":"قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن تكفُرْ -بالذى أوحينا إليك يا محمدُ- اليهودُ الذين سألوك أن تُنَزِّلَ عليهم كتابًا من السماءِ، وقالوا لك: ما أَنْزَل الله على بشرٍ من شيءٍ. فكذَّبوك، فقد كذَبوا، ما الأمرُ كما قالوا، لكن اللهُ يشهَدُ بتنزيلِه إليك [ما أنزَل] (^١) من كتابِه ووحيِه، أَنْزَل ذلك إليك بعلمٍ منه بأنك خِيرَتُه من خلقِه، وصفيُّه من عبادِه، ويشهَدُ لك بذلك ملائكتُه، فلا يحزُنْك تكذيبُ مَن كذَّبك، وخلافُ مَن خالفك، ﴿وَكَفَى (^٢) بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. يقولُ: وحَسْبُك باللهِ شاهدًا على صدقِك دونَ مَن (^٣) سواه من خلقِه، فإنه إذا شهِد لك بالصدقِ ربُّك، لم يضرَّك تكذيبُ مَن كذَّبك.\nوقد قيل: إنّ هذه الآيةَ نزلت فى قومٍ من اليهودِ دعاهم النبىُّ ﷺ إلى اتباعِه، وأخبَرهم أنهم يعلَمون حقيقةَ نبوَّتِه، فجحَدوا نبوَّتَه، وأَنْكَروا معرفتَه.\nذكرُ الخبرِ بذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: دخَل على رسولِ اللهِ ﷺ جماعةٌ من يهودَ، فقال لهم: \"إنى واللهِ أعلمُ أنكم لَتعلَمون أنى رسولُ اللَّهِ\". فقالوا: ما نعلمُ ذلك. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (^٤).\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بما أنزل إليك\"، وفى م: \"ما أنزله\"، وفى س: \"بما أنزل\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كفاك\".\n(^٣) فى م: \"ما\".\n(^٤) أخرجه البيهقي فى دلائل النبوة ٢/ ٥٣٣ من طريق يونس بن بكير به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١١٢٠ (٦٢٩٥) من طريق ابن إسحاق به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٤٨ إلى ابن إسحاق والمصنف وابن المنذر والبيهقي فى الدلائل.","vol":"7","page":694},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: دخَلتْ على رسول اللهِ ﷺ عصابةٌ من اليهودِ. ثم ذكَر نحوَه.\nحدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾: شهودٌ واللهِ غيرُ مُتَّهَمةٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-660\"></span><span data-type='title' id=toc-2326>القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن الذين جحَدوا يا محمدُ نبوّتَك بعدَ علمِهم بها، من أهلِ الكتابِ الذين اقتصصتُ عليك قصتَهم، وأَنْكَروا أن يكونَ اللهُ أَوْحَى إليك كتابَه، ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يعنى: عن الدينِ الذي بعَثك اللهُ به إلى خلقِه وهو الإسلامُ، وكان صدُّهم عنه قيلَهم للناسِ الذين يسألونهم عن محمدٍ من أهلِ الشركِ: ما نجِدُ صفةَ محمدٍ فى كتابِنا. وادِّعاءَهم أنهم عُهِد إليهم أن النبوَّةَ لا تكون إلا فى ولدِ هارونَ، ومن ذرِّيَّةِ داودَ، وما أَشْبَهَ ذلك من الأمورِ التي كانوا يثبِّطون الناسَ بها عن اتباعِ رسولِ اللهِ ﷺ، والتصديقِ به، وبما جاء به من عندِ اللهِ.\nوقوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. يعنى: قد جارُوا عن قصدِ السبيلِ (^٢) جَوْرًا شديدًا، وزالوا عن المحجَّةِ (^٣). وإنما يعنى جلَّ ثناؤُه بجَورِهم عن المحجةِ (^٣)\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٤٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الطريق\".\n(^٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الحجة\".","vol":"7","page":695},{"text":"وضلالِهم عنها: إخطاءَهم دينَ اللهِ الذى ارتضاه لعبادِه، وابتعَث به رسولَه (^١). يقولُ: مَن جحَد رسالةَ محمدٍ ﷺ وصَدَّ عما بُعِث به من الملةِ مَن قَبِل منه، فقد ضلَّ، فذهَب عن الدينِ الذى هو دينُ اللهِ الذى ابتعث به أنبياءَه، ضلالًا بعيدًا.\n\n<span id=\"aya-661\"></span><span data-type='title' id=toc-2327>القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن الذين جحَدوا رسالةَ محمدٍ ﷺ[فكذَّبُوه، وكفَروا] (^٢) باللهِ بجحودِ ذلك، ﴿وَظَلَمُوا﴾ بمُقامِهم على الكفرِ، على علمٍ منهم بظلمِهم عبادَ اللهِ، وحسدًا للعربِ، وبغيًا على رسولِه محمدٍ ﷺ، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾. يعنى: لم يكنِ اللهُ ليعفوَ (^٣) لهم عن ذنوبِهم، بتركِه (^٤) عقوبتَهم عليها، ولكنه يفضَحُهم بها جل ثناؤُه بعقوبتِه إياهم عليها،\n\n<span id=\"aya-662\"></span>﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾. يقولُ: ولم يكن اللهُ تعالى ذكرُه ليهدىَ هؤلاء الذين كفَروا وظلَموا، الذين وصَفنا صفتَهم، فيوفِّقَهم لطريقٍ من الطرقِ التى ينالون بها ثوابَ اللهِ، ويصِلُون بلزومِهم إياها (^٥) إلى الجنةِ، ولكنه يخذُلُهم عن ذلك، حتى يسلُكوا طريقَ جهنمَ. وإنما كنَى بذكرِ الطريقِ عن الدِّينِ. وإنما معنى الكلامِ: لم يكنِ اللهُ ليوفِّقَهم للإسلامِ، ولكنه يخذُلُهم عنه إلى طريقِ جهنمَ، وهو الكفرُ. يعني: حتى يكفُروا باللهِ ورسلِه، فيدخُلوا جهنَّمَ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) فى م: \"رسله\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فكفروا\"، وفى م: \"وكفروا\".\n(^٣) فى الأصل، ت ٢: \"ليغفر\".\n(^٤) فى الأصل: \"لتركه\".\n(^٥) فى ص، م: \"إياه\".","vol":"7","page":696},{"text":"مقيمين فيها أبدًا، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. يقولُ: وكان تخليدُ هؤلاء الذين وصَفتُ لكم صفتَهم - فى جهنمَ على اللهِ يسيرًا؛ لأنه لا يقدِرُ مَن أراد ذلك به على الامتناعِ منه، ولا له أحدٌ يمنَعُه منه، ولا يستصعِبُ عليه ما أراد فعلَه به من ذلك، [وكلُّ ذلك على اللهِ يسيرٌ] (^١)؛ لأن الخلقَ خلقُه، والأمرَ أمرُه.\n\n<span id=\"aya-663\"></span><span data-type='title' id=toc-2328>القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾. مشركي العربِ وسائرَ أصنافِ الكفرِ، ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾. يعنى: محمدًا ﷺ، قد جاءكم ﴿بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: بالإسلامِ الذى ارتضاه اللهُ لعبادِه دينًا، يقولُ: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يعنى: من عندِ رَبِّكم، ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾. يقولُ: فصدَّقوه وصدَّقوا بما جاءكم به من عندِ ربِّكم من الدينِ، فإن الإيمانَ بذلك خيرٌ لكم من الكفرِ به، ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾. يقولُ: وإن تجحدوا رسالتَه، وتكذِّبوا به، وبما جاءكم به من عندِ ربِّكم، فإنّ جحودَ كم ذلك وتكذيبَكم به لن يضرَّ غيرَكم، وإنما مكروهُ ذلك عائدٌ عليكم، دونَ [اللهِ الذى] (^٢) أمَركم بالذى بَعث به إليكم رسولَه محمدًا ﷺ، وذلك أن ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مُلكًا وخلقًا، لا ينقُصُ كفرُكم بما كفَرتم به من أمرِه، وعصيانُكم إياه فيما عصيتموه فيه، من مُلكِه ولا سلطانِه شيئًا، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. يقولُ: وكان اللهُ عليمًا بما أنتم صائرون إليه من طاعتِه فيما أمَركم به وفيما نهاكم عنه، ومعصيتِه فى ذلك،\n_________\n(^١) فى م: \"وكان ذلك على الله يسيرا\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذى\"، وفى م: \"الذي الله\".","vol":"7","page":697},{"text":"وعلى علمٍ منه بذلك منكم أمَركم ونهاكم، ﴿حَكِيمًا﴾. يعنى: حكيمًا فى أمرِه إيَّاكم بما أمَركم به، وفى نهيِه إيَّاكم عما نهاكم عنه، وفى غيرِ ذلك من تدبيرِه فيكم وفى غيرِكم من (^١) خلقِه.\nواخْتَلف أهلُ العربيةِ فى المعنى الذى من أجلِه نُصِب قولُه: ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: نُصِب ﴿خَيْرًا﴾ على الخروجِ مما قبلَه من الكلامِ؛ لأنّ ما قبلَه من الكلامِ قد تمَّ، وذلك قولُه: ﴿فَآمِنُوا﴾. وقال: قد سمِعتُ العربَ تفعَلُ ذلك فى كلِّ خبرٍ كان تامًّا، ثم اتصل به كلامٌ بعدَ تمامِه، على نحوِ اتصالِ \"خير\" (^٢) بما قبلَه، فتقولُ: لتقومَنَّ خيرًا لك. و: لو فعَلتَ ذلك خيرًا لك. و: اتقِ اللهَ خيرًا لك. قال: فأما إذا كان الكلامُ ناقصًا، فلا يكونُ إلا بالرفعِ، كقولِك: إن تتقِ اللهَ خيرٌ لك. و: إنْ تَصْبِرُ (^٣) خَيْرٌ لك (^٤).\nوقال آخرُ منهم (^٥): جاء النصبُ فى \"خير\"؛ لأن أصلَ الكلامِ: فآمنوا هو خيرٌ لكم. فلما سقَط \"هو\" الذى هو مصدرٌ، اتصلَ الكلامُ بما قبلَه، والذي قبلَه معرفةٌ،، وخبرُه (^٦) نكرةٌ، فانتصب لاتصالِه بالمعرفةِ، لأن الإضمارَ من الفعلِ: قم فالقيامُ خيرٌ لك. و: لا تقمْ فتركُ القيامِ خيرٌ لك. فلما سقَط اتَّصل بالأولِ. وقال: ألا ترى أنك ترى الكنايةَ عن الأمرِ تصلُحُ قبلَ الخبِر، فتقولُ للرجلِ: اتقِ اللهَ هو خيرٌ لك. أى: الاتقاءُ خيرٌ لك. وقال: ليس نصبُه على إضمارِ \"يكن\"؛ لأن ذلك يأتى\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وفى\".\n(^٢) فى الأصل، ت ١: \"خبر\".\n(^٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تصبروا\".\n(^٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لكم\".\n(^٥) ينظر معانى القرآن للفراء ١/ ٢٩٥.\n(^٦) فى ص، م: \"خير\".","vol":"7","page":698},{"text":"بقياسٍ يُبْطِلُ هذا، ألا ترى أنك تقولُ: اتقِ اللهَ تكنْ محسِنًا. ولا يجوزُ أن تقولَ: اتقِ اللهَ محسِنًا. وأنت تُضْمِرُ \"كان\"، ولا يصلُحُ أن تقولَ: انصُرْنا أخانا. وأنت تريدُ: تكنْ أخانا. وزعَم قائلُ هذا القولِ أنه لا يُجيزُ ذلك إلا فى \"أفعل\" (^١) خاصَّةً، فتقولُ: افعَلْ كذا خيرًا لك. و: لا تفعَلْ هذا خيرًا لك وأفضلَ لك. ولا تقولُ (^٢): صلاحًا لك. وزعَم أنه إنما قيل مع \"أفعل\"؛ لأن \"أفعل\" تَدلُّ على أن هذا أصلحُ من ذلك.\nوقال بعضُ نحويِّى البصرةِ (^٣): نُصِب ﴿خَيْرًا﴾؛ لأنه حينَ قال لهم: ﴿فَآمِنُوا﴾. أمَرهم بما هو خيرٌ لهم، فكأنه قال: اعمَلوا خيرًا لكم. وكذلك: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾. قال: وهذا إنما يكونُ فى الأمرِ والنهىِ خاصَّةً، ولا يكونُ فى الخبِر، لا تقولُ (٢): أنا (^٤) أنتهى خيرًا لى. ولكن يُرْفَعُ على كلامين؛ لأن الأمرَ والنهىَ يُضْمَرُ فيهما، فكأنك أَخْرَجتَه من شيءٍ إلى شيءٍ؛ لأنك حينَ قلتَ له: انتهِ (^٥). كأنك قلتَ له: اخرُجْ من ذا، وادخُلْ (^٦) فى آخَرَ. وَاسْتَشْهَد بقولِ عمرَ بنِ أبي ربيعةَ (^٧):\nفوَاعِدِيهِ سَرْحَتَىْ (^٨) مالكٍ … أو الرُّبَا (^٩) بينَهما أَسْهَلَا\n_________\n(^١) فى ص، ت ٢: \"أفعال\"\n(^٢) فى الأصل: \"تقل\".\n(^٣) ينظر الكتاب ١/ ٢٨٢ وما بعدها.\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إن\".\n(^٥) فى النسخ \"اتقه\". والمثبت من الكتاب.\n(^٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"اخرج\".\n(^٧) ديوانه ص ٣٤٩.\n(^٨) فى الديوان: \"سدرتى\". والسرحة واحدة السرح: شجر كبار عظام طوال، لا يرعى، وإنما يستظل فيه أو هو كل شجر لا شوك فيه. التاج (س ر ح).\n(^٩) فى الديوان: \"ذا الذى\": والربا مثلثة الراء: كل ما ارتفع من الأرض. اللسان (ر ب و).","vol":"7","page":699},{"text":"كما تقولُ: واعدِيه (^١) خيرًا لكِ. قال: وقد سمِعتُ نصبَ هذا فى الخبرِ، تقولُ العربُ: أتى البيتَ خيرًا لى. و: أتركُه خيرًا لى. وهو على ما فسَّرتُ لك فى الأمرِ والنهىِ.\nوقال آخرُ منهم: نُصِب ﴿خَيْرًا﴾ (^٢) بفعلٍ مضمَرٍ، واكتفَى من ذلك المضمَرِ بقولِه (^٣): لا تفعَلْ هذا. و: افعلِ الخيرَ (^٤). وأجازه فى غيرِ \"أفْعَل\"، فقال: لا تفعَلْ ذاك صلاحًا لك.\nوقال آخرُ منهم (^٥): نُصِب ﴿خَيْرًا﴾ على ضميرِ جوابٍ: يكنْ خيًرا لكم. وقال: وكذلك كلُّ أمرٍ ونهىٍ.\n\n<span id=\"aya-664\"></span><span data-type='title' id=toc-2329>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: أهلَ الإنجيلِ من النصارى، ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، يقول: لا تجاوِزوا الحقَّ فى دينِكم فتُفْرِطوا فيه، ولا تقولوا فى عيسى غيرَ الحقِّ، فإن قيلَكم فى عيسى: إنه ابنُ اللهِ. قولٌ منكم على اللهِ غيرَ الحقِّ؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه لم يتخذْ ولدًا، فيكونَ عيسى أو غيرُه من خلقِه له ابنًا، ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾.\n_________\n(^١) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"واعدته\".\n(^٢) بعده فى ص، ت ١: \"على\".\n(^٣) فى م، ت ٢، س: \"كفرنه\".\n(^٤) فى الأصل: \"بالخير\".\n(^٥) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ١/ ١٤٣.","vol":"7","page":700},{"text":"وأصلُ الغُلُوِّ فى كلِّ شيءٍ مجاوزةُ الحدِّ (^١) الذى هو حدُّه، يقالُ منه فى الدينِ: قد غلا فهو يَغْلُو غُلُوًّا. و: غلا بالجاريةِ عظمُها ولحمُها. إذا أسرعتِ الشبابَ، فجاوزتْ لِداتِها، يغلو بها عُلُوًّا وغَلاءً. ومن ذلك قولُ الحارثِ بنِ [خالدٍ المخزومىِّ] (^٢):\nخُمْصَانِةٌ قَلِقٌ مُوَشِّحُها … رُؤُدُ الشبابِ غَلا بها عَظْمُ\nوقد حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع، قال: صاروا فريقين؛ فريقٌ غَلَوا فى الدينِ، فكان غلوُّهم فيه الشكَّ فيه، والرغبةَ عنه. وفريقٌ منهم قصَّروا عنه، ففسَقوا عن أمرِ ربِّهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2330>القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾. ما المسيحُ أيها الغالُون فى دينِهم من أهلِ الكتابِ بابنِ اللهِ، كما تزعُمون، ولكنه عيسى ابنُ مريمَ دونَ غيرِها من الخلقِ، لا نسبَ له غيرُ ذلك. ثم نعَته اللهُ جلَّ ثناؤُه بنعتِه، ووصَفه بصفتِه، فقال: هو رسولُ اللهِ، أَرسَلَه بالحقِّ إلى مَن أَرْسَله إليه مِن خلقِه (^٣).\nوأصلُ المسيحِ الممسوحُ، صُرِّف من \"مفعولٍ\" إلى \"فَعِيلٍ\"، وسمَّاه اللهُ\n_________\n(^١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حده\".\n(^٢) فى الأصل: \"حلزة\". والبيت فى مجاز القرآن ١/ ٤٢، واللسان (غلو)، الأغانى ٩/ ٢٢٦. والخمصانة ضامرة البطن. اللسان (خ م ص) ولذلك يتحرك وشاحها. والرُّؤْد: الشابة الحسنة السريعة الشباب مع حسن غذاء. تاج العروس (ر أ د).\n(^٣) فى ص، ت ١:\"أصله\".","vol":"7","page":701},{"text":"بذلك لتطهيرِه إيَّاه من الذنوبِ، فقيل (^١): مُسِح من الذنوبِ والأدناسِ التي تكونُ فى الآدميِّين، كما يُمْسَحُ الشيءُ من الأذَى الذى يكونُ فيه، فيطهَّرُ منه، ولذلك قال مجاهدٌ ومَن قال مثلَ قولِه: المسيحُ الصِّدِّيقُ.\nوقد زعَم بعضُ الناسِ أن أصلَ هذه الكلمةِ عِبْرانيةٌ أو سُرْيانيةٌ \"مَشِيحَا\" (^٢) فعرِّبت، فقيل: المسيحُ. كما عُرِّب سائرُ أسماءِ الأنبياءِ التى فى القرآنِ، مثلُ إسماعيلَ، وإسحاقَ، وموسى، وعيسى.\nقال أبو جعفرٍ: وليس ما مثَّل به من ذلك للمسيحِ بنظيرٍ، وذلك أن إسماعيلَ وإسحاقَ وما أَشْبَة ذلك، أسماءٌ لا صفاتٌ، والمسيحُ صفةٌ، وغير جائزٍ أن تُخاطَبَ العربُ وغيرُها من أجناسِ الخلقِ فى صفةِ شيءٍ إلا بما (^٣) يُفهَمُ عمَّن خاطَبها، ولو كان المسيحُ من غيرِ كلامِ العربِ ولم تكنِ العربُ تعقِلُ معناه ما خوطبت به، وقد أتيْنا بالبيانِ على نظائرِ ذلك فيما مضى بما فيه الكفايةُ من إعادتِه (^٤).\nوأما المسيحُ الدجَّالُ، فإنه أيضًا بمعنى الممسوحِ العينِ، صُرِّف من مفعولٍ (^٥) إلى فَعيلٍ، فمعنى \"المسيحِ\" فى عيسى ﷺ: الممسوحُ البدنِ (^٦) من الأدناسِ والآثام، ومعنى \"المسيحِ\" فى الدجَّالِ: الممسوحُ العينِ اليمني أو اليسرى كالذى رُوى عن رسولِ اللهِ ﷺ فى ذلك (^٧).\n_________\n(^١) فى م: \"وقيل\".\n(^٢) فى الأصل، ص، ت ١: \"مسيحا\". بالسين المهملة، وينظر تاج العروس (م س ح).\n(^٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بمثل ما\".\n(^٤) ينظر ما تقدم ٥/ ٤٠٩، ٤١٠.\n(^٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مفعل\".\n(^٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الدرن\".\n(^٧) أخرجه البخارى ١٣/ ٩٠ (٧١٢٣) من حديث نافع عن ابن عمر أراه عن النبى ﷺ قال: \"أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية\"، ومسلم ٤/ ٢٢٤٨ (٢٩٣٤) من حديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: \"الدجال أعور العين اليسرى\"، وينظر مسند الطيالسى (١٢٠٢).","vol":"7","page":702},{"text":"وأما قولُه: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾. فإنه يعنى بالكلمة الرسالةَ التى أمرَ اللهُ ملائكتَه أن تأتىَ مريمَ بها، بشارةً من اللهِ لها، التى ذكَر جلَّ ثناؤُه فى قولِه: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. يعني: برسالةٍ منه، وبشارةٍ من عندِه.\nوقد قال قتادةُ فى ذلك، ما حدَّثنا به الحسنُ بنٌ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ عن قتادةَ: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾. قال: هو قولُه: كُنْ. فكان.\nوقد بيَّنا اختلافَ المختلِفين من أهلِ الإسلامِ فى ذلك فيما مضى [قبلُ مع البيانِ عن الصحيحِ من القولِ فيه فيما مضى] (^١)، بما أغنى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (^٢).\nوقولُه: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾. يعنى: أَعْلَمها بها وأَخْبَرها، كما يقالُ: أَلْقِيتُ إليكَ كلمةً حسنةً. بمعنى أخبرتُكَ بها، وكلَّمتُك بها.\nوأما قولُه: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. فإن أهلَ العلمِ اخْتَلفوا فى تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى قولِه: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾: ونفخةٌ منه (^٣)، لأنه حدَث عن نفخةِ جبريلَ فى دِرْعِ مريمَ بأمرِ اللهِ ﷿ إيَّاه بذلك، فنُسِب إلى أنه روحٌ من اللهِ؛ لأنه بأمرِه كان. قالوا: وإنما سُمِّى النفخُ رُوحًا؛ لأنها رِيحٌ تخرُجُ عن (^٤) الرُّوحِ،\n_________\n(^١) سقط ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ينظر ما تقدم فى ٥/ ٤٠٦.\n(^٣) بعده فى الأصل: \"وقالوا: قال: وروح منه\".\n(^٤) فى م: \"من\".","vol":"7","page":703},{"text":"واسْتَشْهَدوا على ذلك من قولِهم بقول ذى الرُّمَّةِ فى صفةِ نارٍ نعَتها (^١):\nفلما بدَتْ كفَّنْتُها وَهْىَ طِفْلَةٌ … بطَلْساءَ (^٢) لم تكمُلْ (^٣) ذِراعًا ولا شِبْرَا\nوقلتُ له (^٤) ارْفَعْها إليكَ وأَخْيِها … برُوحِكَ واقْتَتْهُ (^٥) لها قِيتةً قَدْرَا\nوظاهِرْ لها من يابسِ (^٦) الشَّخْتِ (^٧) واسْتَعِنْ … عليها الصَّبَا واجْعَلْ يَدَيْكَ لها سِتْرًا (^٨)\nوقالوا: يعنى بقولِه: وأَخْيِها برُوحِكَ. أى: أَخيِها بنفخِك.\nوقال بعضُهم: يعنى بقولِه: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. أنه كان إنسانًا بإحياءِ اللهِ إياه بقولِه: كُنْ. قالوا: وإنما معنى قولِه: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. وحياةٌ منه، بمعنى إحياءِ اللهِ إيَّاه بتكوينِه.\nوقال آخرون (^٩): معنى قولِه: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. ورحمةٌ منه، كما قال جلَّ ثناؤُه فى موضعٍ آخرَ: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. قالوا: ومعناه فى هذا الموضع: ورحمةٌ منه. قال: فجعَل اللهُ عيسى رحمةً منه على مَن اتَّبعه وآمن به وصدَّقه؛ لأنه هداهم إلى سبيلِ الرشادِ.\n_________\n(^١) ديوانه مع الشرح ٣/ ١٤٢٨ - ١٤٣١.\n(^٢) قوله: بطلساء متعلق بـ \"كفنتها\"، والمراد: \"صيرتها فى خرقة وسخة تَضرِب إلى السواد. شرح الديوان ٣/ ١٤٢٩.\n(^٣) فى الأصل: \"تكفل\".\n(^٤) فى ص، ت ١: \"لك\".\n(^٥) فى م \"واقتته\" وهو خطأ بين. \"واقتته\" وافتعِلْه من القوت. المصدر السابق.\n(^٦) فى م: \"بائس\". أورد السيوطى فى المزهر ١/ ٥٥٦، عن أبى عبيد عن الأصمعى أنه أخبر عيس بن عمر أن ذا الرمة أنشده البيت باللفظين جميعا.\n(^٧) فى الأصل: الشحب. والشخت: ما دق من الحطب المصدر السابق.\n(^٨) بعده فى م: \"فلما جرت للجزل جريا كأنه … سنا البرق أحدثنا لخالقها شكرًا\".\n(^٩) فى م \"بعضهم\".","vol":"7","page":704},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك: وروحٌ من اللهِ خلَقها فصوَّرها، ثم أَرْسَلها إلى مريمَ، فدخلت فى فِيها، فصيَّرها اللهُ تعالى روحَ عيسى ﵇.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ سعدٍ، قال: أخبرنى أبو جعفرٍ الرازىُّ، عن الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ، عن أُبىِّ بنِ كعبٍ، فى قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، قال: أخَذهم فجعَلهم أرواحًا، ثم صوَّرهم، ثم استَنْطَقهم، فكان روحُ عيسى من تلك الأرواحِ التى أخَذ عليها العهدَ والميثاقَ، فأَرْسَل ذلك الروحَ إلى مريمَ، فدخَل فى فِيها فحمَلت الذى (^١) خاطَبها، وهو (^٢) روحُ عيسى (^٣).\nوقال آخرون: معنى الرُّوحِ ههنا: جبريلُ ﵇. قالوا: ومعنى الكلامِ: وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ، وألقاها أيضًا إليها رُوحٌ من اللهِ. قالوا: فالروحُ معطوفٌ به على ما فى قولِه: ﴿أَلْقَاهَا﴾ (^٤)، من ذكرِ اللهِ، بمعنى: أن إلقاءَ الكلمةِ إلى مريمَ كان من اللهِ جلَّ ثناؤه، ثم من جبريلَ ﵇.\nولكلٍّ هذه الأقوالِ وجةٌ ومذهبٌ غيرُ بعيدٍ من الصوابِ (^٥). القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا\n_________\n(^١) فى م: \"والذى\".\n(^٢) فى م، ت ٢، ت ٣: \"هو\".\n(^٣) سيأتى مطولًا فى سورة الأعراف، فانظر تخريجه هناك.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) قال ابن كثير فى تفسيره ٢/ ٤٣١،٤٣٢: والأظهر الأول أنه مخلوق من روح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله فى قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾، وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾. وكما ورد فى الحديث الصحيح: \"فأدخل على ربى فى داره\". أضافها إليه إضافة تشريف لها، وهذا كله من قبيل واحدٍ ونمط واحدٍ.","vol":"7","page":705},{"text":"خَيْرٌ لَكُمْ﴾.\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾: [فصدِّقوا يا أهلَ الكتابِ بوحدانيةِ اللهِ وربوبيتِه، وأنه لا ولدَ له] (^١)، وصدَّقوا رسلَه فيما جاءوكم به من عندِ اللهِ، وفيما أخبرتُكم به أن اللهَ واحدٌ لا شريكَ له، ولا صاحبةَ له، ولا ولدَ له، ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾. يعنى: ولا تقولوا: الأربابُ ثلاثةٌ.\nورُفِعت الثلاثةُ بمحذوفٍ دلّ عليه الظاهرُ، وهو هم، ومعنى الكلامِ: ولا تقولوا: هم ثلاثةٌ. وإنما جاز ذلك؛ لأن القولَ حكايةٌ، والعربُ تفعَلُ ذلك فى الحكايةِ، ومنه قولُ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]. وكذلك كلُّ ما ورَد من مرفوعٍ بعدَ القولِ لا رافعَ معه، ففيه إضمارُ اسمٍ رافعٍ لذلك الاسمِ.\nثم قال لهم جلَّ ثناؤُه متوعِّدًا لهم فى قولِهم العظيمِ الذي قالوه فى اللهِ جلَّ وعزّ: انْتَهُوا أيها القائلون: اللهُ ثالثُ ثلاثةٍ (^٢). عما تقولون من الزورِ والشركِ باللهِ؛ فإن الانتهاءَ عن ذلك خيرٌ لكم من قيلِه؛ لما لكم عندَ اللهِ من العقابِ العاجلِ لكم على قيلِكم ذلك، إن أقمتم عليه ولم تُنِيبوا إلى الحقِّ الذي أمَرتُكم بالإنابةِ إليه، والآجلِ فى مَعادِكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2331>القولُ فى تأويلِ قوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) بعده فى الأصل: \"تعالى الله\".","vol":"7","page":706},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. ما اللهُ أيها القائلون: اللهُ ثالثُ ثلاثةٍ. كما تقولون؛ لأن مَن كان له ولدٌ فليس بإلهٍ، وكذلك مَن كان له صاحبةٌ، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ إلها معبودًا، ولكنّ اللهَ الذى له الأُلُوهةُ والعبادةُ إلهٌ واحدٌ [ومعبودٌ واحدٌ] (^١)، لا ولدَ له، ولا والدَ، ولا صاحبةَ، ولا شريكَ، ثم نزَّه جلَّ ثناؤُه نفسَه، وعظَّمها، ورفَعها عما قال فيه أعداؤُه الكفرةُ به، فقال: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ [وَلَدٌ﴾. يقولُ: تعالى اللَّهُ وتعظَّم وتنزَّه عن أن يكونَ له ولدٌ أو صاحبةٌ.\nثم أَخْبَر] (^٢) جلَّ ثناؤُه عبادَه أن عيسى وأمَّه ومَن فى السماواتِ ومَن فى الأرضِ عبيدُه ومُلْكُه (^٣) وخلقُه، وأنه رازقُهم وخالقُهم، وأنهم أهلُ حاجةٍ وفاقةٍ إليه؛ احتجاجًا منه بذلك على مَن ادَّعى أن المسيحَ ابنُه، جلَّ ذكرُه، وأنه لو كان كما قالوا لم يكنْ ذا حاجةٍ إليه، ولا كان له عبدًا مملوكًا، فقال: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. يعنى: للهِ ما فى السماواتِ وما فى الأرضِ من الأشياء كلِّها، مُلْكًا وخلقًا، وهو يرزُقُهم ويقُوتُهم ويدبِّرُهم، فكيف يكونُ المسيحُ ابنًا له، وهو فى الأرضِ أو فى السماواتِ غيرُ خارجٍ من أن يكونَ (^٤) فى بعضِ هذه الأماكنِ؟!\nوقولُه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. يعنى: وحَسْبُ ما فى السماواتِ وما فى الأرضِ باللَّهِ قَيِّمًا بها ومدبِّرًا ورازقًا، من الحاجةِ معه إلى غيرِه.\n\n<span id=\"aya-665\"></span><span data-type='title' id=toc-2332>القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾.</span>\n_________\n(^١) فى م: \"معبود\".\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) فى ص: \"ماله\".\n(^٤) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"له\".","vol":"7","page":707},{"text":"قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ﴾: لن يأْنَفَ ولن يستكبرَ المسيحُ، ﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾. يعنى: من (^١) أن يكونَ عبدًا للهِ.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾. لن يحتشمَ المسيحُ أن يكونَ عبدًا للهِ ولا الملائكةُ (^٢).\nوأما قولُه: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾. فإنه يعنى: ولن يستنكفَ أيضًا من الإقرارِ للهِ بالعبودةِ، والإذعانِ له بذلك، رسلُه المقرَّبون الذين قد قرَّبهم اللهُ ورفَع منازلَهم على غيرِهم من خلقِه.\nورُوى عن الضحَّاكِ أنه كان يقولُ فى ذلك ما حدَّثنى به جعفرُ بنُ محمدٍ البُزُورىُّ (^٣)، قال: ثنا يَعْلَى بنُ عبيدٍ، عن الأَجْلَحِ، قال: قلتُ للضحَّاكِ: ما المقرَّبون؟ فقال: أقربُهم إلى السماءِ الثانيةِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-2333>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: ومن يتعظَّمْ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١١٢٤ (٦٣١٨) من طريق يزيد بن زريع به.\n(^٣) فى الأصل: \"المروزى\"، وينظر ما تقدم فى ١/ ٥٠٨.\n(^٤) ذكره الطوسى فى التبيان ٣/ ٤٠٤.","vol":"7","page":708},{"text":"عن عبادتِه ربَّه، ويأنفْ من التذلُّلِ والخضوعِ له بالطاعةِ من الخلقِ كلِّهم، ويستكبرْ عن ذلك، ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾، يقولُ: فسيبعَثُهم يومَ القيامةِ جميعًا، فيجمَعُهم لموعدِهم عندَه.\n\n<span id=\"aya-666\"></span><span data-type='title' id=toc-2334>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فأما المؤمنون المقرُّون بوحدانيةِ اللهِ، الخاضعون له بالطاعةِ، المتذلِّلون له بالعبوديةِ، والعاملون الصالحاتِ من الأعمالِ، وذلك أن يرِدوا على ربِّهم، قد آمَنوا به وبرسِله (^١)، وعمِلوا بما أتاهم به رسلُه من عندِ ربِّهم، من فعلِ ما أمَرهم به، واجتنابِ ما أمَرهم باجتنابِه، ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، يقولُ: فيوفِّيهم جزاءَ أعمالِهم الصالحةِ وافيّا تامًّا، ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾، يعنى جلّ ثناؤُه: ويزيدُهم على ما وعَدهم من الجزاءِ على أعمالِهم الصالحةِ، والثوابِ عليها من الفضلِ والزيادةِ ما لم يعرِّفْهم مبلغَه ولم يَحِدَّ لهم مُنْتهاه، وذلك أن اللَّهَ جَلَّ ثناؤه وعَد مَن جاء من عبادِه المؤمنين بالحسنةِ الواحدةِ عَشْرَ أمثالِها من الثوابِ والجزاءِ، فذلك هو أجرُ كلِّ عاملٍ على عملِه الصالحِ من أهلِ الإيمانِ، المحدودُ مبلَغُه، والزيادةُ على ذلك تفضُّلٌ (^٢) من اللهِ عليهم، وإن كان كلُّ ذلك من فضلِه على عبادِه، غيرَ أن الذى وعَد عبادَه المؤمنين أن يوفِّيهم فلا ينقُصُهم من الثوابِ على أعمالِهم الصالحةِ، هو ما حدَّ مبلغَه من العَشْرِ، والزيادةُ\n_________\n(^١) في ص: \"برسوله\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"بفضل\".","vol":"7","page":709},{"text":"على ذلك غيرُ محدودٍ مبلَغُها، فيزيدُ مَن شاء من عبادِه على ذلك على قَدْرِ ما يشاءُ، لا حدَّ القَدْرِه يُوقَفُ عليه.\nوقد قال بعضُهم: الزيادةُ إلى سبعِمائةِ ضِعْفٍ. وقال آخرون: إلى ألفيْن.\nوقد ذكرتُ اختلافَ المختلفِين في ذلك فيما مضى قبلُ بما أغنى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (^١).\nوقولُه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾ فإنه يعنى: وأما الذين تعظَّموا عن الإقرارِ للهِ بالعبوديةِ، والإذعانِ له بالطاعةِ، واستكبروا عن التذلُّلِ لألوهتِه وعبادتِه، وتسليمِ الوحدانيةِ والربوبيةِ له، ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يعنى: عذابًا مُوجِعًا، ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، يقولُ: ولا يجدُ المستنكفون عن (^٢) عبادتِه، والمستكبرون عنها إذا عذَّبهم اللهُ (^٣) الأليمَ من عذابِه، سوى اللهِ لأنفسِهم ﴿وَلِيًّا﴾ يُنْجِيهم من عذابِه، ويُنقِذُهم منه، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾، يعني: ولا ناصرًا ينصُرُهم، فيَسْتَنْقِذُهم من ربِّهم، ويدفَعُ عنهم بقوَّتِه (^٤) ما أحلَّ بهم من نقمتِه، كالذى كانوا يفعَلون بهم إذا أرادهم غيرُهم من أهلِ الدنيا فى الدنيا بسوءٍ من نصرتِهم، والمدافعةِ عنهم.\n\n<span id=\"aya-667\"></span><span data-type='title' id=toc-2335>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بن جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم فى ٤/ ٦٥٣، ٦٥٤.\n(^٢) فى م: \"من\".\n(^٣) بعده فى الأصل: \"العذاب\".\n(^٤) فى الأصل: \"بقوتهم\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نصرته\".","vol":"7","page":710},{"text":"قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: يا أيها الناسُ مِن جميعِ أصنافِ الأممِ (^١)؛ يهودِها ونصاراها ومشركيها، الذين قصَّ اللهُ جلَّ ثناؤُه قَصَصَهم في هذه السورةِ، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، يقولُ: قد جاءتْكم حُجَّةٌ من اللَّهِ تُبرْهِنُ لكم بُطولَ ما أنتم عليه مقيمون من أديانِكم ومللِكم، وهو محمدٌ ﷺ، الذي جعَله اللهُ عليكم حجَّةٌ فقطَع بها عذرَكم، وأَبْلَغ إليكم فى المعذرةِ بإرسالِه إليكم، مع تعريفِه إيَّاكم صحةَ نبوَّتِه، وتحقيقَ رسالتِه، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾، يقولُ: وأنزلنا إليكم معه نورًا مبينًا، يعنى: يبيِّنُ لكم المحجَّةَ (^٢) الواضحةَ، والسبيلَ (^٣) الهاديةَ إلى ما فيه لكم النجاةُ من عذابِ اللهِ وأليمٍ عقابِه إن سلَكتموها، واستنرتم بضَوْئِه، وذلك النورُ المبينُ هو القرآنُ الذي أَنْزَله اللهُ على محمدٍ ﷺ.\nوبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِ اللَّهِ: ﴿بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: حجَّةٌ (^٤).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: الملل\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"الحجة\".\n(^٣) فى م، ت ٢، ت ٣: \"السبل\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٢٩٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم في تفسيره ٤/ ١١٢٥ (٦٣٢٣)، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ٢/ ٢٤٩ إلى ابن المنذر.","vol":"7","page":711},{"text":"النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أى: بينةٌ من ربِّكم، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ وهو هذا القرآنُ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: حجةٌ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿بُرْهَانٌ﴾، قال: بينةٌ. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾. [قال: القرآنُ] (^٣).\n\n<span id=\"aya-668\"></span><span data-type='title' id=toc-2336>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فأما الذين صدَّقوا اللهَ، وأقرُّوا بوحدانيتِه، وما بَعث به نبيَّه محمدًا ﷺ، من أهلِ المللِ، ﴿وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾، يقولُ: وتمسَّكوا بالنورِ المبينِ الذى أَنْزَله إلى نبيِّه.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾. قال: بالقرآنِ (^٤).\n﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾. يقولُ: فسوف تنالُهم رحمتُه التي تُنْجِيهم من عقابِه، وتوجبُ لهم ثوابَه (^٥) وجنتَه، ويَلْحَقُهم من فضلِه ما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٤/ ١١٢٥ (٦٣٢٥، ٦٣٢٦) من طريق يزيد بن زريع به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٢/ ٢٤٩ وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٤/ ١١٢٥ عقب الأثر (٦٣٢٣) من طريق أسباط به.\n(^٣) سقط من: الأصل. وينظر التبيان ٣/ ٤٠٦.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٤٩ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ورحمته\".","vol":"7","page":712},{"text":"لحقِ (^١) أهلَ الإيمانِ به والتصديقِ برُسُلِهِ، ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. يقولُ: ويوفِّقُهم لإصابةِ فضلِه الذى تفضَّل به على أوليائِه، ويسدِّدُهم لسلوكِ منهجِ مَن أَنْعَم عليه من أهلِ طاعتِه، ولاقتفاءِ آثارِهم، واتباعِ دينِهم، وذلك هو الصراطُ المستقيمُ، وهو دينُ اللهِ الذى ارتضاه لعبادِه، وهو الإسلامُ، ونُصِب الصراطُ المستقيمُ على القطعِ من الهاءِ التى فى قولِه: ﴿إِلَيْهِ﴾.\n\n<span id=\"aya-669\"></span><span data-type='title' id=toc-2337>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾: يسألونك يا محمدُ أن تُفتيَهم فى الكَلَالةِ، وقد بيَّنا معنى الكَلَالةِ فيما مضى بالشواهدِ الدالةِ على صحتِه، وذكَرنا اختلافَ المختلِفين فيه، فأغنى ذلك عن إعادتِه، وبيَّنا أن الكلالةَ عندَنا ما عدا الولدَ والوالدَ (^٢).\n﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾. يعنى بقولِه: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾: إن إنسانٌ من الناسِ مات.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾. يقولُ: مات وليس له ولدٌ؛ ذكرٌ ولا أنثى.\n﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾. يعنى: وللميِّتِ أختٌ لأبيه وأمِّه، أو لأبيه، ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾. يقولُ: فلأختِه التى ترَكها بعدَه بالصفةِ التى وصَفنا نصفُ ترَكِتِه ميراثًا عنه دونَ سائرِ عَصَبتِه، وما بَقِى فلعصبتِه.\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"الحق\".\n(^٢) ينظر ما تقدم فى ٦/ ٤٧٥ وما بعدها.","vol":"7","page":713},{"text":"وذُكِر أن أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ هَمَّهم شأنُ الكَلَالَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ فيها هذه الآيةَ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾: [وهمَّهم شأنُ الكلالةِ وسألوا] (^١) عنها نبىَّ اللهِ ﷺ فأَنْزَل اللهُ فى ذلك القرآنَ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾. فقرَأ حتى بَلَغ: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. قال: وذُكِر لنا أن أبا بكرٍ الصدِّيقَ ﵁ قال فى خُطبتِه: ألَا إن الآيةَ التى أَنْزَلَ اللهُ في أولِ سورةِ النساءِ فى (^٢) شأنِ الفرائضِ، أَنْزَلها فى الولدِ والوالدِ، والآيةَ الثانيةَ أنْزَلها اللهُ فى الزوجِ والزوجةِ والإخوةِ من الأمِّ، والآيةَ التى ختَم بها سورة النساءِ أَنْزَلها اللهُ فى الإخوةِ والأخواتِ من الأبِ والأمِّ، والآيةَ التى ختَم بها سورةَ الأنفالِ أَنْزَلها الله فى أُولِى الأَرْحَامِ بَعْضُهُم أَوْلَى بِبَعْضٍ في كتابِ اللهِ، مما جرَت الرحِمُ من العَصَبةِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الشيبانىِّ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن سعيدِ ابنِ المسيِّبِ، قال: سأل عمرُ بنُ الخطابِ النبى ﷺ عن الكلالةِ، فقال: \"أليس قد بيَّن اللهُ ذلك؟ \". قال: فنزَلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (^٤).\nحدَّثنا مُؤَمَّلُ بنُ هشامٍ أبو هشامٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن هشامٍ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فسألوا\".\n(^٢) فى الأصل، ص: \"من\".\n(^٣) أخرجه البيهقى ٦/ ٢٣١ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٢/ ٢٥١ إلى ابن المنذر وعبد بن حميد.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٤٣٦٣ عن المصنف.","vol":"7","page":714},{"text":"الدَّسْتُوائى، قال: ثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: اشتكيتُ وعندى تسعُ أخواتٍ لى أو سبعٌ -أنا أشكُّ- فدخَل علىَّ رسولُ اللهِ ﷺ، فنفَخ (^١) في وجهى، فأفقتُ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَلَا أُوصِى لأخَوَاتى بالثُّلثين (^٢)؟ قال: \"احتبِسْ (^٣) \". قلتُ: الشَّطْرُ؟ قال: \"احبِسْ\" (^٣). ثم خرَج وترَكنى، ثم رجَع إلىَّ فقال: \"يا جابرُ (^٤)، إنِّى [لا أُرَاك] (^٥) ميِّتًا من وجعِك هذا، وإن اللهَ قد أَنْزَل في الذي لأخَوَاتِك، فجعَل لهن الثُّلُثين\". قال: فكان جابرٌ يقولُ: أُنْزِلت هذه الآيةُ فىَّ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن هشامٍ، يعنى الدَّسْتُوائيَّ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، عن النبىِّ ﷺ مثلَه.\nوحدَّثنى المثنى، قال: ثنا [إسحاقُ، قال: حدثنا] (^٧) ابنُ عيينةَ، عن ابنِ المنكدرِ، سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: مرِضتُ فأتانى النبىُّ ﷺ يعودُنى (^٨) هو وأبو بكرٍ، وهما ماشيان، فوجَدنى (^٩) قد أُغْمِىَ علىَّ، فتوضَّأَ رسولُ اللهِ ﷺ، ثم صبَّ علىَّ من\n_________\n(^١) في مسند أحمد وسنن البيهقى: \"نضح\".\n(^٢) فى م: \"بالثلث\". وهو موافق لما فى سنن أبى داود.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أحسن\". والمثبت من الأصل يناسب السياق، وهو أيضا لفظ إحدى نسخ سنن البيهقى. وما فى باقى النسخ يناسب ما في سنن أبي داود.\n(^٤) فى الأصل: \"جرير\" وهى خطأ محض.\n(^٥) فى الأصل: \"لأراك\". وهو لفظ رواية أبي داود الطيالسي، ورواية عند البيهقى.\n(^٦) أخرجه الطيالسي في مسنده (١٨٤٨)، وأحمد في مسنده ٣/ ٣٧٢ وعبد بن حميد (١٠٦٢) وأبو داود (٢٨٨٧) والنسائى فى الكبرى (٦٣٢٤)، (٦٣٢٥)، (٧٥١٣) وأبو يعلى (٢١٨٠) والبيهقي ٦/ ٢٣١ وغيرهم من طريق هشام الدستوائى به.\n(^٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سفيان\".\n(^٨) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٩) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فوجدونى\".","vol":"7","page":715},{"text":"وَضوِئه، فأفقتُ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، كيف أَقْضِي في مالى، أو: كيف أصنَعُ في مالى؟ وكان له (^١) تسعُ أخَواتٍ، ولم يكنْ له والدٌ ولا ولدٌ. قال: فلم يُجِبْنى بشيءٍ حتى نزَلت آيةُ الميراثِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. إلى آخرِ السورةِ. قال ابنُ المنكدرِ: قال جابرٌ: إنما أُنْزِلت هذه الآيةُ فىَّ (^٢).\nوكان بعضُ (^٣) أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ -يقولُ: إن هذه الآيةَ هى (^٤) آخرُ آيةٍ نزَلت من القرآنِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن أبى إسحاقَ، عن البَرَاءِ بنِ عازبٍ، قال: سمِعتُه يقولُ: إن آخرَ آيةٍ نزَلت (^٥): ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ قال: ثنا أبى، عن ابنِ أبى خالدٍ، عن أبي إسحاقَ، عن البَرَاءِ، قال: آخرُ آيةٍ نزَلت من القرآنِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ خَلَفٍ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ النعمانِ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن أبي السَّفَرِ، عن البَرَاءِ، قال: آخرُ [آيةٍ أُنْزِلَت] (^٧) من القرآنِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ\n_________\n(^١) في م: \"لى\".\n(^٢) أخرجه البخارى (٦٧٢٣)، ومسلم (٥/ ١٦١٦)، من طريق سفيان به.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في الأصل: \"فى\".\n(^٥) بعده فى م: \"من القرآن\".\n(^٦) أخرجه مسلم (١٠/ ١٦١٨) والبيهقى ٦/ ٢٢٤، من طريق وكيع به.\n(^٧) فى الأصل: \"شيء نزل\".","vol":"7","page":716},{"text":"قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (^١).\nحدَّثنا هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدانىُّ، قال: ثنا مصعبُ بنُ المقْدَامِ قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، قال: آخرُ سورة أُنزِلت كاملةً براءةُ، وآخرُ آيةٍ أُنزِلت خاتمةُ سورةِ النساءِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (^٢).\nواخْتُلِف في المكانِ الذى نزَلت فيه الآيةُ؛ فقال جابرُ بنُ عبدِ اللهِ: نزَلت بالمدينةِ. وقد ذكَرتُ الروايةَ بذلك عنه فيما مضَى؛ بعضُها في أوَّلِ السورةِ عندَ فاتحةِ آيةِ المواريثِ (^٣)، وبعضُها في مبتدأ الإخبارِ عن السببِ الذى نزَلت فيه هذه الآيةُ (^٤).\nوقال آخرون: بل أُنْزِلت في مسيرٍ كان فيه رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابُه.\nذكرُ الروايةِ بذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، قال: نزَلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. والنبىُّ ﷺ في مسيرٍ له، وإلى جَنْبِه حُذيفةُ بنُ اليمانِ، فبلَّغها النبىُّ ﷺ حذيفةُ، وبلَّغها حذيفةُ عمرَ بنَ الخطابِ وهو يسيرُ خَلْفَه، فلما اسْتُخْلِف عمرُ سأل عنها حذيفةَ، ورجا أن يكونَ عندَه تفسيرُها، فقال له حذيفةُ: واللهِ إنك لعاجزٌ إن ظننتَ أنَّ إمارتَك تحمِلُنى (^٥) أن أحدِّثَك فيها بما لم أحدِّثْك يومَئذٍ. فقال عمرُ: لم أُرِدْ هذا رحِمك اللهُ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣/ ١٦١٨) من طريق مالك بن مغول به.\n(^٢) أخرجه البخارى (٦٧٤٤) من طريق إسرائيل به.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٦/ ٤٦٠.\n(^٤) تقدم في ص ٧١٤.\n(^٥) فى ص: \"يحلنى\" غير منقوطة، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣:\"تخلنى\".","vol":"7","page":717},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، بنحوِه، إلا أنه قال في حديثِه: فقال له حذيفةُ: واللهِ إنك لأحمقُ إن ظننتَ (^١).\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابنُ عَوْنٍ، عن محمدِ ابنِ سيرينَ، قال: كانوا في مسيرٍ ورأسُ راحلةِ حذيفةَ عندَ رِدْفِ (^٢) راحلةِ رسولِ اللهِ ﷺ، ورأسُ راحلةِ عمرَ عندَ رِدْفِ راحلةِ حذيفةَ، قال: ونزَلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. فلقَّاها رسولُ اللهِ ﷺ حذيفةَ، فلقَّاها حذيفةُ عمرَ، فلما كان بعدَ ذلك سأَل عمرُ عنها حذيفةَ، فقال: واللهِ إنك لأحمقُ إن كنتَ ظننتَ أنه لقَّانيها رسولُ اللهِ ﷺ، فلقَّيتُكها (^٣) كما لقَّانيها، واللهِ لا أزيدُك عليها شيئًا أبدًا. قال: فكان عمرُ يقولُ: اللهم مَن (^٤) كنتَ بيَّنتَها له، فإنها لم تبيَّيْن لى (^٥).\nواخْتُلِف عن عمرَ فى الكلالةِ؛ فرُوِى عنه أنه قال فيها عندَ وفاتِه: هو مَن لا ولدَ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٧.\n(^٢) ردف كل شيء: مؤخره. تاج العروس (ر د ف).\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فلقنتكها\". والمثبت من الأصل يناسب السياق. ولقِّى ولقَّن كلاهما بمعنى. يقال: تلقى العلم عن فلان. أخذه. الوسيط (ل ق و).\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢: \"إن\".\n(^٥) أخرجه البزار (٢٢٠١٦ - كشف) من طريق محمد بن سيرين عن أبيه قال: نزلت آية الكلالة، فذكره. وقال البزار: لا نعلم رواه إلا حذيفة ولا له عنه إلا هذا الطريق. وأورده الهيثمي في المجمع ٧/ ١٣ وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح غير أبى عبيدة بن حذيفة ووثقه ابن حبان.\nوأخرجه محمد بن يحيى بن أبى عمر العدنى في مسنده كما في المطالب العالية (٣٩٤٤) وقال البوصيرى: هذا إسناد رواته، ثقات، رواه البزار بسند متصل رواته ثقات.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٠ للعدنى والبزار في مسنديهما وأبى الشيخ في الفرائض بسند جيد. وأعاده في ٢/ ٢٥١ فعزاه إلى المصنف وعبد الرزاق وابن المنذر مرسلا عن ابن سيرين.","vol":"7","page":718},{"text":"له [ولا والدَ] (^١). وقد ذكَرنا الروايةَ عنه بذلك فيما مضى فى أولِ هذه السورةِ فى آيةِ المواريثِ (^٢).\nورُوِى عنه أنه قال قبلَ وفاته: هو ما خلا الأبَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا شعبةُ (^٣)، عن قتادةَ، عن سالمِ ابنِ أبى الَجعْدِ، عن مَعْدانَ بنِ أبى طلحةَ اليَعْمَرىِّ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: ما أَغْلَظ لى رسولُ اللهِ ﷺ، أو ما نازعتُ رسولَ اللهِ ﷺ فى شيءٍ ما نازعتُه في آيةِ الكلالةِ، حتى ضرَب صدرى، وقال: \"يكفيك منها [آيةُ الصيفِ] (^٤) [التى أُنزِلت في آخرِ سورةِ النساءِ] (^٥): ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ \". وسَأَقْضِى فيها بقضاءٍ يعلَمُه مَن يقرأُ، ومَن لا يقرأُ؛ هو ما خلا الأبَ. كذا أَحْسَبُ. قال ابنُ عرفةَ: قال شبابةُ: الشكُّ من شعبةَ (^٦).\nورُوِى عنه أنه قال: إنى لأستحيِى أن أخالفَ فيه أبا بكرٍ. وكان أبو بكرٍ يقولُ: هو ما خلا الولدَ والوالدَ. وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك عنه فيما مضى فى أولِ السورةِ (^٧).\nورُوِى عنه أنه قال عندَ وفاتِه: قد كنتُ كتبتُ في الكلالةِ كتابًا، وكنتُ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) تقدم في تفسير الآية (١٢).\n(^٣) في الأصل: \"سعيد\".\n(^٤) في الأصل: \"النصف\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) أخرجه مسلم ٣/ ١٢٣٦ (١٦١٧)، وابن سعد ٣٣٥/ ٣، وابن حبان (٢٠٩١)، وأبو يعلى (٢٥٦)، والبيهقى ٦/ ٢٢٤ من طريق شبابة به مختصرًا ومطولًا.\n(^٧) تقدم في ٤/ ٢٨٦ مطبوع.","vol":"7","page":719},{"text":"أستخيُر اللهَ فيه، وقد رأيتُ أن أتركَكم على ما كنتم عليه. وأنه كان يتمنَّى في حياتِه أن يكونَ له بها علمٌ\nذكرُ الروايةِ عنه بذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ حُميدٍ المَعْمَرىُّ، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ كتَب في الجَدِّ والكَلالةِ كتابًا، فمكَث يستخيرُ اللهَ فيه، يقولُ: اللهمَّ إن علِمتَ فيه خيرًا، فأَمْضِه، حتى إذا طُعِن دعا بالكتابِ (^١) فمُحِى، فلم يَدْرِ أحدٌ ما كَتب فيه، فقال: إنى كنتُ كتبتُ في الجدِّ والكلالةِ كتابًا وكنتُ أستخيرُ اللهَ فيه، فرأيتُ أن أتركَكم على ما كنتم عليه (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن سعيدٍ، عن عمرَ بنحوِه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، قال: ثنا عمرُو بنُ مُرَّةَ، عن مرةَ الهَمْدانىِّ، قال: قال عمرُ: ثلاثٌ لأن يكونَ النبىُّ ﵇ بيَّنَهن لنا، أحبُّ إلىَّ من الدنيا وما فيها؛ الكلالةُ، والخلافةُ، وأبوابُ الرِّبا (^٣).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثَّامٌ، قال: ثنا الأعمشُ، قال: سِمعتُهم\n_________\n(^١) في الأصل، ص: ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بكتاب\". والمثبت من \"م\" يناسب السياق وموافقه وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٥٠ لعبد الرزاق.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١٠/ ٣٠١.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٢٧٢٧) من طريق وكيع، وعبد الرزاق فى المصنف (١٩١٨٤)، والحاكم ٢/ ٣٠٤ من طريق الثورى، وصححه الحاكم ووافقه الذهبى، وأخرجه الطيالسي في مسنده (٦٠) -ومن طريقه البيهقى ٦/ ٣٢٥ - من طريق عمرو بن مرة، به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٥٠ إلى العدنى وابن ماجه والساجى.","vol":"7","page":720},{"text":"يذكرون -ولا أُرَى إبراهيمَ إلا فيهم- عن عمرَ، قال: لأَنْ أكونَ أعلمُ الكلالةَ أحبُّ إلىَّ من أن يكونَ لى مثلُ جزيةِ (^١) قصورِ الشامِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثَّامٌ، عن الأعمشِ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن طارقِ بنِ شهابٍ، قال: أخَذ عمرُ كَتِفًا، وجمَع أصحابَ النبىِّ ﷺ، ثم قال: لَأَقْضِينَّ في الكلالةِ قضاءً تَحدَّثُ به النساءُ فى خُدورِهنَّ. فخرَجتْ حينَئذٍ حيةٌ من البيتِ، فتفرَّقوا، فقال: لو أراد اللهُ أن يُتِمَّ هذا الأمرَ لأتمَّه (^٣).\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً، قال: ثنا أبو حَيَّانَ، قال: ثنى الشعبىُّ، عن ابنِ عمرَ، قال: سمعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يخطُبُ على منبرِ المدينةِ، فقال: أيها الناسُ، ثلاثٌ ودِدتُ أن رسولَ اللهِ ﷺ لم يفارقْنا حتى يَعْهَدَ إلينا فيهن عهدًا يُنتَهَى إليه؛ الجَدُّ، والكلالةُ، وأبوابٌ [من أبوابِ] (^٤) الرِّبا (^٥).\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن سعيدِ بنِ أبي عَرُوبةً، عن قتادةَ، عن سالِم بنِ أبى الجعد، عن مَعْدانَ بنِ أبى طلحةَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ، قال: ما سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن شيءٍ أكثرَ مما سألتُ عن الكلالةِ، حتى طعَن بُأصْبُعِه فى صدرى، وقال: \"تكفيك آيةُ الصيفِ، التي في آخرِ سورةِ النساءِ\" (^٦).\n_________\n(^١) فى الأصل: \"حزبة\"، وغير منقوطة في \"ص\".\n(^٢) فى م: \"الروم\". والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٥١ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه البيهقى ٦/ ٢٤٥ من طريق الأعمش به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ٤٣٩ وقال: وهذا إسناد صحيح.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه البخارى (٥٥٨٨) ومسلم (٣٠٣٢) والبيهقى ٦/ ٢٤٥، ٨/ ٢٨٩ من طرق عن أبى حيان به.\n(^٦). أخرجه مسلم (١٦١٧)، وأحمد (١٧٩) من طريق إسماعيل ابن علية به، وأحمد (٣٤١) من طريق سعيد بن أبى عروبة به، وفى (٨٩) من طريق قتادة به.","vol":"7","page":721},{"text":"حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجَوْهَرىُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ بكرِ (^١) السَّهْمىُّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سالمِ بن أبى الجعدِ، عن مَعْدانَ، عن عمرَ، قال: لم أَدَعْ شيئًا أهمَّ عندى من أمرِ الكلالةِ، فما أَغْلَظ لى رسولُ اللهِ ﷺ فى شيءٍ ما أَغْلَظ لي فيها، حتى طعَن بأُصبعِه فى صدرى -أو في جَنْبى- فقال: \"تكْفيك الآيةُ التي أُنزِلت في آخرِ النساءِ\".\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سالِم بنِ أبى الجعدِ، عن معدانَ بنِ أبى طلحةَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ خطَب الناسَ يومَ الجمعةِ، فقال: إني واللهِ ما أدَعُ بعدى شيئًا هو أهمُّ إلىَّ من أمرِ الكلالةِ، وقد سألتُ عنها رسولَ اللهِ ﷺ، فما أَغْلَظ لى فى شيءٍ ما أَغْلَظ لي فيها، حتى طعَن في نَحْرى وقال: \"تكفيك آيةُ الصيفِ، التى أُنْزِلتُ في آخرِ سورةِ النساءِ\". وإن أعِشْ أقضِ فيها بقضيةٍ لا يختلِفُ فيها أحدٌ قرَأ القرآنَ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا هشامٌ، عن قتادةَ، عن سالِم بنِ أبى الجعدِ، عن مَعْدان بنِ أبى طلحةَ، عن عمرَ بنِ الخطابِ، بنحوِه (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ علىٍّ بنِ الحسنِ بنِ شقيقٍ، قال: سمِعتُ أبى يقولُ: أخبرنا أبو حمزةَ، عن جابرٍ، عن الحسنِ بنِ مسروقٍ، عن أبيه، قال: سألتُ عمرَ وهو يخطُبُ الناسَ عن ذى قَرابةٍ لى ورِث كلالةً، فقال: الكلالةُ، الكلالةُ، الكلالةُ. وأخَذ بلحيتِه. ثم قال: واللهِ لَأَنْ أَعْلَمَها أَحبُّ إليَّ من أن يكونَ لى ما على الأرضِ من شيءٍ؛ سألتُ عنها رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: \"ألمْ تسمَعِ\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١: \"بكير\" وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٣٤٠.\n(^٢) أخرجه أحمد (١٨٦) ومسلم (١٦١٧) والطيالسى (٥٣) من طريق هشام به.","vol":"7","page":722},{"text":"الآيةَ التى أُنْزِلت في الصيفِ؟ \". فأعادها ثلاثَ مَرَّاتٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن زكريا، عن أبى (^٢) إسحاقَ، عن أبى سَلَمةَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبى ﷺ، فسأله عن الكلالةِ، فقال: \"أَلَمْ تسمَعِ الآيةَ التى أُنْزِلت فى الصيفِ؛ ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾؟ \". إلى آخرِ الآيةِ (^٣).\nحدَّثنى محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ عيسى، قال: ثنا ابنُ لَهيعةً، عن يزيدَ بنِ أبى حَبيبٍ، عن أبى الخيرِ، أن رجلًا سأل عقبةَ عن الكلالةِ، فقال: ألا تعجَبون من هذا؟ يسألُنى عن الكلالةِ، وما عضَل بأصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ شيءٌ ما أَعْضَلت بهم الكلالةُ (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: فإن قال قائلٌ: فما وجهُ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾. وقد علمتَ اتفاقَ جميعِ أهلِ القبلةِ خلا ابنَ عباسٍ وابنَ الزُّبيرِ، على أن الميتَ لو ترَك بنتًا وأختًا، أن لا بنتِه النصفَ، وما بَقِى فلأختِه إذا كانت أختُه لأبيه وأمِّه، أو لأبيه، فأين ذلك من قولِه: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾. وقد ورَّثوها النصفَ مع الولدِ؟\nقيل: إن الأمرَ فى ذلك بخلافِ ما ذهبتَ إليه، إنما جعَل اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾. إذا لم يكنْ للميِّتِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٥١ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) أخرجه البيهقى ٦/ ٢٢٤ من طريق عمار بن زريق عن أبي إسحاق به، قال البيهقي: وحديث أبي إسحاق عن أبى سلمة منقطع وليس بمعروف.\n(^٤) أخرجه الدارمى ٢/ ٣٦٦ من طريق يزيد بن أبى حبيب به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٢/ ٢٥٠ إلى المصنف وابن أبى شيبة.","vol":"7","page":723},{"text":"ولدٌ ذكرٌ ولا أنثى وكان موروثًا كلالةَ - النصفَ من تَرِكتِه فريضةً لها مسمَّاةً، فأما إذا كان للميِّتِ ولدٌ أنثى [فهى معها (^١) عصبةٌ يصيرُ لها ما كان يصيرُ للعصبةِ غيرِها لو لم تكنْ (^٢)] (^٣)، وذلك غيُر محدودٍ بحدِّ، ولا مفروضٍ لها فرضُ سهامِ أهلِ الميراثِ بميراثِهم عن ميّتِهم، ولم يقلِ اللهُ جلَّ ثناؤه فى كتابِه: فإن كان له ولدٌ فلا شيءَ لأختِه معه. فيكونَ لما رُوِى عن ابنِ عباسٍ وابنِ الزبيرِ فى ذلك وجةٌ يُوجَّهُ إليه، وإنما بيَّن جلَّ ثناؤُه مبلَغَ حقِّها إذا وُرِث الميِّتُ كلالةً، وترَك بيانَ ما لها من حقٍّ إذا لم يُورَثُ كلالةً فى كتابِه، وبيَّنه بوحيِه على لسانِ رسولِه ﷺ، فجعَلها عصبةً مع (^٤) إناثِ ولدِ الميِّتِ، وذلك معنًى غيرُ معنى وراثتِها (^٥) الميِّتَ إذا كان موروثًا كلالةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-2338>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وأخو المرأةِ يرثُها إن ماتت قبلَه إذا وُرِثتْ (^٦) كلالةً ولم يكنْ لها ولدٌ ولا والدٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2339>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾: فإن\n_________\n(^١) في الأصل \"معه\" وفى م: (مع)، والسياق يقتضى ما أثبتناه.\n(^٢) في الأصل: \"يكن\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في الأصل: \"من\".\n(^٥) فى الأصل: \"وارثتها\"، وفى ص، ت ١: \"وثانيها\".\n(^٦) في م: \"ورث\".","vol":"7","page":724},{"text":"كانت المتروكةُ من الأخواتِ لأبيه وأمِّه أو لأبيه، اثنتين، فلهما ثلثا ما ترَك أخوهما الميِّتُ إذا لم يكنْ له ولدٌ ووُرث كلالةً، ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً﴾. يعنى: وإن كان المتروكون من إخوته ﴿رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ﴾ منهم وبميراثِهم عنه من تركتِه، ﴿مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. يعنى: مثلُ نصيبِ اثنتين من أخواتِه (^١)، وذلك إذا وُرِث كلالةً، والإخوةُ والأخواتُ إخوتُه وأخواتُه لأبيه وأمِّه أو لأبيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2340>القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: يبيِّن اللهُ لكم قسمةَ مواريثِكم، وحكمَ الكلالةِ، وكيف فرائضُهم، ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾، بمعنى: لئلا تَضِلُّوا في أمرِ [المواريثِ وقسمتِها] (^٢)، أي: لئلا تجوروا عن الحقِّ فى ذلك، وتُخْطِئوا الحكمَ فيه، فتَضِلَّوا عن قصدِ السبيلِ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾. قال: في شأنِ المواريثِ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ حُميدٍ المَعْمَرىُّ، وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قالا جميعًا: أخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، قال: كان عمرُ إذا قرَأ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾. [قال: اللهمَّ من بيَّنتَ له الكلالةَ فلم تُبَيِّنْ لى] (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إخوته\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الميراث في قسمته\".\n(^٣) سقط من: الأصل. والأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٨، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٤/ ١١٢٧ (٦٣٤١) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"7","page":725},{"text":"[قال أبو جعفرٍ: وموضعُ \"أن\" في قولِه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾] (^١). نصبٌ في قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ؛ لاتصالِها بالفعلِ، وفي قولِ بعضِهم خفضٌ، بمعنى: يبيِّنُ اللهُ لكم بألَّا تضلُّوا، ولئلا تضلُّوا، وأُسْقِطتْ \"لا\" من اللفظِ، وهى مطلوبةٌ في المعنى؛ الدَلالةِ الكلامِ عليها، والعربُ تفعَلُ ذلك، تقولُ: جئتُكَ أن تلومَنى. بمعنى: جئتُكَ أن (^٢) لا تلومَنى، كما قال القَطَامىُّ فى صفةِ ناقةٍ (^٣):\nرأَيْنا ما يَرَى البُصَراءُ فيها … فآلَينا عليها أن تُبَاعَا\n[بمعنى: أَلَّا تباعَ] (١).\n\n<span data-type='title' id=toc-2341>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾. من مصالحِ عبادِه في قسمةِ مواريثِهم وغيرِها، وجميعِ الأشياءِ، ﴿عَلِيمٌ﴾. يقولُ: هو بذلك كلِّه ذو علمٍ.\nآخر تفسيرِ سورةِ \"النساءِ\"، [والحمدُ للهِ ربِّ العالمين] (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في الأصل: \"لأن\".\n(^٣) ديوان القطامي ص ٤٠.\n(^٤) في الأصل: \"تم الجزء من أجزاء الشيخ رحمة الله عليه ومغفرته. وبعده في ص: \"وصلى الله على محمد وآله وسلم\".","vol":"7","page":726},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-2342>تفسيرُ السورةِ التى يُذكَرُ فيها المائدةُ</span>\n\n<span id=\"aya-670\"></span><span data-type='title' id=toc-2343>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: يا أيها الذين أقرُّوا بوحدانيةِ اللهِ وأَذْعَنوا للَّهِ (^١) بالعبودةِ، وسلَّموا له الألوهةَ، وصدَّقوا رسولَه محمدًا ﷺ فى نبوَّتِه، وفيما جاءهم به من عندِ ربِّهم من (^٢) شرائعِ ودينهِ، ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. يعنى: أَوْفُوا بالعهودِ التى عاهدتموها ربَّكم، والعقودِ التى عاقدتموها (^٣) إيَّاه، وأَوْجَبتم بها على أنفسِكم حقوقًا، وألزَمتم بها أنفسَكم للهِ فروضًا، فأتِمُّوها بالوفاءِ والكمالِ والتمامِ منكم للهِ بما اَلْزَمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم بما أو جَبتُموه له بها على أنفسِكم، ولا تَنْكُثوها فتَنْقُضوها بعدَ توكيدِها.\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ فى \"العقودِ\" التى أمَر اللهُ جلّ ثناؤُه بالوفاءِ بها بهذه (^٤) الآيةِ، بعدَ إجماعِ جميعِهم على أن معنى العقودِ العهودُ؛ فقال بعضُهم: هي العقودُ التي كان أهلُ الجاهليةِ عاقَدَ بعضُهم بعضًا على النصرةِ\n_________\n(^١) سقط من ت ٢، وفى ص، م: \"له\".\n(^٢) في الأصل: \"ومن\".\n(^٣) في الأصل: \"عاهدتموها\".\n(^٤) بعده في الأصل: \"فى هذه\".","vol":"8","page":5},{"text":"والمؤازرةِ والمظاهرةِ على من حاول ظلمَه أو بغاه سوءًا. وذلك هو معنى الحِلْفِ الذي كانوا يتعاقَدونه بينَهم.\nذكرُ من قال: معنى العقودِ العهودُ\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. يعنى: بالعهودِ (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: العهودُ (^٢).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا [أبى، عن سفيانَ] (^٣)، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ (^٤)، عن (^٥) أبى جعفرٍ الرازىِّ، عن الرَّبيع بنِ أنسٍ، قال: جلَسنا إلى مُطَرِّفِ بنِ الشِّخِّيرِ وعندَه رجلٌ يحدِّثُهم، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: هى العهودُ.\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾. قال: العهودُ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٤٣٥٦) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ٢/ ٢٥٣ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم. وستأتي بقيته في ص ٩.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٩٨.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ابن أبى سفيان\".\n(^٤) في الأصل: \"الرحيم\". وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ١٦٤.\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ابن\".\n(^٦) ينظر التبيان ٣/ ٤١٤.","vol":"8","page":6},{"text":"حدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: بالعهودِ (^١).\nحُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضَّحاكَ يقولُ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾: بالعهودِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: بالعهودِ (^٢).\nحدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: هى العهودُ (^٣).\nحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: سمِعت سفيانَ الثورىَّ يقولُ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾: بالعهودِ (^٣).\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، [عن مجاهدٍ] (^٤) مثلَه.\nقال أبو جعفرٍ: والعقودُ جمعُ عَقْدٍ، وأصلُ العَقْدِ: عقدُ الشئِ بغيرِه، وهو وصلُه به، كما يُعْقَدُ الحبلُ بالحبلِ، إذا وُصِل به شدًّا، يقالُ منه: عقَد فلانٌ بينَه وبينَ فلانٍ عَقْدًا، فهو يعقِدُه. ومنه قولُ الحُطَيئةِ (^٥):\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"هى العهود\". وينظر التبيان ٣/ ٤١٤، وتفسير ابن كثير ٣/ ٥.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨١، وليس فيه ذكر معمر. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٥٣ إلى عبد بن حميد. وستأتى بقيته في ص ٩.\n(^٣) ينظر التبيان ٣/ ٤١٤.\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) ديوانه ص ١٢٨.","vol":"8","page":7},{"text":"قومٌ إذا عقَدوا عَقْدًا لجارِهمُ … شدُّوا العِنَاجَ (^١) وشدُّوا فَوْقَه الكَرَبَا (^٢)\nوذلك إذا واثَقه (^٣) على أمرٍ وعاهَده عليه عهدًا بالوفاءِ له بما عاقَده عليه، من أمانٍ أو (^٤) ذمَّةٍ، أو نصرةٍ، أو نكاحٍ، أو بيعٍ، أو شَرِكةٍ، أو غيرِ ذلك من العقودِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2344>ذكرُ من قال المعنى الذى ذكَرنا عمَّن قاله في المرادِ من قولِه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. أى: بعقدِ (^٥) الجاهليةِ. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"أَوْفُوا بعقدِ الجاهليةِ، ولا تُحْدِثوا عقدًا في الإسلامِ \" (^٦). وذُكِر لنا أن فُرَاتَ بنَ حَيَّانَ العِجْليَّ سأل رسولَ اللهِ ﷺ عن حِلْفِ الجاهليةِ، فقال نبىُّ اللهِ ﷺ: \"لعلَّك تسألُ عن حِلْفِ [لَخْمٍ وتَيْمِ اللهِ] (^٧) فقال: نعم يا نبىَّ اللهِ.\n_________\n(^١) العناج: خيط خفيف يشد في إحدى آذان الدلو الخفيفة إلى العرقوة - خشبة معروضة على الدلو - التاج (ع ن ج).\n(^٢) الكرب: الحبل الذي يشد على الدلو بعد المَنِين، وهو الحبل الأول، فإذا انقطع المَنِين، بقى الكرب. التاج (ك ر ب).\n(^٣) في الأصل: \"وافقه\".\n(^٤) في م: \"و\".\n(^٥) في الأصل: \"بعهد\".\n(^٦) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٢/ ٢٥٣ إلى المصنف وابن المنذر. تقدم المرفوع في ٦/ ٦٨٣ وما بعدها نحو ذلك.\n(^٧) في الأصل: \"لجيم وتيم اللات\". وفي مصدر التخريج: \"لخم وتميم\". ولخم: حى من جذام، وقيل: حى من اليمن ومنهم كانت ملوك العرب فى الجاهلية وهم آل عمرو بن عدى بن نصر اللخمى.\nوقيل: ملوك لخم كانوا نزلوا الحيرة، وهم آل المنذر. وتيم الله: حى من بكر بن وائل، يقال لهم اللهازم، وهو تيم بن ثعلبة بن عُكابة، ومعنى تيم الله: عبد الله. من قولهم: تيمه الحب. أى عبده وذلله. أما تيم اللات - وهم المقصودون هنا - فهى تيم اللات بن ثعلبة بطن من الخزرج، وقد سماهم النبى ﷺ تيم الله. اللسان (ل خ م، ت ى م)، معجم قبائل العرب ١/ ١٣٩.","vol":"8","page":8},{"text":"قال: \"لا يَزِيدُه الإسلامُ إِلَّا شِدَّةً\" (^١).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: هي (^٢) عقودُ الجاهليةِ، الحِلْفُ (^٣).\nوقال آخرون: بل هى العهودُ (^٤) التى أخَذ اللهُ على عبادِه بالإيمانِ به وطاعتِه فيما أحَلَّ لهم وحرَّم عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2345>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنى المثنى، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. يعنى: ما أَحَلَّ وما حرَّم، وما فرَض وما حدَّ فى القرآنِ كلِّه، فلا تَغْدِروا، ولا تَنْكُثوا، ثم شدَّد ذلك فقال: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾. إلى قولِه: ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾ (^٥) [الرعد: ٢٥].\nحدثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾: ما (^٦) عقد الله على العبادِ مما (^٧) أحَلَّ لهم وحرَّم عليهم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى فى الكبير ١٨/ ٣٢٢ (٨٣٢) من طريق سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن فرات بن حيان. وينظر المجمع ٨/ ١٧٣.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) تقدم أوله في ص ٧.\n(^٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الحلف\".\n(^٥) تقدم أوله في ص ٦.\n(^٦) في الأصل: \"قال\".\n(^٧) في الأصل: \"بما\".","vol":"8","page":9},{"text":"وقال آخرون: بل هى العقودُ التى يتعاقدُها الناسُ بينَهم، ويعقِدُها المرءُ على نفسِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2346>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدثنا أبى، عن موسى بنِ عُبيدةَ، عن أخيه عبدِ اللهِ بنِ عُبيدةَ، قال: العقودُ خمسٌ؛ عُقْدَةُ الأيمانِ، وعُقْدُة النكاحِ، وعُقْدةُ العهدِ، وعُقْدةُ البيع، وعُقْدةُ الحِلْفِ (^١).\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن موسى بن عُبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظىِّ، أو عن أخيه عبدِ اللهِ بنِ عُبيدةَ، بنحوِه (^٢).\nحدثنى يونسُ بن عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: عَقدُ العهدِ، وعَقدُ اليمينِ، وعَقدُ الحلِفِ، وعَقدُ الشركةِ، وعَقدُ النكاحِ. قال: هذه العقودُ خمسٌ.\nحدثني المثنى، قال: ثنا عُتْبةُ بنُ سعيدٍ الِحمْصيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلمَ، قال: ثنى أبى فى قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: العقودُ خمسٌ؛ عُقدةُ النكاحِ، وعُقْدَةُ (^٣) الشركةِ، وعُقْدَةُ اليمينِ، وعُقْدةُ العهدِ، وعُقْدةُ الحِلْفِ (^٤).\nوقال آخرون: بل هذه الآيةُ أمرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه لأهلِ الكتابِ بالوفاءِ بما أخَذ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٥٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٥.\n(^٣) فى ص، م: \"عقد\".\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٥٣ إلى المصنف.","vol":"8","page":10},{"text":"به ميثاقَهم من العملِ بما فى التوراةِ والإنجيلِ فى تصديقِ محمدٍ ﷺ، وما جاءهم به من عنِد اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2347>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: الله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: العهودُ التى أخَذها اللهُ على أهلِ الكتابِ أن يعمَلوا بما جاءهم (^١).\nحدثني المثنى، قال: ثني أبو صالحٍ، قال: ثنا الليثُ، قال: ثنى يونسُ، قال: قال محمدُ بنُ مسلمٍ: قرَأتُ كتابَ رسولِ اللهِ ﷺ الذى كتَب لعمرِو بنِ حَزْمٍ حينَ بعثَه على (^٢) نَجْرانَ (^٣)، فكان الكتابُ عندَ أبى بكرِ بنِ حَزْمٍ، فيه: هذا بيانٌ من اللهِ ورسولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. فكتَب الآياتِ منها، حتى بلَغ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (^٤) [المائدة: ٤].\nوأولى الأقوالِ فى ذلك عندَنا بالصوابِ ما قاله ابنُ عباسٍ، وأن معناه: أوْفُوا أيها المؤمنون بعقودِ الله التى أَوْجَبها عليكم وعقَدها، فيما أحلَّ لكم وحرَّم عليكم، وألْزمكم فَرْضَه، وبيَّن لكم حدودَه.\nوإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ من غيرِه من الأقوالِ؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤه أتْبَع ذلك البيانَ عما أحلَّ لعبادِه وحرَّم عليهم، وما أوْجب عليهم من فرائِضه، فكان معلومًا بذلك أن قولَه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. أمرٌ منه عبادَه بالعملِ بما ألْزَمهم من\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٣/ ٤١٥، وتفسير البغوى ٣/ ٦.\n(^٢) فى م: \"إلى\".\n(^٣) نجران: قبيلة فى مخاليف اليمن من ناحية مكة. البلدان ٤/ ٧٥١.\n(^٤) ينظر تاريخ المصنف ٣/ ١٢٨، ودلائل النبوة للبيهقى ٥/ ٤١٣، وتفسير ابن كثير ٣/ ٥.","vol":"8","page":11},{"text":"فرائضِه وعقودِه عَقِيبَ ذلك، ونَهْىٌ منه لهم عن نقضِ (^١) ما عقَده [عليهم منه] (^٢)، مع أن قولَه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. أمرٌ منه بالوفاءِ بكلِّ عقدٍ أذِن فيه، فغيرُ جائزٍ أن يُخَصَّ منه شيءٌ حتى (^٣) تقومَ حجةٌ بخصوصِ شيءٍ منه يجبُ التسليمُ لها.\nفإذ كان الأمرُ فى ذلك كما وصَفنا، فلا معنى [لقولِ من] (^٤) وجَّه ذلك إلى معنى الأمر بالوفاءِ ببعضِ العقودِ التى أمَر الله جل ثناؤُه بالوفاءِ بها دونَ بعضٍ.\nوأما قولُه: ﴿أَوْفُوا﴾. فإن للعربِ فيه لغتين: إحداهما: \"أَوْفُوا\". من قولِ القائلِ: أَوْفَيتُ لفلانٍ بعهدِه، أُوفِى له به. والأُخرى: \"فُوا\" (^٥) من قولِهم: وَفَيْتُ له بعهدِه، أَفِى.\nوالإيفاءُ بالعهدِ (^٦): إتمامُه على ما عُقِد عليه من شروطِه الجائزةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2349>القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى \"بهيمةِ الأنعامِ\" التي ذكَر اللهُ جل ثناؤه في هذه الآيةِ أنه أحلَّها لنا؛ فقال بعضُهم: هى الأنعامُ كلُّها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2348>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن عوفٍ، عن الحسن، قال:\n_________\n(^١) فى الأصل: \"بعض\".\n(^٢) فى الأصل: \"فيه\".\n(^٣) فى الأصل: \"حين\".\n(^٤) فى الأصل: \"لمن\".\n(^٥) سقط من: ص، م.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بالعقد\".","vol":"8","page":12},{"text":"بهيمةُ الأنعامِ: مِن (^١) الإبلِ والبقرِ والغنمِ (^٢).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. قال: الأنعامُ كلُّها (^٣).\nحدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. قال: الأنعامُ كلُّها.\nحدثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهٍ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ فى قولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. قال: الأنعامُ كلُّها.\nحدثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سِمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾: هي الأنعامُ.\nوقال آخرون: بل عنَى بقولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. أجنَّةَ الأنعامِ التى تُوجدُ فى بطونِ أمهاتِها - إذا نُحِرت أو ذُبِحت - مَيِّتةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-2350>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنى الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو عبدِ الرحمنِ الفَزاريُّ، عن عطيةَ العوفىِّ، عن ابنِ عمرَ فى قولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ\n_________\n(^١) فى م: \"هي\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٥٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨١. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٥٣ إلى عبد بن حميد. وستأتي بقيته في ص ١٦.","vol":"8","page":13},{"text":"الْأَنْعَامِ﴾. قال: ما في بطونِها. قال: قلت: إن خرَج ميِّتًا آكُلُه؟ (^١) قال: نعم (^٢).\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: أخبرنا يحيى بنُ زكريا، عن إدريسَ الأَوْدِيِّ، عن عطيةَ، عن ابنِ عمرَ نحوَه، وزاد فيه: قال: نعم، هو بمنزلةِ رِئَتِها وكَبِدِها (^٣).\nحدثنا ابنُ حُميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: الجنينُ من بهيمةِ الأنعامِ، فكُلوه (^٤).\nحدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن مِسْعرٍ وسفيانَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، أن بقرةً نُحِرت، فُوجِد في بطنِها جنينٌ، فأخَذ ابنُ عباسٍ بذَنَبِ الجنينِ، فقال: هذا من بهيمةِ الأنعامِ التى أُحِلَّت لكم (^٥).\nحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: هو من بهيمةِ الأنعامِ.\nحدثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ ومؤمَّلٌ، قالا: ثنا سفيانُ، عن قابوسَ، عن أبيه، قال: ذبَحنا بقرةً، فإذا في بطنِها جنينٌ، فسألنا ابنَ عباسٍ، فقال: هذه بهيمةُ الأنعامِ.\nقال أبو جعفرٍ: وأولى القولين بالصوابِ فى ذلك قولُ من قال: عَنى بقولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. الأنعامَ (^٦) كلَّها، أجِنَّتَها وسِخالَها وكبارَها؛ لأن\n_________\n(^١) فى الأصل: \"أكلته\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٥٣ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه البيهقى ٩/ ٣٣٦ من طريق يحيى بن زكريا به بنحوه.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور - كما فى الدر المنثور ٢/ ٢٥٣ - ومن طريقه البيهقى ٩/ ٣٣٦ عن جرير، عن منصور، عن قابوس به. وعزاه السيوطى إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه. وينظر المحلى ٨/ ١٢٢.\n(^٥) تفسير سفيان ص ٩٩.\n(^٦) زيادة من: م.","vol":"8","page":14},{"text":"العربَ لا تمتنعُ من تسميةِ جميعِ ذلك بهيمةً وبهائمَ، ولم يَخْصُصِ اللهُ منها شيئًا دونَ شيءٍ، فذلك على عمومِه وظاهرهِ حتى تأتىَ حجةٌ بخصوصِه يجبُ التسليمُ لها. وأما النَّعَمُ فإنها عندَ العربِ اسمٌ للإبلِ (^١) والبقرِ والغنمِ خاصَّةً، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥]. ثم قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ففصَل جنسَ النَّعَمِ من غيرِها من أجناسِ الحيوانِ.\nوأما بهائمُها فإنها أولادُها. وإنما قلنا: يلزَمُ الكبارَ منها اسمُ بهيمةٍ كما يلزَمُ الصغارَ؛ لأن معنى قولِ القائلِ: بهيمةُ الأنعامِ. نظيُر قولِه: ولدُ الأنعامِ. [فكما لا] (^٢) يسقُطُ معنى الولادةِ عنه بعدَ الكِبَرِ، فكذلك لا يسقُطُ عنه اسمُ البهيمةِ بعدَ الكِبَرِ.\nوقد قال قومٌ: بهيمةُ الأنعامِ: وَحْشُها (^٣)؛ كالظِّباءِ وبقرِ الوحشِ والحُمُرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2352>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه وتَقدَّست أسماؤُه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى الذي عناه اللهُ جل ثناؤه بقولِه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى اللهُ بذلك: أُحِلَّت لكم أولادُ الإبلِ والبقرِ والغنمِ، إلا ما بيَّن اللهُ لكم فيما يُتْلى عليكم بقولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ الآية [المائدة: ٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-2351>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى\n_________\n(^١) في الأصل: \"الإبل\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فلما لا\"، وفى م: \"فلما كان لا\".\n(^٣) فى م: \"وحشيها\".","vol":"8","page":15},{"text":"نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: إلَّا المَيْتَةَ وما ذُكِر معها (^١).\nحدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: من المَيْتَةِ التى نهَى اللهُ عنها وقدَّم فيها.\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. قال: إلا المَيْتَةَ وما لم يُذْكَرِ اسمُ اللهِ عليه (^٢).\nأخبرنا محمدُ بنِ الحسين، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: أخبرنا أسباطُ، السُّدِّىِّ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: الميتةُ والدَّمُ ولحمُ الخنزيرِ (^٣).\nحدثنى المثنى، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: هى الميتةُ والدَّمُ ولحمُ الخنزيرِ وما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ به (^٤).\nوقال آخرون: بل الذى اسْتَثنى اللهُ ﷿ بقولِه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ الخنزيرُ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٢٩٨. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٥٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨١.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حدثنى المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: الميتة ولحم الخنزير\".\n(^٤) ذكره ابن كثير ٣/ ٦ عن على بن أبى طلحة به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٥٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقى فى شعب الإيمان.","vol":"8","page":16},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2353>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنى عليُّ (^١) بن داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. قال: الخنزيرُ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى التأويلين عندى (^٣) بالصوابِ تأويلُ من قال: عنَى بذلك: إلا ما يُتْلَى عليكم من تحريمِ اللهَ ما حرَّم عليكم بقولِه (^٤): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ الآية؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه اسْتَثْنَى مما أباح لعبادِه من بهيمةِ الأنعامِ ما (^٥) حرَّم عليهم منها. والذى حرَّم عليهم منها ما بيَّنه في قولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾. [والِخْنزيرُ] (^٦) وإن كان مما (^٧) حرَّمه اللهُ جلَّ وعزَّ علينا فليس من بهيمةِ الأنعامِ فيُسْتَثنى منها. فاستثناءُ (^٨) ما حرَّم علينا مما دخَل في جملةِ ما قبلَ الاستثناءِ، أشبهُ من استثناءِ ما حرَّم مما لم يدخُلْ في جملةِ ما قبلَ الاستثناءِ.\n_________\n(^١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبد الله\". وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٢٣.\n(^٢) ينظر التبيان ٣/ ٤١٦.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فى ذلك\".\n(^٤) في الأصل: \"لقوله\".\n(^٥) فى ص: \"مما\". وفى ت ١: \"فيما\".\n(^٦) سقط من النسخ، ولا يستقيم السياق إلا به. واستدركناه من التبيان ٣/ ٤١٦.\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٨) فى الأصل: \"ما استثنى\".","vol":"8","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2354>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: يا أيها الذين آمَنوا أَوْفوا بالعقودِ غيرَ مُحِلِّى الصيدِ وأنتم حُرُمٌ، أُحِلَّت لكم بهيمةُ الأنعامِ.\nفذلك على قولِهم من المؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ، وفـ ﴿غَيْرَ﴾ منصوبٌ، على قولِ قائلى هذه المقالةِ، على الحالِ مما في قولِه: ﴿أَوْفُوا﴾ من ذكرِ \"الذين آمَنوا\".\nوتأويلُ الكلام على مذهبِهم: أوْفُوا أيها المؤمنون بعقودِ اللهِ التي عقَدها عليكم في كتابِه، لا مُحِلِّين الصيدَ وأنتم حُرُمٌ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ الوحشيَّةِ من الطَّبَاءِ والبقرِ والحُمُرِ، ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾، غير مستحلِّى اصطيادِها، ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، إلا ما يُتْلَى عليكم. فـ ﴿غَيْرَ﴾ على قولِ هؤلاء منصوبٌ على الحالِ من الكافِ والميم اللتين في قولِه: ﴿لَكُمْ﴾ بتأويل: أُحِلَّت لكم أيها الذين آمنوا بهيمةُ الأنعامِ لا مستحلِّى اصطيادِها في حالِ إحرامِكم.\nوقال آخرون: معنى ذلك: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ كلّها، ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾، إلا ما كان منها وحشيًّا، فإنه صيدٌ فلا يحِلُّ لكم وأنتم حُرُمٌ. فكأَنَّ قال ذلك وجَّه الكلامَ إلى معنى: أُحِلَّت لكم بهيمةُ الأنعامِ كلِّها (^١)، إلا ما يُبيِّنُ لكم من وحشيِّها، غيرَ مستحلِّى اصطيادِها فى حالِ إحرامِكم. فتكونُ ﴿غَيْرَ﴾ كل منصوبةً - على قولِهم - على الحالِ من الكافِ والميمِ في قولِه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾.\n_________\n(^١) بعده في ص، م: \"إلا ما يتلى عليكم\".","vol":"8","page":18},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2355>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: أخبرنا [عبيدُ اللهِ، عن] (^١) أبى جعفرٍ الرازىِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: جلَسنا إلى مطرِّفِ بنِ الشِّخِّيرِ وعندَه (^٢) رجلٌ فحدَّثهم (^٣)، فقال: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ [إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾. قال: إلا ما كان من الأنعامِ صَيدًا] (^٤)، فهو عليكم حرامٌ. يعنى بقرَ الوحشِ والظِّباءَ وأشباهَه (^٥).\nحدثنى المثنى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ فى قولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. قال: الأنعامُ كلُّها حِلٌّ إلا ما كان منها وحشيًّا، فإنه صيدٌ، فلا يحِلُّ إذا كان مُحْرِمًا (^٥).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ - على ما تظاهَرت (^٦) به تأويلُ أهلِ التأويلِ فى قولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. من أنها الأنعامُ و(^٧) أجِنَّتُها وسخالُها، وعلى دلالةِ ظاهرِ التنزيلِ - قولُ من قال: معنى ذلك: أوْفُوا بالعقودِ غيرَ مُحِلِّى الصيدِ وأنتم حُرُمٌ، فقد أُحِلَّت لكم بهيمةُ الأنعامِ فى حالِ إحرامِكم وغيرِها من أحوالِكم، إلا ما يُتْلَى عليكم تحريمُه من الميتةِ منها والدمِ وما أُهِلَّ\n_________\n(^١) فى الأصل: \"عبد الله بن\". وينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ١٩٢.\n(^٢) في الأصل: \"عندهم\".\n(^٣) في الأصل: \"يحدثهم\".\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"صيدًا\". وفى م: \"صيدًا، غير محلى الصيد وأنتم حرم\".\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٥٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٦) فى الأصل، م: \"تظاهر\".\n(^٧) فى الأصل: \"أو\".","vol":"8","page":19},{"text":"لغيرِ اللهِ به. وذلك أن قولَه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. لو كان معناه: إلا الصيدَ. لقيل: إلا ما يُتْلَى عليكم من الصيدِ غيَر مُحِلِّيه. وفى تركِ اللهِ جل ذكرُه وصلَ (^١) قوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ بما ذكَرتُ، وإظهارِ ذكر الصيدِ فى قولِه: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾. أوضحُ الدليلِ على أن قولَه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. خبرٌ (^٢) متناهيةٌ قصتُه، وأن معنى قولِه: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ منفصلٌ منه، وكذلك لو كان قولُه تعالى ذِكرُه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ مقصودًا به قصدُ الوَحْشِ، لم يكنْ أيضًا لإعادةِ ذكرِ الصيدِ فى قولِه: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ وجهٌ، وقد مضَى ذكرُه قبلُ، ولقيل: أُحِلَّت لكم بهيمةُ الأنعامِ إلا ما يُتْلَى عليكم غيرَ مُحِلِّيه وأنتم حُرُمٌ. وفي إظهارِه ذكرَ الصيدِ في قولِه: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ أبيُن الدلالةِ على صحةِ ما قلنا فى معنى ذلك.\nفإن قال قائلٌ: فإن العربَ ربما أَظْهَرت ذكرَ الشيءِ باسمِه، وقد جرَى [ذكرُه باسِمه] (^٣) [قبلُ. قيل] (^٤): ذلك من فعلِها فى (^٥) ضرورةِ شعرٍ، وليس ذلك بالفصيحِ المستعملِ من كلامِهم، وتوجيهُ كلامِ اللهِ جل ثناؤه إلى الأفصحِ من لغاتِ من نزَلَ كلامُه بلغِته أوْلَى ما وُجِد إلى ذلك سبيلٌ من صرفِه إلى غيرِ ذلك.\nفمعنى الكلام إذن: يا أيها الذين آمنوا أَوْفُوا بعقودِ اللهِ التى عقَد عليكم فيما (^٦) حرَّم وأحلَّ، لا مُحِلِّين الصيدَ فى حرَمِكم؛ ففيما أُحِلَّ لكم من بهيمةِ الأنعامِ المذكَّاةِ دونَ ميتتِها متسَعٌ لكم، ومُسْتغْنىً عن الصيدِ فى حالِ إحرامِكم (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) فى الأصل: \"غير\".\n(^٣) في الأصل: \"بذكره اسمه\".\n(^٤) في ص: \"قبل\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قيل\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مما\".\n(^٧) في الأصل: \"حرمكم\".","vol":"8","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2357>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ </span>(١)﴾.\nقال أبو جعفر: يعنى بذلك: إن اللهَ يقضى في خلقِه ما يشاءُ من تحليلِ ما أراد تحليلَه، وتحريمِ ما أراد تحريمَه، وإيجابِ ما شاء إيجابَه عليهم (^١)، وغيرَ ذلك من أحكامِه وقضاياه، فأؤفُوا أيها [المؤمنون له] (^٢) بما عقَد عليكم من تحليلِ ما أحَلَّ لكم، وتحريمِ ما حرَّم عليكم، وغيرِ ذلك من عقودِه فلا تَنْكُثوها ولا تَنْقُضوها.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾: إن اللهَ حكَم (^٣) ما أراد فى خلقِه، وبيَّن لعبادِه، وفرَض فرائضَه، وحدَّ حدودَه، وأمرَ بطاعتِه، ونهَى عن معصيتِه (^٤).\n\n<span id=\"aya-671\"></span><span data-type='title' id=toc-2358>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: اخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِ اللِه جل ثناؤه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: [لا تُحِلُّوا حُرُماتِ اللهِ ولا تَتَعدَّوا حدودَه.\nكأنهم وجَّهوا الشعائرَ إلى المعالِم، وتأوَّلوا] (^٥): ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: معالمَ حدودِ اللهِ وأمرِه ونهيِه وفرائضِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2356>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ الثَّقفيُّ، قال: ثنا حبيبٌ المعلِّمُ، عن\n_________\n(^١) فى الأصل: \"عليكم\".\n(^٢) فى الأصل: \"الذين آمنوا\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، والدر المنثور: \"يحكم\".\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٥٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) سقط من: الأصل.","vol":"8","page":21},{"text":"عطاءٍ أنه سُئِل عن شعائرِ اللهِ، فقال: حُرُماتُ اللهِ؛ اجتنابُ سَخَطِ الله، واتباعُ طاعتِه، فذلك شعائرُ اللهِ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك (^٢): لا تُحِلُّوا حَرَمَ اللهِ. فكأنهم وجَّهوا معنى قولِه: ﴿شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. إلى معالمِ حَرَمِ اللهِ من البلادِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2359>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. قال: أما ﴿شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فحَرَمُ اللهِ (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: لا تحِلُّوا مناسكَ الحجِّ فتَضيِّعوها. وكأنهم وجَّهوا تأويلَ ذلك إلى: لا تُحِلُّوا معالمَ حدودِ اللهِ التي حدَّها لكم في حَجَّكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2360>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. قال: مناسكُ الحجِّ (^٤).\nحدَّثنى المثنى، قال: أخبرنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٥٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) فى ص، م: \"قوله\".\n(^٣) ذكره البغوى في تفسيره ٣/ ٨.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٥٤ إلى المصنف.","vol":"8","page":22},{"text":"كان المشركون يحُجُّون البيتَ الحرامَ، ويُهدون الهدايا، ويعظِّمون حُرمةَ المشاعرِ، ويَتَّجِرون في حَجِّهم، فأراد المسلمون أن يُغِيروا عليهم، فقال اللهُ ﷿: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: الصفا والمروةُ، والهَدْىُ، والبُدْنُ، كلُّ هذا من شعائرِ اللهِ (^٢).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخرون: معنى ذلك: لا تحلُّوا ما حرَّم الله عليكم في حالِ إحرامِكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2361>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. قال: شعائرُ اللهِ ما نهَى اللهُ عنه أن تصيبَه وأنت مُحْرِمٌ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وكأن الذين قالوا هذه المقالةَ وجَّهوا تأويلَ ذلك إلى: لا تُحِلُّوا معالمَ حدودِ اللهِ التي حرَّمها عليكم في إحرامِكم.\n_________\n(^١) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٣٦٠، وابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٢٩٩، ٣٠٠ من طريق أبي صالح به بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٥٣، ٢٥٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٢٩٨.\n(^٣) بعده فى الأصل: \"قال: قال أبو جعفر\".\nوالأثر عزاه السيوطى في الدر المنثور ٢/ ٢٥٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"8","page":23},{"text":"وأَوْلَى التأويلاتِ بقولِه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قولُ عطاءٍ الذي ذكَرناه من توجيهِه معنى ذلك إلى: لا تُحِلُّوا حُرُماتِ اللهِ، ولا تضيِّعوا فرائضَه؛ لأن الشعائرَ جمعُ شعيرةٍ، والشعيرةُ فعيلةٌ، من قولِ القائلِ: قد شعَر فلانٌ بهذا الأمرِ. إذا علِم به، فالشعائرُ المعالمُ من ذلك. وإذا كان ذلك كذلك، كان معنى الكلامِ: لا تَسْتَحِلُّوا، أيها الذين آمنوا، معالَم اللهِ. فيدخُلُ فى ذلك معالُم الله كلُّها في مناسكِ الحجِّ، من (^١) تحريمِ ما حرَّم الله (^٢) إصابتَه فيها على المُحْرِمِ، وتضييعِ ما نهَى عن تضييعِه فيها، وفيما حرَّم من استحلالِ حُرُماتِ حَرَمِه، وغيرِ ذلك من حدودِه وفرائضِه، وحلالِه وحرامِه؛ لأن كلَّ ذلك من معالمِه وشعائرِه التي جعَلها أماراتٍ بينَ الحقِّ والباطلِ، يُعْلِمُ بها حلالَه وحرامَه، وأمرَه ونهيَه.\nوإنما قلنا: هذا (^٣) القولُ أولى بتأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. لأن اللهَ جل ثناؤه نهَى عن استحلالِ شعائرِه ومعالِم حدودِه وإحلالِها نهيًا عامًّا من غيرِ اختصاصِ شيءٍ من ذلك دونَ شيءٍ، [فلم يَجُزْ] (^٤) لأحدٍ أن يوجِّهَ معنى ذلك إلى الخصوصِ إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها، ولا حجةَ بذلك كذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-2362>القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾: ولا تستحِلُّوا الشهرَ الحرامَ بقتالِكم فيه (^٥) أعداءَكم من المشركين، وهو\n_________\n(^١) فى الأصل: \"في\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في م: \"ذلك\".\n(^٤) في الأصل: \"فلن يجوز\".\n(^٥) فى م: \"به\".","vol":"8","page":24},{"text":"كقولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧].\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن عباسٍ وغيرُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2363>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾. يعنى: لا تستحلُّوا قتالًا فيه (^١).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: كان المشركُ يومَئِذٍ لا يُصَدُّ عن البيتِ (^٢)، فأُمِروا ألا يقاتِلوا في [الشهرِ الحرامِ] (^٣) ولا عندَ البيتِ (^٤)\nقال أبو جعفرٍ: وأما \"الشهرُ الحرامُ\" الذي عناه اللهُ جل ثناؤه بقولِه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ فرجبُ مُضَرَ. وهو شهرٌ كانت مضرُ تُحرِّمُ فيه القتالَ.\nوقد قيل: هو في هذا الموضعِ ذو القَعْدةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2364>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ، قال: هو ذو القَعْدةِ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٩٩، ٣٠٠ من طريق أبى صالح به.\n(^٢) في الأصل: \"بيت الله\".\n(^٣) في الأصل: \"الأشهر الحرم\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٢، ومن طريقه النحاس في ناسخه ص ٣٥٩، وابن الجوزي في نواسخه ص ٣٠٠، ٣٠١ مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٤ إلى عبد بن حميد، وستأتى بقيته في ص ٢٧، ٣٦، ٣٩.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٤ إلى المصنف.","vol":"8","page":25},{"text":"قال أبو جعفر: وقد بيَّنا الدَّلالةَ على صحةِ ما قلنا في ذلك فيما مضى. وذلك في تأويلِ قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-2365>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: أما الهَدْى، فهو ما أهداه [المرءُ من بعيرٍ] (^٢) أو بقرةٍ أو شاةٍ أو غيرِ ذلك إلى بيتِ اللهِ؛ تقرُّبا به إلى اللهِ جل ثناؤه وطلبَ ثوابِه.\nيقولُ اللهُ ﷿: فلا تستحلُّوا ذلك فتَغصِبوه (^٣) أهلَه عليه، ولا تَحُولوا بينَهم وبينَ ما أَهْدَوا من ذلك أن [يُبَلِّغوه مَحِلَّه من الحَرَمِ، ولكن خلُّوهم وإياه حتى] (^٤) يَبْلُغوا به المَحِلَّ الذي جعَله اللهُ مَحِلَّه من كعبتِه.\nوقد رُوى عن ابن عباسٍ أن الهَدْيَ إنما يكونُ هديًا ما لم يقلَّدْ.\nحدَّثني بذلك محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾. قال: الهَدْىُ ما لم يقلَّدْ، وقد جعَل (^٥) على نفسِه أن يُهْديَه ويقلِّدَه (^٦).\nوأما قولُه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. فإنه يعنى: ولا تُحِلُّوا أيضًا القلائدَ.\nثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في \"القلائدِ\" التي نهَى اللهُ جل ثناؤه عن إحلالِها؛ فقال بعضُهم: عنَى بالقلائِد قلائدَ الهدى. وقالوا: إنما أراد اللهُ بقولِه: ﴿وَلَا الْهَدْيَ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٣/ ٦٤٨ وما بعدها.\n(^٢) في الأصل: \"المؤمن بعيرا\".\n(^٣) في م: \"فتغضبوا\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في الأصل: \"جعله\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"8","page":26},{"text":"وَلَا الْقَلَائِدَ﴾: ولا تُحِلُّوا الهدايا المقلَّداتِ منها وغيرَ المقلَّداتِ. فقولُه (^١): ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾. ما لم يقلَّدْ من الهدايا، ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ المقلَّد منها. قالوا: ودلَّ بقولِه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. على معنى ما أراد من النهيِ عن استحلالِ الهدايا المقلَّدةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2366>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾: القلائدُ مقلَّداتُ الهديِ، وإذا قلَّد الرجلُ هديَه فقد أَحْرَم، فإن فعَل ذلك وعليه قميصُه فلْيخلَعْه (^٢).\nوقال آخرون: يعنى بذلك القلائدَ التي كان المشركون يتقلَّدونها إذا أرادوا الحجَّ مُقْبِلين إلى مكةَ، من لحاءِ السَّمُرِ (^٣)، وإذا خرَجوا منها إلى منازلِهم منصرفين منها، من الشَّعَرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2367>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾. قال: كان الرجلُ في الجاهليةِ إذا خرَجَ من بيتِه يريدُ الحجَّ، تقلَّد (^٤) من السَّمُرِ فلم يعرِضُ له أحدٌ، وإذا رجَع تقلَّد قِلادةَ شَعَرٍ، فلم يعرِضُ له أحدٌ (^٥).\n_________\n(^١) في الأصل، ص: \"بقوله\".\n(^٢) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٣) السَّمُر: ضرب من العِضاه، وقيل: من الشجر صغار الورق قِصار الشوك وله بَرَمَة صفراء يأكلها الناس، وليس في العضاه شيء أجود خشبًا من السَّمُر. اللسان (س م ر).\n(^٤) في ص: \"يقلد\". وهو موافق لإحدى نسخ تفسير عبد الرزاق.\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ٢٥.","vol":"8","page":27},{"text":"وقال آخرون: بل كان الرجلُ منهم يتقلَّدُ إذا أراد الخروجَ من الحَرَمِ أو خرَج، من لِحاءِ شجَرِ الحَرَمِ، فيأمَنُ بذلك من سائرِ قبائلِ العربِ أن يعرِضوا له بسوءٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2368>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن مالكِ بن مغْولٍ، عن عطاءٍ: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. قال: كانوا يتقلَّدون من لحِاءِ شجرِ الحرَمِ، يأمَنون بذلك (^١) إذا خرَجوا من الحرَمِ، فنزَلت: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية - ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ (^٢).\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ قال: القلائدُ اللِّحاء في رِقابِ الناسِ والبهائمِ أمنٌ لهم (^٣).\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. قال: إن العربَ كانوا يقلِّدون (^٤) من لِحاءِ شجرِ مكةَ، فيقيمُ الرجلُ بمكانِه، حتى إذا انقضتِ الأشهرُ الحرُمُ فأراد أن يرجِعَ إلى أهلِه قلَّد نفسَه وناقتَه من لحِاءِ الشجرِ، فيأمنُ حتى يأتىَ أهلَه (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا\n_________\n(^١) في الأصل: \"به\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٤ إلى المصنف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٩٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في م: \"يتقلدون\".\n(^٥) ينظر التبيان ٣/ ٤٢٠.","vol":"8","page":28},{"text":"الْقَلَائِدَ﴾. قال: القلائدُ، كان الرجلُ يأخُذُ لِحَاءَ شجرةٍ من شجرِ الحَرَمِ فيُقلَّدُها (^١)، ثم يذهَبُ حيث شاء، فيأمنُ بذلك، فذلك القلائدُ (^٢).\nوقال آخرون (^٣): إنما نهَى (^٤) الله المؤمنين بقولِه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. أن ينزِعوا شيئًا من شجرِ الحرَمِ فيتقلَّدوه، كما كان المشركون يفعَلونه (^٥) في جاهليتِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2369>ذكرُ من قال ذلك</span>\nأخبرنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾: كان المشركون يأخُذون من شجرِ مكةَ من لِحاءِ السَّمُرِ فيتقلَّدونها، فيأمَنون بها من الناسِ، فنهَى اللهُ أَن يُنْزَعَ شجرُها فيُتَقلَّدَ (^٦)،\nأخبرنا ابن وكيعٍ، قال: أخبرنا عبيدُ اللهِ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: جلَسنا إلى مطرِّفِ بن الشِّخِّير وعندَه رجلٌ، فحدَّثهم في قولِه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. قال: كان المشركون يأخُذون من شجرِ مكةَ من لحِاءِ السَّمُرِ فيتقلَّدونها (^٧)، فيأمَنون بها في الناسِ، فنهَى اللهُ عزَّ ذكرُه أَن يُنْزَعَ شجرُها فيُتقلَّدَ (٢).\nوالذي هو أولى بتأويلِ قولِه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. إذ كانت معطوفةً على أولِ الكلامِ، ولم يكنْ في الكلامِ ما يدلُّ على انقطاعِها عن أولِه، ولا أنه عنَى بها النهىَ\n_________\n(^١) في م: \"فيتقلدها\".\n(^٢) ينظر التبيان ٣/ ٤٢٠.\n(^٣) بعده في الأصل: \"بل\".\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عنى\".\n(^٥) في م: \"يفعلون\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيتقلدون\".","vol":"8","page":29},{"text":"عن التقلُّد أو (^١) اتخاذِ القلائدِ من شيءٍ - أن يكونَ معناه: ولا تُحِلُّوا القلائدَ. فإذ كان ذلك بتأويِله أولى، فمعلومٌ أنه نهىٌ من اللهِ جلَّ ذكُره عن استحلالِ حُرمةِ المقلَّدِ، هديًا كان ذلك أو إنسانًا، دونَ حرمةِ القِلادةِ، وأن الله تعالى ذكرُه إنما دلَّ بتحريمِه حرمةَ القِلادةِ (^٢) على ما ذكَرنا من حرمةِ المقلَّدِ، فاجتَزأ بذكرِه القلائدَ من ذكرِ المقلَّدِ؛ إذ كان مفهومًا عندَ المخاطَبين بذلك (^٣) معنى ما أُرِيد به.\nفمعنى الآيةِ إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا: يا أيها الذين آمنوا لا تُحِلُّوا شعائرَ اللهِ ولا الشهرَ الحرامَ ولا الهَدْىَ، ولا المقلِّدَ نفسَه (^٤) بقلائدِ الحرَمِ.\nوقد ذكَر بعضُ الشعراءِ في شِعرِه ما ذكَرنا عمن تأول القلائدَ أنها قلائدُ لِحاءِ شجرِ الحرَمِ الذي كان أهلُ الجاهليةِ يتقلَّدونه، فقال وهو يعيبُ رجلين قتَلا رجلين كانا تقلَّدا ذلك (^٥):\nأَلَمْ تَقْتُلا (^٦) الحِرْجَينِ (^٧) إِذ أَعْوَرَاكُمَا (^٨) … يُمرَّانِ بالأيدى (^٩) اللِّحاءَ المُضَفَّرَا\nوالحِرْجانِ: المقتولان كذلك. ومعنى قولِه: أعوراكما: أَمكَناكما من عورتِهما.\n_________\n(^١) في الأصل: \"و\".\n(^٢) في الأصل: \"القلائد\".\n(^٣) في الأصل: \"فذلك\".\n(^٤) في م: \"بقسميه\".\n(^٥) القائل هو حذيفة بن أنس الهذلى، والبيت في ديوان الهذليين ٣/ ١٩.\n(^٦) في الديوان: \"تقتلوا\".\n(^٧) الحِرجان: رجلان أبيضان كالودعة، فإما أن يكون البياض لونهما، وإما أن يكون كنَى بذلك عن شرفهما، وكان هذان الرجلان قد قشرا لحاء شجر الكعبة ليتخفرا بذلك. اللسان (ح ر ج)، وينظر شرح أشعار الهذليين ٢/ ٥٥٥.\n(^٨) في الأصل: \"أعوزاكما\"، وفى الديوان: \"أعورا لكم\".\n(^٩) في الديوان: \"في الأيدى\".","vol":"8","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2371>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾: ولا تُحِلُّوا قاصدين البيتَ الحرامَ العامِديه. يقالُ منه: أممتُ (^١) كذا. إذا قصَدْتَه وعمَدْتَه. وبعضُهم يقولُ: يَمَّمْتُه. كما قال الشاعرُ (^٢):\nإنِّي كذاك إذا ما ساءَنى بلَدٌ … يَمَمْتُ صِدْرَ بعيرى غيرَه بلَدَا\nوالبيتُ الحرامُ بيتُ اللهِ الذي بمكةَ.\nوقد بيَّنتُ فيما مضَى لمَ قيل له: الحرامُ (^٣).\n﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ﴾، يعني: يلتمِسون أرباحًا في تجاراتِهم من اللهِ، ﴿وَرِضْوَانًا﴾. يقولُ: وأَن يَرْضَى اللهُ عنهم بنُسُكِهم.\nوقد قيل: إن هذه الآيةَ نزلت في رجلٍ من (^٤) ربيعة يقالُ له: الحُطَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2370>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: أَقْبَل الحُطَمُ بنُ هندٍ البكريُّ، ثم أحدُ بنى قيسِ بن ثعلبةَ، حتى أتَى النبيَّ ﷺ وحدَه، وخلَّف خيلَه خارجًا (^٥) من المدينةِ، فدعاه فقال: إلامَ تَدْعُو؟ فأَخْبَره - وقد كان النبيُّ ﷺ قال لأصحابِه: \"يدخُلُ اليومَ (^٦) عليكم رجلٌ من ربيعةَ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"أقمت\".\n(^٢) ينظر البيت في مجاز القرآن لأبى عبيدة ١/ ١٤٦، وفتح البارى ٨/ ٢٧٢.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٢/ ٥٣٦ - ٥٤٢.\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بنى\". وينظر الدر المنثور ٢/ ٢٥٤.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"خارجة\".\n(^٦) سقط من: الأصل.","vol":"8","page":31},{"text":"يتكلَّمُ بلسانِ شيطانٍ\" - فلما أَخْبَره النبيُّ ﷺ قال: انْظُروا لعلِّي أُسْلِمُ، ولى من أُشاورُه (^١). فخرَج من عندِه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لقد دخَل بوجهِ كافرٍ، وخرَج بعَقِبِ غادرٍ\". فمرَّ بسَرْحٍ (^٢) من سَرْحِ المدينةِ، فساقه، فانطلق به وهو يرتجزُ (^٣):\nقَدْ لفَّها الليلُ بسوَّاقٍ حُطَمْ (^٤)\nليس براعى إبلٍ ولا غَنَمْ\nولا بجزَّارٍ على ظَهْرِ الوَضَمُ (^٥)\nباتوا نيامًا وابنُ هندٍ لم يَنَمْ\nبات يقاسيها غلامٌ كالزُّلَمْ (^٦)\nخَدَلَّجُ الساقين (^٧) ممسوحُ القَدَمْ\nثم أَقْبَل من عامِ قابلٍ حاجًّا، قد قلَّد الهَدْىَ (^٨)، فأراد رسولُ اللهِ ﷺ أن يبعَثَ إليه، فنزَلت هذه الآيةُ، حتى بلَغ: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. قال له ناسٌ من\n_________\n(^١) في الأصل: \"أساوره\".\n(^٢) السَّرْح: المال يُسام في المرعى من الأنعام. اللسان (س ر ح).\n(^٣) هذا الرجز روى بأكثر من وجه ونسب إلى غير واحد. فنسبه في الأغانى ١٥/ ٢٥٤، وجمهرة اللغة ٣/ ١٧، وحماسة أبى تمام ١/ ٢٠٦، ٢٠٧ - إلى رشيد بن رميص العنزى، ونسبه في البيان والتبيين ٢/ ٣٠٨، والكامل ١/ ٣٨١ إلى الحجاج بن يوسف، ونسبه في الحماسة الشجرية ١/ ١٤٤ إلى الأغلب العجلي، ونسبه في سمط اللآلئ ٢/ ٧٢٩ إلى الحُطَم القيسى.\n(^٤) الحطم: العنيف برعاية الإبل في الشوق والإيراد والإصدار، ويلقى بعضها على بعض ويعسفها. النهاية ١/ ٤٠٢.\n(^٥) الوضم: كل شيء يوضع عليه اللحم من خشب أو بارية يوقى به من الأرض. اللسان (وض م).\n(^٦) الزُّلَم والزَّلَم: القِدْح الذي لا ريش عليه. اللسان (ز ل م).\n(^٧) خدلج الساقين: عظيمهما. اللسان (خدلج).\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وأهدى\".","vol":"8","page":32},{"text":"أصحابِه: يا رسولَ اللهِ، خلِّ بينَنا وبينَه، فإنه صاحبُنا، قال: \"إنه قد قلَّد\". قالوا: إنما هو شيءٌ كنا نصنَعُه في الجاهليةِ. فأبى عليهم، فنزَلت هذه الآيةُ فيه (^١).\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمةَ، قال: قدِم الحُطَمُ أخو (^٢) بنى ضُبيَعةَ بن ثعلبةَ البكريُّ المدينةَ في عِيرٍ له تحمِلُ (^٣) طعامًا، فباعه، ثم دخَل على النبيِّ ﷺ، فبايعه وأَسْلَم، فلما ولَّى خارجًا نظَر إليه، فقال لمن عندَه: \"لقد دخَل عليَّ بوجهِ فاجرٍ، وولَّى بقَفَا غادرٍ\". فلما قدِم اليمامةَ ارتدَّ عن الإسلامِ، وخرَج في عيرٍ له تحملُ الطعامَ في ذي القَعدةِ يريدُ مكة، فلما سمِع به أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ، تهيَّأ للخروجِ إليه نفرٌ من المهاجرين والأنصارِ ليقتَطِعوه في عيرِه، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية. فانتهى القومُ (^٤).\nقال ابن جريجٍ: قولُه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. قال: يَنْهَى عن الحُجَّاجِ أن تُقْطَعَ سُبُلُهم (^٥). قال: وذلك أن الحُطَمَ قدِم على النبيِّ ﷺ ليرتادَ وينظُرَ، فقال: إنى داعيةُ قومى (^٦)، [وسيدُ قومى] (^٧)، فاعرِضْ عليَّ ما تقولُ. فقال له: \"أَدْعُوك إلى اللهِ أن تعبُدَه ولا تشرِكَ به شيئًا، وتقيمَ الصلاةَ، وتؤتىَ الزكاةَ، وتصومَ رمضانَ، وتُحجَّ البيتَ\". فقال الحُطَمُ: في أمرِك هذا غِلظةٌ، أرجِعُ إلى قومى\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٤ إلى المصنف.\n(^٢) في الأصل: \"أحد\".\n(^٣) في م: \"يحمل\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٤، ٢٥٥ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) في الأصل: \"سبيلهم\".\n(^٦) في الأصل، ص، ت ١، س: \"قوم\".\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"8","page":33},{"text":"فأذكُرُ لهم ما ذكَرتَ، فإن قبِلوه أقْبَلت معهم، وإن أدْبَروا كنت معهم. قال له: \"ارجِعْ\". فلما خرَج، قال: \"لقد دخَل عليَّ بوجهِ كافرٍ، وخرَج من عندى بقفا (^١) غادرٍ، وما الرجلُ مسلمٍ\". فمرَّ على سَرْحٍ لأهلِ المدينةِ فانطَلق به، فطلَبه أصحابُ رسول اللهِ ﷺ ففاتهم، وقدِم اليمامةَ، وحضَر الحجُّ، فتَجهَّز (^٢) خارجًا، وكان عظيمَ التجارةِ، فاستأذنوا أن يتلقَّوه ويأخُذوا ما معه، فَأَنْزَل اللهُ جل ثناؤه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ الآية (^٣).\nحدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾ الآية. قال: هذا يومَ الفتحِ، جاء ناسٌ يؤُمُّون البيتَ (^٤) من المشركين، يُهِلُّون بعمرةٍ، فقال المسلمون: يا رسولَ اللهِ، إنما هؤلاء مشركون، فمثلُ هؤلاء فلن ندَعَهم إلا أن نُغِيرَ عليهم. فنزَل القرآنُ: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾ (^٥).\nحدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾. يقولُ: من توجَّه حاجًّا (^٦).\nحدثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ (^٧)، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن جُوَيبرٍ (^٨)،\n_________\n(^١) في ص، م: \"بعقبى\".\n(^٢) في ص، م: \"فجهز\".\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ٦/ ٤٣ ببعضه، وابن كثير في تفسيره ٣/ ٨ بنحوه.\n(^٤) بعده في الأصل: \"الحرام\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٥ إلى المصنف.\n(^٦) تقدم تخريجه في ص ٢٦.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عوف\".\n(^٨) في الأصل: \"جرير\".","vol":"8","page":34},{"text":"عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾. يعنى الحاجَّ.\nحدثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: جلَسنا إلى مطرِّفِ بن الشِّخِّيرِ وعندَه رجلٌ، فحدَّثهم (^١) فقال: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾. قال: الذين يريدون البيتَ (^٢).\nقال أبو جعفر: ثم اخْتَلف أهلُ العلمِ فيما نُسِخ من هذه الآيةِ، بعدَ إجماعهِم على أن منها منسوخًا؛ فقال بعضُهم: نُسِخ جميعُها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2372>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن بيانٍ، عن عامرٍ، قال: لم يُنْسَخْ من \"المائدةِ\": إلا هذه الآيةُ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾.\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: نسَختها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] (^٣).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثورى، عن بيانٍ، عن الشعبيِّ، قال: لم يُنْسَخ من سورةِ \"المائدةِ\" غيرُ هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ\n_________\n(^١) في الأصل: \"يحدثهم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن الجوزى في ناسخه ص ٣٠٠ من طريق يزيد به.","vol":"8","page":35},{"text":"آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (^١).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ الآية. قال: منسوخٌ. قال: كان المشركُ يومَئذٍ لا يُصَدُّ عن البيتِ، فَأُمِروا ألا يقاتِلوا في الأشهرِ الحُرُمِ، ولا عندَ البيتِ، فنسَخها قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٢).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ قال: نسَختها \"براءةُ\": ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٣).\nحدثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، [عن جُوَيْبِرٍ] (^٤) عن الضحَّاكِ مثلَه.\nحدثنا ابن حُميدِ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ (^٥)، عن منصورٍ، عن حبيبِ بن أبى ثابتٍ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. قال (^٦): هذا شيءٌ نُهِى عنه، فتُرِك كما هو. [وقال ابن حُميدٍ في حديثِه عن حبيبٍ: فقال: شيءٌ كان نُهى عنه فنزَلت] (^٧).\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٩٩ - ومن طريقه أبو عبيد في ناسخه ص ١٨٢، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٣٠١ - وتفسير عبد الرزاق ١/ ١٨١ ومن طريقه النحاس في ناسخه ص ٣٥٨، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧١٢ - تفسير) من طريق بيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٢ إلى عبد بن حميد وأبى داود في ناسخه وابن المنذر.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٢٥.\n(^٣) ينظر التبيان ٣/ ٤٢٢.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣، س \"جويبر\"، وفى ت ١: \"جوهر\".\n(^٦) بعده في الأصل: \"كان\".\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. وينظر الأثر في التبيان ٣/ ٤٢٢.","vol":"8","page":36},{"text":"حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. قال: هذا كلُّه منسوخٌ، نسَخ هذا ما (^١) أمَره بجهادِهم كافَّةً (^٢).\nوقال آخرون: الذي نُسِخ من هذه الآيةِ قولُه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-2373>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدةُ (^٣) بنُ سليمانَ، قال: قرأتُ على ابن أبي عَرُوبةَ، فقال: هكذا سمِعته من قتادةَ: نُسِخ من \"المائدةِ\": ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ نسَختها \"براءةُ\" (^٤) قال اللهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. وقال: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]. وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٧]. وهو العامُ الذي حجَّ فيه أبو بكرٍ، فنادى عليٌّ (^٥) فيه بالأَذانِ (^٦).\nحدثني المثنى، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا همَّامُ بنُ يحيى، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية. قال: فنُسِخ منها: ﴿وَلَا\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ينظر التبيان ٣/ ٤٢٢.\n(^٣) في الأصل: \"عبيدة\". وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٥٣٠.\n(^٤) بعده في الأصل: \"من الله ورسوله\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) أخرجه ابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٢٩٩ من طريق سعيد بن أبى عروبة به. وقوله: بالأذان. يشير إلى الآية الثانية من سورة التوبة.","vol":"8","page":37},{"text":"آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾، نسَختها \"براءةُ\"، فقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. فذكَر نحوَ حديثِ عَبْدةَ، [إلا أنه زاد فيه: فقال: نادى عليٌّ بالأذانِ. يعنى: قرَأ عليهم سورةَ \"براءةَ\"] (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: نزَل في شأنِ الحُطَمِ: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. ثم نسَخه اللهُ فقال: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١].\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾: [وكان المؤمنون والمشركون يحجُّون البيتَ] (^٢) جميعًا، فنهى الله المؤمنين أن يمنَعوا أحدًا أن يحُجَّ البيتَ، أو يعرِضوا له من مؤمنٍ أو كافرٍ، ثم أَنْزَلَ اللهُ بعدَ هذا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. وقال: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨]. وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. فنَفى المشركين من المسجدِ الحرامِ (^٣).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ الآية. قال: منسوخٌ، كان الرجلُ في الجاهليةِ إذا خرَج من بيتِه يريدُ الحجَّ، تقلَّد من السَّمُرِ، فلم يعرِضُ له أحدٌ، وإذا رجَع تقلَّد قِلادةَ شَعَرٍ، فلم يعرِضْ له أحدٌ، وكان المشركُ يومَئذٍ لا يُصَدُّ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٣٥٩، ٣٦٠ من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"8","page":38},{"text":"البيتِ، فأُمِروا ألا يقاتِلوا في الأشهرِ الحُرُمِ، ولا عندَ البيتِ، فنسَخها قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^١).\nوقال آخرون: لم يُنْسَخُ من ذلك شيءٌ إلا القلائدُ التي كانت في (^٢) الجاهليةِ يتقلَّدونها من لحاءِ الشجرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2374>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه ﷿: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ الآية. قال أصحابُ محمدٍ ﷺ: هذا كلُّه من عملِ الجاهليةِ، فعلُه وإقامتُه، فحرَّم اللهُ ذلك كلَّه بالإسلامِ إلا لِحاءَ القلائدِ، فتُرك ذلك، ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. فحرَّم اللهُ على كلِّ أحدٍ إخافتَهم (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٤).\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ قولُ من قال: نسَخ اللهُ من هذه الآيةِ قولَه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. لإجماعِ الجميعِ (^٥) على أن الله جل ثناؤه قد أَحَلَّ قتالَ أهلِ الشركِ في الأشهرِ الحرُمِ وغيرِها من شهورِ السنةِ كلِّها، وكذلك أَجْمعوا على أن المشركَ لو قلَّد\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢٥.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٩٨، ٢٩٩.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الجمع\".","vol":"8","page":39},{"text":"عنقَه أو ذراعيه لِحاءَ جميعِ أشجارِ الحرَمِ، لم يكنْ ذلك له أمانًا من القتلِ إذا (^١) لم يكنْ تقدَّم له عقدُ ذِمَّةٍ من المسلمين أو أمانٌ.\nوقد بيَّنا فيما مضَى معنى \"القلائِد\" في غيرِ هذا الموضعِ (^٢).\nوأما قولُه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. فإنه محتمِلٌ ظاهرُه: ولا تُحِلُّوا حرمةَ آمِّين البيتَ الحرامِ من أهلِ الشركِ والإسلامِ. لعمومِه جميعَ من أمَّ البيتَ، وإذا احْتمل ذلك، فكان أهلُ الشركِ داخلين في جملتِهم، فلا شكَّ أن قولَه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ناسخٌ له؛ لأنه غيرُ جائزٍ اجتماعُ الأمرِ بقتلِهم وتركُ قتلِهم في حالٍ واحدةٍ ووقتٍ واحدٍ، وفي إجماعِ الجميعِ على أن حكمَ اللهِ في أهلِ الحربِ من المشركين قتلُهم، أمُّوا البيتَ الحرامَ أو البيتَ المقدسَ، في أشهرِ الحُرُمِ وغيرِها (^٣) - ما يُعْلِمُ أن المنعَ من قتلِهم إذا أمُّوا البيتَ الحرامَ منسوخٌ. ومحتمِلٌ أيضا: ولا أمِّين البيتَ الحرامَ من أهلِ الشركِ. وأكثرُ أهلِ التأويلِ على ذلك، وإن كان عُنِى بذلك المشركون من أهلِ الحربِ، فهو أيضًا لا شكَّ منسوخٌ، وإذ كان ذلك كذلك، [وكان] (^٤) لا اختلافَ في ذلك بينَهم ظاهرٌ، وكان ما كان [مستفيضًا فيهم ظاهرَ الحجةِ] (^٥)، فالواجبُ - وإن احْتَمل ذلك معنًى غيرَ الذي قالوا - التسليمُ لما استفاض بصحتِه نقلُهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2375>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إذ\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٢٦ وما بعدها.\n(^٣) في ص، ت ١: \"غيره\".\n(^٤) في الأصل: \"فكان\".\n(^٥) في الأصل: \"مستفيض منهم ظاهرًا حجة\"، وفى ص، ت ١: \"مستفيضا فيهم ظاهرًا حجة\".","vol":"8","page":40},{"text":"قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بقولِه: ﴿يَبْتَغُونَ﴾: يطلُبون ويلتمِسون. [والفضلُ الأرباحُ] (^١) في التجارةِ. والرضوانُ رضا اللهِ عنهم، فلا يُحِلُّ بهم من العقوبةِ في الدنيا ما أحلَّ بغَيرِهم من الأممِ في عاجلِ دنياهم بحجِّهم بيتَه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-2376>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾. قال: [هي للمشْرِكين] (^٢)؛ يلتمسون فضلَ اللهِ ورضوانَه فيما يُصْلِحُ لهم دنياهم (^٣).\nأخبرنا ابن وكيعٍ قال: أخبرنا عَبْدةُ بنُ سليمانَ، قال: قرأتُ على ابن أبي عَرُوبةَ، فقال: هكذا سمِعتُه من قتادةَ في قولِه: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾: والفضلُ والرِّضوانُ اللذان يَبْتَغون أن يُصْلِحَ معايشَهم في الدنيا، [وألا] (^٤) يعجِّلَ لهم العقوبةَ فيها (^٥).\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾: يعنى أنهم يترضَّوْن الله بحجِّهم (^٦).\n_________\n(^١) في ص: \"الفضل للإرباح\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"هم المشركون\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٢.\n(^٤) في الأصل: \"ولا\".\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ٩.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٣، ٢٥٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه.","vol":"8","page":41},{"text":"حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الرَّبيعِ بن أنسٍ، قال: جلَسنا إلى مطرِّفِ بن الشِّخِّيرِ وعندَه رجلٌ، فحدَّثهم في قولِه: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾. قال: التجارةُ في الحجِّ، والرضوانُ في (^١) الحجِّ (^٢).\nأخبرنا محمدُ بنُ المثنى، قال: أخبرنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي أُمَيمةَ (^٣)، قال: قال ابن (^٤) عمرَ في الرجلِ يحُجُّ، ويحمِلُ معه متاعًا، قال: لا بأسَ به. وتلا هذه الآية: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾.\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾. قال: يبتغون الأجرَ والتجارةَ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-2377>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وإذا حَلَلتم [مِن إحرامِكم] (^٦) فاصطادُوا الصيدَ (^٧) الذي نهيتُكم أن تُحِلُّوه وأنتم حُرُمٌ. يقولُ: فلا حرَجَ عليكم في اصطيادِه، فاصطادُوا إن شئتم حينَئذٍ؛ لأن المعنى الذي من أجلِه كنت\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في الأصل، س: \"أمية\". وهو قول فيه، وقيل: أبو أمامة، وأبو أميمة. ينظر: التاريخ الكبير ٤/ ٩، والجرح والتعديل ٩/ ٣٣٠، ٣٣١ وتهذيب الكمال ٣٣/ ٥٢.\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٢٩٩.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٧) في الأصل: \"والصيد\".","vol":"8","page":42},{"text":"حرَّمته عليكم في حالِ إحرامكم قد زال.\nوبما قلنا في ذلك قال جميعُ أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2378>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن مجاهدٍ أنه قال: هي رخصةٌ. يعنى قولَه: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾.\nأخبرنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن حجَّاجٍ، عن القاسمِ، عن مجاهدٍ، قال: خمسٌ في كتابِ اللهِ رخصةٌ، وليست بعَزمةٍ. فذكَر: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. قال: من شاء فعَل، ومن شاء لم يفعَلْ (^١).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن حجاجِ، عن عطاءٍ مثلَه (^٢).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حُصينٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. قال: إذا حلَّ، فإن شاء اصْطَاد (^٣)، وإن شاء لم يصطَدْ (١).\nأخبرنا ابن وكيعٍ قال: حدثنا ابن إدريسَ، عن ابن جريجٍ، عن رجلٍ، مجاهدٍ أنه كان لا يرى الأكلَ من هَدْى المتعةِ واجبًا، وكان يتأوَّلُ هذه الآيةَ: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ - ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠].\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٥ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"صاد\".","vol":"8","page":43},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2379>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يَحْمِلَنَّكم.\nكما حدثني المثنى، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾. يقولُ: لا يَحْمِلَنَّكم شنآنُ قومٍ (^١).\nحدثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾. أي: لا يحمِلَنَّكم (^٢).\nوأما أهلُ المعرفةِ باللغةِ فإنهم اخْتَلفوا في تأويلِها؛ فقال بعضُ البصريِّين (^٣): معنى قولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يُحِقَّنَّ (^٤) لكم؛ لأن قولَه: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّار﴾ [النحل: ٦٢] هو: حقٌّ أن لهم النارَ.\n[وقال آخرُ منهم: معناه: لا يحمِلَنَّكم ولا يُعْدِيَنَّكم] (^٥).\nوقال بعضُ الكوفيين: معناه: لا يَحْمِلَنَّكم. وقال (^٦): يقالُ: جرَمنى (^٧) فلانٌ على أن صنَعْتُ كذا وكذا. أي: حمَلنى عليه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٣، ٢٥٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) هو الأخفش، كما ذكره عنه صاحب اللسان. (ج ر م).\n(^٤) في الأصل: \"يحقق\"، وفى ص، ت ١: \"يحقر\". وينظر اللسان الموضع السابق.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) سقط من: الأصل.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"حملنى\".","vol":"8","page":44},{"text":"واحتجَّ جميعُهم ببيتِ الشاعرِ (^١):\nولقد طعَنْتَ أبا عُيينةَ طعنةً … جرَمَتْ فَزارةَ بعدَها أن يَغْضَبوا\nفتأوَّل ذلك كلُّ فريقٍ (^٢) منهم على المعنى الذي تأوَّله من القرآنِ، فقال الذين قالوا: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يُحِقَّنَّ لكم (^٣): معنى قولِ الشاعرِ: جرَمَت فَزارةَ: أَحَقَّت الطعنةُ لفزارةَ الغضبَ.\nوقال الذين قالوا معناه: لا يَحْمِلَنَّكُم: معناه في البيتِ: جرَمَت فزارةَ أن يَغْضَبوا: حمَلَت فزارةَ على أن يَغْضَبوا.\nوقال آخرُ من الكوفيين (^٤): معنى قولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يَكْسِبَنَّكم (^٥) شنآنُ قومٍ [أن تعتدوا] (^٦). [وتأويلُ قائلِ] (^٧) هذا القولِ قولَ الشاعرِ في البيتِ: جرَمَت فزارةَ: كسَبَت فزارةَ أن يَغْضَبوا. قال: وسمِعتُ العربَ تقولُ: فلانٌ جريمةُ أَهلِه. بمعنى: كاسبُهم. وخرج يجرِمُهم: يكسِبُهم.\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: وهذه الأقوالُ التي حكيناها عمَّن حكيناها عنه متقاربةُ المعنى. وذلك أن من حمَل رجلًا على بُغْضِ رجلٍ، فقد أَكْسَبه بغضَه، ومن أَكْسَبه بغضَه، فقد أَحَقَّه له.\n_________\n(^١) مجاز القرآن ١/ ١٤٧، والاشتقاق لابن دريد ص ١٩٠، ونسبه في الكتاب ٣/ ١٣٨، والخزانة إلى الفزارى، ونسبه في الاقتضاب ٢/ ٣٥، واللسان (ج ر م) إلى أبى أسماء بن الضريبة، ثم قال في الاقتضاب، وقيل: هو لعطية بن عفيف يخاطب كرزا العقيلى، كان قد قتل أبا عيينة وهو حصن بن حذيفة بن بدر الفزارى يوم الحاجر.\n(^٢) في الأصل: \"قائل\".\n(^٣) في الأصل: \"عليكم\".\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن ١/ ٢٩٩.\n(^٥) في ص: \"يلبسنكم\".\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) في الأصل: \"وتأول\".","vol":"8","page":45},{"text":"إذ كان ذلك كذلك، فالذى هو أحسنُ في الإبانةِ عن معنى الحَرْفِ ما قاله ابن عباس وقتادةُ، وذلك توجيهُهما معنى قولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾. إلى (^١): ولا يحمِلَنَّكم شنآنُ قومٍ على العُدْوانِ.\nواخْتَلفت القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بفتحِ الياءِ، من: جرَمْتُه أَجْرِمُه.\nوقرأ ذلك بعضُ قرأَةِ الكوفيين، وهو يحيى بنُ وثَّابٍ والأعمشُ (^٢)، ما حدثنا ابن حُميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ أنه قرَأ: (ولا يُجْرِمَنَّكم). مرتفعةَ الياء، من: أَجْرَمتُه أُجْرِمُه، وهو يُجْرِمُنى.\nقال أبو جعفر ﵀: والذي هو أولى بالصوابِ من القراءتين قراءةُ من قرَأ ذلك: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بفتحِ الياءِ؛ لاستفاضةِ القراءةِ بذلك في قرأَةِ الأمصارِ (^٣)، وشذوذِ ما خالَفه (^٤)، وأنها اللغةُ المعروفةُ السائرةُ في العربِ، وإن كان مسموعًا من بعضِها (^٥): أَجْرَمَ يُجْرِمُ. على شذوذِه، وقراءةُ القرآنِ بأفصحِ اللغاتِ أَوْلَى وأحقُّ منها بغيرِ ذلك. ومن لغةِ من قال: جَرَمْتُ. قولُ الشاعرِ (^٦):\nيا أيها المُشْتَكِى عُكُلًا (^٧) وما جَرمَتْ … إلى القبائلِ مِن قتلٍ وإِبْآسُ (^٨)\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) معاني القرآن للفراء ١/ ٢٩٩ وهى قراءة شاذة، لم يقرأ بها أحد من العشرة.\n(^٣) في الأصل: \"الإسلام\".\n(^٤) في م: \"خالفها\".\n(^٥) في الأصل: \"بعضهم\".\n(^٦) البيت في مجالس ثعلب ص ٤٩، ٥٠ للفرزدق، وفى الأضداد لابن الأنبارى ص ١٠١ غير منسوب.\n(^٧) عُكْل: قبيلة من الرباب تُستَحمق. معجم البلدان ٣/ ٧٠٣.\n(^٨) قوله: \"إبآس\". جاء مرفوعًا لضرورة القافية، كما صرح به قائله حين سئل في ذلك فقال: فكيف أصنع وقد قلت: حتى يسلم الناس. مجالس ثعلب ص ٥٠.","vol":"8","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2380>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾.</span>\nاخْتَلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُهم: ﴿شَنَآنُ﴾ بتحريكِ الشينِ والنونِ إلى الفتحِ (^١)، بمعنى: بُغْضُ قومٍ. توجيهًا منهم ذلك إلى المصدرِ الذي يأتى على \"فَعَلان\"، نظيرُ الطَّيَرانِ، والنَّسَلانِ (^٢)، والعَسَلانِ (^٣)، والرَّمَلان (^٤).\nوقرأ ذلك آخرون: (شَنْآنُ قَوْمٍ) بتسكين النونِ وفتحِ الشينِ (^٥)، بمعنى الاسمِ، توجيهًا منهم (^٦) معناه إلى: لا يَحْمِلَنَّكُم بَغِيضُ (^٧) قومٍ. فيُخَرَّجُ (شَنْآنُ) على تقديرِ \"فَعْلان\"؛ لأن \"فَعَل\" منه على \"فَعِل\"، كما يقالُ: سَكْرانُ. من \"سَكِر\"، وعَطْشَانُ. من \"عَطِش\"، وما أَشْبَه ذلك من الأسماءِ.\nوالذي هو أولى القراءتين في ذلك بالصوابِ (^٨) قراءةُ من قرأَ: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ بفتحِ (^٩) النونِ محرَّكةً، لتتابعِ (^١٠) تأويلِ أهلِ التأويلِ على أن معناه: بُغْضُ قومٍ.\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير وحفص عن عاصم وأبي عمرو وحمزة والكسائى، ورواية عن نافع. ينظر حجة القراءات ص ٢٢٠.\n(^٢) النَّسَلان: الإسراع. وقيل: مشية الذئب إذا أسرع. اللسان (ن س ل).\n(^٣) العَسَلان: أن يضطرم الفرس في عدوه فيخفق برأسه ويطَّرد متنه. اللسان (ع س ل).\n(^٤) الرَّمَلان: السرعة في المشي. اللسان (ر م ل).\n(^٥) وهى قراءة نافع في رواية إسماعيل، وابن عامر، وأبى بكر، عن عاصم. حجة القراءات ص ٢١٩.\n(^٦) في الأصل: \"منه\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٢، س: \"بغض\". وينظر تاج العروس (ش ن أ).\n(^٨) القراءتان كلتاهما صواب، فهما متواترتان.\n(^٩) في الأصل: \"يفتحون\".\n(^١٠) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الشائع\".","vol":"8","page":47},{"text":"وتوجيهِهم ذلك إلى معنى المصدرِ دونَ معنى الاسمِ. وإذ كان ذلك موجَّهًا إلى معنى المصدرِ، فالفصيحُ من كلامِ الغربِ فيما جاء من المصادرِ على \"الفَعَلانِ\" بفتحِ الفاءِ، تحريكُ ثانيه دونَ تسكينِه، كما وصَفتُ من قولِهم (^١): الدَّرَجانُ، والرَّمَلانُ (^٢). من درَج ورمَل (^٣)، فكذلك الشَّنَآنُ من. شَنِئْتُه أَشْنُؤُه شَنَآنًا. ومن العربِ من يقولُ: شَنَانٌ. على تقديرِ \"فَعَال\" (^٤)، ولا أعلَمُ قارئًا قرأ ذلك كذلك (^٥)، ومن ذلك قولُ الشاعرِ (^٦):\nوما العيشُ إلا ما يَلَذُّ ويُشْتَهَى … وإنْ لام فيه ذو الشَّنَانِ وفَنَّدَا\nوهذا في لغةِ من ترَك الهمزَ من \"الشَّنَآنِ\"، فصار على تقدير \"فَعَالٍ\"، وهو في الأصلِ (^٧) \"فَعَلانٌ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-2381>ذكرُ من قال من أهلِ التأويلِ: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾: بغضُ قومٍ</span>\nحدَّثني المثنى، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾: [لا يَحْمِلَنَّكم] (^٨) بغضُ قومٍ (^٩).\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"الجمران والرقلان و\"، وبعده في ص، ت ١: \"الحمران والرملان و\".\n(^٢) سقط من: الأصل، ص، ت ١.\n(^٣) في الأصل: \"رقل\".\n(^٤) في الأصل: \"فعلان\".\n(^٥) سقط من: الأصل.\n(^٦) هو الأحوص الأنصارى، والبيت في شعر الأحوص ص ٩٩.\n(^٧) بعده في الأصل: \"على\".\n(^٨) في الأصل: \"يقول\".\n(^٩) تقدم تخريجه في ص ٤٤.","vol":"8","page":48},{"text":"وحدَّثني به المثنى مرةً أُخرى بإسنادِه، عن ابن عباسٍ، فقال: لا تحمِلنَّكم عداوةُ قومٍ أن تَعْتَدُوا.\nحدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾: لا يجرِمَنَّكُم بغضُ قومٍ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾. قال: بَغْضاؤُهم أن تعتدُوا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2382>القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤه: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ، ﵀: اخْتَلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُ قرأةِ (^٢) أهل المدينةِ وعامَّةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بفتحِ الألفِ [من ﴿أَنْ﴾] (^٣)، بمعنى: لا يَجْرِمَنَّكم بغضُ قومٍ بصدِّهم إياكم عن المسجدِ الحرامِ أن تعتدُوا.\nوكان بعضُ قرأَةِ الحجازِ والبصرةِ يقرأُ ذلك: (ولا يَجْرِمنَّكم شَنَآنُ قومٍ إن صَدُّوكم). بكسرِ الألف من \"إنْ\" (^٤)، بمعنى: ولا يجرمَنَّكم شنآنُ قومٍ إن هم (^٥) أَحْدَثوا لكم صدًّا عن المسجدِ الحرامِ أن تعتدوا. [فزعموا أنها في] (^٦)\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤٤.\n(^٢) سقط من: ص، م وهى قراءة العشرة عدا ابن كثير، وأبي عمرو. النشر ٢/ ٢٥٤.\n(^٣) سقط من: الأصل. وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ٢٢٠.\n(^٤) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو. المصدر السابق.\n(^٥) بعده في الأصل: \"صدوكم\".\n(^٦) مكانه في الأصل بياض بقدر كلمة.","vol":"8","page":49},{"text":"[قراءةِ ابن مسعودٍ: (إن يَصُدُّوكم) (^١). فقرَءوا ذلك كذلك اعتبارًا بقراءتهِ] (^٢).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندِى أنهما قراءتان معروفتان مشهورتان في قرأَةِ الأمصارِ، صحيحٌ معنى كلِّ واحدَةٍ منهما، وذلك أن النبيَّ ﷺ صُدَّ عن البيتِ هو وأصحابُه يومَ (^٣) الحُديبيةِ، وأُنْزِلت عليه سورةُ \"المائدةِ\" بعدَ ذلك، فمن قرَأ: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ بفتحِ [الألفِ من] (^٤) ﴿أَنْ﴾. فمعناه (^٥): لا يَحْمِلَنَّكم بغضُ قومٍ أيُّها الناسُ من أجلِ أن صدوُّكم يومَ الحديبيةِ عن المسجدِ الحرامِ أن تعتدوا عليهم. ومن قرأ: (إنْ صَدُّوكُمْ) بكسرِ الألفِ، فمعناه: لا يجرِمَنَّكم شنآنُ قومٍ إن صدُّوكم عن المسجد الحرامِ إذا أردتم دخولَه. لأن الذين حارَبوا رسولَ اللهِ ﷺ وأصحابَه من قريشٍ يومَ فتحِ مكةَ قد حاولوا صدَّهم عن المسجدِ الحرامِ، فتقدَّم اللهُ إلى المؤمنين في قولِ من قرأ ذلك بكسرِ \"إنْ\" بالنهيِ عن الاعتداءِ عليهم إن هم صدُّوهم عن المسجدِ الحرامِ قبلَ أن يكونَ ذلك من الصادِّين. غيرَ أن الأمرَ وإن كان كما وصَفْتُ، فإن قراءةَ ذلك بفتحِ الألفِ أبينُ معنًى؛ لأن هذه السورةَ لا تَدَافُعَ بينَ أهلِ العلمِ في أنها نزَلت بعد يومِ الحُدَيْبِيةِ. وإذ كان ذلك كذلك، فالصَّدُّ قد كان تقَدَّم مِن المشركينِ، فنهَى اللهُ المؤمنين عن الاعْتِداءِ على الصادِّين. من أجلِ صدِّهم إيَّاهم عن المسجدِ الحرامِ.\nوأما قولُه: ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ فإنه يعنى: أن تُجاوِزوا الحدَّ الذي حدَّه اللهُ لكم في أمرِهم.\n_________\n(^١). قراءة ابن مسعود ذكرها الفراء في المعانى ١/ ٣٠٠ وهي شاذة.\n(^٢) مكانه في الأصل بياض بقدر كلمة.\n(^٣) في الأصل: \"عام\".\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) في الأصل: \"بمعنى\".","vol":"8","page":50},{"text":"فتأويلُ الآيةِ إذن: ولا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ (^١) قومٍ لأَنْ صَدُّوكم عن المسجدِ الحرامِ أيُّها المؤمنون أن تَعْتَدوا حكمَ اللهِ فيهم، فتُجاوِزوه إلى ما نهاكم عنه، ولكن الْزَموا طاعةَ اللهِ فيما أَحْبَبْتُم وكرِهْتُم.\nوذُكر أنها نزلَت في النهيِ عن الطلبِ بذُحولِ (^٢) الجاهليةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2383>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾: رجلٌ مؤمنٌ مِن حلفاءِ محمدٍ قَتل حَليفًا لأبي سفيانَ مِن هُذَيْلٍ يومَ الفتحِ بعرفةَ؛ لأنه كان يَقْتُلُ حلفاءَ محمدٍ، فقال محمدٌ ﷺ: \"لعَن اللهُ مَن قتَل بذَحْلِ الجاهليةِ\" (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخَرون: هذا منسوخٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2384>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾. قال: بَغْضاؤُهم حتى تَأْتوا ما لا يَحِلُّ لكم. وقرَأ: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا﴾. وقال: هذا كلُّه قد نُسِخ، نسَخه الجهادُ.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"بغضاء\".\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢: \"بدخول\". والذحول جمع ذَحْل، وهو الثأر. اللسان (ذ ح ل).\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٩٩.","vol":"8","page":51},{"text":"قال أبو جعفرٍ: وأولَى القولَين في ذلك بالصوابِ قولُ مجاهدٍ، [وأنه] (^١) غيرُ منسوخٍ؛ لاحتمالِه: أن تَعْتَدوا الحقَّ فيما أَمَرْتُكم به. وإذا احْتَمل ذلك، لم يَجُزْ أن يُقالَ: هو منسوخٌ. إلا بحجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2385>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾: ولْيُعِنْ بعضُكم بعضًا أَيُّها المؤمنون على البرِّ، وهو العملُ بما أمَر اللهُ بالعملِ به، والتقوى هو اتَّقاءُ ما أمَر اللهُ باتِّقائِه واجْتِنابِه مِن مَعاصِيه.\nوقولُه: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ يعنى: ولا يُعِنْ بعضُكم بعضًا على الإثمِ. يعني: على تركِ ما أمَرَكم اللهُ بفعلِه ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾، يقولُ: ولا على أن تَتَجاوزوا ما حدَّ اللهُ لكم في دينِكم، وفرَض لكم في أنفسِكم وفي غيرِكم.\nوإنما معنى الكلامِ: ولا يَجْرِمَنَّكُم شَنَآنُ قومٍ أن صَدُّوكم عن المسجدِ الحرامِ أن تَعْتَدوا، ولكن لِيُعنْ بعضُكم بعضًا بالأمرِ بالانتهاءِ إلى ما حدَّه اللهُ لكم في القومِ الذين صدُّوكم عن المسجدِ الحرامِ، وفى غيرِهم، والانتهاءِ عما نهاكم اللهُ أن تَأْتوا فيهم وفى غيرِهم، وفى سائرِ ما نهاكم عنه، ولا يُعِنْ بعضُكم بعضًا على خلافِ ذلك.\nوبما قلْنا في \"البرِّ والتقوَى\" قال أهلُ التأويلِ.\nحدَّثني المثنى، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. قال:\n_________\n(^١) في م، ت ١، س: \"إنه\".","vol":"8","page":52},{"text":"البرُّ ما أُمِرْتَ به، والتَّقْوى ما نُهِيتَ عنه (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. قال: البِرُّ مَا أُمِرْتَ به، والتقْوَى ما نُهِيتَ عنه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2386>القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ </span>(٢)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وهذا وَعيدٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه، وتهددٌ (^٣) لمَن اعْتَدَى حدَّه، وتجاوَز أمْرَه، يقولُ ﵎: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. يعنى: واحْذَرُوا الله أَيُّها المؤمنون أن تَلْقَوْه في مَعادِكم وقد اعْتَدَيْتُم حدَّه فيما حدَّ لكم، وخالَفْتُم أَمْرَه فيما أمرَكم به، أو نَهْيَه فيما نَهاكم عنه، فتَسْتَوْجِبوا عِقابَه، وتَسْتَحِقُّوا أليمَ عذابِه. ثم (^٤) وصَف عقابَه بالشدةِ، فقال جل ثناؤه: إن الله شديدٌ عقابُه لمن عاقَبَه مِن خلقِه؛ لأنها (^٥) نارٌ لا يَطْفَأُ حَرُّها، ولا يَخْمُدُ جَمْرُها، ولا يَسْكُنُ لَهَبُها، نَعوذُ باللهِ منها، ومِن عملٍ [يُقَرِّبُ إليها] (^٦).\n\n<span id=\"aya-672\"></span><span data-type='title' id=toc-2387>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: حرَّم اللهُ عليكم أيُّها المؤمنون الميتةَ. والميتةُ كلُّ ماله نفسٌ سائلةٌ مِن دَوابِّ البَرِّ وطيرِه، مما\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٠٣، ٢٥٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٥ إلى عبد بن حميد من قول الربيع بن أنس.\n(^٣) في م: \"تهديد\".\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) في الأصل: \"لأنه\".\n(^٦) في ص، ت ٢: \"يقرب منها\"، وفى م: \"يقربنا منها\".","vol":"8","page":53},{"text":"أباح اللهُ أكلَها؛ أهْلِيَّها ووَحْشِيَّها، فارَقَتْها رُوحُها بغيرِ تَذْكيةٍ.\nوقد قال بعضُهم: الميتةُ هو كلُّ ما فارَقَتْه الحياةُ مِن دَوابِّ البَرِّ وطيرِه بغيرِ تَذْكِيةٍ مما أحَلَّ اللهُ أكلَه.\nوقد بيَّنَّا العلةَ المُوجِبةَ صحةَ القولِ بما قلنا في ذلك في كتابِنا \"كتابِ لطيفِ القولِ في الأحكامِ\".\nوأما الدَّمُ، فإنه الدمُ المسفوحٌ دونَ ما كان منه غيرَ مسفوحٍ؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه قال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. فأمَّا ما كان قد صار في معنى اللحمِ؛ كالكِبدِ والطِّحالِ وما كان في اللحمِ غيرَ مُنْسَفِحٍ، فإن ذلك غيرُ حَرامٍ؛ لإِجماعِ الجميعِ على ذلك.\nوأما قولُه: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾. فإنه يعنى: وحُرِّم عليكم لحمُ الخنزيرِ؛ أهليُّه وبَرِّيُّه.\nفالميتةُ والدَّمُ مَخْرَجُهما في الظاهرِ مَخْرَجُ عمومٍ، والمرادُ منهما الخصوصُ، وأما لحمُ الخنزيرِ، فإنَّ ظاهرَه كباطنِه، وباطنَه كظاهرِه، حَرامٌ جميعُه لم يُخْصَصْ منه شيءٌ.\nوأما قولُه: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. فإنه يعنى: وما ذُكِر عليه غيرُ اسمِ اللهِ. وأصلُه من استهلالِ الصبيِّ، وذلك إذا صاح حينَ يَسْقُطُ مِن بطنِ أُمِّه، ومنه إهلالُ المُحْرِمِ بالحجِّ، إذا لَبَّى به، ومنه قولُ ابن أَحْمَرَ (^١):\nيُهِلُّ بالفَرْقَدِ رُكْبانُها … كما يُهِلُّ الراكبُ المُعْتَمِرْ\n_________\n(^١) مجاز القرآن ١/ ١٥٠، وجمهرة اللغة ٢/ ٣٨٧، واللسان (ر ك ب، ع م ر، ر ج ع، هـ ل ل).","vol":"8","page":54},{"text":"وإنما عنَى بقولِه: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾: وما ذُبِح للآلهةِ وللأوثانِ، يُسَمَّى عليه غيرُ اسمِ الله.\nوبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وقد ذكَرْنا الروايةَ عمن قال ذلك فيما مضَى، فكرِهْنا إعادتَه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-2389>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾.</span>\nاختَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ الانخِناقِ الذي عنَى اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾. قال: التي تُدْخِلُ رأسَها بينَ شُعْبَتَينْ مِن شجرةٍ، فتَخْتَنِقُ فتموتُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحْمرُ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضَّحَّاكِ في \"المنخنقةِ\"، قال: التي تَخْتَنِقُ فتَموتُ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ، قال: حدَّثنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾: التي تموتُ في خِناقِها (^٣).\nوقال آخرون: هي التي تُوثَقُ فيَقْتُلُها بالخناقِ وَثاقُها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2388>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخْبَرَنَا عُبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾. قال: الشاةُ تُوثَقُ فيَقْتُلُها خِناقُها، فهي حرامٌ.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٣/ ٥٥ - ٥٧.\n(^٢) ينظر ابن عبد البر في التمهيد ٥/ ١٤٩.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٣.","vol":"8","page":55},{"text":"وقال آخرون: بل هي البَهيمةُ من النَّعَمِ، كان المشركون يَخْنُقونها حتى تَموتَ، فحرَّم اللهُ أكْلَها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2390>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى مُعاويةُ بنُ صالح، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾: التي تُخْنَقُ (^١) فتَموتُ (^٢).\nحدَّثنا بشْرٌ (^٣)، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾.\nكان أهلُ الجاهليةِ يَخْنُقون الشاةَ، حتى إذا ماتَتْ أَكَلُوها (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: هي التي تَخْتَنِقُ؛ إما في وَثاقِها، وإما بإدخالِ رأسِها في الموضعِ الذي لا تَقْدِرُ على التخلصِ منه، فتَخْتَنِقُ حتى تَموتَ.\nقال أبو جعفرٍ: وإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ في تأويلِ ذلك مِن غيرِه؛ لأن المُنْخَنِقَةَ هي الموصوفةُ بالانخناقِ دونَ خنقِ غيرِها لها، ولو كان مَعْنيًّا بذلك أنها مفعولٌ بها، لقيل: والمخنوقةُ. حتى يَكونَ معنى الكلامِ ما قالوا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2391>القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤه: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"تختنق\".\n(^٢) أخرجه البيهقى ٩/ ٢٤٩ من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وستأتى بقية الأثر في ص ٦٩ - ٧٢، ٧٥، ٧٨.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"أنس\".\n(^٤) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ٥/ ١٤٨، ١٤٩ عن سعيد، عن قتادة.","vol":"8","page":56},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: والميتةُ وَقيذًا. يُقالُ منه: وقَذَه يَقِذُه وقْذًا، إذا ضرَبه حتى أشْفَى (^١) على الهَلاكِ. ومنه قولُ الفَرَزْدقِ (^٢):\nشَغَّارَةٍ تَقِذُ الفَصِيلَ برِجُلِها … فَطَّارَةٍ لِقَوادِمِ الأبكارِ\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2392>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾. قال: الموقوذةُ التي تُضْرَبُ بالخشبِ حتى يَقذَها فتموتَ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: كان أهلُ الجاهليةِ يَضْرِبونها بالعصِيِّ حتى إذا ماتَت أكلوها (^٣).\nحدَّثنا محمد بنُ بشارٍ، قال: ثنا روحٌ، قال: ثنا سعيدٌ (^٤)، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾. قال: كانوا يَضْرِبونها حتى يَقِذوها ثم يَأْكُلوها.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: التي تُوقَذُ فتَموتُ (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحْمرُ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ، قال:\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، م: \"أشرف\" وهما بمعنى.\n(^٢) ديوانه ص ٤٥٢.\n(^٣) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٤) في ص، م، ت ٢: \"شعبة\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٣.","vol":"8","page":57},{"text":"﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: التي تُضْرَبُ حتى تَموتَ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾. قال: هي التي تُضْرَبُ فتَموتُ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبيدُ بنُ سُلَيْمانَ (^٣)، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: كانت الشاةُ أو غيرُها مِن الأنعامِ تُضْرَبُ بالخشبِ لآلهتِهم حتى يَقْتُلُوها فيَأْكُلوها (^٤).\nحدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخْبَرني عُقبةُ بنُ علقمةَ، قال: ثني إبراهيمُ بنُ أبي عَبْلةَ، قال: ثنى نُعَيْمُ بنُ سَلامةَ، عن أبي عبدِ اللهِ الصُّنَابِحيِّ، قال: ليست الموقوذةُ إلا في مالِك، وليس في الصيدِ وقيذٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2394>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وحُرِّمَت عليكم الميتةُ تَرَدِّيًا من جبلٍ، أو في بئرٍ، أو غيرِ ذلك. وتَرَدِّيها رمْيُها بنفسِها مِن مكانٍ عالٍ مُشْرِفٍ إلى سُفْلِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2393>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ\n_________\n(^١) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ٥/ ١٤٩.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ٦/ ٤٨.\n(^٣) في م: \"سلمان\".\n(^٤) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ٥/ ١٤٩، والقرطبي ٦/ ٤٨.","vol":"8","page":58},{"text":"بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾. قال: التي تَتَرَدَّى مِن الجبلِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾: كانت تتَرَدَّى في البئرِ فتَموتُ فيَأْكُلونها (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾. قال: التي تَرَدَّت في البئرِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾. قال: هي التي تَرَدَّى مِن الجبلِ، أو في البئرِ، فتَموتُ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾: التي تَرَدَّى مِن الجبلِ فتَموتُ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾. قال: التي تَخِرُّ في رَكِيٍّ (^٤)، أو من رأسِ جبلٍ، فتموتُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2395>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعني بقولِه: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾. الشاةُ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٦.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ١٩.\n(^٣) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٤) الركى: جنس للرَّكِيَّةَ، وهى البئر. اللسان (ر ك ى).","vol":"8","page":59},{"text":"التي تَنْطَحُها أُخرى فتَموتُ من النِّطاحِ بغير تَذْكيةٍ، فحرَّم اللهُ جلّ ثناؤُه ذلك على المؤمنين إن لم يُدْرِكوا ذَكاتَه قبلَ موتِه.\nوأصلُ النَّطِيحةِ المَنْطوحةُ، صُرِفَت مِن مَفعولةٍ إلى فَعِيلةٍ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف أُثْبِتَت الهاءُ؛ هاءُ التأنيثِ فيها، وأنت تَعْلَمُ أن العربَ لا تَكادُ تُثْبِتُ الهاءَ في نَظائِرِها إذا صرَفوها صرفَ \"النَّطيحةِ\" من مفعولٍ إلى فَعيلٍ، إنما تَقولُ: لحيةٌ دَهينٌ، وعينٌ كحيلٌ، وكفٌّ خَضيبٌ. ولا يقولون: كفٌّ خَضيبةٌ، ولا: عينٌ كَحِيلةٌ؟\nقيل: قد اختَلَف أهلُ العربيةِ في ذلك؛ فقال بعضُ نحويى البصرةِ: أُثْبِتَت فيها الهاءُ - أعنى في \"النَّطيحةِ\" - لأنها جُعِلَت كالاسمِ؛ مثلَ الطويلةِ والطريقةِ. فكأن قائلَ هذا القولِ وجَّه النَّطيحةَ إلى معنى الناطحةِ.\nفتأويلُ الكلامِ على مذهبِه: وحُرِّمَت عليكم الميتةُ نِطاحًا. كأنه عنَى: وحُرِّمَت عليكم الناطحةُ التي تَموتُ مِن نِطاحِها.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: إنما تَحْذِفُ العربُ الهاءَ مِن الفَعيلةِ المصروفِة عن المفعولِ إذا جعَلَتْها صفةً لاسمٍ قد تقَدَّمَها، فتقولُ: رأينا كفًّا حَضيبًا، وعينًا كَحيلًا. فأما إذا حذَفَتِ الكفَّ والعينَ والاسمَ الذي يَكونُ فَعيلٌ نعتًا لها، واجتَزَءوا بفعيلٍ منها، أثبَتُوا فيه هاءَ التأنيثِ؛ ليُعْلَمَ بثبوتِها فيه أنها صفةٌ للمؤنتِ دونَ المذكَّرِ، فتقولُ: رأَيْنا كحيلةً، وخَضيبةً، وأَكيلةَ السَّبُعِ. قالوا: ولذلك أُدْخِلت الهاءُ في \"النَّطيحةِ\"؛ لأنها صفةُ المؤنثِ، ولو أُسْقِطَت منها لم يُدْرَ أهى صفةٌ للمؤنثِ أو للمذكرِ.","vol":"8","page":60},{"text":"قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ هو أولى القولين في ذلك بالصوابِ؛ لتتابُعِ (^١) أقوالِ أهلِ التأويلِ بأن معنى النَّطيحةِ المنطوحةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2396>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾. قال: الشاةُ تَنْطَحُ الشاةَ (^٢).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، عن قيسٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسَرةَ، قال: كان يَقْرَأُ: (والمَنْطوحةُ) (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾: الشاتان تَنْتَطِحان فتَموتان (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾: هي التي تَنْطَحُها الغنمُ والبقرُ فتَموتُ، يَقولُ: هذا حرامٌ؛ لأن ناسًا مِن العربِ كانوا يَأْكُلُونه (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾: كان الكَبْشان يَنْتَطِحان، فيَموتُ أحدهما فيَأْكُلُونه (^٦).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾:\n_________\n(^١) في ت ٢، م، س: \"الشائع من\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٥٦.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٦ إلى المصنف.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ٥٩.\n(^٥) ينظر ما تقدم في ص ٥٨.\n(^٦) تقدم تخريجه في ص ٥٦.","vol":"8","page":61},{"text":"الكَبْشان يَنْتَطِحان، فيَقْتُلُ أحدُهما الآخرَ فيَأْكُلُونه.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخْبَرَنَا عُبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾. قال: الشاةُ تَنْطَحُ الشاةَ فتموتُ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-2398>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾: وحرَّم عليكم ما قتَل (^٢) السَّبُعُ غيرُ المُعَلَّمِ مِن الصَّوائدِ.\nوكذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2397>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾. يقولُ: ما أَخَذ السَّبُعُ (^٣).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ: [﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾. يقولُ: ما أَخَذَ السَّبُعُ (١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ] (^٤): ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾. قال: كان أهلُ الجاهليةِ إذا قتَل السَّبُعُ شيئًا مِن هذا، أو أكَل منه، أكَلُوا ما بقِي (٣).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٥٨.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، م، س: \"أكل\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٥٦.\n(^٤) سقط من: الأصل.","vol":"8","page":62},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، عن قيسٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبي الربيعِ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأ: (وأَكِيلُ السَّبعِ) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-2400>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾: إلا ما طهَّرْتُموه بالذَّبْحِ الذي جعَله اللهُ له (^٢) طُهورًا.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فيما اسْتَثْنَى اللهُ بقولِه: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: استَثْنَى مِن جميعِ ما سَمَّى اللهُ تحريمَه، مِن قولِه: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-2399>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. يقولُ: ما أَدْرَكْتَ ذكاتَه مِن هذا كلِّه، يَتَحَرَّكُ له ذَنَبٌ، أو تَطْرِفُ له عينٌ، فاذْبَحْ واذْكُرِ اسمَ اللهِ عليه، فهو حَلالٌ (^٣).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن أشعثَ، عن الحسنِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. قال الحسنُ: أيَّ هذا أَدْرَكْتَ ذكاتَه فذَكِّه وكُلْ. فقلتُ: يا أبا سعيدٍ، كيف أَعْرِفُ؟ قال: إذا طَرَفَتْ بعينِها، أو ضرَبَت بِذَنَبِها (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٦ إلى المصنف وقراءة ابن عباس هذه ذكرها ابن جني في المحتسب ١/ ٢٠٧.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٥٦.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة - كما في التمهيد لابن عبد البر - عن ابن فضيل به.","vol":"8","page":63},{"text":"حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، [وحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: أخبرَنا رَوْحٌ] (^١)، قالا (^٢): ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. قال: فكلُّ هذا الذي سمَّاه اللهُ ﷿ ههنا ما خلا لحمَ الخنزيرِ إذا أدْرَكْتَ منه عينًا تَطْرِفُ، أو ذَنَبًا يَتَحَرَّكُ، أو قائمةً تَركُضُ، فذكَّيْتَه، فقد أحَلَّ اللهُ لك ذلك (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾: مِن هذا كلِّه، فإذا وجَدْتَها تَطْرِفُ عينها، أو تُحرِّكُ أَذنَها مِن هذا كلِّه، فهى لك حَلالٌ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى هُشَيْمٌ وعَبَّادٌ، قالا: أَخْبَرَنا حَجَّاجٌ، عن حُصَيْنٍ، عن الشَّعْبيِّ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال: إِذا أَدْرَكْتَ ذَكَاةَ المَوْقوذةِ والمُتَرَدِّيةِ والنَّطيحةِ وهى تُحَرِّكُ يدًا أو رجلًا فكُلْها (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا مُغِيرةُ (^٦)، عن إبراهيمَ، قال: إذا أكَل السَّبُعُ مِن الصيدِ أو الوَقيذةِ، أو النَّطيحةِ، أو المُترديةِ فأدْرَكْتَ ذكاتَه، فكُلْ (^٧).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ سَلَّامٍ التَّميميُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في النسخ: \"قال\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٥٦.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٣ في مصنفه (٨٦٣٥).\n(^٥) أخرجه ابن حزم في المحلى ٨/ ١٩٤ من طريق هشيم عن حجاج عن الشعبى به.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"معمر\".\n(^٧) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ٥/ ١٤٩، والاستذكار ١٥/ ٢٢٨.","vol":"8","page":64},{"text":"محمدٍ، عن أبيه، عن عليِّ بن أبى طالبٍ، قال: إذا ركَضَت برِجْلِها، أو طرَفَت بعينِها، أو حرَّكَت ذنَبَها، فقد أجْزَأ (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرَنا ابن جُرَيْجٍ، قال: أخبرَني ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: إذا ذُبِحَت فمصَعَت بذَنَبِها (^٢) أو تحَرَّكَت، فقد حلَّت لك. أو قال: فحَسْبُه (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن حُميدٍ، عن الحسنِ، قال: إذا كانت الموقوذةُ تَطْرِفُ ببصرِها، أو تَرْكُضُ برِجْلِها، أو تَمْصَعُ بذنبِها، فاذْبَحْ وكُلْ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن قتادةَ بمثلِه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخبرَنا ابن المباركِ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن أبي الزبيرِ، أنه سمِع عُبيدَ بنَ عُميرٍ يقولُ: إذا طرَفَت بعينِها، أو مصَعَت بذَنَبِها، أو تحَرَّكَت، فقد حلَّت لك (^٥).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخْبَرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضَّحَّاكَ يقولُ: كان أهل الجاهلية يَأْكُلون هذا كله، فحرَّمه اللهُ في\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٦٣٤) وابن أبي شيبة ٥/ ٣٩٦ من طريق جعفر بن محمد به نحوه.\n(^٢) مصعت الدابة بذنبها: حركته وضربت به. اللسان (م ص ع).\n(^٣) في م: \"فحسب\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٣٩٦ من طريق ابن جريج به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٦٣٣) من طريق ابن طاوس به بنحوه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٣٩٦ من طريق يونس عن الحسن بمعناه.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٦٣٨)، وابن أبي شيبة ٥/ ٣٩٥ من طريق ابن جريج به.","vol":"8","page":65},{"text":"الإسلامِ إلا ما ذُكِّي منه، فما [أدركْتَ يَتَحَرَّكُ] (^١) منه رِجْلٌ أو ذَنَبٌ أو طَرْفٌ فذُكِّي، فهو حَلالٌ (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾. وقولِه: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾. الآية، ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾: هذا كلُّه مُحَرَّمٌ، إلا ما ذُكِّي مِن هذا.\nفتأويلُ الآيةِ على قولِ هؤلاءِ: حُرِّمَت المَوْقوذةُ والمُتردِّيةُ، إن ماتت مِن التردِّي والوَقْدِ والنَّطْحِ وفَرْسِ السَّبُعِ، إلا أن تُدْرِكوا ذَكاتَها، فتُدْرِكوها قبلَ موتِها، [فتكونُ لكم] (^٣) حينَئذٍ حَلالًا كلُّها (^٤).\nوقال آخرون: هو استثناءٌ مِن التحريمِ، وليس باستثناءٍ مِن المحرماتِ التي ذكَرَها اللهُ تعالى في قولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾؛ لأن الميتةَ لا ذَكاةَ لها ولا للخنزيرِ. قالوا: وإنما معنى الآيةِ: حُرِّمَت عليكم الميتةُ والدمُ، وسائرٌ ما سمَّيْنا مع ذلك، إلا ما ذكَّيْتُم مما أحَلَّه اللهُ لكم بالتذكيةِ، فإنه لكم حَلالٌ.\nوممَّن قال ذلك جماعةٌ مِن أهلِ المدينةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2401>ذكْرُ بعضِ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال مالكٌ، وسُئِل عن الشاةِ التي\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، م، س: \"أدرك فتحرك\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٣٩٦ من طريق جويبر، عن الضحاك بنحوه.\n(^٣) ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فتكون\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س \"أكلها\".","vol":"8","page":66},{"text":"يَخْرِقُ جوفَها السَّبُعُ حتى تَخْرُجَ أمعاؤُها، فقال مالكٌ: لا أَرَى أَن تُذَكَّى ولا تُؤْكَلَ، أَيُّ شيءٍ يُذَكَّى منها (^١)!\nوحدَّثني يونُسُ، عن أشْهَبَ، قال: سُئِل مالكٌ عن السَّبُعِ (^٢) يَعْدُو على الكَبْشِ فَيَدُقُّ ظهرَه، أَتَرَى أن يُذَكَّى قبلَ أن يَموتَ فيُؤْكَلَ؟ قال: إن كان بلَغ السَّحْرَ (^٣)، فلا أرى أن يُؤْكَلَ، وإن كان إنما أصاب أطْرافَه، فلا أرَى بذلك بأسًا. قيل له: وثَب عليه فدَقَّ ظهرَه. فقال: لا يُعْجِبُنى أن يُؤكَلَ، هذا لا يَعِيشُ منه. قيل له: فالذئبُ يَعْدُو على الشاةِ فَيَشُقُّ بطنَها ولا يَشُقُّ الأمْعاءَ؟ قال: إذا شقَّ بطنَها فلا أَرَى أَن تُؤْكَلَ (^٤).\nوعلى هذا القولِ يَجِبُ أن يَكونَ قولُه: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. استثناءً مُنْقَطِعًا.\nفيكونُ تأويلُ الآيةِ: حُرَّمَت عليكم الميتةُ والدمُ وسائرُ ما ذكَرْنا، ولكن ما ذكَّيْتُم من الحيواناتِ التي أحْلَلْتُها لكم بالتذكيةِ حَلالٌ.\nوأولى القولين في ذلك عندَنا بالصوابِ القولُ الأولُ، وهو أن قولَه: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ استثناءٌ من قولِه: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾؛ لأن كلَّ ذلك مُسْتَحِقٌّ الصفةَ التي هو بها قبلَ حالِ موتِه، فيُقالُ لِمَا قرَّب المشركون لآلهتِهم فسمَّوْه لهم: هو ما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ به. بمعنى: سُمِّي قُرْبانًا لغيرِ اللهِ، وكذلك المنخنقةُ إذا انْخنَقَت، وإن لم تَمُتْ فهيَ مُنْخَنِقَةٌ،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير ٣/ ٢٠ في تفسيره.\n(^٢) في الأصل: \"الضبع\".\n(^٣) السَّحْر والسَّحَر والسُّحْر: ما التزق بالحلقوم والمرئ من أعلى البطن وكذلك هو الرئة. اللسان (س ح ر).\n(^٤) تفسير ابن كثير ٣/ ٢٠.","vol":"8","page":67},{"text":"وكذلك سائرُ ما حرَّمه اللهُ جل وعز مما [بعدَ قولِه] (^١): ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ إِلا بالتَّذْكيةِ، فإنه يُوصَفُ بالصفةِ التي هو بها قبلَ موتِه، فحرَّمه اللهُ على عبادِه إلا بالتذكيةِ المُحَلِّلةِ دونَ الموتِ بالسببِ الذي كان به موصوفًا.\nفإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: وحرَّم عليكم ما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ به، والمنخنقةَ، وكذا وكذا، إلا ما ذكَّيْتُم مِن ذلك.\nفـ \"ما\" - إذ كان ذلك تأويلَه - في موضعِ نصبٍ بالاستثناءِ مما قبلَها، وقد يَجوزُ فيه الرفعُ. وإذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا، فكلُّ ما أُدْرِكَت ذكاتُه مِن طائرٍ أو بَهيمةٍ قبلَ خروجِ نفسِه ومُفارقةِ رُوحِه جسدَه، فحَلالٌ أَكْلُه إذا كان مما أحَلَّه اللهُ لعبادِه.\nفإن قال لنا قائلٌ: فإذ كان ذلك معناه عندَك، فما وجهُ تكريرِه ما كرَّر بقولِه: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾. وسائرُ ما عدَّد تحريمَه في هذه الآيةِ، وقد افْتَتَح الآيةَ بقولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وقد علِمْتَ أن قولَه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. شاملٌ كلَّ ميتةٍ، كان موتُه حَتْفَ أنفِه مِن علةٍ به، مِن غيرِ جنايةِ أحدٍ عليه، أو كان موتُه مِن ضربِ ضاربٍ إياه، أو انخناقٍ منه، أو انتطاحٍ، أو فَرْسِ سَبْعٍ؟ وهلَّا كان قولُه - إن كان الأمرُ على ما وصفْتَ في ذلك مِن أنه معنيٌّ بالتحريم في كلِّ ذلك الميِّتَةُ بالانخناقِ [كان موتُه] (^٢) والنِّطاحِ والوَقْذِ وأكْلِ السَّبُعِ أو غيرِ ذلك، دونَ أن يكونَ مَعْنيًّا به تحريمُه إذا ترَدَّى أو انْخَنَق أو فرَسَه السَّبُعُ، فبلَغ ذلك منه ما يُعْلَمُ أنه لا يَعِيشُ مما أصابه منه إلا اليسيرَ (^٣) من الحياةِ - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ مُغْنِيًا مِن تكريرِ ما كرَّر بقولِه: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ\n_________\n(^١) في الأصل: \"تعرفونه\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت، س: \"باليسير\".","vol":"8","page":68},{"text":"وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾. وسائرُ ما ذكَر مع ذلك وتَعْدادِه ما عدَّد؟\nقيل: وجهُ تَكرارِه ذلك - وإن (^١) كان تحريمُ ذلك إذا مات مِن الأسبابِ التي هو بها مَوصوفٌ وقد تقدَّم بقولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. أن الذين خُوطِبوا بهذه الآيةِ كانوا لا يَعُدُّون الميتةَ مِن الحيوانِ، إلا ما مات مِن علةٍ عارضةٍ به غيرِ الانخناقِ والتَّرَدِّى والانتطاحِ وفَرْسِ السَّبُعِ، فأعْلَمَهم اللهُ أن حكمَ ذلك حُكْمُ ما مات من العِللِ العارضةِ، وأن العلةَ الموجِبةَ تحريمَ الميتةِ ليست موتُها مِن علةِ مرضٍ أو أَذًى (^٢) كان بها قبلَ هلاكِها، ولكنَّ العلةَ في ذلك أنها لم يَذْبَحْها مِن أَجْلِ (^٣) ذبيحتِه، بالمعنى الذي أحَلَّها اللهُ به.\nكالذى حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. يقولُ: هذا حرامٌ؛ لأن ناسًا من العرب كانوا يَأْكُلونه ولا يَعُدُّونه ميتًا، إنما يَعُدُّون الميتَ الذي يَموتُ مِن الوَجَعِ، فحرَّمه اللهُ عليهم، إلا ما ذكَروا اسمَ اللهِ عليه، وأدْرَكوا ذكاتَه وفيه الرُّوحُ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-2402>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. وحرَّم عليكم أيضًا الذي ذُبِح على النُّصُبِ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"فإن\".\n(^٢) في الأصل: \"داء\".\n(^٣) في م: \"أَحَلَّ\".\n(^٤) ينظر التبيان ٣/ ٤٣٢.","vol":"8","page":69},{"text":"فـ\"ما\" في قولِه: ﴿وَمَا ذُبِحَ﴾. رَفْعٌ عطفًا على \"ما\" التي في قولِه: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾.\nوالنُّصُبُ الأوثانُ مِن الحجارةِ، جماعةُ أنصابٍ كانت تُجْمَعُ في الموضعِ مِن الأرضِ، فكان المشرِكون يُقَرِّبون لها، وليست بأصنامٍ.\nوكان ابن جُرَيْجٍ يَقُولُ في صفتِه ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: النُّصُبُ ليست بأصنامٍ، الصنمُ يُصَوَّرُ ويُنْقَشُ، وهذه حجارةٌ تُنصَبُ؛ ثلاثُمائةٍ وستون حجرًا، منهم مَن يَقُولُ: ثلاثُمائةٍ منها لخزاعةَ (^١). فكانوا إذا ذبَحوا نضَحوا الدمَ على ما أقبَل مِن البيتِ، وشرَّحوا اللحمَ وجعَلوه على الحجارة، فقال المسلمون: يا رسولَ اللهِ، كان أهلُ الجاهليةِ يُعظِّمون البيتَ بالدمِ، فنحن أحقُّ أن نُعَظِّمَه. فكأنَّ النبيَّ ﷺ لم (^٢) يَكْرَهُ ذلك، فأنزَل اللهُ: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج: ٣٧] (^٣).\nقال أبو جعفرٍ ﵀: ومما يُحقِّقُ قول ابن جُرَيْجٍ في أن الأنصابَ غيرُ الأصنامِ، ما حدَّثنا به ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن ابن أبي نَجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. قال: حجارةٌ كان يَذْبَحُ عليها أهلُ الجاهليةِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿النُّصُبِ﴾ قال: حجارةٌ حولَ\n_________\n(^١) في م: \"بخزاعة\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) تفسير ابن كثير ٣/ ٢٠.","vol":"8","page":70},{"text":"الكعبةِ، يَذْبَحُ عليها أهلُ الجاهليةِ، ويُبَدِّلُونها إذا شاءوا بحجارةٍ أعجبَ إليهم منها (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. والنُّصُبُ حجارةٌ كان أهلُ الجاهليةِ يَعْبُدُونها ويَذْبَحُون لها، فنهَى اللهُ عن ذلك.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. يَعْنى: أنصابَ أهلِ (^٢) الجاهليةِ (^٣).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. والنُّصُبُ: أنصابٌ كانوا يَذبَحون ويُهِلُّون عليها (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسَة، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. قال: كان حولَ الكعبةِ حجارةٌ كان يَذْبَحُ عليها أهلُ الجاهليةِ ويُبَدِّلُونها إذا شاءوا بحجرٍ هو أحبُّ إليهم منها.\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يَقُولُ: أَخبرَنا عُبَيدٌ، قال: سمِعت\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٠٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ٢.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٢.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٥٦.","vol":"8","page":71},{"text":"الضحاكَ بنَ مُزاحمٍ يقولُ: الأنصابُ حجارةٌ كانوا يُهِلُّون لها ويَذْبَحُون عليها (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. قال: و﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، و﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣، النحل: ١١٥]، هو واحدٌ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2403>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بقولِه: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾: وأن تَطْلُبوا عِلْمَ ما قُسِم لكم أو لم يُقْسَمْ بالأزلامِ. وهو \"اسْتَفْعَلتُ\" مِن القَسْمِ؛ قَسْمِ الرزقِ والحاجاتِ، وذلك أن أهلَ الجاهليةِ كان أحدُهم إذا أراد سفرًا أو غزوًا، أو نحوَ ذلك، أجال القداحَ - وهى الأزلامُ - وكانت قداحًا مكتوبًا على بعضِها: نهاني ربي. وعلى بعضِها: أمرني ربي. فإن خرَج القِدحُ الذي هو مكتوبٌ عليه: أمرني ربي. مضَى لما أراد مِن سفرٍ أو غزوٍ أو تزويجٍ أو غيرِ ذلك، وإن خرَج الذي عليه مكتوبٌ: نهانى ربى. كفَّ عن المُضِيِّ لذلك وأمسَك، فقيل: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾؛ لأنهم بفعلِهم ذلك كانوا كأنهم يَسْأَلون أزلامَهم أن يَقْسِمْن لهم. ومنه قولُ الشاعرِ مفتخِرًا بتركِ الاستقسامِ بها (^٣):\nولم أَقْسِمُ فَتَرْبُثَنِي (^٤) القُسُومُ\nوأما \"الأزلامُ\"، فإن واحدَها زُلَمٌ، ويقالُ: زَلَمٌ، وهى القِداحُ التي وصَفنا أمرَها.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٩٨ عقب الأثر (٦٧٥٤) معلقًا.\n(^٢) ينظر تفسير القرطبي ٦/ ٥٧.\n(^٣) مجاز القرآن ١/ ١٥٢.\n(^٤) ربثه عن أمره وحاجته: حبسه وصرفه. اللسان (ر ب ث).","vol":"8","page":72},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2404>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ بن مهديٍّ، عن سفيانَ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. قال: القِداحُ، كانوا إذا أرادوا أن يَخْرُجوا في سفرٍ جعَلوا قِداحًا للخروجِ والجلوسِ، فإن وقَع الخروجُ خرَجوا، وإن وقَع الجلوسُ جلَسوا (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شَريكٍ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. قال: حصًى بيضٌ كانوا يَضْرِبون بها (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: قال لنا سفيانُ بنُ وكيعٍ: هو الشِّطرَنْجُ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا عبادُ بنُ راشدٍ البَزّازُ (^٣)، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. قال: كانوا إذا أرادوا أمْرًا أو سفرًا، يَعْمَدُون إلى قداحٍ ثلاثةٍ، على واحدٍ منها مكتوبٌ: اؤْمُرْنى، وعلى الآخرِ: انْهَنى، ويَتْرُكون الآخِرَ محلَّلًا بينهما ليس عليه شيءٌ، ثم يُجِيلُونها، فإن خرَج الذي عليه: اؤْمُرْنى. مضَوا لأمرِهم، وإن خرَج الذي عليه: انْهَني، كَفُّوا، وإن خرَج الذي ليس عليه شيءٌ أعادوها (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عيينةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٧ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٩٨ (٦٧٥٦) من طريق أبى حصين به.\n(^٣) في الأصل: \"المازني\"، وفى ص: \"المنارى\"، وفى ت: \"البارى\"، وفى م: \"البزار\". والمثبت من ترجمته في تهذيب الكمال ١٤/ ١١٦.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"8","page":73},{"text":"تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾: حجارةٌ كانوا يَكْتُبون عليها يُسَمُّونها القِداحَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿بِالْأَزْلَامِ﴾. قال: القدِاحُ، يَضْرِبون بها (^١) لكلِّ سفَرٍ وغزوٍ وتجارةٍ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن زهيرٍ، عن إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. قال: كِعابُ فارسَ التي يَقْمُرون بها، وسهامُ العربِ.\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ الغفاريُّ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا زهيرٌ، عن إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. قال: سهامُ العربِ وكعابُ فارسَ والرومِ كانوا يَتَقَامرون بها (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. قال: كان الرجلُ إذا أراد أن يَخْرُجَ مسافرًا، كتَب في قِدْحٍ: هذا يَأْمُرُني بالمكوثِ. و[كتَب على آخرَ] (^٤): هذا يَأْمُرُني بالخروجِ، وجعَل معهما (^٥) منيحًا (^٦) - شيءٌ لم يَكْتُبْ فيه شيئًا - ثم استَقْسَم بها حينَ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ٢، وفى تفسير مجاهد: \"يضربونها\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٠٠.\n(^٣) تفسير ابن كثير ٣/ ٢٢.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ٢.\n(^٥) في ص، م، ت ٢: \"معها\".\n(^٦) في الأصل، ص، ت ٢: \"منيحة\". والمثبت موافق لما في تفسير عبد الرزاق، والمنيح: هو الثالث =","vol":"8","page":74},{"text":"يُريدُ أن يَخْرُجَ، فإن خرَج الذي يَأْمُرُه بالخروجِ خرَج، [وقال: لا يُصِيبُني في سفرى هذا إلا خيرٌ] (^١). وإن خرَج الذي يأمُرُه بالمكوثِ مكَث، وإن خرَج [الذي ليس عليه شيءٌ] (^٢) أجالها ثانيةً حتى يَخْرُجَ أَحدُ القِدْحين (^٣).\nحدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾: وكان أهلُ الجاهليةِ إذا أراد أحدُهم خروجًا، أخذ قدْحًا فقال: هذا يأْمُرُ بالخروجِ. فإن خرَج فهو مُصِيبٌ في سفرِه خيرًا، ويَأْخُذُ قِدْحًا آخرَ فيقولُ: هذا يَأْمُرُ بالمُكوثِ. فليس يُصِيبُ في سفرِه خيرًا، والمَنِيحُ بينَهما، فنهَى اللهُ عن ذلك وقدَّم فيه.\nحُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يَقُولُ: أخبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يَقُولُ في قولِه: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. قال: كانوا يَسْتَقْسِمون بها في الأمورِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الأَزْلامُ قِداحٌ لهم كان أحدُهم إذا أراد شيئًا من تلك الأمورِ كتَب في تلك القداحِ ما أراد، فيَضْرِبُ بها، فأيُّ قِدْحٍ خرَج - وإن كان أبْغَضَ تلك - ارتكَبَه وعمِل به.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. قال: الأزلامُ قِداحٌ كانت في الجاهليةِ عندَ\n_________\n= من القداح الغُفْل التي ليست لها فُرُض ولا أنصباء ولا عليها غرم وإنما يثقل بها القداح كراهية التهمة. والمنيح أيضًا: قدح من أقداح الميسر يؤثر بفوزه فيستعار يُتَيَمَّن بفوزه والمنيحة: الناقة أو الشاة المعارة للبن خاصة. اللسان (م ن ح).\n(^١) سقط من: ص، م، ت ٢.\n(^٢) في ص، م، ت ٢: \"الآخِر\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٣.","vol":"8","page":75},{"text":"الكهنةِ، فإذا أراد الرجلُ أن يُسافرَ أو يَتَزَوَّجَ أو يُحْدِثَ أمرًا، أتى الكاهنَ فأعطاه شيئًا، فضرَب له بها، فإن خرَج شيءٌ يُعْجِبُه منها أمَره ففعَل، وإن خرَج منها شيءٌ يَكْرَهُه نهاه فانتَهى، كما ضرَب عبدُ المطلبِ على زمزمَ، وعلى عبدِ اللهِ والإبلِ (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ، قال: سمِعنا أن أهلَ الجاهليةِ كانوا يَضْرِبون بالقداحِ في الظَّعْنِ والإقامة، أو الشيءِ يُريدونه، فيَخْرُجُ سهمُ الظَّعنِ فيَظْعَنُون، والإقامةِ فيُقِيمون.\nوقال ابن إسحاقَ في الأزلامِ ما حدَّثني به ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كانت هُبَلُ أعظمَ أصنامِ قُرَيشٍ بمكةَ، وكانت على بئرٍ في جوفِ الكعبةِ، وكانت تلك البئرُ هي التي يُجْمَعُ فيها ما يُهْدَى للكعبةِ، وكان عندَ هُبَلَ سبعةُ أقدحٍ، كلُّ قِدْح منها فيه كتابٌ؛ قدح فيه العَقْلُ (^٢)، إذا اختَلَفوا في العَقْلِ مَن يَحْمِلُه منهم ضرَبوا بالقِداحِ السبعةِ، وقِدْحٌ فيه \"نَعَم\" للأمرِ إذا أرادوه يُضْرَبُ به، فإن خرَج قِدْحُ \"نَعَم\" عمِلوا به، وقِدْحٌ فيه \"لا\"، فإذا أرادوا أمرًا ضَرَبوا به في القِداحِ، فإذا خرَج ذلك القِدْحُ لم يَفْعَلوا ذلك الأمرَ، وقِدْحٌ فيه \"منكم\" وقِدْحٌ فيه \"مُلْصَقٌ\" وقِدْحٌ فيه \"مِن غيرِكم\" وقِدْحٌ فيه \"المياهُ\" إذا أرادوا أن يَحْفِروا للماءِ ضرَبوا بالقِداحِ وفيها ذلك القِدْحُ، فحيثما خرَج عمِلوا به. وكانوا إذا أرادوا أن يَخْتِنُوا (^٣) غلامًا، أو أن يُنْكِحُوا مَنْكَحًا، أو أن يَدْفِنوا مَيِّتًا، أو يَشُكُّوا في نسبِ أحدِهم، ذهَبوا به إلى هُبَلَ، وبمائةِ درهمٍ وبجَزُورٍ، فأعطوها صاحبَ القداحِ الذي يَضْرِبُها، ثم قرَّبوا صاحبَهم الذي يُريدون به ما يُريدون، ثم قالوا: يا إلَهنا،\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٣/ ٤٣٤.\n(^٢) العقل: الدية. الوسيط (ع ق ل).\n(^٣) في م: \"يجتبوا\".","vol":"8","page":76},{"text":"هذا فلانُ بنُ فلانٍ، قد أرَدنا به كذا وكذا، فأخْرِجِ الحقَّ فيه. ثم يَقُولون لصاحبِ القِداح: اضْرِبْ. فيَضْرِبُ، فإن خرَج عليه [\"منكم\" كان وَسِيطًا، وإن خرَج عليه] (^١) \"من غيرِكم\" كان حليفًا، وإن خرج عليه (^٢) \"مُلْصَقٌ\" كان على منزلتِه، منهم، لا نَسَبَ له ولا حِلْفَ، وإن خرَج فيه شيءٌ سوى هذا مما يَعْمَلون به \"نعم\" عمِلوا به، وإن خرَج \"لا\" أخَّروه عامَهم ذلك، حتى يَأْتُوا به مرةً أُخرى، يَنْتَهون في أمورِهم إلى ذلك مما خرَجَتْ به القِداحُ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. يَعْنى: القِداحَ، كانوا يَسْتَقسِمون بها في الأُمورِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-2405>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ذَلِكُمْ﴾: هذه الأمورُ التي ذكَرها، وذلك أكلُ المَيْتِة والدمِ ولحمِ الخنزيرِ وسائرِ ما ذكَر في هذه الآيةِ مما حرَّم أكلَه، والاستقسامُ بالأزلامِ، ﴿فِسْقٌ﴾. يعنى: خروجٌ عن أمرِ اللهِ وطاعتِه إلى ما نَهى عنه وزجَر، وإلى معصيتِه.\nكما حدَّثني المثنى: قال ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾. يَعْنى: مَن أكَل مِن ذلك كلِّه فهو فسقٌ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-2406>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ٢.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ١٥٢، ١٥٣.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٥٦.","vol":"8","page":77},{"text":"دِينِكُمْ﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾: الآنَ انقطَع طمعُ الأحزابِ وأهلِ الكفرِ والجحودِ أيُّها المؤمنون ﴿مِنْ دِينِكُمْ﴾. يقولُ: من دينِكم أن تَتْرُكوه فتَرْتَدُّوا عنه راجعين إلى الشركِ.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾. يعنى: أن تَرْجِعوا إلى دينِهم أبدًا (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾: [أَن تَرْجِعوا إليهم (٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: أخبرني عطاءٌ في قولِه: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾] (^٢). قال، أظنُّ: يَئِسوا أن تَرْجِعُوا عن ديِنكم (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: فإن قال قائلٌ: وأيُّ يومٍ هذا اليومُ الذي أخبَر اللهُ جلَّ ثناؤه أن الذين كفَروا يَئِسوا فيه مِن دينِ المؤمنين؟ قيل: ذُكِر أن ذلك كان يومَ عرفةَ، عامَ حجَّ النبيُّ ﷺ حَجَّةَ الوداعِ، وذلك بعدَ دُخولِ العربِ في الإسلامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2407>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الشعب (٣٢) من طريق أبي صالح به مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) ينظر البحر المحيط ٣/ ٤٢٥، وتفسير ابن كثير ٣/ ٢٢.","vol":"8","page":78},{"text":"مجاهدٌ: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: هذا حينَ فعلتُ. قال ابن جُرَيجٍ: وقال آخرون: ذلك يومُ عرفةَ في (^١) يومِ جُمُعةٍ، لما نظَر النبيُّ ﷺ فلم يَرَ إلا موحِّدًا، ولم يَرَ مشركًا، حَمِد الله، فنزَل عليه جبريلُ ﵇: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ أن يَعُودوا كما كانوا (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ قال: هذا يومُ عرفةَ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2408>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: فلا تَخْشَوا أيُّها المؤمنون هؤلاء الذين قد يَئِسوا مِن دينِكم أن ترْجِعوا عنه، مِن الكفارِ، ولا تَخافوهم أن يَظْهَرُوا عليكم فيَقْهَرُوكم ويَرُدُّوكم عن دينِكم، ﴿وَاخْشَوْنِ﴾. يَقُولُ: ولكن خافونِ إن أنتم خالفتم أمرى، واجتَرَأتم على معصيتى، وتَعَدَّيْتُم حدودى، أن أُحِلَّ بكم عقابي، وأُنْزِلَ بكم عذابي.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾: فلا تَخْشَوْهُم أَن يَظْهَروا عليكم (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-2409>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.</span>\nاختَلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿الْيَوْمَ\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أو\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٥٧) إلى ابن حميد مقتصرا على أوله.\n(^٣) ينظر التبيان (٣/ ٤٣٤)، والبحر المحيط (٣/ ٤٢٥).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٥٧) إلى المصنف.","vol":"8","page":79},{"text":"أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: اليومَ أكمَلتُ لكم أيُّها المؤمنون فرائِضى عليكم وحدودى، وأمرى إياكم ونَهْيى، وحلالى وحرامى، وتَنْزيلى مِن ذلك ما أَنْزَلتُ منه في كتابي، وتِبْياني ما بَيَّنْتُ لكم منه بوحيى على لسانِ رسولى، والأدلةِ التي نَصَبتُها لكم على جميعِ ما بكم الحاجةُ إليه مِن أمرِ دينِكم، فأتْمَمْتُ لكم جميعَ ذلك، فلا زيادةَ فيه بعدَ هذا اليومِ. قالوا: وكان ذلك في يومِ عرفةَ، عامَ حجَّ النبيُّ ﷺ حَجَّةَ الوداعِ. قالوا: ولم يَنْزِلْ على النبيِّ ﷺ بعدَ هذه الآيةِ شيءٌ مِن الفرائضِ، ولا تحليلُ شيءٍ ولا تحريمُه، وأن النبيَّ ﷺ لم يَعِشْ بعدَ نزولِ هذه الآيةِ إلا إحدى وثمانين ليلةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-2410>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: وهو الإسلامُ. قال: أخبرَ اللهُ سبحانه نبيَّه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمَل لهم الإيمانَ فلا يَحْتاجون إلى زيادةٍ أبدًا، وقد أتمَّه اللهُ عزَّ ذكرُه فلا يَنْقُصُه أبدًا، وقد رضِيَه اللهُ فلا يَسْخَطُه أبدًا (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: هذا نزَل يومَ عرفةَ، فلم يَنْزِلْ بعدها حلالٌ ولا حرامٌ، ورجَع رسولُ اللهِ ﷺ فمات. فقالت أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ: حجَجْتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ تلك الحَجَّةَ، فبينَما نحن نسيرُ، إذ تَجَلَّى له جبريلُ، [فمال رسولُ اللهِ] (^٢) ﷺ على الراحلةِ، فلم تُطِقِ الراحلةُ مِن ثِقْلِ ما\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٣) عن علي بن أبي طلحة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٥٧) إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"8","page":80},{"text":"عليها مِن القرآنِ، فبرَكتْ، فأتيتُه فسجَّيتُ عليه بُرْدًا كان عليَّ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: مكَث النبيُّ ﷺ بعدَ ما نزَلت هذه الآيةُ إحدى وثمانين ليلةً. قولَه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.\nحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن هارونَ بن عنترةَ، عن أبيه، قال: لما نزَلت: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. وذلك يومُ الحجِّ الأكبرِ، بكَى عمرُ، فقال له النبيُّ ﷺ: \"ما يُبْكِيكَ؟ \" قال أبكاني أنَّا كنا في زيادةٍ مِن دينِنا، فأما إذا كمَل فإنه لم يَكْمُلْ شيءٌ إلا نقَص. فقال: \"صَدَقْتَ\" (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أحمدُ بنُ بشيرٍ، عن هارونَ بن أبي وكيعٍ، عن أبيه، فذكَر نحوَ ذلك.\nوقال آخرون: معنى ذلك: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: حَجَّكم، فأُفْرِدْتُم بالبلدِ الحرامِ، تَحُجُّونه أنتم أيها المؤمنون دونَ المشركين، لا يُخالِطُكم في حَجِّكم مُشركٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2411>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي غَنِيَّةَ، عن أبيه، عن الحَكَمِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. قال: أكمَل لهم دينَهم أن حَجُّوا ولم يَحُجَّ معهم مُشْرِكٌ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. قال: أخْلَص اللهُ لهم دينَهم، ونفَى\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٣) عن أسباط به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٣/ ٢٥٠، ٢٥١) عن محمد بن فضيل به.","vol":"8","page":81},{"text":"المشركين عن البيتِ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا قيسٌ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. قال: تمامُ الحجِّ ونَفْىُ المشركين عن البيتِ (^٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن الله ﷿ أخبَر نبيَّه ﷺ والمؤمنين به أنه أكمَل لهم يومَ أنْزَل هذه الآيةَ على نبيِّه دينَهم؛ بإفرادِهم بالبلدِ الحرامِ، وإجلائِه عنه المشركين، حتى حَجَّه المسلمون دونَهم [لا يُخالِطُهم مشركٌ] (^٣).\nفأما الفرائضُ والأحكامُ فإنه قد اختُلِف فيها؛ هل كانت أُكْمِلت ذلك اليومَ أم لا؟ فرُوِي عن ابن عباسٍ والسدِّيِّ ما ذكَرنا عنهما قبلُ. ورُوِى عن البرَاءِ بن عازبٍ أن آخِرَ آيةٍ نزَلت مِن القرآنِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (^٤) [النساء: ١٧٦].\nولا يَدْفَعُ ذو علمٍ أن الوحىَ لم يَنْقَطِعْ عن رسولِ اللهِ ﷺ إلى أن قُبِض، بل كان الوحيُ قبلَ وفاتِه أكثرَ ما كان تَتَابُعًا. فإذ كان ذلك كذلك، وكان قولُه: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ آخِرَها نزولًا، وكان ذلك مِن الأحكامِ والفرائضِ، كان معلومًا أن معنى قولِه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ على خلافِ الوجهِ الذي تأوَّله مَن تأوَّله أنه عُنِى به كمالُ العباداتِ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق (١/ ١٨٤).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٥٨) إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لا يخالطونهم المشركون\".\n(^٤) تقدم تخريجه في (٧/ ٧١٦).","vol":"8","page":82},{"text":"والأحكامِ والفرائضِ.\nفإن قال قائلٌ: فما جعَل قولَ مَن قال: قد نزَل بعدَ ذلك فرضٌ. أَولَى مِن قولِ مَن قال: لم يَنْزِلُ؟\nقيل: لأن الذي قال: لم يَنْزِلْ. مُخْبِرٌ أَنه لا يَعْلَمُ نُزُولَ فرضٍ، والنفىُ لا يَكُونُ شهادةً، والشهادةُ قولُ مَن قال: نزَل. وغيرُ جائزٍ دفعُ خبرِ الصادقِ فيما أمكن أن يَكُونَ فيه صادقًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2413>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وأتْمَمْت نعمتى أيُّها المؤمنون بإظهارِكم على عدوِّي وعدوِّكم مِن المشركينِ، ونفيى إياهم عن بلادِكم، وقَطْعى طمعَهم مِن رجوعِكم وعودِكم إلى ما كنتم عليه مِن الشركِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2412>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: كان المشركون والمسلمون يَحُجُّون جميعًا، فلما نزَلت \"براءةُ\" فنفى المشركين عن البيت، وحجَّ المسلمون لا يُشارِكُهم في البيتِ الحرامِ أحدٌ مِن المشركينِ، فكان ذلك مِن تمامِ النعمةِ: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ\n_________\n(^١) أخرجه الآجرى في الشريعة (١٩٦) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٥٨) إلى ابن المنذر.","vol":"8","page":83},{"text":"لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ الآية: ذُكِر لنا أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ يومَ عرفةَ يومَ جُمُعةٍ، حين نفَى اللهُ المشركين عن المسجدِ الحرامِ، وأخلَص للمسلمين حجَّهم (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا داودُ، عن الشَّعْبيِّ، قال: نزَلت هذه الآيةُ بعرفاتٍ، حيث هُدِم منارُ الجاهليةِ، واضْمَحَلَّ الشِّرْكُ، ولم يَحُجَّ معهم في ذلك العامِ مُشْرِكٌ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ في هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾. قال: نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ وهو واقفٌ بعرفاتٍ وقد أطاف به الناسُ، وتهدَّمت منارُ الجاهليةِ ومناسكُهم، واضْمَحَلَّ الشَّركُ، ولم يَطُفْ حولَ البيتِ عُرْيانٌ، فأنزَل اللهُ جل ذكرُه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ بنحوِه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2414>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ورضيتُ لكم [﴿الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. أي] (^٣): الاستسلامَ لأمرى، والانقيادَ لطاعتى، على ما شرَعتُ لكم مِن حدودِه وفرائضِه ومعالمِه ﴿دِينًا﴾. يعنى بذلك: طاعةً منكم لى.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٥٧، ٢٥٨) إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧١٣ - تفسير) عن ابن علية به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"8","page":84},{"text":"فإن قال قائلٌ: أَو ما كان اللهُ راضيًا الإسلامَ دينًا (^١) لعبادِه إلا يومَ أَنْزَل هذه الآيةَ؟\nقيل له: لم يَزَلِ اللهُ جلَّ ثناؤُه راضيًا لخلقِه الإسلامَ دينًا، ولكنه جلَّ ثناؤُه لم يَزَلْ يُصَرِّفُ نبيَّه محمدًا ﷺ وأصحابَه في درجاتِ الإسلامِ (^٢) ومراتبِه درجةً بعدَ درجةٍ، ومرتبةً بعدَ مرتبةٍ، وحالًا بعدَ حالٍ، حتى أكمَل لهم شرائعَه ومعالَمه، وبلغَ بهم أقصى درجاتِه ومراتبِه، ثم قال حينَ أنْزَل عليهم هذه الآيةَ: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ (^٣)﴾. بالصفةِ التي هو بها اليومَ، والحالِ التي أنتم عليها اليوم منه، ﴿دِينًا﴾، فالزَمُوه ولا تُفارِقُوه.\nوكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أنه يَمْثُلُ لأهلِ كلِّ دينٍ دينُهم يومَ القيامةِ، فأما الإيمانُ فيُبَشِّرُ أصحابَه وأهلَه ويَعِدُهم في الخيرِ، حتى يَجِيءَ الإسلامُ، فيقولَ: ربِّ، أنت السلامُ وأنا الإسلامُ. فيقولَ: إياك اليومَ أقْبَلُ، وبك اليومَ أجْزِى.\nوأحسَبُ أن قتادةَ وجَّه معنى الإيمانِ بهذا الخبرِ إلى معنى التصديقِ والإقرارِ باللسانِ؛ لأن ذلك معني الإيمانِ عندَ العربِ، ووجَّه معنى الإسلامِ إلى استسلامِ القلبِ وخضوعِه للهِ بالتوحيدِ، وانقيادِ الجسدِ له بالطاعةِ فيما أمَر ونهَى، فلذلك قال (^٤) للإسلامِ: إياك اليومَ أقبَلُ، وبك اليومَ أجْزِى.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"دينا\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قيل\".","vol":"8","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2415>ذكرُ مَن قال: نزَلت هذه الآيةُ بعرفةَ في حَجَّةِ الوداعِ على رسولِ اللهِ ﷺ </span>-\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسٍ بن مسلمٍ، عن طارقِ بن شهابٍ، قال: قالت اليهودُ لعمرَ: إنكم تَقْرَءون آيةً لو أُنْزِلت فينا لاتَّخَذْناها عيدًا. فقال عمرُ: إني لأعْلَمُ حِينَ أُنْزِلت، وأين أُنْزِلت، وأينَ رسولُ اللهِ ﷺ حينَ أُنْزِلت؛ أُنْزِلَت يومَ عرفةَ ورسولُ اللهِ ﷺ واقفٌ بعرَفةَ. قال سفيانُ: وأشكُّ، كان يومَ الجُمُعِة أم لا؛ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعت أبي، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن طارقِ بن شهابٍ، قال: قال يَهوديٌّ لعمرَ: لو [علينا معشرَ اليهودِ نزَلت] (^٢) هذه الآيةُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. لو نَعْلَمُ ذلك اليومَ اتَّخَذْنا ذلك اليومَ عيدًا. فقال عمرُ: قد علِمتُ اليومَ الذي نزَلت فيه، والساعةَ، وأينَ رسولُ اللهِ ﷺ حينَ نزَلت؛ نزَلت ليلةَ الجُمُعِة ونحن مع رسولِ اللهِ ﷺ بعرفاتٍ (^٣). لفظُ الحديثِ لأبي كريبٍ، وحديثُ ابن وكيعٍ نحوُه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن أبي العُمَيسِ، عن قيسِ بن\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٤٦٠٦)، عن ابن بشار به. وأخرجه أحمد (١/ ٣٧٥، ٣٧٦) (٢٧٢)، ومسلم (٣/ ٣٠١٧) من طريق عبد الرحمن به. وأخرجه البخارى (٤٤٠٧)، من طريق سفيان به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، م، س: \"علمنا معشر اليهود حين نزلت\".\n(^٣) أخرجه مسلم (٣٠١٧) عن أبي كريب به. وأخرجه مسلم (٣٠١٧)، والنسائي (٣٠٠٢)، وابن حبان (١٨٥)، والآجرى في الشريعة (١٩٩)، والبيهقى (٥/ ١١٨) من طريق عبد الله بن إدريس به.","vol":"8","page":86},{"text":"مسلمٍ، عن طارقٍ، عن عمرَ نحوَه (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عمارٍ مولى بنى هاشمٍ، قال: قرَأ ابن عباسٍ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. وعندَه رجلٌ مِن أَهلِ الكتابِ، فقال: لو علِمنا أىَّ يومٍ نزَلت هذه الآيةُ لاتَّخَذْناه عيدًا. فقال ابن عباسٍ: فإنها نزَلت يومَ عرفةَ يومَ جُمُعةٍ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا قَبِيصةُ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن عمارٍ، أن ابنَ عباسٍ قرَأ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فقال يهوديٌّ: لو نزَلت هذه الآيةُ علينا لاتَّخَذْنا يومَها عيدًا. فقال ابن عباسٍ: فإنها نزَلت في يومِ عيدين اثنين؛ يومِ عيدٍ ويومِ جُمُعةٍ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عمارِ بن أبى عمارٍ، عن ابن عباسٍ نحوَه (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا رجاءُ بنُ أَبي سَلَمَةَ، قال: أخبرَنا عُبادةُ بنُ نُسَيٍّ، قال: ثنا أميرُنا إسحاقُ [بنُ قَبيصةَ] (^٤)، قال: قال\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ٣٢٠) (١٨٨)، وعبد بن حميد (٣٠)، والبخارى (٤٥)، ومسلم (٣٠١٧)، والنسائى (٥٠٢٧)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٣)، والبيهقى (٥/ ١٨٨) من طريق جعفر بن عون به. وأخرجه الحميدى (٣١)، والبخاري (٧٢٦٨)، ومسلم (٣٠١٧) ٤، ٥، والترمذى (٣٠٤٣)، والنسائي (٣٠٠٢)، من طريق قيس بن مسلم به.\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٢٨٣٢)، والترمذى (٣٠٤٤)، والطبراني في الكبير (١٢٨٣٥)، والواحدى في أسباب النزول ص ١٤١ من طريق حماد بن سلمة به.\n(^٣) أخرجه البيهقى في الدلائل (٥/ ٤٤٦) من طريق الحجاج بن المنهال به.\n(^٤) في الأصل: \"يعنى أبا حرشة، عن قبيصة\"، وفى ص، م، ت ٢، ت ٣: \"قال أبو جعفر: إسحاق هو ابن حرشة، عن قبيصة\"، وفى ت ١: \"قال أبو جعفر: إسحاق بن حراشة عن قبيصة\" والصواب: إسحاق بن قبيصة، كما أثبتناه، وينظر مصادر التخريج.","vol":"8","page":87},{"text":"كعبٌ: لو أن غيرَ هذه الأمّةِ نزَلت عليهم هذه الآيةُ لنظَروا اليومَ الذي أُنْزِلَت فيه عليهم فاتَّخَذُوه عيدًا يَجْتَمِعُون فيه. فقال عمر: أيُّ آيةٍ يا كعبُ؟ فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. فقال عمرُ: قد عَلِمتُ اليومَ الذي أُنْزِلَت فيه، والمكانَ الذي أُنْزِلَت فيه؛ يومُ جُمُعَةٍ، ويومُ عرَفةَ، وكلاهما بحمدِ اللهِ لنا عيدٌ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن عيسى بن حارثةَ الأنصاريِّ، قال: كنا جُلوسًا في الديوانِ، فقال لنا نصرانيٌّ: يا أهلَ الإسلامِ، لقد أُنْزلت عليكم آيةٌ لو أُنْزِلت علينا لاتَّخَذْنا ذلك اليومَ وتلك الساعةَ عيدًا ما بقى منا اثنان: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. فلم يُجِبْه أحدٌ منا، فلقِيتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظيَّ فسَألتهُ عن ذلك، فقال: ألا رَدَدتم عليه؟ فقال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: أُنْزِلت على النبيِّ ﷺ وهو واقفٌ على الجبلِ يومَ عَرَفةَ، فلا يَزالُ ذلك اليومُ عيدًا للمسلمين ما بقِى منهم أحدٌ (^٢).\nحدَّثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: أُنْزِلَت على رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. عَشِيةَ عرفةَ وهو في الموقِفِ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، قال: قلت لعامرٍ: إن اليهودَ تقولُ: كيف لم تَحْفَظِ العربُ هذا اليومَ الذي أكمَل اللهُ لها دينَها فيه؟ فقال عامرٌ: أو ما حَفِظتَه؟ قلتُ له: فأيُّ يومٍ هو؟ قال: يومَ عرفةَ، أنزَل اللهُ في يومِ عرفةَ.\n_________\n(^١) أخرجه مسدد - كما في فتح البارى (١/ ١٠٥) - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٨/ ٢٧١) - عن ابن علية به بنحوه. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٨٣٠، ٣٩٠٠) من طريق رجاء بن أبي سلمة به بنحوه، والموضع الثاني ليس فيه ذكر كعب الأحبار.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٥٨) إلى المصنف.","vol":"8","page":88},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: بَلَغنا أنها نزَلت يومَ عرفةَ، ووافَق يومَ الجُمُعةِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا عمرُ بنُ حبيبٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عِكْرِمةَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: نزَلت سورةُ \"المائدةِ\" يومَ عرفةَ، ووافَق يومَ الجُمُعةِ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عُيَيْنةَ، عن ليثٍ، عن شهرِ بن حوشَبٍ، قال: نزَلت سورةُ \"المائدةِ\" على النبيِّ ﷺ وهو واقفٌ بعَرَفةَ على راحلتِه، فتَنَوَّخَت (^٣) لأن تُدَقَّ ذراعُها (٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن أسماءَ بنتِ يزيدَ، قالت: نَزلت سورةُ \"المائدةِ\" جميعًا وأنا آخِذةٌ بزِمامِ ناقةِ رسولِ اللهِ ﷺ العضباءِ. قالت: فكادَت مِن ثِقَلِها أَن تَدُقَّ عَضُدُ الناقةِ (^٤).\nحدَّثني أبو عامرٍ إسماعيلُ بنُ عمرٍو السَّكونيُّ، قال: ثنا هشامُ بنُ عمارٍ، قال: ثنا ابن عياشٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ الكِنْديُّ (^٥)، أنه سمِع معاويةَ بنَ أبي سفيانَ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق (١/ ١٨٤).\n(^٢) تفسير عبد الرزاق (١/ ١٨١).\n(^٣) أي: استناخت وبركت.\n(^٤) أخرجه إسحاق بن راهوية (١٦) عن جرير به، وأخرجه أحمد في المسند (٦/ ٤٥٥، ٤٥٨) (الميمنية)، والطبرانى في الكبير (٢٤/ ١٧٨) (٤٤٨)، والبيهقى في الشعب (٢٤٣٠)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٥٢) إلى عبد بن حميد وابن نصر في كتاب الصلاة وأبى نعيم في الدلائل. من طريق ليث بن أبي سليم به.\n(^٥) في م: \"السكونى\" وهما صواب، ينظر ترجمته في تهذيب الكمال (٢٢/ ١٩٥).","vol":"8","page":89},{"text":"على المنبرِ يَنْتَزِعُ بهذه الآيةِ (^١): ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. حتى ختَمها، فقال: نزَلت في يومِ عرفةَ، في يومِ جُمُعةٍ (^٢).\nوقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ - أعنى قولَه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ - يومَ الاثنين. وقالوا: أُنْزِلت سورةُ \"المائدةِ\" بالمدينةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2416>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابن لَهيعةَ، عن خالدِ بن أبى عِمرانَ، عن حَنَشٍ، عن ابن عباسٍ: وُلِد نبيُّكم ﷺ يومَ الاثنين، وخرَج مَن مكةَ يومَ الاثنين، ودخَل المدينةَ يومَ الاثنين، وأُنْزِلَت سورةُ \"المائدةِ\" يومَ الاثنين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. ورفَع الرُّكْنَ (^٣) يومَ الاثنين (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، قال: \"المائدةُ\" مَدَنيةٌ (^٥).\nوقال آخرون: نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ في مسيرِه في حَجَّةِ الوداعِ.\n_________\n(^١) ينتزع بهذه الآية: يتمثل. ينظر التاج (ن ز ع).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٣٩٢) (٩٢١) من طريق هشام بن عمار به.\n(^٣) في النسخ، وتفسير ابن كثير: \"الذكر\". والمثبت من المعجم الكبير، وفى المسند: \"الحَجَرَ\". والركن هو الحجر الأسود، وذلك عندما اختلفت قريش في رفعه، فرفعه النبي ﷺ. وينظر مصادر التخريج.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٣٠٤) (٢٥٠٦)، والمصنف في تاريخه (٣/ ٢١٧)، والطبراني في الكبير (١٢٩٨٤)، وابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير (٣/ ٢٥) - والبيهقي في دلائل النبوة (٧/ ٢٣٣، ٢٣٤) من طريق ابن لهيعة به بنحوه. وليس في المسند ولا تاريخ المصنف ذكر نزول سورة \"المائدة\". قال ابن كثير: أثر غريب وإسناده ضعيف.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٥٢) إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"8","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2417>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: نزَلت سورةُ \"المائدةِ\" على رسولِ اللهِ ﷺ في المَسيِر في حَجَّةِ الوداعِ وهو راكبٌ راحلتَه، فبرَكت به راحلتُه مِن ثِقَلِها (^١).\nوقال آخرون: ليس ذلك بيومٍ معلومٍ عندَ الناسِ، وإنما معناه: اليومُ الذي أعلَمُه أنا دونَ خلقِى، أكمَلتُ لكم دينَكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2418>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. يقولُ: ليس بيومٍ معلومٍ يَعْلَمُه الناسُ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في وقتِ نزولِ هذه الآيةِ القولُ الذي رُوِى عن عمرَ بن الخطابِ، أنها نزَلت يومَ عرفةَ، يومَ جُمُعَةٍ؛ لصحةِ سندِه ووَهْي أسانيدِ غيرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2419>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جرير ﵀: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: فمن أصابه ضُرٌّ ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾. يعني: في مجاعةٍ.\nوهى مَفْعَلَةٌ، مثلُ المَجبَنةِ والمَبْخَلَةِ والمَنَجَبةِ، مِن خَمْصِ البطنِ، وهو اضْطمارُه،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٥٢) إلى المصنف، وينظر تفسير ابن كثير (٣/ ٢٥).\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٥).","vol":"8","page":91},{"text":"وأظنُّه هو في هذا الموضعِ معنيٌّ به اضْطِمارُه مِن الجوعِ وشدةِ السَّغَبِ (^١). وقد يكونُ في غيرِ هذا الموضعِ اضْطِمارًا منِ غيرِ الجوعِ والسَّغَبِ، ولكن مِن خِلْقَةٍ، كما قال نابغةُ بنى ذُبيانَ في صفةِ امرأةٍ بخَمْصِ البطنِ (^٢):\nوالبَطْنُ ذو عُكَنٍ خَمِيصٌ لَيِّنٌ … والنَّحْرُ تَنْفُجُه بثَدْىٍ مُقْعَدِ (^٣)\nفمعلومٌ أنه لم يُرِدْ صِفَتَها بقولِه: خَمِيصٌ. بالهُزالِ والضُّرِّ مِن الجوعِ، ولكنه أراد وصفَها بلطافةِ طَيِّ ما علا الأوراكَ والأفخاذَ مِن جسدِها؛ لأن ذلك مما يُحْمَدُ مِن النساءِ، ولكنَّ الذي في معنى الوصفِ بالاضْطِمارِ والهُزالِ مِن الضُّرِّ مِن ذلك قولُ أعشَى بنى ثعلبةَ (^٤):\nتَبِيتُون في المَشْتَى مِلاءً بُطُونُكُمْ … وجاراتُكم غَرْثَى (^٥) يَبِتْنَ خَمَائِصَا\nيَعْنى بذلك: يَبِتْنَ مُضْطَمِراتِ البطونِ مِن الجوعِ والسَّغَبِ والضُّرَّ. فمن هذا المعنى قولُه: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾.\nوكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: المَخْمَصةُ المصدرُ مِن خَمَصه الجوعُ.\nوكان غيرُه مِن أهلِ العربيةِ يَرَى أنها اسمٌ للمصدَرِ وليست بمصدرٍ، ولذلك تَقَعُ المَفْعَلةُ اسمًا في المصادرِ للتأنيثِ والتذكيرِ.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) السغب: الجوع مع التعب. اللسان (س غ ب).\n(^٢) ديوان النابغة ص ٣٨.\n(^٣) العُكن: الأطواء في البطن من السِّمَن، وتنفجه: ترفعه، والمقعد من الثدى: الناهد الذي لم ينثن بعد ولم يتكسر. اللسان (ن ف ج، ق ع د، ع ك ن).\n(^٤) ديوانه ص ١٤٩.\n(^٥) غرثى: جوعى.","vol":"8","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2420>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾. يَعْني: في مجاعةٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾. أي: في مجاعةٍ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: [أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال] (^٢) أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾. قال: ذكَر المَيْتةَ وما فيها، فأحلَّها في الاضطرارِ، ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾. يقولُ: في مجاعةٍ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: سمِعتُ ابنَ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾. قال: المخمصةُ الجوعُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2421>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فمَن اضْطُّرَّ فِي مَخْمَصَةٍ إلى أكل ما حرَّمتُ عليه منكم أيُّها المؤمنون مِن المَيْتةِ والدمِ ولحمِ الخِنْزيرِ وسائرِ ما حرَّمتُ عليه بهذه الآيةِ، ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾. يقولُ: لا (^٤) مُتَجانِفًا لإثمٍ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٥٩) إلى المصنف ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق (١/ ١٨٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٥٩) إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في م: (إلا).","vol":"8","page":93},{"text":"فلذلك نصَب \"غيرَ\" لخروجِها مِن الاسمِ الذي في قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾. وهى بمعنى \"لا\" (^١)، فنُصِب بالمعنى الذي كان به منصوبًا \"المُتجَانفُ\" لو جاء الكلامُ: لا (^١) مُتَجانِفًا.\nوأما \"المتجانفُ للإثمِ\"، فإنه المتمايلُ له المنحرفُ إليه، وهو في هذا الموضعِ مرادٌ به المُتعَمِّدُ له القاصدُ إليه، مِن: جَنَف القومُ عليَّ، إذا مالوا، وكلُّ أعوجَ فهو أجنفُ عندَ العربِ.\nوقد بيَّنا معنى \"الجَنَفِ\" بشواهدِه في قولِه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ [البقرة: ١٨٢]. بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضِع (^٢).\nوأما تَجانُفُ آكلِ المَيْتةِ في أكلِها وفى غيرِها مما حرَّم اللهُ أكلَه على المؤمنين بهذه الآيةِ، للإثمِ في حالِ أكلِه، فهو تَعَمُّدُه أكلَ ذلك لغيرِ دفعِ الضرورةِ النازلةِ به، ولكنْ لمعصيةِ اللهِ وخلافِ أمرِه فيما أمَره به مِن تركِ أكلِ ذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2422>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾. يعنى: إلى (^٣) ما حرَّم مما سَمَّى في صدرِ هذه الآيةِ: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾. يقولُ: غيرَ متعمِّدٍ لإثمٍ (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"إلا\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٣/ ١٤٧ - ١٥٢.\n(^٣) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"8","page":94},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾: غيرَ مُتَعَمِّدٍ لإثمٍ. قال: لمَّا (^١) حرَّم اللهُ ما حرَّم، رخَّص للمضطرِّ إذا كان غيرَ متعمِّدٍ لإثمٍ أن يَأْكُلَه مِن جَهْدٍ، فَمَن بغَى أَو عَدا أو خرَج في معصيةِ اللهِ، فإنه محرَّمٌ عليه أن يَأْكُلَه (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾. أي: غيرَ مُتَعَرِّضٍ لمعصيةٍ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾: غيرَ متعمِّدٍ لإثمٍ، غيرَ متعرِّضٍ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾. يقولُ: غيرَ متعرِّضٍ لإثمٍ؛ أَن (^٤) يَبْتَغِيَ فيه شهوةً، أو يَعْتَدِيَ في أكلِه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾: لا يَأْكُلُ ذلك ابتغاءَ الإثمِ ولا جَرَاءةً عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2423>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ </span>(٣)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وفى هذا الكلامِ متروكٌ اكتُفِى بدلالِة ما ذُكِر عليه منه. وذلك أن معنى الكلامِ: فمَن اضْطُرَّ في مَخْمَصةٍ إلى ما حرَّمتُ عليه مما ذكَرتُ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"إلى\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٥٩ إلى المصنف.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٩٣.\n(^٤) في م: \"أي\".","vol":"8","page":95},{"text":"في هذه الآيةِ، غيرَ مُتَجانفٍ لإثم فأكَلَه، فإن الله له (^١) غَفُورٌ رَحِيمٌ. فتَرَك ذِكْرَ \"فأكَله\"، وذِكْرَ \"له\"؛ لدلالةِ سائرِ ما ذكَر مِن الكلامِ عليهما.\nوأما قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فإن معناه: فإن الله لمن أكَل ما حرَّمتُ عليه بهذه الآيةِ أَكْلَه، في مَخْمصةٍ غيرَ متجانفٍ لإثمٍ، ﴿غَفُورٌ﴾. يقولُ: يَسْتُرُ له عن أكلِه ما أكَل مِن ذلك بعفوِه عن مؤاخذتِه إياه، وصفحِه عنه، وعن عقوبتِه عليه، ﴿رَحِيمٌ﴾. يقولُ: وهو به رفيقٌ، ومِن رحمتِه ورِفقِه به أباح له أكلَ ما أباح له أكْلَه مِن المَيْتةِ وسائرِ ما ذكَر معها في هذه الآيةِ، في حالِ خوفِه على نفسِه من كَلَبِ الجوعِ وضُرِّ الحاجةِ العارضةِ ببَدَنِه.\nفإن قال قائلٌ: وما الأكلُ الذي وعَد اللهُ المُضْطَرَّ إلى المَيْتةِ وسائرِ المحرَّماتِ معها بهذه الآيةِ غفرانَه إذا أكَل منها؟\nقيل: ما حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ الأسَدِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ القاسمِ الأسديُّ، عن الأوزاعيِّ، عن حسانِ بن عطيةَ، عن أبي واقدٍ الليثيِّ، قال: قلنا: يا رسولَ اللهِ، إنّا بأرضٍ تُصيبُنا فيها مَخْمَصَةٌ، فما يَصْلُحُ لنا مِن المَيْتَةِ؟ قال: \"إذا لم تَصْطَبِحُوا، أو تَغْتَبِقوا، أو تَحتَفِئُوا بقلًا (^٢)، فشأنَكم بها\" (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) قال أبو عبيد: وأما قوله: ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا. فإنه يقول: إنما لكم منها الصبوح، وهو الغداء، أو الغبوق، وهو العشاء. يقول: فليس لكم أن تجمعوهما من الميتة.\nقال الأزهرى: قد أُنكر هذا على أبي عبيد، وفُسِّر أنه أراد: إذا لم تجدوا لُبَيْنَة تصطبحونها، أو شرابا تغتبقونه، ولم تجدوا بعد عدمكم الصبوحَ والغبوقَ بقلة تأكلونها حلت لكم الميتة. قال: وهذا هو الصحيح. وتحتفئوا بقلا: هو من الحَفَأ، مهموز مقصور، وهو أصل البرديّ الأبيض الرطب منه، وهو يؤكل. يقول: ما لم تقتلعوا هذا بعينه عينه فتأكلوه.\nينظر غريب الحديث لأبي عبيد (١/ ٦٠، ٦١)، وتهذيب اللغة (٤/ ٢٦٤)، والنهاية (١/ ٤١١، ٣/ ٥، ٦).\n(^٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢١٨) (الميمنية)، والبيهقى (٩/ ٣٥٦) من طريق محمد بن القاسم به =","vol":"8","page":96},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن الخَصِيبِ بن زيدٍ التميميِّ، قال: ثنا الحسنُ، أن رجلًا سأل رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: إلى متى يَحِلُّ لى الحرامُ؟ قال: فقال: \"إلى أن يَرْوَى أهلُك مِن اللبَنِ، أو تَجِيءَ مِيرَتُهم\" (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أَخبَرنا خَصِيبُ بنُ زِيدٍ التميميُّ، قال: ثنا الحسنُ، أن رجلًا سأل النبيَّ ﷺ. فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: \"أو تُجْبَى (^٢) مِيرَتُهم\" (١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني عمرُ بنُ عبدِ اللهِ بن عروةَ، عن جدِّه عروةَ بن الزُّبيرِ، عمن حدَّثه، أن رجلًا مِن الأعرابِ أتى النبيَّ ﷺ يَسْتَفتِيه في الذي حرَّم اللهُ عليه والذي أحلَّ له، فقال له النبيُّ ﷺ: \"يَحِلُّ لك الطيباتُ، ويَحرُمُ عليك الخبائثُ، إِلَّا أَن تَفْتَقِرَ إلى طعامِ (^٣) لك، فتَأْكُلَ منه حتى تَسْتَغْنِيَ عنه\". فقال الرجلُ: وما فقرى الذي يُحِلُّ لى، وما غِناى الذي يُغْنِيني عن ذلك؟ فقال النبيُّ ﷺ: \"إذا كنت تَرْجو نِتاجًا فَتَبَلَّغْ بلحومِ ماشِيَتِك إلى نِتاجِك، أو كنت تَرْجُو غِنًى تَطْلُبُه فَتَبَلَّغْ مِن ذلك شيئًا، فَأَطْعِمْ أَهْلَك ما بدَا لك حتى تَسْتَغْنِيَ عنه\". فقال الأعرابيُّ: ما غِناى الذي أدَعُه إِذا وَجَدْتُه؟ فقال النبيُّ ﷺ: \"إذا أرْوَيت أهلَك غَبُوقًا مِن الليلِ فاجْتَنِبْ ما حرَّم اللهُ\n_________\n= وأخرجه أحمد (٥/ ٢١) (الميمنية)، والدارمي (٢/ ٨٨)، والطبراني في الكبير (٣٣١٦)، والحاكم (٤/ ١٢٥)، والبيهقى (٩/ ٣٥٦)، والبغوى في شرح السنة (٣٠٠٧) وفي التفسير (٦/ ١٤)، من طريق الأوزاعي به.\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٧) عن المصنف.\n(^٢) في م: \"تحيا\".\n(^٣) بعده في المعجم الكبير وكشف الأستار: \"لا يحل\". والحديث بدون هذه الزيادة ذكره ابن كثير والسيوطى عن المصنف.","vol":"8","page":97},{"text":"عليك مِن طعامٍ، [وأمَّا] (^١) مالُك فإنه مَيْسورٌ كلُّه، ليس فيه حرامٌ\" (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن عَوْنٍ، قال: وَجَدتُ عندَ الحسنِ كتابَ سَمُرَةَ، فَقَرَأَتُه عليه، وكان فيه: ويُجْزِئُ مِن الاضطرارِ غَبوقٌ أو صَبوحٌ (^٣).\nحدَّثنا هَنَّادٌ وأبو هشامٍ الرفاعيُّ، قالا: ثنا يحيى بنُ أبي زائدةَ، عن ابن عونٍ، قال: قرَأتُ في كتابِ سَمُرَةَ بن جُندَبٍ: يَكْفِى مِن الاضْطِرَارِ - أو مِن الضرورةِ - غَبوقٌ أو صَبوحٌ.\nحدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ الكنديُّ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ، عن هشامِ بن حسانَ، عن الحسنِ، قال: إذا اضْطُرَّ الرجلُ إلى المَيْتةِ أكَل منها قُوتَه. يعني: مُسْكَتَه (^٤).\nحدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا ابن مباركٍ، عن الأوزاعيِّ، عن حسانَ بن عطيِةَ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، إنّا بأرضِ مَخْمَصَةٍ، فما يَحِلُّ لنا مِن المَيْتةِ؟ ومتى تَحِلُّ لنا المَيْتةُ؟ قال: \"إذا لم تَصْطَبِحوا، ولم (^٥) تَغْتَبقوا، ولم تَحتَفِئُوا بَقلًا، فشأنَكم بها\" (^٦).\n_________\n(^١) سقط من النسخ، ولم يذكرها ابن كثير عن المصنف، والمثبت من المعجم الكبير والدر المنثور.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٧) عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر (٢/ ٢٦٠) إلى المصنف وحده، وأخرجه الطبراني في الكبير (٧٠٤٦)، والبزار (٢٨٦١ - كشف) - مختصرًا - من طريق خبيب بن سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب بنحوه. وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٦٣): رواه الطبراني في الكبير، والبزار باختصار كثير، وفي إسناد الطبراني مساتير، وإسناد البزار ضعيف.\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث (١/ ٦١) - ومن طريقه البيهقى (٩/ ٣٥٦) - من طريق ابن عون به.\n(^٤) المسكة: ما يُمسك الأبدان من الطعام والشراب. اللسان (م س ك).\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أو\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره عن المصنف (٣/ ٢٧).","vol":"8","page":98},{"text":"حدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن الأوزاعيِّ، عن حسانَ بن عطيةَ، عن رجلٍ قد سُمِّي له (^١)، أن رجلًا قال للنبيِّ ﷺ: إنا نكونُ بأرضِ مَخْمَصةٍ، فمتى تَحِلُّ لنا المَيْتةُ؟ قال: \"إذا لم تَغْتَبِقُوا، ولم تَصْطَبِحُوا، ولم تَحْتَفِئُوا بقلًا، فشأنَكم بها\" (^٢).\n[قال أبو جعفرٍ: يُرْوَى هذا على أربعةِ أوجهٍ: تحْتَفِئُوا بالهمزِ، وتَحْتَفِيوا بتخفيفِ الياءِ، والحاءِ، وتَحتَفُّوا بتشديدِ الفاءِ، وتَحْتَفُوا بالحاءِ والتخفيفِ، ويَحْتَمِلُ الهمز] (^٣).\n\n<span id=\"aya-673\"></span><span data-type='title' id=toc-2424>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يَسأَلُك يا محمدُ أصحابُك ما الذي أُحِلَّ لهم أكلُه مِن المطاعمِ والمآكلِ، [فقل لهم] (^٤): أُحِلَّ لكم منها الطيباتُ، وهى الحلالُ الذي أَذِن لكم ربُّكم في أكلِه مِن الذبائحِ، وأُحِلَّ لكم أيضًا مع ذلك صيدُ ما علَّمتم مِن الجوارحِ، وهن (^٥) الكواسِبُ مِن سباعِ البهائمِ والطيرِ.\nسُمِّيت جوارحَ لجرحِها لأربابِها، وكسبِها إياهم أقواتَهم مِن الصيدِ. يقالُ منه: جرَح فلانٌ أهلَه خيرًا. إذا أكسبَهم خيرًا، و: فلانٌ جارحةُ أهلِه. يَعْنى بذلك كاسبَهم، و: لا جارِحةَ لفلانةَ. إذا لم يَكن لها كاسبٌ. ومنه قولُ أَعْشَى بنى\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لنا\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره عن المصنف (٣/ ٢٧).\n(^٣) سقط من: الأصل.\nوتحتفيوا من: احتفى البقلَ: إذا اقتلعه من الأرض، وتحتفُّوا من: احتففت الشيء، إذا أخذته كله كما تحفٌ المرأة وجهها من الشعر. ينظر اللسان (ح ف ى). وتقدم معنى \"تختفئوا\" في ص ٩٦.\n(^٤) في الأصل: \"فقال\".\n(^٥) في الأصل: \"وهى\".","vol":"8","page":99},{"text":"ثَعْلبةَ (^١):\nذاتَ خدٍّ (^٢) مُنْضِجٍ مِيسَمُها (^٣) … تُذْكِرُ الجارحَ ما كان اجْتَرَحْ\nيعني: اكَتسب.\nوتُرِك مِن قولِه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾: وصيدُ ما علَّمتم مِن الجوارحِ. اكتفاءً بدَلالةِ ما ذُكِر مِن الكلامِ على ما تُرِك ذكرُه، وذلك أن القومَ، فيما بلَغنا، كانوا سأَلوا رسولَ اللهِ ﷺ حينَ أمرَهم بقتلِ الكلابِ - عما يَحِلُّ لهم اتخاذُه منها وصيدُه، فأنزَل اللهُ عزَّ ذكرُه فيما سأَلوا عنه مِن ذلك هذه الآيةَ، فاستَثْنَى ﷺ (^٤) مما كان حرَّم اتخاذَه منها وأمرَ بقَتْلِه (^٥)، كلابَ الصيدِ وكلابَ الماشيةِ وكلابَ الحرثِ، وأذِن لهم باتخاذِ ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-2425>ذكرُ الخبرِ بذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حبابٍ العُكْلِيُّ، قال: ثنا موسى بنُ عُبيدةَ، قال: [حدَّثني أبانُ بنُ] (^٦) صالحٍ، عن القعقاعِ بن حكيمٍ، عن سَلْمَى أمِّ (^٧) رافعٍ، [عن أبي رافعٍ] (^٨)، قال: جاء جبريلُ إلى النبيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُ عليه، فأذِن له\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢٤٥، وروايته:\nذا جُبَارٍ مُنضِجا مِيسَمُه … يُذكِرُ الجارمَ ما كان اجترحْ\n(^٢) في ص، ت ١: \"حد\". والخد: الشق في الأرض، والتأثير في الشيء. التاج (خ د د).\n(^٣) في الأصل: \"مبسمها\"، وفي م: \"ميسمه\".\nوالميسم: المكواة أو الشيء الذي يوسم به الدواب. اللسان (وس م).\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بقنية\".\n(^٦) في ص: \"أنا\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أخبرنا\".\n(^٧) في الأصل: \"ابن\".\n(^٨) سقط من: الأصل.","vol":"8","page":100},{"text":"فقال: \"وقد أَذِنّا لك يا رسولَ اللهِ\". قال: أجَلْ، ولكنّا لا نَدْخُلُ بيتًا فيه كلبٌ. قال أبو رافعٍ: فأمَرني أن أقْتُلَ كلَّ كلبٍ بالمدينةِ، فقتَلتُ (^١) حتى انْتَهَيتُ إلى امرأةٍ عندَها كلبٌ يَنْبَحُ عليها، فترَكتُه رحمةً لها، ثم جِئْتُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فأخبَرتُه، فأمَرني فرجَعتُ إلى الكلبِ فقتَلتُه، فجاءوا فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ما يَحِلُّ لنا مِن هذه الأمةِ التي أمَرْتَ بقتلِها؟ قال: فسكَت رسولُ اللهِ ﷺ، فأنزَل اللهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمةَ، أن النبيَّ ﷺ بعَث أبا رافعٍ في قتلِ الكلابِ، فقتَل حتى بلَغ العوالِيَ، فدخَل عاصمُ بنُ عديٍّ و[سعدُ بنُ خَيْثَمَةَ] (^٣) وعويمُ بنُ ساعِدةَ، فقالوا: ماذا أُحِلَّ لنا يا رسولَ اللهِ؟ فنزَلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، [قال: حدَّثونا] (^٥)\n_________\n(^١) في الأصل: \"ففعلت\".\n(^٢) أخرجه الروياني (٦٩٨)، وأبو يعلى - كما في المطالب (٢٥٤٢) - وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير (٣/ ٣٠) والطبراني (٩٧٢) من طريق زيد بن الحباب به بنحوه.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٤٠٥)، ومن طريقه أبو يعلى كما في المطالب (٦/ ٢٩٩) (٢٥٤١)، والروياني في مسنده (١/ ٤٥٩) (٦٩٠)، والطبراني (٩٧١، ٩٧٢)، وابن عبد البر في التمهيد (١٤/ ٢٣٤، ٢٣٥)، والواحدى في أسباب النزول (ص ١٤١)، من طريق موسى بن عبيدة به بنحوه.\nوأخرجه الحاكم (٢/ ٣١١)، والبيهقى (٩/ ٢٣٥)، من طريق أبان بن صالح به بنحوه، وينظر الطيالسى (١٠١٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٥٩) إلى الفريابي وابن المنذر.\n(^٣) في الأصل: \"سعيد بن حثمة\". وينظر الإصابة (٣/ ٥٥).\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٠) عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٥٩) إلى المصنف.\n(^٥) سقط من: الأصل، وفى س: \"قال: حدَّثنا\".","vol":"8","page":101},{"text":"عن محمدِ بن كعبٍ القرظيِّ، قال: لما أمرَ النبيُّ ﷺ بقتلِ الكلابِ قالوا: يا رسولَ الله، [ماذا أُحِلَّ] (^١) لنا مِن هذه الأُمةِ؟ فنزلَت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ الآية (^٢).\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ في \"الجوارحِ\" التي عنَى اللهُ جل ثناؤه بقولِه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾؛ فقال بعضُهم: هو كلُّ ما عُلِّم (^٣) الصيدَ فتَعَلَّمه، مِن بهيمةٍ (^٤) أو طائرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2426>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن إسماعيلَ بن مسلمٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. قال: كلُّ ما عُلِّم (٣) فصاد، مِن كلبٍ أو صقرٍ أو فَهدٍ أو غيرِه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فضيلٍ، عن إسماعيلَ بن مسلمٍ، عن الحسنِ: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾. قال: كلُّ ما عُلِّم فصادَ، مِن كلبٍ أو فهدٍ أو غيرِه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في صيدِ الفهدِ، قال: هو مِن الجوارِحِ (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فماذا يحل\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٥٩) إلى المصنف. وينظر تفسير ابن كثير (٣/ ٣٠).\n(^٣) في الأصل: \"علمتم\".\n(^٤) بعده في الأصل: \"الأنعام\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق (١/ ١٨٤)، وفي مصنفه (٨٤٩٨) عن معمر، عن ليث، عن مجاهد بنحوه.","vol":"8","page":102},{"text":"قال: الطيرُ والكلابُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن الحجاجِ، عن عطاءٍ، عن القاسمِ بن أبي بزَّةَ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [حفصٌ، عن حجاجٍ، عن القاسمِ بن نافعٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا] (^٢) ابن عيينةَ، عن حميدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾. قال: مِن الكلابِ والطيرِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نُجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. قال: مِن الطيرِ والكلابِ (^٣).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبرنا شعبةُ، وثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن الهيثمِ، عن طلحةَ بن مُصَرِّفٍ، قال: قال خَيْثَمَةُ بنُ عبدِ الرحمنِ: هذا ما قد بَيَّنْتُ (^٤) لك، أن الصقرَ والبازِىَ مِن الجوارحِ (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى (^٦)، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٦٥)، (٣٦٦) عن حفص به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٠٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٦٠) إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) في مصنف ابن أبي شيبة: \"أثبت\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٦٥) عن ابن علية ووكيع به.\n(^٦) في الأصل: \"الهيثم\".","vol":"8","page":103},{"text":"سمِعتُ الهيثمَ يُحَدِّثُ عن طلحةَ الإياميِّ، عن خَيثمةَ، قال: [قد أَثْبَتُّ لك] (^١) أن الصقرَ والبازِيَ والكلبَ مِن الجوارحِ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، عن نافعٍ، عن عليِّ بن حسينٍ، قال: البازِى والصقرُ مِن الجوارحِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: البازِى والصقرُ مِن الجوارحِ المكلِّبين.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾: يَعْنى بالجوارحِ الكلابَ الضواريَ والفُهودَ والصُّقورَ وأشباهَها (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. قال: مِن الكلابِ [وغيرِها، مِن] (^٤) الصُّقورِ والبِيزانِ (^٥) وأشباهِ ذلك مما يُعَلَّمُ (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾: والجوارحُ الكلابُ\n_________\n(^١) في الأصل: \"قد أست لك\" غير منقوطة، وفى ص: \"أتيت لك\"، وفى م، ت ٢، س: \"أنبئت\"، وفى ت ١: \"أثبت لك\".\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٢٩.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير (٣/ ٢٩) - والبيهقى (٩/ ٢٣٥) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٦٠) إلى ابن المنذر.\n(^٤) في الأصل: \"وغيره و\".\n(^٥) البيزان: جمع الباز، وهو لغة في البازى، وجمع البازى: بزاة. ينظر التاج (ب أ ز، ب وز، ب ز ى).\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٤٩٧).","vol":"8","page":104},{"text":"والصقورُ المُعَلَّمةُ.\nحدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ الرازِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرِو بن دينارٍ، سمِع عُبيدَ (^١) بنَ عميرٍ يقولُ في قولِه (^٢): ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. قال: الكلابُ والطيرُ.\nوقال آخرون: إنما عنَى اللهُ جلَّ ذكرُه بقولِه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. الكلابَ دُونَ غيرِها مِن السباعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2427>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. قال: هي الكلابُ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. يقولُ: أُحِلَّ لكم صيدُ الكلابِ التي عَلَّمْتُموهن (^٣).\nحدَّثنا هنّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبَرنا ابن جريجٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: أمّا ما صاد مِن الطيرِ؛ البُزَاةُ (^٤) [وغيرُها] (^٥) مِن الطيرِ، فما أدركتَ فهو لك، وإلا فلا تَطْعَمُه (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: \"غسان\".\n(^٢) في الأصل: \"نزلت\".\n(^٣) ينظر تفسير البغوي (٣/ ١٦)، وتفسير القرطبي (٦/ ٦٧).\n(^٤) في م: \"والبزاة\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٥١٩)، وابن أبي شيبة (٥/ ٣٦٥) من طريق ابن جريج به بنحوه. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٥٢٠) من طريق نافع به.","vol":"8","page":105},{"text":"وأولى القولين بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: كلُّ ما صاد مِن الطيرِ والسباعِ فمِن الجوارحِ، وأن صيدَ جميعِ ذلك كلِّه (^١) حلالٌ إذا صاد بعدَ التعلُّمِ (^٢)؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه عمَّ بقولِه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾. كلَّ جارحةٍ، ولم يَخْصُصْ منها شيئًا، فكلُّ جارحةٍ كانت بالصفةِ التي وصفَ اللهُ جلَّ ثناؤُه مِن كلِّ طائرٍ وسبُعٍ فحلالٌ أكلُ صيدِها.\nوقد رُوِى عن النبيِّ ﷺ بنحوِ ما قلنا في ذلك خبرٌ، مع ما في الآيةِ مِن الدَّلالةِ التي ذكَرنا على صحةِ ما قلنا في ذلك، وهو ما حدَّثنا به هنادٌ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن مجالدٍ، عن الشعبيِّ، عن عديِّ بن حاتمٍ، قال: سأَلتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ عن صيدِ البازِي، فقال: \"ما أمْسَك عليك فكُلْ\" (^٣). فأباح رسولُ اللهِ ﷺ صيدَ البازِى وجعَله مِن الجوارحِ، ففى ذلك دَلالةٌ بينةٌ على فسادِ قولِ مَن قال: عنَى اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾. ما (^٤) علَّمنا مِن الكلابِ خاصةً دُونَ غيرِها مِن سائرِ الجوارحِ.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن في قولِه: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾. دَلالةً على أن الجوارحَ التي ذُكِرت في قولِه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾. هي الكلابُ خاصةً، فقد ظنَّ غيرَ الصوابِ، وذلك أن معنى الآيةِ: قل: أُحِلَّ لكم أيُّها الناسُ، في حالِ مصيرِكم\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، م، ت ٢، ت ٣، س: \"التعليم\".\n(^٣) أخرجه الترمذى (١٤٦٧) عن هناد به. وأخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٦٦)، والترمذى (١٤٦٧)، وابن عبد البر في الاستذكار (١٥/ ٢٩٠) من طريق عيسى بن يونس به. وأخرجه أحمد (٣٠/ ١٩٣) (١٨٢٥٨)، وأبو داود (٢٨٥١) - ومن طريقه البيهقى (٩/ ٢٣٨) - من طريق مجالد به مطولا.\n(^٤) في الأصل: \"مما\".","vol":"8","page":106},{"text":"أصحابَ كلابٍ، الطيباتُ وصيدُ ما علَّمتموه الصيدَ من كواسبِ الطيرٍ والسباعِ. فقولُه: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾. صفةٌ للقانصِ وإن صاد بغيرِ الكلابِ في بعضِ أحيانِه. وهو نظيرُ قولِ القائلِ يُخاطِبُ قومًا: أُحِلَّ لكم الطيباتُ وما علَّمتم مِن الجوارحِ (^١) مؤمنين. فمعلومٌ أنه إنما عنَى قائلُ ذلك إخبارَ القومِ أن اللَّهَ جَلَّ ثناؤُه أحلَّ لهم في حالِ كونِهم أهلَ إيمانٍ، الطيباتِ وصيدَ الجوارحِ، [[لا أن] (^٢) الإيمانَ هو الجوارحُ] (^٣) التي [أَعْلَمهم أنه] (^٤) لا يَحِلُّ لهم منه إلا ما صادوه به (^٥). فكذلك قولُه: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. لذلك نظيرٌ، في أن التَّكليبَ للقانصِ صفةٌ (^٦) - بالكلابِ كان صيدُه أو بغيرِها - [لا أنه] (^٧) إعلامٌ مِن اللهِ عزَّ ذكرُه أنه لا يَحِلُّ مِن الصيدِ إلا ما صادَته الكلابُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2428>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾: تُؤَدِّبون (^٨) الجوارحَ، فتُعَلِّمونهن طَلَبَ الصيدِ لكم، ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾. يَعْنى بذلك: مِن التأديبِ الذي أدَّبَكم اللهُ، والعلمِ الذي علَّمكم.\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مكلبين\".\n(^٢) في النسخ: \"لأن\". والمثبت هو الصواب.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في الأصل: \"أعلمتم أن الصيد\".\n(^٥) في م: \"بها\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٧) في الأصل: \"لأنه\".\n(^٨) في الأصل: \"تؤدبونهن\".","vol":"8","page":107},{"text":"وقد قال بعضُ أهلِ التأويلِ: معنى قولِه: ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾: كما علَّمكم اللهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2429>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾. يقولُ: تُعَلِّمونهنَّ مِن الطلبِ كما علَّمكم اللهُ (^١).\nولسنا نَعْرِفُ في كلامِ العربِ \"من\" بمعنى الكافِ؛ لأن \"مِن\" تَدْخُلُ في كلامِهم بمعنى التبعيضِ، والكافَ بمعنى التشبيهِ، وإنما يُوضَعُ الحرفُ مكانَ آخرَ غيرِه إذا تقارَب معنياهما. فأما إذا اختلَفت معانيهما، فغيرُ موجودٍ في كلامِهم وضعُ أحدِهما عقيبَ الآخرِ، وكتابُ اللهِ تعالى ذكرُه وتنزيلُه أحرَى الكلامِ أن يُجَنَّبَ ما خرَج عن المفهومِ والغايةِ في الفصاحةِ مِن كلامِ مَن نزَل بلسانِه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ صَبِيحٍ، قال: ثنا أبو هانئٍ [عمرُ بنُ بشيرٍ] (^٢)، قال: ثنا عامرٌ، أن عديَّ بنَ حاتمٍ الطائيَّ قال: أتى رجلٌ رسولَ اللهِ ﷺ يَسْأَلُه عن صيدِ الكلابِ، فلم يَدْرِ ما يَقُولُ، حتى نزَلت هذه الآيةُ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ (^٣).\n[فإن قال لنا قائلٌ: وما صفةُ التعليمِ التي أذِن لنا ربُّنا بتعليمِنا جوارحَنا صيدَنا فقال لنا: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾؟ (^٤)\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره (٣/ ١٦).\n(^٢) في الأصل: \"عمر بن سعيد\"، وفى ص، س: \"عمر بن بشر\"، وفى م: \"عن أبي بشر\"، وينظر التاريخ الكبير (٦/ ١٤٤)، والجرح والتعديل (٦/ ١٠٠).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٦٠) إلى المصنف وعبد بن حميد، وفيه أن عدى بن حاتم هو السائل.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"8","page":108},{"text":"قيل: اختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: هو أن يَسْتَشْلِيَ (^١) لطلبِ الصيدِ إذا أرسَله صاحبُه، ويُمْسِكَ عليه إذا أخَذه، فلا يأكلَ منه، ويَستجِيبَ له إذا دعاه، ولا يَفرَّ منه إذا أراده، فإذا تتابع ذلك منه مِرارًا كان معلَّمًا. وهذا قولُ جماعةٍ مِن أهلِ الحجازِ وبعضِ أهلِ العراقِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2430>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا ابن جُرَيجٍ، قال: قال عطاءٌ: كلُّ شيءٍ قتَله صائدُك قبلَ أن يُعَلَّمَ ويُمْسِكَ ويَصِيدَ فهو مَيْتَةٌ، ولا يكونُ قتلُه إياه ذكاةً حتى يُعَلَّمَ ويُمسِكَ ويَصِيدَ، فإذا كان ذلك ثم قتَل فهو ذَكاةٌ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: آيةُ (^٣) المعلَّمِ مِن الكلابِ أن يُمْسِكَ صيدَه فلا يَأْكُلَ منه حتى يَأْتِيه صاحبُه، فإن أكَل مِن صيدِه قبلَ أن يأتِيَه صاحبُه فيُدرِكَ ذكاتَه، فلا يَأْكُلْ مِن صيدِه (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنةَ، عن عمرٍو، عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إذا أكَل الكلبُ فلا تَأْكُلْ، فإنما أَمْسَك على نفسِه (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا\n_________\n(^١) قال الأزهري في تفسير قول الشافعي: فكان إذا أُشْلى استشلي: أُشلى: أي دعى، استشلي: أي أجاب، كأنه يدعوه للصيد فيجيبه ويعدو على الصيد. الزاهر ص ٣٩٩، وسيأتي مثله في كلام المصنف ص ١١٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٥٥)، (٣٥٦) من طريق ابن جريج به مختصرًا.\n(^٣) في م: \"إن\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٦٠) إلى المصنف.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٥٢١) عن ابن عيينة به، وأخرجه (٨٥١٣) من طريق طاوس به.","vol":"8","page":109},{"text":"أبو المُعَلَّى (^١)، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ: إذا أرسَل الرجلُ الكلبَ فأكَل مِن صيدِه، فقد أفسَده، وإن كان ذكَر اسمَ اللهِ حينَ أرسَله (^٢). فزعَم أنه إنما أَمْسَك على نفسِه، واللهُ يقولُ: ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾. فرعَم أنه إذا أكَل مِن صيدِه قبلَ أن يَأْتِيَه صاحبُه أنه ليس بمعلَّمٍ، وأَنه يَنْبَغِى أَن يُضْرَبَ ويُعَلَّمَ حتى يَتْرُكَ ذلك الخُلُقَ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معمرٌ الرَّقِّيُّ، عن حجاجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ،، قال: إذا أخَذ الكلبُ فقتَل وأكَل، فهو سَبْعٌ (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لا تَأْكُلْ منه، فإنه لو كان مُعَلَّمًا لم يَأْكُلْ منه، ولم يَتَعَلَّمْ ما عَلَّمْتَه، إنما أمْسَك على نفسِه ولم يُمْسِكْ عليك (^٤).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن ابن عباسٍ بنحوِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن ابن عباسٍ، قال: إذا [أكَل الكلبُ] (^٥) فلا تَأْكُلْ (^٦).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ،\n_________\n(^١) في الأصل: \"المعلم\". وينظر تهذيب الكمال (٣٢/ ١٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٥٥) من طريق سعيد بن جبير به بنحوه.\n(^٣) أخرجه ابن حزم في المحلى (٨/ ٢١٤) من طريق عطاء به بنحوه.\n(^٤) في الأصل: \"عليه\".\n(^٥) في م: \"أكلت الكلاب\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٥٥) من طريق إبراهيم به.","vol":"8","page":110},{"text":"عن الشعبيِّ، عن ابن عباسٍ بمثله (^١).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا ابن عونٍ، قال: قلتُ لعامرٍ الشعبيِّ: الرجلُ يُرْسِلُ كلبَه فيَأْكُلُ منه، أيَأكُلُ منه؟ قال: لا، لم يَتَعَلَّم الذي عَلَّمْتَه (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عمرَ، قال: إذا أكَل الكلبُ مِن صيدِه فاضْرِبُه، فإنه ليس بمُعَلَّمٍ (^٣).\nحدَّثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابن جريجٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: إذا أكَل الكلبُ فهو مَيْتَةٌ، فلا تَأْكُلْه (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ (^٥)، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، [وسيَّارٍ] (^٦)، عن الشعبيِّ، ومغيرةَ، عن إبراهيمَ أنهم قالوا في الكلبِ: إذا أكَل مِن صيدِه فلا تَأْكُلْ، فإنما أَمْسَك على نفسِه (^٧).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا ابن جُرَيجٍ، قال: قال عطاءٌ: إن وجَدْتَ الكلبَ قد أكَل مِن الصيدِ، فما وجَدْتَه مَيْتًا فَدَعْه، فإنه مما لم يُمْسِكْ عليك حينئذِ (^٨)، إنما هو سَبْعٌ أَمْسَك على نفسِه ولم يُمْسِكْ عليك، وإن كان قد\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٥٤، ٣٥٥) من طريق أبي إسحاق به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٥٦) من طريق ابن عون به بنحوه، وأخرجه من طريقين آخرين عن الشعبي بنحوه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٥٥) من طريق ليث به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٥٥) عن يحيى بن سعيد به بنحوه.\n(^٥) في الأصل: \"عمرو\".\n(^٦) سقط من: الأصل.\n(^٧) أثر سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٥٦) من طريق حبيب بن أبى عمرة، عن سعيد بن جبير بنحوه.\n(^٨) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"صيد\"، وفى م: \"صيدا\".","vol":"8","page":111},{"text":"عُلِّم (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ بنحوِه.\nوقال آخرون نحوَ هذه المقالةِ، غيرَ أنهم حدُّوا لمعرفةِ الكلّابِ (^٢) بأن كلبَه قد قبِل التعليمَ وصار مِن الجوارحِ الحلالِ صيدُها، أن يَفْعَل ذلك كلبُه مراتٍ ثلاثًا. وهذا قولٌ مَحْكِيٌّ (^٣) عن أبي يوسفَ ومحمدِ بن الحسنِ.\nوقال آخرون ممن قال هذه المقالةَ: لا حدَّ لعلمِ الكلَّابِ بذلك مِن كلبِه أكثرَ مِن أن يَفْعَلَ كلبُه ما وصَفنا أنه له تعليمٌ. قالوا: فإذا فعَل ذلك فقد صار معلَّمًا حلالًا صيدُه. وهذا قولٌ قاله (^٤) بعضُ المتأخرين.\nوفرَّق بعضُ قائلى هذه المقالةِ بينَ تعليمِ البازِى وسائرِ الطيورِ الجارحةِ، وتعليمِ الكلبِ وضارِى السباعِ الجارحةِ، فقال: جائزٌ أكلُ ما أكَل منه البازِى مِن الصيدِ.\nقالوا: وإنما تعليمُ البازِى [أن يَطِيرَ] (^٥) إِذا اسْتُشْلِيَ، ويُجيبَ إِذا دُعِي، ولا يَنْفِرَ مِن صاحبِه إذا أراد أخذَه. قالوا: وليس مِن شرطِ تعليمِه أَلَّا يَأْكُلَ مِن الصيد.\n\n<span data-type='title' id=toc-2431>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ وحجاجٍ، عن عطاءٍ، قال: لا بأسَ بصيدِ البازِى وإن أكَل منه.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ١٠٩.\n(^٢) الكلَّاب: سائس الكلاب. اللسان (ك ل ب).\n(^٣) في الأصل: \"يحكي\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) سقط من: الأصل، س.","vol":"8","page":112},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أبو إسحاقَ الشيبانيُّ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن ابن عباسٍ أنه قال في الطيرِ: إِذا أَرْسَلْتَه فقتَل فكُلْ، فإن الكلبَ إذا ضرَبتَه لم يَعُدْ، وإن تعليمَ الطيرِ (^١) أن يَرْجِعَ إلى صاحبِه، وليس يُضْرَبُ، فإذا أكَل مِن الصيدِ ونتَف (^٢) الريشَ فكُلْ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن جابرٍ، عن الشعبيِّ، قال: ليس البازِى والصقرُ كالكلبِ، فإذا أَرْسَلْتَهما فأَمْسَكا ثم أكلا، فدَعَوْتَهما فأَتَيَاك، فكُلْ منه (^٤).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو زُبَيدٍ، عن مُطَرِّفٍ، عن حمادٍ، قال: قال إبراهيمُ: كُلْ صيدَ البازِى وإن أكَل منه.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، وجابرٍ، عن الشعبيِّ، قالا: كُلْ مِن صيدِ البازِى وإن أكَل (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: إذا أكَل البازِى والصقرُ مِن الصيدِ فكُلْ، فإنه لا يُعَلَّمُ (^٥).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، قال: لا بأسَ بما أكَل منه البازِي (^٥).\n_________\n(^١) في الأصل: \"الطائر\".\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، س.\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٥١٤) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ به بمعناه، وينظر تفسير ابن كثير (٣/ ٣٣).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٦٦) من طريق جابر به بنحوه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٦٦) عن وكيع به، وأخرجه أبو يوسف في الآثار ص ٢٤١، ٢٤٢ من طريق حماد به.","vol":"8","page":113},{"text":"حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن حمادٍ أنه قال في البازِي إذا أكَل منه، [قال: كُلْ] (^١).\nوقال آخرون منهم: سواءٌ تعليمُ الطيرِ والبهائمِ والسباعِ، لا يكونُ نوعٌ مِن ذلك معلَّمًا إلا بما يكونُ به سائرُ الأنواعِ معلَّمًا. وقالوا: لا [يَحِلُّ أكلُ] (^٢) شيءٍ مِن الصيدِ الذي صادَته جارحةٌ فأكَلت منه، كائنةً ما كانت تلك الجارحةٌ، بهيمةً أو طائرًا. قالوا: لأن مِن شروطِ تعليمِها الذي يَحِلُّ به صيدُها، أن تُمْسِكَ ما صادَت على صاحبِها فلا تَأكُلَ منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2432>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: ثنا محمدُ بنُ سالمٍ، عن عامرٍ، قال: قال عليٌّ: إذا أكَل البازِي مِن صيدِه فلا تَأْكُلْ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن مجالدِ بن سعيدٍ، عن الشعبيِّ، قال: إذا أكَل البازِى منه فلا تَأْكُلْ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: إذا أكَل البازِي فلا تَأْكُلْ (^٣).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ عن عُمرَ (^٤) بن الوليدِ الشَّنيِّ (^٥)، قال: سمِعتُ\n_________\n(^١) في م: \"فكل\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٦٦) من طريق الشيباني، عن حماد به.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"يجعل كل\".\n(^٣) ذكره البيهقى (٩/ ٢٣٨) عن الثورى به\n(^٤) في م: \"عمرو\".\n(^٥) في الأصل، ت ١، س: \"السني\"، وفى ص، م، ت ٢، ت ٣: \"السهمي\". وتقدم على الصواب في (١/ ٣٦٠). ينظر الجرح (٦/ ١٣٩).","vol":"8","page":114},{"text":"عكرمةَ قال: إذا أكَل البازِى فلا تَأْكُلْ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرَنا ابن جُرَيجٍ، قال: قال عطاءٌ: الكلبُ والبازِى واحدٌ كلُّه، لا تَأْكُلْ ما أكَل منه مِن الصيدِ، إلا أن تُدْرِكَ ذَكاتَه فتُذكِّيَه. قال: قلتُ لعطاءٍ: البازِى يَنْتِفُ الريشَ. قال: فما أَدْرَكتَه ولم يَأْكُلْ فكُلْ. قال ذلك غيرَ مرةٍ (^٢).\nوقال آخرون: تعليمُ كلِّ جارحةٍ مِن البهائمِ والطيرِ واحدٌ. قالوا: وتعليمُه الذي يَحِلُّ به صيدُه أن يُشْلَى على الصيدِ فيَسْتَشلِيَ ويَأْخُذَ الصيدَ، ويَدْعُوَه صاحبُه [فيُجِيبَه، و] (^٣) لا يَفرَّ منه إذا أخَذه. قالوا: فإذا فعَل الجارحُ ذلك كان مُعَلَّما داخلًا في المعنى الذي قال اللهُ جل ثناؤه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. قالوا: وليس مِن شرطِ تعلُّمِ (^٤) ذلك أَلَّا يَأْكُلَ مِن الصيدِ. قالوا: وكيف يجوزُ أن يكونَ ذلك مِن شرطِه وهو يُؤَدَّبُ بأكلِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2433>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن أبى الشواربِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، [عن سعيدٍ أو سعدٍ] (^٥)، عن سلمانَ (^٦)، قال: إذا أَرْسَلْتَ كلبَك على صيدٍ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٦٧) عن وكيع به بنحوه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٥٠١)، وابن أبي شيبة (٥/ ٣٦٥) من طريق ابن جريج به ببعضه.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فيجيب أو\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تعليم\".\n(^٥) كذا في النسخ، ولعل الصواب: \"عن سعيد عن سلمان أو سعد\"، وسعيد بن المسيب يروى عن سعد بن أبي وقاص في الكتب الستة، ولم يسمع من سلمان. وينظر مصنف عبد الرزاق (٨٥١٨).\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سليمان\".","vol":"8","page":115},{"text":"وذكَرْتَ اسمَ اللهِ [عليه، فإن أكَل] (^١) ثُلُثَيه وبقِى ثلثُه، فكُلْ ما بقِى (^٢).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا حميدٌ، قال: ثنى القاسمُ بنُ ربيعةَ، عمن حدَّثه، عن سلمانَ (^٣)، وبكرُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عمن حدَّثه، عن سلمانَ (^٣)، أن الكلبَ يَأْخُذُ الصيدَ فيَأْكُلُ منه، قال: كُلْ وإِن أَكَل ثُلُثَيه، إِذا أَرْسَلْتَه وذكَرتَ اسمَ اللهِ وكان مُعَلَّمًا.\nحدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ قتادةَ يُحَدِّثُ عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: قال سلمانُ: كُلْ وإن أكَل ثُلُثَيه. يَعْنى الصيدَ إذا أكَل منه الكلبُ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شعبةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، عن سلمانَ نحوَه.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ وعبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الصمدِ (^٤)، [عن سعيدٍ] (^٥)، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: قال سلمانُ: إِذا أَرْسَلْتَ كلبَك المُعَلَّمَ وذكَرْتَ اسمَ اللَّهِ، فأكَل [ثُلُثَيه وبقِى] (^٦) ثُلُثُه فكُلْ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عَبْدَةُ، عن سعيدٍ (^٧)، عن قتادةَ، عن سعيدٍ، عن سلمانَ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فأكل\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٥١٨) من طريق سعيد به، وأخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٥٨)، والبيهقي (٩/ ٢٣٧) من طريق قتادة، عن سعيد، عن سلمان.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سليمان\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عن شعبة، وحدثنا هناد قال: ثنا عبدة جميعا\".\n(^٥) سقط من: الأصل.\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) في الأصل \"شعبة\". وينظر تهذيب الكمال (١٨/ ٥٣٠).","vol":"8","page":116},{"text":"بنحوِه.\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، أخبرنا حُميدٌ (^١)، عن بكرِ بن عبدِ اللهِ المزَنيِّ والقاسمِ، أن سلمانَ قال: إذا أكَل الكلبُ فكُلْ وإن أكل ثُلُثَيه (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن داودَ بن أبى الفراتِ (^٣)، عن محمدِ بن زيدٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: قال سلمانُ: إِذا أَرْسَلْتَ كلبَك (^٤) أو بازَك، فسمَّيتَ الله (^٥)، فأكَل نصفَه أو ثُلُثَيه، فكُلْ بقيَّتَه (^٦).\nحدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَني مَخْرَمَةُ بنُ بُكَيرٍ، عن أبيه، عن حميدِ بن مالكِ بن خُثَيْمٍ الدُّؤَليِّ، أنه (^٧) سأَل سعدَ بنَ أبي وقاصٍ عن الصيدِ يَأْكُلُ منه الكلبُ، فقال: كُلْ وإن لم يَبْقَ منه إلا حِذْيَةٌ. يَعْنى بَضْعَةً (^٨).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن [عبدِ ربِّه] (^٩) ابن سعيدٍ، قال سمِعتُ بُكَيرَ بنَ الأَشجِّ (^١٠) يُحَدِّثُ عن سعدٍ، قال: كُلْ وإن أكَل\n_________\n(^١) سقط من ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣. وينظر تهذيب الكمال (٧/ ٣٥٥).\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣١) عن المصنف.\n(^٣) بعده في الأصل: \"و\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المعلم\".\n(^٥) سقط من: ص، م.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٦٦، ٣٦٧) من طريق داود بن أبى الفرات به بنحوه، وذكره ابن عبد البر في الاستذكار (١٥/ ٢٨٤) عن يحيى القطان به بنحوه.\n(^٧) في الأصل: \"قال\".\n(^٨) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بعضه\". والحذية والبضعة: القطعة من اللحم. النهاية (١/ ١٣٣، ٣٥٧).\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٥٨) من طريق بكير به.\n(^٩) في الأصل: \"عروبة\".\n(^١٠) في الأصل: \"عبد الله\".","vol":"8","page":117},{"text":"ثُلُثَيه (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا شعبةُ، عن [عبدِ ربِّه] (^٢) بن سعيدٍ، قال: سمِعتُ بُكَيرَ بنَ الأَشجّ، عن سعيدِ بن المسيبِ - قال شعبةُ: قلتُ: سمِعتَه مِن سعيدِ (^٣)؟ قال: لا. قال: كُلْ وإن أكَل ثُلُثَيه. قال: ثم إن شعبةَ قال في حديثِه عن سعدٍ، قال: كُلْ وإن أكَل نصفَه (^٤).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن أبي هريرةَ، قال: إذا أرْسَلتَ كلبَك فأكَل منه، فإن أكَل ثُلُثَيه وبَقِى ثُلُثُه فكُلْ (^٤).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن أبي هريرةَ بنحوِه (^٥).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو (^٦) معاويةَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، عن أبي هريرةَ بنحوِه.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى سالمُ بنُ نوحٍ العطارُ، عن عمرَ - يَعْنى ابنَ عامرٍ - عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، عن سلمانَ، قال: إِذا أَرْسَلْتَ كلبَك (^٧) فأَخَذ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى (٩/ ٢٣٧) من طريق شعبة به، وقال البيهقى: وهذا مرسل. وذكره ابن عبد البر في الاستذكار (١٥/ ٢٨٥) عن شعبة به.\n(^٢) في الأصل: \"عروبة\".\n(^٣) في الأصل، ت ٢، س: \"سعد\".\n(^٤) ذكره ابن كثير (٣/ ٣١) عن المصنف\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٥٨) عن يزيد به.\n(^٦) في الأصل: \"ابن\". وينظر تهذيب الكمال (٢٥/ ١٢٣).\n(^٧) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المعلم\".","vol":"8","page":118},{"text":"فقتَل، فكُلْ وإن أكَل ثُلُثَيه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ عُبيدَ (^٢) اللَّهِ، وحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عَبْدةُ، عن عبيدِ (^٣) اللهِ بن عمرَ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، قال: إِذا أَرْسَلْتَ كلبَك المُعَلَّمَ، وذكَرتَ اسمَ اللَّهِ، فَكُلْ ما أَمْسَكَ عليك، أَكَل أو لم يَأْكُلْ (^٤).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ بنحوِه.\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني ابن أبي ذئبٍ، أن نافعًا حدَّثهم، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان لا يَرَى بأكلِ الصيدِ بأسًا إذا قتَلَه الكلبُ وأكَلِ منه.\nوحدَّثني يونسُ به مرةً أُخرى، فقال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى عبيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ وابنُ أبي ذئبٍ وغيرُ واحدٍ، أن نافعًا حدَّثهم عن عبدِ اللهِ بن عمرَ. فذكَر نحوَه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي ذئبٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنه كان لا يَرَى بأسًا بما أكَل الكلبُ الضارى.\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير (٣/ ٣١٣) وما تقدم في ص ١١٦.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عبد\".\n(^٣) في الأصل: \"عبد\".\n(^٤) ذكره ابن كثير (٣/ ٣١) عن المصنف. وأخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٥٧)، والبيهقى (٩/ ٢٣٧) من طريق عبيد الله به. وأخرجه مالك (٢/ ٤٩٣)، وعبد الرزاق (٨٥١٦ - ٨٥٢٠) من طريق نافع به.","vol":"8","page":119},{"text":"حدَّثنا هَنّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن ابن أبي ذئبٍ، [عن نافعٍ، عن ابن عمرَ نحوَه (^١).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن ابن أبي ذئبِ] (^٢)، عن بُكَيرِ بن عبدِ اللَّهِ بن الأشجِّ، عن حميدِ بن عبدِ اللهِ، عن سعدٍ، قال: قلتُ: لنا كلابٌ ضَوارٍ يَأْكُلْن ويُبْقِين. قال: كُلْ وإن لم يُبْقِ إِلا بَضْعَةً (^٣).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا قَبِيصةُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن يَعقوبَ بن عبدِ اللهِ بن الأشجِّ، عن حميدٍ، قال: سأَلتُ سعدًا. فذكَر نحوَه.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندَنا في تأويلِ قولِه: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾. أن التعليمَ الذي ذكَره اللهُ في هذه الآيةِ للجوارحِ، إنما هو أن يُعلِّمَ الرجلُ جارِحَه الاسْتِشْلاءَ إذا أُشْلِى على الصيدِ، وطَلَبَه إياه إذا أُغْرِىَ به (^٤)، و(^٥) إمساكَه عليه إذا أخَذه، مِن غيرِ أن يَأْكُلَ منه شيئًا، وألا يَفِرَّ منه إذا أرَاده، وأن يُجِيبَه إذا دعاه. فذلك هو تعليمُ جميعِ الجوارحِ، طيرِها وبهائِمِها. فإن أكَل مِن الصيدِ جارحةُ صائدٍ، فجارحتُه (^٦) حينَئذٍ غيرُ معلَّمٍ. فإن أدرَك صيدَه (٤) صاحبُه حيًّا، فذكّاه، حلَّ له أكلُه، وإن أدْرَكه ميِّتًا لم يَحِلَّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٥٨) عن وكيع به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في الأصل، وسنن البيهقي: \"نصفه\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٥٨) عن وكيع به، وأخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٥٨)، والبيهقى (٩/ ٢٣٧) من طريق ابن أبي ذئب به.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أو\".\n(^٦) في م: \"فجارحه\".","vol":"8","page":120},{"text":"له أَكْلُه (^١)؛ لأنه مما أكَله السَّبُعُ الذي حرَّمه اللهُ تعالى بقولِه: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾. ولم يُدْرِكْ (^٢) ذكاتَه.\nوإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ؛ لتظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بما حدَّثنا به ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن عاصم بن سليمانَ الأحولِ، عن الشعبيِّ، عن عديِّ بن حاتمٍ، أنه سأَل النبيَّ ﷺ عن الصيد، فقال: \"إذا أرسلتَ كلبَك فاذكُرِ اسمَ اللهِ عليه، فإن أدْرَكتَه وقد قتَل وأكَل منه، فلا تَأْكُلْ منه شيئًا، فإنما أَمْسَك على نفسِه\" (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشامٍ الرفاعيُّ، قالا: ثنا محمدُ بنُ فضيلٍ، عن بيانِ بن بشرٍ، عن عامرٍ، عن عديِّ بن حاتمٍ، قال: سأَلتُ رسولَ اللهِ ﷺ فقلتُ (^٤): إنا قومٌ نَتَصَيَّدُ بهذه الكلابِ، فقال: \"إذا أرسلْتَ كلابَك المُعَلَّمةَ، وذكَرتَ اسم اللهِ عليها (^٥)، فكُلْ ما أَمْسَكْن عليك وإن قتَلْن، إلا أن يَأْكُلَ الكلبُ، فإن أكَل فلا تَأْكُلْ، فإني أخافُ أن يكونَ إنما حبَسه على نفسِه\" (^٦).\nفإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ فيما حدَّثك به عمرانُ بنُ بكّارٍ الكَلاعيُّ، قال:\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في الأصل: \"تدرك\"، وغير منقوطة في ص.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٩٢٩/ ٧)، والترمذى (١٤٦٩)، والنسائى (٤٢٧٤) من طريق ابن المبارك به، وأخرجه أحمد (٣٠/ ١٩٥) (١٨٢٥٩)، والبخارى (٥٤٨٤)، ومسلم (١٩٢٩/ ٦) من طريق عاصم به، وأخرجه البخاري (١٧٥، ٢٠٥٤، ٥٤٧٦، ٥٤٨٦)، ومسلم (١٩٢٩/ ٣،٤) من طريق الشعبي به. وينظر مسند الطيالسي (١١٢٣).\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فقال\".\n(^٥) في الأصل: \"عليه\".\n(^٦) أخرجه أحمد (٣٠/ ٢٠٦) (١٨٢٧٠)، والبخاري (٥٤٨٣، ٥٤٨٧)، ومسلم (١٩٢٩/ ٢)، وأبو داود (٢٨٤٨)، وابن ماجه (٣٢٠٨) من طريق محمد بن فضيل به بنحوه.","vol":"8","page":121},{"text":"ثنا عبدُ العزيزِ بنُ موسى، قال: ثنا محمدُ بنُ دينارٍ، عن أبي إياسٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، عن سلمانَ الفارسيِّ، عن النبيّ ﷺ، قال: \"إذا أرْسَل الرجلُ كلبَه على الصيدِ، فأدْرَكه وقد أكَل منه، فلْيأْكُلْ ما بقِى\" (^١)؟\nقيل: هذا خبرٌ [في إسنادِه] (^٢) نظرٌ، فإن سعيدًا غيرُ معلومٍ له سماعٌ من سلمانَ، والثقاتُ مِن أهلِ الآثارِ يَقِفون هذا الكلامَ على سلمانَ ويَرْوُونه عنه من قيلِه (^٣) غيرَ مرفوعٍ إلى النبيِّ ﷺ، والحفاظُ الثقاتُ إِذا تَتَابَعوا على نقلِ شيءٍ بصفةٍ، فخالَفهم واحدٌ منفردٌ وليس له حفظُهم، كانت الجماعةُ (^٤) الأثباتُ أحقَّ بصحةِ ما نقَلوا مِن الفردِ الذي ليس له حفظُهم. وإذا كان الأمرُ في الكلبِ على ما ذكَرْتُ مِن أنه إذا أكَل مِن الصيدِ فغيرُ مُعَلَّمٍ، فكذلك حكمُ كلِّ جارحةٍ؛ في أن ما أكَل منها مِن الصيدِ فغيرُ مُعَلَّمٍ، لا يَحِلُّ له أكلُ صيدِه، إلا أن يُدْرِكَ ذكاتَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2434>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾: فكُلوا أيها الناسُ مما أمْسَكَتْ عليكم جوارحُكم.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: ذلك على الظاهرِ والعمومِ، كما عمَّه (^٥) اللهُ جل ثناؤُه، حلالٌ أكلُ (^٦) ما أَمْسَكَت علينا الكلابُ والجوارحُ المعلَّمةُ مِن الصيدِ الحلالِ أكلُه، أكَل منه الجوارحُ (^٧) والكلابُ أو لم تَأْكُلْ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٢) عن المصنف.\n(^٢) في الأصل: \"فيه\".\n(^٣) في النسخ: \"قبله\". والمثبت هو الصواب.\n(^٤) في الأصل: \"الجماعات\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عممه\".\n(^٦) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كل\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الجارح\".","vol":"8","page":122},{"text":"منه، أُدْرِكت ذكاتُه فذُكِّى أو لم تُدْرَكْ ذكاتُه حتى قتَلتْه الجوارحُ بجَرْحِها إياه أو بغيرِ جَرْحٍ. وهذا قولُ الذين قالوا: تعليمُ الجوارحِ الذي يَحِلُّ به صيدُها أَنْ تُعَلَّمَ الاسْتِشْلَاءَ على الصيدِ، وطَلَبَه إذا أُشْلِيت عليه وأخْذَه، وترْكَ الهرَبِ مِن صاحبِها دونَ تَرْكِ الأكلِ مِن صيدِها إذا صادَته. وقد ذكَرنا قولَ قائلى هذه المقالةِ والروايةَ عنهم بأسانيدِها الواردةِ آنفًا (^١).\nوقال آخرون: بل ذلك على الخصوصِ دونَ العُمومِ. قالوا: ومعناه: فكُلوا مما أمْسَكن عليكم مِن الصيدِ جميعِه دونَ بعضه. قالوا: فإن أكَلت الجوارحُ منه بعضًا وأمْسَكَت بعضًا، فالذي أمْسَكَت منه غيرُ جائزٍ أكلُه وقد أكَلت بعضَه؛ لأنها إنما أمْسَكت ما أمْسَكت مِن ذلك الصيدِ بعدَ الذي أكَلت منه على أنفسِها لا علينا، واللهُ تعالى ذكرُه إنما أباح لنا أكلَ (^٢) ما أَمْسَكَتْه جوارحُنا المعلَّمَةُ علينا (^٣) بقولِه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. دونَ ما أَمْسَكَتْه على أنفسِها. وهذا قولُ مَن قال: تعليمُ الجوارحِ الذي يَحِلُّ به صيدُها أَن تَسْتَشْلِيَ للصيدِ إذا أُشْلِيت، فتَطْلُبَه وتَأْخُذَه، فتُمْسِكَه على صاحبِها، فلا تَأْكُلَ منه شيئًا، ولا تَفِرَّ من صاحبِها. وقد ذكَرنا ممن قال ذلك فيما مضَى منهم جماعةً كثيرةً (١)، ونَذْكُرُ منهم جماعةً أُخَرَ (^٤) في هذا الموضِعِ.\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. يَقولُ: كُلُوا\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ١١٥.\n(^٢) في م: \"كل\".\n(^٣) في م: \"عليه\".\n(^٤) في م: \"آخرين\".","vol":"8","page":123},{"text":"مما قَتَلْن. قال عليُّ بنُ أبي طلحةَ: وكان ابن عباسٍ يقولُ: إن قتَل وأكَل فلا تَأْكُلْ، وإن أمْسَك فأدْرَكتَه حيًّا فذَكِّه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: إن أكَل المعلَّمُ مِن الكلابِ مِن صيدِه قبلَ أن يَأْتِيَه صاحبُه فيُدْرِكَ ذَكاتَه، فلا يَأْكُلْ مِن صيدِه (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾: إذا صاد الكلبُ فأَمْسَكَه وقد قتَله ولم يَأْكُلْ منه، فهو حِلٌّ، فإن أكَل منه، فيقالُ: إنما أَمْسَك لنَفْسِه (^٣)، فلا تَأْكُلْ منه شيئًا، فإنه ليس بمعلَّمٍ.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾. إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. قال: إذا أرْسَلْتَ كلبَك المعلَّمَ، أو طيرَك، أو سهمَك، فذكَرْتَ اسمَ اللَّهِ، فأخَذ أو قتَل، فكُلْ (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقُولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: إذا أرْسَلْتَ كلبَك المُعَلَّمَ (^٥)، وذكَرتَ اسمَ اللهِ حينَ تُرْسِلُه، فأمْسَك أو قتَل، فهو حلالٌ، فإذا أكَل منه فلا تَأْكُلْه، فإنما أَمْسَكَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٦٠) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ١٠٩.\n(^٣) في م: \"على نفسه\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٦٠) إلى عبد بن حميد.\n(^٥) سقط من: الأصل.","vol":"8","page":124},{"text":"على نفسِه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن عاصمٍ، عن الشعبيِّ، عن عديِّ في قولِه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إن أرضى أرضُ صيدٍ. قال: \"إذا أرْسَلتَ كلبَك وسمَّيتَ، فكُلْ مما أَمْسَك عليك كلبُك وإن قَتَل، فإن أكَل فلا تَأْكُلْ، فإنما (^٢) أَمْسَك على نفسِه\" (^٣).\nوقد بينّا أولى القولين في ذلك بالصوابِ قَبْلُ، فأغنى ذلك عن إعادتِه وتكرارِه (^٤).\nفإن قال قائلٌ: وما وجهُ دُخولِ \"من\" في قولِه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. وقد أحلَّ اللهُ لنا صيدَ جوارحِنا الحلالِ، و\"مِن\" إنما تَدْخُلُ في الكلامِ مبعِّضةٌ لما دخَلت فيه؟\nقيل: قد اختلَف في معني دخولِها في هذا الموضعِ أهلُ العربيةِ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ (^٥): دخَلت \"مِن\" في هذا الموضعِ لغيرِ معنىً، كما تُدْخِلُه العربُ في قولهم: كان مِن مطرٍ. و: كان مِن حديثٍ. قال: ومِن ذلك قولُه: ﴿وَيُكَفِّرُ (^٦) عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. وقولُه: ﴿وَيُنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالِ فِيهَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٥٦، ٣٦٦) من طريق جويبر، عن الضحاك نحوه.\n(^٢) في ص، م: \"فإنه إنما\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ١٢١.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ١٢٠.\n(^٥) بعده في م: \"حين\".\n(^٦) في الأصل: \"نكفر\". وهما قراءتان كما تقدم في موضعه من التفسير.","vol":"8","page":125},{"text":"مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣]. قال: وهو فيما فسِّر: ويُنَزِّلُ مِن السماءِ جبالًا فيها (^١) من بَرَدٌ. [قال: وقال بعضُهم: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾] (^٢). أي: مِن السماءِ مِن بَرَدٍ. فَجَعَل (^٣) الجبالَ من بَرَدٍ في السماءِ، ويَجْعَلُ (^٤) الإنزالَ منها.\nوكان غيرُه مِن أهلِ العربيةِ يُنْكِرُ ذلك ويقولُ: لم تَدْخُلْ \"من\" إلا لمعنىً مفهومٍ لا يَجُوزُ الكلامُ ولا يَصْلُحُ إلا به، وذلك أنها دالةٌ على التَّبْعِيضِ. وكان يقولُ: معنى قولِهم: قد كان مِن مطرٍ، وكان مِن حديثٍ: هل كان مِن مطرٍ مَطَرَ عندَكم؟ وهل مِن حديثٍ [حُدِّث عنكم] (^٥)؟ ويَقُولُ: معنى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. أي: ويُكَفِّرُ عنكم مِن (^٦) سيئاتِكم ما يَشاءُ ويُريدُ. وفى قولِه: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾. فيُجِيرُ حَذْفَ \"مِن\" ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾. ولا يُجِيرُ حَذْفَها مِن الجبالِ، ويَتَأَوَّلُ معنى ذلك: ويُنَزِّلُ مِن السماءِ (^٧) أمثالَ جبالٍ بَرَدًا. ثم أُدْخِلَتْ \"مِن\" في \"البَرَدِ\"؛ لأن \"البَرَدَ\" مفَسَّرٌ عندَه عن (^٨) الأمثالِ، أعنى: أمثالَ الجبالِ. وقد أُقِيمت الجبالُ مُقامَ الأمثالِ، والجبالُ هي جبالٌ بَرَدٌ. فلا يُجِيرُ حَذْفَ \"مِن\" مِن الجبالِ؛ لأنها دالةٌ على أن الذي في السماءِ الذي أُنْزِل منه البردُ، أمثالُ جبالٍ بَرَدٍ، وأجاز حَذَفَ \"مِنْ\" مِن \"البَرَدِ\"؛ لأن \"البَرَدَ\" مفسَّرٌ عن الأمثالِ، كما تَقُولُ: عندى رطلان زيتًا، وعندى رطلان مِن الزيتِ.\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"من\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في ص، ت ١: \"يجعل\"، وفى م، ت ٢، ت ٣، س: \"بجعل\".\n(^٤) في م: \"بجعل\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حديث عندكم\".\n(^٦) سقط من: الأصل.\n(^٧) بعده في الأصل: \"من\".\n(^٨) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".","vol":"8","page":126},{"text":"وليس عندَك الرطلُ، إنما عندَك المقدارُ. فـ \"مِن\" تَدْخُلُ في المفسَّرِ وتَخْرُجُ منه. وكذلك عندَ قائلِ هذا القولِ: مِن السماءِ مِن أمثالِ جبالٍ، وليس بجبالٍ. وقال: فإن كان أنزَل مِن جبالٍ في السماءِ مِن بَرَدٍ جبالًا. ثم حذَف الجبالَ الثانيةَ، والجبالُ الأُولى في السماءِ، جاز. كما (^١) تَقُولُ: أَكَلْتُ مِن الطعامِ. تُرِيدُ: أَكَلتُ مِن الطعامِ طعامًا. ثم تَحذِفُ الطعامَ، ولا تُسقِطُ \"من\".\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن \"مِنْ\" لا تَدْخُلُ في الكلامِ إلا لمعنىً مفهومٍ، وقد يجوزُ حذفُها في بعضِ الكلامِ، وبالكلامِ إليه (^٢) حاجةٌ؛ لدَلالةِ ما يَظْهَرُ مِن الكلامِ عليها، فأما أن تَكُونَ في الكلامِ لغيرِ معنىً أفادَته بدخولِها، فذلك ما (١) قد بينَّا فيما مضَى أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ فيما صحَّ مِن الكلامِ (^٣).\nومعنى دخولِها في قولِه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. للتبعيضِ، إذ كانت الجوارحُ تُمْسِكُ على أصحابِها ما أحلَّ اللهُ لهم لحومَه وحرَّم عليهم فَرْثَه ودمَه، فقال جلَّ ثناؤُه: فكُلُوا ممَّا أَمْسَكَتْ (^٤) عليكم جوار حُكم الطيباتِ التي أحْلَلتُ لكم مِن لحومِها، دونَ ما حرَّمتُ عليكم مِن خبائثِه من الفَرْثِ والدمِ وما أشبَهَ ذلك، مما لم أُطَيِّبْه لكم. فذلك معنى دُخُولِ \"مِن\" في ذلك.\nوأما قولُه: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. فقد بيَّنا وجهَ دخولِها فيه فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه (٣).\nوأما دخولُها في قولِه: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾. فسنُبَيِّنُه إذا\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في م: \"إليها\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في (٢/ ١٤، ١٥، ٦/ ٣٢١).\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أمسكن\".","vol":"8","page":127},{"text":"أتَينا عليه إن شاء اللهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2435>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾: على ما أَمْسَكَت عليكم (^١) جَوارِحُكم مِن الصيدِ.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. يَقُولُ: إِذا أَرْسَلْتَ جارحَك (^٢) فقُلْ: بسمِ اللهِ. وإن نَسِيتَ فلا حَرَجَ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ قولَه: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. قال: إذا أَرْسَلْتَه فسمِّ عليه حينَ تُرْسِلُه على الصيدِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2436>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ </span>(٤)﴾.\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى بذلك (^٤) جلَّ ثناؤُه: واتَّقُوا الله أيُّها الناسُ فيما أمَركم به وفيما نهاكم عنه، فاحْذَروه في ذلك أن تتقدَّمُوا (^٥) على خلافِه، وأن تَأْكُلوا مِن صيدِ الجوارحِ غيرِ المُعَلَّمةِ، أو مما لم تُمْسِكْ عليكم مِن صَيْدِها وأمْسَكَتْه على أَنْفُسِها، أو تَطْعَمُوا ما لم يُسَمَّ اسمُ (٤) اللَّهِ عليه مِن الصَّيدِ والذَّبائحِ،\n_________\n(^١) في الأصل: \"عليه\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"جوارحك\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٤) عن علي بن أبي طلحة به، وتقدم تخريجه في ص ١٠٤ وتمامه هذا ليس عند ابن أبي حاتم ولا عند البيهقى.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في م: \"تقدموا\".","vol":"8","page":128},{"text":"مما صادَه أهلُ الأوثانِ وعَبَدةُ الأصنامِ، ومَن لا (^١) يُوَحِّدُ اللَّهَ مِن خلقِه، أَو ذَبَحوه، فإن الله قد حَرَّم ذلك عليكم فاجتَنِبوه.\nثم خَوَّفهم إن هم فَعَلوا ما نَهاهم عنه مِن ذلك ومِن غيرِه، فقال: اعلَموا أن اللَّهَ سريعٌ حسابُه لَمن حاسَبه على نِعَمِه عليه (^٢) منكم، وشُكْرِ الشاكرِ منكم ربَّه على ما أنعَم به عليه بطاعتِه إياه فيما أمَر ونَهَى؛ لأنه حافظٌ لجميعِ ذلك منكم (^٣)، محيطٌ (^٤) به، لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ، فيُجازِى المطيعَ منكم بطاعتِه، والعاصىَ بمَعْصيتِه، وقد بَيَّن (^٥) لكم جزاءَ الفريقَين.\n\n<span id=\"aya-674\"></span><span data-type='title' id=toc-2437>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾: اليومَ أُحِلَّ لكم أيُّها المؤمنون، الحلالُ مِن الذُّبائحِ والمَطاعمِ دونَ الخبائثِ منها.\nوقولُه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾: وذبائحُ أهلِ الكتابِ مِن اليهودِ والنصارى، وهم الذين أُوتوا التوراةَ والانجيلَ، وأُنْزِل عليهم، فدَانُوا بهما أو بأحدِهما، ﴿حِلٌّ لَكُمْ﴾ (^٦). يقولُ: حلالٌ لكم أكْلُه، دونَ ذَبائحِ سائرِ أهلِ الشركِ الذين لا كتابَ لهم مِن مُشْرِكى العربِ وعَبَدةِ الأوثانِ والأصنامِ، فإن مَن لم يكنْ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لم\".\n(^٢) في الأصل: \"عليكم\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فيكم\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيحيط\"، وفى س: \"فيحفظ\".\n(^٥) في الأصل: \"تبين\".\n(^٦) بعده في الأصل: \"يعنى\".","vol":"8","page":129},{"text":"منهم ممن أقرَّ بتَوحيدِ اللهِ، ودانَ دينَ أهلِ الكتابِ، فحرامٌ عليكم ذَبائحُهم.\nثم اختُلِف في مَن عَنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. مِن أهلِ الكتابِ؛ فقال بعضُهم: عَنَى اللهُ بذلك ذبيحةَ كلَّ كِتابيٍّ ممن أُنزِل عليه التوراةُ والإنجيلُ، أو ممن دَخَل في مِلَّتِهِم فَدَانَ دينَهم، وحَرَّم ما حَرَّموا، وحَلَّل ما حَلَّلوا، منهم ومِن غيرِهم مِن (^١) سائرِ أجناسِ الأممِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2438>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\n[حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عيسى، عن ابن أبي ليلَى، عن الحكمِ، عن سعيدِ بن مُجبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنّه سُئِل عن ذبائحِ نصارَى العربِ، فقال: لا بأسَ. ثم قرَأ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (^٢) [المائدة: ٥١].\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: حدَّثنا عبد الرحمنِ، قال: أَخبرنا سفيانُ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بن أبى الشَّواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا خُصَيفٌ، قال: ثنا عِكْرمةُ، قال: سُئِل ابن عباسٍ عن ذبائحِ نَصارى بنى تَغْلِبَ، فقرَأ هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾. إلى آخرِ الآية (^٤).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن عَثْمةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشِيرٍ، عن قتادةَ، عن\n_________\n(^١) في الأصل: \"ومن\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٠٧٣، ١٠٠٣٧، ١٢٧١٨) عن الثورى به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٥٧) (٦٥١٢)، والبيهقى (٩/ ٢١٧) من طريق عكرمة به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٥٦) (٦٥٠٩) من طريق خصيف به.","vol":"8","page":130},{"text":"الحسنِ وعِكْرمةَ، أنهما كانا لا يَرَيان بأسًا بذبائحِ نَصارى بني تَغْلِبَ، وبتَزَوُّجِ (^١) نسائِهم، ويَتْلُوان (^٢): ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن سعيدِ (^٤)، عن قتادةَ، عن الحسنِ وسعيدِ بن المُسيَّبِ، أنهما كانا لا يَرَيان بأسًا بذَبيحةِ نَصارى بني تَغْلِبَ (^٥).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سُفيانُ، عن أبي حُصَينٍ، عن الشَّعْبيِّ أنه كان لا يَرَى بأسًا بذَبائحِ نصارى بنى تَغْلِبَ. وقرَأ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (^٦) [مريم: ٦٤].\nحدَّثني ابن بَشَّارٍ وابنُ المُثَنَّى، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا ابن جُرَيجٍ، قال: ثنى ابن شِهابٍ عن ذَبيحةِ نصارى العربِ، قال: تُؤكَلُ مِن أجلِ أنهم في الدينِ أهلُ كتابٍ ويَذْكُرون اسمَ اللَّهِ (^٧).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ وابنُ المُثَنَّى، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابن جُرَيجٍ: قال: قال (^٨) عطاءٌ: إنما يُفرِّقُ (^٩) بينَ (^١٠) ذلك الكتابُ.\n_________\n(^١) في الأصل، س: \"تزويج\"، وفى ص، ت ٢: \"بتزويج\"، وفي ت ١: \"يتزوج\".\n(^٢) في الأصل: \"يتأولون\"، وفى س: \"يتأولان\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٥٧٧) عن معمر عن رجل عن عكرمة - وحده - به.\n(^٤) في الأصل: \"شعبة\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٧) عن سعيد به.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق (٨٠٧٥، ١٠٠٣٩، ١٢٧٢٠) عن الثورى به بنحوه.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٥٧١، ١٠٠٤٠، ١٢٧١٦) عن معمر عن الزهري.\n(^٨) بعده في الأصل: \"ابن\"\n(^٩) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يقرون\"، وفى م: \"يقرءون\".\n(^١٠) سقط من: م، س.","vol":"8","page":131},{"text":"حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سألتُ الحكمَ وحمادًا وقتادةَ عن ذبائحِ نصارى بني تَغْلِبَ، فقالوا: لا بأسَ بها. قال: وقرَأ الحَكَمُ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨].\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحَجَّاجُ، قال: ثنا حَمَّادٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كُلوا مِن ذبائحِ بني تَغْلِبَ، وتَزَوَّجوا مِن نسائِهم، فإن الله قال في كتابِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، أن الحسنَ كان لا يَرَى بأسًا بذبائحِ نَصارى بني تَغْلِبَ، وكان يقولُ: انتَحَلوا دِينًا، فذاك دينُهم (^٢).\nوقال آخرون: إنما عَنَى اللهُ بالذين أُوتوا الكتابَ في هذه الآيةِ الذين أُنزِل عليهم التوراةُ والإنجيلُ مِن بنى إسرائيلَ وأبنائِهم، فأما مَن كان دخيلًا فيهم مِن سائرِ الأممِ، ممن دانَ بدينِهم، وهو (^٣) مِن غيرِ بني إسرائيلَ، فلم يُعْنَ بهذه الآيةِ، وليس هو ممن يَحِلُّ أكلُ ذبائحِه؛ لأنه ليس ممن أُوتىَ الكتابَ مِن قَبْلِ المسلمين. وهذا قولٌ كان محمدُ بنُ إدريسَ الشافعيُّ يقولُه - حدَّثنا بذلك عنه الربيعُ (^٤) - ويَتأَوَّلُ في ذلك قولَ مَن كَرِه ذبائحَ نصارى العربِ مِن الصحابةِ والتابِعِين.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٦١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٥٧) (٦٥١٣) من طريق حماد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٦١) من طريق سعيد به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وهم\".\n(^٤) ينظر الأم (٢/ ١٩٦).","vol":"8","page":132},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2439>ذكرُ مَن كَرِه (^١) ذبائحَ نصارى العربِ</span>\nحدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، عن عَبِيدةً، قال: [قال عليٌّ رِضوانُ اللَّهِ عليه] (^٢): لا تأكُلوا ذبائحَ نصارى بنى تَغْلِبَ؛ فإنهم إنما يَتَمَسَّكون مِن النصرانيةِ بشُرْبِ الخمرِ (^٣).\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا هشامٌ، عن ابن سيرينَ، عن عَبِيدةَ، عن عليٍّ، قال: لا تأكُلوا ذبائحَ نصارى بنى تَغْلِبَ؛ فإنهم لم يَتَمَسَّكوا بشيءٍ مِن النصرانيةِ إلا بشُرْبِ الخمرِ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ بكرٍ، قال: ثنا هشامٌ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عَبِيدةَ، قال: سألتُ عليًّا عن ذَبائحِ نصارى العربِ، فقال: لا تأكلْ (^٥) ذبائحَهم؛ فإنهم لم يَتَعَلَّقوا مِن دينِهم إلا بشُرْبِ الخمرِ.\nحدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ الكِنْدِيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ عابسٍ (^٦)، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبي البَخْتَرِيِّ، قال: نَهانا عليٌّ عن ذبائحِ نصارى العربِ.\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي حمزةَ القَصَّابِ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ عليٍّ يُحَدِّثُ عن عليٍّ، أنه كان\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حرم\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) أخرجه الشافعي في الأم (٢/ ٢٣٢) - ومن طريقه البيهقى (٩/ ٢٨٤)، وفى المعرفة (٧/ ١٤١) - وعبد الرزاق في مصنفه (٨٥٧٠،١٠٠٣٤، ١٢٧١٣) من طريق أيوب به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٠٣٥، ١٢٧١٥) من طريق ابن سيرين به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٠٣٦)، والبيهقى (٩/ ٢١٧) من طريق هشام به.\n(^٥) في م: \"تؤكل\".\n(^٦) في الأصل: \"عياش\"، وفى س: \"عباس\". وينظر تهذيب الكمال (٢٠/ ٥٠٢).","vol":"8","page":133},{"text":"يَكْرَهُ ذبائحَ نصارى [العربِ وذبائحَ نصارى] (^١) بنى تَغْلِبَ.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن لَيْثٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لا تأكُلوا ذبائحَ نصارى العربِ، وذبائحَ نَصارى إِرْمِينِيَةَ.\nوهذه الأخبارُ عن عليٍّ رِضوانُ اللهِ عليه إنما تَدُلُّ على أنه كان يَنْهَى عن ذبائحِ نصارى بنى تَغْلِبَ مِن أجلِ أنهم ليسوا على النصرانيةِ؛ لتَرْكِهم تحليلَ ما تُحَلِّلُ النصارى، وتَحْريمَ ما تُحَرِّمُ غيرَ الخمرِ. و(^٢) مَن كان مُنْتَحِلًا مِلَّةً هو غيرُ مُتَمَسِّكٍ منها بشيءٍ، فهو إلى البراءةِ منها أقربُ إلى اللَّحاقِ بها وبأهلِها. فلذلك نَهَى عليٌّ عن أكْلِ ذبائحِ نَصارى بنى تَغْلِبَ، لا مِن أجلِ أنهم ليسوا مِن بني إسرائيلَ.\nفإذ كان ذلك كذلك، وكان إجماعًا مِن الحُجَّةِ [أَلَّا بَأسَ بذبيحةِ] (^٣) كلٍّ نصرانيٍّ ويهوديٍّ دان (^٤) دينَ النصارى أو اليهودِ، فأحلَّ ما أَحَلُوا، وحَرَّم ما حَرَّموا، مِن بني إسرائيلَ كان أو مِن غيرِهم، فبيِّنٌ (^٥) خطأُ ما قال الشافعيُّ في ذلك، وتأويِله الذي تأوَّله في قولِه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. أنه ذبائحُ الذين أُوتوا الكتابَ التوراةَ والإنجيلَ مِن بنى إسرائيلَ، وصوابُ ما خالَف تأويلَه ذلك، وقولِ مَن قال: إن كلَّ يهوديٍّ ونصرانىٍّ فحلالٌ ذبيحتُه، مِن أيِّ أجناسِ بني آدمَ كان.\nوأمَّا الطعامُ الذي قال اللهُ جل ثناؤُه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. فإنه الذبائحُ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٣: \"ألا بأس فذبيحة\"، وفى م، ت ٢: \"إحلال ذبيحة\"، وفي س: \"إلا ما بين فذبيحة\".\n(^٤) في م: \"إن انتحل\".\n(^٥) في الأصل: \"فتبين\".","vol":"8","page":134},{"text":"وبمثلِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2440>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ وابنُ وَكِيعٍ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. قال: الذبائحُ (^١).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. قال: ذبائحُهم.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن لَيْثٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ وقَبِيصةُ، قالا: ثنا سُفيانُ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n[حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (^٣).\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُليمانَ الرَّازِيُّ، عن أبي (^٤) سِنانٍ، عن لَيْثٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٦١) إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٠٠.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة (١٢/ ٢٥٤) عن وكيع به.\n(^٤) في الأصل: \"ابن\". وهو سعيد بن سنان أبو سنان الشيباني. ينظر تهذيب الكمال (١٠/ ٤٩٢).","vol":"8","page":135},{"text":"عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾: ذَبيحتُهم (^٢)؛ ذَبيحةُ أهلِ الكتابِ.\nحدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. قال: ذَبائحُهم.\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ بمثلِه.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ وقَبِيصةُ، قالا: ثنا سفيانُ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. قال:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٠٠.\n(^٢) في م: \"قال\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١٢/ ٢٥٤) عن وكيع به.\n(^٤) تفسير سفيان ص ١٠٠، وتفسير عبد الرزاق (١/ ١٨٦)، وفي مصنفه (١٠١٨٢).","vol":"8","page":136},{"text":"ذبائحُهم (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا المُعَلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن يونسَ، عن الحسنِ مثله\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. أي: ذبائحُهم.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾: أما طعامُهم، فهو الذَّبائحُ.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذِ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. قال: أَحَلَّ اللَّهُ لنا طعامَهم ونِساءَهم.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسِ: أما قولُه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. فإنه أحلَّ (^٢) طعامَهم ونساءَهم (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْب، قال: سألتُه - يعنى ابنَ زيدِ (^٤) - عما ذُبح للكنائسِ وسُمِّيَ عليها، فقال: أحلَّ اللهُ لنا طعامَ أهلِ الكتابِ ولم\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ٩/ ٢٨٢ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس.\n(^٢) بعده في م: \"لنا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦١ إلى المصنف.\n(^٤) في ص، م: \"يزيد\".","vol":"8","page":137},{"text":"[يَسْتَثْن منه] (^١) شيئًا.\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: ثني معاوية، عن أبي الزَّاهريَّة حُدَيْرِ بن كُرَيْبٍ (^٢)، عن عُمَيرِ بن الأسود، أنه سأل أبا الدَّرْداءِ عن كَبْشٍ ذُبح لكنيسةٍ يقال لها: جرْجِسُ. أهدوه لنا (^٣)، أنأكُلُ منه؟ فقال أبو الدَّرْداءِ: اللهمَّ غَفْرًا (^٤)، إنما هم أهلُ الكتاب، طعامُهم حِلٌّ لنا، وطعامنا حلٌّ لهم. وأمره بأكلِه (^٥).\nوأما قوله: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾. فإنه يعنى: وذبائحُكم أيُّها المؤمنون حِلٌّ لأهل الكتاب (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-2441>القولُ في تأويل قوله عز ذكرُه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.</span>\nيعنى جلّ ثناؤه بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: أُحِلَّ لكم أيُّها المؤمنون، المُحصنات من المؤمنات؛ وهنَّ الحرائرُ منهن، أن تَنْكِحوهنَّ، ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. يعنى: والحرائرُ من الذين أُعطوا الكتاب، وهم اليهودُ والنصارى الذين دانُوا بما في التوراة والإنجيل مِن قَبْلِكم، أيُّها\n_________\n(^١) في الأصل: \"يستبق منها\".\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عن أبي الأسود\".\n(^٣) في ص، م: \"لها\".\n(^٤) في م: \"عفوا\".\n(^٥) أخرجه إسماعيل بن إسحاق القاضي في أحكام القرآن - كما في أحكام أهل الذمة ١/ ٢٥١ - من طريق معاوية بن صالح به، وينظر طبقات ابن سعد ٧/ ٤٤٢، والاستذكار ١٥/ ٢٤٠.\n(^٦) بعده في الأصل: \"تم السفر بحمد الله وحسن عونه وجميل تأييده، يتلوه إن شاء الله قوله ﷿: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. وبه ينتهى الجزء الثالث عشر من نسخة جامعة القرويين، وسيجد القارئ بعد ذلك أرقام النسخة ت ١ بين معقوفين.","vol":"8","page":138},{"text":"المؤمنون بمحمدٍ ﷺ، من العرب وسائر الناس، أن تَنْكِحوهنَّ أيضًا، ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. يعنى: إذا أَعْطَيتُم مَن نَكَحْتم مِن مُحْصناتكم ومُحصناتهم أُجورهنَّ، وهى مُهورهنَّ.\nواختلف أهل التأويل في \"المُحْصناتِ\" اللاتى عَناهنَّ اللهُ عَزَّ ذكره بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنَى بذلك الحرائر خاصةً، فاجرةً كانت أو عفيفةً.\nوأجاز قائلو هذه المقالةِ نكاحَ الحُرَّةِ؛ مؤمنةً كانت أو كتابيَّةً، من اليهود والنصارى، من أيِّ أجناس كانت، بعد أن تكون كتابيَّةً؛ فاجرةً كانت أو عفيفةً، وحَرَّموا إماءَ أهل الكتاب أن يُتَزوَّجْنَ (^١) بكلِّ حالٍ؛ لأن الله جلّ ثناؤه شَرَط في نكاحِ الإماء (^٢) الإيمان بقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-2442>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو داود، عن سُفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. قال: الحرائر (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا [عبد الرحمن] (^٤)، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال: مِن\n_________\n(^١) في م: \"نتزوجهن\".\n(^٢) بعده في ص، ت ٢، س: \"المؤمنات\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٢٧٢، ومن طريقه البيهقى ٧/ ١٧٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في س: \"أبو داود\".","vol":"8","page":139},{"text":"الحرائرِ.\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلمٍ، عن طارق بن شهابٍ، أن رجلًا طَلَّق امرأته، وخُطِبَت إليه أخته، وكانت قد أَحْدَثَت، فأتَى عمر، فذكر ذلك له منها، فقال عمرُ: ما رأيتَ منها؟ قال: ما رأيتُ منها إلا خيرًا. فقال: زَوَّجُها ولا تُخْبِرُ (^١).\nحدَّثنا ابن أبي الشَّوَاربِ، قال: ثنا عبدُ الواحد، قال: ثنا سليمان الشَّيْبانيُّ، قال: ثنا، عامرٌ، قال: زَنَتِ امرأَةٌ مِنَّا مِن هَمْدَانَ. قال: فَجَلَدها مُصَدِّقُ (^٢) رسول الله ﷺ الحَدَّ، ثم تابَت، فأَتَوْا عمر، فقالوا: نُزوِّجُها، وبئس ما كان من أمرِها؟ قال عمرُ: لئن بَلَغنى أنكم ذَكَرْتم شيئًا من ذلك لأُعاقِبَنَّكم عُقوبةً شديدة (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قيس بن مُسلم، عن طارق بن شهابٍ، أن رجلًا أرادَ أن يُزَوِّجَ أَختَه، فقالت: إنى أَخْشَى أن أَفْضَحَ أبي، فقد بَغَيْتُ. فأتى عمر، فقال: أليس قد تابَت؟ قال: بلى. قال: فزَوِّجها (^٤).\nحدَّثنا ابن المُثنَّى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبةُ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيِّ، أن نُبَيْشَةَ - امرأةٌ مِن هَمْدانَ - بَغَت، فأرادَت أَن تَذْبَحَ نفسها، قال: فأدركوها فَداوَوْها فبَرِئَت، فذكروا ذلك لعمرَ، فقال: أنكحوها\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٦٨٩) عن الثورى به بنحوه.\n(^٢) المصدق: هو عامل الزكاة الذي يستوفيها من أربابها. النهاية ٣/ ١٨.\n(^٣) أخرجه البيهقى ٧/ ١٥٥ من طريق الشيباني به بمعناه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٤/ ٢٧٣ عن محمد بن جعفر به بنحوه.","vol":"8","page":140},{"text":"نِكاح العفيفة المُسْلمة.\nحدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أن رجلًا من أهل اليمن أصابت أختُه فاحشةً، فأَمَرَّتْ الشَّفْرة على أوداجها (^١)، فأُدْرِكَت، فَدُووى جُرْحُها حتى بَرئَت، ثم إن عمَّها انتَقَل بأهله حتى قدم المدينة، فقرأت القرآنَ ونَسَكت، حتى كانت من أنسَكِ نسائهم، فخُطِبَت إلى عمِّها، وكان يَكْرَهُ أَن يُدَلِّسَها، ويَكْرَهُ أَن يُفْشِيَ على ابنة أخيه، فأتَى عمر، فذكر ذلك له، فقال عمرُ: لو أفْشَيتَ عليها لعاقَبتُك، إذا أتاك رجلٌ صالحٌ تَرْضَاه فزَوِّجها إِيَّاه.\nحدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أن جاريةً باليمن يقال لها: نُبَيْشَةُ. أصابت فاحشةً. فذكر نحوه.\nحدَّثنا تميمُ بن المُنتَصِرِ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبرنا إسماعيل، عن عامرٍ، قال: أتى رجلٌ عمر فقال: إن ابنةً لى كانت وُئِدَت في الجاهلية، فاستخرجتها قبل أن تموتَ، فأَدْرَكَت الإسلام، فلما أسلمت أصابَت حَدًّا مِن حدودِ اللهِ، فَعَمَدَت إلى الشَّفْرِةِ لتَذْبَحَ بها نفسها، فأدركتُها وقد قَطَعَت بعضَ أَوْداجها، فَداويتها حتى بَرِئَت، ثم إنها أقبلت بتوبةٍ حسنةٍ، فهي تُخْطَبُ إليَّ يا أمير المؤمنين، فأُخْبِرُ مِن شأنها بالذي كان؟ فقال عمرُ: أَتُخْبِرُ بشأنها، تَعْمِدُ إلى ما سَتَره اللهُ فَتُبْدِيه! والله لئن أخْبَرتَ بشأنها أحدًا من الناس، لأَجْعَلَنَّك نكالًا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاحِ العفيفة المسلمة (^٢).\n_________\n(^١) الأوداج: هي ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح، واحدها وَدَج بالتحريك. النهاية ٥/ ١٦٥.\n(^٢) أخرجه الحارث في مسنده (٥٦٨ - بغية) عن يزيد به بنحوه. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٦٩٠) من طريق إسماعيل به نحوه، وينظر مسند الفاروق لابن كثير ١/ ٣٩٣.","vol":"8","page":141},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، قال: ثنا مَرْوانُ، عن إسماعيل، عن الشَّعْبيِّ، قال: جاء رجلٌ إلى عمر. فذكر نحوه.\nحدَّثنا مجاهدٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرنا يحيى بن سعيدٍ، عن أبي الزُّبير، أن رجلًا خَطب من رجل أخته، فأخبره أنها قد أحْدَثَت، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فضَرَب الرجل، وقال: ما لَكَ والخبرُ؟ أَنكِحُ واسكُت.\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، قال: ثنا أبو هلال، عن قَتادةَ، عن الحسن، قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هَمَمْتُ ألا أدَع أحدًا أصابَ فاحشةً في الإسلام أن يَتَزوَّجَ مُحْصَنَةٌ. فقال له أُبَيُّ بن كعبٍ: يا أمير المؤمنين، الشِّرْكُ أعظمُ مِن ذلك، وقد يُقْبَلُ منه إذا تابَ (^١).\nوقال آخرون: إنما عَنَى اللهُ بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. العفائفَ مِن الفريقين؛ إماءً كُنَّ أو حرائرَ. فأجاز قائلو هذه المقالة نِكاحَ إماء أهل الكتابِ الدَّائناتِ دينهم بهذه الآيةِ، وحَرَّموا البغايا من المؤمنات وأهل الكتاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-2443>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال: العفائفُ (^٢).\nحدَّثنا ابن وَكِيعِ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ وابنُ وَكِيعٍ، قالا: ثنا جَرِيرٌ، عن مُطَرِّفٍ، عن عامرٍ:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٩ عن المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٦٠ عن ابن إدريس به.","vol":"8","page":142},{"text":"﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال: إحصانُ اليهودية والنَّصرانية ألا تزني، وأن تغتسل من الجَنابةِ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن مُطَرِّفٍ، عن عامر: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال: إحْصانُ اليهودية والنَّصرانية أن تغتسل من الجنابة، وأن تُحْصِنَ فَرْجَها (^٢).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن مُطَرِّفٍ، عن رجلٍ، عن الشَّعْبيِّ في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال: إحْصانُ اليهوديةِ والنَّصرانية ألا تَزْنى، وأن تَغْتَسِلَ مِن الجنابة.\nحدَّثنا المُثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن مُطَرِّفٍ، عن الشَّعْبي في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال: إحصانُها أن تَغْتسِلَ مِن الجنابة، وأن تُحْصِنَ فَرْجَها مِن الزنى.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مُعَلَّى بن أسدٍ، قال: ثنا خالدٌ، قال: أخبرنا مُطَرِّفٌ، عن عامرٍ بنحوه.\nحدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: سَمِعتُ سُفيان يقول في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. قال: العفائفُ.\nحدَّثنا محمد بن الحُسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال: أمَّا \"المُحْصَنَاتُ\"، فهُنَّ العَفَائفُ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (١٠٠٦٦، ١٢٦٩٥) من طريق مطرف به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٥٩، ٣٦٠ عن ابن فضيل به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٢١ (٥١٤٢) من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"8","page":143},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، أن امرأة اتَّخَذَت مملوكها، وقالت: تأوَّلتُ كتاب الله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]. قال: فأُتى بها عمر بن الخطاب، فقال له ناسٌ من أصحاب النبي ﷺ: تأوَّلتْ آيةً من كتاب اللهِ على غيرِ وَجْهِها. قال: فغَرَّبَ (^١) العبدَ وجَزَّ رأسه، وقال: أنتِ بعده حرامٌ على كلِّ مسلمٍ.\nحدَّثنا محمد بن المثَنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، أنه قال في التي تَسَرَّى قبل أن يُدْخَلَ بها، قال: ليس لها صداقٌ، ويُفَرَّقُ بينهما (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا أَشْعَثُ، عن الشَّعْبيِّ في البِكْرِ تَفْجُرُ (^٣)، قال: تُضْرَبُ مائةً سَوْطٍ، وتُنْفَى سنةً، وتَرُدُّ إلى (^٤) زوجها ما أخَذَت منه.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا أَشْعَثُ، عن أبي الزُّبير، عن جابر مثل ذلك (^٥).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا أَشْعَثُ، عن الحسنِ مثل ذلك (^٥).\nحدَّثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن يونس، أن الحسنَ كان\n_________\n(^١) في م: \"فقرب\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٤ من طريق منصور به.\n(^٣) في النسخ: \"تهجر\". والمثبت هو الصواب.\n(^٤) في م: \"على\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٤ عن ابن إدريس به.","vol":"8","page":144},{"text":"يقول: إذا رأى الرجلُ مِن امرأته فاحشةً، فاسْتَيْقَن، فإنه لا يُمسِكُها (^١).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرة، عن أبي مَيْسَرَةَ، قال: مملوكاتُ أهل الكتاب بمنزلة حَرائرِهم (^٢).\nثم اختلف أهل التأويل في حُكْم قوله عزّ ذكرُه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أعامٌّ أم خاصٌّ؟ فقال بعضُهم: هو عامٌّ في العفائف منهنَّ؛ لأن المحصَناتِ العَفائفُ، وللمسلم أن يَتَزوَّجَ كلَّ حرةٍ وأمةٍ كتابيةٍ، حربيةً كانت أو ذميَّةً.\nواعتلُّوا في ذلك بظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.\nوأن المعنيَّ بهنَّ العَفائفُ، كائنةً مَن كانت منهن. وهذا قولُ مَن قال: عَنَى بالمحصنات في هذا الموضعِ العَفائفَ.\nوقال آخرون: بل اللَّواتى عَنَى بقولِه جل ثناؤه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الحرائر منهنَّ، والآيةُ عامةٌ في جميعهن. فنكاحُ جميعِ الحرائر اليهودِ والنصارى جائزٌ، حَرْبياتٍ كنَّ أو ذِمِّياتٍ، مِن أيِّ أجناس اليهود والنصارى كنَّ. وهذا قولُ جماعة من المُتقدِّمين (^٣) والمتأخِّرين.\n\n<span data-type='title' id=toc-2444>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ والحسن، أنهما كانا لا يريان بأسًا بنكاحِ نساءِ اليهودِ والنصارى، وقالا:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١٨٢، ١٨٣ عن ابن علية به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١٦٠ عن جرير به.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"المفسرين\".","vol":"8","page":145},{"text":"أحَلَّه اللهُ على عِلْمٍ (^١).\nوقال آخرون منهم: بل عَنَى بذلك نكاح بني إسرائيل الكتابيَّات منهن خاصةً، دون سائر أجناس الأمم الذين دانُوا باليهودية والنصرانية. وذلك قول الشافعيُّ (^٢) ومن قال بقوله.\nوقال آخرون: بل ذلك معنيٌّ به نساءُ أهل الكتاب الذين لهم من المسلمين ذِمَّةٌ وعَهْدٌ، فأمَّا أَهلُ الحرب، فإن نساءهم حرامٌ على المسلمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-2445>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُقبة، قال: ثنا الفَزَارِيُّ، عن سُفيان بن حُسينٍ، عن الحكم، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ، قال: مِن نساء أهل الكتابِ مَن يَحِلُّ لنا، ومنهم من لا يحلُّ لنا. ثم قرأ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]. فمن أعطى الجزيةَ حَلَّ لنا نساؤُه، ومَن لم يُعْطِ الجزيةَ لم يَحِلُّ لنا نساؤُه. قال الحَكَمُ: فذكَرتُ ذلك لإبراهيمَ فأعجبه (^٣).\nوأَوْلى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قولُ مَن قال: عَنَى بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. حرائر المؤمنين وأهل الكتاب؛ لأن الله جلّ ثناؤه لم يأذن بنكاح الإماء الأحرار في الحال التي أباحَهنَّ لهم، إلا أن يَكُنَّ مؤمناتٍ، فقال عزَّ ذكرُه: ﴿وَمَن لَّمْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١٥٩ عن عبدة، عن سعيد به بمعناه، وينظر تفسير الرازى ١١/ ١٤٨.\n(^٢) الأم ٥/ ٦.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١٥٩ من طريق سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهدٍ، عن ابن عباس مختصرًا، وينظر تفسير الرازى ١١/ ١٤٨.","vol":"8","page":146},{"text":"يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]. فلم يُبح منهن إلا المؤمنات. فلو كان مُرادًا بقولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. العَفائفُ، لدَخَل العَفائفُ مِن إمائِهم في الإباحةِ، وخَرَج منها غيرُ العَفائفِ مِن حَرائرِهم وحَرائرِ أهلِ الإيمان، وقد أحلَّ الله لنا حَرائرَ المؤمناتِ - وإن كُنَّ قد أَتَيْنَ بفاحشةٍ - بقولِه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾. وقد دلَّلنا على فسادِ قولِ مَن قال: لا يَحِلُّ نِكَاحُ مَن أَتَى الفاحشةَ مِن نساءِ المؤمنين وأهلِ الكتاب للمؤمنين. في مَوْضِعِ غيرِ هذا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (^١).\nفنِكاحُ حَرائرِ المسلمين وأهل الكتاب حلالٌ للمؤمنين، كُنَّ قد أَتَينَ بفاحشةٍ أو لم يَأْتينَ بفاحشةٍ، ذِمِّيةً كانت أو حربيةً، بعد أن تكونَ بموضعٍ لا يخافُ الناكحُ فيه على ولدِه أن يُجْبرَ على الكفر، بظاهر قول الله جل وعز: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. فأمَّا قولُ الذي قال: عَنَى بذلك نساءَ بني إسرائيلَ الكتابِيَّاتِ منهن خاصَّةً. فقولٌ لا يُوجِبُ التشاغلَ بالبَيانِ عنه؛ لشذوذِه والخروجِ عما عليه علماءُ الأمةِ مِن تَحْليلِ نساءِ جميع اليهودِ والنصارى.\nوقد دلَّلنا على فسادِ قولِ قائلِ هذه المقالةِ من جهةِ القياسِ في غير هذا الموضعِ بما فيه الكفايةُ، فكَرِهْنا إعادتَه (^٢).\nوأمَّا قولُه: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. فإن الأَجْرَ العِوَضُ الذي يَبْذُلُه الزوجُ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٦/ ٦٠٠، ٦٠١.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٣/ ٧١١ وما بعدها.","vol":"8","page":147},{"text":"للمرأة للاستمتاعِ بها، وهو المهرُ.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. يعنى: مُهورَهن (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-2446>القولُ في تأويل قوله عزّ ذكرُه: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾.</span>\nيعني بذلك جلّ ثناؤه: أُحِلَّ لكم المحصناتُ من المؤمناتِ، والمحصناتُ من الذين أُوتوا الكتابَ من قبلِكم، وأنتم مُحْصِنون غيرُ مُسافِحِينِ، ولا مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ.\nويعنى بقوله جلّ ثناؤه: ﴿مُحْصِنِينَ﴾: أعِفَّاءَ، ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾. يعنى: لا مُعالِنين بالسِّفاح بكلِّ فاجرةٍ، وهو الفجورُ، ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾. يقولُ: ولا مُنْفردين ببغيَّةٍ واحدةٍ، قد خادَنَها وخادَنَته، واتَّخذها لنفسِه صديقةً يَفجُرُ بها.\nوقد بَيَّنا معنى \"الإحْصان\" ووجوهَه، ومعنى \"السِّفاحِ\" و\"الخِدْنِ\" في غيرِ هذا الموضع بما أغنَى عن إعادته في هذا الموضعِ (^٢).\nوهو كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾. يعني: يَنْكِحوهن بالمَهْرِ والبَيِّنَةِ، ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾: مُتعالنين (^٣) بالزِّنى، ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾. يعنى: يُسِرُّون بالزِّنى (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ٧/ ١٧١ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس.\n(^٢) تقدم معنى الإحصان في ٦/ ٥٦٢ وما بعدها، وفى ٦/ ٦٠٣، ٥٨٤، ٦٠٢، ومعنى السفاح في ٦/ ٥٨٤، ٦٠٢، ١٩٥، ومعنى الخدن في ٦/ ٦٠٢ وما بعدها.\n(^٣) في ص: \"متغالين\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩١٦ (٥١١١)، والبيهقى ٧/ ١٧١ من طريق عبد الله بن صالح به، وهو تمام الأثر المتقدم في حاشية (١).","vol":"8","page":148},{"text":"حدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: أَحَلَّ الله لنا (^١) مُحْصَنَتين؛ مُحْصَنةً (^١) مؤمنةً، ومُحْصَنَةً مِن أهل الكتاب، ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾. ذاتُ الخِدْنِ: ذاتُ الخليلِ الواحدِ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المُبارك، عن سليمانَ بن المُغيرة، عن الحسنِ، قال: سأله رجلٌ: أَيَتَزوَّجُ الرجلُ المرأةَ مِن أهل الكتابِ؟ قال: ما لَه ولأهلِ الكتابِ، وقد أكثر الله المسلماتِ! فإن كان لابدَّ فاعلًا، فليَعْمِدُ إليها حَصانًا غيرَ مُسافِحَةٍ. قال الرجلُ: وما المُسافِحَةُ؟ قال: هي التي إذا لمَحَ الرجلُ إليها بعَينِه اتَّبَعَته (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2447>القولُ في تأويل قوله عزّ ذكرُه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾.</span>\nيعنى بقوله جلّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾: وَمَن يَجْحَدُ ما أَمر الله بالتصديق به، من توحيد الله ونُبوَّة محمدٍ ﷺ، وما جاء به من عند الله، وهو الإيمانُ الذي قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾. ﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾. يقولُ: فقد بَطَل ثوابُ عملِه الذي كان يَعْمَلُه في الدنيا، يَرْجو أن يُدْرِكَ به منزلةً عندَ اللهِ، ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. يقولُ: وهو في الآخرة من الهالِكين الذين غَبَنوا أنفسَهم حُظوظَها من ثواب اللهِ بكُفرهم بمحمدٍ، وعملِهم بغيرِ طاعة الله.\nوقد ذُكر أن قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾. عُنِى به أهلُ الكتاب، وأنه أُنزِل\n_________\n(^١) سقط من: ص.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦١ إلى المصنف، وأخرج آخره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩١٩ (٥١٢٩) من طريق سليمان بن المغيرة به.","vol":"8","page":149},{"text":"على رسول الله ﷺ من أجل قومٍ تَحَرَّجوا نكاحَ نساءِ أهلِ الكتاب لما قيل لهم: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-2448>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: ذُكر لنا أن ناسًا من المسلمين قالوا: كيف نَتَزوَّجُ نساءَهم - يعنى نساءَ أهل الكتاب - وهم على غيرِ ديننا؟ فأنزَل الله عزَّ ذكرُه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فَأَحَلَّ اللهُ تَزْوِيجَهنَّ على علمٍ (^١).\nوبنحوِ الذي قُلنا في تأويل الإيمان قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-2449>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾. قال: [الله: الإيمانُ] (^٢).\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ يَمانٍ، عن واصلٍ، عن عطاءٍ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾. قال: الإيمانُ التوحيدُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن ابن جُريجٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾. قال: باللهِ (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"بالإيمان بالله\"، وفى س: \"الإيمان التوحيد\".\n(^٣) تفسير سفيان ص ١٠٠.","vol":"8","page":150},{"text":"حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا يَحيى (^١)، عن سفيانَ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾. قال: مَن يَكفُرْ بالله.\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾. قال: مَن يَكفُرْ بالله.\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾. قال: الكفرُ باللهِ.\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾. قال: أخبر الله سبحانه أن الإيمان، هو العُروة الوثقَى، وأنه لا يَقْبَلُ عملًا إلا به، ولا يُحرِّمُ الجنة إلا على من تَرَكه.\nفإن قال لنا قائلٌ: وما وَجْهُ تأويلِ مَن وَجَّه قولَه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾. إلى معنى: ومَن يَكفُرْ بِاللهِ؟\nقيل: وَجْهُ تأويله ذلك كذلك أن الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ بالله وبرسله وما ابتَعَثَهم\n_________\n(^١) في س: \"أبي\".","vol":"8","page":151},{"text":"به مِن دينِه، والكفر جحودُ ذلك. قالوا: فمعنى الكفر بالإيمان: هو جحودُ الله وجحودُ تَوحيدِه. ففَسَّروا معنى الكلمة بما أُريدَ بها، وأَعْرَضوا عن تفسيرِ الكلمةِ على حقيقةٍ ألفاظِها وظاهرها في التلاوة.\nفإن قال قائلٌ: فما تأويلُها على ظاهرِها وحقيقةِ ألفاظِها؟\nقيل: تأويلُها: ومَن يأبَ الإيمانَ باللهِ، ويَمتنِعْ من توحيدِه والطاعةِ له فيما أمَره به ونَهاه عنه، فقد حَبِط عملُه. وذلك أن الكفرَ هو الجحودُ في كلامِ العربِ، والإيمانَ التصديقُ والإقرارُ، ومَن أبَى التصديقَ بتَوحيدِ اللهِ والإقرار به فهو مِن الكافرين. فذلك تأويلُ الكلامِ على وَجْهِه.\n\n<span id=\"aya-675\"></span><span data-type='title' id=toc-2451>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلّ ثناؤه: يا أيُّها الذين آمَنوا إذا قُمْتُم إلى الصلاةِ وأنتم على غير طُهْرِ الصلاةِ، فاغسِلوا وجوهَكم بالماء وأيديَكم إلى المرافق.\nثم اختَلف أهلُ التأويل في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾. أمرادٌ به كلُّ حالٍ قامَ إليها أو بعضُها؟ وأيُّ أحوال القيام إليها؟ فقال بعضُهم في ذلك بنحوِ ما قُلنا فيه، من أنه معنيٌّ به بعضُ أحوالِ القيام إليها دونَ كلِّ الأحوالِ، وأن الحالَ التي عُنى بها حالُ القيام إليها على غيرِ طُهْرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2450>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ، قال: سُئِل عِكْرمةُ عن قولِ اللهِ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. فكُلَّ ساعَةٍ يَتَوضَّأُ؟ فقال: قال ابن عباسٍ: لا وضوءَ إلا","vol":"8","page":152},{"text":"مِن حَدَثٍ (^١).\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سَمِعتُ مسعودَ بنَ عليٍّ الشَّيْبانيَّ، قال: سَمِعتُ عِكْرمةَ، قال: كان سعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ يُصَلِّي الصلواتِ بوضوءٍ واحدٍ (^٢).\nحدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ حبيبٍ، عن مسعودِ بن عليٍّ، عن عِكْرمةَ، قال: كان سعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ يقولُ: صَلِّ بِطَهورِك ما لم تُحدِث.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، قال: أخبَرنا سُلَيْمُ بنُ أَخضر، قال: أخبرَنا ابن عَوْنٍ، عن محمدٍ، قال: قلتُ لعَبِيدةَ السلمانيِّ: ما يُوجِبُ الوضوء؟ قال: الحَدَثُ (^٣).\nحدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن واقع (^٤) بن سَحْبانَ، عن يزيدَ بن طَريفٍ - أو طَريفِ بن يزيدَ - أنهم كانوا مع أبي موسى على شاطئ دِجْلةَ، فتَوَضَّئوا فَصَلُّوا الظهرَ، فلما نُودِى بالعصرِ، قام رجالٌ يَتَوضَّئون مِن دِجْلةَ، فقال: إنه لا وضوءَ إلا على مَن أحدَث (^٥).\n_________\n(^١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٦٧)، والتمهيد ١٨/ ٢٣٨، وتفسير ابن كثير ٣/ ٤٣، والفتح ١/ ٢٣٢.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في الطهور (٤٤)، والدارمى ١/ ١٦٨، والطحاوى ١/ ٤٥ من طريق شعبة به. وأخرجه الطحاوى ١/ ٤٥، والنحاس في ناسخه ص ٣٦٩، ٣٧٠ من طريق شعبة، عن مسعود، عن سعد، وأخرجه أبو عبيد (٤٣)، وابن أبي شيبة ١/ ٢٨، ٢٩ من طريق مسعود بن علي به.\n(^٣) ينظر التمهيد ١٨/ ٢٣٨.\n(^٤) في ص، س: \"رافع\".\n(^٥) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ٨/ ٢٣٨ عن أبي موسى معلقا.\nوأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٥٩)، والطحاوى ١/ ٤٥ من طريقين عن أبي موسى بنحوه.","vol":"8","page":153},{"text":"حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن طَريفِ بن زيادٍ - أو زيادِ بن طَريفٍ - عن واقعِ بن سَحْبانَ، أنه شَهِد أبا موسى صلَّى بأصحابِه الظهرَ، ثم جَلَسوا حِلَقًا على شاطئ دِجْلةَ، فنُودِى بالعصرِ، فقامَ رجالٌ يَتَوضَّئون، فقال أبو موسى: لا وضوءَ إلا على مَن أحدَث.\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ وابنُ المُثَنَّى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سَمِعتُ قتادةَ يُحَدِّثُ عن واقعِ بن سَحْبانَ، عن طَريفِ بن يزيدَ - أو يزيدَ بن طريفٍ - قال: كنتُ مع أبي موسى بشاطئ دجْلةَ. فذَكَر نحوَه (^١).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ وابنُ المُثَنَّى، قالا: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن قَتادةَ، عن واقع بن سَحْبانَ، عن طَريفِ بن يزيدَ - أو يزيدَ بن طَريفٍ - عن أبي موسى مثلَه.\nحدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا أبو خَلْدَةَ (^٢)، قال: تَوضَّأَتُ عند أبي العالية الظهَر أو العصرَ، فقلت: أصَلِّى بوضوئى هذا، فإني لا أرجِعُ إلى أهلى إلى العَتَمةِ؟ قال أبو العالية: لا حَرَجَ. وعَلَّمَنا إِذا تَوَضَّأُ الإِنسانُ، فهو في وضوئِه حتى يُحْدِثَ حَدَثًا (^٣).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو (^٤) هلالٍ، عن قَتادةَ، عن\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الطهور (٤٧) من طريق شعبة به، وفيه: عن يزيد بن مطرف بن يزيد.\n(^٢) في النسخ: \"خالد\". وهو أبو خلدة خالد بن دينار، وسيأتي على الصواب في ٩/ ٢٧٥، ١٦/ ٦٤٢.\n(^٣) ينظر التمهيد ١٨/ ٢٣٨.\n(^٤) في النسخ: \"ابن\". وسيأتي على الصواب في الإسناد بعده.","vol":"8","page":154},{"text":"سعيد بن المُسيَّبِ، قال: الوضوءُ مِن غيرِ حَدَثٍ اعْتِداءُ (^١).\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، ثنا أبو هلالٍ، عن قَتادةَ، عن سعيدٍ مثلَه.\nحدَّثني أبو السَّائبِ، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعْمشِ، قال: رأيتُ إبراهيمَ صَلَّى بوضوء واحدٍ، الظهرَ والعصرَ والمغربَ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عَثَّامٌ (^٣)، قال: ثنا الأعْمشُ، قال: كنتُ مع يَحيى، فأُصَلِّي الصلواتِ بوضوءٍ واحدٍ. قال: وإبراهيمُ مثلُ ذلك (^٤).\nحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا يزيدُ بنُ إبراهيم، قال: سَمِعتُ الحسنَ سُئِل عن الرجلِ يَتَوَضَّأُ فيُصَلِّي الصلواتِ كلَّها بوضوءٍ واحدٍ، فقال: لا بأسَ به ما لم يُحْدِثُ (^٥).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبَيدٌ، عن الضحاكِ، قال: يُصَلِّى الصلواتِ بالوضوءِ الواحدِ ما لم يُحْدِثُ.\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا زائدةُ، عن الأعمشِ، عن عمارةَ، قال: كان الأسودُ يُصَلِّي الصلواتِ بوضوءٍ واحدٍ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحُسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٨ من طريق أبي هلال به. وقال ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٢: غريب عن سعيد بن المسيب.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في الطهور (٤٨)، وابن أبي شيبة ١/ ٢٨، وعبد الرزاق (١٦٣) من طريقين عن إبراهيم.\n(^٣) في ت ١، س: \"غنام\".\n(^٤) هنا خرم في النسخة ت ١ ينتهي في ص ١٦٢.\n(^٥) أخرجه الطحاوى ١/ ٤٥ من طريق يزيد به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٨ من طريق هشام، عن الحسن.","vol":"8","page":155},{"text":"السُّدِّيِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾. يقولُ: قُمْتُم وأنتم على غيرِ طُهْرٍ (^١).\nحدَّثنا أبو السَّائبِ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن عمارةَ، عن الأسودِ، أنه كان له قَعْبٌ قَدْرَ رِيِّ رجلٍ، فكان يَتَوضَّأُ ثم يُصَلِّي بوضوئِه ذلك الصلوات كلَّها (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عَبَّادِ بن موسى، قال: أخبرَنا زيادُ بنُ عبدِ اللهِ بن الطُّفَيلِ البَكَّائيُّ، قال: ثنا الفَضْلُ بنُ المُبَشِّرِ، قال: رأيتُ جابر بن عبدِ اللهِ يُصَلِّي الصلواتِ بوضوءٍ واحدٍ، فإذا بالَ أو أحدَث، تَوَضَّأَ ومَسَح بفَضْلِ طَهُورِه الخُفَّين. فقلتُ: أبا عبدِ اللهِ، أشيءٌ تَصْنَعُه برأيك؟ قال: بل رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَصْنَعُه، فأنا أَصْنَعُه كما رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: يا أَيُّها الذين آمَنوا إذا قُمْتُم مِن نومِكم إلى الصلاة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2452>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى مَن سَمِع مالك بن أنسٍ، يُحدِّثُ عن زيدِ بن أسلمَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾. قال: يعنى: إذا قُمْتم من النومِ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٢ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٨ عن أبي معاوية به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٦)، وابن أبي شيبة ١/ ٢٨ من طريق الأعمش به.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٥١١) من طريق زياد به.\n(^٤) أخرجه مالك ١/ ٢١، ومن طريقه النحاس في ناسخه ص ٣٧٤، والدارقطني ١/ ٣٩، والبيهقى ١/ ١١٧، وفي المعرفة (١٥١)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٢ إلى الشافعي وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"8","page":156},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، أن مالكَ بنَ أنسٍ، أخبرَه عن زيدِ بن أسلمَ بمثلِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحُسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. قال: فقال: قُمْتم إلى الصلاة من النوم (^١).\nوقال آخرون: بل ذلك معنيٌّ به كلُّ حالِ قيامِ المرءِ إلى صلاتِه، أن يُجَدِّدَ لها طُهْرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2453>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ حَبيبٍ، عن مسعودِ بن عليٍّ، قال: سألتُ عِكْرمةَ، قال: قلتُ: يا أبا عبد الله، أتوضَّأُ لصلاة الغداة (^٢) ثم أتى السوق فتَحْضُرُ صلاةُ الظهر، فأُصَلِّي؟ قال: كان عليُّ بن أبي طالب ﵁ يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سَمِعتُ مسعود بنَ عليٍّ الشيبانيّ، قال: سَمِعتُ عكرمةَ يقولُ: كان عليٌّ ﵁ يتوضَّأُ عندَ كلِّ صلاةٍ، ويقرأُ هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٢ إلى المصنف.\n(^٢) في م: \"الغد\".\n(^٣) أخرجه أبو عبيد (٤٤)، والدارمى ١/ ١٦٨ من طريق شعبة به، وأخرجه الطحاوى ١/ ٤٥، والنحاس في ناسخه ص ٣٦٩، ٣٧٠ من طريق شعبة، عن مسعود، عن علي. وينظر ما تقدم في ص ١٥٣.","vol":"8","page":157},{"text":"حدَّثنا زكريا بنُ يَحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا أَزْهَرُ، عن ابن عونٍ، عن ابن سيرينَ، أن الخلفاءَ كانوا يَتَوضَّئون لكلِّ صلاةٍ (^١).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ، عَن حُمَيدٍ، عن أنسٍ، قال: تَوَضَّأَ عمرُ بنُ الخطابِ وضوءًا فيه تَجوُّزٌ، خفيفًا، فقال: هذا وضوءُ مَن لم يُحْدِثْ (^٢).\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنى وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ، قال: أخبرَنا شعبةُ، عن عبد الملك بن مَيْسرةَ، عن النَّزَّالِ، قال: رأيتُ عليَّا صَلَّى الظهرَ، ثم قَعَد للناسِ فِي الرَّحَبَةِ، ثم أُتِيَ بماءٍ، فَغَسَل وَجْهَه ويدَيه، ثم مَسَح برأسِه ورجلَيه، وقال: هذا وضوءُ مَن لم يُحْدِثْ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مُغيرةً، عن إبراهيمَ، أن عليًّا اكتالَ مِن حُبٍّ (^٤)، فتَوَضَّأَ وضوءًا فيه تَجَوُّزٌ، فقال: هذا وضوءُ مَن لم يُحْدِثُ (^٥).\nوقال آخرون: بل كان هذا أمرًا مِن اللهِ عزَّ ذكرُه نبيَّه ﷺ والمؤمنين به أن يتوضَّئوا لكلِّ صلاةٍ، ثم نُسِخ ذلك بالتخفيف.\n\n<span data-type='title' id=toc-2454>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبدُ الله بنُ أبي زيادٍ القَطَوَانيُّ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الطهور (٤٦)، وابن أبي شيبة ١/ ٢٩ من طريق ابن عون - زاد ابن أبي شيبة: وهشام - عن ابن سيرين.\n(^٢) عزاه ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤١ إلى المصنف، وقال: هذا إسناد صحيح. وينظر التمهيد ١٨/ ٢٣٨.\n(^٣) أخرجه الطيالسي (١٤١)، وأحمد ٢/ ٢٩١ (١٠٠٥)، والبخارى (٥٦١٦) من طريق شعبة به.\n(^٤) الحب، بضم الحاء: الجرة صغيرة كانت أو كبيرة، أو هي الضخمة منها، أو الخابية. التاج (ح ب ب).\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤١ عن المصنف.","vol":"8","page":158},{"text":"أبي، عن ابن (^١) إسحاق، قال: ثنى محمدُ بنُ يَحيى بن حَبَّانَ الأنصاريُّ ثم المازنيُّ؛ مازِنُ بنى النَّجَّارِ، فقال لعُبَيدِ اللهِ بن عبدِ اللهِ بن عمرَ: أَخبِرْني عن وضوء عبدِ اللهِ لكلِّ صلاةٍ، طاهرًا كان أو غيرَ طاهرٍ، عمَّن هو؟ قال: حَدَّثَتْنِيه أسماءُ ابنةُ زيدِ بن الخطابِ، أن عبدَ اللهِ (^٢) بنَ حَنْظلة بن أبي عامرٍ الغسيلِ، حدَّثها أن النبيَّ ﷺ أمِرَ بالوضوءِ عندَ كلِّ صلاةٍ، فشَقَّ ذلك عليه، فأُمِر بالسِّواكِ، ورُفِع عنه الوضوءُ إلا مِن حَدَثٍ. فكان عبدُ اللهِ يَرَى أن به قُوَّةً عليه، فكان يَتَوَضَّأُ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ بنُ الفَضْل، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن طلحةَ بن يزيدَ بن رُكانةَ، قال: ثنى محمدُ بنُ يَحيى بن حَبَّانَ الأنصاريُّ، قال: قلتُ لعُبَيدِ الله بن عبد الله بن عمرَ: أخبِرْني عن وضوءِ عبد الله لكلِّ صلاةٍ، ثم ذكَر نحوَه (^٤).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن\n_________\n(^١) في النسخ: \"أبي\".\n(^٢) بعده في النسخ: \"بن زيد\". وسيأتي على الصواب كما أُثبت في ص ١٦١، وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٤٣٦.\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٢٢٥ (الميمنية)، وابن خزيمة (١٥)، والحاكم ١/ ١٥٦ - وسقط أول إسناده من المطبوعة - من طريق يعقوب به.\nواختلف على ابن إسحاق في تسمية شيخ محمد بن يحيى، فقيل: عُبيد الله، وقيل: عبد الله. ينظر التاريخ الكبير ٥/ ٦٧، والتحفة ٤/ ٣١٥، وتخريج أحاديث الكشاف ١/ ٣٨١، وتفسير ابن كثير ٣/ ٤١.\n(^٤) ذكره ابن عساكر في تاريخه ٢٧/ ٤٢٠، ٤٢١ عن سلمة به، وفيه: عبد الله بن عبد الله. وأخرجه ابن قانع في معجمه ٢/ ٩٠، ٩١ من طريق ابن حميد، به وفيه: عن محمد بن يحيى، عن أسماء.","vol":"8","page":159},{"text":"عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عن سليمانَ بن بُريدةَ، بُريدةَ، عن أبيه، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ لكلِّ صلاةٍ، فلمَّا كان [يومُ فتحِ مكة] (^١) صَلَّى الصلوات بوضوءٍ واحدٍ، ومَسَح على خُفَّيهِ، فقال عمرُ: إنك فعلتَ شيئًا لم تَكُنْ تَفْعَلُه. قال: \"عَمْدًا فَعَلْتُه\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سُفيانَ، عن مُحاربِ بن دثارٍ، عن سُليمانَ بن بُرَيدةَ، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ كان يَتَوَضَّأُ لكلِّ صلاةٍ، فلما كان يومُ فتحِ مكةَ صَلَّى الصلواتِ كلَّها بوضوءٍ واحدٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سُفيانُ، عن مُحارب بن دِثارٍ، عن سُليمان بن بُريدةً، أن النبيَّ ﷺ كان يَتَوَضَّأُ. فذكَر نحوَه (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن سُفيانَ، عن عَلْقَمَةَ بن مَرْثَدٍ، عن ابن بُريدةَ، عن أبيه، قال: صَلَّى رسولُ الله ﷺ الصلواتِ كلَّها بوضوءٍ واحدٍ، فقال له عمرُ: يا رسولَ اللهِ، صَنَعْتَ شيئًا لم تَكُنْ تَصْنَعُه. فقال: \"عَمْدًا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عام الفتح\".\n(^٢) أخرجه الترمذى (٦١)، وابن عبد البر في التمهيد ١٨/ ٢٣٩ من طريق ابن بشار به، وأخرجه أحمد ٥/ ٣٥٠ (الميمنية)، ومسلم (٢٧٧)، وأبو داود (١٧٢)، والنسائي (١٣٣)، وابن خزيمة (١٢) من طريق يحيي به. وأخرجه أبو عبيد في الطهور (٤٠)، وأحمد ٥/ ٣٥٨ (الميمنية)، وابن خزيمة (١٢) من طريق عبد الرحمن به. وأخرجه الدارمى ١/ ١٦٩، وابن المنذر في الأوسط ١/ ١٠٨، ١٠٩، والطحاوي ١/ ٤١، وابن حبان (١٧٠٦)، والنحاس في ناسخه ص ٣٧٢ من طريق سفيان به. وينظر مسند الطيالسي (٨٤٢).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٩، وابن ماجه (٥١٠)، وابن خزيمة (١٤)، وابن حبان (١٧٠٧) من طريق وكيع به، وأخرجه ابن خزيمة (١٣) من طريق سفيان به.\n(^٤) أخرجه أبو عبيد في الطهور (٤١) عن عبد الرحمن به، وأخرجه عبد الرزاق (١٥٧) عن سفيان به.","vol":"8","page":160},{"text":"فَعَلْتُه يا عمرُ\".\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن سُفيانَ، عن مُحاربِ بن دِثارٍ، عن سليمانَ بن بُرَيدةَ، عن أبيه، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ لكلِّ صلاةٍ، فلما فَتَح مكةَ صَلَّى الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ بوضوءٍ واحدٍ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عُبَيدٍ المُحَارِبيُّ، قال: ثنا الحَكَمُ بْنُ ظُهَيرٍ، عن مِسْعَرٍ، عن مُحارب بن دِثارٍ، عن ابن عمرَ، أن رسول الله ﷺ صَلَّى الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ بوضوءٍ واحدٍ (^١).\nوأَوْلى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: إن الله عَنَى بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾. جميعَ أحوالِ قيامِ القائمِ إلى الصلاةِ، غير أنه أمرُ فرضٍ بغَسْلِ ما أمر اللهُ بغَسْلِه القائمَ إلى صلاتِه، بعدَ حَدَثٍ كان منه ناقضٍ طهارتَه، وقبلَ إحداثِ الوضوءِ منه، وأمْرُ نَدْبٍ لمَن كان على طُهْرٍ قد تَقَدَّم منه، ولم يكنْ منه بعدَه حَدَثٌ يَنْقُضُ طهارتَه، ولذلك كان ﵊ يَتَوَضَّأُ لكلِّ صلاةٍ قبلَ فتحِ مكةَ، ثم صلَّى يومَئذٍ الصلوات كلَّها بوضوءٍ واحدٍ؛ ليُعَلِّمَ أمتَه أن ما كان يفعلُ ﵊ مِن تَجْديدِ الطُّهْرِ لكلِّ صلاةٍ، إنما كان منه أَخْذًا بالفضل، وإيثارًا منه لأحبِّ الأمرَين إلى اللهِ، ومُسارعةً منه إلى ما نَدَبَه إليه ربُّه، لا على أن ذلك كان عليه فَرْضًا واجبًا.\nفإن ظَنَّ ظَانٌّ أن في الحديث الذي ذكَرناه عن عبدِ اللهِ حَنْظلةَ، أن النبيَّ ﷺ أمَر بالوضوءِ عندَ كلِّ صلاةٍ، دلالةً على خلاف ما قُلنا من أن ذلك كان\n_________\n(^١) أخرجه ابن عدى ٢/ ٦٢٧ من طريق محمد بن عبيد المحاربي به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٨ من طريق عطية، عن ابن عمر موقوفا.","vol":"8","page":161},{"text":"نَدْبًا للنبيِّ ﵊ وأصحابِه، وخُيِّل إليه أن ذلك كان على الوجوب، فقد ظَنَّ غيرَ الصوابِ؛ وذلك أن قولَ القائلِ: أمر الله نبيَّه ﷺ بكذا وكذا. مُحْتملٌ من وجوهٍ لأمر الإيجابِ والإرشادِ والنَّدْبِ والإباحةِ والإطلاقِ. وإذ كان مُحْتملًا ما ذكَرنا من الأوجهِ، كان أوْلى وجوهِه به ما على صحتِه الحُجَّةُ مُجْمِعَةٌ، دونَ ما لم يكنْ على صحتِه برهانٌ يُوجِبُ حَقيقة (^١) مُدَّعِيه. وقد أَجْمَعَت الحُجَّةُ على أن الله ﷿ لم يُوجِبْ على نبيِّه ﷺ ولا على عباده فرضَ الوضوء لكلِّ صلاةٍ ثم نُسخ ذلك. ففى إجماعِها على ذلك الدلالةُ الواضحةُ على صحةِ ما قُلنا مِن أن فعْلَ النبيِّ ﷺ ما كان يفعلُ مِن ذلك، كان على ما وَصَفْنا من إيثارِه فعلَ ما نَدَبَه اللهُ عزّ ذكرُه إلى فعله، وندَب إليه عبادَه المؤمنين بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ الآية. وأن تَرْكَه في ذلك الحال التي تَرَكَه، كان تَرْخيصًا لأمتِه، وإعلامًا منه لهم أن ذلك غيرُ واجبٍ ولا لازمٍ له ولا لهم، إلا مِن حَدَثٍ يُوجِبُ نَقْضَ الطُّهْرِ.\nوقد رُوى بنحو ما قُلنا في ذلك أخبارٌ.\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنى وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرو بن عامرٍ، عن أنسٍ، أن النبيَّ ﷺ أُتِي بقَعْبٍ صغيرٍ فتَوَضَّأَ. قال: قلتُ لأنسٍ: أكان رسول الله ﷺ يَتَوَضَّأُ عند كلِّ صلاةٍ؟ قال: نعم. قلتُ: فأنتم؟ قال: كُنَّا نُصَلِّي الصلواتِ بوضوءٍ واحدٍ (^٢).\n_________\n(^١) في م: \"حقية\".\n* إلى هنا ينتهى الخرم في النسخة ت ١، والذي أشرنا إليه في ص ١٥٥.\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة (١٢٦)، والطحاوى ١/ ٤٢ من طريق وهب بن جرير به. وأخرجه الطيالسى (٢٢٣١)، وأحمد ٢٠/ ٣٢١ (١٣٠١٧)، والنسائى (١٣١)، والطحاوى ١/ ٤٥، والحازمي في الاعتبار ص ٥٣ من طريق شعبة به. وأخرجه أبو عبيد في الطهور (٤٢)، وأحمد ١٩/ ٣٥٠ (١٢٣٤٦)، =","vol":"8","page":162},{"text":"حدَّثنا سليمانُ بنُ عمرَ بن خالدٍ الرَّقِّيُّ، ثنا عيسى بنُ يونُسَ، عن عبدِ الرحمنِ بن زيادٍ الإفريقيِّ، عن أبي غُطَيْفٍ، قال: صلَّيْتُ مع ابن عمرَ الظهرَ، فأتى مجلسًا في داره فجلَس وجلَسْتُ معه، فلما نُودِى بالعصرِ دعا بوَضوءٍ فتوضَّأ، ثم خرج إلى الصلاةِ، ثم رجَع إلى مجلسِه، فلمَّا نُودِى بالمغرب دعا بوَضوء فتَوَضَّأَ (^١)، فقلتُ: أسنةٌ ما أراك تَصْنَعُ؟ قال: لا، وإن كان وُضوئى لصلاة الصبح كافيًا للصلوات كلِّها ما لم أُحْدِثُ، ولكنى سمِعْتُ رسول الله ﷺ يقولُ: \"مَن تَوَضَّأ على طُهْرٍ كُتِب له عشْرُ حَسَناتٍ\". فأنا رغبْتُ في ذلك (^٢).\nحدَّثني أبو سعيدٍ البَغْداديُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن هُرَيْمٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن زيادٍ، عن أبي غُطَيْفٍ، عن ابن عمرَ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"مَن تَوَضَّأَ على طُهْرٍ كُتِب له عشْرُ حسناتٍ\".\nوقد قال قومٌ: إن هذه الآيةَ أُنْزِلَت على رسول الله ﷺ إعلامًا مِنَ اللهِ له بها ألا وُضوءَ عليه إلا إذا قام إلى صلاته دونَ غيرها من الأعمالِ كلِّها، وذلك أنه كان إذا أحْدَث امْتَنَع مِن الأعمالِ كلِّها حتى يَتَوَضَّأَ، فأذن الله له بهذه الآية أن يَفْعَلَ كلَّ ما بَدَا له من الأفعالِ بعدَ الحَدَثِ عَدَا الصلاةَ، توضَّأ أو لم يَتَوَضَّأُ، وأمَره بالوضوءِ إذا قام إلى الصلاةِ قبلَ الدخولِ فيها.\n_________\n= والبخاري (٢١٤)، وأبو داود (١٧١) من طريق عمرو به.\n(^١) بعده في ت ٢، س: \"ثم خرج إلى الصلاة ثم رجع إلى مجلسه\".\n(^٢) أخرجه أبو داود (٦٢)، والبيهقى ١/ ١٦٢، وابن عبد البر في التمهيد ١٨/ ٢٤١ من طريق عيسى به، وأخرجه أبو عبيد في الطهور (٣٨)، وعبد بن حميد (٨٥٧)، وأبو داود (٦٢)، والترمذى (٥٩)، وابن ماجه (٥١٢)، والطحاوى ١/ ٤٢، والعقيلي ٢/ ٣٣٢، والبيهقى ١/ ١٦٢، وابن الجوزي في العلل المتناهية ١/ ٣٥٣ من طريق الإفريقى به.","vol":"8","page":163},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2455>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن شيبانَ (^١)، عن جابرٍ، عن (^٢) عبد الله بن أبي بكرِ بن (^٣) عمرو بن حزمٍ، عن عبدِ اللهِ بن علقمةَ بن الفَغْواء (^٤)، عن أبيه، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا أراق البول نُكَلِّمُه فلا يُكَلِّمُنا، ونُسَلِّمُ عليه فلا يَرُدُّ علينا حتى يَأْتى منزلَه فيَتَوَضَّأَ كوُضوئِه للصلاةِ، فقلنا: يا رسولَ اللهِ، نُكَلِّمُك فلا تُكَلِّمُنا، ونُسَلِّمُ عليك فلا تَرُدُّ علينا. قال: حتى نزَلَت آية الرخصة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-2456>القولُ في تأويل قوله عزَّ ذكرُه: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويل في حدِّ الوجهِ الذي أمَر الله بغسلِه القائمَ إلى الصلاة بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: هو ما ظهَر من بَشَرةِ الإنسانِ مِن قُصَاصِ (^٦) شعر رأسِه، مُنْحَدرًا إلى مُنْقَطَعِ ذَقَنِه طُولًا، وما بينَ\n_________\n(^١) في م: \"سفيان\". وينظر ما سيأتي في التخريج.\n(^٢) في النسخ: \"بن\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٣) في النسخ: \"عن\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٤) في م: \"وقاص\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٢ عن المصنف. وفيه: معاوية بن هشام، عن سفيان، عن جابر. وهكذا أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٣/ ٤٣ - من طريق أبي كريب به. وأخرجه مطين والدارقطني - كما في الإصابة ٤/ ٥٥٩ - من طريق جابر به، مثله. وأخرجه الطحاوى ١/ ٨٨، وابن قانع في معجمه ٢/ ٢٨٦، والطبراني في الكبير ١٨/ ٦ (٣) من طريق أبي كريب، عن معاوية، عن شيبان، عن جابر، عن عبد الله بن محمد، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة، عن أبيه. وأخرجه ابن أبي عاصم في الأحاد والمثاني (٢٧٠٢) عن أبي كريب به، وفيه: سفيان، عن جابر، عن عبد الرحمن بن محمد، عن أبي بكر … وقال ابن كثير: حديث غريب جدا، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي، ضعفوه.\n(^٦) قصاص الشعر: مثلثة حيث نبتته من مقدمه أو مؤخره. التاج (ق ص ص).","vol":"8","page":164},{"text":"الأذنين عرضًا. قالوا: فأما الأذنُ وما بطَن مِن داخلِ الفمِ والأنف والعين فليس من الوجه ولا غيره، و[غيرُ واجبٍ] (^١) غسلُ ذلك، ولا غسلُ شيءٍ منه في الوضوء. قالوا: وأما ما غطّاه الشعرُ منه كالذقنِ الذي غطَّاه شعرُ اللحية والصُّدْغين اللذين قد غطَّاهما عِذَارُ (^٢) اللحية، فإن إمْرارَ الماء على ما على ذلك من الشعرِ مُجْزِئٌ من (^٣) غَسْلِ ما بطَن منه مِن بشرة الوجهِ؛ لأن الوجه عندَهم هو ما ظهَر (^٤) لعين الناظرِ من ذلك، فقابَلَها دون غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-2457>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عُبيدٍ، عن مغيرةَ (^٥)، عن إبراهيم، قال: يُجْزِئُ اللحية ما سال عليها من الماءِ (^٦).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا المغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: يَكْفِيه ما سأل من الماء من وجهه على لحيته.\nحدَّثنا ابن المُثَنى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ بنحوِه.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، عن شعبةَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيم بنحوِه.\n_________\n(^١) في م: \"لا أحب\".\n(^٢) العذار: جانب اللحية، وعذار الرجل: شعره النابت في موضع العذار، والعذار أيضًا: استواء شعر الغلام، يقال: ما أحسن عذاره. أي خط لحيته. التاج (ع ذ ر).\n(^٣) في م: \"عن\".\n(^٤) في ص، ت ١، س: \"باطن\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"معمر\".\n(^٦) أخرجه أبو عبيد في الطهور (٣٢١) من طريق مغيرة به.","vol":"8","page":165},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ في تخليلِ اللحيةِ، قال: يُجْزِئُك ما مرَّ على لحيتِك.\nحدَّثنا هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدانيُّ، قال: ثنا مصعبُ بنُ المِقْدام، قال: ثنا زائدةُ، عن منصورٍ، قال: رأيْتُ إبراهيمَ يَتَوضَّأُ، فلم يُخَلِّلْ لحيتَه (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن سعيدٍ الزُّبَيْديِّ، عن إبراهيم، قال: يُجْزِئُك ما سأل عليها من أن تُخَلِّلَها (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن يونُسَ، قال: كان الحسنُ إذا توَضَّأ مسَح لحيتَه مع وجهِه (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا هشامٌ، عن الحسن، أنه كان لا يُخَلَّلُ لحيتَه (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا ابن المُبارَكِ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، أنه كان لا يُخَلِّلُ لحيتَه إذا توَضَّأ.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن إسماعيلَ، عن الحسنِ مثله.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن أشعثَ، عن ابن سيرينَ، قال: ليس غَسْلُ اللحيةِ مِن السُّنةِ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٤ من طريق زائدة به. وينظر المدونة الكبرى ١/ ١٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٤ من طريق سعيد الزبيدى به.\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في الطهور (٣٢١) من طريق يونس به بلفظ آخر، وأخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٤ من طريق سليمان التيمي، عن الحسن بنحوه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٤ عن ابن إدريس به.\n(^٥) أخرجه أبو عبيد في الطهور (٣٢٠) عن هشيم به. وأخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٤ من طريق أشعث به.","vol":"8","page":166},{"text":"حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عيسى بن يزيدَ، عن عمرٍو، عن الحسنِ، أنه كان إذا توَضَّأ لم يُبَلِّغِ الماءَ في أصولِ لحيتِه.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن أبي شيبةَ سعيدِ بن عبدِ الرحمنِ الزُّبَيديِّ، قال: سأَلْتُ إبراهيمَ: أُخَلِّلُ لحيتى عندَ الوضوءَ بالماءِ؟ فقال: لا، إنما يَكْفِيك ما مرَّت عليه يدُك.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: سأَلْتُ شعبةَ عن تَخْليلِ اللحيةِ في الوضوءِ، فقال: قال المغيرةُ: قال إبراهيمُ: يَكْفِيه ما سال مِن الماء مِن وجهِه على لحيتِه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكَمِ، قال: ثنا حجاجُ بنُ رِشْدِينَ، قال: ثنا عبدُ الجبَّارِ بنُ عمرَ، أن ابنَ شِهابٍ وربيعةَ توَضَّئا، فأمَرَّا الماءَ على لحاهما، ولم أَرَ واحدًا منهما خلَّل لحيتَه (^١).\nحدَّثنا أبو الوليدِ الدمشقيُّ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: سأَلْتُ سعيدَ بنَ عبدِ العزيزِ عن عَرْكِ العارضَيْن في الوضوءِ، فقال: ليس ذلك بواجبٍ، رأيْتُ مَكْحولًا يَتَوَضَّأُ فلا يَفْعَلُ ذلك (^٢).\nحدَّثنا أبو الوليدِ أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ القرشيُّ، قال: ثنا الوليدُ، قال: أخْبَرَني سعيدُ بنُ بَشِيرٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: ليس عَرْكُ العارضَيْن في الوضوءِ بواجبٍ.\n_________\n(^١) ينظر المدونة ١/ ١٧.\n(^٢) ينظر الأوسط لابن المنذر ١/ ٣٨٣.","vol":"8","page":167},{"text":"حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا الوليدُ، قال: أخْبَرَني إبراهيمُ بنُ محمدٍ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: يَكْفِيه ما مرَّ مِن الماءِ على لحيتِه.\nحدَّثنا أبو الوليدِ القُرشيُّ، قال: ثنا الوليدُ، قال: أخْبَرَني ابن لَهِيعَةَ، عن سليمانَ (^١) بن أبي زَيْنَبَ، قال: سأَلْتُ القاسمَ بنَ محمدٍ: كيف أَصْنَعُ بلحيتى إذا تَوَضَّأْتُ؟ قال: لستُ مِن الذين يَغْسِلون لحاهم (^٢).\nحدَّثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا الوليدُ، قال أبو عمرٍو: ليس عَرْكُ العارضَيْنِ وتَشْبيكُ اللحيةِ بواجبٍ في الوضوءِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2458>ذكرُ مَن قال ما حكَيْنا عنه مِن أهلِ هذه المَقالةِ في غسلِ ما بَطَن مِن الفمِ والأنفِ</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الملكِ بن أبي بَشيرٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لولا التَّلَمُّظُ (^٤) في الصلاةِ ما مَضْمَضْتُ (^٥).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعْتُ عبدَ الملكِ يقولُ: سُئِل عطاءٌ عن رجلٍ صلَّى ولم يَتَمَضْمَضْ. قال: ما لم يُسَمَّ في الكتابِ يُجْزِئُه (^٦).\n_________\n(^١) في النسخ: \"سلمان\". وينظر التاريخ الكبير ٤/ ١٤.\n(^٢) ينظر المدونة ١/ ١٧، والطهور لأبي عبيد (٣١٩)، ومصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٤.\n(^٣) ينظر الأوسط لابن المنذر ١/ ٣٨٣، والاستذكار ٢/ ١٨.\n(^٤) التلمظ: الأخذ باللسان ما يبقى في الفم بعد الأكل، وقيل: هو تتبع الطعم والتذوق، وقيل: هو تحريك اللسان في الفم بعد الأكل كأنه يتتبع بقية من الطعام بين أسنانه، واسم ما بقى في الفم اللماظة. اللسان (ل م ظ).\n(^٥) ينظر الأوسط لابن المنذر ١/ ٣٧٩.\n(^٦) ينظر مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٩٦، والأوسط لابن المنذر ١/ ٣٧٧، ٣٧٨.","vol":"8","page":168},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: ليس المَضْمَضةُ والاستنشاقُ مِن واجبِ الوضوءِ (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا الصَّبَّاحُ، عن أبي سِنانٍ، قال: كان الضحاكُ يَنْهانا عن المضمضةِ والاستنشاقِ في الوضوءِ في رمضانَ.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعْتُ هِشامًا، عن الحسنِ، قال: إذا نسِى المضمضةَ والاستنشاقَ، قال: إن ذكَر وقد دخَل في الصلاةِ فَلْيَمْضِ في صلاتِه، وإن كان لم يَدْخُلْ تَمَضْمَض واسْتَنْشَق (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن شعبةَ، قال: سأَلْتُ الحكمَ وقتادةَ عن رجلٍ ذكَر وهو في الصلاةِ أنه لم يَتَمَضْمَضْ ولم يَسْتَنْشِقُ، فقالا (^٣): يَمْضِى في صلاتِه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-2459>ذكرُ مَن قال ما حكَيْنا عنه مِن أهلِ هذه المقالةِ مِن أن الأذنين ليْستا مِن الوجهِ</span>\nحدَّثني يزيدُ بنُ مَخْلَدٍ الواسطيُّ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عَن غَيْلَانَ، قال: سَمِعْتُ ابنَ عمرَ يقولُ: الأُذُنان مِن الرأسِ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٩٧ من طريق مغيرة وغيره، عن إبراهيم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٩٦، ١٩٧ عن ابن إدريس به. وأخرجه ١/ ١٩٧ من طريق يونس، عن الحسن.\n(^٣) في النسخ: \"فقال\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٩٧ من طريق شعبة به. بزيادة أثر حماد الآتي في ص ١٧٩.\n(^٥) أخرجه أبو عبيد في الطهور (٣٦٢)، والطحاوي ١/ ٣٤، والدارقطني ١/ ٩٨، والبيهقي في الخلافيات ١/ ٣٦٣، ٣٦٤ من طريق هشيم به. وأخرجه البيهقي ١/ ٣٦٣ من طريق غيلان به.","vol":"8","page":169},{"text":"حدَّثنا عبدُ الكريمِ بنُ أبى عُمَيْرٍ، قال: ثنا أبو مُطَرِّفٍ، قال: ثنا غَيْلانُ مولى بنى مَخْزومٍ، قال: سمِعْتُ ابنَ عمرَ يقولُ: الأُذُنان مِن الرأسِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عَرَفةَ، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: الأُذُنان مِن الرأسِ، فإذا مسَحْتَ الرأسَ فامْسَحْهما (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَني غَيْلانُ بنُ عبدِ اللَّهِ مولى قريشٍ، قال: سمِعْتُ ابنَ عمرَ سأَله سائلٌ، قال: إنه توَضَّأ ونسِى أن يَمْسَحَ أذنيه. قال: فقال ابن عمرَ: الأُذُنان مِن الرأسِ. ولم يَرَ عليه بأسًا.\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سُوَيْدٍ، ح وحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، جميعًا عن سفيانَ، عن سالمٍ أبي النَّضْرِ، عن سعيدِ بن مَرْجانةَ، عن ابن عمرَ أنه قال: الأُذُنان مِن الرأسِ (^٢).\nحدَّثني ابن المثنى، قال: ثنى وهبُ بنُ جَريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن رجلٍ، عن ابن عمرَ، قال: الأُذُنان مِن الرأسِ (^٣).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عليّ بن زيدٍ، عن يوسُفَ بن مِهْرانَ، عن ابن عباسٍ، قال: الأُذُنان مِن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٧، والطحاوي ١/ ٣٤، والدارقطني ١/ ٩٨، والبيهقي في الخلافيات ١/ ٣٦٥ من طريق ابن إسحاق به.\n(^٢) أخرجه الثورى في جامعه - كما في الخلافيات للبيهقي ١/ ٣٥١ - ومن طريقه عبد الرزاق في مصنفه (٢٥)، وابن المنذر في الأوسط ١/ ٤٠١، والدارقطني ١/ ٩٨، والبيهقي في الخلافيات ١/ ٣٦٣. وأخرجه الدارقطني - ومن طريقه البيهقي في الخلافيات ١/ ٣٦٣ - من طريق عبد الرحمن به.\n(^٣) أخرجه أحمد في العلل برواية عبد الله - الخطيب في المدرج ٢/ ٧٨٧ من طريق شعبة به.","vol":"8","page":170},{"text":"الرأسِ (^١).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ وسعيدِ بن المسيبِ، قالا: الأُذُنان مِن الرأسِ (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: الأُذُنان مِن الرأسِ. عن الحسنِ وسعيدٍ.\nحدَّثنا أبو الوليدِ الدمشقيُّ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: أخْبَرَني أبو عمرٍو، عن يحيى بن أبى كثيرٍ، عن ابن عمرَ، قال: الأُذُنان مِن الرأسِ.\nحدَّثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا الوليدُ، قال: أخْبرَني ابن لَهيعةَ، عن أبي النَّضْرِ، عن ابن عمرَ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عيسى بن يزيدَ، عن عمرٍو، عن الحسنِ، قال: الأُذُنان مِن الرأسِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن سِنانِ بن ربيعةَ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن أبي أُمامةَ، أو عن أبي هريرة - شكَّ ابن بَزِيعٍ - أن النبيَّ ﷺ قال: \"الأُذُنان مِن الرأسِ\".\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مُعَلَّى بن منصورٍ، عن حمادِ بن زيدٍ، عن سنانِ بن رَبيعةَ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن أبي أمامةَ، قال: الأُذُنان مِن الرأسِ. قال حمادٌ:\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الطهور (٣٦١)، وابن أبي شيبة ١/ ١٧، وابن المنذر في الأوسط ١/ ٤٠١، والدارقطني ١/ ١٠٢، والبيهقي في الخلافيات ١/ ٣٨٦ من طريق حماد بن سلمة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٧ من طريق قتادة به.","vol":"8","page":171},{"text":"لا أدْرِى هذا عن أبي أُمامةَ، أو عن النبيِّ ﷺ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثنى حمادُ بنُ زيدٍ، قال: ثنى سِنانُ بنُ ربيعةَ أبو ربيعةَ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن أبي أُمامةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"الأُذنان مِن الرأسِ\" (^٢).\nحدَّثنا أبو الوليدِ الدمشقيُّ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: أخْبَرَني ابْنُ جُرَيْجٍ وغيره، عن سليمانَ بن موسى، أن النبيَّ ﷺ قال: \"الأُذنان مِن الرأسِ\" (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ شَبيبٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ هاشمِ بن البَرِيدِ، قال: ثنا إسماعيلُ بن مسلمٍ، عن عطاءٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"الأُذنان مِن الرأسِ\" (^٤).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ حَبيبٍ، عن يونُسَ، أن الحسنَ قال: الأذنان مِن الرأسِ.\nوقال آخَرون: الوجهُ كلُّ ما دونَ مَنابِتِ شعرِ الرأسِ إلى مُنْقَطَعِ الذَّقَنِ طولًا، ومِن الأذنِ إلى الأذنِ عرضًا، ما ظهَر مِن ذلك لعينِ الناظرِ، وما بَطَنَ منه مِن مَنابِتِ شعرِ اللحيةِ النابتِ على الذَّقَنِ وعلى العارِضَيْن وما كان منه داخلَ الفمِ والأنفِ، وما\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني ١/ ١٠٣ من طريق معلى به.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الخلافيات ١/ ٤٠٦ من طريق أبي أسامة به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢٣)، وأبو عبيد في الطهور (٣٦٠)، وابن أبي شيبة ١/ ١٧، والدارقطني ١/ ٩٩، والبيهقي في الخلافيات ١/ ٣٦٨ من طريق ابن جريج به.\n(^٤) أخرجه أبو يعلى (٦٣٧٠)، والبيهقي في الخلافيات ١/ ٣٧٨ من طريق الحسن بن شبيب به، وأخرجه ابن حبان في المجروحين ٢/ ١١٠، والدارقطني ١/ ١٠١، والبيهقي في الخلافيات ١/ ٣٧٨ من طريق على ابن هاشم به. ينظر الخلافيات ١/ ٣٧٧، ٣٧٨.","vol":"8","page":172},{"text":"أقْبَل مِن الأذنين على الوجهِ. كلُّ ذلك عندَهم مِن الوجهِ الذي أمَر اللَّهُ بغسلِه بقولِه: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. وقالوا: إن ترَك شيئًا مِن ذلك المُتوضِّئُ فلم يَغْسِلْه لم تُجْزِه صلاتُه بوُضوئِه ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-2460>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ بكرٍ وأبو عاصمٍ، قالا: أخْبرَنا ابن جُرَيْجٍ، قال: أخْبَرَني نافعٌ، أن ابنَ عمرَ كان يَبُلُّ أصولَ شعرِ لحيتِه، ويُغَلْغِلُ بيدِه في أصولِ شعرِها حتى يَكْثُرَ القَطَرانُ (^١) منها.\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ حَبيبٍ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخْبرَني نافعٌ مولى ابن عمرَ، أن ابنَ عمرَ كان يُعَلْغِلُ يديه في لحيتِه حتى يَكْثُرَ منها القطرانُ.\nحدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، عن سعيدٍ، قال: ثنا ليثٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، كان إذا توَضَّأ خلَّل لحيتَه حتى يَبْلُغَ أصولَ الشعرِ (^٢).\nحدَّثنا ابن أبي الشَّوارِبِ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: ثنا مُعَلَّى بنُ جابرٍ اللَّقِيطيُّ، قال: أخْبرني الأزرقُ بنُ قيسٍ، قال: رأيْتُ ابنَ عمرَ توَضَّأ فخلَّل لحيتَه (^٣).\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: أخبرَنا ليثٌ، عن نافعٍ، أن ابنَ عمرَ كان يُخَلِّلُ لحيتَه بالماءِ حتى يَبْلُغَ أصولَ الشعرِ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: ثنا ابن جُرَيْجٍ، قال: أخبرَني\n_________\n(^١) في م: \"القطرات\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٣ من طريق ليث به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٣ من طريق الأزرق به.\nـ","vol":"8","page":173},{"text":"عبدُ اللَّهِ بنُ عُبِيدِ بن عُميرٍ، أن أباه عُبيدَ بنَ عُميرٍ كان إذا تَوَضَّأَ غَلْعَل أصابعَه في أصولِ شعرِ الوجهِ؛ يُغَلْغِلُها بينَ الشعرِ في أصولِه، يَدْلُكُ بأصابعِه البَشَرةَ، فأشار لى عبدُ اللَّهِ كما أخْبَرَه الرجلُ، كما وصَف عنه.\nحدَّثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا الوليدُ، قال: ثنا أبو عمرٍو، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنه كان إذا توَضَّأ عرَك عارضَيْه بعضَ العَرْكِ، وشبَّك لحيتَه بأصابعِه أحيانًا، ويَتْرُكُ أحيانًا.\nحدَّثنا أبو الوليدِ وعليُّ بنُ سهلٍ، قالا: ثنا الوليدُ، قال: قال أبو عمرٍو، وأخْبَرَني عَبْدةُ (^١)، عن أبي موسى الأشْعَريِّ نحوَ ذلك.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن مسلمٍ، قال: رأيْتُ ابنَ أبي ليلى توَضَّأَ، فغسَل لحيتَه، وقال: مِن اسْتَطاع منكم أن يُبْلِغَ الماءَ أصولَ الشعرِ (^٢) فلْيَفْعَلْ (^٣).\nحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ حَبيبٍ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، قال: حقٌّ عليه أن يَبُلَّ أصولَ الشعرِ (^٤).\nحدَّثنا ابن أبي الشَّواربِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: كان مُجاهدٌ يُخَلِّلُ لحيتَه (^٥).\nحدَّثنا حميدٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مُجاهدٍ أنه كان\n_________\n(^١) في س: \"عبيدة\".\n(^٢) في مصنف ابن أبي شيبة: \"اللحية\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٤ من طريق سفيان به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٤ من طريق ابن جريج به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٣ من طريق شعبة به.","vol":"8","page":174},{"text":"يُخَلِّلُ لحيتَه إذا توَضَّأ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو داودَ الحَفَريُّ، عن سفيانَ، عن ابن شُبْرُمةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: ما بالُ اللحيةِ تُغْسَلُ قبلَ أن تَنْبُتَ، فإذا نبَتَت لم تُغْسَلْ (^١)؟\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ أنه كان يُخَلِّلُ لحيتَه إذا توَضَّأ (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ، أنه كان يُخَلِّلُ لحيتَه.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن إسماعيلَ، عن ابن سِيرينَ، أنه كان يُخلِّلُ لحيتَه (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن هشامٍ، عن ابن سِيرينَ مثلَه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: سأَلْتُ شعبةَ عن تَخْليلِ اللحيةِ في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٥ من طريق سفيان به.\nوأخرج ابن أبي شيبة أيضا ١/ ١٣ من طريق أبي إسحاق قال: رأيت سعيد بن جبير توضأ وخلل لحيته.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٢ - ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط ١/ ٣٨٢ - من طريق عبيد الله بن عمر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٣ من طريق خالد بن دينار، عن ابن سيرين.","vol":"8","page":175},{"text":"الوضوءِ، فذكَر عن الحكمِ بن عُتَيْبةَ، أن مجاهدًا كان يُخَلِّلُ لحيتَه.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن معروفٍ، قال: رأيْتُ ابنَ سِيرينَ توَضَّأ فخلَّل لحيتَه.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدْريسَ، قال: ثنا هشامٌ، عن ابن سِيرينَ مثلَه (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن الزبيرِ بن عَدِيٍّ، عن الضحاكِ قال: رأيْتُه يُخَلِّلُ لحيتَه (^٢).\nحدَّثنا تَميمُ بنُ المُنْتَصِرِ، قال: أخْبرَنا محمدُ بنُ يَزيدَ، عن أبي الأشْهَبِ، عن موسى بن أبى عائشةَ، عن زيدٍ الجزريِّ (^٣)، عن يَزيدَ الرَّقاشيِّ، عن أنسٍ بن مالكٍ، قال: رأيْتُ النبيَّ ﷺ، توَضَّأ، فخلَّل لحيتَه، فقلتُ: لِمَ تَفْعَلُ هذا يا نبيَّ اللَّهِ؟ قال: \"أَمَرَني بذلك ربي\" (^٤).\nحدَّثنا تَميمٌ، قال: أخْبَرَنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن سَلَّامِ بن سَلْمٍ، عن زيدٍ العَمِّيِّ، عن معاويةَ بن قُرَّةَ، أو يزيدَ الرَّقاشيِّ، عن أنسٍ، قال: وضَّأْتُ النبيَّ ﷺ، فأدْخَل أصابعَه مِن تحتِ حَنَكِه، فخلَّل لحيتَه، وقال: \"بهذا أَمَرَني ربي جلَّ وعزَّ\".\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٣ عن ابن إدريس به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٣ عن يحيى بن يمان به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الخدري\". وهو زيد بن أبى أنيسة، وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ١٨.\n(^٤) أخرجه ابن عدى ٢/ ٥٦١ من طريق تميم بن المنتصر به، وأخرجه ابن سعد ١/ ٣٨٦، وابن أبي شيبة ١/ ١٣، وابن ماجه (٤٣١)، وابن أبي حاتم في العلل (٨٤)، والطبراني في الأوسط (٥٢٠)، والحاكم ١/ ١٤٩ من طريق يزيد الرقاشي به، وينظر علل ابن أبي حاتم (٨٤)، وضعفاء العقيلي ٤/ ٢٨٥، والاستذكار لابن عبد البر ٢/ ١٨، والطيالسي (٦٨٠).","vol":"8","page":176},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأَحْمَسيُّ، قال: ثنا المُحارِبيُّ، عن سَلَّامِ بن سَلْمٍ المَدِينيِّ، قال: ثنا زيدٌ العَمِّيُّ، عن مُعاويةَ بن قُرَّةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو عُبيدةَ الحدَّادُ، قال: ثنا موسى بنُ ثَرْوانَ (^٢)، عن يزيدَ الرَّقاشيِّ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"هكذا أمَرَني ربي\". وأدْخَل أصابعَه في لحيتِه، فخلَّلها (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ وعُبَيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن خالدِ بن إلْياسَ، عن عبدِ اللَّهِ بن رافعٍ، عن أمِّ سلمةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ توَضَّأ فخلَّل لحيتَه (^٤).\nحدَّثنا عليُّ بنُ الحسينِ بن الحُرِّ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، عن واصلِ بن السائبِ، عن أبي سَوْرةَ، عن أبي أيوبَ، قال: رأَيْنا النبيَّ ﷺ توَضَّأ وخلَّل لحيتَه (^٥).\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ (^٦)، قال: ثنا عمرُ بنُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن عدى ٣/ ١١٤٧ من طريق سلام به.\n(^٢) في النسخ: \"شروان\". والمثبت هو الصواب، ويقال فيه: سروان. و: فروان. وينظر تهذيب الكمال.\n(^٣) أخرجه أحمد ٦/ ٢٣٥ (الميمنية)، والحاكم ١/ ١٥٠، والخطيب ١٢/ ٤١٤ من طريق موسى، عن طلحة بن عبيد الله، عن عائشة.\n(^٤) أخرجه العقيلي ٢/ ٣، والطبراني في الكبير ٢٣/ ٢٩٨ (٦٦٤) من طريق خالد به.\n(^٥) أخرجه أبو عبيد في الطهور (٣١٢) - ومن طريقه العقيلي ٤/ ٢٣٧، وابن عدى ٧/ ٢٥٤٧ - وابن ماجه (٤٣٣) من طريق محمد بن ربيعة به.\n(^٦) في م: \"حبان\".","vol":"8","page":177},{"text":"سليمٍ (^١)، عن أبي غالبٍ، عن أبي أُمامةَ، أن النبيَّ ﷺ خلَّل لحيتَه (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عيسى الدَّامَغَانيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الكريمِ أبي أُميةَ، أن حسانَ بنَ بلالٍ (^٣) المُزَنيَّ رأَى عمارَ بنَ ياسرٍ توَضَّأ وخلَّل لحيتَه، فقيل له: أتَفْعَلُ هذا؟ فقال: إنى رأَيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُه (^٤).\nحدَّثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا الوليدُ، قال: ثنا أبو عمرٍو، قال: أخبرَني عبدُ الواحدِ بنُ قيسٍ، عن يزيدَ الرَّقاشيِّ وقتادةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كان إذا توَضَّأ عرَك عارِضَيْه، وشبَّك لحيتَه بأصابعِه (^٥).\nحدَّثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا الوليدُ، قال: أخْبرَني أبو مَهْديٍّ سعيدُ بنُ سِنانٍ، عن أبى الزاهريةِ، عن جُبَيرِ بن نُفيرٍ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأَحْمَسيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ الطَّنَافِسيُّ أبو عبدِ اللَّهِ، قال: ثنى واصلٌ الرَّقاشيُّ، عن أبي سَوْدَةَ (^٧) - هكذا قال الأَحْمَسيُّ - عن أبي أيوبَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا توَضَّأ تَمَضْمَض ومسَح لحيتَه مِن تحتِها\n_________\n(^١) في النسخ: \"سليمان\". والمثبت مِن مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٣٧٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٣، وأبو بكر المروزي في زوائده على الطهور لأبي عبيد (٣١٧)، والطبراني في الكبير (٨٠٧٤) من طريق زيد به.\n(^٣) في م: \"ثابت\". وينظر تهذيب الكمال ٦/ ١٣.\n(^٤) أخرجه الطيالسي (٦٨٠)، وأبو عبيد في الطهور (٣١٠)، والحميدي (١٤٦)، وابن أبي شيبة ١/ ١٢، وابن ماجه (٤٢٩)، والترمذي (٢٩)، وأبو يعلى (١٦٠٤)، والحاكم ١/ ١٤٩ من طريق سفيان بن عيينة به.\n(^٥) ذكره أبو حاتم في العلل لابنه (٥٨) عن الوليد به. وأخرجه ابن ماجه (٤٣٢)، والدارقطني ١/ ١٠٧ من طريق الأوزاعي، عن الواحد، عن نافع، عن ابن عمر موصولا.\n(^٦) أخرجه سعيد بن منصور - كما في التلخيص الحبير ١/ ٨٧ - عن الوليد به.\n(^٧) في م: \"سورة\". وهو الصواب في اسمه، وإن كان أخطأ فيه شيخ الطبري.","vol":"8","page":178},{"text":"بالماءِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-2461>ذكرُ مَن قال ما حكَيْنا عنه مِن أهلِ هذه المَقالةِ في غسلِ ما بطَن مِن الأنفِ والفمِ</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، قال: سمِعْتُ مُجاهِدًا يقولُ: الاسْتِنْشاقُ شَطْرُ الوُضوءِ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن شعبةَ، قال: سأَلْتُ حمادًا عن رجلٍ ذكَر وهو في الصلاةِ أنه لم يَتَمَضْمَضُ ولم يَسْتَنْشِقُ، قال حمادٌ: يَنْصَرِفُ فيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا الصَّبَّاحُ، عن أبي سِنانٍ، قال: قدِمْتُ الكوفةَ، فأتَيْتُ حمادًا فسأَلْتُه عن ذلك، يعنى عمَّن ترَك المضمضةَ والاسْتنشاقَ وصلَّى، فقال: أَرَى عليه إعادةَ الصلاةِ.\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: كان قتادةُ يقولُ: إذا ترَك المضمضةَ أو الاستنشاقَ أو أذنَه أو طائفةً مِن رجلِه حتى يَدْخُلَ في صلاتِه، فإنه يَنْفَتِلُ (^٤) ويَتَوَضَّأُ، ويُعِيدُ صلاتَه.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٤١٧ (الميمنية)، وعبد بن حميد (٢١٨)، والترمذي في العلل الكبير ص ٣٣ من طريق محمد بن عبيد به.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في الطهور (٢٨٨) عن عبد الرحمن به. وينظر المحلى ٢/ ٧٠.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٩٧ من طريق شعبة به وينظر ما تقدم في ص ١٦٩.\n(^٤) في ص، م، س: \"ينتقل\".","vol":"8","page":179},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2462>ذِكْرُ مَن قال ما حكَيْنا عنه مِن أهلِ هذه المَقالةِ مِن أن ما أقْبَل مِن الأذنَيْن فمِن الوجهِ، وما أدْبَر فمِن الرأسِ</span>\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، قال: ثنا أشْعَثُ، عن الشعبيِّ، قال: ما أقْبَل مِن الأذنَيْن فمِن الوجهِ، وما أدْبَر فمِن الرأسِ (^١).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنى شعبةُ، عن الحكمِ وحمادٍ، عن الشعبيِّ في الأذنين: باطنُهما مِن الوجهِ، وظاهرُهما مِن الرأسِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن الشعبيِّ، قال: مُقَدَّمُ الأُذُنَين مِن الوجهِ، ومُؤخَّرُهما مِن الرأسِ (^٢).\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أَبِي عَدِيٍّ، عن شُعبةَ، عن الحَكَمِ وحَمَّادٍ، عن الشَّعْبيِّ بمثلِه، إلا أنه قال: باطِنُ الأُذُنَينِ.\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعبةُ، عن حَمَّادٍ، عن الشعبيِّ بمثلِه (^٣).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: باطنُ الأُذُنَينِ مِن الوجهِ، وظاهِرُهما مِن الرأسِ.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، ح وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٣٦)، وأبو عبيد في الطهور (٣٦٥)، وابن أبي شيبة ١/ ٧١ من طريق مطرف وإسماعيل، عن الشعبي.\n(^٢) أخرجه البغوي في الجعديات (٢٣٤) من طريق شعبة به.\n(^٣) بعده في م، ص، ت ٢، ت ٣، س: \"إلا أنه قال: باطن الأذنين. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن حماد، عن الشعبي بمثله\". وهو تكرار.","vol":"8","page":180},{"text":"ابن عُلَيَّةَ، قالا جميعًا: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ طَلْحَةَ بن يَزِيدَ بن رُكانةً، عن عُبَيدِ اللَّهِ الخَولانيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ: ألَا أَتَوَضَّأُ لكم وضوءَ رسولِ اللَّهِ ﷺ؟ قال: قُلنا: نعم. فتَوَضَّأَ، فلمَّا غَسَل وجهَه، ألْقَمَ إبهامَيْه ما أقبَل مِن أُذُنَيْه. قال: ثم لمَّا مَسَح برأسِه، مَسَح أُذُنَيه مِن ظُهورِهما (^١).\nوأَوْلى الأقوالِ بالصوابِ في ذلك عندَنا قولُ مَن قال: الوجهُ الذي أمَر اللَّهُ جل ذكرُه بغَسْلِه القائمَ إلى صلاتِه، كلُّ ما انحدَر عن مَنابتِ شَعَرِ الرأسِ إِلى مُنْقطَعِ الذَّقَنِ طُولًا، وما بينَ الأُذُنَينِ عَرْضًا، مما هو ظاهرٌ لعينِ الناظرِ، دونَ ما بَطَن مِن الفَمِ والأنفِ والعينِ، ودونَ ما غَطَّاه شَعَرُ اللِّحْيةِ والعارِضَين والشَّارِبَين، فسَتَره عن أبصارِ الناظِرين، ودونَ الأُذُنَين.\nوإنما قُلنا: ذلك أَولى بالصوابِ - وإن كان ما تحتَ شَعَرِ اللحيةِ والشَّارِبَين قد كان وَجْهًا يَجِبُ غَسْلُه قبلَ نباتِ الشَّعَرِ الساترِ عن أَعْيُنِ الناظِرِين، على القائمِ إلى صلاتِه - الإجماعِ جميعِهم على أن العينَين مِن الوجهِ، ثم هُمْ مع إجماعِهم على ذلك - مُجْمِعون على أن غَسْلَ ما عَلَاهما مِن أجفانِهما دونَ إيصالِ الماءِ إلى ما تحتَ الأجفانِ منهما، مُجْزِئٌ.\nفإذا كان ذلك منهم إجماعًا بتَوقِيفِ (^٢) الرسولِ ﷺ أمتَه على ذلك، فنظيرُ ذلك كلُّ ما عَلاه شيءٌ مِن مواضعِ الوضوءِ مِن جسدِ ابن آدمَ مِن نفسِ خلقِه ساتِرُه، لا يَصِلُ الماءُ إليه إلا بكُلْفةٍ ومَئونةٍ وعلاجٍ، قياسًا لِما ذكَرنا مِن حُكْمِ العَيْنَين في ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (١٥٣)، وابن حبان (١٠٨٠) من طريق يعقوب بن إبراهيم به، وأخرجه أحمد ٢/ ٥٩ (٦٢٥)، والبزار (٤٦٤)، وأبو يعلى (٦٠٠)، من طريق ابن علية به، وأخرجه أبو داود (١١٧)، والبزار (٤٦٣)، والطحاوي ١/ ٣٢، والبيهقي ١/ ٥٣، ٥٤ من طريق ابن إسحاق به.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"فوقف\".","vol":"8","page":181},{"text":"فإذا كان ذلك كذلك، فلا شكَّ أن مثلَ العينَين في مؤنةِ إيصالِ الماءِ إليهما عندَ الوضوءِ، ما بَطَن مِن الأنفِ والفَمِ وشَعَرِ اللحيةِ والصُّدْغَيْن والشارِبَين؛ لأن كلَّ ذلك لا يَصِلُ الماءُ إليه إلا بعلاجٍ لإيصالِ الماءِ إليه، نحوَ كلفةِ علاج الحَدَقَتين لإيصالِ الماءِ إليهما أو أشدَّ.\nوإذا كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا أن غَسْلَ مَن غسَل مِن الصحابةِ والتابعينَ ما تحتَ مَنابِتِ شعرِ اللحيةِ والعارِضَيْن والشارِبَيْن، وما بَطَن مِن الأنفِ والفمِ، إنما كان إيثارًا منه لأشقِّ الأمرَيْن عليه، مِن غسلِ ذلك، وتركِ غسلِه، كما أثَر ابن عمرَ غسْلَ ما تحتَ أجْفانِ العينَيْن بالماءِ، بصبِّه الماءَ في ذلك، لا على أن ذلك كان عليه عندَه فرضًا واجبًا.\nفأما مِن ظنَّ أن ذلك مِن فعلِهم كان على وجهِ الإيجابِ والفرضِ، فإنه خالَف في ذلك بقولِه مِنهاجَهم، وأغْفَل سبيلَ القياسِ؛ لأن القياسَ هو ما وصَفْنا مِن تمثيلِ المُخْتَلَفِ فيه مِن ذلك بالأصلِ المُجْمَع عليه مِن حكمِ العينَيْن، وألا خبرَ عن واحدٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ أوْجَب على تاركِ إيصالِ الماءِ في وُضوئِه إلى أصولِ شعرِ لحيتِه وعارِضيْه، وتاركِ المضمضةِ والاستنشاقِ، إعادةَ صلاتِه إذا صلَّى بطُهْرِه ذلك، ففى ذلك أوضحُ الدليلِ على صحةِ ما قلْنا مِن أن فعلَهم ما فعَلوا مِن ذلك كان إيثارًا منهم لأفضلِ الفعلين مِن التركِ والغسلِ.\nفإِن ظَنَّ ظانٌّ أن في الأخبارِ التي رُوِيَت عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: \"إِذا تَوَضَّأَ أحَدُكم فَلْيَسْتَنْثِرُ\" (^١). دليلًا على وجوبِ الاستنثارِ، فإن في إجماعِ الحجةِ على أن ذلك غيرُ فَرْضٍ واجبٍ يَجِبُ على مَن تَرَكه إعادةُ الصلاةِ التي صلَّاها قبلَ غَسْلِه، ما يُغْنِى عن إكثارِ القولِ فيه.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١٣/ ١٦٢، ٤٤٢ (٧٧٣٠، ٨٠٧٧)، والبخاري (١٦١)، ومسلم (٢٣٧) من حديث أبي هريرة.","vol":"8","page":182},{"text":"وأما الأُذُنان، فإن في إجماعِ جميعِهم على أن ترْكَ غسلِهما، أو غسلِ ما أقْبَل منهما مع الوجهِ، غيرُ مُفْسِدٍ صلاةَ مَن صلَّى بطهرِه الذي ترَك فيه غسلَهما، مع إجماعِهم جميعًا على أنه لو ترَك غسلَ شيءٍ مما يَجِبُ عليه غسلُه مِن وجهِه في وُضوئِه، أن صلاتَه لا تُجْزِئُه بطُهورِه ذلك - ما يُنْبِئُ عن أن (^١) القولَ في ذلك ما (^٢) قاله أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ ما الذي ذكَرْنا قولَهم: إنهما ليسا مِن الوجهِ. دونَ ما قاله الشعبيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2463>القولُ في تأويلِ قولِه عزّ ذكرُه: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.</span>\nاختَلَف أهلُ التأويلِ في \"المرَافقِ\"، هل هي مِن اليَدِ الواجبِ غسلُها أم لا؟ بعدَ إجماعِ جميعِهم على أن غسلَ اليدِ إليها واجبٌ. فقال مالكُ بنُ أنسٍ، وسُئِل عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾: أتَرَى أَن يُخْلِفَ المرفقين في الوضوءِ؟ قال: الذي أُمِر به أن يَبْلُغَ المرفقين، قال ﵎: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. يذْهَبُ (^٣) هذا يَغْسِلُ خلفَه! فقيل له: فإنما يَغْسِلُ إلى المرفقين والكعبين لا يُجاوِزُهما؟ فقال: لا أدْرِى ما \"لا يُجاوِزُهما\"، أما الذي أُمِر به أن يَبْلُغَ به فهذا؛ إلى المرفقين والكعبين.\nحدَّثنا يونسُ، عن أشْهَبَ عنه (^٤).\nوقال الشافعيُّ: لم أَعْلَمْ مُخالفًا في أن المرافقَ فيما يُغْسَلُ. كأنه يَذْهَبُ إلى أن معناها: فاغسلُوا وجوهَكم وأيديَكم إلى أن تُغْسَلَ المرافقُ.\n_________\n(^١) سقط من النسخ، ولابد منها لاستقامة السياق.\n(^٢) في م: \"مما\".\n(^٣) في ص، ت ٢، ت ٣: \"مذهب\".\n(^٤) ينظر تفسير القرطبي ٦/ ٨٦، والفتح ١/ ٢٩٢.","vol":"8","page":183},{"text":"حدَّثنا بذلك عنه الربيعُ (^١).\nوقال آخَرون: إنما أوْجَب اللَّهُ بقولِه: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. غسلَ اليدين إلى المرفقين، فالمرفقان غايةٌ لِما أَوْجَب اللَّهُ غسلَه مِن آخرِ اليدِ، والغايةُ غيرُ داخلةٍ في الحدِّ، كما غيرُ داخلٍ الليلُ فيما أوْجَب اللَّهُ تعالى على عبادِه مِن الصومِ بقولِه: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. لأن الليلَ غايةٌ لصومِ الصائمِ، إذا بلَغه فقد قضَى ما عليه. قالوا: فكذلك المرافقُ في قولِه: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. غايةٌ لِما أَوْجَب اللَّهُ غسلَه مِن اليدِ. وهذا قولُ زُفَرَ بن الهُذَيْلِ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن غسلَ اليدين إلى المرفقين مِن الفرضِ، الذي إن ترَكه أو شيئًا منه تاركٌ، لم تُجْزِئْه الصلاةُ مع تركِه غسلَه. فأما المرفقان وما وراءَهما، فإن غَسْلَ ذلك مِن الندبِ الذي ندَب إليه ﷺ أمتَه بقولِه: \"أُمَّتي الغُرُّ المُحَجَّلون (^٢) مِن آثارِ الوضوءِ، فمَن اسْتَطاع منكم أن يُطِيلَ غُرَّتَه فَلْيَفْعَلْ\" (^٣). فلا تَفْسُدُ صلاةُ تاركِ غسلِهما وغسلِ ما وراءَهما؛ لما قد بيَّنا قبلُ فيما مضَى، مِن أن كلَّ غايةٍ حُدَّتْ بـ \"إلى\" فقد تَحْتَمِلُ في كلامِ العربِ دخولَ الغايةِ في الحدِّ وخروجَها منه. وإذا احْتَمل الكلامُ ذلك لم يَجُزْ لأحدٍ القَضاءُ بأنها داخلةٌ فيه، إلا لَمن لا يَجوزُ خلافُه فيما بَيَّن وحكَم، ولا حُكمَ بأن المرافقَ داخلةٌ فيما يَجِبُ غسلُه عندَنا ممَّن يَجِبُ التسليمُ بحكمِه.\n_________\n(^١) الأم ١/ ٢٤.\n(^٢) قال ابن الأثير: أي: بيض مواضع الوضوء من الأيدى والوجه والأقدام، استعار أثر الوضوء في الوجه واليدين والرجلين للإنسان، من البياض الذي يكون في وجه الفرس ويديه ورجليه. النهاية (ح ج ل).\n(^٣) أخرجه أحمد ١٤/ ١٣٦، ١٣٧، ١٥/ ١٠٤، ١٦/ ٤٥٤ (٨٤١٣، ٩١٩٥، ١٠٧٧٨)، والبخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦) من حديث أبي هريرة.","vol":"8","page":184},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2465>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ المسحِ الذي أمَر اللَّهُ به بقولِه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: وامْسَحوا بما بدا لكم أن تَمْسَحوا به مِن رءوسِكم بالماءِ إذا قمْتُم إلى الصلاةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2464>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضميُّ، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسْعدةَ، عن عيسى بن حفصٍ، قال: ذُكِر عندَ القاسمِ بن محمدٍ مسحُ الرأسِ، فقال: يا نافعُ، كيف كان ابن عمرَ يَمْسَحُ؟ فقال: مَسْحةً واحدةً. ووصَف أنه مسَح مُقَدَّمَ رأسِه إلى وجهِه، فقال القاسمُ: ابن عمرَ أفقهُنا وأعلَمُنا (^١).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: سمِعْتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: أخْبرَني نافعٌ، أن ابنَ عمرَ كان إذا توَضَّأ ردَّ كفيه إلى الماءِ، ووضَعَهما فيه، ثم مَسَح بيديه مُقَدَّمَ رأسِه.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: أخبرَنا ابن جُرَيجٍ، قال: أخْبرَني نافعٌ، أن ابنَ عمرَ كان يَضَعُ بطْنَ كفَّيه (^٢) على الماءِ، ثم لا يَنْفُضُهما، ثم يَمْسَحُ بهما ما بينَ قَرْنيه إلى الجبينِ واحدةً، ثم لا يَزِيدُ عليها، في كلِّ ذلك مَسْحةٌ واحدةٌ، مُقْبِلةً مِن الجبينِ إلى القرنِ (^٣).\nحدَّثنا تَميمُ بنُ المنتصرِ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبرَنا شَريكٌ، عن يحيى بن\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الطهور (٨٤)، وعبد الرزاق (٧، ٨)، وابن أبي شيبة ١/ ١٥، وابن المنذر في الأوسط ١/ ٣٩٤، ٣٩٥، ٣٩٨ (٣٨٥، ٣٨٦، ٣٩٠) من طرق عن نافع به.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"كفه اليمنى\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (٦) عن ابن جريج به.","vol":"8","page":185},{"text":"سعيدٍ الأنْصاريِّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنه كان إذا توضَّأ مسح مُقَدَّمَ رأسِه (^١).\nحدَّثنا تَميمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخْبرَنا إسحاقُ، قال: أخْبرَنا شَريكٌ، عن عبدِ الأعلى الثَّعْلبيِّ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلى، قال: يُجْزِئُكَ أَن تَمْسَحَ مُقَدَّمَ رأسِك إذا كنتَ مُعْتَمِرًا (^٢)، وكذلك تَفْعَلُ المرأةُ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبيدُ (^٤) اللَّهِ الأَشْجعيُّ، عن سفيانَ، عن ابن عَجْلانَ، عن نافعٍ، قال: رأيتُ ابنَ عمرَ مَسَح بيَأْفوخِه مسحةً. وقال سفيانُ: إن مسَح شعَرةً أجْزَأه. يعنى واحدةً.\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، قال: أخْبرَنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: أيَّ جَوانب رأسِك أَمْسَسْتَ (^٥) الماءَ أجْزَاك (^٦).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ ظَبْيان، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ: [أيَّ جوانبِ رأسِك أمْسَسْتَ الماءَ أجزأك] (^٧).\nحدَّثنا الرِّفاعيُّ، قال: ثنا وَكِيعٌ، عن إسماعيلَ الأزرقِ، عن الشَّعْبيِّ مثلَه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: أخْبرَنا أيوبُ، عن نافعٍ، قال: كان ابن عمرَ يَمْسَحُ رأسَه هكذا. فوضَع أيوبُ كفَّه وسطَ رأسِه، ثم أمَرَّها على مُقَدَّمِ رأسِه (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الطهور (٣٤٢)، وابن أبي شيبة ١/ ١٥ من طريق يحيى بن سعيد به.\n(^٢) اعتمر: تعمم بالعمامة، ويقال للمعتم: معتمر. التاج (ع م ر).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٤ من طريق عبد الأعلى به نحوه.\n(^٤) في النسخ: \"عبد\". وتقدم على الصواب في ٦/ ٤١٧، وينظر ما تقدم في ٧/ ٣٣٢.\n(^٥) في النسخ: \"مست\". والمثبت كما سيأتي في الأثر بعده.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٤) من طريق الحكم، عن إبراهيم.\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مثله\".\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٦ عن ابن علية به.","vol":"8","page":186},{"text":"حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا زيدُ (^١) بنُ الحُبابِ، عن سُفيانَ، قال: إِن مَسَح رأسَه بإصبَعٍ واحدةٍ أجْزَأَه.\nحدَّثنا أبو الوليدِ الدِّمشقيُّ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: قلتُ لأبي عمرٍو: ما يُجْزِئُ مِن مسحِ الرأسِ؟ قال: أن تَمْسَحَ مُقَدَّمَ رأسِك إِلى القَفَا أحبُّ إليَّ (^٢).\nحدثني العباسُ بنُ الوليدِ، عن أبيه، عنه نحوَه.\nوقال آخَرون: معنى ذلك: فامْسَحوا بجميعِ رءوسِكم. قالوا: إن لم يَمْسَحْ بجميعِ رأسِه بالماءِ، لم تُجْزِئْه الصلاةُ بوضوئِه ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-2466>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا أشْهَبُ، قال: قال مالكٌ: مَن مسَح بعضَ رأسِه ولم يَعُمَّ أعاد الصلاةَ، بمنزلةِ مِن غسَل بعضَ وجهِه أو بعضَ ذراعِه.\nقال: وسُئِل مالكٌ عن مسحِ الرأسِ، قال: يَبْدَأُ مِن مُقَدَّمِ وجهِه، فيُدِيرُ يديه إلى قَفاه، ثم يَرُدُّهما إلى حيثُ بدَأ منه (^٣).\nوقال آخَرون: لا يُجْزِئُ مسحُ الرأسِ بأقلَّ مِن ثلاثِ أصابعَ. وهذا قولُ أبي حنيفةَ وأبي يوسُفَ ومحمدٍ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه أمَر بالمسحِ برأْسِه القائمَ إلى صلاتِه مع سائرِ ما أمَره بغَسْلِه معه أو مَسْحِه، ولم يَحُدَّ ذلك بحدٍّ لا يَجوزُ التَّقْصيرُ منه ولا يُجاوِزُه. وإذ كان ذلك كذلك، فما مسَح به المتوضئُ مِن رأسِه فاسْتَحَقَّ\n_________\n(^١) في النسخ: \"يزيد\".\n(^٢) ينظر الأوسط لابن المنذر ١/ ٣٩٤، ٣٩٨.\n(^٣) ينظر الأوسط لابن المنذر ١/ ٣٩٨.","vol":"8","page":187},{"text":"بمسحِه ذلك أن يُقالَ: مسَح برأسِه. فقد أدَّى ما فرَض اللَّهُ عليه مِن مسحِ ذلك، لدخولِه فيما لزِمه اسمُ \"مَاسحٍ (^١) برأسِه\" إذا قام إلى صلاتِه.\nفإن قال لنا قائلٌ: فإن اللَّهَ قد قال في التيممِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]. أفيُجْزِئُ المسحُ ببعضِ الوجهِ واليدين في التيممِ؟\nقيل له: كلُّ ما مُسِحَ مِن ذلك بالترابِ فيما تنازَعَت فيه العلماءُ - فقال بعضُهم: يُجْزِئُه ذلك مِن التيممِ. وقال بعضُهم: لا يُجْزِئُه - فهو مُجْزِئُه؛ لدخولِه في اسمِ \"الماسحين به\".\nوما كان مِن ذلك مُجْمَعًا على أنه غيرُ مُجْزئِه، فمُسَلَّمٌ لما جاءَت به الحجةُ نقلًا عن نبيِّها ﷺ، ولا حجةَ لأحدٍ علينا في ذلك، إذ كان مِن قولِنا: إن ما جاء في آيِ الكتاب عامًّا في معنًى، فالواجبُ (^٢) الحكمُ به على عمومِه حتى يَخُصَّه ما يَجِبُ التسليمُ له، فإذا خُصَّ منه شيءٌ، كان ما خُصَّ منه خارجًا مِن ظاهرِه، وحكمُ سائرِه على العمومِ. وقد بيَّنا العلةَ الموجبةَ صحةَ القولِ بذلك في غيرِ هذا الموضعِ، بما أَغْنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\nوالرأسُ الذي أمَر اللَّهُ جلَّ وعزَّ بالمسحِ به بقولِه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. هو منابتُ شعَرِ الرأسِ دونَ ما جاوز ذلك إلى القفا مما اسْتُدبِر، ودونَ ما انْحَدر عن ذلك مما اسْتُقْبِل مِن قِبَل وجهِه إلى الجبهةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2467>القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.</span>\nاختلَفتِ القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه جماعةٌ مِن قرأَةِ الحجازِ والعراقِ\n_________\n(^١) في النسخ: \"ما مسح\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١، س: \"من\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٢/ ١٠١، ١٠٢.","vol":"8","page":188},{"text":"﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ نصبًا (^١). فتأويلُه: إذا قمتم إلى الصلاةِ فاغسِلوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المرافقِ وأرجلَكم إلى الكعبين، وامسَحوا برءوسِكم. وإذا قُرِئ كذلك كان من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، وتكونُ \"الأرجلُ\" منصوبةً عطفًا على \"الأيدي\". وتأوَّل قارئو ذلك كذلك، أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه إنما أمَر عبادَه بغسلِ الأرجلِ دونَ المسحِ بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2468>ذكر مِن قال: عنى اللَّهُ بقولِه: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. الغسلَ</span>\nحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا خالدٌ الحذَّاءُ، عن أبي قِلابةَ، أن رجلًا صلَّى وعلى ظهرِ قدمِه موضعُ ظُفْرٍ، فلما قضَى صلاتَه، قال له عمرُ: أعِدْ وضوءَك وصلاتَك (^٢).\nحدَّثنا حُميدٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ حسنٍ، قال: ثنا هُزَيلُ بنُ شُرَحْبيلٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: خلِّلوا الأصابعَ بالماءِ لا تَخلّلَها النارُ (^٣).\nحدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الصبَّاحِ العطَّارُ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ الحَوْضِيُّ، قال: ثنا مُرَجَّى، يعني ابنَ رجاءٍ اليَشْكُريَّ، قال: ثنا أبو رَوْحٍ عُمارَةُ بنُ أبي حَفْصَةَ، عن المغيرةِ بن حُنينٍ، أن النبيَّ ﷺ رأى رجلًا يتوضَّأُ وهو يغسِلُ رجليه، فقال: \"بهذا\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن عامر والكسائي ويعقوب وحفص. النشر ٢/ ١٩١.\n(^٢) سيأتي تخريجه في ص ١٩١.\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في الطهور (٣٨٥)، وعبد الرزاق (٦٨)، وابن أبي شيبة ١/ ١١، والطبراني (٩٢١١، ٩٢١٢) من طريق هزيل به بنحوه، وأخرجه أبو عبيد في الطهور (٣٨٤)، وعبد الرزاق (٧١)، وابن أبي شيبة ١/ ١٢، والطبراني (٩٢١٣) من طريق طلحة بن مصرف، عن ابن مسعود به.","vol":"8","page":189},{"text":"أُمِرتُ\".\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن واقدٍ مولى زيدِ بن خُلَيدةَ، قال: سمِعتُ مُصعبَ بنَ سعدٍ (^١)، يقولُ: رأى عمرُ بنُ الخطابِ قومًا يتوضَّئون، فقال: خلِّلوا (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: سمِعتُ يحيى، قال: سمِعتُ القاسمَ، قال: كان ابن عمرَ يخلَعُ خُفَّيه، ثم يتوضَّأُ فيغسِلُ رجليه، ثم يخلِّلُ أصابعَه (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الزُّبيرِ بن عَدِيٍّ، عن إبراهيمَ، قال: قلتُ للأسودِ: رأيتَ عمرَ يغسِلُ قدميه غَسْلًا؟ قال: نَعَمْ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ خَلَفٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا محمدُ بن مسلمٍ، عن إبراهيمَ بن مَيْسرةَ، عن عمرَ بن عبدِ العزيزِ، أنه قال لابنِ أبى سُويدٍ: بلَغَنا عن ثلاثةٍ كلُّهم رأَوُا النبيَّ ﷺ يغسِلُ قدميه غَسْلًا، أَدْنَاهم ابن عمِّك المغيرةُ (^٥).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا الصبَّاحُ، عن محمدٍ، وهو ابن أَبانٍ، عن\n_________\n(^١) في النسخ \"سعيد\". وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٤ ومصدر التخريج.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١١ من طريق سفيان به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٢ من طريق يحيى به، وأخرجه عبد الرزاق (٧٣، ٧٤)، وأبو عبيد في الطهور (٣٨٧) من طرق عن ابن عمر به.\n(^٤) أخرجه الطحاوي في شرح المعانى ١/ ٤٠ من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٩ من طريق الزبير به، وأخرجه الطحاوي من طريق المغيرة عن إبراهيم به.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق (٦١) عن محمد بن مسلم به.","vol":"8","page":190},{"text":"أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال: اغسِلوا الأقدامَ إلى الكعبين.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن خالدٍ، عن أبي قِلابةَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ رأى رجلًا قد ترَك على ظهرِ قدمِه مثلَ الظُّفْرِ، فأمَره أن يُعيدَ وضوءَه وصلاتَه (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن شَيْبَةَ بن نِصاحٍ، قال: صحِبتُ القاسمَ بنَ محمدٍ إلى مكةَ، فرأيتُه إذا توضَّأ للصلاةِ يُدْخِلُ أصابعَ رجليه يَصُبُّ عليها الماءَ. قلتُ: يا أبا محمدٍ: لمَ تصنَعُ هذا؟ قال: رأيتُ ابنَ عمرَ يصنَعُه (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ أبي، عن حمَّادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. قال: عاد الأمرُ إلى الغَسْل (^٣).\nحدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدَائيُّ، قال: ثنا أبي، عن حفصٍ الغاضريِّ، عن عامرِ بن كُلَيبٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: قرَأ عليَّ الحسنُ والحسينُ رِضوانُ اللَّهِ عليهما، فقرأا: (وأَرْجُلِكم إلى الكَعْبَيْنِ) فسمِع عليٌّ ﵁ ذلك، وكان يقضى بينَ الناسِ، فقال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. هذا مِن المقدَّمِ والمؤخَّرِ مِن الكلامِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٤١ عن ابن علية به، وأخرجه عبد الرزاق (١١٨) من طريق خالد به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٤١ من طريق عبيد بن عمير، عن عمر بنحوه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٢ عن ابن علية به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٠ عن ابن إدريس به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٢ إلى المصنف.","vol":"8","page":191},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ و(^١) ابن عبدِ الأعلى، عن خالدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأها: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصبِ، وقال: عاد الأمرُ إلى الغَسْلِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدةُ وأبو معاويةَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، أنه قرَأها: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. وقال: عاد الأمرُ إلى الغَسْلِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن قيسٍ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ أنه كان يقرأُ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. بالنصبِ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾: أما ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. فيقولُ: اغْسِلوا وجوهَكم، واغْسِلوا أرجلَكم، وامْسحوا برءوسِكم، فهذا من التقديمِ والتأخيرِ.\n_________\n(^١) سقط من النسخ، وينظر في رواية ابن وكيع عن عبد الوهاب وعبد الأعلى ما تقدم في ٧/ ٦٥، ٤٣٧، ٥٣٩، ٥٥٤.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في الطهور (٣٩٦)، وسعيد بن منصور في سننه (٧١٥ - تفسير)، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٤٠، وابن المنذر في الأوسط ١/ ٤١١ (٤١٥)، والنحاس في ناسخه ص ٣٧٦، والبيهقي ١/ ٧٠ من طريق هشيم به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٠، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٣٩، وابن المنذر في الأوسط ١/ ٤١٠ (٤١٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٣/ ٤٧ - من طريق خالد الحذاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧١٩ - تفسير)، وابن أبي شيبة ١/ ٢٠ عن أبي معاوية - وحده - به، وأخرجه عبد الرزاق (٦٠)، وأبو عبيد في الطهور (٣٩٧) من طريق هشام به.\n(^٤) أخرجه الطحاوي في شرح المعاني ١/ ٣٩، والنحاس في ناسخه ص ٣٧٦، والبيهقي ١/ ٧٠ من طريق قيس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٢ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، وأخرجه عبد الرزاق (٥٩)، والطبراني (٩٢١٠) من طريق قتادة، عن ابن مسعود.","vol":"8","page":192},{"text":"[حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن شيبانَ، قال: أُثْبِت لي عن عليٍّ أنه قرَأ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾] (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. رجَع الأمرُ إِلى الغَسْلِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن خالدٍ، عن عكرمةَ مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن الأعمشِ، قال: كان أصحابُ عبدِ اللَّهِ يقرءُونها: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. فيغسِلون.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال: اغْسِلِ القدمَيْن إلى الكعبَيْن (^٣).\nحدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الزهري (^٤)، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن أبي السَّوداءِ، عن ابن عبدِ خيرٍ، عن أبيه، قال: رأيْتُ عليًّا توَضَّأ، فغسَل ظاهرَ قدميه، وقال: لولا أنى رأيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ فعَل ذلك، ظنَنْتُ أن بَطْنَ القدمِ أحقُّ مِن ظاهرِها (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\nوالأثر أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧١٦ - تفسير)، وابن المنذر في الأوسط ١/ ٤١١ (٤١٦)، والبيهقي ١/ ٧٠ من طريق عباد بن الربيع، عن علي به.\n(^٢) أخرجه الطحاوي في شرح المعاني ١/ ٤٠، والبيهقي ١/ ٧٠ من طريق سفيان بن عيينة عن هشام به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٩ عن وكيع به.\n(^٤) في م: \"الزبيري\". وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٦٩.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق (٥٧)، والحمدي (٤٧)، وأحمد ٢/ ٢٤٢ (٩١٨)، والنسائي في الكبرى (١٢٠) من طريق سفيان بن عيينة به.","vol":"8","page":193},{"text":"حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، قال: ثنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: لم أَرَ أحدًا يَمْسَحُ على القدمين (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنى الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن مُجاهدٍ أنه قرَأ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فنصَبها، وقال: رجَع إلى الغَسلِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: سمِعْتُ الأعمشَ يَقْرَأُ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصبِ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا أشْهَبُ، قال: سُئِل مالكٌ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾: أهى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ أو (أرجلِكم)؟ فقال: إنما هو الغسلُ، وليس بالمسحِ، لا تُمْسَحُ الأرجلُ، إنما تُغْسَلُ. قيل له: أفرأيْتَ مَن مسَح أيُجْزِئُه ذلك؟ قال: لا (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن الضحاكِ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾. قال: اغْسِلوها غَسْلًا.\nوقرَأ ذلك آخرون مِن قرَأةِ الحجازِ والعراقِ: (وامسَحوا برُءُوسِكم وأرْجُلِكم). بخفضِ \"الأرجلِ\" (^٤). وتأوَّل قارِئو ذلك كذلك أن اللَّهَ إنما أمَر عبادَه بمسحِ الأرجلِ فى الوضوءِ دونَ غسلِها، وجعَلوا \"الأرجلَ\" عطفًا على \"الرأسِ\"، فخفَضوها لذلك.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٠ عن ابن يمان به، وأخرجه أبو عبيد في الطهور (٣٩٥)، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٤١ من طريق عبد الملك به.\n(^٢) أخرجه الطحاوي في شرح المعاني ١/ ٤٠ من طريق حماد بن سلمة به.\n(^٣) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ٢٤/ ٢٥٦.\n(^٤) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة، وأبى بكر عن عاصم، وخلف وأبي جعفر. النشر ٢/ ١٩١.","vol":"8","page":194},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2469>ذكرُ مَن قال ذلك مِن أهلِ التأويلِ</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ قيسٍ الخُراسانيُّ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: الوضوءُ غَسْلتان ومَسْحتان (^١).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، عن حميدٍ، ح وحدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، [قال: ثنا حميدٌ، قال: قال موسى بنُ أنسٍ لأنسٍ ونحن عندَه: يا أبا حمزةَ، إن الحجاجَ خطَبَنا بالأَهْوازِ ونحن معه، فذكَر الطَّهورَ، فقال: اغْسِلوا وجوهَكم وأيديَكم، وامْسَحوا برءوسِكم وأرجلَكم، وإنه ليس شيءٌ مِن ابن آدمَ أقربَ إلى خَبَثِه مِن قدميه، فاغْسِلُوا بُطونَهما وظُهورَهما وعَراقِيبَهما. فقال أنسٌ: صدَق اللَّهُ وكذَب الحجاجُ، قال اللَّهُ: (وامْسَحوا برُءوسِكُم وأَرْجُلِكم). قال: وكان أنسٌ إذا مسَح قدميه بلَّهما (^٢).\nحدَّثنا ابن سهلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا عاصمٌ الأحْوَلُ، عن أنسٍ، قال: نزَل القرآنُ بالمسحِ، والسنةُ الغَسْلُ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن حميدٍ، عن موسى بن أنسٍ، قال: خطَب الحجاجُ، فقال: اغْسِلوا وجوهَكم وأيديَكم وأرجلَكم، ظُهُورَهما وبطونَهما وعَراقِيبَهما، فإن ذلك أدنى إلى خَبَثِكم. قال أنسٌ: صدَق اللَّهُ وكذَب الحجاجُ، قال اللَّهُ: (وامْسَحوا برُءُوسِكم وأَرْجُلِكم إلى الكعبين) (^٢)] (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٥٥) عن ابن جريج به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٨ عن المصنف\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧١٨ - تفسير)، وابن أبي شيبة ١/ ١٩، وابن المنذر في الأوسط ١/ ٤١٢ (٤١٨)، والبيهقي ١/ ٧٠ من طريق حميد الطويل به بنحوه.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٢ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: ت ١.","vol":"8","page":195},{"text":"[حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا عبيدُ  (^١)  اللَّهِ العَتَكيُّ، عن عكرمةَ، قال: ليس على الرِّجْلين غسلٌ، إنما نزَل فيهما المسحُ  (^٢) .\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنْبَسةَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: امْسَحُ على رأسِك وقدمَيْك.\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، قال: نزَل جبريلُ بالمسحِ. قال: ثم قال الشعبيُّ: ألا تَرَى أن التيممَ أن يَمْسَحَ ما كان غسلًا، ويُلْغِىَ ما كان مسحًا؟  (^٣)\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: أُمِر بالتيممِ فيما أُمِر به بالغَسلِ  (^٤) .\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ أنه قال: إنما هو المسحُ على الرجلين، ألا تَرَى أنه ما كان عليه الغسلُ جُعِل عليه المسحُ، وما كان عليه المسحُ أُهْمِل  (^٥)؟\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال]  (^٦): ثنا داودُ، عن عامرٍ أنه قال: أُمِر أن يُمْسَحَ في التيممِ ما أُمِر أن يُغْسَلَ في الوضوءِ، وأُبْطِل ما أُمِر أَن يُمْسَحَ في الوضوءِ؛ الرأسُ والرجلان  (٣) .\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، قال: أُمِر أن يُمْسَحَ بالصَّعِيدِ في التيممِ ما أُمِر أَن يُغْسَلَ بالماءِ، وأُهْمِل ما أُمِر أَن يُمْسَحَ بالماءِ  (٥) .\n_________\n(^١)  في النسخ: \"عبد\". وتقدم على الصواب في ٢/ ٣٠١، ٣/ ٧٣١.\n(^٢)  أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٨ عن ابن علية عن أيوب عن عكرمة بنحوه.\n(^٣)  تقدم تخريجه في ٧/ ٨٨.\n(^٤)  تقدم تخريجه في ٧/ ٨٨، ٨٩.\n(^٥)  أخرجه أبو عبيد في الطهور (٣٩٣)، وابن أبي شيبة ١/ ١٩ عن ابن علية به.\n(^٦)  سقط من: ت ١.","vol":"8","page":196},{"text":"حدَّثنا ابن أبي زيادٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا إسماعيلُ، قال: قلتُ لعامرٍ: إن ناسًا يقولون: إن جبريلَ ﵇ نزَل بغسلِ الرِّجْليْن. فقال: نزَل جبريلُ بالمسحِ (^١).\nحدَّثنا أبو بشرٍ الواسطيُّ إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن يونُسَ، قال: حدثني مَن صحِب عكرمةَ إلى واسطٍ، قال: فما رأيْتُه غسَل رجليه، إنما يَمْسَحُ عليهما حتى خرَج منها.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: (يا أيها الذين آمَنوا إذا قُمْتم إلى الصلاةِ فَاغْسِلُوا وُجوهَكم وأيديَكم إلى المرافِقِ وامْسحُوا برءُوسكم وأرجلِكم إلى الكَعْبين): افْتَرَض اللهُ غَسْلتيْن ومَسْحَتين (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا جَريرٌ، عن الأعمشِ، عن يحيى بن وَثَّابٍ، عن علقمةَ أنه قرَأ: (وأَرْجُلِكم) مخفوضةَ اللامِ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا جَرِيرٌ، عن الأعمشِ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو الحسينِ (^٤) العُكْليُّ، عن عبدِ الوارثِ، عن حُميدٍ، عن مجاهدٍ أَنه كان يَقْرَأُ: (وأرجُلِكم) (^٥).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٥٦)، وابن أبي شيبة ١/ ١٩ عن إسماعيل بن أبي خالد به، وأخرجه الطحاوى في شرح المعانى ١/ ٤٠ من طريق عاصم، عن الشعبي بلفظ: نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٢ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في النسخ: \"الحسن\". وأبو الحسين العكلى هو زيد بن الحباب.\n(^٥) أخرجه الطحاوى في شرح المعانى ١/ ٤٠ من طريق عبد الوارث به.","vol":"8","page":197},{"text":"قال: كان الشعبيُّ يَقْرَأُ: (وأرجلِكم) بالخفضِ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الحسنِ بن صالحٍ، عن غالبٍ، عن أبي جعفرٍ أنه قرَأ: (وأرجلِكم) بالخفضِ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سلمةَ، عن الضحاكِ أنه قرَأ: (وأرجلِكم) بالكسر.\nوالصوابُ مِن القولِ عندَنا في ذلك أن الله عزَّ ذكرُه أمرَ بعمومِ مسحِ الرِّجليْن بالماءِ في الوضوءِ، كما أمَر بعمومِ مسحِ الوجهِ بالترابِ في التيممِ، وإذا فعَل ذلك بهما المتوضئُ كان مُسْتَحِقًّا اسمَ \"ماسحٍ غاسلٍ\"؛ لأن غسلَهما إمْرارُ الماءِ عليْهما أو إصابتُهما بالماءِ، ومسحَهما إمرارُ اليدِ أو ما قام مَقامَ اليد عليهما، فإذا فعَل ذلك بهما فاعلٌ فهو غاسلٌ ماسحٌ.\nولذلك مِن احتمالِ \"المسحِ\" المعْنَيَيْن اللذين وصَفْتُ مِن العمومِ والخصوصِ، اللذيْن أحدُهما مسحٌ ببعضٍ، والآخرُ مسحٌ بالجميعِ - اخْتَلَفت قراءةُ القرَأةِ في قولِه: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فنصَبها بعضُهم توجيهًا منه ذلك إلى أن الفرضَ فيهما الغسلُ، وإنكارًا منه المسحَ عليهما، مع تَظاهُرِ الأخْبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بعمومِ مسحِهما بالماءِ، وخفَضها بعضُهم توجيهًا منه ذلك إلى أن الفرضَ فيهما المسحُ.\nولمَّا قلنا في تأويلِ ذلك: إنه معنيٌّ به عمومُ مسحِ الرِّجْلين بالماءِ. كرِه مَن كرِه للمُتوضِّيءُ الاجتزاءَ بإدخالِ رجليْه في الماءِ دون مسحِهما بيدِه، أو بما قام مَقامَ اليدِ، توجيهًا منه قولَه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ إلى مسحِ\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٢٠ - تفسير) من طريق داود بن أبي هند وإسماعيل به.","vol":"8","page":198},{"text":"جميعِهما عامًّا باليدِ، أو بما قامَ مَقامَ اليدِ دونَ بعضِهما مع غسلِهما بالماءِ.\nكما حدَّثنا ابن بَشار، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: [ثنا ابن جُريجٍ، قال] (^١): ثنا نافعٌ، عن ابن عمرَ، وعن الأحولِ، عن طاوسٍ، أنه سُئِل عن الرجلِ يَتَوَضَّأُ و(^٢) يُدْخِلُ رجليه في الماءِ، قال: ما أَعُدُّ ذلك طائلًا (^٣).\nوأجاز ذلك مَن أجاز توجيهًا (^٤) منه إلى أنه معنيٌّ به الغَسْلُ.\nكما حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعْتُ هشامًا يَذْكُرُ عن الحسنِ في الرجلِ يَتَوَضَّأُ في السفينةِ، قال: لا بأسَ أن يَغْمِسَ رجليه غَمْسًا.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أَخْبَرَنى أبو حرَّةَ (^٥)، عن الحسنِ في الرجلِ إذا توَضَّأ على حرفِ السفينةِ، قال: يُخَضْخِضُ (^٦) قدميْه في الماءِ (^٧).\nفإذا كان في المسح المعنيان اللذان وصَفْنا مِن عمومِ الرِّجْلين بالماءِ، وخصوصِ بعضِهما به، وكان صحيحًا بالأدلةِ الدالَّة التي سنَذْكُرُها بعدُ، أن مرادَ اللهِ مِن مسحِهما العمومُ، وكان لعمومهما بذلك معنى الغسلِ والمسحِ، فبيِّنٌ صوابُ\n_________\n(^١) سقط من النسخ، وأثبتناه كما تقدم في ٣/ ٤٣٠.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٥٥ من طريق سليمان الأحول به، ووقع فيه أيضًا: عن وكيع، عن إبراهيم، عن عمر.\n(^٤) في م، ت ٢ ت ٣: \"توجيهه\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حمزة\"، والتصويب من مصدر التخريج. وتهذيب الكمال ٣٠/ ٤٠٦.\n(^٦) خضخض الماء ونحوه: حركه. اللسان (خ ض ض).\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٥٥ عن هشيم به.","vol":"8","page":199},{"text":"القراءتين جميعًا، أعْنى النصبَ في \"الأرجلِ\" والخفضَ؛ لأن في عمومِ الرِّجْلين بمَسحِهما بالماءِ غسلَهما، وفى إمرارِ اليدِ وما قام مَقامَ اليد عليهما مسَحهما.\nفوجهُ صوابِ قراءةِ مَن قرَأ ذلك نصبًا؛ لما في ذلك مِن معنى عمومِهما بإمرارِ الماءِ عليهما.\nووجهُ صوابِ قراءةِ مَن قرَأه خفضًا؛ لما في ذلك مِن إمرارِ اليدِ عليهما، أو ما قام مَقامَ اليدِ مسحًا بهما، غيرَ أن ذلك وإن كان كذلك، وكانت القراءتان كِلْتَاهما حسنًا صوابًا، فأعْجَبُ القراءتَيْن إليَّ أن أَقْرَأَها قراءةُ مَن قرَأ ذلك خفضًا؛ لما وصَفْتُ مِن جمعِ المسحِ المعنَيَيْن اللذين وصَفْتُ، ولأنه بعدَ قولِه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. فالعطفُ به على \"الرءوسِ\" مع قربِه منه أولى مِن العطفِ به على \"الأيدى\"، وقد حيلَ بينَه وبينَها بقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾.\nفإن قال قائلٌ: وما الدليلُ على أن المرادَ بالمسحِ في الرِّجْلَين العمومُ دون أن يكونَ خصوصًا، نظيرَ قولِك في المسحِ بالرأسِ؟\nقيل: الدليلُ على ذلك تظاهرُ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"ويلٌ للأعْقابِ وبُطونِ الأقْدامِ مِن النارِ\". ولو كان مسحُ بعضِ القدمِ مُجْزِئًا مِن عمومِها بذلك، لمَا كان لها الويلُ بتركِ ما تُرك مسحُه منها بالماءِ، بعدَ أن يُمسَحَ بعضُها؛ لأن مَن أدَّى فرضَ اللَّهِ عليه فيما لزِمه غسلُه منها لم يَسْتَحِقَّ الويلَ، بل يَجِبُ أن يَكونَ له الثوابُ الجزِيلُ، [وفى وُجوبِ] (^١) الويلِ لعَقِبِ تاركِ غسلِ عَقِبِه في وضوئه، أوضحُ الدليلِ على وجوبِ فرضِ العمومِ بمسحِ جميعِ القدمِ بالماءِ، وصحةِ ما قلنا في ذلك وفسادِ ما خالَفَه.\n_________\n(^١) في م: \"فوجوب\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في وجوب\"، وفى س: \"فيه وجوب\".\nوالمثبت هو الصواب بزيادة الواو.","vol":"8","page":200},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2470>ذكرُ بعضِ الأخبارِ المَرْويةِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بما ذكَرْنا</span>\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن محمدِ بن زيادٍ، قال: كان أبو هريرةَ يَمُرُّ ونحن نَتَوَضَّأُ مِن المِطْهَرةِ، فيقولُ: أَسْبِغوا الوضوءَ، أَسْبِغوا الوضوءَ، قال أبو القاسمِ: \"ويلٌ للعَراقيبِ مِن النارِ\" (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شعبةَ، عن محمدِ بن زيادٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ، نحوَه، إلا أنه قال: \"ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ\" (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، عن محمدِ بن زيادٍ، قال: كان أبو هريرةَ يَمُرُّ بأناسٍ يَتَوَضَّئُون يُسوُون (^٣) الطَّهور، فيقولُ: أسْبِغوا الوضوءَ، فإني سمِعْتُ أبا القاسمِ ﷺ يقولُ: \"ويلٌ للعَقِبِ مِن النارِ\".\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شعبةَ، عن محمدِ بن زيادٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن محمدِ بن زيادٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال النبيُّ ﷺ بنحوِه (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن محمدِ بن زيادٍ،\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (١١٠) من طريق يزيد بن زريع به، وأخرجه الطيالسي (٢٦٠٨)، والبخاري (١٦٥)، ومسلم (٢٤٢) من طريق شعبة به.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٤٢) عن أبي كريب به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٦، وأحمد ١٦/ ١٠٨ (١٠٠٩٢)، ومسلم (٢٤٢)، وأبو عوانة ١/ ٢٥١ من طريق وكيع به.\n(^٣) في م: \"مسرعين\". وحكى ابن خالويه: أسوى. بمعنى: أساء. اللسان (س وي).\n(^٤) أخرجه أحمد ١٦/ ١٧٦ (١٠٢٤٨) عن وكيع به.","vol":"8","page":201},{"text":"عن أبي هريرةَ، قال: قال النبيُّ ﷺ: \"ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ\".\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثني سليمانُ بنُ بلالٍ، قال: ثنى سُهَيْلٌ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ يومَ القيامةِ\" (^١).\nحدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ وإسماعيلُ بنُ موسى، قالا: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن سُهَيْل بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ويلٌ للأعقابِ مِن النارِ\". وقال إسماعيلُ في حديثِه: \"ويلٌ للعَراقيبِ مِن النارِ\".\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا حسينٌ المُعَلِّمُ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن سالمٍ الدَّوْسيِّ، قال: دخَلْتُ مع عبدِ الرحمنِ بن أبي بكرٍ على عائشةَ، فدعا بوَضوءٍ، فقالت عائشةُ: يا عبدَ الرحمنِ، أسْبِغِ الوُضوءَ، فإنى سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ ما يقولُ: \"ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ\" (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عمرُ بنُ يُونُسَ الحَنَفيُّ، قال: ثنا عكرمةُ بنُ عمارٍ، قال: ثنا يحيى بن أبي كثيرٍ، قال: ثنى أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثني أبو سالمٍ مولى المَهْرِيِّ (^٣) - هكذا قال عمرُ بنُ يُونُسَ - قال: خرَجْتُ أنا وعبدُ الرحمن بنُ أبي بكرٍ في جِنازةِ سعدِ بن أبي وقاصٍ. قال: فمررْتُ أنا وعبدُ الرحمنِ على حُجرةِ\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوى في شرح المعانى ١/ ٣٨ من طريق سليمان بن بلال به، وأخرجه عبد الرزاق (٦٣)، وأحمد ١٣/ ٢٠٣، ١٥/ ١٨، ١٩ (٧٧٩١، ٩٠٤٦)، ومسلم (٣٠/ ٢٤٢)، والترمذى (٤١)، وابن خزيمة (١٦٢)، والطبرانى في الأوسط (٧٠٩) من طريق سهيل به.\n(^٢) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٤/ ٢٥٠ من طريق يزيد بن زريع به، وأخرجه أيضًا من طريق حسين المعلم به.\n(^٣) في النسخ: \"المهدى\". وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ١٥٤.","vol":"8","page":202},{"text":"عائشةَ أختِ عبدِ الرحمنِ، فدعا عبدُ الرحمنِ بوَضوء، فسمِعْتُ عائشةَ تُنادِيه: يا عبدَ الرحمنِ، أَسْبِغِ الوُضوءَ، فإنى سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ\" (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ المباركِ، عن يحيى بن أبى كثيرٍ، عن سالمٍ مولى دَوْسٍ، قال: سمعْتُ عائشةَ تقول لأخيها عبدِ الرحمنِ: يا عبدَ الرحمنِ، أَسْبِغِ الوُضوءَ، فإنى سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ\" (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ وسَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قالا: ثنا يحيى القَطَّانُ، عن ابن عَجْلانَ، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ، عن أبي سلمةَ، أن عائشةَ رأَت عبدَ الرحمنِ يَتَوَضَّأُ، فقالت: أَسْبِغِ الوُضوءَ، فإنى سمِعْتُ رسولَ ﷺ يقولُ: \"ويلٌ للأعْقابِ من النارِ\".\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابْنُ عُيينةَ ويحيى بنُ سعيدٍ القطَّانُ، عن ابن عَجْلانَ، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ، عن أبي سلمةَ، قال: رأَت عائشةُ عبدَ الرحمنِ يَتَوَضَّأُ، فقالت: أَسْبِغِ الوُضوءَ؛ فإنى سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"ويلٌ للعَراقِيبِ مِن النارِ\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ١/ ٢٣٠ عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أبو عبيد في الطهور (٣٧٧)، ومسلم (٢٤٠/ ٢٥)، والطحاوى في شرح المعانى ١/ ٣٨ من طريق عمر بن يونس به.\n(^٢) أخرجه البخارى في التاريخ ٤/ ١١٠، وأبو عوانة ١/ ٢٣٠، والخطيب في تمييز المزيد - كما في الموضح ١/ ٢٨٥ - من طريق على بن المبارك به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٦، وأحمد ٦/ ٩١١ (ميمنية)، وابن ماجه (٤٥٢) من طريق يحيى بن سعيد القطان به، وأخرجه الشافعي، ١/ ٩٦، وعبد الرزاق (٦٩)، والحميدى (١٦١)، وأحمد ٦/ ٤٠ (ميمنية)، وابن عبد البر في التمهيد ٢٤/ ٢٤٩ من طريق سفيان بن عيينة به.","vol":"8","page":203},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكَمِ، قال: أخْبرَنا [أبو زرعةَ وهَبُ اللَّهِ بنُ راشدٍ، قال] (^١): أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ، قال: أخْبرَنا أبو الأسودِ، أخْبَرنا أبو (^٢) عبدِ اللهِ مولي شَدَّادِ بن الهادِ، حدَّثه أنه دخَل على عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ وعندَها عبدُ الرحمنِ، فتوَضَّأ عبدُ الرحمنِ، ثم قام فأدْبَر، فنادَتْه عائشةُ فقالت: يا عبدَ الرحمنِ. فأقْبَل عليها، فقالت له: إنى سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ\" (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، قال: ثني أبو إسحاقَ، عن [سعيدٍ، أو شُعَيْبٍ] (^٤) أو سعيدِ بن أبى كَرِبٍ (^٥)، قال: سمِعْتُ جابرَ بنَ عبدَ اللهِ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ويلٌ للعَراقيبِ مِن النارِ\" (^٦).\nحدَّثنا خَلَّادُ بنُ أَسْلَمَ، قال: ثنا النَّضْرُ، قال: أخبرنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعْتُ ابنَ أبى كَرِبٍ، قال: سمِعْتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ، قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"ويلٌ للعَقِبَ، أو العَراقِيبِ، مِن النارِ\".\n_________\n(^١) في م: \"أبو رواحة وعبد الله بن راشد \"قالا\". وتقدم على الصواب في ٣/ ٢١٥، ٥/ ١٣١.\n(^٢) سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٣) أخرجه الطحاوى في شرح المعانى ١/ ٣٨ من طريق أبي زرعة به، وأخرجه مسلم (٢٤٠/ ٢٥)، والخطيب في الموضح ١/ ٢٨٣ من طريق حيوة بن شريح به.\n(^٤) في النسخ: \"سعد، أو سعيد\". والمثبت مِن مصادر التخريج، وينظر التاريخ الكبير ٣/ ٥١٠.\n(^٥) في ت ١: \"كريب\".\n(^٦) أخرجه أحمد ٢٣/ ٢٢٠ (١٤٩٦٥) مِن طريق شعبة به، وأخرجه الطيالسي (١٩٠٦)، وابن أبي شيبة ١/ ٢٦، وابن ماجه (٤٥٤)، وأبو يعلى (٢٠٦٥، ٢١٤٥، والطحاوى في شرح المعاني ١/ ٣٨، والطبراني في الأوسط (٢٨٥١، ٥٦٤٦)، والمزى ١١/ ٤٣ من طريق أبي إسحاق به.","vol":"8","page":204},{"text":"حدَّثني إسماعيلُ بنُ [مسعودٍ الجَحْدريُّ] (^١)، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارث، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعْتُ سعيدًا يقولُ: سَمِعْتُ جابرًا يقولُ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ\".\nحدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بن أبي كَرِبٍ (^٢)، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ويلٌ للعراقِيبِ مِن النارِ\" (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا الصَّبَّاحُ بنُ مُحارِبٍ، عن محمدِ بن أبانٍ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بن أبي كَرِبٍ (٢)، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: سمِع أُذُنى مِن النبيِّ ﷺ: \"ويلٌ للعَراقِيبِ مِن النارِ\".\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا الصَّبَّاحُ بنُ مُحارِبٍ، عن محمدِ بن أبانٍ، عن أبى إسحاقَ، عن سعيدِ بن أبى كَرِبٍ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: سمع أُذُنى مِن النبيِّ ﷺ: \"ويلٌ للعراقِيبِ مِن النارِ، أَسْبِغوا الوُضوءَ\"\nحدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدَائيُّ، قال: ثنا الوليدُ بنُ القاسمِ، عن الأعمشِ عن أبي سفيانَ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: أبْصَر النبيُّ ﷺ رجلًا يَتَوَضَّأُ وبقِي مِن عَقِبِه شيءٌ، فقال: \"ويلٌ للعَراقِيبِ مِن النارِ\" (^٤).\n_________\n(^١) في النسخ: \"محمود الحجرى\". وتقدم على الصواب ١/ ٣٤٥. وينظر تهذيب الكمال ٣/ ١٩٥.\n(^٢) في ص، ت ١: \"كريب\".\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في الطهور (٣٧٨)، وأبو يعلى (٢١٤٥) من طريق عبد الرحمن بن مهدى به، وأخرجه الطحاوى في شرح المعانى ١/ ٣٨ من طريق سفيان به.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الصغير ٢/ ٧ من طريق الوليد بن القاسم به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٦، وأحمد ٢٢/ ٢٧٨ (١٤٣٩٢)، وأبو يعلى (٢٣٠٨)، وأبو عوانة ١/ ٢٥٢ من طريق الأعمش به.","vol":"8","page":205},{"text":"حدَّثني عليُّ بنُ مسلمٍ، قال ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا حفصٌ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ رأَى قومًا يتَوَضَّئُون، لم يُصِبْ أعقابَهم الماءُ، فقال: \"ويلٌ للعَراقيبِ مِن النارِ\".\nحدَّثنا أبو سفيانَ الغَنَويُّ يزيدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا خلفُ بنُ الوليدِ، قال: ثنى أيوبُ بنُ عُتْبَةَ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن مُعَيْقِيبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ويلٌ للعَراقِيبِ مِن النارِ\" (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن هلالِ بن يِسَافٍ، عن أبي يحيى، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: رأَى رسولُ اللهِ ﷺ قومًا يَتَوَضَّئُون، فرأَى أعقابَهم تَلوحُ، فقال: \"ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ، أسْبِغوا الوُضوءَ\" (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن هلالِ بن يِسَافٍ، عن أبي يحيى الأعْرجِ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو، قال: أبْصَر رسولُ اللهِ ﷺ قومًا يَتَوَضَّئون لم يُتِمُّوا الوُضوءَ، فقال: \"أَسْبِغوا الوُضوءَ، ويلٌ للعَراقيبِ، أو الأعْقابِ، مِن النارِ\" (^٣).\n[حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ] (^٤)،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢٤/ ٢٦٩ (١٥٥١٠)، ٥/ ٤٢٥ (الميمنية) عن خلف بن الوليد به، وأخرجه ابن قانع في معجم الصحابة ٣/ ١٢٨، والطبراني ٢٠/ ٣٥٠ (٨٢٢) من طريق أيوب بن عتبة به.\n(^٢) أخرجه أحمد ١١/ ٤١٢ (٦٨٠٩)، والنسائى (١١١)، والبيهقى، ١/ ٦٩، وابن عبد البر في التمهيد ٢٤/ ٢٥٣ من طريق عبد الرحمن بن مهدي به.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٤١) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أحمد ١١/ ٤٧٥ (٦٨٨٣)، ومسلم (٢٤١) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الطيالسي (٢٤٠٤)، والطحاوى ١/ ٣٩ من طريق شعبة به.\n(^٤) سقط من: س.","vol":"8","page":206},{"text":"[عن رجلٍ مِن أهلِ مكةَ، عن عبدِ اللهِ (^١) بن عمرو، أن النبيَّ ﷺ رأَى قومًا يَتَوَضَّئون، فلم يُتِمُّوا الوضوءَ، فقال: \"ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن منصورٍ، عن هلالِ بن يِسَافٍ، عن أبي يحيى، عن عبدِ الله بن عمرٍو، أن رسول الله ﷺ رَأَى قومًا يَتَوَضَّئون وأعقابُهم تَلوحُ، فقال: \"ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ، أَسْبِغوا الوُضوءَ\" (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، عن إسرائيل، عن منصورٍ، عن هلالٍ، عن أبي يحيى مولى عبدِ اللهِ بن عمرٍو] (^٤)، [عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو] (^٥)، قال: كنَّا مع رسولِ اللهِ ﷺ بينَ مكةَ والمدينةِ، فسبَقَنا ناسٌ فتَوَضَّئوا، فجاء رسولُ اللهِ ﷺ، فرأَى أقدامَهم بيضًا مِن أثرِ الوُضوءِ، فقال: \"ويلٌ للعَراقيبِ مِن النارِ، أَسْبِغوا الوُضوءَ\".\nحدَّثني عليُّ بنُ عبدِ الأعلى المحاربيُّ (^٦)، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن مُطَّرِح بن يَزِيدَ، عن عُبيدِ اللَّهِ بن زَحْرٍ، عن عليٍّ بن يزيدَ، عن القاسمِ، عن أبي أُمامةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ\". قال: فما بقى في المسجدِ شَريفٌ ولا وَضيعٌ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"الرحمن\".\n(^٢) أخرجه أحمد ١١/ ٥١١ (٦٩١١) عن محمد بن جعفر به، والرجل المبهم هو يوسف بن ماهك، ومن هذا الطريق أخرجه أحمد ١١/ ٥٥٨، ٦٧٢ (٦٩٧٦، ٧١٠٣)، والبخاري (٦٠، ٩٦، ١٦٣)، ومسلم (٢٤١)، والنسائى في الكبرى (٥٨٨٥)، وابن خزيمة (١٦٦)، والطحاوى في شرح المعاني ١/ ٣٩، والبيهقى ١/ ٦٨، وابن عبد البر في التمهيد، ٢٤/ ٢٥٣، والبغوى في شرح السنة (٢٢٠).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة، ١/ ٢٦، وأحمد ١١/ ٨٢، ٤١٢ (٦٥٢٨، ٦٨٠٩)، ومسلم (٢٤١)، وابن ماجه (٤٥٠)، والنسائى (١١١) من طريق وكيع به، وأخرجه أبو داود (٩٧) من طريق سفيان به.\n(^٤) سقط من: س.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) سقط من: م.","vol":"8","page":207},{"text":"إلا نظَرْتُ إليه يُقَلِّبُ عُرْقُوبَيْه يَنْظُرُ إليهما (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا حسينٌ، عن زائدةَ، عن ليثٍ، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ سابِطٍ، عن أبي أُمامةَ، أو أخى أبي أُمامةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ أبْصَر أقوامًا يَتَوَضَّئون، وفى عَقِبِ أحدِهم - أو كعبِ أحدِهم - مثلُ موضعِ الدرهمَ - أو موضعِ الظُّفُرِ - لم يَمَسَّه الماءُ، فقال: \"ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ\". قال: فجعَل الرجلُ إذا رأَى في عقبِه شيئًا لم يُصِبْه الماء أعاد وُضوءَهُ (^٢).\nفإن قال قائلٌ: فما أنتَ قائلٌ فيما حدَّثكم به محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، عن يَعْلَى بن عَطاءٍ، عن أبيه، عن أَوْسِ بن أبى أَوْسٍ، قال: رأَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ توَضَّأ ومسَح على نعْلَيْه، ثم قام فصلَّى (^٣).\nوما حدَّثك به عبيدُ اللهِ (^٤) بنُ الحجاجِ بن المِنْهالِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا جَريرُ بنُ حازمٍ، قال: سَمِعْتُ الأعْمشَ، عن أبي وائلٍ، عن حُذيفةَ، قال: أتَى رسولُ اللهِ ﷺ سُبَاطةَ (^٥)، قومٍ، فبال عليها قائمًا، ثم دعا بماءٍ فتوَضَّأ ومسَح على نعليه (^٦).\nوما حدَّثك به الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: ثنا يَعْلَى بنُ عَطاءٍ، عن أبيه، عن أوْسِ بن أبى أوْسٍ، قال: رأَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ أَتى\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في العلل ١/ ٥٨ عن المحاربي به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة، ١/ ٢٦، والطبراني (٨١١٦)، والدارقطني ١/ ١٠٨، والبيهقى ١/ ٨٤ من طريق ليث.\n(^٣) أخرجه أحمد ٢٦/ ٧٩ (١٦١٥٨)، والطبراني (٦٠٧، ٦٠٨)، والحازمي في الاعتبار ص ٤٢ من طريق يحيى بن سعيد به، وأخرجه الطيالسي (١٢٠٩)، وغيره من طريق يعلى بن عطاء به.\n(^٤) في النسخ: \"عبد الله\". وينظر مسند الروياني (٨٢٦)، والأوسط للطبراني (٤٤٧٠)، وتهذيب الكمال ٥/ ٤٥٨.\n(^٥) السباطة: الكناسة تطرح بأفنية البيوت. القاموس \"س ب ط\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٣.","vol":"8","page":208},{"text":"سُبَاطةَ قومٍ، فتوَضَّأ ومسَح على قدميه (^١).\nوما أشْبَهَ ذلك مِن الأخبارِ الدالةِ على أن المسحَ ببعضِ الرجلين في الوُضوءِ مُجْزِئٌ؟\nقيل له: أما حديثُ أوسِ بن أبى أوسٍ فإنه لا دَلالة فيه على صحةِ ذلك، إذ لم يَكُن في الخبرِ الذي رُوِى عنه ذكر أنه رأَى النبيَّ ﷺ يتوَضَّأ بعد حدَثٍ يُوجِبُ عليه الوُضوءَ لصلاتِه، فمسَح على نعْلَيْه أو على قدميِه، وجائزٌ أن يَكونَ مَسْحُه على قدميه الذي ذكَره أوسٌ كان في وضوءٍ توَضَّأه مِن غيرِ حدثٍ كان منه وجَب عليه مِن أجلِه تَجْديدُ وُضوئه؛ لأن الروايةَ عنه ﷺ أنه كان إذا توَضَّأ لغيرِ حَدَثٍ كذلك يَفْعَلُ.\nيَدُلُّ على ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عُبيد المُحاربيُّ، قال: ثنا أبو مالكٍ الجَنْبيُّ، عن مسلمٍ، عن حَبَّةَ العُرَنيِّ، قال: رأيْتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁ شرِب في الرَّحَبةِ قائمًا، ثم توَضَّأ ومسَح على نعْلَيه، وقال: هذا وضوءُ مَن لم يُحْدِثُ، هكذا رأَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ صنَع (^٢).\nفقد أنْبَأ هذا الخبرُ عن صحةِ ما قلْنا في معنى حديثِ أَوْسٍ.\nفإن قال: فإن حديثَ أوْسٍ وإن كان مُحْتَمِلًا مِن المعنى ما قلت، فإنه مُحْتَمِلٌ أيضًا ما قاله مَن قال: إنه معنيٌّ به المسحُ على النعلين أو القدمين في وضوءٍ توَضَّأه رسولُ اللهِ ﷺ مِن حدثٍ.\nقيل: أحسنُ حالاتِ الخبرِ ما حُمِّل (^٣) ما قلتَ، إِن سُلِّم له ما ادَّعَى مِن احتمالِه\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الطهور (٣٨٨)، وفى غريب الحديث ١/ ٢٦٨ وأخرجه أحمد ٢٦/ ٧٧ (١٦١٥٦)، وأبو داود (١٦٠)، والطبراني (٦٠٣)، والحازمي في الاعتبار ص ٤٢، والبيهقى ١/ ٢٨٦ من طريق هشيم به.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٢٧٤ (٩٧٠)، وابن خزيمة (٢٠٠)، والبيهقى ١/ ٧٥ من طريق عبد خير عن علي.\n(^٣) في م: \"احتمل\".","vol":"8","page":209},{"text":"ما ذكَر مِن المسحِ على القدمِ أو النعلِ بعد الحدَثِ، وإن كان ذلك غيرَ مُحْتَمِله عندَنا، إذ كان غيرَ جائزٍ أن تكونَ فرائضُ اللهِ وسننُ رسولِه ﷺ مُتَنافيةً مُتَعارضةً، وقد صحَّ عنه ﷺ الأمرُ بعمومِ غسلِ القدمين في الوُضوءِ بالماءِ بالنقلِ المُسْتَفِيضِ القاطعِ عذْرَ مَن انِتهى إليه وبلَغه. وإذا كان ذلك عنه صحيحًا، فغيرَ جائزٍ أن يكونَ صحيحًا عنه إباحةُ تركِ غسلِ بعضِ ما قد أوْجَب فرضًا غَسْلَه في حالٍ واحدةٍ ووقتٍ واحدٍ؛ لأن ذلك إيجابُ فرضٍ وإبْطالُه في حالِ واحدةٍ، وذلك عن أحكامِ اللهِ وأحكامِ رسولِه ﷺ مُنْتَفٍ.\nغير أنا إذا سلَّمنا لمن ادَّعَى في حديثِ أوسٍ ما ادَّعَى - مِن احتمالِه مَسْحَ النبيِّ ﷺ على قدمِه في حالِ وضُوءٍ مِن حَدَثٍ، ففيه نبأٌ بالفَلَجِ عليه، فإنه لا حُجةَ له في ذلك - قلنا: فإذا كان مُحْتَمِلًا ما ادَّعَيْتَ، أَفَمُحْتَمِل هو ما قلْناه: إن ذلك كان مِن النبيِّ ﷺ في حالِ وُضوئه لا مِن حدثٍ؟\nفإن قال: لا. ثبَتَت مُكابَرتُه؛ لأنه لا بيانَ في خبرِ أوسٍ أن النبيَّ ﷺ ما فعَل ذلك في وُضوءِ مِن حدَثٍ.\nوإن قال: بل هو مُحْتَمِلٌ ما قلتَ، ومُحْتَمِلٌ ما قلْنا.\nقيل له: فما البُرْهانُ على أن تأويلَك الذي ادَّعَيْتَ فيه أولى به مِن تأويلِنا؟ فلن يَدَّعِيَ برهانًا على صحة دَعْواه في ذلك إلا عُورِض بمثلِه في خلافِ دَعواه.\nوأما حديثُ حُذيفةَ، فإن الثِّقاتِ الحُفَّاظَ مِن أصحابِ الأعمشِ حدَّثوا به عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن حُذيفةَ، أن النبيَّ ﷺ أتى سُبَاطةَ قومٍ، فبال قائما، ثم توَضّأ ومسَح على خُفَّيْه.\nحدَّثنا بذلك أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن حُذيفةَ، ح وحدَّثني المثنى، قال: ثنا ابنَ أبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، عن","vol":"8","page":210},{"text":"سُلَيمانَ، عن أبي وائلٍ، عن حُذيفةَ، ح وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدْريسَ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن حُذيفةَ، ح وحدَّثني أبو السائبِ. قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن شَقيقٍ، عن حُذيفةَ، ح وحدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرَّمْلَيُّ، قال: ثنا [عمى يحيى بنُ عيسى] (^١)، عن الأعمشِ، عن شَقيقٍ، عن حُذيفةَ، ح وحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن حُذيفةَ. وكلُّ هؤلاء يُحَدِّثُ ذلك عن الأعمشِ، بالإسنادِ الذي ذكَرْنا عن حُذيفةَ، أن النبيَّ ﷺ مسَح على خفَّيْه (^٢)، وهم أصحابُ الأعمشِ، ولم يَنْقُلْ هذا الحديثَ عن الأعمشِ غيرُ جَريرِ بن حازمٍ، ولو لم يُخالِفْه في ذلك مخالفٌ لوجَب التثبُّتُ فيه؛ لشُذوذه، فكيف والثِّقاتُ مِن أصحابِ الأعمشِ يُخالفونه في روايتِه ما روَى مِن ذلك، ولو صحَّ ذلك عن النبيِّ ﷺ كان جائزًا أن يَكونَ مسَح على نعليه وهما ملْبُوسَتان فوقَ الجَوْرَبَيْن، وإذا جاز ذلك لم يَكُنْ لأحدٍ صرفُ الخبرِ إلى أحدِ المعانى المحتمِلها الخبرُ إلا بحجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2471>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.</span>\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في \"الكعبِ\"؛ فقال بعضُهم بما حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: ثنا أبو نُعَيْم، قال: ثنا القاسمُ بنُ الفضلِ الحُدَّانيُّ، قال: قال أبو جعفرٍ: أين \"الكعبين\" (^٣) فقال القومُ: ههنا. فقال: هذا رأسُ الساقِ، ولكنَّ\n_________\n(^١) في النسخ: \"عمرو بن يحيى بن سعيد\"، وينظر ما تقدم في ١/ ٢٦٦، وتهذيب الكمال ٢٢/ ٦٣٥، ٣١/ ٤٨٨.\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٤٠٦)، وعبد الرزاق في مصنفه (٧٥١)، والحميدى (٤٤٢)، وابن أبي شيبة ١/ ١٢٣، وأحمد ٥/ ٣٨٢، ٤٠٢ (الميمنية)، والبخارى (٢٤٤)، ومسلم (٢٧٣)، وأبو داود (٢٣)، وابن ماجه (٢٠٥)، والترمذى (١٣)، النسائي (١٨)، وابن خزيمة (٦١) من طريق الأعمش به.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الكعبان\". والمثبت على حكاية لفظ الآية.","vol":"8","page":211},{"text":"الكعبين هما عندَ المَفْصِلِ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا أَشْهَبُ، قال: قال مالكٍ: الكعبُ الذي يَجِبُ الوُضوءَ إليه هو الكعبُ المُلْتَصِقُ بالساقِ المُحاذِى العَقِبَ، وليس بالظاهرِ في ظاهرِ القدمِ.\nوقال آخَرون بما حدَّثنا الربيعُ، قال: قال الشافعيُّ: لم أَعْلَمْ مُخالِفًا في أن الكعبَيْن اللذين ذكَرَهما اللهُ في كتابِه في الوُضوءَ هما الناتئان، وهما مَجْمَعُ مَفْصِلِ الساقِ والقدمِ (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن الكعبَيْن هما العظمان اللذان في مَفْصِلِ الساقِ والقدمِ، تُسَمِّيهما العربُ المِنْجَمَيْن. وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ يقولُ: هما عظما الساقِ في طرفِها.\nواخْتَلَف أهلُ العلمِ في وجوبِ غسلِهما في الوُضوءَ، وفي الحدِّ الذي يَنْبَغِي أن يَبْلُغَ بالغَسْلِ إليه مِن الرَّجْلين، نحوَ اختلافِهم في وجوبِ غسلِ المرفقَيْن، وفي الحدِّ الذي يَنْبَغِي أن يَبْلُغَ بالغَسْل إليه مِن اليدين. وقد ذكَرْنا ذلك ودلَّلنا على الصحيحِ مِن القولِ فيه بعِللِه فيما مضَى قبلُ بما أغْنَى عن إعادتِه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2472>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.</span>\nيعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾: وإن كنتم أصابَتْكم جَنابةٌ قبلَ أن تَقوموا إلى صلاتِكم فقمتُم إليها، ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾. يقولُ: فتَطَهَّرُوا بالاغْتسالِ منها قبلَ دخولِكم في صلاتِكم التي قمْتُم إليها.\n_________\n(^١) الأم ١/ ٢٧.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ١٨٣، ١٨٤.","vol":"8","page":212},{"text":"ووحَّد \"الجنبَ\" وهو خبرٌ عن الجميعِ؛ لأنه اسمٌ حَرَج مَخْرَجَ الفعلِ (^١)، كما قيل: رجلٌ عَدْلٌ وقومٌ عَدْلٌ، ورجلٌ زَوْرٌ وقومٌ زَوْرٌ (^٢). وما أشْبَهَ ذلك، لفظُ الواحدِ والجميعِ والاثنين والذكرِ والأُنثى فيه واحدٍ\nيقالُ منه: أَجْنَب الرجلُ وجَنُب واجتَنَب، والفعلُ الجنابةُ والإجْنابُ.\nوقد سُمِع في جمعِه أجنابٌ، وليس ذلك بالمُسْتَفِيضِ الفاشِي في كلامِ العربِ، بل الفصيحُ مِن كلامهمِ ما جاء به القرآنُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2473>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: وإن كنتم جَرْحَى أو مُجَدَّرِين (^٣) وأنتم جنبٌ.\nوقد بيَّنا أن ذلك كذلك فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه (^٤).\nوأما قولُه: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. فإنه يقولُ: وإن كنتم مُسافِرِين وأنتم جنبٌ. ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾. يقولُ: أو جاء أحدُكم مِن الغائطِ بعدَ قضاءَ حاجتِه فيه وهو مسافرٌ. وإنما عنَى بذكرِ مَجيئِه منه قضاءَ حاجتِه فيه. ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. يقولُ: أو جامَعْتُم النساءَ وأنتم مُسافِرون.\nوقد ذكَرْنا اخْتِلافَ المختلفين فيما مضَى قبلُ في \"اللمسِ\"، وبيَّنا أوْلَى الأقْوالِ في ذلك بالصوابِ فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه (^٥).\n_________\n(^١) يعني به المصدر، ومصطلحات النحو الكوفي ص ٥٣.\n(^٢) الزَّور: الزائرون. التاج (ز ور).\n(^٣) أي أصابكم الجدرى.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٧/ ٥٩ - ٦١.\n(^٥) ينظر ما تقدم في ٧/ ٦٣ - ٧٥.","vol":"8","page":213},{"text":"فإن قال قائلٌ: وما وجهُ تَكْريرِ قولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ (^١) النِّسَاءَ﴾. إن كان معنى اللمسِ الجماعَ، وقد مضَى ذكرُ الواجبِ عليه بقولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.\nقيل: وجهُ تَكْريرِ ذلك أن المعنى الذي [ذكَرَه تعالى] (^٢) مِن فرضِه بقولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. غيرُ المعنى الذي ألْزَمه بقولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ (١) النِّسَاءَ﴾. وذلك أنه بيَّن حكمَه في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. إذا كان له السبيلُ إلى الماءِ الذي يُطَهِّرُه، ففَرَض (^٣) عليه الاغْتِسالَ به، ثم بيَّن حكمه إذا أعْوَزه الماءُ فلم يَجْدْ إليه السبيلَ، وهو مُسافرٌ غيرُ مريضٍ مُقيمٍ، فأَعْلَمه أن التيممَ بالصعيدِ له حينَئذٍ الطَّهورُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2474>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾: فإن لم تَجِدوا أيُّها المؤمنون إذا قمْتُم إلى الصلاةِ وأنتم مَرْضَى مُقيمون، أو على سفرٍ أصحَّاءُ، أو قد جاء أحدٌ منكم مِن قضاءِ حاجتِه، أو جامعَ أهلَه في سفرِه - ماءً، ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. يقولُ: فتعَمَّدوا واقْصِدوا وجهَ الأرضِ، ﴿طَيِّبًا﴾. يعنى: طاهرًا نظيفًا غير قَذِرٍ ولا نَجِسٍ، جائزًا لكم حلالًا. ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾. يقولُ: فاضْرِبوا بأيديكم الصَّعيدَ الذي تَيَمَّمْتُموه وتعَمَّدْتُموه بأيديكم، فامْسَحوا بوجوهِكم وأيديكم مما عَلِق بأيديكم ﴿مِنْهُ﴾. يعنى: مِن الصعيدِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"لمستم\".\n(^٢) في ص، س: \"تَعالى ذكره\": ولعل صواب السياق في هاتين النسختين: ألزمه تعالى ذكره.\n(^٣) في م: \"فرض\".","vol":"8","page":214},{"text":"الذي ضرَبْتُموه بأيديكم، مِن تُرابِه وغُبارِه.\nوقد بيَّنا فيما مضى كيفيةَ \"المسحِ بالوجوهِ والأيْدِى منه\"، واخْتلافَ المختلفين \"في ذلك، والقولَ في معنى \"الصعيدِ\" و\"التيممِ\"، ودلَّلْنا على الصحيحِ مِن القولِ في كلِّ ذلك بما أغْنَى عن تكريرِه في هذا الموضعِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-2476>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾: ما يُرِيدُ اللهُ بما فرَض عليكم مِن الوُضوءَ إذا قمْتُم إلى صلاتِكم، والغُسْلِ مِنْ جَنابتِكم، والتيمُّم صعيدًا طيبًا عندَ عدمِكم الماءَ، ﴿لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾: ليُلْزِمَكم في دينِكم مِن ضِيقٍ، ولا لِيُعْنِتَكم فيه.\nوبما قلْنا في معنى \"الحرجِ\" قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2475>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن خالدِ بن دينارٍ، عن أبي العاليةِ، وعن أبي مكينٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾. قالا: مِن ضيقٍ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾: مِن ضِيقٍ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٧/ ٨٠ - ٩١.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٠٢ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"8","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2477>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾: ولكنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أن يُطَهِّرَكم بما فرَض عليكم مِن الوُضوءَ مِن الإحْداثِ، والغُسْلِ مِن الجنَابةِ، والتيممِ عنَد عدمِ الماءِ، فتُنظِّفوا وتُطَهِّروا بذلك أجْسامَكم مِن الذنوبِ.\nكما حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، قال: ثنا قَتادةُ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن أبي أُمامةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"إن الوُضوءَ يُكَفِّرُ ما قبلَه، ثم تَصِيرُ الصلاةُ نافلةً\". قال: قلتُ: أنت سمِعْتَ [ذلك مِن] (^١) رسولِ اللهِ ﷺ؟ قال: نعم، لا مرةً، ولا مرتين، ولا [ثلاثَ، ولا أربعَ، ولا خمسَ] (^٢) (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن أبي أُمامةَ صُدَيِّ بن عَجْلانَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ نحوَه (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ومحمدُ بنُ المثنى ويحيى بنَ داودَ الواسطيُّ، قالوا: ثنا إبراهيمُ بن يزيدَ [بن مَرْدانْبَه] (^٥) القرشيُّ، قال: أَخْبَرَنَا رَقَبَةُ بنُ مَصْقَلَةَ العبديُّ (^٦)، عن شِمْرِ بن عَطِيةَ، عن شهرِ بن حَوْشَب، عن أبي أُمامةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"مَن تَوَضَّأ فأَحْسَن الوُضوءَ، ثم قام إلى الصلاةِ، خرَجَت ذُنوبه مِن سمعِه وبصرِه ويديه\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) كذا في النسخ، وهو معطوف بالنصب على مرة ومرتين فقطع عن المضاف إليه وبقيت حركته. وعند أحمد والطيالسي: غير مرة، ولا مرتين، ولا ثلاث.\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٢٥١، ٢٦١ (الميمنية)، والطبراني (٧٥٧٠) من طريق سعيد به.\n(^٤) أخرجه الطيالسي (١٢٢٥)، وأحمد ٥/ ٢٥١ الميمنية، والطبراني (٧٥٧٢) من طريق هشام به.\n(^٥) في م: \"يزرانبه\"، وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٢٤١.\n(^٦) في ص: \"العبسي\"، وفى ت ١، ت ٢: \"العينى\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٢١٩.","vol":"8","page":216},{"text":"ورحليه\" (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن سالمِ بن أبي الجَعْدِ، عن كعبِ بن مُرَّةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ما مِن رجلٍ يَتَوَضَّأُ فيَغْسِلُ [يَدَيْه، أو ذِرَاعيه، إلا خرَجت خطاياه منهما، فإذا غسَل وجْهَه خرَجَت خطاياه مِن وَجْهِه] (^٢)، فإذا مسَح رأسَه خَرَجَت خَطاياه مِن رأسِه، وإذا غسَل رجليه خرَجَت خَطاياه مِن رجليه\" (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا حاتمٌ، عن محمدِ بن عَجْلانَ، عن أبي عُبيد مولى سليمانَ بن عبدِ الملكِ، عن عمرِو بن عَبَسةَ (^٤)، أنه قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"إذا غسَل المؤمنُ كَفَّيه انْتَثَرت الخطايا مِن كفَّيه، وإذا تَمَضْمَض واسْتَنْشَق خَرَجَت خَطاياه مِن فيه ومَنْخَرَيْه، وإذا غسَل وجهه خَرَجَت مِن وجهِه حتى تَخْرُجَ مِن أشْفاِر عينيه، فإذا غسَل يديه خرَجَت مِن يديه، فإذا مسَح رأسَه وأُذنيه خرَجَت مِن رأسِه وأذنيه، فإذا غسَل رجليه خرَجَت حتى تَخْرُجَ مِن أظفارِ قدميه، فإذا انْتَهَى إلى ذلك مِن وُضوئِه كان ذلك حظَّه منه، فإن قام فصلَّى\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (٧٥٦٣) مِن طريق يحيى بن داود الواسطى به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٦، وأحمد ٥/ ٢٥٢، ٢٥٦ (الميمنية)، والنسائى في الكبرى (١٠٦٤٣)، والطبراني (٧٥٦٠ - ٧٥٦٢، ٧٥٦٤)، وفى الأوسط (٤٤٣٩) من طريق شمر بن عطية به. وأخرجه أحمد ٥/ ٢٦٤ (الميمنية)، والطبراني (٧٥٦٥،٧٥٦٦) من طريق شهر به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يديه أو ذراعيه إلا خرَجَت خطاياه من وجهه\"، وفى م: وجهه إلا خرجت خطاياه من وجهه، وإذا اغسل يديه أو ذراعيه خرجت خطاياه مِن ذراعيه\"، وما في المطبوعة تصرف، وما في النسخ الأخرى فيه سقط، والمثبت من تفسير ابن كثير ٣/ ٥٦، فقد ذكره عن المصنف، ثم قال: هذا لفظه.\n(^٣) أخرجه أحمد ٢٩/ ٥٩٩ (١٨٠٥٩) مِن طريق منصور به، وأخرجه أحمد ٤/ ٣٢١ (الميمنية) من طريق الثورى، عن منصورٍ، عن سالم، عن رجل، عن كعب، وينظر علل الدارقطني.\n(^٤) في ص، ت ١: \"عنبسة\". وهو عمرو بن عبسة أبو نجيح السلمى.","vol":"8","page":217},{"text":"ركعتين مُقْبلًا فيهما بوجهه وقلبه على ربِّه، كان مِن خطاياه كيوم ولدته أمُّه\" (^١).\nحدَّثنا أبو الوليد الدمشقيِّ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: أَخْبَرنى مالكُ بنُ أنسٍ، عن سُهَيْلِ بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"إذا توَضَّأ العبدُ المسلمُ، أو المؤمنُ، فغسَل وجَهه، خرَجَت مِن وجهِه كلُّ خَطيئةٍ نظرَ إليها بعينَيِه مع الماءِ، أو مع آخرِ قطرةٍ مِن الماءِ - أو نحوَ هذا - وإذا غسَل يديه خرَجَت مِن يديه كلُّ خَطيئةٍ بطَشَت بها يداه مع الماءِ، أو مع آخرِ قطرةٍ مِن الماءِ حتى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِن الذنوبِ\" (^٢).\nحدَّثنا عِمْرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلَاعيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ عَيَّاشٍ، قال: ثنا أبو غَسَّانَ، قال: ثنا زيدُ بنُ أَسْلَمَ، عن حُمْرانَ مولى عثمانَ، قال: أَتَيْتُ عثمان بنَ عفانَ بوَضوءٍ وهو قاعدٌ، فتوَضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ وُضوئى هذا، ثم قال: \"مَن توضأ وضوئى هذا كان مِن ذنوبِه كيومِ ولدَتْه أمُّه، وكانت خُطاه إلى المساجدِ نافلةً\" (^٣).\nوقولُه: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾. فإنه يقولُ: ويُرِيدُ ربُّكم مع تطهيرِكم مِن ذنوبكم بطاعِتكم إياه فيما فرَض عليكم مِن الوُضوءَ والغُسْلِ إذا قمْتُم إلى الصلاةِ بالماءِ إن وجَدْتُموه، وتيممِكم إذا لم تَجِدوه - أن يُتِمَّ نعمتَه عليكم بإباحتِه لكم التيممَ، وتَصْييرِه لكم الصَّعيدِ الطيبَ طَهورًا، رُخْصةً منه لكم في ذلك، مع سائرِ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٣٢٠)، والحاكم ١/ ١٣١ من طريق أبي عبيد به.\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٣٢ ومن طريقه أحمد ١٣/ ٣٩٢ (٨٠٢٠)، ومسلم (٢٤٤)، والترمذى (٢)، وابن خزيمة (٤)، وأبو عوانة، ١/ ٢٤٦، والطحاوى في شرح معاني الآثار ١/ ٣٧، وابن حبان (١٠٤٠)، والبيهقى ١/ ٨١، والبغوى في شرح السنة (١٥٠). وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٥٥) من طريق سهيل بن أبي صالح به.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٢٩) من طريق زيد بن أسلم به.","vol":"8","page":218},{"text":"نِعمه التي أنْعَم بها عليكم أيُّها المؤمنون، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: تَشْكرون (^١) الله على نعمِه التي أنْعَمَها عليكم بطاعتِكم إياه فيما أمَرَكم ونهاكم.\n\n<span id=\"aya-676\"></span><span data-type='title' id=toc-2478>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أَيُّها المؤمنون، بالعُقودِ التي عقَدتُموها للهِ على أنفسِكم، واذْكُروا نعمته عليكم في ذلكم، بأن هداكم مِن العقودِ لما فيه الرضا، ووفَّقكم لما فيه نَجاتُكم مِن الضَّلالةِ والرَّدَى، في نِعَمٍ غيرها جَمَّةٍ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. قال: النِّعمُ آلاء الله (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ مُجاهدٍ مثلَه.\nوأما قولُه: ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾. فإنه يعنى: واذْكُروا أيضًا أيُّها المؤمنون في نعمِ اللهِ التي أنعم عليكم مَيثاقَه الذي واثَقَكم به، وهو عهدُه الذي عاهَدَكم به.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في \"الميثاق\" الذي ذكَره اللهُ ﷿ في هذه الآيةِ، أيَّ مَواثيقِه عنَى؟ فقال بعضُهم: عنَى به ميثاقَ اللهِ الذي واثَق به المؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ حين بايَعوا رسولَ اللهِ ﷺ على السمعِ والطاعةِ له فيما أحبُّوا وكرِهوا، والعملِ بكلِّ ما أمرَهم اللهُ به ورسولِه.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، س: \"تشكروا\". وصواب هذه النسخ: لكى تشكروا. سيأتي تفسير المصنف \"لعل\" بمعنى \"لكي\" ص ٦٥٧.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٠٢ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"8","page":219},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2479>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَ﴾ الآية. يعنى: حيثُ بعَث اللهُ النبيَّ ﷺ، وأَنْزَل عليه الكتابَ، فقالوا: آمنَّا بالنبيِّ وبالكتابِ، وأقْرَرْنا بما في التوراةِ. فذكَّرَهم اللهُ ميثاقَه الذي أقَرُّوا به على أنفسِهم، وأمرَهم بالوفاءِ به (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾: فإنه أخذ ميثاقنا، فقلنا: سَمِعْنا وأطَعْنا. على الإيمانِ والإقْرارِ به وبرسوله (^٢).\nوقال آخَرون: بل عنَى به جلَّ ثناؤُه ميثاقَه الذي أخَذ على عبادِه حينَ أَخْرَجَهم مِن صُلْبِ آدمَ ﷺ، وأشْهَدهم على أنفسِهم: ألسْتُ بربِّكم؟ فقالوا: بلى شهِدْنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2480>ذكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾. قال: الذي واثَق به بني آدمَ في ظهرِ آدمَ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ نحوَه.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (١٣٠٣١) مِن طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ٦/ ١٠٨ وابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٧.\n(^٣) تفسير مجاهد ٣٠٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"8","page":220},{"text":"وأولى الأقْوالِ بالصوابِ في تأويلِ ذلك قولُ ابن عباسٍ، وهو أن معناه: ﴿وَاذْكُرُوا﴾ أَيُّها المؤمنون ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ لتي أنعَمها عليكم بهدايتِه إياكم للإسلامِ، ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾. يعنى: وعهدَه الذي عاهَدَكم به حين بايَعْتُم رسولَه محمدًا ﷺ على السمعِ والطاعةِ له في المَنِشَطِ والمَكْرَه، والعُسْرِ واليُسْرِ، ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا (^١)﴾ ما قلْتَ لنا، وأخَذْتَ علينا مِن المَواثيقِ، وأطَعْناك فيما أمَرْتَنا به ونهَيْتَنا عنه. وأنْعَم عليكم أيضًا بتوفيقكم لقَبولِ ذلك منه بقولِكم له: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. يقولُ: ففُوا لِلَّهِ أَيُّها المؤمنون بميثاقِه الذي واثَقَكم به، ونعمتِه التي أنْعَم عليكم في ذلك بإقرارِكم على أنفسِكم بالسمعِ له والطاعةِ فيما أمَرَكم به، وفيما نهاكم عنه، يَفِ لكم بما ضمِن لكم الوفاءَ به - إذا أنتم وفَيْتُم له بميثاقه - مِن إتمام نعمته عليكم، وبإدْخالِكم جنته وبإنعامكم بالخلود في دارِ كرامتِه، وإنقاذِكم مِن عقابِه وأليمِ عذابِه.\nوإنما قلْنا: ذلك أولى بالصوابِ مِن قولِ مَن قال: عنَى به الميثاق الذي أخَذ عليهم في صُلْبِ آدمَ صلواتُ اللهِ عليه. لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه ذكَر بعَقِبِ تذكرةِ المؤمنين [ميثاقه الذي واثَقَهم به] (^٢)، ميثاقَه الذي واثَق به أهلَ التَّوراةِ بعد ما أَنْزَل كتابَه على نبيِّه موسى ﷺ فيما أمرَهَم به ونهاهم فيها، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ الآيات بعدها [المائدة: ١٢، ١٣]. مُنَبِّهًا بذلك أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ محمدٍ على مَواضعِ حُظوظِهم مِن الوَفاءِ للَّهِ بما عاهَدَهم عليه، ومُعَرِّفَهم سُوءَ عاقبةِ أهلِ الكتابِ في تَضْييعهم ما ضيَّعوا مِن ميثاقه الذي واثَقَهم به في أمرِه ونهيِه، وتَعْزيرِ أنبيائِه ورسلِه، زاجِرًا لهم عن نَكْثِ عُهودِهم، فيُحِلُّ بهم ما أحَلَّ بالناكِثين عهودَه مِن أهلِ الكتابِ قبلَهم.\n_________\n(^١) بعده في ت ١، س: \"وأطعنا\".\n(^٢) سقط من: م.","vol":"8","page":221},{"text":"فكان - إذ كان الذي ذكَّرَهم فوَعَظهم به، ونهاهم عن أن يَرْكَبُوا مِن الفعلِ مثلَه، ميثاقَ قومِ أخَذ مَيثاقَهم بعدَ إرْسالِ الرسولِ إليهم، وإنْزالِ الكتابِ عليهم - واجبًا أن يَكونَ الحالُ التي أخَذ فيها الميثاقَ، والموعوظين، نظيرَ حالِ الذين وُعِظوا بهم. وإذا كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا صحةُ ما قلْنا في ذلك وفسادُ خلافِه.\nوأما قولُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. فإنه وعيدٌ مِن اللهِ جلَّ اسمُه للمؤمنين كانوا (^١) برسولِه ﷺ مِن أصحابِه، وتَهَدُّدٌ (^٢) لهم أن يَنْقُضوا ميثاقَ اللهِ الذي واثَقَهم به في رسولِه، وعهدَهم الذي عاهَدوه فيه، بأن يُضْمروا له خلاف ما أبْدَوا له بألسنتهم.\nيقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: واتقوا الله أيُّها المؤمنون، فخافُوه أن تُبدِّلوا عهدَه، وتَنْقُضوا ميثاقَه الذي واثَقَكم به، أو تُخالِفوا ما ضمِنْتُم له بقولِكم: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. بأن تُضْمِروا له غير الوَفاءِ بذلك في أنفسِكم، فإن اللَّهَ مُطَّلِعٌ على ضَمائرِ صُدورِكم، وعالمٌ بما تُخْفِيه نفوسكم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن ذلك، فيُحِلَّ بكم مِن عقوبته ما لا قِبَلَ لكم به، كالذى حلَّ بمَن قبلكم مِن اليهودِ مِن المَسْخِ وصُنوفِ النِّقَمِ، وتَصِيروا في مَعادِكم إلى سَخَطِ اللهِ وأليم عقابه.\n\n<span id=\"aya-677\"></span><span data-type='title' id=toc-2481>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا أَيُّها الذين آمَنوا باللهِ وبرسولِه محمدٍ، لِيَكُنْ مِن أخْلاقِكم وصِفاتِكم القيامُ اللهِ شُهداءَ بالعدلِ في أوليائِكم وأعدائِكم، ولا تَجُورُوا في أحْكامِكم وأفعالِكم، فتُجاوزوا ما حدَّدْتُ لكم في أعدائِكم لعَداوتهم لكم، ولا تُقَصِّروا فيما حدَّدْتُ لكم مِن أحكامي وحُدودى في أوليائِكم لولايتِهم لكم، ولكن\n_________\n(^١) في م: \"الذين طافوا\".\n(^٢) في م: \"تهديدا\".","vol":"8","page":222},{"text":"انْتَهُوا في جميعِهم إلى حَدِّي، واعْمَلُوا فيه بأمْرِى.\nوأما قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾. فإنه يقولُ: ولا يَحْمِلَنَّكُم عَداوة قومٍ على ألا تَعْدِلُوا في حُكْمِكم فيهم، وسِيرتِكم بينَهم، فتَجُورُوا عليهم مِن أجلِ ما بينَكم وبينَهم مِن العَداوة.\nوقد ذكَرْنا الرواية عن أهلِ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥]. وفى قولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: ٢]. واختلافَ المختلفين في قراءةِ ذلك، والذي هو أولى بالصوابِ مِن القولِ فيه والقراءةِ بالأدلةِ الدالة على صحتِه بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nوقد قيل: إن هذه الآيةَ نزَلَت على رسولِ اللهِ ﷺ حين همَّت اليهودُ بقتلِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2482>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾: نزَلَت في يهودَ حين (^٢) أرادوا قتلَ النبيِّ ﷺ\nوقال ابن جُريج: قال عبد الله بن كثير: ذهَب رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى يهودَ يَسْتَعِينُهم (^٣) في دية، فهمُّوا أن يَقْتُلوه، فذلك قولُه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٤٤ وما بعدها، ٧/ ٥٨٤ وما بعدها.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حنين\". وهو تحريف، وفى م والدر المنثور: \"خيبر\". وأثبتناه كما في التبيان ٣/ ٤٦١، قال: نزلت في يهود حين مضى النبي إلى حصن بني قريظة. فذكره ويلاحظ أنه ذكر بني قريظة ولم يذكر خيبر ولا حنينًا. ولا وجه لكل ذلك فإن الصواب - كما سيأتي بعد قليل - أنهم بنو النضير حين ذهب إليهم النبي ﷺ يستعينهم في دية الرجلين مِن بني عامر، فتآمروا على قتله. راجع ذلك في سيرة ابن هشام ٣/ ١٨٣ - ١٩٠، وفى البداية والنهاية ٥/ ٥٢٨ - ٥٣٤.\n(^٣) في ت:١: \"يستغيثهم\"، وفى س: \"يستفتيهم\".","vol":"8","page":223},{"text":"عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ الآية (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-2483>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿اعْدِلُوا﴾ أيُّها المؤمنون على كلِّ أحدٍ مِن الناسِ، وليًّا لكم كان أو عدوًّا، فاحْمِلوهم على ما أمَرْتُكم أن تَحْمِلوهم عليه مِن أحْكامي، ولا تَجُورُوا بأحدٍ منهم عنه.\nوأما قولُه: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ فإنه يعنى بقولِه: ﴿هُوَ﴾: العدلُ عليهم أقربُ لكم أيُّها المؤمنون إلى التقوى يعنى: إلى أن تكونوا عندَ اللَّهِ باسْتِعمالِكم إياه مِن أهلِ التقوى، وهم أهلُ الخوفِ والحذَرِ مِن اللهِ أن يُخالفوه في شيءٍ مِن أمره، أو يَأتوا شيئًا مِن مَعاصِيه.\nوإنما وصَف جلَّ ثناؤه العَدْلَ بما وصَف به مِن أَنه ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ مِن الجَوْرِ؛ لأن مَن كان عادلًا، كان للهِ بعدلِه مُطيعًا، ومَن كان للَّهِ مُطيعًا، كان لا شكَّ مِن أهلِ التقوى، ومَن كان جائزًا، كان للهِ عاصيًا، ومَن كان للهِ عاصِيًا كان بعيدًا مِن تَقواه.\nوإنما كنى بقولِه: ﴿هُوَ أَقْرَبُ﴾. عن الفعل (^٢)، والعربُ تَكْنى عن الأفعالِ إذا كَنَتْ عنها بـ \"هو\" وبـ \"ذلك\"، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النحل: ٥٩]، و﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ (^٣)﴾ ولو لم يَكُنْ في الكلامِ ﴿هُوَ﴾، لكان ﴿أَقْرَبُ﴾ نصبًا،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٥ إلى المصنف.\n(^٢) يريد المصدر.\n(^٣) في النسخ: \"لكم\". وليس في القرآن: ذلك أزكى لكم\". وإنما فيه: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. وفيه: ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨] وما أثبتناه هو قول الله ﷿ في سورة النور الآية: ٣٠.","vol":"8","page":224},{"text":"ولقيل: اعْدِلوا أقْربَ للتقوى. كما قيل: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١].\nوأما قولُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. فإنه يعنى: واحْذَروا أيُّها المؤمنون أن تَجُورُوا في عباده، فتُجاوِزوا فيهم حكمه وقضاءه الذي بيَّن لكم، فيُحِلَّ بكم عقوبتَه، وتَسْتَوْجِبوا منه أليمَ نَكَالِه، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إن الله ذو خبرةٍ وعلمٍ بما تَعْمَلُون أَيُّها المؤمنون فيما أمَرَكم به، وفيما نهاكم عنه مِن عملٍ به أو خلافٍ له، مُخصٍ ذلكم عليكم كلَّه، حتى يُجازيكم به جزاءَكم؛ المحسنَ منكم بإحسانِه، والمُسيءَ بإساءته، فاتقوا الله (^١) أن تُسِيئوا.\n\n<span id=\"aya-678\"></span><span data-type='title' id=toc-2484>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: وعد اللهُ أيُّها الناسُ الذين صدَّقوا الله ورسولَه، وأقَرُّوا بما جاءَهم به مِن عند ربِّهم، وعمِلوا بما واثَقَهم اللهُ به، وأوْفَوْا بالعقود التي عاقَدَهم عليها بقولهم: لنَسْمَعَنَّ ولَنُطِيعَنَّ اللَّهَ ورسولَه. فسمِعوا أمرَ اللهِ ونهيَه، وأطاعوه فعمِلوا بما أَمَرَهم الله به، وانْتَهَوْا عما نهاهم عنه.\nويعنى بقولِه: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لهؤلاء الذين وفَّوْا بالعقودِ والميثاقِ الذي واثَقَهم به ربُّهم، ﴿مَغْفِرَةٌ﴾، وهى سترُ ذنوبهمِ السالفةِ منهم عليهم، عليهم، وتَغْطيتَها بعفوِه لهم عنها، وتركِه عقوبتَهم عليها، وفضيحتَهم بها، ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم مع عفوه لهم عن ذنوبهم السالفة منهم جزاءً على أعمالِهم التي\n_________\n(^١) سقط من: م.","vol":"8","page":225},{"text":"عمِلوها، ووفائِهم بالعقودِ التي عاقَدوا ربَّهم عليها أجرٌ عظيمٌ. والعظيمُ مِن خيرٍ غيرُ محدودٍ مبلغُه ولا يَعْرِفُ مُنتهاه غيرُه تعالى ذكره.\nفإن قال قائلٌ: إن الله جلَّ ثناؤُه أخْبَر في هذه الآيةِ أنه وعَد الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ، ولم يُخْبِرْ بما وعَدَهم، فأين الخبر عن الموعودِ؟\nقيل: بلى، إنه قد أخْبَر عن الموعودِ، والموعود هو قولُه: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.\nفإن قال (^١): فإن قولَه: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ خبرٌ مبتدأٌ، ولو كان هو الموعودَ لَقيل: وعَد اللهُ الذين آمَنوا وعملوا الصالحاتِ مغفرةً وأجْرًا عظيمًا. ولم يَدْخُلْ في ذلك ﴿لَهُمْ﴾. وفى دخولِ ذلك فيه دلالةٌ على ابتداءِ الكلامِ وانقضاءِ الخبرِ عن الوعدِ.\nقيل: إن ذلك وإن كان ظاهره ما ذكَرْتَ، فإنه مما اكتُفِى بدلالةِ ما ظهَر مِن الكلامِ على ما بطَن مِن معناه، مِن ذكر بعض قد تُرِك ذكره فيه. وذلك أن معنى الكلامِ: وعَد اللهُ الذين آمَنوا وعملوا الصالحاتِ أَن يَغْفِرَ لهم ويَأْجُرَهم أَجْرًا عَظِيمًا. لأن مِن شأن العربِ أن يُصْحِبوا الوعد \"أن\" (^٢)؛ يُعْمِلوه فيها، فتُرِكَت \"أن\" إذ كان الوعدُ قولًا، ومن شأنِ القولِ (^٣) أن يَكونَ ما بعده مِن جملِ الأخبارِ مبتدأً وذُكر بعدَه جملةُ الخبرِ اجْتزاءً بدلالةِ ظاهرِ الكلامِ على معناه، وصرفًا للوعدِ الموافقِ للقولِ في معناه - وإن كان للفظِه مُخالِفًا - إلى معناه، فكأنه قيل: قال اللهُ: للذين آمُنوا وعمِلوا الصالحاتِ مغفرةً وأجرٌ عظيم.\nوكان بعضُ نحويى البصرةِ يقولُ: إنما قيل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا\n_________\n(^١) بعده في م، ت ٢: \"قائل\".\n(^٢) في م: \"وأن\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"القرآن\".","vol":"8","page":226},{"text":"وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ في (^١) الوعدِ الذي وُعِدوا. فكان معنى الكلامِ على تأويلِ قائلِ هذا القولِ: وعد اللَّهِ الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ لهم مغفرةٌ وأجرٌ عظيمٌ (^٢).\n\n<span id=\"aya-679\"></span><span data-type='title' id=toc-2485>القولُ في تأويلِ قولِه عزّ ذكرُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾: والذين جحَدوا وحْدانيةَ اللَّهِ، ونقَضوا ميثاقَه وعقودَه التي عاقَدوها إياه، ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: وكذَّبوا بأدلةِ اللَّهِ وحُجَجِه الدالةِ على وحدانيتِه التي جاءَت بها الرسلُ وغيرُها، ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين هذه صفتُهم أهلُ الجحيمِ. يعنى: أهلُ النارِ الذين يَخْلُدون فيها، ولا يَخْرُجون منها أبدًا.\n\n<span id=\"aya-680\"></span><span data-type='title' id=toc-2486>القولُ في تأويلِ قوله عز ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَقَرُّوا بتوحيدِ اللَّهِ ورسالةِ رسولِه ﷺ وما جاءَهم به مِن عندِ ربِّهم، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: اذكُروا النعمةَ التي أنْعَم اللَّهُ بها عليكم، فاشْكُروه عليها بالوفاء له بميثاقِه الذي واثَقَكم به، والعقودِ التي عاقَدْتُم نبيَّكم ﷺ عليها. ثم وصَف نعمتَه التي أمَرَهم جلَّ ثناؤُه بالشكرِ عليها مع سائرِ نعمِه، فقال: هي كفُّه عنكم أيدىَ القومِ الذين همُّوا بالبطْشِ بكم، فصرَفَهم عنكم، وحال بينَهم وبينَ ما أرادوه بكم.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ هذه النعمةِ التي ذكَّر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أصحابَ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) كذا في النسخ، ولعل تمام السياق: فيما وعدهم فيه. وينظر تفسير القرطبي ٦/ ١١٠.","vol":"8","page":227},{"text":"نبيِّه ﷺ بها، وأمَرَهم بالشكرِ له عليها؛ فقال بعضُهم: هو استنْقاذُ اللَّهِ نبيَّه محمدًا ﷺ وأصحابَه مما كانت اليهودُ مِن بنى النَّضيرِ همُّوا به يومَ أَتَوْهم يَسْتَحْمِلونهم ديةَ العامريَّيْن اللذين قتَلهما عمرُو بنُ أميةَ الضَّمْريُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2487>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن عاصمِ بن عمرَ بن قتادةَ وعبدِ اللَّهِ بن أبى بكرٍ، قالا: خرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى بنى النَّضيرِ ليَسْتَعِينَهم على ديةِ العامريَّين اللذين قتَلَهما عمرُو بنُ أميةَ الضَّمْرِيُّ، فلمَّا جَاءَهم خلا بعضُهم ببعضٍ، فقالوا: إنكم لن تَجِدوا محمدًا أقربَ منه الآنَ، فمُروا رجلًا يَظْهَرُ (^١) على هذا البيتِ، فيَطْرَحُ عليه صخْرةً، فيُرِيحُنا منه. فقال (^٢) عمرُو بنُ جِحَاشِ كعبٍ: أنا (^٣). فأتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ الخبرُ، وانْصَرَف عنهم، فأَنْزَلَ اللَّهُ عز ذكرُه فيهم، وفيما أراد هو وقومُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾. قال: اليهودُ، دخَل عليهم النبيُّ ﷺ حائطًا لهم، وأصحابُه مِن وراءِ جِدارِه، فاسْتَعانهم في مَغْرَمِ ديةٍ غرِمها، ثم قام مِن عندِهم، فائْتَمَروا بينَهم بقتِله، فخرَج يَمْشِي القَهْقَرَى يَنْظُرُ إليهم، ثم دعا أصحابه رجلًا رجلًا حتى تَتَامُّوا إليه (^٥).\n_________\n(^١) أي: يعلو سقفه، أو يعتلى ظهره.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فقام\".\n(^٣) سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٦٣، وأخرجه البيهقى في الدلائل ٣/ ٣٥٤ من طريق ابن إسحاق قوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٦ إلى ابن المنذر.\n(^٥) تفسير مجاهد ٣٠٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"8","page":228},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾: يهودُ، حينَ دخَل النبيُّ ﷺ حائطًا لهم، وأصحابُه مِن وراءِ جِدارٍ لهم، فاسْتَعانهم في مَغْرَمٍ، في ديةٍ (^١) غرِمها، ثم قام مِن عندِهم، فائْتَمَروا بينَهم بقتلِه، فخرَج يَمْشِى مُعْتَرِضًا يَنْظُرُ إليهم خِيفتَهم، ثم دعا أصحابَه رجلًا رجلًا حتى تَتَامُّوا إليه، قال اللَّهُ جل وعز: ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنى أبو مَعْشَرٍ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، قال: جاء رسولُ اللَّهِ ﷺ بنى النَّضيرِ يَسْتَعِينُهم في عَقْلٍ أصابه، ومعه أبو بكرٍ وعمرُ وعليٌّ، فقال: \"أَعِينونى في عَقْلٍ أصابنى\". فقالوا: نعم يا أبا القاسمِ، قد آنَ لك أن تَأْتِيَنا وتَسْأَلَنا حاجةً، اجْلِسْ حتى نُطْعِمَك ونُعْطِيَك الذي تَسْأَلُنا. فجلس رسولُ اللَّهِ ﷺ وأصحابُه يَنْتَظِرونه، وجاء حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وهو رأسُ القومِ، وهو الذي قال الرسولِ اللَّهِ ﷺ ما قال، فقال حُيَيٌّ لأصحابِه: لا تَرَوْنَه أقربَ منه الآنَ، اطْرَحوا عليه حِجارةً فاقْتُلوه، ولا تَرَوْن شرًّا أبدًا. فجاءوا إلى رحًى لهم عظيمةٍ ليَطْرَحوها عليه، فأَمْسَك اللَّهُ عنها أيْديَهم، حتى جاءه جبريلُ ﷺ، فأقامه مِن ثَمَّ، فأَنْزَل اللَّهُ جلَّ وعزَّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾. فَأَخْبَرَ اللَّهُ عزَّ ذكرُه نبيَّه ﷺ ما أرادوا به (^٢).\nحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن كثيرٍ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الدية\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٦ إلى المصنف.","vol":"8","page":229},{"text":"قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية. قال: يهودُ، دخَل عليهم النبيُّ ﷺ حائطًا، فاسْتَعانهم في مَغْرَمٍ غرِمه، فائْتَمَروا بينَهم بقتلِه، فقام مِن عندِهم، فخرَج مُعْتَرِضًا يَنْظُرُ إليهم خِيفتَهم، ثم دعا أصحابَه رجلًا رجلًا حتى تَتَامُّوا إليه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ، قال: بعَث رسولُ اللَّهِ ﷺ المنذرَ بنَ عمرٍو الأنصاريَّ أحدَ بنى النجارِ، وهو أحدُ النُّقباءِ ليلةَ العقبةِ - فبَعَثه في ثلاثين راكبًا مِن المهاجرين والأنصارِ، فخرَجوا، فلقُوا عامرَ بنَ الطُّفَيلِ بن مالكِ بن جعفرٍ على بئرِ مَعُونةَ، وهى مِن مياهِ بنى عامرٍ، فاقْتَتَلوا، فقُتِل المنذرُ وأصحابُه إلا ثلاثةَ نَفَرٍ كانوا في طلبِ ضالَّةٍ لهم فلم يَرُعْهم إلا والطيرُ تَحُومُ في السماءِ، يَسْقُطُ مِن بين خَراطيمِها عَلَقُ الدمِ (^٢)، فقال أحدُ النفرِ: قُتِل أصحابُنا والرحمنِ. ثم تَوَلَّى يَشْتَدُّ حتى لقِى رجلًا، فاخْتَلَفا ضربَتْين، فلمَّا خالَطَتْه الضربةُ، رفَع رأسَه إلى السماءِ ففتَح عينيه، ثم قال: اللَّهُ أكبرُ، الجنةُ وربِّ العالمين. فكان يُدْعَى أَعْنَقَ لِيَمُوتَ (^٣)، ورجَع صاحباه، فلقِيا رجلين مِن بنى سُلَيمٍ، وبينَ النبيِّ ﷺ وبينَ قومِهما مُوَادعةٌ، فانْتَسَبا لهما إلى بنى عامرٍ، فقتَلاهما، وقدِم قومُهما إلى النبيِّ ﷺ يَطْلُبون الديةَ، فخرَج ومعه أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ وطلحةُ وعبد الرحمنِ بنُ عوفٍ، حتى دخَلوا على كعبِ بن الأشرفِ ويهودِ بنى النَّضيرِ، فاسْتَعانهم في عَقْلِهما، قال: فاجْتَمَعَت (^٤) اليهودُ لقتلِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه، واعْتَلُّوا بصَنيعةِ الطعامِ، فأتاه جبريلُ ﷺ بالذي أجمعت (^٥) عليه يهودُ مِن الغَدْرِ، فخرَج ثم دعا عليًّا، فقال: \"لا تَبْرَحْ مَقامَك، فمَن خرَج عليك\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢٢٤.\n(^٢) العلق: قطع الدم، الواحدة: علقة. النهاية ٣/ ٢٩٠.\n(^٣) أعنق ليموت: أي أن المنية أسرعت به وساقته إلى مصرعه. اللسان (ع ن ق).\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فرجع\".\n(^٥) في م: \"اجتمعت\".","vol":"8","page":230},{"text":"مِن أصحابى فسأَلك عنى، فقلْ: وَجَّه إلى (^١) المدينةِ فأدْرِكوه\". قال: فجعَلوا يَمُرُّون على عليٍّ، فيَأْمُرُهم بالذي أمَرَه، حتى أتَى عليه آخِرُهم، ثم تبِعَهم، فذلك قولُه: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ (^٢) [المائدة: ١٣].\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾. قال: نزَلَت في كعبِ بن الأشْرفِ وأصحابِه، حينَ أرادوا أن يَغْدِروا برسولِ اللَّهِ ﷺ (^٣).\nوقال آخَرون: بل النعمةُ التي ذكَرها اللَّهُ في هذه الآيةِ، فأمَر المؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بالشُّكرِ له عليها، أن اليهودَ كانت هَمَّت بقتلِ النبيِّ ﷺ في طعامٍ دعَوْه إليه، فأعْلَم اللَّهُ ﷿ نبيَّه ﷺ ما همُّوا به، فانْتَهى هو وأصحابُه عن إجابتِهم إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2488>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾: وذلك أن قومًا مِن اليهودِ صنَعوا الرسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه طعامًا ليَقْتُلوه إذا أتَى الطعامَ، فأَوْحَى اللَّهُ إليه بشأنِهم فلم يأتِ الطعامَ، وأمَر أصحابَه فأتَوْه (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: ص.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٦ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٩ عن أبي مالك، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) في م: \"فأبوه\"، وفى الدر المنثور: \"فلم يأتوه\". والمثبت من بقية النسخ موافق لما في مخطوطة تفسير ابن كثير، ومعنى: فأتوه: أتوا النبيَّ ﷺ. كما في الآثار قبله. =","vol":"8","page":231},{"text":"وقال آخَرون: عنَى اللَّهُ جلَّ ثناؤُه بذلك النعمةَ التي أَنْعَمَها على المؤمنين بإطْلاعِ نبيِّه ﷺ على ما همَّ به عدوُّه وعدوُّهم مِن المشركين يومَ بَطْنِ نَخْلٍ مِن اغْترارِهم إياهم والإيقاعِ بهم إذا هم اشْتَغَلوا عنهم بصلاتِهم، فسجَدوا فيها، وتعريفِه نبيَّه ﷺ الحِذارَ مِن عدوِّه في صلاتِه بتعليمِه إياه صلاةَ الخوفِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2489>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية: ذُكِر لنا أنها نزَلَت على رسولِ اللَّهِ ﷺ وهو ببَطْنِ نخلٍ في الغَزْوةِ السابعةِ (^١)، فأراد بنو ثعلبةَ وبنو مُحاربٍ أن يَفْتِكوا به، فأَطْلَعَه اللَّهُ على ذلك. ذُكِر لنا أن رجلًا انْتَدَب لقتلِه، فأتَى نبيَّ اللَّهِ ﷺ وسيفُه موضوعٌ، فقال: آخُذُه يا نبيَّ اللَّهِ؟ قال: \"خُذْه\". قال: أَسْتَلُّه؟ قال: \"نعم\". فسلَّه، فقال: مَن يَمْنَعُك منى؟ قال: \"اللَّهُ يَمْنَعُنى منك\". فهدَّده أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ، وأغْلَظوا له القولَ، فشام (^٢) السيفَ، وأمَر نبيُّ اللَّهِ ﷺ أصحابَه بالرحيلِ، فأُنْزِلَت عليه صلاةُ الخوفِ عندَ ذلك (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، ذكَره عن أبي سلمةَ، عن جابرٍ، أن النبيَّ ﷺ نزَل منزلًا، وتفَرَّق الناسُ في العِضاهِ (^٤) يَسْتَظِلُّون تحتَها، فعلَّق النبيُّ ﷺ سلاحَه بشجرةٍ، فجاء أعرابيٌّ إلى سيفِ\n_________\n= والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٩ عن العوفى، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^١) في الدر المنثور: \"الغزوة الثانية\".\n(^٢) شام السيف يشيمه: غمده، وأيضًا: استله. فهو من الأضداد. والمراد هنا الأول تاج العروس (ش ى م).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) العِضاه: شجر أم غيلان، وكل شجر عظيم له شوك، الواحدة: عِضة بالتاء، وقيل واحدته: عضاهة النهاية ٣/ ٢٥٥.","vol":"8","page":232},{"text":"رسولِ اللَّهِ ﷺ، وأخَذَه فسلَّه، ثم أقْبَل على النبيِّ ﷺ، فقال: مَن يَمْنَعُك منى؟ والنبيُّ ﷺ يقولُ: \"اللَّهُ\". فشامَ الأعْرابيُّ السيفَ، فدعا النبيُّ ﷺ أصحابَه، فأَخْبَرَهم خبرَ الأعرابيِّ، وهو جالسٌ إلى جنبِه لم يُعاقِبْه.\nقال مَعْمَرٌ: وكان قَتادة يَذْكُرُ نحوَ هذا، وذكَر أن قومًا مِن العربِ أرادوا أن يَفْتِكُوا برسولِ اللَّهِ ﷺ، فأرْسَلوا هذا الأعرابيَّ. وتأَوَّل: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية (^١).\nوأولى الأقوالِ بالصحةِ في تأويلِ ذلك قولُ مَن قال: عنَى اللَّهُ بالنعمةِ التي ذكَر في هذه الآيةِ نعمتَه على المؤمنين به وبرسولِه التي أنْعَم بها عليهم في استْنِقاذِه نبيَّهم محمدًا ﷺ، مما كانت يهودُ بنى النَّضِيرِ همَّت به مِن قتلِه وقتْلِ مَن معه، يومَ سار إليهم نبيُّ اللَّهِ ﷺ في الديةِ التي كان تَحَمَّلَها عن قتيلَىْ عمرِو بنِ أُميةَ.\nوإنما قلْنا: ذلك أولى بالصحةِ في تأويلِ ذلك؛ لأن اللَّهَ عقَّب ذكْرَ ذلك برمْى اليهودِ بصَنائعِها، وقَبيحِ أفعالِها، وخِيانتِها ربَّها وأنْبياءَها، ثم أمَر نبيَّه ﷺ بالعفوِ عنهم والصَّفْحِ عن عظيمِ جهلِهم، فكان معلومًا بذلك أنه ﷺ لم يُؤْمَرُ بالعفوِ عنهم والصَّفْحَ عَقِيبَ قولِه ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾. ومَن (^٢) غيرُهم كان يَبْسُطُ الأيْدىَ إليهم. لأنه لو كان الذين همُّوا بيبسطِ الأيدى إليهم غيرَهم، لكان حَرِيًّا أن يَكونَ الأمرُ بالعفوِ والصفحِ عنهم، لا عمَّن لم يَجْرِ لهم بذلك ذكرٌ، ولَكان الوصفُ بالخيانةِ في وصفِهم في هذا الموضعِ، لا في وصفِ مَن لم يَجْرِ لخيانتِه ذكرٌ، ففى ذلك ما يُنْبِئُ عن صحةِ ما قضَيْنا له بالصحةِ مِن التأويلاتِ في ذلك دونَ ما خالَفه.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٥، ومن طريقه عبد بن حميد (١٠٨٢)، والبخارى (٤١٣٩)، ومسلم (٨٤٣).\n(^٢) كذا في النسخ، ولعل صواب الكلام أن يكون: وغيرهم بحذف \"من\".","vol":"8","page":233},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2490>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه: واحْذَرُوا اللَّهَ أَيُّها المؤمنون أن تُخالِفوه فيما أمَرَكم ونهاكم أن تَنْقُضوا المِيثاقَ الذي واثَقَكم به، فتَسْتَوْجِبوا منه العقابَ الذي لا قِبَلَ لكم به، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: وإلى اللَّهِ فَلْيُلْقِ أَزِمَّةَ أُمورِهم، ويَسْتَسْلِمْ لقَضائِه، ويَثِقْ بنصرتِه وعونِه، المُقِرُّون بوَحدانيّةِ اللَّهِ ورسالةِ رسولِه، العامِلون بأمرِه ونهيِه، فإن ذلك مِن كمالِ دينِهم وتَمامِ إيمانِهم، وأنهم إذا فعَلوا ذلك كَلأهم ورعاهم، وحفِظهم ممَّن أرادهم بسوءٍ، كما حفِظكم ودافَع عنكم أيُّها المؤمنون اليهودَ الذين همُّوا بما همُّوا به مِن بسْطِ أيديهم إليكم؛ كَلاءَةً منه لكم، إذ كنتم مِن أهلِ الإيمانِ به وبرسولِه دونَ غيرِه، فإن غيرَه لا يُطِيقُ دَفعَ سوءٍ أراد بكم ربُّكم، ولا اجتلابَ نفعٍ لكم لم يَقْضِه لكم.\n\n<span id=\"aya-681\"></span><span data-type='title' id=toc-2491>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾.</span>\nوهذه الآيةُ أُنْزِلَتْ إعلامًا مِن اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه نبيَّه محمدًا ﷺ والمؤمنين به، أخلاقَ الذين همُّوا ببسطِ أيديهم إليهم مِن اليهودِ.\nكالذى حدَّثنا الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مُبَارَكٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: اليهودُ مِن أهلِ الكتابِ.\nوأن الذي همُّوا به مِن الغدرِ ونقْضِ العهدِ الذي بينَهم وبينَه مِن صفاتِهم وصفاتِ أوائلِهم، وأخْلاقِهم وأخلاقِ أسلافِهم قديمًا، واحْتِجاجًا لنبيِّه ﷺ على اليهودِ بإطلاعِه إياه على ما كان علمُه عندَهم دونَ العربِ، مِن خَفِيِّ أمورِهم، ومَكْنونِ علومِهم، وتَوْبيخًا لليهودِ في تَمادِيهم في الغَيِّ، وإصْرارِهم على الكفرِ مع","vol":"8","page":234},{"text":"عليهم بخطأَ ما هم عليه مُقِيمون.\nيقولُ اللَّهُ عز ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: لا تَسْتَعْظِموا أمرَ الذين همُّوا ببسطِ أيديهم إليكم مِن هؤلاء اليهودِ بما همُّوا به لكم، ولا أمْرَ الغدرِ الذي حاوَلوه وأرادوه بكم، فإن ذلك مِن أخلاقِ أوائلِهم وأسلافِهم، لا يَعْدُون أن يكونوا على مِنهاجِ أوَّلِهم وطريقِ فَرَطهم (^١).\nثم ابْتَدَأَ الخبرَ عزَّ ذكرُه عن بعضِ غَدَراتِهم وخياناتِهم، وجراءَتِهم على ربِّهم، ونقضِهم ميثاقَهم الذي واثقَهم عليه بارئُهم (^٢)، مع نعمِه التي خصَّهم بها، وكَراماتِه التي طوَّقهم شكرَها، فقال: ولقد أخَذ اللَّهُ ميثاقَ سَلَفِ مَن همَّ بيسْطِ يدِه إليكم مِن يهودِ بنى إسرائيلَ يا معشرَ المؤمنين، بالوفاءِ له بعهودِه وطاعتِه، فيما أمَرَهم ونهاهم.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: أخَذ اللَّهُ مَواثيقَهم أن يُخْلِصوا له ولا يَعْبُدُوا غيرَه (^٣).\n﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾. يعنى بذلك: وبعَثْنا منهم اثنَىْ عشَرَ كَفيلًا، كُفِّلوا عليهم بالوفاءِ للَّهِ بما واثَقُوه عليه مِن العهودِ فيما أمَرَهم به، وفيما نهاهم عنه.\nوالنقيبُ في كلامِ العربِ كالعَرِيفِ على القومِ، غيرَ أنه فوقَ العَريفِ، يقالُ منه: نقَب فلانٌ على بنى فلانٍ، فهو يَنْقُبُ نَقْبًا. فإذا أُرِيد أنه لم يَكُنْ نَقيبًا فصار نقيبًا، قيل: قد نَقُب فهو يَنْقُبُ نَقَابةً. ومِن العَريفِ: عَرُف عليهم يَعْرُفُ عَرَافةً.\n_________\n(^١) في م: \"سلفهم\"، وهما بمعنًى.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بأدائهم\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٧ إلى المصنف.","vol":"8","page":235},{"text":"فأما المناكبُ فإنهم كالأعوانِ يكونون مع العُرَفاءِ، واحدُهم مَنْكِبٌ.\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بالعربيةِ (^١) يقولُ: هو الأميُن الضامنُ على القومِ.\nفأما أهلُ التأويلِ فإنهم قد اخْتَلَفوا بينَهم في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: هو الشاهدُ على قومِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2492>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾: مِن كُلِّ سِبْطٍ رجلٌ شاهدٌ على قومِه (^٢).\nوقال آخرون: النقيبُ الأمينُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2493>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: النُّقباءُ الأُمناءُ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.\nوإنما كان اللَّهُ عزّ ذكرُه أمَر موسى نبيَّه ﷺ ببعثِه النُّقباءَ الاثنَىْ عشَرَ مِن قومِه بنى إسرائيلَ إلى أرضِ الجَبابرةِ بالشامِ ليتحسَّسوا (^٤) لموسى أخبارَهم إذ أراد هلاكَهم، وأن يُوَرِّثَ أرضَهم وديارَهم موسى وقومَه، وأن يَجْعَلَها مَساكنَ لبنى إسرائيلَ بعدَ ما أنجاهم مِن فرعونَ وقومِه، وأخْرَجَهم مِن أرضِ مصرَ، فبعَث موسى الذين أمَرَه اللَّهُ\n_________\n(^١) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ١٥٦.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٧ إلى المصنف.\n(^٤) في ف، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ليتجسسوا\".","vol":"8","page":236},{"text":"يبعثِهم إليها مِن النقباءِ.\nكما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: أمَر اللَّهُ بنى إسرائيلَ بالسيرِ إلى أَرِيحَا، وهى أرضُ بيتِ المقدسِ، فساروا حتى إذا كانوا قريبًا منهم بعَث موسى اثنَىْ عشَرَ نَقيبًا مِن جميعِ أَسْباطِ بنى إسرائيلَ، فساروا يُريدون أن يَأْتوه بخبرِ الجَبابرةِ، فلقِيهم رجلٌ مِن الجَبَّارِين، يُقالُ له: عاجٌ. فأخَذ الاثنَىْ عشَرَ، فجعَلهم في حُجْزَتِه، وعلى رأسِه حَمْلَةُ (^١) حطبٍ، فانْطلَقَ بهم إلى امرأتِه، فقال: انْظُرى إلى هؤلاء القومِ الذين يَزْعُمون أنهم يُرِيدون أن يُقاتِلونا. فطرَحَهم بينَ يديها، فقال: ألا أطْحَنُهم برجلى؟ فقالت امرأتُه: بل خلِّ عنهم حتى يُخْبِروا قومَهم بما رأَوْا. ففعَل ذلك، فلمَّا خرَج القومُ قال بعضُهم لبعضٍ: يا قومِ، إنكم إن أخْبَرْتُم بنى إسرائيلَ خبرَ القومِ ارْتَدُّوا عن نبيِّ اللَّهِ ﵇، لكن اكْتُموه وأخْبِروا نبيَّى اللَّهِ فيَكونان هما (^٢) يَرَيان رأيَهما. فأخَذ بعضُهم على بعضٍ الميثاقَ بذلك لِيَكْتُموه، ثم رجَعوا فانْطَلَق عشرةٌ منهم فنكَثوا العهدَ، فجعَل الرجلُ يُخْبِرُ أخاه وأباه بما رأى مِن (^٣) عاجٍ، وكتَم رجلان منهم فأتَوْا موسى وهارونَ فأَخْبَرُوهما الخبرَ، فذلك حيَن يقولُ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾: مِن كُلِّ سِبْطٍ مِن بني إسرائيلَ رجلٌ، أَرْسَلَهم موسى إلى الجبَّارِين، فوجَدُوهم (^٥) يَدْخُلُ في كُمِّ\n_________\n(^١) في م: \"حزمة\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فيما\".\n(^٣) بعده في تاريخ المصنف: \"أمر\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٢٨، ٤٢٩.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فوجدهم\".","vol":"8","page":237},{"text":"أحدِهم اثنان منهم يُلقيهما إلقاءً (^١)، ولا يَحْمِلُ عُنقودَ عنبِهم إلا خمسةُ أنفسٍ (^٢) بينَهم في خشبةٍ، ويَدْخُلُ في شَطْرِ الرُّمَّانةِ إِذا نُزِع حبُّها خمسةُ أنفسٍ أو أربعٌ، فرجَع النُّقباءُ كلُّهم (^٣) يَنْهَى سِبْطَه عن قِتالِهم إلا يُوشَعَ بنَ نُونٍ [وكلابُ بن يافنةَ] (^٤) يَأْمُران الأسْباطَ بقتالِ الجبَابرةِ وبجِهادِهم، فعصَوْا هذين (^٥) وأطاعوا الآخَرِين (^٦).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: مِن بنى إسرائيلَ رجالٌ. وقال أيضًا: يلقونهما (^٧).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: أمَر موسى أن يَسِيرَ بينى إسرائيلَ إلى الأرضِ المقدَّسةِ، وقال: إنى قد كتَبْتُها لكم دارًا وقرارًا (^٨) ومَنْزلًا، فاخْرُجْ (^٩) إليها وجاهِدْ مَن فيها مِن العدوِّ، فإنى ناصرُكم عليهم، وخُذْ مِن قومِك اثنَىْ عشَرَ نَقيبًا، مِن كلِّ سِبْطٍ نَقيبًا يَكونُ على قومِه بالوَفاءِ منهم على ما أُمِروا به، وقلْ لهم: إن اللَّهَ يقولُ لكم: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. وأخَذ موسى منهم اثنَىْ عشَرَ نَقيبًا اخْتارهم مِن الأَسْباطِ كُفَلاءَ على قومِهم بما هم فيه على الوفاءِ بعهدِه وميثاقِه، وأخَذ مِن كلِّ سَبْطٍ منهم خيرَهم، وأوْفاهم رجلًا، يقولُ اللَّهُ ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾. فسار بهم موسى إلى الأرضِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يلقونهم إلقاء\"، وفى م: \"يلفونهم لفا\". والمثبت من تفسير مجاهد.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"أنفاس\"، وبعده في تفسير مجاهد: \"من قوم موسى\".\n(^٣) في م والدر المنثور: \"كل منهم\".\n(^٤) في م: \"كالب بن يوقنا\". وفى تفسير مجاهد: \"كالب بن يافنة\". وينظر ما تقدم في ٤/ ٤٣٧.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"هذا\".\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٣٠٣، ٣٠٤ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٧) في م: \"يلففونهما\".\n(^٨) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٩) في ص، ت ١: \"فما خرج\".","vol":"8","page":238},{"text":"المقدسةِ بأمرِ اللَّهِ، حتى إذا نزَل التِّيهَ بينَ مصرَ والشامِ، وهى بلادٌ ليس فيها خَمَرٌ (^١) ولا ظلٌّ، دعا موسى ربَّه حيَن آذاهم الحرُّ، فظلَّل عليهم بالغَمامِ، ودعا لهم بالرزقِ، فأَنْزَل اللَّهُ عليهم المنَّ والسَّلْوَى، وأمَر اللَّهُ موسى، فقال: أرْسِلْ رجالًا يَتَحَسَّسون إلى أرضِ كَنْعانَ التي وهَبْتُ (^٢) لبنى إسرائيلَ، مِن كُلِّ سِبْطٍ رجلًا، فأرْسَل موسى الرءوسَ كلَّهم الذين فيهم، [فبعَث اللَّهُ جلّ وعزّ من بَرِّيَّةِ فارانَ، بكلامِ اللَّهِ، وهم رءوسُ بنى إسرائيلَ] (^٣)، وهذه أسماءُ الرَّهْطِ الذين بعَث اللَّهُ مِن بنى إسرائيلَ إلى أرضِ الشامِ، فيما يَذْكُرُ أهلُ التوراةِ، ليَجُوسُوها لبنى إسرائيلَ: مِن سِبْطِ [روبيلَ، شامونُ بنُ ركونَ] (^٤)، ومِن سبط شمعونَ، [سافاطُ بنُ حُرى] (^٥)، ومِن سبطِ يهوذا، كالِبُ بنُ يوفنا، ومِن سبطِ [أبينَ يجائلُ] (^٦) بنُ يُوسُفَ، ومِن سِبطِ يوسُفَ، وهو سِبْطُ أفراييمَ (^٧)، يُوشَعُ بنُ نُونٍ، ومِن سبطِ بنيا مينَ، فَلْطُ بنُ دَفُونَ (^٨)،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت: \"حر\"، وفى م: \"شجر\". والمثبت كما تقدم في ١/ ٧٠٨، وتقدم تعريفه هناك.\n(^٢) في ص، ت ١: \"وهب\".\n(^٣) سقط من: م، ت ٢، س، وفى سفر العدد: \"فأرسلهم موسى من برية فاران، حسب قول الرب\". وفاران: كلمة عبرانية معربة وهى من أسماء مكة، وقيل: هو اسم لجبال مكة، معجم البلدان ٣/ ٨٣٤.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"روبيل سامول بن ركون\"، وفى عرائس المجالس: \"روبيل شموع بن ذكور\"، وفى سفر العدد الأصحاح الثالث عشر: \"رأويين شموع بن زكور\".\n(^٥) في س: \"سافاط بن جزمى\". وفى م: \"سافاط بن حربى\". وفى عرائس المجالس: \"شوقط بن حورى\"، وفى سفر العدد الأصحاح الثالث عشر: \"شافاط بن حورى\".\n(^٦) في ص: \"أس محايل\"، وفى م: \"كاذ ميخائيل\"، وفى ت:١ \"س يحايل\"، وفى عرائس المجالس: \"جاد جابذ\"، وفى سفر العدد: \"يساكر يجآل\".\n(^٧) في م: \"أفرائيم\"، وفى ت ٢: \"أفرايتم\" وفى عرائس المجالس: \"أفراثيم\"، وفى سفر العدد: \"أفرايم\" وينظر جمهرة أنساب العرب ص ٥٠٨.\n(^٨) في ت ١: \"فلط بن ديون\"، وفى م: \"فلط بن ذنون\"، وفى عرائس المجالس: \"ناظم بن زقون\"، وفى سفر العدد: \"فلطي بن رافو\".","vol":"8","page":239},{"text":"ومِن سِبطِ [زَبالونَ، حدى بن سُودى] (^١)، ومِن سِبطِ [يوسفَ، وهو منشّا بنُ يُوسُفَ، حدِّى بنُ سُوسا] (^٢)، ومِن سبطِ دانٍ، [حملائلُ بنُ حملٍ] (^٣)، ومِن سبطِ [أشرَ، سابورُ بنُ ملكيلَ] (^٤)، ومِن سبطِ نفتالى (^٥)، بحرُ (^٦) بنُ وَفْسِى (^٧)، ومِن سبطِ دارٍ (^٨) حولايلُ بنُ منكدَ.\nفهذه أسماءُ الذين بعَثهم موسى يَتحسَّسون له الأرضَ، ويومَئِذٍ سَمَّى هوشعَ (^٩) بنَ نونٍ يوشعَ (^١٠) بنَ نونٍ. فأَرْسَلَهم وقال لهم: ارْتَفِعوا قِبَلَ الشمسِ، فارْقَوا الجبلَ، وانْظُروا ما في الأرضِ، وما الشَّعْبُ الذي يَسْكنونه، أقوياءُ (^١١) هم أم ضُعفاءُ، أقليلٌ هم أم كثيرٌ؟ وانْظُروا أرضَهم التي يَسْكُنون [أسمينةٌ هي أم هزيلةٌ] (^١٢)، ذاتُ شجرٍ أم لا؟ اجتازوا (^١٣) واحْمِلوا إلينا مِن ثمرةِ تلك الأرضِ، وكان ذلك في أوّلِ\n_________\n(^١) في م: \"بالون كرابيل بن سودى\"، وفى ت ٢: \"ريالون حدنى بن سوشى\"، وفى عرائس المجالس: \"ريالون حدى بن سورى\"، وفى سفر العدد: \"زبولون جديئيل بن سودى\".\n(^٢) في م: \"منشا بن يوسف حدى بن سوشا\"، وفى ت ٢: \"يوسف وهو ميشا بن يوسف حدثني بن سوشا\"، وفى ت ٢: \"سبط يوسف وهو مشا بن يوسف حدى بن سوسا\"، وفى سفر العدد: \"سبط يوسف من سبط منسى جدى بن سوسي\".\n(^٣) في عرائس المجالس: \"حمل بن وكيل بن خمل\"، وفى سفر العدد: \"عمئيل بن جملى\".\n(^٤) في م: \"أشار سابور بن ملكيل\"، وفى عرائس المجالس: \"أشير شايون بن مليكيك\"، وفى سفر العدد: \"أشيرستور بن ميخائيل\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"ثفثاايي\"، وفى عرائس المجالس: \"يقال\".\n(^٦) في م: \"محر\"، وفى عرائس المجالس: \"حيى\"، وفى سفر العدد: \"نحى\".\n(^٧) في ص: \"دمسى\"، وفى م وعرائس المجالس: \"وقسى\".\n(^٨) في م: \"يساخر\".\n(^٩) في النسخ: \"يوشع\". والمثبت من سفر العدد.\n(^١٠) في سفر العدد: \"يشوع\".\n(^١١) في ص، ت ١، ت ٢: \"أحرا\". وينظر سفر العدد.\n(^١٢) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"أشمسة هي أم\". والمثبت من سفر العدد.\n(^١٣) سقط من: م، وفى ت ١: \"أم لا احباروا\".","vol":"8","page":240},{"text":"ما سَمَّى بِكرُ (^١) ثمرة العنب (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾: فهم مِن بنى إسرائيلَ، بعثَهم موسى ليَنْظُروا له إلى المدينةِ، فانْطَلَقوا فنَظَروا إلى المدينةِ، فجاءوا بحبَّةٍ مِن فاكهتِهم، وقرَ رَجُلٍ، فقالوا: اقدُروا (^٣) قوةَ قومٍ وبأسَهم هذه فاكهتُهم. فعندَ ذلك فُتِنوا، فقالوا: لا نَسْتطيعُ الققالَ: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (^٤) [المائدة: ٢٤].\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ المَرْوَزيِّ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾: أمَر اللَّهُ بنى إسرائيلَ أن يَسيروا إلى الأرضِ المقدَّسةِ مع نبيِّهم موسى ﷺ، فلمَّا كانوا قريبًا مِن المدينةِ قال لهم موسى: ادْخُلوها. فأبَوْا وجَبُنوا، وبعَثوا اثنَىْ عشَرَ نَقيبًا ليَنْظُروا إليهم، فانْطَلَقوا فنظَروا، فجاءوا بحبةٍ مِن فاكهتهِم بوقْرِ الرَّجُل، فقالوا: [اقدُروا قُدرةَ] (^٥) قومٍ وبأسَهم هذه فاكهتُهم. فعندَ ذلك قالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-2494>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"لهم من ذلك\". وينظر سفر العدد.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٦٠ عن ابن إسحاق مختصرًا، وتقدم في ١/ ٧٠٨ مختصرا، وينظر عرائس المجالس ص ٢١٣، وسفر العدد الأصحاح الثالث عشر ص ٢٣٢.\n(^٣) في م: \"قدروا\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٥) في م: \"قدروا قوة\".","vol":"8","page":241},{"text":"يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه: وقال اللهُ لبنى إسرائيلَ: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾. يقولُ: إني ناصرُكم على عدوِّكم وعدوى الذين أمَرْتُكم بقتالِهم إن قاتَلْتُموهم، ووفَّيْتُم بعهدى ومِيثاقى الذي أخَذْتُه عليكم.\nوفى الكلامِ محذوفٌ اسْتُغْنى بما ظهَر مِن الكلامِ عما حُذِف منه، وذلك أن معنى الكلامِ: وقال اللَّهُ لهم: إنى معكم. فترَك ذكرَ \"لهم\"؛ اسْتغناءً بقولِه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وإذ كان مُتَقَدِّمُ الخبرِ عن قومٍ مُسَمَّيْن بأعيانِهم، كان معلومًا أن سياقَ ما في الكلامِ مِن الخبرِ عنهم، إذ لم يَكُنِ الكلامُ مصروفًا عنهم إلى غيرِهم.\nثم ابتدأ ربُّنا جلَّ ثناؤُه القسمَ، فقال: قسمًا (^١) لئن أَقَمْتُم معشرَ بنى إسرائيلَ الصلاةَ، ﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾. أي (^٢): أعْطَيْتُموها مَن أمَرْتُكم بإعطائِها، ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾. يقول: وصدَّقتُم بما أتاكم به رسلى مِن شرائعِ دينى.\nوكان الربيعُ بنُ أنسٍ يقولُ: هذا خطابٌ مِنَ اللَّهِ للنُّقباءِ الاثنَىْ عشَرَ.\nحُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ، أن موسى ﷺ قال للنُّقباءِ الاثنَىْ عشَرَ: سِيروا إليهم - يعنى إلى الجبَّارِين - فحدِّثونى حديثَهم، وما أمْرُهم، ولا تَخافوا، إن اللَّهَ معكم ما أقَمْتُم الصلاةَ وآتيتُم الزكاةَ وآمنتُم برُسُلى وعزّرْتُموهم وأَقْرَضْتُم الله قرضًا حسنًا (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"قسم\".\n(^٢) في ص، ت: \"إن\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٧ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"8","page":242},{"text":"وليس الذي قاله الربيعُ في ذلك ببعيدٍ مِن الصوابِ، غيرَ أن مِن قضاءِ اللَّهِ في جميعِ خلقِه أنه ناصرُ مَن أطاعَه، ووليُّ مَن اتَّبَع أمرَه، وتجنَّب معصيتَه، وعافَى (^١) ذنوبَه. فإذ كان ذلك كذلك، وكان مِن طاعتِه إقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، والإيمانُ بالرسلِ، وسائرُ ما نُدِب القومُ إليه، كان معلومًا أن تكفيرَ السيئاتِ بذلك، وإدْخالَ الجناتِ به، لم يَخْصُصْ به النُّقباء دونَ سائرِ بنى إسرائيلَ غيرِهم، فكان ذلك بأن يكونَ ندبًا للقومِ جميعًا، وحضًّا لهم على ما حضَّهم عليه - أحقَّ وأولى مِن أن يكونَ ندبًا لبعضٍ، وحضًّا الخاصٍّ دونَ عامٍّ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُ ذلك: ونَصَرْتُموهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2495>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾. قال: نَصَرْتُموهم (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾. قال: نصَرتُموهم بالسيفِ.\nوقال آخرون: هو الطاعةُ والنُّصْرةُ.\n_________\n(^١) في م: \"جافى\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٠٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"8","page":243},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2496>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: سمِعْتُ عبدَ الرحمنِ بنَ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾. قال: التَّعزيزُ والتوقيرُ الطاعةُ والنُّصرةُ (^١).\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في تأويلِه؛ فذُكِر عن يونُسَ النحويِّ (^٢) أنه كان يقولُ: تأويلُ ذلك: أثْنَيْتُم عليهم.\nحُدِّثْتُ بذلك عن أبي عُبيدةَ مَعْمَرِ بن المُثْنَّى عنه (^٣).\nوكان أبو عُبيدةَ يقولُ: معنى ذلك: نصَرْتُموهم وأعَنْتُموهم ووقَّرْتُموهم وعظَّمْتُموهم وأيَّدتُموهم. وأنْشَد في ذلك (^٤):\nوكم مِن (^٥) ماجدٍ لَهُمُ كَريمٍ … ومِن لَيْثٍ يُعَزَّرُ في النَّدِيِّ\nوكان الفَرَّاءُ يقولُ: العَزْرُ: الردُّ. عَزَرْتُه: ردَدْتُه. إذا رأيْتَه يَظْلِمُ، فقلتَ: اتَّقِ اللَّهَ. أو نهَيْتَه، فذلك العَزْرُ.\nوأولى هذه الأقوالِ عندى في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: نصَرْتُموهم. وذلك أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قال في سورةِ الفتحِ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص: \"الحرمرى\"، وفى م، س: \"الحرمزى\". وفى ت:١: \"الجريري\"، وفى ت: \"الحريري\".\nويونس هو ابن حبيب، نسبته النحوى، ونسبته في ولائه: الضبى. ينظر ترجمته في إنباه الرواة ٤/ ٦٨، وبغية الوعاة، ٢/ ٣٦٥، وتاريخ علماء النحويين ص ١٢٠.\n(^٣) مجاز القرآن ١/ ١٥٧.\n(^٤) مجاز القرآن ١/ ١٥٦، ١٥٧، وينظر الأضداد لابن الأنبارى ص ١٤٧، وتفسير القرطبي ٦/ ١١٤.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.","vol":"8","page":244},{"text":"وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٨، ٩]. فالتوقيرُ هو التعظيمُ. وإذا كان ذلك كذلك، كان القولُ في ذلك إنما هو بعضُ ما ذكَرْنا مِن الأقوالِ التي حكَيْناها عمَّن حكَيْنا عنه، وإذا فسَد أن يكونَ معناه التعظيمَ، وكان (^١) النصرُ قد يكونُ باليدِ واللسانِ، فأما باليدِ فالذَّبُّ بها عنه بالسيفِ وغيرِه، وأما باللسانِ، فحُسْنُ الثناءِ والذَّبُّ عن العِرْضِ - صحَّ أنه النصرُ، إذ كان النصرُ يَحْوِى معنى كلِّ قائلٍ قال فيه قولًا مما حكَيْنا عنه.\nوأما قولُه: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. فإنه يقولُ: وأَنْفَقْتُم في سبيل اللَّهِ. وذلك في جهادِ عدوِّه وعدوِّكم، ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾. يقولُ: وأَنْفَقْتُم ما أنْفَقْتُم في سبيلِه، فأصَبْتُم الحقَّ في إنفاقِكم ما أنْفَقْتُم في ذلك، ولم تَتَعَدَّوْا فيه حدودَ اللَّهِ، وما ندَبكم إليه وحثَّكم عليه، إلى غيرِه.\nفإن قال لنا قائلٌ: وكيف قال: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. ولم يَقُلْ: إقراضًا حسنًا. وقد علِمْتَ أن مصدرَ \"أَقْرَضْتَ\" \"الإقراضُ\"؟\nقيل: لو قيل ذلك كان صوابًا، ولكنَّ قولَه: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾. أُخْرِج مصدرًا مِن معناه لا مِن لفظِه، وذلك أن في قولِه: أقْرَضَ. معنى \"قرَض\"، كما في معنى \"أَعْطَى\" \"أَخَذَ\"، فكان معنى الكلامِ: وقرَضْتُم (^٢) اللَّهَ قرضًا حسنًا. ونظيرُ ذلك: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾ [نوح: ١٧]. إذ كان في ﴿أَنْبَتَكُمْ﴾ معنى \"فنبَتُّم\". وكما قال امرؤُ القيسِ (^٣):\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"فكان\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"أقرضتم\".\n(^٣) ديوانه ص ٣٢ وهو عجز بيت صدره:\nوصِرنا إلى الحسنى ورقَّ كلامُنا","vol":"8","page":245},{"text":"* ورُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أَيَّ إِذْلالِ *\nإذ كان في \"رُضْتُ\" معنى \"أذْلَلْتُ\"، فخرَج الإذلالُ مصدرًا مِن معناه لا مِن لفظِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2497>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بذلك بنى إسرائيلَ، يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: لئن أقَمْتُم الصلاةَ أيُّها القومُ الذين أعْطَوْنى ميثاقَهم بالوفاءِ بطاعتى، واتِّباع أمرى، وآتَيْتُم الزكاةَ، وفعَلْتُم سائرَ ما وعَدْتُكم عليه جنتى، ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. يقولُ: لأُعَطِّيَنَّ بعفوى عنكم، وصَفْحى عن عقوبتِكم، على سالفِ أجْرامِكم التي أجْرَمْتُموها فيما بينى وبينَكم، على ذنوبِكم التي سلَفَت منكم مِن عبادةِ العِجْلِ وغيرِها مِن مُوبِقاتِ ذنوبِكم، ﴿وَلأُدْخِلَنَّكُمْ﴾ - مع تغطيتى على ذلك منكم بفضلى يومَ القيامةِ ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. فالجناتُ البساتيُن.\nإنما قلتُ: معنى قولِه: ﴿لأُكَفِّرَنَّ﴾: لأُعَطِّيَنَ؛ لأن الكفرَ معناه الجحودُ والتغطيةُ والسترُ، كما قال لَبيدٌ (^١):\n* في ليلةٍ كفَر النُّجُومَ غَمامُها *\nيعني: غطَّاها. فالتكفيرُ التفعيلُ مِن الكَفْرِ.\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في معنى اللامِ التي في قولِه: ﴿لأُكَفِّرَنَّ﴾. فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: اللامُ الأُولى على معنى القسَمِ. يعنى اللامَ التي في قولِه: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾. قال: والثانيةُ معنى قسَمٍ آخرَ.\n_________\n(^١) تقدم البيت في ١/ ٢٦٢.","vol":"8","page":246},{"text":"وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: بل اللامُ الأُولى وقَعَت موقعَ اليمينِ، فاكْتُفِى بها عن اليمينِ، يعنى باللامِ الأولى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾. قال: واللامُ الثانيةُ، يعنى قولَه: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. جوابٌ لها، يعنى اللامَ التي في قولِه: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾. واعتلَّ لقيلِه ذلك بأن قولَه: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾. غيرُ تامٍّ ولا مُسْتَغْنٍ عن قولِه ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. وإذ كان ذلك كذلك، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ قولُه: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. قسمًا مبتدأً، بل الواجبُ أن يكونَ جوابًا لليمينِ، إذ كانت غيرَ مُسْتَغْنيةٍ عنه.\nوقولُه: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ: تَجْرِى مِن تحتِ أشجارِ هذه البساتيِن التي أُدْخِلُكُموها، الأنهارُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2498>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢)﴾.</span>\nيقولُ عزَّ ذكرُه: فمَن جحَد منكم يا معشرَ بنى إسرائيلَ شيئًا مما أَمَرْتُه به فترَكه، أو ركِب ما نهَيْتُه عنه فعمِله، بعدَ أخْذِى الميثاقَ عليه بالوفاءِ لى بطاعتى واجْتنابِ معصيتى، ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. يقولُ: فقد أخْطَأ قصْدَ الطريقِ الواضحِ، وزلَّ عن منهجِ السبيلِ القاصدِ.\nوالضلالُ الركوبُ على غيرِ هُدًى، وقد بيَّنَّا ذلك بشَواهدِه في غيرِ هذا الموضع (^١).\nوقولُه: ﴿سَوَاءَ﴾. يعني به: وسطَ. [والسبيلُ الطريقُ] (^٢). وقد بيَّنا تأويلَ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ١٩٠ - ١٩٩، ٢/ ٤١٥، ٤١٦.\n(^٢) في م: \"السبيل\".","vol":"8","page":247},{"text":"ذلك كلِّه في غيرِ هذا الموضعِ، فأغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\n\n<span id=\"aya-682\"></span><span data-type='title' id=toc-2499>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ، لا تَعْجَبَنَّ مِن هؤلاء اليهودِ الذين همُّوا أن يَبْسُطوا أيديَهم إليك وإلى أصحابِك، ونكَثوا العهدَ الذي بينَك وبينَهم؛ غَدْرًا منهم بك وبأصحابِك، فإن ذلك مِن عاداتِهم، وعاداتِ سلَفِهم، ومِن ذلك أنى أخَذْتُ ميثاقَ سلفِهم على عهدِ موسى ﷺ على طاعتى، وبعَثْتُ منهم اثنى عشَرَ نَقيبًا، قد تُخُيِّروا مِن جميعِهم لِيتحسَّسوا (^٢) أخبارَ الجَبابرةِ، ووعَدْتُهم النصرَ عليهم، وأن أُورِثَهم أرضَهم وديارَهم وأموالَهم، بعدَ ما أَرَيْتُهم مِن العِبَرِ والآياتِ - بإهلاكِ فرعونَ وقومِه في البحرِ، وفلْقِ البحرِ لهم، وسائرِ العبرِ - ما أرَيْتُهم، فنقَضوا ميثاقَهم الذي واثَقونى، ونكَثوا عهدى، فلعَنْتُهم بنقضِهم ميثاقَهم، فإذا كان ذلك مِن فعلِ خيارِهم مع أياديَّ عندَهم، فلا تَسْتَنْكِرُ (^٣) مثلَه مِن فعلِ أراذلِهم.\nوفى الكلامِ محذوفٌ اكْتُفِى بدَلالةِ الظاهرِ عليه، وذلك أن معنى الكلامِ: فمَن كفَر بعدَ ذلك منكم فقد ضلَّ سواءَ السبيلِ، فنقَضوا الميثاقَ، فلعَنْتُهم، فبما نَقْضِهم ميثاقَهم لعنَّاهم. فاكْتُفِى بقولِه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾. مِن ذكرِ: فنقَضوا.\nويعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾: فبنقضِهم ميثاقَهم. كما قال قتادةُ.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٤١٦.\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"ليتجسسوا\".\n(^٣) في ص: \"تستنكروا\"، وفى س: \"تتنكروا\".","vol":"8","page":248},{"text":"حدَّثنا بشرٌ (^١)، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾. يقولُ: فبنقضِهم ميثاقَهم لعَنَّاهم (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾. قال: هو ميثاقٌ أَخَذَه اللَّهُ على أهلِ التوراةِ فنقَضوه (^٢).\nوقد ذكَرْنا معنى اللعنِ في غيرِ هذا الموضعِ (^٣).\nوالهاءُ والميمُ مِن قولِه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ عائدتان على ذكرِ \"بنى إسرائيلَ\" قبلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2500>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾.</span>\nاخْتَلَفَت القَرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ، وبعضُ أهلِ مكةَ والبصرةِ والكوفةِ: ﴿قَاسِيَةً﴾ بالألفِ (^٤)، على تقديرِ \"فاعلة\"، مِن قَسْوةِ القلبِ، مِن قولِ القائلِ: قَسَا قلبُه، فهو يَقْسُو، وهو قاسٍ. وذلك إذا غلُظ واشْتَدَّ وصار يابسًا صُلْبًا، كما قال الراجزُ (^٥):\nوقد قَسَوْتُ وقَسَا (^٦) لِدَاتِى\nفتأويلُ الكلامِ على هذه القراءةِ: فلعنَّا الذين نقضوا عهدى ولم يَفُوا بميثاقى من بنى إسرائيلَ، بنقضِهم ميثاقَهم الذي واتَقُونى ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾:\n_________\n(^١) في النسخ: \"كثير\". وهو إسناد دائر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٨ إلى المصنف.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٢/ ٢٣١، ٢٣٢.\n(^٤) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبى عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٣.\n(^٥) تقدم في ٢/ ١٢٩.\n(^٦) في م، س: \"قست\".","vol":"8","page":249},{"text":"غليظةً يابسةً عن الإيمانِ بى، والتوفيقِ لطاعتى، منزوعةً منها الرأفةُ والرحمةُ.\nوقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: (وجعَلْنا قلوبهم قَسِيَّةً) (^١).\nثم اخْتَلَف الذين قرَءوا ذلك كذلك في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك معنى القسوةِ؛ لأن \"فَعِيلةً\" (^٢) في الذمِّ أبْلغُ مِن \"فاعلةٍ\"، فاختَرْنا قراءتَها (قَسِيَّةً) على ﴿قَاسِيَةً﴾ لذلك.\nوقال آخَرون منهم: بل معنى (قَسِيَّة) غيرُ معنى القسوةِ، وإنما القسِيَّةُ في هذا الموضعِ القلوبُ التي لم يَخْلُصْ إيمانُها باللَّهِ، ولكن يُخالِطُ إيمانَها كُفْرٌ، كالدراهمِ القَسِيَّةِ، وهى التي يُخالِطُ فضتَها غشٌّ مِن نُحاسٍ أو رَصاصٍ وغيرِ ذلك، كما قال أبو زُبَيْدٍ الطائيُّ (^٣):\nلها صَوَاهِلُ (^٤) في صُمَّ السِّلَامِ كما … صاح القَسِيَّاتُ (^٥) في أَيْدِى الصَّيارِيفِ (^٦)\nيَصِفُ بذلك وَقْعَ مَسَاحِى (^٧) الذين حفَرُوا قبرَ عثمانَ على الصخورِ، وهى السِّلامُ.\nوأعْجَبُ القراءتَيْن إليَّ في ذلك قراءةُ مَن قرَأ: (وجَعَلْنا قلوبَهم قَسِيَّةً). على \"فَعيلةٍ\"؛ لأنها أبْلَغُ في ذمِّ القومِ مِن قاسيةٍ.\n_________\n(^١) وهى قراءة حمزة والكسائى. السبعة ص ٢٤٣.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"فعلية\".\n(^٣) ديوانه ص ٣٨.\n(^٤) الصواهل: جمع الصاهلة مصدر على فاعلة بمعنى الصهيل وهو الصوت. اللسان (ص هـ ل).\n(^٥) القسيات: ضرب من الزيوف أي فضته صُلبة رديئة ليست بلينة. اللسان (ق س و).\n(^٦) الصياريف والصيارِف، جمع الصرَّاف والصَّيْرف والصيرفى، وهو النَّقاد المُصارفة. اللسان (ص ر ف).\n(^٧) المساحى، جمع مِسحاة وهى المجرفة من الحديد والميم زائدة لأنه من السَّحْو، الكشف والإزالة. النهاية ٢/ ٣٤٩.","vol":"8","page":250},{"text":"وأولى التأويلين في ذلك بالصوابِ تأويلُ من تأوَّله فَعيلةً (^١) مِن القَسْوةِ، كما قيل: نفسٌ زَكيَّةٌ وزاكيةٌ، وامرأةٌ شاهدةٌ وشهيدةٌ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه وصَف القومَ بنقْضِهم ميثاقَهم، وكفرِهم به، ولم يَصِفُهم بشيءٍ مِن الإيمانِ فتكونَ قلوبُهم مَوْصوفةً بأن إيمانَها يُخالِطُه (^٢) كفرٌ، كالدَّراهمِ القَسِيَّةِ التي يُخالِطُ فضَّتَها غشٌّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2501>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾.</span>\nيقولُ عزَّ ذكرُه: وجعَلْنا قلوبَ هؤلاء الذين نقَضُوا عهودَنا مِن بنى إسرائيلَ قسِيَّةً، مَنْزوعًا منها الخيرُ، مرفوعًا منها التوفيقُ، فلا يُؤْمِنون، ولا يَهْتَدون، فهم لنزعِ اللَّهِ ﷿ التوفيقَ مِن قلوبِهم والإيمانَ، يُحرِّفون كلامَ ربِّهم الذي أنْزَله على نبيِّهم موسى ﷺ، وهو التوراةُ، فيُبَدِّلونه ويَكْتُبون بأيدِيهم غيرَ الذي أنْزَلَه اللَّهُ جلَّ وعزَّ على نبيِّهم، ثم (^٣) يقولون لجُهَّالِ الناسِ: هذا هو كلامُ اللَّهِ الذي أَنْزَله على نبيِّه موسى ﷺ، والتوراةُ التي أوْحاها إليه. وهذا مِن صفةِ القرونِ التي كانت بعدَ موسى مِن اليهودِ، ممَّن أدْرَك بعضُهم عصرَ نبيِّنا محمدٍ ﷺ، ولكنَّ اللَّهَ عزَّ ذكرُه أَدْخَلَهم في عِدَادِ الذين ابْتَدَأَ الخبرَ عنهم، ممَّن أدْرَك موسى منهم، إذ كانوا مِن أبنائِهم، وعلى مِنهاجِهم في الكذبِ على اللَّهِ، والفِرْيةِ عليه، ونَقْضِ المَواثِيقِ التي أخَذَها عليهم في التوراةِ.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾. يعنى: حُدودَ اللَّهِ في التوراةِ، ويقولون: إنْ أمَرَكم محمدٌ بما أنتم عليه فاقْبَلُوه، وإن خالَفكم فاحْذَروا (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"فعلية\".\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"يخالطها\"، وفى ت ٢: \"تخالطها\".\n(^٣) في م: \"و\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٨ إلى المصنف.","vol":"8","page":251},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2503>القولُ في تأويل قولِه: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَنَسُوا حَظًّا﴾. أي: وترَكوا نصيبًا. وهو كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. أي: تركوا أَمْرَ اللَّهِ فترَكَهم اللَّهُ.\nوقد مضَى بيانُ ذلك بشَواهدِه في غيرِ هذا الموضعِ، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه (^١).\nوبالذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2502>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾. يقولُ: ترَكوا نصيبًا (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركُ بنُ فَضالةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾. قال: ترَكوا عُرَى دينِهم ووظائفَ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه التي لا تُقْبَلُ الأعمالُ إلا بها (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2504>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾.</span>\nيقولُ ﵎ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولا تَزالُ يا محمدُ تَطَّلِعُ مِن اليهودِ الذين أنْبَأْتُك نبأَهم - مِن نقضِهم مِيثاقى، ونكْثِهم عَهْدى، مع أياديَّ عندَهم، ونعْمتى عليهم - على مثلِ ذلك مِن الغدرِ والخيانةِ، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [. يقولُ: إلا قليلًا منهم] (^٣) [لم يخونوا] (^٤).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٥/ ١٥٦، ١٥٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٨ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: م، س.\n(^٤) سقط من النسخ، ولا بد منها لتمام المعنى.","vol":"8","page":252},{"text":"والخائنةُ في هذا الموضعِ الخيانةُ، وهو اسمٌ وُضِع مَوْضِعَ المصدرِ، كما قيل: خاطئةٌ. للخطيئةِ (^١)، وقائلةٌ. للقَيْلولةِ.\nوقولُه: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾. استثناءٌ مِن الهاءِ والميمِ اللتين في قولِه ﴿عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2505>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾. قال: على خِيانةٍ وكذبٍ وفجورٍ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾. قال: هم يهودُ، مثلُ الذي (^٣) همُّوا به مِن النبيِّ ﷺ يومَ دخَل حائطَهم (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ، قال مجاهدٌ وعكرمةُ قولَه: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾: مِن يهودَ، مثلُ\n_________\n(^١) في م: \"للخطأة\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٦.\n(^٣) في ص، ت، ت ٢: \"الذين\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٠٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"8","page":253},{"text":"الذي (^١) همُّوا بالنبيِّ ﷺ يومَ دخَل عليهم.\nوقال بعضُ القائلين (^٢): معنى ذلك: ولا تَزالُ تَطَّلِعُ على خائنٍ منهم. قال: والعربُ تَزيدُ الهاءَ في آخرِ المُذكَّرِ، كقولِهم: هو راويةٌ للشعرِ، ورجلٌ علَّامةٌ. وأنشدَ (^٣):\nحدَّثْتَ نفسَك بالوفاءِ ولم تَكُنْ … للغَدْرِ خَائِنَةً مُغِلَّ الإِصْبَعِ\nفقال: خائنةً. وهو يُخاطِبُ رجلًا.\nوالصواب مِن التأويلِ في ذلك القولُ الذي روَيْناه عن أهلِ التأويلِ؛ لأن اللَّهَ عنَى بهذه الآيةِ القومَ مِن يهودِ بنى النَّضيرِ الذين همُّوا بقتلِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه، إذ أتاهم رسولُ ﷺ يَسْتَعِينُهم في ديةِ العامريَّين، فأطْلَعَه اللَّهُ عزَّ ذكرُه على ما قد همُّوا به، ثم قال (^٤) جلَّ ثناؤُه بعدَ تعريفِه أخبارَ أوائِلهم، وإعْلامِه منهجَ أسلافِهم، وأن آخرهم على منهاجِ أولِهم في الغدرِ والخيانةِ؛ لئلا يَكْبْر فعلُهم ذلك على نبيِّ اللَّهِ ﷺ، فقال جلَّ ثناؤُه: ولا تَزالُ تَطَّلِعُ مِن اليهودِ على خيانةٍ وغدرٍ ونقضِ عهدٍ. ولم يُرِدْ أنه لا يَزالُ يَطَّلِعُ على رجلٍ منهم خائنٍ، وذلك أن الخبرَ ابْتُدِئ به عن جَماعتِهم، فقيل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: ١١]. ثم قيل: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾. فإذ كان الابتداءُ عن الجماعةِ، فالخَتْمُ (^٥) بالجماعةِ أولى.\n\n<span data-type='title' id=toc-2506>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"الذين\".\n(^٢) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ١٥٨.\n(^٣) نسبه في مجاز القرآن ١/ ١٥٨ إلى الكلابى، وفى إصلاح المنطق ص ٢٦٦، والكامل للمبرد ١/ ٣٥٩ غير منسوب.\n(^٤) بعده في ص: \"له\".\n(^٥) في م: \"فلتختم\".","vol":"8","page":254},{"text":"وهذا أمرٌ مِن اللَّهِ عزَّ ذكرُه نبيَّه محمدًا ﷺ بالعفوِ عن هؤلاء القومِ الذين همُّوا أن يَبْسُطوا أيديَهم إليه مِن اليهودِ، يقولُ اللَّهُ جلَّ وعزَّ له: اعْفُ يا محمدُ عن هؤلاء اليهودِ الذين همُّوا بما همُّوا به مِن بَسْط أيديهم إليك وإلى أصحابِك بالقتلِ، واصْفَحْ لهم عن جُرْمِهم بتركِ التعرُّضِ لمكروهِهم، فإنى أُحِبُّ مَن أَحْسَن العفوَ والصَّفْحَ إلى مَن أساء إليه.\nوكان قتادةُ يقولُ: هذه منسوخةٌ. ويقولُ: نسَخَتهَا الآيةُ في \"براءةَ\": ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية [التوبة: ٢٩].\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾. قال: نسَخَتها: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجُ بنُ المنْهالِ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: ولم يُؤْمَرُ يومَئِذٍ بقتالِهم، فأَمَرَه اللَّهُ عز ذكرُه أن يَعْفُوَ عنهم ويَصْفَحَ، ثم نسَخ ذلك في \"براءةَ\"، فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. وهم أهلُ الكتابِ. فأمَر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه نبيَّه ﷺ أن يُقاتِلَهم حتى يُسْلِموا أو يُقِرُّوا بالجزيةِ.\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سليمانَ (^٢)، قال: قرَأتُ على ابن أبي\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٥، ومن طريقه النحاس في ناسخه ص ٣٨١، وابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٣٠٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"سليم\". وتقدم في ٤/ ٣٥٧، ٣٦٤.","vol":"8","page":255},{"text":"عَروبةَ، عن قتادةَ نحوَه.\nوالذي قاله قتادةُ غيرُ مدفوعٍ إمكانُه، غيرَ أن الناسخَ الذي لا شكَّ فيه مِن الأمرِ هو ما كان نافيًا كلَّ معاني خلافِه الذي كان قبلَه، فأما ما كان غيرَ نافٍ جميعَه، فلا سبيلَ إلى العلم بأنه ناسخٌ إلا بخبرٍ مِن اللَّهِ جلَّ وعزَّ، أو مِن رسولِه ﷺ، وليس في قولِه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ دَلالةٌ على الأمرِ بنفى معاني الصَّفْحِ والعفوِ عن اليهودِ.\nوإذ كان ذلك كذلك، وكان جائزًا - مع إقرارهم بالصَّغَارِ، وأدائِهم الجزيةَ بعدَ القتالِ - الأمرُ بالعفوِ عنهم في غَدرةٍ همُّوا بها، أو نَكْثةٍ عزَموا عليها، ما لم يَنْصِبُوا (^١) حَرْبًا دونَ أداءِ الجزيةِ، ويمتنعوا من الأحكامِ اللازمتِهم (^٢) - لم يكنْ واجبًا أن يُحْكَمَ لقولِه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية. بأنه ناسخٌ قولَه: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-683\"></span><span data-type='title' id=toc-2507>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾.</span>\nيقولُ عزَّ ذكرُه: وأخَذنا من النصارى الميثاقَ على طاعتى، وأداءِ فرائضى، واتباعِ رسلى، والتصديقِ بهم، فسلَكوا في ميثاقى الذي أخَذْتُه عليهم منهاجَ الأمةِ الضالةِ من اليهودِ، فبدّلوا كذلك (^٣) دينَهم، ونَقَضُوه (^٤) نقضَهم، وترَكوا حظَّهم من ميثاقى الذي أخَذْتُه عليهم بالوفاءِ بعهدى، وضيَّعوا أمرى.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنَ\n_________\n(^١) في م: \"يصيبوا\".\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣، س: \"اللازمة منهم\"، وفى ت ١: \"اللازمة\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بذلك\".\n(^٤) في م: \"نقضوا\".","vol":"8","page":256},{"text":"الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾: نسُوا كتابَ اللهِ بين أظهرِهم، وعهدَ اللهِ الذي عهِده إليهم، وأمرَ اللهِ الذي أمَرهم به (^١).\nحدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ عن السُّديِّ، قال: قالت [النصارى مثلَ ما قالت] (^٢) اليهودُ، ونسُوا حظًّا مما ذُكِّروا به.\n\n<span data-type='title' id=toc-2509>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾: حَرَّشنا بينَهم وأَلْقَينا. كما تُغْرِى (^٣) الشيءَ بالشيءِ. يقولُ جلَّ ثناؤُه: لما ترك هؤلاء النصارى الذين أخَذتُ ميثاقَهم بالوفاءِ بعهدى، حظَّهم مما عهِدت إليهم من أمرى ونهيى، أَغْريتُ بينَهم العداوةَ والبغضاء.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ إغراءِ اللهِ بينهم العداوة والبغضاء؛ فقال بعضُهم: كان إغراؤُه بينَهم بالأهواءِ التي حدَثت بينَهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2508>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا العوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ، عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ في قولِه: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾. قال: هذه الأهواءُ المختلِفةُ والتباغضُ، فهو الإغراءُ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"قال\".\n(^٣) في ص، س: \"يغرى\".\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٢١ - تفسير)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٧٧٢) =","vol":"8","page":257},{"text":"حدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن العوَّامِ بن حَوْشَبٍ، قال: سمعتُ النَّخَعيَّ يقولُ: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾. قال: أَغْرى بعضهم ببعضٍ بخصوماتٍ، بالجدالِ في الدينِ (^١).\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى هُشيمٌ، قال: أخبرنا العوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ، عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ، أو (^٢) التَّيْميِّ قولَه: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾. قال: ما أُرَى الإغراءَ في هذه الآيةِ إلا الأهواءَ المختلِفةَ. وقال معاويَةُ بن قُرَّةَ: الخصوماتُ في الدينِ تُحْبِطُ الأعمالَ (^٣).\nوقال آخرون: بل ذلك هو العداوةُ التي بينَهم والبغضاءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2510>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية: إن القومَ لما ترَكوا كتابَ اللهِ، وعَصَوا رسلَه، وضيَّعوا فرائضَه، وعطَّلوا حدودَه، أَلْقَى بينَهم العداوةَ والبغضاءَ إلى يومِ القيامةِ بأعمالهم؛ أعمالِ السُّوءِ، ولو أخَذ القومُ كتابَ اللهِ وأمْرَه ما افْتَرقوا ولا تَباغَضوا (^٤).\n_________\n= من طريق هشيم به، ولفظ ابن عبد البر: الخصومات والجدال في الدين. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد.\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٢٢ - تفسير) عن يزيد بن هارون به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٨ إلى أبي عبيد وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"و\".\n(^٣) أثر معاوية بن قرة أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٢٣ - تفسير)، والآجرى في الشريعة (١١٥) من طريق هشيم به، وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٧٧٣) من طريق هشيم، عن العوام قوله، وأخرجه ابن عبد البر (١٧٨٠)، واللالكائى في شرح أصول الاعتقاد ٢/ ١٢٩ من طريق العوام عن معاوية به، ووقع عنده: معاوية بن عمرو بدلا من: معاوية بن قرة.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"8","page":258},{"text":"وأولى التأويلين في ذلك عندَنا بالحقِّ تأويلُ من قال: أَغْرَى بينَهم بالأهواءِ التي حدَثت بينَهم. كما قال إبراهيمُ النَّخَعيُّ؛ لأن عداوةَ النصارى بينَهم إنما هي باختلافِهم في قولِهم في المسيحِ، وذلك أهواءٌ لا وحىٌ من اللهِ.\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالهاءِ والميمِ اللتين في قولِه: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك اليهودَ والنصارى. فمعنى الكلامِ على قولِهم وتأويلِهم: فأَغْرَينا بينَ اليهودِ والنصارى لنسيانِهم حظًّا مما ذُكِّروا به.\n\n<span data-type='title' id=toc-2511>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: وقال في (^١) النصارى أيضًا: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ فلما فعَلوا ذلك أَغْرَى اللهُ ﷿ بينَهم وبينَ اليهودِ العداوةَ والبغضاءَ إلى يومِ القيامةِ (^٢).\nحدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى. قال ابن زيدٍ: كما تُغْرِى (^٣) بينَ اثنين من البهائمِ.\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾. قال: اليهودُ والنصارى (^٤).\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت، س.\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٤٤٧ بنحوه.\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"يغرى\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٠٤.","vol":"8","page":259},{"text":"مجاهدٍ مثلَه.\nحدثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانُ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: هم اليهودُ والنصارى، أَغْرَى اللهُ بينَهم العداوةَ والبغضاءَ إلى يومِ القيامةِ (^١).\nوقال آخرون: بل عنَى اللهُ بذلك النصارى وحدَها. وقالوا: معنى ذلك: فَأَغْرَينا بينَ النصارى عقوبةً لها بنسيانِها حظًّا مما ذُكِّرت به. قالوا: وعليها عادت الهاءُ والميمُ في ﴿بَيْنَهُمُ﴾ دونَ اليهودِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2512>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثني المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ (^٢) اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قال: إن الله عزَّ ذكرُه تقدَّم (^٣) إلى بني إسرائيلَ، ألا تشتروا بآيات اللهِ ثمنًا قليلًا، وعَلَّموا الحكمةَ ولا تأخُذوا عليها أجرًا، فلم يفعَلْ ذلك إلا قليلٌ منهم، فأَخَذوا الرِّشوةَ في الحكمِ، وجاوزوا (^٤) الحدودَ، فقال في اليهودِ حيث حكَموا بغيرِ ما أمَر اللهُ: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ٦٤]. وقال في النصارى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (^٥).\nوأولى التأويلين بالآيةِ عندى ما قاله الربيعُ بنُ أنسٍ، وهو أن المعنيَّ بالإغراءِ بينَهم النصارى في هذه الآيةِ خاصَّةً، وأن الهاءَ والميمَ عائدتان على النصارى دونَ اليهودِ؛\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ٣٢، وأبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٤٤٧.\n(^٢) في النسخ: \"عبيد\"، وتقدم مرارًا ينظر مثلا ١/ ٢٠٩.\n(^٣) في س: \"عهد\".\n(^٤) في ص: \"حابوا\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خانوا\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٨ إلى المصنف.","vol":"8","page":260},{"text":"لأن ذكرَ الإغراءِ في خبرِ اللهِ عن النصارى بعدَ تقَضِّى خبرِه عن اليهودِ، وبعد ابتدائِه خبرَه عن النصارى، [فأن لا] (^١) يكون ذلك معنيًّا به إلا النصارى خاصَّةً، أولى من أن يكونَ معنيًّا به الحزبان جميعًا؛ لما ذكَرنا.\nفإن قال قائلٌ: وما العداوةُ التي بينَ النصارى فتكونَ مخصوصةً بمعنى ذلك؟ قيل: ذلك عداوةُ النَّسْطوريَّةِ واليعقوبيَّةِ المَلِكيَّةَ (^٢)، والمَلِكيةِ (^٣) النَّسْطوريةَ واليعقوبيَّةَ. وليس الذي قاله من قال: معنيٌّ بذلك إغراءُ اللهِ بينَ اليهودِ والنصارى - ببعيدٍ، غيرَ أن هذا أقربُ عندى وأشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لما ذكَرنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2513>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا (١٤)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: اعفُ عن هؤلاء الذين همُّوا ببسطِ أيديهم إليك وإلى أصحابِك، واصْفَحْ، فإن الله من وراءِ الانتقامِ منهم، وسينبِّئُهم اللهُ عندَ ورودِهم (^٤) عليه في مَعادِهم بما كانوا في الدنيا يصنَعون، من نقضِهم ميثاقَه، ونكثِهم عهدَه، وتبديلِهم كتابَه، وتحريفِهم أمرَه ونهيَه، فيُعاقبُهم على ذلك حَسَبَ استحقاقِهم.\n\n<span id=\"aya-684\"></span><span data-type='title' id=toc-2514>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾.</span>\nيقولُ عزَّ ذكرُه لجماعةِ أهلِ الكتابِ من اليهودِ والنصارى، الذين كانوا في\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فلا\".\n(^٢) سقط من: م، س، وفى ت ١: \"الملايكة\".\n(^٣) في س: \"الملكانية\".\n(^٤) بعده في م: \"الله\".","vol":"8","page":261},{"text":"عصرِ رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿يَاأَهْلَ﴾ من اليهودِ والنصارى، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾، يعني محمدًا ﷺ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾: وهو محمدٌ ﷺ (^١).\nوقولُه: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ\nالْكِتَابِ﴾. يقول: يبيِّنُ لكم محمدٌ رسولُنا كثيرًا مما كنتم تكتُمونه الناسَ ولا تُبَيِّنُونه لهم مما في كتابِكم. وكان مما يُخْفُونه من كتابِهم فبيَّنه رسولُ اللهِ ﷺ للناسِ، رجمُ الزانيَين المُحْصَنين.\nوقيل: إن هذه الآيةَ نزَلت في تبيينِ رسولِ اللهِ ﷺ ذلك للناسِ من إخفائِهم ذلك من كتابِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2515>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: من كفَر بالرجمِ فقد كفَر بالقرآنِ من حيثُ لا يَحْتسِبُ. قولَه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾. فكان الرجمُ مما أَخْفُوا (^٢).\nحدثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن شَبُّويَهْ، أخبرنا عليُّ بن الحسينِ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا يزيدُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٨ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١١١٣٩)، والحاكم ٤/ ٣٥٩ من طريق الحسين بن واقد به.\n(^٣) أخرجه النسائي في الكبرى (٧١٦٢، ١١١٣٩)، وابن حبان (٤٤٣٠) من طريق على بن الحسين به =","vol":"8","page":262},{"text":"حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الوهاب الثقفيُّ، عن خالدٍ الحذَّاءِ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قال: إن نبيَّ اللهِ أتاه اليهودُ يسألونه عن الرجمِ، واجْتَمعوا في بيتٍ، قال: \"أيُّكم أعلمُ\"؟ فأشاروا إلى ابن صُورِيا، فقال: \"أنت أعلمُهم\"؟ قال: سَلْ عمَّا شئتَ. قال: \"أنت أعلمُهم\"؟ قال: إنهم ليزعُمون ذلك. قال: فناشَده بالذي أنزل التوراةَ على موسى، والذي رفَع الطورَ، وناشَده بالمواثيقِ التي أُخِذت عليهم، حتى أخَذه أَفْكَلُ (^١). فقال: إن نساءَنا نساءٌ حِسانٌ، فكثُر فينا القتلُ، فاخْتَصرنا أُخْصُورةً (^٢)، فجلَدنا مائةً، وحلَقنا الرءوسَ، وخالفنا بين الرءوسِ إلى الدوابِّ - أحسَبُه قال: الإبلِ. قال: فحَكَم عليهم بالرجمِ: فأنزل اللهُ فيهم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ الآية. وهذه الآيةَ: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ (^٣) [البقرة: ٧٦].\nوقولُه: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. يعنى بقولِه: ﴿وَيَعْفُو﴾: ويتركُ أخذَكم بكثيرٍ مما كنتم تُخْفُون من كتابِكم الذي أنزله اللهُ إليكم، وهو التوراةُ، فلا تعمَلون به حتى يأمُرَه اللهُ بأخذِكم به.\n\n<span data-type='title' id=toc-2516>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه لهؤلاء الذين خاطَبهم من أهلِ الكتابِ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾\n_________\n= وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٩ إلى ابن الضريس.\n(^١) الأفكل، على أفْعَل: الرِّعْدة، ولا يبنى منه فعل. اللسان (ف ك ل).\n(^٢) المراد بالأخصورة هنا: الاختصار في الشيء، ولم نجد هذه اللفظة في المعاجم، وإنما يوجد الاختصار والخُصَيْرى، وهما بمعنى ما يراد من الأخصورة هنا. وينظر اللسان (خ ص ر).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٨، ٢٦٩ إلى المصنف.","vol":"8","page":263},{"text":"يا أهلَ التوراةِ والإنجيلِ ﴿مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾. يعنى بالنورِ محمدًا ﷺ الذي أنار اللهُ به الحقَّ، وأَظْهَر به الإسلامَ، ومَحق به الشركَ، فهو نورٌ لمن استنار به، يبيِّنُ الحقَّ، ومن إنارتِه الحقَّ تبيينُه لليهودِ كثيرًا مما كانوا يخفُون من الكتابِ.\nوقولُه: ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قد جاءكم من اللهِ تعالى النورُ الذي أنار لكم به معالمَ الحقِّ، ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾. يعنى كتابًا فيه بيانُ ما اخْتَلفوا فيه بينَهم من توحيدِ اللهِ، وحلالِه وحرامِه، وشرائعِ دينِه، وهو القرآنُ الذي أنزَله على نبيِّنا محمد ﷺ، يبيِّنُ للناس جميعَ ما بهم الحاجةُ إليه (^١) من أمر دينهم، ويوضِّحُه لهم حتى يعرِفوا حقَّه من باطلِه.\n\n<span id=\"aya-685\"></span><span data-type='title' id=toc-2517>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾.</span>\nيقولُ (^٢) عزَّ ذكرُه: يَهْدِى بهذا الكتابِ المبينِ الذي جاء من اللهِ ﷻ. ويعني بقولِه: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾: يرشِدُ به اللهُ ويسدِّدُ به. والهاءُ في قولِه: ﴿بِهِ﴾. عائدةُ على ﴿الْكِتَابِ﴾. ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾. يقولُ: من اتَّبَع رضا اللهِ.\nواخْتُلِف في معنى الرِّضا من اللهِ جلَّ وعزَّ؛ فقال بعضُهم: الرضا منه بالشيءِ القَبولُ له، والمدحُ والثناءُ. قالوا: فهو قابلٌ الإيمانَ ومزكٍّ له، ومُثْنٍ على المؤمنِ بالإيمانِ، وواصفٌ الإيمانَ بأنه نورٌ وهدًى وفضلٌ.\nوقال آخرون: معنى الرضا من اللهِ جلَّ وعزَّ معنًى مفهومٌ، هو خِلافُ السَّخَطِ، وهو صفةٌ من صفاتِه، على ما يُعْقَلُ من معاني الرضا الذي هو خِلافُ السَّخَطِ،\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في م: \"يعنى\".","vol":"8","page":264},{"text":"وليس ذلك بالمدحِ؛ لأن المدحَ والثناءَ قولٌ، وإنما يُثْنِي ويَمدَحُ ما قد رَضِى. قالوا: فالرضا معنًى، والثناءُ والمدحُ معنًى ليس به (^١).\nويعنى بقوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾: طرُقَ السلامِ. والسلامُ هو اللهُ عزَّ ذكرُه.\nحدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾: سبيلُ (^٢) اللهِ الذي شرَعه لعبادِه، ودَعاهم إليه، وابْتَعث به رسلَه، وهو الإسلامُ الذي لا يَقْبَلُ من أحدٍ عملًا إلا به، لا اليهوديةِ، ولا النصرانيةِ، ولا المجوسيةِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2518>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾.</span>\nيقولُ عزَّ ذكرُه: يهدى اللهُ بهذا الكتابِ المبين من اتَّبَع رضوانَ اللهِ إلى سبلِ السلامِ وشرائعِ دينِه، ﴿وَيُخْرِجُهُمْ﴾. يقولُ: و(^٤) يُخْرِجُ مَن اتَّبع رضوانَه - والهاءُ والميمُ في: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ﴾ (^٥). مِن ذِكْرِ: ﴿مَنِ﴾ (^٦) - ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. يعنى: من ظلماتِ الكفرِ والشركِ إلى نورِ الإسلامِ وضيائِه، ﴿بِإِذْنِهِ﴾. يعنى: بإذنِ اللهِ جلَّ وعزَّ. وإذنُه في هذا الموضعِ تحبيبُه إيَّاه الإيمانَ برفعِ طابَعِ الكفرِ عن قلبِه، وخاتَمِ الشركِ عنه، وتوفيقِه لإبصارِ سبلِ السلامِ.\n_________\n(^١) وهذا مذهب السلف، إثبات صفة الرضا وغيرها من الصفات كالغضب والحب والبغض التي ورد بها الكتاب والسنة، ويمنعون تأويلها الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى. ينظر شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٦٨٤، وفهارس مجموع الفتاوى.\n(^٢) في ص: \"الله هو السلام وسبل\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وسبل\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٩ إلى المصنف.\n(^٤) بعده في م: \"من\".\n(^٥) بعده في م: \"إلى\".\n(^٦) سقط من: م. ويقصد بـ \"من\" التي في قوله تعالى: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾.","vol":"8","page":265},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2519>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾.</span>\nيعنى عزَّ ذكرُه بقولِه: ﴿وَيَهْدِيهِمْ﴾: ويُرْشِدُهم ويسدِّدُهم، ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: إلى طريقٍ مستقيمٍ، وهو دينُ اللهِ القويمُ الذي لا اعْوجاجَ فيه.\n\n<span id=\"aya-686\"></span><span data-type='title' id=toc-2520>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾.</span>\nهذا ذمٌّ من اللهِ عزَّ ذكرُه للنصارى والنصرانيةِ الذين ضلُّوا عن [سبلِ السلامِ] (^١)، واحتجاجٌ منه لنبيِّه محمدٍ ﷺ في فريتِهم عليه بادِّعائِهم (^٢) له ولدًا. يقولُ جلَّ ثناؤُه: أُقْسِمُ لقد كفرَ الذين قالوا: إن الله هو المسيحُ ابن مريمَ. وكفرُهم في ذلك تغطيتُهم الحقَّ في تركِهم نفىَ الولدِ عن اللهِ جلَّ وعزَّ، وادِّعائِهم أن المسيحَ هو اللهُ، فريةً وكَذِبًا عليه.\nوقد بيَّنا معنى \"المسيح\" فيما مضَى بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2521>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ للنصارى الذين افْتَرَوا عليَّ، وضلُّوا عن سواءِ السبيلِ بقيلِهم: إن الله هو المسيحُ ابن مريمَ -: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. يقولُ: من الذي يُطيقُ أن يدفَعَ من أمرِ اللهِ جلَّ وعزَّ\n_________\n(^١) في س: \"سبيل الإسلام\".\n(^٢) في س: \"وادعائهم\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٥/ ٤٠٩، ٤١٠.","vol":"8","page":266},{"text":"شيئًا فيردَّه إذا قضاه. من قولِ القائلِ: ملَكتُ على فلانٍ أمرَه. إذا صار لا يقدِرُ أن ينفِّذَ أمرًا إلا به.\nوقولُه: ﴿إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. يقولُ: من ذا الذي يقدِرُ أن يردُّ من أمرِ اللهِ شيئًا إن شاء أن يُهْلِكَ المسيحَ ابنَ مريمَ، بإعدامِه من الأرضِ وإعدامِ أمِّه مريمَ وإعدامِ جميعِ مَن في الأرضِ من الخلقِ جميعًا. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل لهؤلاء الجَهَلةِ من النصارى: لو كان المسيحُ كما يزعمون أنه هو اللهُ - وليس كذلك - لقدَر أن يرُدَّ أَمرَ اللهِ إذا جاءه بإهلاكه و(^١) إهلاكِ أمِّه، وقد أَهْلَك أمَّه فلم يقدِرْ على دفعِ أمرِه فيها إذ نزَل ذلك. ففى ذلك لكم مُعْتَبَرٌ إِن اعْتَبرتُم، وحجةٌ عليكم إن عقَلتم، في أن المسيحَ بشرٌ كسائرِ بنى آدمَ، وأن الله ﷿ هو الذي لا يُغْلَبُ ولا يُقْهَرُ ولا يُرَدُّ له أمرٌ، بل هو الحيُّ الدائمُ القيُّومُ الذي يُحيى ويميتُ، ويُنْشِئُ ويُفْنى، وهو حيٌّ لا يموتُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2522>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾.</span>\nيعنى ﵎ بذلك: واللهُ له تصريفُ ما في السماواتِ والأرضِ، ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. يعنى: وما بينَ السماءِ والأرضِ. يُهْلِكُ ما (^٢) يشاء من ذلك، ويُبْقِى ما يشاءُ منه، ويُوجِدُ ما أراد، ويُعْدِمُ ما أحبَّ، لا يمنَعُه من شيءٍ أراد من ذلك مانعٌ، ولا يدفَعُه عنه دافعٌ، يُنْفِذُ فيهم حُكمَه، ويُمْضِى فيهم قضاءَه - لا المسيحُ الذي إن أراد إهلاكَه ربُّه، وإهلاكَ أمِّه، لم يمِلكْ دفعَ ما أراد به ربُّه من ذلك.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت، س: \"أو\".\n(^٢) في م: \"من\".","vol":"8","page":267},{"text":"يقولُ جلَّ وعزَّ: كيف يكونُ إلهًا يُعْبَدُ من كان عاجزًا عن دفعِ ما أراد به غيرُه من السُّوءِ، وغيرَ قادرٍ على صرفِ ما نزَل به من الهلاكِ، بل الإلُه المعبودُ الذي له ملكُ كلِّ شيءٍ، وبيده تصريفُ كلِّ مَن في السماءِ والأرضِ وما بينَهما، فقال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. وقد ذكَر السماواتِ بلفظِ الجمعِ، ولم يقُلْ: وما بينَهن؛ لأن المعنى: وما بينَ هذين النوعين من الأشياءِ. كما قال الراعي (^١):\nطَرَقَا فتلك هَمَاهِمي (^٢) أَقْرِيهِما … قُلُصًا (^٣) لَوَاقِحَ (^٤) كالقِسيِّ وحُولَا (^٥)\nفقال: طَرَقَا. مخبرًا عن شيئين، ثم قال: فتلك هَمَاهِمي. فرجع إلى معنى الكلامِ.\nوقولُه: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويُنْشِئُ ما يشاءُ ويُوجِدُه، ويُخْرِجُه من حالِ العدمِ إلى حالِ الوجودِ، ولن يقدِرَ على ذلك غيرُ اللهِ الواحدِ القهَّارِ. وإنما يعنى بذلك أن له تدبيرَ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما، وتصريفَه، وإفناءَه وإعدامَه، وإيجادَ ما يشاءُ مما هو غيرُ موجودٍ ولا مُنْشأً. يقولُ: فليس ذلك لأحدٍ سواىَ، فكيف زعَمتم أيها الكَذَبةُ أن المسيح إلهٌ، وهو لا يُطيقُ شيئًا من ذلك، بل لا يقدِرُ على (^٦) دفعِ الضَّرَرِ عن نفسِه ولا عن أمِّه، ولا اجتلابِ نفعٍ إليها إلا بإذني؟\n_________\n(^١) ديوانه ص ١٩٩.\n(^٢) الهماهم: الهموم. اللسان (هـ م م).\n(^٣) القَلوص: الفتِيَّة من الإبل. اللسان (ق ل ص).\n(^٤) اللواقح: الحوامل. اللسان (ل ق ح).\n(^٥) الحُول، جمع حائل: وهى الناقة التي حُمل عليها فلم تَلْقَح. اللسان (ح ول).\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، س.","vol":"8","page":268},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2523>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾.</span>\nيقولُ عزَّ ذكرُه: اللهُ المعبودُ هو القادرُ على كلِّ شيءٍ، والمالكُ كلَّ شيءٍ، الذي لا يُعْجِزُه شيءٌ أراده، ولا يَغْلِبُه شيءٌ طلَبه، المقتدِرُ على هلاكِ المسيحِ وأمِّه ومن في الأرضِ جميعًا، لا العاجزُ الذي لا يقدِرُ على منعِ نفسه من ضُرٍّ نزَل به من اللهِ، ولا منعِ أمِّه من الهلاكِ.\n\n<span id=\"aya-687\"></span><span data-type='title' id=toc-2524>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾.</span>\nوهذا خبرٌ من اللهِ جلَّ وعزَّ عن قومٍ من اليهودِ والنصارى أنهم قالوا هذا القولَ. وقد ذُكِر عن ابن عباسٍ تسميةُ الذين قالوا ذلك من اليهودِ.\nحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولي زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: أتى رسولُ اللهِ ﷺ [نعمانُ بنُ أضا، وبَحْرِيُّ بنُ عمرٍو] (^١)، وشَأْسُ بن عَدِيٍّ، فكلَّموه، فكلَّمهم رسولُ اللهِ ﷺ، ودعاهم إلى اللهِ، وحذَّرهم نِقْمتَه، فقالوا: ما تُخَوِّفُنا يا محمدُ، نحن واللهِ أبناءُ اللهِ وأحباؤُه! كقولِ النصارى، فأنزل اللهُ جلَّ وعزَّ فيهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٢).\nوكان السُّدِّيُّ يقولُ في ذلك بما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ س: \"عثمان بن أصار ونحوى بن عمرو\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٦٣، وأخرجه البيهقى في الدلائل ٢/ ٥٣٣ - ٥٣٦ من طريق يونس بن بكير به مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٩ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"8","page":269},{"text":"وَأَحِبَّاؤُهُ﴾: أما أبناءُ اللهِ فإنهم قالوا: إن الله أَوْحَى إلى (^١) إسرائيلَ أن [ولدًا من وَلَدِك أُدْخِلُهم] (^٢) النارَ فيكونون فيها أربعين يومًا حتى تطهِّرَهم وتأكُلَ خطاياهم، ثم ينادى منادٍ: أَنْ أَخْرِجوا كلَّ مختونٍ مِن وَلَدِ إسرائيلَ. فأُخْرِجُهم. فذلك قولُه: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (^٣) [آل عمران: ٢٤]. وأما النصارى فإن فريقًا منهم قال للمسيحِ: ابن اللهِ.\nوالعربُ قد تُخْرِجُ الخبرَ إذا افْتَخَرت مُخْرَجَ الخبرِ عن الجماعةِ، وإن كان ما افْتَخَرت به من فعلِ واحدٍ منهم (^٤)، فتقولُ: نحن الأجوادُ الكِرامُ. وإنما الجَوادُ فيهم واحدٌ منهم، وغيرُ المتكلِّمِ الفاعلُ ذلك، كما قال جريرٌ (^٥):\nنَدَسُنَا (^٦) أبا مَنْدوسةَ القَيْنَ (^٧) بالقَنَا (^٨) … ومارَ (^٩) دَمٌ من جارِ بَيْبَةَ ناقِعُ (^١٠)\nفقال: نَدَسْنَا. وإنما النادِسُ رجلٌ من قومِ جريرٍ غيرُه. فَأَخْرَج الخبرَ مُخْرَجَ الخبرِ عن جماعةٍ هو أحدُهم. فكذا أَخْبَرَ اللهُ عزَّ ذكرُه عن النصارى أنها قالت ذلك على هذا الوجهِ إن شاء اللهُ.\nوقولُه: ﴿وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. وهو جمعُ حَبيبٍ. يقولُ اللهُ جلَّ وعزَّ لنبيِّه\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢ ت ٣، س: \"بني\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ولدك من الولد فأدخلهم\".\n(^٣) عزاه ابن كثير في تفسيره ٣/ ٦٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم دون آخره.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢ ت: \"منها\".\n(^٥) ديوانه ٢/ ٩٢٧.\n(^٦) الندْس: الطعن. اللسان (ن د س).\n(^٧) القين: العبد. اللسان (ق ى ن).\n(^٨) القنا أو القناة: الرمح. اللسان (ق ن و).\n(^٩) مار الدم: سال وجرى. التاج (م ور).\n(^١٠) الناقع: الطرى. التاج (ن ق ع).","vol":"8","page":270},{"text":"محمدٍ ﷺ: قلْ لهؤلاء الكذبةِ المفترِين على ربِّهم: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ﴾ ربُّكم ﴿بِذُنُوبِكُمْ﴾ (^١). يقولُ: فلايِّ شيءٍ يعذِّبُكم ربُّكم بذنوبِكم، إن كان الأمرُ كما زعَمتم أنكم أبناؤُه وأحباؤُه، فإن الحبيبَ لا يُعَذِّبُ حبيبَه، وأنتم [مقرُّون أنه معذِّبُكم] (^٢). وذلك أن اليهودَ قالت: إن الله معذِّبُنا أربعين يومًا، عددَ الأيامِ التي عبَدنا فيها العجلَ، ثم يُخْرِجُنا جميعًا منها. فقال اللهُ ﷿ لمحمدٍ ﷺ: قلْ لهم: إن كنتم كما تقولون: أبناءُ اللهِ وأحباؤُه، فلم يعذِّبُكم بذنوبِكم؟ يُعْلِمُهم عزَّ ذكرُه أنهم أهلُ فِرْيةٍ وكذبِ على اللهِ جلَّ وعزَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2525>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ لهم: ليس الأمرُ كما زعَمتم أنكم أبناءُ اللهِ وأحباؤُه، ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾. يقولُ: خلقٌ من بنى آدمَ، خلَقكم اللهُ مثلَ سائرِ بني آدمَ، إن أَحْسنتم جُوزِيتم بإحسانِكم، كما سائرُ بني آدمَ مَجْزِيُّون بإحسانِهم، وإن أسأتم جُوزِيتم بإساءتِكم، كما غيرُكم مَجْزِيٌّ بها، ليس لكم عندَ اللهِ إلا ما لغيرِكم من خلقِه، فإنه يَغْفِرُ لمن يشاءُ من أهلِ الإيمانِ به ذنوبَه، فيصفَحُ عنه بفضلِه، ويستُرُها عليه برحمتِه فلا يعاقبُه بها.\nوقد بيَّنا معنى \"المغفرةِ\" في موضعٍ غيرِ هذا بشواهدِه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\n﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾. يقولُ: ويَعْدِلُ على من يشاءُ من خلقِه، فيعاقبُه على ذُنوبِه، ويفضَحُه بها على رءوسِ الأشهادِ، فلا يستُرُها عليه. وإنما هذا من اللهِ عزَّ\n_________\n(^١) سقط من: م، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في س: \"تقرون أن الله يعذبكم\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٧٢٠، ٧٢١.","vol":"8","page":271},{"text":"وجلَّ وعيدٌ لهؤلاء اليهود والنصارى، المتَّكِلين على منازلِ سَلَفِهم الخيارِ عندَ اللهِ، الذين فضَّلهم اللهُ بطاعتِهم إياه، واجْتَباهم (^١) لمسارعتِهم إلى رضاه، واصطبارِهم على (^٢) ما نابهم فيه. يقولُ لهم: لا تَغْتَرُّوا بمكانِ أولئك منى، ومنازلِهم عندى، فإنهم إنما نالوا ما نالوا منى بالطاعةِ لى، وإيثارِ رضاىَ على محابِّهم، لا (^٣) بالأمانيِّ، فجِدُّوا (^٤) في طاعتى، وانْتَهُوا إلى أمرى، وانْزَجِروا عما نُهِيتُهم عنه، فإني إنما أغفِرُ ذنوبَ من أَشاءُ أن أغفِرَ ذنوبَه من أهلِ طاعتى، وأعذِّبُ من أشاءُ تعذيبَه من أهلِ معصيتى، لا لمن قَرُبتْ زُلْفَةُ آبائِه منى، وهو لى عدوٌّ، ولأمرى ونهى مخالفٌ.\nوكان السُّديُّ يقولُ في ذلك بما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾. يقولُ: يَهْدِى منكم من يشاءُ في الدنيا فيغفرُ له، ويُميتُ من يشاءُ منكم على كفرِه فيعذِّبُه (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-2526>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ: للهِ تدبيرُ ما في السماواتِ وما في الأرضِ وما بينَهما وتصريفُه، وبيدِه أمرُه، وله مُلْكُه، يصرِّفُه كيف يشاءُ، ويدبِّرُه كيف أحبَّه، لا شريكَ له في شيءٍ منه، ولا لأحدٍ معه فيه مُلكٌ، فاعْلَموا أيها القائلون: نحنُ أبناءُ اللهِ وأحباؤُه. أنه إن عذَّبكم بذنوبِكم، لم يكنْ لكم منه مانعٌ، ولا لكم عنه دافعٌ؛ لأنه لا نسبَ بينَ أحدٍ\n_________\n(^١) في م: \"اجتنابهم معصيته\".\n(^٢) في ص، س: \"إلى\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"إلا\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فأذنوا\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٩ إلى المصنف.","vol":"8","page":272},{"text":"وبينَه فيحابيَه بسببِ (^١) ذلك، ولا لأحدٍ في شيءٍ دونَه مُلْكٌ فيحولَ بينَه وبينَه إن أراد تعذيبَه بذنبِه (^٢)، وإليه مصيرُ كلِّ شيءٍ ومرِجعُه، فاتقوا أيها المفترون (^٣) عقابَه إيَّاكم على ذنوبِكم بعدَ مرجعِكم إليه، ولا تَغْتَرُّوا بالأمانيِّ وفضائلِ الآباءِ والأسلافِ.\n\n<span id=\"aya-688\"></span><span data-type='title' id=toc-2527>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾. اليهودَ الذين كانوا بين ظَهْرانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ يومَ نزَلت هذه الآيةُ، وذلك أنهم أو بعضَهم، فيما ذُكِر، لما (^٤) دعاهم رسولُ اللهِ ﷺ إلى الإيمانِ به، وبما جاءهم به من عندِ اللهِ، قالوا: ما بَعث اللهُ من نبيٍّ بعدَ موسى، ولا أَنْزَل بعدَ التوراةِ كتابًا.\nحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بن جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: قال معاذُ بنُ جبلٍ وسعدُ بنُ عُبادةَ وعقبةُ بنُ وهبٍ لليهودِ: يا معشرَ اليهودِ، اتقوا الله، فواللهِ إنكم لتعلَمون أنه رسولُ اللهِ، لقد كنتم تذكُرونه لنا قبلَ مبعَثِه، وتصِفونه لنا بصفتِه. فقال رافعُ (^٥) بن حُريملةَ (^٦) ووهبُ بنُ يَهودًا: ما (^٧) قلنا هذا لكم، وما أَنْزَل اللهُ من كتابٍ بعدَ موسى، ولا أَرْسَل بشيرًا ولا (^٨) نذيرًا بعدَه.\n_________\n(^١) في م: \"لسبب\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بدونه\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"المقرون\".\n(^٤) في ت ١، س: \"لنا\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"نافع\".\n(^٦) في النسخ: \"حرملة\". وتقدم على الصواب في ٢/ ٤٠٩.\n(^٧) في م: \"أما\".\n(^٨) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"8","page":273},{"text":"فأَنزَل اللهُ ﷿ في قولِهما: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^١).\nويعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾: قد جاءكم محمدٌ ﷺ رسولُنا، ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾. يقولُ: يعرِّفُكم الحقَّ، ويوضِّحُ لكم أعلامَ الهدى، ويُرْشِدُكم إلى دينِ اللهِ الْمُرْتَضَى.\nكما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾: وهو محمدٌ ﷺ، جاء بالفرقانِ الذي فرَّق اللهُ به بينَ الحقِّ والباطلِ، فيه بيانُ اللهِ ونورُه وهُدَاه، وعصمةٌ لمن أخَذ به (^٢).\n﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾. يقولُ: على انقطاعٍ من الرسلِ، والفَتْرةُ في هذا الموضعِ الانقطاعُ. يقولُ: قد جاءكم رسولُنا يبيِّنُ لكم الحقَّ والهُدَى على انقطاعٍ من الرسلِ.\nوالفَتْرةُ الفَعْلةُ، من قولِ القائلِ: فتَر هذا الأمرُ يَفْتُرُ فُتورًا. وذلك إذا هدَأ وسكَن، وكذلك الفَتْرةُ في هذا الموضعِ معناها السكونُ، يرادُ به سكونُ مجئِ الرسلِ، وذلك انقطاعُها.\nثم اختلف أهلُ التأويلِ في قَدْرِ مدةِ تلك الفترةِ، فاخْتُلِف في الروايةِ في ذلك عن قتادةَ؛ فروَى معمرٌ عنه ما حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾. قال: كان بينَ\n_________\n(^١) هذا الأثر طرف من الأثر المتقدم في ص ٢٦٩.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"8","page":274},{"text":"عيسى ومحمدٍ ﷺ خمسُمائةٍ وستون سنةً (^١).\nوروَى سعيدُ بنُ أبي عَرُوبةَ عنه ما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كانت الفترةُ بينَ عيسى ومحمدٍ ﷺ، ذُكِر لنا أنها كانت ستَّمائةِ سنةٍ، أو ما شاء اللهُ من ذلك، اللهُ أعلمُ (^٢).\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن أصحابِه قولَه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾. قال: كان بينَ عيسى ومحمدٍ ﷺ خمسُمائةِ سنةٍ وأربعون سنةً. قال معمرٌ: قال قتادةُ: خمسُمائةِ سنةٍ وستون سنةً (^٣).\nوقال آخرون بما حُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: أخبرنا عُبيد بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾. قال: كانت الفترةُ بينَ عيسى و(^٤) محمدٍ ﷺ أربعَمائةِ سنةٍ وبضعًا وثلاثين سنةً (^٥).\nويعنى بقولِه: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾: ألّا تقولوا، وكى لا تقولوا. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. بمعنى: ألَّا تضِلُّوا، وكى لا تضِلُّوا.\nفمعنى الكلامِ: قد جاءكم رسولُنا يبيِّنُ لكم على فترةٍ من الرسلِ، كي لا تقولوا: ما جاءنا من بشيرٍ ولا نذيرٍ. يُعْلِمُهم عزَّ ذكرُه أنه قد قطَع عُذْرَهم برسولِه\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) طرف من الأثر المتقدم في ص ٢٧٤.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٦٥.\n(^٤) بعده في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بين\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٦٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٩ إلى المصنف.","vol":"8","page":275},{"text":"ﷺ، وأبْلَغ إليهم في الحجةِ. ويعنى بالبشيرِ المبشِّرَ من أطاع الله، وآمن به وبرسولِه، وعمل بما أتاه من عندِ اللهِ، بعظيمِ ثوابِه في آخرتِه. وبالنذيرِ المُنذِرَ مَن عصاه، وكذَّب رسولَه ﷺ، وعمِل بغيرِ ما أتاه من عندِ اللهِ من أمرِه ونهيِه، بما لا قِبَلَ له به من أليمِ عقابِه في مَعادِه، وشديدِ عذابِه في قيامتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2528>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه لهؤلاء اليهودِ الذين وصَفنا صفتهم: قد أَعْذَرنا إليكم، واحتجَجنا عليكم برسولِنا محمدٍ ﷺ، إليكم، وأَرْسَلناه إليكم ليبين لكم ما أَشْكَل عليكم من أمرِ دينِكم، كي لا تقولوا: لم يأتِنا من عندِك رسولٌ يبين لنا ما نحن عليه من الضلالِة. فقد جاءكم من عندى رسولٌ يبشِّرُ من آمن بي وعمِل بما أمرتُه وانتهَى عما نهَيته عنه، وينذِرُ من عصاني وخالَف أمرى، وأنا القادرُ على كلِّ شيءٍ، أقدِرُ على عقابِ من عصاني، وثوابِ من أطاعنى، فاتَّقوا عقابي على معصيتِكم إِيَّايَ، وتكذيبِكم رسولى، واطْلُبوا ثوابى على طاعتكم إيَّايَ، وتصديقِكم بشيرى ونذيرى، فإنى أنا الذي لا يُعْجِزُه شيءٌ أراده، ولا يفوتُه شيءٌ طلبه.\n\n<span id=\"aya-689\"></span><span data-type='title' id=toc-2529>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.</span>\nوهذا أيضًا من اللهِ ﷿ تعريفٌ لنبيِّه محمدٍ ﷺ قديمَ تمادى (^١) هؤلاء اليهودِ في الغيِّ، وبعدهم عن الحقِّ، وسوءِ اختيارِهم لأنفسِهم، وشدةِ خلافِهم لأنبيائِهم، وبطءِ إنابتِهم إلى الرشادِ، مع كثرةِ نعمِ اللهِ عندَهم، وتتابُعِ أياديه وآلائِه عليهم، مُسَلِّيًا بذلك نبيَّه محمدًا ﷺ عمَّا يَحِلُّ به من علاجِهم، وينزِلُ به من\n_________\n(^١) في م: \"بتمادى\".","vol":"8","page":276},{"text":"مقاساتِهم في ذاتِ اللهِ. يقولُ اللهُ عز ذِكرُه له ﷺ: لا تأسَ على ما أصابك منهم، فإن الذهابَ عن اللهِ والبعدَ من الحقِّ وما فيه لهم الحظُّ في الدنيا والآخرةِ، من عاداتِهم وعاداتِ أسلافِهم وأوائلِهم، وتعزَّ بما لاقى منهم أخوك موسى صلى اللهُ عليه، واذكُرْ إذ قال موسى لهم: ﴿يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: اذُكروا أياديَ اللهِ عندَكم، وآلاءَه قِبَلَكم.\nكما حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ، عن ابن عُيينةَ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. قال: أياديَ اللهِ عندَكم وأيامَه.\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: عافيةَ اللهِ (^١).\nوإنما اخترنا ما قلنا؛ لأن الله جلَّ وعزَّ لم يَخْصُصْ من النِّعَمِ شيئًا، بل عمَّ ذلك بذكرِ النعمِ، فذلك على العافيةِ وغيرِها، إذ كانت العافيةُ أحدَ معاني النعمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2530>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه أن موسى ذكَّر قومَه من بني إسرائيلَ بأيامِ اللهِ عندَهم، وبآلائِه قِبَلَهم، مُحَرِّضهم (^٢) بذلك على اتباعِ أمرِ اللهِ في قتالِ الجبَّارين، فقال لهم: اذكُروا نعمةَ اللهِ عليكم إذ (^٣) فضَّلكم بأن جعَل فيكم أنبياء يأتونكم بوحيِه، ويُخبرونكم بآياته (^٤) بالغيب (^٥)، ولم يُعطِ ذلك غيرَكم في زمانِكم هذا. فقيل: إن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٤ (٣٩٢٢) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) في: \"فحرضهم\"، وفي ت ٢: \"يحرضهم\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت: \"أن\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بآياتنا\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الغيب\". وأثبت الشيخ شاكر هاتين الكلمتين: بأنباء الغيب.","vol":"8","page":277},{"text":"الأنبياءَ الذين ذكَرهم موسى أنهم جُعِلوا فيهم هم الذين اختارهم موسى، إذ صار إلى الجبلِ، وهم السبعون الذين ذكَرهم اللهُ فقال: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥].\n﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾: سخَّر لكم من غيركم خدمًا يخدُمونكم.\nوقيل: إنما قال ذلك لهم موسى لأنه لم يكن في ذلك الزمانِ أحدٌ سواهم يخدُمُه أحدٌ من بني آدمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2531>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: كنا نُحدَّثُ أنهم أول من سُخِّر لهم الخدَمُ من بنى آدمَ وملَكوا (^١).\nوقال آخرون: كلُّ من ملك بيتًا وخادمًا وامرأةً، فهو مَلِكٌ، كائنًا من كان من الناسِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2532>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا أبو هانئٍ، أنه سمِع أبا عبدِ الرحمنِ الحُبُلِيَّ يقولُ: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرِو بن العاصِ وسألَه رجلٌ، فقال: ألسنا من فقراءِ المهاجرين؟ فقال له عبدُ اللهِ: ألك امرأةٌ تأوى إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكنٌ تسكُنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياءِ. قال: إن لى خادمًا. قال: فأنت من الملوكِ (^٢).\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ٣٥ بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٩ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٢٦ - تفسير)، ومسلم (٢٩٧٩) من طريق ابن وهب به.","vol":"8","page":278},{"text":"حدثنا الزُّبيرُ بن بكَّارٍ، قال: ثنا أبو ضَمْرَةَ أَنسُ بنُ عِياضٍ، قال: سمعتُ زِيدَ بنَ أسلم يقولُ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. فلا أعلمُ إلا أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"من كان له بيتٌ وخادمٌ فهو مَلِكٌ\" (^١).\nحدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا العلاءُ بنُ عبدِ الجبارِ، عن حمادِ بن سَلَمَةَ، عن حُميدٍ، عن الحسنِ أنه تلا هذه الآيةَ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. . فقال: وهل المُلْكُ إلا مَرْكَبٌ وخادمٌ ودارٌ (^٢)؟\nفقال قائلو هذه المقالةِ: إنما قال لهم موسى ذلك لأنهم كانوا يملكون الدور والخدمَ، ولهم نساءٌ وأزواجٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2533>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ وابنُ حُميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، قال: أُرَاه عن الحكمِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: كانت بنو إسرائيلَ إذا كان للرجلِ منهم بيتٌ وامرأةٌ وخادمٌ عُدَّ مَلِكًا (^٣).\nحدثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، ح وحدثنا سفيانُ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن الحكمِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: الدارُ والمرأةُ والخادمُ. قال سفيان: أو (^٤) اثنتين من الثلاثةِ.\nحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ،\n_________\n(^١) أخرجه الزبير بن بكار في الموفقيات - كما في الدر المنثور ٢/ ٢٧٠ - وأخرجه أبو داود في المراسيل (٢١٣) من طريق أبي ضمرة أنس بن عياض به بنحوه وقال ابن كثير في تفسيره ٣/ ٦٨: وهذا مرسل غريب.\n(^٢) عزاه ابن كثير في تفسيره ٣/ ٦٨، والسيوطى في الدر المنثور ٢/ ٢٧٠ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٢٥ - تفسير) عن أبي عوانة، عن منصور به دون قوله: وامرأة.\n(^٤) في م: \"و\".","vol":"8","page":279},{"text":"عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: البيتُ والخادُم (^١).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن الحكمِ أو غيرِه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: الزوجةُ والخادمُ والبيتُ (^٢).\nحدثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: جعل لكم أزواجًا وخدَمًا وبيوتًا (^٣).\nحدثنا المثنى، قال: ثنا عليُّ بن محمدٍ الطَّنَافِسيُّ (^٤)، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن حجَّاجِ بن تَميمٍ (^٥)، عن ميمونِ بن مِهْرانَ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: كان الرجلُ من بني إسرائيلَ إذا كانت له الزوجةُ والخادمُ والدارُ يُسَمَّى مَلِكًا (^٦).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: ملَّكهم الخدَمَ. قال قتادةُ: كانوا أوَّلَ\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ١٠٠، ١٠١، وأخرجه الحاكم ٢/ ٣١٢، والبيهقى في الشعب (٤٦١٨) من طريق سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس بلفظ: المرأة والخادم. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٩ إلى الفريابي وابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١٢/ ١٨٧. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٠٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الطيالسي\". وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ١٢٠.\n(^٥) في النسخ: \"نعيم\". والمثبت من مصادر ترجمته، وينظر تهذيب الكمال ٥/ ٤٢٨.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٦٨ عن ميمون بن مهران به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٩ إلى المصنف.","vol":"8","page":280},{"text":"من ملَك الخدَمَ (^١).\nحدثني الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: جعل لكم أزواجًا وخدَمًا وبيوتًا.\nوقال آخرون: إنما عنَى بقولِه: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. أنهم يملكون أنفسَهم وأهليهم وأموالَهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2534>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾: يملِكُ الرجلُ منكم نفسَه وأهلَه ومالَه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2536>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠)﴾.</span>\n[اخْتَلَف أهلُ التأويل في الذين] (^٣) عُنُوا بهذا الخطابِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى به أمةُ محمدٍ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2535>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السُّديِّ، عن أبي مالكٍ وسعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. قالا: أمةُ محمدٍ ﷺ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه ابن كثير في تفسيره ٣/ ٦٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، وفى، م، ت ٢: \"اختلف في من\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٦٩.","vol":"8","page":281},{"text":"وقال آخرون: عُني به قومُ موسى ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2537>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: هم قومُ موسى.\nحدثني الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. قال: هم بينَ ظهرانَيْه يومَئذٍ (^١).\nثم اخْتَلفوا في الذي (^٢) آتاهم اللهُ ما لم يُؤْتِ أحدًا من العالمينِ؛ فقال بعضُهم: هو المنُّ والسَّلْوَى والحَجَرُ والغَمامُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2538>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. قال: المنُّ والسَّلْوَى والحَجَرُ والغَمامُ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: يعنى أهل ذلك الزمانِ؛ المنُّ والسلوَى والحجرُ والغمامُ (^٤).\nوقال آخرون: هو الدارُ والخادمُ والزوجةُ.\n_________\n(^١) من تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر. وينظر تفسير البغوي ٣/ ٣٥.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٠٥ دون قوله: يعنى: أهل ذلك الزمان. وهو تمام الأثر المتقدم في ص ٢٨٠.","vol":"8","page":282},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2539>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا بشرُ بنُ السَّرِيِّ، عن طلحةَ بن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. قال: الرجلُ يكونُ له الدارُ والخادمُ والزوجةُ (^١).\nحدثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: المنُّ والسَّلْوَى والحجرُ والغمامُ (^٢).\nوأولى التأويلين في ذلك عندى بالصوابِ قولُ من قال: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: [[خطابٌ لبنى إسرائيل؛ حيث جاء] (^٣) في سياقِ قولِه: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. ومعطوفًا (^٤) عليه، ولا دَلالةَ في الكلامِ تدلُّ على أن قولَه: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾] (^٥). مصروفٌ عن خطاب الذين ابْتُدِئ بخطابِهم في أولِ الآيةِ. فإذ كان ذلك كذلك، فأن يكونَ خطابًا لهم أولى من أن يقالَ: هو مصروفٌ عنهم إلى غيرِهم.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن قولَه: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. لا يجوزُ أن يكونَ [خطابًا لبنى إسرائيلَ] (^٦)، إذ كانت أمهُ محمدٍ قد أُوتِيَت من كرامةِ اللهِ بنَبيِّها (^٧)\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٤٥٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٠ إلى المصنف.\nوهذا الأثر موضعه ههنا في النسخ، وصوابه أن يكون مع الأثرين في القول قبله.\n(^٣) سقط من: ص.\n(^٤) في ص: \"معطوف\".\n(^٥) سقط من: ت ١، ت ٢ ت ٣، س.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"له خطابا\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٣، س: \"نبيها\"، وفى ت ٢: \"نبيما\". والمثبت صواب السياق.","vol":"8","page":283},{"text":"﵊ محمدٍ (^١)، ما لم يُؤْتِ أحدًا غيرَهم، وهم من العالمين - فقد ظنَّ غيرَ الصوابِ، وذلك أن قولَه: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. خطابٌ من موسى ﷺ لقومه يومئَذٍ، وعنَى بذلك عالمَى زمانِه، لا عالمَى كلِّ زمانٍ، ولم يكنْ أُوتِيَ في ذلك الزمانِ من نعمِ اللهِ وكرامتِه ما أُوتِيَ قومُه ﷺ أحدٌ من العالمين، فخرَج الكلامُ منه ﷺ على الله على ذلك، لا على جميعِ كلِّ زمانٍ.\n\n<span id=\"aya-690\"></span><span data-type='title' id=toc-2541>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.</span>\nوهذا خبرٌ من الله عزَّ ذكرُه عن قولِ موسى ﷺ لقومه من بني إسرائيلَ، وأمرِه إيَّاهم عن أمرِ اللهِ إِيَّاه، يأمُرُهم بدخولِ الأرضِ المقدَّسةِ.\nثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في الأرضِ التي عناها بالأرضِ المقدَّسةِ؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك الطورَ وما حولَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2540>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾: الطورَ وما حولَه (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدثني الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. قال:\n_________\n(^١) في م: \"محمدا\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٠٥.","vol":"8","page":284},{"text":"الطورَ وما حولَه (^١).\nوقال آخرون: هو الشَّامُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2542>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. قال: هي الشامُ (^٢).\nوقال آخرون: هي أرضُ أرِيحا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2543>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال: أريحا (^٣).\nحدثني موسى (^٤) بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: هي أريحا (^٥).\nحدثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي سعيدٍ (^٦)، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: هي أريحا (^٧).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٦٩، عن سفيان به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ٦/ ١٢٥، وأبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٤٥٤.\n(^٤) في م: \"يوسف\".\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ٦/ ١٢٥، وأبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٤٥٤، وينظر تفسير البغوي ٣/ ٣٥.\n(^٦) في م: \"سعيد\". وينظر ما تقدم في ١/ ٦٤٧.\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٦٩ عن سفيان به، وينظر التبيان ٣/ ٤٨٢، وتفسير القرطبي ٦/ ١٢٥، وقال ابن كثير: وفي هذا نظر؛ لأن أريحا ليست هي المقصود بالفتح، ولا كانت في طريقهم إلى بيت المقدس =","vol":"8","page":285},{"text":"وقيل: إن الأرض المقدَّسةَ دمَشقُ وفِلَسطينُ وبعضُ الأُرْدنِّ.\nوعنى بقولِه: ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾. المطهرةَ المباركةَ.\nكما حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. قال: المباركةَ (^١).\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: هي الأرضُ المقدَّسةُ. كما قال نبيُّ اللهِ موسى ﷺ، لأن القولَ في ذلك بأنها أرض دونَ أرضٍ، لا تُدرَكُ حقيقةُ صحتِه إلا بالخبرِ، ولا خبرَ بذلك يجوزُ قطع الشهادةِ به، غيرَ أنها لن تخرُجَ من أن تكونَ من الأرضِ التي ما بينَ الفراتِ وعريشِ مصرَ؛ لإجماعِ جميعِ أهلِ التأويلِ والسيرِ والعلماءِ بالأخبارِ على ذلك.\nويعنى بقولِه: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: التي أَثْبَت في اللوحِ المحفوظِ أنها لكم مساكنُ ومنازلُ، دونَ الجبابرةِ التي فيها.\nفإن قال قائلٌ: فكيف قال: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. وقد عِلمتَ أنهم لم يدخُلوها بقولِه: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾. فكيف يكونُ مُثْبَتًا في اللوحِ المحفوظِ أنها مساكنُ لهم (^٢)، ومحرَّمًا عليهم سُكْنَاها؟\nقيل: إنها كُتِبت لبنى إسرائيلَ دارًا ومساكنَ، وقد سكَنوها ونزَلوها،\n_________\n= وقد قدموا من بلاد مصر … إلا أن يكون المراد بأريحا أرض بيت المقدس … لا أن المراد بها هذه البلدة المعروفة في طرف الغور شرقى بيت المقدس. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ١٣٩.\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٠ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"8","page":286},{"text":"وصارت لهم كما قال اللهُ جلَّ وعزّ، وإنما قال لهم موسى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. يعنى بها: كتَبها اللهُ لبنى إسرائيلَ، وكان الذين أمَرهم موسى بدخولِها من بنى إسرائيلَ، ولم يعنِ ﷺ أن الله تعالى ذكرُه كتَبها للذين أمرَهم بدخولِها بأعيانِهم.\nولو قال قائلُ: قد كانت مكتوبةً لبعضِهم ولخاصٍّ منهم، فأُخْرِج الكلامُ على العمومِ والمرادُ منه الخاصُّ، إذ كان يُوشَعُ وكالبُ (^١) قد دخَلاها، وكانا ممن خُوطِب بهذا القولِ - كان أيضا وجهًا صحيحًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاقَ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: التي وهَبَ اللهُ لكم (^٢).\nوكان السُّديُّ يقولُ: معنى ﴿كَتَبَ﴾ في هذا الموضعِ بمعنى \"أمَر\".\nحدَّثنا بذلك موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: التي أمَركم اللهُ بها (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2544>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ من اللهِ عزَّ ذكرُه عن قيلِ موسى ﵇ لقومِه من بنى إسرائيلَ، إذ أمَرهم عن أمرِ اللهِ عزَّ ذكرُه إِيَّاه بدخولِ الأرضِ المقدَّسةِ، أنه قال لهم: امْضُوا أيها القومُ لأمرِ اللهِ الذي أمَركم به من دخولِ الأرضِ المقدَّسةِ، ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كلاب\". وينظر ما تقدم في ٤/ ٤١٨.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ٣/ ٤٨٢، والبغوى في تفسيره ٣/ ٣٦، وأبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٤٥٤.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٠ إلى المصنف، وينظر تفسير البغوي ٣/ ٣٦، والبحر المحيط ٣/ ٤٥٤.","vol":"8","page":287},{"text":"لا ترجِعوا القَهْقَرَى مرتدِّين ﴿عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾. يعنى: إلى ورائِكم، ولكن امْضُوا قُدُمًا لأمرِ اللهِ الذي أمَركم به من الدخولِ على القومِ الذين أمَركم اللهُ بقتالِهم، والهجومِ عليهم في أرضِهم، وأن الله عزَّ ذكرُه قد كتَبها لكم مسكنًا وقرارًا.\nويعنى بقولِه: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. أي (^١): تنصرِفوا خائبين هُلِّكًا (^٢).\nوقد بيَّنا معنى الخَسَارةِ في غيرِ هذا الموضعِ بشواهدِه المُغْنيةِ عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\nفإن قال قائلٌ: وما كان وجهُ قيلِ موسى لقومِه إذ أمَرهم بدخولِ الأرضِ المقدَّسةِ: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. أَوْ يَستوجبُ الخسارةَ من لم يدخُلْ أرضًا جُعِلت له؟\nقيل: إن الله عزَّ ذكرُه كان أمَرهم (^٤) بقتالِ مَن فيها من أهلِ الكفرِ به، وفرَض عليهم دخولَها، فاسْتَوْجَب القومُ الخسارةَ بتركِهم إذن فرضَ اللهِ عليهم من وجهين؛ أحدُهما، تضييعُ فرضِ الجهادِ الذي كان اللهُ عَزَّ ذِكرُه فرَضه عليهم. والثاني، خلافُهم أمَر اللهِ في تركِهم دخولَ الأرضِ، وقولِهم لنبيِّهم موسى ﷺ إذ قال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ -: ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾.\nوكان قتادةُ يقولُ في ذلك بما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: أُمِروا بها\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ت ٣، س: \"أنكم\".\n(^٢) في ص، م، ت ٢، ت ٣، س: \"هكذا\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٤٢.\n(^٤) في م، ت ٢، س: \"أمره\".","vol":"8","page":288},{"text":"كما أُمِروا بالصلاةِ والزكاةِ والحجِّ والعمرةِ (^١).\n\n<span id=\"aya-691\"></span><span data-type='title' id=toc-2545>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾.</span>\nوهذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه عن جوابِ قومِ موسى لموسى (^٢) ﵇، إذ أمَرهم بدخولِ الأرضِ المقدَّسةِ، أنهم أَبَوْا عليه إجابةً إلى ما أمَرهم به من ذلك. واعتلُّوا عليه في ذلك بأن قالوا: إن في الأرضِ المقدسةِ التي تأمُرُنا بدخولِها قومًا جبَّارين، لا طاقةَ لنا بحربِهم، ولا قوةَ لنا بهم. وسمَّوهم جبَّارين لأنهم كانوا بشدةِ بطشِهم، وعظيمِ (^٣) خَلْقِهم، فيما ذُكِر لنا، قد قهَروا سائرَ الأممِ غيرِهم.\nوأصلُ الجبَّارِ المصلحُ أمرَ نفسِه و(^٤) أمرَ غيرِه، ثم اسْتُعْمِل فِي كُلِّ مَنِ اجْتَرَّ نفعًا إلى نفسِه بحقٍّ أو باطلٍ، طلَبِ الإصلاحِ لها (^٥)، حتى قيل للمتعدِّى إلى ما ليس له، بغيًا على الناسِ، وقهرًا لهم، وعتوًّا على ربِّه: جبَّارٌ. وإنما هو فعَّالٌ، من قولِهم: جبرَ فلانٌ هذا الكسرَ، إِذا أَصْلَحه ولأَمَه. ومنه قولُ الراجزِ (^٦):\nقد جَبَرَ الدِّينَ الإِلهُ فَجَبَرْ\nوعوَّرَ الرحمنُ مَن ولَّى العَوَرْ (^٧)\nيريدُ: قد أَصْلَح الدينَ الإلهُ فصلَح. ومن أسماءِ اللهِ تعالى ذكرُه الجبَّارُ؛ لأنه المصلحُ أمرَ عبادِه، القاهرُ لهم بقدرتِه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص: \"عظم\".\n(^٤) في ص: \"أو\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بها\".\n(^٦) هو العجاج، والبيتان في ديوانه ص ٤.\n(^٧) العَوَر: قبح الأمر وفساده. اللسان (ع ور).","vol":"8","page":289},{"text":"ومما ذُكِّرْتُه من عِظَمِ خَلْقِهم ما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قصةٍ ذكَرها من أمرِ موسى وبنى إسرائيلَ، قال: ثم أمَرهم بالسيرِ إلى أَرِيحا، وهى أرضُ بيتِ المقدسِ، فساروا حتى إذا كانوا قريبًا منهم بعَث موسى اثنى عشر نقيبًا من جميعِ أسباطِ بني إسرائيلَ، فساروا يَريدون أن يأتوه بخبرِ الجبَّارين، فلَقِيهم رجلٌ من الجبارين يقالُ له: عاجٌ (^١). فأخذ الاثنى عشَرَ فجعَلهم في حُجْزتِه، وعلى رأسِه حَمْلةُ حَطَبٍ، وانطَلَق بهم إلى امرأتِه، فقال: انظُرى إلى هؤلاء القوم الذين يزعُمون أنهم يريدون أن يقاتِلونا! فطرَحهم بين يديها، فقال: ألا أطحَنُهم برجلي؟ فقالت امرأتُه: لا، بل خلِّ عنهم حتى يُخْبِروا قومَهم بما رأَوا. ففعَل ذلك (^٢).\nحدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: قال أبو سعدٍ (^٣): قال عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: أُمِر موسى أن يدخُلَ مدينةَ الجبَّارين. قال: فسار موسى بمن معه حتى نزَل قريبًا من المدينةِ، وهى أريحا، فبعَث إليهم اثنى عشَرَ عَيْنًا (^٤)، من كلِّ سِبْطٍ منهم عينًا؛ ليأتوه بخبرِ القومِ. قال: فدخَلوا المدينةَ فرأَوْا أمرًا عظيمًا من هيئتِهم وجثثِهم وعِظَمِهم، فدخَلوا حائطًا لبعضِهم، فجاء صاحبُ الحائطِ ليجتنىَ الثمارَ من حائطِه، فجعَل يجتنى الثمارَ وينظرُ إلى آثارِهم، فتَتَبَّعَهم، فكلما أصاب واحدًا منهم أخَذه فجعَله في كُمِّه مع الفاكهةِ (^٥)، وذهَب إلى ملكِهم فنثَرهم بين يديه، فقال الملكُ: قد رأيتم شأنَنا وأمرَنا، اذهبوا\n_________\n(^١) في م: \"عوج\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٢٣٧.\n(^٣) في م: \"سعيد\".\n(^٤) في س: \"نقيبا\".\n(^٥) في تفسير ابن كثير: \"حتى التقط الاثنى عشر كلهم فجعلهم في كمه مع الفاكهة\".","vol":"8","page":290},{"text":"فأخبِروا صاحبَكم. قال: فرجَعوا إلى موسى فأخبَروه بما عاينوا من أمرِهم (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾: ذُكِر لنا أنهم كانت لهم أجسامٌ وخِلَقٌ ليست لغيرِهم (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، قال: إن موسى ﵇ قال لقومِه: إنى سأبعَثُ رجالًا يأتونني بخبرِهم. وإنه أخَذ من كلِّ سِبْطٍ رجلًا، فكانوا اثنى عشَرَ نقيبًا، فقال: سيروا إليهم، وحدِّثوني حديثَهم، وما أمرُهم، ولا تخافوا إن الله معكم، ما أَقَمْتم الصلاةَ، وآتيتم الزكاةَ، وآمنتم برسلِه، وعزَّرتموهم، وأقرضتم الله قرضًا حسنًا. و(^٣) إن القومَ ساروا حتى هجَموا عليهم، فرأوا أقوامًا لهم أجسامٌ عَجَبٌ، عِظَمًا وقوةً، وإنه - فيما ذُكِر - أَبْصَرهم أحدُ الجبَّارين، وهم لا يألون أن يُخْفُوا أَنفسَهم حينَ رأَوا العَجَبَ، فأَخَذ ذلك الجبارُ منهم رجالًا، فأتى رئيسَهم فألقاهم قُدَّامَه، فعجِبوا وضحِكوا منهم، فقال قائلٌ منهم: إن هؤلاء زعَموا أنهم أرادوا غزوَكم. وأنه لولا ما دفَع اللهُ عنهم لقُتِلوا، وأنهم رجَعوا إلى موسى ﵇ فحدَّثوه العَجَبَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾: من كلِّ سِبْطٍ من بنى إسرائيلَ رجلٌ، أَرْسَلهم موسى إلى الجبَّارين، فوجَدوهم يدخُلُ في كمِّ أحدِهم اثنان منهم، يُلْقونهم إلقاءً، ولا يحمِلُ عنقودَ عِنبِهم إلا خمسةُ أنفسٍ بينَهم في خَشبةٍ،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٧٠ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٨٧، ١٨٨ عن معمر عن قتادة نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٠ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في م: \"ثم\".","vol":"8","page":291},{"text":"ويدخُلُ في شَطْرِ الرُّمَّانَةِ إذا نُزِع حبُّها خمسةُ أنفسٍ أو أربعةٌ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد نحوه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ وزيرِ بن قيسٍ، عن أبيه، عن جُويبرٍ، عن الضَّحاكِ: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾. قال: سِفْلةٌ لا خَلاقَ لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2546>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ من اللهِ عزَّ ذكرُه عن قولِ قومِ موسى لموسى جوابًا (^٣) لقولِه لهم: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. فقالوا: ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾. يعنون: من الأرضِ المقدَّسةِ - الجبَّارون الذين فيها. جبنًا منهم، وجزَعًا من قتالِهم. وقالوا له: إن يخرُجْ منها هؤلاء الجبَّارون دخَلناها، وإلا فإنا لا نُطيقُ دخولَها وهم فيها؛ لأنه لا طاقةَ لنا بهم ولا يدان (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابن إسحاقَ، أن كالِبَ بنَ يوفنا (^٥) أَسْكَت الشَّعبَ عن موسى ﷺ، فقال لهم: إنا سنعلو الأرضَ ونرثُها، وإن لنا بهم\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٠٣.\n(^٢) قد رد ابن كثير هذه الآثار الواردة في عظم خلق هؤلاء الجبارين وقال: وكل هذا من وضع جهال بني إسرائيل … ثم لو كان هذا صحيحا، لكان بنو إسرائيل معذورين في النكول عن قتالهم، وقد ذمهم الله تعالى على نكولهم … البداية والنهاية ٢/ ١٢٦، ١٢٧ وينظر ١/ ٢٦٦، ٢٦٧، والتفسير ٣/ ٧٠.\n(^٣) بعده في ت ١: \"له\".\n(^٤) في م: \"يد\"، ولا يدان ولا يد: لا قُوّة. اللسان (ى د ى).\n(^٥) في م: \"يوقنا\".","vol":"8","page":292},{"text":"قوةً. وأما الذين كانوا معه فقالوا: لا نستطيعُ أن نصِلَ (^١) إلى ذلك الشعبِ، من أجلِ أنهم أجرأُ منا. ثم إن أولئك الجواسيسَ أَخْبَروا بنى إسرائيلَ الخبرَ، وقالوا: إنا مررنا في أرضِ وأحسَسناها، فإذا هي تأكُلُ ساكنَها، ورأينا رجالَها جِسامًا، ورأينا الجبابرةَ بنى الجبابرةِ، وكنا في أعينِهم مثلَ الجرادِ. فأُرْجِفت الجماعةُ من بنى إسرائيلَ، فرفَعوا أصواتَهم بالبكاءِ، فبكَى الشعبُ تلك الليلةَ، ووَسْوسوا (^٢) على موسى وهارونَ، فقالوا لهما: يا ليتنا متنا في أرضِ مصرَ، وليتنا نموتُ في هذه البرِّيَّةِ، ولم يُدْخِلْنا اللهُ هذه الأرضَ لنقعَ في الحربِ، فتكونَ نساؤُنا وأبناؤُنا وأثقالُنا غنيمةً، ولو كنا قعودًا في أرضِ مصرَ كان خيرًا لنا. وجعَل الرجلُ يقولُ لأصحابهِ: تعالوْا نجعَلْ علينا رأسًا وننصرِفْ إلى مصرَ.\n\n<span id=\"aya-692\"></span><span data-type='title' id=toc-2547>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾.</span>\nوهذا خبرٌ من اللهِ عزَّ ذكرُه عن الرجلين الصالحين من قومِ موسى؛ يُوشَعُ بنُ نون، وكالِبُ بنُ يوفنا (^٣)، أنهما وفَّيَا لموسى بما عهِد إليهما من تركِ إعلامِ قومِه بنى إسرائيلَ، الذين أمَرهم بدخولِ الأرضِ المقدَّسةِ على الجبابرةِ من الكَنْعَانِيِّين، بما رأيَا و(^٤) عاينا من شدةِ بطشِ الجبابرةِ، وعِظَمِ خَلْقِهم، ووصَفهما اللهُ ﷿ بأنهما ممن يَخافُ الله ويُراقبُه في أمرِه ونهيِه.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، وحدثنا هنَّادٌ، قال: ثنا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"نصعد\".\n(^٢) الوسوسة: الصوت الخفى من ريح، وصوت الحلى، وهى أيضا الكلام الخفى في اختلاط، والمراد أنهم أكثروا من اللغط والشغب عليهما وتذمروا. ينظر اللسان (وس س) وينظر ما سيأتي في ص ٣١٢، ٣١٣.\n(^٣) في م: \"يوقنا\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت: \"أو\".","vol":"8","page":293},{"text":"وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. قال: كلاب بنُ يوقنا (^١)، ويُوشَعُ بنُ نونٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرِو بن أبي قَيسٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. قال: يُوشعُ بْنُ نونٍ، وكلابُ (^٣) بنُ يوقنا (^٤)، وهما من النقباءِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قصةٍ ذكَرها، قال: فرجَع النقباءُ كلُّهم يَنْهَى سبطَه عن قتالِهم، إلا يوشعَ بنَ نونٍ [وكلابَ بنَ يوقنا] (^٤)، يأمُران الأسباطَ بقتالِ الجبَّارين ومجاهدتِهم، فعصَوْهما وأطاعوا الآخرين، فهما الرجلان اللذان أَنْعَم اللهُ عليهما (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ وسفيانُ بنُ وكيعٍ قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَ حديثِ ابن بشارٍ، عن ابن مَهْديِّ، إلا أن ابنَ حميدٍ قال في حديثِه: هما من الاثنَىْ عشَر نقيبًا (^٦).\nحدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ماسا\" غير منقوطة، وينظر ما تقدم في ٤/ ٤١٨.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ٣/ ٤٨٥، وابن كثير في تفسيره ٣/ ٧١.\n(^٣) في س: \"كالب\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كلاب بن فاتنه\"، وفى تفسير مجاهد: \"كالب بن يافنة\"، وفى المطالب العالية: \"كالب بن يوقنه\".\n(^٥) من تمام الأثر المتقدم في ص ٢٩١، ٢٩٢. وأخرج نحو هذا اللفظ ابن أبي عمر - كما في المطالب العالية (٣٩٤٩/ ١) - من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧١ إلى عبد بن حميد بنحوه.","vol":"8","page":294},{"text":"قال: قال أبو سعدٍ (^١): قال عكرمةُ، عن ابن عباسٍ في قصةٍ ذكَرها، قال: فرجَعوا - يعني النقباءَ الاثنى عشَرَ - إلى موسى، فأَخْبَروه بما عايَنُوا من أمرِهم، فقال لهم موسى: اكتُموا شأنَهم، ولا تُخْبِروا به أحدًا من أهلِ العَسْكَرِ؛ فإنكم إن أخبرَتموهم بهذا الخبرِ فشِلوا، ولم يدخُلوا المدينةَ. قال: فذهَب كلُّ رجلٍ منهم فأَخْبَر قريبَه وابنَ عمَّه، [إلا هذين الرجلين] (^٢) يوشعَ بنَ نونٍ، وكلاب بنَ يوقنا (^٣)، فإنهما كتَما، ولم يُخْبِرا به أحدًا، وهما اللذان قال اللهُ: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. إلى قولِه: ﴿وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (^٤).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: وهما اللذان كتَماهم (^٥)؛ يوشعُ بنُ نونٍ فتى موسى، وكالوبُ (^٦) بنُ يوفَنَّةَ (^٧)، خَتَنُ (^٨) موسى (^٩).\nحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن فُضيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: كالبُ (^١٠)، ويوشَعُ بنُ النونِ\n_________\n(^١) في م: \"سعيد\".\n(^٢) في ص س: \"إلا هذان الرجلان فإنهما كتماهم\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"يوفنه\" وفى الدر المنثور: \"يوحنا\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم، وهو تمام الأثر المتقدم في ص ٢٩١،٢٩٠.\n(^٥) بعده في ص، ت ١: \"وهو\"، وفي تاريخ المصنف: \"وهما\".\n(^٦) في ت ١: \"كلاب\"، وفى س: \"كالب\".\n(^٧) في م: \"يوقنة\"، وفى س: \"يوفنا\".\n(^٨) خَتَن الرجل: المتزوج بابنته أو بأخته. اللسان (خ ت ن).\n(^٩) تقدم تخريجه في ص ٢٣٧.\n(^١٠) في ص، م، ت ١، ت ٢ ت: \"كالوب\".","vol":"8","page":295},{"text":"فتى موسى (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: والرجلان اللذان أَنْعَم اللهُ عليهما من بني إسرائيلَ؛ يوشعُ بنُ نونٍ، وكالِبُ (^٢) بنُ يوقنا (^٣)\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: ذُكِر لنا أن الرجلين يوشعُ بنُ نونٍ وكالبُ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، أن موسى قال للنقباءِ لما رجَعوا فحدَّثوه العجبَ: لا تحدِّثوا أحدًا بما رأيتُم، إن الله سيفتَحُها لكم، ويُظهرُكم عليها من بعدِ ما رأيتُم. وإن القومَ أَفْشَوا الحديثَ في بني إسرائيلَ، فقام رجلان من الذين يَخافون أَنْعَم اللهُ عليهما - كان أحدُهما فيما سمِعنا يوشعَ بنَ نونٍ، وهو فتى موسى، والآخرُ يُسَمَّى (^٥) كالبَ - فقالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾. إلى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\nواخْتَلف القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾. قرَأ ذلك قرأَةُ الحجاز والعراقِ والشامِ: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾. بفتحِ الياءِ من: ﴿يَخَافُونَ﴾. على التأويلِ الذي ذكَرنا عمن ذكَرنا عنه آنفًا أنهما يوشعُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٧١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كالوب\".\n(^٣) في م: \"يوقنة\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يوفنة\"، ورسمت هكذا في ص إلا أنها غير منقوطة. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٠ إلى المصنف.\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ٤٨٥.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"8","page":296},{"text":"ابن نونٍ وكالبُ (^١)، من قومِ موسى، ممن يخافُ الله وأَنْعَم (^٢) عليهما بالتوفيقِ.\nوكان قتادةُ يقولُ: في بعضِ القراءةِ: (قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ اللَّهَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: في بعضِ الحروفِ: (يَخَافُونَ اللَّهَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا) (^٣).\nوهذا أيضًا مما يدلُّ على صحةِ تأويل من تأوَّل ذلك على ما ذكَرنا عنه أنه قال: يوشعُ وكالبُ.\nورُوِى عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه كان يقرأُ ذلك: (قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يُخافُونَ) - بضمِّ الياءِ - ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾.\nحدَّثني بذلك أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلامٍ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن القاسمِ بن أبي أيوبَ - ولا نعلَمُه أنه سمِع منه - عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه كان يقرؤُها بضمِّ الياءِ من: (يُخافُون) (^٤).\nوكأنَّ سعيدًا ذهَب في قراءتِه هذه إلى أن الرجلين اللذين أَخْبَرَ اللهُ عنهما أنهما\n_________\n(^١) بعده في س: \"من قومهم\".\n(^٢) بعده في ص: \"الله\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٦، وفيه: (يخافون اللهَ، اللهُ أنعم عليهما)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧١،٢٧٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٦١/ ٩١ من طريق القاسم بن أبى أيوب به، وهو جزء من حديث الفتون الطويل، وهذه القراءة شاذة لم يقرأ بها أحد من العشرة.","vol":"8","page":297},{"text":"قالا لبني إسرائيلَ: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾. كانا من رهطِ الجبابرةِ، وكانا أَسْلَما واتَّبعا موسى، فهما (^١) من أولادِ الجبابرةِ الذين يَخافُهم بنو إسرائيلَ، وإن كانا (^٢) لهم في الدينِ (^٣) مخالِفِين.\nوقد حُكِى نحوُ هذا التأويلِ عن ابن عباسٍ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. قال: هي مدينةُ الجبَّارين، لما نزَل بها موسى وقومُه، بعَث منهم اثنَىْ عشَرَ رجلًا - وهم النقباءُ الذين ذكَر - بعَثَهم (^٤) ليأتوه (^٥) بخبرِهم، فساروا، فلَقِيهم رجلٌ من الجبَّارين، فجعَلهم في كِسائِه، فحمَلهم حتى أتى بهم المدينةَ، ونادى في قومِه، فاجْتَمعوا إليه، فقالوا (^٦): مَن أنتم؟ فقالوا: نحن قومُ موسى، بعَثَنا إليكم [لنأتيَه بخبرِكم] (^٧). فأَعْطَوهم حبةً من عنبٍ بوِقْرِ الرَّجُلِ، فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومِه، فقولوا لهم: اقْدُروا قَدْرَ فاكهتِهم. فلما أتَوهم قالوا لموسى: اذْهَبْ أنت وربُّك فقاتِلا إنا ههنا قاعدون. (قال رجلان من الذين يُخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عليهما). وكانا من أهل المدينةِ، أَسْلَما واتَّبَعا موسى وهارونَ، فقالا لموسى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فهم\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كانوا\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الدنيا\".\n(^٤) في م: \"نعتهم\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ليأتوهم\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فقال\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لنأتيهم خبركم\".","vol":"8","page":298},{"text":"فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^١).\nفعلى هذه القراءةِ وهذا التأويلِ، لم يكتُمْ من الاثنَىْ عشَرَ نقيبًا أحدٌ ما أمَرهم موسى بكتمانِه بنى إسرائيلَ، مما رأَوا وعايَنوا من عِظَم أجسامِ الجبابرةِ، وشدةِ بطشِهم، وعجيبِ أمورِهم، بل أَفْشَوا ذلك كلَّه. وإنما القائلُ للقومِ ولموسى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾. رجلان من أولادِ الذين [كان بنو] (^٢) إسرائيلَ يخافونَهم، ويرهَبون الدخولَ عليهم من الجبابرةِ، كانا أَسْلَما واتَّبَعا نبيَّ اللهِ ﷺ.\nوأَوْلى القراءتين بالصوابِ عندَنا قراءةُ من قرَأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. لإجماعِ قرأةِ الأمصارِ عليها، وأن ما اسْتَفاضت به القراءةُ [عنهم فحجةٌ] (^٣) لا يجوزُ خَلافُها، وما انفرد به الواحدُ، فجائزٌ فيه الخطأُ والسهوُ. ثم في إجماع الحجةِ في تأويلِها على أنهما رجلان من أصحابِ موسى من بني إسرائيلَ، وأنهما يوشعُ وكالبُ (^٤)، ما أغنَى عن الاستشهادِ على صحةِ القراءةِ بفتحِ الياءِ في ذلك، وفسادِ غيرِه، وهو التأويلُ الصحيحُ عندنا؛ لما ذكَرنا من إجماعِها عليه.\nوأما قولُه: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. فإنه يعنى: أَنْعَمَ اللهُ عليهما بطاعةِ اللهِ في طاعةِ نبيِّه موسى ﷺ، وانتهائِهم إلى أمرِه، والانزجارِ عما زجَرهما عنه ﷺ، من إفشاء ما عاينا من عجيب أمرِ الجبَّارين إلى بنى إسرائيلَ، الذي حذَّر (^٥) عنه أصحابُهما الآخرون (^٦) الذين كانوا معهما من النقباءِ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٧٠ عن علي بن أبي طلحة به مختصرًا، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كانوا بنى\".\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"منهم بحجة\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كلاب\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حدل\"، وفى س: \"خذل\". وأثبتها الشيخ شاكر: \"حدَّث\".\n(^٦) في م: \"الآخرين\".","vol":"8","page":299},{"text":"وقد قيل: إن معنى ذلك: أَنْعَم اللهُ عليهما بالخوفِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2548>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا خلفُ بنُ تميمٍ، قال: ثنا (^١) إسحاقُ بن القاسمِ، عن سهلِ بن عليٍّ قولَه: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. قال: أَنْعَم اللهُ عليهما بالخوفِ (^٢)\nوبنحو الذي قلنا في ذلك كان الضحَّاكُ يقولُ وجماعةٌ غيرُه.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: ثني عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِهِ: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: بالهُدَى، فَهَدَاهما فكانا على دينِ موسى، وكانا في مدينةِ الجبارين (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2549>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾.</span>\nوهذا خبرٌ من اللهِ عزَّ ذكرُه عن قولِ الرجلين اللذين يخافانِ الله لبني إسرائيلَ، إذ جبُنوا وخافوا من (^٤) الدخول على الجبَّارين لما سمِعوا خبرَهم، وأَخْبَرهم النقباءُ الذين أفْشَوا ما عاينوا من أمرِهم فيهم، وقالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾. فقالا لهم: ادْخُلوا عليهم أيها القومُ بابَ مدينتِهم، فإن الله معكم، وهو ناصرُكم، وإنكم إذا دخَلتم البابَ غلَبتموهم.\n_________\n(^١) بعده في ت ١، ت ٣، س: \"ابن\"، وفى ت ٢: \"ابن خلف\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧١ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧١ إلى المصنف، وينظر تفسير القرطبي ٦/ ١٢٧.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت: \"عن\".","vol":"8","page":300},{"text":"كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ بالكتابِ الأولِ، قال: لما همَّ بنو إسرائيلَ بالانصرافِ إلى مصرَ حينَ أَخْبَرهم النقباءُ بما أَخْبَروهم (^١) من أمرِ الجبابرةِ، خرَّ موسى وهارونُ على وجوهِهما سجودًا قُدَّامَ جماعةِ بني إسرائيلَ، وخرَّق يوشعُ بنُ نونٍ وكالبُ بنُ يوفنا (^٢) ثيابَهما، وكانا من جواسيسِ الأرضِ، وقالا لجماعةِ بني إسرائيلَ: إن الأرضَ مرَرنا بها وجسَسْناها (^٣) صالحةً، رَضِيَها ربُّنا لنا، فوهَبها لنا، وإنَّها [لم تكنْ تفيضُ لبنًا وعسلا] (^٤) ولكن افعلوا (^٥) واحدةً لا تَعْصُوا الله، ولا تَخْشَوُا الشعبَ الذين (^٦) بها، فإنهم [خُبْزُنا، و] (^٧) مدفوعون في أيدينا، إن حاربناهم (^٨) ذهَبت منهم، وإن الله معنا فلا تَخْشَوهم. فأراد (^٩) الجماعةُ من بني إسرائيلَ أن (^١٠) يرجُموهما بالحجارةِ (^١١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أنهم بعَثوا اثنى عشَرَ رجلًا، من كلِّ سبطٍ رجلًا، عيونًا لهم، وليأتوهم بأخبارِ القومِ؛ فأما\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أخبرهم\".\n(^٢) في م: \"يوقنا\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣. س: \"حسسناها\". وجسست الأخبار وتجسستها: تفحصت عنها، وحسست - بالحاء المهملة - بالخبر: أيقنت به الصحاح (ج س س، ح س س).\n(^٤) كذا في النسخ، وفي كتاب القوم: ويعطينا إياها أرضا تفيض لبنا وعسلا.\n(^٥) فيس: \"اقبلوا\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"الذي\".\n(^٧) في م: جبناء\". والخبز معروف، وخبزت القوم: أطعمتهم الخبز. فالمراد أنهم طُعمة لهم وغنيمة. ينظر التاج (خ ب ز).\n(^٨) في ص، ت ١، س: \"حرباهم قد\".\n(^٩) سقط من: م.\n(^١٠) سقط من: ص، ت ١.\n(^١١) ينظر سفر العدد الأصحاح ١٤. وذكر ابن كثير أوله في تفسيره ٣/ ٧١ ولم يذكر قائله.","vol":"8","page":301},{"text":"عشَرةً فجبَّنوا قومَهم، وكرَّهوا إليهم الدخولَ عليهم، وأما الرجلان فأمَر (^١) قومَهما أن يدخُلوها، وأن يتَّبِعوا أمرَ اللهِ، ورغَّبا في ذلك، وأَخْبَرا قوَمهما أنهم غالبون إذا فعَلوا ذلك (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾: قريةُ الجبارين (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2550>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾.</span>\nوهذا أيضًا خبرٌ من اللهِ جلَّ وعزَّ عن قولِ الرجلين اللذين يخافانِ الله أنهما قالا لقومِ موسى - يشجِّعانهم بذلك، ويرغِّبانهم في المضيِّ لأمرِ اللهِ بالدخولِ على الجبَّارين في (^٤) مدينتِهم -: توكَّلوا أيها القومُ على اللهِ في دخولِكم عليهم. فيقولان لهم: ثِقُوا باللهِ، فإنه معكم إن أطعتُموه فيما أمَركم من جهادِ عدوِّكم. وعَنَيا بقولِهما: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: إن كنتم مصدِّقي نبيِّكم ﷺ ما فيما أنْبَأكم عن ربِّكم من النصرةِ والظَّفَرِ عليهم، وفى غيرِ ذلك من إخبارِه عن ربِّه، ومؤمنين بأن ربَّكم قادرٌ على الوفاءِ لكم بما وعَدكم من تمكينِكم في بلادِ عدوِّه وعدوِّكم.\n\n<span id=\"aya-693\"></span><span data-type='title' id=toc-2551>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ذكرُه عن قولِ الملإِ من قومِ موسى لموسى، إذ رُغِّبوا في جهادِ عدوِّهم، ووُعِدوا نصرَ اللهِ إِيَّاهم، إن هم ناهضُوهم ودخَلوا عليهم بابَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"فأمروا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٠٥ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: ت ١، س، وفى ص: \"من\".","vol":"8","page":302},{"text":"مدينتِهم، أنهم (^١) قالوا له: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا﴾. يعُنون: إنا لن ندخُلَ مدينتَهم أبدًا. والهاءُ والألفُ في قولِه: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾. من ذكرِ المدينةِ. ويعنون بقولِهم: ﴿أَبَدًا﴾: أيامَ حياتِنا، ﴿مَا دَامُوا فِيهَا﴾. يَعنُون (^٢): ما كان الجبّارون مقيمين في تلك المدينةِ التي كتَبها اللهُ لهم، وأُمِروا بدخولِها، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾: لا نجيءُ معك يا موسى إن ذهَبتَ إليهم لقتالِهم، ولكن نتركُك تذهبُ أنت وحدَك وربُّك، فتُقاتلانهم.\nوكان بعضُهم يقولُ في ذلك (^٣): ليس معنى الكلامِ: اذهبْ أنت ولْيَذْهَبْ معك ربُّك فقاتلا. ولكن معناه: اذهبْ أنت يا موسى ولْيُعِنْكَ ربُّك؛ وذلك أن الله لا يجوزُ عليه الذهابُ.\nوهذا إنما كان يحتاجُ إلى طلب المَخْرَجِ له لو كان الخبرُ عن قومٍ مؤمنين، فأما قومٌ أهلُ خلافٍ على اللهِ عزَّ ذكرُه ورسولِه، فلا وجهَ لطلبِ المخرجِ لكلامِهم فيما قالوا في اللهِ ﷿، وافْتَرْوا عليه، إلا بما يشبهُ كفرَهم وضلالتَهم.\nوقد ذُكر عن المقدادِ أنه قال لرسولِ الله ﷺ خلافَ ما قال قومُ موسى لموسى.\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، وحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن مُخارِقٍ، عن طارقٍ، أن المقدادَ بنَ الأسودِ قال للنبي ﷺ: إنا لا نقولُ كما قالت بنو إسرائيلَ: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. ولكن نقولُ: اذهبْ أنت وربُّك فقاتلا، إنا معكم مقاتلون (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أنه\".\n(^٢) في م: \"يعني\".\n(^٣) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ١٦٠. وهذا معنى كلامه.\n(^٤) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده، وابن أبي خيثمة في تاريخه - كما في التغليق ٤/ ٢٠٤ - =","vol":"8","page":303},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن رسولَ اللهِ ﷺ قال لأصحابِه يومَ الحديبيةِ حينَ صدَّ المشركون الهَدْيَ، وحِيل بينَهم وبينَ مناسكِهم: \"إني ذاهبٌ بالهديِ فناحرُه عندَ البيتِ\". فقال له المقدادُ بنُ الأسودِ: أمَا واللهِ لا نكونُ كالملإِ من بنى إسرائيلَ، إذ قالوا لنبيِّهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. ولكن نقولُ (^١): اذهبْ أنت وربُّك فقاتِلا إنا معكم مقاتِلون. فلما سمِعها أصحابُ النبيِّ ﷺ تتابعوا على ذلك (^٢).\nوكان ابن عباسٍ والضحَّاكُ بنُ مُزاحِمٍ وجماعةٌ غيرُهما يقولون: إنما قالوا هذا القولَ لموسى ﵇ حينَ تبيَّن لهم أمرُ الجبَّارين وشدةُ بطشِهم.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ: أمَر اللهُ جلَّ وعزَّ بني إسرائيلَ أن يسيرُوا إلى الأرضِ المقدَّسةِ مع نبيِّهم موسى ﷺ، فلما كانوا قريبًا من المدينةِ قال لهم موسى: ادْخُلوها. فَأَبَوْا، وجبُنُوا، وبعَثُوا اثنى عشَرَ نقيبًا لينظُروا إليهم، فانطلَقوا فنظَروا، فجاءوا بحبةِ فاكهةٍ من فاكهتِهم بوِقرِ الرَّجُلِ، فقالوا: قدِّروا قوةَ قومٍ وبأسَهم هذه فاكهتُهم. فعندَ ذلك قالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ نحوَه.\n_________\n= وأحمد ٤/ ٣١٤ (الميمنية) من طريق وكيع به. وعلقه البخاري عقب الحديث (٤٦٠٩) عن وكيع به، وأخرجه أحمد ٦/ ٢٢٧ (٣٦٩٨) في (٤٦٠٩) من طريق إسرائيل، عن مخارق، عن طارق، عن ابن مسعود.\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٧٣ وقال: وهذا إن كان محفوظا يوم الحديبية، فيحتمل أنه كرر هذه المقالة يومئذ كما قاله يوم بدر.","vol":"8","page":304},{"text":"<span id=\"aya-694\"></span><span data-type='title' id=toc-2553>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ من اللهِ جلَّ وعزَّ عن قيلِ (^١) موسى حينَ قال له قومُه ما قالوا من قولِهم: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. أنه قال عندَ ذلك، وغضِب من قيلِهم، لهم داعيًا: يا ربِّ: ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾. يعنى بذلك: لا أقدِرُ على أحدٍ أن أَحْمِلَه على ما أُحبُّ وأُريدُ من طاعتِك، واتباعِ أمرِك ونهيِك، إلا على نفسى، وعلى أخى. من قولِ القائلِ: ما أملِكُ من الأمرِ شيئًا إلا كذا وكذا. بمعنى: لا أقدِرُ على شيءٍ غيرِه.\nويعنى بقولِه: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾: افْصِلْ بينَنا وبينَهم بقضاءٍ منك تقضيه فينا وفيهم، فتُبْعِدَهم منا. من قولِ القائلِ: فرَقْتُ بينَ هَذين الشيئين. بمعنى: فصَلتُ بينَهما. من قول الراجزِ (^٢):\nيا ربِّ فافْرُقْ (^٣) بينَهُ وبَيْني\nأشدَّ ما فرَقْتَ بين اثنينِ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2552>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قوم\".\n(^٢) مجاز القرآن ١/ ١٦٠ والمؤتلف والمختلف للآمدي ص ١٣٥ غير منسوب فيهما.\n(^٣) في ص، ت ٢ \"فارِقْ\"، وفي ت ١: \"فرق\".","vol":"8","page":305},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. يقولُ: اقضِ بيني وبينَهم (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. يقولُ: اقضِ بينَنا وبينَهم (^٢).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: غضِب موسى ﷺ حينَ قال له القومُ: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. فدعا عليهم فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. وكانت عَجْلةً من موسى عجِلها (^٣).\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. يقولُ: اقضِ بينَنا وبينَهم، وافتحْ بينَنا وبينَهم. كلّ هذا يقولُ (^٤) الرجلُ: اقضِ بينَنا. فقضَى اللهُ جَلَّ ثناؤُه بينَه وبينَهم أن سمَّاهم فاسقين (^٥).\nوعنَى بقولِه: ﴿الْفَاسِقِينَ﴾. الخارجين عن الإيمانِ باللهِ وبه إلى الكفرِ باللهِ وبه.\nوقد دلَّلنا على أن معنى \"الفسقِ\" الخروجُ من شيءٍ إلى شيءٍ فيما مضَى، بما\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٧٣ عن العوفى به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ١٢ من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧١ إلى المصنف.\n(^٤) في م: \"من قول\".\n(^٥) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٤٥٧، وابن كثير في تفسيره ٣/ ٧٣.","vol":"8","page":306},{"text":"أَغْنى عن إعادتِه (^١).\n\n<span id=\"aya-695\"></span><span data-type='title' id=toc-2554>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ في الناصبِ لـ \"الأربعين\"؛ فقال بعضُهم: الناصبُ لها قولُه: ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾. وإنما حرَّم اللهُ جلَّ وعزَّ على (^٢) القوم الذين عصَوه وخالفوا أمرَه من قومِ موسى، وأبَوا حربَ الجبَّارين - دخولَ (^٣) مدينتِهم أربعين سنةً، ثم فتَحها عليهم وأسكَنَهموها (^٤)، وأَهْلَك الجبَّارين بعدَ حربٍ منهم لهم، بعد أن انقَضَتِ (^٥) الأربعون سنةً، وخرَجوا من التِّيهِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، قال: لما قال لهم القومُ ما قالوا، ودعا موسى عليهم، أوحى اللهُ إلى موسى: إنَّها محرَّمةٌ عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرضِ، فلا تأسَ على القومِ الفاسقين. وهم يومَئذٍ فيما ذُكر ستُّمِائةِ ألفِ مقاتلٍ، فجعَلهم فاسقين بما عصَوا، فلبِثوا أربعين سنةً في فراسخَ ستةٍ، أو دونَ ذلك، يَسِيرون كلَّ يومٍ جادِّين لكي يَخْرُجوا منها، حتى [سئِموا ونزَلُوا] (^٦)، فإذا هم في الدارِ التي منها ارْتَحلوا، وإنهم اشتكُوْا إلى موسى ما فُعِل بهم، فأُنْزِل عليهم المنُّ والسَّلْوَى، وأُعْطوا من الكِسْوةِ ما هي قائمةٌ لهم، ينشأُ الناشئُ فتكونُ معه على هيئتِه، وسأل موسى ربَّه أن يَسْقِيَهم، فأُتِيَ بحجرِ الطُّورِ، وهو\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٣٤.\n(^٢) سقط من النسخ، ولا بد منها لاستقامة الكلام.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ودخول\".\n(^٤) في م: \"أُسكِنوها\".\n(^٥) في م: \"قضيت\".\n(^٦) في م: \"يسموا وينزلوا\".","vol":"8","page":307},{"text":"حجرٌ أبيضُ، إذا ما نزَل القومُ ضرَبه بعصاه، فيخرُجُ منه اثنتا عشرَةَ عينًا، لكل سِبطٍ منهم عينٌ، قد علِم كلُّ أناسٍ مَشْرَبَهم، حتى إذا خلَت أربعون سنةً، وكانت عذابًا بما اعتدَوا وعصَوا، وأنه أوْحَى إلى موسى أن يَأْمُرَهم (^١) أن يسيروا إلى الأرضِ المقدسةِ، فإن الله قد كفاهم عدوَّهم، وقلْ لهم إذا أَتَوا المسجدَ أن يأتوا البابَ ويسجُدوا إذا دخَلوا، ويقولوا: حِطَّةٌ - وإنما قولُهم: حِطَّةٌ. أن يَحُطَّ عنهم خطاياهم - فأبى عامَّةُ القومِ وعصوا، وسجَدوا على خدِّهم، وقالوا: حِنْطَةٌ. فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ إلى: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩].\nوقال آخرون: بل الناصبُ لـ \"الأربعين\"، ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. قالوا: ومعنى الكلامِ: قال: فإنها محرَّمةٌ عليهم أبدًا يتيهون في الأرضِ أربعين سنةً. قالوا: ولم يدخُلْ مدينةَ الجبَّارين أحدٌ ممن قال: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. وذلك أن الله عزّ ذكرُه حرَّمها عليهم. قالوا: وإنما دخَلها من أولئك القومِ يوشعُ، وكلابُ اللذان قالا لهم: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾. وأولادُ الذين حرَّم اللهُ عليهم دخولَها، فتيَّهَهم اللهُ فلم يدخُلْها منهم أحدٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2555>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾. قال: أبدًا (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: أربعين سنةً.\n_________\n(^١) في م: \"مرهم\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٣٦.","vol":"8","page":308},{"text":"حدَّثنا المثنى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هارونُ النحْويُّ، قال: ثنى الزبيرُ بنُ الخِرِّيتِ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: التحريمُ التِّيهُ (^١).\nحدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: غضِب موسى على قومِه فدعا عليهم، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ الآية. فقال اللهُ جلَّ وعزَّ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. فلما ضرَب عليهم التيةَ، ندِم موسى، وأتاه قومُه الذين كانوا يُطِيعونه، فقالوا له: ما صنَعتَ بنا يا موسى؟ فمكَثوا في التيهِ، فلما خرَجوا من التيهِ، رُفِع المنُّ والسَّلْوَى، وأكَلوا من البقولِ، والتقى موسى وعاجٌ (^٢)، فنزَا (^٣) موسى في السماءِ عشَرةَ أذرعٍ، وكانت عصاه عشَرَةَ أذرعٍ، وكان طولُه عشَرةَ أذرعٍ، فأصاب كعبَ عاجٍ (٢) فقتَله، ولم يبقَ أحدٌ (^٤) ممن أبَى أن يدخُلَ قريةَ الجبَّارين مع موسى إلا مات ولم يشهَدِ الفتحَ، ثم إن الله لما انقضت الأربعون سنةً، بعَث يوشعَ بنَ النونِ نبيًّا، فَأَخْبَرهم أنه نبيٌّ، وأن الله قد أمَره أن يقاتلَ الجبَّارين، فبايعوه وصدَّقوه، فهزَم الجبَّارين، واقْتَحموا عليهم يَقْتُلونهم (^٥)، فكانت العِصابةُ من بني إسرائيلَ يَجْتَمِعون على عنقِ الرجلِ يضرِبونها لا يقطَعونها (^٦).\nحدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ،\n_________\n(^١) في ص: \"المنتهى\"، وفى م: \"لا منتهى له\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"انتهى\".\nوالأثر أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٣٦، وأثبتنا هذه الكلمة منه.\n(^٢) في م: \"عوج\".\n(^٣) في م: \"فوثب\"\n(^٤) سقط من النسخ، والمثبت من تاريخ المصنف.\n(^٥) في م: \"يقاتلونهم\".\n(^٦) تقدم تخريجه في ص ٢٣٧.","vol":"8","page":309},{"text":"قال: قال أبو سعدٍ (^١)، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: قال اللهُ جل وعزّ، لما دَعا موسى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: فدخَلوا التيهَ، فكلُّ من دخَل التيهَ ممن جاوز (^٢) العشرين سنةً مات في التيهِ. قال: فمات موسى في التيهِ، ومات هارونُ قبلَه. قال: فلبِثوا في تيهِهم أربعين سنةً، فناهَض يوشعُ بمن بقِى معه مدينةَ الجبَّارين، فافْتَتح يوشعُ المدينةَ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾: حُرِّمت عليهم القُرَى (^٤)، وكانوا لا يهبِطون قريةً، ولا يقدِرون على ذلك، إنما يتَّبعون الأطواءَ (^٥) أربعين سنةً. وذُكِر لنا أن موسى ﷺ مات في الأربعين سنةً، وأنه لم يدخُلْ بيتَ المقدسِ منهم إلا أبناؤُهم والرجلان اللذان قالا ما قالا (^٦).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى بعضُ أهلِ العلمِ بالكتابِ الأولِ، قال: لما فعَلت بنو إسرائيلَ ما فعَلت، من معصيتِهم نبيَّهم، وهمِّهم بكالبَ ويوشعَ، إذ أمَراهم بدخولِ (^٧) مدينةِ الجبَّارين، وقالا لهم ما قالا، ظهَرت عظمةُ اللهِ بالغمامِ على [بابِ قُبّةِ الزُّمَرِ] (^٨) على كلِّ بني إسرائيل، فقال جلَّ ثناؤُه\n_________\n(^١) في م: \"سعيد\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"جاز\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٣٥، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٣/ ٧٤ - من طريق سفيان به مطولا.\n(^٤) سقط من النسخ، وأثبتناه من تاريخ المصنف.\n(^٥) الأطواء جمع طَوِىً: وهى البئر المطوية - أي المبنية أو المعرشة - بالحجارة. اللسان، الوسيط (ط وى).\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٣٦ دون قوله: إنما يتبعون الأطواء. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧١ إلى ابن المنذر.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أمرهم\".\n(^٨) في ص غير منقوطة، وفى م: \"نار فيه الرمز\". وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نار فيه الزمر\"، ومثله =","vol":"8","page":310},{"text":"لموسى: إلى متى يعصينى هذا الشعبُ؟ وإلى متى لا يصدِّقون بالآياتِ كلِّها التي وضَعتُ بينَهم، أضرِبُهم بالموتِ فأُهْلِكُهم، وأجعَلُ لك شعبًا أشدَّ وأكثرَ منهم. فقال موسى للهِ: يسمَعُ أهلُ المِصْرِ الذين أَخْرَجت هذا الشعبَ بقوتِك من بينِهم، ويقولُ ساكنُ (^١) هذه البلادِ الذين قد سمِعوا أنك أنت اللهُ في هذا الشعبِ، فلو أنك قتَلت هذا الشعبَ كلَّهم كرجلٍ واحدٍ، لقالت الأممُ الذين سمِعوا باسمِك: إنما قتَل هذا الشعبَ من أجل (^٢) لا يستطيعُ أن يُدْخِلَهم الأرضَ التي خلَق لهم، فقتَلهم في البرِّيَّةِ، ولكن لِتَرْتَفِعْ أياديك، ويَعْظُم جزاؤُك يا ربِّ، كما كنت تكلَّمتَ وقلتَ لهم، فإنه طويلٌ صبرُك، كثيرةٌ نعمُك، وأنت تغفِرُ الذنوبَ فلا تُوبِقُ، وإنك تحفَظُ ذنبَ (^٣) الآباءِ على الأبناءِ وأبناءِ الأبناءِ إلى ثلاثةِ أَحْقابٍ (^٤) وأربعةٍ، فاغفِرْ أَيْ رَبِّ آثامَ هذا الشعبِ، بكثرةِ نعمِك، وكما غفَرت لهم منذ أَخرْجَتُهم من أرضِ مصرَ إلى الآنَ. فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه لموسى ﷺ: قد غفَرتُ لهم بكلمتِك، ولكن حَيٌّ (^٥) أنا - وقد ملأتِ الأرضَ مَحمَدَتى كلَّها - لا (^٦) يَرى القومُ الذين قد رأَوا محمدتى وآياتي التي فعَلت في أرضِ مصرَ وفى القِفارِ، [وابتلونى] (^٧) عشْر مراتٍ ولم يُطِيعونى، لا يَرَوْن الأرضَ التي\n_________\n= في ص، ولكن غير منقوطة، وفى عرائس المجالس ص ٢١٥: \"باب قبة موسى\". وفي نهاية الأرب ١٣/ ٢٦٤: \"قبة الزمان\". وقد ورد في سفر العدد ذكر باب خيمة الاجتماع، كما في الأصحاح ٦/ ١١، ١٢، ١٠/ ٣، ١٦/ ١٨، ١٩، ١٨/ ٤، والقبة هي الخيمة، والزمر: جمع زمرة، وهي الجماعة. ويقابل هذه الرواية ما في سفر العدد الأصحاح ١٤/ ١١: ثم ظهر مجد الرب في خيمة الاجتماع لكل بني إسرائيل.\n(^١) في م: \"ساكنوا\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذين\".\n(^٣) سقط من النسخ، والكلام لا يستقيم بدونها، والمثبت مستفاد مما في سفر العدد الأصحاح ١٤/ ١٨.\n(^٤) في م: \"أجيال\"، والأحقاب جمع حُقُب، وهو الدهر. وقيل: ثمانون سنة. وقيل: سنة أو السنون. ينظر تاج العروس (ح ق ب).\n(^٥) في ص، ت ١: \"حتى\"، وفى م: \"قد أنى لى\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"حيى\" والمثبت من سفر العدد الأصحاح ١٤/ ٢٢.\n(^٦) في النسخ: \"ألا\". والمثبت مستفاد مما في كتاب القوم.\n(^٧) في م: \"سألونى\".","vol":"8","page":311},{"text":"حلَفْتُ لآبائِهم، ولا يراها من أَغْضَبني، فأما عبدى كالبُ الذي كان روحُه معى، واتَّبع هواىَ، فإنى مُدْخِلُه الأرضَ التي دخَلها، ويراها خَلَفُه.\nوكان العماليقُ والكنعانيون جلوسًا في الجبالِ، ثم غدَوا فارتحلوا إلى القِفارِ في طريق [بحرِ سُوفٍ] (^١)، وكلَّم اللهُ ﷿ موسى وهارونَ، وقال لهما: إلى متى توسوسُ على هذه الجماعةُ جماعةُ السوءِ، قد سمِعتُ وسوسةَ بني إسرائيلَ. وقال: لأفعَلَنَّ بكم كما قلت لكم، ولَتُلْقَيَنَّ جِيَفُكم في هذه القفارِ كحسابِكم (^٢) من بنى عشرين سنةً فما فوقَ ذلك، من أجلِ أنكم وسوستم عليَّ، فلا تدخُلوا الأرضَ التي [رفَعتُ يدى] (^٣) إليها، ولا ينزلُ فيها أحدٌ منكم غيرُ كالبَ بن يوفنا، ويوشعَ بن نونٍ، وتكونُ أثقالُكم كما كنتم الغنيمةَ، وأما بنوكم اليومَ الذين لم يعلَموا ما بينَ الخيرِ والشرِّ، فإنهم يدخُلون الأرضَ، وإنى بهم عارفٌ، لهم الأرضُ التي أَرُدُّ (^٤) لهم، وتسقُطُ جيفُكم في هذه القفارِ، وتَتيهون في هذه القفارِ على حسابِ الأيامِ التي حسَسْتم (^٥) الأرضَ أربعين يومًا، مكانَ كلِّ يومٍ سنةً، وتُقْتَلون بخطاياكم أربعين سنةً، وتعلَمون أنكم وسوستم [قُدّامى، إِنِّي] (^٦) أنا اللهُ فاعلٌ بهذه الجماعةِ، جماعةِ بني إسرائيلَ الذين وُعِدوا قُدَّامي (^٧)، بأن يَتِيهوا في القفارِ، فيها يموتون.\n_________\n(^١) في النسخ: \"يحرسون\". والمثبت من سفر العدد الأصحاح ١٤/ ٢٥.\nوبحر سوف هو ما يطلق عليه البحر الأحمر الآن.\n(^٢) في م: \"حسابكم\".\n(^٣) في النسخ: \"دفعت\". والمثبت من سفر العدد الأصحاح ١٤/ ٣٠.\n(^٤) في م: \"أردت\".\n(^٥) في م: \"جسستم\"\n(^٦) في م: \"قد أني لي\".\n(^٧) سقط من: م.","vol":"8","page":312},{"text":"فأما الرهطُ الذين كان موسى بعَثهم لِيَتَحَسَّسوا (^١) الأرضَ، ثم حرَّشوا الجماعة، فأَفْشَوا فيهم خبرَ الشرِّ، فماتوا كلُّهم بغتةً، وعاش يوشعُ وكالبُ بنُ يوفنا من الرهطِ الذين انطلقوا يتحسَّسون الأرضَ.\nفلما قال موسى ﵇ هذا الكلامَ كلَّه لبنى إسرائيلَ، حزِن الشعبُ حزنًا شديدًا، وغدَوْا [فارتقَوا إلى] (^٢) رأسِ الجبلِ، وقالوا: نَرْتَقِى الأرضَ التي قال جلَّ ثناؤُه؛ من أجلِ أنّا قد أخطأنا. فقال لهم موسى: لِمَ تَعْتَدون في كلامِ اللهِ؟ من أجلِ ذلك لا يصلُحُ لكم عملٌ، ولا تصعَدوا من أجلِ أن الله ليس معكم، فالآنَ تنكِسرون من قُدَّامِ أعدائِكم، من أجلِ العمالقةِ والكنعانيين أمامَكم، فلا تقعوا في الحربِ من أجلِ أنكم انقلبتم على اللهِ، فلم يكنِ اللهُ معكم. فأخَذوا يَرْقُون في الجبلِ، ولم يبرَحِ التابوتُ الذي فيه مواثيقُ اللهِ جلَّ ذكرُه وموسى من المحِلَّةِ - يعنى من الخيمة (^٣) - حتى هبَط العماليقُ والكنعانيون في ذلك الحائطِ، فحرَقوهم وطرَدوهم وقتَلوهم. فتيَّههم اللهُ عزَّ ذكرُه في التيهِ أربعين سنةً بالمعصيةِ، حتى هلَك من كان اسْتَوْجب المعصيةَ من اللهِ في ذلك. قال: فلما شبَّ النواشئُ من ذراريِّهم، وهلَك آباؤهم، وانقضت الأربعون سنةً التي تُيِّهوا فيها، سار بهم موسى، ومعه يوشعُ بنُ نونٍ وكالبُ بنُ يوفنا - وكان فيما يزعُمون على مريمَ ابنةِ عِمْرانَ أختِ موسى وهارونَ، وكان لهما صهرًا - قدَّم يوشعَ بنَ نونٍ إلى أريحا في بني إسرائيلَ، فدخَلها بهم، وقتَل بها الجبابرةَ الذين كانوا فيها ثم دخَلها موسى ببنى إسرائيلَ، فأقام فيها ما شاء اللهُ أن يُقِيمَ، ثم قبَضه اللهُ إليه لا يعلَمُ بقبرِه أحدٌ من\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"يتجسسون\".\n(^٢) في م: \"فارتفعوا على\".\n(^٣) في النسخ: \"الحكمة\". والمثبت مستفاد من سفر العدد الأصحاح ٢/ ١٧، وفيه أن خيمة الاجتماع هي محلة اللاويين.","vol":"8","page":313},{"text":"الخلائقِ (^١).\nوأولى القولين في ذلك عندى بالصوابِ قولُ من قال: إن \"الأربعين\" منصوبةٌ بـ\"التحريم\"، وإن قولَه: ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾. معنيٌّ به جميعُ قومِ موسى، لا بعضٌ دونَ بعضٍ منهم؛ لأن الله عزَّ ذكرُه عمَّ بذلك القومَ، ولم يَخصُصْ منهم بعضًا دونَ بعضٍ، وقد وفَّى الله جل ثناؤه بما وعَدهم به من العقوبةِ، فتيَّههم أربعين سنةً، وحرَّم على جميعِهم - في الأربعين سنةً التي مكَثوا فيها تائهين - دخولَ الأرضِ المقدَّسةِ، فلم يدخُلْها منهم أحدٌ؛ لا صغيرٌ ولا كبيرٌ، ولا صالحٌ ولا طالحٌ، حتى انقضت السِّنون التي حرَّم اللهُ ﷿ عليهم فيها دخولَها، ثم أذِن لمن بقى منهم وذراريِّهم بدخولِها مع نبيِّ اللهِ موسى والرجلين اللذين أَنْعَمَ اللهُ عليهما، وافتتح قريةَ الجبَّارين إن شاء اللهُ نبيُّ الله موسى ﷺ وعلى مقدِّمَتِه يوشعُ، وذلك لإجماعِ أهلِ العلم بأخبارِ الأولين، أنّ عوجَ بنَ عناقَ قتَله موسى ﷺ، فلو كان قتلُه إيَّاه قبلَ مصيرِه في التيهِ، وهو من أعظمِ الجبارين خَلْقًا لم تكنْ بنو إسرائيلَ تجزَعُ من الجبارين الجزعَ الذي ظهَر منها، ولكن ذلك كان إن شاء اللهُ بعدَ فناءِ الأمةِ التي جزَعت، وعصَت ربَّها، وأَبَت الدخولَ على الجبَّارين مدينتَهم.\nوبعدُ، فإن أهلَ العلمِ بأخبارِ الأولين مجمعون أن بلعمَ بنَ باعورَ (^٢) كان ممن أعان الجبَّارين بالدعاءِ على موسى، ومحالٌ أن يكونَ ذلك كان وقومُ موسى ممتنِعون من حربِهم وجهادِهم؛ لأن المعونةَ إنما يَحتاجُ إليها من كان مطلوبًا، فأما ولا طالبَ فلا وجهَ للحاجةِ إليها.\n_________\n(^١) ينظر عرائس المجالس ص ٢١٥، ونهاية الأرب ٣/ ٢٦٤، ٢٦٥، وكتاب القوم، سفر العدد الأصحاح ١٤ ص ٢٣٥، ٢٣٦. وقوله: فلما شب النواشئ. أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٣٧،٤٣٩.\n(^٢) في م: \"باعوراء\".","vol":"8","page":314},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن نَوْفٍ، قال: كان سريرُ (^١) عُوجٍ ثمانِمِائةِ ذراعٍ، وكان طولُ موسى عشَرةَ أذرعٍ، وعصاه عشرةَ أذرعٍ، ووثَب في السماءِ عشَرةَ أذرعٍ، فضرَب عوجًا فأصاب كعبَه، فسقَط ميِّتًا، فكان جسرًا للناسِ يمرُّون عليه (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: ثنا قيسٌ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت عصا موسى عشَرة أذرعٍ، ووثبتُه عشَرةَ أذرعٍ، وطولُه عشَرةَ أذرعٍ، فوثَب فأصاب كعبَ عوجٍ فقتَله، فكان جسرًا لأهلِ النيلِ سنةً (^٢).\nومعنى قولِه: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: يَحارون فيها ويَضِلُّون. ومن ذلك قيل للرجلِ الضالِّ عن سبيلِ الحقِّ: تائهٌ. وكان تيهُهم ذلك أنهم كانوا يُصْبِحون أربعين سنةً كلَّ يومٍ جادّين في قَدْرِ ستةِ فراسخَ للخروجِ منه، فيُمْسون (^٣) في الموضعِ الذي ابتدءوا السيرَ منه.\nحدَّثني بذلك المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: تاهت بنو إسرائيلَ أربعين سنةً، يُصْبحون حيث أَمْسَوا، ويُمْسون حيث أَصْبَحوا في تِيهِهم (^٥).\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ابن\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٣١.\n(^٣) في ص، ت ٢، ت ٣، س: \"يمسون\"، وفى ت ١: \"يمشون\".\n(^٤) بعده في ص: \"كذا\". والأثر تقدم في ص ٣٠٧، ٣٠٨.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٢ إلى المصنف.","vol":"8","page":315},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2557>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَلَا تَأْسَ﴾: فلا تحزَنْ. يقالُ منه: أَسِيَ فلانٌ على كذا يَأْسَى أَسًى، وقد أَسِيتُ من كذا، أي: حزِنتُ. ومنه قولُ امرئِ القيسِ (^١):\nوقوفًا بها صَحْبى عليَّ مَطِيَّهُمْ (^٢) … يقولون لا تَهْلِكُ أَسًى وتَجَمَّلِ\nيعني: لا تَهْلِكُ حزنًا.\nوبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2556>ذُكر من قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: حدثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَا تَأْسَ﴾ يقولُ: فلا تحزَنْ (^٣).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. قال: لما ضُرِب عليهم التيهُ، ندِم موسى ﷺ، فلما ندِم أَوْحَى اللهُ إليه: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾: لا تحزنْ على القومِ الذين سمَّيتُهم فاسقين [فلم يَحْزَنْ] (^٤).\n\n<span id=\"aya-696\"></span><span data-type='title' id=toc-2558>القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾.</span>\n_________\n(^١) ديوانه ص ٩.\n(^٢) المَطِيَّة: البعير يمتطي ظهره، وجمعه المطايا، يقع على الذكر والأنثى. اللسان (م ط ى).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٤) سقط من: م، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فلا تحزن\". والمثبت مما تقدم في ١/ ٧٠٧، وينظر تخريجه هناك، وفي ص ٢٣٧.","vol":"8","page":316},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واتْلُ على هؤلاء اليهود الذين هَمُّوا أن يَبْسُطوا أيديَهم إليكم (^١)، وعلى أصحابِك معهم (^٢) - وعرَّفْهم مكروهَ عاقبةِ الظلمِ والمكرِ، وسوءَ مَغَبَّةِ (^٣) الخَتْرِ (^٤) ونقضِ العهدِ، وما جزاءُ الناكثِ، وثوابُ الوافي - خبرَ ابْنَيْ آدمَ هابيلَ وقابيلَ، وما آل إليه أمرُ المطيعِ منهما ربَّه، الوافي بعهدِه، وما إليه صار أمرُ العاصى منهما ربَّه، الخاتِرِ (^٥) الناقضِ عهدَه، فَلْتُعَرِّفْ بذلك اليهودَ وَخَامَةَ غِبِّ غَدْرِهم (^٦)، ونقضِهم ميثاقَهم بينَك وبينَهم، وهمِّهم بما همُّوا به مِن بَسْطِ أيديهم إليك وإلى أصحابك، فإن لك ولهم في حسنِ ثوابي، وعِظَمِ جزائي على الوفاءِ بالعهدِ الذي جازَيْتُ المقتولَ، الوافي بعهدِه من ابْنَيْ آدمَ، وعاقَبْتُ به القاتلَ الناكثَ عهدَه، عَزاءً جميلًا.\nواخْتَلف أهلُ العلمِ في سببِ تقريبِ ابْنَىْ آدمَ القُرْبانَ، وسببِ قَبُولِ اللَّهِ ﷿ ما تَقَبَّلَ منه، ومَن اللذان قَرَّبا؟ فقال بعضُهم: كان ذلك عن أمرِ اللهِ جلَّ وعزَّ إياهما بتقريبِه، وكان سببَ القَبولِ أن المتُقَبَّلَ منه قَرَّب خيرَ مالِه، وقرَّب الآخرُ شرَّ مالِه، وكان المُقَرِّبانِ ابْنى آدمَ لصُلْبِه، أحدُهما هابيلُ، والآخرُ قابيلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2559>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ،\n_________\n(^١) بعده في م: \"عليك\".\n(^٢) في م: \"معك\".\n(^٣) المغبة والغب: عاقبة الشيء وآخره.\n(^٤) في م: \"الجور\". والختر: الغدر. وقيل: أسوأ الغدر وأقبحه. اللسان (خ ت ر).\n(^٥) في م: \"الجائر\".\n(^٦) في م: \"عدوهم\"","vol":"8","page":317},{"text":"عن هشامِ بن سعدٍ (^١)، عن إسماعيلَ بن رافعٍ، قال: بَلَغَنى أن ابْنَيْ آدَمَ لما أُمِرا بِالقُرْبانِ، كان أحدُهما صاحبَ غنمٍ، وكان أُنْتِج له حَمَلٌ في غنمِهِ، فَأَحَبَّه حتى كان يُؤْثِرُه بالليلِ، وكان يَحْمِلُه على ظهرِه مِن حبِّه، حتى لم يكنْ له مالٌ أحبَّ إليه منه، فلمّا أُمِر بالقُرْبانِ قرَّبه للهِ فقبِلَه اللهُ منه، فما زال يرتَعُ في الجنةِ حتى فُدِى به ابن إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليهما (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن أبي المغيرةِ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: إن ابنى آدمَ اللذين قَرَّبَا قُرْبانًا فَتُقُبِّل من أحدِهما ولم يُتَقَبَّلُ مِن الآخر، كان أحدُهما صاحبَ حَرْثٍ، والآخرُ صاحبَ غنمٍ، وإنهما أُمِرا أن يُقرِّبا قربانًا، وإن صاحبَ الغنمِ قرَّب أكرمَ غنمِه وأَسْمَنَها وأَحْسَنها، طيِّبةً بها نفسُه، وإن صاحبِ الحرثِ قرَّب شرَّ حرثِه الكَوْزَنَ (^٣) والزُّوَانَ (^٤)، غيرَ طيبةٍ بها نفسُه، وإن الله تَقَبَّل قربانَ صاحبِ الغنمِ، ولم يَتَقَبَّلْ قربانَ صاحبِ الحرثِ، وكان من قصتِهما ما قصَّ اللهُ في كتابِه، وقال: ايْمُ اللهِ، إن كان المقتولُ لأَشَدَّ الرجلين، ولكنْ مَنَعَه التحرُّجَ أن يبسُطَ (^٥) إلى أخيه (^٦).\nوقال آخرون: لم يكنْ ذلك مِن أمرِهما عن أمرِ اللَّهِ إيَّاهما به.\n_________\n(^١) في م: \"سعيد\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٧٧ عن إسماعيل بن رافع، وعزاه إلى المصنف، وينظر عرائس المجالس ص ٣٨.\n(^٣) في تاريخ المصنف: \"الكوزر\"، وفى إحدى نسخه \"الكوذر\"، وفى تفسير ابن كثير ٣/ ٧٧: \"الكودن\"، وفى الدر المنثور ٢/ ٢٧٣: \"الكردن\". والذي وجدناه من ذلك الكردن والكَرْزن، بمعنى الفأس لها حدٌّ واحد، والكودن بمعنى البرذون الهجين، وقيل: هو البغل. اللسان (ك د ن، كردن، كررن).\n(^٤) الزوان، مثلثة بهمز ما يخرج مِن الطعام فيُرمى به، وهو الردئ منه، ينظر تاج العروس (ز ون).\n(^٥) بعده في م: \"يده\".\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٤١، ١٤٢، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٧٧ عن المصنف.","vol":"8","page":318},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2560>ذكرُ مِن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: حدثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: كان مِن شأنهما أنه لم يكنْ مسكينٌ يُتَصَدَّقُ (^١) عليه، وإنما كان القُرْبانُ يُقَرِّبُه الرجلُ، فبَيْنا ابنا آدمَ قاعدان، إذ قالا: لو قَرَّبْنا قُرْبانًا - وكان الرجلُ إذا قَرَّب قُربانًا فَرَضِيَه اللهُ، أَرْسَل إليه نارًا فَأَكَلَتْه، وإن لم يكنْ رَضِيَه اللهُ، خَبَتِ النارُ - فقرَّبا قُربانًا، وكان أحدُهما راعيًا، وكان الآخرُ حَرَّاثًا، وإن صاحبَ الغنمِ قرَّب خيرَ غنمِه وأسمنَها، وقرَّب الآخرُ بَعْضَ (^٢) زرعِه، فجاءتِ النارُ فَنَزَلَتْ بينَهما، فأَكَلَتِ الشاةَ وتَرَكَتِ الزرعَ، وإن ابنَ آدمَ قال لأخيه: أَتَمْشى في الناسِ وقد علمِوا أنك قَرَّبتَ قُربانًا فَتُقُبِّل منك ورُدَّ عليَّ؟ فلا واللهِ لا ينظُرُ (^٣) الناسُ إليَّ وإليك وأنت خيرٌ منِّي. فقال: لأَقْتُلَنَّك. فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِن المتقين (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، قال: ثنا ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِذْ قَرَّبَا﴾. قال: ابنا آدمَ هابيلُ وقابيلُ لصُلْبِ آدمَ، فَقَرَّب أحدُهما شاةً، وقرَّب الآخرُ بَقْلًا، فقَبِل مِن صاحبِ الشاةِ، فقَتَلَه صاحبُه (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) في م: \"فيتصدق\".\n(^٢) في م: \"أبغض\".\n(^٣) في م: \"تنظر\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٤٢.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٠٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وستأتى بقيته في ص ٣٣١، ٣٣٧، ٣٥٣،٣٤١.","vol":"8","page":319},{"text":"حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾. قال: هابيلُ وقابيلُ، فقرَّب هابيلُ عَنَاقًا (^١) مِن أحسنِ غنمه، وقرَّب قابيلُ زرعًا مِن زرعِه. قال: فأَكَلَتِ النارُ العَنَاقَ، ولم تَأْكُل الزرع، فقال: لأَقْتُلَنَّك. قال: إِنما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِن المتَّقِين.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا رجلٌ سمِع مجاهدًا، في قولِه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾. قال: هو هابيلُ وقابيلُ لصُلْبِ آدمَ، قرَّبا قربانًا؛ قرَّب (^٢) أحدُهما شاةً مِن غنمِه، وقرَّب الآخرُ بَقْلًا، فتُقُبِّل من صاحبِ الشاةِ، فقال لصاحبِه: لأقتُلَنَّك. فقَتَلَه، فعَقَلَ اللَّهُ إحدى رِجْلَيْه بساقِها إلى فَخِذِها إلى يومِ القيامةِ، وجعَل وجهَه إلى الشمسِ حيثما دارتْ، عليه حَظِيرَةٌ مِن ثَلْجٍ في الشتاءِ، وعليه في الصيفِ حظيرةٌ مِن نار، ومعه سبعةُ أملاكٍ، كلَّما ذهب مَلَكٌ جاء الآخرُ (^٣).\nحدثنا سفيانُ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، ح وحدثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللَّهِ بن عثمانَ بن خُثيمٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾. قال: قرَّب هذا كبشًا، وقرَّب هذا صُبرَةً (^٤) مِن طعامٍ، فتُقُبِّل من أحدِهما. قال: تُقبِّل مِن صاحبِ الشاةِ، ولم يُتَقَبَّلْ مِن الآخرِ (^٥).\n_________\n(^١) العناق: الأُنثى من أولاد المَعِيز والغنم من حِين الولادة إلى تَمام حَوْل. الوسيط (ع ن ق).\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) ينظر عرائس المجالس ص ٤٠، وسيأتي بمعناه في ص ٣٣٥ مِن طريق ابن جريج، عن مجاهد.\n(^٤) في ص: \"صبرًا\". والصُّبْرَةُ: الكُومة مِن الطعام، والجمع: صُبَر وصِبَار. المعجم الوسيط (ص ب ر).\n(^٥) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٦٤/ ٤ من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"8","page":320},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾: كان رَجُلانِ مِن بني آدَم، فُقُبِّل من حدِهما ولم يُتَقَبَّلْ من الآخر.\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ، عن فُضَيل بن مرزوقٍ، عن عطيةَ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾. قال: كان أحدُهما اسمُه قابيلُ، والآخَرُ هابيلُ؛ أحدُهما صاحبُ غنمٍ، والآخرُ صاحبُ زرعٍ، فقَرَّب هذا مِن أَمْثَلِ غنمِه حَمِلًا، وقرَّب هذا مِن أَرْذَلِ (^١) زرعِه. قال: فنزَلتِ النارُ فأكلَت الحَمَلَ، فقال لأخيه: لأَقْتُلَنَّك.\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ [عن الكتابِ] (^٢) الأولِ، أن آدمَ أمرَ ابنَه قابيلَ (^٣) أن يُنْكِحَ أختَه تُؤْمَه (^٤) هابيلَ، وأمرَ هابيلَ أن يُنْكِحَ أَختَه تُؤْمَه (^٤) قابيلَ، فسَلَّم لذلك هابيلُ ورَضِى، وأبي قابيلُ ذلك وكَرِهَ؛ تكرُّمًا عن أختِ هابيلَ، ورَغِبَ بأخيِه عن هابيلَ، وقال: نحن وِلادةُ الجنةِ وهما مِن ولادةِ الأرضِ، وأنا أَحَقُّ بأختى. ويقولُ بعضُ أهلِ العلمِ بالكتابِ (^٥) الأولِ: كانت أختُ قابيلَ مِن أحسنِ الناسِ، فضنَّ بها على أخيه، وأرادها لنفسه. فاللهُ أعلمُ أيُّ ذلك\n_________\n(^١) في م: \"أردأ\".\n(^٢) في م: \"بالكتاب\". والمثبت موافق لما في تاريخ المصنف، وإن استبدل به محققه ما في المطبوعة عندنا.\n(^٣) في تاريخ المصنف: \"قين\"، وكذا فيما سيأتي.\n(^٤) في م: \"توأمة\"، وفى تاريخ المصنف\" تُؤمَتَه\". والتُّؤم والتَّوْءم من جميع الحيوان: المولود مع غيره في بطن واحد، مِن الاثنين إلى ما زاد؛ ذكرا كان أو أنثى، يقال: هما توْءمان، وهذا توءم هذا، وهذه توءمة هذه. ينظر لسان العرب، وتاج العروس (ت أ م، وأ م).\n(^٥) في التاريخ: \"من أهل الكتاب\".","vol":"8","page":321},{"text":"كان. فقال له أبوه: يا بُنَيَّ، إنها لا تَحِلُّ لك. فأبى قابيلُ أن يَقْبَلَ ذلك من قولِ أبيه، فقال له أبوه: يا بُنَيَّ، فقَرِّبْ قربانًا، ويُقَرِّب أخوك هابيلُ قربانًا، فأيُّكما قَبِل اللهُ قُرْبانَه فهو أحقُّ بها. وكان قابيلُ على بَذْرِ الأَرضِ، وكان هابيلُ على رعايةِ الماشيةِ، فقرَّب قابيلُ قمحًا، وقرَّب هابيلُ أبكارًا مِن أبكارِ غنمِه، وبعضُهم يقولُ: قرَّب بقرة. فأَرْسَل الله نارًا بيضاءَ فأَكَلَتْ قربانَ هابيلَ، وتَرَكتْ قربانَ قابيلَ، وبذلك كان يَقْبَلُ القربانَ إذا قَبِلَه (^١).\nحدَّثني موسى بنَ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ فيما ذَكَر عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: و(^٢) كان لا يُولَدُ لآدمَ مولودٌ إِلَّا وُلِد معه جاريةٌ، فكان يُزوِّجُ غلامَ هذا البطنِ جاريةَ هذا البطنِ الآخرِ، ويُزوِّجُ جارية هذا البطنِ غلامَ البطنِ الآخرِ، حتى وُلدِ له ابنان يقالُ لهما: قابيلُ وهابيلُ. وكان قابيلُ صاحبَ زرعٍ، وكان هابيلُ صاحبَ ضَرْعٍ، وكان قابيلُ أكبرَهما، وكان له أختٌ أَحْسَنُ مِن أختِ هابيلَ، وإن هابيلَ طلَب أن ينكِحَ أختَ قابيلَ، فأبى عليه وقال: هي أختى وُلِدتْ معى، وهى أحسنُ مِن أختكِ، وأنا أحقُّ أن أتزوَّجَها. فأمَره أبوه أن يُزوِّجَها هابيلَ، فأبى، وإنهما قرَّبا قربانًا إلى اللهِ، أيُّهما أحقُّ بالجاريةِ، وكان آدمُ يومَئذٍ قد غاب عنهما إلى مكة ينظُرُ إليها، قال اللهُ ﷿ لآدمَ: يا آدمُ، هل تَعْلَمُ أن لي بيتًا في الأرضِ؟ قال: اللهمَّ لا. قال: فإن لى بيتًا بمكةَ فَأْتِهِ. فقال آدمُ للسماءِ: احْفَظى وَلَدِى بالأمانةِ. فأَبَت، وقال للأرضِ، فأَبَت، وقال للجبالِ، فَأَبَت، وقال لقابيلَ، فقال: نعم، تذهَبُ وترجِعُ، وتجدُ أهْلَك كما يَسُرُّك. فلما انطلَق آدمُ قرَّبا قربانًا،\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٤٠، ١٤١.\n(^٢) سقط مِن: م.","vol":"8","page":322},{"text":"وكان قابيلُ يَفْخَرُ عليه، فقال: أنا أحقُّ بها منك (^١)، هي أختى، وأنا أكبرُ منك، وأنا وَصِيُّ والدى. فلما قرَّبا، قرَّب هابيلُ جَذَعَةً سمينةً، وقرَّب قابيلَ حزمةً (^٢) سُنْبُلٍ، فوجدَ فيها سنبلةً عظيمةً، ففَرَكَها فأكَلَها، فنَزَلَتِ النارُ فأكَلَتْ قربانَ هابيلَ، وتَرَكتْ قربانَ قابيلَ، فغضِب وقال: لأَقتُلَنَّك حتى لا تَنْكِحَ أختى. فقال هابيلُ: إِنما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِن المُتَّقِين (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾: ذُكِر لنا أنهما هابيلُ وقابيلُ، فأما هابيلُ فكان صاحبَ ماشيةٍ، فعَمَد إلى خيرِ ماشيتِه فتَقَرَّب بها، فنَزَلَتْ عليه نارٌ فأَكَلَتْه، وكان القُرْبانُ إذا تُقُبِّل منهم نَزَلتْ عليه نارٌ فأَكَلَتْه، وإذا رُدَّ عليهم أكَلَتْه الطيرُ والسَّباعُ، وأما قابيلُ فكان صاحبَ زرعٍ، فعَمَد إلى أَرْدَأ زرعِه فتَقَرَّب به، فلم تَنْزِلُ عليه النارُ، فحسَد أخاه عندَ ذلك فقال: لأَقْتُلَنَّك. قال: إنما يتَقَبَّلُ اللَّهُ مِن المُتَّقِين.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾. قال: هما قابيلُ وهابيلُ. قال: كان أحدُهما صاحبَ زرعٍ، والآخرُ صاحبَ ماشيةٍ، فجاء أحدُهما بخيرِ مالِه، وجاء الآخرُ بشرِّ مالِه، فجاءتِ النارُ فأَكَلَتْ قُرْبانَ أحدُهما - وهو هابيلُ - وترَكت قربانَ الآخرِ، فحسَده، فقال: لأَقْتُلَنَّك (^٤).\nحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"و\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حزيمة\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٣٧، ١٣٨.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٧، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٩/ ٣٧.","vol":"8","page":323},{"text":"﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾. قال: قَرَّب هذا زرعًا، وذا عَناقًا، فتَرَكَتِ النارُ الزرعَ، وأَكَلَتِ العَنَاقَ (^١).\nوقال آخرون: اللذان قرَّبا قربانًا، وقصَّ اللهُ عزَّ ذكرُه قَصَصَهما في هذه الآيةِ، رجلان من بني إسرائيلَ، لا مِن وَلَدِ آدمَ لصُلْبِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2561>ذكرُ مِن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ، عن عمرٍو، عن الحسنِ، قال: كان الرجلان اللذان في القرآنِ، اللذان قال اللهُ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾. من بنى إسرائيلَ، ولم يكونا ابْنَىْ آدمَ لصُلْبِه، وإنما كان القربانُ في بنى إسرائيلَ، وكان آدمُ أوّلَ مَنْ مات (^٢).\nوأَوْلَى القولين في ذلك عندى بالصوابِ أن اللذَيْن قرَّبا القربان كانا ابْنَيْ آدمَ لصُلْبِه، لا مِن ذُرِّيَّتِه مِن بنى إسرائيلَ، وذلك أن الله ﷿ يَتَعَالَى عن أن يُخاطِبَ عبادَه بما لا يُفيدُهم به فائدةً، والمُخاطَبون بهذه الآيةِ كانوا عالمين أن تقريبَ القربانِ اللَّهِ لم يكنْ إلا في ولدِ آدمَ، دونَ الملائكةِ والشياطينِ وسائرِ الخَلْقِ غيرِهم. فإذ كان معلومًا ذلك عندَهم، فمعقولٌ أنه لو (^٣) لم يكنْ مَعْنيًّا بِابْنَى (^٤) آدمَ اللذَّيْن ذَكَرَهما اللَّهُ ﷿ في كتابِه ابناه لصُلْبِه، لم (^٥) يُفدهم بذكره ﷻ إيَّاهما فائدةً لم تكنْ\n_________\n(^١) تقدم بنحوه في ص ٣٢٠.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٤٣. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٣ إلى عبد بن حميد، وقال ابن كثير في تفسيره ٣/ ٨٥ عقب الأثر: وهذا غريب جدًّا، وفي إسناده نظر. وسيأتي رد المصنف هذا القول في ص ٣٣٥، ٣٤٠.\n(^٣) سقط مِن: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"به ابني\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فلم\".","vol":"8","page":324},{"text":"عندَهم، وإذ كان غيرَ جائزٍ أن يُخاطِبَهم خطابًا لا يُفيدُهم به معنًى، فمعلومٌ أنه عنَى ابْنَىْ (^١) آدمَ لصُلْبِه، لا (^٢) ابْنَىْ بَنِيه الذين بَعْدَ منه نَسَبُهم، مع إجماعِ أهلِ الأَخبارِ والسِّيَرِ والعِلْمِ بالتأويلِ على أنهما كانا ابْنَىْ آدمَ لصُلْبِه، وفى عهدِ آدمَ وزمانِه، وكفَى بذلك شاهدًا. وقد ذَكَرْنا كثيرًا ممن نُصَّ عنه القولُ بذلك، وسنَذْكُرُ كثيرًا ممن (^٣) لم يُذْكَرْ إن شاء الله.\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيد بنَ هارونَ، قال: ثنا حسامُ بنُ مِصَكٍّ، عن عَمَّارٍ الدُّهْنيِّ، عن سالمِ بن أبي الجَعْدِ، قال: لما قتَل ابنَ آدمَ أخاه، مكَث آدمُ مائةَ سنةٍ حزينًا لا يَضْحَكُ، ثم أُتِىَ فقيل له: حيَّاك اللهُ وبيَّاك. فقال: بيَّاك: أَضْحَكك (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، [عن غِياثِ بن إبراهيمَ] (^٥)، عن أبي إسحاقَ الهَمْدانيِّ، قال: قال عليُّ بنُ أبى طالبٍ رضوانُ اللهِ عليه: لَمَّا قتَل ابن آدمَ أخاه، بكَى آدمُ، فقال:\nتَغَيَّرتِ البلادُ ومَن عَلَيْها … فلَوْنُ (^٦) الأرضِ مُغْبَرٌّ قبيحُ\nتغيَّر كلُّ ذى لَوْنٍ وطَعْمٍ … وقلَّ بشاشةُ الوجهِ المليحِ\nفأُجِيب آدمُ ﵇:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بابني\".\n(^٢) سقط مِن: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في ص، ت ٢: \"ما\".\n(^٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٧/ ٩٨١ من طريق حسام بن مصك به نحوه.\n(^٥) سقط من النسخ، والمثبت من تاريخ المصنف.\n(^٦) في التاريخ: \"فوجه\".","vol":"8","page":325},{"text":"أبا هابيلُ قد قُتِلا جميعًا … وصار الحيُّ كالمَيِتِ (^١) الذَّبِيح\nوجاء بشرَّةٍ قد كان منها … على خَوْفٍ فجاء بها يَصيحُ (^٢)\nوأما القولُ في تقريبهما ما قرَّبا، فإن الصوابَ فيه من القولِ أن يقالَ: إن الله عزَّ ذكرُه أَخْبَر عبادَه عنهما أنهما قد قرَّبا، ولم يُخْبِرُ أن تَقْريبَهما ما قرَّبا كان عن أمرِ اللهِ إياهما به، ولا عن غيِر أمرِه، وجائزٌ أن يكونَ كان عن أمرِ اللهِ إياهما بذلك، وجائزٌ أن يكونَ عن غيرِ أمرِه، غيرَ أنه أيُّ ذلك كان، فلم يُقَرِّبا ذلك إِلا طَلَبَ قُرْبةٍ إِلى اللَّهِ عز ذكرُه إن شاء اللهُ\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ﴾. فإن معناه: قال الذي لم يُتَقَبَّلْ منه قُرْبانُه للذى تُقُبِّلَ منه قربانُه: لأَقْتُلَنَّك. فتَرَك ذِكْرَ المُتَقَبَّل قربانُه، والمردودِ عليه قربانُه؛ استغناءً بما قد جرَى مِن ذكرِهما عن إعادتِه. وكذلك ترَك ذكرُ المتقبَّلِ قربانُه مع قولِه: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.\nوبنَحوِ ما قلنا في ذلك رُوِى الخبرُ عن ابن عباسٍ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ﴾: فقال له أخوه: ما ذَنْبي؟ إنما يتقبَّلُ اللَّهُ مِن المُتَّقِين (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّمَا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بالميت\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٤٥.\nوقال ابن كثير في البداية والنهاية ١/ ٢٢١ بعد إيراده هذه الأبيات: وهذا الشعر فيه نظر، وقد يكون آدم ﵇ قال كلاما يتحزن به بلغته، فألَّفه بعضهم إلى هذا، وفيه إقواء، والله أعلم.\n(^٣) تقدم بتمامه في ص ٣١٩.","vol":"8","page":326},{"text":"يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. قال: يقولُ: إنك لو اتَّقَيْتَ الله في قُرْبانِكَ تَقَبَّل منك؛ جئت بقربانٍ مغشوشٍ بأشَرِّ ما عندَك، وجئتُ أنا بقربانٍ طيِّبٍ بخيرِ ما عندى. قال: وكان قال: يَتَقَبَّلُ اللهُ منك ولا يَتَقَبَّلُ منى؟\nويَعْنى بقولِه: ﴿مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾: مِن الذين اتَّقَوُا اللَّهَ وخافوه بأداءِ ما كَلَّفهم مِن فرائضِه، واجتنابِ ما نهاهم عنه مِن مَعَاصِيه (^١).\nوقد قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ: المتقون في هذا الموضعِ الذين اتقَوُا الشركَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2562>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضَّحَّاكِ قولَه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾: الذين يتقون الشركَ (^٢).\nوقد بيَّنا معنى \"القُرْبانِ\" فيما مضَى (^٣)، وأنه الفُعْلانُ مِن قولِ القائلِ: قرَّب. كما \"الفرقانُ\" \"الفُعْلانُ\" من: فرَق. و\"العُدْوانُ\" من: عدَا.\nوكانت قرابينُ الأممِ الماضية قبلَ أُمَّتِنا كالصَّدَقَاتِ والزَّكَواتِ فينا، غيرَ أَنَّ قرابينَهم كان يُعْلَمُ المُتَقَبَّلُ منها وغيرُ المتقبَّلِ، فيما ذُكر، بأَكْلِ النارِ ما تُقُبِّل منها، وتَرْكِ النارِ ما لم يُتَقَبَّلْ منها. والقربانُ في أُمتِنا الأعمالُ الصالحةُ؛ مِن الصلاةِ، والصيامِ، والصدقةِ على أهلِ المَسْكنَةِ، وأداءِ الزكاةِ المفروضةِ. ولا سبيلَ لها إلى العلمِ في عاجلٍ بالمُتَقَبَّلِ منها والمَرْدودِ.\nوقد ذُكر عن عامرِ بن عبدِ اللَّهِ العَنْبَرِيِّ أنه حينَ حَضَرَتْه الوفاةُ بكَى، فقيل له:\n_________\n(^١) في م: \"معصيته\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٨١، ٥٨٢ من طريق أبي الفيض، عن الضحاك.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٦/ ٢٨٤.","vol":"8","page":327},{"text":"ما يُبكيك، فقد كنتَ وكنتَ؟ فقال: يُبْكيِنى أنى أسمعُ الله يقولُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.\nحدَّثني بذلك محمدُ بنُ عمر المُقدَّميُّ، قال: ثني سعيدُ بنُ عامرٍ، عن همَّامٍ، عمن ذكَره، عن عامرٍ (^١).\nوقد قال بعضُهم: قربانُ المتقين الصلاةُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حفصُ بن غِياثٍ، عن عِمْرانَ بن سُلَيمانَ (^٢)، عن عَدِيٍّ بن ثابتٍ، قال: كان قُرْبانُ المتقين الصلاةَ (^٣).\n\n<span id=\"aya-697\"></span><span data-type='title' id=toc-2563>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه عن المقتولِ مِن ابْنَىْ آدمَ، أنه قال لأخيه حين (^٤) قال له أخوه القاتلُ: لأقتُلَنَّك: واللَّهِ ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ﴾. يقولُ: مَدَدْتَ إِلَيَّ يدَك ﴿لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾. يقول: ما أنا بمادٍّ يدىَ إليك لأقْتُلَك.\nوقد اخْتُلِف في السببِ الذي مِن أجلهِ قال المقتولُ ذلك لأخيه، ولم يُمَانِعه ما فعَل به؛ فقال بعضُهم: قال ذلك إعلامًا منه لأخيه القاتلِ أنه لا يَسْتَحِلُّ قَتْلَه، ولا بَسْطَ يَدِهِ إِليه، بما لم يأذنِ اللَّهُ له به.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في المحتضرين (١٧٩) من طريق سعيد بن عامر، عن همام بن يحيى قال: بكي عامر … فذكره. وينظر طبقات ابن سعد، ٧/ ١٠٦، والدر المنثور ٢/ ٢٧٤.\n(^٢) في م: \"سليم\". وينظر التاريخ الكبير ٦/ ٤٢٦، والجرح والتعديل ٦/ ٢٩٩.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ٦/ ١٣٥.\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، وفي م: \"لما\".","vol":"8","page":328},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2564>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن أبي المغيرةِ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، أنه قال: وايْمُ اللهِ، إن كان المقتولُ لأَشدَّ الرَّجُلَين، ولكنْ مَنَعَه التَّحَرُّجُ أَن يَبْسُطُ إلى أخيه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ﴾: لا أنا بمنتصرٍ، وَلأُمْسِكَنَّ يدىَ عنك (^٢).\nوقال آخرون: لم يَمْنَعْه مما أراد مِن قَتْلِه، وقال ما قال له مما قصَّ اللهُ في كتابِه، أن الله عزَّ ذكرُه فرَض عليهم ألّا يَمْتَنِعَ مَن أُرِيد قتلُه ممن أراد ذلك منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2565>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا رجلٌ سمِع مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾. قال مجاهدٌ: كان كُتِب (^٣) عليهم: إذا أراد الرجلُ أن يقتُلَ رجلًا ترَكه ولا يَمْتَنِعُ منه (^٤).\nوأولى القولين في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله عَزَّ ذكرُه قد كان حرَّم عليهم قَتْلَ نفسٍ بغيرِ نفسٍ ظلمًا، وأن المقتولَ قال لأخيه: ما أنا بباسطٍ يدىَ إليك إن\n_________\n(^١) تقدم مطولًا في ص ٣١٨.\n(^٢) ينظر البحر المحيط ٣/ ٤٦٢.\n(^٣) في م: \"كتب الله\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٤ إلى المصنف.","vol":"8","page":329},{"text":"بَسَطْتَ إليَّ يدك. لأنه كان حرامًا عليه مِن قَتْلِ أخيه مثلُ الذي كان حرامًا على أخيه القاتل مِن قتلِه، فأما الامتناعُ مِن قَتْلِه حينَ أراد قَتْلَه، فلا دَلالة على أن القاتلَ حينَ أراد قتلَه وعزَم عليه، كان المقتولُ عالمًا بما هو عليه عازِمٌ منه ومُحاوِلٌ من قتلِه، فتَرَك دَفْعَه عن نفسِه. بل قد ذكرُ جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ أنه قتَله غِيلَةٌ؛ اغتاله وهو نائمٌ، فشَدَخ (^١) رَأْسَه بصَخْرةٍ. فإذ كان ذلك ممكنًا، ولم يكنْ في الآيةِ دَلالةٌ على أنه كان مأمورًا بتَرْكِ مَنْعِ أخيه مِن قتلِه، لم يكنْ جائزا ادِّعاءُ ما ليس في الآيةِ إلَّا ببرهانٍ يجِبُ تَسْليمه.\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. [فَإِنَّه: إنى] (^٢) أَخافُ في بَسْطِ يدى إليك إن بَسَطْتُها لقَتْلِك، ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. يعني: مالكَ الخلائقِ كلِّها أن يُعاقِبَني على بسطِ يدىَ إليك.\n\n<span id=\"aya-698\"></span><span data-type='title' id=toc-2567>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: إني أُريدُ أن تَبُوءَ بإثمى مِن قتلِك إِيَّايَ، وإثْمِك في معصيتِك الله، [وغيرِ] (^٣) ذلك مِن معاصيك.\n\n<span data-type='title' id=toc-2566>ذكرُ مِن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى (^٤) بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ في حديثِه، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ. عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ\n_________\n(^١) شدخ رأسه: شَجَّه.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"فإني\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بغير\"، وفى س: \"يعني\". والمثبت هو الصواب.\n(^٤) في م: \"محمد\".","vol":"8","page":330},{"text":"بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾. يقولُ: إثمِ قتلى، إلى إثمِك الذي في عنقِك، ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾. يقولُ: بقتلِك إيايَ، وإثمِك قبلَ ذلك.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾. قال: بإثمِ قتلى وإثمِك (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾. يقولُ: إني أُرِيدُ أن يكونَ عليك خطيئتُك ودمى، تبوءُ بهما جميعًا (^٣).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾. يقولُ: إني أُريدُ أن تبوءَ بقتلك إِيَّايَ، ﴿وَإِثْمِكَ﴾. قال: بما كان منك (^٤) قبلَ ذلك (^٥).\nحُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بن خالدٍ، قال: ثنى عبيدُ بنُ سُلَيمانَ (^٦)، عن الضحَّاكِ قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾. قال: أما إثمُك، فهو الإثمُ الذي عمِل قبلَ قَتْلِ النفسِ - يعنى أخاه - وأما إثمُه:\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في تغليق التعليق ٤/ ٢٠١ عن المصنف بإسناد ابن عباس وحده، وينظر التبيان ٣/ ٤٩٥، والبحر المحيط ٣/ ٤٦٣، وتفسير ابن كثير ٣/ ٨١.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٧.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٣١٩.\n(^٤) في ص، ت ١: \"فيك\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٨١ عن سفيان به.\n(^٦) في م: \"سليم\".","vol":"8","page":331},{"text":"فقتلُه أخاه (^١)\nوكأنَّ قائلى هذه المقالةِ وَجَّهوا تأويلُ قولِه: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾. أَي: إنى أريدُ أن تبوءَ بإثمِ قتلى. فحَذَف و\"القتلَ\"، واكتفى بذِكْرِ \"الإثم\"، إذ كان مفهومًا معناه عندَ المُخاطَبين به.\nوقال آخرون: معنى ذلك: إني أريدُ أن تبوءَ بخطيئتي، فتَتَحَمَّلَ وِزْرَها، وإثمِك في قتلِك إيَّاى.\nوهذا قولٌ وَجَدتُه عن مجاهدٍ، وأخشَى أن يكونَ غلطًا؛ لأن الصحيحَ مِن الروايةِ عنه ما قد ذَكَرْنا قبلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2568>ذكرُ مِن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾. يقولُ: إني أريدُ أن تكون عليك خطيئتي ودمى، فتَبُوءَ بهما جميعًا (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن تأويلَه: إني أريدُ أن تَنْصَرِفَ بخطيئتِك في قتلِك إيَّايَ. وذلك هو معنى قولِه: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾. وأما معنى ﴿وَإِثْمِكَ﴾. فهو إثمُه بغيرِ قتلِه، وذلك معصيةُ اللهِ جلَّ ثناؤُه في أعمالٍ سواه.\nوإنما قلنا: ذلك هو الصوابُ؛ لإجماعِ أهلِ التأويلِ عليه، لأن الله عزَّ ذكرُه قد أَخْبَرَنا أن كلَّ عاملٍ فجزاءُ عملِه له أو عليه، وإذا كان ذلك حكمه في خَلْقِه، فغيرُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٤ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٨١ عن شبل به.","vol":"8","page":332},{"text":"جائزٍ أن يكونَ آثامُ المقتولِ مأخوذًا بها القاتلُ، وإنما يُؤْخَذُ القاتلُ بإثمِه بالقتلِ المحرَّمِ، وسائرِ آثامِ معاصِيه التي ارْتَكَبَها بنفسِه دونَ ما رَكِبه قتيلُه.\nفإن قال قائلٌ: أوَ ليس قتلُ المقتولِ مِن بنى آدمَ كان معصيةً للَّهِ مِن القاتلِ؟\nقيل: بلى، وأَعْظم بها معصيةً.\nفإن قال: فإذا كان للَّهِ جلَّ وعزَّ، معصيةً، فكيف جاز أن يريدَ ذلك منه المقتولُ، ويقولُ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾. وقد ذكَرتَ أن تأويلَ ذلك: إني أُريد أن تبوءَ بإثم قتلى؟\nفمعناه (^١): إنى أُريدُ أن تبوءَ بإثمِ قتلى إن قتَلتني؛ لأنى لا أقتُلُك، فإن أنت قَتَلْتَني فإني مُريدٌ أن تبوءَ ياثمِ معصيتِك الله في قتِلك إيَّايَ. وهو إذا قتَله فهو لا محالةَ بَاءَ به في حُكْمِ اللَّهِ، فإرادتُه ذلك غيرُ موجبةٍ له الدخولَ في الخطأ.\nويَعْنى بقولِه: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: فتكونَ بقتلَك إِيَّايَ مِن سُكَّان الجحيمِ، ووَقود النارِ المخلَّدين فيها، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: والنارُ ثوابُ التاركين طريق الحقِّ، الزائلين عن قَصْدِ السبيلِ، المتعدِّين ما جُعِل لهم إلى ما لم يُجْعَل لهم. وهذا يدلُّ على أن اللَّهَ عزَّ ذكرُه قد كان أمَرَ ونَهَى آدمَ بعدَ أن أهْبَطه إلى الأرضِ، ووَعَدَ وأَوْعَدَ، ولولا ذلك ما قال المقتولُ للقاتلِ: فتكونَ مِن أصحابِ النارِ بقتلِك إِيَّايَ. ولا أَخْبَرَه أَن ذلك جزاءُ الظالمين.\nفكان مجاهدٌ يقولُ: عُلِّقَتْ إحدى رِجْلَى القاتلِ بساقِها إلى فَخِذِها مِن يومِئذٍ إلى يومِ القيامةِ، ووجهه في الشمسِ حيثما دارت دار (^٢)، عليه في الصيف حَظيرةٌ\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"ومعناه\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"دارت\".","vol":"8","page":333},{"text":"مِن نارٍ، وعليه في الشتاءِ حظيرةٌ مِن ثلجٍ.\nحدَّثنا بذلك القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ ذلك. قال: وقال عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو: إِنَّا لَنَجِدُ ابْنَ آدَمَ القاتلَ يُقاسمُ أهلَ النارِ قسمةً صحيحةً العذابَ، عليه شَطْرُ عذابهم (^١).\nوقد رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِ ما رُوِي عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو خبرٌ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، و(^٢) حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا جريرٌ وأبو معاويةَ [ح، وحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ] (^٣) ووكيعٌ، جميعًا عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بن مرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قال النبيُّ ﷺ: \"ما مِنْ نفسٍ تُقتَلُ ظلمًا إِلَّا كان على ابن آدمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ (^٤) منها؛ ذلك بأنه أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القتلَ\" (^٥).\nحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبى ح، وحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، جميعًا عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بن مرةً، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ عن النبيِّ ﷺ نحوَه (^٦).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٨٣ عن المصنف، وقول ابن عمرو أخرجه البيهقي في الشعب (٥٣٢٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٩/ ٤٥، ٤٦ من طريق هشام بن عروة، عن عبد الله بن عمرو، وتقدم قول مجاهد في ص ٣٢١ من طريق أخرى.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قال\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) الكفل، بالكسر: الضِّعْف مِن الأجر والإثم، وعمَّ به بعضُهم. والكفل أيضًا: النصيب والحظ. ينظر تاج العروس (ك ف ل).\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٤٤، وأخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٣٦٤ و١٤/ ١٢٦، وأحمد ٦/ ١٣٦ (٣٦٣٠)، ومسلم (١٦٧٧) من طريق أبي معاوية به.\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٤٤، وأخرجه النسائي (٣٩٩٦)، وفى الكبرى (٣٤٤٧)، =","vol":"8","page":334},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن حسنِ بن صالحٍ، عن إبراهيم بن مُهاجِرٍ، عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ، قال: ما مِن مقتولٍ يُقْتَلُ ظلمًا، إلا كان على ابن آدمَ الأُولِ والشيطانِ كِفْلٌ منه (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن حكيمِ بن حكيمٍ، أنه حُدِّث عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو أنه كان يقولُ: إن أشقى الناسِ رجلًا لَابْنُ آدمَ الذي قتَل أخاه؛ ما سُفِك دمٌ في الأرضِ منذ قتَل أخاه إلى يومِ القيامةِ، إلا لَحَق به منه شيءٌ، وذلك أنه أولُ مِنْ سنَّ القتل (^٢).\nوهذا (^٣) الخبرُ الذي ذَكَرْنا عن رسولِ اللهِ ﷺ يُبين (^٤) أنَّ (^٥) القولَ الذي قاله الحسنُ في ابْنَىْ آدمَ اللذَيْن ذَكَرهما الله في هذا الموضعِ أنهما ليسا بابنيْ آدمَ لصُلْبِه، ولكنهما رجلان مِن بنى إسرائيلَ، و(^٦) أنَّ القول الذي حُكى عنه أنَّ أول مَنْ مات آدمُ، وأن القربانَ الذي كانت النارُ تأكُلُه لم يَكُنْ إلا في بني إسرائيلَ - خطأٌ، لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قد أَخْبَر عن هذا القاتلِ الذي قتَل أخاه، أنه أوَّلُ مِن سنَّ\n_________\n= وأبو نعيم ٩/ ٢٨ من طريق عبد الرحمن به، وأخرجه أحمد ٧/ ٤٠٩٢ (٤٠٩٢)، والبخاري (٦٨٦٧)، والترمذى (٢٦٧٣)، والطحاوى في المشكل (١٥٤٣) من طريق سفيان به، وأخرجه معمر في جامعه (١٩٧١٨)، والحميدى (١١٨)، والبخارى (٣٣٣٥، ٧٣٢١)، وابن ماجه (٢٦١٦)، والترمذى (٢٦٧٣)، والنسائى في الكبرى (١١١٤٢)، وأبو يعلى (٥١٧٩)، والطحاوي في المشكل (١٥٤٤)، والطبراني (١٠٤٢٩)، والبيهقى ٨/ ١٥، والبغوى (١١١)، وفي تفسيره ٣/ ٤٦ من طريق الأعمش به.\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٨٤ عن إبراهيم.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٨٣ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٦ إلى المصنف.\n(^٣) في م: \"بهذا\".\n(^٤) في م: \"تبين\".\n(^٥) في ص، ت ٢، ت ٣، س: \"عن\".\n(^٦) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"علي\".","vol":"8","page":335},{"text":"القتلَ، وقد كان لا شكَّ القتلُ قبلَ بنى (^١) إسرائيلَ، فكيف قبلَ ذُرِّيَّتِه؟ وخطأَ مِن القولِ أن يقال: أولُ مَن سنَّ القتل رجلٌ مِن بني إسرائيلَ. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الصحيحَ مِن القولِ هو قولُ مَنْ قال: هو ابن آدمَ لصلبِه. لأنه (^٢) أولُ مَن سنَّ القتلَ، فَأَوْجَب اللهُ له مِن العقوبةِ ما رَوَيْنا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ.\n\n<span id=\"aya-699\"></span><span data-type='title' id=toc-2570>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾.</span>\nيَعْنِى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَطَوَّعَتْ﴾: فآتَتْه (^٣) وساعَدَته عليه. وهو \"فَعَلَتْ\" مِن الطَّوْع، مِن قولِ القائلِ: طَاعَنى هذا الأمرُ. إذا انْقادَ له.\nوقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: فشَجَّعَتْ له نفسُه قتلَ أخيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2569>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ ومحمدُ بنُ حميدٍ، قالا: ثنا حكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن عَنْبسةَ، عن (^٤) ابن أبي ليلى، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾. قال: شَجَّعَتْ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أنه\".\n(^٣) في م: \"فأقامته\"، وفى س: \"فسولت له\". وآتاه على الأمر: طاوعه، وأتيته على ذلك الأمر مؤاتاة، إذا وفقته وطاوعته، والعامة تقول: واتيته. وهى لغة أهل اليمن. ينظر اللسان (أ ت ى).\n(^٤) سقط من: النسخ، وتقدم في ١/ ٥٠٨.","vol":"8","page":336},{"text":"نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾. قال: فشَجَّعَتْه (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾. قال: شَجَّعَته على قتلِ أخيه.\nوقال آخرون: معنى ذلك: زَيَّنَتْ له.\n\n<span data-type='title' id=toc-2571>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾. [قال: زَيَّنَتْ له نفسُه] (^٢) قتل أخيه فقَتَلَه (^٣).\nثم اخْتَلَفوا في صفةِ قَتْلِهِ إيَّاه، كيف كانت، والسببِ الذي مِن أجلِه قَتَلَه؛ فقال بعضُهم: وجَدَه نائمًا فشدَخ رأسه بصَخْرَةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2572>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، فيما ذكرُ عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مرَّةَ، عن عبدِ اللهِ، وعن ناس مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾: فطَلَبَه ليقتُلَه، فراغ الغلامُ منه في رءوسِ الجبالِ، وأتاه يومًا مِن الأيام وهو يرعى غنمًا له في جبلٍ وهو نائمٌ، فرفَع صخرةً فشدَخ بها رأسَه، فمات، فترَكه بالعراءِ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٠٦ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر. وتقدم أوله في ص ٣١٩.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٣٨، وسيأتي تمامه في ص ٣٤١.","vol":"8","page":337},{"text":"وقال بعضهم ما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرَ بن عليٍّ، قال: سَمِعتُ أَشْعَثَ السِّجِسْتانيَّ، يقولُ: سَمِعتُ ابنَ جُرَيجٍ قال: ابن آدمَ الذي قتل صاحبَه لم يَدْرِ كيف يَقْتُلُه، فتَمَثَّل إبليسُ له في هيئةِ طيرٍ، فأخَذ طيرًا فقطَع (^١) رأسَه، ثم وضَعه بينَ حَجَرَيْن، فشدَخ رأسَه، فعَلَّمَه القتلَ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قتَله حيثُ يرعى الغنمَ، فأتاه (^٣) فجعَل لا يدرى كيف يَقْتُلُه، فلَوَى برقبتِه وأخَذ برأسِه، فنزَل إبليسُ، وأخَذ دابَّةً أو طيرًا، فوضَع رأسَه على حجرٍ، ثم أخذ حجرًا آخرَ فَرَضَحْ به رأسَه، وابنُ آدمَ القاتلُ يَنْظُرُ، فأخَذ أخاه، فوضَع رأسَه على حجرٍ، وأخذ حجرًا آخرَ فرضَخ به رأسَه.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا رجلٌ سمِع مجاهدًا يقولُ. فذكَر نحوَه (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: لَمَّا أَكَلَتِ النارُ قُرْبانَ ابن آدمَ الذي تُقُبِّل قربانُه، قال الآخَرُ لأخيه: أتَمْشى في الناسِ وقد علِموا أنك قَرَّبتَ قربانًا فتُقُبِّل منك ورُدَّ عليَّ! واللهِ لا يَنْظُرُ الناسُ إلى وإليك وأنت خيرٌ منى. فقال: لأَقْتُلَنَّك. فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبَّلُ اللهُ مِن المتَّقِين. فخوَّفه بالنارِ، فلم يَنْتَهِ ولم يَنْزَجِرْ، ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ\n_________\n(^١) في م: \"فقصع\". وقَصَع الغلامَ أو قصَع هامَتَه: ضرَبَه أو ضَرَبَها يبسط كَفِّه على رأسه. تاج. العروس (ق ص ع).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٥ إلى المصنف.\n(^٣) في م: \"فأتى\".\n(^٤) ينظر التبيان ٣/ ٤٩٧.","vol":"8","page":338},{"text":"قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^١).\nحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني عبدُ اللهِ بن عثمانَ بن خُثَيمٍ، قال: أقبلتُ مع سعيدِ بن جبيرٍ أرمى الجَمْرَةَ وهو مُتَقَنِّعٌ مُتَوَكِّئٌ على يدى، حتى إذا وازَيْنا بمنزلِ سَمُرَةَ الصرَّافِ (^٢)، وقَف فحَدَّثني (^٣) عن ابن عباسٍ، قال: نهى أن يَنْكِحَ المرأةَ أخوها تُؤْمُها (^٤)، ويَنْكِحُها غيرُه مِن إخوتها، وكان يُولَدُ في كلِّ بطن رجلٌ وامرأةٌ، فوُلِدَت امرأةٌ وَسيمةٌ، ووُلِدت امرأةٌ دَميمةٌ قَبيحةً، فقال أخو الدَّميمةِ: أَنكِحْنى أُخْتَك وأُنْكِحَك أختى. قال: لا، أنا أحقُّ بأختى. فقرَّبا قربانًا، فتُقُبِّل مِن صاحبِ الكبشِ، ولم يُتَقَبَّلْ من صاحبِ الزرعِ، فقَتَلَه، فلم يَزَلْ ذلك الكبشُ محبوسًا عندَ اللهِ حتى أَخْرَجه في فداءِ إسحاقَ (^٥)، فذبَحه على هذا الصفا في ثَبِيرٍ (^٦) عندَ منزلِ سَمُرَةَ الصرَّافِ، وهو على يمينك حينَ تَرْمى الجمار. قال ابن جُريجٍ: وقال آخرون بمثلِ هذه القصةِ. قال: فلم يَزَلْ بنو آدمَ على ذلك حتى مضَى أربعةُ آباءِ، فنكَح ابنةَ عمِّه، وذهَب نكاحُ الأخواتِ (^٧).\nوأَوْلَى الأقوال في ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إِن اللَّهَ عَزَّ ذكرُه قد أَخْبَر عن القاتلِ أنه قتَل أخاه، ولا خبرَ عندَنا يَقْطَعُ العذرَ بصِفَةِ (^٨) قَتْله إيَّاه، وجائزٌ أن يكونَ على نحوِ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٣١٩.\n(^٢) في تاريخ المصنف: \"الصواف\"، وسمرة الصراف هذه ذكرها الفاكهي في أخبار مكة ٥/ ١٢٤.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"يحدثني\".\n(^٤) في م: \"توءمها\". وينظر ما تقدم في ص ٣٢١.\n(^٥) الصحيح أن المفدى هو إسماعيل وليس إسحاق، ﵉، وستأتى الآثار بذلك في موضعها في تفسير سورة \"الصافات\"، وينظر تعليقنا عليه هناك.\n(^٦) ثبير: جبل بظاهر مكة. ينظر التاج (ث ب ر).\n(^٧) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٣٩، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٤٩/ ٣٩ من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبيه عن سعيد بن جبير بنحوه.\n(^٨) في م، ت ٢، ت ٣: \"بصفته\".","vol":"8","page":339},{"text":"ما قد ذكَر السُّديُّ في خبرِه، وجائزٌ أن يكونَ كان على ما ذكَره مجاهدٌ، واللهُ أعلمُ أيُّ ذلك كان، غيرَ أن القتلَ قد كان، لا شَكّ فيه.\nوأما قوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فإن تأويلَه: فَأَصْبَح القاتلُ أخاه مِن ابْنَيْ آدمَ، مِن حزبِ الخاسرين، وهم الذين باعوا آخرتَهم بدنياهم، بإيثارِهم إيَّاها عليها، فوُكِسوا في بَيْعِهم (^١) وعُبِنوا فيه، وخابوا في صَفْقَتِهم.\n\n<span id=\"aya-700\"></span><span data-type='title' id=toc-2574>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وهذا أيضًا أحدُ الأدلةِ على أن القولَ في أمر ابْنَىْ آدمَ بخلافِ ما رواه عمرٌو، عن الحسنِ؛ لأن الرجلَين اللذين وصَف اللَّهُ صِفَتَهما في هذه الآيةِ لو كانا من بنى إسرائيلَ، لم يَجْهَل القاتلُ دَفْنَ أخيه، ومواراةَ سوأةِ أخيه، ولكنهما كانا مِن ولدِ آدمَ لصُلْبِه، ولم يكنْ القاتلُ منهما أخاه علِم سُنَّةَ اللهِ في عادةِ (^٢) الموتى، ولم يَدْرِ ما يَصْنَعُ بأخيه المقتولِ، فذُكِر أنه كان يَحْمِلُه على عاتقِه حينًا حتى أَراحَتْ (^٣) جِيفتُه، فأحبَّ اللَّهُ تعريفَه السنةَ في موتى خَلْقِه، فقَيَّضَ له الغُرَابَين اللذَيْن وصَف صفتَهما في كتابه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2573>ذكرُ الأخبار عن أهلِ التأويلِ بالذي كان مِن فِعْلِ القاتل مِن ابْنَىْ آدمَ بأخيه المقتولِ بعد قتلِه إياه</span>\nحدَّثنا سفيانُ بن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بن أبي رَوْقٍ الهَمْدانيُّ، عن أبيه، عن\n_________\n(^١) في ص، س: \"سعيهم\".\n(^٢) في س: \"إعادة\".\n(^٣) أراحت: أنتنت. تاج العروس (روح).","vol":"8","page":340},{"text":"الضحَّاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: مكَث يَحْمِلُ أخاه في جرابٍ على رقبتِه سَنَةً، حتى بعَث اللهُ جلَّ وعزَّ الغُرابين، فرآهما يَبْحثان، فقال: أَعَجَزْتُ أن أكونَ مثلَ هذا الغرابِ؟ فدفَن أخاه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾: بعَث اللهُ جلَّ وعزَّ غرابًا حيًّا إلى غرابٍ ميِّتٍ، فجعَل الغرابُ الحيُّ يُوارى سَوْأَةَ الغرابِ الميِّتِ، فقال ابن آدمَ الذي قتَل أخاه: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ الآية.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، فيما ذكرُ عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: لمَّا مات الغلامُ ترَكه بالعراءِ، ولا يعلَمُ كيف يَدْفِنُ، فبعَث اللهُ غرابين أخوين فاقْتَتَلا، فقتَل أحدُهما صاحبَه، فحفر له، ثم حثا عليه، فلما رآه قال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾. فهو قولُ اللَّهِ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثني عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَبْحَثُ﴾ قال: بعَث الله غرابًا حتى حفَر لآخرَ إلى جنبِه ميِّتٍ، وابنُ آدمَ القاتلُ ينظُرُ إليه، ثم بحَث عليه حتى غيَّبه (^٣).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٨٤ عن الضحاك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٦ إلى المصنف وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٨٤ عن الضحاك به.\n(^٢) هو تمام الأثر المتقدم في ص ٣٣٧.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٣١٩.","vol":"8","page":341},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾: حتى حفَر الآخرَ ميِّتٍ إلى جَنْبِه، فغَيَّبه وابنُ آدمَ القاتلُ ينظُرُ إليه حيثُ يبحَثُ عليه، حتى غيَّبه، فقال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ الآية.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: بعث اللهُ غرابًا إلى غرابٍ فاقْتَتَلا، فقَتل أحدُهما صاحبَه، فجعَل يَحْثِى عليه الترابَ، فقال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: جاء غرابٌ إلى غرابٍ ميِّتٍ، فبَحَث (^١) عليه مِن الترابِ حتى واراه، فقال الذي قتَل أخاه: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ الآية (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن فُضيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ، قال: لما قتَله ندِم، فضَمَّه إليه حتى أَرْوَح (^٣)، وعَكَفَتْ عليه الطيرُ والسباعُ تنتظرُ متى يَرْمِي به فتَأْكُلُه (^٤).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، س: \"فحثى\"، وفى ت ١: \"فيحث\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) أَرْوَح: أنْتَنَ. تاج العروس (ر وح).\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٨٤ عن عطية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"8","page":342},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ﴾ أنه بعثَه اللهُ عزَّ ذكرُه يَبْحَثُ في الأرضِ. ذُكِر لنا أنهما غُرابان اقْتَتَلا، فقتل أحدُهما صاحبَه، وذلك [بعَيْنَي ابن آدمَ] (^١)، وجعَل الحَيُّ يَحْثِى على الميِّتِ الترابَ، فعندَ ذلك قال ما قال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ الآية إلى قولِه: ﴿مِنَ النَّادِمِينَ﴾.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: أما قولُه: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾. قال: قتَل غرابٌ غرابًا، فجعَل يَحْثو عليه، فقال ابن آدمَ الذي قتَل أخاه حين رآه: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾. قال: وارَى الغرابُ الغرابَ. قال: كان يَحْمِلُه على عاتِقِه مائةَ سنةٍ، لا يَدْرِى ما يَصْنَعُ به، يَحْمِلُه ويَضَعُه إلى الأرضِ حتى رأى الغرابَ يَدْفِنُ الغرابَ، فقال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا مُعَلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا خالدٍ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ في قولِ اللهِ: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾. قال: بعَث اللهُ غرابًا، فجعَل يَبْحَثُ على غرابٍ ميِّتٍ الترابَ. قال: فقال عندَ ذلك:\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"يعني ابن آدم ينظر\"، وفى ت ١: \"يعني ابن آدم\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣٢٣.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٨٤ عن ليث به، وعزاه إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"8","page":343},{"text":"﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾.\nحُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾: بعَث اللهُ غرابًا حيًّا إلى غرابٍ ميِّتٍ، فجعل الغرابُ الحيُّ يُوارى سَوْأَةَ الغرابِ الميِّتِ، فقال ابن آدمَ الذي قتَل أخاه: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ الآية.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ فيما يذكُرُ عن بعضِ أهلِ العلمِ بالكتابِ الأولِ قال: لمَّا قتَله سُقِط في يديه، ولم يدرِ كيف يُواريه، وذلك أنه كان - فيما يزعُمون - أَوَّلَ قَتيلٍ مِن بنى آدمَ وأَوَّلَ ميِّتٍ؛ [﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ (^١) يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ الآية (^٢). قال (^٣): ويَزْعُمُ أَهلُ التوراة أن قابيلَ حينَ قتَل أخاه هابيلَ قال له جلَّ ثناؤُه: يا قابيلُ، أين أخوك هابيلُ؟ قال: ما أدرى، ما كنتُ عليه رقيبًا. فقال اللهُ جلَّ وعزَّ له: إن صوتَ دمِ أخيك لَيُناديني (^٤) مِن الأرضِ، الآنَ أنت ملعونٌ مِن الأرضِ التي فَتَحَتْ فاها فتلقَّتْ (^٥) فبَلَعَتْ دَمَ أخيك مِن يدِك، فإذا أنتَ عَمِلت في الأرضِ، فإنها لا تَعُودُ تُعْطيك حَرْثَها حتى تكونَ فزِعًا تائهًا في\n_________\n(^١) سقطت من النسخ. والمثبت من تاريخ المصنف.\n(^٢) في تاريخ المصنف: \"إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ \".\n(^٣) سقط من: النسخ. والمثبت مِن تاريخ المصنف.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لينادي\".\n(^٥) في م: \"فبلعت\".","vol":"8","page":344},{"text":"الأرضِ. قال قابيلُ: عَظُمَتْ خَطِيئَتى مِنْ (^١) أن تغفِرَها، قد أَخْرَجْتَنى اليومَ عن وجهِ الأرضِ، وأَتَوَارَى مِن قُدَّامِك، وأكونُ فرعًا تائهًا في الأرضِ، وكلُّ مَنْ لَقِيَني قتَلني. فقال اللهُ جلَّ وعزَّ: ليس ذلك كذلك. ولا يكونُ كلُّ [مَنْ قَتَل قَتِيلًا يُجْزَى بواحدٍ سبعةً] (^٢)، ولكنْ [مَنْ قَتَل قابيلَ] (^٣) يُجْزَى سبعةً. وجعَل اللَّهُ في قابِيلَ آيَةً لِئَلَّا يَقْتُلَه كُلُّ مَن وَجَدَه. وخرَج قابيلُ مِن قُدَّام اللَّهِ ﷿ مِن شَرْقِيِّ عَدْنِ الجَنَّةِ (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن خَيْثَمَةَ، قال: لمَّا قتَل ابن آدمَ أخاه نَشِفَتِ (^٥) الأرضُ دمَه، فلُعِنَتْ، فلم تَنْشِفِ الأرضُ دمًا بعدُ (^٦).\nفتأويلُ الكلامِ: فأثار اللهُ للقاتلِ إذ لم يَدْرِ ما يَصْنَعُ بأخيه المقتول ﴿غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: يَحْفِرُ في الأرض فيثيرُ ترابَها ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾. يقولُ: ليُرِيَه كيف يُوارى جِيفةَ أخيه. وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ عَنَى بالسَّوْءَةِ الفَرْجَ. غيرَ أن الأغْلَبَ مِن معناه ما ذكَرتُ مِن الجيفةِ، وبذلك جاء تأويلُ أهلِ التأويلِ. وفى ذلك محذوفٌ تُرِك ذكرُه اسْتِغْناءً بدَلالةِ ما ذُكِر منه، وهو: فَأَرَاه بأن بحَث في الأرضِ لغرابٍ آخرَ ميِّتٍ، فواراه فيها. فقال القاتلُ أخاه حينَئذٍ: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ الذي وَارَى الغُرَابَ الآخَرَ\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣، س: \"عن\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قتيل قتيلًا يجزى واحدًا\"، وفى، م، س: \"قاتل قتيلًا يجزى واحدًا\". والمثبت من تاريخ المصنف.\n(^٣) سقط من: النسخ. والمثبت من تاريخ المصنف مع تغيير قَيْن إلى قابيل ليتسق مع ما هنا، وينظر ما تقدم في ص ٣٢١.\n(^٤) تمام الأثر المتقدم في ص ٣٢١، ٣٢٢.\n(^٥) نشفت: شربت. الوسيط (ن ش ف).\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٥ إلى المصنف.","vol":"8","page":345},{"text":"الميِّتَ، ﴿فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾. فواراه حينَئذٍ، ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾، على ما فرَط منه مِن معصيةِ اللهِ عزَّ ذكرُه في قَتْلِه أخاه.\nوكلُّ ما ذكرُ اللهُ ﷿ في هذه الآياتِ مَثَلٌ ضَرَبهِ اللَّهُ لبنى آدمَ، وحَرَّضَ به المؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، على استعمالِ العفوِ والصفحِ عن اليهودِ الذين كانوا هَمُّوا بقتلِ النبيِّ ﷺ وقَتْلِهِم مِن بنى النَّضِيرِ، إِذ أَتَوْهُم يَسْتَعينونهم في دِيَةِ قَتِيلى عمرِو بن أُميةَ الضَّمْريِّ، وعرَّفَهم جلَّ وعَزَّ رَداءَةَ سَجِيَّةِ أوائِلِهم، وسوءَ استقامتِهم على منهجِ الحقِّ (^١)، مع كثرةِ أياديه وآلائه عندَهم، وضرَب مثلَهم في غَدْرِهم (^٢) ومثلَ المؤمنين في الوفاءِ لهم والعفوِ عنهم، بابْنَيْ آدَمَ المُقَرِّبَيْنِ قرابينَهما اللذَيْن ذَكَرَهما اللهُ في هذه الآياتِ.\nثم ذلك مثَلُ لهم على التَّأسِّى بالفاضلِ منهما دونَ الطالحِ (^٣). وبذلك جاء الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قلتُ لبكرِ بن عبدِ اللَّهِ: أَمَا بَلَغَك أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: \"إن اللهُ جلَّ وعزَّ ضَرَبَ لكم ابْنَى آدمَ مثَلًا، فخُذوا خيرَهما، ودَعُوا شرَّهما\"؟ قال (^٤): بلى (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إن ابْنَىْ آدمَ ضُرِبا مثلًا لهذه الأمةِ، فخُذوا\n_________\n(^١) في م: \"الحج\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢ \"عدوهم\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الصالح\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قالوا\".\n(^٥) عزاه ابن كثير في تفسيره ٣/ ٨٥، والسيوطى في الدر المنثور ٢/ ٢٧٥ إلى المصنف.","vol":"8","page":346},{"text":"بالخير منهما\" (^١).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"إِن اللَّهَ ضَرَب لَكُمُ ابْنَيْ آدمَ مثَلًا، فخُذوا مِن خيرِهم، ودَعُوا الشرَّ\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-701\"></span><span data-type='title' id=toc-2575>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾: مِنْ جَرِّ ذلك وجَرِيرَتِه وجنايته. يقولُ: مِن جَرَّ القاتلِ أخاه من ابْنَيْ آدمَ اللذَيْنِ اقْتَصَصْنا قصتَهما - الجريرةَ التي جَرَّها، وجنايتِه التي جَناها، ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\nيقالُ منه: أَجَلْتُ هذا الأمرَ. أي: جَرَرْتُه إليه، وكسَبْتُه. أجلُه له أَجْلًا، كقولِك: أخَذْتُه أخْذًا. ومن ذلك قولُ الشاعر (^٣):\nوأهل خباءٍ صالحٍ ذاتُ بينِهمْ … قد احْتَرَبوا في عاجلٍ أنا آجِلُه\nيعنى بقولِه: أنا آجِلُه: أنا الجارُّ ذلك عليهم والجاني.\nفمعنى الكلام: من جنايةِ ابن آدمَ القاتلِ أخاه ظلمًا، حَكَمْنا على بني إسرائيلَ أنه من قتَل منهم نفسًا ظلمًا بغيرِ نفسٍ قُتِلَتْ، فقتَل بها قِصاصًا، ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٧.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٨٥ عن ابن المبارك به.\n(^٣) نسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ١٦٣ إلى الخنوت توبة بن مضرس، ونسبه التبريزي في تهذيب إصلاح المنطق ١/ ١٤ إلى خوات بن جبير، وقال ابن بري - كما في اللسان (أ ج ل) -: وقد وجدته أنا من شعر زهير. وينظر خبر الخنوت في المؤتلف والمختلف للآمدي ص ٩١.","vol":"8","page":347},{"text":"الْأَرْضِ﴾. يقولُ: أو قتَل منهم نفسًا بغيرِ فسادٍ كان منها في الأرضِ، فاسْتَحَقَّتْ بذلك قَتْلَها، وفسادُها في الأرض إنما يكونُ بالحربِ الله ولرسولِه وإخافةِ السبيلِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-2576>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثني عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يقولُ: من أجلِ ابن آدمَ الذي قتَل أخاه ظلمًا (^١).\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ومن قتَل نبيًّا، أو إمامَ عَدْلٍ، فكأنما قتَل الناسَ جميعًا، ومن شدَّ على عَضُدِ نبيٍّ، أو إمامِ عَدْلٍ، فكأنما أحيا الناسَ جميعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2577>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو عمارٍ حسينُ بنُ حُرَيثٍ المَرْوَزيُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن الحسينِ بن واقدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: مَن شَدَّ على عَضُدِ نبيٍّ، أو\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٧ إلى المصنف.","vol":"8","page":348},{"text":"إمامِ عَدْلٍ، فكأنما أحيَا الناسَ جميعًا، ومن قتَل نبيًّا، أو إمامَ عَدْلٍ، فكأنما قتل الناسَ جميعًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. يقولُ: مَن قتَل نفسًا واحدةً حرَّمْتُها، فهو مِثْلُ مَن قتَل الناسَ جميعًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. يقولُ: مَن ترَك قَتْل نفسٍ واحدةٍ حرَّمْتُها مخافتى، واسْتَحْيَا (^٢) أَن يَقْتُلَها، فهو مثلُ استحياء الناس جميعًا. يعنى بذلك الأنبياءَ (^٣).\nوقال آخرون: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ عند المقتولِ في الإثم، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ فَاسْتَنْقَذَها مِن هَلَكَةٍ، ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ عندَ المُسْتَنْقَذِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، فيما ذكَر عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن عبدِ اللَّهِ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ رسول الله ﷺ قوله: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾: عند المقتول، يقولُ: في الإثم، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ فَاسْتَنْقَذَها (^٤) من هَلَكَةٍ، ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٨٧ عن عكرمة به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"استحياها\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٨٧ عن العوفى به، إلى قوله: مثل من قتل الناس جميعًا.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"واستنقذها\".","vol":"8","page":349},{"text":"جَمِيعًا﴾ عندَ المُسْتَنْقَذِ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك أن قاتلَ النفسِ المحرَّمِ قَتْلُهَا، يَصْلَى النار كما يَصْلاها لو قتَل الناسَ جميعًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾: من سلِم من قَتْلِها فقد سلِمَ مِن قتلِ الناسِ جميعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2578>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، [عن سفيانَ] (^٢)، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من كفَّ عن قتلِها فقد أحياها. و﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: مَن (^٣) أَوْبَقَها (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، قال: من أَوْبَق [نفسًا فكما] (^٥) لو قتَل الناسَ جميعًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ ومَنْ سلِم مِن ظُلْمِها (^٦) فلم يَقْتُلُها، فقد سلِم من قتلِ الناسِ جميعًا (^٧).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٧ إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة.\n(^٢) سقط من النسخ، والمثبت موافق لما تقدم ١/ ٥١٥، ٥١٢، ٣/ ٤٥، وهو كذلك أيضًا في مصادر التخريج، وينظر الفتح ١٢/ ١٩٢.\n(^٣) في م: \"ومن\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٣٦٣ - ومن طريقه ابن حزم في المحلى ١٢/ ٣٥٨ - عن وكيع به. وسقط من المصنَّف ذكر خصيف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) في ص، ت ١: \"نفسه كما\"، وفى س: \"نفسًا كما\".\n(^٦) في م، ت ٢، ت ٣: \"طلبها\".\n(^٧) ينظر تفسير البغوي ٣/ ٤٦.","vol":"8","page":350},{"text":"شريكٍ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. [قال: أَوْبَقَ نفسَه حتى كأنما قتل الناسَ جميعًا] (^١)، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾: لم يقتُلْها، وقد سلِم من الناسِ جميعًا لم يقتُلْ أحدًا.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن الأَوْزَاعيِّ، قال: أخبرنا عَبْدةُ بنُ أبي لُبابةَ، قال: سألتُ مجاهدًا - أو سمِعتُه يُسْأَلُ - عن قوله: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: لو قتَل الناسَ جميعًا كان جزاؤُه جهنَّم خالدًا فيها، وغضب الله عليه ولعَنه وأعدَّ له عذابًا عظيمًا.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن ابن جريجٍ قراءةً، على (^٢) الأعْرَجِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: الذي يَقْتُلُ النفسَ المؤمنةَ متعمِّدًا، جعَل اللَّهُ جزاءه (^٣) جهنَّمَ، [وغضب الله عليه] (^٤) ولعَنه وأعدَّ له عذابًا عظيمًا. يقولُ: لو قتَل الناسَ جميعًا لم يَزِدْ على مثل ذلك مِن العذاب. قال ابن جريجٍ، قال مجاهدٌ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من لم يقتُلْ أحدًا فقد استراح (^٥) الناسُ منه (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م: \"عن\".\n(^٣) في ت ١: \"عذابه\".\n(^٤) في ت ١: \"وغضب عليه\".\n(^٥) في تفسير ابن كثير: \"حيى\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٨٧ عن ابن جريج به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر دون آخره.","vol":"8","page":351},{"text":"حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، قال: أَوْبَق نفسَه (^١).\nحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: في الإثم.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]. قال: يصيرُ إلى جهنمَ بقتلِ المؤمنِ، كما أنه لو قتل الناس جميعًا لصار إلى جهنمَ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: هو كما قال. وقال: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾: فإحياؤُها لا يَقْتُلُ نفسًا حرَّمها الله، فذلك الذي أحيا الناسَ جميعًا. يعنى أنه مَنْ حَرَّم قَتْلَها إلا بحقّ حَيِى الناسُ منه جميعًا (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن العلاءِ بن عبد الكريمِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. قال: ومَنْ حَرَّمها فلم يَقْتُلُها.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن العلاءِ، قال: سمِعت مجاهدًا يقولُ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من كفَّ عن قتلها فقد\n_________\n(^١) في م، ت ٢، س: \"نفسا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في التغليق ٤/ ٢٠١ - من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"8","page":352},{"text":"أحياها (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: هي كالتي في \"النساءِ\": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. في جزائِه (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾: كالتي في سورة \"النساء\": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾. في جزائِه، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾: ولم يقتُلْ أحدًا فقد حَيِيَ الناسُ منه (^٢).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: الْتَفَت إلى جلسائِه، فقال: هو هذا وهذا.\nوقال آخرون: معنى ذلك: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾؛ لأنه يجبُ عليه من القِصاصِ به والقَوَدِ بقتلِه، مثلُ الذي يجبُ عليه مِن القَوَدِ والقصاصِ لو قتَل الناسَ جميعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2579>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٣٦٣ - ومن طريقه ابن حزم في المحلى ١٢/ ٣٥٨ - عن وكيع به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٢٨ - تفسير) من طريق العلاء به.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣١٩.","vol":"8","page":353},{"text":"الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: يجبُ عليه من القتل مثلُ لو أنه قتَل الناسَ جميعًا. قال: كان أبي يقولُ ذلك.\nوقال آخرون: معنى قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾: من عفا عمَّن وجب له القِصاصُ منه فلم يقتُلْه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2580>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. يقولُ: من أحياها أعطاه الله جلَّ وعزَّ من الأجر مثل ما (^١) لو أنه أحيا الناسَ جميعًا، إذا (^١) أحياها فلم يَقْتُلْها وعفا عنها. قال: وذلك وليُّ القتيل، والقتيلُ نفسُه يعفو عنه قبلَ أن يموتَ. قال: كان أبي يقولُ ذلك (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن يونسَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: مَنْ عفا.\nحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن يونسَ، عن الحسنِ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من قُتِل حميمٌ له فعفا عن دمِه (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمَانٍ، عن سفيانَ، عن يونسَ، عن الحسنِ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: العفوُ بعدَ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٨٧ عن المصنف نحوه.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"8","page":354},{"text":"القدرةِ (^١).\nوقال آخرون: معنى قولِه: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾: ومن أنجاها من غَرَقٍ أو حَرَقٍ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2581>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من أنجاها من غرقٍ أو حرَقٍ أو هَلَكةٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، وحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: مِن غرقٍ أو حَرَقٍ أو هَدَمٍ (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. قال: أنجاها.\nوقال الضحَّاكُ بما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن أبي عامرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾. قال: مَن تَوَرَّع أو لم يَتَوَرَّع.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثني عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال:\n_________\n(^١) ينظر تفسير القرطبي ٦/ ١٤٧.\n(^٢) الحَرَق: النار أو لَهَبُها. التاج (ح ر ق).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) الهَدَم: ما تهدم من جوانب البئر فسقط فيها، وشهيد الهدم: الذي يقع في بئر أو يسقط عليه جدار. ينظر التاج (هـ د م).\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٣٦٣ - ومن طريقه ابن حزم في المحلى ١٢/ ٣٥٨ - عن وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"8","page":355},{"text":"سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. يقولُ: لو لم يَقْتُله لكان قد أحيا الناسَ فلم يَسْتَحلَّ محرَّمًا.\nوقال قتادةُ والحسنُ في ذلك بما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن يونسَ، عن الحسنِ: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: عَظَّم ذلك (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ الآية: مَن قَتَلَها على غير نفسٍ ولا فسادٍ أَفْسَدَتْه، ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. عَظَم واللَّهِ أَجرَها، وعَظَّم وزرَها، فَأَحْيِها يا بنَ آدمَ بمالِك، وأَحْيِها بعفوِك إن استطعتَ، ولا قوةَ إلا باللَّهِ، وإنا لا نَعْلَمُه يحلُّ دمُ رجلٍ مسلمٍ من أهلِ هذه القبلةِ إلا بإحدى ثلاثٍ؛ رجلٌ كفَر بعد إسلامِه فعليه القتلُ، أو زنَى بعد إحصانِه فعليه الرجمُ، أو قتَل متعمِّدًا فعليه القَوَدُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، قال: تلا قتادةُ: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ - ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: عظم واللهِ أجرَها، وعظَّم واللَّهِ وزرَها (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن سَلامِ بن مِسْكينٍ، قال: ثني سليمانُ بنُ عليٍّ الرَّبَعيُّ، قال: قلتُ للحسن: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ الآية: أهى لنا\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٨٧، والفتح ١٢/ ١٩٢.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٨.","vol":"8","page":356},{"text":"يا أبا سعيدٍ كما كانت لبنى إسرائيل؟ فقال: إى والذي لا إلهَ غيرُه، كما كانت لبني إسرائيلَ، وما جعَل دماءَ بني إسرائيلَ أكْرَمَ على اللهِ مِنْ دمائِنا (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سعيدِ بن زيدٍ، قال: سَمِعتُ خالدًا أبا الفضلِ، قال: سَمِعتُ الحسنَ تلا هذه الآية: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾. إلى قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. ثم قال: عظَّم واللهِ في الوزرِ كما تَسْمَعون، ورغَّب واللهِ في الأجر كما تَسْمَعون، إذا (^٢) ظننتَ يا بنَ آدم أنك لو قَتَلْتَ الناسَ جميعًا، فإن لك من عملِك ما تفوزُ به من النارِ، كَذَبَتْك والله نفسُك، وكذَبك الشيطانُ (^٣).\nحدَّثنا هنَّادُ، قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن عاصمٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: وزرًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، قال: أجرًا (^٤).\nوأولى هذه الأقوال عندى بالصوابِ قولُ من قال: تأويلُ ذلك أنه مَن قتَل نفسًا مؤمنةً بغير نفسٍ قَتَلَتْها، فاسْتَحَقَّتِ القوَدَ بها والقتلَ قِصاصًا، أو بغيرِ فسادٍ في الأرض بحربِ اللهِ ورسولِه وحربِ المؤمنين فيها، فكأنما قتَل الناسَ جميعًا فيما اسْتَوْجَبَ مِن عظيم العقوبةِ مِن الله جلَّ ثناؤُه، كما أَوْعَدَه ذلك مِن فِعْلِه رَبُّه بقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٣٥٩، ٣٦٠ من طريق سلام به مختصرا. وينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٨٧.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إذ\".\n(^٣) ينظر التبيان ٣/ ٥٠١.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"8","page":357},{"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].\nوأما قولُه: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. فأولى التأويلاتِ به قولُ مَن قال: مَن حرَّم قَتْلَ مَن حرَّم اللهُ عزَّ ذكرُه قتلَه على نفسِه، فلم يَتَقَدَّم على قتلِه، فقد حَيِىَ الناسُ منه بسلامتِهم منه، وذلك إحياؤه إيَّاها. وذلك نظيرُ خبرِ الله عزَّ ذكرُه عمَّن حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه إذ قال له إبراهيمُ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. فكان معنى الكافر (^١) في قيله: ﴿أَنَا أُحْيِي (^٢)﴾: أنا أتركُ مَنْ قَدَرتُ على قتله. وفي قوله: ﴿وَأُمِيتُ﴾: قَتْلُه مَن قَتَلَه. فكذلك معنى الإحياء في قولِه: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾: مَن سلِم الناسُ مِن قَتْلِهِ إيَّاهم، إلا فيما أذن اللهُ جَلَّ وعَزَّ له في قتلِه منهم، ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.\nوإنما قلنا: ذلك أولى التأويلاتِ بتأويل الآية؛ لأنه لا نَفْسَ يقومُ قتلُها في عاجلِ الضُّرِّ مَقامَ قتل جميعِ النفوسِ، ولا إحياؤُها مقامَ إحياءِ جميعِ النفوس في عاجلِ النفعِ. فكان معلومًا بذلك أن معنى الإحياءِ سَلامةُ جميعِ النفوس منه (^٢)؛ لأنه مَن لم يَتَقَدَّمْ على نفسٍ واحدةٍ فقد سلِم منه (^٣) جميعُ النفوسِ، وأنَّ الواحدةَ منها التي يقومُ قتلُها مقامَ جميعها إنما هو في الوزْر؛ لأنه لا نفسَ مِن نُفوس بنى آدمَ يَقومُ فَقْدُها مَقامَ فقد جميعِها، وإن كان فقدُ بعضِها أعمَّ ضررًا مِن فقدِ بعضٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2582>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ت ١: \"الكلام\"، وفى س: \"انكار\".\n(^٢) بعده في النسخ: \"وأميت\". والصواب حذفها من هذا الموضع.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"منها\".","vol":"8","page":358},{"text":"وهذا قَسَمٌ من الله جلَّ ثناؤُه، أقسم به أن رسلَه صلواتُ اللهِ عليهم قد أتَت بنى إسرائيلَ الذين قصَّ الله قَصصَهم، وذكَر نبأَهم في الآيات التي تقدَّمَت مِن قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: ١١]. إلى هذا الموضع - ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ يعني: بالآياتِ الواضحةِ، والحُججِ البينةِ على حقيقة (^١) ما أُرسِلوا به إليهم، وصحةِ ما دعَوْهم إليهِ من الإيمانِ بهم، وأداءِ فرائضِ اللَّهِ عليهم. يقولُ اللَّه عزَّ ذِكرُه: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾. يعنى أن كثيرًا من بني إسرائيلَ.\nوالهاءُ والميمُ في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾. مِن ذِكْرِ بنِى إسرائيلَ. وكذلك ذلك في قولِه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ﴾.\n﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾. يعني: بعدَ مَجيء رسلِ الله بالبيناتِ ﴿فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾. يعنى أنهم في الأرض لعامِلون بمعاصِي الله، ومُخالفون أَمْرَ اللَّهِ ونَهْتِه، ومُحادُّو الله ورسلِه، باتِّباعهم أهواءَهم، وخلافِهم على أنبيائِهم، وذلك كان إسرافَهم في الأرض.\n\n<span id=\"aya-702\"></span><span data-type='title' id=toc-2583>القولُ في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾.</span>\nوهذا بَيانٌ مِن اللَّهِ عزَّ ذِكْرُه عن حكمِ الفسادِ في الأرضِ الذي ذكَره في قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾. أَعْلَمَ عِبادَه ما الذي يَسْتَحِقُّ المُفسدُ في الأرضِ مِن العُقوبةِ والنَّكَالِ، فقال ﵎: لا جزاءَ له في الدنيا إلا القتلُ والصَّلْبُ، وقطعُ اليد والرِّجلِ مِن خِلافٍ، أو النَّفْى من الأرض؛ خِزيًا لهم، وأما في الآخرة إن لم يَتُبْ في\n_________\n(^١) في م: \"حقية\".","vol":"8","page":359},{"text":"الدنيا، فعَذابٌ عظيمٌ.\nثم اختَلَف أهلُ التأويلِ في من نَزَلَتْ هذه الآيةُ؛ فقالَ بعضُهم: نَزَلَتْ في قومٍ من أهل الكِتابِ، كانوا أهلَ مُوادَعةٍ لرسول الله ﷺ، فنَقَضوا العهدَ وأفْسَدوا في الأرض، فعرَّف الله نبيَّه ﷺ الحكمَ فيهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2584>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى مُعاوِيةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. قال: كان قومٌ مِن أهلِ الكتابِ بينَهم وبينَ النبيِّ ﷺ عهدٌ وميثاقٌ، فنَقَضُوا العهدَ، وأفسَدوا في الأرضِ، فخيَّر الله رسولَه؛ إِن شاءَ أَن يَقْتُلَ (^١)، وإِن شاءَ أن يُقَطِّعَ (^٢) أيديَهم وأرجلَهم مِن خِلافٍ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرَنا هُشَيمٌ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ، قال: كان قومٌ بينَهم وبيَن رسول الله ﷺ ميثاقٌ، فنقَضوا العهدَ، وقطَعُوا السَّبيلَ، وأفسَدوا في الأرض، فخيَّر الله جلَّ وعزَّ نبيَّه ﷺ فيهم؛ فإن شاء قتَل، وإن شاء صلَب، وإن شاءَ قطَّع أيديَهم وأرجلَهم مِن خِلافٍ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سَمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنى عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْت الضَّحاكَ يقولُ. فذكَر نحوَه.\nوقال آخرون: نَزَلتُ في قومٍ مِن المُشركين.\n_________\n(^١) في س: \"يقتلوا\".\n(^٢) في س: \"نقطع\".\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٣٠٣٢) من طريق عبد الله بن صالح به مطولًا.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٩ إلى المصنف وعبد بن حميد. وستأتى بقيته في ص ٣٨٥، ٣٩٢.","vol":"8","page":360},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2585>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ (^١)، عن عِكرمةَ والحسنِ البَصريِّ، قالا: قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. إلى ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. نَزَلتْ هذه الآيةُ في المشركين، فمَن تاب منهم مِن قبلِ أن تَقْدِروا عليه، لم يَكُنْ عليه سبيلٌ، وليست تُحرِزُ هذه الآيةُ الرَّجلَ المُسلمَ مِن الحَدِّ إن قتَل، أو أفسَد في الأرض، أو حارَب الله ورسوله (^٢)، ثم لحِق بالكفارِ قبلَ أن يُقْدَرَ عليه، لم يَمْنَعْه ذلك أن يُقَامَ فيه الحدُّ الذي أصاب (^٣).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن أَشْعَثَ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال: نَزَلَتْ في أَهلِ الشِّركِ.\nوقال آخرون: بل نزَلَت في قومٍ مِن عُرَيْنَةَ وعُكُلٍ ارْتَدُّوا عن الإسلامِ، وحارَبوا الله ورسولَه.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أَبي عَرُوبةَ، عن قَتادَةً، عن أنسٍ، أن رَهطًا من عُكْلٍ وعُرَينة أتَوُا النبيَّ ﷺ، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ إِنا أهلُ ضَرْعٍ، ولم نَكنْ أهلَ رِيفٍ (^٤)، وإنا اسْتَوْخَمْنا (^٥) المدينةَ. فَأَمَرَ لهم النبيُّ ﷺ بذَوْدٍ (^٦) ورَاعٍ، وأمَرهم أن يَخرُجُوا فيها فيشرَبُوا من أَلْبانِها وأَبْوالِها. فقَتَلُوا رَاعِيَ\n_________\n(^١) في م: \"زيد\".\n(^٢) في ص، ت ٢، س: \"رسله\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٨٨ عن المصنف. وأخرجه أبو داود (٤٣٧٢)، والنسائي (٤٠٥٧) من طريق على بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، نحوه.\n(^٤) أي إنا من أهل البادية لا من أهل المدن. النهاية ٢/ ٢٩٠.\n(^٥) أي استثقلوها ولم يوافق هواؤها أبدانهم. النهاية ٥/ ١٦٤.\n(^٦) الذود من الإبل: ما بين الثنتين إلى التسع. وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر. ينظر النهاية ٢/ ١٧١.","vol":"8","page":361},{"text":"رسول الله ﷺ، واستاقُوا الذَّوْدَ، وكَفَروا بعد إسلامِهم، فأُتِىَ بهم النبيُّ ﷺ، فقَطَّعَ أيديَهم وأرجلَهم، وسمَل (^١) أعينَهم، وترَكهم في الحَرَّةِ (^٢) حتى ماتُوا. فذُكِرَ لنا أن هذه الآيةَ نزلَت فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثَنَا رَوْحٌ، قال: ثنا هِشَامُ بنُ أَبي عبدِ اللَّهِ، عَن قَتَادَةَ، عن أنسٍ بن مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِ هذه القِصةِ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عَليِّ بن الحسنِ بن شَقِيقٍ، قال: سمِعتُ أبي يقولُ: أَخبَرنا أبو حَمْزَةَ، عن عبد الكريمِ، وسُئِلَ عن أبوالِ الإبلِ، فقال: حدَّثني سعيدُ بنُ جُبَيرٍ عن المُحاربين، فقال: كان ناسٌ أَتَوُا النبيَّ ﷺ فقالوا: نُبَايِعُك على الإسلام. فبايَعوه، وهم كَذَبَةٌ، وليسَ الإسلامَ (^٥) يُريدون. ثم قالوا: إنا نَجتَوِى (^٦) المدينة. فقال النبيُّ ﷺ: \"هَذِهِ اللِّقاحُ (^٧) تَغْدُو عليكم وتَرُوحُ، فاشْرَبُوا مِن أبْوالِهَا وأَلْبانِها\". قال: فبَيْنا وهم كذلك إذ جَاء الصَّرِيخُ (^٨)، فصرَخ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: قتَلوا الرَّاعِيَ،\n_________\n(^١) أي فَقَأَها بحَدِيدةٍ مُحْمَاةٍ أو غيرها. وقيل: هو فقؤها بالشوك. النهاية ٢/ ٤٠٣.\n(^٢) الحرة: هي أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة. فتح البارى ١/ ٣٤٠.\n(^٣) أخرجه أحمد ٢٠/ ١٥١، ٢١/ ١١٦ (١٢٧٣٧، ١٣٤٤٣)، والبخارى (٤١٩٢، ٥٧٢٧)، ومسلم (١٦٧١/ ١٣)، والنسائى (٣٠٤)، وأبو يعلى (٣١٧٠)، وابن خزيمة (١١٥)، وأبو عوانة (٦٠٩٢، ٦٠٩٣)، وابن حبان (٤٤٧٢)، والواحدى في أسباب النزول ص ١١٤ من طريق سعيد به.\n(^٤) أخرجه الطيالسي (٢١١٤)، وأحمد ٢٠/ ٢٠٥ (١٢٨١٩)، وأبو داود (٤٣٦٨)، والبيهقى ٩/ ٦٩ من طريق هشام به، وزاد أبو داود والبيهقي: ثم نهى عن المثلة، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٨٥٣٨)، وأحمد ٢٠/ ١٠٣، ٢١/ ٤٤٨، ٤٥٠، ٤٦٢ (١٢٦٦٨، ١٤٠٦١، ١٤٠٦٢، ١٤٠٨٦)، والبخاري (١٥٠١)، وأبو داود (٤٣٦٧)، والترمذى (٧٢، ١٨٤٥، ٢٠٤٢)، والنسائى (٤٠٤٤، ٤٠٤٥)، وأبو يعلى (٣٣١١، ٣٥٠٨)، وأبو عوانة (٦٠٩٤)، والطحاوى ١/ ١٠٨، وفى المشكل (١٨١٥) من طريق قتادة به.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"للإسلام\".\n(^٦) من الجَوَى؛ وهو المرض وداء الجَوْف إذا تَطَاوَلَ، وذلك إذا لم يُوافِقهم هواؤها واستوخموها. النهاية ١/ ٣١٨.\n(^٧) اللقاح: ذوات الألبان من النُّوق. تاج العروس (ل ق ح).\n(^٨) الصريخ: الصارخ وهو المستغيث.","vol":"8","page":362},{"text":"وسَاقوا النَّعَمَ. فأمر نبيُّ اللَّهِ فَنُودِيَ في الناسِ، أن: يا خيلَ اللَّهِ ارْكَبي (^١). قال: فركِبوا لا يَنتَظِرُ فارسٌ فارسًا. قال: فركِب رسولُ اللهِ ﷺ على أَثَرِهم، فلم يَزالُوا يَطلُبُونهم حتى أدخَلوهم مَأْمَنَهم، فرجَع صحابةُ رسول الله ﷺ وقد أسَرُوا منهم، فأتوا بهم النبيَّ ﷺ، فأنزَل الله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. قال: فكان نَفْيُهم أن نَفَوْهم حتى أدخَلوهم مَأمَنَهم وأرضَهم، ونَفَوْهم من أرضِ المسلمين، وقتَل نبيُّ الله منهم، وصلَب، وقطَّع، وسمَل الأعينَ. قال: فما مثَّل رسولُ الله ﷺ قبلُ ولا بعدُ. قال: ونهَى عن المُثلَة، وقال: \"لا تُمثِّلوا بشَيْءٍ\". قال: فكان أنسُ بنُ مالكٍ يقولُ ذلك، غيرَ أنه قال: أَحْرَقَهم بالنارِ بعدَما قَتَلَهم. قال: و(^٢) بَعْضُهم يقولُ: هم ناسٌ مِن بنِي سُلَيمٍ، ومنهم مِن عُرَيْنَةَ (^٣) ناسٌ مِن بَجيلَةَ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ خَلَفٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ حَمَّادٍ (^٥)، عن عمرِو بن هاشمٍ، عن موسَى بن عُبَيدةَ (^٦)، عن محمدٍ بن إبراهيمَ، عن جَرِيرٍ، قال: قدم على النبيِّ ﷺ قومٌ مِن عُرَيْنَةَ حُفاةً مَضْرُورِينَ (^٧)، فأمَر بهم رسول الله ﷺ،\n_________\n(^١) قال في النهاية ٢/ ٩٤: هذا على حذف المضاف، أراد: يا فرسان خيل الله اركبى. وهذا من أحسن المجازات وألطفها.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) بعده في م، ت ١، ت ٢، س: \"و\". والصواب بدونها، وهو الموافق لما في تفسير ابن كثير وكنز العمال، وينظر جمهرة أنساب العرب ص ٣٨٧، ٤٧٤، وما سيأتي في ص ٣٦٦.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٩٢، والمتقى الهندى في كنز العمال (٤٣٦٣) عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٨٥٤٠)، وأبو عبيد في ناسخه ص ١٩٠ من طريق ابن جريج عن عبد الكريم به مختصرا.\n(^٥) في م: \"هناد\". وينظر تهذيب الكمال ٦/ ١٢٩.\n(^٦) في النسخ: \"عبيد\". وتقدم في ٢/ ٤٨١.\n(^٧) والمَضْرور والضرير: المريض المهزول، وكلُّ ما خالطه ضرٌّ. ينظر تاج العروس (ض ر ر).","vol":"8","page":363},{"text":"فلمَّا صَحُوا واشْتَدُّوا، قتَلوا رِعاءَ اللِّقاحِ، ثم خرَجوا باللِّقاحِ عَامِدِين بها إلى أرضِ قومِهم. قال جريرٌ: فبَعَثَنى رسول الله ﷺ في نفرٍ مِن المسلمين حتى أدْرَكْناهم بعدَما أشرَفوا على بلادِ قومِهم، فقَدِمْنا بهم على رسول الله ﷺ، فقطَّع أيديَهم وأرْجُلَهُم مِن خِلافٍ، وسمَل أعينَهم، وجعَلوا يقولون: الماءَ. ورسولُ الله ﷺ يقولُ: \"النارَ\". حتى هَلَكوا قال: وكَرِهِ اللَّهُ سَمْلَ الأَعْيُنِ، فأنزَل الله هذه الآيةَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. إلى آخرِ الآية (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني ابن لهِيعَةَ، عن أبي الأسودِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن عروةَ بن الزُّبيرِ، وحدَّثني يُونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبَرني يحيى بنُ عبدِ اللهِ بن سالمٍ وسعيدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ وابنُ سَمْعانَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، قال: أَغارَ نَاسٌ مِن عُرَيْنَةَ على لِقاح رسولِ الله ﷺ فاستاقُوها، وقتَلوا غُلامًا له فيها، فبعَث في آثارِهم فأُخِذوا، فقطَّعَ أيديَهم وأرْجُلَهم، وسمَل أعينَهم (^٢).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٩١ عن المصنف، وأخرجه ابن شاهين في الجزء الخامس من الأفراد (٢٤) من طريق موسى به دون قوله: وكره الله سمل الأعين، فأنزل الله هذه الآية. وأخرجه الطبراني في الكبير (٢٥٠٩) من طريق موسى به مختصرًا جدًّا دون ذكر القصة. وقال ابن كثير ٣/ ٩١: هذا حديث غريب، وفي إسناده الربذى، وهو ضعيف … وأما قوله: فكره الله سمل الأعين، فأنزل الله هذه الآية. فإنه منكر، وقد تقدم في صحيح مسلم أنهم سملوا أعين الرعاء، فكان ما فعل بهم قصاصا، والله أعلم.\nوجرير، ﵁ أسلم سنة عشر، وقصة العرنيين كانت سنة ست، وكان أمير السرية كرز بن جابر. ينظر البداية والنهاية ٦/ ٢٤٣.\n(^٢) أخرجه النسائي (٤٠٥١) من طريق ابن وهب به، ولم يسم ابن سمعان، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٨٥٣٩) مختصرا، والنسائى (٤٠٥٠) من طريق هشام به. وأخرجه ابن ماجه (٢٥٧٩)، والنسائي =","vol":"8","page":364},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحَارِثِ، عن سعيدِ بن أبي هلالٍ، عن أبي الزِّنادِ، عن عبدِ اللَّهِ بن عبيد (^١) الله، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ، أو عمرٍو - شكَّ يونسُ - عن رسول الله ﷺ بذلك، ونَزَلَتْ فيهم آيةُ المُحارَبة (^٢).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن أبي قلابةَ، عن أنسٍ، قال: قَدِم ثمانيةُ نَفَرٍ مِن عُكْلٍ على رسولِ اللَّهِ ﷺ فأَسلَموا، ثم اجْتَوَوا المدينةَ، فأمَرهم رسولُ اللهِ ﷺ أَن يَأْتُوا إِبلَ الصَّدقة فيشرَبوا من أبوالِها وألبانِها، ففعَلوا، فقتَلوا رُعاتَها، واسْتاقوا الإبلَ، فأرسل رسولُ الله ﷺ في أثَرهم قافةً (^٣)، فأتِىَ بهم، فقطَّعَ أيديَهم وأرْجُلَهم، وترَكهم فلم يَحْسِمُهم (^٤)\n_________\n= (٤٠٤٨، ٤٠٤٩)، من طريق هشام عن أبيه عن عائشة.\n(^١) في النسخ: \"عبد\". وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٢٥٤، وما سيأتي في التخريج.\n(^٢) أخرجه أبو عوانة (٦١٠٧) عن يونس به وعنده: عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وأخرجه أبو داود (٤٣٦٩)، والنسائي (٤٠٥٢) عن أحمد بن صالح وأحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب به، عن ابن عمر بغير شكّ. وقال أحمد بن صالح: عبد الله بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب. وأخرجه الطبراني في الكبير (١٣٢٤٧) عن أحمد بن رشدين، عن أحمد بن صالح به. ووضعه في ترجمة عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وقال: يقال: هذا عبيد الله بن عبد الله بن عمر، ويقال: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. والله أعلم. وأورده المزى في التهذيب، وفيه: عبد الله بن عبيد الله، وقال: هكذا قال الطبراني، وذلك وهم منه أو من شيخه، فإن أبا داود رواه عن أحمد بن صالح على الصواب. وأخرجه أبو داود (٤٣٧٠)، والنسائى (٤٠٥٣) عن ابن السرح، عن ابن وهب، عن الليث، عن ابن عجلان، عن أبي الزناد، مرسلًا. وينظر التحفة ٥/ ٤٧٢.\n(^٣) القافة: جمع قائف، وهو الذي يتتبع الآثار ويعرفها، ويعرف شَبَه الرجل بأخيه وأبيه. ينظر النهاية ٤/ ١٢١.\n(^٤) يحسمهم: يقطع الدم عنهم بالكى. ينظر النهاية ١/ ٣٨٦.","vol":"8","page":365},{"text":"حتى ماتوا (^١).\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا الوَلِيدُ، قال: ثني سعيدٌ، عن قتادة، عن أنسٍ، قال: كانوا أربعةً نَفَرٍ مِن عُرَيْنَةَ، وثلاثةٌ مِن عُكْلٍ، فلمَّا أُتى بهم قطَّع أيديهم وأرجلهم، وسمَل أعينهم، ولم يَحْسِمُهم، وتركهم يَتَلَقَّمون (^٢) الحجارة بالحَرَّةِ، فأنزل الله جلَّ وعزَّ في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (^٣).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا الوليد، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يَسْأَله عن هذه الآية، فكتب إليه أنسٌ يُخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العُرْنيِّين، وهم من بَحِيلَةَ. قال أَنَسٌ: فارْتَدُّوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واشتاقوا الإبل، وأخافوا السَّبيل، وأصابوا الفرج الحرام (^٤).\nحدَّثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمَّادٍ، قال: ثنا أَسْباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. قال: أُنزِلَتْ في سُودَانِ عُرَيْنَةً. قال: أَتُوا رسول الله ﷺ وبهم الماء الأصفرُ (^٥)، فشكوا ذلك إليه، فأمَرهم فخرجوا إلى إبلِ رسولِ الله ﷺ من الصدقة، فقال: \"اشْرَبُوا مِن ألْبانِها وأبوالها\". فشرِبوا من ألبانها وأبوالها، حتى إذا صَحُّوا وبَرَءُوا،\n_________\n(^١) أخرجه أبو عوانة (٦٠٩٩) عن علي بن سهل به، وأخرجه البخارى (٦٨٠٢، ٦٨٠٣)، وأبو داود (٤٠٣٧)، والنسائي (٤٣٦٦) من طريق الوليد به نحوه، وأخرجه أبو عوانة (٦١٠٠) من طريق الأوزاعي به، وأخرجه البخارى (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١)، وأبو عوانة (٦١٠٦، ٦١١٢، ٦١١٥، ٦١١٦، ٦١١٨، ٦١١٩، ٦١٢٠) من طريق أبي قلابة به.\n(^٢) يتلقمون الحجارة: يعضون عليها من التلقم بمعنى الأكل، فكأنهم يعضون الأرض ليجدوا بردها مما يجدون من الحر والشدة. ينظر النهاية ٤/ ٢٦٦، والفتح ١/ ٣٤٠.\n(^٣) أخرجه أبو عوانة (٦٠٩٨) عن علي بن سهل به.\n(^٤) سيأتي تخريجه في ص ٣٨٣.\n(^٥) الماء الأصفر: هو داء يُصيب البطن حين يجتمع فيها، وهو السِّقْى، ويسمى \"الصُّفَار\" أيضًا. ينظر تاج العروس (ص ف ر).","vol":"8","page":366},{"text":"قتلوا الرُّعاةَ واسْتاقوا الإبلَ (^١).\nوأولى الأقوال في ذلك عِندِى أن يُقالَ: أَنزَلَ اللهُ هذه الآيةَ على نبيِّه ﷺ [مُعَرِّفَهُ (^٢) حُكْمَه على من حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا، [بعد الذي] (^٣) كان من فِعْلِ رسول الله ﷺ] (^٤) بالعُرَنيِّين ما فَعَل.\nوإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك؛ لأن القصص التي قصَّها الله جلَّ وعزَّ قبل هذه الآية وبعدها، من قصص بني إسرائيل وأنبائهم، فأنْ يكونَ ذلك مُتَوَسطًا مِنْ تَعَرُّفِ الحكم فيهم وفي نُظَرائهم، أَوْلَى وأحقُّ.\nوقلنا: كان نُزُولُ ذلك بعد الذي كان من فعل رسول الله ﷺ بالعُرنيِّين ما فعل؛ لتظاهرِ الأخبار عن أصحاب رسول الله ﷺ بذلك. وإذ كان ذلك أَوْلَى بالآية لِمَا وَصَفْنا، فتأويلُها: من أجل ذلك كَتَبْنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغيرِ نفسٍ، أو سعَى بفسادٍ في الأرضِ، فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾. يقولُ: لساعون في الأرض بالفساد، وقاتلُو النفوس بغير نفسٍ وغيرِ سَعْيٍ في الأرضِ بالفسادِ، حربًا للهِ ولرسوله. فمَن فعَلَ ذلك منهم يا مُحمَّدُ، فإنما جزاؤه أن يُقتَّلوا، أو يُصَلَّبوا، أو تُقَطَّعَ أيديهم وأرجلُهم من خِلافٍ، أَو يُنْفَوْا مِن الأَرضِ.\nفإن قال لنا قائلٌ: وكيف يجوزُ أن تكونَ الآيةُ نَزَلَتْ في الحال التي ذكرتَ مِن حالِ نَقْضِ كافرٍ من بنى إسرائيل عهده، ومن قولك: إن حكم هذه الآية حكمٌ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٨ إلى المصنف.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"معرفة\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"عند بعض\".\n(^٤) سقط من: س.","vol":"8","page":367},{"text":"من الله في أهل الإسلام دونَ أهل الحرب من المشركين؟\nقيل: جاز أن يكون ذلك كذلك؛ لأن حُكم من حارب الله ورسولَه، وسعى في الأرض فسادًا من أهل ذمَّتِنا وملَّتِنا، واحدٌ، والذين عُنُوا بالآية كانوا أهلَ عَهْدِ وذمَّةٍ، وإن كان داخلًا في حكمها كلُّ ذمِّيٍّ وملِّيٍّ، وليسَ يَبْطُلُ بدُخُول من دخل في حكم الآية من الناس أن يكون صحيحًا نُزُولُها فِي مَن نَزَلَتْ فيه.\nوقد اخْتَلَف أهل العلم في نَسْخِ حكم النبيِّ ﷺ في العُرَنيِّين؛ فقال بعضُهم: ذلك حكمٌ منسوخٌ، نَسَخَه نَهْيُه عن المثلة بهذه الآية. أعنى بقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية. وقالوا: أُنزِلَتْ هذه الآية عتابًا لرسول الله ﷺ فيما فعل بالعُرَنيِّين.\nوقال بعضُهم: بل فِعْلُ النبيِّ ﷺ بالعُرنيِّين حُكمٌ ثابتٌ في نُظَرائهم أبدًا، لم يُنْسَخُ ولم يُبَدَّلْ. وقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. حُكمٌ من الله في من حارب وسعَى في الأرض فسادًا بالحرابة. قالوا: والعُرنيُّون ارتَدُّوا وقتلوا وسرقوا، وحاربوا الله ورسولَه، فحكمُهم غيرُ حكم المحارب الساعي في الأرضِ بالفسادِ مِن أهل الإسلام أو (^١) الذمَّةِ.\nوقال آخرون: لم يَسْمُلِ النبيُّ ﷺ أَعْيُنَ العُرَنيِّين، ولكنَّه كان أراد أن يَسْمُلَ، فأنزل الله جلَّ وعزَّ هذه الآية على نبيِّه يُعرِّفه الحكم فيهم، ونهاه عن سَمْلِ أعينِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2586>ذِكْرُ القائلين ما وَصَفْنا</span>\nحدَّثني عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا الوليد بن مسلمٍ، قال: ذاكَرْتُ الليث بن سعدٍ\n_________\n(^١) في م: \"و\".","vol":"8","page":368},{"text":"ما كان مِن سَمْل رسول الله ﷺ أعينهم، وتركه حَسْمَهم حتى ماتوا، فقال: سَمِعتُ محمد بن عجلان يقولُ: أُنزِلَتْ هذه الآيةُ على رسولِ اللهِ ﷺ مُعاتَبَةً في ذلك، وعلَّمه عقوبة مثلهم من القطعِ والقتل والنَّفْي، ولم يَسْمُل بعدهم غيرَهم. قال: وكان هذا القولُ ذُكِرَ لأبي عمرٍو، فأنكر أن تكون نَزَلتُ مُعاتَبَةً، وقال: بلى، كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم، فرُفِعَ عنهم السَّمْلُ (^١).\nحدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنى أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي، قال: فبعث رسول اللهِ ﷺ، فأُتِى بهم - يعنى العُرنيِّين - فأرَادَ أن يَسْمُلَ أعينهم، فنَهاه الله عن ذلك، وأمره أن يُقِيمَ فيهم الحُدُودَ كما أَنْزَلَها اللهُ عليه (^٢).\nواختلف أهل العلم في المُستحِقِّ اسم المحارب لله ورسوله، الذي يلزمُه حكمُ هذه؛ فقال بعضُهم: هو اللصُّ الذي يقطعُ الطَّرِيقَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2587>ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذلك</span>\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ و(^٣) عطاءٍ الخراسانيِّ في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية. قالا: هذا (^٤) اللصُّ الذي يقطعُ الطريق، فهو\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٩٣ عن المصنف.\n(^٢) تقدم أوله في ص ٣٦٦، وقال القرطبي في تفسيره ٦/ ١٥٠: هذا ضعيف جدا؛ فإن الأخبار الثابتة وردت بالسمل.\n(^٣) في م: \"عن\".\n(^٤) بعده في م: \"هو\".","vol":"8","page":369},{"text":"مُحاربٌ (^١).\nوقال آخرون: هو اللصُّ المجاهِرُ بلُصُوصِيَّتِه، المُكابرُ (^٢) في المِصر وغيره. وممن قال ذلك الأَوْزَاعِيُّ.\nحدَّثنا بذلك العباسُ، عن أبيه (^٣)، عنه (^٤).\nو(^٥) عن مالكٍ، والليث بن سعدٍ، وابن لهيعَةَ:\nحدَّثني عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا الوليد بن مسلمٍ، قال: قلتُ لمالك بن أنسٍ: تكونُ مُحارَبةٌ في المِصْرِ؟ قال: نعم، والمحاربُ عندنا من حمل السلاح على المسلمين في مصرٍ أو خَلاءٍ، فكان ذلك منه على غير نائرةٍ (^٦) كانت بينَهم، ولا ذَحْلٍ (^٧) ولا عداوةٍ، قاطعًا للسبيل والطريق والديار، مخيفًا لهم بسلاحه، فقَتَل أحدًا منهم، قَتَلَه الإمامُ كقِتْلَةِ (^٨) المحارب، ليس لوليِّ المقتول فيه عفوٌ ولا قَوَدٌ (^٩).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، قال: وسألتُ عن ذلك الليث بن سعدٍ وابن لهيعة، قلتُ: تكونُ المحاربة في دُور المِصْرِ والمدائنِ والقُرى؟ فقال (^١٠): نعم، إذا هم\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س: \"يحارب\". وسيأتي تخريجه في ص ٣٧٦.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"المكاثر\". والمكابر: المُغالب. وكابره على حقه: جاحَدَه وغالَبَه عليه. وكُوبر على ماله، وإنه لمُكابَرٌ عليه: إذا أُخذ منه عَنْوَةً وقَهْرا. التاج (ك ب ر).\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س: \"و\".\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٩٣.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٦) النائرة: الحقد والعداوة، والكائنة تقع بين القوم. ونَأَرَتْ نائرة: هاجت هائجة. التاج (ن أ ر، ن ي ر).\n(^٧) الذحل: الثأر. اللسان (ذ ح ل).\n(^٨) في م: \"كقتله\".\n(^٩) ينظر المدونة ٦/ ٣٠١، وتفسير ابن كثير ٣/ ٩٣.\n(^١٠) في م: \"فقالا\".","vol":"8","page":370},{"text":"دخلوا عليهم بالسيوف علانِيَةً، أو ليلًا بالنيران. قلتُ (^١): فقتلوا أو أخذوا المال ولم يَقتُلُوا؟ فقال: نعم: نعم، هم المحارِبُون، فإن قتلوا قُتِلوا، وإن لم يقْتُلُوا وأخَذوا المالَ قُطِعوا من خلافٍ إذا هم خرَجوا به من الدارِ، و(^٢) ليس من حارب المسلمين في الخلاء والسبيل بأعظم (^٣) محاربة ممّن (^٤) حارَبهم في حريمِهم ودُورهم (^٥).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا الوليد، قال: قال أبو عمرٍو: وتكون المحاربة في المصْرِ، شهر على أهلِه بسلاحِه ليلًا أو نهارًا. قال عليٌّ: قال الوليد: وأخبرني مالكٌ أن قتلَ الغِيلَةِ عندَه بمنزلة المحاربة. قلتُ: وما قتل الغيلة؟ قال: هو الرجلُ يَخْدَعُ الرجلَ والصَّبِيَّ، فيُدخِلُه بيتًا أو يخلو به، فيقتلُه ويأخذُ ماله، فالإمامُ وليُّ قتل هذا، وليس لوليِّ الدمِ والجرح قودٌ ولا قصاصٌ (^٥).\nوهو قولُ الشافعيِّ، حدَّثنا بذلك عنه الربيع (^٦).\nوقال آخرون: المحارِبُ: هو قاطعُ الطريقِ؛ فأما المكابر (^٧) في الأمصار فليس بالمحارب الذي له حكمُ المحاربين. وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابُه (^٨).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّل، عن داودَ بن أبي هندٍ، قال: تَذاكَرْنا المحارب ونحن عندَ ابن هُبَيرَةَ في أُناسٍ من أهل البصرةِ، فاجْتَمَع رأيُهم أن المحارب ما كان خارجًا من المصرِ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٣) بعده في م، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٤) في م: \"من\".\n(^٥) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٩٣.\n(^٦) الأم ٦/ ١٥٢.\n(^٧) في ت ٢: \"المكاثر\".\n(^٨) ينظر المبسوط للسرخسى ٩/ ٢٠١، وبدائع الصنائع ٧/ ٩٤.","vol":"8","page":371},{"text":"وقال مجاهدٌ بما حدَّثنى القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. قال: الزِّنى، والسرقة، وقتل الناس، وإهلاكُ الحرثِ والنسل (^١).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ قال: الفسادُ: القتلُ والزِّنى والسرقة.\nوأولى هذه الأقوالِ عِندِى بالصواب قولُ مَن قال: المحاربُ للهِ ورسولِه مَن حارب في سابلَةِ المسلمين وذمَّتِهم، والمغيرُ عليهم في أمصارهم وقُراهم حرابةً.\nوإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال بالصواب؛ لأنه لا خلافَ بينَ الحُجَّةِ أَن مَن نصب حربًا للمسلمين على الظلم منه لهم، أنه لهم محاربٌ. ولا خلاف فيه. فالذى وصفنا صفته، لا شكَّ فيه أنه لهم مُناصِبٌ حربًا ظُلمًا. وإذ كان ذلك كذلك، فسواءٌ كان نَصْبُه الحرب لهم في مِصْرِهم وقُراهم، أو في سُبُلِهم وطُرُقِهم - في أنه لله ولرسوله محاربٌ، بحربِه من نهاه اللهُ ورسولُه عن حربه.\nوأمَّا قولُه: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. فإنه يعنى: ويعملون في أرضِ الله بالمعاصى؛ من إخافة سُبُل عباده المؤمنين به، أو سبلِ ذِمَّتِهم وقطع طُرُقِهم، وأخذ أموالهم ظلمًا وعدوانًا، والتَّوَثُّب على حُرمهم فجورًا وفسوقًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2588>القول في تأويل قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ما للذي حارب الله ورسولَه، وسعَى في الأرض فسادًا،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"8","page":372},{"text":"من أهل ملةِ الإسلامِ أو ذمَّتِهم، إلا بعضُ هذه الخلال التي ذكرها جلَّ ثناؤُه.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويل في هذه الخلال؛ أَتَلْزَمُ المحارب باستحقاقِه اسم المحاربة؟ أم يَلْزَمُه ما لزمه من ذلك على قدرِ جُرْمِه، مختلفًا باختلاف إجرامه؟\n\n<span data-type='title' id=toc-2589>ذكرُ مَن قال ذلك </span>(^١)\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. إلى قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: إذا حارب فقتل، فعليه القتل إذا ظُهِر عليه قبلَ توبته، وإذا حارب وأخَذ المالَ وقتل، فعليه الصَّلْبُ إن ظُهر عليه قبل توبته، وإذا حارب وأخذ ولم يَقْتُلْ، فعليه قطعُ اليد والرِّجل من خلافٍ إن ظُهر عليه قبل توبته، وإذا حارب وأخاف السبيلَ، فإنما عليه النَّفْىُ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ وأبو السَّائب، قالا: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال: إذا خرج فأخاف السبيل وأخذ المالَ، قُطِعَتْ يدُه ورجلُه مِن خِلافٍ، وإذا أخاف السبيلَ ولم يَأْخُذِ المالَ [نُفِى، وإذا قتَل قُتِل، وإذا أخاف السبيل وأخذ المالَ] (^٣) وقتل صُلِب (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيم، فيما\n_________\n(^١) يعني: ذكر من أوجب على المحارب من العقوبة على قدر استحقاقه، وجعل الحكم على المحاربين مختلفا باختلاف أفعالهم.\n(^٢) أخرجه البيهقى ٨/ ٢٨٣ من طريق محمد بن سعد به.\n(^٣) سقط من النسخ. والمثبت من مصدر التخريج، وينظر الأثر الذي بعده.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ١٤٦ عن ابن إدريس به.","vol":"8","page":373},{"text":"أَرَى، في الرَّجُلِ يَخْرُجُ محاربًا، قال: إن قطع الطريق وأخذ المالَ قُطِعَتْ يدُه ورجلُه، وإن أخذ المالَ، وقُتل، قُتِل، وإن أخذ المالَ وقتل ومَثَّل صُلِب.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن عِمران بن حُدَيْرٍ، عن أبي مِجْلَزٍ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. قال: إذا قتَل وأخذ المال وأخاف السبيل صُلِب، وإذا قتَل لم يَعْدُ ذلك، قُتِل، وإذا أخذ المال لم يعدُ ذلك، قُطع، وإذا كان يُفْسِدُ نُفِى (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحمانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سماكٍ، عن الحسن: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. إلى قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: إذا أخاف الطريق ولم يَقْتُلْ ولم يَأْخُذِ المالَ، نُفِى (^٢).\nحدَّثنا المُثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن حصينٍ، قال: كان يقالُ: مَن حارب فأخافَ السبيل وأخَذَ المالَ ولم يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يدُه ورجلُه من خلافٍ، وإذا أخذ المالَ وقتل صُلب.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ أنه كان يقول في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. إلى قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾: حدودٌ أربعةٌ أنزلها الله؛ فأما من أصاب الدَّمَ والمال جميعًا، صُلب، وأما من أصاب الدمَ وكَفَّ عن المالِ، قُتِل، ومَن أصابَ المال وكفَّ عن الدَّم، قُطع، ومَن لم يُصِبْ شيئًا مِن هذا، نُفِى (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ١٤٧، ١٤٨ عن وكيع به، باختلاف في أوله. وأخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ١٩٣ من طريق عمران به.\n(^٢) ينظر الاستذكار ٢٤/ ٢٠٥.\n(^٣) أخرجه البيهقى ٨/ ٢٨٣ من طريق سعيد به.","vol":"8","page":374},{"text":"حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: [فنَهَى اللهُ عن ذلك] (^١) نبيَّه ﵊، عن أن يَسْمُلَ أَعِينَ العُرَنيِّين الذين أغاروا على لقاحِه، وأمره أن يُقِيمَ فيهم الحدودَ كما أنْزَلها اللهُ عليه، فنَظَر إلى مَن أَخَذ المالَ ولم يَقْتُلْ، فقطع يده ورجلَه مِن خِلافٍ؛ يده اليُمنى ورجله اليُسرى، ونظر إلى مَن قتَل ولم يَأْخُذْ مالًا فقتله، ونظر إلى مَن أخَذ المالَ وقتَل، فصَلَبه. وكذلك يَنْبَغِى لكلِّ مَن أخاف طريق المسلمين وقطع أن يُصنَعَ به؛ إن أُخِذ وقد أخذ مالًا، قُطِعَتْ يدُه بِأَخْذِه المالَ، ورجلُه بإخافةِ الطريق، وإن قتل ولم يَأخُذ مالًا، قُتِل، وإن قتل وأَخَذ المالَ، صُلب (^٢).\nحدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيزِ، قال: ثنا فُضَيلُ بن مرزوقٍ، قال: سَمِعْتُ السُّدِّيِّ يسألُ عطية العَوْفِيَّ عن رجلٍ محاربٍ خرج، فأُخذ ولم يُصِبْ مالًا ولم يُهرق دمًا. قال: النَّفْىُ بالسيف، وإن أخذ مالًا، فيدُه بالمال ورجلُه بما أخاف المسلمين، وإن هو قتَل ولم يَأخُذ مالًا، قُتِل، وإن هو قتَل وأخذ المالَ، صُلب. وأكبرُ ظَنِّى أنه قال: تُقطَعُ يدُه ورجلُه (^٣).\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ وقتادة في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. قال: هذا اللِّصُّ الذي يَقْطَعُ الطريق، فهو محاربٌ، فإن قتل وأَخَذ مالًا، صُلِب، وإن قتَل ولم يَأْخُذ مالًا، [قُتِل، وإن أخذ مالًا] (^٤) ولم يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يدُه ورجلُه، وإن أُخِذ قبل أن يفعل شيئًا من ذلك، نُفِى (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"نهى الله\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣٦٧، وينظر التعليق عليه في ص ٣٦٩.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٣٦٩.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٨، وفي مصنفه (١٨٥٤٢) من قول عطاء وقتادة والكلبي. وأخرجه في المصنَّف (١٠١٧٢) عن معمر، عن عطاء والكلبى مختصرًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"8","page":375},{"text":"حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن قيس بن سعدٍ، عن سعيد بن جُبَيرٍ، قال: مَن خرج في الإسلام محاربًا للهِ ورسولِه، فقتل وأصاب مالًا، فإنه يُقْتَلُ ويُصلَبُ، ومَن قتل ولم يُصِبْ مالًا، فإنه يُقْتَلُ كما قتل، ومَن أصاب مالًا ولم يَقْتُلْ، فإنه يُقْطَعُ مِن خِلافٍ، وإن أخاف سبيلَ المسلمين نُفِيَ مِن بلده إلى غيره؛ لقولِ اللهِ جَلَّ وعَزَّ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال: كان ناسٌ يَسْعَون في الأرض فسادًا وقتلوا وقطعوا السبيلَ، فَصُلِبَ أولئك، وكان آخرون حارَبوا واسْتَحَلُّوا المالَ ولم يَعْدُوا ذلك، فقُطِعَتْ أيديهم وأرجلُهم، وآخرُون حاربوا واعْتَزلوا ولم يَعْدُوا ذلك، فأولئك أُخرجوا من الأرض.\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو أسامة، عن أبي هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ، عن مُوَرِّقٍ العِجْليِّ في المحارب، قال: إن كان خرَج فقتل وأخذ المالَ، صُلب، وإن كان قتَل ولم يَأْخُذِ المال، قُتِل، وإن كان أخذ المالَ ولم يَقْتُلْ، قُطِع، وإن كان خرج مُشاقًّا للمسلمين، نُفِى (^٢).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاوية، عن حَجَّاجٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: إذا خرج المحاربُ وأخاف الطريق وأخذ المال، قُطِعَتْ يدُه ورجلُه من خلافٍ، فإن هو خرج فقتَل وأخذ المالَ، قُطِعَتْ يدُه ورجلُه مِن خِلافٍ ثم صُلِب،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٨٥٤٣) من طريق عبد الكريم أو غيره، عن سعيد نحوه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٢٨٤، ٢٨٥ من طريق أبي هلال به نحوه.","vol":"8","page":376},{"text":"وإن خرَج فقتَل ولم يَأْخُذ المالَ، قُتِل، وإن أخاف السبيلَ ولم يَقْتُلْ ولم يأْخُذِ المالَ، نُفِى (^١).\nحدَّثنا ابن البَرْقِيِّ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: أخبرنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: ثنى أبو صَخْرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِيِّ، وعن أبِى معاويةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ في هذه الآية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. قالا: إن أخاف المسلمين فاقْتَطَع (^٢) المال ولم يَسْفِكُ، قُطِع، وإذا سفك دمًا، قُتِل وصُلِب، وإن جَمَعَهما فاقْتَطَع مالًا وسفَك دمًا، قُطِع ثم قُتِل ثم صُلِب، كأَنَّ الصَّلْبَ مُثلَةٌ، وكأنَّ القَطعَ (^٣): ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. وكأنَّ القَتْلَ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]. وإن امْتَنَع، فإن مِن الحقِّ على الإمامِ وعلى المسلمين أن يَطْلُبوه حتى يَأخُذوه فيُقِيموا عليه حُكمَ كتابِ اللَّهِ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ مِن أرضِ الإسلامِ إلى أرضِ الكفرِ.\nواعتَلَّ قائِلو هذه المقالةِ لقولِهم هذا بأن قالوا: إن الله أوْجَب على القاتلِ القَوَدَ، وعلى السارقِ القطعَ.\nوقالوا: قال النبيُّ ﷺ: \"لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئُ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلاثِ خِلالٍ، رَجُلٌ قَتَل فقُتِل، ورجلٌ زَنَى بَعْدَ إحْصَان فرُجِم، ورجلٌ كَفَر بعدَ إسلامه\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ١٩٢ عن أبي معاوية به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ١٤٧ من طريق حجاج به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٨٥٤٤) من طريق عكرمة عن ابن عباس بنحوه. وتقدم في ص ٣٧٣ عن محمد بن سعد بالإسناد المشهور.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"فقطع\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٤) أخرجه أحمد ٦/ ٥٨ (الميمنية)، وأبو داود (٤٣٥٣)، والنسائي (٤٠٥٩) من حديث عائشة. وأخرجه البخارى (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦) من حديث ابن مسعود نحوه. ينظر الطيالسي (٧٢، ٢٨٧، ١٦٤٧).","vol":"8","page":377},{"text":"قالوا: فحَظَر النبيُّ ﷺ قتلَ رجلٍ مسلمٍ إلا بإحدَى هذه الخِلالِ الثلاثِ، فأما أن يُقْتَلَ مِن أجلِ إخافتِه السبيلَ مِن غيرِ أن يَقْتُلَ أو يَأخُذ مالًا، فذلك تَقَدُّمٌ على اللهِ ورسولِه بالخلافِ عليهما في الحكمِ.\nقالوا: ومعنى قولِ مَن قال: الإمامُ فيه بالخِيارِ إذا قَتَل، وأخافُ السبيلَ، وأخَذَ المال. فهنالك خِيارُ الإمامِ في قولِهم بينَ القتلِ، أو القتلِ والصَّلْبِ، أو قطعِ اليدِ والرِّجلِ مِن خِلافٍ. وأما (^١) صلبُه (^٢) باسمِ المحاربةِ مِن غيرِ أن يفعلَ شيئًا من قتلٍ أو أخذِ مالٍ، فذلك ما لم يَقُلْه عالمٌ.\nوقال آخرون: الإمامُ فيه بالخيارِ أن يفعلَ أيَّ هذه الأشياءِ التي ذَكَرَها اللَّهُ في كتابِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2590>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا جُوَيبرٌ، عن عطاءٍ، وعن القاسمِ بنُ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في المحاربِ، أن الإمامَ مُخَيَّرٌ فيه؛ أَيَّ ذلك شاء فعل (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عُبيدةَ، عن إبراهيم (^٤): الإمامُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س: \"قائمًا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ١٤٥، ١٢/ ٢٨٥ عن هشيم، عن حجاج، عن عطاء، وعن القاسم، عن مجاهد. وأخرجه سعيد بنُ منصور في سننه (٧٣٤ - تفسير) عن هشيم عن حجاج عن عطاء ومجاهد.\nوأخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ١٩١، ١٩٢، وسعيد بنُ منصور في سننه (٧٣٣ - تفسير)، وابن أبي شيبة ١٠/ ١٤٥، ١٢/ ٢٨٥ من طريق هشيم، عن ليث بن أبي سليم، عن عطاء ومجاهد.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"في\".","vol":"8","page":378},{"text":"مُخيَّرٌ في المحاربِ، أيَّ ذلك شاء فعل؛ إن شاء قتلَ، وإن شاء قَطع، وإن شاء نَفَى، وإن شاء صلَب (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصِمٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. إلى قولِه: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: يَأْخُذُ الإمام بأيِّها (^٢) أَحَبَّ (^٣).\nحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عاصِمٍ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال: الإمامُ مُخيَّرٌ فيها (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبِي، عن سفيانَ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ مِثلَه (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن قيسِ بن سعدٍ، قال: قال عطاءٌ: يَصْنَعُ الإمامُ في ذلك ما شاء؛ إن شاء قتَل أو قطَع أو نَفَى؛ لقولِ اللَّهِ: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ فذلك إلى الإمامِ الحاكمِ يَصْنَعُ فيه ما شَاء.\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. قال: مَن شَهَر السلاحَ\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ١٩٢، وسعيد بنُ منصور في سننه (٧٣١ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٢) في م: \"بأيهما\".\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ١٩٢، وسعيد بن منصور في سننه (٧٣٠ - تفسير)، وابن أبي شيبة ١٠/ ١٤٥، ١٢/ ٢٨٥ من طريق أبي حرة، عن الحسن.\n(^٤) في س: \"فيهما\".\nوالأثر أخرجه النحاس في ناسخه ص ٣٩١ من طريق وكيع به.\n(^٥) أخرجه النحاس في ناسخه ص ٣٩١ من طريق وكيع به.","vol":"8","page":379},{"text":"في قُبَّةِ (^١) الإسلامِ، وأخاف السبيلَ، ثم ظُفِر به وقدِر عليه، فإمامُ المسلمين فيه بالخيارِ؛ إن شاء قتَله، وإن شاءَ صلَبه، وإن شاء قطَع يدَه ورِجلَه (^٢).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: أخبرنا أبو هلالٍ، قال: أخبرنا قتادةُ، عن سعيد بنُ المُسَيَّبِ أنه قال في المحارب: ذلك إلى الإمامِ، إذا أَخَذه يَصْنَعُ به ما شاء (^٣).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي هلالٍ، قال: ثنا هارونُ، عن الحسنِ في المحاربِ، قال: ذاك إلى الإمامِ يصنعُ به ما شاء.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ، عن عاصمٍ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال: ذلك إلى الإمامِ (^٤).\nواعْتَلَّ قائِلو هذه المقالةِ بأن قالوا: وَجَدْنا العُطُوفَ التي بـ \"أَوْ\" في القرآنِ بمعنى التَّخْيِيرِ في كلِّ ما أَوْجَب اللهُ به فرضًا منها، وذلك كقولِه في كفارةِ اليمينِ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. وكقولِه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وكقولِه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]. قالوا: فإذا كانت العُطوفُ التي بـ \"أَوْ\" في\n_________\n(^١) في م، ت ٢، س: \"فئة الإسلام\". والقبة من الخيام: بيت صغير مستدير، والمراد بـ\"قبة الإسلام\" ظل الإسلام ومستقر سلطانه، ولذلك سموا البصرة بهذا الاسم. ينظر اللسان (ق ب ب).\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ١٩١، والنحاس في ناسخه ص ٣٩٢ من طريق عبدِ الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ١٤٥، ١٢/ ٢٨٦ من طريق أبي هلال به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٢٨٥ عن حفص به.","vol":"8","page":380},{"text":"القرآنِ، في كلِّ ما أَوجَبَ اللهُ به فرضًا منها في سائرِ القرآنِ بمعنى التخييرِ، فكذلك ذلك في آيةِ المحاربين، الإمامُ مُخيَّرٌ فيما رَأَى الحكمَ به على المحاربِ إذا قدَر عليه قبلَ التوبةِ.\nوأوْلَى التأويلَيْنِ بالصوابِ في ذلك عندَنا تأويلُ مَنْ أَوْجَب على المحاربِ مِن العقوبةِ على قَدْرِ استحقاقِه، وجعَل الحكمَ على المحاربين مختلفًا باختلافِ أفعالِهم؛ فأَوْجَب على مُخِيفِ السبيلِ منهم إذا قُدِر عليه قبلَ التوبةِ وقبلَ أَخْذِ مالٍ أو قَتْلَ النَّفْيَ مِن الأرضِ، وإذا قُدرِ عليه بعدَ أخذِ المالِ وقتلِ النفسِ المحرَّمِ قتلُها الصَّلبَ؛ لِمَا ذَكَرْتُ مِن العِلةِ قبلُ لقائِلى هذه المقالةِ.\nفأما ما اعْتَلَّ به القائلون: إن الإمامَ فيه بالخِيارِ. مِن أن \"أو\" في العطفِ تَأْتِى بمعنى التخييرِ في الفرضِ. فقولٌ (^١) لا معنى له؛ لأن \"أو\" في كلامِ العربِ قد تأتى بضُرُوبٍ من المعاني، لولا كَرَاهةُ إطالةِ الكتابِ بذكرِها لذَكَرْتُها، وقد بَيَّنتُ كثيرًا من معانيها فيما مَضَى، وسنأتى على باقِيها فيما يُسْتَقْبَلُ في أماكنِها إن شاءَ اللهُ.\nفأما في هذا الموضعِ، فإن معناها التعقيبُ، وذلك نظيرُ قولِ القائلِ: إن جزاءَ المؤمنين عِندَ الله يومَ القيامةِ أن يُدْخِلَهم الجنةَ، أو يَرْفَعَ منازلَهم في عِلِّيَّينَ، أو يُسْكِنَهم معَ الأنبياءِ والصَّدَّيقِينَ. فمعلومٌ أن قائلَ ذلك غيرُ قاصدٍ بقيلِه إلى أن جزاءَ كلِّ مؤمنٍ آمنَ باللهِ ورسولِه فهو في مرتبةٍ واحدةٍ من هذه المراتبِ، ومنزلةٍ واحدةٍ من هذه المنازلِ بإيمانِه، بل المعقولُ عنه أن معناه أن جزاءَ المؤمنِ لن (^٢) يَخْلُوَ عِندَ اللَّهِ مِن بعضِ هذه المنازلِ، فالمُقْتَصِدُ منزلتُه دونَ منزلةِ السابقِ بالخيراتِ، والسابقُ بالخيراتِ أعلى منه منزلةً، والظالمُ لنفسهِ دونَهما، وكلٌّ في الجنةِ، كما قال جلَّ ثناؤُه:\n_________\n(^١) في م: \"فنقول\"، وفى ت ٢: \"فيقول\"، وفى س: \"فتقول\".\n(^٢) في م: \"لم\".","vol":"8","page":381},{"text":"﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: ٣٣]. فكذلك معنى المعطوفِ بـ \"أو\" في قولِه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. إنما هو التعقيبُ. فتأويلُه: إن الذي يحاربُ الله ورسولَه، ويسعى في الأرضِ فسادًا، لن يَخْلُوَ مِن أَن يَستَحِقَّ الجزاءَ بإحدى هذه الخلالِ الأربعِ التي ذكَرها الله عزّ ذكرُه. لا أن الإمام محكَّمٌ ومخيَّرٌ في أمرِه، كائنةً ما كانت حالته (^١)، عَظُمَتْ جَرِيرَتُه أو خَفَّتْ؛ لأن ذلك لو كان كذلك، لكان للإمامِ قتلُ مَن شَهَر السلاحَ مخيفًا السبيلَ وصَلْبُه وإن لم يَأْخُذْ مالًا ولا قتَل أحدًا، وكان له نَفْى مَن قتَل وأَخَذ المالَ وأخاف السبيلَ. وذلك قولٌ إن قالَه قائلٌ، خِلافُ ما صَحَّتْ به الآثارُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن قولِه: \"لا يحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مسلمٍ إلا بإحْدَى ثلاث؛ رَجُلٍ قَتَل رَجُلًا فقُتِل، أَوْ زَنى بعدَ إحصان فرُجِم، أو ارْتَدَّ عن دينِه\" (^٢). وخِلافُ قوله: \"القَطْعُ في رُبْعِ دينارٍ فصاعِدًا\" (^٣). وغيرُ المعروفِ من أحكامِه.\nفإن قال قائلٌ: فإن هذه الأحكامَ التي ذكَرتَ كانتْ عن رسولِ اللهِ ﷺ في غيرِ المحاربِ، وللمحاربِ حكمٌ غيرُ ذلك مُنفَردٌ به؟\nقِيل له: فما الحكمُ الذي انفَرَد به المحاربُ في سننِه؟ فإن ادَّعَى عنه ﷺ حكمًا خلافَ الذي ذَكَرْنا، أكْذَبَه جميعُ أهلِ العلمِ؛ لأن ذلك غيرُ موجودٍ بنقل واحدٍ ولا جماعةٍ، وإن زَعَم أن ذلك الحكم هو ما في ظاهرِ الكتابِ، قيل له: فإن أَحْسَنَ حالاتِك - إن سُلِّم لك (^٤) - أن ظاهرَ الآية قد يَحْتَمِلُ ما قلتَ وما قاله مَن خالَفَك، فما برهانُك على أن تأويلَك أولَى بتأويلِ الآية مِن تأويلِه؟\n_________\n(^١) بعده في م: \"و\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣٧٧.\n(^٣) سيأتي تخريجه في ص ٤٠٨.\n(^٤) في م: \"يسلم\".","vol":"8","page":382},{"text":"وبعدُ، فإذ كان الإمامُ مخيَّرًا في الحكمِ على المحاربِ، من أجل أنَّ \"أو\" بمعنى التخييرِ في هذا الموضعِ عندَك، أفله أن يَصْلِبَه حيًّا ويَترُكَه على الخشبةِ مصلوبًا حتى يموتَ مِن غيرِ قتلِه؟ فإن قال: ذلك له. خالَفَ في ذلك الأمَّةَ. وإن زعَم أن ذلك ليسَ له، وإنما له قتلُه ثم صلبُه، أو صلبُه ثم قتلُه، ترَك عِلَّتَه مِن أن الإمامَ إنما كان له الخيارُ في الحكمِ على المحاربِ مِن أجلِ أن \"أو\" تأتى بمعنى التخييرِ.\nوقيل له: فكيف كان له الخيارُ في القتلِ أو النفْى أو القطعِ، ولم يكنْ له الخيارُ في الصلبِ وحدَه، حتى تُجمَعَ إليه عقوبةٌ أُخرَى؟ وقيل له: هل بينَك وبينَ من جعَل الخيارَ حيثُ أَبَيْتَ، وأبَى ذلك حيثُ جَعَلْتَه له، فَرقٌ مِن أصلٌ أو قياسٍ؟ فلن يقولَ في أحدهما قولًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه.\nوقد رُوى عن رسولِ اللهِ ﷺ بتصحيحِ ما قلنا في ذلك خبرٌ (^١) في إسنادِه نَظَرٌ، وذلك ما حدَّثنا به عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليد بنُ مسلمٍ، عن ابن لَهيعةَ، عن يزيدَ بن أبي حَبيبٍ، أن عبدَ الملكِ بنَ مَرْوانَ كتَب إلى أنس بن مالكٍ يسألُه عن هذه الآيةِ، فكتَب إليه أنسٌ يُخبرُه أن هذه الآية نَزَلتْ في أولئك النَّفَر العُرَنِيِّين، وهم من بَجِيلَةَ. قال أنسٌ: فارْتدُّوا عن الإسلامِ، وقتَلوا الراعِيَ، وساقوا الإبلَ، وأَخافوا السبيلَ، وأصابوا الفَرْجَ الحرامَ. قال أنسٌ: فسأل رسولُ اللهِ ﷺ جبريلَ ﵇ عن القضاءِ في مَن حارب، فقال: مَن سرَق وأخاف السبيلَ، فاقْطَعْ يدَه بسرقتِه، ورِجْلَه بإخافتِه، ومن قتَل فاقْتُلْه، ومَن قتَل وأخاف السبيلَ واسْتَحَلَّ الفَرْجَ الحرامَ، فاصْلِبْه (^٢).\nوأما قولُه: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. فإنه يعنى به\n_________\n(^١) في م: \"بما\"، وفى س: \"خبر من\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٩٠، ٩١، ٩٤ عن المصنف، وأخرجه أبو عوانة (٦١٠١، ٦١٠٨، ٦١٠٩) من طريق يحيى بن سعيد، عن أنس دون سؤال جبريل.","vol":"8","page":383},{"text":"جلَّ ثناؤُه أنه تُقْطَعُ أيديهم مُخالفًا في قَطْعِها قطعُ أَرْجُلِهم، وذلك أن تُقطَعَ أَيْمُنُ أيدِيهم وأَشْمُلُ أرجلِهم، فذلك الخِلافُ بينَهما في القطعِ، ولو كان مَكان \"مِنْ\" في هذا الموضعِ \"على\" أو \"الباءِ\"، فقيل: أو تقطَّعَ أيديهم وأرجلُهم على خلافٍ، أو بخلافٍ. لأَدَيَّا عما أَدَّت عنه \"مِن\" من المعنى.\nواختلفَ أهلُ التأويلِ في معنى النفى الذي ذَكَرَه اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو أن يُطلَبَ حتى يُقدَرَ عليه أو يهرُبَ مِن دارِ الإسلامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2591>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: يَطْلُبُهم الإمامُ بالخيلِ والرَّجالِ حتى يَأْخُذَهم فيُقيمَ فيهم الحكمَ، أو يُنْفَوا من أرض المسلمين (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قال: نَفْيُه أن يُطْلَبَ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. يقولُ: أَو يُهرَّبُوا حتى يُخرَجوا من دارِ الإسلامِ إلى دارِ الحربِ (^٣).\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: أخبرني عبدُ اللَّهِ بنُ لَهِيعةَ، عن يزيدَ بن أبى حَبيبٍ، عن كتابِ أنسِ بنُ مالكٍ إلى عبدِ الملكِ بنُ مَرْوانَ،\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٣/ ٤٧٠.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣٧٣.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٣٦٠، ٣٨٠.","vol":"8","page":384},{"text":"أنه كتَب إليه: ونَفْيُه أن يَطْلُبَه الإمامُ حتى يَأْخُذَه، فإذا أَخَذه أقام عليه إحدَى هذه المنازلِ التي ذكَر اللهُ جلَّ وعزَّ بما اسْتَحَلَّ (^١).\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ، قال: فذَكَرْتُ ذلك لِلَّيْثِ بن سعدٍ، فقال: نفيُه طَلَبُه مِن بلدٍ إلى بلدٍ حتى يُؤْخَذَ (^٢)، أو يُخْرِجَه طلبُه مِن دارِ الإسلامِ إلى دارِ الشركِ والحربِ، إذا كان محاربًا مُرتدًّا عن الإسلامِ. قال الوليدُ: وسألتُ مالكَ ابنَ أنسٍ فقال مثلَه (^٣).\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، قال: قلتُ لمالِك بنُ أنَسٍ والليثِ بنُ سعدٍ: وكذلك يُطْلَبُ المحاربُ المقيمُ على إسلامِه، يَضْطَرُّه بطَلَبِه من بلدٍ إلى بلدٍ حتى (^٤) يصيرَ إلى ثَغْرِ مِن ثغورِ المسلمين، أو أقصَى حَوْزِ (^٥) المسلمين، فإن هم طَلَبوه دخَل دارَ الشركِ؟ قالا: لا يُضطَرُّ مسلمٌ إلى ذلك (^٣).\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاك: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: أن يُطْلَبوا حتى يُعْجِزُوا (^٦).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفَرَجِ، قال: سَمِعتُ أَبا معاذٍ يقولُ: ثنى عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ. فذكَر نحوَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ، عن عاصمٍ، عن الحَسَنِ: ﴿أَوْ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٣٨٣.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٣: \"يأخذه\".\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٩٤.\n(^٤) في م: \"حق\".\n(^٥) في م: \"جوار\". والحَوْز: المِلك. وحوزة الإسلام: حدوده. تاج العروس (ح وز).\n(^٦) تقدم أوله في ص ٣٦٠.","vol":"8","page":385},{"text":"يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: يُنفَى حتى لا يُقدَرَ عليه (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: أُخْرِجوا مِن الأَرضِ، أَينما أُدْرِكوا أُخْرِجوا، حتى يَلْحَقُوا بأرضِ العدوِّ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: ثنا معمرٌ، عن الزُّهْريِّ في قولِه: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: نَفْيُه أن يُطْلَبَ فلا يُقدَرَ عليه، كلما سُمِع به في أرضٍ طُلِب (^٢).\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليد بنُ مسلمٍ، قال: أخبرني سعيدٌ، عن قتادة: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: إذا لم يَقْتُلْ ولم يَأْخُذُ مالًا، طُلب حتى يُعجِزَ (^٣).\nحدَّثني ابن البَرْقِيِّ، قال: ثنا ابن أبى مريمَ، قال: أخبرني نافعُ بنُ يزيدَ، قال: ثنى أبو صَخْرٍ، عن محمدِ بنُ كعبٍ القُرَظيِّ، وعن أبي معاوية، عن سعيدِ بنُ جُبيرٍ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾: من أرضِ الإسلامِ إلى أرضِ الكفرِ (^٤).\nوقال آخرون: معنى النفي في هذا الموضعِ أن الإمامَ إذا قَدَر عليه نفاه من بلدتِه إلى بلدةٍ أُخرى غيرِها.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٩ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير عبدِ الرزاق ١/ ١٨٨، وفي مصنفه (١٨٥٤٥) مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ينظر البحر المحيط ٣/ ٤٧١.\n(^٤) تقدم مطولا في ص ٣٧٧، وستأتي بقيته في ص ٣٩٨.","vol":"8","page":386},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2592>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: مَن أخاف سبيلَ المسلمين، نُفِى مِن بلدِه إلى غيرِه؛ لقولِ الله ﷿: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثني يزيدُ بنُ أَبي حَبِيبٍ وغيرُه، عن حَيَّانَ (^٢) بن سُرَيجٍ (^٣)، أنه كتَب إلى عُمرَ بن عبدِ العزيزِ في اللصوص، ووصَف له لُصُوصِيَّتهم وحَبْسَهم في السجون. قال: قال اللهُ في كتابِه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. وترَك: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. فكتَب إليه عمرُ بنُ عبدِ العزيز: أما بعدُ، فإنك كَتَبْتَ إِلَيَّ تَذكُرُ قولَ اللَّهِ جَلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. وتَرَكتَ قولَ اللَّهِ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. فنَبيٌّ أنت يا حَيَّانَ ابْنَ أَمِّ حَيَّانَ، لَا تُحَرِّكِ الأشياءَ عن مواضعها، أتَجَرَّدَتَ للقتلِ والصلبِ، كأنك عبدُ بني عَقيلٍ، مِن غير ما أُشَبِّهُكَ به؟ إذا أتاك كتابي هذا فانْفِهِم إلى شَغْبٍ (^٤).\n_________\n(^١) ينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٣٩٤، ٣٩٥، وتفسير ابن كثير ٣/ ٩٤.\n(^٢) في م: \"حبان\". وينظر التاريخ الكبير ٣/ ٥٦.\n(^٣) في م، ت ٢، س: \"شريح\". وينظر الإكمال ٤/ ٢٧٣.\n(^٤) شغب: موضع ببلاد عُذْرة. وقيل: بين المدينة وأيْلَةَ. وقيل: هي قرية خلف وادى القُرى. وقيل: بين المدينة والشام. ينظر تاج العروس (ش غ ب).\nوينظر الأثر في البحر المحيط ٣/ ٤٧١.","vol":"8","page":387},{"text":"حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى الليثُ، عن يزيدَ وغيرِه بنحوِ هذا الحديثِ، غيرَ أن يونسَ قال في حديثِه: كأنك عبدُ بنى أبي عِقالٍ، مِن غيرِ أن أُشبِّهَك به.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَنى ابن لَهِيعَةَ، عن يزيدَ بن أبي حَبيبٍ، أن الصَّلْتَ كاتبَ حَيَّانَ (^١) بن سُريجٍ، أخبرَهم أن حَيَّانَ كتبَ إلى عمرَ بن عبدِ العزيز أن ناسًا من القِبْطِ قامَتْ عليهم البينةُ بأنهم حارَبوا اللَّهَ ورسولَه، وسَعَوْا في الأرض فسادًا، وأن الله يقولُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. فَقَرَأ حتى بَلَغ: ﴿وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. وسكَت عن النفي، وكتَب إليه: فإن رَأى أميرُ المؤمنينَ أن يُمضِىَ قضاءَ اللَّهِ فيهم، فلْيَكْتُبْ بذلك. فلما قَرَأ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ كتابَه، قال: لقد اجْتَرَأَ حَيَّانُ. ثم كتَب إليه: إنه قد بَلَغني كتابُك وفهِمْتُه، ولقد اجْتَزَأْتَ، كأنما كَتبتَ بكتابِ يزيدَ بنُ أبي مسلمٍ، أو عِلْجِ صاحبِ العراقِ، من غير أن أُشَبِّهَك بهما، فكتبتَ بِأَوَّلِ الآية ثم سَكَّتَ عَن آخرِها، وإن الله يقولُ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ فإن كانتْ قامَتْ عليهم البينةُ بما كَتبتَ به، فاعْقد في أعناقِهم حديدًا، ثم غَيَّبهم إلى شَغْبٍ وبَدَا (^٢).\nقال أبو جعفر: شَغْبٌ وبَدَا موضعان.\nوقال آخرون: معنى النفيِ مِن الأرضِ في هذا الموضِعِ الحَبْسُ (^٣). وهو قول أبي حنيفةَ وأصحابِه.\n_________\n(^١) في م: \"حبان\".\n(^٢) بدا: وادٍ قُرب أَيْلَة من ساحل البحر. وقيل: بوادي القرى. وقيل: بوادى عذرة قرب الشام. ينظر تاج العروس (ب د و).\n(^٣) بعده في ص، ت ١، س: \"ذكر من روى ذلك عنه\".","vol":"8","page":388},{"text":"وأولَى الأقوالِ في ذلك عندِى بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى النفيِ مِن الأَرضِ في هذا الموضعِ هو نَفْيُه من بلدٍ إلى بلدٍ غيرِه، وحبسُه في السجنِ في البلد الذي نُفي إليه حتى تَظْهَرَ توبتُه مِن فسوقهِ، ونزوعُه عن معصيته ربَّه.\nوإنما قلتُ: ذلك أولى الأقوال بالصِّحة؛ لأن أهل التأويلِ اخْتَلَفُوا في معنى ذلك على أحدِ الأوجُه الثلاثةِ التي ذكرتُ. وإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أن اللَّهَ جَلَّ ثناؤُه إنما جَعَل جزاءَ المحاربِ، القتلَ أو الصلبَ أو قطعَ اليد والرِّجلِ مِن خلافٍ، بعدَ القدرةِ عليه، لا في حالِ امتناعِه، كان معلومًا أن النفىَ أيضًا إنما هو جزاؤُه بعدَ القدرةِ عليه لا قبلَها. ولو كان هروبُه من الطلب نفيًا له من الأرض، كان قطعُ يده ورِجلِه مِن خلافٍ في حالِ امتناعِه وحربِه على وجهِ القتالِ، بمعنى إقامةِ الحَدِّ عليه بعدَ القدرةِ عليه. وفى إجماعِ الجميعِ أن ذلك لا يقومُ مَقامَ نفيِه الذي جَعَله اللهُ ﷿ حدًّا له بعدَ القدرةِ عليه (^١). وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه لم يَبْقَ إلا الوجهانِ الآخرانِ، وهو النفىُ من بلدةٍ إلى أُخرى غيرها أو السجنُ. فإذ كان ذلك كذلك، فلا شكَّ أنه إذا نُفِى مِن بلدةٍ إلى أُخرى غيرِها، فلم يُنْفَ مِن الأرضِ، بل إنما نُفِى مِن أرضٍ دون أرضٍ. وإذ كان ذلك كذلك، وكان اللهُ جلَّ ثناؤُه إنما أَمَر بنفِيه مِن الأرض، كان معلومًا أنه لا سبيلَ إلى نفيِه من الأرضِ إلا بحبسِه في بُقْعَةٍ منها عن سائرِها، فيكونُ منفيًّا حينئذٍ عن جميعها، إلا مما لا سبيلَ إلى نفيِه منه.\nوأما معنى النفيِ في كلامِ العربِ، فهو الطردُ، ومِن ذلك قولُ أَوسِ بن حُجرٍ (^٢):\n_________\n(^١) كذا في النسخ، والكلام غير تام، ولعل تمامه: بطل أن يكون نفيه من الأرض هروبه من الطلب.\n(^٢) المفضليات ص ٨٢٧.","vol":"8","page":389},{"text":"يُنْفَوْن عن طُرُقِ الكِرام كما … تنفي (^١) المَطارِقُ (^٢) ما يلى القَرَدُ (^٣)\nومنه قِيل للدراهمِ الرديئةِ وغيرِها من كلِّ شيءٍ: النُّفايةُ. وأما المصدرُ مِن: نَفَيتُ، فإنه النفىُ والنِّفايَةُ، ويقالُ: الدلو (^٤) يَنْفِى الماءَ. ويقالُ لِما تطاير مِن الماءِ من الدلوِ: النَّفِيُّ. ومنه قول الراجز (^٥):\nكأَنَّ مَتْنَيْهِ مِنَ النَّفِيِّ … مَواقِعُ الطَّيْرِ على الصُّفِيِّ\nومنه قيل: نَفَى شَعَرُه. إذا سَقَطَ. يقالُ: حالَ لونُك، ونفَى شَعَرُك.\n\n<span data-type='title' id=toc-2593>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذا الجزاءُ الذي جَازَيتُ به الذين حارَبوا الله ورسولَه، وسَعَوا في الأرضِ فسادًا في الدنيا؛ من قتلٍ، أو صلبٍ، أو قطعِ يدٍ ورجلٍ من خلافٍ، ﴿لَهُمْ﴾ يعني: لهؤلاءِ المحارِبين، ﴿خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ يقولُ: هو لهم شرٌّ وعارٌ وذِلةٌ، ونَكالٌ وعقوبةٌ في عاجلِ الدنيا قبلَ الآخرةِ. يُقالُ منه: أَخْزَيْتُ فلانًا فخَزِى هو خِزْيًا.\nوقولُه: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: لهؤلاءِ الذين حارَبوا الله ورسولَه، وسَعَوْا في الأرض فسادًا فلم يتوبوا مِن فعلهم ذلك حتى\n_________\n(^١) في م، ت ٢، س: \"ينفي\".\n(^٢) المَطَارق: جمع مِطْرَق وهو القضيب الذي يضرب به الصوف أو القطن لينتفش. ينظر المفضليات ص ٨٢٧، واللسان (ط ر ق).\n(^٣) في م، ت ١: \"الفردا\"، وفى ت ١، س: \"الفرد\". والقرد: ما تمعط من الوبر والصوف وتلبد، وهو ردئ الصوف أو هو نفايته. تاج العروس (ق ر د).\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"للدلو\".\n(^٥) تقدم تخريجه في ٢/ ٧٠٩.","vol":"8","page":390},{"text":"هَلَكوا - في الآخرةِ، مع الخِزْيِ الذي جازيتُهم به في الدنيا، والعقوبةِ التي عاقبتُهم بها فيها، ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. يعني: عذابُ جَهَنَّمَ.\n\n<span id=\"aya-703\"></span><span data-type='title' id=toc-2595>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إلا الذين تابوا مِن شركِهم، ومُناصَبَتِهم الحربَ لله ولرسولِه، والسعيِ في الأرضِ بالفسادِ بالإسلامِ، والدخولِ في الإيمانِ من قبلِ قدرةِ المؤمنين عليهم، فإنه لا سبيلَ للمؤمنين عليهم بشيءٍ من العقوباتِ التي جعَلَها اللهُ جزاءً لمن حارَبه ورسولَه، وسَعَى في الأرض فسادًا؛ من قتلٍ أو صلبٍ أو قطعِ يدٍ ورجلٍ مِن خلافٍ أو نفيٍ من الأرضِ، فلا تِباعَةَ (^١) قِبَلَه لأحدٍ فيما كان أصاب في حالِ كفرِه وحربِه المؤمنين، في مالٍ ولا دمٍ ولا حرمةٍ. قالوا: فأما المسلمُ إذا حارب المسلمين أو المُعاهَدِين، وأتَى بعضَ ما يجبُ عليه العقوبةُ، فلن تَضَعَ توبتُه عنه عقوبةَ ذنبِه، بل توبتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ، وعلى الإمامِ إقامةُ الحدِّ الذي أوْجَبَه اللَّهُ عليه، وأَخْذُه بحقوقِ الناسِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2594>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسين بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النَّحْوِى، عن عِكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: نَزَلتْ هذه الآيةُ في المشركين، [فمَن تاب] (^٢) منهم مِن قبلِ أن يُقْدَرَ عليه، لم يكُنْ عليه سبيلٌ، وليست تُحرِزُ هذه الآيةُ الرجلَ المسلمَ مِن الحدِّ إن قتَل أو أَفْسَد في الأرضِ، أو حارب الله ورسولَه، ثم لَحِق بالكفارِ قبلَ أن\n_________\n(^١) التَّبِعَة والتِّباعة: ما اتبعت به صاحبك من ظلامة ونحوها، وهما أيضا ما فيه إثم يتبع. اللسان (ت ب ع).\n(^٢) - في ص، ت ١،: \"في من مات\".","vol":"8","page":391},{"text":"يُقْدَر عليه، [لم يَمْنَعْه ذلك أَنْ] (^١) يُقام عليه الحدُّ الذي أصاب (^٢).\nحدَّثنا بشارٌ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال: هذا لأهل الشِّركِ، إذا فعلوا شيئًا في شركِهم، فإن اللَّهَ غفورٌ رحيمٌ، إذا تابوا وأسلَموا.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾: الزِّنى، والسرقةُ، وقتلُ النفسِ، وإهلاكُ الحرثِ والنسلِ، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ على عهد الرسولِ ﷺ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ، قال: كان قومٌ بينَهم وبينَ الرسولِ ﷺ ميثاقٌ، فنَقَضوا العهدَ، وقَطَعوا السَّبيلَ، وأَفسَدوا في الأرضِ، فخيَّر اللهُ نبيَّه ﷺ فيهم؛ فإن شاءَ قتل، وإن شاء صلَب، وإن شاء قطَّع أيديَهم وأرجلَهم مِن خلافٍ (^٣)، فمَن تَابَ قبلَ أَن تَقْدِرُوا عليه، قُبِل ذلك منه (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا عبدِ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. فذَكَر نحوَ قولِ الضحاكِ، إلا أنه قال: فإن جاء تائبًا فدخَل في الإسلامِ قُبل منه، ولم يُؤَاخَذْ بما سَلَف (^٥).\n_________\n(^١) في النسخ: \"ذلك\". والمثبت ما تقدم في ص ٣٦١.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣٦١.\n(^٣) تقدم تخريج أوله في ص ٣٧٢.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٢٦٠، وينظر طرف منه في ص ٣٨٥.\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ٣٦٠، ٣٨٠.","vol":"8","page":392},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. قال: هذا لأهلِ الشركِ، إذا فعَلوا شيئًا مِن هذا في شركِهم، ثم تابوا وأسلَموا، فإن الله غفورٌ رحيمٌ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ وقتادةَ: أما قولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. فهذه لأهلِ الشركِ، فمَن أصاب مِن المشركين شيئًا من المسلمين وهو لهم حربٌ، فأَخَذ مالًا، أو أصاب دمًا، ثم تاب قبلَ أن تَقدِروا عليه، أُهدِر عنه ما مضَى (^١).\nوقال آخرون: بل هذه الآيةُ مَعْنِيٌّ بالحكمِ بها المحارِبون الله ورسولَه؛ الحُرَّابُ مِن أهلِ الإسلامِ، مَن قطَع منهم الطريقَ وهو مقيمٌ على إسلامِه، ثم اسْتَأْمَن، فأُومِن على جناياتِه التي جناها، وهو للمسلمين حَرْبٌ، ومَن فعَل ذلك منهم مرتدًّا عن الإسلام ثم لَحِق بدارِ الحربِ، ثم اسْتَأْمَنَ فأُومِن. قالوا: فإذا أُمَّنَه الإمامُ على جناياتِه التي سَلَفَتْ لم يكنْ قِبَلَه لأحدٍ تَبِعةٌ في دمٍ ولا مالٍ أصابه قبلَ توبتِه، وقبل أمانِ الإمامِ إياه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2596>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ، قال: أخبرني أَبو أسامةَ، عن أشعثَ بن سَوَّارٍ، عن عامرٍ الشَّعْبِيِّ، أن حارثةَ بن بدرٍ خرَج محاربًا، فأخاف السبيلَ، وسفَك الدمَ، وأخَذ الأموالَ، ثم جاءَ (^٢) تائبًا من قبلِ أن يُقْدَرَ عليه، فقبل عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵇ توبتَه، وجعل له أمانًا منشورًا، على ما كان أصاب من دمٍ أو مالٍ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال أخبرنا هُشيمٌ، عن مجالدٍ، عن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٣٧٥.\n(^٢) في ص، ت ١: \"جاءه\".","vol":"8","page":393},{"text":"الشعبيِّ أن حارثةَ بنُ بدرٍ حارب في عهدِ عليٍّ بنُ أبي طالبٍ، فأتَى الحسنَ بنُ عليٍّ رضوانُ اللهِ عليهما، فطَلَب إليه أن يَسْتَأْمِنَ له من عليٍّ، فأَبَى، ثم أَتَى ابن (^١) جعفرٍ، فأبَى عليه، فأتَى سعيدَ بنُ قيسٍ الهمْدَاني فأَمَّنَه، وضمَّه إليه، وقال له: اسْتَأْمِنْ إِلَى أَميرِ المؤمنين عليّ بنِ أبى طالبٍ (^٢). قال: فلمَّا صلَّى عليٌّ الغَداةَ، أتاه سعيدُ بنُ قيسٍ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما جزاءُ الذين يُحاربون الله ورسولَه؟ قال: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. فقال سعيدٌ: وإن كان حارثةَ بنُ بدرٍ؟ قال: وإن كان حارثةَ بنُ بدرٍ. قال: فهذا حارثةُ بنُ بَدرٍ قد جاء تائبًا، فهو آمِنٌ؟ قال: نعم. قال: فجاء به فبايعَه، وقَبِل ذلك منه، وكتَب له أمانًا (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَغْراءَ، عن مجالدٍ، عن الشعبيِّ، قال: كان حارثةُ بنُ بدرٍ قد أَفْسَد في الأرضِ وحارب ثم تاب، وكُلِّم له عليٌّ فلم يُؤَمِّنه، فأتى سعيدَ بنُ قيسٍ فكلَّمه، فانْطَلَق سعيدُ بنُ قيسٍ إلى عليٍّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما تقولُ في من حارب الله ورسولَه؟ فقرأ الآية كلَّها. فقال: أرأيتَ مَن تاب مِن قبلِ أن تَقْدِرَ عليه؟ قال: أقولُ كما قال اللهُ. قال: فإنه حارثةُ بنُ بدرٍ. قال: فأَمَّنه عليٌّ. فقال حارثةُ (^٤):\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س: \"أبى\" وهو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.\n(^٢) اسْتَأْمَنَ إليه: استجاره وطلب حمايته. الوسيط (أ م ن).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٢٨١، ٢٨٢، وابن أبي الدنيا في الإشراف في منازل الأشراف (٤٠٩)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٣/ ٩٥ - وابن عساكر في تاريخ دمشق ١١/ ٣٨٩، ٣٩٠ من طريق مجالد به نحوه، وقد صُرِّحَ باسم ابن جعفر في رواية أخرى عند ابن أبي شيبة ٨/ ٧٠٨، ٧٠٩ عن أبي أسامة، عن مجالد به مختصرًا جدًّا: وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٩ إلى عبد بن حميد. وقد تحرف إسناد الأثر في تاريخ ابن عساكر.\n(^٤) البيتان في مصادر التخريج السابقة باختلاف يسير في اللفظ.","vol":"8","page":394},{"text":"ألا أبْلِغَنْ هَمْدَانَ إِمَّا لَقِيتَها … على النَّأْيِ لا يَسْلَمْ عدوٌّ يَعِيبُها\nلَعَمْرُ أَبيها إِنَّ همدانَ تَتَّقِى الـ … إلهَ ويَقضى بالكتابِ خَطيبُها\nحدَّثني محمد بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾: وتوبتُه مِن قبلِ أن يُقدَرَ عليه، أن يَكْتُبَ إلى الإمامِ يَسْتَأْمِنُه على ما قتَل وأَفْسَد في الأرضِ: فإن لم يُؤمِّنِّى على ذلك ازددتُ فسادًا وقتلًا وأخْذًا الأموالَ أكثرَ مما فعلتُ ذلك قبلُ. فعلى الإمام مِن الحقِّ أن يُؤمِّنَه على ذلك، فإذا أمَّنَه الإمامُ جاء حتى يضعَ يدَه في يد الإمامِ، فليس لأحدٍ من الناسِ أن يَتَّبِعَه، ولا يَأْخُذَه بدمٍ سَفَكه، ولا مالٍ أخَذه، وكلُّ مالٍ كان له فهو له، لكَيْلا يَقْتُلَ المؤمنين أيضًا ويُفْسِدَ (^١)، فإذا رجَع إلى اللهِ جلَّ وعزَّ فهو وَلِيّه يَأْخُذُه بما صنع، وتوبتُه فيما بينَه وبينَ الإمامِ والناسِ، فإذا أَخَذه الإمامُ وقد تاب فيما يَزعُمُ إلى اللهِ جلَّ ثناؤُه قبل أن يُؤَمِّنَه الإمام، فليُقِمْ عليه الحَدَّ.\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن عبدِ العزيز، أخبرني (^٢) مَكْحولٌ أنه قال: إذا أعطاه الإمامُ أمانًا، فهو آمِنٌ ولا يُقام عليه الحدُّ ما كان أَصاب.\nوقال آخرون: معنى ذلك: كلُّ من جاء تائبًا مِن الحُرَّابِ قبلَ القُدْرَةِ عليه اسْتَأْمَن الإمامَ فَأَمنَّه، أو لم يَسْتَأْمِنْه بعدَ أن يجيءَ مستسلمًا تاركًا للحربِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2597>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن أشْعَثَ، عن عامرٍ، قال: جاء رجلٌ مِن مُرادٍ إلى أبي موسى وهو على الكوفةِ في إمرةِ عثمانَ بعدَ مَا صلَّى المكتوبةَ، فقال: يا أبا موسى هذا مقامُ العائذِ بك، أنا فلانُ بنُ فلانٍ المُرادِيُّ،\n_________\n(^١) في م: \"يفسده\"، وفى س: \"تفسد\".\n(^٢) كذا في النسخ، والصواب: \"عن\". وينظر في رواية سعيد عن مكحول ما تقدم في ٣/ ٥٨٦، ٤/ ٢٥.","vol":"8","page":395},{"text":"كنتُ حاربتُ الله ورسولَه، وسَعَيْتُ في الأرضِ، وإني تبتُ مِن قبلِ أن يُقْدَرَ عليَّ. فقام أبو موسى فقال: هذا فلانُ بنُ فلانٍ، وإنه كان حارب الله ورسولَه، وسعَى في الأرض فسادًا، وإنه تاب قبلَ أن يُقدَرَ عليه، فمَن لَقِيَه فلا يَعرِضْ له إلا بخير [وتوبةٍ] (^١). فأقام الرجلُ ما شاءَ اللَّهُ، ثم إنه خرَج فَأَدْرَكَهُ اللَّهُ بذنوبِه فقتَله (^٢).\nحدَّثني الحارث بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ السديِّ، عن الشعبيِّ، قال: جاء رجلٌ إلى أبي موسى. فذكر نحوَه (^٣).\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليد بنُ مسلمٍ، قال: قلتُ لمالكٍ: أرأيتَ هذا المحاربَ الذي قد أخاف السبيلَ، وأصاب الدمَ والمالَ، فلَحِقَ بدارِ الحربِ، أو تَمَنَّعَ في بلادِ الإسلام، ثم جاء تائبًا من قبلِ أن يُقْدَرَ عليه؟ قال: تُقْبَلُ توبتُه. قال: قلتُ: فلا يُتْبَعُ بشيءٍ مِن أَحْداثِه؟ قال: لا، إلا أن يُوجَدَ معه مالٌ بعينِه، فيُرَدَّ إلى صاحبِه، أو يَطْلُبَه وَليُّ مَن قُتِل بدمٍ في حربِه يَثْبُتُ ببَيِّنةٍ أو اعترافٍ فيُقادَ به، وأما الدِّماءُ التي أصابَها ولم يَطْلُبْها أولياؤها فلا يَتْبَعُه الإمامُ بشيءٍ. قال عليٌّ: قال الوليدُ: فذكرتُ ذلك لأبي عمرٍو، فقال: تُقْبَلُ توبتُه إذا كان محارِبًا للعامةِ والأئمةِ قد آذاهم بحربِه، فشهَر سلاحَه، وأصاب الدماءَ والأموالَ، فكانتْ له مَنَعَةٌ، أو فِئَةٌ يَلجَأُ إليهم، أو لَحِق بدارِ الحربِ، فارْتَدَّ عن الإسلامِ، أو كان مقيمًا عليه، ثم جاء تائبًا مِن قبلِ أن يُقْدَرَ عليه، قُبِلَتْ توبتُه، ولم يُتْبَعْ بشيءٍ منه.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٢٨٢، والبيهقى ٨/ ٢٨٤ من طريق أشعث به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٦٦ عن المصنف.","vol":"8","page":396},{"text":"حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، قال: قال أبو عمرٍو: سَمِعتُ ابنَ شهابٍ الزُّهْرِيَّ يقولُ ذلك.\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ، قال: فذكرتُ قولَ أبي عمرٍو ومالكٍ لِليْثِ بن سعدٍ في هذه المسألة، فقال: إذا أَعْلَن بالمحارَبةِ العامَّة والأئمةَ، وأصاب الدماء والأموالَ، فامْتَنَع بمحاربتِه مِن الحكومةِ عليه (^١)، أو لَحِق بدارِ الحربِ، ثم جاء تائبًا من قبلِ أن يُقْدَرَ عليه، قُبِلَتْ توبتُه، ولم يُتْبَعْ بشيءٍ مِن أحداثِه في حربهِ مِن دمِ خاصَّةٍ ولا عامَّةٍ، وإن طَلَبَه وليُّه (^٢).\nحدَّثنى عَليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، قال: قال الليثُ: وكذلك ثنى موسى بنُ إسحاقَ المَدَنيُّ - وهو الأمرُ (^٣) عندنا - أن عليًّا الأَسَديَّ حارب، وأخاف السبيلَ، وأصاب الدمَ والمالَ، فطَلَبَتْه الأئمةُ والعامةُ، فامْتَنَع ولم يُقْدَرُ عليه، حتى جاء تائبًا، وذلك أنه سَمِع رجلًا يقرأُ هذه الآية: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٥٣]. فوقَف عليه فقال: يا عبدَ الله، أعِدْ قراءتَها. فأعادَها عليه، فغَمَد سيفَه، ثم جاء تائبًا، حتى قَدِم المدينةَ مِن السَّحَرِ، فَاغْتَسَل ثم أتى مسجدَ رسولِ اللهِ ﷺ فصلَّى الصبحَ، ثم قعَد إلى أبى هُريرةَ في غمارِ (^٤) أصحابِه، فلما أَسْفَروا (^٥) عرَفه الناسُ، وقاموا إليه، فقال: لا سبيلَ لكم عليَّ، جئتُ تائبًا من قبلِ أن تَقْدروا عليَّ. فقال أبو هريرة: صدَق. وأَخَذ بيدِه أبو هريرةَ، حتى أتى مَرْوانَ بنَ الحكمِ في إِمْرَتِه على المدينةِ في زمنِ معاويةَ، فقال: هذا عليٌّ جاء تائبًا، ولا\n_________\n(^١) الحُكْم: القضاء. حكَم عليه بالأمرِ يَحْكُم حُكمًا وحكومةً. اللسان (ح ك م).\n(^٢) ينظر التبيان ٣/ ٥٠٦.\n(^٣) في م: \"الأمير\".\n(^٤) غَمْرَةُ الناسِ وغَمْرُهم وغُمارهم وغِمارهم: جماعتهم ولَفيفهم وزحمتهم. ينظر اللسان (غ م ر).\n(^٥) في م: \"أسفر\" وأسفر القوم: إذا أصبحوا. تاج العروس (س ف ر).","vol":"8","page":397},{"text":"سبيلَ لكم عليه ولا قَتْلَ. قال: فتُرِك من ذلك كلِّه. قال: وخرَج على تائبًا مجاهدًا في سبيل اللهِ في البحرِ، فلقُوا الرومَ، فقرَّبوا (^١) سفينتَه إلى سفينةٍ من سفنِهم، فاقْتَحَم على الرُّومِ في سفينتِهم، فهُزِمُوا منه إلى سفينتِهم الأُخرى، فمالَتْ بهم وبه، فغَرِقوا جميعًا (^٢).\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا مُطَرِّفُ بنُ مَعْقِلٍ، قال: سَمِعتُ عطاءً قال فِي رجلٍ سرَق سرقةً، فجاء بها تائبًا من غيرِ أَن يُؤْخَذَ، فهل عليه حدٌّ؟ قال: لا. ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية (^٣).\nحدَّثنا ابن البَرْقَيِّ، قال: ثنا ابن أبى مريمَ، قال: أخبرنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: ثنى أبو صَخْرَةَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ، وعن أبي معاويةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قالا: إن جاء تائبًا لم يَقْتَطِعْ مالًا، ولم يَسْفِكْ دمًا تُرِك، فذلك الذي قال اللهُ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. يعنى بذلك أنه لم يَسفِكْ دمًا، ولم يَقْتَطِعْ مالًا (^٤).\nوقال آخرون: بل عنَى بالاستثناءِ في ذلك التائبَ مِن حربِه اللَّهَ ورسولَه، والسعي في الأرضِ فسادًا، بعدَ لَحَاقِهِ في حربِه بدارِ الكفرِ، فأما إذا كانت حِرابَتُه وحربُه وهو مقيمٌ في دارِ الإسلامِ، وداخلٌ في غِمارِ الأُمَّةِ، فليست توبتُه واضعةً عنه شيئًا من حدودِ اللهِ، ولا مِن حقوقِ المسلمين والمُعاهَدين، بل يُؤخَذُ بذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-2598>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليد بنُ مسلمٍ، قال: أخبرني إسماعيلُ، عن هشامِ بنُ عُروةَ، أنه أخبرَه أنهم سألوا عروَةَ عمَّن تَلَصَّص في الإسلامِ فأصاب\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"فقرنوا\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٩٦ عن المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٩ إلى المصنف دون آخره.","vol":"8","page":398},{"text":"حدودًا، ثم جاء تائبًا. فقال: لا تُقْبَلُ توبته؛ لو قُبِل ذلك منهم اجْتَرَءوا عليه. وكان فسادًا كبيرًا، ولكن لو فَرَّ إلى العدوِّ ثم جاء تائبًا، لم أرَ عليه عقوبةً (^١).\nوقد رُوِى عن عروةَ خلافُ هذا القولِ.\nوهو ما حدَّثني به عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، قال (^٢): أخبرني مَن سَمِع هشامَ بنَ عروةَ، عن عروةَ، قال: يُقامُ عليه حدُّ ما فَرَّ منه، ولا يجوزُ لأحدٍ فيه أمانٌ. يعنى: الذي يُصيبُ حدًّا، ثم يَفِرُّ فيَلْحَقُ الكفارَ، ثم يجيءُ تائبًا.\nوقال آخرون: إن كانت حِرابتُه وحربُه في دارِ الإسلامِ، وهو في غيرِ مَنَعَةٍ مِن فئةٍ يَلْجَأُ إليها، ثم جاء تائبًا قبلَ القُدرةِ عليه، فإن توبتَه لا تضعُ عنه شيئًا من العقوبةِ، ولا مِن حقوقِ الناسِ. وإن كانت حِرابتُه وحربُه في دارِ الإسلامِ، أو هو لاحِقٌ بدارِ الكفرِ، غيرَ أنه في كلِّ ذلك كان يلجأُ إلى فئةٍ تَمْنَعُه ممَّن أراده مِن سُلطان المسلمين، ثم جاء تائبًا قبلَ القُدرةِ عليه، فإن توبتَه تضعُ عنه كلَّ ما كان مِن أحْداثِه في أيامِ حرابتِه تلك (^٣)، إلا أن يكونَ أصاب حدًّا، أو أمَر الرُّفْقَةَ بما فيه عقوبةٌ أو غُرْمٌ لمسلمٍ أو مُعاهِدٍ، وهو غيرُ مُلْتَجِيءٍ إلى فئةِ تَمْنَعُه، فإنه يُؤْخَذُ بما أصاب من ذلك وهو كذلك، ولا يضعُ ذلك عنه توبتُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2599>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ، قال: قال أبو عمرٍو: إذا قطَع الطريقَ لصٌّ أو جماعةٌ مِن اللصوصِ، فأصابوا ما أصابوا مِن الدماءِ والأموالِ، ولم يَكُنْ لهم\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٨٥٤٨)، والنحاس في ناسخه ص ٣٨٦ من طريق هشام به.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س: \"و\".\n(^٣) في ص، ت ٣، س: \"كذلك\".","vol":"8","page":399},{"text":"فئةٌ يَلْجَئون إليها، ولا منعةٌ، ولا يَأْمَنون إلا بالدخولِ في غِمَارِ أُمَّتِهم، وسَوادِ عامَّتِهم، ثم جاء تائبًا من قبلِ أن يُقْدرَ عليه، لم تُقْبَل توبتُه، وأُقِيم عليه حدُّه ما كان.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، قال: ذكرتُ لأبي عمرٍو قولَ عروةَ: يُقامُ عليه حدُّ ما فرَّ منه، ولا يجوزُ لأحدٍ فيه أمانٌ. فقال أبو عمرٍو: إن فرَّ مِن حَدَثِه في دارِ الإسلام فأعطاه إمامٌ أمانًا، لم يَجُزْ أمانُه. وإن هو لَحِق بدارِ الحربِ ثم سأل إمامًا أمانًا على أحْداثه، لم يَنْبَغِ للإمامِ أن يُعطيَه أمانًا. وإن أعطاه الإمامُ أمانًا وهو غيرُ عالمٍ بأحداثِه، فهو آمنٌ. وإن جاء أحدٌ يَطلُبه بدمٍ أو مالٍ، رُدَّ إِلى مَأْمَنِه، فإن أبى أن يرجعَ فهو آمنٌ، ولا يُتَعَرَّضُ (^١) له. قال: وإن أعطاه أمانًا على أحداثِه وهو يعرفُها، فالإمامُ ضامنٌ، واجبٌ عليه عَقْلُ (^٢) ما كان أصاب من دمٍ أو مالٍ، وكان فيما عَطَّل من تلك الحدودِ والدماءِ أثمًا، وأمرُه إلى اللهِ جلَّ وعزَّ. قال: وقال أبو عمرٍو: فإذا أصاب ذلك، وكانت له مَنَعَةٌ أو فئةٌ يلجأُ إليها، أو لَحِق بدارِ الحربِ فارتدَّ عن الإسلام، أو كان مُقيمًا عليه ثم جاء تائبًا من قبلِ أن يُقْدرَ عليه، قُبِلَتْ توبتُه، ولم يُتْبَعْ بشيءٍ مِن أحداثِه التي أصابَها في حربِه، إلا أن يُوجَدَ معه شيءٌ قائمٌ بعينِه، فيُرَدَّ إلى صاحبِه.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، قال: أخبرني ابن لَهيعةَ، عن ربيعةَ، قال: تُقْبَلُ توبتُه، ولا يُتبَعُ بشيءٍ مِن أحْداثِه في حربِه، إلا أن يَطْلُبَه أحدٌ بدمٍ كان أصابه في سِلْمِه قبلَ حربِه، فإنه يُقادُ به.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا معمرٌ الرَّقِّيُّ، قال: ثنا الحجاجُ، عن الحكمِ بنُ عتيبةَ، قال: قاتَلَ اللَّهُ الحجاجَ، إنْ كان لَيَفْقَهُ! أَمَّن رَجُلًا مِن مُحارَبَتِهِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"يعرض\".\n(^٢) العقل: الدِّيَة. وعقَل عنه عَقْلًا: أدَّى جِنايتَه، وذلك إذا لزمتْه ديةٌ فأعطاها عنه. ينظر تاج العروس (ع ق ل).","vol":"8","page":400},{"text":"فقال: انْظُروا هل أصاب شيئًا قبل خروجِه؟\nوقال آخرون: تضَعُ توبتُه عنه حدَّ اللَّهِ الذي وجَب عليه بمُحارَبَتِه، ولا تُسقِطُ عنه حقوقَ بني آدمَ.\nوممن قال ذلك الشافعيُّ. حدَّثنا بذلك عنه الرَّبيعُ (^١).\nوأوْلَى هذه الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: توبةُ المحاربِ المُمْتَنِعِ بنفسِه، أو بجماعةٍ معه قبلَ القدرةِ عليه، تضعُ عنه تَبِعاتِ الدنيا التي كانت لَزِمَتْه في أيام حربِه وحرابتِه؛ من حدودِ اللهِ، وغُرمٍ لازمٍ، وقَوَدٍ، وقصاصٍ، إلا ما كان قائمًا في يدِه مِن أموالِ المسلمين والمُعاهدين بعَيْنِه، فيُرَدُّ على أهله؛ لإجماعِ الجميع على أن ذلك حكمُ الجماعةِ الممتنعة المحاربةِ لله ولرسوله، الساعية في الأرضِ فسادًا، على وجهِ الرِّدَّةِ عن الإسلام. فكذلك حكمُ كلِّ ممتنعٍ سعَى في الأرضِ فسادًا، جماعةً كانوا أو واحدًا. فأمَّا المُسْتَخْفِى بسرقتِه والمتلصِّصُ على وجهِ اغْتِفالِ (^٢) مَن سرَقه، والشاهرُ السلاحَ في خَلاءٍ على بعضِ السابِلَةِ، وهو عندَ الطلبِ غيرُ قادرٍ على الامتناعِ، فإن حكمَ اللهِ عليه - تاب أو لم يَتُبْ - ماضٍ، وبحقوقِ مَن أخَذ مالَه أو أصاب وليَّه بدمٍ أو خَتْلٍ، مَأْخُوذٌ، وتوبتُه فيما بينَه وبينَ اللَّهِ، قياسًا على إجماعِ الجميعِ على أنه لو أصاب شيئًا من ذلك وهو للمسلمين سِلْمٌ، ثم صار لهم حَرْبًا، أن حربَه إياهم لن يضعَ عنه حقًّا للهِ عزَّ ذكرُه، ولا لآدميٍّ، فكذلك (^٣) حكمُه إذا أصاب ذلك في خَلاءٍ أو باسْتِخْفاءٍ، وهو غيرُ ممتنِعٍ من السلطان بنفسِه إن أراده، ولا له فئةٌ يلجأُ إليها مانعةٌ منه.\n_________\n(^١) الأم ٦/ ١٥٤.\n(^٢) في م: \"إغفال\"، وفي س: \"اغتيال\". وتَغَفَّلْتُه واسْتَغْفَلْتُه: تَحَيَّنْتُ غَفْلَتَه. ومعنى الاغتفال هنا في سياقه بنفس المعني. ينظر اللسان (غ ف ل).\n(^٣) بعده في ص، ت ١: \"ذلك\".","vol":"8","page":401},{"text":"وفي قولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. دليلٌ واضحٌ لَمَن وُفِّق لفهمِه، أن الحكمَ الذي ذكرَه اللهُ في المحاربين [يجرى في] (^١) المسلمين والمُعاهِدين، دونَ المشركين الذين قد نَصَبوا للمسلمين حربًا؛ وذلك أن ذلك لو كان حكمًا في أهلِ الحربِ من المشركين دونَ المسلمين، ودونَ ذِمَّتِهم، لَوَجَب أَلا يُسقِطَ إسلامُهم عنهم - إذا أسلموا أو تابوا بعد قُدْرتِنا عليهم - ما كان لهم قبلَ إسلامِهم وتوبتِهم من القتلِ، وما للمسلمين في أهلِ الحربِ من المشركين. وفي إجماع المسلمين أن إسلام المشركِ الحَرْبيِّ يضعُ عنه بعدَ قُدرةِ المسلمين عليه، ما كان واضِعَه عنه إسلامُه قبلَ القدرةِ عليه، ما يَدُلُّ على أن الصحيحَ مِن القولِ في ذلك قولُ مَن قال: عَنَى بآية المحاربين في هذا الموضعِ حُرَّابَ أهلِ المِلَّةِ أو الذِّمَّةِ دونَ مَن سواهم مِن مشركي أهلِ الحربِ.\nوأمَّا قولُه: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فإن معناه: فاعلَموا أيُّها المؤمنون أن اللَّهَ غيرُ مُؤَاخِدٍ مَن تاب مِن أهل الحربِ للهِ ولرسولِه، السّاعين في الأرض فسادًا، وغيرِهم بذنوبِه، ولكنَّه يعفُو عنه فيَسْتُرُها عليه، ولا يَفْضَحُه بها بالعقوبةِ في الدنيا والآخرةِ، رحيمٌ به في عفوِه عنه، وتَرْكِه عقوبتَه عليه.\n\n<span id=\"aya-704\"></span><span data-type='title' id=toc-2600>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾.</span>\nيَعْنِى جلَّ ثناؤُه بذلك: يا أَيُّها الذين صَدَّقوا الله ورسولَه فيما أخبَرَهم ووعدَ (^٢)\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"مجر مجاري\".\n(^٢) في م، ت ٢: \"وعدهم\".","vol":"8","page":402},{"text":"مِن الثوابِ، وأَوْعَد مِن العقابِ، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: أَجِيبُوا اللَّهَ فيما أَمَرَكم ونَهاكم، بالطاعةِ له في ذلك، وحَقِّقوا إيمانَكم وتصديقَكم ربَّكم ونبيَّكم، بالصالحِ من أعمالِكم، ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. يقولُ: واطلُبوا القُرْبةَ إليه بالعملِ بما يُرضِيه (^١).\nوالوسيلةُ هي الفعيلةُ، من قول القائل: تَوصَّلتُ إلى فلان بكذا. بمعنى: تَقَرَّبتُ إليه، ومنه قول عَنترَة (^٢):\nإنَّ الرجالَ لهم إليكِ وَسِيلَةٌ … إِنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وتَخَضَّبِي\nيَعْنِي بالوسيلةِ القُربةَ.\nومنه قولُ الآخَرِ (^٣):\nإذا غَفَل الواشُون عُدْنا لوَصْلِنا … وعاد التَّصافِي بينَنا والوسائلُ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2601>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمد الزُّبَيرِيُّ، قال: ثنا سُفْيانُ، ح وحدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا زَيْدُ بنُ الحُبابِ، عن سُفيانَ، عن منصُورٍ، عن أبي وائلٍ: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: القُربةُ في الأعمالِ (^٤).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكِيعٌ، ح وحدَّثنا سُفيانُ، قال: ثنا أَبي، عن طَلْحَةَ،\n_________\n(^١) في س: \"وظفته\".\n(^٢) ديوانه ص ٢٠.\n(^٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٦٤، وتفسير القرطبي ٦/ ١٥٩، دون نسبة.\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٩٦.","vol":"8","page":403},{"text":"عن عَطَاءٍ: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: القُربةُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ (^١)، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: فهى المسألةُ والقُربةُ (^٢).\nحدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يَزِيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. أي: تَقَرَّبوا إليه بطاعتِه والعملِ بما يُرضِيه (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أَبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾: القُربةُ إِلى اللَّهِ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدِ الرزَّاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: القُربةُ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كَثيرٍ قوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: القُربةُ (^٥).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زَيدٍ في قولِه: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: المحبةُ، تَحبَّبوا إلى اللَّهِ. وقرأ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (^٥) [الإسراء: ٥٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-2602>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) في النسخ: \"عمرو\". وهو إسناد دائر، ينظر مثلا ٢/ ٥٩٤، ٥/ ٤٤٠،٤٣٧، وسيأتي في ص ٤٠٨، ٤١٣، وينظر أيضا الجرح والتعديل ٧/ ٢٣٠.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٩٦.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٩.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٩٦.","vol":"8","page":404},{"text":"يقولُ جلَّ ثناؤُه للمؤمنين به وبرسولِه: وجاهِدوا أيُّها المؤمنون أعدائِى وأعداءَكم في سبيلى. يَعنِي: في دينِه وشريعتِه التي شَرَعها لعبادِه، وهي الإسلامُ. يقولُ: أَتْعِبوا أَنفسَكم في قتالِهم وحَملِهم على الدخولِ في الحنيفيَّة المسلمة. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: كيما تُنْجِحوا فَتُدرِكوا البقاءَ الدائمَ، والخلودَ في جنانِه.\nوقد دَلَّلنا على معنى \"الفلاح\" فيما مضَى بشواهِده، بما أَغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\n\n<span id=\"aya-705\"></span><span data-type='title' id=toc-2603>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾.</span>\nيقول عزَّ ذكْرُه: إن الذين جحدوا ربوبيةَ ربِّهم، وعبَدوا غيرَه، من بنى إسرائيلَ الذين عَبَدوا العجلَ، ومِن غيرِهم الذين عبَدوا الأوثانَ والأصنامَ، وهَلَكوا على ذلك قبلَ التوبةِ، لو أن لهم مُلْكَ ما في الأرضِ كلِّها وضِعفه معه لِيَفْتَدوا به من عقابِ اللهِ إياهم على [تركِهم أمرَه] (^٢)، وعبادتِهم غيرَه يومَ القيامةِ، فافْتَدَوْا بذلك كلِّه - ما تَقَبَّل اللهُ منهم ذلك فداءً وعوضًا مِن عذابِهم وعقابِهم، بل هو مُعَذِّبُهم في حميمِ يومِ القيامةِ عذابًا موجِعًا لهم.\nوإنما هذا إعلامٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه لليهودِ الذين كانوا بينَ ظَهرانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ، أنهم وغيرَهم من سائرِ المشركين به سواءٌ عنده فيما لهم مِن العذابِ الأَليمِ، والعقابِ العظيمِ، وذلك أنهم كانوا يَقولون: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٥٦ وما بعدها.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أمرهم\".","vol":"8","page":405},{"text":"أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]. اغتِرارًا باللهِ وكذبًا (^١) عليه. فكَذَّبَهم تعالى ذكرُه بهذه الآيةِ وبالتي بعدَها، وحسَم طَمَعَهم، فقال لهم ولجميعِ الكفرةِ به وبرسولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: فلا تَطْمَعوا أَيُّها الكفرةُ في قَبولِ الفِديةِ منكم، ولا في خروجِكم مِن النارِ بوسائلِ آبائِكم عندى بعدَ دخولِكموها، إن أنتم مُتُّم على كفرِكم الذي أنتم عليه، ولكن تُوبوا إلى اللهِ توبةً نَصُوحًا.\n\n<span id=\"aya-706\"></span><span data-type='title' id=toc-2605>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾.</span>\nيَعْنِي جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ﴾: يُرِيدُ هؤلاءِ الذين كفروا بربِّهم يومَ القيامةِ أن يَخْرُجوا مِن النارِ بعدَ دُخُولِها، وما هم بخارِجين منها، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. يقولُ: لهم عذابٌ دائمٌ ثابتٌ لا يَزُولُ عنهم، ولا يَنتَقِلُ أبدًا. كما قال الشاعرُ (^٢):\nفإنَّ لكمْ بِيَوْمِ الشِّعْبِ مِنِّي … عذابًا دائمًا لَكُمُ مُقِيما\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2604>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يَحيَى بنُ واضِحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"تكذيبا\".\n(^٢) مجاز القرآن ١/ ١٦٥، وتفسير القرطبي ٦/ ١٥٩، دون نسبة.","vol":"8","page":406},{"text":"واقِدٍ، عن يَزِيدَ النَّحوِيِّ، عن عِكرِمةَ، أن نافِعَ بنَ الأَزرَقِ قال لابنِ عباسٍ: يا أَعمى البصرِ (^١) (^٢) أعمَى القلبِ، تَزْعُمُ أن قومًا يَخرُجُون مِن النارِ، وقد قال اللَّهُ جلَّ وعزَّ: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾! فقال ابن عباسٍ: وَيحَك، اقْرَأْ ما فوقَها، هذه للكفارِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-707\"></span><span data-type='title' id=toc-2606>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: ومَن سرَق مِن رجلٍ أو امرأةٍ فاقْطَعُوا أيُّها الناسُ يدَه. ولذلك (^٤) رُفِع ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾؛ لأنهما غيرُ مُوقَّتين (^٥)، ولو أُرِيدَ بذلك سارقٌ وسارقةٌ بأعيانِهما، لكان وجهُ الكلامِ النَّصْبَ.\nوقد رُوِى عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ أنه كان يَقرَأُ ذلك: (والسارِقُونَ والسارِقَاتُ (^٦).\nحدَّثَنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثَنَا يَزِيدُ بنُ هارُونَ، عن ابن عَوْنٍ، عن إبراهِيمَ، قال: في قراءتِنا - قال: وربما قال: في قراءةِ عبدِ اللَّهِ -: (والسارِقُونَ والسارِقاتُ فاقطَعُوا أيمانَهُما) (^٧).\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"عمى\".\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"البصار\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٠ إلى المصنف.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كذلك\".\n(^٥) في م: \"معينين\". وغير الموقت هو الاسم المعرفة المشتق، فهو لا يدل على سارق بعينه أو سارقة بعينها.\nينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٣٠٦، والمصطلح النحوى ص ١٦٨، وينظر ما تقدم في ٦/ ١٧٨.\n(^٦) ذكره الفراء في معاني القرآن ١/ ٣٠٦، والقراءة شاذة لم ترد عن أحد من القراء العشرة.\n(^٧) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٣٧ - تفسير) من طريق ابن عون به، بلفظ: تقطع أيمانهم. وليس عنده: وربما قال في قراءة عبد الله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ ولفظه: (فاقطعوا أيمانهم).","vol":"8","page":407},{"text":"حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن عَوْنٍ، عن إبراهيمَ: في قراءتِنا: (والسارِقُون وَالسَّارِقَاتُ فاقْطَعُوا أَيْمَانَهما).\nوفى ذلك دليلٌ على صحةِ ما قلنا مِن معناه، وصحةِ الرفعِ فيه، وأن ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ مرفوعانِ بفعلِهما على ما وصَفتُ؛ للعللِ التي وصَفتُ.\nوقال تعالى ذكرُه: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ والمعنى: أيديَهما اليُمنَى.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أَسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾: اليُمنى.\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (والسارِقُ والسارِقَةُ فَاقْطَعوا أيمانَهما) (^١).\nثم اختَلَفوا في السارقِ الذي عَنَاهِ اللَّهُ؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك سارقَ ثلاثةِ دراهمَ فصاعدًا. وذلك قولُ جماعةٍ مِن أهلِ المدينةِ؛ منهم مالكُ بنُ أنسٍ ومَن قال بقولِه. واحتَجُّوا لقولِهم ذلك بأن رسولَ اللَّهِ ﷺ قطَع في مِجنٍّ (^٢) قيمتُه ثلاثةُ دراهمَ (^٣).\nوقال آخَرون: بل عنَى بذلك سارقَ ربعِ دينارٍ أو قيمتِه. وممن قال ذلك الأَوزاعيُّ ومن قال بقولِه. واحتَجُّوا لقولِهم ذلك بالخبرِ الذي رُوِىَ عن عائشةَ أنها قالت: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"القَطْعُ في رُبُعِ دينارٍ فصاعدًا\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ٨/ ٢٧٠ من طريق مجاهد: في قراءة ابن مسعود. فذكره، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) المجن: التُّرس؛ لأنه يوارى حامله، أي: يستره. والميم زائدة. النهاية ١/ ٣٠٨.\n(^٣) أخرجه البخارى (٦٧٩٥ - ٦٧٩٩)، ومسلم (١٦٨٦) من حديث عبد الله بن عمر.\n(^٤) أخرجه بهذا اللفظ النسائي (٤٩٤٥)، وأخرجه البخارى (٦٧٨٩، ٦٧٩١)، ومسلم (١٦٨٤)، وغيرهما بنحوه.","vol":"8","page":408},{"text":"وقال آخَرون: بل عنَى بذلك سارقَ عشَرةِ دراهمَ فصاعدًا. وممن قال ذلك أبو حنيفةَ وأصحابُه. واحتَجُّوا في ذلك بالخبرِ الذي رُوِىَ عن عبدِ اللَّهِ بن عَمْرٍو (^١) وابنِ عباسٍ أن النبيَّ ﷺ قطَع في مِجَنٍّ قيمتُه عشَرةُ دراهمَ (^٢).\nوقال آخرون: بل عنَى بذلك سارقَ القليلَ والكثيرَ. واحتَجُّوا في ذلك بأن الآيةَ على الظاهرِ، وأن ليس لأحدٍ أن يَخُصَّ منها شيئًا إلا بحجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها. وقالوا: لم يَصِحَّ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ خَبرٌ بأن ذلك في خاصٍّ مِن السُّرَّاقِ. قالوا: والأخبارُ فيما قطَع فيه رسولُ اللَّهِ ﷺ عنه مضطربةٌ مختلفةٌ، ولم يَروِ عنه أحدٌ أنه أُتِىَ بسارقِ درهمٍ فخلَّى عنه، وإنما رَوَوْا عنه أنه قطَع في مِجَنٍّ قيمتُه ثلاثةُ دراهِمَ. قالوا: وممكنٌ أن يكونَ لو أُتِىَ بسارقِ ما قيمتُه دانِقٌ (^٣) أن يُقْطَعَ. قالوا: وقد قطَع ابن الزُّبير في درهمٍ. ورُوِىَ عن ابن عباسٍ أنه قال: الآيةُ على العمومِ.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمِنِ، عن نَجْدَةَ الحَنَفِيِّ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن قولِه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾. أخاصٌّ أم عامٌّ؟ فقال: بل عامٌّ (^٤).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا قولُ مَن قال: الآيةُ مَعْنيٌّ بها خاصٌّ مِن السُّرَّاقِ، وهم سُرَّاقُ ربعِ دينارٍ فصاعدًا أو قيمتِه؛ لصحةِ الخبرِ عن رسولِ الله ﷺ أنه\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، س: \"عمر\".\n(^٢) حديث ابن عمرو أخرجه الإمام أحمد ١١/ ٢٨١، ٥٠٢ (٦٦٨٧، ٦٩٠٠)، والنسائى (٤٩٧١)، وفى الكبرى (٧٤٤٤)، والطحاوى في شرح معاني الآثار ٣/ ١٦٣، والدارقطنى ٣/ ١٩٠ - ١٩٣، والبيهقى ٨/ ٢٥٩، وحديث ابن عباس أخرجه أبو داود (٤٣٨٧)، والنسائى (٤٩٦٥، ٤٩٦٦)، والحاكم ٤/ ٣١٨، والطحاوى في شرح معاني الآثار ٣/ ١٦٣. وينظر فتح البارى ١٢/ ١٠٣.\n(^٣) الدائق: سدس الدرهم. الصحاح (د ن ق).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"8","page":409},{"text":"قال: \"القَطعُ في رُبُعِ دينارٍ فصاعدًا\". وقد استَقْصيتُ ذكرَ أقوالِ المختلفين في ذلك مع عللِهم التي اعتَلُّوا بها لأقوالِهم، والبيانَ (^١) عن أَوْلاها بالصوابِ بشواهِدِه في كتابِنا \"كتابِ السرقةِ\"، فكَرِهنا إطالةَ الكتابِ بإعادةِ ذلك في هذا الموضِعِ.\nوقولُه: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: مكافأةً لهما على سرقتِهما وعملِهما في التَّلصُّصِ بمعصيةِ اللَّهِ، ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: عُقوبةً مِن اللَّهِ على لُصوصيتِهما.\nوكان قَتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: لا تَرْثُوا لهم أن تُقِيمُوا فيهم الحدودَ، فإنه: واللَّهِ ما أَمَر اللَّهُ بأَمرٍ قَطُّ إلا وهو صلاحٌ، ولا نَهَى عن أَمرٍ قَطُّ إلا وهو فسادٌ. وكان عُمرُ بنُ الخَطَّابِ يقولُ: اشتَدُّوا على السُّرَّاقِ، فاقطَعُوهم يدًا يدًا، ورِجلًا رِجلًا (^٢).\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللهُ عزيزٌ في انتقامِه من هذا السارقِ والسارقةِ وغيرِهما من أهلِ معاصِيه، حكيمٌ في حُكْمِه فيهم وقضائِه عليهم. يقولُ: فلا تُفرِّطُوا أيُّها المؤمنون في إقامةِ حُكمِى على السُّرَّاقِ وغيرِهم من أهلِ الجرائمِ الذين أَوجَبْتُ عليهم حدودًا في الدنيا عقوبةً لهم، فإنى بحُكمِى قَضَيتُ ذلك عليهم، وعِلمى بصلاحِ ذلك لهم ولكم.\n\n<span id=\"aya-708\"></span><span data-type='title' id=toc-2607>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"السارق\"، وفى م: \"التلميح\"، وفى س: \"السارق والسارقة\" والمثبت كما أثبته الشيخ شاكر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٠ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"8","page":410},{"text":"يقولُ جلَّ ثناؤُه: فمن تاب مِن هؤلاءِ السُّرَّاقِ. يقولُ: مَن رجَع منهم عمَّا يَكرَهُه اللَّهُ مِن معصيتِه إياه إلى ما يَرضَاه مِن طاعتِه، ﴿مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾. وظلمُه هو اعتداؤُه وعملُه ما نهاه اللَّهُ عنه مِن سَرِقةِ أموالِ الناسِ. يقولُ: ﴿وَأَصْلَحَ﴾ نفسَه بحملِها على مكروهِها في طاعةِ اللَّهِ، والتوبةِ إليه مما كان عليه مِن معصيتِه.\nوكان مُجاهِدٌ فيما ذُكِرَ لنا يقولُ: توبتُه في هذا الموضعِ الحدُّ الذي يُقامُ عليه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أَبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ [فتاب عليه. يقولُ: الحدُّ] (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا موسى بنُ داودَ، قال: ثنا ابن لَهِيعَةَ، عن حُيَىٍّ بن عبدِ اللَّهِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ الحُبُلِيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن عَمْرٍو، قال: سَرَقت امرأةٌ حَلْيًا، فجاء الذين سَرَقتْهم فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، سرَقَتنا هذه المرأةُ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"اقْطَعُوا يدَها اليُمْنَى\". فقالت المرأةُ: هل مِن توبةٍ؟ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أنتِ اليومَ من خطيئتِك كيومِ ولَدَتْكِ أُمُّكِ\". قال: فأنزَلَ اللَّهُ جلَّ وعزَّ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ (^٣).\nوقولُه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: فإن اللَّهَ جلَّ وعزَّ يَرجِعُه إلى ما يُحِبُّ ويَرضَى، عما يَكْرَهُ (^٤) ويَسخَطُ مِن مَعصيتِه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"يقول: فتاب عليه بالحد\".\n(^٣) أخرجه أحمد ١١/ ٢٣٧ (٦٦٥٧) من طريق ابن لهيعة به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨١ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) في م: \"يكرهه\".","vol":"8","page":411},{"text":"وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ عَزَّ ذكرُه ساتِرٌ على مَن تاب وأَناب عن معاصيه إلى طاعتِه ذنوبَه، بالعفوِ عن عقوبتِه عليها يومَ القيامةِ، وتركِه فضيحتَه بها على رءوسِ الأشهادِ، رحيمٌ به وبعبادِه التائبين إليه مِن ذنوبِهم.\n\n<span id=\"aya-709\"></span><span data-type='title' id=toc-2608>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أَلم يعلمْ (^١) هؤلاءِ القائلون (^٢): ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]. الزَّاعمون (^٣) أنهم أبناءُ اللَّهِ وأحباؤُه - أن اللَّهَ مُدَبِّرُ ما في السماواتِ وما في الأرضِ، ومُصَرِّفُه وخالقُه، لا يَمْتَنِعُ شيءٌ مما في واحدةٍ منهما مما أَرادَه؛ لأن كلَّ ذلك مُلكُه، وإليه أمرُه، ولا نَسَبَ بينَه وبينَ شيءٍ مما فيهما، ولا مما في واحدةٍ منهما، فيُحَابِيَه بسببِ قرابتِه منه، فَيُنجِيَه مِن عذابِه وهو به كافرٌ، ولأمرِه ونهيِه مخالفٌ، أو يُدخِلَه النارَ وهو له مُطِيعٌ، لبُعدِ قرابتِه منه، ولكنَّه يُعذِّبُ من يشاءُ من خلقِه في الدنيا على معصيتِه بالقتلِ والخسفِ والمَسْخِ، وغيرِ ذلك مِن صنوفِ عذابِه، ويَغْفِرُ لمن يشاءُ منهم في الدنيا بالتوبةِ عليه مِن كفرِه ومعصيتِه، فيُنْقِذُه مِن الهَلَكةِ، ويُنْجِيه مِن العقوبةِ، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾. يقولُ: واللَّهُ على تعذيبِ مَن أراد تعذيبَه مِن خلقِه على معصيتِه، وغُفْرانِ ما أراد غفرانَه منهم باستنْقاذِه مِن الهَلَكةِ بالتوبةِ عليه، وغيرِ ذلك مِن الأمورِ كلِّها قادرٌ؛ لأن الخلْقَ خلقه، والمُلكَ ملكُه، والعبادَ عبادُه.\nوخرَج قولُه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. خطابًا له ﷺ، والمَعْنِيُّ به مَن ذكَرْتُ مِن فِرَقٍ بنى إسرائيلَ الذين كانوا بمدينةِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تعلم\"، وفى س: \"تعلم يا محمد\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٣، س: \"القائلين\"، وفى ت ٢: \"العالمين\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الزاعمين\".","vol":"8","page":412},{"text":"رسولِ اللَّهِ ﷺ وما حوالَيْها.\nوقد بيَّنَّا استعمالَ العربِ نظيرَ ذلك في كلامِها بشَواهدِه فيما مضَى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\n\n<span id=\"aya-710\"></span><span data-type='title' id=toc-2611>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾.</span>\nاختَلَف أهلُ التأويلِ في مَن عُنِى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: نزَلَت في أبى لُبابةَ بن عبدِ المُنْذِرِ، بقولِه لبنى قُرَيْظةَ حينَ حاصَرَهم النبيُّ ﷺ: إنما هو الذبحُ، فلا تَنْزِلوا على حكمِ سعدٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2609>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: نزَلَتْ في رجلٍ مِن الأنصارِ، زعَموا أنه أبو لُبابةَ، أشارَت إليه بنو قُرَيْظةَ يومَ الحِصارِ: ما الأمرُ، وعلامَ نَنْزِلُ؟ فأشار إليهم: إنه الذبحُ (^٢).\nوقال آخَرون: بل نزَلَت في رجلٍ مِن اليهودِ، سأَل رجلًا مِن المسلمين يَسْأَلُ رسولَ اللَّهِ ﷺ عن حكمِه في قتيلٍ قتَلَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2610>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن زكريا، عن عامرٍ: ﴿لَا\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٤٠٤ وما بعدها.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١١٣٠ (٦٣٥٣) من طريق أحمد بن المفضل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٣ إلى أبى الشيخ.","vol":"8","page":413},{"text":"يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾. قال: كان رجلٌ مِن اليهودِ قتَله رجلٌ مِن أهلِ دينِه، فقال القاتلُ لحلفائِهم مِن المسلمين: سَلُوا لى محمدًا ﷺ، فإن كان يقضى (^١) بالدِّيَةِ اختَصَمنا إليه، وإن كان يَأْمُرُنا بالقتلِ لم نَأْتِه (^٢).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عَمْرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبرَنا هُشَيْمٌ، عن زكريا، عن عامرٍ نحوَه.\nوقال آخَرون: بل نزَلَت في عبدِ اللَّهِ بن صُورِيَا، وذلك أنه ارْتَدَّ بعدَ إسلامِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2612>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هَنَّادٌ وأبو كُرَيْبٍ، قالا: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى الزُّهْريُّ، قال: سمِعْتُ رجلًا مِن مُزَيْنةَ يُحَدِّثُ (^٣) سعيدَ بنَ المسيَّبِ، أن أبا هريرةَ حدَّثهم، أن أحْبارَ يَهودَ اجتَمَعوا في بيتِ المِدْراسِ حينَ قدِم رسولُ اللَّهِ ﷺ المدينةَ، وقد زنَى رجلٌ منهم بعدَ إحْصانِه بامرأةٍ مِن يهودَ قد أحْصَنَت، فقالوا: انطَلِقوا بهذا الرجلِ وبهذه المرأةِ إلى محمدٍ (^٤)، فاسْأَلوه كيف الحكمُ فيهما، فوَلُّوه الحكمَ عليهما، فإن عمِل فيهما بعملِكم مِن التَّجْبِيهِ (^٥) - وهو الجَلْدُ بحبْلٍ مِن لِيفٍ مَطْليٍّ بقارٍ، ثم تُسَوَّدُ وُجوهُهما، ثم يُحْمَلان على حمارين، وتُحَوَّلُ وُجوهُهما مِن قِبَلِ دُبُرِ الحمارِ - فاتَّبِعوه، فإنما هو مَلِكٌ، وإن هو حكَم فيهما بالرجْمِ فاحْذَروه على ما في أيديكم أن يَسْلُبِكموه. فأتَوْه فقالوا: يا محمدُ، هذا الرجلُ قد زنَى بعدَ إحْصانِه\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بعث\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٢٢ (٤٥٤٤) من طريق زكريا به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) بعده في النسخ: \"عن\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٤) بعده في النسخ: \"ﷺ\". واليهود لا تقول ذلك.\n(^٥) في م: \"التحميم\"، وفى س: \"الحد\". وينظر النهاية ١/ ٢٣٧.","vol":"8","page":414},{"text":"بامرأةٍ قد أحْصَنَت، فاحْكُمْ فيهما، فقد ولَّيْناك الحكمَ فيهما. فمشَى رسولُ اللَّهِ ﷺ حتى أتَى أحْبارَهم في بيتِ المِدْراسِ، فقال: \"يا معشَرَ اليهودِ، أَخْرِجوا إليَّ أَعْلَمَكم\". فأخْرَجوا إليه عبدَ اللَّهِ بنَ صُورِيَا الأعْوَرَ - وقد روَى بعضُ بنى قُريظةَ (^١) أنهم أخرَجوا إليه يومَئذٍ مع ابن صُورِيَا أبا ياسرِ بنَ أخْطَبَ ووهبَ بنَ يَهوذَا، فقالوا: هؤلاء علماؤُنا. فسَألهم (^٢) رسولُ اللَّهِ ﷺ حتى حصَّل (^٣) أمرَهم إلى أن قالوا لابنِ صُورِيَا: هذا أعلمُ مَن بقِى بالتوراةِ - فخلَا به رسولُ اللَّهِ ﷺ، وكان غلامًا شابًّا مِن أحدثِهم سنًّا، فألَظَّ (^٤) به رسولُ اللَّهِ ﷺ المسألةَ، يقولُ: \"يا ابنَ صُورِيَا، أَنْشُدُك اللَّهَ، وأُذَكِّرُك أيادِيَه عندَ بنى إسرائيلَ، هل تَعْلَمُ أن اللَّهَ حكَم في مَن زنَى بعدَ إحصانِه بالرجمِ في التوراةِ؟ \". فقال: اللهمَّ نعم، أمَا واللَّهِ يا أبا القاسمِ إنهم لَيَعْلَمون أنك نبيٌّ مرسَلٌ، ولكنهم يَحْسُدونك. فخرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ، فأمَر بهما فرُجِما عندَ بابِ مسجدِه في بنى [غَنْمِ بن مالكِ] (^٥) بن النجارِ، ثم كفَر بعدَ ذلك ابن صُورِيَا، فأنْزَل اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ (^٦).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، ح وحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، ح وحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عَبِيدةُ بنُ حُمَيْدٍ (^٧)، عن الأعمشِ، عن\n_________\n(^١) من هنا إلى قوله: أعلم من بقى بالتوراة. من قول ابن إسحاق، كما ذكر ابن هشام في السيرة.\n(^٢) في ص، ت ١، س، وسنن البيهقى: \"فقال لهم\".\n(^٣) حصَّلت الأمر: حققته وأثبته. النهاية ١/ ٣٩٦.\n(^٤) ألظ به: ألح في سؤاله وألزمه إياه. النهاية ٤/ ٢٥٢.\n(^٥) في النسخ: \"عثمان بن غالب\". والمثبت من سيرة ابن هشام وسنن البيهقى ودلائل النبوة، وينظر جمهرة أنساب العرب ص ٣٤٧.\n(^٦) سيرة ابن هشام ١/ ٥٦٤، وأخرجه البيهقى ٨/ ٢٤٦، وفى الدلائل ٦/ ٢٧٠ من طريق يونس به نحوه، وأخرجه أبو داود (٤٤٥١)، والبيهقى ٨/ ٢٤٧، وابن عبد البر في التمهيد ١٤/ ٤٠٠، ٤٠١، من طريق ابن إسحاق به مختصرًا بنحوه.\n(^٧) في م: \"عبيد\". وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٢٥٧.","vol":"8","page":415},{"text":"عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن البَرَاءِ بن عازبٍ، قال: مُرَّ على (^١) النبيِّ ﷺ بيهوديٍّ مُحَمَّمٍ مَجْلودٍ، فدعا النبيُّ ﷺ رجلًا مِن علمائِهم، فقال: \"أهكذا تَجِدون حدَّ الزنَى فيكم؟ \". قال: نعم. قال: \"فأَنْشُدُك بالذي أنْزَل التوراةَ على موسى، أهكذا تَجِدون حدَّ الزانى فيكم؟ \". قال: لا، ولولا أنك نشَدْتَنى بهذا لم أُحَدِّثْك، ولكنِ الرجمُ، ولكن كثُر الزنى في أشرافِنا، فكنا إذا أخَذْنا الشريفَ ترَكْناه، وإذا أخَذْنا الضعيفَ أقَمْنا عليه الحدَّ، فقلنا: تَعالَوْا نَجْتَمِعْ، فنَضَعَ شيئًا مكانَ الرَّجْمِ، فيَكونَ على الشريفِ والوَضيعِ. فوضَعْنا التَّحْميمَ والجَلْدَ مكانَ الرجمِ، فقال النبيُّ ﷺ: \" [اللهمَّ إنى] (^٢) أنا أولُ مَن أحْيا أمْرَك إذ أماتُوه\". فأمَر به فرُجِم، فأنْزَل اللَّهُ: ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبَرَنا ابن المُبارَكِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْريِّ، قال: كنتُ جالسًا عندَ سعيدِ بن المسيَّبِ، وعندَ سعيدٍ رجلٌ يُوَقِّرُه، فإذا هو رجلٌ مِن مُزَيْنةَ كان أبوه شهِد الحُدَيْبِيَّةَ، وكان مِن أصحابِ أبى هريرةَ، قال: قال أبو هريرةَ: كنتُ جالسًا عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ. ح وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ كاتبُ الليثِ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى عُقَيْلٌ، عن ابن شِهابٍ، قال:\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٥٠١، ١٤/ ١٤٨، وأحمد ٣٠/ ٥٣١، ٦١٠ (١٨٥٦٢، ١٨٦٦٣)، ومسلم (١٧٠٠)، والبيهقى ٨/ ٢١٤، ٢١٥ من طريق وكيع به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٥٠١، ١٤/ ١٤٨، وأحمد ٣٠/ ٤٨٩ (١٨٥٢٥)، ومسلم (١٧٠٠/ ٢٨)، وأبو داود (٤٤٤٨)، وابن ماجه (٢٣٢٧، ٢٥٥٨)، والنسائى في الكبرى (٧٢١٨، ١١١٤٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٣٢ (٦٣٦٥)، والنحاس في ناسخه ص ٤٠٠، والبيهقى ٨/ ٢٤٦ من طريق أبى معاوية به، وأخرجه أبو داود (٤٤٤٧) والطحاوى في شرح المعانى ٤/ ١٤٢ وفى المشكل (٤٥٤١) من طريق الأعمش به بنحوه ومختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"8","page":416},{"text":"أخْبَرَنى رجلٌ مِن مُزَيْنةَ ممَّن يَتَّبِعُ العلمَ ويَعِيه، حدَّث (^١) سعيدَ بنَ المسيَّبِ، أن أبا هريرةَ قال: بيْنا نحن مع رسولِ اللَّهِ ﷺ إذ جاءه رجلٌ مِن اليهودِ، وكانوا قد شاوَرُوا في صاحبٍ لهم زنَى بعدَ ما أحْصَن، فقال بعضُهم لبعضٍ: إن هذا النبيَّ قد بُعِث، وقد علِمْتُم أن قد فُرِض عليكم الرجمُ في التوراةِ فكتَمْتُموه، [واصَّلَحْتُم بينَكم] (^٢) عقوبةً دونَه، فانْطَلِقوا فنَسْأَلَ هذا النبيَّ، فإن أفْتانا بما فُرِض علينا في التوراةِ مِن الرجمِ ترَكْنا ذلك، فقد ترَكْنا ذلك في التوراةِ، فهى أحقُّ أن تُطاعَ وتُصَدَّقَ. فأتَوْا رسولَ اللَّهِ ﷺ، فقالوا: يا أبا القاسمِ، إنه زنَى صاحبٌ لنا قد أحْصَن، فما تَرَى عليه مِن العقوبةِ؟ قال أبو هريرةَ: فلم يَرْجِعْ إليهم رسولُ اللَّهِ ﷺ حتى قام وقمْنا معه، فانْطَلَق يَؤُمُّ مِدْراسَ اليهودِ حتى أتاهم، فوجَدَهم يَتَدارَسون التوراةَ في بيتِ المِدْراسِ، فقال لهم: \"يا مَعْشرَ يهودَ، أَنْشُدُكم باللَّهِ الذي أنْزَل التوراةَ على موسى، ماذا تَجِدون في التوراةِ مِن العقوبةِ على مَن زنَى وقد أحْصَن؟ \". قالوا: إنا نَجِدُه يُحَمَّمُ ويُجْلَدُ. وسكَت حبرُهم في جانبِ البيتِ، فلمَّا رأَى رسولُ اللَّهِ ﷺ صمْتَه [ألَظَّ يَنْشُدُه] (^٣)، فقال حَبْرُهم: اللهمَّ إذ نشَدْتَنا، فإنا نَجِدُ عليهم الرجمَ. فقال له رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"فماذا كان أولَ ما ترَخَّصْتم به أمرَ اللَّهِ؟ \". قال: زنَى ابن عمِّ مَلِكٍ فلم يَرْجُمْه، ثم زنَى رجلٌ آخرُ في أُسْرَةٍ مِن الناسِ، فأراد ذلك الملكُ رَجْمَه، فقام دونَه قومُه، فقالوا: واللَّهِ لا تَرْجُمُه حتى تَرْجُمَ فلانًا. ابنَ عمِّ الملكِ. [فاصَّلَحوا بينَهم] (^٤) عقوبةً دونَ الرَّجْمِ، وترَكوا الرَّجْمَ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"فإنى أَقْضِى بما في التَّوراةِ\". فأنْزَل اللَّهُ في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا\n_________\n(^١) بعده في م، ت ٢: \"عن\".\n(^٢) في م: \"واصطلحتم بينكم على\".\n(^٣) في م: \"ألظ به النشدة\"، وفى س: \"جعل ينشده\".\n(^٤) في م: \"فاصطلحوا بينهم على\".","vol":"8","page":417},{"text":"الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (^١).\nوقال آخَرون: بل عُنِى بذلك المنافقون.\n\n<span data-type='title' id=toc-2613>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن كَثيرٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: هم المُنافِقون.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: يقولُ: المنافقون. [﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾. قال: هم سمَّاعون لليهودِ] (^٢).\nوأولى هذه الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ أن يُقالَ: عُنِى بذلك: ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الدلائل ٦/ ٢٦٩، ٢٧٠ من طريق عبد الله بن المبارك به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣٣٣٠)، وفى تفسيره ١/ ١٨٩، ١٩٠ ومن طريقه أبو داود (٤٨٨، ٤٤٥٠، ٣٦٢٤)، وابن أبى حاتم في تفسيره ٤/ ١١٣٨ (٦٤٠١) عن معمر به، وأخرجه أبو داود (٤٤٥٠)، وابن عبد البر في التمهيد ١٤/ ٣٩٩ عن الزهرى به، وأخرجه أحمد ١٣/ ١٨٢ (٧٧٦١) عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى عن رجل من مزينة مرسلًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: م.\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٣٠٨ وذكر ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١١٣٠ شطره الثاني عقب الأثر (٦٣٥٢) معلقًا، وكذا ذكره السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٣ وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"8","page":418},{"text":"قُلُوبُهُمْ﴾ قومٌ مِن المنافقين، وجائزٌ أن يكونَ كان ممَّن دخَل في هذه الآيةِ ابن صُورِيَا، وجائزٌ أن يَكونَ أبو لُبابةَ، وجائزٌ أن يَكونَ غيرُهما، غيرَ أنَّ أَثْبَتَ شيءٍ رُوى في ذلك ما ذكَرْناه مِن الروايةِ قبلُ عن أبي هريرةَ والبَرَاءِ بن عازبٍ؛ لأن ذلك عن رجلين من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ. وإذا كان ذلك كذلك، كان الصحيحُ مِن القولِ فيه أن يُقالَ: عُنِى به عبدُ اللَّهِ بنُ صُورِيَا.\nوإذا صحَّ ذلك كان تأويلُ الآيةِ: يا أيُّها الرسولُ لا يَحْزُنْك الذين يُسارِعون في جُحودِ نبوتِك، والتكذيبِ بك أنك لى نبيٌّ، من الذين قالوا: صدَّقْنا بك يا محمدُ أنك للَّهِ رسولٌ مبعوثٌ، وعلِمْنا بذلك يقينًا، بوجودِنا صفتَك في كتابِنا. وذلك أن في حديثِ أبى هريرةَ الذي رواه ابن إسحاقَ، عن الزهريِّ، أن ابنَ صُورِيَا قال لرسولِ اللَّهِ ﷺ: أمَا واللَّهِ يا أبا القاسمِ إنهم لَيَعْلَمون أنك نبيٌّ مُرسَلٌ، ولكنهم يَحْسُدونك. فذلك كان على هذا الخبرِ، كان (^١) مِن ابن صُورِيا إيمانًا برسولِ اللَّهِ ﷺ بفِيه، ولم يكنْ مُصَدِّقًا لذلك بقلبِه، فقال اللَّهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ، مُطْلِعَه على ضميرِ ابن صُورِيَا، وأنه لم يُؤْمِنْ بقلبِه، يقولُ: ولم يُصَدِّقْ قلبُه بأنك للَّهِ رسولٌ مُرسَلٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2614>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا أيُّها الرسولُ لا يَحْزُنْك تَسَرُّعُ مَن تسَرَّع مِن هؤلاء المنافقين الذين يُظْهِرون بألسنتِهم تَصْديقَك وهم مُعْتَقِدون تكْذيبَك، إلى الكفرِ بك، ولا تَسَرُّعُ اليهودِ إلى جحودِ نبوتِك. ثم وصَف جلَّ وعزَّ له صفتَهم، ونعَتَهم له بتُعوتِهم الذُّميمةِ، وأفْعالِهم الرديئةِ، وأخْبَرَه مُعَزِّيًا له على ما يَنالُه مِن الحزنِ بتَكْذيبِهم إياه مع علمهم بصدْقِه، أنهم أهلُ استحلالٍ للحرامِ، والمآكلِ\n_________\n(^١) سقط من: م، س.","vol":"8","page":419},{"text":"الرديئةِ، والمطاعمِ الدَّنِيئةِ مِن الرِّشَا والسُّحْتِ، وأنهم أهلُ إفْكِ وكذبٍ على اللَّهِ وتحريفٍ كتابَه. ثم أعْلَمه أنه مُحِلٌّ بهم خِزْيَه في عاجلِ الدنيا، وعقابَه في آجِلِ الآخِرةِ، فقال: هم ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾. يعنى هؤلاء المنافقين مِن اليهودِ. يقولُ: هم يَسْمَعون الكذبَ. وسمعُهم الكذبَ سمعُهم قولَ أحْبارِهم أن حكمَ الزانى المُحْصَنِ في التوراةِ التحميمُ والجَلْدُ، ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾. يقولُ: يَسْمَعون لأهلِ الزانى الذين أرادوا الاحتكامَ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، وهم القومُ الآخَرون الذين لم يَكُونوا أتَوْا رسولَ اللَّهِ ﷺ، وكانوا مُصِرِّين (^١) على أن يَأْتُوه، كما قال مجاهدٌ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾: [مع مَن] (^٢) أتَوك.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في السَّمّاعين للكذبِ السمَّاعين لقومٍ آخَرِين؛ فقال بعضُهم: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾: يهودُ فَدَكَ، والقومُ الآخَرون الذين لم يَأْتُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ يهودُ المدينةِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2615>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عُيَيْنةَ، قال: ثنا زكريا ومُجالِدٌ، عن الشَّعْبيِّ، عن جابرٍ في قولِه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ قال: يهودُ المدينةِ، ﴿لَمْ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وهم\".\n(^٣) كذا ورد السياق هنا، ولعل صوابه أن يكون السماعون للكذب هم يهود المدينة، وأن القوم الآخرين هم يهود فدك، كما سيأتي في الأثر بعده. والله أعلم.","vol":"8","page":420},{"text":"يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾. قال: يهودُ فَدَكَ يقولون ليهودِ المدينةِ: إن أُوتِيتُم هذا فخُذُوه (^١).\nوقال آخَرون: المعنيُّ بذلك قومٌ مِن اليهودِ، كان أهلُ المرأةِ التي بغَتْ (^٢) بعَثوا بهم يَسْأَلون رسولَ اللَّهِ ﷺ عن الحكمِ فيها، والباعِثون بهم هم القومُ الآخَرون، وهم أهلُ المرأةِ الفاجرةِ، لم يَكُونوا أتَوْا رسولَ اللَّهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2616>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾: [فإن بنى] (^٣) إسرائيلَ أنْزَل اللَّهُ عليهم: إذا زنَى منكم أحدٌ فارْجُمُوه. فلم يَزالوا بذلك حتى زنَى رجلٌ مِن خِيارِهم، فلمَّا اجتَمَعَت بنو إسرائيلَ يَرْجُمونه، قام الخيارُ والأشرافُ فمنَعوه، ثم زنَى رجلٌ مِن الضعفاءِ، فاجتَمَعوا ليَرْجُموه، فاجْتَمَعَت الضُّعفاءُ فقالوا: لا تَرْجُموه حتى تَأْتُوا بصاحبِكم فتَرْجُمونهما جميعًا. فقالت بنو إسرائيلَ: إن هذا الأمرَ قد اشْتَدَّ علينا، فتَعَالَوْا فلْنُصْلِحْه. فترَكوا الرجمَ، وجعَلوا مكانَه أربعين جَلْدةً بحبلٍ مُقَيَّرٍ (^٤)، ويَحْمِلونه على حمارٍ، ووجْهُه إلى ذَنَبِه، ويُسَوِّدون وجهَه، ويَطُوفون به، فكانوا يَفْعَلون ذلك حتى بُعِث النبيُّ ﷺ وقدِم المدينةَ، فزنَت امرأةٌ مِن أشرافِ اليهودِ، يقالُ لها: بُسْرةُ. فبَعث أبوها ناسًا مِن أصحابِه إلى النبيِّ ﷺ، فقال: سَلُوه عن\n_________\n(^١) أخرجه الحميدى (١٢٩٥) - ومن طريقه ابن أبي حاتم ٤/ ١١٣٠، ١١٣١ (٦٣٥٤، ٦٣٥٧) - عن ابن عيينة، عن زكريا وحده به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في س: \"زنت\".\n(^٣) في م، س: \"كان بنو\".\n(^٤) بعده في م: \"ويحممونه\".","vol":"8","page":421},{"text":"الزِّنى وما نزَل إليه فيه، فإنا نَخافُ أن يَفْضَحَنا ويُخْبِرَنا بما صنَعْنا، فإن أعْطاكم الجلدَ فخُذُوه، وإن أمَرَكم بالرجْمِ فاحْذَروه. فأتَوْا رسولَ اللَّهِ ﷺ فسأَلوه، فقال: \"الرجْمُ\". فأنْزَل اللَّهُ ﷿: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾: حينَ حرَّفوا الرجْمَ فجعَلوه جلدًا (^١).\nوأوْلى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: إن السمَّاعِين للكذبِ هم السمَّاعون لقومٍ آخَرِين، وقد يجوزُ أن يكونَ أولئك كانوا مِن يهودِ المدينةِ، والمسموعُ لهم مِن يهودِ فَدَكَ، ويَجوزُ أن يكونَ كانوا مِن غيرِهم غيرَ أنه أيُّ ذلك كان، فهو مِن صفةِ قومٍ مِن يهودَ سمِعوا الكذبَ على اللَّهِ في حكمِ المرأةِ التي كانت بَغَتْ فيهم وهى مُحْصَنَةٌ، وأن حكمَها في التوراةِ التَّحْميمُ والجلدُ، وسأَلوا رسولَ اللَّهِ ﷺ عن الحكمِ اللازمِ لها، وسمِعوا ما يَقولُ فيها قومُ المرأةِ الفاجرةِ قبلَ أن يَأْتُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ مُحْتَكِمين إليه فيها. وإنما سأَلوا رسولَ اللَّهِ ﷺ عن ذلك لهم ليُعْلِموا أهلَ المرأةِ الفاجرةِ ما يكونُ مِن جوابِه لهم، فإن (^٢) لم يَكُنْ مِن حُكْمِه الرجمُ، رضُوا به حَكَمًا فيهم، وإن كان مِن حكمِه الرجمُ، حَذِروه وترَكوا الرضا به وبحكمِه.\nوبنحوِ الذي قلنا كان ابن زيدٍ يقولُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾. قال: لقومٍ آخَرِين لم يَأْتُوك (^٣) مِن أهلِ الكتابِ، هؤلاء سمَّاعون لأولئك القومِ الآخَرِين الذين لم يَأْتُوه، يقولون لهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١١٣٠، ١١٣١ (٦٣٥٦، ٦٣٦٣) من طريق أحمد بن المفضل به مختصرًا.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كى إن\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يأتوه\".","vol":"8","page":422},{"text":"الكذبَ: محمدٌ كاذبٌ، وليس هذا في التوراةِ فلا تُؤْمِنوا به (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-2617>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يُحَرِّفُ هؤلاء السمَّاعون للكذبِ السمَّاعون لقومٍ آخرين منهم ولم يَأْتُوك بعدُ مِن اليهودِ - الكَلِمَ. وكان تحريفُهم ذلك تَغْييرَهم حكمَ اللَّهِ تعالى ذكرُه الذي أنْزَله في التوراةِ في المُحْصَناتِ والمُحْصَنِين مِن الزُّناةِ، بالرجمِ إلى الجلدِ والتَّحميمِ، فقال تعالى ذكرُه: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾. يعنى: هؤلاء اليهودُ. والمعنِيُّ حكمُ الكلمِ. فاكْتُفِى بذكرِ الخبرِ مِن (^٢) تحريفِ الكلمِ عن (^٢) ذكرِ الحكمِ؛ لمعرفةِ السامعين لمعناه. وكذلك قولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾. والمعنى: مِن بعدِ وضْعِ اللَّهِ ذلك مَواضِعَه. فاكتُفِى بالخبرِ مِن (^٢) ذكرِ مواضعِه عن (^٣) ذكرِ وضْعِ اللهِ (^٤) ذلك، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. والمعنى: ولكنَّ البِرَّ برُّ مَن آمَن باللَّهِ واليومِ الآخِرِ.\nوقد يَحْتَمِلُ أن يَكونَ معناه: يُحَرِّفون الكلمَ عن (^٥) مواضعِه. فتَكونُ \"بعد\" وُضِعَت موضعَ \"عن\"، كما يقالُ: جئتُك عن فَراغى مِن الشُّغلِ. يريدُ (^٦): بعدَ فَراغى مِن الشُّغلِ.\nويعنى بقولِه: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾. يقولُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١١٣١ (٦٣٥٩) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد به، بزيادة في آخره، وسيأتي تمامه في ص ٤٢٧.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عن\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من بعد\".\n(^٦) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بمعنى\".","vol":"8","page":423},{"text":"قولُ هؤلاء الباغون السمَّاعون للكذبِ: إن أفْتاكم محمدٌ بالجلدِ والتَّحْميمِ في صاحبِنا، ﴿فَخُذُوهُ﴾. يقولُ: فاقْبَلوه منه. وإن لم يُفْتِكم بذلك وأفْتاكم بالرَّجْمِ ﴿فَاحْذَرُوا﴾.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2618>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى الزُّهريُّ، قال: سمِعْتُ رجلًا مِن مُزَيْنةَ يُحَدِّثُ سعيدَ بنَ المسيبِ، أن أبا هريرةَ حدَّثهم في قصةٍ ذكَرَها: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾. قال: بعَثوا وتخَلَّفوا، وأمَروهم بما أمَروهم به مِن تحريفِ الكلمِ عن مواضعِه، فقال: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ للتجْبِيهِ (^١) ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أي الرجمَ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾: إن وافَقكم هذا، ﴿فَخُذُوهُ﴾. يهودُ تَقولُه للمنافِقِين.\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾: إن وافَقَكم هذا فخُذُوه، وإن لم يُوافِقْكم فاحْذَروه. يهودُ تَقولُه للمُنافِقِين (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"للتحميم\".\n(^٢) من تمام الأثر المتقدم في ص ٤١٤، ٤١٥ وهو هنا بنحو ما في هذه المصادر، وسياقها أوضح.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١١٣٢ (٦٣٦٦، ٦٣٦٩) من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"8","page":424},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾: حينَ حرَّفوا الرجمَ فجعَلوه جلدًا، يقولون: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عُيَيْنَةَ، قال: ثنا زكريا ومُجالِدٌ، عن الشَّعْبيِّ، عن جابرٍ: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾: يهودُ فَدَكَ يقولون ليهودِ المدينةِ: إن أُوتِيتُم هذا الجلدَ فخُذُوه، وإن لم تُؤْتَوْه فاحْذَروا الرجمَ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾: هم اليهودُ، زنَت منهم امرأةٌ، وكان اللَّهُ قد حكَم في التوراةِ في الزِّنى بالرجمِ، فنفِسوا (^٣) أن يَرْجُموها، وقالوا: انْطَلِقوا إلى محمدٍ، فعسَى أن يَكونَ عندَه رُخْصةٌ، فإن كانت عندَه رُخْصةٌ فاقْبَلوها. فأتَوْه فقالوا: يا أبا القاسمِ، إن امرأةً منا زنَت، فما تقولُ فيها؟ فقال لهم النبيُّ ﷺ: \"كيف حكمُ اللَّهِ في التوراةِ في الزانى (^٤)؟ \". فقالوا: دَعْنا مِن التوراةِ، ولكن ما عندَك في ذلك؟ فقال: \"ائْتُونى بأعْلِمكم بالتوراةِ التي أُنْزِلَت على موسى\". فقال لهم: \"بالذي نجَّاكم مِن آلِ فرعونَ، وبالذى فلَق البحرَ فأنْجاكم وأغْرَق آلَ فِرْعونَ، إلا أخْبَرْتُمونى ما حُكْمُ اللَّهِ في التَّوراةِ في\n_________\n(^١) جزء من الأثر المتقدم في ص ٤٢١، ٤٢٢.\n(^٢) تقدم ص ٤٢٠، ٤٢١.\n(^٣) نفِس بالشئ: ضنّ وبخل. اللسان (ن ف س).\n(^٤) في الكبير للطبرانى: \"الزنى\".","vol":"8","page":425},{"text":"الزانى (^١)؟ \". قالوا: حكمُه الرجمُ (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾: ذُكِر لنا أن هذا كان في قَتيلٍ مِن بنى قُرَيظةَ قتَلَتْه النَّضِيرُ، فكانت النَّضيرُ إذا قتَلَت مِن بنى قُريظةَ لم يَقِيدوهم، إنما يُعْطُونهم الدِّيَةَ؛ لفضلِهم عليهم، وكانت قُريظةُ إذا قتَلَت مِن النَّضيرِ قتيلًا لم يَرْضَوْا إلا بالقَوَدِ؛ لفضلِهم عليهم في أنفسِهم تعَزُّزًا، فقدِم نبيُّ اللهِ ﷺ المدينةَ على تَفِئَةِ (^٣) فعلِهم (^٤) هذا، فأرادوا أن يَرْفَعوا ذلك إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال لهم رجلٌ مِن المنافقين: إن قَتيلَكم هذا قَتيلُ عَمْدٍ، متى ما تَرْفَعوه إلى محمدٍ أَخْشَى عليكم القَوَدَ، فإن قَبِل منكم الديةَ فخُذُوه، وإلا فكونوا منه على حَذَرٍ (^٥).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾. يقولُ: يُحَرِّفُ هؤلاء الذين لم يَأْتُوك الكلمَ عن مَواضعهِ، لا يَضَعونه على ما أنْزَله اللَّهُ. قال: وهؤلاء كلُّهم يهودُ، بعضُهم مِن بعضٍ (^٦).\n_________\n(^١) في الكبير للطبرانى: \"الزنى\".\n(^٢) بعده في م، والدر المنثور: \"فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت\".\nوالأثر أخرجه الطبراني (١٣٠٣٣) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٢ إلى ابن مردويه.\n(^٣) في م: \"هيئة\"، وفى س: \"تقية\". وتقدم تعريف هذه الكلمة في ٦/ ٩٨.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فقتلهم\"، وأثبتها الشيخ شاكر: \"قتيلهم\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٣٢ (٦٣٦٤) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد، وأخرج أوله في آخر الأثر المتقدم في ص ٤٢٣.","vol":"8","page":426},{"text":"حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ وعَبيدةُ بنُ حُميدٍ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن البَراءِ بن عازبٍ: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾. يقولون: ائْتُوا محمدًا، فإن أفْتاكم بالتَّحْميمِ والجَلْدِ فخُذُوه، وإن أفْتاكم بالرجْمِ فاحْذَروا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-2619>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾.</span>\nوهذا تَسْلِيةٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا ﷺ مِن حزنِه على مُسارَعةِ الذين قصَّ قصتَهم مِن اليهودِ والمنافقين في هذه الآيةِ، يقولُ له تعالى ذكرُه: لا يَحْزُنُك تَسَرُّعُهم إلى جُحودِ نبوتِك، فإنى قد حتَمْتُ عليهم أنهم لا يَتُوبون مِن ضَلالتِهم، ولا يَرْجِعون عن كفرِهم، للسابقِ مِن غضَبى عليهم، وغيرُ نافعِهم حُزْنُك على ما تَرَى مِن تسرُّعِهم إلى ما جعَلْتُه سببًا (^٢) لهلاكِهم، واستحقاقِهم وَعِيدى.\nومعنى \"الفتنةِ\" في هذا الموضعِ الضلالةُ عن قَصْدِ السبيلِ، يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يُرِدِ اللهُ يا محمدُ مَرْجِعَه بضَلالتِه عن سبيلِ الهُدَى، فلن تَمْلِكَ له مِن اللهِ استِنْقاذًا ممّا أراد اللَّهُ به مِن الحِيرةِ والضَّلالةِ، فلا تُشْعِرْ نفسَك الحزْنَ على ما فاتك مِن اهتدائِه للحقِّ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (^٣).\n_________\n(^١) جزء من الحديث المتقدم في ص ٤١٥، ٤١٦.\n(^٢) في م: \"سبيلا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٣٣ عقب الأثر (٦٣٧٠) من طريق أسباط به، ولفظ الأثر قبله: من يرد الله ضلالته.","vol":"8","page":427},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2620>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: لا يَحْزُنْك الذين يُسارِعون في الكفرِ مِن اليهودِ الذين وصَفْتُ لك صفتَهم، فإن مُسارَعتَهم إلى ذلك أن اللَّهَ قد أراد فتنتَهم، وطبَع على قلوبِهم، فلا يَهْتَدون أبدًا، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين لم يُرِدِ اللَّهُ أن يُطَهِّرَ مِن دَنَسِ الكفرِ ووَسَخِ الشركِ قلوبَهم، بطهارةِ الإسلامِ ونظافةِ الإيمان فيَتوبُوا، بل أراد بهم الخزْىَ في الدنيا، وذلك الذلُّ والهَوانُ، وفى الآخرةِ عذابُ جَهنمَ خالدين فيها أبدًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى \"الخزْى\" رُوِى القولُ عن عكرمةَ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عليِّ بن الأَقْمَرِ (^١) وغيرِه، عن عكرمةَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾. قال: مدينةٌ في الرومِ تُفْتَحُ فيُسْبَوْنَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-711\"></span><span data-type='title' id=toc-2621>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء اليهودُ الذين وصَفْتُ لك يا محمدُ صفتَهم، سمَّاعون لِقيلِ الباطلِ والكذبِ، مِن قيلِ بعضِهم لبعضٍ: محمدٌ كاذبٌ ليس بنبيٍّ. وقِيلِ بعضِهم: إن حكمَ الزانى المُحْصَنِ في التوراةِ الجلدُ والتحميمُ. وغيرِ ذلك مِن الأباطيلِ والإفْكِ، ويَقْبَلون الرِّشَا، فيأْكُلونها على كَذِبِهم على اللَّهِ وفِرْيَتِهم عليه.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو عَقِيلٍ، قال:\n_________\n(^١) في م: \"الأرقم\". وسيأتي على الصواب في ١٠/ ٣٥، ١١/ ٥٦٦، ١٥/ ٥٨٨. وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٣٢٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٣ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"8","page":428},{"text":"سمِعْتُ الحسنَ يقولُ في قولِه: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. قال: تلك الحُكَّامُ، سَمِعوا كِذْبَةً، وأكَلوا رِشْوةً (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. قال: كان هذا في حُكَّامِ اليهودِ بينَ أيديكم، كانوا يَسْمَعون الكذِبَ ويَقْبَلون الرِّشَا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. قال: الرِّشْوةُ في الحكمِ، وهم يهودُ (^٣).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، وحدثنا سُفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبى وإسحاقُ الأزْرقُ، وحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. قال: السُّحْتُ الرِّشْوةُ (^٤).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ وواصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قالا: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن الأعمشِ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، قال: قيل لعبدِ اللَّهِ: ما السُّحْتُ؟ قال: الرِّشْوةُ. قالوا: في الحكمِ؟ قال: ذاك الكفرُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) ينظر تفسير البغوي ٣/ ٥٨.\n(^٣) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ١/ ٥٤، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٣٥ (٦٣٨٧) من طريق ابن أبي نجيح به. وليس في أخبار القضاة: \"وهم يهود\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٥٨٨، ووكيع في أخبار القضاة ١/ ٥٠، ٥١ من طريق وكيع به.","vol":"8","page":429},{"text":"حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا غُنْدَرٌ ووَهْبُ بنُ جَريرٍ، عن شعبةَ، عن منصورٍ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، عن مَسْروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: السُّحْتُ الرِّشْوةُ (^١).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكِيعٌ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن حُرَيْثٍ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، قال: قلنا لعبدِ اللَّهِ: ما كنَّا نُرَى السُّحْتَ إلا الرِّشْوةَ في الحكمِ. قال عبدُ اللَّهِ: ذاك الكفرُ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، عن مَسْروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال (^٣): السُّحْتُ الرِّشَا؟ قال: نعم.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمارٍ الدُّهْنيِّ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، عن مَسْروقٍ، قال: سأَلْتُ عبدَ اللَّهِ عن السُّحْتِ، فقال: الرجلُ يَطْلُبُ الحاجةَ للرجلِ فيَقْضِيها، فيُهْدِى إليه فيَقْبَلُها (^٤).\nحدَّثنا سَوَّارٌ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال ثنا شعبةُ، عن منصورٍ وسليمانَ الأعْمشِ، عن سالمِ بن أبى الجعدِ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ أنه قال: السُّحْتُ الرِّشَا.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن\n_________\n(^١) أخرجه وكيع في أخبار القضاء ١/ ٥٢، وابن بطة في الإبانة (١٠١٣)، والبيهقى ١٠/ ١٣٩ من طريق شعبة بنحوه. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٤٦٦٦)، ومسدد - كما في المطالب العالية (٢٣٧٨، ٢٣٧٩) -، ووكيع في أخبار القضاء ١/ ٥٢، وأبو يعلى (٥٢٦٦) من طريق منصور بنحوه.\n(^٢) أخرجه وكيع في أخبار القضاء ١/ ٥١، وابن بطة في الإبانة (١٠٠٣) من طريق وكيع به.\n(^٣) كذا في النسخ، ولعل الصواب: قيل.\n(^٤) أخرجه وكيع في أخبار القضاء ١/ ٥١ من طريق شعبة بنحوه، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٤١ - تفسير)، والبيهقى ١٠/ ١٣٩، وفى الشعب (٥٥٠٤) من طريق عمار الدهنى به.","vol":"8","page":430},{"text":"عبدِ اللَّهِ: السُّحْتُ، قال: الرِّشْوةُ في الدينِ (^١).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن خَيْثَمةَ، قال: قال عمرُ: بابان (^٢) مِن السُّحْتِ، الرِّشَا ومَهْرُ الزانيةِ (^٣).\nحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: السُّحْتُ الرِّشْوةُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ قولَه: [﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾] (^٤). قال: الرِّشَا (^٥).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنى أبى، عن طلحةَ، عن أبي هريرةَ، قال: مَهْرُ البَغِيِّ سُحْتٌ، وعَسْبُ الفَحْلِ (^٦) سُحْتٌ، وكَسْبُ الحَجَّامِ سُحْتٌ، وثمنُ الكلبِ سُحْتٌ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٤٦٦٤)، ووكيع في أخبار القضاة ١/ ٥١، وابن أبي حاتم ٤/ ١١٣٤ (٦٣٨١)، والطبرانى (٩٠٩٩) من طريق سفيان به. وسقط من مصنف عبد الرزاق: سفيان.\n(^٢) في النسخ: \"ما كان\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٥٤٥ عن أبي معاوية به. وأخرجه وكيع في أخبار القضاة ١/ ٥٠ من طريق عمرو بن شرحبيل، عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٤ إلى عبد بن حميد، وفيه ابن عمر. بدلا من: عمر.\n(^٤) في م: \"أكالون للسحت\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩١.\n(^٦) عسب الفحل: ماؤه، فرسا كان أو بعيرا أو غيرهما، وعسبه أيضًا: ضرابه، والمنهى عنه الكراء الذي يؤخذ عليه. ينظر النهاية ٣/ ٢٣٤.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ١٤٦، والنسائى في الكبرى (٤٦٩٥ - ٤٦٩٧)، وابن حزم في المحلى ٩/ ٦١٨ من طرق عن أبي هريرة نحوه. وليس في المصنف: ثمن الكلب. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٤ إلى الفريابى.","vol":"8","page":431},{"text":"حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ، قال: السُّحْتُ الرِّشْوةُ في الحكمِ (^١).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو غَسَّانَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن حَكيمِ بن جُبيرٍ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، عن مسروقٍ، قال: سأَلْتُ ابنَ مسعودٍ عن السُّحْتِ، قال: الرِّشَا. فقلتُ: في الحكمِ؟ قال: ذاك الكفرُ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. يقولُ: للرِّشَا.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا عبدُ الملكِ بنُ أبى سليمانَ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، عن مَسْروقٍ و(^٣) علقمةَ، أنهما سأَلا ابنَ مسعودٍ عن الرِّشْوةِ، فقال: هي السُّحْتُ. قالا: في الحكمِ؟ قال: ذاك الكفرُ. ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن المَسْعوديِّ، عن بُكَيْرِ (^٥) بن أبى بُكَيْرٍ (^٦)، عن مسلمِ (^٧) بنِ صُبَيْحٍ، قال: شفَع مَسْروقٌ لرجلٍ في حاجةٍ،\n_________\n(^١) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ١/ ٥٣ من طريق جويبر به.\n(^٢) أخرجه الطبراني (٩١٠١)، وابن بطة في الإبانة (١٠٠٤) من طريق إسرائيل به.\n(^٣) في النسخ: \"عن\". والسياق يدل على خطئه.\n(^٤) أخرجه ابن بطة في الإبانة (١٠٠٢) من طريق هشيم بن بشير به.\n(^٥) في ص، س: \"بكر\".\n(^٦) في س: \"بكر\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"هشام\"، وفى م: \"هاشم\". وسيأتي على الصواب في الصفحة القادمة، وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٥٢٠.","vol":"8","page":432},{"text":"فأهْدَى له جاريةً، فغضِب غضبًا شديدًا، وقال: لو علِمْتُ أنك تَفْعَلُ هذا ما كلَّمْتُ في حاجتِك، ولا أُكَلِّمُ فيما بقِى مِن حاجتِك، سمِعْتُ ابنَ مسعودٍ يقولُ: مَن شفَع شَفاعةً لِيَرُدَّ بها حقًّا، أو يَرْفَعَ بها ظلمًا، فأُهْدِى له فقبِل، فهو سُحْتٌ. فقيل له: يا أبا عبدِ الرحمنِ، ما كنا نُرَى ذلك إلا الأخذَ على الحكمِ. قال: الأخْذُ على الحكمِ كفرٌ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾: وذلك أنهم أخَذوا الرِّشُوةَ في الحكمِ، وقضَوْا بالكذبِ (^١).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عَبِيدةُ، عن عمارٍ، عن مسلمٍ بن صُبَيْحٍ، عن مسروقٍ، قال: سأَلْتُ ابنَ مسعودٍ عن السُّحْتِ، أهو الرِّشَا في الحكمِ؟ فقال: لا، مَن لم يَحْكُمْ بما أنْزَل اللَّهُ فهو كافرٌ، ومَن لم يَحْكُمْ بما أنْزَل اللَّهُ فهو ظالمٌ، ومَن لم يَحْكُمْ بما أنْزَل اللَّهُ فهو فاسقٌ، ولكنَّ السُّحْتَ؛ يَسْتَعِينُك الرجلُ على المَظْلِمةِ فتُعِينُه عليها، فيُهْدِى لك الهديةَ فتَقْبَلُها (^٢).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عبدِ (^٣) اللَّهِ بن هبَيْرةَ السَّبَئيِّ، قال: مِن السُّحْتِ ثلاثةٌ؛ مَهْرُ البَغِيِّ، والرِّشْوةُ في الحكمِ، وما كان يُعْطَى الكُهَّانُ في الجاهليةِ (^٤).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا ابن مُطِيعٍ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ضَمْرةَ، عن عليِّ بن أبى طالبٍ أنه قال في كسبِ الحَجَّامِ، ومَهْرِ البَغِيِّ، وثمنِ\n_________\n(^١) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ١/ ٥٣ عن محمد بن سعد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٣٤ (٦٣٨٢)، والطبرانى (٩٠٩٨)، والبيهقى (٥٥٠٤) من طريق مسروق به. وعزاه السيوطي ٢/ ٢٨٣ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) في النسخ: \"عبيد\". وتقدم على الصواب في ٤/ ٣٧٢.\n(^٤) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ١/ ٥٤ من طريق يحيى بن سعيد به مقتصرًا على قوله: الرشوة في الحكم.","vol":"8","page":433},{"text":"الكلبِ، والاسْتِجْعالِ (^١) في القضيةِ، وحُلْوانِ الكاهنِ (^٢)، وعَسْبِ (^٣) الفحلِ، والرِّشْوةِ في الحكمِ، وثمنِ الخمرِ، وثمنِ المَيْتةِ: مِن السُّحْتِ (^٤).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. قال: الرِّشْوةُ في الحكمِ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخْبرَنى عبدُ الرحمنِ بنُ أبى المَوَالِ، عن عمرَ بن حمزةَ بن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"كُلُّ لحمٍ أنْبَتَه السُّحْتُ فالنارُ أولى به\". قيل: يا رسولَ اللَّهِ، وما السُّحْتُ؟ قال: \"الرِّشْوةُ في الحكمِ\" (^٥).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: أخْبرَنى عبدُ الجبارِ بنُ عمرَ، عن الحكمِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: قال لى أنسُ بنُ مالكٍ: إذا انْقَلَبْتَ إلى أبيك فقُلْ له: إياك والرِّشْوةَ، فإنها سُحْتٌ. وكان أبوه على شُرَطِ المدينةِ.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن سالمٍ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الرِّشْوةُ سُحْتٌ. قال مَسْروقٌ: فقلْنا لعبدِ اللَّهِ: أفى الحكمِ؟ قال:\n_________\n(^١) في م: \"الاستعجال\". والاستجمال من الجعلُ: وهو ما جعل للإنسان من شيء على الشئ يفعله. ينظر الصحاح (ج ع ل).\n(^٢) حلوان الكاهن: ما يعطاه من الأجر والرشوة على كهانته. النهاية ١/ ٤٣٥.\n(^٣) في م: \"عسيب\".\n(^٤) ذكره الحافظ في التغليق ٣/ ٢٨٥ إلى المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٤ إلى أبى الشيخ، ولم يذكر الاستجعال في القضية.\n(^٥) ذكره الحافظ في التغليق ٣/ ٢٨٥، ٢٨٦ عن المصنف، وأخرجه عبد بن حميد كما في التغليق ٣/ ٢٨٦ من طريق ابن أبي الموال به، ووقع فيه محمد بن حمزة. وذكره الزيلعى في تخريج الكشاف ١/ ٤٠٠ عن المصنف وفيه عن عمر بن حمزة عن عبد الله بن عمر، وأخرجه ابن مردويه - كما في تخريج الكشاف ١/ ٤٠٠ من طريق ابن أبي الموال به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن مردويه من حديث ابن عمر.","vol":"8","page":434},{"text":"لا. ثم قرَأ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، [المائدة: ٤٤، ٤٥، ٤٧].\nوأصلُ السُّحْتِ كَلَبُ الجوعِ، يُقالُ منه: فلانٌ مَسْحوتُ المَعِدةِ. إذا كان أَكولًا لا يُلْقَى أبدًا إلا جائعًا. وإنما قيل للرِّشْوةِ: السُّحْتُ. تَشْبيهًا بذلك، كأنّ بالمُسْتَرْشِى مِن الشَّرَةِ إلى (^١) أخْذِ ما يُعْطاه مِن ذلك، مثْلَ الذي بالمَسْحوتِ المَعِدةِ مِن الشَّرَهِ إلى الطعامِ. يقالُ منه: سَحَتَه وأَسْحَتَه. لغتان مَحْكِيَّتان عن العربِ، ومنه قولُ الفرزدقِ بن غالبٍ (^٢):\nوعَضُّ زمانٍ يابنَ مَرْوانَ لم يَدَعْ … مِن المالِ إلا مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ (^٣)\nيعنى بالمسحَتِ الذي قد اسْتَأْصَله هَلاكًا بأكْلِه إياه وإفْسادِه. ومنه قولُه تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١]. وتقولُ العربُ للحالقِ: أسْحِتِ الشعرَ. أي: اسْتَأْصِلْه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2622>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: إن جاء هؤلاء القومُ الآخَرون الذين لم يَأْتُوك بعدُ، وهم قومُ المرأةِ البَغِيَّةِ، مُحْتَكِمين\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الذي\".\n(^٢) ديوانه ص ٥٥٦.\n(^٣) في الديوان: \"مجرف\". والمجلف والمجرف الذي ذهب ماله، والمجلف أيضًا: الذي أخذ من جوانبه. ينظر اللسان (ج ر ف، ج ل ف).","vol":"8","page":435},{"text":"إليك، فاحْكُمْ بينَهم إن شئْتَ، بالحقِّ الذي جعَله اللَّهُ حُكْمًا له في مَن فعَل فِعْلَ (^١) المرأةِ البَغِيةِ منهم، أو أعْرِضْ عنهم فدَعِ الحُكْمَ بينَهم إن شئْتَ، والخيارُ إليك في ذلك.\nوبمثلِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2623>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: يهودُ، زنَى رجلٌ منهم له نَسَبٌ حَقيرٌ فرجَموه، ثم زنَى منهم شَريفٌ فحمَّموه ثم طافوا به، ثم استَفْتَوْا رسولَ اللَّهِ ﷺ ليُوافِقَهم. قال: فأفْتاهم فيه بالرجْمِ، فأنْكَروه، فأمَرهم أن يَدْعوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم، فناشَدَهم باللَّهِ: \"أتَجِدونه في التوراةِ؟ \" فكتَموه إلا رجلًا مِن أصغرِهم أعْورَ، فقال: كذَبوك يا رسولَ اللَّهِ، إنه لَفى التوراةِ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، عن ابن شِهابٍ، أن الآيةَ التي في سورةِ \"المائدةِ\": ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾. كانت في شأنِ الرجْمِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: إنهم أتَوْه - يعنى اليهودَ - في امرأةٍ منهم زنَت يَسْأَلونه عن عُقوبتِها، فقال لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"كيف تَجِدونه مَكْتوبًا عندَكم في التَّوْراةِ؟ \". فقالوا: نُؤْمَرُ برجْمِ الزانيةِ. فأمَر بها رسولُ اللَّهِ ﷺ فرُجِمَت، وقد\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، وفى س: \"مثل\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٠٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٣٦ (٦٣٨٩).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٤ إلى المصنف.","vol":"8","page":436},{"text":"قال اللهُ ﵎: ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ عن عبدِ اللهِ بن كَثيرٍ قولِه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. قال: كانوا يَحُدُّون في الزنى، إلى أن زنَى شابٌّ منهم ذو شَرفٍ، فقال بعضُهم لبعضٍ: لا يَدَعُكم قومُه تَرْجُمونه، ولكن اجْلِدوه ومَثِّلوا به. فجلَدوه وحمَلوه على [إكافِ حمارٍ] (^١)، وجعَلوا وجهَه مُسْتَقْبِلَ ذَنَبِ الحَمارِ، إلى أن زنَى آخرُ وَضيعٍ ليس له شرفٌ، فقالوا: ارْجُموه. ثم قالوا: فكيف لم تَرْجُموا الذي قبلَه؟ ولكن مثل ما صنَعْتُم به فاصْنَعوا بهذا. فلما كان النبيُّ ﷺ قالوا: سَلُوه، لعلكم تَجِدون عندَه رُخصةً. فنزَلَت: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.\nوقال آخَرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ في قَتيلٍ قُتِل في يهودَ منهم، قتَله بعضُهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2624>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ وأبو كُرَيْبٍ، قالا: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى داودُ بنُ الحُصينِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: إن الآياتِ في \"المائدة\" قولَه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿الْمُقْسِطِينَ﴾. إنما نزَلَت في الديةِ في بنى النَّضيرِ وبنى قُريظةَ، وذلك أن قَتْلى بني النَّضيرِ - و(^٢) كان لهم شَرَفٌ - تُودَى الدية كاملةً، وإن قريظة كانوا يُودَوْنَ نصف الدية، فتَحاكَموا في ذلك إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فأنْزَل اللهُ ذلك فيهم، فحمَلهم رسولُ اللهِ ﷺ على الحقِّ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حمار إكاف\". والإكاف: البرذعة. التاج (أ ك ف).\n(^٢) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج.","vol":"8","page":437},{"text":"في ذلك، فجعَل الديةَ في ذلك سواءً. واللهُ أعلمُ أيُّ ذلك كان (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عُبَيْدُ (^٢) اللهِ بنُ موسى، عن عليِّ بن صالحٍ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت قريظةُ والنَّضيرُ، وكان النَّضيرُ أشْرفَ مِن قُريظةَ، فكان إذا قتل رجلٌ مِن قُريظة رجلًا مِن النَّضِيرِ قُتِل به، وإذا قتل رجلٌ مِن النَّضيرِ رجلًا مِن قُريظةَ وَدَى (^٣) مائةَ وَسْقِ تمرٍ، فلمَّا بُعِث رسولُ اللهِ ﷺ قتَل رجلٌ مِن النَّضيرِ رجلًا من قريظةً، فقالوا: ادْفَعوه إلينا (^٤) فقالوا: بينَنا وبينَكم رسولُ اللهِ ﷺ. فنزَلت: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (^٥).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: كان في حكمِ حُيَيِّ بن أَخْطَبَ: للنَّضَريِّ دِيَتان، والقُرَظيِّ دِيَةٌ؛ لأنه كان مِن النَّضيرِ. قال: وأَخْبَر الله نبيَّه ﷺ بما في التوراةِ، قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى آخرِ الآية. قال: فلمَّا رأَت ذلك قُرَيْظةُ، لم يَرْضَوا بحكمِ ابن أَخْطَبَ، فقالوا: نَتَحاكَمُ إلى محمدٍ. فقال اللهُ ﵎: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فخيَّره، ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ الآية كلها.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٦٦. وبين أن الجملة الأخيرة من قول ابن إسحاق. وأخرجه الطحاوي في المشكل (٤٤٦٧)، والطبراني (١١٥٧٣) من طريق يونس بن بكير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) في النسخ: \"عبد\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٣) في م: \"أدى\".\n(^٤) في ص، ت ١، س: \"إليه\".\n(^٥) أخرجه أبو داود (٤٤٩٤) عن محمد بن العلاء به، وأخرجه النسائي (٤٧٤٦)، وابن الجارود (٧٧٢)، وابن حبان (٥٥٧٠)، والدارقطني ٣/ ١٩٨ (٣٤٤)، والطحاوى في المشكل (٤٤٦٨، ٤٤٦٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٣٦ (٦٣٩١)، والحاكم ٤/ ٣٦٦، ٣٦٧ من طريق عبيد الله بن موسى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٥ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"8","page":438},{"text":"وكان الشريفُ إذا زنَى بالدَّنيئةِ رجَموها هي، وحمَّمُوا وجهَ الشريفِ، وحمَلوه على البعيرِ، و(^١) جعَلوا وجْهَه مِن قِبَلِ ذَنَبِ البعيرِ، وإذا زنَى الدَّنيءُ بالشريفةِ رجَموه، وفعَلوا بها هي ذلك، فتَحاكَموا إلى النبيِّ ﷺ فرجَمَها. قال: وكان النبيُّ ﷺ قال لهم: \"مَن أَعْلَمُكم بالتوراةِ؟ \" قالوا: فلانٌ الأعْورُ (^٢). فأَرْسَل إليه فأتاه، فقال: \"أنت أعْلَمُهم بالتوراةِ؟ \". قال: كذاك تَزْعُمُ يَهودُ. فقال له النبيُّ ﷺ: \"أَنْشُدُك باللهِ وبالتوراةِ التي أنْزَلَها على موسى يومَ طُورِ سَيْناءَ، ما تَجِدُ في التوراةِ في الزانِيَيْنِ؟ \". فقال: يا أبا القاسمِ، يَرْجُمون الدَّنِيئةَ، ويَحْمِلون الشريفَ على بعيرٍ، ويُحَمِّمون وجهَه، ويَجْعَلون وجهَه مِن قِبَلِ ذَنَبِ البعيرِ، ويَرْجُمون الدَّنيءَ إذا زنَى بالشريفةِ، ويَفْعَلون بها هي ذلك. فقال له النبيُّ ﷺ: \"أَنْشُدُك باللهِ وبالتَّوراة التي أنْزَلَها على موسى يومَ طُورِ سَيْناءَ، ما تَجِدُ في التَّوراة؟ \". فجعَل يَروغُ والنبيُّ ﷺ يَنْشُدُه باللَّهِ وبالتَّوراةِ التي أنْزَلها على موسى يومَ طُورِ سَيْناءَ، حتى قال: يا أبا القاسمُ، الشيخُ والشيخةُ إذا زنَيا فارْجُموهما الْبَتَّةَ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"فهو ذاك، اذْهَبوا بهما فارْجُمُوهما\". قال عبدُ اللَّهِ: فكنتُ في مَن رجَمهما، فما زال يُحْنى عليها (^٣) ويَقِيها الحجارةَ بنفسِه حتى مات (^٤)\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في حكمِ هذه الآيةِ، هل هو ثابتٌ اليومَ؟ وهل للحُكَّامِ مِن الخيارِ في الحكمِ والنظَرِ بينَ أهلِ الذمةِ والعهدِ إذا احتَكموا إليهم مثلُ الذي جعَل لنبيِّه ﷺ في هذه الآيةِ، أم ذلك مَنْسوخٌ؟ فقال بعضُهم: ذلك ثابتٌ اليومَ لم يَنْسَخه شيءٌ، وللحُكَّامِ مِن الخياِر في كلِّ دهرٍ بهذه الآيةِ مثلُ ما جعلَه اللهُ\n_________\n(^١) في م: \"أو\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الأعمى\".\n(^٣) يحنى عليها: يُكِبُّ عليها. اللسان (ح ن ى) وقد ورد بالجيم أيضًا: يجنأ. ينظر الفتح ١٢/ ١٢٩، ١٦٩.\n(^٤) قوله: قال عبد الله. هو ابن عمر، كما أخرج حديثه البخارى (٦٨١٩، ٦٨٤١)، ومسلم (١٦٩٩)، وأبو داود (٤٤٤٦) بسياق آخر وفيه قوله هذا.","vol":"8","page":439},{"text":"لرسولِه ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2625>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن عمرِو بن أبي قيسٍ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ: إن رُفِع إليك أحدٌ من المشركين في قَضاءٍ، فإن شئتَ فاحْكُمْ بينهم بما أنْزَل اللهُ، وإن شئتَ أَعْرَضْتَ (^١) عنهم.\nحدَّثنا ابن حُميد، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبيِّ وإبراهيمَ، قالا: إذا أتاك المشركون فحكَّموك، فاحْكُمْ بينهم أو أَعْرِضْ عنهم، وإن حكمْتَ فاحكُمْ بحكمِ المسلمين، ولا تَعْدُه إلى غيره.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، وحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكِيعٌ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. قالا (^٢): إن شاء حكم، وإن شاء لم يَحْكُمْ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ، قال: إن شاء حكَم، وإن شاء لم يَحْكُمْ (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن محمدِ بن سالمٍ، عن الشعبيِّ، قال: إذا أتاك أهلُ الكتابِ بينَهم أمرٌ، فاحْكُمْ بينهم بحكمِ المسلمين، أو خلِّ عنهم وأهلَ دينِهم يَحْكُمون فيهم، إلا في سَرقِةٍ أو قتلٍ.\n_________\n(^١) في م: \"أعرض\".\n(^٢) في النسخ: \"قال\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٣٦ (٦٣٩٠)، والنحاس في ناسخه ص ٣٩٦ من طريق وكيع به.\n(^٤) أخرجه ابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٣١٣، ٣١٤ من طريق وكيع به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٥٠٠ عن وكيع، عن عكرمة بن عمار، عن عطاء، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"8","page":440},{"text":"حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال لى عطاءٌ: نحن مُخَيَّرون؛ إن شئْنا حكَمْنا بينَ أهلِ الكتابِ، وإن شئْنا أَعْرَضْنا فلم نَحْكُمْ بينَهم، وإن حكَمْنا بينَهم حكَمْنا بحكمِنا بينَنا، أو نَتْرُكُهم وحُكْمَهم بينَهم. قال ابن جُريج: وقال مثلَ ذلك عمرُو بنُ شُعَيْبٍ. وذلك قولُه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا يعقوب، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أَخْبَرنا مُغيرةُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أَخْبَرنا هُشَيْمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبِّي في قولِه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. قالا: إذا جاءوا إلى حاكمِ المسلمين، فإن شاء حكَم بينَهم وإن شاء أعْرَض عنهم، وإن حكَم بينَهم حكَم بينَهم بما في كتابِ اللهِ (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. يقولُ: إن جاءوك فاحْكُمْ بينَهم بما أنْزَل اللهُ أو أعْرِضْ عنهم، فجعَل اللهُ له في ذلك رُخصةً، إن شاء حكَم بينَهم وإن شاء أعْرَض عنهم.\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ، قالا: إذا أتاك المشركون فحكَّموك فيما بينَهم، فاحْكُم بينَهم بحكمِ المسلمين ولا تَعْدُه إلى غيرِه، أو أعْرِضْ عنهم وخَلهم وأهلَ دينِهم (^٣).\n_________\n(^١) مصنف عبد الرزاق (١٠٠٠٦، ١٩٢٣٧).\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ١٨٠، وابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٣١٣ من طريق هشيم به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٠٠٨، ١٩٢٤٠)، وسعيد بن منصور في سننه (٧٤٦ - تفسير) - ومن طريقه البيهقى ٨/ ٢٤٦ - من طريق المغيرة به بنحوه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٤٩٨ عن جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٥ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"8","page":441},{"text":"وقال آخَرون: بل التَّخْيِيرُ مَنْسوخٌ، وعلى الحاكمِ إذا احْتَكم إليه أهلُ الذمةِ أن يَحْكُمَ بينَهم بالحقِّ، وليس له تركُ النظرِ بينَهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2626>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النَّحْويِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ: فإن ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: نُسِخَت بقولِه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (^١) [المائدة: ٤٩].\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن عكرمةَ، قال: نسَخَتْها: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ ومحمدُ بنُ بشارٍ، قالا: ثنا ابن مَهْديٍّ، عن سفيانَ، عن السديِّ، قال: سمِعْتُ عكرمة يقولُ: نسَخَتْها: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: لم يُنْسَخْ مِن \"المائدة\" إلا هاتان الآيتان: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ نسَخَتها: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٢]. نسختها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٤) [التوبة: ٥].\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١١٣٦ عقب الأثر (٦٣٨٨) معلقًا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٦/ ٤٩٩، ٥٠٠، وابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٣١٢ من طريق وكيع به.\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ١٨١ عن ابن مهدي به.\n(^٤) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ١٨١ عن يزيد به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠١٠، ١٩٢٣٩)، والطحاوى ٤/ ١٤٢، والبيهقى ٨/ ٢٤٩ من طريق سفيان به","vol":"8","page":442},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيْمٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مُجاهدٍ، قال: نسَخَتْها: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجُ بنُ مِنْهالٍ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: يعنى اليهودَ، فأمر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يَحْكُم بينَهم، ورخَّص له أن يُعْرِضَ عنهم إن شاء، ثم أنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه الآيةَ التي بعدها: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾. إلى قولِه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [والمائدة: ٤٨]. فأمَر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يَحْكُم بينَهم بما أَنْزَلَ اللهُ، بعدَ ما رخَّص له إن شاء أن يُعْرِضَ عنهم (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن عبد الكريمِ الجَزَريِّ، أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كتب إلى عديِّ بن عديِّ: إذا جاءَك أهلُ الكتابِ فاحْكُمْ بينَهم (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبرَنا الثَّورِيُّ، عن السديِّ، عن عكرمةَ، قال: نُسِخَت بقولِه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ قولَه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. قال: مضَت السنةُ أن يُرَدُّوا\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ١٨٠، والنحاس في ناسخه ص ٣٩٨، وابن الجوزي في ناسخه ص ٣١٢ من طريق هشيم به.\n(^٢) أخرجه ابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٣١٢، ٣١٣ من طريق شيبان.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٠، ومصنفه (١٠٠٠٩، ١٩٢٤١).\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٠، ومصنفه (١٠٠١٠، ١٩٢٣٩).","vol":"8","page":443},{"text":"في حقوقهم ومَواريثِهم إلى أهلِ دينِهم، إلا أن يَأْتوا راغبِيِن في حدٍّ يُحْكُمُ بينَهم فيه بكتابِ اللهِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: لمَّا نزَلَت: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. كان النبي ﷺ إن شاء حكَم بينَهم وإن شاء أعْرَض عنهم، ثم نسَخَها فقال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. وكان مَجْبورًا على أن يَحْكُمَ بَينَهم (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمارٍ، قال: ثنا سعيدٌ بن سليمانَ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن الحكمِ عن مُجاهِدٍ، قال: آيتان نُسِخَتا مِن هذه السورة - يعنى \"المائدة\" - آيةُ القَلائدِ، وقولُه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. فكان النبيُّ ﷺ مُخَيَّرًا، إن شاء حكَم، وإن شاء أعْرَض عنهم، فردَّهم إلى (^٣) أَن يَحْكُمَ بينَهم بما في كتابِنا (^٤).\nوأولى القولين في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: إن حكْمَ هذه الآيةِ ثابتٌ لم يُنسَخُ، وإن للحُكَّام - مِن الخيارِ في الحكمِ بينَ أهلِ العهدِ إذا ارْتَفَعوا إليهم فاحْتَكموا، وتَرْكِ الحكمِ بينَهم والنظر - مثلَ الذي جعَله اللهُ لرسولِه ﷺ مِن ذلك\n_________\n(^١) مصنف عبد الرزاق (١٠٠٠٧، ١٩٢٣٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٣٦ في تفسيره عقب الأثر (٦٣٨٨) من طريق عمرو، عن أسباط به.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أحكامهم\".\n(^٤) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ١٨١، ١٨٢ من طريق سفيان بن حسين به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٣٥ (٦٣٨٨) عن محمد بن عمار به، وأخرجه الطحاوى في المشكل (٤٥٤٠)، والنحاس في ناسخه ص ٣٩٧، والحاكم ٢/ ٣١٢، والبيهقى ٨/ ٢٤٨، ٢٤٩، من طريق سعيد بن سليمان، به، وأخرجه النسائي (٦٣٦٥،٧٢١٩)، والطبراني في الكبير (١١٠٥٤) من طريق عباد بن العوام، به. وعند جميعهم سوى أبي عبيد زيادة ابن عباس في إسناده.","vol":"8","page":444},{"text":"في هذه الآيةِ.\nوإنما قلنا: ذلك أَوْلاهما بالصوابِ؛ لأن القائلين: إن حكَم هذه الآيةِ مَنْسوخٌ. زعَموا أنه نُسِخ بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. وقد دلَّلْنا في كتابِنا \"كتابِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ\" أن النسخُ لا يكونُ نَسْخًا إلا ما كان نفْيًا لحكمٍ غيرِه بكلِّ مَعانِيه، حتى لا يَجوزَ اجْتماعُ الحكمِ بالأمرَيْن جميعًا على صحتِه بوجهٍ مِن الوجوهِ، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.\nوإذ كان ذلك كذلك، وكان غيرَ مُستحيلٍ في الكلامِ أن يُقالَ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. ومعناه: وأنِ احْكُم بينَهم بما أنْزَل اللهُ إذا حكَمْتَ بينَهم باختيارِك الحكمَ بينَهم، إذا اخْتَرْتَ ذلك، ولم تَخْتَرِ الإعراضَ عنهم. إذ كان قد تقَدَّم إعْلامُ المَقولِ له ذلك مِن قائلِه: إن له الخيارَ في الحكمِ وتَرْكِ الحكمِ - كان معلومًا بذلك ألّا دلالةَ في قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. أنه ناسخٌ قولَه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾؛ لما وصَفْنا مِن احتمالِ ذلك ما بيَّنَّا، بل هو دليلٌ على مثلِ الذي دلَّ عليه قولُه: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾. وإذا لم يَكُنْ في ظاهر التنزيلِ دليل على نسخِ إحدى الآيتين الأخرى، ولا نفيِ أحدِ الأمرين حكَم الآخرِ، ولم يَكُنْ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ خبرٌ يَصِحُّ بأن أحدَهما ناسخٌ صاحبَه، ولا مِن المسلمين على ذلك إجماعٌ - صحَّ ما قلنا مِن أن كِلَا الأمْرَيْن يُؤَيِّدُ أحدُهما صاحبه، ويُوافِقُ حكمه حكمَه، ولا نسخَ في أحدِهما للآخَرِ.\nوأما قوله: ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾. فإن معناه: وإن تُعْرضُ يا محمدُ عن المحْتَكِمين إليك مِن أهلِ الكتابِ، فتَدَعَ النظر بينَهم فيما","vol":"8","page":445},{"text":"احْتَكَموا فيه إليك، فلا تَحْكُمَ فيه بينَهم، ﴿فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾. يقولُ: فلن يَقِدِروا لك على ضُرٍّ في دينٍ ولا دنيا، فدَعِ النظر بينَهم إذا اختَرْتَ تركَ النظرِ بينَهم.\nوأما قولُه: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾. فإن معناه: وإن اختَرْتَ الحكمَ والنظرَ يا محمدُ بين أهل العهدِ إِذا أَتَوْك، ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ وهو العَدْلُ، وذلك هو الحكمُ بما جعَله اللهُ حُكْمًا في مثلِه على جميعِ خلقهِ مِن أمة نبيِّنا ﷺ.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2627>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ: ﴿إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾. قالا: إن حكَم بينَهم حكَم بما في كتابِ اللهِ (^١).\nحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن العَوَّامِ بن حَوْشَبٍ، عن إبراهيمَ: ﴿إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾. قال: أُمِر أن يَحْكُم فيهم بالرجمِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيْمٌ، عن العوَّامِ، عن إبراهيمَ التِّيْميِّ في قوله: ﴿إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾. قال: بالرجمِ (^٢).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) جزء من الأثر المتقدم في ص ٤٤١.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ١٨١ وسعيد بن منصور في سننه (٧٤٧ - تفسير) - ومن طريقه البيهقى ٨/ ٢٤٦ - عن هشيم به، وهو عند أبي عبيد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.","vol":"8","page":446},{"text":"مُجاهدٍ: ﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدلِ.\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن العَوَّامِ بن حَوْشَبٍ، عن إبراهيمَ التَّيْمِيِّ في قولِه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إ﴾. قال: أُمِر أن يَحْكُمَ بينَهم بالرجْمِ.\nوأما قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. فإن معناه: إن الله يُحِبُّ العادلين (^١) في حكمِه بينَ الناسِ، القاضِين بينَهم بحكمِ اللهِ الذي أنْزَله في كتابِه وأمرِه (^٢) أنبياءَه صلواتُ اللهِ عليهم.\nيقالُ منه: أقْسَط الحاكمُ في حكمِه، إذا عدَل وقضَى بالحقِّ، يُقْسِطُ إقْساطًا (^٣). [وأما \"قسَط\" فمعناه الجَوْرُ] (^٤)، ومنه قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]. يعني بذلك الجائرين عن الحقِّ.\n\n<span id=\"aya-712\"></span><span data-type='title' id=toc-2628>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه: وكيف يُحَكِّمُك هؤلاء اليهودُ يا محمدُ بينَهم، فيَرْضَوْن بك حَكَمًا بينَهم، وعندَهم التوراةُ التي أنْزَلْتُها على موسى، التي يُقِرُّون بها أنها حقٌّ، وأنها كتابي الذي أنزلتُه إلى نبيِّى، وأن ما فيه من حكمٍ فمن حكمى، يَعْلَمون ذلك لا يَتناكرونه ولا يَتَدافعونه، ويَعْلَمون أن حكمى فيها على الزاني المُحْصَنِ الرجمُ، وهم مع علمِهم بذلك ﴿يَتَوَلَّوْنَ﴾. يقولُ: يَتْرُكون الحكمَ به بعدَ العلمِ بحكمى فيه جراءةً عليَّ وعِصْيانًا لى.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، و\"العاملين\".\n(^٢) في م: \"أمر\".\n(^٣) بعده في م: \"به\".\n(^٤) سقط مِن: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"8","page":447},{"text":"وهذا وإن كان مِن اللهِ تعالى ذكرُه خطابًا لنبيِّه ﷺ، فإنه تَقْريعٌ منه لليهود الذين نزَلَت فيهم هذه الآيةُ، يَقولُ لهم تعالى ذكرُه: كيف تُقِرُّون أيُّها اليهودَ بحكمِ نبيِّى محمدٍ ﷺ مع جُحودِكم نُبُوَّته وتَكْذيبِكم إياه، وأنتم تَتْرُكون حُكْمى الذي تُقِرُّون به أنه حقٌّ عليكم واجبٌ جاءَكم به موسى مِن عِندِ اللَّهِ. يقولُ: فإذا كنتم تَتْرُكون حُكْمى الذي جاءَكم به موسى الذي تُقِرُّون بنبوتِه في كتابي، فأنتم بتركِ حكمى الذي يُخْبِرُكم به نبيِّى محمدٌ أنه حكمي، أحْرَى مع جُحودِكم نبوتَه.\nثم قال تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن حالِ هؤلاء اليهودِ الذين وصَف صفتَهم في هذه الآيةِ عندَه، وحالِ نُظرائهم مِن الجائِرِين عن حكمِه، الزائلين عن مَحَجَّةِ الحقِّ، ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: ليس مَن فعَل هذا الفعلَ - أيْ: مَن تَوَلَّى عن حُكمِ اللهِ الذي حكَم به في كتابِه الذي أنْزَله على نبيِّه في خلقه - بالذي صدَّق الله ورسولَه، فأقَرَّ بتوحيده ونبوةِ نبيِّه ﷺ؛ لأن ذلك ليس مِن فعلِ أهلِ الإيمانِ.\nوأصلُ التَّوَلِّي عن الشيءِ الانصرافُ عنه.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كَثِيرٍ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾. قال: تَولِّيهم: ما تركوا مِن كتابِ اللهِ.\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾. يعني حدودَ اللهِ، فأخْبَر اللهِ بحكمِه في التوراةِ (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَعِنْدَهُمُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٣٧ (٦٣٩٤) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"8","page":448},{"text":"التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ أَي: بيانُ (^١) ما تَشاجَروا فيه مِن شأنِ قَتيلِهم، ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الآية (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: قال - يعنى الربَّ تعالى ذكرُه - يُعَيِّرُهم: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾. يقولُ: الرجمُ.\n\n<span id=\"aya-713\"></span><span data-type='title' id=toc-2629>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إنا أنْزَلنا التوراةَ فيها بيانُ ما سأَلَك هؤلاء اليهودُ عنه مِن حكمِ الزانَييْن المُحْصَنَيْن، ﴿وَنُورٌ﴾. يقولُ: وفيها جَلاءُ ما أَظْلَم عليهم، وضِياءُ ما الْتَبَس مِن الحُكْمِ، ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾. يقولُ: يَحْكُمُ بحكمِ التوراةِ في ذلك - أيْ: فيما احْتَكَموا إلى النبيِّ ﷺ فيه مِن أمرِ الزانيين ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾. وهم الذين أذْعَنوا لحكمِ اللهِ وأَقَرُّوا به.\nوإنما عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بذلك نبيَّنا محمدًا ﷺ في حكمِه على الزانيين المُحْصَنين مِن اليهودِ بالرجمِ، وفى تَسْويتِه بينَ دمِ قَتْلَى النَّضِيرِ وقُرَيْظَةَ في القِصاصِ والديةِ، ومَن قَبْلَ محمدٍ مِن الأنبياءِ يَحْكُم بما فيها مِن حكمِ اللهِ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾: يعنى النبيِّ ﷺ (^٣).\n_________\n(^١) بعده في م: \"الله\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٣٨ (٦٤٠٣) من طريق أحمد بن المفضل به بلفظ: الذين أسلموا مع النبي.","vol":"8","page":449},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ ما كان يقولُ لما أُنْزِلَت هذه الآيةِ: \"نحن نَحْكُمُ على اليهودِ وعلى مَن سِواهم مِن أهلِ الأديانِ\" (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، قال: حدَّثنا رجلٌ مِن مُزَيْنةً ونحن عندَ سعيدِ بن المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، قال: زنَى رجلٌ مِن اليهودِ وامرأةٌ (^٢)، فقال بعضُهم لبعضٍ: اذْهَبوا بنا إلى هذا النبيِّ، فإنه نبيٌّ بُعِث بتَخْفيفٍ، فإن أفْتانا بفُتْيا دونَ الرجمِ قبِلْناها، واحْتَجَجْنا بها عندَ اللَّهِ، وقلْنا: فُتْيا نبيٍّ مِن أنبيائِك. قال: فأتَوُا النبيَّ ﷺ وهو جالسٌ في المسجدِ في أصحابِه، فقالوا: يا أبا القاسمِ، ما تَقولُ في رجلٍ وامرأةٍ منهم زنَيا؟ فلم يُكلِّمْهم كلمةً، حتى أتَى بيتَ المِدْراسِ (^٣)، فقام على البابِ فقال: \"أَنْشُدُكم باللهِ الذي أَنزَل التوراةَ على موسى، ما تَجدون في التَّوْرَاةِ على مَن زنَى إِذا أَحْصَن؟ \". قالوا: يُحَمَّمُ ويُجَبَّهُ ويُجْلَدُ. والتَّجْبِيه أن يُحْمَلَ الزانيان على حمارٍ تُقابَلُ أَقْفِيتُهما، ويُطافَ بهما. وسكَت شابٌّ، فلما رآه سكَت ألَظَّ به النِّشْدةَ، فقال: اللهم إذ نشَدْتَنا، فإنا نَجِدُ في التَّوراةِ الرجمَ. فقال النبي ﷺ: \"فما أولُ ما ارْتَخَصتم (^٤) أَمْرَ اللَّهِ؟ \". قال: زنَى رجلٌ ذو قَرابةٍ مِن ملك مِن مُلوكِنا، فأخَّر عنه الرجم، ثم زنَى رجلٌ في\n_________\n(^١) أخرجه الحارث بن أبي أسامة (٧٠٨)، من طريق عثمان، عن قتادة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٥، ٢٨٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"بامرأة\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مدراس\".\n(^٤) في ص، ت ١: \"تخصص\"، وفى م: \"ارتخص\"، وفى ت ٢، ت ٣، س: \"يخصص\". والمثبت من مصادر التخريج.","vol":"8","page":450},{"text":"أُسْرةٍ (^١) مِن الناس، فأراد رجمَه، فحال قومُه دونَه، وقالوا: لا تَرْجُمْ صاحبَنا حتى تَجيءَ بصاحبِك فتَرْجُمَه. فاصْطَلحوا على هذه العقوبةِ بينَهم، قال النبيُّ ﷺ: \"فإنى أَحْكُمُ بما في التوراةِ\". فأمَر بهما فرُجِما. قال الزهريُّ: فبلَغَنا أن هذه الآيةَ نزَلَت فيهم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾. فكان النبيُّ منهم (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾: النبيُّ ﷺ ومَن قَبلَه مِن الأنبياءِ يَحْكُمون بما فيها مِن الحقِّ.\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيْمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾: يعنى النبيَّ ﷺ، ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾: يعنى اليهودَ، فاحْكُمْ بينَهم ولا تَخْشَهم (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2630>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويَحْكُمُ بالتوراةِ وأحكامِها التي أنْزَل اللهُ فيها في كلِّ زمانٍ على ما أمَر بالحكمِ به فيها مع النبيين الذين أسلَموا - الربانيُّون والأحبارُ.\nوالرَّبانيون جمعُ رَبَّانيٍّ، وهم العلماءُ الحكماءُ البُصَراءُ بسياسةِ الناسِ، وتَدْبيرِ\n_________\n(^١) في ص: \"أسوة\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٩، ١٩٠، ومصنفه (١٣٣٣٠)، ومن طريقه أبو داود (٤٤٥٠)، وأخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١١٣٨ (٦٤٠١) عن الحسن بن يحيى به مختصرا، وينظر ما تقدم في ص ٤١٧، ٤١٨.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى الشيخ بنحوه.","vol":"8","page":451},{"text":"أمورِهم، والقِيامِ بمصالحِهم. والأخْبارِ هم العلماءُ.\nوقد بيَّنا معنى \"الربانيين\" فيما مضَى بشَواهدِه، وأقوالَ أهلِ التأويلِ فيه (^١).\nوأما الأحْبارُ، فإنهم جمعُ حَبْرٍ، وهو العالِمُ المُحْكِمُ للشيءِ، ومنه قيل لكعبٍ: كعبُ الأخبارِ.\nوكان الفَرَّاءُ يقولُ (^٢): أكثرُ ما سمِعْتُ العربَ تقول في واحدِ الأخبارِ: حِبْرٌ. بكسرِ الحاءِ.\nوكان بعضُ أهلِ التأويلِ يقولُ: عُنِى بالربانيين والأحبارِ في هذا الموضعِ ابنا صُورِيَا اللذان أقَرَّا لرسولِ الله ﷺ بحكمِ اللهِ تعالى في التوراةِ على الزانيَيْن المُحْصَنَين.\n\n<span data-type='title' id=toc-2631>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: كان رجلان مِن اليهودِ أخوان يقالُ لهما: ابنا صُورِيَا. وقد اتَّبَعا النبيَّ ﷺ ولم يُسْلِما، وأعْطَياه عهدًا ألا يَسْأَلهما عن شيءٍ في التوراةِ إلا أَخْبَراه به، وكان أحدُهما رِبِّيًّا، والآخرُ حَبْرًا. وإنما اتَّبَعا النبيَّ ﷺ يَتَعَلَّمان منه، فدَعاهما فسأَلَهما، فأَخْبَراه الأمرَ كيف كان حينَ زنَى الشريفُ وزنَى المِسْكينُ، وكيف غيَّروه، فأنْزَل اللهُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ يعنى النبيَّ ﷺ ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ هما ابنا صُورِيَا، للذين هادوا. ثم ذكر ابنَى صُوريَا، فقال: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٥/ ٥٢٦ وما بعدها.\n(^٢) ينظر تهذيب اللغة ٥/ ٣٣، واللسان (ح ب ر).","vol":"8","page":452},{"text":"مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أَخْبَر أَنَّ التوراةَ يَحْكُمُ بها مسلمو الأنبياءِ لليهودِ، والربانيون مِن خلقِه والأحْبارُ، وقد يَجوزُ أن يكونَ عُنِى بذلك ابنا صُورِيا وغيرُهما، غيرَ أنه قد دخَل في ظاهرِ التنزيلِ مسلمو الأنْبياءِ وكلُّ رَبانيٍّ وحَبْرٍ، ولا دَلالةَ في ظاهرِ التنزيلِ على أنه معنيٌّ به خاصٌّ مِن الربانيين والأحبارِ، ولا قامَت بذلك حجةٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لها، فكلُّ رَبَّانيٍّ وحَبْرٍ داخلٌ في الآيةِ بظاهرِ التنزيلِ.\nوبمثل الذي قلْنا في تأويلِ \"الأحْبارِ\" قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2632>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي سلَمةَ، عن الضحاكِ. ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾: قُرَّاؤُهم وفُقهاؤُهم (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن أشْعَثَ، عن الحسن: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾: الفقهاءُ والعلماءُ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: الرَّبّانيون العلماءُ الفُقهاءُ، وهم فوقَ الأحْبارِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٣٨ - ١١٤٠ (٦٤٠٣، ٦٤٠٤، ٦٤١٢) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٦ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه الدارمي ١/ ٩٥ من طريق حفص.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور (٧٦٧) - تفسير)، وابن أبي حاتم ٤/ ١١٣٩ (٦٤٠٦) من طريق سفيان بن عيينة به.","vol":"8","page":453},{"text":"حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: الرَّبّانيون فقهاءُ اليهودِ، والأحْبارُ علماؤُهم (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا سُنَيْدُ بن داودَ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾: كلُّهم يَحْكُمُ بما فيها مِن الحقِّ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الربانيون الوُلاةُ، والأحْبارُ العلماءُ.\nوأما قولُه: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾. فإن معناه: يَحْكُمُ النبيون الذين أسْلَموا بحكمِ التوراةِ، والرَّبّانيُّون والأحبارُ - يعنى العلماءَ - بما اسْتُودِعوا علمَه من كتابِ اللهِ الذي هو التوراةُ.\nوالباءُ في قولِه: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ مِن صلِة ﴿الْأَحْبَارُ﴾.\nوأما قولُه: ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾. فإنه يعنى أن الربانيين والأحبارَ بما استُودِعوا مِن كتابِ اللهِ يَحْكُمون بالتوراةِ مع النبيين الذين أسْلَموا للذين هادوا، وكانوا على حكمِ النبيين الذين أسْلمَوا للذين هادوا شهداءَ أنهم قَضَوْا عليهم بكتابِ اللهِ الذي أَنْزَله على نبيِّه موسى وقَضائِه عليهم.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾: يعنى الربانيين والأحبار هم الشُّهداءُ لمحمدٍ ﷺ بما قال أنه حقٌّ جاء مِن عندِ اللهِ، فهو نبيُّ اللهِ محمدٌ، أتَتْه اليهودُ فقضَى بينَهم بالحقِّ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٤٠ (٦٤١٤) مِن طريق خليد بن دعلج، عن قتادة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٤١ (٦٤١٧) عن محمد بن سعد به.","vol":"8","page":454},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2633>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لعلماءِ اليهودِ وأحْبارِهم: لا تَخْشَوُا النَّاسَ فِي تَنْفِيدِ حُكْمى الذي حكَمْتُ به على عبادى وإمضائِه عليهم على ما أَمَرْتُ، فإنهم لا يَقْدِرون لكم على ضُرٍّ ولا نفعٍ إلا بإذنى، ولا تكْتُموا الرجمَ الذي جَعَلْتُه حكمًا في التوراةِ على الزانيَيْن المُحْصَنَيْن، ولكن اخْشَوْنى دونَ كلِّ أحدٍ مِن خلْقى؛ فإن النفعَ والضُّرَّ بيدى، وخافوا عقابي في كِتْمانِكم ما اسْتُحْفِظْتُم مِن كتابي.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضِّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾. يقولُ: لا تَخْشَوا الناسَ فتَكتُموا ما أَنْزَلْتُ (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. يقولُ: ولا تَأْخُذوا بتَرْكِ الحكمِ بآياتِ كتابي الذي أَنْزَلْتُه على موسى أيُّها الأحْبارُ عِوَضًا خَسيسًا، وذلك هو الثمنُ القليلُ. وإنما أراد تعالى ذكرُه نهيَهم عن أكل السُّحْتِ على تَحْريفِهم كتابَ اللهِ، وتَغْييرِهم حكمَه عما حكَم به في الزانيَيْن المُحْصَنَين، وغيرِ ذلك مِن الأحكامِ التي بدَّلوها طلبًا منهم للرِّشَا.\nكما حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. قال: لا تأْكُلوا السُّحْتَ على كتابي (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٤١ (٦٤١٨) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٤١ (٦٤٢٢) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد بنحوه.","vol":"8","page":455},{"text":"وقال مرَّةً أخرى، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. قال: لا تَأْخُذوا به رشوةً.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: [ولا تَأْخُذُوا طَمَعًا (^١) قليلًا] (^٢) على أن تَكْتُموا ما أَنْزَلْتُ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2634>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومَن كتم حُكْمَ اللهِ الذي أَنْزَله في كتابِه وجعَله حكمًا بينَ عبادِه، فأخْفاه وحكَم بغيرِه، كحكمِ اليهود في الزانِيَيْنِ المُحْصَنَيْن بِالتَّجْبِيهِ والتَّحْمِيمِ وكِتْمانِهم الرجمَ، وكقَضائهم في بعضِ قَتْلاهم بدِيَةٍ كاملةٍ وفى بعضٍ بنصفِ الديةِ، وفى الأشرافِ بالقصاصِ وفي الأدْنِياءِ بالديةِ، وقد سوَّى اللهُ بينَ جميعِهم في الحكمِ عليهم في التوراةِ - ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين لم يَحْكُموا بما أَنْزَل الله في كتابه، ولكن بدَّلوا وغيَّروا حكمَه، وكتَموا الحقَّ الذي أنْزَله في كتابِه، ﴿هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. يقولُ: هم الذين ستَروا الحقَّ الذي كان عليهم كشْفُه وتبيينُه، وغَطَّوْه عن الناسِ، وأَظْهَروا لهم غيرَه، وقضَوْا به لسُّحْتٍ أَخَذُوه منهم عليه.\nوقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ \"الكفرِ\" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم بنحوِ ما قلنا في ذلك، مِن أنه عَنَى به اليهود الذين حرَّفوا كتابَ اللَّهِ وبدَّلوا حكمه.\n_________\n(^١) في م: \"طعما\".\n(^٢) سقط مِن: ت ١، ت ٢، ت ٣، س. والمثبت موافق لما تقدم في ١/ ٦٠٤، ٦/ ٢٩٩.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٤٢ (٦٤٢٤) من طريق أسباط.","vol":"8","page":456},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2635>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، عن البَرَاءِ بن عارب، عن النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]: \"في الكافرين كلُّها\" (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمد بن القاسمُ، قال: ثنا أبو حَيَّانَ، عن أبي صالح، قال: الثلاثُ الآياتُ التي في \"المائدة\": ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، ليس في أهل الإسلام منها شيءٌ، هي في الكفارِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي حَيَّانَ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿الظَّالِمُونَ﴾، و﴿الْفَاسِقُونَ﴾. قال: نزَلَت هؤلاء الآياتُ في أهلِ الكتابِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بن سليمانَ، قال: سَمِعْتُ عِمْرانَ بنَ حُدَيْرٍ، قال: أتَى أبا مِجْلَزٍ ناسٌ مِن بنى عمرِو بن سَدُوسٍ، فقالوا: يا أبا مجْلَزٍ، أرأَيْتَ قولَ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ أحقٌّ هو؟ قال: نعم. قالوا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ\n_________\n(^١) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ١/ ٣٨، ٣٩ من طريق أبي معاوية به موقوفًا.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٦ إلى المصنف.","vol":"8","page":457},{"text":"الظَّالِمُونَ﴾ أحقٌّ هو؟ قال: نعم. قالوا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أحقٌّ هو؟ قال: نعم. قال: فقالوا: يا أبا مِجْلَزٍ، فيَحْكُمُ هؤلاء بما أنْزَل اللهُ؟ قال: هو دينُهم الذي يَدينون به، وبه يَقُولون، وإليه يَدْعُون، فإن هم تركوا شيئًا منه عرَفوا أنهم قد أصابوا ذَنْبًا. فقالوا: لا واللهِ، ولكنك تَفْرَقُ (^١). قال: أنتم أولى بهذا منى، لا أَرَى [رأيَكم، وأنتم] (^٢) تَرَوْن هذا ولا تَحَرَّجون، ولكنها أُنْزِلَت في اليهودِ والنصارى وأهلِ الشركِ. أو نحوًا مِن هذا (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن عِمْرانَ بن حُدَيْرٍ، قال: قعد إلى أبي مِجْلَزٌ نفر مِن الإباضيَّةِ. قال: فقالوا له: يقولُ اللهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال أبو مِجْلَزٍ: إنهم يَعْمَلُون بما يَعْمَلُون - يعنى الأمراءَ - ويَعْلَمون أنه ذنْبٌ. قال: وإنما أُنزِلَت هذه الآيةُ في اليهودِ والنصارى. قالوا: أما واللهِ إنك لَتَعْلَمُ مثل ما نَعْلَمُ، ولكنك تَخْشاهم. قال: أنتم أحقُّ بذلك منا، أمّا نحن فلا نَعْرِفُ ما تَعْرِفون، ولكنكم تَعْرِفونه، ولكن يَمْنَعُكم أن تُقْضُوا أمرَكم مِن خشيتِهم.\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبيِ، عن سفيانَ، عن حَبيبِ بن أبى ثابتٍ، عن أبي البَخْتَريِّ، عن حُذيفةَ في قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: نِعْمَ الإخْوةُ لكم بنو إسرائيلَ؛ إن كانت لكم كلُّ حُلوةٍ، ولهم كلُّ مُرَّةٍ، ولَتَسْلُكُنَّ\n_________\n(^١) في م: \"تعرف\". وتفرق: تخاف.\n(^٢) في م: \"وإنكم\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٧ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ بنحوه.","vol":"8","page":458},{"text":"طريقَهم قِدَى (^١) الشِّراكِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي حَيَّانَ، عن الضحاكِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ و﴿الظَّالِمُونَ﴾، و﴿الْفَاسِقُونَ﴾. قال: نزَلَت هؤلاء الآياتُ في أهلِ الكتابِ (^٣).\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا وَكِيعٌ، عن سفيانَ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن أبي البَخْتَريِّ، قال: قيل لحذيفةَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن بشارٍ، عن عبدِ الرحمنِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن أبي البَخْتَريِّ، قال: سأل رجلٌ حُذيفةَ عن هؤلاء الآياتِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال: فقيل: ذلك في بني إسرائيلَ؟ قال: نِعْمَ الإخْوةُ لكم بنو إسرائيلَ، إن كانت لهم كلُّ مُرَّةٍ، ولكم كلُّ حُلوةٍ، كلا واللهِ، لتَسْلُكُنَّ طريقَهم قِدَى (١) الشِّراكِ (^٤)\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا الثوريُّ، عن رجلٍ، عن عكرمةَ، قال: هؤلاء الآياتُ في أهلِ الكتابِ (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"قدر\". وكلاهما بمعنى.\n(^٢) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ١/ ٣٩،٤٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٤٣ (٦٤٣٠) من طريق وكيع به. وأخرجه المروزى في السنة (٦٥)، ووكيع ١/ ٤٠، والحاكم ٢/ ٣١٢ من طرق عن حذيفة بنحوه.\n(^٣) هذا الأثر تكرار للأثر المتقدم في ص ٤٥٧.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩١، وأخرجه وكيع في أخبار القضاة ١/ ٣٩، ٤٠، وابن أبي حاتم ٤/ ١١٤٣ (٦٤٣٠) عن الحسن بن يحيى به، وهو في تفسير سفيان ص ١٠١، ١٠٢ عن حبيب، عن أبي الطفيل، قال: قيل لحذيفة …\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ٣٤١١ (٢٣٤٦) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"8","page":459},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾: ذُكِر لنا أن هؤلاء الآياتِ أُنْزِلَت في قتيلِ (^١) اليهودِ الذي كان منهم.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، و﴿الظَّالِمُونَ﴾ و﴿الْفَاسِقُونَ﴾ لأهلِ الكتابِ كلِّهم؛ لما تركوا مِن كتابِ اللهِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، عن البَرَاءِ بن عازبٍ، قال: مُرَّ على النبيِّ ﷺ يَهوديٍّ مُحَمَّمٍ مَخْلودٍ، فدعاهم فقال: \"هكذا تَجدون حَدَّ مَن زنَى؟ \" قالوا: نعم. فدعا رجلًا مِن علمائهم، فقال: \"أَنْشُدُك الله الذي أنْزَل التوراةَ على موسى، هكذا تَجِدون حدَّ الزانى في كتابِكم؟ \" قال: لا، ولولا أنك نَشَدْتَني (^٢) بهذا لم أُخْبِرْك، نجدُه في كتابِنا الرجمَ، ولكنَّه كثُر في أشْرافِنا، فكنا إذا أَخَذْنا الشريف ترَكْناه، وإذا أخَذْنا الوَضيعِ أقَمْنا عليه الحدَّ، فقلْنا: تَعالَوْا فَلْتَجْتَمِعْ جَمِيعًا على التَّحْمِيمِ والجَلْدِ مكانَ الرجمٍ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"اللهم إنى أولُ مَن أَحْيَا أَمْرَك إِذ أَمَاتُوه\". فَأَمَر به فرُجِم، فأَنْزَل اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١]. إلى قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ يعنى اليهودَ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ يعنى اليهودَ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ للكفار كلُّها (^٣).\n_________\n(^١) في ص: \"قبيل\"، وفي م: \"قيل\".\n(^٢) في م: \"أنشدتني\".\n(^٣) تقدم في ص ٤١٥، ٤١٦.","vol":"8","page":460},{"text":"حدَّثني يونُسُ بن عبد الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: مَن حكَم بكتابِه الذي كتَب بيدِه، وترَك كتابَ اللهِ، وزعَم أن كتابه هذا مِن عندِ اللهِ فقد كفَر (^١).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن البَرَاءِ بن عازبٍ، عن النبيِّ ﷺ، نحوَ حديثِ القاسمِ، عن الحسينِ (^٢)، غيرَ أن هَنَّادًا قال في حديثِه: فقلنا: تَعالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ في شيءٍ نُقِيمُه على الشريفِ والضعيفِ. فاجْتَمَعْنا على التَّحْمِيمِ والجَلْدِ مكانَ الرجمِ. وسائرُ الحديثِ نحوَ حديثِ القاسمِ.\nحدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا ابن وهبٍ، قال: ثنا ابن أبى الزِّنادِ، عن أبيه، قال: كنا عندَ عبيدِ اللهِ بن عبدِ اللَّهِ بن عُتْبَةَ بن مسعودٍ، فذكَر رجلٌ عِندَه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. فقال عبيدُ اللهِ: أمَا واللهِ إن كثيرًا مِن الناس يَتَأَوَّلون هؤلاء الآياتِ على ما لم يَنْزِلْنَ عليه، وما أُنْزِلْنَ إلا في حيَّيْن مِن يهودَ. ثم قال: هم قُريظةُ والنَّضيرُ، وذلك أن إحدى الطائفتَيْن كانت قد غزَت الأُخرى وقهَرَتْها قبلَ قُدومِ النبيِّ ﷺ المدينةَ، حتى ارْتَضَوْا واصْطَلحوا على أن كلَّ قتيل قتَلَتْه العَزيزةُ مِن الذَّليلةِ، فدِيَتُه خمسون وَسْقًا، وكلَّ قَتيلٍ قتَلَته الذَّليلةُ مِن العزيزة، فدِيتُه مائةُ وَسْقٍ، فأَعْطَوْهِم فَرَقًا وضَيْمًا، فقدم النبيُّ ﷺ وهم على ذلك، فذلَّت الطائفتان بمقْدَمِ النبيِّ ﷺ، والنبيَّ ﷺ لم يَظْهَرُ عليهما، فبَيْنا هما على ذلك، أصابَت الذَّليلةُ مِن العَزيزةِ قتيلًا، فقالت العزيزةُ: أعْطُونا مائةَ وَسْقٍ. فقالت الذَّليلةُ: وهل كان هذا قطُّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٤٢ (٦٤٢٨) من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٢) في النسخ: \"الحسن\". والمثبت هو الصواب، وهو الحديث قبل السابق.","vol":"8","page":461},{"text":"في [حيَّيْن دينُهما واحدٌ، وبلدُهما] (^١) واحدٌ، ديةُ بعضِهم ضعفُ ديةِ بعضٍ! إنما أعْطَيْناكم هذا فَرَقًا منكم وضَيْمًا، فاجْعَلوا بينَنا وبينَكم محمدًا (^٢). فتراضَيَا على أن يَجْعَلُوا النبيَّ ﷺ بينَهم، ثم إن العزيزة تذاكرتْ (^٣) بينَها، فخشِيَت ألا يُعْطِيَها النبيُّ ﷺ مِن أصحابها ضِعفَ ما تُعْطى أصحابَها منها، فدَسُّوا إلى النبيِّ ﷺ إخْوانَهم مِن المنافقين، فقالوا لهم: اخْبُرُوا لنا رأْىَ محمدٍ (٢)، فإن أعطانا ما نُرِيدُ حكَّمناه، وإن لم يُعْطِنَا حَذِرْناه ولم نُحَكِّمُه. فذهَب المنافِقُ إلى النبيِّ ﷺ، فأَعْلَم اللهُ تعالى ذكرُه النبيَّ ﷺ ما أرادوا مِن ذلك الأمرِ كلِّه. قال عبيدُ اللهِ: فأنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه فيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ هؤلاء الآياتِ كلَّهن، حتى بلَغ: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ إلى: ﴿لَفَاسِقُونَ﴾. قرَأ عبيدُ اللَّهِ ذلك آيةً آيةً، وفَسَّرها على ما أُنْزِل، حتى فرَغ مِن (^٤) تفسيرِ ذلك لهم في الآياتِ، ثم قال: إنما عُنِى بذلك يهودُ، وفيهم أُنْزِلَت هذه الصفةُ (^٥).\nوقال بعضُهم: عُنِى بالكافرين أهلُ الإسلامِ، وبالظالمين اليهودُ، وبالفاسقين النصارَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-2636>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبي، عن زكريا، عن عامرٍ، قال: نزَلَت:\n_________\n(^١) سقط مِن: س، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حي دينهم واحد وبلدهم\".\n(^٢) بعده في النسخ: \"ﷺ\". واليهود لا تقوله.\n(^٣) في ص: \"يكرب\"، وفى ت ١: \"فكرت\"، وفى س: \"ذكرت\".\n(^٤) زيادة يستقيم بها السياق.\n(^٥) أخرجه أحمد ٤/ ٨٨ - ٩٠ (٢٢١٢)، وأبو داود مختصرا (٣٥٧٦)، والطبراني (١٠٧٣٢) من طريق ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله، عن ابن عباس بنحوه.","vol":"8","page":462},{"text":"﴿الْكَافِرُونَ﴾ في المسلمين، ﴿الظَّالِمُونَ﴾ في اليهود، و﴿الْفَاسِقُونَ﴾ في النصارَى.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن ابن أبي السَّفَرِ، عن الشعبيِّ، قال: ﴿الْكَافِرُونَ﴾ في المسلمين، ﴿الظَّالِمُونَ﴾ في اليهودِ، و﴿الْفَاسِقُونَ﴾ في النصارى.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ وأبو السائبِ وواصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قالوا: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن ابن شُبْرُمةَ، عن الشعبيِّ، قال: آيةٌ فينا، وآيتان في أهلِ الكتابِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، فينا، وفيهم: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ و﴿الْفَاسِقُونَ﴾ في أهلِ الكتابِ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، مثلَ حديثِ زكريا عنه (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا شعبةُ، عن ابن أبي السَّفَرِ، عن الشعبيِّ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: هذا في المسلمين، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال: النَّصارى (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرنا زكريا بنُ أبي زائدةَ، عن الشعبيِّ، قال في هؤلاء الآياتِ التي في \"المائدةِ\": ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: فينا أهل الإسلام، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا\n_________\n(^١) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ١/ ٤١، ٤٢ من طريق ابن فضيل به بنحوه.\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٠٢، ١٠٣، ومن طريقه وكيع في أخبار القضاة ١/ ٤٢.\n(^٣) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ١/ ٤٢ من طريق شعبة مقتصرا على شطره الأول.","vol":"8","page":463},{"text":"أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال: في اليهودِ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال: في النصارَى (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن زكريا بن أبي زائدةَ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: نزَلَت الأولى في المسلمين، والثانيةُ في اليهودِ، والثالثةُ في النصارى.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن زكريا، عن الشعبيِّ بنحوِه (^٢).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا يَعْلَى، عن زكريا، عن عامرٍ بنحوِه.\nوقال آخرون: بل عُنِىَ بذلك كفرٌ دونَ كفرٍ، وظلمٌ دونَ ظلمٍ، وفسقٌ دون فسقٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2637>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ قولَه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال: كفرٌ دونَ كفرٍ، وفسقٌ دونَ فسقٍ، وظلمٌ دونَ ظلمٍ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٥١ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٠٣، وتفسير عبد الرزاق ١/ ١٩١، وأخرجه وكيع في أخبار القضاة ١/ ٤٢، وابن أبي حاتم ٤/ ١١٤٣، ١١٤٨ (٦٤٣٣، ٦٤٦٣) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) تفسير سفيان ص ١٠١، ومن طريقه وكيع في أخبار القضاة ١/ ٤٣.","vol":"8","page":464},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن أيوبَ، عن عطاءٍ مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن أيوبَ بن أبي تَمِيمةَ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ بنحوِه (^١).\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا وَكِيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ بنحوِه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ بنحوِه.\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وكيع، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن سعيدٍ المَكيِّ، عن طاوسٍ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: ليس بكفرٍ يَنْقُلُ عن الملِة.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن مَعْمَرٍ بن راشدٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: هي به كفرٌ، وليس كفرًا باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه (^٢).\nحدَّثني الحسنُ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: قال رجلٌ لابنِ عباسٍ في هذه الآياتِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: فمَن فعَل هذا فقد كفَر؟ قال ابن عباسٍ: إذا فعَل ذلك فهو به كفرٌ، وليس كمَن كفَر باللهِ واليومِ الآخرِ وبكذا وكذا.\n_________\n(^١) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ١/ ٤٣ مِن طريق حجاج به.\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٠١، عن ابن طاوس به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٣١٣ - وعنه البيهقى ٨/ ٢٠ - من طريق طاوس به بمعناه.","vol":"8","page":465},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: سُئِل ابن عباسٍ عن قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: هي به كفرٌ. قال ابن طاوسٍ: وليس كمن كفَر باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا الثوريُّ، عن رجلٍ، عن طاوسٍ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: كفرٌ لا يَنْقُلُ عن الملِة. قال: وقال عطاءٌ: كفر دونَ كفرٍ، وظلمٌ دونَ ظلمٍ، وفسقٌ دونَ فسقٍ (^٢).\nوقال آخَرون: بل نزَلَت هذه الآياتُ في أهلِ الكتابِ، وهى مرادٌ بها جميعُ الناسِ مسلموهم وكفارُهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2638>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: نزَلَت هذه الآياتُ في بني إسرائيلَ، ورَضِي لهذه الأُمَّةِ بها (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: نزَلَت في بني إسرائيلَ، ورضى لكم بها.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩١ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٤٣ (٦٤٣٣) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٢) تفسير سفيان من ١٠١ عن رجل عن طاوس، وعن ابن جريج عن عطاء، وتفسير عبد الرزاق ١/ ١٩١، وأخرجه وكيع في أخبار القضاة ١/ ٤٣ عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) تفسير سفيان ص ١٠٢، وتفسير عبد الرزاق ١/ ١٩١، وأخرجه وكيع في أخبار القضاة ١/ ٤٢، ٤٣ عن الحسن بن يحيى به.","vol":"8","page":466},{"text":"حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في هذه الآيةِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: نزَلَت في بني إسرائيلَ، ثم رَضِى بها لهؤلاء.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: نزَلَت في اليهودِ، وهى علينا واجبةٌ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبرَنا عبدُ الملكِ بنُ أبي سُلَيمانَ (^٢)، عن سلَمةَ بن كُهَيْلٍ، عن علقمةً ومسروقٍ، أنهما سأَلا ابنَ مسعودٍ عن الرِّشْوةِ، فقال: مِن السُّحْتِ. قال: فقالا: أفي الحكم؟ قال: ذاك الكفرُ. ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. يقولُ: ومَن لم يَحْكُمْ بما أَنْزَلْتُ، فترَكَه عمدًا، وجار وهو يَعْلَمُ، فهو مِن الكافرِين (^٤).\nوقال آخَرون: معنى ذلك: ومَن لم يَحْكُم بما أنزل اللَّهُ جاحدًا به، فأما الظلمُ والفسقُ فهو للمُقِرِّ به.\n\n<span data-type='title' id=toc-2639>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"سليم\". وينظر في تهذيب الكمال ١٨/ ٣٢٢.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٤٣٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٤٢ (٦٤٢٧) من طريق أحمد بن مفضل به.","vol":"8","page":467},{"text":"عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: مَن جحَد ما أنزل الله فقد كفر، ومَن أَقرَّ به ولم يَحْكُمْ فهو ظالمٌ فاسقٌ (^١).\nوأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: نزَلَت هذه الآياتُ في كفارِ أهلِ الكتابِ. لأن ما قبلَها وما بعدَها مِن الآياتِ فيهم (^٢) نزَلَت، وهم المَعْنِيُّون بها، وهذه الآيات سياقُ الخبر عنهم، فكونها خبرًا عنهم أولى.\nفإن قال قائلٌ: فإن اللَّهَ تعالى ذكرُه قد عمَّ بالخبرِ بذلك عن جميعِ مَن لم يَحْكُمْ بما أَنْزَل الله، فكيف جَعَلْتَه خاصًّا؟\nقيل: إن الله تعالى عمَّ بالخبرِ بذلك عن قومٍ كانوا بحكمِ اللَّهِ الذي حكَم به في كتابِه جاحِدِين، فأخْبَر عنهم أنهم بتركِهم الحكمَ على سبيلِ ما ترَكوه كافرون، وكذلك القولُ في كلِّ مَن لم يَحْكُمْ بما أَنْزَلَ اللَّهُ جاحدًا به، هو باللَّهِ كافرٌ، كما قال ابن عباسٍ؛ لأنه بجُحودِه حُكْمَ اللَّهِ بعدَ علمِه أنه أنْزَله في كتابِه نظيرُ جحودِه نبوةَ نبيِّه بعدَ علمِه أنه نبيٌّ.\n\n<span id=\"aya-714\"></span><span data-type='title' id=toc-2640>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وكتَبْنا على هؤلاء اليهود الذين يُحَكِّمونك يا محمدُ وعندَهم التوراةُ فيها حكمُ اللَّهِ.\nويعنى بقوله: ﴿وَكَتَبْنَا﴾: وفرَضْنا عليهم فيها أن يَحْكُموا في النفسِ إذا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٤٢، ١١٤٦ (٦٤٢٦، ٦٤٥٠) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) في النسخ: \"ففيهم\". وما أثبتناه موافق للسياق.","vol":"8","page":468},{"text":"قتَلَتْ نفسًا بغير حقٍّ، ﴿بِالنَّفْسِ﴾ يعنى: أن تُقْتَلَ النفسُ القاتلةُ بالنفسِ المَقْتولةِ. ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ يقولُ: وفرَضْنا عليهم فيها أن يَفْقَئوا العينَ التي فقَأ صاحبُها مثلَها مِن نفسٍ أُخرى بالعينِ المفقوءةِ، ويُجْدَعَ الأَنفُ بالأنفِ، وتُقْطَعَ الأذنُ بالأذنِ، وتُقلَعَ السنُّ بالسنِّ، ويُقْتَصَّ مِن الجارحِ غيرَه ظُلْمًا للمَجْروحِ.\nوهذا إخبارٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ عن اليهودِ، وتَعْزيةٌ منه له عن كفرِ مَن كفَر منهم به بعد إقْرارِه بنبوتِه، وإدْبارِه عنه بعدَ إقبالِه، وتعريفٌ منه له جَراءتَهم قديمًا وحديثًا على ربِّهم وعلى رسلِ ربِّهم، وتَقَدُّمَهم على كتابِ اللَّهِ بالتحريفِ والتَّبْديلِ.\nيقولُ تعالى ذكرُه له: وكيف يَرْضَى هؤلاء اليهودُ يا محمدُ بحكمِك إذ جاءوا يُحَكِّمونك وعندَهم التوراةُ التي يُقِرُّون بها أنها كتابي ووحْيِى إلى رسولى موسى، فيها حُكْمى بالرجمِ على الزُّناةِ المُحْصَنِين، وقَضائي بينَهم أن مَن قتَل نفسًا ظلمًا فهو بها قَوَدٌ، ومَن فقَأ عينًا بغيرِ حقٍّ فعينُه بها مَفْقوءةٌ قِصاصًا، ومَن جدَع أَنْفًا فأنفُه به مَجْدوعٌ، ومَن قلع سِنًّا فسِنُّه بها مَقْلوعةٌ، ومَن جرَح غيرَه جُرْحًا فهو مُقْتَصٌّ منه مثلُ الجُرْحِ الذي جرَحه؟ ثم هم مع الحكم الذي عندَهم في التوراةِ مِن أحكامى يَتَوَلَّوْن عنه، ويَتْرُكون العملَ به. يقولُ: فهم بتركِ حكمِك، وبسُخْطِ قَضائِك بينَهم أخرَى وأَوْلَى.\nوبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2641>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: لمَّا رأَتْ قُرَيْظة النبيَّ ﷺ قد حكَم بالرجمِ، وكانوا يُخْفُونه في كتابِهم، نهَضَت قُرَيظةُ فقالوا: يا محمدُ، اقْضِ بينَنا وبينَ إخْوانِنا بنى النَّضيرِ. وكان بينهم دمٌ قبلَ قُدومِ","vol":"8","page":469},{"text":"النبيِّ ﷺ، وكانت النَّضيرُ يَتَعَزَّزُون على بنى قُرَيظةَ، ودِيَاتُهم على أنصافِ دياتِ النضيرِ، وكانت الديةُ مِن وُسُوقِ التمرِ أربعين ومائةً وَسْقٍ لبنى النضيرِ، وسبعين وَسْقًا لبنى قُرَيظةَ، فقال: \"دمُ القُرَظيِّ وَفاءٌ مِن دمِ النَّضِيريِّ\". فغضِب بنو النضيرِ، وقالوا: لا نُطيعُك في الرجمِ، ولكن تأْخُذُ بحُدودِنا التي كنا عليها. فنزَلَت: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [المائدة: ٥٠]. ونزل: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. قال: فما بالُهم يُخالِفون، يَقْتُلون النفسَيْن (^٢) بالنفسِ، ويَفْقَئون العينَيْن (^٣) بالعينِ؟\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا خَلَّادٌ الكوفيُّ، قال: ثنا الثوريُّ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: كان بينَ حَيَّين مِن الأنصارِ قِتالٌ، فكان بينَهم، قَتْلَى، وكان لأحدِ الحَيَّين على الآخَرِ طَوْلٌ، فجاء النبيُّ ﷺ، فجعَل يَجْعَلُ الحرَّ بالحرِّ، والعبدَ بالعبدِ، والمرأةَ بالمرأةِ، فنزَلَت: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]. قال سفيانُ: وبلَغَنى عن ابن عباسٍ أنه قال: نسَخَتها: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ - ﴿فِيهَا﴾: في التوراةِ -\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٧ للمصنف.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س: \"النفس\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، س: \"العين\".","vol":"8","page":470},{"text":"﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ حتى (^١): ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. قال مجاهدٌ، عن ابن عباسٍ، قال: كان على بنى إسرائيلَ القِصاصُ في القَتْلَى، ليس بينَهم ديةٌ في نفسٍ ولا جُرْحٍ. قال: وذلك قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾؛ في التوراةِ، فخفَّف اللَّهُ عن أمة محمدٍ ﷺ، فجعَل عليهم الديةَ في النفسِ والجراحِ، وذلك تخفيفٌ مِن ربِّكم ورحمةٌ ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. قال: إن بني إسرائيلَ لم يُجْعَلْ لهم ديةٌ فيما كتَب اللَّهُ لموسى في التوراةِ مِن نفسٍ قُتِلَت، أو جُرْحٍ، أو سِنٍّ، أو عينٍ، أو أنفٍ، إنما هو القِصاصُ أو العَفْوُ.\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾. أي: في التوراةِ، ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾. أي: في التوراةِ، ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾: بعضُها ببعضٍ (^٤).\n_________\n(^١) هي هنا بمعنى: إلى. أو يريد: حتى بلغ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٤٤ (٦٤٣٧) من طريق أبي حذيفة به ببعضه.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٨ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٤٥ (٦٤٤٦) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"8","page":471},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. قال: يقولُ: تُقْتَلُ النفسُ بالنفسِ، وتُفْقَأُ العينُ بالعينِ، ويُقْطَعُ الأَنفُ بالأنفِ، وتُنْزَعُ السِّنُّ بالسنِّ، وتُقْتَصُّ الجِراحُ بالجِراحِ. فهذا يَسْتَوِى فيه أحْرارُ المسلمين فيما بينَهم، رجالُهم ونساؤُهم، إذا كان في النفسِ وما دون النفسِ، ويَسْتَوِى فيه العَبيدُ؛ رجالُهم ونساؤُهم، فيما بينَهم، إذا كان عمدًا في النفسِ وما دونَ النفسِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-2643>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك المجروحُ ووليُّ القَتيلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2642>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن طارقِ بن شهابٍ، عن الهَيْثمِ بن الأسودِ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قال: يُهْدَمُ عنه - يعنى المجروحَ - مثلُ ذلك مِن ذنوبِه (^٢).\nحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن قيسِ بن مسلم، عن طارقِ بن شِهابٍ، عن الهيثمِ بن الأسودِ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو بنحوِه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٤٤، ١١٤٥ (٦٤٣٨، ٦٤٤٠، ٦٤٤٢، ٦٤٤٥) من طريق عبد الله بن صالح به، وليس فيه: وتنزع السن بالسن.\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٠٢، ومن طريقه البيهقي ٨/ ٥٤ بنحوه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٣٨ عن وكيع به ومن طريقه ابن حزم في المحلى ١٢/ ٢٣٢.","vol":"8","page":472},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قيسٍ بن مسلمٍ، عن طارقِ بن شهابٍ، عن الهيثمِ بن الأسودِ أبي العُرْيانِ، قال: رأيْتُ مُعاويةَ قاعدًا على السريرِ، وإلى جنبِه رجلٌ أحمرُ (^١) كأنه مَوْلًى، وهو عبدُ الله بنُ عمرٍو، فقال في هذه الآيةِ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قال: يُهْدَمُ عنه مِن ذنوبِه مثلُ ما تصَدَّق به (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْم، قال: أَخْبَرَنَا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قال: للمجروحِ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا شعبةُ، عن عُمارة بن أبى حَفْصةَ، عن أبي عُقْبةً، عن جابرِ بن زيدٍ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قال: للمجروحِ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى حَرَمِيُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أَخْبَرَنى عُمارةُ، عن رجلٍ - قال حَرَميٌّ: نسيتُ اسمَه - عن جابرِ بن زيدٍ بمثلِه (^٤).\nحدَّثنا ابن وَكيع، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قال: للمَجْروحِ.\n_________\n(^١) في النسخ: \"آخر\"، وفي تفسير ابن أبي حاتم: \"أجمر\". والمثبت من تفسير ابن كثير ٣/ ١١٦، ونقله عن ابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١١٤٦ (٦٤٤٨) من طريق شعبة به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٣٨ - ومن طريقه ابن حزم في المحلى ١٢/ ٢٣٢ - عن هشيم به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٤٦ عقب الأثر (٦٤٤٩) من طريق حرمي بن عمارة به، وفيه: جابر بن عبد الله. وليس ابن زيد.","vol":"8","page":473},{"text":"حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ، عن يونُسَ بن أبي إسحاقَ، عن أبي السَّفَرِ، قال: دفَع رجلٌ مِن قريشٍ رجلًا مِن الأنصارِ، فانْدَقَّت ثَنِيَّتُه، فرفَعَه الأنصاريُّ إلى مُعاويةَ، فلمَّا أَلَحَّ عليه الرجلُ قال مُعاويةُ: شأنَك وصاحبَك. قال: وأبو الدرداءِ عندَ معاويةَ، فقال أبو الدرداءِ: سمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: \"ما مِن مسلمٍ يُصابُ بشيءٍ من جسدِه فيَهَبُه، إلا رفَعَه اللَّهُ به درجةً، وحَطَّ عنه به خَطيئَةً\". فقال له الأنصاريُّ: أنت سمِعْتَه مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ؟ قال: سمِعَتْه أُذُنايَ، ووعاه قبلى. فخلَّى سبيلَ القُرشيِّ، فقال معاويةُ: مُرُوا له بمالٍ (^١).\nحدَّثنا محمودُ بنُ خِداشٍ، قال: ثنا هُشَيْمُ بنُ بَشِيرٍ، قال: أَخْبَرَنَا مُغيرةُ، عن الشعبيِّ، قال: قال ابن الصامتِ: سمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: \"مَن جُرِح في جسدِه جراحةً فتصَدَّق بها، كُفَّر عنه ذنوبُه بمثلِ ما تصَدَّق به\" (^٢).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قال: كفارةٌ للمَجْروحِ (^٣).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن زكريا، قال: سمِعْتُ عامرًا يقولُ: كفارةٌ لمَن تصدَّق به (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٤٤٨ (٢٧٥٧٤)، والترمذي (١٣٩٣)، وابن ماجه (٢٦٩٣)، والبيهقى ٨/ ٥٥ من طريق يونس بن أبي إسحاق به.\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٣١٦ (الميمنية)، وابنه عبد الله ٥/ ٣٢٩ (الميمنية) من طريق هشيم به، وأخرجه عبد الله ٥/ ٣٣٠ (الميمنية)، والنسائي في الكبرى (١١١٤٦) من طريق مغيرة به، وأخرجه الطيالسي (٥٨٨) من طريق الشعبي به بنحوه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٩/ ٤٣٩ - ومن طريقه ابن حزم في المحلى ١٢/ ٢٣٢ - عن يزيد بن هارون به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٤٠ عن وكيع به.","vol":"8","page":474},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. يقولُ: لوليِّ القتيلِ الذي عفا.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أَخْبرَني شَبِيبُ بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ بن الحَجَّاجِ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن الهيثمِ [أبي العُرْيانِ] (^١)، قال: كنتُ بالشام، وإذا برجلٍ مع معاويةَ قاعدٍ على السريرِ، كأنه مَوْلًى، قال: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قال: فمَن تَصَدَّق به هدَم اللَّهُ عنه مثلَه مِن ذنوبِه. فإذا هو عبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو.\nوقال آخَرون: عنَى بذلك الجارحَ. وقالوا: معنى الآيةِ: فمَن تَصَدَّق بما وجَب له مِن قَودٍ أو قِصاصٍ على مَن وجَب ذلك له عليه، فعفا عنه، فعفْوُه ذلك عن الجاني كفَّارةٌ لذنبِ الجاني المجرمِ، كما القِصاصُ منه كفَّارةٌ له. قالوا: فأما أجْرُ العافي المتُصَدِّقِ فعلى اللَّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2644>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدٍ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قال: كفَّارةٌ للجارحِ، وأجْرُ الذي أُصِيب على اللَّهِ (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونُسُ بنُ (^٣) أبي\n_________\n(^١) في النسخ: \"بن العريان\". وتقدم في ص ٤٧٣، وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٣٦٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٩/ ٤٣٩، ٤٤٠ عن يحيى به بنحوه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٤٦ (٦٤٤٩) من طريق سفيان به.\n(^٣) في م: \"عن\".","vol":"8","page":475},{"text":"إسحاقَ، قال: سمعْتُ مُجاهدًا يقولُ لأبي إسحاقَ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ يا أبا إسحاقَ؟ قال أبو إسحاقَ: للمُتَصَدِّقِ. فقال مجاهدٌ: للمُذْنِبِ الجارحِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: قال مُغيرةُ، قال مجاهدٌ: للجارحِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا هَنَّادٌ وسفيانُ بنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ ومجاهدٍ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قالا: للذي (^٣) تُصُدِّق عليه، وأجْرُ الذي أُصِيب على اللَّهِ. قال هَنَّادٌ في حديثِه: قالا: كَفَّارةٌ للذى تُصُدِّق به عليه (^٤).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عَبِيدَةُ بنُ حُميدٍ، عن منصورٍ، عن مُجاهِدٍ بنحوِه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن زكريا، عن عامرٍ، قال: كفارةٌ لَمَن تُصُدِّق به عليه (^٥).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مُجاهدٍ وإبراهيمَ، قالا: كفارةٌ للجارحِ، وأجرُ الذي أُصِيب على اللَّهِ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٦١ - تفسير) من طريق يونس به بنحوه.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٥٩ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٩/ ٤٣٨ عن هشيم به.\n(^٣) في م: \"الذي\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٣٩ من طريق جرير به.\n(^٥) في م: \"عبد\".\n(^٦) تفسير سفيان ص ١٠٢، وأخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٣٨، ٤٣٩ - ومن طريقه ابن حزم في المحلى ١٢/ ٢٣٢، وسقط ذكر مجاهد من عنده - عن وكيع به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٦٠ - تفسير) من طريق منصور، عن إبراهيم وحده.","vol":"8","page":476},{"text":"حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، قال: سَمِعْتُ زيدَ بنَ أسلمَ يقولُ: إن عفَا عنه أو اقْتَصَّ منه، أو قبِل منه الديةَ، فهو كفَّارةٌ له (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: كفارةٌ للجارحِ، وأجرٌ للعافى؛ لقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠].\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قال: كفارةٌ للمُتَصَدَّقِ عليه (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا مُعَلَّى بنُ أَسَدٍ، قال: ثنا خالدٌ، قال: ثنا حُصَيْنٌ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قال: هي كفَّارةٌ للجارحِ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عَطاءِ بن السائبِ، عن سعيدٍ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾: فالكفَّارة للجارحِ، وأَجْرُ المتُصَدِّقِ على الله (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٣٩ - ومن طريقه ابن حزم في المحلى ١٢/ ٢٣٢ - عن وكيع به.\n(^٢) أخرج جه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٤٥ (٦٤٤٧) من طريق عبد الله بن صالح به بمعناه.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٥٨ تفسير) عن خالد بن عبد الله به، وفي (٧٥٧) من طريق حصين عمن حدثه، عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٣٩، ٤٤٠ - ومن طريقه ابن حزم في المحلى ١٢/ ٢٣٢ - عن أبي نعيم به مختصرًا.","vol":"8","page":477},{"text":"حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال ثنا شِبْلٌ، عن عبدِ اللَّهِ بن كَثِيرٍ، عن مُجاهدٍ أنه كان يقولُ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. يقولُ: للقاتلِ، وأجرٌ للعافى.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عِمْرانُ بنُ ظَبْيانَ، عن عديِّ بن ثابتٍ، قال: هُتِم (^١) رجلٌ على عهدِ مُعاويةَ، فأُعْطِى ديةٌ فلم يَقْبَلْ، ثم أُعْطِى ديتَيْن فلم يَقْبَلْ، ثم أُعْطِى ثلاثًا فلم يَقْبَلْ، فحدَّث رجلٌ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"فمَن تصَدَّق بدمٍ فما دونه كان كفَّارةً له من يومِ تصَدَّق إلى يومِ وُلِد\" (^٢). قال: فتصَدَّق الرجلُ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. يقولُ: مَن جُرِح فتصَدَّق بالذي جُرح به على الجارحِ، فليس على الجارحِ سَبيلٌ ولا قَوَدٌ ولا عَقْلٌ، ولا حَرجَ (^٤) عليه مِن أجلِ أنه تصَدَّق عليه الذي\n_________\n(^١) في مسند ابن أبي شيبة أبي شيبة - كما في المطالب - وفي مسند أبي يعلى: \"هشم رجل فم رجل\". وينظر سنن سعيدٍ وتفسير ابن كثير. والهَتَمُ: انكسار الثنايا من أصولها خاصة. وقيل: من أطرافها. اللسان (هـ ت م).\n(^٢) في سنن سعيدٍ بن منصور وتفسير ابن كثير: \"من يوم ولد إلى يوم يموت\". وفي مسند ابن أبي شيبة وأبي يعلى: \"من يوم ولد إلى يوم تصدق\" وكأن الذي عند المصنف مقلوب هذه الرواية الأخيرة على أن الفائدة من ذلك واحدة وهى غفران ما تقدم ومضى من الذنوب. أما رواية سعيد بن منصور وابن كثير فإنها تفيد غفران ما تقدم وما تأخر حتى يموت. فالله أعلم.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٦٢ تفسير)، ومن طريقه أخرجه ابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير ٣/ ١١٧ - وأخرجه ابن أبي شيبة في مسنده - كما في المطالب العالية ٥/ ١٨٠، ١٨١ (٨٠٨٦)، وأبو يعلى (٦٨٦٩) من طريق عمران بن ظبيان به.\n(^٤) في م، والدر المنثور: \"جرح\".","vol":"8","page":478},{"text":"جُرِح، فكان كفَّارةً له مِن ظُلْمِه الذي ظلَم (^١).\nوأولى القولين في ذلك عندى بالصواب قولُ مَن قال: عنَى به ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ المجروحَ، فلأن تكونَ الهاءُ في قولِه: ﴿لَهُ﴾. عائدةٌ على \"مَن\" أَوْلَى مِن أن تكونَ مِن ذكرِ مَن لم يَجْرِ له ذكرٌ إلا بالمعنى دونَ التصريحِ، وأحْرَى، إذ الصدقةُ هي المُكَفِّرةُ ذنبَ صاحبِها دونَ المُتَصَدَّقِ عليه في سائرِ الصدَقاتِ غيرِ هذه، فالواجبُ أن يَكونَ سبيلُ هذه سبيلَ غيرِها مِن الصدَقاتِ.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن القِصاصَ إذ كان يُكَفَّرُ ذنبَ صاحبِه المُقْتَصِّ منه الذي أتاه في قتل من قتله ظلمًا - كقول النبيِّ ﷺ إذ أخذ البَيْعةَ على أصحابِه: \"ألا تَقْتُلوا، ولا تَزْنوا، ولا تَسْرِقوا\". ثم قال: \"فمَن فعَل مِن ذلك شيئًا، فأُقِيم عليه حَدُّه، فهو كفَّارتُه\" (^٢) - فالواجبُ أن يَكونَ عفْوُ العافى المَجْنيِّ عليه أو وليِّ المقتولِ عنه نظيرَه في أن ذلك له كفارةٌ، فإن ذلك لو وجَب أن يكونَ كذلك، لَوجَب أن يَكونَ عفوُ المقْذوفِ عن قاذفِه بالزِّنى، وتركُه أخْذَه بالواجبِ له مِن الحدِّ - وقد قذَفه قاذفُه، وهو عَفيفٌ مسلمٌ مُحْصَنٌ - كفَّارةً للقاذفِ مِن ذنبِه الذي ركِبه، ومعصيتِه التي أتاها، وذلك ما لا نَعْلَمُ قائلًا مِن أهلِ العلمِ يَقولُه.\nفإذ كان غيرَ جائزٍ أن يكونَ تركُ المقذوفِ، الذي وصَفْنا أمرَه، أَخْذَ قاذفه بالواجب له من الحدِّ كفَّارةً للقاذفِ مِن ذنبِه الذي ركِبه، كان كذلك غيرَ جائزٍ أن يكونَ تركُ المجروحِ أخْذَ الجارحِ بحقِّه مِن القِصاصِ كفَّارةً للجارحِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٩ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه البخارى (١٨، ٣٨٩٢، ٦٧٨٤، ٦٨٠١، ٧٢١٣، ٧٤٦٨)، ومسلم (٤٤/ ١٧٠٩) من حديث عبادة بن الصامت.","vol":"8","page":479},{"text":"مِن ذنبِه الذي ركِبه.\nفإن قال قائلٌ: أو ليس للمَجْروحِ عندك آخُذُ جارحِه بدية جُرْحِه مكانَ القِصاصِ؟\nقيل له: بلى.\nفإن قال: أفَرَأَيْتَ لو اختار الدية ثم عفا عنها، لكانت (^١) له قِبَلَه في الآخرةِ تَبِعةٌ؟\nقيل له: هذا كلامٌ عندَنا مُحالٌ؛ وذلك أنه لا يَكونُ عندنا مُختارًا (^٢) الديةَ إلا وهو لها آخِدٌ، فأما العفوُ فإنما هو عفوٌ عن الدمِ - وقد دلَّلْنا على صحةِ ذلك في موضعٍ غيرِ هذا بما أغْنَى عن تكريره في هذا الموضعِ (^٣) - إلا أن يَكون مُرادًا بذلك هِبتُها لمَن أُخِذَت منه بعد الأخْذِ، مع أن عفوَه عن الديةِ بعدَ اختيارِه إياها لو صحَّ لم يَكُنْ في صحةِ ذلك ما يُوجِبُ أن يَكونَ المَعْفُوُّ له عنها بريئًا مِن عقوبةِ ذنبِه عندَ اللَّهِ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه أوْعَد قاتلَ المؤمنِ بما أوْ عَدَه به إن لم يَتُبْ مِن ذنبِه، والديةُ مأخوذةٌ، منه، أحَبَّ أم سَخِط، والتوبةُ مِن التائبِ إنما تكونُ توبةً إِذا اخْتارَها وأرادَها وآثَرَها على الإصْرارِ.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن ذلك وإن كان كذلك، فقد يَجِبُ أن يكونَ له كفارةً، كما كان (^٤) القِصاصُ له (^٥) كفَّارةً، فإنَّا إنما جعَلْنَا القِصاص له كفَّارةً مع ندمه وبَذْلِه نفسَه لأخْذِ الحقِّ منها، تَنَصُّلًا مِن ذنبِه، بخبرِ النبيِّ ﷺ، فأما الديةُ إذا اختارَها المَجْروحُ ثم عفا عنها، فلم يُقْضَ عليه بحدِّ ذنبِه فيكونَ ممَّن دخَل في حكمِ النبيِّ ﷺ وقولِه:\n_________\n(^١) في م: \"أكانت\".\n(^٢) في م: \"مختار\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٣/ ٩٣ - ١٢٠.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"جاز\".\n(^٥) سقط من: م.","vol":"8","page":480},{"text":"\"فمَن أُقِيم عليه الحدُّ فهو كفَّارتُه\". ثم مما يُؤَكِّدُ صحةَ ما قلْنا في ذلك الأخبارُ التي ذكَرْناها عن رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن قولِه: \"فمَن تصدَّق بدمٍ (^١) \". وما أشْبَه ذلك مِن الأخبارِ التي قد ذكَرْناها قبلُ.\nوقد يجوزُ أن يَكونَ القائلون: إنه عنَى بذلك الجارحَ. أرادوا المعنى الذي ذُكِر عن عروةَ بن الزبيرِ، الذي حدَّثني به الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا ابن سَلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: أَخْبَرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: إذا أصاب رجلٌ رجلًا، ولا يَعْلَمُ المُصابُ مَن أصابه، فاعْتَرَف له المُصيبُ، فهو كفارةٌ للمُصيبِ. قال: وكان مجاهدٌ يقولُ عندَ هذا: أصاب عُروةُ بنُ الزبيرِ عينَ إنسانٍ عندَ الرُّكْنِ فيما يَسْتَلِمون، فقال له: يا هذا، أنا عروةُ بنُ الزبيرِ، فإن كان بعينِك بأسٌ فأنا بها.\nوإذا كان الأمرُ مِن الجارحِ على نحوِ ما كان من عروةً مِن خطأِ فعلٍ على غيرِ عمْدٍ، ثم اعْتَرَف للذى أصابه بما أصابه، فعفا له المصابُ بذلك عن حقِّه قِبَلَه، فلا تَبِعةَ له حينئذٍ قِبَلَ المُصيبِ في الدنيا ولا في الآخِرةِ؛ لأن الذي كان وجب له قِبَلَه مالٌ لا قِصاصٌ، وقد أبْرَأه منه، فإبْراؤه منه كفَّارةٌ [له مِن] (^٢) حقِّه الذي كان له أخْذُه به، فلا طَلِبَةَ له بسببِ ذلك قِبَلَه في الدنيا ولا في الآخرةِ، ولا عقوبةَ تُلْزِمه بها بما كان منه إلى مَن أصابه؛ لأنه لم يَتَعَمَّدْ إصابتَه بما أصابه به فيَكونَ بفعلِه آثمًا (^٣) يَسْتَحِقُّ به العقوبةَ مِن ربِّه؛ لأن اللَّهَ ﷿ قد وضَع الجُناحَ عن عباده فيما أخْطَئوا فيه ولم\n_________\n(^١) في النسخ: \"به\". والمثبت هو الصواب، وهو جزء من حديث تقدم في الصفحة السابقة.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت: \"ليميز أمر\". وفي س: \"لتميز أمر\"، وغير منقوطة في ص، ولعل صواب قراءتها: \"للمبرّأ من\" كما أثبته الشيخ شاكر.\n(^٣) في م، ت ١: \"إنما\".","vol":"8","page":481},{"text":"يَتَعَمَّدُوه من أفعالهم، فقال في كتابِه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. [والتصدقُ في هذا الموضعِ] (^١) بالدمِ العفوُ عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2645>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومَن لم يَحْكُم بما أنْزَل اللَّهُ في التوراةِ مِن قَوْدِ النفسِ القاتلةِ قصاصًا بالنفسِ المقتولةِ ظلمًا، ولم يَفْقَأ عين الفاقئِ بعينِ المَفْقوءِ ظلمًا، قِصاصًا ممَّن أمَرَه اللَّهُ به بذلك في كتابِه، ولكن أقاد من بعضٍ، ولم يُقِدْ مِن بعضٍ، أو قتَل في بعضٍ اثنين بواحدٍ، وإِنَّ مَن يَفْعَلُ ذلك، مِن الظالمين. يعنى: ممَّن جار عن (^٢) حكمِ اللَّهِ، ووضَع فعلَه ما فعَل مِن ذلك في غيرِ موضعِه الذي جعَله اللَّهُ له موضعًا.\n\n<span id=\"aya-715\"></span><span data-type='title' id=toc-2646>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾: أَتْبَعْنا. يقولُ: أَتْبَعْنا عيسى ابنَ مريمَ على آثارِ النبيِّين الذين أسْلَموا مِن قبلِك يا محمدُ، فبعَثْناه نبيًّا مصدِّقًا لكتابِنا الذي أنْزَلْناه إلى موسى مِن قبلِه أنه حقٌّ، وأن العملَ بما لم يَنْسَخُه الإنجيلُ منه فرضٌ واجبٌ. ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾. يقولُ: وأَنْزَلْنا إليه كتابَنا الذي اسمُه الإنجيلُ. ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾. يقولُ: في الإنجيلِ ﴿هُدًى﴾، وهو بَيانُ ما جهِله الناسُ مِن حكمِ اللَّهِ في زمانِه، ﴿وَنُورٌ﴾. يقولُ: وضياءٌ مِن عَمَى الجَهالَةِ، ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا\n_________\n(^١) رسمت في ص هكذا: \"وا في هذا الموضع\"، ورسمت في ت ١، ت ٢، س: \"وا في هذا الموضع\"، وفي م: \"وقد يراد\"، والمثبت مستفاد من تحقيق الشيخ شاكر.\n(^٢) في م: \"على\".","vol":"8","page":482},{"text":"بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. يقولُ: أَوْحَيْنَا إليه ذلك وأَنْزَلْناه إليه بتَصْديقِ ما كان قبلَه مِن كتبِ اللَّهِ التي كان أَنْزَلَها على كلِّ أُمَّةٍ أُنْزِل إلى نبيِّها كتابٌ للعملِ بما أُنْزِل إلى نبيِّهم في ذلك الكتابِ، مِن تَحْليلِ ما حلَّل، وتحريمِ ما حرَّم. ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً﴾. يقولُ: أَنْزَلْنا الإنجيلَ إلى عيسى مُصَدِّقًا للكتبِ التي قبلَه، وبيانًا لحكمِ اللَّهِ الذي ارْتَضاه لعباِده المتَّقِين في زمانِ عيسى وعِظةً (^١) لهم. يقولُ: وزَجْرًا لهم عما يَكْرَهُه اللَّهُ إلى ما يُحِبُّه مِن الأعمالِ، وتَنْبيهًا لهم عليه.\nوالمتقون هم الذين خافوا اللَّهُ وحَذِروا عقابَه، فاتقَوه بطاعتِه فيما أمَرَهم، وحَذِروه بترْكِ ما نهاهم عن فعلِه.\nوقد مضَى البيانُ عن ذلك بشواهدِه قبلُ، فأَغْنَى ذلك عن إعادتِه (^٢).\n\n<span id=\"aya-716\"></span><span data-type='title' id=toc-2647>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾.</span>\nاخْتَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾؛ فقرَأته قَرَأةُ الحجازِ والبَصْرةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بتسكينِ اللامِ (^٣) على وجهِ الأمرِ مِن اللَّهِ لأهلِ الإنجيلِ، أن يَحْكُموا بما أنْزَل اللَّهُ فيه مِن أحكامِه. وكأن مَن قرَأ ذلك كذلك أراد: وآتَيْناه الإنجيلَ فيه هُدًى ونورٌ ومُصَدِّقًا لِمَا بين يديه مِن التَّوراة، وأمَرْنا أهلَه أن يَحْكموا بما أنْزَل الله فيه. فيَكونُ في الكلامِ مَحْذوفٌ تُرِكَ اسْتِغْناءً بما ذُكِر عمَّا حُذِف.\nوقرَأ ذلك جَماعةٌ مِن أهلِ الكوفةِ: (ولِيَحْكُمَ أهلُ الإنجيلِ) بكسرِ اللامِ مِن (لِيَحْكُمَ) (^٤)، بمعنى: كى يَحْكُمَ أهلُ الإنْجيلِ. وكأن معنى مَن قرَأ ذلك كذلك:\n_________\n(^١) في م: \"موعظة\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٣٧ - ٢٤٠.\n(^٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبي عمرو والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٤.\n(^٤) وهى قراءة حمزة. المصدر السابق.","vol":"8","page":483},{"text":"وآتَيْناه الإنجيلَ فيه هُدًى ونورٌ ومُصَدِّقًا لِمَا بين يديه مِنَ التَّوْرَاةِ، وكَى يَحْكُمَ أهلُه بما فيه مِن حكمِ اللَّهِ.\nوالذي يَتَراءَى في ذلك أنهما قِراءتانِ مَشْهورتان مُتَقارِبَتا المعنى، فبأيِّ ذلك قرَأ قارئٌ فمُصِيبٌ فيه الصوابَ. وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه لم يُنْزِلْ كتابًا على نبيٍّ مِن أنبيائِه إلا ليَعْمَلَ بما فيه أهلُه الذين أُمِروا بالعملِ بما فيه، ولم يُنْزِله عليهم إلا وقد أمَرَهم بالعملِ بما فيه، فللعملِ بما فيه أنْزَله، وأمَر بالعملِ بما فيه أهلَه، فكذلك الإنجيلُ، إذ كان مِن كتبِ اللَّهِ التي أنْزَلها على أنبيائِه، فللعملِ بما فيه أنْزَله على عيسى، وأمَر بالعملِ به أهلَه، فسَواءٌ قُرِئ ذلك على وجهِ الأمرِ بتسكينِ اللامِ، أو قُرِئ على وجهِ الخبرِ بكسرِها؛ لاتفاقِ معنيَيْهما.\nوأما ما ذُكر عن أبيِّ بن كعبٍ مِن قِراءتِه ذلك: (وأنْ ليَحْكُمَ (^١». على وجهِ الأمْرِ، فذلك مما لم يَصِحَّ به النقلُ عنه، ولو صحَّ أيضًا لم يَكُنْ في ذلك ما يُوجِبُ أن تكونَ القِراءةُ بخلافِه مَحْظورةً، إذ كان معناها صحيحًا، وكان المُتَقَدِّمون مِن أئمةِ القرأةِ قد قرَءوا بها.\nوإذ كان الأمرُ في ذلك على ما بيَّنَّا، فتأويلُ الكلامِ إِذا قُرِئَ بكسرِ اللامِ مِن (لِيَحْكُمَ): وآتَيْنا عيسى ابنَ مريمَ الإنجيلَ فيه هُدًى ونُورٌ، ومُصَدِّقًا لما بينَ يديه مِن التوراةِ، وهُدًى وموعظةً للمتقين، وكى يَحْكُمَ أهل الإنجيلِ بما أَنْزَلْنا فيه، فبدَّلوا حكمَه، وخالَفُوه، فضلُّوا بخلافِهم إياه، إذ لم يَحْكُموا بما أَنْزَلَ اللَّهُ فيه وخالَفوه ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. يعنى الخارِجِين عن أَمْرِ اللَّهِ فيه، المُخالِفين له فيما أمَرَهم ونهاهم في كتابِه.\n_________\n(^١) في م: \"احكم\". وفي س: \"يحكم\". البحر المحيط ٣/ ٥٠٠. وهي قراءة شاذة.","vol":"8","page":484},{"text":"فأما إذا قُرِئ بتسكينِ اللامِ، فتأويلُه: وآتَيْنا عيسى ابنَ مريمَ الإنجيلَ فيه هُدًى ونُورٌ، ومُصَدِّقًا لما بينَ يديه مِن التوراةِ، وأمَرْنا أهلَه أن يَحْكُموا بما أَنْزَلنا فيه، فلم يُطِيعونا في أمْرِنا إياهم بما أمَرْناهم به فيه، ولكنهم خالَفوا أَمْرَنا، فالذين خالَفوا أَمْرَنا الذي أمَرْناهم به فيه هم الفاسقون.\nوكان ابن زيدٍ يقولُ: الفاسقون في هذا الموضعِ وفي غيرِه هم الكاذبون.\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال: ومَن لم يَحْكُمْ مِن أَهلِ الإنجيلِ أيضًا بذلك ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال: الكاذبون هنا (^١). قال: وقال ابن زيدٍ: كلُّ شيءٍ في القرآنِ، إلا قليلًا، \"فاسقٌ\" فهو كاذبٌ وقرَأ قولَ اللَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦]. قال: الفاسِقُ ههنا كاذبٌ (^٢).\nوقد بيَّنا معنى \"الفسقِ\" بشَواهِده فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-717\"></span><span data-type='title' id=toc-2648>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾.</span>\nوهذا خطابٌ مِن الله تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ، يقولُ تعالى ذكرُه:\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، س: \"هذا\"، وفي م، ت ١، ت ٣: \"بهذا\". والمثبت هو الصواب.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١١٤٨، ١١٤٩ (٦٤٦٠، ٦٤٦٦) مِن طريق أصبغ، عن ابن زيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٩ إلى المصنف.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٣٤.","vol":"8","page":485},{"text":"وأنزَلْنا إليك يا محمدُ ﴿الْكِتَابَ﴾، وهو القرآنُ الذي أنْزَلَه عليه. ويعنى بقولِه: ﴿بِالْحَقِّ﴾: بالصدقِ، ولا كذبَ فيه، ولا شكَّ أنه مِن عندِ اللَّهِ. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾. يقولُ: أَنْزَلْناه بتَصْديقِ ما قبلَه مِن كتبِ اللَّهِ التي أنْزَلها إلى أنبيائِه. ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. يقولُ: أَنْزَلْنَا الكتابَ الذي أَنْزَلْناه إليك يا محمدُ مُصَدِّقًا للكتبِ قبلَه، وشَهيدًا عليها أنها حقٌّ مِن عندِ اللَّهِ، أمينًا عليها، حافظًا لها.\nوأصلُ الهَيْمنةِ الحفظُ والارْتِقابُ، يقالُ إذا رَقَب الرجلُ الشيءَ وحفِظه وشهِده: قد هَيْمَن فلانٌ عليه، فهو يُهَيْمِنُ هَيْمَنَةً، وهو عليهِ مُهَيْمِنٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، إلا أنهم اخْتَلَفَت عباراتُهم عنه، فقال بعضُهم: معناه: شَهيدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2649>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. يقولُ: شهيدًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: شهيدًا عليه (^٢).\nحدَّثني بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾. يقولُ: الكتبُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥٠ (٦٤٧٦) مِن طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥٠ عقب الأثر (٦٤٧٦) مِن طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.","vol":"8","page":486},{"text":"التي خَلَت قبلَه، ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾: أمينًا وشاهدًا على الكتبِ التي خلَت قبلَه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾: مؤتمَنًا على القرآنِ وشاهدًا ومصدِّقًا. قال ابن جُرَيْجٍ: وقال (^٢) آخرون: القرآنُ أمينٌ على الكتبِ فيما إذا أَخْبَرَنا أهلُ الكتابِ في كتابِهم بأمرٍ، إن كان في القرآنِ فصدَقوا، وإلا فكذَبوا (^٣).\nوقال بعضُهم: معناه: أمينٌ عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2650>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا وكيعٌ، جَميعًا عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُؤْتَمنًا عليه (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عُبيد المحاربيُّ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُؤْتَمنًا عليه.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سُفيانُ وإسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ١/ ٤٣، ٤٤ مِن طريق سنان، عن قتادة مطولًا.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥١ (٦٤٧٨) مِن طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد ببعضه، وينظر تفسير ابن كثير ٣/ ١١٩ بنحو أثر ابن جريج.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١١٥٠ (٦٤٧٢) مِن طريق وكيع به. وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات =","vol":"8","page":487},{"text":"حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ وإسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ بإسنادِه، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن عَطِيةَ، قال: ثنا إسْرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّمِيميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن مُطَرِّفٍ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ مِن تَمِيمٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: والمُهَيْمِنُ الأمينُ. قال: القرآنُ أمينٌ على كلِّ كتابٍ قبلَه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾: وهو القرآنُ شاهدٌ على التوراةِ والإنْجيلِ، مُصَدِّقًا لهما، ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. يعنى: أمينًا عليه، يَحْكُمُ على ما كان قبلَه مِن الكتبِ (^٢).\n_________\n= (١٠٨) من طريق سفيان به. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٦٣ - تفسير) من طريق أبي إسحاق السبيعي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٩ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١١٥٠ (٦٤٧٤)، والبيهقى في الأسماء والصفات (١٠٩) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٩ إلى المصنف.","vol":"8","page":488},{"text":"حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن قيسٍ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُؤْتَمَنًا عليه.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن زُهيْرٍ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ مِن بنى تَمِيمٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُؤْتَمَنًا عليه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا يحيى الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكِيعٌ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ وإسرائيلَ، عن عليِّ بن بَذِيمةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُؤْتَمَنًا على ما قبلَه مِن الكتبِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ (^٢) عن قولِه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُصَدِّقًا لهذه الكتبِ وأمينًا عليها. وسُئِل عنها عكرمةُ وأنا أَسْمَعُ، فقال: مُؤْتَمَنًا عليه (^٣).\nوقال آخَرون: معنى المُهَيْمِنِ المُصَدِّقُ.\n_________\n(^١) ذكرُه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥٠ عقب الأثر (٦٤٧٧) معلقًا.\n(^٢) في م، ت ١: \"الحسين\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥٠ (٦٤٧٥) مِن طريق ابن علية به، دون قول عكرمة.","vol":"8","page":489},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2651>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُصدِّقًا عليه؛ كلُّ شيءٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِن تَوْرَاةٍ أَو إنْجيلٍ أو زَبُورٍ، فالقرآنُ مُصَدِّقٌ على ذلك، وكلُّ شيءٍ ذكَر اللَّهُ في القرآنِ، فهو مُصَدِّقٌ عليها، وعلى ما حُدِّث عنها أنه حقٌّ (^١).\nوقال آخَرون: عُنِى بقولِه: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. نبي اللَّهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2652>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾: محمدٌ ﷺ مُؤْتَمَنٌ على القرآنِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: محمدٌ ﷺ مُؤْتَمَنٌ على القرآنِ.\nفتأويلُ الكلامِ على ما تأوَّله مُجاهدٌ: وأنْزَلْنا الكتابَ مُصَدِّقًا الكتبَ قبلَه إليك، مُهَيْمِنًا عليه. فيكونُ قولُه: ﴿مُصَدِّقًا﴾. حالًا مِن \"الكتابِ\" وبعضًا منه، ويَكونُ التصديقُ مِن صفةِ \"الكتابِ\"، و\"المهيمنُ\" حالًا مِن الكافِ التي في ﴿إِلَيْكَ﴾، وهي كِنايةٌ عن ذِكْرِ اسمِ النبيِّ ﷺ، والهاءُ في قولِه: ﴿عَلَيْهِ﴾ عائدةٌ على \"الكتابِ\".\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥٠ عقب الأثر (٦٤٧٧) معلقًا.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣١٠ بلفظ: مؤتمن على الكتاب. ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (١١٠)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥٠ (٦٤٧) من طريق أبي حذيفة به، وفي ٤/ ١١٥١ (٦٤٧٨) من طريق ابن أبي نجيح به بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٩ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.","vol":"8","page":490},{"text":"وهذا التأويلُ بعيدٌ مِن المفهومِ في كلامِ العربِ، بل هو خطأٌ؛ وذلك أن \"المهيمنَ\" عطفٌ على \"المصدِّقِ\"، فلا يَكونُ إلا مِن صفةِ ما كان \"المُصَدِّقُ\" صفةً له، ولو كان معنى الكلامِ ما رُوِى عن مُجاهِدٍ، لقيلَ: وأَنْزَلْنا إليك الكتابَ مُصَدِّقًا لما بينَ يديه مِن الكتابِ (^١) مُهَيمنًا عليه. لأنه [لم يَتَقَدَّمْ] (^٢) مِن صفةِ الكافِ التي في ﴿إِلَيْكَ﴾ (^٣) بعدَها شيءٌ يكونُ ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ عطفًا عليه، وإنما عُطِف به على \"المصدِّقِ\"؛ لأنه مِن صفةِ \"الكتابِ\" الذي مِن صفتِه \"المصدِّقُ\".\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن \"المصدِّقَ\" على قول مُجاهِدٍ وتأويلِه هذا مِن صفةِ الكافِ التي في ﴿إِلَيْكَ﴾، فإن قولَه: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يُبْطِلُ أَن يَكُونَ تأويلُ ذلك كذلك، وأن يَكونَ \"المُصَدِّقُ\" مِن صفة الكافِ (^٤) التي في ﴿إِلَيْكَ﴾؛ لأن الهاءَ في قولِه: ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كنايةُ اسمِ غيرِ المُخاطَبِ، وهو النبيُّ ﷺ في قولِه: ﴿إِلَيْكَ﴾ ولو كان \"المصدِّقُ\" مِن صفةِ الكافِ لَكان الكلامُ: وأَنْزَلْنا إليك الكتاب مُصَدَّقًا لما بينَ يديك مِن الكتابِ ومُهَيْمِنًا عليه. فيكون معنى الكلامِ حينَئذٍ يكونُ كذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-2653>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾.</span>\nوهذا أمْرٌ مِن الله تعالى ذكرُه نبيِّه محمدًا ﷺ أَن يَحْكُمَ بين المُحْتَكِمين إليه مِن أهلِ الكتابِ وسائرِ أهلِ المللِ بكتابِه الذي أنْزَله إليه، وهو القرآنُ الذي خصَّه\n_________\n(^١) بعده في النسخ: \"و\". والمثبت موافق للسياق قبل هذه العبارة وبعدها، وينظر تعليق الشيخ شاكر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يتقدم\"، وفي م: \"متقدم\"، والمثبت مستفاد من تحقيق الشيخ شاكر.\n(^٣) بعده في م: \"وليس\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ذكر\".","vol":"8","page":491},{"text":"بشَريعتِه، يقولُ له تعالى ذكرُه: احْكُمْ يا محمدُ بينَ أهلِ الكتابِ والمشركين بما أُنزِل إليك مِن كتابي وأحكامي، في كلِّ ما احتَكَموا فيه إليك مِن الحدودِ والجُرُوحِ، والقَوَدِ والنفوسِ، فارْجُم الزانيَ المُحْصَنَ، واقْتُل النفسَ القاتلةَ بالنفسِ المقتولةِ ظلمًا وافْقَأَ العينَ بالعينِ، واجْدَعِ الأنفَ بالأنفِ، فإنى أنْزَلْتُ إِليك القرآنَ مُصَدِّقًا في ذلك ما بينَ يديه مِن الكُتُبِ، ومُهَيْمِنًا عليه، رَقِيبًا يَقْضِى على ما قبلَه مِن سائرِ الكتبِ قبلَه، ولا تَتَّبِعْ أهواءَ هؤلاء اليهودِ الذين يقولون: إن أُوتِيتُم الجلدَ في الزاني المُحْصَنِ دونَ الرجْمِ، وقتلَ الوَضيعِ بالشَّريفِ إذا قتَله، وتركَ قتلِ الشريفِ بالوَضيعِ إذا قتَله فخُذُوه، وإن لم تُؤْتَؤه فاحْذَروا - عن الذي جاءَك مِن عندِ اللَّهِ مِن الحقِّ، وهو كتابُ اللَّهِ الذي أَنْزَلَه إليك. يقولُ له: اعْمَلْ بكتابى الذي أَنْزَلْتُه إليك إذا احْتَكَموا إليك فاخْتَرتَ (^١) الحكمَ عليهم، ولا تَتْرُكَنَّ العملَ بذلك اتِّباعًا منك أهواءَهم، وإيثارًا لها على الحقِّ الذي أنْزَلْتُه إليك في كتابى.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. يقولُ: بحدودِ اللَّهِ، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنْبَسةَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن مَسْروقٍ أنه كان يُحلِّفُ اليهوديَّ والنصرانيَّ باللَّهِ. ثم قرَأ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وأَنْزَل اللَّهُ أَلَّا يُشْرِكُوا به شيئًا (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"فاختر\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥١ (٦٤٨٠) مِن طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٠ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٢٣٧، ١٥٥٤٤) مِن طريق جابر به. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٥٦ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٦/ ٩٩ من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن مسروق بنحوه.","vol":"8","page":492},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2655>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لكلِّ قومٍ منكم جعَلْنا شِرْعةً. والشِّرْعةُ هي الشَّرِيعةُ بعينِها، تُجْمَعُ الشِّرعةُ شِراعًا، والشريعةُ شَرائعَ، ولو جُمِعَت الشرعةُ شَرائع كان صَوابًا؛ لأن معناها ومعنى الشريعةُ واحدٌ، فيَرُدُّها عندَ الجمعِ إلى لفظِ نظيرِها. وكلُّ ما شرَعْتَ فيه مِن شيءٍ فهو شَريعةٌ، ومن ذلك قيل لشَريعةِ الماءِ: شَريعةٌ. لأنه يُشْرَعُ منها إلى الماءِ، ومنه سُمِّيَت شَرائعُ الإسلامِ شَرائعَ؛ لشُروعِ أهله فيه، ومنه قيل للقومِ إذا تَساوَوْا في الشيءِ: هم شَرَعٌ سَواءٌ.\nوأما المِنْهاجُ، فإن أصلَه الطريقُ البيِّنُ الواضحُ، يقالُ منه: هو طريقٌ نَهْجٌ ومَنْهجٌ. بيِّنٌ، كما قال الراجزُ (^١):\nمَن يَكُ في شَكٍّ فهذا فَلْجُ\nماءٌ رَوَاءٌ وطَريقٌ نَهْجُ\nثم يُسْتَعْمَلُ في كلِّ شيءٍ كان بيِّنًا واضحًا سهلًا.\nفمعنى الكلامِ: لكلِّ قومٍ منكم جعَلْنا طريقًا إلى الحقِّ يَؤُمُّه، وسبيلًا واضحًا يَعْمَلُ به.\nثم اختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنى بذلك أهلَ المللِ المختلفةِ. أيْ أن اللَّهَ جعَل لكلِّ مِلَّةٍ شريعةً ومِنْهاجًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2654>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِكُلٍّ\n_________\n(^١) مجاز القرآن ١/ ١٦٨، ومعجم ما استعجم ٣/ ١٠٢٧، واللسان (ر وى).","vol":"8","page":493},{"text":"جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. يقولُ: سبيلًا وسُنَّةً. والسننُ مُخْتلِفةٌ؛ للتوْراةِ شريعةٌ، وللإنْجيلِ شَريعةٌ، وللقرآنِ شريعةٌ، يُحِلُّ اللَّهُ فيها ما يَشاءُ ويُحَرِّمُ مَا يَشَاءُ بَلاءً؛ لِيَعْلَمَ مَن يُطِيعُه ممَّن يَعْصِيه، [ولكنَّ الدينَ الواحدَ] (^١) الذي لا يُقْبَلُ غيرُه التوحيدُ والإخلاص للَّهِ الذي جاءَت به الرسلُ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: الدينُ واحدٌ والشريعةُ مختلفةٌ (^٣).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ، قال: أَخْبَرَني سيفُ بن عُمَرَ (^٤)، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ، قال: الإيمانُ منذُ بعَثَ اللَّهُ تعالى ذكرُه آدمَ ﷺ شهادةُ ألا إلهَ إلا اللَّهُ، والإقْرارُ بما جاء مِن عندِ اللَّهِ، لكلِّ قومٍ ما جاءَهم مِن شِرْعةٍ أو مِنْهاجٍ، فلا يَكونُ المقرُّ تاركًا، ولكنه مُطِيعٌ.\nوقال آخَرون: بل عَنَى بذلك أمَّةَ محمدٍ ﷺ. وقالوا: إنما معنى الكلامِ: قد جعَلْنا الكتابَ الذي أنْزَلْناه إلى نبيِّنا محمدٍ ﷺ أيُّها الناسُ لكلِّكم؛ أي لكلِّ مَن دخَل في الإسلامِ، وأقرَّ بمحمدٍ ﷺ أنه لى نبيٌّ، شرعةً ومنهاجًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2656>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سُنةً ومِنْهاجًا، السبيلَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"والدين واحد\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١١٥٢ (٦٤٨٨) مِن طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٠ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٢، وأخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١١٥٢ (٦٤٨٧) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٤) في م: \"عمرو\".","vol":"8","page":494},{"text":"لكلِّكم (^١)، مِن دخَل في دينِ محمدٍ ﷺ فقد جعَل اللَّهُ له شرعةً ومنهاجًا. يقولُ: القرآنُ هو له شِرْعةٌ ومِنْهاجٌ.\nوأولى القولين في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: لكلِّ أهلِ ملةٍ منكم أيُّها الأممُ جعَلْنا شِرعةً ومنهاجًا.\nوإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب؛ لقولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. ولو كان عَنَى بقولِه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أمّةَ محمدٍ - وهم أمّةٌ واحدةٌ - لم يكنْ لقولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ - وقد فعَل ذلك فجَعَلَهم أمةً واحدةً - معنًى مفهومٌ، ولكنْ معنى ذلك على ما جرَى به الخطابُ مِن اللَّهِ لنبيِّه محمدٍ ﷺ أنه ذكَر ما كتَب على بني إسرائيلَ في التوراةِ، وتقَدَّم إليهم فيها (^٢) بالعملِ بما فيها، ثم ذكر أنه قفَّى بعيسى ابن مريمَ على آثارِ الأنبياءِ قبلَه، وأَنْزَل عليه الإنجيلَ، وأمَر مَن بعَثه إليه بالعملِ بما فيه، ثم ذكَر نبيَّنا محمدًا ﷺ، وأَخْبَرَه أنه أنْزَل إليه الكتابَ مُصَدِّقًا لما بينَ يديه مِن الكتابِ، وأمَرَه بالعملِ بما فيه، والحكمِ بما أنْزَل إليه فيه دونَ ما في سائرِ الكتبِ غيرِه، وأعْلَمَه أنه قد جعَل له ولأمتِه شَريعةً غيرَ شرائعِ الأنبياءِ والأممِ قبلَه الذين قصَّ عليه (^٣) قَصصَهم، وإن كان دينُه ودينُهم في توحيدِ اللَّهِ، والإقرارِ بما جاءَهم به مِن عندِه، والانتهاءِ إلى أمْرِه ونهيِه - واحدًا، فهم مُختلِفو الأحوالِ فيما شُرع لكلِّ واحدٍ منهم ولأمتِه فيما أُحِلَّ لهم وحُرِّم عليهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في \"الشرعةِ\" و\"المنهاجِ\" مِن التأويلِ قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في س: \"للحكم\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"عليهم\".","vol":"8","page":495},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2657>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سنةً وسبيلًا.\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ وإسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سنةً وسبيلًا.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ وإسرائيلَ وأبيه، عن أبي إسحاقَ عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه (^١).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو يحيى الرازيُّ، عن أبي شَيْبَانَ، عن أبي إسحاقَ، عن يحيى بن وَثَّابٍ، قال: سأَلْتُ ابن عباسٍ عن قولِه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سنةً وسبيلًا.\nحدَّثنا أبو كُرَيْب، قال: ثنا ابن عطيةَ (^٢)، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سنةً وسبيلًا.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن مُطَرِّفٍ، عن أبي إسحاقَ عن رجلٍ مِن بني تَميمٍ، عن ابن عباسٍ بمثلِه.\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ١٠٣، وعنه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٩٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥١ (٦٤٨٥)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٦٥) مِن طريق وكيع به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥٢ (٦٤٨٢ - ومن طريقه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٦٤) - مِن طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٠ إلى عبد بن حميد وسعيد بن منصور والفريابي وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) في النسخ: \"علية\". وتقدم مرارا، وسيأتي أيضًا.","vol":"8","page":496},{"text":"حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. يعنى: سبيلًا وسنةً (^١).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، قال: سمِعْتُ الحسنَ يقولُ: الشرعةُ السنةُ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبي يحيى القَتَّاتِ، عن مُجاهدٍ، قال: سنةً وسبيلًا.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: الشِّرعةُ السنةُ، ﴿وَمِنْهَاجًا﴾. قال: السبيلُ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. يقولُ: سبيلًا وسنةً (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه اللالكائى في شرح أصول الاعتقاد (٦٦) من طريق سفيان بن حسين به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣١٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥١، ١١٥٢ (٦٤٨٣، ٦٤٨٦).\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ١٢٠.","vol":"8","page":497},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحَوْضيُّ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، قال: سمِعْتُ رجلًا مِن بني تَميمٍ، عن ابن عباسٍ بنحوِه.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. يقولُ: سبيلًا وسنةً (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: السنةُ والسبيلُ.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. يقولُ: سبيلًا وسنةً (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: أخْبرَني عُبيدُ بنُ سليمانَ (^٣) قال: سمِعْتُ الضَّحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سبيلًا وسنةً (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-2658>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولو شاء ربُّكم لجعَل شَرائعَكم واحدةً، ولم يَجْعَلْ لكلِّ أمةٍ شريعةً ومِنْهَاجًا غيرَ شَرائعِ الأممِ الأُخرِ ومِنْهَاجهم، فكنتم تكونون أمةً واحدةً، لا تَخْتَلِفُ شَرائعُكم ومَناهِجُكم (^٥)، ولكنه تعالى ذكرُه يَعْلَمُ ذلك، فخالَف بينَ\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥١، ١١٥٢ عقب الأثر (٦٤٨٢، ٦٤٨٥) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به. وينظر تفسير ابن كثير ٣/ ١٢٠.\n(^٢) جزء من أثر تقدم تخريجه في ص ٤٩٤.\n(^٣) في م: \"سلمان\".\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥١، ١١٥٢ عقب الأثر (٦٤٨٢، ٦٤٨٥) معلقًا، وينظر تفسير ابن كثير ٣/ ١٢٠.\n(^٥) في م: \"منهاجكم\".","vol":"8","page":498},{"text":"شَرائعِكم ليَخْتَبِرَكم، فيَعْرِفَ المُطيعَ منكم مِن العاصي، والعاملَ بما أمَرَه في الكتابِ الذي أنْزَله إلى نبيِّه ﷺ مِن المُخالِفِ.\nوالابتلاءُ هو الاختِبارُ. وقد بَيَّنْتُ (^١) ذلك بشَواهدِه فيما مضَى قبلُ.\nوقولُه: ﴿مَا آتَاكُمْ﴾. يعنى: فيما أنزَل عليكم مِن الكتبِ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾. قال عبدُ اللَّهِ بنُ كَثِيرٍ: لا أَعلَمُه إلا قال: ليَبْلُوَكم فيما آتاكم مِن الكتبِ (^٢).\nفإن قال قائلٌ: وكيف قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾؟ ومَن المُخاطَبُ بذلك وقد ذكَرْتَ أن المعنيَّ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ نبيُّنا (^٣) مع الأنبياءِ الذين مضَوْا قبلَه وأممِهم، و(^٤) الذين قبلَ نبيِّنا ﷺ على حِدَةٍ (^٥)؟\nقيل: إن الخطابَ وإن كان لنبيِّنا ﷺ، فإنه قد أُرِيد به الخبرُ عن الأنبياءِ قبلَه وأممِهم، ولكنَّ العربَ مِن شأنِها إذا خاطَبَت إنسانًا وضمَّت إليه غائبًا، فأرادت الخبرَ عنه، أن تُغَلِّبَ المُخاطَبَ، فيَخْرُجَ الخبرُ عنهما على وجهِ الخطابِ، فلذلك قال تعالى ذكرُه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-2659>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ</span>\n_________\n(^١) في النسخ: \"ثبت\"، والمثبت هو الصواب. وينظر ما تقدم في معنى \"البلاء\" في ١/ ٦٥٣، ٦٥٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥٣ (٦٤٩٠) من طريق حجاج به.\n(^٣) في م: \"لكل نبى\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣. وفى م: \"والمخاطب النبي وحده\". وفى ص: \"حده\". والمثبت موافق للسياق، ومستفاد من تحقيق الشيخ شاكر.\nوسياق الكلام: ومن المخاطب … وقد عرفت أن الذين قبل نبينا على حدة؟","vol":"8","page":499},{"text":"بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: فبادِروا أيُّها الناسُ إلى الصالحاتِ مِن الأعمالِ والقُرَبِ إلى ربِّكم، بإدْمانِ العملِ بما في كتابِكم الذي أنزَله إلى نبيِّكم، فإنه إنما أَنْزَله امْتحانًا لكم وابتلاءً؛ ليَتَبَيَّنَ المُحْسِنُ منكم مِن المُسِئ، فيُجازِىَ جميعَكم على عملِه عندَ مَصيرِكم إليه، فإن إليه مصيرَكم جميعًا، فيُخْبرَ كلَّ فريقٍ منكم بما كان يُخالِفُ فيه الفرقَ الأُخرى، فيَفْصِلَ بينَهم بفصلِ القَضاءِ، ويُبيَن المحقَّ بمجازاتِه (^١) إياه بجَنّاتِه، مِن المسئِ، بعقابِه إياه بالنارِ، فيَتَبَيَّن حينَئذٍ كلُّ حزبٍ عِيانًا، المُحِقُّ منهم مِن المُبْطِلِ.\nفإن قال قائلٌ: أَوَ لم يُنَبِّئْنا ربُّنا في الدنيا قبلَ مَرْجِعِنا إليه ما نحن فيه مُخْتَلِفون؟\nفقيل: إنه بيَّن ذلك في الدنيا بالرسلِ والأدلةِ والحُجَجِ، دونَ الثوابِ والعقابِ عِيانًا، فمُصَدِّقٌ بذلك ومُكَذِّبٌ، وأما عند المَرْجِعِ إليه، فإنه يُنَبِّئُهم بذلك بالمُجازاةِ التي لا يشُكُّون معها في معرفةِ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، ولا يَقْدِرون على إدْخال اللَّبْسِ معها على أنفسِهم، فكذلك خبرُه تعالى ذكرُه أنه يُنبِّئُنا عندَ المرجِعِ إليه بما كنا فيه نَخْتَلِفُ في الدنيا، وإنما معنى ذلك: إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جميعًا، فتَعْرِفون المُحِقَّ حينئذٍ مِن المُبطِلِ منكم.\nكما حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن أبي سنانٍ، قال: سَمِعْتُ الضَّحاكَ يقولُ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾. قال: أمةُ محمدٍ ﷺ، البَرُّ والفاجرُ (^٢).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت، س: \"مجازاته\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٨١ عن زيد بن الحباب به.","vol":"8","page":500},{"text":"<span id=\"aya-718\"></span><span data-type='title' id=toc-2660>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: وأَنْزَلْنا إليك يا محمدُ الكتابَ مُصَدِّقًا لما بيَن يديه مِن الكتابِ، وأنِ احكُمْ بينَهم فـ \"أن\" في موضعِ نصبٍ بـ \"التنزيلِ\".\nويعنى بقولِه: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: بحكمِ اللَّهِ الذي أَنْزَله إليك في كتابِه.\nوأما قولُه: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. فإنه نهْىٌ مِن اللَّهِ نبيَّه محمدًا ﷺ أَن يَتَّبِعَ أهْواءَ اليهودِ الذين احْتَكموا إليه في قتيلِهم وفاجِرَيْهم، وأمْرٌ منه له بلُزومِ العملِ بكتابِه الذي أنْزَله إليه. وقولُه: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واحْذَرْ يا محمدُ هؤلاء اليهودَ الذين جاءُوك مُحْتَكِمين إليك، أن يَفْتِنوك فيَصُدُّوك عن بعضِ ما أَنْزَل اللَّهُ إليك مِن حكمِ كتابِه، فيَحْمِلوك على تركِ العملِ به واتِّباع أهْوائِهم.\nوقولُه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن توَلَّى هؤلاء اليهودُ الذين اختَصَموا إليك عنك، فترَكوا العملَ بما حكَمْتَ به عليهم وقضَيْتَ فيهم، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾. يقولُ: فاعْلَمْ أنهم لم يَتَوَلَّوْا عن الرضا بحكمِك وقد قضَيْتَ بالحقِّ، إلا مِن أجلِ أن اللَّهَ يُريدُ أن يَتَعَجَّلَ عقوبتَهم في عاجلِ الدنيا ببعضِ ما قد سلَف مِن ذنوبِهم، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾. يقولُ: وإن كثيرًا مِن اليهودِ ﴿لَفَاسِقُونَ﴾. يقولُ: لتارِكُو العمل بكتابِ اللَّهِ، والخارِجون عن طاعتِه إلى معصيتِه.","vol":"8","page":501},{"text":"وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك جاءَت الروايةُ عن أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2661>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جُبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: قال كعبُ بنُ أسدٍ وابنُ صُورِيَا وشأسُ بنُ قيسٍ بعضُهم لبعضٍ: اذْهَبوا بنا إلى محمدٍ لعلنا نَفْتِنُه عن دينِه. فأتَوْه فقالوا: يا محمدُ، إنك قد عرَفْتَ أنَّا أحْبارُ يهودَ وأشْرافُهم وساداتُهم، وإنّا إن اتَّبَعْناك اتبَعَنا يهودُ ولم يُخالِفونا، وإن بينَنا وبيَن قومِنا خُصومةً، فنُحاكمُهم إليك، فتَقْضِى لنا عليهم ونُؤْمِنُ لك ونُصَدِّقُك. فأبَى رسولُ اللَّهِ ﷺ، فأنْزَل اللَّهُ فيهم: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ إلى قولِه: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. قال: أن يقولوا: في التوراةِ كذا. وقد بيَّنا لك ما في التوراةِ. وقرَأ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] بعضُها ببعضٍ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: دخَل المَجوسُ مع أهلِ الكتابِ في هذه الآيةِ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٦٧، وأخرجه البيهقى في الدلائل ٢/ ٥٣٣، ٥٣٤ من طريق يونس به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١١٤٥، ١١٥٤ (٦٤٤٦، ٦٤٩٩) من طريق أصبغ عن ابن زيد به.","vol":"8","page":502},{"text":"<span id=\"aya-719\"></span><span data-type='title' id=toc-2662>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أيَبْغِى هؤلاء اليهودُ الذين احتَكَموا إليك فلم يَرْضَوْا بحكمِك، إذ حكَمْتَ فيهم بالقِسْطِ - حكمَ الجاهليةِ؟ يعنى أحكامَ عَبَدةِ الأوثانِ مِن أهلِ الشركِ، وعندَهم كتابُ اللَّهِ فيه بَيانُ حَقيقةِ الحكمِ الذي حكَمْتَ به فيهم، وأنه الحقُّ الذي لا يَجوزُ خِلافُه.\nثم قال تعالى ذكرُه مُوَبِّخًا لهؤلاء الذين أبَوْا قَبولَ حكمِ رسولِ اللَّهِ ﷺ عليهم ولهم مِن اليهودُ، ومُسْتَجْهِلًا فعلَهم ذلك منهم: ومَن هذا الذي هو أحسنُ حُكْمًا أيُّها اليهودُ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عندَ مَن كان يُوقِنُ بوَحْدانيةِ اللَّهِ ويُقِرُّ بربوبيتِه؟ يقولُ تعالى ذكرُه: أيُّ حكمٍ أحسنُ مِن حكمِ اللَّهِ إن كنتم مُوقِنِين أن لكم ربًّا، وكنتم أهلَ توحيدٍ وإقرارٍ به؟\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال مجاهدٌ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾. قال: يهودُ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾: يهودُ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شيخٌ، عن مجاهدٍ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾. قال: يهودُ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣١٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم ٤/ ١١٥٥ (٦٥٠٣)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"8","page":503},{"text":"<span id=\"aya-720\"></span><span data-type='title' id=toc-2664>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.</span>\nاختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بهذه الآيةِ، وإن كان مأمورًا بذلك جميعُ المؤمنين؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك عُبادةُ بنُ الصامتِ وعبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، في بَراءةِ عُبادةَ مِن حِلْفِ اليهودِ، وفى تمسُّكِ عبدِ اللَّهِ بن أُبَيٍّ ابن سَلُولَ بِحِلْفِ اليهودِ، بعدَ ما ظهَرَت عداوتُهم للَّهِ ولرسولهِ ﷺ، وأخْبَرَه اللَّهُ أنه إذا تولَّاهم وتمَسَّك بحلْفِهم أنه منهم في براءتِه مِن اللَّهِ ورسولِه كَبَراءتِهم منهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-2663>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سَمِعْتُ أبى، عن عطيةَ بن سعدٍ، قال: جاء عُبادةُ بنُ الصامتِ مِن بنى الحارثِ بن الخزرجِ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إن لى مَوالىَ مِن يهودَ كثيرٌ عددُهم، وإِنَّى أَبْرَأُ إِلى اللَّهِ ورسولِه مِن وَلايةِ يهودَ، وأَتَوَلَّى اللَّهَ ورسولَه. فقال عبدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: إنى رجلٌ أَخَافُ الدَّوائرَ، لا أَبْرَأُ مِن وَلايةِ مواليَّ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ لعبدِ اللَّهِ بن أُبَيٍّ: \"يا أبا الحُبابِ، ما بخِلْتَ به مِن وَلايةِ يَهودَ على عُبادةَ بن الصامتِ فهو إليك دونَه\". قال: قد قبلْتُ. فأنْزَل اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى قولِه: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (^١).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنى عثمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن الزُّهريِّ، قال: لما انْهَزَم أهلُ بدرٍ قال المسلمون لأوليائِهم مِن يهودَ: آمِنوا قبلَ أن يُصِيبَكم اللَّهُ بيومٍ مثل يومِ بدرٍ. فقال مالكُ بنُ صَيْفٍ: غرَّكم أن أَصَبْتُم رَهْطًا مِن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ١٣٧ عن ابن إدريس به.","vol":"8","page":504},{"text":"قريشٍ لا عِلْمَ لهم بالقتالِ، أمَا لو أمْرَرْنا (^١) العزيمةَ أن نَسْتَجمِعَ عليكم لم يَكُنْ لكم يدٌ أن تُقاتِلونا. فقال عُبادةُ: يا رسولَ اللَّهِ، إن أوليائى مِن اليهودِ كانت شديدةً أنفسُهم، كثيرًا سلاحُهم، شديدةً شَوْكتُهم، وإنى أَبْرَأُ إلى اللَّهِ وإلى رسولِه مِن وَلايتِهم، ولا مَوْلَى لى إلا اللَّهُ ورسولُه. فقال عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ: لكنى لا أَبْرَأُ مِن وَلَاءِ يَهُودَ، إنى رجلٌ لا بدَّ لى منهم. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"يا أبا حُبابٍ، أَرَأَيْتَ الذي نَفِسْتَ بِهِ مِن وَلاءِ يَهودَ على عُبادةَ فهو لك دونَه\". قال: إذن أَقْبَلُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى أن بلَغ إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا يونُسُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، قال: ثنى والدى إسحاقُ بن يَسارٍ، عن عُبادةَ بن الوليدِ بن عُبادةَ بن الصامتِ، قال: لمَّا حارَبَت بنو قَيْنُقَاعَ رسولَ اللَّهِ ﷺ، تشَبَّث بأمرِهم عبدُ اللَّهِ بنُ أبَيٍّ، وقام دونَهم، ومَشَى عُبادةُ بنُ الصامتِ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، وكان أحدَ بنى عوفِ بن الخزرجِ، له من حِلْفِهم مثلُ الذي لهم مِن عبدِ اللَّهِ بن أُبَيٍّ، فخلَعهم إلى رسول اللَّهِ ﷺ، وتبَرَّأ إلى اللَّهِ وإلى رسولِه مِن حِلفِهم، وقال: يا رسولَ اللَّهِ، أَتَبَرَّأُ إِلى اللَّهِ وإلى رسولِه مِن حِلفِهم، وأَتَوَلَّى اللَّهَ ورسولَه والمؤمنين، وأَبْرَأُ مِن حِلفِ الكفارِ ووَلايتِهم. ففيه وفى عبدِ اللَّهِ ابن أُبَيٍّ نزَلَت الآياتُ في \"المائدةِ\": ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الآية (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"أسررنا\". وأمَرَّ الحبلَ: فتله. وأمَرَّ الأمر: أحكمه. الوسيط (م ر ر).\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ١٢٥.\n(^٣) سيرة ابن إسحاق ص ٢٩٥، ٢٩٦، وسيرة ابن هشام ٢/ ٤٩، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ١٧٤، ١٧٥ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٢٦/ ١٩١، ١٩٢ - من طريق يونس بن بكير به. وأخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١١٥٥، ١١٥٧، ١١٥٨، ١١٦٣ (٦٥٠٦، ٦٥١٦، ٦٥٢١، ٦٥٥٣) من طريق ابن إسحاق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه، وستأتى بقيته في ص ٥١١، ٥٢٩.","vol":"8","page":505},{"text":"وقال آخَرون: بل عُنِى بذلك قومٌ مِن المؤمنين، كانوا همُّوا حيَن نالَهم بأُحُدٍ مِن أعدائِهم مِن المشركين ما نالَهم أن يَأْخُذوا مِن اليهودِ عِصَمًا، فنهاهم اللَّهُ عن ذلك، وأَعْلَمَهم أن مَن فعَل ذلك منهم فهو منهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2665>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ قال: لما كانت وقْعةُ أُحُدٍ، اشتَدَّ على طائفةٍ مِن الناسِ، وتخَوَّفوا أن يُدَالَ عليهم الكفارُ، فقال رجلٌ لصاحبِه: أمّا أنا فأَلْحَقُ بدهلك (^١) اليهوديِّ، فآخُذُ منه أمانًا وأَتَهَوَّدُ معه، فإنى أَخافُ أن تُدَالَ علينا اليهودُ. وقال الآخَرُ: أما أنا فأَلْحَقُ بفلانٍ النَّصْرانيِّ ببعضِ أرضِ الشامِ، فآخُذُ منه أمانًا وأَتَنَصَّرُ معه، فأنْزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه يَنْهاهما: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٢).\nوقال آخَرون: بل عُنِى بذلك أبو لُبابةَ بنُ عبدِ المنذرِ في إعلامِه بنى قُرَيظةَ إذ رَضُوا بحكمِ سعدٍ، أنه الذبحُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2666>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. قال: بعَث رسولُ اللَّهِ ﷺ أبا لُبابةَ بنَ عبدِ المنذرِ مِن\n_________\n(^١) في ت ١: \"بذلك\". ولم نهتد إلى اسمه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥٥، ١١٥٦ (٦٥٠٧) من طريق أحمد بن المفضل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩١ إلى ابن المنذر.","vol":"8","page":506},{"text":"الأوْسِ، وهو مِن بنى عمرِو بن عوفٍ، فبعَثَه إلى قُرَيْظةَ حيَن نقَضَت العهدَ، فلمَّا أطاعوا له بالنزولِ، أشار إلى حلقِه: الذَّبْحَ الذَّبْحَ (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يُقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه نهَى المؤمنين جميعًا أن يَتَّخِذوا اليهودَ والنصارَى أنصارًا وخُلفاءَ على أهلِ الإيمانِ باللَّه ورسولِه (^٢)، وأَخْبَر أَنه مَن اتَّخَذَهم نَصِيرًا وحَليفًا وولِيًّا مِن دونِ اللَّهِ ورسولِه والمؤمنين فإنه منهم في التَّحَزُّبِ على اللَّهِ وعلى رسولِه والمؤمنين، وأن اللَّهَ ورسولَه منه بَرِيئان.\nوقد يَجوزُ أن تَكونَ الآيةُ نزَلَت في شأنِ عُبادةَ بن الصامتِ وعبدِ اللَّهِ بن أُبَيٍّ بن سَلُول وحُلَفائِهما مِن اليهودِ، ويَجوزُ أن تَكونَ نزَلَت في أبى لُبابةَ بسببِ فعلِه في بنى قُريظةَ، ويَجوزُ أن تَكونَ نزَلَت في شأنِ الرجلَيْن اللذين ذكَر السُّدِّيُّ أن أحدَهما همَّ باللِّحاقِ بدهلك اليهوديِّ، والآخَرَ بنَصْرانيٍّ بالشامِ، ولم يَصِحَّ بواحدٍ مِن هذه الأقوالِ الثلاثةِ خبرٌ يَثْبُتُ بمثلِه حُجَّةٌ فيُسَلَّمَ لصحتِه القولُ بأنه كما قيل.\nفإذ كان ذلك كذلك، فالصواب أن يُحْكَمَ لظاهرِ التنزيلِ بالعمومِ على ما عمَّ، ويَجوزُ ما قاله أهلُ التأويلِ فيه مِن القولِ الذي لا علمَ عندَنا بخلافِه، غيرَ أنه لا شَكَّ أن الآيةَ نزَلَت في مُنافِقٍ كان يُوالِى يهودَ أو نصارى، خوفًا (^٣) على نفسِه مِن دَوائرِ الدهرِ؛ لأن الآيةَ التي بعدَ هذه تَدُلُّ على ذلك، وذلك قولُه: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ الآية.\nوأما قولُه: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. فإنه عنَى تعالى ذكرُه بذلك أن بعضَ اليهودِ أنصارُ بعضِهم على المؤمنين، ويدٌ واحدةٌ على جميعِهم، وأن النصارى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩١ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وغيرهم\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"جزعا\".","vol":"8","page":507},{"text":"كذلك بعضُهم أنصارُ بعضٍ على مَن خالَف دينَهم وملتَهم، مُعَرِّفًا بذلك عبادَه المؤمنين أن مَن كان لهم أو لبعضِهم وليًّا، فإنما هو وليُّهم على مَن خالَف ملتَهم ودينَهم مِن المؤمنين، كما اليهودُ والنصارى لهم حَرْبٌ، فقال تعالى ذكرُه للمؤمنين: فكونوا أنتم أيضًا بعضُكم أولياءُ بعضٍ، ولليهوديِّ والنصرانيِّ حربًا كما هم لكم حربٌ، وبعضُهم لبعضٍ أولياءُ؛ لأن مَن والاهم فقد أظْهَر لأهلِ الإيمانِ الحربَ، ومنهم البَراءةَ، وأبان قطعَ وَلايتِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2667>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾: وَمَن يَتَوَلَّ اليهودَ والنصارى دونَ المؤمنين ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: فإن مَن توَلَّاهم ونصَرهم على المؤمنين، فهو مِن أهلِ دينِهم وملتِهم، فإنه لا يَتَوَلَّى مُتَوَلٍّ أحدًا إلا وهو به وبدينِه وما هو عليه راضٍ، وإذا رضِيه ورضِى دينَه فقد عادَى ما خالَفه وسخِطَه، وصار حكمُه حكمَه، ولذلك حكَم مَن حكَم مِن أهلِ العلمِ لنصارى بنى تَغْلِبَ في ذَبائحِهم ونكاحِ نسائِهم وغيرِ ذلك مِن أمورِهم، بأحكامِ نصارَى بنى إسرائيلَ؛ لموالاتِهم إياهم، ورِضاهم بملتِهم، ونُصْرتِهم لهم عليها، وإن كانت أنسابُهم لأنسابِهم مُخالِفةً، وأصلُ دينِهم لأصلِ دينِهم مُفارقًا.\nوفي ذلك الدلالةُ الواضحةُ على صحةِ ما نقولُ، مِن أَن كُلَّ مَن كان يَدِينُ بدينٍ، فله حكمُ أهلِ ذلك الدينِ؛ كانت دَيْنُونتُه به قبلَ مجئِ الإسلامِ أو بعدَه، إلا أن يَكونَ مُسلمًا مِن أهلِ دينِنا، انتَقَل إلى ملةٍ غيرِها، فإنه لا يُقَرُّ على ما دان به فانتَقَل إليه، ولكن يُقْتَلُ لرِدَّتِه عن الإسلامِ، ومُفارقتِه دينَ الحقِّ، إِلا أَن يَرْجِعَ قبلَ القتلِ إلى الدينِ الحقِّ - وفسادِ ما خالَفه مِن قولِ مَن زعَم أنه لا يُحْكَمُ بحكمِ أهلِ الكتابين لمن دان بدينِهم، إلا أن يكونَ إسرائيليًّا، أو مُنتَقِلًا إلى دينِهم مِن غيرِهم قبلَ نُزولِ","vol":"8","page":508},{"text":"الفُرقانِ، فأما مَن دان بدينِهم بعدَ نزولِ الفرقانِ، ممَّن لم يَكُنْ منهم، ممَّن خالَف نسبُه نسبَهم، وجنسُه جنسَهم، فإن حكمَه لحكمِهم مخالفٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2668>ذكرُ مَن قال بما قلْنا مِن التأويلِ</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ الرُّؤاسيُّ، عن ابن أبي ليلى، عن الحكمِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: سُئِل ابن عباسٍ عن ذَبائحِ نصارَى العربِ، فقرَأ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ أَنها في الذبائحِ، مَن دخَل في دينِ قومٍ فهو منهم (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حَجَّاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن عَطاءِ بن السائبِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كُلُوا مِن ذَبائحِ بنى تَغْلِبَ، وتزَوَّجوا مِن نسائِهم، فإن اللَّهَ يقولُ في كتابِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. ولو لم يَكونوا منهم إلا بالوَلايةِ لكانوا منهم (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حسينُ (^٤) بنُ عليٍّ، عن زائدةَ، عن هشامٍ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه مالك ٢/ ٤٨٩، والشافعي في الأم ٢/ ٢٣٢، ٤/ ٢٨١، والبيهقى ٩/ ٢١٧ من طريق آخر عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥٦ (٦٥٠٨) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١٦١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥٧ (٦٥١٣) من طريق حماد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩١ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في النسخ: \"حسن\"، وتقدم على الصواب في ٧/ ٥٧٠، وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٤٤٩.","vol":"8","page":509},{"text":"كان الحسنُ لا يَرَى بذَبائحِ نَصَارَى العرب، ولا نكاح نسائِهم بأسًا، وكان يَتْلُو هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبرَنا ابن المبارَكِ، عن هارونَ بن إبراهيمَ، قال: سُئِل ابن سِيرينَ عن رجلٍ يَبِيعُ داره مِن نصارى يَتَّخِذونها بيعةً. قال: فتلا هذه الآيةَ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-2670>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾</span>\nيعنى تعالى ذكره بذلك: إن اللَّهَ لا يُوَفِّقُ مَن وضَع الوَلايةَ في غيرِ موضعِها، فوالَى اليهودَ والنصارَى مع عَداوتِهم اللَّهَ ورسولَه والمؤمنين، على المؤمنين، وكان لهم ظَهيرًا ونَصيرًا؛ لأن مَن توَلَّاهم فهو للَّهِ ولرسولِه وللمؤمنين حربٌ.\nوقد بيَّنا معنى \"الظلمِ\" في غيرِ هذا الموضعِ، وأنه وضْعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه بما أَغْنَى عن إعادتِه (^١).\n\n<span id=\"aya-721\"></span><span data-type='title' id=toc-2671>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهل التأويلِ في مَن عُنِى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بها عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2669>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدْريسَ، قال: سَمِعْتُ أبي، عن عَطيةَ بن سعيدٍ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾:\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٥٩، ٥٦٠.","vol":"8","page":510},{"text":"في وَلايتِهم، ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ إلى آخرِ الآيةِ ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (^١).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، قال: ثنى والدى إسحاق بنُ يَسارٍ، عن عُبادةَ بن الوليدِ بن عُبادةَ بن الصامتِ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: يعني عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيٍّ، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾؛ لقولِه: إنى أَخْشَى دائرةً تُصِيبُنى (^٢).\nوقال آخَرون: بل عُنِى بذلك قومٌ من المنافقين كانوا يُناصِحون اليهودَ ويَغُشُّون المؤمنين ويقولون: نَخْشَى أن تكونَ الدائرة (^٣) لليهودِ على المؤمنين.\n\n<span data-type='title' id=toc-2672>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾. قال: المنافقون في مُصانَعةِ يهودَ ومُناجاتِهم، واسْتِرْضاعِهم أولادَهم إياهم. و(^٤) قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾. قال: يقولُ: نَخْشَى أن تَكونَ الدائرةُ لليهودِ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥٨ (٦٥٢٠) من طريق ابن إدريس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٥٠٥.\n(^٣) في م: \"دائرة\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"في\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣١٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥٧، ١١٥٨ (٦٥١٨، ٦٥١٩، ٦٥٢٢)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩١، ٢٩٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"8","page":511},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ إلى قوله: ﴿نَادِمِينَ﴾: أُناسٌ مِن المنافِقِين كانوا يُوَادُّون اليهودَ ويُناصِحونهم دونَ المؤمنين (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: شَكٌّ، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾. والدائرةُ ظهورُ المشركين عليهم (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يُقالَ: إن ذلك من اللَّهِ تعالى ذكرُه خبرٌ عن ناسٍ من المنافقين كانوا يُوالُون اليهودَ والنصارى، ويَغُشُّون المؤمنين، ويقولون: نَخْشَى أَن تَدورَ دَوائرُ - إما لليهودِ والنصارى، وإما لأهلِ الشركِ مِن عَبَدةِ الأوثانِ أو غيرِهم - على أهلِ الإسلام، أو تَنْزِلَ بهؤلاء المنافقين نازلةٌ، فيَكونَ بنا إليهم حاجةٌ. وقد يَجوزُ أن يَكونَ ذلك كان مِن قولِ عبدِ اللَّهِ بن أُبَيٍّ، ويَجوزُ أَن يَكُونَ كان مِن قولِ غيرِه، غيرَ أنه لا شَكّ أنه مِن قولِ المنافقين.\nفتأويلُ الكلامِ إذن: فتَرَى يا محمدُ الذين في قلوبِهم شكٌّ ومرضُ إيمانٍ بنبوتِك، وتصديقِ ما جئْتَهم به مِن عندِ ربِّك، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾. يعنى: في اليهودِ والنصارى. ويعنى بُمسارعتهم فيهم، مُسارعَتَهم في مُوالاتِهم ومُصانَعتِهم، ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾. يقولُ هؤلاء المنافقون: إنما نُسارِعُ في مُوالَاةِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في في الدر المنثور ٢/ ٢٩٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥٧، ١١٥٨ (٦٥١٧، ٦٥٢٣) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٢ إلى أبى الشيخ.","vol":"8","page":512},{"text":"هؤلاء اليهود والنصارى خوفًا من دائرةٍ تَدورُ علينا مِن عدوِّنا. ويعنى بالدائرةِ الدَّوْلةَ.\nكما قال الراجزُ (^١):\nيَرُدُّ عنك القَدَرَ المَقْدُورَا\nودائراتِ (^٢) الدَّهْرِ أَن تَدُورَا\nيعنى: أن تَدولَ للدهرِ دوْلةٌ، فنَحْتاجَ إلى نُصْرتهم إيانا، فنحن نُوالِيهم لذلك. فقال اللَّهُ تعالى ذكرُه لهم: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-2674>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾: فلعلَّ اللَّهَ أن يَأْتِيَ بالفتحِ.\nثم اخْتَلَفوا في تأويلِ \"الفتحِ\" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى به ههنا القَضاءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2673>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾. قال: بالقَضاءِ (^٣).\nوقال آخَرون: عُنِى به فتحُ مكةَ.\n_________\n(^١) نسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ١٦٩ إلى حميد الأرقط.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"دائرة\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥٨ (٦٥٢٥) من طريق يزيد به.","vol":"8","page":513},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2675>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السديِّ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾. قال: فتحُ مكةَ (^١).\nوالفتحُ في كلامِ العربِ هو القضاءُ كما قال قتادةُ، ومنه قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]. وقد يجوز أن يَكونَ ذلك القضاءُ الذي وعَد اللَّهُ نبيَّه محمدًا ﷺ بقولِه: هو ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾. فتحَ مكةَ؛ لأن ذلك كان مِن عظيمِ قَضاءِ اللَّهِ وفَصْلِ حُكْمِه بينَ أهلِ الإيمانِ والكفرِ، ويُقَرِّرُ عندَ أهلِ الكفرِ والنِّفاقِ أن اللَّهَ مُعْلِى كلمته، ومُوهِنُ كيدِ الكافرين.\nوأما قولُه: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾. فإن السديَّ كان يقولُ في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾. قال: الأمرُ الجِزْيةُ (^٢)\nوقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ الأمرُ الذي وعَد اللَّهُ نبيَّه محمدًا ﷺ أن يَأْتِيَ به هو الجزيةَ، ويَحْتَمِلُ أن يَكونَ (^٣) غيرَها، غيرَ أنه أيُّ ذلك كان، فهو مما فيه إدالةُ المؤمنين على أهلِ الكفرِ باللَّهِ وبرسولِه، ومما يَسُوءُ المنافقين ولا يَسُرُّهم، وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه قد أخْبَر عنهم أن ذلك الأمرَ إذا جاء أصْبَحوا على ما أسَرُّوا في أنفسِهم نادمين.\nوأما قولُه: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾. فإنه يعنى هؤلاء المنافقين الذين كانوا (^٤) يُوالُون اليهودَ والنصارى. يقولُ تعالى ذكرُه: لعلَّ اللَّهَ أَن يَأْتِيَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥٨ (٦٥٢٤) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥٩ (٦٥٢٦) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"إلى\".\n(^٤) سقط من: م.","vol":"8","page":514},{"text":"بأمرٍ مِن عندِه يُدِيلُ به المؤمنين على الكافرين؛ اليهودِ والنصارى وغيرِهم مِن أهلِ الكفرِ، فيُصْبحَ هؤلاء المنافقون على ما أسَرُّوا في أنفسِهم مِن مُخالَّةِ اليهودِ والنصارى ومَوَدَّتِهم وبغْضةِ المؤمنين ومُحادَّتِهم نادمين.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾: مِن مُوادَّتِهم اليهود، ومِن غِشِّهم للإسلامِ وأهلِه (^١).\n\n<span id=\"aya-722\"></span><span data-type='title' id=toc-2676>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾.</span>\nاخْتَلَفَت القَرأَةُ في قراءةِ قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ فقرَأَتها قَرَأَةُ أَهلِ المدينةِ: (فيُصبحوا على ما أسَرُّوا في أنفسهم نادمين يقولُ الذين آمَنُوا أهؤلاء الذين أقسَمُوا باللَّهِ). بغيرِ واوٍ (^٢).\nوتأويلُ الكلامِ على هذه القراءةِ: فيُصْبحُ المنافقون إذا أَتَى اللَّهُ بالفتحِ أو أمْرٍ مِن عندِه، على ما أسَرُّوا في أنفسهم نادمين، يقولُ المؤمنون تَعَجُّبًا منهم ومِن نفاقِهم وكذبِهم واجْتِرائِهم على اللَّهِ في أيْمانهم الكاذبةِ باللَّهِ: أهؤلاء الذين أقْسَموا لنا باللَّهِ إنهم لمعنا وهم كاذبون في أيْمانهم لنا.\nوهذا المعنى قصَد مجاهدٌ في تأويلِه ذلك الذي حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾: حينَئذٍ (يقولُ الذين آمَنوا أهؤلاء أقسَموا باللهِ جهدَ أيمانهم إنَّهم لمعكم حبطَت أعمالُهم فأصبحَوا خاسرين) (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥٩ (٦٥٢٨٨) من طريق يزيد به.\n(^٢) وهي قراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وابن عامر. النشر ٢/ ١٩١ (الخراط).\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣١٠ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥٨ (٦٥٢٢).","vol":"8","page":515},{"text":"وكذلك ذلك في مَصاحِفِ أهلِ المدينة بغيرِ واوٍ (^١).\nوقرَأ ذلك بعضُ البصريين: (وَيَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا) بالواوِ ونصبِ \"يقولَ\" (^٢) عطفًا به على ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾. وذكر قارئُ ذلك أنه كان يَقولُ: إنما أُريدُ بذلك: فعسى اللَّهُ أن يَأْتِىَ بالفتحِ، وعسى أن يقولَ الذين آمنوا. ومُحالٌ غيرُ ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يُقالَ: وعسى اللَّهُ أن يقول الذين آمنوا. وكان يقولُ: ذلك نحوُ قولِهم: أكَلْتُ خبزًا ولبنًا. وكقولِ الشاعرِ (^٣):\nورأيْتِ زوجَكِ في الوَغَى … مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحا\nفتأويل الكلام على هذه القراءةِ: فعسى اللَّهُ أن يَأْتِيَ بالفتحِ المؤمنين، أو أَمْرٍ مِن عندِه يُدِيلُهم به على أهلِ الكفر مِن أعدائِهم، فيُصْبحَ المنافقون على ما أسَرُّوا في أنفسِهم نادمين، وعسى أن يقولَ الذين آمنوا حينَئذٍ: هؤلاء الذين أَقْسَمُوا باللَّهِ كذبًا جَهْدَ أيْمانِهم إنهم لمعكم؟\nوهى في مَصاحِفِ أهلِ العراقِ بالواو: (ويقولُ الذين آمنوا) (^٤).\nوقرَأ ذلك قرَأَةُ الكوفيين: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالواوِ ورفع \"يقولُ\" بالاسْتِقْبالِ والسَّلامةِ مِن الجَوازمِ والنَّواصِبِ (^٥).\nوتأويلُ مَن قرَأ ذلك كذلك: فيُصْبِحوا على ما أَسَرُّوا في أنفسِهم يَنْدَمُون، ويقولُ الذين آمَنوا. فيَبْتَدِئُ \"يقولُ\" فيَرْفَعُها.\nوقراءتنا التي نحن عليها: ﴿وَيَقُولُ﴾ بإثبات الواوِ في ﴿وَيَقُولُ﴾؛ لأنها كذلك\n_________\n(^١) المصاحف لابن أبي داود ص ٤١.\n(^٢) هي قراءة أبي عمرو البصرى ويعقوب. النشر ٢/ ١٩١.\n(^٣) تقدم البيت في ١/ ١٤٠.\n(^٤) المصاحف لابن أبي داود ص ٤٣.\n(^٥) وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائى وخلف. النشر ٢/ ١٩١.","vol":"8","page":516},{"text":"هي في مَصاحفِنا مَصاحِفِ أهلِ المشرقِ، بالواوِ، وبرفعِ ﴿يَقُولُ﴾ على الابْتِداءِ.\nفتأويلُ الكلامِ إذ كان القراءةُ عندَنا على ما وصَفْنا: فيُصْبِحوا على ما أسَرُّوا في أنفسِهم نادمين، ويقولُ المؤمنون: أهؤلاء الذين حلَفوا لنا باللَّهِ جَهْدَ (^١) أيْمانهم كَذِبًا إنهم لمعنا؟\nيقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن حالِهم عندَه بنِفاقِهم، وخُبْثِ أعمالِهم: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾. يقولُ: ذهَبَت أعمالهم التي عمِلوها في الدنيا باطلًا لا ثَوابَ لها ولا أجرَ؛ لأنهم عمِلوها على غيرِ يَقينٍ منهم بأنها عليهم للَّهِ فرضٌ واجبٌ، ولا على صحةِ إيمانٍ باللَّهِ ورسولِه، وإنما كانوا يَعْمَلونها ليَدْفَعوا المؤمنين بها عن أنفسِهم وأموالِهم وذَراريِّهم، فأَحْبَط اللَّهُ أَجْرَها، إذ لم تَكُنْ له. ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾. يقولُ: فأصْبَح هؤلاء المنافقون عندَ مَجِيءِ أمْرِ اللَّهِ بإدالةِ المؤمنين على أهلِ الكفرِ قد وُكِسوا في شرائِهم الدنيا بالآخرةِ، وخابَت صَفْقتُهم وهلَكوا.\n\n<span id=\"aya-723\"></span><span data-type='title' id=toc-2677>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين باللَّهِ وبرسوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. أَي: صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، وأَقَرُّوا بما جاءَهم به نبيُّهم محمدٌّ ﷺ، ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾. يقولُ: مَن يَرْجِعْ منكم عن دينِه الحقِّ الذي هو عليه اليومَ، فيُبَدِّله ويُغَيِّرْه بدخولِه في الكفرِ، إما في اليهوديةِ أو النصرانيةِ أو غيرِ ذلك مِن صنوفِ الكفرِ، فلن يَضُرَّ اللَّهَ شيئًا، وسيَأْتِى اللَّهُ بقومٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونه. يقولُ: فسوف يَجِيءُ اللَّهُ بدلًا منهم، المؤمنين الذين لم يُبَدِّلوا ولم يُغَيِّروا ولم يَرْتَدُّوا، بقومٍ خيرٍ مِن الذين ارْتَدُّوا\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"8","page":517},{"text":"وبدَّلوا دينَهم، يُحِبُّهم اللَّهُ ويُحِبُّون اللَّهَ.\nوكان هذا الوعيدُ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه لمَن سبَق في علمِه أنه سيَرْتَدُّ بعدَ وفاةِ نبيِّه محمدٍ ﷺ، وكذلك وعْدُه من وعَد مِن المؤمنين ما وعَده في هذه الآيةِ، لمن سبَق له في علمِه أنه لا يُبَدِّلُ ولا يُغَيِّرُ دينَه ولا يَرْتَدُّ، فلمَّا قبَض الله نبيَّه ﷺ ارْتَدَّ أَقْوامٌ مِن أهلِ الوَبَرِ وبعضُ أهلِ المَدَرِ، فأبْدَل اللَّهُ المؤمنين بخيرٍ منهم كما قال تعالى ذكرُه، ووفَّى للمؤمنين بوعدِه، وأنْفَذ في من ارتَدَّ منهم وَعِيدَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2678>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أَخْبَرَني عبدُ اللَّهِ بنُ عَيَّاشٍ، عن أبي صَخْرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ، أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أرْسَل إليه يومًا، وعمرُ أميرُ المدينةِ يومَئذٍ، فقال: يا أبا حمزةَ، آيةٌ أَسْهَرَتْني البارحةَ. قال محمدٌ: وما هي أيُّها الأميرُ؟ قال: قولُ اللَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ حتى بلَغ ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾. فقال محمدٌ: أيُّها الأميرُ، إنما عنَى اللَّهُ بالذين آمَنوا الوُلاةَ مِن قريشٍ مَن يَرْتَدُّ عن الحقِّ (^١).\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في أعْيانِ القومِ الذين أتَى اللَّهُ بهم المؤمنين، وأبْدَل المؤمنين مكانَ مَن ارْتَدَّ منهم؛ فقال بعضُهم: هو أبو بكرٍ الصديقُ وأصحابُه الذين قاتَلوا أهلَ الرِّدَّةِ حتى أدْخَلوهم مِن البابِ الذي خرَجوا منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2679>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن الفضلِ بن دَلْهَمٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥٩، ١١٦٠ (٦٥٣١، ٦٥٣٢) عن يونس به.","vol":"8","page":518},{"text":"الحسنِ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: هذا واللَّهِ أبو بكرٍ وأصحابه.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الفضلِ بن دَلْهَمٍ، عن الحسنِ مثلَه (^١).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سُليمانَ، عن جُوَيْبِرٍ، عن سهل، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: أبو بكرٍ وأصحابُه.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن أبي موسى، قال: قرَأ الحسنُ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: هي واللَّهِ لأبي بكرٍ وأصحابِه (^٢).\nحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْديُّ، قال: ثنا أحمدُ بنُ بَشِيرٍ، عن هشامٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: نزَلَت في أبى بكرٍ وأصحابِه.\nحدَّثني عليُّ بنُ سعيدِ بن مَسْروقٍ الكِنْديُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بن محمدٍ المحُارِبيُّ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾. قال: هو أبو بكرِ وأصحابُه؛ لمّا ارْتَدَّ مَن ارْتَدَّ مِن العربِ عن الإسلامِ، جاهَدَهم أبو بكرٍ [وأصحابُه] (^٣)، حتى ردَّهم إلى الإسلامِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٠ (٦٥٣٧)، وابن عساكر في تاريخه ٣/ ٣٠٩ من طريق وكيع به. وأخرجه البيهقى في الدلائل ٦/ ٣٦٢ من طريق أبي بشر، عن الحسن به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وخيثمة الأترابلسي في فضائل الصحابة.\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٣٠/ ٣١٠ من طريق الحسين بن علي به بنحوه.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بأصحابه\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦١ (٦٥٣٨)، وابن عساكر في تاريخه ٣٠/ ٣١٠ من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي به.","vol":"8","page":519},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: أنْزَل اللَّهُ هذه الآيةَ وقد علِم أن سيَرْتَدُّ مُرْتَدُّون من الناسِ، فلما قبَض اللَّهُ نبيَّه محمدًا ﷺ، ارْتَدَّ عامَّةُ العربِ عن الإسلامِ، إلا ثلاثةَ مَساجدَ؛ أهلُ المدينةِ، وأهلُ مكةَ، وأهلُ البَحْرَيْنِ مِن عبدِ القيسِ. قالوا: نُصَلِّي ولا نُزَكِّي، واللَّهِ لا تُغْصَبُ أموالُنا. فكُلِّم أبو بكرٍ في ذلك فقيل له: إنهم لو قد فُقِّهوا لهذا، أعْطَوْها - [أو أدَّوها] (^١) - فقال: لا واللَّهِ، لا أُفَرِّقُ بينَ شيءٍ جمَع اللَّهُ بينَه، ولو منَعوا عِقالًا مما فرَض اللَّهُ ورسولُه لقاتَلْناهم عليه. فبعَث اللَّهُ عِصابةً مع أبى بكرٍ، فقاتَل على ما قاتَل عليه نبيُّ اللَّهِ ﷺ، حتى سبَى وقتَل وحرَّق بالنيرانِ أُناسًا ارْتَدُّوا عن الإسلامِ ومنَعوا الزكاةَ، فقاتَلَهم حتى أقَرُّوا بالماعونِ، وهى الزكاةُ، صَغَرَةً أَقْمِياءَ (^٢)، فأتَتْه وُفودُ العربِ، فخيَّرهم بينَ خُطَّةٍ مُخْزِيَةٍ، أو حربٍ مُجْلِيَةٍ، فاخْتارُوا الخُطَّةَ المُخْزيةَ، وكانت أهْونَ عليهم؛ أن يَشْهَدوا (^٣) أن قَتْلاهم في النارِ، وأن قَتْلى المؤمنين في الجنةِ، وأن ما أصابوا مِن المسلمين مِن مالٍ رَدُّوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم مِن مالٍ فهو لهم حَلالٌ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه:\n_________\n(^١) في م: \"وزادوها\".\n(^٢) أقمياء: أذلَّاء، وقميء تجمع قماء، وقُماء، أما \"أقمياء\" فلعله جُمع قياسًا على ذليل أذلاء، وصديق أصدقاء. ينظر اللسان (ق م أ).\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يستعدوا\"، وفى م: \"يعتدوا\". والمثبت من سنن البيهقى وتاريخ دمشق.\n(^٤) أخرجه البيهقى ٨/ ١٧٧، ١٧٨ من طريق سعيد بن أبي عروبة به، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٣٠/ ٣١٩ من طريق عيسى بن عبد الله التميمي عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"8","page":520},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال ابن جُرَيْجٍ: ارْتَدُّوا حينَ تُوُفِّي رسولُ اللَّهِ ﷺ، فقاتَلَهم أبو بكرٍ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ (^٢)، قال: أَخْبَرَنا سيفُ بنُ عمرَ (^٣)، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن أبي أيوب، عن عليٍّ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾. قال: علِم الله المؤمنين، ووقَع (^٤) معنى السُّوءِ على الحَشْوِ الذي فيهم مِن المنافقين ومَن في علمِه أن يَرْتَدُّوا. قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ﴾ المُرْتَدَّةَ [في دُورِهِم] (^٥) ﴿بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ بأبي بكرٍ وأصحابِه.\nوقال آخَرون: يعنى بذلك قومًا مِن أهلِ اليمنِ. وقال بعضُ مَن قال ذلك منهم: هم رَهْطُ أبي موسى الأَشْعَريِّ عبدِ الأَشْعَرى عبدِ اللَّهِ بن قيس.\n\n<span data-type='title' id=toc-2680>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن عِياضٍ الأشْعَريِّ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: أَوْمَأ رَسولُ اللَّهِ ﷺ إلى أبي موسى بشيءٍ كان معه، فقال: \"هم قومُ هذا\" (^٦).\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٣/ ٥٤٦.\n(^٢) في م: \"هشام\".\n(^٣) سقط من: ص، وفى م، ت ٢، ت ٣، س: \"عمرو\".\n(^٤) في م: \"أوقع\".\n(^٥) في ص: \"في دينهم\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عن دينهم\"، والمثبت مما سيأتي في ص ٥٢٥.\n(^٦) أخرجه ابن سعد ٤/ ١٠٧، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٠ (٦٥٣٥)، والطبراني في الكبير ١٧/ ٣٧١ (١٠١٦)، والحاكم ٢/ ٣١٣، والخطيب في تاريخه ٢/ ٣٩، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ١/ ٥٩، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٧/ ٢٥٣ من طريق شعبة به.","vol":"8","page":521},{"text":"حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكِ بن حربٍ، قال: سمِعْتُ عِياضًا يُحَدِّثُ عن أبي موسى، أن النبيَّ ﷺ قرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: \"يعنى قومَ أبي موسى\" (^١).\nحدَّثني أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جُنادةَ، قال: ثنا ابن إدْريسَ، عن شعبةَ - قال أبو السائب: قال أصحابُنا: هو عن سِماكِ بن حربٍ، وأنا لا أَحْفَظُ سِماكًا - عن عِياضٍ الأشْعَريِّ، قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"هم قومُ هذا\". يعنى أبا موسى (^٢).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابن إدْريسَ، عن شعبةَ، عن سِماكٍ، عن عِياضٍ الأشْعَريِّ، قال النبيُّ ﷺ لأبي موسى: \"هم قومُ هذا\". في قولِه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.\nحدَّثنا مُجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخْبرَنا شعبةُ، عن سِماكِ بن حربٍ، قال: سمِعْتُ عِياضًا الأَشْعَريَّ يقولُ: لما نزَلَت: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"هم قومُك يا أبا موسى\". أو قال: \"هم قومُ هذا\". يعنى أبا موسى.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو سفيانَ الحِمْيَريُّ، عن حُصَيْنٍ، عن عِياضٍ أو ابن عياضٍ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: هم أهلُ اليمنِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا صَفْوانُ، قال: ثنا عبد الرحمن بن جُبيرٍ، عن شُرَيْحٍ بن عُبَيْدٍ، قال: لمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال عمرُ: أنا وقومى هم يا رسولَ اللَّهِ؟\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٧/ ٢٥٣ من طريق أبي الوليد به.\n(^٢) أخرجه ابن سعد ٤/ ١٠٧، وابن أبي شيبة ١٢/ ١٢٣، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٧/ ٢٥٣ من طريق ابن إدريس به، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٥/ ٣٥١، ٣٥٢ من طريق ابن إدريس، عن أبيه، عن سماك به بنحوه.","vol":"8","page":522},{"text":"قال: \"لا، بل هذا وقومُه\". يعنى أبا موسى الأشعريَّ (^١).\nوقال آخَرون منهم: بل هم أهلُ اليمنِ جميعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2681>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: أَناسٌ مِن أهلِ اليمنِ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا ابن إدْريسَ، عن ليثٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: هم قومُ سَبَأً (^٣).\nحدَّثنا مَطَرُ بنُ محمدٍ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: أخْبرَنا شعبةُ، قال: أَخْبَرَني مَن سمِع شهرَ بنَ حَوْشَبٍ، قال: هم أهلْ اليمنِ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أَخْبَرَني عبدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ، عن أبى صَخْرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ، أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أرْسَل إليه يومًا وهو أميرُ المدينةِ يَسْأَله عن ذلك، فقال محمدٌ: ﴿يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ وهم أهلُ اليمنِ. قال عمرُ: يا ليْتَنى منهم. قال: آمين.\nوقال آخَرون: هم أنصارُ رسولِ اللَّهِ ﷺ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٣ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣١١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦١ (٦٥٤٠) من طريق ابن إدريس به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٢ إلى أبى الشيخ.","vol":"8","page":523},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2682>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾: يَزْعُمُ أَنهم الأنصارُ (^١).\nوتأويلُ الآيةِ على قولِ مَن قال: عنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ أبا بكرٍ وأصحابَه في قتالِهم أهلَ الرِّدَّةِ بعدَ رسولِ اللَّهِ ﷺ -: يا أَيُّها الذين آمَنوا مَن يَرْتَدَّ منكم عن دينِه فلن يَضُرَّ اللَّهَ شَيئًا، وسَيَأْتى اللَّهُ مَنِ ارْتَدَّ منكم عن دينِه بقومٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونه، يَنْتَقِمُ بهم منهم على أيديهم.\nوبذلك جاء الخبرُ والرِّواية عن بعضِ مَن تأوَّل ذلك كذلك.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ (^٢)، قال: أخْبرَنا سيفُ بنُ عمرَ، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ﴾. قال: يقولُ: فسوف يَأْتِى اللَّهُ المُرتَدَّةَ في دورهم ﴿بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ بأبي بكرٍ وأصحابِه.\nوأما على قولِ مَن قال: عنى اللَّهُ بذلك أهلَ اليمن. فإن تأويلَه: يا أيُّها الذين آمَنوا مَن يَرْتَدَّ منكم عن دينِه فسوف يَأْتِى اللَّهُ المؤمنين الذين لم يَرْتَدُّوا بقومٍ يُحبُّهم ويُحِبُّونه، أعْوانًا لهم وأنْصارًا.\nوبذلك جاءت الرَّوايةُ عن بعض مَن كان يَتَأَوَّلُ ذلك كذلك.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٣/ ٥٤٦.\n(^٢) في النسخ: \"هشام\". والمثبت مما تقدم في ص ٥٢٢، ومما تقدم في ٥/ ٥٤٠.","vol":"8","page":524},{"text":"الآية: وَعيدٌ مِن اللَّهِ أنه مَن ارْتَدَّ منكم (^١) أنه سيَسْتَبْدِلُ خيرًا منهم (^٢).\nوأما على قولِ مَن قال: عُنِى بذلك الأنْصارُ. فإن تأويلَه في ذلك نَظيرُ تأويلِ مَن تأَوَّله أنه عُنِى به أبو بكرٍ وأصحابُه.\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ ما رُوِى به الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنهم أهلُ اليمنِ قومُ أبي موسى الأشْعريِّ، ولولا الخبرُ الذي رُوِى في ذلك عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بالخبرِ الذي رُوِى عنه، ما كان القولُ عندى في ذلك إلا قولَ مَن قال: هم أبو بكرٍ وأصحابُه. وذلك أنه لم يُقاتِلْ قومًا كانوا أظْهَروا الإسلامَ على عهدِ رسولِ اللَّهِ، ثم ارْتَدُّوا على أعْقابِهم كُفارًا، غيرُ أبي بكرٍ ومَن كان معَه ممَّن قاتَل أهلَ الرِّدةِ معه بعدَ رسولِ اللَّهِ ﷺ، ولكنا ترَكْنا القولَ في ذلك للخبرِ الذي رُوِى فيه عن رسولِ اللَّهِ؛ أن كان ﷺ مَعْدِنَ (^٣) البَيانِ عن تأويلِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِن وحْيِه وآى كتابه.\nفإن قال لنا قائلٌ: فإن كان القوم الذين ذكَر اللَّهُ أَنه سَيَأْتِي بهم عندَ ارْتِدادِ مَن ارْتَدَّ عن دينِه ممَّن كان قد أسْلَم على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ هم أهلَ اليمنِ، فهل كان اللَّهِ أهلُ اليمنِ أيامَ قتالِ أبى بكرٍ ﵁ أهلَ الرِّدَّةِ، أعْوانَ أبي بكرٍ على قتالِهم حتى (^٤) تَسْتَجِيزَ أن تُوَجِّهَ تأويلَ الآيةِ إلى ما وَجَّهَت إليه؟ أم لم يَكُونوا أعْوانًا له عليهم، فكيف اسْتَجَزْتَ أن تُوَجِّهَ تأويلَ الآيةِ إلى ذلك، وقد علِمْتَ أنه لا خُلْفَ لوعدِ اللَّهِ؟\nقيل له: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه لم يَعِدِ المؤمنين أن يُبَدِّلَهم بالمرتدِّين منهم يومَئذٍ\n_________\n(^١) في تفسير ابن أبي حاتم: \"منهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٠ (٦٥٣٦) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\n(^٣) المعدن: مكان كل شيء يكون أصله ومبدؤه. اللسان (ع د ن).\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"8","page":525},{"text":"خيرًا مِن المرتدِّين لقتالِ المرتدِّين، وإنما أخْبَر أنه سيَأْتِيهم بخيرٍ منهم بدلًا منهم، فقد (^١) فعَلَ ذلك بهم قريبًا غيرَ بعيدٍ، فجاء بهم على عهدِ عمرَ، فكان موقعُهم مِن الإسلامِ وأهلِه أحسنَ موقعٍ، وكانوا أعْوانَ أهلِ الإسلامِ، وأنْفعَ لهم ممَّن كان ارْتَدَّ بعدَ رسولِ الله الله ﷺ من طَغَامِ الأعْرابِ وجُفاةِ أهلِ البَوادِى الذين كانوا على أهلِ الإسلامِ كَلًّا لا نفعًا.\nواخْتَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾؛ فقرَأَته قَرأَةُ أهل المدينة: (يا أَيُّها الذين آمنوا من يَرْتَدِدْ منكم عن دينهِ). بإظهارِ التَّضْعيفِ بدالين، مَجْزومةَ الدالِ الآخِرةِ (^٢)، وكذلك ذلك في مَصاحفِهم (^٣).\nوأما قَرأةُ أهلِ العراقِ فإنهم قرَءوا ذلك: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾. بالإدْغامِ بدالٍ واحدةٍ، وتَحْريكِها إلى الفتحِ بناءً على التَثْنيةِ (^٤)؛ لأن المجزومَ الذي يَظْهَرُ تَضْعيفُه في الواحدِ إذا ثُنِّي أُدْغِم، ويقالُ للواحدِ: ارْدُدْ يا فلانُ إلى فلانٍ حقَّه. فإذا ثُنِّى قيل: رُدَّا (^٥) إليه حَقَّه. ولا يُقالُ: ارْدُدا. وكذلك في الجمعِ: رُدُّوا. ولا يُقالُ: ارْدُدوا. فتَبْنِى العربُ أحيانًا الواحدَ على الاثنين، وتُظْهِرُ أحيانًا في الواحدِ التَّضْعيفَ لسكونِ لامِ الفعلِ، وكلتا اللغتين فَصيحةٌ مشهورةٌ في العربِ (^٦).\nوالقراءةُ في ذلك عندَنا على ما هو به في مَصاحفِنا ومَصاحِفِ أهلِ المشرقِ (٣) بدالٍ واحدةٍ مُشَدَّدةٍ، بتركِ إظهارِ التَّضْعيفِ، وبفتحِ الدالِ؛ للعلَّةِ التي وصَفْتُ (^٧).\n_________\n(^١) في م: \"يعد\".\n(^٢) وهى قراءة نافع وأبى جعفر وابن عامر. النشر ٢/ ١٩١.\n(^٣) المصاحف لابن أبي داود ص ٣٩.\n(^٤) وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف. ينظر المصدر السابق.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"رد\".\n(^٦) في النسخ: \"العرف\".\n(^٧) والقراءتان متواترتان، ولا سبيل لتضعيف إحداهما من جهة الرواية ولا من جهة اللغة.","vol":"8","page":526},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2684>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: أَرِقَّاءَ عليهم، رُحَماءَ بهم.\nمِن قولِ القائلِ: ذَلَّ فلانٌ لفلانٍ. إذا خضَع له واسْتَكان.\nويعنى بقولِه: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: أشدَّاءَ عليهم، غُلَظاءَ بهم. مِن قولِ القائلِ: قد عزَّنى فلانٌ. إذا أظْهَر العِزَّةَ مِن نفسِه له، وأبْدَى له الجَفْوةَ (^١) والغِلْظةَ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2683>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ، قال: أخْبرَنا سيفُ (^٢) بنُ عمرَ، عن أبى رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: أهلِ رِقَّةٍ على أهلِ دينِهم، ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: أهلِ غِلْظةٍ على مَن خالَفهم في دينِهم (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: يعني بالذِّلَّةِ (^٤) الرحمةَ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ في قولِه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: رُحماءَ بينَهم، ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. قال:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الحقوة\".\n(^٢) في النسخ: \"سفيان\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٣ إلى المصنف.\n(^٤) في ت ١: \"الأذلة\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦١ (٦٥٤١) من طريق أبي صالح به.","vol":"8","page":527},{"text":"أشِدَّاءَ عليهم (^١).\nحدَّثنا الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: قال سفيانُ: سمِعْتُ الأعْمشَ يقولُ في قولِه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: ضُعَفَاءَ عن (^٢) المؤمنين.\n\n<span data-type='title' id=toc-2685>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هؤلاء المؤمنين الذين وعَد اللَّهُ المؤمنين أن يَأْتِيَهم بهم إن ارْتَدَّ منهم مُرْتَدٌّ بدلًا منهم، يُجاهِدون في قتالِ أعْداءِ اللَّهِ على النحوِ الذي أمَر اللَّهُ بقتالِهم والوجهِ الذي أذِنَ لهم به، ويُجاهِدون عدوَّهم، فذلك مُجاهَدتُهم في سبيلِ اللَّهِ، ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ يقولُ: ولا يَخافون في ذاتِ اللَّهِ أحدًا، ولا يَصُدُّهم (^٣) عن العملِ بما أمَرَهم اللَّهُ به مِن قتالِ عدوِّهم لَوْمةُ لائمٍ لهم في ذلك.\nوأما قولُه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾. فإنه يعنى: هذا النعْتُ الذي نعَتهم به تعالى ذكرُه مِن أنهم أذلةٌ على المؤمنين، أعزّةٌ على الكافرينِ، يُجاهِدون في سبيلِ اللَّهِ، ولا يَخافون في اللَّهِ لومةَ لائمٍ - فضلُ اللَّهِ الذي تفَضَّل به عليهم، واللَّهُ يُؤْتِى فضلَه مَن يَشاءُ مِن خلقِه، مِنَّةً عليه وتَطَوُّلًا.\n﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ يقولُ: واللَّهُ جَوَادٌ بفضلِه على مَن جاد به عليه، لا يَخافُ نَفادَ خَزائنِه [فتتلفَ في] (^٤) عطائِه، ﴿عَلِيمٌ﴾ بموضعِ جُودِه وعَطائِهِ، فلا يَبْذُلُه إلا لَمن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٣ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في م: \"على\". وينظر التبيان ٣/ ٤٨٥.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يضرهم\".\n(^٤) في م: \"فيكف من \"، وفى س: \"فكيف في\".","vol":"8","page":528},{"text":"اسْتَحَقَّه، ولا يَبْذُلُ لَمن اسْتَحَقَّه إلا على قَدْرِ المَصْلحةِ؛ لعلمِه بموضعِ صَلاحِه له مِن موضعِ ضُرِّه.\n\n<span id=\"aya-724\"></span><span data-type='title' id=toc-2687>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: ليس لكم أيُّها المؤمنون ناصرٌ إلا اللَّهُ ورسولُه والمؤمنون الذين صِفَتُهم ما ذكَر تعالى ذكرُه، فأما اليهودُ والنصارى الذين أمَرَكم اللَّهُ أن تَبَرَّءُوا مِن وَلايتِهم، ونهاكم أن تَتَّخِذوا منهم أولياءَ، فليسوا لكم أولياءَ ولا نُصَراءَ، بل بعضُهم أولياءُ بعضٍ، ولا تَتَّخِذوا منهم وليًّا ولا نَصِيرًا.\nوقيل: إن هذه الآيةَ نزَلَت في عُبادةَ بن الصامتِ، في تَبَرُّئِه من وَلايةِ يهودِ بني قَيْنُقاعَ وحِلْفِهم إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ والمؤمنين.\n\n<span data-type='title' id=toc-2686>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: ثنا ابن إِسْحَاقَ، قال: ثنى والدى إسحاقُ بنُ يَسارٍ، عن عُبادةَ بن [الوليدِ بن عُبادةَ بن] (^١) الصامتِ، قال: لما حارَبَت بنو قَيْنُقاعَ رسولَ اللَّهِ ﷺ، مشَى عبادةُ بنُ الصامتِ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، وكان أحدَ بني عوفِ بن الخَزْرجِ، فخلَعَهم (^٢) إلى رسولِ اللَّهِ، وتبَرَّأ إلى اللَّهِ وإلى رسولِه مِن حِلفِهم، وقال: أَتَوَلَّى اللَّهَ ورسولَه والمؤمنين، وأَبْرَأُ مِن حِلْفِ الكفارِ ووَلايتِهم. ففيه نزَلَت: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ\n_________\n(^١) سقط من النسخ. والمثبت مما تقدم في ص ٥٠٥، ٥١١.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فجعلهم\".","vol":"8","page":529},{"text":"الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾. لقولِ عُبادةَ: أَتَوَلَّى اللَّهَ ورسولَه والذين آمنوا. وتَبَرُّئِه مِن بنى قَيْنُقاعَ ووَلايتِهم، إلى قولِه: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدْريسَ، قال: سمِعْتُ أبي، عن عَطِيةَ بن سعدٍ، قال: جاء عُبادةُ بنُ الصامتِ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ. ثم ذكَر نحوَه (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: يعنى أنه مَن أسْلَم توَلَّى اللَّهَ ورسولَه (^٣).\nوأما قولُه: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾. فإنَّ أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا في المعنِيِّ به؛ فقال بعضُهم: عُنِى به عليُّ بنُ أبى طالبٍ.\nوقال بعضُهم: عُنِى به جميعُ المؤمنين.\n\n<span data-type='title' id=toc-2688>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: ثم أخْبرَهم بمَن يَتَوَلَّاهم، فقال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾: هؤلاء جميعُ المؤمنين، ولكنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ مرَّ به سائلٌ وهو راكعٌ في المسجدِ فأعْطاه خاتَمَه (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٠٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ١٣٧، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٣ (٦٥٥٢) من طريق عبد إدريس. وتقدم أوله في ص ٥٠٤.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٢ (٦٥٤٦) من طريق أبي صالح به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٢ (٦٥٤٨) من طريق عمر بن عبد الرحمن، عن السدى بمعناه، وينظر تفسير البغوي ٣/ ٧٣.","vol":"8","page":530},{"text":"حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا عَبْدةُ، عن عبدِ الملكِ، عن أبي جعفرٍ، قال: سأَلْتُه عن هذه الآيةِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾. قلْنا: مَن الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا. قلنا: بلَغَنا أنها نزَلَت في عليّ بن أبي طالبٍ. قال: عليٌّ مِن الذين آمنوا (^١).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا المُحاربِيُّ، عن عبدِ الملكِ، قال: سأَلْتُ أبا جعفرٍ عن قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾. وذكَر نحوَ حديثِ هَنَّادٍ، عن عَبْدِةَ.\nحدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسرائيلَ الرَّمْليُّ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سُوَيْدٍ، قال: ثنا عُتْبةُ بنُ أبي حَكِيمٍ في هذه الآيةِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: عليُّ بنُ أبي طالبٍ (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا غالبُ بنُ عُبيدِ اللَّهِ، قال: سمِعْتُ مُجاهِدًا يقولُ في قولِه تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية. قال: نزَلَت في عليّ بن أبي طالبٍ، تصَدَّق وهو راكعٌ (^٣).\n\n<span id=\"aya-725\"></span><span data-type='title' id=toc-2689>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٢ (٦٥٤٧) من طريق عبد الملك به ببعضه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٢ (٦٥٤٧) من طريق أيوب به.\n(^٣) ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره ٣/ ١٣٠، وقال قبله في ٣/ ١٢٩ مضعفا هذا القول: وأما قوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ فقد توهم بعضهم أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى.\nوقال أيضًا في البداية والنهاية ١١/ ٩٤ بعد أن أورد حديثين مرفوعين في ذلك: وهذا لا يصح بوجه من الوجوه؛ لضعف أسانيده، ولم ينزل في على شيء من القرآن بخصوصيته.","vol":"8","page":531},{"text":"الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾.\nوهذا إعْلامٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عبادَه جميعًا - الذين تبَرَّءُوا مِن حلفِ (^١) اليَهودِ وخلَعوهم (^٢)، رِضًا بوَلايةِ اللَّهِ ورسولِه والمؤمنين، والذين تمَسَّكوا بحلفِهم وخافوا دَوائرَ السَّوْءِ تَدُورُ عليهم فسارَعوا إلى مُوالاتِهم - [بأن مَن وثِق باللَّهِ] (^٣) وتوَلَّى اللَّهَ ورسولَه والمؤمنين، ومَن كان على مثلِ حالِه مِن أولياءِ اللَّهِ مِن المؤمنين، لهم الغَلَبةُ والدَّوائرُ والدَّوْلةُ على مَن عاداهم وحادَّهم؛ لأنهم حِزْبُ اللَّهِ، وحِزْبُ اللَّهِ هم الغالِبون دونَ حزبِ الشيطانِ.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: أخْبرَهم - يعنى الربَّ تعالى ذكرُه - مَن الغالبُ، فقال: لا تَخافوا الدَّوْلَة ولا الدَّائرةَ. فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (^٤).\nوالحِزْبُ هم الأنصارُ، ويعنى بقولِه: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾: فإن أنصارَ اللَّهِ.\nومنه قولُ الراجزِ (^٥):\nوكيف أَضْوَى وبلالٌ حِزْبي\nيعنى بقولِه: أَضْوَى: أُسْتَضْعَفُ وأُضامُ. مِن الشيءِ الضاوِي. ويعنى بقولِه: وبِلالٌ حِزْبى. يعني: ناصرِي.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"حلقهم\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ووثقوا\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٣ (٦٥٥٤) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٥) هو رؤبة بن العجاج والرجز في ديوانه ص ١٦، وفيه: \"ولست\" مكان \"وكيف\".","vol":"8","page":532},{"text":"<span id=\"aya-726\"></span><span data-type='title' id=toc-2690>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسولِه محمدٍ ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. أيْ: صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، ﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. يعنى اليهودَ والنصارى الذين جاءَتهم الرسلُ والأنْبياءُ، وأُنْزِلَت عليهم الكتبُ مِن قبلِ يُبْعَثُ (^١) نبيُّنا ﷺ، ومِن قبلِ نُزولِ كتابِنا، ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ يقولُ: لا تَتَّخِذوهم أيُّها المؤمنون أنْصارًا وإخْوانًا وحُلفاءَ؛ فإنهم لا يَأْلونكم خَبالًا وإن أظْهَروا لكم مَوَدَّةً وصَداقةً.\nوكان اتَّخاذُ هؤلاء اليهود الذين أخْبَر اللَّهُ عنهم المؤمنين أنهم اتَّخَذوا دينهم هُزُوًا ولعِبًا - الدينَ على ما وصَفَهم به ربُّنا تعالى ذكرُه، أن أحدَهم كان يُظْهِرُ للمؤمنين الإيمانَ وهو على كفرِه مُقِيمٌ، ثم يُراجِعُ الكفرَ بعدَ يَسيرٍ مِن المدةِ بإظْهارِ ذلك بلسانِه قولًا، بعدَ أن كان يُبْدِى بلسانِه الإيمانَ قولًا وهو للكفرِ مُسْتَبْطِنٌ، تَلَعُّبًا بالدِّين واسْتِهزاءً به، كما أخْبَر تعالى ذكرُه عن فعلِ بعضِهم ذلك بقولِه: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٤، ١٥].\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاء الخبرُ عن ابن عباسٍ.\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ وأبو كُرَيْبٍ، قالا: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رِفاعةُ بنُ زِيدِ بن التابوتِ وسُوَيْدُ بنُ\n_________\n(^١) في م: \"بعث\"، وفى ت ١: \"مبعث\".","vol":"8","page":533},{"text":"الحارثِ قد أظْهَرا الإسلامَ ثم نافَقَا، وكان رجالٌ من المسلمين يُوادُّونهما، فأنْزَل اللَّهُ فيهما: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ (^١).\nفقد أبان هذا الخبرُ عن صحةِ ما قلْنا مِن أن اتِّخاذَ مَن اتَّخَذَ دينَ اللَّهِ هُزُوًا ولَعِبًا مِن أهلِ الكتابِ الذين ذكَرَهم اللَّهُ في هذه الآيةِ، إنما كان بالنِّفاقِ منهم، وإظْهارِهم للمؤمنين الإيمانَ، واسْتِبْطانِهم الكفرَ، وقيلِهم لشياطينِهم مِن اليهودِ إذا خلَوْا بهم: إنا معكم. فنهَى اللَّهُ عن مُوادَّتِهم ومُخالَّتِهم (^٢)، والتمسكِ بحلفِهم، والاعْتِدادِ بهم أوْلياءَ، وأَعْلَمَهم أنهم لا يَأْلونهم خَبالًا، وفي دينِهم طَعْنًا، وعليه إزْراءً.\nوأما الكفار الذين ذكَرَهم اللَّهُ تعالى ذكرُه في قولِه: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾. فإنهم المشركون مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ، نَهَى اللَّهُ المؤمنين أن يَتَّخِذوا مِن أهلِ الكتابِ ومِن عَبَدةِ الأوْثانِ وسائرِ أهلِ الكفرِ أولياءَ دونَ المؤمنين.\nوكان ابن مسعودٍ - فيما حدَّثني به أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن ابن مسعودٍ - يَقْرَأُ: (من الذين أوتُوا الكتابَ من قبلِكم ومن الذين أشرَكوا) (^٣).\nففى هذا بيانُ صحةِ التأويلِ الذي تأَوَّلْناه في ذلك.\nواخْتَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه جَماعةٌ مِن أهلِ الحجازِ والبصرةِ\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٦٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٣ (٦٥٥٦) من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن أبى محمد قوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في م: \"مخالفتهم\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ١٣١ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٤ إلى المصنف وأبي عبيد.","vol":"8","page":534},{"text":"والكوفةِ: (والكفارِ أولياءَ). بخَفْضِ \"الكفارِ\" (^١)، بمعنى: يا أيُّها الذين آمنوا لا تَتَّخِذوا الذين اتَّخَذوا دينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِن الذين أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِكم ومِن الكفارِ أوْلياءَ.\nوكذلك ذلك في قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ فيما بلَغَنا: (مِن الذين أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِكم ومِن الكفارِ أوْلياءَ) (^٢).\nوقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأةِ أهلِ المدينةِ والكُوفةِ: ﴿وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ بالنصبِ (^٣)، بمعنى: يا أيُّها الذين آمَنوا لا تَتَّخِذوا الذين اتَّخَذوا دينَكم هُزُوًا ولعبًا والكفارَ. عطفًا بـ \"الكفارِ\" على ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ (٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: إنهما قراءتان مُتَّفِقَتا المعنى صَحِيحتا، المَخْرَجِ، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما عُلماءُ مِن القَرَأَةِ، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فقد أصاب؛ لأن النهيَ عن اتِّخاذِ وليٍّ مِن الكفارِ نَهْيٌ عن اتِّخاذِ جميعِهم أوْلياءَ، والنهيَ عن اتخاذِ جميعِهم أولياءَ نهيٌ عن اتخاذِ بعضِهم وليًّا، وذلك أنه غيرُ مُشْكِلٍ على أحدٍ مِن أهلِ الإسلامِ أن اللَّهَ تعالى ذكرُه إذا حرَّم اتِّخاذَ وليٍّ مِن المشركين على المؤمنين، أنه لم يُبِحُ لهم اتخاذَ جميعِهم أوْلياءَ، ولا إذا حرَّم اتِّخاذَ جميعِهم أوْلياءَ، أنه لم يَخْصُص إباحةَ اتِّخاذِ بعضِهم وليًّا، فيَجِبُ مِن أجلِ إشْكالِ ذلك عليهم طلبُ الدليلِ على أَوْلى القراءتين في ذلك بالصوابِ، وإذ كان ذلك كذلك، فسَواءٌ قرَأ القارئُ بالخفضِ أو بالنصبِ؛ لما ذكَرْنا من العلةِ.\nوأما قولُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فإنه يعنى: وخافوا اللَّهَ أيُّها المؤمنون\n_________\n(^١) وهى قراءة أبي عمرو والكسائي وأبي جعفر. ينظر النشر ٢/ ١٩٢.\n(^٢) البحر المحيط ٣/ ٥١٥. وهي قراءة شاذة.\n(^٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة ويعقوب وخلف. ينظر النشر ٢/ ١٩٢.","vol":"8","page":535},{"text":"في هؤلاء الذين اتَّخَذوا دينَكم هُزُوًا ولعبًا مِن الذين أُوتُوا الكتابَ ومِن الكفارِ، أن تَتَّخِذُوهم أوْلياءَ أو (^١) نُصَراءَ، وارْهَبوا عُقوبتَه في فعلِ ذلك إِن فَعَلْتُموه، بعدَ تقدُّمِه إليكم بالنهيِ عنه، إن كنتم تُؤْمِنون باللَّهِ وتُصَدِّقونه على وَعيدِه على معصيتِه.\n\n<span id=\"aya-727\"></span><span data-type='title' id=toc-2691>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا أذَّن مُؤَذِّنُكم أيُّها المؤمنون بالصلاةِ، سخِر مِن دعوتِكم إليها هؤلاءِ الكفارُ مِن اليهودِ والنصارى والمشركين، ولعِبوا مِن ذلك، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: فعلُهم الذي يَفْعَلونه، وهو هُزُؤُهم ولعِبُهم مِن الدعاءِ إلى الصلاةِ، إنما يَفْعَلونه بجهلِهم بربِّهم، وأنهم لا يَعْقِلون ما لهم في إجابتِهم إن أجابوا إلى الصلاةِ، وما عليهم في اسْتِهْزائِهم ولعبِهم بالدعوةِ إليها، ولو عقَلوا ما لَمن فعَل ذلك عندَ اللَّهِ مِن العِقابِ ما فعَلوه.\nوقد ذُكِر عن السديِّ في تأويلِه ما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾: كان رجلٌ مِن النصارى بالمدينةِ إذا سمِع المنادِي يُنادِى: أَشْهَدُ أن محمدًا رسولُ اللَّهِ. قال: حُرِّق الكاذبُ. فدخَلَت خادِمُه ذاتَ ليلةٍ مِن الليالي بنارٍ وهو نائمٌ (^٢) وأهلُه نِيامٌ، فسقَطَت شَرارةٌ، فأحْرَقَت البيتَ، فاخْتَرَق هو وأهلُه (^٣).\n\n<span id=\"aya-728\"></span><span data-type='title' id=toc-2692>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا</span>\n_________\n(^١) في م: \"و\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قائم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٤ (٦٥٥٧) من طريق أحمد بن مفضل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٩٤ إلى أبى الشيخ.","vol":"8","page":536},{"text":"أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لأهلِ الكتابِ مِن اليهودِ والنصارى: يأهلَ الكتابِ هل تَكْرَهون منا أو تَجِدُون علينا [في شيءٍ إذ تَسْتَهْزِئون] (^١) بدينِنا، [وإذ] (^٢) أنتم إذا نادَيْنا إلى الصلاةِ اتَّخَذْتُم نداءَنا ذلك هُزُوًا ولعبًا، ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ يقولُ: إلا أن صدَّقْنا وأَقْرَرْنَا باللَّهِ فوحَّدْناه، وبما أُنْزِل إلينا مِن عندِ اللَّهِ مِن الكتابِ، وما أُنْزِل إلى أنبياءِ اللَّهِ مِن الكتبِ مِن قبلِ كتابِنا، ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ يقولُ: إلا أن أكثرَكم مُخالِفون أمْرَ اللَّهِ، خارِجون عن طاعتِه، تَكْذِبون عليه.\nوالعربُ تقولُ: نَقَمْتُ عليك كذا أَنْقِمُ - وبه قرَأ القَرَأَةُ مِن أهلِ الحِجازِ والعراقِ وغيرِهم - ونَقِمْتُ أَنْقَمُ، لغتان، ولا نَعْلَمُ قارئًا قرَأ بهما (^٣)، بمعنى: وجَدْتُ وكرِهْتُ. ومنه قولُ عبدِ اللَّهِ بن قيسِ الرُّقَيَّاتِ (^٤):\nما نقَموا مِن بني أُميةَ إلا … أنهم يَحْلُمون إن غضِبوا\nوقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلَت بسببِ قومٍ مِن اليهودِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2693>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: أتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ نفَرٌ مِن اليهودِ، فيهم أبو ياسرِ بنُ\n_________\n(^١) في م: \"حتى تستهزءوا\".\n(^٢) في م: \"إذا\".\n(^٣) في م: بها. ويعنى بقولِه: بهما. أي: بـ \"نقَمت، أنقَم\". ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ١٧١.\n(^٤) ديوانه ص ٤.","vol":"8","page":537},{"text":"أخْطَبَ، ورافعُ بنُ أبي رافعٍ (^١)، وعازَرُ، وزيدٌ، وخالدٌ، وإزارُ بنُ أبي إزارَ، وأَشْيَعُ، فسأَلوه عمَّن يُؤْمِنُ به مِن الرسلِ، قال: \"أُومِنُ باللَّهِ وما أُنْزِل إلينا، وما أُنْزِل إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسْباطِ، وما أُوتِى موسى وعيسى، وما أُوتِى النَّبيون مِن ربِّهم، لا نُفَرِّقُ بينَ أحدٍ منهم، ونحن له مُسْلِمون\". فلما ذكَر عيسى جحَدوا نبوتَه وقالوا: لا نُؤْمِنُ بَمَنْ آمَن به. فأنْزَل اللَّهُ فيهم: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ (^٢).\nعطفًا بها (^٣) على ﴿أَنْ﴾ التي في قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾. لأن معنى الكلامِ: هل تَنْقِمون منا إلا إيمانَنا باللَّهِ وفسقَكم.\n\n<span id=\"aya-729\"></span><span data-type='title' id=toc-2694>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء الذين اتَّخَذوا دينَكم هُزُوُا ولعبًا مِن الذين أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِكم والكفارِ: هل أنبِّئُكم يا معشرَ أهلِ الكتابِ بشرٍّ مِن ثوابِ (^٤) ما تَنْقِمون منا مِن إيمانِنا باللَّهِ، وما أُنْزِل إلينا مِن كتابِ اللَّهِ، وما أُنْزِل مِن قبلِنا مِن كتبِه؟\n[وتقديرُ \"مثوبةٍ\" مفعولةٌ] (^٥)، غيرَ أن عينَ الفعلِ لما سقَطت نُقِلَت حركتُها إلى الفاءِ، وهى الثاءُ مِن \"مَثُوبةٍ\"، فخرَجَت مَخْرَجَ \"مَقُولةٍ\"، و\"مَحُورةٍ\" (^٦)، و\"مَضُوفةٍ\" (^٧)،\n_________\n(^١) في النسخ: \"نافع\"، وقد تقدم على الصواب.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٢/ ٥٩٦.\n(^٣) أي عطفا بـ \"أن\" التي في قوله ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الله\".\n(^٥) زيادة يقتضيها السياق. وينظر مجاز القرآن ١/ ١٧٠.\n(^٦) في م: \"محوزة\". والمحورة من المحاورة، وهى الجواب.\n(^٧) المضوفة: الأمر يشفق منه ويخاف.","vol":"8","page":538},{"text":"كما قال الشاعرُ (^١):\nوكنتُ إذا جارِى دعا لمَضُوفةٍ … أُشَمِّرُ حتى يَنْصُفَ الساقَ مِئْزَرِى\nوبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2695>ذكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أَسْباط، عن السديِّ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾. يقولُ: ثوابًا عندَ اللَّهِ (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: المَثُوبةُ التَّوابُ؛ مَثُوبةُ الخيرِ ومَثُوبةُ الشرِّ. وقرَأ: شرٌّ ثوابًا (^٣).\nوأما ﴿مَنْ﴾ في قولِه: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾. فإنه في موضعِ خفضٍ، ردًّا على قولِه: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾. فكأن تأويلَ الكلامِ إذ كان ذلك كذلك: قل هل أُنَبِّئُكم بشرٍّ مِن ذلك مَثُوبةً عندَ اللَّهِ بمَن لعَنه اللَّهُ.\nولو قيل: هو في موضعِ رفعٍ. لَكان صَوابًا على الاسْتِئْنافِ، بمعنى: ذلك مَن لعَنه اللَّهُ. أو: هو مَن لعَنه اللَّهُ.\nولو قيل: هو في موضعٍ نصبٍ. لم يَكُنْ فاسدًا، بمعنى: قل هل أُنَبِّئُكم مَن\n_________\n(^١) هو أبو جندب الهذلي، والبيت في أشعار الهذليين ٣/ ٩٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٤، (٦٥٦٠) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٥ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩ إلى المصنف. وقوله شرثوابا. هكذا في النسخ والدر المنثور، وليس هناك آية هكذا. وأثبته الشيخ شاكر: ﴿خَيْرٌ ثَوَابًا﴾. من الآية ٤٤ من سورة الكهف.","vol":"8","page":539},{"text":"لعَنه اللَّهُ، فيَجْعَلُ ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾ عاملًا (^١) في ﴿مَنْ﴾ واقعًا عليه.\nوأما معنى قولِه: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ فإنه يعنى: مَن أبْعَدَه اللَّهُ وأَسْحَقه مِن رحمتِه، ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ يقولُ: وغضِب عليه وجعَل منهم المُسوخَ؛ القِرَدةَ والخَنازيرَ، غضَبًا منه عليهم وسُخْطًا، فعجَّل لهم الخِزْيَ والنَّكالَ في الدنيا.\nوأما سببُ مَسْخِ اللَّهِ مَن مسَخ منهم قِرَدةً، فقد ذكَرْنا بعضَه فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، وسنَذْكُرُ بقيتَه إن شاء اللَّهُ في مكانٍ غيرِ هذا (^٢).\nوأما سببُ مَسْخِ اللَّهِ مَن مسَخ منهم خَنازيرَ، فإنه كان فيما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ بنُ الفضلِ، عن ابن إسحاقَ، عن عمرَ (^٣) بن كَثيرِ بن أفْلَحَ مولى أبى أيوبَ الأنْصاريِّ، قال: حُدِّثْتُ أن المسخَ في بنى إسرائيلَ مِن الخنازيرِ كان أن امرأةً مِن بني إسرائيلَ كانت في قريةٍ مِن قُرى بني إسرائيلَ، وكان فيها مَلِكُ بني إسرائيلَ، وكانوا قد اسْتَجْمَعوا على الهَلَكةِ، إلا أن تلك المرأةَ كانت على بقيةٍ مِن الإسلامِ مُتَمَسِّكةً به، فجعَلت تَدْعُو إلى اللَّهِ حتى اجْتَمَع إليها ناسٌ فتابَعوها على أمْرِها، قالت لهم: إنه لابدَّ لكم مِن أن تُجاهِدوا عن دينِ اللَّهِ، وأن تُنادُوا قومَكم بذلك، فاخْرُجوا فإنى خارجةٌ. فخرَجَت وخرَج إليها ذلك المَلِكُ في الناسِ، فقتَل أصحابَها جميعًا، وانْفَلَتَت مِن بينِهم. قال: ودَعَت إِلى اللَّهِ حتى تَجَمَّعَ الناسُ إليها، حتى إذا رضِيَت منهم أمَرَتْهم بالخروجِ، فخرَجوا وخرَجَت معهم، وأُصِيبوا جميعًا وانْفَلَتَت مِن بينِهم. ثم دَعَت إلى اللَّهِ، حتى إذا اجْتَمَع إليها رجالٌ، واسْتَجابوا لها،\n_________\n(^١) في ص: \"علاما\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"على ما\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٥٩ - ٦٥، وما سيأتي في ١٠/ ٥١٢ وما بعدها.\n(^٣) في النسخ: \"عمرو\". وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٤٩١.","vol":"8","page":540},{"text":"أمَرَتُهم بالخروجِ، فخرَجوا وخرَجَت، فأُصِيبوا جميعًا، وانْفَلَتَت مِن بينِهم، فرجَعَت وقد أيِسَت، وهى تقولُ: سبحانَ اللَّهِ لو كان لهذا الدينِ وليٌّ وناصرٌ لقد أظْهَره بعدُ. قال: فباتَت مَحْزونةً، وأصْبَح أهلُ القريةِ يَسْعَوْن فِي نَواحِيهَا خَنازيرَ، وقد مسَخَهم اللَّهُ في ليلتِهم تلك، فقالت (^١) حينَ أصْبَحَت ورأَت ما رأَت: اليومَ أَعْلَمُ أن اللَّهَ قد أعَزَّ دينَه وأمر دينَه. قال: فما كان مَسْخُ الخنازيرِ في بني إسرائيلَ إلا على يدَىْ تلك المرأةِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾. قال: مُسِخَت مِن يهودَ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\nوللمسخِ سببٌ فيما ذُكِر غيرُ الذي ذكَرْنا، سنَذْكُرُه في موضعِه إن شاء اللَّهُ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-2696>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾.</span>\nاخْتَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته قرَأةُ الحجازِ والشامِ والبصرةِ وبعضُ الكوفِيِّين: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ (^٥). بمعنى: وجعَل منهم القِردةَ والخَنازيرَ ومَن عبَد الطاغوتَ. بمعنى \"عابدٍ\"، فجعَل ﴿عَبَدَ﴾ فعلًا ماضيًا مِن صِلَةِ المُضْمَرِ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"قال تقول\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٥ إلى المصنف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣١١، ٣١٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٤، ١١٦٥ (٦٥٦١)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٥ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وعبد بن حميد.\n(^٤) ينظر ما سيأتي في ١٠/ ٥١٢ وما بعدها.\n(^٥) وهي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبي عمرو وابن عامر والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٦.","vol":"8","page":541},{"text":"ونصَب ﴿الطَّاغُوتَ﴾ بوقوعِ ﴿وَعَبَدَ﴾ عليه.\nوقرَأ ذلك جماعةٌ مِن الكوفيِّين: (وعَبْدَ الطاغوتِ) (^١). بفتحِ العينِ مِن \"عَبُدَ\" وضَمِّ بائِها، وخفضِ \"الطاغوتِ\" بإضافةِ \"عَبُد\" إليه، وعنَوْا بذلك: وخَدَمَ الطاغوتِ.\nحدَّثني بذلك المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بن أبي حَمَّادٍ، قال: ثنى حمزةُ، عن الأعمشِ، عن يحيى بن وَثَّابِ أنه قرَأ: (وعَبْدَ الطاغوتِ). يقولُ: خدَمَ. قال عبدُ الرحمنِ: وكان حمزةُ كذلك يَقْرَؤُها (^٢).\nحدَّثني ابن وَكيع وابنُ حُميدٍ، قالا: ثنا جَريرٌ، عن الأَعْمَشِ أنه كان يَقْرَؤُها كذلك (^٣).\nوكان الفَرَّاءُ يقولُ (^٤): إِن يَكُنْ فيه لغةٌ مثلَ حَذِرٍ وحَذُرٍ، وعجِلٍ وعَجُلٍ، فهو وجهٌ، واللَّهُ أعلمُ، وإلا فإنه (^٥) أراد قولَ الشاعرِ (^٦):\nأبَنِي لُبَيْنَى إِن أمَّكمُ … أَمَةٌ وإن أباكمُ عَبُدُ\n[قال: و] (^٧) هذا مِن ضرورةِ الشعرِ، وهذا يَجوزُ في الشعرِ لضرورةِ القَوافي، وأما في القراءةِ فلا.\n_________\n(^١) وهى قراءة حمزة كما سيذكر المصنف. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٦.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٥ إلى المصنف.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ١٣٥ عن المصنف.\n(^٤) معاني القرآن للفراء ١/ ٣١٤، ٣١٥.\n(^٥) في م: \"فإن\".\n(^٦) هو أوس بن حجر، والبيت في ديوانه ص ٢١.\n(^٧) في م: \"فإن\".","vol":"8","page":542},{"text":"وقرَأ ذلك آخرون: (وعُبُدَ الطاغوتِ) ذُكِر ذلك عن الأعمشِ (^١). وكأن مَن قرَأ ذلك كذلك أراد جمعَ الجمعِ مِن العبدِ، كأنه جمَع العبدَ عبيدًا، ثم جمَع العبيدَ عُبُدًا، مثلَ ثِمارٍ وثُمُرٍ.\nوذُكِر عن أبي جعفرٍ القارئَ أنه كان يَقْرَؤُه: (وعُبِدَ الطاغوتُ).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: كان أبو جعفرٍ النَّحْوِيُّ يَقْرَؤُها: (وعُبِدَ الطاغوتُ) كما تقولُ: ضُرِب عبدُ اللَّهِ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وهذه قراءةٌ لا معنَى لها؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه إنما ابْتَدَأَ الخبرَ بذمِّ أقوامٍ، فكان فيما ذمَّهم به عِبادتُهم الطاغوتَ، وأما الخبرُ عن أن الطاغوتَ قد عُبِد، فليس مِن نوع الخبرِ الذي ابْتَدَأ به الآيةَ، ولا مِن جنسِ ما ختَمَها به، فيَكونَ له وجهٌ يُوَجَّهُ إليه في (^٣) الصحةِ.\nوذُكِر أن بُرَيْدَةَ الأَسْلميَّ كان يَقْرَؤُه: (وعابِدَ الطاغوتِ) (^٤).\nحدَّثني بذلك المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شيخٌ بَصْريٌّ، أن بُرَيْدَةَ كان يَقْرَؤُه كذلك (^٥).\nولو قُرِئ ذلك: (وعَبَدَ الطاغوتِ). بالكسرِ، كان له مخرجٌ في العربيةِ صحيحٌ، وإن لم أَسْتَجِزِ اليومَ القراءةَ بها؛ إذ كانت قراءةُ الحُجَّةِ مِن القَرَأَةِ بخلافِها، ووجهُ جَوازِها في العربيةِ أن يَكونَ مُرادًا بها: وعَبَدةُ الطاغوتِ. ثم حُذِفَت الهاءُ مِن\n_________\n(^١) البحر المحيط ٣/ ٥١٩، والقراءة شاذة.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٥ إلى المصنف، وينظر تفسير ابن كثير ٣/ ١٣٥.\n(^٣) في م: \"من\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الشيطان\". والقراءة شاذة لا تجوز القراءة بها.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٥ إلى المصنف، وينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٤٠.","vol":"8","page":543},{"text":"\"العبدةِ\" للإضافة، كما قال الراجزُ (^١):\nقام وُلَاها فَسَقَوْه صَرْخَدَا (^٢)\nيُرِيدُ: قام وُلاتُها. فحذَف التاءَ مِن \"وُلاتِها\" للإضافةِ.\nوأما قراءةُ القَرَأةِ فبأحدِ الوجهين اللذين بدَأْتُ بذكرِهما، وهو ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ بنصبِ \"الطاغوتِ\" وإعمالِ \"عبَد\" فيه، وتوجيهِ \"عبَد\" إلى أنه فعلٌ ماضٍ مِن العبادةِ. والآخَرُ: (وعَبُدَ الطاغوتِ) على مثالِ \"فَعُل\"، وخفضِ \"الطاغوتِ\" بإضافةِ \"عَبُد\" إليه.\nفإذ كانت قراءةُ القرأةِ بأحدِ هذين الوجهين دونَ غيرِهما مِن الأوجهِ التي هي أصَحُّ مخرجًا في العربيةِ منهما، فأَوْلاهما بالصوابِ مِن القراءةِ قراءةُ مَن قرَأ ذلك: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾. بمعنى: وجعَل منهم القردَةَ والخنازيرَ، ومَن عبَد الطاغوتَ؛ لأنه ذُكِر أن ذلك في قراءةِ أبيِّ بن كعبٍ وابنِ مسعودٍ: (وجعَل منهم القِرَدَةَ والخنازيرَ وعبَدُوا الطاغوتَ) (^٣). بمعنى: والذين عبَدوا الطاغوتَ. ففي ذلك دليلٌ واضحٌ على صحةِ المعنى الذي ذكَرْنا مِن أنه مرادٌ به: ومَن عبَد الطاغوتَ. وأن النصبَ بـ \"الطاغوتِ\" أوْلى على ما وصَفْتُ في القراءةِ؛ لإعمالِ \"عبَد\" فيه؛ إذ كان الوجهُ الآخرُ غيرَ مُسْتَفِيضٍ في العربِ ولا معروفٍ في كلامِها.\nعلى أن أهلَ العربيةِ يَسْتَنْكِرون إعمالَ شيءٍ في \"مَن\" و\"الذي\" المُضْمَرَيْن مع \"مِن\" و\"في\" إذا كفَتْ \"مِن\" أو \"في\" منهما، ويَسْتَقْبِحونه، حتى كان\n_________\n(^١) الرجز في معاني القرآن للفراء ١/ ٣١٤، وتاج العروس (صرخد) غير منسوب فيهما.\n(^٢) الصرخد: اسم للخمر. التاج (صرخد).\n(^٣) مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٤٠، وتفسير القرطبي ٦/ ٢٣٥، والقراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.","vol":"8","page":544},{"text":"بعضُهم يُحِيلُ ذلك ولا يُجِيزُه، وكان الذي يُحِيلُ ذلك يَقْرَؤُه: (وعَبْدَ الطاغوتِ). فهو على قولِه خطأٌ ولحنٌ غيرُ جائزٍ.\nوكان آخَرون منهم يَسْتَجِيزُونه على قُبْحٍ، فالواجبُ على قولِهم أن تَكونَ القراءةُ بذلك قَبيحةً، وهم مع استقباحِهم ذلكَ في الكلامِ قد اخْتاروا القراءةَ بها، وإعمالَ \"وجعَل\" وجعَل\" في \"مَن\"، وهي محذوفةٌ مع \"مِن\".\nولو كنا نَسْتَجيرُ مخالفةَ الجماعةِ في شيءٍ مما جاءَت به مُجْمِعَةً عليه، لَاخْتَرْنا القراءةَ بغيرِ هاتين القراءتين، غيرَ أن ما جاء به المسلمون مُسْتَفِيضًا فيهم (^١) لا يَتَناكَرونه، فلا نَسْتَجِيزُ الخروجَ منه إلى غيرِه، فلذلك لم نَسْتَجِزِ القراءةَ بخلافِ إحدى القراءتَيْن اللتين ذكَرْنا أنهم لم يَعْدُوهما.\nوإذ كانت القراءةُ عندَنا ما ذكْرَنا، فتأويلُ الآيةِ: قل هل أُنَبِّئُكم بشرٍّ مِن ذلك مَثُوبةً عندَ اللَّهِ، مَن لعَنه اللَّهُ وغضِب عليه، وجعَل منهم القردةَ والخنازيرَ، ومَن عبَدَ الطاغوتَ.\nوقد بيَّنا معنى \"الطاغوتِ\" فيما مضَى بشواهدِه مِن الرواياتِ وغيرِها، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه ههنا (^٢).\nوأما قولُه: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. فإنه يعنى بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاء الذين ذكَرَهم تعالى ذكرُه، وهم الذين وصَف صفتَهم، فقال: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾. وكلُّ ذلك مِن صفةِ اليهودِ مِن بنى إسرائيلَ. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين هذه صفتُهم شرٌّ مكانًا في عاجلِ الدنيا والآخرةِ عندَ اللَّهِ ممَّن نقَمْتُم عليهم (^٣) يا معشرَ اليهودِ\n_________\n(^١) في م: \"فهم\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٤/ ٥٥٥ وما بعدها.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عليه\".","vol":"8","page":545},{"text":"إيمانَهم باللَّهِ، وبما أُنْزِل إليهم مِن عندِ اللَّهِ مِن الكتابِ، وبما أُنْزِل إلى مِن قبلَهم مِن الأنْبياءِ، ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنتم مع ذلك أيُّها اليهودُ أشدُّ أخْذًا على غيرِ الطريقِ القَويمِ، وأجْورُ عن سبيلِ الرُّشْدِ والقَصْدِ منهم.\nقال أبو جعفرٍ: وهذا مِن لَحْنِ (^١) الكلامِ، وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه إنما قصَد بهذا الخبرِ إلى إخبارِ اليهودِ الذين وصَف صفتَهم في الآياتِ قبلَ هذه بقبيحِ فِعالِهم، وذَميمِ أخْلاقِهم، واسْتيجابِهم سُخْطَه بكثرةِ ذنوبِهم ومَعاصِيهم، حتى مسَخ بعضَهم قردةً وبعضَهم خنازيرَ، خِطابًا منه لهم بذلك، تَعْريضًا بالجميلِ مِن الخطابِ، ولَحَن لهم بما عرَفوا معناه مِن الكلامِ بأحسنِ اللحنِ، وعلَّم نبيَّه ﷺ مِن الأدبِ أحسنَه، فقال له: قُلْ لهم يا محمدُ: أهؤلاء المؤمنون باللَّهِ وبكتبِه الذين تَسْتَهْزِئون منهم شرٌّ أم مَن لعَنه اللَّهُ؟ وهو يعنى المَقُولَ ذلك لهم.\n\n<span id=\"aya-730\"></span><span data-type='title' id=toc-2697>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا جاءَكم أيُّها المؤمنون هؤلاء المنافقون مِن اليهودِ قالوا لكم: ﴿آمَنَّا﴾. أي: صدَّقْنا بما جاء به نبيُّكم محمدٌ ﷺ، واتَّبَعْناه على دينِه. وهم مُقِيمون على كفرِهم وضَلالتِهم، قد دخَلوا عليكم بكفرِهم الذي يَعْتَقِدونه بقلوبِهم، ويُضْمِرونه في صدورِهم، وهم يُبْدُون كذبًا التصديقَ لكم بألسنتِهم، ﴿قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾. يقولُ: وقد خرَجوا بالكفرِ مِن عندِكم، كما دخَلوا به عليكم لم يَرْجِعوا بمجيئِهم إليك عن كفرِهم وضَلالتِهم، يَظُنُّون أن ذلك مِن فعلِهم يَخْفى على اللَّهِ؛ جهلًا منهم باللَّهِ، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾. يقولُ: واللَّهُ أعلمُ بما كانوا - عندَ قولِهم لكم بألسنتِهم: آمَنَّا باللَّهِ وبمحمدٍ، وصدَّقْنا بما جاء به - يَكْتُمون\n_________\n(^١) اللحن: التعريض والإيماء، وقد لحن له لحنا: قال له قولًا يفهمه عنه ويخفى على غيره. التاج (ل ح ن).","vol":"8","page":546},{"text":"منهم، بما (^١) يُضْمِرونه مِن الكفرِ بأنفسِهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2698>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ الآية: أُناسٌ مِن اليهودِ كانوا يَدْخُلون على النبيِّ ﷺ فيُخْبِرونه أنهم مُؤْمنون راضُون بالذي جاء به، وهم مُتَمَسِّكون بضَلالتِهم والكفرِ، وكانوا يَدْخُلون بذلك ويَخْرُجون به مِن عندِ نبيِّ اللَّهِ ﷺ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديَّ: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾. قال: هؤلاء ناسٌ مِن المنافقين كانوا يَهودَ. يقولُ: دخَلوا كُفَّارًا وخرَجوا كُفَّارًا (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾: وإنهم دخَلوا وهم يَتَكَلَّمون بالحقِّ وتُسِرُّ قلوبُهم الكفرَ، فقال: ﴿دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ (^٤).\nحدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾، و﴿وَقَالَتِ\n_________\n(^١) في م: \"مما\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٥ (٦٥٦٤) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٦ إلى المصنف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٥ (٦٥٦٥) عن محمد بن سعد به.","vol":"8","page":547},{"text":"طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢]. فإذا رجَعوا إلى كُفَّارِهم مِن أهلِ الكتابِ وشياطينِهم، رجَعوا بكفرِهم، وهؤلاء أهلُ الكتابِ مِن يهودَ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن كَثيرٍ: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾. أيْ: إنه مِن عندِهم.\n\n<span id=\"aya-731\"></span><span data-type='title' id=toc-2699>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وترى يا محمدُ كثيرًا مِن هؤلاء اليهودِ الذين قصَصْتُ عليك نبَأَهم مِن بني إسرائيل، ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. يقولُ: يَعْجَلون بمُواقَعةِ الإثمِ.\nوقيل: إن الإثمَ في هذا الموضعِ مَعْنيٌّ به الكفرُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. قال: الإثمُ الكفرُ (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾: وكان هذا في حُكّامِ (^٢) اليهودِ بينَ أيديكم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٦ (٦٥٦٨) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) في م، والدر المنثور: \"أحكام\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٦ (٦٥٦٩) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"8","page":548},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. قال: هؤلاء اليهودُ، ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ﴾ إلى قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٢، ٦٣]. قال: ﴿يَصْنَعُونَ﴾ و﴿يَعْمَلُونَ﴾ واحدٌ، قال لهؤلاء حينَ لم يَنْهَوْا كما قال لهؤلاء حينَ عمِلوا. قال: [وذلك الأركانُ] (^١).\nوهذا القولُ الذي ذكَرْناه عن السديِّ، وإن كان قولًا غيرَ مدفوعٍ جوازُ صحتِه، فإن الذي هو أولى بتأويلِ الكلامِ أن يَكونَ القومُ موصوفِين بأنهم يُسارِعون في جميع مَعاصِى اللَّهِ لا يَتَحاشَوْن مِن شيءٍ منها، لا مِن كفرٍ ولا مِن غيرِه؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه عمَّ في وصفِهم بما وصَفَهم به مِن أنهم يُسارِعون في الإثم والعُدْوانِ، مِن غير أن يَخُصَّ بذلك إِثْمًا دونَ إثمٍ.\nوأما العُدْوانُ فإنه مُجاوَزةُ الحدِّ الذي حدَّه اللَّهُ لهم في كلِّ ما حدَّه لهم.\nوتأويلُ ذلك أن هؤلاء اليهودَ الذين وصَفَهم في هذه الآياتِ بما وصَفَهم به تعالى ذكرُه، يُسارِعُ كثيرٌ منهم في مَعاصِى اللَّهِ وخِلافِ أَمْرِه، ويَتَعَدَّوْن حُدودَه التي حدَّ لهم، فيما أحَلَّ لهم وحَرَّم عليهم في أكلِهم السُّحْتَ، وذلك الرِّشْوةُ التي يَأْخُذونها مِن الناسِ على الحكمِ بخلافِ حكمِ اللَّهِ فيهم.\nيقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: أُقْسِمُ لَبِئسَ العمل ما كان هؤلاء اليهودُ يَعْمَلُون في مُسارَعتِهم في الإثمِ والعُدْوانِ وأَكْلِهم السُّحْتَ\n_________\n(^١) سقط مِن: م، وكلمة \"الأركان\" كذا في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س وتفسير ابن كثير، وفي تفسير ابن أبي حاتم: \"الأمر كان\". واستظهر الشيخ شاكر أن يكون صوابها: \"الإدهان\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٦، ١١٦٧ (٦٥٦٧، ٦٥٧٢، ٦٥٧٤) من طريق أصبغ عن ابن زيد، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ١٣٦ عن ابن زيد.","vol":"8","page":549},{"text":"<span id=\"aya-732\"></span><span data-type='title' id=toc-2700>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هلَّا يَنْهَى هؤلاء الذين يُسارِعون في الإثمِ والعُدوانِ، وأكْلِ الرِّشَا في الحكم مِن اليهودِ مِن بني إسرائيلَ - رَبَّانِيُّوهم، وهم أَئمتُهم المؤمنون، وساسَتُهم العلماءُ بسياستِهم، وأخْبارُهم، وهم علماؤُهم وقُوَّادُهم، ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾. يعنى: عن قولِ الكذبِ والزُّورِ، وذلك أنهم كانوا يَحْكُمون فيهم بغيرِ حكمِ اللَّهِ، ويَكْتُبون كتبًا بأيديهم، ثم يقولون: هذا مِن حكمِ اللَّهِ، وهذا مِن كتبِه. يقولُ اللَّهُ: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩].\nوأما قولُه: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾. فإنه يعنى به الرِّشْوةَ التي كانوا يَأْخُذونها على حكمِهم بغيرِ كتابِ اللَّهِ لَمن حكَموا له به.\nوقد بيَّنَّا معنى الربانيِّين والأحبارِ ومعنى السُّحْتِ بشَواهدِ ذلك فيما مضَى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\n﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وهذا قسَمٌ مِن اللَّهِ أقْسَم به، يقولُ تعالى ذكرُه: أُقْسِمُ لَبئس الصَّنيعُ كان يَصْنَعُ هؤلاء الربانيون والأخْبارُ في تركِهم نهْىَ الذين يُسارِعون منهم في الإثمِ والعُدْوانِ وأَكْلِ السُّحْتِ، عما كانوا يَفْعَلُون مِن ذلك.\nوكان العلماءُ يقولون: ما في القرآنِ آيةٌ أشدَّ تَوْبيخًا للعلماءِ مِن هذه الآيةِ، ولا أخْوَفَ عليهم منها.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٦/ ١١١ وما بعدها.","vol":"8","page":550},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ داودَ، قال: ثنا سلَمةُ بنُ نُبَيْطٍ، عن الضَّحَّاكِ بن مُزاحِمٍ في قولِه: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾. قال: ما في القرآنِ آيةٌ أَخْوَفَ عندى منها، أَنَّا لا نَنْهَى (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن (^٢) عطيةَ، قال: ثنا قيسٌ، عن العَلاءِ بن المسيبِ، عن خالدِ بن دينارٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ما في القرآنِ آيةٌ أشدَّ توبيخًا مِن هذه الآيةِ: (لولا ينهاهم الرَّبّانِيُّون والأحبارُ عن قولِهم الإثمَ وأكلِهم السُّحْتَ لَبِئسَ ما كانوا يعملون). قال: كذا قرَأ (^٣).\nوبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2701>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ قال: ثنا أبى، عن سلَمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحاكِ: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. يعنى: الربانيِّين أنهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٥٧ - زيادات المروزي) من طريق سلمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في النسخ: \"أبو\". وتقدم مرارًا.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٦ إلى المصنف وأبى الشيخ، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ١٣٦ عن المصنف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٦ إلى عبد بن حميد، من طريق بن نبيط، عن الضحاك، ولفظه: الربانيون والأحبار. فقاؤهم. قال: ثم يقول الضحاك: وما أخوفنى من هذه الآية.","vol":"8","page":551},{"text":"بئس (^١) ما كانوا يَصْنَعون (^٢).\n\n<span id=\"aya-733\"></span><span data-type='title' id=toc-2702>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن جَراءةِ اليهودِ على ربِّهم، ووصْفِهم إياه بما ليس مِن صفتِه؛ تَوْبيخًا لهم بذلك، وتَعْريفًا منه نبيَّه ﷺ قديمَ جهلِهم واغْترارِهم به، وإنكارِهم جميعَ جَميلِ أياديه عندَهم، وكثرةَ صَفْحِه عنهم وعفوِه عن عظيمِ إجْرامِهم، واحْتجاجًا لنبيِّه محمدٍ ﷺ بأنه له نبيٌّ مَبْعوثٌ ورسولٌ مُرْسَلٌ؛ أن كانت هذه الأنباءُ التي أنْبَأهم بها كانت مِن خَفِيِّ عُلومِهم ومَكْنونِها التي لا يَعْلَمُها إلا أخْبارُهم وعلماؤُهم دونَ غيرِهم مِن اليهودِ فضلًا عن الأمةِ الأُمِّيَّةِ مِن العربِ الذين لم يَقْرَءوا كتابًا، ولا وَعَوْا مِن علومِ أهلِ الكتابِ علمًا، فأطْلَع اللَّهُ على ذلك نبيَّه محمدًا ﷺ، ليُقَرِّرَ عندَهم صدقَه ويَقْطَعَ بذلك حجتَهم.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقالتِ اليهودُ مِن بني إسرائيلَ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. يَعْنون: إن خيرَ اللَّهِ مُمْسَكٌ، وعَطاءَه مَحْبوسٌ عن الاتساعِ عليهم. كما قال تعالى ذكرُه في تأديبِ نبيِّه ﷺ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩].\nوإنما وصَف تعالى ذكرُه اليدَ بذلك، والمعنى العَطاءُ؛ لأن عطاءَ الناسِ وبذْلَ معروفِهم الغالبَ بأيديهم، فجرَى استعمالُ الناسِ في وصفِ بعضِهم بعضًا إذا وصَفوه بجُودٍ وكرمٍ، أو بيُخْلٍ وشُحٍّ وضِيقٍ، بإضافةِ ما كان مِن ذلك مِن صفةِ\n_________\n(^١) في م: \"لبئس\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٧ (٦٥٧) من طريق أبي صالح به.","vol":"8","page":552},{"text":"الموصوفِ إلى يديه، كما قال الأعْشَى في مدحِ رجلٍ (^١):\nيَداك يدا مَجْدٍ فكَفٌّ مُفِيدةٌ … وكفٌّ إذا ما ضُنَّ بالزادِ تُنْفِقُ\nفأضاف ما كان صفةَ صاحبِ اليد مِن إنفاقٍ وإفادةٍ إلى اليدِ. ومثلُ ذلك مِن كلامِ العربِ في أشْعارِها وأمثالِها أكثرُ مِن أن يُحْصَى، فخاطَبَهم اللَّهُ بما يَتَعارَفونه ويَتَحاوَرونه بينَهم في كلامِهم، فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. يعني بذلك أنهم قالوا: إن اللَّهَ يَبْخَلُ علينا ويَمْنَعُنا فضلَه فلا يُفْضِلُ، كالمغلولةِ يدُه الذي لا يَقْدِرُ أن يَبْسُطَها بعَطاءٍ ولا بَذْلِ معروفٍ - تعالى اللَّهُ عما قالوا (^٢)، أعْداءَ اللَّهِ - فقال اللَّهُ مُكَذِّبَهم ومُخْبِرَهم بسُخْطِه عليهم: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾. يقولُ: أُمْسِكَت أيديهم عن الخَيْراتِ، وقُبِضَت عن الانْبِساطِ بالعَطِيَّاتِ، ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ وأُبْعِدوا مِن رحمةِ اللَّهِ وفضلِه، بالذي قالوا مِن الكفرِ، وافْتَرَوْا على اللَّهِ، ووصَفوه به مِن الكذبِ والإفْكِ، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. يقولُ: بل يداه مَبْسوطتان بالبَذْلِ والإعْطاءِ، وأرْزاقِ عبادِه، وأقْواتِ خلقِه، غيرُ مَغْلولتَيْن، ولا مَقْبوضتَيْن، ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. يَقولُ: يُعْطِى هذا، ويَمْنَعُ هذا فيُقَتِّرُ عليه.\nوبمثلِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2703>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾. قال: ليس يَعْنون بذلك أن يدَ اللَّهِ مُوثَقةٌ، ولكنهم يقولون: إنه\n_________\n(^١) ديوان الأعشى ص ٢٢٥.\n(^٢) في م: \"قال\".","vol":"8","page":553},{"text":"بَخيلٌ أَمْسَك ما عندَه. تعالى اللَّهُ عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. قال: لقد تجهَّدنا (^٢) اللَّهُ (^٣) يا بني إسرائيلَ، حتى جعَل اللَّهُ يدَه إلى نحرِه. وكذَبوا (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. قال: اليهودُ تقولُه: لقد تجهَّدنا: اللَّهُ (^٣) يا بني إسرائيلَ ويا أهلَ الكتابِ، حتى إن يدَه إلى نحرِه. ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾: أما قولُه: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. قالوا: اللَّهُ بَخيلٌ غيرُ جَوَادٍ. قال اللَّهُ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. قالوا: إن اللَّهَ وضَع يدَه على صدرِه فلا يَبْسُطُها حتى يَرُدَّ علينا مُلْكَنا. وأما قولُه: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. يقولُ: يَرْزُقُ كيف يَشَاءُ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٧ (٦٥٧٦) من طريق أبي صالح به.\n(^٢) في مصدرى التخريج: \"تجمدنا\". والمعنى: ألحَّ علينا في السؤال.\n(^٣) بعده في ص، ت ١: \"أي يحمدنا الله\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣١٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٧ (٦٥٧٧).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٨ (٦٥٧٩، ٦٥٨٢) من طريق أحمد بن مفضل به.","vol":"8","page":554},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال عكرمةُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ الآية. نزَلَت في فِنْحاصَ اليهوديِّ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، عن عُبيدِ بن سليمانَ، عن الضحاكِ بن مُزاحمٍ قولَه: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. يقولون: إنه بَخيلٌ ليس بجَوَادٍ. قال اللَّهُ: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾: أُمْسِكَت أيديهم عن النفقةِ والخيرِ. ثم قال - يعنى نفسَه -: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. وقال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]. يقولُ: لا تُمْسِكْ يدَك عن النفقةِ (^٢).\nواخْتَلَف أهلُ الجَدَلِ في تأويلِ قولِه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك نِعْمتاه. وقال: ذلك بمعنى: يدُ اللَّهِ على خلقِه، وذلك نِعَمُه عليهم. وقال: إن العربَ تقولُ: لك عندى يدٌ. يَعْنون بذلك: نعمةٌ.\nوقال آخَرون منهم: عُنِى بذلك القوةُ. وقالوا: ذلك نَظيرُ قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي﴾ [ص: ٤٥].\nوقال آخَرون منهم: بل يدُه مُلْكُه. وقالوا: معنى قولِه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾: ملْكُه وخَزائنُه. قالوا: وذلك كقولِ العربِ للمَمْلوكِ: هو مِلْكُ يمينِه، وفلانٌ بيدِه عُقْدةُ نكاحِ فلانةَ. أي: يَمْلِكُ ذلك. وكقولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢].\nوقال آخرون منهم: بل يدُ اللَّهِ صفةٌ مِن صفاتِه، هي يدٌ، غيرَ أنها ليست\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٦ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٨ (٦٥٧٨)، من طريق عبيد بن سليمان به.","vol":"8","page":555},{"text":"بجارحةٍ كجَوارحِ بني آدمَ. قالوا: وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه أخْبَر عن خُصوصِه (^١) آدمَ بما خصَّه به مِن خلقِه إياه بيدِه.\nقالوا: ولو كان [معنى اليدِ في ذلك النعمةَ ما كان] (^٢) لخُصوصِه آدمَ بذلك وجهٌ مفهومٌ؛ إذ كان جميعُ خلقِه مخلوقين بقدرتِه، ومشيئتُه في خلقِه تَعُمُّه، وهو لجميعِهم مالكٌ.\nقالوا: وإذ كان تعالى ذكرُه قد خصَّ آدمَ بذكرِه خلقَه إياه بيدِه دونَ غيرِه مِن عبادِه، كان مَعْلومًا أنه إنما خصَّه بذلك لمعنًى به فارَق غيرَه مِن سائر الخلقِ.\nقالوا: وإذا كان ذلك كذلك، بطَل قولُ مَن قال: معنى اليدِ مِن اللَّهِ القوةُ والنعمةُ، أو الملكُ في هذا الموضعِ.\nقالوا: وأحْرَى أن ذلك لو كان كما قال الزاعمون: إن يدَ اللَّهِ في قولِه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. هي نعمتُه. لقيل: بل يدُه مَبْسوطةٌ. ولم يَقُلْ: بل يداه؛ لأن نعمةَ اللَّهِ لا تُحْصَى كثرةً، وبذلك جاء التنزيلُ، يقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. قالوا: ولو كانت نعمَتَيْن كانتا مُحْصاتَيْن.\nقالوا: فإن ظنَّ ظانٌّ أن النعمتين بمعنى النِّعَمِ الكثيرةِ، فذلك منه خطأٌ، وذلك أن العربَ قد تُخْرِجُ الجميعَ بلفظِ الواحدِ؛ لأداءِ الواحدِ عن جميعِ جنسِه، وذلك كقولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١، ٢]. وكقولِه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ [البلد: ٤]. وقولِه: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٥]. قالوا: فلم يُرَدْ بالإنسانِ والكافرِ في هذه الأماكنِ إنسانٌ بعينِه، ولا كافرٌ مُشارٌ إليه حاضرٌ، بل عُنِى به جميعُ الإنسِ وجميعُ الكفارِ، ولكنَّ\n_________\n(^١) في م: \"خصوصية\" وكذا في المواضع التالية.\n(^٢) زيادة يقتضيها السياق.","vol":"8","page":556},{"text":"الواحدَ أدَّى عن جنسِه، كما تقولُ العربُ: ما أكثرَ الدرهمَ في أيدى الناسِ! وكذلك قولُه: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ﴾. معناه: وكان الذين كفَروا.\nقالوا: فأما إذا ثُنِّى الاسمُ، فلا يُؤَدِّي عن الجنسِ، ولا يُؤَدِّى إلا عن اثنين بأعْيانِهما دونَ الجميعِ ودونَ غيرِهما.\nقالوا: وخطأٌ في كلامِ العربِ أن يقالَ: ما أكثرَ الدرهمين في أيدى الناسِ! بمعنى: ما أكثرَ الدراهمَ في أيديهم! قالوا: وذلك أن الدرهمَ إذا ثُنِّي لا يُؤَدِّي في كلامِها إلا عن اثنين بأعْيانِهما. قالوا: وغيرُ مُحالٍ: ما أكثرَ الدرهمَ في أيدى الناسِ!\nوما أكثرَ الدراهمَ في أيديهم! لأن الواحد يُؤَدِّي عن الجميعِ.\nقالوا: ففى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. مع إعلامِه عبادَه أن نعمَه لا تُحْصَى، ومع ما وصَفْناه من أنه غيرُ معقولٍ في كلامِ العربِ أن اثنين يُؤَدِّيان عن الجميعِ - ما يُنْبِئُ عن خطأِ قول من قال: معنى اليدِ في هذا الموضعِ الموضعِ النعمةُ. وصحةِ قولِ مَن قال: إن يدَ اللهِ هي له صفةٌ.\nقالوا: وبذلك تَظاهَرَت الأخبارُ عن رسولِ الله ﷺ، وقال به العلماءُ وأهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2704>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إن هذا الذي أطْلَعناك عليه مِن خَفِيِّ أمورِ هؤلاء اليهودِ مما لا يَعْلَمُه إلا عُلماؤُهم وأحْبارُهم، احتجاجًا عليهم لصحةِ نبوَّتِك، وقطعًا لعُذْرِ قائلٍ منهم أن يقولَ: ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ، ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾. يعنى بالطُّغْيانِ العُلُوَّ في إنكارِ ما قد علِموا صحتَه من نبوةِ محمدٍ ﷺ والتَّمادِيَ في ذلك، ﴿وَكُفْرًا﴾. يقولُ: ويَزِيدُهم مع غُلُوِّهم في إنْكارِ ذلك جُجودَهم عظمةَ اللهِ، ووَصْفَهم إياه بغيرِ صفتِه،","vol":"8","page":557},{"text":"بأن يَنْسِبوه إلى البخلِ، ويقولوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. وإِنما أَعْلَمَ تعالى ذكرُه نبيَّه ﷺ أنهم أهلُ عُتُوٍّ وتَمَرَّدٍ على ربِّهم، وأنهم لا يُذْعِنون لحقٍّ وإن علِموا صحتَه، ولكنهم يُعانِدونه، يُسَلِّي بذلك نبيَّه محمدًا ﷺ عن المَوْجِدةِ بهم في ذهابِهم عن اللهِ وتكذيبِهم إياه.\nوقد بيَّنْتُ معنى \"الطُّغيانِ\" فيما مضَى بشواهِدِه بما أَغْنَى عن إعادتِه (^١).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2705>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾. حمَلهم حسدُ محمدٍ ﷺ والعربِ على أن كفَروا به، وهم يَجِدونه مَكْتوبًا عندَهم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2706>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: بينَ اليهودِ والنصارى.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: اليهودُ والنصارى (^٣).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٣٢٠ - ٣٢٢.\n(^٢) أخرجه ابن حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٨ (٦٥٨٣) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٩٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ٧٧.","vol":"8","page":558},{"text":"(١) فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾. جُعِلَت (٢) الهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿بَيْنَهُمُ﴾، كِنايةً عن اليهودِ والنصارى، ولم يَجْرِ لليهودِ\n(٣) والنصارى ذكرٌ؟\nقيل: قد جَرَى لهم ذكرُ، وذلك قولُه: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] جرَى الخبرُ في بعضِ الآيِ عن الفريقين، وفي بعضٍ عن أحدِهما، إلى أن انْتَهَى إلى قولِه: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾. ثم قصَد بقولِه: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾ الخبرَ عن الفريقين.\n\n<span data-type='title' id=toc-2707>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: كلما جُمِع أمرُهم على شيءٍ فاسْتقام واسْتَوى، فأرادوا مُناهَضةَ مَن ناوَأَهم، شتَّته اللهُ عليهم وأفْسَده؛ لسُوء فِعالِهم، وخُبْثِ نِيّاتِهم.\nكالذي حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٤ - ٦]. قال: كان الفسادُ الأولُ، فبعَث اللهُ عليهم عدوًّا، فاسْتَباحوا الديارَ، واسْتَنْكحوا النساءَ، واسْتَعْبَدوا الوِلْدانَ، وخرَّبوا المسجدَ، فغَبَرُوا زمانًا، ثم بعَث اللهُ فيهم نبيًّا، وعاد أمرُهم إلى أحسنِ ما كان. ثم كان الفسادُ الثاني بقتلِهم الأنبياءَ، حتى قتَلوا يحيى بنَ زكريا، فبعَث اللهُ عليهم بُخْتَنَصَّرَ، فقتَل مَن قتَل منهم، وسبَى مَن سبَى، وخرَّب المسجدَ، فكان بُخْتُنَصَّرَ الفسادَ الثانيَ. قال: والفسادُ المعصيةُ. ثم قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إلى قولِه: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾. فبعَث اللهُ لهم عُزَيْرًا، وقد","vol":"8","page":559},{"text":"كان عَلِم التوراةَ وحِفظها في صدرِه وكتَبها لهم، فقام بها ذلك القرنَ، ولبِثوا فنَسُوا، ومات عُزَيْرٌ، وكانت أحْداثٌ، ونَسُوا العهدَ، وبَخَّلوا ربَّهم، وقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. وقالوا في عُزَيْرٍ: إن الله اتَّخَذه ولدًا. وكانوا يَعِيبون ذلك على النصارى في قولِهم في المسيحِ، فخالَفوا ما نَهَوْا عنه، وعمِلوا بما كانوا يُكَفِّرون عليه، فسبَق مِن اللهِ كلمةٌ عندَ ذلك أنهم لن يَظْهَروا على عدوٍّ آخرَ الدهرِ، فقال: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. فبعَث اللهُ عليهم المجوسَ الثالثةَ (^١) أرْبابًا، فلم يَزالوا كذلك، والمجوسُ على رِقابِهم وهم يقولون: يا ليتَنا أدْرَكْنا هذا النبيَّ الذي نَجِدُه مكتوبًا عندَنا، عسى اللهُ أَن يَفُكَّنا به مِن المجوسِ والعذابِ والهوانِ. فبعَث محمدًا ﷺ، واسمُه محمدٌ، واسمُه في الإنجيلِ أحمدُ، فلما جاءهم ما عرَفوا كفَروا به. قال: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] وقال: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠].\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾: هم اليهودُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾: أولئك أعداءُ اللهِ اليهودُ، كلما أوْقَدوا نارًا للحربِ أطْفَأَها اللهُ، فلن تَلْقَى اليهودَ ببلدٍ إلا وجَدْتَهم مِن أذلِّ أهلِه، لقد جاء الإسلامُ حينَ جاء وهم تحتَ أيدى المجوسِ، أبْغضِ خلقِه إليه (^٢).\n_________\n(^١) في م: \"الثلاثة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٩ (٦٥٩١) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"8","page":560},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطٌ، عن السديِّ قولَه: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾. قال: كلما أجْمَعوا أمرَهم على شيءٍ فرَّقه اللهُ، وأطْفَأ حدَّهم ونارَهم، وقذَف في قلوبِهم الرعبَ (^١).\nوقال مجاهدٌ بما حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ﴾. قال: حربُ محمدٍ ﷺ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2708>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويَعْمَلُ هؤلاء اليهودُ والنصارى بمعصيةِ اللهِ، فيَكْفُرون بآياتِه، ويُكَذِّبون رسلَه، ويُخالِفون أمرَه ونهيَه، وذلك سعيُهم فيها بالفسادِ، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: واللهُ لا يُحِبُّ مَن كان عامِلًا بمعاصِيه في أرضِه.\n\n<span id=\"aya-734\"></span><span data-type='title' id=toc-2709>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ﴾، وهم اليهودُ والنصارى، ﴿آمَنُوا﴾ باللهِ وبرسولِه محمدٍ ﷺ فصدَّقوه واتَّبَعوه، وما أُنْزِل عليه، ﴿وَاتَّقَوْا﴾ ما نهاهم اللهُ عنه فاجْتَنَبوه، ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٩ (٦٥٨٨) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣١٢ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٩ (٦٥٨٧).","vol":"8","page":561},{"text":"يقولُ: محَوْنا عنهم ذنوبَهم، فغطَّيْنا عليها، ولم نَفْضَحْهم بها، ﴿وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. يقولُ: ولأَدْخَلْناهم بَساتينَ يَنْعَمون فيها في الآخرةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2710>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾. يقولُ: آمَنوا بما أنْزَل اللهُ، واتَّقَوْا ما حرَّم اللهُ، ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-735\"></span><span data-type='title' id=toc-2711>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾: ولو أنهم عمِلوا بما في التوراةِ والإنجيلِ، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: وعمِلوا بما أُنْزِل إليهم من ربِّهم من الفرقانِ الذي جاءَهم به محمدٌ ﷺ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف يُقِيمون التوراةَ والإنجيلَ وما أُنْزِل إلى محمدٍ ﷺ، مع اخْتِلافِ هذه الكتبِ، ونسْخِ بعضِها بعضًا؟\nقيل: إنها (^٢) وإن كانت كذلك في بعضِ أحكامِها وشرائِعِها، فهى متَّفِقةٌ في الأمرِ بالإيمانِ برسلِ اللهِ، والتصديقِ بما جاءَت به مِن عندِ اللهِ. فمعنى إقامتِهم التوراةَ والإنجيلَ وما أُنْزِل إلى محمدٍ ﷺ، تصديقُهم بما فيها،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٩ (٦٥٩٢) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"8","page":562},{"text":"والعملُ بما هي مُتَّفِقةٌ فيه، [وبكلِّ واحدٍ منهما في الحينِ] (^١) الذي فُرِض العملُ به.\nوأما معنى قولِه: ﴿لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. فإنه يعنى: لأَنْزَل اللهُ عليهم من السماءِ قَطْرَها، فأنْبَتَت لهم به الأرضُ حبَّها ونَباتَها، فأَخْرَج ثمارَها.\nوأما قولُه: ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. فإنه يعنى تعالى ذكرُه: لأكَلوا من برَكةِ ما تحت أقدامِهم مِن الأرضِ، وذلك ما تُخْرِجُه الأرضُ مِن حَبِّها ونَباتِها وثِمارِها، وسائرِ ما يُؤكَلُ مما تُخْرِجُه الأرضُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2712>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾. يعنى: لأرْسَل السماءَ عليهم مِدْرارًا، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ تُخْرِجُ الأَرضُ برَكتَها (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. يقولُ: إذن لأعْطَتْهم السماءُ بركتَها والأرضُ نَباتَها (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"وكل واحد منهما في الخبر\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧١ (٦٥٩٩، ٦٦٠٠) من طريق أبي صالح به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"8","page":563},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. يقولُ: لو عمِلوا بما أُنْزِل إليهم مما جاءَهم به محمدٌ ﷺ، لأَنْزَلْنا عليهم المطرَ، فَلأُنْبَتَ الثمرَ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: أما إقامتُهم التوراةَ فالعملُ بها، وأما ما أُنْزِل إليهم مِن ربِّهم فمحمدٌ ﷺ وما أُنْزِل عليه، يقولُ: ﴿لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾: أما ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ فَأَرْسَلْتُ عليهم مطرًا، وأما ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. يقولُ: لأنْبَتُّ لهم مِن الأَرضِ مِن رزقي ما يُغْنِيهم (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ: قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. قال: بَرَكاتُ السماءِ والأرضِ. قال ابن جُريجٍ: ﴿لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾: المطرُ، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾: من نباتِ الأَرضِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. يقولُ: لأَكَلُوا مِن الرزقِ الذي يَنْزِلُ مِن السماءِ، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. يقولُ: مِن الأَرضِ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧٠، ١١٧١ (٦٥٩٨) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧٠ (٦٥٩٦) من طريق أبي حذيفة به مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٧ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٧ إلى المصنف.","vol":"8","page":564},{"text":"وكان بعضُهم يقولُ: إنما أُرِيد بقولِه: ﴿لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. التَّوْسِعةُ، كما يقولُ القائلُ: هو في خيرٍ مِن قَرْنِه (^١) إلى قدمِه (^٢).\nوتأويلُ أهلِ التأويلِ بخلافِ ما ذكَرْنا من هذا القولِ، وكفَى بذلك شاهدًا على فَسادِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2714>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ﴾: منهم جَماعةٌ، ﴿مُقْتَصِدَةٌ﴾.\nيقولُ: مُقْتَصِدةٌ في القولِ في عيسى ابن مريمَ، قائلةٌ فيه الحقَّ: إنه رسولُ اللهِ وكلمتُه ألقاها إلى مريم ورُوحٌ منه، لا غاليةٌ قائلةٌ: إنه ابن اللهِ تعالى اللهُ عما قالوا مِن ذلك، ولا مُقَصِّرةٌ قائلةٌ: هو لغيرِ رَشْدةٍ (^٣). ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ يعني: من بني إسرائيلَ مِن أهلِ الكتابِ؛ اليهودِ والنصارى، ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: كثيرٌ منهم سيئٌ عملُهم، وذلك أنهم يَكْفُرون باللهِ؛ فتَكَذِّبُ النصارى بمحمدٍ ﷺ، وتَزْعُمُ أن المسيحَ ابن اللهِ، وتُكَذِّبُ اليهودُ بعيسى وبمحمدٍ صلى اللهُ عليهما، فقال اللهُ تعالى ذكرُه فيهم ذامًّا لهم: ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾، في ذلك من فعلِهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2713>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾: وهم مُسْلمةُ أهلِ الكتابِ، ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا\n_________\n(^١) في م: \"فرقه\". والقرن: حد الرأس وجانبه.\n(^٢) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٣١٥.\n(^٣) لغير رشدة: لغير نكاح صحيح.","vol":"8","page":565},{"text":"يَعْمَلُونَ﴾ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ كَثِيرٍ، أنه سمِع مُجاهدًا يقولُ: تَفَرَّقَت بنو إسرائيلَ فِرَقًا؛ فقالت فرقةٌ: عيسى هو ابن اللهِ. وقالت فرقةٌ: هو اللهُ. وقالت فرقةٌ: هو عبدُ اللهِ ورُوحُه. وهى المُقْتَصِدةُ، وهى مُسْلِمةُ أهلِ الكتابِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾. يقولُ: على كتابِه وأمْرِه. ثم ذمَّ أكثرَ القومِ، فقال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾. يقولُ: مُؤْمِنَةٌ (^٤).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. قال: المُقْتَصِدةُ أهلُ طاعةِ اللهِ. قال: وهؤلاء أهلُ الكتابِ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧١ (٦٦٠٢) من طريق أبي حذيفة به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧٢ (٦٦٠٥، ٦٦٠٧) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٧٩ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧١ (٦٦٠٣) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٧ إلى أبى الشيخ.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧١، ١١٧٢ (٦٦٠٤) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"8","page":566},{"text":"فهذه الأمةُ المُقْتَصِدةُ الذين لا هم فسقوا (^١) في الدِّينِ، ولا هم غلَوْا. قال: والغُلُوُّ الرغبة، والفسقُ التقصيرُ عنه (^٢).\n\n<span id=\"aya-736\"></span><span data-type='title' id=toc-2715>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾.</span>\nوهذا أمْرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا ﷺ بإبلاغ هؤلاء اليهودِ والنصارى مِن أهلِ الكتابَيْن الذين قصَّ اللهُ تعالى ذكرُه قصصَهم في هذه السورةِ، وذكَر فيها مَعايبَهم، وخُبْثَ أدْيانِهم، واجْتِراءَهم على ربِّهم، وتوَثُّبَهم (^٣) على أنبيائِهم، وتبديلَهم كتابَه، وتَحْريفَهم إياه، ورَداءةَ مطاعمِهم ومآكلِهم - وسائرِ المشركين غيرِهم، ما أَنْزَل عليه فيهم من مَعايبِهم، والإزْراءِ عليهم، والتقصيرِ بهم، والتَّهْجينِ (^٤) لهم، وما أمَرَهم به، ونهاهم عنه، وألا يُشْعِرَ نفسَه حذرًا منهم أن [يُصِيبوه في نفسِه بمكروهٍ] (^٥)، ما قام فيهم بأمرِ اللهِ، ولا جَزَعًا من كثرةِ عددِهم، وقلةِ عددِ مَن معه، وألا يَتَّقِيَ أحدًا في ذاتِ اللهِ، فإن الله تعالى ذكرُه كافيه كلَّ أحدٍ من خلقِه، ودافعٌ عنه مَكْروهَ كلِّ مَن يَبْغِى (^٦) مَكروهَه. وأَعْلَمه تعالى ذكرُه أنه إن قصَّر عن إبلاغِ شيءٍ مما أنْزِل إليه (^٧) إليهم، فهو في تركِه تبليغَ ذلك، وإن قلَّ ما لم يُبَلِّغْ منه، فهو في عظيمِ ما ركِب بذلك مِن الذَّنبِ، بمنزلتِه لو لم يُبَلِّغْ مِن تنزيلِه\n_________\n(^١) في ص، س: \"حقوا\"، ولعل صوابها: جفوا.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٧ إلى المصنف وأبى الشيخ، وينظر ما تقدم في ٧/ ٧٠١.\n(^٣) في س: \"فريتهم\".\n(^٤) في ص، ت ١: \"التهجير\".\n(^٥) في م: \"يصيبه في نفسه مكروه\".\n(^٦) في ص، م، ت ٢، ت ٣، س: \"يتقى\"، وفى ت ١: \"يبقى\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٧) في ت ١، س: \"الله\".","vol":"8","page":567},{"text":"شيئًا.\nوبما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2716>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. يعنى: إن كتَمْتَ آيَةً مما أُنْزِل [عليك مِن ربِّكَ] (^١) لم تُبَلِّغْ رِسالتي (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية: أَخْبَرَ اللهُ نبيَّه ﷺ أنه سَيَكْفِيه الناسَ ويَعْصِمُه منهم، وأمرَه بالبلاغِ. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قيل له: لو احْتَجَبْتَ؟ فقال: \"واللهِ لأُبْدِيَنَّ عَقِبِى للناسِ ما صاحبْتُهم\" (^٣).\nحدَّثني الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ الثَّوريُّ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ، قال: لمَّا نزَلَت: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾. قال: \"إنما أنا واحدٌ كيف أَصْنَعُ؟ تَجتَمِعُ عليَّ الناسُ! \". فنزلَت: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ الآية (^٤).\n_________\n(^١) في ت ١، س: \"الله عليك\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"رسالاتي\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧٣ (٦٦١٢) من طريق أبي صالح به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧٤ (٦٦١٦) من طريق يزيد إلى قوله: بالبلاغ. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) تفسير سفيان ص ١٠٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧٣ (٦٦١٣)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٨ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"8","page":568},{"text":"حدَّثنا هنادٌ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا جَرِيرٌ، عن ثعلبةَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: لمَّا نزَلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لا تَحْرُسونى، إن ربي قد عصَمَنى\" (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن الجُرَيْريِّ، عن عبدِ اللهِ بن شَقِيقٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ كان يَعْتَقِبُه ناسٌ مِن أصحابِه، فلما نزَلَت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. خرَج فقال: \"يا أيُّها الناسُ، الْحَقوا بمَلاحِقِكم، فإن الله قد عصَمنى مِن الناسِ\" (^٢).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن عاصمِ بن محمدٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ، قال: كان النبيُّ ﷺ يتَحارَسُه أصحابُه، فأَنْزَلَ اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ إلى آخرِها (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا مُسْلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا الحارثُ بنُ عُبَيدٍ (^٤) أبو قُدامةَ الإياديُّ، قال: ثنا سعيدٌ الجُرَيْريُّ، عن عبدِ اللهِ بن شَقِيقٍ، عن عائشةَ، قالت: كان النبيُّ ﷺ يُحْرَسُ حتى نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. قالت: فأَخْرَج النبيُّ ﷺ رأسَه مِن القُبَّةِ، فقال: \"أَيُّها الناسُ، انْصَرِفوا، [فقد عصَمَنى اللهُ] (^٥) \".\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٩ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٢) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ١/ ٤١٤ عن المصنف، وأخرجه ابن مردويه - كما في تخريج الكشاف، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٤٤ من طريق الجريرى به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٤) في م: \"عبيدة\"، وينظر تهذيب الكمال ٥/ ٢٥٨.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فإن الله قد عصمني\".\nوالحديث أخرجه عبد بن حميد وعنه الترمذى (٣٠٤٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧٣ =","vol":"8","page":569},{"text":"حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن القُرَظَيِّ، أن رسولَ اللهِ ﷺ ما زال يُحْرَسُ حتى أنْزَلَ اللهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي من أجْلِه نزَلَت هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزلت بسببِ أعْرابيٍّ كان همَّ بقتلِ رسولِ اللهِ ﷺ، فكفاه اللهُ إياه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2717>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرطيِّ وغيرِه، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا نزل مَنْزِلًا اخْتار له أصحابُه شجرةً ظليلةً فيَقِيلُ تحتَها، فأتاه أعرابيٌّ فاخْتَرط سيفَه (^١)، ثم قال: مَن يَمْنَعُك منى؟ قال: \"اللهُ\". فرُعِدَت يدُ الأعْرابيِّ، وسقَط السيفُ منه. قال: وضرَب برأسِه الشجرةَ حتى انْتَثر دِماغُه، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (^٢).\nوقال آخَرون: بل نزَلَت لأنه كان يَخافُ قُرِيشًا، فأُومِن مِن ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-2718>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ يَهابُ قُريشًا، فلما نزَلَت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. اسْتَلْقَى ثم قال: \"مَن شاء فلْيَخْذُلْنى\". مرتين أو (^٣) ثلاثًا (٢).\n_________\n= (٦٦١٥)، والحاكم ٢/ ٣١٣، والبيهقى ٩/ ٨ من طريق مسلم بن إبراهيم به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٦٨ - تفسير) عن الحارث بن عبيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٨ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وأبي نعيم في الدلائل وابن مردويه.\n(^١) اخترط سيفه: سله. الصحاح (خ ر ط).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٩ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".","vol":"8","page":570},{"text":"حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن ابن (^١) أبي خالدٍ، عن عامرٍ، عن مَسْروقٍ، قال: قالت عائشةُ: مَن حدَّثك أن رسولَ اللهِ ﷺ كتَم شيئًا من الوحيِ فقد كذَب. ثم قرأَت: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن المغيرةِ، عن الشعبيِّ، قال: قالت عائشةُ: من قال: إن محمدًا ﷺ كتَم فقد كذَب، وأَعْظَم الفِرْيَةَ على اللهِ، قال اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: أخْبَرنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، قال: قالت عائشةُ: مَن زعَم أن محمدًا كتَم شيئًا من كتابِ اللهِ فقد أعْظَم على اللهِ الفِرْيةَ، واللهُ يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثني خالدٌ، عن سعيدِ بن أبي هلالٍ، عن محمدِ بن الجهمِ، عن مَسْروقِ بن الأَجْدَعِ، قال: دخَلْتُ على عائشةَ يومًا، فسمِعْتُها تَقولُ: لقد أعظم الفِرْيَةَ مَن قال: إن محمدًا كتَم شيئًا من الوحيِ. واللهُ يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾.\nويعنى بقولِه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾: يمنعك مِن أَن يَنالُوك بسُوءٍ. وأصلُه مِن عِصامِ القِرْبةِ، وهو ما تُوكَى به مِن سَيْرٍ وخيطٍ، ومنه قولُ الشاعرِ (^٤):\n_________\n(^١) سقط من النسخ، والمثبت من صحيح البخارى، وينظر تهذيب الكمال ٣/ ٦٩.\n(^٢) أخرجه البخارى (٤٨٥٥، ٧٥٣١) من طريق وكيع وشعبة عن ابن أبي خالد به مطولا عن داود بن أبي هند عن الشعبي.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٨٧/ ١٧٧) من طريق ابن علية به، وأخرجه البخارى (٤٨٥٥)، والترمذى (٣٠٦٨)، والنسائى في الكبرى (١١٥٣٢) من طريق داود به، كلهم بأطول من هذا.\n(^٤) مجاز القرآن للفراء ١/ ١٧١.","vol":"8","page":571},{"text":"وقلتُ عليكم مالِكًا إن مالِكًا … سيَعْصِمُكم إن كان في الناسِ عاصِمُ\nيعني: يَمْنَعُكم.\nوأما قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. فإنه يعنى: إِن الله لا يُوَفِّقُ للرُّشْدِ مَن حادَ عن سبيلِ الحقِّ، وجار عن قصدِ السبيلِ، وجحَد ما جئْتَه به من عندِ اللهِ، ولم يَنْتَهِ إلى أمْرِ اللهِ وطاعتِه فيما فرَض عليه وأَوْجَبه.\n\n<span id=\"aya-737\"></span><span data-type='title' id=toc-2719>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.</span>\nوهذا أمْرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا ﷺ بإبلاغ اليهودِ والنصارى الذين كانوا بينَ ظهْرانَيْ مُهاجَرِه (^١)، يقولُ تعالى ذكرُه له: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء اليهودِ والنصارى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾؛ التوراةِ والإنجيلِ (^٢)، ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ مما تَدَّعُون أنكم عليه، مما جاءكم به موسى ﷺ معشرَ اليهودِ، ولا مما جاءكم به عيسى مَعْشَرَ النصارى، ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ مما جاء كم به محمدٌ ﷺ منِ الفُرْقانِ، فتَعْمَلُوا بذلك كلِّه، وتُؤْمِنوا بما فيه مِن الإيمانِ بمحمدٍ ﷺ وتَصْديقِه، وتُقِرُّوا بأن كلَّ ذلك مِن عندِ اللهِ، فلا تُكَذِّبوا بشيءٍ منه، ولا تُفَرِّقوا بينَ رسلِ اللهِ، فتُؤْمِنوا ببعضٍ، وتَكْفُروا ببعضٍ فإن الكفرَ بواحدٍ مِن ذلك كفرٌ بجميعِه؛ لأن كتبَ اللهِ يُصَدِّقُ بعضُها بعضًا، فمن كذَّب ببعضِها فقد كذَّب بجميعِها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاء الأثرُ.\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ وأبو كُرَيْبٍ، قالا: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أمره\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقول\".","vol":"8","page":572},{"text":"ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: جاء رسولَ اللهِ ﷺ رافعُ بنُ حارثةَ، وسَلَامُ بنُ مِشْكمٍ (^١)، ومالكُ بن الصَّيْفِ، ورافعُ بنُ حُريملةَ (^٢)، فقالوا: يا محمدُ، أَلَسْتَ تَزْعُمُ أنك على مِلَّةِ إبراهيمَ ودينِه، وتُؤْمِنُ بما عندَنا مِن التوراةِ، وتَشْهَدُ أنها مِن اللهِ حقٌّ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"بلى، ولكنكم أحْدَثُتُم وجحَدُتُم ما فيها، مما أُخِذ عليكم من الميثاقِ، وكتَمْتُم منها ما أُمِرْتُم أن تُبَيِّنوه للناسِ، وأنا برئٌ مِن أحْداثِكم\". قالوا: فإنا تَأْخُذُ بما (^٣) في أيدينا، فإنا على الحقِّ والهُدَى، ولا نُؤْمِنُ بك ولا نَتَّبِعُك. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (^٤).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: فقد صِرْنا مِن أهلِ الكتابِ؛ التَّوْراةُ لليهودِ، والإنجيلُ للنصارى. ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: وما أُنْزِل إلينا مِن رَبِّنا، أَي: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا﴾: حتى تَعْمَلُوا بما فيه (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مسكين\". وسلام بتخفيف اللام، وتشدد أيضًا. ينظر التاج (س ل م).\n(^٢) في م: \"حرملة\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مما\".\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٦٧، ٥٦٨. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧٤ (٦٦١٨) من طريق بن إسحاق عن محمد بن أبى محمد قوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٩ عن ابن عباس إلى محمد ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧٤، ١١٧٥ (٦٦١٩، ٦٦٢٠، ٦٦٢٢) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"8","page":573},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2721>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾: وأُقْسِمُ ليَزِيدَنَّ كثيرًا من هؤلاء اليهودِ والنصارى، الذين قصَّ قصَصَهم في هذه الآياتِ الكتابُ الذي أنْزَلْتُه إليك يا محمدُ، ﴿طُغْيَانًا﴾. يقولُ: تَجاوُزًا وغُلُوًّا في التكذيبِ لك على ما كانوا عليه لك مِن ذلك قبلَ نزولِ الفرقانِ، ﴿وَكُفْرًا﴾. يقولُ: وجحودًا لنبوتِك.\nوقد أتَيْنا على البيان عن معنى \"الطُّغيانِ\" فيما مضَى قبلُ (^١).\nوأما قولُه: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. يعني بقولِه (^٢): ﴿فَلَا تَأْسَ﴾: فلا تَحْزَنُ. يقالُ: أَسِى فلانٌ على كذا. إذا حزِن، يَأْسَى أَسًى، ومنه قولُ الراجزِ (^٣):\nوانْحَلَبَت (^٤) عَيْناه مِن فَرْطِ الأَسَى\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: لا تَحْزَنْ يا محمدُ على تكذيبِ هؤلاء الكفارِ مِن اليهودِ والنصارى مِن بني إسرائيلَ لك، فإن مثلَ ذلك منهم عادةٌ وخلُقٌ في أنبيائِهم، فكيف فيك؟\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2720>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٣٢٠، ٣٢١.\n(^٢) في م: \"يقول\".\n(^٣) ديوان العجاج ص ١٢٣، واللسان (ح ل ب).\n(^٤) في م: \"أبخلت\". وانحلبت عيناه: سال دمعهما. ينظر اللسان (ح ل ب).","vol":"8","page":574},{"text":"عليّ بن أبي طلحةَ عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾. قال: الفُرْقانُ، يقولُ: فلا تَحْزَنْ.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. قال: لا تَحْزَنْ (^١).\n\n<span id=\"aya-738\"></span><span data-type='title' id=toc-2722>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين (^٢) صدَّقوا الله ورسولَه، وهم أهلُ الإسلامِ، ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ وهم اليهودُ، ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ وقد بيَّنا أمرَهم (^٣)، ﴿وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ﴾ منهم، ﴿بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فصدَّق بالبعث بعدَ المماتِ، ﴿وَعَمِلَ﴾ من العملِ، ﴿صَالِحًا﴾ لَمعادِه، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما قَدِموا، عليه مِن أهْوالِ القيامةِ، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلَّفوا وراءَهم مِن الدنيا وعيشِها بعدَ مُعاينتِهم ما أكْرَمهم اللهُ به مِن جَزيلِ ثوابِه.\nوقد بيَّنا وجهَ الإعْرابِ فيه فيما مضَى قبلُ بما أَغْنَى عن إعادتِه (^٤).\n\n<span id=\"aya-739\"></span><span data-type='title' id=toc-2723>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧٥ عقب الأثر (٦٦٢٣) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.\n(^٢) بعده في س: \"آمنوا\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٢/ ٣٤ وما بعدها.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٣/ ٨٩، ٩٠.","vol":"8","page":575},{"text":"يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: أُقْسِمُ لقد أخَذنا ميثاقَ بني إسرائيلَ على الإخلاصِ و(^١) تَوْحيدِنا، والعملِ بما أمَرْناهم به، والانْتهاءِ عما نَهيْناهم عنه، وأرسَلنا إليهم بذلك رسلًا، ووعَدْناهم على ألسنِ رسلِنا إليهم على العمل بطاعتِنا الجزيلَ مِن الثوابِ، وأَوْعَدْناهم على العملِ بمعصيتنِا الشديدَ مِن العقابِ، كلما جاءَهم رسولٌ لنا بما لا تَشْتَهِيه نفوسُهم، ولا يُوافِقُ محبَّتَهم، كذَّبوا فريقًا، ويَقْتُلون منهم فريقًا، نقضًا لميثاقِنا الذي أخَذْناه عليهم، وجُرْأةً علينا وعلى خلافِ أمْرِنا.\n\n<span id=\"aya-740\"></span><span data-type='title' id=toc-2724>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى: وظنَّ هؤلاء الإسْرائيليون الذين وصَف تعالى ذكرُه صفتَهم أنه أخَذ ميثاقَهم، وأنه أرْسَل إليهم رسلًا، وأنهم كانوا كلما جاءَهم رسولٌ بما لا تَهْوَى أنفسُهم كذَّبوا فريقًا، وقتَلوا فريقًا، - ألَّا (^٢) يَكونَ لهم مِن اللهِ ابْتلاءٌ واخْتِبارٌ بالشَّدائِدِ مِن العُقوباتِ بما كانوا يَفْعَلونَ، ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾. يقولُ: فعَمُوا عن الحقِّ والوَفاءِ بالميثاقِ الذي أخَذْتُه عليهم من إخلاصِ عبادتي، والانْتِهاءِ إلى أمرى ونَهْيى، والعملِ بطاعتى، بحِسْبانِهم ذلك وظنِّهم، وصَمُّوا عنه، ثم تُبْتُ عليهم، يقولُ: ثم هدَيْتُهم بلُطْفٍ منى لهم - حتى أنابوا ورجَعوا عما كانوا عليه من معاصِيَّ وخلافِ أمْرى، والعملِ بما أكْرَهُه منهم - إلى العملِ بما أُحِبُّه، والانْتهاءِ إلى طاعتى وأمرى، ونهيى، ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١.\n(^٢) بعده في م: \"لا\".","vol":"8","page":576},{"text":"مِنْهُمْ﴾. يقولُ: ثم عَمُوا أيضًا عن الحقِّ والوفاءِ بميثاقى الذي أخَذتُه عليهم مِن العملِ بطاعتى، والانتهاءِ إلى أمرى، واجتنابِ معاصيَّ، ﴿وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾. يَقُولُ: عَمِى كثيرٌ من هؤلاء الذين كُنْتُ أخَذتُ ميثاقَهم مِن بنى إسرائيلَ باتباعِ رسلى، والعملِ بما أنزَلتُ إليهم مِن كتبى، عن الحقِّ، وصَمُّوا بعدَ توبتى عليهم، واستنقاذي إياهم مِن الهلكةِ، ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. يَقُولُ: بصيرٌ فيرى أعمالَهم خيرَها وشرَّها، فيُجازِيهم يومَ القيامةِ بجميعِها، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2725>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ الآية. يقولُ: حسِب القومُ ألا يَكُونَ بلاءٌ، ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾، كلما عرَض (^١) بلاءٌ ابْتُلوا به هلَكوا فيه (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾. يَقُولُ: حسِبوا ألا يُبْتَلوا، فعَمُوا عن الحقِّ وصمُّوا (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن مباركٍ، عن الحسنِ:\n_________\n(^١) بعده في تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور: \"لهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧٨ (٦٦٤١) من طريق يزيد به مقتصرا على آخره، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٩ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧٨ (٦٦٣٩) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٩ إلى أبي الشيخ.","vol":"8","page":577},{"text":"﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: بلاءٌ (^١).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثني معاويةٌ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: الشركُ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾. قال: اليهودُ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾. قال: يَهودُ. قال ابن جُريجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ، قال: هذه الآيةُ لبنى إسرائيلَ. قال: والفتنةُ البلاءُ والتمحيصُ.\n\n<span id=\"aya-741\"></span><span data-type='title' id=toc-2726>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن بعضِ ما فتَن به الإسرائيليين الذين أخبرَ عنهم أنهم حسِبوا ألا تكونَ فتنةٌ، يقولُ تعالى ذكرُه: فكان مما ابْتَليتُهم واخْتَبَرتُهم به - فنقَضوا فيه ميثاقي، وغيَّروا عهدِى الذي كُنْتُ أَخَذته عليهم بألا يَعْبُدوا سِواى، ولا يَتَّخِذوا ربًّا غيرى، وأن يُوَحِّدوني، ويَنْتَهُوا إلى طاعتي - عبدى عيسى ابن مريمَ، فإنى خَلَقْتُه، وأَجْرَيتُ على يَدِه نحوَ الذي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧٧ (٦٦٣٨) من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧٧ (٦٦٣٧) من طريق أبي صالح به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧٨ (٦٦٤٠) من طريق ابن أبي نجيح به.","vol":"8","page":578},{"text":"أَجْرَيْتُ على يَدِ كثيرٍ مِن رسلى، فقالوا كفرًا منهم: هو اللهُ. وهذا قولُ اليعقوبيةِ من النصارى، عليهم غَضَبُ اللهِ. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: فلما اختَبَرتُهم وابْتَلَيْتُهم بما ابْتَلَيتُهم به أشرَكوا بى، وقالوا لخلقٍ مِن خَلْقى، وعبدٍ مثلِهم من عبيدى، وبَشَرٍ نحوِهم، معروفٍ نسبُه وأصلُه، مولودٍ من البشرِ، يَدْعُوهم إلى توحيدى، ويَأْمُرهم بعبادتى وطاعتى، ويُقِرُّ لهم بأنى ربُّه وربُّهم، ويَنْهاهم عن أن يُشْرِكوا بى شيئًا - هو إلهُهم. جهلًا منهم باللهِ وكفرًا به، ولا يَنْبَغِى للهِ أن يكون والدًا ولا مولودًا.\nويَعْنى بقولِه: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾. يقولُ: اجعَلوا العبادةَ والتَّذَلُّلَ للذى له يَذِلُّ كلُّ شيءٍ، وله يَخْضَعُ كلُّ موجودٍ، ﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾. يقولُ: مالكي ومالكَكم، وسيدى وسيدَكم، الذي خلَقني وإياكم. ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ أَن يَسْكُنَها في الآخرةِ، ﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾. يقولُ: ومَرْجِعُه ومكانُه الذي يَأْوِى إليه، ويَصيرُ في مَعادِه، مَن جعَل للهِ شريكًا في عبادتِه، نارُ جهنمَ، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾. يَقُولُ: وليس لمن فعَل غيرَ ما أباح اللهُ له، وعبد غيرَ الذي له عبادةُ الخلقِ، ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يَنْصُرونه يومَ القيامةِ مِن اللهِ، فيُنْقِذونه منه إذا أورَده جهنمَ.\n\n<span id=\"aya-742\"></span><span data-type='title' id=toc-2727>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾.</span>\nوهذا أيضًا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن فريقٍ آخرَ من الإسرائيليين الذين وصَف صفتَهم في الآياتِ قبلُ، أنه لما ابتلاهم بعدَ حِسْبانِهم أنهم لا يُبْتَلَوْن ولا يُفْتَنون، قالوا كفرًا بربِّهم وشركًا: اللهُ ثالثُ ثلاثةٍ. وهذا قولٌ كان عليه جماهيرُ النصارى قبلَ","vol":"8","page":579},{"text":"افتراقِ اليَعْقُوبيةِ والملكيةِ (^١) والنَّسْطُوريةِ، كانوا فيما بلغنا يَقُولُون: الإلهُ القديمُ جوهرٌ واحدٌ، يَعُمُّ ثلاثةَ أقانيمَ، أبًا والدًا غيرَ مولودٍ، وابنًا مولودًا غيرَ والدٍ، وزوجًا متَتَبَّعةً بينهما. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه مكذِّبًا لهم فيما قالوا مِن ذلك: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. يقولُ: ما لكم معبودٌ، أيها الناسُ، إلا معبودٌ واحدٌ، وهو الذي ليس بوالدٍ لشيءٍ، ولا مولودٍ، بل هو خالقُ كلِّ والدٍ ومولودٍ، ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾. يقولُ: إن لم يَنْتَهوا قائلو هذه المقالةِ عما يَقُولُون من قولِهم: اللهُ ثالثُ ثلاثةٍ. ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: ليمسَّنَّ الذين يَقُولُون هذه المقالةَ، والذين يَقُولون المقالة الأخرى (^٢): هو المسيحُ ابن مريمَ. لأن الفريقين كلاهما كفرةٌ مشركون، فلذلك رجَع في الوعيدِ بالعذابِ إلى العمومِ، ولم يَقُلْ: ليمسَّنَّهم عذابٌ أليمٌ. لأن ذلك لو قيل كذلك صار الوعيدُ مِن اللهِ تعالى ذكرُه خاصًّا لقائلِ القولِ الثاني، وهم القائلون: اللهُ ثالثُ ثلاثةٍ. ولم يَدْخُلْ فيهم القائلون: المسيحُ هو اللهُ. فعمَّ بالوعيدِ تعالى ذكرُه كلَّ كافرٍ، ليَعْلَمَ المخاطَبون بهذه الآياتِ أن وعيدَ اللهِ قد شمِل كِلا الفريقين من بني إسرائيلَ، ومَن كان مِن الكفارِ على مثلِ الذي هم عليه.\nفإن قال قائلٌ: وإن كان الأمرُ على ما وصَفتَ، فعلى مَن عادت الهاءُ والميمُ اللتان في قولِه: ﴿مِنْهُمْ﴾؟ قيل: على بني إسرائيلَ.\nفتأويلُ الكلامِ إذ كان الأمرُ على ما وَصفنا: وإن لم يَنْتَهِ هؤلاء الإسرائيليون عما يَقُولُون في اللهِ مِن عظيمِ القولِ، ليَمَسَّنَّ الذين يَقُولون منهم: إن المسيحَ هو اللهُ. والذين يَقُولون: إن الله ثالثُ ثلاثةٍ. وكلُّ كافرٍ سلَك سبيلَهم - عذابٌ أليمٌ\n_________\n(^١) في م: \"الملكانية\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"و\".","vol":"8","page":580},{"text":"بكفرِهم باللهِ.\nوقد قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ بنحوِ قولِنا، في أنه عُنِيَ بهذه الآياتِ النصارى.\n\n<span data-type='title' id=toc-2728>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. قال: قالت النصارى: هو المسيحُ وأمُّه. فذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (^١) [المائدة: ١١٦].\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ نحوَه (^٢).\n\n<span id=\"aya-743\"></span><span data-type='title' id=toc-2729>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أفلا يَرْجِعُ هذان الفريقان الكافران، القائلُ أحدُهما: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾. والآخرُ القائلُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. عما قالا من ذلك، و[يُنيبان مما قالا ونطَقا] (^٣) به من كفرِهما، ويَسْأَلان ربَّهما المغفرةَ مما قالا، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الذنوبِ التائبين من خلقِه، المُنِيبِين إلى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧٩ (٦٦٤٦) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٣١٣ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧٨ (٦٦٤٤). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٠ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"يتوبان بما قالا وقطعا\".","vol":"8","page":581},{"text":"طاعتِه بعد معصيتِهم، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم في قبولِه توبتَهم، ومُراجعتَهم إلى ما يُحِبُّ مما يَكْرَهُ، فيَصْفَحُ بذلك مِن فعلِهم عما سلَف مِن إجْرامِهم قبلَ ذلك.\n\n<span id=\"aya-744\"></span><span data-type='title' id=toc-2730>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾.</span>\nوهذا مِن اللهِ تعالى ذكرُه احْتجاجٌ (^١) لنبيِّه محمدٍ ﷺ على فِرَقِ النصارى في قولِهم في المسيحِ، يقولُ مُكَذِّبًا لليَعْقوبيةِ في قِيلِهم: هو اللهُ. والآخرين في قيلِهم: هو ابن اللهِ: ليس القولُ كما قال هؤلاء الكفَرةُ في المسيحِ، ولكنه ابن مريمَ، ولَدَته وِلادةَ الأمهاتِ أبناءَهن، وذلك مِن صفةِ البشرِ، لا مِن صفةِ خالقِ البشرِ، وإنما هو للهِ رسولٌ كسائرِ رسلِه الذين كانوا قبلَه، فمضَوْا وخَلَوْا، أَجْرَى على يدِه ما شاء أن يُجْرِيَه عليها من الآياتِ والعِبَرِ؛ حجةً له على صدقِه، وعلى أنه للهِ رسولٌ إلى مَن أرْسَله إليه مِن خلقِه، كما أجْرَى على أيدى مَن قبلَه مِن الرسلِ من الآياتِ والعبرِ، حجةً لهم على حقيقةِ صدقِهم في أنهم للهِ رسلٌ.\n﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأمُّ المسيحِ صِدِّيقةٌ. والصِّدِّيقةُ الفِعِّيلةُ مِن الصدقِ، وكذلك قولُهم: فلانٌ صِدِّيقٌ. فِعِّيلٌ مِن الصدقِ، ومنه قولُه تعالى ذكرُه: ﴿وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء: ٦٩]. وقد قيل: إن أبا بكرٍ الصديقَ ﵁ إنما قيل له: الصِّدِّيقُ لصدقِه. وقد قيل: إنما سُمِّى صِدِّيقًا لتصديقِه النبيَّ ﷺ في مسيرِه في ليلةٍ واحدةٍ إلى بيت المقدسِ مِن مكةَ وعودِه إليها.\nوقولُه: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾. خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن المسيحِ وأمِّه، أنهما كانا أهلَ حاجةٍ إلى ما يَغْذُوهما وتَقُومُ بِهِ أَبْدانُهما، مِن المَطاعمِ\n_________\n(^١) في النسخ: \"احتجاجا\". وسيأتي في كلام المصنف في الآية بعدها كما أثبتناه.","vol":"8","page":582},{"text":"والمَشاربِ، كسائرِ البشرِ من بنى آدمَ، فإن مَن كان كذلك فغيرُ كائنٍ إلهًا؛ لأن المحتاجَ إلى الغذاءِ قِوَامُه بغيرِه، وفى قِوامِه بغيرِه وحاجتِه إلى ما يُقِيمُه دليلٌ واضحٌ على عجزِه، والعاجزُ لا يكونُ إلا مربوبًا لا ربًّا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2731>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ ﴿كَيْفَ نُبَيِّنُ﴾ لهؤلاء الكَفَرة من اليهودِ والنصارى ﴿الْآيَاتِ﴾ وهى الأدلةُ والأعلامُ والحُجَجُ على بُطُولِ ما يَقُولون في أنبياءِ اللهِ، وفى فِرْيتِهم على اللهِ، وادِّعائِهم له ولدًا، وشَهادَتِهم لبعضِ خلقِه بأنه لهم ربٌّ وإلهٌ، ثم لا يَرْتَدعون عن كذبِهم وباطلِ قِيلِهم، ولا يَنْزَجِرون عن فِرْيتِهم على ربِّهم وعظيمِ جهلِهم، مع ورُودِ الحُجج القاطعةِ عذرَهم عليهم، يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿ثُمَّ انْظُرْ﴾ يا محمدُ، ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ: ثم انْظُرْ مع تَبْيينِنا لهم آياتنِا على بُطولِ قولِهم، أيَّ وجهٍ يُصْرَفون عن بيانِنا الذي نُبَيِّنُه (^١) لهم؟ وكيف عن الهُدَى الذي نَهْدِيهِم إِليه مِن الحَقِّ يَضِلُّون؟\nوالعربُ تقولُ لكلِّ مَصْروفٍ عن شيءٍ: هو مَأْفُوكٌ عنه. يقالُ: قد أفكْتُ فلانًا عن كذا، أي: صرفْتُه عنه، فأنا آفِكُه أَفْكًا، وهو مَأْفُوكٌ، وقد أُفِكَت الأرضُ، إذا صُرِف عنها المطرُ.\n\n<span id=\"aya-745\"></span><span data-type='title' id=toc-2732>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"بينته\".","vol":"8","page":583},{"text":"وهذا أيضًا احْتجاجٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ على النصارى القائلين في المسيحِ ما وصَف مِن قِيلِهم فيه قبلُ، يقولُ تعالى ذكرُه لمحمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء الكفَرةِ من النصارى الزاعمين أن المسيحَ ربُّهم، القائلين (^١): إن الله ثالثُ ثلاثةٍ: ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ سوى اللهِ الذي يَمْلِكُ ضَرَّكم ونفعَكم، وهو الذي خلَقَكم ورزَقَكم، وهو يُحْيِيكم ويُمِيتُكم - شيئًا ﴿لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾. يُخْبِرُهم تعالى ذِكْرُه أن المسيحَ الذي زعَم مَن زعم مِن النصارى أنه إلهٌ، والذي زعم مَن زعَم منهم أنه للهِ ابنٌ، لا يَمْلِكُ لهم ضرًّا يَدْفَعُه عنهم إن أحَلَّه اللهُ بهم، ولا نفعًا يَجْلبُه إليهم إن لم يَقْضِه اللهُ لهم. يقولُ تعالى ذكرُه: فكيف يكونَ ربًّا وإلهًا مَن كانت هذه صِفَتُه، بل الربُّ المعبودُ الذي بيده كلُّ شيءٍ والقادرُ على كلِّ شيءٍ، فإياه فاعبُدوا وأخْلِصوا له العبادةَ، دونَ غيرِه مِن العَجَزةِ الذين لا يَنْفَعونكم ولا يَضُرون (^٢).\nوأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فإنه يعنى تعالى ذِكْرُه بذلك: واللهُ هو السميعُ لاسْتغفارِهم لو اسْتغْفروه مِن قيلِهم ما أخبَر عنهم أنهم يقولونه في المسيحِ، ولغيرِ ذلك مِن منطقِهم ومنطقِ خلقِه، العليمُ بتوبتِهم لو تابوا منه، وبغيرِ ذلك من أُمورِهم.\n\n<span id=\"aya-746\"></span><span data-type='title' id=toc-2733>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾.</span>\nوهذا خطابٌ مِن اللهِ تعالى ذِكْرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ، يقولُ تعالى ذكرُه:\n_________\n(^١) في م: \"والقائلين\".\n(^٢) في ت ٢: \"يضرونكم\".","vol":"8","page":584},{"text":"﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء الغاليةِ من النصارى في المسيحِ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾. يعنى بالكتابِ: الإنجيلَ، ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾. يقولُ: لا تُفْرِطوا في القولِ فيما تَدينون به من أمرِ المسيحِ، فتُجاوِزوا فيه الحقَّ إلى الباطلِ، فتقولوا فيه: هو اللهُ. أو: هو ابنُه. ولكن قولوا: هو عبدُ اللهِ وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾. يقولُ: ولا تَتَّبِعوا أيضًا في المسيحِ أهواءَ اليهودِ الذين قد ضَلُّوا قبلكم عن سبيلِ الهُدَى في القولِ فيه، فتقولوا (^١) فيه كما قالوا: هو لغيرِ رَشْدةٍ. وتَبْهَتوا أُمَّه كما بَهَتوها (^٢) بالفِرْيَةِ وهى صِدَّيقةٌ، ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأضلَّ هؤلاء اليهودُ كثيرًا مِن الناسِ، فحادوا بهم عن طريق الحقِّ، وحمَلوهم على الكفرِ باللهِ، والتكذيبِ بالمسيحِ، ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. يقولُ: وضلَّ هؤلاء اليهودُ عن قَصْدِ الطريقِ، وركِبوا غيرَ مَحجَّةِ الحَقِّ. وإنما يعنى تعالى ذكرُه بذلك كفرَهم باللهِ وتكذيبَهم رُسُلَه؛ عيسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم، وذهابَهم عن الإيمانِ وبُعْدَهم منه، وذلك كان ضلالَهم الذي وصَفهم اللهُ به.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2734>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. قال: يهودُ (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، وفى ص، م، ت ٢، ت ٣، س: \"تقولون\". والمثبت مما يقتضيه السياق.\n(^٢) في م: \"يبهتونها\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣١٣ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٨١ (٦٦٥٩).","vol":"8","page":585},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾: فهم أولئك الذين ضَلُّوا وأضَلوا أتباعَهم، ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ عَن عَدْلِ السبيلِ (^١).\n\n<span id=\"aya-747\"></span><span data-type='title' id=toc-2735>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكْرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل لهؤلاء النصارى الذين وصَف تعالى ذكرُه صِفَتَهم: لا تَغْلوا، فتقولوا في المسيحِ غيرَ الحقِّ، ولا تقولوا فيه ما قالت اليهودُ الذين قد لعنَهم اللهُ على لسانِ أنبيائِه ورُسُلِه؛ داودَ وعيسى ابن مريمَ، وكان لعنُ اللهِ إياهم على ألسنتِهم.\nكالذي حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾. قال: لُعِنوا بكلِّ لسانٍ؛ لُعِنوا على عهدِ موسى في التوراةِ، ولُعِنوا على عهدِ داودَ في الزَّبورِ، ولُعِنوا على عهدِ عيسى في الإنجيلِ، ولُعِنوا على عهدِ محمدٍ ﷺ في القرآنِ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾. يقولُ: لُعِنوا في الإنجيلِ على\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٨١ (٦٦٥٨، ٦٦٦٠) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٠ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٨٢ (١١٦٣) عن محمد بن سعد به.","vol":"8","page":586},{"text":"لسانِ عيسى ابن مريمَ، ولُعِنوا في الزَّبورِ على لسانِ داودَ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن أبيه، عن خُصَيفٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾. قال: خالطوهم بعد النَّهْي في تجاراتِهم، فضرب الله قلوبَ بعضِهم ببعضٍ، فهم ملعونون على لسانِ داودَ وعيسى ابن مريم (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن حُصَينٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾. قال: لُعِنوا على لسان داودَ فصاروا قِردةً، ولُعِنوا على لسانِ عيسى فصاروا خنازيرَ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: بكلِّ لسانٍ؛ لُعِنوا: على عهدِ موسى في التوراةِ، وعلى عهدِ داودَ في الزبورِ، وعلى عهدِ عيسى في الإنجيلِ، ولُعِنوا على لسانِ محمدٍ ﷺ في القرآنِ. قال ابن جُرَيجٍ: وقال آخرون: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾: [دعا عليهم داودُ] (^٤) على عهدِه، فلُعِنوا بدعوتِه، قال: مرَّ داودُ على نَفَرٍ منهم وهم في بيتٍ، فقال: مَن في البيتِ؟ قالوا: خنازيرُ. قال: اللهم اجْعَلْهم خنازيرَ، فكانوا خنازيرَ. قال (^٥): ثم أصابتهم لعنتُه، ودعا عليهم عيسى فقال: اللهم الْعَنْ مَنِ افْتَرى عليَّ وعلى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٨١، ١١٨٢ (٦٦٦٢) من طريق أبي صالح به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠١ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠١ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"8","page":587},{"text":"أمِّى، واجْعَلْهم قِردةً خاسئين (^١).\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية: لعَنهم الله على لسانِ داودَ في زمانهِ، فجعَلهم قِردةً خاسئين، وفى الإنجيلِ على لسانِ عيسى، فجعَلهم خنازيرَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا أبو مِحْصَنٍ حُصَينُ بنُ نُمَيرٍ، عن حُصَينِ، يعني ابنَ عبدِ الرحمنِ، عن أبي مالكٍ، قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾. قال: مُسِخوا على لسانِ داودَ قردةً، وعلى لسانِ عيسى خنازير (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحاربيُّ، عن العلاءِ بن المُسيبِ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرِو بن مُرَّةَ، عن سالمٍ الأُفْطَسِ، عن أبي عُبَيدةَ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"إن الرجلَ مِن بني إسرائيلَ كان إذا رأَى أخاه على الذنبِ نهاه عنه تَعْذيرًا (^٤)، فإذا كان مِن الغدِ لم يَمْنَعْه ما رأَى منه أن يكونَ أكِيلَه وخَلِيطَه وشَريبَه، فلما رأَى ذلك منهم ضرَب بقلوبِ بعضِهم على بعضٍ، ولعَنهم على لسانِ نبيِّهم داودَ وعيسى ابن مريمَ ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ \"؛ ثم قال: \"والذي نفسي بيدِه، لتَأْمُرُنَّ بالمعروفِ، ولتَنْهَوُنَّ عن\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٥٣٩ عن ابن جريج نحوه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠١ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٧٠ - تفسير)، وابن أبي حاتم ٤/ ١١٨٢ (٦٦٦٤) من طريق حصين بن عبد الرحمن به، وعند سعيد بلفظ آخر وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠١ إلى أبي عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) في م: \"تعزيرا\" قال ابن الأثير: أي: نهيا قصَّروا فيه ولم يبالغوا، وضع المصدر موضع اسم الفاعل حالا. النهاية ٣/ ١٩٨.","vol":"8","page":588},{"text":"المنكرِ، ولتَأخُذُنَّ على يَدَى المُسيءِ، ولتؤطِّرنَّه (^١) على [الحقِّ أَطْرًا] (^٢)، أو ليَضْرِبنَّ اللَّهُ قلوبَ بعضِكم على بعضٍ، ولَيَلْعَنَنَّكم كما لعنهم\" (^٣).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرِ بن سلمانَ، قال: ثنا عمرُو بنُ قَيْسٍ المُلائيُّ، عن عليِّ بن بَذِيمةَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لما فشَا المنكَرُ في بنى إسرائيلَ، جعل الرجلُ يَلْقَى الرجلَ فيقولُ: يا هذا، اتَّقِ اللَّهَ. ثم لا يَمْنَعُه ذلك أن يؤاكلَه ويُشاربَه، فلما رأَى الله ذلك منهم ضرَب بقلوبِ بعضِهم على بعضٍ، ثم أنزَل فيهم كتابًا: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. وكان رسولُ الله ﷺ مُتكئًا فجلَس وقال: \"كلا والذي نفسِى بيدِه: حتى تَأْطِروا الظالمَ على الحقِّ أطرًا\" (^٤).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا المُؤَمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا عليُّ بنُ بَذِيمةَ، عن أبي عُبيدةَ، أظنُّه عن مُسروقٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: قال\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ولتواطونه\"، وفى م: \"لا تواطئونه\"، وفى مصادر التخريج: \"لتأطرنه\". وما في النسخ تصحيف ما أثبتناه، وأطَره وأطّره: عطفه، ينظر النهاية ١/ ٥٣، واللسان (أط ر).\n(^٢) في م: \"الخواطر\".\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (٥٠٣٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٨١ (٦٦٦١) من طريق المحاربي به، وأخرجه البيهقى في الشعب (٧٥٤٥) من طريق سالم الأفطس به، وأخرجه أبو داود أيضًا (٤٣٣٧)، والطبراني (١٠٢٦٧، ١٠٢٦٨) من طريق العلاء به عن عمرو مرة، عن سالم الأفطس به، وأخرجه أبو يعلى (٥٠٩٤) من طريق العلاء به بدون ذكر سالم الأفطس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٠ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٤) أحمد ٦/ ٢٥٠ (٣٧١٣)، وأبو داود (٤٣٣٦)، وابن ماجه عقب حديث (٤٠٠٦)، والترمذى (٣٠٤٧) عقب الحديث (٣٠٤٨)، والطبرانى ١٠/ ١٧٩ (١٠٢٦٤ - ١٠٢٦٦) من طريق على بن بذيمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.","vol":"8","page":589},{"text":"رسولُ الله ﷺ: \"إن بني إسرائيلَ لما ظهَر منهم المنكرُ، جعَل الرجلُ يرَى أخاه وجارَه وصاحبَه على المنكرِ فيَنْهاه، ثم لا يَمْنَعُه ذلك من أن يكونَ أَكَيلَه وشَرِيبَه ونَديمَه، فضرَب اللَّهُ قلوبَ بعضِهم على بعضٍ، ولُعِنُوا على لسان داودَ وعيسى ابن مريمَ؛ ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ إلى ﴿فَاسِقُونَ﴾. قال عبدُ الله: وكان رسولُ الله ﷺ مُتكئًا فاسْتَوى جالسًا، فغضِب وقال: \"لا والله، حتى تَأْخُذوا على يَدَيِ الظالمِ فتَأْطِروه على الحقِّ أطْرًا\".\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عليِّ بن بَذِيمةً، عن أبي عُبيدةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"إن بني إسرائيلَ لما وقَع فيهم النَّقْصُ، كان الرجلُ يرَى أخاه على الذَّنبِ (^١) فيَنْهاه عنه، فإذا كان الغدُ لم يَمْنَعْه ما رأَى منه أن يكونَ أكيلَه وشريبَه وخليطَه، فضرَب الله قلوبَ بعضِهم ببعضٍ، ونزَل فيهم القرآنُ، فقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾. حتى بلَغ ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. قال: وكان رسولُ الله ﷺ مُتكئًا فجلَس وقال: \"لا، حتى تأخذوا على يَدَى الظالمِ فتَأْطِروه على الحقِّ أطْرًا\" (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: أمْلاهُ علَيَّ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي الوَضّاحِ، عن عليِّ بن بَدِيمةَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ الله، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه (^٣).\nحدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن\n_________\n(^١) في النسخ: \"الريب\"، والمثبت من جامع الترمذى وسنن ابن ماجه.\n(^٢) أخرجه الترمذى (٣٠٤٨)، وابن ماجه (٤٠٠٦) عن محمد بن بشار به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٩٤، ١٩٥ عن الثورى عن ابن بذيمة عن أبي عبيدة عن عبد الله، وينظر الترمذى (٣٠٤٧).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه عقب حديث (٤٠٠٦) والترمذى عقب حديث (٣٠٤٨) عن محمد بن بشار به، وأخرجه البيهقى في الشعب (٧٥٤٤) من طريق سفيان به.","vol":"8","page":590},{"text":"سفيانَ، عن عليِّ بن بذيمةَ، قال: سمِعت أبا عُبيدةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ فذكَر نحوَه، غيرَ أنهما قالا في حديثِهما: وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ مُتكئًا فاسْتَوى جالسًا ثم قال: \"كلا والذي نفسي بيدِه، حتى تأخذوا على يَدَى الظالمِ فتَأْطِروه على الحقِّ أطرًا\".\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾. قال: فقال: لُعِنوا في الإنجيلِ وفى الزبورِ. وقال: قال رسولُ الله ﷺ: \"إن رَحَى الإيمانِ قد دارت، فدُوروا مع القرآنِ حيثُ دار، فإنه (^١) قد فرَغ الله مما افْتَرض فيه، [وإنه كانت] (^٢) أمةٌ من بنى إسرائيلَ كانوا أهلَ عَدْلٍ، يأمرون بالمعروف ويَنْهَون عن المُنْكَرِ، فأخذهم قومُهم فنشَروهم بالمناشيرِ، وصلَبوهم على الخُشُبِ، وبَقِيَتْ منهم بَقِيَّةٌ، فلم يَرْضَوا حتى داخَلُوا الملوكَ وجالَسوهم، ثم لم يَرْضَوا حتى واكَلُوهم، فضرَب اللَّهُ تلك القلوبَ بعضَها ببعضٍ فجعَلها واحدةً، فذلك قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾ إلى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. ماذا كانت معصيتُهم؟ قال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (^٣).\nفتأويلُ الكلامِ إذن: لعَن الله الذين كفَروا مِن اليهودِ باللهِ، على لسانِ داودَ وعيسى ابن مريمَ، ولُعِنَ والله آباؤهم على لسانِ داودَ وعيسى ابن مريمَ، بما عصَوا اللَّهَ فخالَفوا أمرَه، ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. يقولُ: وكانوا يتجاوزون حُدودَه.\n\n<span id=\"aya-748\"></span><span data-type='title' id=toc-2736>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا</span>\n_________\n(^١) بعده في بياض بقدر كلمتين، وكتب مقابله في الحاشية: ط. دلالة على الخطأ.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وإن ابن مرح\"، وفى مطبوعة الدر المنثور عن معاذ مرفوعا بنحوه: \"إن بني يأجوج\"، وفى النسخ الخطية: \"إن بنى مرخ\"، أو \"إن بني مرح\". ولم نهتد إلى صواب هذه العبارة.\n(^٣) أخرج آخره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٨٢ (٦٦٦٦) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"8","page":591},{"text":"كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ ـ\nيقولُ تعالى ذكرُه: كان هؤلاء اليهودُ الذين لعنهم الله، ﴿لَا يَتَنَاهَوْنَ﴾. يقولُ: لا يَنْتَهُون ﴿عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾، ولا يَنْهَى بعضُهم بعضًا. ويعنى بالمنكر المعاصى التي كانوا يعصون الله بها. فتأويلُ الكلام: كانوا لا يَنْتَهُون عن منكرٍ. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. وهذا قَسَمٌ مِن الله تعالى ذكرُه. يقولُ: أُقْسِمُ لَبَئسَ الفعلُ كانوا يفعلون؛ في تركهم الانتهاء عن معاصى الله تعالى، وركوبِ محارمه، وقتل أنبياء الله ورسلِه.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾: لا تَتَناهى أنفسهم بعد أن وقعوا في الكفر.\n\n<span id=\"aya-749\"></span><span data-type='title' id=toc-2737>القولُ في تأويل قوله: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ترى يا محمدُ كثيرًا من بني إسرائيلَ ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: يَتَولُّون المشركين من عبدة الأوثان، ويُعادون أولياء الله ورسله، ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾. يقول تعالى ذكرُه: أُقْسِمُ لبئس الشئُ الذي قدَّمَت لهم أنفسهم أمامهم إلى مَعادِهم في الآخرةِ، ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: قدَّمت لهم أنفسُهم سخط الله عليهم بما فعلوا.\nو﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. في موضع رفعٍ؛ ترجمةً عن ﴿مَا﴾ الذي في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا﴾.\n﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾. يقولُ: وفي عذابِ اللَّهِ يومَ القيامة هم","vol":"8","page":592},{"text":"خالدون، دائمٌ مُقامُهم ومُكثُهم فيه.\n\n<span id=\"aya-750\"></span><span data-type='title' id=toc-2738>القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولو كان هؤلاء الذين يتولون الذين كفروا من بنى إسرائيل، ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ﴾. يقولُ: يُصَدِّقون الله (^١) ويُقرُّون به ويُوحِّدونه، ويُصَدِّقون نبيَّه محمدًا ﷺ، بأنه لله نبيٌّ مبعوثٌ، ورسولٌ مُرسلٌ، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾، يقولُ: ويُقِرُّون بما أُنْزِل إلى محمدٍ ﷺ مِن عندِ اللَّهِ مِن آى الفرقانِ، ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. يقولُ: ما اتخذوهم أصحابًا وأنصارًا من دونِ المؤمنين، ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. يقولُ: ولكن كثيرًا منهم أهلُ خروج عن طاعة الله إلى معصيته، وأهل اسْتِحلالٍ لما حرَّم الله عليهم من القول والفعل.\nوكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك بما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. قال: المنافقون (^٢).\n\n<span id=\"aya-751\"></span><span data-type='title' id=toc-2739>القول في تأويل قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: لتجِدنَّ يا محمدُ أشدَّ الناس عداوةً للذين\n_________\n(^١) في م: \"بالله\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣١٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٨٣ (٦٦٦٩)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"8","page":593},{"text":"صدقوك واتَّبعوك وصدَّقوا بما جئتَهم به من أهل الإسلام اليهود، ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. يعني: عبدة الأوثان الذين اتخذوا الأوثانَ آلهة يعبُدونها من دونِ اللَّهِ، ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: ولتجدنَّ (^١) أقرب الناس مودّةً ومحبةً - والمودَّةُ المَفْعَلةُ، من قول الرجل: وَدِدْتُ كذا، أوَدُّه وَدًّا ووُدًّا وَودًّا ومودةً، إذا أحببته - ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: للذين صدَّقوا الله ورسوله محمدًا ﷺ، ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن قبول الحقِّ واتباعه، والإذعان به.\nوقيل: إن هذه الآية والتي بعدها نزلت في نفر قدموا على رسول الله ﷺ من نصارى الحبشة، فلما سمعوا القرآنَ أَسلموا، واتَّبعوا رسولَ اللَّهِ ﷺ.\nوقيل: إنها نزلت في النجاشيِّ ملك الحبشة وأصحابٍ له أسلموا معه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2740>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الملك بن أبى الشوارب، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا حُصَيفٌ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: بعَث النجاشيُّ وفدا إلى النبيِّ ﷺ، فقرأ عليهم النبيُّ ﷺ فأسلموا. قال: فأنزل الله تعالى ذكرُه فيهم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ إلى آخر الآية. قال: فرجعوا إلى النجاشيِّ فأخبروه، فأسلم النجاشيُّ، فلم يَزَلْ مسلمًا حتى مات. قال: فقال رسول الله ﷺ: \"إن أخاكم النَّجاشيَّ قد مات فصلُّوا عليه\". فصَلَّى عليه رسول الله ﷺ بالمدينة، والنجاشيُّ ثُمَّ (^٢).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣ س: \"لتصيبين\"، وفي ت ١: \"لتجيدن\".\n(^٢) في م: \"الحبشة\".","vol":"8","page":594},{"text":"حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾. قال: هم الوفدُ الذين جاءوا مع جعفرٍ وأصحابه من أرض الحبشة (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾. قال: كان رسولُ الله ﷺ وهو بمكة، خاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفر بن أبى طالبٍ وابن مسعودٍ وعثمان بنَ مظعونٍ في رهطٍ من أصحابه إلى النجاشيِّ ملك الحبشة، فلما بلغ ذلك المشركين، بعثوا عمرو بن العاصِ في رهطٍ منهم، ذُكِرَ أنهم سبقوا أصحابَ النبيِّ ﷺ إلى النجاشيِّ، فقالوا: إنه خرج فينا رجلٌ سَفَّه عقولَ قريشٍ وأحلامها، زعم أنه نبيٌّ، وإنه بعث إليك رهطًا ليُفْسِدوا عليك قومَك، فأَحْبَبْنا أن نأتيك، ونُخْبِرَك خبرَهم. قال: إن جاءونى نظرتُ فيما يقولون. فقدم أصحابُ رسول الله ﷺ، [فأمُّوا بابَ] (^٢) النجاشيِّ، فقالوا: استَأْذِنْ (^٣) لأولياءِ اللَّهِ. فقال: ائذَنْ لهم، فمرحبًا بأولياء الله. فلما دخلوا عليه سلَّموا، فقال له الرهطُ من المشركين: ألا ترى أيُّها الملكُ أنا صَدَقْناك؛ لم يُحيُّوك بتحيتك (^٤) التي تُحيا بها! فقال لهم: ما منعكم أن تُحيُّونى بتحيَّتى. فقالوا: إنا حيَّيناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة. قال لهم: ما يقولُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣١٣، ٣١٤ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٨٣ قبل الأثر (٦٦٧٠). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في م: \"فأقاموا بباب\"، وفى س: \"فأتوا باب\".\n(^٣) في م: \"أتأذن\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بتحيتنا\".","vol":"8","page":595},{"text":"صاحبُكم في عيسى وأمِّه؟ قالوا (^١): يقولُ: هو عبد الله وكلمةٌ (^٢) من الله ألقاها إلى مريم وروحٌ منه. ويقول في مريم: إنها العذراءُ البتُولُ. قال: فأخذ عودًا من الأرض، فقال: ما زاد عيسى وأمُّه على ما قال صاحبُكم قدر هذا العود. فكره المشركون قولَه، وتَغيَّرت وجوهُهم. قال لهم: هل تعرفون شيئًا مما أُنزل عليكم؟ قالوا: نعم. قال: اقرءوا. فقرءوا، وهنالك منهم قِسِّيسون ورهبانٌ وسائرُ النصارى، فعرفت كلَّ ما قرءوا، وانحدرت دموعُهم مما عرفوا من الحقِّ، قال الله تعالى ذكرُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ الآية (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنى أحمدُ بنُ مُفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ الآية. قال: بعث النجاشيُّ إلى رسول الله ﷺ اثنى عشَرَ رجلًا من الحبشة؛ سبعةً قسيسين وخمسةً رهبانًا، ينظُرون إليه ويسألونه، فلما لَقُوه فقرأ عليهم ما أنزل الله بَكَوا وآمنوا، فأنزل الله عليه فيهم: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢، ٨٣]، فآمنوا، ثم رجعوا إلى النجاشيِّ، فهاجر النجاشيُّ معهم، فمات في الطريق، فصلَّى عليه رسولُ الله ﷺ والمسلمون، واستغْفَروا له (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"قال\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كلمته\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٨٤ (٦٦٧٧) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٣ إلى ابن مردويه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٨٤ (٦٦٧٥) من طريق أحمد بن المفضل به، إلى قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.","vol":"8","page":596},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال عطاءٌ في قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ الآية: هم ناسٌ من الحبشة آمنوا، إذ جاءتهم مهاجِرَةُ المؤمنين (^١).\nوقال آخرون: بل هذه صفةُ قومٍ كانوا على شريعة عيسى من أهل الإيمان، فلما بعث الله تعالى ذِكْرُه نبيَّه محمدًا ﷺ آمنوا به.\n\n<span data-type='title' id=toc-2741>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. فقرأ حتى بلغ: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: أناسٌ من أهل الكتاب كانوا على شريعةٍ من الحقِّ مما جاء به عيسى، يؤمنون به وينتهون إليه، فلما بعث الله نبيَّه محمدًا ﷺ صدَّقوا به وآمَنوا، وعرفوا الذي جاء به أنه الحقُّ، فأثنى عليهم ما تسمعون (^٢).\nوالصوابُ في ذلك من القول عندى أن الله تعالى ذكرُه وصف صفة قومٍ قالوا: إنا نصارى. أن نبيَّ الله ﷺ يجدهم أقرب الناس ودادًا لأهل الإيمان بالله ورسوله، ولم يُسم لنا أسماءهم. وقد يجوزُ أن يكون أُريد بذلك أصحابُ النجاشيِّ، ويجوزُ أن يكونَ أُرِيدَ به قومٌ كانوا على شريعة عيسى فأدركهم الإسلامُ، فأسلموا لمَّا سمِعوا القرآن وعرفوا أنه الحقُّ، ولم يستكبروا عنه.\nوأما قولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾، فإنه يقولُ: قرُبت مودةُ هؤلاء الذين وصف الله صفتهم للمؤمنين، من أجل أن منهم قسيسين\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٨٣ عقب الأثر (٦٦٦٩) معلقا.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٤ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"8","page":597},{"text":"ورهبانًا. والقسِّيسون جمعُ قسِّيس، وقد يُجمعُ القسيسُ قُسُوسًا؛ لأن القسَّ والقسِّيس بمعنًى واحدٍ.\nوكان ابن زيدٍ يقولُ في \"القسيس\" بما حدَّثنا يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: القِسِّيسُ (^١) عُبَّادُهم.\nوأما \"الرهبان\"، فإنه يكون واحدًا وجمعًا؛ فأما إذا كان جمعًا، فإن واحدهم يكونُ راهبًا، ويكون الراهب حينئذٍ فاعلًا، من قول القائل: رَهِب الله فلانٌ - بمعنى: خافه - يَرْهَبُه رَهَبًا ورُهْبًا. ثم يُجْمعُ الراهب \"رُهبان\"، مثل راكبٍ ورُكبانٍ، وفارسٍ وفُرسانٍ. ومن الدليل على أنه قد يكونُ عند العرب جمعًا قولُ الشاعر (^٢):\nرُهْبانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأَوْكِ تَنَزَّلُوا … والعُصْمُ منْ شَعَفِ العَقولِ الفادِرِ (^٣)\nوقد يكونُ الرهبان واحدًا، وإذا كان واحدا كان جمعُه رَهابينَ، مثلَ قُرْبانٍ وقرابينَ، وجُرْدانٍ وجرادينَ (^٤). ويجوزُ جمعُه أيضًا \"رَهابنةٌ\"، إذا كان كذلك. ومن الدليل على أنه قد يكون عند العرب واحدًا قول الشاعر (^٥):\nلَوْ عَايَنَتْ رُهْبانَ دَيْرٍ في القُلَلْ (^٦)\n_________\n(^١) في م: \"القسيسين\". بالجمع، وجائز تفسير المفرد بالجمع.\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٧ إلى المصنف.\n(^٢) هو جرير، والبيت في ديوانه ١/ ٣٠٨.\n(^٣) العصم: جمع أعصم، وهو: الوعل في ذراعيه أو في أحدهما بياض. والشعف: جمع شغفة، وهى رأس الجبل، والعقول الفادر: هو الوعل العاقل في الجبل - أي المتحصن - وهو المسن. ينظر القاموس المحيط (ش ع ف، ع ق ل، ع ص م).\n(^٤) الجردان: القضيب من ذوات الحافر، وقيل: هو الذكر معمومًا به. ينظر اللسان (ج ر د).\n(^٥) البيت في تفسير القرطبي ٦/ ٢٥٨، واللسان (ر هـ ب) مع اختلاف في الرواية.\n(^٦) القلل: جمع قلة، وهى رأس الجبل. القاموس المحيط (ق ل ل).","vol":"8","page":598},{"text":"لانحدَرَ الرُّهْبَانُ يَمْشِي وَنَزَلْ\nواختلف أهلُ التأويل في المعنيِّ بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك قومٌ كانوا استجابوا لعيسى ابن مريم حين دعاهم، واتَّبَعوه على شريعته.\n\n<span data-type='title' id=toc-2742>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوب بنُ إبراهيم، قال: ثنا هشيمٌ، عن حُصينٍ، عمن حدّثه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾. قال: كانوا نواتيَّ في البحر. يعنى ملَّاحين. قال: فمرَّ بهم عيسى ابن مريم، فدعاهم إلى الإسلام فأجابوه. قال: فذلك قولُه: ﴿قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾.\nوقال آخرون: بل عُنى بذلك القومُ الذين كان النجاشيُّ بعثهم إلى رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2743>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، قال: ثنا عَنْبِسةُ، عمن حدَّثه، عن أبى صالحٍ في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾. قال: ستةٌ وستون، أو سبعةٌ وستون، أو (^١) اثنان وستون، من الحبشة، كلُّهم صاحبُ صومعةٍ، عليهم ثيابُ الصوف.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مَهْدَيِّ، عن سفيانَ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾. قال: بعث النجاشيُّ إلى النبيِّ ﷺ خمسين أو سبعين من خيارهم، فجعلوا يبكون. فقال: هم\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، س.","vol":"8","page":599},{"text":"هؤلاء.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا قيسٌ، عن سالم الأفطسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾. قال: هم رسلُ النجاشيِّ الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلًا، اختارهم، الخيِّر فالخيِّر، فدخلوا على رسول الله ﷺ، ﴿يس (^١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١، ٢]. فبكوا وعرَفوا الحقَّ، فأنزل الله فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. وأنزَل فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص:٥٢ - ٥٤].\nوالصواب في ذلك من القول عندَنا أن يُقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخبر عن النفرِ الذين أثنى عليهم من النصارى، بقُربِ مودَّتِهم لأهل الإيمان بالله ورسوله، أن ذلك إنما كان منهم لأن منهم أهل اجتهادٍ في العبادة، وتَرهبٍ (^٢) في الديارات والصوامع، وأن منهم علماء بكُتُبهم وأهل تلاوةٍ لها، فهم لا يبعُدون من المؤمنين، لتواضعهم للحقِّ إذا عرفوه، ولا يستكبِرون عن قَبوله إذا تَبَيَّنوه؛ لأنهم أهلُ دينٍ واجتهادٍ فيه ونصيحةٍ لأنفسهم في ذاتِ اللهِ، وليسوا كاليهود الذين قد دربوا بقتل الأنبياء والرسلِ، ومعاندة الله في أمره ونهيه، وتحريفِ تنزيلِه الذي أنزَله في كتبه.\n\n<span id=\"aya-752\"></span><span data-type='title' id=toc-2744>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ</span>\n_________\n(^١) ذكره الزيلعى في تخريج الكشاف ١/ ٤١٦ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٨ (١٦٩٧٧)، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف - من طريق قيس به، وأخرجه في ٤/ ١١٨٤، ١١٨٥ (٦٦٧٣، ٦٦٧٩) من طريق سالم به مختصرًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ترهيب\".","vol":"8","page":600},{"text":"الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا سمع هؤلاء الذين قالوا: إنا نصارى - الذين وصفتُ لك يا محمدُ صفتَهم أنك تجدُهم أقرب الناس مودةً للذين آمنوا - ما أُنزِل إليك من الكتاب يُتْلَى، ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾. وفيضُ العين من الدمع امتلاؤُها منه، ثم سيلانُه منها، كفىض النهر من الماءِ، وفيض الإناء، وذلك سيلانُه عن شدةِ امتلائِه، ومنه قول الأعشى (^١):\nففَاضَتْ دُمُوعِى [فَظَل (^٢) الشُّئو … نُ] (^٣) إمّا وكِيفًا (^٤) وإمَّا انحدارا\nوقولُه: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾. يقولُ: فيضُ دموعهم لمعرفتهم بأن الذي يُتْلَى عليهم من كتاب الله الذي أنزله إلى رسولِ اللَّهِ حَقٌّ.\nكما حدَّثنا هنادُ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا يونسُ بن بُكَيرٍ، قال: ثنا أسباطُ بنُ نصرٍ الهمدانيُّ، عن إسماعيلَ بن عبدِ الرحمنِ السُّدِّيِّ، قال: بعث النجاشيُّ إلى النبيِّ ﷺ اثنى عشَرَ رجلًا يسألونه ويأتونه بخَبَرِه، فقرأ عليهم رسولُ الله ﷺ القرآن فبَكَوا، وكان منهم سبعةٌ رُهبانٌ [وخمسةٌ قسيسون، أو خمسةٌ رهبان وسبعةٌ قسيسون] (^٥)، فأنزل الله فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ﴾ إلى آخرِ الآية (^٦).\n_________\n(^١) ديوانه ص ٤٥.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فطل\"، وغير منقوطة في ص، والصواب ما أثبت.\n(^٣) في الديوان: \"كفيض الغروب\". والغروب: جمع غرب، وهو الدلو العظيمة. والشئون: جمع شأن، وهو مجرى الدمع إلى العين. القاموس المحيط (غ ر ب، ش أ ن).\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. والوكيف: أن يسيل الدمع قليلًا قليلًا.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وخمسة قسيسين أو خمسة رهبان أو سبعة\".\n(^٦) تقدم تخريجه في ص ٥٩٦.","vol":"8","page":601},{"text":"حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، [قال: ثنا عمرُ بن عليِّ] (^١) بن مُقَدَّمٍ، قال: سمعتُ هشامَ بن عروةَ يُحَدِّثُ عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: نزلت في النجاشيِّ وأصحابِه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عبدةُ بن سليمان (^٣)، عن هشام بن عُروة، عن أبيه في قولِه: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾. قال: ذلك في النجاشيِّ (^٤).\nحدَّثنا هنادٌ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كانوا يرون أن هذه الآيةَ أُنزِلت في النجاشيِّ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: قال ابن إسحاقَ: سألتُ الزهريَّ عن الآياتِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. قال: ما زلتُ أسمعُ علماءنا يقولون: نزلتْ في النجاشيِّ وأصحابه (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١١١٤٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٨٥ (٦٦٨٠)، والطبرانى ١٣/ ١٠٧ (٢٥٨) من طريق عمرو بن علي به، وأخرجه البزار (٢١٨٣) من طريق محمد بن عبد الرحمن الطفاوى أو عمر بن علي، عن هشام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٢ إلى أبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٣) في م، ص، س: \"سليم\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٤٨، ٣٤٩ عن عبدة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٣ إلى أبى الشيخ.\n(^٥) سيرة ابن هشام ١/ ٣٩٢ دون ذكر آية \"الفرقان\".","vol":"8","page":602},{"text":"وأما قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾. فإنه لو كان بلفظ اسمٍ كان نصبًا على الحال؛ لأن معنَى الكلام: وإذا سمعوا ما أُنزِل إلى الرسول ترى أعينهم تفيضُ من الدمع مما عرَفوا من الحقِّ قائلين: ربَّنا آمنَّا.\nويعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾. أنهم يقولون: يا ربَّنا، صَدَّقنا لما سمعنا ما أنزلته إلى نبيِّك محمدٍ ﷺ من كتابك، وأقرَرنا به أنه من عندك، وأنه الحقُّ لا شك فيه.\nوأما قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. فإنه رُوى عن ابن عباسٍ وغيره في تأويله ما حدَّثنا به هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى وابنُ نُميرٍ، جميعًا عن إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. قال: أُمةُ محمدٍ ﷺ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: مع أمة محمدٍ ﷺ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةٍ، عن عليِّ بن أبى طلحة، عن ابن عباسٍ: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: يعنون بالشاهدين محمدًا ﷺ وأمته.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. قال: محمدٌ ﷺ وأمتُه، إنهم شهدوا أنه قد بلَّغ، وشهدوا أن الرسل قد بلَّغت.\nحدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى، قال: ثنا يحيى بنُ زكريا، قال: ثنى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٨٥ (٦٦٨١) من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٧ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"8","page":603},{"text":"إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ مثل حديثِ الحارث بن عبد العزيز، غير أنه قال: وشهدوا للرسل أنهم قد بلَّغُوا (^١).\nفكأنَّ متأوِّلَ هذا التأويل قصد بتأويله هذا إلى معنى قول الله تعالى ذكرُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. فذهَب ابن عباسٍ إلى أن الشاهدين هم الشهداءُ في قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. وهم أمة محمدٍ ﷺ.\nوإذا كان التأويلُ ذلك، كان معنى الكلام: يقولون ربَّنا آمنَّا فاكتبنا مع الشاهدين الذين يشهدون لأنبيائك يومَ القيامة أنهم قد بلَّغوا أممهم رسالاتك.\nولو قال قائلٌ: معنى ذلك: فاكتبنا مع الشاهدين الذين يشهدون أن ما أنزلته إلى رسولك من الكتاب حقٌّ. كان صوابًا؛ لأن ذلك خاتمةُ قوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾. وذلك صفةٌ من الله تعالى ذكرُه لهم بإيمانِهم، لما سمعوا من كتاب الله، فتكونُ مسألتُهم أيضًا الله أن يجعلهم ممن صحَّت عنده شهادتُهم بذلك، ويُلْحِقهم في الثواب والجزاءِ منازلهم.\nومعنى الكتاب في هذا الموضع الجَعْلُ، يقولُ: فَاجْعَلْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ، وأَثْبِتْنا معهم في عدادهم.\n\n<span id=\"aya-753\"></span><span data-type='title' id=toc-2745>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره عن هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في هذه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٨٥ (٦٦٨٢) من طريق يحيى بن زكريا به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٣١٣ من طريق إسرائيل به.","vol":"8","page":604},{"text":"الآيات أنهم إذا سمعوا ما أُنزل إلى رسوله محمد ﷺ من كتابه، آمنوا به، وصدَّقوا كتاب الله، وقالوا: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾. يقول: لا نُقرُّ بوحدانية الله، ﴿وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾. يقولُ: وما جاءنا من عند الله من كتابه وآي تنزيله، ونحن نطمع بإيماننا بذلك، ﴿أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾. يعنى بالقومِ الصالحين: المؤمنين بالله المطيعين له، الذين استحقوا من الله الجنةَ بطاعتهم إياه.\nوإنما معنى ذلك: ونحن نطمع أن يُدخلنا ربنا مع أهل طاعته مداخلهم من جنتِه يومَ القيامة، ويُلْحِقَ منازلنا بمنازلهم، ودرجاتِنا بدرجاتهم في جناته.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-2746>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾. قال: القومُ الصالحون رسول الله ﷺ وأصحابه (^١).\n\n<span id=\"aya-754\"></span><span data-type='title' id=toc-2747>القول في تأويل قوله: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: فجزاهم الله بقولهم: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ - ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يعنى: بساتين تَجْرِى من تحت أشجارها الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: دائمًا فيها مُكْثُهم، لا يُخرجون منها، ولا يُحوَّلون عنها، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: وهذا الذي جَزَيتُ هؤلاء القائلين بما وصفتُ عنهم من قيلهم على ما قالوا من الجنات التي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٨٦ (٦٦٨٣) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"8","page":605},{"text":"هم فيها خالدون، جزاء كلِّ محسنٍ في قبله وفعله، وإحسانُ المحسن في ذلك أن يُوحِّدَ الله توحيدًا خالصًا مَحْضًا، لا شركَ فيه، ويُقِرَّ بأنبياء الله وما جاءت به من عندِ الله من الكتب، ويؤدِّي فرائضَه، ويجتنِبَ معاصيَه، فذلك كمالُ إحسان المحسنين الذين قال الله تعالى ذكرُه: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾.\n\n<span id=\"aya-755\"></span><span data-type='title' id=toc-2748>القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وأما الذين جحدوا توحيد الله، وأنكَروا نبوة محمدٍ ﷺ، وكذَّبوا بآيات كتابه، فإن ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ: هم سكانُها واللابِثون فيها.\nوالجحيمُ ما اشْتَدَّ من النار، وهو الجاحِمُ والجحيمُ.\n\n<span id=\"aya-756\"></span><span data-type='title' id=toc-2749>القولُ في تأويل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيُّهم أنه حقٌّ من عندِ اللهِ، ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. يعني بالطيبات: اللذيذات التي تشتهيها النفوسُ وتميلُ إليها القلوبُ، فتمْنَعوها إيَّاها، كالذى فعله القسِّيسون والرهبانُ، فحرَّموا على أنفسهم النساءَ والمطاعم الطيبة، والمشاربَ اللذيدةَ، وحبس في الصوامع بعضُهم أنفسهم، وساح في الأرضِ بعضُهم. يقول تعالى ذكرُه: فلا تفعلوا أيها المؤمنون كما فعل أولئك، ولا تعتدوا حدَّ الله الذي حَدَّ لكم فيما أحلَّ لكم وفيما حرَّم عليكم، فتُجاوِزُوا حدَّه الذي حدَّه (^١)، فتخالفوا بذلك طاعته، فإن الله لا يحبُّ من اعتدى حدَّه الذي حدَّه لخلقه\n_________\n(^١) سقط من: ص.","vol":"8","page":606},{"text":"فيما أحل لهم وحرَّم عليهم.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-2750>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو حَصِين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عَبثرٌ أبو (^١) زبيدٍ، قال: ثنا حُصينٌ، عن أبي مالكٍ في هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية. قال: عثمانُ بن مظعونٍ وأناسٌ من المسلمين حرَّموا عليهم النساءَ، وامتنعوا من الطعام الطيِّب، وأراد بعضُهم أن يقطعَ ذَكَرَه، فنزلت هذه الآيةُ (^٢).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مسعدة، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنى خالدٌ الحذَّاءُ، عن عكرمة، قال: كان أناسٌ من أصحاب النبيِّ ﷺ همُّوا بالخصاء وترك اللَّحم والنساء، فنزلت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن خالدٍ، عن عكرمة، أن رجالًا أرادوا كذا وكذا، وأرادوا كذا وكذا، وأن يَخْتَصُوا، فنزلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ابن\".\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٧١ - تفسير)، وأبو داود في مراسيله (٢٠٩) من طريق حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وسيأتي موصولًا بذكر ابن عباس ص ٦١٤، ٦١٥.","vol":"8","page":607},{"text":"آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال: كانوا حرَّموا الطِّيب واللحم، فأنزلَ اللهُ تعالى هذا فيهم (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ الثقفيُّ، قال: ثنا خالدٌ، عن عكرمة، أن أناسًا قالوا: لا نتزوَّجُ، ولا نأكلُ ولا نفعل كذا وكذا. فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاق، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: أراد أُناسٌ من أصحاب النبيِّ ﷺ أن يرفضوا الدنيا ويترُكوا النساء ويترهَّبوا، فقام رسولُ الله ﷺ فغلَّظ فيهم المقالة، ثم قال: \"إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع؛ اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وحُجُّوا واعتمروا، واستقيموا يَستَقِم لكم\". قال: ونزلت فيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاق، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال: نزلت في أناسٍ من أصحاب النبيِّ ﷺ، أرادوا أن يتخلَّوا من اللباس ويترُكوا النساء ويتزهَّدوا؛ منهم عليُّ بنُ أبى طالبٍ وعثمان بنُ مظعونٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفىان، عن زيادِ بن فَيَّاضٍ، عن أبي\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٧ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٧ إلى ابن المنذر.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩١، ١٩٢.","vol":"8","page":608},{"text":"عبد الرحمن، قال: قال النبيُّ ﷺ: \"لا آمُرُكُم أن تكونوا قسيسين ورُهْبانًا\" (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادة في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية: ذُكر لنا أن رجالًا من أصحاب النبيِّ ﷺ رفضوا النساء واللحم، وأرادوا أن يَتَّخِذوا الصوامع، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: \"ليس في دينى تركُ النساءِ واللحمِ، ولا اتخاذُ الصوامع\". وخُبِّرنا أن ثلاثة نفرٍ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ اتَّفَقُوا، فقال أحدُهم: أمَّا أنا فأقومُ الليل لا أنامُ. وقال أحدُهم: أمَّا أنا فأصومُ النهارَ فلا أُفطِرُ. وقال الآخرُ: أمَّا أنا فلا آتى النساءَ. فبعث رسولُ اللَّهِ ﷺ إليهم، فقال: \"ألم أُنَبَّأ أنَّكم اتَّفَقْتُم على كذا وكذا؟ \". قالوا: بلى يا رسولَ اللَّهِ، وما أردنا إلا الخير. قال: \"لكنى أقومُ وأنامُ، وأصومُ وأُفطِرُ، وأتى النساء، فمن رَغِبَ عن سُنَّتِى فليس منِّى\". وكان في بعض القراءةِ: (مَنْ رَغِبَ عَن سُنَّتِكَ فليس مِنْ أُمَّتِكَ وقد ضَلَّ (^٢) سواءَ السَّبِيلِ) (^٣). وذُكِرَ لنا أن نبيَّ الله ﷺ قال لأُناسٍ أصحابه: \"إن من قبلكم شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، فهؤلاء إخوانُهم في الدُّورِ والصوامع؛ اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصلاةَ، وآتوا الزكاةَ، وصوموا رمضانَ، وحُجُوا، واعتمروا، واستقيموا يَسْتَقِم لكم\".\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بن مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: وذلك أن رسول الله ﷺ جلس يومًا فذكَّر الناس، ثم قام\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٣٥ عن وكيع به.\n(^٢) بعده في م: \"عن\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"8","page":609},{"text":"ولم يَزِدْهم على التخويف، فقال أُناسٌ من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا عشرةً، منهم عليُّ بن أبى طالبٍ وعثمانُ بن مظعونٍ: ما خِفْنا (^١) إن لم نُحْدِثُ عملًا، فإن النصارى قد حرَّموا على أنفسهم فنحن نُحرِّمُ. فحرَّم بعضُهم أكل اللحم والوَدَكِ (^٢)، وأن يأكل بالنهار، وحرَّم بعضُهم النوم، وحرَّم بعضُهم النساء، فكان عثمانُ بنُ مظعونٍ ممن حرَّم النساء، وكان لا يَدْنو من أهله، ولا يَدْنون منه، فأتت امرأتُه عائشة - وكان يقالُ لها: الحولاءُ - فقالت لها عائشةُ ومَن عندها من نساءِ النبيِّ ﷺ: ما بالُك يا حولاءُ مُتغيرة اللون لا تَمتَشِطين ولا تطيَّبينَ؟! فقالت: وكيف أتطيَّبُ وأمتَشِطُ وما وقَع عليَّ زوجى، ولا رفع عنى ثوبًا منذ كذا وكذا! فَجَعَلْن يَضْحَكُن من كلامِها، فدخل رسول الله ﷺ وهنَّ يَضْحَكُنَ، فقال: \"ما يُضحِكُكن؟ \". قالت: يا رسولَ اللهِ، الحولاء سأَلْتُها عن أمرِها، فقالت: ما رفع عنى زوجى ثوبًا منذ كذا وكذا. فأرسل إليه فدعاه، فقال: \"ما بالك يا عثمان؟ \". قال: إنى تركته لله لكى أتَخلَّى للعبادة. وقصَّ عليه أمره، وكان عثمان قد أراد أن يَجُبَّ نفسه، فقال رسولُ الله ﷺ: \"أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا رَجَعْتَ فَوَاقَعْتَ أَهْلَكَ\". فقال: يا رسول الله، إنى صائمٌ. قال: \"أفطِرْ\". فأفطر وأتَى أهلَه، فرجعت الحولاءُ إلى عائشة قد اكتحلت وامتشطت وتَطَيَّبت، فضحِكت عائشةُ، فقالت: ما بالُكِ يا حولاءُ! فقالت: إنه أتاها أمس. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ما بال أقوامٍ حَرَّمُوا النساء والطعام والنوم! ألا إنى أنام وأقومُ، وأُفْطِرُ وأَصُومُ، وأنْكِحُ النِّسَاءَ، فمن رَغِبَ [عَنْ سُنَّتى] (^٣) فليس منِّى\"، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا\n_________\n(^١) في ص، س: \"حصا\" غير منقوطة، وفى م، ت ١، ت:٢ \"حقنا\". ومعنى العبارة: ما خفنا الله حق الخوف إن لم نحدث عملًا يدل على ذلك.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢ س: \"الورك\" والوَدَك: الدسم، أو دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه. الوسيط (ود ك).\n(^٣) في ص: \"عنى\".","vol":"8","page":610},{"text":"أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾. يقولُ لعثمان: \"لا تَجُبَّ نفسك، فإن هذا هو الاعتداءُ\". وأمَرَهم أن يكفِّروا أيمانهم، فقال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (^١) [المائدة: ٨٩].\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال: هم رهطٌ من أصحاب النبيِّ ﷺ قالوا: نقطعُ مذاكيرنا، ونتركُ شهواتِ الدنيا، ونسيحُ في الأرض، كما يفعلُ الرهبانُ. فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فأرسل إليهم، فذكر ذلك لهم، فقالوا: نعم. فقال رسولُ الله ﷺ: \"لكنِّي أصومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأنامُ، وأَنْكِحُ النِّساء، فمَن أخَذ بسُنَّتى فهو منِّي، ومن لم يأخُذْ بسُنَّتى فليس منِّى\" (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾: وذلك أن رجالًا من أصحاب محمدٍ ﷺ، منهم عثمانُ بن مظعونٍ، حرَّموا النِّساء واللحم على أنفسهم، وأخَذوا الشِّفارَ ليقطعوا مذاكيرهم؛ لكى تنْقَطِعَ الشهوةُ، ويتفرَّغوا لعبادة ربِّهم، فأُخبر بذلك النبي ﷺ، فقال: \"ما أردتُم؟ \". فقالوا: أردنا أن تنقطع (^٣) الشهوةُ عنا، ونتفرغ لعبادة ربِّنا، ونَلْهُوَ عن النساء. فقال رسولُ الله ﷺ: \"لم أُومَرْ بذلك، ولكنِّى أُمِرْتُ في دينى أن أتزوَّجَ النَّساء\". فقالوا: نطيعُ رسول الله ﷺ. فأنزل الله تعالى ذِكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾\n_________\n(^١) ذكره الزيلعى في تخريج الكشاف ١/ ٤١٧ عن المصنف ولم يسق لفظه كله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٨ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٨٧ (٦٦٨٩) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٧ إلى ابن مردويه.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"نقطع\".","vol":"8","page":611},{"text":"إلى قوله: ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: أراد رجالٌ، عثمانُ (^٢) بن مظعونٍ وعبد الله بنُ عمرٍو، أن يتبتَّلوا، ويَخْصُوا أنفسهم، ويلبسوا المُسُوح (^٣)، فنزلت هذه الآيةُ إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (^٤).\nقال ابن جُريجٍ، عن عكرمة: إن عثمانَ بن مظعونٍ وعليَّ بن أبى طالبٍ وابن مسعودٍ والمقداد بن الأسود وسالمًا مولى أبى حُذيفة، في أصحابٍ (^٥) تَبَتَّلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساءَ، ولبسوا المُسوح، وحرَّموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما أكل وليس أهلُ السياحة من بنى إسرائيل، وهمُّوا بالإخصاء (^٦)، وأجمعوا لقيام الليل وصيامِ النهار، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. يقولُ: لا تستنُّوا (^٧) بغير سنةِ المسلمين. يريدُ ما حرَّموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من صيام النهار وقيام الليل، وما همُّوا له من الإخصاء، فلما نزلت فىهم بعث إليهم رسول الله ﷺ، فقال: \"إن لأنفسكم حقًّا، وإنَّ لأعْيُنِكم حقًّا، صُومُوا وأَفْطِرُوا، وَصَلُّوا ونامُوا، فليس منَّا من ترك سُنَّتنا\". فقالوا: اللَّهمَّ أَسْلَمْنا واتَّبَعْنا ما أنزَلتَ (^٨).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٨، ٣٠٩ إلى ابن مردويه.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣، س: \"عبد الله\".\n(^٣) المسوح: جمع مسح، وهو كساء من الشعر وثوب يلبسه الراهب.\n(^٤) ذكره الزيلعى في تخريج الكشاف ١/ ٤١٦، ٤١٧ عن المصنف بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٨ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٥) في ص، ت ٢، ت ٣، س: \"أصحابه\".\n(^٦) في م: \"بالاختصاء\".\n(^٧) في ص: \"نسروا\"، وفى ت ١، س: \"تسيروا\".\n(^٨) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٨ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"8","page":612},{"text":"حدَّثني يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، عن ابن زيدٍ في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال: قال أبى: ضاف عبد الله بن رواحة ضيفٌ، فانقلب ابن رواحةً ولم يتعشَّ، فقال لأهله: ما عَشَّيْتِه؟ فقالت: كان الطعام قليلًا، فانتظرتُ أن تأتى. قال: فحبَست ضيفى من أجلى! فطعامك عليَّ حرامٌ إن ذقتُه. فقالت هي: وهو على حرامٌ إن ذقتُه إن لم تذُقه. وقال الضيفُ: هو عليَّ حرامٌ إن ذقتُه إن لم تَذُوقوه. فلما رأى ذلك، قال ابن رواحة: قرِّبى طعامك، كلوا باسمِ الله. وغدا إلى النبيِّ ﷺ فأخبره، فقال رسولُ الله ﷺ: \"قد أَحْسَنْتَ\". فنزلت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وقرأ حتى بلغ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. إذا قلت: والله لا أذوقُه. فذلك العقد (^١).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعدٍ (^٢)، قال: ثنا عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، أن رجلًا أتى النبيَّ ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنى إذا أصبتُ من اللحم انتشرتُ، وأخذَتْنى شهوتى، فحرَّمتُ اللحمَ. فأنزل الله تعالى ذِكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا خالدٌ الحذّاءُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٨٧، ١١٨٨ (٦٦٩٢) عن يونس، عن ابن وهب، عن هشام بن سعيد، عن زيد بن أسلم نحوه دون ذكر المرفوع.\n(^٢) في النسخ: \"سعيد\". وتقدم على الصواب في ٧/ ٣١٠، ٩/ ٩٢، وسيأتي على الصواب أيضًا.\n(^٣) أخرجه الترمذى (٣٠٥٤) عن عمرو بن علي به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٨٦ (٦٦٨٧)، وابن عدى ٥/ ١٨١٧ من طريق أبى عاصم به. وأخرجه الطبراني (١١٩٨١) من طريق عثمان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٧ إلى ابن مردويه.","vol":"8","page":613},{"text":"عكرمة، قال: همَّ أناسٌ من أصحاب رسول الله ﷺ بترك النساءِ والخصاءِ، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية (^١).\nواختلفوا في معنى \"الاعتداء\" الذي قال تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، فقال بعضُهم: الاعتداءُ الذي نهى الله عنه في هذا الموضع هو ما كان عثمانُ بنُ مظعونٍ همَّ به من جَبِّ نفسه، فنُهِيَ عن ذلك، وقيل له: \"هذا هو الاعتداء\". وممن قال ذلك السُّديُّ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عنه (^٢).\nوقال آخرون: بل ذلك هو ما كان الجماعةُ من أصحاب رسول الله ﷺ همُّوا به من تحريم النساء والطعام واللباس والنوم، فنُهُوا أن يفعلوا ذلك، وأن يستنُّوا بغير سنة نبيِّهم محمدٍ ﷺ. وممن قال ذلك عكرمةُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عنه (^٢).\nوقال بعضُهم: بل ذلك نهى من الله تعالى ذكرُه أن يتجاوز الحلالُ إلى الحرام.\n\n<span data-type='title' id=toc-2751>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن عاصمٍ، عن الحسنِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٧ إلى المصنف.\n(^٢) بعده في م: \"به\". وتقدم تخريج الأثر في ص ٦١٢.","vol":"8","page":614},{"text":"آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾. قال: لا تعتدوا إلى ما حُرِّمَ عليكم (^١).\nوقد بيَّنا أن معنى \"الاعتداء\" تجاوزُ المرءِ ما له إلى ما ليس له في كلِّ شيءٍ، فيما مضَى بما أغنى عن إعادته (^٢).\nوإذ كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره قد عمَّ بقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾. النهى عن العُدْوانِ كلِّه، كان الواجب أن يكون محكومًا لما عمَّه بالعموم حتى يَخُصَّه ما يجبُ التسليمُ له، وليس لأحدٍ أن يتعدَّى حدَّ الله تعالى ذكرُه في شيءٍ من الأشياء مما أحلَّ أو حرَّم، فمن تعدَّاه فهو داخلٌ في جملة من قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.\nوغير مستحيل أن تكونَ الآيةُ نزلت في أمر عثمان بن مظعونٍ والرهط الذين هَمُّوا من أصحاب رسول الله ﷺ بما هَمُّوا به من تحريم بعض ما أحلَّ الله لهم على أنفسهم، ويكون مرادًا بحكمها كلُّ من كان في مثل معناهم، ممن حرَّم على نفسه ما أحلَّ الله له، أو أحلَّ ما حرم الله عليه، أو تجاوز حدًّا حدَّه الله له. وذلك أن الذين هَمُّوا بما هَمُّوا به من تحريم بعض ما أحَلَّ لهم على أنفسهم، إنما عُوتبوا على ما هَمُّوا به من تجاوزهم ما سنَّ لهم وحَدَّ، إلى غيره.\n\n<span id=\"aya-757\"></span><span data-type='title' id=toc-2752>القول في تأويل قوله: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لهؤلاء المؤمنين الذين نهاهم أن يُحرموا طيبات ما أحلَّ اللَّهُ لهم: كُلوا أيها المؤمنون من رزق الله الذي رزقكم وأحلَّه لكم، حلالًا طيبًا.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٨٨ (٦٦٩٦) من طريق عاصم به.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٣٢.","vol":"8","page":615},{"text":"كما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمة: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾. يعنى: ما أحلَّ الله لهم من الطعام.\nوأما قولُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. فإنه يقولُ: وخافوا أيها المؤمنون أن تعتدوا في حدودِه، فتُحلُّوا ما حرَّم عليكم، أو تُحرِّموا ما حلَّل لكم، واحذروه في ذلك أن تخالفوه، فينزِلَ بكم سَخَطُه، أو تستوجبوا به عقوبته، ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: الذي أنتم بوحدانيته مقرُّون، وبربوبيَّتِه مُصَدِّقون.\n\n<span id=\"aya-758\"></span><span data-type='title' id=toc-2753>القولُ في تأويل قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه للذين كانوا حرَّموا على أنفسهم الطيبات من أصحاب رسول الله ﷺ، وكانوا حرَّموا ذلك بأيمانٍ حلفوا بها، فنهاهم عن تحريمها، وقال لهم: لا يُؤاخذكم ربُّكم باللغو في أيمانكم.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: لما نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. في القومِ الذين كانوا حرَّموا النساء واللحم على أنفسهم، قالوا: يا رسولَ اللهِ، كيف نصنعُ بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فأَنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية (^١).\nفهذا يدلُّ على ما قلنا من أن القومَ كانوا حرَّموا ما حرَّموا على أنفسهم بأيمانٍ حلَفوا بها، فنزلت هذه الآيةُ بسببهم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٦١١.","vol":"8","page":616},{"text":"واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ وبعضُ البصريين: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ بتشديدِ القافِ (^١)، بمعنى: وكَّدتم الأيمانَ وردَّدتموها.\n[وقرَأه عامةُ] (^٢) الكوفيين: (بِمَا عَقَدْتُمُ الأيمَانَ) بتخفيف القافِ (^٣)، بمعنى: أوجَبتموها على أنفسِكم، وعزَمت عليها قلوبُكم.\nوأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءةُ من قرَأ بتخفيفِ القافِ، وذلك أن العربَ لا تكادُ تستعملُ \"فعلت\" في الكلامِ إلا فيما يكونُ فيه ترَددٌ مرةً بعدَ مرةٍ، مثلَ قولِهم: شدَّدتُ على فلانٍ في كذا. إذا كرَّر عليه الشِّدةَ مرةً بعد أُخرى، فإذا أرادوا الخبرَ عن فعلِ مرةٍ واحدةٍ، قيل: شدَدْتُ عليه. بالتخفيفِ. وقد أجمَع الجميعُ لا خلافَ بينَهم، أن اليمينَ التي تجبُ بالحنْثِ فيها الكفارةُ، تلزمُ بالحِنْثِ في حَلِفِ مرةٍ واحدةٍ وإن لم يكرِّرْها الحالفُ مرّاتٍ، وكان معلومًا بذلك أن الله مؤاخذٌ الحالفَ العاقدَ قلبَه على حَلِفِه، وإن لم يُكرِّرْه ولم يُردِّدُه. وإذا كان ذلك كذلك، لم يكنْ لتشديدِ القافِ من ﴿عَقَّدْتُمُ﴾ وجهٌ مفهومٌ.\nفتأويلُ الكلامِ إذن: لا يؤاخذُكم اللهُ أيها المؤمنون من أيمانِكم بما لَغَوْتُم فيه، ولكن يُؤاخذكم بما أوجبتُموه على أنفسِكم منها، وعَقَدَت عليه قلوبُكم.\nوقد بيَّنَّا اليمينَ التي هي لغوٌ، والتي اللهُ مؤاخذٌ العبدَ بها، والتي فيها الحنْتُ، والتي لا حِنْثَ فيها، فيما مضى من كتابِنا هذا، فكرهنا إعادةَ ذلك في هذا الموضعِ (^٤).\nوأما قولُه: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ فإن هنّادًا حدَّثنا، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع، وحفص عن عاصم، وابن كثير وأبي عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٧.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وقرأه\"، وفى م: \"وقراء\". والمثبت هو الصواب.\n(^٣) وهى قراءة أبى بكر عن عاصم، وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٧.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٤/ ١٤، وما بعدها.","vol":"8","page":617},{"text":"قال: بما تَعَمَّدتم (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ يقولُ: ما تعمَّدتَ فيه المأثمَ، فعليك فيه الكفارةُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2755>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في الهاءِ التي في قولِه: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ اعلام هي عائدةٌ، ومن ذكرِ ما؟ فقال بعضُهم: هي عائدةٌ على \"ما\" التي في قولِه: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-2754>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديِّ، عن عوفٍ (^٣)، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو أن تحلِفَ على الشيءِ وأنت يُخَيَّلُ إليك أنه كما حلفتَ، وليس كذلك، فلا يؤاخذُكم اللهُ، فلا كفارةَ، ولكنَّ المؤاخذةَ والكفارةَ فيما حلَفتَ عليه على علمٍ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: اللغوُ ليس فيه كفارةٌ، ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٩١ (٦٧١٢) من طريق وكيع به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٥٩٥٣)، والبيهقى ١٠/ ٥٠ من طريق سفيان به.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤١٠ عقب الأثر (٢٦١٣) معلقًا.\n(^٣) في النسخ: \"عدى\". وتقدم على الصواب في ١/ ٧٥، ١٧٥، ٢١٤، ٢٢٦.\n(^٤) تقدم تخريجه في ٤/ ٢٠.","vol":"8","page":618},{"text":"قال: ما عقَد فيه يمينَه فعليه الكفارةُ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن أبي مالكٍ، قال: الأيمانُ ثلاثٌ، يمينٌ تُكَفَّرُ، ويمينٌ لا تُكَفَّرُ، ويمينٌ لا يؤاخذُ بها صاحبُها؛ فأما اليمينُ التي تُكفرُ، فالرجلُ يحلِفُ على الأمرِ لا يفعلُه ثم يفعَلُه، فعليه الكفارةُ، وأما اليمينُ التي لا تُكفَّرُ، فالرجلُ يحلِفُ على الأمرِ يتعمَّدُ فيه الكذبَ، فليس فيه كفارةٌ، وأما اليمينُ التي لا يؤاخَذُ بها صاحبُها، فالرجلُ يَحلِفُ على الأمرِ يرَى أنه كما حلَف عليه، فلا يكونُ كذلك، فليس عليه فيه كفارةٌ، وهو اللغوُ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا ابن أبي ليلى، عن عطاءٍ، قال: قالت عائشةُ: لغو اليمينِ ما لم يَعقِدُ عليه الحالفُ قلبَه (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: ثنا هشامٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن إبراهيمَ، قال: ليس في لغوِ اليمينِ كفارةٌ (^٤).\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونسُ، عن ابن شهابٍ، أن عروةَ حدَّثه، أن عائشةَ قالت: أيمانُ الكفارةِ؛ كلُّ يمينٍ حلَف فيها الرجلُ على جِدٍّ من الأمورِ في غضبٍ أو غيرِه، ليفعلنَّ، ليترُكنَّ، فذلك عقدُ الأيمانِ التي فرَض اللهُ فيها الكفارةَ، وقال تعالى ذكرُه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم تخريجه في ٤/ ١٧.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٤/ ٢٤.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٤/ ١٦.\n(^٤) تقدم تخريجه في ٤/ ٣٠.\n(^٥) تقدم تخريجه في ٤/ ٣١.","vol":"8","page":619},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن يحيى بن سعيد (^١)، وعن عليّ بن أبي طلحةَ، قالا: ليس في لغوِ اليمينِ كفارةٌ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. يقولُ: ما تَعمَّدتَ فيه المأثَمَ فعليك فيه الكفارةُ. قال: وقال قتادةُ: أما اللغوُ فلا كفارةَ فيه.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عبدةُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: لا كفارةَ في لغوِ اليمينِ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو العَنْقَزيُّ (^٣)، عن أسباطَ، عن السديِّ: ليس في لغوِ اليمينِ كفارةٌ (^٤).\nفمعنى الكلامِ على هذا التأويلِ: لا يؤاخذُكم اللهُ باللغوِ في أيمانِكم، ولكن يؤاخذُكم بما عقدتم الأيمانَ، فكفارةُ ما عقدتم منها إطعامُ عشَرةِ مساكينَ.\nوقال آخرون: الهاءُ في قولِه: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ عائدةٌ على \"اللغو\"، وهي كنايةٌ عنه.\nقالوا: وإنما معنى الكلامِ: لا يؤاخذُكم اللهُ باللغوِ في أيمانِكم إذا كفَّرْتُموه، ولكن يُؤاخذُكم إذا عقدتم الأيمانَ فأقمتم على المضيِّ عليه بتركِ الحنثِ والكفارةِ فيه، والإقامةُ على المضيِّ عليه غيرُ جائزةٍ لكم، فكفَّارةُ اللغوِ منها إذا حنَثتم فيه إطعامُ\n_________\n(^١) في ص، م: \"سعد\".\n(^٢) تقدم في ٤/ ٢٥.\n(^٣) في م: \"العبقرى\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ٤/ ٢٤.","vol":"8","page":620},{"text":"عشَرةِ مساكينَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2756>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يحلِفُ على أمرٍ ضِرارٍ أن يفعلَه فلا يفعلَه، فيرَى الذي هو خيرٌ منه، فأمَره اللهُ أن يُكفِّرَ عن يمينِه ويأتيَ الذي هو خيرٌ. وقال مرةً أُخرى قولَه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. قال: واللغوُ من الأيمانِ (^١) هي التي تُكَفَّرُ، لا يؤاخِذُ اللهُ بها، ولكن من أقام على تحريمِ ما أحلَّ اللهُ له ولم يتحوَّلْ عنه ولم يكفِّرْ عن يمينِه، فتلك التي يؤاخَذُ بها (^٢).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ قولَه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الذي يحلِفُ على المعصيةِ فلا يَفِى، فيُكفِّرُ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يحلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخذُه اللهُ تعالى ذِكرُه، يُكفِّرُ عن يمينِه، ويأتى الذي هو خيرٌ، ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾: الرجلُ يحلِفُ على المعصيةِ، ثم يقيمُ عليها، فكفارتُه إطعامُ عشَرةِ مساكينَ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: أخبرنا داودُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ،\n_________\n(^١) في م: \"اليمين\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ٤/ ٢٠، ٣٣.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٤/ ٢٧.","vol":"8","page":621},{"text":"قال في لغو اليمينِ: هي اليمينُ في المعصيةِ، فقال: أوَ لا تقرأُ فتفهمَ؟ قال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. قال: فلا يُؤاخذُه بالإلغاءِ، ولكن يؤاخذُه بالتمامِ (^١) عليها. قال: وقال: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (^٢) [البقرة: ٢٢٤].\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يحلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخذُه اللهُ بتركِها إن ترَكها. قلتُ: وكيف يصنعُ؟ قال: يكفِّرُ يمينَه ويتركُ المعصيةَ (^٢).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: اللغوُ يمينٌ لا يُؤَاخَذُ بها صاحبُها، وفيها كفارةٌ (^٣).\nحدَّثني يحيى بنُ جعفرٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: اليمينُ المُكفَّرةُ (^٤).\nوالذي هو أولى عندى بالصوابِ في ذلك أن تكونَ الهاءُ في قولِه: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ عائدةً على \"ما\" التي في قولِه: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾؛ لما قدَّمْنا فيما مضَى قبلُ، أن من لزِمْته في يمينِه كفارةٌ [وُوخِذ بها، وغيرُ] (^٥) جائزٍ أن يقالَ لمن قد أُوخِذ: لا يؤاخذُه اللهُ باللغوِ. وفي قولِه تعالى ذكرُه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي\n_________\n(^١) في م: \"بالمقام\".\n(^٢) تقدم تخريجه ٤/ ٢٨.\n(^٣) تقدم تخريجه ٤/ ٢٢.\n(^٤) تقدم تخريجه ٤/ ٣٣.\n(^٥) في م: \"وأوخذ بها غير\".","vol":"8","page":622},{"text":"أَيْمَانِكُمْ﴾. دليلٌ واضحٌ أنه لا يكونُ مؤاخذًا بوجهٍ من الوجوهِ، مَن أخبرنا تعالى ذِكرُه أنه غيرُ مؤاخَذٍ.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أنه إنما عنَى تعالى ذِكرُه بقولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، بالعقوبةِ عليها في الآخرةِ إذا حنَثتم وكفَّرتم، لا أنه لا يؤاخذُهم بها (^١) في الدنيا بتكفيرٍ، فإن إخبارَ اللهِ تعالى ذِكرُه وأمره ونهيَه في كتابِه على الظاهرِ العامِّ عندنا - بما قد دلَّلنا على صحةِ القولِ به في غيرِ هذا الموضعِ، فأغنَى عن إعادتِه - دونَ الباطنِ العامِّ الذي لا دلالةَ على خصوصِه في عقلٍ ولا خبرٍ، ولا دلالةَ من عقلٍ ولا خبرٍ أنه عنَى تعالى ذِكرُه بقولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ بعضَ معاني المؤاخذةِ دونَ جميعِها.\nوإذ كان ذلك كذلك، وكان مَن لزِمتْه كفارةٌ في يمينٍ حنَث فيها مؤاخَذًا بها بعقوبةٍ في مالِه عاجلةٍ - كان معلومًا أنه غيرُ الذي أخبرنا تعالى ذكرُه أنه لا يؤاخذُه بها.\nوإذ كان الصحيحُ من التأويلِ في ذلك ما قلنا بالذي عليه دلَّلنا، فمعنى الكلامِ إذن: لا يؤاخذُكم اللهُ أيها الناسُ بلغوٍ من القولِ والأيمانِ إذا لم تتعمَّدوا بها معصيةَ اللهِ تعالى ذكرُه، ولا خلافَ أمرِه، ولم تَقصِدوا بها إثمًا، ولكن يؤاخذُكم بما تعمَّدتم به الإثمَ، وأوجَبتموه على أنفسِكم، وعزَمت عليه قلوبُكم، ويُكفَّرُ ذلك عنكم، فيُغطِّي على سَيِّئِ ما كان منكم، مِن كَذِبٍ وزُورِ قولٍ، ويمحُوه عنكم فلا يُتْبِعُكم به ربُّكم إطعامَ عشرةِ مساكينَ من أوسطِ ما تُطْعِمون أهليكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2757>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، س: \"بما\".","vol":"8","page":623},{"text":"يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: من أعدلِه.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: سمِعتُ عطاءً يقولُ في هذه الآية: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال عطاءٌ: أوسطُه أعدلُه.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: من أوسط ما يُطْعِمُ من أجناسِ الطعامِ الذي يقتاتُه أهلُ بلدِ المكفِّرِ - أهاليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2758>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنادٌ، قال: أخبرنا شريكٌ، عن عبدِ اللهِ بن حَنَشٍ، عن الأسودِ، قال: سألته عن ﴿أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، قال: الخبزُ، والتمرُ، والزيتُ، والسمنُ، وأفضلُه اللحمُ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ بن حَنَشٍ، قال: سألتُ الأسودَ بنَ يزيدَ عن ذلك، فقال: الخبزُ والتمرُ. زاد هنادٌ في حديثِه: والزيتُ. قال: وأحسبُه: والخلُّ (^١).\nحدَّثنا هنادٌ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا أبو الأحوصِ، [عن عاصمٍ الأحولِ] (^٢)، عن ابن سيرينَ، عن ابن عمرَ في قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: من\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٠٨٨) عن سفيان به.\n(^٢) ليس في: س.","vol":"8","page":624},{"text":"أوسطِ ما يُطْعِمُ أهلَه؛ الخبزُ والتمرُ، والخبزُ والسمنُ، والخبزُ والزيتُ، ومن أفضلِ ما يُطعِمُهم الخبزُ واللحمُ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن ليثٍ، عن ابن سيرينَ، عن ابن عمرَ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: الخبزُ واللحمُ، والخبزُ والسمنُ، والخبزُ والجبنُ، والخبزُ والخلُّ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بن حَنَشٍ، قال: سألتُ الأسودَ بنَ يزيدَ عن ﴿أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: الخبزُ والتمرُ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ حَنَش، قال: سألتُ الأسودَ بنَ يزيدَ. فذكَر مثلَه.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سعيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عَبيدةَ السَّلْمانيِّ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: الخبزُ والسمنُ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سعيدِ بن عبد الرحمنِ، عن ابن سيرينَ، قال: سألتُ عبيدةَ عن ذلك. فذكَر مثلَه.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أزهرُ، قال: أخبرنا ابن عونٍ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عبيدةَ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: الخبزُ والسمنُ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن يزيدَ بن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٩٣ (٦٧٢١) من طريق عاصم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"8","page":625},{"text":"إبراهيمَ، عن ابن سيرينَ، قال: كانوا يقولون: أفضلُه الخبزُ واللحمُ، وأوسطُه الخبزُ والسمنُ، وأخسُّه (^١) الخبزُ والتمرُ (^٢).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الربيعِ، عن الحسنِ، قال: خبزٌ ولحمٌ، أو خبزٌ وسمنٌ، أو خبرُ ولبنٌ (^٣).\nحدَّثنا هنادٌ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا عمرُ بنُ هارونَ، عن أبي مُصْلِحٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: الخبزُ واللحمُ والمرقةُ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا زائدةُ، عن يحيى بن حيَّانَ (^٤) الطائيِّ (^٥)، قال: كنتُ عندَ شُرَيحٍ، فأتاه رجلٌ فقال: إنى حلَفتُ على يمينٍ فأثِمتُ. قال شُرَيحٌ: ما حمَلك على ذلك؟ قال: قُدِّرَ عليَّ، فما أوسطُ ما أُطْعِمُ أهلى؟ قال له شُريحٌ: الخبزُ والزيتُ، والخلُّ طيِّبٌ. قال: فأعاد عليه، فقال له شُريحٌ ذلك ثلاثَ مرارٍ، لا يزيدُه شُريحٌ على ذلك. فقال له: أرأيتَ إن أطعمتُ الخبزَ واللحمَ؟ قال: ذاك أرفعُ طعامِ أهلِك وطعامِ الناس.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن حجّاجٍ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال في كفارةِ اليمينِ: يُغدِّيهم ويُعشِّيهم؛ خبزًا وزيتًا، أو خبزًا وسمنًا، أو خلًّا وزيتًا (^٦).\n_________\n(^١) في ص: \"أحسنه\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣١٣ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٠٧٩)، وسعيد بن منصور في سننه (٧٩٤ - تفسير)، وابن أبي شيبة (الجزء الأول من القسم الرابع) ص ١٠ من طريق يونس عن الحسن.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"حبان\"، وغير منقوطة في ت ٢، س.\n(^٥) في ت ١: \"الطحاوي\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٩٢ (٦٧١٩) من طريق أبي خالد الأحمر به ببعضه. وأخرجه =","vol":"8","page":626},{"text":"حدَّثنا هنادٌ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا أبو أسامةَ (^١)، عن زِبْرِقانَ، [عن أبي رَزينٍ] (^٢): ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: خبزٌ وزيتٌ وخلٌّ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن هشامٍ، عن (^٣) محمدٍ، قال: أكلةٌ واحدةٌ؛ خبزٌ ولحمٌ. قال: وهو من أوسطِ ما تطعِمون أهليكم، وإنكم لتأكُلون الخَبِيصَ (^٤) والفاكهةَ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، وحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، قال في كفارةِ اليمينِ: يُجْزِئُك أن تُطْعِمَ عشرةَ مساكينَ أكلةً واحدةً؛ خبزًا ولحمًا، فإن لم تَجِدْ فخبزًا وسمنًا ولبنًا، فإن لم تجدْ فخبزًا وخلًّا وزيتًا. حتى يَشْبَعوا (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن زِبْرِقانَ، قال: سألتُ أبا رزَينٍ عن كفارةِ اليمينِ ما يُطْعِمُ؟ قال: خبرًا وخلًّا وزيتًا، من أوسطِ ما تُطْعِمون أهليكم، وذلك قدرُ قُوتِهم يومًا واحدًا.\nثم اختلَف قائلو ذلك في مَبْلَغه؛ فقال بعضهُم: مبلغُ ذلك نصفُ صاعٍ من حِنْطَةٍ، أو صاعٌ من سائرِ الحبوبِ غيرِها.\n_________\n= سعيد بن منصور في سننه (٧٩٥ - تفسير)، وابن أبي حاتم ٤/ ١١٩٢ (٦٧١٨) من طريق الحارث به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣١٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^١) بعده في ت ١: \"عن زيد\".\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) في النسخ: \"ابن\". والصواب ما أثبت.\n(^٤) الخبيص: الحلواء المخبوصة من التمر والسمن. الوسيط (خ ب ص).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٠٧٨) عن هشام بن حسان به.","vol":"8","page":627},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2759>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن عبدِ اللهِ بن عمرِو بن مرةَ، عن أبيه، عن إبراهيمَ، عن عمرَ (^١)، قال: إنى أحلفُ على اليمينِ ثم يبدو لي، فإذا رأيتَني قد فعلتُ ذلك، فأطعِمْ عشَرةَ مساكينَ؛ لكلِّ مسكينٍ مُدّانِ (^٢) من حِنْطةٍ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ ويعلى، عن الأعمشِ، عن شقيقٍ، عن يسارِ (^٣) بن نُميرٍ، قال: قال عمرُ: إنى أحْلِفُ أَلَّا أُعطِيَ أقوامًا، ثم يبدو لى أن أُعطيَهم، فإذا رأيتَني فعلتُ ذلك، فأَطْعِمْ عني عشَرةَ مساكينَ، بينَ كلِّ مسكينين (^٤) صاعًا من برٍّ، أو صاعًا من تمرٍ (^٥).\nحدَّثنا هنادٌ ومحمدُ بنُ العلاءِ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابن (^٦) أبي ليلى، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بن سَلِمةَ، عن عليٍّ، قال: كفارةُ اليمينِ إطعامُ عشرةِ مساكينَ، لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ من حنطةٍ (^٧).\n_________\n(^١) في ص: \"عمرو\".\n(^٢) في ص، ت ٢: \"مد من\".\n(^٣) في ص: \"بشار\". وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٢٩٧.\n(^٤) في ص، ت ١: \"مسكين\".\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٨٧ - تفسير)، والطحاوى في شرح المعاني ٣/ ١٢١، والبيهقى ١٠/ ٥٥، ٥٦ من طريق أبي معاوية، وابن أبي شيبة ص ٧ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق الأعمش به، وأخرجه عبد الرزاق (١٦٠٧٥، ١٦٠٧٦)، وسعيد بن منصور في سننه (٧٨٥، ٧٨٦ - تفسير)، والطحاوى ٣/ ١٢١ من طريق شقيق به.\n(^٦) بعده في ص: \"عباس\".\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٠٧٧)، وابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٧، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٩١ (٦٧١٥) من طريق وكيع به، وأخرجه الطحاوى ٣/ ١٢١ من =","vol":"8","page":628},{"text":"حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: نصفُ صاعِ برٍّ كلَّ مسكينٍ (^١).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا حفصٌ، عن عبدِ الكريمِ الجزريِّ، قال: قلتُ لسعيدِ بن جبيرٍ: أجمعُهم؟ قال: لا، أعطِهم مدَّينِ من حنطةٍ؛ مدًّا لطعامِه، ومدًّا لإدامِه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن عبدِ الكريمِ الجزريِّ، قال: قلتُ لسعيدٍ. فذكَر نحوَه (^٢).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو زبيدٍ (^٣)، عن حُصَينٍ، قال: سألتُ الشعبيَّ عن كفارةِ اليمينِ، فقال: مَكُّوكين (^٤)؛ مَكُّوكًا لطعامِه، ومكوكًا لإدامِه (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا هشامٌ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لكلِّ مسكينٍ مُدَّينِ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لكلِّ مسكينٍ مُدَّينِ من بُرٍّ، في كفارةِ اليمينِ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ،\n_________\n= طريق ابن أبي ليلى به بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣١٢ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٧ من طريق مغيرة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٨ عن وكيع به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٦٠٨١) عن سفيان به.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"زيد\".\n(^٤) المكوك: اسم للمكيال، ويختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد. النهاية ٤/ ٣٥٠.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٨ من طريق حصين به.","vol":"8","page":629},{"text":"عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: مُدَّانِ من طعامٍ لكلِّ مسكينٍ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: ثنا سعيدُ (^٢) بنُ يزيدَ أبو مسْلمةَ (^٣)، قال: سألتُ جابرَ بنَ زيدٍ عن إطعامِ المساكينِ في كفارةِ اليمينِ، فقال: أَكْلةٌ. قلتُ: فإن الحسنَ يقولُ: مَكُّوكُ بُرٍّ ومكوكُ تمرٍ. فما ترَى في مكوكِ برٍّ؟ فقال: إن مكوكَ بُرٍّ لا، أو مكوكَ تمرٍ (^٤) لا. قال يعقوبُ: قال ابن عُليَّةَ: وقال أبو مَسْلمةَ (٣) بيدِه. كأنه يراه حسنًا، وقلَّب أبو بشرٍ (^٥) يدَه (^٦).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ أنه كان يقولُ في كفارةِ اليمينِ، فيما وجَب فيه الطعامُ: مَكُّوكُ تمرٍ ومكوكُ برٍّ لكلِّ مسكينٍ (^٧).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا أبي، عن الربيع، عن الحسنِ، قال: إن جمعَهم أشبَعهم إشباعةً واحدةً، وإن أعطاهم أعطاهم مكُّوكًا مكُّوكًا.\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن يونسَ، قال: كان الحسنُ يقولُ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من القسم الرابع) ص ٨ عن وكيع به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٠٨٢) عن سفيان به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٩٣ - تفسير) من طريق خصيف عن مجاهد.\n(^٢) في م: \"سعد\".\n(^٣) في م: \"سلمة\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٣: \"بر\". ومفهوم كلام جابر بن زيد أنه لا يجزئ مكوك تمر وحده، أو مكوك بر وحده. وهذا ما استحسنه أبو مسلمة إشارة بيده.\n(^٥) في م: \"سلمة\". وأبو بشر كنية ابن علية.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٩ عن ابن علية به.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٦٠٧٨) عن هشام بنحوه.","vol":"8","page":630},{"text":"وَجْبَةٌ (^١)، فإن أعطاهم في أيديهم فمكوكُ برٍّ ومكوكُ تمرٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ في كفَّارةِ اليمينِ: نصفُ صاعٍ لكلِّ مسكينٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبيه، عن الحكمِ في قولِه: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: إطعامُ نصفِ صاعٍ لكلِّ مسكينٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا زائدةُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: ﴿أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: نصفُ صاعٍ (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، عن قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحمٍ يقولُ في قولِه: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾. قال: الطعامُ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ من تمرٍ أو بُرٍّ (^٣).\nوقال آخرون: بل مَبْلَغُ ذلك من كلِّ شيءٍ من الحبوبِ مدٌّ واحدٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2760>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن هشامٍ الدَّستُوائيِّ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن زيدِ بن ثابتٍ أنه\n_________\n(^١) سقط من: س، م، وفى ص، ت:٢: \"وحسبه\"، وفى ت ١، ت ٣: \"وحسنه\" والمثبت من مصدر التخريج وهو الصواب.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٩٧ - (تفسير) عن ابن علية به. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٠٧٩)، وابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٠ من طريق يونس به.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٩١ عقب الأثر (٦٧١٥) معلقًا.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٦٢٩.","vol":"8","page":631},{"text":"قال في كفارةِ اليمين: مدٌّ من حنطةٍ لكلِّ مسكينٍ (^١).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال في كفَّارةِ اليمينِ: مدٌّ من حنطةٍ، لكلِّ مسكينٍ ربعُه إدامُه (^٢).\nحدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ نحوَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ابن عجلانَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾: لكلِّ مسكينٍ مدٌّ.\nحدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا العمريُّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: مدٌّ من حنطةٍ لكلِّ مسكينٍ (^٣).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ أنه كان يُكفِّرُ اليمينَ بعشرةِ أمدادٍ، بالمدِّ الأصغرِ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن مهديٍّ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عبيدِ اللهِ، عن القاسمِ وسالمٍ في كفَّارةِ اليمينِ، ما يُطْعِمُ؟ قالا: مدٌّ لكلِّ مسكينٍ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٩ (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٩ عن وكيع به، وأخرجه البيهقى ١٠/ ٥٥ من طريق هشام به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٠٦٨) من طريق يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن زيد بن ثابت بلفظ: \"مدين\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣١٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٨، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٩٢ (٦٧١٦)، والبيهقى ١٠/ ٥٥ من طريق داود به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٩ من طريق عبيد الله العمرى به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٠٧٤) عن يحيى به، وأخرجه مالك ٢/ ٤٧٩، وعبد الرزاق (١٦٠٧٣، ١٦٠٨٦)، والبيهقى ١٠/ ٥٥، من طريق نافع به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٩ عن ابن مهدى به.","vol":"8","page":632},{"text":"حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن يحيى بن أبو الأحوصِ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سليمانَ بن يسارٍ، قال: كان الناسُ إذا كفَّر أحدُهم، كفَّر بعشرةِ أمدادٍ، بالمدِّ الأصغرِ (^١).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عمرُ بنُ هارونَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾. قال: عشرةُ أمدادٍ لعشرةِ مساكينَ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: كان يقالُ: البرُّ والتمرُ؛ لكلِّ مسكينٍ مدٌّ من تمرٍ، ومدٌّ من برٍّ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ وهنادٌ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن مالكِ بن مِغْولٍ، عن عطاءٍ، قال: مدٌّ لكلِّ مسكينٍ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: من أوسطِ ما تَعُولونهم. قال: وكان المسلمون رأَوْا أَوْسَط ذلك مُدًّا بمدِّ رسولِ اللهِ ﷺ مِن حِنْطةٍ. قال ابن (^٤) زيدٍ: هو الوسطُ مما يَقُوتُ به أهلَه، ليس بأدناه ولا بأرفعِه.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يحيى بنُ عبدِ اللهِ بن\n_________\n(^١) أخرجه مالك ٢/ ٤٧٩، وسعيد بن منصور في سننه (٧٨٩ - تفسير)، والبيهقى ١٠/ ٥٥ من طريق به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٠٨٥) عن ابن جريج به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٠٨٠)، والبيهقى ١٠/ ٥٥ من طريق قتادة به.\n(^٤) في م: \"أبو\".","vol":"8","page":633},{"text":"سالمٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: مُدٌّ (^١).\nوقال آخرون: بل ذلك غداءٌ وعَشاءٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2761>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن حجاجٍ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال في كفارةِ اليمينِ: يُغَدِّيهم ويُعَشِّيهم (^٢).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عمرُ (^٣) بنُ هارونَ، عن موسى بن عُبَيدةَ، عن محمدِ بن كعب القُرَظيِّ في كفارةِ اليمينِ، قال: غَداءٌ وعشاءٌ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: يُغَدِّيهم ويُعَشِّيهم (^٤).\nوقال آخَرون: إنما عنَى بقولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: مِن أوسطِ ما يُطْعِمُ المُكفِّرُ أهلَه. قال: إن كان ممَّن يُشْبِعُ أهلَه، أشْبَع المساكينَ العشَرةَ، وإن كان ممَّن لا يُشْبِعُهم لعجزِه عن ذلك، أطْعَم المساكينَ على قدرِ ما يَفْعَلُ مِن ذلك بأهلِه، في عُسْرِه ويُسْرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2762>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٧، والبيهقى ١٠/ ٥٥ من طريق قتادة عن سعيد.\n(^٢) تقدم بتمامه في ص ٦٢٧.\n(^٣) في ت ١: \"عمرو\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٦٠٧٩) عن سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٠ من طريق يونس به بلفظ \"أو\" عند عبد الرزاق، وبلفظ مرة واحدة عند ابن أبي شيبة.","vol":"8","page":634},{"text":"عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: إن كنتَ تُشْبِعُ أَهْلَك، فأشْبِعِ المساكينَ، وإلا فعلى ما تُطْعِمُ أَهْلَك بِقَدَرِه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: وهو أن تُطْعِمَ كلَّ مسكينٍ مِن نحوِ ما تُطْعِمُ أهلَك مِن الشِّبَعِ، أو نصفَ صاعٍ مِن بُرٍّ.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا أبي و(^١) إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: من عُسْرِهم ويُسْرِهم (^٢).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: مِن عُسْرهم ويُسْرِهم.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن سليمانَ بن أبي المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: قُوتُهم.\nحدَّثنا هنادٌ وأبو كُرَيْبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن سليمانَ العَبْسيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: قُوتُهم (^٣).\n_________\n(^١) في النسخ: \"عن\". والمثبت مما سيأتي في ص ٦٥٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٩٣ (٦٧٢٤) من طريق وكيع، عن إسرائيل به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٩٢ عن الثورى به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٩٨ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٩٣ (٦٧٢٣)، من طريق سليمان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣١٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"8","page":635},{"text":"حدَّثنا أبو حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، قال: ثنا عَنْبَسَةُ، عن سليمانَ بن عُبيدٍ العَبْسيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: كانوا يُفَضِّلون الحرِّ على العبدِ، والكبيرَ على الصغيرِ، فنزَلَت: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾.\nحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيعِ، عن سالم (^١) الأفْطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كانوا يُطْعِمون الكبيرَ ما لا يُطْعِمون الصغيرَ، ويُطْعِمون الحرَّ ما لا يُطْعِمون العبدَ، فقال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: ثنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: إن كنتَ تُشْبِع أهلَك فأشْبِعْهم، وإن كنتَ لا تُشْبِعهم، فعلى (^٢) قدرِ ذلك.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شَيْبانُ النَّحْويُّ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: مِن عُسْرِهم ويُسْرِهم (^٣).\nحدَّثنا يونسُ، قال: ثنا سفيانُ، عن سليمانَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ: كان الرجلُ يَقُوتُ بعضَ أهلِه قوتًا دونًا، وبعضَهم قوتًا فيه سَعَةٌ، فقال اللهُ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْنَ﴾: الخبزُ والزيتُ (^٤).\nوأولى الأقْوالِ في تأويلِ قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. عندَنا،\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"وابن\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"فكل\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٩٣ (٦٧٢٤) من طريق جابر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣١٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٩٣ (٦٧٢٢) عن يونس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور =","vol":"8","page":636},{"text":"قولُ مَن قال: مِن أوسطِ ما تُطْعِمون أهليكم في القلةِ والكثرةِ، وذلك أن أحكامَ رسولِ اللهِ ﷺ في الكفارات كلِّها بذلك ورَدَت، وذلك كحكمِه ﷺ في كفارةِ الحَلْقِ من الأذَى بفَرَقٍ (^١) مِن طعامٍ بينَ ستةِ مَساكينَ، لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، وكحُكْمِه في كفارةِ الوطْءِ في شهرِ رمضانَ بخمسةَ عشَرَ صاعًا بينَ ستين مسكينًا، لكلِّ مسكينٍ رُبُع صاعٍ (^٢)، ولا يُعْرَفُ له ﷺ شيءٌ مِن الكفاراتِ أمَر بإطعامِ خبزٍ وإدامٍ، ولا بغَداءٍ وعَشاءٍ.\nفإذ كان ذلك كذلك، وكانت كفارةُ اليمينِ إحدى الكفاراتِ التي تَلْزَمُ مَن لَزِمَتُه، كان سبيلُها سبيلَ ما تولَّى الحكمَ فيه ﷺ، من أن الواجبَ على مكفِّرِها من الطعامِ، مُقدَّرًا (^٣) للمساكينِ العشرةِ، محدودًا (^٤) بكيلٍ، دونَ جمعِهم على غَدَاءٍ أو عَشَاءٍ مَخْبوزٍ مَأْدومٍ؛ إذ كانت سنتُه ﷺ في سائرِ الكفاراتِ كذلك.\nفإذ كان صحيحًا ما قلنا، مما به اسْتَشْهَدْنا، فبيِّنٌ أن تأويلَ الكلامِ: ولكن يُؤَاخِذُكم بما عقدْتُم الأيمانَ، فكفارتُه إطعامٌ عشرةِ مَساكينَ من أعدلِ إطعامِكم أهليكم. وأن \"ما\" التي في قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. بمعنى المصدرِ، لا بمعنى الأسماءِ.\nوإذا كان ذلك كذلك، فأعْدَلُ أقواتِ الموسِعِ على أهلِه مُدَّان، وذلك نصفُ صاعٍ، في رُبُعِه إدامُه، وذلك أعلى ما حكَم به النبيُّ ﷺ في كفارةٍ في إطعامِ\n_________\n= ٢/ ٣١٢ إلى عبد بن حميد.\n(^١) الفرق: مكيال يسع ستة عشر رطلا، وهى اثنا عشر مدا، أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز. النهاية ٣/ ٤٣٧.\n(^٢) أخرجه أحمد ١١/ ٥٣٢ (٦٩٤٤)، والدارقطني ٢/ ١٩٠، والبيهقى ٤/ ٢٢٦ من حديث أبي هريرة.\n(^٣) في م: \"مقدار\".\n(^٤) في م: \"محدود\".","vol":"8","page":637},{"text":"مَساكينَ. وأعدلُ أقواتِ المُقترِ على أهلِه مُدٌّ، وذلك ربعُ صاعٍ، وهو أدنى ما حكَم به في كفارةٍ في إطعامِ مساكينَ.\nوأما الذين رأَوْا إطعامَ المساكينِ في كفارةِ اليمينِ الخبزَ واللحمَ، وما ذكَرْنا عنهم قبلُ، والذين رأوا أن يُغَدَّوْا أو يُعَشَّوْا، والذين رأَوْا أَن يُغَدَّوْا وَيُعَشَّوْا، فإنهم ذهَبوا إلى تأويلِ قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: من أوسطِ الطعامِ الذي تُطْعِمونه أهليكم. فجعَلوا \"ما\" التي في قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ اسمًا لا مصدرًا، فأَوْجَبوا على المكفِّرِ إطعامَ المساكينِ مِن أعدلِ ما يُطْعِمُ أَهْلَه مِن الأغذيةِ، وذلك مذهبٌ، لولا ما ذكَرْنا من سننِ رسولِ اللهِ ﷺ في الكفاراتِ غيرِها، التي يَجِبُ إلحاقُ أشكالِها بها، وأن كفارةَ اليمينِ لها نظيرةٌ وشَبيهةٌ - يَجِبُ إلحاقُها بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2764>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: فكفارةُ ما عقدْتُم من الأيمانِ إطعامُ عشَرةِ مساكينَ ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. يقول: إما أن تُطْعِموهم أو تكْسُوهم، والخيارُ في ذلك إلى المكفِّرِ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في \"الكسوةِ\" التي عنَى اللهُ بقولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك كسوةَ ثوبٍ واحدٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2763>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في كسوةِ المساكينِ، في كفارةِ اليمينِ: أدناه ثوبٌ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ،","vol":"8","page":638},{"text":"عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: أدناه ثوبٌ، وأعلاه ما شِئْتَ (^١).\nحدَّثنا هنادٌ وأبو كُريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن الربيعِ، عن الحسنِ، قال في كفارةِ اليمينِ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾: ثوبٌ لكلِّ مسكينٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابْنُ مَهْدَيٍّ، عن وُهَيْبٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: ثوبٌ (^٣).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عَبيدةُ، وحدَّثنا ابن حُميدٍ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا جَريرٌ، جميعًا عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: ثوبٌ.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: ثوبٌ ثوبٌ. قال منصورٌ: القميصُ، أو الرِّداءُ، أو الإزارُ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ وهنادٌ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: كسوةُ الشتاءِ والصيفِ؛ ثوبٌ ثوبٌ.\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عمرُ بنُ هارونَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: ثوبٌ ثوبٌ لكلِّ مسكينٍ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٠٩٨) عن الثورى به.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٩٣ عقب الأثر (٦٧٢٧) معلقًا، وينظر مصنف عبد الرزاق (١٦٠٩١، ١٦٠٩٢).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦١٠٠) من طريق ابن طاوس به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٠٨٥)، عن ابن جريج به.","vol":"8","page":639},{"text":"حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سليمان (^١)، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن أبي معْشَرٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: إذا كَساهم ثوبًا ثوبًا أَجْزَأ عنه (^٢).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ الرازيُّ، عن ابن سِنانٍ، عن حَمَّادٍ، قال: ثوبٌ أو ثَوبان، وثوبٌ لا بدَّ منه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: ثوبٌ ثوبٌ لكلِّ إنسانٍ، وقد كانت العباءةُ تَقْضِى يومَئذٍ من الكِسوةِ (^٣).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، عن معاويةَ بن صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: الكِسوةُ عَباءةٌ لكلِّ مسكينٍ أو (^٤) شَمْلةٌ (^٥).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: ثوبٌ، أو قميصٌ، أو رِداءٌ، أو إزارٌ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: إن اخْتارَ صاحبُ اليمينِ الكِسوةَ، كَسَا عشَرةَ أَناسِيَّ؛ كلَّ إنسانٍ عَباءةً.\n_________\n(^١) في م: \"سلمان\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٠٩٧) من طريق مغيرة، عن إبراهيم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣١٣ إلى المصنف وأبي عبيد وابن المنذر.\n(^٤) سقط من ص، ت ١.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٩٣ (٦٧٢٧) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"8","page":640},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنا ابن جُرَيحٍ، قال: سَمِعْتُ عطاءً يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾: الكِسْوةُ ثوبٌ ثوبٌ.\nوقال بعضُهم: عنَى بذلك الكِسوةَ ثوبَين ثوبَين.\n\n<span data-type='title' id=toc-2765>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عَبيدةُ، وحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، جميعًا عن داودَ بن أبى هندٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: عَباءةٌ وعِمامةٌ (^١).\nحدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، قال: عِمامَةٌ يَلُفُّ بها رأسَه، وعباءةٌ يَلْتَحِفُ بها (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الأَنصاريُّ، عن أَشْعَثَ، عن الحسنِ وابنِ سيرينَ، قالا: ثَوبين ثَوبين (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: ثَوبَين.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن يونُسَ، عن الحسنِ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كريب وهنادٌ، قالا: ثنا وَكِيعٌ، عن سفيانَ، عن يونُسَ بن عُبَيدٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٠١ - تفسير) من طريق داود به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٠٩٥) عن سفيان به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٠٩١) من طريق هشام، عن الحسن، وفي (١٦٠٩٣) من طريق أيوب، عن ابن سيرين.","vol":"8","page":641},{"text":"الحسنِ، قال: ثَوبان ثَوبان لكلِّ مِسْكينٍ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن ابن سِيرينَ، عن أبي موسى، أنه حلَف على يمينٍ، فكسا ثوبين مِن مُعَقَّدةِ (^١) البَحْرَيْنِ (^٢).\nحدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن يزيدَ بن إبراهيمَ، عن ابن سِيرينَ، أن أبا موسى كسَا ثوبين مِن مُعَقَّدَةِ البَحْرَيْنِ (^٣).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن هشامٍ، عن محمدٍ (^٤)، أن أبا موسى الأشعريَّ حلَف على يمينٍ فرأَى أن يُكَفِّرَ ففعَل، وكَسَا عشَرةً ثوبين ثوبين (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن هشامٍ، عن محمدٍ، أن أبا موسى حلَف على يمينٍ فكفَّر، فكَسَا عشَرَةَ مَساكينَ ثوبين ثوبين.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: عبَاءةٌ وعِمامةٌ لكلِّ مسكينٍ (^٦).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ مثلَه (^٧).\n_________\n(^١) المُعَقَّد: ضرب من برود هجر. اللسان (ع ق د).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٠٩٤) من طريق عاصم به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٩٩ - تفسير) - ومن طريقه البيهقى ١٠/ ٥٦ - من طريق سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٠٩٣) من طريق أيوب، عن ابن سيرين.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٩٤ (٦٧٢٨) من طريق يزيد بن إبراهيم به.\n(^٤) بعده في م، ت ١، ت ٣: \"بن عبد الأعلى\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٦١٠١) عن هشام به.\n(^٦) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٠٠ - تفسير) عن هشيم.\n(^٧) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٩٣ عقب الأثر (٦٧٢٧) معلقًا.","vol":"8","page":642},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، قال: قال رجلٌ عندَ سعيدِ بن المسيبِ: (أو كَأُسْوَتِهِمْ) (^١). فقال سعيدٌ: لا، إنما هي ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: فقلتُ: يا أبا محمدٍ، ما كسوتُهم؟ قال: لكلِّ مسكينٍ عباءةٌ وعِمامةٌ؛ عَباءةٌ يَلْتَحِفُ بها، وعِمامةٌ يَشُدُّ بها رأسَه (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ (^٢)، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: الكسوةُ لكلِّ مسكينٍ رداءٌ وإزارٌ، كنحوِ ما يَجِدُ مِن المَيْسَرةِ والفاقةِ.\nوقال آخَرون: بل عنَى بذلك: ﴿كِسْوَتُهُمْ﴾: ثوبٌ جامعٌ؛ كالمِلْحَفةِ والكِساءِ، والشيءِ الذي يَصْلُحُ للُّبْسِ والنومِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2766>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن مُغِيرةَ، عن حَمَّادٍ، عن إبراهيمَ، قال: الكسوةُ ثوبٌ جامِعٌ.\nحدَّثنا هنادٌ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا ابن فُضَيلٍ (^٣)، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: ثوبٌ جامعٌ. قال: وقال مُغِيرةُ: والثوبُ الجامعُ المِلْحفةُ أو الكِساءُ أو نحوُه، ولا نَرَى الدِّرْعَ والقميصَ والخِمارَ ونحوَه جامعًا.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، قال:\n_________\n(^١) قراءة شاذة، قرأ بها سعيد بن جبير ومحمد بن السميفع اليماني. ينظر تفسير القرطبي ٦/ ٢٧٩، والبحر المحيط ٤/ ١١.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"سلمان\".\n(^٣) في س: \"المفضل\".","vol":"8","page":643},{"text":"ثوبٌ جامعٌ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أبيه، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: ثوبٌ جامعٌ.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: ثوبٌ جامعٌ لكلِّ مسكينٍ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ وشعبةُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: ثوبٌ جامعٌ (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن المغيرةِ مثلَه.\nوقال آخَرون: عنَى بذلك كِسوةَ إزارٍ ورداءٍ أو قميصٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2767>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبد الأعلى، عن بُرْدٍ (^٣)، عن نافعٍ (^٤)، عن ابن عمرَ، قال في الكسوةِ في الكفَّارة: إزارٌ، ورداءٌ، وقميصٌ (^٥).\nوقال آخرون: كلُّ ما كَسَا فيُجْزِئُ، والآيةُ على عمومِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2768>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٠٩٧) عن سفيان، عن مغيرة به.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٠٢ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٣) في النسخ: \"بردة\"، وتقدم على الصواب في ٦/ ٦١٠، وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٤٣.\n(^٤) في ص، ت ١، س: \"رافع\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٩٣ (٦٧٢٦) من طريق برد به.","vol":"8","page":644},{"text":"يُجْزِئُ في كفَّارةِ اليمينِ كلُّ شيءٍ إلا التُّبَّانَ (^١).\nحدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أشعثَ، عن الحسنِ، قال: يُجزِئُ عِمامةٌ في كفَّارةِ اليمينِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أُوَيْسٍ الصَّيْرَفيِّ، عن أبي الهيثمِ، قال: قال سلمانُ: نِعْمَ الثوبُ التُّبَّانُ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الشَّيْبانيِّ، عن الحَكَمِ، قال: عمامةٌ يَلُفُّ بها رأسَه.\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصحةِ وأشبهُها بتأويلِ القرآنِ قولُ من قال: عنى بقولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾: ما وقَع عليه اسمُ كِسوةٍ، مما يَكُونُ ثوبًا فصاعدًا؛ لأن ما دونَ الثوبِ لا خلافَ بينَ جميعِ الحُجَّةِ أنه ليس مما دخَل في حكمِ الآيةِ، فكان ما دونَ قدرِ ذلك خارجًا مِن أن يَكُونَ اللهُ تعالى ذكرُه عناه بالنقل المُسْتفِيضِ، والثوبُ وما فوقَه داخلٌ في حكمِ الآيةِ، إذ لم يَأْتِ مِن اللهِ تعالى وحيٌ، ولا مِن رسولِه ﷺ خبرٌ، ولم يَكُنْ مِن الأمةِ إجماعٌ بأنه غيرُ داخلٍ في حكمِها، وغيرُ جائزٍ إخراجُ ما كان ظاهرُ الآيةِ مُحْتَمِلَه من حكمِ الآيةِ، إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها، ولا حجةَ بذلكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2769>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: أو فكُّ عبدٍ مِن أسْرِ العُبُودةِ وذُلِّها.\nوأصلُ التحريرِ الفكُّ من الأسْرِ، ومنه قولُ الفرزدقِ بن غالبٍ (^٢):\nأبَنِي غُدَانَةَ إِنَّنِي حَرَّرْتُكُم … فَوَهَبْتُكُمْ لعَطِيَّةَ بن جِعَالِ\n_________\n(^١) التبان: سراويل صغير مقدار شبر يستر العورة المغلظة فقط، يكون للملاحين. اللسان (ت ب ن).\n(^٢) ديوانه ص ٧٢٦.","vol":"8","page":645},{"text":"يعنى بقوله: حرَّرتُكم: فَكَكْتُ رِقابَكم مِن ذلِّ الهِجاءِ ولُزُومِ العارِ.\nوقيل: ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. والمحرَّرُ ذو الرقبةِ؛ لأن العربَ كان مِن شأنِها إذا أسَرَت أسيرًا أن تَجْمَعَ يَدَيه إلى عنقِه بقِدٍّ (^١) أو حبلٍ أو غيرِ ذلك، وإذا أطْلَقَتْه مِن الأسرِ أطْلَقَت يَدَيْه وحلَّتهما مما كانتا به مشدودَتَين إلى الرقبةِ. فجرَى الكلامُ عندَ إطلاقِهم الأسيرَ، بالخبرِ عن فكِّ يديه من رقبتِه، وهم يُريدون الخبرَ عن إطلاقِه من أسرِه، كما يُقالُ: قبَض فلانٌ يدَه عن فلانٍ. إذا أمسَك يدَه عن نَوالِه، و: بسَط فيه لسانَه. إذا قال فيه سوءًا. فيُضافُ الفعلُ إلى الجارحةِ التي يَكُونُ بها ذلك الفعلُ دونَ فاعلِه؛ لاستعمالِ الناسِ ذلك بينَهم، وعلمِهم بمعنى ذلك.\nفكذلك ذلك في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. أُضيف التحريرُ إلى الرقبةِ وإن لم يَكُنْ هنالك غُلٌّ في رقبتِه، ولا شَدُّ يَدٍ إليها، وكان المرادُ بالتحريرِ نفسَ العبدِ، بما وصَفنا من جَرَّا (^٢) استعمالِ الناسِ ذلك بينهم، لمعرفتِهم بمعناه.\nفإن قال قائلٌ: أفكلُّ الرقابِ معنيٌّ بذلك أو بعضُها؟\nقيل: بل معنيٌّ بذلك كلُّ رقبةٍ كانت سليمةَ من الإقعادِ والعَمَى والخَرَسِ، وقطعِ اليدين أو شَلَلِهما، والجنونِ المطبِقِ، ونظائرِ ذلك، فإن مَن كان به ذلك أو شيءٌ منه من الرقابِ، فلا خلافَ بينَ الجميعِ مِن الحجةِ أنه لا يُجْزِئُ في كفَّارِةِ اليمينِ، فكان معلومًا بذلك أن الله تعالى ذكرُه لم يَعْنِه بالتحريرِ في هذه الآيةِ. فأما الصغيرُ والكبيرُ والمسلمُ والكافرُ، فإنهم مَعْنِيُّون به.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ.\n_________\n(^١) في م: \"بقيد\". والقد السير يُقَدُّ من الجلد لخصف النعال أو نحو ذلك. الوسيط (ق د د).\n(^٢) أي من جراء، بمعنى من أجل، وهما لغتان.","vol":"8","page":646},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2770>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنادٌ، قال: [ثنا هشيمٌ، عن] (^١) مغيرةَ، عن إبراهيمَ أنه كان يقولُ: مَن كانت عليه رقبةٌ واجبةٌ، فاشْتَرَى نَسَمةً، قال: إذا أنقَذها مِن عملٍ أجزَأَته، ولا يَجوزُ عتقُ مَن لا يَعْمَلُ، فأما الذي يَعْمَلُ؛ كالأعورِ ونحوِه، وأما الذي لا يَعْمَلُ فَلا يُجْزِئُ؛ كالأعمى والمُقْعَدِ (^٢).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: كان يُكْرَهُ عتقُ المُخَبَّلِ (^٣) في شيءٍ مِن الكفاراتِ (^٤).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ أنه كان لا يَرَى عتقَ المغلوبِ على عقلِه يُجْزِئُ في شيءٍ مِن الكفاراتِ.\nوقال بعضُهم: لا يُجْزِئُ في الكفَّارةِ مِن الرقابِ إلا صحيحٌ، ويُجْزِئُ الصغيرُ فيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2771>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن جُريج، عن عطاءٍ، قال: لا يُجْزِئُ في الرقبةِ إلا صحيحٌ (^٥).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: يُجْزِئُ المولودُ في الإسلامِ مِن رقبةٍ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: ما كان\n_________\n(^١) سقط من: النسخ، والمثبت هو الصواب.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٢، ١٣ عن هشيم به.\n(^٣) المخبل: المجنون. التاج (خ ب ل).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٣ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن هشيم به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣١٣ إلى أبي الشيخ.","vol":"8","page":647},{"text":"في القرآنِ من \"رقبةٍ مؤمنةٍ\"، فلا يُجْزِئُ إلا ما صام وصلَّى، وما كان ليس بمؤمنةٍ فالصبيُّ يُجْزِئُ.\nوقال بعضُهم: لا يُقالُ للمولودِ: رقبةٌ. إلا بعد مدةٍ تَأْتِى عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2772>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ يزيدَ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ زكريا بن أبى زائدةَ، عن محمدِ بن شُعَيْبِ بن شَابُورَ، عن النعمانِ بن المنذرِ، عن سليمانَ، قال: إذا وُلِد الصىيُّ فهو نَسَمةٌ، وإذا انْقَلَب ظهرًا لبطنٍ فهو رقبةٌ، وإذا صلَّى فهو مؤمنةٌ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يُقالَ: إن الله تعالى عمَّ بذكرِ الرقبةِ كلَّ رقبةٍ، فأيَّ رقبةٍ حرَّرها المكفِّرُ يمينَه في كفارتِه، فقد أدَّى ما كُلِّف، إلا ما ذكَرْنا أن الحجةَ مُجْمِعةٌ على أن الله تعالى لم يَعْنِه بالتحريرِ، فذلك خارجٌ مِن حكمِ الآيةِ، وما عدا ذلك فجائزٌ تحريرُه في الكفارةِ بظاهرِ التنزيلِ.\nوالمكفَّرُ مُخيَّرٌ في تكفيرِ يمينهِ التي حنِث فيها، بإحدى هذه الحالاتِ الثلاثِ التي سمَّاها اللهُ في كتابِه؛ وذلك إطعامُ عشَرةِ مَساكينَ مِن أوسطِ ما يُطْعِمُ أهلَه، أو كسوتُهم، أو تحريرُ رقبةٍ، بإجماعٍ مِن الجميعِ، لا خلافَ بينَهم في ذلك.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن ما قلنا مِن أن ذلك إجماعٌ مِن الجميع ليس كما قلنا؛ لِمَا حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملك بن أبى الشَّوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زيادٍ، قال: ثنا سليمانُ الشَّيْبانيُّ، قال: ثنا أبو الضُّحَى، عن مسروقٍ، قال: جاء مَعْقِلُ (^١) بنُ مُقَرِّنٍ إلى عبدِ اللهِ، فقال: إنى آلَيْتُ مِن النساءِ والفِراشِ. فقرَأ عبدُ اللهِ هذه الآيةَ: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]. قال:\n_________\n(^١) في م: \"نعمان\".","vol":"8","page":648},{"text":"فقال مَعْقِلٌ (^١): إنما سألْتك أن (^٢) أَتَيْتُ على هذه الآيةِ الليلةَ؟ فقال عبدُ اللَّهِ: ائْتِ النساءَ ونَمْ، وأَعْتِقْ رقبةً، فإنك مُوسِرٌ (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: ثني جَريرُ بنُ حازمٍ، أن سليمانَ الأعمشَ حدَّثه عن إبراهيمَ بن يزيدَ النَّخَعيِّ، عن همامِ بن الحارثِ [عن عمرِو بن شرحبيلَ، أن مَعْقِلَ] (^٤) بنَ مُقَرِّنٍ سأَل عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ، فقال: إني حلَفْتُ أَلَّا أنامَ على فِراشي سنةً؟ فقال ابن مسعودٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. كفِّرْ عن يمينِك، ونَمْ على فراشِك. قال: بم أُكَفِّرُ عن يميني؟ قال: أَعْتِقْ رقبةً فإنك مُوسِرٌ (^٥).\nونحوُ هذا مِن الأخبارِ التي رُوِيَت عن ابن مسعودٍ وابنِ عمرَ وغيرِهما، فإن ذلك منهم كان على وجهِ الاسْتِحبابِ لمن أمَروه بالتكفيرِ بما أمَروه به بالتكفيرِ مِن الرقابِ، لا على أنه كان لا يُجْزِئُ عندَهم التكفيرُ للمُوسِرِ إلا بالرقبةِ؛ لأنه لم يَنْقُلْ أحدٌ عن أحدٍ منهم أنه قال: لا يُجْزِئُ المُوسِرَ التكفيرُ إلا بالرقبةِ.\nوالجميعُ من علماءِ الأمصارِ قديمِهم وحديثِهم مُجْمِعون على أن التكفيَر بغيرِ الرقابِ جائزٌ للمُوسِر، ففى ذلك مُكْتَفًى عن الاسْتِشهادِ على صحةِ ما قلنا في ذلك بغيرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2773>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"نعمان\".\n(^٢) في م: \"الكوني\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٧٢ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٨٧ (٦٦٩٠)، والطبراني في الكبير (٨٩٠٧، ٨٩٠٨)، والحاكم ٢/ ٣١٣، من طريق أبى الضحى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٠٩ إلى ابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في النسخ: \"أن نعمان\". والمثبت مما تقدم في ٦/ ٦٠٩.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٨٧ (٦٦٩٠) من طريق الأعمش به، وهو تتمة الأثر تقدم تخريجه ٦/ ٦٠٩.","vol":"8","page":649},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: فمن لم يَجِدْ لكفارةِ يمينِه التي لزِمه تكفيُرها مِن الطعامِ والكِسوِة والرقابِ ما يُكَفِّرُها به، على ما فرَضْنا عليه، وأَوْجَبْناه في كتابِنا، وعلى لسانِ رسولِنا محمدٍ ﷺ، ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾. يقولُ: فعليه صيامُ ثلاثةِ أيامٍ.\nثم اخْتَلَف أهلُ العلمِ في معنى قولِه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾. ومتى يَسْتَحِقُّ الحانثُ في يمينِه الذي قد لزِمَته الكفارةُ اسمَ غيرِ واجدٍ، حتى يَكونَ ممَّن له الصيامُ في ذلك؟ فقال بعضُهم: إذا لم يَكُنْ للحانثِ في وقتِ تكفيرِه عن يمينِه إلا قدرُ قوتِه وقوتِ عِيالِه يومَه وليلتَه، فإنَّ له أن يُكَفِّرَ، بالصيامِ، فإن كان عندَه في ذلك الوقتِ قوتُه وقوتُ عيالِه يومَه وليلتَه، ومِن الفضلِ ما يُطْعِمُ عشَرةَ مَساكينَ أو ما يَكْسُوهم، لزِمه التكفيرُ بالإطعامِ أو الكسوةِ، ولم يُجْزِه الصيامُ حينَئذٍ. ومَّمن قال ذلك الشافعيُّ، حدَّثنا بذلك عنه الربيعُ.\nوهذا القولُ قصَد إن شاء اللَّهُ مَن (^١) أَوْجَب الطعامَ على مَن كان عندَه درهمان، ومَن (^١) أوْجَبه على مَن عندَه ثلاثةُ دَراهمَ.\nوبنحوِ ذلك حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عبدِ الكريمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: إذا لم يَكُنْ له إلا ثلاثةُ دراهمَ أطْعَم. قال: يعني في الكفارةِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى مُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: قلت لمعمرِ (^٢) بن راشدٍ: الرجلُ (^٣) يَحْلِفُ، ولا يَكونُ عندَه مِن الطعامٍ إلا بقدرِ ما يُكَفِّرُ.\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"ممن\".\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"لعمر\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١.","vol":"8","page":650},{"text":"قال: كان قتادةُ يقولُ: يَصومُ ثلاثةَ أيامٍ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا يونُسُ بن عُبيدٍ، عن الحسنِ، قال: إذا كان عندَه درهمان.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا مُعْتَمرُ، عن حمادٍ، عن عبدِ الكريمِ بن (^١) أبى أميةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: ثلاثةُ دراهمَ.\nوقال آخَرون: جائزٌ لمن لم يَكُنْ عندَه مِائَتا درهمٍ أن يصومَ، وهو ممَّن لا يَجِدُ.\nوقال آخَرون: جائزٌ لمن لم يَكُنْ عندَه فضلٌ عن رأسِ مالِه يَتَصَرَّفُ به لمَعاشِه ما يُكَفِّرُ به بالإطعام، أن يَصومَ، إلا أن يَكونَ له كِفايةٌ مِن المالِ ما يَتَصَرُّفُ به لمَعاشِه، ومِن الفضلِ عن ذلك ما يُكَفِّرُ به عن يمينِه. وهذا قولٌ كان يقولُه بعضُ مُتأَخِّرى المتفقِّهةِ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن مَن لم يكنْ عندَه في حالِ حِنْثِه في يمينِه إلا قدرُ قوتِ وقوتِ عيالِه يومَه وليلتَه، لا فضلَ له عن ذلك، يصومُ ثلاثةَ أيامٍ، وهو ممَّن دخَل في جملةِ مَن لا يَجِدُ ما يُطْعِمُ أو يَكْسُو أو يُعْتِقُ. وإن كان عندَه في ذلك الوقتِ مِن الفضلِ عن قوتِه وقوتِ عيالِه يومَه وليلتَه، ما يُطْعِمُ، أو يَكْسُو عشَرةَ مَساكينَ، أو يُعْتِقُ رقبةً، فلا يُجزئُه حينَئذٍ الصومُ؛ لأن إحدى الحالاتِ الثلاثِ حينَئذٍ - مِن إطعامٍ أو كسوةٍ أو عتقٍ - حقُّ قد أَوْجَبه اللهُ تعالى في مالِه وجوبَ الدَّيْنِ، وقد قامَت الحجةُ بأن المُفْلِسَ إذا فرَّق مالَه بينَ غُرمائِه، أنه لا يَتْرُكُ ذلك اليومَ إلا ما لا بدَّ له مِن قوتِه وقوتِ عيالِه يومَه وليلتَه، فكذلك حكمُ المُعْدَمِ بالدَّيْنِ، الذي أَوْجَبه اللهُ تعالى في مالِه، بسببِ الكفارةِ التي لزِمت مالَه.\n_________\n(^١) سقط من: ص.","vol":"8","page":651},{"text":"واختلف أهلُ العلمِ في صفةِ الصومِ الذي أوجبه اللهُ في كفارةِ اليمينِ؛ فقال بعضُهم: صفته أن يكونَ مُواصِلًا بينَ الأيامِ الثلاثةِ غيرَ مُفَرِّقها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2774>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلّ صومٍ في القرآنِ فهو مُتتابِعٌ إلا قضاءَ رمضانَ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ وهنادٌ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: كان أبيُّ بنُ كعبٍ يقرأُ: (فصيامُ ثلاثةٍ أيامٍ متُتابعاتٍ).\nحدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ الأسديُّ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ بن موسى، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بنِ كعبٍ أنه كان يقرأُ: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ مُتتابعاتٍ) (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن قَزَعَةَ، عَنْ (^٣) سُوَيْدٍ، عَن سَيفِ بن سليمانَ، عن مجاهدٍ، قال: في قراءةِ عبدِ اللهِ: (فَصيامُ ثلاثةِ أيامٍ متتابعاتٍ).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن ابن عونِ، عن إبراهيمَ، قال: في قراءتِنا: (فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعاتٍ) (^٤).\n_________\n(^١) بعده في م: \"فإنه عدة من أيام أخر\".\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦١٠٥) عن سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٠ من طريق ليث به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦١٠٤) عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه البيهقى ١٠/ ٦٠ من طريق عبيد الله بن موسى به، وأخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٠ من طريق أبى جعفر به.\n(^٣) ف م، ت ٢: \"بن\". وينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٥٩٣.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٠٤ - تفسير)، والبيهقى ١٠/ ٦٠ من طريق ابن عون به.","vol":"8","page":652},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن ابن عونٍ، عن إبراهيمَ مثلَه (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: في قراءةِ أصحابِ عبدِ اللهِ: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ مُتتابعاتٍ).\nحدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ: قال: في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ مُتتابعاتٍ).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ حميدٍ، عن معمرٍ، عن أبي (^٢) إسحاقَ: في قراءة عبدِ اللَّهِ: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ مُتتابعاتٍ) (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ حميدٍ، عن معمرٍ، عن الأعمشِ، قال: كان أصحابُ عبدِ اللَّهِ يقرَءون: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ مُتتابعاتٍ) (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: سمِعت سفيانَ يقولُ: إذا فرَّق صيامَ ثلاثةِ أيامٍ لم يُجْزِه. قال: وسمِعته يقولُ في رجلٍ صام في كفارةِ يمينٍ ثم أفطَر: قال: يَسْتَقْبِلُ الصومَ.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾. قال: إذا لم يَجِدْ طعامًا، وكان في بعضِ القراءةِ: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ مُتتابعاتٍ). وبه كان يَأْخُذُ قتادةُ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ، قال: هو بالخيارِ في هؤلاء الثلاثةِ، الأوَّلَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٠ عن ابن علية به.\n(^٢) في النسخ: \"ابن\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٦٠٣) عن معمر به.","vol":"8","page":653},{"text":"فالأوّلَ، فإن لم يَجِدْ من ذلك شيئًا، فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ متتابعاتٍ (^١).\nوقال آخرون: جائزٌ لمن صامهن أن يَصُومهن كيف شاء، مُجتمِعاتٍ ومُفْترِقاتٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2775>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا أَشْهَبُ، قال: قال مالكٌ: كلُّ ما ذكَر اللهُ في القرآنِ مِن الصيامِ، فأن يُصامَ تباعًا أَعْجَبُ، فإن فرَّقها رَجَوْتُ أَن تُجْزِئَ عنه.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يقالَ: إن الله تعالى أوجَب على من لَزِمَتْه كفارةٌ في يمينٍ إذا لم يجِدْ إلى تكفيرِها بالإطعامِ أو الكِسْوةِ أو العتقِ سبيلًا، أن يُكَفِّرَها بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ، ولم يَشْرِطْ في ذلك مُتتابعةً، فكيفما صامهن المُكَفِّرُ، مفرّقةً ومُتتابِعةً، أجْزأه؛ لأن الله تعالى إنما أوجب عليه صيامَ ثلاثةِ أيامٍ، فكيفما أتَى بصومِهن أجْزَأ.\nفأما ما رُوِيَ عن أُبيٍّ وابنِ مسعودٍ من قراءتِهما: (فصِيامُ ثلاثةِ أيامٍ مُتَتابِعاتٍ) أفذلك خلافُ ما في مصاحفِنا، وغيرُ جائزٍ لنا أن نَشْهدَ بشيءٍ ليس في مصاحفِنا مِن الكلامِ أنه مِن كتابِ اللهِ، غيرَ أنِّى أختارُ للصائمِ في كفَّارِةِ اليمينِ أن يُتابعَ بينَ الأيامِ الثلاثةِ ولا يُفَرِّقَ؛ لأنه لا خلافَ بينَ الجميعِ أنه إذا فعَل ذلك فقد أجزَأ ذلك عنه مِن كفَّارتِه، وهم في غيرِ ذلك مُخْتلِفون، ففِعْلُ ما لا يُخْتَلَفُ في جوازِه أحبُّ إليَّ، وإن كان الآخرُ جائزًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2776>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ١٠/ ٥٩، ٦٠ من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"8","page":654},{"text":"يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذا الذي ذكرتُ لكم أنه كَفَّارةُ أيمانِكم مِن إطعامِ العَشَرةِ المساكينِ، أو كِسْوَتِهم، أو تحريرِ الرقبةِ، وصيامِ الثلاثةِ الأيامِ إذا لم تجِدوا من ذلك شيئًا - هو كفارةُ أيمانِكم التي عقدتموها إذا حلَفتُم، ﴿وَاحْفَظُوا﴾ أيها الذين آمنوا ﴿أَيْمَانَكُمْ﴾ أن تَحْنِثوا فيها، ثم تُضَيِّعوا الكفارةَ فيها، بما وَصَفْتُه لكم، ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾. كما بَيَّنَ لكم كفارةَ أيمانِكم، ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ جميع ﴿آيَاتِهِ﴾، يعنى: أعلامَ دينِه، فيوضِّحُها لكم؛ لئلا يقولَ المُضيِّعُ المُفَرِّطُ فيما ألزمه اللهُ: لم أعْلَمْ حُكْمَ اللهِ في ذلك. و﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ يقولُ: لتشكروا اللَّهَ على هدايتِه إياكم، وتوفيقِه لكم.\n\n<span id=\"aya-759\"></span><span data-type='title' id=toc-2777>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾.</span>\nوهذا بيانٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه للذين حرَّموا على أنفسِهم النساءَ والنومَ واللحمَ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ، تَشَبُّهًا منهم بالقِسيسينَ والرُّهبانِ، فأنزل اللهُ فيهم على نبيِّه ﷺ كتابَه بنهْيهِم (^١) عن ذلك، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٨٧]. فنهاهم بذلك عن تحريمِ ما أحلَّ اللهُ لهم من الطيباتِ، ثم قال: ولا تَعْتدوا أيضًا في حُدودى، فَتُحِلُّوا ما حَرَّمتُ عليكم، فإن ذلك لكم غيرُ جائزٍ، كما غيُر جائزٍ لكم تحريمُ ما حَلَّلْتُ، وإني لا أحبُّ المُعْتَدِين.\nثم أخبرهم عن الذي حَرَّمَ عليهم، مما إذا اسْتَحلوه وتقدَّموا عليه، كانوا مِن المَعْتدِين في حدودِه، فقال لهم: يا أيها الذين صَدَّقوا الله ورسولَه، إن الخمرَ التي تشرَبونها، والميسرَ الذي تَتَياسرونه، والأنصابَ التي تذبَحون عندَها، والأزلامَ التي\n_________\n(^١) في م: \"ينهاهم\".","vol":"8","page":655},{"text":"تَسْتَقْسِمون بها، ﴿رِجْسٌ﴾. يقولُ: إثمٌ ونَتْنٌ، سَخِطَه اللَّهُ وكَرِهَه لكم، ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. يقولُ: شُرْبُكم الخمرَ، وقِمارُكم على الجُزُرِ (^١)، وذبحُكم للأنصابِ، واسْتِقْسامُكم بالأزلامِ، مِن تزيينِ الشيطانِ لكم، ودعائِه إياكم إليه، وتحسينِه لكم، لا مِن الأعمالِ التي ندَبكم إليها ربُّكم، ولا مما يرضاه لكم، بل هو مما يَسْخَطُه لكم، ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾. يقولُ: فاترُكوه وارفضُوه ولا تعملُوه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: لكى تُنجِحوا فتُدْرِكُوا الفلاحَ عندَ ربِّكم، بتركِكم ذلك.\nوقد بيَّنا معنى \"الخمرِ\" و\"الميسرِ\" و\"الأزلامِ\" فيما مضَى، فكرِهنا إعادتَه (^٢).\nوأما الأنصابُ، فإنها جمعُ نُصُبٍ، وقد بيَّنا معنى \"النُّصُبِ\" بشواهدِه فيما مضَى (^٣).\nورُوِىَ عن ابن عباسٍ في معنى الرجسِ في هذا الموضعِ ما حدَّثني به المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. يقولُ: سَخَطٌ (^٤).\nوقال ابن زيدٍ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. قال: الرجسُ الشرُّ.\n\n<span id=\"aya-760\"></span><span data-type='title' id=toc-2778>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكْرُه: إنما يريدُ لكم الشيطانُ شُرْبَ الخمرِ، والمياسرةَ بالقِداحِ، ويُحَسِّنُ ذلك لكم؛ إرادةً منه أن يُوقِعَ بينكم العداوةَ والبغضاءَ في شُرْبِكم الخمرَ\n_________\n(^١) الجزر، جمع الجزور: وهو ما يصلح للذبح من الإبل.\n(^٢) ينظر معنى الخمر والميسر في ٣/ ٦٥٣ - ٦٦٠.\n(^٣) ينظر معنى الأنصاب والأزلام في ص ٦٩ - ٧٦.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٩٨ (٦٧٥٨) من طريق أبي صالح به ـ","vol":"8","page":656},{"text":"ومياسرتِكم بالقداحِ، ليُعادِىَ بعضُكم بعضًا، ويُبَغِّضَ بعضَكم إلى بعضٍ، فيُشَتِّتَ أمرَكم بعدَ تأليفِ اللهِ بينكم بالإيمانِ، وجمعِه بينكم بأُخوةِ الإسلامِ، ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ويَصْرِفَكم بغَلَبَةِ هذه الخمرِ بشكْرِها إياكم عليكم، وباشتغالِكم بهذا الميسرِ عن ذكرِ اللهِ الذي به صلاحُ دنياكم وآخرتِكم، وعن الصلاةِ التي فرَضها عليكم ربُّكم، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. يقولُ: فهل أنتم مُنْتهون عن شُرب هذه، والمياسرةِ بهذا، وعامِلون بما أمرَكم به ربُّكم مِن أداءِ ما فرَض عليكم من الصلاةِ لأوقاتِها، ولُزومِ ذكرِه الذي به نُجْحُ طَلِباتِكم في عاجلِ دنياكم وآخرتكم.\nواخْتلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي من أجلِه نزَلت هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزَلت بسببٍ كان مِن عمرَ بن الخطابِ، وهو أنه ذكَر مكروهَ عاقبةِ شُرْبِها لرسولِ اللهِ ﷺ، وسأل الله تحريمَها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2779>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبى ميسرةَ، قال: قال عمرُ: اللهم بَيِّنْ لنا في الخمرِ بيانًا شافيًا. قال: فنزَلت الآيةُ التي في البقرةِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]. قال: فدُعِيَ عمرُ فقُرِئَتْ عليه، فقال: اللهم بَيِّنْ لنا في الخمرِ بيانًا شافيًا. فنزَلت الآيةُ التي في النساءِ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. قال: وكان مُنادى النبيِّ ﷺ يُنادِى إِذا حَضَرت الصلاةُ: لا يَقْرَبَنَّ الصلاةَ السكرانُ. قال: فدُعِيَ عمرُ فَقُرِئَتْ عليه، فقال: اللهم بَيِّنْ لنا في الخمرِ بيانًا شافيًا، قال: فنزَلت الآيةُ التي في المائدةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ إلى قولِه: ﴿فَهَلْ","vol":"8","page":657},{"text":"أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. فلما انْتَهَى إلى قولِه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. قال عمرُ: انْتَهَيْنا انْتَهَيْنا (^١).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، قال: ثنا أبي، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ، قال: قال عمرُ: اللهم بَيِّنْ لنا في الخمرِ بيانًا شافيًا، فإنها تَذْهَبُ بالعقلِ والمالِ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ وكيعٍ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن زكريا، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: اللهم بَيِّنْ لنا. فذكَر نحوَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبيه وإسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ، عن عمرَ بن الخطابِ مثلَه.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: ثنا زكريا بنُ أبى زائدةَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ، عن عمرَ بن الخطابِ مثلَه.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: ثنى أبو معشرٍ المدنيُّ، عن محمدِ بن قَيْسٍ، قال: لما قَدِم رسولُ اللهِ ﷺ المدينةَ أتاه الناسُ، وقد كانوا يَشْربون الخمرَ، ويأكُلون المَيْسِرَ، فسألوه عن ذلك، فأنزَل اللهُ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، فقالوا: هذا شيءٌ قد جاء فيه رخصةٌ، نأكلُ الميسِرَ ونشرَبُ الخمرَ\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى عقب ح (٣٠٤٩) من طريق وكيع به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ١١٢، وأحمد ١/ ٤٤٢ (٣٧٨)، وأبو داود (٣٦٧٠)، والترمذى (٣٠٤٩)، والنسائى (٥٥٥٥)، والبزار (٣٣٤)، والنحاس في ناسخه ص ١٤٨، ١٤٩، والحاكم ٢/ ٢٧٨، ٤/ ١٤٣، والبيهقى ٨/ ٢٨٥ من طرق عن إسرائيل به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٨٨، ٣/ ٩٥٨، ٤/ ١٢٠٠ (٢٠٤٤، ٥٣٥١، ٦٧٦٩) من طريق أبي إسحاق به.","vol":"8","page":658},{"text":"ونستغفرُ من ذلك. أتى رجلٌ صلاةَ المغربِ، فجعَل يقرأُ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ١ - ٣] فجعَل لا يجوزُ (^١) ذلك، ولا يَدْرِى ما يقرأُ، فأنزَل اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾. فكان الناسُ يشربون الخمرَ حتى يجئَ وقتُ الصلاةِ، فيَدَعون شُرْبَها، فيأتون الصلاةَ وهم يَعْلَمون ما يقولون، فلم يزالوا كذلك، حتى أنزَل اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾. إلى قولِه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. فقالوا: انتهينا يا ربِّ (^٢).\nوقال آخرون: نزَلت هذه الآيةُ بسببِ سعدِ بن أبى وقاصٍ، وذلك أنه كان لاحَى رَجُلًا على شَرَابٍ لهما، فضرَبه صاحبُه بلَحْيَىْ (^٣) جَمَلٍ فَفَزَر أَنفَه (^٤)، فنزَلت فيهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-2780>ذِكْرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بن حربٍ، عن مُصْعَبِ بن سعدِ، عن أبيه سعدٍ أنه قال: صنَع رجلٌ من الأنصارِ طعامًا، فدعانا. قال: فشرِبنا الخمرَ حتى انْتَشَيْنا، فتفاخَرَتِ الأنصارُ وقريشٌ، فقالت الأنصارُ: نحن أفضلُ منكم. قال: فأخذ رجلٌ من الأنصارِ لَحْيَىْ جملٍ، فضرَب به أَنفَ سعدٍ، ففزَره، فكان سعدٌ أفزرَ الأنفِ. قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٥).\n_________\n(^١) في م، ومطبوعة الدر المنثور: \"يجوّد\". والمثبت موافق أيضا لنسخة خطية من الدر المنثور.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣١٨ إلى المصنف.\n(^٣) في م: \"لحى\".\n(^٤) فزر أنفه: شقه. النهاية ٣/ ٢٤٣.\n(^٥) أخرجه مسلم (١٧٤٨)، والبزار (١١٤٩) عن محمد بن المثنى به، مطولا، وأخرجه أحمد ١/ ١٨٥ =","vol":"8","page":659},{"text":"حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن مُصْعَبِ بن سعدٍ، قال: قال سعدٌ: شَرِبْتُ مع قومٍ من الأنصارِ، فضرَبتُ رجلًا منهم - أظنُّ بفكِّ جملٍ - فكسرْتُه، فأتَيْتُ النبيَّ ﷺ فأخبرتُه، فلم أَلْبَثْ أن نزَل تحريمُ الخمرِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن مُصْعبِ بن سعدٍ، عن أبيه، قال: شرِبتُ الخمرَ مع قومٍ من الأنصارِ. فذكَر نحوَه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني عمرُو بنُ الحارثِ، أن ابنَ شهابٍ أخبَره، أن سالمَ بنَ عبدِ اللهِ حدَّثه، أن أوَّلَ مَا حُرِّمَت الحمرُ، أن سعدَ بنَ أبي وقاصٍ وأصحابًا له شرِبوا، فاقْتَتَلوا، فكسَروا أنفَ سعدٍ، فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية (^٢).\nوقال آخرون: نزَلت في قَبِيلَتين من قبائلِ الأنصارِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2781>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدَائيُّ، قال: ثنا حجّاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا ربيعةُ\n_________\n= (١٦١٤)، وابن حبان (٦٩٩٢) من طريق محمد بن جعفر به، مطولا، وأخرجه الطيالسي (٢٠٥)، وأحمد ١/ ١٨١ (١٥٦٧)، وعبد بن حميد (١٣٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦٧٦٧)، والبيهقي في سننه ٨/ ٢٨٥ من طريق شعبة به، مطولا ومختصرا. وأخرجه مسلم ٤/ ١٨٧٧، وأبو يعلى (٧٨٢)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ١٤٩، والواحدى في أسباب النزول ص ١٥٤ من طريق سماك بن حرب به، مطولا ومختصرا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣١٥ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه. وينظر ما تقدم في ٣/ ٦٦٨.\n(^١) أخرجه البخارى في الأدب المفرد (٢٤) من طريق إسرائيل به، مطولا.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣١٥ إلى المصنف.","vol":"8","page":660},{"text":"ابن كُلثومِ [بن جبرٍ] (^١)، عن أبيه، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نزَل تحريمُ الخمرِ في قبيلتين من قبائلِ الأنصارِ، شرِبوا حتى إذا ثَمِلوا، عَبِث بعضُهم ببعضٍ (^٢)، فلما أن صَحَوا، جعَل الرجلُ منهم يرَى الأثرَ بوجهِه ولحيتِه، فيقولُ: فعَل بي هذا أخي فلانٌ - وكانوا إخوةً ليس في قلوبِهم ضغائنُ - واللهِ لو كان بي رءوفًا رحيمًا ما فعل بى هذا. فوقَعت (^٣) في قلوبِهم الضغائنُ، فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾. إلى قولِه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. فقال ناسٌ مِن المُتَكَلِّفينَ: هي (^٤) رِجْسٌ، [وهى] (^٥) في بطنِ فلانٍ قُتِلَ يومَ بدرٍ، وقُتِلَ فلانٌ يومَ أُحُدٍ. فأنزَل اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ خلَفٍ، قال: ثنا سعيدُ بن محمدٍ الجَرْميُّ، عن أبي تُمَيْلةَ، عن سلّامٍ مولى حفصٍ [أبى القاسمِ] (^٧)، عن ابن (^٨) بريدةَ، عن أبيه، قال: بينما نحن قعودٌ على شرابٍ لنا، ونحن نَشْرِبُ الخمرَ حِلًّا، إذ قُمْتُ حتى آتىَ رسولَ اللهِ ﷺ فأُسلِّمَ عليه، وقد نزَل تحريمُ الخمرِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. إلى آخرِ الآيتينِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣ \"عن جبير\"، وفى ص: \"عن جبر\"، وفى المعجم الكبير، والمستدرك: \"بن جبير\". والمثبت من الكبرى للنسائى، وينظر تهذيب الكمال ٩/ ١٤٢، ٢٤/ ٢٠٠.\n(^٢) في ص، ت ١: \"على بعض\".\n(^٣) في م، ت ٢: \"حتى وقعت\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١.\n(^٦) أخرجه النسائي في الكبرى (١١١٥١)، والطبرانى (١٢٤٥٩)، والبيهقى ٨/ ٢٨٥، والمزي في تهذيب الكمال ٩/ ١٤٤ من طريق حجاج به. وأخرجه الحاكم ٤/ ١٤١ من طريق ربيعة بن كلثوم، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣١٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٧) في م، ت ٢: \"بن أبى قيس\"، وفى ت ١: \"عن أبي القاسم\". وينظر التاريخ الكبير ٤/ ١٣٣.\n(^٨) في م: \"أبى\".","vol":"8","page":661},{"text":"مُنْتَهُونَ﴾. فجفتُ إلى أصحابي فقرأتُها عليهم إلى قولِه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. قال: وبعضُ القومِ شَرْبتُه في يدِه قد شرِب بعضًا، وبَقِيَ بعضٌ في الإناءِ، فقال بالإناءِ تحتَ شفتِه العليا كما يفعلُ الحجّامُ، ثم صَبُّوا ما في باطِيَتِهم (^١)، فقالوا: انتهينا ربَّنا، انتهينا ربَّنا (^٢).\nوقال آخرون: إنما كانت العداوةُ والبغضاءُ، كانت تكونُ بينَ الذين نزَلت فيهم هذه الآيةُ، بسببِ الميسرِ، لا بسببِ السكْرِ الذي يَحْدُثُ لهم من شُرْبِ الخمرِ، فلذلك نهاهم اللهُ عن الميسرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2782>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ - قال بشرٌ: وقد سمِعتُه يزيدَ وحدَّثنيه - قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الرجلُ في الجاهليةِ يُقامِرُ على أهلِه ومالِه، فيقعُدُ حزينًا سَلِيبًا، ينظرُ إلى مالِه في يَدَى غيرِه، فكانت تُورِثُ بينهم عداوةً وبغضاءَ، فنهى اللهُ عن ذلك، وقدَّم فيه، واللهُ أعلمُ بالذي يُصْلِحُ خلقَه (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يقالَ: إن الله تعالى قد سمَّى هذه الأشياءَ التي سمَّاها في هذه الآيةِ رِجْسًا، وأمَر باجتنابِها.\nوقد اختلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي مِن أجلِه نزَلت هذه الآيةُ، وجائزٌ أن\n_________\n(^١) الباطية: إناء من الزجاج عظيم، تُملأُ من الشراب وتوضع بين الشَّرْب يغرفون منها ويشربون. اللسان (ب ط ى).\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ١٧٧ عن المصنف بزيادة في أوله. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣١٥ إلى المصنف دون هذه الزيادة.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ٩٤.","vol":"8","page":662},{"text":"يكونَ نزولهُا كان بسببِ دعاءِ عمرَ ﵁ في أمرِ الخمرِ، وجائزٌ أن يكونَ ذلك كان بسبب ما نال سعدًا مِن الأنصاريِّ، عند انتشائِهما من الشرابِ، وجائزٌ أن يكونَ كان مِن أجلِ ما كان يَلْحَقُ أحدَهم عندَ ذَهَابِ مالِه بالقِمارِ، مِن عداوةِ مَن يَسَرَه (^١) وبُغْضِه. وليس عندَنا بأيِّ ذلك كان خبرٌ قاطعٌ للعُذْرِ. غيَر أنه أيُّ ذلك كان، فقد لَزِمَ حكمُ الآيةِ جميعَ أهلِ التكليفِ، وغيرُ ضائرِهم الجهلُ بالسببِ الذي له نزَلت هذه الآيةُ، فالخمرُ والميسرُ والأنصابُ والأزلامُ رِجْسٌ مِن عملِ الشيطانِ، فَرْضٌ على جميعِ من بَلَغَتْه الآيةُ مِن التكليفِ اجتنابُ جميعِ ذلك، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-761\"></span><span data-type='title' id=toc-2783>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، في اجتنابِكم ذلك واتباعِكم أمرَه فيما أمرَكم به، مِن الانزجارِ عما زجَركم عنه مِن هذه المعاني التي بيَّنها لكم في هذه الآيةِ وغيرِها، وخالِفوا الشيطانَ في أمرِه إياكم بمعصيةِ اللهِ في ذلك وفى غيرِه، فإنه إنما يَبْغِى لكم العداوةَ والبغضاءَ بينَكم بالخمرِ والميسرِ، ﴿وَاحْذَرُوا﴾. يقولُ: واتقوا الله وراقِبوه أن يراكم عندَ ما نهاكم عنه مِن هذه الأمورِ التي حرَّمها عليكم في هذه الآيةِ، وغيرِها، أو يَفْقِدَكم عندَ ما أمرَكم به، فتُوبِقوا أنفسَكم وتُهْلِكوها. ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾. يقولُ: فإن أنتم لم تَعْمَلُوا بما أمرْناكم به، وتَنْتَهوا عما نهيناكم عنه، ورجَعتم مُدْيرين عما أنتم عليه مِن الإيمانِ والتصديقِ باللهِ وبرسولِه، واتباعِ ما جاءكم به نبيُّكم، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.\n_________\n(^١) يسره: غلبه في الميسر.","vol":"8","page":663},{"text":"يقولُ: فاعْلَموا أنه ليس على مَن أرسلناه إليكم بالنِّذارةِ غيرُ إبلاغِكم الرسالةَ التي أُرْسِل بها إليكم، مبيَّنةً لكم بيانًا يوضِّحُ لكم سبيلَ الحقِّ، والطريقَ الذي أُمِرتم أن تسلُكوه، وأما العقابُ على التوليةِ، والانتقامُ بالمعصيةِ، فعلى [المُرْسِل دونَ المُرْسَلِ] (^١).\nوهذا من اللهِ تعالى وعيدٌ لمن تولَّى عن أمرِه ونهيِه. يقولُ لهم تعالى ذكرُه: فإن توليتم عن أمرِى ونهيِى، فتوقَّعوا عقابى، واحْذروا سَخَطى.\n\n<span id=\"aya-762\"></span><span data-type='title' id=toc-2784>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للقومِ الذين قالوا - إذ أَنْزل اللهُ تحريمَ الخمرِ بقولِه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ -: كيف بمن هلَك من إخوانِنا وهم يَشرَبونها، وبنا وقد كنا نشرَبُها: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ منكم حرجٌ فيما شربِوا من ذلك، في الحالِ التي لم يكنِ اللهُ تعالى حرَّمه عليهم، ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: إذا ما اتَّقَى اللَّهَ الأحياءُ منهم، فخافُوه وراقَبوه في اجتنابِهم ما حرَّم عليهم منه، وصدَّقوا الله ورسولَه فيما أمَراهم ونَهَياهم، فأطاعوهما في ذلك كلِّه، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: واكتسبُوا من الأعمالِ ما يَرْضاه اللهُ في ذلك، ممّا كلفهم بذلك ربُّهم، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾. يقولُ: ثم خافُوا اللَّهَ وراقَبوه، باجتنابِهم محارمَه بعد ذلك التكليفِ أيضًا، فثبَتوا على اتقاءِ اللهِ في ذلك، والإيمانِ به، ولم يُغيِّروا ولم يبدِّلوا، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾، يقولُ: ثم خافوا الله، فدعاهم خوفُهم الله إلى الإحسانِ، وذلك\n_________\n(^١) في م: \"المرسَل إليه دون الرسل\".","vol":"8","page":664},{"text":"الإحسان هو العملُ بما لم يَفْرِضُه عليهم من الأعمالِ، ولكنه نوافلُ تقرَّبوا بها إلى ربِّهم؛ طَلَب رضاه، وهربًا من عقابِه، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، يقولُ: واللَّهُ يُحِبُّ المتقرِّبين إليه بنوافلِ الأعمالِ التي يرضاها.\nفالاتِّقاءُ الأول هو الاتقاءُ بتلقِّى أمرِ اللَّهِ بالقبولِ والتصديقِ والدَّيْنُونةِ به والعمل، والاتقاءُ الثاني الاتقاءُ بالثباتِ على التصديقِ، وتركِ التبديلِ والتغييرِ، والاتقاءُ الثالثُ هو الاتقاءُ بالإحسانِ (^١)، والتقرُّبِ بنوافلِ الأعمالِ.\nفإن قال قائلٌ: ما الدليلُ على أن الاتقاءَ الثالثَ هو الاتقاءُ بالنوافلِ، دونَ أن يكونَ ذلك بالفرائضِ؟\nقيل: إنه تعالى ذكرُه قد أَخْبَر عن وضعِه الجُناحَ عن شاربى الخمرِ التي شرِبوها قبلَ تحريمِه إيَّاها، إذا (^٢) هم اتقَوُا الله في شربِها بعدَ تحريِمها، وصدَّقوا اللَّهَ ورسولَه في تحريِمها، وعمِلوا الصالحاتِ من الفرائضِ. ولا وجةَ لتكريرِ ذلك وقد مضَى ذكرُه في آيةٍ واحدةٍ.\nوبنحوٍ الذي قلنا من أن هذه الآية نزَلت فيما ذكَرنا أنها نزَلت فيه، جاءت الأخبارُ عن الصحابةِ والتابعين.\n\n<span data-type='title' id=toc-2785>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّريِّ وأبو كُريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن سِمَاكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما نزَل تحريمُ الخمرِ قالوا: يا رسولَ اللهِ، فكيف بأصحابِنا الذين ماتوا وهم يشرَبون الخمرَ؟\n_________\n(^١) في ت ١: \"بالنوافل والإحسان\".\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"فإذا\".","vol":"8","page":665},{"text":"فنزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن إسرائيلَ بإسنادِه نحوَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنى عبدُ الكبيرِ بنُ عبدِ المجيدِ، قال: أخبَرنا عبادُ بن راشدٍ، عن قتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: بَيْنا أنا أُديرُ الكأسَ على أبي طلحةَ، وأبي عُبيدةَ بن الجرَّاحِ، ومعاذِ بن جبلٍ، وسُهيلِ بن بَيْضاءَ، وأبي دُجانةَ، حتى مالت رءوسهم من خليطِ بُشرٍ وتمرٍ، فسمِعنا مناديًا ينادى: ألا إن الخمرَ قد حُرِّمت. قال: فما دخَل علينا داخلٌ، ولا خرَج منا خارجٌ، حتى أَهْرقنا الشرابَ، وكسَرنا القِلالَ (^٢)، وتوضَّأ بعضُنا، واغْتَسلَ بعضُنا، فأَصَبْنا من طيبِ أمِّ سُليمٍ، ثم خرَجنا إلى المسجدِ، وإذا رسولُ اللهِ ﷺ يقرأُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، فما منزلةُ من مات منا وهو يشرَبُها؟ فأَنْزَل اللهُ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية. فقال رجلٌ لقتادةَ: سمِعتَه من أنسِ بن مالكٍ؟ قال: نعم. وقال رجلٌ لأنسِ بن مالكٍ: أنت سمِعتَه من رسولِ اللهِ ﷺ قال: نعم - أو: (^٣) حدَّثني من لم يكذِبْ، واللهِ ما كنا نكذِبُ، ولا ندرى ما الكَذِبُ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٢٣٤ (٢٠٨٨) عن وكيع به، وأخرجه أحمد ١/ ٢٧٢، ٢٩٥، ٣٠٤ (٢٤٥٢، ٢٦٩١، ٢٧٧٥)، وعبد بن حميد وعنه الترمذى (٣٠٥٢)، والطبراني في الكبير ١١/ ٢٧٨ (١١٧٣٠)، والحاكم ٤/ ١٤٣، والبيهقى في الشعب (٥٦١٧) من طرق عن إسرائيل به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وصحح الحاكم إسناده، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٠ إلى الفريابي وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) القلال: جمع القلة: الجرة العظيمة. اللسان (ق ل ل).\n(^٣) في م: \"و\".\n(^٤) في كشف الأستار ومجمع الزوائد: \"يكذبنى\".\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ١٧٣ عن المصنف، وأخرجه البزار (٢٩٢٢ - كشف) من طريق =","vol":"8","page":666},{"text":"حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن البَرَاءِ، قال: لما حُرِّمت الخمرُ قالوا: كيف بأصحابِنا الذين ماتوا وهم [يشرَبون الخمرَ] (^١) فنزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية (^٢).\n[حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاق، قال: قال البَراءُ: مات ناسٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ وهم يشرَبون الخمرَ، فلما نزَل تحريمُها قال أُناسٌ من أصحابِ النبي ﷺ: فكيف بأصحابِنا الذين ماتوا وهم يشرَبونها؟ فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية] (^٣).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، قال: أخبرنا داودُ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: نزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. في من قُتِل ببدرٍ وأُحدٍ مع محمد ﷺ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مخْلَدٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن\n_________\n= أبي بكر الحنفي عبد الكبير بن عبد المجيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢١ إلى أبى الشيخ وابن مردويه.\n(^١) في ص: \"يشربونها\".\n(^٢) أخرجه عبد بن حميد وعنه الترمذى (٣٠٥٠) من طريق إسرائيل به، وقال: حسن صحيح.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١.\nوالحديث أخرجه الترمذى (٣٠٥١)، وأبو يعلى (١٧١٩)، وابن حبان (٥٣٥٠) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الطيالسي (٧٥٠)، وأبو يعلى (١٧٢٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٠١ (٦٧٧٥)، وابن حبان (٥٣٥١)، والواحدى في أسباب النزول ص ١٥٦ من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢١ إلى المصنف. وينظر ما سيأتي في ص ٦٦٩.","vol":"8","page":667},{"text":"الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لما نزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"قِيل لى: أنتَ منهم\" (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا جامعُ بن حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: لما أَنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه تحريمَ الخمرِ في سورةِ \"المائدة\" بعدَ سورةِ \"الأحزاب\"، قال في ذلك رجالٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ: أُصِيب فلانٌ يومَ بدرٍ، وفلانٌ يومَ أحدٍ، وهم يشرَبونها، فنحن نشهَدُ أنهم من أهل الجنةِ. فَأَنزل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: شربِها القومُ على تقوَى من اللهِ وإحسانٍ، وهى لهم يومَئذٍ حلالٌ، ثم حُرِّمت بعدَهم، فلا جناحَ عليهم في ذلك (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. قالوا: يا رسولَ اللهِ، ما نقولُ لإخوانِنا الذين مضَوْا، كانوا يشرَبون الخمرَ، ويأكُلون المَيْسرَ؟ فأَنْزَل اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. يعنى قبلَ التحريمِ، إذا كانوا محسنين متقين. وقال\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٠٥٣) عن سفيان بن وكيع به، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١١٥٣) من طريق مخلد به، وأخرجه مسلم (٢٤٥٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٠١، ١٢٠٢ (٦٧٧٦) من طريق على بن مسهر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٠٢ (٦٧٧٨)، والطبرانى (١٠٠١١)، والحاكم ٣/ ١٤٣ من طريق الأعمش، به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢١ إلى ابن مردويه وأبى الشيخ.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢١ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"8","page":668},{"text":"مرةً أخرى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ من الحرامِ قبلَ أن يُحرَّمَ عليهم، ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾، بعدَ ما حُرَّم عليهم (^١)، وهو قولُه: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (^٢) [البقرة: ٢٧٥].\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾: يعنى بذلك رجالًا من أصحابِ النبيِّ ﷺ، ماتوا وهم يشرَبون الخمرَ قبلَ أن تحرَّمَ الخمرُ، فلم يكنْ عليهم فيها جُناحٌ قبل أن تحرَّمَ، فلما حُرِّمت قالوا: كيف تكونُ علينا حرامًا، وقد مات إخوانُنا وهم يشرَبونها؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: ليس عليهم حَرَجٌ فيما كانوا يشرَبون قبلَ أن أُحرِّمَها، إذا كانوا محسنين متَّقين، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي\nنَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾: لمن كان يشرَبُ الخمرَ ممن قُتِل مع محمدٍ ﷺ بدرٍ وأُحدٍ (^٤).\nحُدِّثت عن الحسينِ بن الفَرَجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ١/ ٤٢٢ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٠٢ (٦٧٨٠)، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف من طريق أبى صالح عبد الله بن صالح، مقتصرا على آخره، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢١ إلى ابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢١ إلى ابن مردويه.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣١٤، ٣١٥.","vol":"8","page":669},{"text":"عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحَّاكِ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ الآية: هذا في شأنِ الخمرِ حينَ حُرِّمت، سألوا نبيَّ اللهِ ﷺ، فقالوا: إخوانُنا الذين ماتوا وهم يشرَبونها؟ فأنزل اللهُ هذه الآيةَ.\n\n<span id=\"aya-763\"></span><span data-type='title' id=toc-2787>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يا أيها الذين (^١) صدَّقوا الله ورسولَه ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾. يقولُ: ليختبِرنَّكم اللهُ ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾. يعنى: ببعضِ الصيدِ.\nوإنما أَخْبَرهم تعالى ذكرُه أنه يبلُوهم بشيءٍ؛ لأنه لم يبلُهم بصيدِ البحرِ، وإنما ابتلاهم بصيدِ البَرِّ، فالابتلاءُ ببعضٍ [لا بجميعٍ] (^٢).\nوقولُه: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾. فإنه يعنى: إما باليدِ، كالبيضِ والفراخِ، وإما بإصابةِ النَّبْلِ والرماحِ، وذلك كالحُمُرِ والبقرِ والظِّباءِ، فيمتحِنُكم به في حالِ إحرامِكم بعمرتِكم أو بَحَجِّكم.\nوبنحوِ ذلك قالت جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2786>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، قال: أخبرنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾.\n_________\n(^١) بعده في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"آمنوا\".\n(^٢) سقط من: س، وفى ص: \"لا يحشع\". وفى م: \"لم يمتنع\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يخشع\"، وكله تحريف عما أثبتناه.","vol":"8","page":670},{"text":"قال: أيديكم؛ صغارُ الصيد، أخذُ الفراخِ والبيضِ، والرِّماحُ، قال: كبارُ الصيدِ (^١).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، عن داودَ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾. قال: النبلُ، و(^٢) رماحُكم تنالُ كبير الصيدِ، وأيديكم تنالُ صغيرَ الصيدِ؛ أخذُ الفَرْخِ والبيضِ.\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾. قال: ما لا يستَطيعُ أن يفِرَّ من الصيدِ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾. قال: هو الضعيفُ من الصيدِ وصغيُره، يَبْتلى اللهُ تعالى ذكرُه به عبادَه في إحرامِهم، حتى لو شاءوا نالوه بأيديهم،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣١٥ ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٩٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٠٣ (٦٧٨٦، ٦٧٨٧)، والبيهقى ٥/ ٢٠٢، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨١٧٢) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير ٤/ ١٢٠٣ (٦٧٨٥) من طريق وكيع وأبى نعيم به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٧ إلى أبى الشيخ.","vol":"8","page":671},{"text":"فنهاهم اللهُ أن يقرَبوه (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن حميدٍ الأعرجِ وليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾. قال: الفراخُ والبيضُ، وما لا يستطِيعُ أن يفِرَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2788>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾.</span>\nيعنى (^٢) تعالى ذكرُه: ليختبِرَنَّكم اللهُ أيها المؤمنون ببعضِ الصيدِ في حالِ إحرامِكم، كي يعلَمَ أهلَ طاعةِ اللهِ والإيمانِ به، والمنتهين (^٣) إلى حدودِه وأمرِه ونهيِه، و(^٤) من الذي يخافُ الله، [فيتقى ما] (^٥) نهاه عنه ويجتنبُه خوفَ عقابِه، ﴿بِالْغَيْبِ﴾. بمعنى: في الدنيا بحيث لا يراه.\nوقد بيَّنا أن الغيبَ إنما هو مصدرُ قولِ القائلِ: غاب عنى هذا الأمرُ، فهو يغيبُ غيبًا وغَيْبةً. وأن ما لم يُعايَنْ، فإن العربَ تسمِّيه غَيْبًا (^٦).\nفتأويلُ الكلامِ إذن: ليعلَمَ أولياءَ اللهِ؛ من يخافُ الله، فيتَّقى محارمَه التي حرَّمها عليه من الصيدِ وغيرِه، بحيث لا يراه ولا يعاينُه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٠٣ (٦٧٨٤) من طريق أبى صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٣، ت ٣، س: \"يقول\".\n(^٣) في م: \"المنتهون\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في س: \"فينتهي عما\".\n(^٦) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٤١ وما بعدها.","vol":"8","page":672},{"text":"وأما قولُه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾. فإنه يعنى: فمن تجاوز حدَّ اللهِ الذي حدَّه له، بعدَ ابتلائِه بتحريمِ الصيدِ عليه وهو حرامٌ، فاستحلَّ ما حرَّم اللهُ عليه منه، بأخذِه وقتلِه، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ﴾ من اللهِ ﴿أَلِيمٌ﴾. يعنى: مؤلِمٌ مُوجِعٌ.\n\n<span id=\"aya-764\"></span><span data-type='title' id=toc-2789>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يا أيها الذين (^١) صدَّقوا الله ورسولَه ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ الذي بينتُ لكم، وهو صيدُ البرِّ دونَ صيدِ البحرِ، ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. يقولُ: وأنتم مُحْرِمون بحجٍّ أو عمرةٍ.\nوالحُرُمُ جمعُ حَرامٍ، والذكرُ والأنثى فيه بلفظٍ واحدٍ، يقالُ (^٢): هذا رجلٌ حَرَامٌ، وهذه امرأةٌ حَرَامٌ. فإذا قيل: مُحْرِمٌ. قيل للمرأةِ: مُحْرِمةٌ. والإحرامُ هو الدخولُ فيه، يقالُ: أَحْرَم القومُ. إذا دخَلوا في الشهرِ الحرامِ (^٣)، أو في الحَرَمِ.\nفتأويلُ الكلامِ: لا تقتُلوا الصيدَ وأنتم مُحْرِمون بحجٍّ أو عمرةٍ.\nوقولُه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾. فإن هذا إعلامٌ من اللهِ تعالى ذكرُه عبادَه حكمَ القاتلِ من المُحْرِمين الصيدَ الذي نهاه عن قتلِه متعمِّدًا.\nثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في صفةِ العَمْدِ الذي أَوْجَب اللهُ على صاحبِه به الكفارةَ والجزاءَ في قتلِه الصيدَ؛ فقال بعضُهم: هو العمدُ لقتلِ الصيدِ، مع نسيانِ قاتِله إحرامَه في حالِ قتلِه. وقال: إنْ قتَله وهو ذاكرٌ إحرامَه، متعمِّدًا قتلَه، فلا حكمَ عليه، وأمرُه إلى اللهِ. قالوا: وهذا أجلُّ أمرًا من أن يُحْكَمَ عليه أو يكونَ له كفَّارةٌ.\n_________\n(^١) بعده في س: \"آمنوا\".\n(^٢) في م: \"تقول\".\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وفي الحرم\".","vol":"8","page":673},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2790>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾: من قتَله منكم ناسيًا لإحرامِه، متعمِّدًا لقتلِه، فذلك الذي يُحْكَمُ عليه، فإن قتَله ذاكرًا لحُرْمِه (^١)، متعمِّدًا لقتلِه، لم يُحْكَمْ عليه (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في الذي يقتُلُ الصيدَ متعمِّدًا، وهو يعلَمُ أنه مُحْرِمٌ، ويَتَعمَّدُ (^٣) قتلَه، قال: لا يُحْكَمُ عليه، ولا حجَّ له. وقولُه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدً﴾. قال: هو العمدُ المكفَّرُ، وفيه الكفَّارةُ، والخطأُ أن يصيبَه وهو ناسٍ لإحرامِه (^٤)، متعمِّدًا لقتلِه، أو يصيبَه وهو يريدُ غيرَه، فذلك (^٥) يُحْكَمُ عليه مرةً (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾: غيرَ نَاسٍ لُحرْمِه، ولا مريدٍ غيرَه، فقد حلَّ (^٧)، وليست له رخصةٌ، ومن قتَله ناسيًا، أو أراد غيرَه\n_________\n(^١) أي: إحرامه.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣١٥، وأخرجه الشافعي في الأم ٢/ ١٨٣ ومن طريقه البيهقي في المعرفة (٣١٤٦)، وسعيد بن منصور في سننه (٨٢٨ - تفسير) عن سفيان بن عيينة به بشطره الأول، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨١٧٣، ٨١٧٤)، وفي تفسيره ١/ ١٩٣ من طريق ابن أبي نجيح به بشطره الأول، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في م: \"متعمد\".\n(^٤) في م: \"حرمه\".\n(^٥) بعده في س: \"الذي\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٤/ ٣٩٠ (٨١٧٤) من طريق ليث به بنحوه.\n(^٧) كذا في النسخ في هذا الموضع، وتفسير مجاهد. وينظر ما سيأتي في الآثار عن مجاهد، وتفسير الإمام الشافعي له.","vol":"8","page":674},{"text":"فأخطأ به، فذلك العمدُ المكفَّرُ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾. قال: متعمِّدًا لقتلِه، ناسيًا لإحرامِه.\nحدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا الفُضيلُ بنُ عِياضٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: العمدُ هو الخطأُ المكفّرُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا يونسُ بن محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا ليثٌ، قال: قال مجاهدٌ: قولُ اللهِ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. قال: فالعمدُ الذي ذكَر اللهُ تعالى أن يصيبَ الصيدَ وهو يريدُ غيرَه، فيصيبَه، فهذا العمدُ المكفَّرُ، فأما الذي يصيبُه غيرَ ناسٍ، ولا مريدٍ لغيرِه، فهذا لا يُحْكَمُ عليه، هذا [أجلُّ من] (^٢) أن يُحْكَمَ عليه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ ومحمدُ بنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن الهيثمِ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾. قال: يقتُلُه متعمِّدًا لقتلِه ناسيًا لإحرامِه.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عَدِيٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن الهيثمِ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، قال: قال ابن جريجٍ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾: غيرَ ناسٍ لحُرْمِه، ولا مريدٍ غيرَه، فقد أحلَّ (^٣)، وليست له رخصةٌ، ومن قتَله ناسيًا لحُرْمِه، أو أراد غيرَه فَأَخْطَأ به، فذلك العمدُ المكفَّرُ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣١٥.\n(^٢) في م: \"من أجل\".\n(^٣) في م: \"رجل\". وينظر الصفحة السابقة، وسيأتي تفسيره قريبا.\n(^٤) أخرجه الشافعي في الأم ٢/ ١٨٣ ومن طريقه البيهقى في المعرفة (٣١٤٥) من طريق ابن جريج =","vol":"8","page":675},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ، عن عمرٍو، عن الحسنٍ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾: للصيدِ، ناسيًا لإحرامِه، فمن اعتدى بعدَ ذلك متعمِّدًا للصيدِ، يذكُرُ إحرامَه (^١)؟\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى عديٍّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ مسلمٍ، قال: كان الحسنُ يفتى في من قتَل الصيدَ متعمدًا ذاكرًا لإحرامِه: لم يُحْكَمْ عليه. قال إسماعيلُ: وقال حمادٌ عن إبراهيمَ مثلَ ذلك (^١).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عفانُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، قال: أمرني جعفرُ بنُ أبى وَحْشِيَّةَ أن أسألَ عمرَو بنَ دينارٍ عن هذه الآيةِ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآية. فسألتُه، فقال: كان عطاءٌ يقولُ: هو بالخيارِ، أيَّ ذلك شاء فعَل، إن شاء أَهْدَى، وإن شاء أَطْعَم، وإن شاء صام. فأَخْبَرتُ به جعفرًا، وقلتُ: ما سمِعتَ فيه؟ فتلكَّأ ساعةً، ثم جعَل يضحَكُ ولا يُخبرني، ثم قال: كان سعيدُ بنُ جبيرٍ يقولُ: يُحْكَمُ عليه من النَّعَمِ هَدْيًا بالغَ الكعبةِ، [إنما جُعِل الطعامُ والصيامُ، فهذا لا يَبْلُغُ ثمنَ الهدى، و] (^٢) الصيامُ فيه من ثلاثةِ أيامٍ إلى عشَرةٍ.\nحدَّثنا ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا ابن أبى مريمَ، قال: أخبرنا نافع بنُ يزيدَ، قال: أخبَرنى ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾: غيَر ناسٍ لحُرْمِه، ولا مريدٍ غيرَه، فقد أحلَّ (^٣)، وليست له رخصةٌ، ومن قتَله ناسيًا، أو أراد\n_________\n= عن مجاهد، وسيأتي في ص ٦٧٧.\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٧ إلى المصنف وأخرج عبد الرزاق (٤١٨٤) عن هشام بن حسان قال: وقال الحسن: يحكم عليه كلما أصاب في الخطأ والعمد، وبنحوه ابن أبي شيبة ٤/ ٩٨، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٠٩ (٦٨٢١).\n(^٢) في م: \"فإن لم يجد يحكم عليه ثمنه، فقوم طعاما فتصدق به، فإن لم يجد عليه حكم\".\n(^٣) في م، والدر المنثور: \"حل\". وقال الإمام الشافعي: أحسبه يذهب إلى: أحل عقوبة الله. وينظر ما تقدم في ص ٦٧٤، والصفحة السابقة.","vol":"8","page":676},{"text":"غيرَه فأخطأ به، فذلك العمدُ المكفَّرُ (^١).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: أما الذي يتعمَّدُ فيه الصيدَ وهو ناسٍ لحُرْمِه، أو جاهلٌ أن قتلَه (^٢) محرَّمُ، فهؤلاء الذين يُحْكُمُ عليهم، فأما من قتَله متعمِّدًا بعدَ نهيِ اللهِ، وهو يعرفُ أنه محرمٌ، وأنه حرامٌ، فذلك يُوكلُ إلى نقمةِ اللهِ، وذلك الذي جعل الله عليه النقمة.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾. قال: متعمِّدًا لقتلِه، ناسيًا لإحرامِه.\nوقال آخرون: بل ذلك هو العمدُ من المُحْرِمِ لقتلِ الصيدِ ذاكرًا لحُرْمِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2791>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: يُحْكم عليه في العمدِ والخطأ والنسيانِ (^٣).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: ثنا ابن جريجٍ، وحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ابن جريجٍ، قال: قال طاوسٌ: واللهِ ما قال اللهُ إلا: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الشافعي في الأم ٢/ ١٨٣ ومن طريقه البيهقى في المعرفة (٣١٤٥) من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) بعده في النسخ: \"غير\". والمثبت ما يقتضيه المعنى.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٤ عن وكيع به بنحوه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٠٦ (٦٨٠٣) من طريق سفيان به. وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٦ من طريق ابن جريج به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨١٨١)، وهو في تفسيره ١/ ١٩٤ عن معمر عن أيوب عن طاوس به وفيه زيادة، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٥ عن ابن علية، وابن أبي حاتم في التفسير ٤/ ١٢٠٥ (٦٧٩٧) عن أبي سعيد الأشج عن ابن علية عن أيوب قال: نبئت عن طاوس، فذكر نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وقال ابن كثير في تفسيره: ٣/ ١٨٣: وهو مذهب غريب عن =","vol":"8","page":677},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرني بعضُ أصحابِنا عن الزُّهريِّ، أنه قال: نزَل القرآنُ بالعَمْدِ، وجرت السُّنةُ في الخطأ. يعنى في المُحْرِمِ يصيبُ الصيدَ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. قال: إن قتَله متعمِّدًا أو ناسيًا، حُكِم عليه، وإن عاد متعمِّدًا، عُجِّلت له العقوبةُ، إلا أن يعفوَ اللهُ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الأعمشِ، عن عمرِو بن مرةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: إنما جُعِلت الكفَّارة في العمدِ، ولكن غُلِّظ عليهم في الخطأ كى يتَّقوا (^٣).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو معاويةَ ووكيعٌ، قالا: ثنا الأعمشُ، عن عمرِو بن مرةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ نحوَه.\nحدَّثنا ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: أخبرنا نافعُ بنُ يزيدٍ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: كان طاوسٌ يقولُ: واللهِ ما قال اللهُ إلا: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ (^٤).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أن يقالَ: إن الله تعالى حرَّم قتلَ صيدِ البرِّ\n_________\n= طاوس. وهو متمسك بظاهر الآية.\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨١٧٨) عن معمر عن الزهري نحوه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٠٥ (٦٧٩٦) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٦ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٤/ ٢٥ عن وكيع به، بلفظ: الجزاء بدلا من: الكفارة.\n(^٤) ينظر ما تقدم تخريجه في ص ٦٧٧.","vol":"8","page":678},{"text":"على كلِّ مُحْرِمٍ في حالِ إحرامِه ما دام حَرامًا، بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾. ثم بيَّن حكمَ من قتَل ما قتَل من ذلك في حالِ إحرامِه متعمِّدًا لقتلِه، ولم يخصِّصْ به المتعمِّد قتلَه في حالِ نسيانِه إحرامَه، ولا المخطئَ في قتله في حالِ ذكرهِ إحرامَه، بل عمَّ في التنزيلِ بإيجابِ الجزاءِ كلَّ قاتلِ صيدٍ في حالِ إحرامَه متعمِّدًا. وغيرُ جائزٍ إحالةُ ظاهرِ التنزيلِ إلى باطنٍ من التأويلِ لا دلالةَ عليه من [نصِّ كتابٍ، ولا خبرٍ لرسولِ اللهِ] (^١) ﷺ، ولا إجماعٍ من الأمةِ، ولا دلالةَ من بعضِ هذه الوجوهِ.\nفإذ كان ذلك كذلك، فسواءٌ كان قاتلُ الصيدِ من المُحْرمين عامدًا قتلَه ذاكرًا لإحرامِه، أو عامدًا قتلَه ناسيًا لإحرامِه، أو قاصدًا غيرَه فقتَله ذاكرًا لإحرامِه - في أن على جميعِهم من الجزاءِ ما قال ربُّنا تعالى، وهو مثلُ ما قتَل من النَّعَمِ، يحكُمُ به ذوا عَدْلٍ من المسلمين، أو كفَّارةٌ طعامُ مساكينَ، أو عدلُ ذلك صيامًا. وهذا قولُ عطاءٍ والزُّهْريِّ الذي ذكرناه عنهما [وغيرِهما] (^٢)، دونَ القولِ الذي قاله مجاهدٌ.\nوأما ما يلزَمُ بالخطأ قاتلَه، فقد بيَّنا القولَ فيه في كتابِنا \"كتاب لطيفِ القولِ في أحكامِ الشرائعِ\"، بما أغنى عن ذكرِه في هذا الموضعِ، وليس هذا الموضعُ موضعَ ذكرِه؛ لأن قصدَنا في هذا الكتابِ الإبانةُ عن تأويلِ التنزيلِ، وليس في التنزيلِ للخطأ ذكرٌ فنذكُرَ أحكامَه.\nوأما قولُه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. فإنه يقولُ: وعليه كِفاءٌ (^٣) وبدلٌ. يعنى بذلك جزاءَ الصيدِ المقتولِ. يقولُ تعالى ذكرُه: فعلى قاتلِ الصيدِ جزاءُ الصيدِ المقتولِ، مثلُ ما قتَل من النَّعَمِ. وقد ذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (فجزاؤُه\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كتاب نص ولا خبر الرسول\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \" كفارة\". والكفاء: المثل والنظير وقَدْر الشيء. ينظر اللسان (ك ف أ).","vol":"8","page":679},{"text":"مثلُ ما قتَل من النَّعَمِ) (^١).\nوقد اختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأَةِ المدينةِ وبعضُ البصريِّين: (فجزاءُ مثل ما قتَل من النَّعَمِ) (^٢). بإضافةِ الجزاءِ إلى المثلِ، وخفضِ المثلِ.\nوقرأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ (^٣). بتنوينِ الجزاءِ ورفعِ المثل بتأويلِ: فعليه جزاءٌ مثلُ ما قتَل.\nوأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ (^٤) قراءة من قرَأَ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾. بتنوينِ الجزاءِ ورفعِ المثلِ؛ لأن الجزاءَ هو المثلُ، فلا وجهَ لإضافةِ الشيءِ إلى نفسِه.\nوأحسَبُ أن الذين قرءوا ذلك بالإضافةِ، رأوا أن الواجبَ على قاتلِ الصيدِ أن يَجْزِيَ مثلَه من الصيدِ بمثلٍ من النَّعم. وليس ذلك (^٥) كالذي ذهبوا إليه، بل الواجبُ على قاتلِه أن يَجْزِيَ المقتولَ نظيرَه من النَّعمِ. وإذ كان ذلك كذلك، فالمثلُ هو الجزاءُ الذي أَوْجَبه اللهُ تعالى على قاتلِ الصيدِ، ولن (^٦) يضافُ الشيءُ إلى نفسِه. ولذلك لم يقرأْ ذلك قارئٌ علِمناه بالتنوينِ ونصبِ \"المثلِ\" (^٧). ولو كان المثلُ غيرَ الجزاءِ لجاز في المثلِ النصبُ إذا نُوِّن الجزاءُ، كما نُصِب اليتيمُ، إذ كان غيرَ الإطعامِ في قولِه: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤، ١٥]. وكما نُصِب الأمواتُ والأحياءُ ونُوِّن الكِفاتُ في قولِه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ١٨٤ عن المصنف، والقراءة شاذة لم ترد عن أحد من القراء العشرة، وهى مخالفة لرسم المصحف، وينظر البحر المحيط ٤/ ١٩.\n(^٢) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٧.\n(^٣) وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق ص ٢٤٨.\n(^٤) القراءتان متواترتان، وكلتاهما صواب.\n(^٥) في م: \"كذلك\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ س: \"فإن\"، واستظهر الشيخ شاكر أن تكون: \"لا\".\n(^٧) بل قد قرأ ذلك كذلك أبو عبد الرحمن السلمي، كما ذكره ابن جني في المحتسب ١/ ٢١٨، وأبو حيان في البحر المحيط ٤/ ١٩.","vol":"8","page":680},{"text":"وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦]. إذ كان الكفاتُ غيرَ الأحياءِ والأمواتِ. وكذلك الجزاءُ، لو كان غيرَ المثلِ، لاتسعت القراءةُ في المثلِ بالنصبِ إذا نُوِّن الجزاءُ، ولكنّ ذلك ضاق، فلم يقرأْه أحدٌ بتنوينِ الجزاءِ ونصبِ المثلِ (^١)، إذ كان المثلُ هو الجزاءَ، وكان معنى الكلامِ: ومن قتَله منكم متعمِّدًا فعليه جزاءٌ هو (^٢) ما قتَل من النَّعَمِ.\nثم اخْتَلف أهلُ العلمِ في صفةِ الجزاءِ، وكيف يَجْزِى قاتلِ الصيدِ من المُحْرمين ما قتَل بمثلِه من النَّعم؛ فقال بعضُهم: يُنْظَرُ إلى أشبهِ الأشياءِ به شبهًا من النَّعم فيَجْزِيه به، ويُهْدِيه إلى الكعبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2792>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ قولَه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. قال: أما: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. فإن قتَل نَعَامةً أو حمارًا فعليه بَدَنَةٌ، وإن قتَل بقرةً أو إيَّلًا (^٣) أو أَرْوَى (^٤)، فعليه بقرةٌ، أو قتَل غزالًا أو أَرْنبًا، فعليه شاةٌ، وإن قتَل ضبًّا (^٥) أو حِرْباءَ أو يَرْبوعًا، فعليه سَخْلَةٌ قد أكلت العُشْبَ وشرِبت اللبنَ (^٦).\n_________\n(^١) أي: لم يُقرأ بذلك متواترًا، وإلا فقد قرئ شاذًا، ذكر هذه القراءة أيضا ابن خالويه في مختصر الشواذ ص ٤٠، وأبو حيان في البحر المحيط ٤/ ١٩.\n(^٢) بعده في م: \"مثل\".\n(^٣) الإيَّل: الوَعِل، وهو تيس الجبل. ينظر اللسان (أ ول).\n(^٤) الأروى، جمع الأُرْويّة: أنثى الوعل. اللسان (ر وى).\n(^٥) الضب: حيوان من جنس الزواحف من رتبة العظاء، غليظ الجسم خشنه، وله ذنب عريض حرش أعقد، يكثر في صحارى الأقطار العربية. المعجم الوسيط (ض ب ب).\n(^٦) الحرباء: دويبة من الفصيلة الحربائية، من الزواحف، على شكل سام أبرص، ذات قوائم أربع دقيقة الرأس، مخططة الرأس، تستقبل الشمس نهارها، وتدور معها كيف دارت، وتتلون ألوانا. المعجم الوسيط (ح ر ب).","vol":"8","page":681},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن ابن (^١) مجاهدٍ، قال: سُئل عطاءٌ: أيُغْرَمُ في صغيرِ الصيدِ كما يُغْرَمُ في كبيرِه؟ قال: أليس يقولُ اللهُ تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. قال: عليه من النَّعمِ مثلُه (^٣).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. قال: إذا أصاب المُحْرِمُ الصيدَ، حُكم (^٤) عليه جزاؤُه من النَّعَمِ، فإن وجَد جزاءَه ذبَحه فتصدَّق به، وإن لم يجدْ جزاءَه قوِّم الجزاءُ دراهمَ، ثم قوِّمت (^٥) الدراهمُ حنطةً، ثم صام مكانَ كلِّ نصفِ صاعٍ يومًا قال: إنما أُرِيد بالطعامِ الصومُ، فإذا وجَد طعامًا وجَد جزاءً (^٦).\n_________\n= واليربوع: حيوان من الفصيلة اليربوعية، صغير على هيئة الجرذ الصغير، وله ذنب طويل ينتهى بخصلة من الشعر، وهو قصير اليدين، طويل الرجلين. المعجم الوسيط (ر ب ع).\nوالسخلة: تطلق على الذكر والأنثى من أولاد الضأن والمعز ساعة تولد، والجمع سخال. المصباح المنير (س خ ل).\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٨ إلى المصنف.\n(^١) في م: \"أبي\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٨ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٨ إلى المصنف.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حرم\"، وفى م: \"وجب\". والمثبت مما سيأتي في ص ٥١، وهو الموافق لمصادر التخريج.\n(^٥) في النسخ: \"قوم\". والمثبت مما سيأتي، وهو أيضا موافق لمصادر التخريج.\n(^٦) أخرجه سعيد بن منصور (٨٣٢ تفسير) - ومن طريقه ابن حزم ٧/ ٣٣٢، والبيهقى ٥/ ١٨٦، وابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٧٦، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٠٥، ١٢٠٨ (٦٧٩٩، ٦٨١١، ٦٨١٤) من طريق جرير به.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٨ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"8","page":682},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. قال: إذا أصاب المحرمُ الصيدَ مُحكم عليه جزاؤُه من النَّعَمِ، فإن لم يجدْ نظَر كم ثمنُه - قال ابن حميدٍ: نظَر كم قيمتُه - فيُقوَّمُ عليه ثمنه طعامًا، فصام مكانَ كلِّ نصفِ صاعٍ يومًا، ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. قال: إنما أُرِيد بالطعامِ الصيامُ، فإذا وجَد الطعامَ وجَد جزاءَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينِ، عن الحكمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباس: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾: فإن لم يجِدْ هَدْيًا، قُوِّم الهدىُ عليه طعامًا، وصام عن كلِّ صاعٍ يومين.\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا عَبِيدَةُ (^١) بنُ حميدٍ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. قال: إذا أصاب الرجلُ الصيدَ حُكِم عليه، فإن لم يكنْ عندَه قُوِّم عليه ثمنُه طعامًا، ثم صام لكلِّ نصفِ صاع يومًا.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ ويعقوبُ، قالا: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ بنُ عُميرٍ، عن قَبيصةَ بن جابرٍ، قال: ابْتَدرتُ وصاحبٌ لى ظَبْيًا في العَقَبَةِ، فَأَصَبْتُه، فأَتيتُ عمرَ بنَ الخطابِ فذكَرت ذلك له، فأقْبَل على رجلٍ إلى جنبهِ، فنظِرا في ذلك. قال: فقال: اذبَحْ كبشًا (^٢).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، وفى ص، ت ٢، ت ٣، س: \"عبدة\"، وفى م: \"عبد\".\n(^٢) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ١/ ٤٢٢، ٤٢٣ عن المصنف.","vol":"8","page":683},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن الشعبيِّ، قال: أخبرني قَبيصةُ بنُ جابرٍ، نحوًا مما حدَّث به عبدُ الملكِ.\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن المسعوديِّ، عن عبدُ الملكِ بن عُميرٍ، عن قبيصةَ بن جابرٍ، قال: قتَل صاحبٌ لى ظبيًا وهو مُحْرِمٌ، فأمَره عمرُ أن يذبَحَ شَاةً فيتصدَّقَ بلحمِها ويُسْقِيَ إهابَها (^١).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن بكرِ بن عبدِ اللهِ المزنيِّ، قال: قتَل رجلٌ من الأعرابِ وهو مُحْرِمٌ ظبيًا، فسأل عمرَ، فقال له عمرُ: أهدِ شاةً (^٢).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن حُصينٍ، وحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابن فُضيل، قال: ثنا حُصينٌ، عن الشعبيِّ، قال: قال قَبيصةُ بنُ جابرٍ: أَصَبْتُ ظبيًا وأنا مُحْرمٍ، فأتيتُ عمرَ فسألتُه عن ذلك، فأَرْسَل إلى عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، إن أمرَه أهونُ من ذلك. قال: فضرَبني بالدِّرَّة حتى سابقتُه عَدْوًا. قال: ثم قال: قتَلتَ الصيدَ وأنت مُحْرِمٌ، ثم تَغْمَصُ (^٣) الفُتْيا قال: فجاء عبدُ الرحمنِ فحكَما شاةً.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن\n_________\n(^١) في تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور: يعني: ادفعه إلى مسكين يجعله سقاء. والسقاء ظرف الماء من الجلد. ينظر النهاية ٢/ ٣٨١.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٠٦ (٦٨٠٤) من طريق وكيع به وأخرجه عبد الرزاق (٨٢٣٩، ٨٢٤٠)، والطبراني في الكبير (٢٥٨، ٢٥٩)، والحاكم ٣/ ٣١٠، والبيهقى ٥/ ١٨١ من طريق عبد الملك بن عمير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٩ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) تغمص الفتيا: تحتقرها وتستهين بها. النهاية ٣/ ٣٨٦.","vol":"8","page":684},{"text":"عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. قال: إذا قتَل المحرمُ شيئًا من الصيدِ حُكم عليه فيه (^١)، فإن قتَل ظبيًا أو نحوَه، فعليه شاةٌ تُذْبَحُ بمكةَ، فإن لم يجِدْ فإطعامُ ستةِ مساكينَ، فإن لم يجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ، فإن قتَل إيَّلا أو نحوَه، فعليه بقرةٌ، وإن قتَل نعامةً أو حمارَ وحشٍ أو نحوَه، فعليه بَدَنةٌ من الإبلِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أرأيتَ إن قتَلتُ صيدًا، فإذا هو أعورُ أو أعرجُ أو منقوصٌ، أَغْرَمُ مثلَه؟ قال: نعم، إن شئتَ. قلتُ: أَوْفَى أحبُّ إليك؟ قال: نعم. وقال عطاءٌ: وإن قتَلتَ ولدَ الظَّبْيِ، ففيه ولدُ شاةٍ، وإن قتلَتَ ولد بقرةٍ وحشيةٍ، ففيه ولدُ بقرةٍ إنسيةٍ مثلُه، فكلُّ ذلك على ذلك (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمانَ الباهليُّ، قال: سمِعتُ الضحَّاك بنَ مزاحمٍ يقولُ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾: ما كان من صيدِ البرِّ، مما ليس له قَرْنٌ؛ الحمارُ والنعامةُ، فعليه مثلُه من الإبلِ، وما كان ذا قرنٍ من صيدِ البرِّ، من وَعِلٍ أو إِيَّلٍ، فجزاؤُه من البقرِ، وما كان من ظبْيٍ. فمن الغنمِ مثلُه، وما كان من أرنبٍ، ففيها ثَنِيَّةٌ (^٤)، وما من يَرْبوع وشبهه، ففيه حَمَلٌ صغيرٌ، وما كان من جرادةٍ أو نحوِها، ففيه قُبْضةٌ من طعامٍ، وما كان من طيرِ البرِّ، ففيه أن يُقَوَّمَ ويتصدَّقَ بثمنه، وإن شاء صام لكلِّ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٠٥، ١٢٠٨ (٦٨٠١، ٦٨١٤) والبيهقى ٥/ ١٨٢ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٧ إلى ابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٨ إلى المصنف.\n(^٤) الثنية من الغنم: ما دخل في السنة الثالثة. اللسان (ث ن ي).","vol":"8","page":685},{"text":"نصفِ صاعٍ يومًا، وإن أصاب فرخَ طير بريَّةٍ أو بيضَها، فالقيمةُ فيها طعامٌ أو صومٌ، على الذي يكونُ في الطيرِ، غيرَ أنه قد ذُكِر في بيضِ النعامِ إذا أصابها المُحْرِمُ، أن يَحْمِلَ الفحلُ على عدَّةِ ما أصاب من البيضِ على بكارةِ (^١) الإبلِ، فما لقِح منها أهداه إلى البيتِ، وما فسَد منها فلا شيءَ فيه (^٢).\nحدَّثنا ابن البَرْقِيِّ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: أخبرنا نافعٌ، قال: أخبرني ابنُ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: من قتَله - يعنى الصيدَ - ناسيًا، أو أراد غيرَه فأَخْطَأ به، فذلك العمدُ المكفَّرُ، فعليه مثلُه هَدْيًا بالغَ الكعبة، فإن لم يَجِد ابتاع بثمنِه طعامًا فإن لم يجد صام عن كلِّ مُدٍّ يومًا. وقال عطاءٌ: فإن أصاب إنسانٌ نعامةً، كان له - [وإن] (^٣) كان ذا يسارٍ - [ما شاء] (^٤)، إن شاء أن يُهْدِيَ جَزُورًا، أو عَدْلَها طعامًا، أو عَدْلَها صيامًا، أيَّتهن شاء، من أجلِ قولِه: فجزاءٌ، أوْ كذا، [أو كذا] (^٥). قال: فكلُّ شيءٍ في القرآنِ: \"أَوْ، أَوْه\"، فلْيَختَرْ منه صاحبُه ما شاء (^٦).\nحدَّثنا ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا ابن أبى مريمَ، قال: أخبرنا نافعٌ، قال: أخبرني ابن جريجٍ، قال: أخبرني الحسنُ بنُ مسلمٍ، قال: من أصاب من الصيدِ ما يبلُغُ أن يكونَ شاةً فصاعدًا، فذلك الذي قال اللهُ تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. وأما: ﴿كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ فذلك الذي لا يبلُغُ أن يكونَ فيه هَدْيٌ؛ العصفورُ يُقْتَلُ، فلا يكونُ فيه. قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾: عَدْلُ النعامةِ، أو عَدْلُ العصفورِ، أو\n_________\n(^١) البكارة؛ جمع البكر: الفتيُّ من الإبل. الصحاح (ب ك ر).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٨ إلى المصنف.\n(^٣) في م: \"إن\".\n(^٤) في ص، ت ١ س: \"من سا\". وأثبتها الشيخ شاكر: \"موسعا\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) ينظر ما تقدم تخريجه عن مجاهد في ص ٦٧٤ - ٦٧٧، وأثر عطاء أخرجه الشافعي في الأم ٢/ ١٨٨ من طريق ابن جريج، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٠ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"8","page":686},{"text":"عَدْلُ ذلك كلِّه (^١)\nوقال آخرون: بل يُقوَّمُ الصيدُ المقتولُ قيمتَه من الدراهمِ، ثم يشترى القاتلُ بقيمتِه نِدًّا من النَّعَمِ، ثم يُهْدِيه إلى الكعبةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2793>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا عَبْدةُ، عن إبراهيمَ، قال: ما أصاب المحرمُ من شيءٍ حُكم فيه قيمتُه (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن حمادٍ، قال: سمِعتُ إبراهيمَ يقولُ: في كلِّ شيءٍ من الصيدِ ثمنُه.\nوأولى القولين في تأويلِ الآيةِ ما قال عمرُ وابنُ عباسٍ ومن قال بقولِهما: إن المقتولَ من الصيدِ يُجْزَى بمثلِه من النَّعَمِ، كما قال اللهُ تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. وغيرُ جائزٍ أن يكون مثلُ الذي قتَل من الصيدِ دراهمَ وقد قال اللهُ تعالى: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾. لأن الدراهمَ ليست من النَّعَمِ في شيءٍ.\nفإن قال قائلٌ: فإن الدراهم وإن لم تكن مثلًا للمقتولِ من الصيدِ، فإنه يُشْترى بها المثلُ من النَّعَمِ، فيُهْدِيه القاتلُ، فيكون بفعله ذلك كذلك جازيًا بما قتَل من الصيدِ مثلًا من النَّعَمِ.\nقيل له: أفرأيت إن كان المقتولُ من الصيدِ صغيرًا أو كبيرًا أو سليمًا (^٣)،] ولا يُصابُ] (^٤) بقيمته من النَّعَم إلا صغيرًا أو مَعِيبًا، أيجوزُ له أن يشترىَ بقيمتِه خلافَه\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٠ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٩ إلى المصنف.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢: \"أو كان المقتول من الصيد كبيرا أو سليما\"، وفي ت ٢: \"الصيد كثيرا أو سليما\".\n(^٤) سقط من: م.","vol":"8","page":687},{"text":"وخلافَ صفتِه فيُهْدِيَه، أم لا يجوزُ ذلك له وهو لا يجدُ إلا خلافَه؟ فإن زعَم أنه لا يجوزُ له أن يشترىَ بقيمتهِ إلا مثلَه، تُرِك قولُه في ذلك؛ لأن أهلَ هذه المقالِة يزعُمون أنه لا يجوزُ له أن يشترىَ بقيمةِ (^١) ذلك فيُهديُه إلا ما يجوزُ في الضحايا. وإذا أجازوا شراءَ (^٢) مثلِ المقتولِ من الصيدِ بقيمته وإهداءَها، وقد يكونُ المقتولُ صغيرًا أو معيبًا (^٣)، أجاز (^٤) في الهَدْيِ ما لا يجوزُ في الأضاحي. وإن زعم أنه لا يجوزُ أن يشترىَ بقيمتهِ فيُهديه إلا ما يجوزُ في الضحايا - أَوْضَح بذلك من قولِه الخلافَ لظاهرِ التنزيلِ؛ وذلك أن الله تعالى أَوْجَب على قاتلِ الصيدِ من المُحْرمين عمدًا المثلَ من النَّعَمِ، إذا وجَده؛ وقد زعَم قائلُ هذه المقالِة أنه لا يجبُ عليه المثلُ من النَّعَمِ وهو إلى ذلك واجدٌ سبيلًا.\nويقالُ لقائلِ ذلك: أرأيتَ إن قال قائلٌ آخرُ: ما على قاتلِ ما لا تبلُغُ من الصيدِ قيمتُه ما يصابُ به من النَّعَمِ ما يجوزُ في الأضاحي، من إطعامٍ ولا صيامٍ؛ لأن الله تعالى إنما خيَّر قاتلِ الصيدِ من المُحْرمين في (^٥) أحدِ الثلاثةِ الأشياءِ التي سمَّاها في كتابِه، فإذا لم يكنْ له إلى واحدٍ من ذلك سبيلٌ، سقَط عنه فرضُ الآخرَين؛ لأن الخيارَ إنما كان له وله إلى الثلاثةِ سبيلٍ، فإذا لم يكنْ له إلى بعضِ ذلك سبيلٌ، بطَل فرضُ الجزاءِ عنه؛ لأنه ليس ممن عُنِى بالآيةِ. نظيرَ الذي قلتَ أنتَ: إنه إذا لم يكنِ المقتولُ من الصيدِ تبلغ قيمته ما يصاب من النعمِ ما (^٦) يجوزُ في الضحايا،\n_________\n(^١) في م، س: \"بقيمته\".\n(^٢) في م: \"شرى\"، وفى ت ١: \"سوى\"، وفى س: \"ستوى\".\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وفى م: \"معيبا\".\n(^٤) في م: \"أجازوا\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بين\".\n(^٦) في م: \"مما\".","vol":"8","page":688},{"text":"فقد سقط فرضُ الجزاءِ بالمثلِ (^١) من النعمِ عنه، وإنما عليه الجزاءُ بالإطعامِ أو الصيامِ - هل بينكَ وبينَه فرقٌ من أصلٍ أو نظيرٍ، فلن يقولَ في أحدِهما قولًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2794>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يحكُمُ بذلك الجزاءِ الذي هو مثلُ المقتولِ من الصيدِ من النعمِ عَدْلان منكم. يعنى: فقيهانِ عالمانِ من أهلِ الدينِ والفضلِ. ﴿هَدْيًا﴾. يقولُ: يقضى بالجزاءِ دَوا عَدْلٍ أَن (^٢) يُهْدَى فيبلُغَ الكعبةَ. والهاءُ في قولِه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾. عائدةٌ على الجزاءِ.\nووجهُ حكمِ العَدْلين إذا أرادا أن يحكُما بمثلِ المقتولِ من الصيدِ من النعمِ على القاتلِ، أن ينظُرا إلى المقتولِ ويَسْتَوْصِفاه، فإن ذَكَر أنه أصاب ظبيًا صغيرًا، حكَما عليه من ولدِ الضأنِ بنظيرِ ذلك الذي قتَله في السنِّ والجسمِ. فإن كان الذي أصاب من ذلك كبيرًا، حكَما عليه من الضأنِ بكبيرٍ. وإن كان الذي أصاب حمارَ وحشٍ، حكَما عليه ببقرةٍ؛ إن كان الذي أصاب كبيرًا فكبيرًا (^٣) من البقرِ، وإن كان فصغيرًا. وإن كان المقتولُ ذَكَرًا، فمثلُه من ذكورِ البقرِ. وإن كان أُنثى، فمثلُه من البقِر أُنثى. ثم كذلك ذلك (^٤)، ينظران (^٥) إلى أشبه الأشياء بالمقتول من الصيدِ شبهًا من النعمِ، فيحكُمان عليه به، كما قال تعالى ذكرُه.\nوبمثلِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ في ذلك بينَهم.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"القتل\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أي\".\n(^٣) سقط من: م، وفى ت ١: \"فكبير\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) سقط من: ت ١، وفى ص، س: \"ينظر\".","vol":"8","page":689},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2795>ذكرُ من قال في ذلك بنحوِ الذي قلنا فيه</span>\nحدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّرِي، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن بكرِ بن عبدِ اللهِ المزنيِّ، قال: كان رجلان من الأعرابِ مُحْرِمان (^١)، فأحاش (^٢) أحدُهما ظبيًا فقتَله الآخرُ، فأتيا عمرَ (^٣) وعندَه عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، فقال له عمرُ (^٤): ما (^٥) ترى؟ قال: شاةً. قال: وأنا أَرَى ذلك، اذْهَبا فَأَهْدِيا شَاةً. فلما مَضَيا قال أحدُهما لصاحبِه: ما درى أميرُ المؤمنين ما يقولُ حتى سأل صاحبَه. فسمِعها عمرُ فردَّهما، فقال: هل تقرأ ان سورةَ \"المائدة\"؟ فقالا: لا. فقرأ (^٦) عليهما: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. ثم قال: استعَنتُ بصاحبي هذا (^٧).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ ويعقوبُ، قالا: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ بن عُميرٍ، قبيصةَ بن جابرٍ، قال: ابْتَدرتُ أنا وصاحبٌ لى ظبيًا في العقبةِ، فأصبتُه، فأتيتُ عمرَ بنَ الخطابِ فذكرتُ ذلك له، فأَقْبَل على رجلٍ إلى جنبِه، فنظَرا في ذلك. قال: فقال: اذبحْ كبشًا - قال يعقوبُ في حديثهِ: فقال لي: اذبحْ شاةٍ - فانصرفتُ فأتيتُ صاحبي، فقلت: إن أميرَ المؤمنين لم يدرِ ما يقولُ. فقال صاحبي: انحَرْ ناقتَك. فسمِعها عمرَ بنَ الخطابِ، فأَقْبَل عليَّ ضربًا بالدِّرَّةِ، وقال: تقتُلُ الصيدَ وأنت مُحْرِمٌ، وتَغْمَصُ الفُتْيَا! إن الله تعالى يقولُ في كتابه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ\n_________\n(^١) في م: \"محرمين\".\n(^٢) في م: \"فأجاش\". وقال ابن الأثير: يقال: حُشتُ عليه الصيد وأحشْته: إذا نفَّرتَه نحوَه وسقته إليه وجمعته عليه. النهاية ١/ ٤٦١.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"عمرو\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت، س: \"عمرو\".\n(^٥) في م: \"وما\".\n(^٦) في م: \"فقرأها\".\n(^٧) تقدم تخريجه ص ٦٨٣.","vol":"8","page":690},{"text":"مِنْكُمْ﴾ هذا ابن عوفٍ وأنا عمرُ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن الشعبيِّ، قال: أخبرني قَبيصةُ بنُ جابرٍ، بنحوِ ما حدَّث به عبدُ الملكِ.\nحدَّثنا هنَّادٌ وأبو هشام، قالا: ثنا وكيعٌ، عن المسعوديِّ، عن عبدِ الملكِ بن عُميرٍ، عن قَبيصةَ بن جابرٍ، قال: خرَجنا (^٢)، فكنا إذا صلَّينا الغداةَ اقتدنا رواحلَنا، نتماشى نتحدَّثُ. قال: فبينما نحن ذاتَ غداةٍ إذ سنَح لنا ظبيٌّ أو برَح (^٣)، فرماه رجلٌ منا بحجرٍ، فما أخطأ خُشَشَاءَه (^٤)، فركب رَدْعَه (^٥) ميِّتًا. قال: قال: فعظَّمنا عليه، فلما قدِمنا مكةَ خرَجتُ معه حتى أتينا، عمرَ، فقصَّ عليه القصةَ. قال: وإذا إلى جنبِه رجلٌ كأن وجهَه قُلْبُ (^٦) فضةٍ - يعنى عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ - فالْتَفت إلى صاحبِه فكلَّمه. قال: ثم أَقْبَل على الرجلِ، قال: أعمدًا قتلتَه أم خطأً؟ قال الرجلُ: لقد تعمَّدتُ رميَه، وما أردتُ قتلَه. فقال عمرُ: ما أراك إلا قد أشركت بينَ العمدِ والخطأ، اعمِدْ إلى شاةٍ فاذبَحْها، وتصدَّق بلحمِها، وأسقِ إهابَها. قال: فقمنا من عندِه، فقلتُ: أيها الرجلُ عظِّمِ شعائرَ اللهِ، فما درَى أمير المؤمنين ما يُفْتيِك حتى سأل صاحبَه، اعمْدَ\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٦٨٣.\n(^٢) أي: حجاجا.\n(^٣) السانح: ما مر من الطير والوحش بين يديك من جهة يسارك إلى يمينك، والبارح: ما مر من يمينك إلى يسارك. ينظر النهاية ١/ ١١٤.\n(^٤) في ص،: \"خُشّاءه\" لغة - وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وتفسير ابن أبي حاتم: \"حشاه\". ووقع تفسيره عند عبد الرزاق والطبراني والبيهقى بأنه أصل قرنه وهو العظم الناتئ خلف الأذن. النهاية ٢/ ٣٤، وينظر اللسان (خ ش ش).\n(^٥) سقط من: س، وفى ص: \"ودرعه\".\nوالردع: العنق، أي سقط على رأسه فاندقت عنقه. وقيل: خر صريعا لوجهه، فكلما هم بالنهوض ركب مقاديمه. النهاية ٢/ ٢١٤ وله أوجه أخرى من التفسير تنظر في الفائق ١/ ٣٧١.\n(^٦) القُلْب: السوار. اللسان (ق ل ب).","vol":"8","page":691},{"text":"إلى ناقتك فانحرها، فلعلَّ (^١) ذاك. قال قبيصةُ: ولا أذكرُ الآيةَ من سورةِ \"المائدة\": ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قال: فبلَغ عمرَ مقالتي، فلم يَفْجَأنا منه إلا ومعه الدِّرَّةُ. قال: فعلا صاحبي ضربًا بالدِّرَّةِ، وجعَل يقولُ: أقتلتَ في الحرَمِ، وسفَّهتَ الحكمَ؟ قال: ثم أَقْبَل عليَّ، فقلتُ: يا أمير المؤمنين، لا أُحِلُّ لك اليومَ شيئًا يحرُمُ عليك منى. قال: يا قَبيصةُ بنُ جابرٍ، إنى أراك شابَّ السنِّ، فسيحَ الصدرِ، بَيِّنَ اللسانِ، وإن الشابَّ يكونُ فيه تسعةُ أخلاقٍ حسنةٌ، وخلقٌ سيِّيءٌ، فيُفْسِدُ الخلقُ السيِّئُ الأخلاقَ الحسنةَ، فإياك وعثراتِ الشبابِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن مخارقٍ، عن طارقٍ، قال: أَوْطَأَ أَرْبدُ ضبًّا، فقتَله وهو مُحْرِمٌ، فأتى عمرَ ليحكُمَ عليه، فقال له عمرُ: احكُمْ معى. فحكَما فيه جَدْيًا قد جمَع الماءَ والشجرَ (^٣). ثم قال عمرُ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٤).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن رجلًا أصاب صيدًا، فأتى ابنَ عمرَ فسأله عن ذلك، وعندَه عبدُ اللهِ بن صفوانَ، فقال ابنُ عمرَ لابنِ صفوانَ: إما أن أقولَ فتصدِّقَني، وإما أن تقولَ فأُصدِّقَك. فقال ابن صفوانَ: بل أنت فقلْ. فقال ابن\n_________\n(^١) في م، وتفسير ابن أبي حاتم، ونسخ من تفسير ابن كثير ٣/ ١٨٥: \"ففعل\" وفي نسخة منه كالمثبت، والمراد: فلعل ذلك أن يجزئ عنك.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٦٨٤.\n(^٣) جمع الماء والشجر: فصل عن أمه، وصار يأكل من نبات الأرض، ويشرب. نقلا عن حاشية ترتيب مسند الشافعي ١/ ٢٣٢، وقال نحوه الشيخ شاكر.\n(^٤) أخرجه الشافعي في الأم ١٩٤٢، وعبد الرزاق (٨٢٢١، ٨٤٢٠)، والبيهقى ٥/ ١٨٢، ١٨٥ من طريق ابن عيينة به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٧٦ من طريق مخارق به.\nوأخرجه عبد الرزاق (٨٢٢٠) من طريق آخر عن طارق به بنحوه، وفيه زيادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٩ إلى ابن المنذر.","vol":"8","page":692},{"text":"عمرَ، ووافقه على ذلك عبدُ اللهِ بنُ صفوانَ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن ابن سيرينَ، عن شُريحٍ، أنه قال: لو وَجَدْتُ حكَما عَدْلًا لحكَمتُ في الثعلبِ جَدْيًا، وجدىٌ أحبُّ إليَّ من ثَعْلبٍ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ (^٢)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي مِجْلزٍ، أن رجلًا سأل ابنَ عمرَ عن رجلٍ أصاب صيدًا وهو محرمٌ، وعندَه ابن صفوانَ، فقال له ابن عمرَ: إما أن تقولَ فأُصدِّقَك، أو أقول وتُصدِّقَنى؟ قال: قلْ وأُصدِّقَك (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، قال: أخبرني أبو (^٤) حَريزٍ (^٥) البَجَليُّ، قال: أصبتُ ظبيًا وأنا محرمٌ، فذكَرت ذلك لعمرَ، فقال: ائتِ رجلين من إخوانِك فلْيحكُما عليك. فأتيتُ عبدَ الرحمنِ وسعدًا (^٦)، فحكَما عليَّ تَيْسًا أَعْفَرَ (^٧). قال أبو جعفرٍ: الأعفرُ الأبيضُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ بإسنادِه، عن عمرَ مثلَه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٩ إلى المصنف، من طريق أبي مجلز - وسيأتي - بهذا اللفظ.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بكير\". وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٥٣١.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (٨٤٢١) عن عثمان بن مطر، عن سعيدِ به، وتمامه عنده: فقال ابن عمر: فيه كذا وكذا. فصدقه ابن صفوان.\n(^٤) في م: \"ابن\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وطبقات ابن سعد، وتفسير ابن كثير: \"جرير\"، وغير منقوطة في ص، والمثبت موافق لما في سنن البيهقى والدر المنثور، وينظر تبصير المنتبه ١/ ٢٥٠.\n(^٦) في م: \"سعيدا\".\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ١٨٥ عن المصنف. وأخرجه البيهقى ٥/ ١٨١ من طريق شعبة به. وأخرجه ابن سعد ٦/ ١٥٤، ١٥٥ من طريق منصور به وفيهما أنه كان ناسيا لإحرامه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٩ إلى أبى الشيخ.","vol":"8","page":693},{"text":"حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: أخبرنا إسحاقُ، عن شريكٍ، عن أشعثَ بن سوَّارٍ، عن ابن سيرينَ، قال: كان رجلٌ على ناقةٍ وهو محرمٌ، فأَبْصَر ظبيًا يأوى إلى أَكَمةٍ، فقال: لأنظُرَنَّ (^١) أنا أسبقُ إلى هذه الأكمةِ أم هذا الظبيُ؟ فوقَعت عنزٌ من الظباءِ تحتَ قوائمِ ناقتِه فقتَلتها، فأتَى عمرَ، فذكَر ذلك له، فحكَم عليه هو وابنُ عوفٍ عنزًا عفراءَ. قال: وهى البيضاءُ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَةَ، قال: أخبرنا أيوبُ، عن محمدٍ، أن رجلًا أَوْطَأ ظبيًا وهو محرمٌ، فأتى عمرَ، فذكَر ذلك له، وإلى جنبِه عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، فأقْبَل على عبدِ الرحمنِ فكلَّمه، ثم أَقْبَل على الرجلِ، فقال: أَهْدِ عنزًا عفراءَ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ أنه كان يقولُ: ما أصاب المُحْرِمُ من شيءٍ لم يمضِ فيه حُكومةٌ (^٢)، استقبل به، فيحكُمُ فيه ذوا عَدْلٍ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يَعْلَى، عن عمرِو بن حُبْشيٍّ، قال: سمِعت رجلًا سأل عبدَ اللهِ بنَ عمرَ عن رجلٍ أصاب ولدَ أَرْنبٍ، فقال: فيه ولدُ ماعزٍ فيما أرى أنا. ثم قال لي: أكذاك؟ فقلت: أنت أعلمُ منى. فقال: قال اللهُ تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ وسهلُ بنُ يوسفَ، عن حميدٍ، عن بكرٍ، أن رجلين أَبْصَرا ظبيًا وهما مُحْرمان، فتراهنا، وجعل كلُّ واحدٍ منهما لمن\n_________\n(^١) في م: \"لأنظر\".\n(^٢) الحكومة: مصدر كالحكم، هو القضاء، والمراد أنه لم يسبق فيه قضاء سابق.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٢٩ إلى المصنف.","vol":"8","page":694},{"text":"سبَق إليه، فسبَق إليه أحدُهما، فرماه بعصاه، فقتَله، فلما قدِما مكةَ، أتيا عمرَ يختصِمان إليه، وعندَه عبدُ الرحمنِ بن عوفٍ، فذكَرا ذلك له، فقال عمرُ: هذا قِمارٌ، ولا أجيزُه. ثم نظَر إلى عبدِ الرحمنِ، فقال: ما ترى؟ قال: شاةً. فقال عمرُ: وأنا أرى ذلك. فلما قفَّى الرجلان من عندِ عمرَ، قال أحدُهما لصاحبَه: ما درَى عمرُ ما يقولُ حتى سأل الرجلَ. فردَّهما عمرُ، فقال: إن الله تعالى لم يرضَ بعمرَ وحدَه فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. وأنا عمرُ، وهذا عبدُ الرحمنِ [بنُ عوف] (^١).\nوقال آخَرون: بل ينظُرُ العَدْلان إلى الصيدِ المقتولِ، فيقوِّمانِه قيمتَه دراهمَ، ثم يأمُران القاتلَ أن يشترِىَ بذلك من النعمِ هديًا.\nفالحاكمان يَحْكُمان في قول هؤلاءِ بالقيمةِ، وإنما يُحتاجُ إليهما لتقويمِ الصيدِ قيمتَه في الموضعِ الذي أصابه فيه.\nوقد ذكَرنا عن إبراهيمَ النخعيِّ فيما مضى قبلُ أنه كان يقولُ: ما أصاب المحرمُ من شيءٍ حُكم فيه قيمتُه (^٢). وهو قولُ جماعةٍ من مُتَفقهةِ الكوفيِّين.\nوأما قولُه: ﴿هَدْيًا﴾. فإنه مُصدرٌ على الحالِ من \"الهاءِ\" التي في قولِه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾.\nوقولُه: ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. من نعتِ الهَدْيِ وصفتِه. وإنما جاز أن يُنعتَ به (^٣) وهو مضافٌ إلى معرفةٍ؛ لأنه في معنى النكرةِ. وذلك أن معنى قوِله: ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾: يبلُغُ الكعبةَ. فهو وإن كان مضافًا، فمعناه التنوينُ؛ لأنه بمعنى\n_________\n(^١) زيادة من: م. وينظر ما تقدم تخريجه في ص ٦٨٤.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٦٨٣، ٦٨٤.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"8","page":695},{"text":"الاستقبال (^١). وهو نظيرُ قولِه: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]. فوصَف بقوله: ﴿مُمْطِرُنَا﴾. عارضًا؛ لأن في: \"ممطرنا\" (^٢) معنى التنوينِ؛ لأن تأويلَه الاستقبالُ، فمعناه (^٣): هذا عارضٌ يمطِرُنا. فكذلك ذلك في قولِه: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-2796>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أو عليه كفَّارةٌ طعامُ مساكينَ. والكفَّارةُ معطوفةٌ على الجزاءِ في قولِه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.\nواخْتَلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (أَوْ كَفَّارَةُ طعامِ مَساكِينَ). بالإضافةِ (^٤).\nوأما قرأةُ أهلِ العراقِ، فإن عامَّتَهم قرءوا ذلك بتنوينِ الكفَّارة ورفعِ الطعامِ: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ (^٥).\nوأَوْلَى القراءتين في ذلك عندَنا بالصوابِ قراءةُ من قرأ بتنوينِ الكفَّارةِ ورفعِ الطعامِ (^٦)؛ للعلةِ التي ذكَرناها في قولِه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (^٧).\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك أن القاتلَ وهو محرمٌ، صيدًا عمدًا، لا يخلُو من وجوبِ بعضِ\n_________\n(^١) الاستقبال والمستقبل مصطلح نحوي كوفي يقابل المضارع. ينظر مصطلحات النحو الكوفي ص ٧٤.\n(^٢) في ص، س: \"عارض\". والمراد بالتنوين في: ممطرنا. أي: ممطر لنا. تفسير القرطبي ١٦/ ٢٠٥.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"في معناه\".\n(^٤) وهى قراءة نافع المدنى، وابن عامر الشامي. الكشف عن وجوه القراءات ص ٤١٨.\n(^٥) وهى قراءة ابن كثير وعاصم وأبى عمرو وحمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٦) القراءتان كلتاهما صواب وليست إحداهما بأولى من الأخرى.\n(^٧) ينظر ما تقدم في ص ٦٨٠.","vol":"8","page":696},{"text":"هذه الأشياء الثلاثة التي ذكَر اللهُ تعالى؛ من مثلِ المقتولِ هَدْيًا بالغَ الكعبة، أو طعامِ مساكينَ كفَّارةً لما فعل، أو عدلِ ذلك صيامًا، لا أنه مُخيَّرٌ في أيِّ ذلك شاء فعَل، وأنه بأيِّها كان كفَّر، فقد أدَّى الواجبَ عليه. وإنما ذلك إعلامٌ من اللهِ تعالى عبادَه أن قاتلَ ذلك، كما وصَف، لن يخرُجَ حكمُه من إحدى الخلالِ الثلاثةِ. قالوا: فحكمُه إن كان على المِثْلِ قادرًا أن يُحْكَمَ عليه بمثلِ المقتولِ من النَّعمِ، لا يُجْزِئُه غيرُ ذلك ما دام للمِثْلِ واجدًا. قالوا: فإن لم يكنْ له واجدًا، أو لم يكنْ للمقتولِ مثلٌ من النَّعمِ، فكفَّارتُه حينَئذٍ إطعامُ مساكينَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2797>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾. قال: إذا قتَل المحرمُ شيئًا من الصيدِ حُكِم عليه فيه، فإن قتَل ظبيًا أو نحوَه، فعليه شاةٌ تُذْبَحُ بمكةَ، فإن لم يجِدْ فإطعامُ ستةِ مساكينَ، فإن لم يجدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ، وإن قتَل إيَّلًا أو نحوَه، فعليه بقرةٌ، فإن لم يجدْ (^١) أَطْعَم عشرين مسكينًا، فإن لم يجدْ صام عشرين يومًا، وإن قتَل نعامةً أو حمارَ وحشٍ أو نحوَه، فعليه بَدَنَةٌ من الإبلِ، فإن لم يجد أَطْعَم ثلاثين مسكينًا، فإن لم يجدْ صام ثلاثين يومًا، والطعامُ مُدٌّ مُدٌّ، شِبَعَهم (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يجدها\".\n(^٢) في م: \"يشبعهم\".\nوالأثر تقدم تخريجه في ص ٦٨٣.","vol":"8","page":697},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. إلى قولِه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: فالكفَّارة من قتَل ما دونَ الأرنبِ إطعامٌ (^١).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إذا أصاب المحرمُ الصيدَ حُكم عليه جزاؤُه من النَّعمِ، فإن وجَد جزاءَه ذبَحه فتصدَّق به، وإن لم يجدْ جزاءَه، قُوِّم الجزاءُ دراهمَ، ثم قُوِّمت الدراهمُ حِنْطَةً، ثم صام مكانَ كلِّ نصفِ (^٢) صاعٍ يومًا. قال: إنما أُرِيد بالطعامِ الصومُ، فإذا وجَد طعامًا وجَد جزاءً.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن زُهير، عن جابرٍ، عن عطاءٍ ومجاهدٍ وعامرٍ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. قال: إنما الطعامُ لمن لم يَجِدِ الهَدْيَ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ أنه كان يقولُ: إذا أصاب المحرمُ شيئًا من الصيدِ، عليه جزاؤُه من النعمِ، فإن لم يجدْ، قُوِّم (^٣) الجزاءُ دراهمَ، ثم قُوِّمت الدراهمُ طعامًا، ثم صام لكلِّ نصفِ صاعٍ يومًا (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن حمادٍ، قال: إذا أصاب المُحْرِمُ الصيدَ، فحكم عليه، فإن فضَل منه ما لا يُتمُّ نصفِ صاعٍ، صام له يومًا، ولا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٠ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من النسخ، والمثبت من لفظ الأثر في ص ٦٨٢. وينظر تخريجه هناك.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق (٨١٩٥)، وابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٧٦، من طريق الأعمش عن إبراهيم نحوه، وعند عبد الرزاق مطولا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"8","page":698},{"text":"يكونُ الصومُ إلا على من لم يجدْ ثمنَ هَدْيِ فيُحْكَمُ عليه الطعامُ، فإن لم يكنْ عندَه طعامٌ يتصدَّقُ به، حُكم عليه الصومُ، فصام مكانَ كلَّ نصفِ صاعٍ يومًا، ﴿كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾. قال: فيما لا يبلُغُ ثَمَنَ هَدْيٍ، ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. من الجزاءِ إذا لم يجدْ ما يشترى به هَدْيًا، أو ما يَتصدَّقُ به، مما لا يبلُغُ ثمنَ هَدْي، حُكِم عليه الصيامُ مكانّ كلِّ نصفِ صاعٍ يومًا.\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. قال: عليه من النَّعم مثلُه هديًا بالغَ الكعبة، ومن لم يَجِد، ابتاع قيمتَه (^١) طعامًا، فيُطْعِمُ كل مسكينٍ مُدَّين، فإن لم يجدْ صام عن كلِّ مُدَّين يومًا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾. إلى قولِه: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾. قال: إذا قتَل صيدًا، فعليه جزاؤُه مثلُ ما قتَل من النعمِ، فإن لم يجدْ ما (^٣) حُكِم عليه، قوِّم (^٤) الفداءُ: كم هو درهمًا؟ و(^٥) قدِّر ثمنُ ذلك بالطعامِ على المسكينِ، فصام عن كلِّ مسكينٍ يومًا، ولا يحِلُّ طعامُ المسكينِ؛ لأنَّ من وجَد طعامَ المسكينِ فهو يجدُ الفداءَ.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ابن جريجٍ، قال: قال لي الحسنُ\n_________\n(^١) في م: \"بقيمته\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣١٥، وأخرجه عبد الرزاق (٨١٩٣) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) سقط من: ص.\n(^٤) في ص: \"ثم\".\n(^٥) في ص: \"بين\".","vol":"8","page":699},{"text":"ابن مسلمٍ: من أصاب الصيدَ فيما (^١) جزاؤُه شاةٌ، فذلك الذي قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. وما كان من كفَّارة بإطعامِ مساكينَ، مثلُ (^٢) العصفورِ يُقْتَلُ ولا يبلُغُ أن يكونَ فيه هَدْىٌ، ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. قال: عَدْلُ النعامةِ أو (^٣) العصفورِ، أو عدلُ ذلك كلِّه. فذكَرت ذلك لعطاءٍ، فقال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: \"أَوْ، أَوْ\". فلصاحبِه أن يختارَ ما شاء (^٤).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا سفيانُ بنُ حسينٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾: فإن لم يجدْ جزاءٌ قوِّم عليه الجزاءُ طعامًا، ثم صام لكلِّ صاعٍ يومين.\nوقال آخَرون: معنى ذلك أن للقاتلِ صيدًا عمدًا وهو محرمٌ، الخيارَ بينَ إحدى الكفَّاراتِ الثلاثِ، وهى الجزاءُ بمثلِه من النَّعمِ، والطعامُ، والصومُ. قالوا: وإنما تأويلُ قولِه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ - ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾: فعليه أن يَجْزِى بمثلِه من النَّعم، أو يُكفِّرَ بإطعامِ مساكينَ، أو بعدلِ الطعامِ من الصيامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2798>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنَّادٌ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، عن عطاءٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. قال: إن أصاب إنسانٌ\n_________\n(^١) في م: \"مما\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ص: \"من\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"و\".\n(^٤) أخرجه الشافعي في الأم ٢/ ١٨٨ من طريق ابن جريج به.","vol":"8","page":700},{"text":"محرمٌ نعامةً، فإن له - وإن كان ذا يَسَارٍ - أن يُهْدِيَ ما شاء جَزُورًا، أو عَدْلَها طعامًا، أو عَدْلَها صياما. قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: أَوْ، أَوْ\". فلْيَختَرْ منه صاحبه ما شاء (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حجَّاجٌ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. قال: ما كان في القرآنِ \"أَوْ كذا، أَوْ كذا\" فصاحبُه فيه بالخيارِ، أيَّ ذلك شاء فعَل (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أسباطُ وعبدُ الأعلى، عن داودَ، عن عكرمةَ، قال: ما كان في القرآنِ: \"أَوْ، أَوْ\"؛ فهو فيه بالخيارِ، [وما كان] (^٣): \"فمن لم يجدْ\"، فالأولُ (^٤)، ثم الذي يليه (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن عمرٍو، عن الحسنِ مثلَه (^٦).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا ليثٌ، عن عطاءٍ ومجاهدٍ أنهما قالا في قولِه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. قالا: ما كان في القرآنِ: \"أَوْ كذا، أَوْ كذا. فصاحبُه فيه بالخيارِ، أيَّ ذلك شاء فعَل (^٧).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحاكِ، ما كان في القرآنِ أَوْ كذا، أَوْ كذا\"، فصاحبُه فيه بالخيارِ، أيَّ ذلك شاء فعَل.\n_________\n(^١) أخرجه الشافعي في الأم ٢/ ١٨٨ من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢١٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٦٦ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق حجاج به.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، س.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فالذي يليه\" وفى س: \"فالذي عليه\".\n(^٥) تقدم تخريجه في ٣/ ٣٨٧.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٠ إلى المصنف.\n(^٧) تقدم تخريجه في ٣/ ٣٨٦.","vol":"8","page":701},{"text":"حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا أبو حُرَّة (^١)، عن الحسنِ، قال: وأخبرنا عبيدةُ، عن إبراهيمَ، قالا: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: \"أَوْ، أَوْ\". فهو بالخيار، أيَّ ذلك شاء فعَل.\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا حفصٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: أَوْ، أَوْ\". فصاحبُه مخيَّرٌ فيه، وكلُّ شيءٍ: \"فمن لم يجدُ\". فالأولُ، ثم الذي يليه (^٢).\nواختلف القائلون بتخيير قاتلِ الصيدِ من المُحْرمين بينَ الأشياءِ الثلاثةِ، في صفةِ اللازمِ له من التكفيرِ بالإطعامِ والصومِ، إذا اختار الكفَّارة بأحِدهما دونَ الهَدْي؛ فقال بعضُهم: إذا اختار التكفيرَ بذلك، فإن الواجبَ عليه أن يقوِّمَ المِثْلَ من النَّعَمِ طعامًا، ثم يصومَ مكانَ كلِّ مُدٍّ يومًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2799>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: أخبرنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قلتُ العطاءٍ: ما: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾؟ قال: إن أصاب ما عَدْلُه شاةٌ، أُقِيمت الشاةُ طعامًا، ثم جعَل مكانَ كلِّ مُدٍّ يومًا يصومُه (^٣).\nوقال آخرون: بل الواجبُ عليه إذا أراد التكفيرَ بالإطعامِ أو الصومِ، أن يقوِّمَ الصيدَ المقتولَ طعامًا، ثم الصدقةَ (^٤) بالطعامِ إن اختار الصدقةَ، وإن اختار الصومَ صام.\n_________\n(^١) في م: \"حمزة\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ٣/ ٣٨٦.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨١٩٦) عن الثوري، عن ابن جريج به.\n(^٤) في م: \"يتصدق\".","vol":"8","page":702},{"text":"ثم اخْتلَفوا أيضًا في الصومِ؛ فقال بعضُهم: يصومُ لكلِّ مدٍّ يومًا.\nوقال آخَرون: يصومُ مكانَ كلِّ نصفِ صاعٍ يومًا.\nوقال آخرون: يصومُ مكانَ كلِّ صاعٍ يومًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2800>ذكرُ من قال: المتُقوَّمُ للإطعامِ هو الصيدُ المقتولُ</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ الآية. قال: كان قتادةُ يقولُ: يحكُمان في النَّعمِ، فإن كان ليس عنده (^١) ما يبلُغُ ذلك، نظَروا ثمنَه فقوَّموه طعامًا، ثم صام مكانَ كلِّ صاعٍ يومين.\nوقال آخرون: لا معنى للتكفيرِ بالإطعامِ؛ لأن من وجَد سبيلًا إلى التكفيرِ بالإطعامِ، فهو واجدٌ إلى الجزاءِ بالمثلِ من النَّعمِ سبيلًا، ومن وجدَ إلى الجزاءِ بالمثلِ من النعمِ سبيلًا، لم يُجزِئْه التكفيرُ بغيرِه. قالوا: وإنما ذكَر اللهُ تعالى ذكرُه الكفَّارةَ بالإطعامِ في هذا الموضعِ ليدُلَّ على صفةِ التكفيرِ بالصومِ، [لا أنه] (^٢) جعَل التكفيرَ بالإطعامِ إحدى الكفَّاراتِ التي يُكَفَّرُ بها قتلُ الصيدِ. وقد ذكَرنا تأويلَ ذلك فيما مضَى قبلُ (^٣).\nوأولى الأقوالِ بالصوابِ عندى في قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. أن يكونَ مرادًا به: فعلى قاتلِه متعمِّدًا مثلُ الذي قتَل من النَّعمِ، لا القيمةُ، إن اختار أن يَجزيَه بالمثلِ من النَّعمِ؛ وذلك أن القيمةَ إنما هي من الدنانيرِ أو الدراهمِ، والدراهمُ أو الدنانير ليست للصيدِ بمثلٍ، واللهُ تعالى إنما أَوْجَب الجزاءَ مثلًا من النعمِ.\n_________\n(^١) في م: \"صيده\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"لأنه\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٦٨٠.","vol":"8","page":703},{"text":"وأولى الأقوالِ بالصوابِ عندى في قولِه: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. أن يكونَ تخييرًا، وأن يكونَ للقاتلِ الخيارُ في تكفيرِه بقتلِه الصيدَ وهو محرمٌ، بأيِّ هذه الكفَّاراتِ الثلاثِ شاء؛ لأن الله تعالى ذكرُه جعَل ما أَوْجَب في قتلِ الصيدِ من الجزاءِ والكفَّارة عقوبةً لفعلِه، وتكفيرًا لذنبِه، في إتلافِه ما أَتْلَف من الصيدِ الذي كان حرامًا عليه إتلافُه في حالِ إحرامِه، وقد كان حلالًا له قبل حالِ إحرامِه، كما جعَل الفدية من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ في حلقِ الشَّعَرِ الذي حلقه المُحْرِمُ في حالِ إحرامِه، وقد كان له حلقُه قبل حالِ إحرامِه (^١)، ثم مُنِع من حلقه في حالِ إحرامِه، نظيرَ الصيدِ، ثم جُعِل عليه إن حلَقه جزاءٌ من حلقِه إياه. فأَجْمَع الجميعُ على أنه في حلقه إيَّاه إذا حلَقه من أذاتِه (^٢) مخيَّرٌ في تكفيرِه، فِعْلَه (^٣) ذلك بأيِّ الكَفَّارَاتِ الثلاثِ شاء، فمثلُه [فيما نالَه] (^٤) إن شاء اللهُ قاتلُ الصيدِ من المُحْرمين، وأنه مخيرٌ في تكفيرِه قتلَه الصيدَ بأيِّ الكفَّارات الثلاثِ شاء، لا فرقَ بينَ ذلك.\nومن أبى ما قلنا فيه، قيل له: حكَم اللهُ تعالى ذكرُه على قاتلِ الصيدِ بالمثلِ من النعمِ، أو كفَّارةٍ طعامِ مساكينَ، أو عدلِه صيامًا، كما حكَم على الحالقِ بفديةِ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ، فزعَمتَ أن أحدَهما مخيَّرٌ في تكفيرِ ما جُعِل منه عِوَضٌ بأَيِّ الثلاثِ شاء، وأَنْكَرتَ أن يكون ذلك للآخرِ، فهل بينَك وبينَ من عكَس عليك الأمرَ في ذلك، فجعَل الخيارَ فيه حيث أبيتَ، وأبى حيث جعَلتَه له - فرقٌ من أصلٍ أو نظيرٍ؟ فلن يقولَ في أحدِهما قولًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثله.\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، س: \"وقد كان حلالا له قبل حال إحرامِه، كما جعل الفدية من صيام أو صدقة أو نسك في حلق الشعر الذي حلقه المحرم في حالِ إحرامِه، وقد كان له حلقه قبل حال إحرامه\".\n(^٢) في م: \"إيذائه\".\n(^٣) في النسخ: \"فعليه\". وينظر تعليق الشيخ شاكر.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٣، س: \"فما شا له، وفى م، ت ٢: \"إن شاء الله\". وأثبتناه كما أثبته الشيخ شاكر.","vol":"8","page":704},{"text":"ثم اخْتَلفوا في صفةِ التقويمِ إذا أراد التكفيرَ بالإطعامِ؛ فقال بعضُهم: يقوَّمُ الصيْدُ [قيمةَ الموضعِ] (^١) الذي أصابه فيه (^٢). وهو قولُ إبراهيمَ النَّخعيِّ، وحمادٍ، وأبى حنيفةَ، وأبى يوسفَ، ومحمدٍ. وقد ذكَرتُ الروايةَ عن إبراهيمَ وحمادٍ فيما مضى (^٣)، بما يدلُّ على ذلك. وهو نصُّ قول أبي حنيفةَ وأصحابِه.\nوقال آخرون: بل يقوَّمُ ذلك بسعرِ الأرضِ التي يكفِّرُ بها (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-2801>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال في محرمٍ أصاب صيدًا بخراسانَ، قال: يكفِّرُ بمكةَ أو بمنًى. وقال: يقوَّمُ الطعامُ بسعرِ الأرضِ التي يكفِّرُ بها (^٥).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو يمانٍ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن الشعبيِّ في رجلٍ أصاب صيدًا بخراسانَ، قال: يُحْكَمُ عليه بمكةَ.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندنا أن قاتلِ الصيدِ إذا جزاه بمثلِه من النعمِ، فإنما يَجْزِيه بنظيره في خَلْقٍ وقَدْرِه في جسمه من أقربِ الأشياءِ به شبهًا من الأنعامِ، فإن جزاه بالإطعامِ. قوَّمه قيمتَه بموضعِه الذي أصابه فيه؛ لأنه هنالك وجَب عليه التكفيرُ بالإطعامِ، ثم إن شاء أَطْعَم بالموضعِ الذي أصابه فيه، وإن شاء بمكةَ، وإن شاء بغيرِ ذلك من المواضعِ حيث شاء؛ لأن الله تعالى إنما شرَط بلوغَ الكعبةِ بالهَدْي في قتلِ\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"قيمته بالموضع\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٦٨٧.\n(^٤) في ص، ت ١: \"فيها\"، وفى س: \"منها\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٠ إلى المصنف.","vol":"8","page":705},{"text":"الصيد دونَ غيرِه من جزائِه، فللجازى بغيرِ الهَدْي أن يجزيه بالإطعامِ والصومِ حيث شاء من الأرضِ.\nوبمثل الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ العلمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2802>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: ثنا ابن أَبي عَرُوبةَ، عن أبي معشرٍ، عن إبراهيمَ، قال: ما كان من دمٍ فبمكةَ، وما كان من صدقةِ أو صومٍ حيث شاء (^١).\nوقد خالَف ذلك مخالفون، فقالوا: لا يُجْزِئُ الهَدْيُ والإطعامُ إلا بمكةَ، فأمّا الصومُ، فإن [كفَّر به] (^٢) يصومُ حيث شاء من الأرضِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2803>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن حمادِ بن سَلَمةَ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن عطاءٍ، قال: الدمُ والطعامُ بمكةَ، والصيامُ حيثُ شاء (^٣).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن مالكِ بن مِغْولٍ، عن عطاءٍ، قال: كفَّارة الحج بمكةَ (^٤).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ابن جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٦٦، ١٦٧ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق سعيد به، ومن طريق أشعث، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم نحوه.\n(^٢) في ص، ت ١ ت ٣: لم يكفر كفر به أن\"، وفى س: \"لم يكفر به أن\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٦٦ من طريق حجاج، عن عطاء نحوه دون ذكر الإطعام.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٠ إلى المصنف وأبى الشيخ.","vol":"8","page":706},{"text":"أين يَتصدَّقُ بالطعامِ إن بدا له؟ قال: بمكةَ، من أجلِ أنه بمنزلةِ الهَدْى، قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ - ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. من أجلِ أنه أصابه في حَرَمٍ - يريدُ البيتَ - فجزاؤُه عندَ البيتِ (^١).\nفأما الهدىُ؛ [فإنَّ من جزى به] (^٢) ما قتَل من الصيدِ، فلن يَجزيَه من كفَّارةِ ما قتَل من ذلك إلا أن يُبلغَه الكعبةَ طيِّبًا، [كما قال تعالى ذكرُه] (^٣)، ويَنْحَرَه أَو يَذبَحَه، ويَتصدَّقَ به على مساكينِ الحَرَمِ. وعنى بالكعبةِ في هذا الموضعِ الحَرَمَ كلَّه.\nولمن [قدِم بهديهِ] (^٤) الواجبِ من جزاءِ الصيدِ أن ينحَرَه في أيِّ (^٥) وقتٍ شاء، قبلَ (^٦) يومِ النحرِ وبعدَه، ويُطْعِمَه. وكذلك إن كفَّر بإطعامٍ، فله أن يكفِّرَ به متى أحبَّ، وحيث أحبَّ. وإن كفَّر بالصومٍ فكذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، خلا ما ذكَرنا من اختلافهم في التكفيرِ بالإطعامِ على ما قد بيَّنا فيما مضى.\n\n<span data-type='title' id=toc-2804>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. هل لصيامِه وقتٌ؟ قال: لا، إذا شاء، وحيث شاء، وتعجيلُه أحبُّ إليَّ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الشافعي في الأم (٢/ ١٨٥)، ومن طريقه البيهقى (٥/ ١٨٧)، من طريق ابن جريج به.\n(^٢) في م: \"فإنه من جرّاء\".\n(^٣) سقط من م، ت ٢، وفى ص، ت ١: \"قال تعالى ذكره\".\n(^٤) في س: \"قدّم هديه\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كل\".\n(^٦) في س: \"من\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٣٠) إلى المصنف.","vol":"8","page":707},{"text":"حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: رجلٌ أصاب صيدًا في الحجِّ أو العمرةِ، فأَرْسَل بجزائِه إلى الحرمِ في المُحرَّمِ أو غيرِه من الشهورِ، أيُجْزِئُ عنه؟ قال: نعم. ثم قرأ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. قال هنَّادٌ: قال يحيى: وبه نأخُذُ.\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ وابنُ أبى سليمانَ (^١)، عن عطاءٍ، قال: إذا قدِمتَ مكةَ بجزاءِ صيدٍ فانحرْه، فإن الله تعالى ذكرُه يقولُ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. إلا أن تقدَمَ في العشرِ، فتُؤَخِّرَه إلى يومِ النحرِ (^٢).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: ثنا ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: يَتصدَّقُ الذي يُصيبُ الصيدَ بمكةَ، فإن الله تعالى ذكرُه يقولُ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2805>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: أو على قاتلِ الصيدِ مُحْرِمًا عَدْلُ الصيدِ المقتول من الصيامِ، وذلك أن يُقَوَّمَ الصيدُ حيًّا غيرَ مقتولٍ قيمتَه من الطعامِ بالموضعِ الذي قتَله فيه المحرمُ، ثم يصومُ مكانَ كلّ مُدٍّ يومًا؛ وذلك أن النبيَّ ﷺ عدَل المُدَّ من الطعامِ بصومِ يومٍ في كفَّارِةِ المُوَاقِعِ في شهرِ رمضانَ.\nفإن قال قائلٌ: فهلَّا جعَلْتَ مكانَ كلِّ صاعٍ في جزاءِ الصيدِ صومَ يومٍ، قياسًا على حكمِ النبيِّ ﷺ في نظيرِه، وذلك حكمُه على كعبِ بن عُجْرةَ (^٤)، إذ أمَره أن\n_________\n(^١) في م: \"سليم\". وينظر تهذيب الكمال (١٨/ ٣٢٢).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٣٠) إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه الشافعي في الأم (٢/ ١٨٥) من طريق ابن جريج به. وينظر الأثر رقم (٦) ص (٥٥).\n(^٤) ينظر خبر كعب بن عجرة في (٣/ ٣٧١ - ٣٨٠).","vol":"8","page":708},{"text":"يُطْعِمَ إن كفَّر بالإطعامِ فَرَقًا من طعامٍ، وذلك ثلاثةُ آصُعٍ بينَ ستةِ مساكينَ، فإن كفَّر بالصيامِ، أن يصومَ ثلاثةَ أيامٍ، فجعَل الأيامَ الثلاثةَ في الصومِ عَدْلًا من إطعامِ ثلاثةِ آصعٍ، فإن ذلك بالكفَّارةِ في جزاءِ الصيدِ، أشبَهُ من الكفَّارةِ في قتلِ الصيدِ بكفَّارةِ المُواقِعِ امرأتَه في شهرِ رمضانَ (^١).\nقيل: إن القياسَ إنما هو ردُّ الفروعِ المختلَفِ فيها إلى نظائرِها من الأصولِ المُجْمَعِ عليها، ولا خلافَ بينَ الجميعِ من الحُجَّةِ أَنه لا يُجْزِئُ مكفِّرًا كَفَّر في قتلِ الصيدِ بالصومِ، أن يَعْدِلَ صومَ يومٍ بصاعِ طعامٍ. فإن كان ذلك كذلك، وكان غيرَ جائزٍ خلافُها فيما حَدَّثَتْ (^١) به من الدينِ مُجْمِعةً عليه، صحَّ بذلك أن حكمَ مُعادلةِ الصومِ الطعامَ في قتلِ الصيدِ مخالفٌ حكمَ معادلتِه إيَّاه في كفَّارةِ الحلقِ، إذ كان غيرَ جائزٍ [رَدُّ أصلٍ] (^٢) على آخرَ قياسًا، وإنما يجوزُ أن يُقَاسَ الفرعُ على الأصلِ، وسواءٌ قال قائلٌ: هلَّا رددتَ حكمَ الصومِ في كفَّارةِ قتلِ الصيدِ على حكمِه في حَلْقِ الأذى، فيما يُعْدَلُ به من الطعامِ. وآخرُ قال: هلَّا رددتَ حكمَ الصومِ في الحلقِ على حكمِه في كفَّارةِ قتلِ الصيدِ فيما يُعْدَلُ به من الطعامِ، فتُوجبَ عليه مكانَ كلِّ مدٍّ أو مكانَ كلَّ نصفِ صاعٍ صومَ يومٍ.\nوقد بيَّنا فيما مضى قبلُ أن \"العَدْلَ\" في كلامِ العرب بالفتحِ، هو قَدْرُ الشيءِ من غيرِ جنسِه، وأن \"العِدْلَ\" هو قَدْرُه من جنسِه (^٣).\nوقد كان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ يقولُ: العَدْلُ مصدرٌ من قولِ القائلِ:\n_________\n(^١) في النسخ: \"حدث\". والمثبت هو الصواب.\n(^٢) في النسخ: \"وداخل\". والصواب ما أُثْبِتَ، وسياق الكلام يدل عليه.\n(^٣) ينظر ما في (١/ ٦٣٩).","vol":"8","page":709},{"text":"عَدَلْتُ بهذا عَدْلًا حسنًا. قال: والعَدْلُ أيضًا بالفتحِ: المِثْلُ. ولكنَّهم فرَّقوا بينَ العَدْلِ في هذا وبينَ عِدْلِ المَتاعِ، بأن كسَروا العينَ من عِدْلِ المتاعِ، وفتَحوها من [قولِ اللهِ] (^١): ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]. وقولِ اللَّهِ ﷿: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. كما قالوا: امرأةٌ رَزَانٌ، وحجَرٌ رزينٌ.\nوقال بعضُهم: العَدْلُ هو القِسْطُ في الحقِّ، والعِدْلُ بالكسرِ المِثْلُ.\nوقد بيَّنا ذلك بشواهدِه فيما مضى (^٢).\nوأما نصبُ \"الصيامِ\" فإنه على التفسيرِ (^٣)، كما يقالُ: عندى مِلْءُ زِقٍّ سمنًا، وقَدْرُ رِطلٍ عسلًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2806>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ما ﴿عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾؟ قال: عدلُ الطعامِ من الصيامِ. قال: لكلِّ مُدٍّ يومًا. يأخُذُ (^٤) - زعَم - بصيامِ رمضانَ وبالظِّهارِ، وزعَم أن ذلك رأْىٌ يراه ولم يسمَعْه من أحدٍ، ولم تمضِ به سنةٌ. قال: ثم عاودتُه بعدَ ذلك بحينٍ، قلتُ: ما ﴿عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾؟ قال: إن أصاب ما عَدْلُه شاةٌ، قُوِّمت طعامًا، ثم صام مكانَ كلِّ مُدٍّ يومًا. قال: ولم أسألْه: هذا رأْىٌ أو سنةٌ مسنونةٌ (^٥)؟\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا أبو بشرٍ، عن\n_________\n(^١) في النسخ: \"قولهم\". والمثبت هو الصواب.\n(^٢) ينظر ما تقدم في (١/ ٦٣٧ - ٦٣٩).\n(^٣) أي على التمييز.\n(^٤) في م: \"يؤخذ\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨١٩٦) عن الثورى، عن ابن جريج به. بالشطر الأخير من الأثر.","vol":"8","page":710},{"text":"سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه ﷿: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. قال: يصومُ ثلاثةَ أيامٍ إلى عشَرةِ أيامٍ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن حمادٍ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾: من الجزاءِ، إذا لم يجدْ ما يشترى به هَدْيًا، أو ما يَتصدَّقُ به مما لا يبلُغُ ثمنَ هَدْى، حُكِم عليه الصيامُ مكانَ كلِّ نصفِ صاعٍ يومًا.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الِله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. قال: إذا قتَل المحرمُ شيئًا من الصيدِ حُكِم عليه فيه، فإن قتَل ظبيًا أو نحوَه فعليه شاةٌ تُذبَحُ بمكةَ، فإن لم يجدْ فإطعامُ ستةِ مساكينَ، فإن لم يجدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ، وإن قتَل أيَّلًا أو نحوَه فعليه بقرةٌ، فإن لم يجدْ أَطْعَم عشرين مسكينًا، فإن لم يجدْ صام عشرين يومًا، وإن قتَل نعامةً أو حمارَ وحشٍ أو نحوَه، فعليه بَدَنَةٌ من الإبلِ، فإن لم يجدْ أَطْعَم ثلاثين مسكينًا، فإن لم يجدْ صام ثلاثين يومًا، والطعامُ مُدٌّ مُدٌّ، شِبَعَهم (^٢).\nحدَّثنا ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أَبي سَلَمَةَ، عن سعيدٍ: عن (^٣) المحرمِ يصيبُ الصيدَ فيكونُ عليه الفِدْيةُ شاةً، أو البقرةَ، أو البدنةَ، [ولا] (^٤) يجدُ، فما عدْلُ ذلك من الصيامِ أو الصدقةِ؟ قال: ثمنُ ذلك، فإن لم يجدْ ثمنَه، قوَّم ثمنّه طعامًا يَتصدَّقُ به، لكلِّ مسكينٍ مُدٌّ، ثم يصومُ بكلِّ (^٥) مُدٍّ يومًا.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨١٩٩) عن هشيم به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٣١) إلى أبي الشيخ.\n(^٢) في م: \"يشبعهم\". وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وشبعهم\" والمثبت مما تقدم في ص ٦٩٧،\nوتقدم تخريجه في ص ٦٨٦.\n(^٣) سقط من: م. وتقديره: سألته عن المحرم ....\n(^٤) في م: \"فإن لم\".\n(^٥) في م: \"لكل\".","vol":"8","page":711},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2808>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: أَوْجَبتُ على قاتلِ الصيدِ مُحْرِمًا ما أَوْجَبتُ من [الجزاءِ و] (^١) الكفَّارةِ التي ذكَرتُ في هذه الآيِة؛ كى يذوقَ وبالَ أمرِه وعذابَه.\nيعني بـ ﴿أَمْرِهِ﴾ ذنبَه وفعلَه الذي فعَله، من قتلِه ما نهاه اللهُ ﷿ عن قتلِه في حالِ إحرامِه. يقولُ: فأَلْزَمتُه الكفَّارةَ التي أَلْزَمتُه إيَّاها؛ لأُذيقَه عقوبةَ ذنبِه، بإلزامِه الغرامةَ والعملَ ببدنِه، مما يُتعبُه ويَشُقُّ عليه.\nوأصلُ الوبالِ الشدةُ في المكروهِ، ومنه قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦].\nوقد بيَّن تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ أن الكفَّاراتِ اللازمةَ الأموالَ والأبدانَ عقوباتٌ منه لخلقِه، وإن كانت تمحيصًا لهم وكفَّارةً لذنوبِهم التي كفَّروها بها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2807>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: أمَّا ﴿وَبَالَ أَمْرِهِ﴾: فعقوبةَ أمرِه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2809>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه لعبادِه المؤمنين به وبرسولِه ﷺ: عفا اللهُ أيها المؤمنون عما سلَف منكم في جاهليِتكم؛ من إصابتِكم الصيدَ وأنتم حُرُمٌ، وقتلِكموه، فلا\n_________\n(^١) في النسخ: \"الحق أو\". والمثبت مستفاد من تحقيق الشيخ شاكر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٢٠٩) (٦٨١٦) من طريق أحمد بن مفضل به.","vol":"8","page":712},{"text":"يُؤاخذُكم بما كان منكم في ذلك قبلَ تحريمِه إيَّاه عليكم، ولا يُلْزِمكم له كفَّارةً في مالٍ ولا نفسٍ، ولكن من عاد منكم لقتلِه وهو محرمٌ بعدَ تحريمِه عليه (^١)، بالمعنى الذي كان يقتُلُه في حالِ كفرِه، وقبلَ تحريمِه عليه، من استحلالِه قتلَه، فينتقمُ اللهُ منه.\nوقد يَحتمِلُ أن يكونَ (^٢) معناه: من عاد لقتلِه بعدَ تحريمِه في الإسلامِ، فينتقمُ اللهُ ﷿ منه في الآخرةِ، فأما في الدنيا فإن عليه من الجزاءِ والكفَّارةِ فيها ما بيَّنتُ.\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قلنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2810>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ما ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾؟ قال: عما كان في الجاهليةِ. قال: قلتُ: وما ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾؟ قال: من عاد في الإسلامِ فينتقمُ اللهُ منه، وعليه مع ذلك الكفَّارةُ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ. فذكَر نحوَه، وزاد فيه، وقال: وإن عاد فقتَل، عليه الكفارةُ. قلتُ: هل في العَوْدِ من حدٍّ يُعْلَمُ؟ قال: لا. قلتُ: فترى حقًّا على الإمامِ أن يعاقبَه؟ قال: لا (١)، هو ذنبٌ أَذْنَبه فيما بينَه وبينَ اللَّهِ، ولكن يَفْتدِى (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ذلك\".\n(^٣) أخرجه الشافعي في الأم (٢/ ١٨٤)، ومن طريقه البيهقي في المعرفة (٣١٤٧) - عن ابن جريج به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨١٧٥) من طريق ابن جريج وابن أبي نجيح، عن عطاء، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٣١) إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"8","page":713},{"text":"حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ وأبو خالدٍ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾. قال: في الإسلامِ، وعليه مع ذلك الكفَّارةُ. قلتُ: عليه من الإمامِ عقوبةٌ؟ قال: لا.\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾: عما كان في الجاهليةِ، ﴿وَمَنْ عَادَ﴾. قال: في الإسلامِ، ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾، وعليه الكفَّارةُ. قال: قلتُ لعطاءٍ: فعليه من الإمامِ عقوبةٌ؟ قال: لا.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: يُحْكَمُ عليه في الخطأَ والعمدِ والنسيانِ، وكلَّما أصاب، قال اللهُ ﷿: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾. قال: ما كان في الجاهليةِ، ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ مع الكفَّارِةِ. قال سفيانُ: قال ابن جريجٍ: فقلتُ: أَيُعاقبُه السلطانُ؟ قال: لا.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ وأبو خالدٍ، عن ابن جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾. قال: عما كان في الجاهلية.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن عطاءِ بن أبى رَباحٍ أنه قال: يُحْكَمُ عليه كلَّما عاد (^١).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلَّما أصاب\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٣٠ - تفسير) من طريق أبي بشر بمعناه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٣١) إلى عبد بن حميد.","vol":"8","page":714},{"text":"المحرمُ الصيدَ ناسيًا حُكِم عليه (^١).\nحدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ عِياضٍ، عن منصورٍ عن إبراهيمَ، قال: كلَّما أصاب الصيدَ المحرمُ حُكِم عليه (^٢).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، قال: من قتَل الصيدَ ثم عاد حُكِم عليه (^٣).\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: يُحْكُمُ عليه، [أفيُخلَعُ! أفيُتْركُ] (^٤)!\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ بنُ أبى هندٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: الذي يصيبُ الصيدَ وهو محرمٌ، فيُحْكَمُ عليه ثم يعودُ؟ قال: يُحْكَمُ عليه.\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا كَثيرُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا الفُراتُ بنُ سلمانَ (^٥)، عن عبدِ الكريمِ، عن عطاءٍ، قال: يُحْكَمُ عليه كلَّما عاد (^٦).\nوقال آخرون: معنى ذلك: عفا اللهُ عمَّا سلَف منكم في ذلك في الجاهليةِ، ومن عاد في الإسلامِ فينتقمُ اللهُ منه بإلزامِه الكفَّارةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2811>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنى ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا عمرٌو، عن زُهيرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ وعطاءٍ في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٤/ ٩٨) عن جرير به.\n(^٢) أخرجه الشافعي في الأم (٢/ ١٨٤) - ومن طريقه البيهقى في المعرفة (٣١٤٨) - من طريق حماد، عن إبراهيم.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٣١ - تفسير) عن سفيان بن عيينة به.\n(^٤) في م: \"فيخلع أو يترك\"، والأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨١٨٠)، وابن أبي شيبة (٤/ ٩٩) من طريق داود بن أبي هند به.\n(^٥) في م: \"سليم\". وينظر التاريخ الكبير (٧/ ١٢٩).\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨١٧٦) من طريق عبد الكريم به بنحوه.","vol":"8","page":715},{"text":"قول الله تعالى ذكرُه: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾. قالا: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ﴾، يعني بالجزاء، ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ في الجاهليةِ.\nوقال آخرون في ذلك: عفا اللهُ عما سلَف من قتلِ من قتَل منكم الصيدَ حرامًا في أولِ مرةٍ، ومن عاد ثانيةً لقتلِه بعدَ أُولَى حرامًا، فاللهُ وليُّ الانتقامِ منه، دونَ كفَّارةٍ تَلْزَمُه لقتلِه إيَّاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2812>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: من قتَل شيئًا من الصيدِ خطأً وهو محرمٌ، [حُكم عليه كلما عاد، ومن قتَله متعمِّدًا] (^١)، حُكِم عليه فيه مرةً واحدةً، فإن عاد يقالُ له: ينتقمُ اللهُ منك. كما قال اللهُ ﷿ (^٢).\nحدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ عِياضٍ، عن هشامٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: إذا أصاب المحرمُ الصيدَ حُكِم عليه، فإن عاد لم يُحْكَمْ عليه، وكان ذلك إلى اللهِ ﷿، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه. ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (^٣).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى زائدةَ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: جاء رجلٌ إلى شريحٍ، فقال: إنى أصبتُ صيدًا وأنا محرمٌ. فقال: هل أصبتَ قبلَ ذلك\n_________\n(^١) سقط من النسخ، والمثبت من الدر المنثور، وفي تفسير ابن كثير: \"يحكم عليه فيه كلما قتله، وإن قتله عمدا\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٨٨) عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٣١) إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨١٨٤)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٤/ ٩٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٢٠٩) (٦٨١٩) من طريق هشام به وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٣١) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"8","page":716},{"text":"شيئًا؟ قال: لا. قال: لو قلتَ: نعم. وكَلتُك إلى اللهِ، يكونُ هو ينتقمُ منك، إنه عزيزٌ ذو انتقامٍ. قال داودُ: فذكَرتُ ذلك لسعيدِ بن جبيرٍ، فقال: بل يُحْكَمُ عليه، أفيُخْلَعُ (^١)!\nحدَّثني أبو السائبِ وعمرُو بنُ عليٍّ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: إذا أصاب الرجلُ الصيدَ وهو محرمٌ، وقيل له: أصبتَ صيدًا قبلَ (^٢) هذا؟ قال: فإن قال: نعم. قيل له: اذهَبْ، فينتقمُ اللهُ منك. وإن قال: لا. حُكِم عليه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابن أبى عدىٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن إبراهيمَ في الذي يقتُلُ الصيدَ ثم يعودُ، قال: كانوا يقولون: من عاد لا يُحْكَمُ عليه، أمرُه إلى اللهِ ﷿.\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن الشعبيِّ، أن رجلًا أتى شُريحًا، فقال: أصبتُ صيدًا. قال: أصبتَ قبلَه صيدًا؟ قال: لا. قال: أمَا إنك لو قلتَ: نعم. لم أَحْكُمْ عليك.\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا ابن أبى عَديٍّ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن شريحٍ مثلَه.\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن الأشعثِ، عن محمدٍ، عن شريحٍ في الذي يصيبُ الصيدَ، قال: يُحْكَمُ عليه، فإن عاد انتقَم اللهُ منه.\n_________\n(^١) في م: \"أو يخلع\".\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨١٨٠)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٤/ ٩٩)، ووكيع في أخبار القضاة (٢/ ٢٣٣) من طريق داود به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٣١) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في النسخ: \"مثل\"، والمثبت من مصنف عبد الرزاق.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨١٧٩) من طريق الأعمش بنحوه.","vol":"8","page":717},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن عَنْبسةَ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قال: يُحْكَمُ عليه في العمدِ مرةً واحدةً، فإن عاد لم يُحْكَمْ عليه، وقيل له: اذهَبْ، ينتقمُ اللهُ منك. ويُحْكَمُ عليه في الخطأَ أبدًا (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: رُخِّص في قتلِ الصيدِ مرةً، فمن عاد لم يَدَعْه اللهُ تعالى ذكرُه حتى ينتقمَ منه (^٢).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثله.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وابنُ أبي عَديٍّ جميعًا، عن هشامٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في من أصاب صيدًا، فحُكِم عليه ثم عاد، قال: لا يُحْكُمُ، ينتقمُ اللهُ منه (^٣).\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: إِنما قال اللهُ ﷿: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾. يقولُ: متعمِّدًا لقتلِه، ناسيَا لإحرامِه، فذلك الذي يُحْكَمُ عليه، فإن عاد لا يُحْكمُ عليه، وقيل له: ينتقمُ اللهُ منك.\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا كَثيرُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا الفُراتُ بنُ سلمانَ، عن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ: إن عاد لم يُحْكمْ عليه، وقيل له: ينتقمُ اللهُ منك.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٣١) إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨١٨٦) عن سفيان الثورى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٣١) إلى أبي الشيخ.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٨٨) عن المصنف.","vol":"8","page":718},{"text":"حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا الأشعثُ، عن الحسنِ في الذي يصيبُ الصيدَ، فيُحْكمُ عليه، ثم يعودُ، قال: لا يُحْكَمُ عليه.\nوقال آخرون: معنى ذلك: عفا اللهُ عما سلَف من قتلِكم الصيدَ قبلَ تحريمِ اللَّهِ تعالى ذلك عليكم، ومن عاد لقتلِه بعدَ تحريمِ اللهِ إياه عليه، عالمًا بتحريمِه ذلك عليه، عامدًا لقتلِه، ذاكرًا لإحرامِه، فإن الله هو المنتقمُ منه، ولا كفَّارةَ لذنبِه ذلك، ولا جزاءَ يلزَمُه له في الدنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2813>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه ﷿: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾. قال: من عاد بعدَ نهى اللهِ، بعدَ أن يعرفَ أنه محرَّمٌ، وأنه ذاكرٌ لُحرْمِه، لم ينبغِ لأحدٍ أن يحكُمَ عليه، ووكَلُوه إلى نقمةِ اللهِ ﷿. فأما الذي يتعمَّدُ قتلَ الصيدِ، وهو ناسٍ لُحرْمِه، أو جاهلٌ أن قتلَه محرَّمٌ، فهؤلاء الذين يُحْكَمُ عليهم، فأما من قتَله متعمِّدًا بعدَ نهى اللهِ، وهو يعرِفُ أنه مُحَرَّمٌ، وأنه حرامٌ، فذلك يُوكَلُ إلى نقمةِ اللَّهِ، فذلك الذي جعَل اللهُ عليه النقمةَ.\nوهذا شبيهٌ بقولِ مجاهدٍ الذي ذكَرناه قبلُ.\nوقال آخرون: عُنى بذلك شخصٌ بعينِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2814>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا معتمِرُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا زيدٌ أبو المُعَلَّى، أن رجلًا أصاب صيدًا وهو مُحْرِمٌ، فتُجُوِّز له عنه، ثم عاد، فأَرْسَلَ اللَّهُ عليه نارًا فأَحْرَقتْه، فذلك قولُه ﷿: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾. قال: في","vol":"8","page":719},{"text":"الإسلامِ (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندَنا قولُ من قال: معناه: ومن عاد في الإسلامِ لقتلِه بعدَ نهى اللهِ تعالى ذِكرُه عنه، فينتقمُ اللَّهُ منه، وعليه مع ذلك الكفَّارةُ؛ لأن الله ﷿ إذ أَخْبَر أنه ينتقمُ منه، لم يُخْبِرْنا - وقد أَوْجَب عليه في قتِله الصيدَ عمدًا ما أَوْجَب من الجزاءِ أو الكفَّارةِ بقولِه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ - أنه قد أزال عنه الكفَّارةَ في المرةِ الثانيةِ والثالثةِ، بل أَعْلَم عبادَه ما أَوْجَب من الحكمِ على قاتلِ الصيدِ من المُحْرِمين عمدًا، ثم أَخْبَر أنه منتقمٌ ممن عاد، ولم يقلْ: ولا كفَّارةَ عليه في الدنيا.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن الكفَّارةَ مزيلةٌ العقابَ، ولو كانت الكفَّارةُ لازمةً له في الدنيا، لبطَل العقابُ في الآخرةِ، فقد ظنَّ خطأً؛ وذلك أن للَّهِ ﷿ أن يُخالِفَ بينَ عقوباتِ معاصيه بما شاء وأحبَّ، فيزيدَ في عقوبتِه على بعضِ معاصيه مما يَنقُصُ من بعضٍ، ويَنقُصَ من بعضٍ مما يزيدُ في بعضٍ، كالذي فعَل من ذلك في مخالفتِه بينَ عقوبتِه الزانىَ البكرَ والزانىَ الثيِّبَ المُحْصَنَ، وبينَ سارقِ ربع دينارٍ، وبينَ سارقِ أقلَّ من ذلك، فكذلك خالَف بينَ عقوبتِه قاتلَ الصيدِ من المُحْرمِين عمدًا ابتداءً، وبينَ عقوبتِه عَوْدًا بعدَ بَدْءٍ، فَأَوْجَب على البادئ المِثلَ من النَّعمِ، أو الكفَّارةَ بالإطعامِ، أو العَدْلَ من الصيامِ، وجعَل ذلك عقوبةَ جُرْمِه بقولِه: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾. وجعَل على العائدِ بعدَ البَدْءِ، وزاده من عقوبتِه ما أَخْبَر عبادَه أنه فاعلٌ به من الانتقام، تغليظًا منه ﷿ للعودِ بعدَ البَدْءِ، ولو كانت عقوباتُه على الأشياءِ مُتَّفِقةً، لوجَب ألا يكونَ حدٌّ في شيءٍ مخالفًا حدًّا في غيرِه، ولا عقابٌ في الآخرةِ أغلظَ من عقابٍ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٢١٠) (٦٨٢٣) من طريق المعتمر، عن زيد، عن الحسن، وذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٨٨) عن ابن أبي حاتم، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٣١) إلى المصنف وابن أبي حاتم من قول الحسن.","vol":"8","page":720},{"text":"وذلك خلافُ ما جاء به مُحْكَمُ الفرقانِ.\nوقد زعَم بعضُ الزاعمين أن معنى ذلك: ومن عاد في الإسلامِ بعدَ نهى اللهِ ﷿ عن قتلِه، لقتلِه، بالمعنى الذي كان القومُ يقتُلونه في جاهليتِهم، فعفا لهم عنه عندَ تحريمِ قتلِه عليهم، وذلك قتلُه على استحلالِ قتلِه. قال: فأما إذا قتَله على غيرِ ذلك الوجهِ؛ وذلك أن يقتُلَه على وجهِ الفسوقِ لا على وجهِ الاستحلالِ، فعليه الجزاءُ والكفَّارةُ كلَّما عاد.\nوهذا قولٌ لا نعلَمُ قائلًا قاله من أهلِ التأويلِ، وكفى خطأً بقولِه خروجُه عن أقوالِ أهلِ العلمِ، لو لم يكنْ على خطئِه دلالةٌ سواه، فكيف وظاهرُ التنزيلِ يُنْبِئُ عن فسادِه! وذلك أن الله ﷿ عمَّ بقولِه: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ كلَّ عائدٍ لقتلِ الصيدِ بالمعنى الذي تقدَّم النهيُ منه به في أولِ الآيةِ، ولم يَخُصَّ به عائدًا منهم دونَ عائدٍ، فمن ادَّعى في التنزيلِ ما ليس في ظاهرِه، كُلِّف البرهانَ على دَعْوَاه من الوجهَ الذي يجبُ التسليمُ له.\nوأما من زعَم أن معنى ذلك: ومن عاد في قتلِه متعمِّدًا بعدَ بَدْءٍ لقتلٍ تقدَّم منه في حالِ إحرامِه، فينتقمُ اللَّهُ منه. كان (^١) معني قولِه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾. إنما هو: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ من ذنبِه بقتلِه الصيدَ بدءًا. فإن في قول الله تعالى ذكرُه: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾. دليلًا واضحًا على أن القولَ في ذلك غيرُ ما قال؛ لأن العفوَ عن الجُرْمِ تركُ المؤاخذةِ به، ومن أُذِيق وبالَ جُرْمِه، فقد عُوقب به، وغيرُ جائزٍ أن يقالَ لمن عُوقب: قد عُفِى عنه. وخبرُ اللهِ ﷿ أصدقُ من أن يقعَ فيه تناقضٌ.\nفإن قال قائلٌ: وما تنكرُ أن يكونَ قاتلُ الصيدِ من المحرمين في أولِ مرةٍ قد أُذِيق وبالَ أمرِه بما أُلْزِم من الجزاءِ والكفَّارةِ، وعُفِى له من العقوبةِ بأكثرَ من ذلك مما كان\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فإن\".","vol":"8","page":721},{"text":"للَّهِ ﷿ أن يعاقبَه به؟\nقيل له: فإن كان ذلك جائزًا أن يكونَ تأويلَ الآيةِ عندَك - وإن كان مخالفًا لقولِ أهلِ التأويلِ - فما تُنكرُ أن يكونَ الانتقامُ الذي أَوْعَده اللهُ تعالى ذكرُه على العَوْدِ بعدَ البَدْءِ، هو تلك الزيادةَ التي عفاها عنه في أول مرةٍ، مما كان له فعلُه به مع الذي أذاقه من وبالِ أمرِه، فيُذيقُه في عودِه بعدَ البَدْءِ وبالَ أمرِه الذي أذاقه المرةَ الأولى، ويترُكُ عفوَه عما عفا عنه في البدءِ، فيؤاخذُه به؟ [فلن يقولَ] (^١) في ذلك شيئًا إلا أُلْزِم في الآخَرِ مثلَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2815>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾.</span>\nيقول ﷿: واللهُ منيعٌ في سلطانِه، لا يَقهَرُه قاهرٌ، ولا يمنَعُه من الانتقامِ ممن انتَقَم منه، ولا من عقوبةِ من أراد عقوبتَه مانعٌ؛ لأن الخلقَ خلقُه، والأمرَ أمرُه، له العزَّةُ والمنعةُ (^٢).\nوأما قولُه: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾. فإنه يعنى به معاقبتَه لمن عصاه على معصيتِه إياه.\n\n<span id=\"aya-765\"></span><span data-type='title' id=toc-2816>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أُحلَّ لكم أيُّها المؤمنون ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ وهو ما صِيد طريًّا.\nكما حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عمرُ بنُ أَبي سَلَمَةَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ في قولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فلم يقول\"، وفى م: \"فلم يقل\". والمثبت هو الصواب.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"النعمة\"، وفى س: \"النقمة\".","vol":"8","page":722},{"text":"الْبَحْرِ﴾. قال: صيدُه ما صِيد منه (^١).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن سِمَاكٍ، قال: حُدِّثتُ عن ابن عباسٍ، قال: خطَب أبو بكرٍ الناسَ، فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. قال: فصيدُه ما أُخِذ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. قال: صيدُه ما صِيد منه (^٣).\nحدَّثنا سليمانُ بنُ عمرَ بن خالدٍ الرَّقيُّ (^٤)، قال: ثنا محمدُ بنُ سلمةَ الحَرّانيُّ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. قال: صيدُه الطَّرِيُّ (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الهُذيلُ بنُ بلالٍ (^٦)، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عُبيدِ بن عُميرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. قال: صيدُه ما صِيد.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. قال: الطريُّ.\n_________\n(^١) جزء من أثر سيأتي تخريجه في ص ٧٢٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٣١) إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٣٥ - تفسير) - ومن طريقه الدارقطني (٤/ ٢٧٠)، والبيهقى (٩/ ٢٥٥) - من طريق حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٣٢) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) في م: \"البرقى\" وتقدم في (٣/ ١٠٥، ٦/ ١١٥)، وينظر الجرح والتعديل (٤/ ١٣١).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٢١٠) (٦٨٢٨) من طريق عكرمة به.\n(^٦) في النسخ: \"هلال\". وسيأى على الصواب في ص ٧٢٧، وينظر تاريخ بغداد (١٤/ ٧٦).","vol":"8","page":723},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عليٍّ الحَنَفيُّ (^١)، أو الحسينُ - شكَّ أبو جعفرٍ - عن الحكمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ، قال: كان ابن عباسٍ يقولُ: صيدُ البحرِ: ما اصْطَادَه.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن أبي حُصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. قال: الطريُّ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن الحجَّاجِ، عن العلاءِ بن بدرٍ، عن أبي سلَمةَ، قال: صيدُ البحرِ: ما صِيد (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي حُصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. قال: الطريُّ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن سفيانَ، عن أبي حُصينٍ، عن سعيدِ بن جبير مثلَه.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حُصينٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. قال: السمكُ الطريُّ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾: أما ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ فهو السمكُ الطريُّ، هي الحيتانُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن\n_________\n(^١) في م: \"الجعفى\"، وورد باسم الحسن بن علي الحنفى في حلية الأولياء (٦/ ٢١٣)، وتاريخ بغداد (٢/ ٩٢)، وأدب الإملاء (١/ ١٧٠)، وباسم الحسين في تاريخ بغداد (١/ ٣٠٠).\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٠٤.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٢١٠) عقب الأثر (٦٨٢٩) معلقا.","vol":"8","page":724},{"text":"الزهريِّ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: صيدُه ما اصْطَدتَه طريًّا. قال معمرٌ: وقال قتادةُ: صيدُه ما اصْطَدتَه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. قال: حيتانُه (^٢).\nحدَّثنا ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أَبي سَلَمةَ، قال: سُئِل سعيدٌ عن صيدِ البحرِ، فقال: قال مكحولٌ: قال زيدُ بنُ ثابتٍ: صيدُه: ما اصْطَدتَ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾. قال: يصطادُ المُحْرِمُ والمُحِلُّ من البحرِ، ويأكُلُ من صيدِه.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ، قال: قال أبو بكرٍ: طعامُ البحرِ كلُّ ما فيه. وقال جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ: ما حُسِر عنه فكُلْ. وقال: كلُّ ما فيه. يعنى: جميعَ ما صِيد (^٤).\nحدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، سمِع عكرمةَ يقولُ: قال أبو بكر: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾. قال: هو كلُّ ما فيه.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٦٥١) وفي التفسير (١/ ١٩٤) عن معمر بنحوه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٢١١) (٦٨٣٢) من طريق عقيل عن الزهرى بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٣٢) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\nوأخرج عبد الرزاق في مصنفه (٨٦٥٢) وفي التفسير (١/ ١٩٤) من طريق معمر، عن قتادة، عن ابن عمر قوله.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣١٦.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٣٢) إلى المصنف.\n(^٤) قول أبي بكر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٦٦١) عن سفيان بن عيينة به. وقول جابر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٦٦٢)، وابن أبي شيبة (٥/ ٣٨١)، والبيهقى (٩/ ٢٥٥)، والدارقطني (٤/ ٢٦٩) =","vol":"8","page":725},{"text":"وعَنَى بالبحرِ في هذا الموضعِ الأنهارَ كلَّها، والعربُ تسمِّى الأنهارَ بحارًا، كما قال تعالى ذكره: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر﴾ [الروم: ٤١].\nفتأويلُ الكلامِ: أُحِلَّ لكم أيها المؤمنون طريُّ سمكِ الأنهارِ الذي صِدْتموه في حالِ حِلِّكم وحُزْمِكم، وما لم تَصيدوه من طعامِه الذي قتَله ثم رمَى به إلى ساحِله.\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿وَطَعَامُهُ﴾؛ فقال بعضُهم: عنى بذلك ما قذَف به إلى ساحلِه ميِّتًا. نحوَ الذي قلنا في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-2817>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن سِماكٍ، قال: حُدِّثتُ عن ابن عباسٍ، قال: خطَب أبو بكرٍ الناسَ، فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ وطعامُه: ما قذَف.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عمرُ بنُ أبي سَلَمةَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: كنتُ بالبحرين، فسألونى عما قذَف البحرُ. قال: فأفتيتُهم أن يأكُلوا، فلما قدِمتُ على عمرَ بن الخطابِ ﵁ ذكَرتُ ذلك له، فقال لى: بِمَ أفتيتَهم؟ قال: قلتُ: أفتيتُهم أن يأكُلوا. قال: لو أفتيتَهم بغيرِ ذلك لعلوتُك بالدِّرَّةِ. قال: ثم قال: إن الله تعالى ذكرُه قال في كتابِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. فصيدُه ما صِيد منه، وطعامُه ما قذَف (^١).\n_________\n= من طريق أبي الزبير عن جابر بمعناه.\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٣٦ - تفسير) - ومن طريقه البيهقى ٩/ ٢٥٤ - من طريق عمر بن أبي سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣١،٣٣٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"8","page":726},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: طعامُه: ما قذَف (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن سليمانَ التَّيْمِيِّ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾. قال: طعامُه ما قذَف (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن سليمانَ التيميِّ، عن أبي مِجْلزٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن زائدةَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: طعامُه كلُّ ما ألقاه البحرُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، أو الحسينُ بنُ عليٍّ الحنفيُّ (^٤) - شكَّ أبو جعفرٍ - عن الحكمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما لفَظ من ميتتِه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الهُذيلُ بنُ بلالٍ (^٥)، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عُبيدِ بن عُميرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾. قال: طعامُه ما وُجِد على الساحلِ ميتًا.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٧٢٣.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٣٣ - تفسير)، والبيهقى ٥/ ٢٠٨، ٩/ ٢٥٥ من طريق سليمان التيمي به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢١١ (٦٨٣٣) من طريق أبي خالد الأحمر.\n(^٤) في م: \"الجعفى\". وينظر ما تقدم في ص ٧٢٤.\n(^٥) في: م: \"هلال\". وينظر ما تقدم في ص ٧٢٣.","vol":"8","page":727},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيميِّ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن ابن عباسٍ، قال: طعامُه ما قذَف به (^١).\nحدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، سمِع عكرمةَ يقولُ: قال أبو بكرٍ ﵁: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: طعامُه هو كلُّ ما فيه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا الضحَّاكُ بنُ مَخْلدٍ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني عمرُو بنُ دينارٍ، عن عكرمةَ مولى ابن عباسٍ، قال: قال أبو بكرٍ: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: طعامُه مَيْتتُه. قال عمرٌو، وسمِع أبا الشعثاءِ يقولُ: ما كنتُ أحسَبُ طعامَه إلا مالحَه (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى الضحَّاكُ بنُ مَخْلدٍ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني أيضًا (^٣) أبو بكرِ بنُ حفصِ بن عمرَ بن سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: طعامُه ميتتُه (^٤).\nحدَّثنا حميدُ (^٥) بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن عثمانَ، عن عكرمةَ: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: طعامُه ما قذَف (^٦)\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا معتمِرُ (^٧) بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ عبيدَ اللَّهِ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٣٨٣ من طريق سفيان به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٦٦١) من طريق عمرو بن دينار به بنحوه، وينظر ص ٧٢٥.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢١٢ (٦٨٣٩) من طريق ابن جريج به.\n(^٥) في ص: \"جرير\".\n(^٦) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢١١ عقب الأثر (٦٨٣٤) معلقًا.\n(^٧) في النسخ: \"معمر\".","vol":"8","page":728},{"text":"عن نافعٍ، قال: جاء عبدُ الرحمنِ إلى عبدِ اللَّهِ، فقال: البحرُ قد أَلْقى حيتانًا كثيرةً. قال: فنهاه عن أكلِها، ثم قال: يا نافعُ هاتِ المصحفَ. فأتيتُه به، فقرأ هذه الآيةَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: قلت: طعامُه هو الذي أَلْقَاه. قال: فالْحَقْه فمُرْه بأكلِه.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن نافعٍ، أن عبدَ الرحمنِ بنَ أبي هريرةَ سأل ابنَ عمرَ فقال: إن البحرَ قذَف حيتانًا كثيرةً مَيْتًا (^١) أفنأكُلُه (^٢)؟ قال: لا تَأْكُلْه (^٣). فلما رجَع عبدُ اللهِ إلى أهلِه، أخَذ المصحفَ، فقرأ سورةَ \"المائدةِ\"، فأتى على هذه الآية: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾. قال: اذهبْ فقل له: فليأكُلْه، فإنه طعامُه (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: أَخْبَرنا أيوبُ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ بنحوِه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الضحَّاكُ بنُ مَخْلَدٍ، عن ابن جريجٍ، قال: أَخْبَرَني عمرُو بنُ دينارٍ، عن عكرمةَ مولى ابن عباسٍ، قال: قال أبو بكرٍ ﵁: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: طعامُه: ميتتُه. قال عمرٌو: سمِعتُ أبا الشعثاءِ يقولُ: ما كنتُ أحسَبُ طعامَه إلا مالَحِه.\n_________\n(^١) في م: \"ميتة\".\n(^٢) في م: \"أفنأكلها\".\n(^٣) في م: \"تأكلوها\"، وفى تفسير ابن كثير: \"تأكلوه\".\n(^٤) أخرجه مالك ٢/ ٤٩٤، والبيهقى ٩/ ٢٥٥، وابن عساكر في تاريخ دمشق (طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق) ٤٢/ ٨٢، ٨٣ من طريق نافع به نحوه، وذكره ابن كثير ٣/ ١٨٩ عن المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٢، وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"8","page":729},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا الضحَّاكُ بنُ مَخْلدٍ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرنا نافعٌ، أن عبدَ الرحمنِ بنَ أبى هريرةَ سأل ابنَ عمرَ عن حيتانٍ كثيرةٍ ألقاها البحرُ، أميتةٌ هي؟ قال: نعم. فنهاه عنها، ثم دخَل البيتَ، فدعا بالمصحفِ، فقرأ تلك الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: طعامُه كلُّ شيءٍ أُخْرِج منه فكُلْه، فليس به بأسٌ، وكلُّ شيءٍ فيه يُؤكَلُ، ميتًا (^١) أو بساحليه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، قال قتادةُ: طعامُه ما قذَف منه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ، عن ليثٍ، عن شَهْرٍ، عن أبي أيوبَ، قال: ما لفَظ البحرُ فهو طعامُه وإن كان ميِّتًا (^٣).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن ليثٍ، عن شَهْرٍ، قال: سُئِل أبو أيوبَ عن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا﴾. قال: هو ما لفَظ البحرُ.\nوقال آخرون: عنى بقولِه: ﴿وَطَعَامُهُ﴾: المليحَ من السمكِ.\nفيكونُ تأويلُ الكلامِ على ذلك من تأويلِهم: أُحِلَّ لكم سمكُ البحرِ ومليحُه في كلِّ حالٍ، [في حالِ] (^٤) إحلالِكم وإحرامِكم.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ميت\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٦٦٩) من طريق ابن جريج مقرونا بعبد الله بن عمر العمرى به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٣٨٢ من طريق ليث به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٢ إلى أبي الشيخ.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"8","page":730},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2818>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا سليمانُ بنُ [عمرَ بن خالدٍ الرَّقِّيُّ] (^١)، قال: ثنا محمدُ بنُ سَلَمَةَ، عن خُصيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَطَعَامُهُ﴾. قال: طعامُه المالحُ منه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾: يعنى بطعامِه مالَحِه، وما قذَف البحرُ منه (^٢) مالُحِه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾: وهو المالحُ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن (^٤) مُجَمِّعٍ التيميِّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: المليحُ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن سالمٍ الأفْطسِ وأبى حُصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: المليحُ (^٥).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: المليحُ وما لفَظ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبسة، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ\n_________\n(^١) في م: \"عمرو بن خالد البرقى\". وينظر ما تقدم في ص ٧٢٣.\n(^٢) في م: \"من\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٢ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) في النسخ: \"بن\". وينظر التاريخ الكبير ٧/ ٤٠٩.\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ٧٢٤.","vol":"8","page":731},{"text":"في قولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: يأتى الرجلُ أهلَ البحرِ فيقولُ: أَطْعِموني. فإن قال: غَرِيضًا (^١). أَلْقَوا شبكتَهم فصادوا له، وإن قال: أَطْعِمونى من طعامِكم. أَطْعَموه من سمكِهم المالحِ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾. قال: المنبوذُ، السمكُ المالحُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبي حُصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَطَعَامُهُ﴾. قال: المالحُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، ﴿وَطَعَامُهُ﴾. قال: هو مَلِيحُه. ثم قال: ما قذَف (^٢).\nحدَّثنا ابن معاذٍ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَطَعَامُهُ﴾. قال: مملوحُ السمكِ.\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبرني الثوريُّ، عن منصورٍ، قال: كان إبراهيمُ يقولُ: طعامُه السمكُ المليحُ. ثم قال بعدُ: ما قذَف به.\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا الثوريٌ، عن أبي حُصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: طعامُه المليحُ.\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ، قال: طعامُه السمكُ المليحُ.\n_________\n(^١) الغريض: الطري من اللحم والتمر ونحو ذلك. الوسيط (غ ر ض).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٥/ ٣٨٣ عن وكيع به، بلفظ: ما قذف.","vol":"8","page":732},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: الصِّيرُ. قال شعبةُ: فقلتُ لأبى بشرٍ: ما الصِّيرُ؟ قال: المالحُ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا هشامُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ (^١) جعفرِ بن أبي وَحْشِيَّةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ قولَه: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: الصِّيرُ. قال: قلتُ: ما الصِّيرُ؟ قال: المالحُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: أما طعامُه فهو المالحُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: طعامُه: ما تزوَّدتَ مملوحًا في سفرِك (^٢).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ وسعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قالا: ثنا سفيانُ، [عن عمرو] (^٣)، قال: قال جابرُ بنُ زيدٍ: كنا نتحدَّثُ أن طعامَه مليحُه، ونكرَهُ الطافيَ منه (^٤).\nوقال آخرون: طعامُه ما فيه.\n_________\n(^١) بعده في النسخ: \"عن\"، وأبو بشر هو جعفر بن أبي وحشية.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٦٥١) عن معمر به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢١١ (٦٨٣٥) من طريق الزهرى به بلفظ السمك المالح.\n(^٣) في م: \"بن عمر\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٦٦١)، وابن أبي شيبة ٥/ ٣٨٢ عن سفيان بن عيينة به بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وينظر ما تقدم في ص ٧٢٨.","vol":"8","page":733},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2819>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ، قال: طعامُ البحرِ ما فيه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن حُريثٍ، عن عكرمة: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: ما جاء به البحرُ [بموْجِه هكذا] (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن حسنِ بن صالحٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: طعامُه كلُّ ما صِيد منه.\nوأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ عندَنا قولُ من قال: طعامُه ما قذَفه البحرُ، أو حَسَر عنه فوُجِد ميِّتًا على ساحلِه. وذلك أن الله تعالى ذكرُه ذكَر قبلَه صيدَ البحرِ (^٢) الذي يصادُ، فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. فالذي يجبُ أن يُعْطَفَ عليه في المفهومِ ما لم يُصَدُ منه، فيقالُ: أُحِلَّ لكم ما صِدتموه من البحرِ، وما لم تَصيدوه منه. وأما المليحُ فإنه ما كان منه مُلِّح بعدَ الاصطيادِ، فقد دخَل في جملةِ قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. فلا وجهَ لتكريرِه، إذ لا فائدةَ فيه وقد أَعْلَم عبادَه تعالى ذكرُه إحلالَه ما صِيد من البحرِ بقولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ - [فلا فائدةَ] (^٣) أن يقالَ لهم بعدَ ذلك: ومليحُه الذي صِيد حلالٌ لكم. لأن ما صِيد منه فقد بيَّن تحليلَه، طريًّا كان أو مليحًا، بقولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. واللهُ يتعالى عن أن يخاطِبَ عبادَه بما لا يُفيدُهم به فائدةً.\nوقد رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِ الذي قلنا خبرٌ، وإن كان بعضُ نقَلَتِه يقفُ\n_________\n(^١) في م: \"بوجه\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) زيادة من: م.","vol":"8","page":734},{"text":"به على ناقلِه عنه من الصحابِة، وذلك ما حدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سليمانَ، عن محمدِ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: \"طعامُه ما لفَظه ميِّتًا فهو طعامُه\" (^١).\nوقد وقَف هذا الحديثَ بعضُهم على أبي هريرةَ.\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن محمدِ بن عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ في قولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾. قال: طعامُه ما لفَظه ميتًا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2821>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾: منفعةً لمن كان منكم مقيمًا أو حاضرًا في بلِده يستمتعُ بأكلِه ويَنْتَفِعُ به، ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾. يقولُ: ومنفعةً أيضًا ومتعةً للسائرين من أرضٍ إلى أرضٍ، ومسافرين يتزوَّدونه في سفرِهم مليحًا.\nو\"السَّيَّارَةِ\" جمعُ سيَّارٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2820>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرني أبو إسحاقَ، عن عكرمةَ أنه قال في قولِه: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾. قال: لمن كان بحضرةِ البحرِ،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ١٩٠ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣١ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن شيبة في مصنفه ٥/ ٣٨٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢١١ (٦٨٣٤)، والدارقطني ٤/ ٢٧٠ من طريق محمد بن عمرو به.","vol":"8","page":735},{"text":"﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ السَّفْرُ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾: ما قذَف البحرُ، وما يتزوَّدون في أسفارِهم من هذا المالحِ. يتأوَّلُها على هذا.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾: مملوحُ السمكِ، ما يتزوَّدون في أسفارِهم.\nحدَّثنا سليمانُ بنُ عمرَ بن خالدٍ الرقيُّ، قال: ثنا مِسْكينُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حبيبٍ النجَّاريُّ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾. قال: هم المُحْرِمون (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾: أما طعامُه فهو المالحُ، منه بلاغٌ يأكُلُ منه السيَّارُ (^٣) في الأسفارِ.\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾. قال: طعامُه مالُحِه وما قذَف البحرُ منه، يتزوَّدُه المسافرُ. وقال مرةً أُخرى: مالُحِه وما قذَف البحرُ، فمالُحِه يتزوَّدُه المسافرُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢١٢ (٦٨٤٤) من طريق هشيم به بالشطر الثاني، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢١٢ (٦٨٤٥) من طريق مسكين بن بكير به.\n(^٣) في م: \"السيارة\".","vol":"8","page":736},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾: يعنى المالحَ يتزوَّدُه.\nوكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك بما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: أهلُ القرى، ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾. قال: أهلُ الأمصارِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: لأهلِ القرى، ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ قال: أهلُ الأمصارِ [وأجنابُ الناسِ] (^٢) كلُّهم.\nوهذا الذي قاله مجاهدٌ من أن السيَّارة هم أهلُ الأمصارِ لا وجهَ له مفهومٌ، إلا أن يكون أراد بقوله: هم أهلُ الأمصار. هم المسافرون من أهل الأمصارِ، فيجبُ أن يدخُلَ في ذلك كلُّ سيَّارةٍ؛ مِن أهلِ الأمصارِ كانوا أو من أهلِ القرى، فأما السيَّارةُ فلا [نعْقِلُه: المقيمون] (^٣) في أمصارهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2822>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه: وحرَّم اللهُ عليكم أيُّها المؤمنون صيدَ البَرَّ، ﴿مَا دُمْتُمْ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣١٦.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: و\"الحباب للناس\"، وفى م، ومصادر التخريج \"وأجناس الناس\". والمثبت من الفائق ١/ ٢٤٠، ولسان العرب (ج ن ب).\nقال الزمخشري: مجاهد ﵀ قال في قوله تعالى: متاعا لكم وللسيارة قال أجناب الناس كلهم. قال الزمخشري: هم الغرباء، الواحد جُنُب.\nوالأثر في تفسير مجاهد ٣١٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢١٢ (٦٨٤٣). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٢ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في م: \"يشمل المقيمين\".","vol":"8","page":737},{"text":"حُرُمًا﴾. يقولُ: ما كنتم مُحْرِمين، لم تُحِلُّوا من إحرامِكم.\nثم اخْتَلف أهلُ العلمِ في المعنى الذي عَنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾؛ فقال بعضُهم: عنى بذلك أنه حرَّم علينا كلَّ معاني صيدِ البرِّ؛ اصطيادٍ، وأكلٍ، وقتلٍ، وبيعٍ، وشراءٍ، وإمساكٍ، وتملُّكٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2823>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن يزيدَ بنُ أبي زيادٍ، عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ بن (^١) نوفلٍ، عن أبيه، قال: حجَّ عثمانُ بنُ عفانَ، فحجَّ عليٌّ معه. قال: فأُتِى عثمانُ بلحمِ صيدٍ صاده حَلالٌ، فأكَل منه ولم يأكُلْ عليٌّ، فقال عثمانُ: واللهِ ما صِدْنا ولا أمَرنا ولا أشَرْنا. فقال عليٌّ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عمرِو بن أبي قَيْسٍ، عن سِمَاكٍ، عن صُبيحِ بن عبدِ اللهِ العَبْسيِّ، قال: بعَث عثمانُ بنُ عفانَ أبا سفيانَ بنَ الحارثِ على العَروضِ (^٣)، فنزل قُدَيْدَ (^٤)، فمرَّ به رجلٌ من أهلِ الشامِ معه بازيٌّ وصقرٌ، فاستعاره منه، فاصطاد به من اليعاقيبِ (^٥)، فجعَلهن في حظِيرةٍ، فلما مرَّ به عثمانُ طبَخهن، ثم قدمهنَّ إليه، فقال عثمانُ: كُلوا. فقال بعضُهم: حتى يجئَ عليُّ بنُ أبى\n_________\n(^١) في النسخ \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٣٩٦.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٣٢٧، ٨٣٤٧)، والطحاوى في شرح معاني الآثار ٢/ ١٧٥ من طريق يزيد بن أبي زياد بنحوه، وأخرجه الشافعي في الأم ٧/ ١٧٠ من طريق عبد الله بن الحارث به وأصل الحديث في المسند (٧٨٣، ٧٨٤، ٨١٤)، وسنن أبي داود (١٨٤٩) ومن طريق البيهقى ٥/ ١٩٤ ومسند أبي يعلى (٣٥٦، ٤٣٢)، البحر الزخار (٩١٤) من طريق عبد الله بن الحارث مطولا وفيه قصة وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٢ إلى ابن أبي شيبة أبي الشيخ.\n(^٣) العروض: مكة والمدينة وما حولهما. ينظر معجم البلدان ٣/ ٦٥٨، واللسان (ع ر ض).\n(^٤) قديد: اسم موضع قرب المدينة. البلدان ٤/ ٢٢.\n(^٥) اليعاقيب: جمع اليعقوب، وهو الذكر من طائر الحجل والقطا. اللسان (ع ق ب).","vol":"8","page":738},{"text":"طالب. فلما جاء فرأى ما بينَ أيديهم، قال عليٌّ: إنا لن نأكُلَ منه. فقال عثمانُ: ما لك لا تأكُلُ؟ فقال: هو صيدٌ، ولا يَحِلُّ أكله وأنا مُحْرِمٌ. فقال عثمانُ: بيِّنْ لنا. فقال عليٌّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. فقال عثمانُ: ونحن قتَلناه؟ فقرَأ عليه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.\nحدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ وعبدُ الحميدِ بنُ بَيَانٍ القَنَّادُ، قالا: أخبرنا إسحاقُ (^١) الأزرقُ، عن شريكٍ، عن سِمَاكِ بن حربٍ، عن صُبيحِ بن عبدِ اللهِ العَبْسيِّ، قال: اسْتَعمل عثمانُ بنُ عفَّانَ أبا سفيانَ بنَ الحارثِ على العَروضِ. ثم ذكَر نحوَه، وزاد فيه: قال: فمكَث عثمانُ ما شاء اللهُ أن يمكُثَ، ثم أُتِى فقيل له بمكةَ: هل لك في ابن أبي طالبٍ، أُهْدِيَ له صفيفُ (^٢) حمارٍ فهو يأكُلُ منه! فَأَرْسَل إليه عثمانُ وسأله عن أكلِ الصفيفِ فقال: أما أنت فتأكُلُ، وأما نحن فتنهانا؟ فقال: إنه صِيد عامَ أول وأنا حَلالٌ، فليس عليَّ بأكلِه بأسٌ، وصِيد ذلك - يعنى اليعاقيب - وأنا مُحْرِمٌ، وذُبِحن وأنا حَرَامٌ (^٣).\nحدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ لم يكن يَرَى بأسًا بلحمِ الصيدِ للمحرمِ،\n_________\n(^١) في م: \"أبو إسحاق\".\n(^٢) الصفيف من اللحم: المشرح عرضا، وقيل: هو الذي يغلى إغلاءة ثم يرفع وقيل: التصفيف: مثل التشريح، هو تعرّض البضعة حتى ترق، فتراها تشف شفيفا. وقيل: أن يشرَّح اللحم غير تشريح القديد، ولكن يوسع مثل الرُّغفان، فإذا دق الصفيف ليؤكل فهو قديد، فإذا ترك ولم يدق فهو صفيف. التاج (ص ف ف).\n(^٣) أخرجه البخارى في التاريخ الكبير ٤/ ٣١٨ من طريق إسحاق به، وقال: فذكر قصة عثمان وعلى في الصيد. وذكره ابن عبد البر في الاستذكار ١١/ ٣٠٠ عن إسحاق به معلقا. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢١٣ (٦٨٤٧) من طريق سماك به مختصرا.","vol":"8","page":739},{"text":"وكرِهه عليُّ بنُ أبى طالبٍ، ﵄ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، أن عليًّا كرِه لحمَ الصيدِ للمحرِم على كلِّ حالٍ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ بن أبى زيادٍ، عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ، أنه شهِد عثمانَ وعليًّا أُتِيا بلحمٍ، فأكَل عثمانُ، ولم يأكُلْ عليٌّ، فقال عثمانُ: أنحن صِدْنا، أو صِيد لنا؟ فقرأ عليٌّ هذه الآيةَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عمرُ بنُ أبي سَلَمةَ، عن أبيه، قال: حجَّ عثمانُ بنُ عفانَ، فحجَّ معه عليٌّ، فأُتِي بلحمِ صيدٍ صاده حلالٌ، فأكَل منه وهو مُحْرِمٌ، ولم يأكُلْ منه عليٌّ، فقال عثمانُ: إنه صِيد قبل أن نُحْرِمَ. فقال له عليٌّ: ونحن قد نزَلنا (^٣) وأهالينا لنا حَلالٌ، أَفيَحْلُلْنَ لنا اليومَ (^٤)؟\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن (^٥) عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ اللهِ بنُ الحارثِ بن نوفلٍ، أن عليًّا أُتِى بشقِّ عَجُزِ حمارٍ وهو محرمٌ، فقال: إني محرمٌ.\nحدَّثنا ابن بزَيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا سعيدٌ، عن يَعْلَى بن\n_________\n(^١) في م: \"عنه\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٣٩ من طريق يونس، عن الحسن، عن عمر، وأخرجه في ٣٤١ من طريق معبد بن صبيح، عن علي.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٢ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"بدلنا\" غير منقوطة، وفى م والاستذكار: \"بدا لنا\". والمثبت هو الصواب.\n(^٤) ذكره ابن عبد البر في الاستذكار ١/ ٢٩٩.\n(^٥) في م: \"بن\".","vol":"8","page":740},{"text":"حكيمٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ أنه كان يكرَهُه على كلِّ حالٍ ما كان محرمًا (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابن جريجٍ، قال: أخبرنا نافعٌ، أن ابنَ عمرَ كان يكرَهُ كلَّ شيءٍ من الصيدِ وهو حَرَامٌ، أُخِذ له أو لم يُؤْخَذُ له، وَشِيقةً (^٢) وغيرَها (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطَّانُ، عن عبدِ اللهِ، قال: أخبرني نافعٌ، أن ابنَ عمرَ كان لا يأكُلُ الصيدَ وهو محرمٌ وإن صاده الحَلالُ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: أخبرني الحسنُ بنُ مسلمِ بن يَنّاقٍ، أن طاوسًا كان يَنْهى الحَرَامَ عن أكلِ الصيدِ، وَشِيقةً وغيرَها، صِيد له أو لم يُصَدْ له (^٥).\nحدَّثنا عبد الأعلى، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا الأشعثُ، قال: قال الحسنُ: إذا صاد الصيدَ ثم أَحْرَم، لم يأكُلْ من لحمِه حتى يَحِلَّ، فإن أكَل منه وهو محرمٌ، لم يرَ الحسنُ عليه شيئًا.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ وهارونُ، عن عَنْبسةَ، عن سالمٍ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٣٢٩) من طريق طاوس، عن ابن عباس بنحوه.\n(^٢) الوشيقة: لحم يغلى في ماء ملح، ثم يرفع، وقيل: هو أن يغلى إغلاءة ثم يرفع، وقيل: يقدد ويحمل في الأسفار وهى أبقى قديد يكون. ينظر اللسان (وش ق).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٣١٥، ٨٣٢٠)، وابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٤٠ من طريق نافع به بنحوه.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٣١١) عن عبد الله بن عمر العمري بنحوه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٤٠ من طريق ابن جريج به.","vol":"8","page":741},{"text":"سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ عن الصيدِ يَصيدُه الحلالُ، أيأكُلُ منه المحرمُ؟ فقال: سأذكُرُ لك من ذلك؛ إن الله تعالى ذكرُه قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. فنهى عن قتلِه، ثم قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. ثم قال تعالى ذكرُه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾. قال: يأتى الرجلُ أهلَ البحرِ فيقولُ: أَطْعِموني. فإن قال: غَرِيضًا أَلْقَوا شبكتَهم فصادوا له، وإن قال: أَطْعِمونى من طعامِكم. أَطْعَموه من سمكِهم المالحِ، ثم قال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. وهو عليك حَرَامٌ، صِدْتَه، أو صاده حلالٌ.\nوقال آخرون: إنما عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. ما اسْتَحدث المحرمُ صيدَه في حالِ إحرامِه أو ذبَحَه، أو اسْتُحدِث له ذلك في تلك الحالِ؛ فأما ما ذبَحه حَلالٌ وللحلالِ، فلا بأسَ بأكلِه للمحرمِ، وكذلك ما كان في مِلْكِه قبلَ حالِ إحرامِه، فغيرُ محرَّمٍ عليه إمساكُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2824>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا بشرٌ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا سعيدٌ، قال: ثنا قتادةُ، أن سعيدَ بنَ المسيَّبِ حدَّثه عن أبي هريرةَ، أنه سُئِل عن لحمِ صيدٍ صاده حلالٌ، أيأكُلُه المحرمُ؟ قال: فأفتاه هو بأكلِه، ثم لَقِى عمرَ بنَ الخطابِ، فأَخْبَره بما كان من أمرِه، فقال: لو أفتيتَهم بغير هذا لأَوْجَعتُ لك رأسَك (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضَّبيُّ، قال: ثنا أبو عوانةَ، عن عمرَ بن أبي سَلَمَةَ، عن أبيه، قال: نزَل عثمانُ بنُ عفانَ العَرْجَ (^٢) وهو محرمٌ، فأَهْدَى صاحبُ العَرْجِ له قَطًا (^٣).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ١٩٤ عن المصنف.\n(^٢) العرج. عقبة بين مكة والمدينة على جادَّة الحاج. معجم البلدان ٣/ ٦٣٧.\n(^٣) القطا: طائر يشبه الحمام.","vol":"8","page":742},{"text":"قال: فقال لأصحابِه: كُلُوا؛ فإنه إنما اصْطِيد على اسمى. قال: فأكَلوا ولم يأكُلْ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، أن أبا هريرةَ كان بالرَّبَذَةِ، فسألوه عن لحمِ صيدٍ صاده حلَالٌ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن بَزيعٍ، عن بشرٍ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، عن عمرَ نحوَه.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الشعثاءِ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن لحمِ صيدٍ يُهْدِيه الحلَالُ إلى الحَرَامِ، فقال: أكَله عمرُ، وكان لا يرى به بأسًا. قال: قلتُ: تأكُلُه؟ قال: عمرُ خيرٌ منى (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن أبي الشعثاءِ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن صيدٍ صاده حلَالٌ، يأكُلُ منه حرامٌ؟ قال: كان عمرُ يأكُلُه. قال: قلتُ: فأنتَ؟ قال: كان عمرُ خيرًا منى.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عَديٍّ، عن هشامٍ، عن يحيى، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: استفتانى رجلٌ من أهلِ الشامِ في لحمِ صيدٍ أصابه وهو محرمٌ، فأمَرتُه أن يأكُلَه، فأتيتُ عمرَ بن الخطابِ فقلت له: إن رجلًا من أهلِ الشامِ استفتانى في لحمِ صيدٍ أصابه وهو محرمٌ. قال: فما أفتيتَه؟ قال: قلتُ: أفتيتُه أن يأكُلَه. قال: فوالذي نفسي بيدِه، لو أفتيتَه بغيرِ ذلك لعلوتُكَ بالدِّرَّةِ. وقال عمرُ:\n_________\n(^١) أخرجه مالك ١/ ٣٥٤ - ومن طريقه الشافعي في الأم ٧/ ٢٤١ والبيهقى ٥/ ١٩١ - من طريق عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: رأيت عثمان. بنحوه.\n(^٢) أخرجه البيهقى ٥/ ١٨٩ من طريق شعبة به نحوه.","vol":"8","page":743},{"text":"إنما نُهِيتَ أن تصطادَه (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا خارجةُ، عن زيدِ بن أَسْلَمَ، عن عطاءٍ، عن كعبٍ، قال: أَقْبَلتُ في أُناسٍ مُحْرِمِينَ، فَأَصَبْنا لحمَ حمارِ وَحْشٍ، فسألني الناسُ عن أكلِه، فأفتيتُهم بأكلِه وهم محرمون، فقدِمنا على عمرَ، فأَخْبَروه أنى أفتيتُهم بأكلِ حمارِ الوحشِ وهم محرمون، فقال عمرُ: قد أمَّرتُه عليكم حتى ترجِعوا (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، قال: مررتُ بالرَّبَذةِ، فسألني أهلُها عن المحرمِ يأكُلُ ما صاده الحَلالُ، فأفتيتُهم أن يأكُلوا، فلقِيتُ عمر بنَ الخطابِ، فذكرتُ ذلك له، قال: فبمَ أفتيْتَهم؟ قال: أفتيتُهم أن يأكُلوا. قال: لو أفتيتَهم بغيرِ ذلك لخالفتُك (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن يونسَ، عن أبي الشعثاءِ الكِنْديِّ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ: كيف ترى في قومِ حَرَامٍ، لقُوا قومًا حلالًا ومعهم لحمُ صيدٍ، فإما باعوهم، وإما أَطْعَموهم؟ فقال: حَلالٌ.\nحدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأُمويُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا هشامٌ - يعنى ابنَ عروةَ - قال: ثنا عروةُ، عن يحيى بن عبدِ الرحمنِ بن حاطبٍ، أن عبدَ الرحمنِ حدَّثه، أنه اعْتَمر مع عثمانَ بن عفانَ في ركبٍ فيهم عمرُو بنُ العاصِ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ٥/ ١٨٨ من طريق هشام به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٣٤٤) والطحاوى في شرح معاني الآثار ٢/ ١٧٤ من طريق يحيى به.\n(^٢) أخرجه مالك ١/ ٣٥٢ ومن طريقه عبد الرزاق في مصنفه (٨٣٥٠)، والبيهقى ٥/ ١٨٩ عن زيد بن أسلم بنحوه.\n(^٣) أخرجه مالك ١/ ٣٥١ - ومن طريقه الطحاوى في شرح معاني الآثار ٢/ ١٧٤ - عن يحيى به بنحوه.","vol":"8","page":744},{"text":"حتى نزَلوا بالرَّوْحاءِ، فقُرِّب إليهم طيرٌ وهم مُحْرِمون، فقال لهم عثمانُ: كُلُوا فإنى غيرُ أكلِه. فقال عمرُو بنُ العاصِ: أتأمُرُنا بما لستَ أكلًا؟ فقال عثمانُ: إني لولا أظنُّ أنه اصطيد (^١) من أجلى لأكَلتُ. فأكَل القومُ (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، أن الزبيرَ كان يتزوَّدُ لحومَ الوحشِ وهو مُحرمٌ (^٣).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: أخبرنا إسحاقُ، عن شريكٍ، عن سِمَاكِ بن حربٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ما صِيد أو ذُبح وأنت حَلالٍ، فهو لك حلَالٌ، وما صِيد أو ذُبِح وأنت حَرَامٌ، فهو عليك حرامٌ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ما صِيد من شيءٍ وأنت حرامٌ، فهو عليك حرامٌ، وما صِيد من شيءٍ وأنت حلالٌ، فهو لك حلالٌ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾: فجعَل الصيدَ حرامًا على المحرمِ؛ صيده وأكلَه ما دام حرامًا، وإن كان الصيدُ صِيد قبلَ أن يُحْرِمَ الرجلُ فهو حلَالٌ، وإن صاده حَرامٌ لحلالٍ، فلا يَحِلُّ له أكلُه (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"صيد\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٣٤٦) من طريق هشام به مختصرا، وأخرجه في (٨٣٤٥) - ومن طريقه البيهقى ٥/ ١٩١ - من طريق عروة بن الزبير به بنحوه.\n(^٣) أخرجه مالك في موطئه ١/ ٣٥٠ ومن طريقه البيهقى ٥/ ١٨٩ وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٣٤٨)، وابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٣٩، من طريق هشام بنحوه.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٣٠٤) من طريق سماك به بنحوه.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٢ إلى المصنف.","vol":"8","page":745},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: سألتُ أبا بشرٍ عن المحرمِ يأكُلُ مما صاده حلالٌ. قال: كان سعيدُ بنُ جبيرٍ ومجاهدٌ يقولان: ما صيد قبلَ أن يُحْرِمَ أكَل منه، وما صِيد بعد ما أَحْرم لم يأكُلْ منه.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابن جريجٍ، قال: كان عطاءٌ يقولُ إذا سُئِل في العلانيةِ: أيأكُلُ الحرامُ الوَشِيقةَ والشيءَ اليابسَ؟ يقولُ بينى وبينَه: لا أستطيعُ أن أُبيِّنَ لك في مجلسٍ؛ إِن ذُبِح قبلَ أن تُحْرِمَ فَكُلْ، وإلا فلا تَبِعْ لحمَه ولا تَبْتَعُ.\nوقال آخرون: إنما عَنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾: وحرِّم عليكم اصطيادُه. قالوا: فأما شراؤُه من مالكٍ يَمْلِكُه وذبحُه وأكلُه بعدَ أن يكونَ مِلْكُه إيَّاه على غيرِ وجهِ الاصطيادِ له، وبيعُه وشراؤُه جائزٌ. قالوا: والنهيُ من اللهِ تعالى ذكرُه عن صيدِه في حالِ الإحرامِ دونَ سائرِ المعانى.\n\n<span data-type='title' id=toc-2825>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنُ شَبُّويَه، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: ثنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: أخبرني يحيى، أن أبا سَلَمَةَ اشترى قطًا وهو بالعَرْجِ وهو محرمٌ، ومعه محمدُ بنُ المُنْكدرِ، فأكلَها (^١)، فعاب عليه ذلك الناسُ.\nوالصوابُ في ذلك من القولِ عندَنا أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه عمَّ تحريمَ كلِّ معاني صيدِ البرِّ على المحرمِ في حالِ إحرامِه، من غيرِ أن يَخُصَّ من ذلك شيئًا دونَ شيءٍ، فكلُّ معاني الصيدِ حرامٌ على المحرمِ ما دام حرامًا؛ بيعه وشراؤُه واصطيادُه وقتلُه، وغيرُ ذلك من معانيه، إلا أن يجدَه مذبوحًا قد ذبَحه حلَالٌ لحلالٍ، فيحِلُّ له\n_________\n(^١) في م: \"فأكله\".","vol":"8","page":746},{"text":"حينَئذٍ أكلُه؛ للثابت من الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ الذي حدَّثناه يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابن جريجٍ، وحدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ، قال: ثنا مكيُّ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ جُريجٍ، قال: أخبرني محمدُ بنُ المنكدِرِ، عن معاذِ بن عبدِ الرحمنِ بن عثمانَ، عن أبيه عبدِ الرحمنِ بن عثمانَ، قال: كنا مع طلحةَ بن عبيدِ اللهِ ونحن حُرُمٌ، فأُهْدِى لنا طائرٌ، فمنا من أكَل، ومنا من تورَّع فلم يأكُلْ، فلما استيقظ طلحةُ وفَّق (^١) من أكَل، وقال: أكَلناه مع رسولِ اللهِ ﷺ (^٢).\nفإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ فيما رُوِى عن الصَّعْبِ بن جَثَّامَةَ، أَنه أَهْدَى إِلَى رسولِ اللهِ ﷺ رِجْلَ حمارِ وحشٍ يقطُرُ دمًا، فردَّه فقال: \"إنا حُرُمٌ\" (^٣). وفيما رُوى عن عائشةَ، أن وَشِيقةَ ظَبْيٍ أُهدِيت إلى رسولِ اللهِ ﷺ وهو محرمٌ، فردَّها (^٤). وما أَشْبَهَ ذلك من الأخبارِ؟\nقيل: إنه ليس في واحدٍ من هذه الأخبارِ التي جاءت بهذا المعنى بيانٌ أن رسولَ اللهِ ﷺ ردَّ من ذلك ما ردَّ، وقد ذبَحه الذابحُ إذ ذبَحه وهو حلَالٌ لحلَالٍ، ثم أَهْدَاه إلى رسول الله ﷺ وهو حَرَامٌ، فردَّه، وقال: \"إنه لا يحِلُّ لنا لأنا حُرُمٌ\". وإنما ذُكِر فيه أنه أُهْدِى لرسولِ اللهِ ﷺ لحمُ صيدٍ فردَّه، وقد يجوزُ أن يكونَ ردُّه ذلك، من\n_________\n(^١) في م: \"وافق\" ووفق صوب فعل من أكل.\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ١٤ (١٣٩٢)، ومسلم (١١٩٧)، والنسائي (٢٨١٦)، وابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٣٨ والبزار (٩٣١)، وأبو يعلى (٦٣٥)، وابن خزيمة (٢٦٣٨) والدارقطني في العلل ٤/ ٢١٦، من طريق يحيى بن سعيد به.\nوأخرجه أحمد ٣/ ٧ (١٣٨٣) والدارمي ٢/ ٣٩، والطحاوى في شرح المعاني ٢/ ١٧١، والبيهقى ٥/ ١٨٨ من طريق ابن جريج به.\n(^٣) أخرجه أحمد ٢٦/ ٣٥١ (١٦٤٢٢). والبخارى (١٨٢٥، ٢٥٧٣، ٢٥٩٦)، ومسلم (١١٩٣)، والترمذى (٨٤٩)، والنسائى (٢٨١٨)، وابن ماجه (٣٠٩٠) من حديث ابن عباس.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٣٢٤، ٨٣٢٥)، وأحمد ٦/ ٤٠، ٢٢٥ (الميمنية).","vol":"8","page":747},{"text":"أجلِ أن ذابحَه ذبَحه أو صائدَه صاده من أجلِه ﷺ وهو محرمٌ، وقد بيَّن خبرُ جابرٍ عن النبيِّ ﷺ بقولِه: \"لحمُ صيدِ البرِّ (^١) للمحرمِ حلالٌ، إلا ما صاده أو صِيد له\" (^٢). معنى ذلك كلِّه.\nفإذ كان كلا الخبرين صحيحًا مخرجُهما، فواجبٌ التصديقُ بهما، وتوجيهُ كلِّ واحدٍ منهما إلى الصحيحِ من وجهٍ، وأن يقالَ: ردُّه ما ردَّ من ذلك من أجلِ أنه كان صِيد من أجلِه، وإذنُه في كلِّ ما أذِن في أكلِه منه، من أجلِ أنه لم يكنْ صِيد لمحرمٍ، ولا صاده محرمٌ، فيصحُّ معنى الخبرين كليهما.\nواخْتَلفوا في صفةِ الصيد الذي عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بالتحريمِ في قولِه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، فقال بعضُهم: صيدُ البرِّ كلُّ ما كان يعيشُ في البرِّ والبحرِ، وإنما صيدُ البحرِ ما كان يعيشُ في الماءِ دونَ البرِّ ويأوِى إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2826>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن عِمْرانَ بن حُدَيرٍ، عن أبي مِجْلَزٍ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، قال: ما كان يعيشُ في البرِّ والبحرِ فلا تَصِدْه (^٣)، وما كان حياتُه في الماءِ فذاك (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا الحجَّاجُ، عن عطاءٍ،\n_________\n(^١) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢٣/ ١٧١، ٣٥١، ٣٦٦ (١٤٨٩، ١٥١٥٨، ١٥١٨٥)، وأبو داود (١٨٥١)، والترمذى (٨٤٦)، والنسائى (٢٨٢٧)، والحاكم ١/ ٤٥٢، والبيهقى ٥/ ١٩٠.\n(^٣) في م، وتفسير ابن أبي حاتم: \"يصيده\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١٢٤، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢١٣ (٦٨٤٩) من طريق وكيع به.","vol":"8","page":748},{"text":"قال: ما كان يعيشُ في البرِّ فأصابه المحرمُ فعليه جزاؤُه، نحوَ السُّلَحْفاةِ والسَّرَطانِ والضفادعِ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عمرِو بن أبي قيسٍ، عن الحجَّاجِ، عن عطاءٍ، قال: كلُّ شيءٍ عاش في البرِّ والبحرِ فأصابه المحرمُ، فعليه الكفَّارةُ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ أبي زيادٍ، عن عبد الملكِ بن (^٢) سعيدِ بن جبيرٍ، قال: خرَجنا حُجَّاجًا، معنا رجلٌ من أهلِ السوادِ، معه شُصُوصُ (^٣) طيرِ ماءٍ، فقال له أبى حين أَحْرَمنا: اعزِلْ هذا عنا.\nوحدَّثنا به أبو كُريبٍ مرةً أخرى، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ يزيدَ بنَ أبي زيادٍ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن عطاءٍ، أنه كرِه للمحرمِ أن يذبَحَ الدَّجَاجَ الزَّنْجيَّ؛ لأن له أصلًا في البرِّ (^٤).\nوقال بعضُهم: صيدُ البرِّ ما كان كونُه في البرِّ أكثرَ من كونِه في البحرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2827>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ابن جريجٍ أخبَرَناه، قال: سألتُ عطاءً عن ابن الماء، أصيدُ برٍّ أم بحرٍ، وعن أشباهِه، فقال: حيث يكونُ أكثرَ،\n_________\n(^١) ينظر تفسير القرطبي ٦/ ٣٢٠.\n(^٢) في النسخ: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٣١٠.\n(^٣) الشص، بالفتح والكسر: حديدة عقفاء يصاد بها السمك. اللسان (ش ص ص).\n(^٤) حق هذا الأثر أن يأتى سابقا على الأثر السالف؛ لأن الإسناد عن حجاج عن عطاء بمعنى الأثر قبل السابق فلعله حصل اضطراب من الناسخ.","vol":"8","page":749},{"text":"فهو صيدُه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني وكيعٌ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن عطاءِ بن أبي رَبَاحٍ، قال: أكثرُ ما يكونُ حيث يُفْرِخُ، فهو منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2828>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾.</span>\nوهذا تقدُّمٌ من اللهِ تعالى ذكرُه إلى خلقِه، بالحذرِ من عقابِه على معاصيه.\nيقولُ تعالى: واخْشَوُا الله أَيُّها الناسُ، واحْذَروه بطاعتِه فيما أمَركم به من فرائضِه، وفيما نهاكم عنه في هذه الآياتِ التي أَنْزَلها على نبيِّكم ﷺ، من النهى عن الخمرِ والميسرِ والأنصابِ والأزلامِ، وعن إصابةِ صيدِ البرِّ وقتلِه في حالِ إحرامِكم، وفى غيرِها؛ فإن للهِ مصيرَكم ومرجِعَكم، فيعاقبُكم بمعصيتِكم إيَّاه، ومجازيكم، فمثيتُكم على طاعتِكم له.\n_________\n(^١) جزء من أثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٤٢٢) عن ابن جريج به.","vol":"8","page":750},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-766\"></span><span data-type='title' id=toc-2830>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: صيَّر اللهُ الكعبةَ البيتَ الحرامَ قِوَامًا للناسِ الذين لا قِوام لهم، من رئيسٍ يَحْجِزُ قويَّهم عن ضعيفِهم، ومسيئَهم عن محسنِهم، وظالمَهم عن مظلومِهم، ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾، فحجَز بكلِّ واحدٍ من ذلك بعضَهم عن بعضٍ، إذ لم يكنْ لهم قيامٌ غيرُه، وجعَلها معالمَ لدينِهم، ومصالحِ أمورِهم.\nوالكعبةُ سُمِّيت - فيما قيل - كعبةً لتربيعِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2829>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ (^١)، قال: إنما سُمِّيت الكعبةَ لأنها مُرَبَّعةٌ (^٢).\n_________\n(^١) بعده في س: \"مثله\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١١٢ عن وكيع به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢١٣ (٦٨٥٢) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"9","page":5},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، عن أبي سعيدٍ المؤدِّبِ، عن النَّضْرِ بن عَرَبيٍّ، عن عكرمةَ، قال: إنما سُمَّيت الكعبةَ لتربيعِها (^١).\nوقيل: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾. بالياءِ، وهو من ذواتِ الواوِ؛ لكسرةِ القافِ، وهى فاءُ الفعلِ، فجُعِلت العينُ منه بالكسرةِ ياءً (^٢)، كما قيل في مصدرِ قمتُ: قيامًا، وصمتُ: صيامًا، فحُوِّلت العينُ من الفعلِ وهى واوٌ ياءً؛ لكسرةِ فائِه، وإنما هو في الأصلِ: قمتُ قوامًا، وصمتُ صِوَامًا، وكذلك قولُه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾. فحُوِّلت واوُها ياءً؛ إذ هي قِوَامٌ. وقد جاء ذلك من كلامِهم مَقُولًا على أصلِه الذي هو أصلُه، قال الراجزُ (^٣):\nقِوامُ دُنْيَا وقِوَامُ دِينِ\nفجاء به بالواوِ على أصلِه.\nوجعَل تعالى ذكرُه الكعبةَ والشهرَ الحرامَ والهَدْيَ والقلائدَ قِوامًا لمن كان يحرِّمُ (^٤) ذلك من العربِ ويعظِّمُه (^٥)، بمنزلةِ الرئيسِ الذي يقومُ به أمرُ تُبَّاعِه.\nوأما الكعبةُ فالحَرَمُ كلُّه، وسمَّاها اللهُ تعالى ذكرُه حرامًا؛ لتحريمِه إيَّاها أن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٣ إلى المصنف وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"ألفا\".\n(^٣) هو حميد الأرقط، والرجز في مجاز القرآن ١/ ١٧٧.\n(^٤) في م: \"يحترم\".\n(^٥) في ص، ت ١، ص: \"يعطيه\".","vol":"9","page":6},{"text":"يُصادَ صيدُها، أو يُخْتَلى خَلاها (^١)، أو يُعْضَدَ (^٢) شجرُها.\nوقد بيَّنا ذلك بشواهدِه فيما مضى قبلُ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَل الشهرَ الحرامَ والهَدْيَ والقلائدَ أيضًا قيامًا للناسِ، كما جعَل الكعبةَ البيتَ الحرامَ لهم قيامًا.\nو\"الناسُ\" الذين جعَل ذلك لهم قيامًا مختلَفٌ فيهم؛ فقال بعضُهم: جعَل اللهُ ذلك في الجاهليةِ قيامًا للناسِ كلِّهم.\nوقال بعضُهم: بل عنَى به العربَ خاصةً.\nوبمثلِ الذي قلنا في تأويلِ القِوَامِ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2831>ذكرُ من قال: عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾. القِوامَ. على نحوِ ما قلنا</span>\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا مَن سمِع خُصَيفًا يُحدِّثُ عن مجاهدٍ في: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾. قال: قِوامًا للناسِ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن خُصَيفٍ، عن سعيدِ\n_________\n(^١) الخلا مقصور: النبات الرطب الرقيق ما دام رطبا، واختلاؤه: قطعه. وأخلت الأرض: كثر خلاها، فإذا يبس فهو حشيش. النهاية ٢/ ٧٥.\n(^٢) أي يقطع. يقال: عضدت الشجر أعضِده عضْدا. النهاية ٣/ ٢٥١.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٢/ ٥٣٧ - ٥٤٣.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٣ إلى المصنف.","vol":"9","page":7},{"text":"ابن جبيرٍ: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾. قال: صلاحًا لدينِهم (^١).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا داودُ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾. قال: حينَ لا يرجُون جنةً، ولا يخافُون نارًا، فشدَّد اللهُ ذلك بالإسلامِ.\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن إسرائيلَ، عن أبي الهيثمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ قولَه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾. قال: شدَّةً لدينِهم.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي الهيثمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾. قال: قيامُها أن يأمَنَ مَن توجَّه إليها (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾: يعني قيامًا لدينِهم، ومعالِمَ لحجِّهم (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٣ إلى المصنف وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١١٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢١٤ (٦٨٥٦) من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٣ إلى المصنف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢١٤ (٦٨٥٤) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"9","page":8},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ الحسينُ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾: جعَل اللهُ هذه الأربعةَ قيامًا للناسِ، هو قِوامُ أمرِهم (^١).\nوهذه الأقوالُ وإن اخْتَلفت من قائلِها ألفاظُها، فإن معانيَها آيلةٌ إلى ما قلنا في ذلك، من أن (^٢) القِوامَ للشيءِ هو الذي به صلاحُه، كما الملِكُ (^٣) الأعظمُ قِوامُ رعيتِه ومَن في سلطانِه؛ لأنه مدبِّرُ أمرِهم، وحاجزُ ظالِمهم عن مظلومِهم، والدافعُ عنهم مكروهَ مَن بغاهم وعاداهم، وكذلك كانت الكعبةُ والشهرُ الحرامُ والهَدْيُ والقلائدُ قِوامَ أمرِ العربِ الذي كان به صلاحُهم في الجاهليةِ، وهى في الإسلامِ لأهلِه معالمُ حجِّهم ومناسكِهم، ومتوجَّهُهم لصلاتِهم، وقِبْلتُهم التي باسْتقْبالِها يَتِمُّ فرضُهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قالت جماعةُ أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2832>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾: حواجزَ أبقاها اللهُ بينَ الناسِ في الجاهليةِ، فكان الرجلُ لو جرَّ كلَّ جريرةٍ، ثم لجأ إلى الحرَمِ، لم يُتناوَلْ، ولم يُقْرَبْ، فكان الرجلُ لو لَقِى قاتلَ أبيه في الشهرِ الحرامِ، لم يعرِضْ له، ولم يَقْرَبْه، وكان الرجلُ إذا أراد البيتَ تقلَّد قلادةً من شَعَرِ، فَأَحْمَته (^٤) ومنَعتْه من الناسِ، وكان إذا نَفَرَ تقلَّد قِلادةً من\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢١٤ (٦٨٥٩) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في: م: \"كالملك\"، وفى ت ١: \"كمال الملك\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فأحرمته\".","vol":"9","page":9},{"text":"الإِذْخِرِ (^١)، أو من لحاءِ السَّمُرِ (^٢)، فمنعَتْه من الناسِ حتى يأتيَ أهلَه؛ حواجزٌ أبقاها اللهُ بينَ الناسِ في الجاهليةِ (^٣).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾. قال: كان الناسُ كلُّهم فيهم ملوكٌ تدفَعُ بعضَهم عن بعضٍ. قال: ولم يكنْ في العربِ ملوكٌ تدفَعُ بعضهم عن بعضٍ، فجعَل اللهُ تعالى ذكرُه لهم البيتَ الحرامَ قيامًا، يدفَعُ بعضَهم عن بعضٍ به، والشهرَ الحرامَ كذلك، يدفَعُ اللهُ (^٤) بعضَهم عن بعضٍ بالأشهرِ الحُرُمِ والقلائدِ. قال: ويَلْقَى الرجلُ قاتلَ أخيه أو ابن عمِّه فلا يَعْرِضُ له، وهذا كلُّه قد نُسِخ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْقَلَائِدَ﴾: كان ناسٌ يتقلَّدون لحاءَ الشجرِ في الجاهليةِ إذا أرادوا الحجَّ، فيُعْرَفون بذلك.\nوقد أتينا على البيانِ عن ذكرِ \"الشهرِ الحرامِ\" و\"الهَدْيِ\" و\"القلائدِ\" فيما مضَى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٦).\n_________\n(^١) الإذخر: حشيش أخضر طيب الريح يسقف به البيوت فوق الخشب، وهمزته زائدة، الواحدة: إذخرة. التاج (ذ خ ر).\n(^٢) السمر: ضرب من شجر الطلح، الواحدة سَمُرة. النهاية ٢/ ٣٩٩.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ١٩٧ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٣، إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) في ص، ت ١، س: \"به\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢١٣، ١٢١٥ (٦٨٥٣، ٦٨٦٣) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٦) ينظر ما تقدم في ٨/ ٢٥ - ٣٠.","vol":"9","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2833>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: تصييرَه الكعبةَ البيتَ الحرامَ قيامًا للناسِ والشهرَ الحرامَ والهَدْىَ والقلائدَ. يقولُ تعالى ذكرُه: صيَّرتُ لكم أيُّها الناسُ ذلك (^١) قيامًا، كي تعلَموا أن مَن أَحْدَث لكم لمصالحِ دنياكم ما أَحْدَث مما به قِوامُكم، علمًا (^٢) منه بمنافعِكم ومضارِّكم، أنه كذلك يعلَمُ جميعَ ما في السماواتِ وما في الأرضِ، مما فيه صلاحُ عاجلِكم وآجلِكم، ولتعلَموا أنه بكلِّ شيءٍ عليمٌ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ من أمورِكم وأعمالِكم، وهو مُحْصِيها عليكم، حتى يجازيَ المحسنَ منكم بإحسانِه، والمسيءَ منكم بإساءتِه.\n\n<span id=\"aya-767\"></span><span data-type='title' id=toc-2834>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: اعْلَموا أَيُّها الناسُ أن ربَّكم الذي يعلَمُ ما في السماواتِ وما في الأرضِ، ولا يَخْفَى عليه شيءٌ من سرائرِ أعمالِكم وعلانيتِها، وهو يُحْصِيها عليكم ليجازيَكم بها - شديدٌ عقابُه من عصاه وتمرَّد عليه، على معصيتِه إياه، وهو غفورٌ لذنوبَ مَن أطاعه وأناب إليه، فساترٌ عليه، وتاركٌ فضيحتَه بها، رحيمٌ به أن يعاقبَه على ما سلف من ذنوبِه، بعدَ إنابتِه وتوبتِه منها.\n\n<span id=\"aya-768\"></span><span data-type='title' id=toc-2835>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾.</span>\nوهذا مِن اللهِ تعالى ذكرُه تهديدٌ لعبادِه ووعيدٌ، يقولُ تعالى ذكرُه: ليس على\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"علمنا\".","vol":"9","page":11},{"text":"رسولِنا الذي أَرْسَلناه إليكم أيُّها الناسُ بإنذارِكم عقابَنا، بينَ يَدَيْ عذابٍ شديدٍ، وإعذارِنا إليكم بما فيه قطعُ حُجَجِكم، إلا أن يؤدِّيَ إليكم رسالتَنا، ثم إلينا الثوابُ على الطاعةِ، وعلينا العقابُ على المعصيةِ. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾. يقولُ: وغيرُ خَفيٍّ علينا المطيعُ منكم، القابلُ رسالَتَنا، العاملُ بما أمَرتُه بالعملِ به، من [العاصى الآبي رسالتَنا] (^١)، التاركِ العملَ بما أمَرتُه بالعملِ به؛ لأنا نعلَمُ ما عمِله العاملُ منكم، فأَظْهَره بجوارحِه، ونطَق به بلسانِه، ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾. يعني: ما تُخْفونه في أنفسِكم؛ من إيمانٍ وكفرٍ، أو يقينٍ وشكٍّ ونفاقٍ. يقولُ تعالى ذكرُه: فمن كان كذلك لا يَخْفَى عليه شيءٌ من ضمائرِ الصدورِ، وظواهرِ أعمالِ النفوسِ، مما في السماواتِ وما في الأرضِ، وبيده الثوابُ والعقابُ، فحقيقٌ أن يُتَّقَى، وأن يُطاعَ فَلا يُعْصَى.\n\n<span id=\"aya-769\"></span><span data-type='title' id=toc-2836>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ: لا يَعْتَدِلُ الردئُ والجيِّدُ، والصالحُ والطالحُ، والمطيعُ والعاصى، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾. يقولُ: لا يعتدلُ العاصى والمطيعُ للهِ عندَ اللهِ، ولو كثر أهلُ المعاصى، فعجِبتَ من كثرتِهم؛ لأن أهلَ طاعةِ اللهِ هم المفلحون، الفائزون بثوابِ اللهِ يومَ القيامةِ، وإن قلُّوا، دونَ أهلِ معصيتِه، وإن أهلَ معاصيه هم الأخسرون الخائبون، وإن كثُروا. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: فلا تَعْجَبَنَّ من كثرةِ مَن يَعصِى الله، فيُمْهِلُه ولا يُعاجِلُه بالعقوبةِ، فإن العُقْبى الصالحةَ لأهل طاعةِ اللهِ عندَه، دونَهم.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾. قال:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المعاصى التي رسالتنا\"، وفى م: \"العاصي\"، وفى س: \"المعاصي\"، والمثبت هو الصواب.","vol":"9","page":12},{"text":"الخبيثُ هم المشركون، والطيِّبُ هم المؤمنون (^١).\nوهذا الكلامُ وإن كان مَخْرَجُه مَخْرَجَ الخطابِ لرسولِ اللهِ ﷺ، فالمرادُ به بعضُ أتباعِه، يدلُّ على ذلك قولُه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-2837>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واتقوا الله بطاعتِه فيما أمَركم ونهاكم، واحْذَروا أن يستحوذَ عليكم الشيطانُ بإعجابِكم كثرةَ الخبيثِ، فتصيروا منهم، ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. يعنى بذلك: أهلَ العقولِ والحِجَا، الذين عقَلوا عن اللهِ آيَاتِه، وعرَفوا مواقعَ حُجَجِه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: اتقوا الله لِتُفْلحوا، أي: كي تُنْجِحوا في طَلِبَتِكم ما عندَه.\n\n<span id=\"aya-770\"></span><span data-type='title' id=toc-2838>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.</span>\nذُكِر أن هذه الآيةَ أُنْزِلت على رسولِ اللهِ ﷺ بسببِ مسائلَ كان يسألُها إيَّاه أقوامٌ امتحانًا له أحيانًا، واستهزاءً أحيانًا، فيقولُ له بعضُهم: مَن أبِى؟ ويقولُ له بعضُهم إذا ضلَّت ناقتُه: أين ناقتى؟ فقال لهم تعالى ذكرُه: لا تسألوا عن أشياءَ من ذلك، كمسألةِ عبدِ اللهِ بن حُذَافَةَ إِيَّاه من أبوه، ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. يقولُ: إنْ أَبْدَينا لكم حقيقةَ ما تسألون عنه ساءكم إبداؤُها وإظهارُها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك تظاهرتْ الأخبارُ عن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢١٦ (٦٨٧٠) من طريق أحمد بن مفضل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٤ إلى أبى الشيخ.","vol":"9","page":13},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2839>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا [حفصُ بنُ بُغَيْلٍ] (^١)، قال: ثنا زُهيرُ بنُ معاويةَ، قال: ثنا أبو الجُوَيْريةِ، قال: قال ابن عباسٍ لأعرابيٍّ من بني سُليمٍ: هل تَدْرِى فيما أُنْزِلت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. حتى فرَغ من الآيةِ؟ فقال: كان قومٌ يسألون رسولَ اللهِ ﷺ استهزاءً، فيقولُ الرجلُ: مَن أبى؟ والرجلُ تَضِلُّ ناقتُه، فيقولُ: أينَ ناقتى؟ فأَنْزَل اللهُ فيهم هذه الآيةَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو عامرٍ وأبو داودَ، قالا: ثنا هشامٌ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، قال: سأل الناسَ رسولَ اللهِ ﷺ حتى أَحْفَوه (^٣) بالمسألةِ، فصعِد المنبرَ ذاتِ يومٍ، فقال: \"لا تَسْأَلوني عن شيءٍ إلا بيَّنتُه لكم\". قال أنسٌ: فجعلتُ أنظُرُ يمينًا وشِمالًا، فأَرَى كلَّ إنسانٍ لافًّا ثوبَه يَبْكى، فأَنْشَأ رجلٌ كان إذا لاحَى (^٤) يُدْعَى إلى غيرِ أبيه، فقال: يا رسولَ اللهِ، مَن أبِى؟ فقال: \"أبوك حُذَافةُ\". قال: فأنشأ عمرُ، فقال: رضِينا باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ ﷺ رسولًا، وأعوذُ باللهِ من سوءِ الفتنِ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لم أَرَ في (^٥) الشرِّ والخيرِ كاليومِ قطُّ، إنه صُوِّرت ليَ الجنةُ والنارُ حتى رأيتُهما وراءَ الحائطِ\". وكان قتادةُ يذكُرُ هذا الحديثَ عندَ هذه الآيةِ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: ت ٣، وفى ص، م: \"بعض بني نفيل\"، وفى ت ١، ت ٢: \"بعض بن نفيل\". وفى س: \"حفص بن مقبل\". والمثبت من مصادر ترجمته. وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٥.\n(^٢) أخرجه البخارى (٤٦٢٢)، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢١٧ (٦٨٧٧)، والطبراني (١٢٦٩٥) من طريق زهير به.\n(^٣) أي استقصوا في السؤال. النهاية ١/ ٤١٠.\n(^٤) يقال: لاحيت الرجل ملاحاة ولحاء. إذا نازعته. النهاية ٤/ ٢٤٣.\n(^٥) ليست في: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣. والمثبت من م س موافق لما في مصادر التخريج.\n(^٦) أخرجه البخاري (٧٠٨٩)، ومسلم (٢٣٥٩) من طريق هشام به، وأخرجه مسلم (٢٣٥٩)، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٨ (٦٨٧٨) من طريق قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.","vol":"9","page":14},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ البَحْرانيُّ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أَخْبَرنى موسى بنُ أنسٍ، قال: سمِعتُ أنسًا يقولُ: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، من أبي؟ قال: \"أبوك فلانٌ\". قال: فنزَلتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. قال: فحدَّثَنَا أن أنسَ بنَ مالكٍ حدَّثهم، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سألُوه حتى أحْفَوه بالمسألةِ، فخرَج عليهم ذاتَ يومٍ، فصعِد المنبرَ، فقال: \"لا تَسْأَلوني اليومَ عن شيءٍ إلا بيَّنتُه لكم\". فأَشْفَق أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ أن يكونَ بينَ يديه أمرٌ قد حضَر، فجعَلتُ لا ألتفتُ يمينًا ولا (^٢) شمالًا إلا وجدتُ كُلًّا لافًّا رأسَه في ثوبِه يبكي، فَأَنْشَأ رجلٌ كان يُلاحَى فيُدْعَى إلى غيرِ أبيه، فقال: يا نبيَّ اللهِ، مَن أبي؟ قال: \"أبوك حُذَافَةُ\". قال: ثم قام (^٣) عمرُ - أو قال: فأَنْشَأ عمرُ - فقال: رضينا باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ ﷺ رسولًا، عائدًا باللهِ - أو قال: أعوذُ باللهِ - من سوء الفتنِ. قال: وقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لم أَرَ في الخيرِ والشرِّ كاليومِ قطُّ، صُوِّرت ليَ الجنةُ والنارُ حتى رأيتُهما دونَ الحائطِ\" (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ هشامٍ وسفيانُ بنُ وكيعٍ، قالا: ثنا معاذُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا ابن عونٍ، قال: سألتُ عكرمةَ مولى ابن عباسٍ عن قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٣٥٩)، والترمذى (٣٠٥٦)، عن محمد بن معمر به، وأخرجه البخارى (٧٢٩٥) من طريق روح به.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٠٩٠، ٧٠٩١)، من طريق يزيد بنُ زريع به، ووصله أبو نعيم في المستخرج - كما في الفتح ١٣/ ٤٥ من طريق رُسْتَة، عن عباسٍ النرسى، عن يزيد به، وأخرجه مسلم (٢٣٥٩)، والطحاوى في شرح المشكل (١٤٧٦) من طريق سعيد به.","vol":"9","page":15},{"text":"آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. قال: ذاك يومُ قام فيهم النبيُّ ﷺ، فقال: \"لا تَسْأَلوني عن شيءٍ إِلَّا أَخْبَرتُكم به\". قال: فقام رجلٌ، فكرِه المسلمون مَقامَه يومَئذٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، مَن أبى؟ قال: \"أبوك حذافةُ\". قال: فنزَلت هذه الآيةُ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: نزَلت: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. في رجلٍ قال: يا رسولَ اللهِ، مَن أبى؟ قال: \"أبوك فلانٌ\" (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى سفيانُ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: سألوا النبيَّ ﷺ حتى أَكْثَرُوا عليه، فقام مُغْضَبًا خطيبًا، فقال: \"سَلوني، فواللهِ لا تَسْأَلونى عن شيءٍ ما دمتُ في مقامي إلَّا حدَّثتُكم\". فقام رجلٌ، فقال: إِلَّا مَن أبى؟ قال: \"أبوك حُذافةُ\". واشتد غضبُه وقال: \"سَلوني\". فلما رأى الناسُ ذلك كثُر بكاؤُهم، فجثا عمرُ على ركبتَيْه، فقال: رضِينا باللهِ ربًّا (^٣).\nقال معمرٌ: قال الزهريُّ: قال أنسٌ مثلَ ذلك: فجثا عمرُ على ركبتَيْه، فقال: رضِينا باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ ﷺ رسولًا. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أَمَا والذي نفسِي بيدِه، لقد صُوِّرتْ ليَ الجنةُ والنارُ آنفًا في عُرْضِ هذا الحائطِ، فلم أرَ كاليومِ في الخيرِ والشرِّ\" (^٤).\nقال [الزهريُّ: فقالت أمُّ عبدِ اللهِ بنُ حُذافةَ] (^٥): ما رأيتُ ولدًا أعقَّ منك قطُّ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٤ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٦.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٥ عن معمر به.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٦ عن معمر به.\n(^٥) كذا في النسخ، وفى تفسير عبد الرزاق: \"وقال الزهرى: فأخبرنى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: فقالت أم عبد الله بن حذافة\". وهو الصواب.","vol":"9","page":16},{"text":"أتأمَنُ أن تكونَ أمُّك قارفت ما قارف أهلُ الجاهليةِ فتفضَحَها على رءوسِ الناسِ! فقال: واللهِ لو أَلْحَقنى بعبدٍ أسودَ للحِقتُه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينُ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. قال: غضب رسولُ اللهِ ﷺ يومًا من الأيامِ، فقام خطيبًا، فقال: \"سَلوني فإنكم لا تَسْألوني عن شيءٍ إِلَّا أَنْبَأتُكم به\". فقام إليه رجلٌ من قريشٍ من بنى سَهْمٍ، يقالُ له: عبدُ اللهِ بنُ حُذافةَ. وكان يُطْعَنُ فيه، قال: فقال: يا رسولَ اللهِ، مَن أبي؟ قال: \"أبوك فُلانٌ\". فدعاه لأبيه، فقام إليه عمرُ، فقبَّل رجلَه، وقال: يا رسولَ اللهِ، رضِينا باللهِ ربًّا، وبك نبيًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبالقرآنِ إمامًا، فاعفُ عنَّا عفا اللهُ عنك. فلم يَزَلْ به حتى رضِى، فيومَئذٍ قال: \"الولد للفراشِ، وللعاهرِ الحَجَرُ\" (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسٌ، عن أبي حَصينٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرةَ، قال: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ وهو غَضْبانُ محمارٌّ وجهُه، حتى جلَس على المنبرِ، فقام إليه رجلٌ، فقال: أين أبي (^٣)؟ قال: \"في النارِ\". فقام آخرُ فقال: مَن أبى؟ قال: \"أبوك حُذَافَةُ\". فقام عمرُ بنُ الخطابِ، فقال: رضِينا باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ ﷺ نبيًّا، وبالقرآنِ إمامًا، إِنَّا يا رسولَ اللهِ حديثُو عهدٍ بجاهليةٍ وشركٍ، واللهُ يعلَمُ مَن آباؤنا. قال: فسكَن غضبُه، ونزلتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٦، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أم عبد الله.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢١٩ (٦٨٨٢) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"أنا\" وانظر مصادر التخريج الآتية بعد.\n(^٤) أخرجه الطحاوي في شرح المشكل (١٤٧٥) من طريق الفريابي، عن قيس به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ١٩٩ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٥ إلى الفريابي وابن مردويه.","vol":"9","page":17},{"text":"وقال آخرون: نزَلتْ هذه الآيةُ على رسولِ اللهِ ﷺ من أجلِ مسألةِ سائلٍ سأَله عن شيءٍ في أمرِ الحجِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2840>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا منصورُ بنُ وَرْدانَ الأسديُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ عبدِ الأعلى، قال: لما نزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. قالوا: يا رسولَ اللهِ، أفى كلِّ عامٍ؟ فسكَت، ثم قالوا: أفى كلِّ عامٍ؟ فسكَت، ثم قال: \"لا، ولو قلتُ: نعم. لَوَجَبَتْ\". فَأَنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا [عبدُ الرحيمِ] (^٢) بنُ سليمانَ، عن إبراهيمَ بن مسلمٍ الهَجَريِّ، عن أبي (^٣) عياضٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إن الله كتَب عليكم الحجَّ\". فقال رجلٌ: أفى كلِّ عامٍ يا رسولَ اللهِ؟ فَأَعْرَض عنه، حتى عاد مرتين أو ثلاثًا، فقال: \"مَن السائلُ؟ \". فقال: فلانٌ. فقال: \"والذي نفسي بيدِه، لو قلتُ: نَعَمْ. لوجبَتْ، ولو وجبَتْ عليكم ما أَطَقْتُموه، ولو ترَكتُموه لكفَرتُم\". فأَنْزَل اللهُ هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، حتى ختمَ الآية (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٢٣٦ (٩٠٥)، والترمذى (٨١٤، ٣٠٥٥)، وابن ماجه (٢٨٨٤)، والبزار (٩١٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧١٣ (٣٨٥٧) من طريق منصور، عن علي، عن أبيه، عن أبي البختري، عن علي.\n(^٢) في النسخ: \"عبد الرحمن\". وتقدم على الصواب في ٢/ ٥٤١، ٦٦٤، ٧٠٢، ٣/ ٥٦٩.\n(^٣) في م: \"ابن\". وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٥٤٣.\n(^٤) أخرجه الدارقطني ٢/ ٢٨٢، والطحاوى في شرح المشكل (١٤٧٣) من طريق الهجرى به.","vol":"9","page":18},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عليِّ بنُ الحسنِ (^١) بن شَقيقٍ، قال: سمِعتُ أبي، قال: أخبَرنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن محمدِ بن زيادٍ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: خطَبنا رسولُ اللهِ ﷺ، فقال: \"يا أيُّها الناسُ، كتَب اللهُ عليكم الحجَّ\". فقام مِحْصنٌ الأسديُّ (^٢)، فقال: أفى كلِّ عامٍ يا رسولَ اللهِ؟ فقال: \"أما إنِّي لو قلتُ: نعم. لوجَبتْ، ولو وجَبتْ ثم ترَكتُم لضلَلتم، اسْكُتُوا عنى (^٣) ما سكتُّ عنكم، فإنما هلَك مَن كان قبلَكم بسؤالِهم واختلافِهم على أنبيائِهم\". فَأَنزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إلى آخر الآيةِ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن محمدٍ بن زيادٍ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: خطبنا رسولُ اللهِ ﷺ. فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: فقام عُكَّاشةُ بنُ مِحْصنٍ الأسديُّ (^٥).\nحدَّثنا زكريا بنُ يحيى بن أبانٍ المصريُّ، قال: ثنا أبو زيدٍ عبدُ الرحمنِ بنُ أبي الغَمْرِ (^٦)، قال: ثنا أبو مُطيعٍ معاويةُ بنُ يحيى، عن صفوانَ بن عمرٍو، قال: ثنى سُليمُ بنُ عامرٍ، قال: سمِعتُ أبا أمامةَ الباهليَّ يقولُ: قام رسولُ اللهِ ﷺ في الناسِ فقال: \"كُتِب عليكم الحجُّ\". فقام رجلٌ من الأعرابِ، فقال: أفى كلِّ\n_________\n(^١) في النسخ: \"الحسين\"، وتقدم على الصواب في ٢/ ٢٧٨، ٣/ ١٠٥، ١١٢، ٢٥٩.\n(^٢) في ص: \"الأسيدي\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"على\".\n(^٤) أخرجه أحمد ١٦/ ٣٥٥ (١٠٦٠٧)، ومسلم (١٣٣٧)، والنسائي (٢٦١٨)، والدارقطني ٢/ ٢٨١، وابن حبان (٣٧٠٤، ٣٧٠٥) من طريق محمد بن زياد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٥ إلى أبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٥) قال ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢٠٠: وهو أشبه.\n(^٦) في النسخ: \"العمر\" بالعين المهملة، والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تبصير المنتبه ٣/ ٩٧١.","vol":"9","page":19},{"text":"عامٍ؟ قال؟ قال فعَلِقَ (^١) كلامُ رسولِ اللهِ ﷺ، وأَسْكَت (^٢)، واسْتَغْضَب (^٣)، فمكَث طويلًا، ثم تكلَّم، فقال: \"مَن السائلُ؟ \". فقال الأعرابيُّ: أنا ذا. فقال: \"وَيُحَك ماذا يُؤْمِنُك أن أقولَ: نَعَمْ. ولو قلتُ: نَعَمْ. لوجبتْ، ولو وجَبتْ لكفَرْتُم، ألَا إنه إنما أَهْلَك الذين قبلَكم أئمةُ الحَرَجِ، واللهِ لو أنى أحلَلْتُ لكم جميعَ ما في الأرضِ، وحَرَّمتُ عليكم منها موضِعَ خُفٍّ لوقَعتم فيه\". قال: فأَنْزَلَ اللهُ تعالى ذكرُه عندَ ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾: وذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ أَذَّن في الناسِ، فقال: \"يا قومِ، كُتِب عليكم الحجُّ\". فقام رجلٌ من بني أسدٍ فقال: يا رسولَ اللهِ، أفي كلِّ عامٍ؟ فَأُغْضِب رسولُ اللهِ ﷺ غضبًا شديدًا، فقال: \"والذي نفسُ محمدٍ بيدِه لو قلتُ: نعم. لوجَبتْ، ولو وجبَتْ ما استطعتُم، وإذَنْ لكفرتم، فاتركُونى ما ترَكتُكم، فإذا أمَرتُكم بشيءٍ فافعَلوا، وإذا نهيتُكم عن شيءٍ فانتهُوا عنه\". فأَنْزَل اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. نهاهم أن يَسْأَلوا عن مثلِ الذي\n_________\n(^١) في م: \"فعلا\". وفى باقى النسخ: \"فعلن\" غير منقوطة. والمثبت موافق لما في مصادر التخريج وفي الدر المنثور \"فسكت طويلا\" قال شمر: يقال لكل شيء نشب في شيء فلزمه: قد غلق، غلق في الباطل، وغلق في البيع فاستغلق. واستغلق الرجل إذا أرتج عليه فلم يتكلم. لسان العرب (غ ل ق).\n(^٢) بعده في م: \"وأغضب\". وقوله: أسكت. يقال: تكلم الرجل ثم سكت بغير ألف، فإذا انقطع كلامه فلم يتكلم قيل: أسكت. النهاية ٢/ ٣٨٣.\n(^٣) كذا ضبطت في \"ص\"، والنهاية ٢/ ٣٨٣، واللسان (س ك ت)، وذكر الشيخ شاكر أن أصحاب اللغة لم يذكروه، وتضبط أيضا: \"استُغضب\".\n(^٤) أخرجه الطبراني (٧٦٧١) من طريق أبي زيد، به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٥ إلى ابن مردويه.","vol":"9","page":20},{"text":"سألتِ النَّصارى من المائدةِ، فأصبحُوا بها كافرين، فنهَى اللهُ تعالى عن ذلك، وقال: لا تَسْألوا عن أشياءَ إن نزَل القرآنُ فيها بتغليظٍ ساءكم ذلك، ولكن انتظِرُوا، فإذا نزل القرآنُ فإنكم لا تَسْأَلون عن شيءٍ إلا وجَدتم تِبيانَه (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، قال: ثنا على بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾. قال: لما أُنْزلت آيةُ الحجِّ، نادى النبيُّ ﷺ في الناس فقال: \"يا أيُّها الناسُ، إن الله قد كتب عليكم الحجَّ فحُجُّوا. فقالوا: يا رسولَ اللهِ، أعامًا واحدًا؟ أم كلَّ عامٍ؟ فقال: \"لا، بل عاما واحدا، ولو قلتُ: كلَّ عامٍ. لوجَبتْ، ولو وجَبت لكفَرتم\". فأنزل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. قال: سألوا النبي ﷺ. عن أشياءَ فوعَظهم، فانتهَوْا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. قال: ذكرَ رسولُ اللهِ ﷺ الحجَّ، فقيل: أواجبٌ هو يا رسولَ اللهِ كلَّ عامٍ؟ قال: \"لا، لو قلتُها لوجَبتْ، ولو وجَبتْ ما أَطَقْتُم، ولو لم تُطيقوا لكفَرتُم\". ثم قال: \"سَلُونى، فلا يسألُنى رجلٌ في مجلسِى هذا عن شيءٍ إلا أَخْبَرتُه، وإن\n_________\n(^١) بعده في م: \"حدثني أبو عاصم، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح مثله\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢١٨، ١٢١٩ (٦٨٨١، ٦٨٨٤) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢٠٢ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٥ إلى المصنف وابن مردويه.","vol":"9","page":21},{"text":"سأَلني عن أبيه\". فقام إليه رجلٌ، فقال: مَن أبى؟ قال: \"أبوك حُذافةُ بنُ قيسٍ\". فقام عمر فقال: يا رسولَ اللهِ، رَضِينا باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ ﷺ نبيًّا، ونعوذُ باللهِ من غضبِه، وغضبِ رسولِه (^١).\nوقال آخرون: بل نزَلت هذه الآية من أجلِ أنهم سألوا رسولَ اللهِ ﷺ عن البَحِيرة والسائبةِ والوَصِيلةِ والحامى.\n\n<span data-type='title' id=toc-2841>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشَّهِيدِ، قال: ثنا عتَّابُ بنُ بَشِيرٍ، عن خُصَيفٍ عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾. قال: هي البَحِيرةُ والسائبةُ والوصيلةُ والحامِ، ألَا تَرى أنه يقولُ بعدَ ذلك: ما جعَل اللَّهُ من كذا ولا كذا. قال: وأما عكرمةُ فإنه قال: إنهم كانوا يَسْأَلُونه عن الآياتِ، فنُهُوا عن ذلك، ثم قال: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠٢]. قال: فقلتُ: قد حدَّثني مجاهدٌ بخلافِ هذا عن ابن عباسٍ، فما لَك تقولُ هذا؟ فقال: هَيْهَ (^٢).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن عكرمةَ (^٣)، قاله: هو الذي سأل رسولَ اللهِ ﷺ: مَن أبى؟ وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: هم الذين\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٦ إلى المصنف وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) يقال للشيء يزجر ويطرد: هَيْه هَيْه. اللسان (هـ ى هـ).\nوالأثر أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٣٩ - تفسير) من طريق عتاب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٦ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عن الأعمش\" وهو خطأ، فالمصادر كلها على أنه من قول عكرمة لا الأعمش.","vol":"9","page":22},{"text":"سألوا رسولَ اللهِ ﷺ عن البَحيرةِ والسائبةِ (^١).\nوأَوْلى الأقوالِ بالصوابِ في ذلك قولُ مَن قال: نزَلت هذه الآيةُ من أجلِ إكثارِ السائلين رسولَ اللهِ ﷺ المسائلَ، كمسألةِ ابن حُذافةَ إياه مَنِ أبوه، ومسألةِ سائلِه - إذ قال: \"إن الله فرَض عليكم الحجَّ\" - أفى كلِّ عامٍ؟ وما أَشْبَهَ ذلك من المسائلِ؛ لتظاهرِ الأخبارِ بذلك عن الصحابةِ والتابعين وعامةِ أهل التأويلِ.\nوأما القولُ الذي رواه مجاهدٌ عن ابن عباسٍ فقولٌ غيرُ بعيدٍ من الصوابِ، ولكنَّ الأخبارَ المتظاهرةَ عن الصحابةِ والتابعين بخلافِه، وكرِهنا القولَ به من أجلِ ذلك، على أنه غيرُ مُسْتَنْكَرٍ أن تكونَ المسألةُ عن البحيرةِ والسائبةِ والوصيلةِ والحامِ، كانت فيما سألوا النبيَّ ﷺ عنه من المسائلِ التي كرِه اللهُ لهم السؤالَ عنها، كما كرِه لهم المسألةَ عن الحجِّ؛ أكلَّ عامٍ هو؟ أم عامًا واحدًا؟ وكما كرِه لعبدِ اللهِ بن حُذافةَ مسألتَه عن أبيه، فنزَلت الآيةُ بالنهْيِ عن المسائلِ كلِّها، فأَخْبَر كلُّ مُخبرٍ منهم ببعضِ ما نزَلت الآيةُ من أجلِه و(^٢) أجلِ غيرِه.\nوهذا القولُ أَوْلَى الأقوالِ في ذلك عندِى بالصحةِ؛ لأن مخارجَ الأخبارِ بجميعِ المعاني التي ذكَرتُ صِحاحٌ، فتوجيهُها إلى الصوابِ من وجوهِها أَوْلَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-2842>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للذين نهاهم من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ عن مسألةِ رسولِ اللهِ ﷺ عما نهاهم عن مسألتهم إياه عنه، من فرائضَ لم يَفْرِضْها اللهُ عليهم،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢١٨ (٦٨٧٩)، والطحاوى في شرح مشكل الآثار ٤/ ١١٨ من طريق عبد الكريم، عن عكرمة وسعيد بن جبير، وعندهما زيادة قول مقسم، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٦ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) في م: \"أو\".","vol":"9","page":23},{"text":"وتحليلِ أمورٍ لم يُحلِّلْها لهم، وتحريمِ أشياءَ لم يُحرِّمها عليهم، قبلَ نزولِ القرآنِ بذلك -: أيُّها المؤمنون السائلون عمَّا سألوا عنه رسولِى مما لم أُنزِلْ به كتابًا ولا وحيًا، لا تَسْأَلوا عنه، فإنكم إن أَظْهَر ذلك لكم تِبيانٌ بوحيٍ وتنزيلٍ ساءَكم؛ لأن التنزيلَ بذلك إذا جاءكم إنما يَجيئُكم بما فيه امتحانُكم واختبارُكم، إما بإيجابِ عملٍ عليكم، ولزومِ فرضٍ لكم، وفى ذلك عليكم مشقةٌ، ولزومُ مُؤْنةٍ وكُلفةٍ، وإما بتحريمِ ما لو لم يأتِكم بتحريمِه وحىٌ، كنتم من التقدُّمِ عليه في فُسْحةٍ وسَعَةٍ، وإما بتحليل ما تعتقدون تحريمَه، وفى ذلك لكم مَساءةٌ؛ لنقلِكم عما كنتم تَرَوْنه حقًّا، إلى ما كنتم تَرَوْنه باطلًا، ولكنكم إنْ سألتُم عنها بعدَ نزولِ القرآنِ بها، وبعدَ ابتدائِكم ببيانِ (^١) أمرِها في كتابى إلى رسولى إليكم، [ليَسَّر عليكم] (^٢) ما أَنْزَلتُه إليه من إيتائي (^٣) كتابي وتأويل تنزيلى ووحيى.\nوذلك نظيرُ الخبرِ الذي رُوِى عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، الذي حدَّثنا به هنَّادُ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن مكحولٍ، عن أبي ثعلبة الخُشَنيِّ، قال: إن الله تعالى فرَض فرائضَ فلا تضيِّعوها، ونهَى عن أشياءَ فلا تنتهِكُوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدُوها، وعفا [عن أشياءَ] (^٤) من غيرِ نسيانٍ فلا تَبْحَثوا عنها (^٥).\nحدثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال:\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"شأن\".\n(^٢) في م: \"بين لكم\".\n(^٣) في م: \"إتيان\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه البيهقى ١٠/ ١٢ من طريق داود به، وأخرجه الدارقطني ٤/ ١٨٣، ١٨٤، وأبو نعيم في الحلية، ٩/ ١٧، والحاكم ٤/ ١١٥، والبيهقى ١٠/ ١٣ من طريق داود به مرفوعًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٦ إلى ابن المنذر مرفوعًا أيضًا.","vol":"9","page":24},{"text":"كان عُبيدُ بنُ عُميرٍ يقولُ: إن الله تعالى ذكرُه أحلَّ وحرَّم، فما أحلَّ فاسْتَحِلُّوه، وما حرَّم فاجْتَنِبوه، وترَك من ذلك أشياءَ لم يُحِلُّها ولم يُحَرِّمُها. فذلك عَفْوٌ من اللَّهِ عفاه. ثم يَتْلُو: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا الضحَّاكُ، قال: أَخْبَرنا ابن جريجٍ، قال: أَخْبَرني عطاءٌ، عن عُبيدِ بن عُميرٍ أنه كان يقولُ: إن الله حرَّم وأحلَّ. ثم ذكَر نحوَه.\nوأما قولُه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾. فإنه يعنى به: عفا اللهُ لكم عن مسألتِكم عن الأشياءِ التي سألتُم عنها رسولَ اللهِ ﷺ، الذي كرِه اللهُ لكم مسألتَكم إيَّاه عنها، أن يؤاخذَكم بها، أو يعاقبَكم عليها، إن عرَف منها توبتَكم وإنابتَكم. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾. يقولُ: واللهُ ساترٌ ذنوبَ مَن تاب منها، فتاركٌ أن يفضَحَه بها في الآخرِة، ﴿حَلِيمٌ﴾ أن يعاقبَه بها؛ لتغمُّدِه التائبَ منها برحمتِه، وعفوِه عن عقوبتِه عليها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك رُوى الخبرُ عن ابن عباسٍ الذي ذكَرناه آنفًا.\nوذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾. يقولُ: لا تسألُوا عن أشياءَ إن نزَل القرآنُ فيها بتغليظٍ ساءكم ذلك، ولكن انتظِروا، فإذا نزَل القرآنُ فإنكم لا تَسْأَلون عن شيءٍ إلا وجَدتم تبيانَهُ (^١).\n\n<span id=\"aya-771\"></span><span data-type='title' id=toc-2843>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قد سأَل الآياتِ قومٌ من قبلِكم، فلمَّا آتاهموها اللَّهُ أَصْبَحوا بها جاحِدين مُنْكِرين أن تكونَ دَلالةً على حقيقةِ ما احتُجَّ بها عليهم، وبرهانًا على\n_________\n(^١) تقدم في ص ٢٠، ٢١.","vol":"9","page":25},{"text":"صحةِ ما جُعِلتْ برهانًا على تصحيحِه، كقومِ صالحٍ الذين سألوا الآيةَ، فلما جاءتْهم الناقةُ آيةً عقَروها، وكالذين سألوا عيسى مائدةً تَنْزِلُ عليهم من السماءِ، فلما أُعْطُوها كفَروا بها (^١)، وما أَشْبَه ذلك، فحذَّر اللهُ تعالى المؤمنين بنبيِّه ﷺ أن يسلُكوا سبيلَ مَن قبلَهم من الأممِ التي هلَكت بكفرِهم بآياتِ اللهِ لما جاءتْهم عندَ مسألتِهموها، فقال لهم: لا تَسْأَلُوا الآياتِ، ولا تَبْحَثوا عن أشياءَ إن تُبْدَ لكم تَسُؤْكم، فقد سأَل الآياتِ من قبلِكم قومٌ، فلما أُوتوها أَصْبَحوا بها كافرين.\nكالذي حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾: نهاهم أن يَسْأَلُوا عن مثلِ الذي سألت النصارى من المائدةِ، فأَصْبَحوا بها كافرين، فنهَى اللهُ عن ذلك (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: قد سأل الآياتِ قومٌ من قبلِكم، وذلك حينَ قيل له: غَيَّرْ لنا الصفا ذهبًا (^٣).\n\n<span id=\"aya-772\"></span><span data-type='title' id=toc-2844>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ما بحَر اللهُ بحيرةً ولا سيَّب سائبةً، ولا وصَل وصيلةً، ولا حمَى حاميًا، ولكنكم الذين فعلتم ذلك أيُّها الكفرةُ، فحرَّمتُموه افتراءً على ربِّكم.\nكالذي حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنى أبي وشُعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، عن ابن الهادِ، وحدَّثني يونسُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بربها\".\n(^٢) تقدم في ص ٢٠، ٢١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢١٩ (٦٨٨٣) من طريق أحمد بن مفضل به.","vol":"9","page":26},{"text":"قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى ابن الهادِ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، عن أبى هريرةَ، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: \"رأيتُ عمرَو بنَ عامرٍ الخزَاعيَّ يَجُرُّ قُصْبَه (^١) في النارِ، وكان أول من سيَّب السُّيَّبَ (^٢) \" (^٣).\nحدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ إبراهيمَ بن الحارثِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ لأَكْثمَ بن الجَوْنِ: \"يا أَكْثَمُ، رأيتُ عمرَو بنَ لُحيِّ بن قَمَعَةَ بن جِنْدَفٍ يَجُرُّ قُصْبَه في النارِ، فما رأيتُ رجلًا أَشْبَهَ برجلٍ منك به، ولا به منك\". فقال أَكْثمُ: تخشَى (^٤) أن يضرَّنى شَبَهُه يا رسولَ اللَّهِ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لا، إنك مؤمنٌ وهو كافرٌ، إنه أولُ من غيَّر دينَ إسماعيلَ، وبحَر البحيرةَ، وسيِّب السائبةَ، وحمَى الحامىَ (^٥) \" (^٦).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا يونسُ، قال: ثنى هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيدِ بن أَسْلَمَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"قد عرَفتُ أولَ مَن بحَر البحائرَ؛ رجلٌ من مُدْلِجٍ، كانت له ناقتان فجدع آذانَهما (^٧)، وحرَّم ألبانَهما وظهورَهما، وقال: هاتان للهِ. ثم احتاج إليهما فشرِب ألبانَهما، وركِب ظهورَهما\". قال: \"فلقد رأيتُه في النارِ يُؤْذِى أهلَ\n_________\n(^١) القصب بالضم: المِعَى، وجمعه أقصاب. النهاية ٤/ ٦٧.\n(^٢) في م: \"السائبة\" والسيب جمع سائبة، وفى س: \"السوائب\" وهو لفظ أكثر الروايات.\n(^٣) أخرجه البيهقى ١٠/ ٩ عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم به، وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٤٧٩) من طريق يونس بن عبد الأعلى به، وأخرجه البخارى (٣٥٢١، ٤٦٢٣) من طريق شعيب به، وأخرجه أحمد ١٤/ ٣٩١ (٨٧٨٧)، وابن أبي عاصم في الأوائل (٤٤)، وابن حبان (٦٢٦٠) من طريق الليث به. وأخرجه ابن مردويه - كما في الفتح ٨/ ٢٨٥ من طريق ابن الهاد به، وأخرجه البخاري (٤٦٢٣)، ومسلم (٥١/ ٢٨٥٦) من طريق الزهرى به.\n(^٤) في م، ت ١، س: \"أخشى\".\n(^٥) في ص: \"الحما\".\n(^٦) سيرة بن هشام. ١/ ٧٦ وأخرجه ابن أبي عاصم في الأوائل (٨٣) من طريق ابن إسحاق به، وأخرجه البخارى (٣٥٢٠)، ومسلم (٥٠/ ٢٨٥٦) من طريق أبي صالح به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢٠٤ عن المصنف.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إحداهما\".","vol":"9","page":27},{"text":"النارِ ريحُ قُصْبِه\" (^١).\nحدثنا هنَّادٌ، قال: ثنا عَبْدَةُ (^٢)، عن محمدِ بن عمرٍو، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"عُرِضَتْ عليَّ النارُ، فرأيتُ فيها عمرَو بنَ فلانِ ابن فلانِ (^٣) بن خِنْدَفِ يجُرُّ قُصْبَه في النارِ، وهو أولُ من غيَّر دينَ إبراهيمَ، وسيَّب السائبةَ، وأَشْبَهُ مَن رأيتُ به أَكْثَمُ بنُ الجَوْنِ\". فقال أكثمُ: يا رسولَ اللهِ، أَيضُرُّني شَبَهُه؟ قال: \"لا؛ لأنك مسلمٌ، وإنه كافرٌ\" (^٤).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ [عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن أبي هريرةَ أن النبيَّ ﷺ] (^٥) قال: \"رأيتُ عمرَو بنَ عامرٍ الخُزاعيَّ يَجُرُّ قُصْبَه في النارِ، وهو أولُ مَن سيَّب السوائبَ\" (^٦).\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن زيدِ بن أسلمَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إنى لأعرِفُ أولَ من سيَّب السوائبَ، وأولَ من غيَّر عهدَ إبراهيمَ\". قالوا: مَن هو يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: \"عمرُو بنُ لُحَيٍّ أخو بني كعبٍ، لقد رأيتُه يَجُرُّ قُصْبَه في النارِ، يُؤذِى ريحُه أهلَ النارِ، وإني لأعرِفُ أولَ من بحَر البحائرَ\". قالوا: مَن هو يا رسولَ اللهِ؟ قال: \"رجلٌ من بني مُدْلِجٍ كانت له ناقتان، فجدَع آذانهما، وحرَّم ألبانَهما، ثم شرِب ألبانَهما بعدَ ذلك، فلقد رأيتُه في النارِ هو وهما يَعَضَّانِه بأفواهِهما، ويَخْبِطانه بأخفافِهما\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٩٢ من طريق هشام به.\n(^٢) في النسخ: \"عبيدة\"، وتقدم على الصواب في ٣/ ١٧٠، ١٩٤.\n(^٣) بعده في م: \"ابن فلان\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٧٠، وأبو يعلى (٦١٢١)، وابن حبان (٧٤٩٠)، والحاكم ٤/ ٦٠٥ من طريق محمد بن عمرو، به، وذكره ابن كثير ٣/ ٢٠٤ عن المصنف.\n(^٥) سقط من النسخ، والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٧ ومن طريقه أحمد ١٣/ ١٣٧ (٧٧١٠).\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"9","page":28},{"text":"والبحيرةُ الفعيلةُ، من قولِ القائلِ: بحَرتُ أُذُنَ هذه الناقةِ - إذا شقَّها - أَبْحَرُها بَحْرًا. والناقةُ مَبْحُورةٌ، ثم تُصْرَفُ المفعولةُ إلى فَعِيلةٍ، فيقالُ: هي بَحِيرةٌ. وأما البَحِرُ من الإبلِ فهو الذي قد أصابه داءٌ من (^١) كثرةِ شربِ الماءِ، يقالُ منه: بَحِر البعيرُ يَبْحَرُ بَحَرًا. ومنه قول الشاعرِ (^٢):\nلأَعْلِطَنَّهُ (^٣) وَسْمًا (^٤) لا يُفارِقُهُ … كما يُحَزُّ بحُمَّى المِيسَمِ البَحِرُ\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى البحيرةِ جاء الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ. حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن أبيه، قال: دخَلتُ على النبيِّ ﷺ، فقال النبيُّ ﷺ: \"أرأيتَ إبلَك، ألستَ تُنْتِجُها مُسَلَّمَةً آذانُها، فتأخُذَ المُوسَى فَتَجْدَعَها، تقولُ: هذه بحيرةٌ. وتشُقُّ، آذانَها، تقولُ: هذه صُرُمٌ (^٥)؟ \". قال: نعم. قال: \"فإنّ ساعِدَ اللَّهِ أَشدُّ، ومُوسَى اللَّهِ أَحَدُّ، كلُّ مالِكَ لك حلالٌ، لا يُحَرَّمُ عليك منه شيءٌ\" (^٦).\nحدثَّنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي\n_________\n(^١) في ص: \"عن\".\n(^٢) اللسان (ب ح ر).\n(^٣) في ص، س: \"لأعطلنه\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لأعلطنك\". والمثبت من اللسان. وعلط البعيرَ والناقةَ يعلِطهما ويعلُطهما علْطا وعلَّطهما: وسمهما بالعلاط. والعلاط: علامة في جانب العنق تكون خطا أو أكثر بالعرض. والعلط: أثر الوسم في جانب العنق اللسان (ع ل ط).\n(^٤) في ص: \"دسما\".\n(^٥) في النسخ: \"حرم\". والمثبت من بعض مصادر التخريج، قال البغوي في شرح السنة ١٢/ ٤٩: والصرم جمع الصريم؛ وهو الذي صُرم أذنه، أي: قطع.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٢٠ (٦٨٨٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٧٤٢)، والبغوى في شرح السنة (٣١١٨) من طريق أبي إسحاق به. وأخرجه أحمد ٢٨/ ٤٦٤ (١٧٢٢٨) من طريق أبي الأحوص به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٧، إلى عبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن المنذر.","vol":"9","page":29},{"text":"إسحاقَ، قال: سمِعتُ أبا الأحوصِ، عن أبيه، قال: أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فقال: \"هل تُنْتَجُ (^١) إبلُ قومِك صِحاحًا آذانُها، فتَعْمِدَ إلى المُوسَى، فتَقْطَعَ آذانَها، فتقولَ: هذه بُحُرٌ. وتشُقَّها - أو تشقَّ جلودَها - فتقولَ: هذه صُرُمٌ (^٢). فتُحرِّمَها عليك وعلى أهلِك؟ \" قال: نعم. قال: \"فإن ما آتاك اللهُ لك حلٌّ، وساعِدُ اللهِ أشدُّ، ومُوسَى اللَّهِ أَحدٌ\". وربما قال: \"ساعدُ اللَّهِ أَشدُّ من ساعدِك، ومُوسَى اللَّهِ أحدٌ من مُوسَاك\" (^٣).\nوأما السائبةُ فإنها المسيِّبةُ المُخَلَّاةُ، وكانت الجاهلية يفعل ذلك أحدُهم ببعضِ مواشِيه، فيحرِّمُ الانتفاعَ به على نفسِه، كما كان بعضُ أهلِ الإسلامِ يُعْتِقُ عبدَه سائبةً، فلا ينتفعُ به ولا بولائِه.\nوأُخْرِجت المسيَّبةُ بلفظِ السائبةِ، كما قيل: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١، القارعة: ٧]. بمعنى: مَرْضِيَّةٍ.\nوأما الوصيلةُ فإن الأُنثى من نَعَمِهم في الجاهليةِ كانت إذا أَتْأَمَت بطنًا بذكرٍ وأنثى، قيل: قد وصَلت الأنثى أخاها. بدفعِها عنه الذبحَ، فسمَّوْها وَصِيلةً.\nوأما الحامِي فإنه الفَحْلُ من النَّعَمِ، يُحْمَى ظهرُه من الركوبِ والانتفاعِ، بسببِ تتابعِ أولادٍ تَحْدُثُ من فِحلتِه.\nوقد اختلف أهل التأويلِ في صفاتِ المسمَّياتِ (^٤) بهذه الأسماءِ، [وما السببُ] (^٥) الذي من أجلهِ كانت تفعَلُ ذلك؟\n_________\n(^١) تنتج البهيمةُ: أي تلد، يقال: نُتِجت الناقة إذا ولدت فهى منتوجة وأنتجت إذا حملت، فهى نتوج. ولا يقال: منتج. ونَتَجْتُ الناقة أنتِجُها إذا ولّدتها. والناتج للإبل كالقابلة للنساء. النهاية ٥/ ١٢.\n(^٢) في النسخ: \"حرم\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٣) أخرجه الطيالسي (١٣٩٩)، والبيهقى في الأسماء والصفات (٧٤٢) من طريق شعبة به، وينظر تخريجه مفصلا في الطيالسي.\n(^٤) في ص، ت ١: \"المسبيات\" وفى س: \"السيبات\".\n(^٥) في ص، ت ١، س: \"أما المسبب\".","vol":"9","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2845>ذكرُ الروايةِ بما قيل في ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ بنُ الفَضْل، عن ابن (^١) إسحاقَ، عن محمدِ بن إبراهيمَ بن الحارثِ التَّيْميِّ، أن أبا صالحٍ السَّمَّانَ، حدَّثه أنه سمِع أبا هريرةَ يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ لأَكْثَمَ بن الْجَوْنِ الخُزاعيِّ: \"يا أَكْثَمُ، رأيتُ عمرَو بنَ لُحَيِّ بن قَمَعَةَ بن خِنْدَفٍ يَجُرُّ قُصْبَه في النارِ، فما رأيتُ من رجلٍ أَشْبَهَ برجلٍ منك به، ولا به منك\". فقال أَكْثَمُ: أيَضرُّني شَبَهُه يا نبيَّ اللَّهِ؟ قال: \"لا، إنك مؤمنٌ وهو كافرٌ، وإنه كان أولَ مَن غيَّر دينَ إسماعيلَ، ونصَب الأوثانَ، وسيَّب السائبَ (^٢) فيهم\" (^٣).\nوذلك أنَّ الناقةَ إذا تابَعتْ [يِنْتَيْ عشرةَ إناثًا ليس فيها ذكرٌ] (^٤)، سُيِّبت، فلم يُرْكَبْ ظهرُها، ولم يُجَزَّ وبَرُها، ولم يَشْرَبْ لبنَها إلا ضيفٌ، فما نُتِجَت بعدَ ذلك من أنثى شُقَّ أُذُنُها، ثم خُلِّي سبيلُها مع أمِّها في الإبلِ، فلم يُرْكَبْ ظهرُها، ولم يُجَزَّ وبَرُها، ولم يَشْرَب لبنها إلا ضيفٌ، كما فُعِل بأمِّها، فهي البَحِيرةُ ابنةُ السائبةِ.\nوالوَصِيلةُ: أن الشاةَ إذا نُتِجَت عشرَ إناثٍ متتابعاتٍ في خمسةِ أبطنٍ ليس فيهن ذَكَرٌ، جُعِلت وَصيلةً، قالوا: وصَلت. فكان ما ولَدت بعدَ ذلك لذكُورِهم دونَ إناثِهم، إلا أن يموتَ منها شيءٌ، فيشتركون في أكلِه؛ ذكورُهم وإناثُهم.\nوالحامِي: أن الفحلَ إذا نُتِج له عشرُ إناثٍ متتابعاتٍ ليس بينَهن ذكَرٌ، حُمِى ظهرُه، ولم يُرْكَبْ، ولم يُجَزَّ وَبَرُه، ويُخَلَّى في إبلِه يَضْرِبُ فيها، لا\n_________\n(^١) في النسخ: \"أبي\".\n(^٢) في م: \"السوائب\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٢٧.\n(^٤) في سيرة ابن هشام: \"عشر إناث ليس بينهن ذكر\". والمثبت من النسخ عندنا قول حكاه البغوي في تفسيره ٣/ ١٠٧ ولم ينسبه إلى قائل.","vol":"9","page":31},{"text":"يُنتفعُ به بغيرِ ذلك. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾. إلى قولِه: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ في هذه الآيةِ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾. - قال أبو جعفرٍ: سقَط عليَّ فيما أَظُنُّ كلامٌ منه - قال: فأتَيْتُ علقمةَ فسألتُه، فقال: ما تُرِيدُ إلى شيءٍ كان يصنعُه أهلُ الجاهليةِ.\nحدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المَسْعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، قال: أتيْتُ علقمةَ، فسألتُه عن قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾. فقال: وما (^٢) تَصْنَعُ بهذا؟ إنما هذا شيءٌ مِن فعلِ الجاهليةِ. قال: فأتيْتُ مسروقًا فسألْتُه، فقال: البَحيرةُ: كانت الناقةُ إذا ولَدَت بطنًا خمْسًا أو سبْعًا، شقُّوا أذنَها، وقالوا: هذه بَحيرةٌ. قال: ﴿وَلَا سَائِبَةٍ﴾. قال: كان الرجلُ يَأْخُذُ بعضَ مالِه، فيقولُ: هذه سائبةٌ، قال: ﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾. قال: كانوا إذا ولَدَت الناقةُ الذكرَ، أكَله الذكورُ دونَ الإناثِ، وإذا وَلَدت ذكرًا وأُنثى في بطنِ، قالوا: وصَلَت أخاها. فلا يَأْكُلونهما، قال: فإذا مات الذكرُ أكَله الذكورُ دونَ الإناث. قال: ﴿وَلَا حَامٍ﴾. قال: كان البعيرُ إذا ولَد، وولَد ولدُه، قالوا: قد قضَى هذا الذي عليه. فلم يَنْتَفِعوا بظَهْرِه، قالوا: هذا حامٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، عن الأعمشِ، عن مسلمِ بن\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٨٩.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لا\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢ ت ٣، س: \"حمى\".","vol":"9","page":32},{"text":"صُبَيْحٍ، قال: سألْتُ علقمةَ عن قولِه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾. قال: ما تَصْنَعُ بهذا؟ هذا شيءٌ كان يَفْعَلُه أهلُ الجاهليةِ.\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ ويحيى بنُ آدمَ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾. قال: البَحِيرةُ التي قد ولَدَت خمسةَ أبطنٍ ثم تُرِكَت (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾. قال: البحيرةُ المُخَضْرَمةُ، ﴿وَلَا سَائِبَةٍ﴾: والسائبةُ: ما سُيِّب للعِدَيِ (^٢)، والوَصيلةُ: إذا وَلَدَت بعدَ أربعةِ أبطنٍ - فيما يَرَى جَرِيرٌ - ثم ولَدَت الخامسَ ذكرًا وأنثى، وصَلَتْ أخاها. والحامِ: الذي قد ضرَب أولادُ أولادِه في الإبلِ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ بنحوِه، إلا أنه قال: والوَصيلةُ: التي ولَدَت بعدَ أربعةِ أبطنٍ ذكرًا وأنثى، قالوا: وصَلَتْ أخاها، وسائرُ الحديثِ مثلُ حديثِ ابن حميدٍ.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ الأزرقُ، عن زكريا، عن الشعبيِّ أنه سُئِل عن البَحيرةِ؟ فقال: هي التي تُجْدَعُ آذانُها. وسُئِل عن السائبِة؟ فقال: كانوا يُهْدُون لآلهتِهم الإبلَ والغنمَ، فيَتْرُكونها عندَ آلهتِهم، [فتذهبُ فَتَخْتَلِطُ] (^٣) بغنمِ الناسِ، فلا يَشْرَبُ ألبانَها إلا الرجالُ، فإذا مات منها شيءٌ أكَلَه الرجالُ والنساءُ جميعًا.\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٢٠ (٦٨٨٦) من طريق إسرائيل به.\n(^٢) سقط من: س، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"للهدى\". والعِدَى: الغرباء. اللسان (ع د ى).\n(^٣) في م: \"لتذبح فتخلط\".","vol":"9","page":33},{"text":"نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ وما معها: البحيرةُ مِن الإبلِ، يُحَرِّمُ أهل الجاهليةِ وَبَرَها وظهرَها ولحمَها ولبنَها إلا على الرجالِ، فما ولَدَت مِن ذكرٍ وأنثى فهو على هيئتِها، وإن ماتَت اشْتَرَك الرجالُ والنساءُ في أكلِ لحمِها، فإذا ضرَب الجملُ (^١) من ولدِ البَحيرةِ فهو الحامِي، [والحامِي اسمٌ] (^٢)، والسائبةُ من الغنمِ على نحوِ ذلك، إلا أنها ما ولَدت من ولدٍ بينَها وبينَ ستةِ أولادٍ كان على هيئتِها، فإذا ولَدت في السابعِ ذكرًا أو أنثى، أو ذَكريْن، ذبَحوه، فأكَله رجالُهم دونَ نسائِهم، وإن تَوْأَمت أنثى وذكرًا فهى وصيلةٌ، تُرِك ذبحُ الذكرِ بالأنثى، وإن كانتا أُنثيين تُرِكتا (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾: فالبحيرةُ: الناقةُ، كان الرجلُ إذا ولَدت خمسةَ أبطنٍ، فيعمِدُ إلى الخامسةِ، فما لم يكنْ سَقْبًا (^٤) فيُبَتِّكُ آذانَها، ولا يجُزُّ لها وبَرًا، ولا يذوقُ لها لبنًا، فتلك البحيرةُ. ﴿وَلَا سَائِبَةٍ﴾: كان الرجلُ يسيِّبُ من مالِه ما شاء. ﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾: فهى الشاةُ إذا ولَدت سَبْعًا، عمَد إلى السابعِ، فإن كان ذكرًا ذُبِح، وإن كان أنثى تُركت، وإن كان في بطنِها اثنان ذكرٌ وأنثى فولَدتْهما، قالوا: وصَلت أخاها، فيُتْرَكان جميعًا لا يُذْبَحان، فتلك الوصيلةُ. وقولُه: ﴿وَلَا حَامٍ﴾. كان الرجلُ يكونُ له الفحلُ، فإذا لقَّح عشْرًا، قيل: حامٍ، فاترُكوه (^٥).\n_________\n(^١) ضراب الجمل: نزْوُه على الأنثى. يقال: ضرب الجمل الناقة يضربها إذا نزا عليها. النهاية (ض ر ب).\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٢٢ (٦٨٩٣) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) السقب: ولد الناقة، إن كان ذكرا، ولا يقال للأنثى سقبة. التاج (س ق ب).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٢٤ (٦٩٠٤) عن محمد بن سعد به مقتصرا على تفسير: (ولا حام)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٨ إلى ابن مردويه.","vol":"9","page":34},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحِ، قال: ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾: ليسيِّبوها لأصنامِهم، ﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾. يقولُ: الشاةُ، ﴿وَلَا حَامٍ﴾. يقولُ: الفحلُ من الإبلِ (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾: تشديدٌ شَدَّده الشيطانُ على أهلِ الجاهليةِ في أموالِهم، وتغليظٌ عليهم، فكانت البحيرةُ من (^٢) الإبلِ؛ إذا نتَج الرجلُ خمسًا من إبلهِ، نظَر البطنَ الخامسَ، فإن كانت سَقْبًا ذُبِح، فأكَله الرجالُ دونَ النساءِ، وإن كان مَيْتةً اشترك فيه ذكرُهم وأنثاهم، وإن كانت حائلًا، وهى الأنثى، تُرِكت، فبُتِّكتْ أُذُنُها، فلم يُجَزَّ لها وبَرٌ، ولم يُشْرَبْ لها لبنٌ، ولم يُرْكَبْ لها ظَهْرٌ، ولم يُذْكَرْ للهِ عليها اسمٌ. وكانت السائبةُ: يسيِّبون ما بدا لهم من أموالِهم، فلا تُمتَنعُ (^٣) من حوض أن تَشْرَعَ فيه، ولا من حِمًى أن تَرْتَعَ فيه. وكانت الوصيلةُ من الشاءِ: من البطنِ السابعِ، إذا كان جديًا ذُبِح، فأكَله الرجالُ دونَ النساءِ، وإن كان ميتةً اشترك فيه ذَكَرُهم وأُنثاهم، وإن جاءت بذكرٍ وأنثى، قيل: وصَلت أخاها، فمنَعَتْه الذبحَ. والحامِ: كان الفحلُ إذا رُكِب من بنى بنيه عشَرةٌ، أو ولدِ ولدِه، قيل: حامٍ. حُمِى ظهرُه، فلم يُزَمَّ، ولم يُخْطَمْ، ولم يُرْكَبْ.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٢١ - ١٢٢٣ (٦٨٩٢، ٦٨٩٨، ٦٩٠٣) من طريق أبي صالح به.\n(^٢) في النسخ: \"مثل\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٣) في تفسير عبد الرزاق: \"تمنع\".","vol":"9","page":35},{"text":"السُّديِّ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾: فالبحيرةُ من الإبلِ: كانت الناقةُ إذا نُتِجت خمسةَ أبطنٍ، إن كان الخامسُ سَقْبًا ذبَحوه، فَأَهْدَوه إلى آلهتِهم، وكانت أمُّه مِن عُرْضِ الإبلِ، وإن كانت رُبَعَةً (^١) اسْتَحْيَوْها، وسُقُوا أُذُنَ أمِّها، وجزُّوا وبَرَها، وخلَّوْها (^٢) في البطحاءِ، فلم تَجُزْ لهم في دِيةٍ، ولم يَحْلِبوا (^٣) لها لبنًا، ولم يجزُّوا لها وبَرًا، ولم يحمِلوا على ظهرِها، وهى من الأنعامِ التي حُرِّمت ظهورُها. وأما السائبةُ: فهو الرجلُ يُسيِّبُ من مالِه ما شاء على وجهِ الشكرِ، إن كثُر مالُه، أو برَأ من وجعٍ، أو ركِب ناقةً فأَنْجَح، فإنه يسمَّى السائبةَ، يُرْسِلُها فلا يعرِضُ لها أحدٌ من العربِ إلا أصابتْه عقوبةٌ في الدنيا. وأما الوصيلةُ فمِن الغنمِ هي الشاةُ إذا ولَدت ثلاثةَ أبطنٍ أو خمسةً، فكان آخرُ ذلك جَدْيًا، ذبَحوه وأَهْدَوه لبيتِ الآلهةِ، وإن كانت عَنَاقًا (^٤) اسْتَحْيَوها، وإن كانت جَدْيًا وعَنَاقًا اسْتَحْيَوا الجَدْيَ من أجلِ العَناقِ، فإنها وصيلةٌ وصَلتْ أخاها. وأما الحامِ فالفحلُ يَضْرِبُ في الإبلِ عشْرَ سنينَ، ويقالُ: إذا ضرَب ولدُ ولدِه، قيل: قد حَمَى ظهرَه. فيترُكونه لا يُمسُّ، ولا يُنْحَرُ أبدًا، ولا يُمْنَعُ من كلأٍ يريدُه، وهو من الأنعامِ التي حُرِّمتْ ظهورُها (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن ابن المسيَّبِ في قولِه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾. قال: البحيرةُ من الإبلِ: التي يُمْنَعُ دَرُّها للطواغيتِ، والسائبةُ من الإبلِ: كانوا يسيِّبونها لطواغيتِهم، والوصيلةُ من الإبلِ: كانت الناقةُ تبتَكِرُ (^٦)\n_________\n(^١) الربعة مؤنث الرُّبَع وهو ما ولد من الإبل في الربيع. وقيل: ما ولد في أول النتاج. النهاية ٢/ ١٨٨، ١٨٩.\n(^٢) في ص، ت ١: \"حلبوها\".\n(^٣) في م: \"يجلبوا\".\n(^٤) العناق: الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة. النهاية ٣/ ٣١١.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٢٠ (٦٨٨٨) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٦) في م، ت ٢ ت ٣ س: \"تبكر\".","vol":"9","page":36},{"text":"بأنثى، ثم تُثنى بأنثى، فيسمُّونها الوصيلةَ، يقولون: وصَلت اثنتين ليس بينَهما ذكرٌ. فكانوا يَجْدَعونها لطواغيتِهم، أو يذبَحونها - الشكُّ من أبي جعفرٍ - والحامِ: الفحلُ من الإبلِ، كان يضرِبُ الضِّرابَ المعدودَةَ (^١)، فإذا بلَغ ذلك، قالوا: هذا حامٍ، قد حمَى ظهرَه. فتُرِك، فسمَّوه \"الحام\". قال معمرٌ: قال قتادةُ: إِذا ضرَب عشَرَةً (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ قال: البحيرةُ من الإبلِ: كانت الناقةُ إذا نُتِجت خمسةَ أبطنٍ، فإن كان الخامسُ ذكرًا، كان للرجالِ دونَ النساء، وإن كانت أنثى بَتَّكوا آذانَها، ثم أَرْسَلوها، فلم يَنْحَروا لها ولدًا، ولم يَشرَبوا لها لبنًا، ولم يركَبوا لها ظهرًا. وأما السائبةُ: فإنهم كانوا يسيِّبون بعضَ إبلِهم، فلا تُمْنَعُ حوضًا أن تَشْرَعَ فيه، ولا مَرْعًى أن ترتع فيه. والوصيلةُ: الشاةُ كانت إذا ولَدت سبعةَ أبطنٍ، فإن كان السابعُ ذكرًا ذُبح وأكَله الرجالُ دونَ النساءِ، وإن كانت أنثى تُرِكت (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ (^٤)، عن الضحاكِ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾: أما البحيرةُ فكانت الناقةُ إذا نَتَجوها خمسةَ أبطنٍ، نحَروا الخامسَ إن كان سَقْبًا، وإن كان رُبَعةً شقُّوا أذنَها واسْتَحْيَوها، وهى بحيرةٌ. وأما السَّقْبُ فلا يأكُلُ نساؤُهم منه، وهو خالصٌ لرجالِهم، فإن ماتتِ الناقةُ أَوْ نَتَجوها مَيْتًا، فرجالُهم ونساؤُهم فيه سواءٌ يأكُلون منه. وأما السائبةُ فكان يسيِّبُ الرجلُ من مالِه من\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"المعدود\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٦/ ١٩٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٢٤ (٦٩٠٦) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٧، ١٩٨.\n(^٤) في م: \"سلمان\".","vol":"9","page":37},{"text":"الأنعامِ، فيُهْمَلُ في الحِمَى فلا يُنتفَعُ بظهرِه ولا بولدِه ولا بلبنِه، ولا بشعرِه ولا بصوفِه. وأما الوصيلةُ فكانت الشاةُ إذا ولَدت سبعةَ أبطنٍ ذبَحوا السابعَ إذا كان جَدْيًا، وإن كان عَنَاقًا اسْتَحْيَوه، وإن كان جَدْيًا وعَناقًا اسْتَحْيَوهما كليهما، وقالوا: إن الجَدْىَ وصَلتْه أختُه، فحرَّمتْه علينا. وأما الحامِي فالفحلُ إذا ركِبوا أولادَ ولدِه، قالوا: قد حمى هذا ظهرَه، وأحرَزَهُ (^١) أولادُ ولدِه، فلا يركَبونه، ولا يمنَعونه من حِمَى شجرٍ، ولا حوضٍ ما شرَع فيه، وإن لم يكنِ الحوضُ لصاحبِه، وكانت من إبلِهم طائفةٌ لا يذكُرون اسمَ الله عليها في شيءٍ من شأنِهم، لا إن ركِبوا، ولا إن حمَلوا، ولا إن حلَبوا، ولا إن نَتَجوا، ولا إن باعوا، ففى ذلك أَنْزَل اللَّهُ تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾. إلى قولِه ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.\nحدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾. قال: هذا شيءٌ كان يعملُ به أهلُ الجاهليةِ، وقد ذهَب. قال: البحيرةُ: كان الرجلُ يَجْدَعُ أُذْنَيْ ناقتِه، ثم يُعْتِقُها، كما يُعْتِقُ جاريته وغلامه، لا تُحْلَبُ، ولا تُرْكَبُ. والسائبةُ: يسيِّبُها بغيرِ تجديعٍ. والحامِ: إذا نُتِج له سبعُ إناثٍ متوالياتٌ، قد حَمَى ظهرَه، ولا يُرْكَبُ، ولا يُعْمَلُ عليه. والوصيلةُ من الغنمِ: إذا ولَدت سبعَ إناثٍ متوالياتٍ حَمَت لحمَها أن يؤكلَ.\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ، قال: ثنا الليثُ بنُ سعدٍ، قال ثنى ابن الهادِ، عن ابن شهابٍ، قال: قال سعيدُ بنُ المسيَّبِ: السائبةُ: التي كانت تسيَّبُ، فلا يُحْمَلُ عليها شيء. والبحيرةُ: التي يُمنعُ دَرُّها للطواغيتِ، فلا يحلِبُها أحدٌ. والوصيلةُ: الناقةُ البِكْرُ، تَبكُرُ أولَ نتاج الإبل بأنثى،\n_________\n(^١) في م: \"أحرز\". ومعنى: أحرزه أولاد ولده: حفظوه وصانوه. ينظر اللسان (ح ر ز).","vol":"9","page":38},{"text":"ثم تُثَنِّي بعدُ بأنثى، وكانوا يسمُّونها للطواغيتِ، يَدْعُونها الوصيلةَ، أن وصَلت أخواتِها (^١) إحداهما بالأُخرى. والحامي: فحلُ الإِبلِ يَضْرِبُ العَشْرَ من الإبلِ، فإذا نقَص ضِرابُه يَدَعُونه للطواغيتِ، وأَعْفَوه من الحملِ، فلم يحمِلوا عليه شيئًا وسمَّوْه الحاميَ (^٢).\nوهذه أمورٌ كانت في الجاهليةِ فأَبْطَلها الإسلامُ، فلا نعرِفُ قومًا يعمَلون بها اليومَ، فإذا كان ذلك كذلك، وكان ما كانت الجاهليةُ تعمَلُ به لا [يُوصَلُ إلى علمِه] (^٣) - إذ لم يكن له في الإسلام اليوم أثرٌ، ولا في الشركِ نعرِفُه - إلا بخبرٍ، وكانت الأخبارُ عما كانوا يفعَلون من ذلك مختلِفةً الإختلافَ الذي ذكَرنا، فالصوابُ من القول في ذلك أن يقالَ: أما معاني هذه الأسماءِ فما بيَّنا في ابتداءِ القولِ في تأويلِ هذه الآيةِ. وأما كيفيةُ عملِ القومِ في ذلك، فما لا علمَ لنا به. وقد ورَدتِ الأخبارُ بوصفِ عملِهم ذلك على ما قد حكَيْنا، وغيرُ ضائرٍ الجهلُ بذلك إذا كان المرادُ من علمِه المحتاجِ إليه، موصِّلًا (^٤) إلى حقيقتِه، وهو أن القومَ كانوا يُحرِّمُون (^٥) مِن أنعامِهم على أنفسِهم ما لم يحرِّمْه اللهُ؛ اتَّباعًا منهم خُطُواتِ الشيطانِ، فوبَّخهم اللهُ تعالى ذكرُه بذلك، وأَخْبَرهم أن كلَّ ذلك حلالٌ، فالحرامُ من كلِّ شيءٍ عندَنا ما حرَّم اللهُ تعالى ورسولُه ﷺ، بنصٍّ أو دليلٍ، والحلالُ منه ما حلَّله اللهُ ورسولُه كذلك.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٢٧ حاشية (٢)\n(^٣) في م: \"توصل إلى عمله\".\n(^٤) في ص، ت ١، س: \"موصولا\"\n(^٥) في م: \"محرمين\".","vol":"9","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2847>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في هذا الموضعِ، والمرادِ بقولِه: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: المعنيُّ بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اليهودُ، وبـ \"الذين لا يعقِلون\" أهلُ الأوثانِ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن سفيانَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن محمدِ بن أبي موسى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. قال: أهلُ الكتابِ، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. قال: أهل الأوثانِ (^١).\nوقال آخرون: بل هم أهلُ ملةٍ واحدةٍ، ولكنَّ المفترين المَتْبوعون، والذين لا يعقلِون الأتباعُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2846>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذ، قال: ثنا خارجةُ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: هم الأتباعُ، وأما الذين افْتَرَوا (^٢) فعقَلوا أنهم افْتَروا (^٣).\nوأَوْلَى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ أن يقالَ: إن المعنيِّين بقولِه: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: الذين بحَروا البحائرَ، وسيَّبوا السوائبَ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٢٤ (٦٩٠٨) من طريق أبي أسامة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٩ إلى أبى الشيخ وابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"يعقلون\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٢٥ (٦٩١١) من طريق أبي معاذ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٩ إلى ابن المنذر.","vol":"9","page":40},{"text":"ووصلوا الوصائلَ، وحَمَوا الحوامىَ، مثلُ عمرِو بن لُحَيٍّ وأشكالِه، ممن سنُّوا لأهلِ الشركِ السُّننَ الرديئةَ، وغيَّروا دينَ اللهِ دينَ الحقِّ، وأضافوا إلى اللهِ تعالى ذكرُه أنه الذي حرَّم ما حرَّموا، وأحلَّ ما أحلُّوا، افتراءً على اللهِ الكذبَ وهم يعلَمون، واختلاقًا عليه الإفكَ، وهم يَفهمُون (^١)، فكذَّبهم الله تعالى ذكرُه في قيلِهم ذلك، وإضافتِهم إليه ما أضافوا، من تحليلِ ما أحلُّوا، وتحريمِ ما حرَّموا، فقال تعالى ذكرُه: ما جعَلتُ مِن بحيرةٍ، ولا سائبةٍ، ولكنَّ الكفارَ هم الذين يفعَلون ذلك، ويفترون على اللهِ الكذبَ.\nوأن يقالَ: إن المعنيِّين بقولِه: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: هم أتباعُ مَن سنَّ لهم هذه السننَ من جهلةِ المشركين، فهم لا شكَّ أنهم أكثر من الذين سنُّوا ذلك لهم، فوصَفهم اللهُ تعالى ذكرُه بأنهم لا يعقِلون؛ لأنهم لم يكونوا يعقِلون أن الذين سنُّوا لهم تلك السننَ، وأَخْبَروهم أنها من عندِ اللهِ، كَذبَةٌ في أخبارِهم أَفَكَةٌ، بل ظنُّوا أنهم فيما يقولون مُحِقُّون في أخبارِهم صادقون.\nوإنما معنى الكلامِ: وأكثرُهم لا يعقِلون أن ذلك التحريمَ الذي حرَّمه هؤلاء المشركون، وأضافوه إلى الله تعالى كَذِبٌ وباطلٌ.\nوهذا القولُ الذي قُلنا في ذلك نظيرُ قولِ الشَّعْبيِّ الذي ذكَرناه قبلُ، ولا معنى لقولِ مَن قال: عنَى بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أهلَ الكتابِ. وذلك أن النكيرَ في ابتداءِ الآيةِ من اللهِ تعالى على مشركي العربِ، فالختمُ بهم أَوْلَى من غيرِهم، إذ لم يكنْ عرَض في الكلامِ ما يُصرَفُ من أجلِه عنهم إلى غيرِهم. وبنحوِ ذلك كان يقولُ قتادةُ.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:\n_________\n(^١) في م: \"يعمهون\".","vol":"9","page":41},{"text":"﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ (^١): تحريمُ الشيطانِ الذي يحرِّم عليهم إنما كان الشيطانِ، ولا يعقِلون (^٢).\n\n<span id=\"aya-773\"></span><span data-type='title' id=toc-2848>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قيلَ لهؤلاء الذين يَبْحرون البحائرَ، ويسيِّبون السوائبَ، الذين لا يعقِلون أنهم بإضافتِهم تحريمَ ذلك إلى اللَّهِ تعالى ذكرُه يفتَرون على اللهِ الكذبَ: تعالَوا إلى تنزيلِ اللهِ وآيِ (^٣) كتابِه وإلى رسولِه؛ ليتبيَّن لكم كذب قيلكم فيما تضيفونه إلى اللهِ تعالى ذكرُه من تحريمِكم ما تحرِّمون مِن هذه الأشياء. أجابوا من دعاهم إلى ذلك بأن يقولوا: حَسْبُنا ما وجَدنا عليه آباءَنا مِن قبلِنا يعمَلون به. ويقولون: نحن لهم تبَعٌ وهم لنا أئمةٌ وقادةٌ، قد اكتفينا بما أخَذنا عنهم، ورضِينا بما كانوا عليه من تحريمٍ وتحليلٍ. قال اللهُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أوَ (^٤) لو كان آباءُ هؤلاء القائلين هذه المقالةَ ﴿لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾. يقولُ: لم يكونوا يعلَمون أن ما يُضيفونه إلى اللهِ تعالى ذكرُه من تحريمِ البحيرةِ والسائبةِ والوصيلةِ والحامِ، كذبٌ وفريةٌ على اللهِ، لا حقيقةَ لذلك ولا صحةَ؛ لأنهم كانوا عليه من أتباعَ المفترين الذين ابتدءوا تحريمَ ذلك افتراءً على اللهِ، بقيلِهم ما كانوا يقولون من إضافتِهم إلى اللهِ تعالى ذكرُه ما يُضيفون، [ولا] (^٥) كانوا فيما هم به عاملون من ذلك\n_________\n(^١) بعده في م: \"لا يعقلون\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٢٥ (٦٩١٣) من طريق يزيد به.\n(^٣) في ت ١، س: \"إلى\".\n(^٤) في م: \"و\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وفى م: \"ما\". والمثبت ما يقتضيه السياق، والجملة معطوفة على جملة: \"لم يكونوا يعلمون\".","vol":"9","page":42},{"text":"على استقامةٍ وصوابٍ، بل كانوا على ضلالةٍ وخطأٍ.\n\n<span id=\"aya-774\"></span><span data-type='title' id=toc-2850>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يا أَيُّها الذين آمَنوا عليكم أنفسَكم، فأَصْلِحوها واعمَلوا في خلاصِها من عقابِ اللهِ تعالى ذكرُه، وانظُروا لها فيما يقربها من ربِّها، فإنه ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾. يقولُ: لا يضرُّكم مَن كفَر وسلَك غيرَ سبيلِ الحقِّ إذا أنتم اهتديتم وآمنتم بربِّكم، وأَطَعْتموه فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، عنه، فحرَّمتم حرامَه وحلَّلتم حلالَه.\nونُصِب قوله: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ بالإغراءِ، والعربُ تُغْرِى من الصفاتِ بـ \"عليك\"، و\"عندك\"، و\"دونك\"، و\"إليك\".\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: يا أيُّها الذين آمنوا عليكم أنفسَكم إذا أمَرتم بالمعروفِ ونهَيتم عن المنكرِ فلم يُقْبَلْ منكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2849>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أبو الأشهبِ، عن الحسنِ، أن هذه الآيةِ قُرِئت على ابن مسعودٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. فقال ابن مسعود: ليس هذا بزمانِها، قولوها ما قُبِلت منكم، فإذا رُدَّت عليكم فعليكم أنفسَكم.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي الأشهبِ، عن الحسنِ، قال: ذُكِر عندَ ابن مسعودٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ثم ذكَر نحوَه.","vol":"9","page":43},{"text":"حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن يونسَ، عن الحسنِ، قال: قال رجلٌ لابنِ مسعودٍ: ألم يقلِ اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: ليس بزمانِها، قولوها ما قُبِلت منكم، فإذا رُدَّت عليكم، فعليكم أنفسَكم (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا شَبَابَةُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنا الرَّبِيعُ بنُ صَبِيحٍ، سفيانَ بن عِقالٍ، قال: قيل لابنِ عمرَ: لو جلَستَ في هذه الأيامِ فلم تأمُرْ ولم تنهَ، فإن الله تعالى ذكرُه يقولُ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. فقال ابن عمرَ: إنها ليست لي ولا لأصحابي؛ لأن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"ألا فليبلِّغِ الشاهدُ الغائبَ\". فكنا نحن الشهود وأنتم الغَيَبُ، ولكنَّ هذه الآيةَ لأقوامٍ يجيئون من بعدِنا، إن قالوا لم يُقْبَلُ منهم (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ أبي، قال: ثنا قتادة، عن أبي مازنٍ، قال: انطلقتُ على عهدِ عثمانَ إلى المدينةِ، فإذا قومٌ من المسلمين جلوسٌ، فقرأ أحدُهم هذه الآيةَ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. فقال أكثرُهم: لم يجئ تأويلُ هذه الآيةِ اليومَ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ عاصمٍ، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن قتادةَ، عن أبي مازنٍ بنحوِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وأبو عاصمٍ، قالا: ثنا\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٤٣، ٨٤٩ - تفسيس)، والطبراني (٩٠٧٢) من طريق يونس به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢٠٩ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٠ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢٠٩ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"9","page":44},{"text":"عوفٌ، عن سوَّارِ بن شَبيبٍ، قال: كنتُ عندَ ابن عمرَ، إذ أتاه رجلٌ جَليدٌ في العينٍ، شديدُ اللسانٍ، فقال: يا أبا عبدِ الرحمنِ نحن ستةٌ، كلُّهم قد قرَأ (^١) القرآنَ فَأَسْرَع فيه، وكلهم مجتهدٌ لا يألو، وكلُّهم بغيضٌ إليه أن يأتىَ دناءةٍ وهم في ذلك يشهَدُ بعضُهم على بعضٍ بالشركِ؟ فقال رجلٌ من القومِ: وأيَّ دناءةٍ تُرِيدُ (^٢) أكثرَ من أن يشهَدَ بعضُهم على بعضٍ بالشركِ؟ قال: فقال الرجلُ: إني لستُ إياك أسألُ، أنا أسألُ الشيخَ. فأعاد على عبدِ اللَّهِ الحديثَ، فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: لعلك ترى، لا أبا لك، أنى سآمرُك أن تذهَبَ [أَن تَقْتُلَهم] (^٣)؟! عِظْهم وانهَهم، فإن عَصَوْك فعليك بنفسِك، فإن الله تعالى يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحسنِ، أن ابنَ مسعودٍ سأله رجلٌ عن قولِه: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: إن هذا ليس بزمانِها، إنها اليومَ مقبولةٌ، ولكنه قد أَوْشَك أن يأتيَ زمانُها (^٥)؛ تأمرون بالمعروفِ فيُصنعُ بكم كذا وكذا - أو قال: فلا يُقْبَلُ منكم - فحينئذٍ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (^٦).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن\n_________\n(^١) في م: \"قرءوا\".\n(^٢) في م: \"تزيد\".\n(^٣) في م: \"فتقتلهم\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢٠٩ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤١ إلى ابن مردويه.\n(^٥) في م: \"زمان\".\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٩.","vol":"9","page":45},{"text":"قتادةَ، عن رجلٍ، قال: كنتُ في خلافةِ عثمانَ بالمدينةِ، في (^١) حلقةٍ فيهم أصحابُ النبيِّ ﷺ، فإذا فيهم شيخٌ يُسْنِدون إليه، فقرأ رجلٌ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. فقال الشيخُ: إنما تأويلُها آخرَ الزمانِ (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثنا أبو مازنٍ رجلٌ من صالحي الأَزْدِ من الحُدَّانِ (^٣)، قال: انطلقت في حياة عثمانَ إلى المدينةِ، فقعَدت إلى حلقة فيها أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ، فقرأ رجلٌ من القومِ هذه الآيةَ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: فقال رجلٌ من أسنٌ القومِ: دعْ هذه الآيةَ، فإنما تأويلُها في آخرِ الزمانِ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا ابن فَضالةَ، عن معاويةَ بن صالحٍ، عن جُبيرِ بن نُفيرٍ، قال: كنتُ في حلقةٍ فيها أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ، وإني لأصغرُ القوم، فتذاكروا الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله يقولُ في كتابِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. فَأَقْبَلوا عليَّ بلسانٍ واحدٍ، وقالوا: [أتَنْتَرِعُ آيةً] (^٥) من القرآنِ لا تعرِفُها، ولا تَدْرى ما تأويلُها؟ حتى تمنَّيت أني لم أكنْ تكلمتُ، ثم أقبلوا يتحدَّثون، فلما حضَر قيامُهم، قالوا: إنك غلامٌ حَدَثُ السنِّ، وإنك نزَعتَ بآيةٍ لا تَدْرى ما هي، وعسى أن تدرِكَ ذلك الزمانَ، إذا رأيتَ شُحًّا مُطاعًا، وهَوًى مُتَّبَعًا، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيهِ، فعليك بنفسك، لا يضرُّك مَن ضَلَّ إِذا اهْتَديتَ (^٦).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ليثُ بنُ هارونَ، قال: ثنا إسحاقُ الرازيُّ، عن أبي\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\"\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٩.\n(^٣) في م: \"بني الجدَّان\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٥) في م: \"تنزع بآية\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢٠٩ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٠ إلى المصنف.","vol":"9","page":46},{"text":"جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن عبد اللهِ بن مسعودِ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: كانوا عندَ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ جلوسًا، فكان بينَ رَجُلَين ما يكونُ بينَ الناسِ، حتى قام كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبِه، فقال رجلٌ من جلساءِ عبدِ اللَّهِ: ألا أقومُ فآمُرُهما بالمعروفِ وأنهاهما عن المنكرِ؟ فقال آخرُ إلى جنبِه: عليك بنفسِك، فإنّ الله تعالى يقولُ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: فسمِعها ابن مسعودٍ، فقال: مَهْ، لما (^١) يجئْ تأويلُ هذه الآيةِ بعدُ، إن القرآنَ أُنْزِل حيث أُنْزِل، ومنه آىٌ قد مضى تأويلُهن قبلَ أن ينزِلْنَ، ومنه ما وقع تأويلُهن على عهدِ النبيِّ ﷺ، ومنه آىٌ قد وقَع تأويلُهن بعدَ النبيِّ ﷺ بيسيرٍ، ومنه آىٌ يقعُ تأويلُهن بعدَ اليوم، ومنه أي يقعُ تأويلهن عند الساعة على ما ذكر من الساعة، ومنه أي يقع تأويلهن يوم الحساب، على ما ذُكِر من الحسابِ والجنةِ والنارِ، فما دامتْ قلوبُكم واحدةً، وأهواؤُكم واحدةً ولم تُلبسوا شيعًا، ولم يَذُقْ بعضُكم بأسَ بعض، فأْمُروا وانْهَوا، فإذا اخْتَلفت القلوبُ والأهواءُ، وأُلْبِستم شيعًا، وذاق بعضُكم بأسَ بعضٍ، فامرؤٌ ونفْسُه، فعندَ ذلك جاء تأويلُ هذه الآيةِ (^٢).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن ابن مسعودٍ، أنه كان بينَ رجُلَين بعضُ ما يكونُ بينَ الناس، حتى قام كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبِه. ثم ذكَر نحوَه.\n_________\n(^١) في م: \"لم\".\n(^٢) أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (٣٨) من طريق إسحاق الرازى به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٢٧ (٦٩٢٢)، والبيهقى ١٠/ ٩٢، وفى الشعب (٧٥٥٢) من طريق أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٩ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"9","page":47},{"text":"حدَّثني أحمدُ بنُ المِقْدَامِ، قال: ثنا حَزْمٌ (^١)، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: تأوَّل بعضُ أصحابِ النبيِّ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. فقال بعضُ أصحابه: دَعُوا هذه الآية فليست لكم (^٢).\nحدَّثني إسماعيلُ بن إسرائيلَ السَّلَّالُ (^٣) الرَّمْليُّ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سويدٍ، قال: ثنا عتبةُ بن أبى حكيمٍ، عن عمرِو بن جاريةَ (^٤) اللَّخْميِّ، عن أبي أميةَ الشَّعْبَانيِّ، قال: سألتُ أبا ثَعْلبة الخُشَنيَّ عن هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. فقال: لقد سألتَ عنها خبيرًا، سألتُ عنها رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: \"أبا ثعلبةَ، ائْتَمِروا بالمعروفِ، وتَناهَوْا عن المنكرِ، فإذا رأيتَ دنيا مُؤثَرةً، وشُحًّا مُطاعًا، وإعجابَ كلِّ ذى رأيٍ برأيِه، فعَلَيْك نفسَك، إِنَّ (^٥) مِن بعدِكم أيامَ الصبرِ: للمتمسِّكِ يَوْمَئِذٍ بمثل الذي أنتم عليه كأجرِ خمسين عاملًا\". قالوا: يا رسولَ اللَّهِ: كأجرِ خمسين عاملًا منهم؟ قال: \"لا، كأجرِ خمسين عاملًا منكم\" (^٦).\nحدثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: أخبرنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن ابن المباركِ وغيرِه، عن عتبةَ بن أبي حَكيمٍ، [عن عمرِو بن جاريةَ] (^٧)، عن أبي أميةَ الشَّعْبانيِّ، قال: سألتُ أبا ثعلبةَ الخُشَنيَّ كيف نصنعُ بهذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾؟ فقال أبو ثعلبةَ: سألتَ عنها خبيرًا، سألتُ عنها\n_________\n(^١) في النسخ: \"حرمى\"، وسيأتي على الصواب في ١٧/ ٤٥٠.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٤٢ - تفسير) عن حزم بن أبي حزم به.\n(^٣) في النسخ: \"اللآل\". وينظر ما تقدم في ٧/ ٣٦٧.\n(^٤) في ت ١ بياض، وفى ص، م، ت ٢، ت ٣، س: \"خالد\". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٥٦٢.\n(^٥) في م: \"أرى\".\n(^٦) أخرجه ابن ماجه (٤٠١٤)، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٢٥ (٦٩١٥)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١١٧١ - ١١٧٣)، والبيهقى في الشعب (٧٥٥٣)، من طريق عتبة به.\n(^٧) سقط من النسخ. والمثبت مما قبله ومن مصادر التخريج.","vol":"9","page":48},{"text":"رسولَ الله ﷺ، فقال: \"ائْتَمِروا بالمعروفِ، وتَنَاهَوا عن المنكرِ، حتى إذا رأيتَ شُحًّا مطاعًا، وهَوًى مُتَّبعًا، وإعجابَ كلِّ ذى رأيٍ برأيِه، فعَلَيْك بخُوَيْصَّةِ نفسك، وذَرْ عوامَّهم، فإن وراءَكم أيامًا أجرُ العاملِ فيها كأجرِ خمسين منكم\" (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك أن العبدَ إذا عمِل بطاعةِ اللَّهِ لم يضرَّه مَن ضَلَّ بعدَه وهلَك.\n\n<span data-type='title' id=toc-2851>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾. يقولُ: إذا ما العبدُ أطاعنى فيما أمَرتُه من الحلالِ والحرامِ، فلا يضرُّه مَن ضلَّ بعدُ، إذا عمِل بما أمَرتُه به (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. يقولُ: أطِيعوا أمرى، واحْفَظوا وصيَّتى (^٣).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ليثُ بن هارونَ، قال: ثنا إسحاقُ الرازيُّ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، [عن الربيعِ بن أنسٍ] (^٤)، عن صفوانَ بن [مُحْرِزٍ أنه] (^٥) دخَل عليه شابٌّ من أصحابِ الأهواءِ، فذكَر شيئًا من أمرِه، فقال صفوانُ: ألَا أدلُّك على خاصَّةِ اللهِ\n_________\n(^١) أخرجه البخارى في خلق أفعال العباد (١٧٠)، والترمذى (٣٠٥٨)، وأبو داود (٤٣٤١)، وابن حبان (٣٨٥)، والحاكم ٤/ ٣٢٢، والبيهقى ١٠/ ٩٢، والبغوى في التفسير ٣/ ١١٠، وفي شرح السنة (٤١٥٦) من طريق ابن المبارك به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٢٨ (٦٩٢٧) عن محمد بن سعد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤١ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من النسخ، والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٢١١.\n(^٥) في النسخ: \"الجون قال\". والمثبت من مصدر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٢١١.","vol":"9","page":49},{"text":"التي خصَّ بها أولياءَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا عبدُ الكريمِ بنُ أبى عُميرٍ، قال: ثنا أبو المطرِّفِ المخزوميُّ، قال: ثنا جُويبرٌ، عن الضحَّاكِ، عن ابِن عباسٍ، قال: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾: ما لم يكن سيفٌ أو سوطٌ (^٢).\nحدَّثنا عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا ضمرةُ بنُ ربيعةَ، قال: تلا الحسنُ هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. فقال الحسنُ: الحمدُ للهِ، بها، والحمدُ للهِ عليها، ما كان مؤمنٌ فيما مضى، ولا مؤمنٌ فيما بقى، إلَّا وإلى جانبِه منافقٌ يكرَهُ عملَه (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، فاعمَلوا بطاعةِ اللهِ، ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، فأمَرقم (^٣) بالمعروفِ ونهيتم عن المنكرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2852>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن عَنْبسةَ، عن [أبي سعدٍ] (^٤) البقَّالِ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: إذا أَمَرتَ بالمعروف ونهَيتَ عن المنكر، لا يضرُّك مَن ضلَّ إذا اهتديتَ (^٢).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن أبي العُمَيسِ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٢٦ (٦٩١٨) من طريق إسحاق به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤١ إلى المصنف\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢ ت ٣ س: \"بالأمر\".\n(^٤) في النسخ: \"سعد\". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٥٢، والأنساب ١/ ٣٧٩.","vol":"9","page":50},{"text":"أبى البحْتَريِّ، عن حذيفة: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾.\nقال: إذا أمَرتم ونهَيتم (^١).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن ابن أبي خالدٍ، عن قيسِ بن أبى حازمٍ، قال: قال أبو بكرٍ: تقرَءون هذه الآيةَ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. وإن الناسَ إذا رأَوا الظالمَ - قال ابن وكيعٍ: فلم يأخُذوا على يديه - أَوْشَك أن يعمَّهم اللهُ بعقابِه (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ وابنُ فُضيلٍ، عن بَيانٍ، عن قيسٍ، قال: قال أبو بكرٍ: إنكم تقرءون هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. وإن القومَ إذا رأَوا الظالمَ فلم يأخُذوا على يديه، يعمُّهم اللهُ بعقابِه (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، عن أبي بكرٍ، عن النبيِّ ﷺ، فذكَر نحوَه (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. يقولُ: مُروا بالمعروفِ وانْهَوا عن المنكرِ. قال أبو بكرِ بنُ أبى قُحافةَ:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢٣ عن الثورى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم، وهو عند ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٢٨ (٦٩٢٦) من طريق سفيان بلفظ: أطيعوا أمرى، واحفظوا وصيتي.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في العلل ١/ ٢٥٣ عن وكيع به.\n(^٣) ذكره الدارقطنى في العلل ١/ ٢٥٣ عن بيان به.\n(^٤) أخرجه أبو يعلى (١٣٢)، والطحاوى في مشكل الآثار (١١٧٠)، وابن حبان (٣٠٤، ٣٠٥) من طريق جرير به، وينظر علل الدارقطنى ١/ ٢٥١.","vol":"9","page":51},{"text":"يا أيُّها الناسُ لا تغترُّوا بقولِ اللَّهِ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. فيقول أحدُكم: عليَّ نفسِي. واللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بالمعروفِ وتَنْهَوُنَّ عن المنكرِ، أو لَتُسْتَعْمَلَنَّ عليكم شُرارُكم، فلَيَسُومُنَّكم سوءَ العذابِ، ثم لَيدعُو الله خيارُكم فلا يستجيبُ لهم (^١).\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا ابن فُضيلٍ، قال: ثنا بَيانٌ، عن قيسِ بن أبى حازمٍ، قال: قال أبو بكرٍ وهو على المنبرِ: يا أيُّها الناسُ إنكم تقرءون هذه الآيةَ على غيرِ موضعِها: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. وإن الناسَ إذا رأَوا الظالمَ فلم يأخُذوا على يديه عمَّهم اللهُ بعقابِه.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنى عيسى بنُ المسيَّبِ البَجَليُّ، قال: ثنا قيسُ بنُ أبى حازمٍ، قال: سمِعتُ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ يقرأُ هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. فقال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"إذا رأى الناسُ المنكرَ [فلم يغيِّروه] (^٢)، والظالمَ فلم يأخُذوا على يديه، فيُوشِكُ أن يُعمَّهم اللهُ منه بعقابٍ\" (^٣).\nحدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى، قال: ثنا سعيدُ بنُ سالمٍ، قال: ثنا منصورُ بنُ دينارٍ، عن عبدِ الملكِ بن مَيْسرةَ، عن قيسِ بن أبى حازمٍ، قال: صعِد أبو بكرٍ المنبرَ؛ منبرَ رسولِ اللهِ ﷺ، فحمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيُّها الناسُ، إنكم لتتلُون آيةً من كتابِ اللهِ وتعُدُّونها رُخصةً، واللَّهِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ في كتابِه أَشدَّ منها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. واللهِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٢٦ (٦٩١٧) من طريق أحمد بن مفضل به مقتصرا على قول السدى.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، س.\n(^٣) أخرجه أحمد ١/ ١٧٧، ١٩٧، ٢٠٨، ٢٢١ (١، ١٦، ٢٩، ٣٠، ٥٣)، وأبو داود (٤٣٣٨)، والترمذى (٢١٦٨، ٣٠٥٧)، والنسائى في الكبرى (١١١٥٧)، وابن ماجه (٤٠٠٥)، والمروزي في مسند أبى بكر الصديق (٨٦ - ٨٩) من طريق قيس به.","vol":"9","page":52},{"text":"لتأمُرُنَّ بالمعروفِ ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكرِ، أو لَيَعُمَّنَّكم اللهُ منه بعقابٍ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ إدريسَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا مُجالدُ بنُ سعيدٍ، عن قيسِ بن أبى حازمٍ، قال: سمِعتُ أبا بكرٍ يقولُ وهو يخطُبُ الناسَ: يا أيُّها الناسُ، إنكم تقرءون هذه الآيةَ ولا تدرُون ما هي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، وإني سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"إن الناسَ إذا رأوا منكرًا فلم يغيِّروه عمَّهم اللهُ بعقابٍ\" (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى هذه الآيةِ: لا يضرُّكم من حادَ عن قصدِ السبيلِ وكفَر باللهِ من أهلِ الكتابِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2853>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: يعنى: مَن ضَلَّ من أهلِ الكتابِ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: أُنْزِلت في أهل الكتابِ.\nوقال آخرون: عُنِى بذلك كلُّ مَن ضلَّ عن دينِ اللهِ الحقِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2854>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في\n_________\n(^١) ذكره الدارقطنى في العلل ١/ ٢٥٣ عن عبد الملك بن ميسرة به.\n(^٢) أخرجه البزار (٦٩) من طريق إسحاق بن إدريس به\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٤٥ - تفسير) من طريق أبى بشر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"9","page":53},{"text":"قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: كان الرجلُ إِذا أَسْلَم قالوا له: سفَّهتَ آباءَك وضلَّلتهم، وفعَلتَ وفعَلتَ، وجعَلتَ آباءَك كذا وكذا، كان ينبغِى لك أن تنصُرَهم، وتفعَلَ. فقال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (^١).\nوأولى هذه الأقوالِ وأصحُّ التأويلاتِ عندنا بتأويلِ هذه الآيةِ ما رُوِى عن أبي بكرٍ الصديقِ ﵁ فيها، وهو: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، الْزَموا العملَ بطاعةِ اللهِ، وبما أمَركم به، وانْتَهوا عما نهاكم اللهُ عنه، ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. يقولُ: فإنه لا يضرُّكم ضلالُ مَن ضلَّ إذا أنتم لزِمتُم (^٢) العملَ بطاعةِ اللهِ، وأدَّيتُم في من ضلَّ من الناسِ ما أَلْزَمكم اللهُ به فيه، مِن فرضِ الأمرِ بالمعروفِ، والنهى عن المنكرِ الذي يركَبُه أو يحاولُ ركوبَه، والأخذِ على يديه إذا رام ظلمًا لمسلمٍ أو مُعاهَدٍ، ومنَعه منه، فأبى النزوعَ عن ذلك، ولا ضَيْرَ عليكم في تمادِيه في غيِّه وضلالِه إذا أنتم اهتديتُم وأدَّيتم حقَّ اللهِ تعالى ذكرُه فيه.\nوإنما قلنا: ذلك أولَى التأويلاتِ في ذلك بالصوابِ؛ لأن الله تعالى ذكرُه أمَر المؤمنين أن يقوموا بالقسطِ، ويتعاونوا على البرِّ والتقوَى، ومن القيامِ بالقسطِ الأخذُ على يدَى الظالِم، ومن التعاونِ على البرِّ والتقوى الأمرُ بالمعروف، وهذا مع ما تظاهَرتْ به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ من أمرِه بالأمرِ بالمعروفِ والنهى عن المنكرِ. ولو كان للناسِ تركُ ذلك لم يكنْ للأمرِ به معنًى إلا في الحالِ التي رخَّص فيه رسولُ اللهِ ﷺ تركَ ذلك، وهى حالُ العجزِ عن القيامِ به بالجوارحِ الظاهرةِ، فيكونُ\n_________\n(^١) ذكره في البحر المحيط ٤/ ٣٦ عن ابن زيد بنحوه.\n(^٢) في م: \"رمتم\".","vol":"9","page":54},{"text":"مرخَّصًا له تركُه، إذا قام حينَئذٍ بأداءِ فرضِ اللهِ عليه في ذلك بقلبِه.\nوإذا كان ما وصَفنا من التأويلِ بالآيةِ أولَى، فبيِّنٌ أنه قد دخَل في معنى قولِه: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ما قاله حذيفةُ وسعيدُ بنُ المسيِّبِ، من أن ذلك إذا أمَرتم بالمعروفِ، ونهيتم عن المنكرِ. ومعنى ما رواه أبو ثَعْلبةَ الخُشَنيُّ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2855>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به من عبادِه: اعمَلوا أيُّها المؤمنون بما أمَرتُكم به، وانتهُوا عما نهيتُكم عنه، ومُروا أهلَ الزَّيغِ والضلالِ ومَن حادَ عن سبيلى بالمعروفِ، وانهَوْهم عن المنكرِ، فإن قبِلوا فلهم ولكم، وإن تمادَوْا في غيِّهم وضلالِهم، فإنّ إليَّ مرجِعَ جميعِكم، ومصيرَكم في الآخرةِ ومصيرَهم، وأنا العالمُ بما يعمَلُ جميعُكم من خيرٍ وشرٍّ، فأُخْبِرُ هناك كلَّ فريقٍ منكم بما كان يعمَلُه في الدنيا، ثم أُجازِيه على عملِه الذي قدِم به عليَّ جزاءَه، حَسبَ استحقاقِه، فإنه لا يَخْفى عليَّ عملُ عاملٍ منكم من ذكرٍ أو أنثَى.\n\n<span id=\"aya-775\"></span><span data-type='title' id=toc-2856>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. يقولُ: لِيشهَدْ بينَكم، ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾. يقولُ: وقتَ الوصيةِ ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. يقولُ: ذوا رَشَدٍ وعقلٍ وحِجًا من المسلمين.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ وعبيد (^١) اللهِ بنُ يوسفَ الجُبَيْرِيُّ، قالا: ثنا مُؤَمَّلُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عبد\". وتقدم على الصواب في ١/ ٨٥.","vol":"9","page":55},{"text":"ابن إسماعيلَ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ في قولِه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. قال: ذوى عقلٍ.\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنَى به: من أهلِ ملتِكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2857>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: شاهدان، ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ من: المسلمين (^١).\nحدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سويدٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ في قولِه: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: من المسلمين (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا ابن أبى عديِّ، عن سعيدٍ، عن قتادَة، عن سعيدِ بن المسَّيبِ في قولِه: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قال: اثنان من أهلِ دينِكم (١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أشعثَ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: سألتُه عن قولِ اللهِ تعالى: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قال: من الملَّةِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، عن\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٢٩ عقب الأثر (٦٩٣٣) معلقًا.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٥٥٤١، ١٥٥٤٢) من طريق محمد بن سيرين به.","vol":"9","page":56},{"text":"عَبيدة بمثلِه، إلَّا أنه قال فيه: من أهلِ الملَّةِ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، قال: سألتُ عَبيدةَ عن هذه الآيةِ: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قال: من أهلِ الملَّةِ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن ابن عونٍ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حسينٌ، عن زائدةَ، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، قال: سألتُ عبيدةَ. فذكَر مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن مهديٍّ، عن حمادٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، عن حماد بن زيدٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قال: ذوا عَدْلٍ من أهلِ الإسلامِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبًرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قال: من المسلمين (^٣).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان سعيدُ بنُ المسيَّبِ يقولُ: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. أي: من أهلِ الإسلامِ.\nوقال آخرون: عُنِى بذلك ذوا عَدْلٍ من حتِّى المُوصِى. وذلك قولٌ رُوِى عن\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص ٢١٧، وابن حزم في المحلى ١٠/ ٥٩١ من طريق حماد به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٢٩ عقب الأثر (٢٩٣٣) معلقا.","vol":"9","page":57},{"text":"عكرمةَ وعَبيدةَ وعِدَّةٍ غيرِهما.\nواخْتَلفوا في صفةِ الاثنين اللذين ذكَرهما اللهُ في هذه الآيةِ؛ ما هي؟ وما هما؟ فقال بعضُهم: هما شاهدان يشهَدان على وصيةِ المُوصِى.\nوقال آخرون: هما وَصِيَّان.\nوتأويلُ الذين زعَموا أنهما شاهدان قولَه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: ليشهَدْ شاهدان ذوا عدلٍ منكم على وصيَّتِكم.\nوتأويلُ الذين قالوا: هما وَصِيَّان لا شاهدان قولَه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: بمعنى الحضورِ والشهودِ لما يُوصيهما به المريضُ. من قولِك: شهِدتُ وصيةَ فلانٍ، بمعنى: حضَرتُه.\nوأَوْلَى التأويلين بقولِه: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. تأويلُ من تأوَّله بمعنى أنهما من أهلِ الملةِ، دونَ مَن تأوَّله أنهما من حيِّ المُوصِى.\nوإنما قلنا: ذلك أَوْلَى التأويلين بالآيةِ؛ لأن الله تعالى ذكرُه عمَّ المؤمنين بخطابِهم بذلك في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. فغيُر جائزٍ أن يُصْرَفَ مَا عَمَّه اللَّهُ تعالى ذكرُه إلى الخصوصِ إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها. وإذ كان ذلك كذلك، فالواجبُ أن يكونَ العائدُ من ذكِرهم (^١) على العمومِ، كما كان ذكرُهم ابتداءً على العمومِ.\nوأَولَى المعنيين بقولِه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. [اليمينُ لا] (^٢) الشهادةُ التي يقومُ بها مَن عندَه شهادةٌ لغيرِه، لمن هي عندَه، على مَن هي عليه عندَ الحُكّام؛ لأنا لا نعلَمُ للهِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"ذكره\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لأن\". وينظر تفسير القرطبي ٦/ ٣٤٨.","vol":"9","page":58},{"text":"تعالى حكمًا يجب فيه على الشاهدِ اليمينُ، فيكونَ جائزًا صرفُ الشهادةِ في هذا الموضعِ إلى الشهادةِ التي يقومُ بها بعضُ الناسِ عندَ الحكَّامِ والأئمةِ.\nوفي حكمِ الآيةِ في هذه، اليمينَ على ذوى العدلِ، وعلى من قام مقامَهم، باليمين (^١) بقولِه: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ - أوضحُ الدليلِ على صحةِ ما قلنا في ذلك، من أن الشهادةَ فيه الأيمانُ، دونَ الشهادةِ التي يُقضَى [بها للمشهودِ] (^٢) له على المشهودِ عليه، وفسادِ ما خالفه.\nفإن قال قائلٌ: فهل وجدتَ في حكمِ اللهِ تعالى ذكرُه يمينًا تجبُ على المدَّعِي، فتُوَجِّهَ قولَك في الشهادةِ في هذا الموضعِ إلى الصحةِ؟\nفإن قلتَ: لا. تبيَّن فسادُ تأويلِك ذلك على ما تأوَّلتَ؛ لأنه يجبُ على هذا التأويلِ أن يكونَ المقسِمان في قولِه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة:١٠٧]. هما المُدَّعِيَيْن.\nوإن قلت: بلى. قيل لك: وفى أيِّ حكمِ اللهِ تعالى وجدتَ ذلك؟\nقيل: وجَدنا ذلك في أكثرِ المعانى، وذلك في حكمِ الرجلِ يَدَّعِى قِبَلَ رجلٍ مالًا، فيقرُّ به المُدَّعَى عليه قِبَلَه ذلك، ويَدَّعى قضاءَه، فيكونُ القولُ قولَ ربِّ الدَّيْنِ، والرجلِ يعترِفُ (^٣) في يدِ الرجلِ السلعةَ، فيزعُمُ المعترفُ في يدِه أنه اشتراها من المُدَّعِى، أو (^٤) أن المُدَّعِيَ وهبَها له، وما أَشْبَه ذلك مما يكثُرُ\n_________\n(^١) في م: \"في اليمين\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"بالمشهود\".\n(^٣) يعترف: يعرف.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".","vol":"9","page":59},{"text":"إحصاؤُه. وعلى هذا الوجهِ أَوْجَب اللهُ تعالى في هذا الموضعِ اليمينَ على المُدَّعِيَيْن اللذين عَثَرا على [الخائنيِن فيما خانا] (^١) فيه.\nواخْتَلف أهلُ العربيةِ في الرافعِ قولَه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. وقولَه: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معنى قولِه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: شهادةُ اثنين ذَوَىْ عَدْلٍ. ثم أُلْقِيت \"الشهادةُ\"، وأُقِيم \"الاثنانِ\" ومقامَها، فارتفعا بما كانت \"الشهادةُ\" به مرتفعةً لو جُعِلت في الكلامِ. قال: وذلك - في حذفِ ما حُذِف منه، وإقامةِ ما أُقِيم مُقامَ المحذوفِ - نظيرُ قولِه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وإنما يريدُ: واسألْ أهلَ القريةِ. وانْتَصَبت \"القريةُ\" بانتصابِ \"الأهلِ\"، وقامت مَقامَه. ثم عُطِف قولُه: ﴿أَوْ آخَرَانِ﴾ على \"الاثنين\".\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: رفعُ \"الاثنين\" بـ \"الشهادةِ\". أي: ليشهَدْكم اثنانِ من المسلمين أو آخَران من غيرِكم.\nوقال آخَرُ منهم: رُفِعت \"الشهادةُ\" بـ ﴿إِذَا حَضَرَ﴾. وقال: إنما رُفِعت بذلك لأنه قال: ﴿إِذَا حَضَرَ﴾. فجعَلها شهادةً محذوفةً مستأنفةً، ليست بالشهادةِ التي قد رُفِعت لكلِّ الخلقِ؛ لأنه قال تعالى ذكرُه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. وهذه شهادةٌ لا تقعُ إلا في هذه الحالِ، وليست مما يثبتُ.\nوأَوْلَى هذه الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: \"الشهادةُ\" مرفوعةٌ بقولِه: ﴿إِذَا حَضَرَ﴾؛ لأن قولَه: ﴿إِذَا حَضَرَ﴾. بمعنى: عندَ حضورِ أحدِكم الموتُ، و\"الاثنان\" مرفوعٌ بالمعنى المتوهَّمِ، وهو: أن يشْهَدَ اثنان. فاكْتُفِىَ من قيل: أن يشهَدَ. بما قد جرَى من ذكرِ \"الشهادةِ\" في قولِه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾.\n_________\n(^١) في ص: \"الحانبين فيما جناهما\"، وفى م: \"الحانبين فيما جنيا\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الجانيين فيما حباهما\". والصواب ما أثبتنا.","vol":"9","page":60},{"text":"وإنما قلنا: ذلك أَوْلى بالصوابِ؛ لأن \"الشهادةَ\" مصدرٌ في هذا الموضعِ، و\"الاثنان\" اسمٌ، والاسمُ لا يكونُ مصدرًا، غيرَ أن العربَ قد تضعُ الأسماءَ مواضعَ الأفعالِ (^١)، فالأمرُ وإن كان كذلك، فصرفُ كلِّ ذلك إلى أصحِّ وجوهِه ما وجَدنا إليه سبيلًا، أَوْلى بنا من صرفِه إلى أضعفِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2859>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين: ليشهَدْ بينَكم إذا حضَر أحدَكم الموتُ عَدْلانِ من المسلمين، أو آخَران من غيرِ المسلمين.\nوقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: أو آخَران من غيِر أهلِ ملتِكم. نحوَ الذي قلنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2858>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعدةَ وبشرُ (^٢) بنُ معاذٍ، قالا: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّب: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: من أَهلِ الكتابِ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ قتادةَ يحدِّثُ عن سعيدِ بن المسيَّبِ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: من أهلِ الكتابِ (^٤).\n_________\n(^١) أي المصادر.\n(^٢) في النسخ: \"يونس\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٩، وفى (١٥٥٤٠) عن معمر، عن قتادة به.\n(^٤) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص ٢١٨، وسعيد بن منصور في سننه (٨٥٩ - تفسير)، وابن حزم في المحلى ١٠/ ٥٩٠، من طريق شعبة به.","vol":"9","page":61},{"text":"حدَّثني أبو حفصٍ الجُبيريُّ عبيدُ اللهِ بنُ يوسفَ، قال: ثنا مُؤمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عَديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدٍ مثلَه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ، وسليمانُ التَّيْميُّ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، أنهما قالا في قولِه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قالا: من غيرِ أهلِ ملتِكم (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، قال: ثنى مَن سمِع سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ مثلَ ذلك (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا التَّيْمِيُّ، عن أبي مِجْلَزٍ، قال: من غيرِ أهلِ ملَّتِكم (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: إن كان قُرْبَه أحدٌ من المسلمين أَشْهَدهم، وإلَّا أَشْهَد رجلين من المشركين.\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٥٢، ٨٥٣ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٧/ ٩٢، وابن حزم في المحلى ١٠/ ٥٩٠، ٥٩١ من طريق هشيم به.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٥٤ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٧/ ٩٢ عن هشيم به.\n(^٣) أخرجه ابن حزم في المحلى ١٠/ ٥٩١ من طريق هشيم به.","vol":"9","page":62},{"text":"حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو (^١) قُتيبةَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ وسعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قالا: من غيرِ أهلِ ملتِكم.\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سعيدٍ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: من أهلِ الكتابِ.\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا محمدُ بنُ سَواءٍ (^٢)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ مثلَه.\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ مثلَه.\nحدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سويدٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ في قولِه: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، من المسلمين، فإن لم تجدوا من المسلمين فمن غيرِ المسلمين (^٣).\nحدَّثنا ابن (^٤) المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن شُريحٍ في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: إذا كان الرجلُ بأرضِ غُربة، ولم يجدْ مسلمًا يَشْهَدُ (^٥) على وصيَّتِه، فأَشْهَد يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو\n_________\n(^١) سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٢٣٢.\n(^٢) في م: \"سوار\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٣٢٨.\n(^٣) أخرجه ابن حزم في المحلى ١٠/ ٥٩١ من طريق عبد الوارث به.\n(^٤) سقط من النسخ. والمثبت هو الصواب. وسيأتي هذا الإسناد على الصواب في ص ٧٢، ١٠١.\n(^٥) في م: \"يشهده\".","vol":"9","page":63},{"text":"مجوسيًّا، فشهادتُهم جائزةٌ، فإن جاء رجلان مسلمان، فشهِدا بخلافِ شهادتِهما، أُجِيزتْ شهادةُ المسلمَين، وأُبْطِلت شهادةُ الآخرَين (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن شُرَيحٍ، أنه كان لا يُجيُز شهادةَ [اليهوديِّ والنصرانيِّ] (^٢) على مسلمٍ إلا في الوصيةِ، ولا يجيزُ شهادتَهما على الوصيةِ، إلَّا إذا كانوا في سفرٍ (^٣).\nحدَّثنا عمرُو بن عليٍّ، قال: ثنا أبو معاويةَ ووكيعٌ، قالا: ثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن شُريحٍ، قال: لا تجوزُ شهادةُ [اليهوديِّ والنصرانيِّ] (٢) إلا في سفرٍ، ولا تجوزُ في سفرٍ إلا في وصيَّةٍ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن شُريحٍ نحوَه.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن الزُّبيرِ الأسديُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: كتَب هشامُ بنُ هُبيرةَ لَمَسْلَمَةَ عن شهادةِ المشركين على المسلمين، فكتَب: لا تجوزُ شهادةُ المشركين على المسلمين إلا في وصيةٍ، ولا يجوزُ في وصيةٍ إلا أن يكونَ الرجلُ مسافرًا.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أشعثَ (^٥)، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: سألتُه عن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: من\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٥٦ - تفسير) - ومن طريقه ابن حزم في المحلى ٥٩٠/ ١٠، والبيهقى ١٠/ ١٦٦ - من طريق داود به.\n(^٢) في م: \"اليهود والنصارى\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور (٨٥١ - تفسير)، ومن طريقه البيهقى ١٠/ ١٦٦ عن هشيم به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور (٨٥١ - تفسير)، ومن طريقه البيهقى ١٠/ ١٦٦ عن أبي معاوية به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٩١ عن وكيع به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٥٥٣٨) ووكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٨١ وابن حزم في المحلى ١٠/ ٥٩٠ من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٥) في النسخ: \"أشهب\". وقد تقدم على الصواب في ص ٥٦.","vol":"9","page":64},{"text":"غيرِ الملَّةِ (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ بمثلِه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةً، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، قال: سألت عَبيدةَ عن ذلك، فقال: من غيِر أهلِ الملَّةِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: من غيرِ أهلِ الصلاةِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: من غيِر أهلِ دينِكم (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا حسين، عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: من غير أهل الملةِ.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا أبو حُرَّةَ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عَبيدةَ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: من غيرِ أهلِ ملتِكم (^٣).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عثمانَ، قال: ثنا هشامٌ، عن (^٤) محمدٍ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جُبيرٍ عن قولِ اللَّهِ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: من غيرِ أهلِ ملتِكم.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، عن حمادِ بن زيدٍ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن حزم في المحلى ١٠/ ٥٩٠ من طريق ابن سيرين به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٩٢، ٩٣ عن هشيم، عن هشام به.\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص ٢١٧ من طريق سعيد بن عبد الرحمن أخى أبى حرة به.\n(^٤) في النسخ: \"بن\".","vol":"9","page":65},{"text":"عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: من غيرِ أهلِ ملتِكم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، من غيرِ أهلِ الإسلامِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، قال: قال أبو إسحاقَ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: من اليهودِ والنصارى. قال: قال شُرَيحٌ: لا تجوزُ شهادةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ إلَّا في وصيةٍ، ولا تجوزُ في وصيةٍ إلَّا في سفرٍ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا زكريا، عن الشعبيِّ، أن رجلًا من المسلمين حضَرتْه الوفاةُ بدَقُوقَا (^٤) [هذه. قال: فحضَرتْه الوفاةُ] (^٥)، ولم يجد أحدًا من المسلمين يُشْهِدُه على وصيتِه، فأَشْهَد رجلين من أهل الكتابِ، فقدِما الكوفةَ، فأَتَيا الأشعريَّ فَأَخْبَراه، وقدِما بتركتِه ووصيتِه، فقال الأشعريُّ: هذا أمرٌ لم يكنْ بعدَ الذي كان في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ فأَخْلَفهما، وأَمْضَى شهادتَهما (^٦).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن مغيرةَ الأزرقِ،\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص ٢١٧، وابن حزم في المحلى ١٠/ ٥٩١ من طريق حماد به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢١١ عن المصنف، وأما قول شريح فقد تقدم تخريجه.\n(^٤) دقوقا، بألف ممدودة ومقصورة: مدينة بين إربل وبغداد معروفة، لها ذكر في الأخبار والفتوح كان بها وقعة للخوارج. معجم البلدان ٢/ ٥٨١.\n(^٥) ليس في م، وقوله: \"هذه\" إشارة إلى \"دقوقا\"، وكأن الشعبى كان بها حال الكلام.\n(^٦) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٥٧ - تفسير)، وأبو داود (٣٦٠٥) - ومن طريقه البيهقى ١٠/ ١٦٥ - من طريق هشيم به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٥٥٣٩)، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص ٢١٥، ٢١٦، وابن أبي شيبة ٧/ ٩١ من طريق زكريا به.","vol":"9","page":66},{"text":"عن الشعبيِّ، أن أبا موسى قضَى بها بدَقُوقَا (^١).\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا عثمانُ بنُ الهيثم، قال: ثنا عوفٌ، عن محمدٍ أنه كان يقولُ في قولِه: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: شاهدان من المسلمين، وغيرِ المسلمين (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: مِن غيرِ أهلِ الإسلامِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبرنا أبو حفصٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: مِن غيرِ أهلِ الإسلامِ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني عبدُ اللَّهِ بنُ عيَّاشٍ (^٣)، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ في هذه الآيةِ: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية كلّها، قال: كان ذلك في رجلٍ تُوُفِّي، وليس عندَه أحدٌ مِن أهلِ الإسلامِ، وذلك في أولِ الإسلامِ، والأرضُ حربٌ، والناسُ كفارٌ، إلا أن رسولَ اللهِ ﷺ وأصحابَه بالمدينةِ، وكان الناسُ يَتوارثون بالوصيةِ، ثم نُسِخَت الوصيةُ وفُرِضَت الفرائضُ، وعمِل المسلمون بها (^٤).\nوقال آخَرون: بل معنى ذلك: أو آخران مِن غيرِ حَيِّكم وعشيرتِكم\n\n<span data-type='title' id=toc-2860>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عمرُو بن عليٍّ، قال: ثنا عثمانُ بنُ الهيثمِ بن الجَهْمِ، قال: ثنا عوفٌ،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢١٥ عن المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن حزم في المحلى ١٠/ ٥٩١ من طريق عثمان به.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عباس\". وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٤١٠.\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٢١٢.","vol":"9","page":67},{"text":"عن الحسنِ في قولِه: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: شاهِدان مِن قومِكم، ومِن غيرِ قومِكم (^١).\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا صالحُ بنُ أبى الأخضرِ، عن الزهريِّ، قال: مضَت السنةُ ألَّا تَجوزَ شهادةُ كافرٍ في حضرٍ ولا سفرٍ، إنما هي في المسلمين (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، أي: من عِشيرتِه، ﴿وْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. من غيرِ عشيرتِه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن ثابتِ بن يزيدَ (^٣)، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ: ﴿وْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: مِن غيرِ أهلِ حيِّكم (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن مَهْدَيٍّ، عن ثابتِ بن يزيدَ (^٣)، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ: ﴿وْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: مِن غيرِ حيِّكم.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا ثابتُ بنُ يزيدَ (^٣)، عن عاصمٍ الأحولِ، عن عكرمةَ في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: مِن غيرِ أهلِ حيِّه. يعنى مِن المسلمين.\nحدَّثني الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسنِ: ﴿وْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: مِن غيرِ عَشيرتِك، ومِن غيرِ قومِك، كلُّهم مِن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٣٠ (٦٩٣٦) من طريق آخر عن الحسن.\n(^٢) ذكره ابن كثير ٣/ ٢١١ عن المصنف.\n(^٣) في النسخ: \"زيد\". وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٣٨٣.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"9","page":68},{"text":"المسلمين.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن ابن سيرينَ، عن عبيدةَ قولَه: ﴿وْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: مسلمين مِن غيِر حيِّكم (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثني عُقَيْلٌ، قال: سألْتُ ابنَ شهابٍ عن قولِ اللهِ تعالى ذكُره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. قلتُ: أرأيْتَ الاثنين اللذين ذكَر اللهُ مِن غيرِ أهلِ المرءِ الموصِى، أهما مِن المسلمين أم (^٢) هما مِن أهلِ الكتابِ؟ وأرأيْتَ الآخَرَيْنِ اللذين يقومان مقامَهما، أتُراهما مِن أهلِ المرءِ الموصِى أم هما مِن غيرِ المسلمين؟ قال ابن شِهابٍ: لم نَسْمَعْ في هذه الآيةِ عن رسولِ اللهِ ﷺ، ولا عن أئمةِ العامةِ سنةً أَذْكُرُها، وقد كنا نَتَذاكَرُها أناسًا مِن علمائِنا أحيانًا، فلا يَذْكُرون فيها سنةً معلومةً، ولا قضاءً مِن إمامٍ عادلٍ، ولكنه يَخْتَلِفُ فيها رأيُهم، وكان أعجبَهم فيها رأيًا إلينا، الذين كانوا يقولون: هي فيما بينَ أهلِ الميراثِ مِن المسلمين، يَشْهَدُ بعضُهم الميتَ الذي يَرِثونه، ويَغِيبُ عنه بعضُهم، ويَشْهَدُ مَن شهِده على ما أوْصَى به لذوِى القربَى، فيُخْبِرون مَن غاب عنه منهم بما حضَروا مِن وصيةٍ، فإن سلَّموا جازت وصيتُه، وإن ارْتابُوا أن يكونوا بدَّلُوا قولَ الميتِ، وآثَروا بالوصيةِ مَن أرادوا، ممَّن لم يُوصِ لهم الميتُ بشيءٍ، حلَف اللذان يَشْهَدان على ذلك بعدَ الصلاةِ، وهي صلاةُ المسلمين، فيقسِمان باللَّهِ: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾، فإذا أقْسَما على ذلك\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٥٥٤١) عن معمر به.\n(^٢) في ص، ت ١: \"أو\".","vol":"9","page":69},{"text":"جازَت شهادتُهما وأيمانُهما، ما لم يُعْثَرْ على أنهما اسْتَحَقَّا إثمًا في شيءٍ من ذلك، [فإن عُثِر] (^١) قام آخَران مَقامَهما مِن أهلِ الميراثِ، مِن الخَصْمِ الذين يُنكِرون ما شهِد به عليه الأَوَّلان المُسْتَحْلَفان أولَ مرةٍ، فيُقْسِمان باللَّهِ لَشَهادتُنا [أحقُّ من شهادتِكما] (^٢) على تكذيبِكما، أو إبطالِ ما شهِدْتما به، ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ الآية (^٣).\nوأولى التأويلين في ذلك عندَنا بالصوابِ تأويلُ مَن تأوَّله: أو آخران مِن غيرِ أَهلِ الإسلامِ، وذلك أن الله تعالى ذكرُه عرَّف عبادَه المؤمنين عندَ الوصيةِ شهادةَ اثنين مِن عدولِ المؤمنين، أو اثنين من غيرِ المؤمنين، ولا وجهَ لأن يُقالَ في الكلامِ صفةُ شهادةِ مؤمنين منكم، أو رجلين مِن غيرِ عَشيرتِكم، وإنما يقالُ: صفةُ شهادةِ رجلين مِن عشيرتِكم، أو مِن غيرِ عشيرتِكم، أو رجلين مِن المؤمنين، أو مِن غيرِ المؤمنين.\nفإذ كان لا وجهَ لذلك في الكلامِ، فغيرُ جائزٍ صرفُ معنى (^٤) كلامِ اللهِ تعالى ذكرُه إِلَّا إِلى أَحْسَنِ وُجوهِه.\nوقد دلَّلْنا قبلُ على أن قولَه تعالى ذكرُه: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، إنما هو مِن أهلِ دينِكم وملتِكم بما فيه كفايةٌ لمَن وُفِّق لفهمِه.\nوإذا صحَّ ذلك بما دلَّلْنا عليه، فمعلومٌ أن معنى قولِه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، س.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص ٢٢٤، ٢٢٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٣١ (٦٩٤٤) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٤) في ص، ت ١: \"معلق\"، وفى م، ت ٢، ت ٣: \"مغلق\"، وفى س: \"يعلق\"، والمثبت هو الصواب.","vol":"9","page":70},{"text":"غَيْرِكُمْ، إنما هو أو آخران مِن غيرِ أهلِ دينِكم وملتِكم. وإذ كان ذلك كذلك، فسواءٌ كان الآخَران اللذان مِن غيرِ أهلِ دينِنا، يهوديين كانا أو نصرانيين أو مجوسيين أو عابدَىْ وثَنٍ، أو على أيِّ دينٍ كانا؛ لأن الله تعالى ذكرُه لم يَخْصُصْ آخرين مِن أهلِ ملةٍ بعينِها، دونَ ملةٍ بعدَ ألَّا (^١) يكونا مِن أهلِ الإسلامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2861>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ذكرُه: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين: صفةُ شَهادةِ بينِكم إذا حضَر أحدَكم الموتُ وقتَ الوصيةِ، أن يَشْهَدَ اثنان ذوا عدلٍ منكم أيُّها المؤمنون، أو رجلان آخران مِن غيرِ أهلِ ملتِكم، إن أنتم سافَرْتم ذاهبين وراجعِين في الأرضِ.\nوقد بيَّنَّا فيما مضَى السببَ الذي مِن أجلِه قيل للمسافرِ: الضاربُ في الأرضِ (^٢).\n﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾. يقولُ: فنزَل بكم الموتُ.\nووجَّه أكثرُ أهلِ التأويلِ هذا الموضعَ إلى معنى التعقيبِ دونَ التخييرِ، وقالوا: معناه: شهادةُ بينِكم إذا حضَر أحدَكم الموتُ حينَ الوصيةِ اثنان ذوا عدلٍ منكم إن وُجِدا، فإن لم يُوجَدا (^٣) فآخران مِن غيرِكم.\nوإنما فعَل ذلك مَن فعَلَه؛ لأنه وجَّه معنى الشهادةِ في قولِه: ﴿شَهَادَةُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أن\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٦/ ١٧٧.\n(^٣) في ص، ت ٢، ت ٣، س: \"يوجد\"، وفى ت ١: \"يجد\".","vol":"9","page":71},{"text":"بَيْنِكُمْ﴾. إلى معنى الشهادةِ التي تُوجِبُ للقومِ قيامَ صاحبِها بها (^١) عندَ الحاكمِ أو يُبْطِلُها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2862>ذكرُ بعضٍ مَن تأوَّل ذلك كذلك</span>\nحدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُوَيْدٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ في قولِه: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: مِن المسلمين، فإن لم تَجِدوا مِن المسلمين، فمِن غيرِ المسلمين (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المثنى، قالا: ثنا ابن أبى عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ في قولِه: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: اثنان مِن أهلِ دينِكم، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: مِن أَهلِ الكتابِ، إذا كان ببلادٍ لا يَجِدُ غيرَهم (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن شُرَيْحٍ في هذه الآيةِ: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: إذا كان الرجلُ بأرضِ غُرْبةٍ، ولم يَجِدْ مسلمًا يُشْهِدُه (^٤) على وصيتِه، فأَشْهَد يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا، فشهادتُهم جائزةٌ (^٥).\nحدثَّنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) تقدم في ص ٦٣.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٩.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يشهد\".\n(^٥) تقدم في ص ٦٣، ٦٤.","vol":"9","page":72},{"text":"اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قال: هذا في الحَضَرِ، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: في السفرِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾: هذا (^١) الرجلُ يُدْرِكُه الموتُ في سفرِه، وليس بحضْرتِه أحدٌ مِن المسلمين، فيَدْعُو رجلين مِن اليهودِ أو [النصارى أو] (^٢) المجوسِ، فيُوصِى إليهما (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ وسعيدِ بن جبيرٍ أنهما قالا في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية. قال: إذا حضَر الرجلَ الوفاةُ في سفرٍ، فيُشْهِدُ رجلين مِن المسلمين، فإن لم يَجِدْ رجلين مِن المسلمين، فرجلين مِن أهلِ الكتابِ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: فهذا لمن مات وعندَه المسلمون، فأمَره اللَّهُ أَن يُشْهِدَ على وصيتِه عَدْلين مِن المسلمين، ثم قال: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾. فهذا لمن مات وليس عندَه أحدٌ مِن المسلمين، فأمَرَ (^٥) اللهُ تعالى بشهادةِ رجلين مِن غيرِ المسلمين (^٦).\n_________\n(^١) بعدها في م: \"في\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٣٠ (٦٩٣٧، ٦٩٣٨) من طريق أسباط به.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢١٦ عن المصنف. وأخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٢١٩، ٢٢٠ عن هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، وعمن سمع سعيد بن جبير به.\n(^٥) في م: \"فأمره\".\n(^٦) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٤٠٤ من طريق عبد الله بن صالح به. وأخرج أوله ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٢٩ (٦٩٣٢،٦٩٣٣) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٢ إلى ابن المنذر.","vol":"9","page":73},{"text":"ووجَّه ذلك آخرون إلى معنى التخييرِ، وقالوا: إنما عنَى بالشَّهادةِ في هذا الموضعِ الأيْمانَ على الوصيةِ التي أوْصَى إليهما، وائتمانَ الميتِ إياهما على ما ائْتَمَنهما عليه مِن مالٍ ليُؤَدِّياه إلى ورثتِه بعدَ وفاتِه، إن ارْتِيب بهما قالوا: وقد يَتَّمِنُ (^١) الرجلُ على مالِه مَن رآه موضعًا للأمانةِ، مِن مؤمنٍ وكافرٍ، في السفرِ والحضرِ.\nوقد ذكَرْنا الروايةَ عن بعضِ مَن قال هذا القولَ فيما مضَى (^٢)، وسنَذْكُرُ بقيتَه إن شاء اللهُ تعالى بعدُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2863>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسولِه: شهادةُ بينِكم إذا حضَر أحدَكم الموتُ، إن شهِد اثنان ذوا عدلٍ منكم، أو كان أوْصَى إليهما، أو آخَران مِن غيرِكم، إن كنتم في سفرٍ فحضَرَتْكم المنيّةُ، فأَوْصَيْتُم إليهما، ودفَعْتُم إليهما ما كان معكم من مالٍ وتَرِكةٍ لوَرَثتِكم، فإذا أنتم أوصَيْتُم إليهما، ودفَعْتُم إليهما ما كان معكم مِن مالٍ، فأصابَتْكم مصيبةُ الموتِ، فأدَّيا إلى ورثتِكم ما اتَّمنْتُموهما، وادَّعَوْا عليهما خِيانةً خاناها مما اتُّمِنا عليه، فإن الحكمَ فيهما حينَئذٍ أن تَحْبِسوهما. يقولُ: تَسْتَوْقِفونهما بعدَ الصلاةِ.\nوفى الكلامِ محذوفٌ اجْتُزِئ بدلالةِ ما ظهرَ منه على ما حُذِف، وهو: فأصابتكم مصيبةُ الموتِ، وقد أسْنَدْتُم وصيتَكم إليهما، ودفَعْتُم إليهما ما كان معكم من مالٍ، فإنكم تَحْبِسونهما من بعدِ الصلاةِ.\n_________\n(^١) في م: \"يأمن\". وهما بمعنًى.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٦٧ وما بعدها.","vol":"9","page":74},{"text":"﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾. يقولُ: فيَحْلِفان باللَّهِ إِن اتَّهَمْتُموهما بخيانةٍ فيما اتُّمِنا عليه، مِن (^١) تغييرِ وصيةٍ أوْصَى إليهما بها، أو تبديِلها - والارتيابُ هو الأتِّهامُ - ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾. يقولُ: يَحْلِفان باللَّهِ لا نَشْتَرِى بأيمانِنا باللَّهِ ثمنًا. يقولُ: لا نَحْلِفُ كاذبَيْن على عوضٍ نَأْخُذُه عليه، وعلى مالٍ نَذْهَبُ به، أو لحقٍّ نَجحَدُه لهؤلاء القومِ الذين أوْصَى إلينا [وَليُّهم وميِّتُهم] (^٢).\nوالهاءُ في قولِه: ﴿بِهِ﴾. مِن ذكرِ اللهِ، والمعنُّى به الحلفُ والقَسَمُ، ولكنه لما كان قد جرَى قبلَ ذلك ذكرُ القسمِ به، فعُرف (^٣) معنى الكلامِ، اكْتُفِى (^٤) به [مِن إعادةِ] (^٥) ذكرِ القسمِ والحلفِ.\n﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾. يقولُ: يُقْسِمان باللهِ لا تَطْلُبُ بإقسامِنا باللهِ عوضًا فنَكْذِبَ فيها لأحدٍ، ولو كان الذي نُقْسِمُ به له ذا قرابةٍ منا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك رُوِى الخبرُ عن ابن عباسٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2864>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾: فهذا لمن مات وليس عندَه أحدٌ مِن المسلمين، فأَمَرَه اللهُ بشهادةِ رجلين مِن غيرِ المسلمين، فإن ارْتِيب (^٦) في شهادتِهما، اسْتُحْلِفا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أو\".\n(^٢) في م: \"وإليهم وصيتهم\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فيعرف\"، وفى م: \"فيعرف من\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٤) في النسخ: \"واكتفى\". والمثبت صواب السياق.\n(^٥) في س: \"عن إعادته\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ارتبت\".","vol":"9","page":75},{"text":"بعدَ الصلاةِ باللَّهِ: لم نَشْتَرِ بشهادتِنا ثمنًا قليلًا (^١).\nوقولُه: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾: مِن صلاةِ الآخَرَين. ومعنى الكلامِ: أو آخران مِن غيرِكم تَحْبِسونهما مِن بعدِ الصلاةِ إِن ارْتَبْتُم بهما، فيُقْسِمان باللَّهِ لا نَشْتَرِى به ثمنًا ولو كان ذا قُرْبى.\nواخْتَلَفوا في الصلاةِ التي ذكَرَها اللهُ تعالى ذكرُه في هذه الآيةِ، فقال: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾؛ فقال بعضُهم: هي صلاةُ العصرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2865>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخْبرنا زكريا، عن الشعبيِّ، أن رجلًا مِن المسلمين حضَرَته الوفاةُ بدَقُوقَا [هذه. قال: فحضَرتْه الوفاةُ] (^٢)، فلم يَجِدْ أحدًا مِن المسلمين يُشْهِدُه على وصيتِه، فأشهد رجلين من أهلِ الكتاب. قال: فقَدِما الكوفةَ، فأتَيا الأشعريَّ فأخْبَراه، وقدِما بتَرِكتِه ووصيتِه، فقال الأشعريُّ: هذا أمرٌ لم يَكُنْ بعدَ الذي كان في عهدِ رسول اللهِ ﷺ. قال: فأحْلَفَهما بعدَ العصرِ: باللَّهِ ما خانا، ولا كذَبا، ولا بَدَّلا، ولا كتَما، ولا غيَّرا، وإنها لوصيةُ الرجلِ وتَرِكتُه. قال: فأمْضَى شهادتهما (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ وعمرُو بنُ عليٍّ، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: إذا كان الرجلُ بأرضِ الشركِ، فأَوْصَى إلى رجلين مِن أهلِ الكتابِ، فإنهما يَحْلِفان بعدَ العصرِ (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٧٣.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٦٦.\n(^٤) أخرجه ابن حزم في المحلى ١٠/ ٥٩١ من طريق شعبة به.","vol":"9","page":76},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ بمثلِه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾: فهذا رجلٌ مات بغُربةٍ مِن الأرضِ، وترَك تركتَه، وأوْصَى بوصيتِه، وشهِد على وصيتِه رجلان، فإن ارْتِيب في شهادتِهما، اسْتُحْلِفا بعدَ العصرِ، وكان يقالُ: عندَها تَصِيرُ الأيْمانُ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى هشيمٌ، قال: أخْبرَنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ وسعيدِ بن جبيرٍ أنهما قالا في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. قالا: إذا حضَر الرجلَ الوفاةُ في سفرٍ، فلْيُشْهِدْ رجلين مِن المسلمين، فإن لم يَجِدْ فرجلين مِن أهلِ الكتابِ، فإذا قدِما بتركتِه، فإن صدَّقهما الورثةُ قُبِل قولُهما، وإن اتَّهَموهما، أُحْلِفا بعدَ صلاةِ العصرِ: باللهِ ما كذَبْنا، ولا كتَمْنا، ولا خُنَّا، ولا غيَّرْنا (^٢).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى القَطَّانُ، قال: ثنا زكريا، قال: ثنا عامرٌ، أن رجلًا تُوُفِّي بدقُوقا، فلم يَجِدْ مَن يُشْهِدُه على وصيتِه إلا رجلين نصرانيَّيْن مِن أهلها، فأحْلَفَهما أبو موسى دُبُرَ (^٣) صلاةِ العصرِ في مسجدِ الكوفةِ: باللهِ ما كتَما، ولا غيَّرا، وإن هذه لوَصيَّتُه. فأجازها (^٤).\nوقال آخرون: بل يُسْتَحْلَفان بعدَ صلاةِ أهلِ دينِهما وملتِهما.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٢٩ (٦٩٣٠) من طريق يزيد به. إلى قوله: وشهد على وصيته رجلان.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٧٣.\n(^٣) في س: \"إثر\".\n(^٤) أخرجه أبو عبيد في الناسخ ص ٢١٥، ٢١٦ عن يحيى به، وتقدم أوله في ص ٦٦.","vol":"9","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2866>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قال: الله هذا في الوصيةِ عندَ الموتِ، يُوصِى، ويُشْهِدُ رجلين مِن المسلمين على ما له وعليه. قال: هذا في الحضَرِ، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: في السفرِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾: هذا الرجلُ يُدْرِكُه الموتُ في سفرِه، وليس بحضرتِه أحدٌ مِن المسلمين، فيَدْعو رجلين مِن اليهودِ أو (^١) النصارى أو (^١) المجوسِ، فيُوصِى إليهما، ويَدْفَعُ إليهما ميراثَه، فيُقْبِلان به، فإن رضِى أهلُ الميتِ الوصيةَ، وعرَفوا مالَ صاحبِهم، ترَكوا الرجلين، وإن ارتابوا رفَعوهما إلى السلطانِ، فذلك قولُه: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ - ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾. قال عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ: كأنى أَنْظُرُ إلى العِلْجَيْن حينَ انتُهِى بهما إلى أبى موسى الأشعريِّ في دارِه، ففتَح الصَّحيفةَ، فأنْكَر أهلُ الميتِ وخوَّنُوهما (^٢)، فأراد أبو موسى أن يَسْتَحْلِفَهما بعدَ العصرِ، فقلتُ له: إنهما (^٣) لا يُبالِيان صلاةَ العصرِ، ولكن اسْتَحْلِفْهما بعد صلاتِهما في دينِهما. فيُوقَفُ الرجلان بعدَ صلاتِهما في دينِهما، ويَحْلِفان باللَّهِ: لا نَشْتَرِى به (^٤) ثمنًا قليلًا ولو كان ذا قربى، ولا نَكْتُمُ شهادةَ اللهِ، إنا إذن لمن الآثمين، إن صاحبَكم (^٥) لَبهذا أوْصَى، وإن هذه لَتركتُه. فيقولُ لهما الإمامُ قبلَ أن يَحْلِفا: إنكما إن كنتما كتَمْتُما أو خُنتُما، فضَحْتُكما في قومِكما، ولم تَجُزْ لكما شهادةٌ، وعاقَبْتُكما. فإذا قال لهما ذلك، فإن ذلك أدْنى أن يَأْتوا بالشهادةِ على وجهِها (^٦).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"خوفوهما\".\n(^٣) زيادة من: م.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في م: \"صاحبهم\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢١٥، ٢١٦ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٢٨، ١٢٣٠، ١٢٣١ (٦٩٣٧، ٦٩٣٧، ٦٩٣٨، ٦٩٤٣) من طريق أسباط به مختصرًا دون قول ابن عباس.","vol":"9","page":78},{"text":"وأولى القولين في ذلك بالصوابِ عندَنا قولُ مَن قال: تحبسونهما من بعدِ صلاةِ العصرِ؛ لأن الله تعالى عرَّف الصلاة في هذا الموضعِ بإدخالِ الألفِ واللامِ فيها، ولا تُدْخِلُهما العربُ إلا في معروفٍ، إما في جنسٍ، أو في واحدٍ معهودٍ معروفٍ عندَ المخاطَبِين (^١). فإذ كان ذلك (^٢) كذلك، وكانت الصلاةُ في هذا الموضع مُجْمَعًا على أنه لم يُعْنَ بها جميعُ الصلواتِ، لم يَجُزْ أن يكونَ مُرادًا بها صلاةُ المُسْتَخْلَفِ مِن اليهودِ والنصارى؛ لأن لهم صلواتٍ ليست واحدةً فيكونَ معلومًا أنها المَعْنِيَّةُ بذلك. فإذ كان ذلك كذلك، صحَّ أنها صلاةٌ بعينها من صلواتِ المسلمين. وإذ كان ذلك كذلك، وكان النبيُّ ﷺ صحيحًا عنه أنه إذ لا عَن بينَ العَجْلانيَّين، لاعَن بينَهما بعدَ العصرِ دونَ غيرِها مِن الصلواتِ (^٣) - كان معلومًا أن التي عُنِيَت بقولِه: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾. هي الصلاةُ التي كان رسولُ اللهِ ﷺ يَتَخَيَّرُها (^٤) لاستخلافِ مَن أراد تغليظَ اليمينِ عليه. هذا [مع ما] (^٥) عندَ أهلِ الكفرِ باللهِ مِن تعظيمِ ذلك الوقتِ، وذلك لقربِه مِن غروبِ الشمسِ.\nوكان ابن زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾. ما حدَّثني به يُونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾. قال: لا (٢) نَأْخُذُ به رِشْوةً (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-2867>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ</span>\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المتخاطبين\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرج هذه القصة الدارقطنى ٣/ ٢٧٧، ومن طريقه البيهقى ٧/ ٣٩٨.\n(^٤) في س: \"يتخذها\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \" مهما\"، وفى س: \"بهما\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٣٢ (٦٩٤٧) من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد به.","vol":"9","page":79},{"text":"الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾.\nاخْتَلَفَت القَرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾. بإضافةِ الشهادةِ إلى اللهِ، وخفضِ اسمِ اللهِ تعالى، يعنى: لا نَكْتُمُ شهادةً للهِ عندَنا.\nوذُكِر عن الشعبيِّ أنه كان يَقْرَؤُه كالذي حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن ابن عونٍ، عن عامرٍ أنه كان يَقْرَأُ: (ولا نَكْتُمُ شهادةً أللَّهِ إِنَّا إِذًا لمن الآثمينَ). بقطعِ الألفِ وخفضِ اسمِ اللهِ، هكذا حدَّثنا به ابن وكيعٍ (^١).\nوكأن الشعبيَّ وجَّه معنى الكلامِ إلى أنهما يُقْسِمان باللَّهِ: لا نَشْتَرِى به ثمنًا ولا نَكْتُمُ شهادةً عندَنا. ثم ابْتَدَأ يَمينًا باستفهامٍ باللهِ إنهما إن اشْتَريا بأيمانِهما ثمنًا أو كتَما شهادتَه عندَهما [إنهما من] (^٢) الآثمين.\nوقد رُوِى عن الشعبيِّ في قراءةِ ذلك روايةٌ تُخالِفُ هذه الروايةَ، وذلك ما حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ التَّغْلِبيُّ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا عبادُ بنُ عبادٍ، عن ابن عونٍ، عن الشعبيِّ أنه قرأ: (ولا نَكْتُمُ شَهادَةً اللَّهِ إِنَّا إِذًا لمن الآثمين) (^٣). قال أحمدُ: قال أبو عبيدٍ: يُنوِّنُ شهادةً ويَخْفِضُ اللَّهَ على الاتصالِ. قال: وقد رواها بعضُهم بقطعِ الألف على الاستفهامِ، [وحفظى أنا] (^٤) لقراءةِ الشعبيِّ تركُ (^٥) الاستفهامِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٣٢ (٦٩٤٩) من طريق داود عن الشعبى به. وينظر المحتسب ١/ ٢٢١، والبحر المحيط ٤/ ٤٤. وهى قراءة شاذة.\n(^٢) في م: \"\"لمن \".\n(^٣) ينظر المحتسب ١/ ٢٢١.\n(^٤) في م: \"وخفض إنا\".\n(^٥) في م: \"بترك\".","vol":"9","page":80},{"text":"وقرَأها بعضُهم: (ولا نَكْتُمُ شَهادةً الله) (^١). بتنوينِ الشهادةِ ونصبِ اسمِ الله، بمعنى: ولا نَكْتُمُ الله (^٢) شهادةً عندنا.\nوأولى القراءاتِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾. بإضافةِ الشهادةِ إلى اسمِ اللهِ، وخفضِ اسمِ اللهِ؛ لأنها القراءةُ المستفيضةُ في قرَأَةِ الأمصارِ، التي لا تَتَناكَرُ صحَّتَها الأُمَّةُ.\nوكان ابن زيدٍ يقولُ في معنى ذلك: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾: وإِن كان صاحبُها (^٣) بعيدًا.\nحدَّثني بذلك يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ (^٤) عنه (^٥).\n\n<span id=\"aya-776\"></span><span data-type='title' id=toc-2868>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾: فإن اطُّلِع منهما (^٦) أو (^٧) ظهَر.\nوأصلُ العَثْرِ الوقوعُ على الشيءِ والسقوطُ عليه، ومن ذلك قولُهم: عثَرَت إصْبعُ فلانٍ بكذا، إذا صدَمَته وأصابَتْه ووقَعَت عليه. ومنه قولُ الأعشى ميمونِ بن قيس (^٨):\n_________\n(^١) وهى قراءة عليٍّ ونعيم بن ميسرة، وإحدى القراءات عن الشعبى. ينظر البحر المحيط ٤/ ٤٤.\n(^٢) في س: \"لله\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) في النسخ: \"زيد\". وينظر ص ١٠٣ حاشية (٢).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٣٢ (٦٩٥٠) من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد به.\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فيهما\".\n(^٧) في س: \"أي\".\n(^٨) ديوانه ص ١٠٣.","vol":"9","page":81},{"text":"بذاتِ لَوْثٍ (^١) عَفَرْنَاةٍ (^٢) إذا عثَرَتْ … فالتَّعْسُ (^٣) أدْنى لها مِن أن أقولَ لَعَا (^٤)\nيعنى بقولِه: عثَرَت: أصاب مَنْسِمُ (^٥) خُفِّها حجرًا (^٦) أو غيرَه. ثم يُسْتَعْمَلُ ذلك في كلِّ واقعٍ على شيءٍ كان عنه خفيًّا، كقولِهم: عثَرَتْ على الغَزْلِ بأَخَرَةٍ، فلم تَدَعْ بِنَجْدٍ قَرَدَةً (^٧). بمعنى: وقَعَت.\nوأما قولُه: ﴿عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾. فإنه يقولُ تعالى ذكرُه: فإن اطُّلِع مِن الوصِيَّيْن اللذين ذكَر اللهُ أَمْرَهما في هذه الآيةِ بعدَ حلِفِهما باللَّهِ: لا نَشْتَرِى بأيمانِنا ثمنًا ولو كان ذا قربى، ولا نَكْتُمُ شهادةَ اللهِ - ﴿عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾. يقولُ: على أنهما اسْتَوْجَبا بأيمانِهما التي حلَفا بها إثمًا، وذلك أن يُطَّلَعَ على أنهما كانا كاذِبَيْن في أيمانِهما باللَّهِ: ما خُنَّا، ولا بدَّلْنا، ولا غيَّرْنا. فإن وُجِدا قد خانا مِن مالِ الميتِ شيئًا، أو غيَّرا وصيتَه، أو بَدَّلا، فأثِما بذلك من حلِفِهما (^٨) بربِّهما، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾. يقولُ: يقومُ حينَئذٍ مَقامَهما مِن ورثةِ الميتِ الأَوْلَيان (^٩) الموصَى إليهما.\n_________\n(^١) اللوث: القوة. اللسان (ل وث).\n(^٢) عفرناة: قوية. اللسان (ع ف ر).\n(^٣) التعس: ألا ينتعش العاثر من عثرته، وأن ينكس في سفال. اللسان (ت ع س).\n(^٤) لعًا: كلمة يدعى بها للعاثر، معناها الارتفاع. اللسان (ل ع و).\n(^٥) في م: \"الميسم\". والمنسم: طرف خُفّ البعير اللسان (ن س م).\n(^٦) في م: \"حجر\".\n(^٧) القرد: ما تمعَّط من الإبل والغنم من الوبر والصوف والشعر.\nقال الأصمعي: أصله أن تدع المرأة الغزل وهى تجد ما تغزله من قطن أو غيره، حتى إذا فاتها تتبعت القرد في القمامات، فتلقطها فتغزلها. وهو مثل يضرب لمن ترك الحاجة وهى ممكنة، ثم جاء يطلبها بعد الفوت. ينظر مجمع الأمثال للميداني ٢/ ٣٢١.\n(^٨) في ص: \"بأمرهما\"، وفي ت ١: \"أمرهما\".\n(^٩) في ص، ت ١: \"وأولياء\".","vol":"9","page":82},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2869>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: إذا كان الرجلُ بأرضِ الشركِ، فأَوْصَى إلى رجلين مِن أهلِ الكتابِ، فإنهما يَحْلِفان بعدَ العصرِ، فإذا اطُّلعِ عليهما بعدَ حلِفِهما أنهما خانا شيئًا، حلَف أولياءُ الميتِ أنه كان كذا وكذا، ثم اسْتَحَقُّوا (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ بمثلِه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: مِن غيرِ المسلمين، ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾، فإن ارْتِيب (^٢) في شهادتِهما اسْتُحْلِفا بعدَ الصلاةِ باللهِ: ما اشْتَرَيْنا بشهادتِنا ثمنًا قليلًا. فإن اطَّلَع الأولياءُ على أن الكافرَينِ كذَبا في شهادتِهما، قام رجلان من الأولياءِ فحلَفا باللهِ: إن شهادةَ الكافرَيْنِ باطلةٌ (^٣)، وإنا لم نَعْتَدِ. فذلك قولُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾. يقولُ: إِن اطَّلِع على أن الكافرَيْنِ كذَبا، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾. يقولُ: مِن الأولياءِ (^٤)، فحلَفا باللهِ: إن شهادةَ الكافرَينِ باطلةٌ، وإنا لم نَعْتَدِ. فتُرَدُّ شهادةُ\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٧٦.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"ارتبت\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢ ت ٣، س: \"باطل\".\n(^٤) في ت ١، والناسخ للنحاس، ومطبوعة الدر: \"الأوليان\".","vol":"9","page":83},{"text":"الكافرَينِ، وتجوزُ شهادةُ الأولياءِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾: أي: اطُّلع منهما على خيانةٍ، أنهما كذَبا أو كتَما (^٢).\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي له حكَم اللهُ تعالى ذكرُه على الشاهدَيْن بالأيمانِ، فنقَلَها (^٣) إلى الآخَرَيْن بعدَ أن عُثِر عليهما أنهما اسْتَحَقَّا إثمًا؛ فقال بعضُهم: إنما أَلْزَمَهما اليمينَ إذا [ارْتيب في شهادتِهما] (^٤) على الميتِ في وصيتِه، أنه أوْصَى بغيرِ (^٥) الذي يَجوزُ في حكمِ الإسلامِ، وذلك أن يَشْهَدَا (^٦) أنه أوْصَى بمالِه كلِّه، أو أوْصَى أن يُفَضَّلَ بعضُ ولدِه ببعضِ مالِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2870>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قولِه: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: مِن أهلِ الإسلامِ، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: مِن غيرِ أهلِ الإسلامِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾. يقولُ: فيَحْلِفان باللهِ بعدَ الصلاةِ، فإن حلَفا على شيءٍ يُخالِفُ مَا أَنْزَلَ اللهُ تعالى ذكرُه مِن الفَريضةِ - يعني اللذين ليسا مِن أهلِ الإسلامِ - ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾: مِن أولياءِ الميتِ، فيَحْلِفان باللهِ: ما كان صاحبُنا لِيُوصِىَ بهذا، و(^٧) إنهما لكاذبان،\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم تخريجه في ص ٧٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، ت ١: \"فمن نقلها\".\n(^٤) في ص، ت ١، \"ارتبت بشهادتهما\"، وفى س: \"ارتيب بشهادتهما\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لغير\".\n(^٦) في م: \"يشهد\"، وفي ت ١: \"يشهدوا\".\n(^٧) في م: \"أو\".","vol":"9","page":84},{"text":"ولَشَهادتُنا أحقُّ مِن شهادتِهما (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: يُوقَفُ الرجلان بعدَ صلاتِهما في دينِهما، فيَحْلِفان باللهِ: لا نَشْترى به ثمنًا ولو كان ذا قُرْبَى، ولا نَكْتُمُ شهادةَ اللهِ، إنا إذن لمن الآثمين، إنَّ صاحبَكم لَبهذا أوْصَى، وإن هذه لتَركتُه. فإذا شهِدا، وأجاز الإمامُ شهادتَهما على ما شهِدا، قال لأولياءِ الرجلِ: اذْهَبوا فاضْرِبوا في الأرضِ واسْأَلُوا عنهما، فإن أنتم وجَدْتُم عليهما خِيانةً، أو أحدًا يَطْعُنُ عليهما ردَدْنا شهادتَهما. فيَنْطَلِقُ الأولياءُ فيَسْأَلُون، فإن وجَدوا أحدًا يَطْعُنُ عليهما، أو هما غيرُ مرضِيَّيْن عندَهم، أو اطُّلِع على أنهما خانا شيئًا من المالِ وجَدوه عندَهما، أقْبل (^٢) الأولياءُ فشهِدوا عندَ الإمامِ، وحلفوا باللهِ: لشَهادتُنا أنهما لخَائنان مُتَّهمان في دينِهما، مَطْعونٌ عليهما، أحقُّ مِن شهادتِهما بما شهِدا، وما اعْتَدَيْنا. فذلك قولُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ (^٣).\nوقال آخرون: بل إنما أُلْزِم الشاهدان اليمينَ لأنهما ادَّعَيا أنه أوْصَى لهما ببعضِ المالِ، وإنما يُنْقَلُ إلى الآخَرَيْن مِن أجلِ ذلك، إذا ارْتابا (^٤) بدَعْواهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-2871>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُوَيْدٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ في قولِه: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٣١، ١٢٣٣ (٦٩٤٢، ٦٩٥٥، ٦٩٥٨) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) سقط من: س، وفى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فأقبل\". والسياق يقتضى ما أثبت.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٣١، ١٢٣٣، ١٢٣٤ (٦٩٤٣، ٦٩٥٧، ٦٩٥٩) من طريق أحمد بن مفضل به نحوه.\n(^٤) في م: \"ارتابوا\".","vol":"9","page":85},{"text":"فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾. قال: زعَما أنهما (^١) أوْصَى لهما بكذا وكذا، ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾: أي بدَعواهما لأنفسِهما، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾: إن صاحبَنا لم يُوصِ إليكما بشيءٍ مما تقولان.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن الشاهدَيْن أُلْزِما اليمينَ في ذلك باتهامِ ورثةِ الميتِ إياهما فيما دفَع إليهما الميتُ مِن مالِه، ودَعواهم قِبَلَهما خيانةَ مالٍ معلومِ المبلغِ، ونُقِلَت بعدُ إلى الورثةِ عندِ ظهورِ الرِّيبةِ التي كانت مِن الورثةِ فيهما، وصحةِ التهمةِ عليهما، بشهادةِ شاهدٍ عليهما أو على أحدِهما، فيَحْلِفُ الوارثُ حينَئذٍ مع شهادةِ الشاهدِ عليهما أو على أحدِهما، إنما صحَّح دَعْواه إذ حُقِّق حقُّه، أو لإقرارٍ (^٢) يَكونُ من الشهودِ ببعضِ ما ادَّعَى عليهما الوارثُ أو بجميعِه، ثم دَعْواهما في الذي أقَرَّا به مِن مالِ الميتِ ما لا يُقْبَلُ فيه دَعْواهما إلا ببينةٍ، ثم لا يَكونُ لهما على دعواهما تلك بينةٌ، فيُنْقَلُ حينَئذٍ اليمينُ إلى أولياءِ الميتِ.\nوإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ؛ لأنا لا نَعْلَمُ مِن أحكامِ الإسلامِ حكمًا يَجِبُ فيه اليمينُ على الشهودِ، ارْتيب بشهادتِهما أو لم يُرْتَبْ بها، فيَكونَ الحكمُ في هذه الشهادةِ نظيرًا لذلك، [ولا - إذْ لم] (^٣) نَجِدْ ذلك كذلك - صحَّ بخبرٍ عن الرسولِ ﷺ، ولا بإجماعٍ من الأمةِ؛ لأن اسْتِحْلافَ الشهودِ في هذا الموضعِ من حكمِ اللهِ تعالى ذكرُه، فيكونُ أصلًا مُسَلَّمًا، والمَقولُ إِذا خرَج مِن أَن يَكونَ أصلًا أو نظيرًا لأصلِ فيما تَنازَعَت فيه الأمةُ، كان واضحًا فسادُه.\nوإذا فسَد هذا القولُ بما ذكَرْنا، فالقولُ بأن الشاهدَيْن اسْتُحْلِفا مِن أجلِ أنهما\n_________\n(^١) في م: \"أنه\".\n(^٢) في م: \"الإقرار\".\n(^٣) في م: \"ولم\".","vol":"9","page":86},{"text":"ادَّعيا على الميتِ وصيةً لهما بمالٍ مِن مالِه - أَفْسَدُ؛ مِن أجلِ أن أهلَ العلمِ لا خلافَ بينَهم في أن مِن حُكْمِ اللهِ تعالى ذكرُه أن مُدَّعِيًا لو ادَّعَى في مالِ ميتٍ وصيةً، أن القولَ قولُ ورثةِ المُدَّعَى في مالِه الوصيةُ مع أيمانِهم، دونَ قولِ مُدَّعِى ذلك مع يمينِه، وذلك إذا لم يَكُنْ للمُدَّعِى بينةٌ. وقد جعَل اللهُ تعالى ذكرُه اليمينَ في هذه الآيةِ على الشهودِ إذا ارْتِيب بهما، وإنما نُقِل الأيمانُ عنهم إلى أولياءِ الميتِ إذا عُثر على أن الشهودَ اسْتَحَقَّوا إثمًا في أيمانِهم، فمعلومٌ بذلك فسادُ قولِ مَن قال: أُلْزِم اليمينَ الشهودُ لدَعْواهم لأنفسِهم وصيةً أَوْصَى بها لهم الميتُ مِن مالِه.\nعلى أن ما قلنا في ذلك عن أهلِ التأويلِ، هو التأويلُ الذي ورَدَت به الأخبارُ عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، أن رسول الله ﷺ قضَى به حينَ نزلَت هذه الآيةُ، بينَ الذين نزَلَت فيهم وبسببِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2872>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن يحيى بن أبي زائدةَ، عن محمدِ بن أبي القاسمِ، عن عبدِ الملكِ بن سعيدِ بن جبيرٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: خرَج رجلٌ مِن بنى سَهْمٍ مع تميمٍ الداريِّ وعديِّ بن بَدَّاءَ، فمات السَّهميُّ بأَرضٍ ليس فيها مسلمٌ، فلما قدِما (^١) بتركتِه فقَدوا جامًا (^٢) من فضةٍ مُخَوَّصًا بالذهبِ (^٣)، فأَحْلَفَهما رسولُ اللهِ ﷺ، ثم وجد الجامُ بمكةَ، فقالوا: اشْترَيْناه مِن تميمٍ الداريِّ وعديِّ بن بَدَّاءَ. فقام رجلان من أولياءِ السَّهْميِّ، فحلَفا: لشهادتُنا أحقُّ من شهادتِهما، وإن الجامَ لصاحبِهم، قال: وفيهم أُنْزِلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قدموا\".\n(^٢) الجام: الإناء. اللسان (ج وم).\n(^٣) أي: عليه صفائح الذهب مثل خوص النخل. النهاية ٢/ ٨٧.","vol":"9","page":87},{"text":"بَيْنِكُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ [أحمدَ بن] (^٢) أبي شعيبٍ الحَرَّانيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سلَمةَ الحَرَّانيُّ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن أبي النَّضْرِ، عن باذانَ (^٣) مولى أمِّ هانيءٍ ابنةِ أبي طالبٍ، عن ابن عباسٍ، عن تميمٍ الداريِّ في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾. قال: برِئ الناسُ منها غيرى وغيرَ عديِّ بن بَدَّاءَ. وكانا نصرانيَّين يَخْتَلِفان إلى الشامِ قبلَ الإسلامِ، فأتَيا الشامَ لتجارتِهما، وقدِم عليهما مولًى لبنى سَهْم يقالُ له: بُدَيْلُ (^٤) بنُ أَبي مريمَ. بتجارةٍ، ومعه جامُ فضةٍ يُرِيدُ به الملكَ، وهو (^٥) عُظْمُ تجارتِه، فمرِض، فأَوْصَى إليهما، وأمَرَهما أن يُبْلِغا ما ترَك أهلَه. قال تَميمٌ: فلما مات أخَذْنا ذلك الجامَ فبَعْناه بألفِ درهمٍ، فقسَمْناه أنا وعديُّ بنُ بَدَّاءَ [فلمَّا قدِمْنا إلى أهلِه دفَعْنا إليهم ما كان معنا، وفقَدوا الجامَ فسأَلونا عنه] (^٦)، فقلنا: ما ترَك غيرَ هذا، وما دفَع إلينا غيرَه. قال تَميمٌ: فلما أَسْلَمْتُ بعدَ قدومِ رسولِ الله ﷺ المدينةَ تَأَثَّمْتُ مِن ذلك، فأَتَيْتُ أهلَه فأخبرْتُهم الخبرَ، وأدَّيْتُ إليهم خمسَمائةِ درهمٍ، وأخْبرتُهم أن عندَ\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٠٦٠) عن سفيان بن وكيع به، وأخرجه البخارى (٢٧٨٠) في تاريخه ١/ ٢١٥، وأبو داود (٣٦٠٦)، والبيهقى ١٠/ ١٦٥ من طريق يحيى بن آدم به، وأخرجه النحاس في ناسخه ص ٤٠٨، والطبراني (١٢٥٠٩)، ١٧/ ١١٠ (٢٦٨) من طريق يحيى بن أبي زائدة به، وعزاه السيوطي في الدر ٢/ ٣٤٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"زاذان\"، وفى س: \"داود\"، وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٦.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بريل\"، وفى س \"بزسل\". - تصحيف: بزيل - وقال الحافظ في الفتح ٥/ ٤١١: ووقع في رواية الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس عن تميم نفسه عند الترمذى والطبري - وهى روايتنا هنا بديل .. ورأيته في نسخة صحيحة من تفسير الطبري: بريل. براء بغير نقطة. ويقال أيضا: بزيل، وبرير. ينظر الإكمال ١/ ٢٦٤، والإصابة ١/ ٢٧٤.\n(^٥) في ص، ت ١: \"هي\".\n(^٦) سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج.","vol":"9","page":88},{"text":"صاحبى مثلَها، [فوثبُوا إليه] (^١)، فأتَوْا به (^٢) رسول الله ﷺ، فسأَلهم البينةَ، فلم يَجِدوا، فأمرَهم أن يَسْتَحْلِفوه بما يُعَظَّمُ به على أهلِ دينِه، فحلَف، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾. فقام عمرُو بنُ العاصِ ورجلٌ آخرُ منهم، فحلَفا، فنُزِعَتِ الخمسُمائةِ من عديِّ بن بَدَّاءَ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ وابنِ سيرينَ وغيرِه، قال: وحدَّثنا الحجاجُ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ - دخَل حديثُ بعضِهم في بعض -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآيةَ. قالوا (^٤): كان عديٌّ وتميمٌ الداريُّ، وهما مِن لَخْمٍ، نصرانيَّان، يَتَّجِران إلى مكةَ في الجاهليةِ، فلمَّا هاجَر رسولُ اللهِ ﷺ حوَّلا مَتْجَرَهما إلى المدينةِ، فقدِم ابن أبي ماريَةَ مولى عمرِو بن العاصِ المدينةَ، وهو يُرِيدُ الشامَ، تاجرًا، فخرَجوا جميعًا، حتى إذا كانوا ببعضِ الطريق مرِض ابن أبى ماريةَ، فكتَب وصيَّتَه بيدِه، ثم دسَّها في متاعِه، ثم أوْصَى إليهما، فلما مات فتَحا متاعَه، فأخَذا ما أرادا، ثم قدِما على أهلِه، فدفَعا ما أرادا، ففتَح أهلُه متاعَه، فوجَدوا كتابَه وعهدَه، وما خرَج به، وفقَدوا (^٥) شيئًا، [فسأَلوهما عنه] (^٦) فقالوا: هذا الذي قبَضْنا له،\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ٢.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١.\n(^٣) أخرجه الترمذى (٣٠٥٩)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٤٠٩، عن الحسن بن أحمد به.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٣٠، ١٢٣١ (٦٩٤١) من طريق محمد بن سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤١ إلى أبى الشيخ وابن مردويه وأبي نعيم في المعرفة.\n(^٤) في م: \"قال\".\n(^٥) في ص، ت ١: \"قعدوا\"، وفى س: \"ولم يجدوا\".\n(^٦) في ص، س: \"وسألوهما عنها\"، وفى ت ١: \"وسألوهما عنهما\".","vol":"9","page":89},{"text":"ودفَع إلينا. قال لهما أهلُه: فباع شيئًا، أو ابْتاعَه؟ قالا: لا. قالوا: فهل اسْتَهْلَك (^١) مِن متاعِه شيئًا؟ قالا: لا. قالوا: فهل تجَر تجارةً؟ قالا: لا. قالوا: فإنا قد فقَدْنا بعضَه. فأتُّهما، فرفُعوهما إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فنزلَت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾. إلى قولِه: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾. قال: فأَمَر رسولُ اللهِ ﷺ أن يَسْتَحْلِفوهما في دُبُرِ صلاةِ العصرِ باللهِ الذي لا إلهَ إلا هو: ما قبَضْنا له غيرَ هذا، ولا كتَمْنا. قال: فمكَثا (^٢) ما شاء اللهُ أن يَمْكُثا، ثم ظُهِر معَهما على إناءٍ مِن فضةٍ مَنْقوشٍ مُموَّهٍ بذهبٍ، فقال أهلُه: هذا مِن متاعِه؟ قالا: نعم، ولكنا اشْتَرَيْناه منه، ونسِينا أن نذْكُرَه حينَ حلَفْنا، فكرِهْنا أن نُكَذِّبَ أنفسَنا. فتَرافَعوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فنزَلتِ (^٣) الآيةُ الأخرى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾. فأمَر رسولُ اللهِ ﷺ رجلين مِن أهلِ الميتِ أن يَحْلِفا على ما كتَما، وغيَّبا، ويَسْتَحِقَّانه. ثم إن تميمًا الداريَّ أَسْلَم وبايَع النبيَّ ﷺ، وكان يقولُ: صدَق اللهُ ورسولُه، أنا أخَذْتُ الإناءَ (^٤).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية كلّها. قال: هذا شيءٌ حينَ لم يَكُنِ الإسلامُ إلا بالمدينةِ، وكانت الأرضُ كلُّها كفرًا (^٥)، فقال الله تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: مِن\n_________\n(^١) استهلك المال: أنفقه وأنفده وأهلكه. اللسان (هـ ل ك)، وقال الشيخ شاكر: أي: أضاعه وافتقده، وهذا حرف لم تقيده كتب اللغة، استظهرت معناه من السياق.\n(^٢) في م: \"فمكثنا\".\n(^٣) سقط من: ص.\n(^٤) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٢١٠ - ٢١٢ عن الحجاج عن ابن جريج عن عكرمة - وحده - به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٢ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كفر\".","vol":"9","page":90},{"text":"المسلمين، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: مِن غيرِ أهلِ الإسلامِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾. قال: كان الرجلُ يَخْرُجُ مُسافرًا، وهم (^١) - العربَ - أهلُ كفرٍ، فعسى أن يَموتَ في سفرِه، فيُسْنِدُ (^٢) وصيتَه إلى رجلين منهم، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في أمرِهما، إذا (^٣) قال الورثةُ: كان مع صاحبِنا كذا وكذا. فيُقْسِمان باللهِ: ما كان معه إلا هذا الذي قلنا. ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾: إنما حلَفا على باطلٍ وكذبٍ، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ بالميتِ، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ذكَرْنا أنه كان مع صاحبِنا كذا وكذا، قال هؤلاء: لم يَكُنْ معه ذاك (^٤). ثم عُثِر على بعضِ المتاعِ عندَهما، فلما عُثِر على ذلك رُدَّت القَسَامةُ على وارثِه فأقْسَما، ثم ضمِن هذان. قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ﴾ فتَبْطُلَ أيمانُهم، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: الكاذبين الذين يَحْلِفون على الكذبِ.\nوقال ابن زيدٍ: وقدِم تَميمٌ الداريُّ وصاحبٌ له، وكانا يومَئذٍ مشركَيْن، ولم يكونا أسْلَما، فأَخْبَرا أنهما أوْصَى إليهما رجلٌ، وجاءا (^٥) بتركتِه، فقال أولياءُ الميتِ: كان مع صاحبِنا كذا وكذا (^٦)، وكان معه إبريقُ فضةٍ. وقال الآخران: لم\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في س: \"فينفذ\".\n(^٣) سقط من: س.\n(^٤) في م، ت ٢، س: \"قال\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٣، س: \"جاءوا\".\n(^٦) بعده في ص، ت ١، ت ٣، س: \"وكان مع صاحبنا كذا\".","vol":"9","page":91},{"text":"يَكُن معه إلا الذي جئْنا به. فحلَفا خلْفَ (^١) الصلاةِ، ثم عُثِر عليهما بعدُ والإبريقُ معهما، فلما عُثِر عليهما رُدَّت القَسامةُ على أولياءِ الميتِ بالذي قالوا مع صاحبِهم، ثم ضمَّنهما الذي حلَف عليه الأَوْلَيان.\nحدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا الشافعيُّ، قال: أخْبرَنا [أبو سعيدٍ معاذُ بنُ موسى] (^٢) الجَعْفَريُّ، عن بُكيرِ (^٣) بن معروفٍ، عن مُقاتِلِ بن حَيَّانَ - قال بُكيرٌ (^٣): قال مُقاتِلٌ: أخَذْتُ هذا التفسيرَ عن مجاهدٍ والحسنِ والضحاكِ - في قولِ اللهِ: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: أن رجلين نصرانيين من أهل دارِينَ (^٤)، أحدُهما تميميٌّ والآخرُ يَمانيُّ، صاحَبهما مولًى لقريشٍ في تجارةٍ، فركِبوا البحرَ، ومع القرشيِّ مالٌ معلومٌ قد علِمه أولياؤُه؛ مِن بين آنيةٍ وبَزٍّ (^٥) ورِقَةٍ (^٦)، فمرِض القرشيُّ، فجعَل وصيتَه إلى الداريَّين (^٧)، فمات، وقبَض الداريَّان المالَ والوصيةَ، فدفَعاه إلى أولياءِ الميتِ، وجاءا (^٨) ببعضِ مالِه، وأنْكَر القومُ (^٩) قلةَ المالِ، فقالوا للداريَّين: إن صاحبَنا قد خرج معه بمالٍ أكثرَ مما أتَيْتُمونا به، فهل باع شيئًا أو اشْتَرَى شيئًا فوُضِع فيه؟ أو هل طال مرضُه فأَنْفَق على نفسِه؟ قالا: لا. قالوا: فإنكما خنْتُمانا. فقبَضوا المالَ، ورفَعوا أمرَهما إلى النبيِّ ﷺ، فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا\n_________\n(^١) أي: بعد. التاج (خ ل ف).\n(^٢) في م: \"سعيد بن معاذ بن موسى\"، وفى س: \"أبو سعيد عن معاذ بن موسى\". وينظر تعجيل المنفعة ٢/ ٢٦٩.\n(^٣) في م: \"بكر\". وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٢٥٢.\n(^٤) دارين: قرية في بلاد فارس على شاطئ البحر. معجم ما استعجم ٢/ ٥٣٨.\n(^٥) البز: الثياب. الصحاح (ب ز ز).\n(^٦) الرقة: الدراهم المضروبة. الصحاح (ورق).\n(^٧) في ص، ت ١، س: \"الداري\".\n(^٨) في ص، ت ١: \"جاء\".\n(^٩) بعده في س: \"عليه\".","vol":"9","page":92},{"text":"شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. فلمَّا [نزَل: أن يُحْبَسا مِن بعدِ الصلاةِ] (^١). أمَر النبيُّ ﷺ فقاما بعدَ الصلاةِ، فحلَفا باللهِ [ربِّ السماواتِ] (^٢): ما ترَك مولاكم مِن المالِ إلا ما أتَيْناكم به، وإنا لا نَشْتَرِى بأيمانِنا ثمنًا قليلًا مِن الدنيا ولو كان ذا قُرْبى، ولا نَكْتُمُ شهادةَ اللهِ، إنا إذن لمن الآثمين. فلما حلَفا خلَّى سبيلَهما، ثم إنهم وجَدوا بعدَ ذلك إناءً من آنيةِ الميتِ، فأُخِذ الداريَّان، فقالا: اشْتَرَيْناه منه في حياتِه. وكذَبا، فكُلِّفا البينةَ، فلم يَقْدِرا عليها، فرفَعوا ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾. يقولُ: فإن اطُّلِع، ﴿أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾: يعنى الداريَّين إن كتَما حقًّا، ﴿فَآخَرَانِ﴾ من أولياءِ الميتِ ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾: [فيَحْلِفان باللهِ] (^٣): إن مالَ صاحبِنا كان كذا وكذا، وإن الذي يُطْلَبُ قِبَلَ الداريَّين لَحَقٌّ، ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. هذا قولُ الشاهدَيْن أولياءِ الميتِ، ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾: يعنى الداريَّين والناسَ أن يَعُودوا لمثلِ ذلك (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: ففيما ذكَرْنا مِن هذه الأخبارِ التي روَيْنا دليلٌ واضحٌ على صحةِ ما قلْنا، مِن أن حكمَ اللهِ تعالى ذكرُه باليمينِ على الشاهدَيْن في هذا الموضعِ، إنما هو مِن أجلِ دعْوى وَرَثتِه على المُسْنَدِ إليهما الوصيةُ خيانةً فيما دفَع الميتُ مِن مالِه إليهما، أو غيرَ ذلك مما لا يَبْرَأُ فيه المُدَّعَى ذلك قِبَلَه إلا بيمينٍ، وأن نقلَ اليمينِ إلى ورثةِ الميتِ بما أَوْجَبه اللهُ تعالى ذكرُه، بعدَ أن عُثِر على الشاهدَيْن [أَنَّهما اسْتَحَقًا إثمًا] (^٥) في\n_________\n(^١) في س: \"نزلت\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٣، س: \"وبالسماوات\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) أخرجه البيهقى ١٠/ ١٦٤ من طريق يزيد بن صالح عن بكير بن معروف به، ثم أخرجه في ١٠/ ١٦٥ من طريق الربيع به، وأحال لفظه على السابق، وأخرج بعضه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٣٢ - ١٢٣٤ (٦٩٤٦، ٦٩٥٤، ٦٩٦٠، ٦٩٦١، ٦٩٦٣) من طريق بكير به.\n(^٥) سقط من النسخ، والمثبت كما أثبته الشيخ شاكر في تعليقه على هذا الموضوع.","vol":"9","page":93},{"text":"أيمانِهما، ثم ظُهِر على كذبِهما فيها، إنِ القومُ ادَّعَوْا فيما صحَّ أنه كان للميتِ دعوَى، مِن انتقالِ ملكٍ عنه إليهما، ببعضِ ما تَزولُ به الأملاكُ، مما يَكونُ اليمينُ فيها على ورثةِ الميتِ دونَ المدَّعَى، وتكونُ البينة فيها على المدَّعَى - وفسادِ ما خالف في هذه الآية ما (^١) قلنا (^٢) مِن التأويلِ.\nوفيها أيضًا البيانُ الواضحُ على أن معنى الشهادةِ التي ذكَرَها اللهُ تعالى ذكرُه في أولِ هذه القصةِ، إنما هي اليمينُ، كما قال اللهُ تعالى ذكرُه في مواضعَ أُخَرَ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦]. فالشهادةُ في هذا الموضعِ معناها القسَمُ، مِن قولِ القائلِ: أَشْهَدُ باللهِ إنى (^٣) لمن الصادقين. وكذلك معنى قولِه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. إنما هو: قسَمُ بينِكم، ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ أَن يُقْسِمَ ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ إن كانا اتُّمِنا (^٤) على ما قال فارْتِيب بهما، أو اتُّمِن (^٥) آخران من غير المؤمنين فاتُّهِما. وذلك أنّ الله تعالى ذكرُه لمَّا ذكَر نقلَ اليمينِ من اللذين ظُهِر على خيانتِهما إلى الآخرَين قال: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾. ومعلومٌ أنّ أولياءَ الميتِ المُدَّعِين قِبَلَ اللذين ظُهِر على خيانتِهما، غيرُ جائزٍ أن يكونا شُهداءَ بمعنى الشهادةِ التي يُؤْخَذُ بها في الحكمِ حقُّ مُدَّعًى عليه لمُدَّعٍ؛ لأنه لا يُعْلَمُ للهِ تعالى ذكرُه حكمٌ قضَى فيه لأحدٍ بدَعْواه ويمينِه على مُدَّعًى عليه، بغيرِ بينةٍ ولا إقرارٍ من المُدَّعَى عليه ولا برهانٍ.\n_________\n(^١) في م: \"مما\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"قبلنا\".\n(^٣) في م: \"إنه\".\n(^٤) في م: \"ائتمنا\".\n(^٥) في م: \"ائتمن\".","vol":"9","page":94},{"text":"فإذ كان معلومًا أن قولَه: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾. إنما معناه: قَسَمُنا أحقُّ مِن قسَمِهما. وكان قسَمُ اللذين عُثِر على أنهما أثِما، هو الشهادةَ التي ذكَر اللهُ تعالى ذكرُه في قولِه: ﴿أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ - صحَّ أن معنى قولِه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. بمعنى الشهادةِ في قولِه: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾. وأنها بمعنى القسم.\nواخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾؛ فقرَأ ذلك قرأةُ الحجازِ والعراقِ والشامِ (مِن الذين استُحِقَّ عليهم الأَوْلَيان). بضمِّ التاءِ (^١).\nورُوِى عن عليٍّ وأبيِّ بن كعبٍ والحسنِ البصريِّ أنهم قرَءوا ذلك: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾. بفتح التاءِ (^٢).\nواخْتَلَفَت أيضًا في قراءةِ قولِه: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والشامِ والبصرةِ: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ (^٣).\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: \"الأوَّلِينَ\" (^٤).\nوذُكِر عن الحسنِ البصريِّ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (من الذين استَحَقَّ عليهم الأَوَّلان) (^٥).\nوأولى القراءتين بالصوابِ في قولِه: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾. قراءةُ مَن\n_________\n(^١) بضم التاء قرأ نافع وابن كثير - في رواية - وابن عامر وأبو عمرو والكسائي وحمزة، وأبو بكر عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٨.\n(^٢) وهى قراءة حفص عن عاصم. المصدر السابق.\n(^٣) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر والكسائي، وحفص عن عاصم. السبعة ص ٢٤٨، وينظر التيسير ص ٨٣.\n(^٤) وهى قراءة حمزة، وأبى بكر عن عاصم. المصدر السابق.\n(^٥) والقراءة شاذة، كما سيذكر المصنف في ص ٩٩. وينظر البحر المحيط ٤/ ٤٥.","vol":"9","page":95},{"text":"قرَأ بضمِّ التاءِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه، مع مُتابَعةِ (^١) عامةِ أهلِ التأويلِ على صحةِ تأويلِه (^٢)، وذلك إجماعُ عامتِهم على أن تأويلَه: فآخران مِن أهلِ الميتِ الذين اسْتَحَقُّ المؤتَمنان على مالِ الميتِ الإثمَ فيهم، يَقومان مَقامَ المستحِقَّى (^٣) الإثمِ فيهما بخيانتِهما ما خانا مِن مالِ الميتِ.\nوقد ذكَرْنا قائلى ذلك، أو أكثرَ قائليه، فيما مضَى قبلُ (^٤)، ونحن ذاكِرو باقِيهم، إن شاء اللهُ ذلك.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: أن يَموتَ المؤمنُ فيَحْضُرَ موتَه مسلمان أو كافران، لا يَحْضُرُه غيرُ اثنين منهم، فإن رضِى ورَثتُه ما عاجَل (^٥) عليه مِن تركتِه فذاك، وحلَف الشاهدان إن اتُّهِما: إنهما لصادقان، ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾: وُجِد لَطْخٌ (^٦)، حلَف الاثنان الأَوْلَيان مِن الورثةِ، فاسْتَحَقًّا، وأَبْطَلا أيمانَ الشاهدَيْن (^٧).\nوأَحْسَبُ أن الذين قرَءوا ذلك بفتحِ التاءِ أرادوا أن يُوَجِّهوا تأويلَه إلى: فآخران يقومان مقامَ المُؤْتَمَنين اللذين عُثِر على خيانتِهما في القسَمِ، والاسْتَحقاقِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"مساعة\"، وفى م: \"مساعدة\".\n(^٢) القراءتان متواترتان، وليست إحداهما أولى بالصواب من الأخرى.\n(^٣) في م: \"المستحق\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ٧٢ وما بعدها.\n(^٥) كذا في النسخ، وفى تفسير مجاهد: \"شهدوا\"، وفي الدر المنثور: \"غابا\".\n(^٦) سقط من: س، وفى ص بقدر كلمتين، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣ بقدر سطر ونصف، وكتب فيه: كذا وجدت. وبعده في مصدرى التخريج: \"أو لبس أو تشبيه\".\nويقال: لُطخ فلانٌ بشرٍّ: رمى به، ولطخت فلانا بأمر قبيح: رميته به. والمراد هنا: الاتهام. ينظر اللسان والتاج (ل ط خ).\n(^٧) تفسير مجاهد ص ٣١٨ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٣ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.","vol":"9","page":96},{"text":"به عليهما دَعْواهما قِبَلَهما، مِن الذين اسْتَحَق على المُؤْتَمَنين على المالِ على خيانتِهما القيامَ مقامَهما في القسَمِ والاستحقاقِ (^١)، الأوْلَيان بالميتِ.\nوكذلك كانت قراءةُ مَن رُوِيَت هذه القراءةُ عنه، فقرَأ ذلك: هو ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ (^٢)﴾؛ ﴿اسْتَحَقَّ (^٢)﴾ بفتحِ التاءِ، [و﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ (^٣). على معنى: الأوليان بالميتِ ومالِه.\nوذلك مذهبٌ صحيحٌ، وقراءةٌ غيرُ مدفوعةٍ صحتُها، غيرَ أنا نَخْتارُ الأُخرى؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليها، مع موافقتِها التأويلَ الذي ذكَرْنا عن الصحابةِ والتابعين.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ وكُرَيْبٍ، عن عليٍّ أنه كان يَقْرَأُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، عن حمادِ بن زيدٍ، [عن واصلٍ مَوْلَى أبي عُيينةَ] (^٥)، عن يحيى بن عُقَيْلٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ، عن أبيِّ بن كعبٍ أنه كان يَقْرَأُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ (^٦).\nوأما أولى القراءاتِ بالصوابِ في قولِه: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾. عندى، فقراءةُ مَن\n_________\n(^١) بعده في م: \"في\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٤ إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وأبي عبيد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٥) في النسخ: \"وائل مولى أبي عبيد\". وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٤٠٨.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن عدى عن أبي مجلز عن أبيِّ بن كعب، وفيه قصة.","vol":"9","page":97},{"text":"قرَأ: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ (^١). بصحةِ (^٢) معناها؛ وذلك لأن (^٣) معنى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ [عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾: فآخران يَقومان مَقامَهما مِن الذين استحقَّ] (^٤) فيهم الإثمُ. ثم حُذِف الإثمُ وأُقِيم مُقامَه الأوليان؛ لأنهما هما اللذان ظلَما وأثِما فيهما، بما كان مِن خيانةِ اللذين اسْتَحَقَّا الإثمَ، وعُثِر عليهما بالخيانةِ منهما، فيما كان أتَّمَنهما عليه الميتُ. كما قد بيَّنا فيما مضَى مِن فعلِ العربِ مثلَ ذلك؛ مِن حذفِهم الفعلَ اجتزاءً بالاسمِ، وحذْفِهم الاسمَ اجْتزاءً بالفعلِ (^٥). ومِن ذلك ما قد ذكَرْنا في تأويلِ هذه القصةِ، وهو قولُه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾. ومعناه: أن يَشْهَدَ اثنان. وكما قال: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾. فقال: ﴿به﴾. فعاد بالهاءِ على اسمِ اللهِ، وإنما المعنى: لا نَشْتَرِى بقسَمِنا باللهِ. فَاجْتُزِئَ بالعودِ على اسمِ اللهِ بالذكرِ، والمرادُ به: لا نَشْتَرِى بالقسمِ باللهِ. اسْتِغْناءً (^٦) بفهمِ السامعِ بمعناه مِن (^٧) ذكرِ اسمِ القسمِ. وكذلك اجتُزِئ بذكرِ الأَوْلَيَيْن مِن ذكرِ الإثمِ الذي اسْتَحَقه الخائنان لخيانتِهما إياهما (^٨)، إذ كان قد جرَى ذكرُ ذلك بما أغْنَى السامعَ عندَ سَماعِه إياه مِن (٧) إعادتِه، وذلك قولُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾.\nوأما الذين قرَءوا ذلك: (الأوَّلِينَ). فإنهم قصَدوا في معناه إلى الترجمةِ به عن ﴿الَّذِينَ﴾. فأخْرَجوا ذلك على وجه الجمعِ، إذ كان ﴿الَّذِينَ﴾\n_________\n(^١) بل قراءة (الأوليان) و(الأوّلين) كلتاهما صواب، وليست إحداهما أولى من الأخرى.\n(^٢) الباء هنا للسببية. وينظر مغنى اللبيب بحاشية الأمير، ١/ ٩٧، والجنى الداني ص ٣٩.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١.\n(^٤) سقط من النسخ، والمثبت من تحقيق الشيخ شاكر.\n(^٥) يعنى بالفعل هنا المصدر كما تقدم.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"استغنى\".\n(^٧) في م: \"عن\".\n(^٨) في م: \"إياها\".","vol":"9","page":98},{"text":"جميعًا (^١)، وخفضًا؛ إذ كان ﴿الَّذِينَ﴾. مخفوضًا. وذلك وجهٌ مِن التأويلِ، غيرَ أنه إنما يُقالُ للشيءِ: أوَّلٌ. إذا كان له آخِرٌ هو له أوَّلٌ، وليس للذين اسْتحقَّ عليهم الإثمُ آخِرٌ، هم له أولٌ، بل كانت أيمانُ الذين عُثِر على أنهما استحقَّا إثمًا قبلَ أيمانِهم، فهم إلى أن يكونوا - إذ كانت أيمانُهم آخِرًا - أولى أن يكونوا آخِرين مِن أن يكونوا أولِين، وأيمانُهم آخِرةٌ لأُولى قبلُها.\nوأما القراءةُ التي حُكِيَت عن الحسنِ، فقراءةٌ عن قراءةِ الحجةِ مِن القرأةِ شاذةٌ، وكفَى بشُذوذِها عن قراءتِهم دليلًا على بُعدِها مِن الصوابِ.\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في الرافعِ لقولِه: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾. إذا قُرِئ كذلك؛ فكان (^٢) بعضُ نحويى البصرةِ يَزْعُمُ أنه رُفِع ذلك بدلًا مِن ﴿فَآخَرَانِ﴾ في قولِه: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾. وقال: إنما جاز أن يُبْدَلَ ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ وهو معرفةٌ، مِن ﴿فَآخَرَانِ﴾ وهو نكرةٌ؛ لأنه حينَ قال: ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾. كان كأنه قد حدَّهما حتى صارا كالمعرفةِ في المعنى، فقال: الأَوْلَيان. فأجْرَى المعرفةَ عليهما بدلًا. قال: ومثلُ هذا مما يَجْرِى على المعنى كثيرٌ. واستشهَد لصحةِ قولِه ذلك بقولِ الراجزِ (^٣):\nعليَّ يومَ يَمْلِكُ الأُمورَا\nصومَ شُهورٍ وجَبَت نُذُورَا\nوبادِنًا (^٤) مُقَلَّدًا مَنْحورًا\n_________\n(^١) في م: \"جمعا\".\n(^٢) في ص، م ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فقال\".\n(^٣) سيأتي في ١٦/ ٥٥٣.\n(^٤) البادن: السمين الجسيم، ويريد هنا البَدَنة، وهى الناقة أو البقرة تنحر بمكة، سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها. الصحاح واللسان (ب د ن).","vol":"9","page":99},{"text":"قال: فجعَله: عليَّ واجبٌ؛ لأنه في المعنى قد أُوجِبَ.\nوكان بعضُ نحويى الكوفةِ يُنْكِرُ ذلك ويقولُ: لا يَجوزُ أن يَكونَ ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ بدلًا مِن ﴿آخَرَانِ﴾ مِن أجلِ أنه قد نسَق (^١) ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾ على ﴿يَقُومَانِ﴾ في قولِه ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ﴾. فلم يَتِمَّ الخبرُ بعدَ (^٢) ﴿مِنَ﴾ (^٣). قال: و(^٤) لا يَجوزُ الإبدالُ قبلَ إتمامِ الخبرِ. و(^٥) قال: غيرُ جائزٍ: مرَرْتُ برجلٍ قام زيدٍ وقعَد. وزيدٌ بدلٌ مِن رجلٍ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾. مرفوعان بما لم يُسمَّ فاعلُه، وهو قولُه: (اسْتُحِقَّ عليهم)، وأنهما وُضِعا (^٦) موضعَ الخبرِ عنهما، فعمِل فيهما ما كان عاملًا في الخبرِ عنهما؛ وذلك أن معنى الكلامِ: فآخران يقومان مَقامهما من الذين استُحِقَّ عليهم الإثمُ بالخيانةِ. فوُضِع ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ موضعَ الإثمِ، كما قال تعالى ذكرُه في موضعِ آخَرَ ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ [التوبة: ١٩]. ومعناه: أجعلتُم سقايةَ الحاجِّ وعمارةَ المسجدِ الحرامِ كإيمانِ مَن آمن باللهِ واليومِ الآخرِ؟ وكما قال: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣]. وكما قال بعضُ الهُذليين (^٧):\nيُمَشِّى بينَنا حانوتُ خمرٍ … من الخُرْسِ الصَّراصِرةِ القِطاطِ (^٨)\nوهو يعنى: صاحبُ حانوتِ خمرٍ. فأقام الحانوتَ مُقامَه؛ لأنه معلومٌ أن\n_________\n(^١) نسق: عطف\n(^٢) في م: \"عند\".\n(^٣) يعني: بعد قوله ﴿من الذين استحق عليهم الأوليان﴾.\n(^٤) زيادة يستقيم بها السياق.\n(^٥) في النسخ: \"كما\". والمثبت ما يستقيم به السياق\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) هو المتنخل الهذلى، والبيت في ديوان الهذليين ٢/ ٢١.\n(^٨) والخرس الصراصرة: أعاجم من نبط الشام يقال لهم الصراصرة، والقطاط: الجعاد، والواحد: قطط، أشد الجعودة. شرح أشعار الهذليين ٣/ ١٢٦٨.","vol":"9","page":100},{"text":"الحانوتَ لا يَمْشِى، ولكن لما كان معلومًا عندَه أنه لا يَخْفَى على سامعِه ما قصَد إليه مِن معناه، حذَف الصاحبَ، واجْتَرَأَ بذكرِ الحانوتِ منه. فكذلك قولُه: (مِن الذين اسْتُحِقَّ عليهم الأوليان). إنما هو: مِن الذين استُحِق فيهم خيانتُهما. فحُذفَت الخيانةُ، وأُقِيم المختانان مُقامَهما (^١)، فعَمِل فيهما ما كان يَعْمَلُ في المحذوفِ لو ظهَر.\nوأما قولُه ﴿عَلَيْهِم﴾. في هذا الموضعِ، فإن معناها: فيهم. كما قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. يعني: في ملكِ سليمانَ. وكما قال: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. فـ \"في\" تُوضَعُ في (^٢) موضعِ \"على\"، و\"على\" في موضعِ \"في\"، وكلُّ واحدةٍ منهما تُعاقِبُ صاحبتَها في الكلامِ، ومنه قولُ الشاعرِ (^٣):\nمتى ما تُنْكِروها تَعْرِفوها … على أقطارِها عَلَقٌ نَفِيثٌ (^٤)\nوقد تأَوَّلَت جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾. أنهما رجلان آخران مِن المسلمين، أو رجلان أعْدَلُ مِن المُقْسِمَيْن الأوَّلَين.\n\n<span data-type='title' id=toc-2873>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عامرٍ، عن شريحٍ في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ\n_________\n(^١) في م: \"مقامها\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) هو أبو المثلم الهذلي، ديوان الهذليين ٢/ ٢٢٤. ونسبه الأصمعي - وتبعه ابن قتيبة في المعاني الكبير ٢/ ٩٦٩ - إلى صخر الغى، ورد ذلك ابن السيد البطليوسى في الاقتضاب ٣/ ٣٨١.\n(^٤) أقطارها: نواحيها، والعلق: الدم، نفيث منفوث من الفم. شرح أشعار الهذليين ١/ ٢٦٤.","vol":"9","page":101},{"text":"الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: إذا كان الرجلُ بأَرضِ غُرْبةٍ، ولم يَجِدْ مسلمًا يُشْهِدُه على وصيتِه، فأشْهَد يهوديًا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا، فشهادتُهم جائزةٌ، فإن جاء رجلان مسلمان فشهِدا بخلافِ شَهادتِهم، أجِيزَت شهادةُ المسلمَيْن، وأُبْطِلَت شهادةُ الآخَرَيْن (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾: أي: اطُّلِع منهما على خيانةٍ، على أنهما كذَبا أو كتَما، فشهِد رجلان هما أعدلُ منهما بخلافِ ما قالا، أُجِيزَت شهادةُ الآخَرَيْن، وأُبْطِلت شهادةُ الأَوَّلَين (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: كان ابن عباسٍ يَقْرَأُ: (من الذين استَحَقَّ عليهم الأَوَّلين) (^٣). وقال: كيف يَكونُ الأوْليَان، أرأَيْتَ لو كان الأوْلَيان صغيرين (^٤)؟\nحدَّثنا هنادٌ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا عَبْدةُ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان يَقْرَأُ: (مِن الذين اسْتَحَقَّ عليهم الأوَّلين). قال: وقال: أَرَأَيْتَ لو كان الأوْلَيان صغيرَيْن، كيف يقومان مَقامَهما (^٥)؟\nقال الإمامُ أبو جعفرٍ: فذهَب ابن عباسٍ فيما أرَى، إلى نحوِ القولِ الذي حكَيْتُ عن شُريحٍ وقتادةَ، مِن أن ذلك رجلان آخران مِن المسلمين يقومان مقامَ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٦٣، ٦٤.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٨٤.\n(^٣) في معاني القرآن: يجعله نعتا لـ\"الذين\". فظاهره أن قراءته بالجمع: \"الأوَّلين\". وظاهر كلام المصنف هنا أن قراءته: \"الأوَّلَيْن\"، وكذا ضبطه الشيخ شاكر. وهذه القراءة الأخيرة مروية عن ابن سيرين، وهي شاذة ونقل القرطبي في تفسيره ٦/ ٣٥٩ عن النحاس أنها لحن. فالله أعلم.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٦٠ - تفسير) من طريق عمرو بن دينار عن عطاء به.\n(^٥) أخرجه الفراء في معاني القرآن ١/ ٣٢٤ عن قيس بن الربيع عن عطاء به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٤ إلى أبي عبيد وعبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"9","page":102},{"text":"النَّصْرانيَّين، أو عَدْلان مِن المسلمين، هما أعدلُ وأجوزُ شهادةً من الشاهدَيْن الأوَّلَيْن، أو المُقسِمَين.\nوفي إجماعِ جميعِ أهلِ العلمِ على ألَّا حكمَ للهِ تعالى ذكرُه يَجبُ فيه على شاهدٍ يمينٌ فيما قام به مِن الشهادةِ، دليلٌ واضحٌ على أن غيرَ هذا التأويلِ الذي قاله الحسنُ، ومَن قال بقولِه في قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾. أولى به.\nوأما قولُه: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾. فإن معناه عندَنا: الأوْلى بالميتِ مِن المُقْسِمَيْن الأوَّلَيْن فالأَوْلَى. وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ معناه: الأَوْلى باليمينِ منهما فالأَوْلَى. ثم حُذف \"منهما\" (^١). والعربُ تَفْعَلُ ذلك، فتقولُ: فلانٌ أفضلُ. وهي تُرِيدُ: أَفضلُ منك. وذلك إذا وُضِع \"أفعلُ\" موضعَ الخبرِ، وإن وقَع موقعَ الاسمِ، وأُدْخِلَت فيه الألفُ واللامُ، فعَلوا ذلك أيضًا، إذا كان جوابًا لكلامٍ قد مضَى، فقالوا: هذا الأفضلُ، وهذا الأشرفُ. يُريدون: هو الأشرفُ منك.\nوقال ابن زيدٍ: معنى ذلك: الأوْلَيان بالميتِ.\nحدَّثني يونُسُ، عن ابن وهبٍ عنه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2874>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فيُقْسِمُ الآخَران اللذان يَقومان مَقامَ اللذَين عُثِر على أنهما اسْتَحَقَّا إثمًا بخيانتِهما مالَ الميتِ، الأوْلَيان باليمينِ والميِّتِ مِن الخائنَين، ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾. يقولُ: لأيمانُنا أحقُّ مِن أيمانِ المقسمَيْن\n_________\n(^١) سقط من: س، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيهما\". وهكذا رسمت في ص إلا أنها غير منقوطة.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٤ إلى المصنف.","vol":"9","page":103},{"text":"المستحقَّين الإثمَ، وأيمانِهما الكاذبةِ، في أنهما قد خانا في كذا وكذا من مال ميِّتِنا، وكذَبا (^١) في أيمانِهما التي حلَفا بها، ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾. يقولُ: وما تَجاوَزْنا الحقَّ في أيمانِنا.\nوقد بيَّنا أن معنى الاعتداءِ المُجاوَزةُ في الشيءِ حدَّه (^٢).\n﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: إنا إن كنا اعْتَدَيْنا في أيمانِنا، فحلَفْنا مُبْطِلين فيها كاذِبِين، ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: [لمِن عِدادِ] (^٣) مَن يَأْخُذُ ما ليس له أخذه، ويَقْتَطِعُ بأيمانِه الفاجرةِ أموالَ الناسِ.\n\n<span id=\"aya-777\"></span><span data-type='title' id=toc-2875>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِم﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذا الذي قلتُ لكم في أمرِ الأوْصياءِ إذا ارْتَبْتُم بأمرِهم (^٤)، واتَّهَمْتُموهم بخيانةٍ لمالِ مَن أوْصَى إليهم، مِن حبسِهم بعدَ الصلاةِ، واسْتحلافِكم إياهم على ما ادَّعَى قِبَلَهم أولياءُ الميتِ، ﴿أَدْنَى﴾ لهم، ﴿أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾. يقولُ: هذا الفعلُ إذا فعَلْتُم بهم، أقربُ لهم أن يَصْدُقوا في أيمانِهم، ولا يَكْتُموا، ويُقِرُّوا بالحقِّ، ولا يَخُونُوا، ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾. يقولُ: أو يَخافَ هؤلاء الأوصياءُ إن عُثِر عليهم أنهم اسْتَحَقُّوا إثمًا في أيمانِهم باللهِ، أن تُرَدُّ أيمانُهم على أولياءِ الميتِ بعدَ أيمانِهم التي عُثِر عليها أنها كذبٌ، فيَسْتَحِقُّوا بها ما ادَّعَوْا قِبَلَهم مِن حقوقِهم، فيَصْدُقوا حينَئذٍ في أيمانِهم\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كذا\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٣٢.\n(^٣) في م: \"لممن عدا و\".\n(^٤) في م، ت ٢: \"في أمرهم\".","vol":"9","page":104},{"text":"وشهادتِهم؛ مخافةَ الفَضيحةِ على أنفسِهم، وحذرًا أن يَسْتَحِقَّ عليهم ما خانوا فيه أولياءَ الميتِ وورثتَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وقد تقدَّمت الروايةُ بذلك عن بعضِهم، ونحن ذاكرو الروايةِ في ذلك عن بعضِ مَن بقِى منهم.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾. يقولُ: إن اطُّلِع على أن الكافرَيْن كذَبا، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾. يقولُ: مِن الأولياءِ (^١)، فحلَفا باللهِ: إن شهادةَ الكافرَيْن باطلةٌ، وإنَّا لم نَعْتَدِ. فترَدُّ شَهادةُ الكافرَيْن، وتجوزُ شهادةُ الأولياءِ. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ [يَأْتُوا﴾: الكافرون] (^٢)، ﴿بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾. وليس على شهودِ المسلمين إقْسامٌ، وإنما الإقسامُ إذا كانوا كافرين (^٣).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ﴾ الآية. يقولُ: ذلك أحْرَى أن يَصْدُقوا في شهادتِهم، وأن يَخافوا العَقِبَ (^٤).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ\n_________\n(^١) في س: \"الأوليان\"، وينظر ص ٨٣.\n(^٢) في ص: \"أن يأتوا الكافرين\"، وفى م، ت ٢\"يأتى الكافرون\"، وفى ت ١، ت ٣، س: \"يأتوا\"، وفي الناسخ للنحاس: \"يأتوا أي أن يأتى الكافران\"، وفى الدر المنثور: \"يأتى الكافران\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٧٣.\n(^٤) في م، وتفسير ابن أبي حاتم: \"العقاب\". والمراد بالعقب العاقبة، أي عاقبة كذبهما في اليمين.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٣٤، ١٢٣٥، (٦٩٦٢، ٦٩٦٦) من طريق يزيد، به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"9","page":105},{"text":"يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾. قال: فتَبْطُلَ أيمانُهم، وتُؤْخَذَ أَيمانُ هؤلاء (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: تَحْبِسونهما مِن بعدِ الصلاةِ، ذلك أدنى أن يَأْتُوا بالشهادةِ على وجهِها، [وعلى] (^٢) أنهما اسْتَحَقَّا إثمًا، فَآخَران يقومان مَقامَهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-2876>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: يُوقَفُ الرجلان بعدَ صلاتِهما في دينِهما، فيَحْلِفان باللهِ: لا نَشْتَرِى به ثمنًا قليلًا ولو كان ذا قُرْبى، ولا نَكْتُمُ شهادةَ اللهِ، إنا إذن لمن الآثِمِين، إن صاحبَكم لَبِهذا أوْصَى، وإن هذه لَتركتُه. فيقولُ لهما الإمامُ قبلَ أن يَحْلِفا: إنكما إن كنتما كتَمْتُما أو خُنْتُما، فضَحْتُكما في قومِكما، ولم تَجُزْ (^٣) لكما شهادةٌ، وعاقَبْتُكما. فإذا قال لهما ذلك، فإن ذلك أدنى أن يَأْتُوا بالشهادةِ على وجهِها (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-2877>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وخافُوا الله أيُّها الناسُ، وراقِبوه في أيمانِكم، أن تَحْلِفُوا بها كاذبةً، وأن تُذهِبوا بها مالَ مَن يَحْرُمُ عليكم مالُه، وأن تَخونوا مَن أَتَّمنَكم، ﴿وَاسْمَعُوا﴾. يقولُ: اسْمَعوا ما يُقالُ لكم، وما تُوعَظون به، فاعْمَلوا به، وانْتَهُوا إليه، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. يقولُ: واللهُ لا يُوَفِّقُ مَن فسَق عن أَمرِ ربِّه، فخالَفه وأطاع الشيطانَ وعصَى ربَّه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٤ إلى المصنف.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"على\".\n(^٣) في م: \"أجز\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٧٨.","vol":"9","page":106},{"text":"وكان ابن زيد يقولُ: الفاسقُ في هذا الموضعِ هو الكاذبُ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: الكاذِبِين الذين (^١) يحْلِفون على الكذبِ (^٢).\nوليس الذي قال ابن زيدٍ مِن ذلك عندى بمدفوعٍ، إلا أن الله تعالى ذكرُه عمَّ الخبرَ بأنه لا يَهْدِى جميعَ الفُسَّاقِ، ولم يُخَصِّصْ منهم بعضًا دونَ بعضٍ، بخبرٍ ولا عقلٍ، فذلك على معاني الفسقِ كلِّها، حتى يُخَصِّصَ شيئًا منها ما يَجِبُ التسليمُ له، فيُسَلَّمُ له.\nثم اخْتَلَف أهلُ العلمِ في حكمِ هاتين الآيتين، هل هو منسوخٌ أو هو مُحْكَمٌ ثابتٌ؟ فقال بعضُهم: هو منسوخٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2878>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن رجلٍ قد سمَّاه، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، قال: هي منسوخةٌ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: هي منسوخةٌ. يعنى هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية (^٣).\nوقال جماعةٌ: هي مُحْكَمَةٌ وليست بمنسوخةٍ. وقد ذكَرْنا قولَ أكثرِهم فيما مضَى.\n_________\n(^١) سقط من النسخ، والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٣٥ (٦٩٦٨) من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٣٤، ١٢٣٥ (٦٩٦٥)، والبيهقى ١٠/ ١٦٤ من طريق محمد بن سعد به.","vol":"9","page":107},{"text":"والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن حكمَ الآيةِ غيرُ (^١) منسوخٍ، وذلك أن مِن حكمِ اللهِ تعالى ذكره، الذي عليه أهل الإسلامِ مِن لَدُنْ بعَثَ اللهُ تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا ﷺ إلى يومِنا هذا، أن مَن ادُّعِى عليه دَعْوَى مَمَّا يَمْلِكُه بنو آدمَ، أَن المُدَّعَى عليه لا يُبَرِّئُه ما ادُّعِى عليه إلا اليمينُ، إذا لم يَكُنْ لِلمُدَّعِي بَيِّنَةٌ تُصَحِّحُ دَعواه، وأنه إن اعْتَرَف (^٢) في (^٣) يَدِ المُدَّعَى عليه (^٤) سِلْعةً له، فادَّعَى أنها له دونَ الذي في يدِه، فقال الذي هي في يدِه: بل هي لى، اشْتَرَيْتُها مِن هذا المُدَّعِى. أن القولَ قول مَن زعَم الذي هي في يدِه أنه اشْتَراها منه، دونَ مَن هي في يدِه، مع يمينِه، إذا لم يَكُنْ للذي هي في يدِه بينةٌ تُحَقِّقُ به دَعْواه الشراءَ منه.\nفإذ كان ذلك حكمَ اللهِ الذي لا خلافَ فيه بينَ أهلِ العلمِ، وكانت الآيتان اللتان ذكَر اللهُ تعالى ذكرُه فيهما أمْرَ وصيةِ المُوصِى إلى عدْليَن مِن المسلمين، أو إلى آخرَيْن مِن غيرِهم، إنما ألْزَم النبيُّ ﷺ فيما ذُكِر عنه الوصيَّين اليمينَ حينَ ادَّعَى عليهما الورثةُ ما ادَّعَوْا، ثم لم يُلْزِم المدَّعَى عليهما شيئًا إذ حلَفا، حتى اعْتَرَفَت الورثةُ في أيديهما ما اعْتَرَفوا من الجامِ أو الإبْريقِ أو غيرِ ذلك مِن أموالِهم، فزعَما أنهما اشْتَرَياه من ميتِهم، فحينَئذٍ ألزَم النبيُّ ﷺ ورثةَ الميِّتِ اليمينَ؛ لأن الوصيَّين تَحوَّلا مُدَّعِيَيْن بدَعواهما ما وجَدا في أيديهما مِن مالِ الميِّتِ، أنه لهما، اشْتَرَيا (^٥) ذلك منه، فصارا مُقِرَّين بالمالِ للميتِ، مدَّعِيَيْن منه الشراءَ، فاحْتاجا حينَئذٍ إلى بينةٍ تُصَحِّحُ دَعْواهما، وصارَتْ (^٦) وَرَثَةُ الميتِ ربِّ السلعةِ أولى باليمينِ منهما، فذلك\n_________\n(^١) سقط من النسخ، ولابد منها، وكلام المصنف دال على ذلك.\n(^٢) اعترف: عرف. التاج (ع ر ف).\n(^٣) في م: \"وفي\".\n(^٤) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٥) في ص: \"شراه\".\n(^٦) سقط من: م.","vol":"9","page":108},{"text":"قولُه تعالى ذكرُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ الآية.\nفإذ كان تأويلُ ذلك كذلك، فلا وجهَ لدعْوَى مُدَّعٍ أن هذه الآيةَ منسوخةٌ؛ لأنه غيرُ جائزٍ أن يُقضَى على حكمٍ من أحكامِ اللهِ تعالى ذكرُه أنه منسوخٌ، إلا بخبرٍ يَقْطَعُ العذرَ؛ إما مِن عندِ اللهِ، أو مِن عندِ رسولِه ﷺ، أو بورودِ النقلِ المستفيضِ بذلك، فأما ولا خبرَ بذلك، ولا يَدْفَعُ صحتَه عقلٌ، فغيرُ جائزٍ أن يُقْضَى عليه بأنه منسوخٌ.\n\n<span id=\"aya-778\"></span><span data-type='title' id=toc-2879>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واتَّقوا الله أيُّها الناسُ، واسْمَعُوا وَعْظَه إياكم، وتذكيرَه لكم، واحْذَروا يومَ يَجْمَعُ اللهُ الرسلَ. ثم حذَف \"واحْذَروا\"، واكْتَفى بقولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ مِن (^١) إظهارِه، كما قال الراجزُ (^٢):\nعلَفْتُها تِبْنًا وماءً باردًا … حتى شَتَتْ (^٣) هَمَّالَةً عَيْناها\nيُريدُ: وسقَيْتُها ماءً باردًا. فاسْتُغْنِى بقولِه: علَفْتُها تِبْنًا. مِن إظهارِ \"سقَيْتُها\"، إذ كان السامعُ إذا سمِعه عرَف معناه، فكذلك في قولِه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾. حذَف \"واحْذَرُوا\"؛ لعلمِ السامعِ معناه، اكْتِفاءً بقولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾. إذ كان ذلك تَحْذيرًا مِن أمرِ اللهِ تعالى ذكرُه خلقَه عقابَه على مَعاصِيه.\nوأما قولُه: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾. فإنه يعنى به: ما الذي أجابَتْكم به أممُكم حينَ\n_________\n(^١) في م: \"عن\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ١/ ٢٧١.\n(^٣) في م: \"غدت\".","vol":"9","page":109},{"text":"دعوتُموهم إلى توْحيدي، والإقرارِ بي، والعملِ بطاعتى، والانتهاءِ عن معصيتي؟ ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾.\nفاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم - يعنى (^١) قولَهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ -: لم يَكُنْ ذلك مِن الرسلِ إنكارًا أن يَكونوا كانوا عالمين بما عمِلَت أممُهم، ولكنهم ذهِلوا عن الجوابِ مِن هَوْلِ ذلك اليومِ، ثم أجابوا بعدَ أن ثابَت إليهم عقولُهم بالشَّهادةِ على أممِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2880>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾: فذلك (^٢) أنهم لما نزَلوا منزلًا ذهِلَت فيه العقولُ، فلما سُئِلوا قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾. ثم نزَلوا منزلًا آخَر، فشهِدوا على قومِهم (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عَنْبَسةَ، قال: [سمِعتُ شَيْخًا يقولُ] (^٤): سمِعْتُ الحسنُ يقول في قولِه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ الآية. قال: من هولِ ذلك اليوم (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرنا الثوريُّ، عن\n_________\n(^١) في ص، م: \"معنى\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"بذلك\"، وفى م: \"قال: ذلك\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٣٦ (٦٩٧٣) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٤ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) سقط من النسخ والمثبت من تفسير ابن كثير عن المصنف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٣٥ (٦٩٧١) من طريق عنبسة به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢١٧ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٤ إلى أبى الشيخ.","vol":"9","page":110},{"text":"الأعمشِ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾: فيَفْزَعون، فيقولُ: ماذا أُجِبْتُم؟ فيقولون: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: لا علمَ لنا إلا ما علَّمْتَنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2881>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾. فيقولون: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ [إلا [ما علَّمْتنَا] (^٢)، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾] (^٣) (^٤).\nوقال آخرون: معنى ذلك: قالوا: لا علمَ لنا، إلا علمٌ أنت أعلَمُ به منا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2882>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾: إلا علمٌ أنت أعلمُ به منا (^٥).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾: ماذا عمِلوا بعدَكم؟ وماذا أحْدَثوا؟\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ١٠٥، وتفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠١.\n(^٢) سقط من: س.\n(^٣) سقط من: ت ١.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٣٦ (٦٩٧٢) من طريق سفيان به وفيه زيادة \"فترد إليهم أفئدتهم فيعلمون\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٣٦ (٦٩٧٥) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٤ إلى ابن المنذر.","vol":"9","page":111},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2883>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾: ماذا عمِلوا بعدَكم؟ وماذا أحْدَثوا بعدَكم ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (^١).\nوأولى الأقوالِ بالصوابِ قولُ مِن قال: معناه: لا علمَ لنا إلا علمٌ أنت أعلمُ به منا؛ لأنه تعالى ذكرُه أخْبَر عنهم أنهم قالوا: و﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. أي: إنك لا يَخْفَى عليك ما عندَنا مِن علِم ذلك ولا غيره، مِن خَفَيِّ العلومِ وجليِّها (^٢)، فإنما نفى القومُ أن يكونَ لهم بما سُئلوا عنه مِن ذلك علمٌ لا يَعْلَمُهُ هو تعالَى ذكرُه، لا أنهم نَفَوْا أن يكونوا عَلِموا ما شاهَدوا، كيف يجوزُ أن يكونَ ذلك كذلك وهو تعالى ذكرُه يُخْبِرُ عنهم أنهم يُخْبِرون بما أجابتَهم به الأممُ، وأنهم يَستشهدون (^٣) على تبليغِهم الرسالةَ شُهداء، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\nوأما الذي قاله ابن جُريجٍ مِن أن معناه: ماذا عمِلت الأممُ بعدَكم؟ وماذا أحْدَثوا؟ فتأويلٌ لا معنَى له؛ لأن الأنبياءَ لم يَكُنْ عندَها مِن العلمِ بما يَحْدُثُ بعدَها إلا ما أَعْلَمَها اللهُ مِن ذلك، وإذا سُئِلَت عما عمِلَت الأممُ بعدها، والأمرُ كذلك، فإنما يُقالُ لها: ماذا عرَّفْناك أنه كائنٌ منهم بعدَك؟ وظاهرُ خبرِ اللَّهِ تعالى ذكرُه عن مسألتِه إياهم، يَدُلُّ على غيرَ ذلك.\n\n<span id=\"aya-779\"></span><span data-type='title' id=toc-2884>القول في تأويل قوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى</span>\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٤/ ٤٨، وتفسير ابن كثير ٣/ ٢١٧.\n(^٢) في ص، ت ١ س: \"جليله\".\n(^٣) في م: \"سيشهدون\".","vol":"9","page":112},{"text":"وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه لعبادِه: احْذَروا يومَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرسل فيِقولُ لهم: ماذا أجابَتكم أممُكم في الدنيا ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾.\nفـ ﴿إِذْ﴾ مِن صلةِ ﴿أُجِبْتُمْ﴾. كأن معناها: ماذا أجابَت عيسى الأممُ التي أُرسل إليها عيسى.\nفإن قال قائلٌ: وكيف سُئِلَت الرسلُ عن إجابةِ الأممِ إياها في عهدِ عيسى، ولم يَكُنْ في عهدِ عيسى مِن الرسلِ إلا أقلُّ (^١) ذلك؟\nقيل: جائزٌ أن يكونَ اللَّهُ تعالى ذكرُه عنى بقولِه: ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾. الرسلَ الذين كانوا أُرْسِلوا في عهد عيسى، فخرَج الخبرُ مخرجَ الجميعِ، والمرادُ منهم مَن كان في عهدِ عيسى، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. والمرادُ واحدٌ مِن الناسِ، وإن كان مخرجُ الكلامِ على جميعِ الناسِ.\nومعنى (^٢): ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾: حين قال الله (^٣)، ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. يقولُ: يا عيسى، اذْكُرْ أياديَّ عندَك وعندَ والدتِك، إذ قوَّيْتُك برُوحِ القُدُسِ وأَعَنْتُك به.\nوقد اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في ﴿أَيَّدْتُكَ﴾؛ ما هو مِن الفعلِ؟ فقال بعضُهم: هو فعَّلْتُك، كما (^٤) قولُك: قوَّيْتُك. فعَّلْتُ مِن القوَّةِ.\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، س: \"من\".\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الكلام\".\n(^٣) سقط مِن: م، ت ٢.\n(^٤) بعده في م: \"في\".","vol":"9","page":113},{"text":"وقال آخرون (^١): هو \"فاعَلْتُك\" مِن الأَيْدِ.\nوروى عن مجاهدٍ أنه قرَأ: (إذ آيَدْتُك). (^٢) بمعنى: \"أَفْعَلْتُك\"، مِن القوةِ والأَيْدِ (^٢).\nوقولُه: ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. يعنى بجبريلَ. يقولُ: إذ أعَنْتُك بجبريلَ.\nوقد بيَّنْتُ معنى ذلك، وما معنى \"القُدُسِ\" فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2885>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قِيلِه لعيسى: اذكُرْ نعمتى عليك وعلى والدتِك إذ أيَّدتك برُوحِ القُدُس في حالِ تكليمِك الناسَ في المهدِ وكهلًا.\nوإنما هذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه أنه أيَّدَه برُوحِ القُدُسِ صغيرًا في المهدِ، وكهلًا كبيرًا، فردَّ \"الكَهْلَ\" (^٤) على قولِه: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾؛ لأن معنى ذلك: صغيرًا. كما قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس: ١٢].\n_________\n(^١) بعده في م: \"بل\".\n(^٢) وهى قراءة شاذة، قال أبو حيان في البحر المحيط ٤/ ٥١: وقرأ مجاهد وابن محيصن: (آيدتك) على \"أفعلتك\". وقال ابن عطية: على وزن \"فاعلتك\". ثم قال أبو حيان: ويظهر أن الأصل في القراءتين \"أيدتك\" ثم اختلف الإعلال والمعنى فيهما.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٢/ ٢٢١ وما بعدها.\n(^٤) في م: \"القول\".","vol":"9","page":114},{"text":"وقولُه: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾. يقولُ: واذْكُرْ أيضًا نعمتى عليك إذ علَّمتُك ﴿الْكِتَابَ﴾. وهو الخطُّ، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾. وهى الفهمُ بمعانى الكتابِ الذي أنْزَلْتُه إليك، وهو الإنجيلُ، ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾. يقولُ: كصورةِ الطيرِ بإذنى. يعني بقوله: ﴿تَخْلُقُ﴾: تَعْمَلُ وتُصْلِحُ مِن الطينِ كهيئة الطير ﴿بِإِذْنِي﴾. يقولُ: بعونى على ذلك، وعلمٍ منى، ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾. يقولُ: فتنفُخُ في الهيئةِ، فتكونُ الهيئةُ والصورةُ طيرًا بإذنى، ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾. يقولُ: وتَشْفِي الأَكمَهَ. وهو الأعمى الذي لا يُبْصِرُ شيئًا، المطموسُ البصرِ، ﴿وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾.\nوقد بيَّنْتُ معانىَ هذه الحروفِ فيما مضَى مِن كتابنا هذا مُفَسَّرًا بشواهدِه، بما أغْنَى عن إعادته في هذا الموضعِ (^١).\nوقولُه: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾. يقولُ: واذْكُرْ أيضًا نِعْمتى علِيك بكفِّى عنك بني إسرائيلَ إذ كفَفْتُهم عنك وقد همُّوا بقتلك، ﴿إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾. يقولُ: إذ جئتَهم بالأدلةِ والأعلامِ المُعْجِزة على نبوتِك، وحقيقةِ (^٢) ما أرْسَلْتُك به إليهم، ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فقال الذين جحَدوا نبوتَك، وكذَّبوك مِن بني إسرائيلَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.\nواخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته قرأةُ أهلِ المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. يعنى: يُبينُ عما أتَى به لمن رآه ونظَر إليه أنه سحرٌ لا حقيقةَ له (^٣).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم ٥/ ٤١٢، وما بعدها.\n(^٢) في م: \"حقية\".\n(^٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبى عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٩.","vol":"9","page":115},{"text":"وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (إن هذا إلا ساحرٌ مُبِينٌ) بمعنى: ما هذا - يعنى به عيسى - إلا ساحرٌ مبينٌ (^١). يقولُ: يُبينُ - بأفعالِه، وما يَأْتى به مِن هذه الأمورِ العَجيبةِ - عن نفسِه، أنه ساحرٌ لا نبيٌّ صادقٌ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، مُتَّفقتان غيرُ مختلفتين، وذلك أن كلَّ مَن كان موصوفًا بفعلِ السحرِ، فهو موصوفٌ بأنه ساحرٌ، ومن كان موصوفًا بأنه ساحرٌ، فإنه موصوفٌ بفعل السِّحرِ، فالفعل دالٌّ على فاعلِه، والصفةُ تَدُلُّ على موصوفِها، والموصوفُ يَدُلُّ على صفتِه، والفاعلُ يَدُلُّ على فعلِه، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ في قراءتِه.\n\n<span id=\"aya-780\"></span><span data-type='title' id=toc-2886>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واذْكُرُ أيضًا يا عيسى إذ ألْقَيْتُ ﴿إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾. وهم وُزراءُ عيسى على دينِه.\nوقد بينَّا معنى ذلك، ولم قيل لهم: الحواريون. فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه (^٢).\nوقد اخْتَلَفت ألفاظُ أهلِ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ﴾. وإن كانت متفقةَ المعانى؛ فقال بعضُهم بما حدَّثني به محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾. يقولُ: قذَفْتُ في قلوبِهم (^٣).\n_________\n(^١) وهى قراءة حمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٩.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٥/ ٤٤٢ - ٤٤٤.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٤٢ (٧٠٠٥) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٦ إلى أبي الشيخ.","vol":"9","page":116},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك: أَلْهَمْتُهم.\nفتأويلُ الكلامِ إذن: وإذ الْقَيْتُ إلى الحواريين أن صَدِّقوا بي وبرسولى عيسى، فقالوا: ﴿آمَنَّا﴾. أي: صدَّقْنا بما أَمَرْتَنَا أن نُؤْمِنَ (^١) يا ربَّنا، ﴿وَاشْهَدْ﴾ علينا، ﴿بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾. يقولُ: واشْهَدْ علينا بأننا خاضِعون لك بالذِّلَّةِ، سامِعون مُطِيعون لأمرِك.\n\n<span id=\"aya-781\"></span><span data-type='title' id=toc-2887>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واذْكُرْ يا عيسى أيضًا نعمتى عليك إذ أَوْحَيْتُ إلى الحواريِّين أن آِمنوا بي وبرسولى، إذ قالوا لعيسى ابن مريمَ: هل يَسْتَطِيعُ ربُّك أن يُنَزِّلَ علينا مائدةً مِن السماءِ. فـ ﴿إِذْ﴾ الثانيةُ مِن صلة ﴿أَوْحَيْتُ﴾.\nواخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾؛ فقرَأ ذلك جماعةٌ مِن الصحابةِ والتابعين: (هل تَسْتَطِيعُ) بالتاءِ (ربَّك) (^٢) بالنصبِ، بمعنى: هل تَسْتَطيعُ أن تَسْأَلَ ربَّك؟ وهل تَسْتَطِيعُ أن تَدْعُوَ رَبَّك؟ أو هل تَسْتَطِيعُ وتَرَى أَن تَدْعُوَه؟ وقالوا: لم يَكُنِ الحواريون شاكِّين أن الله تعالى ذكرُه قادرٌ أن يُنَزِّلَ عليهم ذلك، وإنما قالوا لعيسى: هل تَسْتَطِيعُ أنت ذلك؟\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، [عن نافعِ بن عمرَ] (^٣)، عن ابن أبي\n_________\n(^١) بعده في س: \"بك\".\n(^٢) وهى قراءة الكسائى مِن السبعة. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٩ ونسبه أبو حيان في البحر المحيط ٤/ ٥٤ إلى عليّ ومعاذ وابن عباس وعائشة وسعيد بن جبير.\n(^٣) في النسخ: \"عن نافع عن ابن عمر\". والصواب ما أثبتناه، وينظر ما تقدم في ١/ ١٢٢.","vol":"9","page":117},{"text":"مُلَيْكةَ قال: قالت عائشةُ: كان الحواريُّون لا يَشُكُّون أن الله قادرٌ أن يُنَزِّلَ عليهم مائدةً، ولكن قالوا: يا عيسى هل تَسْتَطِيعُ ربَّك؟ (^١)\nحدَّثني أحمد بن يوسفَ التَّغْلبيُّ (^٢)، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: ثنا ابن مَهْديٍّ، عن جابرِ بن يزيدَ بن رفاعةَ، عن حسانَ (^٣) بن مُخارِقٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه قرَأَها كذلك: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ). وقال: تَسْتَطِيعُ أَن تَسْأَلَ رَبَّكَ؟ وقال: أَلا تَرَى أنهم مؤمنون (^٤)؟\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والعراقِ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ بالياءِ ﴿رَبُّكَ﴾ (^٥) بمعنى: أن يُنَزِّلَ علينا ربُّك. كما يقولُ الرجلُ لصاحبِه: أَتَسْتَطِيعُ أن تَنْهَضَ معنا في كذا؟ وهو يَعْلَمُ أنه يَسْتَطِيعُ، ولكنه إنما يُرِيدُ: أَتَنْهَضُ معنا فيه؟ وقد يَجوزُ أن يَكونَ مرادُ قارئِه كذلك: هل يَسْتَجِيبُ لك ربُّك، ويُطِيعُك أن يُنَزِّلَ علينا؟\nوأولى القراءتين عندى بالصوابِ قراءةُ مِن قرَأ ذلك ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ بالياءِ (^٦)، ﴿رَبُّكَ﴾ برفعِ \"الربِّ\"، بمعنى: هل يَسْتَجِيبُ لك إن سأَلْتَه ذلك، ويُطِيعُك فيه؟\nوإنما قلنا: ذلك أولى القراءتين بالصوابِ؛ لما بينَّا قبلُ مِن أن قولَه: ﴿إِذْ قَالَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٤٣ (٧٠١٤) من طريق القاسم، عن عائشة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٦ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) في النسخ \"الثعلبى\"، والمثبت هو الصواب كما تقدم.\n(^٣) في م: \"حيان\". وينظر التاريخ الكبير ٣/ ٣٣، والجرح والتعديل ٣/ ٢٣٥.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٦ إلى المصنف وأبي عبيد.\n(^٥) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبي عمرو وابن عامر وحمزة. السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٩.\n(^٦) القراءتان كلتاهما صواب، وليست إحداهما أولى مِن الأخرى.","vol":"9","page":118},{"text":"الْحَوَارِيُّونَ﴾ مِن صلةِ ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ﴾، وأن معنى الكلامِ: وإذ أوْحَيْتُ إلى الحواريِّين أن آمنوا بي وبرسولى، إذ قَالَ الحَوَاريُّونَ يا عيسى ابنَ مريمَ هَل يَستَطِيع رَبُّكَ. فبَيِّنٌ إذ كان ذلك كذلك، أن الله تعالى ذكرُه قد كرِه منهم ما قالوا مِن ذلك واسْتَعْظَمه، وأمَرَهم بالتوبةِ ومُراجعةِ الإيمانِ مِن قِيلهم ذلك، والإقرارِ للَّهِ بالقدرةِ على كلِّ شيءٍ، وتصديقِ رسولِه فيما أخْبَرَهم عن ربِّهم مِن الأخبارِ، وقد قال عيسى لهم عند قيلِهم ذلك له - استعظامًا منه لما قالوا -: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ففى استتابةِ اللهِ إياهم، ودعائِه لهم إلى الإيمان به، وبرسولِه ﷺ عندَ قيلِهم ما قالوا مِن ذلك، واسْتِعظامِ نبيِّ اللهِ ﷺ كلمتهم - الدلالةُ الكافيةُ مِن غيرِها، على صحةِ القراءةِ في ذلك بالياءِ، ورفع \"الربِّ\"، إذ كان لا معنى في قولِهم لعيسى - لو كانوا قالوا له: هل تَسْتَطِيعُ أَن تَسْأَلَ ربَّك أن يُنَزِّلَ علينا مائدةً مِن السماءِ؟ - أن يُسْتَكْبَرَ هذا الاستكبارَ.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن قولَهم ذلك له إنما استُعْظِم (^١) منهم لأن ذلك منهم كان مسألةَ آيةٍ - فإن الآية إنما يَسْأَلُها الأنبياءَ مِن كان بها مُكَذِّبًا؛ ليَتَقَرَّرَ عنده حقيقةُ ثبوتِها وصحةُ أمرِها (^٢)، كما كانت مسألةُ قريشٍ نبيَّنا محمدًا ﷺ أن يُحَوِّلَ لهم الصَّفا ذهبًا، ويُفَجِّرَ فِجاجَ مكة أنهارًا، مَن سأله، مِن مشركي قومِه، وكما كانت مسألةُ صالحٍ الناقةَ مِن مُكَذِّبي قومِه، ومسألةُ شعيبٍ أن يُسْقِطَ كِسَفًا مِن السماءِ مِن كفارِ مَنْ أُرْسِل إليه (^٣).\n[فإن كان الذين] (^٤) سأَلوا عيسى أن يَسْأَلَ ربَّه أن يُنَزِّلَ عليهم مائدةً مِن\n_________\n(^١) في م: \"هو استعظام\".\n(^٢) قوله \"فإن الآية إنما يسألها ..... إلخ\". هو جواب الشرط في قوله: \"فإن ظن ظان\".\n(^٣) في م: \"إليهم\".\n(^٤) في م: \"وكان الذين\"، وفى ت ١: \" كان الذي\"، وفى س: \"فإن الذي\".","vol":"9","page":119},{"text":"السماءِ، على هذا الوجهِ كانت مسألتُهم، فقد أحَلَّهم الذين قرَءوا ذلك بالتاءِ ونصبِ \"الربِّ\"، مَحَلًّا أعظمَ مِن المَحَلِّ الذي ظنُّوا أنهم [يَحيدون بهم] (^١) عنه. أو يكونوا سأَلوا ذلك عيسى، وهم مُوقِنون بأنه للهِ نبيٌّ مبعوثٌ، ورسولٌ مُرْسَلٌ، وأن الله تعالى على ما سأَلوا مِن ذلك قادرٌ.\nفإن كانوا سأَلوا ذلك وهم كذلك، وإنما كانت مسألتُهم إياه ذلك على نحوِ ما يَسْأَلُ أحدهم نبيَّه إن (^٢) كان فقيرًا، أن يَسْأَلَ له ربَّه أَن يُغْنِيَه، وإن عرَضَت به حاجةٌ أن يَسْأَلَ له ربَّه أن يَقْضِيَها، فإنْ (^٣) ذلك مِن مسألِة الآيةِ في شيءٍ، بل ذلك سؤالُ ذى حاجةٍ عرَضَت له إلى ربِّه، فسأَل نبيِّه مسألةَ ربِّه أن يَقْضِيَها له.\nوخبرُ اللهِ تعالى عن القوم يُنْبِيءُ بخلافِ ذلك، وذلك أنهم قالوا لعيسى - إذ قال لهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ -: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: ١١٤] فقد أنبأ هذا من (^٤) قيلِهم، أنهم لم يكونوا يَعْلَمون أن عيسى قد صدَقَهم، ولا اطْمَأَنَّت قلوبهم إلى حقيقةِ نبوتِه، فلا بيانَ أبينُ مِن هذا الكلامِ في أن القومَ كانوا قد خالَط قلوبَهم مرضٌ وشكٌّ في دينِهم وتصديقِ رسولِهم، وأنهم سأَلوا ما سأَلوا مِن ذلك اختبارًا (^٥).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في م: \"نزهوا ربهم\".\n(^٢) في م: \"إذ\".\n(^٣) في م: \"فأنى\". و\"إن\" ههنا نافية.\n(^٤) في النسخ: \"عن\". وأثبتنا ما يقتضيه السياق.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"اختيارا\".","vol":"9","page":120},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2888>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ليثٍ، عن عُقَيلٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يُحَدِّثُ عن عيسى ﷺ أنه قال لبني إسرائيلَ: هل لكم أن تَصوموا للَّهِ ثلاثين يومًا، ثم تَسْأَلُوه، فيُعْطِيَكم ما سأَلْتُم، فإن أجرَ العاملِ على مَن عمِل له؟ ففعَلوا، ثم قالوا: يا مُعلِّمَ الخيرِ قلتَ لنا: إن أجرَ العاملِ على مَن عَمِل له، وأمَرْتَنا أن نصومَ ثلاثين يومًا ففعَلْنا، ولم نَكُنْ نَعْمَلُ (^١) لأحدٍ ثلاثين يومًا إلا أطْعَمَنا حينَ نَفْرُغُ طعامًا، فـ ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال عيسى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قالوا ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. قال: فأَقْبَلَت الملائكةُ تَطِيرُ بمائدة مِن السماءِ، عليها سبعةُ أحْواتٍ، وسبعةُ أرْغفةٍ، حتى وضَعَتْها بين أيديهم، فأكَل منها آخرُ الناسِ كما أكل منها أولُهم (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾. قالوا: هل يُطِيعُك ربُّك إن سأَلْتَه؟ فأنْزَل اللهُ عليهم مائدةً مِن السماءِ، فيها جميعُ الطعامِ إلا اللحمَ، فأكَلوا منها (^٣).\n_________\n(^١) في ص: \"نقول\". بغير نقط، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقول\". وفى س: \"وقول\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢٢١ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٤٤ (٧٠١٦) من طريق ليث، عن عقيل، عن الزهرى، عن ابن عباسٍ، كما أخرجه أيضا ٤/ ١٢٤٦ (٧٠٢٤) من طريق وهب بن راشد عن عقيل، عن الزهرى، عن ابن عباس مختصرا.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٨ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٦ إلى المصنف.","vol":"9","page":121},{"text":"وأما \"المائدةُ\"، فإنها الفاعلةُ، مِن: ماد فلانٌ القومَ يَميدُهم مَيْدًا. إذا أطْعَمَهم ومارَهم، ومنه قولُ رُؤْبة (^١):\nنُهْدِى رُءُوسَ المُترفين الأَنْدادُ … إلى أميرِ المؤمنين المُمْتَادُ\nيعنى بقولِه: المُمْتادُ: المُسْتَعْطَى، فـ \"المائدة\" المُطْعِمةُ. سُمِّيَت الخِوانُ بذلك لأنها تُطْعِمُ الآكلَ مما عليها. والمائدُ المُدَارُ به في البحرِ، يقالُ: مادَ يَميدُ مَيْدًا.\nوأما قوله: ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فإنه يعنى: قال عيسى للحواريين القائلين له: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾: راقِبوا الله أَيُّها القومُ، وخافوه أن يَنْزِلَ بكم مِن اللهِ عقوبةٌ على قولكم هذا، فإن الله لا يُعجزه شيء أراده، وفى شكِّكم في قدرة الله على إنزالِ مائدةٍ مِن السماءِ كفرٌ به، فاتَّقُوا اللَّهَ أَن يُنْزِلَ بكم نقمته، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إِن كنتم مُصَدِّقيَّ على ما أَتَوَعَّدُكم به مِن عقوبةِ اللهِ إياكم على قولِكم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾.\n\n<span id=\"aya-782\"></span><span data-type='title' id=toc-2889>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بذلك: قال الحواريُّون مُجِيبى عيسى على قولِه لهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في قولِكم لى (^٢): ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ -: إنا إنما قلنا ذلك، وسأَلْناك أن تَسْأَلَ لنا ربَّك لنَأْكُل مِن المائدةِ، فنَعْلَمَ يقينًا قدرتَه على كلِّ شيءٍ، ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾.\n_________\n(^١) ديوانه ص ٤٠.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"9","page":122},{"text":"يقولُ: وتَسْكُنَ قلوبُنا وتَسْتَقِرَّه على وحدانيتِه وقدرتِه على كلِّ ما شاء وأراد، ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾: ونَعْلَمَ أنك لم تَكْذِبْنا في خبرِك أنك للَّهِ رسولٌ مُرسَلٌ ونبيٌّ مبعوثٌ، ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا﴾. يقولُ: ونَكونَ على المائدةِ ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. يقولُ: ممن يَشْهَدُ أن اللَّهَ أَنْزَلها حجةً لنفسِه علينا، في توحيدِه وقدرتِه على ما شاء، ولك على صدقك في نبوتِك.\n\n<span id=\"aya-783\"></span><span data-type='title' id=toc-2891>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن نبيِّه عيسى ﷺ أنه أجاب القومَ إلى ما سأَلوه مِن مسألِة ربه مائدةً تَنْزِلُ عليهم مِن السماءِ.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: نَتَّخِذُ اليوم الذي نزَلَت فيه عيدًا نُعَظْمُه نحن ومَن بعدَنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2890>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ قولَه: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾. يقولُ: نَتَّخِذُ اليومَ الذي نزَلَت فيه عيدًا نُعَظْمُه نحن ومَن بعدَنا (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾. قال: أرادوا أن تَكونَ لعَقبهم مِن بعدهم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٤٨ (٧٠٣٥) من طريق أحمد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٦ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم تفسيره ٤/ ١٢٤٩ (٧٠٣٧) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"9","page":123},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا﴾. قال: الذين هم أحياءٌ منهم يومَئذٍ، ﴿وَآخِرِنَا﴾: مَن بعدَهم منهم (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: قال سفيانُ: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾. قالوا: نُصَلِّي فيه. قال (^٢): نزَلَت مرتين (^٣).\nوقال آخرون: معناه: نَأْكُلُ منها (^٤) جميعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2892>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ليثٍ، عن عُقيلٍ. عن ابن عباسٍ أنه قال: أكل منها - يعنى مِن المائدة حينَ وُضِعَت بين أيديهم - آخرُ الناسِ كما أكَل منها أولُهم (^٥).\nوقال آخرون: معنى قولِه: ﴿عِيدًا﴾. عائدةً مِن اللهِ تعالى علينا وحُجَّةً وبرهانًا.\nوأولى الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: تَكونُ لنا عيدًا نَعْبُدُ ربَّنا في اليومِ الذي تَنْزِلُ فيه، ونُصَلِّي له فيه، كما يَعبُدُ (^٦) الناسُ في أعيادِهم؛ لأن المعروفَ مِن كلامِ الناسِ المستعمل بينَهم في العيدِ ما ذكَرْنَا، دونَ القولِ الذي قاله مَن قال معناه: عائدةٌ مِن اللهِ علينا. وتوجيهُ معاني كلامِ اللهِ إلى المعروفِ مِن كلامِ مَن خُوطب به،\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٤/ ٦١.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٤٩، ١٢٥٠ (٧٠٣٦، ٧٠٤١) من طريق مهران عن سفيان.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منه\".\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ١٢١.\n(^٦) في م: \"يعيد\".","vol":"9","page":124},{"text":"أولى مِن توجيهه إلى المجهولِ منه، ما وُجد إليه السبيلُ.\nوأما قولُه: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾. فإن الأَوْلَى مِن تأويلِه بالصوابِ قولُ مَن قال: تأويلُه: للأحياءِ منا اليوم، ومَن يَجِيءُ بعدَنا منا. للعلةِ التي ذكَرْناها في قولِه: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾. لأن ذلك هو الأغلبُ مِن معناه.\nوأما قولُه: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾. فإن معناه: وعلامةً وحُجَّةً منك يا ربِّ على عبادِك في وحدانيتِك، وفى صدقى على أنى رسولٌ إليهم بما أَرْسَلْتَنى به. ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: وأعْطِنا مِن عطائك، فإنك يا ربِّ خيرُ مَن يُعْطِي، وأجودُ مَن تفَضَّل؛ لأنه لا يَدْخُلُ عطاءه مِنٌّ ولا نَكَدٌ.\nوقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المائدةِ، هل أُنْزِلَت عليهم أم لا؟ وما كانت؟ فقال بعضُهم: نزَلَت وكانت حوتًا وطعامًا، فأكَل القومُ منها، ولكنها رُفِعَت بعدَما نزَلَت بأحداثٍ منهم أحْدَثوها فيما بينَهم وبينَ اللهِ تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-2893>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، قال: نزَلَت المائدةُ خبرًا وسمكًا (^١).\nحدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدَائيُّ، قال: ثنا أبى، عن الفُضَيْل، عن عطيةَ، قال: المائدةُ سمكةٌ، فيها طعمُ كلِّ طعامٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ، عن فُضَيْلِ [بن مرزوقٍ] (^٣) عن عطيةَ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن الأنبارى في الأضداد ص ٣٥١ من طريق شعبة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٤٦ (٧٠٢٦)، وابن الأنبارى في الأضداد ص ٣٥١ مِن طريق الفضيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في النسخ: \"عن مسروق\"، وتقدم على الصواب ٢/ ٢٣٠، وينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٣٠٦.","vol":"9","page":125},{"text":"المائدةُ سمكٌ فيه مِن طعمِ كلِّ طعامٍ.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: نزَلَت المائدة خبزًا وسمكًا.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: نزَلَت على عيسى ابن مريمَ والحواريِّين خِوانٌ، عليه خبزٌ وسمكٌ يَأْكُلون منه أينَما نزَلُوا إذا شاءوا (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا المنذرُ بنُ النعمانِ، أنه سمِع وهَبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ في قولِه: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾. قال: نزَل عليهم قُرْصةٌ مِن شعيرٍ وأحْواتٌ. قال الحسنُ: قال أبو بكرٍ (^٢): فحدَّثْتُ به عبدَ الصمدِ بنَ مَعْقِلٍ، فقال: سمِعْتُ وهبًا وقيل له: وما كان ذلك يُغْنِى عنهم؟ فقال: لا شيءَ، ولكنَّ الله حَشَا (^٣) بينَ أضعافِهن البركةَ، فكان قومٌ يَأْكُلُون ثم يَخْرُجون، ويَجِيءُ آخرون، فيَأْكُلُون ثم يَخْرُجون، حتى أكَلوا جميعُهم وأفضلُوا (^٤).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن أبي يحيى (^٥)، عن مجاهدٍ، قال: هو الطعامُ يَنْزِل عليهم حيث نزَلوا (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٨ إلى المصنف.\n(^٢) هو عبد الرزاق الصنعاني.\n(^٣) في م: \"حثا\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٤٦ (٧٠٢٧) عن الحسن به مختصرا.\n(^٥) في ت ١: \"نجيح\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"9","page":126},{"text":"نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال: مائدةٌ عليها طعامٌ، [أتُوا بها] (^١) حين عُرِض عليهم العذابُ إن (^٢) كَفَروا [ألوانٌ مِن طعامٍ] (^٣) يَنْزِلُ عليهم (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إسحاقَ بن عبدِ الله، أن المائدة نزَلَت على عيسى ابن مريمَ، عليها سبعةُ أرغفةٍ، وسبعةُ أحْواتٍ، يَأْكُلون منها ما شاءوا، قال: فسرَق بعضُهم منها، وقال: لعلها لا تَنْزِلُ غدًا. فرُفِعت (^٥).\nحدَّثنا (^٦) المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن رجلٍ مِن بني عِجْلٍ قال: صلَّيْتُ إلى جنبِ عمارِ بن ياسرٍ، فلما فرَغ قال: هل تَدْرِى كيف كان شأنُ مائدة بنى إسرائيلَ؟ قال: فقلتُ: لا. قال: إنهم سأَلوا عيسى ابنَ مريَم مائدةً يكونُ عليها طعامٌ يَأْكُلون منه لا يَنْفَدُ، قال: فقيل لهم: فإنها مُقيمةٌ لكم ما لم تُخَبِّئوا أو تَخُونوا أو تَرْفَعوا، فإن فعَلْتُم فإني أُعَذِّبُكم عذابًا لا أُعَذِّبُه أَحَدًا مِن العالَمين. قال: فما تمَّ يومُهم حتى خبَّئوا ورفَعوا وخانوا، فعُذِّبوا عذابًا لم يُعَذِّبه أحدًا مِن العالَمين، وإنكم معشَر العربِ كنتم تَتْبَعون أذنابَ الإبلِ والشاءِ، فبعَث اللهُ فيكم رسولًا مِن أنفسِكم، تَعْرِفون حسَبَه ونسبَه، وأَخْبَرَكم على لسانَ نبيِّكم أنكم ستَظْهَرون على العرب (^٧)، ونهاكم أن تَكْنِزوا الذهبَ والفضةَ، وايْمُ اللهِ، لا يَذْهَبُ الليلُ والنهارُ حتى تَكْنِزوهما ويُعَذِّبَكم عذابًا أليمًا (^٨).\n_________\n(^١) في م: \"أبوها\".\n(^٢) في ص: \"إذ\".\n(^٣) في م: \"فأبوا أن\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٨ إلى المصنف وأبى عبيد وابن المنذر.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٨ إلى المصنف.\n(^٦) بعده في تفسير ابن كثير: \"ابن\".\n(^٧) في تفسير ابن كثير: \"العجم\".\n(^٨) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢٢١.","vol":"9","page":127},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ قَزَعَةَ البصريُّ، قال: ثنا سفيانُ بن حَبيبٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن خِلاسِ (^١) بن عمرٍو، عن عمارِ بن ياسرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"نزَلَت المائدة خبزًا ولحمًا، وأُمِروا ألا يَخونوا، ولا يَدَّخِروا، ولا يَرْفَعوا لغدٍ، فخانوا وادَّخَروا ورفَعوا، فمُسِخوا قردةً وخَنازير\" (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا يوسفُ بنُ خالدٍ، قال: ثنا نافعُ بنُ مالكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في المائدةِ، قال: كان طعامًا يَنْزِلُ عليهم مِن السماءِ حيثما نزلوا (^٣).\nوقال آخرون: كانت المائدةُ عليها (^٤) مِن ثمارِ الجنةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2894>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن خِلَاسِ (١) بن عمرٍو، عن عمارٍ، قال: نزَلَت المائدةُ وعليها ثمرٌ مِن ثمرِ الجنةِ، فأُمِروا ألا يُخَبِّئوا، ولا يَخونوا، ولا يَدَّخِروا. قال: فخان القومُ، وخبَّئوا، وادَّخروا، فحوَّلهم الله قردةً وخَنازيرَ (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"جلاس\". وينظر تهذيب الكمال ٨/ ٣٦٤.\n(^٢) أخرجه الترمذى (٣٠٦١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٤٥ (٧٠٢٢)، وابن الأنباري في الأضداد ص ٣٥٠ عن الحسن بن قزعة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٨ إلى ابن مردويه وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن الأنبارى في الأضداد ص ٣٥٠ من طريق عكرمة به مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٨ إلى المصنف.\n(^٤) في م: \"تنزل وعليها ثمر\".\n(^٥) أخرجه الترمذى عقب حديث (٣٠٦١) وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٤٥ (٧٠٢٣) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٨ إلى ابن المنذر.","vol":"9","page":128},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أنها كانت مائدةً يَنْزِلُ عليها الثمرُ مِن ثمارِ الجنةِ، وأُمروا ألا يُحبوا، ولا يخونوا، ولا يَدَّخِروا لغدٍ؛ بلاءً أبلاهم اللهُ به، وكانوا إذا فعلوا شيئًا مِن ذلك أنْبَأهم به عيسى، فخان القومُ فيه فخبَّئوا وادَّخَروا لغدٍ (^١).\nوقال آخرون: كان عليها مِن كلِّ طعامٍ إلا اللحمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2895>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن مَيْسَرةَ، قال: كانت إذا وُضِعَت المائدةُ لبنى إسرائيلَ، اخْتَلَفَت عليها الأيدى بكلِّ طعامٍ.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شَريكٍ، عن عطاءٍ، عن مَيْسَرةَ وزاذانَ، قالا: كانت الأيدى تَخْتَلِفُ عليها بكلِّ طعامٍ (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن عطاءٍ بن السائبِ، عن زاذانَ وميسرةَ في: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾. قالا: رأَوُا الأيدىَ تَخْتَلِفُ عليها بكلِّ شيءٍ إلا اللحمَ.\nوقال آخرون: لم يُنْزِلِ اللهُ على بني إسرائيلَ مائدةً.\nثم اخْتَلَف قائلو هذه المقالِة؛ فقال بعضُهم: إنما هذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ تعالى لخلقِه نهاهم به عن مسألِة نبيِّ اللَّهِ الآيَاتِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن الأنبارى في الأضداد ص ٣٥١ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٨ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٨ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"9","page":129},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2896>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شَريكٍ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال: مَثَلٌ ضُرِب، لم يَنْزِلْ عليهم شيءٌ (^١).\nوقال آخرون: إن القومَ لما قيل لهم: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. استعفَوْا منها فلم تَنْزِلْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2897>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ بنُ مُعاذ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: لمَّا قيل لهم: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ إلى آخرِ الآية. قالوا: لا حاجة لنا فيها. فلم تَنْزِلْ (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورِ بن زاذانَ، عن الحسنِ أنه قال في المائدةِ: لم تَنْزِلْ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: مائدةٌ عليها طعامٌ أبَوْها حينَ عُرِض عليهم العذابُ إن كفَروا، فأَبَوْا أَن تَنْزِلَ عليهم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٤٨ (٧٠٣٣) من طريق يحيى بن آدم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن الأنبارى في الأضداد ص ٣٥١، ٣٥٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٥٢ (٧٠٤٦) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٨، ٣٤٩ إلى عبد بن حميد\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٨ إلى المصنف وأبي عبيد وابن المنذر.","vol":"9","page":130},{"text":"والصوابُ مِن القولِ عندَنا في ذلك أن يُقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أَنْزَل المائدةَ على الذين سأَلوا عيسى. مسألتَه ذلك ربَّه.\nوإنما قلنا ذلك؛ للخبر الذي رَوَينا بذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه وأهلِ التأويلِ مِن بعدِهم، غيرَ مَنِ انْفَرَد بما ذكَرْنا عنه.\nوبعد، فإن الله تعالى ذكرُه لا يُخْلِفُ وعدَه، ولا يَقَعُ في خبره الخُلْفُ، وقد قال تعالى، مُخبرًا في كتابِه عن إجابةِ نبيِّه عيسى ﷺ حينَ سأَله ما سأَله مِن ذلك: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾. وغيرُ جائزٌ أن يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾. ثم لا يُنَزِّلُها؛ لأن ذلك منه تعالى خبرٌ، ولا يكون منه خلافُ ما يُخْبِرُ، ولو جاز أن يقولَ: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾. ثم لا يُنَزِّلُها عليهم، جاز أن يقولَ (^١): فمن يكفرْ بعدُ مِنكم فإنِّى معِّذبُه عذابًا لا أعذِّبُه أحدًا مِن العالمين. ثم يَكْفُرُ منهم بعدَ ذلك فلا يُعَذِّبُه، فلا يَكُون لوعدِه ولا لوَعيدِه حقيقةٌ ولا صحةٌ، وغيرُ جائزٍ أن يُوصَفَ ربُّنا تعالى بذلك.\nوأما الصواب مِن القولِ فيما كان على المائدةِ، فأن يقالَ: كان عليها مأكولٌ، وجائزٌ أن يكون كان سمكًا وخبزًا، وجائزٌ أن يكونَ كان ثمرًا مِن ثمرِ الجنةِ، وغيرُ نافعِ العلمُ به، ولا ضارٌّ الجهلِ به، إذا أقرَّ تالى الآيةِ بظاهرِ ما احْتَمَلَه التنزيلُ.\n\n<span id=\"aya-784\"></span><span data-type='title' id=toc-2898>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾.</span>\nوهذا جوابٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه القومَ فيما سأَلوا نبيَّهم عيسى مسألةَ ربِّهم مِن إنزالِه مائدةً عليهم، فقال تعالى ذكرُه: إنى مُنَزِّلُها عليكم أيُّها الحواريَّون فمُطْعِمُكموها، ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾. يقولُ: فَمَن يَجْحَدُ بعد إنزالها\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"يكون\".","vol":"9","page":131},{"text":"عليكم، وإطْعامِيكموها منكم رسالتي إليه، ويُنْكِرْ نبوةَ نبيِّى عيسى ﷺ، ويُخالف طاعتى فيما أمَرْتُه ونهَيْتَه ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا﴾ مِن عَالَمى زمانِه. ففعَل القومُ، فجحَدوا وكفَروا بعدَ ما أُنْزلَت عليهم فيما ذُكِر لنا، فعُذِّبوا فيما بلَغَنا بأن مُسِخوا قردةً وخَنازير.\nكالذي حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ الآية: ذُكِر لنا أنهم حُوِّلوا خَنازير (^١).\nحدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ ومحمدُ بنُ أبي عَدِيٍّ، ومحمدُ بنُ جعفرٍ، عن عوفٍ، عن أبي المغيرةِ القَوَّاسِ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو، قال: إن أشدَّ الناسِ عذابًا ثلاثةٌ؛ المنافقون، ومَن كفر مِن أصحاب المائدة، وآل فرعونَ (^٢).\nحدَّثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن عوفٍ، قال: سمِعْتُ أبا المغيرةِ القَوَّاسَ يقولُ: قال عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو: إن أشدَّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ مَن كفر مِن أصحابِ المائدةِ، والمنافقون، وآل فرعونَ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ قولَه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾: بعدَ ما جاءَته المائدةُ، ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: أُعَذِّبُه بعذابٍ لا أُعَذِّبُه أحدًا مِن العالَمين غيرَ أهلِ المائدةِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-785\"></span><span data-type='title' id=toc-2899>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٩ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٥٢ (٧٠٤٧) مِن طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"9","page":132},{"text":"قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: يومَ يَجْمَعُ الله الرسُلَ فيقولُ: ماذا أُجِبْتُم إذ قال اللهُ يا عيسى ابنَ مريمَ أأنت قلتَ للناسِ اتَّخذونى وأمى إلهين مِن دونِ اللهِ؟\nوقيل: إن الله قال هذا القولَ لعيسى حينَ رفَعه إليه في الدنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2900>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. قال: لمَّا رفعَ اللهُ عيسى ابنَ مريمَ إليه، قالت النصارى ما قالت، وزعَموا أن عيسى أمَرَهم بذلك، فسأَله عن قولِه فقال: سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (^١).\nوقال آخرون: بل هذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن أنه يقولُ لعيسى ذلك في القيامةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2901>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. قال: والناسُ يَسْمَعون، فراجَعَه بما قد رأَيْتَ، وأَقَرَّ له بالعبوديةِ على نفسِه، فعلِم مَن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٥٣ (٧٠٥١) من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"9","page":133},{"text":"كان يقولُ في عيسى ما يقولُ، أنه إنما كان يقولُ باطلًا (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ، عن مَيْسرةَ، قال: قال اللهُ: يا عيسى أأنت قلت للناسِ اتَّخِذونى وأمِّىَ إلهين مِن دونِ اللَّهِ؟ فَأُرْعِدَت مَفاصلُه، وخشِى أن يكونَ قد قال، فقال: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ - ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ الآية (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: متى يَكونُ ذلك؟ قال: يومَ القيامةِ، ألا تَرَى أنه يقولُ: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (^٣) [المائدة: ١١٩].\nفعلى هذا التأويل الذي تأوَّله ابن جُريجٍ يَجِبُ أَن يَكونَ \"وإذْ\" بمعنى \"وإذا\"، كما قال في موضعٍ آخرَ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: ٥١]. بمعنى: يَفْزَعون. وكما قال أبو النَّجْمِ (^٤):\nثم جَزاه الله عنا إذ جَزَى … جَناتِ عَدْنٍ في العَلاليِّ (^٥) العُلَا\nوالمعنى: إذا جَزَى. وكما قال الأسودُ (^٦):\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٩ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٥٢ (٧٠٤٨) من طريق جرير. وأخرجه ٤/ ١٢٥٣ (٧٠٥٤) من طريق عطاء. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٥٣ (٧٠٥٠) عن الحسن به.\n(^٤) ديوانه (مجموع) ص ٢١٠.\n(^٥) العلالي جمع عليَّة، بضم العين وكسرها: الغرفة. النهاية ٣/ ٢٩٥.\n(^٦) البيت في الأضداد لابن الأنبارى ص ١١٩ غير منسوب، وفيه: \"المرء\" بدل الشيخ، وينظر التبيان ٤/ ٦٥.","vol":"9","page":134},{"text":"فالآنَ إِذ هَازَلْتُهنَّ فإنما … يَقُلْن ألا لم يَذْهَبِ الشيخُ مَذْهَبَا\nبمعنى: إذا هازَلْتُهن.\nوكأن مَن قال في ذلك بقولِ ابن جُريجٍ هذا وجه تأويلَ الآيةِ إلى: فمن يكفُرْ بعدُ منكم، فإنى أعذِّبُه عذابًا لا أعذِّبُه أحدًا من العالمين في الدنيا، وأُعَذِّبُه أيضًا في الآخرةِ إذْ قال الله: يا عيسى ابنَ مريمَ أأنت قلتَ للناسِ: اتخذوني وأمِّى إلهين مِن دونِ اللهِ؟.\nوأولى القولين عندَنا بالصوابِ في ذلك قولُ مِن قال بقولِ السديِّ، وهو أن الله تعالى ذكرُه قال ذلك لعيسى حينَ رفَعَه إليه، وأن الخبرَ خبرٌ عما مضَى؛ لعلَّتين؛ إحداهما: أن \"إذ \"إنما تُصاحِبُ في الأغلبِ مِن كلامِ العربِ المستعملِ بينَها، الماضَى مِن الفعلِ، وإن كانت قد تُدْخِلُها أحيانًا في موضع الخبرِ عما يَحْدُثُ إذا عرَف السامعون معناها، وذلك غيرُ فاشٍ ولا فصيحٍ في كلامِهم، فتوجيهُ معاني كلامِ اللهِ تعالى إلى الأشهرِ الأعرفِ ما وُجِد إليه السبيل، أولى مِن توجيهها إلى الأجهلِ الأنكرِ.\nوالأُخرى: أن عيسى لم يَشْكُكْ (^١) هو ولا أحدٌ مِن الأنبياءِ أَن اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لمشركٍ مات على شركِه، فيَجوزَ أن يُتَوَهَّمَ على عيسى أن يَقولَ في الآخرةِ مُجِيبًا لربِّه تعالى: إِن تُعَذِّبْ مَن اتخذنى وأمِّى إلهين مِن دونِك فإنهم عبادُك، وإن تَغْفِرْ لهم فإنك أنت العزيزُ الحكيمُ.\nفإن قال قائلٌ: وما كان وجهُ سؤالِ اللَّهِ عيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهو العالمُ بأن عيسى لم يَقُلْ ذلك؟\nقيل: يَحْتَمِلُ ذلك وجهين مِن التأويلِ:\n_________\n(^١) في م: \"يشك\".","vol":"9","page":135},{"text":"أحدُهما: تحذيرُ عيسى عن قيلِ ذلك ونهيُه، كما يقولُ القائلُ لآخرَ: أَفعَلْتَ كذا وكذا؟ مما يَعْلَمُ المقولُ له ذلك أن القائلَ يَسْتَعْظِمُ فعلَ ما قال له: أَفعَلْتَه؟ على وجهِ النهيِ عن فعلِه والتهديدِ له فيه.\nوالآخرُ: إعلامُه أن قومه الذين فارَقَهم قد خالَفوا عهدَه وبدَّلوا دينَهم بعدَه، فيكونُ بذلك جامعًا إعلامَه حالَهم بعدَه وتحذيرًا له قِيلَه.\nوأما تأويل الكلامِ فإنه: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾. أي: مَعْبودَيْن تَعْبُدونهما ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال عيسى: تَنْزِيهًا لك يا ربِّ وتعظيمًا أن أَفْعَلَ ذلك أو أَتَكَلَّمَ به، ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾. يقولُ: ليس لى أن أَقُولَ ذلك؛ لأنى عبدٌ مخلوقٌ، وأمِّى أمَةٌ لك، [فهل يَكونُ] (^١) للعبدِ (^٢) والأمَةِ ادِّعاءُ ربوبيةٍ؟\n﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾. يقولُ: إنك لا يَخْفَى عليك شيءٌ، وأنت عالمٌ أنى لم أَقُلْ ذلك ولم آمُرْهم به.\n\n<span data-type='title' id=toc-2902>القولُ في تأويلِ قولِه ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن نبيِّه عيسى ﷺ أنه يَبْرَأُ إليه مما قالت فيه وفى أمِّه الكفَرةُ مِن النصارى، أن يكونَ دعاهم إليه، أو أمَرَهم به، فقال: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾. ثم قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾. يقولُ: إنك يا ربِّ لا يَخْفَى عليك ما أضْمَرَته نفسى مما لم أَنْطِقُ به، ولم أُظْهِرْه بجَوارحى، فكيف بما قد نطَقْتُ به وأَظْهَرْتُه بجَوارحِي؟ يقولُ: لو كنتُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١ \"فيكون يكون\"، وفى س: \"فيكون\".\n(^٢) في س: \"العبد\".","vol":"9","page":136},{"text":"قد قلتُ للناسِ: ﴿اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. كنتَ قد عَلِمْتَه؛ لأنك تَعْلَمُ ضَمائر النفوسِ مما لم تَنْطِقُ به، فكيف بما قد نطَقتْ به؟ ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾. يقولُ: ولا أَعْلَمُ أنا ما أخْفَيْتَه عنى فلم تُطْلِعْنى عليه؛ لأني إِنما أَعْلَمُ مِن الأشياء ما أَعْلَمْتَنِيه، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. يقولُ: إنك أنت العالمُ بخَفِيَّاتِ الأمورِ، التي لا يَطَّلِعُ عليها سواك، ولا يَعْلَمُها غيرُك.\n\n<span id=\"aya-786\"></span><span data-type='title' id=toc-2903>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن قول عيسى، يقولُ: ما قلتُ لهم إلا الذي أمَرْتَنى به مِن القولِ أن أقوله لهم، وهو أن قلتُ لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾. ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾. يقولُ: وكنتُ على ما يَفْعَلُونه، وأنا بينَ أَظْهُرِهم شاهدًا عليهم، وعلى أفعالِهم وأقوالِهم، ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾. يقولُ: فلما قبَضْتَنى إليك ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: كنتَ أنت الحفيظَ عليهم دوني؛ لأني إنما شهِدْتُ مِن أعمالِهم ما عمِلوه وأنا بينَ أظهرِهم.\nوفي هذا تِبْيانُ أن الله تعالى ذكرُه إنما عرَّفه أفعالَ القومِ ومَقالتهم بعد ما قبَضَه إليه وتوَفَّاه، بقولِه: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.\n﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. يقولُ: وأنت تَشْهَدُ على كلِّ شيءٍ؛ لأنه لا يَخْفَى عليك شيءٌ، وأما أنا فإنما شهِدْتُ بعضَ الأشياءِ، وذلك ما عايَنْتُ وأنا مقيمٌ بينَ أظْهُرِ القومِ، فإنما أنا أَشْهَدُ على ذلك الذي عايَنْتُ ورأيتُ وشهِدْتُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾. قال أهلُ التأويلِ.","vol":"9","page":137},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2904>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾: أما الرقيبُ فهو الحفيظُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾. قال: الحفيظَ.\nوكانت جماعةٌ مِن أهل العلم تقولُ: كان جواب عيسى الذي أجاب به ربَّه مِن اللهِ تعالى توفيقًا منه له فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2905>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن مَعْمرً، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾. قال: اللهُ وفَّقه (^١).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو داودَ الحَفَريُّ (^٢)، قال: قُرِئ على سفيانَ، عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ عن أبيه طاوسٍ، قال: احْتَجَّ عيسى، واللهُ وفَّقه؛ ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن مَيْسَرةَ، قال: قال اللهُ تعالى ذكرُه: يا عيسى، ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؟ قال: فأُرْعِدَت مَفاصلُه، وخشِي أن يَكونَ قد قالها، فقال: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٥٣ (٧٠٥٣) من طريق الفريابي عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٤٩ إلى عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، س: \"الجعفرى\". وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٣٦٠.","vol":"9","page":138},{"text":"أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (^١)؟\n\n<span id=\"aya-787\"></span><span data-type='title' id=toc-2906>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن تُعَذِّبْ هؤلاء الذين قالوا هذه المقالةَ، بإماتتكَ إياهم عليها، ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾، مُسْتَسْلِمون لك، لا يَمْتَنِعون مما أَرَدْتَ بهم، ولا يَدْفَعون عن أنفسِهم ضَرًّا ولا أمرًا تَنالُهم به، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾، بهدايتك إياهم إلى التوبةِ منها، فتَسْتُرُ عليهم، ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامِه ممَّن أراد الانتقامَ منه، لا يَقْدِرُ أحدٌ يَدْفَعُه عنه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في هدايتِه مَن هدَى مِن خلقِه إلى التوبةِ، وتوفيقِه مَن وفَّق منهم لسبيلِ النجاةِ مِن العقابِ.\nكالذى حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ في قولِه: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾: فتُخْرِجَهم مِن النصرانيةِ، وتَهْدِيَهم إلى الإسلامِ، ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وهذا قولُ عيسى في الدنيا (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قال: واللهِ ما كانوا طعَّانين ولا لعَّانين (^٣).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١٣٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٥٥ (٧٠٦٢) من طريق أحمد بن المفضل، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٥٠ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠١.","vol":"9","page":139},{"text":"<span id=\"aya-788\"></span><span data-type='title' id=toc-2907>القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)﴾.</span>\nاختَلَفَتِ القرأُة في قراءةِ قولِه: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾؛ فقرَأ ذلك بعضُ أهلِ الحجازِ والمدينةِ: (هذا يومَ يَنْفَعُ الصادِقين) بنصب (يومَ) (^١).\nوقرَأ بعضُ أهلِ الحجازِ، وبعضُ أهلِ المدينةِ، وعامةُ قرأةِ أهلِ العراقِ: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾ برفعِ ﴿يَوْمُ﴾، فمن رفَعه رفَعه بـ ﴿هَذَا﴾، وجعَل ﴿يَوْمُ﴾ (^٢) اسمًا وإن كانت إضافتُه غيرَ مَحْضةٍ؛ لأنه قد صار كالمنعوتِ.\nوكان بعضُ أهلُ العربيةِ يَزْعُمُ أن العربَ يَعْمَلُون في إعرابِ الأوقاتِ مثلِ \" اليوم\" و\"الليلةِ\" عملَهم فيما بعدَها، إن كان ما بعدَها رفعًا رفَعوها، كقولِهم: هذا يومُ يَرْكَبُ الأميرُ، وليلةُ يَصْدُرُ الحاجُّ، ويومُ أخوك مُنْطَلِقٌ. وإن كان ما بعدَها نصبًا نصَبوها، وذلك كقولهم: هذا يومَ خرجَ الجيشُ، وسار الناسُ، وليلةَ قُتِل زيدٌ. ونحوِ ذلك، وإن كان معناها في الحالين: إذ، وإذا. وكأَنَّ مَن قرَأ هذا هكذا رفعًا، وجَّه الكلامَ إلى أنه مِن قبلِ اللهِ يومَ القيامةِ.\nوكذلك كان السديُّ يقولُ في ذلك.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضل، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾: هذا فصلٌ مِن كلامِ عيسى، وهذا يومَ القيامةِ (^٣).\nيعنى السديُّ بقوله: هذا فصلٌ مِن كلام عيسى. أن قولَه: ﴿سُبْحَانَكَ مَا\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وحده. السبعة لابن مجاهد ص ٢٥٠.\n(^٢) وهي قراءة ابن كثير وعاصم وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٥٠.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٥٦ (٧٠٦٥) من طريق أحمد بن المفضل.","vol":"9","page":140},{"text":"يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ مِن خبرِ الله ﷿ عن عيسى أنه قاله في الدنيا بعد أن رفعه إليه، وأن ما بعد ذلك من كلامِ الله لعباده يومَ القيامةِ.\nوأما النصبُ في ذلك فإنه يَتَوَجَّهُ مِن وجهين:\nأحدُهما: أن إضافة \"يوم\" ما لم تَكُنْ إلى اسمٍ تَجْعَلُه نصبًا؛ لأن الإضافة غيرُ مَحْضةٍ، وإنما تكونُ الإضافةُ مَحْضةً إذا أُضيف إلى اسمٍ صحيحٍ، ونظيرُ \"اليوم\" في ذلك: \"الحينُ\" و\"الزمانُ\" وما أشبَهَهما مِن الأزمنة، كما قال النابغةُ (^١):\nعلى حين عاتبتُ المَشِيبَ على الصِّبا … وقلتُ ألَمَّا تَصْحُ والشَّيْبُ وازِعُ\nوالوجه الآخرُ: أن يكونَ مُرادًا بالكلام: هذا الأمرُ وهذا الشأنُ يومَ يَنْفَعُ الصادِقِين. فيكونَ \"اليومُ\" حينئذٍ منصوبًا على الوقت والصفة، بمعنى: هذا الأمرُ في يوم يَنْفَعُ الصادقين صدقُهم.\nوأولى القراءتين في ذلك عندى بالصواب (^٢): (هذا يومَ يَنْفَعُ الصادقين).\nبنصب \"اليوم\" على أنه منصوبٌ على الوقت والصفة؛ لأن معنى الكلام أن الله تعالى أجاب عيسى حين قال: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فقال له ﷿: هذا القولُ النافعُ، أو هذا الصدقُ النافعُ يومَ يَنْفَعُ الصادقين صدقُهم. فـ \"اليوم\" وقتُ القول والصدق النافع.\n_________\n(^١) ديوانه ص ٤٤.\n(^٢) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"9","page":141},{"text":"فإن قال قائلٌ: فما موضعُ \"هذا\"؟ قيل: رفعٌ. فإن قال: فأين مُرافِعُه (^١)؟ قيل: مُضْمَرٌ. وكأنه قال: قال اللهُ ﷿: هذا (^٢)، هذا يوم ينفعُ الصادقين صدقهم. كما قال الشاعرُ:\nأمَّا تَرَى السَّحابَ كيف يَجْرِى\nهذا ولا خَيْلُك يابن بِشْرِ\nيريدُ: هذا، هذا ولا خيلُك.\nفتأويل الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا لما بيَّنا: قال اللهُ لعيسى: هذا القولُ النافع في يومِ يَنْفَعُ الصادقين في الدنيا، صِدْقُهم ذلك في الآخرة عندَ اللهِ.\n﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ: للصادقين في الدنيا جناتٌ تجرى من تحتها الأنهارُ في الآخرة؛ ثوابًا لهم من الله ﷿ على ما كان من صدقهم الذي صدقوا الله فيما وعدوه، فوفَّوا به للهِ، فوفَّى اللهُ ﷿ لهم ما وعدهم من ثوابِه، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. يقولُ: باقين في الجنات التي أعطاهموها، أبدًا دائمًا، لهم فيها نعيمٌ لا يَنْتَقِلُ عنهم ولا يَزولُ.\nوقد بيَّنا فيما مضى أن معنى الخلودِ الدوام والبقاء (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2908>القول في تأويل قوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: رضى الله عن هؤلاء الصادقين الذين صدقوا في الوفاء له بما وعدوه، من العمل بطاعته واجتناب معاصيه، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾. يقولُ: ورضُوا هم\n_________\n(^١) في م: \"رافعه\".\n(^٢) سقط من: م، س.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٢٢، ٥٩٢، ٢/ ١٨٦، ١٨٧.","vol":"9","page":142},{"text":"عن الله تعالى في وفائه لهم بما وعَدَهم على طاعتِهم إياه، فيما أمَرَهم ونهاهم من جزيل ثوابه، ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. يقولُ: هذا الذي أعطاهم اللهُ مِن الجناتِ التي تَجْرِى مِن تحتها الأنهارُ، خالدين فيها، مَرْضِيًّا عنهم، وراضين عن ربِّهم، هو الظَّفَرُ العظيم بالطَّلبة وإدراكِ الحاجة التي كانوا يطلُبونها في الدنيا، ولها كانوا يَعْمَلون فيها، فنالوا ما طلَبوا، وأَدْرَكوا ما أمَّلوا.\n\n<span id=\"aya-789\"></span><span data-type='title' id=toc-2909>القول في تأويل قوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: أيُّها النصارى، ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: له سلطان السماوات والأرض، ﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾، دونَ عيسى الذي تزعُمون أنه إلهُكم، ودونَ أمِّه، ودونَ جميع من في السماواتِ ومَن في الأرضِ، فإن السماواتِ والأرضَ خلقٌ من خلقه، وما فيهن، وعيسى وأمُّه في (^١) بعض ذلك بالحُلول والانتقالِ، يَدُلَّان بكونهما في المكان الذي هما فيه بالحلول فيه والانتقال، أنهما عبدان مَملوكان، لمن له ملك السماوات والأرض وما فيهن، يُنَبِّههم وجميع خلقِه على موضع حجتِه عليهم ليَدَّبَّروه ويَعْتَبروه، فيَعْقِلُوا عنه، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكره: واللهُ الذي له ملك السماوات والأرض وما فيهن قادرٌ على إفنائهن، وعلى إهلاكهن وإهْلاكِ عيسى وأمِّه ومَن في الأضِ جميعًا، كما ابْتَدَأ خلقهم، لا يُعْجِزُه ذلك، ولا شيءٌ أراده؛ لأن قدرته القدرةُ التي لا يُشبهها قدرةٌ، وسلطانه السلطانُ الذي لا يُشْبهُه سلطانٌ ولا مملكةٌ.\n_________\n(^١) في م: \"من\".","vol":"9","page":143},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-2910>تفسيرُ سورة الأنعام</span>\n\n<span id=\"aya-790\"></span><span data-type='title' id=toc-2911>القولُ في تأويل قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكره بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الحمدُ الكامل للهِ وحده لا شَريكَ له، دونَ جميع الأندادِ والآلهة، ودونَ ما سواه، مما تَعْبُدُه كفَرَةُ خلقِه مِن الأوثانِ والأصنام.\nوهذا كلامٌ مَخْرَجُه مَخْرِجُ الخبرِ، يُنْحَى به نحو الأمرِ، يقولُ: أخلصوا الحمدَ والشكر للذي خلقكم أيُّها الناسُ، وخلق السماوات والأرض، ولا تُشركوا معه في ذلك أحدًا شيئًا، فإنه المُسْتَوْجِبُ عليكم الحمد بأياديه عندكم، ونعمه عليكم، لا مَن تَعْبُدونه مِن دونِه، وتجعلونه له شريكًا مِن خَلْقِه.\nوقد بيَّنا الفصل بين معنى \"الحمد\" و\"الشكر\" بشواهِده فيما مضَى قبلُ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-2912>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: الحمدُ للهِ الذي خلق السماوات والأرضَ، وأَظْلَم الليلَ وأثار النهار.\nكما حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم ١/ ١٣٥ - ١٣٨.","vol":"9","page":144},{"text":"أسْباط، عن السديِّ: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾. قال: الظلماتُ ظلمة الليل، والنور نور النهار (^١).\nحدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: أما قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾. فإنه خلق السماوات قبل الأرض، والظلمة قبل النور، والجنة قبل النار (^٢).\nفإن قال قائلٌ: فما معنى قوله إذن: ﴿جَعَلَ﴾؟\nقيل: إن العربَ تَجْعَلُها ظرفًا للخبرِ والفِعْل، فتقولُ: جَعَلْتُ أَفْعَلُ كذا، وجَعَلْتُ أَقومُ وأَقْعُدُ. تَدلُّ بقولِها: جَعَلْتُ على اتصال الفعل، كما تقولُ: علِقْتُ (^٣) أَفْعَلُ كذا. لا أنها في نفسها فِعْلٌ، يَدُلُّ على ذلك قول القائل: جعَلْتُ أقومُ (^٤). وأنه لا جَعْل هناك سوى القيام (^٥)، وإنما دلَّ بقولِه: جَعَلْتُ. على اتصالِ الفعلِ ودوامِه، ومن ذلك قولُ الشاعر:\nوزعَمْتَ أنك سوف تَسْلُكُ فاردا (^٦) … والموتُ مُكْتَنِعٌ (^٧) طَريقَى قادِرِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٥٩، ١٢٦٠ (٧٠٨٢، ٧٠٨٥) من طريق أحمد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٥٩ (٧٠٧٩، ٧٠٨٣) من طريق يزيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في س: \"عقلت\". وعلق فلان يفعل كذا ظل، كقولك: طفق يفعل كذا. اللسان (ع ل ق).\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وأقوم\"\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"والقيام\".\n(^٦) في م: \"قادرا\". وفاردا: منفردا.\n(^٧) في م: \"متسع\". واكتنع الشيء: حضر، وكنع الموت واكتنع: دنا وقرب. اللسان (ك ن ع). وينظر تعليق الشيخ شاكر على هذا البيت.","vol":"9","page":145},{"text":"فاجْعَلْ تَحَلَّلْ مِن يمينِك إنما … حِنْثُ اليَمين على الأثِيمِ (^١) الفاجِرِ\nيقولُ: فاجْعَل تَحَلَّلْ. بمعنى: تحلَّل شيئًا بعد شيءٍ. لا أن هناك جَعْلًا مِن غيرِ التَّحْليلِ، فكذلك كلُّ جَعْل في الكلام، إنما هو دليل على فعلٍ له اتصالٌ، لا أن له حظًّا في معنى الفعْلِ.\nفقولُه: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾. إنما هو: أظْلَم ليلَهما وأنار نهارَهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-2913>القولُ في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ </span>(١)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه مُعَجِّبًا خلقه المؤمنين مِن كفَرةِ عبادِه، ومُحْتَجًّا على الكافرين: إن الإله الذي يَجِبُ عليكم أيُّها الناسُ حمدُه، هو الذي خلَق السماواتِ والأرضَ، الذي جعَل منهما مَعايشَكم وأقْواتَكم وأقواتَ أنعامِكم التي بها حياتُكم، فمِن السماواتِ يَنزِلُ عليكم الغيثُ، وفيها تَجْرِى الشمسُ والقمرُ باعتقابٍ واختلافٍ لمَصالِحكم، ومن الأرضِ يَنْبُتُ الحبُّ الذي به غذاؤُكم، والثمارُ التي فيها ملاذُّكم، مع غيرِ ذلك من الأمور التي فيها مَصالحُكم ومَنافعُكم بها، والذين يَجْحَدون نعمة الله عليهم، بما أَنْعَم به عليهم من خلقِ ذلك لهم ولكم أيُّها الناسُ ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ الذي فعَل ذلك وأحْدَثه ﴿يَعْدِلُونَ﴾: يَجْعَلون له شريكًا في عبادتِهم إياه، فيَعْبُدون معه الآلهة والأندادَ والأصنامَ والأوثانَ، وليس منها شيءٌ شركه في خلقِ شيءٍ من ذلك، ولا في إنعامِه عليهم بما أنْعَم به عليهم، بل هو المنفردُ بذلك كلِّه، وهم يُشْرِكون في\n_________\n(^١) في م: \"اللئيم\".","vol":"9","page":146},{"text":"عبادتِهم إياه غيرَه. فسبحانَ اللهِ ما أَبْلَغَها مِن (^١) حجةٍ، وأَوْجَزَها مِن عِظَةٍ، لمن فكَّر (^٢) فيها بعقلٍ، وتدَبَّرها بفهمٍ!\nولقد قيل: إنها فاتحةُ التوراةِ.\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ العزيز بنُ عبد الصمدِ العَمِّيُّ (١)، عن أبي عِمرْانَ الجَوْنيِّ، عن عبدِ اللهِ بن رَباحٍ، عن كعبٍ، قال: فاتحةُ التوراة: فاتحةُ \"الأنعام\": ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن جعفرِ بن سليمانَ، عن أبي عِمْرانَ الجَوْنيِّ، عن عبدِ الله بن رَباحٍ، عن كعبٍ مثلَه، وزاد فيه: وخاتمةُ التوراةِ خاتمةُ \"هودٍ\" (^٤).\nيقالُ مِن مُساواة الشيء بالشيءِ: عدَلْتُ هذا بهذا. إذا ساوَيْتَه به، عَدْلًا. وأما في الحكم إذا أنْصَفْتَ فيه، فإنك (^٥) تقولُ: عَدَلْتُ فيه أَعْدِلُ عَدْلًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿يَعْدِلُونَ﴾. قال أهلُ التأويل.\n_________\n(^١) سقط من: س.\n(^٢) في س: \"تذكر\".\n(^٣) أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (١٩٧، ١٩٩) من طريق أبي عمران الجوني، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (٢٠٢) من طريق جعفر بن سليمان، وأخرجه الدارمي ٢/ ٤٥٣ من طريق أبي عمران الجوني، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٥٧ إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وأبى الشيخ.\n(^٥) في ص، ت ٢: \"فإنه\".","vol":"9","page":147},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2914>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عن مُجاهدٍ: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ قال: يُشْرِكون (^١).\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويل في مَن عُنى بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنى به أهلُ الكتابِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2915>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفر بن أبي المغيرةِ، عن ابن أبْزَى، قال: جاءه رجلٌ مِن الخوارج يَقْرَأُ عليه هذه الآيةَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ قال له: أليس الذين كفَروا بربِّهم يَعْدِلون؟ قال: بلى. قال: وانْصَرَف عنه الرجلُ، فقال له رجلٌ مِن القوم: يابن أبْزَى، إن هذا قد أراد تفسير هذه غيرَ هذا، إنه رجلٌ مِن الخَوارج. فقال: ردُّوه عليَّ. فلما جاءه قال: هل تَدْرِى في مَن نزَلَت هذه الآيةُ؟ قال: لا. قال: إنها نزَلَت في أهلِ الكتابِ، اذْهَبْ لا تَضَعْها على غير حَدِّها (^٢).\nوقال آخرون: بل عُنى بها المشركون مِن عَبَدة الأوثان.\n\n<span data-type='title' id=toc-2916>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣١٩، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٠ (٧٠٨٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٠ (٧٠٨٧) من طريق يعقوب القمى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"9","page":148},{"text":"﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ قال: هؤلاء أهلُ صُراحِيَةٍ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. قال: هم المشركون (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. قال: الآلهةُ التي عبَدوها عدَلوها بالله. قال: وليس للهِ عِدْلٌ ولا نِدٌّ، وليس معه آلهةٌ، ولا اتَّخذ صاحبةً ولا ولدًا (^٣).\nوأولى الأقوال في ذلك بالصوابِ عندى أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخْبَر أن الذين كفَروا بربِّهم يَعْدِلون. فعمَّ بذلك جميعَ الكفار، ولم يَخْصُصْ منهم بعضًا دونَ بعضٍ، فجميعُهم داخِلون في ذلك؛ يهودُهم، ونَصاراهم، ومَجوسُهم، وعَبَدةُ الأوثانِ منهم ومِن غيرِهم من سائرِ أصنافِ الكفرِ.\n\n<span id=\"aya-791\"></span><span data-type='title' id=toc-2917>القولُ في تأويل قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾. أن الله الذي خلق السماواتِ والأرضَ، وأَظْلَم ليلَهما وأنار نَهارَهما، [ثم كفَر] (^٤) به - مع إنعامِه عليهم - الكافرون، وعدَلوا به مَن لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم، هو الذي خلَقكم أيُّها الناسُ مِن طينٍ. وإنما يعنى بذلك تعالى ذكرُه أن الناسَ وَلَدُ مَن خَلَقَه مِن طينٍ،\n_________\n(^١) في م: \"صراحة\". والصراحية والصراحة: الخالصة. اللسان (ص ر ح). والمراد أنهم أهل شرك وكفر صريح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٠ عقب الأثر (٧٠٨٨) من طريق أسباط.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٠ (٧٠٨٩) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٤) في م: \"فكفر\".","vol":"9","page":149},{"text":"فأَخْرَج ذلك مُخْرَجَ الخطابِ لهم، إذ كانوا وَلَدَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-2918>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾: بَدْءُ الخَلقِ، خَلَقَ اللهُ آدمَ مِن طينٍ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾. قال: هو آدمُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أمَّا ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾. فآدمُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، عن عُبيد بن سليمانَ، عن الضحاكِ بن مُزاحمٍ، قال: خُلق آدمُ من طينٍ، وخُلق الناسُ مِن سُلالةٍ مِن ماءٍ مَهينٍ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾. قال: خلق آدمَ مِن طينٍ، ثم خلقنا مِن آدمَ حِينَ أَخَذَنَا مِن ظهرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2919>القولُ في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى قولِه: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾. ثم قضَى لكم أيُّها الناسُ ﴿أَجَلًا﴾، وذلك ما بين أن يُخْلَقَ إلى أن يموت، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾. وذلك ما بينَ أن يَموتَ إلى أن يُبْعَثَ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"9","page":150},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2920>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ وهنادُ بن السَّريِّ، قالا: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا أبي، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، عن الحسن في قوله: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ قال: ما بينَ أن يُخْلَقَ إلى أن يَموتَ، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾. قال: ما بينَ أن يَموتَ إلى أن يُبْعَثَ (^١).\nحدَّثنا: بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾. كان يقولُ: أَجَلُ حياتِك إلى أن تَموتَ، وأجلُ موتِك إلى أن تُبْعَثَ، فأنت بينَ أجَلَين من الله تعالى (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، عن عُبيد بن سليمانَ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ: ﴿قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾. قال: قضَى أَجلَ الموتِ، وكلُّ نفس أجلُها الموتُ. قال: ولن يُؤَخِّرَ الله نفسا إذا جاء أجلها، ﴿وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَه﴾. يعنى أجلَ الساعةِ ذَهاب الدنيا، والإفضاء إلى اللهِ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم قضَى الدنيا، وعندَه الآخرةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2921>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن سفيانَ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَجَلًا﴾. قال: الدنيا، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾: الآخرة (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن زكريا بن إسحاقَ، عن ابن أبي\n_________\n(^١) ينظر تفسير البغوي ٣/ ١٢٧، وتفسير ابن كثير ٣/ ٢٣٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٢ (٧٠٩٨) من طريق يزيد به.\n(^٣) تفسير البغوي ٣/ ١٢٧، وتفسير ابن كثير ٣/ ٢٣٤.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٠ (٧٠٩٠) من طريق سفيان به. دون ذكر آخره.","vol":"9","page":151},{"text":"نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾. قال: الآخرةُ عنده. ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾: الدنيا (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَجَلًا﴾. قال: الآخرةُ عندَه. ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾. قال: الدنيا.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عَن قتادةَ والحسن: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾. قالا: قضَى أجلَ الدنيا من حينَ خلَقَك إلى أن تَموتَ، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾: يومُ القيامةِ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن مُجاهدٍ وعكرمة: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾. قال: قضَى أجلَ الدنيا، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾. قال: هو أجلُ البعثِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن مُجاهدٍ وعكرمةَ: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾. قال: الموتُ، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾. الآخرةُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ والحسنِ في قولِه: ﴿قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ قالا: قضى أجلَ الدنيا منذ يوم خُلِقْتَ إلى أن تَموتَ، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾: يومُ القيامةِ (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣١٩.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦١، ١٢٦٢ (٧٠٩٢، ٧٠٩٩) معلقا.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"9","page":152},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾. قال: أجلُ الدنيا، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾. قال: البعثُ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾: يعني أجلَ الموتِ، والأجلُ المسمى أجلُ الساعةِ والوقوفِ عندَ اللهِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾. قال: أما ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ فَأجِلُ الموتِ، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾: يوم القيامة (^٣).\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾. قال: أما قولُه: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾. فهو النومُ تُقْبَضُ فيه الروحُ، ثم تَرْجِعُ إلى صاحبها حينَ اليَقَظةِ، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾: هو أَجلُ موتِ الإنسان (^٤).\nوقال آخرون بما حدَّثني به يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ [قال: قال ابن زيدٍ] (^٥) في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾. قال: خلَق آدمَ مِن طينٍ، ثم خلَقَنا من آدمَ حينَ (^٦) أَخَذَنَا مِن ظهرِه، ثم\n_________\n(^١) ينظر تفسير البغوي ٣/ ١٢٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦١، ١٢٦٢ (٧٠٩٦، ٧١٠١) من طريق أبي صالح.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦١ (٧٠٩٢)، وعقب الأثر (٧٠٩٥) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦١ (٧٠٩٣، ٧٠٩٧) عن محمد بن سعد به.\n(^٥) سقط من النسخ، والمثبت مما تقدم في ص ١٥٠.\n(^٦) سقط من النسخ، والمثبت مما تقدم في ص ١٥٠.","vol":"9","page":153},{"text":"أخَذ الأجلَ والمِيثَاقَ في أجلٍ واحدٍ مسمًّى في هذه الحياة الدنيا.\nوأولى الأقوال في ذلك عندى بالصواب قولُ مَن قال: معناه: ثم قضَى أجلَ الحياة الدنيا، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، وهو أَجلُ البَعْثِ عندَه.\nوإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب؛ لأنه تعالى نبَّه خلقَه على موضع حُجَّتِه عليهم من أنفسِهم، فقال لهم: أَيُّها الناسُ، إن الذي يَعْدِلُ به كفارُكم الآلهة والأندادَ، هو الذي خلَقَكم فابْتَدَأكم وأَنْشَأَكم من طين، فجعَلكم صُوَرًا أجْسامًا أحْياءً، بعد إذ كنتم طينًا جَمادًا، ثم قضَى آجالَ حياتِكم لفنائِكم ومَماتِكم؛ ليُعيدَكم ترابًا وطينًا كالذى كنتم قبلَ أن يُنْشِئَكُم ويَخْلُقَكم، وأجلٌ مُسَمًّى عندَه لإعادتِكم أحياءً وأجسامًا، كالذي كنتم قبلَ مَماتِكم. وذلك نظيرُ قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-2922>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ </span>(٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثم أنتم تَشُكُّون في قدرةِ مَن قدَر على خلقِ السماواتِ والأرضِ، وإظلام الليلِ وإنارة النهارِ، وخلَقَكم من طينٍ، حتى صيَّركم بالهيئة التي أنتم بها (^١) - على إنشائه إياكم مِن بعدِ مَماتِكم وفَنائِكم، وإيجادِه إياكم بعدَ عدمِكم.\nوالمِرْيةُ في كلام العرب هي الشَّكُّ. وقد بيَّنْتُ ذلك بشَواهدِه في غيرِ هذا الموضع فيما مضَى قبلُ بما أغْنَى عن إعادتِه (^٢).\nوقد حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ (^٣):\n_________\n(^١) بعده في م: \"و\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٦٧٣، ٥/ ٤٦٤، ٤٦٥.\n(^٣) في س: \"جريج\".","vol":"9","page":154},{"text":"﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ قال: الشكُّ. قال: وقرَأ قول الله: ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [الحج: ٥٥]. قال: في شكٍّ منه.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾: تَشكُونَ (^١).\n\n<span id=\"aya-792\"></span><span data-type='title' id=toc-2923>القولُ في تأويل قولِه: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ </span>(٣)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن الذي له الألُوهةُ التي لا تَنْبَغِى لغيره، المُسْتَحِقَّ عليكم إخلاصَ الحمدِ له بآلائِه عندكم أيُّها الناسُ، الذي يَعْدِلُ به كفارُكم مَن سِواه، هو الله الذي هو في السماواتِ و(^٢) في الأرضِ يَعْلَمُ سِرَّكُم وجَهْرَكُم، فلا يَخْفَى عليه شيءٌ. يقولُ: فربُّكم الذي يَسْتَحِقُّ عليكم الحمدَ، ويَجِبُ عليكم إخلاصُ العبادةِ له، هو هذا الذي هذه (^٢) صِفَتُه، لا مَن لا يَقْدِرُ لكم على ضَرٍّ ولا نفعٍ، ولا يَعْمَلُ شيئًا، ولا يَدْفَعُ عن نفسه سُوءًا أُرِيد بها.\nوأما قولُه: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾. يقولُ: ويَعْلَمُ ما تَعْمَلُون وتَجْرَحُون، فيُحْصِى ذلك عليكم ليُجازيَكم به عندَ مَعادِكم إليه.\n\n<span id=\"aya-793\"></span><span data-type='title' id=toc-2924>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ </span>(٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما تَأْتى هؤلاء الكفارَ الذين بربِّهم يَعْدِلون أوثانَهم وآلهتهم، آيةٌ من آياتِ رَبِّهم. يقولُ: حجةٌ وعلامةٌ ودلالةٌ من حُججِ\n_________\n(^١) في م: \"بمثله\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٢ (٧١٠٢) من طريق أحمد به.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"9","page":155},{"text":"ربِّهم، [ودَلالاتِه وأعْلامِه] (^١) على وحدانيتِه، وحقيقةِ نبوتِك يا محمدُ، وصدق ما أتيْتَهم به من عندى، ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾. يقولُ: إِلا أَعْرَضوا عنها، يعنى عن الآية، فصَدُّوا عن قَبولِها، والإقرارِ بما شهِدَت على حقيقتِه، ودلَّت على صحتِه؛ جهلًا منهم بالله، واغْتِرَارًا بحِلْمِه عنهم.\n\n<span id=\"aya-794\"></span><span data-type='title' id=toc-2925>القولُ في تأويل قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فقد كذَّب هؤلاء العادلون بالله الحقَّ لمَّا جاءَهم. وذلك الحقُّ هو محمدٌ ﷺ، كذَّبوا به، وجحَدوا نبوَّتَه لما جاءهم. قال الله لهم مُتَوَعِّدًا على تكذيبِهم إياه، وجُحودِهم نبوتَه: سوف يَأْتِى المكذِّبين بك يا محمدُ مِن قومِك وغيرهم ﴿أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يقولُ: سوف يَأْتِيهم أخبارُ استهزائِهم بما كانوا به يَسْتَهْزِئون من آياتى وأدلَّتى التي آتَيْتُهم. ثم وفَى لهم بوعيدِه لمَّا تمادَوْا في غيِّهم، وعتَوْا على ربِّهم، فقتَلَهم يومَ بدرٍ بالسيفِ.\n\n<span id=\"aya-795\"></span><span data-type='title' id=toc-2926>القولُ في تأويل قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ألم يَرَ هؤلاء المكذِّبون بآياتي، الجاحِدون نبوتَك، كثرةَ مَن أَهْلَكْتُ مِن قبلِهم من القُرونِ، وهم الأممُ الذين وطَّأْتُ لهم البلادَ والأرضَ تَوْطِئَةً لم أُوَطِّئْها لهم، وأعْطَيْتُهم فيها ما لم أُعْطِهم؟\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ،\n_________\n(^١) في س: \"دلالة وعلامة\".","vol":"9","page":156},{"text":"عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾. يقولُ: أَعْطَيْناهم ما لم نُعْطِكم (^١).\nقال أبو جعفرٍ: أمْطَرَت فَأَخْرَجَت لهم الأشجارُ ثمارَها، وأعْطَتهم الأرضُ رَيْعَ نَباتِها، وجابوا صخورَ جبالِها، ودرَّت عليهم السماءُ بأمْطارِها، وتفَجَّرَت مِن تحتهم عيونُ المياهِ بيَنابيعِها بإذنى، [فغمَطُوا نعمة] (^٢) ربِّهم، وعصَوْا رسولَ خالِقهم، وخالَفوا أمْرَ بارئِهم، وبغَوْا حتى حقَّ عليهم قَوْلى، فأَخَذْتُهم بما اجتَرَحوا مِن ذنوبِهم، وعاقَبْتُهم بما اكْتَسَبَت أيديهم، وأهْلَكْتُ بعضَهم بالرَّجْفة، وبعضَهم بالصَّيْحةِ، وغير ذلك من أنواعِ العذابِ.\nومعنى قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾. المطرَ. ويعنى بقوله: ﴿مِدْرَارًا﴾. غزيرةً دائمةً، ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾. يقولُ: وأَحْدَثْنا مِن بعدِ الذين أهلَكْناهم قرنًا آخرين، فابْتَدأنا سِواهم.\nفإن قال قائلٌ: فما وجهُ قولِه: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾. ومَن المُخاطَبُ بذلك، فقد ابْتَدَأَ الخبرَ في أوّلِ الآية عن قومٍ غَيبٍ بقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾.\nقيل: إن المخاطَبَ بقوله: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾. هو المُخبَرُ عنهم بقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾. ولكن في الخبر معنى القول، ومعناه: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء القوم الذين كذَّبوا بالحقِّ لمَّا جاءهم: أَلم يَرَوْا كم أَهْلَكْنَا مِن قبلِهم مِن قَرْنٍ مَكَّناهم في الأرض ما لم نُمكِّن لكم. والعربُ إذا أخْبَرَت خبرًا عن غائبٍ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٣ (٧١١٠) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في ص: \"فطعوا نعمة\"، وفى ت ١: \"فطمعوا نعمة\"، وفى س: \"فطغوا بنعمة\".","vol":"9","page":157},{"text":"وأدْخَلَت فيه قولًا فعَلَت ذلك، فوجَّهَت الخبرَ أحيانًا إلى الخبرِ عن الغائبِ، وأحْيانًا إلى الخطابِ، فتقولُ: قلتُ لعبدِ اللهِ: ما أَكْرَمه. وقلتُ لعبدِ اللهِ: ما أَكْرَمَك. وتُخْبِرُ عنه أحيانًا على وجهِ الخبرِ عن الغائبِ، ثم تَعودُ إلى الخطابِ، وتُخْبِرُ على وجهِ الخِطابِ له، ثم تَعودُ إلى الخبرِ عن الغائبِ. وذلك في كلامِها وأشعارِها كثيرٌ فاشٍ، وقد ذكَرْنا بعضَ ذلك فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nوقد كان بعضُ نحويى البصرة يقولُ في ذلك: كأنه أخْبَر النبيَّ ﷺ ثم خاطبه معهم. وقال: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]. فجاء بلفظِ الغائبِ وهو يُخاطِبُ؛ لأنه المخاطَبُ.\n\n<span id=\"aya-796\"></span><span data-type='title' id=toc-2927>القولُ في تأويل قولِه عز ذكرُه: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾.</span>\nوهذا إخبارٌ من الله تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا ﷺ عن هؤلاء القوم الذين يَعْدِلون بربِّهم الأوثانَ والآلهةَ والأصنامَ، يقولُ تعالى ذكرُه: وكيف يَتَفَقَّهُون الآياتِ (^٢)، أم كيف يَسْتَدِلُّون على بُطْلانِ ما هم عليه مُقيمون من الكفر بالله وجُحودِ نبوَّتِك، بحججِ الله وآياته وأدلتِه؟ وهم لعِنادِهم الحقَّ، وبعدِهم من الرُّشْدِ، لو أنْزَلْتُ عليك يا محمدُ الوحىَ الذي أنْزَلْتُه عليك مع رسولى في قِرْطاسٍ، يُعاينونه ويَمَسُّونه بأيديهم، ويَنْظُرون إليه ويَقْرَءونَه منه، مُعَلَّقًا بين السماءِ والأرضِ، بحقيقةِ ما تَدْعوهم إليه، وصحةِ ما تَأْتِيهم به مِن توحيدى وتَنْزِيلى - لَقال الذين يَعْدِلُون بي غيرى، فيُشْرِكون في توحيدِى سِواىَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. أي: ما هذا الذي جئْتَنا به إلا سحرٌ سَحَرْتَ به أعْينَنا، ليست له حقيقةٌ ولا صحةٌ، ﴿مُبِينٌ﴾.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ١٥٥، ١٥٦، ٢/ ١٩٣، ١٩٤، ٢٦٣، ٢٩٤.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الأوثان\".","vol":"9","page":158},{"text":"يقولُ: مبينٌ لمَن تدَبَّره وتأَمَّله أنه سحرٌ لا حقيقةَ له.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-2928>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله تعالى: ﴿كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾. قال: فمسُّوه ونظَروا إليه لم يُصَدِّقوا به (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾. يقولُ: فعايَنوه مُعايَنةً، ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾. يقولُ: لو نزَّلْنا من السماء صُحُفًا فيها كتابٌ فلمَسوه بأيديهم، لَزادهم ذلك تكذيبًا (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾: الصحفُ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣١٩، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٤ (٧١١٦، ٧١١٩)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٤ (٧١١٧) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٤ (٧١١٨) عن محمد بن سعد به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٤ عقب الأثر (٧١١٥) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.","vol":"9","page":159},{"text":"قتادةَ في قوله: ﴿فِي قِرْطَاسٍ﴾. يقولُ: في صَحيفةِ، ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-797\"></span><span data-type='title' id=toc-2929>القولُ في تأويل قولِه: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فقال هؤلاء المُكذِّبون بآياتى، العادِلون بى (^٢) الأندادَ والآلهةَ، يا محمدُ لك - لو دعَوْتَهم إلى توحيدى، والإقرارِ بربوبيتي، وإذا أتَيْتَهم من الآياتِ والعِبَرِ بما أتَيْتَهم به، واحتَجَجتَ عليهم بما احتَجَجتَ عليهم، مما قطَعْتَ به عذرَهم -: هَلَّا نُزِّل عليك مَلَكٌ مِن السماءِ في صورتِه، يُصَدِّقُك على ما جئْتَنا به، ويَشْهَدُ لك بحقيقةِ ما تَدَّعِى، مِن أن الله أَرْسَلك إلينا. كما قال تعالى مُخْبِرًا عن المشركين في قيلِهم لنبيِّ الله ﷺ: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ (^٣) [الفرقان: ٧]. ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾. يقولُ: ولو أنْزَلْنا مَلَكًا على ما سأَلوا، ثم كفَروا ولم يُؤْمِنوا بي وبرسولى، لجَاءهم العذابُ عاجلًا غيرَ آجِلٍ، ولم يُنْظَروا فيُؤَخَّروا بالعقوبةِ مُراجعةَ التوبةِ، كما فعَلْتُ بَمَن قبلَهُم مِن الأممِ التي سأَلَتِ الآياتِ، ثم كفَرَت بعد مجيئِها؛ من تعجيلِ النِّقْمةِ، وتركِ الإنْظارِ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾. يقولُ: لَجَاءهم العذابُ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٣. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٤ (٧١١٥) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يقول\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٦ عقب الأثر (٧١٢٥) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.","vol":"9","page":160},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾. يقولُ: ولو (^١) أنْزَلْنا إليهم ملكًا، ثم لم يُؤْمِنوا لم يُنْظَروا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾: في صورتِه، ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾: لَقامت الساعةُ (^٣).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، عن أبيه، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن سفيانَ الثوريِّ، [عن أبيه] (^٤)، عن عكرمة: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾. قال: لقامَت الساعةُ (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾. قال: يقولُ: لو أَنْزَل الله ملكًا ثم لم يُؤْمِنوا، لعجَّل لهم العذابَ (^٦).\nوقال آخَرون في ذلك بما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: أخْبرَنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾. قال: لو أتاهم مَلَكٌ في صورته لمَاتوا، ثم لم يُؤَخَّرُوا طَرْفةَ عينٍ (^٧).\n_________\n(^١) بعده في م: \"أنهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٦ (٧١٢٧) من طريق يزيد به، ولفظه: ثم لم ينظروا.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣١٩، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٥ (٧١٢١، ٧١٢٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٦٠.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٥ عقب الأثر (٧١٢٤) معلقًا.\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٤. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٥ (٧١٢٥) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٦٥ (٧١٢٢) من طريق أبي كريب به إلى قوله: في صورته، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥ إلى أبي الشيخ.","vol":"9","page":161},{"text":"<span id=\"aya-798\"></span><span data-type='title' id=toc-2931>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولو جعَلْنا رسولَنا إلى هؤلاء العادلين بي، القائلين: لولا أُنْزِل على محمدٍ ملكٌ بتصديقه (^١). مَلَكًا يَنْزِلُ عليه من السماءِ، ويَشْهَدُ [بتصديق (^٢) محمدٍ] (^٣) ﷺ، ويَأْمُرُهم باتِّباعِه، ﴿لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾. يقولُ: لَجَعَلْناه في صورةِ رجلٍ من البشرِ؛ لأنهم لا يَقْدِرون أَن يَرَوُا المَلَكَ في صورتِه. يقولُ: وإذ كان ذلك كذلك، فسواءٌ أَنْزَلْتُ عليهم بذلك ملَكًا أو بشرًا، إذ كنتُ إِذا أَنْزَلْتُ عليهم ملَكًا إنما أُنْزِلُه بصورةِ إِنْسيٍّ، وحُجَجي في كلتا الحالتين عليهم ثابتةٌ بأنك صادقٌ، وأن ما جئتَهم به حقٌّ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2930>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾. يقولُ: ما أتاهم إلا في صورة رجلٍ؛ لأنهم لا يَسْتَطِيعون النظر إلى الملائكةِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾: في صورة رجلٍ، في (^٥) خَلْقِ رجلٍ (^٦).\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لى\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في س: \"بصدقه\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٦ (٧١٢٩) من طريق بشر بن عمارة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥ إلى أبي الشيخ.\n(^٥) في تفسير مجاهد: \"أي في\"، وفى الدر المنثور أيضًا: \"وفى\".\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٣١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"9","page":162},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾. يقولُ: لو بَعَثْنا إليهم ملكًا لَجَعَلْناه في صورة آدميٍّ (^١).\nحدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾. يقولُ: في صورة آدميٍّ.\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة مثلَه (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾. قال: لَجَعَلْنا ذلك الملك في صورة رجلٍ، لم نُرْسِلْه في صورة الملائكة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-2932>القول في تأويل قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ﴾: ولو أَنْزَلْنَا مَلَكًا من السماءِ مُصَدِّقًا لك يا محمد، شاهدًا لك عند هؤلاء العادلين بي، الجاحدين آياتك (^٤) على حقيقة نبوَّتك، فجعلناه في صورة رجل من بنى آدم، إذ كانوا لا يُطيقون رؤية الملكِ بصورته التي خلقتُه بها - التَبَس عليهم أمرُه، فلم يَدْرُوا أَمَلَكٌ هو أم إنْسيٌّ، فلم يُوقنوا به أنه مَلَكٌ، ولم يُصَدِّقوا به، وقالوا: ليس هذا مَلَكًا. وللبسْنا عليهم ما يَلْبِسُونه على أنفسِهم من حقيقة أمرِك، وصحة برهانك وشاهدك على نبوَّتك.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"آدم\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥ إلى المصنف.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"نبوتك\".","vol":"9","page":163},{"text":"يقال منه: لَبَسْتُ عليهم الأمرَ أَلْبِسُه لَبْسًا. إذا خلطتَه عليهم. و: لَبِسْتُ الثوبَ أَلْبَسُه لبسًا. واللَّبوس اسمُ الثياب.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-2933>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾. يقولُ: لشَبَّهنا عليهم (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾. يقولُ: ما لَبَس قومٌ على أنفسهم إلا لَبَس اللهُ عليهم، واللَّبْسُ إنما هو من الناس (^٢).\nحدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾. يقولُ: شبَّهنا عليهم ما يُشبِّهون على أنفسِهم (^٣).\nوقد رُوى عن ابن عباس في ذلك قولٌ آخرُ، وهو ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾: فهم أهل الكتاب، فارَقوا دينَهم، وكذَّبوا رسلهم، وهو تحريفُ الكلام عن مواضعِه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٧ (٧١٣٢) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٧ (٧١٣٥) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٧ (٧١٣٦) عن محمد بن سعد به.","vol":"9","page":164},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سَمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيد بن سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاك في قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾: يعنى: التحريف، هم أهلُ الكتاب، فرَّقوا كتبهم ودينهم، وكذَّبوا رسلهم، فلبَس اللهُ عليهم ما لبَسوا على أنفسهم.\nوقد بيَّنا فيما مضى قبلُ أن هذه الآياتِ مِن أول السورة بأن تكون في أمر المشركين من عبدةِ الأوْثانِ، أشبه منها بأمرِ أهل الكتاب من اليهود والنصارى، بما أغْنَى عن إعادته (^١).\n\n<span id=\"aya-799\"></span><span data-type='title' id=toc-2934>القول في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ مُسَلِّيًّا عنه بوعيدِه المستهزئين به عقوبة (^٢) ما يَلْقَى منهم من أذى الاستهزاء به، والاستخفاف في ذاتِ اللهِ: هَوِّن عليك يا محمدُ ما أنت لاقٍ من هؤلاء المستهزئين بك، المسْتَخِفِّين بحقِّك فيَّ وفي طاعتى، وامْضِ لما أمَرْتُك به من الدعاء إلى توحيدى، والإقرار بي، والإذعان لطاعتى، فإنهم إن تَمادَوا في غَيِّهم، وأصَرُّوا على المقامِ على كفرهم، نَسْلُكْ بهم سبيلَ أسلافهم من سائرِ الأمم من غيرهم؛ من تعجيل النِّقمة لهم، وحُلولِ المَثُلاتِ بهم، فقد اسْتَهْزَأَت أممٌ من قبلك برسلٍ أرْسَلْتُهم إليهم، بمثل الذي أرْسَلْتُك به إلى قومِك، وفعلوا مثال (^٣) فعل قومِك بك، ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يعني بقوله: ﴿فَحَاقَ﴾: فنزل وأحاط بالذين هزءوا برسلهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يقولُ: العذاب الذي كانوا يهزءون به، ويُنكرون أن يكون واقعًا\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ١٤٨، ١٤٩.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عقوبته\".\n(^٣) في م: \"مثل\".","vol":"9","page":165},{"text":"بهم على ما أَنْذَرَتْهم رسلُهم.\nيقالُ منه: حاق بهم هذا الأمرُ، يَحِيقُ بهم، حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-2935>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾: مِن الرسل، ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يقولُ: وقع بهم العذابُ الذي اسْتَهْزَءوا به (^١).\n\n<span id=\"aya-800\"></span><span data-type='title' id=toc-2936>القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء العادلين بي الأوثان والأندادَ، المكذِّبين بك، الجاحِدِين حقيقة ما جئتهم به من عندى: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: جُولوا في بلادِ المكذِّبين رسلهم، الجاحدين آياتي مِن قَبْلِهم، من ضُرَبائهم وأشكالِهم من الناسِ، ﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ: ثم انظُروا كيف أعقبهم تكذيبُهم ذلك الهلاك والعَطَبَ، وخزيَ الدنيا وعارَها، وما حَلَّ بهم مِن سَخَطِ الله عليهم مِن البَوارِ، وخراب الديارِ، وعُفُوَّ الآثار، فاعتبروا به إن لم تَنْهَكم حُلُومُكم، ولم تَزْجُرُكم حُججُ اللهِ عليكم عما أنتم عليه (^٢) مُقيمون من التكذيب، فاحذروا مثلَ مَصارعهم، واتَّقوا أن يَحِلَّ بكم مثلُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٧، ١٢٦٨ (٧١٣٨، ٧١٣٩) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) زيادة لازمة يستقيم بها الكلام.","vol":"9","page":166},{"text":"الذي حَلَّ بهم.\nوكان قتادةُ يقولُ في ذلك بما حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: [بئس والله كان عاقبة المكذِّبين] (^١)، دمَّر الله عليهم وأهلكهم، ثم صيَّرهم إلى النار (^٢).\n\n<span id=\"aya-801\"></span><span data-type='title' id=toc-2937>القول في تأويل قوله عز ذكرُه: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾.</span>\nيَقُولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء العادلين بربِّهم: ﴿لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: لَمَن مُلْكُ ما في السماواتِ والأرض؟ ثم أخبرهم أن ذلك للهِ الذي اسْتَعْبدَ كُلَّ شيءٍ، وقهر كلَّ شيءٍ بمُلكه وسلطانه، لا للأوثان والأندادِ، ولا لما يَعْبُدونه ويَتَّخِذونه إلهًا، مِن الأصنام التي لا تملكُ لأنفسها نفعًا، ولا تَدْفَعُ عنها ضُرًّا.\nوقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. يقولُ: قضى أنه بعباده رحيمٌ، لا يَعْجَلُ عليهم بالعقوبة، ويَقْبَلُ منهم الإنابة والتوبة.\nوهذا من الله تعالى ذكره استعطافٌ للمُوَلِّين (^٣) عنه إلى الإقبال إليه بالتوبة. يَقُولُ تعالى ذكره: إن هؤلاء العادلين بي، الجاحدين نبوَّتك يا محمد، إن تابوا وأنابوا، قَبِلتُ توبتهم، وإنى قد قضَيتُ في خَلْقى أن رحمتي وسعت كلَّ شيءٍ.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٨ (٧١٤٠) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في م ت ٢: \"للمعرضين\"، وقوله: استعطاف. أي استمالةٌ وترغيب للمولّين بالتوبة.","vol":"9","page":167},{"text":"كالذي حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: \"لما فرغ اللهُ مِن الخَلْقِ كتب كتابًا: إنَّ رحمتى سبقت غضبي\" (^١).\nحدَّثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: إن الله تعالى لما خلق السماء والأرض، خلق مائة رحمة، كلُّ رحمةٍ مِلْءُ ما بين السماء إلى الأرض، فعنده تسعٌ وتسعون رحمةً، وقسَم رحمةً بين الخلائقِ، فبها يتعاطفون، وبها تَشْرَبُ الوَحْشُ والطيرُ الماءَ، فإذا كان [يوم القيامة] (^٢) قصَرها الله على المتقين، وزادهم تسعًا وتسعين.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن داود، عن أبي عثمان، عن سلمان نحوه، إلا أن ابن أبي عَدِيٍّ لم يَذْكُرْ في حديثه: وبها تَشْرَبُ الوَحْشُ والطيرُ الماء.\nحدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: نَحِدُ في التوراةِ عَطْفَتين؛ إِن الله خلق السماوات والأرض، ثم خلق مائة رحمةٍ - أو: جعَل مائة رحمةٍ - قبل أن يَخْلُقَ الخلق، ثم خلق الخلق، فوضع بينهم رحمةً واحدةً، وأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمةً. قال: فبها يتراحمون، وبها يَتَباذَلون، وبها يتعاطفون، وبها يَتَزاوَرُون، وبها تَحِنُّ الناقةُ، وبها تَمُوجُ (^٣) البقرةُ، وبها تَيْعَرُ الشاةُ، وبها تتابعُ الطيرُ،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١٦/ ٧٠ (١٠٠١٤)، والنسائى في الكبرى (٧٧٥١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٨ (٧١٤١) من طريق سفيان به وأخرجه البخارى (٧٤٠٤) من طريق الأعمش به.\n(^٢) في ص، ت ١: \"ذلك\".\n(^٣) في م: \"تنتج\"، وفي ت ١: \"تنوح\"، وكذا رسمت في ص ولكن غير منقوطة. وثاجت البقرة تثاج وتثوج: صوتت، وأما النَّأج، فيقال: نأج الثور ينتج وينأج: صاح. انظر اللسان (ث وج)، (ن أ ج).","vol":"9","page":168},{"text":"وبها تتابعُ الحيتانُ في البحر، فإذا كان يوم القيامة، جمع اللهُ تلك الرحمة إلى ما عنده، ورحمتُه أفضل وأوسعُ (^١).\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النهديِّ، عن سلمان، في قوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الآية. قال: إنا تَجِدُ في التوراةِ عَطْفَتين. ثم ذكر نحوه، إلا أنه (^٢) قال: وبها تتابع الطيرُ، وبها تتابع الحيتانُ في البحر (١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، قال: قال ابن طاوسٍ، عن أبيه: إن الله تعالى لما خلق الخلق، لم يَعْطِفْ شيءٌ على شيءٍ، حتى خلق مائة رحمةٍ، فوضع بينهم رحمةً واحدةً، فعطف بعض الخلق على بعضٍ.\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه بمثله (^٣).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، قال: وأَخبرني الحكم بن أبانٍ، عن عكرمة، حسبته أسنَده، قال: إذا فرغ اللهُ ﷿ مِن القضاءِ بينَ خلقِه، أخرج كتابًا مِن تحتِ العرشِ، فيه: إن رحمتى سبقت غضبي، وأنا أرحم الراحمين. قال: فيَخْرُجُ مِن النارِ مثلُ أهل الجنة. أو قال: مثلا أهل الجنة. ولا أعلمه إلا قال: مثلا. وأما \"مثل\" فلا أشكُّ. مكتوبًا هاهنا - وأشار الحَكَمُ إلى\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٣، ٢٠٤. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٨ (٧١٤٢) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) بعده في م: \"ما\". والأثر في تفسير عبد الرزاق وابن أبي حاتم بهذا اللفظ، لا فرق بينه وبين الأثر قبله، واستظهر الشيخ شاكر أن يكون الفرق بينهما في: تتَّابع بالتشديد في الأثر الأول، وبالتخفيف في الأثر الثاني، فالله أعلم.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"9","page":169},{"text":"نحرِه -: عُتَقاءُ اللهِ. فقال رجلٌ لعكرمة: يا أبا عبدِ اللهِ، فإن الله يَقُولُ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧]. قال: ويلَك، أولئك أهلُها الذين هم أهلُها (^١).\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن الحَكَم بن أبانٍ، عن عكرمةَ، حسبتُ أنه أسنده، قال: إذا كان يوم القيامة، أخرج اللهُ كتابًا من تحت العرش. ثم ذكر نحوه، غير أنه قال: فقال رجلٌ: يا أبا عبدِ الله، أرأيتَ قولَه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ﴾؟. وسائرُ الحديث مثلُ حديث ابن عبد الأعلى (^١).\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن همامِ بن منبهٍ، قال: سمعت أبا هريرةَ يَقُولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لما قضَى اللهِ الله الخلق، كتب في كتابٍ فهو عنده فوق العرشِ: إن رحمتى سبقت (^٢) غضبي\" (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيد بن زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن أبي أيوب، عن عبدِ اللهِ بن عمرو أنه كان يقولُ: إِن للهِ مِائَةَ رحمةٍ، فأهبط رحمةً إلى أهل الدنيا، يَتَراحمُ بها الجنُّ، والإنسُ، وطائر السماء، وحيتان الماء، ودوابُّ الأرضِ وهوامُّها، وما بين الهواء، واختزن عنده تسعًا وتسعين رحمةً، حتى إذا كان يوم القيامة، اختَلَج (^٤) الرحمة التي كان أهبطها إلى أهل الدنيا، فحواها إلى ما عنده، فجعلها في قلوب أهل الجنة، وعلى أهل الجنة (^٥).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٤، ٢٠٥.\n(^٢) في المسند وتفسير البغوي: (غلبت).\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٥، ومن طريقه أحمد ١٣/ ٤٧٩ (٨١٢٧)، والبغوي في تفسيره ٣/ ١٣٠.\n(^٤) اختلج: انتزع. اللسان (خ ل ج).\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"9","page":170},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو: إن للهِ مِائَةَ رحمةٍ، أهبَط منها إلى الأرضِ رحمةً واحدةٍ، يَتَراحمُ بها الجنُّ، والإنسُ، والطيرُ، والبهائمُ، وهوامُّ الأرضِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ، قال: أخبَرنا أبو المغيرةِ عبدُ القُدُّوسِ بنُ الحجاجِ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عمرٍو قال: ثني أبو المُخارِقِ زُهَيْرُ بنُ سالمٍ، قال: قال عمرُ لكعبٍ: ما أوّلُ شيءٍ ابتدَأه اللهُ مِن خلقِه؟ فقال كعبٌ: كتَب اللهُ كتابًا لم يَكْتُبْه بقلمٍ ولا مِدادٍ، ولكن كتَبه بأُصبُعِه يَتْلُوها الزَّبَرْجَدُ واللؤلؤُ والياقوتُ: أنا اللهُ لا إلهَ إلا أنا، سبَقت رحمتي غضبي (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2938>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.</span>\nوهذه اللامُ التي في قولِه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾. لامُ قَسَمٍ.\nثم اختلَف أهلُ العربيةِ في جالِيِها، فكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يقولُ (^٣): إن شِئْتَ جعَلت ﴿الرَّحْمَةَ﴾ غايةَ كلامٍ، ثم استأنَفت بعدَها: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾. قال: وإن شِئْت جعَلته في موضِعِ نصبٍ - يَعْنى كتَب (^٤) ليجمعنَّكم - كما قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الأنعام: ٥٤]. يُريدُ: كتَب أنه مَن عمِل منكم. قال: والعربُ تَقولُ في الحروفِ التي يصْلُحُ معها جوابُ (^٥) الأَيمانِ بـ \"أن\" المفتوحةِ وباللامِ، فيَقُولون: أرْسَلتُ إليه\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٤.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦ إلى المصنف. وقال عنه الشيخ شاكر: وهو خبر كما ترى، عن كعب الأحبار، مشوب بما كان من دأبه في ذكر الإسرائيليات.\n(^٣) هو الفراء في معاني القرآن ١/ ٣٢٨.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٣، س.\n(^٥) بعده في النسخ: \"كلام\". والمثبت كما في معاني القرآن.","vol":"9","page":171},{"text":"أن يقومَ، وأرْسَلْتُ إليه لَيَقُومَنَّ. قال: وكذلك قولُه: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥]. قال: وهو في القرآنِ كثيرٌ، ألا تَرَى أنك لو قلتَ: بَدَا لهم أن يَسْجُنوه. لَكان صوابًا؟\nوكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: نُصِبَت لامُ ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾؛ لأن معنى ﴿كَتَبَ﴾ القسمُ (^١)، كأنه قال: واللهِ لَيَجْمَعَنَّكم.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يكونَ قولُه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. غايةَ خبرٍ (^٢)، وأن يكونَ قولُه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾. خبرًا مبْتدَأً، ويَكونَ معني الكلامِ حينَئذٍ: لَيَجْمَعَنَّكم اللهُ أيُّها العادِلون باللهِ ليومِ القيامةِ الذي لا ريْبَ فيه؛ لِيَنْتَقِمَ منكم بكُفْرِكم به.\nوإنما قلتُ: هذا القولُ أولى بالصوابِ مِن إعمالِ: ﴿كَتَبَ﴾. في: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾؛ لأن قولَه: ﴿كَتَبَ﴾. قد عمِل ﴿الرَّحْمَةَ﴾، فغيرُ جائزٍ وقد عمِل في ﴿الرَّحْمَة﴾ أَن يَعْمَلَ في: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾. لأنه لا يَتَعَدَّى إلى اثنين.\nفإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ في قراءةِ مَن قرَأَ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ﴾ بفتحِ \"أنّ\"؟\nقيل: إن ذلك إذا قُرِئ كذلك، فإن \"أنّ\" بيانٌ عن الرحمةِ وترجمةٌ عنها؛ لأن معنى الكلامِ: كتَب على نفسِه الرحمةَ أن يَرْحَمَ من عبادِه [من تاب] (^٣) بعدَ اقْتِرافِ السُّوءِ بجَهالةٍ ويَعْفُوَ. والرحمةُ يُتَرجَمُ عنها ويُبَيَّنُ معناها بصفتِها، وليس مِن صفةِ\n_________\n(^١) سقط من النسخ، وأثبتها الشيخ شاكر هكذا: معنى \"كتب\" فَرض وأوجب، وهو بمعنى القسم.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) زيادة يستقيم بها السياق، من معنى الآية.","vol":"9","page":172},{"text":"الرحمةِ ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فيكونَ مُبَيَّنًا به عنها. فإن كان ذلك كذلك، فلم يَبْقَ إلا أن يُنْصَبَ بنيةِ تَكريرِ \"كتَب\" مرةً أخرى معه، ولا ضرورةَ بالكلامِ إلى ذلك، فيُوَجَّهَ إلى ما ليس بموجودٍ في ظاهرِه.\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. فإنه: لا شَكَّ فيه. يقولُ: في أن الله يَجْمَعُكم إلى يومِ القيامةِ، فيَحْشُرُكم إليه جميعًا، ثم يُؤْتِى كلَّ عاملٍ منكم أجرَ ما عمِل مِن حسنٍ أو سيئٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2939>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: العادِلين به الأوثانَ والأصنامَ. يقولُ تعالى ذكرُه: لَيَجْمَعَنَّ اللهُ الذين خسِروا أنفسَهم، يقولُ: الذين أهْلَكوا أنفسَهم وغَبَنوها بادعائهم للهِ الندَّ والعَدِيلَ، فأَوْبَقوها بإيجابِهم سَخَطَ اللهِ وأليمَ عقابِه في المَعادِ.\nوأصلُ الخَسارِ الغَبْنُ، يقالُ منه: خسِر الرجلُ في البيعِ. إذا غُبِن، كما قال الأَعْشَى (^١):\nلا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ في حُكْمِهِ … ولا يُبالي خَسَرَ (^٢) الخَاسِرِ\nوقد بيَّنا ذلك في غيرِ هذا الموضعِ بما أغْنَى عن إعادتِه (^٣).\nوموضعُ ﴿الَّذِينَ﴾ في قولِه: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. نصبٌ، على الردِّ على الكافِ والميمِ في قولِه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾. على وجهِ البيانِ عنها،\n_________\n(^١) ديوانه ص ١٤١.\n(^٢) في الديوان: \"غبن\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٤٢.","vol":"9","page":173},{"text":"وذلك أن الذين خسِروا أنفسَهم هم الذين خُوطِبوا بقولِه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾.\nوقولُه: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: فهم لإهلاكِهم أنفسَهم، وغَبْنِهم إياها حظَّها، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾. أي: لا يُوَحِّدون الله، ولا يُصَدِّقون بوعدِه ووَعيدِه، ولا يُقِرُّون بنبوِة محمدٍ ﷺ.\n\n<span id=\"aya-802\"></span><span data-type='title' id=toc-2941>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لا يُؤْمِنُ هؤلاء العادِلون باللهِ الأوثانَ، فيُخْلِصوا له التوحيدَ، ويُفْرِدوا له الطاعةَ، ويُقِرُّوا بالألوهيةِ جهلًا، ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. يقولُ: وله مُلْكُ كلِّ شيءٍ؛ لأنه لا شيءَ مِن خَلْقِ اللهِ إِلا وهو ساكنٌ في الليلِ والنهارِ. فمعلومٌ بذلك أن معناه ما وصَفْنا، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ ما يقولُ هؤلاء المشركون فيه من ادِّعائِهم له شريكًا، وما يَقولُ غيرُهم من خلقِه (^١) ذلك، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يُضْمِرونه في أنفسِهم، وما يُظهِرونه بجَوارحِهم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن ذلك، فهو يُحْصِيه عليهم؛ ليُوَفِّيَ كلَّ إنسانٍ ثوابَ ما اكْتَسَب، وجَزاء ما عمِل.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿سَكَنَ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2940>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ عن السديِّ: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. يقولُ: ما اسْتَقَرَّ في الليلِ والنهارِ (^٢).\n_________\n(^١) في م: \"خلاف\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٩ (٧١٤٦) من طريق أحمد بن مفضل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦ إلى أبى الشيخ.","vol":"9","page":174},{"text":"<span id=\"aya-803\"></span><span data-type='title' id=toc-2942>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين العادِلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ، والمُنْكِرِين عليك إخلاصَ التوحيدِ لربِّك، الداعين إلى عبادةِ الآلهةِ والأوثانِ: أشيئًا غيرَ اللهِ تعالى أتَّخِذُ وليًّا أَستَنْصِرُه وأَسْتَعِينُه على النَّوائِبِ والحوادثِ؟\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾. قال: أما الوليُّ، فالذي يَتَوَلَّوْنه ويُقِرُّون له بالربوبيةِ (^١).\n﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: أشيئًا غيرَ اللهِ فاطرِ السماواتِ والأرضِ أَتَّخِذُ وليًّا؟ فـ ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مِن نعتِ ﴿اللَّهِ﴾ وصفتِه، ولذلك خُفِض.\nويعنى بقولِه: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مُبْتَدِعَهما ومُبْتَدِئَهما وخالقَهما.\nكالذي حدَّثنا به ابن وَكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطَّانُ، عن سفيانَ، عن إبراهيمَ بن مُهاجِرٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: سَمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: كنتُ لا أدْرِى ما: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. حتى أتاني أعرابيان يَخْتَصِمان في بئرٍ، فقال أحدُهما لصاحبِه: أنا فطَرْتُها. يقولُ: أنا ابْتَدَأْتُها (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٦٩ (١٧٤٧) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٠٦ ومن طريقه البيهقى في الشعب (١٦٨٢) من طريق يحيى بن سعيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧ إلى ابن الأنبارى في الوقف والابتداء، وفي ٥/ ٢٤٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"9","page":175},{"text":"السديِّ: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: خالقُ السماواتِ والأرضِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: خالقُ السماواتِ والأرضِ (^١).\nيقالُ مِن ذلك: فطَرَها اللهُ يَفطُرُها، ويَفْطَرُها فَطْرًا وفُطُورًا، ومنه قولُه: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] يعنى: شُقوقًا وصُدوعًا (^٢). يقالُ: سيفٌ فُطَارٌ. إذا كثرُ [فيه التشققُ] (^٣)، وهو عيبٌ فيه. ومنه قولُ عَنْترةَ (^٤):\nوسَيْفِى كالعَقِيقةِ (^٥) فهْوَ كِمْعِى (^٦) … سِلاحي لا أَفَلَّ (^٧) ولا فُطَارَا\nومنه يُقالُ: فَطَر نابُ الجملِ. إذا شقَّ (^٨) اللحمَ (^٩) فخرَج. ومنه قولُه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى: ٥]. أي: يَتَشَفَّقْن ويَتَصَدَّعن (^٩).\nوأما قولُه: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾. فإنه يَعْنى: وهو يَرْزُقُ خَلْقَه ولا يُرْزَقُ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾. قال: يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ (^١٠).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٨. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٠ (٧١٤٩) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) لعل هنا سقطا، فقد انتقل سياق الكلام فجأة من \"فطر\" بمعنى \"خلق\" إلى \"فطر\" بمعنى \"شقّ\".\n(^٣) في ص ت ١، ت ٣، س: \"الرماة فيه تشقق\".\n(^٤) ديوانه ص ٦٤.\n(^٥) العقيقة: البرق إذا رأيته في وسط السحاب كأنه سيف مسلول. اللسان (ع ق ق) والبيت فيه.\n(^٦) الكمع: الضجيع. اللسان (ك م ع).\n(^٧) الفل: الثلم في السيف. اللسان (ف ل ل). والبيت في اللسان في هذه المواضع.\n(^٨) في النسخ: \"تشقق\". والمثبت هو الصواب، انظر مثلا اللسان (ف ط ر)، (ش ق ق).\n(^٩) سقط من: ص، ت ١، ت ٣، س.\n(^١٠) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٠ (٧١٥٠، ٧١٥١) من طريق أحمد بن المفضل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧ إلى أبي الشيخ.","vol":"9","page":176},{"text":"وقد ذُكر عن بعضِهم أنه كان يقرَأُ (^١) ذلك: (وهو يُطْعِمُ ولا يَطْعَمُ) (^٢). أي أنه يُطْعِمُ خلقَه، ولا يَأْكُلُ هو. ولا معنى لذلك؛ لقلةِ القَرَأَةِ (^٣) به.\n\n<span data-type='title' id=toc-2943>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ للذين يَدْعُونك إلى اتخاذِ الآلهةِ أولياءَ مِن دونِ اللهِ، ويَحُثُّونك على عبادتِها: أغيرَ اللهِ فاطرِ السماواتِ والأرضِ، وهو يَرْزُقُنى وغيرى، ولا يَرْزُقُه أحدٌ، أَتَّخِذُ وليًّا هو له عبدٌ مملوكٌ، وخلقٌ مخلوقٌ؟ وقلْ لهم أيضًا: إنى أمَرَنى ربى (^٤) ﴿أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾. يقولُ: أولَ مَن خضَع له بالعبوديةِ، وتذَلَّل لأمرِه ونهيِه، وانقاد له مِن أهلِ دهْرِى وزماني، ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: وقلْ: وقيل لى: لا تَكُونَنَّ مِن المشركين باللهِ، الذين يَجْعَلون الآلهةَ والأندادَ شركاءَ. وجعَل قولَه: ﴿أُمِرْتُ﴾. بدلًا مِن \"قيل لى\"؛ لأن قولَه: ﴿أُمِرْتُ﴾. معناه \"قيل لي\". فكأنه قيل: قل: إني قيل لي: كنْ أولَ مَن أَسْلَم، ولا تَكُونَنَّ مِن المشركين. فاجْتُزِئ بذكرِ الأمرِ مِن ذكرِ القولِ، إذ كان الأمرُ معلومًا أنه قولٌ.\n\n<span id=\"aya-804\"></span><span data-type='title' id=toc-2944>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) في النسخ: \"يقولُ\". والمثبت هو الصواب.\n(^٢) وهى قراءة الأعمش كما في مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٤٢، ونسبها أبو حيان أيضا في البحر المحيط ٤/ ٨٥ إلى سعيد بن جبير وأبي حيوة وعمرو بن عبيد، وأبي عمرو في رواية عنه، وكذا نسبها إلى مجاهد، أما ابن خالويه فقد ذكر أن قراءة مجاهد بفتح الياء في الأولى وضمها في الثانية: (يَطْعَمُ ولا يُطْعَم).\n(^٣) في م: \"القراءة\".\n(^٤) بعده في ص، ت ١: \"إنى أمرت\"، وفى س: \"إني\".","vol":"9","page":177},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المشركين العادِلِين باللهِ، الذين يَدْعُونك إلى عبادةِ أوثانِهم: إن ربي نهاني عن عبادةِ شيءٍ سِواه، و﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ فعبَدْتُها، ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. يعني: عذابَ يومِ القيامةِ. ووصَفه تعالى ذكرُه بالعِظَم؛ لعِظَمِ هَوْلِهِ وفَظاعةِ شأنِه.\n\n<span id=\"aya-805\"></span><span data-type='title' id=toc-2945>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾.</span>\nاختَلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامَّةُ قرأةِ الحجازِ والمدينةِ والبصرةِ: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ﴾. بضمِّ الياءِ وفتحِ الراءِ، بمعنى: مَن يُصْرَفُ عنه العذابُ يومَئِذٍ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (مَن يَصْرِفْ عنه). بفتحِ الياءِ وكسرِ الراءِ، بمعنى: مَن يَصْرِفِ اللهُ عنه العذابَ يومَئذٍ (^١).\nوأولى القراءتين (^٢) في ذلك بالصوابِ عندى قراءةُ مَن قرَأه (يَصْرِفْ عنه). بفتحِ الياءِ وكسرِ الراءِ؛ لدَلالةِ قولِه: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾. على صحةِ ذلك، وأن القراءةَ فيه بتسميةِ فاعلِه، ولو كانت القراءةُ في قولِه: ﴿مَنْ يُصْرَفْ﴾. على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، كان الوجهُ في قولِه: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾. أن يقالَ: فقد رُحِم. غيرَ مُسَمًّى فاعلُه. وفي تسميةِ الفاعلِ في قولِه: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾. دليل بَيِّنٌ على أن ذلك كذلك في قولِه: (من يَصْرِفْ عنه) (^٣).\n_________\n(^١) القراءة الأولى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم، والقراءة الثانية قراءة حمزة والكسائي وشعبة عن عاصم. انظر كتاب السبعة ص ٢٥٤.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"القولين\"، وفى س: \"القراءتين القولين\".\n(^٣) قال ابن عطية كما في البحر المحيط ٤/ ٨٧: وأما المعنى فالقراءتان واحد. ثم نقل عن أبي عمرو الزاهد في كتاب اليواقيت أن أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبا كان لا يرى التراجيح بين القراءات السبع. وقال ثعلب: إذا اختلف الإعراب في القرآن عن السبعة لم أفضل إعرابا على إعراب في القرآن.","vol":"9","page":178},{"text":"وإذ كان ذلك هو الوجهَ الأوْلَى بالقراءةِ، فتأويلُ الكلامِ: مَن يَصْرِف عنه مِن خلقِه يومئَذٍ عذابَه فقد رحِمه، ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾. ويعنى بقولِه: ﴿وَذَلِكَ﴾: وصَرْفُ اللهِ عنه العذابَ يومَ القيامةِ ورحْمتُه إياه، ﴿الْفَوْزُ﴾. أي: النجاةُ مِن الهَلَكةِ، والظَّفَرُ بالطَّلِبَةِ، ﴿الْمُبِينُ﴾. يعنى الذي بيَّن لمَن رآه أنه الظَّفَرُ بالحاجةِ، وإدْراكُ الطَّلِبةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2946>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾. قال: مَن يُصْرَفُ عنه العذابُ (^١).\n\n<span id=\"aya-806\"></span><span data-type='title' id=toc-2947>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ، إن يُصِبْك اللهُ ﴿بِضُرٍّ﴾. يقولُ: بشدةٍ في دُنْياك، وشَطَفٍ في عيشِك، وضيقٍ فيه (^٢)، فلن يَكْشِفَ ذلك عنك إلا اللهُ الذي أمَرك أن تَكونَ أولَ مَن أسْلَم لأمرِه ونهيِه، وأذْعَن له مِن أهلِ زمانِك، دون ما يَدْعُوك العادِلون به إلى عبادتِه من الأوثانِ والأصنامِ، ودونَ كلِّ شيءٍ سواها مِن خلقِه، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾. يقولُ: وإن يُصِبْك ﴿بِخَيْرٍ﴾. أي: برخاءٍ في عيشٍ، وسَعَةٍ في الرزقِ، وكثرةٍ في (^٣) المالِ، فَتُقِرَّ أنه أصابك بذلك،\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٠ (٧١٥٥) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٣، س: \"وأرك\" وفى ت ٢: \"دارك\".\n(^٣) في ص ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"من\".","vol":"9","page":179},{"text":"﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي أصابك بذلك فهو على كلِّ شيء قديرٌ، هو القادرُ على نفعِك وضرِّك، وهو على كلِّ شيءٍ يُريدُه قادرٌ، لا يُعْجِزُه شيءٌ يُرِيدُه، ولا يَمتَنِعُ منه شيءٌ (^١) طلَبَه، ليس كالآلهةِ الذَّليلةِ المَهِينةِ التي لا تَقْدِرُ على اجتلابِ نفعٍ على أنفسِها ولا غيرِها، ولا دفعِ ضُرٍّ عنها ولا غيرها. يقولُ تعالى ذكرُه: فكيف تَعْبُدُ مَن كان هكذا؟ أم كيف لا تُخْلِصُ العبادةَ، وتُقِرُّ لمن كان بيدِه الضرُّ والنفعُ، والثوابُ والعقابُ، وله القدرةُ الكاملةُ، والعزةُ الظاهرةُ؟\n\n<span id=\"aya-807\"></span><span data-type='title' id=toc-2948>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَهُوَ﴾: نفسَه. يقولُ: واللهُ القاهِرُ (^٢) فوقَ عبادِه. ويعنى بقولِه: ﴿الْقَاهِرُ﴾: المذلِّلَ المُسْتَعْبِدَ خلقَه، العاليَ عليهم. وإنما قال: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾. لأنه وصَف نفسَه تعالى بقهرِه إياهم، ومن صفةِ كلِّ قاهرٍ شيئًا أن يَكونَ مُسْتَعْلِيًا عليه.\nفمعنى الكلامِ إذن: واللهُ الغالبُ عبادَه، المذلِّلُهم، العالي عليهم بتذليلِه لهم، وخلقِه إياهم، فهو فوقَهم بقهرِه إياهم، وهم دونَه.\n﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ: واللهُ الحكيمُ في علوِّه على عبادِه، وقهرِه إياهم بقدرتِه، وفى سائرِ تدبيرِه، ﴿الْخَبِيرُ﴾ بمصالحِ الأشياءِ ومضارِّها، الذي لا يَخْفَى عليه عواقبُ الأمورِ وبَوادِيها، ولا يَقَعُ في تدبيرِه خَلَلٌ، ولا يَدْخُلُ حكمَه دَخَلٌ (^٣).\n\n<span id=\"aya-808\"></span><span data-type='title' id=toc-2949>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الظاهر\".\n(^٣) الدخَل: الفساد. اللسان (د خ ل).","vol":"9","page":180},{"text":"وَبَيْنَكُمْ﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُل﴾ يا محمدُ لهؤلاء المشركين الذين يُكَذِّبونك ويَجْحَدون نبوَّتَك مِن قومِك: أيُّ شيءٍ أعظمُ شهادةً وأكبرُ؟ ثم أَخْبِرْهم بأن أكبرَ الأشياءِ شهادةً اللهُ الذي لا يَجوزُ أن يَقَعَ في شهادتِه ما يَجوزُ أن يقعَ في شهادةِ (^١) غيرِه من خلقِه؛ من السهوِ والخطإِ والغلطِ والكذبِ. ثم قلْ لهم: إن الذي هو أكبرُ الأشياءِ شهادةً ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ بالمحقِّ منا مِن المُبْطِلِ، والرَّشيدِ منا - في فعلِه وقولِه - مِن السفيهِ، وقد رضِينا به حَكَمًا بينَنا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2950>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾. قال: أُمِر محمدٌ أن يَسْأَلَ قريشًا، ثم أُمِر أن يُخْبِرَهم فيقولَ: ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ نحوَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2951>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ لهؤلاء المشركين الذين يُكَذِّبونك:\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٢٠. ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧١ (٧١٥٩، ١٦٠) والبيهقى في الأسماء والصفات (٦١٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧ إلى آدم بن أبي إياس وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"9","page":181},{"text":"﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ عقابَه، وأُنْذِرَ بِهِ مَن بلَغه مِن سائرِ الناسِ غيرِكم، إن لم ينْتَهِ إلى العمل بما فيه، وتحليلِ حلالِه، وتحريمِ حرامِه، والإيمانِ بجميعِه - نزولَ نقمةِ اللهِ به.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2952>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"يا أيُّها الناسُ، بَلِّغوا ولو آيةً من كتابِ اللهِ، فإنه مَن بلَغه آيةٌ من كتابِ اللهِ فقد بلَغه أمرُ اللهِ: [أخَذه أو ترَكه] (^١) \" (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾: أن النبيَّ ﷺ قال: \"بَلِّغُوا عن اللهِ، فمَن بلَغَه آيةٌ من كتابِ اللهِ، فقد بلَغه أمرُ اللهِ\" (^٣).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عُبيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظَيِّ: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾. قال: مَن بلَغه القرآنُ فكأنما رأَى النبيَّ ﷺ. ثم قرَأ: ﴿وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أخذه أو تاركه\"، وفى الدر المنثور: \"أخذها أو تركها\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧ إلى المصنف وأبى الشيخ من طريق قتادة عن الحسن.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٥. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسير ٤/ ١٢٧٢ (٧١٦٦) عن الحسن بن يحيى به وعزاء السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٦٨ (١٠٠٠٧) عن وكيع به بلفظ: من قرأ. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧١ (٧١٦٥)، من طريق وكيع وأبى أسامة وأبى خالد به، بزيادة وكلمة. في حديث أبي خالد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧ إلى ابن الضريس وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"9","page":182},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن حسنِ بن صالحٍ، قال: سألْتُ ليثًا: هل بقى أحدٌ لم تَبْلُغْه الدعوةُ؟ قال: كان مجاهدٌ يقولُ: حيثما يَأْتى القرآنُ فهو داعٍ، وهو نذيرٌ. ثم قرَأ: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾: مَن أَسلَم [مِن العجَمِ] (^٢) وغيرهم (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا خالدُ بنُ يَزِيدَ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ في قولِه: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾. قال: مَن بَلَعَه القرآنُ فقد أبْلَغه محمدٌ ﷺ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾: يعنى أهلَ مكةَ، ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾: يعنى: ومَن بلَغه هذا القرآنُ فهو له نذيرٌ (^٥).\nحدَّثنا يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: سَمِعْتُ سفيانَ الثوريِّ يُحَدِّثُ، لا أَعْلَمُه إلا عن مجاهدٍ أنه قال في قولِه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٢) في تفسير ابن أبي حاتم: \"من العرب والعجم\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٢٠، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧١ (٧١٦٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٥٩٥).\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٢٠، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٧٠ تفسير) من طريق أبي معشر به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧١ (٧١٦٣)، والبيهقى في الأسماء والصفات (٥٩٤) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧ إلى ابن المنذر.","vol":"9","page":183},{"text":"العربُ، ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾: العجمُ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾: أما: ﴿مَنْ بَلَغَ﴾، فمَن بلَغه القرآنُ فهو له نذيرٌ.\nحدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾. قال: يقولُ: مَن بلَغه هذا القرآنُ فأنا نذيرُه. وقرَأ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. قال: فمَن بلَغه القرآنُ، فرسولُ اللهِ ﷺ نَذيرُه.\nفمعنى هذا الكلامِ: لأُنْذِرَكم بالقرآنِ أيُّها المشركون، وأُنْذِرَ مَن بلَغه القرآنُ مِن الناسِ كلِّهم.\nو﴿مَنْ﴾ في موضعِ نصبٍ بوقوعِ \"أُنْذِر\" عليه، و﴿بَلَغَ﴾ في صلتِه، وأُسْقِطَت الهاءُ العائدةُ على ﴿مَنْ﴾ في قولِه: ﴿بَلَغَ﴾. لاستعمالِ العربِ ذلك في صِلاتِ \"من\" و\"ما\" \" و\"الذي\".\n\n<span data-type='title' id=toc-2953>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ لهؤلاء المشركين الجاحِدين نبوتَك، العادلين باللهِ ربًّا غيرَه: ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ أيُّها المشركون، ﴿لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾. يقولُ: تَشْهَدون أن معه معبوداتٍ غيرَه، من الأوثانِ والأصنامِ.\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ١٠٦. وأخرج أوله ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧١ (٧١٦٢) عن يونس به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧ إلى آدم بن أبي إياس وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"9","page":184},{"text":"وقال: ﴿أُخْرَى﴾. ولم يَقُلْ: أُخَرَ. والآلهةُ جمعٌ؛ لأن الجموعَ يَلْحَقُها التأنيثُ، كما قال تعالى: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه: ٥١]. ولم يَقُلِ: الأُوَلِ. ولا: الأولَّين.\nثم قال لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ: ﴿لَا أَشْهَدُ﴾ بما تَشْهَدون أن مع اللهِ آلهةً أخرى، بل أَجْحَدُ ذلك وأنكِرُه، ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. يقولُ: إنما هو معبودٌ واحدٌ، لا شَريكَ له فيما يَسْتَوْجِبُ على خلقِه مِن العبادةِ، ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: قل: وإننى برئٌ مِن كلِّ شريك تَدَّعُونه للهِ، وتُضِيفونه إلى شَرِكتِه، وتَعْبُدونه معه، لا أَعْبُدُ سوى اللهِ شيئًا، ولا أَدْعُو غيرَه إلهًا.\nوقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نَزَلَت في قومٍ مِن اليهودِ بأعْيانِهم، مِن وَجْهِ لم تَثْبُتْ صحتُه.\nوذلك ما حدَّثنا به هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ وأبو كُرَيبٍ، قالا: ثنا يونسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عِكْرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: جاء النَّحَّامُ بنُ زِيدٍ، وقَرْدَمُ بنُ كعبٍ، وبَحْرِيُّ (^١) بنُ عَمْرٍو (^٢)، فقالوا: يا محمدُ، ما تَعْلَمُ مع اللهِ إلهًا غيرَه؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لا إلهَ إلا اللهُ، بذلك بُعِثْتُ، وإلى ذلك أدْعُو\". فأنزَل الله تعالى فيهم وفى قولِهم: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يحيى\".\n(^٢) في النسخ: \"عمير\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٦٨. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٢ (٧١٦٨) من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن أبى محمد من قوله وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧ إلى ابن إسحاق وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"9","page":185},{"text":"<span id=\"aya-809\"></span><span data-type='title' id=toc-2954>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: التوراةَ والإنجيلَ، يَعْرِفون أنما هو إلهٌ واحدٌ، لا جماعةُ الآلهةِ، وأن محمدًا نبيٌّ مبعوثٌ، ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾.\nوقولُه: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. من نعتِ ﴿الَّذِينَ﴾ الأُولى.\nويعنى بقولِه: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: أَهْلَكُوها وأَوْبَقوها (^١) في نارِ جهنمَ، بإنكارِهم محمدًا أنه للهِ رسولٌ مُرسَلٌ، وهم بحقيقةِ ذلك عارِفون، ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: فهم بخَسارتِهم بذلك أنفسَهم لا يُؤْمِنون.\nوقد قيل: إن معنى خَسارتِهم أنفسَهم، أن كلَّ عبدٍ له منزلٌ في الجنةِ ومنزلٌ في النارِ، فإذا كان يومُ القيامةِ جعَل اللهُ لأهلِ الجنةِ منازلَ أهلِ النارِ في الجنةِ، وجعَل لأهلِ النارِ مَنازِلَ أهلِ الجنةِ في النارِ، فذلك خُسْرانُ الخاسرِين منهم؛ لبَيْعِهم منازلَهم مِن النارِ بمنازلِ أهلِ الجنةِ من النارِ، بما فرَط منهم في الدنيا؛ مِن معصيتِهم الله، وظلمِهم أنفسَهم، وذلك معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^٢) [المؤمنون: ١١].\nوبنحوِ ما قلنا في معنى قولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في م: \"ألقوها\".\n(^٢) ذكر هذا القول الفراء في معاني القرآن ١/ ٣٢٩، وما سيذكره المصنف في تفسير هذه الآية في موضعه من التفسير.","vol":"9","page":186},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2955>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾: يَعْرِفون أن الإسلامَ دينُ اللهِ، وأن محمدًا رسولُ اللهِ، يَجِدُونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾: النصارى واليهودُ، يَعْرِفون رسولَ اللهِ في كتابِهم، كما يَعْرِفون أبناءَهم (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾: يعنى النبيَّ ﷺ. قال: زَعَم أهلُ المدينةِ عن (^٤) أهلِ الكتابِ ممن أسلَم أنهم قالوا: واللهِ لَنحن أعرفُ به مِن أبنائِنا، مِن أجلِ الصفةِ والنعتِ الذي نَجِدُه في الكتابِ، وأَمَّا أبناؤُنا فلا نَدْرِى ما أَحْدَثَ النساءُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسير ٤/ ١٢٧٣ (٧١٧٢) من طريق يزيد به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٢ (٧١٦٩، ٧١٧٠) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨ إلى أبى الشيخ وحده، وفيه قال يعنى يعرفون النبي كما يعرفون أبناءهم؛ لأن نعته معهم في التوراة، ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لأنهم كفروا به بعد المعرفة.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٣، س: \"من\".","vol":"9","page":187},{"text":"<span id=\"aya-810\"></span><span data-type='title' id=toc-2956>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومَن أشدُّ اعتداءً، وأخطأُ فعلًا، وأَخْطَلُ قولًا، ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾؟ يعني: ممن اختَلَق (^١) على اللهِ قِيلَ باطلٍ، واختَرَق (^١) مِن نفسِه عليه كذبًا، فزعَم أن له شريكًا مِن خلقِه، وإلهَا يُعْبَدُ مِن دونِه - كما قاله المشركون مِن عَبَدة الأوثانِ - أو ادَّعى له ولدًا أو صاحبةً، كما قالته النصارى، ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾. يقولُ: أو كذَّب بحُجَجِه وأعلامِه وأدلتِه التي أعطاها رسلَه على حقيقةِ [نبوتِها، كما] (^٢) كذَّبَت بها اليهودُ، ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. يقولُ: إنه لا يُنْجِحُ (^٣) القائلون على اللهِ الباطلَ، ولا يُدْرِكون البقاءَ في الجنانِ، والمُفْتَرون عليه الكذبَ، والجاحِدون بنبوةِ أنبيائِه.\n\n<span id=\"aya-811\"></span><span data-type='title' id=toc-2957>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن هؤلاء المُفْتَرِين على اللهِ كذبًا، والمُكَذِّبين بآياتِه، لا يُفْلِحون اليومَ في الدنيا، ولا ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾. يعنى: ولا في الآخرةِ. ففى الكلامِ محذوفٌ قد استُغْنى بذكرِ ما ظهَر عما حُذِف.\nوتأويلُ الكلامِ: إنه لا يُفْلِحُ الظالمون اليومَ في الدنيا ويومَ نَحْشُرُهم جميعًا.\nفقولُه: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾. مَرْدودٌ على المرادِ في الكلامِ؛ لأنه وإن كان\n_________\n(^١) اختلق واخترق: ابتدع الكذب. انظر اللسان (خ ر ق)، (خ ل ق).\n(^٢) في م: \"نبوتهم\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"يصح\"، وفى م ت ٢، ت ٣، س: \"يفلح\". والمثبت كما تقدم في تفسير المصنف للفلاح، انظر ١/ ٢٥٦، ٣/ ٢٨١، ٦/ ٣٣٧ وغيرها.","vol":"9","page":188},{"text":"محذوفًا منه، منه، فكأنه فيه، لمعرفةِ السامِعِين بمعناه.\n﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾. يقولُ: ثم نقولُ إذا حشَرْنا هؤلاء المُفْتَرِين على اللهِ الكذبَ، بادِّعائِهم له في سلطانِه شريكًا، والمكذِّبين بآياتِه ورسلِه، فجمَعْنا جميعَهم يومَ القيامةِ: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنهم لكم آلهةٌ من دونِ اللهِ؛ افتراءً وكذبًا، وتَدْعُونهم من دونِه أربابًا فأْتُوا بهم إن كنتم صادقين!\n\n<span id=\"aya-812\"></span><span data-type='title' id=toc-2958>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثم لم يَكُنْ قولُهم إذ قلنا لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾؟ إجابةً منهم لنا عن سؤالِنا إياهم ذلك إذ فتَنَّاهم فاخْتَبَرْناهم، ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. كذبًا منهم في أَيْمانِهم على قيلِهم ذلك.\nثم اختَلَفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأَتْه جماعةٌ مِن قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكُوفيين: (ثم لم تَكُنْ فِتْنَتَهم) (^١). بالنصبِ (^٢)، بمعنى: لم يَكْنِ اختبارَناهم (^٣) إلا قيلُهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، غيرَ أنهم كانوا (^٤) يَقْرَءون: (تكن). بالتاءِ على التأنيثِ، وإن كانت للقولِ لا للفتنةِ؛ لمجاورتِها (^٥) الفتنةَ وهي خبرٌ. وذلك عندَ أهلِ العربيةِ شاذٌّ غيرُ فَصيحٍ في الكلام. وقد رُوِى بيتٌ للَبيدٍ بنحوِ ذلك، وهو قولُه (^٦):\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س: \"بالياء\".\n(^٢) وهذه قراءة نافع وأبي عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر وفى رواية عن ابن كثير. السبعة لابن مجاهد ص ٢٥٥.\n(^٣) في م: \"اختبارنا لهم\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في م: \"لمجاورته\".\n(^٦) شرح ديوان لبيد ص ٣٠٦.","vol":"9","page":189},{"text":"فمضَى وقدَّمَها وكانت عادةً … منه إذا هي عرَّدَتْ (^١) إقْدامُها\n[فقال: وكانت، بتأنيثِ] (^٢) الإقدامِ؛ لمُجاورتِها (^٣) قولَه: عادةً.\nوقرَأ ذلك جماعةٌ مِن قرأةِ الكُوفيين: (ثم لم يَكُنْ). بالياءِ، (فِتْنَتَهم). بالنصبِ ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾. بنحوِ المعنى الذي قصَده الآخرون الذين ذكَرْنا قراءتَهم، غيرَ أنهم ذكَّروا (يَكونُ) لتذكيرِ (أن) (^٤).\nوهذه القراءةُ عندَنا أولى القراءتين بالصوابِ؛ لأن \"أن\" أثبتُ في المعرفةِ من الفتنةِ.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ثم لم يكنْ قولُهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2959>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، قال: قال قتادةُ في قولِه: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾. قال: مقالتُهم. قال معمرٌ: وسمِعْتُ غيرَ قتادةَ يقولُ: معذرتُهم (^٥).\n_________\n(^١) عردت: فرّت. اللسان (ع ر د).\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وإن كانت وهى\".\n(^٣) وهذه قراءة حمزة والكسائى ولم يذكر المصنف قراءة من قرأ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾ بالتاء (فِتْنَتُهم) بالرفع. وهى قراءة ابن عامر، وعاصم في رواية حفص، ورواية عن ابن كثير. المصدر السابق. وانظر ما تقدم في ٦/ ١٢٢.\n(^٤) قال أبو حيان في البحر المحيط ٤/ ٩٥ عن توجيه هذه القراءة: لأن \"أن\" مع ما بعدها أجريت في التعريف مجرى المضمر. وقال قبل ذلك في ٤/ ٨٧: وقد تقدم لنا غير مرة أنا لا نرجح بين القراءتين المتواترتين.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٦.","vol":"9","page":190},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾. قال: قولُهم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي،، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ الآية: فهو كلامُهم، قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.\nحدَّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال سمِعْتُ الضحاكَ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾: يعني كلامَهم (^٢).\nوقال آخَرون: معنى ذلك معذرتُهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-2960>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾. قال: معذرتُهم (^٣).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: اعتذارُهم بالباطلِ والكذبِ (^٤).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: معناه: ثم لم يَكُنْ قِيلُهم عندَ فتنتِنا إياهم، اعتذارًا مما سلَف منهم مِن الشركِ باللهِ، ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٣ (٧١٧٥) عن عطاء عن ابن عباس معلقا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٤ (٧١٧٩) من طريق أبي معاذ به.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٣ عقب الأثر (٧١٧٧) معلقًا.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"9","page":191},{"text":"مُشْرِكِينَ﴾ فوُضِعَت الفتنةُ موضعَ القولُ؛ لمعرفةِ السامعينِ معنى الكلامِ.\nوإنما الفتنةُ الاختبارُ والابتلاءُ، ولكن لما كان الجوابُ مِن القومِ غيرَ واقعٍ هنالك إلا عندَ الاختبارِ، وُضِعَت الفتنةُ التي هي الاختبارُ موضعَ الخبرِ عن جوابِهم ومعذرتِهم.\nواختَلَفَت القرأةُ أيضًا في قراءةِ قولِه: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين والبصريين: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا﴾. خفضًا، على أن الربَّ نعتٌ للهِ.\nوقرأ ذلك جماعةٌ من التابعين: (واللهِ ربَّنا). بالنصب، بمعنى: واللهِ يا ربَّنا. وهي قراءةُ عامةِ قَرَأةِ أهلِ الكُوفةِ (^١).\nوأولى القراءتين عندى بالصوابِ (^٢) في ذلك قراءةُ من قرأ: (واللهِ ربَّنَا). بنصبِ الرَّب، بمعنى: يا ربَّنا. وذلك أن هذا جوابٌ من المسئولين المَقُولِ لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾؟ وكان من جوابِ القومِ لربِّهم: واللهِ يا ربَّنا ما كنا مشركين. فنَفَوْا أن يَكُونوا قالوا ذلك في الدنيا.\nيقولُ اللهُ تعالى ذكرُه لمحمدٍ ﷺ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\nويعنى بقولِه: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾: ما كنا نَدْعُو لك شريكًا، ولا نَدْعو (^٣) سِواك.\n\n<span id=\"aya-813\"></span><span data-type='title' id=toc-2961>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾.</span>\n_________\n(^١) بالنصب قرأ حمزة والكسائى، وقرأ الباقون بالكسر. التيسير ص ٨٤.\n(^٢) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لك\".","vol":"9","page":192},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: انْظُرْ يا محمدُ، فاعْلَمْ كيف كذَب هؤلاء المشركون العادِلون بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ في الآخرةِ عندَ لقاءِ اللهِ، على أنفسِهم بقِيلِهم: واللهِ يا ربَّنا ما كنا مشركين. واستَعْمَلوا هنالك الأخلاقَ التي كانوا بها يَتَخَلَّقون (^١) في الدنيا، من الكذبِ والفِرْيَة.\nومعنى النظرِ في هذا الموضعِ النظرُ بالقلبِ، لا النظرُ بالبصرِ، وإنما معناه: تَبَيَّنْ فاعْلَمْ كيف كَذَبوا في الآخرةِ.\nوقال: ﴿كَذَبُوا﴾. ومعناه: يكذِبون؛ لأنه لمّا كان الخبرُ قد مضى في الآيةِ قبلَها، صار كالشيءِ الذي قد كان ووُجِدَ.\n﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. يقولُ: وفارَقَهم الأندادُ والأصنامُ، وتَبَرَّءُوا منها، فسلَكوا غير سبيلِها؛ لأنها هلَكت، وأُعِيدَ (^٢) الذين كانوا يَعْبُدونها اجتراءً، ثم أُخِذوا بما كانوا يَفْتَرونه من قِيلِهم فيها على اللهِ، وعبادتِهم إياها، وإشراكِهم إياها في سلطانِ اللهِ، فضلَّت عنهم، وعوقِب عابِدوها بفِرْيَتِهم.\nوقد بينَّا فيما مضَى أن معنى \"الضلالِ\" الأخذُ على غيرِ الهدى (^٣).\nوقد ذُكِر أن هؤلاء المشركين يَقُولون هذا القولَ عندَ معاينتِهم سَعَةَ رحمةِ اللهِ يومَئذٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2962>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن مُطَرِّفٍ، عن المنهالِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"متخلقون\"، وفى م: \"متخلقين\".\n(^٢) في ص ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"عبدوا\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٢/ ٤١٥، ٤١٦.","vol":"9","page":193},{"text":"ابن عمرٍو، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: أتى رجلٌ ابنَ عباسٍ [فقال: قال اللهُ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾] (^١). وقال في آيةٍ أُخرى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]. قال ابن عباسٍ: أما قولُه: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. فإنه لما رَأَوْا أنه لا يَدْخُلُ الجنةَ إلا أهلُ الإسلامِ، فقالوا: تعالَوْا لنَجْحَدُ. قالُوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. فختَم اللهُ على أفواهِهم، وتكلَّمت أيديهم وأرجلُهم، ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. قال: قولُ أهلِ الشركِ حين رَأَوُا الذنوبَ تُغْفَرُ - ولا يَغْفِرُ اللهُ لمشركٍ - ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: بتكذيبِ اللهِ إياهم (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. ثم قال: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ بجوارِحِهم (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال ثنا أبي، عن حمزةَ الزياتِ، عن رجلٍ يقالُ له: هاشمٌ (^٥)، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا\n_________\n(^١) سقط من: ص ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٧/ ٤٢.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٢٠، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٤، ١٢٧٥ (٧١٨٢، ٧١٨٤).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) في م: \"هشام\". وينظر التاريخ الكبير ٨/ ٢٣٤.","vol":"9","page":194},{"text":"مُشْرِكِينَ﴾ قال: حلَفوا واعْتَذَروا، قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا﴾ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا قَبِيصةُ بنُ عقبةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: أقسَموا واعتذَروا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا﴾.\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن حمزةَ الزياتِ، عن رجلٍ يُقالُ له: هاشمٌ (^٢)، عن سعيدِ بن جبيرٍ بنحوِه.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن سفيانَ بن زيادٍ العُصْفُريِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. قال: لما أُمِر بإخراجِ رجالٍ (^٣) مِن (^٤) النارِ مِن أهلِ التوحيدِ، قال مَن فيها من المشركين: تعالَوْا نَقُولُ: لا إلهَ إلا اللهُ. لعلنا نَخْرُجُ مع هؤلاء. قال: فلم يُصَدَّقُوا. قال: فحلَفوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. قال: فقال اللهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: أي: يُشْرِكون (^٥).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا المنهالُ بنُ عمرٍو، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. قال: لما رأى المشركون أنه لا يَدْخُلُ الجنةَ إلا مسلمٌ، قالوا: تعالَوْا إِذا سُئِلنا (^٦) قلنا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٤ (٧١٨٣) من طريق حمزة الزيات به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٢) سقط من: س، وفى ص م ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هشام\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"رجل\".\n(^٤) بعده في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أهل\".\n(^٥) بعده في م، والدر المنثور ٣/ ٨: \"به\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٥ (٧١٨٧) من طريق يزيد. به. وهو في الدر المنثور من تمام الأثر المتقدم في ص ١٩١.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"سألنا\".","vol":"9","page":195},{"text":"مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. فسُئِلوا، فقالوا ذلك، فختَم اللهُ على أفواهِهم، وشهِدت عليهم جوارحُهم بأعمالِهم، فَوَدَّ الذين كفَروا حينَ رَأَوْا ذلك: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنى عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مسلمُ بنُ خالدٍ (^٢)، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: يأتى على الناسِ يومَ القيامةِ ساعةٌ، لما رأوا (^٣) أهلُ الشركِ أهلَ التوحيدِ يُغْفرُ لهم، فيَقُولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه كان يقولُ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. بخَفْضِها (^٤)، قال: أقسَموا واعتذَروا. قال الحارثُ: قال عبدُ العزيزِ: قال سفيانُ مرةً أخرى: ثني هاشمٌ (^٥)، عن سعيدِ بن جبيرٍ.\n\n<span id=\"aya-814\"></span><span data-type='title' id=toc-2963>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومن هؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ مِن قومِك يا محمدُ ﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾. يقولُ: مَن يَسْتَمِعُ القرآنَ منك، ويَسْتَمِعُ مَا تَدْعُوه إليه مِن توحيدِ ربِّك وأمرِه ونهيِه، ولا يَفْقَهُ ما تقولُ، ولا يُوعِيه قلبَه، ولا يَتَدَبَّرُه، ولا يُصْغِي له سمعَه ليَتَفَقَّهَه فيَفْهَمَ حججَ اللهِ عليه في تنزيلِه الذي أَنزَله عليك، إنما يَسْمَعُ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم تخريجه في ٧/ ٤٢.\n(^٢) في النسخ: \"خلف\". وتقدم على الصواب في ٢/ ٥١٣، ٥٣٧.\n(^٣) في م: \"رأى\".\n(^٤) في م: \"يخفضها\".\n(^٥) في النسخ: \"هشام\".","vol":"9","page":196},{"text":"صوتَك وقراءتَك وكلامَك، ولا يَعْقِلُ عنك ما تقولُ؛ لأن الله قد جعَل على قلبِه أكِنّةً.\nوهي جمعُ كِنانٍ، وهو الغطاءُ، مثلُ سنانٍ وأسنةٍ، يُقال منه: أَكنَنْتُ الشيءَ في نفسي - بالألفِ - وكَنَنْتُ الشيءَ، إذا غطَّيتَه. ومن ذلك ﴿بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، وهو الغطاءُ. ومنه قولُ الشاعرِ (^١):\nتحتَ عينٍ (^٢) كِنانُنا … ظلُّ بُرْدٍ مُرَحَلُ (^٣)\nيعنى غطاءهم الذي يُكِنُّهم.\n﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَل في آذانِهِم ثِقَلًا وصَمَمًا عن فَهم ما تَتْلو عليهم، والإصغاءِ لما تَدْعوهم إليه.\nوالعربُ تَفتَحُ الواوَ من الوَقْرِ في الأُذُنِ، وهو الثِّقَلُ فيها، وتَكْسِرُها في الحِمْلِ، فتقولُ: هو وِقْرُ الدابةِ. ويقالُ مِن الحِمْلِ: أَوْقَرْتُ الدابةَ. فهي موقورةٌ (^٤)، ومن السمعِ: وَقَرْتُ سمعَه. فهو موقَّرٌ (^٥). ومنه قولُ الشاعرِ (^٦):\n* ولى هامة قد وقَّر الضربُ سمْعَها *\nوقد ذُكِر سماعًا منهم: وَقِرَت أُذُنُه إِذا ثَقُلت، فهي مَوْقُورةٌ، وأَوْقَرَتِ النخلةُ فهي مُوقِرٌ. كما قيل: امرأةٌ طامثٌ وحائضٌ. لأنه لا حظَّ فيه للمذكرِ، فإذا أُرِيد أن الله أَوْقَرها، قيل: مُوقرَةٌ.\n_________\n(^١) البيت لعمر بن أبي ربيعة كما في مجاز القرآن ١/ ٤٦، ١٨٨ واللسان (ك ن ن). وليس في ديوانه.\n(^٢) العين: السحاب. اللسان (ع ى ن).\n(^٣) المرحل: ضَرْب من بُرود، اليمن، سمى مرحلا لأن عليه تصاوير رحل. اللسان (ر ح ل).\n(^٤) في م: \"موقرة\".\n(^٥) في م: \"موقور\".\n(^٦) التبيان ٤/ ١٠٣.","vol":"9","page":197},{"text":"وقال تعالى ذكرُه: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾. بمعنى: أَلَّا يفْقَهوه. كما قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. بمعنى: أَلَّا تَضِلُّوا؛ لأن الكِنَّ إنما جُعِل على القلبِ لئلا يَفْقَهَه، لا لِيَفْقَهَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2964>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. قال: يَسْمَعونه بآذانِهم، ولا يَعُون منه شيئًا، كمثَلِ البهيمةِ التي تَسْمَعُ النداءَ، ولا تَدْرِى ما يُقالُ لها (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن عن السدِّيِّ: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾: أما ﴿أَكِنَّةً﴾: فالغِطاءُ أَكَنّ قلوبَهم، لا يَفْقَهُونَ الحَقَّ، ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. قال: صَمَمٌ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾. قال: قريشٌ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٩. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٦ (٧١٩٢) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٥، ١٢٧٦ (٧١٩٠، ٧١٩١، ٧١٩٣) من طريق أحمد بن المفضل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٢٠ ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٥ (٧١٨٨).","vol":"9","page":198},{"text":"مُجاهدٍ مثلَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2965>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإن يَرَ هؤلاء العادِلون بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ، الذين جَعَلْتُ على قلوبِهم أَكِنَّةً أن يَفْقَهوا عنك ما يَسْمَعون منك، ﴿كُلَّ آيَةٍ﴾. يقولُ: كلُّ حُجةٍ وعلامةٍ تَدلُّ أهلَ الحِجَا والفهمِ على توحيدِ اللهِ، وصدقِ قولِك، وحقيقة نبوَّتِك، ﴿لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾. يقولُ: لا يُصَدِّقون بها، ولا يُقِرُّون بأنها دالةٌ على ما هي عليه دالةٌ، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾. يقولُ: حتى إذا صاروا إليك بعدَ مُعاينتِهم الآياتِ الدالةَ على حقيقةِ ما جئتَهم به، ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾. يقولُ: يُخاصِمونك، ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يعنى بذلك: الذين جحَدوا آياتِ اللهِ وأنْكروا حقيقتَها، يقولون لنبيِّ اللهِ ﷺ إذا سمِعوا حُجَجَ اللهِ التي احتجَّ بها عليهم، وبيانَه الذي بيَّنه لهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. أي: ما هذا إلا أساطيرُ الأولين.\nوالأساطيرُ جمعُ إسْطارةٍ وأُسْطُورةٍ، مثلَ أُفُكُوهَةٍ وأُضْحُوكةٍ. وجائزٌ أن يَكونَ الواحدُ أسْطارًا، مثلَ أبياتٍ وأَبابِيتَ، وأقوالٍ وأَقاوِيلَ، مِن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢]. مِن: سطَرَ يَسْطُرُ سَطْرًا.\nفإن كان هذا، فإن تأويلَه: ما هذا إلا ما كتَبه الأوَّلون.\nوقد ذُكِر عن ابن عباسٍ وغيرِه أنهم كانوا يتأوَّلُونه بهذا التأويلِ، ويقولون: معناه: إن هذا إلا أحاديثُ الأوَّلِين.\nحدَّثني بذلك المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ،","vol":"9","page":199},{"text":"عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: فَأَساجِيعُ الأَوَّلِينَ (^٢).\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ - وهو أبو عُبَيدةَ مَعْمَرُ بنُ المثنَّى - بكلامِ العربِ يقولُ (^٣): الإسطارةُ لغةٌ، [ومجازُها] (^٤) التُّرَّهاتُ.\nوكان الأخفشُ يقولُ: قال بعضُهم: واحدُه أُسْطورةٌ. وقال بعضُهم: إسْطارةٌ. قال: ولا أُراه إلا مِن الجميعِ (^٥) الذي ليس له واحدٌ، نحوَ العَباديدِ (^٦) والمَذَاكير والأبابيلِ. قال: وقال بعضُهم: واحدُ الأبابيلِ إبِّيلٌ. وقال بعضُهم: إِبَّوْلٌ. مثلَ عِجَّوْلٍ (^٧)، ولم أَجِدِ العربَ تَعْرِفُ له واحدًا، وإنما هو مثلُ عَبادِيدَ لا واحدَ لها. وأما الشَّماطِيطُ (^٨)، فإنهم يَزْعُمون أن واحدَه شِمْطاطٌ. قال: وكلُّ هذه لها واحدٌ، إلا أنه لم يُسْتَعْمَلْ ولم يُتَكَلَّم به؛ لأن هذا المثالَ لا يَكونُ إلا جميعًا (^٩). قال: وسمِعْتُ العرب الفُصَحاءَ تقولُ: أَرْسَل خَيلَه أبابيلَ. تُرِيدُ جَماعاتٍ، فلا تَتَكَلَّمُ بها بواحدةٍ (^١٠).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٦ (٧١٩٧) من طريق أحمد بن مفضل به. وهو من تمام الأثر المتقدم في ص ١٩٨.\n(^٣) مجاز القرآن ١/ ١٨٩.\n(^٤) في م: \"الخرافات\"، وفى مجاز القرآن: \"ومجازها مجاز الترهات\".\n(^٥) في م: \"الجمع\".\n(^٦) في م: \"العبابيد\" والعباديد والعبابيد: الخيل المتفرقة في ذهابها ومجيئها. اللسان (ع ب د)\n(^٧) العجول والعجل: ولد البقرة. اللسان (ع ج ل).\n(^٨) الشماطيط: القطع المتفرقة. اللسان (ش م ط).\n(^٩) في م: \"جمعا\".\n(^١٠) في م: \"موحده\".","vol":"9","page":200},{"text":"وكانت مُجادلتُهم رسولِ اللهِ ﷺ التي ذكَرها اللهُ في هذه الآيةِ فيما ذُكِر، ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ الآية. قال: هم المشركون، يُجادِلون المسلمين في الذِّبيحةِ، يقولون: أما ما ذبَحْتُم وقَتَلْتُم فتَأْكُلون، وأما ما قتَل اللهُ فلا تَأْكلُون، وأنتم تَتِّبِعون أمرَ اللهِ تعالى! (^١)\n\n<span id=\"aya-815\"></span><span data-type='title' id=toc-2967>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾.</span>\nاختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: هؤلاء المشركون المُكذِّبون بآياتِ اللَّهِ، يَنْهَوْنَ الناسَ عن اتِّباعِ محمدٍ ﷺ والقبول منه، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾: يَتَبَاعَدون عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2966>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ وهانئُ بنُ سعيدٍ، عن حجاجٍ، عن سالمٍ، عن ابن الحَنَفيةِ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾. قال: يَتَخَلَّفون عن النبيِّ ﷺ ولا يُجيبونه، ويَنْهَوْن الناسَ عنه (^٢).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾. يعنى: يَنْهَوْن الناسَ عن محمدٍ أن يُؤْمِنوا به، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾: يعنى: يَتَباعَدون عنه (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٦ (٧١٩٤، ٧١٩٦) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٧ (٧٢٠١١) من طريق حفص بن غياث به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٧، ١٢٧٨ (٧٢٠٠، ٧٢٠٧) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي الدر المنثور ٣/ ٨ إلى ابن المنذر.","vol":"9","page":201},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾: أَن يُتَّبَعَ محمدٌ، ويَتَباعَدون هم منه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾. يقولُ: لا يَلْقَوْنَه، ولا يَدَعُون أحدًا يَأْتِيه (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سِمعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ يقولُ: عن محمدٍ الله ﷺ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾: جمَعُوا النَّهْيَ والنَّأْيَ، والنَّأَى (^٣) التباعُدُ.\nوقال بعضُهم: بل معناه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾: عن القرآنِ أن يُسْمَعَ له ويُعْمَلَ بما فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2968>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾. قال: يَنْهَوْن عن القرآنِ وعن النبيِّ ﷺ، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾: ويَتَباعَدون عنه (^٤).\n_________\n(^١) انظر تفسير البغوي ٣/ ١٣٦.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ س: \"النهى\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق. ١/ ٢٠٥ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٧ (٧٢٠٣) عن الحسن بن يحيى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"9","page":202},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾. قال: قريشٌ، عن الذِّكْرِ، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾، يقولُ: يَتَباعَدون (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾: قريشٌ عن الذكرِ، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾: يَتَباعَدون.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾. قال: يَنْهَوْن عن القرآنِ وعن النبيِّ ﷺ، ويَتَباعَدون عنه.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾، قال: ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ يَبْعُدونه (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: وهم يَنْهَوْن عن أذَى محمدٍ ﷺ، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾: يَتَباعَدون عن دينِه واتِّباعِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-2969>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ وقَبيِصةُ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عمَّن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: نزَلَت في\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٢١ ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٧ (٧٢٠٢)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"يبعدون\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٨ (٧٢٠٨) من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد به.","vol":"9","page":203},{"text":"أبي طالبٍ، كان يَنْهَى عن محمدٍ أن يُؤْذَى، ويَنْأَى عما جاء به أن يُؤْمِنَ به (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَبيبِ بن أبى ثابتٍ، قال: ثنى مَن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾. قال: نزَلَت في أبى طالبٍ، يَنْهَى عنه أن يُؤْذَى، ويَنْأَى عما جاء به.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا الثوريُّ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عمّن سمِع ابنَ عباسٍ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾. قال: نزَلَت في أبي طالبٍ، كان (^٢) يَنْهَى المشركين أن يُؤْذُوا محمدًا، ويَنْأَى عمَّا جاء به (^٣).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عَبْدةُ، عن إسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ، عن القاسمِ بن مُخَيْمِرَةَ، قال: كان أبو طالبٍ يَنْهَى عن النبيِّ ﷺ ولا يُصَدِّقُه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبى ومحمدُ بنُ بشرٍ، عن إسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ، عن القاسمِ بن مُخَيْمِرةً في قولِه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾. قال: نزَلَت في أبي طالبٍ. قال ابن وكيعٍ: قال ابن بشرٍ: كان أبو طالبٍ يَنْهَى عن النبيِّ ﷺ أن يُؤذَى، ولا يُصَدِّقُ به (^٤).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، عن أبي محمدٍ الأسَديِّ، عن حبيب بن\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ١٠٦، ومن طريقه الحاكم ٢/ ٣١٥، والبيهقى في الدلائل ٢/ ٣٤٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، ٤/ ١٢٧٦، ١٢٧٨ (٧١٩٩، ٧٢٠٦) من طريق وكيع به. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٧٤ تفسير)، والطبراني (١٢٦٨٢) من طريق حبيب بن أبي ثابت به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قال\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٦، ومن طريقه البيهقي في الدلائل ٢/ ٣٤٠.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"9","page":204},{"text":"أبي ثابتٍ، قال: ثنى مِن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ عَنهُ اللَّهِ: نزَلَت في أبى طالبٍ، كان يَنْهَى عن أذَى محمدٍ، ويَنْأَى عما جاء به أن يَتَّبِعَه (^١).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ عن إسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ، عن القاسمِ بن مُخَيْمِرة في قولِه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾. قال: نزَلَت في أبي طالبٍ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ (^٢) اللِه بنُ موسى، عن عبدِ العزيزِ بن سِيَاهٍ، عن حبيبٍ، قال: ذاك أبو طالبٍ. في قولِه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾.\nحدَّثنا يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ أبي أيوبَ، قال: قال عطاءُ بنُ دينارٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾: إِنها نزَلَت في أبي طالبٍ رسولِ اللَّهِ، أنه كان يَنْهَى الناسَ عن إيذاءِ رسولِ اللهِ ﷺ، ويَنْأَى عما جاء به مِن الهُدَى (^٣).\nوأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: تأويلُه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾: عن اتباع محمدٍ ﷺ مِن سواهم مِن الناسِ، ويَنْأَوْنَ عن اتباعِه. وذلك أن الآياتِ قبلَها جرَت بذكرِ جماعةِ المشركين العادِلين به (^٤) والخبرِ عن تكذيبِهم رسولَ اللهِ ﷺ، والإعراضِ عما جاءهم به مِن تنزيلِ اللهِ ووحيِه، فالواجبُ أن يكونَ قولُه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾. خبرًا عنهم، إذ لم يَأْتِنا ما يَدُلُّ على انصرافِ الخبرِ عنهم إلى غيرِهم، بل ما قبلَ هذه الآيةِ وما بعدَها يَدُلُّ على صحةِ ما قلنا مِن أن ذلك خبرٌ عن جماعةِ مُشْرِكى قومِ رسولِ اللهِ ﷺ، دونَ أن يكونَ خبرًا عن خاصٍّ منهم.\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٢٤٣.\n(^٢) في النسخ: \"عبد\". وقد مضى مرارا.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨ إلى المصنف.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بهم\".","vol":"9","page":205},{"text":"وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: وإن يَرَ هؤلاء المشركون يا محمدُ كلَّ آيةٍ لا يُؤْمِنوا بها، حتى إذا جاءوك يُجادِلونك يقولون: إنْ هذا الذي جئْتَنا به إلا أحاديثُ الأوَّلِين وأخبارُهم. وهم يَنْهَون عن استماع التنزيل، ويَنْأَوْنَ عنك، فيَبْعُدون منك ومِن اتباعِك، ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. يقولُ: وما يُهْلِكون بصدِّهم عن سبيلِ اللهِ، وإعراضِهم عن تنزيلِه، وكفرِهم بربِّهم إلا أنفسَهم لا غيرَها؛ وذلك أنهم يُكْسِبونها بفعلهم ذلك سَخَطَ اللَّهِ وأليمَ عقابِه، وما لا قِبَلَ لها به، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: وما يَدْرُون ما هم مُكْسِبوها مِن الهلاكِ والعَطَب بفعلِهم.\nوالعربُ تقولُ لكلِّ مَن بعُد عن شيءٍ: قد نأَى عنه، فهو يَنْأَى نَأْيًا. ومَسْموعٌ منهم: نأيْتُكَ. بمعنى: نأَيْتُ عنك. وأما إذا أرادوا: أبْعَدْتُك عنى. قالوا: أَنْأَيْتُك. ومِن: نأَيْتُك. بمعنى: نأيْتُ عنك. قولُ الحُطيْئةِ (^١).\nنَأَتكَ أُمَامَهُ إلا سُؤالَا … وأَبْصَرْتَ منها بطَيْفٍ (^٢) خَيَالَا (^٣)\n\n<span id=\"aya-816\"></span><span data-type='title' id=toc-2970>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يا محمدُ هؤلاء العادِلين بربِّهم الأصنامَ والأوثانَ، الجاحَدِين نبوّتَك، الذين وصَفْتُ لك صفتَهم ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾. يقولُ: إذ حُبسوا ﴿عَلَى النَّارِ﴾: يعنى: في النار. فوُضِعَت \"على\" موضعَ \"في\"، كما قال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢].\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢١٤.\n(^٢) في نسخة مِن الديوان: \"بغيب\"، وفي نسخة: \"بعين\".\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني سعيد بن أبي أيوب، قال: قال عطاء بن دينار في قول الله تعالى ذكره: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ إنها نزلت في أبي طالب، كان ينهى الناس عن رسول الله صلى الله عليه سلم، وينأى عما جاء به\". وهو تكرار للأثر المتقدم في ص ٢٠٥.","vol":"9","page":206},{"text":"بمعنى: في ملكِ سليمانَ.\nوقيل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾. ومعناه: إذا وُقِفوا؛ لمَا وصَفْنا قبلُ فيما مضَى أن العربَ قد تَضَعُ \"إذ\" مكانَ \"إذا\"، و\"إذا\" مكانَ \"إذ\"، وإن كان حظُّ \"إذ\" أن تُصاحِبَ مِن الأخبارِ ما قد وُجد فقضَى، وحظ \"إِذا\" أن تُصاحِبَ مِن الأخبارِ ما لم يُوجَدْ (^١)، ولكنَّ ذلك كما قال الراجزُ، وهو أبو النجمِ (^٢):\nمَدَّ لنا في عُمْرِه رَبُّ طَهَا (^٣) … ثم جَزاه الله عنا إِذ جَزَى\nجناتِ عَدْنٍ في العَلَاليِّ العُلَا\nفقال: ثم جَزاه اللهُ عنا إذ جزَى. فوضَع \"إذ\" مكان \"إذا\".\nوقيل: ﴿وُقِفُوا﴾. ولم يُقَلْ: أُوقِفوا. لأن ذلك هو الفصيحُ مِن كلامِ العربِ، يقالُ: وقَفْتُ الدابةَ وغيرَها - بغيرِ ألفٍ - إذا حبَسْتَها. وكذلك: وقَفْتُ الأرضَ. إذا جعَلْتَها صدقةً حَبيسًا. بغيرِ ألفٍ.\nوقد حدَّثني الحارثُ، عن (^٤) أبي عُبيدٍ، قال: أخْبرَني اليَزيديُّ والأصْمَعيُّ، كلاهما عن أبي عمرٍو، قال: ما سَمِعْتُ أحدًا مِن العرب يقولُ: أوْقَفْتُ الشيءَ. بالألفِ. قال: إلا أنى لو رأَيْتُ رجلًا بمكانٍ فقلتُ: ما أوْقَفك ههنا؟ بالألفِ، لرأَيْتُه حسنًا (^٥)\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ١٣٤، ١٣٥.\n(^٢) تقدم تخريج الأبيات في ص ١٣٤.\n(^٣) قال في اللسان (ط وا): فإنما أراد: رب طه السورة فحذف الألف.\n(^٤) في م: \"بن\"، وهو خطأ.\n(^٥) تهذيب اللغة ٩/ ٣٣٣، الصحاح \"وقف\" بنحو.","vol":"9","page":207},{"text":"﴿فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ يقولُ: فقال هؤلاء المشركون بربِّهم إذ حُبِسوا في النارِ: يا ليتَنا نُرَدُّ إلى الدنيا حتى نَتوبَ ونُراجِعَ طاعةَ اللَّهِ، ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾. يقولُ: ولا نُكَذِّبَ بِحُجَجِ ربنا ولا نَجْحَدَها، ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: ونَكونَ مِن المُصَدِّقين باللهِ وحُجَجه ورسلِه، مُتَّبعى أمرِه ونهيِه.\nواخْتَلَفَت القَرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الحجازِ والمدينةِ والعراقَيْن (^١): (يا ليتنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبُ بآياتِ ربِّنا ونكونُ مِن المؤمِنين) (^٢). بمعنى: يا ليتنا نُرَدُّ، ولسنا نُكَذِّبُ بآياتِ ربِّنا، ولكُنَّا (^٣) نكونُ مِن المؤمنين.\nوقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. بمعنى: يا ليتَنا نُرَدُّ، وأن لا نُكَذِّب بآياتِ ربِّنا، ونكونَ مِن المؤمنين (^٤).\nوتأوَّلوا في ذلك شيئًا حدَّثَنِيه أحمدُ بنُ يُوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: في حرفِ ابن مسعودٍ: (يا ليتنا نُرَدُّ فلا نُكَذِّبَ). بالفاءِ (^٥).\nوذُكِر عن بعضِ قرأةِ أهلِ الشامِ أنه قرَأ ذلك: (يا ليتنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبُ) بالرفعِ (ونكونَ) (^٦) بالنصبِ. كأنه وجَّه تأويلَه إلى أنهم تمَنَّوُا الردَّ، وأن يكونوا مِن المؤمنين، وأخْبَرُوا أنهم لا يُكَذِّبون بآياتِ ربِّهم إن رُدُّوا إلى الدنيا.\n_________\n(^١) في النسخ: \"العراقيين\". والعراقان هما البصرة والكوفة. وينظر ما سيأتي في ص ٢١٩.\n(^٢) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر. السبعة لابن مجاهد ص ٢٥٥.\n(^٣) في م: \"لكن\".\n(^٤) وهى قراءة حمزة وعاصم في رواية حفص، ورواية ابن ذكوان عن ابن عامر. المصدر السابق.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩ إلى المصنف وأبي عبيد، والقراءة شاذة.\n(^٦) وهى رواية هشام بن عمار عن ابن عامر. ينظر السبعة ص ٢٥٥.","vol":"9","page":208},{"text":"واختَلَف أهلُ العربية في معنى ذلك منصوبًا ومرفوعًا؛ فقال بعضُ نحويي البصرةِ: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نصبٌ لأنه جوابٌ للتمنى، وما بعدَ الواوِ كما بعدَ الفاءِ. قال: وإن شئتَ رفعتَ، وجعلتَه على غيرِ التمني، كأنهم قالوا: ولا نُكَذِّبُ واللهِ بآياتِ ربِّنا، ونَكونُ واللهِ مِن المؤمنين. هذا إذا كان على ذا الوجه كان مُنْقَطِعًا مِن الأولِ. قال: والرفعُ وجهُ الكلامِ؛ لأنه إذا نصَب جعَلها واوَ عطفٍ، فإذا جعَلها واوَ عطفٍ، فكأنهم قد تمنوا أن لا يُكَذِّبوا، وأَن يَكُونوا مؤمنين. قال: وهذا - واللهُ أعلمُ - لا يَكونُ؛ لأنهم لم يَتَمَنَّوْا هذا، إنما تمَنَّوا الردَّ، وأَخْبَرُوا أنهم لا يُكَذِّبون ويَكُونون مِن المؤمنين.\nوكان بعضُ نحويى الكوفة يقولُ: لو نُصِب ﴿نُكَذِّبَ﴾ و﴿وَنَكُونَ﴾ على الجوابِ بالواوِ (^١) لكان صوابًا. قال: والعربُ تُجيب بالواوِ و\"ثم\" كما تُجِيبُ بالفاءِ، يقولون: ليت لى مالًا وأُعْطِيَك، وليت لى مالًا فأُعْطِيَك، و: ثم أُعْطِيَك. قال: وقد تَكونُ نصبًا على الصَّرفِ (^٢)، كقولِك: لا يَسَعُنى شيءٌ ويعجِزَ عنك.\nوقال آخرُ منهم: لا أُحِبُّ النصب في هذا؛ لأنه ليس بتَمَنٍّ منهم، إنما هو خبرٌ أخْبَروا به عن أنفسهم، ألا تَرَى أن الله تعالى قد كذَّبهم فقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. وإنما يَكونُ التكذيبُ للخبرِ لا للتمنِّى.\nوكان بعضُهم يُنْكِرُ أن يَكونَ الجواب بالواو، وبحرف غير الفاء، وكان: يقولُ: إنما الواوُ موضعُ حالٍ: لا يَسَعُنى شيءٌ ويَضِيقَ عنك. أي: وهو يَضِيقُ عنك. قال: وكذلك الصَّرفُ في جميعِ العربيةِ. قال: وأما الفاءُ فجوابُ جزاءٍ: ما قمتَ فنَأْتِيَك (^٣). أي: لو قمتَ لأَتَيْناك. قال: فهكذا حكمُ الصرفِ والفاءِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قالوا\"\n(^٢) ينظر كلام المصنف على الصرف في ١/ ٦٠٧، ٦٠٨، ٦/ ٩٢.\n(^٣) في م: \"فآتيك\" وفى س: \"فأتيتك\".","vol":"9","page":209},{"text":"قال: وأما قولُه: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾ ﴿وَنَكُونَ﴾. فإنما جاز لأنهم قالوا: يا ليتنا نُرَدُّ في غيرِ الحاِل التي وُقِفْنا فيها على النارِ. فكان وَقْفَهم في تلك، فتمَنَّوْا أن لا يَكونوا وُقِفوا في تلك الحالِ.\nوكأن مَعْنيَّ صاحبِ هذه المقالةِ في قولِه هذا: ولو تَرَى إذ وُقِفوا على النارِ فقالوا: قد وُقِفْنا عليها مُكَذِّبين بآياتِ ربِّنا كفارًا، فيا ليتَنا نُرَدُّ إليها فنُوقَفَ عليها غيرَ مُكَذِّبِين بآياتِ ربِّنا، ولا كفارًا.\nوهذا تأويلٌ يَدْفَعُه ظاهرُ التنزيل، وذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. فَأَخْبَرَ اللَّهُ تعالى ذكرُه أنهم في قِيلِهم ذلك كَذَبةٌ، والتكذيبُ لا يَقَعُ في التمنى، ولكنَّ صاحبَ هذه المَقالِة أَظُنُّ به أنه لم يَتَدَبَّرِ التأويل، ولزم سَنَنَ العربيةِ.\nوالقراءةُ التي لا أخْتارُ غيرَها في ذلك: (يا ليتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبُ بآياتِ ربِّنا وتكونُ مِن المؤمنين). بالرفع في كليهما، بمعنى: يا ليتَنا نُرَدُّ، ولسنا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ ربِّنا إن رُدِدْنا، ولكُنَّا نكونُ مِن المؤمنين. على وجهِ الخبرِ منهم عما يَفْعَلُون إن هم رُدُّوا إلى الدنيا، لا على التمنِّى منهم ألا يُكَذِّبوا بآياتِ ربِّهم، ويَكُونوا مِن المؤمنين؛ لأن الله تعالى ذكرُه قد أخْبرَ عنهم أنهم لو رُدُّوا لَعادوا لما نُهُوا عنه، وأنهم كَذَبَةٌ في قيلِهم ذلك. ولو كان قيلُهم ذلك على وجهِ التمنِّى لَاسْتَحال تكذيبهم فيه؛ لأن التمنِّىَ لا يُكَذَّبُ، وإنما يَكونُ التصديقُ والتكذيبُ في الأخبارِ.\nوأما النصبُ في ذلك، فإنى أَظُنُّ بقارئِه أنه برجاءِ (^١) تأويلِ قراءةِ عبدِ اللهِ التي ذكَرْناها عنه، وذلك قراءتُه ذلك: (يا ليتَنا نُرَدُّ فلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ ربِّنا ونكونَ مِن المؤمنين). على وجهِ جوابِ التمنى بالفاءِ، وهو إذا قُرِئ بالفاءِ كذلك، [ولا] (^٢) شك\n_________\n(^١) كذا في م، ت ٢، س، وغير منقوطة في ص، ت ١، وأثبتها الشيخ شاكر: \"توخَّى\".\n(^٢) في م: \"لا\".","vol":"9","page":210},{"text":"في صحةِ إعرابهِ ومعناه في ذلك؛ أن تأويلَه إذا قُرِئ كذلك: لو أنا رُدِدْنا إلى الدنيا ما كذَّبْنا بآياتِ ربِّنا، ولكُنَّا مِن المؤمنين. فإن يَكُنِ الذي (^١) حَكَى مِن حَكَى عن العربِ مِن السَّماعِ منهم الجوابَ بالواوِ و\"ثم\"، كهيئةِ الجوابِ بالفاءِ صحيحًا،\" فلا شكّ في صحةِ قراءِة مِن قرَأ ذلك: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ﴾. نصبًا على جوابِ التمنى بالواوِ، على تأويلِ قراءةِ عبدِ اللهِ ذلك بالفاءِ، وإلا فإن القراءةَ بذلك بعيدة المعنى مِن تأويلِ التنزيل، ولستُ أَعْلَمُ سَماع ذلك مِن العربِ صحيحًا، بل المعروفُ مِن كلامِها الجوابُ بالفاءِ، والصرفُ بالواوِ.\n\n<span id=\"aya-817\"></span><span data-type='title' id=toc-2971>القولُ في تأويل قوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ما [قصدُ هؤلاء] (^٢) العادِلين بربِّهم، الجاحدين نبوَّتَك يا محمدُ، في قيلِهم إذا وُقِفوا على النارِ: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. الأسَى والندمَ على تركِ الإيمانِ باللهِ والتصديقِ بك، لكنْ بهم الإشفاقُ مما هو نازلٌ بهم مِن عقابِ اللهِ وأليمِ عذابِه، على مَعاصِيهم التي كانوا يُخْفُونها عن أعينِ الناسِ، ويَسْتُرُونها منهم، فأبْداها اللهُ منهم يومَ القيامةِ، وأَظْهَرَها على رءوسِ الأشهادِ، ففضَحهم بها، ثم جازاهم بها جزاءَهم.\nيقولُ: بل بدا لهم ما كانوا يُخْفُون مِن (^٣) أعمالِهم السيئةِ التي كانوا يُخْفُونها مِن قبل ذلك في الدنيا، فظهَرَت، ﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾. يقولُ: ولو رُدُّوا إلى الدنيا فأُمْهلوا، ﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. يقولُ: لَرجعوا إلى مثلِ العملِ الذي كانوا\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ذكر\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"هؤلاء\". وأثبتها الشيخ شاكر: \"بهؤلاء\". استظهارًا من السياق بعدها.\n(^٣) سقط مِن: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"9","page":211},{"text":"يَعْمَلونه في الدنيا قبلَ ذلك؛ مِن جُحودِ آياتِ اللهِ، والكفرِ به، والعملِ بما يُسْخِطُ عليهم ربَّهم، ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قيلِهم: لو رُدِدْنا لم نُكَذِّب بآياتِ ربِّنا وكنا مِن المؤمنين. لأنهم قالوه حينَ قالوه خشيةَ العذابِ لا إيمانا باللَّهِ.\nوبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2972>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: بدَتْ لهم أعمالُهم في الآخرةِ التي أخْفَوْها في الدنيا (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادة في قولِه: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: مِن أعمالِهم (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. يقولُ: ولو وصَل اللهُ لهم دنيا كدنياهم، لَعادوا إلى أعمالِهم؛ أعمال السوءِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-818\"></span><span data-type='title' id=toc-2973>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن الله تعالى ذكرُه عن هؤلاء المشركين العادِلين به الأوثانَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٩ (٧٢١٤، ٧٢١٥) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٧ وسقط منه: قال: أخبرنا معمر - وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٩ (٧٢١٣) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٩ (٧٢١٨، ٢١٩٧) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"9","page":212},{"text":"والأصنامَ، الذين ابْتَدَأ هذه السورةَ بالخبر عنهم.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾. يُخْبِرُ عنهم أنهم يُنْكِرون أن الله يُحْيِي خلقَه بعد أن يُمِيتَهم، ويقولون: لا حياةَ بعدَ المَماتِ، ولا بعثَ ولا نُشور بعدَ الفَناءِ. فهم بجُحودِهم ذلك، وإنكارِهم ثوابَ اللهِ وعقابَه في الدارِ الآخرةِ، لا يُبالون ما أتوا وما ركِبوا مِن إثمٍ ومعصيةٍ؛ لأنهم لا يَرْجُون ثوابًا على إيمانٍ باللهِ، وتصديقٍ برسولِه، وعملٍ صالحٍ بعدَ موتٍ، ولا يَخافُون عقابًا على كفرِهم باللهِ ورسولِه، وسَيِّئِ (^١) مِن عملٍ يَعْمَلونه.\nوكان ابن زيدٍ يقولُ: هذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن هؤلاء الكفَرةِ الذين وُقِفوا على النارِ، أنهم لو رُدُّوا إلى الدنيا لقالوا: ما هي إِلَّا حَياتُنا الدُّنيا وما نحنُ بمَبْعُوثِينَ.\nحدَّثنا يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾: وقالوا حينَ يُرَدُّون: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-819\"></span><span data-type='title' id=toc-2974>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لو تَرَى يا محمدُ هؤلاء القائلين: ما هي إلا حياتُنا الدنيا وما نحن بمبْعوثين. ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾ يومَ القيامةِ، أي: حُبسوا ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾ يعني: على حكمِ اللهِ وقضائِه فيهم، ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: فقيل لهم:\n_________\n(^١) في م س ت ١، ت ٢: \"شيء\". وغير منقوطة في ص، ت ٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٧٩ (٧٢٢٠) من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد به.","vol":"9","page":213},{"text":"أليس هذا البعثُ والنَّشْرُ بعدَ المَماتِ الذي كنتم تُنْكِرونه في الدنيا حقًّا؟ فأجابوا فقالوا: ﴿بَلَى﴾ واللهِ إنه لحقٌّ. ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. يقولُ: فقال اللهُ تعالى ذكرُه لهم: فذُوقوا العذابَ الذي كنتُم به في الدنيا تُكَذِّبون، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: بتكذيبِكم به وجحودِكموه الذي كان منكم في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-820\"></span><span data-type='title' id=toc-2975>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾: قد هلَك ووُكس في بيعِهم الإيمانَ بالكفرِ، ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾. يعنى: الذين أنْكَروا البعثَ بعدَ المماتِ، والثوابَ والعقابَ، والجنةَ والنارَ، مِن مُشْرِكي قريشٍ ومَن سَلَك سبيلَهم في ذلك، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾. يقولُ: حتى إذا جاءَتْهم الساعةُ التي يَبْعَثُ الله فيها الموتى مِن قبورهم.\nوإنما أُدْخِلَت الألفُ واللامُ في ﴿السَّاعَةُ﴾؛ لأنها معروفةُ المعنى عندَ المُخاطَبين بها، وأنها مقصودٌ بها قصدُ الساعةِ التي وَصَفْت.\nويعنى بقولِه: ﴿بَغْتَةً﴾: فجأةً مِن غيرِ علمِ مَن تَفْجَؤُه بوقتِ مُفاجأتِها إياه. يقالُ منه: بغَتُّه أَبْغَتُه بَغْتَةً. إذا أخَذْتَه كذلك.\n﴿قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وُكِس الذين كذَّبوا بلقاءِ اللهِ، ببيعِهم منازلَهم مِن الجنةِ بمنازلِ مِن اشتَرَوا منازلَه مِن أهلِ الجنةِ مِن النارِ، فإذا جاءَتْهم الساعةُ بَغْتَةً قالوا إذا عايَنوا ما باعوا وما اشْتَرَوْا، وتبَيَّنوا خَسارةَ صَفْقةِ بَيْعِهم التي سلَفَت منهم في الدنيا؛ تَنَدُّما وتلهُّفًا على عظيمِ الغَبْنِ الذي غَبَنُوه أنفسَهم، وجليلِ الخُسْرانِ الذي لا حُسْرانَ أجلُّ منه: ﴿يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾. يقولُ: يا نَدامتنا على ما ضيَّعنا فيها. يعني: في صفقتِهم تلك.","vol":"9","page":214},{"text":"والهاءُ والألفُ في قولِه: ﴿فِيهَا﴾. مِن ذكرِ الصَّفقةِ، ولكن اكْتُفِى بدَلالةِ قولِه: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾. عليها مِن ذكرِها؛ إذ كان معلومًا أن الخُسرانَ لا يكونُ إلا في صفقةِ بيعٍ قد خَسِرَت (^١).\nوإنما معنى الكلامِ: قد وُكِس الذين كذَّبوا بلقاءِ اللَّهِ، ببيعِهم الإيمانَ الذي يَسْتَوْجِبون به مِن اللهِ رِضوانه وجنتَه، بالكفرِ الذي يَسْتَوْجِبون به منه سَخَطَه وعقوبتَه، ولا يَشْعُرون ما عليهم مِن الخُسْرانِ في ذلك حتى تَقومَ الساعةُ، فإذا جاءَتهم الساعةُ بَغْتَةً، فرأَوْا ما لَحقِهم مِن الخُسْرانِ في بيِعهم، قالوا حينَئذٍ تندُّمًا: ﴿يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2976>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾: أما ﴿يَاحَسْرَتَنَا﴾: فنَدامتُنا، ﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ فضيَّعْنا مِن عملِ الجنةِ (^٢).\nحدَّثنا محمد بن عُمارة الأسَديُّ، قال: ثنا يزيدٌ بن مِهْرانَ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿يَاحَسْرَتَنَا﴾. قال: \" يَرَى أهلُ النارِ منازلَهم مِن الجنةِ فيَقُولون: يا حسْرتنا\" (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"جرت\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨١ (٧٢٢٦) من طريق أحمد بن المفضل به مقتصرًا على آخره.\n(^٣) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ٣/ ٣٨٩ من طريق داود بن مهران - بدلا من يزيد بن مهران - به. وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨٠ معلقا عن الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩ إلى الطبراني وأبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"9","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2977>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وهؤلاء الذين كذَّبوا بلقاءِ اللَّهِ يَحْمِلُون أوزارَهم على ظُهورِهم. وقوله: ﴿وَهُمْ﴾. مِن ذكرِهم، ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾. يقولُ: آثَامُهم وذنوبُهم. واحدُها وِزْرٌ، يقالُ منه: قد وَزَر الرجلُ يَزِرُ. إذا أَثِم، [قال اللهُ: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (^١). فإن أُرِيد أنهم أُثِّموا، قيل: قد وُزِر القوم، فهم يُوزَرُون، وهم مَوْزُورون.\nوقد زعَم بعضُهم أن الوِزْرَ الثِّقلُ والحِمْلُ. ولستُ أَعْرِفُ ذلك كذلك في شاهدٍ، ولا مِن رواية ثقة عن العربِ.\nوقال تعالى ذكرُه: ﴿عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾. لأن الحِمْلَ قد يكونُ على الرأسِ والمَنْكبِ وغيرِ ذلك، فبيَّن موضعَ حَمْلِهم ما يَحْمِلون مِن ذلك، وذكر أن حَمْلَهم أوزارَهم يومَئذٍ على ظهورِهم، نحوَ الذي حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ بن سَلْمَانَ (^٢)، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلَائيُّ، قال: إن المؤمنَ إذا خرجَ مِن قبرِه اسْتقبله (^٣) أحسنُ صورةٍ، وأطيبُه ريحًا، فيقولُ له: هل تَعْرِفُني؟ فيقولُ: لا، إلا أن الله قدَ طيَّب ريحَك، وحسَّن صورتَك. فيقولُ: كذلك كنتَ في الدنيا، أنا عملُك الصالحُ، طالما ركِبْتُك في الدنيا، فارْكَبْني أنت اليومَ. وتلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]. وإن الكافرَ يَسْتَقْبِلُه أقبح شيءٍ صورةً، وأنْتَنُه ريحًا، فيقولُ: هل تَعْرِفُنى؟ فيقولُ: لا، إلا أن الله قد قَبَّح صورتَك، وأَنْتَنَ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"سليمان\". وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٨٩.\n(^٣) بعده في م، والدر المنثور ٣/ ٩: \"عمله في\"، وفى حاشية س: \"لعله: عمله في \"والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق لما سيأتي في ١٥/ ٦٣٠، وفي المطبوعة هناك كما في النسخ هنا.","vol":"9","page":216},{"text":"ريحَك. فيقولُ: كذلك كنتَ في الدنيا، أنا عملُك السيئُ، طالما ركِبْتَني في الدنيا، فأنا اليومَ أَرْكَبُك. وتلا: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾: فإنه (^٢) ليس مِن رجلٍ ظالمٍ يَموتُ فيَدْخُلُ قبرَه، إلا جاءه رجلٌ قبيحُ الوجهِ، أسودُ اللون، مُنْتِنُ الريح، عليه ثيابٌ دَيْسةٌ، حتى يَدْخُلَ معه قبرَه، فإذا رآه قال له: ما أَقْبَحَ وجهَك! قال: كذلك كان عملُك قبيحًا. قال: ما أَنْتَنَ ريحَك! قال: كذلك كان عملُك مُنْتِنًا. قال: ما أَدْنَسَ ثيابَك! قال: فيقولُ: إن عملَك كان دَنِسًا. قال: مَن أنت؟ قال: أنا عملُك. قال: فيكونُ مغه في قبرِه، فإذا بُعِث يومَ القيامةِ قال له: إنى كنتُ أَحْمِلُك في الدنيا باللذَّاتِ والشَّهَواتِ، فأنت اليومَ تَحْمِلُنى. قال: فيَرْكَبُ على ظهرِه، فيَسوقُه حتى يُدْخِلَه النارَ، فذلك قولُه: ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ (^٣).\nوأما قوله تعالى: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾. فإنه يعنى: ألا ساء الوِزْرُ الذي يَزِرون. أي: الإثم الذي يَأْثَمونه (^٤) بربِّهم.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾. قال: ساء ما يَعْمَلُونَ (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم، وأخرج آخره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨١ (٧٢٢٨) من طريق أبي خالد عن عمرو بن قيس عن أبي مرزوق به.\n(^٢) في م: \"قال\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨١ (٧٢٢٩) من طريق أحمد بن المفضل.\n(^٤) بعده في م: \"كفرهم\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٧ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨١ (٧٢٣٠) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"9","page":217},{"text":"<span id=\"aya-821\"></span><span data-type='title' id=toc-2978>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (^١) (٣٢)﴾.</span>\nوهذا تكذيبٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه هؤلاء الكفارَ المُنْكِرِين البعثَ بعدَ المماتِ في قولِهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُكَذِّبًا لهم في قيلِهم ذلك: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أَيُّها الناسُ، ﴿إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾. يقولُ: ما باغى لذّاتِ الحياةِ التي أدْنَيْتُ لكم، وقرَّبْتُ منكم في داركِم هذه، ونعيمَها وسرورَها فيها، والمُلتذُّ (^٢) بها، والمنافِسُ عليها - إلا في لعبٍ ولهوٍ؛ لأنها عما قليلٍ تَزُولُ عن المُسْتَمْتِع بها، والمُلْتَذِّ فيها بمَلاذِّها، أو تَأْتِيه الأيامُ بفَجائعِها وصُروفِها، فتُمِرُّ (^٣) عليه وتَكْدُرُ (^٤)، كاللاعبِ اللاهى الذي يُسْرِعُ اضمِحْلالُ لهوِه ولعبِه عنه، ثم يُعْقِبه منه ندمًا، ويُورثه منه تَرَحًا (^٥). يقولُ: لا تَغْتَرُّوا أَيُّها الناسُ بها، فإن المُغْترَّ بها عما قليلٍ يَنْدَمُ.\n﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. يقولُ: ولَلعملُ بطاعتِه، والاستعدادُ للدارِ الآخرةِ بالصالحِ مِن الأعمالِ التي تَبْقَى منافعُها لأهلِها، ويَدُومُ سرورُ أهلِها فيها، خيرٌ مِن الدارِ التي تَفْنَى وشيكًا (^٦)، فلا يَبْقَى لعُمَّالها فيها سُرورٌ، ولا يَدومُ لهم فيها نَعيمٌ. ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. يقولُ: للذين يَخْشَوْنَ اللَّهَ، فيَتَّقُونه بطاعتِه، واجتنابِ مَعاصيه، والمسارعةِ إلى رضاه، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: أَفَلا يَعْقِلُ هؤلاء المكذِّبون بالبعثِ حقيقةَ ما نُخْبِرُهم به مِن أن الحياةَ الدنيا لعبٌ ولهوٌ، وهم\n_________\n(^١) في س: \"يعقلون\". وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي وحمزة، وعاصم في رواية أبي بكر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٥٦.\n(^٢) في م: \"المتلذذ\".\n(^٣) تمر: تصير مرة بعد حلاوتها.\n(^٤) في م: \"تكر\".\n(^٥) الترح: الحزن.\n(^٦) سقط من: م.","vol":"9","page":218},{"text":"يَرَوْن مَن يُخْتَرَمُ منهم، ومَن يَهْلِكُ فيموتُ، ومَن تَنوبُه فيها النَّوائبُ، وتُصِيبُه المصائبُ، وتَفْجَعُه الفَجائعُ، ففى ذلك لمن عقَل مُدَّكَرٌ ومُزْدَجَرٌ عن الرُّكونِ إليها، واستعبادِ النفسِ لها، ودليلٌ واضحٌ على أن لها مُدَبِّرًا ومُصَرِّفًا يَلْزَمُ الخَلْقَ إخلاصُ العبادةِ له بغيرِ إشراكِ شيءٍ سِواه معه.\n\n<span id=\"aya-822\"></span><span data-type='title' id=toc-2979>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وقد تعلم يا محمدُ إنه لَيَحْزُنُك الذي يَقولُ المشركون، وذلك قولُهم: له: إنه كذابٌ. ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾.\nواختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ [فقرأه بعضُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: (فإنهم لا يُكْذِبُونَك). بالتخفيفِ] (^١)، بمعنى: إنهم لا يُكذبونك فيما أتَيْتَهم به مِن وحيِ اللهِ، ولا يَدْفَعون أن يكونَ ذلك صحيحًا، بل يَعْلمُون صحتَه، ولكنهم يَجْحَدون حقيقتَه قولًا، فلا يُؤمنون به.\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ (^٢) يَحْكى عن العربِ أنهم يقولون: أكْذَبْتُ الرجلَ. إذا أخْبَرْتَ أنه جاء بالكذبِ وَرَواه. قال: ويقولون: كذَّبْتُه. إذا أخْبَرْتَ أنه كاذبٌ.\nوقرأَتُه جماعةٌ مِن قرأةِ المدينةِ والعراقَيْنِ (^٣)؛ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ (^٤). بمعنى: إنهم لا يُكَذِّبونك علمًا، بل يَعْلَمون أنك صادقٌ،\n_________\n(^١) سقط مِن النسخ، ولابد مِن هذه الزيادة، وهذه قراءة نافع المدنى والكسائي وهو من قرأة الكوفة. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٥٧.\n(^٢) هذه مقالة الكسائي، ينظر تهذيب اللغة ١٠/ ١٦٨، والبحر المحيط ٤/ ١١٠.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ س: \"العراقيين\"، وفى م: \"العراقيين و\". والمثبت هو الصواب.\n(^٤) وهى قراءة باقى السبعة. ينظر التيسير ص ٨٤.","vol":"9","page":219},{"text":"ولكنهم يُكَذِّبونك قولًا، عِنادًا وحَسَدًا.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يُقالَ: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما جماعةٌ مِن القرأةِ، ولكلِّ واحدةٍ منهما في الصحةِ مَخْرَجٌ مفهومٌ؛ وذلك أن المشركين لا شكَّ أنه كان منهم قومٌ يُكَذِّبون رسولَ اللهِ ﷺ ويَدْفَعونه عما كان اللهُ تعالى خصَّه به مِن النبوةِ، فكان بعضُهم يقولُ: هو شاعرٌ. وبعضُهم يقولُ: هو كاهنٌ. وبعضُهم يقولُ: هو مجنونٌ. ويَنْفِى جميعُهم أن يَكونَ الذي أتاهم به مِن وحيِ السماءِ، ومن تنزيل ربِّ العالمين قولًا. وكان بعضُهم قد تبيَّن أمره، وعلِم صحةَ نبوتِه، وهو في ذلك يُعانِدُ ويَجْحَدُ نبوته حسدًا له وبَغْيًا.\nفالقارئ: (فإنهم لا يُكْذِبونك). بمعنى. (^١) أن الذين كانوا يَعْرِفون حقيقةَ نبوتِك، وصدْقَ قولِك فيما تقولُ، يَجْحَدون أن يَكونَ ما تتلوه عليهم مِن تنزيلِ اللهِ، ومِن عندِ اللهِ، قولًا، وهم يَعْلَمون أن ذلك مِن عندِ اللهِ علمًا صحيحًا - مُصِيبٌ؛ لما ذكَرْنا مِن أنه قد كان فيهم مِن هذه صفتُه.\nوفى قولِ اللهِ تعالى في هذه السورةِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾. أوضحُ الدليلِ على أنه قد كان فيهم المعاندُ (^٢) في جُحودِ نبوتِه ﷺ، مع علمٍ منه (^٣) به وصحة نبوتِه.\nوكذلك القارئ: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾. بمعنى (^٤) أنهم لا يُكَذِّبون رسولَ اللهِ ﷺ إلا عنادًا لا جهلًا بنبوته وصدقِ لَهْجتِه - مُصِيبٌ؛ لما ذكَرْنا مِن أنه\n_________\n(^١) في ص، س، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"معني\"، وفى م: \"يعنى به\". والمثبت كما سيأتي في تأويل القراءة بعدها.\n(^٢) في م: \"العناد\".\n(^٣) في م: \"منهم\".\n(^٤) في م: \"يعنى\".","vol":"9","page":220},{"text":"قد كان فيهم مَن هذه صفتُه.\nوقد ذهب إلى كلِّ واحدٍ مِن هذين التأويلين جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2980>ذكرُ مَن قال: معنى ذلك: فإنهم لا يُكْذِبونك، ولكنهم يَجْحَدون الحقَّ على علمٍ منهم بأنك نبيٌّ للهِ صادقٌ.</span>\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ، في قولِه: (قد نَعْلَمُ إنه لَيَحْزُنُك الذي يقولون فإنهم لا يُكْذِبونك). قال: جاء جبريلُ إلى النبيِّ ﷺ ذات يوم وهو جالسٌ حزينٌ، فقال له: ما يَحْزُنُك؟ فقال: \"كذَّبَنى هؤلاء\". قال: فقال له جبريلُ: إنهم لا يُكْذِبونك، هم يَعْلَمون أنك صادقٌ، ولكن الظالمين بآياتِ اللهِ يجْحَدون.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ، قال: جاء جبريلُ إلى النبيِّ ﷺ وهو جالسٌ حَزينٌ، فقال له: ما يَحْزُنُك؟ فقال: \"كذَّبَنى هؤلاء\". فقال له جبريلُ: إنهم لا يُكْذِبونك، إنهم لَيَعْلَمون أنك صادقٌ، ولكن الظالمين بآياتِ اللَّهِ يَجْحَدون (^١)\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ قال: يَعْلَمون أنك رسولُ اللهِ ويَجْحَدون (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠ إلى المصنف\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٧. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨٣ (٧٢٤١) عن الحسن بن يحيى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠ إلى ابن المنذر.","vol":"9","page":221},{"text":"السديِّ في قولِه: (قد نَعْلَمُ إنه لَيَحْزُنُك الذي يَقُولون فإنهم لا يُكْذِبونك ولكن الظالمين بآياتِ اللَّهِ يَجْحَدون): لمَّا كان يومُ بدرٍ قال الأَخْنَسُ بنُ شَرِيقٍ لبنى زُهْرةَ: يا بني زُهْرةَ، إن محمدًا ابن أختِكم، فأنتم أحقُّ مِن كَفَّ عنه، فإنه إن كان نبيًّا لم تُقاتِلوه (^١) اليوم وإن كان كاذبًا كنتم أحقُّ مَن كَفَّ عن ابن أخيِه (^٢)، قفوا ههنا حتى أَلْقَى أبا الحكمِ، فإن غُلِب محمدٌ رجَعْتُم سالمين، وإن غلَب محمدٌ، فإن قومَكم لا يَصْنَعون بكم شيئًا. فيومَئذٍ سُمِّى الأَخْنَسَ، وكان اسمَه أبيٌّ، فالْتَقَى الأخنسُ وأبو جهلٍ، فخلا الأخنسُ بأبي جهلٍ، فقال: يا أبا الحكمِ، أخْبِرْني عن محمدٍ، أصادقٌ هو أم كاذبٌ؟ فإنه ليس ههنا مِن قريشٍ أحدٌ غيرى وغيرُك يَسْمَعُ كلامَنا. فقال أبو جهلٍ: وَيْحَك، واللهِ إن محمدًا لَصادقٌ، وما كذَب محمدٌ قطُّ، ولكن إذا ذهَب بنو قُصَيٍّ باللواءِ والحِجابِة والسِّقايةِ والنبوةِ، فماذا يَكونُ لسائرِ قريشٍ؟ فذلك قولُه (فإنهم لا يُكذبوك ولكن الظالمين بآياتِ اللهِ يَجْحَدون). فَآيَاتُ الله محمدٌ ﷺ (^٣).\nحدَّثني الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسٌ، عن سالمٍ الأفْطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: (فإنَّهم لا يُكْذِبونك). قال: ليس يُكْذِبون محمدًا، ولكنهم بآياتِ اللَّهِ يَجْحَدون.\n\n<span data-type='title' id=toc-2981>ذكرُ مَن قال: ذلك بمعنى: فإنهم لا يُكَذِّبونك ولكنهم يُكَذِّبون ما جئتَ به.</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن ناجيةَ، قال: قال أبو جهلٍ للنبيِّ ﷺ: ما نَتَّهِمُك،\n_________\n(^١) في م: \"تقاتلونه\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أخيه\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢٤٦، ٢٤٧ عن المصنف. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨٣ (٢٨٤٠) من طريق أحمد بن المفضل به مقتصرا على آخره دون ذكر القصة.","vol":"9","page":222},{"text":"ولكن نَتَّهِمُ الذي جئتَ به. فأَنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن ناجيةَ بن كعبٍ، أن أبا جهلٍ قال للنبيِّ ﷺ: إنا لا نُكَذِّبُك، ولكن نُكَذِّبُ الذي جئتَ به. فأنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.\nوقال آخرون: معنى ذلك: فإنهم لا يُبْطِلون ما جئتَهم به.\n\n<span data-type='title' id=toc-2982>ذكرُ مِن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾. قال: لا يُبْطِلون ما في يديك (^٢).\nوأما قولُه: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. فإنه يقولُ: ولكنَّ المشركين باللهِ، بحُجَج الله وآيِ كتابِه ورسولِه يَجْحَدون، فيُنكرون صحةَ ذلك كلِّه.\nوكان السديُّ يقولُ: الآياتُ في هذا الموضعِ معنيٌّ بها محمدٌ ﷺ. وقد ذكَرْنا الروايةَ بذلك عنه قبلُ.\n\n<span id=\"aya-823\"></span><span data-type='title' id=toc-2983>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨٢ (٧٢٣٥) من طريق عبد الرحمن بن مهدي به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨٢ (٧٢٣٧) من طريق أبي يحيى الرازي إسحاق بن سليمان به.\nوأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٧٦ - تفسير) من طريق أبي معشر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"9","page":223},{"text":"الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾.\nوهذا تسليةٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ، وتعزيةٌ له عما ناله مِن المَساءَةِ بتكذيبِ قومِه إياه على ما جاءهم به مِن الحقِّ مِن عندِ اللَّهِ.\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن يُكَذِّبُك يا محمدُ هؤلاء المشركون مِن قومِك، فيجحدوا نبوتَك، ويُنْكِروا آياتِ اللهِ أنها مِن عنده، فلا يَحْزُنك ذلك، واصْبِرْ على تكذيبِهم إياك، وما تَلْقَى منهم مِن المكروهِ في ذاتِ اللهِ، حتى يَأْتىَ (^١) نصرُ اللهِ، فقد كُذِّبَت رسلٌ مِن قبلِك، أرْسَلْتُهم إلى أممِهم، فنالُوهم بمكروهٍ، فصبَروا على تكذيبِ قومِهم إياهم، ولم يُنْنِهم ذلك مِن المُضِيِّ لأمرَ اللهِ الذي أمَرَهم به مِن دعاءِ قومِهم إليه، حتى حكَم اللهُ بينَهم وبينَهم، ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾. يقولُ: (^٢) ولا مُغَيِّرَ لكلماتِ اللهِ. وكلماتُه تعالى ما أَنْزَل الله إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ مِن وعدِه إياه النصرَ على مِن خالَفَه وضادَّه، والظُّفَرَ على مِن تولَّى عنه وأدْبَر.\n﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾. يقولُ: ولقد جاءك يا محمدُ مِن خبرِ مِن كان قبلَك مِن الرسلِ، وخبرِ أممِهم، وما صنَعْتُ بهم حينَ جحَدوا آياتي، وتَمادَوْا في غَيِّهم وضلالِهم أنباءٌ. وترَك ذكرَ \"أنباءٍ\" لدلالة \"مِن\" عليها. يقولُ تعالى ذكرُه: فانْتَظِرْ أنت أيضًا مِن النُّصْرِةِ والظَّفَرِ مثل الذي كان مني في مَن كان قبلَك مِن الرسلِ، إذ كذَّبهم قومُهم (^٣)، واقْتَدِ بهم في صبرِهم على ما لَقُوا مِن قومِهم.\nوبنحوِ ذلك تأول مِن تأوَّل هذه الآية مِن أهلِ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أتاهم\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"قومك\".","vol":"9","page":224},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2984>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾: يُعَزِّى نبيَّه ﷺ كما تَسْمَعون، ويُخْبِرُه أن الرسلَ قد كُذِّبَت قبله، فصبَروا على ما كُذِّبوا حتى حكَم اللهُ، وهو خيرُ الحاكِمِين (^١).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال: يُعَزِّي نبيِّه ﷺ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ (^٣) ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية. قال: يُعزِّى نبيِّه ﷺ (^٤).\n\n<span id=\"aya-824\"></span><span data-type='title' id=toc-2985>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإن كان عَظُم عليك يا محمدُ إعراضُ هؤلاء المشركين عنك، وانصرافُهم عن تصديقِك فيما جئتَهم به مِن الحقِّ الذي بعَثْتُك به،، فشَقَّ ذلك عليك، ولم تَصْبِرْ لمكروهِ ما يَنالُك منهم، ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: فإن استَطَعْتَ أن تَتَّخِذَ سَرَبًا في الأرضِ - مثلّ نافِقاءِ اليَرْبُوعِ، وهى أحدُ جِحَرتِه - فتَذْهَبَ فيه، ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾. يقولُ: أو مِصْعَدًا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨٣، ١٢٨٤ (٧٢٤٣،٧٢٤٤) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠ إلى المصنف.\n(^٣) في م: \"جرير\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"9","page":225},{"text":"تَصْعَدُ فيه، كالدَّرَج وما أشبهَها، كما قال الشاعرُ (^١):\nلا يُحْرِزُ المرء أحجاءُ (^٢) البلادِ ولا … يُبْنى له في السماواتِ السَّلالِيمُ\n﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ منها، يعنى: بعلامةٍ وبرهانٍ على صحةِ قولِك، غيرِ الذي أتيْتُك، فافْعَلْ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ\n\n<span data-type='title' id=toc-2986>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾: والنَّفَقُ السَّرَبُ، فتَذْهَبَ فيه فتأتيَهم بآيةٍ، أو [تَجْعَل لهم] (^٣) سُلَّمًا في السماء فتَصْعَدَ عليه، فتَأْتِيهم بآيةٍ أفضلَ مما أتَيْناهم به، فافْعَل (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾. قال: سَرَبًا، ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾. قال: يعنى الدَّرَجَ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) هو تميم بن أبي بن مقبل، والبيت في ديوانه ص ٢٧٣.\n(^٢) أحجاء البلاد: نواحيها وأطرافها. اللسان (ح ج و) والبيت فيه.\n(^٣) في م: \"تجعل لك\"، وفى ت ١: \"يجعل الله لهم\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"يجعل لهم\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨٤ (٧٢٤٨، ٧٢٤٩) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠ إلى ابن المنذر.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٧. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨٤ (٧٢٤٦، ٧٢٤٧) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"9","page":226},{"text":"السديِّ: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾: أما النَّفقُ فالسَّرَبُ، وأما السُّلَّمُ فالمصْعَدُ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾. قال: سَرَبًا (^٢).\nوتُرِك جوابُ الجزاءِ فلم يُذْكَرُ؛ لدَلالةِ الكلامِ عليه، ومعرفةِ السامِعِين بمعناه، وقد تَفْعَلُ العربُ ذلك فيما كان يُفهمُ (^٣) معناه عندَ المخاطَبين به، فيَقولُ الرجلُ منهم للرجلِ: إنِ اسْتَطَعتَ أن تَنْهَضَ معنا في حاجتِنا، إن قدَرْتَ على مَعُونتِنا. ويَحْذِفُ الجوابَ، وهو يُريدُ: إن قدَرْتَ على مَعونتِنا فافْعَلْ. فأما إذا لم يَعْرِفِ المُخاطَب والسامعُ معنى الكلامِ إلا بإظهارِ الجوابِ لم يَحْذِفوه، لا يُقالُ: إن تَقُمْ. فَتَسْكُتُ وتَحْذِفُ الجوابَ؛ لأن المَقُولَ ذلك له لا يَعْرِفُ جوابَه إلا بإظهارِه، حتى يُقالَ: إن تَقُمْ تُصِبْ خيرًا. أو: إن تَقُمْ فحسنٌ. وما أشْبَهَ ذلك. ونظيرُ ما في الآيةِ مما حُذِف جَوابُه وهو مُرادٌ؛ لفهم المُخاطَب لمعنى الكلامِ، قول الشاعرِ (^٤):\nفَبِحَظٍّ مما نَعِيش ولا تَذْ … هَبْ بِكِ التُّرَّهاتُ في الأهوالِ\n[والمعنى: فبحظٍّ مما نَعِيشُ فَعِيشى] (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-2987>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨٤ عقب الأثر (٧٢٤٦، ٧٢٤٨) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨٤ (٧٢٤٥) من طريق ابن جريج.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"معهم ما\".\n(^٤) هو عبيد بن الأبرص، وتقدم البيت في ٣/ ٢١.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"9","page":227},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين يُكَذِّبونك مِن هؤلاء الكفار يا محمدُ، فيَحْزُنُك تكذيبُهم إياك، لو أشاءُ أن أَجْمَعَهم على استقامةٍ مِن الدِّينِ، وصوابٍ مِن مَحَجَّةِ الإسلامِ، حتى تكونَ كلمةُ جَمْعِكم (^١) واحدةً، وملتُكم وملتهم واحدةً، لجَمعْتُهم على ذلك، ولم يكنْ بعيدًا (^٢) عليَّ؛ لأنى القادرُ على ذلك بلُطْفى، ولكنى لم أفَعَلْ ذلك لسابقِ علمي في خَلْقِي، ونافذِ قَضائى فيهم، مِن قبلِ أن أَخْلُقَهم، وأُصَوِّرَ أجسامَهم، ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾ يا محمدُ ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. يقولُ: فلا تَكُونَنَّ مُمَّن لا يَعْلَمُ أن الله لو شاء لَجَمع على الهُدىَ جميعَ خلقِه بلُطْفِه، وأن مَن يَكْفُرُ به مِن خَلْقِه، إنما يَكْفُرُ به لسابقِ علمِ اللهِ فيه، ونافذِ قَضائِه بأنه كائنٌ مِن الكافرين به اختيارًا لا اضطرارًا، فإنك إذا علِمْتَ صحةَ ذلك لم يَكْبُرْ عليك إعراضُ مَن أَعْرَضَ مِن المشركين عما تَدْعُوه إليه مِن الحقِّ، وتكذيبُ مَن كذَّبك منهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2988>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباس: يقولُ اللهُ سبحانَه: لو شئتُ جَمَعْتُهم على الهُدَى أجمعين (^٣).\nوفي هذا الخبر مِن اللهِ تعالى الدلالةُ الواضحةُ على خطأَ ما قال أهلُ التَّفويضِ مِن القَدَريةِ، المنكرون أن يَكونَ عندَ اللهِ لطائف لمن شاء توفيقَه مِن خلقِه، يَلْطُفُ\n_________\n(^١) في م: \"جميعكم\".\n(^٢) سقط مِن: ص ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) من تمام الأثر المتقدم في ص ٢٢٦، وهذا اللفظ ليس عند ابن أبي حاتم في الموضعين، ولكن أخرجه في ٤/ ١٢٨٤ (٧٢٥٠) من طريق أبي صالح به بلفظ آخر.","vol":"9","page":228},{"text":"بها له، حتى يَهْتَدِى للحقِّ فيَنْقادَ له، ويُنيب إلى الرَّشادِ، فَيُذْعِنَ به، ويُؤْثِرَه على الضلالِ والكفرِ باللهِ. وذلك أنه تعالى ذكرُه أخْبَر أنه لو شاء هدايةَ جميعِ مِن كفَر به حتى يَجْتَمِعوا على الهُدَى، فعل، ولا شكَّ أنه لو فعَل ذلك كانوا مُهْتَدِين لا ضُلَّالًا، وهم لو كانوا مُهْتَدِين كان لا شكَّ أن كونَهم مهتدِين كان خيرًا لهم. وفي تركِه تعالى ذكرُه أن يَجْمَعَهم على الهدَى، تركٌ منه أن يَفْعَلَ بهم في دينهم بعضَ ما هو خيرٌ لهم فيه، مما هو قادرٌ على فعلِه بهم، وقد تَرك فعلَه بهم. وفى تركِه فعلَ ذلك بهم أوضحُ الدليل أنه لم يُعْطِهم كلَّ الأسبابِ التي بها يَصِلون إلى الهدايِة، ويَتَسَبَّبون بها إلى الإيمانِ.\n\n<span id=\"aya-825\"></span><span data-type='title' id=toc-2989>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: لا يَكْثرَنَّ عليك إعراضُ هؤلاء المعْرِضِين عنك، وعن الاستجابةِ لدعائِك، إذا دعَوتَهم إلى توحيدِ ربِّهم، والإقرارِ بنبوتِك، فإنه لا يَسْتَجِيبُ لدعائِك إلى ما تَدْعُوه إليه مِن ذلك، إلا الذين فتَح اللهُ أسماعَهم للإصغاءِ إلى الحقِّ، وسهَّل لهم اتباعَ الرُّشْدِ، دونَ مَن ختَم اللَّهُ على سمعِه، فلا يَفْقَهُ مِن دعائِك إياه إلى اللهِ، وإلى اتباعِ الحقِّ، إلا ما تَفْقَهُ الأنعامُ مِن أصواتِ رُعاتِها، فهم كما وصَفَهم الله به تعالى ذكرُه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١].\n﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ يقولُ: والكفارُ يَبْعَثُهم اللهُ مع الموتى. فجعَلَهم تعالى ذكرُه في عِدادِ الموتى الذين لا يَسْمَعون صوتًا، ولا يَعْقِلُون دعاءً، ولا يَفْقَهُون قولًا، إذ كانوا لا يَتَدبَّرون حُجَجَ الله، ولا يَعْتَبِرون آياتِه، ولا يُتَذَكَّرون فيَنْزَجِروا عما هم عليه مِن تكذيبِ رسلِ اللَّهِ وخلافِهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.","vol":"9","page":229},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2990>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ المؤمنون للذكرِ، ﴿وَالْمَوْتَى﴾: الكفارُ، حينَ يَبْعَثُهم اللهُ مع الموتى (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾. قال: هذا مَثَلُ المؤمنِ، سمِع كتابَ اللهِ، فانْتَفَع به، وأخَذَ به وعقَله. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾: وهذا مَثَلُ الكافِرِ، أَصَمٌّ أبْكَمُ، لا يُبْصِرُ هُدًى (^٢)، ولا يَنْتَفِعُ به (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن سفيانَ الثوريِّ، عن محمدِ بن جُحَادة، عن الحسنِ: ﴿نَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾: المؤمنون: ﴿وَالْمَوْتَى﴾. قال: الكفارُ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمدِ بن جحادةَ، قال: سمِعْتُ الحسنَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾. قال: الكفارُ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٢١ ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨٥ (٧٢٥٢، ٧٢٥٥).\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠ إلى عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في ت ١: \"شيئا\".\n(^٣) ٤/ ١٢٨٥ خرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨٥، ١٢٨٦ (٧٢٥٣، ٧٢٦٣) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨٥ (٧٢٥١، ٧٢٥٤) من طريق أبي أسامة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"9","page":230},{"text":"وأما قوله ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. فإنه يقولُ تعالى ذكره: ثم إلى الله يُرجعون؛ المؤمنون الذين استجابوا لله والرسولِ، والكفارُ الذين يَحُولُ الله بينَهم وبينَ قُلُوبِهِم (^١) أن يَفْقَهوا عنك شيئًا، فيُثيبُ هذا المؤمن على ما سلف من صالحِ عملِه في الدنيا، بما وعَد أهلَ الإيمان به مِن الثوابِ، ويُعاقِبُ هذا الكافرَ بما أوْعَد أهلَ الكفر به مِن العقاب، لا يَظْلِمُ أحدًا (^٢) منهم مثقال ذرةٍ.\n\n<span id=\"aya-826\"></span><span data-type='title' id=toc-2991>القول في تأويل قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: وقال هؤلاء العادلون بربِّهم، المعرضون عن آياته: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾. يقولُ: قالوا: هلَّا نُزِّل على محمدٍ آيةٌ من ربِّه. كما قال الشاعر (^٣):\nتَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيب أفضلَ مَجْدِكم … بني ضَوْطَرَى لولا الكَمِيَّ المُقَنَّعا\nبمعنى: هلَّا الكَمِيَّ.\nوالآية العلامةُ، وذلك أنهم قالُوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [الفرقان: ٧، ٨]. قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُل﴾ يا محمدُ لقائلي هذه المقالةِ لك: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾. يعنى: حُجَّةً على ما يُريدون ويَسْأَلُون، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكن أكثر (^٤) الذين يقُولون ذلك، فيَسْأَلونك آيةٌ، لا يَعْلَمون ما\n_________\n(^١) سقط من: م، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قولهم\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أحد\".\n(^٣) هو جرير، وتقدم في ٢/ ٤٧٦.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أكثرهم\".","vol":"9","page":231},{"text":"عليهم في الآية إن نَزَّلها من البلاء، ولا يَدْرُون ما وجه ترك الله (^١) إنزال ذلك عليك، ولو علموا السببَ الذي من أجله لم أُنَزِّلْها عليك، لم يَقُولوا ذلك ولم يَسْأَلُوكه، ولكنَّ أكثرهم لا يَعْلَمون ذلك.\n\n<span id=\"aya-827\"></span><span data-type='title' id=toc-2992>القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل لهؤلاء المعرِضِين عنك، المُكَذِّبِين بآياتِ اللهِ: أَيُّها القومُ، لا تَحْسَبَنَّ الله غافلًا عما تَعْمَلون، أو أنه غيرُ مُجازيكم على ما تَكْسِبون، وكيف يَغْفُلُ عن أعمالِكم، أو يَتْرُكُ مُجازاتَكم عليها، وهو غيرُ غافل عن عملِ شيءٍ دبَّ على الأرضِ صغيرٍ أو كبيرٍ، ولا عملِ طائرٍ طار بجَناحَيْه في الهواء، بل جعَل ذلك كلَّه أجْناسًا مُجَنَّسةً، وأصنافًا مُصَنَّفَةً، تَعْرِفُ كما تَعْرِفون، وتَتَصَرَّفُ فيما سُخِّرَت له كما تَتَصَرَّفون، ومحفوظٌ عليها ما عمِلَت مِن عمل لها وعليها، ومُثْبَتٌ كلُّ ذلك من أعمالِها في أُمِّ الكتاب [ثمَّ إِنَّه] (^٢) تعالى ذكره مميتُها ثُمَّ مُنْشِرُها ومُجَازِيها يومَ القيامةِ جزاء أعمالِها، يقولُ: فالربُّ الذي لم يُضيِّعْ حفظَ أعمال البهائم والدوابِّ في الأرضِ، والطيرِ في الهواءِ، حتى حفِظ عليها حركاتِها وأفعالَها، وأثبَت ذلك منها في أمِّ الكتاب، وحشَرها ثم جازاها على ما سلَف منها في دار البلاءِ (^٣)، أحْرَى ألَّا يُضَيِّعَ أعمالَكم، ولا يُفَرِّطَ في حِفْظِ أفعالِكم التي تَجْتَرِحُونها أيُّها الناسُ، حتى يَحْشُرَكم فيُجازيَكم على جميعِها إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا، إذ كان قد خصَّكم مِن نِعَمِه، وبسَط عليكم مِن فضلِه، ما لم يَعُمَّ به غيرَكم في الدنيا، وكنتم بشكره أحقُّ، وبمعرفةِ واجبِه عليكم أولى؛ لما أعطاكم مِن\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: ص ت ١، س.\n(^٣) في ت ١: \"الإسلام\".","vol":"9","page":232},{"text":"العقل الذي به بين الأشياء تُمَيِّزُون، والفهمِ الذي لم يُعْطِه البهائمَ والطيرَ، الذي به بيْنَ مَصالحِكم ومَضَارُكم تُفَرِّقون.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-2993>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾: أصنافٌ مُصَنَّفَةٌ تُعْرَفُ بأسمائها (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾. يقولُ: الطيرُ أمةٌ، والإنسُ أمةٌ، والجنُّ أمةٌ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قوله: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾. يقولُ: إِلا خَلقٌ أمْثالُكم (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ في قولِه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾. قال: الذَّرَّةُ فما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٨٥ (٧٢٥٦) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٨ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨٥ (٧٢٥٧) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠، ١١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ٢٨٦ (٧٢٥٨) من طريق أحمد بن مفضل به","vol":"9","page":233},{"text":"فوقَها مِن ألوانِ ما خلَق الله من الدوابِّ (^١).\nوأما قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. فإن معناه: ما ضيَّعْنا إثباتَ شيءٍ منه.\nكالذي حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾: ما تركنا شيئًا إلا قد كتبناه في أُمِّ الكتابِ (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: لم تغفل الكتاب (^٣)، ما من شيءٍ إلا وهو في الكتابِ (^٤).\nوحدَّثني به يونُسُ مرةً أُخرى، قال في قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: كلُّهم مكتوبٌ في أُمِّ الكتابِ.\nوأما قولُه: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾. فإن أهل التأويل اختلَفوا في معنى حشْرِهم الذي عناه الله تعالى ذكرُه في هذا الموضع؛ فقال بعضُهم: حشْرُها موتُها.\n\n<span data-type='title' id=toc-2994>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارة الأسَديُّ، قال: ثنا عبيد (^٥) اللهِ بنُ موسى، عن\n_________\n(^١) عزاء السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨٦ (٧٢٥٩) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١ إلى ابن المنذر.\n(^٣) سقط من: م ت ٢، ت ٣. والمعنى: لم نغفل كتابته.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨٦ (٧٢٦٠) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٥) في النسخ: \"عبد\".","vol":"9","page":234},{"text":"إسرائيلَ، عن سعيدِ بن (^١) مسروقٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾. قال ابن عباس: موتُ البَهائم حشْرُها (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾. قال: يعنى بالحشر الموتَ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرج، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بن سليمانَ (^٤)، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾: يعنى بالحشر الموت (^٥).\n\nوقال آخَرون: الحشرُ في هذا الموضع يُعْنَى به الجمعُ لبعثِ الساعةِ وقيامِ القيامةِ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-2995>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمر، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن جعفرِ بن بُرْقانَ، عن يزيدَ بن الأصَمِّ، عن أبي هريرةَ في قوله: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾. قال: يَحْشُرُ اللَّهُ الخَلْقَ كلَّهم يومَ القيامة؛ البهائمَ، والدوابَّ، والطيرَ، وكلَّ شيءٍ، فَيَبْلُغُ مِن عَدْلِ اللَّهِ يَومَئِذٍ أَن يَأْخُذَ\n_________\n(^١) في النسخ: \"عن\". وتقدم على الصواب في ٣/ ٦، ١٤٤، وسيأتي في ص ٤٩٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨٦ (٧٢٦١) من طريق سعيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١ إلى أبي الشيخ.\n(^٤) في م: \"سليم\".\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨٦ عقب الأثر (٧٢٦١) معلقًا.\n(^٦) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٢٤٩.","vol":"9","page":235},{"text":"للجَمَّاءِ مِن القَرْناءِ، ثم يقولُ: كونى تُرابًا. فلذلك يقول الكافرُ: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ (^١) [النبأ: ٤٠].\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرنا معمرٌ، عن الأعمشِ، ذكَره عن أبي ذَرٍّ، قال: بيْنا أنا عندَ رسول الله ﷺ إِذا انْتَطَحَت عَنْزان، فقال رسول الله ﷺ: \"أَتَدْرُون فيما انْتَطَحتا؟ \". قالوا: لا نَدْرِى. قال: \"ولَكِنَّ الله يَدْرِى، وسيَقْضِي بينهما\" (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمان (^٣)، قال: ثنا فطرُ (^٤) بنُ خَليفةَ، عن مُنْذِرٍ الثَّوريِّ، عن أبي ذرٍّ، قال: انْتَطَحَت شاتان عندَ النبيِّ ﷺ، فقال لي: \"يا أبا ذرٍّ، أَتَدْرِى فيمَ انْتَطَحَتا؟ \". قلتُ: لا. قال: \"لكنَّ اللَّهَ يَدْرِى، وسيَقْضِى بينهما\". قال أبو ذرٍّ: لقد ترَكَنا رسولُ الله ﷺ وما يُقَلِّبُ طائرٌ جَناحَيْه في السماءِ إلا ذكَّرَنا منه عِلْمًا (^٥).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندى أن يُقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخْبَرَ أن كلَّ دابةٍ وطائرٍ محشورٌ إليه، وجائزٌ أن يكونَ معنيًّا بذلك حشْرُ القيامة، وجائزٌ أن يكونَ معنيًّا به حشرُ الموتِ، وجائز أن يكونَ مَعْنيًّا به الحَشْران جميعًا، ولا دَلالة في ظاهرِ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٦، ومن طريقه الحاكم ٢/ ٣١٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨٦ (٧٢٦٢) من طريق جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١ إلى أبي عبيد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٦، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢٤٩ عن المصنف وعبد الرزاق، وفيه: عن الأعمش، عمن ذكره.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"سليم\".\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣: \"مطر\".\n(^٥) أخرجه الطيالسي (٤٨٢)، وأحمد ٥/ ١٦٢ من طريق أبي يعلى منذر الثوري عن أشياخ له عن أبي ذر به، وأما قول أبي ذر فأخرجه أحمد ٥/ ١٦٢ (الميمنية) من طريق فطر به.","vol":"9","page":236},{"text":"التنزيل ولا في خبر عن النبيِّ ﷺ أيُّ ذلك المرادُ بقولِه: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾. إذ كان الحشرُ في كلامِ العربِ الجمعَ، من ذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٩]. يعنى مجموعةً. فإذ كان الجمعُ هو الحشرَ، وكان الله تعالى ذكرُه جامعًا خلقَه إليه يومَ القيامةِ، وجامعَهم بالموتِ - كان أصوبُ القولِ في ذلك أن يُعَمَّ بمعنى الآية ما عمَّه الله بظاهرِها، وأن يقالَ: كلُّ دابةٍ وكلُّ طائرٍ محشورٌ إلى الله بعد الفَناءِ، وبعدَ بَعْثِ القيامة. إذ كان الله تعالى ذكره قد عمَّ بقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ ولم يَخْصُصْ به حشْرًا دونَ حشْرٍ.\nفإن قال قائلٌ: فما وجهُ قولِه: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾؟ وهل يَطيرُ الطائرُ إلا بجَناحيه؟ فما في الخبرِ عن طيرانِه بالجناحين من الفائدةِ؟\nقيل: قد قدَّمنا القول فيما مضَى أن الله تعالى ذكره أنْزَل هذا الكتابَ بلسانِ قومٍ، وبلُغاتِهم وما يَتَعارَفونه (^١) بينهم ويَسْتَعْمِلونه في مَنْطِقِهم خاطَبَهم، فإذ كان مِن كلامهم إذا أرادوا المبالغةَ في الكلامِ، أن يقولوا: كلَّمْتُ فلانا بفَمِي، ومشَيْتُ إليه برجلِي، وضرَبْتُه بيدِى. خاطَبَهم تعالى ذكرُه بنظيرِ ما يَتَعارفونه في كلامِهم، ويَسْتَعْمِلونه في خطابِهم، ومن ذلك قولُه تعالى ذكرُه: (إِنَّ هَذَا أَخى له تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أنثى (^٢».\n\n<span id=\"aya-828\"></span><span data-type='title' id=toc-2996>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: والذين كذَّبوا بحُجَج الله وأعلامه وأدلتِه صُمٌّ عن سماعِ\n_________\n(^١) في ص: \"يتعارفونهم\".\n(^٢) سقط من: م. وبدونها يسقط موضع الاستشهاد وهى قراءة ابن مسعود وهى قراءة شاذة، وسيذكرها المصنف في تفسير الآية ٢٣ من سورة ص.","vol":"9","page":237},{"text":"الحقِّ، بُكْمٌ عن القيل به ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾. يعني: في ظلمة الكفر حائرًا (^١) فيها، يقولُ: هو مُرْتَطِمٌ في ظلماتِ الكفرِ، لا يُبْصِرُ آيَاتِ اللَّهِ فَيَعْتَبِرَ بها ويَعْلَمَ أن الذي خلَقَه وأنْشَأَه، فدبَّره [أحكم تدبير] (^٢)، وقدَّره أحسن تقديرٍ، وأعطاه القوةَ، وصحَّح له آلةً جسمِهِ لم يَخْلُقُه عَبثًا، ولم يتركه سُدًى، ولم يُعْطِه ما أعطاه من الآلات إلا لاستعمالها في طاعتِه وما يُرْضِيه، دونَ معصيتِه وما يُسْخِطُه، فهو لحيرتِه في ظلماتِ الكفر، وترَدُّدِه في غَمَراتِها، غافلٌ عما الله قد أثْبَت له في أمِّ الكتابِ، وما هو به فاعلٌ يومَ يُحْشَرُ إليه مع سائر الأممِ. ثم أخْبَر تعالى ذكرُه أنه المُضِلُّ مَن يَشَاءُ إضلالَه مِن خلقِه عن الإيمانِ إلى الكفرِ، والهادى إلى الصراطِ المستقيم منهم مَن أحَبَّ هدايتَه، فمُوَفِّقُه بفضلِه وطَوْلِه للإيمانِ به، وترك الكفر به وبرسلِه، وما جاءت به أنبياؤُه، وأنه لا يَهْتَدِى مِن خلقه أحدٌ إلا من سبَق له في أمِّ الكتابِ السعادةُ، ولا يَضِلُّ منهم أحدٌ إلا مَن سبَق له فيها الشَّقاءُ، وأَنَّ بيده الخيرَ كلَّه، وإليه الفضل كلَّه، له الخلق والأمرُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال قتادةُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾: هذا مَثَلُ الكافِرِ أَصَمُّ أبْكَمُ، لا يُبْصِرُ هدًى، ولا يَنْتَفِعُ به، صمَّ عن الحقِّ، في الظلماتِ لا يَسْتَطِيعُ منها خروجًا (^٣)، مُتَسكِّعٌ (^٤) فيها (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"حائر\".\n(^٢) في م: \"وأحكم تدبيره\".\n(^٣) بعده في م: \"له\".\n(^٤) متسكع: متحير. القاموس المحيط (س ك ع).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٨٦، ١٢٨٧ (٧٢٦٣، ٧٢٦٤) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"9","page":238},{"text":"<span id=\"aya-829\"></span><span data-type='title' id=toc-2997>القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠)﴾</span>\nاختلف أهل العربية في معنى قوله: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرة: الكافُ التي بعدَ التاءِ مِن قولِه: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾. إنما جاءَت للمُخاطَبَةِ، وتُركَت التاءُ مفتوحةً، كما كانت للواحدِ. قال: وهى مِثلُ كافٍ: رُوَيْدَكَ زيدًا. إذا قلتَ: أَرْود زيدًا. هذه الكافُ ليس لها موضعٌ مُسَمًّى بحرفٍ؛ لا رفعٌ ولا نصبٌ، وإنما هي في المُخاطَبةِ مثلُ كافِ \"ذاك\"، ومثلُ ذلك قولُ العربِ: أبْصِرك (^١) زيدًا. يُدْخِلون الكاف للمُخاطَبة.\nوقال آخَرون منهم: معنى ﴿أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ﴾: أَرأَيْتُم. قال: وهذه الكافُ تَدْخُلُ للمُخاطَبة مع التوكيد، والتاءُ وحدَها هي الاسمُ، كما أُدْخِلَت الكافُ التي تُفَرِّقُ بين الواحدِ والاثنين والجميع في المخُاطَبةِ، كقولِهم: هذا، وذاك، وتلك، وأولئك. فتَدْخُلُ الكافُ للمخاطبةِ وليست باسمٍ، والتاءُ هو الاسمُ للواحدِ والجميع، تُرِكَت على حالٍ واحدةٍ، ومثلُ ذلك قولُهم: ليسك ثُمَّ إلا زيدٌ. يُرادُ: ليس ولا سِيَّك زيدٌ. فيرادُ: ولا سِيَّما زيدٌ. و: بَلاك. فيُرادُ: بلى. في معنى \"نعم\" (^٢). و: لبِئْسَك رجلًا، ولنِعْمَك رجلًا. وقالوا: انْظُرْك زيدًا ما أَصْنَعُ به، وأَبْصِرْك ما أَصْنَعُ به. بمعنى (^٣): أَبْصِرُ. وحكَى بعضُهم: أَبْصِرْكم (^٤) ما أَصْنَعُ به. يُرادُ: أَبْصِروا. وانْظُركم زيدُا. أي: انْظُرُوا. وحُكى عن بعض بني كلابٍ: أَتَعْلَمُك كان أحدٌ أشعرَ من ذى الرُّمَّةِ؟ فأدْخَل الكافَ.\n_________\n(^١) في م ت ٢، ت ٣: \"انصرك\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ما\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أبصرك\".","vol":"9","page":239},{"text":"وقال بعض نحويِّى الكوفة (^١): أرأيتك عمرًا. أكثر الكلام فيه تركُ الهمز. قال: والكافُ مِن \"أرَأَيْتَك\" في موضع نصب، كأَنَّ الأصلَ: أَرَأَيْتَ نفِسَك على غير هذه الحال. قال: فهذا يُثَنَّى ويُجْمَعُ ويُؤَنَّثُ، فيُقالُ: أرأيتُما كما وأَرأَيْتُموكم وأرأيتنكُنَّ (^٢). أوْقَع فعله على نفسه، وسأله عنها، ثم كثر به الكلام حتى تركوا التاء موحَّدةً للتذكير والتأنيث والتثنية والجمع، فقالوا (^٣): أرأيتكم زيدًا ما صنع، وأرأيتَكُنَّ زيدا ما صنع، فوحَّدوا التاء وثنَّوُا الكافَ وجمَعوها، فجعَلُوها بدلًا من التاءِ، كما قال: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]. وهاءَ يا رجلُ، وهاؤُما. ثم قالوا: هاكم. اكْتُفِى بالكافِ والميم مما كان يُثَنَّى ويُجْمَعُ، فكأن الكافَ في موضعِ رفعٍ، إذ كانت بدلًا مِن التاءِ، وربما وُحِّدَت للتثنيةِ والجمعِ، والتذكيرِ والتأنيثِ، وهى كقولِ القائل: عليك زيدًا. الكافُ في موضع خفضٍ، والتأويلُ رفع، فأما ما يُجْلَبُ فأكثرُ ما يَقَعُ على الأسماءِ، ثم تَأْتِى بالاستفهام، فيُقالُ: أرأَيْتَك زيدًا هل قام؟ لأنها صارت بمعنى: أَخْبِرْني عن زيد. ثم بيَّن عما يَسْتَخْبِرُ. فهذا أكثر الكلامِ. ولم يَأْتِ و(^٤) الاستفهامُ يليها (^٥)، لم يُقَل: أرأَيْتَك هل قمتَ؟ لأنهم أرادوا أن يُبَيِّنوا عمَّن يَسْأَلُ، ثم تُبَيَّنُ الحالةُ التي يَسْأَلُ عنها، وربما جاء بالجزاء (^٦) ولم يَأْتِ بالاسم، فقالوا: أرأَيْتَ [إن أتيتُ] (^٧) زيدا هل يَأْتينا؟ و: أرأيتك. أيضًا، و: أرأيت زيدًا إن أتَيْتُه هل يَأْتينا؟ إذا كانت بمعنى: أخْبِرْنى. فيُقالُ باللغات الثلاثِ.\nوتأويل الكلام: قلْ يا محمد لهؤلاء العادلين باللَّهِ الأوثان والأصنامَ: أخْبِروني\n_________\n(^١) هو الفراء في معاني القرآن ١/ ٣٣٣.\n(^٢) في م، ت ٢: \"أرأيتن كن\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"فقال\".\n(^٤) سقط من: م\n(^٥) في م: \"ثنيها\"، وفى ت ١، ت ٢، س: \"بينها\".\n(^٦) في م: \"بالخبر\".\n(^٧) سقط من: م.","vol":"9","page":240},{"text":"إن جاءكم أيُّها القومُ، عذابُ الله كالذى جاء مَن قبلَكم من الأممِ الذين (^١) هلَك بعضُهم بالرَّجْفَةِ، وبعضُهم بالصاعقةِ، أو جاءتكم الساعةُ التي تُنْشَرُون فيها من قبوركم، وتُبْعَثون لموقفِ القيامةِ، أغيرَ اللَّهِ هناك تَدْعُون لكشف ما نزَل بكم مِن البلاء، أو إلى غيره من آلهتكم تَفْزَعون؛ ليُنَجِّيَكم مما نزَل بكم من عظيمِ البلاءِ؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. يقول: إن كنتم مُحِقِّين في دعواكم وزعمكم أن آلهتكم التي تَدْعُونها مِن دونِ اللَّهِ تَنْفَعُ أَو تَضُرُّ.\n\n<span id=\"aya-830\"></span><span data-type='title' id=toc-2998>القولُ في تأويل قوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه مُكَذِّبًا لهؤلاء العادلين به الأوثانَ: ما أنتم أيُّها المشركون بالله الآلهة والأندادَ، إن أتاكم عذابُ اللهِ، أو أتتكم الساعةُ - بمُسْتَجِيرين بشيءٍ غير الله في حال شدةِ الهَوْلِ النازلِ بكم، من آلهةٍ ووَثَنٍ وصنمٍ، بل تَدْعُون هناك ربَّكم الذي خلَقَكم، وبه تَسْتَغيثون، وإليه تَفْزَعون دونَ كلِّ شيءٍ غيره، ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾. يقولُ: فيُفَرِّجُ عنكم عندَ اسْتِغاثتكم به، وتَضَرُّعِكم إليه عظيمَ البلاءِ النازلِ بكم، إن شاء أن يُفَرِّجَ ذلك عنكم؛ لأنه القادرُ على كلِّ شيءٍ، ومالك كلِّ شيءٍ، دونَ ما تَدْعُونَه إلها من الأوثان والأصنام. ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: وتَنْسَوْن حينَ يَأْتيكم عذاب الله، أو تَأْتِيكم الساعةُ بأهوالِها، ما تُشْرِكونه مع الله في عبادتكم إياه، فتَجْعَلونه له ندًّا، مِن وَثَنٍ وصَنَمٍ، وغير ذلك مما تَعْبُدونه مِن دونِه وتَدْعُونه إلهًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-2999>القول في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"الذي\"، وفي ت ٣: \"التي\".","vol":"9","page":241},{"text":"<span id=\"aya-831\"></span>يقول تعالى ذكره مُتَوَعِّدًا لهؤلاء العادِلِين به الأصنامَ، ومحذِّرهم أن يَسْلُكَ بهم إن هم تمادَوْا في ضَلالِهم، سبيلَ مَن سلَك سبيلَهم من الأممِ قبلَهم، في تعجيلِ الله عقوبتَه لهم في الدنيا، ومخبرًا نبيَّه عن سنتِه في الذين خَلَوْا قبلَهم من الأممِ على مِنْهاجِهم مِن تكذيبِ الرسلِ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ يا محمد ﴿إِلَى أُمَمٍ﴾. يعنى: إلى جماعاتٍ وقُرونٍ ﴿مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾. يقول: فأمرناهم ونهَيْناهم، فكذَّبوا رسلَنا، وخالَفوا أمرَنا ونهيَنا، فامْتَحَنَّاهم بالابتلاءِ، ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾. وهى شدةُ الفقر، والضيقُ في المعيشة، ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾. وهي الأسقامُ والعللُ العارضةُ في الأجسامِ.\nوقد بيَّنا ذلك بشواهده ووجوهِ إعرابِه في سورةِ \"البقرةِ\"، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nوقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾. يقولُ: فعَلْنا ذلك بهم ليتَضَرَّعوا إليَّ، ويُخلِصوا ليَ العبادةَ، ويُفْرِدوا رغبتَهم إليَّ دونَ غيرِى، بالتذللِ منهم لى بالطاعةِ، والاسْتِكانةِ منهم إليَّ بالإنابةِ.\nوفي الكلام محذوفٌ قد اسْتُغْنِى بما دلَّ عليه الظاهرُ عن (^٢) إظهارِه دون (^٣) قولِه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ﴾. وإنما كان سببُ أخذِه إياهم تكذيبَهم الرسلَ، وخلافَهم أمرَه، لا إرسالَ الرسلِ إليهم. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن معنى الكلامِ: ولقد أَرْسَلْنا إلى أُممٍ من قبلكٍ رسلًا فكذَّبوهم، فأَخَذْناهم بالبأساءِ.\nوالتضرُّعُ هو التَّفَعُّلُ (^٤) مِن الضَّراعة، وهى الذِّلةُ والاسْتِكانةُ.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٣/ ٨٦ - ٩١.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣، س: \"من\".\n(^٣) في م: \"من\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الفعل\".","vol":"9","page":242},{"text":"<span id=\"aya-832\"></span><span data-type='title' id=toc-3000>القول في تأويل قوله: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾.</span>\nوهذا أيضًا من الكلام الذي فيه متروكٌ اسْتُغْنِي بدلالةِ الظاهرِ عن ذكر ما تُرِك، وذلك أنه تعالى ذكرُه أخبَرَ عن الأمم التي كذَّبَت رسلَها أنه أخَذَهم بالبأساءِ والضَّراءِ ليَتَضَرَّعوا. ثم (^١) قال: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾. ولم يُخْبِرُ عما كان منهم مِن الفعل عندَ أخذِه إياهم بالبأساءِ والضراءِ.\nومعنى الكلام: ولقد أَرْسَلْنا إلى أُممٍ من قبلك فأخَذناهم بالبأساءِ والضراءِ لعلهم يتضرَّعون، فلم يَتَضَرَّعوا، فلولا إذ جاءهم بأسُنا تضرَّعوا.\nومعنى ﴿فَلَوْلَا﴾ في هذا الموضع: فهلَّا، والعربُ إِذا أَوْلَتْ \"لولا\" اسمًا مرفوعًا، جعَلَت ما بعدَها خبرًا، وتلقَّتْها (^٢) بالأمرِ، فقالت: لولا أخوك لَزُرْتُك، ولولا أبوك لضرَبْتُك. وإذا أوْلَتْها فعلًا، أو لم تُولِها اسمًا، جعَلوها استفهامًا، فقالوا: لولا جئْتَنا فنُكْرِمَك؟ ولولا زُرْتَ أخاك فنَزُورَك. بمعنى: هلَّا. كما قال تعالى ذكرُه: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: ١٠]. وكذلك تَفْعَلُ بـ \"لوما\". مثل فعليها بـ \"لولا\".\nفتأويلُ الكلام إذن: فهلَّا إذ جاء بأسُنا (^٣) هؤلاء الأمم المكذِّبةَ رسلَها الذين لم يَتَضَرَّعُوا عندَ أَخْذِناهم بالبأساءِ والضَّرَّاءِ، تضرَّعوا فاسْتَكانوا لربِّهم، وخضَعوا لطاعتِه، فيَصْرِفَ ربُّهم عنهم بأسَه، وهو عذابُه.\nوقد بيَّنَّا معنى \"البأس\" في غيرِ هذا الموضعِ بما أغْنَى عن إعادتِه في\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"به\".\n(^٢) في م: \"تلتها\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"9","page":243},{"text":"هذا الموضع (^١).\n﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. يقولُ: ولكن أقاموا على تكذيبهم رسلَهم، وأَصَرُّوا على ذلك، واسْتَكْبَروا عن أمر ربِّهم؛ اسْتِهانةً بعقاب الله، واسْتِخْفافًا بعذابه، وقَساوةَ قلبٍ منهم، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: وحسَّن لهم الشيطانُ ما كانوا يَعْمَلون من الأعمالِ التي يَكْرَهُها الله ويَسْخَطُها منهم.\n\n<span id=\"aya-833\"></span><span data-type='title' id=toc-3001>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾: فلما ترَكوا العملَ بما أمَرْناهم به على ألسن رسلِنا.\nكالذي حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾. يعني: ترَكوا ما ذُكِّروا به (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾. قال: ما دعاهم الله إليه ورسلُه أبَوْه وردُّوه عليهم (^٣).\n﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾. يقول: بدَّلْنا مكان البأساءِ الرخاءَ والسَّعَةَ في العيشِ، ومكانَ الضراءِ الصحةَ والسلامةَ في الأبدانِ والأجْسامِ؛ اسْتِدْراجًا منَّا لهم.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٣/ ٩٠، ٩١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٠ (٧٢٨٢) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١ إلى ابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"9","page":244},{"text":"كالذى حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أَبِي نَجيح، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: رَخاءَ الدنيا ويُسْرَها على القرونِ الأولى (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: يعنى الرخاءَ وسَعَةَ الرزقِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: مِن الرزقِ (^٣).\nفإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾. وقد علِمْتَ أَن بابَ الرحمةِ وبابَ التوبةِ لم يُفْتَحْ لهم، و(^٤) أبوابٌ أُخَرُ غيرُه كثيرةٌ؟\nقيل: إن معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذي ظنَنْتَ مِن معناه، وإنما معني ذلك: فتَحْنا عليهم؛ استدراجًا منا لهم أبوابَ، كلِّ ما كنا سدَدْنا عليهم بابَه، عندَ أخْذِنا إياهم بالبأساءِ والضراءِ؛ ليَتَضَرَّعوا، إذ لم يَتَضَرَّعُوا وترَكوا أمْرَ اللهِ تعالى ذكرُه. لأن آخرَ هذا الكلام مردودٌ على أولِه، وذلك كما قال تعالى ذكرُه في موضعٍ آخر من كتابه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٢١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ٢٩٠ (٧٢٨٥)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٠ (٧٢٨٤) من طريق شبل به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٠ (٧٢٨٦) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩١ (٧٢٩٠) من طريق أحمد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى أبي الشيخ.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"9","page":245},{"text":"لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (^١) (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤ - ٩٥]. ففتح الله على القوم الذين ذكَر في هذه الآية ذِكْرَهم بقولِه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ - هو تبديلُه لهم مكان السيئةِ التي كانوا فيها في حالِ امتحانِه إياهم مِن ضيق العيشِ إلى الرخاءِ والسَّعَةِ، ومِن الضُّرِّ في الأجسامِ إلى الصحةِ والعافيةِ، وهو فتح أبوابِ كلِّ شيءٍ كان أغْلَق بابَه عليهم، مما (^٢) جرَى ذكرُه قبلَ قولِه: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾. فردَّ قولَه: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عليه.\nويعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾. يقولُ: حتى إذا فرِح هؤلاء المكذِّبون رسلَهم بفتحِنا عليهم أبوابَ السَّعَةِ في المَعِيشة، والصحةِ في الأجسامِ.\nكالذي حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾: من الرزقِ (^٣).\nحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: سمِعْتُ عبدَ الرحمن بنَ مَهْديٍّ، يُحَدِّثُ عن حماد بن زيدٍ، قال: كان رجلٌ يقولُ: رحم الله رجلًا تلا هذه الآيةَ. ثم فكَّر فيها ماذا أُريد بها: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا ابن أبي رَجاءٍ، رجلٌ (^٤) مِن أهلِ\n_________\n(^١) في ص م، ت ١، ت ٢، س: \"يتضرعون\".\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"ما\".\n(^٣) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"9","page":246},{"text":"الثغر (^١)، عن عبدِ اللَّهِ بن المباركِ، عن محمدِ بن النَّضْرِ الحارثيِّ في قوله: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾. قال: أُمْهلوا عشرين سنةً (^٢).\nويعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾: أتَيْناهم بالعذابِ فجأةً، وهم غارُّون، لا يَشْعُرون أن ذلك كائنٌ، ولا هو بهم حالٌّ.\nكما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾. قال: أعْجَبَ ما كانت إليهم، وأغرَّها (^٣) لهم.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾. يقولُ: أَخَذَهم العذابُ بَغْتَةً (^٤).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾. قال: فجأةً آمِنِين (^٥).\nوأما قولُه: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾. فإنه هالِكون، مُنْقَطِعَةٌ حُجَجهم، نادِمون على ما سلَف منهم مِن تكذيبِهم رسلَهم.\nكالذى حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾. قال: فإذا هم مُهْلَكون، مُتَغَيِّرٌ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"الشعر\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٢ (٧٢٩٦) وأبو نعيم في حلية الأولياء ٨/ ٢٢٠ من طريق ابن المبارك به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في م ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أعزها\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩١ (٧٢٩٢) من طريق أحمد به.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٢١.","vol":"9","page":247},{"text":"حالُهم (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شيخٌ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾. قال: الاكتئابُ (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ قال: المُبْلِسُ: الذي قد نزَل به الشرُّ الذي لا يَدْفَعُه، والمُبْلِسُ أَشدُّ مِن المُسْتَكِينِ. وقرَأ: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦]. وكان أولَ مرة فيه مُعاتبةٌ وبَقِيَّةٌ (^٣). وقرأ قولَ اللَّهِ: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾. حتى بلَغ: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ثم جاء أمرٌ ليس فيه بَقيَّةٌ (^٣)، وقرَأ: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾، فجاء أمرٌ ليس فيه بَقيَّةٌ (^٤)، وكان الأولُ، لو أنهم تَضَرَّعُوا كُشِف عنهم (^٤).\nحدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكونيُّ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، عن أبي شُرَيْحٍ ضُبَارةَ بن مالكٍ، عن أبي الصَّلْتِ، عن حَرْمَلةَ أبي عبد الرحمنِ، عن عقبةَ بن مسلمٍ، عن عقبةَ بن عامرٍ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا رأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي عبدَه في دنياه، إنما هو استدراجٌ\". ثم تلا هذه الآية: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٢ (٧٣٠٠) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) في م: \"فإذا هم هالكون\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لقية\"، وفى م: \"تقية\".\nوالبقية الاسم من الإبقاء. اللسان (ب ق ي).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٢ (٧٣٠١) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"9","page":248},{"text":"إلى قوله: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١).\nوحدَّث بهذا الحديثِ عن محمدِ بن حربٍ، عن ابن لَهيعةَ، عن عقبةَ بن مسلمٍ، عن عقبةَ بن عامرٍ، أن النبي ﷺ، قال: \"إذا رأَيْتَ اللَّه تعالى يُعْطِى العبادَ ما يَسْأَلون على مَعاصِيهم إياه، فإنما ذلك اسْتِدراجٌ منه لهم\". ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية (^٢).\nوأصْلُ الإبَلاس في كلام العربِ عندَ بعضِهم الحزنُ على الشيءِ والندمُ عليه. وعندَ بعضِهم انقطاعُ الحُجَّةِ، والسكوتُ عندَ انقطاعِ الحجة. وعندَ بعضِهم الخشوعُ، وقالوا: هو المخذولُ المتروكُ، ومنه قولُ العَجَّاجِ (^٣):\nيا صاحِ هل تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسا\nقال نَعَمْ أَعْرِفُه وأَبْلَسَا\nفتأويلُ قوله: وأَبْلَسا. عندَ (^٤) الذين زعَموا أن الإبْلاسَ انْقِطاعُ الحُجَّةِ والسكوتُ عندَه، بمعنى أنه لم يُحِرْ جوابًا.\nوتأوَّله الآخَرون بمعنى الخشوعِ، وتَرْكِ أهلِه إيَّاه مُقيمًا بمكانه. والآخَرون: بمعنى الحزنِ والندمِ، يقالُ منه: أَبْلَس الرجلُ إبْلاسًا. ومنه قيل لإبليسَ: إبليسُ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢٨/ ٥٤٧ (١٧٣١١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٠ (٧٢٨٨)، والطبراني ١٧/ ٣٣٠ (٩١٣)، وفى الأوسط (٩٢٧٢)، والبيهقى في الشعب (٤٥٤٠)، والأسماء والصفات (١٠٢١) من طريق حرملة بن عمران به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٠ (٧٢٨٨)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٩٣، والطبراني ١٧/ ٤٣٣ (٩١٤) من طريق ابن لهيعة به.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٤٣.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، س.","vol":"9","page":249},{"text":"<span id=\"aya-834\"></span><span data-type='title' id=toc-3003>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾.</span>\nيعني تعالى ذَكرُه بقولِه: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: فاسْتُؤْصِل القومُ الذين عَتَوْا على ربِّهم، وكذَّبوا رسلَه، وخالَفوا أمْرَه، عن آخرِهم، فلم يُتْرَكْ منهم أحدٌ إلا أُهْلِك بَغْتَةً إِذ جاءهم عذابُ اللَّهِ.\nوبنحو الذي قلْنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3002>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. يقولُ: فقُطِع أصلُ الذين ظلموا (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. قال: اسْتُؤْصِلوا (^٢).\nودابرُ القومِ الذي يَدْبُرُهم، وهو الذي يَكونُ في أَدْبارِهم وآخرِهم، يقالُ في الكلامِ: قد دَبَر القومَ فلانٌ يَدْبُرُهم دَبَّرًا ودبورًا. إذا كان آخرهم، ومنه قولُ أميةَ (^٣):\nفأُهْلِكوا بعَذابٍ حَصَّ دابِرَهم (^٤) … فما اسْتَطاعوا له صَرْفًا ولا انْتَصَروا\n﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: والثناءُ الكاملُ والشكرُ التامُّ لله ربِّ العالمين على إنعامِه على رسلِه وأهلِ طاعتِه، بإظهارِ حُجَجهم على مَن خَالَفَهم مِن أهلِ الكفرِ، وتحقيقِ عِدَاتِهم (^٥) ما وعَدَهم على كفرِهم بالله، وتكذيبهم رسلَه، من\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٣ (٧٣٠٢) من طريق أحمد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٣ (٧٣٠٣) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٣) ديوانه ص ٦٣.\n(^٤) \"حص دابرهم\": أذهبهم، وأصل الحص: إذهاب الشعر عن الرأس بحلق أو مرض. ينظر التاج (ح ص ص).\n(^٥) في م ت ٢، ت ٣: \"عدتهم\". وعداتهم جمع عِدَة.","vol":"9","page":250},{"text":"نِقَمِ اللَّهِ وعاجلِ عذابِه.\n\n<span id=\"aya-835\"></span><span data-type='title' id=toc-3004>القولُ في تأويل قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بيَ الأوثانَ والأصنامَ، المكذِّبين بك: أرأَيْتُم أيُّها المشركون بالله غيرَه إِن أَصَمَّكم الله فذهَب بأسماعِكم، وأعْماكم فذهبَ بأبصارِكم، وختَم على قلوبِكم، فطبَع عليها حتى لا تَفْقَهوا قولًا، ولا تُبصروا حُجَّةً، ولا تَفْهَموا مفهومًا، أيُّ إلهٍ غيرُ الله الذي له عِبادةُ كلِّ عابدٍ ﴿يَأْتِيكُمْ بِه﴾. يقولُ: يَرُدُّ عليكم ما ذهَب الله به منكم مِن الأسْماعِ والأبْصارِ والأفهامِ، فتَعْبُدوه أو تُشْرِكوه في عبادةِ ربِّكم الذي يَقْدِرُ على [ذَهابِه بذلك] (^١) منكم، وعلى ردِّه عليكم إذا شاء؟\nوهذا من الله تعالى ذكره تَعْليمٌ (^٢) نبيَّه الحجةَ على المشركين به، يقولُ له: قلْ لهم: إن الذين تَعْبُدُونهم مِن دونِ اللهِ لا يَمْلِكون لكم ضَرًّا ولا نفعًا، وإنما يَسْتَحِقُّ العبادةَ عليكم مَن كان بيدِه الضرُّ والنفعُ، والقبضُ والبَسْطُ، القادرُ على كلِّ ما أراد، لا العاجزُ الذي لا يَقْدِرُ على شيءٍ.\nثم قال تعالى لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾. يقولُ: انْظُرْ كيف نُتابعُ عليهم الحُجَجَ، ونَضْرِبُ لهم الأمثالَ والعِبَرَ؛ ليَعْتَبِروا ويذكروا فيُنيبوا. ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾. يقولُ: ثم هم مع مُتابَعتِنا عليهم الحججَ، وتَنْبِيهِنا إياهم بالعِبَرِ، عن الادِّكارِ والاعْتبارِ يُعْرِضون.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"ذهاب ذلك به\".\n(^٢) في ص س: \"تعلم\"، وفي ت ١: \"يعلم\".","vol":"9","page":251},{"text":"يقالُ منه: صدَف فلانٌ عنى بوجهِه، فهو يَصْدِفُ صُدوفًا وصَدْفًا. أي: عدَل وأعْرَض. ومنه قول ابن الرِّقَاع (^١):\nإذا ذكَرْنَ حديثًا قُلْنَ أَحْسَنَه … وهُنَّ عن كلِّ سُوءٍ يُتَّقَى صُدُفُ (^٢)\nوقال لبيدٌ (^٣):\nيُرْوِى قَوامِحَ (^٤) قبلَ الليل صادِفةً … أشباءَ جِنٍّ عليها الرَّيْطُ (^٥) والأُزُرُ\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾. فوحَّد الهاءَ، وقد مضَى الذكرُ قبلُ بالجمعِ، فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾؟\nقيل: جائزٌ أن تَكونَ الهاء عائدةً على \"السمع\"، فتكونَ موحَّدةً لتوحيد \"السمعِ\"، وجائزٌ أن تَكونَ مَعْنيًّا بها: مَن إله غيرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بما أَخَذ منكم؛ مِن السمع والأبصارِ والأفئدةِ؟ فتكونَ مُوَحَّدةً لتوحيدِ (ما). والعربُ تَفْعَلُ ذلك إذا كنَتْ عن الأفعالِ وحَّدَتِ الكِنايةَ، وإن كثر ما يُكْنَى بها عنه مِن الأفاعيلِ، كقولهم: إقبالُك وإدبارُك يُعْجِبُني.\nوقد قيل: إن الهاء التي في ﴿بِهِ﴾ كنايةٌ عن الهُدَى.\nوبنحو ما قلنا في تأويل قوله: ﴿يَصْدِفُونَ﴾. قال أهلُ التأويل\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ٦/ ٤٢٨.\n(^٢) صدف، جمع صدوف، وهى المرأة تعرض وجهها عليك ثم تصدف. تاج العروس (ص د ف).\n(^٣) شرح ديوان لبيد ص ٦٦.\n(^٤) قوامح، جمع قامح، وهو التارك للشرب. ينظر التاج (ق م ح).\n(^٥) الربط، جمع ريطة، وهى كل ملاءة غير ذات لفقين، أي لم يضم بعضه ببعض بخيط أو نحوه. التاج (ر ي ط).","vol":"9","page":252},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3005>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَصْدِفُونَ﴾. قال: يُعْرِضون (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجَيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بن صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَصْدِفُونَ﴾. قال: يَعْدِلُونَ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾. قال: يُعْرِضون عنها (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾. قال: يَصُدُّون (^٤).\n\n<span id=\"aya-836\"></span><span data-type='title' id=toc-3006>القول في تأويل قولِه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم الأوثانَ، المكذِّبين بأنك لى رسولٌ إليهم: أخبِرُوني إن أتاكم عذابُ وعقابُه على ما تُشْرِكون به ما تشركون مِن الأوثانِ والأندادِ، وتَكْذيبكم إيايَ، بعدَ الذي قد عايَنْتُم مِن البُرْهانِ على حقيقة قولى، ﴿بَغْتَةً﴾. يقول: فجأةً على\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٢١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٤ (٧٣١١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٤ (٧٣١٠) من طريق أبي صالح به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢٠٦، ٢٠٧.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٤ (٣٧١٢) من طريق أحمد به.","vol":"9","page":253},{"text":"غِرَّةٍ لا تَشْعُرون، ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾. يقولُ: أو أتاكم عذاب الله وأنتم تُعايِنونه وتَنْظُرون إليه، ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾. يقولُ: هل يُهْلِكُ الله منا ومنكم إلا مَن كان يَعْبُدُ غيرَ مَن يَسْتَحِقُّ علينا العبادةَ، وترك عبادةَ مَن يَسْتَحِقُّ علينا العبادةَ؟\nوقد بيَّنَّا معنى \"الجَهْرةِ\" في غيرِ هذا الموضعِ بما أغْنَى عن إعادتِه، وأنها مِن الإجهارِ، وهو إظهارُ الشيءِ للعينِ (^١).\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿جَهْرَةً﴾. قال: وهم يَنْظُرون.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾: فجأةً آمنين، ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾: وهم يَنْظُرون (^٢).\n\n<span id=\"aya-837\"></span><span data-type='title' id=toc-3007>القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكره: وما نُرْسِلُ رسلَنا إلا بشارة أهل الطاعة لنا بالجنةِ والفوزِ المبين يومَ القيامةِ؛ جزاءً منا لهم على طاعتِنا، وبإنذارِ مَن عصانا وخالَف أمْرَنا، عقوبتنا إيَّاه على معصيتِنا يومَ القيامةِ؛ جزاءً منا على معصيتِنا، لنُعْذِرَ إليه فيَهْلِكَ إن هلَك عن بيِّنةٍ، ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾. يقولُ: فمَن صدَّقَ مَن أَرْسَلْنَا إِليه مِن رَسُلِنا إنذارهم إياه، وقبل (^٣) منهم ما جاءوه به من عند الله، وعمل صالحًا في الدنيا، ﴿فَلَا\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٨٧ وما بعدها.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٢١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٩٤ (٧٣١٣، ٧٣١٤).\n(^٣) في م: \"قيل\".","vol":"9","page":254},{"text":"خَوْفٌ عَلَيْهِم﴾ عندَ قدومِهم على ربِّهم، من عقابه وعذابِه الذي أعَدَّه الله لأعدائِه وأهل معاصيه، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ عندَ ذلك، على ما خلَّفوا وراءَهم في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-838\"></span><span data-type='title' id=toc-3008>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: وأما الذين كذَّبوا بمن أرْسَلْنا إليه مِن رسلنا، وخالَفوا أَمْرَنا ونهيَنا، ودافَعوا حُجَّتَنا، فإنهم يُباشِرُهم عذابُنا وعقابُنا على تكذيبهم ما كذَّبوا به من حُجَجِنا، ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. يقولُ: بما كانوا يُكَذِّبون.\nوكان ابن زيدٍ يقولُ: كلُّ فِسْقٍ في القرآنِ فمعناه الكَذِبُ.\nحدَّثني بذلك يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ عنه (^١).\n\n<span id=\"aya-839\"></span><span data-type='title' id=toc-3009>القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قُلْ لهؤلاء المُنْكرين نبوَّتَك: لستُ أقولُ لكم: إنى الربُّ الذي له خزائن السماواتِ والأرضِ، وأعلمُ غيوبَ الأشياءِ الخفيةِ التي لا يعلمُها إلا الربُّ الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ، فتكذِّبونى فيما أقولُ مِن ذلك؛ لأنه لا ينبغي أن يكونَ ربًّا إلا مَن له مُلْكُ كلِّ شيءٍ، وبيده كلُّ شيءٍ، ومَن لا يَخْفَى عليه خافيةٌ. وذلك هو الله الذي لا إله غيرُه، ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾؛ لأنه لا ينبغى لملَكٍ أن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص ١٠٧، كما عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢ إلى المصنف.","vol":"9","page":255},{"text":"يكون ظاهرًا بصورته (^١) لأبصار البشر في الدنيا، فتَجْحدوا ما أقولُ لكم من ذلك، ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾. يقولُ: قل لهم: ما أَتَّبِعُ فيما أقولُ لكم وأدْعوكم إليه إلا وحىَ الله الذي يُوحِيه إليَّ، وتنزيلَه الذي يُنَزلُه عليَّ، فأمْضِى لوحيِه وأتَّمِرُ (^٢) لأمرِه، وقد أتيتُكم بالحُجج القاطعة من الله عذرَكم على صحةِ قولى في ذلك، وليس الذي أقولُ من ذلك بمُنكَرٍ في عقولِكم، ولا مستحيل كونُه، بل ذلك مع وجودِ البرهانِ على حقيقتِه هو الحكمةُ البالغةُ، فما وجهُ إنكارِكم ذلك؟\nوذلك تنبيهٌ من الله تعالى ذكره نبيَّه ﷺ على موضع حُجتِه على منكرى نبوَّتِه من مشركي قومِه.\n﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قل يا محمدُ لهم: هل يَسْتوى الأعمى عن الحقِّ والبصيرُ به؟ والأعمى هو الكافرُ الذي قد عَمِى عن حُجج الله فلا يَتَبَيَّنُها فيتَّبعها، والبصيرُ المؤمنُ الذي قد أبصَر آياتِ اللَّهِ وحُججَه، فاقْتدَى (^٣) بها واستضاء بضيائها، ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾. يقولُ لهؤلاء الذين كذَّبوا بآياتِ اللهِ: أفلا تتفكرون فيما أحْتَجُّ عليكم به أيُّها القومُ مِن هذه الحُجج، فتعلَموا صحةَ ما أقولُ وأدعُوكم إليه، من فسادِ ما أنتم عليه مقيمون؛ مِن إشراكِ الأوثانِ والأندادِ بالله ربِّكم، وتكذيبِكم إيايَ، مع ظهورِ حُجج صدقِي لأعينِكم، فتدَعوا ما أنتم عليه من الكفرِ مقيمون، إلى ما أَدْعُوكم إليه من الإيمانِ الذي به تفوزون؟\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال جماعةٌ مِن أهل التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"بعبودته\".\n(^٢) في م: \"أمرّ\".\n(^٣) في ص، ت ١،: \"ما يقتدى\".","vol":"9","page":256},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3010>ذكرُ مِن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾. قال: الضالُّ والمُهتِدى (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولهِ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ الآية. قال: الأعمى: الكافرُ الذي قد عَمِى عن حقِّ اللَّهِ وأمرِه ونِعَمِه عليه، والبصيرُ: العبد المؤمنُ الذي أبصَر بصرًا نافعًا، فوحَّد اللَّهَ وحدَه، وعمل بطاعةِ ربِّه، وانْتَفع بما آتاه الله (^٢).\n\n<span id=\"aya-840\"></span><span data-type='title' id=toc-3011>القول في تأويل قوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وأنذر يا محمد بالقرآنِ الذي أنزَلناه إليك، القومَ الذين يَخافون أن يُحْشَروا إلى ربِّهم، علمًا منهم بأن ذلك كائنٌ، فهم مُصَدِّقون بوعدِ اللهِ ووعيده، عاملون بما يُرضى الله، دائبون (^٣) في السعيِ فيما يُنْقِذُهم في معادِهم من عذابِ اللهِ حينَ (^٤) ليس لهم مِن عذابِ اللَّهِ إِن عذَّبهم، وليٌّ ينصُرُهم فيَسْتَنْقِذُهم منه، ولا شفيعٌ يَشْفَعُ لهم عندَ الله تعالى فيُخَلِّصُهم مِن عقابِه،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٢٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٦ (٧٣٢٢، ٧٣٢٤).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٦ (٧٣٢٥) من طريق يزيد به.\n(^٣) في م، ت ٣: \"دائمون\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ليس لهم من دونه ولى أي\".","vol":"9","page":257},{"text":"﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. يقولُ: أنذِرْهم كي يَتَّقوا الله في أنفسهم، فيطيعوا ربَّهم، ويَعْمَلُوا لمعادِهم، ويَحْذَروا سخَطَه باجتنابِ معاصيه.\nوقيل: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا﴾ ومعناه: يَعْلَمون أنهم يُحْشَرون. فوضعت \"المخافةُ\" موضعَ \"العلمِ\"؛ لأن خوفَهم كان مِن أجلِ علمِهم بوُقوع ذلك ووجودِه من غيرِ شكٍّ منهم في ذلك.\nوهذا أمرٌ مِن الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا ﷺ بتعليم أصحابه ما أنزَل الله إليه من وحيِه، وتذكيرِهم، والإقبال عليهم بالإنذارِ، [وصدَّ عنه المشركون] (^١) به بعد الإعذار إليهم، وبعد إقامة الحجةِ عليهم، حتى يكون الله هو الحاكمَ في أمرِهم بما يَشاءُ مِن الحكم فيهم.\n\n<span id=\"aya-841\"></span><span data-type='title' id=toc-3013>القول في تأويل قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾.</span>\nذُكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ في سببِ جماعةٍ من ضعفاءِ المسلمين، قال المشركون له: لو طرَدتَ هؤلاء عنك لغَشَيناك وحضَرنا مجلسَك.\n\n<span data-type='title' id=toc-3012>ذكرُ الرواية بذلك</span>\nحدَّثنا هنادُ بن السريِّ، قال: ثنا أبو زُبيدٍ (^٢)، عن أشعثَ، عن كُردوسٍ الثعلبيِّ، عن ابن مسعودٍ، قال: مرَّ الملأُ من قريش بالنبيِّ ﷺ وعندَه صُهيبٌ وعمارٌ وبلالٌ وخبَّابٌ، ونحوُهم من ضعفاءِ المسلمين، فقالوا: يا محمدُ، رضِيتَ بهؤلاء مِن قومك، أهؤلاء الذين منَّ الله عليهم من بينِنا؟ أنحن نكونُ تَبَعًا لهؤلاء؟ اطْرُدُهم\n_________\n(^١) في م ت ٢: \"وصده عن المشركين\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"زيد\"","vol":"9","page":258},{"text":"عنك، فلعلك إن طرَدتَهم أن نَتَّبِعَك. فنزلت هذه الآيةُ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ - ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ إلى آخر الآية (^١).\nحدَّثنا جريرٌ (^٢)، عن أشعثَ، عن كُردوسٍ الثعلبيِّ، عن عبد الله، قال: مرَّ الملأُ من قريشٍ على رسول الله ﷺ. ثم ذكر نحوه (^٣).\nحدَّثني أبو السائب، قال: ثنا حَفْصُ بنُ غياثٍ، عن أشْعَثَ، عَن كُرْدُوسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: مَرَّ على رسول الله ﷺ ملأٌ من قريش. ثم ذَكَر نحوَه (^٤).\nحدَّثني الحسينُ بنُ عمرِو بن محمدٍ العَنْقَزِيُّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن أبي سعيدٍ (^٥) الأزْدِيِّ - وكان قارئ الْأَزْدِ - عن أبي الكَنُودِ، عن خَبَّابٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. قال: جاء الأقرعُ بن حابسٍ التَّمِيميُّ وعُيَينةُ بنُ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ، فَوَجَدوا النبيَّ ﷺ قاعدًا مع بلالٍ وصُهيبٍ وعَمَّارٍ وخَبَّابٍ، في أُناسٍ من [الضعفاء من] (^٦) المؤمنين، فلما رَأَوهم حولَه حَقَروهم، فأتوه فقالوا: إِنَّا نُحِبُّ أن تَجْعَلَ لنا منك مَجْلِسًا تَعْرِفُ لنا العرب به\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٧/ ٩٢ (٣٩٨٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٩ (٧٣٤٢)، والطبراني (١٠٥٢٠)، والواحدى في أسباب النزول ص ١٦٢، ١٦٣ من طريق أشعث به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢ إلى أبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) كذا في النسخ، وسقط منها شيخ المصنف، وشيخ المصنف في مثل هذا الإسناد إما أن يكون محمد بن حميد، وإما أن يكون سفيان بن وكيع، وقد يكونان هما معا، ينظر ٥/ ٤٠، ٧/ ٥٣٢،٥٥٠، ١١/ ٥٠٩، ٥١٨، ٥٢٢، ١٢/ ٦٠٩.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٣٤٦ من طريق جرير به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٦ (٧٣٢٦) من طريق أشعث به.\n(^٥) في ص س: \"سعد\". وكلاهما صواب. ينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ٣٤٤.\n(^٦) في م، ت ٢، ت ٣: \"ضعفاء\".","vol":"9","page":259},{"text":"فَضْلَنا، فإن وفودَ العربِ تأتِيك فنَسْتَحْيِي أن تَرانا العربُ مع هؤلاءِ الأَعْبُدِ، فإذا نحن جِئْناك فأقِمْهم عنا، فإذا نحن فَرَغْنا فاقعُدْ معهم إن شِئتَ. قال: \"نعم\". قالوا: فاكتُبْ لنا عليك بذلك كتابًا. قال: فَدَعا بالصحيفةِ، ودَعا عليًّا ليَكتُبَ، قال: ونحن قعودٌ في ناحيةٍ، إذْ نَزَلَ جبريلُ بهذه الآية: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. ثم قال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾. ثم قال: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فأَلقَى رسولُ اللهِ ﷺ الصحيفةَ مِن يدِه، ثم دَعانا، فأتَيناه وهو يقولُ: \" ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ \". فكُنَّا نَقْعُدُ معه، فإذا أرادَ أن يقومَ قامَ وتَرَكَنا، فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨]. قال: فكان رسولُ الله ﷺ يَقْعُدُ مَعنا بعدُ، فإذا بَلَغَ الساعةَ التي يقومُ فيها، قُمْنا وتَرَكْناه حتى يقوم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن أبي سعيدٍ الأَزْدِيِّ، عن أبي الكَنُودِ، عن خَبَّابِ بن الأَرَتِّ بنحوِ حديثِ الحسينِ بن عمرٍو، إلا أنه قال في حديثِه: فلمَّا رَأَوهم حولَه نَفَّرُوهم، فأَتَوه فَخَلَوا به. وقال أيضًا: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. ثم\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٢١٢٩)، وأبو يعلى - كما في المطالب العالية (٣٩٧٧) - عن الحسين بن عمرو به، وأخرجه ابن ماجه (٤١٢٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٧، ١٣٠٠ (٧٣٣١، ٧٣٤٦) من طريق عمرو بن محمد العنقزى به، وأخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ١٦٢، والبيهقي في الدلائل ١/ ٣٥٢، ٣٥٣ من طريق السدي به مختصرا، وعزاه الزيلعي في تخريج الكشاف ١/ ٤٣٩ إلى ابن راهويه في مسنده، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"9","page":260},{"text":"ذَكر الأقْرَعَ وصاحبَه، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية. وقال أيضًا: فَدَعانا فأتَيْناه وهو يقولُ: \" ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ \". فَدَنَونا منه يومَئِذٍ حتى وَضَعْنا رُكَبَنا على رُكْبَتَيْه. وسائرَ الحديثِ نحوَه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ والكلبيِّ، أن ناسًا مِن كفارِ قريشٍ قالوا للنبيِّ ﷺ: إِن سَرَّكَ أَن نَتَّبِعَكَ، فَاطْرُدْ عنَّا فلانًا وفلانًا - ناسًا مِن ضعفاءِ المسلمين - فقال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (^٢).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية. قال: وقد قال قائلون من الناسِ الرسولِ اللهِ ﷺ: يا محمدُ، إن سَرَّكَ أن نَتَّبِعَك، فاطْرُدْ عَنَّا فُلانًا وفُلانًا - لأُناسٍ كانوا دونَهم في الدنيا، ازْدَراهم المشركون - فأنزَل اللهُ تعالى هذه الآيةَ إلى آخرِها.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾: بلالٌ وابنُ أمِّ عبدٍ، كانا يُجالِسان محمدًا ﷺ، فقالت قريشٌ مُحَقِّرَتَهما: لولاهما وأمثالُهما لَجالَسْناه. فَنُهِي عن طَرْدِهم، حتى قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾. قال: ﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾. فيما بينَ ذلك في هذا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٢٠٧، ٢٠٨ - ومن طريقه الطبراني (٣٦٩٣)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٤٤ - والبزار (٢١٣٠)، والطحاوي في المشكل (٣٦٧) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢٠٨.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٢٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٩ (٧٣٣٩).","vol":"9","page":261},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا سفيانُ، عن المِقْدامِ بنِ شُرَيحٍ، عن أبيه، قال: قال سعدٌ (^١): نَزَلَت هذه الآيةُ في ستةٍ من أصحاب النبيِّ ﷺ؛ منهم ابنُ مسعودٍ، قال: كُنَّا نَسْبِقُ إلى النبيِّ ﷺ ونَدْنُو منه، ونَسْمَعُ منه، فقالت قريشٌ: يُدْنِي هؤلاء دونَنا! فنَزَلَت: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عِكْرمةَ في قولِه: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ الآية. قال: جاء عُتْبةُ ابنُ ربيعةَ، وشَيْبةُ بنُ ربيعةَ، ومُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ، والحارثُ بنُ نَوفلٍ، وقُرَظَةُ بنُ عبدِ عمرِو بن نوفلٍ، في أشرافٍ مِن بني عبدِ منافٍ من الكفارِ، إلى أبي طالبٍ، فقالوا: يا أبا طالبٍ، لو أن ابنَ أخيك يَطْرُدُ عنه مواليَنا وحلفاءَنا، فإنما هم عبيدُنا وعُسَفاؤنا (^٣)، كان أعظمَ في صدورِنا، وأطوعَ له عندَنا، وأدْنى لاتِّباعِنا إياه، وتَصْديقِنا له. قال: فأتَى أبو طالبٍ النبيَّ ﷺ، فحَدَّثه بالذي كَلَّموه به، فقال عمرُ ابنُ الخطابِ: لو فعلتَ ذلك حتى تَنْظُرَ ما الذي يُريدون، وإلامَ يَصِيرون من قولِهم؟ فأنزَل اللهُ تعالى هذه الآيةَ: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ قال: وكانوا: بلالًا، وعمارَ بنَ ياسرٍ، وسالمًا مولى أبي حُذَيفةَ، وصُبَيحًا مولى أَسِيدٍ، ومِن الحلفاءِ: ابنُ مسعودٍ، والمِقْدادُ بنُ عمرٍو، ومسعودُ بنُ القارِيِّ، وواقِدُ بنُ عبدِ اللهِ\n_________\n(^١) في النسخ: \"سعيد\" والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٤١٣/ ٤٥)، والنسائي (٨٢٢٠)، وفي فضائل الصحابة (١١٦، ١٦٠)، والبزار (١٢٢٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٨، وأبو يعلى (٨٢٦) من طرق عن سفيان به، وأخرجه مسلم (٢٤١٣/ ٤٦)، وابن ماجه (٤١٢٨) وعبد بن حميد (١٣١)، وابن حبان (٦٥٧٣)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٤٦، والحاكم ٣/ ٣١٩، والواحدي في أسباب النزول ص ١٦٢، والبيهقي في الدلائل ١/ ٣٥٣ من طريق المقدام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣ إلى الفريابي وأحمد وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٣) العسفاء: الأُجَراء. واحدهم عَسِيف. النهاية ٣/ ٢٣٦.","vol":"9","page":262},{"text":"الحَنْظَليُّ، وعمرُو بنُ عبدِ عمرٍو ذو الشِّمالَين، ومَرْثَدُ بنُ أَبِي مَرْثدٍ - وأبو مَرْثَدٍ مِن غَنِيٍّ، حليفُ حمزةَ بنِ عبدِ المطلبِ - وأشْباهُهم مِن الحلفاءِ. ونزلَت في أئمةِ الكفرِ مِن قريشٍ والموالي والحلفاءِ: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ الآية. فلما نَزَلَت أقبَل عمرُ بنُ الخطابِ فَاعْتَذَرَ مِن مَقالَتِهِ، فَأَنزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ الآية (^١).\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، قال رجلٌ للنبيِّ ﷺ: إني أسْتَحْيِي مِن اللهِ أن يَراني مع سلمانَ وبلالٍ وذَوِيهم فاطرُدْهم عنك، وجالِسْ فلانًا وفلانًا. قال: فنَزَل القرآنُ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ فَقَرَأ حتى بَلَغ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\nما بينَك وبينَ أن تكونَ مِن الظالمين إلا أن تَطرُدَهم. ثم قال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾. ثم قال: وهؤلاء الذين أمَروك أن تَطْرُدَهم، فأبلِغْهم منِّي السلامَ وبَشِّرْهم، وأخبِرْهم أني قد غَفَرْتُ لهم. وقرَأ: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. فقرَأ حتى بَلَغَ: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾. قال: لتَعْرِفَها (^٢).\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في \"الدعاءِ\" الذي كان هؤلاء الرَّهْطُ الذين نَهَى اللهُ نبيَّه ﷺ عن طَرْدِهم، يَدْعون ربَّهم به؛ فقال بعضُهم: هي الصلواتُ الخمسُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٩ (٧٣٤٠) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"9","page":263},{"text":"عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. يعني: يَعْبُدون ربَّهم بالغداةِ والعَشِيِّ، يعني الصلاة المكتوبةَ (^١).\nحدَّثنا المُثنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حَمَّادٌ، عن أبي حمزةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. قال: هي الصلواتُ الخمسُ الفرائضُ، ولو كان يقولُ القُصَّاصَ، هَلَكَ مَن لم يجلِسْ إليهم (^٢).\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ فُضَيلٍ، عن الأَعْمَشِ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. قال: هي الصلاةُ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾: الصلاةُ المفروضةُ، الصبحُ والعصرُ (^٣).\nحدَّثني [موسى بنُ عبدِ الرحمنِ] (^٤) الكِنْدِيُّ، قال: ثنا حسينٌ (^٥) الجُعْفِيُّ، قال: أخبرَني حمزةُ بنُ المغيرةِ، عن حمزةَ بنِ عيسى، قال: دَخَلتُ على الحسنِ فسألتُه، فقلتُ: يا أبا سعيدٍ، أرأيتَ قولَ اللهِ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف:٢٨]. أهم هؤلاء القُصَّاصُ؟ قال: لا، ولكنهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٨ (٧٣٣٣) من طريق أبي صالح ببعضه، وعلق باقيه عقب الأثر (٧٣٣٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٨ عقب الأثر (٧٣٣٦) معلقًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٨، ١٢٩٩ (٧٣٣٦، ٧٣٣٧) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٤) في ص، ت ٣: \"محمد بن موسى بن عبد الرحمن\". وتقدم في ١/ ١٧٢، ٥٠٨، ٣/ ٣٨٦، وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٩٨.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حسن\".","vol":"9","page":264},{"text":"المُحافظون على الصلواتِ في الجماعةِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. قال: الصلاةُ المكتوبةُ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. قال: يَعْبُدون ربَّهم بالغداةِ والعَشِيِّ، يعني: الصلاةَ المفروضةَ.\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: ٢٨]: هما الصَّلاتان؛ صلاةُ الصبحِ، وصلاةُ العصرِ.\nحدَّثني ابنُ البَرْقيِّ، قال: ثنا ابنُ أَبي مَرْيَمَ، قال: ثنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: ثنا محمدُ بنُ عَجْلانَ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ في هذه الآيةِ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: ٢٨] الآية: إنهم الذين يَشْهَدون الصلواتِ المكتوبةَ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ وإبراهيمَ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾.\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٢٥٤.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٨ عقب الأثر (٧٣٣٦) معلقًا.\n(^٣) أخرجه الطحاوي في المشكل ١/ ٣٤١ عقب الحديث (٣٦٧) من طريق ابن أبي مريم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٩ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"9","page":265},{"text":"قالا: الصلواتُ الخمسُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. قال: المُصَلِّين المؤمنين، بلالٌ وابنُ أمِّ عبدٍ (^٢).\nقال ابنُ جُرَيجٍ: وأخبرني عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: صَلَّيْتُ الصبحَ مع سعيدِ بنِ المسيبِ، فلما سَلَّمَ الإمامُ ابْتَدَر الناسُ القاصَّ، فقال سعيدٌ: ما أسْرَعَهم (^٣) إلى هذا المجلسِ! قال مجاهدٌ: فقلتُ: يَتَأوَّلون ما قال اللهُ تعالى. قال: وما قال؟ قلتُ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. قال: وفي هذا ذا؟ إنما ذاك في الصلاةِ التي انصَرَفْنا عنها الآنَ، إنما ذاك في الصلاةِ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن منصورٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي عَمْرةَ، قال: الصلاةُ المكتوبةُ (^٥).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا وَكِيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: هي الصلاةُ.\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه و(^٦) إسرائيلَ، عن عامرٍ، قال: الصلاةُ.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٢٩١٦) من طريق عبد الرحمن بن مهدي به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٢٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٩ (٧٣٣٩).\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أسرع\".\n(^٤) ينظر تفسير البغوي ٣/ ١٤٦، ١٤٧.\n(^٥) ينظر البحر المحيط ٤/ ١٣٦.\n(^٦) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"عن\". وينظر ما تقدم في ٨/ ٤٩٧.","vol":"9","page":266},{"text":"حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. يقولُ: صلاةُ الصبحِ، وصلاةُ العصرِ.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: صلَّى عبدُ الرحمنِ [بن أبي عمرة] (^١) في مسجدِ الرسولِ، فلمَّا صَلَّى قامَ فاسْتَنَد إلى حجرةِ النبيِّ ﷺ، فانْثالَ (^٢) الناسُ عليه، فقال: يا أيُّها الناسُ، إليكم. فقيل: يَرْحَمُكَ اللهُ، إنما جاءوا يُريدون هذه الآيةَ ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. فقال: وهذا عُنِي بهذا؟! إنما هو في الصلاة.\nوقال آخرون: هي الصلاةُ، ولكنَّ القومَ لم يَسْألوا رسولَ اللهِ ﷺ طَرْدَ هؤلاءِ الضعفاءِ عن مجلسِه، ولا تأخِيرَهم عن مجلسِه، وإنما سألوه تأخيرَهم عن الصفِّ الأولِ حتى يكونوا وراءَهم في الصفِّ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية: فهم أُناسٌ كانوا مع النبيِّ ﷺ من الفقراءِ، فقال أُناسٌ من أشرافِ الناسِ: نُؤْمِنُ لك، وإذا صَلَّيْنا فَأَخِّرْ هؤلاءِ الذين معك، فليُصَلُّوا خَلْفَنا (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى دُعائِهم كان ذكرَهم اللهَ تعالى ذكرُه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، وحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ،\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) انثال الناس عليه: انصبوا عليه، تاج العروس (ث ول).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤ إلى ابن مردويه.","vol":"9","page":267},{"text":"عن منصورٍ، عن إبراهيمَ قولَه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. قال: أهلُ الذكرِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. قال: هم أهلُ الذكرِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. قال: لا تَطْرُدْهم عن الذكرِ (^٢). وقال آخرون: بل كان ذلك تَعَلُّمهم القرآنَ وقراءتَه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ قولَه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. قال: كان يُقْرِئُهم القرآنَ، [مَن الذي يَقُصُّ على] (^٣) النبيِّ ﷺ (^٤)؟! وقال آخرون: بل عَنَى بدعائِهم ربَّهم عبادتَهم إياه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. قال: يعني:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٨ (٧٣٣٤) من طريق وكيع، عن سفيان، عن مغيرة عن إبراهيم، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٧٩ - تفسير) من طريق جرير به.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٨ (٧٣٣٥) من طريق إسرائيل به بنحوه.","vol":"9","page":268},{"text":"يَعْبُدون، ألَا تَرَى أنه قال: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [غافر: ٤٣]. يعني: تَعْبُدون (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه نَهَى نبيَّه محمدًا ﷺ أن يَطْرُدَ قومًا كانوا يَدْعُون ربَّهم بالغداةِ والعشيِّ. والدعاءُ للهِ يكونُ بذكرِه وتمجيدِه والثناءِ عليه قولًا وكلامًا، وقد يكونُ بالعملِ له بالجوارحِ الأعمالَ التي كان عليهم فَرْضُها، وغيرَها مِن النوافلِ التي تُرْضَى، والعاملُ له عابدُه بما هو عاملٌ له، وقد يجوزُ أن يكون القومُ كانوا جامِعين هذه المعانيَ كلَّها، فوصَفَهم اللهُ بذلك، بأنهم يَدْعُونه بالغداةِ والعشيِّ؛ لأن اللهَ قد سَمَّى العبادةَ دعاءً، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]. وقد يَجوزُ أن يَكونَ ذلك على خاصٍّ مِن الدعاءِ.\nولا قولَ أولى بذلك بالصحةِ مِن وصْفِ القومِ بما وصَفَهم اللهُ به، مِن أنهم كانوا يَدْعُون ربَّهم بالغَداةِ والعَشِيِّ، فيُعَمُّون بالصفةِ التي وصَفَهم بها ربُّهم، ولا يُخَصُّون منها بشيءٍ دونَ شيءٍ.\nفتأويلُ الكلامِ إذن: يا محمدُ، أَنْذِرْ بالقرآنِ الذي أَنْزَلْتُه إليك، الذين يَعْلَمون أنهم إلى ربِّهم مَحْشُورون، فهم مِن خوفِ وُرودِهم على اللهِ الذي لا شَفيعَ لهم مِن دونِه ولا نَصيرَ، في العملِ له دائمون، إذ أَعْرَض عن إنذارِك واسْتماعِ ما أَنْزَل اللهُ عليك المُكذِّبون باللهِ واليومِ الآخرِ من قومِك؛ اسْتِكبارًا على اللهِ. ولا تَطْرُدْهم ولا تُقْصِهم فتَكونَ ممَّن وضَع الإقْصاءَ في غيرِ موضعِه، فأَقْصَى وطرَد مَن لم يَكُنْ له طردُه وإقْصاؤُه، وقرَّب مَن لم يَكُنْ له تقديمُه بقُرْبِه وإدْناؤُه، فإن الذين نهَيْتُك عن\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٤/ ١٣٦، والآية المذكورة لا يستقيم بها الاستدلال، ولعله أراد الآية (٦٦) من سورة غافر: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.","vol":"9","page":269},{"text":"طردِهم هم الذين يَدْعُون ربَّهم، فيَسْأَلُون عفوَه ومغفرتَه بصالحِ أعمالِهم، وأداءِ ما ألْزَمهم مِن فَرائضِه ونوافلِ تطوُّعِهم، وذكْرِهم إياه بألسنتِهم بالغَداةِ والعشيِّ، يَلْتَمِسون بذلك القُرْبةَ إلى اللهِ والدنوَّ مِن رِضاه، ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: ما عليك مِن حسابِ ما رزَقْتُهم مِن الرزقِ مِن شيءٍ، وما عليهم مِن حسابِ ما رزَقْتُك مِن الرزقِ مِن شيءٍ ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ حِذارَ مُحاسَبتي إياك بما خوَّلْتُهم في الدنيا مِن الرزقِ.\nوقولُه: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾. جوابٌ لقولِه: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.\nوقولُه: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ جوابٌ لقولِه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾.\n\n<span id=\"aya-842\"></span><span data-type='title' id=toc-3014>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾: وكذلك اخْتَبَرْنا وابْتَلَيْنا.\nكالذي حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ يقولُ: ابْتَلَينا بعضَهم ببعضٍ (^١).\nوقد دلَّلْنا فيما مضى مِن كتابِنا هذا على معنى \"الفتنةِ\"، وأنها الاخْتبارُ والابْتلاءُ، بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٣٥٦، ٣٥٧.","vol":"9","page":270},{"text":"وإنما فتنةُ اللهِ تعالى ذكرُه بعض خلقه ببعضٍ مخالفتُه بينَهم فيما قسَم لهم مِن الأرزاقِ والأخْلاقِ، فجعَل بعضًا غنيًّا وبعضًا فقيرًا، وبعضًا قويًّا وبعضًا ضعيفًا، فأَحْوَجَ بعضَهم إلى بعضٍ؛ اخْتبارًا منه لهم بذلك. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾: يعني أنه جعَل بعضَهم أغْنياءَ وبعضَهم فقراءَ، فقال الأغنياءُ للفقراءِ: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾. يعني: هداهم اللهُ. وإنما قالوا ذلك استهزاءً وسخريًّا (^١).\nوأما قولُه: ﴿لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اخْتَبَرْنا الناسَ بالغنى والفقرِ، والعزِّ والذُّلِّ، والقوةِ والضعفِ، والهدى والضلال؛ كي يَقولَ مَن أضلَّه اللهُ وأعماه عن سبيلِ الحقِّ للذين هداهم اللهُ ووفَّقَهم: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بالهُدَى والرُّشْدِ، وهم فقراءُ ضعفاءُ أذلاءُ، ﴿مِنْ بَيْنِنَا﴾، ونحن أغنياءُ أقوياءُ؟ اسْتِهزاءً بهم، مَعابةً (^٢) للإسلامِ وأهلِه.\nيقولُ تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾. وهذا منه تعالى ذكرُه إجابةٌ لهؤلاءِ المشركين الذين أنْكَروا أن يَكونَ اللهُ هدَى أهلَ المَسْكَنةِ والضعفِ للحقِّ، وخذَلَهم عنه وهم أغنياءُ، وتَقْرِيرٌ لهم: أنا أعْلَمُ بمَن كان مِن خَلْقِي شاكرًا نِعْمتي،\n_________\n(^١) في م، س: \"سخرية\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٩ (٧٣٤١) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٤ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"معاداة\".","vol":"9","page":271},{"text":"ممَّن هو [لها كافرٌ] (^١)، فمَنِّي على مَن منَنْتُ عليه منهم بالهدايةِ؛ جزاءَ شكرِه إياي على نعمتي، وتَخْذيلي مَن خَذَلْتُ منهم عن سبيلِ الرَّشادِ؛ عقوبةَ كُفْرانِه إياي نعمتي - لا لِغنَى الغنيِّ منهم، ولا لفَقْرِ الفقيرِ؛ لأن الثوابَ والعقابَ لا يَسْتَحِقُّه أحدٌ إلا جزاءً على عملِه الذي اكْتَسَبه، لا على غناه وفقرِه؛ لأن الغِنَى والفقرَ، والعجزَ والقوةَ، ليس مِن أفعالِ خلقي.\n\n<span id=\"aya-843\"></span><span data-type='title' id=toc-3015>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بهذه الآية؛ فقال بعضُهم: عنَى بها الذين نهى اللهُ نبيَّه عن طردِهم. وقد مضت ممم ١ لروايةُ بذلك عن قائليه.\nوقال آخرون: عنَى بها قومًا اسْتَفْتَوُا النبيَّ ﷺ في ذنوبٍ أصابوها عظامٍ، فلم يُؤَيِّسْهم اللهُ مِن التوبةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مُجَمِّعٍ، قال: سمِعْتُ ماهانَ، قال: جاء قومٌ إلى النبيِّ ﷺ قد أصابوا ذنوبًا عظامًا، قال ماهانُ: فما إخالُه ردَّ عليهم شيئًا. قال: فأَنْزَلَ اللهُ هذه الآيةَ: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ الآية (^٢).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن مُجَمِّعٍ، عن ماهانَ، أن قومًا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"له كافرا\".\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٠٧، ١٠٨، وأخرجه مسدد في مسنده - كما في المطالب العالية (٣٩٧٣) - من طريق يحيى بن سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"9","page":272},{"text":"جاءوا إلى النبيِّ ﷺ، فقالوا: يا محمدُ، إنا أصَبْنا ذنوبًا عظامًا. فما إخالُه ردَّ عليهم شيئًا، فانْصَرَفوا، فأنزل الله تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. قال: فدعاهم، فقرَأَها عليهم. حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مُجَمِّعٍ التَّميميِّ، قال: سَمِعْتُ ماهانَ يقولُ. فذكر نحوَه (^١).\nوقال آخَرون: بل عُنِي بها قومٌ مِن المؤمنين كانوا أشاروا على النبيِّ ﷺ بطردِ القومِ الذين نهاه الله عن طردهم، فكان ذلك منهم خَطيئةً، فغفَرها الله لهم، وعفا عنهم، وأمَر نبيَّه ﷺ إذا أتَوه أن يُبَشِّرَهم بأن قد غفر لهم خَطيئتَهم التي سلَفَت منهم بمشُورتهم على النبيِّ ﷺ بطردِ القومِ الذين أشاروا عليه بطردهم. وذلك قولُ عكرمةَ وعبدِ الرحمنِ بن زيدٍ، وقد ذكَرْنا الروايةَ عنهما بذلك قبلُ.\nوأولى الأقْوالِ في ذلك عندي بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: المعنيُّون بقولِه: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾. غيرُ الذين نهى الله النبيَّ ﷺ عن طردِهم؛ لأن قولَه: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ خَبرٌ مُسْتَأْنَفٌ بعدَ تَقَضِّي الخبر عن الذين نهَى الله نبيَّه ﷺ عن طردهم، ولو كانوا هم لقيل: وإذا جاءوك فقلْ: سلامٌ عليكم. وفي ابتداءِ اللهِ الخبرَ عن قصة هؤلاء وتركِه وَصْلَ الكلامِ بالخبر عن الأوَّلين ما يُنْبِئُ عن أنهم غيرُهم.\nفتأويلُ الكلام (^٢) إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا: وإذا جاءك يا محمدُ القومُ الذين يُصَدِّقون بتنزيلِنا وأدلتِنا وحُجَجِنا، فيُقِرُّون بذلك قولًا وعملًا، مُسْتَرْشِدِيك عن ذنوبِهم التي سلَفَت منهم بيني وبينهم، هل لهم منها توبةٌ؟ فلا تُؤَيِّسْهم منها، وقل\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٠ (٧٣٤٥) من طريق أبي نعيم به.\n(^٢) بعده في س: \"إذن\".","vol":"9","page":273},{"text":"لهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أمَنَةُ اللهِ لكم من ذنوبكم، أن يُعاقِبكم عليها بعدَ توبتِكم منها، ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. يقولُ: قضَى رَبُّكم الرحمةَ بخلقِه ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nواخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامَّةُ قرأةِ المَدَنِيين: (أنه من عمِل منكم سوءًا). فيَجْعَلون \"أنَّ\" منصوبةً على الترجمة بها عن \"الرحمةِ\"، (ثم تاب مِن بعدِه وأصْلَح فإنه غفورٌ رحيمٌ) (^١). على ائْتِنافِ \"إنه\" بعدَ الفاءِ، فيَكْسِرونها ويَجْعَلونها أداةً لا موضعَ لها، بمعنى: فهو له غفورٌ رحيمٌ، أو: فله المغفرةُ والرحمةُ. وقرَأَهما بعضُ الكوفِيِّين بفتحِ الألفِ منهما جميعًا، بمعنى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ثم تَرْجَم بقوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾.\nعن الرحمةِ، ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢). فيَعْطِفُ بـ \"أنه\" الثانيةِ، على \"أنه\" الأولى، ويَجْعَلُهما اسمين منصوبين على ما بيَّنْتُ.\nوقرأ ذلك بعض المكِّيِّين وعامةُ قرأةِ أهلِ العراق مِن الكوفةِ والبصرةِ، بكسرِ الألفِ مِن \"إنه\" و\"إنه\" على الابْتداءِ، وعلى أنهما أداتان لا موضعَ لهما (^٣).\nوأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب قراءةُ من قرَأَهما بالكسرِ: (كتَب ربُّكم على نفسِه الرحمةَ إنه) على ابتداءِ الكلامِ، وأن الخبرَ قد انْتَهَى عندَ قولِه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، ثم اسْتُؤْنِف الخبرُ عما هو فاعلٌ تعالى ذكرُه بمَن عمِل سوءًا بجَهالةٍ ثم تاب وأصْلَح منه.\n_________\n(^١) وهي قراءة نافع وأبي جعفر. ينظر النشر ٢/ ١٩٤.\n(^٢) وهي قراءة عاصم وابن عامر ويعقوب. المصدر السابق.\n(^٣) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي وخلف. المصدر السابق.","vol":"9","page":274},{"text":"ومعنى قولِه: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾: أنه من اقْتَرَف منكم ذنبًا، فجهِل باقْتِرافِه إياه، ثم تاب وأَصْلَحَ ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ﴾ لذنبِه إذا تاب وأناب، وراجَع العملَ بطاعةِ اللهِ، وترَك العَوْدَ إلى مثلِه مع الندم على ما فرَط منه ﴿رَحِيمٌ﴾ بالتائبِ أن يُعاقِبَه على ذنبه بعد توبتِه منه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن عثمان، عن مجاهدٍ: ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾. قال: مَن جهِل أنه لا يَعْلَمُ حلالًا مِن حرامٍ، ومِن جَهالتِه ركب الأمرَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]. قال: مَن عَمِل بمعصية الله، فذاك منه جهلٌ حتى يَرْجِعَ (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا بكرُ بنُ خُنَيْسٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾. قال: كلُّ مَن عمِل بخطيئةٍ فهو بها جاهلٌ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا خالدُ بنُ دينارٍ أبو خَلْدةَ، قال: كنا إذا دخَلْنا على أبي العاليةِ قال: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠١ (٧٣٤٧) من طريق أبي خالد به بنحوه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠١ (٧٣٤٨) من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه.","vol":"9","page":275},{"text":"عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-844\"></span><span data-type='title' id=toc-3016>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: وكما فصَّلْنا لك في هذه السورة من ابتدائِها وفاتحتِها يا محمدُ إلى هذا الموضعِ، حجتَنا على المشركين مِن عَبَدةِ الأوثانِ، وأدلتَنا، وميَّزْناها لك وبيَّناها، كذلك نُفَصِّلُ لك أعلامَنا وأدلتَنا في كلِّ حقٍّ يُنْكِرُه أهلُ الباطل من سائر أهل الملل غيرِهم، فنُبَيِّنُها لك حتى يَتَبَيَّنَ حقُّه من باطله، وصَحيحُه مِن سَقيمِه.\nواخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينة: (ولتَسْتَبِينَ) بالتاءِ (سَبِيلَ المجْرمِين) (^٢) بنصبِ \"السبيلِ\"، على أنَّ \"تستبين\" خطابٌ للنبيِّ ﷺ، كأن معناه عندَهم: ولِتَسْتَبِينَ أنت يا محمدُ سبيلَ المجرمين.\nوكان ابن زيدٍ يَتَأَوَّلُ ذلك: ولِتَسْتَبِينَ أنت يا محمدُ سبيلَ المجرمين الذين سأَلوك طَرْدَ النفرِ الذين سأَلوه طردَهم عنه مِن أصحابِه.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: (ولِتَسْتَبِينَ سبيلَ المُجْرِمين). قال: الذين يَأْمُرُونك بطردِ هؤلاء (^٣).\nوقرَأ ذلك بعضُ المكِّيِّين وبعضُ البصريين: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ بالتاءِ ﴿سَبِيلُ\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٢٢١، وابن عساكر في تاريخه ١٨/ ١٨٥ من طريق أبي خلدة به.\n(^٢) وهي قراءة نافع وأبي جعفر. ينظر النشر ٢/ ١٩٤.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٢ (٧٣٥٧) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"9","page":276},{"text":"الْمُجْرِمِينَ﴾ (^١) برفعِ \"السبيلِ\" على أن القصدَ للسبيلِ، ولكنه يُؤَنِّثُها، وكأن معنى الكلامِ عندَهم: وكذلك نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَتَّضِحَ لك وللمؤمنين طريقُ المجرمين.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (وليَسْتَبِينَ) بالياءِ (سبيلُ المجْرمِين) (^٢) برفعِ \"السبيلِ\"، على أن الفعلَ للسبيلِ، ولكنهم يُذكِّرونه، ومعنى هؤلاء في هذا الكلام، ومعنى مَن قرَأ ذلك بالتاءِ في: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾، ورفَع السبيلَ، واحدٌ، وإنما الاختلافُ بينَهم في تذكيرِ السبيلِ وتأنيثها.\nوأولى القراءتين بالصوابِ عندي في \"السبيل\" الرفعُ؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه فصَّل آياته في كتابِه وتنزيلِه ليَتَبَيَّنَ الحقَّ بها مِن الباطلِ جميعُ مَن خُوطِب بها، لا بعضٌ دونَ بعضٍ.\nومن قرَأ \"السبيلَ\" بالنصبِ، فإنما جعَل تَبْيينَ ذلك محْصورًا على النبيِّ ﷺ.\nوأما القراءةُ في قولِه: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ فسواءٌ قُرِئَت بالتاءِ أو بالياءِ؛ لأن مِن العربِ مَن يُذَكِّرُ \"السبيلَ\"، وهي تَميمٌ وأهلُ نجدٍ، ومنهم مَن يُؤَنَّثُ \"السبيلَ\"، وهم أهلُ الحجازِ، وهما قراءتان مُسْتَفِيضتان في قرأةِ الأمصارِ، ولغتان مشهورتان مِن لغاتِ العربِ، وليس في قراءةِ ذلك بإحداهما خلافٌ لقراءتِه بالأُخرى، ولا وجهَ لاختيارِ إحداهما على الأُخرى بعد أن يُرْفَعَ \"السبيلُ\"؛ للعلةِ التي ذكَرْنا.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: تُبَيِّنُ الآياتِ (^٣).\n_________\n(^١) وهي قراءة ابن كثير، وحفص عن عاصم، وأبي عمرو وابن عامر ويعقوب. ينظر النشر ٢/ ١٩٤.\n(^٢) وهي قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم، وخلف. النشر ٢/ ١٩٤.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٧.","vol":"9","page":277},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في: ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: نُبَيِّنُ.\n\n<span id=\"aya-845\"></span><span data-type='title' id=toc-3017>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين بربِّهم مِن قومِك، العادِلِين به الأوثان والأندادَ الذين يَدْعُونك إلى موافقتِهم على دينِهم، وعبادةِ الأوثانِ -: إن اللهَ نهاني أن أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دونِه، فلن أَتَّبِعَكم على ما تَدْعُونني إليه من ذلك، ولا أُوافِقَكم عليه، ولا أُعْطِيَكم محبَّتَكم وهواكم فيه، وإن فعَلْتُ ذلك فقد ترَكْتُ مَحَجَّةَ الحَقِّ، وسلَكْتُ على غير الهُدَى، فصِرْتُ ضالًّا مثلَكم على غير استقامةٍ.\nوللعربِ في \"ضَللْتُ\" لغتان؛ فتحُ اللامِ وكسرُها، واللغةُ الفصيحةُ المشهورةُ هي فتحُها، وبها قرَأ عامةُ قرأة الأمصار، وبها نَقْرأُ؛ لشهرتِها في العربِ، وأما الكسرُ فليس بالغالبِ في كلامِها، والقرأةُ بها قليلون (^١)، فمَن قال: \"ضلَلْتُ\" قال: أَضِلُّ. ومَن قال: \"ضلِلْتُ\" قال في المستقبلِ: أَضَلُّ. وكذلك القراءةُ عندَنا في سائرِ القرآنِ ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ [السجدة:١٠] بفتحِ اللامِ.\n\n<span id=\"aya-846\"></span><span data-type='title' id=toc-3018>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء العادِلين بربِّهم، الداعِين لك إلى الإشراكِ بربِّك: ﴿إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: إني على بيانٍ قد تبَيَّنْتُه، وبرهانٍ قد وضَح لي ﴿مِنْ رَبِّي﴾. يقولُ: مِن توحيدِه (^٢)، وما أنا عليه مِن\n_________\n(^١) وهي قراءة شاذة، قرأ بها السلمي وابن وثاب وطلحة. البحر المحيط ٤/ ١٤٢.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"توحيدي\".","vol":"9","page":278},{"text":"إخلاصِ عبودتِه من غيرِ إشراكِ شيءٍ به.\nوكذلك تقولُ العربُ: فلانٌ على بينةٍ من هذا الأمرِ. إذا كان على بيانٍ منه، ومن ذلك قولُ الشاعرِ (^١):\nأبَيِّنَةً تَبْغُون بعدَ اعترافِهِ … وقولِ سُوَيْدٍ قد كَفَيْتُكُمْ بِشْرَا\n﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾. يقولُ: وكذَّبْتُم أنتم بربِّكم. والهاءُ في قولِه: ﴿بِهِ﴾ (^٢) من ذكرِ الربِّ جلّ وعزّ. ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾. يقولُ: ما الذي تَسْتَعْجِلون مِن نِقَمِ اللهِ وعذابِه بيدي، ولا أنا على ذلك بقادرٍ. وذلك أنهم قالوا حينَ بعث اللهُ نبيَّه محمدًا ﷺ بتَوحيده، فدعاهم إلى اللهِ، وأَخْبَرَهم أنه رسولُه إليهم: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣]. وقالوا للقرآنِ: هو أضْغاتُ أحلامٍ. وقال بعضُهم: بل هو اخْتِلاقٌ اخْتَلَقَه. وقال آخرون: بل محمدٌ شاعرٌ، فلْيَأْتِنا بآيةٍ كما أُرْسِل الأوَّلون. فقال اللهُ لنبيِّه ﷺ: أَجِبْهم بأن الآياتِ بيدِ اللهِ لا بيدِك، وإنما أنت رسولٌ، وليس عليك إلا البلاغُ لما أُرْسِلْتَ به، وأن اللهَ يَقْضِي الحقَّ فىهم وفيك، ويفصِلُ به بينَك وبينَهم، فيَتَبَيَّنُ المُحِقُّ منكم والمُبْطِلُ، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾. أيْ: وهو خيرُ مَن بيَّن وميَّز بينَ المُحقِّ والمُبطِلُ، وأعْدلُهم؛ لأنه لا يَقَعُ في حكمِه وقَضائِه حَيْفٌ إلى أحدٍ، لوسيلةٍ له إليه، ولا لقرابةٍ ولا مُناسبةٍ، ولا في قضائِهِ جَوْرٌ؛ لأنه لا يَأْخُذُ الرَّشْوةَ في الأحكامِ فيَجُورَ، فهو أعدلُ الحكامِ وخيرُ الفاصِلين.\nوقد ذُكِر لنا في قراءةِ عبدِ اللهِ: (وهو أَسْرَعُ الفاصِلين) (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي\n_________\n(^١) مجاز القرآن ١/ ١٩٣.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) البحر المحيط ٤/ ١٤٣، وهي قراءة شاذة لمخالفتها المصحف.","vol":"9","page":279},{"text":"بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه قال: في قراءةِ عبدِ اللهِ: (يَقْضِي الحقَّ وهو أَسْرَعُ الفاصِلِين) (^١).\nواخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: (يَقْضِي الحَقَّ)؛ فقرَأَه عامةُ قرأةِ الحجازِ والمدينةِ وبعضُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ﴾.\nبالصادِ بمعنى القَصَصِ (^٢). وتأوَّلوا في ذلك قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]. وذُكِر ذلك عن ابنِ عباسٍ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيَيْنَةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾. وقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (^٣).\nوقرَأ ذلك جماعةٌ من قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقْضِي الحَقَّ) بالضادِ (^٤)، من القضاء بمعنى الحكم والفصل بالقضاء، واعْتَبَروا صحةَ ذلك بقولِه: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾. وأن الفصلَ بين المختلفين إنما يكونُ بالقضاءِ لا بالقَصَصِ.\nوهذه القراءةُ عندَنا أولى القراءتين بالصوابِ (^٥)؛ لِما ذكَرْنا لأهلِها من العلةِ.\nفمعنى الكلامِ إذن: ما الحكمُ فيما تَسْتَعْجِلون به أيُّها المشركون مِن عذابِ اللهِ، وفيما بيني وبينكم، إلا لله الذي لا يَجورُ في حكمه، وبيده الخلقُ والأمرُ، يَقْضِي الحقَّ بيني وبينكم، وهو خيرُ الفاصِلين بينَنا بقضائِه وحكمِه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤ إلى المصنف وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) وهي قراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وعاصم. النشر ١/ ١٩٤.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٨٠ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٣ (٧٣٦٠) من طريق ابن عيينة به.\n(^٤) وهي قراءة أبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب. النشر ١/ ١٩٤.\n(^٥) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"9","page":280},{"text":"<span id=\"aya-847\"></span><span data-type='title' id=toc-3019>القولُ في تأويل قولِه: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادلِين بربِّهم الآلهةَ والأوثانَ، المُكَذِّبِيك فيما جئْتَهم به، السائِلِيك أن تَأْتِيَهم بآيةٍ؛ اسْتِعْجالًا منهم بالعذابِ: لو أن بيدي ما تَسْتَعْجِلون به من العذابِ ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ففُصِل ذلك أسرعَ الفَصْلِ بتعجيلي لكم ما تَسْأَلُوني من ذلك وتَسْتعْجِلونه، ولكنَّ ذلك بيد الله، الذي هو أعلمُ بوقتِ إرسالِه على الظالمين، الذين يَضَعُون عبادتَهم التي لا تَنْبَغِي أن تَكونَ إلا للهِ في غيرِ موضعِها، فيَعْبُدُون مِن دونِه الآلهةَ والأصنامَ، وهو أعلمُ بوقتِ الانتقامِ منهم، وحالِ القضاءِ بيني وبينَهم.\nوقد قيل: معنى قولِه: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: الذبحُ للموتِ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: بلَغَني في قولِه: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾. قال: ذبحُ الموتِ (^١).\nوأَحْسَبُ أن قائلَ هذا النوعِ نزَع لقولِه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ [مريم: ٣٩]. فإنه رُوِي عن النبيِّ ﷺ في ذلك قصةٌ تَدُلُّ على معنى ما قاله هذا القائلُ في قضاءِ الأمرِ (^٢). وليس قولُه: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ مِن ذلك في شيءٍ، وإنما هذا أمرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا ﷺ أن يَقولَ لمن اسْتَعْجَله فصْلَ القضاءِ بينَه وبينَهم مِن قولِه بآيةٍ يَأْتيهم بها: لو أن العذابَ والآياتِ بيدي وعندي، لعاجَلْتُكم بالذي تَسْألوني من ذلك، ولكنه بيدِ مَن هو أعلمُ بما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٣ (٧٣٦٥) من طريق أبي خالد الأحمر به.\n(^٢) يشير إلى ما رواه البخاري (٤٧٣٠) ومسلم (٢٨٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ \"يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار\". ثم ذكر ذبحه.","vol":"9","page":281},{"text":"يُصْلِحُ خلقه مني ومِن جميعِ خلقِه.\n\n<span id=\"aya-848\"></span><span data-type='title' id=toc-3020>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.</span>\nيقولُ: وَعِنْدَ اللهِ مفاتحُ الغيبِ. والمفاتحُ: جمعُ مِفْتَحٍ، يقالُ فيه: مِفْتَحٌ ومِفْتاحٌ. فمَن قال: مِفْتَحٌ. جمَعه مَفاتِحَ، ومَن قال: مِفْتَاحٌ. جمَعه مَفاتيحَ.\nويعني بقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾: خزائنُ الغيب.\nكالذي حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾. قال: يقولُ: خَزائنُ الغيبِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن مِسْعَرٍ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ سلِمةَ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: أُعْطِي نبيُّكم (^٢) كلَّ شيءٍ إلا مَفاتحَ الغيبِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾. قال: من خمسٌ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (^٤) [لقمان: ٣٤].\nفتأويلُ الكلام إذن: واللهُ أعلمُ بالظالمين من خلقِه، وما هم مُسْتَحِقُّوه، وما هو\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٤ (٧٣٦٨) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) بعده في ص: \"علم\".\n(^٣) أخرجه أحمد ٧/ ٢٨٦ (٤٢٥٣) عن وكيع به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٤٧٧ من طريق مسعر به، وأخرجه الطيالسي (٣٨٥)، وأحمد ٦/ ١٧٢، ٧/ ٢٣٢ (٣٦٥٩، ٤١٦٧) من طريق عمرو بن مرة به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"9","page":282},{"text":"بهم صانعٌ، فإن عندَه علم ما غاب علمُه عن خلقِه، فلم يَطَّلِعُوا عليه ولم يُدْرِكوه ولم يَعْلَموه، ولن (^١) يُدْرِكوه، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، يقولُ: وعنده علمُ ما لم يَغِبْ أيضًا عنكم؛ لأن ما في البرِّ والبحرِ مما هو ظاهرٌ للعين يَعْلَمُه العبادُ.\nفكأن معنى الكلامِ: وعندَ اللهِ علمُ ما غاب عنكم أيُّها الناسُ مما لا تَعْلَمونه ولن تَعْلَموه مما اسْتَأْثرَ بعلْمِه نفسَه، ويَعْلَمُ أيضًا مع ذلك جميعَ ما يَعْلَمُه جميعُكم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ؛ لأنه لا شيء إلا ما يَخْفَى عن الناسِ، أو ما لا يَخْفَى عليهم، فأخْبَر تعالى ذكرُه أن عندَه علمَ كلِّ شيءٍ كان ويَكونُ، وما هو كائنٌ مما لم يَكُنْ بعد، وذلك هو الغيبُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3021>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَسْقُطُ ورقةٌ في الصَّحارِي والبراريِّ، ولا في الأمصارِ والقُرَى، إلا اللهُ يَعْلَمُها، ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: ولا شيءٌ أيضًا مما هو موجودٌ، أو مما سيُوجَدُ ولم يُوجَدْ بعدُ، إلا وهو مُثْبَتٌ في اللَّوْحِ المحفوظِ، مكتوبٌ ذلك فيه، ومرسومٌ عددُه ومَبْلَغُه، والوقتُ الذي يُوجَدُ فيه، والحالُ التي يَفْنَى فيها.\nويعني بقوله: ﴿مُبِينٍ﴾. أنه يُبِينُ عن صحةِ ما هو فيه بوجود ما رُسِم فيه على ما رُسِم.\nفإن قال قائلٌ: وما وجهُ إثباتِه في اللوحِ المحفوظِ والكتابِ المبينِ ما لا يَخْفَى عليه، وهو بجميعِه عالمٌ لا يَخافُ نسيانَه؟\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لا\".","vol":"9","page":283},{"text":"قيل له: لله تعالى فعلُ ما شاء، وجائزٌ أن يَكونَ كان ذلك منه امْتحانًا منه لحفَظَتِه، واختبارًا للمُوَكَّلِين بكتابةِ أعمالِهم، فإنهم فيما ذُكِر مأْمورون بكتابةِ أعمالِ العبادِ، ثم بعرضِها على ما أثْبَتَه اللهُ من ذلك في اللوحِ المحفوظِ، حتى أَثْبَت فيه ما أَثْبَت كلَّ يومٍ. وقيل: إن ذلك معنى قولِه: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]. وجائزٌ أن يَكونَ ذلك لغيرِ ذلك، مما هو أعلمُ به، إما بحُجةٍ يَحْتَجُّ بها على بعضِ ملائكتِه، وإما على بني آدمَ، وغير ذلك.\nوقد حدَّثني زيادُ بنُ يحيى (^١) الحسَّانيُّ أبو الخطابِ، قال: ثنا مالكُ بنُ سُعَيْرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن يزيدَ بن أبي زِيادٍ، عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ، قال: ما في الأرضِ من شجرةٍ ولا كمَغْرِزِ إبرةٍ، إلا عليها ملكٌ مُوَكَّلٌ بها، يَأْتِي اللهَ بعلمِها (^٢)؛ يُبْسِها إذا يَبِسَت، ورُطوبتِها إذا رَطِبَت (^٣).\n\n<span id=\"aya-849\"></span><span data-type='title' id=toc-3022>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: وقلْ لهم يا محمدُ: واللهُ أعلمُ بالظالمين، واللهُ هو الذي يَتَوَفَّى أَرْواحَكم بالليلِ، فيَقبِضُها مِن أجسادِكم، ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾. يقولُ: ويَعْلَمُ ما كسَبْتُم مِن الأعمالِ بالنهارِ.\nومعنى \"التَّوَفِّى\" في كلامِ العربِ اسْتِيفاءُ العددِ، كما قال الشاعرُ (^٤):\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"عبد الله\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٥٢٣، والأنساب ٢/ ٢١٧.\n(^٢) في م: \"يعلمه\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٤ (٧٣٧١) من طريق مالك به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ١٩، وأبو الشيخ في العظمة (٣٢٨) من طريق الأعمش به.\n(^٤) هو منظور الوبرى، والرجز في تهذيب اللغة ١٥/ ٥٨٥، واللسان (وف ى).","vol":"9","page":284},{"text":"إن بني الأَدْرمِ (^١) ليسوا مِن أحَدْ … ولا تَوَفَّاهم قُريشٌ في العَدَدْ\nبمعنى: لم تُدْخِلْهم قريشٌ في العددِ.\nوأما الاجتراحُ عند العربِ فهو عملُ الرجل بيدِه أو رجلِه أو فمِه، وهي الجوارحُ عندَهم، جوارحُ البدنِ فيما ذُكِر عنهم، ثم يُقالُ لكلِّ مُكْتَسِبٍ عملًا: جارحٌ؛ لاستعمال العرب ذلك في هذه الجوارح، ثم كثُر ذلك في الكلام، حتى قيل لكلِّ مُكْتَسِبٍ كَسْبًا، بأيِّ أعضاءِ جسمِهِ اكْتَسَب: مُجْتَرِحٌ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾: أما ﴿يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ ففي النومِ، وأما ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾. فيقولُ: ما اكْتَسَبْتُم مِن الإثمِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾: يعني: ما اكْتَسَبْتُم مِن الإِثْمِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الأدم\"، وفي م، واللسان: \"الأدرد\" والصواب ما أثبتناه من تهذيب اللغة. وبنو الأدرم حي من قريش. اللسان (د ر م).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٥ (٧٣٧٦) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"9","page":285},{"text":"قتادةَ: ﴿مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾. قال: ما عمِلْتم بالنهارِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادة مثلَه (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾: يعني بذلك نومَهم، ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾، أي: ما عمِلْتم مِن ذنبٍ فهو يَعْلَمُه، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن ذلك.\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾. قال: أما وفاتُه إياهم بالليلِ فمنامُهم، وأما ﴿مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ فيقولُ: ما اكْتَسَبْتم بالنهارِ (^٢).\nوهذا الكلام وإن كان خبرًا مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن قدرتِه وعلمِه، فإن فيه احتجاجًا على المشركين به الذين كانوا يُنْكرون قدرتَه على إحيائِهم بعدَ مماتِهم، وبعثِهم بعد فنائِهم، فقال تعالى ذكرُه مُحْتَجًّا عليهم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾. يقولُ: فالذي يَقْبِضُ أرواحَكم بالليلِ، ويَبْعَثُكم في النهارِ لتَبْلُغوا أجلًا مُسَمًّى، وأنتم تَرَوْن ذلك وتَعْلَمون صحتَه، غيرُ مُنْكَرٍ له القدرةُ على قبضِ أرْواحِكم وإفنائِكم، ثم ردِّها إلى أجسادِكم وإنشائِكم بعدَ مماتِكم، فإن ذلك نظيرُ ما تُعاينون وتُشاهدون، وغيرُ مُنْكَرٍ لمن قدَر على ما تُعايِنون من ذلك، القدرةُ على ما لم تُعايِنوه، وإن الذي لم تَرَوْه\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٦ (٧٣٧٧) عن الحسن بن يحيى به مختصرًا، وذكر باقيه معلقًا عقب الأثر (٧٣٧٦، ٧٣٧٨). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٥ (٧٣٧٥) من طريق أبي حذيفة به، دون آخره، فقد علقه عقب الأثر (٧٣٧٦).","vol":"9","page":286},{"text":"ولم تُعاينوه مِن ذلك، شبيهُ ما رأَيْتُم وعايَنْتُم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3023>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾: يُثِيرُكم ويُوقِظُكم من مَنامِكم، ﴿فِيهِ﴾. يعني: في النهارِ. والهاءُ التي في (^١) ﴿فِيهِ﴾ راجعةٌ على النهارِ.\n﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾. يقولُ: ليَقْضِيَ اللهُ الأجل الذي سماه لحياتكم، وذلك الموتُ، فيَبْلُغُ مدتَه ونهايتَه، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾. يقولُ: ثم إلى اللهِ مَعادُكم ومَصيرُكم، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: ثم يُخْبِرُكم بما كنتم تَعْمَلون في حياتكم الدنيا، ثم يُجازيكم بذلك، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾. قال: في النهارِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾: في النهارِ، والبعثُ اليَقَظَةُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المفضلِ، قال:: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٢٣.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٦ (٧٣٧٧) عن الحسن بن يحيى به.","vol":"9","page":287},{"text":"السديِّ: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾. قال: [في النهارِ] (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾. قال: يَبْعَثُكم في المنامِ.\n﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾: وذلك الموتُ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾: وهو الموتُ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾. قال: هو أجلُ الحياةِ إلى الموتِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾. قال: مدَّتُهم (^٣).\n\n<span id=\"aya-850\"></span><span data-type='title' id=toc-3024>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾: واللهُ الغالبُ خلقَه، العالي عليهم بقدرتِه، لا المقهورُ مِن أوثانِهم وأصنامِهم، المذلَّلُ المَعْلوُّ (^٤) عليه لذلَّتِه.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣، س: \"بالنهار\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٦ عقب الأثر (٧٣٧٨) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٦ (٧٣٧٩) من طريق أبي حذيفة به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٦ (٧٣٨٠) من طريق الحجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في م ت ٢، ت ٣، س: \"المغلوب\".","vol":"9","page":288},{"text":"﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾. وهي ملائكتُه الذين يَتَعاقَبونكم ليلًا ونهارًا، يَحْفَظون أعمالَكم ويُحْصُونها، ولا يُفَرِّطون في حفظِ ذلك وإحصائِه ولا يُضَيِّعون.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾. قال: هي المُعَقِّباتُ من الملائكةِ، يَحْفَظونه ويَحْفَظون عملَه (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. يقولُ: حَفَظةٌ يا بنَ آدمَ يَحْفَظون عليك عملَك ورزقَك وأجلَك، إذا توَفَّيْتَ ذلك قُبِضْتَ إلى ربِّك (^٢).\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّكم يَحْفَظُكم برسلٍ يُعَقِّبُ بينَها، يُرْسِلُهم إليكم بحفظِكم وبحفظِ أعمالِكم، إلى أن يَحْضُرَكم الموتُ ويَنْزِلَ بكم أمرُ اللهِ، فإذا جاء ذلك أحدَكم، توَفَّاه أملا كُنا الموَكَّلون بقبضِ الأرواحِ، ورسلُنا المُرْسَلون به، وهم لا يُفَرِّطون في ذلك فيُضَيِّعونه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٦ (٧٣٨٣) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٦ (٧٣٨٤) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"9","page":289},{"text":"فإن قال قائلٌ: أو ليس الذي يَقْبِضُ الأرْواحَ ملَكُ الموتِ، فكيف قيل: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾. والرسلُ جملةٌ وهو واحدٌ؟ أو ليس قد قال: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١].\nقيل: جائزٌ أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه أعان مَلكَ الموتِ بأعوانٍ من عندِه، فيَتَوَلَّوْن ذلك بأمر ملكِ الموتِ، فيكونُ التَّوَفِّي مضافًا - وإن كان ذلك من فعل أعوانِ ملكِ الموتِ - إلى ملكِ الموتِ، إذ كان فعلُهم ما فعَلوا من ذلك بأمرِه، كما يُضافُ قتلُ مَن قتَل أعوانُ السلطانِ وجلدُ من جلَدوه بأمر السلطانِ، إلى السلطانِ، وإن لم يَكُنِ السلطانُ باشَر ذلك بنفسِه ولا ولِيَه بيدِه.\nوقد تأوَّل ذلك كذلك جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عُبيدِ اللهِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾.\nقال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: لِملَكِ الموتِ أعوانٌ مِن الملائكةِ (^١).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بنِ عُبيدِ اللهِ في قولِه: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. قال: سُئِل ابنُ عباسٍ عنها، فقال: إن لملكِ الموتِ أعوانًا مِن الملائكةِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الحسنِ بن عُبيد الله، عن إبراهيم في قوله: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. قال: أعوانُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٧ (٧٣٨٣)، وأبو الشيخ في العظمة (٤٥٨) من طريق الحسن بن عبيد الله به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦ إلى ابن المنذر.","vol":"9","page":290},{"text":"ملكِ الموتِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. قال: الرسلُ تَوَفَّى الأنفسَ، ويَذْهَبُ بها ملكُ الموتِ (^٢).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا حفصٌ، عن الحسنِ بنِ عُبيدِ اللهِ، [عن إبراهيمَ] (^٣)، عن ابنِ عباسٍ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ قال: أعوانُ ملكِ الموتِ مِن الملائكةِ (^٤).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن الحسنِ بنِ عُبيدِ الله، عن إبراهيمَ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾. قال: هم الملائكةُ أعوانُ ملكِ الموتِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾. قال: إن ملكَ الموتِ له رُسلٌ، فيُرْسَلُ ويُرْفَعُ ذلك إليه، وقال الكلبيُّ: إن ملكَ الموتِ هو يَلِي ذلك، فيَدْفَعُه إن كان مؤمنًا إلى ملائكةِ الرحمةِ، وإن كان كافرًا إلى ملائكةِ العذابِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾. قال: يَلِي قبضَها الرسلُ، ثم يَدْفَعونها إلى ملكِ الموتِ (^٥).\n_________\n(^١) بعده في م: \"حدَّثنا هناد، قال: ثنا حفص، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن ابن عباس: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. قال: الرسل توفى الأنفس، ويذهب بها ملك الموت. والأثر في تفسير سفيان ص ١٠٨، ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٠٩، وأبو الشيخ في العظمة (٤٥٧).\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٠٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٧ (٧٣٨٦)، وأبو الشيخ في العظمة (٤٥٦).\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٧٢ عن حفص به.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٩، ومن طريقه أبو الشيخ في العظمة ص ١٦٤ (٤٥٥).","vol":"9","page":291},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾. قال: يَتَوَفَّاه الرسلُ، ثم يَقْبِضُ منهم ملكُ الموتِ الأنفسَ (^١).\nقال الثوريُّ: وأَخْبرَني الحسنُ بنُ عُبِيدِ اللهِ، عن إبراهيمَ، قال: هم أعوانٌ لملكِ الموتِ (^١).\nقال الثوريُّ: وأخْبرَني رجلٌ، عن مجاهدٍ، قال: جُعِلَت الأرضُ لملكِ الموتِ مثلَ الطَّسْتِ يَتَناوَلُ من حيث شاء، وجُعِلَت له أعوانٌ يَتَوَفَّون الأنفسَ ثم يَقْبِضُها منهم (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بنِ عُبيدِ اللهِ، عن إبراهيمَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾. قال: أعوانُ ملكِ الموتِ مِن الملائكةِ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن الحسنِ بنِ عبيد الله، عن إبراهيمَ، قال: الملائكةُ أعوانُ ملكِ الموتِ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾. قال: يَتَوَفَّوْنه ثم يَدْفَعونه إلى ملكِ الموتِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، قال: سأَلتُ الربيعَ بنَ أنسٍ عن ملكِ الموتِ، أهو وحدَه الذي يَقْبِضُ الأَرْواحَ؟ قال: هو الذي يَلِي أمرَ الأرواحِ، وله أعوانٌ على ذلك، ألا تَسْمَعُ إلى قولِ الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٧]. وقال: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. غيرَ أن ملكَ الموتِ هو [الرئيسُ، و] (^٢) كلُّ خطوةٍ منه مِن المشرقِ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٩.\n(^٢) في النسخ: \"الذي يسير\". والمثبت من مصدري التخريج.","vol":"9","page":292},{"text":"إلى المغربِ. قلتُ: أين تَكونُ أرواحُ المؤمنين؟ قال: عندَ السِّدْرَةِ في الجنةِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا محمدُ بنُ مسلمٍ، عن إبراهيمَ بنِ مَيْسَرةَ، عن مجاهدٍ، قال: ما مِن أهلِ بيتِ شَعَرٍ ولا مَدَرٍ إلا وملكُ الموتِ يُطِيفُ بهم كلَّ يومٍ مرتين (^٢).\nوقد بيَّنا أن معنى \"التَّفْريطِ\" التَّضْييعُ فيما مضَى قبلُ (^٣)، وكذلك تأوَّله المتأوِّلون في هذا الموضعِ.\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا يُفَرِّطُونَ﴾. يقولُ: لا يُضَيِّعون (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. قال: لا يُضَيِّعون (^٥).\n\n<span id=\"aya-851\"></span><span data-type='title' id=toc-3025>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثم رُدَّت الملائكةُ الذين تَوَفَّوْهم، فقبَضوا نفوسَهم وأرواحَهم إلى اللهِ سيدِهم الحقِّ. ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ يقولُ: ألا له الحكمُ والقضاءُ\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤٣٣) من طريق عبد الله به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٠، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤٦٩) من طريق محمد بن مسلم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦ إلى ابن المنذر.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٢٣٤.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٧ (٧٣٨٨) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٧ عقب الأثر (٧٣٨٨) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.","vol":"9","page":293},{"text":"دونَ مَن سواه من جميعِ خلقِه، ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾. يقولُ: وهو أسرعُ مَن حسَب عدَدَكم وأعمالَكم وآجالَكم وغيرَ ذلك مِن أمورِكم أيُّها الناسُ، وأحْصاها وعرَف مقاديرَها ومَبالغَها؛ لأنه لا يَحْسُبُ بعَقْدِ يدٍ، ولكنه يَعْلَمُ ذلك، ولا يَخْفَى عليه منه خافيةٌ، ولا يَعْزُبُ عنه مِثْقَالُ ذرةٍ في السماواتِ ولا في الأرضِ، ولا أصغرُ من ذلك ولا أكبرُ إلا في كتابٍ مُبينٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-852\"></span><span data-type='title' id=toc-3026>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا (^٢) مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: قل يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم، الداعِين لك إلى عبادةِ أوثانِهم: مَن الذي يُنَجِّيكم من ظلماتِ البرِّ إذا ضَلَلْتُم فيه فتحَيَّرْتُم، فأَظْلَم عليكم الهُدَى والمَحَجَّةُ، ومِن ظلماتِ البحرِ إذا ركِبْتُموه فأخْطَأْتم فيه المَحَجَّةَ، فأَظْلَم عليكم فيه السبيلُ، [فلم تَهْتَدوا] (^٣) له - غيرُ اللهِ الذي إليه (^٤) مَفْزَعُكم حينَئذٍ بالدعاءِ، تَضَرُّعًا منكم إليه واسْتِكانةً، جهرًا ﴿وَخُفْيَةً﴾. يقولُ: وإخفاءً للدعاءِ أحيانًا، وإعلانًا وإظهارًا، تقولون: (لئن أنْجَيْتَنا مِن هذه) يا ربِّ، أي: مِن هذه الظلماتِ التي نحن فيها، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. يقولُ: لَتَكونَنَّ ممَّن يُوَحِّدُك بالشكرِ، ويُخْلِصُ لك العبادة، دونَ مَن كنا نُشْرِكُه معك في عبادتك.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تضمين للآية (٢) من سورة \"سبأ\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أنجيتنا\". وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر، والمثبت قراءة الكوفيين ينظر حجة القرآات ص ٢٥٥.\n(^٣) في م: \"فلا تهتدون\".\n(^٤) سقط من: م.","vol":"9","page":294},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾. يقولُ: إذا أضَلَّ الرجلُ الطريقَ دعا اللهَ: (لئن أَنْجَيْتَنَا مِن هذه لَنَكُونَنَّ مِن الشاكرين) (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. يقولُ: مِن كَرْبِ البرِّ والبحرِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-853\"></span><span data-type='title' id=toc-3027>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ لهؤلاء العادِلين بربِّهم سواه مِن الآلهةِ إذا أنت ١ سْتَفْهَمْتَهم عمَّن به يَسْتَعِينون عندَ نزولِ الكرْبِ بهم في البرِّ والبحرِ: اللهُ القادرُ على فَرَجِكم عندَ حلولِ الكربِ بكم، يُنَجِّيكم من عظيمِ النازلِ بكم في البرِّ والبحرِ، مِن هَمِّ الضَّلالِ، وخوفِ الهلاكِ، ومن [كلِّ كربٍ] (^٣) سوى ذلك وهَمٍّ، لا آلهتُكم التي تُشْرِكون بها في عبادتِه، ولا أوثانُكم التي تَعْبُدُونها مِن دونِه التي لا تَقْدِرُ لكم على نفعٍ ولا ضَرٍّ، ثم أنتم بعدَ تفضُّلِه عليكم بكشفِ النازلِ بكم مِن الكربِ ودفعِ الحالِّ بكم مِن جَسيمِ الهَمِّ تَعْدِلون به آلهتَكم وأصنامَكم، فتُشْرِكونها\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٨ (٧٣٩٤) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٨ (٧٣٩١) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٣) في م: \"كرب كل\".","vol":"9","page":295},{"text":"في عبادتِكم إياه، وذلك منكم جهلٌ بواجبِ حقِّه عليكم، وكفرٌ لأيادِيه عندَكم، وتعرُّضٌ منكم لإنزالِ عقوبتِه عاجلًا بكم.\n\n<span id=\"aya-854\"></span><span data-type='title' id=toc-3028>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ لهؤلاء العادِلين بربِّهم (^١) الأصنامَ والأوثانَ يا محمدُ: إن الذي يُنَجِّيكم مِن ظلماتِ البرِّ والبحرِ، ومِن كلِّ كرْبٍ، ثم تَعُودون للإشراكِ به، هو القادرُ على أن يُرْسِلَ عليكم عذابًا مِن فوقِكم أو مِن تحتِ أرجلِكم؛ لشركِكم به، وادِّعائِكم معه إلهًا آخرَ غيرَه، وكفرانِكم نعمَه، مع إسْباغِه عليكم آلاءَه ومِنَنَه.\nوقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى\"العذابِ\" الذي توَعَّد اللهُ به هؤلاء القومَ أن يَبْعَثَه عليهم مِن فوقِهم أو مِن تحتِ أرجلِهم؛ فقال بعضُهم: أما العذابُ الذي توَعَّدَهم به أن يَبْعثَه عليهمِ مِن فوقِهم فالرجمُ. وأما الذي توَعَّدهم أن يَبْعثهَ عليهم مَن تحتِهم فالخَسْفُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [قال: الرجمُ] (^٢). ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: الخَسْفُ (^٣).\n_________\n(^١) بعده في م: \"غيره من\".\n(^٢) سقط من النسخ. والمثبت موافق لما في مصادر التخريج.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٠، ١٣١١ (٧٤٠٢، ٧٤٠٩) من طريق عبد الرحمن بن مهدي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.","vol":"9","page":296},{"text":"حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن الأَشْجَعيِّ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شِبْلٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: الخَسْفُ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: فعذابُ السماءِ، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: فيَخْسِفُ بكم الأرضَ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: كان ابنُ مسعودٍ يَصِيحُ وهو في المجلسِ - أو على المنبرِ -: ألا أيُّها الناسُ، إنه نزَل بكم؛ إن الله يقولُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ لو جَاءَكم عذابٌ مِن السماءِ لم يُبْقِ منكم أحدًا، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ لو خسَف بكم الأرضَ أهْلَكَكم ولم يُبْقِ منكم أحدًا، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ألا إنه نزَل بكم أسوأُ الثلاثِ (^٢).\nوقال آخَرون: عُنِي بالعذابِ من فوقِهم أئمةُ السَّوْءِ، أو من تَحتِ أرجلِهم، الخَدَمُ وسَفِلةُ الناسِ.\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٢٧٠.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢٧٠ نقلا عن المصنف.","vol":"9","page":297},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سَمِعْتُ خَلَّادًا يقولُ: سَمِعْتُ عامرَ بنَ عبدِ الرحمنِ يقولُ: إن ابنَ عباسٍ كان يقولُ في هذه: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: فأما العذابُ مِن فوقِكم فأئمةُ السَّوْءِ، وأما العذابُ مِن تحتِ أرجلِكم فخَدَمُ السَّوْءِ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾. يعني: مِن أمرائِكم، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: يعني: سَفِلتِكم (^٢).\nوأولى التأويلين في ذلك بالصوابِ عندي قولُ مَن قال: عُنِي بالعذابِ مِن فوقِهم الرجمُ أو الطُّوفانُ، وما أشْبَهَ ذلك مما ينْزِلُ عليهم مِن فوقِ رءوسِهم، ومِن تحتِ أرجلِهم الخَسْفُ وما أشْبَهَه. وذلك أن المعروفَ في كلامِ العربِ مِن معنى \"فوق\" و\"تحت\" الأرجلِ، هو ذلك دونَ غيرِه، وإن كان لما رُوِي عن ابنِ عباسٍ في ذلك وجهٌ صحيحٌ، غيرَ أن الكلامَ إذا تُنُوزِع في تأويلِه، فحملُه على الأغلبِ الأشهرِ مِن معناه أحقُّ وأوْلَى مِن غيرِه، ما لم تأْتِ حُجَّةٌ مانعةٌ مِن ذلك يَجِبُ التسليمُ لها.\n\n<span data-type='title' id=toc-3029>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أو يَخْلِطَكُم ﴿شِيَعًا﴾؛ فِرَقًا، واحدتُها شِيعةٌ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٩، ١٣١٠ (٧٤٠٠، ٧٤٠٧) عن يونس بن عبد الأعلى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١١ (٧٤٠٨) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦ إلى أبي الشيخ.","vol":"9","page":298},{"text":"وأما قولُه: ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾ فهو مِن قولِك: لبَسْتُ عليه الأمرَ، إذا خلَطْتَ، فأنا أَلْبِسُه. وإنما قلتُ: إن ذلك كذلك؛ لأنه لا خلافَ بينَ القرأةِ في ذلك بكسرِ الباءِ، ففي ذلك دليلٌ بَيِّنٌ على أنه مِن: لبَس يَلْبِسُ. وذلك هو معنى الخلطِ. وإنما عنَى بذلك: أو يَخْلِطَكم أهواءً مختلفةً، وأحزابًا مفترقةً. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شبلٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾: الأهواءُ المفترقةُ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: يُفَرِّقُ بينَكم (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: ما كان فيكم مِن الفتنِ والاختلافِ (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: الذي فيه الناسُ اليومَ مِن الاختلافِ والأهواءِ وسفكِ دماءِ بعضِهم بعضًا.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: الأهواءُ والاختلافُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٢ (٧٤١٤) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٢٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١١ (٧٤١٣).","vol":"9","page":299},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾: يعني بالشِّيعِ الأهواءَ المختلفةَ (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. فإنه يعني: يُقْتَلُ بعضُكم بيدِ بعضٍ.\nوالعربُ تقولُ للرجلِ يَنالُ الرجلَ بسلاحٍ، فيَقْتُلُه به: قد أذاق فلانٌ فلانًا الموتَ، وأذاقه بأسَه. وأصلُ ذلك مِن ذَوْقِ الطعامِ، وهو يَطْعَمُه، ثم اسْتُعْمِل ذلك في كلِّ ما وصَل إلى الرجلِ مِن لذةٍ وحَلاوةٍ، أو مَرارةٍ ومكروهٍ وألمٍ.\nوقد بيَّنْتُ معنى البأسِ في كلامِ العربِ فيما مضَى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾: بالسيوفِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو النُّعمان عارِمٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن أبي هارونَ العَبْديِّ، عن نَوْفٍ البِكاليِّ أنه قال في قولِه: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال: هي واللهِ الرجالُ في أيديهم الحِرابُ، يَطْعُنون في خَواصِرِكم (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١١ (٧٤١٢) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تقدم في ٣/ ٩٠، ٧/ ٢٦٧.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٢ (٧٤١٧) من طريق حماد بن أبي سليمان به.","vol":"9","page":300},{"text":"عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال: يُسَلِّطُ بعضَكم على بعضٍ بالقتلِ والعذابِ (^١).\nحدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ، قال: عذابُ هذه الأُمَّةِ أهلِ الإقرارِ بالسيفِ، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. وعذابُ أهلِ التكذيبِ الصَّيْحةُ والزلْزلةُ (^٢).\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مَن عُنِي بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بها المسلمون مِن أمةِ محمدٍ ﷺ، وفيهم نزَلَت.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عيسى الدَّامَغانيُّ، قال: أخْبرَنا ابنُ المباركِ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الآية. قال: فهن أربعٌ، وكلُّهن عذابٌ، فجاء [مستقَرُّ اثنتين] (^٣) بعدَ وفاةِ رسولِ اللهِ ﷺ بخمسٍ وعشرين سنةً؛ فلُبِسوا شِيعًا، وأُذِيق بعضُهم بأسَ بعضٍ، وبقِيَت اثنتان، فهما لابدَّ واقِعتانِ. يعني الخَسْفَ والمَسْخَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: لأمةِ محمدٍ ﷺ، وأعْفاكم منه، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: ما كان فيكم مِن الفتنِ والاخْتلافِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٢ (٧٤١٦) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م: \"منهن اثنتين\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٢٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٠، ١٣١١ (٧٤١٣،٧٤٠٤).","vol":"9","page":301},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ الآية: ذُكِر لنا أن رسولَ اللهِ ﷺ صلَّى ذاتَ يومٍ الصبحَ فأطالها، فقال له بعضُ أهلِه: يا نبيَّ اللهِ، لقد صلَّيْتَ صلاةً ما كنتَ تُصَلِّيها! قال: \"إنها صلاةُ رَغْبةٍ ورَهْبةٍ، وإني سأَلْتُ ربي فيها ثلاثًا؛ سَأَلْتُه أَلَّا يُسَلِّطَ على أُمَّتي عدوًّا من غيرِهم فيُهْلِكَهم، فأعْطانيها، وسأَلْتُه أَلَّا يُسَلِّطَ على أمتي السَّنَةَ، فأعْطانِيها، وسأَلْتُه أَلّا يَلْبِسَهم شِيَعًا ولا يُذِيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ، فمنَعَنيها\" (^١).\nذُكِر لنا أن نبيِّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"لا تَزالُ طائفةٌ مِن أمَّتي يُقاتِلون على الحقِّ ظاهرِين، لا يَضُرُّهم مَن خذَلهم حتى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ\" (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ القرشيُّ وسعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قالا: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ.\nعن عمرٍو، سمِع جابرًا يقولُ: لمَّا أنْزَل الله تعالى على النبيِّ ﷺ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: \"أَعوذُ بوجهِك\". ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال: \"هاتان أيْسَرُ، أو أهْوَنُ\" (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن عمرٍو، عن جابرٍ، قال: لمَّا نزَلَت\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١٩/ ٤٦٨ (١٢٤٨٦) من حديث أنس بن مالك، وأخرجه مسلم (٢٨٨٩) من حديث ثوبان بنحوه.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٤٦٠) من حديث معاوية.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١١، والحميدي (١٢٥٩)، ونعيم بن حماد في الفتن (١٧٣٠)، وأحمد ٢٢/ ٢١٨ (١٤٣١٦)، والبخاري (٧٣١٣)، والترمذي (٣٠٦٥)، وأبو يعلى (١٩٦٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١١ (٧٤١٠)، وابن حبان (٧٢٢٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٤٦) من طريق سفيان به، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١١٦٤، ١١١٦٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٤٧) من طريق عمرو به، وزاد عزوه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.","vol":"9","page":302},{"text":"﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: \"نَعوذُ بك، نَعوذُ بك\". ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: \"هو أَهْوَنُ\".\nحدَّثني زيادُ بنُ عُبيدِ اللهِ المرِّيُّ (^١)، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ الفَزاريُّ، قال: ثنا أبو مالكٍ، قال: ثني نافعُ بنُ خالدٍ الخُزاعيُّ، عن أبيه، أن النبيَّ ﷺ صلَّى صلاةً خفيفةً تامَّةَ الركوعِ والسجودِ، فقال: \"قد كانت صلاةَ رَغْبةٍ ورَهْبةٍ، فسأَلْتُ اللهَ فيها ثلاثًا، فأعْطاني اثنتين وبقِي واحدةٌ؛ سَأَلْتُ اللهَ ألا يُصِيبَكم بعذابٍ أصاب به مَن قبلَكم، فأعْطانيها، وسأَلْتُ اللهَ أَلَّا يُسَلِّطَ عليكم عدوًّا يَستبيحُ بَيْضتَكم، فأعْطانيها، وسأَلْتُه ألا يَلْبِسَكَم شِيَعًا ويُذِيقَ بعضَكم بأسَ بعضٍ، فمنَعَنيها\" (^٢). قال أبو مالكٍ: فقلتُ له: أبوك سمِع هذا مِن رسولِ الله ﷺ؟ فقال: نعم، سمِعْتُه يُحَدِّثُ بها القومَ أنه سمِعها مِن فِي رسولِ الله ﷺ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي الأشعثِ، عن أبي أسماءَ الرَّحَبيِّ، عَن شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ، يَرْفَعُه إلى النبيِّ ﷺ، أنه قال: \"إن اللهَ زَوَى ليَ الأرضَ حتى رأيْتُ مَشارقَها ومَغاربَها، وإن مُلْكَ أمتي سيَبْلُغُ ما زُوِي لي منها، وإني أُعْطِيتُ الكنزَيْن الأحمرَ والأبيضَ، وإني سأَلْتُ ربي ألّا يُهْلِكَ قومي بسَنَةٍ عامَّةٍ، وألا يَلْبِسَهم شِيَعًا، ولا يُذِيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ، فقال: يا محمدُ، إني إذا قضَيْتُ قَضاءً فإنه لا يُرَدُّ، وإني أعْطَيْتُك لأُمَّتِكَ أَلَّا أُهْلِكَهم بسَنَةٍ بعامَّةٍ (^٤)، ولا أُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا ممَّن سِواهم فيُهْلِكوهم (^٥)\n_________\n(^١) في النسخ: \"المزني\". وتقدم على الصواب في ٦/ ٢٧٢.\n(^٢) في ص، ت ١: \"فمنعتها\".\n(^٣) أخرجه الطبراني (٤١١٢، ٤١١٤) من طريق مروان بن معاوية به، وأخرجه البخاري في تاريخه ٣/ ١٣٨، والطبراني (٤١١٢ - ٤١١٤) وابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير ٣/ ٢٦٨ - من طريق أبي مالك الأشجعي به.\n(^٤) في م: \"عامة\".\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣: \"فيهلكهم\".","vol":"9","page":303},{"text":"بعامَّةٍ، حتى يَكونَ بعضُهم يُهْلِكُ بعضًا، وبعضُهم يَقْتُلُ بعضًا، وبعضُهم يَسْبِي بعضًا\". فقال النبيُّ ﷺ: \"إني أَخافُ على أمَّتي الأئمةَ المُضِلِّين، فإذا وُضِع السيفُ في أمَّتي لم يُرْفَعْ عنهم إلى يومِ القيامةِ\".\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبرَنا مَعْمَرٌ، قال: أخْبَرَني أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي الأشعثِ، عن أبي أسماءَ الرَّحَبِيِّ، عَن شَدَّادِ ابنِ أوسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ. فذكَر نحوَه، إلا أنه قال: وقال النبيُّ ﷺ: \"إني لا أَخَافُ على أُمَّتِي إلا الأئمةَ المُضِلِّين\" (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن الزهريِّ عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ بنِ نوفلٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ خَبّابِ، قال: راقَب خبَّابُ بنُ الأَرتِّ، وكان بدريًّا، النبيَّ ﷺ وهو يُصَلِّي، حتى إذا فرَغ، وكان في الصبح، قال له: يا رسولَ اللهِ، لقد رأيْتُك تُصَلِّي صلاةً ما رأيْتُك صلَّيْتَ مثلَها! قال: \"أجَل، إنها صلاةُ رَغَبٍ ورَهَبٍ، سأَلْتُ ربي ثلاثَ خِصالٍ، فأعْطاني اثنتين ومنَعَني واحدةً؛ سأَلْتُه ألا يُهْلِكُنا بما أَهْلَك به الأممَ، فأعْطاني، وسألْتُه ألا يُسَلِّطَ علينا عدوًّا، فأعطاني، وسأَلْتُه ألا يَلْبِسَنَا شِيَعًا، فمنَعَني\".\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ [عن عبدِ الله بنِ الحارثِ بنِ نوفلٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ خَبّابٍ] (^٢) في قولِه: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: راقَب خبَّابُ بنُ الأَرَتِّ، وكان بدريًّا، رسولَ الله ﷺ. فذكَر نحوَه، إلا أنه قال: \"ثلاثَ خَصَلاتٍ\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٠، ومن طريقه أخرجه أحمد ٢٨/ ٣٣٩ (١٧١١٥) والبزار (٣٤٨٧).\n(^٢) سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٠، ومن طريقه الطبراني (٣٦٢٤)، وأخرجه أحمد ٥/ ١٠٨، ١٠٩ (الميمنية)، والترمذي (٢١٧٥)، والنسائي (١٦٣٧)، والطبراني (٣٦٢١ - ٣٦٢٣) وابن حبان (٧٢٣٦)، من طرق عن الزهري به.","vol":"9","page":304},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: سَمِعْتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: لمَّا نزَلَت على النبيِّ ﷺ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾. قال النبيُّ ﷺ: \"أَعُوذُ بوجهِك\". ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال النبيُّ ﷺ: \"أَعوذُ بوجهِك\". ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: \"هذه أهونُ\" (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن يونُسَ، عن الحسنِ، أن النبيَّ ﷺ قال: \"سأَلْتُ ربي أربعًا (^٢)، فأُعْطِيتُ ثلاثًا، ومُنِعْتُ واحدةً؛ سأَلْتُه ألا يُسَلِّطَ على أمتي عدوًّا مِن غيرِهم يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهم، ولا يُسَلِّطَ عليهم جُوعًا، ولا يَجْمَعَهم على ضَلالةٍ، فأُعْطِيتُهن، وسأَلْتُه ألا يَلْبِسَهم شِيَعًا ويُذِيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ، فمُنِعْتُ\".\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"إني سأَلْتُ ربي خِصالًا، فأعْطاني ثلاثًا ومنَعَني واحدةً؛ سأَلْتُه ألا تَكْفُرَ أمتي صَفْقَةً واحدةً، فأعْطانيها، وسأَلْتُه ألا يُظْهِرَ عليهم عدوًّا مِن غيرِهم، فأعْطانيها، وسأَلْتُه أَلَّا يُعَذِّبَهم بما عذَّب به الأممَ مِن قبلِهم، فأعْطانيها، وسأَلْتُه ألا يَجْعَلَ بأسَهم بينَهم، فمنَعَنيها\".\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن الحسنِ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ؛ قولُه: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال الحسنُ: ثم قال لمحمدٍ ﷺ وهو يُشْهِدُه عليهم: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾. فقام رسولُ الله ﷺ، فتوَضَّأ، فسأَل ربَّه ألا يُرْسِلَ عليهم عذابًا مِن\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١١، وتقدم في ص ٣٠٢.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"9","page":305},{"text":"فوقِهم، أو من تحتِ أرجلهم، ولا يَلْبِسَ أمتَه شِيَعًا، ويُذِيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ، كما أذاق بني إسرائيلَ، فهبَط إليه جبريلُ ﵇، فقال: يا محمدُ، إنك سأَلْتَ ربَّك أربعًا، فأعْطاك اثنتين ومنَعَك اثنتين؛ لن يَأْتِيَهم عذابٌ من فوقِهم ولا مِن تحتِ أرجلِهم يَسْتَأْصِلُهم، فإنهما عذابان لكلِّ أمةٍ اسْتَجْمعت (^١) على تكذيبِ نبيِّها وردِّ كتابِ ربِّها، ولكنهم يَلْبِسُهم شِيَعًا ويُذيقُ بعضَهم بأسَ بعضٍ، وهذان عذابان لأهلِ الإقرارِ بالكتبِ والتصديقِ بالأنبياءِ، ولكن يُعَذَّبون بذنوبِهم، وأوْحَى إليه: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾. يقولُ: مِن أَمتِك ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٤٢]. من العذاب وأنت حيٌّ؛ ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢]. فقام نبيُّ اللهِ ﷺ، فراجَع ربَّه، فقال: \"أَيُّ مُصيبَةٍ أَشْدُّ مِن أن أَرَى أمتي يُعَذِّبُ بعضُها بعضًا\". وأَوْحَى إليه: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (^٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]. فأَعْلَمه أن أُمَّتَه لم تُخَصَّ دونَ الأممِ بالفتنِ، وأنها ستُبْتَلَى كما ابْتُلِيَتِ الأممُ، ثم أَنْزَل عليه: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٣، ٩٤].\nفتَعَوَّذ نبيُّ اللهِ فأعاذه اللهُ، لم يَرَ مِن أمتِه إلا الجماعةَ والأُلفةَ والطاعةَ، ثم أَنْزَل عليه آيةً حذَّر فيها أصحابَه الفتنةَ، فَأَخْبَرَه أنه إنما يُخَصُّ بها ناسٌ منهم دونَ ناسٍ، فقال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥]. فخَصَّ بها أقوامًا من أصحابِ محمدٍ ﷺ بعدَه، وعصَم بها أقوامًا (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفر، عن الربيعِ\n_________\n(^١) في م: \"اجتمعت\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩ إلى المصنف.","vol":"9","page":306},{"text":"ابنِ أنسٍ، عن أبي العالية، قال: لمَّا جاء جبريلُ إلى النبيِّ ﷺ، فَأَخْبَرَه بما يَكونُ في أمتِه مِن الفُرْقة والاخْتِلافِ، فشقَّ ذلك عليه، ثم دعا، فقال: \"اللهم أَظْهِرْ عليهم أفضلَهم بَقِيَّةً (^١) \".\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو الأسودٍ، قال: أخْبرَنا ابنُ لهيعةَ، عن خالدِ بنِ يزيدَ، عن أبي الزُّبير، قال: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أَعُوذُ باللهِ مِن ذلك\". قال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: \"أَعُوذُ باللهِ مِن ذلك\". قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: \"هذه أَيْسرُ\". ولو اسْتَعاذه لأَعاذَه (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا المُؤمَّلُ البصريُّ، قال: أخْبرَنا يعقوبُ بنُ إسماعيلَ بنِ يَسارٍ المدينيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ أسلمَ، قال: لمَّا نزَلَت: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لا تَرْجِعوا بعدي كفارًا يَضْرِبُ بعضُكم رقابَ بعضٍ بالسيوفِ\". فقالوا: ونحن نَشْهَدُ ألا إلهَ إلا اللهُ، وأنك رسولُ اللهِ! قال: \"نعم\". فقال بعضُ الناس: لا يكونُ هذا أبدًا. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (^٣) [الأنعام: ٦٥ - ٦٧].\nوقال آخَرون: عُنِي ببعضِها أهلُ الشركِ، وببعضِها أهلُ الإسلامِ.\n_________\n(^١) في م: \"تقية\". وبقية: يقال: قوم لهم بقية، إذا كانت بهم مُسْكة وفيهم خير. ينظر اللسان (ب ق ى).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١١ (٧٤١١) من طريق أبي الأسود موصولًا عن أبي الزبير، عن جابر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٢ (٧٤١٨) من طريق المؤمل به.","vol":"9","page":307},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بن نصرٍ، قال: أخْبرَنا ابنُ المباركِ، عن هارونَ بنِ موسى، عن حفصِ بن سليمانَ، عن الحسنِ في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: هذا للمشركين. ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال: هذا للمسلمين (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ عندي أن يُقالَ: إن الله تعالى ذكرُه توَعَّد بهذه الآيةِ أهلَ الشركِ به مِن عَبَدةِ الأوثانِ، وإياهم خاطَبَ بها؛ لأنها بين إخْبارٍ عنهم وخطابٍ لهم، وذلك أنها تَتْلُو قولَه: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا (^٢) مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾. ويَتْلُوها قولُه: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾. وغيرُ جائزٍ أن يَكونَ المؤمنون كانوا به مُكَذِّبِين، فإذا كان غيرَ جائزٍ أن يَكونَ ذلك كذلك، وكانت هذه الآيةُ بينَ هاتين الآيتين، كان بيِّنًا أن ذلك وَعِيدٌ لَمَن تَقَدَّم وصْفُ اللهِ إياه بالشركِ، وتأَخَّر الخبرُ عنه بالتكذيبِ، لا لمَن لم يَجْرِ له ذكرٌ، غيرَ أن ذلك وإن كان كذلك، فإنه قد عَمَّ وعيدُه بذلك كلَّ من سلَك سبيلَهم مِن أهلِ الخلافِ على اللهِ وعلى رسولِه، والتكذيبِ بآياتِ اللهِ مِن هذه وغيرِها.\nوأما الأخبارُ التي رُوِيَت عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"سأَلْتُ ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدةً\". فجائزٌ (^٣) أن هذه الآيةَ نزَلَت في ذلك الوقتِ وعيدًا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٠ (٧٤٠٥) من طريق هارون به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أنجيتنا\". وهي قراءة، وينظر الكلام عليها في ص ٢٩٤.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"و\".","vol":"9","page":308},{"text":"لمن ذكَرْتُ من المشركين ومَن كان على مِنْهاجِهم مِن المخالفين ربَّهم، فسأَل رسولُ اللهِ ﷺ ربَّه أن يُعِيذَ أمتَه مما ابْتُلِي به الأمم الذين اسْتَوْجَبوا مِن الله تعالى ذكرُه بمعصيتهم إياه هذه العقوبات، فأعاذَهم بدعائِه إياه ورغبتِه إليه مِن المعاصي التي يَسْتَحِقُّون بها مِن هذه الخِلال الأربعِ من العقوبات ١ ثْنَتين (^١)، ولم يُعِذْهم مِن ذلك ما يَسْتَحِقُّون به اثنتين منها.\nوأما الذين تأوَّلوا أنه عنَى بجميعِ ما في هذه الآيةِ هذه الأمةَ، فإني أراهم تأوَّلوا أن في هذه الأمةِ مَن سَيَأْتِي مِن مَعاصِي اللهِ وركوبِ ما يُسْخِطُ اللهَ، نحوَ الذي ركِب مَن قبلَهم من الأممِ السالفةِ، مِن خلافِه والكفرِ به، فيَحِلُّ بهم مثلُ الذي حَلَّ بمَن قبلَهم مِن المثُلاتِ والنِّقَماتِ، وكذلك قال أبو العاليةِ ومَن قال بقولِه: جاء [مستقَرُّ اثنتين] (^٢) بعدَ رسولِ اللهِ ﷺ بخمسٍ وعشرين سنةً، وبقيت ١ ثنتان؛ الخَسْفُ والمَسْخُ. وذلك أنه رُوِي عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"سيَكُونُ في هذه الأمةِ خَسْفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ\" (^٣). وأن قومًا مِن أمتِه سيَبِيتون على لهوٍ ولعبٍ، ثم يُصْبِحون قِرَدةً وخَنازيرَ (^٤). وذلك إذا كان، فلا شكَّ أنه نظيرُ الذي كان في الأممِ الذين عَتَوْا على ربِّهم في التكذيبِ وجحَدوا آياتِه.\nوقد رُوِي نحوُ الذي رُوِي، عن أبي العاليةِ، عن أُبيٍّ.\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، وحدَّثنا سفيانُ، قال: أخْبرَنا أبي، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بنِ كعبٍ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ\n_________\n(^١) في م: \"أغلظها\".\n(^٢) في م: \"منهن اثنتان\".\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢١٨٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٥٩٠) معلقا من حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري، ووصله البيهقي ١٠/ ٢٢١، والحافظ في التغليق ٥/ ١٧.","vol":"9","page":309},{"text":"عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: هنَّ أربعُ خِلالٍ، وكلُّهن عذابٌ، وكلُّهن واقعٌ قبلَ يومِ القيامةِ، فمضت ١ ثنتان بعدَ وفاةِ رسولِ اللهِ ﷺ بخمسٍ وعشرين سنةً؛ أُلْبِسوا (^١) شِيَعًا، وأُذِيق بعضُهم بأسَ بعضٍ، وثنتان واقِعتان لا مَحالةَ؛ الخسفُ والرجمُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3030>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾:</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: انْظُرْ يا محمدُ بعينِ قلبِك إلى تَرْدِيدِنا حُجَجَنا على هؤلاء المكذِّبين بربِّهم، الجاحِدِين نِعَمَه، وتَصْرِيفِناها فيهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾. يقولُ: ليتفقَّهوا (^٣) ذلك ويَعْتَبِروه، فَيَذَّكَّروا ويَزْدَجِروا عما هم عليه مُقيمون، مما يَسْخَطُه الله منهم من عبادة الأوثان والأصنام، والتكذيب بكتاب الله تعالى ذكرُه ورسوله ﷺ.\n\n<span id=\"aya-855\"></span><span data-type='title' id=toc-3031>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: وكذَّب يا محمدُ قومُك بما تَقولُ وتُخْبِرُ وتُوعِدُ مِن الوَعيدِ، ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾. يقولُ: والوعيدُ الذي أوْعَدْناهم على مُقامهم على شركِهم، من بعثِ العذابِ من فوقهم، أو من تحت أرجلِهم، أو لَبْسِهم شِيَعًا،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ثم لبسوا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ١٨٠، وأحمد في مسنده ٥/ ١٣٤، ١٣٥ (الميمنية)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٥٣ من طريق وكيع به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٩ (٣٧٩٨) من طريق أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٣) في م: \"ليفقهوا\".","vol":"9","page":310},{"text":"وإذاقةِ بعضِهم بأسَ بعضٍ - الحقُّ الذي لاشكَّ فيه أنه واقعٌ، إن هم لم يَتُوبوا ويُنِيبُوا مما هم عليه مُقِيمون من معصيةِ الله والشركِ به، إلى طاعةِ الله والإيمانِ به. ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-856\"></span>يقولُ: قلْ لهم يا محمدُ: لستُ عليكم بحَفيظٍ ولا رَقيبٍ، وإنما أنا رسولٌ أُبلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ به إليكم، ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾.\nيقولُ: لكلِّ خبرٍ ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾. يعني: قرارٌ يَسْتَقِرُّ عندَه، ونهايةٌ يَنتَهِي إليها، فيَتَبَيَّنَ حقُّه وصدقُه من كذبِه وباطلِه. ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: وسوف تَعْلَمون أيُّها المُكذِّبون بصحةِ ما أُخْبِرُكم به من وعيدِ اللهِ إياكم أيُّها المشركون، وحقيقتِه (^١) عندَ حلولِ عذابِه بكم، فرَأَوْا ذلك وعايَنوه، فقتَلَهم يومَئذٍ بأيْدي أوليائِه من المؤمنين. وبنحوِ الذي قلنا من التأويلِ في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾. يقولُ: كذَّبَت قريشٌ بالقرآنِ وهو الحقُّ. وأما الوكيلُ فالحفيظُ. وأما ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾، فكان نبأُ القرآنِ اسْتَقَرَّ يومَ بدرٍ، بما كان يَعِدُهم مِن العذابِ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾: لكلِّ نبأٍ حقيقةٌ، إما في الدنيا وإما في الآخرةِ،\n_________\n(^١) في م: \"حقيته\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٣ (٧٤٢٠، ٧٤٢١، ٧٤٢٤) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠ إلى أبي الشيخ.","vol":"9","page":311},{"text":"﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما كان في الدنيا فسوف تَرَوْنه، وما كان في الآخرةِ يَبْدُو لكم (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾. يقولُ: حقيقةٌ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: فعلٌ وحقيقةٌ، ما كان منه في الدنيا، وما كان منه في الآخرةِ (^٣).\nوكان الحسنُ يَتَأَوَّلُ في ذلك أنه الفتنةُ التي كانت بين أصحابِ رسولِ الله ﷺ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبرَنا ابنُ المبارك، عن جعفرِ بنِ حَيَّانَ، عن الحسنِ أنه قرَأ: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾. قال: حُبِست عقوبتُها، حتى إذا (^٤) عُمِل ذنبُها أُرْسِلَت عقوبتُها (^٥).\n\n<span id=\"aya-857\"></span><span data-type='title' id=toc-3032>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٣ (٧٤٢٥) من طريق أبي حذيفة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٣ (٧٤٢٢) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من النسخ والدر المنثور، والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٣ (٧٤٢٣) من طريق جعفر بن حيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"9","page":312},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وإذا رأَيْتَ يا محمدُ المشركين الذين يَخُوضُون في آياتِنا التي أنْزَلناها إليك، ووحْيِنا الذي أوْحَيْناه إليك.\nوخوضُهم فيها كان استهزاءَهم بها، وسَبَّهم من أنْزَلها وتكَلَّم بها، وتكْذيبَهم بها.\n﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. يقولُ: فصُدَّ عنهم بوجهِك، وقُمْ عنهم، ولا تَجْلِسْ معهم ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ يقولُ: حتى يَأْخُذوا في حديثٍ غيرِ الاستهزاءِ بآياتِ اللهِ، مِن حديثهِم بينَهم. ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾. يقولُ: وإن أنْساك الشيطانُ نَهْيَنا إياك عن الجلوسِ معهم، والإعراضَ عنهم، في حالِ خوضِهم في آياتِنا، ثم ذكَرْتَ ذلك، فقُمْ عنهم، ولا تَقْعُدْ بعدَ ذكْرِك ذلك مع القومِ الظالمين الذين خاضُوا في غيرِ الذي لهم الخوضُ فيه، بما خاضُوا به فيه. وذلك هو معنى ظلمِهم في هذا الموضع. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. قال: نهاه اللهُ أن يَجْلِسَ مع الذين يَخُوضُون في آياتِ اللهِ يُكَذِّبون بها، فإن نسِي فلا يَقْعُد بعدَ الذكرى (^١) مع القومِ الظالمين (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، قال: أَخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ بنحوِه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"الذكر\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"9","page":313},{"text":"وسعيد بن جبيرٍ في قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾. قال: الذين يُكَذِّبون بآياتِنا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: كان المشركون إذا جالَسوا المؤمنين وَقَعوا في النبيِّ والقرآنِ، فسبُّوه واسْتَهْزَءوا به، فأمَرَهم اللهُ ألا يَقْعُدُوا معهم حتى يَخُوضُوا في حديثٍ غيرِه (^٢).\nوأما قولُه: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾. يقولُ: نَهْيَنا (^٣)، فتَقْعُدُ معهم، فإذا ذكَرْتَ فَقُمْ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾. قال: يُكَذِّبون بآياتِنا (^٤).\nحدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ عياضٍ، عن ليثٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: لا تُجالِسوا أهلَ الخُصوماتِ، فإنهم الذين يَخوضُون في آياتِ اللهِ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بن صالحٍ، عن عليِّ بنِ\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في ص ٣١٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٤ (٧٤٣٠) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٣) في م: \"نسيت\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٢٣.\n(^٥) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ١٨٤ من طريق ليث، عن الحكم، عن أبي جعفر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"9","page":314},{"text":"أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾. وقولَه: ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩]. وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥]. وقولَه: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. ونحوَ هذا في القرآنِ. قال: أمر اللهُ المؤمنين بالجماعةِ، ونهاهم عن الاختلافِ والفُرْقةِ، وأَخْبَرَهم أنه إنما هلَك (^١) مَن كان قبلَهم بالمِراءِ والخُصوماتِ في دينِ اللهِ ﷿ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾. قال: يَسْتَهْزِئون بها. قال: نُهِي رسولُ اللهِ ﷺ أن يَقْعُدَ معهم إلا أن يَنْسَى، فإذا ذكر فَلْيَقُمْ، فذلك قولُه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\nقال ابنُ جُريجٍ: كان المشركون يَجْلِسون إلى النبيِّ ﷺ: يُحِبُّون أن يَسْمَعوا منه، فإذا سمِعوا اسْتَهْزَءوا، فنزَلَت: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآية (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾. قال: يُكَذِّبون.\n_________\n(^١) في ص ت ١: \"أهلك\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٤ (٧٤٢٦) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠ إلى ابن المنذر.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٢٣. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٥ (٧٤٣٣) من طريق يحيى، عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر، وسيأتي قول ابن جريج بتمامه في ص ٣١٧.","vol":"9","page":315},{"text":"حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ (^١)، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. يعني المشركين، ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: إن نسِيتَ فذكَرْتَ فلا تَجْلِسْ معهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-858\"></span><span data-type='title' id=toc-3033>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومَن اتَّقَى اللهَ فخافَه، فأطاعه فيما أمَرَه به، واجْتَنَب ما نهاه عنه، فليس عليه بترك الإعْراضِ عن هؤلاء الخائِضِين في آياتِ اللهِ في حالِ خوضِهم في آياتِ اللهِ - شيءٌ مِن تَبِعةٍ فيما بينَه وبينَ اللهِ، إِذا لم يَكُنْ تركُه الإعراضَ عنهم رِضًا بما هم فيه، وكان لله بحقوقِه مُتَّقِيًا، ولا عليه من إثمِهم بذلك حَرَجٌ، ولكن لِيُعْرِضوا عنهم حينَئِذٍ ذِكْرَى لأمرِ اللهِ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. يقولُ: ليَتَّقُوا.\nومعنى \"الذكرى\" الذكرُ، والذكرُ والذكرى بمعنًى.\nوقد يجوزُ أن يكونَ ﴿ذِكْرَى﴾ في موضعِ نصبٍ ورفعٍ؛ فأما النصبُ فعلى ما وصَفْتُ مِن تأويلِ: ولكن لِيُعْرِضوا عنهم ذكرى. وأما الرفعُ فعلى تأويلِ: وما على الذين يَتَّقُون من حسابهم شيءٌ (^٣) بتركِ الإعْراضِ (^٤)، ولكن إعْراضُهم ذكرى\n_________\n(^١) في النسخ: \"عبد الله\" وتقدم مرارًا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٤، ١٣١٥ (٧٤٢٩، ٧٤٣٥) من طريق عبيد الله بن موسى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠ إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) بعده في: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"بمعنى\".","vol":"9","page":316},{"text":"لأمرِ اللهِ، لعلهم يتَّقُون.\nوقد ذُكِر أن النبيِّ ﷺ إنما أُمِر بالقيامِ عن المشركين إذا خاضُوا في آياتِ اللهِ؛ لأن قيامه عنهم كان ممّا (^١) يكرهونه، فقال اللهُ له: إذا خاضُوا في آياتِ اللهِ، فقُمْ عنهم؛ ليتَّقوا الخوضَ فيها ويَتْرُكوا ذلك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: كان المشركون يَجْلِسون إلى النبيِّ ﷺ يُحِبُّون أن يَسْمَعوا منه، فإذا سمِعوا اسْتَهْزءوا، فنزَلَت: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ الآية. قال: فجعَل (^٢) إذا اسْتَهْزَءوا قام، فحذِروا وقالوا: لا تَسْتَهْزِئوا فيقومَ. فذلك قولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أن يخوضوا فيقومَ، ونزَل: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إِن تَقْعُد (^٣) معهم، ولكن لا تَقْعُدْ (^٤)، ثم نسَخ ذلك قولُه بالمدينةِ: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] فنُسِخ قولُه: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية (^٥).\nحدَّثني محمد بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بن المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: مِن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"فيما\".\n(^٢) في ص، س، والدر: \"فجعلوا\".\n(^٣) في ص، س، ت ١: \"قعد\"، وفي م، ت ٢، ت ٣: \"قعدوا\"، والمثبت من الدر المنثور.\n(^٤) في م: \"تقعدوا\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠، ٢١ إلى المصنف وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"9","page":317},{"text":"حساب الكفار مِن شيءٍ، ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾. يقولُ: إذا ذكرت فقمْ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ مَساءتَكم، إذا رأَوْكم لا تُجالسونهم اسْتَحْيَوْا منكم فكفُّوا عنكم، ثم نسَخَها الله بعدُ، فنهاهم أن يَجْلسوا معهم أبدًا، قال: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا﴾ الآية (^١) [النساء: ١٤٠].\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: إِن قعَدوا، ولكن لا تَقْعُدْ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾.\nقال: وما عليك أن يَخوضُوا في آياتِ اللهِ إذا فعَلْتَ ذلك (^٣).\n\n<span id=\"aya-859\"></span><span data-type='title' id=toc-3034>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ذَرْ هؤلاء الذين اتخَذوا دينَ اللهِ وطاعتَهم إياه لعبًا ولهوًا، فجعَلوا حُظوظَهم من طاعتِهم إياه اللعبَ بآياتِه، واللهوَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٦، ١٣١٧ (٧٤٤١، ٧٤٤٤) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٢٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٦ (٧٤٣٩) من طريق عبيد الله بن موسى به،، وتقدم أوله في ص ٣١٤، ٣١٦.","vol":"9","page":318},{"text":"والاستِهزاءَ بها إذا سمِعوها وتُلِيَت عليهم، فأعْرِضْ عنهم، فإني لهم بالمرْصاد، وإني لهم مِن وراءِ الانتقامِ منهم، والعقوبةِ لهم على ما يَفْعَلون، وعلى اغترارِهم بزينةِ الحياةِ الدنيا، ونسيانِهم المَعادَ إِلى اللهِ تعالى ذكرُه، والمصيرَ إليه بعدَ المماتِ. كالذي حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾. قال: كقولِه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ (^١) [المدثر: ١١].\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقد نسَخ اللهُ تعالى هذه الآيةَ بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وكذلك قال عددٌ من أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا همامُ بنُ يحيى، عن قتادةَ: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾: ثم أَنْزَل في سورةِ \"براءة\"، فأمَر بقتالِهم (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سليمانَ، قال: قرَأْتُ على ابنِ أبي عَروبةَ، فقال: هكذا سمِعْتُه مِن قتادةَ: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾: ثم\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٢٤. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٧ (٧٤٤٧). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن الجوزي في ناسخه ص ٣٢٦ من طريق همام به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢١٢ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٧ (٧٤٤٨)، والنحاس في الناسخ ص ٤١٨ - عن معمر عن قتادة بلفظ آخر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١ إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر.","vol":"9","page":319},{"text":"أَنْزَلَ اللهُ تعالى ذكرُه \"براءة\"، وأمَر بقتالِهم، فقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.\nوأما قولُه: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾. فإنه يعني به: وذكِّرْ يا محمدُ بهذا القرآنِ هؤلاء المُوَلِّين عنك وعنه، ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾. بمعنى: ألَّا تُبْسَلَ، كما قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. بمعنى: ألَّا تَضِلُّوا. وإنما معنى الكلامِ: وذَكِّرْهم (^١) به ليُؤْمِنوا ويَتَّبِعوا ما جاءَهم مِن عندِ اللهِ مِن الحقِّ، فلا تُبْسَلَ أنفسُهم بما كسَبَت مِن الأَوْزارِ. ولكن حُذِفَت \"لا\" لدلالةِ الكلامِ عليها.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: أن تُسْلَمَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النَّحْويِّ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾. قال: تُسْلَمَ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾. قال: أن تُسْلَمَ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن الحسنِ مثلَه (^٢).\n_________\n(^١) في م: \"ذكر\".\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٨ عقب الأثر (٧٤٥٢) معلقا.","vol":"9","page":320},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾. قال: تُسْلَمَ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾. قال: تُسْلَمَ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾: أُسْلِموا (^٢).\nوقال آخَرون: بل معنى ذلك: تُحْبَس.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾. قال: تُؤخَذَ فَتُحْبَسَ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾: أَن تُؤْخَذَ نفسٌ بما كسَبَت (^٤).\nوقال آخرون: معناه: تُفْضَحَ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٢٤.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٨ (٧٤٥٤) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٩ (٧٤٥٩) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"9","page":321},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، [قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ] (^١)، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾. يقولُ: تُفْضَحَ (^٢). وقال آخَرون: معناه: أن تُجْزَى.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، قال: قال الكلبيُّ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾: أن تُجْزَى.\nوأصلُ \"الإبْسالِ\" التحريمُ، يقالُ منه: أبْسَلْتُ المكانَ. إذا حرَّمْتَه فلم يُقْرَبْ (^٣). ومنه قولُ الشاعرِ (^٤):\nبَكَرَتْ (^٥) تَلُومُكَ بعدَ وَهْنٍ (^٦) في النَّدَى … بَسْلٌ عليكِ مَلامَتي وعِتابي\nأي: حرامٌ [عليك ملامتي وعتابي. ومنه قولُهم: أسدٌ باسلٌ] (^٧). يُرادُ به: لا\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٨ (٧٤٥٣) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في م: \"تقربه\".\n(^٤) هو ضمرة بن ضمرة النهشلي كما في النوادر لأبي زيد ص ٢، والأمالي للقالي ٢/ ٢٧٩ ونسبه في الوحشيات ص ٢٥٦ إلى ابنه حَرِّي بن ضمرة.\n(^٥) بكرت: عجلت. ينظر اللسان (ب ك ر).\n(^٦) الوهن: نحو من نصف الليل، أو بعد ساعة منه، أو هو حين يدبر الليل، أو هو ساعة تمضي من الليل. التاج (وهـ ن).\n(^٧) في النسخ: \"ومنه قولهم: وعتابي أسد آسد\". وينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٣٣٨، وتعليق الشيخ شاكر على هذا الموضع.","vol":"9","page":322},{"text":"يَقْرَبُه شيءٌ. فكأنه قد حرَّم نفسَه. ثم يُجْعَلُ ذلك صفةً لكلِّ شديدٍ يَتَحامَى لشدتِه، ويُقالُ: أَعْطِ الراقيَ بُسْلَتَه (^١). يُرادُ بذلك: أُجْرتَه. وشرابٌ بَسِيلٌ. بمعنى: متروكٌ. وكذلك المُبْسَلُ بالجَريرةِ (^٢)، وهو المُرْتَهَنُ بها، قيل له: مُبْسَلٌ. لأنه مُحَرَّمٌ (^٣) مِن كلِّ شيءٍ إلا مما رُهِن فيه وأُسْلِم به. ومنه قولُ عوفِ بنِ الأحوصِ الكِلابيِّ (^٤):\nوإبْسَالِي بَنِيَّ بغيرِ جُرْمٍ … بعَوْناه (^٥) ولا بدَمٍ مُراقِ\nوقال الشَّنْفَري (^٦):\nهنالِك لا أَرْجُو حياةً تَسُرُّني … سَمِيرَ (^٧) الليالي مُبْسَلًا بالجَرَائِرِ\nفتأويلُ الكلامِ إذن: وذَكِّرْ بالقرآنِ هؤلاء الذين يَخُوضُون في آياتِنا، وغيرَهم مَّمن سلَك سبيلَهم مِن المشركين، كيلا تُبْسَلَ نفسٌ بذنوبِها وكفرِها بربِّها، وتُرْتَهَنَ فتُغْلَقَ (^٨) بما كسَبَت مِن أجرامِها في عذابِ اللهِ، ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللهِ﴾.\nيقولُ: ليس لها حينَ تُسْلَمُ بذنوبِها، فتُرْتَهَنُ بما كسَبَت مِن آثامِها، أحدٌ يَنْصُرُها، فيُنْقِذُها مِن اللهِ الذي جازاها بذنوبِها جزاءَها، ولا شفيعٌ يَشفَعُ لها، لوسيلةٍ له عندَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3035>القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"بسيلته\".\n(^٢) الجريرة: الجناية. الصحاح (ج ر ر).\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (ومنه).\n(^٤) النوادر لأبي زيد ١٥١، ومجاز القرآن ١/ ١٩٤، والمعاني الكبير ٢/ ١١١٤.\n(^٥) بعا الذنب يبعاه ويبعوه: اجترمه واكتسبه. اللسان (ب ع و)، والبيت فيه.\n(^٦) ديوانه الطرائف الأدبية ص ٣٦.\n(^٧) في الديوان: (سجيس). وسمير الليالي وسجيها: أبد الليالي. اللسان (س م ر، س ج س) والبيت فيه.\n(^٨) هو من غلق الرهن، وذلك إذا لم يُفتكّ في الوقت المشروط، فيستحقه المرتهن. ينظر اللسان (غ ل ق).","vol":"9","page":323},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: وإن تَعْدِلِ النفسُ التي أُبْسِلَت بما كسَبَت، يعني: ﴿وَإِن تَعدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾. يعني: كلَّ فِدَاءٍ.\nيقالُ منه: عدَل يَعْدِلُ، إذا فَدَى، عَدْلًا. ومنه قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]. وهو ما عادَله مِن غيرِ نوعِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِن تَعْدِلُ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾. قال: لو جاءَت بملِء الأرضِ ذهبًا لم يُقْبَلْ منها (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَإِن تَعدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾: فما يَعْدِلُها، لو جاءَت بملِء (^٢) الأرضِ ذهبًا لتَفْتَدِيَ به ما قُبِل منها.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾. قال: ﴿وَإِن تَعْدِلْ﴾: وإِن تَفْتَدِ، يكونُ له الدنيا وما فيها يَفْتَدِي بها، لا يُؤْخَذُ منه، عَدْلًا عن نفسِه، لا يُقْبَلُ منه (^٣).\nوقد تأَوَّل ذلك بعضُ أهلِ العلمِ بالعربيةِ (^٤) بمعنى: وإِن تُقْسِطُ كلَّ قِسْطٍ لا\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٨ (٧٤٥٥) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص: (بمثل).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٩ (٧٤٥٦) من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد به.\n(^٤) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ١٩٥.","vol":"9","page":324},{"text":"يُقْبَلْ منها. وقال: لأنَّما (^١) التوبةُ في الحياةِ.\nوليس لِمَا قال مِن ذلك معنىً؛ وذلك أن كلَّ تائبٍ في (^٢) الدنيا فإن اللهَ تعالى ذكرُه يَقْبَلُ توبتَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3036>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وهؤلاء الذين إن فَدَوْا أنفسَهم مِن عذابِ اللهِ يومَ القيامةِ كلَّ فِداءٍ، لم يُؤْخَذْ منهم، هم ﴿الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُواْ﴾. يقولُ: أُسْلِموا لعذابِ اللهِ، فرُهِنوا به؛ جَزاءً بما كسَبوا في الدنيا مِن الآثامِ والأوزارِ ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾. والحَميمُ هو الحارٌّ في كلامِ العربِ، وإنما هو مَحمومٌ صُرِف إلى فَعيلٍ، ومنه قيل للحَمَّامِ: حَمَّامٌ. لإسخانِه الجسمَ، ومنه قولُ مُرَقِّشٍ (^٣):\nفي كلِّ مُمْسًى لها مِقْطَرَةٌ (^٤) … فيها كِباءٌ (^٥) مُعَدٌّ وحَمِيمْ\nيعني بذلك ماءً حارًّا. ومنه قولُ أبي ذُؤَيْبٍ الهُذَليِّ في صفةِ فرسٍ (^٦):\nتَأْبِى بدِرَّتِها (^٧) إذا ما اسْتُغْضبت (^٨) … إلا الحَمِيمَ فإنه يَتَبَضَّعُ (^٩)\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: (لأنها). وفي م، ت ٢، ت ٣: (إنها). والمثبت من مجاز القرآن.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، س.\n(^٣) المفضليات ص ٢٤٨.\n(^٤) المقطرة: المجمرة. اللسان (ق ط ر). والبيت فيه.\n(^٥) الكباء: ضرب من العود والدخنة. اللسان (ك ب ي).\n(^٦) ديوان الهذليين ١/ ١٧.\n(^٧) الدرة: درة العدو، أي: تأبى أن تدّر بما عندها من الجري إذا استغضبتها. شرح أشعار الهذليين ١/ ٣٥.\n(^٨) في ص، ت ٢، ت ٣، س: (استصعبت)، وهي رواية، وفي ت:١: (استعصيت). ورواية الديوان: (استكرهت).\n(^٩) يتبضع: يتبزل ويتفجر ويتفتح بالعرق، ويرشح به الجلد على كره. المصدر السابق.","vol":"9","page":325},{"text":"يعني بالحَميمِ عَرَقَ الفرسِ.\nوإنما جعَل تعالى ذكرُه لهؤلاء الذين وصَف صفتَهم في هذه الآيةِ شرابًا مِن حَميمٍ؛ لأن الحارَّ مِن الماءِ لا يَرْوِي مِن عَطَشٍ. فَأَخْبَرَ أَنهم إذا عطِشوا في جهنمَ لم يُغاثوا بماءٍ يَرْوِيهم، ولكن بما يَزِيدون به (^١) عَطَشًا على ما بهم مِن العطشِ. ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم أيضًا مع الشرابِ مِن (^٢) الحميمِ مِن اللهِ العذابُ الأليمُ، والهَوانُ المقيمُ، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: بما كان مِن كفرِهم في الدنيا بالله، وإنكارِهم توحيدَه، وعبادتِهم معه آلهةً دونَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾. قال: يقولُ: أُسْلِموا.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحة، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾. قال: فُضِحوا (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ قال: أُخِذوا بما كسَبوا (^٤).\n\n<span id=\"aya-860\"></span><span data-type='title' id=toc-3037>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٩ (٧٤٥٨) من طريق عبد الله بن صالح به، وتقدم أوله في ص ٣٢٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣١٩ (٧٤٥٩) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد.","vol":"9","page":326},{"text":"وهذا تَنبيهٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه ﷺ على حجَّتِه على مُشْرِكي قومِه مِن عَبَدةِ الأوثانِ، يقولُ له تعالى ذكرُه: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم الأوثانَ والأندادَ، والآمِرِين لك باتباعِ دينِهم، وعبادةِ الأصنامِ معهم: أَنَدْعُو مِن دونِ اللهِ حجرًا أو خشبًا لا يَقْدِرُ على نفعِنا أو ضَرِّنا، فنُخْلِصَه (^١) بالعبادةِ دونَ اللهِ، ونَدَعَ عبادةَ الذي بيدِه الضَّرُّ والنفعُ، والحياةُ والموتُ، إن كنتم تَعْقِلون فتُمَيِّزون بينَ الخيرِ والشرِّ؟ فلا شكَّ أنكم تَعْلَمون أن خدمةَ ما يُرْتَجَى نفعُه ويُرْهَبُ ضرُّه، أحقُّ وأولى مِن خدمةِ مَن لا يُرْجَى نفعُه ولا يُخْشَى ضرُّه.\n﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾. يقولُ: ونُرَدُّ إلى أدبارِنا، فتَرْجِعُ القَهْقَرَى خلفَنا، لم نَظْفَرْ بحاجتِنا.\nوقد بيَّنا معنى (الردِّ على العَقِبِ)، وأن العربَ تقولُ لكلِّ طالبِ حاجةٍ لم يَظْفَرْ بها: رُدَّ على عقِبَيْه. فيما مضَى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\nوإنما يُرادُ به في هذا الموضعِ: ونُرَدُّ مِن الإسلامِ إلى الكفرِ، ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ فوفَّقَنا له، فيَكونُ مَثَلُنا في ذلك مثلَ الرجلِ الذي اسْتَتْبَعَه الشيطانُ يَهْوِي في الأرضِ حَيْرانَ.\nوقوله: ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾. اسْتَفْعَلَتْه، مِن قولِ القائلِ: هَوَى فلانٌ إلى كذا، يَهْوِي إليه. و(^٣) مِن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. بمعنى: تَنْزِعُ إليهم وتُرِيدُهم.\nوأما ﴿حَيْرَانَ﴾ فإنه فَعْلانُ، مِن قولِ القائلِ: قد حار فلانٌ في الطريقِ، فهو\n_________\n(^١) في م: (فنخصه)، وفي ت ٢: (لنخلصه)، وفي س: (فيخلصه).\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٦٤٦.\n(^٣) سقط من ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"9","page":327},{"text":"يَحارُ فيه حَيْرةً وحَيَرانًا وحَيرُورةً. وذلك إذا ضَلَّ فلم يَهْتَدِ للمَحَجَّةِ.\n﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾. يقولُ: لهذا الحَيْرانِ الذي قد اسْتَهْوَتْه الشياطينُ في الأرضِ، أصحابٌ على المَحَجَّةِ واستقامةٍ من (^١) السبيلِ، يَدْعُونه إلى المحجةِ؛ [لطريقِ الهدى] (^٢) الذي هم (^٣) عليه، يقولون له (^٤): ائْتِنا.\nوتُرِك إجراءُ ﴿حَيْرَانَ﴾؛ لأنه فَعْلانُ، وكلُّ اسمٍ كان على فَعْلانَ مما أُنْثاه فَعْلى، فإنه لا يُجْرَى في كلامِ العربِ في معرفةٍ ولا نكرةٍ.\nوهذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ تعالى ذكرُه لمن كفَر باللهِ بعدَ إيمانِه، فاتَّبَع الشياطينَ مِن أهلِ الشركِ باللهِ، وأصحابُه الذين كانوا أصحابَه في حالِ إسلامِه، المُقِيمون على الدينِ الحقِّ، يَدْعُونه إلى الهُدَى الذي هم عليه / مُقِيمون، والصوابِ الذي هم به مُتَمَسِّكون، وهو له مُفارِقٌ، وعنه زائلٌ، يقولون له: ائْتِنا، فكُنْ معنا على استقامةٍ وهدًى. وهو يَأْبَى ذلك، ويَتَّبِعُ دواعيَ الشيطانِ، ويَعْبُدُ الآلهةَ والأوثانَ.\nوبمثلِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ، وخالَف في ذلك جماعةٌ.\nذكرُ مَن قال في (^٥) ذلك مثلَ ما قلنا\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (الطريق ولا الهدى)، ولعل صواب ما في هذه النسخ أن يكون هكذا: المحجة - طريق - وإلى الهدى.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (هو).\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (أيضا).\n(^٥) سقط من: م.","vol":"9","page":328},{"text":"السديِّ: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾. قال: قال المشركون للمؤمنين: اتَّبِعوا سبيلَنا واتْرُكوا دينَ محمدٍ (^١). فقال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾: فهذه الآلهةٌ، ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ فيَكونُ مَثَلُنا كمثلِ الذي ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: مَثَلُكم إن كفَرْتُم بعدَ الإيمانِ كمثلِ رجلٍ كان مع قومٍ على الطريقِ، فضلَّ الطريقَ، فحيَّرَتْه الشياطينُ، واسْتَهْوَتْه في الأرضِ، وأصحابُه على الطريقِ، فجعَلوا يَدْعُونه إليهم، يقولون: ائْتِنا فإنا على الطريقِ. فأَبَى أن يَأْتِيَهم، فذلك مَثَلُ مَن يَتَّبِعُكم بعدَ المعرفةِ بمحمدٍ، ومحمدٌ الذي يَدْعُو إلى الطريقِ، والطريقُ هو الإسلامُ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾. قال: هذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ للآلهةِ ومَن يَدْعو إليها، وللدعاةِ الذين يَدْعُون إلى اللهِ، كَمَثَلِ رجلٍ ضَلَّ عن الطريقِ [تائهًا ضالاًّ] (^٣)، إذ ناداه مُنادٍ: يا فلانُ بنَ فلانٍ، هلمَّ إلى الطريقِ. وله أصحابٌ يَدْعونه: يا فلانُ، هلمَّ إلى الطريقِ. فإن اتَّبَع الداعيَ الأولَ، انْطَلَق به حتى يُلْقِيَه في الهَلَكةِ، وإن أجاب مَن يَدْعُوه إلى الهُدَى اهْتَدَى إِلى الطريقِ، وهذه الداعيةُ التي تَدْعُو في البَرِّيَّةِ مِن الغِيلانِ، يقولُ: مَثَلُ مَن يَعْبُدُ هؤلاء\n_________\n(^١) بعده في النسخ، وتفسير ابن أبي حاتم: ﷺ. ولا يقوله المشركون، وينظر في تفسير ابن كثير ٣/ ٢٧٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٢٠ - ١٣٢٢ (٧٤٦٦، ٧٤٦٨، ٧٤٧٤،٧٤٧٢) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"9","page":329},{"text":"الآلهةَ مِن دونِ اللهِ، فإنه يَرَى أنه في شيءٍ، حتى يأتيَه الموتُ فيستقبِلَ الهلكةَ والنَّدامةَ.\nوقولُه: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾. وهم الغِيلانُ، يَدْعُونه باسمِه واسمِ أبيه واسمِ جدِّه، فيَتَّبِعُها، فيَرَى أنه في شيءٍ، فيُصْبِحُ (^١) وقد ألْقَتْه في الهَلَكةِ، وربما أكَلَتْه، أو تُلْقِيه في مَضَلَّةٍ مِن الأرضِ، يَهلِكُ فيها عطشًا، فهذا مَثَلُ (^٢) مَن أجاب الآلهةَ التي تُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ ﷿ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: أَضَلَّته في الأرضِ حَيْرانَ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾. قال: الأَوْثانُ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾. قال: رجلٌ حَيْرانُ يَدْعُوه أصحابُه إلى الطريقِ، فذلك (^٦) مَثَلُ مَن يَضِلُّ بعدَ إذ هُدِي (٥).\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، وفي ص، ت،١، ت ٣، س: (فيصير).\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٢١ (٧٤٦٩، ٧٤٧٣) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١ إلى ابن المنذر.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٢ عن معمر به.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٢٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٢٠، ١٣٢١ (٧٤٦٧، ٧٤٧١)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (كذلك). والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور، وفي تفسير مجاهد: (ذلك). وهو صواب أيضا.","vol":"9","page":330},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: ثنا رجلٌ، عن مجاهدٍ قال: ﴿حَيْرَانَ﴾: هذا مَثَلٌ ضرَبه اللهٌ للكافرِ، يقولُ: الكافرُ حَيرانُ، يَدْعوه المسلمُ إلى الهُدَى فلا يُجِيبُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾. حتى بلَغ: ﴿لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٢): علَّمها اللهُ محمدًا وأصحابَه، يُخاصِمون بها أهلَ الضَّلالةِ (^٣).\nوقال آخرون في تأويلِ ذلك بما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾: فهو الرجلُ الذي لا يَسْتَجِيبُ لهُدى اللهِ، وهو رجلٌ أطاع الشيطانَ، وعمِل في الأرضِ بالمعصيةِ، وحار عن الحقِّ، وضلَّ عنه، وله أصحابٌ يَدْعونه إلى الهُدى، ويَزْعُمون أن الذي يَأْمُرُونه هُدًى، يقولُ اللهُ ذلك لأوليائِهم مِن الإنسِ، يقولُ (^٤): إِن الهُدى هُدى اللهِ، والضلالةَ ما تَدْعو إليه الجنُّ (^٥).\nفكأن ابنَ عباسٍ على هذه الروايةِ كان يَرَى أن أصحابَ هذا الحيرانِ الذين يَدْعونه، إنما يَدْعونه إلى الضلالِ، ويَزْعُمون أن ذلك هدًى، وأن اللهَ أكْذَبَهم بقولِه: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾. لا ما يَدْعُوه إليه أصحابُه.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٢ عن معمر ورجل، عن مجاهد.\n(^٢) بعده في تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور: (خصومة).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٢٢ (٧٤٧٦) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٢٢ (٧٤٧٥) عن محمد بن سعد به.","vol":"9","page":331},{"text":"وهذا تأويلٌ له وجهٌ لو (^١) لم يَكُنِ اللهُ سمَّى الذي دعا الحيرانَ إليه أصحابُه هُدًى، وكان الخبرُ بذلك عن أصحابِه الدُّعاةِ له إلى ما دعَوْه إليه، أنهم هم الذين سمَّوْه، ولكنَّ اللهَ سمَّاه هدًى، وأخْبَر عن أصحابِ الحيرانِ أنهم يَدْعُونه إليه، وغيرُ جائزٍ أن يُسَمَّىَ اللهُ الضلالَ هدًى؛ لأن ذلك كذِبٌ، وغيرُ جائزٍ وصفُ اللهِ بالكذبِ؛ لأن ذلك وصفُه بما ليس مِن صفتِه، وإنما كان يَجوزُ توجيهُ ذلك إلى الصوابِ، لو كان ذلك خبرًا مِن اللهِ عن الداعي الحيرانَ أنهم قالوا له: تعالَ إلى الهدَى. فأما وهو قائلٌ: ﴿يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾. فغيرُ جائزٍ أن يكونَ ذلك وهم كانوا يَدْعُونه إلى الضلالِ.\nوأما قولُه: ﴿ائْتِنَا﴾. فإن معناه: يقولُون: ائْتِنا، هَلُمَّ إلينا. فحذَف القولَ الدلالِة الكلامِ عليه.\nوذُكِر عن ابنِ مسعودٍ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (يَدْعُونه إلى الهُدَى بَيِّنًا).\nحدَّثنا بذلك ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا غُنْدَرٌ، عن شعبةَ، عن أبي إسحاقَ، قال: في قراءةِ عبدِ اللهِ: (يَدْعُونه إلى الهُدَى بَيِّنًا) (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: أَخْبَرَني عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ، أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (له أصحابٌ يَدْعُونه إلى الهُدَى بَيِّنًا). قال: الهُدى الطريقُ، أنه بَيِّنٌ (^٣).\nوإذا قُرِئ ذلك كذلك، كان (البَيِّنُ) مِن صفةِ (الهدى)، ويكونُ نصبُ (البَيِّنِ) على القطعِ مِن (الهُدى)، كأنه قيل: يَدْعُونه إلى الهُدَى البَيِّنِ. ثم نُصِب\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢ إلى المصنف وابن الأنباري، وينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٤٤.\n(^٣) وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٧١ عن حجاج به دون آخره، وعزاه السيوطي في الدر ٣/ ٢٢ إلى أبي الشيخ.","vol":"9","page":332},{"text":"(البَيِّنُ) لمَّا حُذِفَت الألفُ واللامُ، وصار نكرةً مِن صفةِ المعرفةِ.\nوهذه القراءةُ التي ذكَرْناها عن ابنِ مسعودٍ تُؤَيِّدُ قولَ مَن قال: الهُدى في هذا الموضعِ هو الهُدى على الحقيقةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3038>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم الأوثانَ، القائلين لأصحابِك: اتَّبِعُوا سبيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم فإنا على هُدًى: ليس الأمرُ كما زعَمْتُم، ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾. يقولُ: إن طريقَ اللهِ الذي بيَّنه لنا وأوْضَحه، وسبيلَه الذي أمَرَنا بلزومِه، ودينَه الذي شرَعه لنا فبيَّنه، هو الهدى والاستقامةُ التي لا شكَّ فيها، لا عبادةُ الأوثانِ والأصنامِ التي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، فلا نَتْرُكُ الحقَّ ونَتَّبِعُ الباطلَ، ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: وأَمَرَنا ربُّنا وربُّ كلِّ شيءٍ تعالى وجهُه، لنُسْلِمَ له؛ لنَخْضَعَ له بالذِّلِة والطاعةِ والعُبوديِة، فنُخْلِصَ ذلك له، دونَ ما سواه مِن الأندادِ والآلهةِ.\nوقد بيَّنا معنى (الإسلامِ) بشَواهدِه فيما مضَى مِن كتابِنا، بما أغْنَى عن إعادتِه (^١).\nوقيل: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسلِمَ﴾. بمعنى (^٢): وأُمِرْنا كى نُسْلِمَ، وأُمِرْنا (^٣) أَنْ نُسْلِمَ لربِّ العالمين؛ لأن العربَ تَضَعُ (كي) و(اللامَ) التي بمعنى (كي)، مكانَ (أن)، و(أن) مكانَها.\n\n<span id=\"aya-861\"></span><span data-type='title' id=toc-3039>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ</span>\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٤٣٢.\n(^٢) في ص، س: (يعني).\n(^٣) سقط من: م.","vol":"9","page":333},{"text":"تُحْشَرُونَ (٧٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأُمِرْنا أن أَقِيموا الصلاةَ.\nوإنما قيل: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فعطَف بـ ﴿أَنْ﴾ على اللامِ مِن ﴿لِنُسْلِمَ﴾؛ لأن قولَه: ﴿لِنُسْلِمَ﴾. معناه: أن (^١) نُسْلِمَ. فردَّ قولَه: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا﴾. على معنى ﴿لِنُسْلِمَ﴾. إذ كانت اللامُ التي في قولِه: ﴿لِنُسْلِمَ﴾.\nلامًا لا تَصْحَبُ إلا المستقبلَ مِن الأفعالِ، وكانت (^٢) (أنْ) مِن الحروفِ التي تَدُلُّ على الاستقبالِ دَلالةَ اللامِ التي في: ﴿لِنُسْلِمَ﴾. فعطَف بها عليها؛ لاتفاقِ معنيَيْهما فيما ذكَرْتُ، فـ (أنْ) في موضعِ نصبٍ بالردِّ على اللامِ (^٣).\nوكان بعضُ نحويِّي البصرةِ يقولُ: إما أن يَكونَ ذلك: ﴿أُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. يقولُ: أُمِرْنا كي نُسْلِمَ. كما قال: [﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾] (^٤) [الزمر: ١٢]. أيْ: إنما أُمِرْتُ لذلك، ثم قال: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾. أيْ: أُمِرْنا أَن أَقِيموا الصلاةَ. أو يَكونَ أَوْصَل الفعلَ باللامِ. والمعنى: أُمِرْتُ أَن أَكونَ. كما أَوْصَل (^٥) الفعلَ باللامِ في [قولِه: ﴿هُم] (^٦) لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤].\nفتأويلُ الكلامِ: وأُمِرنا بإقامةِ الصلاةِ، وذلك أداؤُها بحدودِها التي فُرِضَت\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (وأن).\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (فكانت).\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (الأمر)، وينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٣٣٩.\n(^٤) في النسخ: (وأمرت لأن أكون من المؤمنين). وصواب ما في هذه النسخ: ﴿وأمرت أن أكون من المؤمنين﴾ [يونس ١٠٤]. والمثبت هو صواب الاستشهاد في هذا الموضع، وينظر الكتاب ٣/ ١٦١.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (أفعل).\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (قولهم).","vol":"9","page":334},{"text":"علينا، ﴿وَاتَّقُوهُ﴾. يقولُ: واتَّقُوا رَبَّ العالمين الذي أُمِرْنا أن نُسْلِمَ له، فخافوه، واحْذَرُوا سَخَطَه بأداءِ الصلاةِ المفروضةِ عليكم، والإذعانِ له بالطاعةِ، وإخلاصِ العبادةِ له، ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. يقولُ: وربُّكم ربُّ العالمين هو الذي إليه تُحْشَرون، فتُجْمَعون يومَ القيامةِ، فيُجازِي كلَّ عاملٍ منكم بعملِه، وتُوَفَّى كلُّ نفسٍ ما كسَبَت.\n\n<span id=\"aya-862\"></span><span data-type='title' id=toc-3040>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم الأندادَ، الداعيك إلى عبادةِ الأوثانِ: أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لربِّ العالمين، الذي خلَق السماواتِ والأرضَ بالحقِّ، لا مَن لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، ولا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿بِالْحَقِّ (^١)﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وهو الذي خلَق السماواتِ والأرضَ حقًّا وصوابًا، لا باطلًا وخطأً، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: ٢٧]. قالوا: وأُدْخِلَت فيه الباءُ والألفُ واللامُ كما تَفْعَلُ العربُ في نظائرِ ذلك، فتقولُ: فلانٌ يقولُ بالحقِّ. بمعنى: أنه يقولُ الحقَّ. قالوا: ولا شيءَ في قولِه بالحقِّ غيرَ إصابِته الصوابَ فيه، [لا أن] (^٢) الحقَّ معنًى غيرُ القولِ، وإنما هو صفةٌ للقولِ، إذا كان بها القولُ كان القائلُ موصوفًا بالقولِ بالحقِّ، وبقولِ الحقِّ. قالوا: فكذلك خلقُ السماواتِ والأرضِ، حكمةٌ مِن حكمِ اللهِ، فاللهُ موصوفٌ بالحكمةِ في خلقِهما، وخلقِ ما\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (قوله الحق).\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (لأن).","vol":"9","page":335},{"text":"سواهما مِن سائرِ خلقِه، لا أن ذلك حقٌّ (^١) [سوى خَلْقِهما خلَقهما] (^٢) به.\nوقال آخَرون: معنى ذلك: خلَق السماواتِ والأرضَ بكلامِه وقولِه لهما: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١]. قالوا: فالحقُّ في هذا الموضعِ معنيٌّ به كلامُه. واسْتَشْهَدوا لقيلِهم ذلك [بقولِه: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ] (^٣) الْحَقُّ﴾: الحقُّ هو قولُه وكلامُه. قالوا: واللهُ خلَق الأشياءَ بكلامِه وقيلِه، فما (^٤) خلَق به الأشياءَ، فغيرُ (^٥) الأشياءِ المخلوقةِ. قالوا: فإذ كان ذلك كذلك، وجَب أن يَكونَ كلامُ اللهِ الذي خلَق به الخلقَ غيرَ مخلوقٍ.\nوأما قولُه: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. فإن أهلَ العربيةِ اخْتَلَفُوا في العاملِ في ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾. وفي معنى ذلك؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: اليومُ مضافٌ إلى ﴿يَقُولُ (^٦) كُنْ فَيَكُونُ﴾. قال: وهو نصبٌ، وليس له خبرٌ ظاهرٌ، واللهُ أعلمُ، وهو على ما فسَّرْتُ لك. كأنه يعني بذلك أن نصْبَه على: واذْكُرْ يومَ يقولُ: كُنْ فيكونُ. قال: وكذلك ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. قال: وقال بعضُهم: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ﴾.\nوقال بعضُهم (^٧): ﴿يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. للصُّورِ خاصةً.\nفمعنى الكلامِ على تأويلِهم: يومَ يَقولُ للصُّورِ: كُنْ. فيكونُ. قولُه الحقُّ يومَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (حقا).\n(^٢) في م: (سوَّى خلقهما به). وينظر التبيان ٤/ ١٧٢.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (قوله ويوم يقول كن فيكون قوله).\n(^٤) في م: (كما).\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (بغير)، وفي م: (غير)، والمثبت هو الصواب.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (قوله).\n(^٧) هو الفراء في معاني القرآن ١/ ٣٤٠.","vol":"9","page":336},{"text":"يُنْفَخُ فيه، عالمُ الغيبِ والشهادةِ. فيَكونُ القولُ حينَئذٍ (^١) مرفوعًا، بالحقِّ، والحقُّ بالقولِ، وقولُه: ﴿يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، و﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ صلةُ الحقِّ.\nوقال آخَرون: بل قولُه: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. معنيٌّ به كلُّ ما كان اللهُ مُعِيدَه في الآخرةِ بعدَ إفنائِه، ومُنْشِئَه بعدَ إعْدامِه. فالكلامُ على مذهبِ هؤلاء مُتَناهٍ عندَ قولِه: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. وقولُه: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾. خبرٌ مبتدأٌ.\nوتأويلُه: وهو الذي خلَق السماواتِ والأرضَ بالحقِّ ويومَ يقولُ للأشياءِ: كنْ فيكونُ. خلَقَهما بالحقِّ بعدَ فنائِهما، ثم ابْتَدَأ الخبرَ عن قولِه ووعدِه خلقَه أنه مُعِيدُهما بعدَ فنائِهما، عن أنه حقٌّ، فقال: قولُه / هذا الحقُّ الذي لا شكَّ فيه. وأَخْبَر أن له المُلْكَ يومَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، فـ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يَكونُ على هذا التأويلِ مِن صلِة المُلْكِ.\nوقد يجوزُ على هذا التأويلِ أن يكونَ قولُه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. مِن صلةِ الحقِّ.\nوقال آخَرون: بل معنى الكلامِ: ويومَ يقولُ لِمَا فنِي: كُنْ. فيَكونُ، قولُه الحقُّ. فجعَل القولَ مرفوعًا بقولِه: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وجعَل قولَه: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. للقولِ مَحَلًّا، وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. مِن صلةِ الحقِّ، كأنه وجَّه تأويلَ ذلك إلى: ويومئذٍ قولُه الحقُّ، يومَ يُنْفَخُ في الصُّورِ. وإن جُعِل على هذا التأويلِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّور﴾ بيانًا عن اليومِ الأولِ، كان وجهًا صحيحًا، ولو جُعِل قولُه: ﴿قَولُهُ الْحَقُّ﴾. مرفوعًا بقولِه: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (يومئذ).","vol":"9","page":337},{"text":"الصُّورِ﴾، وقولُه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّور﴾. مَحَلًّا، وقولُه: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. مِن صلتِه، كان جائزًا.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أن يُقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه أَخْبَر أنه المنفردُ بخلقِ السماواتِ والأرضِ دونَ كلِّ ما سِواه، مُعَرِّفًا مَن أَشْرَكَ بِه مِن خلقِه جهلَه في عبادتِه (^١) الأوثانَ والأصنامَ، وخطأَ ما هم عليه مُقِيمون مِن عبادةِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، ولا يَقْدِرُ على اجْتلابِ نفعٍ إلى نفسِه، ولا دفعِ ضَرٍّ عنها، ومُحْتَجًّا عليهم في إنكارِهم البعثَ بعدَ المماتِ، والثوابَ والعقابَ، بقدرتِه على ابتداعِ ذلك ابتداءً، وأن الذي ابْتَدَع ذلك غيرُ مُتَعَذِّرٍ عليه إفناؤُه، ثم إعادتُه بعدَ إفنائِه، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أيها العادِلون بربِّهم مَن لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، ولا يَقْدِرُ على شيءٍ، ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقّ﴾ حجةً على خلقِه؛ ليَعْرِفوا بها صانعَها، ولِيَسْتَدِلُّوا بها على عظيمِ قدرتِه وسلطانِه، فيُخْلِصوا له العبادةَ، ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. يقولُ: ويومَ يقولُ حينَ تُبَدِّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ والسماواتُ كذلك: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. كما شاء تعالى ذكرُه، فتَكونُ الأرضُ غيرَ الأرضِ. [ويكونُ] (^٢) الكلامُ (^٣) عندَ قولِه: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. مُتَناهِيًا. وإذا كان كذلك معناه، وجَب أن يَكونَ في الكلامِ محذوفٌ يَدُلُّ عليه الظاهرُ، ويكونَ معنى الكلامِ: ويومَ يقولُ كذلك (^٤): ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.\nتَبَدُّلُه (^٥) غيرَ السماواتِ والأرضِ. ويَدُلُّ على ذلك قولُه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ\n_________\n(^١) في م: (عبادة).\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٣) سقط من النسخ، والمثبت يقتضيه السياق.\n(^٤) في م: (لذلك).\n(^٥) في م: (تبدل).","vol":"9","page":338},{"text":"السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾، ثم ابْتَدَأَ الخبرَ عن القولِ فقال: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾.\nبمعنى: وعدُه هذا (^١) الذي وعَدَ تعالى ذكرُه، مِن تبديلِه السماواتِ والأرضَ غيرَ الأرضِ والسماواتِ، الحقُّ الذي لا شكَّ فيه، ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. فيكونُ قولُه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. مِن صلةِ المُلْكِ، ويَكونُ معنى الكلامِ: وللهِ الملكُ يومَئذٍ؛ لأن النفخةَ الثانيةَ في الصورِ حالَ تبديلِ اللهِ السماواتِ والأرضَ غيرَهما (^٢).\nوجائزٌ أن يكونَ القولُ، أعْنِي: ﴿قَولُهُ الْحَقُّ﴾. مرفوعًا بقولِه: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ويكونَ قولُه: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾. محلًّا للقولِ مُرافعًا.\nفيكونُ تأويلُ الكلامِ: وهو الذي خلَق السماواتِ والأرضَ بالحقِّ، ويومَ يُبَدِّلُها غيرَ السماواتِ والأرضِ فيقولُ لذلك: ﴿كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾.\nوأما قولُه: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾. فإنه خُصَّ بالخبرِ عن ملكِه يومَئذٍ، وإن كان الملكُ له خالصًا في كلِّ وقتِ في الدنيا والآخرةِ؛ لأنه عنَى تعالى ذكرُه أنه لا مُنازِعَ له فيه يومَئِذٍ، ولا مُدَّعِيَ له، وأنه المنفردُ به دونَ كلِّ مَن كان يُنازِعُه فيه في الدنيا مِن الجَبابرةِ، فأذْعَن جميعُهم يومَئذٍ له به، وعلِموا أنهم كانوا مِن دَعْواهم في الدنيا في باطلٍ.\nواخْتُلِف في معنى (الصورِ) في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو قرنٌ يُنْفَخُ فيه نَفْختان؛ إحداهما لفناءِ مَن كان حيًّا على الأرضِ، والثانيةُ لنشرِ كلِّ مَيتٍ. واعْتَلُّوا لقولِهم ذلك بقولِه (^٣): ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (هو).\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (وغيرهما).\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"9","page":339},{"text":"مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]. وبالخبر الذي رُوِي عن رسولِ اللهِ ﷺ، أنه قال إذ سُئِل عن الصورِ: (هو قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه) (^١).\nوقال آخَرون: الصورُ في هذا الموضعِ جمعُ صُورةٍ، يُنْفَخُ فيها رُوحُها فتَحْيا، كقولِهم (^٢): سُورٌ. لسورِ المدينةِ، وهو جمعُ سُورةٍ، كما قال جريرٌ (^٣):\n* سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ *\nوالعربُ تقولُ: نُفِخ في الصورِ، ونُفِخ الصورُ. ومِن قولِهم: نُفِخ الصورُ. قولُ الشاعرِ (^٤):\nلولا ابنُ جَعْدةَ لم تُفْتَحْ قُهُنْدُزُكُمْ (^٥) … ولا خُراسانُ حتى يُنْفَخَ الصُّورُ\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا ما تَظاهَرَت به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: (إن إسْرافيلَ قد الْتَقَم الصُّورَ وحنَى جَبْهَتَه، يَنْتَظِرُ متى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخَ). وأنه قال: (الصُّورُ قرنٌ يُنْفَخُ فيه).\nوذُكِر عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. يعني: أن عالمَ الغيبِ والشهادةِ [هو الذي يَنْفُخُ في الصورِ] (^٦).\n_________\n(^١) ينظر ما سيأتي تخريجه في تفسير الآية ٩٩ من سورة الكهف، والآية ٨٧ من سورة النمل، والآية ١٨ من سورة النبأ.\n(^٢) في النسخ: (لقولهم). والمثبت هو الصواب.\n(^٣) تقدم تخريج البيت بتمامه في ١/ ٦٢٣.\n(^٤) البيت في نسب قريش ص ٣٤٥، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٣٤٠ والمعرب للجواليقي ص ٣١٥، واللسان (ن ف خ، ص ور).\n(^٥) القهندز: اسم جنس لكل حصن في وسط المدينة العظمى، وقلّ ما يخلو بلد من خراسان وما وراء النهر من قهندز. المشترك وضعا ص ٣٦٣.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٣، س.","vol":"9","page":340},{"text":"حدَّثني به المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾. يعني: أن عالمَ الغيبِ والشهادةِ هو الذي يَنْفُخُ في الصورِ (^١).\nفكأن ابنَ عباسٍ تأوَّل في ذلك أن قولَه: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾. اسمُ الفاعلِ الذي لم يُسَمَّ في قولِه: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّور﴾. وأن معنى الكلامِ: يومَ يَنْفُخُ اللهُ في الصورِ عالمُ الغيبِ والشهادةِ. كما تقولُ العربُ: أُكِل طعامُك عبدُ اللهِ. فتُظْهِرُ اسمَ الآكلِ بعدَ أن قد جرَى الخبرُ بما لم يُسَمَّ آكِلُه. وذلك وإن كان وجهًا غيرَ مدفوعٍ، فإن أحسنَ مِن ذلك أن يكونَ قولُه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. مرفوعًا على أنه نعتٌ لـ ﴿الَّذِى﴾، في قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾.\nورُوِي عنه أيضًا أنه كان يقولُ: الصُّورُ في هذا الموضعِ النَّفْخةُ الأُولى.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: يعني بالصُّورِ النفخةَ الأولى، ألم تَسْمَعْ أنه يقولُ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ يعني الثانيةَ، ﴿فَإِذَا هُم قِيَام يَنظُرُونَ﴾ (^٢) [الزمر: ٦٨].\nويعني بقولِه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: عالمُ ما تُعايِنون أيُّها الناسُ فتُشاهِدُونه، [وما] (^٣) يَغِيبُ عن حَواسِّكم وأبصارِكم فلا تُحِسُّونه ولا تُبْصِرونه،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٢٤ (٧٤٨٥) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٢٣ (٧٤٨٤) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) في ص: (مما)","vol":"9","page":341},{"text":"﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في تدبيرِه وتصريفِه خلقَه مِن حالِ الوجودِ إلى العدمِ، ثم مِن حالِ العدمِ والفناءِ إلى الوجودِ، ثم في مُجازاتِهم بما يُجازِيهم به، مِن ثوابٍ أو عقابٍ، ﴿الْخَبِيرُ﴾ بكلِّ ما يَعْمَلونه ويَكْسِبونه مِن حسنٍ وسيءٍ، حافظٌ ذلك عليهم، ليُجازِيَهم على كلِّ ذلك. يقولُ تعالى ذكرُه: فاحْذَروا أيها العادِلون بربِّكم عقابَه؛ فإنه عليمٌ بكلِّ ما تَأْتُون وتَذَرُون، وهو لكم مِن وراءِ الجَزاءِ على ما تَعْمَلون.\n\n<span id=\"aya-863\"></span><span data-type='title' id=toc-3041>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واذْكُرْ يا محمدُ لحِجاجِك الذي تُحاجُّ به قومَك، وخُصومتِك إياهم في آلهتِهم، وما تُراجِعُهم فيها، مما نُلقِيه إليك، ونُعْلِمُكه مِن البرهانِ والدلالِة على باطلِ ما عليه قومُك مُقِيمون، وصحةِ ما أنت عليه مُقيمٌ مِن الدينِ، وحقيقةِ (^١) ما أنت (^٢) عليهم مُحْتَجٌّ - حِجاجَ إبراهيمَ خليلي قومَه، ومُراجَعتَه إياهم في باطلِ ما كانوا عليه مُقِيمين مِن عبادةِ الأوثانِ، وانقطاعَه إلى اللهِ، والرضا به واليًا وناصرًا دونَ الأصنامِ، فاتَّخِذْه إمامًا، واقْتَدِ به، واجْعَلْ سيرتَه في قومِه لنفسِك مثالًا، إذ قال لأبيه مُفارِقًا لدينِه، وعائِبًا (^٣) عليه (^٤) عبادتَه الأصنامَ دونَ بارئِه وخالقِه: يا آزرُ.\nثم اخْتَلَف أهلُ العلمِ في المعنيِّ بـ ﴿آزَرَ﴾، وما هو، اسمٌ هو (^٤) أم صفةٌ؟ وإن كان اسمًا فمَن المُسَمَّى به؟ فقال بعضُهم: هو اسمُ أبيه.\n_________\n* من هنا تبدأ نسخة مركز الملك فيصل، وسنشير إليها بالرمز (ف).\n(^١) في م: (حقية).\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣، س: (أنعم) وفي ف: (أنهم).\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: (عاتبا).\n(^٤) سقط من: م.","vol":"9","page":342},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾. قال: اسمُ أبيه آزرُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: ثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: آزرُ أبو إبراهيمَ، وكان فيما ذُكِر لنا - واللهُ أعلمُ - رجلًا مِن أهلِ كُوثَى، مِن قريةٍ بالسَّوادِ، سَوادِ الكوفةِ (^٢).\nحدَّثني ابنُ البَرْقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، قال: سَمِعْتُ سعيدَ بنَ عبدِ العزيزِ يَذْكُرُ قال: هو آزَرُ، وهو تارَحُ، مثلُ إسرائيلَ ويعقوبَ.\n[وقال آخَرون: إنه ليس أبا إبراهيمَ] (^٣).\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ وسفيانُ بنُ وكيعٍ قالا: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: ليس آزرُ أبا إبراهيمَ (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثني عبدُ العزيزِ، قال: ثنا الثوريُّ، قال: أخْبرَني رجلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾. [قال: آزرُ] (^٥) لم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٢٤ (٧٤٩٠) من طريق أحمد بن مفضل به، بزيادة تأتي في الصفحة القادمة.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٣٣ عن ابن حميد به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٢٥ (٧٤٩٤) من طريق سلمة به.\n(^٣) سقط من ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٢٥ (٧٤٩٢) من طريق جرير به، وضعفه الحافظ في الفتح ٨/ ٤٩٩، وقال: (وهو شاذ).\n(^٥) سقط من ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"9","page":343},{"text":"يَكُنْ بأبيه، إنما هو صنمٌ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ، قال: آزرُ اسمُ صنمٍ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾. قال: اسمُ أبيه. ويقالُ: لا، بل اسمُه تارَحُ (^٢)، واسمُ الصنمِ آزَرُ، يقولُ: أَتتَّخِذُ آزَرَ (^٣) أَصْنامًا آلهةً (^٤).\nوقال آخَرون: هو سبٌّ وعيبٌ بكلامِهم، ومعناه مُعْوَجٌّ. كأنه تأوَّل أنه عابه بزَيْغِه واعْوِجاجِه عن الحقِّ.\nواخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾. بفتحِ آزرَ على إتْباعِه الأبَ في الخفضِ، ولكنه لمَّا كان اسمًا أعجميًّا فتَحُوه، إذ لم يُجْرُوه، وإن كان في موضعِ خفضٍ.\nوذُكِر عن أبي يزيدَ المَدِينيِّ والحسنِ البصريِّ أنهما كانا يَقْرَآن ذلك: (آزَرُ).\nبالرفعِ على النداءِ، بمعنى: يا آزرُ (^٥).\nفأما الذي ذُكِر عن السديِّ مِن (^٦) حكايتِه أن آزرَ اسمُ صنمٍ، وإنما نصْبُه بمعنى: أَتَتَّخِذُ آزرَ أصنامًا آلهةً. فقولٌ مِن الصوابِ مِن جهةِ العربيةِ بعيدٌ؛ وذلك أن العربَ لا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ت ١، ف: (تارخ)، وهو قول فيه. ينظر اللسان (أ ز ر).\n(^٣) زيادة من: م، وهو موافق لما سيأتي في كلام المصنف في رد قول السدي.\n(^٤) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٥) ينظر النشر ٢/ ١٩٥، وإتحاف فضلاء البشر ص ١٢٧، وفيهما أن الذي قرأ برفع الراء هو يعقوب الحضرمي، وأن قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع - وهما من العشرة - بفتح الراء.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢ ت ٣، س: (عن).","vol":"9","page":344},{"text":"تَنْصِبُ اسمًا بفعلٍ بعدَ حرفِ الاستفهامِ، لا تقولُ: أخاك أَكَلَّمْتَ؟ وهي تُرِيدُ: أكَلَّمْتَ أخاك؟\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندي قراءةُ مَن قرَأ بفتحِ الراءِ مِن ﴿آزَرَ﴾ (^١)، على إتْباعِه إعرابَ الأبِ، وأنه في موضعِ خفضٍ، ففتِح إذ لم يَكُنْ جاريًا؛ لأنه اسمٌ أعجميٌّ. وإنما اخْتَرْتُ (^٢) قراءةَ ذلك كذلك؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه.\nوإذ كان ذلك هو الصوابَ مِن القراءةِ، وكان غيرَ جائزٍ أن يَكونَ منصوبًا بالفعلِ الذي بعدَ حرفِ الاستفهامِ، صحَّ لك فتحُه مِن أحدِ وجهين؛ إما أن يَكونَ اسمًا لأبي إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه وعلى جميعِ أنبيائِه ورسلِه، فيَكونَ في موضعِ خفضٍ ردًّا على الأبِ، ولكنه فُتِح لِمِا ذكَرْتُ مِن أنه لمَّا كان اسمًا أعجميًّا تُرِك إجْراؤُه، فقُتِح كما تَفْعَلُ (^٣) العربُ في أسماءِ العجمِ. أو يَكونَ نعتًا له، فيَكونَ أيضًا خفضًا، بمعنى تَكريرِ اللامِ (^٤) عليه، ولكنه لمَّا خرَج مَخْرَجَ أَحمرَ وأسودَ، تُرِك إجراؤُه، وفُعِل به كما يُفْعَلُ بأشكالِه. فيكونُ تأويلُ الكلامِ حينَئذٍ: وإذ قال إبراهيمُ لأبيه الزائِغِ (^٥): أَتَتَّخِذُ أصنامًا آلهةً؟\nوإن لم يَكُنْ له وجْهٌ (^٦) في الصوابِ إلا أحدُ هذين الوجهين، فأولى القولين منهما (^٧) بالصوابِ عندي قولُ مَن قال: هو اسمُ أبيه. لأن اللهَ تعالى ذكرُه أخْبَر أنه أبوه، وهو القولُ المحفوظُ مِن قولِ أهلِ العلمِ، دونَ القولِ الآخرِ الذي زعَم قائلُه أنه نعتٌ.\n_________\n(^١) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٢) في م: (أجيزت).\n(^٣) في م: (فتح).\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: (الأمر).\n(^٥) في النسخ: (آزر) وهو لفظ الآية لا تأويلها، والمثبت كما أثبته الشيخ شاكر.\n(^٦) في ص، م: (وجهة).\n(^٧) سقط من: م.","vol":"9","page":345},{"text":"فإن قال قائلٌ: فإن أهلَ الأنسابِ إنما يَنْسِبون إبراهيمَ إلى تارَحَ (^١)، فكيف يَكونُ آزرُ اسمًا له، والمعروفُ به مِن الاسم تارَحُ (^١)؟\nقيل له: غيرُ مُحالٍ أن يَكونَ كان (^٢) له اسمان، كما لكثيرٍ مِن الناسِ في دهْرِنا هذا، وكان ذلك فيما مضَى لكثيرٍ منهم، وجائزٌ أن يَكونَ كان (^٢) لَقَبًا [يُلَقَّبُ به] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-3042>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤)﴾</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن قِيلِ إبراهيمَ لأبيه آزرَ أنه قال: أتتَّخِذُ أَصْنامًا آلهةً تَعْبُدُها وتَتَّخِذُها ربًّا دونَ اللهِ الذي خلَقَك فسوَّاك ورزَقَك؟ والأصنامُ جمعُ صنمٍ، والصنمُ التمثالُ مِن حجرٍ أو خشبٍ أو مِن غيرِ ذلك، في صورةِ إنسانٍ، وهو الوَثَنُ، وقد يقالُ للصورةِ المُصَوَّرةِ على صورةِ الإنسانِ في الحائطِ وغيرِه: صَنَمٌ ووَثَنٌ.\n﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: إني أرَاك يا آزرُ وقومَك الذين يَعْبُدون معك الأصنامَ، ويَتَّخِذُونها آلهةً، ﴿فِي ضَلَالٍ﴾. يقولُ: في زَوالٍ عن مَحَجَّةِ الحقِّ، وعدولٍ عن سبيلِ الصوابِ، ﴿مُبِينٍ﴾. يقولُ: يَتَبَيَّنُ لَمَن أَبْصَره أنه جَوْرٌ عن قصدِ السبيلِ، وزوالٌ عن مَحَجَّةِ الطريقِ القَويمِ. يعني بذلك: أنه قد ضلَّ هو وهم عن توحيدِ اللهِ وعبادتهِ، الذي اسْتَوْجب عليهم إخلاصَ العبادةِ له بآلائِه\n_________\n(^١) في ت ١، ف: (تارخ).\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م، ف: (والله تعالى أعلم).\nوللعلامة أحمد شاكر، ﵀، تحقيق جيد في إثبات ١ سم أبي إبراهيم، ﵇، وأن اسمه آزر، وقد ألحق هذا التحقيق في آخر تحقيقه للمعرب للجواليقي، فانظره من ص ٤٠٧ - ٤١٣.","vol":"9","page":346},{"text":"عندَهم، دونَ غيرِه مِن الآلهةِ والأوثانِ.\n\n<span id=\"aya-864\"></span><span data-type='title' id=toc-3043>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَكَذَلِكَ﴾: وكما أَرَيْناه البصيرةَ في دينِه، والحقَّ في خلافِه (^١) ما (^٢) كانوا عليه مِن الضَّلالِ، نُرِيه مَلَكوتَ السماواتِ والأرضِ. يعني ملْكَه (^٣).\nوزِيدَت فيه التاءُ كما زِيدَت في (^٤) الجبَروتِ مِن الجَبْرِ، وكما قيل: رَهَبُوتٌ خيرٌ مِن رَحَمُوتٍ. بمعنى: رَهْبَةٌ خيرٌ مِن رحمةٍ. وحُكِي عن العربِ سَماعًا: له مَلَكوتُ اليمنِ والعراقِ. بمعنى: له ملكُ ذلك.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: نُرِيه خلقَ السماواتِ والأرضِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ (^٥): خلْقَ السماواتِ والأرضِ (^٦).\n_________\n(^١) في م: (خلاف)، وبعدها في ص، س بياض بقدر كلمة، وكتب مقابله في ص: (ط).\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: (بما).\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: (ملكوت). وبعده في ص، س بياض بمقدار كلمتين، وكتب مقابله أيضا في ص، ف: (ط).\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) في م: (أي).\n(^٦) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ١٥٨.","vol":"9","page":347},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أيْ خلْقَ السماواتِ والأرضِ، ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: [يعني بـ ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾] (^١) خلقَ السماواتِ والأرضِ (^٢).\nوقال آخَرون: معنى الملكوتِ المُلْكُ. بنحوِ التأويلِ الذي تأوَّلْناه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ أبي زائدةَ، قال: سمِعْتُ عكرمةَ، وسأَله رجلٌ عن قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: [هو المُلْكُ] (^٣)، غيرَ أنه (^٤) بكلامِ النَّبَطِ مَلكوثا (^٥).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابنِ أبي زائدةَ، عن عكرمةَ، قال: هي بالنَّبَطيةِ مَلَكوثا (^٦).\n_________\n(^١) في ص: (يعني ملكوت السماوات والأرض قال)، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (قال).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٢٦ (٧٤٩٩) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) سقط من ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (أنها).\n(^٥) في ص، ت ٢، ت ٣، س، ف، وتفسير ابن أبي حاتم (ملكوتا)، والمثبت من ت ١، والدر المنثور، وهو الصواب، فقد نص ابن خالويه في مختصره ص ٤٤، وأبو حيان في البحر المحيط ٤/ ١٦٥، أن عكرمة قرأها بالثاء المثلثة، إلا أن أبا حيان قال: وقال: ملكوثا باليونانية أو القبطية. والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٢٦ (٧٥٠٠) من طريق عمر بن أبي زائدة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) في ص، م، ت ٢، ت ٣، ف: (ملكوتا).","vol":"9","page":348},{"text":"وقال آخَرون: معنى ذلك: آيات السماواتِ والأرضِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: آياتِ السماواتِ والأرضِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: آياتِ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: تَفَرَّجَت لإبراهيمَ السماواتُ السبعُ حتى العرشِ، فنظَر فيهن، وتفرَّجَت [له الأرَضُون] (^٢) السبعُ فنظَر فيهن (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾. قال: أُقِيم على صخرةٍ، وفُتِحَت له السماواتُ، فنظَر إلى مُلْكِ اللهِ فيها، حتى نظَر إلى مكانهِ في الجنةِ، وفُتِحَت له الأرَضون، حتى نظَر إلى أسفلِ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٢٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٢٧ (٧٥٠٣)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦١٣).\n(^٢) في ص: (الأرضين). وفي ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: (الأرض).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٢٦ (٧٥٠١) من طريق أبي حذيفة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤ إلى آدم بن أبي إياس وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"9","page":349},{"text":"الأرضِ، فذلك قولُه: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٧]. يقولُ: آتَيْناه مكانَه في الجنةِ. ويقالُ: أجرُه الثناءُ الحسنُ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: فُرِجَت له السماواتُ، فنظَر إلى ما فيهن، حتى انْتَهى بصرُه إلى العرشِ، وفُرِجَت له الأرَضُون السبعُ، فنظَر ما فيهن.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: كُشِف له عن أدِيمِ السماواتِ والأرضِ، حتى نظَر إليهن على صخرةٍ، والصخرةُ على حُوتٍ، والحوتُ على (^٢) خاتَمِ ربِّ العِزَّةِ، لا إلهَ إلا اللهُ.\nحدَّثنا هنادٌ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا أبو مُعاويةَ، عن عاصمٍ، عن أبي عثمانَ، عن سلمانَ، قال: لمَّا أُرِي (^٣) إبراهيمُ مَلكوتَ السماواتِ والأرضِ رأَى عبدًا على فاحشةٍ، فدعا عليه فهلَك، ثم رأَى آخرَ على فاحشةٍ، فدعا عليه فهلَك، ثم رأَى آخرَ على فاحشةٍ، فدعا عليه فهلَك، فقال: أنْزِلوا عبدي لا يُهْلِكُ عبادي (^٤).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا قَبِيِصةُ، عن سفيانَ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٢٦ (٧٥٠٢) من طريق أحمد بن مفضل به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٨٣ - تفسير) عن الحكم بن ظهير، عن السدي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: (في).\n(^٣) في م: (رأى).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٨٠ عن أبي معاوية به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٨٤ - تفسير) من طريق شهر بن حوشب عن سلمان بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"9","page":350},{"text":"قال: لمَّا رفَع اللهُ إبراهيمَ في الملكوتِ في السماواتِ، أَشْرَف فرأى عبدًا يَزْني، فدعا عليه فهلَك، ثم رُفِع، فأَشْرَف فرأَى عبدًا يَزْني، فدعا عليه فهلَك، ثم رُفِع، فأَشْرَف فرأى عبدًا يَزْني، فدعا عليه، فنُودِي: على رِسْلِك يا إبراهيمُ، فإنك عبدٌ مُسْتَجَابٌ لك، وإني مِن عبدي على ثلاثٍ؛ إما أن يَتوبَ إليَّ فأْتُوبَ عليه، وإما أن أُخْرِجَ منه ذريةً طيبةً، وإما أن يَتَمادَى فيما هو فيه، فأنا مِن ورائِه (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ ومحمدُ بنُ جعفرٍ وعبدُ الوَهَّابِ، عن عوفٍ، عن قسامةَ (^٢)، أن إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ حدَّث نفسَه أنه أرحمُ الخلقِ، وأن اللهَ رفَعَه حتى أشْرَف على أهلِ الأرضِ فأبْصَر أعمالَهم، فلمَّا رآهم يَعْمَلُون بالمعَاصِي، قال: اللهم دمِّرْ عليهم. فقال له ربُّه: أنا أَرْحمُ بعبادي منك، اهْبِطْ فلعلَّهم أن يَتُوبوا إليَّ ويُراجِعوا (^٣).\nوقال آخَرون: بل معنى ذلك ما أخْبَر تعالى أنه أراه مِن النُّجومِ والقمرِ والشمسِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: الشمسَ والقمرَ والنجومَ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٦٦٩٩) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٢) في م: \"أسامة\"، وينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٦٠٢.\n(^٣) في م: \"يرجعوا\".","vol":"9","page":351},{"text":"مجاهدٍ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: الشمسَ والقمرَ.\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يعني به (^١) الشمسَ والقمرَ والنجومَ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: خُبِّئ (^٣) إبراهيمُ ﵇ من جبارٍ من الجبابرةِ، فجُعِل له رزقٌ في أصابعِه، فإذا مصَّ أصبعًا من أصابِعه وجد فيها رزقًا، فلمَّا خرَج أراه اللهُ ملكوتَ السماواتِ والأرضِ، فكان ملكوتُ السماواتِ الشمسَ والقمرَ والنجومَ، وملكوتُ الأرضِ الجبالَ والشجرَ والبحارَ (^٤).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ إبراهيمَ ﵇ [فُرَّ به مِن] (^٥) جَبَّارٍ مُتْرَفٍ، فجُعِل في سَرَبٍ (^٦)، وجُعِل رزقُه في أطرافِه، فجعَل لا يَمُصُّ أصبعًا مِن أصابِعه إلا وجَد فيها رزقًا، فلمَّا خرَج مِن ذلك السَّرَبِ أراه اللهُ ملكوتَ السماواتِ، فأراه شمسًا وقمرًا ونجومًا وسَحابًا، وخلقًا\n_________\n(^١) بعده في م: \"نريه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٢٦ (٧٤٩٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦١٢) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في تاريخ دمشق: \"خشي\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٢٧ (٧٥٠٥) مختصرا، وبلفظه ابن عساكر في تاريخه ٦/ ١٧٢.\n(^٥) في ص، ت ١، ت،٢، ت ٣، س، ف: \"قربه\".\n(^٦) السرب: بيت تحت الأرض. التاج (س ر ب).","vol":"9","page":352},{"text":"عظيمًا، وأراه ملكوتَ الأرضِ، فأراه جبالًا وبحورًا وأنهارًا وشجرًا، ومِن كلِّ الدوابِّ، وخلقًا عظيمًا (^١).\nوأولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. أنه أراه ملكَ السماواتِ والأرضِ، وذلك ما خلَق فيهما مِن الشمسِ والقمرِ والنجومِ [والجبالِ] (^٢) والشجرِ والدوابِّ، وغيرِ ذلك من عظيمِ سُلْطانِه فيهما، وجلَّى له بَواطنَ الأمورِ وظَواهرَها؛ لِما ذكَرْنا قبلُ مِن معنى الملكوتِ في كلامِ العربِ، فيما مضَى قبلُ.\nوأما قولُه: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾. فإنه يعني أنه أراه ملكوتَ السماواتِ والأرضِ ليَكونَ ممَّن يتَوَحَّدُ بتوحيدِ اللهِ، ويَعْلَمُ حقيقَةَ (^٣) ما هداه له وبصَّرَه إياه مِن معرفةِ وَحْدانيتِه، وما عليه قومُه مِن الضَّلالةِ من عبادتِهم الأصنامَ، واتخاذِهم إياها آلهةً دونَ اللهِ تعالى ذكرهُ.\nوكان ابنُ عباسٍ يقولُ في تأويلِ ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾: إنه جلَّى له الأمرَ؛ سِرَّه وعَلانيتَه، فلم يَخْفَ عليه شيءٌ مِن أعمالِ الخَلائقِ، فلمَّا جَعَل يَلْعَنُ أصحابَ الذنوبِ، قال اللهُ: إنك لا تَسْتَطِيعُ هذا. فردَّه اللهُ كما كان قبلَ ذلك (^٤).\nفتأويلُ ذلك على هذا التأويلِ: أَرَيْناه ملكوتَ السماواتِ والأرضِ ليكونَ ممَّن يُوقِنُ علمَ كلِّ شيءٍ حِسًّا لا خبرًا.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"حقية\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٢٧ (٧٥٠٧) عن محمد بن سعد به.","vol":"9","page":353},{"text":"حدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أَخْبَرَني أبي، قال: ثنا ابنُ (^١) جابرٍ، قال: وحدَّثنا الأوزاعيُّ أيضًا، قال: ثني خالدُ [بنُ اللَّجْلاجِ] (^٢)، قال: سَمِعْتُ عبدَ الرحمنِ ابنَ عائشٍ (^٣) الحضرميَّ يقولُ: صلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ غَداةٍ، فقال له قائلٌ: ما [رأيتُك أسْفَرَ وجهًا] (^٤) منك الغَداةَ. قال: \"وما لي وقد [تبدَّى لي] (^٥) ربي في أحسنِ صُورةٍ، فقال: فيمَ (^٦) يَخْتَصِمُ المَلأُ الأعلى يا محمدُ؟ قلتُ: أنت أعلمُ [يا ربِّ] (^٧). فوضَع يدَه بين كَتِفيَّ، [فوجدتُ بردَها بين ثدييي] (^٨)، فعلِمْتُ ما في السماواتِ والأرضِ\". ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (^٩).\n\n<span id=\"aya-865\"></span><span data-type='title' id=toc-3044>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا واراه الليلُ وغيَّبه (^١٠).\nيقالُ منه: جنَّ عليه الليلُ، وجَنَّه الليلُ، وأجَنَّه، وأَجَنَّ عليه. وإذا أُلْقِيَت\n_________\n(^١) في النسخ \"أبو\" والمثبت من مصادر التخريج. وتهذيب الكمال ١٨/ ٥.\n(^٢) في النسخ: \"الحلاج\". والمثبت من مصادر التخريج، وتهذيب الكمال ٨/ ١٦٠.\n(^٣) في النسخ: \"عياش\". والمثبت من مصادر التخريج، وانظر تهذيب الكمال ١٧/ ٢٠٢.\n(^٤) في النسخ: \"رأيت أسعد\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س \"ىىاىى\" كذا غير منقوطة، وفي م: \"أتاني\"، وفي ف: \"هياني\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فقم\"، وفي م: \"ففيم\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٧) سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٨) سقط من: م، وفي ص: \"ثدى\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"يدي\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٩) أخرجه المصنف في المنتخب من ذيل المذيل ص ٥٨٤، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٤٤) من طريق العباس بن الوليد به.\n(^١٠) في م: \"جنه\".","vol":"9","page":354},{"text":"\"على\"، كان الكلامُ بالألفِ أَفْصَحَ منه بغيرِ الألفِ: أَجَنَّه الليلُ، أَفْصَحُ مِن: أَجَنَّ عليه، و: جَنَّ عليه الليلُ، أَفْصَحُ مِن: جَنَّه. وكلُّ ذلك مقولٌ (^١) مسموعٌ مِن العربِ. وجَنَّه الليلُ في أَسَدٍ، وأجَنَّهُ وجَنَّه في تَميمٍ. والمصدرُ مِن: جَنَّ عليه، جَنًّا وجُنُونًا وجَنَانًا. ومِن: أجَنَّ، إِجْنانًا. ويقال: أَتَى (^٢) فلانٌ في جِنِّ الليلِ. والجِنُّ مِن ذلك؛ لأنهم اسْتَجَنُّوا عن أعينِ بني آدمَ فلا يُرَوْن، وكلُّ ما تَوارَى عن أبصارِ الناسِ فإن العربَ تقولُ فيه (^٣): قد جَنَّ. ومنه قولُ الهُذَليِّ (^٤):\nوماءٍ ورَدْتُ [قُبَيْلَ الكَرَى] (^٥) … وقد جَنَّه السَّدَفُ (^٦) الأَدْهَمُ (^٧)\nوقال عَبيدٌ (^٨):\nوخَرْقٍ (^٩) تَصِيحُ البُومُ (^١٠) فيه مع الصَّدَى (^١١) … مَخُوفٍ إذا ما جنَّه الليلُ مَرْهْوبِ ومنه: أجْنَنْتُ الميتَ، إذا وارَيْتَه في اللَّحْدِ، وجنَنْتُه. وهو نظيرُ جُنونِ الليلِ، في معنى: غطَّيْتُه. ومنه قيل للتُّرْسِ: مِجَنٌّ. لأنه يُجِنُّ مَنِ اسْتَجَنَّ به فيُغَطِّيه ويُوارِيه.\n_________\n(^١) في م: \"مقبول\".\n(^٢) في ص: \"أتانا\"، وفي ت ١: \"أتاني\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٤) هو البُرَيق، عياض بن خويلد الخناعي، والبيت في ديوان الهذليين ٣/ ٥٦.\n(^٥) في ديوان الهذليين: \"على خيفة\".\n(^٦) السدف هنا: الليل. اللسان (س د ف) والبيت فيه.\n(^٧) الأدهم: الأسود. اللسان (د هـ م).\n(^٨) ديوانه ص ٢٦.\n(^٩) الخرق: الأرض الواسعة تتخرق فيها الرياح. الصحاح (خ ر ق).\n(^١٠) في الديوان: \"الهام\".\n(^١١) الصدى: ذكَر البوم. اللسان (ص د ي).","vol":"9","page":355},{"text":"وقولُه: ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾. يقولُ: أَبْصَر كوكبًا حينَ طَلَع، ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾.\nفرُوِي عن ابنِ عباسٍ في ذلك ما حدَّثني به (^١) المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾: يعني به الشمسَ والقمرَ والنجومَ، ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ فعبَده حتى غاب، فلمَّا غاب قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ فعبَده حتى غاب، فلمَّا غاب قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾، ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ فعبَدها حتى غابَت، فلمَّا غابَت قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾: علِم أن ربَّه دائمٌ لا يَزولُ. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾: [فرأى خلقًا] (^٣) هو أكبرُ مِن الخلقَيْن الأوَّلَيْن وأنورُ (^٤).\nوكان سببَ قِيلِ إبراهيمَ ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ ابنُ الفضلِ، قال: ثني محمدُ بنُ إسحاقَ: فيما ذُكِر لنا - واللهُ أعلمُ - أن آزرَ كان رجلًا مِن أهلِ كُوثَى، من قريةٍ بالسَّوادِ، سوادِ الكوفةِ، وكان إذ ذاك مُلْكُ المشرقِ\n_________\n(^١) زيادة من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٢٨، ١٣٢٩ (٧٥١١، ٧٥١٧، ٧٥٢٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦١٢) من طريق أبي صالح به. وتقدم أوله في ص ٣٥٢.\n(^٣) في ص: \"وأي خلقا\"، وفي م: \"وأي خلق\" وفي تفسير ابن أبي حاتم: \"أي خلقا\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٢٩ (٧٥١٥، ٧٥٢٢) شطره الأول من طريق يزيد به.","vol":"9","page":356},{"text":"لنُمْرُودَ (^١)، فلمَّا أراد اللهُ أن يَبْعَثَ إبراهيمَ حُجَّةً على قومِه، ورسولًا إلى عبادِه، ولم يَكُنْ فيما بينَ نوحٍ وإبراهيمَ نبيٌّ إلا هودٌ وصالحٌ، فلمَّا تَقارَب زمانُ إبراهيمَ الذي أراد اللهُ ما أراد، أتَى أصحابُ النجومِ نُمْرودَ، فقالوا له: تَعَلَّمْ أَنا نَجِدُ فِي عِلْمِنا أن غلامًا يُولَدُ في قريتِك هذه، يقالُ له: إبراهيمُ. يُفارِقُ دينَكم، ويَكْسِرُ (^٢) أوثانَكم، في شهرِ كذا وكذا، من سنةِ كذا وكذا. فلما دخَلَت السنةُ التي وصَف أصحابُ النجومِ لنُمْرودَ، بعَث نُمْرودُ إلى كلِّ امرأةٍ حُبْلَى بقريتِه، فحبَسَها عندَه - إلا ما كان مِن أمِّ إبراهيمَ امرأةِ آزرَ، فإنه لم يُعْلَمْ بحبَلِها، وذلك أنها كانت ١ مرأةً حَدَثَةً (^٣) فيما يُذْكَرُ، لم يُعْرَفِ (^٤) الحَبَلُ في بطنِها، ولِمَا أراد اللهُ أن يَبْلُغَ بولدِها - يُريدُ (^٥) أن يَقْتُلَ كلَّ غلامٍ وُلِد في ذلك الشهرِ مِن تلك السنةِ، حَذَرًا على مُلْكِه، فَجَعَل لَا تَلِدُ امرأةٌ غلامًا في ذلك الشهرِ مِن تلك السنةِ إلا أمَر به فذُبِح، فلمَّا وجَدَت أَمُّ إبراهيمَ الطَّلْقَ، خَرَجَت ليلًا إلى مغارةٍ كانت قريبًا منها، فولَدَت فيها إبراهيمَ، وأصْلَحَت مِن شأنِه ما يُصْنَعُ بالمولودِ (^٦)، ثم سَدَّت عليه المغارةَ، ثم رجَعَت إلى بيتِها، ثم كانت تُطالِعُه في المغارةِ، فتَنْظُرُ ما فعَل، فتَجِدُه حيًّا يَمُصُّ إبْهامَه، يَزْعُمون - واللهُ أعلمُ - أن اللهَ جعَل رزقَ إبراهيمَ فيها، [وما] (^٧) يجِيئُه (^٨) من مصِّه، وكان آزرُ فيما يَزْعُمون، سأَل أمَّ إبراهيمَ عن حمْلِها: ما فعَل؟ فقالت: ولَدْتُ غلامًا فمات. فصدَّقَها،\n_________\n(^١) بعده في: م \"بن كنعان\"، والذي في تاريخ المصنف: \"النمرود الخاطئ\".\n(^٢) بعده في ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"أصنامكم\".\n(^٣) في م: \"حدبة\". وامرأة حدثة: صغيرة السن شابة. التاج (ح د ث).\n(^٤) في ص: \"تعرف\".\n(^٥) في م: \"أراد\".\n(^٦) في م: \"مع المولود\".\n(^٧) في تاريخ المصنف: \"ما\".\n(^٨) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"يحييه\".","vol":"9","page":357},{"text":"فسكَت عنها، وكان اليومُ، فيما يَذْكُرون، على إبراهيمَ في الشَّبابِ كالشهرِ، والشهرُ كالسنةِ، فلم يَلْبَثْ إبراهيمُ في المغارةِ إلا [خمسةَ عشَرَ شهرًا] (^١)، حتى قال لأمِّه: أخْرِجِيني أَنْظُرْ. فأخرَجَته عِشاءً، فنظَر وتفَكَّر في خلقِ السماواتِ والأرضِ، وقال: إن الذي خلَقَني ورزَقَني وأطْعَمَني وسقاني لرَبي، مالي إلهٌ غيرُه. ثم نظَر في السماءِ فرأَى كوكبًا، قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾. ثم اتَّبَعَه يَنْظُرُ إليه ببصرِه (^٢) حتى غاب، ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، ثم أطْلَع (^٣) القمرُ فرآه بازغًا، قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾. ثم أتْبَعَه بصرَه حتى غاب، ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ فلمَّا دخَل عليه النهارُ وطَلَعت الشمسُ، أعظَمَ الشمسَ، ورأَى شيئًا هو أعظمَ نورًا مِن كلِّ شيءٍ رآه قبلَ ذلك، فقال: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ فلما أفلت قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ثم رجَع إبراهيمُ إلى أبيه آزرَ وقد اسْتَقامت وِجْهتُه، وعرَف ربَّه، وبرِئ مِن دينِ قومِه، إلا أنه لم يُبادِهم (^٤) بذلك، وأخْبرَه (^٥) أنه ابنُه، وأَخْبَرَته أمُّ إبراهيمَ أنه ابنُه، وأَخْبَرَته بما كانت صنَعَت في (^٦) شأنِه، فسُرَّ بذلك آزرُ وفرِح فرحًا شديدًا، وكان آزرُ يَصْنَعُ أصنامَ قومِه التي يَعْبُدونها، ثم يُعْطِيها إبراهيمَ يَبِيعُها، فيَذْهَبُ بها إبراهيمُ فيما يَذْكُرون، فيقولُ: مَن يَشْتَرِى مَا يَضُرُّه ولا يَنْفَعُه؟ فلا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"خمس عشرة\".\n(^٢) في ص: \"يبصره\".\n(^٣) في م: \"طلع\".\n(^٤) في م: \"يبادئهم\". وبادى فلان بالعداوة: جاهر بها. اللسان (ب د ي).\n(^٥) في م: \"أخبر\".\n(^٦) في م: \"من\".","vol":"9","page":358},{"text":"يَشْتَرِيها منه أحدٌ، وإذا بارَت (^١) عليه، ذهَب بها إلى نهرٍ، فصوَّب (^٢) فيه رءوسَها، وقال: اشْرَبي. اسْتِهزاءً بقومِه، وما هم عليه من الضلالِة، حتى فشا عيبُه إياها واستهزاؤُه بها في قومِه وأهلِ قريتِه، مِن غيرِ أن يَكونَ ذلك بلَغ نُمْرودَ الملكَ (^٣).\nوأنْكَر قومٌ من غيرِ أهلِ الرِّوايةِ هذا القولَ الذي رُوِي عن ابنِ عباسٍ، وعمَّن رُوِي عنه، من أن إبراهيمَ قال للكوكبِ أو للقمرِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾. وقالوا: غيرُ جائزٍ أن يكونَ للهِ نبيٌّ ابْتَعَثه بالرسالةِ، أتَى عليه وقتٌ من الأوقاتِ وهو بالغٌ، إلا وهو للهِ مُوَحِّدٌ، وبه عارفٌ، ومِن كلِّ ما يُعْبَدُ مِن دونِه بَرِئٌ. قالوا: ولو جاز أن يكونَ قد أتَى عليه بعضُ الأوقاتِ وهو به كافرٌ، لم يَجُزْ أن يَخْتَصَّه بالرسالةِ؛ لأنه لا معنى فيه إلا وفي غيرِه منِ أهلِ الكفر به مثلُه، وليس بينَ اللهِ وبينَ أحدٍ مِن خلقِه مُناسبةٌ فيُحابِيَه باخْتِصاصِه بالكرامةِ. قالوا: وإنما أَكْرَم مَن أَكْرَم منهم لفضلِه في نفسِه، فأثابه لاسْتِحقاقِه الثوابَ بما أثابه مِن الكرامةِ. وزعَموا أن خبرَ اللهِ عن قيلِ إبراهيمَ عندَ رؤيتِه الكوكبَ، أو القمرَ، أو الشمسَ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾. لم يَكُن لجهلِه بأن ذلك غيرُ جائزٍ أن يَكونَ ربَّه، وإنما قال ذلك على وجهِ الإنكارِ منه أن يكونَ ذلك ربَّه، وعلى العيبِ لقومِه في عبادتِهم الأصنامَ، إذ كان الكوكبُ والقمرُ والشمسُ أضْوَأَ وأحسنَ وأبهجَ مِن الأصنامِ، ولم تكنْ مع ذلك معبودةً (^٤)، وكانت آفِلةً زائلةً غيرَ دائمةٍ، والأصنامُ التي دونَها في الحسنِ، وأصغرُ منها في الجسمِ، أحقُّ (^٥) ألا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"بات\".\n(^٢) في النسخ: \"فضرب\". والمثبت من تاريخ المصنف، وصوب رءوسها: نكسها. التاج (ص وب).\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٣٤ - ٢٣٦.\nوقال ابن كثير في البداية والنهاية ١/ ٣٣١ وهو مستند إلى أخبار إسرائيلية لا يوثق بها، ولاسيما إذا خالفت الحق. وتقدم أوله في ص ٣٤٣.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"معبودًا\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وأحق\".","vol":"9","page":359},{"text":"تَكونَ معبودةً ولا آلهةً. قالوا: وإنما قال ذلك لهم مُعارَضةً، كما يقولُ أحدُ المُتنَاظِرَيْن لصاحبِه، مُعارِضًا له في قولٍ باطلٍ قال به بباطلٍ مِن القولِ، على وجهِ مُطالَبتِه إياه بالفُرْقانِ بينَ القولين الفاسدَين عندَه، اللذين يُصَحِّحُ خَصْمُه أَحدَهما ويَدَّعِي فسادَ الآخرِ.\nوقال آخَرون منهم: بل ذلك كان منه في حالِ طُفُولتِه، وقبلَ قيامِ الحُجَّةِ عليه، وتلك حالٌ لا يكونُ فيها كفرٌ ولا إيمانٌ.\nوقال آخَرون منهم: إنما معنى الكلامِ: أهذا ربِّي؟ على وجهِ الإنكارِ والتَّوبيخِ؛ أي (^١): ليس هذا ربِّي. وقالوا: قد تَفْعَلُ العربُ مثلَ ذلك، فتَحْذِفُ الألفَ التي تَدُلُّ على معنى الاستفهامِ. وزعَموا أن مِن ذلك قولَ الشاعرِ (^٢):\nرفَوْني (^٣) وقالوا يا خُوَيْلِدُ لا (^٤) تُرَعْ … فقلتُ وأَنْكَرْتُ الوُجوهَ هُمُ هُمُ؟\nيعني: أهم هم؟ قالوا: ومِن ذلك قولُ أوسٍ (^٥): لعَمْرُك ما أَدْرِى [وإن كنتُ دارِيًا] (^٦) … شُعَيْثُ (^٧) ابْنُ سَهْمٍ أم شُعَيْثُ (^٧) ابن مِنْقَرِ؟ بمعنى: أشُعَيْثُ (^٨) بنُ سهمٍ؟ فحذَف الألفَ. ونظائر ذلك. وأما تذكيرُ ﴿هَذَا﴾ في قولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾. فإنما هو (^٩) على\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"أن\".\n(^٢) هو أبو خراش الهذلي، والبيت في ديوان الهذليين ٢/ ١٤٤.\n(^٣) رفوني: سكَّنوني. وكان أصلها رفئوني فترك الهمز. ينظر شرح أشعار الهذليين ٣/ ١٢١٧.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"لم\".\n(^٥) ديوانه ص ٤٩. ونسبه سيبويه في الكتاب ٣/ ١٧٥ إلى الأسود بن يعفر، ونسبه المبرد في الكامل ٢/ ٢٤٥، ٣/ ١٧٨ إلى اللعين المنقري التميمي.\n(^٦) وفي الديوان: \"أمن حزن محجن\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"شعيب\"، وفي الموضع الثاني من الديوان: \"لحزن\".\n(^٨) في ص ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"أشعيب\".\n(^٩) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"هم\".","vol":"9","page":360},{"text":"معنى: هذا الشيءُ الطالعُ ربِّي.\nوفي خبرِ اللهِ تعالى عن قيلِ إبراهيمَ حينَ أَفَلَ القمرُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ الدليلُ على خطأِ هذه الأقوالِ التي قالها هؤلاء القومُ، وأن الصوابَ مِن القولِ في ذلك الإقرارُ بخبرِ اللهِ تعالى ذكرُه الذي أخْبَر به عنه، والإعراضُ عما عداه (^١).\nوأما قولُه: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾. فإن معناه: فلما غاب وذهَب.\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: قال ابنُ إسحاقَ: الأُفولُ الذَّهابُ.\nيقالُ منه: أَفَلَ النجمُ يَأْفُلُ ويَأْفِلُ أُفُولًا [وأَفَلًا] (^٢)، إذا غاب. ومنه قولُ ذي الرُّمَّةِ (^٣):\nمَصابيحُ (^٤) ليست باللَّواتي يَقودُها … نُجومٌ ولا بالآفلاتِ الدَّوالِكِ (^٥)\nويقالُ: أين أفَلْتَ عنا؟ بمعنى: أين غِبْتَ عنا؟\n\n<span id=\"aya-866\"></span><span data-type='title' id=toc-3045>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ</span>\n_________\n(^١) قال الشنقيطي ﵀: قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾. في المواضع الثلاثة محتمل لأنه كان يظن ذلك .. ومحتمل لأنه جازم بعدم ربوبية غير الله .. والقرآن يبين بطلان الأول وصحة الثاني، أما بطلان الأول، فالله تعالى نفى كون الشرك الماضي عن إبراهيم في قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ونفى الكون الماضي يستغرق جميع الزمن الماضي، فثبت أنه لم يتقدم عليه شرك يوما ما .. إلى آخر ما قال. ينظر أضواء البيان ٢/ ٢٠١، وينظر الكشاف ٢/ ٣١، والتفسير الكبير ١٣/ ٤٧ وما بعدها، وتفسير ابن كثير ٣/ ٢٨٥.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) ديوانه ٣/ ١٧٣٤.\n(^٤) المصباح من الإبل: الذي يبرك في معرسه فلا ينهض حتى يصبح وإن أثير. اللسان (ص ب ح).\n(^٥) الدوالك: المائلات للغروب. ينظر اللسان (د ل ك).","vol":"9","page":361},{"text":"يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا طلع القمرُ فرآه إبراهيمُ طالعًا - وهو بُزُوغُه، يقالُ منه: بَزَغَت الشمسُ تَبْزُغُ بُزُوعًا، إذا طَلَعَت. وكذلك القمرُ - قال: هذا ربي. ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾. يقولُ: فلمَّا غاب ﴿قَالَ﴾ إبراهيمُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ - ويُوَفِّقْني لإصابِة الحقِّ في توحيدِه، ﴿لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾. أي: مِن القومِ الذين أخْطَئوا الحقَّ في ذلك، فلم يُصِيبوا الهدى، وعبَدوا غيرَ اللهِ.\nوقد بيَّنا معنى الضلالِ في غيرِ هذا الموضعِ، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\n\n<span id=\"aya-867\"></span><span data-type='title' id=toc-3046>القولُ في تأويل قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه (^٢): فلمَّا رأَى إبراهيمُ الشمسَ طالعةً ﴿قَالَ﴾: هَذا الطالعُ ربِّي، ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾. يعني: هذا أكبرُ مِن الكوكبِ والقمرِ.\nفحذَف ذلك لدلالةِ الكلامِ عليه. ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾. يقولُ: فلمَّا غابَت، قال إبراهيمُ لقومِه: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. أي: من عبادةِ الآلهةِ والأصنامِ ودعائِه إلهًا مع اللهِ تعالى.\n\n<span id=\"aya-868\"></span><span data-type='title' id=toc-3047>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن خليلِه إبراهيمَ ﵇، أنه لمَّا تبَيَّنَ له\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٤١٥ وما بعدها.\n(^٢) بعده في م: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾.","vol":"9","page":362},{"text":"الحقُّ وعرَفه، شهِد شهادةَ الحقِّ، وأظْهَر خلافَ قومِه أهلِ الباطلِ وأهلِ الشركِ باللهِ، ولم تَأْخُذْه في اللهِ لومةُ لائمٍ، ولم يَسْتَوْحِشْ مِن قِيلِ الحقِّ والثباتِ عليه، مع خلافِ جميعِ قومِه لقولِه، وإنكارِهم إياه عليه، و(^١) قال لهم: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ مع اللهِ الذي خلَقَني وخلَقَكم، في عبادتِه مِن آلهتِكم وأصنامِكم، إني وجَّهْتُ وجْهيَ في عبادتي إلى الذي خلَق السماواتِ والأرضَ، الدائمِ الذي يَبْقَى ولا يَفْنَى، ويُحْيِي وَيُمِيتُ، لا إلى الذي يَفْنَى ولا يَبْقَى، ويَزولُ ولا يَدُومُ، ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ.\nثم أَخْبَرَهم تعالى ذكرُه أن توجيهَه (^٢) وَجهَه لعبادتِه (^٣)، بإخلاصِ العبادةِ له، والاستقامةِ في ذلك لربِّه (^٤) على ما يُحِبُّ (^٥) مِن التوحيدِ، لا على الوجهِ الذي يُوَجِّهُ له وَجْهَهُ مَن ليس بحَنيفٍ، ولكنه به مشركٌ، إذ كان توجيهُ الوجهِ لا (^٦) على التَّحَنُّفِ غيرَ نافعٍ مُوَجِّهَه، بل ضارُّه ومُهْلِكُه. ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: ولسْتُ منكم. أيْ: لسْتُ ممَّن يَدِينُ دينَكم، ويَتَّبِعُ ملَّتَكم أيُّها المشركون.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك كان ابنُ زيدٍ يقولُ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ قومِ إبراهيمَ لإبراهيمَ: تركْتَ عبادةَ هذه؟ فقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. فقالوا: ما جئتَ بشيءٍ، ونحن نَعْبُدُه ونَتَوَجَّهُه. فقال: لا،\n_________\n(^١) في ص: \"أو\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"توجهه\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"لعباده\".\n(^٤) بعدها في ت ١، س، ف: \"في ذلك\".\n(^٥) في ص م ت ١، س، ف: \"يجب\".\n(^٦) في ص، ت ١، ف: \"له\".","vol":"9","page":363},{"text":"﴿حَنِيفًا﴾. قال: مُخْلِصًا لا أُشْرِكُه كما تُشْرِكون.\n\n<span id=\"aya-869\"></span><span data-type='title' id=toc-3048>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ (^١) وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وجادَل إبراهيمُ قومَه في توحيدِ اللهِ وبراءتِه مِن الأصنامِ، وكان جدالُهم إياه قولَهم: إن آلهَتَهم التي يَعْبُدُونها خيرٌ مِن إلهِه. قال إبراهيمُ: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾. يقولُ: أَتُجادِلُونني في توحيديَ اللهَ، وإخلاصي العملَ له دونَ ما سواه مِن آلهةٍ؟ ﴿وَقَدْ هَدَانِ﴾. يقولُ: وقد وفَّقَني ربي لمعرفةِ وَحْدانيتِه، وبصَّرَني طريقَ الحقِّ، حتى أَيْقَنْتُ (^٢) ألا شيءَ يَسْتَحِقُّ أن يُعْبَدَ سواه، ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾. يقولُ: ولا أَرْهَبُ مِن آلهتِكم التي تَدْعونها مِن دونِه شيئًا يَنالُني به (^٣) في نفسي مِن سوءٍ ومكروهٍ. وذلك أنهم قالوا له: إنا نَخَافُ أَن تَمَسَّك آلهتُنا بسوءٍ، مِن بَرَصٍ أو خَبْلٍ (^٤)؛ لذكرِك إياها بسوءٍ. فقال لهم إبراهيمُ: لا أَخافُ ما تُشْرِكون باللهِ من هذه الآلهةِ أن تَنالَني بضُرٍّ ولا مكروهٍ؛ لأنها لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾. يقولُ: ولكنَّ خوفي مِن الله الذي خلَقَني، وخلَق السماواتِ والأرضَ، فإنه إن شاء أن يَنالنَي في نفسي أو مالي بما شاء؛ مِن فَناءٍ أو بقاءٍ، أو زيادةٍ أو نُقْصانٍ، أو غيرِ ذلك، نالَني به؛ لأنه القادرُ على ذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك كان ابنُ جُرَيْجٍ يقولُ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"هداني\". وبإثبات الياء وصلا قرأ أبو عمرو. واختلف عن نافع في إثباتها وحذفها في الوصل، وحذفها باقي السبعة وصلا ووقفا. السبعة لابن مجاهد ص ٢٧٥.\n(^٢) في النسخ: \"ألفت\". والمثبت من تحقيق الشيخ شاكر، ويصح أيضا أن تكون: ألفَيتُ.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) الخبل: فساد الأعضاء حتى لا يدري كيف يمشي، وهو أيضا الجنون أو شبهه. تهذيب اللغة ٧/ ٤٢٤.","vol":"9","page":364},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ (^١)﴾. قال: دعا قومُه مع اللهِ آلهةً (^٢)، وخوَّفوه بآلهتِهم أن يُصِيبَه منها خَبْلٌ، فقال إبراهيمُ: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ (١)﴾. قال: قد عرَفْتُ ربي، لا أَخافُ ما تُشْرِكون به.\n﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. يقولُ: وعَلِم ربي كلَّ شيءٍ، فلا يَخْفَى عليه شيءٌ؛ لأنه خالقُ كلِّ شيءٍ، ليس كالآلهةِ التي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولا تَفْهَمُ شيئًا، وإنما هي خشبةٌ مَنْحوتةٌ، وصورةٌ مُمَثَّلةٌ، ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (^٣)﴾. يقولُ: أفلا تَعْتَبِرُون أَيُّها الجَهَلَةُ، فتَعْقِلوا خطأَ ما أنتم عليه مُقِيمون؛ مِن عبادتِكم صُورةً مُصَوَّرةً، وخشبةً مَنْحوتةً، لا تَقْدِرُ على ضَرٍّ ولا على نفعٍ، ولا تَفْقَهُ شيئًا، ولا تَعْقِلُه، وترْكِكم عبادةَ مَن خلَقكم وخلَق كلَّ شيءٍ، وبيدِه الخيرُ، وله القدرةُ على كلِّ شيءٍ، والعالم بكلِّ شيءٍ.\n\n<span id=\"aya-870\"></span><span data-type='title' id=toc-3049>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾.</span>\nوهذا جوابُ إبراهيمَ لقومِه حينَ خوَّفوه مِن آلهتِهم أن تَمَسَّه، لذكرِه إياها بسوءٍ، في نفسِه بمكروهٍ، فقال لهم: وكيف أَخَافُ وأَرْهَبُ مَا أَشْرَكْتُموه في عبادتِكم ربَّكم، فعبَدْتُموه مِن دونِه، وهو لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ؟ ولو كانت تَنْفَعُ أو تَضُرُّ، لدَفَعَت عن أنفسِها كَسْرِى إياها، وضَرْبي لها بالفأسِ، وأنتم لا تَخافون اللهَ الذي\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"هداني\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"إلها\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"تذكرون\".","vol":"9","page":365},{"text":"خلَقكم ورزَقكم، وهو القادرُ على نفعِكم وضَرِّكم، في إشراكِكم في عبادتِكم إياه ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾. يعني: ما لم يُعْطِكم على إشراكِكم إياه في عبادتِه حُجَّةً، ولم يَضَعْ لكم عليه بُرْهانًا، ولم يَجْعَلْ لكم به عُذْرًا، ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾. يقولُ: أنا أَحَقُّ بالأمنِ مِن عاقبةِ عبادتي ربي مُخْلِصًا له العبادةَ، حنيفًا له ديني، بَريئًا من عبادةِ الأوثانِ والأصنامِ، أم أنتم الذين تَعْبُدون مِن دونِ اللهِ أصنامًا لم يَجْعَلِ اللهُ لكم بعبادتِكم إياها برهانًا ولا حجةً، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؟ يقولُ: إن كنتم تَعْلَمون صدقَ ما أَقولُ، وحقيقةَ ما أَحْتَجُّ به عليكم، فقولوا وأخْبِروني: أيُّ الفريقَيْن أحقُّ بالأمنِ؟\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك كان محمدُ بنُ إسحاقَ يقولُ فيما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: قال محمدُ بنُ إسحاقَ في قولِه: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾. يقولُ: كيف أخافُ وَثَنًا تَعْبُدون مِن دونِ اللهِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، ولا تَخافُون أنتم الذي يَضُرُّ ويَنْفَعُ، وقد جَعَلْتُم معه شُركاءَ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ؟ ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: بالأمنِ من عذابِ اللهِ في الدنيا والآخرةِ، ألذي يَعْبُدُ الذي بيدِه الضرُّ والنفعُ، أم الذي يَعْبُدُ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ؟ يَضْرِبُ لهم الأمثالَ، ويُصَرِّفُ لهم العِبَرَ؛ ليَعْلَموا أن اللهَ هو أحقُّ أن يُخافَ ويُعْبَدَ مما يَعْبُدُون مِن دونِه (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: أفْلَج (^٢) اللهُ إبراهيمَ ﵇ حينَ خَاصَمَهم، فقال: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٣١، ١٣٣٢ (٧٥٣٥، ٧٥٣٦، ٧٥٤٠) من طريق سلمة به. وأخرج المصنف آخره في تاريخه ١/ ٢٤٠ عن محمد بن حميد به ضمن الأثر المتقدم في ص ٣٥٩.\n(^٢) أفلجه على خصمه: غلَّبه وفضَّله. اللسان (ف ل ج).","vol":"9","page":366},{"text":"سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ثم قال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ قولَ إبراهيمَ حينَ سأَلهم: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾: وهي حجةُ إبراهيمَ ﵇ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى عن (^٢) إبراهيمَ حينَ سأَلهم: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾. قال: وهي حجةُ إبراهيمَ ﵇.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أمن يَعْبُدُ ربًّا واحدًا، أمن يَعْبُدُ أربابًا كثيرةً؟ يقولُ قومُه: الذين آمَنوا بربٍّ واحدٍ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أمن خاف غيرَ اللهِ ولم يَخَفْه، أمن خاف اللهَ ولم يَخَفْ غيرَه؟ فقال اللهُ تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية (^٣).\n\n<span id=\"aya-871\"></span><span data-type='title' id=toc-3050>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٣٢ (٧٥٣٨) من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"قال\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٣٢ (٧٥٣٩) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦ إلى أبي الشيخ.","vol":"9","page":367},{"text":"اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذي أخْبَر تعالى ذكرُه عنه أنه قائلُ (^١) هذا القولِ، أعْنِي: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية؛ فقال بعضُهم: هذا فصلُ القضاءِ مِن اللهِ بينَ إبراهيمَ خليلِه ﵇، وبينَ مَن حاجَّه مِن (^٢) قومِه مِن أَهلِ الشركِ باللهِ، إذ قال لهم إبراهيمُ: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فقال اللهُ تعالى فاصلًا بينَه وبينَهم: الذين صدَّقوا اللهَ، وأخْلَصُوا له العبادةَ، ولم يَخْلِطوا عبادتَهم إياه وتصديقَهم له ﴿بِظُلْمٍ﴾. يعني: بشركٍ، ولم يُشْرِكوا في عبادتِه شيئًا، ثم جعَلوا عبادتَهم للهِ خالصًا - أحقُّ بالأمنِ مِن عقابِه مكروهَ عبادتِه ربَّه (^٣)، مِن الذين يُشْرِكون في عبادتِهم إياه الأوثانَ والأصنامَ، فإنهم الخائِفون من عقابِه مكروهَ عبادتِهم، أمَّا في عاجلِ الدنيا، فإنهم وَجِلون مِن حُلولِ سَخَطِ اللهِ بهم، وأما في الآخرةِ، فإنهم المُوقِنون بأليمِ عذابِ اللهِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾: أي: الذين أخْلَصوا كإخلاصِ إبراهيمَ ﷺ لعبادةِ اللهِ وتوحيدِه، ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾: أي: بشركٍ، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾: الأمنُ مِن العذابِ، والهُدَى في الحجةِ بالمعرفةِ والاستقامةِ، يَقولُ اللهُ تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"قال\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"في\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرج آخره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٣٤ (٧٥٤٧) من طريق سلمة به.","vol":"9","page":368},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال: فقال اللهُ، وقضَى بينَهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ. قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾: فأما الذنوبُ فليس يَبْرَأُ منها أحدٌ.\nوقال آخَرون: هذا جوابٌ مِن قومِ إبراهيمَ ﷺ لإبراهيمَ حينَ قال لهم: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾؟ فقالوا له: الذين آمَنوا باللهِ فوحَّدوه، أحقُّ بالأمنِ، إذ لم يَلْبِسوا إيمانَهم بظلمٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أمَن يَعْبُدُ ربًّا واحدًا، أمَّن يَعْبُدُ أربابًا كثيرةً؟ يقولُ قومُه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾: بعبادةِ الأوثانِ، وهي حجةُ إبراهيمَ، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.\nوأولى القولين في ذلك عندي بالصوابِ قولُ مَن قال: هذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى عن أوْلَى الفريقَيْن بالأمنِ، وفصلُ قَضاءٍ منه بينَ إبراهيمَ ﷺ وبينَ قومِه، وذلك أن ذلك لو كان مِن قولِ قومِ إبراهيمَ الذين كانوا يَعْبُدون الأوثانَ، ويُشْرِكونها في عبادةِ اللهِ، لكانوا قد أقَرُّوا بالتوحيدِ، واتَّبَعوا إبراهيمَ على ما كانوا يُخالِفونه فيه مِن التوحيدِ، ولكنه كما ذكَرْتُ مِن تأويلِه بَدِيًّا (^١)\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي عناه اللهُ تعالى بقولِه: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾؛ فقال بعضُهم: بشركٍ.\n_________\n(^١) في م: \"بدءا\". والبديّ: الأول. ومنه قولهم: افعل هذا بادي بديٍّ، أي: أول كل شيء. اللسان (ب د ي).","vol":"9","page":369},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. شقَّ ذلك على أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ. قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ألا تَرَوْن إلى قولِ لُقمانَ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ \". [لقمان: ١٣].\nقال أبو كُرَيْبٍ: قال ابنُ إدريسَ: حدَّثَنِيه أولًا أبي، عن أبانِ بنِ تَغْلِبَ، عن الأعمشِ، ثم سمِعْتُه قيلَ له: مِن الأعمشِ؟ قال: نعم (^١).\nحدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرَّمْليُّ، قال: ثني عمي يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: لمَّا نزَلَت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. شقَّ ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، ما منا أحدٌ إلا وهو يَظْلِمُ نفسَه. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ليس [بذاك، ألَم تَسْمَعوا] (^٢) إلى قولِ لُقْمانَ لابنِه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ \" (^٣).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. شقَّ ذلك على أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، وقالوا: أيُّنا لم يَظْلِمْ نفسَه؟ قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ليس كما تَظُنُّون، وإنما هو ما قال لقمانُ لابنِه: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢٤/ ١٩٨) عن أبي كريب به.\n(^٢) في م: \"بذلك ألا تسمعون\".\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٤٢٩)، ومسلم (١٢٤/ ١٩٨) من طريق الأعمش به.","vol":"9","page":370},{"text":"إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ \" (^١).\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. شقَّ ذلك على الناسِ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، وأيُّنا لا يَظْلِمُ نفسَه؟ فقال: \"إنه ليس كما (^٢) تَعْنُون، ألم تَسْمعوا ما قال العبدُ الصالحُ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ إنما هو الشركُ\" (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ في قولِه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ (^٤).\nحدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا فُضَيْلٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: [لم يَخْلِطوه] (^٥) بشركٍ.\n[حدَّثنا ابنُ وكيعٍ وابنُ حُمَيْدٍ، قالا: حدَّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال بشِرْكٍ] (^٦).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (٦٩٣٧) ومسلم (١٢٤/ ١٩٧) من طريق وكيع به.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٢٤/ ١٩٧) من طريق أبي معاوية به.\n(^٤) أخرجه ابن مردويه - كما في فتح الباري ١٢/ ٢٦٥ - من طريق أبي أحمد الزبيري عن سفيان عن الأعمش به مرسلا. وأخرجه أبو عوانة ١/ ٧٤، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٣٣ (٧٥٤٣) من طريق أبي أحمد الزبيري عن سفيان موصولا مرفوعا.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"9","page":371},{"text":"عبدِ اللهِ، قال: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾.\nشقَّ ذلك على أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، وقالوا: أيُّنا لم يَلْبِسْ إيمانَه بظلمٍ؟ فقال النبيُّ ﷺ: \"ليس بذاك (^١)، ألم تَسْمَعوا قولَ لُقْمانَ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ \" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ وابنُ إدْريسَ، عن الشَّيْبانيِّ، عن أبي بكرِ بنِ أبي موسى، عن الأسودِ بنِ هلالٍ، عن أبي بكرٍ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ (^٣).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن يونُسَ بنِ أبي إسحاقَ، [عن أبي إسحاقَ] (^٤)، عن أبي بكرٍ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ (^٥).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سعيدِ بنِ عُبيدٍ الطائيِّ، عن أبي الأشعرِ العَبْديِّ، عن أبيه، أن زيدَ بنَ صُوحانَ سأَل سلمانَ، فقال: يا أبا عبدِ اللهِ، آيةٌ مِن كتابِ اللهِ قد بلَغَت مني كلَّ مَبْلَغٍ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، فقال سلمانُ: هو الشركُ باللهِ تعالى. فقال زيدٌ: ما يَسُرُّني بها أني لم أَسْمَعْها منك، وأن لي مثلَ كلِّ شيءٍ أَمْسَيْتُ أَمْلِكُه (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"بذلك\".\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٧٧٦، ٦٩١٨) من طريق جرير به.\n(^٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٤٠ من طريق عبد الله بن إدريس عن أبي إسحاق الشيباني به. وأخرجه إسحاق بن راهويه - كما في المطالب العالية (٣٩٧١) من طريق أبي بكر بن أبي موسى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧ إلى الفريابي وابن أبي شيبة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٥) أخرجه الحارث بن أبي أسامة - كما في المطالب العالية ٨/ ٥٦٦ (٣٩٧١) - من طريق أبي إسحاق به.\n(^٦) أخرجه البخاري في تاريخه ٩/ ٨ من طريق أبي الأشعر العبدي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧ إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وأبي الشيخ.","vol":"9","page":372},{"text":"حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سعيدِ بنِ عُبيدٍ، عن أبي الأشعرِ، عن أبيه، عن سلمانَ، قال: بشركٍ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ وَكيعٍ قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا نُسَيْرُ بنُ ذُعْلُوقٍ، عن كُرْدوسٍ (^١)، عن حُذَيفةَ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أَخْبَرنا هُشَيْمٌ، عن أبي إسحاقَ الكوفيِّ، عن رجلٍ، عن عيسى، عن حُذيفةَ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عارمٌ أبو النُّعمانِ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن عطاءِ ابنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ وغيرِه، أن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. يقولُ: بكفرٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. يقولُ: لم\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"ددوس\"، وفي م: \"درسب\"، ترجم له مصححو المطبوعة على أنه دُرست. وتقدم في ص ٢٥٩.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧ إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي عبيد وأبي الشيخ.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"9","page":373},{"text":"يَلْبِسوا إيمانَهم بالشركِ. وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضميُّ، قال: ثني أبي، قال: ثنا جَريرُ بنُ حازمٍ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن ابن (^١) المسيبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قرَأ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. فلمَّا قرَأها فزِع، فأَتَى أبيَّ بنَ كعبٍ، فقال: يا أبا المُنذرِ، قرَأْتُ آيةً من كتابِ اللهِ، مَن يَسْلَمُ؟ فقال: ما هي؟ فقرَأَها عليه، فأَيُّنا لا يَظْلِمُ نفسَه؟ فقال: غفَر اللهُ لك، أما سمِعْتَ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ إنما هو: ولم يَلْبِسوا إيمانَهم بشركٍ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدِ بن جُدْعانَ، عن يوسُفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ، أن عمرَ دخَل منزلَه فقرَأ في المصحفِ، فمرَّ بهذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. [فَأَتَى أُبَيًّا] (^٣) فأَخْبَرَه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنما هو الشركُ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسُفَ بن مِهْرانَ، عن [ابن عباسٍ] (^٥)، أن عمرَ بنَ الخطابِ كان إذا دخَل بيتَه نشَر المصحفَ فقرَأه، فدخَل ذات يومٍ فقرَأ، فأتَى على هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. فانْفَتَل (^٦)، وأَخَذ\n_________\n(^١) سقط من النسخ، والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٢) أخرجه الحاكم ٣/ ٣٠٥ من طريق حماد بن زيد عن علي به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فأتاه أبي\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"ابن مهران\"، وفي م: \"مهران\". وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٤٦٣، والأثر السابق.\n(^٦) في م: \"فاشتغل\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فاستفل\"، كذا رسمت في ص إلا أنها غير منقوطة، وفي الدر المنثور: \"فانتقل\". والمثبت من تحقيق الشيخ شاكر، وانفتل: انصرف.","vol":"9","page":374},{"text":"رداءَه، ثم أتَى أبيَّ ابنَ كعبٍ، فقال: يا أبا المنذرِ، فتلا هذه الآيةَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. [وقد تَرَى أنا نَظْلِمُ] (^١)، ونَفْعَلُ ونَفْعَلُ. فقال: يا أميرَ المؤمنين، إن هذا ليس بذاك، يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. إنما ذلك الشركُ.\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا ابنُ فُضَيْلٍ، عن مُطَرِّفٍ، عن أبي عثمانَ عمرِو بنِ سالمٍ، قال: قرَأ عمرُ بنُ الخطابِ هذه الآيةَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. فقال عمرُ: قد أفْلَح مَن لم يَلْبِسْ إيمانَه بظلمٍ. فقال أبيٌّ: يا أميرَ المؤمنين، ذاك الشركُ.\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا [أسْباطُ بنُ محمدٍ، عن مُطَرِّفٍ] (^٢)، عن ابنِ سالمٍ، قال: قرَأ عمرُ بنُ الخطابِ. فذكَر نحوَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسَرةَ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسَرَةَ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا حسينُ بن (^٤) عليٍّ، عن زائدةَ، عن الحسنِ بنِ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) في ص، س: \"أسباط عن محمد عن مطرف\". وفي م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"أسباط عن محمد بن مطرف\". تهذيب الكمال ٢/ ٣٥٤، ٢٨/ ٦٢.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٨٦ - تفسير) من طريق أبي إسحاق به.\n(^٤) في النسخ: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٤٤٩.","vol":"9","page":375},{"text":"عبيدِ (^١) اللهِ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ.\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾: أي: بشركٍ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا حميدٌ، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسَرةَ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بعبادةِ الأوثانِ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ (^٤).\nحدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن الأعمشِ، أن ابنَ مسعودٍ قال: لمَّا نزَلَت: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. كبُر\n_________\n(^١) في النسخ: \"عبد\". وينظر تهذيب الكمال ٦/ ١٩٩.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٣٣ عقب الأثر (٧٥٤٣) معلقا.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٢٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٣٣، عقب الأثر (٧٥٤٣) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.","vol":"9","page":376},{"text":"ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، ما منا أحدٌ إلا وهو يَظْلِمُ نفسَه. فقال النبيُّ ﷺ: \"أمَا سمِعْتُم قولَ لقمانَ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (^١)؟ \".\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾.\nقال: عبادةِ الأوثانِ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن مِسْعَرٍ، عن أبي حَصينٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: بشركٍ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حمُيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ولم يَخْلِطوا إيمانَهم بشيءٍ من معاني الظلمِ؛ وذلك فعلُ ما نَهَى اللهُ عن فعلِه، أو تركُ ما أمَر اللهُ بفعلِه. وقالوا: الآيةُ على العمومِ؛ لأن اللهَ لم يَخُصَّ به معنًى مِن معاني الظلمِ.\nقالوا: فإن قال لنا قائلٌ: أفلا أَمْنَ في الآخرةِ إلا لمن لم يَعْصِ اللهَ في صغيرةٍ ولا كبيرةٍ، وإلّا لَمَن لقِي اللهَ ولا ذنبَ له؟ قلنا: إن اللهَ عنَى بهذه الآيةِ خاصًّا مِن خلقِه دونَ الجميعِ منهم، والذي عنَى بها وأراده بها خليلَه إبراهيمَ ﷺ، فأما غيرُه فإنه إذا لقِي اللهَ لا يُشْرِكُ به شيئًا، فهو في مشيئتِه إذا كان قد أتَى بعضَ مَعاصِيه التي لا تَبْلُغُ أن تَكونَ كفرًا، فإن شاء لم يُؤْمِنُه من عذابِه، وإن شاء تفَضَّل عليه فعفا عنه.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٣ عن معمر به.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٣٣ عقب الأثر (٧٥٤٣) معلقا.","vol":"9","page":377},{"text":"قالوا: وذلك قولُ جماعةٍ مِن السلفِ، وإن كانوا مختلفين في المعنيِّ بالآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بها إبراهيمُ.\nوقال بعضُهم: عُنِي بها المهاجرون (^١) مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ.\nذكرُ مَن قال: عُنِي بهذه الآيةِ إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ ﷺ حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ وحميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن قيسِ ابنِ الربيعِ، عن زيادِ بنِ عِلاقةَ، عن زيادِ بن حَرْملةَ، عن عليٍّ، قال: هذه الآيةُ لإبراهيمَ ﷺ خاصةً، ليس لهذه الأمةِ منها شيءٌ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3051>ذكرُ مَن قال: عُنِي بها المهاجرون خاصةً</span>\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ وحميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن قيسِ ابنِ الربيعِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: هي لمَن هاجرَ إلى المدينةِ.\nوأولى القولين بالصحةِ في ذلك ما صحَّ به الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ، وهو الخبرُ الذي رواه ابنُ مسعودٍ عنه أنه قال: الظلمُ الذي ذكَره اللهُ تعالى في هذا الموضعِ هو الشركُ.\nوأما قولُه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. فإنه يعني: هؤلاء الذين آمنوا، ولم يَخْلِطُوا إيمانَهم بشركٍ، ﴿لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ يومَ القيامةِ مِن عذابِ اللهِ، ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. يقولُ: وهم المُصِيبون سبيلَ الرشادِ، والسالكون طريقَ النَّجاةِ.\n_________\n(^١) في م: \"المهاجرين\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٣٣ (٧٥٤٤) من طريق قيس بن الربيع به. والحاكم ٢/ ٣١٦ من طريق زياد بن علاقة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧ إلى الفريابي وعبد بن حميد وأبي الشيخ وابن مردويه.","vol":"9","page":378},{"text":"<span id=\"aya-872\"></span><span data-type='title' id=toc-3052>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا﴾. قول إبراهيمَ لمُخاصِمِيه مِن قومِه المشركين: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ أمَن يَعْبُدُ ربًّا واحدًا مُخْلِصًا له الدينَ والعبادةَ، أمَّن يَعْبُدُ أربابًا كثيرةً؟ وإجابتُهم إياه بقولِهم: بل مَن يَعْبُدُ ربًّا واحدًا أحقُّ بالأمنِ. وقضاؤُهم له على أنفسِهم، فكان في ذلك قطعُ عذرِهم، وانقطاعُ حجتِهم، واسْتِعلاءُ حجةِ إبراهيمَ عليهم، فهى الحجةُ التي آتاها اللهُ إبراهيمَ على قومِه (^١).\nكالذي حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن رجلٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾. قال: هي (^٢) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يحيى بنُ زكريا، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال إبراهيمُ حينَ سأَل: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾. قال: هي حجةُ إبراهيمَ (^٣).\nوقولُه: ﴿آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾. يقولُ: لقَّنّاها إبراهيمَ، و[بصَّرْناها إياه] (^٤)، ورفعْناه (^٥) على قومِه.\n_________\n(^١) تقدم في ص ٣٦٩ أن المصنف، ﵀، رجح أن قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ خبر من الله تعالى عن أَوْلى الفريقين بالأمن، وفصل قضاء منه بين إبراهيم ﵇ وبين قومه، ثم عاد هنا فذكر أنه من قول قوم إبراهيم ﵇، وهو مارده هناك ولم يرتضه.\n(^٢) في ص: \"هو\"، وفي ف: \"هؤلاء\".\n(^٣) ينظر ما تقدم تخريجه في ص ٣٦٧.\n(^٤) في م: \"بصرناه إياها\".\n(^٥) في ص: \"عرفناه\".","vol":"9","page":379},{"text":"﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾. واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الحجازِ والبصرةِ: (نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَن نَشاءُ). بإضافةِ الدرجاتِ إلى \"مَن\"، بمعنى: نَرْفَعُ الدرجاتِ لمَن نَشاءُ (^١).\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾. بتنوينِ الدرجاتِ، بمعنى: نَرْفَعُ مَن نَشَاءُ دَرَجَاتٍ (^٢). والدرجاتُ جمعُ دَرَجةٍ، وهي المرتبةُ، وأصلُ ذلك مَراقي السُّلَّمِ ودرجُه، ثم تُسْتَعْمَلُ في ارتفاعِ المنازلِ والمراتبِ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أن يُقالَ: هما قراءتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما أئمةٌ مِن القرَأةِ، متقاربٌ معناهما. وذلك أن مَن رُفِعَت درجتُه فقد رُفِع في الدَّرَجِ، ومَن رُفِع في الدَّرَجِ فقد رُفِعَت درجتُه، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمُصيبٌ الصوابَ في ذلك.\nفمعنى الكلامِ إذن: وتلك حُجَّتُنا آتيناها إبراهيمَ على قومِه، فرفَعْنا بها درجتَه عليهم، وشرَّفْناه بها عليهم في الدنيا والآخرةِ، فأما في الدنيا فآتَيْناه فيها أجره، وأما في الآخرةِ فهو مِن الصالحين. ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾. أي: بما فعَل (^٣) مِن ذلك وغيرِه (^٤).\nوأما قولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. فإنه يعني: إن ربَّك يا محمدُ حكيمٌ في سِياستِه خلقَه، وتَلْقينِه أنبياءَه الحججَ على أممِهم المُكَذِّبةِ لهم، الجاحدةِ توحيدَ ربِّهم، وفي غيرِ ذلك مِن تدبيرِه، عليمٌ بما يَئُولُ إليه أمرُ رسلِه والمُرْسلين إليه (^٥)؛ مِن\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ٢٦١.\n(^٢) وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فعلت\".\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"حكيم عليم\".\n(^٥) في م: \"إليهم\".","vol":"9","page":380},{"text":"ثَباتِ الأممِ على تكذيبِهم إياهم، وهلاكِهم على ذلك، أو إنابتهم وتوبتهم منه بتوحيد اللهِ تعالى، وتصديقِ رسلهِ، والرجوع إلى طاعته.\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فأْتَسِ يا محمدُ في نفسِك وقومك المُكَذِّبيك والمشركين، بأبيك خليلي إبراهيمَ ﷺ، واصْبِر على ما يَنوبُك منهم صبرَه، فإني بالذي يَئُولُ إليه أمرُك وأمرُهم عالمٌ بالتدبيرِ فيك وفيهم حكيمٌ.\n\n<span id=\"aya-873\"></span><span data-type='title' id=toc-3053>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فَجَزَيْنا إبراهيم ﷺ على طاعتِه إيانا وإخلاصِه توحيدَ ربِّه، ومُفارقتِه دينَ قومِه المشركين باللهِ، بأن رفَعْنا درجتَه في عِلِّيِّين، وآتَيْناه أجرَه في الدنيا، ووهَبْنا له أولادًا اخْتَصَصْناهم (^١) بالنبوةِ، وذريةً شرَّفناهم منا بالكرامة، وفضَّلْناهم على العالَمين؛ منهم ابنُه إسحاق، وابنُ ابنهِ يعقوبُ، ﴿كُلًّا هَدَيْنَا﴾. يقولُ: هدَيْنا جميعهم لسبيل الرشادِ، فوفَّقناهم للحقِّ والصوابِ من الأديان، ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: وهدَيْنا لمثل الذي هدَيْنا إبراهيمَ وإسحاق ويعقوب من الحقِّ والصواب، فوفَّقناه له، نوحًا مِن قَبْلِ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ والهاءُ التي في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ مِن ذكرِ \"نوحٍ\". وذلك أن اللهَ تعالى ذكره ذكر في سياق الآياتِ التي تَتْلُو هذه الآيةَ لوطًا، فقال: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. ومعلومٌ أن لوطًا لم يَكُنْ مِن ذريةِ إبراهيمَ صلَّى اللهُ عليهم أجمعين. فإذ\n_________\n(^١) في م: \"خصصناهم\".","vol":"9","page":381},{"text":"كان ذلك كذلك، وكان معطوفًا على أسماءِ من سمَّيْنا من ذريته، كان لا شكَّ أنه لو أُرِيد بالذرية ذريةُ إبراهيم، لَمَا دخَل يونُسُ ولوطٌ فيهم، ولا شكَّ أن لوطًا ليس من ذرية إبراهيم، ولكنه من ذرية نوحٍ، فلذلك وجَب أن تكونَ الهاءُ في الذرية من ذكر نوحٍ.\nفتأويلُ الكلامِ: ونوحًا وفَّقْنا للحقِّ والصواب من قبلِ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، وهدَيْنا أيضًا من ذريةِ نوحٍ داود وسليمان.\nو﴿دَاوُودَ﴾ هو داودُ بنُ إيشى. و﴿سُلَيْمَانَ﴾ هو ابنُه سليمان بنُ داود، ﴿وَأَيُّوبَ﴾ هو أيوبُ بنُ مُوصِ بنِ رازِحَ (^١) بن عِيصِ بن إسحاق بن إبراهيم. و﴿يُوسُفَ﴾ هو يوسُفُ بنُ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. و﴿مُوسَى﴾ هو موسى بنُ عِمْرانَ بنِ يصهرَ بن قاهثَ بن لَاوِى بنِ يعقوبَ. و﴿هَارُونَ﴾ هو (^٢) أخو موسى.\n﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: جزَيْنا نوحًا بصبرِه على ما امْتُحِن به فينا، بأن هدَيْناه فوفَّقناه لإصابةِ الحقِّ الذي خذَلْنا عنه مَن عصانا فخالف أمْرَنا ونهيَنا مِن قومِه، وهدَيْنا مِن ذريتِه مِن بعدِه مَن ذكَر تعالى ذكرُه مِن أنبيائه لمثلِ الذي هدَيْناه له، وكما جزَيْنا هؤلاء بحسن طاعتهم إيانا، وصبرهم على المِحَنِ فينا، كذلك نَجْزِي بالإحسانِ كلَّ مُحسِنٍ.\n\n<span id=\"aya-874\"></span><span data-type='title' id=toc-3054>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) في النسخ: \"روح\"، والمثبت من تاريخ المصنف ١/ ٣٢٢.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"9","page":382},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: وهدَيْنا أيضًا لمثل الذي هدَيْنا له نوحًا مِن الهُدَى والرَّشادِ من ذريتِه زكريا بن إدُّو (^١) بن بركيا، ويحيَى بنَ زكريا، وعيسى ابنَ مريم ابنة عِمْرانَ ابن ياشهمَ (^٢) بنِ أمونَ بنِ حزقيا ﴿وَإِلْيَاسَ﴾ واختَلَفوا في \"إلياسَ\"، فكان ابنُ إسحاقَ يقولُ: هو إلْياسُ بنُ تسبى (^٣) بنِ فِنحاصَ بن العيزارِ بن هارونَ بن عمرانَ ابنِ أخي موسى نبيِّ اللهِ ﷺ.\nوكان غيرُه يقولُ: هو إدريسُ. وممن ذُكِر ذلك عنه عبدُ اللهِ بن مسعودٍ.\nحدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي (^٤) إسحاق، عن عَبِيدةَ بنِ ربيعةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: إدريسُ هو إلياسُ، وإسرائيلُ هو يعقوبُ (^٥).\nوأما أهلُ الأنسابِ فإنهم يقولون: إدريسُ جدُّ نوحِ بنِ لَمْكِ (^٦) بن متُّوشلخَ بنِ أخَنُوخَ. وأخنوخُ هو إدريسُ بنُ يَرْدَ بن مهلائيلَ (^٦). وكذلك رُوِي عن وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ (^٧).\nوالذي يقولُ أهل الأنسابِ أشبهُ بالصوابِ، وذلك أن اللهَ تعالى نسَب إلياسَ في هذه الآيةِ إلى نوحٍ، وجعَله من ذريته، ونوحٌ هو ابنُ إدريس عندَ أهلِ العلم،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"ادر\"، وفي م: \"أزن\"، وفي تاريخ المصنف ١/ ٥٩٠: \"أدى\"، وفي سفر زكريا، الأصحاح الأول ص ١٣٤٠: \"عِدُّو\" ولعل المثبت هو الصواب.\n(^٢) في م: \"أشيم\".\n(^٣) في م: \"يسى\"، وفي ف \"شي\"، وفي تاريخ المصنف ١/ ٤٦١: \"ياسين\". قال ابن كثير: قال علماء النسب: هو إلياس بن تسبى. ويقال: ابن ياسين. البداية والنهاية ٢/ ٢٧٢. وينظر طبقات ١ بن سعد ١/ ٥٥، ومختصر تاريخ دمشق ٥/ ٢٣.\n(^٤) في النسخ: \"ابن\".\n(^٥) أخرجه عبد بن حميد في تفسيره - كما في التغليق ٤/ ٩ - وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٣٦ (٧٥٥٦)، وابن حبان في الثقات ٩/ ٢٠٠، وابن عساكر في تاريخه ٩/ ٢٠٧ من طريق إسرائيل به.\n(^٦) ينظر أنساب الأشراف ١/ ٧.\n(^٧) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٤٩.","vol":"9","page":383},{"text":"فمُحالٌ أن يَكونَ جَدُّ أبيه منسوبًا إلى أنه من ذريتِه.\nوقولُه: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. يقولُ: مَن ذَكَرْنا مِن هؤلاء الذين سمَّيْنا مِن الصالحين. يعني زكريا ويحيى وعيسى وإلياسَ صلَّى اللهُ عليهم.\n\n<span id=\"aya-875\"></span><span data-type='title' id=toc-3055>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وهدَيْنا أيضًا من ذريةِ نوحٍ إسماعيلَ، وهو إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، ﴿وَالْيَسَعَ﴾ هو الْيَسَعُ بنُ أخْطُوبَ بنِ العجوز.\nواخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ اسمه؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: ﴿وَالْيَسَعَ﴾ بلامٍ واحدةٍ مُخَفَّفةٍ (^١).\nوقد زعَم قومٌ أنه \"يَفْعَل\"، من قولِ القائلِ: وسِع يَسَعُ. ولا تَكادُ العربُ تُدْخِلُ الألفَ واللامَ على اسم يَكونُ على هذه الصورة - أَعْنِي: على \"يَفْعَل\"، لا يقولون: رأيْتُ اليزيدَ، ولا أتاني اليحيى (^٢)، ولا مرَرْتُ باليَشْكُرِ - إلا في ضرورةِ شعرٍ، وذلك أيضًا إذا تُحُرِّي به المدحُ، كما قال بعضُهم (^٣):\nوجَدْنا الوليدَ بنَ اليزيدِ مُبارَكًا … شديدًا بأحناءِ (^٤) الخِلافةِ كاهِلُهْ\nفأَدْخَل في \"اليزيدِ\" الألفَ واللامَ؛ وذلك لإدخالِه إياهما في \"الوليد\"، فأتْبَعه \"اليزيدَ\" بمثلِ لفظِه.\nوقرَأ ذلك جماعةٌ مِن قرأةِ الكوفيين: (واللَّيْسَعَ) بلامَيْن وبالتشديد (^٥).\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وأبي جعفر ويعقوب. النشر ٢/ ١٩٥.\n(^٢) في م: \"التجيب\".\n(^٣) هو ابن ميادة الرماح بن أبرد، والبيت في معاني القرآن للفراء ١/ ٣٤٢، وأمالي ابن الشجرى ٢/ ٢٥٢.\n(^٤) في م: \"بأعباء\". قال البغدادي: والأحناء جمع حِنو بالكسر، وهو الجانب والجهة، وقيل: هو هنا بمعنى السَّرج والقتَب، كنى به عن أمور الخلافة الشاقة. خزانة الأدب ٢/ ٢٢٧.\n(^٥) هي قراءة حمزة والكسائي وخلف. النشر ٢/ ١٩٥.","vol":"9","page":384},{"text":"وقالوا: إذا قُرِئ كذلك كان أشبهَ بأسماءِ العجمِ. وأنْكَروا التخفيفَ وقالوا: لا نَعْرِفُ في كلامِ العربِ اسمًا على \"يَفْعَل\" فيه أَلَفٌ ولامٌ.\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندي قراءةُ مَن قرَأه بلامٍ واحدةٍ مخففةٍ؛ لإجماعِ أهلِ الأخبارِ على أن ذلك هو المعروفُ مِن اسمِه، دون التشديدِ، مع أنه اسمٌ أَعْجَمِيٌّ، فيُنْطَقُ به على ما هو به. وإنما نُقيمُ (^١) دخولَ الألفِ واللام فيما جاء مِن أسماءِ العربِ على \"يَفْعَل\". وأما الاسمُ الذي يَكونُ أَعْجَميًّا، فإنما يُنْطَقُ به على ما سَمَّوْا به، فإن غُيِّر منه شيءٌ إذا تكَلَّمَت العربُ به، فإنما يُغَيَّرُ بتقويمِ حرفٍ منه، من غيرِ حذفٍ ولا زيادةٍ فيه ولا نُقصانٍ، و\"اللَّيْسَعُ\" إذا شُدِّد لَحِقَتْه زيادةٌ لم تَكُنْ فيه قبلَ التشديدِ. وأُخرى، أنه لم يُحْفَظْ عن أحدٍ من أهل العلم علِمْنا أنه قال: اسمُه لَيْسَعُ. فيَكونَ مُشَددًا عند دخولِ الألفِ واللامِ اللتين تَدْخُلان للتعريفِ (^٢).\nو﴿وَيُونُسَ﴾ هو يونُسُ بنُ مَتَّى، ﴿وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا﴾ مِن ذريةِ نوحٍ ونوحًا، لهم بيَّنا الحقَّ، ووفَّقْناهم له، وفضَّلْنا جميعَهم ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ يعني: على عالَمِ أزمانِهم.\n\n<span id=\"aya-876\"></span><span data-type='title' id=toc-3056>القولُ في تأويل قولِه: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وهدَيْنا أيضًا من آباءِ هؤلاء الذين سمَّاهم تعالى ذكرُه، ومِن ذرياتِهم وإخوانِهم آخرين سواهم لم يُسَمِّهم، للحقِّ والدينِ الخالصِ الذي لا\n_________\n(^١) في ص: \"يقيم\"، وفي م: \"لا يستقيم\".\n(^٢) القراءتان كلتاهما صواب؛ لأنهما متواترتان.","vol":"9","page":385},{"text":"شركَ فيه، فوفَّقْناهم له، ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾. يقولُ: واخْتَرْناهم لدينِنا وبلاغ رسالتِنا إلى من أرسلْناهم إليه، كالذي اخْتَرْنا ممَّن سمَّيْنا. يقالُ منه: اجْتَبَى فلانٌ لنفسِه كذا، إذا اخْتاره واصْطَفاه، يَجْتَبِيه اجْتِباءً.\nوكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾. قال: أَخْلَصْناهم (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\n﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: وسدَّدْناهم فأَرْشَدْناهم إلى طريقٍ غيرِ مُعْوَجٍّ، وذلك دينُ اللهِ الذي لا عِوَجَ فيه، وهو الإسلامُ الذي ارْتَضاه اللهُ ربُّنا لأنبيائِه، وأمَر به عبادَه.\n\n<span id=\"aya-877\"></span><span data-type='title' id=toc-3057>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾: هو الهدى الذي هدَيْتُ به مَن سمَّيْتُ من الأنبياءِ والرسلِ، فوفَّقْتُهم به لإصابةِ الدينِ الحقِّ الذي نالوا بإصابتِهم إياه رضا ربِّهم، وشرفَ الدنيا، وكرامةَ الآخرةِ، هو ﴿هُدَى اللَّهِ﴾. يقولُ: هو توفيقُ اللهِ ولُطْفُه الذي يُوَفِّقُ به مَن يَشَاءُ، ويَلْطُفُ به لمَن أحَبَّ مِن خلقِه، حتى يُنِيبَ إلى طاعةِ اللهِ، وإخلاص العملِ له، وإقرارِه بالتوحيدِ، ورفضِ الأوثانِ والأصنامِ،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٢٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٣٦ (٧٥٥٨).","vol":"9","page":386},{"text":"﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: [ولو أشْرَك هؤلاء الأنبياءُ الذين سمَّيْناهم، بربِّهم تعالى ذكرُه، فعبَدوا معَه غيرَه ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ﴾.\nيقولُ] (^١): لبطَل فذهَب عنهم أجرُ أعمالِهم التي كانوا يَعْمَلُون؛ لأن اللهَ لا يَقْبَلُ مع الشركِ به عملًا.\n\n<span id=\"aya-878\"></span><span data-type='title' id=toc-3058>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاء الذين سمَّيْناهم مِن أنبيائِه ورسلِه؛ نوحًا وذريتَه الذين هداهم لدين الإسلام، واجْتَباهم (^٢) لرسالتِه إلى خلقِه، هُم ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾. يعني بذلك: صحفَ إبراهيمَ وموسى، وزَبورَ داودَ، وإنجيلَ عيسى، صلواتُ الله عليهم أجمعين، ﴿وَالْحُكْمَ﴾ يعني الفهمَ بالكتابِ ومعرفةَ ما فيه مِن الأحكامِ.\nورُوِي عن مجاهدٍ في ذلك ما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبانٌ، قال: ثنا مالكُ بنُ شدَّادٍ (^٣)، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾. قال: الحكمُ هو اللُّبُّ (^٤).\nوعنَى بذلك مجاهدٌ إن شاء اللهُ ما قلتُ؛ لأن اللُّبَّ هو العقلُ، فكأنه أراد أن اللهَ آتاهم العقلَ بالكتابِ، وهو بمعنى ما قلنا مِن أنه الفهمُ به (^٥).\nوقد بيَّنا معنى \"النبوةِ\" و\"الحكمِ\" فيما مضَى بشَواهدِهما، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، س، ف.\n(^٢) في م: \"اختارهم\".\n(^٣) لم نجد له ترجمة، وأبان هو ابن يزيد العطار يروي عن مالك بن دينار، فلعله تحرف عنه.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨ إلى أبي الشيخ.\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"والنبوة\".\n(^٦) تقدم تفسير النبوة في ٢/ ٣٠، ٣١، ٥/ ٢٨٩، وتفسير الحكم في ٢/ ٥٧٧، ٥/ ٥٢٤.","vol":"9","page":387},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3059>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فإِن يَكْفُرْ يا محمدُ بآياتِ كتابي الذي أَنْزَلْتُه إليك، فيَجْحَدْ هؤلاءِ المشركون العادِلون بربِّهم، كالذي حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾. يقولُ: إِن يَكْفُرُوا بالقرآنِ (^١).\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويل في المعنيِّ بـ ﴿هَؤُلَاءِ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِي بهم كفارُ قريشٍ، وعُنِي بقولِه: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. الأنصارُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾. قال: أهلُ مكةَ، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا﴾ أهلَ المدينةِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سليمانَ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. قال: الأنصارُ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَغْراءَ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾. قال: إن يَكْفُرْ بها أهلُ مكةَ، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا﴾ أهلَ المدينةِ الأنصارَ، ﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٣٨ (٧٥٧٠) من طريق أبي صالح به.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٣٨ عقب الأثر (٧٥٧١) معلقًا.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٣٩ عقب الأثر (٧٥٧٤) معلقًا.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٣٨، ١٣٣٩ عقب الأثر (٧٥٧١، ٧٥٧٤) معلقًا.","vol":"9","page":388},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾. يقولُ: إن يَكْفُرْ بها قريشٌ، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا﴾ الأنصارَ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ أهلُ مكةَ، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ أهلَ المدينةِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. قال: كان أهلُ المدينةِ قد تبَوَّءُوا الدارَ والإيمانَ قبلَ أَن يَقْدَمَ عليهم رسولُ اللهِ ﷺ، فلمَّا أنْزَل اللهُ عليهم الآياتِ جحَد بها أهلُ مكةَ، فقال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. قال عطيةُ: ولم أَسْمَعْ هذا مِن ابنِ عباسٍ، ولكن سمِعْتُه مِن غيرِه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾. يعني: أهلُ مكةَ، يقولُ: إِن يَكْفُرُوا بالقرآنِ ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. يعني: أهلَ المدينةِ والأنصارَ (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: فإن يَكْفُرْ بها أهلُ مكةَ فقد وكَّلْنا بها الملائكةَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، عن أبي رَجاءٍ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٣٨، ١٣٣٩ عقب الأثرين (٧٥٧١، ٧٥٧٤) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، ٤/ ١٣٣٨، ١٣٣٩ (٧٥٧١، ٧٥٧٤) من طريق أبي صالح به.","vol":"9","page":389},{"text":"بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. قال: هم الملائكةُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وابنُ أبي عَدِيٍّ وعبدُ الوهَّابِ، عن عوفٍ، عن أبي رجَاءٍ مثلَه.\nوقال آخَرون: عُنِي بقولِه: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾. يعني: قريشٌ، وبقوله: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ الأنبياءَ الذين سمَّاهم في الآياتِ التي مضَت قبلَ هذه الآيةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾. يعني: أهلُ مكةَ، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ وهم الأنبياءُ الثمانيةَ عشَرَ الذين قال الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾. قال: يعني: قومُ محمدٍ. ثم قال: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. يعني: النبيين الذين قصَّ قبلَ هذه الآيةِ قَصصَهم. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (^٣).\nوأولى هذه الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِي بقولِه: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾. كفارُ قريشٍ، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. يعني به الأنبياءَ الثمانيةَ عشرَ الذين سمَّاهم اللهُ تعالى ذكرُه في الآياتِ قبل هذه الآيةِ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٣٩ (٧٥٧٧) من طريق عوف به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤٠ (٧٥٨١) من طريق شيبان، عن قَتادةَ بنحوه.\n(^٣) تفسيره عبد الرزاق ١/ ٢١٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٣٨، ١٣٣٩ (٧٥٧٢، ٧٥٧٦).","vol":"9","page":390},{"text":"وذلك أن الخبرَ في الآياتِ قبلَها عنهم مضَى، وفي التي بعدَها عنهم ذُكِر، [فما بينَها] (^١) بأن يَكونَ خبرًا عنهم أولى وأحقُّ مِن أن يكونَ خبرًا عن غيرِهم.\nفتأويلُ الكلامِ إذ كان ذلك كذلك: فإن يَكْفُرْ (^٢) قومُكَ مِن قريشٍ يا محمدُ بآياتِنا، وكذَّبوا وجحَدوا حقيقتَها، فقد اسْتَحْفَظْناها واسْتَرْعَيْنا القيامَ بها رسلَنا وأنبياءَنا مِن قبلِك، الذين لا يَجْحَدون حقيقتَها، ولا يُكَذِّبون بها، ولكنهم يُصَدِّقون بها ويُؤْمِنون بصحتها.\nوقد قال بعضُهم: معنى قولِه: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾. رَزَقْناها قومًا.\n\n<span id=\"aya-879\"></span><span data-type='title' id=toc-3060>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاء القومُ الذين وكَّلْنا بآياتِنا وليسوا بها بكافرين، هم الذين هداهم اللهُ لدينِه الحقِّ، وحفظِ ما وُكِّلوا بحفظِه مِن آياتِ كتابِه، والقيامِ بحدودِه، واتباعِ حلالِه وحرامِه، والعملِ بما فيه مِن أمرِ اللهِ، والانتهاءِ عما فيه مِن نهيه، فوفَّقَهم جلَّ ثناؤُه لذلك، ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: فبالعمل الذي عمِلوا، والمنهاجِ الذي سلَكوا، وبالهدى الذي هدَيْناهم، والتوفيق الذي وفَّقْناهم، ﴿اقْتَدِهْ﴾ يا محمدُ، أي: فاعْمَلْ وخُذْ به واسْلُكْه، فإنه عملٌ للهِ فيه رضًا، ومِنْهاجٌ مَن سلَكَه اهْتَدَى.\nوهذا التأويلُ على مذهبِ مَن تأَوَّل قولَه: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ أنهم الأنبياءُ المُسَمَّوْن في الآياتِ المتقدمةِ، وهو القولُ الذي اخْتَرْناه في تأويلِ ذلك.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فيما بينهم\"، وفي م: \"ففيما بينها\". والصواب ما أثبتناه.\n(^٢) بعده في ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"بها\".","vol":"9","page":391},{"text":"وأما على تأويلِ مَن تأَوَّل ذلك أن القومَ الذين وُكِّلوا بها هم أهلُ المدينةِ، أو أنهم هم الملائكةُ، فإنهم جعَلوا قوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. اعتراضًا بينَ الكلامين، ثم ردُّوا قولَه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ على قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ قولَه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ إلى قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ يا محمدُ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ يا محمدُ، ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ولا تَقْتَدِ بهؤلاء (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثني أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ثم رجَع إلى النبيِّ ﷺ فقال، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ثم قال في الأنبياء الذين سمَّاهم في هذه الآيةِ: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (^٢).\nومعنى الاقْتِداءِ في كلامِ العربِ، بالرجلِ، اتباعُ أَثَرِه، والأخذُ بهديهِ، يقالُ: فلانٌ يَقْدُو فلانًا. إذا نحا نحوَه، واتَّبَع أثرَه، قِدَةً وقُدْوةً وقِدْوةً [وقِديةً] (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤٠ (٧٥٨٠) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٣٦ (٧٥٥٧) من طريق أبي صالح به.\n(^٣) سقط من: م، س، ف. وينظر اللسان (ق د و).","vol":"9","page":392},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3061>القولُ في تأويل قوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ لهؤلاء الذين أمَرْتُك أن تُذكِّرَهم بآياتي أن تُبْسَلَ نفسٌ بما كسَبَت مِن مشركي قومِك يا محمدٌ: لا أسألُكم على تذكيري إياكم، والهدى الذي أَدْعُوكم إليه، والقرآنِ الذي جئْتُكم به، عِوَضًا أَعْتاضُه منكم عليه، وأجْرًا أخُذُه منكم، وما ذلك مني إلا تذكيرٌ لكم، ولكلِّ مَن كان مثلَكم، ممَّن هو مقيمٌ على باطلٍ - بأسَ اللهِ أن يَحُلَّ بكم، وسَخَطَه أن يَنْزِلَ بكم، على شركِكم به وكفرِكم، وإنذارٌ لجميعِكم، بينَ يَديْ عذابٍ شديدٍ؛ لتَذَّكَّروا وتَنْزَجِروا.\n\n<span id=\"aya-880\"></span><span data-type='title' id=toc-3062>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: وما أجَلُّوا اللهَ حقَّ إجْلالِه، ولا عظَّمُوه حقَّ تعظيمِه، ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: حينَ قالوا: لم يُنْزِلِ اللهُ على آدميٍّ كتابًا ولا وحيًا.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾. وفي تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: كان قائلُ ذلك رجلًا من اليهودِ.\nثم اخْتَلَفوا في اسمِ ذلك الرجلِ؛ فقال بعضُهم: كان اسمُه مالكَ بنَ الصَّيْفِ. وقال بعضُهم: كان اسمُه فِنْحاصَ.\nواخْتَلَفوا أيضًا في السببِ الذي مِن أجلِه قال ذلك.\nذكرُ مَن قال: كان قائلُ ذلك مالكَ بنَ الصَّيْفِ\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفر بن أبي المُغيرةِ، عن سعيدِ","vol":"9","page":393},{"text":"ابن جبيرٍ، قال: جاء رجلٌ مِن اليهود يقالُ له: مالكُ بنُ الصيفِ. يُخاصِمُ النبيَّ ﷺ، فقال له النبيُّ ﷺ: \"أَنْشُدُك بالذي أَنْزَل التوراةَ على موسى، أَمَا تَجِدُ في التوراةِ أن اللهَ يُبْغِضُ الحَبْرَ السَّمينَ؟ \". وكان حبرًا سَمينًا، فغضِب، فقال: واللَّهِ ما أَنْزَل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ. فقال له أصحابُه الذين معه: ويحَك، ولا موسى؟ فقال: واللهِ ما أَنْزَل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ. فأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾.\nقال: نزَلَت في مالكِ بن الصيفِ، كان مِن قُرَيْظةَ، مِن أحبارِ يهودَ. ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ الآية (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3063>ذكرُ مَن قال: نزَلَت في فِنْحاصَ اليهوديِّ</span>\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: قال فِنْحاصُ اليهوديُّ: ما أَنْزَل اللهُ على محمدٍ مِن شيءٍ (^٣).\nوقال آخَرون: بل عُنِي بذلك جماعةٌ من اليهودِ سأَلوا النبيَّ ﷺ آياتٍ مثلَ آياتِ موسى.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤٢ (٧٥٩٧) من طريق يعقوب به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤٢ (٧٥٩٤) من طريق أحمد بن مفضل، عن أسباط به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩ إلى أبي الشيخ.","vol":"9","page":394},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا يونُسُ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ المَدَنيُّ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، قال: جاء ناسٌ مِن يهودَ إلى النبيِّ ﷺ وهو مُحْتَبٍ، فقالوا: يا أبا القاسمِ، ألَا تَأْتِينا بكتابٍ مِن السماءِ كما جاء به موسى ألواحًا يَحْمِلُها مِن عندِ اللهِ؟ فَأَنْزَل اللهُ: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ الآية [النساء: ١٥٣] فَجَثَا رجلٌ مِن يهودَ فقال: ما أنْزَل اللهُ عليك، ولا على موسى، ولا على عيسى، ولا على أحدٍ شيئًا، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. قال محمدُ بنُ كعبٍ: ما علِموا كيف اللهُ إذ قالوا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا﴾. فحلَّ رسولُ الله ﷺ حُبْوتَه، وجعَل يقولُ: \"ولا على أحدٍ\" (^١)!\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ إلى قولِه: ﴿فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾: هم اليهودُ والنصارى، قومٌ آتاهم اللهُ علمًا فلم يَقْتَدوا (^٢) به، ولم يَأْخُذوا به، ولم يَعْمَلُوا به، فذمَّهم اللهُ في عملِهم ذلك. ذُكِر لنا أن أبا الدرداءِ ﵁ كان يقولُ: إن مِن أكثرِ ما أنا مخاصَمٌ به غدًا، أن يُقالَ: يا أبا الدرداءِ، قد علِمْتَ، فماذا عمِلْتَ فيما علِمْتَ؟ (^٣)\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩ إلى المصنف.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"يهتدوا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤٣ (٧٦٠٥) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩ إلى عبد بن حميد.\nوقول أبي الدرداء أخرجه معمر في جامعه (٢٠٤٦٧)، وابن أبي شيبة ١٤/ ١٤٢ من طريق قتادة به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٩)، وابن أبي شيبة ١٣/ ٣١١، وأحمد في الزهد ص ١٣٦، والدارمي ١/ ٨٢، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢١٣، وابن عساكر في تاريخه ٤٧/ ١٤٨ من طرق عن أبي الدرداء بنحوه.","vol":"9","page":395},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾. يعني: من بني إسرائيلَ، قالت اليهودُ: يا محمدُ، أَنْزَل اللهُ عليك كتابًا؟ قال: \"نعم\". قالوا: واللهِ ما أَنْزَلَ اللهُ من السماءِ كتابًا. فأَنْزَلَ اللهُ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾. قال: \"اللهُ أنْزَله\" (^١).\nوقال آخَرون: هذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه عن مُشْرِكي قريشٍ أنهم قالوا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: إنه سمِع مُجاهدًا يقولُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾: قالها مُشْرِكو قريشٍ. قال: وقولُه: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكتابَ الذي جاء به موسى نورًا وهدًى للناسِ يَجْعَلُونَه قراطِيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيرًا) (^٢). قال: هم يهودُ الذين يُبْدُونها ويُخْفُون كثيرًا، قال: وقولُه: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾. قال: هذه للمسلمين (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. قال: هم الكفارُ، لم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤٢ (٧٥٩٣، ٧٥٩٥، ٧٥٩٦) من طريق أبي صالح به.\n(^٢) قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيب في الأفعال الثلاثة، وقراءة الباقين بتاء الخطاب فيهن جميعًا. وينظر الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٤٤٠.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤١، ١٣٤٣ (٧٥٩٢، ٧٦٠٦) مقتصرا على أوله وآخره من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩ إلى أبي الشيخ.","vol":"9","page":396},{"text":"يُؤْمِنوا بقدرةِ الله عليهم، فمَن آمَن أن اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، فقد قدَر اللهَ حَقَّ قَدْرِه، ومَن لم يُؤْمِنُ بذلك فلم يَقْدُرِ اللهَ حقَّ قدرِه (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. يقولُ: مُشْرِكو قريشٍ (^٢).\nوأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ ذلك قولُ مَن قال: عُنِي بذلك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. مُشركو قريشٍ. وذلك أن ذلك في سياقِ الخبرِ عنهم أولًا، فأن يكونَ ذلك أيضًا خبرًا عنهم، أشبهُ مِن أن يَكونَ خبرًا عن اليهودِ ولمَّا يَجْرِ لهم ذكرٌ يكونُ هذا به متصلًا، مع ما في الخبر عمَّن أخْبَر اللهُ عنه في هذه الآيةِ مِن إنكارِه أن يكونَ اللهُ أَنْزَل على بشرٍ شيئًا من الكتبِ، وليس ذلك مما تَدِينُ به اليهودُ، بل المعروفُ من دينِ اليهودِ الإقرارُ بصُحُفِ إبراهيمَ وموسى وزَبورِ داودَ، وإذا لم يَكُنْ بما رُوِي مِن الخبرِ، بأن قائلَ ذلك كان رجلًا من اليهودِ، خبرٌ صحيحٌ متصلُ السندِ، ولا كان على أن ذلك كان كذلك مِن أهلِ التأويل إجماعٌ، وكان الخبرُ مِن أولِ السورةِ ومُبْتَدَئِها إلى هذا الموضعِ خبرًا عن المشركين مِن عبَدةِ الأوثانِ، وكان قولُه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ موصولًا بذلك غيرَ مفصولٍ منه، لم يَجُزْ لنا أن نَدَّعِيَ أن ذلك مصروفٌ عما هو به موصولٌ، إلا بحجةٍ يَجبُ التسليمُ لها من خبرٍ أو عقلٍ.\nولكني أَظُنُّ أن الذين تأوَّلوا ذلك خبرًا عن اليهودِ، وجَدوا قولَه: (قُلْ مَن أَنْزَل الكتابَ الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناسِ يَجْعَلونه قَراطِيسَ يُبْدُونها ويُخْفُون\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤١ (٧٥٨٦) من طريق أبي صالح به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤١ (٧٥٨٧) من طريق أبي حذيفة به.","vol":"9","page":397},{"text":"كثيرًا وعُلِّمْتُم ما لم تَعْلَموا أنتم ولا آباؤكم) فوجَّهوا تأويلَ ذلك إلى أنه لأهلِ التوراةِ، فقرَءُوه على وجه الخطاب لهم: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ فجعلوا ابتداءَ الآيةِ خبرًا عنهم، إذ كانت خاتمتُها خطابًا لهم عندَهم. وغيرُ ذلك من التأويل والقراءةِ أشبهُ بالتنزيل؛ لِما وصَفْتُ قبلُ مِن أن قولَه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. في سياقِ الخبرِ عن مُشْرِكي العربِ وعَبَدة الأوثان، وهو به متصلٌ، فالأولى أن يكون ذلك خبرًا عنهم.\nوالأصوبُ مِن القراءة في قوله: (يَجْعَلونه قراطيسَ يُبْدُونها ويُخْفُون كثيرًا).\nأن يَكونَ بالياءِ لا بالتاءِ، على معنى أن اليهودَ يَجْعَلونه قراطيسَ يُبْدُونها ويُخْفُون كثيرًا، ويكونَ الخطابُ بقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ لمُشْركي قريشٍ، وهذا هو المعنى الذي قصده مجاهدٌ إن شاء اللهُ في تأويل ذلك، وكذلك كان يَقْرَأُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن أيوبَ، عن مجاهدٍ أنه كان يَقْرَأُ هذا الحرفَ: (يَجْعَلونه قَراطِيسَ يُبْدُونها ويُخْفُون كثيرًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-3064>القول في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لمُشركي قومِك القائلين لك: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا﴾. يعني: جَلاءً وضِياءً مِن ظُلْمةِ الضَّلالةِ، ﴿وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: بيانًا للناسِ، يُبَيِّنُ لهم به الحقَّ من الباطلِ، فيما أشْكَل عليهم مِن أمرِ دينهم، (يَجْعَلونه قَرَاطِيسَ يُبْدُونها).\nفمَن قرأ ذلك: ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ جَعَله خطابًا لليهودِ، على ما بيَّنْتُ مِن تأويلِ مَن","vol":"9","page":398},{"text":"تأَوَّل ذلك كذلك. ومَن قرَأه بالياء: (يَجْعَلونه) فتأويلُه في قراءتِه: يَجْعَلُه أهلُه قَراطيس.\nوجرَى الكلامُ في (يُبْدونها) بذكرِ القراطيس، والمرادُ منه المكتوبُ في القَراطيس. يُرادُ: يُبْدون كثيرًا مما يَكْتُبون في القراطيسِ فيُظهِرونه للناسِ، ويُخْفُون كثيرًا مما يُثْبِتونه في القَراطيسِ فيُسِرُّونه ويَكْتُمونه الناسَ.\nومما كانوا يَكْتُمونه إياهم ما فيها مِن أمرِ محمدٍ ﷺ ونبوتِه.\nكالذي حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: (قَراطيسَ يُبدونها ويُخفون كثيرًا). اليهودُ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ: قلْ يا محمد: (مَن أنْزَل الكتابَ الذي جاء به موسى نورًا وهدًى للناسِ يَجْعَلونه قَراطيسَ يُبْدُونها). يعني يهودَ؛ لِمَا أظْهَرُوا مِن التوراةِ، (ويُخْفُون (^٢) كثيرًا) مما أخْفَوْا مِن ذكرِ محمدٍ ﷺ وما أُنْزِل عليه. قال ابنُ جُرَيْجٍ: وقال عبدُ اللهِ ابنُ كثيرٍ: إنه سمِع مجاهدًا يقولُ: (يَجْعَلونه قَراطيسَ يُبْدُونها ويُخْفون كثيرًا).\nقال: هم يهودُ الذين يُبْدُونها ويُخْفون كثيرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-3065>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وعلَّمَكم اللهُ جلَّ ثناؤُه بالكتابِ (^٣) الذي أنْزَله إليكم ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ﴾ مِن أخبارِ من قبلَكم، ومِن أنباءِ من بعدَكم، وما هو كائنٌ في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤٣ (٧٦٠٢) من طريق أبي حذيفة به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"يظهرون\".\n(^٣) في النسخ: \"الكتاب\".","vol":"9","page":399},{"text":"معادِكم يوم القيامةِ، ﴿وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾. يقولُ: ولم يَعْلَمْه آباؤُكم أَيُّها المؤمنون بالله من العربِ وبرسوله ﷺ.\nكالذي حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن أيوب، عن مجاهدٍ: ﴿وَعُلِّمْتُمْ﴾ معشرَ العربِ ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: إنه سمع مُجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾. قال: هذه للمسلمين (^٢).\nوأما قولُه: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾. فإنه أمرٌ من الله جلَّ ثناؤُه نبيَّه محمدًا ﷺ أَن يُجِيبَ استفهامَه هؤلاء المشركين عما أمَره باستفهامِهم عنه بقولِه: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكتابَ الذي جاء به موسى نورًا وهدًى للناسِ يَجْعَلُونه قراطيسَ يُبْدُونَهَا ويُخْفُونَ كثيرًا).\nبقيلِه: ﴿اللَّهُ﴾. كأمْرِه إياه في موضعٍ آخَرَ في هذه السورةِ بقولِه: (قُل مَن يُنَجيكُم مِن ظُلُماتِ البرِ والبحرِ تدعُونَهُ تَضَرُّعًا وخفيةً لَئِن أَنجَيْتَنَا (^٣) من هذهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين) [الأنعام: ٦٣] فأمَرَه باستفهامِ المشركين عن ذلك، كما أمَرَه باستفهامِهم إذ قالوا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ عمَّن أنْزَل الكتابَ الذي جاء به موسى، نورًا وهدًى للناسِ، ثم أمَرَه بالإجابةِ عنه هنالك بقيلِه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٤] كما أمَرَه بالإجابةِ هاهنا عن ذلك بقيلِه: اللهُ أَنْزَلَه على موسى.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩ إلى عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣٩٦.\n(^٣) في م: \"أنجانا\". وهما قراءتان. كما تقدم في ص ٢٩٤.","vol":"9","page":400},{"text":"كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابن عباس: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾. قال: اللهُ أَنْزَلَه (^١).\nولو قيل: معناه: قلْ: هو اللهُ. على وجهِ الأمرِ مِن اللهِ له بالخبرِ عن ذلك، لا على وجهِ الجوابِ - إذ لم يَكُنْ قولُه: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ مسألةً مِن المشركين لمحمدٍ ﷺ، فيَكونَ قولُه: ﴿قُلِ اللهُ﴾ جوابًا لهم عن مسألتِهم، وإنما هو أمرٌ مِن اللهِ لمحمدٍ بمسألةِ القومِ: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾، فيَجِبُ أن يكونَ الجوابُ منهم غيرَ الذي قاله ابنُ عباسٍ مِن تأويلِه - كان جائزًا؛ مِن أجلِ أنه استفهامٌ، ولا يَكونُ للاستفهامِ جوابٌ، وهو الذي اخْتَرْنا من القولِ في ذلك؛ لِمَا بيَّنا.\nوأما قولُه: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾. فإنه يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ثم ذَرْ هؤلاء المشركين العادِلِين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ - بعدَ احتجاجِك عليهم في قيلِهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾. بقولِك: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾. وإجابتِك ذلك بأن الذي أَنْزَلَه اللهُ الذي أَنْزَل عليك كتابَه - ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾. يعني: فيما يَخُوضُون فيه من باطلِهم وكفرِهم باللهِ وآياتِه، ﴿يَلْعَبُونَ﴾. يقولُ: يَسْتَهْزِئون ويَسْخَرون.\nوهذا من اللهِ وعيدٌ لهؤلاء المشركين وتهدُّدٌ (^٢) لهم، يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤُه: ثم دَعْهم لاعِبِين يا محمدُ، فإني مِن وراءِ ما هم فيه مِن استهزائِهم بآياتي بالمِرْصادِ، وأُذِيقُهم بأسي، وأُحِلُّ بهم إن تَمادَوْا فِي غَيِّهِم سَخَطي.\n\n<span id=\"aya-881\"></span><span data-type='title' id=toc-3066>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤٤ (٧٦٠٨) من طريق أبي صالح به.\n(^٢) في م: \"تهديد\".","vol":"9","page":401},{"text":"وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وهذا القرآنُ يا محمدُ ﴿كِتَابٌ﴾. وهو اسمٌ من أسماءِ القرآنِ، قد بيَّنْتُه وبيَّنْتُ معناه فيما مضى قبلُ، بما أغْنَى عن إعادتِه (^١). ومعناه: مكتوبٌ، فوُضِع \"الكتابُ\" مكانَ \"المكتوبِ\".\n﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾. يقولُ: أَوْحَيْناه إليك، ﴿مُبَارَكٌ﴾ وهو مُفاعَلٌ مِن البركةِ، ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يقولُ: صدَّق هذا الكتابُ ما قبلَه من كتبِ اللهِ التي أنْزَلها على أنبيائِه قبلَك، لم يُخالِفْها [دلالةً ومعنًى] (^٢)، نورًا وهدًى للناسِ. يقولُ: هو الذي أنْزَل إليك يا محمدُ هذا الكتابَ مُبارَكًا مُصَدِّقًا كتابَ موسى وعيسى وغيرَ ذلك مِن كتبِ اللهِ، ولكنه جلَّ ثناؤُه ابْتَدَأ الخبرَ عنه، إذ كان قد تقَدَّم الخبرُ عن ذلك ما يَدُلُّ على أنه [به مُتَّصِلٌ] (^٣)، فقال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ إليك، ﴿مُبَارَكٌ﴾، ومعناه: وكذلك أنْزَلْتُ إليك كتابي هذا مبارَكًا، كالذي أَنْزَلْتُ مِن التوراةِ إلى موسى هدًى ونورًا.\nوأما قولُه: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. فإنه يقولُ: أَنْزَلْنا إليك يا محمدُ هذا الكتابَ مُصَدِّقًا ما قبلَه مِن الكتبِ، ولتُنْذِرَ به عذابَ اللهِ وبأسَه مَن في أمِّ القرى، وهي مكةُ، ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ شرقًا وغربًا، مِن العادِلِين بربِّهم غيرَه مِن الآلهةِ والأندادِ، والجاحِدِين برسلِه، وغيرِهم من أصنافِ الكفارِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٩٥.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"ولا سا ومعنى\"، وفي م: \"ولا بنبأ وهو معنى\". والمثبت مستفاد من تحقيق الشيخ شاكر.\n(^٣) في ص، ف: \"من أصل\".","vol":"9","page":402},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: يعني بـ ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ مكةَ، ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ مِن القرى، إلى المشرقِ والمغربِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: وأمُّ القُرَى: مكةُ، ومن حولَها: الأرضُ كلُّها.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾. قال: هي مكةُ (^٢).\nوبه عن مَعْمرٍ، عن قَتادةَ، قال: بلَغَني أن الأرضَ دُحِيَت مِن مكةَ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: كنا نُحَدَّثُ أن أمَّ القرى مكةُ، وكنا نُحَدَّثُ أن منها دُحِيَت الأرضُ.\nحدَّثنا محمدُ بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: أما أمُّ القرى فهى مكةُ، وإنما سُمِّيت أمَّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤٥ (٧٦١٤، ٧٦١٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٥٩٤) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٣. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"9","page":403},{"text":"القرى لأنها أولُ بيتٍ وُضِع بها (^١).\nوقد بيَّنا فيما مضَى العلةَ التي مِن أجلِها سُمِّيَت مكةُ أمَّ القرى، بما أغْنَى عن إعادِته في هذا الموضعِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3067>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومَن كان يُؤْمِنُ بقيامِ الساعةِ والمَعادِ في الآخرة إلى اللهِ، ويُصَدِّقُ بالثوابِ والعقابِ، فإنه يُؤْمِنُ بهذا الكتابِ الذي أَنْزَلْناه إليك يا محمدُ، ويُصَدِّقُ به، ويُقِرُّ بأن اللهَ أَنْزَلَه، ويُحافِظُ على الصلوات المكتوباتِ التي أَمَرَه اللهُ بإقامتِها؛ لأنه مُنْذِرُ مَن بلَغه وعيدُ اللهِ على الكفرِ به، وعلى مَعاصِيه، وإنما يَجْحَدُ به وبما فيه ويُكَذِّبُ، أهلُ التكذيبِ بالمَعادِ، والجُحود لقيامِ الساعةِ؛ لأنه لا يَرْجُو مِن اللهِ إن عمِل بما فيه ثوابًا، ولا يَخافُ إن لم يَجْتَنِبْ ما يَأْمُرُه باجتنابِه عقابًا.\n\n<span id=\"aya-882\"></span><span data-type='title' id=toc-3068>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.</span>\nيعني جلَّ ذكرُه بقولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: ومَن أخطأُ قولًا، وأَجْهَلُ فعلًا ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يعني: ممَّن اخْتَلَق على اللهِ كَذِبًا، فادَّعَى عليه أنه بعثه نبيًّا، وأرْسَله نَذِيرًا، وهو في دَعْواه مُبْطِلٌ، وفي قيلِه كاذبٌ. وهذا تسْفيهٌ من الله لمشركي العربِ، وتجهيلٌ منه لهم في معارضةِ عبدِ اللهِ بنِ سعدِ ابنِ أبي سَرْحٍ، والحنفيِّ مُسَيْلِمةَ، لنبيِّ اللهِ ﷺ، بدعوى أحدِهما النبوةَ، ودعوى الآخَرِ أنه قد جاء بمثلِ ما جاء به رسولُ اللهِ ﷺ، ونُفيٌ منه عن نبيِّه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤٥ (٧٦١٦) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ١٠٦.","vol":"9","page":404},{"text":"محمدٍ ﷺ اختلاقَ الكذبِ عليه، ودعوى الباطلِ.\nوقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم فيه نحو الذي قلنا فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾. قال: نزَلَت في مُسَيْلِمةَ أخي بني عَدِيِّ بنِ حَنِيفَةَ، فيما كان يَسْجَعُ ويَتَكَهَّنُ به، ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ نَزَلَت في عبدِ اللهِ بنِ سعدِ بن أبي سَرْحٍ، أخي بني عامرِ بن لُؤَيٍّ، كان كتَب (^١) للنبيِّ ﷺ، وكان فيما يُملِي: عزيزٌ حكيمٌ. فيَكْتُبُ: غَفورٌ رحيمٌ. فيُغَيِّرُه، ثم يَقْرَأُ عليه كذا وكذا لِمَا حوَّل، فيقولُ: \"نعم سَواءٌ\". فرجَع عن الإسلامِ، ولحِق بقريشٍ، وقال لهم: لقد كان يَنْزِلُ عليه: عزيزٌ حكيمٌ، فأُحَوِّلُه، ثم أقولُ لِمَا (^٢) أَكْتُبُ، فيقولُ: \"نعم سَواءٌ\". ثم رجَع إلى الإسلامِ قبلَ فتحِ مكةَ، إذ نزَل النبيُّ ﷺ بمَرٍّ (^٣).\nوقال بعضُهم: بل نزَل ذلك في عبدِ اللهِ بن سعدٍ خاصةً.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾\n_________\n(^١) في م: \"يكتب\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٣، ف.\n(^٣) مر: هي مر الظهران. والظهران واد قرب مكة وعنده قرية يقال لها: مر، تضاف إلى هذا الوادي فيقال: مر الظهران. معجم البلدان ٣/ ٥٨١.\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠ إلى المصنف وأبي الشيخ.","vol":"9","page":405},{"text":"إلى قولِه: ﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾. قال: نزَلَت في عبدِ اللهِ بنِ سعدِ بنِ أبي سَرْحٍ، أَسْلَم وكان يَكْتُبُ للنبيِّ ﷺ، فكان إذا أَمْلَى عليه: سميعًا عليمًا. كتَب هو: عليمًا حكيمًا. وإذا قال: عليمًا حكيمًا. كتَب: سميعًا عليمًا. فشكَّ وكفَر، وقال: إن كان محمدٌ يُوحَى إليه، فقد أُوحِي إليَّ، وإن كان اللهُ يُنْزِلُه، فقد أَنْزَلْتُ مثلَ ما أَنْزَل اللهُ، قال محمدٌ: \"سميعًا عليمًا\". فقلتُ أنا: عليمًا حكيمًا. فلَحِق بالمشركين، ووشَى بعمارٍ وجُبَيْرٍ عند ابن الحَضْرميِّ، أو لبني عبدِ الدارِ، فأَخَذُوهم فعُذِّبوا حتى كفَروا، وجُدِع أذنُ عمارٍ يومئذٍ، فانْطَلَق عمارٌ إلى النبيِّ ﷺ، فأَخْبَره بما لقِي، والذي أعْطاهم من الكفرِ، فأبَى النبيُّ ﷺ أن يَتَوَلَّاه، فأَنْزَل اللهُ في شأنِ ابنِ أبي سَرْحٍ وعمارٍ وأصحابِه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. فالذي أُكْرِه عمارٌ وأصحابُه، والذي شرَح بالكفرِ صدرًا فهو ابنُ أَبي سَرْحٍ (^١).\nوقال آخرون: بل القائلُ: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ مُسَيْلِمةُ الكَذَّابُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: ذُكِر لنا أن هذه الآيةَ نزلت في مُسَيْلِمةَ، ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: \"رأَيْتُ فيما يَرَى النائمُ كأنَّ في يديَّ سِوارَيْن مِن ذهبٍ، فكَبُرا عليَّ وأهَمَّاني (^٢)، فأُوحِي إِلَيَّ أَنِ انْفُحْهما، فنَفَخْتُهما فطارا، فأوَّلْتُهما في مَنامي الكذَّابَيْن اللذين أنا بينَهما؛ كذَّابَ اليَمامةِ مُسَيْلِمةَ، وكذابَ صَنَعَاءَ العَنْسيَّ\". وكان يقالُ له: الأسودُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤٦ (٧٦٢٦)، من طريق أحمد به مختصرًا.\n(^٢) في ص، ت ١، س، ف: \"أهمني\".","vol":"9","page":406},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ، قال: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾. قال: نزَلَت في مُسَيْلِمةَ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاق، قال: أَخْبَرَنا معمرٌ، عن قَتادةَ، وزاد فيه: وأَخْبَرَني الزهريُّ أن النبيَّ ﷺ قال: \"بيْنا أنا نائمٌ رأيْتُ في يديَّ سِوارَيْن من ذهبٍ، فكَبُر ذلك عليَّ، فأُوحِيَ إليَّ أنِ انْفُخْهما، فنَفَخْتُهما فطارا، فأَوَّلْتُ ذلك كذَّابَ اليَمامةِ وكذَّابَ صَنْعاءَ العَنْسيَّ\" (^١).\nوأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقالَ: إن اللهَ قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾. ولا تَمانُعَ بينَ علماءِ الأمةِ أن ابنَ أبي سَرْحٍ كان ممَّن قال: إني قد قلتُ مثلَ ما قال محمدٌ. وأنه ارْتَدَّ عن إسلامِه، ولحِق بالمشركين، فكان لا شكَّ بذلك من قيلِه مُفتريًا كذبًا. وكذلك لا خلافَ بينَ الجميعِ أن مُسَيْلِمةَ والعَنْسيَّ الكذَّابَيْن ادَّعَيا على اللهِ كَذبًا أنه بعثَهما نبيَّيْن، وقال كلُّ واحدٍ منهما: إن اللهَ أَوْحَى إليه. وهو كاذبٌ في قيلِه.\nفإذ كان ذلك كذلك، فقد دخَل في هذه الآيةِ كلُّ مَن كان مُخْتَلِفًا على اللهِ كذبًا، وقائلًا في ذلك الزمانِ وفي غيرِه: أَوْحَى اللهُ إِليَّ. وهو في قيلِه كاذبٌ، لم يُوحِ اللهُ إليه شيئًا. فأما التنزيلُ فإنه جائزٌ أن يَكونَ نزَل بسببِ بعضِهم، وجائزٌ أن يَكونَ نزَل بسببِ جميعِهم، وجائزٌ أن يَكونَ عُنِي به جميعُ المشركين مِن العربِ، إذ كان قائلو ذلك منهم، فلم يُغَيِّروه، فعيَّرهم اللهُ بذلك، وتوعَّدهم بالعقوبةِ على\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٣، ٢١٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤٦ (٧٦٢٥) عن الحسن بن يحيى به ولم يذكر المرفوع، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\nوالحديث أصله في البخاري (٤٣٧٥، ٧٠٣٧)، ومسلم (٢٢٧٤/ ٢٢) من حديث أبي هريرة.","vol":"9","page":407},{"text":"تركِهم نَكيرَ ذلك، ومع تركِهم نكيرَه هم بنبيِّه محمدٍ ﷺ مكذِّبون، ولنبوَّتِه جاحِدون، ولآياتِ كتابِ الله وتنزيله دافعون، فقال لهم جلَّ ثناؤه: ومَن أَظْلَمُ ممَّن ادَّعَى عليَّ النبوةَ كاذبًا، وقال: أُوحِيَ إليه. ولم يُوحَ إليه شيءٌ، ومع ذلك يقولُ: ما أنزل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ. فيَنْقُضُ قولَه بقولِه، ويُكَذِّبُ بالذي تَحَقَّقَه، ويَنْفِي ما يُثْبِتُه، وذلك إذا تدَبَّره العاقلُ الأَرِيبُ، علِم أن فاعلَه من عقلِه عَديمٌ.\nوقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ في قولِه: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. قال: زعَم أنه لو شاء قال مثلَه. يعني الشعرَ (^١).\nفكأنَّ ابن عباسٍ في تأويله هذا على ما تأَوَّله، يُوَجِّهُ معنى قولِ قائل: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. إلى: سأُنْزِلُ مثلَ ما قال اللهُ مِن الشعرِ. وكذلك تأوَّله السديُّ، وقد ذكَرْنا الروايةَ عنه قبلُ فيما مضَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-3069>القولُ في تأويلِ قولِه ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولو تَرَى يا محمدُ حينَ يَغْمُرُ الموتُ بسَكَراتِه هؤلاء الظالمين العادلين بربِّهم الآلهةَ والأندادَ، والقائلين: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، والمُفْتَرِين على اللهِ كذبًا، الزاعمين أن اللهَ أوْحَى إليه، ولم يُوحَ إليه شيءٌ، والقائلين: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. فتُعايِنُهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤٧ (٧٦٢٧) عن محمد بن سعد به.","vol":"9","page":408},{"text":"وقد غَشِيَتْهم سَكَراتُ الموتِ، ونزَل بهم أمرُ اللهِ، وحان فَناءُ آجالِهم، والملائكةُ باسِطو أيديهم، يَضْرِبون وجوهَهم وأدبارَهم، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد: ٢٧، ٢٨]. يقولون لهم: أخْرِجوا أنفسَكم.\nوالغَمَراتُ جمعُ غَمْرةٍ، وغمرةُ كلِّ شيءٍ كثرتُه ومعظمُه، وأصلُه الشيءُ الذي يَغْمُرُ الأشياءَ فيُغطِّيها، ومنه قولُ الشاعرِ (^١):\nوهل يُنْجِي مِن الغَمَراتِ إلا … برَاكاءُ (^٢) القِتالِ أو الفِرارُ\nورُوِي عن ابن عباسٍ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾. قال: سَكَراتِ الموتِ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾: يعني: سَكَراتِ الموتِ (^٤).\nوأما \"بسطُ الملائكةِ أيديَها (^٥) \"، فإنه مدُّها.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في سببِ بسطِها أيديَها عندَ ذلك؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذي قلنا في ذلك.\n_________\n(^١) هو بشر بن أبي خازم الأسدي، والبيت في ديوانه ص ٧٩.\n(^٢) البراكاء، بفتح الباء وضمها: الثبات في الحرب والجد، وأصله من البروك. تاج العروس (ب ر ك).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢ إلى المصنف وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤٧ (٧٦٣١) من طريق أبي معاذ به.\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣: \"أيديهم\".","vol":"9","page":409},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾. قال: هذا عندَ الموتِ، والبَسْطُ الضربُ، يَضْرِبون وجوهَهم وأدبارَهم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾. يقولُ: الملائكةُ باسطو أيديهم يَضْرِبون وجوهَهم وأدبارَهم، والظالِمون في غمراتِ الموتِ، وملكُ الموتِ يَتَوفَّاهم.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾: يَضْرِبونهم.\nوقال آخرون: بل بسطُها أيديَها بالعذابِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُوَيبِرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾. قال: بالعذابِ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن ابنِ عُيَيْنَةَ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤٧، ١٣٤٨ (٧٦٣٠، ٧٦٣٥) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤٨ (٧٦٣٦) من طريق أبي خالد الأحمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"9","page":410},{"text":"عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾: بالعذابِ (^١).\nوكان بعضُ نحويي الكوفيين (^٢) يَتَأَوَّلُ ذلك بمعنى: باسطو أيديهم بإخراجِ أنفسِهم.\nفإن قال قائلٌ: ما وجهُ قولِه: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾. ونفوسُ بني آدمَ إنما يُخْرِجُها مِن أبدانِ أهلِها ربُّ العالمين؟ فكيف خُوطِب هؤلاء الكفارُ وأُمِروا في حالِ الموتِ بإخراجِ أنفسِهم؟ فإن كان ذلك كذلك فقد وجَب أن يكونَ بنو آدمَ هم يَقْبِضون أنفسَ أجسامهم!\nقيل: إن معنى ذلك بخلافِ الذي ذهَبْتَ، وإنما ذلك أمرٌ مِن اللهِ على ألسنِ رسلِه الذين يَقْبِضون أرواحَ هؤلاء القومِ مِن أجسامِهم، بأداءِ ما أسْكَنها ربُّها مِن الأرواحِ إليه، وتسليمِها إلى رسلِه الذين يَتَوَفَّونها.\n\n<span data-type='title' id=toc-3070>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن الله جلَّ ثناؤُه عما تقولُ رسلُ اللهِ التي تَقْبِضُ أرواحَ هؤلاء الكفارِ لها، يُخْبِرُ عنها أنها تقولُ لأجْسامِها ولأصحابِها: أخْرِجوا أنفسَكم إلى سَخَطِ اللهِ ولعنتِه، فإنكم اليومَ تُثابون على كفرِكم باللهِ، وقيلِكم عليه الباطلَ، وزعمِكم أن اللهَ أوْحَى إليكم، ولم يُوحِ إليكم شيئًا، [وإنكارِكم] (^٣) أن يَكونَ اللهُ أنْزَل على بشرٍ\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤٨ عقب الأثر (٧٦٣٦) معلقا.\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ١/ ٣٤٥.\n(^٣) سقط مِن: ت ٢، وفي ص، م، ت ١، س، ف: \"وإنذاركم\".","vol":"9","page":411},{"text":"شيئًا، واستكبارِكم عن الخضوعِ لأمرِ اللهِ وأمرِ رسولِه، والانقيادِ لطاعتِه - ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ وهو عذابُ جهنمَ الذي يُهِينُهم فيُذِلُّهم، حتى يَعْرِفُوا صَغارَ أنفسِهم وذِلَّتَها.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أمَّا ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ به فالذي يُهِينُهم (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾. قال: عذابُ الهُونِ في الآخرةِ بما كنتم تعملون.\nوالعربُ إذا أرادَت بالهُونِ معنى الهَوانِ ضمَّت الهاءَ (^٢)، وإذا أرادت به الرفقَ والدَّعةَ وخفةَ المَئُونةِ فتَحَت الهاءَ، فقالوا: هو قليلُ هَوْنِ المئونةِ. ومنه قولُ اللهِ: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. يعني: بالرفقِ والسكينةِ والوَقارِ. ومنه قولُ [المثنَّى بنِ جندَلٍ] (^٣) الطُّهَويِّ:\nونَقْضَ أَيامٍ نَقَضْنَ أَسْرَه … هَوْنًا وَأَلْقَى كلُّ شيخٍ فَخْرَه\nومنه قولُ الآخرِ (^٤):\nهَوْنَكما لا يَرُدُّ الدهرُ ما فاتا .. لا تَهْلِكا أَسَفًا في إِثْرِ مَن ماتا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤٨ (٧٦٣٧) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"الهون\".\n(^٣) كذا في النسخ في هذا الموضع، وكذا سيأتي في ١٤/ ٢٩، وفي تفسير الآية ٢٣ من سورة الزخرف، وصوابه: جندل بن المثنى. ينظر سمط اللآلئ ٢/ ٦٤٤، والأعلام ٢/ ١٣٧.\n(^٤) هو ذو جدن الحميري، والبيت في سيرة ابن هشام ١/ ٣٨، وتاريخ المصنف ٢/ ١٢٥، والأغاني ١٧/ ٣٠٥ بنحو ما هنا.","vol":"9","page":412},{"text":"يريدُ: أرْوِدا (^١). وقد حُكي فتحُ الهاءِ في ذلك بمعنى الهَوانِ، واسْتَشْهَدوا على ذلك ببيتِ عامرِ بنِ جُوَيْنٍ (^٢):\nنُهِينُ النفوسَ وهَوْنُ النفوسِ … عندَ الكَريهةِ أعْلَى لها\nوالمعروفُ مِن كلامِهم ضمُّ الهاءِ منه إذا كان بمعنى الهَوانِ والذلِّ، كما قال ذو الإِصْبَعِ العَدْوانيُّ (^٣):\nاذْهَبْ إليك فما أُمِّي براعيةٍ (^٤) … تَرْعَى الْمَخَاضَ ولا أُغْضِي على الهُونِ (^٥)\nيعني: على الهَوانِ. وإذا كان بمعنى الرفق ففتْحَها.\n\n<span id=\"aya-883\"></span><span data-type='title' id=toc-3071>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عما هو قائلٌ يومَ القيامةِ لهؤلاءِ العادِلين به الآلهةَ والأندادَ، يُخْبِرُ عبادَه أنه يقولُ لهم عندَ وُرودِهم عليه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾.\nويعني بقولِه: ﴿فُرَادَى﴾: وُحدانًا لا مالَ معهم ولا [إناثَ ولا رقيقَ] (^٦)، ولا شيءَ مما كان اللهُ خوَّلَهم في الدنيا، ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ عُراةً غُلْفًا غُرْلًا حفاةً\n_________\n(^١) في م: \"رودا\". وأرودا: ارفقا وتمهلا. اللسان (ر ود).\n(^٢) البيت للخنساء، كما في أنيس الجلساء في ملخص شرح ديوان الخنساء ص ١١٥.\n(^٣) البيت في اللسان (هـ ون)، وينظر المفضليات ص ١٦٠، وأمالي المرتضى ١/ ٢٥٢.\n(^٤) يعني: لست ١ بن أمة. ينظر المفضليات الموضع السابق.\n(^٥) المخاض: اسم للنوق الحوامل. المصدر السابق.\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أثاث ولا رفيق\"، وفي ف: \"إناث ولا رفق\". وينظر تفسير البغوي ٣/ ١٦٩.","vol":"9","page":413},{"text":"كما ولدَتْهم أمهاتُهم، وكما خلَقَهم جلَّ ثناؤُه في بُطونِ أمهاتهم، لا شيءَ عليهم ولا معهم مما كانوا يَتَباهَوْن به في الدنيا.\nو\"فُرادَى\" جمعٌ، يقالُ لواحدِها: فَرِدٌ. كما قال نابغةُ بني ذُبْيانَ (^١):\nمِن وَحْشِ وَجْرَةَ مَوْشَيٍّ أَكارِعُه … طاوِي المَصِيرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرِدِ (^٢)\nوفَردٌ وفَرِيدٌ، كما يقالُ: وحَدٌ ووَحِدٌ ووَحِيدٌ. في واحدِ الأَوحادِ، وقد يُجْمَعُ الفَرَدُ الفُرَادَ، كما يُجْمَعُ الوَحَدُ الوُحادَ، ومنه قولُ الشاعرِ (^٣):\nتَرَى النُّعَراتِ الزُّرْقَ فوقَ لَبانِه … فُرادَ ومَثْنَى أَصْعَقَتْها صَواهِلُهْ\nوكان يونُسُ الجَرْميُّ (^٤) فيما ذُكِر عنه يقولُ: فُرادٌ جمعُ فَرْدٍ. كما قيل: تُؤْمٌ وتُؤَامٌ. للجميعِ، ومنه الفُرَادى والرُّدَافي والقُراني (^٥)، ويقالُ: رجلٌ فردٌ.\nوامرأةٌ فردٌ. إذا لم يَكُن لها أخٌ، وقد فرَد الرجلُ فهو يَفْرُدُ فُرُودًا، يُرادُ به تفرَّد، فهو فاردٌ.\n_________\n(^١) ديوانه ص ٧.\n(^٢) قال الأصمعي: وجرة: فلاة بين مران وذات عرق وهي مجمع الوحش، وهي قليلة الشرب للماء هناك. وموشي أكارعه: بيض وفي قوائمه نقط سود. وطاوي المصير: يريد ضامرا والمصير: المِعَى وجمعه المصران. وقوله: كسيف الصيقل الفرد. يريد: أنه يلوح كأنه سيف صقيل، ويقال: فرْد وفرَد. قال: ولم أسمع فرِدا إلا في هذا البيت. ديوان النابغة.\n(^٣) هو تميم بن أبي بن مقبل. وتقدم في ٦/ ٣٧١، ٣٧٢\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحرمي\". وينظر ما تقدم في ٨/ ٢٤٥.\n(^٥) في ص: \"العواني\" بدون نقط، وفي م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الغواني\"، وفي س: \"العوافي\" وفي ف: \"العوابي\".\nوالقراني يعني المقترنين، يقال: جاءوا قراني. أي: مقترنين. والقراني تثنية الفرادى يقال: جاءوا قراني وجاءوا فرادى. ينظر اللسان (ق ر ن).","vol":"9","page":414},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال: أخبَرني عمرٌو، أن ابنِ أبي هلالٍ حدَّثه، أنه سمِع القرظيَّ (^١) يقولُ: قرَأَت عائشةُ زوجُ النبيِّ ﷺ قولَ اللهِ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.\nفقالت: واسَوْءَتاه، إن الرجالَ والنساءَ يُحْشَرون جميعًا يَنْظُرُ بعضُهم إلى سَوْءَةِ بعضٍ! فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لكلِّ امرئٍ منهم يومَئذٍ شأنٌ يُغْنِيه، لا يَنْظُرُ الرجالُ إلى النساءِ، ولا النساءُ إلى الرجالِ، شُغِل بعضُهم عن بعضٍ\" (^٢).\nوأما قولُه: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾. فإنه يقولُ: خَلَفْتُم أَيُّها القومُ ما مَلَّكناكم (^٣) في الدنيا، مما كنتم تَتَباهَوْن به فيها، خلفَكم في الدنيا، فلم تَحْمِلوه معكم. وهذا تَعْييرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه لهؤلاء المشركين بمُباهاتِهم التي كانوا يَتَباهَوْن بها في الدنيا بأموالِهم.\nوكلُّ من ملَّكْتَه غيرَك وأعْطَيْتَه، فقد خوَّلْتَه، يقالُ منه: خال الرجلُ يَخالُ أشدَّ الخِيالِ. بكسرِ الخاءِ، وهو خائلٌ، ومنه قولُ أبي النَّجْمِ (^٤):\nأَعْطَى فلم يَبْخَلْ ولم يُبَخَّلِ … كُومَ الذُّرا (^٥) مِن خَوَلِ المُخَوِّلِ\nوقد ذُكِر أن أبا عمرِو بنَ العلاءِ كان يُنْشِدُ بِيتَ زُهَيْرٍ (^٦):\n_________\n(^١) في ص، م: \"القرطبي\"، والمثبت موافق لما في مصادر التخريج الآتية.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٤٩ (٧٦٣٩) عن يونس عن ابن وهب عن عمرو به، عمرو به، وأخرجه الحاكم ٤/ ٥٦٥ من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث به.\n(^٣) في م، ت ١، ت،٢، ت ٣: \"مكناكم\".\n(^٤) ديوانه (مجموع) ص ١٧٥.\n(^٥) كوم جمع كوماء: وهي الناقة العظيمة السنام طويلته. والذرا جمع ذروة: وهي أعلى كل شيء، وأراد السنام. ينظر اللسان (ك وم، ذ ر و).\n(^٦) ينظر شرح ديوان زهير ص ١١٢. وينظر ما سيأتي في تفسير الآية (٨) من سورة \"الزمر\".","vol":"9","page":415},{"text":"هنالك إن يُسْتَخوَلوا المالَ يُخْوِلُوا … وإن يُسْأَلُوا يُعْطُوا وإن يَيْسِروا يُغْلُوا (^١) وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾: مِن المالِ والخَدَمِ. ﴿وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ في الدنيا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3072>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء العادِلين بربِّهم الأندادَ يومَ القيامةِ: ما نَرَى معكم شفعاءَكم الذين كنتم في الدنيا تَزْعُمون أنهم يَشْفَعون لكم عندَ رَبِّكم يومَ القيامةِ.\nوقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلَت في النَّضْرِ بنِ الحارثِ، لقيلِه إن اللاتَ والعُزَّى يَشْفَعان له عندَ اللهِ يومَ القيامةِ.\nوقيل: إن ذلك كان قولُ كافةِ عَبَدةِ الأوثانِ.\n_________\n(^١) ورواية الديوان:\nهنالك إن يُسْتَخْبَلُوا المالَ يُخْبِلُوا …\nوييسروا: من الميسر، يغلوا: يأخذون سمان الجزر لا ينحرون إلا غالية. ينظر شرح ديوان زهير ص ١١٢ وحاشيته.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٠ (٧٦٤٢، ٧٦٤٣) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢ إلى أبي الشيخ.","vol":"9","page":416},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما قولُه: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾.\nفإن المشركين كانوا يَزْعُمون أنهم كانوا يَعْبُدون الآلهةَ لأنهم شُفعاءُ، يَشْفَعون لهم عندَ اللهِ، وأن هذه الآلهةَ شركاءُ اللهِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: أخْبَرني الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ، قال: قال النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ: سوف تَشْفَعُ ليَ اللاتُ والعُزَّى. فنزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إلى قولِه: ﴿شُرَكَاءُ﴾ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3073>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِه يومَ القيامةِ لهؤلاء المشركين به الأندادَ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾. يعني تَواصُلَهم الذي كان بينَهم في الدنيا، ذهَب ذلك اليومَ، فلا تَواصُلَ بينَهم ولا تَوَادَّ ولا تَناصُرَ، وقد كانوا في الدنيا يَتَواصَلون ويَتَناصَرون، فاضْمَحَلَّ ذلك كلُّه في الآخرةِ، فلا أحدَ منهم يَنْصُرُ صاحبَه، ولا يُواصِلُه.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٠ (٧٦٤٥) مِن طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٠ (٧٦٤٤) مِن طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"9","page":417},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾: البَيْنُ تَواصُلُهم (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾. قال: تَواصُلُهم في الدنيا (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾. قال: وَصْلُكم.\nوحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾. قال: ما كان بينَكم مِن الوَصْلِ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ يعني: الأرحامُ والمنازلُ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾. يقولُ: تقطَّع ما بينَكم (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: قال أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ: (لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنُكم): التواصُلُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٢٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٠ (٧٦٤٧) من طريق أبي حذيفة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢١٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٠ (٧٦٤٦) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣ إلى ابن المنذر.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٠ (٧٦٤٨) من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"9","page":418},{"text":"في الدنيا.\nواخْتَلَفَت القرأةُ في قولِه: ﴿بَيْنَكُمْ﴾؛ فقرَأَتْه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ نصبًا (^١)، بمعني: لقد تقَطَّع ما بينَكم.\nوقرأ ذلك عامةُ قرأةِ مكةَ والعراقَيْن (^٢): (لقد تَّقَطَّع بينُكم) رفعًا (^٣)، بمعنى: لقد تقَطَّع وصلُكم.\nوالصوابُ مِن القولِ عندي في ذلك أن يُقالَ: إنهما قراءتان مَشْهورتان باتفاقِ المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمُصيبٌ الصوابَ، وذلك أن العربَ قد تَنْصِبُ \"بينَ\" في موضعِ الاسمِ، ذُكِر سماعًا منها: أتاني (^٤) نحوَك ودونَك وسَواءَك. نصبًا في موضعِ الرفعِ، وقد ذُكِر عنها سماعًا الرفعُ في \"بينَ\" إذا كان الفعلُ لها، وجُعِلَت ١ سمًا، ويُنشَدُ بيتُ مُهَلْهِلٍ (^٥):\nكأنَّ رِماحَهم أَشْطانُ بئرٍ … بعيدٍ بينُ جالَيْها (^٦) جَرُورٍ (^٧)\nبرفعِ \"بين\" إذ كانت اسمًا، غيرَ أن الأغلبَ عليهم في كلامِهم النصبُ فيها في حالِ كونِها صفةً، وفي حالِ كونِها اسمًا.\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وأبو جعفر المدنيان والكسائي وحفص. النشر ٢/ ١٩٥.\n(^٢) في ف، م: \"العراقيين\".\n(^٣) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة وأبي بكر ويعقوب وخلف العاشر. ينظر النشر ٢/ ١٩٥.\n(^٤) في م: \"إيابي\". وينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٣٤٥.\n(^٥) هو مهلهل بن ربيعة، والبيت في أمالي القالي ٢/ ١٣٢، والمحتسب لابن جني ٢/ ١٩٠.\n(^٦) الأشطان: الحبال، واحدها شطن، والبئر هاهنا: الهواء الذي مِن الجال إلى الجال. وجال البئر وجولها: ناحيتها وما يحبس الماء منها. الأمالي ٢/ ١٣٢، ١٣٣.\n(^٧) الجرور من الآبار: البعيدة القعر. وقال الأصمعي: بئر جرور، وهي التي يستقي منها على بعير، وإنما قيل لها ذلك لأن دلوها تجر على شفيرها لبعد قعرها. اللسان (ج ر ر).","vol":"9","page":419},{"text":"وأما قولُه: ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾. فإنه يقولُ: وحاد عن طريقِكم ومِنْهاجِكم ما كُنتم مِن آلهتِكم تَزْعُمون أنه شَريكُ ربِّكم، وأنه لكم شَفيعٌ عندَ ربِّكم، فلا يَشْفَعُ لكم اليومَ.\n\n<span id=\"aya-884\"></span><span data-type='title' id=toc-3074>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾.</span>\nوهذا تنبيةٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه، هؤلاء العادِلين به الآلهةَ والأوثانَ، على موضعِ حجَّتِه عليهم، وتعريفٌ منه لهم خطأَ ما هم عليه مُقِيمون، مِن إشراكِ الأصنامِ في عبادتِهم إياه، يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذي له العبادةُ أيُّها الناسُ دونَ كلِّ ما تَعْبُدون مِن الآلهةِ والأوثانِ، هو اللهُ الذي فلَق الحبَّ، يعني: شقَّ الحَبَّ مِن كُلِّ ما يَنْبُتُ مِن النباتِ، فأخْرَج منه الزرعَ، والنَّوَى مِن كلِّ ما يُغْرَسُ مما له نَواةٌ، فَأَخْرَج منه الشجرَ. و\"الحبُّ\" جمعُ الحَبَّةِ، و\"النَّوَى\" جمعُ النَّواةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾: أما ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ ففالقُ الحبِّ عن السُّنْبُلةِ، وفالقُ النَّواةِ عن النخلةِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾. قال: يَفْلِقُ الحبَّ والنَّوَى عن النباتِ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥١ (٧٦٥٤) مِن طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢١٤، - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥١ (٧٦٥١) - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"9","page":420},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾. قال: اللهُ فالقُ ذلك، فلَقَه فأنْبَت منه ما أَنْبَت؛ فَلَق النَّواةَ فأَخْرَج منها نَباتَ نخلةٍ، وفلَق الحبةَ فأَخْرَج نباتَ الذي خلَق.\nوقال آخرون: معنى فالقٍ: خالقٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾. قال: خالقُ الحبِّ والنَّوَى (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾. قال: خلَق (^٢) الحبَّ والنوى (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك أنه فلَق الشَّقَّ الذي في الحبَّةِ والنَّواةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾. قال: الشَّقّان اللذان فيهما (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥١ (٧٦٥٢) من طريق مروان به.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣، ف: \"خالق\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥١ (٧٦٥٠) عن محمد بن سعد به.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٢٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥١ (٧٦٥٣)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"9","page":421},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا مُعَلَّى بنُ أَسَدٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن حُصَيْنٍ، عن أبي مالكٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾. قال: الشَّقُّ الذي يَكونُ في النَّواةِ وفي الحِنْطةِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾. قال: الشَّقَّان اللذان فيهما.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثني عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾.\nيقولُ: خالقُ الحبِّ والنوى. يعني: كلَّ حبةٍ.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندي ما قدَّمْنا القولَ به، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه أتْبَع ذلك بإخْبارِه عن إخراجِه الحيَّ مِن الميتِ، والميتَ مِن الحيِّ، فكان معلومًا بذلك أنه إنما عنَى بإخبارِه عن نفسِه أنه فالقُ الحبِّ عن النباتِ، والنوى عن الغُرُوسِ والأشجارِ، كما هو مُخْرِجُ الحيِّ مِن الميتِ، والميتِ مِن الحيِّ.\nوأما القولُ الذي حُكِي عن الضحاكِ في معنى فالقٍ أنه خالقٌ، فقولٌ إِن لم يَكُنْ أراد به أنه خالقٌ منه النباتَ والغُروسَ بفَلْقِه إياه، لا أَعْرِفُ له وجهًا؛ لأنه لا يُعْرَفُ في كلامِ العربِ: فلَق اللهُ الشيءَ. بمعنى: خلَق.\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٩١ - تفسير) من طريق خالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣ إلى ابن المنذر.","vol":"9","page":422},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3075>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يُخْرِجُ السُّنْبُلَ الحيَّ مِن الحبِّ الميتِ، ومخرجُ الحبِّ الميتِ مِن السنبلِ الحيِّ، والشجرِ الحيِّ مِن النوى الميتِ، والنوى الميِّتِ مِن الشجرِ الحيِّ.\nوالشجرُ ما دام قائمًا على أصولِه لم يَجِفَّ، والنباتُ على ساقِه لم يَيْبَسْ، فإن العربَ تُسَمِّيه حَيًّا، فإذا يَبِس وجَفَّ أو قُطِع مِن أصلِه، سمَّوْه ميتًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ فيُخْرِجُ السُّنْبُلةَ الحيةَ مِن الحبةِ الميتةِ، ويُخْرِجُ الحبةَ الميتةَ مِن السنبلةِ الحيةِ، ويُخْرِجُ النخلةَ الحيةَ مِن النَّواةِ الميتةِ، ويُخْرِجُ النواةَ الميتةَ مِن النخلةِ الحيةِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: النخلةَ مِن النَّواةِ، والنواةَ مِن النخلةِ، والحبةَ مِن السنبلةِ، والسنبلةَ مِن الحبةِ (^٢).\nوقال آخرون بما حدَّثني به المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ ابنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٤/ ٢٠٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٢، ١٣٥٣ (٧٦٥٩، ٧٦٦٤) من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣ إلى عبد بن حميد. وأبي الشيخ.","vol":"9","page":423},{"text":"وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: يُخْرِجُ النُّطْفَةَ الميتةَ مِن الحيِّ، ثم يُخْرِجُ مِن النطفةِ بشرًا حيًّا (^١).\nوإنما اخْتَرْنا التأويلَ الذي اخْتَرْنا في ذلك؛ لأنه عَقِيبَ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾. على أن قولَه: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾. وإن كان خبرًا مِن اللهِ عن إخراجِه مِن الحبِّ السنبلَ، ومن السنبلِ الحبَّ، فإنه داخلٌ في عمومِه ما رُوِي عن ابنِ عباسٍ في تأويلِ ذلك: وكلُّ ميتٍ أخْرَجه اللهُ مِن جسمٍ حيٍّ، وكلُّ حيٍّ أَخْرَجه اللهُ مِن جسمٍ ميتٍ.\nوأما قولُه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾. فإنه يقولُ: فاعلُ ذلك كلِّه اللهُ ﷻ، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ: فأيُّ وجوهِ الصدِّ عن الحقِّ أيُّها الجاهِلون تَصُدُّون عن الصوابِ وتُصْرَفون، أفلا تَتَدَبَّرون فتَعْلَمون أنه لا يَنْبَغي أن يُجْعَلَ لمَنْ أَنْعَم عليكم بفلْقِ الحبِّ والنَّوَى، فأَخْرَج لكم مِن يابسِ الحبِّ والنوى زروعًا وحُروثًا وثمارًا تَتَغَذَّوْن ببعضِه، وتَفَكَّهون ببعضِه - شريكٌ في عبادتِه ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، ولا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ؟\n\n<span id=\"aya-885\"></span><span data-type='title' id=toc-3076>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ (^٢) اللَّيْلَ سَكَنًا﴾.</span>\nيعني بقولِه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: شاقٌّ عمودَ الصبحِ عن ظلمةِ الليلِ وسَوادِه.\nوالإصباحُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: أصْبَحْنا إصْباحًا.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال عامةُ أهلِ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٢ (٧٦٥٨) من طريق آخر عن ابن عباس وعلق باقيه عقب الأثر (٧٦٦٢).\n(^٢) في ص، ف: \"جاعل\". وهي قراءة كما سيأتي.","vol":"9","page":424},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾. قال: إضاءةُ الصبحِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾. قال: إضاءةُ الفجرِ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾. قال: فالقُ الصبحِ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: يعني بالإصباحِ ضوءَ الشمسِ بالنهارِ، وضوءَ القمرِ بالليلِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عَنْبَسةُ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾. قال: فالقُ الصُّبْحِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٢٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٤ (٧٦٧٣)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٣ (٧٦٧٠) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣ إلى ابن المنذر.","vol":"9","page":425},{"text":"حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ مرةً بهذا الإسنادِ، عن مجاهدٍ، فقال في قولِه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾. قال: إضاءةُ الصبحِ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾. قال: فلَق الإصباحَ عن الليلِ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾. يقولُ: خالقُ النورِ؛ نورِ النهارِ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك خالقُ الليلِ والنهارِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: (فالِقُ الإِصْباحِ وَجاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا). يقولُ: خالقُ (^٢) الليلِ والنهارِ (^٣).\nوذُكِر عن الحسنِ البصريِّ أنه كان يَقْرَأُ في قولِه: (فالقُ الأَصْباحِ). بفتحِ الألفِ (^٤)، كأنه تأَوَّل ذلك بمعنى جمعِ \"صبحٍ\"، كأنه أراد صبحَ كلِّ يومٍ، فجعَله أصْباحًا، ولم يَبْلُغْنا عن أحدٍ سواه أنه قرَأ كذلك (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٤ (٧٦٧٤) من طريق أبي معاذ به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) في النسخ: \"خلق\". والمثبت كما في مصدر التخريج والبحر المحيط ٤/ ١٨٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٣، ١٣٥٤ (٧٦٦٩، ٧٦٧١) عن محمد بن سعد به.\n(^٤) ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٤٥.\n(^٥) وكذلك قرأ عيسى بن عمر وأبو رجاء العطاردي. ينظر البحر المحيط ٤/ ١٨٥.","vol":"9","page":426},{"text":"والقراءةُ التي لا نَسْتَجِيرُ تَعدِّيَها (^١) بكسرِ الألفِ ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ وأهلِ التأويلِ على صحةِ ذلك ورفضِ خلافِه.\nوأما قولُه: (وَجاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا) فإن القرأةَ اخْتَلَفَت في قراءتِه؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ (^٢) الحجازِ والمدينةِ، وبعضُ البصريين: (وَجاعِلُ اللَّيْلِ) بالألفِ على لفظِ الاسمِ، ورفعِه عطفًا على (فالقٍ)، وخفضِ (الليل (^٣» بإضافةِ (جاعل) إليه، ونصبِ (الشمس والقمر) عطفًا على موضعِ (الليل)؛ لأن (الليل) وإن كان مخفوضًا في اللفظِ، فإنه في موضعِ النصبِ؛ لأنه مفعولُ (جاعل)، وحَسُن عطفُ ذلك على معنى (الليل) لا على لفظِه؛ لدخولِ قولِه: ﴿سَكَنًا﴾. بينَه وبينَ (الليل)، قال الشاعرُ (^٤):\nقُعودًا لَدى الأبْوابِ طُلَّابَ (^٥) حاجةٍ … عَوانٍ مِن الحاجاتِ أو حاجةً بِكْرَا\nفنصَب \"الحاجةَ\" الثانيةَ عطفًا بها على معنى \"الحاجةِ\" الأولى لا على لفظِها؛ لأن معناها النصبُ، وإن كانت في اللفظِ خفضًا، وقد يَجِيءُ مثلُ هذا أيضًا معطوفًا بالثاني على معنى الذي قبلَه لا على لفظِه، وإن لم يَكُنْ بينَهما حائلٌ، كما قال بعضُهم (^٦):\n_________\n(^١) في م: \"غيرها\"، وفي ت ٢، ت ٣، ف: \"بعدها\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب. النشر ٢/ ١٩٦.\n(^٤) تقدم البيت في ٢/ ٨٨ منسوبا إلى الفرزدق، ونسب أيضا إلى ذي الرمة، وهو في ديوانه ٣/ ١٨٧١.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"طالب\".\n(^٦) شعر نصيب بن رباح ص ١٠٤، ينظر مصادره ص ١٨٨، وهو منسوب أيضا إلى رجل من قيس عيلان كما في الكتاب لسيبويه ١/ ١٧١. والبيت فيه خرم، وينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٣٤٦.","vol":"9","page":427},{"text":"بينا نحن نَنْظُرُه أَتانا … مُعَلِّقَ شَكُوةٍ وزِنادَ راعِ (^١)\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ﴾ على \"فَعَلَ\"، بمعنى الفعلِ الماضي، ونصبِ ﴿اللَّيْلَ﴾ (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يُقالَ: إنهما قراءتان مُسْتَفِيضتان في قراءةِ الأمصارِ، مُتَّفِقتا المعنى، غيرُ مُختلفَتَيْه، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فهو مُصيبٌ في الإعرابِ والمعنى.\nوأخبرَ جلَّ ثناؤُه أنه جعَل الليلَ سكنًا؛ لأنه يَسْكُنُ فيه كلُّ متحركٍ بالنهارِ، ويَهْدَأُ فيه، فيَسْتَقِرُّ في مسكنِه ومأْواه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3077>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وجعَل الشمسَ والقمرَ يَجْرِيان في أفلاكِهما بحسابٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾: يعني عددَ الأيامِ والشهورِ والسِّنينَ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن\n_________\n(^١) الشكوة: وعاء من أدم للماء واللبن، والزناد: العود الذي يقدح به النار. تاج العروس (ز ن د، ش ك و).\n(^٢) قرأ بها عاصم وحمزة والكسائي وخلف العاشر. النشر ٢/ ١٩٦.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٤ (٧٦٧٧) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣ إلى ابن المنذر.","vol":"9","page":428},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾. قال: يَجْرِيان إلى أجلٍ جُعِل لهما (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾. يقولُ: بحسابٍ (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾. قال: الشمسُ والقمرُ في حسابٍ، فإذا خَلَت أيامُهما، فذاك آخرُ الدهرِ، وأولُ الفَزَعِ الأكبرِ، ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾. قال: يَدُوران في حسابٍ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾. قال: هو مثلُ قولِه: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]. ومِثلُ قولِه: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (١) [الرحمن: ٥].\nوقال آخرون: معنى ذلك: وجعَل الشمسَ والقمرَ ضِياءً.\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٤/ ٢١١.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٦٥٣) من طريق أسباط به.\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٦٥٢) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٤ (٧٦٧٨) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"9","page":429},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾. أي: ضياءً (^١).\nوأولى القولين في تأويلِ ذلك عندي بالصوابِ تأويلُ مَن تأَوَّله: وجعَل الشمسَ والقمرَ يَجْرِيان بحسابٍ وعددٍ لبلوغِ أمرِهما، ونهايةِ آجالِهما، ويَدُوران لمصالحِ الخلقِ التي جُعِلا لها.\nوإنما قلنا: ذلك أولى التأويلين بالآيِة؛ لأن الله تعالى ذكرُه ذكَر قبلَه أياديَه عندَ خلقِه، وعظمَ سلطانِه، بفَلْقِه الإصباحَ لهم، وإخراجِ النباتِ والغراسِ مِن الحبِّ والنَّوَى، وعقَّب ذلك بذكرِه خلقَ النجومِ لهدايتِهم في البرِّ والبحرِ، فكان وصفُه إجراءهَ الشمسَ والقمرَ لمنافِعِهم أشبَهَ بهذا الموضعِ مِن ذكرِ إضاءتِهما؛ لأنه قد وصَف ذلك قبلُ بقولِه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾. فلا معنى لتكريرِه مرةً أُخرى في آيةٍ واحدةٍ لغيرِ معنًى.\nوالحُسْبانُ في كلامِ العربِ جمعُ حسابٍ، كما الشُّهْبانُ جمعُ شهابٍ. وقد قيل: إن الحُسْبانَ في هذا الموضعِ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: حسَبْتُ الحسابَ، أَحْسُبُه حِسابًا وحُسْبانًا. وحُكِي عن العربِ: على اللهِ حُسْبانُ فلانٍ وحِسْبتُه. أي: حسابُه. وأَحْسَبُ أن قتادةَ في تأويلِ ذلك بمعنى الضياءِ، ذهَب إلى شيءٍ يُرْوَى عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الكهف: ٤٠]. قال: نارًا.\nفوجَّه تأويلَ قولِه: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ إلى ذلك التأويلِ، وليس هذا مِن ذلك المعنى في شيءٍ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٥ (٧٦٧٩) مِن طريق سعيد بن بشير، عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.","vol":"9","page":430},{"text":"وأما الحِسْبانُ بكسرِ الحاءِ فإنه جمعُ الحِسْبانةِ (^١)، وهي الوِسادةُ الصغيرةُ،\nوليست مِن الأوَّلَيْن أيضًا في شيءٍ، يقالُ: حَسَّبْتُه. أَجْلَسْتُه عليها.\nونُصِب قولُه: ﴿حُسْبَانًا﴾. بقولِه: ﴿وَجَعَلَ﴾.\nوكان بعضُ البصريين (^٢) يقولُ: معناه ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾. أي: بحسابٍ. فحذَف الباءَ كما حذَفها مِن قولِه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١١٧]. أيْ: أعلمُ بمَن يَضِلُّ عن سبيلِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3078>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وهذا الفعلُ الذي وصَفه أنه فعلُه، وهو فلْقُه الإصباحَ وجعْلُه الليلَ سكنًا والشمسَ والقمرَ حُسْبانًا، تقديرُ الذي عزَّ سلطانُه، فلا يَقْدِرُ أَحدٌ أراده بسوءٍ وعقابٍ أو انتقامٍ، مِن الامتناعِ منه، العليمِ بمصالحِ خلقِه وتدبيرِهم، لا تقديرُ الأصنامِ والأوثانِ التي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولا تَفْقَهُ شيئًا ولا تَعْقِلُه، ولا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وإن أُرِيدَت بسوءٍ لم تَقْدِرْ على الامتناعِ منه ممَّن أرادها به. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وأخْلِصوا أيُّها الجَهَلَةُ عبادتَكم لفاعلِ هذه الأشياءِ، ولا تُشْرِكوا في عبادتِه شيئًا غيرَه.\n\n<span id=\"aya-886\"></span><span data-type='title' id=toc-3079>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي جعَل لكم أيُّها الناسُ النجومَ أدلةً في البرِّ والبحرِ إذا ضلَلْتُم الطريقَ، أو تَحَيَّرْتُم فلم تَهْتَدُوا فيها ليلًا، تَسْتَدِلُّون بها على المَحَجَّةِ، فتَهْتَدُون بها إلى الطريقِ والمحجةِ، فتَسْلُكونه وتَنْجون بها مِن ظلماتِ\n_________\n(^١) الذي في كتب اللغة أنه بضم الحاء لا بكسر الحاء.\n(^٢) هو الأخفش، كما في اللسان (ح س ب).","vol":"9","page":431},{"text":"ذلك، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]. أيْ: مِن ضلالِ الطريقِ في البرِّ والبحرِ. وعنَى بالظلماتِ ظلمةَ الليلِ، وظلمةَ الخطأِ والضلالِ، وظلمةَ الأرضِ أو الماءِ.\nوقولُه: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: قد ميَّزنا الأدلةَ، وفرَّقْنا الحُجَجَ فيكم وبيَّناها أيُّها الناسُ؛ ليَتَدَبَّرَها أولو العلمِ باللهِ منكم، ويَفْهَمَها أولو الحِجا منكم، فيُنِيبوا مِن جهلِهم الذي هم عليه مُقِيمون، ويَنْزَجِروا عن خطأِ فعلِهم الذي هم عليه ثابِتون، ولا يَتمادَوْا [عنادًا للهِ] (^١)، مع علمِهم بأن ما هم عليه مُقِيمون خطأٌ في غَيِّهم (^٢).\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. قال: يَضِلُّ الرجلُ وهو في الظلمةِ، والجَوْرُ عن الطريقِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-887\"></span><span data-type='title' id=toc-3080>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإلهُكم أيُّها العادِلون باللهِ غيرَه ﴿الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾.\nيعني: الذي ابْتَدَأ خلقَكم مِن غيرِ شيءٍ، فأوْجَدَكم بعد أن لم تكونوا شيئًا ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. يعني: مِن آدمَ ﵇.\n_________\n(^١) في م: \"في عناد الله\"، وفي ف: \"عباد الله\".\n(^٢) في ت ١، ف: \"غيرهم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٥ (٧٦٨١) عن محمد بن سعد به.","vol":"9","page":432},{"text":"كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. قال: آدمَ ﵇ (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: مِن آدمَ ﵇ (^٢).\nوأما قولُه: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. فإن أهلَ التأويلِ في تأويلِه مُخْتَلِفون؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وهو الذي أنْشَأَكم مِن نفسٍ واحدةٍ، فمنكم مُسْتَقرٌّ في الرحمِ، ومنكم مُسْتَوْدَعٌ في القبرِ حتى يَبْعَثَهُ اللهُ لنَشْرِ القيامةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦]. قال: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الأرحامِ، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيثُ تَموتُ (^٣).\nحدَّثني يَعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن إسماعيلَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ، أنه قال: المُسْتَوْدَعُ حيثُ تَموتُ، والمُسْتَقَرُّ ما في الرحمِ.\nحُدِّثْتُ عن عُبيدِ اللهِ بن موسى، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: المُسْتَقَرُّ الرحمُ، والمُسْتَوْدَعُ المكانُ الذي تَموتُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٥ (٧٦٨٢) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٥ عقب الأثر (٧٦٨٢) معلقا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٦ (٧٦٨٥)، والطبراني في الكبير (٩٠١٦)، من طريق إسماعيل بن أبي خالد به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٣٤١ من طريق إسماعيل، عن إبراهيم، عن الأسود، عن ابن مسعود، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٦، ٣٢١ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ والفريابي.","vol":"9","page":433},{"text":"فيه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُبيَدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ وعليُّ بنُ هاشمٍ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن إبراهيمَ: ﴿يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾. قال: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الأرحامِ، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ في الأرضِ حيثُ تَموتُ فيها.\nحدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن ليثٍ، عن مِقْسَمٍ، قال: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الصُّلْبِ حيثُ تَأْوِي إليه، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيثُ تَموتُ (^٢).\nوقال آخرون: المُسْتَوْدَعُ ما كان في أصلابِ الآباءِ، والمُسْتَقَرُّ ما كان في بُطُونِ النساءِ وبطونِ الأرضِ أو على ظهورِها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا كُلْثومُ بنُ جَبْرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ في قولِه: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: مُسْتَوْدَعون ما كانوا في أصلابِ الرجالِ، فإذا قَرُّوا في أرحامِ النساءِ، أو على ظهرِ الأرضِ، أو في بطنِها، فقد اسْتَقَرُّوا (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن كُلثومِ بنِ جَبْرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: المُسْتَوْدَعون ما كانوا في أصلابِ الرجالِ، فإذا قَرُّوا\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٥ عقب الأثر (٧٦٨٣)، ٦/ ٢٠٠٢ معلقا بشطره الأول، وأخرج باقيه في ٤/ ١٣٥٧ (٧٦٩٤)، ٦/ ٢٠٠٣ من طريق عبيد الله به.\n(^٢) سيأتي في ١٢/ ٣٢٥ من طريق آخر، عن ليث، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس بلفظ: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ حيث تأوي، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيث تموت.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٧ عقب الأثر (٧٦٩٣) معلقا بشطره الأول، وأخرج باقيه في ٤/ ١٣٥٦ (٧٦٩١)، ٦/ ٢٠٠٢، ٢٠٠٣ من طريق ابن علية به.","vol":"9","page":434},{"text":"في أرحامِ النساءِ، أو على ظهرِ الأرضِ، فقد اسْتَقَرُّوا.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ بنِ النعمانِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ،: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾. قال: المُسْتَوْدَعُ في الصُّلْبِ، والمُسْتَقَرُّ ما كان على وجهِ الأرضِ أو في الأرضِ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ في الأرضِ على ظهورِها، ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ عندَ اللهِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن المغيرةِ، عن أبى [الجبرِ بنِ] (^٢) تميمِ بنِ حَذْلمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: المُسْتَقَرُّ الأرضُ، والمُسْتَوْدَعُ عندَ الرحمنِ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: المستقرُّ الأرضُ، والمستودعُ عندَ ربِّك (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ عُيَيْنَةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللهِ: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الدنيا\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ١٦٠ من طريق المغيرة بن النعمان به، بمعنى الشطر الأول.\n(^٢) في ص: \"الحر\". وفي م، ت ١، ت ٢، ت ٣ س، ف: \"الخير\". والمثبت من المؤتلف والمختلف للدارقطني ١/ ٣٧٨، والإكمال ٢/ ١٦، وينظر الجرح والتعديل ٩/ ٣٥٥، وتصحيفات المحدثين ٢/ ٧٤٨.\n(^٣) أخرج شطره الأول ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٦ (٧٦٨٨) من طريق إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد.","vol":"9","page":435},{"text":"﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ في الآخرةِ. يعني: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ (^١).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن شعبةَ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: المستودعُ في الصُّلْبِ، والمستقرُّ في الآخرةِ، وعلى وجهِ الأرضِ (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: فمستقَرٌّ في الرحمِ، ومستودَعٌ في الصلبِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن أبي الحارثِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: مستقرٌّ في الرحمِ، ومستودَعٌ في صلبٍ لم يُخْلَقْ سيُخْلَقُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن يحيى الجابرِ (^٤)، عن عكرمةَ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: المستقرُّ الذي قد اسْتَقرَّ في الرحمِ، والمُسْتَوْدَعُ الذي قد اسْتُودِع في الصلبِ (^٥).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٥، ١٣٥٧ (٧٦٨٤)، ٧٦٩٥)، ٦/ ٢٠٠٢، ٢٠٠٣ عن الحسن بن يحيى به. وعزاه السيوطي أيضا في الدر المنثور ٣/ ٣٦ إلى أبي الشيخ. وقال ابن أبي حاتم: رواه الثقات عن إسماعيل بن أبي خالد عن النخعي عن ابن مسعود قال: مستقرها في الرحم. وهكذا أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٩٥ - تفسير) - ومن طريقه الطبراني (٩٠١٧) - عن ابن عيينة به بلفظ: مستودعها في الدنيا ومستقرها في الرحم. وتقدم في ص ٤٣٣، وسيأتي في ١٢/ ٣٢٥.\n(^٢) سيأتي تخريجه في الصفحة القادمة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٥، ١٣٥٧ (٧٦٨٣، ٧٦٩٢)، ٦/ ٢٠٠٢، ٢٠٠٣ من طريق عكرمة به بنحوه.\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣: \"الجابري\".\n(^٥) ينظر: التبيان ٤/ ٢١٤.","vol":"9","page":436},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبى [الجبرِ بنِ] (^١) تميمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: سَلْ. فقلتُ: مستقَرٌّ ومستودعٌ؟ قال: المستقَرُّ في الرحمِ، والمستودَعُ ما اسْتُودِع في الصلبِ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن قابُوسَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: المستقَرُّ الرحمُ، والمستودَعُ ما كان عندَ ربِّ العالمين، مما هو خالقُه ولم يُخْلَقْ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾. قال: المستقَرُّ ما كان في الرحمِ مما هو حيٌّ، ومما قد مات، والمستودَعُ ما في الصُّلْبِ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: قال لي ابنُ عباسٍ، وذلك قبلَ أن يَخْرُجَ وجهي (^٣): أتزَوَّجْتَ يا بنَ جبيرٍ؟ قال: قلتُ: لا، وما أُرِيدُ ذاك يومي هذا. قال: فقال: أمَا إنه مع ذلك سيَخْرُجُ ما كان في صلبِك مِن المستودَعين (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: قال لي ابنُ عباسٍ: تزَوَّجْتَ؟ قلتُ: لا. قال: فضرَب ظهري، وقال: ما كان مِن مُسْتَوْدَعٍ في ظهرِك سَيَخْرُجُ.\n_________\n(^١) في النسخ: \"الخير\". وينظر ص ٤٣٥.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٩٢ - تفسير)، والحاكم ٢/ ٣١٦ من طريق هشيم به.\n(^٣) قال الشيخ شاكر: يعني: قبل أن تنبت لحيته، وهذا تعبير عزيز لا تجد تفسيره في كتب اللغة والمجاز.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٥٨١) عن هشيم به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٩٥)، (٨٩٣ - تفسير) من طريق أبي بشر به بنحوه.","vol":"9","page":437},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: المستقَرُّ في الأرحامِ، والمستودَعُ في الصلبِ، لم يُخْلَقْ وهو خالقُه.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: المستقَرُّ في الرحمِ، والمستودَعُ ما اسْتُودِع في أصلابِ الرجالِ والدَّوابِّ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: المستقَرُّ ما اسْتَقَرَّ في الرحمِ، والمستودَعُ ما اسْتُودِع في الصلبِ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبى الجبرِ بنِ تميمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عَبِيدةُ بنُ حميدٍ، عن عمارٍ الدُّهْنيِّ (^٢)، عن رجلٍ، عن كُريبٍ، قال: دعاني ابنُ عباسٍ، فقال: اكْتُبْ: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، مِن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، إلى فلانٍ حَبْرِ تَيْماءَ، سلامٌ عليك، فإني أَحْمَدُ إليك اللهَ الذي لا إلهَ إلا هو، أما بعدُ. قال: فقلتُ: تَبْدَؤُه تقولُ: السلامُ عليك؟ فقال: إن اللهَ هو السلامُ. ثم قال: اكْتُبْ: سلامٌ عليك، أما بعدُ، فحدِّثْني عن مستقَرٍّ ومستودَعٍ. قال: ثم بعَثني بالكتابِ إلى اليهوديِّ، فأعْطَيْتُه إياه. فلمَّا نظَر إليه قال: مرحبًا بكتابِ خليلي مِن المسلمين. فذهَب بي إلى بيتِه، ففتَح أسْفاطًا (^٣) له كبيرةً، فجعَل يَطْرَحُ تلك الأشياءَ لا يَلْتَفِتُ إليها، قال: قلتُ: ما شأنُك؟ قال: هذه أشياءُ كتَبها اليهودُ. حتى أَخْرَجَ سِفْرَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٧ (٧٦٩٣) مِن طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) في ص: \"الزهني\" وفي ت ١، ف: \"الذهى\". وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٢٠٨.\n(^٣) الأسفاط جمع سفط، بفتحتين. الذي يُعبَّى فيه الطيب وما أشبهه مِن أدوات النساء. تاج العروس (س ف ط).","vol":"9","page":438},{"text":"موسى ﵇، قال: فنظَر إليه مرتين، فقال: المستقَرُّ الرحمُ. قال: ثم قرَأ: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: ٥]. وقرَأ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ﴾ [البقرة: ٣٦]. قال: مستقَرُّه فوقَ الأرضِ، ومستقَرُّه في الرحمِ، ومستقرُّه تحتَ الأرضِ، حتى يَصيرَ إلى الجنةِ أو إلى النارِ (^١).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: المستقَرُّ ما اسْتَقَرَّ في أرحامِ النساءِ، والمستودَعُ ما اسْتُودِع في أصلابِ الرجالِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ، عن سفيانَ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ، قال: المستقَرُّ الرحمُ، والمستودَعُ في أصلابِ الرجالِ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، وعن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: المستقرُّ الرحمُ، والمستودَعُ في الأصلابِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال ثنا عيسى، عن ابنِ أبي، نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾: ما اسْتَقَرَّ في أرحامِ النساءِ، ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾: ما كان في أصلابِ الرجالِ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٩٨ - تفسير) عن عبيدة به - واسم الرجل عنده: حماد المديني - وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٦١ (٤١٥٧) من طريق عمار، مختصرا - واسم الرجل عنده: حميد\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٥، ١٣٥٧ عقب الأثر (٧٦٨٣، ٧٦٩٣)، ٦/ ٢٠٠٢ معلقا.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٢٦.","vol":"9","page":439},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميدٍ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: المستقَرُّ ما استَقَرَّ في الرحمِ، والمستودَعُ ما اسْتُودِع في الصلبِ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: المستقَرُّ الرحمُ، والمستودَعُ الصلبُ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا مُعاذُ بن مُعاذٍ، عن ابنِ عَوْنٍ، قال: أتَيْنَا إبراهيمَ عندَ المساءِ، فأخْبَرونا أنه قد مات، فقلنا: هل سأَله أحدٌ عن شيءٍ؟ قالوا: عبدُ الرحمنِ ابنُ الأسودِ، عن المستقَرِّ والمستودَعِ. فقال: المستقَرُّ في الرحمِ، والمستودَعُ في الصلبِ.\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا ابنُ عونٍ، قال: أتَيْنا إبراهيمَ وقد مات، قال: فحدَّثني بعضُهم أن عبدَ الرحمنِ بنَ الأسودِ سأَله قبلَ أن يَموتَ عن المستقَرِّ والمستودَعِ، فقال: المستقَرُّ في الرحمِ، والمستودَعُ في الصلبِ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن ابنِ عونٍ، قال: أَتَيْنا منزلَ إبراهيمَ، فسأَلْنا عنه، فقالوا: قد تُوُفِّي، وسأَله عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ. فذكَر نحوَه.\nحدَّثني به يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن ابنِ عونٍ، أنه بلَغه أن عبدَ الرحمنِ بنَ الأسودِ سأَل إبراهيمَ عن ذلك. فذكَر نحوَه.\nحدَّثنا عُبيدُ اللهِ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن العَلَاءِ بنِ هارونَ، قال: انْتَهَيْتُ إلى منزلِ إبراهيمَ حين قُبِض، فقلتُ لهم: هل سأَله أحدٌ عن شيءٍ؟ قالوا: سأَله عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ عن مستقَرٍّ ومستودَعٍ، فقال: أمّا المستقَرُّ فما استقَرَّ في أرحامِ النساءِ، والمستودَعُ ما في أصلابِ الرجالِ.","vol":"9","page":440},{"text":"حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: المستقَرُّ الرحمُ، والمستودعُ الصلبُ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: ثني سفيانُ، عن رجلٍ حدَّثه عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قال لي ابنُ عباسٍ: ألا تَنْكِحُ؟ ثم قال: أمَا إني أقولُ لك هذا، وإني لأَعْلَمُ أَن اللهَ مُخْرِجٌ من صلبِك ما كان فيه [من مُسْتَودَعٍ] (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: المستقَرُّ في الرحمِ، والمستودَعُ في الصلبِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: مستقَرٌّ في الرحمِ، ومستودَعٌ في الصلبِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: مستَقَرٌّ في الرحمِ، ومستودَعٌ في الصلبِ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾: أمَّا مستقَرٌّ، فما استقرَّ في الرحمِ، وأما مستودَعٌ، فما استُودِع في الصلبِ (^٤).\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"مستودعا\" وفي ت ٢، س، ف: \"مستودع\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٥، ١٣٥٧ عقب الأثرين (٧٦٨٣، ٧٦٩٣)، ٦/ ٢٠٠٢، ٢٠٠٣ من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٤.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٥، ١٣٥٧ عقب الأثرين (٧٦٨٣، ٧٦٩٣)، ٦/ ٢٠٠٢، ٢٠٠٣ معلقا.","vol":"9","page":441},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: مستقَرٌّ في الأرحامِ، ومستودَعٌ في الأصلابِ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنُ جبيرٍ، وأبي حمزةَ، عن إبراهيمَ، قالا: مستقَرٌّ ومستودَعٌ؛ المستقَرُّ في الرحمِ، والمستودَعُ في الصلبِ.\nوقال آخرون: المستقَرُّ في القبرِ، والمستودَعُ في الدنيا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: مستقَرٌّ في القبرِ، ومستودَعٌ في الدنيا، وأَوْشَك أن يَلْحَقَ بصاحبِه (^٢).\nوأولى التأويلاتِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللهَ جلَّ ثناؤُه عمَّ بقولِه: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. كلَّ خلقِه الذي أنْشَأ من نفسٍ واحدةٍ مستقَرًّا ومستودَعًا، ولم يَخْصُصْ مِن ذلك معنًى دون معنًى، ولا شكَّ أن مِن بني آدمَ مستقَرًّا في الرحمِ، ومستودَعًا في الصلبِ، ومنهم مَن هو مستقَرٌّ على ظهرِ الأرضِ أو بطنِها، ومستودَعٌ في أصلابِ الرجالِ، ومنهم مستقَرٌّ في القبرِ، مستودَعٌ على ظهرِ الأرضِ، فكلُّ مستقَرٍّ أو مستودَعٍ بمعنًى مِن هذه المعاني، فداخلٌ في عمومِ قولِه: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. ومرادٌ به، إلا أن يَأْتيَ خبرٌ يَجِبُ التسليمُ له بأنه معنيٌّ به معنًى دونَ معنًى، وخاصٌّ دونَ عامٍّ.\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٤/ ٢١٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٦، ١٣٥٧ (٧٦٨٩، (٧٦٩٦) من طريق منصور عن الحسن بمعناه. وذكره البغوي في تفسيره ٣/ ١٧٢ عن الحسن بلفظه.","vol":"9","page":442},{"text":"واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾؛ فقرَأَت ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ (^١) بمعنى: فمنهم مَن استَقَرَّه اللهُ في مقَرَّه (^٢) فهو مستقَرٌّ، ومنهم من اسْتَوْدَعه اللهُ فيما اسْتَوْدَعه فيه فهو مستودَعٌ فيه.\nوقرَأ ذلك بعضُ أهلِ المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ: (فمستقِرٌّ) بكسرِ القافِ (^٣)، بمعنى: فمنهم مَن اسْتَقَرَّ في مقَرِّه، فهو مستقِرٌّ فيه (^٤).\nوأولى القراءتين بالصوابِ عندي - وإن كان لكِلَيْهما عندي وجهٌ صحيحٌ - ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ بمعنى: اسْتَقَرَّه اللهُ في مستقَرِّه؛ ليَأْتَلِفَ المعنى فيه وفي \"المستودَعِ\"، في أن كلَّ واحدٍ منهما لم يُسَمَّ فاعلُه، وفي إضافةِ الخبرِ بذلك إلى اللهِ في أنه المستقِرُّ هذا والمستودِعُ هذا. وذلك أن الجميعَ مُجْمِعون على قراءةِ قولِه: ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. بفتحِ الدالِ على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، فإجْراءُ الأولِ - أعنِي قولَه: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ - عليه، أشبهُ مِن عُدُولِه عنه.\nوأما قولُه: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾. يقولُ تعالى: قد بيَّنا الحُجَجَ، وميَّزْنا الأدلةَ والأعلامَ، وأحْكَمْناها لقومٍ يَفْقَهون مواقعَ الحججِ، ومواضعَ العِبَرِ، ويفْهَمون الآياتِ والذكرَ، فإنهم إذا اعْتَبَروا بما نبَّهتُهم عليه مِن إنشائي مِن نفسٍ واحدةٍ ما عايَنوا من البشرِ، وخلْقي ما خَلَقْتُ منها، مِن عجائبِ الألوانِ والصورِ - علِموا أن ذلك [مِن فعلِ مَن ليس] (^٥) له مِثْلٌ ولا شَرِيكٌ، فيُشْرِكوه في عبادتِهم إياه.\n_________\n(^١) وهي قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبي جعفر وخلف ورويس. النشر ٢/ ١٩٦.\n(^٢) في ت ١، س، ف: \"مقبره\".\n(^٣) وهي قراءة: ابن كثير وأبي عمرو وروح. النشر ٢/ ١٩٦.\n(^٤) في م: \"به\".\n(^٥) في ص، ف: \"ليس من فعل من\".","vol":"9","page":443},{"text":"كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾. يقولُ: قد بيَّنا الآياتِ لقومٍ يَفْقَهون (^١).\n\n<span id=\"aya-888\"></span><span data-type='title' id=toc-3081>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي له العبادةُ خالصةً، لا شريكَ (^٢) فيها لشيءٍ سواه، هو الإلهُ الذي أنْزَل مِن السماءِ مَاءً ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَأَخْرَجْنا بالماءِ الذي أَنْزَلْناه مِن السماءِ مِن غِذاءِ الأنعامِ والبهائمِ والطيرِ والوحشِ، وأرزاقِ بني آدمَ وأقواتِهم، ما يَتَغَذَّون به ويَأْكُلونه، فيَنْبُتون عليه ويَنْمُون. وإنما معنى قولِه: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾: فأَخْرَجْنا به ما يَنْبُتُ به كلُّ شيءٍ ويَنْمُو عليه ويَصْلُحُ.\nولو قيل معناه: فأخْرَجْنا به نباتَ جميعِ أنواعِ النباتِ. فيكونُ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ هو أصنافَ النباتِ. كان مذهبًا، وإن كان الوجهُ الصحيحُ هو القولُ الأولَ.\nوقولُه: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾. يقولُ: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾. يعني: مِن الماءِ الذي أَنْزَلْناه مِن السماءِ، ﴿خَضِرًا﴾ رَطْبًا مِن الزرعِ.\nوالخَضِرُ هو الأخضرُ، كقولِ العربِ: أرِنيها نَمِرةً أُرِكْها مَطِرَةً (^٣). يقالُ: خضِرَت الأرضُ خَضِرًا وخَضَارةً. والخَضِرُ رطْبُ البُقولِ، ويقالُ: نخلةٌ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٨ (٧٦٩٩) من طريق يزيد به.\n(^٢) في م: \"شركة\".\n(^٣) مثل، نسبه صاحب اللسان في (ن م ر) إلى أبي ذؤيب ولم ينسبه في (خ ض ر)، ولا الميداني في مجمع الأمثال ٢/ ٣٧. والنمرة: السحاب على لون النمر. يُضرب مثلا أنك إذا رأيت دليل الشيء علمت ما يتبعه.","vol":"9","page":444},{"text":"خَضِيرةٌ (^١). إذا كانت تَرْمِي بيُسْرِها أَخْضَرَ قبل أن يَنْضَجَ. وقد اختُضِر الرجلُ واغْتُضِر: إذا مات شابًّا مُصَحَّحًا. ويقالُ: هو لك خَضِرًا مَضِرًا. أي: هنيئًا مَرِيئًا.\nقولُه: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾. يقولُ: نُخْرِجُ مِن الخَضِرِ حبًّا.\nيعني: ما في السُّنْبُلِ؛ سُنْبُلِ الحِنْطةِ والشَّعيرِ والأُرْزِ، وما أشْبَهَ ذلك مِن السَّنابلِ التي حَبُّها يَرْكَبُ بعضُه بعضًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾: فهذا السُّنْبُلُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3082>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومِن النخلِ مِن طَلْعِها قِنْوانُه (^٣) دانيةٌ. ولذلك رفِعت القِنْوانُ.\nوالقِنْوانُ جمعُ قِنْوٍ، كما الصِّنْوانُ جمعُ صِنْوٍ، وهو العِذْقُ (^٤). يقالُ للواحدِ: هو قِنْوٌ وقُنْوٌ وقَنًا، يُثَنَّى قِنْوانِ، ويُجْمَعُ قِنْوانٌ وقُنْوانٌ. قالوا: في جمعِ قليلِه: ثلاثةُ أقْناءٍ. والقِنْوانُ مِن لغةِ الحجازِ. والقُنْوانُ مِن لغةِ قيسٍ. وقال امرُؤُ القيسِ (^٥):\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"خضرة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٨ (٧٧٠٣) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٦ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) في النسخ: \"قنوان\". والمثبت من معاني القرآن للفراء ١/ ٣٤٧.\n(^٤) العِذْق: هو بمنزلة العنقود من الكرم. المخصص ١١/ ١٠٧.\n(^٥) ديوانه ص ٥٧، وروايته: =","vol":"9","page":445},{"text":"فأَنَّتْ (^١) أَعالِيه وآدَتْ أُصولُه (^٢) … ومالَ بقِنْوانٍ مِن البُسْرِ أَحْمَرَا\nوقِنْيان، جميعًا.\nوقال آخَرُ (^٣):\nلها ذَنَبٌ كالقِنْوِ قد مَذِلَت به … وأَسْمَحَ (^٤) للتَّخْطارِ (^٥) بعدَ التَّشَذُّرِ\nوتَميمٌ تَقولُ: قُنْيانٌ، بالياءِ.\nويعنى بقولِه: ﴿دَانِيَةٌ﴾. قريبةٌ مُتَهَدِّلةٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾: يعني بالقِنْوانِ الدانيةِ: قِصارُ النخلِ، لاصقةٌ عُذوقُها (^٦) بالأرضِ (^٧).\n_________\n= سوامق جبَّار أثيث فروعه … وعالين قنوانا من البسر أحمرا\nوأورده في اللسان (أ ى د) كما ذكره المصنف، وفيه: بقنيان، كالرواية الأخرى.\n(^١) أث النبات يثث أثاثة: كثر والتفُّ، وهو أثيث، ويوصف به الشعر الكثير، والنبات الملتف. اللسان (أ ث ث).\n(^٢) آدت أصوله: قويت. اللسان (أ ى د).\n(^٣) النوادر لأبي زيد ص ١٨٢، ولم ينسبه، وقال: التشذر إذا لَقِحت الناقة عقدت ذنَبَها ونصبته على عَجُزها من التخيل، فذاك التشذر، والمَذَلُ ألا تحرك ذنبها.\n(^٤) في النسخ: \"أسحم\". والمثبت من النوادر، وأسمحت الدابة بعد استصعاب: لانت وانقادت. اللسان (س م ح).\n(^٥) خطر الفحل بذنبه: رفعه مرة بعد مرة، وضرب به حاذيه، وهما ما ظهر من فخذيه حيث يقع شعر الذنب، وقيل: ضرب يمينًا وشمالا. اللسان (خ ط ر).\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"عروقها\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"بالنخل\". =","vol":"9","page":446},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. قال عُذُوقٌ مُتَهَدِّلةٌ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. يقولُ: مُتَهَدِّلةٌ (^١).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ في قولِه: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. قال: قريبةٌ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. قال: قريبةٌ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. قال: الدانيةُ لتهَدُّلِ العُذوقِ (^٤) مِن الطَّلْعِ (^٥).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ\n_________\n= والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٩ (٧٧٠٥) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٦ إلى ابن المنذر.\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٥ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٩ (٧٧١٢) - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٠٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٩ (٧٧٠٩)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٥.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"العروق\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٩ (٧٧١١) عن محمد بن سعد به.","vol":"9","page":447},{"text":"دَانِيَةٌ﴾: يعني النخلَ القِصارَ المُلْتَزِقةَ بالأرضِ، والقِنْوانُ طَلْعُه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-3083>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأَخْرَجْنا أيضًا جناتٍ مِن أعنابٍ، يعني: بَساتينَ مِن أعنابٍ.\nواخْتَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَه عامةُ القرَأةِ: ﴿وَجَنَّاتٍ﴾.\nنصبًا، غيرَ أن التاءَ كُسِرَت لأنها تاءُ جمعِ المؤنثِ، وهي تُخْفَضُ في موضعِ النصبِ.\nوقد حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، عن الكِسائيِّ، قال: أَخْبَرنا حمزةُ، عن الأعمشِ أنه قرَأ: (وجَناتٌ مِن أعنابٍ) بالرفعِ (^٢).\nفرفَع (جناتٌ) على إتْباعِها القِنْوانَ في الإعرابِ وإن لم تَكُنْ مِن جنسِها، كما قال الشاعرُ (^٣):\nورأيْتِ زوجَكِ في الوَغَى … مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحَا\nوالقراءةُ التي لا أَسْتَجِيزُ أَن يُقْرَأَ ذلك إلا بها، النصبُ: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾. لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القَرَأةِ على تصويبها والقراءةِ بها، ورفضِهم ما\n_________\n(^١) أخرج شطره الأول أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٨ (٧٧٠٤) من طريق أبي معاذ به. وأخرج آخره في ٤/ ١٣٥٩ (٧٧٠٨) من طريق علي بن الحكم، عن الضحاك.\n(^٢) وقرأ بها أيضا محمد بن أبي ليلى والأعمش وأبو بكر في رواية عنه عن عاصم، وهي شاذة. البحر المحيط ٤/ ١٩٠.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١/ ١٤٠.","vol":"9","page":448},{"text":"عداها، وبُعْدِ معنى ذلك من الصوابِ إذا قُرِئ رفعًا (^١).\nوقولُه: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾. عطفٌ بالزيتونِ على الجناتِ، بمعنى: وأَخْرَجْنا الزيتونَ والرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وغيرَ مُتَشَابِهٍ.\nوكان قتادةُ يقولُ في معنى: ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ ما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾. قال (^٢): مُشْتَبِهًا وَرَقُه، مُخْتَلِفًا ثمرُه (^٣).\nوجائزٌ أن يَكونَ مُرادًا به: مُشْتَبِهًا في الخلْقِ، مُخْتَلِفًا في الطعمِ.\nومعنى الكلامِ: وشجرَ الزيتونِ والرُّمَّانِ. فاكْتُفِي مِن ذكرِ الشجرِ بذكرِ ثمرِه، كما قيل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. فاكْتُفِي بذكرِ القريةِ من ذكرِ أهلِها؛ لمعرفةِ المخاطَبِين بذلك بمعناه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3084>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾.</span>\nاخْتَلَفَت القَرْأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾. بفتحِ الثاءِ والميمِ (^٤).\nوقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ مكةَ وعامةُ قرأةِ الكوفيين: (إلى ثُمُرِه) بضمِّ الثاءِ والميمِ (^٥).\n_________\n(^١) قال أبو حيان في البحر المحيط ٤/ ١٩٠: ولا يجوز إنكار هذه القراءة ولها التوجيه الجيد في العربية. ثم ذكر توجيههم لقراءة الرفع. وينظر تفسير القرطبي ٧/ ٤٩، وينظر أيضا كلام المصنف على الآية ٢٢ من سورة الواقعة في موضعه من التفسير.\n(^٢) في ص: \"يقول\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٩ (٧٧١٣) من طريق خالد بن قيس، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٤) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم وابن عامر، السبعة لابن مجاهد ص ٢٦٤.\n(^٥) وهي قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.","vol":"9","page":449},{"text":"فكأن مَن فتَح الثاءَ والميمَ مِن ذلك وجَّه معنى الكلامِ: انْظُروا إلى ثَمَرِ (^١) هذه الأشجارِ التي سمَّيْنا من النخلِ والأعْنابِ والزيتونِ والرُّمَّان إذا أَثْمَر، وأن الثَّمَرَ (^٢) جمعُ ثَمَرةٍ، كما القَصَبُ جمعُ قَصَبةٍ، والخشَبُ جمُع خَشَبَةٍ.\nوكأن مَن ضمَّ الثاءَ والميمَ وجَّه ذلك إلى أنه جمعُ ثِمارٍ، كما [الحُمُرُ جمعُ حِمارٍ] (^٣)، والجُرُبُ جمعُ جِرابٍ.\nوقد حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حمادٍ، عن ابنِ إدريسَ، عن الأعمشِ، عن يحيى بنِ وَثَّابٍ أنه كان يَقْرَأُ: (إِلى ثُمُرِه).\nيقولُ: هو أصنافُ المالِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي حمادٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبَيدِ اللهِ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، عن مُجاهدٍ، قال: الثُّمُرُ هو المالُ، والثَّمَرُ ثَمَرُ النخلِ.\nوأولى القراءتين في ذلك عندي بالصوابِ (^٤) قراءةُ مَن قرَأ: (انْظُروا إلى ثُمُرِه). بضمِّ الثاءِ والميمِ؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه وصَف أصنافًا مِن المالِ، كما قال يحيى بنُ وَثَّابٍ، وكذلك حَبُّ الزَّرْعِ المُتَراكِبُ، وقِنْوانُ النخلِ الدانيةُ، والجناتُ مِن الأعْنابِ، والزيتونُ والرُّمَّانُ، فكان ذلك أنواعًا مِن الثَّمَرِ، فجُمِعَت الثَّمَرةُ ثَمَرًا، ثم جُمِعَ الثَّمَرُ ثِمارًا، ثم جُمِع ذلك فقيل: (انْظُروا إلى ثُمُرِه). فكان ذلك جمعَ الثِّمارِ، والثِّمارُ جمعُ الثَّمَرةِ، وإثْمارُه عقدُ الثَّمَرِ.\nوأما قولُه: ﴿وَيَنْعِهِ﴾. فإنه نُضْجُه وبلوغُه حينَ يَبْلُغُ.\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ (^٥) يقولُ في:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"ثمرة\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"الثمرة\".\n(^٣) في ف: \"الخمر جمع خمار\".\n(^٤) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٥) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٢٠٢.","vol":"9","page":450},{"text":"﴿يَنْعِهِ﴾. إذا فُتِحَت ياؤُه: هو جمعُ يانعٍ، كما التَّجْرُ جمعُ تاجرٍ، والصَّحْبُ جمعُ صاحبٍ.\nوكان بعضُ أهلِ الكوفةِ يُنْكِرُ ذلك، ويَرَى أنه مصدرٌ مِن قولِهم: يَنَع الثمرُ فهو يَيْنَعُ يَنْعًا. ويَحْكي في مصدرِه عن العربِ لغاتٍ ثلاثًا؛ يَنْعٌ، ويُنْعٌ، ويَنَعٌ (^١)، وكذلك في النَّضْجِ: النُّضْجُ والنَّضَجُ.\nوأما في قراءةِ مَن قرَأ ذلك: (ويانِعِه) (^٢). فإنه يعني به: وناضِجِه وبالغِه.\nوقد يَجوزُ في مصدرِه: يُنوعًا، ومسموعٌ من العربِ: أيْنَعَت الثمرةُ تُونِعُ إيناعًا. ومِن لغةِ الذين قالوا: يَنَع. قولُ الشاعرِ (^٣):\nفي قِبابٍ عندَ دَسْكرةٍ (^٤) … حولَها الزيتونُ قد يَنَعَا\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَنْعِهِ﴾. يعني: إذا نضِج (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن\n_________\n(^١) في م: \"ينوع\".\n(^٢) وهي قراءة ابن السَّميقع وابن أبى عبلة. تفسير القرطبي ٧/ ٥٠، والبحر المحيط ٤/ ١٩١. واختلف في قراءة ابن محيصن فقيل كما هنا، وقيل: بضم الياء وسكون النون. ينظر مختصر ابن خالويه ص ٤٥، وإتحاف فضلاء البشر ص ١٢٩، والقراءة شاذة.\n(^٣) اختلف في نسبة البيت فقيل: ليزيد بن معاوية، وقيل: لأبي دهبل. وقيل: للأحوص، وقيل غير ذلك. ينظر الكامل ١/ ٣٨٤، واللسان (د س ك ر، ي ن ع)، والخزانة ٧/ ٣١٢، وديوان الأحوص ص ٢٢٢ وحاشيته.\n(^٤) الدسكرة: بناء كالقصر، حوله بيوت للأعاجم، يكون فيها الشراب والملاهي. اللسان (د س ك ر).\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٠ عقب الأثر (٧٧١٥) معلقا.","vol":"9","page":451},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾. قال: يَنْعِه نُضْجِه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ أي: نُضْجِه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَيَنْعِهِ﴾. قال: نُضْجِه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَيَنْعِهِ﴾. يقولُ: ونُضجِه (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَيَنْعِهِ﴾. قال: يعني: نُضْجِه (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَيَنْعِهِ﴾. قال: نُضْجِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3085>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن في إنزالِ اللهِ تعالى مِن السماءِ الماءَ الذي أَخْرَج به نباتَ كلِّ شيءٍ، والخَضِر الذي أخْرَج منه الحبَّ المُتَراكِبَ، وسائرِ ما عَدَّد في هذه الآيةِ مِن صُنوفِ خَلْقِه، ﴿لَآيَاتٍ﴾. يقولُ: في ذلكم أيُّها الناسُ، إذا أنتم\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٠ عقب الأثر (٧٧١٥) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٠ عقب الأثر (٧٧١٥) معلقا.","vol":"9","page":452},{"text":"نظَرْتُم إلى ثمرِه عندَ عقدِ ثمرِه (^١)، وعندَ يَنْعِه وانتهائِه، فرأيْتُم اختلافَ أحوالِه، وتصرفَه في زيادتِه ونموِّه، علِمْتُم أن له مدبِّرًا ليس كمثلِه شيءٌ، ولا تَصْلُحُ العبادةُ إلا له، دونَ الآلهةِ والأندادِ، وكان فيه حُجَجٌ وبرهانٌ وبيانٌ، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\nيقولُ: لقومٍ يُصَدِّقون بوَحْدانيةِ اللهِ وقدرتِه على ما يَشاءُ.\nوخصَّ بذلك تعالى ذكرُه القومَ الذين يُؤْمِنون؛ لأنهم هم المنتفِعون بحُججِ اللهِ والمُعْتَبِرون بها، دونَ مَن قد طَبَع اللهُ على قلبِه، فلا يَعْرِفُ حقًّا مِن باطلٍ، ولا يَتَبَيَّنُ هُدًى مِن ضَلالةٍ.\n\n<span id=\"aya-889\"></span><span data-type='title' id=toc-3086>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.</span>\nيعني بذلك جلَّ ثناؤُه: وجعَل هؤلاء العادِلون بربِّهم الآلهةَ والأندادَ للهِ شركاءَ الجنَّ. كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨].\nوفي ﴿الْجِنَّ﴾ وجهان مِن النصبِ؛ أحدُهما: أن يكونَ تفسيرًا للشركاءِ (^٢).\nوالآخرُ: أن يكونَ معنى الكلامِ: وجعَلوا للهِ الجنَّ شركاءَ وهو خالقُهم.\nواخْتَلَفوا في قراءةِ قولِه: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾، فقرَأَته قرأَةُ الأمصارِ: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾.\nعلى معنى أن اللهَ خَلَقَهم مُنْفَرِدًا بخلقِه إياهم.\nوذُكِر عن يحيى بنِ يَعْمَرَ ما حدَّثني به أحمدُ بنُ يُوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن هارونَ، عن واصلٍ مولى أبى عُيَيْنةَ، عن يحيى بنِ عَقيلٍ، عن يحيى بنِ يَعْمَرَ أنه قال: (شُرَكَاءَ الجنَّ وخَلْقَهم). بجزمِ اللامِ (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"شجره\".\n(^٢) التفسير هنا هو البدل.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٧ إلى أبي الشيخ. وذكر هذه القراءة عنه ابن خالويه في مختصر الشواذ ص ٤٥، وهي كذلك في مصحف عبد الله. البحر المحيط ٤/ ١٩٤.","vol":"9","page":453},{"text":"بمعنى أنهم قالوا: إن الجنَّ شركاءُ للهِ في خلقِه إيانا.\nوأولى القراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ ذلك: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليها.\nوأما قولُه: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. فإنه يعني بقولِه: ﴿خَرَقُوا﴾: اخْتَلَقوا، يقالُ: اخْتَلَق فلانٌ على فلانٍ كذبًا واخْتَرَقه، إذا افْتَعَله وافْتَراه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾: واللهُ خَلَقَهم، ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ يعني: أَنهم تَخَرَّصوا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: جَعَلوا له بنينَ وبناتٍ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: كَذَبوا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٠ (٧٧١٦، ٧٧١٨) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) بعده في م، س: \"بغير علم\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٠ (٧٧١٩) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٢٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٠ (٧٧٢١) وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"9","page":454},{"text":"حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾: كَذَبوا، ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾: عما يَكْذِبون، أما العربُ فجعَلوا له البناتِ، ولهم ما يَشْتَهون مِن الغِلْمَانِ، وأما اليهودُ فجعَلوا بينَه وبينَ الجِنَّةِ نسبًا، ولقد علِمَت الجِنَّةُ إنهم لَمُحْضَرون (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: خرَصوا له بنينَ وبناتٍ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. يقولُ: قطَعوا له بنينَ وبناتٍ، قالت العربُ: الملائكةُ بناتُ اللهِ. وقالت اليهودُ والنصارى: المسيحُ وعُزَيْرٌ ابنا اللهِ (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: ﴿خَرَقُوا﴾: كذَبوا. لم يَكُنْ للهِ بنون ولا بناتٌ، قالت النصارى: المسيحُ ابْنُ اللهِ. وقال المشركون: الملائكةُ بناتُ اللهِ. فكلٌّ خرَقوا الكذبَ، ﴿وَخَرَقُوا﴾: اخْتَرَقوا (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ قولَه:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦١، ١٣٦٢ (٧٧٢٣، ٧٧٢٩) من طريق خالد بن قيس عن قتادة بلفظ آخر. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٠، ١٣٦١، (٧٧٢٠، ٧٧٢٤) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦١ (٧٧٢٥) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد.","vol":"9","page":455},{"text":"﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾. قال: قولُ الزَّنادقةِ. ﴿وَخَرَقُوا لَهُ﴾. قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿وَخَرَقُوا﴾: كذَبوا.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾. قال: وصَفوا له (^١).\nحدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، عن أبي عمرٍو (^٢): ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾. قال: تفسيرُها: وكذَبوا.\nفتأويلُ الكلامِ إذن: وجعَلوا للهِ الجنَّ شركاءَ في عبادتِهم إياه، وهو المنفردُ بخلقِهم بغيرِ شريكٍ ولا مُعينٍ ولا ظَهيرٍ، ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾. يقولُ:\nوتخَرَّصوا لله كذبًا، فافْتَعَلوا له بنين وبناتٍ، بغيرِ علمٍ منهم بحقيقةِ ما يقولون، ولكن جهلًا باللهِ وبعظمتِه، وأنه لا يَنْبَغِي لمَن كان إلهًا أن يكونَ له بنون وبناتٌ ولا صاحبةٌ، ولا أن يَشْرَكَه في خلقِه شَريكٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3087>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: تنَزَّه اللهُ وعلا، فارْتَفَع عن الذي يَصِفُه به هؤلاء الجَهَلَةُ مِن خلقِه، في ادِّعائِهم له شركاءَ مِن الجنِّ، واخْتراقِهم له بنينَ وبناتٍ، وذلك لا يَنْبَغي أن يَكونَ مِن صفتِه؛ لأن ذلك مِن صفةِ خلقِه الذين يَكونُ منهم الجِماعُ الذي يَحْدُثُ عنه الأولادُ، والذين تَضْطَرُّهم لضعفِهم الشهواتُ إلى اتخاذِ الصاحبةِ لقضاءِ اللذاتِ، وليس اللهُ تعالى ذكرُه بالعاجزِ، فيَضْطَرَّه شيءٌ إلى شيءٍ، ولا بالضعيفِ المحتاجِ فتَدْعُوَه حاجتُه إلى النساءِ إلى اتخاذِ صاحبةٍ لقضاءِ لذةٍ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦١ (٧٧٢٢) من طريق أبي أسامة به.\n(^٢) في م: \"عمر\".","vol":"9","page":456},{"text":"وقولُه: ﴿وَتَعَالَى﴾: تَفاعَل، من العلوِّ والارتفاعِ.\nورُوِي عن قتادةَ في تأويلِ قولِه: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أنه: يَكْذِبون.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾: عما يَكْذِبون (^١).\nوأَحْسَبُ أن قتادةَ عنى بتأويلِه ذلك كذلك أنهم يَكْذِبون في وصفِهم اللهَ بما كانوا يَصِفونه به (^٢)، مِن ادِّعائِهم له بنين وبناتٍ، لا أنه وجَّه تأويلَ الوصفِ إلى الكذبِ.\n\n<span id=\"aya-890\"></span><span data-type='title' id=toc-3088>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ الذي جعَل هؤلاء الكفَرةُ به له الجنَّ شركاءَ، وخرَقوا له بنين وبناتٍ بغيرِ علمٍ، ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يعني: مُبْتَدِعُها ومُحْدِثُها ومُوجِدُها بعدَ أن لم تكنْ.\nكما حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: هو الذي ابْتَدَع خلقَهما ﷻ، فخلَقَهما ولم تكونا شيئًا قبلَه.\n﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ والولدُ إنما يَكونُ (^٣) الذكرُ مِن الأُنثى، ولا يَنْبَغي أن يكونَ للهِ سبحانَه صاحبةٌ فيَكونَ له ولدٌ، وذلك أنه هو الذي\n_________\n(^١) جزء من الأثر المتقدم تخريجه في ص ٤٥٥.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) بعده في م: \"من\".","vol":"9","page":457},{"text":"خلَق كلَّ شيءٍ. يقولُ: فإذا كان لا شيءَ إلا اللهُ خلَقَه، فأنَّى يكونُ للهِ ولدٌ، ولم تكُنْ له صاحبةٌ فيَكونَ له منها ولدٌ؟\n\n<span data-type='title' id=toc-3089>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ خلَق كلَّ شيءٍ، ولا خالقَ سِواه، وكلُّ ما تدعُون أيُّها العادلون باللهِ الأوثانَ مِن دونِه، خلقُه وعَبيدُه، مَلَكًا كان الذي تدعُونه ربًّا وتَزْعُمون أنه له ولدٌ، أو جِنيًّا أو إنسيًّا، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: واللهُ الذي خلَق كلَّ شيءٍ، لا يَخْفَى عليه ما خلَق ولا شيءٌ منه، ولا يَعْزُبُ عنه مثقالُ ذرةٍ في الأرضِ ولا في السماءِ، عالمٌ بعددِكم وأعمالِكم، وأعمالِ مَن دَعَوْتُموه ربًّا أو للهِ ولدًا، وهو مُحْصِيها عليكم وعليهم، حتى يُجازِيَ كلًّا بعملِه.\n\n<span id=\"aya-891\"></span><span data-type='title' id=toc-3090>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه (^١): الذي خلَق كلَّ شيءٍ وهو بكلِّ شيءٍ عليمٌ، هو اللهُ ربُّكم أيها العادِلون باللهِ الآلهةَ والأوثانَ، والجاعِلون له الجنَّ شركاءَ، وآلهتِكم التي لا تَمْلِكُ نفعًا ولا ضَرًّا، ولا تَفْعَلُ خيرًا ولا شرًّا، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.\nوهذا تكذيبٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه الذين (^٢) زعَموا أن الجنَّ شركاءُ اللهِ، يقولُ جلَّ ثناؤُه لهم: أيُّها الجاهِلون، إنه لا شيءَ له الألوهيةُ والعبادةُ إلا الذي خلَق كلَّ شيءٍ وهو بكلِّ شيءٍ عليمٌ، فإنه لا يَنْبَغِي أن تَكونَ عبادتُكم وعبادةُ جميعِ مَن في السماواتِ والأرضِ إلا له، خالصةً بغيرِ (^٣) شريكٍ تُشْرِكونه فيها، فإنه خالقُ كلِّ\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، س: \"هو\".\n(^٢) في م: \"للذين\".\n(^٣) بعده في ف: \"شك ولا\".","vol":"9","page":458},{"text":"شيءٍ وبارئُه وصانعُه، وحقٌّ على المصنوعِ أن يُفْرِدَ صانعَه بالعبادةِ، ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾.\nيقولُ: فذِلُّوا له بالطاعةِ والعبادةِ والخدمةِ، واخْضَعوا له بذلك، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. يقولُ: واللهُ على كلِّ ما خلَق مِن شيءٍ رقيبٌ وحَفيظٌ، يقومُ بأرزاقِ جميعِه وأقْواتِه وسياستِه وتدبيرِه وتصريفِه بقدرتِه.\n\n<span id=\"aya-892\"></span><span data-type='title' id=toc-3091>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لا تُحيطُ به الأبصارُ وهو يُحيطُ بها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾. يقولُ: لا يُحِيطُ بصرُ أحدٍ بالمَلِكِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾: وهو أعظمُ مِن أن تُدْرِكَه الأبصارُ (^٢).\nحدَّثني سعدُ (^٣) بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عَرفَجةَ، عن عطيةَ العَوْفيِّ في قولِه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. قال: هم يَنْظُرون إلى اللهِ، لا تُحِيطُ أبصارُهم به مِن عظمتِه،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٧ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٣) في النسخ: \"يونس\". وتقدم على الصواب في ١/ ٣٦٠، وسيأتي على الصواب أيضا في تفسير الآيتين من سورة القيامة، فسيذكر المصنف الأثر مرة أخرى بنفس الإسناد.","vol":"9","page":459},{"text":"وبصرُه يُحِيطُ بهم، فذلك قولُه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ الآية.\nواعتلَّ قائلو هذه المقالةِ لقولِهم هذا بأن قالوا: إن اللهَ قال: ﴿[حَتَّى إِذَا] (^١) أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ﴾ [يونس: ٩٠]. قالوا: فوصَف اللهُ تعالى ذكرُه الغرقَ بأنه أدْرَك فرعونَ، ولا شكَّ أن الغرقَ غيرُ موصوفٍ بأنه رآه، ولا هو مما يَجوزُ وصفُه بأنه يَرَى شيئًا. قالوا: فمعنى قولِه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾. بمعنى (^٢): لا تراه، بعيدٌ (^٣)؛ لأن الشيءَ قد يُدْرِكُ الشيءَ ولا يَراه، كما قال جلَّ ثناؤُه مُخْبِرًا عن قِيلِ أصحابِ موسى ﷺ لموسى حينَ قرُب منهم أصحابُ فرعونَ: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]. لأن اللهَ قد كان وعَد نبيَّه موسى ﷺ أنهم لا يُدْرَكون؛ لقولِه: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧].\nقالوا: فإذ كان الشيءُ قد يَرَى الشيءَ ولا يُدْرِكُه، ويُدْرِكُه ولا يراه، فكان معلومًا بذلك أن قولَه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾. مِن معنى: لا تَراه الأبصارُ - بمَعْزِلٍ، وأن معنى ذلك: لا تُحيطُ به الأبصارُ؛ لأن الإحاطةَ به غيرُ جائزةٍ.\nقالوا: فالمؤمنون وأهلُ الجنةِ يَرَوْن ربَّهم بأبصارِهم، ولا تُدْرِكُه أَبْصارُهم، بمعنى: أنها لا تُحِيطُ به، إذ كان غيرُ جائزٍ أن يُوصَفَ اللهُ بأن شيئًا يُحِيطُ به.\nقالوا: ونظيرُ جَوازِ وصفِه بأنه يُرَى ولا يُدْرَكُ، جوازُ وصفِه بأنه يُعْلَمُ ولا يُحاطُ به، وكما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. قالوا: فنفَى جلَّ ثناؤُه عن خلقِه أن يكونوا يُحِيطون بشيءٍ من علمِه إلا بما\n_________\n(^١) في النسخ: \"فلما\". والمثبت نص التلاوة.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف \"معنى\".\n(^٣) في م: \"بعيدا\".","vol":"9","page":460},{"text":"شاء. قالوا: ومعنى العلمِ في هذا الموضعِ: المعلومُ. قالوا: فلم يَكُنْ في نفيِه عن خلقِه أن يُحِيطوا بشيءٍ من علمِه إلا بما شاء، نفيٌ عن أن يَعْلَموه. قالوا: فإذ لم يَكُنْ في نفيِ الإحاطةِ بالشيءِ علمًا نفيٌ للعلمِ به، كان كذلك، لم يَكُنْ في نفيِ إدراكِ اللهِ عن البصرِ نفيُ رؤيتِه له. قالوا: وكما جاز أن يَعْلَمَ الخلقُ أشياءَ ولا يُحيطُون بها علمًا، كذلك جائزٌ أن يَرَوْا رَبَّهم بأبصارِهم ولا يُدْرِكوه بأبصارِهم، إذ كان معنى الرؤيةِ غيرَ معنى الإدراكِ، ومعنى الإدراكِ غير معنى الرؤيةِ، وأن معنى الإدراكِ إنما هو معنى الإحاطةِ، كما قال ابنُ عباسٍ في الخبرِ الذي ذكَرْناه قبلُ.\nقالوا: فإن قال لنا قائلٌ: وما أَنْكَرْتُم أن يكونَ معنى قولِه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: لا تراه الأبصارُ؟ قلنا له: أنْكَرْنا ذلك لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَر في كتابِه أن وجوهًا - في القيامةِ - إليه ناظرةٌ، وأن رسولَ اللهِ ﷺ أخْبَر أمتَه أنهم سيَرَوْن ربَّهم يومَ القيامةِ كما يُرَى القمرُ ليلةَ البدرِ، وكما تَرَوْن الشمسَ ليس دونَها سَحابٌ (^١).\nقالوا: فإذ كان اللهُ قد أخْبَر في كتابِه بما أخْبَر، وحقَّقَتْ أخبارُ رسولِ اللهِ ﷺ بما ذكَرْنا عنه مِن قيلِه ﷺ، أن تأويلَ قولِه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أنه نَظَرُ أبصارِ العيونِ للهِ ﷻ (^٢) وكان كتابُ اللهِ يُصَدِّقُ بعضُه بعضًا، وكان مع ذلك غيرُ جائزٍ أن يكونَ أحدُ هذين الخبرين ناسخًا للآخرِ، إذ كان غيرَ جائزٍ في الأخبارِ؛ لما قد بيَّنَّا في كتابِنا: \"كتابِ لطيفِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ\" وغيرِه - عُلِم أن معنى قولِه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾. غيرُ معنى قولِه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"سحابة\".\nوالحديث أخرجه البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢) من حديث أبى هريرة، والبخارى (٤٥٨١)، ومسلم (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(^٢) سيأتي تخريجه في تفسير الآيتين من سورة القيامة.","vol":"9","page":461},{"text":"نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. فإن أهلَ الجنةِ يَنْظُرون بأبصارِهم يومَ القيامةِ إلى اللهِ، ولا يُدْرِكونه بها، تَصْديقًا للهِ في كلا الخبرين، وتسليمًا لما جاء به تنزيلُه، على ما جاء به في السُّورَتَين.\nوقال آخرون: معنى ذلك: لا تراه الأبصارُ وهو يَرَى الأبصارَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: لا يراه شيءٌ، وهو يرى الخَلائقَ (^١).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: مَن حدَّثك أن رسولَ اللهِ ﷺ رأى ربَّه فقد كذَب: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]. ولكن قد رأَى جبريلَ في صورتِه مرتين (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، قال: قلتُ لعائشةَ: يا أمَّ المؤمنين، هل رأى محمدٌ رَبَّه؟ فقالت: سبحانَ اللهِ! لقد قَفَّ (^٣) شَعري مما قلتَ. ثم قرأَت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى وابنُ عُلَيَّةً، عن داودَ، عن الشعبيِّ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٤ (٧٧٤٢) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٨/ ٥٧٢.\n(^٣) قف الشعَرُ: إذا قام من الفزع. ينظر النهاية ٤/ ٩١.","vol":"9","page":462},{"text":"مسروقٍ، عن عائشةَ بنحوِه (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: قالت عائشةُ: مَن قال: إن أحدًا رأى ربَّه. فقد أعْظَم الفِرْيَةَ على اللهِ، قال اللهُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (^١).\nفقال قائلو هذه المقالةِ: معنى الإدراكِ في هذا الموضعِ: الرؤيةُ. وأنكروا أن يَكونَ اللهُ يُرَى بالأبصارِ في الدنيا والآخرةِ. وتأوَّلوا قولَه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. بمعنى انْتظارِها رحمةَ اللهِ وثوابَه.\nوتأَوَّل بعضُهم في الأخبارِ التي رُوِيت عن رسولِ اللهِ ﷺ بتصحيحِ القولِ برؤيةِ أهلِ الجنةِ ربَّهم يومَ القيامةِ تأويلاتٍ. وأنكَر بعضُهم مجيئَها، ودافَعوا أن يَكونَ ذلك مِن قولِ رسولِ اللهِ ﷺ، وردُّوا القولَ فيه إلى عقولِهم، فزعَموا أن عقولَهم تُحِيلُ جوازَ الرؤيةِ على اللهِ ﷿ بالأبصارِ، وأتَوْا في ذلك بضروبٍ مِن التَّمْويهاتِ، وأكْثَروا القولَ فيه مِن جهةِ الاسْتِخْراجاتِ. وكان من أجلِّ ما زعَموا أنهم علِموا به صحةَ قولِهم ذلك مِن الدليلِ، أنهم لم يَجِدوا أبصارَهم تَرَى شيئًا إلا ما بايَنها دونَ ما لاصَقَها، فإنها لا تَرَى ما لاصَقَها. قالوا: فما كان للأبصارِ مُبايِنًا مما عايَنَتْه، فإن بينَه وبينَها فَضاءً وفُرْجةً. قالوا: فإن كانت الأبصارُ تَرَى ربَّها يومَ القيامةِ على نحوِ ما تَرَى الأشخاصَ اليومَ، فقد وجَب أن يَكونَ الصانعُ محدودًا. قالوا: ومَن وصَفَه بذلك فقد وصَفَه بصفاتِ الأجسامِ التي يَجوزُ عليها الزيادةُ والنقصانُ.\nقالوا: وأُخرى، أن مِن شأنِ الأبصارِ أن تُدْرِكَ الألوانَ، كما مِن شأنِ الأسماعِ\n_________\n(^١) جزء من الأثر المتقدم تخريجه في ٨/ ٥٧٢.","vol":"9","page":463},{"text":"أن تُدْرِكَ الأصواتَ، ومن شأنِ المتنسِّمِ (^١) أن يُدْرِكَ الأعْرافَ (^٢). قالوا: فمِن الوجهِ الذي فسَد أن يَكونَ جائزًا أن يُقْضَى للسمعِ بغيرِ إدراكِ الأصواتِ، وللمتنسِّمِ (^٣) إلا بإدراكِ الأعرافِ، فسَد أن يَكونَ جائزًا [القضاءُ للبصرِ] (^٤) إلا بإدراكِ الألوانِ. قالوا: ولما كان غيرُ جائزٍ أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه موصوفًا بأنه ذو لونٍ، صحَّ أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ موصوفًا بأنه مرئيٌّ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: لا تُدْرِكُه أبصارُ الخَلائقِ في الدنيا، وأما في الآخرةِ فإنها تُدْرِكُه. وقال أهلُ هذه المقالةِ: الإدراكُ في هذا الموضعِ الرؤيةُ.\nواعتَلَّ أهلُ هذه المقالةِ لقولِهم هذا بأن قالوا: الإدراكُ وإن كان قد يَكونُ في بعضِ الأحوالِ بغيرِ معنى الرؤيةِ، فإن الرؤيةَ مِن أحدِ معانيه، وذلك أنه غيرُ جائزٍ أن يَلْحَق بصرُه شيئًا فيراه، وهو لِمَا أبْصَره وعايَنَه غيرُ مُدْرِكٍ، وإن لم يُحِطْ بأجزائِه كلِّها رؤيةً. قالوا: فرؤيةُ ما عايَنه الرائي إدراكٌ له دونَ ما لم يَرَه. قالوا: وقد أخْبَر اللهُ أن وُجوهًا يومَ القيامةِ إليه ناظرةٌ، قالوا: فمحالٌ أن تَكونَ إليه ناظرةً وهي له غيرُ مُدْرِكةٍ رؤيةً. قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، وكان غيرُ جائزٍ أَن يَكونَ في أخبارِ اللهِ تضادٌّ وتعارُضٌ، وجَب وصحَّ أن قولَه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾. على الخصوصِ لا على العمومِ، وأن معناه: لا تُدْرِكُه الأبصارُ في الدنيا، وهو يُدْرِكُ الأبصارَ في الدنيا والآخرةِ. إذ كان اللهُ قد اسْتَثْنَى ما اسْتَثْنَى منه بقولِه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.\nوقال آخَرون من أهلِ هذه المقالةِ: الآيةُ على الخصوصِ، إلا أنه جائزٌ أن يَكونَ\n_________\n(^١) في م: \"المتنشم\". وتنسَّم النسيم: تشممه. اللسان (ن س م).\n(^٢) الأعراف، جمع عَرْف: الريح، طيبة كانت أو خبيثة. اللسان (ع ر ف).\n(^٣) في م: \"للمتنشم\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"انقضاء البصر\".","vol":"9","page":464},{"text":"معنى الآيةِ: لا تُدْرِكُه أبصارُ الظالمين في الدنيا والآخرة، وتُدْرِكُه أَبصارُ المؤمنين وأولياءِ اللهِ. قالوا: وجائزٌ أن يكونَ معناها: لا تُدْرِكُه الأبصارُ بالنهايةِ والإحاطةِ، وأما بالرؤيةِ فبَلَى. قالوا: وجائزٌ أن يكونَ معناها: لا تُدْرِكُه الأبصارُ في الدنيا، وتُدْرِكُه في الآخرةِ. وجائزٌ أن يَكونَ معناها: لا تُدْرِكُه أَبصارُ مَن يَراه، بالمعنى الذي يُدْرِكُ به القديمُ أبصارَ خلقِه، فيكونَ الذي نفَى عن خلقِه من إدراكِ أبصارِهم إياه. . الذي أثْبَته لنفسِه، إذ كانت أبصارُهم ضعيفةً، لا تَنْفُذُ إلا فيما قوَّاها جلَّ ثناؤُه على النفوذِ فيه، وكانت كلُّها مُتَجَلِّيةً لبصرِه، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ. قالوا: ولا شكَّ في خصوصِ قولِه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾. وأن أولياءَ اللهِ سَيَرَوْنه يومَ القيامةِ بأبصارِهم، غيرَ أنَّا لا نَدْرِى أيَّ معاني الخصوصِ الأربعةِ أُرِيد بالآيةِ. واعتلُّوا بتصحيحِ القولُ بأن اللهَ يُرَى في الآخرةِ بنحوِ عِللِ الذين ذكَرْنا قبلُ.\nوقال آخرون: الآيةُ على العمومِ، ولن يُدْرِكَ اللهَ بصرُ أحدٍ في الدنيا والآخرةِ، ولكنَّ اللهَ يُحْدِثُ لأوليائِه يومَ القيامةِ حاسّةً سادسةً سوى حواسِّهم الخمسِ، فيَرَوْنه بها.\nواعتَلُّوا لقولِهم هذا بأن اللهَ تعالى ذكرُه نفَى عن الأبصارِ أن تُدْرِكَه، مِن غيرِ أن يَدُلَّ فيها أو بآيةٍ غيرها على خصوصِها. قالوا: وكذلك أخْبَر في آيةٍ أُخرى أن وجوهًا إليه يومَ القيامةِ ناظرةٌ. قالوا: فأَخْبارُ اللهِ لا تتنافى (^١) ولا تَتَعارَضُ، وكلا الخبرَيْن صحيحٌ معناه، على ما جاء به التنزيلُ.\nواعْتَلُّوا أيضًا من جهةِ العقلِ بأن قالوا: إن كان جائزًا أن نراه في الآخرةِ بأبصارِنا هذه وإن زِيد في قِواها، وجَب أن نَراه في الدنيا وإن ضعُفَت؛ لأن كلَّ حاسةٍ خُلِقَت لإدراك معنًى مِن المعاني، فهي وإن ضعُفَت كلَّ الضعفِ فقد تُدْرِكُ مع\n_________\n(^١) في م: \"تتباين\".","vol":"9","page":465},{"text":"ضعفِها ما خُلِقَت لإدراكِه، وإن ضعُف إدراكُها إياه، ما لم تُعْدَمْ. قالوا: فلو كان في البصرِ أن يُدْرِكَ صانعَه في حالٍ مِن الأحوالِ، أو وقتٍ مِن الأوقاتِ ويَرَاه، وجَب أن يكونَ يُدْرِكُه في الدنيا ويَراه فيها، وإن ضعُف إدراكُه إياه. قالوا: فلما كان ذلك غيرَ موجودٍ مِن أبصارِنا في الدنيا، كان غيرُ جائزٍ أن تكونَ في الآخرةِ إلا بهيئتِها في الدنيا، في أنها لا تُدْرِكُ إلا ما كان مِن شأنِها إدراكُه في الدنيا. قالوا: فلما كان ذلك كذلك، وكان اللهُ تعالى ذكرُه قد أخْبَر أن وجوهًا في الآخرةِ تَراه، عُلِم أنها تَراه بغيرِ حاسَّةِ البصرِ، إذ كان غيرُ جائزٍ أن يَكونَ خبرُه إلا حقًّا.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا ما تَظاهَرَت به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"إنكم ستَرَوْن ربَّكم يومَ القيامةِ كما تَرَوْن القمرَ ليلةَ البدرِ، وكما تَرَوْن الشمسَ ليس دونَها سَحابٌ\" (^١). فالمؤمنون يَرَوْنه، والكافرون عنه يومَئذٍ مَحْجُوبون، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].\nفأما ما اعتلَّ به منكرُو رؤيةِ اللهِ يومَ القيامةِ بالأبصارِ، لمَّا كانت لا تَرَى إلا ما بايَنها وكان بينَها وبينَه فضاءٌ وفرجةٌ، وكان ذلك عندَهم غيرَ جائزٍ أن تكونَ رؤيةُ اللهِ بالأبصارِ كذلك؛ لأن في ذلك إثباتَ حدٍّ له ونهايةٍ، فبطَل عندَهم لذلك جوازُ الرؤيةِ عليه، فإنَّه (^٢) يقالُ لهم: هل علِمْتُم موصوفًا بالتدبيرِ، سوى صانعِكم، إلا مماسًّا لكم أو مُبايِنًا؟\nفإن زعَموا أنهم يَعْلَمون ذلك، كُلِّفوا تبيينَه، ولا سبيلَ إلى ذلك.\nوإن قالوا: لا نَعْلَمُ ذلك.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤٦١.\n(^٢) في النسخ: \"وإنه\". والسياق يقتضي ما أثبتنا.","vol":"9","page":466},{"text":"قيل لهم: أوَ ليس قد علِمْتُموه لا مماسًّا لكم ولا مُبايِنًا، وهو موصوفٌ بالتدبيرِ والفعلِ، ولم يَجِبْ عندَكم - إذ كنتم لم تَعْلَموا موصوفًا بالتدبيرِ والفعلِ غيرَه، إلا مماسًّا لكم أو مُبايِنًا - أن يكونَ مستحيلًا العلمُ به، وهو موصوفٌ بالتدبيرِ والفعلِ، لا مماسٌّ ولا مُباينٌ؟\nفإن قالوا: ذلك كذلك.\nقيل لهم: فما تُنْكِرون أن تَكونَ الأبصارُ كذلك، لا تَرَى إلا ما بايَنها وكانت بينَه وبينَها فرجةٌ، قد تَراه وهو غيرُ مُباينٍ لها ولا فرجةَ بينَها وبينَه ولا فضاءَ، كما لا تَعْلَمُ القلوبُ موصوفًا بالتدبيرِ إلا مماسًّا لها أو مباينًا، وقد علِمَتْه عندَكم لا كذلك؟ وهل بينَكم وبينَ مَن أنْكَر أن يَكونَ موصوفًا بالتدبيرِ والفعلِ معلومًا، إلَّا (^١) مماسًّا للعالِمِ (^٢) به أو مُباينًا، وأجاز أن يكونَ موصوفٌ (^٣) برؤيةِ الأبصارِ لا مماسًّا لها ولا مُباينًا - فرقٌ؟\nثم يُسْأَلُون الفرقَ بينَ ذلك، فلن يقولوا في شيءٍ مِن ذلك قولًا إلا أُلْزِموا في الآخرِ مثلَه.\nوكذلك يُسْأَلُون فيما اعْتَلُّوا به في ذلك من (^٤) أن مِن شأنِ الأبصارِ إدراكَ الألوانِ، كما أن مِن شأنِ الأسماعِ إدراكَ الأصواتِ، ومن شأنِ المُتَنَسِّمِ دَرَكَ الأعرافِ، فمِن الوجهِ الذي فسَد أن يُقْضَى السمعُ لغيرِ دَرَكِ الأصواتِ، فسَد أن تُقْضَى الأَبصارُ لغيرِ دَرَكِ الأَلْوَانِ.\n_________\n(^١) في م: \"لا\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"للعلم\".\n(^٣) في م: \"موصوفا\".\n(^٤) سقط من: م.","vol":"9","page":467},{"text":"فيقالُ لهم: ألستم لم تَعْلَموا فيما شاهدْتُم وعايَنْتُم موصوفًا بالتدبيرِ والفعلِ إلا ذا لونٍ، وقد علِمْتُموه موصوفًا بالتدبيرِ لا ذا لونٍ؟ فإن قالوا: نعم. لا يَجِدون مِن الإقرارِ بذلك بُدًّا، إلا أن يَكْذِبوا فيَزْعُموا أنهم قد رأَوْا وعايَنوا موصوفًا بالتدبيرِ والفعلِ غيرَ ذي لونٍ، فيُكَلَّفوا بيانَ ذلك، ولا سبيلَ إليه.\nفيُقالُ لهم: فإذ كان ذلك كذلك، فما أنْكَرْتُم أَن تَكونَ الأبصارُ فيما شاهَدْتُم وعايَنْتُم لم تَجِدوها تُدْرِكُ إلا الألوانَ، كما لم تَجِدوا أنفسَكم تَعْلَمُ موصوفًا بالتدبيرِ إلا ذا لونٍ، وقد وجَدْتُموها علِمَتْه موصوفًا بالتدبيرِ غيرَ ذي لونٍ. ثم يُسْأَلُون الفرقَ بينَ ذلك، فلن يقولوا في أحدِهما شيئًا إلا أُلْزِموا في الآخرِ مثلَه.\nولأهلِ هذه المقالةِ مسائلُ فيها تَلْبيسٌ، كرِهْنا ذكرَها وإطالةَ الكتابِ بها وبالجوابِ عنها، إذ لم يَكُنْ قَصْدُنا في كتابِنا هذا قصدَ الكشفِ عن تَمْويهاتِهم، بل قصْدُنا فيه البيانُ عن تأويلِ آيِ الفُرْقانِ، ولكنا ذكَرْنا القدرَ الذي ذكَرْنا؛ ليَعْلَمَ الناظرُ في كتابِنا هذا أنهم لا يَرْجِعون من قولِهم إلا إلى ما لبَس عليهم الشيطانُ، مما يَسْهُلُ على أهلِ الحقِّ البيانُ عن فسادِه، وأنهم لا يَرْجِعون في قولِهم إلى آيةٍ مِن التنزيلِ مُحْكَمةٍ، ولا روايةٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ صحيحةٍ ولا سَقيمةٍ، فهم في الظُّلماتِ يَخْبِطون، وفي العَمْياءِ يَتَردَّدون، نَعوذُ باللهِ من الحَيْرةِ والضَّلالةِ.\nوأما قولُه: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. فإنه يقولُ: واللهُ تعالى ذكرُه المتيسِّرُ (^١) له من إدراكِ الأبصارِ، والمتأتِّي له مِن الإحاطةِ بها رؤيةُ ما يَعْسُرُ على الأبصارِ؛ مِن إدراكِها إياه، وإحاطتِها به، ويَتَعَذَّرُ عليها، ﴿الْخَبِيرُ﴾. يقولُ: العليمُ بخلقِه وأبصارِهم، والسببِ الذي له تعَذَّر عليها إدراكُه، فلطَف بقدرتِه، فهيَّأ\n_________\n(^١) في م، ف: \"الميسر\".","vol":"9","page":468},{"text":"أبصارَ خلقِه هيئةً لا تُدْرِكُه، وخبَر بعلمِه كيف تدبيرُها وشئونُها، وما هو أصلحُ بخلقِه.\nكالذي حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿[اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ] (^١)﴾. قال: اللطيفُ (^٢) باستخراجِها، الخبيرُ (^٣) بمكانِها (^٤).\n\n<span id=\"aya-893\"></span><span data-type='title' id=toc-3092>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾.</span>\nوهذا أمرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه نبيَّه محمدًا ﷺ أن يقولَ لهؤلاء الذين نبَّههم بهذه (^٥) الآياتِ من قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ إلى قولِه: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. على حججِه عليهم، وعلى سائرِ (^٦) خلقِه معهم، العادِلين به الأوثانَ والأندادَ، والمكذِّبين باللهِ ورسولِه محمدٍ ﷺ، وما جاءَهم مِن عندِ اللهِ، قلْ لهم يا محمدُ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ أيُّها العادِلون باللهِ، والمكذِّبون رسولَه، ﴿بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. أي: ما تُبْصِرون به الهدى من الضلالِ، والإيمانَ مِن الكفرِ. وهي جمعُ بَصيرةٍ، ومنه قولُ الشاعرِ (^٧):\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف، وتفسير ابن أبي حاتم: \"لطيف خبير\". وهو نص آية سورة الحج ٦٠، وآية سورة لقمان ١٦.\n(^٢) في ص، ت ١، س، وتفسير ابن أبي حاتم: \"لطيف\".\n(^٣) في ص، ت ١، س، وتفسير ابن أبي حاتم: \"خبير\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٤ (٧٧٤٤،٧٧٤٣) من طريق وكيع به.\n(^٥) في النسخ: \"لهذه\". والمثبت صواب السياق.\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"تبيين\".\n(^٧) هو الأسعر الجعفي، والبيت في الأصمعيات ص ١٤١، والوحشيات ص ٤٤، وتهذيب اللغة ٢/ ١٩٥، ١٢/ ١٧٦.","vol":"9","page":469},{"text":"حمَلوا (^١) بصائرَهم (^٢) على أكْتافِهم … وبَصِيرتي يَعْدُو بها عَتدٌ (^٣) وَأَي (^٤) يعني بالبصيرةِ الحجةَ البينةَ الظاهرةَ.\nكما حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: البصائرُ الهدى، بصائرُ في قلوبِهم لدينِهم.\nوليست ببصائرِ الرءوسِ. وقرَأ: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. قال: إنما الدَّيِّنُ (^٥) بصرُه وسمعُه في هذا القلبِ (^٦).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. أي: بينةٌ (^٧).\nوقولُه: ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾. يقولُ: فمَن تبَيَّن حججَ اللهِ وعرَفها، وأقرَّ بها، وآمَن بما دلَّته عليه من توحيدِ اللهِ وتصديقِ رسولِه وما جاء به، فإنما أصاب حظَّ نفسِه، ولنفسِه عمِل، وإياها بغَى الخيرَ، ﴿وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾. يقولُ: ومَن لم يَسْتَدِلَّ بها، ولم يُصَدِّقْ بما دلَّتْه عليه مِن الإيمانِ باللهِ ورسولِه وتنزيلِه، ولكنه عمِي عن دلالتِها التي تدُلُّ عليها، يقولُ: فنفسَه ضرَّ، وإليها أساء لا إلى غيرِها.\nوأما قولُه: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾. يقولُ: وما أنا عليكم\n_________\n(^١) في مصادر التخريج: \"راحوا\".\n(^٢) البصائر هنا: الدم، وقيل: الديات، وقيل: التُّرس. تهذيب اللغة ١٢/ ١٧٦.\n(^٣) عتد، بفتح التاء وكسرها: الفرس المعد للركوب، أو هو الشديد التام الخلق المعد للجري. تهذيب اللغة ٢/ ١٩٥.\n(^٤) الوأَى: الفرس السريع المقتدر الخلق. تهذيب اللغة ١٥/ ٦٥٢.\n(^٥) في م: \"الذي\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٤ (٧٧٤٥) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٤ (٧٧٤٦) من طريق يزيد به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"9","page":470},{"text":"برقيبٍ أُحْصِي عليكم أعمالَكم وأفعالَكم، وإنما أنا رسولٌ أُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ به إليكم، واللهُ الحفيظُ عليكم الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن أعمالِكم.\n\n<span id=\"aya-894\"></span><span data-type='title' id=toc-3093>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ (^١) وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: كما صرَّفْتُ لكم أيُّها الناسُ الآياتِ والحججَ في هذه السورةِ وبيَّنْتُها، فعرَّفْتُكموها في توحيدي وتصديقِ رسولي وكتابي، ووقَّفتُكم (^٢) عليها، فكذلك أُبَيِّنُ لكم آياتي وحُججي في كلِّ ما جَهِلْتُموه فلم تَعْرِفوه مِن أمري ونهيِي.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾: لهؤلاء العادلين بربِّهم، كما صرَّفْتُها في هذه السورةِ، ولئلا يقولوا: درَسْتَ.\nواخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾. بمعنى (^٣): قرأْتَ أنت يا محمدُ. بغيرِ ألفٍ (^٤).\nوقرَأ ذلك جماعةٌ مِن المتقدِّمين؛ منهم ابنُ عباسٍ على اختلافٍ عنه فيه، وغيرُه وجماعةٌ من التابِعين، وهو قراءةُ بعضِ قرأةِ أهلِ البصرةِ: (وليقولوا دارَسْتَ).\nبألفٍ (^٥)، بمعنى: قارَأْتَ وتَعَلَّمْتَ مِن أهلِ الكتابِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"دارست\". وهي قراءة سيذكرها المصنف.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"وصيتكم\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"يعني\".\n(^٤) هي قراءة نافع وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٢٦٤.\n(^٥) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. المصدر السابق.","vol":"9","page":471},{"text":"ورُوِي عن قتادةَ أنه كان يَقْرَؤُه: (دُرِسَتْ) (^١). بمعنى: قُرِئَت وتُلِيَت.\nوعن الحسنِ أنه كان يَقْرَؤُه: (دَرَسَتْ). بمعنى: انْمَحَت (^٢).\nوأولى القراءاتِ في ذلك عندي بالصوابِ قراءةُ من قرَأه: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ (^٣). بتأويلِ: قرأْتَ وتعلَّمْتَ؛ لأن المشركين كذلك كانوا يَقولون للنبيِّ ﷺ، وقد أخبَر اللهُ عن قيلِهم ذلك بقولِه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. فهذا خبرٌ مِن اللهِ يُنْبِئُ عنهم أنهم كانوا يقولون: إنما يَتَعَلَّمُ محمدٌ ما يَأْتِيكم به مِن غيرِه. فإذ كان ذلك كذلك، فقراءةُ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ يا محمدُ، بمعنى: تعَلَّمْتَ مِن أهلِ الكتابِ. أشبهُ بالحقِّ، وأولى بالصوابِ مِن قراءةِ مَن قرَأَه: (دارسْتَ). بمعنى: قارَأَتَهم وخاصَمْتَهم. وغيرِ ذلك مِن القراءاتِ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، على قدرِ اختلافِ القرأةِ في قراءتِه.\nذكرُ مَن قرَأ ذلك: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾.\nمن المتقدِّمين، وتأوَّله بمعنى: تعلَّمْتَ وقَرَأْتَ حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، قال: ثني عليُّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾. قالوا: قرأْتَ وتعلَّمْتَ. تقولُ ذلك قريشٌ (^٤).\n_________\n(^١) قراءة شاذة، وهي أيضا قراءة زيد بن علي، وابن عباسٍ على اختلاف عنه فيه، ورويت عن الحسن. المحتسب ١/ ٢٢٥، ومختصر الشواذ لابن خالويه ص ٤٥، والبحر المحيط ٤/ ١٩٧.\n(^٢) تفسير القرطبي ٧/ ٥٨، وهي قراءة ابن عامر من السبعة، ويعقوب من العشرة. النشر ٢/ ١٩٦. ولكن ذكر في إتحاف فضلاء البشر ص ١٢٩ أن قراءة الحسن بضم الراء: درُست.\n(^٣) القراءات: (دَرَسْتَ) و(دَارَسْتَ) و(دَرَسَتْ) كلهن صواب.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٥ (٧٧٤٨) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٨ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"9","page":472},{"text":"حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾. قال (^١): قرأْتَ وتعلَّمْتَ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ وافَقَه، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾.\nقال: قرأْتَ وتعلَّمْتَ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾. يقولُ: قرأْتَ الكتبَ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثني عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿دَرَسْتَ﴾. يقولُ: تَعَلَّمْتَ وقرأْتَ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ عَطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: أرأيتَ قولَه: ﴿دَرَسْتَ﴾؟ قال: قرأْتَ وتعلَّمْتَ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عَنْبسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.\nذكرُ مَن قرَأ ذلك: (دارَسْتَ). وتأوَّله بمعنى: جادَلْتَ. من المتقدِّمين حدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، عن حميدٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: (دارسْتَ). يقولُ: قارَأْتَ.\n_________\n(^١) في س: \"قالوا\".\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٠٩ - وأخرجه من طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٥ (٧٧٤٩) - عن أبي إسحاق به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٠٣ - تفسير) عن سفيان عن رجل عن أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٧ إلى الفريابي وعبد بن حميد وأبي الشيخ وابن مردويه.","vol":"9","page":473},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه كان يَقْرَؤُها: (ولِيَقُولوا دارَسْتَ). أَحْسَبُه قال: قارَأْتَ أَهلَ الكتابِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابنِ عباسٍ: (ولِيَقولوا دارَسْتَ). قال: قارَأْتَ وتعلَّمْتَ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعْتُ التَّميميِّ يقولُ: سأَلْتُ ابنَ عباسٍ عن قولِه: (ولِيَقولوا دارَسْتَ).\nقال: قارَأْتَ وتعلَّمْتَ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكِيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أبي المُعَلَّى، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: كان ابنُ عباسٍ يَقْرَؤُها: (دارَسْتَ) (^٤).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا آدمُ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو المُعَلَّى، قال: سمِعْتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ: كان ابنُ عباسٍ يَقْرَأُ: (دارسَتْ). بالألفِ، بجزمِ السينِ ونصبِ التاءِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرنا ابنُ عُيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: أخْبَرني عمرُو بنُ كَيْسانَ، أن ابنَ عباسٍ كان يَقْرَأُ:\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٨٨٩ - تفسير) من طريق أيوب به، بلفظ: قارأت. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والضياء في المختارة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٥ (٧٧٤٩) من طريق عبد الرحمن به، وفيه: درست. وهو في تفسير سفيان ص ١٠٩ باللفظ المتقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٠٢ - تفسير) من طريق شعبة به بلفظ: قرأت وتعلمت.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٥٢٨ عن ابن علية به.","vol":"9","page":474},{"text":"(دارَسْتَ): تلَوْتَ، خاصَمْتَ، جادَلْتَ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عمرِو بن كَيْسانَ، قال ابنُ عباسٍ في: (دارَسْتَ)، قال: تلَوْتَ، خاصَمْتَ، جادَلْتَ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في هذه الآيةِ: (ولِيَقولوا دارَسْتَ). قال: قارَأْتَ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه قرَأ: (دارَسْتَ). بالألفِ أيضًا مُنْتَصِبةَ التاءِ، وقال: قارأْتَ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه قرَأ: (دَارسْتَ). أي: ناسَخْتَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: (دارَسْتَ). قال: فاقَهْتَ؛ قرَأْتَ على يهودَ، وقرَءوا عليك (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: (ولِيَقولوا دارَسْتَ). قال: قارَأْتَ؛ قرَأْتَ على يهودَ، وقرَءوا عليك.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٥ (٧٧٥١) عن الحسن بن يحيى به، وأخرجه سعيد بن منصور (٩٠٠ - تفسير)، والطبراني (١١٢٨٣) من طريق ابن عيينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وأبي الشيخ.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٠٥ - تفسير) عن هشيم عن أبي بشر به بلفظ: قرأت وتعلمت.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٢٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٥ (٧٧٥٢). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٨ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبي الشيخ وابن المنذر.","vol":"9","page":475},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: (دارَسْتَ): يعني أهلَ الكتابِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: (دارَسْتَ). قال: قرَأْتَ على يهودَ، وقرَءوا عليك (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: (ولِيَقولوا دارَسْتَ). قال: قالوا: دارَسْتَ أَهلَ الكتابِ، وقرَأْتَ الكتبَ وتعَلَّمْتَها.\n\n<span data-type='title' id=toc-3094>ذكرُ مَن قرَأ ذلك: (دُرِسَتْ). بمعنى: تُلِيَت (^٣) وقُرِئَت. على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه</span>\nحدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا الحسينُ المُعَلِّمُ وسعيدٌ، عن قتادةَ: (وكذلك نُصَرِّفُ الآياتِ وليقولوا دُرِسَت). أيْ: قُرِئَت وتُعُلِّمَت.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، قال: قال قتادةُ: (دُرِسَت): قُرِئَت، وفي حرفِ ابنِ مسعودٍ: (دَرَسَ) (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٠٧ - تفسير) عن هشيم به، وأحال على حديث أبي بشر عن سعيد ولفظه: قرأت وتعلمت.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٠٤ - تفسير) عن ابن عيينة عن رجل عن مجاهد.\n(^٣) في النسخ: \"نبئت\". والمثبت كما تقدم في ص ٤٧٢.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٦، بلفظ: قرئت وتعلمت. دون آخره. وينظر قراءة ابن مسعود في المصاحف ص ٦١.","vol":"9","page":476},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3095>ذكرُ مَن قرَأ ذلك: (درَسَتْ). بمعنى: انْمَحَت وتَقادَمَت، أي: هذا الذي تَتْلوه علينا قد مرَّ بنا قديمًا، وتطاوَلَت مدتُه</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يَقْرَأُ: (ولِيَقُولوا درَسَتْ). أي: انْمَحَت.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو إسحاقَ الهَمْدانيُّ، قال: في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (درَسَتْ). بغيرِ ألفٍ، بنصبِ السينِ ووَقْفِ (^١) التاءِ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرنا ابنُ عُيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: سمِعْتُ ابنَ الزبيرِ يقولُ: إن صِبْيانًا ههنا يَقْرَءون: (دارَسْتَ). وإنما هي: (درَسَتْ) (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ: (ولِيَقولوا درَسَتْ). يقولُ: تَقادَمَت، امَّحَتْ (^٤).\nوقرَأ ذلك آخرون: (درَس). مِن: درَس الشيءَ: تلاه.\n_________\n(^١) أي: سكون التاء.\n(^٢) وهي قراءة ابن عامر ويعقوب، والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٦ من تمام الأثر المتقدم ص ٤٧٥، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٠١ - تفسير) عن ابن عيينة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٤) في م: \"وانمحت\".\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٥ (٧٧٥٣) عن الحسن ابن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"9","page":477},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ يُوسُفَ التَّغْلِبيُّ (^١)، قال: ثنا أبو عُبَيْدٍ (^٢)، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: هي في حرفِ أبيِّ بِن كعبٍ وابنِ مسعودٍ: (ولِيَقولوا درَسَ). قال: يعني النبيَّ ﷺ قرَأ (^٣).\nوإنما جاز أن يُقالَ مرةً: ﴿دَرَسْتَ﴾، ومرةً: (درَسَ)، فيُخاطَب مرةً، ويُخْبَرَ مرةً؛ مِن أجلِ القولِ.\nوقد بيَّنا أولى هذه القراءاتِ في ذلك بالصوابِ عندَنا، والدلالةَ على صحةِ ما اختَرْنا منها (^٤).\nوأما تأويلُ قولِه: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كما صرَّفْنا الآياتِ والعبرَ والحججَ في هذه السورةِ لهؤلاء العادلين بربِّهم الآلهةَ والأندادَ، كذلك تُصَرِّفُ لهم الآياتِ في غيرِها؛ كيلا يقولوا لرسولِنا الذي أرْسَلْناه إليهم: إنما تعَلَّمْتَ ما تَأْتِينا به تَتْلُوه علينا مِن أهلِ الكتابِ. فيَنْزَجِروا عن تكذيبِهم إياه، وتقوُّلِهم عليه الإفكَ والزُّورَ، ولنُبَيِّنَ تَصْرِيفَنا الآياتِ الحقَّ لقومٍ يَعْلَمون الحقِّ إذا تبَيَّن لهم، فيَتَّبِعوه ويَقْبَلوه، وليسوا كمَن إذا بُيِّن لهم عَمُوا عنه فلم يَعْقِلوه، وازْدادوا مِن الفهمِ له (^٥) بُعْدًا.\n\n<span id=\"aya-895\"></span><span data-type='title' id=toc-3096>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الثعلبي\"، وفي ف: \"الثغلبي\". وتقدم على الصواب في ٤/ ٦٢٠.\n(^٢) في م: \"عبيدة\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٨ إلى المصنف وأبي عبيد، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٠٧ وقال: وهذا غريب، فقد روى عن أبيّ بن كعب خلاف هذا. ثم ذكر ما أخرجه الحاكم وصححه وابن مردويه أن النبي ﷺ أقرأه: دَرَسْتَ.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ٤٧٢.\n(^٥) في النسخ: \"به\". والمثبت صواب السياق.","vol":"9","page":478},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: اتَّبِعْ يا محمدُ ما أمَرَك به ربُّك في وحْيِه الذي أوحاه إليك، فاعْمَلْ به، وانْزَجِرْ عما زجَرَك عنه فيه، ودَعْ ما يَدْعُوك إليه مُشْرِكو قومِك من عبادةِ الأوثانِ والأصنامِ، فإنه ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا معبودَ يَسْتَحِقُّ عليك إخلاصَ العبادةِ له إلا اللهُ الذي هو فالقُ الحبِّ والنَّوَى، وفالقُ الإصْباحِ، وجاعلُ الليلِ سَكَنًا والشمسِ والقمرِ حُسْبانًا، ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: ودَعْ عنك جِدالَهم وخُصومتَهم. ثم نسَخ ذلك جلَّ ثناؤُه بقولِه في \"براءةَ\": ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥].\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: أما قولُه: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nونحوُه مما أمَرَ اللهُ المؤمنين بالعفوِ عن المشركين، فإنه نسَخ ذلك قولُه: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.\n\n<span id=\"aya-896\"></span><span data-type='title' id=toc-3097>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أعْرِضْ عن هؤلاء المشركين باللهِ، ودَعْ عنك جِدالَهم وخصومتَهم ومُسابَّتَهم، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾. يقولُ:\nلو [أراد ربُّك] (^١) هدايتَهم واسْتنقاذَهم مِن ضلالتِهم، لَلطَف لهم بتوفيقِه إياهم، فلم يُشْرِكوا به شيئًا، ولآمنوا بك، فاتَّبَعوك وصدَّقوا ما جئتَهم به مِن الحقِّ مِن عندِ ربِّك، ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وإنما بعَثْتُك إليهم رسولًا مبلغًا، ولم نَبْعَثْك حافظًا عليهم ما هم عامِلوه، وتُحْصِي ذلك عليهم، فإن ذلك إلينا دونَك، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. يقولُ: ولستَ عليهم بقَيِّمٍ تَقومُ\n_________\n(^١) في م: \"أرادوا بك\".","vol":"9","page":479},{"text":"بأرزاقِهم وأقواتِهم، ولا بحفظِهم فيما لم يُجْعَلْ إليك حفظُه مِن أمرِهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾: يقولُ سبحانَه: لو شئتُ لجَمَعْتُهم على الهدى أجمعين (^١).\n\n<span id=\"aya-897\"></span><span data-type='title' id=toc-3098>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ وللمؤمنين به: ولا تَسُبُّوا الذين يَدْعُو المشركون مِن دونِ اللهِ مِن الآلهةِ والأندادِ، فيَسُبَّ المشركون اللهَ جهلًا منهم بربِّهم، واعتداءً بغيرِ علمٍ.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: قالوا: يا محمدُ، لتَنْتَهِيَنَّ عن سبِّ آلهتِنا، أو لنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ. فنهاهم اللهُ أن يَسُبُّوا أوثانَهم، فيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بغيرِ علمٍ (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: كان المسلمون\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٦، ٥/ ١٤١٢، ١٤١٣ (٧٧٥٨، ٨٠٥١،٨٠٤٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٣٧٧) من طريق أبي صالح به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٦ (٧٧٦٠) من طريق أبي صالح، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٨ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"9","page":480},{"text":"يَسُبُّون أوثانَ الكفارِ، فيَرُدُّون ذلك عليهم، فنهاهم اللهُ أن يَسْتَسِبُّوا (^١) لربِّهم، فإنهم قومٌ جهلةٌ لا علمَ لهم باللهِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.\nقال: لما حضَر أبا طالبٍ الموتُ، قالت قريشٌ: انْطَلِقوا بنا، فَلْنَدْخُلْ على هذا الرجلِ، فلْنَأْمُرْه أَن يَنْهَى عنا ابنَ أخيه، فإنا نَسْتَحْيِي أَن نَقْتُلَه بعدَ موتِه، فتقولَ العربُ: كان يَمْنَعُه، فلما مات قتَلوه. فانطَلَق أبو سفيانَ، وأبو جهلٍ، والنضرُ بنُ الحارثِ، وأميةُ وأبيٌّ ابنا خَلَفٍ، وعقبةُ بنُ أبي مُعَيْطٍ، وعمرُو بنُ العاصِ، والأسودُ بنُ البَخْتَرِيِّ، وبعَثوا رجلًا منهم يُقالُ له: المطلبُ. قالوا: اسْتَأْذِنْ على أبي طالبٍ. فأتَى أبا طالبٍ، فقال: هؤلاء مَشْيَخةُ قومِك يُرِيدون الدخولَ عليك، فأْذَنْ لهم. فدخَلوا عليه، فقالوا: يا أبا طالبٍ، أنت كبيرُنا وسيدُنا، وإن محمدًا قد آذانا وآذَى آلهتَنا، فنُحِبُّ أن تَدْعُوَه فتَنْهاه عن ذكرِ آلهتِنا، ولنَدَعْه وإلهَه. فدعاه، فجاء نبيُّ اللهِ ﷺ، فقال له أبو طالبٍ: هؤلاء قومُك وبنو عمِّك. قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ما تُرِيدون؟ \". قالوا: نُرِيدُ أن تَدَعَنا وآلهتَنا، ونَدَعَك وإلهَك. قال له أبو طالبٍ: قد أنْصَفَك قومُك، فاقْبَلْ منهم. فقال النبيُّ ﷺ: \"أرأَيْتُم إن أعْطَيْتُكم هذا، هل أنتم مُعْطِيَّ كلمةً إن تكَلَّمْتُم بها ملَكتُم العربَ، ودانَت لكم بها العَجَمُ الخراجَ (^٣)؟ \". قال أبو جهلٍ: نعم وأبيك لَنُعْطِيَنَّكَها وعشرَ أمثالِها، فما هي؟ قال: \"قولوا: لا إلهَ إلا اللهُ\". فأبَوْا واشْمَأَزُّوا. قال أبو طالبٍ: يابنَ أخي، قلْ غيرَها،\n_________\n(^١) أي: أن يعرضوه ويجروه - سبحانه - للسب. ينظر النهاية ٢/ ٣٣٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٧ (٧٧٦٣) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة.\n(^٣) في م: \"بالخراج\"، وفي تفسير ابن أبي حاتم، وتفسير ابن كثير: \"وأدت لك الخراج\". والمثبت موافق لتفسير ابن كثير - النسخة الخطية، كما في طبعة دار الشعب ٣/ ٣٠٨ والدر المنثور ٣/ ٣٨. فقد عزا الأثر إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"9","page":481},{"text":"فإن قومَك قد فزِعوا منها. قال: \"يا عمِّ، ما أنا بالذي أَقولُ غيرَها حتى يأتوني (^١) بالشمسِ فيَضَعوها في يديَّ، ولو أتَوْني بالشمسِ فوضَعوها في يديَّ ما قلتُ غيرَها\"؛ إرادةَ أن يُؤْيِسَهم، فغضِبوا (^٢) وقالوا: لَتَكُفَّنَّ عن شتمِك آلهتَنَا، أو لَنَشْتُمَنَّك ولَنَشْتُمَنَّ مَن يَأْمُرُك. فذلك قولُه: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: كان المسلمون يَسُبُّون أصنامَ الكفارِ، فيَسُبُّ الكفارُ اللهَ عَدْوًا بغيرِ علمٍ، فأَنْزَل اللهُ: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (^٤).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: إذا سبَبْتَ إِلَهَه، سَبَّ إِلهَك، فلا تَسُبُّوا آلهتَهم.\nوأَجْمَعَت الحُجَّةُ (^٥) مِن قرأةِ الأمصارِ على قراءةِ ذلك: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. بفتحِ العينِ وتسكينِ الدالِ، وتَخفيفِ الواوِ مِن قولِه: ﴿عَدْوًا﴾.\nعلى أنه مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: عدا فلانٌ على فلانٍ، إذا ظلمَه واعْتَدَى عليه، يَعْدُو عَدْوًا وعُدُوًّا وعُدْوانًا. والاعْتداءُ إنما هو افْتِعالٌ مِن ذلك.\nرُوِي عن الحسنِ البصريِّ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (عُدُوًّا). مُشدَّدةَ الواوِ (^٦).\nحدَّثني بذلك أحمدُ بنُ يُوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ،\n_________\n(^١) في م: \"يأتوا\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٧ (٧٧٦٢) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٥ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٦ (٧٧٦١) - عن معمر به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"الأمة\".\n(^٦) هي قراءة يعقوب، النشر ٢/ ١٩٦.","vol":"9","page":482},{"text":"عن هارونَ، عن عثمانَ بنِ سعدٍ: (فيَسُبُّوا اللهَ عُدُوًّا). مضمومةَ العينِ مُثَقَّلةً (^١).\nوقد ذُكِر عن بعضِ البَصْريِّين أنه قرَأ ذلك: (فيَسُبُّوا (^٢) اللهَ عَدُوًّا) (^٣).\nيُوجِّهُ (^٤) تأويلَه إلى أنهم جَماعةٌ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]. وكما قال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]. ويَجْعَلُ نصبَ العَدوِّ حينَئذٍ على الحالِ من ذكرِ المشركين في قولِه: ﴿فَيَسُبُّوا﴾.\nفيكونُ تأويلُ الكلامِ: ولا تَسُبُّوا أيُّها المؤمنون الذين يَدْعُو المشركون مِن دونِ اللهِ فيَسُبَّ المشركون اللهَ أعداءَ اللهِ (^٥) بغيرِ علمٍ. وإذا كان التأويلُ هكذا، كان العَدُوُّ مِن صفةِ المشركين ونعتِهم، كأنه قيل: فيَسُبَّ المشركون أعداءَ اللهَ بغيرِ علمٍ. ولكنَّ العَدُوَّ لما خرَج مَخْرَجَ النكرةِ وهو نعتٌ للمعرفةِ، نُصِب على الحالِ.\nوالصوابُ مِن القراءةِ عندي في ذلك قراءةُ مَن قرَأ بفتحِ العينِ وتخفيفِ الواوِ (^٦)؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القَرأةِ على قراءةِ ذلك كذلك، وغيرُ جائزٍ خلافُها فيما جاءت به (^٧) مُجَمِعةً عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3099>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: كما زيَّنا لهؤلاء العادلِين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ عبادةَ\n_________\n(^١) وذكرها عنه في الإتحاف ص ١٢٩، وقرأ بها أيضا يعقوب، وهو من العشرة. النشر ٢/ ١٩٦.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فليسبوا\".\n(^٣) وهذه القراءة رواية عن ابن كثير المكي. الكشاف ٢/ ٤٣.\n(^٤) في ص: \"ويوجه\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وتوجيه\"، وفي س: \"وتأول\"، وفي ف: \"وتوجه\".\n(^٥) بعده في ص، ت ٢، س: \"أعداء الله\". وكتب في س: \"كذا\".\n(^٦) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٧) سقط من: م، ف.","vol":"9","page":483},{"text":"الأوثانِ وطاعةَ الشيطانِ، بخِذْلانِنا إياهم عن طاعةِ الرحمنِ، كذلك زيَّنا لكلِّ جماعةٍ اجْتَمَعَت على عملٍ مِن الأعمالِ مِن طاعةِ اللهِ و[معصيةٍ له] (^١)، عملَهم الذي هم عليه مُجْتَمِعون، ثم مَرْجِعُهم بعدَ ذلك ومَصيرُهم إلى ربِّهم، ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: فيُوقِفُهم ويُخْبِرُهم بأعمالِهم التي كانوا يَعْمَلون بها في الدنيا، ثم يُجازِيهم بها، إن كان خيرًا فخيرٌ، وإن كان شرًّا فشرٌّ، أو يَعْفُو بفضلِه، ما لم يَكُنْ شركًا أو كفرًا.\n\n<span id=\"aya-898\"></span><span data-type='title' id=toc-3100>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وحلَف باللهِ هؤلاء العادِلون باللهِ جَهْدَ حَلِفِهم - وذلك أوكدُ ما قدَروا عليه من الأيمانِ وأصعبُها وأشدُّها- ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾، يقولُ: قالوا: نُقْسِمُ باللهِ لئن جاءَتْنا آيةٌ تُصَدِّقُ ما تَقولُ يا محمدُ، مثلُ الذي جاء مَن قبلَنا من الأممِ، ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾. يقولُ: قالوا: لَنُصَدِّقَنَّ بمجيئِها بك، وأنك للهِ رسولٌ مُرْسَلٌ، وأن ما جئْتَنا به حقٌّ مِن عندِ اللهِ.\nوقيل: ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾. فَأَخْرَج الخبرَ عن الآيةِ، والمعنى لمجيءِ الآيةِ.\nيقولُ لنبيِّه ﷺ: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. وهو القادرُ على إتيانِكم بها دونَ كلِّ أحدٍ من خلقِه، ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾. يقولُ: وما يُدْرِيكم، ﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؟\nوذُكِر أن الذين سأَلوه الآيةَ مِن قومِه هم الذين آيَس اللهُ نبيَّه مِن إيمانِهم مِن مشركي قومِه.\n_________\n(^١) في م: \"معصيته\".","vol":"9","page":484},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾. إلى قولِه: ﴿يَجْهَلُونَ﴾: سأَلت قريشٌ محمدًا ﷺ أن يَأْتِيَهم بآيةٍ، واسْتَحْلَفَهم لَيُؤْمِنُنَّ بها (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (^٢): ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾. ثم ذكَر مثلَه.\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بكيرٍ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرظيِّ، قال: كلَّم رسولُ اللهِ ﷺ قُرَيشًا (^٣)، فقالوا: يا محمدُ، تُخْبِرُنا أن موسى كان معه عصًا يَضْرِبُ بها الحجرَ فانْفَجَرَت منه اثنتا عشْرةَ عينًا، وتُخْبِرُنا أن عيسى كان يُحْيِي الموتى، وتُخْبِرُنا أن ثَمُودَ كانت لهم ناقةٌ، فأْتِنا (^٤) مِن الآياتِ حتى نُصَدِّقَك.\nفقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أيُّ شيءٍ تُحِبُّون أن آتِيَكم به؟ \". قالوا: تَجْعَلُ لنا الصَّفَا ذهبًا. فقال لهم: \"فإن فعَلْتُ تُصَدِّقوني؟ \". قالوا: نعم واللهِ، لئن فعَلْتَ [لَنَتَّبِعنَّكَ أجمعين] (^٥). فقام رسولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو، فجاءه جبريلُ ﵇\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٢٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٨ (٧٧٦٧). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٩ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) في م: \"قريش\".\n(^٤) بعده في م: \"بشيء\".\n(^٥) في م: \"لنتبعك أجمعون\".","vol":"9","page":485},{"text":"فقال له (^١): ما شئتَ؛ إن شئتَ أصْبَح ذهبًا، ولئن أرْسل آيةً فلم يُصَدِّقوا عندَ ذلك لَنُعَذِّبَنَّهم، وإن شئتَ فأتْرُكُهم (^٢) حتى يَتوبَ تائبُهم. فقال: \"بل يَتُوبُ تائِبُهم\".\nفأنْزَل اللهُ تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ إلى قولِه ﴿يَجْهَلُونَ﴾ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-3101>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المخاطَبِين بقولِه: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: خُوطِب بقولِه: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾. المشركون المُقْسِمون باللهِ؛ لئن جاءَتهم آيةٌ ليُؤْمِنُنَّ. وانتهى الخبرُ عندَ قولِه: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾. ثم اسْتُؤْنِف الحكمُ عليهم بأنهم لا يُؤْمنون عندَ مجيئِها استئنافًا مبتدَأً.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾. قال: ما يُدْرِيكم. قال: ثم أخْبَر عنهم أنهم لا يُؤْمِنون (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾: وما يُدْرِيكم، (إنها إذا جاءت). قال: أوْجَب عليهم أنها إذا جاءت لا يُؤْمِنون.\n_________\n(^١) بعده في م: \"لك\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"فاىرحهم\" غير منقوطة، وفي س: \"فاترحهم\". وأثبتها الشيخ شاكر: فأندحهم. وقال: وهو عندي من قولهم: ندحت الشيء ندحا: إذا أوسعته وأفسحته … أي: أفسح لهم وأجعل لهم مندوحة في هذا الأمر حتى يتوب تائبهم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في التفسير ٣/ ٣٠٩ عن المصنف، ثم قال: وهذا مرسل وله شواهد من وجوه أخر. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٩ إلى المصنف.\n(^٤) من تمام الأثر المتقدم تخريجه في الصفحة السابقة. وأخرج هذا الجزء ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٨ (٧٧٦٨، ٧٧٦٩) من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح به.","vol":"9","page":486},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ يزيدَ (^١) يقولُ: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. ثم يَسْتَأْنِفُ فيقولُ: (إنها إذا جاءَت لا يُؤْمنون).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾: وما يُدْرِيكم أنكم تُؤْمِنون إذا جاءت، ثم اسْتَقْبل يُخْبِرُ عنهم فقال: ﴿إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٢).\nوعلى هذا التأويلِ قراءةُ مَن قرَأ ذلك بكسرِ ألفِ: (إنها)، على أن قولَه: (إنَّها إذا جاءت لا يُؤْمِنون). خبرٌ مبتدَأٌ منقَطِعٌ عن الأولِ.\nوممَّن قرَأ ذلك كذلك بعضُ قرأةِ المكيين والبصريين (^٣).\nوقال آخَرون منهم (^٤): بل ذلك خطابٌ مِن اللهِ نبيَّه ﷺ وأصحابَه. قالوا: وذلك أن الذين سأَلوا رسولَ اللهِ ﷺ أن يَأْتِيَ بآيةٍ، المؤمنون به. قالوا: وإنما كان سببَ مسألتِهم إياه ذلك أن المشركين حَلَفوا أن الآيةَ إذا جاءت آمَنوا واتَّبَعوا رسولَ اللهِ ﷺ، فقال أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ: سَلْ يا رسولَ اللهِ ربَّك ذلك.\nفسأَل، فأَنْزَلَ اللهُ فيهم وفي مسألتِهم إياه ذلك، ﴿قُلْ﴾ للمؤمنين بك يا محمدُ: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ أيُّها المؤمنون بأن (^٥) الآياتِ إذا جاءَت هؤلاء المشركين باللهِ أنهم لا يُؤْمِنون به. ففتَحوا الألفَ مِن \"أن\".\nوممَّن قرَأ ذلك كذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ (^٦)، وقالوا: أُدْخِلَت\n_________\n(^١) في م: \"زيد\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٨ (٧٧٧٠) من طريق حجاج به عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٩ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وعن أبي بكر الوجهان. الكشف عن وجوه القراءات ١/ ٤٤٤.\n(^٤) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٣٥٠.\n(^٥) في ص، ت ١، س، ف: \"بأنه أن\".\n(^٦) هي قراءة نافع وعاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٢٦٥.","vol":"9","page":487},{"text":"﴿لَا﴾ في قولِه: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾. صلةً (^١)، كما أُدْخِلَت في قولِه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]. وفي قولِه: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]. وإنما المعنى: وحَرامٌ عليهم أن يَرْجِعوا، وما منَعَك أن تَسْجُدَ.\nوقد تأوَّل قومٌ قرَءوا ذلك بفتحِ الألفِ من: ﴿أَنَّهَا﴾. بمعنى: لعلَّها. وذكَروا أن ذلك كذلك في قراءةِ أبيِّ بنِ كعبٍ (^٢).\nوقد ذُكِر عن العربِ سماعًا منها: اذْهَبْ إلى السوقِ أنك تَشْتَرِي لي شيئًا. بمعنى: لعلك تَشْتَرِي.\nوقد قيل: إن قولَ عديِّ بنِ زيدٍ العباديِّ (^٣):\nأَعاذِلَ ما يُدْرِيكَ أَنَّ مَنِيَّتي … إلى ساعةٍ في اليومِ أو في ضُحَى الغَدِ\nبمعنى: لعل منيَّتي. وقد [أنشَدوا في] (^٤) بيتِ دُرَيْدِ بن الصِّمَّةِ (^٥):\nذَرِيني أُطَوِّفُ في البلادِ لأنني … أَرَى مَا تَرَيْنَ أَو بَخيلًا مُخَلَّدَا\nبمعنى: لعلَّني. والذي أنْشَدني أصحابُنا عن الفَرَّاءِ:\n* لعلَّني أَرَى مَا تَرَيْن *\nوقد أُنشِد أيضًا بيتُ تَوْبَةَ بنِ الحُمَيِّرِ (^٦):\n_________\n(^١) ينظر تعريف الصلة في ١/ ١٩١.\n(^٢) ذكرها الفراء في الموضع السابق، وانظرها أيضا في البحر المحيط ٤/ ٢٠٢، وهي شاذة.\n(^٣) جمهرة أشعار العرب ٢/ ٥٠٩، الشعر والشعراء ١/ ٢٢٦، معاهد التنصيص ١/ ٣١٦.\n(^٤) في م: \"أنشدوني\".\n(^٥) الأصمعيات ص ١١٣ وروايته هكذا:\nذريني أطوف في البلاد لعلني … ألاقي بإثْرٍ ثُلَّة من محارب\nوينظر ما تقدم في ٢/ ٥٦٩.\n(^٦) الكتاب ٢/ ٢٠٠، والنوادر لأبي زيد. زيد ص ٧٢.","vol":"9","page":488},{"text":"لعلَّك يا تَيْسًا نَزَا في مَرِيرةٍ (^١) … مُعَذِّبُ لَيْلَى أن تَرَانِي أَزُورُها\nلهَنَّك يا تَيْسًا، بمعنى: لأنّك. التي في معنى: لعلَّك. وأُنْشِد بيتُ أَبي النَّجْمِ العِجْليِّ:\nقلتُ لشَيْبانَ ادْنُ مِن لقائِهْ … أنا نُعَدِّي القومَ مِن شِوائِهْ (^٢)\nبمعنى: لعلَّنا نُعَدِّي القومَ.\nوأولى التأويلاتِ في ذلك بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: ذلك خطابٌ مِن اللهِ للمؤمنين به من أصحابِ رسولِه، أعْني قولَه: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وأن قولَه: ﴿أَنَّهَا﴾. بمعنى: لعلَّها.\nوإنما كان ذلك أولى تأويلاتِه بالصوابِ؛ لاستفاضةِ القراءةِ في قرأةِ الأمصارِ بالياءِ مِن قولِه: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\nولو كان قولُه: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾. خطابًا للمشركين، لكانت القراءةُ في قولِه: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾. بالتاءِ، وذلك وإن كان قد قرَأه بعضُ قرأةِ المكيين كذلك، فقراءةٌ خارجةٌ عما عليه قرأةُ الأمصارِ، وكفَى بخلافِ جميعِهم لها دليلًا على ذَهابِها وشُذوذِها (^٣).\nوإنما معنى الكلامِ: وما يُدْرِيكم أيُّها المؤمنون، لعلَّ الآياتِ إذا جاءت هؤلاء المشركين لا يُؤْمِنون، فيُعاجَلوا بالنِّقْمةِ والعذابِ عندَ ذلك، ولا يُؤَخَّروا به.\n_________\n(^١) المريرة: الحبل الشديد الفتل. اللسان (م ر ر).\n(^٢) الكتاب ٣/ ١١٦، والمعاني الكبير ١/ ٣٦٣، وفيهما: كما نغدي.\n(^٣) القراءة بالتاء ليست شاذة، بل هي متواترة، وقد قرأ بها ابن عامر وحمزة وهما من السبعة؛ وقد خرج أبو حيان هذه القراءة في البحر المحيط ٤/ ٢٠٢ تخريجا جيدا من حيث المعنى فراجعه.","vol":"9","page":489},{"text":"<span id=\"aya-899\"></span><span data-type='title' id=toc-3102>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لو أنا جِئْناهم بآيةٍ كما سأَلوا، ما آمَنوا، كما لم يُؤْمِنوا بما قبلَها أولَ مرةٍ؛ لأن اللهَ حال بينَهم وبينَ ذلك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية. قال: لما جحَد المشركون ما أَنْزَل اللهُ، لم تَثْبُتْ قلوبُهم على شيءٍ، ورُدَّت عن كلِّ أمرٍ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾. قال: نَمْنَعُهم مِن ذلك كما فعَلْنا بهم أولَ مرةٍ. وقرَأ: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾. قال: نَحولُ بينَهم وبينَ الإيمانِ، ولو جاءَتهم كلُّ آيةٍ فلا يُؤْمِنون، كما حُلْنا بينَهم وبينَ الإيمانِ أولَ مرةٍ (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ونُقَلِّبُ أفئدتَهم وأبصارَهم لو رُدُّوا مِن الآخرةِ إلى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٩ (٧٧٧١) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٩ (٧٧٧٣) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٩ (٧٧٧٢) من طريق ابن جريج عن ابن كثير عن مجاهد.","vol":"9","page":490},{"text":"الدنيا، فلا يُؤْمنون كما فعَلْنا بهم ذلك فلم يُؤْمِنوا في الدنيا. قالوا: وذلك نظيرُ قولِه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨].\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أخْبَر اللهُ سبحانَه ما العبادُ قائلون قبلَ أن يَقولوه، وعملُهم قبلَ أن يَعْمَلوه. قال: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٦ - ٥٨]. يقولُ: مِن المهتدين. فأَخْبَر اللهُ سبحانَه، أنهم لو رُدُّوا [لم يَقْدِروا على الهُدَى، وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا] (^١) لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. قال: لو رُدُّوا إلى الدنيا لَحِيل بينَهم وبينَ الهدى، كما حُلْنا بينَهم وبينَه أولَ مرةٍ وهم في الدنيا (^٢).\nوأولى التأويلاتِ في ذلك عندي بالصوابِ أن يقالَ: إن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَر عن هؤلاء الذين أقْسَموا باللهِ جهدَ أَيْمانِهم: لَئن جاءَتهم آيةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بها. أنه يُقَلِّبُ أفئدتَهم وأبصارَهم ويُصَرِّفُها كيف شاء، وأن ذلك بيدِه، يُقِيمُه إذا شاء، ويُزِيغُه إذا أراد، وأن قولَه: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. دليلٌ على محذوفٍ مِن الكلامِ، وأن قولَه: ﴿كَمَا﴾. تشبيهُ ما بعدَه بشيءٍ قبلَه.\n_________\n(^١) سقط من: م، وفي ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"على الهدى وقال ولو ردوا\". وفي ف: \"على الهدى وقالوا ولو ردوا\" والمثبت من نص الأثر، كما سيذكره المصنف في سورة الزمر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٢ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأخرج آخره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٦٩ (٧٧٧٥) من طريق أبي صالح به.","vol":"9","page":491},{"text":"وإذ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يَكونَ معنى الكلامِ: ونُقَلِّبُ أفئدتَهم فتُزِيغُها عن الإيمانِ، وأبصارَهم عن رؤيةِ الحقِّ ومعرفةِ موضعِ الحُجَّةِ، وإن جاءتهم الآيةُ التي سأَلوها فلا يُؤْمِنوا باللهِ ورسولِه وما جاء به من عندِ اللهِ، كما لم يُؤْمِنوا بتَقْليبِنا إياها قبلَ مجيئِها مرَّةً قبلَ ذلك.\nوإذا كان ذلك تأويلَه، كانت الهاءُ مِن قولِه: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾. كنايةَ ذكرِ التَّقْليبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3103>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ونَذَرُ هؤلاء المشركين الذين أقْسَموا باللهِ جَهْدَ أيمانِهم؛ لَئن جاءَتهم آيةٌ ليُؤْمِنُنَّ بها عند مجيئِها. في تمرُّدِهم على اللهِ، واعتدائِهم في حدودِه، يَتَرَدَّدون، لا يَهْتَدون لحقٍّ، ولا يُبْصِرون صوابًا، قد غلَب عليهم الخِذْلانُ، واسْتَحْوذ عليهم الشيطانُ.\n\n<span id=\"aya-900\"></span><span data-type='title' id=toc-3104>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ، آيِسْ من فلاحِ هؤلاء العادِلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ، القائلين لك: لكن جئتنا بآيةٍ لتؤمنَنَّ لك. فإننا لو نزَّلْنا إليهم الملائكةَ حتى يَرَوْها عِيانًا، وكلَّمهم الموتى بإحيائِنا إياهم حُجَّةً لك، ودلالةً على نبوَّتِك، وأخْبَروهم أنك مُحِقٌّ فيما تقولُ، وأن ما جئتَهم به حقٌّ مِن عندِ اللهِ، وحشَرْنا عليهم كلُّ شيءٍ فجعَلْناهم لك قُبُلًا - ما آمَنوا، ولا صدَّقوك، ولا اتَّبَعوك، إلا أن يَشاءَ اللهُ ذلك لمَن شاء منهم، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾. يقولُ: ولكنَّ أكثرَ هؤلاء المشركين يَجْهَلون أن ذلك كذلك، يَحْسَبون أن الإيمانَ إليهم، والكفرَ","vol":"9","page":492},{"text":"بأيديهم، متى شاءوا آمَنوا، ومتى شاءوا كفَروا، وليس ذلك كذلك، ذلك بيدي، لا يُؤْمِنُ منهم إلا من هدَيْتُه (^١) فوفَّقْتُه، ولا يَكْفُرُ إلا مَن خذَلْتُه عن الرشدِ فَأَضْلَلْتُه.\nوقيل: إن ذلك نزَل في المستهزئين برسولِ اللهِ ﷺ وما جاء به مِن عندِ اللهِ مِن مشركي قريشٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: نزَلَت في المستهزئين الذين سأَلوا النبيَّ ﷺ الآيةَ (^٢): ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ هو ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]. ونزَل فيهم: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ (^٣).\nوقال آخرون: إنما قيل: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾. يُرادُ به أهلُ الشَّقاءِ، وقيل: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فاسْتَثْنَى ذلك مِن قولِه: ﴿لِيُؤْمِنُوا﴾، يُرادُ به أهلُ الإيمانِ والسعادةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾: وهم أهلُ الشَّقاءِ، ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. وهم أهلُ السعادةِ الذين سبَق لهم في علمِه أن يَدْخُلوا في\n_________\n(^١) بعده في م: \"له\".\n(^٢) بعده في م: \"فقال\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٩ إلى أبي الشيخ.","vol":"9","page":493},{"text":"الإيمانِ (^١).\nوأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ ابنِ عباسٍ؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه عمَّ بقولِه: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ القومَ الذين تقدَّم ذكرُهم في قولِه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: ١٠٩].\nوقد يجوزُ أن يَكونَ الذين سأَلوا الآيةَ كانوا هم المستهزئين الذين قال ابنُ جريجٍ: إنهم عُنُوا بهذه الآيةِ، ولكن لا دلالةَ في ظاهرِ التنزيلِ على ذلك، ولا خبرَ تَقومُ به حجةٌ بأن ذلك كذلك، والخبرُ مِن اللهِ خارجٌ مَخْرجَ العمومِ، فالقولُ بأن ذلك عُنِي به أهلُ الشقاء منهم أولى؛ لما وصَفْنا.\nواخْتَلَفَت القَرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾؛ فقرأَتْه قرأةُ أهلِ المدينةِ: (قِبَلًا) بكسرِ القافِ وفتحِ الباءِ (^٢)، بمعنى: مُعاينةً، مِن قولِ القائلِ: لقِيتُه قِبَلًا، أي: مُعاينةً ومُجاهَرَةً.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين والبصريين: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ بضمِّ القافِ والباءِ (^٣).\nوإذا قُرِئ كذلك كان له مِن التأويلِ ثلاثةُ أوجهٍ: أحدُها، أن يَكونَ القُبُلُ جمعَ قَبِيلٍ، كما الرُّغفُ التي هي جمعُ رَغيفٍ، والقُضُبُ التي هي جمعُ قَضيبٍ، ويَكونَ القُبُلُ الضُّمَناءَ والكُفَلاءَ، وإذا كان ذلك معناه، كان تأويلُ الكلامِ: وحشَرْنا عليهم كلَّ شيءٍ كُفَلاءَ يَكْفُلون لهم بأن الذي نَعِدُهم على إيمانِهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧١ (٧٧٨٥) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) هي قراءة نافع وأبي جعفر وابن عامر. النشر ٢/ ١٩٦.\n(^٣) وهي قراءة ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف. المصدر السابق.","vol":"9","page":494},{"text":"باللهِ إِن آمِنوا، أو نُوعِدُهم على كفرِهم باللهِ إن هلَكوا على كفرِهم، ما آمَنوا إلا أن يَشاء اللهُ.\nوالوجهُ الآخرُ: أن يَكونَ القُبُلُ بمعنى المُقابَلةِ والمُواجَهةِ، مِن قولِ القائلِ: أتيتُك قُبُلًا لا دُبُرًا. إذا أتاه مِن قِبلِ وجهِه.\nوالوجهُ الثالثُ: أن يَكونَ معناه: وحشَرْنا عليهم كلَّ شيءٍ قَبيلةً قبيلةً، صِنْفًا صنفًا، وجماعةً جماعةً. فيكونَ القُبُلُ حينَئذٍ جمعَ قَبِيلٍ، الذي هو جمعُ قَبيلةٍ، فيَكونَ القُبُلُ جمعَ الجمعِ.\nوبكلِّ ذلك قد قالت جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3105>ذكرُ مَن قال: معنى ذلك: مُعايَنةً</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: (وحشَرْنا عليهم كلَّ شيءٍ قِبَلًا) يقولُ: مُعايَنةً (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (وحشَرْنا عليهم كلَّ شيءٍ قِبَلًا): حتى يُعايِنوا ذلك مُعايَنةً ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3106>ذكرُ مَن قال: معنى ذلك: قَبيلةً قبيلةً، صنفًا صنفًا</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يَزِيدَ: مَن قرَأ: ﴿قُبُلًا﴾: معناه: قَبيلًا قبيلًا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٠ (٧٧٨٣) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٩ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٤/ ٢٣٩، وأبو حيان في البحر المحيط ٤/ ٢٠٥.","vol":"9","page":495},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿قُبُلًا﴾: أفواجًا، قبيلًا قبيلًا (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أحمدُ بنُ يُونُسَ، عن أبي خَيْثَمَةَ، قال: ثنا أبانُ بنُ تَغْلِبَ، قال: ثني طلحةُ أن مجاهدًا قرَأ في \"الأنعامِ\": ﴿كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾. قال: قبائلَ؛ قَبيلًا وقبيلًا وقبيلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-3107>ذكرُ مَن قال: معناه: مُقابَلةً.</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾. يقولُ: لو اسْتَقْبَلَهم ذلك كلُّه لم يُؤْمِنوا إِلا أَن يَشَاءَ اللهُ (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾. قال: حُشِروا إليهم جميعًا، فقابَلوهم وواجَهوهم (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ: قرَأ عيسى: ﴿قُبُلًا﴾. ومعناه: عِيانًا.\nوأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ عندَنا قراءةُ مَن قرَأ: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾. بضمِّ القافِ والباءِ؛ لِما ذكَرْنا مِن احتمالِ ذلك الأوجهَ التي بيَّنا مِن المعاني، وأن معنى القِبَلِ داخلٌ فيه، وغيرُ داخلٍ في القِبَلِ معاني القُبُلِ.\nوأما قولُه: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ فإن معناه: وجمَعْنا عليهم، وسُقْنا إليهم.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٩ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٠ (٧٧٨٢) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ٧/ ٦٦، وأبو حيان في البحر المحيط ٤/ ٢٠٥، وابن كثير في تفسيره ٣/ ٣١١.","vol":"9","page":496},{"text":"<span id=\"aya-901\"></span><span data-type='title' id=toc-3108>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ مُسَلِّيَه بذلك عما لقِي مِن كفَرةِ قومِه في ذاتِ اللهِ، وحاثًّا له على الصبرِ على ما ناله فيه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾. يقولُ: وكما ابْتَلَيْناك يا محمدُ بأن جعَلْنا لك مِن مُشْرِكي قومِك أعداءً؛ شياطينَ يُوحِي بعضُهم إلى بعضٍ زُخْرُفَ القولُ؛ ليَصُدُّوهم بمُجادَلَتِهم إيَّاك بذلك عن اتِّباعِك والإيمانِ بك وبما جئتَهم به مِن عندِ ربِّك، كذلك ابْتَلَيْنا مَن قبلَك مِن الأنبياءِ والرسلِ بأن جعَلْنا لهم أعداءً مِن قومِهم يُؤْذُونهم بالجِدالِ والخصوماتِ. يقولُ: فهذا الذي امْتَحَنْتُك به، لم تُخْصَصْ به مِن بينِهم وحدَك، بل قد عمَمْتُهم بذلك معك؛ لأَبْتَلِيَهم وأَخْتَبِرَهم، مع قُدْرتي على منعِ مَن آذاهم مِن أَذاهم (^١)، فلم أَفْعَلْ ذلك إلا لأَعْرِفَ أولي العَزْمِ منهم مِن غيرِهم. يقولُ: فاصْبِرْ أنت كما صبَر أولو العزمِ مِن الرسلِ.\nوأما \"شياطينُ الإنسِ والجنِّ\" فإنهم مَرَدتُهم. وقد بيَّنا الفعلَ الذي منه بُنِي هذا الاسمُ بما أغْنَى عن إعادتِه (^٢).\nونُصِبَ \"العدو\" و\"الشياطين\" بقولِه: ﴿جَعَلْنَا﴾.\nوأما قولُه: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. فإنه يعني أنه يُلْقِي المُلْقِي منهم القولَ الذي زيَّنه وحسَّنه بالباطلِ إلى صاحبِه؛ ليَغْتَرَّ به مَن سمِعه فيَضِلَّ عن سبيلِ اللهِ.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾؛ فقال\n_________\n(^١) في م: \"إيذائهم\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ١٠٩، ١١٠.","vol":"9","page":497},{"text":"بعضُهم: معناه: شياطينُ الإنسِ التي مع الإنسِ، وشياطينُ الجنِّ التي مع الجنِّ، وليس للإنسِ شياطينُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾: أما شياطينُ الإنسِ فالشياطينُ التي تُضِلُّ الإنسَ، وشياطينُ الجنِّ الذين يُضِلُّون الجنَّ، يَلْتَقِيان فيَقولُ كلُّ واحدٍ منهما: إني أضْلَلْتُ صاحبي بكذا وكذا، وأضْلَلْتَ أنت صاحبَك بكذا وكذا. فيُعَلِّمُ بعضُهم بعضًا (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، عن شَريكٍ، عن سعيدِ بنِ مَسْروقٍ، عن عكرمةَ: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾. قال: ليس في الإنسِ شياطينُ، ولكنَّ شياطينَ الجنِّ يُوحُون إلى شياطينِ الإنسِ، وشياطينَ الإنسِ يُوحُون إلى شياطينِ الجنِّ (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن السديِّ، [عن عكرمةَ] (^٣) في قولِه: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. قال: للإنسانِ شيطانٌ، وللجنيِّ شيطانٌ، فيَلْقَى شيطانُ الإنسِ شيطانَ الجنِّ، فيُوحِي بعضُهم إلى بعضٍ زُخْرفَ القولِ غُرورًا (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٢ عقب الأثر (٧٧٩١) من طريق أسباط به.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ١٧٩.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣١٣ عن المصنف.","vol":"9","page":498},{"text":"قال أبو جعفرٍ: جعَل عكرمةُ والسديُّ في تأويلِهما هذا الذي ذكَرْتُ عنهما، عدوَّ الأنبياء الذين ذكَرَهم اللهُ في قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ أولادَ إبليسَ دونَ أولادِ آدمَ، ودونَ الجنِّ، وجعَل الموصوفين بأن بعضَهم يُوحِي إلى بعضٍ زُحْرفَ القولِ غُرورًا ولدَ إبليسَ، وأن مع ابنِ آدمَ مِن ولدِ إبليسَ مَن يُوحِي إِلى مَن مع الجنِّ من ولدِه زُخْرفَ القولِ غُرورًا.\nوليس لهذا التأويلِ وجهٌ مفهومٌ؛ لأن اللهَ جعَل إبليسَ وولدَه أعداءَ ابنِ آدمَ، فكلُّ ولدِه لكلِّ ولدِه عدوٌّ، وقد خصَّ اللهُ في هذه الآيةِ الخبرَ عن الأنبياءِ أنه جعَل لهم مِن الشياطينِ أعداءً، فلو كان معنيًّا بذلك الشياطينُ الذين ذكَرَهم السديُّ، الذين من هم ولدُ إبليسَ، لم يَكُنْ لخصوصِ الأنبياءِ بالخبرِ عنهم أنه جعَل لهم الشياطينَ أعداءً، وجهٌ (^١)، وقد جعَل مِن (^١) ذلك لأعْدَى أعْدائِه مثلَ الذي جعَل لهم، ولكنَّ ذلك كالذي قلْنا، مِن أنه معنيٌّ به أنه جعَل مَرَدةَ الإنسِ والجنِّ لكلِّ نبيٍّ عدوًّا يُوحِي بعضُهم إلى بعضٍ مِن القولِ ما يُؤْذِيهم به.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاء الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن مَعْبَدِ (^٢) بنِ هلالٍ، قال: ثني رجلٌ مِن أهلِ دمشقَ، عن عوفِ بنِ مالكٍ، عن أبي ذرٍّ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"يا أبا ذرٍّ، هل تَعَوَّذْتَ باللهِ مِن شَرِّ شياطينِ الإنسِ والجنِّ؟ \" قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، هل للإنسِ من شياطينَ؟ قال: \"نعم\" (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، س، ف.\n(^٢) في النسخ: \"حميد\"، والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٤٠.\n(^٣) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده -كما في الإتحاف بذيل المطالب (٥١٢٨) - والحارث في مسنده (٤٨ - بغية)، وأبو يعلى في مسنده -كما في الإتحاف (٥١٣١) - من طريق حماد به مطولا. وينظر مسند الطيالسي (٤٨٠).","vol":"9","page":499},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ (^١)، عن أبي عبدِ الملكِ (^٢) محمدِ بنِ أيوبَ وغيرِه مِن المَشْيَخةِ، عن ابنِ عائذٍ، عن أبي ذرٍّ، أنه قال: أتَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ في مجلسٍ، قد أطال فيه الجلوسَ، قال: فقال: \"يا أبا ذرٍّ، هل صلَّيْتَ؟ \" قال: قلتُ: لا، يا رسولَ اللهِ. قال: \"قُمْ فَارْكَعْ ركعتَيْن\". قال: ثم جئتُ فجلَسْتُ إليه، فقال: \"يا أبا ذرٍّ، هل تعوَّذْتَ باللهِ مِن شَرِّ شياطينِ الإنسِ والجنِّ؟ \" قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، وهل للإنسِ شياطينُ؟ قال: \"نعم، شرٌّ مِن شياطينِ الجنِّ\" (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: بلَغَني أن أبا ذرٍّ قام يومًا يُصَلِّي، فقال له النبيُّ ﷺ: \"تَعَوَّذُ يا أبا ذرٍّ مِن شياطينِ الإنسِ والجنِّ\". فقال: يا رسولَ اللهِ، أوَ إن مِن الإنسِ شياطينَ؟ قال: \"نعم\". وقال آخرون في ذلك بنحوِ الذي قلنا مِن أن ذلك إخبارٌ مِن اللهِ أن شياطينَ الإنسِ والجنِّ، يُوحِي بعضُهم إلى بعضٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾. قال: مِن الجنِّ شياطينُ، ومِن الإِنسِ شياطينُ يُوحِي بعضُهم إلى بعضٍ. قال قتادةُ: بلَغَني أن أبا ذرٍّ كان يومًا يُصَلِّي، فقال النبيُّ ﷺ: \"تَعَوَّذْ يا أبا ذرٍّ من شياطينِ الإنسِ والجنِّ\". فقال:\n_________\n(^١) بعده في النسخ: \"عن علي بن أبي طلحة\" وهو خطأ. وينظر تفسير ابن كثير.\n(^٢) في النسخ: \"عبد الله\"، والمثبت من تاريخ دمشق ٧/ ٤٤٤، والتاريخ الكبير ١/ ٢٩، ٣٠.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣١٢ نقلا عن المصنف، وقال: فيه انقطاع. ثم ذكر طرقًا أخرى، وقال: فهذه طرق لهذا الحديث، ومجموعها يفيد قوته وصحته.","vol":"9","page":500},{"text":"يا نبيَّ اللهِ، أو إن من الإنسِ شياطينَ؟ فقال النبيُّ ﷺ: \"نعم\" (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ الآية. ذُكِر لنا أن أبا ذرٍّ قام ذاتَ يومٍ يُصَلِّي، فقال له نبيُّ اللهِ: \"تَعَوَّذْ باللهِ مِن شياطينِ الجنِّ والإنسِ\". فقال: يا نبيَّ اللهِ، أوَ للإنسِ شياطينُ كشياطينِ الجنَّ؟ قال:\"نعم، أوَ كذَبْتُ عليه؟! \".\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾. فقال: كفارُ الجنِّ شياطينُ، يُوحُون إلى شياطينِ الإنسِ؛ كفارِ الإِنسِ، زُخْرفَ القولِ غُرورًا (^٢).\nوأَما قولُه: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، فإنه المُزَيَّنُ بالباطلِ كما وصَفْتُ قبلُ، يُقالُ منه: زَخْرَف كلامَه وشهادتَه، إذا حسَّن ذلك بالباطلِ ووشَّاه.\nكما حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، عن شَريكٍ، عن سعيدِ بنِ مسروقٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. قال: تَزْيينُ الباطلِ بالألسنةِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: أما الزخرفُ، فزخْرَفوه: زيَّنوه (^٤).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢١٦، وأخرج شطره الأول ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧١ (٧٧٨٨) من طريق عبد الرزاق به، وأخرج شطره الأخير عبد الرزاق في مصنفه ٢/ ٨٤ (٢٥٧٩) عن معمر به. وقال ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣١٢: وهذا منقطع بين قتادة وأبي ذر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٠ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي نصر السجزي في الإبانة وأبي الشيخ، وينظر تفسير البغوي ٣/ ١٧٩.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٢ عقب الأثر (٧٧٩٢).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٢ (٧٧٩٣) من طريق أحمد بن مفضل به، وسيأتي بقيته في","vol":"9","page":501},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. قال: تَزْيينُ الباطلِ بالألسنةِ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. يقولُ: حسَّن بعضُهم لبعضٍ القولَ، ليَتَّبِعوهم في فتنتِهم (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. قال: الزخرفُ المُزَيَّنُ، حيث زيَّن لهم هذا الغُرورَ، كما زيَّن إبليسُ لآدمَ ما جاءه به، وقاسَمه إنه لمِن الناصِحين، وقرَأ: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥]. قال: ذلك الزخرفُ (^٣).\nوأما الغرورُ: فإنه ما غرَّ الإنسانَ فخدَعه، فصدَّه عن الصوابِ إلى الخطأِ، ومِن الحقِّ إلى الباطلِ، وهو مصدرٌ مِن قوِل القائلِ: غرَرْتُ فلانًا بكذا وكذا، فأنا أَغُرُّه غُرُورًا وغَرًّا.\nكالذي حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿غُرُورًا﴾. قال: يَغُرُّون به الناسَ والجنَّ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٢٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٠ إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي نصر السجزي في الإبانة وأبي الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٢ (٧٧٩٢) بهذا الإسناد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٣ (٧٧٩٤) من طريق آخر عن ابن زيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٠ إلى أبي الشيخ.\n(^٤) هذا الأثر تتمة للأثر المتقدم في الصفحة السابقة.","vol":"9","page":502},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3109>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولو شئتَ يا محمدُ أن يُؤْمِنَ الذين كانوا لأنبيائي أعداءً مِن شياطينِ الإنسِ والجنِّ فلا يَنالُهم مكروهُهم (^١)، ويَأْمَنوا غَوائلَهم وأذاهم - فعلتُ ذلك، ولكني لم أَشَأْ ذلك؛ لأَبْتلِيَ بعضَهم ببعضٍ، فيَسْتَحِقَّ كلُّ فريقٍ منهم ما سبَق له في الكتابِ السابقِ، ﴿فَذَرْهُمْ﴾. يقولُ: فَدَعُهم، يعني الشياطينَ، الذين يُجادِلونك بالباطلِ مِن مشركي قومِك، ويُخاصمونك بما يُوحِي إليهم أولياؤُهم مِن شياطينِ الإنسِ والجنِّ، ﴿وَمَا يَفْتَرُونَ﴾. يعني: وما يَخْتَلِقون مِن إفْكٍ وزُورٍ.\nيقولُ له ﷺ: اصْبِرْ عليهم؛ فإني مِن وراءِ عقابِهم على افترائِهم على اللهِ، واخْتلاقِهم عليه الكذبَ والزُّورَ.\n\n<span id=\"aya-902\"></span><span data-type='title' id=toc-3110>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ - ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: يُوحِي بعضُ هؤلاء الشياطينِ إلى بعضٍ المُزَيَّنَ مِن القولِ بالباطلِ، ليَغُرُّوا به المؤمنين مِن أتباعِ الأنبياءِ، فيَفتِنُوهم عن دينِهم، ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾. يقولُ: ولِتَميلَ إليه قلوبُ الذين لا يُؤمِنون بالآخرةِ.\nوهو مِن صَغَوْتَ تَصْغَى وتَصْغُو - والتنزيلُ جاء بـ \"تَصْغَى\" - صَغْوًا وصُغُوًّا، وبعضُ العربِ يقولُ: صَغَيْتُ بالياءِ. حُكِي عن بعضِ بني أَسَدٍ: صَغِيتُ إلى حديثِه، فأنا أَصْغَى صُغِيًّا بالياءِ، وذلك إذا مِلْتَ، يقالُ: صَغْوِي معك. إذا كان هَواك معه ومَيْلُك، مثلُ قولِهم: ضِلَعِي معك. ويقالُ: أَصْغَيْتُ الإناءَ، إذا أَمَلْتَه؛\n_________\n(^١) في م: \"مكرهم\".","vol":"9","page":503},{"text":"ليَجْتَمِعَ ما فيه، ومنه قولُ الشاعرِ (^١):\nتَرَى السَّفيهَ به عن كلِّ مُحْكَمةٍ … زَيْغٌ وفيه إلى التَّشْبِيهِ إصْغَاءُ\nويقالُ للقمرِ إذا مال للغُيوبِ: صغا وأصْغَى.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ﴾. يقولُ: تَزِيغَ (^٢) إليه أفئدةٌ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾. قال: لِتَمِيلَ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّي: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾. يقولُ: تَمِيلَ إليه قلوبُ الكفارِ ويُحِبُّونه، ويَرْضَوْن به (^٥).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ٧/ ٦٩، واللسان (ص غ ى)، والبحر المحيط ٤/ ٢٠٥، وفي تفسير القرطبي واللسان: مكرمة بدلا من: محكمة.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"ترجع\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٠ إلى المصنف وابن المنذر وأبي الشيخ، وسيأتي بقية الأثر في الصفحة القادمة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٣ (٧٧٩٦) من طريق الضحاك، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٠ إلى ابن المنذر.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٣ عقب الأثر (٧٧٩٦) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به، وفي ٤/ ١٣٧٣ (٧٧٩٩، ٧٨٠٠) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٠ إلى أبي الشيخ.","vol":"9","page":504},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾. قال: ﴿وَلِتَصْغَى﴾: ولِيَهْوَوْا ذلك وليَرْضَوْه. قال: يقولُ الرجلُ للمرأةِ: صَغَيْتُ إليها: هَوِيتُها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-3111>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولِيَكْتَسِبُوا مِن الأعمالِ ما هم مُكْتَسِبون.\nحُكِي عن العربِ سَماعًا منها: خرَج يَقْتَرِفُ لأهلِه (^٢). بمعنى: يَكْسِبُ لهم. ومنه قيل: قارَف فلانٌ هذا الأمرَ، إذا واقَعه وعمِله.\nوكان بعضُهم يقولُ: هو التُّهْمةُ والادِّعاءُ، يقالُ للرجلِ: أنت قرَفْتَني. أي: اتَّهَمْتَني. ويقالُ: بئْسما اقْتَرَفْتَ لنفسِك. وقال رُؤْبةُ (^٣):\nأعْيَا اقْترافُ الكذبِ المَقْروفِ … تَقْوَى التَّقِيِّ وعِفَّةَ العَفيفِ\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾. قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾: ولِيَكْتَسِبوا ما هم مُكْتَسِبون (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٣ (٧٧٩٧) من طريق أصبغ عن ابن زيد به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"أهله\".\n(^٣) مجاز القرآن ١/ ٢٠٥، وتفسير القرطبي ٧/ ٧٠.\n(^٤) هذا الأثر تتمة الأثر في الصفحة السابقة.","vol":"9","page":505},{"text":"السديِّ: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾. قال: ليَعْمَلُوا ما هم عامِلون (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾. قال: ليَعْمَلُوا ما هم عامِلون (^٢).\n\n<span id=\"aya-903\"></span><span data-type='title' id=toc-3112>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ لهؤلاء العادِلين باللهِ الأوثانَ والأصنامَ، القائلين لك: كُفَّ عن آلهتِنا ونَكُفَّ عن إلهِك: إن اللهَ قد حكَم عليَّ بذكرِ آلهتِكم بما يكونُ صدًّا عن عبادتِها، ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾، أيْ: قلْ: فليس لي أن أَتَعَدَّى حكمَه وأتجاوَزَه؛ لأنه لا حَكَمَ أعدلُ منه، ولا قائلَ أصدقُ منه، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾. يعني: القرآنَ ﴿مُفَصَّلًا﴾، مُبَيَّنًا فيه الحكمُ فيما تَخْتَصِمون فيه مِن أمري وأمرِكم. وقد بيَّنا معنى \"التفصيلِ\" فيما مضَى قبلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3113>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن أنْكَر هؤلاء العادِلون باللهِ الأوثانَ مِن قومِك توحيدَ اللهِ، وأشْرَكوا معه الأندادَ، وجحَدوا ما أنْزَلْتُه إليك، وأنْكَروا أن يَكونَ حقًّا، وكذَّبوا به، فـ ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، وهو التوارةُ والإنجيلُ، مِن بني إسرائيلَ، ﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾. يعني: القرآنَ وما فيه، ﴿بِالْحَقِّ﴾.\n_________\n(^١) هذا الأثر تتمة الأثر المتقدم في صفحة ٥٠٤.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٣، ١٣٧٤ عقب الأثر (٧٨٠١، ٧٨٠٢) معلقًا.","vol":"9","page":506},{"text":"يقولُ: فصْلًا بينَ أهلِ الحقِّ والباطلِ، يَدُلُّ على صدقِ الصادقِ على (^١) اللهِ، وكذبِ الكاذبِ المُفْتَرِي عليه. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. يقولُ: فلا تَكُونَنَّ يا محمدُ مِن الشاكِّين في حقيقةِ الأنباءِ التي جاءَتك مِن اللهِ في هذا الكتابِ وغيرِ ذلك مما تضَمَّنه؛ لأن الذين آتَيْناهم الكتابَ يَعْلَمون أنه مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بالحقِّ.\nوقد بيَّنا فيما مضَى ما وجْهُ قولِه: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. بما أغْنَى عن إعادتِه، مع الروايةِ المرويةِ فيه (^٢).\nوقد حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. يقولُ: لا تَكُونَنَّ فِي شَكٍّ مما قصَصْنا عليك (^٣).\n\n<span id=\"aya-904\"></span><span data-type='title' id=toc-3114>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وكمُلَت ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾، يعني: القرآنَ.\nسمَّاه كلمةً، كما تقولُ العربُ للقَصيدةِ مِن الشعرِ يقولُها الشاعرُ: هذه كلمةُ فلانٍ.\n﴿صِدْقًا وَعَدْلًا﴾. يقولُ: كمُلَت كلمةُ ربِّك مِن الصدقِ والعدلِ.\nو\"الصدقُ\" و\"العدلُ\" نُصِبا على التفسيرِ للكلمةِ، كما يقالُ: عندي عشرون درهمًا.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"علم\"، وفي م: \"في علم\"، والمثبت هو الصواب.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٦٧٣، ٦٧٤.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٢/ ٦٧٣، ٥/ ٤٦٤.","vol":"9","page":507},{"text":"﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾. يقولُ: لا مُغَيَّرَ لما أَخْبَر في كتبِه أنه كائنٌ مِن وقوعِه في حينِه وأجلِه الذي أخْبَر اللهُ أنه واقعٌ فيه، وذلك نظيرُ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥]. فكانت إرادتُهم تبديلَ كلامِ اللهِ مسألتَهم نبيَّ اللهِ أن يَتْرُكَهم يَحْضُرون الحربَ معه، وقولَهم له ولمن معه مِن المؤمنين: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾. بعدَ الخبرِ الذي كان اللهُ أخْبَرهم تعالى ذكرُه في كتابِه بقولِه: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ الآية [التوبة: ٨٣]، فحاوَلوا تبديلَ كلامِ اللهِ وخبرَه بأنهم لن يَخْرُجوا مع نبيِّ اللهِ في غَزاةٍ، ولن يُقاتلوا معه عدوًّا، بقولِهم لهم: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾. فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا﴾ بمسألتِهم إياهم ذلك كلام اللهِ وخبرَه، ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾. فكذلك معنى قولِه: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾. إنما هو: لا مغيِّرَ لمِا أخْبَر عنه مِن خبرِ أنه كائنٌ، فيَبْطُلُ مجيئُه وكونُه ووُقُوعُه على ما أخبرَ جلَّ ثناؤُه؛ لأنه لا يَزيدُ المُفْتَرون في كتبِ اللهِ، ولا يَنْقُصون منها، وذلك أن اليهودَ والنصارى لاشكَّ أنهم أهلُ كتبِ اللهِ التي أنْزَلها على أنبيائِه، وقد أخْبَر جلَّ ثناؤُه أنهم يُحَرِّفون غيرَ الذي أخْبَر أنه لا مُبَدِّل له. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾. يقولُ: صدقًا وعدلًا فيما حكَم (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٤ (٧٨٠٧، ٧٨٠٨) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"9","page":508},{"text":"وأما قولَه: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فإن معناه: واللهُ السميعُ لمَا يقولُ هؤلاء العادِلون باللهِ، المُقْسِمون باللهِ جَهْدَ أيمانِهم: لَئن جاءتهم آيةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بها، وغيرِ ذلك مِن كلامِ خلقِه، العليمُ بما تَئُولُ إليه أيمانُهم مِن برٍّ وصدقٍ، وكذبٍ وحِنْثٍ، وغيرِ ذلك مِن أمورِ عبادِه.\n\n<span id=\"aya-905\"></span><span data-type='title' id=toc-3115>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: لا تُطِعْ هؤلاء العادِلين باللهِ الأندادَ يا محمدُ فيما دعَوْك إليه مِن أكْلِ ما ذبَحوا لآلهتِهم وأهَلُّوا به لغيرِ ربِّهم، وأشكالَهم مِن أهلِ الزَّيْعِ والضَّلالِ، فإنك إن تُطِعْ أكثر مِن في الأَرضِ يُضِلُّوكَ عن دينِ اللهِ وَمَحَجَّةِ الحقِّ والصوابِ، فيَصُدُّوك عن ذلك.\nوإنما قال اللهُ لنبيِّه: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ مِن بني آدمَ؛ لأنهم كانوا حينَئذٍ كفارًا ضُلَّالًا، فقال له جلَّ ثناؤُه: لا تُطِعْهم فيما دَعَوْك إليه، فإنك إن تُطِعْهم ضلَلْتَ ضلالَهم، وكنتَ مثلَهم؛ لأنهم لا يَدْعُونك إلى الهُدَى وقد أخْطَئوه. ثم أخْبَر جلَّ ثناؤُه عن حالِ الذين نهَى نبيَّه عن طاعتِهم فيما دَعَوْه إليه في أنفسِهم فقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾. فأَخْبَر جلَّ ثناؤُه أنهم مِن أمرِهم على ظنٍّ عندَ أنفسِهم، وحِسْبانِ على صحةِ عزمٍ عليه، وإن كان خطأً في الحقيقةِ: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. يقولُ: ما هم إلا مُتَخَرِّصون يَظُنُّون ويُوقِعون حَزْرًا لا يقينَ علمٍ.\nيقالُ منه: خرَص يَخْرُصُ خَرْصًا وخُروصًا، أي: كذَب، وتَخرَّص بظنٍّ، وتخَرَّص بكذبٍ، وخرَصْتُ النخلَ أَخْرُصُه، وخرِصَتْ إبلُك: أصابها البردُ والجوعُ.\n\n<span id=\"aya-906\"></span><span data-type='title' id=toc-3116>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ</span>","vol":"9","page":509},{"text":"بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ، إن ربَّك الذي نهاك أن تُطِيعَ هؤلاء العادلين باللهِ الأوثانَ؛ لئلا يُضِلوك عن سبيلِه، هو أعلمُ منك ومِن جميعِ خلقِه، أيَّ خلقِه يَضِلُّ عن سبيلِه بزُخْرفِ القولِ الذي يُوحِي الشياطينُ بعضُهم إلى بعضٍ، فيَصْدِفُ عن طاعتِه واتباعِ ما أمر به، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. يقولُ: وهو أعلمُ أيضًا منك ومنهم بمَن كان على استقامةٍ وسَدادٍ، لا يَخْفَى عليه منهم أحدٌ. يقولُ: واتَّبِعْ يا محمدُ ما أمَرْتُك به، وانْتَهِ عما نهَيْتُك عنه مِن طاعةِ مَن نهَيْتُك عن طاعتِه، فإني أعلمُ بالهادي والمُضِلِّ مِن خلْقي منك.\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في موضعِ \"مَن\" في قولِه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ﴾؛ فقال بعضُ نحويي البصرةِ (^١): موضعُه خفضٌ بنيةِ الباءِ. قال: ومعنى الكلامِ: إن ربَّك هو أعلمُ بمَن يَضِلُّ.\nوقال بعضُ نحويي الكوفةِ (^٢): موضعُه رفعٌ؛ لأنه بمعنى \"أيٍّ\"، والرافعُ له \"يَضِلُّ\".\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك: أنه رُفِع بـ \"يَضِلُّ\"، وهو في معنى \"أيٍّ\"، وغيرُ معلومٍ في كلامِ العربِ اسمٌ مخفوضٌ بغيرِ خافضٍ، فيَكونَ هذا له نظيرًا.\nوقد زعَم بعضُهم أن قولَه: ﴿أَعْلَمُ﴾ في هذا الموضعِ بمعنى: يَعْلَمُ، واستشهد لقيله ببيتِ حاتمٍ الطائيِّ (^٣).\nفحالَفَت طَيِّئَ مِن دُونِنا حِلِفًا … واللهُ أعلمُ ما كُنّا لهم خُذُلَا\n_________\n(^١) هو الأخفش كما تقدم في ص ٤٣١.\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ١/ ٣٥٢.\n(^٣) تفسير القرطبي ٧/ ٧٢.","vol":"9","page":510},{"text":"وبقولِ خَنْساءَ (^١):\nالقومُ أعلمُ أَن جَفْنَتَهُ … تَغْدُو غَداةَ الريحِ أو تَسْرِي (^٢)\nوهذا الذي قاله قائلُ هذا التأويلِ، وإن كان جائزًا في كلامِ العربِ، فليس قولُ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ منه، وذلك أنه عطَف عليه بقولِه: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. فأبان بدخولِ الباءِ في \"المهتدين\"، أن أعلم ليس بمعنى \"يَعْلَمُ\"؛ لأن ذلك إذا كان بمعنى\"يَفْعَلُ\"، لم يُوصَلْ بالباءِ، كما لا يُقالُ: هو يَعْلَمُ بزيدٍ. بمعنى: يَعْلَمُ زيدًا.\n\n<span id=\"aya-907\"></span><span data-type='title' id=toc-3117>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ، وعبادِه المؤمنين به وبآياِته: فكُلُوا أيُّها المؤمنون مما ذكَّيْتُم مِن ذبائِحِكم، وذبَحْتُموه الذبحَ الذي بيَّنْتُ لكم أنه تَحِلُّ به الذَّبيحةُ لكم، وذلك ماذبَحه المؤمنون بي مِن أهلِ دينِكم، دينِ الحقِّ، أو ذبَحه مَن دان بتوحيدي مِن أهل الكتابِ، دونَ ما ذبحه أهلُ الأوثانِ ومَن لا كتابَ له مِن المَجُوسِ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم بحُججِ اللهِ التي أتَتْكم وأعلامِه، بإحلالِ ما أحْلَلْتُ لكم، وتحريمِ ما حرَّمْتُ عليكم مِن المَطاعمِ والمآكلِ - مُصَدِّقين، ودَعُوا عنكم زُخْرُفَ ما تُوحِيه الشياطينُ بعضُها إلى بعضٍ مِن زُخرفِ القولِ لكم، وتَلْبيسِ دينِكم عليكم غُرورًا.\nوكان عطاءٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المثنى، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخْبَرنا ابنُ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولَه: ﴿فَكُلُوا\n_________\n(^١) أنيس الجلساء شرح ديوان الخنساء ص ٥٢.\n(^٢) تغدو: أي تأتيهم غدوة، وتسري: أي تأتيهم ليلًا، والمعنى أن كرمه يشمل قومه ليلًا ونهارًا.","vol":"9","page":511},{"text":"مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. قال: يَأْمُرُ بذكرِ اسمِه على الشرابِ والطعامِ والذبحِ، وكلُّ شيءٍ يَدُلُّ على ذكرِه يَأْمُرُ به (^١).\n\n<span id=\"aya-908\"></span><span data-type='title' id=toc-3118>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّي البصريين: معنى ذلك: وأيُّ شيءٍ لكم في ألّا تَأْكُلوا؟ قال: وذلك نظيرُ قولِه: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. يقولُ: أيُّ شيءٍ لنا في تركِ القتالِ؟ قال: ولو كانت \"أَنْ\" (^٢) زائدةً لارْتَفَع (^٣) الفعلُ، ولو كانت في معنى: وما لنا وكذا. لكانت وما لنا وأن لا تُقاتِلَ.\nوقال غيرُه: إنما دخَلَت \"لا\" للمنعِ؛ لأن تأويلَ \"ما لك\"، و\"ما مَنعك\" واحدٌ: ما منَعك لا تَفْعَلُ ذلك، وما لك لا تفعلُ. واحدٌ، فلذلك دخَلَت \"لا\".\nقال: وهذا الموضعُ تَكونُ فيه \"لا\"، وتَكونُ فيه \"أن\" مثلَ قولِه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] و\"أن لا تَضِلُّوا\": يَمْنَعُكم مِن الضلالِ بالبيانِ (^٤).\nوأولى القولين في ذلك بالصوابِ عندي قولُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ في هذا الموضعِ: وأيُّ شيءٍ يَمْنَعُكم أن تَأْكُلوا مما ذُكِر اسمُ اللهِ عليه. وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه تقدَّم إلى المؤمنين بتَحْليلِ ما ذُكِر اسمُ اللهِ عليه، وإباحةِ أكلِ ما\n_________\n(^١) ينظر تفسير القرطبي ٧/ ٧٢، وفتح القدير ٢/ ١٥٦.\n(^٢) في م: \"لا\".\n(^٣) في النسخ: \"لا يقع\" وهو تحريف والصواب ما أثبت.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٤/ ٤٤٥.","vol":"9","page":512},{"text":"ذُبِح بدينِه أو دينِ مِن كان يَدِينُ ببعضِ شَرائعِ كتبِه المعروفةِ، وتحريمِ ما أُهِلَّ به لغيرِه مِن الحيوانِ، وزَجْرِهم عن الإصغاء لما يُوحِي الشياطينُ بعضُهم إلى بعضٍ مِن زُخرفِ القولِ في الميتةِ والمُنْخَنِقةِ والمُتَرَدِّيةِ وسائرِ ما حرَّم اللهُ مِن المَطاعمِ، ثم قال: وما يَمْنَعُكم مِن أكلِ ما ذُبِح بديني الذي ارْتَضَيتُه وقد فصَّلْتُ لكم الحلالَ مِن الحرامِ فيما تَطْعَمون، وبيَّنْتُه لكم بقولي (^١): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]. فلا لَبْسَ عليكم في حَرامِ ذلك مِن حلالِه، فتَمْتَنعوا مِن أكلٍ حَلالِه، حَذَرًا مِن مُواقعةٍ حَرامِه.\nفإذ كان ذلك معناه، فلا وجهَ لقولِ مُتأوِّلي ذلك: وأيُّ شيءٍ لكم في أن لا تَأْكُلوا؟ لأن ذلك إنما يقالُ كذلك لمن كان كفَّ عن أكلِه رجاءَ ثوابٍ بالكفِّ عن أكلِه، وذلك يَكونُ ممَّن آمَن بالكفِّ، فكفَّ اتِّباعًا لأمرِ اللهِ، وتسليمًا لحكمِه، ولا نَعْلَمُ أحدًا مِن سلفِ هذه الأمةِ كفَّ عن أكلِ ما أَحَلَّ اللهُ مِن الذبائحِ رجاءَ ثوابِ اللهِ على تركِه ذلك، واعْتقادًا منه أن اللهَ حرَّمه عليه، فبيِّنٌ بذلك إذ كان الأمرُ كما وصَفْنا أن أولى التأويلين في ذلك بالصوابِ ما قلنا.\nوقد بيَّنا فيما مضى قبلُ أن معنى قولِه: فصَّل، وفصَّلْنا، وفُصِّل: بيَّن، وبُيِّن، بما يُغْنِي عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: قد بَيَّن لكم ما حرَّم عليكم (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ، عن ابنُ زيدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"بقول\"، وفي م: \"بقوله\".\n(^٢) ينظر ما تقدم ص ٢٧٦، ٤٣٢، ٤٤٣، ٥٠٦.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٦ (٧٨١٧) - عن معمر به.","vol":"9","page":513},{"text":"واخْتَلَفَت القرأةُ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾؛ [فقرَأه بعضُهم] (^١) بفتحِ أولِ الحرفين مِن ﴿فَصَّلَ﴾ [و﴿حَرَّمَ﴾ (^٢) أيْ: فصَّل ما حرَّمه] (١) مِن مطاعمِكم فبيَّنه لكم.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ﴾ بفتحِ فاءِ \"فصَّل\"، وتشديدِ صادِه، \"ما حُرِّم\" بضمِّ حائِه وتشديدِ رائِه (^٣)، بمعنى: وقد فصَّل اللهُ لكم المحرَّمَ عليكم مِن مَطاعمِكم.\nوقرَأ ذلك بعضُ المكيين وبعضُ البصريين: (وقد فُصِّل لكم) بضمِّ فائِه وتشديدِ صادِه، (ما حُرِّم عليكم) بضمِّ حائِه وتشديِد رائِه، على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه في الحرفين كليهما (^٤).\nورُوِي عن عطيةَ العَوْفيِّ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (وقد فَصَل) بتخفيفِ الصادِ وفتحِ الفاءِ (^٥)، بمعنى: وقد أتاكم حكمُ اللهِ فيما حَرَّم عليكم.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يقالُ: إن كلَّ هذه القراءاتِ الثلاثِ التي ذكَرْناها، سوى القراءةِ التي ذكرنا عن عطيةَ، قراءاتٌ معروفاتٌ، مستفيضةٌ القراءةُ بها في قرأةِ الأمصارِ، وهن متَّفقاتُ المعاني، غيرُ مختلفاتٍ، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمُصيبٌ فيه الصوابَ.\nوأما قولُه: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. فإنه يعني تعالى ذكرُه أن ما اضطُرِرْنا\n_________\n(^١) سقط مِن: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) هي قراءة نافع، وحفص عن عاصم. حجة القراءات ص ٢٦٩.\n(^٣) هي رواية أبي بكر عن عاصم، وقراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٤) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. المصدر السابق.\n(^٥) ينظر سنن سعيد بن منصور (٩١٠ - تفسير)، وتفسير القرطبي ٧/ ٧٣، والبحر المحيط ٤/ ٢١٠.","vol":"9","page":514},{"text":"إليه مِن المطاعمِ المحرَّمةِ التي بيَّن تحريمَها لنا في غيِر حالِ الضرورةِ، لنا حلالٌ ما كنا إليه مُضْطَرِّين حتى تَزولَ الضرورةُ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ عن قتادةَ: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾: مِن الميتةِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-3119>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإن كثيرًا مِن الناسِ يُجادِلُونكم في أكلِ ما حرَّم اللهُ عليكم أيُّها المؤمنون باللهِ، مِن الميتةِ، لَيُضِلُّون أتباعهم بأهوائهم مِن غيرِ علمٍ منهم بصحةِ ما يقولون، ولا بُرهانٍ عندهم بما فيه يُجادِلون، إلا ركوبًا منهم لأهوائِهم، واتباعًا منهم لدواعي نفوسهم، اعتداءً وخلافًا لأمرِ اللهِ ونهيِه، وطاعةً للشياطينِ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾. يقولُ: إن ربَّك يا محمدُ الذي أحَلَّ لك ما أَحَلَّ، وحرَّم عليك ما حرَّم، هو أعلمُ بمَن اعْتَدَى حُدودَه، فتَجاوَزها إلى خلافِها، وهو لهم بالمِرْصادِ.\nواخْتَلَفَت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿لَيُضِلُّونَ﴾؛ فقرأَته عامةُ أهلِ الكوفةِ: ﴿لَيُضِلُّونَ﴾ بمعنى: أنهم يُضِلُّون غيرَهم.\nوقرَأ ذلك بعضُ البصريين والحجازيين: (لَيَضِلُّون) بمعنى: أنهم هم الذين يَضِلُّون عن الحقِّ فيَجُورُون عنه (^٢).\nوأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك قراءةُ مِن قرَأ: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ﴾ (^٣) بمعنى: أنهم يُضِلُّون غيرَهم. وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَر نبيَّه ﷺ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤١ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.\n(^٢) قرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف بضم الياء، والباقون بالفتح. ينظر النشر ٢/ ١٩٧.\n(^٣) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"9","page":515},{"text":"عن إضلالهِم مَن تبِعهم، ونهاه عن طاعتِهم واتِّباعِهم إلى ما يَدْعُونَه إليه، فقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]. ثم أخْبَر أصحابه عنهم بمثلِ الذي أخْبَره عنهم، ونهاهم مِن قَبولِ قولِهم عن مثلِ الذي نهاه عنه، فقال لهم: وإن كثيرًا منهم ليُضلُّونكم بأهوائِهم بغيرِ علمٍ. نظيرَ الذي قال لنبيِّه ﷺ: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].\n\n<span id=\"aya-909\"></span><span data-type='title' id=toc-3120>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ودَعُوا أَيُّها الناسُ عَلانيةَ الإثمِ، وذلك ظاهرُه، وسرَّه، وذلك باطنُه.\nكذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ أي: قليلَه وكثيرَه، وسرَّه وعلانيتَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾. قال: سرَّه وعلانيتَه (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾. يقولُ: سرَّه وعلانيتَه. وقولهِ: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١، الأعراف: ٣٣]. قال: سرَّه وعلانيتَه (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾. قال: نهَى اللهُ عن\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٧ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٧ (٧٨٢٤، ٧٨٢٨) - عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٧ عقب الأثرين (٧٨٢٤، ٧٨٢٨) من طريق أبي جعفر به.","vol":"9","page":516},{"text":"ظاهرِ الإثمِ وباطنهِ أن يُعْمَلَ به سرًّا أو علانيةً، وذلك ظاهرُه وباطنُه (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ.\nعن مجاهدٍ: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾: معصيةَ اللهِ في السرِّ والعلانيةِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾. قال: هو ما يَنْوِي مما هو عاملٌ (^٣).\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالظاهرِ مِن الإثمِ والباطنِ منه في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: الظاهرُ منه ما حرَّم جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٣]. والباطنُ منه الزنى.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾. قال: الظاهرُ منه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ والأمهاتِ والبناتِ والأخواتِ، والباطنُ الزنى (^٤).\nوقال آخرون: الظاهرُ أُولاتُ الراياتِ مِن الزَّواني، والباطنُ ذواتُ الأَخْدانِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٦ (٧٨٢١) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به مختصرا.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٣١٦.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٢، إلى ابن المنذر وأبي الشيخ. وينظر تفسير البغوي ٣/ ١٨٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٦، ١٣٧٧ (٧٨٢٣، ٧٨٢٧) من طريق حماد بن سلمة به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤١ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"9","page":517},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنِ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفضلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾: أما ظاهرُه فالزَّواني في الحَوانيتِ، وأما باطنُه فالصديقةُ يَتَّخِذُها الرجلُ فيَأْتِيها سرًّا (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثني عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١]: كان أهلُ الجاهليةِ يَسْتَسِرُّون بالزنى، ويَرَوْن ذلك حلالًا ما كان سرًّا، فحرَّم الله السرَّ منه والعلانيةَ، ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. يعني العلانيةَ ﴿وَمَا بَطَنَ﴾. يعني السرَّ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي مَكِينٍ وأبيه، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. قال: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الجمعُ بينَ الأختين، وتزويجُ الرجلِ امرأةَ أبيه مِن بعدِه ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنى (^٣).\nوقال آخرون: الظاهرُ التَّعَرِّي والتَّجَرُّدُ مِن الثيابِ وما يَسْتُرُ العورةَ في الطَّوافِ، والباطنُ الزنى.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٧ (٧٨٢٥، ٧٨٢٩) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) ينظر التبيان ٤/ ٢٥٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤١٦ (٨٠٦٨) مِن طريق خصيف به مقتصرا على أوله، وذكره وعلق آخره في ٥/ ١٤١٧ عقب الأثر (٨٠٧٢).","vol":"9","page":518},{"text":"تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قال: ظاهرُه العُرْيَةُ التي كانوا يَعْمَلون بها حينَ يَطُوفون بالبيتِ، وباطنُه الزنى (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يُقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه تقَدَّم إلى خلقِه بتركِ ظاهرِ الإثمِ وباطنِه، وذلك سرُّه وعلانيتُه، والإثمُ كلُّ ما عُصِي اللهُ بِه مِن مَحارمِه، وقد يَدْخُلُ في ذلك سرُّ الزنى وعلانيتُه، ومُعاهَرَةُ أهلِ الراياتِ وأولاتِ الأخْدانِ منهن، ونكاحُ حَلائِل الآباءِ والأمهاتِ والبناتِ، والطوافُ بالبيتِ عُرْيانًا، وكلُّ معصيةٍ للهِ ظَهَرَت أو بطَنَت. وإذ كان ذلك كذلك، وكان جميعُ ذلك إثمًا، وكان اللهُ عمَّ بقولِه: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ جميعَ ما ظهَر مِن الإثمِ وجميعَ ما بطَن، لم يَكُنْ لأحدٍ أن يَخُصَّ مِن ذلك شيئًا دونَ شيءٍ إلا بحجةٍ للعذرِ قاطعةٍ.\nغيرَ أنه لو جاز أن يُوَجَّهَ ذلك إلى الخصوصِ بغيرِ بُرهانٍ، كان توجيهُه إلى أنه عُنِي بظاهرِ الإثمِ وباطنِه في هذا الموضعِ ما حرَّم اللهُ مِن المَطاعمِ والمآكلِ، مِن الميتةِ والدمِ، وما بيَّن اللهُ تحريمَه في قولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ [المائدة: ٣] - أولى، إذ كان ابتداءُ الآياتِ قبلَها بذكرِ تحرِيم ذلك جَرَى، وهذه في سياقِها، ولكنه غيرُ مُسْتَنْكَرٍ أن يَكونَ عُنِي بها ذلك، وأُدْخِل فيها الأمرُ باجتنابِ كلِّ ما جانَسَه مِن معاصي اللهِ، فخرَج الأمرُ عامًّا بالنهيِ عن كلِّ ما ظهَر أو بطَن مِن الإثمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3121>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين يَعْمَلون بما نهاهم اللهُ عنه، ويَرْكَبون معاصيَ اللهِ\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٤/ ٢٥٥، وتفسير البغوي ٣/ ١٨٣، والبحر المحيط ٤/ ٢١٢.","vol":"9","page":519},{"text":"ويَأْتُون ما حرَّم اللهُ، ﴿سَيُجْزَوْنَ﴾. يقولُ: سيُثِيبُهم اللهُ يومَ القيامةِ بما كانوا في الدنيا يَعْمَلُون مِن مَعاصِيه.\n\n<span id=\"aya-910\"></span><span data-type='title' id=toc-3122>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾.</span>\nيعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾: لا تَأْكُلوا أيُّها المؤمنون مما مات فلم تَذْبَحوه أنتم، أو يَذْبَحْه مُوَحِّدٌ يَدِينُ اللهِ بشرائعَ شرَعها له في كتابٍ مُنَزَّلٍ، فإنه حرامٌ عليكم، ولا ما أُهِلَّ به لغيرِ اللهِ مما ذبَحه المشركون لأوثانِهم، فإن أكْلَ ذلك فسقٌ، يعني: معصيةُ كفرٍ.\nفكنَى بقولِه: ﴿وَإِنَّهُ﴾ عن الأكلِ، وإنما ذكَر الفعلَ، كما قال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣].\nيُرادُ به: فزاد قولُهم ذلك إيمانًا. فكنَى عن القولِ، وإنما جرَى ذكرُه بفعلٍ.\n﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ اخْتَلَف أهلُ التأويل في المعنيِّ بقولِه: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك شياطينُ فارسَ ومَن على دينِهم مِن المجوسِ ﴿إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ مِن مَرَدةِ مشركي قريشٍ، يُوحُون إليهم زُخْرفَ القولِ بجدالِ (^١) نبيِّ اللهِ وأصحابِه في أكلِ الميتةِ.\nذكرُ مِن قال ذلك\nحدَّثني عبدُ الرحمنِ بنِ بشرِ بنِ الحكمِ النيسابوريُّ، قال: ثنا موسى بنُ عبدِ العزيزِ القِنْباريُّ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ: لما نزَلَت هذه الآيةُ، تحريمَ الميتةِ، قال: أوْحَت فارسُ إلى أوليائِها مِن قريشٍ أن خاصِموا محمدًا - وكانت\n_________\n(^١) في م: \"ليصل إلى\".","vol":"9","page":520},{"text":"أولياءَهم في الجاهليةِ - وقولوا له: إنَّ ما ذبَحْتَ فهو حلالٌ، وما ذبَح اللهُ - قال ابنُ عباسٍ: بشِمْشارٍ (^١) مِن ذهبٍ - فهو حرامٌ! فأنْزَل اللهُ هذه الآيةَ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾. قال: الشياطينُ فارسُ، وأولياؤُهم قريشٌ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال عمرُو بنُ دينارٍ، عن عكرمةَ: إن مُشْرِكي قريشٍ كاتَبوا فارسَ على الرومِ، وكاتَبَتْهم فارسُ، وكتَبَت فارسُ إلى مشركي قريشٍ: إن محمدًا وأصحابَه يَزْعُمون أنهم يَتَّبِعون أمرَ اللهِ، فما ذبَح اللهُ بسكينٍ مِن ذهبٍ، فلا يَأْكُلُه محمدٌ وأصحابُه - للميتةِ - وأما ما ذبحوا هم يَأْكُلون. وكتَب بذلك المُشْرِكون إلى أصحابِ محمدٍ ﵊، فوقَع في أنفسِ ناسٍ مِن المسلمين مِن ذلك شيءٌ، فنزَلَت: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ﴾ الآية. ونزَلَت: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (^٣) [الأنعام:١١٢].\nوقال آخرون: إنما عُنِي بالشياطينِ الذين يَغرُّون بني آدمَ، أنهم أَوْحَوْا إلى أوليائِهم مِن قريشٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، قال: كان مما أوْحَى الشياطينُ إلى أوليائِهم مِن الإنسِ: كيف تَعْبُدون شيئًا لا\n_________\n(^١) الشمشار: السيف بالفارسية. المعجم الذهبي ص ٣٧٨، وفيه: شَمْشير.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٩ (٧٨٤٢) عن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم به مختصرا. وأخرجه الطبراني في الكبير (١١٦١٤) مِن طريق موسى بن عبد العزيز، عن الحكم، عن عكرمة، عن ابن عباس بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٢ إلى المصنف وأبي الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٢١ عن عكرمة به.","vol":"9","page":521},{"text":"تَأْكُلون مما قتَل، وتَأْكُلون أنتم ما قتَلْتُم؟ فرَوَى الحديثَ حتى بلَغ النبيَّ ﷺ، فنزَلَت: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: قولَه: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾. قال: إبليسُ الذي يُوحِي إلى مشركي قريشٍ (^١).\nقال ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: شياطينُ الجنِّ يُوحُون إلى شياطينِ الإنسِ؛ يوحون إلى أوليائهم ليجادِلوكم.\nقال ابنُ جُريجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ، قال: سَمِعْتُ أن الشياطينَ يُوحُون إلى أهلِ الشركِ، يَأْمُرونهم أن يقولوا: ما الذي يَموتُ وما الذي تَذْبَحون إلا سواءٌ.\nيَأْمُرونهم أن يُخاصِموا بذلك محمدًا ﷺ. ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾.\nقال: قولُ المشركين: أمَا ما ذبَح اللهُ - للميتةِ - فلا تَأْكُلون، وأما ما ذبَحْتُم بأيديكم فحلالٌ!\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمارٍ الرازيُّ، قال: ثنا سعيدٌ بنُ سليمانَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: إن المشركين قالوا للمسلمين: ما قتَل ربُّكم فلا تَأْكُلون، وما قتَلْتُم أنتم تَأْكُلونه! فَأَوْحَى اللهُ إلى نبيِّه ﷺ ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما حرَّم اللهُ الميتةَ أمرَ الشيطانُ أولياءَه فقال لهم: ما قتَل اللهُ لكم خيرٌ مما تَذْبَحون أنتم بسَكاكيِنكم. فقال اللهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٢ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"9","page":522},{"text":"حدَّثنا يحيى بنُ داودَ الواسطيُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ يوسُفَ الأزْرقُ، عن سفيانَ، عن هارونَ بنِ عَنْترةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: جادَل المشركون المسلمين فقالوا: ما بالُ ما قتَل اللهُ لا تَأْكُلونه، وما قتَلْتُم أنتم أكَلْتُموه، وأنتم تَتَّبِعون أمرَ اللهِ؟ فأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباس في قولِه: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾. يقولون: ما ذبَح اللهُ فلا تَأْكُلوه، وما ذبَحْتُم أنتم فكُلُوه! فأنْزَل اللهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، أن ناسًا مِن المشركين دخَلوا على رسولِ اللهِ ﷺ، فقالوا: أخْبِرْنا عن الشاةِ إذا ماتَت مِن قتَلها؟ فقال: \"اللهُ قتَلها\". قالوا: فتَزْعُم أن ما قتَلْتَ أنت وأصحابُك حلالٌ، وما قتَله اللهُ حرامٌ؟ فأنْزَل اللهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن الحضرميِّ، أن ناسًا مِن المشركين قالوا: أما ما قتَل الصَّقْرُ والكلبُ فتأْكُلونه، وأما ما قتَل اللهُ فلا تَأْكُلونه!\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٤٤٤٩)، وفي الكبرى (١١١٧١) - ومن طريقه النحاس في ناسخه ص ٤٤١ - والحاكم ٤/ ٢٣٣ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٢ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه الحاكم ٤/ ١١٣، ٢٣١ من طريق عبيد الله بن موسى به، وأخرجه أبو داود (٢٨١٨) - ومن طريقه البيهقي ٩/ ٢٤١ - من طريق إسرائيل به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٢ إلى أبي داود في ناسخه.","vol":"9","page":523},{"text":"عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨]. قال: قالوا: يا محمدُ، أما ما قتَلْتُم وذبَحْتُم فتَأْكُلونه، وأما ما قتَل ربُّكم فتُحَرِّمونه! فأنْزَل اللهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾. وإن أطَعْتُموهم في أكلِ ما نهَيْتُكم عنه، إنكم إذن لمشركون (^١).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أَخْبَرنا هُشَيْمٌ، عَن جُويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: قال المشركون: ما قتَلْتُم فتَأْكُلونه، وما قتَل ربُّكم لا تَأْكُلونه! فنزَلَت: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾. قولُ المشركين: أما ما ذبَح اللهُ - للميتةِ - فلا تَأْكُلون منه، وأما ما ذبَحْتُم بأيديكم فهو حلالٌ (^٣)!\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾. قال: جادَلهم المشركون في الذَّبيحةِ فقالوا: أما ما قتَلْتُم بأيديكم فتَأْكُلونه، وأما ما قتَل اللهُ فلا تَأْكُلونه! يعنون الميتةَ، فكانت هذه مُجادَلتَهم إياهم (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٠ (٧٨٤٨) من طريق عبد الله بن صالح به مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٢ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ، وسيأتي بتمامه في ص ٥٣١.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٢ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٢٧.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٧ عن معمر به.","vol":"9","page":524},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الآية. يعني: عدوُّ اللهِ إبليسُ أوْحَى إلى أوليائِه مِن أهلِ الضَّلالةِ، فقال لهم: خاصِموا أصحابَ محمدٍ في الميتةِ، فقولوا: أما ما ذبَحْتُم وقتَلْتُم فتَأْكُلون، وأما ما قتَل اللهُ فلا تَأْكُلون، وأنتم تَزْعُمون أنكم تَتَّبعون أمرَ اللهِ! فأنْزَل اللهُ على نبيِّه: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾. وإنا واللهِ ما نَعْلَمُه كان شِرْكٌ قطُّ إلا بإحدى ثلاثٍ؛ أَن يَدْعُوَ (^١) مع اللهِ إِلَهًا آخرَ، أو يَسْجُدَ لغيرِ اللهِ، أو يُسمِّيَ الذبائحَ لغيرِ اللهِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾: إن المشركين قالوا للمسلمين: كيف تَزْعُمون أنكم تَتَّبِعون مَرْضاةَ اللهِ، وما ذبَح اللهُ فلا تَأْكُلونه، وما ذبَحْتُم أنتم أكَلْتُموه؟ فقال اللهُ: لَئِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ فأكَلْتم الميتةَ ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾. قال: كانوا يَقولون: [ما ذُكِر اللهُ عليه، وما ذبَحْتُم فكُلوا!] (^٤) فنزَلَت: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، والدر المنثور: \"يدعي\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٢١ عن السدي.\n(^٤) كذا وردت العبارة في النسخ، ومصدرا التخريج: \"ما ذكر عليه اسم الله فلا تأكلوا، وما لم يذكر اسم الله عليه فكلوه\". وهو الصواب.\n(^٥) أخرجه ابن ماجه (٣١٧٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٠ (٧٨٤٥) من طريق وكيع به وتقدم ص ٥٢٣.","vol":"9","page":525},{"text":"حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إلى قولِه: ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾.\nقال: يقولُ: يُوحِي الشياطينُ إلى أَوليائِهم: تَأْكُلون ما قتَلْتُم، ولا تَأْكُلون مما قتَل اللهُ! فقال: إن الذي قتَلْتُم يُذْكَرُ اسمُ اللهِ عليه، وإن الذي مات لم يُذْكَرِ اسمُ اللهِ عليه (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخْبرَنا عبيدُ ابنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ (^٢) في قولِه: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾: هذا في شأنِ الذَّبيحةِ. قال: قال المشركون للمسلمين: تَزْعُمون أن اللهَ حرَّم عليكم الميتةَ، وأحَلَّ لكم ما تَذْبَحون أنتم بأيديكم، وحرَّم عليكم ما ذبَح هو لكم! وكيف هذا وأنتم تَعْبُدونه! فأَنْزَل اللهُ هذه الآيةَ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إلى قولِه: ﴿لَمُشْرِكُونَ﴾.\nوقال آخرون: كان الذين جادَلوا رسولَ اللهِ ﷺ في ذلك قومًا مِن اليهودِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى وسفيانُ بنُ وكيعٍ، قالا: ثنا عمرانُ بنُ عُيينةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ - قال ابنُ عبدِ الأعلى:\nخاصَمَت اليهودُ النبيَّ ﷺ. وقال ابنُ وكيعٍ: جاءَت اليهودُ إلى النبيَّ ﷺ فقالوا: نَأْكُلُ ما قتَلْنا، ولا نَأْكُلُ ما قتل اللهُ! فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٩، ١٣٨٠ (٧٨٤٣، ٧٨٤٦) من طريق جرير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٢ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) ليست في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.","vol":"9","page":526},{"text":"يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ: أن يقالَ: إن اللهَ أخْبَر أن الشياطينَ يُوحُون إلى أوليائِهم لِيُجِادلوا المؤمنين في تحريمِهم أكلَ الميتةِ بما ذكَرْنا مِن جِدالِهم إياهم، وجائزٌ أن يكون المُوحُون كانوا شياطينَ الإنسِ يُوحُون إلى أوليائِهم منهم، وجائزٌ أن يَكونوا شياطينَ الجنِّ أَوْحَوْا إلى أوليائِهم مِن الإنسِ، وجائزٌ أن يكونَ الجِنْسان كلاهما تَعاوَنا على ذلك، كما أخْبَر اللهُ عنهما في الآيةِ الأخرى التي يقولُ فيها: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]. بل ذلك الأغلبُ مِن تأويلِه عندي؛ لأن اللهَ أخْبَر نبيَّه أنه جعَل له أعداءً مِن شياطينِ الجنِّ والإنسِ، كما جعَل لأنبيائِه مِن قبلِه، يُوحِي بعضُهم إلى بعضٍ المُزَيَّنَ مِن الأقوالِ الباطلةِ، ثم أعْلَمه أن أولئك الشياطينَ يُوحُون إلى أوليائِهم مِن الإنسِ ليُجادِلوه ومَن تبِعه مِن المؤمنين فيما حرَّم اللهُ مِن الميتةِ عليهم.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذي عنَى الله جلَّ ثناؤُه بنهيِه عن أكلِه مما لم يُذْكَرِ اسمُ اللهِ عليه؛ فقال بعضُهم: هو ذبائحُ كانت العربُ تَذْبَحُها لآلهتِها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى ومحمدُ بنُ بشارٍ، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخْبَرنا ابنُ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾؟ قَالَ: يَأْمُرُ بذكرِ اسمِه على الشرابِ والطعامِ والذبحِ. قلتُ لعطاءٍ: فما قولُه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٨١٩)، والطبراني (١٢٢٩٥)، والبيهقي ٩/ ٢٤٠ من طريق عمران بن عيينة به، وأخرجه الترمذي (٣٠٦٩) من طريق عطاء بن السائب به.","vol":"9","page":527},{"text":"مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾؟ قال: يَنْهَى عن ذبائحَ كانت في الجاهليةِ على الأوثانِ، كانت تَذْبَحُها العربُ وقريشٌ (^١).\n[وقال آخرون: هي الميتةُ] (^٢).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ ابنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. قال: الميتةُ (^٣).\nوقال آخرون: بل عنَى بذلك كلَّ ذَبيحةٍ لم يُذْكَرِ اسمُ اللهِ عليها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن جُهَيرِ (^٤) بنِ يزيدَ، قال: سُئِل الحسنُ، سأَله رجلٌ قال له: أُتِيتُ بطيرِ كَرًا (^٥)، فمنه ما ذُبِح فذكِر اسمُ اللهِ عليه، ومنه ما نُسِي أن يُذْكَرَ اسمُ اللهِ عليه، واخْتَلَط الطيرُ. فقال الحسنُ: كُلْه كلَّه. قال: وسَأَلْتُ محمدَ ابنَ سِيرينَ، فقال: قال اللهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (^٦).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن أيوبَ وهشامٍ، عن\n_________\n(^١) تقدم شطره الأول في ص ٥١١، ٥١٢، وأخرج ابن أبي حاتم شطره الثاني في تفسيره ٤/ ١٣٧٨ (٧٨٣٦) من طريق ابن جريج به بنحوه.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٨ (٧٨٣٣) من طريق جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٤) في م: \"حميد\" وتنظر ترجمته في التاريخ الكبير ٢/ ٢٥٥، والجرح والتعديل ٢/ ٥٤٧.\n(^٥) في م: \"كذا\" والكرا: لغة في الكَرَوان، ويجمع على كِرْوان وكَراوين: ينظر اللسان (ك ر و).\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣١٩ عن المصنف.","vol":"9","page":528},{"text":"محمدِ بنِ سِيرينَ، عن عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ الخَطْميِّ، قال: كُلوا مِن ذبائحِ أهلِ الكتابِ والمسلمين، ولا تَأْكُلوا مما لم يُذْكَرِ اسمُ اللهِ عليه (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بن هارونَ، عن أشعثَ، عن ابنِ سِيرينَ، عن عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ، قال: كنتُ أَجْلِسُ إليه في حَلقَةٍ (^٢)، فكان يَجْلِسُ فيها ناسٌ مِن الأنصارِ هو رأسُهم، فإذا جاء سائلٌ فإنما يَسْأَلُه ويَسْكُتون. قال: فجاءه رجلٌ فسأَله فقال: رجلٌ ذبَح فنسِي أن يُسَمِّيَ؟ فتلا هذه الآيةَ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ حتى فرَغ منها.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللهَ عنَى بذلك ما ذُبِح للأصنامِ والآلهةِ، وما مات أو ذبَحَه مَن لا تَحِلُّ ذَبيحتُه.\nوأما مَن قال: عُنِي بذلك ما ذبَحَه المسلمُ فنَسِي ذكرَ اسمِ اللهِ. فقولٌ بعيدٌ مِن الصوابِ؛ لشُذوذِه وخُروجِه عما عليه الحجةُ مُجْمِعةٌ مِن تَحليلِه، وكفَى بذلك شاهدًا على فسادِه. وقد بيَّنا فسادَه مِن جهةِ القياسِ في كتابِنا المُسَمَّى \"لطيف القولِ في أحكامِ شرائعِ الدينِ\"، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ.\nوأما قولُه: ﴿لَفِسْقٌ﴾. فإنه يعني: وإِنَّ أَكْلَ ما لم يُذْكَرِ اسمُ اللهِ عليهِ مِن الميتةِ وما أُهِلَّ به لغيرِ اللهِ لَفِسْقٌ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"الفسقِ\" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناه: المعصيةُ. فتأويلُ الكلامِ على هذا: وإنَّ أكْلَ ما لم يُذْكَرِ اسمُ اللهِ عليه لمعصيةٌ للهِ وإثمٌ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) المتكلم هنا ابن سيرين.","vol":"9","page":529},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾. قال: الفسقُ المعصيةُ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك الكفرُ.\nوأما قولُه: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾. فقد ذكَرْنا اختلافَ المختلفين في المَعْنِيِّين (^٢) بقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ﴾ والصوابَ مِن القولِ فيه (^٣).\nوأما إيحاؤُهم إلى أوليائِهم، فهو إشارتُهم إلى ما أشاروا لهم إليه؛ إما بقولٍ، وإما برسالةٍ، وإما بكتابٍ.\nوقد بيَّنا معنى\"الوحي\" فيما مضَى قبلُ بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٤).\nوقد حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا عكرمةُ، عن أبي زُمَيْلٍ، قال: كنتُ قاعدًا عندَ ابنِ عباسٍ، فجاءه رجلٌ مِن أصحابِه فقال: يا أبا عباسٍ، زعَم أبو إسحاقَ أنه أُوحِي إليه الليلةَ. يعني المُختارَ بنَ أبي عُبَيدٍ. فقال ابنُ عباسٍ: صدَق فنفَرْتُ، فقلتُ: يقولُ ابنُ عباسٍ: صدَق؟ فقال ابنُ عباسٍ: هما وَحْيان؛ وَحْيُ اللهِ، ووحيُ الشيطانِ، فوحْيُ اللهِ إلى محمدٍ، ووحيُ الشياطينِ إلى أوليائِهم. ثم قرَأ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٩ (٧٨٣٨) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) في م: \"المعنِيّ\".\n(^٣) ينظر ما تقدم ص ٥٢٠ - ٥٢٧.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٥/ ٤٠١، ٤٠٢.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٧٩ (٧٨٤١) من طريق أبي حذيفة به.","vol":"9","page":530},{"text":"وأما \"الأولياء\": فهم النُّصَراءُ والظُّهَراءُ في هذا الموضعِ.\nويعني بقولِه: ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾: ليُخاصِموكم. بالمعنى الذي قد ذكَرْتُ قبلُ.\nوأما قولُه: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾. فإنه يعني: وإن أطَعْتُموهم في أكلِ الميتةِ وما حرَّم عليكم ربُّكم.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ ابنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾. يقولُ: وإن أطَعْتُموهم في أكلِ ما نهَيْتُكم عنه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ فأكَلْتُم الميتةَ (^٢).\nوأما قولُه: ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾. يعني: إنكم إذن مثلُهم، إذ كان هؤلاء يَأْكُلون الميتةَ اسْتِحْلالًا، فإذا أنتم أكَلْتُموها كذلك فقد صِرْتُم مثلَهم مُشْرِكين.\nواخْتَلَف أهلُ العلمِ في هذه الآيةِ: هل نُسِخ مِن حكمِها شيءٌ أم لا؟ فقال بعضُهم: لم يُنْسَخْ منها شيءٌ، وهي مُحْكَمةٌ فيما عُنِيَت به. وعلى هذا قولُ عامةِ أهلِ العلمِ.\nورُوِي عن الحسنِ البصريِّ وعكرمةَ ما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ بنِ واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ قالا: قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٠ (٧٨٤٨) من طريق عبد الله بن صالح به، وهو جزء من الأثر المتقدم في ص ٥٢٤.\n(^٢) جزء من الأثر المتقدم في ص ٥٢٥.","vol":"9","page":531},{"text":"﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فنسَخ، واسْتَثْنَى مِن ذلك فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (^١) [المائدة: ٥].\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن هذه الآيةَ مُحْكَمةٌ فيما أُنْزِلَت لم يُنْسَخْ منها شيءٌ، وأن طعامَ أهلِ الكتابِ حَلالٌ، وذبائحَهم ذَكِيَّةٌ، وذلك مما حرَّم اللهُ على المؤمنين أكلَه بقولِه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ بمَعْزِلٍ؛ لأن اللهَ إنما حرَّم علينا بهذه الآيةِ الميْتةَ وما أُهِلَّ به للطَّواغيتِ، وذبائحُ أهلِ الكتابِ ذكيةٌ، سَمَّوْا عليها أو لم يُسَمُّوا؛ لأنهم أهلُ توحيدٍ، وأصحابُ كتبٍ للهِ يَدِينون بأحْكامِها، يَذْبَحون الذبائحَ بأدْيانِهم، كما يَذبَحُ المسلمُ بدينِه، سمَّى اللهَ على ذبيحتِه أو لم يُسَمِّه، إلا أن يَكونَ ترَك مِن ذكرِ تسميةِ اللهِ على ذبيحتِه، على الدَّيْنونةِ بالتعطيلِ، أو بعبادةِ شيءٍ سوى اللهِ، فيَحْرُمُ حينَئذٍ أكلُ ذَبيحتِه، سمَّى اللهَ عليها أو لم يُسَمِّ.\n\n<span id=\"aya-911\"></span>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾.\n\nوهذا الكلامُ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه يَدُلُّ على نهيِه المؤمنين برسولِه يومَئذٍ عن طاعةِ بعضِ المشركين الذين جادَلوهم في أكلِ الميتةِ، بما ذكَرْنا عنهم مِن جِدالِهم إياهم به، وأمْرِه إياهم بطاعةِ مؤمنٍ منهم كان، أو (^٢) كافرًا، فهَدَاه جلَّ ثناؤُه لرُشْدِه، ووفَّقه للإيمانِ، فقال لهم: أطاعةُ ﴿مَنْ كَانَ مَيْتًا﴾. يقولُ: مَن كان كافرًا فجعَله جلَّ ثناؤُه لانْصِرافِه عن طاعتِه، وجهلِه بتوحيدِه وشَرائعِ دينِه، وتركِه الأخذَ بنصيبِه مِن العملِ للهِ بما يُؤَدِّيه إلى نجاتِه - بمنزلةِ الميتِ الذي لا يَنْفَعُ نفسَه بنافعةٍ، ولا يَدْفَعُ عنها\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣١٩ عن المصنف.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"9","page":532},{"text":"مِن مَكْروهِ نازلةٍ ﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾. يقولُ: فهدَيْناه للإسلامِ، فأَنْعَشْناه، فصار يَعْرِفُ مَضارَّ نفسِه ومَنافعَها، ويَعْمَلُ في خَلاصِها مِن سَخَطِ اللهِ وعقابِه في مَعادِه. فجعَل إبْصارَه الحقَّ تعالى ذكرُه - بعدَ عَماه عنه، ومعرفتَه بوَحْدانيتِه وشَرائعِ دينِه بعدَ جهلِه بذلك - حياةً وضياءً يَسْتَضِيءُ به، فيَمْشِي على قصدِ السبيلِ ومنهجِ الطريقِ في الناسِ ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ لا يَدْرِي كيف يَتَوَجَّهُ، وأيَّ طريقٍ يَأْخُذُ؛ لشدةِ ظُلْمةِ الليلِ، وإضلالِه الطريقَ، فكذلك هذا الكافرُ الضالُّ في ظلماتِ الكفرِ، لا يُبْصِرُ رُشْدًا، ولا يَعْرِفُ حقًّا، يعني في ظلماتِ الكفرِ. يقولُ: أَفَطَاعةُ هذا الذي هدَيْناه للحقِّ وبصَّرْناه الرشادَ، كطاعةِ مَن مَثَلُه مَثَلُ مَن هو في الظلماتِ مُتَرَدِّدٌ، لا يَعْرِفُ المَخْرَجَ منها، في دعاءِ هذا إلى تحريمِ ما حرَّم اللهُ وتحليلِ ما أحَلَّ، وتحليلِ هذا ما حرَّم اللهُ وتحريمِه ما أَحَلَّ؟\nوقد ذُكِر أن هذه الآية نَزَلَت في رجلين بأعْيانِهما معروفَيْن؛ أحدُهما مؤمنٌ والآخَرُ كافرٌ.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فيهما؛ فقال بعضُهم: أما الذي كان مَيْتًا فأحْياه اللهُ، فعمرُ بنُ الخطابِ ﵁، وأما الذي مثلُه في الظلماتِ ليس بخارجٍ منها، فأبو جهلِ بنُ هشامٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخْبرَنا سليمانُ بنُ أَبي هَوْذَةَ، عن شُعيبٍ السَّرَّاجِ، عن أبي سِنانٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾. قال: عمرُ بنُ الخطابِ ﵁، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾. قال: أبو جهلِ بنُ هشامٍ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨١، ١٣٨٣ (٧٨٥٢، ٧٨٦٣) من طريق شعيب بن العلاء السراج به.","vol":"9","page":533},{"text":"وقال آخرون: بل الميتُ الذي أحْياه اللهُ عمارُ بنُ ياسرٍ ﵁، وأما الذي مثَلُه في الظلماتِ ليس بخارجٍ منها، فأبو جهلِ بنُ هشامٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن بشرِ بنِ تَيْمٍ، عن رجلٍ، عن عكرمةَ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾. قال: نزَلَت في عمارِ بنِ ياسرٍ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن ابنِ عُيَينةَ، عن بشرِ بنِ (^٢) تيمٍ، عن عكرمةَ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾: عمارُ بنُ ياسرٍ، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾: أبو جهلِ بنُ هشامٍ (^٣).\nوبنحوِ الذي قلنا في الآيةِ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾. قال: ضالًّا فهدَيْناه ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾. قال: هُدًى. ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾. قال: في الضلالةِ أبدًا (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨١ (٧٨٥٤) من طريق سفيان بن عيينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٣ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) في م: \"عن\".\n(^٣) ينظر التاريخ الكبير ٢/ ٩٦.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٢٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٨٢ (٧٨٦٢) بالجزء الأخير من الأثر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"9","page":534},{"text":"مجاهدٍ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾: هَدَيْناه. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾: في الضلالةِ أبدًا.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾. قال: ضالًّا فهدَيْناه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾. يعني: مَن كان كافرًا فهدَيْناه ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾. يعني بالنورِ القرآنَ، مَن صدَّق به وعمِل به، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾. يعني بالظلماتِ الكفرَ والضلالةَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ يقولُ: الهدى. ﴿يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾. يقولُ: فهو الكافرُ يَهْدِيه اللهُ للإسلامِ. يقولُ: كان مُشْركًا فهدَيْناه. ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾: هذا المؤمنُ معه مِن اللهِ نورٌ وبيِّنةٌ، يَعْمَلُ بها ويَأْخُذُ، وإليها يَنْتَهِي؛ كتابُ اللهِ ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾: وهذا مثلُ الكافرِ في الضلالةِ، مُتَحَيِّرٌ فيها مُتَسَكِّعٌ، لا يَجِدُ مخرجًا ولا مَنْفَذًا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨١، ١٣٨٢ (٧٨٥١، ٧٨٥٥، ٧٨٥٦، ٧٨٦١) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٣ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٢ (٧٨٥٧) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٢، ١٣٨٣ (٧٨٥٩، ٧٨٦٥) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٣ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.","vol":"9","page":535},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾.\nيقولُ: مَن كان كافرًا فجعَلْناه مسلمًا، وجعَلْنا له نورًا يَمْشِي به في الناسِ، وهو الإسلامُ. يقولُ: هذا كمَن هو في الظلماتِ. يعني الشركَ (^١).\nحدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾. قال: الإسلامُ الذي هداه اللهُ إليه، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾: ليس مِن أهلِ الإسلامِ. وقرَأ: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. قال: والنورُ يَسْتَضِيءُ به ما في بيتِه ويُبْصِرُه، وكذلك الذي آتاه اللهُ هذا النورَ يَسْتَضِيءُ به في دينِه، ويَعْمَلُ به في نورِه (^٢)، كما يستَضِيءُ صاحبُ هذا السِّراجِ. قال: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾: لا يَدْرِي ما يَأْتِي ولا ما يَقَعُ عليه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-3123>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: كما خذَلْتُ هذا الكافرَ الذي يُجادِلُكم أيُّها المؤمنون باللهِ ورسولِه في أكلِ ما حرَّمْتُ عليكم مِن المطاعمِ عن الحقِّ، فزيَّنْتُ له سُوءَ عملِه فرآه حسنًا؛ ليَسْتَحِقَّ به ما أَعْدَدْتُ له من أليمِ العقابِ، كذلك زيَّنتُ لغيرِه ممَّن كان على مثلِ ما هو عليه مِن الكفرِ باللهِ وآياتِه ما كانوا يَعْمَلُون مِن مَعاصي اللهِ؛ ليَسْتَوْجِبوا بذلك مِن فعلِهم ما لهم عندَ ربِّهم مِن النَّكالِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٢ (٧٨٥٨) من طريق أحمد بن مفضل به ببعضه، وأخرجه عقب الأثرين (٧٨٥١، ٧٨٥٥) من طريق عمرو، عن أسباط به.\n(^٢) في م: \"فوره\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٣ (٧٨٦٤) من طريق أصبغ، عن ابن زيد، مقتصرًا على آخره.","vol":"9","page":536},{"text":"وفي هذا أوضحُ البيانِ على تكذيبِ اللهِ الزاعِمِين أن اللهَ فوَّض الأمورَ إلى خلقِه في أعمالِهم، فلا صُنعَ له في أفعالِهم، وأنه قد سوَّى بينَ جميعِهم في الأسبابِ التي بها يَصِلون إلى الطاعةِ والمعصيةِ؛ لأن ذلك لو كان كما قالوا، لكان قد زيَّن لأنبيائِه وأوليائِه مِن الضلالةِ والكفرِ نظيرَ ما زيَّن مِن ذلك لأعدائِه وأهلِ الكفرِ به، وزيَّن لأهلِ الكفرِ به مِن الإيمانِ به نظيرَ الذي زيَّن منه لأنبيائِه وأوليائه. وفي إخبارِه جلَّ ثناؤُه أنه زيَّن لكلِّ عاملٍ منهم عملَه، ما يُنْبِئُ عن تَزْيينِ (^١) الكفرِ والفسوقِ والعصيانِ، وخصَّ أعداءَه وأهلَ الكفرِ بتَزْيينِ الكفرِ لهم والفسوقِ والعصيانِ، وكرَّه إليهم الإيمانَ به والطاعةَ.\n\n<span id=\"aya-912\"></span><span data-type='title' id=toc-3124>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: وكما زيَّنا للكافرين ما كانوا يَعْمَلون، كذلك جعَلْنا بكلِّ قريةٍ عُظماءَها مُجرميها، يعني أهلَ الشركِ باللهِ والمعصيةِ له، ﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ بغُرورٍ من القولِ، أو بباطلٍ مِن الفعلِ، بدينِ اللهِ وأنبيائِه، ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ﴾. أيْ: ما يَحِيقُ مكرُهم ذلك إلا بأنفسِهم؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه مِن وراءِ عقوبتِهم على صدِّهم عن سبيلِه، وهم لا ﴿يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: لا يَدْرُون ما قد أعَدَّ اللهُ لهم مِن أليمِ عذابهِ، فهم في غَيِّهم وعُتُوِّهم على اللهِ يَتَمادَوْن. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"9","page":537},{"text":"نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾. قال: عُظماؤُها (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾. قال: عظماؤُها (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عكرمةَ: نزَلَت في المُسْتَهْزِئين. قال ابنُ جُريجٍ: عن [عمرَ بنِ] (^٣) عطاءٍ، عن عكرمةَ: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ إلى قولِه: ﴿بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾: بدينِ اللهِ وبنبيِّه ﵇ وعبادِه المؤمنين (^٤).\nوالأكابرُ جمع أكبرَ، كما الأفاضلُ جمعُ أفضلَ. ولو قيل: هو جمعُ كبيرٍ، فجُمع أكابرَ؛ لأنه قد يُقالُ: أكبرُ. كما قيل: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣]. واحدُهم الخاسرُ. لكان صوابًا. وحُكِي عن العربِ سَماعًا: الأكابرةُ والأصاغرةُ، والأكابرُ والأصاغرُ، بغيرِ الهاءِ، على نيةِ النعتِ، كما يُقالُ: هو أفضلُ منك. وكذلك تَفْعَلُ العربُ بما جاء مِن النعوتِ على \"أَفْعَلَ\"، إذا أخْرَجوها إلى الأسماءِ؛ مثلَ جمعِهم الأحمرَ والأسودَ: الأحامرَ والأَحامِرةَ، والأساوِدَ والأَساوِدةَ. ومنه قولُ الشاعرِ (^٥):\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٢٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٣ (٧٨٦٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٤ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٢٣.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"عمرو\"، وفي م: \"عمرو عن\". وتقدم في ٦/ ٢١٦، ٢١٧، وسيأتي في ١٠/ ١٦٧.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٤ إلى المصنف وأبي الشيخ.\n(^٥) هو الأعشى الكبير ميمون بن قيس، والبيت في اللسان (ح م ر).","vol":"9","page":538},{"text":"إن الأَحامِرةَ الثلاثةَ أَهْلَكَت … مالي وكنتُ بهن قِدْمًا مُولَعًا\nالخمرَ واللحمَ السَّمِينَ إِدَامُهُ (^١) … والزَّعْفَرانَ فلن أَرُوحَ (^٢) مُبَقَّعَا (^٣)\nوأما المكرُ، فإنه الخَديعةُ والاحْتِيالُ للمَمْكورِ به بالغدرِ؛ ليُوَرِّطَه الماكرُ به مَكروهًا مِن الأمرِ.\n\n<span id=\"aya-913\"></span><span data-type='title' id=toc-3125>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ </span>(^٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا جاءَت هؤلاء المشركين الذين يُجادِلون المؤمنين بزُخْرفِ القولِ فيما حرَّم اللهُ عليهم ليَصُدُّوا عن سبيلِ اللهِ ﴿آيَةٌ﴾. يعني: حُجَّةٌ مِن اللهِ على صحةِ ما جاءهم به محمدٌ ﷺ مِن عندِ اللهِ وحقيقتِه، قالوا لنبيِّ اللهِ وأصحابِه: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾. يقولُ: يقولون: لن نُصَدِّقَ بما دعانا إليه محمدٌ ﷺ مِن الإيمانِ به، وبما جاء به مِن تحريمِ ما ذَكَر أن اللهَ حرَّمه علينا ﴿حَتَّى نُؤْتَى﴾. يَعْنُونَ: حتى يُعْطِيَهم اللهُ من المُعْجِزاتِ مثلَ الذي أعْطَى موسى مِن فَلْقِ البحرِ، وعيسى مِن إحياءِ الموتى وإبراءِ الأكْمَهِ والأبْرصِ، يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: (اللهُ أَعلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسالَاتِه). يعني بذلك جلَّ ثناؤُه: إن آياتِ الأنبياءِ والرسلِ [لن يُعْطَاها] (^٥) مِن البشرِ إلا رسولٌ مُرْسَلٌ، وليس العادلون بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ منهم فيُعْطَوْها.\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: فأنا أَعْلَمُ بمَواضِعِ رِسالاتي، ومَن هو لها أهلٌ، فليس لكم أيُّها\n_________\n(^١) في م: \"أُديمُه\".\n(^٢) في م: \"أزال\".\n(^٣) البَقَع والبُقْعة: تخالف اللون. وقيل: الأبقع ما خالط بياضَه لونٌ آخر. اللسان (ب ق ع).\n(^٤) في ص، ت،١، ت،٢، س، ف: \"رسالاته\" بالجمع، وهي القراءة التي سيذكرها المصنف في تفسيره للآية، وهي قراءة نافع وأبي بكر وابن عامر وحمزة والكسائي، والمثبت قراءة ابن كثير وحفص. ينظر التيسير ص ٨٨، وحجة القراءات ص ٢٧٠.\n(^٥) في م: \"لم يعطها\".","vol":"9","page":539},{"text":"المشركون أن تَتَخيَّروا ذلك عليَّ أنتم؛ لأن تخيُّرَ الرسولِ إلى المرسِلِ دونَ المرسَلِ إليه، واللهُ أعلمُ إذا أرْسَل رسالةً بموضعِ رسالاتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3126>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ معلِمَه ما هو صانعٌ بهؤلاء المُتَمَرِّدِين عليه: سيُصيبُ يا محمدُ الذين اكتَسَبوا الإثمَ بشركِهم باللهِ، وعبادتِهم غيرَه ﴿صَغَارٌ﴾. يعني: ذلةٌ وهوانٌ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: الصَّغَارُ الذلةُ (^١).\nوهو مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: صغِر يَصْغَرُ صَغارًا وصَغَرًا، وهو أَشدُّ الذلِّ.\nوأما قولُه: ﴿صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾. فإن معناه: سيُصِيبُهم صَغارٌ مِن عندِ اللهِ، كقولِ القائلِ: سيَأْتِيني [رِزْقي عندَ اللهِ] (^٢). بمعنى: مِن عندِ اللهِ. يُرادُ بذلك: سيَأْتِيني الذي لي عندَ اللهِ. وغيرُ جائزٍ لمن قال: سيُصِيبُهم صَغارٌ عندَ اللهِ. أن يَقولَ: جئتُ عندَ عبدِ اللهِ. بمعنى: جئتُ مِن عندِ عبدِ اللهِ؛ لأن معنى: سيُصِيبُهم صَغارٌ عندَ اللهِ: سيُصِيبُهم الذي عندَ اللهِ من الذلِّ بتكذيبِهم رسولَه. فليس ذلك بنظيرِ: جئتُ مِن عندِ عبدِ اللهِ.\nوقولُه: ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾. يقولُ: يُصِيبُ هؤلاء المكذِّبين باللهِ ورسولِه، المُسْتَحِلِّين ما حرَّم اللهُ عليهم مِن الميتةِ، مع\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٤ (٧٨٧٠) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) في ص: \"رزق الله\"، وفي ت ١، ت ٢، س، ف: \"من عند الله\".","vol":"9","page":540},{"text":"الصَّغارِ، عذابٌ شديدٌ بما كانوا يَكِيدُون للإسلامِ وأهلِه، بالجِدالِ بالباطلِ والزخرفِ من القولِ غُرورًا، لأهلِ دينِ اللهِ وطاعتِه.\n\n<span id=\"aya-914\"></span><span data-type='title' id=toc-3127>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَه للإيمانِ به وبرسولِه، وما جاء به مِن عندِ ربِّه فيُوَفِّقَه له، ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾. يقولُ: فسَح صدرَه لذلك، وهوَّنه عليه، وسهَّله له بلطفِه ومعونتِه، حتى يَستنيرَ الإسلامُ في قلبِه، فيُضِيءَ له، ويَتَّسِعَ له صدرُه بالقبولِ.\nكالذي جاء الأثرُ به عن رسولِ اللهِ ﷺ الذي حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ الله العَنْبَرِيُّ، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ أَبي يُحَدِّثُ عن عبدِ اللهِ بنِ مُرَّةَ (^١)، عن أبي جعفرٍ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾. قالوا: كيف يُشْرَحُ الصدرُ؟ قال: إذا نزَل النورُ في القلبِ انْشَرَح له الصدرُ وانْفَسَح. قالوا: فهل لذلك آيةٌ يُعْرَفُ بها؟ قال: نعم، الإنابةُ إلى دارِ الخلودِ، والتَّجافي عن دارِ الغُرورِ، والاسْتِعدادُ للموتِ قبلَ الموتِ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا الثوريُّ، عن عمرِو بنِ قيسٍ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن أبي جعفرٍ قال: سُئِل النبيُّ: أيُّ المؤمنين أكْيَسُ؟ قال: \"أكثرُهم للموتِ ذكرًا، وأحْسَنُهم لما بعدَه اسْتِعدادًا\". قال: وسُئِل\n_________\n(^١) كذا في النسخ، وتفسير ابن كثير \"عبد الله بن مرة\" والصواب: أبي عبد الله بن مرة. وهو عمرو بن مرة ابن عبد الله المرادي أبو عبد الله الكوفي الأعمى وأبو جعفر هو عبد الله بن مسور بن عون بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي المدائني، كان يضع الحديث ويكذب. ينظر الجرح والتعديل ٥/ ١٦٩، وتهذيب الكمال ٢٢/ ٢٣٢.\n(^٢) في م: \"الفوت\".\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٢٧ عن المصنف.","vol":"9","page":541},{"text":"النبيُّ ﷺ عن هذه الآيةِ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾.\nقالوا: كيف يُشْرَحُ صدرُه يا رسولَ اللهِ؟ قال: \"نُورٌ يُقْذَفُ فيه، فيَنْشَرِحُ له ويَنْفَسِحُ\". قالوا: فهل لذلك مِن أمارةٍ يُعْرَفُ بها؟ قال: \"الإنابةُ إلى دارِ الخلودِ، والتَّجافي عن دارِ الغُرورِ، والاسْتِعدادُ للموتِ قبلَ الموتِ\" (^١).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن رجلٍ يُكْنَى أبا جعفرٍ كان يَسْكُنُ المَدائنَ، قال: سُئِل النبيُّ ﷺ عن قولِه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾. قال: \"نُورٌ يُقْذَفُ في القلبِ، فَيَنْشَرِحُ ويَنْفَسِحُ\". قالوا: يا رسولَ اللهِ، هل له مِن أمارةٍ يُعْرَفُ بها؟ ثم ذكَر باقيَ الحديثِ مثلَه (^٢).\nحدَّثني هلالُ (^٣) بنُ العَلاءِ، ثنا سعيدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ واقدٍ الحَرَّانيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سلمةَ، عن أبي عبدِ الرَّحيمِ، عن زيدِ بنِ أبي أُنَيْسةً، عن عمرِو بنِ مرةَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: قيل لرسولِ اللهِ ﷺ حينَ نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾. قال: \"إذا دخل النورُ القلبَ انْفَسَح وانْشَرَح\". قالوا: فهل لذلك من أمارةٍ يُعْرَفُ بها؟ قال: \"الإنابةُ إلى\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٧، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٢١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٤ (٧٨٧٣) من طريق عمرو بن قيس بنحوه. وتحرف عبد الله بن مسور في المصنف إلى عبد الله بن مسعود، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣١٥)، وابن أبي شيبة ١٣/ ٢٢١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٤ (٧٨٧٢) من طريق عمرو بن مرة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٤ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٢٧ عن المصنف، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٣٢٥) من طريق سفيان الثوري به موقوفًا على أبي جعفر.\n(^٣) في م، ف: \"محمد\"، وفي ص: \"يعلى\"، وفي ت ١، ت ٢، س: \"على\". والمثبت مما تقدم في ٢/ ٤٩٣، وتفسير ابن كثير، وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٣٤٦.","vol":"9","page":542},{"text":"دارِ الخلودِ، والتَّنَحِّي عن دارِ الغُرورِ، والاستعدادُ للموتِ قبلَ الموتِ\" (^١).\nحدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن خالدِ بنِ أبي كَرِيمةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ المِسْوَرِ، قال: قرَأ رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾. ثم قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إذا دخَل النورُ القلبَ انْفَسَح وانْشَرَح\". قالوا: يا رسولَ اللهِ، وهل لذلك مِن علامةٍ تُعْرَفُ؟ قال: \"نعم، الإنابةُ إلى دارِ الخلودِ، والتَّجافي عن دارِ الغُرورِ، والاسْتِعدادُ للموتِ قبلَ نزولِ الموتِ\" (^٢).\nحدَّثني ابنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا مَحْبوبُ بنُ الحسنِ الهاشميُّ، عن يونُسَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ، قال: \" ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ \". قالوا: يا رسولَ اللهِ، وكيف يُشْرَحُ صدرُه؟ قال: \"يَدْخُلُ فيه النورُ فيَنْفَسِحُ\". قالوا: وهل لذلك مِن علامةٍ يا رسولَ اللهِ؟ قال: \"التَّجافي عن دارِ الغُرورِ، والإنابةُ إلى دارِ الخلودِ، والاستعدادُ للموتِ قبلَ أن يَنْزِلَ الموتُ\" (^٣).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٢٧ عن المصنف، وذكر الدارقطني في العلل ٥/ ١٨٨ - ١٩٠ عدة طرق لهذا الحديث عن عبد الله بن مسعود منها هذا الطريق عن أبي عبد الرحيم، ثم قال: وكلها وَهْم، والصواب: عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر عبد الله بن المسور مرسلا عن النبي ﷺ، كذلك قاله الثوري، وعبد الله بن المسور .. متروك.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩١٨ - تفسير) - ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (٣٢٦) - عن ابن عيينة به، وقال البيهقي: هذا منقطع. وأخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان ١/ ١٥٢ - ومن طريقه أبو نعيم في أخبار أصبهان ١/ ٣٠٥، ٢/ ٣٨ - من طريق ابن عيينة عن خالد بن أبي كريمة، عن عبد الله بن المسور، عن أبيه.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٢٨ عن المصنف. وأخرجه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل ص ٩٩ (١٣١) - ومن طريقه الحاكم ٤/ ٣١١، والبيهقي في الشعب (١٠٥٥٢) - من طريق عدي بن الفضل عن عبد الرحمن ابن عبد الله المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود. وليس في إسناد ابن أبي الدنيا: القاسم بن عبد الرحمن. وفي إسناد البيهقي القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن أيوب عن عبد الله بن مسعود. وينظر سلسلة الأحاديث الضعيفة (٩٦٥).","vol":"9","page":543},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾: أما ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾: فيُوَسِّعُ صدرَه للإسلامِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾: بلا إلهَ إلا اللهُ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبرنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ جريجٍ قراءةً: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾: بلا إلهَ إلا اللهُ، يَجْعَلُ لها في صدرِه مُتَّسَعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-3128>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومَن أراد اللهُ إضلالَه عن سبيلِ الهُدَى، يشغَلُه بكفرِه وصدِّه عن سبيلِه، ويَجْعَلُ صدرَه بخِذْلانِه وغلبةِ الكفرِ عليه، حرَجًا.\nوالحرجُ أشدُّ الضيقِ، وهو الذي لا يُنْفِذُه مِن شدةِ ضيقِه، وهو هاهنا الصدرُ الذي لا تَصِلُ إليه الموعظةُ، ولا يَدْخُلُه نورُ الإيمانِ؛ لرَيْنِ الشركِ عليه، وأصلُه مِن الحرَجِ، والحرَجُ جمعُ حَرَجةٍ، وهي الشجرةُ المُلْتَفُّ بها الأشجارُ، لا يَدْخُلُ بينَها وبينَها شيءٌ لشدةِ التفافِها بها.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عمارٍ - رجلٌ مِن أهلِ اليمنِ - عن أبى الصَّلْتِ الثَّقَفيِّ، أن عمرَ بنَ الخطابِ رحمةُ اللهِ عليه قرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا","vol":"9","page":544},{"text":"حَرَجًا﴾ بنصبِ الراءِ. قال: وقرَأ بعضُ مَن عندَه مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ: (ضَيِّقًا حَرِجًا). قال صَفْوانُ: فقال عمرُ: ابْغُوني رجلًا مِن كِنانةَ، واجْعَلوه راعيًا، ولْيَكُنْ مُدْلِجِيًّا. قال: فأتَوْه به، فقال له عمرُ: يا فتى، ما الحَرَجةُ؟ قال: الحَرَجةُ فينا الشجرةُ تَكونُ بينَ الأشجارِ التي لا تَصِلُ إليها راعيةٌ، ولا وَحْشِيَّةٌ، ولا شيءٌ.\nقال: فقال عمرُ: كذلك قلبُ المنافقِ، لا يَصِلُ إليه شيءٌ مِن الخيرِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. يقولُ: مَن أراد اللهُ أن يُضِلَّه يُضَيِّقْ عليه صدرَه حتى يَجْعَلَ الإسلامَ عليه ضيقًا، والإسلامُ واسعٌ، وذلك حينَ يقولُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].\nيقولُ: ما جعَل عليكم في الإسلامِ مِن ضيقٍ (^٢).\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: شاكًّا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا حميدٌ، عن مجاهدٍ: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾: قال: شاكًّا (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾: أما ﴿حَرَجًا﴾ فشاكًّا (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ. وينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٣٢٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٥ (٧٨٧٦)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٣٢٤) من طريق محمد بن سعد به.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٣٢٨.","vol":"9","page":545},{"text":"وقال آخرون: معناه: مُلْتَبِسًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. قال: ﴿ضَيِّقًا﴾: مُلْتَبِسًا (^١).\nحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثني أبي (^٢)، قال: ثني أبي، عن الحسينِ (^٣)، عن قتادةَ أنه كان يَقْرَأُ: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ يقولُ: مُلْتَبِسًا.\nوقال آخرون: معناه أنه مِن شدةِ الضيق لا يَصِلُ إليه الإيمانُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن حَبِيبِ بنُ أبي عَمْرةَ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. قال: لا يَجِدُ مَسْلَكًا إلا صُعُدًا (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. قال: ليس للخيرِ فيه مَنْفَذٌ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبَرنا ابنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ قولَه:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٥ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٢) بعده في النسخ: \"حدَّثني عمي\". وسيأتي على الصواب في ١٠/ ٢١٠، ١٤/ ١٢٨، ١٥/ ١٠٤، ١٩/ ٢، ٢٠/ ٧، ٢٦/ ٣، وينظر ١٨/ ٩٩، ٤٧٨.\n(^٣) في النسخ: \"الحسن\". وتنظر المواضع السابقة، وص ٥٧٩، وتهذيب الكمال ٦/ ٣٧٢.\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٣٢٩.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٨ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٥ (٧٨٧٩) - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٥ إلى ابن المنذر.","vol":"9","page":546},{"text":"﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾: بلا إلهَ إلا اللهُ، لا يَجِدُ لها في صدرِه مَسَاغًا (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبرنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ قراءةً في قولِه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾: بلا إلهَ إلا اللهُ، حتى لا يَسْتَطِيعَ أَن تَدْخُلَه (^١).\nواخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك، فقرَأَه بعضُهم: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ بفتحِ الحاءِ والراءِ مِن: ﴿حَرَجًا﴾. وهي قراءةُ عامةِ المكيين والعراقيين (^٢)، بمعنى جمعِ حَرَجةٍ، على ما وصفتُ.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ: (ضَيِّقًا حَرِجًا) بفتحِ الحاءِ وكسرِ الراءِ (^٣).\nثم اخْتَلَف الذين قرَءوا ذلك في معناه؛ فقال بعضُهم: هو بمعنى الحَرَجِ، وقالوا: الحَرَجُ بفتحِ الحاءِ والراءِ، والحَرِجُ بفتحِ الحاءِ وكسرِ الراءِ، بمعنَى واحدٍ، وهما لغتان مشهورتان، مثلُ الدَّنَفِ والدَّنِفِ، والوَحَدِ والوَحِدِ، والفَرَدِ والفَرِدِ (^٤).\nوقال آخرون منهم: بل هو بمعنى الإثمِ، مِن قولِهم: فلانٌ أَثِمٌ حَرِجٌ. وذُكِر عن العربِ سَماعًا منها: حَرِجٌ عليك ظُلْمي. بمعنى: ضِيقٌ وإثْمٌ.\nوالقولُ عندي في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان مُسْتَفِيضتان بمعنًى واحدٍ، وبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فهو مصيبٌ؛ لاتفاقِ معنَيَيْهما، وذلك كما ذكَرْنا مِن الرواياتِ عن العربِ في الوَحَدِ والفَرَدِ، بفتحِ الحاءِ مِن الوَحَدِ، والراءِ من الفرَدِ، وكسرِهما، بمعنًى واحدٍ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٥ إلى أبي الشيخ، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٢٩ عن ابن المبارك به.\n(^٢) وهي قراءة ابن كثير وحفص وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف. ينظر النشر ٢/ ١٩٧.\n(^٣) وهي قراءة نافع وأبي جعفر وأبي بكر شعبة. ينظر المصدر السابق.\n(^٤) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٣٥٣.","vol":"9","page":547},{"text":"وأما \"الضيِّقُ\"، فإن عامةَ القرأةِ على فتحِ ضادِه وتشديدِ يائِه، خلا بعضَ المكيين، فإنه قرَأه: (ضَيْقًا) بفتحِ الضادِ وتسكينِ الياءِ وتخفيفِه (^١).\nوقد يَتَّجِهُ لتَسْكينِه ذلك وجهان: أحدُهما، أن يَكونَ سكَّنه وهو يَنْوِي معنى التحريكِ والتشديدِ، كما قيل: هَيْنٌ لَيْنٌ، بمعنى: هيِّنٌ ليِّنٌ.\nوالآخرُ، أن يَكون سكَّنه بنيةِ المصدرِ، مِن قولِهم: ضاق هذا الأمرُ يَضِيقُ ضَيْقًا. كما قال رُؤْبةُ:\nقد علِمْنا عندَ كلِّ مَأْزِقِ … ضَيْقٍ بِوَجْهِ الأَمْرِ أَو (^٢) مُضَيَّقِ\nومنه قولُ الله: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]. وقال رُؤْبةُ أيضًا (^٣):\nوشَفَّها اللُّوحُ بمَأْزُولٍ ضَيَقْ (^٤)\nبمعنى: ضيِّقٍ.\nوحُكِي عن الكِسائيِّ أنه كان يَقولُ: الضِّيقُ بالكسرِ، في المعاشِ والموضعِ، وفي الأمرِ الضَّيْقُ.\nوفي هذه الآيةِ أبْيَنُ البيانِ لمن وُفِّق لفهمِها عن أن السببَ الذي به يُوصَلُ إلى الإيمانِ والطاعةِ غيرُ السببِ الذي به يُوصَلُ إلى الكفرِ والمعصيةِ، وأن كلا\n_________\n(^١) وهي قراءة ابن كثير. ينظر الكشف ١/ ٤٥٠، ٤٥١.\n(^٢) في م: \"أي\".\n(^٣) ديوانه ص ١٠٥.\n(^٤) شفها: أنحلها وهَزَلها. واللُّوح: العطش. والمأزول من الأزل، وهو الشدة والضيق. اللسان (ل وح، ش ف ف، أ ز ل) وجعل (ضيَق) بالتحريك مراعاة للوزن.","vol":"9","page":548},{"text":"السببين مِن عندِ اللهِ، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَر عن نفسِه أنه يَشْرَحُ صدرَ مَن أراد هدايتَه للإسلامِ، ويَجْعَلُ صدرَ مَن أراد إضلالَه ضيِّقًا عن الإسلامِ حَرَجًا، كأنما يَصَّعَّدُ في السماءِ، ومعلومٌ أن شرْحَ الصدرِ للإيمانِ خِلافُ تَضْييقِه له، وأنه لو كان يُوصَلُ بتضييقِ الصدرِ عن الإيمانِ إليه، لم يَكُنْ بينَ تضييقِه عنه وبينَ شرحِه له فرقٌ، ولكان مَن ضُيِّق صدرُه عن الإيمانِ قد شُرح صدرُه له، ومَن شُرِح صدرُه له، فقد ضُيِّق عنه، إذ كان مَوْصولًا بكلِّ واحدٍ منهما - أعني مِن التضييقِ والشرحِ - إلى ما يُوصَلُ به إلى الآخرِ. ولو كان ذلك كذلك، وجَب أن يَكونَ اللهُ قد كان شرَح صدرَ أبى جهلٍ للإيمانِ به، وضيَّق صدرَ رسولِ اللهِ ﷺ عنه، وهذا القولُ مِن أعظمِ الكفرِ باللهِ، وفي فسادِ ذلك أن يَكونَ كذلك الدليلُ الواضحُ على أن السببَ الذي به آمَن المؤمنون باللهِ ورسلِه وأطاعه المُطِيعون، غيرُ السببِ الذي كفَر به الكافرون باللهِ، وعصاه العاصون، وأن كلا السببين مِن عندِ اللهِ وبيدِه؛ لأنه أَخْبَر جلَّ ثناؤُه أنه هو الذي يَشْرَحُ صدرَ هذا المؤمنِ به للإيمانِ إذا أراد هدايتَه، ويُضَيِّقُ صدرَ هذا الكافرِ عنه إذا أراد إضلالَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3129>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾.</span>\nوهذا مَثَلٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه ضرَبه لقلبِ هذا الكافرِ في شدةِ تَضْييقِه إياه عن وصولِه إليه، مثلَ امتناعِه من الصُّعودِ إلى السماءِ، وعجزِه عنه؛ لأن ذلك ليس في وُسْعِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾. يقولُ: مَثَلُهُ كَمَثَلِ الذي لا يَسْتَطِيعُ","vol":"9","page":549},{"text":"أن يَصَّعَّدَ في السماءِ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبرَنا ابنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ مثلَه.\nوبه قال: أخْبَرنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ قراءةً: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾: بلا إلهَ إلا اللهُ حتى لا يَسْتَطِيعَ أن تَدْخُلَه، ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾: مِن شدةِ ذلك عليه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾: مِن ضِيقِ صدرِه (^٣).\nواخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والعراقِ: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ﴾ (^٤). بمعنى: يَتَصَعَّدُ. فَأَدْغَموا التاءَ في الصادِ، فلذلك شَدَّدوا الصادَ.\nوقرَأ ذلك بعضُ الكوفيين: (يَصَّاعَدُ) (^٥). بمعنى: يَتَصاعَدُ، فَأَدْغم التاءَ في الصادِ وجَعَلَها صادًا مُشَدَّدةً.\nوقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ المكيين: (كأنما يَصْعَدُ) (^٦). مِن: صَعِد يَصْعَدُ.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٨ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٦ (٧٨٨٢) - عن معمر به، وهو تتمة الأثر المتقدم ص ٥٤٦.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٥٤٧.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٦ (٧٨٨٣) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٤) قرأ بها جميع القراء سوى ابن كثير وأبي بكر شعبة. النشر ٢/ ١٩٧.\n(^٥) رواها أبو بكر شعبة عن عاصم. المصدر السابق.\n(^٦) قرأ بها ابن كثير المكي، المصدر السابق.","vol":"9","page":550},{"text":"وكلُّ هذه القراءاتِ مُتَقارِباتُ المعاني، وبأيِّها قرَأ القارئُ فهو مصيبٌ، غيرَ أني أَخْتارُ القراءةَ في ذلك بقراءةِ مَن قرَأَه: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ﴾ بتشديدِ الصادِ بغيرِ ألفٍ، بمعنى: يَتَصَعَّدُ؛ لكثرةِ القرأةِ بها، ولقِيلِ عمرَ بنِ الخطابِ ﵁: ما تصَعَّدَني شيءٌ ما تصَعَّدَتْني خُطبةُ النكاحِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-3130>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: كما يَجْعَلُ الله صدرَ مَن أراد إضلالَه ضيقًا حَرَجًا كأنما يَصَّعَّدُ في السماءِ مِن ضيقِه عن الإيمانِ، فيَجْزِيه بذلك، كذلك يُسَلِّطُ اللهُ الشيطانَ عليه وعلى أمثالِه ممَّن أبَى الإيمانَ باللهِ ورسولِه، فيُغْوِيه ويَصُدُّه عن سبيلِ الحقِّ.\nوقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"الرَّجْسِ\"؛ فقال بعضُهم: هو كلُّ ما لا خيرَ فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿الرِّجْسَ﴾: ما لا خيرَ فيه (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال: ما لا خيرَ فيه. وقال آخرون: ﴿الرِّجْسَ﴾: العذابَ.\n_________\n(^١) ينظر غريب الحديث لأبي عبيد ٣/ ٣٨٧.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٢٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٦ (٧٨٨٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٥ إلى عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"9","page":551},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال: الرِّجْسُ عذابُ اللهِ (^١). وقال آخرون: الرِّجْسَ: الشيطانَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الرِّجْسَ﴾. قال: الشيطانَ (^٢).\nوكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بلغاتِ العربِ مِن الكوفيين يقولُ: الرِّجُسُ والنَّجْسُ لغتان. ويَحْكِي عن العربِ أنها تَقولُ: ما كان رِجْسًا، ولقد رَجُس رَجاسةٌ، ونَجُس نَجاسةً.\nوكان بعضُ نحويي البصريين يقولُ (^٣): الرِّجُسُ والرِّجُزُ سواءٌ، وهما العذابُ.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندي ما قاله ابنُ عباسٍ ومَن قال: إن الرِّجْسَ والنِّجسَ واحدٌ؛ للخبرِ الذي رُوِي عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه كان يَقولُ إذا دخَل الخَلاءِ: \"اللهم إني أَعوذُ بك مِن الرِّجْسِ النِّجْسِ، الخَبِيثِ المُخْبِثِ (^٤).\nالشيطانِ الرجيمِ\".\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٣٢٩ وتفسير القرطبي ٧/ ٨٣.\n(^٢) ينظر تفسير البغوي ٣/ ١٨٧ وتفسير ابن كثير ٣/ ٣٢٩.\n(^٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٢٠٦.\n(^٤) الخبيث: ذو الخبث في نفسه، والمخبث: الذي أعوانه خبثاء … وقيل: هو الذي يعلمهم الخبث ويوقعهم فيه. النهاية ٢/ ٦.","vol":"9","page":552},{"text":"حدَّثني بذلك عبدُ الرحمن بنُ البَخْتَريِّ الطائيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحارِبيُّ، عن إسماعيلَ بنُ مسلمٍ، عن الحسنِ وقتادةَ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ (^١).\nوقد بيَّن هذا الخبرُ أن الرِّجْسَ هو النِّجْسُ القَذِرُ، الذي لا خيرَ فيه، وأنه مِن صفةِ الشيطانِ.\n\n<span id=\"aya-915\"></span><span data-type='title' id=toc-3131>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وهذا الذي بيَّنا لك يا محمدُ في هذه السورةِ وغيرِها مِن سُوَرِ القرآنِ، هو ﴿صِرَاطُ رَبِّكَ﴾. يقولُ: طريقُ ربِّك، ودينُه الذي ارْتَضاه لنفسِه دينًا، وجعَله مُسْتقيمًا لا اعْوِجاجَ فيه، فاثْبُتْ عليه، وحرِّمْ ما حَرَّمْتُه عليك، وأَحْلِلْ ما أحْلَلْتُه لك، فقد بيَّنا الآياتِ والحججَ على حقيقةِ ذلك وصحتِه ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾. يقولُ: لَمَن يَتَذَكَّرُ ما احْتَجَّ اللهُ به عليه مِن الآياتِ والعِبَرِ، فيَعْتَبِرُ بها. وخصَّ بها الذين يَتَذَكَّرون؛ لأنهم هم أهلُ التَّمْييزِ والفهمِ، وأولو الحِجَا والفضلِ، فقيل (^٢): ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم - كما في نتائج الأفكار ١/ ١٩٩ - من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي، وليس فيه قتادة. قال الحافظ: وزاد في أوله: \"بسم الله\" ومداره على إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٨٨٢٥)، وفي الدعاء ٢/ ٩٦٤ (٣٦٥)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (١٧) من طريق إسماعيل بن مسلم به، إلا أنه عند الطبراني في الدعاء عن الحسن وحده، وفي الأوسط زاد في أوله: \"بسم الله\".\n(^٢) في ص، س: \"وقيل\".","vol":"9","page":553},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾: يعني به الإسلامَ (^١).\n\n<span id=\"aya-916\"></span><span data-type='title' id=toc-3132>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿لَهُمْ﴾: للقومِ الذين يَذَّكَّرون آياتِ اللهِ، فيَعْتَبِرون بها، ويُوقِنون بدَلالتِها على ما دلَّت عليه مِن توحيدِ اللهِ، ومِن نبوةِ نبيِّه محمدٍ ﷺ، وغيرِ ذلك، فيُصَدِّقون بما وصَلوا بها إلى علمِه مِن ذلك.\nوأما ﴿دَارُ السَّلَامِ﴾، فهي دارُ اللهِ التي أعَدَّها لأوليائِه في الآخرةِ، جزاءً لهم على ما أبْلَوْا في الدنيا في ذاتِ اللهِ، وهي جنَّتُه. والسلامُ اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ تعالى، كما قال السديُّ.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: اللهُ هو السلامُ، والدارُ الجنةُ (^٢).\nوأما قولُه: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾. فإنه يقولُ: واللهُ ناصرُ هؤلاء القومِ الذين يَذَّكَّرون آياتِ اللهِ، ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يعني: جزاءً بما كانوا يَعْمَلون مِن طاعةِ اللهِ ويَتَّبِعون رِضوانَه.\n\n<span id=\"aya-917\"></span><span data-type='title' id=toc-3133>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ (^٣) جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ</span>\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم تخريجه في ١/ ١٧٤.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٥ إلى أبي الشيخ. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٧ عقب الأثر (٧٨٨٧) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف، وفيما سيأتي: \"نحشرهم\" بالنون، وغير منقوطة في ص، والمثبت قراءة حفص عن عاصم، وقرأ الباقون بالنون. السبعة لابن مجاهد ص ٢٦٩.","vol":"9","page":554},{"text":"مِنَ الْإِنْسِ﴾.\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾: ويومَ يَحْشُرُ (^١) هؤلاء العادلين باللهِ الأوثانَ والأصنامَ، وغيرَهم مِن المشركين، مع أوليائِهم مِن الشياطينِ الذين كانوا يُوحُون إليهم زُخْرُفَ القولِ غُرورًا ليُجادِلوا به المؤمنين، فيَجْمَعُهم جميعًا في موقفِ القيامةِ، يقولُ للجِنِّ: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾.\nوحذَف \"يقولُ للجِنِّ\"، من الكلامِ؛ اكتفاءً بدلالةِ ما ظهَر مِن الكلامِ عليه منه.\nوعَنَى بقولِه: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾: اسْتَكْثَرْتُم مِن إضلالِهم وإغْوائِهم.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾. يعني: أَضْلَلْتُم منهم كثيرًا (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾. قال: قد أَضْلَلْتُم كثيرًا من الإنسِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾. قال: كثُر مَن أَغْوَيْتُم (^٤).\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"نحشر\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٧ (٧٨٩٠) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٥ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٧ (٧٨٩٢) عن معمر به.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٢٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٧ (٧٨٩١) وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"9","page":555},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾. يقولُ: أَضْلَلْتُم كثيرًا مِن الإنسِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3134>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فيُجِيبُ أولياءُ الجنِّ مِن الإِنسِ، فيقولون: ربَّنَا اسْتَمْتَعَ بعضُنا ببعضٍ في الدنيا.\nفأمّا اسْتِمْتاعُ الإنسِ بالجنِّ، فكان كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ قولَه: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾. قال: كان الرجلُ في الجاهليةِ يَنْزِلُ الأَرضَ فيقولُ: أَعوذُ بكبيرِ هذا الوادى. فذلك اسْتِمْتاعُهم، فاعْتَذَروا يومَ القيامةِ (^١).\nوأمّا استمتاعُ الجنِّ بالإنسِ، فإنه كان فيما ذُكِر، ما يَنالُ الجِنُّ مِن الإِنسِ، مِن تعظيمِهم إياهم في استعاذتِهم بهم، فيقولون: قد سُدْنا الجِنَّ والإنسَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3135>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قالوا: وبلَغْنا الوقتَ الذي وقَّتَّ لموتِنا. وإنما يعني جلَّ ثناؤُه بذلك أنهم قالوا: اسْتَمْتَع بعضُنا ببعضٍ أيامَ حياتِنا إلى حالِ موتِنا.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٣١ عن ابن جريج به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٥ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) في ص: \"الحن\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"الجن\". وقد وردت هذه الفقرة في جميع النسخ ما عدا \"ص\" من تمام كلام ابن جريج، وصنيع ابن كثير في تفسيره يشعر بذلك، ولكن قد فُصلت في \"ص\" عن الأثر قبلها، ويؤيده صنيع السيوطي.","vol":"9","page":556},{"text":"كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: أما قولُه: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾. فالموتُ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-3136>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عما هو قائلٌ لهؤلاء الذين يَحْشُرُهم يومَ القيامةِ، مِن العادلين به في الدنيا الأوثانَ، ولقُرَنائِهم من الجنِّ. فأَخْرَج الخبرَ عما هو كائنٌ مُخْرَجَ الخبرِ عما كان؛ لتقدُّمِ الكلامِ قبلَه بمعناه والمرادِ منه، فقال: قال اللهُ لأولياءِ الجنِّ مِن الإنسِ، الذين قد تقدَّم خبرُه عنهم: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾. يعني: نارُ جهَنَّمَ، ﴿مَثْوَاكُمْ﴾: الذي تَثْوُون فيه، أي: تُقِيمون فيه.\nوالمَثْوَى هو المَفْعَلُ، مِن قولِهم: ثَوَى فلانٌ بمكانِ كذا. إذا أقام فيه.\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: لابثين فيها، ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. يعني: إلا ما شاء اللهُ مِن قَدْرِ مُدَّةِ ما بينَ مَبْعَثِهِم مِن قبورِهم إلى مصيرِهم إلى جهنمَ، فتلك المدةُ التي اسْتَثْناها اللهُ مِن خلودِهم في النارِ، ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في تدبيرِه في خلقِه، وفي تصريفِه إياهم في مشيئتِه من حالٍ إلى حالٍ، وغيرِ ذلك مِن أفعالِه، ﴿عَلِيمٌ﴾ بعَواقبِ تدبيرِه إياهم، وما إليه صائرةُ (^٢) أمرِهم مِن خيرٍ وشرٍّ.\nورُوِي عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَتَأَوَّلُ في هذا الاستثناءِ أن اللهَ جَعَل أَمْرَ هؤلاء القومِ في مَبْلَغِ عذابِه إياهم إلى مشيئتِه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٨ عقب الأثر (٧٨٩٦) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.\n(^٢) في م: \"صائر\" والمراد بالصائرة العاقبة والمآل، من الصائرة، وهو ما يصير إليه النبات من اليُبْس. ينظر اللسان (ص ي ر).","vol":"9","page":557},{"text":"عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. قال: إن هذه الآيةَ آيةٌ لا يَنْبَغِي لأحدٍ أن يَحْكُمَ على اللهِ في خلقِه؛ لا (^١) يُنْزِلُهم جنةً ولا نارًا (^٢).\n\n<span id=\"aya-918\"></span><span data-type='title' id=toc-3137>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ: ﴿نُوَلِّي﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: نَجْعَلُ بعضَهم لبعضٍ وليًّا على الكفرِ باللهِ.\nذكرُ مَن قال ذلك:\nحدَّثنا يونُسُ، قال: ثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: وإنما يُوَلِّي اللهُ بِينَ الناسِ بأعمالِهم، فالمؤمنُ وليُّ المؤمنِ، أينَ كان، وحيثُ كان، والكافرُ وليُّ الكافرِ، أينما كان، وحيثما كان، ليس الإيمانُ بالتَّمنِّي ولا بالتَّحَلِّي (^٣).\nوقال آخَرون: معناه: نُتْبِعُ بعضَهم بعضًا في النارِ. مِن المُوالاةِ، وهو المتابَعةُ بينَ الشيءِ والشيءِ، مِن قولِ القائلِ: والَيْتُ بينَ كذا وكذا. إذا تابَعْتَ بينَهما.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:\n_________\n(^١) في م: \"ألا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٨ (٧٨٩٧) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٥ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ، وتقدم أوله في ص ٥٥٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٨ (٧٨٩٩) من طريق يزيد به.","vol":"9","page":558},{"text":"﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾: في النارِ يَتْبَعُ بعضُهم بعضًا (^١). وقال آخرون: معنى ذلك: نُسَلِّطُ (^٢) بعضَ الظلمةِ على بعضٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾. قال: ظالمي الجنِّ وظالمي الإنسِ. وقرَأ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]. قال: نُسَلِّطُ ظَلَمةَ الجنِّ على ظَلَمةِ الإِنسِ (^٣).\nوأولى هذه الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: وكذلك نَجْعَلُ بعضَ الظالمين لبعضٍ أولياءَ؛ لأن اللهَ ذكَر قبلَ هذه الآيةِ ما كان مِن قولِ المشركين، فقال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾. وأخْبَر جلَّ ثناؤُه أن بعضَهم أولياءُ بعضٍ، ثم عقَّب خبرَه ذلك بخبرِه عن أن وَلايةَ بعضِهم بعضًا بتوليتِه إياهم، فقال: وكما جعَلْنا بعضَ هؤلاء المشركين مِن الجنِّ والإنسِ أولياءَ بعضٍ، يَسْتَمْتِعُ بعضُهم ببعضٍ، كذلك نَجعَلُ بعضَهم أولياءَ بعضٍ في كلِّ الأمورِ، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِن مَعاصِي اللهِ ويَعْمَلونه.\n\n<span id=\"aya-919\"></span><span data-type='title' id=toc-3138>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤه عما هو قائلٌ يومَ القيامةِ لهؤلاء العادِلين به مِن\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٨ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٨ (٧٨٩٨) - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٥ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"تسليط\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٣٢. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٥ إلى أبي الشيخ.","vol":"9","page":559},{"text":"مِن مشركي الإنسِ والجنِّ، يُخْبِرُ أنه يَقولُ لهم تعالى ذكرُه يومَئِذٍ: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾. يقولُ: يُخْبِرونكم بما أُوحِي إليهم؛ من تَنْبِيهي إياكم على مواضعِ حُجَجي، وتعريفِي لكم أدلَّتِي على توحيدي، وتصديق أنبيائي، والعملِ بأمرِي، والانتهاءِ إلى حُدودي.\n﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾. يقولُ: يُحَذِّرونكم لقاءَ عذابي في يومِكم هذا، وعقابي على معصيتِكم إيايَ، فَتَنْتَهُوا عَن مَعاصِيَّ.\nوهذا مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه تَقريعٌ وتَوْبيخٌ لهؤلاء الكفَرةِ على ما سلَف منهم في الدنيا مِن الفسوقِ والمعاصي، ومعناه: قد أتاكم رسلٌ منكم يُنَبِّهونكم على خطأ ما كنتم عليه مقيمين، بالحججِ البالغةِ، ويُنْذِرونكم وعيدَ اللهِ على مُقامِكم على ما كنتم عليه مقيمين، فلم تَقْبَلوا ذلك، ولم تَتَذَكَّروا ولم تَعْتَبِروا.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الجنِّ، هل أُرْسِل منهم إليهم (^١) أم لا؟ فقال بعضُهم: قد أُرْسِل إليهم رسلٌ، كما أُرْسِل إلى الإنسِ منهم رسلٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيَى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سُئِل الضحاكُ عن الجنِّ، هل كان فيهم نبيٌّ (^٢) قبلَ أن يُبْعَثَ النبيُّ ﷺ؟ فقال: ألم تَسْمَعْ إلى قولِ اللهِ: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾. يعني بذلك رسلًا من الإنسِ ورسلًا مِن الجنِّ؟ فقالوا: بلَى (^٣).\n_________\n(^١) بعده في ف: \"رسل\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"مؤمن\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٦ إلى المصنف.","vol":"9","page":560},{"text":"وقال آخرون: لم يُرْسَلْ منهم إليهم رسولٌ، ولم يكنْ له مِن الجنِّ قطُّ رسولٌ مُرْسَلٌ، وإنما الرسلُ مِن الإِنسِ خاصةً، فأمّا مِن الجنِّ فالنُّذُرُ. قالوا: وإنما قال اللهُ: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾. والرسلُ مِن أحدِ الفريقين، كما قال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾. ثم قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٢]. وإنما يَخْرُجُ اللؤلؤُ والمَرْجانُ مِن المِلْحِ دونَ العَذْبِ منهما، وإنما معنى ذلك: يَخْرُجُ مِن بعضِهما أو مِن أحدِهما. قال: وذلك كقولِ القائلِ لجماعةِ أَدْؤُرٍ: إن في هذه الدُّورِ لشَرًّا. وإن كان الشرُّ في واحدةٍ منهن، فيُخْرِجُ الخبرَ عن جميعِهن والمرادُ به الخبرُ عن بعضِهن، وكما يقالُ: أَكَلْتُ خبزًا ولبنًا. إذا اخْتَلَطا، ولو قيل: أكَلْتُ لبنًا. كان الكلامُ خطأً؛ لأن اللبنَ يُشْرَبُ ولا يُؤْكَلُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ قولَه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾. قال: جمعَهم كما جمعَ قولَه: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢]. ولا يَخْرُجُ مِن الأنهارِ حِلْيةٌ. قال ابنُ جُريجٍ، قال ابنُ عباسٍ: هم الجنُّ الذين لَقُوا قومَهم، وهم رسلٌ إلى قومِهم.\nفعلى قولِ ابنِ عباسٍ هذا إن مِن الجنّ رسلًا للإنسِ إلى قومِهم.\nفتأويلُ الآيةِ على هذا التأويلِ الذى تأوَّله ابنُ عباسٍ: ألم يَأْتِكم أيُّها الجنُّ والإنسُ رسلٌ منكم؟ فأمّا رسلُ الإنسِ، فرسلٌ مِن اللهِ إليهم، وأما رسلُ الجنِّ، فرسلُ رسلِ اللهِ مِن بنى آدمَ، وهم الذين إذا سمِعوا القرآنَ ولَّوْا إِلى قومِهم مُنْذِرِين.\nوأما الذين قالوا بقولِ الضحاكِ، فإنهم قالوا: إن اللهَ تعالى ذكرُه أَخْبَر أَن مِن الجنِّ رسلًا أُرسِلوا إليهم، كما أخْبَرَ أن مِن الإنسِ رسلًا أُرْسِلوا إليهم. قالوا: ولو جاز","vol":"9","page":561},{"text":"أن يَكونَ خبرُه عن رسلِ الجنِّ، بمعنى أنهم رسلُ الإنسِ، جاز أن يَكونَ خبرُه عن رسلِ الإنسِ، بمعنى أنهم رسلُ الجنِّ. قالوا: وفى فسادِ هذا المعنى ما يَدُلُّ على أن الخبرين جميعًا بمعنى الخبرِ عنهم أنهم رسلُ اللهِ؛ لأن ذلك هو المعروفُ في الخطابِ دونَ غيرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3139>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ جَلَّ ثناؤُه عن قولِ مُشْركي الجنِّ والإنسِ عندَ تَقْريعِه إياهم بقولِه لهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾. أنهم يقولون: ﴿شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ بأن رسلَك قد أَتَتْنا بآياتِك، وأنْذَرَتْنا لقاءَ يومِنا هذا، فكذَّبْناها وجحَدْنا رسالتَها، ولم نَتَّبِعْ آياتِك ولم نُؤْمِن بها.\nقال اللهُ خبرًا مُبْتَدَأً: وغرَّت هؤلاء العادلين باللهِ الأوثانَ والأصنامَ وأولياءَهم مِن الجنِّ - ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. يعنى: زينةُ الحياةِ الدنيا، وطلبُ الرِّياسةِ فيها، والمنافسةُ عليها، أن يُسْلِموا لأمرِ اللهِ، فيُطِيعوا فيها رسلَه، فاسْتَكْبَروا وكانوا قومًا عالِين. فاكْتفى بذكرِ الحياةِ الدنيا مِن ذكرِ المعاني التي غرَّتْهم وخدَعَتهم فيها، إذ كان في ذكرِها مُكْتَفًى عن ذكرِ غيرِها؛ لدلالةِ الكلامِ على ما تُرِك ذكرُه. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. يعنى هؤلاء العادلين به يومَ القيامةِ، ﴿أَنَّهُمْ كَانُوا﴾ في الدنيا ﴿كَافِرِينَ﴾ به وبرسلِه؛ لتَتِمَّ حجَّةُ اللهِ عليهم، بإقرارِهم على أنفسِهم بما يُوجِبُ عليهم عقوبتَه، وأليمَ عذابِه.\n\n<span id=\"aya-920\"></span><span data-type='title' id=toc-3140>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)﴾.</span>","vol":"9","page":562},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾. أىْ: إنما أَرْسَلْنا الرسلَ يا محمدُ إلى مَن وصَفْتُ أمرَه، وأعْلَمْتُك خبرَه، مِن مشركي الإنسِ والجنِّ يقُصُّون عليهم آياتي، ويُنْذِرونهم لقاءَ يومِ (^١) مَعادِهم إليَّ، مِنْ أَجْلِ أن ربَّك لم يكنْ مُهْلِكَ القُرَى بظلمٍ.\nوقد يَتَّجِهُ مِن التأويلِ فى قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾. وجهان: أحدُهما: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾. أىْ: بشركِ مَن أشْرَك، وكفرِ مَن كفَر مِن أهلِها، كما قال لُقْمَانُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. ﴿وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾. يقولُ: لم يكنْ يُعاجِلُهم بالعقوبةِ حتى يَبْعَثَ إليهم رسلًا تُنَبِّهُهم على حججِ اللهِ عليهم، وتُنْذِرُهم عذابَ اللهِ يومَ مَعادِهم إليه، ولم يكنْ بالذى يَأْخُذُهم غَفْلةً فيقولوا: ما جاءنا من بشيرٍ ولا نذيرٍ.\nوالآخرُ: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾. يقولُ: لم يكُنْ لِيُهْلِكَهم دونَ التنبيهِ والتذكيرِ بالرسلِ والآياتِ والعبرِ، فيَظْلِمَهم بذلك، واللهُ غيرُ ظلَّامٍ لعبيده.\nوأولى القولين بالصوابِ عندى القولُ الأولُ؛ أن يكونَ معناه: أن لم يكنْ لِيُهْلِكَهم بشركِهم دونَ إرسالِ الرسلِ إليهم والإعْذارِ بينَه وبينَهم. وذلك أن قولَه: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾. عقيبُ قولِه: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾. فكان في ذلك الدليلُ الواضحُ على أن نَصَّ قولِه: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾. إنما هو: إنما (^٢) فَعَلْنَا\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٣، س، ف، وفي ت ٢: \"يومكم\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"معناه\".","vol":"9","page":563},{"text":"ذلك مِن أَجلِ أَنَّا لا نُهْلِكُ القُرَى بغيرِ تذكيرٍ و(^١) تنبيهٍ.\nوأما قولُه: ﴿ذَلِكَ﴾. فإنه يجوزُ أن يَكونَ نصبًا، بمعنى: فعَلْنا ذلك. ويجوزُ أن يكونَ رفعًا بمعنى الابْتِداءِ، كأنه قال: ذلك كذلك (^٢).\nوأما ﴿أَنْ﴾ فإنها في موضعِ نصبٍ، بمعنى: فعَلْنا ذلك مِن أجلِ أن لم يكنْ ربُّكَ مُهْلِكَ القرى. فإذا حُذِف ما كان يَخْفِضُها، تعلَّق بها الفعلُ فنُصِب.\n\n<span id=\"aya-921\"></span><span data-type='title' id=toc-3141>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (^٣) (١٣٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولكلِّ عاملٍ فى طاعةِ اللهِ أو معصيتِه، منازلُ ومَراتبُ من عملِه، يُبَلِّغُه اللهُ إياها ويُثيبُه بها، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وكلُّ ذلك مِن عملِهم يا محمدُ بعلمٍ مِن ربِّك، يُحْصِيها ويُثْبِتُها لهم عندَه؛ ليُجازِيَهم عليها عندَ لقائِهم إياه ومَعادِهم إليه.\n\n<span id=\"aya-922\"></span><span data-type='title' id=toc-3142>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: وربُّك يا محمدُ الذى أمَر عبادَه بما أمَرَهم به، ونهاهم عما نهاهم عنه، وأثابهم على الطاعةِ، وعاقَبَهم على المعصيةِ، الغنىُّ عن عبادِه، الذين أمَرَهم بما أمَر، ونهاهم عما نهَى، وعن أعمالِهم وعبادتِهم إياه، وهم المحتاجون إليه؛\n_________\n(^١) بعده في ف: \"لا\".\n(^٢) سقط من: ف، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ذلك\".\n(^٣) في س، ف: \"تعملون\" بالتاء، وقرأ بها ابن عامر وحده، والباقون بالياء كالمثبت. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٦٩.","vol":"9","page":564},{"text":"لأنَّ (^١) بيدِه حياتَهم ومماتَهم وأرزَاقَهم وأقواتَهم، ونفعَهم وضَرَّهم، يقولُ عزَّ ذكرُه: فلمْ أَخْلُقْهم يا محمدُ، ولم آمُرْهم بما أمَرْتُهم به، وأَنْهَهم عما نهَيْتُهم عنه، لحاجةٍ لى إليهم، ولا إلى أعمالِهم، ولكن لِأتَفَضَّلَ عليهم برحمتى، وأُثِيبَهم على إحْسانِهم إن أحْسَنوا، فإنى ذو الرَّأفة والرحمةِ.\nوأما قولُه: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾. فإنه يقولُ: إن يَشَأْ ربُّك يا محمدُ الذى خلَق خلقَه لغيرِ حاجةٍ منه إليهم، وإلى طاعتِهم إياه، ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾. يقولُ: يُهْلِكُ خلقَه هؤلاء الذين خلَقَهم مِن ولدِ آدمَ، ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾. يقولُ: ويَأْتِ بخلقٍ غيرِكم، وأممٍ سِواكم يَخْلُفونكم فى الأرضِ، ﴿مِنْ بَعْدِكُمْ﴾. يعني: من بعدِ فَنائِكم وهلاكِكم، ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾: كما أحْدَثكم وابْتَدَعكم من بعدِ خلقٍ آخرين كانوا قبلَكم.\nومعنى ﴿مِنْ﴾ في هذا الموضعِ التَّعْقيبُ، كما يقالُ في الكلامِ: أَعْطَيْتُكَ مِن دينارِك ثوبًا. بمعنى: مكانَ الدينارِ ثوبًا. لا أن الثوبَ مِن الدينارِ بعضٌ، كذلك الذين خُوطِبوا بقولِه: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ﴾. لم يُرِدْ بإخبارِهم هذا الخبرَ أنهم أُنْشِئوا مِن أصلابِ قومٍ آخرين، ولكن معنى ذلك ما ذكَرْنا مِن أَنهم أُنْشِئوا مَكَانَ خَلْقٍ خَلَفَ قومٍ آخرين قد هلَكوا قبلَهم.\nوالذريةُ الفُعْليَّةُ (^٢)، مِن قول القائل: ذرَأ اللهُ الخلقَ، بمعنى: خلَقَهم، فهو يَذْرَؤُهم. ثم ترَك الهمزةَ، فقيل: ذرَا اللهُ. ثم أخْرج الفُعليَّةَ (^٢) منه (^٣) بغيرِ همزٍ على مثالِ العُلِّيَّةِ.\n_________\n(^١) في م: \"لأنه\".\n(^٢) فى م: \"الفعيلة\".\n(^٣) سقط من: م، ف، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فيه\".","vol":"9","page":565},{"text":"وقد رُوِى عن بعضِ المتقدِّمين أنه كان يَقْرَأُ: (مِن ذُرِّيَّةِ (^١) قومٍ آخَرِين). على مثالِ فِعِّيلة (^٢).\nوعن آخرَ أنه كان يقْرَؤه: (مِن ذَرِيَّةِ). على مثال عَلِيَّة (^٣).\nوالقراءةُ التي عليها القرأةُ فى الأمصارِ: ﴿ذُرِّيَّةِ﴾، بضمِّ الذالِ وتشديدِ الياء على مثالِ عُلِّيَّة.\nوقد بيَّنا اشتقاقَ ذلك فيما مضَى قبلُ بما أغْنَى عن إعادتِه هاهنا (^٤).\nوأصلُ الإنشاءِ الإحْداثُ، يقالُ: قد أَنْشَأ فلانٌ يُحَدِّثُ القومَ. بمعنى: ابْتَدَأَ وأخَذ فيه.\n\n<span id=\"aya-923\"></span><span data-type='title' id=toc-3143>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمشركين به: أيُّها العادِلون باللهِ الأوثانَ والأصنامَ، إن الذى يُوعِدُكم به ربُّكم مِن عقابِه على إصرارِكم على كفرِكم واقعٌ بكم، ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. يقولُ: لن تُعْجِزوا ربَّكم هربًا منه في الأرضِ فتَفُوتوه؛ لأنكم حيثُ كنتم في قبضتِه، وهو عليكم وعلى عقوبتِكم بمعصيتِكم إياه قادرٌ. يقولُ: فاحْذَرُوه وأَنِيبوا إلى طاعتِه قبلَ نزولِ البلاءِ بكم.\n_________\n(^١) فى م: \"ذريئة\".\n(^٢) في ت ١، ت ٣، ف: \"فعلية\" وبكسر الذال قرأ زيد بن ثابت وأبو وجزة السعدى كما في مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٤٦، ونص أبو حيان فى البحر المحيط ٤/ ٢٢٥ على أن قراءة زيد بن ثابت بفتح الذال، وهو مخالف لما نص عليه هو قبل ذلك فى ٢/ ٤٣٥، فقد نص على أن قراءة زيد -وكذا الضحاك- بكسر الذال. وقراءة زيد بن ثابت أخرجها سعيد بن منصور في سننه (٩٢٠ - تفسير) وهى فيه من غير ضبط.\n(^٣) هي قراءة أبان بن عثمان، كما نص عليه أبو حيان فى البحر المحيط ٤/ ٢٢٥، وذكر ابن خالويه في مختصره ص ٤٦ أنها قراءة بعض أهل المدينة، وهى مضبوطة فيه بفتح الذال وسكون الراء، ضبط قلم، والضبط كما نص عليه أبو حيان.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٥/ ٣٦٢.","vol":"9","page":566},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3144>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لقومِك مِن قريشٍ، الذين يَجْعَلون مع اللهِ إلهًا آخرَ: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. يقولُ: اعْمَلوا على حِيالِكم وناحيتِكم.\nكما حدَّثني علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. يعنى: على ناحيتِكُم (^١).\nيقالُ منه: هو يَعْمَلُ على مكانتِه ومَكِينتِه.\nوقرَأ ذلك بعضُ الكوفيين: (على مَكَانَاتِكم) (^٢). على جمعِ المكانةِ.\nوالذى عليه قرأةُ الأمصارِ: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. على التوحيدِ.\n﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه: قلْ لهم: اعْمَلوا ما أنتم عامِلون، فإني عاملٌ ما أنا عاملُه مما أمَرَنى به ربِّى، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: فسوف تَعْلَمون عندَ نزول نِقْمةِ اللهِ بكم، أيُّنا كان المحقَّ فى عملِه، والمصيبَ سبيلَ الرشادِ، أنا أم أنتم؟\nوقولُه تعالى ذكرُه لنبيِّه: قلْ لقومِك: ﴿يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. أمرٌ منه له بوَعيدِهم وتهديدِهم، لا إطلاقٌ لهم فى عملِ ما أرادوا مِن معاصِى اللهِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٩٠ (٧٩٠٩) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) هي قراءة عاصم وحده في رواية أبي بكر. السبعة لابن مجاهد ص ٢٦٩.","vol":"9","page":567},{"text":"<span id=\"aya-924\"></span><span data-type='title' id=toc-3145>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾.</span>\nيعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾: فسوف تَعْلَمون أيُّها الكفرةُ باللهِ عندَ مُعاينتِكم العذابَ، مَن الذى تكونُ له عاقبةُ الدارِ منا ومنكم. يقولُ: مَن الذى تُعْقِبُه (^١) دنياه ما هو خيرٌ له منها (^٢) أو شرٌّ منها (^٣)، بما قدَّم فيها مِن صالحِ أعمالِه أو سيِّئِها.\nثم ابْتَدَأَ الخبرَ جلَّ ثناؤُه فقال: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. يقولُ: إنه لا يُنْجِحُ ولا يَفوزُ بحاجتِه عندَ اللهِ مَن عمِل بخلافِ ما أمَرَه اللهُ به مِن العملِ في الدنيا. وذلك معنى ظلمِ الظالمِ فى هذا الموضعِ.\nوفى ﴿مَنْ﴾ التى فى قولِه: ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ﴾. وجْهانِ مِن الإعرابِ؛ الرفعُ على الابتداءِ، والنصبُ بقولِه: ﴿تَعْلَمُونَ﴾. لإعمال العلمِ فيه.\nوالرفعُ فيه أجودُ؛ لأن معناه: فسوف تَعْلَمون أيُّنا له عاقبةُ الدارِ؟ فالابتداءُ في ﴿مَنْ﴾ أصحُّ وأفصحُ مِن إعمالِ العلمِ فيه.\n\n<span id=\"aya-925\"></span><span data-type='title' id=toc-3146>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وجعَل هؤلاء العادلون بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ لربِّهم مما ذَرَأ\n_________\n(^١) فى م: \"يعقب\"، وفى س: \"يعقبه\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فيها\".\n(^٣) في ص: \"فيها\".","vol":"9","page":568},{"text":"خالقُهم. يعنى: مما خلَق مِن الحرثِ والأنعامِ. يقالُ منه: ذرَأ اللهُ الخلقَ يَذْرَؤُهم ذَرْءًا وذَرْوًا، إذا خلَقهم. ﴿نَصِيبًا﴾. يعنى: قِسمًا وجزءًا.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى صفةِ النصيبِ الذى جعَلوا للهِ، والذى جعَلوه لشركائِهم مِن الأوثانِ والشيطانِ؛ فقال بعضُهم: كان ذلك جزءًا من حُروثِهم وأنعامِهم، يُفْرِزونه (^١) لهذا، وجزءًا آخرَ لهذا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن حبيبِ بنِ الشهيدِ، قال: ثنا عَتَّابُ بنُ بشيرٍ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية. قال: كانوا إذا أدْخَلوا الطعامَ فجعلوه حُزَمًا، جَعَلوا منها للهِ سهمًا، وسهمًا لآلهتِهم، وكان إذا هبَّت الريحُ مِن نحوِ الذى جعَلوه لآلهتِهم إلى الذى جعَلوه للهِ، ردُّوه إلى الذى جعَلوه لآلهتِهم، وإذا هبَّت الريحُ مِن نحوِ الذى جعَلوه للهِ إلى الذى جعَلوه لآلهتِهم، أقَرُّوه ولم يَرُدُّوه، فذلك قولُه: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾. قال: جعَلوا للهِ مِن ثمَراتِهم ومالِهم نصيبًا، وللشيطانِ والأوثانِ نصيبًا، فإن سقَط مِن ثمرةِ ما جعَلوا للهِ في نصيبِ الشيطانِ ترَكُوه، وإن سقَط مما جعَلوه للشيطانِ في نصيبِ اللهِ التقَطُوه\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"يقررونه\"، وفى ص: \"يفررون\"، والمثبت هو الصواب، يقال: فرزت الشيء وأفرزته: إذا قسمته، والفِرز: النصيب المفروز لصاحبه، واحدا كان أو اثنين. اللسان (ف ر ز).","vol":"9","page":569},{"text":"وحفِظُوه، وردُّوه إلى نصيبِ الشيطانِ، وإن انْفَجَر مِن سِقْي (^١) ما جعَلوه للهِ في نصيبِ الشيطانِ تركوه، وإن انْفَجَر من سِقْي ما جعَلوه للشيطانِ في نصيبِ اللهِ سدُّوه، فهذا ما جعَلوا مِن الحروثِ وسِقْيِ الماءِ، وأمَّا ما جعَلوا للشيطانِ مِن الأنعامِ، فهو قولُ اللهِ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ (^٢) [المائدة: ١٠٣].\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ الآية: وذلك أن أعداءَ اللهِ كانوا إذا احْتَرثُوا حَرْثًا، أو كانت لهم ثمرةٌ، جعلوا للهِ منها جزءًا، وللوَثَنِ جزءًا، فما كان مِن حرثٍ أو ثمرةٍ أو شيءٍ مِن نصيبِ الأوثانِ حفِظوه وأحْصَوْه، فإن سقَط منه شيءٌ فيما سُمِّى لله ردُّوه إلى ما جعَلوا للوثَنِ، وإن سبَقَهم الماءُ إلى الذي جعَلوه للوثَنِ فسقَى شيئًا جعَلوه للهِ، جعَلوا ذلك للوثَنِ، وإن سقَطَ شيءٌ مِن الحَرْثِ والثمرةِ التى جعَلوا [لله فاخْتَلَط بالذى جعَلوا] (^٣) للوثَنِ، قالوا: هذا فقيرٌ. ولم يَرُدُّوه إلى ما جعَلوا للهِ، وإن سبَقَهم الماءُ الذي جعَلوا للهِ فسقَى ما سُمِّى للوثَنِ، ترَكُوه للوثَنِ، وكانوا يُحَرِّمون من أنعامِهم البَحيرةَ والسائبةَ والوَصيلَة والحامَ، فيَجْعَلونه للأوثان، ويَزْعُمون أنهم يُحَرِّمونه للهِ، فقال اللهُ فى ذلك: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ الآية (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ\n_________\n(^١) السِّقى؛ الشِّرب: وهو مورد الماء. اللسان (س ق ي، ش ر ب).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٤/ ١٣٩٠، ١٣٩١ (٧٩١١، ٧٩١٢)، والبيهقى ١٠/ ١٠ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٤٧ إلى ابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٩١ (٧٩١٣) عن محمد بن سعد به.","vol":"9","page":570},{"text":"نَصِيبًا﴾. قال: يُسَمُّون للهِ جزءًا مِن الحرثِ، ولشركائِهم وأوثانِهم جزءًا، فما ذهَبَ (^١) به الريحُ مما سمَّوْا للهِ إلى جزءِ أوثانِهم ترَكوه، وما ذهَب من جزءِ أوثانِهم إلى جزءِ الله ردُّوه، وقالوا: اللهُ عن هذا غنىٌّ. والأنعامُ السائبةُ والبَحيرةُ التي سَمَّوْا (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ الآية: عمَد ناسٌ مِن أهلِ الضَّلالة فجزَّءوا مِن حروثِهم ومَواشِيهم جزءًا للهِ وجزءًا لشُركائِهم، وكانوا إذا خالطَ شيءٌ مما جزَّءوا للهِ فيما جزَّءوا لشركائِهم خلَّوْه، فإذا خالَط شيءٌ مما جزَّءوا لشركائهم فيما جزَّءوا لله ردُّوه على شركائِهم، وكانوا إذا أصابتْهم السَّنَةُ اسْتَعانوا بما جزَّءوا للهِ، وأقَرُّوا ما جزَّءوا لشركائِهم، قال الله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾. قال: كانوا يُجَزِّئون مِن أموالِهم شيئًا فيقولون: هذا للهِ، وهذا للأصنامِ التي يَعْبُدون. فإن ذهَب بعيرٌ (^٣) مما جعَلوا لشركائِهم فخالَط ما جعلوا للهِ ردُّوه، وإن ذهَب مما جعَلوه للهِ فخالَط شيئًا مما جعَلوه لشركائِهم ترَكوه، وإن أصابتْهم سَنَةٌ أَكَلوا ما جعَلُوا للهِ، وترَكوا ما جعَلوا لشركائِهم، فقال اللهُ: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"ذهبت\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٢٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٩١ (٧٩١٤). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٧ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) سقط من م، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"لغير\"، والمثبت من تفسير عبد الرزاق.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٨.","vol":"9","page":571},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ إلى: ﴿يَحْكُمُونَ﴾. قال: كانوا يَقْسِمون مِن أموالِهم قِسْمًا فَيَجْعَلُونه للهِ، ويَزْرَعون زَرْعًا فَيَجْعَلُونه للهِ، ويَجْعَلون لآلهتِهم مثلَ ذلك، فما خرَج للآلهةِ أنْفَقُوه عليها (^١)، وما خرَج للهِ تصَدَّقوا به، فإذا هلَك الذي يَصْنَعون لشركائِهم وكثُر الذى للهِ، قالوا: ليس بُدٌّ لآلهتِنا مِن نفقةٍ. وأخَذوا الذى للهِ فأَنْفَقوه على آلهتِهم، وإذا أجْدَب الذى للهِ وكثُر الذى لآلهتِهم، قالوا: لو شاء أَزْكَى الذى له. فلا يَرُدُّون عليه شيئًا مما للآلهة. قال اللهُ: لو كانوا صادقين فيما قسَموا، لَبئسَ إذن ما حكَموا أن يَأْخُذوا منِّى ولا يُعْطُونى. فذلك حينَ يقولُ: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (^٢).\nوقال آخرون: النصيبُ الذى كانوا يَجْعَلُونه للهِ فكان يَصِلُ منه (^٣) إلى شركائِهم، أنهم كانوا لا يَأْكُلون ما ذبَحوا لله حتى يُسَمُّوا الآلهة (^٤)، وكانوا ما ذبَحوه للآلهة يَأْكُلونه، ولا يُسَمُّون اللهَ عليه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ حتى بلَغ: ﴿وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾. قال: كلُّ شيءٍ جَعَلوه للهِ مِن ذِبْحٍ يَذْبَحونه، لا يَأْكُلونه أبدًا حتى يَذْكُروا معه أسماءَ الآلهة، وما كان للآلهةِ لم يَذْكُروا اسم اللهِ معه. وقرَأ الآية حتى بلَغ: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"عليهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٤/ ١٣٩٢ (٧٩١٥) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"منهم\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"للآلهة\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٩٢ (٧٩١٦) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد.","vol":"9","page":572},{"text":"وأوْلى التأويلين بالآية ما قال ابنُ عباسٍ ومَن قال بمثل قوله في ذلك؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَر أنهم جعلوا لله من حرثِهم وأنعامهم قِسْمًا مُقَدَّرًا، فقالوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ﴾. وجعَلوا مثلَه لشركائهم، وهم أوثانُهم، بإجماعٍ من أهلِ التأويلِ عليه، فقالوا: ﴿وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾. وأن نَصيبَ شركائِهم لا يَصِلُ منه إلى اللهِ، بمعنى: لا يَصِلُ إلى نصيب اللهِ، وما كان للهِ وصَل إلى نصيبِ شركائِهم. فلو كان وصولُ ذلك بالتسميةِ وترك التسميةِ، كان أعيانُ ما أَخْبَر الله عنه أنه لم يَصِلْ، جائزًا أن تكونَ قد وصَلَت، وما أخْبَر عنه أنه قد وصَل، لم يَصِل، وذلك خلافُ ما دلَّ عليه ظاهرُ الكلام؛ لأن الذَّبيحتَيْن تُذْبَحُ إحداهما للهِ والأُخرى للآلهةِ، جائزٌ أن تَكونَ لحومُهما قد اخْتَلَطَت وخلَطوهما (^١)، إذ كان المكروهُ كان (^٢) عندَهم تسميةَ اللهِ على ما كان مذبوحًا للآلهةِ، دونَ اختلاطِ الأعْيانِ واتصالِ بعضِها ببعضٍ.\nوأما قولُه: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. فإنه خبرٌ من الله جلَّ ثناؤُه عن فعلِ هؤلاء المشركين الذين وصَف صفتَهم. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قد أساءوا في حكمِهم، إذ أخَذوا من نصيبى لشركائِهم، ولم يُعْطُونى من نصيبِ شركائِهم. وإنما عنَى بذلك تعالى ذكرُه الخبرَ عن جهلِهم وضلالتِهم، وذهابِهم عن سبيل الحقِّ، بأنهم لم يَرْضَوْا أن عدَلُوا بمن خلَقَهم وغذَاهم وأنْعَم عليهم بالنعمِ التي لا تُحْصَى، ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم، حتى فضَّلوه في أقسامِهم عند أنفسِهم بالقَسْمِ عليه.\n\n<span id=\"aya-926\"></span><span data-type='title' id=toc-3147>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ س، ف: \"خلطوها\".\n(^٢) سقط من: م.","vol":"9","page":573},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: وكما زيَّن شركاءُ هؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ لهم ما زُيِّن (^١) لهم؛ مِن تَصْييرِهم لربِّهم مِن أموالِهم قَسْمًا بزعمِهم، وترْكِهم ما وصَل من القَسْم الذى جعَلوه لله إلى قَسْمِ شركائِهم في قَسمِهم، وردِّهم ما وصَل مِن القَسمِ الذى جعَلوه لشركائِهم إلى قَسمِ نصيبِ الله، إلى قَسمِ شركائِهم، ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ مِن الشياطينِ، فحسَّنوا (^٢) لهم وأْدَ البناتِ؛ ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾. يقولُ: ليُهْلِكوهم، ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾: فعَلوا ذلك بهم ليَخْلِطوا عليهم دينَهم فيَلْتَبِسَ، فيَضِلُّوا ويَهْلِكُوا بفعلِهم ما حرَّم اللهُ عليهم، ولو شاء اللهُ أَلا يَفْعَلُوا ما كانوا يَفْعَلون مِن قتلِهم لم يَفْعَلوه، بأن كان يَهْدِيهم للحقِّ، ويُوَفِّقُهم للسَّدادِ، فكانوا لا يَقْتُلُونهم، ولكنَّ اللهَ خذَلَهم عن الرَّشادِ، فقتَلوا أولادَهم، وأطاعوا الشياطينَ التي أغْوَتْهم.\nيقولُ الله لنبيِّه مُتَوَعِّدًا لهم على عظيمِ فِرْيتِهم على ربِّهم فيما كانوا يقولون في الأنْصِباءِ التي يَقْسِمونها: هذا للهِ وهذا لشركائِهم. وفي قتلِهم أولادَهم: ذَرْهم يا محمدُ، ﴿وَمَا يَفْتَرُونَ﴾: وما يَتَقَوَّلون علىَّ مِن الكذبِ والنُّورِ؛ فإني لهم بالمِرْصادِ، ومِن وراءِ العذابِ والعقابِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ\n_________\n(^١) في م: \"زينوا\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فحسن\".","vol":"9","page":574},{"text":"أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ﴾: زيَّنوا لهم مِن قتلِ أولادِهم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾: شياطينُهم يَأْمُرونهم أن يَئِدوا أولادَهم خِيفةَ العَيْلةِ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ﴾ الآية. قال: شركاؤُهم زيَّنوا لهم ذلك، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾. قال: شياطينُهم التى عبَدوها زيَّنوا لهم قتلَ أولادِهم.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ﴾: أَمَرَتْهم الشياطينُ أن يَقْتُلُوا البناتِ، وأمَّا:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٩٢ (٧٩١٧) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٤٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) العيلة: الفاقة. اللسان (ع ي ل).\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٣٢٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٩٣ (٧٩١٩)، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٤٧ إلى عبد بن حميد وابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٩٣ (٧٩١٨) من طريق يزيد به.","vol":"9","page":575},{"text":"﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾: فيُهْلِكوهم، وأمَّا: ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾: فيَخْلِطوا عليهم دينهم (^١).\nواخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ ذلك، فقرَأَته قرأةُ الحجازِ والعراقِ: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ﴾ بفتحِ الزايِ من ﴿زَيَّنَ﴾، ﴿لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ﴾. بنصبِ \"القتلِ\"، ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾. بالرفعِ، بمعنى أن شركاءَ هؤلاء المشركين الذين زيَّنوا لهم قتلَ أولادِهم. فيَرْفَعون \"الشركاء\" بفعلِهم، ويَنْصِبون \"القتلَ\"، لأنه مفعولٌ به.\nوقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ الشامِ: (وكذلك زُيِّن) بضمِّ الزايِ (لكثير من المشركين قتلُ) بالرفعِ (أولادَهم) بالنصبِ، (شركائِهم) بالخفضِ (^٢)، بمعنى: وكذلك زُيِّن لكثيرٍ مِن المشركين قتلُ شركائِهم أولادَهم. ففرَّقوا بينَ الخافضِ والمخفوضِ بما عمِل فيه مِن (^٣) الاسم.\nوذلك في كلامِ العربِ قبيحٌ غيرُ فَصيحٍ. وقد رُوِى عن بعض أهلِ الحجازِ بيتٌ من الشعرِ يُؤيِّدُ قراءةَ مَن قرَأ بما ذكَرْتُ مِن قراءةِ أهلِ الشامِ، رأيتُ رُواةَ الشعرِ وأَهلَ العلمِ بالعربيةِ مِن أهلِ العراقِ يُنْكِرونه، وذلك قولُ قائلِهم (^٤):\nفزجَجتُه (^٥) مُتَمَكِّنًا … زَجَّ القَلُوصَ (^٦) أبي مَزَادَهْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٤/ ١٣٩٣ (٧٩٢٠، ٧٩٢١) من طريق أحمد بن المفضل.\n(^٢) وهى قراءة ابن عامر من السبعة، والباقون كالقراءة الأولى. التيسير ص ٨٨.\n(^٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"في\".\n(^٤) معانى القرآن للفراء ١/ ٣٥٨، ومجالس ثعلب ١/ ١٥٢، والخزانة ٤/ ٤١٥.\n(^٥) زجه: إذا طعنه بالزُّج -وهو الحديدة في أسفل الرمح- ورماه به. ينظر اللسان (ز ج ج).\n(^٦) القلوص: الفتية من الإبل. اللسان (ق ل ص).","vol":"9","page":576},{"text":"والقراءةُ التى لا أَسْتَجِيزُ غيرَها: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾. بفتح الزايِ مِن ﴿زَيَّنَ﴾، ونصبِ \"القتل\" بوقوعِ ﴿زَيَّنَ﴾ عليه، وخفضِ ﴿أَوْلَادِهِمْ﴾ بإضافة \"القتلِ\" إليهم، ورفعِ (شركاءَ) بفعلِهم؛ لأنهم هم الذين زيَّنوا للمشركين قتلَ أولادِهم، على ما ذكرْتُ مِن التأويل.\nوإنما قلتُ: لا أَسْتَجيزُ القراءة بغيرها؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، وأن تأويلَ أهلِ التأويلِ بذلك ورَد، ففى ذلك أوضحُ البيانِ على فسادِ ما خالَفَها مِن القراءةِ (^١).\nولولا أن تأويلَ جميعِ أهلِ التأويلِ بذلك ورَد، ثم قرَأ قارئٌ: (وكذلك زُيِّن لكثيرٍ من المشركين قتلُ أولادِهم شركائِهم). بضمِّ الزايِ مِن \"زُيِّن\"، ورفعِ \"القتلِ\" وخفضِ \"الأولادِ\" و\"الشركاءِ\"، على أن \"الشركاءَ\" مَخْفوضون بالردِّ على \"الأولاد\"، بأن الأولادَ شركاءُ آبائِهم فى النَّسبِ والميراثِ -كان جائزًا.\nولو قرَأه كذلك قارئٌ، غيرَ أنه رفَع \"الشركاءَ\" وخفَض \"الأولادَ\"، كما يقالُ: ضُرِب عبدُ اللهِ أخوك، فيَظْهَرُ الفاعلُ بعدَ أن جرَى الخبرُ بما لم يُسمَّ فاعلُه - كان ذلك صحيحًا في العربية جائزًا.\n\n<span id=\"aya-927\"></span><span data-type='title' id=toc-3148>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾.</span>\n_________\n(^١) والقراءة التي حكم عليها المصنف بالفساد متواترة، فقد قرأ بها ابن عامر، وهو من كبار التابعين الذين أخذوا عن الصحابة كعثمان وأبي الدرداء، وهو مع ذلك عربي صريح من صميم العرب، وقال ابن الجزري: وأول من نعلمه أنكر هذه القراءة وغيرها من القراءة الصحيحة وركب هذا المحذور ابن جرير الطبرى بعد الثلاثمائة، وقد عد ذلك من سقطات ابن جرير. وقد أطال العلماء فى الانتصار لهذه القراءة، وينظر في ذلك البحر المحيط ٤/ ٢٢٩، ٢٣٠، والنشر ٢/ ١٩٨، ١٩٩.","vol":"9","page":577},{"text":"وهذا خبرٌ مِن الله تعالى ذكرُه عن هؤلاء الجَهَلةِ مِن المشركين أنهم كانوا يُحَرِّمون ويُحَلِّلون مِن قِبَلِ أنفسهم، من غير أن يَكونَ اللهُ أَذِن لهم بشيءٍ مِن ذلك.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء العادلون بربِّهم مِن المشركين جهلًا منهم، لأنعامٍ لهم وحَرْثٍ: هذه أنعامٌ وهذا حَرْثٌ حِجْرٌ. يعنى بالأنعامِ والحرثِ ما كانوا جعلوه للهِ ولآلهتِهم التي قد مضَى ذكرُها في الآية قبل هذه.\nوقيل: إن الأنعامَ؛ السائبةُ والوَصيلةُ والبَحيرةُ التي سمَّوْا.\nحدَّثني بذلك محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: الأنعامُ؛ السائبةُ والبحيرةُ التى سمَّوْا (^١).\nوالحِجْرُ (^٢) في كلام العرب الحرامُ (^٣)، يقالُ: حَجَرْتُ على فلانٍ كذا. أىْ: حرَّمْتُ عليه، ومنه قولُ اللهِ: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [سورة الفرقان: ٢٢]. ومنه قولُ المُتَلَمِّسِ (^٤):\nحنَّت إلى النخلةِ القُصْوَى فقلتُ لها … حِجْرٌ حَرامٌ أَلا ثَمَّ الدَّهارِيسُ (^٥)\nوقولُ رُؤْبةَ (^٦):\nوجارَةُ البيتِ لها حُجْرِىُّ\nيعنى المُحَرَّمَ. ومنه قولُ الآخر (^٧):\n_________\n(^١) جزء من الأثر المتقدم في ص ٥٧٠، ٥٧١.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"الحجة\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٤) ديوانه ص ٨٥.\n(^٥) الدهاريس: الدواهي. اللسان (دهرس).\n(^٦) البيت للعجاج أبى رؤبة، وهو في ديوانه ص ٣١٦.\n(^٧) هو أعشى باهلة، كذا نسبه ابن بري في اللسان (ر ف ق).","vol":"9","page":578},{"text":"فبِتُّ مُرْتَفِقًا والعينُ ساهرةٌ … كأنَّ نومى علىَّ الليلَ مَحْجُورُ\nأي: حرامٌ.\nيُقالُ: حِجْرٌ وحُجْرٌ. بكسرِ الحاءِ وضمِّها، وبضمِّها كان يَقْرَأُ، فيما ذُكِر؛ الحسنُ (^١) وقتادةُ.\nحدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثني أبي (^٢)، قال: ثني أبي، عن الحسين، عن قتادةَ أنه كان يَقْرَؤُها: (وحَرْثٌ حُجْرٌ). يقولُ: حرامٌ. مضمومة الحاءِ (^٣).\nوأما القرأةُ مِن الحجازِ والعراقِ والشامِ بعدُ (^٤) فعلى كسرِها، وهي القراءةُ التي لا أَسْتَجِيزُ خلافَها؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القَرأةِ عليها، وأنها اللغةُ الجُودَى (^٥) من لغاتِ العربِ.\nورُوى عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرَؤُها: (وحَرْثٌ حِرْجٌ). بالراءِ قبل الجيمِ (^٦).\nحدَّثني بذلك الحارثُ، قال: ثنى عبدُ العزيزِ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن عمرٍو، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرَؤُها كذلك (^٧).\nوهي لغةٌ ثالثةٌ معناها ومعنى الحِجْرِ واحدٌ، وهذا كما قالوا: جذَب وجبَذ،\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"الحسين\". وقراءة الحسن هذه أخرجها ابن الأنباري، كما في الدر المنثور ٣/ ٤٨، وذكرها ابن خالويه في مختصره ص ٤٦.\n(^٢) بعده فى النسخ: \"قال حدثني عمي\". وينظر ما تقدم في ص ٥٤٦.\n(^٣) ذكر هذه القراءة عن قتادة أبو حيان فى البحر المحيط ٤/ ٢٣١، وهي شاذة.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) الجودى: تأنيث الأجود.\n(^٦) على القلب المكاني، وهي قراءة شاذة.\n(^٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٤٨ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر.","vol":"9","page":579},{"text":"وناءَ ونأَى.\nففى \"الحِجْرِ\" إذن لغاتٌ ثلاثٌ؛ حِجْرٌ بكسرِ الحاءِ، والجيمُ قبل الراءِ، وحُجْرٌ بضمِّ الحاء، والجيمُ قبل الراءِ، وحِرْجٌ بكسرِ الحاءِ، والراءُ قبلَ الجيمِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ \"الحِجْرِ\" قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى عِمْرانُ بنُ موسى القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، عن حميدٍ، عن مجاهدٍ وأبي عمرٍو: ﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾. يقولُ: حرامٌ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن علىِّ بن أبى طلحة، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾: فالحجرُ ما حرَّموا من الوَصيلةِ، وتحريمُ ما حرَّموا (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾. قال: حرامٌ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ الآية: تحريمٌ كان عليهم من الشياطينِ في أموالِهم، وتغليظٌ وتشديدٌ، وكان ذلك مِن الشياطينِ ولم يَكُنْ مِن اللهِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٩٣ (٧٩٢٣) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٩ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٤٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٩٤ (٧٩٢٩) من طريق يزيد به، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾.","vol":"9","page":580},{"text":"السدىِّ: أما قولُه: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾. فيقولون: حرامٌ أن نُطْعِمَ إلا مَن شِئْنا (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾: نَحْتَجِرُها على مَن نُرِيدُ وعمَّن لا نُرِيدُ، ﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾. قال: إنما احْتَجَروا ذلك لآلهتِهم، وقالوا: لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ بزعمِهم. قالوا: نَحْتَجِرُها عن النساءِ ونَجْعَلُها للرجال (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾: أَمَّا ﴿حِجْرٌ﴾. يقولُ: محرَّمٌ. وذلك أنهم كانوا يَصْنَعون في الجاهليةِ أشياءَ لم يَأْمُرِ اللهُ بها، كانو يُحرِّمون مِن أنعامِهم أشياءَ لا يَأْكُلونها، ويَعْزِلون مِن حَرْثِهم شيئًا معلومًا لآلهتهم، ويقولون: لا يَحِلُّ لنا ما سمَّيْنا لآلهتنا.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾: ما جعَلوه للهِ ولشركائِهم.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-3149>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٤/ ١٣٩٤ (٧٩٢٦) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٩٣، ١٣٩٤ (٧٩٢٥، ٧٩٢٧) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٢٩.","vol":"9","page":581},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: وحرَّم هؤلاء الجَهَلةُ مِن المشركين ظهورَ بعضِ أنعامِهم، فلا يَرْكَبون ظهورَها، وهم يَنْتَفِعون برِسْلِها (^١) ونِتَاجِها (^٢) وسائرِ الأشياءِ منها، غيرَ ظهورِها للركوبِ، وحرَّموا مِن أنعامِهم أنعامًا أُخَرَ، فلا يَحُجُّون عليها، ولا يَذْكُرون اسمَ اللهِ عليها إن ركِبوها بحالٍ، ولا إن حلَبوها، ولا إن حمَلوا عليها.\nوبما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن عاصمٍ، قال: قال لى أبو وائلٍ: أَتَدْرِى ما ﴿أَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾؟ قال: قلتُ: لا. قال: أنعامٌ لا يَحُجُّون عليها (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بن عبَّادِ بنِ موسى، قال: ثنا شاذانُ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن عاصمٍ، قال: قال لى أبو وائلٍ: أتَدْرِى ما قولُه: ﴿حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾؟ قال: قلتُ: لا. قال: هي البَحيرةُ، كانوا لا يَحُجُّون عليها.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البَصْرِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سعيدٍ الشَّهيدُ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ: ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾. قال: لا يَحُجُّون عليها.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) الرِّسْل: اللبن. اللسان (ر س ل).\n(^٢) النتاج: الأولاد من جميع البهائم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٩٤ (٧٩٣٠) من طريق أبي بكر بن عياش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٨ إلى عبد بن حميد وابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"9","page":582},{"text":"السدىِّ: أما: ﴿أَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾. فهى البَحيرةُ والسائبةُ والحامُ، وأما: \"الأنعامُ التي لا يذكرون اسمَ اللهِ عليها\"، قال: إذا ولَّدوها، ولا إن نحَروها (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾. قال: كان من إبلِهم طائفةٌ لا يَذْكُرون اسمَ اللهِ عليها، ولا في شيءٍ من شأنِها، لا (^٢) إن ركِبوها، ولا إن حلَبوا، ولا إن حمَلوا، ولا إن منَحوا، ولا إن عمِلوا شيئًا (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾. قال: لا يَرْكَبُها أحدٌ، ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ (^٤).\nوأما قولُه: ﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾. فإنه يقولُ: فعَل هؤلاء المشركون ما فعَلوا، مِن تحريمِهم ما حرَّموا، وقالوا ما قالوا من ذلك، كذبًا على اللهِ، وتَخَرُّصًا للباطلِ (^٥) عليه؛ لأنهم أضافوا ما كانوا يُحَرِّمون من ذلك على ما وصَفَه عنهم جلَّ ثناؤُه في كتابِه، إلى أن اللهَ هو الذي حرَّمه، فنفَى اللهُ ذلك نفسِه وأكْذَبَهم، وأَخْبَر (^٦) نبيَّه والمؤمنين أنهم كَذَبَةٌ فيما يدَّعُون (^٧)، ثم قال عزَّ ذكرُه: ﴿سَيَجْزِيهِمْ﴾. يقولُ: سيُثِيبُهم ربُّهم بما كانوا يَفْتَرون على اللهِ الكذبَ ثوابَهم، ويَجْزِيهم بذلك جزاءَهم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٤/ ١٣٩٤ (٧٩٢٨، ٧٩٣١) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) فى م: \"إلا\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٣٩.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٠٤ (٧٩٩٨) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد ضمن أثر مطول.\n(^٥) فى م: \"الباطل\".\n(^٦) في س: \"أعلم\".\n(^٧) في م: \"يزعمون\".","vol":"9","page":583},{"text":"<span id=\"aya-928\"></span><span data-type='title' id=toc-3150>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك اللَّبنُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن أبى الهُذَيْلِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾. قال: اللبنُ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن ابن أبي الهُذَيْلِ، عن ابنِ عباسٍ مثله.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾: ألبانُ البَحائرِ كانت للذكورِ دونَ النساءِ، وإن كانت ميتةً اشْتَرَك فيها ذكورُهم وإناثُهم.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾. قال: ما في بطون البَحائرِ، يعنى ألبانَها، كانوا يَجْعَلونه للرجالِ دونَ النساءِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونُسَ، عن زكريا، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٢٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٣٩٥ (٧٩٣٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٨ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٩.","vol":"9","page":584},{"text":"عامرٍ، قال: البحيرةُ لا يَأْكُلُ مِن لبنِها إلا الرجالُ، وإن مات منها شيءٌ أكَله الرجالُ والنساءُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ الآية: فهو اللبنُ كانوا يُحَرِّمونه على إناثِهم، ويَشْرَبُه ذُكْرانُهم، وكانت الشاةُ إذا ولَدَت ذكرًا ذبَحوه، وكان للرجالِ دونَ النساءِ، وإن كانت أنثى تُرِكَت (^٢) فلم تُذْبَحْ، وإن كانت ميتةً فهم فيه شُركاءُ، فنهى اللهُ ذلك (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك ما في بطونِ البَحائرِ والسَّوائبِ مِن الأَجِنَّةِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾: فهذه الأنعامُ، ما وُلِد منها مِن (^٤) حىٍّ فهو خالصٌ للرجالِ دونَ النساءِ، وأما ما وُلِد مِن ميتٍ فيَأْكُلُه الرجالُ والنساءُ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾: السائبةُ والبَحيرةُ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٣٩ عن عامر الشعبي.\n(^٢) في النسخ: \"تركب\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٣٩٥، ١٣٩٦ (٧٩٣٣، ٧٩٣٩) عن محمد بن سعد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٤٨ إلى أبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٤) زيادة من: م.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٣٩٥، ١٣٩٦ (٧٩٤٠) من طريق أحمد بن مفضل به.","vol":"9","page":585},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nوأولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه أَخْبَر عن هؤلاء الكفَرةِ أنهم قالوا فى أنعامٍ بأعيانِها: ما فى بطونِ هذه الأنعامِ خالصةٌ لذكورِنا دونَ إناثِنا. واللبنُ مما فى بطونِها، وكذلك أجِنَّتُها، ولم يُخَصِّص اللهُ بالخبرِ عنهم أنهم قالوا: بعضُ ذلك حرامٌ عليهن دونَ بعضٍ.\nوإذ كان ذلك كذلك، فالواجبُ أن يُقالَ: إنهم قالوا: ما في بطونِ تلك الأنعامِ من لبنٍ وجَنينٍ حِلٌّ لذكورِهم، خالصةٌ دونَ إناثِهم. وإنهم كانوا يُؤْثِرون بذلكَ رجالَهم، إلا أن يكونَ الذى فى بطونِها من الأجِنَّةِ ميتًا، فيَشْتَرِكَ حينَئِذٍ في أكلِه الرجالُ والنساءُ.\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى المعنى الذى مِن أجلِه أُنِّثَت \"الخالصةُ\"؛ فقال بعضُ نحويى البصرة وبعضُ الكوفيين: أُنِّثَت لتحقيقِ الخُلُوصِ، كأنه لما حقَّق لهم الخُلُوصَ أَشْبَه الكثرةَ، فجرَى مَجْرَى راويةٍ ونَسَّابةٍ.\nوقال بعضُ نحويى الكوفة (^٢): أُنِّثَت لتأنيثِ الأنعامِ؛ لأن ما في بطونِها مثلُها، فأُنِّثَ لتأنيثِها، ومَن ذكَّره فلتذكيرِ (ما). قال: وهي في قراءةِ عبدِ اللهِ: (خالِصٌ) (^٣). قال: وقد تَكونُ \"الخالصةُ\" فى تأنيثِها مصدرًا، كما تقولُ: العافيةُ والعاقبةُ. وهو مثلُ قولِه: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [سورة ص: ٤٦].\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يُقالَ: أُرِيد بذلك المبالغةُ فى خُلوصِ ما\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٢٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٣٩٥ (٧٩٣٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٨ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) هو الفراء فى معانى القرآن ١/ ٣٥٨، ٣٥٩.\n(^٣) هي قراءة شاذة، وقد قرأ بها عبد الله وابن جبير وأبو العالية والضحاك وابن أبي عبلة. البحر المحيط ٤/ ٢٣١.","vol":"9","page":586},{"text":"في بطونِ الأنعامِ التي كانوا حرَّموا ما في بطونِها على أزواجِهم، لذكورِهم دونَ إناثِهم، كما فُعِل ذلك بالراويةِ والنَّسَّابةِ والعلَّامةِ، إذا أُريد بها المبالغةُ في وصفِ مَن كان ذلك مِن صفتِه، كما يُقالُ: فلانٌ خالصةُ فلانٍ وخُلْصانُه.\nوأما قولُه: ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾. فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا في المعنىِّ بالأزواجِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها النساءُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾. قال: النساءُ (^١).\nوقال آخرون: بل عُنِى بالأزواجِ البناتُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾. قال: الأزواجُ البناتُ، وقالوا: ليس للبناتِ منه شيءٌ (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إِن اللهَ أَخْبَر عن هؤلاء المشركين أنهم كانوا يقولون لِما في بطونِ هذه الأنعامِ، يعنى أنعامَهم: هذا محرمٌ على أزواجنا. والأزواجُ إنما هى نساؤُهم فى كلامِهم، وهن لا شكَّ بناتُ مَن من أولادُه، وحَلائلُ مَن هن أزواجُه.\nوفى قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾. الدليلُ الواضحُ على أن تأنيثَ \"الخالصةِ\" كان لِما وصَفْتُ مِن المبالغةِ فى وصفِ ما فى بطونِ الأنعامِ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٢٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٣٩٥ (٧٩٣٨).\n(^٢) ينظر تفسير القرطبي ٧/ ٩٦.","vol":"9","page":587},{"text":"بالخُلوصة للذكورِ؛ لأنه لو كان لتأنيثِ \"الأنعامِ\" لَقيل: ومحرمةٌ على أزواجِنا. ولكن لمَّا كان التأنيثُ في \"الخالصة\" لِما ذكَرْتُ، ثم لم يَقْصِدْ في \"المحرَّمِ\"، ما قصَد فى \"الخالصة\" مِن المبالغةِ، رجَع فيها إلى تذكيرِ ﴿مَا﴾، واستعمالِ ما هو أولى بهِ مِن صفتِه.\nوأما قولُه: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾. فَاخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه يزيدُ بنُ القَعْقاع وطلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ في آخرين: (وإن تَكُنْ مَيْتَةٌ). بالتاءِ في (تَكُنْ) ورفْعِ (ميتةٌ). غيرَ أن يزيدَ (^١) كان يُشَدِّدُ الياءَ من (ميِّتَةٌ)، ويُخَفِّفُها طلحةُ (^٢).\nحدَّثني بذلك المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي حمادٍ، قال: ثنا عيسى، عن طلحة بن مُصَرِّفٍ (^٢).\nوحدَّثنا أحمدُ بنُ يوسُفَ، عن القاسمِ وإسماعيلَ بنِ جعفرٍ، عن يزيدَ.\nوقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ بالياءِ، ﴿مَيْتَةً﴾ بالنصبِ وتخفيفِ الياءِ (^٣).\nوكأَنَّ مَن قرأ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ﴾ بالياءِ، ﴿مَيْتَةً﴾ له بالنصبِ، أراد: وإن يَكُن ما في بطونِ تلك الأنعامِ. فذكَّر ﴿يَكُنْ﴾ لتذكير ﴿مَا﴾، ونصَب \"الميتةَ\" لأنه خبُر ﴿يَكُنْ﴾.\nوأما مَن قرَأ: (وإن تَكُنْ مَيتةً). فإنه إن شاء اللهُ أراد: وإن تكنْ ما في بطونِها مَيتَةً، فأَنَّث (^٤) (تكنْ) لتأنيثِ (مَيتَةً).\n_________\n(^١) هو يزيد بن القعقاع أبو جعفر المدني.\n(^٢) ينظر البحر المحيط ٤/ ٢٣٣، وهى قراءة ابن عامر أيضًا. السبعة لابن مجاهد ص ٢٧٠.\n(^٣) هي قراءة نافع وعاصم في رواية حفص وأبى عمرو وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف العاشر. السبعة ص ٢٧١، والبدور الزاهرة ص ١١١.\n(^٤) في ص: \"فتؤنث\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فيؤنث\".","vol":"9","page":588},{"text":"وقولُه: ﴿فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾: فإنه يعنى أن الرجالَ وأزواجَهم شركاءُ في أكلِه، لا يُحرِّمونه على أحدٍ منهم. كما ذكَرْنا عمَّن ذَكَرْنا ذلك عنه قبلُ مِن أهلِ التأويلِ.\nوكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾. قال: تَأْكُلُ النساءُ مع الرجالِ، إن كان الذي يَخْرُجُ مِن بطونِها ميتةٌ فهم فيه شركاءُ. وقالوا: إن شئْنا جَعَلْنا للبناتِ فيه نصيبًا، وإن شئْنا لم نَجْعَلْ (^١).\nوظاهرُ التلاوةِ بخلافِ ما تأوَّله ابنُ زيدٍ؛ لأن ظاهرَها يَدُلُّ على أنهم قالوا: إن (^٢) يَكُنْ ما في بطونِها ميتةً فنحن فيه شركاءُ. بغيرِ شرطِ مشيئةٍ، وقد زعَم ابنُ زيدٍ أنهم جعَلوا ذلك إلى مشيئتِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3151>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: سَيَجْزِى. أىْ: سيُثِيبُ ويُكافِئُ هؤلاء المُفْتَريِن عليه الكذبَ في تحريمِهم ما لم يُحَرِّمْه اللهُ، وتحليلِهم ما لم يُحَلِّلْه الله، وإضافتِهم كذبَهم في ذلك إلى اللهِ.\nوقولُه: ﴿وَصْفَهُمْ﴾. يعني بـ ﴿وَصْفَهُمْ﴾: الكذبَ على اللهِ، وذلك كما قال جلَّ ثناؤُه فى موضعٍ آخرَ مِن كتابِه: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ٦٢].\nوالوصفُ والصِّفةُ في كلامِ العربِ واحدٌ، وهما مصدران مثلُ الوزنِ والزِّنَةِ.\n_________\n(^١) ذكر ابن أبي حاتم أوله فى تفسيره ٥/ ١٣٩٦ عقب الأثر (٧٩٤٠) معلقًا، وأخرج آخره ٤/ ١٣٩٤ (٧٩٣٢) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد.\n(^٢) بعده في م: \"لم\".","vol":"9","page":589},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في معنى الوصفِ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾. قال: قولَهم الكذبَ في ذلك (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبى العاليةِ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾. قال: كذبَهم (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾. أىْ: كذبَهم (^٣).\nوأما قولُه: ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. فإنه يقولُ جلَّ ثناؤُه: إن اللهَ -في مُجازاتِهم على وصفِهم الكذبَ وقيلِهم الباطلَ عليه- حكيمٌ في سائرِ تدبيرِه في خلقِه، عليمٌ بما يُصْلِحُهم، وبغيرِ ذلك مِن أمورِهم.\n\n<span id=\"aya-929\"></span><span data-type='title' id=toc-3152>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قد هلَك هؤلاء المُفْتَرون على ربِّهم الكذبَ، العادِلون به\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٢٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٣٩٦ (٧٩٤١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٣٩٦ عقب الأثر (٧٩٤١) من طريق أبي جعفر الرازي به.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٣٩٦ عقب الأثر (٧٩٤١) معلقًا.","vol":"9","page":590},{"text":"الأوثانَ والأصنامَ، الذين زيَّن لهم شركاؤُهم قتل أولادِهم، وتحريم ما حَرَّمَتْ عليهم من أموالهم، فقتلوا طاعةً لها أولادهم، وحرَّموا ما أحَلَّ الله لهم وجعله لهم رزقًا من أنعامهم؛ ﴿سَفَهًا﴾ منهم. يقولُ: فعلوا ما فعلوا من ذلك جَهالةً منهم بما لهم وعليهم، ونقص عقولٍ، وضعفَ أحلامٍ منهم، وقلة فهم بعاجل ضرِّه وآجل مكروهِه، من عظيم عقاب الله عليه لهم؛ ﴿افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: تكذُّبًا (^١) على الله وتخرُّصًا عليه الباطلَ، ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾. يقولُ: قد تركوا مَحَجَّةَ الحقِّ في فعلِهم ذلك، وزالوا عن سواء السبيلِ، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. يقولُ: ولم يَكُن فاعِلُو ذلك على هدًى واستقامةٍ في أفعالهم التي كانوا يَفْعَلُون قبل ذلك، ولا كانوا مُهْتَدِين للصواب فيها، ولا مُوَفَّقِين له.\nونزلت هذه الآية فى الذين ذكر اللهُ خبرهم في هذه الآيات من قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦]. الذين كانوا يَبْحَرون البحائرَ، ويُسَيِّبون السَّوائبَ، ويَئِدُون البنات.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال عكرمة قوله: ﴿الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: نزَلَت فى مَن يَئِدُ البناتِ مِن رَبيعةَ ومُضَرَ، كان الرجلُ يَشْتَرِطُ على امرأتِه أَن تَسْتَحْيِيَ جاريةً وتَئِد أخرى، فإذا كانت الجاريةُ التي تَئِدُ (^٢)، غدا الرجلُ أو راح من عندِ امرأته، وقال لها: أنتِ علىَّ كظهر أمِّى إن رجَعْتُ إليك ولم تَئِديها. فتَخُدُّ لها في الأرض خَدًّا (^٣)، وتُرْسِلُ إلى نسائها، فيَجْتَمِعْنَ عندها، ثم يتداوَلنها، حتى إذا\n_________\n(^١) فى م، ت ٢: \"تكذيبا\".\n(^٢) في ص، س: \"ىئيد\"، وفى م: \"توأد\".\n(^٣) يقال: خد الأرض خدًّا: حفرها.","vol":"9","page":591},{"text":"أبْصَرَته راجعًا دسَّتها في حفرتها، ثم سوَّت عليها الترابَ (^١).\nحدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدىِّ: ثم ذكر ما صنعوا فى أولادهم وأموالهم، فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. فقال: هذا صَنيعُ أهل الجاهلية، كان أحدُهم يَقْتُلُ ابنته مَخافةَ السِّباءِ والفاقة، ويَغْذُو كلبه. وقوله: ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية: وهم أهلُ الجاهلية، جعلوا بَحِيرةً وسائبةً ووَصيلةً وحاميًا؛ تحكُّمًا مِن الشياطينِ في أموالِهم (^٣).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: إذا سرَّك أن تَعْلَمَ جَهْلَ العرب، فاقْرَأْ ما بعد المائةِ من سورة \"الأنعام\" قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية (^٤).\nوكان أبو رزينٍ يَتَأَوَّلُ قوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾. أنه معنىٌّ به: قد ضلُّوا قبل هؤلاء الأفعال من قتل الأولادِ، وتحريم الرزق الذى رزقهم الله بأمورٍ غير ذلك.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا [يحيى بنُ] (^٥) سعيدٍ، عن سفيانَ، عن الأعمش، عن أبي رزينٍ فى قولِه: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٤٨ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٣٩٦ (٧٩٤٤) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٣٩٦، ١٣٩٧ (٧٩٤٣، ٧٩٤٥) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٤٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٤٨ إلى أبي الشيخ.\n(^٥) فى النسخ: \"يزيد قال ثنا\"، والمثبت مما تقدم فى ٢/ ١٧٩، ٢٥١ وغيرهما.","vol":"9","page":592},{"text":"ضَلُّوا﴾. قال: قد ضلُّوا قبل ذلك (^١).\n\n<span id=\"aya-930\"></span><span data-type='title' id=toc-3153>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾.</span>\nوهذا إعلامٌ من اللهِ تعالى ذكرُه ما أَنْعَم به عليهم من فضله، وتنبيهٌ منه لهم على موضع إحسانه، وتعريفٌ منه لهم ما أحَلَّ وحرَّم، وقسم في أموالهم من الحقوق لمن قسم له فيها حقًّا.\nيقول تعالى ذكرُه: وربُّكم أيُّها الناسُ ﴿أَنْشَأَ﴾ أي: أحْدَث وابْتَدَع خَلْقًا، لا الآلهة والأصنامُ، ﴿جَنَّاتٍ﴾. يعني: بَساتَين، ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾، وهى ما عرش الناسُ مِن الكُرُومِ، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾: غير مرفوعاتٍ مبنيَّاتٍ، لا يُنْبِتُه الناسُ ولا يَرْفَعونه، ولكنَّ اللهَ يَرْفَعُه ويُنْبِتُه ويُنَمِّيه.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباس قوله: ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾. يقولُ: مَسْموكاتٍ (^٢).\nوبه عن ابن عباسٍ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾: فالمعروشاتُ: ما عرش الناسُ، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾: ما خرج فى البرِّ والجبال من الثمرات (^٣).\nحدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضلِ، قال: ثنا أسباط، عن السدىِّ: أما ﴿جَنَّاتٍ﴾: فالبساتين، وأما الـ ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾: فما عُرِش كهيئة\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٣٩٦ (٧٩٤٢) من طريق محمد بن بشار، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٨ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٤١ عن على بن أبي طلحة به.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٤١ عن على بن أبي طلحة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٤٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وفيه: البرية. بدلا من: البر.","vol":"9","page":593},{"text":"الكَرْم (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاء الخراسانيِّ، عن ابنِ عباس قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾. قال: ما يُعْرَشُ مِن الكُروم. ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾. قال: ما لا يُعْرَشُ مِن الكَرْمِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3154>القول في تأويل قوله: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾.</span>\nيقول جلَّ ثناؤُه: وأَنْشَأ النخل والزرع ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾. يعني بـ \"الأُكُلِ\" الثمر. يقولُ: وخلق النخل والزرع مُخْتَلِفًا مَا يَخْرُجُ منه، مما يُؤْكَلُ مِن الثمرِ والحبِّ، ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ في الطَّعْمِ؛ منه الحُلْوُ والحامضُ والمُزُّ (^٣).\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قوله: ﴿مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾. قال: ﴿مُتَشَابِهًا﴾: في المنظرِ، ﴿وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾: في الطَّعْمِ (^٤).\nوأما قولُه: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾. فإنه يقولُ: كُلوا مِن رُطَبِه ما كان رطبًا ثمرُه.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو هَمَّامٍ الأَهْوازيُّ، قال:\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٣٤١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره -كما فى الفتح ٨/ ٢٨٧ - من طريق ابن جريج به، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٣٤١ عن عطاء به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٤٨ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) المز: طعم بين الحلاوة والحموضة. التاج (م ز ز).\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٤١ عن ابن جريج، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٤٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"9","page":594},{"text":"ثنا موسى بنُ عُبيدة، عن محمد بن كعب في قوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾. قال: مِن رُطبِه وعنبِه (^١).\nحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ الزِّبْرِقانِ، قال: ثنا موسى بن عُبيدةَ في قوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾. قال: مِن رُطَبِه وعنبِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3155>القول في تأويل قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهل التأويل فى تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: هذا أمرٌ مِن الله بإيتاء الصدقة المفروضة مِن الثمرِ والحبِّ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عمرُو بن علىٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسن في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: الزكاةُ (^٢).\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا يزيدُ بنُ درهمٍ، قال: سَمِعْتُ أنس بن مالكٍ يقولُ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: الزكاة المفروضة (^٣).\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا مُعَلَّى بن أسدٍ، قال: ثنا عبد الواحد بن زيادٍ، قال: ثنا الحجاج بنُ أرطاةَ، عن الحكم، عن مجاهدٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَآتُوا\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٤٩ إلى ابن أبي حاتم وأبى الشيخ. وستأتي بقيته في ص ٦١٦.\n(^٢) أخرجه ابن زنجويه فى الأموال (١٣٧٦) من طريق يزيد بن زريع، عن الحسن، بدون ذكر يونس. وأخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٦ من طريق سفيان عن يونس به.\n(^٣) أخرجه النحاس فى الناسخ والمنسوخ ص ٤٢١، وابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٣٣١، ٣٣٢ من طريق عمرو بن على به، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٣٩٨ (٧٩٥٣)، وابن عدي ٧/ ٢٧٣٢، والبيهقى ٤/ ١٣٢، من طريق عبد الصمد به، وقال البيهقي: وهو موقوف غير قوى.","vol":"9","page":595},{"text":"حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: العُشرُ، ونصفُ العُشرِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا هانئُ بن سعيد، عن حجاجٍ، عن محمد بن عُبيدِ اللهِ، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادٍ، عن ابن عباس: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: العُشرُ ونصفُ العُشرِ.\nحدَّثنا عمرٌو بن علىٍّ وابن وكيعٍ وابن بشارٍ، قالوا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إبراهيم بن نافعٍ المكىُّ، عن ابن طاوسٍ (^٢)، عن أبيه في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: الزكاةُ (^٣).\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن حَيَّانَ الأعْرج، عن جابر بن زيدٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: الزكاةُ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبرنا يونُسُ، عن الحسن في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: هى الصدقةُ، قال: ثم سُئل عنها مرةً أخرى، فقال: هى الصدقةُ من الحبِّ والثِّمار.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بن بكرٍ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني أبو بكرِ بنُ عبدِ اللهِ، عن عمرو بن سليمٍ (^٥) وغيره، عن سعيد بن المسيب أنه قال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: الصدقة المفروضة (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٣٣٢ من طريق عمرو بن على به.\n(^٢) في النسخ: \"عباس\". والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٣) أخرجه ابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٣٣٢ من طريق أبي حفص عمرو بن علي، عن عبد الرحمن به.\n(^٤) أخرجه ابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٣٣٢، من طريق عمرو به، وأخرجه يحيى بن آدم في الخراج (٤١٥)، وابن أبي شيبة ٣/ ١٨٥، وابن زنجويه في الأموال (١٣٨١)، والبيهقى ٤/ ١٣٢ من طريق أبي هلال به.\n(^٥) في النسخ: \"سليمان\". وسيأتى على الصواب في ص ٦١٦.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧٢٦٧) عن ابن جريجٍ به.","vol":"9","page":596},{"text":"حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسن، في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: هي الصدقةُ من الحبِّ والثمار (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: يعني بـ ﴿حَقَّهُ﴾ زكاته المفروضة يومَ يُكال، أو يُعْلَمُ كَيْلُه (^٢).\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: وذلك أن الرجل كان إذا زرع فكان يومُ حصادِه، [لم يُخرج مما حصد شَيئًا، فقال الله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾] (^٣)، وهو أن يَعْلَمَ ما كيلُه وحقُّه، فيُخْرِجُ مِن كلِّ عشرةٍ واحدًا، وما يلقُطُ (^٤) الناسُ مِن سنبلِه (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: وحقُّه يوم حصاده الصدقة المفروضة. ذُكر لنا أن نبي الله ﷺ سنَّ فيما سَقَتِ السماءُ، أو العين السائحةُ، أو سقاه [الطَّلُّ، والطَّلُّ النَّدَى] (^٦) -أو كان\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٢ عن ابن علية به، وأخرجه أبو يوسف في الخراج (٢٠) من طريق أبي رجاء به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٤٩ إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٣٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٣٩٨ (٧٩٥٨) من طريق عبد الله بن صالح به. عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٥٠ إلى ابن المنذر.\n(^٣) سقط من النسخ، والمثبت من تفسير ابن كثير.\n(^٤) فى م، ت ٢، ت ٣: \"يلتقط\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٤١، عن العوفي عن ابن عباس.\n(^٦) في ص: \"العىل والعىل الندى\"، وفى ف: \"العسل والعسل الذي\".","vol":"9","page":597},{"text":"بَعْلًا (^١) العُشْرَ (^٢) كاملًا، وإن سُقِى برِشاءٍ (^٣) نصفَ العُشْرِ. قال قتادة: وهذا فيما يُكال من الثمرة، وكان هذا إذا بلغت الثمرةُ (^٤) خمسة أوسقٍ، وذلك ثلاثمائة صاعٍ، فقد حقَّ فيها الزكاةُ، وكانوا يَسْتَحِبُّون أن يُعْطُوا مما لا يُكالُ مِن الثمرة على قدر ذلك (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قَتادةَ وطاوسٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قالا: هو الزكاةُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرو بن عونٍ، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، عن الحجاجِ، عن سالم المكيِّ، عن محمد ابن الحنفية قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: يومَ كَيْلِه، يُعْطِى العُشْرَ، أو نصفَ العُشْرِ (^٦).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالم المكيِّ، عن محمد ابن الحنفية قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: العُشْرُ ونصفُ العشر (^٦).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أَخْبَرنا ابنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، وعن قَتادةَ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قالا: الزكاةُ (^٧).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"بعد\". والبعل: ما شرب من النخيل بعروقه من الأرض من غير سقى سماء ولا غيرها. النهاية (ب ع ل).\n(^٢) فى ص: \"العشور\".\n(^٣) في ت ١، ف، س: \"برسان\".\n(^٤) في م: \"التمرة\".\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٣٩٨ عقب الأثر (٧٩٥٤) معلقا.\n(^٦) أخرجه يحيى بن آدم في الخراج ص ١٢١ (٣٩٦) من طريق حجاج.\n(^٧) أخرجه ابن زنجويه فى الأموال (١٣٨٠) من طريق ابن المبارك به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره =","vol":"9","page":598},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو معاويةَ الضَّريرُ، عن الحجّاج، عن الحكم، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباس: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: العُشْرُ ونصفُ العُشْرِ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المبارك، عن شريكٍ، عن الحكمِ بن عُتَيْبةَ (^٢)، عن ابن عباسٍ مثله.\nحُدِّثْتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ، فى قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ يعني: يوم كيلِه، ما كان من بُرٍّ أو تمرٍ أو زبيبٍ، وحقُّه: زكاتُه.\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: كُلْ منه، وإذا حصدتَه فآت حقَّه، وحقُّه: عُشورُه (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن يونُسَ بنِ عُبيدٍ، عن الحسنِ أنه قال فى هذه الآية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال:\n_________\n= ١/ ٢١٩، وفي مصنفه (٧٢٦٦) عن معمر به، وأخرجه يحيى بن آدم فى الخراج (٤١٤) -ومن طريقه البيهقى ٤/ ١٣٢ - من طريق ابن المبارك عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٥٠ إلى ابن أبي شيبة وأبى داود في ناسخه عن طاوس.\n(^١) أخرجه يحيى بن آدم في الخراج (٣٩٨) -من طريقه- وسعيد بن منصور في سننه (٩٢٨ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٣/ ١٨٦، وابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٣٩٨ (٧٩٥٢) من طريق أبي معاوية به، وقال البيهقي: وهو موقوف غير قوى. وأخرجه أبو يوسف فى الخراج (١٧)، والنحاس في ناسخه ص ٤٢٠ من طريق حجاج به، وأخرجه ابن زنجويه فى الأموال (١٣٧٥) من طريق أبي معاوية به بدون ذكر الحكم. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٤٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"عيينة\".\n(^٣) ينظر تفسير القرطبي ٧/ ٩٩، والبحر المحيط ٤/ ٢٣٧.","vol":"9","page":599},{"text":"الزكاة؛ إذا كِلْتَه (^١).\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، قال: سأَلْتُ الحسن عن قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: الزكاةَ (^٢).\nحدَّثني ابن البرْقىِّ، قال: ثنا عمرُو بن أبي سلمة، قال: سأَلْتُ ابن زيد بنَ أَسْلَمَ عن قولِ اللهِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. فقلتُ له: هو العشورُ؟ قال: نعم. فقلتُ له: عن أبيك؟ قال: عن أبي وغيره (^٣).\nوقال آخرون: بل ذلك حقٌّ أَوْجَبه اللهُ فى أموال أهل الأموال، غيرُ الصدقةِ المفروضة.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا عبد الوهَّاب، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن أبيه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: شيئًا سوى الحقِّ الواجبِ (^٤). قال: وكان في كتابِه: عن علىِّ بنِ الحسينِ.\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا عبد الملكِ، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: القبضةُ من الطعام (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"أكلته\".\n(^٢) أخرجه ابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٣٣٢ من طريق عمرو بن على به، وأخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٤٢١ من طريق شعبة به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠٠ (٧٩٦٨) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٤) ينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٢٣، وتفسير البغوى ٣/ ١٩٥، وتفسير القرطبي ٧/ ٩٩، والبحر المحيط ٤/ ٢٣٧.\n(^٥) أخرجه ابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٣٣٣ من طريق عمرو به.","vol":"9","page":600},{"text":"حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمد بن بكرٍ، عن ابن جريجٍ، عن عطاء: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: من النخلِ والعنبِ والحبِّ كلِّه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمد بن بكرٍ، عن ابن جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أرأَيْتَ ما حصَدْتُ مِن الفواكِهِ؟ قال: ومنها أيضًا تُؤْتِى. وقال: مِن كلِّ شيءٍ حصَدْتَ تُؤْتى منه حقَّه يومَ حَصادِه؛ من نخلٍ، أو عنبٍ، أو حبٍّ، أو فواكِهَ، أو خَضِرٍ، أو قصبٍ، مِن كلِّ شيءٍ من ذلك. قلتُ لعطاءٍ: أواجبٌ على الناسِ ذلك كلُّه؟ قال: نعم. ثم تلا: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: هل فى ذلك شيءٌ مُوقتٌ معلومٌ؟ قال: لا (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المبارك، عن عبد الملك، عن عطاءٍ فى قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: يُعْطِي مَن حضر (^٢) يومئذٍ ما تيسَّر، وليس بالزكاة (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عيسى بن يونُسَ، عن عبد الملك، عن عطاءٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: ليس بالزكاةِ، ولكن يُطْعِمُ مَن حضره ساعتئذٍ حصيدَه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن العلاء بن المسيبِ، عن حمادٍ: ﴿وَآتُوا\n_________\n(^١) أخرجه يحيى بن آدم في الخراج (٤١٧)، وعبد الرزاق في مصنفه (٧٢٦٣) عن ابن جريجٍ به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٢٩ - تفسير) من طريق ابن جريج بلفظ: شيء يسير سوى الزكاة المفروضة.\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"حصول\"، وفى م: \"حصاده\" وفى س: \"حضور\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٣) أخرجه يحيى بن آدم في الخراج (٤١٨)، وابن زنجويه في الأموال (١٣٧٧) من طريق ابن المبارك به، وأخرجه يحيى بن آدم (٤١٦، ٤٢٠) - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٣٩٧ (٧٩٥٠)، والبيهقى ٤/ ١٣٢ - وابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٣٣٤ من طريق عبد الملك به بنحوه.\n(^٤) فى م، ت ٢، ت ٣: \"حصده\" وهما بمعنى. ينظر التاج (ح ص د).","vol":"9","page":601},{"text":"حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: كانوا يُعْطُون رُطَبًا (^١).\nحدَّثنا ابن حميد وابن وكيعٍ قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: إذا حضَرَك المساكينُ طَرَحْتَ لهم منه، وإذا أنْقَيْتَه (^٢) وأخَذْتَ فى كيله حثَوْتَ (^٣) لهم منه، وإذ علِمتَ كيله عزَلْتَ زكاتَه، وإذا أَخَذْتَ في جَدادِ (^٤) النخل طرَحْتَ لهم مِن التَّفارِيقِ (^٥)، وإذا أَخَذْتَ فى كيله حثَوْتَ (٣) لهم منه، وإذا علِمْتَ كيلَه عزَلْتَ زكاته (^٦).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: سوى الفريضة (^٧).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: يُلْقِى إلى السُّؤَّالِ عند الحصادِ مِن السنبل، فإذا [طِين، أو طُيِّن] (^٨) -الشكُّ من أبي جعفرٍ- ألقى إليهم، فإذا حمله فأراد أن يَجْعَلَه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٣٩٨ (٧٩٥٧) من طريق جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٩ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) في ص: \"أبقيته\".\n(^٣) فى ص، ت ١، س، ف: \"خبوت\".\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"جذاذ\" والجداد بالفتح والكسر: صرام النخل وهو قطع ثمرتها. يقال: جد الثمرة يجُدها جدا. النهاية (ج د د).\n(^٥) قال ابن الأثير: الأصل في الثفاريق: الأقماع التي تلزق فى البسر، واحدها ثُفْرُوق، ولم يردها ههنا، وإنما كنى بها عن شيء من البسر يعطونه، قال القتيبي: كأن الثفروق -على معنى هذا الحديث- شعبة من شمراخ العذق. النهاية (ثفرق).\n(^٦) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٢٣ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٣/ ١٨٥، ١٨٦، وابن زنجويه في الأموال (١٣٧٤) من طريق جرير به، وأخرجه يحيى بن آدم فى الخراج (٤٠٣) من طريق منصور به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٤٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٧) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٢٥ - تفسير) عن جرير به، وأخرجه يحيى بن آدم في الخراج (٤٠٨) من طريق ليث به.\n(^٨) غير منقوطة في: ص، ف.","vol":"9","page":602},{"text":"كُدْسًا (^١) ألْقَى إليهم، وإذا داس أطْعَم منه، وإذا فرغ وعلم كم كيلُه، عزل زكاته. وقال في النخل: عندَ الجدادِ (^٢) يُطْعِمُ من الثمرةِ والشَّماريخ، فإذا كان عند كيله أطْعَم من الثمرة (^٣)، فإذا فرغ عزل زكاته.\nحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ ومحمد بن بشارٍ، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: إذا حصد الزرع ألْقَى مِن السنبل، وإذا جدَّ (^٤) النخلَ ألْقَى مِن الشَّماريخ، فإذا كاله زكَّاه (^٥).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: عند الحصاد، وعندَ الدِّياسِ، وعند الصِّرامِ يَقْبِضُ لهم منه، فإذا كاله عزل زكاته (^٦).\nوبه عن سفيان، [عن منصورٍ] (^٧)، عن مجاهدٍ مثله، إلا أنه قال: سوى الزكاة (^٨).\nحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا يحيى بن سعيدٍ، عن سفيان، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: شيءٌ سوى الزكاة في\n_________\n(^١) الكدس: الحب المحصور المجموع وهو العَرَمَة من الطعام والتمر والدراهم ونحو ذلك، وجمعه أكداس. التاج (ك د س).\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"الجذاذ\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"التمر\".\n(^٤) في ص: \"حزروا\"، وفى م: \"جذ\"، وفى ف: \"حرروا\"، وفى س: \"جزوا\" والمثبت من الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد.\n(^٥) أخرجه ابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٣٣٣ من طريق عمرو بن على به، وأخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص ٣٢، ٣٣ من طريق عبد الرحمن به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٣٩٨ (٧٩٥١) من طريق وكيع به.\n(^٧) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٨) تفسير سفيان ص ١٠٩.","vol":"9","page":603},{"text":"الحَصادِ والجَدادِ، إذا حصَدوا وإذا جذُّوا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، في قولِ اللهِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: واجبٌ حينَ يَصْرِمُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ أنه قال في هذه الآية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: إذا حصَد أطْعَم، وإذا أدْخَلَه البَيْدَرَ (^٣)، وإذا داسَه أَطْعَم منه.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن أشعثَ، عن ابن عمرَ، قال: يُطْعِمُ المُعْتَرَّ (^٤) سوى ما يُعْطِى مِن العُشْرِ ونصفِ العُشْرِ (^٥).\nوبه عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: قبضةٌ عند الحَصادٍ، وقبضةٌ عندَ الجَدادِ (^٦).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن أشعثَ، عن ابن سِيرينَ، قال: كانوا يُعْطُون من اعْتَرَّ بهم الشيء (^٧).\n_________\n(^١) في ص: \"حزروا\".\nوالأثر أخرجه ابن الجوزى فى ناسخه ص ٣٣٣ من طريق عمرو بن على، عن يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٢٩ من قول مجاهد.\n(^٣) البيدر: الموضع الذى يداس فيه الطعام. تاج العروس (ب د ر).\n(^٤) المعتر: المعترض للمعروف من غير أن يسأل. القاموس المحيط (ع ر ر).\n(^٥) أخرجه النحاس في ناسخه ص ٤٢٣، والطبراني في الأوسط (٦٠٤١) من طريقين عن أشعث عن نافع عن ابن عمر نحوه، بزيادة نافع في إسناده، وأخرجه أبو يوسف فى الخراج ص ١٦٥ (١٨) عن أشعث عن ابن سيرين عن ابن عمر نحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٤٩ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه والبيهقى.\n(^٦) أخرجه ابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٣٣٣ من طريق سفيان بنحوه.\n(^٧) أخرجه يحيى بن آدم في كتاب الخراج (٤١٢) -ومن طريقه البيهقى ٤/ ١٣٢ - عن حفص به. وأخرجه يحيى بن آدم في الخراج الموضع السابق، وابن أبي شيبة ٣/ ١٨٥، والبيهقى ٤/ ١٣٢ من طريق أشعث به.","vol":"9","page":604},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيم، قال: الضِّغْثُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، قال: يُعْطِى مثل الضِّغْثِ.\nحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا حمادٌ، عن إبراهيم: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: مثلُ هذا من الضِّغْثِ. ووضَع يحيى إصْبعَه الإبْهامَ على المَفْصِلِ الثاني مِن السَّبَّابة.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، قال: نحوُ الضِّغْثِ (^٢).\n[حدَّثنا ابنُ وكيعٍ] (^٣)، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، و(^٤) عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، قالا (^٥): يُعْطِي ضِغْثًا (^٦).\nحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا كثيرُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ بُرْقَانَ، عن يزيدَ بنِ الأصَمِّ، قال: كان النخلُ إذا صُرِم يَجِيءُ الرجلُ بالعِذْقِ مِن نخلِه،\n_________\n(^١) الضغث: ملء اليد من الحشيش المختلط، وقيل: الحزمة منه ومما أشبهه من البقول. النهاية ٣/ ٩٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٦ عن وكيع به، وأخرجه يحيى بن آدم فى الخراج (٤١١) من طريق سفيان به.\n(^٣) سقط من: ف، ومكانه بياض في: ص، س.\n(^٤) سقط من: النسخ.\n(^٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قال\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٦ عن وكيع به، وأخرجه يحيى بن آدم فى الخراج (٤١٠) عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر وحده.","vol":"9","page":605},{"text":"فيُعَلِّقُه (^١) في جانبِ المسجدِ، فيَجيءُ المسكينُ فيَضْرِبُه بعَصاه، فإذا تَناثَر أكَل منه، فدخَل رسولُ الله ﷺ، ومعه حسنٌ أو حسينٌ، فتناوَل تمرةٌ، فانْتَزَعها من فيه، وكان رسول الله ﷺ لا يَأْكُلُ الصدقةَ ولا أهلُ بيتِه، فذلك قولُه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ حَيَّانَ، عن جعفرِ بنِ بُرْقانَ، عن ميمونِ بنِ مِهْرانَ ويزيدَ بن الأصَمِّ، قالا: كان أهلُ المدينةِ إذا صرَموا يَجِيئون بالعِذْقِ فيَضَعونه في المسجد، ثم يَجِيءُ السائلُ فيَضْرِبُه بعَصاه فيَسْقُطُ منه، وهو قولُه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (^٣).\nحدَّثنا علىُّ بنُ سهلٍ (^٤)، قال: ثنا زيدُ (^٥) بنُ أبي الزَّرقاء، عن جعفرٍ، عن يزيدَ (^٦) وميمونٍ في قولِه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قالا: كان الرجلُ إذا جدَّ (^٧) النخلَ يَجِيءُ بالعِذْقِ فيُعَلِّقُه في جانبِ المسجدِ، فيَأْتِيه المسكينُ فيَضْرِبُه بعَصاه، فيَأْكُلُ ما يَتَناثَرُ منه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ الله، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: لَقَطُ (^٨) السُّنبُلِ (^٩).\n_________\n(^١) في ص، س، ف: \"متعلقه\".\n(^٢) ينظر البخارى (١٤٩)، ومسلم (١٠٦٩).\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٤٩ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"سهم\". وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٥٤.\n(^٥) في ف: \"يزيد\". وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٧٠.\n(^٦) في النسخ: \"زيد\" والمثبت هو الصواب، ويزيد هو ابن الأصم السابق ذكره في الأثرين السابقين. وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٨٣.\n(^٧) في ص، س، ف: \"حرر\"، وفى م: \"جذ\".\n(^٨) اللقط: ما التقط من الشيء، وكل نثارة من سنبل أو ثمر، والواحدة لَقَطَة. تاج العروس (ل ق ط).\n(^٩) ينظر المحلى ٥/ ٣٢٤، وتفسير البغوى ٣/ ١٩٥، والبحر المحيط ٤/ ٢٣٧.","vol":"9","page":606},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عبدِ الكريم الجَزَرىِّ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يُعلِّقون العِذْقَ في المسجدِ عندَ الصِّرامِ فيَأْكُلُ منه الضعيفُ (^١).\nوبه عن معمرٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: يُطْعِمُ الشيءَ عندَ صِرامِه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: الضِّغْثُ وما يَقَعُ مِن السنبل (^٢).\nوبه عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: العَلَفُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبرَنا ابنُ المبارك، عن شَريكٍ، عن سالم، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: كان هذا قبلَ الزكاةِ، للمَساكينِ القبضةُ، والضِّغْثُ لعلَفِ دابتِه (^٣).\nحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ رفاعةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ في قولِه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: ما قلَّ منه أو كثُر (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ عُيَيْنةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (^٥): ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: عندَ الزرع\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٩ عن معمر به، وفيه: فيأكل منه الضيف ومن مر به، وأخرج نحوه ابن زنجويه فى الأموال (١٣٧٨) من طريق خصيف عن مجاهدٍ.\n(^٢) أخرجه يحيى بن آدم في الخراج (٣٩٩، ٤٠٩)، وأبو يوسف فى الخراج (٢١) من طريق سالم به بنحوه.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٤٢ عن ابن المبارك به.\n(^٤) ينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٤٢٤، والبحر المحيط ٤/ ٢٣٧.\n(^٥) سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج.","vol":"9","page":607},{"text":"يُعْطِي القَبْصَ (^١)، وعندَ الصِّرامِ يُعْطى القبضَ، ويَتْرُكُهم فَيَتَتَبَّعون آثار الصِّرامِ (^٢).\nوقال آخرون: كان هذا شيئًا أمَر الله به المؤمنين قبل أن تُفْرَضَ عليهم الصدقةُ الموقتةُ، ثم نسَخَتْه الصدقةُ المعلومةُ، فلا فرضَ فى مالٍ كائنًا ما كان، زرعًا كان أو غَرْسًا، إلا الصدقة التي فرَضَها الله فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: أبو معاويةَ، عن حجاجٍ، عن الحكم، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نسَخَها العُشْرُ ونصفُ العُشْرِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن الحجاجِ، عن الحكمِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نسَخَها العُشْرُ ونصفُ العُشْرِ (^٤).\nوبه عن حجاجٍ، عن سالمٍ، عن ابنِ الحَنَفيَّةِ، قال: نسَخَها العُشْرُ ونصفُ العشر (^٥).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شَريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيد\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"القبض\" بالضاد المعجمة، والقبص بالصاد المهملة: الأخذ بأطراف الأصابع، والقبض بالمعجمة: الأخذ بجميع الكف. النهاية ٤/ ٥، ٦، وقد وقع تفسير الكلمتين جميعًا في رواية البيهقي.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢١٩، وفي مصنفه (٧٢٦٤)، ويحيى بن آدم في الخراج (٤٠٢)، وسعيد بن منصور في سننه (٩٢٢ - تفسير)، والبيهقى ٤/ ١٣٢ من طريق ابن عيينة به.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٥٩٩.\n(^٤) أخرجه يحيى بن آدم في الخراج (٣٩٧)، وابن أبي شيبة ٣/ ١٨٥ من طريق حفص به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٥ عن حفص به.","vol":"9","page":608},{"text":"ابنِ جُبيرٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: هذا قبلَ الزكاةِ، فلمَّا نزَلَت الزكاةُ نسَخَتها، فكانوا يُعْطُون الضِّغْثَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ وابنُ (^٢) وَكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن شِباكٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: كانوا يفعلون ذلك حتى سُنَّ العُشْرُ ونصفُ العشرِ، فلمَّا سُنَّ العشرُ ونصفُ العشرِ، تُرِك (^٣).\nحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مَهْدىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرة، عن شِبَاكٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: هي مَنْسوخةٌ، نسَخَتها العُشْرُ، ونصفُ العشرِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيمَ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: قال: نسَخَتها العُشرُ ونصفُ العُشر (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن شِبَاكٍ، عن إبراهيمَ، قال: نسَخَتْها العشرُ ونصفُ العشرِ.\nوبه عن سفيانَ، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: نسَخَتْها الزكاةُ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه يحيى بن آدم في كتاب الخراج (٤٠٧) -ومن طريقه البيهقى ٤/ ١٣٣ - وأخرجه أبو عبيد في الناسخ ص ٣٣، والنحاس في ناسخه ص ٤١٩ من طريق شريك به بنحوه.\n(^٢) في النسخ: \"أبو\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٢٧ - تفسير) عن جرير به، وأخرجه أبو يوسف في الخراج (١٩) عن مغيرة به.\n(^٤) أخرجه يحيى بن آدم فى الخراج (٤٠٥)، وابن أبي شيبة ٣/ ١٨٥، والنحاس في ناسخه ص ٤٢٠ من طريق سفيان به.\n(^٥) تفسير سفيان ص ١٠٩، وأخرجه يحيى بن آدم فى الخراج (٤٠٤)، والبيهقى ٤/ ١٣٢ من طريق إسرائيل، عن مغيرة به بلفظ: نسختها آية الزكاة.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٦ من طريق سفيان به.","vol":"9","page":609},{"text":"وبه عن سفيانَ، عن السدىِّ، قال: نسَخَتْها الزكاةُ؛ ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبرَنا مغيرةُ، عن شِبَاكٍ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: هذه السورةُ مكيةٌ نسَخَتها العُشرُ ونصفُ العُشرِ. قلتُ: عمَّن؟ قال: عن العلماءِ (^٢).\nوبه عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن شِبَاكٍ، عن إبراهيمَ، قال: نسَخَتها العُشْرُ ونصفُ العُشر.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: أما: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. فكانوا إذا مرَّ بهم أحدٌ يومَ الحَصادِ أو الجَدادِ (^٣) أطْعَموه منه، فنسَخَها الله عنهم بالزكاة، وكان فيما أَنْبَتَتِ الأرضُ، العشرُ ونصفُ العشر.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: كانوا يَرْضَخون لقَرابتِهم من المشركين (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، قال: نسَخه العُشْرُ ونصفُ العشرِ، كانوا يُعْطُون إذا حصَدوا وإذا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٦ من طريق سفيان به بنحوه، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٤٩ إلى عبد بن حميد وأبى داود في ناسخه وابن المنذر، وينظر كتاب الخراج ليحيى بن آدم (٤٠٦).\n(^٢) أخرجه ابن زنجويه فى الأموال (١٣٧٩)، وابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٣٣٤ من طريق هشيم به بنحوه.\n(^٣) في ص، ت ١: \"الحزاز\"، وفى م، ت ٢، س، ف: \"الجذاذ\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٣٩٨ (٧٩٥٦) من طريق يونس به بنحوه.","vol":"9","page":610},{"text":"ذَرَّوا، فنسَخَتْها العشرُ ونصفُ العشرِ (^١).\nوأولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصواب قولُ مَن قال: كان ذلك فرضًا فرَضه الله على المؤمنين فى طعامِهم وثمارِهم التى تُخْرِجُها (^٢) زُروعُهم وغُروسُهم، ثم نسَخه الله بالصدقةِ المفروضةِ والوظيفةِ المعلومةِ مِن العشرِ ونصفِ العشرِ، وذلك أن الجميعَ مُجْمِعون لا خلافَ بينَهم أن صدقةَ الحَرْثِ لا تُؤْخَذُ إلا بعدَ الدِّياسِ والتَّنْقِيةِ والتَّذرية، وأن صدقة التمر لا تُؤْخَذُ إلا بعدَ الجَفَافِ (^٣).\nفإذا كان ذلك كذلك، وكان قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، يُنبئُ عن أنه أمرٌ من الله جلَّ ثناؤُه بإيتاءِ حقِّه يومَ حَصادِه، وكان يومُ حَصادِه هو يومَ جدِّه (^٤) وقطعِه، والحَبُّ لا شكَّ أنه في ذلك اليوم في سُنْبُله، والثمرُ (^٥) وإن كان ثمرَ نخلٍ أو كَرْمٍ غيرُ مُسْتَحْكَمٍ جُفوفُه ويُبْسُه، وكانت الصدقةُ من الحَبِّ إنما تُؤْخَذُ بعدَ دِياسِه وتذريتِه وتنقيتِه كَيْلًا، والتمرُ إنما تُؤْخَذُ صدقتُه بعدَ اسْتِحْكامِ يُبْسِه وجُفوفِه كَيْلًا، عُلِم أن ما تُؤْخَذُ صدقتُه (^٦) بعدَ حين حَصْدِه غيرُ الذي يَجِبُ إيتاؤُه المساكينَ يومَ حَصادِه.\nفإن قال قائلٌ: وما تُنْكِرُ أن يَكونَ ذلك إيجابًا مِن الله في المالِ حقًّا سوى الصدقة المفروضة؟\nقيل: لأنه لا يَخْلُو أن يَكونَ ذلك فرضًا واجبًا أو نفلًا.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٦، وابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٣٩٨ (٧٩٥٤)، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٣٣٤، من طريق ابن إدريس به.\n(^٢) فى ت ١، س، ف: \"يخرجونها\".\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"الاحرار\".\n(^٤) في م، ت ٢: \"جذه\"، وفى ت ١، س: \"حدوه\"، وفى ف: \"حذوه\".\n(^٥) فى ص، ت ١، س، ف: \"الثمرة\".\n(^٦) في م: \"صدقة\".","vol":"9","page":611},{"text":"فإن يكن فرضًا واجبًا، فقد وجَب أن يَكون سبيلُه سبيلَ الصدقاتِ المفروضات التي مَن فرَّط في أدائِها إلى أهلِها، كان بربِّه آثمًا، ولأمرِه مخالفًا، وفي قيامِ الحُجَّةِ بأن لا فرضَ للهِ في المالِ بعدَ الزكاةِ يَجِبُ وجوبَ الزكاةِ سوى ما يَجِبُ مِن النفقة لمن يَلْزَمُ المرءَ نفقتُه، ما يُنْبِئُ عن أن ذلك ليس كذلك.\nأو يكونُ ذلك نَفْلًا، فإن يَكُنْ ذلك كذلك، فقد وجَب أن يَكونَ الخيارُ في إعطاءِ ذلك إلى ربِّ الحَرْثِ والثمر، وفى إيجاب القائلين بوجوب ذلك ما يُنبئُ عن أن ذلك ليس كذلك.\nوإذا خرَجَت الآيةُ من أن يَكونَ مُرادًا بها الندبُ، وكان غيرَ جائزٍ أن يَكونَ لها مَخْرَجٌ فى وجوبِ الفرض بها فى هذا الوقتِ، عُلم أنها مَنْسوخةٌ.\nومما يُؤَيِّدُ ما قلنا في ذلك من القولِ دليلًا على صحته، أنه جلَّ ثناؤُه أتبَع قولَه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ - ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. ومعلومٌ أن مِن حُكْم الله فى عبادِه مُذْ فرَض فى أموالِهم الصدقة المفروضةَ الموقتة القَدْرِ، أن القائمَ بأخْذِ ذلك ساستُهم ورُعاتُهم. وإذا كان ذلك كذلك، فما وجهُ نهي ربِّ المال عن الإسراف في إيتاء ذلك، والآخِذُ مُجْبِرٌ (^١)، وإنما يأخُذُ الحقَّ الذى فرَض الله فيه؟\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن ذلك إنما هو نهىٌ مِن اللهِ القَيِّمَ بِأَخْذِ ذلك مِن الرُّعاةِ عن التعَدِّى فى مالِ ربِّ المالِ، والتجاوز إلى أخْذِ ما لم يُبَحْ له أخْذُه، فإن آخِرَ الآية، وهو قوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾. معطوفٌ على أوله، وهو قولُه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. فإن كان المنهىَّ عن الإسرافِ القيِّمُ بقبض ذلك، فقد يَجِبُ أن يكونَ المأمورُ بإيتائه (^٢) المنهىَّ عن الإسراف فيه، وهو السلطانُ.\n_________\n(^١) في ص، س، ف: \"مخير\".\n(^٢) فى م: \"بإتيانه\".","vol":"9","page":612},{"text":"وذلك قولٌ إن قاله قائلٌ، كان خارجًا من قولِ جميعِ أهلِ التأويلِ، ومُخالِفًا المعهودَ مِن الخطابِ، وكفَى بذلك شاهدًا على خطئِه.\nفإن قال قائلٌ: وما تُنْكِرُ أن يكونَ معنى قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: وآتُوا حقَّه يومَ كيلِه، لا يومَ قَصْلِه (^١) وقطعه، ولا يومَ جَدادِه (^٢) وقطافِه، فقد علمتَ مَن قال ذلك مِن أهلِ التأويل؟\nوذلك ما حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخْبرَنا جويبرٌ، عن الضحاك في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: يوم كيله (^٣).\nوحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن الحجاج، عن سالمٍ المكىِّ، عن محمدِ ابن الحَنَفية قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: يومَ كيلِه يُعْطِى العُشْرَ ونصفَ العُشْرِ (^٤).\nمع آخرين قد ذَكرتَ الروايةَ فيما مضَى عنهم بذلك؟\nقيل: لأن (^٥) يومَ كيله غيرُ يومِ حَصادِه، ولن يَخْلُوَ معنى قائلى هذا القولِ مِن أحد أمريْن؛ إما أن يكونوا وجَّهوا معنى الحصادِ إلى معنى الكيل، فذلك ما لا يُعْقَلُ في كلام العرب؛ لأن الحصادَ والحصدَ في كلامِهم الجدُّ (^٦) والقطعُ لا الكيلُ. أو يكونوا وجَّهوا تأويلَ قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. إلى: وآتوا حقَّه بعدَ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"فصله\". وقصل الزرع: قطعه وهو أخضر. ينظر القاموس المحيط (ق ص ل).\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"جذاذه\".\n(^٣) أخرجه يحيى بن آدم فى كتاب الخراج (٤١٣)، وابن أبي شيبة ٣/ ١٨٦، من طريق عن جويبر به.\n(^٤) تقدم تخريجه ص ٥٩٨.\n(^٥) بعده في ص، ت ١، س، ف: \"كل\".\n(^٦) فى م، ت ١، ت ٣، ف: \"الجذ\".","vol":"9","page":613},{"text":"يومِ حَصادِه إذا كِلْتُموه. فذلك خلافُ (^١) ظاهر التنزيلِ، وذلك أن الأمر في ظاهرِ التنزيل بإيتاء الحقِّ منه يومَ حَصادِه، لا بعدَ يوم حَصادِه، ولا فرقَ بين قائلٍ: إنما عنَى الله بقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: بعدَ يومِ حَصادِه. وآخرَ قال: عنَى بذلك قبلَ يومِ حَصادِه. لأنهما جميعًا قائلان قولًا، دليلٌ ظاهرِ التنزيل بخلافه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3156>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويل فى \"الإسْراف\" الذى نهى الله عنه بهذه الآية، ومَن المنهىُّ عنه؛ فقال بعضُهم: المنهىُّ عنه ربُّ النخل والزرع والثمرِ، والسَّرَفُ الذي نهَى الله عنه في هذه الآيةِ مُجاوَزةُ القَدْرِ فى العَطِيَّةِ إلى ما يُجْحِفُ بربِّ المال.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا عاصمٌ، عن أبي العالية في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا﴾ الآية. قال: كانوا يُعْطُون شيئًا سوى الزكاةِ، ثم تَسارَفوا، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، عن عاصمٍ الأحول، عن أبي العالية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: كانوا يُعْطُون يومَ\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، س: \"دليل\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٣٩٩ (٧٩٦١) من طريق عمرو به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٥ عن معتمر به مقتصرا على أوله، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٤٩ إلى أبي الشيخ.","vol":"9","page":614},{"text":"الحصادِ شيئًا (^١)، ثم تَباذَروا (^٢) فيه وأسْرَفوا، فقال الله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: نزلت في ثابتِ بن قيسِ بن شَمَّاسٍ، جدَّ (^٤) نخلًا فقال: لا يَأْتِينَّ اليومَ أحدٌ إلا أطْعَمْتُه. فأطْعَم حتى أمْسَى وليست له ثمرةٌ، فقال الله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابن جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾. يقولُ: لا تُسْرِفوا، فيما يُؤتى يومَ الحَصادِ، أم في كلِّ شيءٍ؟ قال: بلى، فى كلِّ شيءٍ يَنْهَى عن السَّرَفِ. قال: ثم عاوَدْتُه بعد حينٍ، فقلتُ: ما قولُه: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾؟ قال: يَنْهَى عن السَّرَفِ في كلِّ شيءٍ. ثم تلا: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ (^٦) [الفرقان: ٦٧].\nحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخْبرَنا سفيانُ بنُ حسينٍ، عن أبي بشرٍ، قال: أطاف الناسُ بإياس بن معاوية بالكوفة، فسألوه: ما\n_________\n(^١) بعده فى م: \"سوى الزكاة\".\n(^٢) فى ص، م، ت ١: \"تباروا\".\n(^٣) بعده في م: \"حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن عاصم الأحول، عن أبي العالية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: كانوا يعطون يوم الحصاد شيئًا، ثم تسارفوا، فقال الله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.\n(^٤) فى م، ف: \"جذ\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٤٣ عن ابن جريج، وعزاه إلى المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٩ إلى المصنف وأبي حاتم، وينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٤٣٠.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧٢٦٣) عن ابن جريج به، ضمن أثر طويل، وليس فيه ذكر المعاودة.","vol":"9","page":615},{"text":"السَّرَفُ؟ فقال: ما تَجاوَز (^١) أمرَ اللهِ فهو سَرَفٌ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾: لا تُعْطُوا أموالَكم فتَغْدُوا فُقراءَ (^٣).\nوقال آخَرون: الإسرافُ الذى نهَى الله عنه فى هذا الموضعِ منعُ الصدقةِ والحَقِّ الذى أمَر الله ربَّ المالِ بإيتائِه أهلَه بقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو بكر بنُ عبدِ اللهِ، عن عمرِو بنِ سُلَيْمٍ وغيره، عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾. قال: لا تَمنَعوا الصدقة فتَعْصُوا (^٤).\nحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ الزِّبْرِقانِ، قال: ثنا موسى (^٥) بنُ عبيدةً، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾: والسَّرَفُ ألا يُعْطِيَ فى حقٍّ (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: ت ٣، وفى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وزه\" وكتب فوقها في ص، س: \"ط\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٨/ ٢٧٢٦ من طريق عمرو بن على به، وفيه زيادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٠ إلى أبي الشيخ. ووقع فى الدر المنثور: سعيد بن جبير عن أبي بشر. وهو خطأ صوابه ما عند المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٣٩٩، ١٤٦٥ (٧٩٦٧، ٨٣٨٥) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٤٩ إلى أبي الشيخ.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧٢٦٧) -ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٣٩٩، ١٤٦٥ (٧٩٦٥، ٨٣٨٤) - عن ابن جريج به.\n(^٥) في النسخ: \"محمد\"، وقد مرَّ على الصواب ص ٥٩٥، وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ١٠٤.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٣٩٩، ١٤٦٥ (٧٩٦٣، ٨٣٨٢) من طريق عمرو به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٩، ٥٠ إلى أبي الشيخ.","vol":"9","page":616},{"text":"وقال آخرون: إنما خُوطِب بهذا السلطانُ، نُهِى أن يَأْخُذَ مِن ربِّ المال فوقَ الذي ألزم الله ماله.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾. قال: قال للسلطان: لا تُسْرفوا، لا تَأْخُذُوا بغير حقٍّ، فكانت هذه الآيةُ بين السلطانِ وبينَ الناسِ. يعنى قوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ الآية (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه نهَى بقوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ عن جميع معانى الإسراف، ولم يَخْصُصْ منها معنًى دون معنًى.\nوإذ كان ذلك كذلك، وكان الإسرافُ في كلام العرب الإخطاءَ بإصابة الحقِّ فى العَطِيةِ، إما بتَجاوُزِ حدِّه في الزيادة، وإما بتقصيرٍ عن حدِّه الواجب -كان معلومًا أن المُفَرِّقَ مالَه مُباراةً، والباذلَه للناسِ حتى أجْحَفَت به عطيتُه، مُسْرِفٌ بتَجاوُزِه حدَّ اللهِ إلى ما ليس (^٢) له، وكذلك المُقَصِّرُ في بذلِه فيما ألزَمَه الله بذلَه فيه، وذلك [كمنعِه ما ألْزَمه إيتاءه] (^٣) منه أهلَ سُهْمانِ الصدقةِ إِذا وجَبَت فيه، أو منعِه مَن أَلْزَمه الله نفقتَه مِن أهلِه وعِيالِه ما ألْزَمه منها، وكذلك السلطانُ في أخذِه من رعيتِه ما لم يَأذنِ الله بأخذِه، كلُّ هؤلاء فيما فعَلوا مِن ذلك مُسْرِفون، داخِلون في معنى مَن أتَى ما نهى الله عنه من الإسراف بقولِه: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾. في عطيتكم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٠٠ (٧٩٦٨) من طريق أصبغ، عن ابن زيد بنحوه.\n(^٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"كيفته\"، وفى س: \"كلفته\". والمثبت ما يستقيم به السياق.\n(^٣) في ت ١، س، ف: \"كمانعه ما ألزمه إياه\".","vol":"9","page":617},{"text":"من أموالِكم ما يُجْحِفُ بكم، إذ كان ما قبلَه مِن الكلامِ أمرًا مِن الله بإيتاء (^١) الواجب فيه أهلَه يومَ حَصادِه؛ فإن الآية قد كانت تَنْزِلُ على رسول الله ﷺ بسببٍ خاصٍّ من الأمور، والحكمُ بها على العامُ، بل عامةُ آي القرآن كذلك. فكذلك قولُه: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.\nومن الدليل على صحةِ ما قلنا مِن معنى الإسرافِ، أنه على ما قلنا، قولُ الشاعرِ (^٢):\nأعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوها ثمانيةٌ … ما في عَطائِهمُ منٌّ ولا سَرَفُ\nيعنى بالسَّرَفِ الخطأ في العَطِيَّة (^٣).\n\n<span id=\"aya-931\"></span><span data-type='title' id=toc-3157>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأَنْشَأ من الأنعام حَمولةً وفَرْشًا، مع ما أَنْشَأَ مِن الجَنَّاتِ المعْروشات وغير المعروشاتِ.\nو\"الحَمولةُ\": ما حُمِل عليه من الإبل وغيرها.\nو\"الفَرْشُ\": صغارُ الإبل التى لم تُدْرِكُ أن يُحْمَلَ عليها.\nواخْتَلَف أهلُ التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: الحَمولةُ ما حُمِل عليه من كبار الإبل ومَسَانِّها، والفَرْشُ صِغارُها التي لا يُحْمَلُ عليها لصِغَرِها.\n_________\n(^١) في ص، ف: \"ثابتا\".\n(^٢) هو جرير، وتقدم تخريجه في ٦/ ٤٠٥.\n(^٣) بعده فى ص: \"نجز الجزء التاسع بحمد الله وعونه وحسن توفيقه ومنه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما، يتلوه في العاشر إن شاء الله تعالى القول في تأويل قوله ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ وكان الفراغ من كتابته فى جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبعمائة أحسن الله تقضيها وخاتمتها في خير وعافية، والله المعين على تكملة جميع الكتاب إن شاء الله تعالى، غفر الله لمؤلفه ولصاحبه ولكاتبه ولمن نظر فيه ودعا لهم بالمغفرة ورضى الله والجنة ولجميع المسلمين. الحمد لله رب العالمين. بسم الله الرحمن الرحيم رب يسِّر\".","vol":"9","page":618},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحْوص، عن عبد الله فى قوله: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾. قال: الحَمولةُ الكبارُ من الإبل، ﴿وَفَرْشًا﴾ الصِّغارُ مِن الإِبل (^١).\nوقال: ثنا أبي، عن أبي بكر الهُذَليِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: الحَمولةُ هي الكبارُ، والفَرْشُ الصغارُ مِن الإِبل (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ، قال: الحَمولةُ ما حمَل من الإبل، والفَرْشُ ما لم يَحْمِلْ (^٣).\nوبه عن إسرائيلَ، عن خُصَيْفٍ، عن مُجاهدٍ: الحَمولةُ ما حمَل من الإبل، والفَرْشُ ما لم يَحْمِلْ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَفَرْشًا﴾ قال: صِغَارُ الإِبل.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحْوصِ، عن عبدِ اللهِ في قوله: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾. قال: الحمولة الكبارُ، والفرشُ الصغارُ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٠٠ (٧٩٧٠، ٧٩٧٤)، والطبراني (٩٠١٨)، والحاكم ٢/ ٣١٧ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٥٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠١ (٧٩٧٥) من طريق مجاهد عن ابن عباس بتفسير \"الفرش\" وحده، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٥٠ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٣٤٣.\n(^٤) أخرجه أبو عبيد فى الأموال (٩٦٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٠٠ (٧٩٧١) من طريق عبد الرحمن به مقتصرًا على أوله، وهو فى تفسير مجاهد ص ٣٣٠ من طريق أبي إسحاق به.","vol":"9","page":619},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحْوص، عن ابن مسعودٍ في قوله: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾: الحَمولةُ [ما حمَل من الإبل] (^١)، والفرشُ هن الصِّغارُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحْوصِ عن عبدِ اللهِ أنه قال في هذه الآية: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾. قال: الحَمولةُ ما حُمِل عليه من الإبل، والفَرْشُ الصِّغارُ (^٢).\nقال ابنُ المثنى: قال محمدٌ: قال شعبةُ: إنما كان حدَّثني سفيانُ، عن أبي إسحاقَ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قال الحسنُ: الحَمولةُ مِن الإِبل والبقرِ (^٣).\nوقال بعضُهم: الحَمولةُ مِن الإبل، وما لم يَكُنْ مِن الحَمولة فهو الفَرْشُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ قال: الحَمولةُ ما حُمِل عليه، والفَرْشُ حَواشِيها، يعني صِغارَها (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾: فالحَمولةُ ما حمَل من الإبلِ، والفَرْشُ صِغَارُ الإِبلِ؛ الفَصِيلُ وما دون ذلك مما لا يَحْمِلُ.\n_________\n(^١) في ت ٢، س، ف: \"الكبار\".\n(^٢) أخرجه ابن زنجويه فى الأموال (١٤٢٩) من طريق شعبة به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠٠ (٧٩٧٣) من طريق الربيع، عن الحسن.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٩، ٢٢٠ عن قَتادةَ، وسقط منه ذكر معمر.","vol":"9","page":620},{"text":"ويقالُ: الحَمولةُ مِن البقرِ والإبلِ، والفَرْشُ الغنمُ.\nوقال آخَرون: الحمولةُ: ما حُمِل عليه مِن الإبلِ والخيلِ والبِغالِ وغيرِ ذلك، والفَرْشُ الغنمُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾: فأما الحَمولةُ فالإبلُ والخيلُ والبِغالُ والحميرُ وكلُّ شيءٍ يُحْمَلُ عليه، وأما الفَرْشُ فالغنمُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: الحَمولةُ مِن الإبلِ والبقرِ، ﴿وَفَرْشًا﴾ المعزُ والضأنُ (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾. قال: أما الحَمولةُ فالإبلُ والبقرُ. قال: وأما الفَرْشُ فالغنمُ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: كان غيرُ الحسنِ يقولُ: الحَمولةُ الإبلُ والبقرُ، والفَرْشُ الغنمُ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠٠، ١٤٠١ (٧٩٧٢، ٧٩٧٦) من طريق عبد الله بن صالح به مفرقا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٥٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠١ عقب الأثر (٧٩٧٦) من طريق أبى جعفر به، وينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٣٤٤.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٣٤٤.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٢٠.","vol":"9","page":621},{"text":"حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾: أما الحَمولةُ فالإبلُ، وأما الفَرْشُ فالفُصْلانُ والعَجَاجيلُ (^١) والغنمُ، وما حُمِل عليه فهو حَمولةٌ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾: الحَمولةُ الإبلُ، والفَرْشُ الغنمُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبى بكرٍ الهُذَلىِّ، عن الحسنِ: ﴿وَفَرْشًا﴾. قال: الفَرْشُ الغنمُ (^٤).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾. قال: الحمولةُ ما تَرْكَبون، والفَرْشُ مَا تَأْكُلون وتَحْلُبون، شاةٌ لا تَحْمِلُ، تَأْكُلون لحمَها، وتَتَّخِذون مِن أصوافِها لِحافًا وفَرْشًا (٢).\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يُقالَ: إن الحَمولةَ هى ما حمَل مِن الأنعامِ؛ لأن ذلك مِن صفتِها إذا حمَلَت، لا أنه اسمٌ لها كالإبلِ والخيلِ والبِغالِ، فإذا كانت إنما سُمِّيَت حَمولةً لأنها تَحْمِلُ، فالواجبُ أن يكونَ كلُّ ما حمَل على ظهرِه مِن الأنعامِ فحَمولةٌ، وهى جمعٌ لا واحدَ لها مِن لفظِها، كالرَّكوبةِ والجَزُورةِ، وكذلك الفَرْشُ إنما هو صفةٌ لما لطُف فقرُب مِن الأرضِ جسمُه، ويقالُ له: الفَرْشُ. وأَحْسَبُها سُمِّيَت بذلك تمثيلًا لها فى استواءِ أسنانِها ولُطْفِها بالفَرْشِ مِن الأرضِ،\n_________\n(^١) عجاجيل جمع عِجَّوْل، وهو العِجْل. اللسان (ع ج ل).\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٣٤٤.\n(^٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠١ عقب الأثر (٧٩٧٦) معلقا بتفسير الفرش، وينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٣٤٤.\n(^٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠١ عقب الأثر (٧٩٧٦) معلقا.","vol":"9","page":622},{"text":"وهى الأرضُ المستويةُ التى يَتَوَطَّؤُها الناسُ.\nفأما \"الحُمولةُ\" بضمِّ الحاءِ فإنها الأحْمالُ، وهى الحُمولُ أيضًا بضمِّ الحاءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3158>القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: كلُوا مما رزَقكم اللهُ أيُّها المؤمنون، فأحَلَّ لكم ثَمَراتِ حُروثِكم وغُروسِكم ولحومَ أنعامِكم، إذ حرَّم بعضَ ذلك على أنفسِهم المشركون باللهِ، فجعَلوا للهِ مما ذرَأ مِن الحرثِ والأنعامِ نصيبًا، وللشيطانِ مثلَه، فقالوا: هذا للهِ بزعمِهم، وهذا لشُرَكائِنا، ولا تتَّبِعُوا خُطُواتِ الشيطانِ كما اتَّبَعها باحرُو البَحيرةِ، ومُسَيِّبو السَّوائبِ، فتُحَرِّموا على أنفسِكم مِن طيبِ رزقِ اللهِ الذى رزَقكم ما حرَّموه، فتُطِيعوا بذلك الشيطانَ، وتَعْصُوا به الرحمنَ.\nكما حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: لا تَتَّبِعوا طاعتَه، هى ذنوبٌ لكم، وهى طاعةٌ للخَبيثِ (^١).\nإن الشيطانَ لكم عدوٌّ يَبْغِى هلاكَكم، وصدَّكم عن سبيلِ ربِّكم ﴿مُبِينٌ﴾: قد أبان لكم عُدوانَه بمُناصَبته أباكم بالعَداوةِ، حتى أخْرَجه مِن الجنةِ بكيدِه، وخدَعِه؛ حسدًا (^٢) منه له وبغيًا عليه.\n\n<span id=\"aya-932\"></span><span data-type='title' id=toc-3159>القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠٢ (٧٩٨٤) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٢) فى م، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"وحسدا\".","vol":"9","page":623},{"text":"وهذا تقريعٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه العادِلين به الأوثانَ مِن عبَدةِ الأصنامِ الذين بحَروا البَحائرَ، وسيَّبوا السَّوائبَ، ووصَلوا الوَصائلَ، وتعليمٌ منه نبيَّه ﷺ والمؤمنين به الحجةَ عليهم فى تحريِمهم ما حرَّموا مِن ذلك، فقال للمؤمنين به وبرسولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾. ومِن الأنعامِ أنْشَأ حَمولةً وفَرْشًا. ثم بيَّن جلَّ ثناؤُه الحَمولَة والفَرْشَ، فقال: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾.\nوإنما نصَب \"الثمانيةَ\"؛ لأنها ترجمةٌ عن \"الحَمولةِ\" و\"الفَرْشِ\"، وبدلٌ منها، كأنَّ معنى الكلامِ: ومِن الأنعامِ أنشَأ ثمانيةَ أزواجٍ. فلمَّا قدَّم قبلَ \"الثمانيةِ\" \"الحَمولةَ\" و\"الفَرْشَ، بيَّن ذلك بعدُ. فقال: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ على ذلك المعنى.\n﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ فذلك أربعةٌ؛ لأن كلَّ واحدٍ مِن الاثنين مِن الضأْنِ زوجٌ، فالأنثى منه زوجُ الذكرِ، والذكرُ منه زوجُ الأنثى، وكذلك ذلك مِن المَعْزِ، ومِن سائرِ الحيوانِ، فلذلك قال جلَّ ثناؤُه: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾. كما قال: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]. لأن الذكرَ زوجُ الأنثى، والأنثى زوجُ الذكرِ، فهُما وإن كانا اثنين فهما زَوْجان؛ كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. وكما قال: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧].\nوكما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾: ذكرٍ وأنثى، ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ ذكرٍ وأنثى، ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ﴾: ذكرٍ وأنثى.\nويقالُ للاثنين: هما زوجٌ. كما قال لَبيدٌ (^١):\n_________\n(^١) شرح ديوان لبيد ص ٣٠٠.","vol":"9","page":624},{"text":"مِن كلِّ مَحْفوفٍ (^١) يُظِلُّ عِصِيَّهُ … زوجٌ عليه كِلَّةٌ (^٢) وقِرَامُها (^٣)\nثم قال لهم: كلُوا مما رزَقكم اللهُ مِن هذه الثمارِ واللحومِ، وارْكَبوا هذه الحَمولةَ أيُّها المؤمنون، فلا تَتَّبِعوا خُطُواتِ الشيطانِ فى تحريمِ ما حرَّم هؤلاءِ الجَهَلةُ بغيرِ أمرى إياهم بذلك. قلْ يا محمدُ لهؤلاء الذين حرَّموا ما حرَّموا مِن الحرثِ والأنعامِ؛ اتِّباعًا للشيطانِ مِن عَبَدةِ الأوثانِ والأصنامِ الذين زعَموا أن اللهَ حَرَّم عليهم ما هم مُحرِّمون من ذلك: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ رَبُّكم أيُّها الكذَبةُ على اللهِ من الضأنِ والمَعْزِ؟ فإنهم إن ادَّعَوْا ذلك وأقرُّوا به، كذَّبوا أنفسَهم، وأبانوا جهلَهم؛ لأنهم إذا قالوا: يُحَرِّمُ الذكرَيْن مِن ذلك. أوْجَبوا تحريمَ كلِّ ذكرَيْن مِن ولدِ الضأْنِ والمَعْزِ، وهم يَسْتَمْتِعون بلحومِ بعضِ (^٤) الذُّكْرانِ منها وظُهورِها. وفى ذلك فسادُ دَعْواهم، وتكذيبُ قولِهم - ﴿أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. فإنهم إن قالوا: حرَّم ربُّنا الأُنْثَيَيْن. أوْجَبوا تحريمَ لحومِ كلِّ أنثى مِن ولدِ الضأْنِ والمَعْزِ على أنفسِهم وظهورِها، وفى ذلك أيضًا تكذيبٌ لهم، ودَحْضُ دَعْواهم أن ربَّهم حرَّم ذلك عليهم، إذ كانوا يَسْتَمْتِعون بلُحومِ بعضِ ذلك وظهورِه - ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. يقولُ: أم حرَّم ما اشْتَمَلَت عليه أرحامُ الأنثيين. يعنى: أرحامُ أُنثى الضأنِ وأنثى المَعْزِ، فلذلك قال: ﴿أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. وفى ذلك أيضًا لو أقَرُّوا به. فقالوا: حرَّم علينا ما اشْتَمَلَت عليه أرحامُ الأنثيين. بُطُولُ قولِهم، وبيانُ كذِبِهم؛ لأنهم كانوا يُقِرُّون بإقْرارِهم بذلك أن اللهَ حرَّم عليهم ذكورَ الضأْنِ والمَعْزِ وإناثَها، أن يَأْكُلوا لحومَها، أو يَرْكَبوا ظهورَها، وقد كانوا يَسْتَمْتِعون ببعضِ ذكورِها وإناثِها.\nو\"ما\" التى فى قولِه: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. نَصْبٌ\n_________\n(^١) يريد بالمحفوف هنا الهودج.\n(^٢) الكلة: الستر الرقيق يخاط كالبيت. اللسان (ك ل ل).\n(^٣) القرام: ستر فيه رقم ونقوش. اللسان (ر ق م).\n(^٤) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.","vol":"9","page":625},{"text":"عطفًا بها على \"الأُنثيين\".\n﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ يقولُ: قلْ لهم: خبِّرونى بعلمِ ذلك على صحتِه، أىَّ ذلك حرَّم ربُّكم عليكم، وكيف حرَّم؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تَنْحَلُونه ربَّكم مِن دَعْواكم، وتُضِيفُونه إليه (^١) مِن تحريمِكم.\nوإنما هذا إعلامٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه نبيَّه أن كلَّ ما قاله هؤلاء المشركون فى ذلك، وأضافوه إلى اللهِ، [فهو كَذِبٌ على اللهِ] (^٢)، وأنه لم يُحَرِّمْ شيئًا مِن ذلك، وأنهم إنما اتَّبَعوا فى ذلك خُطُواتِ الشيطانِ وخالَفوا أمرَه (^٣).\nوبنحوِ الذى قلنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ الآية: إن (^٤) كلَّ هذا لم أُحَرِّمْ منه قليلًا ولا كثيرًا، ذكَرًا ولا أُنثى.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾. قال: سَلْهم (^٥) ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؟ أى: لم أُحَرِّمْ مِن هذا شيئًا ﴿بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. فذكَر مِن الإبلِ والبقرِ نحوَ ذلك (^٦).\n_________\n(^١) فى ص: \"إليكم\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) فى ص، ت ١، س، ف: \"أمرهم\".\n(^٤) كذا فى النسخ، ولعل الصواب: \"أى\". كما فى الأثر بعده.\n(^٥) فى ص: \"سألهم\"، وفى ف: \"سألتم\".\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٢٠ - ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠٣، ١٤٠٤ (٧٩٩٥، ٧٩٩٧) عن معمر به.","vol":"9","page":626},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾: فى شأنِ ما نهَى اللهُ عنه مِن البَحيرةِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾. قال: هذا فى شأنِ ما نهَى اللهُ عنه مِن البَحائرِ والسُّيَّبِ. قال ابنُ جُريجٍ: يقولُ: مِن أين حرَّمْتُ هذا؟ مِن قِبَلِ الذكرَيْن أم مِن قبَلِ الأنثيين،، أمَّا اشْتَمَلت عليه أرحامُ الأنثيين؟ وإنها لا تَشْتَمِلُ إلا على ذكرٍ أو أنثى، فمِن أين جاء التَّحريمُ؟ فأجابوا هم: وجَدْنا آباءَنا كذلك يَفْعَلُون.\nحدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ - ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ - ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ﴾. يقولُ: أنْزَلْتُ لكم ثمانيةَ أزْواجٍ مِن هذا الذى عدَدْتُ، ذكرٍ وأنثى، فالذكرَيْن حرَّمْتُ عليكم أم الأنثيين، أمَّا اشْتَمَلَت عليه أرحامُ الأنثيين؟ [أى: ما اشتَمَلت عليه أرحام الأنثيين] (^٢)، ما تَشْتَمِلُ إلا على ذكرٍ أو أُنثى، فما حرَّمْتُ عليكم ذكرًا ولا أُنثى مِن الثمانيةِ. إنما ذكَر هذا مِن أجلِ ما حرَّموا مِن الأنعامِ (^٣).\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبى رَجاءٍ، عن الحسنِ: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ قال: ما حمَلَت الرَّحِمُ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٣٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠٢ (٧٩٨٩)، وعندهما: البحيرة والسائبة، عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٥٠، إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، س، ف.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠٢، ١٤٠٣، ١٤٠٤ (٧٩٨٨، ٧٩٩٢، ٧٩٩٩) من طريق أحمد بن مفضل به، وينظر الدر المنثور ٣/ ٥٠.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠٣ (٧٩٩٤) من طريق ابن علية به، وعزاه السيوطى فى الدر المنشور ٣/ ٥٠ إلى أبى الشيخ.","vol":"9","page":627},{"text":"حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. قال: هذا لقولِهم: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩]. قال: وقال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾. قال: الأنعامُ هى الإبلُ والبقرُ والضأنُ والمَعْزُ، هذه الأنعامُ التى قال اللهُ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾. قال: وقال فى قولِه: ﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾: نَحْتَجِرُها على مَن نُرِيدُ وعمَّن نُرِيدُ. وقولِه: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾. قال: لا يَرْكبُها أحدٌ، ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٣٨]. فقال: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾: أىَّ هذيْن حرَّم على هؤلاء؟ أى: أن تكونَ لهؤلاء حِلًّا وعلى هؤلاء حرامًا (^١)؟\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. يعنى: هل تَشْتَمِلُ الرحمُ إلا على ذكرٍ أو أنثى؟ فهل (^٢) يُحَرِّمون بعضًا ويُحِلُّون بعضًا (^٣)؟\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾: فهذه أربعةُ أَزْواجٍ، ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠٤ (٧٩٩٨) من طريق أصبغ عن ابن زيد، وفيه زيادة.\n(^٢) فى م: \"فهم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠٣ (٧٩٩٣) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٥٠ إلى ابن المنذر.","vol":"9","page":628},{"text":"آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. يقولُ: لم أُحَرِّمْ شيئًا مِن ذلك. ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. يقولُ: كلُّه حلالٌ (^١).\nو\"الضأنُ\" جمعٌ لا واحدَ له مِن لفظِه، وقد يُجْمَعُ \"الضأنُ\" \"الضَّئِينَ\" و\"الضِّئِينَ\"، مثلُ \"الشَّعيرِ\" و\"الشِّعيرِ\"، كما يُجْمَعُ \"العبدُ\" على \"عَبيدٍ\" و\"عِبِيدٍ\". وأما الواحدُ مِن ذكورِه فـ \"ضائنٌ\"، والأُنثى \"ضائنةٌ\"، وجمعُ \"الضائنةِ\" \"ضَوائنُ\".\nوكذلك \"المَعْزُ\" جمعٌ على غيرِ واحدٍ، وكذلك \"المِعْزَى\"، وأما \"الماعِزُ\"، فجمعُه \"مَواعِزُ\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-933\"></span><span data-type='title' id=toc-3160>القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾.</span>\nوتأويلُ قولِه: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. نحوُ تأويلِ قولِه: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾. وهذه أربعةُ أزْواجٍ، على نحوِ ما بيَّنّا مِن الأزواجِ الأربعةِ قبلُ مِن الضأنِ والمَعْزِ، فذلك ثمانيةُ أزْواجٍ كما وصَف جلَّ ثناؤُه.\nوأما قولُه: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. فإنه أمرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠٣ (٧٩٩١، ٧٩٩٦) عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٥٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"مواعيز\".","vol":"9","page":629},{"text":"نبيَّه ﷺ أن يقولَ لهؤلاء الجَهَلةِ مِن المشركين الذين قصَّ قِصَصَهم فى هذه الآياتِ التى مضَت، يقولُ له عزَّ ذكرُه: قلْ لهم يا محمدُ: أىَّ هذه سأَلْتُكم عن تحريمِه حرَّم ربُّكم عليكم مِن هذه الأزواجِ الثمانيةِ؟ فإن أجابوك عن شيءٍ مما سأَلْتَهم عنه مِن ذلك، فقلْ لهم: أَخَبرًا قلتُم: إن اللهَ حرَّم هذا عليكم. أخْبَرَكم به رسولٌ عن (^١) ربِّكم، أم شهِدْتُم ربَّكم فرأَيْتُموه فوصَّاكم بهذا الذى تقولون وتُزَوِّرون (^٢) على اللهِ؟ فإن هذا الذى تقولون مِن إخبارِكم عن اللهِ أنه حرامٌ بما تَزْعُمون على ما تَزْعُمون، لا يُعْلَمُ إلا بوحىٍ مِن عندِه، مع رسولٍ يُرْسِلُه إلى خلقِه، أو (^٣) بسماعٍ منه، فبأىِّ هذين الوجهين علِمْتُم أن اللهَ حرَّم ذلك كذلك، برسولٍ أرْسَله إليكم، فأنْبِئُونى بعلمٍ إن كنتم صادقين؟ أم شهِدْتُم ربَّكم فأوْصاكم بذلك وقال لكم: حرَّمْتُ ذلك عليكم. فسمِعْتُم تحريمَه منه وعهدَه إليكم بذلك؟ فإنه لم يَكُنْ واحدٌ مِن هذين الأمرين، يقولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يقولُ: فَمَن أشدُّ ظلمًا لنفسِه، وأبعدُ عن الحقِّ ممَّن تخَرَّص على اللهِ قيلَ الكذبِ، وأضاف إليه تحريمَ ما لم يُحَرِّمْ، وتحليلَ ما لم يُحَلِّلْ؛ ﴿لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. يقولُ: لِيَصُدَّهم عن سبيله. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يقولُ: لا يُوَفِّقُ اللهُ للرُّشْدِ مَن افْتَرَى على اللهِ وقال عليه الزُّورَ والكذبَ، وأضاف إليه تحريمَ ما لم يُحَرِّمْ؛ كفرًا باللهِ، وجُحودًا لنبوةِ نبيِّه محمدٍ ﷺ.\nكالذى حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾: الذى تقولون (^٤).\n_________\n(^١) فى ص، س، ف: \"من\".\n(^٢) فى ت ١: \"يدوون\" وفى ف: \"ترون\" وفى م، ت ٢، ت ٣: \"وتردون\".\n(^٣) فى ص، ت ١، ف: \"أم\".\n(^٤) تتمة الأثر المتقدم فى ص ٦٢٨.","vol":"9","page":630},{"text":"حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ، قال: كانوا يقولون -يعنى الذين كانوا يَتَّخِذون البَحائرَ والسَّوائبَ-: إن اللهَ أمَر بهذا. فقال اللهُ: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-934\"></span><span data-type='title' id=toc-3161>القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء الذين جعَلوا للهِ ممَّا ذرَأ مِن الحرثِ والأنعامِ نَصيبًا، ولشركائِهم مِن الآلهةِ والأنْدادِ مثلَه، والقائلين: هذه أنعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ بزعْمِهم. والمحرِّمين مِن أنعامٍ أُخَرَ ظُهورَها، والتاركين ذكرَ اسمِ اللهِ على أُخَرَ منها، والمحرِّمين بعضَ ما فى بطونِ بعضِ أنعامِهم على إناثِهم وأزواجِهم، ومُحلِّيه لذكورِهم، المحرِّمين ما رزَقهم اللهُ افْتِراءً على اللهِ، وإضافةً منهم ما يُحَرِّمون مِن ذلك إلى أن اللهَ هو الذى حرَّمه عليهم: أجاءكم مِن اللهِ رسولٌ بتحريمِه ذلك عليكم، فأنْبِئونا به، أم وصَّاكم اللهُ بتحريمه مُشاهدَةً منكم له، فسمِعْتُم منه تحريمَه ذلك عليكم، فحرَّمْتُموه؟ فإنكم كَذبةٌ إن ادَّعيْتُم ذلك، ولا يُمْكِنُكم دَعْواه؛ لأنكم إذا ادَّعَيْتُموه علِم الناسُ كذبَكم، فإنى لا أَجِدُ فيما أُوحِى إلىَّ مِن كتابِه وآىِ تنزيله شيئًا محرَّمًا على آكلٍ يَأْكُلُه، مما تَذْكُرون أنه حرَّمه مِن هذه الأنعامِ، التى تَصِفون تحريمَ ما حَرَّم عليكم منها بزعمِكم ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ قد ماتت بغيرِ تَذْكيةٍ ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ وهو المُنْصَبُّ، أو إلا أن يكونَ لحمَ خِنزيرٍ، ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾. يقولُ: أو إلا أن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠٤ (٧٩٩٩) من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"9","page":631},{"text":"يكونَ فسقًا. يعنى بذلك: أو إلا أن يكونَ مذبوحًا ذبَحه ذابحٌ مِن المشركين مِن عَبَدةِ الأوثانِ لصنمِه وآلهتِه، فذكَر عليه اسمَ وَثَنِه، فإنَّ ذلك الذبحَ فِسْقٌ نهَى اللهُ عنه وحرَّمه، ونهَى مَن آمَن به عن أكلِ ما ذُبح كذلك؛ لأنه مَيْتةٌ.\nوهذا إعلامٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه للمشركين الذين جادَلوا نبىَّ اللهِ وأصحابَه فى تحريمِ الميتةِ بما جادَلوهم به، أن الذى جادَلوهم فيه من ذلك هو الحرامُ الذى حرَّمه اللهُ، وأن الذى زعَموا أن اللهَ حرَّمه حلالٌ قد أحَلَّه اللهُ، وأنهم كذَبَةٌ فى إضافتِهم تحريمَه إلى اللهِ.\nوبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه فى قولِه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾. قال: كان أهلُ الجاهليةِ يُحَرِّمون أشياءَ ويُحِلُّون أشياءَ، فقال: قلْ: لا أَجِدُ فيما (^١) كنتم تُحَرِّمون وتَسْتَحِلُّون إلا هذا؛ ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (^٢).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبرَنا ابنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه فى قولِه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية. قال: كان أهلُ الجاهليةِ يَسْتَحِلُّون أشياءَ ويُحَرِّمون أشياءَ، فقال اللهُ لنبيِّه: قلْ: لا أَجِدُ فيما أُوحِى إلىَّ محرمًا مما كنتم تَسْتَحِلُّون إلا هذا. وكانت أشياءَ يُحَرِّمونها، فهى حرامٌ الآن.\n_________\n(^١) فى م، ت ٢، ت ٣: \"مما\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٢٢٠ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠٥ (٨٠٠١) - عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٥٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"9","page":632},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريج، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾. قال: ما يُؤْكَلُ. قلتُ: فى الجاهليةِ؟ قال: نعم. وكذلك كان يقولُ: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. قال ابنُ جريج: وأَخْبَرنى إبراهيمُ بنُ أبى بكرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾. قال: مما كانَ فى الجاهليةِ يأكلونَ، لا أجدُ محرَّمًا من ذلك على طاعمٍ يطعمُه إلا أن يكونَ ميتةً أو دمًا مسفوحًا.\nوأما قولُه: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. فإنَّ معناه: أو دمًا مُسَالًا مُهَرَاقًا، يقالُ منه: سفَحْتُ دمَه، إذا أرَقْتَه، أَسْفَحُه سَفْحًا، فهو دمٌ مَسْفوحٌ، كما قال طَرَفةُ بنُ العَبْدِ (^١):\nإنى وجَدِّك ما هجَوْتُك والـ … أنْصابِ يُسْفَحُ فوقَهن دمُ\nوكما قال عَبِيدُ بنُ الأبْرصِ (^٢):\nإذا ما عادَه منها (^٣) نساءٌ … سفَحْن الدَّمْعَ مِن بعدِ الرَّنينِ\nيعنى: صبَبْنَ وأسَلْنَ الدمعَ.\nوفى اشْتِراطِه جلَّ ثناؤُه فى الدمِ عندَ إعلامِه عبادَه تحريمَه إياه، المَسْفوحَ منه دونَ غيرِه - الدليلُ الواضحُ أنَّ ما لم يَكُنْ منه مسفوحًا فحلالٌ غيرُ نَجِسٍ.\nوذلك كالذى حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. قال: لولا هذه الآيةُ لَتَتَبَّع المسلمون مِن العُروقِ ما تَتَبَّعَتِ اليهودُ.\n_________\n(^١) ديوانه ص ١٤٧.\n(^٢) ديوانه ص ١٣٤.\n(^٣) فى النسخ: \"منا\". والمثبت من الديوان، والضمير فيه يرجع إلى طعنة برمح كان قد تكلم عنها فى الأبيات قبله.","vol":"9","page":633},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا ابنُ عُيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عكرمةَ بنحوِه، إلا أنه قال: لاتَّبَع المسلمون (^١).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبرَنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ عُيَينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عكرمةَ بنحوِه.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: أخْبرنا وكيعٌ، عن عِمرانَ بنِ حُدَيْرٍ، عن أبى مِجْلَزٍ، فى القِدْرِ يَعْلُوها الحُمْرةُ مِن الدمِ، قال: إنما حرَّمَ اللهُ الدمَ المسفوحَ.\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عِمْرانَ بنِ حُديرٍ، عن أبى مِجْلَزٍ، قال: سأَلْتُه عن الدمِ وما يَتَلَطَّخُ بالمَذْبَحِ مِن الرأسِ، وعن القِدْرِ يُرَى فيها الحُمْرةُ؟ قال: إنما نهَى اللهُ عن الدمِ المسفوحِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. قال: حُرِّم الدمُ ما كان مسفوحًا، وأما لحمٌ خالَطه دمٌ فلا بأسَ به (^٣).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾: يعنى مُهَراقًا (^٤).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٢٠، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠٧ (٨٠١٤) عن الحسن بن يحيى به، وسعيد بن منصور فى سننه (٩٣٣ - تفسير) عن ابن عيينة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٥١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٣٤٦ عن حماد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٥١ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٢١ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠٧ (٨٠١٣) - عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٥١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠٦ (٨٠٠٨) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"9","page":634},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، و(^١) أخْبرَنى ابنُ دينارٍ، عن عكرمةَ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. قالا (^٢): لولا هذه الآيةُ لَتَتَبَّع المسلمون عُروقَ اللحمِ، كما تَتَبَّعَها اليهودُ.\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ، عن عائشةَ أنها كانت لا تَرَى بلُحومِ السِّباعِ بأسًا، والحمرةِ والدمِ يكونان على القِدْرِ بأسًا، وقرَأَت هذه الآيةَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية (^٣).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرنا ابنُ المباركِ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: ثنى القاسمُ بنُ محمدٍ، عن عائشةَ قالت، وذكَرَت هذه الآيةَ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. قلتُ: وإن البُرْمةَ لَيُرَى فى (^٤) مائِها الصُّفْرةُ.\nوقد بيَّنَّا معنى \"الرِّجْسِ\" فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، وأنه النَّجسُ والنَّتْنُ وما يُعْصَى اللهُ به، بشَواهِدِه فأغْنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (^٥). وكذلك القولُ فى معنى الفِسْقِ (^٦)، وفى قولِه: ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (^٧). قد مضَى ذلك كلُّه بشَواهدِه الكافيةِ، لمَن (^٨) وُفِّق لفهمِه، عن تَكرارِه وإعادتِه.\n_________\n(^١) سقط من النسخ، وهما إسنادان، وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٥.\n(^٢) فى النسخ: \"قال\".\n(^٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٣٤٦ عن المصنف، وقال: صحيح غريب. وأخرجه ابن أبى شيبة ٥/ ٣٩٩، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠٧ (٨٠١١) من طريق يحيى بن سعيد بمعناه.\n(^٤) فى ص، ف: \"ما فى\".\n(^٥) ينظر ما تقدم فى ٨/ ٦٥٧.\n(^٦) ينظر ما تقدم فى ١/ ٤٣٤.\n(^٧) ينظر ما تقدم فى ٣/ ٥٥ - ٨٨.\n(^٨) فى ص، ف: \"ومن\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".","vol":"9","page":635},{"text":"واخْتَلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾؛ فقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ بالياءِ، ﴿مَيْتَةً﴾ مُخَفَّفةَ الياءِ منصوبةً (^١)، على أن فى ﴿يَكُونَ﴾ مجهولًا (^٢)، و\"الميتةُ\" فعلٌ (^٣) له، فنُصِبَت على أنها فعلُ ﴿يَكُونَ﴾، وذكَّروا ﴿يَكُونَ﴾ لتذكيرِ المُضْمَرِ فى ﴿يَكُونَ﴾.\nوقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ مكةَ والكوفةِ: (إلا أن تكونَ) بالتاءِ، (مَيْتةً) بتخفيفِ الياءِ مِن \"الميتةِ\" ونصبِها (^٤)، وكأن معنى نصبِهم \"الميتةَ\" معنى الأوَّلين، وأنَّثوا (تكونَ) لتأنيثِ \"الميتةِ\"، كما يقالُ: إنها قائمةٌ جارِيتُك، وإنه قائمٌ جارِيتُك. فيُذَكَّرُ المجهولُ مرةً، ويُؤَنَّثُ أخرى؛ لتأنيثِ الاسمِ الذى بعدَه.\nوقرَأ ذلك بعضُ المدَنِيِّين: (إلا أن تَكونَ مَيِّتةٌ) بالتاءِ فى (تكونَ)، وتشديدِ الياءِ مِن (ميِّتةٌ) ورفعِها (^٥). فجعَل \"الميِّتةَ\" اسمَ (تكونَ)، وأنَّث (تكونَ) لتأنيثِ \"الميِّتةِ\"، وجعَل (تكونَ) مُكْتَفِيةً بالاسمِ دونَ الفعلِ؛ لأن قولَه: (إلا أن تَكونَ مَيِّتةٌ) استثناءٌ، والعربُ تَكْتَفِى فى (^٦) الاستثناءِ بالأسماءِ عن الأفعالِ، فيقولون: قام الناسُ إلا أن يكونَ أخاك، وإلا أن يكونَ أخوك. فلا تَأْتى لـ\n_________\n(^١) هى قراءة نافع وأبى عمرو وعاصم. حجة القراءات ص ٢٧٦.\n(^٢) يقصد بالمجهول الضمير. مصطلحات النحو الكوفى ص ٦٦.\n(^٣) يقصد بالفعل هنا الخبر. مصطلحات النحو الكوفى ص ٥٣.\n(^٤) هى قراءة ابن كثير وحمزة. حجة القراءات ص ٢٧٦.\n(^٥) هى قراءة أبى جعفر، وهو من العشرة. النشر ٢/ ٢٠٠. وفى الآية قراءة أخرى متواترة، فقد قرأ ابن عامر بالتاء، ورفع \"الميتة\" مخففة. ينظر المصدران السابقان.\n(^٦) فى ص، ت ٢، س، ف: \"بالاسم دون الفعل\".","vol":"9","page":636},{"text":"\"يكون\" بفعلٍ، وتَجْعَلُها (^١) مُسْتَغْنِيةً بالاسمِ، كما يقالُ: قام القومُ إلا أخاك وإلا أخوك. فلا تَعْتدُّ الاسمَ الذى بعدَ حرفِ الاستثناءِ نفلًا.\nوالصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ بالياءِ، ﴿مَيْتَةً﴾ بتخفيفِ الياءِ ونصبِ \"الميتةِ\"؛ لأن الذى فى ﴿يَكُونَ﴾ مِن المَكْنِىِّ مِن ذكرِ المذَكَّرِ، وإنما هو: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ ذلك ﴿مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾.\nفأما قراءةُ (ميتةٌ) بالرفعِ، فإنه وإن كان فى العربيةِ غيرَ خطأٍ، فإنه فى القراءةِ فى هذا الموضعِ غيرُ صوابٍ (^٢)؛ لأن اللهَ يقولُ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾، فلا خلافَ بينَ الجميعِ فى قراءةِ \"الدمِ\" بالنصبِ، وكذلك هو فى مصاحفِ المسلمين، وهو عطفٌ على \"الميتةِ\"، فإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن \"الميتةَ\" لو كانت مرفوعةً لَكان \"الدمُ\" وقولُه: ﴿أَوْ فِسْقًا﴾ مرفوعَيْن. ولكنَّها منصوبةٌ، فيُعْطَفُ بهما عليها (^٣) بالنصبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3162>القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾.</span>\nوقد ذكَرْنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ والصوابَ مِن القولِ فيه عندَنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا فى سورةِ \"البقرةِ\"، بما أغْنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (^٤)، وأن معناه: فمَن اضْطُرَّ إلى أكلِ ما حرَّمَ اللهُ\n_________\n(^١) فى ص، س، ف: \"لتجعلها\".\n(^٢) القراءة برفع \"الميتة\" متواترة، فلا تدفع صحتها.\n(^٣) فى س، ف: \"عليه\".\n(^٤) ينظر ما تقدم فى ٣/ ٥٨ وما بعدها.","vol":"9","page":637},{"text":"مِن أكلِ الميتةِ أو (^١) الدمِ المسفوحِ أو لحمِ الخنزيرِ أو ما أُهِلَّ لغيرِ الله به، غيرَ باغٍ فى أكلِه إياه تلَذُّذًا، لا لضرورةٍ حالَّةٍ مِن الجوعِ، ولا عادٍ فى أكلِه بتجاوزِه ما حدَّه اللهُ وأباحه له مِن أكلِه، وذلك أن يَأْكُلَ منه ما يَدْفَعُ عنه الخوفَ على نفسِه بتركِ أكلِه مِن الهلاكِ، لم يَتَجاوَزْ ذلك إلى أكثرَ منه، فلا حرجَ عليه فى أكلِه ما أكَل مِن ذلك، فإنَّ اللهَ غفورٌ فيما فعَل مِن ذلك، فساترٌ عليه بتركِه عقوبتَه عليه، ولو شاء عاقَبه عليه، رحيمٌ (^٢) بإباحتِه إياه أكلَ ذلك عندَ حاجتِه إليه، ولو شاء حرَّمه عليه ومنَعه منه.\n\n<span id=\"aya-935\"></span><span data-type='title' id=toc-3163>القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وحرَّمْنا على اليهودِ كلَّ ذى ظُفُرٍ، وهو مِن البَهائمِ والطيرِ ما لم يَكُنْ مَشْقوقَ الأصابعِ، كالإبلِ والنَّعَامِ (^٣) والإوَزِّ والبَطِّ.\nوبما (^٤) قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المثنى وعلىُّ بنُ داودَ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾: وهو البعيرُ والنَّعَامَةُ (^٥).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾. قال:\n_________\n(^١) فى م: \"و\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) فى م: \"الأنعام\".\n(^٤) فى م: \"بنحو ما\".\n(^٥) أخرجه البيهقى ١٠/ ٨ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٥٣ إلى ابن المنذر.","vol":"9","page":638},{"text":"البعيرَ والنَّعَامةَ ونحوَ ذلك مِن الدَّوابِّ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شَريكٍ، عن عَطاءٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ قال: هو الذى ليس بمُنْفَرِجِ الأصابعِ (^١).\nحدَّثنى علىُّ بنُ الحسينِ (^٢) الأزْدىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن شَرِيكٍ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾. قال: كلَّ شيءٍ مُتَفَرِّقِ الأصابعِ، ومنه الدِّيكُ (^٣).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾: النَّعَامةَ والبعيرَ (^٤).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾: فكان يقالُ: البعيرُ والنَّعامةُ، وأشباهُه مِن الطيرِ والحيتانِ (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾. قال: الإبلُ والنَّعَامُ، ظُفُرُ يدِ البعيرِ ورِجْلِه، والنَّعامُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤١٠ (٨٠٣٣) من طريق يحيى بن آدم به من قول ابن عباس، وفيه زيادة.\n(^٢) فى ص: \"الحسن\".\n(^٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤١٠ عقب الأثر السابق معلقا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٥٣ إلى أبى الشيخ مقتصرا على قوله: الديك منه.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٣٠.\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٥٣ إلى عبد بن حميد، ولفظه: فى أشياء بدلا من: وأشباهه. وينظر هو والأثر بعده فى تفسير ابن كثير ٣/ ٣٤٨.","vol":"9","page":639},{"text":"أيضًا كذلك، وحرَّم عليهم أيضًا مِن الطيرِ البَطَّ وشِبْهَه، وكلَّ شيءٍ ليس بمَشْقوقِ الأصابعِ (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: أما ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ فالإبلَ والنعامَ (^٢).\nحدَّثنى الحارثُ قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شيخٌ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾. قال: النَّعامةُ والبعيرُ، شَقًّا شَقًّا. قال: قلتُ: ما شَقًّا شَقًّا؟ قال: كلُّ ما لم تُفْرَجْ قَوائمُه لم تَأْكُلْه اليهودُ: البعيرُ والنَّعامةُ، والدَّجاجُ والعَصافيرُ تَأْكُلُها اليهودُ؛ لأنها قد فُرِجَتْ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾. قال: النَّعامةُ والبعيرُ، شَقًّا شَقًّا. قلتُ للقاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ وحدَّثَنِيه (^٣): ما شقًّا شقًّا؟ قال: كلُّ شيءٍ لم يُفْرَجْ مِن قَوائمِ البَهائم. قال: وما انْفَرَج أكَلَتْه اليهودُ. قال: انْفَرَجَت قوائمُ الدَّجاجِ والعَصافيرِ، فيهودُ تَأْكُلُها. قال: ولم تَنْفَرِجْ قائمةُ البعيرِ؛ خُفُّه، ولا خُفُّ النَّعامةِ، ولا قائمةُ الوَزِّينَةِ (^٤)، فلا تَأْكُلُ (^٥) اليهودُ الإبلَ ولا النَّعامَ ولا الوَزِّينَ، ولا كلَّ شيءٍ لم تَنْفَرِجْ قائمتُه، [كذلك و] (^٦) لا تَأْكُلُ حمارَ وَحْشٍ (^٧).\nوكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك بما حدَّثنى به يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ،\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٢١ عن معمر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤١٠ عقب الأثر (٨٠٣٣) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.\n(^٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"حدثته\".\n(^٤) فى م، ف: \"الوزين\". والوزينة والجمع الوزين: الإوَزَّة. ينظر التاج (وز ز).\n(^٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"يأكلها\"، وفى س: \"تأكلها\".\n(^٦) فى م: \"وكذلك\".\n(^٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٥٣ إلى أبى الشيخ، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٣٤٩ عن ابن جريج عن مجاهد.","vol":"9","page":640},{"text":"قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾: الإبلَ قَطْ (^١).\nوأولى القولين فى ذلك بالصوابِ القولُ الذى ذكَرْنا عن ابنِ عباسٍ ومَن قال بمثلِ مقالتِه؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبر أنه حرَّم على اليهودِ كلَّ ذى ظُفُرٍ، فغيرُ جائزٍ إخراجُ شيءٍ مِن عمومِ هذا الخبرِ، إلا ما أجْمَع أهلُ العلمِ أنه خارجٌ منه. وإذْ (^٢) كان ذلك كذلك، وكان النَّعامُ وكلُّ ما لم يكنْ مِن البَهائمِ والطيرِ مما له ظُفُرٌ غيرُ مُنْفَرِجِ الأصابعِ داخلًا فى ظاهرِ التنزيلِ، وجَب أن يُحْكَمَ له بأنه داخلٌ فى الخبرِ؛ إذ لم يَأْتِ بأن بعضَ ذلك غيرُ داخلٍ فى الآيةِ خبرٌ عن اللهِ ولا عن رسولِه، وكانت الأُمَّةُ أكثرُها مُجْمِعٌ على أنه فيه داخلٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3164>القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الشحومِ التى أخْبَر اللهُ تعالى أنه حرَّمها على اليهودِ مِن البقرِ والغنمِ؛ فقال بعضُهم: هى شحومُ الثُّرُوبِ (^٣) خاصَّةً.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾: الثُّروبَ، ذُكِر لنا أن نبىَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"قاتَل اللهُ اليهودَ، حرَّم اللهُ عليهم الثُّروبَ ثم أكَلوا أثْمانَها\" (^٤).\n_________\n(^١) فى م: \"فقط\". وقَطْ: حَسْبُ. التاج (ق ط ط). والأثر ذكره القرطبى فى تفسيره ٧/ ١٢٥.\n(^٢) فى م: \"إذا\"، وفى ت ١: \"إن\".\n(^٣) الثروب، جمع ثَرْب: وهو شحمٌ غشى الكَرِشَ والأمعاءَ رقيق. الصحاح (ث ر ب).\n(^٤) أخرج المرفوع منه عبد الرزاق فى مصنفه (١٠٠٥٠، ١٦٩٧٠) - ومن طريقه أحمد ٢١/ ٨ (١٣٢٧٥)، عن معمر، عن قتادة وغيره، عن أنس مرفوعا، وفيه قصة.","vol":"9","page":641},{"text":"وقال آخرون: بل ذلك كان كلَّ شحمٍ لم يكنْ مُخْتَلِطًا بِعَظْمٍ ولا على عظمٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريج قولَه: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾. قال: إنما حرَّم عليهم الثَّرْبَ، وكلَّ شحمٍ كان كذلك ليس فى عظمٍ (^١).\nوقال آخرون: بل ذلك شحمُ الثَّرْبِ والكُلَى.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ قولَه: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾. قال: الثَّرْبَ وشحمَ الكُلْيَتَيْن، وكانت اليهودُ تقولُ: إنما حرَّمه إسرائيلُ، فنحن نُحَرِّمُه (^٢).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾. قال: إنما حرَّم عليهم الثُّروبَ والكُلْيتين. هكذا هو فى كتابى عن يونُسَ، وأنا أَحْسَبُ أنه الكُلَى.\nوالصوابُ فى ذلك مِن القولِ أن يقالَ: إن اللهَ أخْبَر أنه كان حرَّم على اليهودِ مِن البقرِ والغنمِ شحومَهما إلا ما اسْتَثْناه منها، مما حَمَلت ظهورُهما أو الحَوَايا أو ما اخْتَلَطَ بعظمٍ، فكلُّ شحمٍ سوى ما اسْتَثْناه اللهُ فى كتابِه مِن البقرِ والغنمِ، فإنه كان محرَّمًا عليهم.\nوبنحوِ ذلك مِن القولِ تَظاهَرَت الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ، وذلك قولُه:\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٥٣ إلى ابن المنذر بزيادة: وشحم الكلية.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤١٠ (٨٠٣٤) من طريق أحمد بن مفضل به.","vol":"9","page":642},{"text":"\"قاتَل اللهُ اليهودَ، حُرِّمَتْ عليهم الشُّحومُ فجمَلوها (^١)، ثم باعوها وأكَلوا أثمانَها\" (^٢).\nوأما قولُه: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾. فإنه يعنى: إلا شحومَ الجَنْبِ وما علِق بالظهرِ، فإنها لم تُحَرَّمْ عليهم.\nوبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾. يعنى: ما علِق بالظهرِ مِن الشحومِ (^٣).\nحدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾. فالأَلْياتُ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن إسماعيلَ، عن أبى صالحٍ، قال: الأَلْيةُ مما حمَلَت ظهورُهما (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-3165>القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: والحَوايا جمعٌ، واحدُها حاوِياءُ وحاوِيةٌ وحَوِيَّةٌ، وهى ما تَحَوَّى\n_________\n(^١) جمَلتُ الشحم وأجمَلْته: إذا أذَبْتَه واستخرجتَ دُهنه، وجَمَلت أفصح من أجْملت. النهاية ١/ ٢٩٨.\n(^٢) أخرجه البخارى (٢٢٢٣، ٢٢٢٤، ٢٢٣٦، ٣٤٦٠، ٤٦٣٣)، ومسلم (١٥٨١، ١٥٨٢، ١٥٨٣)، من حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب، وحديث جابر بن عبد الله، وحديث أبى هريرة، ثلاثتهم عن النبى ﷺ نحوه.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤١٠ (٨٠٣٥) من طريق أبى صالح به.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤١٠ عقب الأثر (٨٠٣٦) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.\n(^٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤١٠ (٨٠٣٦) من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٥٣ إلى أبى الشيخ.","vol":"9","page":643},{"text":"مِن البطنِ فاجْتَمَع واسْتَدار. وهى بناتُ اللبنِ (^١)، وهى المَباعِرُ (^٢)، وتُسَمَّى المَرابِضَ، وفيها الأمعاءُ.\nومعنى الكلامِ: ومِن البقرِ والغنمِ حرَّمْنا عليهم شحومَهما إلا ما حمَلَت ظهورُهما، أو ما حمَلَت الحَوَايا. فـ ﴿الْحَوَايَا﴾ رَفْعٌ عطفًا على \"الظُّهورِ\"، و﴿مَا﴾ التى بعدَ ﴿إِلَّا﴾ نصبٌ على الاستثناءِ مِن \"الشحومِ\".\nوبمثلِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾: وهى المِبْعَرُ (^٣).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾: قال: المِبْعَرُ (^٤).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الْحَوَايَا﴾: المِبْعَرُ والمَرْبِضُ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شبلٍ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾. قال: المِبْعَرُ.\n_________\n(^١) بنات اللبن: ما صغر من الأمعاء. ينظر اللسان (ب ن و).\n(^٢) المباعر، جمع مِبْعر ومَبْعر: مكان البعر من كل ذى أربع. اللسان (ب ع ر).\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤١٠ (٨٠٣٧)، والبيهقى ١٠/ ٨، من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٥٣ إلى ابن المنذر.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٣٠، وهو فيه من تمام الأثر المتقدم فى ص ٦٣٩.\n(^٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٣٤٩.","vol":"9","page":644},{"text":"حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾. قال: المَباعِرُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شَريكٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾. قال: المَباعِرُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾. قال: المِبْعَرُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾. قال: المِبْعَرُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ والمُحاربىُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: المِبْعَرُ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾. يعنى: البطونُ غيرُ الثُّروبِ (^٤).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾: هو المِبْعَرُ.\nحدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤١١ عقب الأثر (٨٠٣٧) معلقا.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٢١، ووقع فى مطبوعته: البقر. خطأ.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤١١ (٨٠٣٨) من طريق أبى أسامة به بلفظ: المباعر والمرابض.\n(^٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤١١ (٨٠٤٠) من طريق على بن الحكم عن الضحاك بلفظ: فالبطون غير الثروب. ثم علَّقه عقبه عن عبيد بن سليمان عن الضحاك، بلفظ: يعنى بالثروب غير البطون.","vol":"9","page":645},{"text":"السدىِّ: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾. قال: المَباعِرُ (^١).\nوقال ابنُ زيدٍ فى ذلك ما حدَّثنى به يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾. قال: الحَوايا المَرابِضُ التى تكونُ فيها الأمعاءُ، تكونُ وَسَطَها، وهى بناتُ اللَّبَنِ، وهى فى كلامِ العربِ تُدْعَى المَرابِضَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3166>القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومِن البقرِ والغنمِ حرَّمْنا على الذين هادوا شُحومَهما، سوى ما حمَلَت ظُهورُهما، أو ما حمَلَت حَواياهما، فإنا أحْلَلْنا ذلك لهم، وإلا ما اخْتَلَط بعظمٍ، فهو لهم أيضًا حلالٌ.\nفردَّ قولَه: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾. على قولِه: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾، فـ ﴿مَا﴾ التى فى قولِه: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾، فى موضعِ نصبٍ، عطفًا على ﴿مَا﴾ التى فى قولِه: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾.\nوعَنَى بقولِه: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾. شحمَ الأَلْيَةِ والجَنْبِ وما أشْبَهَ ذلك.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾. قال: شحمُ الأَلْيةِ بالعُصْعُصِ (^٣)، فهو حلالٌ، وكلُّ شيءٍ فى القَوائمِ والجَنْبِ والرأسِ والعينِ، [وما] (^٤) اخْتَلَط بعظمٍ، فهو حلالٌ (^٥).\nحدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤١١ عقب الأثر (٨٠٣٧) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤١١ (٨٠٣٩) من طريق أصبغ عن ابن زيد به.\n(^٣) العصعص: أصل الذَّنَب، وهو عظم صغير فى نهاية العمود الفقرى، ويتكون من التحام ثلاث فقرات أو أربع. ينظر الوسيط (عصعص).\n(^٤) فى م: \"قد\".\n(^٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٣٥٠.","vol":"9","page":646},{"text":"السدىِّ: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾: فما (^١) كان مِن شحمٍ على عظمٍ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3167>القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فهذا الذى حرَّمْنا على الذين هادوا مِن الأنعامِ والطيرِ ذواتِ الأظافيرِ غيرِ المُنْفَرِجةِ، ومِن البقرِ والغنمِ ما حرَّمْنا عليهم مِن شحومِهما الذى ذَكَرْنا فى هذه الآيةِ، حرَّمْناه عليهم عُقوبةً منا لهم، وثوابًا على أعمالِهم السيئةِ، وبغيِهم على ربِّهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾؛ إنما حرَّم ذلك عليهم عُقوبةً ببغيِهم (^٣).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾: فعَلْنا ذلك بهم ببغيِهم.\nوقولُه: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. يقولُ: وإنا لصادِقون فى خبرِنا هذا عن هؤلاء اليهودِ، و(^٤) عما حرَّمْنا عليهم مِن الشحومِ ولحومِ الأنعامِ والطيرِ التى ذكَرْنا أنَّا حرَّمْنا عليهم، وفى غيرِ ذلك مِن أخبارِنا، وهم الكاذبون فى زعمِهم أن ذلك إنما حرَّمه إسرائيلُ على نفسِه، وأنهم إنما حرَّموه لتَحْريمِ إسرائيلَ إياه على نفسِه.\n\n<span id=\"aya-936\"></span><span data-type='title' id=toc-3168>القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾.</span>\n_________\n(^١) فى م: \"مما\"، وفى تفسير ابن أبى حاتم: \"ما\".\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤١١ عقب الأثر (٨٠٤١) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤١١ (٨٠٤٣) من طريق يزيد به.\n(^٤) سقط من: م","vol":"9","page":647},{"text":"يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فإن كذَّبك (^١) يا محمدُ هؤلاء اليهودُ فيما أخْبَرْناك أنَّا حرَّمْنا عليهم وحلَّلْنا لهم، مما (^٢) بيَّنا فى هذه الآيةِ، ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ﴾ بِنا وبمَن كان به مؤمنًا من عبادِه، وبغيرِهم مِن خلقِه، ﴿وَاسِعَةٍ﴾: تَسَعُ جميعَ خلقِه؛ المحسنَ والمسيءَ، لا يُعاجِلُ مَن كفَر به بالعقوبةِ، ولا من عصاه بالنِّقْمةِ، ولا يَدَعُ كرامةَ مَن آمَن به وأطاعه، ولا يَحْرِمُه ثوابَ عملِه؛ رحمةً منه بكلا الفريقَيْن، ولكنَّ بأْسَه -وذلك سَطْوَتُه وعذابُه- لا يَرُدُّه إِذا أحَلَّه -عندَ غضبِه على المجرمين- بهم، عنهم شيءٌ، والمجرمون هم الذين أجْرَموا فاكْتَسَبوا الذنوبَ واجْتَرَحوا السيئاتِ.\nوبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾: اليهودُ (^٣).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾: اليهودُ، ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾.\nحدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: كانت اليهودُ يقولون: إنما حرَّمه إسرائيلُ -يعنى الثَّرْبَ وشحمَ الكُلْيَتَيْن- فنحن نُحَرِّمُه. فذلك قولُه: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"كذبوك\".\n(^٢) فى م: \"كما\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٣٠ - من تمام الأثر المتقدم فى ص ٦٣٩ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤١٢ (٨٠٤٥)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٥٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"9","page":648},{"text":"وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-937\"></span><span data-type='title' id=toc-3169>القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. وهم العادِلون باللهِ الأوثانَ والأصنامَ مِن مشركى قريشٍ: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾. يقولُ: قالوا؛ احْتِجارًا (^٢) مِن الإذعانِ للحقِّ بالباطلِ مِن الحجةِ، لمَّا تبَيَّن لهم الحقُّ، وعلِموا باطلَ ما كانوا عليه مُقِيمِين؛ مِن شركِهم، وتحريمهم ما كانوا يُحَرِّمون مِن الحُروثِ والأنعامِ -على ما قد بيَّن تعالى ذكرُه فى الآياتِ الماضيةِ قبلَ ذلك-: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾. وما بعدَ ذلك -: لو أراد اللهُ منا الإيمانَ به، وإفرادَه بالعبادةِ دونَ الأوثانِ والآلهةِ، وتحليلَ ما حَرَّم مِن البَحائرِ والسَّوائبِ وغيرِ ذلك مِن أموالِنا- ما جعَلْنا للهِ شريكًا، ولا جعَل ذلك له آباؤُنا مِن قبلِنا، ولا حرَّمْنا ما نُحَرِّمُه مِن هذه الأشياءِ التى نحن على تحريمها مُقِيمون؛ لأنه قادرٌ أن يَحولَ بينَنا وبين ذلك، حتى لا يكونَ لنا إلى فعلِ شيءٍ مِن ذلك سبيلٌ، إما بأن يَضْطَرَّنا إلى الإيمانِ وتركِ الشركِ به، وإلى القولِ بتحليلِ ما حرَّمْنا (^٣)، وإما بأن يَلْطُفَ بنا (^٤) بتوفيقِه، فنَصِيرَ إلى الإقرارِ بوحْدانيتِه، وتركِ عبادةِ ما دونَه مِن الأندادِ والأصنامِ، وإلى تحليلِ ما حرَّمْنا، ولكنَّه رضِى منا ما نحن عليه مِن عبادةِ الأوثانِ والأصنامِ، واتخاذِ الشريكِ له فى العبادةِ والأندادِ، وأراد ما نُحَرِّمُ مِن الحُروثِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤١٢ (٨٠٤٦) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) فى ف: \"احتجاجا\".\n(^٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"حرمه\".\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"لنا\".","vol":"9","page":649},{"text":"والأنعامِ، فلم يَحُلْ بينَنا وبينَ ما نحن عليه مِن ذلك.\nقال اللهُ مكذِّبًا لهم فى قيلِهم: إن اللهَ رضِى منا ما نحن عليه مِن الشركِ، وتحريمِ ما نُحَرِّمُ. ورادًّا عليهم باطلَ ما احْتَجُّوا به مِن حُجَّتِهم فى ذلك: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يقولُ: كما كذَّب هؤلاء المشركون يا محمدُ ما جئتَهم به مِن الحقِّ والبيانِ، كذَّب مَن قبلَهم مِن فَسَقةِ الأممِ الذين طغَوْا على ربِّهم، ما جاءَتْهم به أنبياؤُهم مِن آياتِ اللهِ، وواضحِ حُجَجِه، وردُّوا عليهم نصائحَهم، ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾. يقولُ: حتى أسْخَطونا، فغضِبْنا عليهم، فأحْلَلْنا بهم بأسَنا فذاقوه، فعطِبُوا بذَوْقِهم إياه، فخابوا وخسِروا الدنيا والآخرةَ. يقولُ: وهؤلاء الآخرون مسلوكٌ بهم سبيلُهم، إن هم لم يُنِيبوا، فيؤْمِنوا ويُصَدِّقوا بما (^١) جئتَهم به مِن عندِ ربِّهم.\nوبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾. وقال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. ثم قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]. فإنهم قالوا: عبادتُنا الآلهة تُقَرِّبُنا إلى اللهِ زُلْفَى. فأخْبَرهم اللهُ أنها لا تُقَرِّبُهم، وقولُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾. يقولُ اللهُ سبحانَه: لو شئتُ لجَمَعْتُهم على الهُدَى أجمعين (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ،\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فيما\".\n(^٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٣٥٢. وينظر ما تقدم تخريجه فى ص ٤٨٠.","vol":"9","page":650},{"text":"عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: قولُ قريشٍ. يَعْنى: إِنَّ اللهَ حَرَّم هذه البَحيرةَ والسائبةَ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾: قولُ قريشٍ بغيرِ يقينٍ: إن اللهَ حرَّم هذه (^٢) البحيرة والسائبةَ.\nفإن قال قائلٌ: وما بُرهانُك على أن اللهَ تعالى إنما كذَّب مِن قِيلِ هؤلاء المشركين قولَهم: رضِى اللهُ منا عبادة الأوثانِ، وأراد منا تحريمَ ما حرَّمْنا من الحُروثِ والأنعامِ. دونَ أن يكونَ تكذيبُه إياهم كان على قولِهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾. وعلى وصفِهم إياه بأنه قد شاء شِرْكَهم وشركَ آبائِهم وتحريمَهم ما كانوا يُحَرِّمون؟\nقيل له: الدلالةُ على ذلك قولُه: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. فأَخْبَر جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم سلكوا في تكذيبِهم نبيَّهم محمدًا ﷺ فيما أتاهم به مِن عندِ اللهِ -من النهي عن عبادة شيءٍ غيرِ اللهِ تعالى، وتحريمِ غيرِ ما حرَّم اللهُ في كتابِه وعلى لسانِ رسولِه- مَسْلَكَ سُلَّافِهم (^٣) مِن الأممِ الخاليةِ المكذِّبةِ اللهَ ورسولَه. والتكذيبُ منهم إنما كان لِمُكَذَّبٍ (^٤)، ولو كان ذلك خبرًا مِنَ اللهِ عن كَذِبِهم في قيلِهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾. لَقال: (كذلك كذَب الذين مِن قبلِهم). بتخفيفِ الذالِ، وكان يَنْسِبُهم فى قيلِهم ذلك إلى الكذبِ على اللهِ لا إلى التكذيبِ. مع عللٍ كثيرةٍ يَطولُ بذِكْرِها الكتابُ، وفيما ذكَرْنا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد، ص ٣٣٠.\n(^٢) في ص، س، ف: \"هذا\".\n(^٣) في م: \"أسلافهم\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"لكذب\".","vol":"9","page":651},{"text":"كفايةٌ لمن وُفِّق لفهمِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3170>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ، المحرِّمين ما هم له مُحَرِّمون مِن الحروثِ والأنعامِ، القائلين: لو شاء اللهُ ما أشْركْنا ولا آباؤنا، ولا حرَّمنا من شيءٍ، ولكنه رضِى منا ما نحن عليه مِن الشركِ وتحريمِ ما نُحَرِّمُ: ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ﴾ بدَعْواكم ما تدَّعُون على اللهِ، مِن رضاه بإشْراكِكم في عبادتِه ما تُشْرِكون، وتحريمِكم مِن أموالِكم ما تُحَرِّمون -عِلْمُ يقينٍ مِن خبرِ مَن يَقْطَعُ خبرُه العذرَ، أو حجةٌ تُوجِبُ لنا اليقينَ مِن العلمِ، ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾؟ يقولُ: فتُظْهِروا ذلك لنا وتَبَيِّنوه، كما بيَّنا لكم مواضعَ خطأِ قولِكم وفعلِكم، وتناقُضَ ذلك واستحالتَه في المعقولِ والمسموعِ؟ ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾. يقولُ له: قلْ لهم: إنْ تقولون ما تقولون أيُّها المشركون، وتَعْبدون مِن الأوثانِ والأصنامِ ما تَعْبُدون، وتُحَرِّمون من الحُروثِ والأنعامِ ما تُحَرِّمون، إِلَّا ظَنًّا وحُسْبانًا أنه حقٌّ، وأنكم على حقٍّ، وهو باطلٌ، وأنتم على باطلٍ. ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾. يقولُ: ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ﴾: وما أنتم في ذلك كلِّه ﴿إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾. يقولُ: إلَّا تتقوَّلون الباطلَ على اللهِ؛ ظنًّا بغيرِ يقينِ علمٍ، ولا برهانٍ واضحٍ.\n\n<span id=\"aya-938\"></span><span data-type='title' id=toc-3171>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ، القائلين على ربِّهم الكذبَ، فى تحريمِهم ما حرَّموا مِن الحروثِ والأنعام، إن عجَزوا عن إقامةِ الحُجَّةِ عندَ قِيلك لهم: هل عندَكم مِن علمٍ بما تدَّعُون","vol":"9","page":652},{"text":"على ربِّكم فتُخْرِجوه لنا؟ وعن إخراجِ علمِ ذلك لك وإظهارِه، وهم لاشكَّ عن ذلك عَجَزةٌ، وعن إظهارِه مُقَصِّرةٌ (^١)؛ لأنه باطلٌ لا حقيقةَ له، فللهِ (^٢) الذي حرَّم عليكم أن تُشْرِكوا به شيئًا، وأن تَتَّبِعوا خُطُواتِ الشيطان في أموالِكم مِن الحروثِ والأنعامِ -الحجةُ البالغةُ دونَكم أيُّها المشركون. ويَعْنى بـ \"البالغةِ\": أنها تَبْلُغُ مرادَه في ثبوتِها على من احْتَجَّ بها عليه مِن خَلْقِه، وقَطْعِ عُذْرِه إِذا (^٣) انْتَهَتْ إليه فيما جُعِلَتْ حجةً فيه.\n﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ: فلو شاء ربُّكُم لَوَفَّقكم أجمعين للاجْتِماعِ (^٤) على إفرادِه بالعبادةِ، والبراءة مِن الأندادِ والآلهةِ، والدَّيْنونةِ بتحريمِ ما حرَّم اللهُ، وتحليلِ ما حَلَّله اللهُ، وتركِ اتِّباعِ خطواتِ الشيطانِ، وغيرِ ذلك مِن طاعاتِه، ولكنَّه لم يَشَأْ ذلك، فخالَف بينَ خلقِه فيما شاء منهم، فمنهم كافرٌ ومنهم مؤمنٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: لا حُجَّةَ لأحدٍ عصَى (^٥) اللهَ، ولكنْ للهِ الحجةُ البالغةُ على عبادِه، [قال اللهُ] (^٦): ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ\n_________\n(^١) في م: \"مقصرون\".\n(^٢) في م: \"فالله\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"وإذا\".\n(^٤) في م: \"للإجماع\".\n(^٥) في ت ١، س: \"على\".\n(^٦) في م: \"وقال\".","vol":"9","page":653},{"text":"وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (^١).\n\n<span id=\"aya-939\"></span><span data-type='title' id=toc-3172>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المُفْتَرِين على ربِّهم مِن عَبَدةِ الأوثانِ، الزاعمِين أن اللهَ حرَّم عليهم ما هم مُحَرِّموه من حُروثِهم وأنعامِهم: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾. يقولُ: هاتوا شُهَداءَكم الذين يَشْهَدون على اللهِ أنه حرَّم عليكم ما تَزْعُمون أنه حرَّمه عليكم.\nوأهلُ العاليةِ مِن تِهامةَ تُوَحِّدُ \"هُلمَّ\" فى الواحدِ والاثنين والجَميعِ (^٢)، وتذكِّرُ في المؤنَّثِ والمذكَّرِ، فتقولُ للواحدِ: هَلُمَّ يا فلانُ. وللاثنين والجميعِ (^٢) كذلك، وللأنثى مثلَه، ومنه قولُ الأَعْشَى (^٣):\nوكان دعا قومَه دَعوةً … هلُمَّ إلى أمرِكم قد صُرِمْ (^٤)\nيُنْشَدُ: هَلُمَّ وهلُمُّوا. وأما أهلُ السافِلةِ مِن نَجْدٍ، فإنهم يُوَحِّدون للواحدِ، ويُتَنُّون للاثنين، ويَجْمَعون للجميعِ، فتقولُ للواحدِ مِن الرجالِ: هلُمَّ. وللواحدةِ من النساءِ: هلُمِّى. وللاثنين: هلُمَّا. وللجماعةِ من الرجالِ: هلُمُّوا. وللنساءِ: هَلْمُمْنَ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤١٣ (٨٠٥٠) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به، إلى قوله: على عباده.\n(^٢) فى م: \"الجمع\".\n(^٣) ديوانه ص ٤٣.\n(^٤) الصَّرْم: القَطْع البائن. اللسان (ص ر م).\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"هلمن\".","vol":"9","page":654},{"text":"قال اللهُ لنبيِّه: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ يا محمدُ. يقولُ: فإن جاءوك بشهداءَ يَشْهَدون أن اللهَ حَرَّم ما يَزْعُمون أن اللهَ حَرَّمه عليهم، ﴿فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾. فإنهم كَذَبَةٌ وشهودُ زُورٍ في شهادتِهم بما شهِدوا به مِن ذلك على اللهِ. وخاطَب بذلك جلَّ ثناؤُه نبيَّه ﷺ، والمرادُ به أصحابُه والمؤمنون به، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: [ولا تُشايِعْهم] (^١) على ما هم عليه من التكذيبِ بوحي اللهِ وتنزيلِه، فى تحريمِ ما حرَّم، وتحليلِ ما أحَلَّ لهم، ولكن اتَّبِعْ مَا أُوْحِى إليك مِن كتابِ ربِّك الذى لا يَأْتِيه الباطلُ مِن بينِ يديْه ولا مِن خلفِه. ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾. يقولُ: ولا تَتَّبع أهواءَ الذين لا يُؤْمِنون بالآخرةِ، فتُكَذِّبَ بما هم به مُكَذِّبون؛ مِن إحياءِ اللهِ خلقَه بعدَ مَماتِهم، ونَشْرِه إياهم بعدَ فنائِهم، ﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. يقولُ: وهم مع تكذيبِهم بالبعثِ بعدَ المَماتِ، وجحودِهم قيامَ الساعةِ، باللهِ يَعْدِلون الأوثانَ والأصنامَ، فيَجْعَلونها له عِدْلًا، ويَتَّخِذونها له نِدًّا يَعْبُدونها مِن دونِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾. يقولُ: قُلْ: أَرُونى الذين يَشْهَدون أن اللهَ حرَّم هذا مما حَرَّمَتِ العربُ، وقالوا: أمرَنا اللهُ به. قال اللهُ لرسولِه: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن\n_________\n(^١) فى م، س: \"ولا تتابعهم\"، وفي ت ١: \"وتشايعهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤١٣ (٨٠٥٢، ٨٠٥٤، ٨٠٥٥) من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"9","page":655},{"text":"مجاهدٍ: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾. قال: البَحائِرُ والسُّيَّبُ (^١).\n\n<span id=\"aya-940\"></span><span data-type='title' id=toc-3173>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ، الزاعمين أن اللهَ حرَّم عليهم ما هم مُحَرِّموه من حروثِهم وأنعامِهم، على ما ذكَرْتُ لك في تنزيلي عليك: تعالَوْا أَيُّها القومُ أَقْرَأْ عليكم ما حرَّم ربُّكم حقًّا يقينًا، لا الباطلَ تَخَرُّصًا، تَخَرُّصَكم (^٢) على اللهِ الكذبَ والفِرْيَةَ ظنًّا، ولكنْ وحيًا مِن اللهِ أوْحاه إليَّ، وتنزيلًا أنزَله عليَّ: ألا تُشْرِكوا باللهِ شيئًا مِن خلقِه، ولا تَعْدِلوا به الأوثانَ والأصنامَ، ولا تَعْبُدوا شيئًا سواه. ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. يقولُ: وأوْصَى بالوالدين إحسانًا. وحذَف \"أوْصَى\" و\"أمرَ\"؛ لدلالةِ الكلامِ عليه ومعرفةِ السامعِ بمعناه. وقد بيَّنا ذلك بشَواهدِه فيما مضَى من الكتابِ (^٣).\nوأما \"أن\" فى قولِه: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. فرفعٌ؛ لأن معنى الكلامِ: قلْ تعالَوْا أتلُ ما حرَّم ربُّكم عليكم؛ هو (^٤) ألا تُشْرِكوا به شيئًا.\nوإذا كان ذلك معناه، كان فى قولِه: ﴿تُشْرِكُوا﴾. وجهان؛ الجزمُ بالنَّهْي، وتوجيهُ \"لا\" إلى معنى النهي. والنصبُ على توجيهِ الكلامِ إلى الخبرِ، ونصبِ ﴿تُشْرِكُوا﴾ بـ ﴿أَلَّا﴾، كما يقالُ: أَمَرْتُك ألا تقومَ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤١٣ (٨٠٥٣) من طريق حجاج به.\n(^٢) في م: \"كخرصكم\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٢/ ١٩١.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"9","page":656},{"text":"وإن شئتَ جَعَلْتَ \"أن\" في موضعِ نصبٍ ردًّا على \"ما\" وبيانًا عنها، ويكونُ في قولِه: ﴿تُشْرِكُوا﴾. أيضًا مِن وجهَيِ الإعرابِ على (^١) نحوِ ما كان فيه منه و\"أن\" في موضعِ رفعٍ.\nويكونُ تأويلُ الكلامِ حينَئذٍ: قلْ تعالوا أتْلُ ما حرَّم ربُّكم عليكم؛ أتلُ (^٢) ألا تُشْرِكوا به شيئًا.\nفإن قال قائلٌ: وكيف يَجوزُ أن يكونَ قولُه: ﴿تُشْرِكُوا﴾. نصبًا بـ ﴿أَلَّا﴾، أم كيف يَجوزُ توجيهُ قولِه: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ﴾. على معنى الخبرِ، وقد عطَف عليه بقولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾. وما بعدَ ذلك مِن جزمِ النهي؟\nقيل: جاز ذلك كما قال تعالى ذكرُه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾. فجعَل ﴿أَنْ أَكُونَ﴾ خبرًا، و﴿أَنْ﴾ اسمًا، ثم عطَف عليه [﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾] (^٣). وكما قال الشاعرُ (^٤):\nحَجَّ وأَوْصَى بِسُلَيْمَى الأَعْبُدَا\nألا تَرَى ولا تُكَلِّمْ أحَدًا\nولا يَزَلْ شَرابُها مُبَرَّدَا (^٥)\nفجعَل قولَه: ألَّا تَرَى. خبرًا، ثم عطَف بالنهي، فقال: ولا تُكَلِّمْ، ولا يَزَلْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3174>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ</span>\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) زيادة لازمة يتضح بها السياق، وينظر معانى القرآن للفراء ١/ ٣٦٤.\n(^٤) معانى القرآن للفراء ١/ ٣٦٤ دون نسبة.\n(^٥) في معانى القرآن: ١/ ٣٦٤: \"ولا تمش بفضاء بعدا\".","vol":"9","page":657},{"text":"وَإِيَّاهُمْ﴾.\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾: ولا تَئِدوا أولادَكم فتَقْتُلوهم من خَشْيةِ الفقرِ على أنفسِكم بنَفَقاتِهم (^١)؛ فإن اللهَ هو رازقُكم وإياهم، ليس عليكم رزقُهم فتَخافُوا بحياتِهم على أنفسِكم العجزَ عن أرزاقِهم وأقْواتِهم.\nوالإمْلاقُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: أمْلَقْتُ من الزادِ، فأنا أُمْلِقُ إملاقًا. وذلك إذا فني زادُه، وذهَب مالُه وأفْلَس.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾: الإملاقُ الفقرُ، قتَلوا أولادَهم خشيةَ الفقرِ (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾. أى: خشيةَ الفاقةِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾. قال: الإملاقُ الفقرُ (^٤).\n_________\n(^١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"شفقا بهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤١٤ (٨٠٥٩) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤١٥ (٨٠٦٠) من طريق شيبان، عن قتادة مطولًا، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٥٤، ٥٥ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤١٥ عقب الأثر (٨٠٦٠) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.","vol":"9","page":658},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ قولَه: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾. قال: شياطينُهم يَأْمُرُونهم أن يَئِدوا أولادَهم خِيفةَ العَيْلَةِ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ فى قولِه: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾. يعنى: من (^١) خشيةِ فقرٍ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3176>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَقْرَبُوا الظاهرَ مِن الأشياءِ المحرَّمةِ عليكم، التي هي علانيةٌ بينَكم، لا تَناكَرون ركوبَها، والباطنَ منها الذي تَأْتُونه (^٣) سرًّا في خَفاءٍ لا تُجاهِرون (^٤) به، فإن كلَّ ذلك حرامٌ.\nوقد قيل: إنما قيل: لا تَقْرَبوا ما ظهَر مِن الفَواحشِ وما بطَن؛ لأنهم كانوا يَسْتَقْبِحون مِن معانى الزنى بَعْضًا.\nوليس ما قالوا مِن ذلك بمدفوعٍ، غير أن دليلَ الظاهرِ مِن التنزيلِ على النهي عن ظاهرِ كلِّ فاحشةٍ وباطنِها، ولا خبرَ يَقْطَعُ العذرَ بأنه عُنِى به بعضٌ دونَ جميعٍ، وغيرُ جائزٍ إحالةُ ظاهرِ كتابِ اللهِ إلى باطنٍ إلا بحُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها.\n\n<span data-type='title' id=toc-3175>ذكرُ مَن قال ما ذكَرْنا مِن قولِ مَن قال: الآيةُ خاصُّ المعنى</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن\n_________\n(^١) زيادة من: م.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤١٥ عقب الأثر (٨٠٦٠) معلقا.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"يأتونه\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يجاهرون\".","vol":"9","page":659},{"text":"السديِّ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾: أما ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: فزَوانى الحَوانيتِ، وأما ﴿مَا بَطَنَ﴾: فما خفِى (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾: كان أهلُ الجاهليةِ يَسْتَسِرُّون بالزنى، ويَرَوْن ذلك حلالًا ما كان سرًّا، فحرَّم اللهُ السرَّ منه والعَلانِيَةَ، ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. يعني: العَلانيةَ، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾. يعنى: السرَّ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. قال: كانوا فى الجاهليةِ لا يَرَوْن بالزنى بأسًا في السرِّ، ويَسْتَقْبِحونه في العَلانيةِ، فحرَّم اللهُ الزنى فى السرِّ والعلانيةِ (^٣).\nوقال آخَرون في ذلك بمثلِ الذي قلنا فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾: سرَّها وعلانِيتَها (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤١٦ عقب الأثر (٨٠٦٦) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.\n(^٢) ينظر التبيان ٤/ ٣١٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤١٦، ١٤٦٩ (٨٠٦٦، ٨٤١١) من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٥٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤١٦ عقب الأثر (٨٠٦٦) معلقا، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٥٤، ٥٥ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"9","page":660},{"text":"نحوَه (^١).\nوقال آخَرون: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: نكاحُ الأمهاتِ وحَلائلِ الآباءِ، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: الزنى.\n\n<span data-type='title' id=toc-3177>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. قال: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: جمعٌ بينَ الأُختين، وتزويجُ الرجلِ امرأةَ أبيه مِن بعدِه، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: الزنى (^٢).\nوقال آخَرون في ذلك بما حدَّثني إسحاقُ بنُ زيادٍ العَطَّارُ البَصْريُّ (^٣)، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ البَلْخيُّ، قال: ثنا تَميمُ بنُ شاكرٍ الباهليُّ، عن عيسى بن أبى حَفْصةَ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. قال: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: الخمرُ، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: الزنى (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-3178>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ - ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. يعنى بالنفسِ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٢١ عن معمر من قوله.\n(^٢) أخرج أوله ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤١٦ (٨٠٦٨) من طريق خصيف به بنحوه، وذكر آخره ٥/ ١٤١٧ عقب الأثر (٨٠٧٢) معلقا.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"النصرى\"، وغير منقوطة في س.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ٢٠٣.","vol":"9","page":661},{"text":"التي حرَّم اللهُ قتلَها؛ نفسَ مؤمنٍ أو مُعاهَدٍ. وقولُه: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. يعنى: بما أباح قتلَها به؛ مِن أن تَقْتُلَ نفسًا فتُقْتَلَ قَوَدًا بها، أو تَزْنِيَ وهى مُحْصَنَةٌ فَتُرْجَمَ، أَو تَرْتَدَّ (^١) عن دينِها الحقِّ فتُقْتَلَ (^٢)، فذلك الحقُّ الذي أباح اللهُ جلَّ ثناؤُه قتلَ النفسِ التي حرَّم على المؤمنين قتلَها به. ﴿ذَلِكُمْ﴾. يعني: هذه الأمورُ التي عهِد إلينا فيها ربُّنا ألَّا نَأْتِيَه، وأَلَّا نَدَعَه، هي الأمورُ التي وَصَّانا والكافرين بها أن نَعْمَلَ جميعًا به. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: وَصَّاكم بذلك لتَعْقِلوا (^٣) ما وصَّاكم به ربُّكم.\n\n<span id=\"aya-941\"></span><span data-type='title' id=toc-3179>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: ولا تَقْرَبوا مالَه إلا بما فيه صلاحُه وتَثْميرُه (^٤).\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال: التجارةُ فيه (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: فَلْيُثَمِّرْ مالَه.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا فُضَيْلُ بنُ مرزوقٍ العَنَزَيُّ، عن سَلِيطِ بن بلالٍ، عن الضحاكِ بن مُزاحِمٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"ترد\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فيبدل\"، وفى ف: \"فتبدل\".\n(^٣) في م: \"لعلكم تعقلون\".\n(^٤) في س: \"تنميته\"، وفى ف: \"تميزه\".\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ٢٠٣، ٢٠٤.","vol":"9","page":662},{"text":"بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال: يَبْتَغِي له فيه، ولا يَأْخُذُ مِن ربحِه شيئًا (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال: التي هي أحسنُ أَن يَأْكُلَ بالمعروفِ إن افْتَقَر، وإن اسْتَغْنَى فلا يَأْكُلُ قال اللهُ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. قال: وسُئِل عن الكِسْوةِ فقال: لم يَذْكُرِ اللهُ الكِسوةَ، إنما ذكَر الأكلَ (^٢).\nوأما قولُه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. فإن (^٣) الأَشُدَّ جمعُ شَدٍّ، كما الأَضُرُّ جمعُ ضَرٍّ، وكما الأَشُرُّ جمعُ شَرٍّ. والشَّدُّ (^٤) القُوَّةُ، وهو اسْتِحْكامُ قوةِ شبابِه وسنِّه، كما شَدُّ النهارِ ارتفاعُه وامْتِدادُه، يقالُ: أتَيْتُه شَدَّ النهارِ ومَدَّ النهارِ. وذلك حينَ امتدادِه وارتفاعِه. وكان المُفَضَّلُ فيما بلَغَنى يُنْشِدُ بيتَ عَنْتَرةَ (^٥):\nعَهدي به شَدَّ النَّهارِ كأَنَّما … خُضِب اللَّبانُ (^٦) ورأسُه بالعِظْلِمِ (^٧)\nومنه قولُ الآخرِ (^٨):\nتُطِيفُ به شَدَّ النَّهارِ ظَعِينةٌ (^٩) … طويلةُ أَنْقاءِ (^١٠) اليَدَيْن سَحوقُ (^١١)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣٧٩، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤١٨، ١٤١٩ (٨٠٨٣) من طريق فضيل به نحوه، وليس عند ابن أبي شيبة: سليط بن بلال.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤١٩ (٨٠٨٤) من طريق أصبغ عن ابن زيد به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"قال\".\n(^٤) في ت ١، ف: \"الشدة\".\n(^٥) شرح ديوان عنترة ص ١٢٧.\n(^٦) اللبان الصدر، وقيل: وسطه، وقيل: ما بين الثديين، ويكون للإنسان وغيره. اللسان (ل ب ن).\n(^٧) العظلم هنا: صبغ أحمر. اللسان (عظلم).\n(^٨) الأضداد ص ٢٢٣، واللسان (س ح ق)، غير منسوب.\n(^٩) الظعينة: المرأة في الهودج. اللسان (ظ ع ن).\n(^١٠) الأنقاء جمع النقو: كل عظم ذى مخ. اللسان (ن ق و).\n(^١١) السحوق: المرأة الطويلة. اللسان (س ح ق).","vol":"9","page":663},{"text":"وكان بعضُ البصريين يَزْعُمُ أَن الأَشُدَّ اسمٌ مثلُ الآنُكِ (^١).\nفأما أهلُ التأويلِ فإنهم مُخْتلِفون في الحينِ الذي إذا بلَغه الإنسانُ قيل: بلَغ أشُدَّه؛ فقال بعضُهم: يقالُ ذلك له إذا بلغ الحُلُمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3180>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا عمى، قال: أخْبَرني يحيى بنُ أيوبَ، عن عمرِو بن الحارثِ، عن ربيعةَ في قولِه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: الحُلُمَ (^٢).\nحدَّثني أحمدُ بنُ عبد الرحمنِ، قال: ثنا عمى، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بن أَسْلَمَ، عن أبيه مثلَه. قال ابن وهبٍ: وقال لي مالكٌ مثلَه (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحِمَّانيِّ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، [عن مجالدٍ] (^٤)، عن عامرٍ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: الأَشُدُّ الحُلُمُ، حيث تُكْتَبُ له الحسناتُ، وتُكْتَبُ عليه السيئاتُ (^٥).\nوقال آخرون: إنما يقالُ ذلك له إذا بلَغ ثلاثين سنةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-3181>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن\n_________\n(^١) الآنُك: الأُسْرُب، وهو الرَّصاص القَلْعِيُّ، أو أبْيَضُه، أو أسْوَدُه، أو خالِصُه. وقال كراع: هو القَزْدِير. ينظر تاج العروس (أ ن ك).\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤١٩ عقب الأثر (٨٠٨٨) معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٥ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤١٩ عقب الأثر (٨٠٨٨) معلقًا، عن زيد بن أسلم ومالك، وقول زيد عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٥ إلى أبي الشيخ.\n(^٤) في م: \"عن مجاهد\"، وفى ف: \"بن مجالد\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤١٩ (٨٠٨٨) من طريق هشيم به.","vol":"9","page":664},{"text":"السديُّ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: أما ﴿أَشُدَّهُ﴾ فثلاثون سنةً، ثم جاء بعدَها: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] (^١).\nوفي الكلام محذوفٌ تُرِك ذكره اكْتِفاءً بدَلالةِ ما ظهَر عما حُذِف. وذلك أن معنى الكلامِ: ولا تَقْرَبوا مالَ اليتيمِ إلَّا بالتى هي أحسنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّه، فإذا بلَغ أَشُدَّه فَآنَسْتُم منه رُشْدًا فَادْفَعوا إليه مالَه. لأنه جلَّ ثناؤُه لم يَنْهَ أن يُقْرَبَ مالُ اليتيمِ في حالِ يُتْمِه إلا بالتي هي أحسنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّه، لِيَحِلَّ (^٢) لوليِّه بعدَ بُلوغِه أشُدَّه أن يَقْرَبَه بالتي هي أسْوأُ، ولكنَّه نَهاهم أن يَقْرَبوه (^٣) حِياطةً منه له، وحِفظًا عليه، ليُسْلِموه إليه إذا بلَغ أشُدَّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3182>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ - وأن ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾. يقولُ: لا تَبْخَسوا الناسَ الكيلَ إذا كِلْتُموهم، والوزنَ إذا وزَنْتُموهم، ولكنْ أوْفُوهم حقوقَهم. وإيفاؤُهم ذلك إعطاؤُهم حقوقَهم تامَّةً، ﴿بِالْقِسْطِ﴾. يعني: بالعدلِ.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدلِ (^٤).\nوقد بيَّنا معنى \"القسطِ\" بشَواهِدِه فيما مضَى، وكَرِهْنا إعادتَه (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٠ (٨٠٩٠) من طريق أحمد بن المفضل به دون آخره.\n(^٢) في م: \"ويحل\".\n(^٣) في م: \"يقربوا\".\n(^٤) تقدم في ٥/ ٢٨٠.\n(^٥) ينظر ما تقدم في ٨/ ٤٤٧، ٤٤٨.","vol":"9","page":665},{"text":"وأما قولُه: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. فإنه يقولُ: لا نُكَلِّفُ نفسًا مِن إيفاءِ الكيلِ والوزنِ إلا ما يَسَعُها فيَحِلُّ لها ولا تُحْرَجُ فيه، وذلك أن الله جلَّ ثناؤُه علِم من عبادِه أن كثيرًا منهم تَضِيقُ نفسُه عن أن تَطِيبَ لغيرِه بما لا يَجِبُ عليها له، فأمَر المُعْطِيَ بإيفاءِ ربِّ الحقِّ حقَّه الذي هو له، ولم يُكَلِّفْه الزيادةَ؛ لما في الزيادةِ عليه مِن ضِيقِ نفسِه بها، وأمَر الذي له الحقُّ بأَخْذِ حقِّه، ولم يُكَلِّفْه الرضا بأقلَّ؛ منه؛ لِمَا في النقصانِ عنه مِن ضيقِ نفسِه، فلم يُكَلِّفْ نفسًا منهما (^١) إلا ما لا (^٢) حرجَ فيه ولا ضيقَ (^٣)، فلذلك قال: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.\nوقد اسْتَقْصَيْنا بيان ذلك بشَواهدِه في موضعٍ غير هذا الموضعِ، بما أغْنَى عن إعادتِه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-3183>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾: وإذا حكَمْتُم بينَ الناسِ فتكَلَّمْتُم، فقولوا الحقَّ بينَهم، واعْدِلوا وأنْصِفوا ولا تَجُوروا، ولو كان الذي يَتَوَجَّهُ الحقُّ عليه والحكمُ ذا قَرابةٍ لكم، ولا يَحْمِلَنَّكم قرابةُ قريبٍ، أو صداقةُ صديقٍ، حَكَمْتُم بينَه وبينَ غيرِه، أن تَقولوا غيرَ الحقِّ فيما احْتَكَم إليكم فيه. ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾. يقولُ: وبوصيةِ اللهِ التي أوْصاكم بها فأَوْفُوا. وإيفاءُ ذلك أن يُطِيعوه فيما أمَرَهم به ونهاهم، وأن يَعْمَلوا بكتابِه وسنةِ رسولِه ﷺ، وذلك هو الوفاءُ بعهدِ اللهِ.\nوأما قولُه: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"منها\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يضيق\"، وفى ف: \"تضيق\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٤/ ٢١٢، ٢١٣.","vol":"9","page":666},{"text":"قلْ للعادِلِين باللهِ الأوثانَ والأصنامَ من قومِك: هذه الأمورُ التي ذكَرْتُ لكم في هاتين الآيتين، هي الأشياءُ التي عهِد إلينا ربُّنا، ووصَّاكم بها ربُّكم، وأمرَكم (^١) بالعملِ بها، لا بالبَحائرِ (^٢) والسَّوائبِ والوَصائلِ والحامِ، وقتل الأولادِ، ووَأْدِ البناتِ، واتِّباعِ خُطُواتِ الشيطانِ. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: أَمَرَكم بهذه الأمورِ التي أمَرَكم بها في هاتين الآيتين، ووصَّاكم بها، وعهِد إليكم فيها؛ لتَتَذَكَّروا عَواقبَ أمرِكم، وخطأَ ما أنتم عليه مُقِيمون، فتَنْزَجِروا عنها، وتَرْتَدِعوا وتُنِيبوا إلى طاعةِ ربِّكم.\nوكان ابن عباسٍ يقولُ: هذه الآياتُ من الآياتُ المُحْكَماتُ.\n[حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن عليّ بن (^٣) صالحٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن قيسٍ عن ابن عباسٍ، قال: من الآياتُ المُحْكَماتُ] (^٤)؛ قولُه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، ومحمدُ بنُ بشارٍ، قالا: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا أبي، قال: سمِعْتُ يحيى بنَ أيوبَ يُحَدِّثُ عن يزيدَ بن أبي حَبيبٍ، عَن مَرْثَدِ (^٦) بن عبدِ اللهِ، عن عُبيدِ اللهِ بن عديِّ بن الخيَارِ، قال: سمِع كعبُ الأحبارِ رجلًا يَقْرَأُ:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"أمرهم\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"بالبحيرة\".\n(^٣) بعده في ص، م، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"أبي\". والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم والمستدرك ٢/ ٢٨٨. وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٦٤.\n(^٤) سقط من: ت ١.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤١٤ (٨٠٥٧) من طريق وكيع به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٨٨ من طريق على بن صالح به. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٩٣ - تفسير) وأبو داود في ناسخه - كما في تهذيب الكمال ١٥/ ٤٥٨ - وابن أبي حاتم ٢/ ٥٩٢ (٣١٦٨) من طريق أبي إسحاق به. وأخرجه الحاكم أيضا ٢/ ٣١٧ من طريق أبي إسحاق، لكن عن عبد الله بن خليفة - لا ابن قيس - عن ابن عباس. وينظر ما تقدم في ٥/ ١٩٣.\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"يزيد\". ينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ١٠٢.","vol":"9","page":667},{"text":"﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. فقال: والذي نفسُ كعبٍ بيدِه، إن هذا لأوَّلُ شيءٍ في التوراةِ: (بسم الله الرحمن الرحيم: قل تعالوا أتلُ ما حرّم ربكم عليكم) (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن سعيدِ بن مسروقٍ، عن رجلٍ، عن الرَّبيع بن خُثَيمٍ (^٢) أنه قال لرجلٍ: هل لك في صَحيفةٍ عليها خاتمُ محمدٍ؟ ثم قرَأ هؤلاء الآياتِ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ الرازيُّ، عن أبي سنانٍ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، قال: قال الربيعُ: ألا أَقْرَأُ عليكم صحيفةً من رسولِ اللهِ ﷺ لم يُفَلَّ (^٤) خاتَمُها؟ فقرَأ هذه الآياتِ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علْقمةَ، قال: جاء إليه نَفَرٌ، فقالوا: قد جالَسْتَ أصحابَ محمدٍ فحدِّثْنا عن الوحيِ. فقرَأ عليهم هذه الآياتِ مِن \"الأنعامِ\": ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. قالوا: ليس عن هذا نَسْأَلُك. قال: فما عندَنا وَحْيٌ غيرُه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: هؤلاء الآياتُ التي أَوْصَى بها مِن مُحْكَمِ القرآنِ.\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٥/ ٣٨٣ من طريق محمد بن المثنى به، كما أخرجه ابن الضُّرَيس في فضائل القرآن (١٩٨)، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ١٣، من طريق الزُّبير بن الخرِّيت عن عكرمة مولى ابن عباس عن كعبٍ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٤ من قول كعب إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر، ومن قول عبيد الله ابن عدى إلى أبى الشيخ. ووقع عند أبي نعيم: الحارث بدلا من الخريت. وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٣٠١.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"خيثم\" وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٧٠.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٤ إلى أبي عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"يقل\".","vol":"9","page":668},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾. قال: قولوا الحقَّ (^١).\n\n<span id=\"aya-942\"></span><span data-type='title' id=toc-3184>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وهذا الذي وصَّاكم به ربُّكم أيُّها الناسُ في هاتين الآيتين من قولِه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. وأمَرَكم بالوَفاءِ به، هو صِراطُه؛ يعنى طريقَه ودينَه الذي ارْتَضاه لعبادِه، ﴿مُسْتَقِيمًا﴾، يعني: قَويمًا لا اعْوجاجَ به عن الحقِّ، ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾. يقولُ: فاعْمَلوا به، واجْعَلوه لأنفسِكم مِنْهاجًا تَسْلُكونه، فاتَّبِعوه (^٢) ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾. يقولُ: ولا تَسْلُكوا طريقًا سواه، ولا تَرْكَبوا منهجًا غيرَه، ولا تَبْغُوا دينًا خلافَه (^٣) من اليهوديةِ والنصرانيةِ والمجوسيةِ وعبادةِ الأوثانِ، وغيرِ ذلك مِن المِلَلِ؛ فإنها بدعٌ وضَلالاتٌ، ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. يقولُ: فيَشَّتَّتَ بكم - إن اتَّبَعْتُم السبلَ المُحْدَثةَ التي ليست للهِ بسبلٍ ولا طرقٍ ولا أديانٍ - اتباعُكم إياها، ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾. يعنى: عن طريقِه ودينِه الذي شرَعه لكم وارْتَضاه، وهو الإسلامُ الذي وصَّى به الأنبياءَ، وأمَر به الأممَ قبلَكم. ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي وصَّاكم به ربُّكم مِن قولِه لكم: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾. وصَّاكم به ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. يقولُ: لِتَتَّقوا الله في أنفسِكم فلا تُهْلِكوها،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢١ (٨٠٩٨) من طريق أصبغ، عن ابن زيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٥ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) في ص: \"فأما ما سعونه\"، وفى ت ١، ت ٣: \"فأما ما يتبعونه\"، وكذا في ص، ت ٢، ولكن غير تامة النقط، وفى س: \"لا ما تتبعونه\"، وفى ف: \"فأما يتبعونه\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"خلاه\" وفوقها في ص، س: (ط) إشارة إلى الخطأ، والكلمة صواب، وهى بمعنى \"خلافه\" التي في: م.","vol":"9","page":669},{"text":"وتَحْذَروا ربَّكم فيها، فلا تُسْخِطوه عليها، فيحِلَّ بكم نقمتُه وعذابُه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3185>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. قال: البِدَعَ والشُّبُهاتِ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شبلٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾: البدعَ والشبهاتِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. وقولَه (^٣): ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. ونحوَ هذا في القرآنِ، قال: أمَر اللهُ المؤمنين بالجماعةِ، ونهاهم عن الاختلافِ والفُرْقةِ، وأَخْبَرهم أنه إنما هلَك مَن كان قبلَهم بالمِراءِ والخُصُوماتِ في دينِ اللهِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٣١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٢ (٨١٠٤) من طريق أبي أسامة به.\n(^٣) بعده في النسخ: \"و\". والمثبت نصُّ التلاوة.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٦٠ وقد وقع فيه على الخطأ في تلاوة الآية.","vol":"9","page":670},{"text":"يقولُ: لا تَتَّبعوا الضَّلالاتِ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا حمادٌ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: خطَّ لنا رسولُ اللهِ ﷺ يومًا خطًّا، فقال: \"هذا سبيلُ اللهِ\". ثم خطَّ عن يمينِ ذلك الخطِّ وعن شِمالِه خطوطًا، فقال: \"هذه سُبُلٌ، على كلِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يَدْعُو إليها\". ثم قرأ هذه الآيةَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. قال: سبيلُه الإسلامُ، وصراطُه الإسلامُ، نهاهم أن يَتَّبِعوا السبلَ سِواه، ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ عن الإسلامِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبانٍ، أن رجلًا قال لابنِ مسعودٍ: ما الصراطُ المستقيمُ؟ قال: ترَكَنا محمدٌ ﷺ في أدْناه، وطَرَفُه في الجنةِ، وعن يمينه جَوَادُّ (^٤)، وعن يسارِه جَوَادُّ، وثَمَّ رِجالٌ يَدْعُون مَن مرَّ بهم، فمَن أخذ في تلك الجَوَادِّ انْتَهَتْ به إلى النارِ، ومَن أخَذ على الصراطِ انْتَهَى به إلى الجنةِ. ثم قرَأ ابن مسعودٍ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ الآية (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٢ (٨١٠٣) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٢٤١)، وأحمد ٧/ ٢٠٧ (٤١٤٢)، والدارمي ١/ ٦٧، ٦٨ وابن أبي عاصم في السنة (١٧)، والبزار (١٧١٨)، والنسائى في الكبرى (١١١٧٤)، من طريق حماد - وهو ابن زيد - به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٢ (٨١٠٥) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٤) الجوادُّ: الطرق. اللسان (ج د د).\n(^٥) أخرجه المصنف في آداب النفوس، كما في تفسير القرطبي ٧/ ١٣٨، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٦٢ عن هذا الموضع من التفسير.","vol":"9","page":671},{"text":"واخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿وَأَنَّ﴾ يفتحِ الألفِ مِن ﴿أَنَّ﴾ وتشديدِ النونِ (^١)، ردًّا على قولِه: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. بمعنى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ - ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: (وإنَّ). بكسرِ الألفِ مِن \"إِنَّ\" وتشديدِ النونِ منها (^٢)، على الابتداءِ، وانْقِطاعِها عن الأولِ، إذ كان الكلامُ قد انْتَهَى بالخبرِ عن الوصيةِ التي أوْصَى اللهُ بها عبادَه دونَه، عندَهم (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان مُسْتَفِيضتان في قرأةِ الأمصارِ وعوامِّ المسلمين، صحيحٌ معنياهما، فبأيِّ القراءتين قرَأ القارئٌ فهو مصيبٌ الحقَّ في قراءتِه. وذلك أن الله تعالى ذكرُه قد أمَر (^٤) باتِّباعِ سبيلِه، كما أمَر عبادَه الأشْياءَ (^٥)؛ وإن أدْخَل ذلك مُدْخِلٌ فيما أمَر اللهُ نبيِّه ﷺ أن يقولَ للمشركين: تعالَوْا أتْلُ ما حرَّم ربُّكم عليكم وما أمَرَكم به. ففتَح على ذلك ﴿أَنَّ﴾ فمصيبٌ. وإن كسَرها، إذ كانت التلاوةُ قولًا، وإن كان بغيرِ لفظِ القولِ؛ لبعدِها مِن قوِله: ﴿أَتْلُ﴾. وهو يُرِيدُ إعمالَ ذلك فيه، فمصيبٌ. وإن كسَرها بمعنى ابتداءٍ وانقطاعٍ عن الأولِ والتلاوةِ، وأن ما أُمِر النبيُّ ﷺ بتلاوتِه على من أُمِر بتلاوةِ ذلك عليهم قد\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبي عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ٢٧٣.\n(^٢) وهى قراءة حمزة والكسائي. ينظر المصدر السابق.\n(^٣) دونه عندهم: أي: دون النبي ﷺ عند من قرأ بكسر الألف من \"وإن\"، وسيأتي مصرّحًا به في كلام المصنف بعدُ.\n(^٤) في ف: \"أمرنا\".\n(^٥) في م: \"بالأشياء\".","vol":"9","page":672},{"text":"انْتَهَى دون ذلك، فمصيبٌ.\nوقد قرَأ ذلك عبدُ اللهِ بنُ أبي إسحاقَ البصريُّ: (وأَنْ). بفتحِ الألفِ مِن \"أن\" وتخفيفِ النونِ منها (^١)، بمعنى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ - (وأنْ هذا صراطى). فخَفَّفَها، إذ كانت \"أن\" في قولِه: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ مخففةً، وكانت \"أن\" مِن قولِه: (وأنْ هذا صِراطى). معطوفةً عليها، فجعَلها نظيرةَ ما عُطِفَتْ عليه. وذلك وإن كان مذهبًا، فلا أُحِبُّ القراءةَ به؛ لشُذوذِها عن قراءةِ (^٢) قَرَأَةِ الأمصارِ، وخلافِ ما هم عليه في أمصارِهم (^٣).\n\n<span id=\"aya-943\"></span><span data-type='title' id=toc-3186>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: ثم قلْ بعدَ ذلك يا محمدُ: آتى ربُّك موسى الكتابَ. فترَك ذِكْرَ \"قل\" إذ كان قد تقَدَّم في أولِ القصةِ ما يَدُلُّ على أنه مرادٌ فيها، ذلك قولُه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. فقص ما حرَّم عليهم وأحَلَّ، ثم قال: ثم قل: ﴿آتَيْنَا مُوسَى﴾. فحذَف \"قل\" لدَلالةِ قولِه: ﴿قُلْ﴾. عليه، وأنه مرادٌ في الكلامِ.\nوإنما قلنا: ذلك مرادٌ في الكلامِ؛ لأن محمدًا ﷺ لا شكَّ أنه بُعِث بعدَ موسى بدهرٍ طويلٍ، وأنه إنما أُمِر بتِلاوةِ هذه الآياتِ على مَن أُمِر بتلاوتِها عليه بعدَ مَبْعَثِه، ومعلومٌ أن موسى أُوتى الكتابَ مِن قبلِ أمْرِ اللهِ محمدًا بتلاوةِ هذه الآياتِ على مَن أُمِر بتلاوتِها عليه، و\"ثُمَّ\" في كلامِ العربِ حرفٌ يَدُلُّ على أن ما بعدَه مِن الكلامِ\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٤/ ٢٥٣. وهى قراءة ابن عامر من السبعة، ويعقوب من العشرة. النشر ص ٢٠٠.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) القراءة بذلك ليست شاذة، بل متواترة كما خرجناها.","vol":"9","page":673},{"text":"والخبرِ بعدَ الذي قبلَها.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾.\nفقال بعضُهم: معناه: تمامًا على المُحْسِنين.\n\n<span data-type='title' id=toc-3187>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾. قال: على المؤمنين (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾: المؤمنين والمحسنين (^٢).\nوكأن مجاهدًا وجَّه تأويلَ الكلامِ ومعناه إلى أن الله جلَّ ثناؤُه أَخْبَر عن موسى أنه آتاه الكتابَ فضيلةً على ما آتَى المحسِنين مِن عبادِه.\nفإن قال قائلٌ: فكيف جاز أن يقالَ: ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾. فَيُوَحِّدُ ﴿الَّذِي﴾، والتأويلُ: على الذين أحسَنوا؟\nقيل: إن العربَ تَفْعَلُ ذلك خاصةً في \"الذي\" وفي الألفِ واللامِ، إذا أرادت به الكلَّ والجميع، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١، ٢]. وكما قالوا: أَكْثَرَ [الدِّرْهَمُ في] (^٣) أيدى الناسِ.\nوقد ذُكِر عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (تَمَامًا على الَّذِينَ أَحْسَنُوا) (^٤). وذلك مِن قراءتِه كذلك يُؤَيِّدُ قولَ مجاهدٍ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٣١ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٣ (٨١١١).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"الذي هم فيه في\".\n(^٤) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٧١ عن حجاج، عن هارون. وينظر مختصر الشواذ خالويه ص ٤٧.","vol":"9","page":674},{"text":"وإذا كان المعنى كذلك، كان قولُه: ﴿أَحْسَنَ﴾. فعلًا ماضيًا، فيَكونُ نصبُه لذلك.\nوقد يجوزُ أن يكونَ ﴿أَحْسَنَ﴾ في موضعِ خفضٍ، غيرَ أنه نُصِب، إذ كان أفعلَ، وأفعلُ لا يُجْرَى (^١) في كلامِها.\nفإن قيل: فبأيِّ شيءٍ خُفِض؟\nقيل: ردًّا على ﴿الَّذِي﴾؛ إذ لم يَظْهَرْ له ما يَرْفَعُه.\nفيكونُ تأويلُ الكلامِ حينَئذٍ: ثم آتَيْنا موسى الكتابَ تمامًا على الذي هو أحسنُ. ثم حُذِف \"هو\"، وجاوَر \"أحسن\" \"الذي\"، [فعُرِّب بتَغْرِيبِه] (^٢)، إذ كان كالمعرفةِ؛ مِن أجلِ أن الألفَ واللامَ لا يَدْخُلانِه، و\"الذي\" مثلُه، كما تقولُ العربُ: مرَرْتُ بالذي خيرٍ منك وشرٍّ منك. وكما قال الراجزُ (^٣):\nإن الزُّبَيرى الذي مِثْلَ الحَلَمْ (^٤)\nمَشَّى (^٥) بأَسْلابِكُم أهلَ العَلَمُ (^٦)\nفأتْبَع \"مِثْلَ\" \"الذي\" في الإعرابِ، ومَن قال ذلك لم يقُل: مرَرْتُ بالذي عالمٍ. لأن \"عالمًا\" نكرةٌ، و\"الذي\" معرفةٌ، ولا تَتْبَعُ نكرةٌ معرفةً.\nوقال آخرون: معنى ذلك: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾: موسى: فيما امْتَحَنه اللهُ به في الدنيا مِن أمرِه ونهيِه.\n_________\n(^١) الإجراء: الصرف. كما تقدم قبل.\n(^٢) في م: \"فعرف بتعريفه\"، وفى ت ١: \"يعرف سعريه\"، وفى ت ٢، ت ٣، س: \"يعرب بتعريبه\".\n(^٣) معاني القرآن للفراء ١/ ٣٦٥، غير منسوب لقائل.\n(^٤) الحلم، جمع حَلَمَة: وهى الصغيرة من القردان. اللسان (ح ل م).\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"مسي\".\n(^٦) العلم: الجبل. اللسان (ع ل م).","vol":"9","page":675},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3188>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾: فيما أعْطاه اللهُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾. قال: مَن أَحْسَنَ في الدنيا تمَّم اللهُ له ذلك في الآخرةِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾. يقولُ: مَن أَحْسَن في الدنيا تمَّت عليه كرامةُ اللهِ في الآخرةِ.\nوعلى هذا التأويلِ الذي تأوَّله الربيعُ يكونُ ﴿أَحْسَنَ﴾ نصبًا؛ لأنه فعلٌ ماضٍ. ﴿الَّذِي﴾ بَمَعْنَى \"ما\". وكان الكلامُ حينَئذٍ: ثم آتَيْنا موسى الكتابَ تمامًا على ما أحْسَن موسى. أي: آتَيْناه الكتابَ لأُتَمِّمَ له كرامتي في الآخرةِ، تمامًا على إحسانِه في الدنيا في (^٣) عبادِة اللهِ والقيامِ بما [كلَّفه به] (^٤) مِن طاعتِه.\nوقال آخرون في ذلك: معناه: ثم آتَيْنا موسى الكتابَ تمامًا على إحسانِ اللهِ إلى أنبيائِه وأياديهِ عندَهم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٣ (٨١١٣) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٢١، ٢٢٢ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٣ (٨١١٢) - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"وفي\".\n(^٤) في ص، ف: \"كلفه\" وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كلفته\".","vol":"9","page":676},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3189>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾. قال: تمامًا مِن اللهِ وإحسانِه الذي أحْسَن إليهم وهدَاهم للإسلامِ، آتاهم (^١) ذلك الكتابَ تمامًا لنعمتِه عليهم وإحْسانِه (^٢).\nو﴿أَحْسَنَ﴾ على هذا التأويلِ أيضًا في موضعِ نصبٍ على أنه فعلٌ ماضٍ، و﴿الَّذِي﴾ على هذا القول والقولِ الذي قاله الربيعُ بمَعْنَى \"ما\".\nوذُكِر عن يحيى بن يَعْمَرَ أَنه كان يَقْرَأُ ذلك: (تمامًا على الذي أَحْسَنُ) (^٣). رفعًا، بتأويلِ: على الذي هو أحسنُ.\nحدَّثني بذلك أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا حجّاجٌ، عن هارونَ، عن أبي عمرِو بن العَلاءِ، عن يحيى بن يَعْمَرَ (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: وهذه قراءةٌ لا أَسْتَجِيزُ القراءةَ بها وإن كان لها في العربيةِ وجهٌ صحيحٌ؛ لخلافِها ما عليه الحُجَّةُ مُجْمِعَةٌ مِن قرأَةِ الأَمْصارِ.\nوأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: ثم آتَيْنا موسى الكتابَ تمامًا لنِعَمِنا عندَه، على الذي أحسَنَ موسى في قيامِه بأمرِنا ونهْيِنا؛ لأن ذلك أظهرُ معانيه (^٥) في الكلامِ، وأن إيتاءَ موسى كتابَه نعمةٌ مِن اللهِ عليه، ومنةٌ عظيمةٌ، فأَخْبَر جلَّ ثناؤُه أنه أنْعَم بذلك عليه لِما سلَف له مِن صالحِ عملٍ، وحُسنِ طاعةٍ، ولو\n_________\n(^١) في م: \"وآتاهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٣ (٨١١٠) من طريق أصبغ عن ابن زيد به.\n(^٣) وهى قراءة شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة.\n(^٤) ينظر المحتسب ص ٢٣٤.\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"و\".","vol":"9","page":677},{"text":"كان التأويلُ على ما قاله ابن زيدٍ، كان الكلامُ: ثم آتَيْنا موسى الكتابَ تمامًا على الذي أَحْسَنَّا. أو: ثم آتَى اللهُ موسى الكتابَ تمامًا على الذي أَحْسَنَ. وفى وصفِه جلَّ ثناؤُه نفسَه بإيتائِه الكتابَ، ثم صَرْفِه الخبرَ بقولِه: ﴿أَحْسَنَ﴾. إلى غيرِ المُخْبِرِ عن نفسِه؛ بقُرْبِ ما بينَ الخبرين - الدليلُ الواضحُ على أن القولَ غيرُ (^١) الذي قاله ابن زيدٍ.\nوأما ما ذُكِر عن مجاهدٍ من توجيهِه ﴿الَّذِي﴾ إلى معنى الجميعِ، فلا دليلَ في الكلامِ يَدلُّ على صحةِ ما قال من ذلك، بل ظاهرُ الكلام بالذي اخْتَرْنا مِن القولِ أشْبَهُ، وإذا تُنُوزِع في تأويلِ الكلامِ، كان أوْلَى مَعانِيهِ به أغْلَبَه على الظاهرِ، إلا أن يكونَ مِن العقلِ أو الخبرِ دليل واضحٌ على أنه مَعْنيٌّ به غيرُ ذلك.\nوأما قولُه: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. فإنه يَعْنى: وتَبْيِينًا لكلِّ شيءٍ مِن أَمرِ الدينِ الذي أُمِروا به.\nفتأويلُ الكلامِ إذن: ثم آتَيْنا موسى التوراةَ تمامًا لنِعَمِنا عندَه، وأَيادِينا قِبَلَه، تَتِمُّ به كرامتُنا عليه، على إحسانِه وطاعتِه ربَّه، وقيامِه بما كلَّفه مِن شرائعِ دينِه، وتَبْيِينًا لكلِّ ما بقومِه (^٢) وأتباعِه إليه الحاجةُ مِن أمرِ دينِهم.\nكما حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: فيه حلالُه وحرامُه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-3190>القولُ في تأويل قولِه: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: آتَيْنا موسى الكتاب تمامًا وتفصيلًا لكلِّ شيءٍ،\n_________\n(^١) بعده في م: \"القول\".\n(^٢) في م: \"لقومه\"، وفى س: \"تقومه\"، وفى ف: \"يقومه\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٣ (٨١١٤) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"9","page":678},{"text":"﴿وَهُدًى﴾. يعنى بقولِه ﴿وَهُدًى﴾: تقويمًا لهم على الطريقِ المستقيمِ، وبيانًا لهم سُبُلَ الرشادِ؛ لئلا يَضِلُّوا. ﴿وَرَحْمَةً﴾. يقولُ: ورحمةً منا بهم، ورَأْفَةً؛ لتُنْجِيَهم من الضلالةِ وعَمَى الحيرَةِ.\nوأما قولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. فإنه يعنى: إيتائي موسى الكتابَ تمامًا لكرامةِ اللهِ موسى على إحسانِ موسى، وتفصيلًا لشرائعِ دينِه، وهدًى لمَن اتَّبَعه، ورحمةً لمن كان منهم ضالًّا؛ ليُنْجِيَه اللهُ به مِن الضَّلالةِ، وليُؤْمِنَ بلقاءِ ربِّه إذا سمِع مواعظَ اللهِ التي وعَظ بها خَلْقَه فيه، فيَرْتَدِعَ عما هو عليه مقيمٌ مِن الكفرِ به، وبلقائِه بعدَ مَماتِه، فيُطِيعَ ربَّه، ويُصَدَّقَ بما جاءه به نبيُّه موسى ﵇.","vol":"9","page":679},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-944\"></span><span data-type='title' id=toc-3191>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾: وهذا القرآنُ الذي أنْزَلْناه إلى نبيِّنا محمدٍ ﷺ كتابٌ أنْزَلْناه مباركٌ، ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾. يقولُ: فَاجْعَلوه إمامًا تَتَّبِعونه، وتَعْمَلون بما فيه أيُّها الناسُ، ﴿وَاتَّقُوا﴾. يقولُ: واحْذَرُوا الله في أنفسِكم أن تُضَيِّعوا العملَ بما فيه، وتَتَعَدَّوْا حدودَه، وتَسْتَحِلُّوا. محارمَه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾: وهو القرآنُ الذي أنْزَله اللهُ على محمدٍ ﷺ، ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾. يقولُ: فاتَّبِعوا حلالَه، وحرِّموا (^١) حرامَه (^٢).\nوقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. يقولُ: لتُرْحَموا، فتَنْجُوا مِن عذابِ اللهِ وأليمِ عقابِه.\n\n<span id=\"aya-945\"></span><span data-type='title' id=toc-3192>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦)﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ العربيةِ في العاملِ في ﴿أَنْ﴾ التي في قولِه: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٤، ١٤٢٥ (٨١٢٢، ٨١٢٣) من طريق يزيد به إلى قوله: فاتبعوا حلاله. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"10","page":5},{"text":"هذا وفي معنى الكلامِ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معنى ذلك: ثم آتَيْنا موسى الكتابَ [تمامًا على الذي أحسنَ] (^١)، كراهيةَ أن تقولوا: إنما أُنزِل الكتابُ على طائفتين من قبلِنا (^٢).\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: بل ذلك في موضعِ نصبٍ بفعلٍ مُضْمَرٍ. قال: ومعنى الكلامِ: فاتَّبِعوه واتَّقُوا لعلكم تُرْحَمون؛ اتَّقُوا أن تَقُولوا. قال: ومِثْلُه يقولُ (^٣) اللهُ: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢].\nوقال آخرُ (^٤) منهم: هو في موضعِ نصبٍ. قال: ونصبُه مِن مكانَيْن؛ أحدُهما: أَنْزَلْناه لئلا تقُولوا: إِنما أُنزِل الكتابُ على (^٥). والآخرُ: مِن قولِه: ﴿وَاتَّقُوا﴾. قال: و\"لا\" يَصْلُحُ في موضعِ \"أن\" كقولِه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦].\nوأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: نَصْبُ \"أن\" لتعلُّقها بالإنزال؛ لأن معنى الكلامِ: وهذا كتابٌ أَنْزَلْناه مباركٌ لئلا تقولوا: إنما أُنزل الكتابُ على طائفتين من قبلِنا.\nفأما الطائفتان اللتان ذكَرَهما الله، وأَخْبَر أنه إنما أَنْزَل كتابَه على نبيِّه محمدٍ ﷺ لئلا يقولَ المشركون: لم يَنْزِلْ علينا كتاب فنَتَّبِعَه، ولم نُؤْمَرُ، ولم نُنْهَ، فليس علينا حُجَّةٌ فيما نَأْتى ونَذَرُ، إذ لم يَأْتِ مِن اللهِ كتابٌ ولا رسولٌ، وإنما الحجةُ على\n_________\n(^١) سقط من: ص، ف.\n(^٢) الأرجح أن صواب هذه العبارة: معنى ذلك: وهذا كتاب أنزلناه مبارك كراهية أن تقولوا … . وهو القول الذي سيختاره المصنف، وينظر أيضًا تفسير القرطبي ٧/ ١٤٤، والبحر المحيط ٤/ ٢٥٦، ٢٥٧.\n(^٣) في م: \"بقول\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"آخرون\". وهذه مقالة الفراء في معاني القرآن ١/ ٣٦٦.\n(^٥) سقط من: ف. وفى معاني القرآن وقف عند قوله: أنزل.","vol":"10","page":6},{"text":"الطائفَتيْن اللتين أُنْزِل عليهما الكتابُ مِن قبلنا، فإنهما اليهودُ والنصارى.\nوكذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3193>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾: وهم اليهودُ والنصارَى (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾: اليهودُ والنصارى، يخافُ (^٢) أن تقولَه قريشٌ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾. قال: اليهودُ والنصارى. قال: أن تقولَ قريشٌ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾: وهم اليهودُ والنصارى.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾: أما الطائفتان فاليهودُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٥ (٨١٢٦) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في م: \"نخاف\"، وأولها غير منقوط في باقى النسخ، وفي تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور: \"خاف\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٣١ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٥ (٨١٢٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٦ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"10","page":7},{"text":"والنصارى (^١).\nوأما: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾. فإنه يعنى: أن تقولوا: وقد كنا عن تِلاوةِ الطائفتين الكتابَ الذي أنْزَلْتَ عليهم غافلين لا نَدْرِى ما هي (^٢)، ولا نَعْلَمُ ما يَقْرءُون وما يقولون، وما أُنْزِل إليهم في كتابهم؛ لأنهم كانوا أهلَه دونَنا، ولم نُعْنَ به، ولم نُؤْمَرْ بما فيه، ولا هو بلساننا. فيَتَّخِذوا ذلك حجةً، فقَطَع اللَّهُ بإنزاله القرآن على نبيِّه محمدٍ ﷺ حجتَهم تلك.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3194>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾. يقولُ: إن كنّا عن تلاوتِهم لَغافلين (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾. أي: عن قراءتهم.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾. قال: الدِّراسةُ القراءةُ والعلمُ. وقرأَ: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٦٩]. قال: علموا ما فيه، لم يَأْتوه بجهالةٍ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٦ (٨١٣٠) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"هم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٥ (٨١٢٧) من طريق أبي صالح به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٥ (٨١٢٨) من طريق أصبغ عن ابن زيد به.","vol":"10","page":8},{"text":"السديِّ: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾. يقولُ: وإن كنا عن قراءتِهم لَغافلين، لا نَعْلَمُ ما ما هي (^١).\n\n<span id=\"aya-946\"></span><span data-type='title' id=toc-3195>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وهذا كتابٌ أَنزَلْناه مُبارَكٌ؛ لِئَلَّا يقولَ المشركون مِن عَبَدة الأوثان مِن قريشٍ: إنما أُنْزِل [الكتابُ على طائفتَيْن مِن قَبْلِنَا. أو لِئَلَّا يقولوا: لو (^٢) أَنَّا أُنزِل] (^٣) علينا الكتابُ كما أُنْزِل على هاتين الطائفتين مِن قبلِنا، فأُمِرْنا فيه ونُهِينا، وبُيِّن لنا فيه خطأُ ما نحن فيه مِن صوابِه، ﴿لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾. أَي: لَكُنا أَشدَّ اسْتِقامةً على طريقِ الحقِّ، واتباعًا للكتاب، وأحْسَنَ عملًا بما فيه مِن الطائفتين اللتين أُنْزِل عليهما الكتابُ مِن قبلِنا. يقولُ اللَّهُ: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: فقد جاءكم كتابٌ بلسانِكم عربيٌّ مبينٌ، حجةٌ عليكم واضحةٌ بيِّنةٌ مِن ربِّكم، ﴿وَهُدًى﴾. يقولُ: وبيانٌ للحقِّ، وفُرْقانٌ بينَ الصوابِ والخطأ، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ لمن عمِل به واتَّبعه.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: قد جاءكم بينةٌ، لسانٌ عربيٌّ مبينٌ، حينَ لم تَعْرِفوا دراسةَ الطائفتَيْن، وحينَ قُلْتم: لو جاءَنا كتابٌ لكُنا أهْدَى منهم (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٥ (٨١٢٩) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٦ (٨١٣١، ٨١٣٣)، مِن طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"10","page":9},{"text":"أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾: فهذا قولُ كفارِ العربِ، ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-3197>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: فمَن أخطأُ فِعلًا وأشدُّ عُدوانًا منكم أيُّها المشركون المكذِّبون بحُججِ اللهِ وأدلتِه، وهى آياتُه، ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾. يقولُ: وأَعْرَض عنها بعدَ ما أتَتْه، فلم يُؤْمِنْ بها، ولم يُصَدِّقْ بحقيقتِها.\nوأَخْرَج جلَّ ثناؤُه الخبر بقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. مُخْرَجَ الخبر عن الغائبِ، والمعنيُّ به المخاطَبون به مِن مشركي قريشٍ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3196>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾. يقولُ: أَعْرَضَ عنها (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا﴾: يُعْرِضون عنها، والصَّدْفُ الإعْراضُ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٦ (٨١٣٢) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٦ (٨١٣٤) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٧ إلى ابن المنذر. وينظر ما تقدم تخريجه في ٩/ ٢٥٣.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٦ عقب الأثر (٨١٣٤) معلقا، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٦٥ عن مجاهد بنحوه. وينظر ما تقدم تخريجه في ٩/ ٢٥٣.","vol":"10","page":10},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾: أعْرَض عنها، ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾. أي: يُعْرِضون (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾: فصدَّ عنها (^٢).\nوقولُه: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ﴾.\nيقولُ: سيُثيبُ اللَّهُ الذين يُعْرِضون عن الذين يُعْرِضون عن آياته وحججه ولا يَتَدَبَّرونها، ولا يَتَعَرَّفون حقيقتَها فيُؤْمِنوا بما دلَّتْهم عليه مِن توحيدِ اللهِ، وحقيقةِ (^٣) نبوةِ نبيِّه، وصدقِ ما جاءهم به مِن عندِ ربِّهم - ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾. يقولُ: شديدَ العذابِ (^٤)، وذلك عذابُ النارِ التي أعَدَّها اللهُ لكفَرةِ خلقِه به، ﴿بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾. يقولُ: يَفْعَلُ اللهُ ذلك بهم جَزاءً بما كانوا يُعْرِضون عن آياتِه في الدنيا، فلا يَقْبَلون ما جاءهم به نبيِّهم محمدٍ ﷺ.\n\n<span id=\"aya-947\"></span><span data-type='title' id=toc-3198>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤه: هل يَنْتَظِرُ هؤلاء العادِلون باللهِ (^٥) الأوثانَ والأصنامَ إلا أن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٦ (٨١٣٥) من طريق يزيد به مقتصرا على آخره، وذكر أوله ابن كثير في تفسيره ٣٦٥٣ وينظر ما تقدم تخريجه في ٩/ ٢٥٣.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٦ عقب الأثر (٨١٣٤) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به، وينظر ما تقدم تخريجه في ٩/ ٢٥٣.\n(^٣) في م: \"حقية\".\n(^٤) في م، ف: \"العقاب\".\n(^٥) في م: \"بربهم\".","vol":"10","page":11},{"text":"تأْتيَهم الملائكةُ بالموتِ، فتَقْبِضَ (^١) أرواحَهم، أو يَأْتِيَهم ربُّك يا محمدُ بينَ خلقِه في موقفِ القيامةِ، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. يقولُ: أو أن يَأْتِيَهم بعضُ آياتِ ربِّك، وذلك فيما قال أهلُ التأويلِ طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-3199>ذكرُ مَن قال مِن أهلِ التأويلِ ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. يقولُ: عند الموتِ حينَ توَفَّاهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾: ذلك يومَ القيامةِ، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: بالموتِ، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾: يومَ القيامةِ، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال: آيةٌ مُوجِبةٌ؛ طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها، أو ما شاء اللهُ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. يقولُ: بالموتِ، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾: وذلك يومَ القيامةِ، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: عندَ الموتِ، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ\n_________\n(^١) في ت ١، ف: \"بقبض\".\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٦ عقب الأثر (٨١٣٦) معلقا مقتصرًا على أوله.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٢٢ عن معمر به.","vol":"10","page":12},{"text":"آيَاتِ رَبِّكَ﴾. يقولُ: طلوعُ الشمسِ من مغربِها (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حُميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، قال: قال عبدُ اللهِ في قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال: يُصبْحون والشمسُ والقمرُ مِن ههنا مِن قِبَلِ المغربِ كالبعيرَيْن القَرِينَيْن (^٢). زاد ابن حُميدٍ في حديثِه: فذلك حينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ وقال: كالعَيْرَيْن (^٣) المقترنَيْن (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: بقَبْضِ (^٥) الأنفُسِ بالموتِ ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾: يومَ القيامةِ، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-3200>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يومَ يأتى بعضُ آياتِ رَبِّك لا يَنْفَعُ مَن كان قبلَ ذلك مشركًا باللَّهِ أَن يُؤْمِنَ بعد مجيءِ تلك الآيةِ.\nوقيل: إن تلك الآيةَ التي أخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤه أن الكافرَ لا يَنْفَعُه إيمانُه عندَ مجيئها، طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٦ عقب الأثر (٨١٣٦) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به مختصرا.\n(^٢) في س: \"المقترنين\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"كالبعيرين\".\n(^٤) سيأتي تخريجه في ص ٢٤.\n(^٥) في م، س: تقبض\".","vol":"10","page":13},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3201>ذكرُ مَن قال ذلك، وما ذُكِر فيه عن رسولِ اللهِ ﷺ</span>\nحدَّثني عيسى بنُ عثمانَ الرَّمْليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾. قال: \"طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها\".\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ وجريرٌ، عن (^٢) عُمارةً، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لا تَقومُ الساعةُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِن مَغْرِبها\". قال: \"فإذا رآها الناسُ آمَن مَن عليها، فتلك حينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ \" (^٣).\nحدَّثنا عبد الحميد بنُ بَيانِ السُّكَّريُّ (^٤) وإسحاقُ بنُ شاهينٍ.، قالا أخبَرنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، عن يونُسَ، عن إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أَتَدْرُون أين تَذْهَبُ هذه الشمسُ؟ \". قالوا:\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٠٧١) عن ابن وكيع به. وأخرجه أحمد ١٧/ ٣٦٨ (١١٢٦٦)، وعبد بن حميد (٩٠٠)، وأبو يعلى (١٣٥٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٧ (٨١٤١)، من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٧ إلى أبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بن\". ينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٢٦٢.\n(^٣) أخرجه أحمد ١٢/ ٧٨ (٧١٦١)، ومسلم عقب الحديث (١٥٧)، وأبو داود (٤٣١٢)، وابن ماجه (٤٠٦٨)، والنسائى في الكبرى (١١١٧٧) من طريق محمد بن فضيل به، وأخرجه مسلم عقب الحديث (١٥٧)، وأبو يعلى (٦٠٨٥) من طريق جرير به، وأخرجه البخاري (٤٦٣٥) من طريق عمارة به.\n(^٤) في م، س: \"اليشكرى\". وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٤١٣.","vol":"10","page":14},{"text":"اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: \"إنها تَذْهَبُ إلى مُسْتَقَرِّها تحتَ العرشِ فتَخِرُّ ساجدةً، فلا تَزالُ كذلك حتى يقالَ لها: ارْتَفِعى مِن حيثُ شئتِ. فتُصْبِحُ طالعةً مِن مَطْلِعِها (^١)، ثم تَجْرِى إلى أن تَنْتَهِيَ إلى مُسْتَقَرٍّ لها تحت العرشِ، فتَخِرَّ ساجدةً، فلا تَزالُ كذلك حتى يقالَ لها: ارتَفِعى مِن حيث شئتِ. فتُصْبِحُ طالعةً مِن مَطْلِعِها ثم تَجْرِى لا يُنْكِرُ الناسُ منها شيئًا، حتى تَنْتَهِي فتَخِرَّ ساجدةً في مستَقرٍّ لها تحتَ العرش، فيُصبحُ الناسُ لا يُنكرون منها شيئًا، فيُقالُ لها: اطْلَعى مِن مغربِك. فتُصْبحُ طالعةً مِن مغربِها\". قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أَتَدْرُونَ أَيَّ يوم ذلك؟ \" قالوا: اللَّهِ الله ورسولُه أعلمُ. قال: \"ذاك يومُ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا مُؤَمَّلُ بنُ هشامٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا ابن عُلَيةَ، عن يونُسَ، عن إبراهيمَ بن يزيدَ التَّيْميِّ، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (^٣).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن صفوانَ بن عَسَّالِ، قال: ثنا رسولُ اللهِ ﷺ: \"إن مِن قبَلِ مغربِ الشمسِ بابًا مفتوحًا للتوبةِ، حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِنْ نَحْوِه (^٤)، فإذا طلَعَت الشمسُ مِن نحوِه لم يَنْفَعْ نفسًا إيمانُها لم تَكُنْ آمَنَت مِن قبلُ أو كسَبَت في إيمانها خيرًا\" (^٥)\nحدَّثنا المفضلُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أشعتُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن زُبَيْدٍ\n_________\n(^١) في ت ١، س، ف: \"مطالعها\".\n(^٢) أخرجه مسلم (١٥٩) عن عبد الحميد بن بيان به نحوه، وعنده في الموضعين: \"ارجعي من حيث جئت\" بدل \"ارتفعى من حيث شئت\". وسيورده المصنف في ص ٢١ من طريق آخر عن إبراهيم التيمي به مختصرا، بلفظ \"ارجعي من حيث جئت\".\n(^٣) أخرجه البزار (٤٠١١) عن مؤمل، عن ابن علية به.\n(^٤) النحو: الطريق والجهة. القاموس المحيط (ن ح و).\n(^٥) أخرجه ابن ماجه (٤٠٧٠) من طريق عبيد الله به نحوه.","vol":"10","page":15},{"text":"الإيَاميُّ (^١)، عن أبيه، عن زُبَيْدٍ، عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، عن صَفْوَانَ بن عَسَّالٍ المُراديِّ، قال: ذُكِرَت التوبةُ، فقال النبيُّ ﷺ: \"للتوبةِ بابٌ بالمغربِ مَسيرةُ سبعين عامًا، أو أربعين عامًا، فلا يَزالُ كذلك حتى يَأْتى بعضُ آياتِ رَبِّك\" (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكٌ، عن عاصمٍ بن أبي النَّجودِ، عن زِرّ بن حُبَيشٍ، عن صَفْوانَ بن عَسَّالٍ أنه قال: إن بالمغربِ (^٣) بابًا مفتوحًا للتوبةِ مسيرةَ سبعين عامًا، فإذا طلعت الشمسُ مِن مغربِها، لم يَنْفَعْ نفسًا إيمانُها لم تَكُنْ آمَنَت مِن قبلُ أو كسَبَت في إيمانِها خيرًا (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن عُمارَةَ بن القَعْقاعِ، عن أبي زُرْعَةَ، عن أبي هريرةَ، قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"لا تَقومُ الساعةُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِن مغربِها، فإذا طلَعَت ورآها الناسُ آمَن مَنْ عليها، فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ \".\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن العَلاءَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لا تَقومُ الساعةُ حت تَطْلُعَ الشمسُ مِن مغربِها، فيومَئذٍ يُؤْمِنُ الناسُ كلُّهم أَجْمَعون، وذلك حينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ \" (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"اليامي\". وكلا النسبتين صواب؛ ينظر الأنساب ١/ ٢٣٣.\n(^٢) أخرجه الطبراني (٧٣٤٨) من طريق عبد الرحمن به نحوه مطولًا.\n(^٣) في النسخ: \"بالمشرق\". وينظر مصادر التخريج.\n(^٤) أخرجه الطيالسي (١٢٦٤)، والحميدى (٨٨١)، وأحمد (٣٠/ ١٨ - ٢٠ (١٨٠٩٥)، ٣٠/ ٢٤ (١٨١٠٠) والترمذى (٣٥٣٥، ٣٥٣٦)، والطبراني (٧٣٥٩ - ٧٣٦١، ٧٣٦٥، ٧٣٨٣)، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٨٥، ٢٨٦ من طريق عاصم به.\n(^٥) أخرجه أحمد ١٤/ ٤٤٢ (٨٨٥٠)، ومسلم (١٥٧)، من طريق العلاء به نحوه.","vol":"10","page":16},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن ابن (^١) عَوْنٍ، عن ابن سيرينَ، عن أبي هريرةَ، قال: \"التوبةُ مقبولةٌ ما لم تَطْلُعِ الشمسُ مِن مغربِها\".\nحدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الترمذيُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا ابن عيَّاش (^٢)، قال: ثنا ضَمْضَمُ بنُ زُرْعَةَ، عن شُرَيْحٍ بن عُبيد، عن مالكِ بن يَخَامِرٍ، عن معاويةَ بن أبي سفيانَ وعبدِ الرحمنِ بن عوفٍ وعبدُ اللهِ بن عمرِو بن العاصِ، عن رسولِ اللهِ ﷺ، قال: \"لا تَزالُ التوبةُ مَقبولةً حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِن مغربِها، فإذا طلَعَت طُبِع على كلِّ قلبٍ بما فيه، و(^٣) كُفى الناسُ العملَ\" (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ وجعفرُ بنُ عونٍ بنحوِه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عن أبي زُرْعَةَ، قال: جلس ثلاثةٌ مِن المسلمين إلى مَرْوانَ بن الحكمِ بالمدينةِ، فسمِعوه وهو يُحَدِّثُ عن الآياتِ أن أولَها خروجًا الدجالُ، فانْصَرَف القومُ إلى عبدِ اللهِ بن عمرٍو، فحدَّثوه بذلك، فقال: لم يَقُلْ مَرْوانُ شيئًا، قد حفِظْتُ مِن رسولِ اللهِ ﷺ في ذلك شيئًا لم أَنْسَه، لقد سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: \"إن أولَ الآياتِ خروجًا طُلوعُ الشمسِ مِن مغربِها، أو خروجُ الدَّابَّةِ على الناسِ ضُحًى، أَيَّتُهما ما (^٥) كانت قبلَ صاحِبَتِها، فالأُخرى على أثَرِها قريبًا. ثم قال عبدِ اللهِ بن عمرٍو، وكان يَقْرَأُ الكتبَ:\n_________\n(^١) في م: \"أبى\". وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٣٩٤.\n(^٢) في ص ت ١، س ف: \"عباس\". وينظر تهذيب الكمال ٣/ ١٦٣.\n(^٣) سقط مِن: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٤) أخرجه الطبراني ١٩/ ٣٨١ (٨٩٥)، والبيهقى في شعب الإيمان (٧١٢٥)، من طريق سليمان بن عبد الرحمن به نحوه، وأخرجه أحمد ٣/ ٢٠٦ (١٦٧١) من طريق إسماعيل بن عياش به نحوه.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"10","page":17},{"text":"أَظُنُّ أولَهما خروجًا طلوعَ الشمسِ مِن مغربِها، وذلك أَنَّهَا (^١) كُلَّما غَرَبَت أَتَتْ تحتَ العرشِ فسجَدَت واستَأْذَنَت في الرجوعِ، [فيُؤذَنُ لها في الرجوعِ، حتى إذا [بدا للهِ] (^٢) أن تَطْلُعَ مِن مغربِها، فعَلَت كما كانت تَفْعَلُ، أنتْ تحتَ العرشِ فسجَدَت واستَأْذَنَت في الرجوع] (^٣)، فلم يَرُدَّ عليها شيئًا. فتَفْعَلُ ذلك ثلاث مراتٍ، لا يَرُدُّ عليها بشيءٍ، حتى إذا ذهَب مِن الليلِ ما شاء اللهُ أن يَذْهَبَ، وعرَفَت أن لو أذِن لها لم تُدْرِكِ المَشْرقَ، قالت: ما أبعدَ المشرقَ، ربِّ مَن لى بالناس، حتى إذا صار الأُفُق كأنه طَوْقٌ، اسْتَأْذَنَت في الرجوعِ، فقيل لها: اطْلُعى مِن مكانِك. فتَطْلُعُ مِن مغربِها. ثم قرَأ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو رَبيعةَ فَهْدٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن يحيى بن سعيدٍ (^٥) أبي حَيَّانَ، عن الشعبيِّ، أن ثلاثةَ نفرٍ دخَلوا على مَرْوانَ بن الحكمِ. فذكَر نحوَه عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو (^٦).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: سمِعْتُ عاصمَ بنَ أبى النُّجودِ يُحَدِّثُ عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، عن صَفْوَانَ بن عَسَّالٍ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س ف: \"دأبها\". والمثبت من: م موافق لما في مصنف ابن أبي شيبة ومسند أحمد، ومنتخب عبد بن حميد ومستدرك الحاكم.\n(^٢) عند ابن أبي شيبة: \"شاء الله\"، وعند عبد بن حميد: \"أراد الله\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) أخرجه أحمد ١١/ ٤٦٩، ٤٧٠ (٦٨٨١)، وأبو داود (٤٣١٠)، ومن طريق ابن علية به، بنحوه مختصرا عند أبي داود، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ٦٧، وأحمد ١١/ ٨٦ (٦٥٣١)، وعبد بن حميد (٣٢٦)، ومسلم (٢٩٤١)، وابن ماجه (٤٠٦٩)، والحاكم، ٤/ ٥٤٧، ٥٤٨، من طريق أبي حيان به، بنحوه مختصرا عند أحمد ومسلم وابن ماجه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٧ إلى ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي.\n(^٥) بعده في ت ١، س ف: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٣٢٣.\n(^٦) أخرجه البزار (٣٤٠١ - كشف) من طريق حماد به نحوه مختصرا.","vol":"10","page":18},{"text":"قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إن بالمغرب بابًا مفتوحًا للتوبةِ مسيرةَ سبعين عامًا، لا يُغْلَقُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِن نَحْوِه\" (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ، عن حجاجٍ، عن عاصمٍ، عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، عن صَفْوانَ بن عَمَّالٍ، قال: إذا طلَعَت الشمسُ مِن مغربِها، فيومَئذٍ لا يَنفَعُ نفسًا إيمانُها لم تَكُنْ آمَنَت مِن قبلُ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو ربيعةَ فَهْدٌ، قال: ثنا عاصمُ بن بَهْدَلَةَ، عَن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، قال: غَدَوتُ إلى صَفْوَانَ بن عَسَّالٍ، فقال: إن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"إن بابَ التوبة مفتوحٌ مِن قِبَلِ المغربِ، عرْضُه مسيرةُ سبعين عامًا، فلا يَزالُ مفتوحًا حتى تَطْلُعَ مِن قِبَلِه الشمسُ\". ثم قرَأ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. إلى: ﴿خَيْرًا﴾.\nحدَّثني الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا شعيبُ بنُ الليثِ، قال: ثنا الليثُ، عن جعفرِ بن ربيعةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن هُرْمُزَ أنه قال: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لا تقومُ الساعةُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِن المغربِ\". قال: \"فإذا طلَعَت الشمسُ مِن المغربِ آمَن الناسُ كلُّهم، وذلك حينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ \" (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن أيوب، عن ابن سيرينَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَن تاب قبلَ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٢٢، وفى مصنفه ١/ ٢٠٤، ٢٠٥ (٧٩٣)، ومن طريقه ابن خزيمة (١٩٣)، والطبراني (٧٣٥٢)، وأخرجه الدارقطنى ١/ ١٩٦، ١٩٧ من طريق الحسن بن يحيى به.\n(^٢) أخرجه البخارى (٦٥٠٦)، ومسلم (١٥٧) من طريق عبد الرحمن بن هرمز به نحوه.","vol":"10","page":19},{"text":"أن تَطْلُعَ الشمسُ مِن مغربِها قُبِل منه\" (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا فهدٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن يونُسَ (^٢) بن عُبيدٍ، عن إبراهيمَ بنَ يزيدِ التَّيْميِّ، عن أبي ذرٍّ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"إن الشمسَ إذا غرَبَت أتَتْ تحتَ العرشِ فسجَدَت، فيقالُ (^٣) لها: اطْلَعى مِن حيث عَرَبْتِ\". ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ إلى آخرِ الآية.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن الحكمِ، عن إبراهيمَ التيميِّ، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ، قال: كنتُ رِدْفَ النبيِّ ﷺ ذاتَ يومٍ على حمارٍ فنظَر إلى الشمسِ حينَ غرَبَت، فقال: \"إنها تَغْرُبُ في عينٍ حاميةٍ (^٤)، تَنْطَلِقُ حتى تَخِرَّ لربها ساجدةً تحتَ العرشِ، حتى يَأْذَنَ لها، فإذا أراد أن يُطْلِعَها مِن مَغْرِبها حبَسَها، فتقولُ: يا ربِّ، إن مسيرى بعيدٌ. فيقولُ لها: اطْلَعى مِن حيث غرَبْتِ. فذلك حينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ \" (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدةُ، عن موسى بن المسيبِ، عن إبراهيمَ التيميِّ عن أبيه، عن أبي ذرٍّ، قال: نظَر النبيُّ ﷺ يومًا إلى الشمسِ فقال: \"يُوشِكُ أن\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٢١ وعند أحمد ١٣/ ١٣٨ (٧٧١١)، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١١٧٩) من طريق ابن سيرين به نحوه. وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٦٧ عن المصنف.\n(^٢) في ص، ت ١، س ف: \"يوسف\".\n(^٣) في ف: \"فقال\".\n(^٤) في م س: \"حمئة\".\nوينظر ما سيأتي في تفسير الآية (٨٦) من سورة (الكهف).\n(^٥) أخرجه البزار (٤٠١٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٧، ١٤٢٨ (٨١٤٣) من طريق يزيد بن هارون به نحوه.","vol":"10","page":20},{"text":"تَجئَ حتى تَقِفَ بين يديِ اللهِ، فيقول: ارْجِعى مِن حيث جئتِ. فعندَ ذلك ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ \" (^١)\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾: فهو أنه (^٢) لا يَنْفَعُ مشركًا إيمانُه عندَ الآياتِ، ويَنْفَعُ أهلَ الإيمانِ عند الآياتِ، إن كانوا اكْتَسَبوا خيرًا قبل ذلك. قال ابن عباسٍ: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ عَشِيَّةً مِن العشيَّاتِ، فقال لهم: \"يا عبادَ اللهِ، تُوبوا إلى اللهِ، فإنكم تُوشِكون أن تَرَوُا (^٣) الشمسَ مِن قبل المغربِ، فإذا فَعَلَت ذلك حُبِسَت التوبةُ، وطُوِى العملُ، وخُتِم الإيمانُ (^٤) \". فقال الناسُ: هل لذلك مِن آية يا رسولَ اللهِ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إن آيةَ تِلكُمُ الليلة أن تَطولَ كقَدْرِ ثلاثِ ليالٍ، فَيَسْتَيْقِظُ الذين يَخْشَوْن ربَّهم، فيُصَلُّون له، ثم يَقْضُون صلاتَهم، والليلُ مكانَه (^٥) [لم يَنْقَضِ] (^٦)، ثم يَأْتُون مَضاجعَهم فينامون، حتى إذا اسْتَيْقَظوا والليلُ مكانَه، فإذا رأَوْا ذلك خافوا أن يَكونَ (^٧) بينَ يدَىْ أمرٍ عظيمٍ، فإذا أصْبَحوا، وطال عليهم (^٨) طُلوعُ الشمسِ، فبيْنا (^٩) هم يَنْتَظِرونها إذ طلَعَت عليهم مِن قِبَلِ المغربِ، فإذا فعَلَت ذلك لم\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١٤، ١٥ من طريق آخر عن إبراهيم التيمي به مطولًا.\n(^٢) في مصدرى التخريج: \"آية \".\n(^٣) في ص: \"برول\" بغير نقط، وفى ت ١، س، ف: \"تزول\".\n(^٤) في ص، ت ١، س، ف: \"العمل\".\n(^٥) في مصدري التخريج: \"كأنه\".\n(^٦) سقط من: ت ١، س، ف. وفى ص، وابن أبي حاتم: \"لم ينقص\".\n(^٧) بعده في م، ومصدرى التخريج: \"ذلك\".\n(^٨) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س ف: \"راث عليهم\".\n(^٩) في ص، والدر المنثور: \"فبينما\".","vol":"10","page":21},{"text":"يَنْفَعْ نفسًا إيمانُها لم تَكُنْ آمَنَت مِن قَبْلُ\" (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن صالحٍ مولى التَّوْءَمَةِ، عن أبي هريرةَ، أنه سمِعه يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لا تَقومُ الساعةُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِن مغربِها، فإذا طلَعَت ورآها الناسُ، آمَنوا كلُّهم أجْمَعون، فيومئذٍ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ \" الآية.\nوبه قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُريج: أَخْبَرَنِى ابن أَبِي عَتِيقٍ، أنه سمِع عُبيد بن عُميرٍ يَتْلُو: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾. قال: يقولُ: يُتَحَدَّثُ (^٢) واللهُ أعلمُ، أنها الشمسُ تَطْلُعُ مِن مغربِها.\nقال ابن جُريج: وأَخْبَرَنى عمرُو بنُ دينار، أنه سمع عُبيد بن عُميرٍ يقولُ ذلك.\nقال ابن جُريجٍ: وأخْبرَنى عبدُ اللهِ بنُ أبي مُلَيْكةَ، أنه سمِع عبدِ اللهِ بن عمرٍو يقولُ: إن الآيةَ التي لا يَنْفَعُ نفسًا إيمانُها، إذا طلَعَت الشمسُ مِن مغربِها (^٣).\nقال ابن جُريجٍ: وقال مجاهدٌ ذلك أيضًا.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شعبةَ، عن قتادةَ، عن زُرارةَ بن (^٤) أَوْفَى، عن ابن مسعودٍ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٨ (٨١٤٥) عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٨ إلى ابن مردويه.\n(^٢) في م: \"نتحدث\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٨ (٨١٤٤) من طريق ابن أبي مليكة به نحوه.\n(^٤) بعده في ت ١، ص ف ومصنف ابن أبي شيبة: (أبى). وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٣٣٩.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ١٧٩ عن وكيع به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٣٩ - تفسير)، =","vol":"10","page":22},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ بشار ومحمدُ بنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سَمِعْتُ قتادةَ يُحَدِّثُ عن زِرارةَ بن (^١) أَوْفَى، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ في هذه الآية: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ وعبدُ الوهَّابِ، عن (^٢) عوفٍ، عن ابن سيرينَ، قال: ثني أبو عُبيدة بنُ عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، قال: كان عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ يقولُ: ما ذُكر مِن الآياتِ فقد مضَيْن غير أربع؛ طلوعِ الشمسِ مِن مغربِها، ودابَّة الأرضِ، والدجَّالِ، وخروجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، والآيةُ التي تُخْتَمُ بها الأعمالُ طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها ألم تَرَ أن الله قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾. قال (^٣): طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن أبى الضُّحَى، عن مَسْروقٍ، قال: قال عبد الله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها مع القمرِ، كأنهما بَعيران\n_________\n= والطبرانى في الكبير (٩٠٢٠) من طريق شعبة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٧ إلى عبد بن حميد.\n(^١) بعده في ت ١، س، ف: \"أبي\".\n(^٢) في النسخ: \"بن\". وتقدم في ١/ ١٧٥، ٢/ ٣٦٢.\n(^٣) بعده في م، والدر المنثور: \"فهي\".\n(^٤) أخرجه الحاكم ٤/ ٥٤٥ من طريق سفيان الثورى عن عوف عن أنس بن سيرين به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٧١ عن عوف عن محمد بن سيرين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٩ إلى عبد بن حميد وابن مردويه. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ١٧٩، ١٨٠، من طريق ابن عون، عن ابن سيرين - لم يعين أنسا أو محمدا - يرسله عن ابن مسعود.","vol":"10","page":23},{"text":"مَقْرونان.\nقال شعبةُ: وحدَّثنا قتادة، عن زُرارةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها مع القمرِ كالبعيرَيْن المُقْتَرِنَين (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ والأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها مع القمرِ، كالبعيرَيْن القرينَيْن (^٢).\nقال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ وأبيه، عن أشعثَ بن أبى الشَّعثاءِ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ، قال: التوبةُ مبسوطةٌ ما لم تَطْلُعِ الشمسُ مِن مغربِها.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكر لنا أن ابنَ أمِّ عبْدٍ كان يقولُ: لا يَزالُ بابُ التوبةِ مفتوحًا حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِن مغربِها، فإذا رأَى الناسُ ذلك آمَنوا، وذلك حينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا العَلاءُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لا تَقومُ الساعةُ حتى تَطْلُعَ\n_________\n(^١) أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (١٨٤٨) من طريق الأعمش به.\n(^٢) تفسير سفيان ص ١١٠ - ومن طريقه نعيم بن حماد في الفتن (١٨٤٨)، والطبراني (٩٠١٩)، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٢٧ (٨١٤٢ - عن منصور وحده به، وسقط ذكر مسروق من تفسير سفيان، وينظر ص ١٣.","vol":"10","page":24},{"text":"الشمسُ مِن مغربِها، فإذا طلَعَت آمن الناسُ كلُّهم، فيومَئذٍ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عبيدِ بن عميرٍ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها (^١).\nقال: حدَّثنا أبي، عن الحسنِ بن عقبةَ أبي (^٢) كِيرانَ، عن الضحاكِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، قال: أخْبَرني أشعثُ بنُ أبى الشَّعْثاء، عن أبيه، عن ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: لا تَزالُ التوبةُ مَبْسوطةً ما لم تَطْلُع الشمسُ مِن مغربِها (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها (^٤).\nحدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخْبَرنى أبو صخرٍ، عن القُرَظيِّ أنه كان يقولُ في هذه الآية: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: إذا جاءت الآيات لم يَنْفَعْ نفسًا\n_________\n(^١) أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (١٨٤٧) عن ابن عيينة به.\n(^٢) في ف: \"ابن\". وينظر الجرح والتعديل ٣/ ٢٨.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٢١، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٣٧ - تفسير) من طريق أشعث بن مسعود، بدون ذكر أبى الشعثاء.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٣١.","vol":"10","page":25},{"text":"إيمانُها. يقولُ: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن عاصمِ بن أبي النَّجودِ (^١)، عن زِرّ بن حُبَيْشٍ، عن صَفْوانَ بن عَسَّالٍ: ﴿يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن وهبِ بن جابرٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها (^٢).\nوقال آخرون: بل ذلك بعضُ الآياتِ الثلاثة؛ الدابة، ويأجوجَ ومأجوجَ، وطلوعُ الشمسِ مِن مغربِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-3202>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن المسعوديِّ، عن القاسمِ، قال: قال عبدُ اللهِ: التوبةُ مَعْروضةٌ على ابن آدم إن قبِلَها، ما لم تَخْرُجْ إحدى ثلاثٍ؛ ما لم تَطْلُعِ الشمسُ مِن مغربِها، أو الدابَّةُ، أو فتحُ يأجوجَ ومأجوجَ (^٣).\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا المسعوديُّ، عن القاسمِ بن عبدِ الرحمنِ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: التوبةُ معروضةٌ على ابن آدم إن قبِلَها، ما لم تَخْرُجْ إحدى ثلاثٍ؛ الدابةِ، وطلوعِ الشمسِ مِن مغربِها، وخروجِ يأجوجَ ومأجوجَ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"إسحاق\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٣/ ١٤٢ عن معمر، عن أبي إسحاق به نحوه مطولا.\n(^٣) ينظر البحر المحيط ٤/ ٢٥٩.","vol":"10","page":26},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن عامرٍ، عن عائشةَ، قالت: إذا خَرَجَتْ (^١) أولُ الآياتِ طُرِحَت الأقلامُ، وحُبسَت الحَفَظةُ، وشَهِدَت الأجسادُ على الأعمالِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن أبيه، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ثلاثٌ إذا خَرَجْنَ (^٣) لا يَنْفَعُ نفسًا إيمانُها لم تكُن آمَنَت مِن قبلُ، أو كسَبَت في إيمانِها خيرًا؛ طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها، والدجالُ، ودابَّةُ الأرضِ\" (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ عبدِ الكَريمِ، قال: ثنا الحسنُ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"بادروا بالأعمالِ ستًّا؛ طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها، والدجالَ، والدُّخَانَ، ودابةَ الأرضِ، [وخُوَيصَّةً أحدكم، وأمْرَ العامة\"] (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكر لنا (^٦) أن نبيَّ\n_________\n(^١) في م، وتفسير عبد الرزاق: \"خرج\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ١٧٩ عن وكيع به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٢٢ عن سفيان الثورى به.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"خرجت\". والمثبت موافق لما في مصدر التخريج.\n(^٤) أخرجه مسلم (١٥٨) عن أبي كريب به.\n(^٥) خويصة أحدكم: حادثة الموت التي تخص كل إنسان، وهى تصغير خاصة، وصغرت لاحتقارها في جنب ما بعدها من البعث والعرض والحساب وغير ذلك، والعامة: القيامة؛ لأنها تعم الناس بالموت. النهاية ٢/ ٣٧، ٣/ ٣٠٢.\nوالحديث أخرجه أحمد ١٤/ ٥٦، ١٥/ ١٥٩ (٨٣٠٣، ٩٢٧٨)، ومسلم (٢٩٤٧)، وابن حبان (٦٧٩٠)، وابن منده في الإيمان (١٠٠٧، ١٠٠٨)، وأبو عمرو الدانى في الفتن (٥٢٦)، والمزي في تهذيب الكمال ٩/ ٤٦٤ من طريق قتادة، عن الحسن، عن زياد بن رياح، عن أبي هريرة مرفوعا. وأخرجه الطيالسي (٢٦٧٢) من طريق قتادة، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة مرفوعا. وينظر تتمة تخريجه في الطياسي.\n(^٦) سقط من: م.","vol":"10","page":27},{"text":"اللهِ ﷺ كان يقولُ. فذكَر نحوَه (^١).\nوأولى الأقوالِ بالصوابِ في ذلك ما تَظاهَرت به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"ذلك حينَ تَطْلُعُ الشمسُ مِن مغربِها\".\nوأما قولُه: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾. فإنه يعنى: أو عمِلَت في تصديقِها باللهِ خيرًا مِن عملٍ صالحٍ، يُصَدِّقُ قِيلَه ويُحَقِّقُه، مِن قبلِ طلوعِ الشمسِ مِن مغربِها، لا يَنْفَعُ كافرًا لم يَكُنْ آمَن باللهِ قبل طلوعِها، كذلك إيمانُه باللَّهِ إِن آمَن، وصدَّق باللهِ ورسلِه؛ لأنها حالةٌ لا تَمْتَنِعُ نفسٌ مِن الإقرارِ باللهِ؛ لعظيمِ الهَوْلِ الواردِ عليهم مِن أمر اللهِ، فحُكْمُ إيمانِهم [كحكمِ إيمانهم] (^٢) عندَ قيامِ الساعةِ، وتلك حالٌ لا يَمْتَنِعُ الخَلْقُ مِن الإقرارِ بوَحْدانيةِ اللهِ؛ لمعاينتِهم مِن أهوالِ ذلك اليوم ما تَرْتَفِعُ معه حاجتُهم إلى الفكرِ والاستدلالِ والبحثِ والاعتبارِ. ولا يَنْفَعُ مَن كان باللهِ وبرسلِه مُصَدِّقًا، ولفرائضِ اللَّهِ مُضَيِّعًا، غيرَ مُكْتَسِب بجَوارحِه للهِ طاعةً، إذا هي طَلَعَت مِن مغربِها - أعمالُه إن عمل، وكَسْبُه إِن اكْتَسَب؛ لِتَفْريطِه الذي سلَف قبلَ طلوعِها في ذلك.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾. يقولُ: كسَبَت في تصديقها خيرًا؛ عملًا صالحًا، فهؤلاء أهلُ القبلةِ، وإن كانت مُصَدِّقةً ولم تَعْمَلْ قبل ذلك خيرًا، فعمِلَت بعدَ أن رأَت الآية لم يُقْبَلْ منها، وإن عمِلَت قبلَ الآية خيرًا، ثم عمِلَت بعدَ الآية خيرًا، قُبِل\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٤٣ عن معمر، عن قتادةَ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) سقط من: ص ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":28},{"text":"منها (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾. قال: مَن أَدْرَكه بعضُ الآياتِ وهو على عملٍ صالحٍ مع إيمانه، قبِل اللهُ منه العملَ بعدَ نزولِ الآية، كما قِبل منه قبلَ ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-3203>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم الأوثانَ والأصْنامَ، انْتظِروا أن تَأْتِيَكم الملائكةُ بالموتِ، فتَقْبِضَ أرَواحَكم، أو أن يَأْتِيَ ربُّكم لفَصْلِ القَضاءِ بيننا وبينكم في موقف القيامة، أو أن يَأْتِيَكم طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها، فتُطْوَى صُحُفُ (^٢) الأعمال، ولا يَنْفَعُكم إيمانكم حينَئذٍ إن آمنتُم، حتى تَعْلَموا حينَئذٍ المُحِقَّ منا مِن المُبْطِلِ، والمُسِيءَ مِن المُحْسِن، والصادقَ مِن الكاذبِ، وتَتَبَيَّنوا عند ذلك بمَن يَحِيقُ عذابُ اللهِ وأليمُ نَكالِه، ومَن الناجي منا ومنكم، ومَن الهالكُ، إنا مُنتَظِروا ذلك؛ ليُجْزِلَ اللهُ لنا ثوابَه على طاعتِنا إياه، وإخْلاصِنا العبادةَ له، وإفْرادِناه بالربوبيةِ دونَ ما سواه، ويَفْصِل بينَنا وبينَكم بالحقِّ، وهو خيرُ الفاصلين.\n\n<span id=\"aya-948\"></span><span data-type='title' id=toc-3204>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾</span>\nاخْتَلَفَتِ القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَرَّقُوا﴾؛ فرُوِى عن عليِّ بن أبي طالبٍ رضِى\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٤/ ٣٢٧.\n(^٢) في م: \"صحائف\".","vol":"10","page":29},{"text":"اللهُ عنه ما [حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرٍو [ذى مُرٍّ] (^١)، أَنَّ عليًّا ﵁ قرَأ: (إن الذين فارَقوا دينهم)] (^٢) (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، قال: قال حمزةُ الزَّيَّاتُ: قرَأها عليٌّ ﵁: (فارقوا دينَهم) (^٤).\nوكأن عليًّا ذهَب بقولِه: (فارَقوا دينَهم)؛ خرجوا فارْتَدُّوا عنه، مِن المُفارَقةِ.\nوقرَأ ذلك عبدُ اللهِ بن مسعودٍ كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ رافعٍ، عن زُهَيْرٍ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، أن عبدُ اللهِ كان يَقْرَؤُها: ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ (^٥).\nوعلى هذه القراءة - أعْنِى قراءةَ عبدِ اللَّهِ - قرأةُ المدينةِ والبصرةِ وعامةُ قرأةِ الكوفيين (^٦). وكأن عبدُ اللهِ تأوَّل بقراءتِه ذلك كذلك أن دينَ اللهِ واحدٌ، وهو دينُ إبراهيمَ الحَنيفيةُ المسلمةُ، ففرَّق ذلك اليهودُ والنصارى، فتهوَّد قومٌ، وتنَصَّر آخَرون، فجعَلوه شِيَعًا مُتَفرقةً.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إنهما قراءتان معروفتان، قد قرَأَت بكلِّ\n_________\n(^١) في م: \"بن دينار\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٣٠٢.\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٩ (٨١٥٢) من طريق أبي إسحاق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٣ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) بعده في ص: قال: ثنا حسن بن علي، عن سفيان، عن قتادة: (فارقوا دينهم) \"، وفى م: وقال: ثنا الحسن بن علي، عن سفيان، عن قتادة: (فارقوا دينهم) \". وسيأتي هذا الأثر على الصواب في موضعه ص ٣٢.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم ﴿فَرَّقُوا﴾ مشددة، مشددة، وقرأ حمزة والكسائي (فارقوا). حجة القراءات ص ٢٧٨.","vol":"10","page":30},{"text":"واحدةٍ منهما أئمةٌ مِن القرأة، وهما مُتَّفقتا المعنى غيرُ مُخْتَلِفَتَيْه؛ وذلك أن كلَّ صَالٌ فلِدينِه مفارقٌ، وقد فرَّق الأحزابُ دينَ اللَّهِ الذي ارْتَضاه لعبادِه، فتَهَوَّد بعضٌ، وتنَصَّر آخرون، وتَمَجَّس بعضٌ. وذلك هو التفريقُ بعينه، ومصيرُ أهلِه شِيَعًا متفرِّقين غيرَ مجتمعين، فهم لدينِ اللهِ الحقِّ مفارِقون، وله مُفَرِّقون. فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فهو للحقِّ مصيبٌ، غير أنى أَخْتارُ القراءة بالذي عليه عُظْمُ القرأةُ، وذلك تشديدُ الراءِ مِن ﴿فَرَّقُوا﴾.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المَعْنِيِّين بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا (^١) دِينَهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنى بذلك اليهودَ والنصارى.\n\n<span data-type='title' id=toc-3205>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني (^٢) محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾. قال: يهودُ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوَله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا\n_________\n(^١) في النسخ: \"فارقوا\". وما أثبتناه كرسم مصحفنا.\n(^٢) في م: \"حدثنا\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٣١.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٢٢ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣٠ (٨١٥٤) - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"10","page":31},{"text":"دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾: مِن اليهودُ والنصارى.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾: هؤلاء اليهودُ والنصارى. وأما قولُه: ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾. فيقولُ: تركوا دينَهم وكانوا شيعًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾: وذلك أن اليهودَ والنصارى اخْتَلَفوا قبل أن يُبْعَثَ محمدٌ فتفَرَّقوا، فلمَّا بُعِث محمدٌ أَنْزَل اللهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أَبا مُعاذٍ يقولُ: أَخْبرَنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾. يعنى: اليهودَ والنصارى (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن شَيْبانَ عن قتادةَ: (فارقوا دينَهم). قال: هم اليهودُ والنصارى (^٤).\nوقال آخَرُونَ: عنى بذلك أهلَ البدعِ مِن هذه الأمة الذين اتَّبَعوا مُتَشَابِهَ القرآنِ دونَ مُحْكَمِه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣٠، ١٤٣١ (٨١٥٦، ٨١٦٣) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣٠ (٨١٥٣) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) ينظر البحر المحيط ٤/ ٢٦٠، وتفسير ابن كثير ٣/ ٣٧٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣٠ (٨١٥٥) من طريق حسين به، بلفظ: اليهود. وفيه: فرقوا.","vol":"10","page":32},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3206>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ، عن أبي هريرةَ قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾. قال: [نزَلت هذه الآيةُ في هذه الأمةِ] (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ، عن عن أبي هريرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾. قال: هم أهلُ الصلاةِ (^٢).\nحدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا بقيةُ بن الوليدِ، قال: كتَب إليَّ عَبَّادُ بن كثيرٍ، قال: ثنى ليثٌ، عن طاوسٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ في هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾: \"وليسوا منك، هم أهلُ البدَعِ وأهلُ الشُّبُهات، وأهلُ الضَّلالة، مِن هذه الأمةِ\" (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقال: إن الله أَخْبَر نبيَّه ﷺ أنه بَرئٌ ممَّن فارَق دينَه الحقَّ وفرَّقه، وكانوا فِرَقًا فيه وأحزابًا شِيَعًا، وأنه ليس منهم ولا هم منه؛ لأن دينَه الذي بعَثه اللهُ به هو الإسلامُ دينُ إبراهيمَ الحَنيفيةُ، كما قال له ربُّه وأمَرَه أن يقولَ: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١].\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، س، ف: \"نزلت في هذه الأمة، أو في هذه الأمة، وفى ت ١: \"نزلت هذه في الأمة\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٩ (٨١٥١) من طريق عبد الرحمن به، وأخرجه أشيب في جزئه ١/ ٦٨ من طريق طاوس به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٧٢ عن سفيان به، وذكره البخاري في خلق أفعال العباد ص ٦٧ عن طاوس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٣ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) في م، س: \"الضلالة\".\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٦٤) من طريق طاوس به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٧٢ عن المصنف، وقال: هذا الإسناد لا يصح، فإن عباد بن كثير متروك. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٣ إلى الحكيم الترمذى والشيرازى في الألقاب وابن المنذر. وينظر علل الدارقطني ٨/ ٣٢١.","vol":"10","page":33},{"text":"فكان مِن فارَق دينه الذي بُعِث به ﷺ؛ مِن مشركٍ، ووَثَنَيٍّ (^١)، ويهوديٍّ، ونصرانيٍّ، ومُتَحَنِّفٍ مُبْتَدِعٍ قد ابْتَدَع في الدينِ ما ضلَّ به عن الصراطِ المستقيمِ والدينِ القيِّمِ ملةِ إبراهيمَ المسلمِ - فهو برئٌ مِن (^٢) محمدٍ ﷺ، ومحمدٌ منه برئ، وهو داخلٌ في عمومِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾.\nوأما قوله: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾. فإن أهلُ التأويلِ اخْتَلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: نزَلَت هذه الآيةُ على نبيِّ اللهِ بالأمرِ بتركِ قتالِ المشركين قبلَ وُجوب فرضِ قتالِهم، ثم نسَخَها الأمرُ بقتالِهم في سورةِ \"براءةَ\"، وذلك قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-3207>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ قولَه: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾: لم يُؤْمَرُ بقتالهم، ثم نُسِخت، فأُمِر بقتالهم في سورة \"براءةَ\" (^٣).\nوقال آخرون: بل نزَلَت على النبيِّ ﷺ إعلامًا مِن اللَّهِ لَه أَن مِن أُمتِه مَن يُحْدِثُ بعدَه في دينِه، وليست بمنسوخةٍ؛ لأنها خبرٌ لا أمرٌ، والنسخُ إنما يكونُ في الأمرِ والنهيِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3208>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أَخْبَرنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن عليِّ\n_________\n(^١) سقط مِن: ص، ت ١، س.\n(^٢) بعده في ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"أمة\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣١ (٨١٦٢) من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"10","page":34},{"text":"ابن الأقمَرِ، عن أبي الأحْوَصِ أنه تلا هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾. ثم يقولُ: بُرِّئ نبيُّكم ﷺ منهم (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي وابن إدريس وأبو أسامةَ ويحيى بنُ آدمَ، عن مالكِ بن مِغْوَلٍ بنحوِه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا شُجاعٌ أبو بدرٍ، عن عمرِو بن قيسٍ المُلَائيِّ (^٢)، قال: قالت أُمُّ سلمةَ: ليَتَّقِ امرؤٌ ألا يكونَ مِن رسولِ اللهِ ﷺ في شيءٍ. ثم قرَأَت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾. قال عمرُو بنُ قيسٍ: قالها مُرَّةُ الطَّيِّبُ، وتلا هذه الآية (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقال: إن قولَه: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾.\nإعلام مِن الله نبيِّه محمدٍ ﷺ أنه مِن مبتدعة أمتِه المُلْحِدة في دينِه بَرِيءٌ، ومِن الأحزاب مِن مشركي قومِه ومن اليهودِ والنصارى، وليس في إعلامِه ذلك ما يُوجِبُ أن يكونَ نهاه عن قتالِهم؛ لأنه غيرُ مُحالٍ أن يقالَ في الكلامِ: لستَ مِن دينِ اليهودِ والنصارى في شيءٍ، فقاتِلْهم؛ فإِنَّ أَمْرَهم إلى اللهِ في أَن يَتَفَضَّلَ على مَن شَاء منهم فيَتُوبَ عليه، ويُهْلِكَ مَن أراد إهلاكَه منهم كافرًا، فيَقْبِضَ رُوحَه، أو يَقْتُلَه بيدِك على كفرِه، ثم يُنَبِّئهم بما كانوا يَفْعَلون عندَ مَقْدَمِهم عليه. وإذ كان غيرَ مستحيلٍ اجتماعُ الأمرِ بقتالِهم وقولِه: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾، ولم يَكُنْ في الآية دليلٌ واضحٌ على أنها منسوخةٌ، ولا ورد بأنها منسوخةٌ عن الرسولِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣١ (٨١٦١) من طريق ابن إدريس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٣ إلى عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في م: \"الملأ\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٢٠٠.\n(^٣) أخرجه أحمد بن منيع - كما في المطالب العالية (٣٩٧٥) - عن شجاع أبي بدر عن عمرو بن قيس عن رجل، عن أم سلمة، دون قول مرة الطيب، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٣ إلى أبى الشيخ. وقول مرة أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣١ (٨١٦٠)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ١٦٣ من طريق شجاع أبي بدر به.","vol":"10","page":35},{"text":"خبرٌ - كان غيرَ جائزٍ أن يُقْضَى عليها بأنها منسوخةٌ، حتى تقومَ حُجَّةٌ مُوجِبةً صحةَ القولِ بذلك؛ لما قد بَيَّنَّا مِن أن المنسوخَ هو ما لم يَجُزِ اجتماعُه وناسخُه في حالٍ واحدةٍ، في كتابِنا \"كتاب اللطيفِ عن أصولِ الأحكامِ\".\nوأما قولُه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾. فإنه يقولُ: أنا الذي إليَّ أمرُ هؤلاء المشركين الذين فارَقوا ديَنهم وكانوا شِيَعًا، والمبتدعةِ مِن أمِتك الذين ضلُّوا عن سبيِلك دونَك، ودونَ كلّ أحدٍ؛ إما بالعقوبةِ إن أقاموا على ضّلالِتهم وفِراقِهم (^١) دينَهم، فأُهْلِكُهم بها، وإما بالعفوِ عنهم بالتوبةِ عليهم والتَّفضُّلِ منى عليهم، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. يقولُ: ثم أُخْبِرُهم في الآخرةِ عندَ ورودِهم عليَّ يوم (^٢) القيامةِ بما كانوا يَفْعَلون، فأُجازِى كلًّا منهم بما كانوا في الدنيا يّفْعَلون، المحسن منهم بالإحسانِ، والمسيءَ بالإساءةِ. ثم أَخْبَر جلَّ ثناؤُه ما مَبْلَغُ جزائِه مَن جازَى منهم بالإحسانِ أو بالإساءةِ، فقال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-949\"></span><span data-type='title' id=toc-3209>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: مَن وافَى ربّه يومَ القيامةِ في موقفِ الحسابِ، مِن هؤلاء الذين فارَقوا دينَهم وكانوا شِيَعًا، بالتوبةِ والإيمانِ، والإقلاعِ عما هو عليه مقيمٌ من ضلالتِه، وذلك هو الحسنةُ التي ذكَرها الله فقال: مَن جاء بها فله عَشْرُ أمثالها.\nويعنى بقوله: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾: فله عشْرُ حسَناتٍ أمثالِ حسنتِه التي جاء بها، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. يقولُ: ومَن وافَى يومَ القيامةِ منهم بفراقِ الدِّين\n_________\n(^١) في م: \"فرقتهم\"، وفى، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فرقوا\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، س، ف.","vol":"10","page":36},{"text":"الحقِّ والكفرِ باللَّهِ، فلا يُجْزَى إلا ما ساءَه مِن الجزاءِ، كما وافَى الله به مِن عمله السيئَ. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولا يَظْلِمُ الله الفريقين؛ لا فريق الإحسانِ، ولا فريقَ الإساءةِ، بأن يُجازِيَ المحسنَ بالإساءةِ، والمسيءَ بالإحسانِ، ولكنه يُجازِى كلا الفريقين مِن الجزاءِ ما هو له؛ لأنه جلَّ ثناؤُه حكيمٌ، لا يَضَعُ شيئًا إلا في موضعِه الذي يَسْتَحِقُّ أَن يَضَعَه فيه، ولا يُجازِى أحدًا إلا بما يَسْتَحِقُّ من الجزاءِ.\nوقد دلَّلْنا فيما مضَى على أن معنى \"الظلمِ\" وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه، بشَواهدِه المُغْنيةِ عن إعادتِها في هذا الموضعِ (^١).\nفإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ كما ذكَرْتَ مِن أن معنى الحسنةِ في هذا الموضع الإيمانُ باللَّهِ، والإقرارُ بوَحْدانيتِه، والتصديقُ برسولِه، والسيئةِ فيه الشركُ به، والتكذيبُ لرسولِه، أَفَلِلإيمان (^٢) أمثالٌ فيُجازَى بها المؤمنُ؟ وإن كان له مِثْلٌ فكيف يُجازَى به، والإيمانُ إنما هو عنَدك قولٌ وعملٌ، والجزاءُ مِن اللهِ لعبادِه عليه الكرامة في الآخرةِ، والإنعامُ عليهم (^٣) بما أعَدَّ لأهلِ كرامتِه مِن النعيمِ في دارِ الخلودِ، وذلك أعيانٌ تُرَى وتُعايَنُ وتُحسُّ ويُلْتَذُّ بها، لا قولٌ يُسْمَعُ، ولا كسبُ جوارحَ؟\nقيل: إن معنى ذلك غيرُ الذي ذهَبْتَ إليه، وإنما معناه: مَن جاء بالحسنةِ فوافَى الله بها له مطيعًا، فإن له مِن الثوابِ ثوابَ عشرِ حسناتٍ أمثالِها.\nفإن قلتَ: فهل لقولِ: لا إلهَ إلا اللهُ. مِن الحسناتِ مِثْلُ؟\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ٥٥٩، ٥٦٠.\n(^٢) في م: \"فللإيمان\".\n(^٣) في م: \"عليه\".","vol":"10","page":37},{"text":"قيل: له مثلٌ هو غيرُه؟! ولكنْ (^١) له مثلٌ هو قولُ: لا إلهَ إلا اللهُ. وذلك هو الذي وعَد اللهُ جلَّ ثناؤُه مَن أتاه به أن يُجازِيَه عليه مِن الثوابِ بمثلِ عَشَرةِ أضعافِ ما يَسْتَحِقُه قائلُه، وكذلك ذلك في مَن جاء بالسيئةِ التي هي الشركُ، إلا أنه لا يُجازَى صاحبُها عليها إلا ما يَسْتَحِقُه عليها، مِن غيرِ إضعافِه عليه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأولِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3210>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرِ بن أبي المغيرة، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: لما نزلت ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. قال رجلٌ مِن القومِ: فإنَّ لا إلهَ إلا اللهُ حسنةٌ؟ قال: نعم، أفضلُ الحسنات (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِيَاثٍ، عن الأعمشِ والحسنِ بن عُبيد اللهِ، عن جامعِ بن شدَّادٍ، عن الأسودِ بن هلالٍ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾: لا إلهَ إلا اللهُ (^٣).\nحدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا حفصٌ، قال: ثنا الأعمشُ والحسنُ بنُ عُبيدِ اللهِ، عن جامعِ بن شدَّادٍ، عن الأسودِ بن هلالٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: مَن جاء بـ: لا إلهَ إلا اللهُ. قال: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: الشركِ.\n_________\n(^١) في م: \"ليس\".\nوقوله: \"له مثل هو غيره ولكن له مثل هو. .\". قد يبدو غير مفهوم مما حدا ناشره إلى وضع \"ليس\" مكان \"لكن\"، وصحة الأمر أن أبا جعفر مهد للإجابة على السؤال بسؤال استنكارى فقال: \"مثل هو غيره؟ \" ثم استدرك موضحًا جلية الأمر: \"ولكن له مثل هو قول: لا إله إلا الله\". ليس مثلًا غيره. والله أعلم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٣ إلى عبد بن حميد مرفوعا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة - كما في الدر المنثور ٣/ ٦٦ - ومن طريقه الطبراني في الدعاء (١٥٠٢) عن حفص، عن الأعمش وحده به.","vol":"10","page":38},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْل، عن الحسنِ بِن عُبيدِ اللهِ، عن جامع بن شدَّادٍ، عن الأسودِ بن هلالٍ، عن عبدِ اللهِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ عمرٍو المَعْنِيُّ، عن زائدة، عن عاصمٍ، عن شقيقٍ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ كلمةِ الإخلاصِ، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: الشركِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، وعن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ والقاسمِ بن أبى بَزَّةَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قالوا: لا إلهَ إلا اللهُ كلمةِ الإخلاصِ، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قالوا: بالشركِ وبالكفرِ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيْرٍ وابنُ فُضَيْلٍ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: الشركِ.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: جابرُ بنُ نُوحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عُبيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة - كما في الدر المنثور ٣/ ٦٣ - ومن طريقه الطبراني في الدعاء (١٥٠٣) - عن ابن فضيل به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣١ (٨١٦٥)، وأبو نعيم في الحلية ٩/ ٤٣، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٠٣) من طريق الحسن بن عبيد الله، وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥٢٩) من طريق معاوية بن عمرو به.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥١٦) من طريق ابن يمان به من قول سعيد وحده.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥٢٧) من طريق موسى بن عبيدة به.","vol":"10","page":39},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي المُحَجَّل (^١)، عن إبراهيم: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: الشركِ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي المحجلِ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي المحجلِ، عن إبراهيمَ مثله.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن أبي المحجلِ، عن أبي مَعْشَرٍ، قال: كان إبراهيمُ يَحْلِفُ باللَّهِ، ما يَسْتَثنى، أنَّ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾: لا إلهَ إلا اللهُ، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾: مَن جاء بالشركِ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: كلمةِ الإخلاصِ لا إلهَ إلا اللهُ. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قال: بالشركِ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، وحدَّثنا المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، جميعًا عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: الشركِ (^٥).\n_________\n(^١) أبو المحجل هو رُدَينيُّ بن مرة - ويقال: ابن خالد، ويقال: ابن مخلد - البكرى: ينظر التاريخ الكبير ٣/ ٣٣١، والجرح والتعديل ٣/ ٥١٦.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥٣٧) من طريق عبد الرحمن به مقتصرًا على أوله وفيه: عن أبي معشر، عن إبراهيم.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥٣٦) من طريق جرير به مقتصرا على أوله.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥٢٦) من طريق هشيم وزائدة، عن عبد الملك به.\n(^٥) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥٢٤) من طريق أبي نعيم به، وأخرجه (١٥٢٥) من طريق أبي أحمد، =","vol":"10","page":40},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيْرٍ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن القاسم بن أبى بَزَّةَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: كلمةِ الإخلاصِ. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: الكفرِ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سلمةَ، عن الضحاكِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن أشعثَ، عن الحسنِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثله (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. يقولُ: مَن جاء بلا إلهَ إِلا اللَّهُ ﴿وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: الشركِ (^٦)\n_________\n= عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح.\n(^١) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥٣٤) من طريق عثمان به\n(^٢) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥٣٠) من طريق وكيع به، وأخرجه (١٥٣١) من طريق جويبر، عن الضحاك.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥٢٢) من طريق أبي خالد به، وأخرجه (١٥١٩ - ١٥٢١، ١٥٢٣) من طرق عن الحسن به.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥١٣) من طريق الحماني به، وأخرجه (١٥١٤، ١٥١٥، ١٥١٧، ١٥١٨) من طرق عن سعيد.\n(^٥) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥١١) من طريق الحماني به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٣٥، والطبراني في الدعاء (١٥٠٥)، والبيهقى - مطولا - في الأسماء والصفات (٢٠٦) من طريق عبد الله بن صالح به، وأخرجه الطبراني (١٥٠٤، ١٥٠٦) من طرق عن ان عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٨ إلى ابن المنذر.","vol":"10","page":41},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيْئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. ذكِر لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان يقولُ: \"الأعمالُ ستةٌ؛ مُوجبةٌ ومُوجبةٌ، ومُضْعِفةٌ ومُضْعِفةٌ، ومِثْلٌ ومِثْلٌ؛ فأَمَّا الموُجِبتان: فمَن لَقِى اللَّهَ لا يُشْرِكُ به شيئًا دخل الجنةَ، ومَن لَقِى اللَّهَ مُشْرِكًا به دخَل النارَ، وأمَّا المُضْعِفُ والمُضْعِفُ: فنَفَقةُ المؤمنِ في سبيلِ اللَّهِ سبعمائةِ ضِعْفٍ، ونفقتُه على أهلِ بيتِه عشرُ أمثالِها، وأمَّا مِثْلٌ ومِثْلٌ: فإذا همَّ العبدُ بحسنةٍ فلم يَعْمَلُها كُتِبَت له حسنةً، وإذا همَّ بسيئةٍ ثم عمِلها كُتِبَت عليه سيئةً (^١).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، عن شيخٍ مِن التَّيْمِ، عن أبي ذرّ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، علَّمْنى عملا يُقَرِّبُني إلى الجنةِ، ويُباعِدُنى مِن النِار، قال: \"إذا عمِلْتَ سيئةً فاعْمَلْ حسنةً، فإنها عَشْرُ أمثالِها\". قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، لا إلهَ إلا اللهُ مِن الحسناتِ؟ قال: \"هي أحسنُ الحسناتِ\" (^٢).\nوقال قومٌ: عُنِى بهذه الآيةِ الأعرابُ، فأما المهاجرون، فإن حسناتهم بسبعِمِائةِ ضِعفٍ أو أكثرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3211>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٣٤٥ (الميمنية)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (١٠٤٧)، وابن حبان (٦١٧١)، والحاكم ٢/ ٨٧، والبيهقى في الشعب (٤٢٦٩) نحوه من حديث خريم بن فاتك الأسدى، وقوله: (إذا هم العبد بحسنة …). أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣٣ (٨١٧٢) من طريق يزيد به. وأصله أخرجه أحمد ٤/ ٣١٥ (٢٥١٩)، والبخارى (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١، ٢٠٨) من حديث ابن عباس.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٤٩٨) من طريق أبي نعيم به، وأخرجه أحمد ٥/ ٦٩ - ومن طريقه الطبراني في الدعاء (١٥٠١) - وابن أبي حاتم في تفسيره - - مختصرا - - ٥/ ١٤٣١ (٨١٦٤)، وابن حبان في الثقات، ٨/ ٤١١، والطبراني في الدعاء (١٤٩٩، ١٥٠٠)، والبيهقى في الأسماء والصفات (٢٠٢)، والقزويني في التدوين ٢/ ٤٥٨، ٤٥٩ من طريق الأعمش به، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٤/ ٢١٨، والبيهقي =","vol":"10","page":42},{"text":"عن أبي الصِّدِّيقِ الناجيِّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ في قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. قال: هذه للأعراب، وللمهاجرين سبعُمائةٍ (^١).\nحدَّثنا محمدٌ أبو (^٢) نَشِيطِ بنُ هارونَ الحربيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى بُكَيْرٍ (^٣)، قال: ثنا فُضَيْلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، قال: نزَلَت هذه الآيةُ في الأعرابِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. قال: قال رجلٌ: فما للمُهاجرين؟ قال: ما هو أعظمُ من ذلك؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] وإذا قال اللهُ لشيء: عظيمٌ. فهو عظيمٌ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، قال: نزَلَت هذه الآية: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. وهم يَصومون ثلاثةَ أيامٍ مِن الشهرِ، ويُؤَدُّون عُشْرَ أموالِهم، ثم نزَلَت الفَرائضُ بعد ذلك، صومُ رمضانَ والزكاةُ (^٥).\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، فأُضِيف \"العشرُ\" إلى \"الأمثالِ\"، وهى \"الأمثالُ\"؟ وهل يُضافُ الشيءُ إلى نفسهِ؟\nقيل: أُضِيفَت إليها لأنه مُرادٌ بها: فله عَشْرُ حسناتٍ أمثالِها. فـ \"الأمثالُ\" حلَّت محَلَّ المفسِّرِ، وأُضِيف \"العشرُ\" إليها، كما يقال: عندى عَشْرُ نِسْوةٍ. فلأنه\n_________\n= في الأسماء والصفات (٢٠١) من طريق الأعمش، عن إبراهيم التيمى، عن أبيه، عن أبي ذر. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٤ إلى ابن المنذر وابن مردويه. وينظر علل الدارقطني ٦/ ٢٦٨.\n(^١) ينظر التبيان ٤/ ٣٣٢، والبحر المحيط ٤/ ٢٦١.\n(^٢) في النسخ: \"ابن\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٥٦٠.\n(^٣) في النسخ: \"بكر\". وتقدم على الصواب في ٧/ ٣٦، وينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٢٤٥.\n(^٤) تقدم تخريجه في ٧/ ٣٦.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٦ إلى المصنف.","vol":"10","page":43},{"text":"أُرِيد بالأمثالِ، مَقامَها، فقيل: ﴿عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. فَأُخْرِج العَشرُ مُخْرَجَ عددِ الحسناتِ (^١)، و\"المِثْلُ\" مذكَّرٌ لا مؤنتٌ، ولكنها لما وُضِعَت موضعَ الحسناتِ (^٢) - وكان \"المِثْلُ، يَقَعُ للمذكِر والمؤنثِ، فجُعِلَت خَلَفًا منها - فُعِل بها ما ذكَرْتُ، ومَن قال: عندى عشرُ أمثالِها. لم يَقُلْ: عندى عشرُ صالحاتٍ. لأن \"الصالحاتِ\" فعلٌ لا يُعَدُّ، وإنما تُعَدّ الأسماءُ، و\"المثلُ\" اسمٌ، ولذلك جاز العددُ به.\nوقد ذُكِر عن الحسنِ البصريَّ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: \"فله عَشْرُ\" بالتنوينِ \"أمثالُها\" بالرفع (^٣). وذلك على وجهٍ صحيحٍ في العربيِة، غيرَ أن القرأةَ في الأمصارِ على خلافها، فلا نَسْتَجِيزُ خلافَها فيما هي عليه مُجْمِعَةٌ (^٤).\n\n<span id=\"aya-950\"></span><span data-type='title' id=toc-3212>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: قلْ لهم: إننى أَرْشَدَنِي ربي إلى الطريقِ القويمِ، هو دينُ اللهِ الذي ابتَعَثَه به، وذلك الحنيفيةُ المسلِمةُ، فوَفَّقَنى له. ﴿دِينًا قِيَمًا﴾. يقولُ: مستقيمًا. ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾. يقولُ: دينَ إبراهيمَ. ﴿حَنِيفًا﴾. يقولُ: مستقيمًا.\n﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: وما كان مِن المشركين باللهِ، يعنى: إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه؛ لأنه لم يكنْ ممن يَعْبُدُ الأصنامَ. واختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾. فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ\nوبعضُ البَصْرِيين: \"دِينا قَيِّمًا\" بفتحِ القافِ وتشديدِ الياءِ (^٥)، إلحاقًا منهم ذلك بقولِ\n_________\n(^١) في النسخ: \"الآيات\". والمثبت هو الصواب فلا مناسبة لذكر الآيات هنا.\n(^٢) في النسخ: \"الآيات\".\n(^٣) مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٤٧، والبحر المحيط ٤/ ٢٦١، وقرأ بها يعقوب، وهو من العشرة. النشر ٢/ ٢٠٠.\n(^٤) في م: \"مجتمعة\".\n(^٥) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. ينظر حجة القراءات ص ٢٧٩.","vol":"10","page":44},{"text":"اللهِ: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦، يوسف: ٤٠، الروم: ٣٠]. وبقولِه: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيَّمَةِ﴾ [البينة: ٥].\nوقرأ ذلك عامةُ قَرَأةِ الكُوفيين: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ بكسرِ القافِ، وفتحِ الياءِ وتخفيفِها، وقالوا: القيِّمُ والقِيَمُ بمعنىً واحدٍ، وهما لغتان معناهما: الدينُ المستقيمُ (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصارِ، مُتَّفقتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فهو للصوابِ مصيبٌ، غيرَ أن فتحَ القافِ وتشديدَ الياءِ أعجبُ إليَّ؛ لأنه أفصحُ اللغتين وأشهرُهما.\nونُصِب قولُه: ﴿دِينًا﴾ على المصدرِ مِن معنى قولِه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وذلك أن المعنى: هداني ربي إلى دينٍ قويمٍ، فاهتديتُ له دينًا قِيَمًا. فـ \"الدينُ\" منصوبٌ مِن المحذوفِ الذي هو \"اهتديتُ\"، الذي ناب عنه قوله: ﴿إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nوقال بعضُ نَحْويِّى البصرةِ: إنما نُصِب ذلك لأنه لما قال: ﴿هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قد أخبَر أنه عَرَفَ شيئًا، فقال: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾. كأنه قال: عرَفتُ دينًا قِيَمًا ملةَ إبراهيمَ.\nوأما معنى \"الحنيفِ\"، فقد بينتُه في مكانِه في \"سورةِ البقرةِ\" بشواهدِه، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-951\"></span><span data-type='title' id=toc-3213>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادلين بربِّهم\n_________\n(^١) وهى قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ٢٧٨.\n(^٢) تقدم في ٢/ ٥٩١ وما بعدها.","vol":"10","page":45},{"text":"الأوثانَ والأصنامَ الذين يَسْألونك أن تَتَّبِعَ أهواءَهم على الباطلِ، مِن عبادةِ الآلهةِ والأوثانِ: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. يقولُ: وذَبْحي. ﴿وَمَحْيَايَ﴾. يقولُ: وحياتى. ﴿وَمَمَاتِي﴾. يقولُ: ووَفاتى ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يعنى: أن ذلك كله له خالصًا دونَ ما أشركتم به أيُّها المشركون مِن الأوثانِ\n\n<span id=\"aya-952\"></span>﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ في شيءٍ مِن ذلك مِن خلقِه، ولا لشيءٍ منهم فيه نصيبٌ؛ لأنه لا يَنْبَغِي أن يكونَ ذلك إلا له خالصًا، ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾. يقولُ: وبذلك أَمَرني ربى، ﴿وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: وأنا أولُ مَن أَقَرَّ وأَذْعَن وخَضَعَ مِن هذه الأمة لربِّه بأن ذلك كذلك.\nوبنحو ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3214>ذكرُ مَن قال: النُّسُكُ في هذا الموضعِ الذبحُ</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمد بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. قال: النُّسُكُ الذبائح في الحجِّ والعُمْرةِ.\n[حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَنُسُكِي﴾: ذبيحتى (^١) في الحجِّ والعمرةِ] (^٢) (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَنُسُكِي﴾: ذبيحتى في الحجِّ والعمرةِ.\n_________\n(^١) في ص: \"ذبحي\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٣٢ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣٤ (٨١٨١)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٦ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"10","page":46},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ - وليس بابنِ أبي خالدٍ - عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكي﴾. قال: ذَبْحى (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن إسماعيلَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. قال: ذَبيحتى (^٢).\n[حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، [عن سعيدِ] (^٣) بن جبيرٍ - قال ابن مهديٍّ: لا أدرى من إسماعيلُ هذا -: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. قال: صلاتي وذبيحتى] (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: ثنا الثوريُّ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. قال: وذبيحتى.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَنُسُكِي﴾. قال: ذَبْحى (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَنُسُكِي﴾. قال: ذبيحتى (^٦).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٧٧ من طريق الثورى، عن السدي، عن سعيد.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٢٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٦ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٢٢ عن معمر به. وفيه: وذبيحتى، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣٤ عقب الأثر (٨١٨١) من طريق عمرو، عن أسباط به.","vol":"10","page":47},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاك: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. قال: الصلاةُ: الصلاة، والنُّسُكُ: الذبحُ.\nوأما قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. فإن محمدَ بنَ عبدِ الأعلى حدَّثنا، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال: أوّلُ المسلمين مِن هذه الأمةِ (^١).\n\n<span id=\"aya-953\"></span><span data-type='title' id=toc-3215>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ، الداعِيك إلى عبادةِ الأصنامِ، واتباعِ خطواتِ الشيطانِ: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾؟ يقولُ: أسِوَى اللَّهِ أَطْلُبُ سَيِّدًا يَسُودُنى؟ ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: سيدُ كلَّ شيءٍ دونَه ومُدَبِّرُه ومُصْلِحُه. ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾. يقولُ: ولا تَجْتَرِحُ نفسٌ إثمًا إلا عليها. أي: لا يُؤْخَذُ بِما أَتَت مِن معصيةِ اللَّهِ ﵎، ورَكِبَت مِن الخطيئةِ - سِواها، بل كلُّ ذى إثمٍ فهو المُعاقَبُ بإثِمه. والمأخوذُ بذنبِه. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. يقولُ: ولا تأثَمُ نفسٌ آثمةٌ بإثمِ نفسٍ أُخرى غيرِها، ولكنها تأثَمُ بإثمِها، وعليه تُعاقَبُ، دونَ إثم أُخرى غيرِها.\nوإنما يعنى بذلك المشركين الذين أَمَر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يَقُولَ هذا القولَ لهم، يقولُ: قلْ لهم: إنا لسنا مأْخوذِين بآثامِكم [ولا مُعاقَبين بإجرامِكم] (^٢)، وعليكم عقوبةُ إجرامِكم، ولنا جزاءُ أعمالنِا. وهذا كما أمَره اللهُ جلّ ثناؤُه في موضعٍ آخرَ أن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٢٣ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣٥ (٨١٨٤) - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"10","page":48},{"text":"يقولَ لهم: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦].\nوذلك كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: كان في ذلك الزمانِ لا مخرجَ للعلماءِ العابدين إلا إحدى [خَلَّتَين، إحداهما] (^١) أفضلُ مِن صاحبتِها؛ إما أمرٌ ودعاءٌ إلى الحقِّ، أو الاعتزالُ؛ فلا تُشاركُ أهلَ الباطلِ في عملِهم، وتؤدِّى الفرائضَ فيما بينَك وبين ربِّكَ، وتحبُّ للَّهِ، وتُبغِضُ للَّهِ، ولا تشاركُ أحدًا في إثمٍ. قال: وقد أُنزِل في ذلك آيةٌ محكمة: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾. إلى قوله: ﴿فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. وفي ذلك قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤].\nيقالُ مِن الوِزْرِ: وَزَرَ يَوْزَرُ، [ووزَر يَزِرُ] (^٢)، ووُزِرَ يُوزَرُ فهو مَوْزُورٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3216>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ لهؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ: كلُّ عاملٍ منَّا ومنكم فله ثوابُ عملِه، وعليه وزرُه، فاعمَلوا ما أنتم عامِلوه، ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أيها الناسُ ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾. يقولُ: ثم إليه مصيرُكم ومُنقلَبُكم ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ﴾ في الدنيا ﴿تَخْتَلِفُونَ﴾ من الأديانِ والمللِ، إذ كان بعضُكم يَدِينُ باليهوديِة، وبعضٌ بالنصرانيةِ، وبعضٌ بالمجوسيةِ، وبعضٌ بعبادةِ الأصنامِ وادِّعاءِ الشركاءِ مع اللهِ والأندادِ، ثم يُجازِى جميعَكم بما كان يَعْمَلُ في الدنيا مِن خيرٍ أو\n_________\n(^١) في ت ٢: \"حالين أحدهما\".\n(^٢) في ص، ت ١، س، ف: \"ووزير\"، وفى م: \"فهو وزير\". والمثبت هو الصواب الموافق لمعاجم اللغة. ينظر اللسان (وز ر).","vol":"10","page":49},{"text":"شرٍّ، فتَعْلَموا حينَئذٍ مَن المحسنُ منا والمسيءُ.\n\n<span id=\"aya-954\"></span><span data-type='title' id=toc-3217>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ وأمتِه: واللهُ الذي جعَلكم أيُّها الناسُ خلائفَ الأرضِ بأنْ أهلَك مَن كان قبلَكم مِن القرونِ والأممِ الخاليةِ، واستَخلفكم، فجعَلكم خلائفَ منهم في الأرضِ، تَخْلُفونهم فيها، وتَعْمُرونها بعدهم.\nوالخلائفُ جمعُ خليفةٍ، كما الوصائفُ جمعُ وصيفةٍ، وهى مِن قولِ القائلِ: خَلَفَ فلانٌ فلانًا في دارِه، يَخْلُفُه خلافةً، فهو خليفةٌ فيها. كما قال الشَّمَّاخُ (^١):\nتُصِيبُهُم وتُخْطِئُنى المَنايا … وأَخْلُفُ فِي رُبُوعٍ عَن رُبُوعِ\nوذلك كما حدَّثني [محمدُ بن] (^٢) الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾. قال: أما ﴿خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾: فأهلَكَ القرون واستَخْلَفَنا فيها بعدهم (^٣).\nوأما قولُه: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾. فإنه يقولُ: وخالَفَ بينَ أحوالِكم، فجعَل بعضَكم فوقَ بعضٍ، بأن رَفع هذا على هذا، بما بَسَط لهذا مِن الرزقِ، ففَضَّله بما أعطاه مِن المالِ والغِنى، على هذا الفقير فيما خَوَّله مِن أسبابِ الدنيا، وهذا على هذا بما أعطاه مِن الأيْدِ والقوةِ، على هذا الضعيفِ الواهنِ القُوَى، فخالَفَ بينَهم، بأن رَفَع مِن درجةِ هذا على درجِة هذا، وخَفَضَ مِن درجةِ هذا عن\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢٢٤.\n(^٢) سقط من: م\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣٥ (٨١٨٩) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٧ إلى أبي الشيخ.","vol":"10","page":50},{"text":"درجةِ هذا.\nوذلك كالذى حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾. يقولُ: في الرزقِ (^١).\nوأما قولُه: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾. فإنه يعنى: ليَخْتَبِرَكم فيما خَوَّلكم مِن فضلِه، ومنَحكم مِن رزقِه، فيَعْلَمَ المطيعَ له منكم فيما أمرَه به ونَهاه عنه، والعاصىَ، ومَن المؤدِّي مما آتاه الحقَّ الذي أمرَه بأدائِه منه، والمُفرِّطُ في أدائِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3218>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾.</span>\nيقولُ جلّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إن ربَّك يا محمدُ لسريعُ العقابِ لمَن أسْخَطَه. بارتكابِه معاصيَه، وخلافِه أمْرَه فيما أمَره به ونهاه، ولَمن ابتُلِي منه فيما منَحه مِن فضلِه وطَوْلِهِ، تَوَلِّيًا وإدبارًا عنه، مع إنعامِه عليه، وتَمْكينِه إياه في الأرضِ، كما فعَل بالقرونِ السالفةِ، ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ﴾. يقولُ: وإنه لساترٌ ذنوبَ مَن ابْتُلِي منه إقبالًا إليه بالطاعةِ عندَ ابتلائِه إياه بنعمتِه (^٢)، واختبارِه إياه بأمرِه ونَهْيِه، فمُغَطٍّ عليه فيها، وتاركٌ فضيحتَه بها في موقفِ الحسابِ. ﴿رَّحِيمُ﴾ بتركِه عقوبتَه على سالفِ ذنوبِه التي سَلَفَت بينَه وبينَه إذ تابَ وأنابَ إليه قبلَ لقائِه ومصيرهِ إليه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣٦ (٨١٩١) من طريق أحمد بن مفضل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٧ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) في م: \"نعمة\".","vol":"10","page":51},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-3219>تفسيرُ السورةِ التي يُذكرُ فيها الأعرافُ</span>\n\n<span id=\"aya-955\"></span><span data-type='title' id=toc-3222>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه وتقدَّست أسماؤه: ﴿المص </span>(١)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِ الله تعالى ذكره: ﴿المص﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: أنا اللهُ أَفصِلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3220>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلّامٍ، قال: ثنا عمارُ بنُ محمدٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولهِ: ﴿المص﴾: أنا اللهُ أفصِلُ (^١).\nوقال آخرون: هو هجاءُ حروف اسمِ اللهِ تعالى الذي هو المُصَوِّرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3221>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ ﴿المص﴾. قال: هي هجاءُ المُصوّرِ (^٢).\nوقال آخرون: هي اسمٌ مِن أسماءِ اللَّهِ أَقسَم ربُّنا به.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١/ ٢٠٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣٧ (٨٢٠٢) من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"10","page":52},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3223>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿المص﴾: قَسَمٌ أقسَمه اللهُ، وهو مِن أسماءِ اللهِ (^١).\nوقال آخرون: هو اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3224>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿المص﴾. قال: اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٢).\nوقال آخرون: هي حروفُ هجاءٍ مقطعةٌ.\nوقال آخرون: هي مِن حسابِ الجُمَّلِ.\nوقال آخرون: هي حروفٌ تَحْوى معانىَ كثيرةً، دلَّ اللهُ بها خلقَه على مرادِه مِن كلِّ ذلك.\nوقال آخرون: هي حروفُ اسمِ اللهِ الأعظم.\nوقد ذَكرْنا كلَّ ذلك بالروايِة فيه، وتعلُّلَ (^٣) كلِّ فريقٍ قال فيه قولًا، وما الصوابُ مِن القولِ عندَنا في ذلك، بشواهدِه وأدلِته فيما مَضَى، بما أغنَى عن إعادتِه\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١/ ٢٠٧.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق، ١/ ٢٢٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣٧ (٨٢٠٣) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٣) في م: \"تعليل\".","vol":"10","page":53},{"text":"في هذا الموضعٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-956\"></span>القولُ في تأويلِ قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾.\nقال أبو جعفرٍ: يعنى تعالى ذكرُه (^٢): هذا القرآنُ يا محمدُ، كتابٌ أنزَله اللهُ إليك.\nورفْعُ \"الكتابِ\" بتأويلِ: هذا كتابٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3225>القولُ في تأويلٍ قوله: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾.</span>\nيقولُ جل ثناؤه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فلا يَضِيقْ صدرُك يا محمدُ مِن الإنذارِ به مَن أرسلتُك لإنذارِه به، وإبلاغِه (^٣) مَن أمرتُك بإبلاغِه إياه، ولا تشكَّكْ (^٤) في أنه مِن عندى، واصبِرْ للمُضِيِّ لأمرِ اللَّهِ، واتباعِ طاعتِه فيما كَلَّفَك وحَمَّلك مِن عبءِ أثقالِ النبوةِ، كما صَبَر أولو العزمِ مِن الرسلِ، فإن الله معك.\nو\"الحَرَجُ\" هو الضيقُ في كلامِ العربِ، وقد بَيَّنا معنى ذلك بشواهدِه وأدلتِه في قولِه: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]. بما أغنَى عن إعادِته (^٥).\nوقال أهلُ التأويلِ في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾. قال: لا تكنْ في شكّ منه (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنٍ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾. قال:\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٠٤ وما بعدها.\n(^٢) بعده في ص: \"يقول يقول كتاب أنزل إليك\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقول كتاب أنزل إليك\"، وفى ف: \"يقول كتاب أنزلناه إليك\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"إعلامه\".\n(^٤) في م: \"تشك\".\n(^٥) ينظر ما تقدم في ٩/ ٥٤٤ وما بعدها.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٧ إلى المصنف.","vol":"10","page":54},{"text":"شَكٌّ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾. [قال: لا يكنْ في صدرِك] (^٢) شكٌّ منه (^٣).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديّ: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾. قال: أَمَّا الحَرَجُ، فشَكٌّ (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ المدنيُّ، قال: سمِعتُ مجاهدًا في قولِه: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾. قال: شَكٌّ مِن القرآنِ.\nقال أبو جعفرٍ: وهذا الذي ذكرتُه من التأويلِ عن أهلِ التأويلِ، هو معنى ما قُلنا في الحَرَجِ؛ لأن الشكَّ فيه لا يكونُ إلا مِن ضيقِ الصدرِ به، وقلةِ الاتساعِ لتَوْجيهِه وِجْهتَه التي هي وِجْهتُه الصحيحةُ. وإنما اخترنا العبارةَ عنه بمعنى الضِّيقِ؛ لأن ذلك هو الغالبُ عليه مِن معناه في كلامِ العربِ، كما قد بَيَّناه قبلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3226>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ </span>(٢)﴾.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٣٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣٨ (٨٢٠٨)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٢٥ عن معمر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣٨ عقب الأثر (٨٢٠٨) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.","vol":"10","page":55},{"text":"يعنى بذلك تعالى ذكرُه: هذا كتابٌ أنزلْناه إليك يا محمدُ لتنذِرَ به مَن أمرتُك بإنذارِه، وذِكْرَى للمؤمنين. وهو (^١) من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، ومعناه: كتابٌ أُنزِل إليك لتُنْذرَ به وذِكْرَى للمؤمنين، فلا يكنْ في صدرِك حَرَجٌ منه.\nوإذا كان ذلك معناه، كان موضعُ قولِه: ﴿وَذِكْرَى﴾ نصبًا، بمعنى: أَنزَلنا إليك هذا الكتاب لتُنذِرَ به وتُذَكِّر به المؤمنين. ولو قيل: معنى ذلك: هذا كتابٌ أُنزِل إليك فلا يكنْ في صدرِك حَرَجٌ منه أن تُنْذِرَ به وتُذَكِّرَ به المؤمنين - كان قولًا غيرَ مدفوعةٍ صحتُه. وإذا وُجّه معنى الكلامِ إلى هذا الوجهِ، كان في قوله: ﴿وَذِكْرَى﴾. من الإعرابِ وجهان؛ أحدُهما، النصبُ بالرّد على موضع ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾. والآخرُ، الرفعُ عطفًا على \"الكتابِ\"، كأنه قيل: المص، كتابٌ أُنزل إليك وذِكْرى للمؤمنين.\n\n<span id=\"aya-957\"></span><span data-type='title' id=toc-3227>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ </span>(٣)﴾.\nيقولُ جلّ ثناؤه لنبيّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين مِن قومِك الذين يعبُدون الأوثانَ والأصنامَ: اتَّبِعوا أيُّها الناسُ ما جاءكم مِن عندِ ربِّكم بالبيناتِ والهُدى، واعمَلوا بما أمَرَكم به ربُّكم، ولا تَتَّبِعُوا شيئًا من دونه. يعني: شيئًا غيرَ ما أَنزَل إليكم ربُّكم. يقولُ: لا تَتَّبعوا أمرَ أوليائِكم الذين يأمُرُونكم بالشركِ باللهِ وعبادةِ الأوثانِ، فإنهم يُضِلُّونكم ولا يَهْدونكم.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قلتَ: معنى الكلامِ: قل: اتَّبِعوا. وليس في الكلامِ موجودًا ذكرُ القولِ؟\nقيل: إنه وإن لم يكنْ مذكورًا صريحًا، فإن في الكلامِ دلالةً عليه، وذلك\n_________\n(^١) في ف: \"هذا\".","vol":"10","page":56},{"text":"قولُه: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾. ففي قوله: ﴿لِتُنذِرَ بِهِ﴾. الأمرُ بالإنذارِ، وفى الأمرِ بالإنذارِ الأمرُ بالقولِ؛ لأن الإنذارَ قولٌ، فكأن معنى الكلامِ: أنذرِ القومَ وقلْ لهم: اتَّبِعوا ما أُنزِل (^١) إليكم مِن رَبِّكُم.\nولو قيل: معناه: لتنذِرَ به وتُذكِّرَ به المؤمنين، فتقولَ لهم: اتَّبِعوا ما أُنزِل إليكم. كان غيرَ مدفوع. وقد كان بعضُ أهلِ العربية (^٢) يقولُ: قولُه: ﴿اتَّبِعُوا﴾. خطابٌ للنبيّ ﷺ، ومعناه: كتابٌ (^٣) أُنزلِ إليك فلا يكُنْ في صدرِك حرجٌ منه، اتبعْ ما أُنزِل إليك مِن ربّك. ويَرَى أن ذلك نظيرُ قولِ اللَّهِ: ﴿يأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. إذ ابتدَأ خطابَ النبيّ ﷺ، ثم جَعَل الفعلَ للجميعِ، إذ كان أمرُ اللهِ نبيَّه بأمرٍ، أمرًا منه لجميعِ أمتِه، كما يقالُ للرجلِ يُفْرَدُ بالخطابِ، والمرادُ به هو وجماعةُ أتباعِه أو عشيرتِه وقبيلتِه: أمَا تتقون الله، أما تَسْتَحْيون مِن اللهِ. ونحو ذلك من الكلام.\nوذلك وإن كان وجهًا غيرَ مدفوعٍ، فالقولُ الذي اخْترناه أَولى بمعنى الكلام؛ لدلالةِ الظاهرِ الذي وصفْنا عليه.\nوقولُه: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: قليلًا ما تتَّعِظون وتَعْتَبرون، فتُراجِعون الحقَّ.\n\n<span id=\"aya-958\"></span><span data-type='title' id=toc-3228>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ </span>(٤)﴾.\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س ف: \"الله\".\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ١/ ٣٧١\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"اتبع ما\".","vol":"10","page":57},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: حَذِّرْ هؤلاء العابدين غيرى، والعادِلين بي الآلهةَ والأوثانَ سَخَطِى، [لا أحلُّ] (^١) بهم عقوبتى فأُهلِكَهم كما أهلَكْتُ من سَلَكَ سبيلَهم مِن الأممِ قبلَهم، فكثيرًا ما أهلكتُ قبلَهم مِن أَهلِ قُرًى عَصَونى، وكذَّبوا رسولى، وعبدوا غيرى، ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾. يقولُ: فجاءتهم عقوبتُنا ونِقْمَتُنا ليلًا قبلَ أن يُصبحوا، أو جاءتهم قائلين، يعني: نهارًا في وقتِ القائلةِ.\nوقيل: ﴿وَكَمْ﴾. لأن المرادَ بالكلامِ ما وصفْتُ مِن الخبرِ عن كثرةِ ما قد أصابَ الأممَ السالفةَ مِن المثلاتِ بتَكْذيبِهم رسلَه، وخلافِهم عليه، وكذلك تفعَلُ العربُ إذا أرادوا الخبرَ عن كثرةِ العددِ، كما قال الفَرَزْدَقُ (^٢):\nكُمْ عَمَّةٍ لكَ يا جريرُ وخالةٍ … فَدْعاءَ (^٣) قد حَلَبَتْ عليّ عِشَارِى\nفإن قال قائلٌ: فإن الله تعالى ذكرُه إنما أخبَر أنه أهلَك قُرًى، فما في خبرِه عن إهلاكِه القُرى مِن الدليلِ على إهلاكِه أهلَها؟\nقيل: إن القُرى لا تُسمَّى قُرًى، ولا القريةَ قريةً، إلا وفيها مساكنُ لأهلِها وسكانٌ منهم، ففى إهلاكِها إهلاكُ مَن فيها مِن أهلِها.\nوقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ يرى أن الكلامَ خَرَجَ مخرجَ الخبرِ عن القريةِ، والمرادُ به أهلُها.\nوالذي قلنا في ذلك أَولى بالحقِّ، لموافقتِه ظاهرَ التنزيلِ المَتَلُوِّ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ\n_________\n(^١) في النسخ: \"لأحل\". والمثبت هو الصواب.\n(^٢) ديوانه ص ٤٥١، وفيه: كم خالة لك يا جرير وعمة.\n(^٣) الفدع: عوج وميل في المفاصل كلها خلقة أو داء. اللسان (ف د ع).","vol":"10","page":58},{"text":"قَائِلُونَ﴾؟ وهل هَلَكَت قريةٌ إلا بمجيءِ بأسِ اللَّهِ وحلولِ نِقْمَتِه وسَخَطِه بها (^١)؟ فكيف قيل: ﴿أَهْلَكْنَهَا فَجَاءَهَا﴾؟ وإن كان مجئُ بأسِ اللَّهِ إياها بعدَ هلاكِها، فما وجهُ مجئِ ذلك قومًا قد هَلكوا وبادُوا، ولا يشعُرون بما ينزِلُ بهم ولا بمساكنِهم؟\nقيل: إن لذلك مِن التأويلِ وجهين، كلاهما صحيحٌ واضحٌ منهجُه؛ أحدُهما، أن يكونَ معناه: وكم من قريةٍ أهلكْناها بخِذْلانِنا إياها عن اتباعِ ما أنزلنا إليها مِن البيناتِ والهُدى، واختيارِها اتباعَ أمرِ أوليائِها المُغْوِيَتِها (^٢) عن طاعةِ ربَّها، فجاءَها بأْسُنا إذ فَعَلَت ذلك بياتًا أو هم قائِلُون. فيكونُ إهلاكُ اللَّهِ إياها خذلانَه لها عن طاعتِه، ويكونُ مجئُ بأسِ اللَّهِ إياهم جزاءً لمعصيتِهم ربَّهم بخِذْلانِه إياهم. والآخرُ منهما، أن يكونَ الإهلاكُ هو البأسَ بعينِه، فيكونُ في ذكرِ الإهلاكِ الدلالُة على ذكرِ مجئِ البأسِ، وفى ذكرِ مجئِ البأسِ الدلالُة على ذكرِ الإهلاكِ. وإذا كان ذلك كذلك، كان سواءً عندَ العربِ بُدِئَ بالإهلاكِ ثم عُطِفَ عليه بالبأسِ، أو بُدِئَ بالبأسِ ثم عُطِفَ عليه بالإهلاكِ، وذلك كقولِهم: زُرتنى فأكرمتَنى. إذا كانت الزيارةُ هي الكرامةَ، فسواءٌ عندَهم قَدَّمَ الزيارةَ وأخَّر الكرامةَ، أو قَدَّمَ الكرامةَ وأخَّر الزيارةَ، فقال: أكرمتَنى فزُرْتَني.\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ (^٣) يزعُمُ أن في الكلامِ محذوفًا، لولا ذلك لم يكن الكلامُ صحيحًا، وأن معنى ذلك: وكم مِن قريةٍ أهْلكناها، فكان مجئُ بأسِنا إياها قبلَ إهلاكِناها (^٤).\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال كذلك\".\n(^٢) في م: \"المغويها\".\n(^٣) هو الفراء في معاني القرآن ١/ ٣٧١.\n(^٤) في م: \"إهلاكنا\".","vol":"10","page":59},{"text":"وهذا قولٌ لا دلالةَ على صحتِه مِن ظاهرِ التنزيلِ، ولا مِن خبرٍ يجبُ التسليمُ له، وإذا خلا القولُ مِن دلالةٍ على صحتِه مِن بعضِ الوجوهِ التي يجبُ التسليمُ لها كان بَيِّنًا فسادُه.\nوقال آخرُ منهم أيضًا: معنى الفاءِ في هذا الموضعِ معنى الواوِ، وقال: تأويلُ الكلامِ: وكم مِن قريةٍ أهلكْناها وجاءها بأسُنا بياتًا.\nوهذا قولٌ لا معنى له، إذ كان للفاءِ عندَ العربِ [مِن الحُكْمِ] (^١) ما ليس للواوِ في الكلامِ، فصَرْفُها إلى الأغلبِ مِن معناها عندَهم ما وُجِد إلى ذلك سبيلٌ، أَوْلى مِن صرفِها إلى غيره.\nفإن قال: وكيف قيل: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾. وقد علِمتَ أن الأغلبَ مِن شأنِ (أو) في الكلامِ اجْتلابُ الشكِّ، وغيرُ جائزٍ أن يكونَ في خبرِ اللهِ شكٌّ؟\nقيل: إن تأويلَ ذلك خلافُ ما إليه ذهبتَ، وإنما معنى الكلامِ: وكم مِن قريةٍ أهْلكناها فجاء بعضَها بأسُنا بياتًا، وبعضَها وهم قائِلون. ولو جَعَل مكانَ \"أو\" في هذا الموضِع الواوَ، لكان الكلامُ كالمُحالِ، ولصار الأغلبُ مِن معنى الكلامِ أن القريةَ التي أهْلكها اللهُ جاءها بأسُه بيانًا وفى وقتِ القائلِة. وذلك خبرٌ عن البأسِ أنه أَهْلَكَ مَن قد هَلَكَ، وأفنَى مَن قد فَنِىَ، وذلك مِن الكلامِ خَلْفٌ (^٢). ولكنَّ الصحيحَ مِن الكلامِ هو ما جاء به التنزيلُ، إذ لم يَفْصِلِ القرى التي جاءها البأسُ بياتًا، مِن القرى التي جاءها ذلك قائلةً. ولو فُصِلت لم يُخْبَر عنها إلا بالواو.\nوقيل: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾. خبرًا عن القريةِ أن البأسَ أتاها، وأجرى الكلامَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"للحكم\".\n(^٢) الخَلْف: الردئ من القول. اللسان (خ ل ف).","vol":"10","page":60},{"text":"على ما ابتُدِئ به في أوّلِ الآيةِ. ولو قيل: فجاءهم بأسُنا بياتًا. لكان صحيحًا فصيحًا، ردًّا للكلامِ إلى معناه، إذ كان البأسُ إنما قُصِد به سكانُ القريةِ دونَ بُنيانها، وإن كان قد نالَ بُنْيانَها ومساكنَها مِن البأسِ بالخرابِ نحوٌ مِن الذي نالَ سكانَها، وقد رُجع في قولِه: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾. إلى خصوصِ الخبرِ عن سكانِها دونَ مساكنِها؛ لما وصفنا مِن أن المقصودَ بالبأسِ كان السكانُ، وإن كان في هلاكِهم هلاكُ مساكنِهم وخرابُها. ولو قيل: أو هي قائلةٌ. كان صحيحًا، إذ كان السامعون قد فهِموا المرادَ مِن الكلامِ.\nفإن قال قائلٌ: أوَ ليس قولُه: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾. خبرًا عن الوقتِ الذي أتاهم فيه بأسُ اللهِ مِن النهارِ؟\nقيل: بلى.\nفإن قال: أوَ ليس المواقيتُ في مثلِ هذا تكونُ في كلامِ العربِ بالواوِ (^١) الدالّ على الوقتِ؟\nقيل: إن ذلك وإن كان كذلك، فإنهم قد يَحْذِفون مِن مثلِ هذا الموضعِ، اسْتثْقالًا للجمعِ بينَ حَرْفى عطفٍ، إذ كان \"أو\" عندَهم مِن حروفِ العطفِ، وكذلك \"الواوُ\"، فيقولون: لقيتَنى مُمْلِقًا أو أنا مسافرٌ. بمعنى: أو وأنا مسافرٌ. فيَحْذِفون الواوَ وهم مُريدوها في الكلامِ؛ لما وصفتُ.\n\n<span id=\"aya-959\"></span><span data-type='title' id=toc-3229>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلم يكنْ دَعْوى أهلِ القريةِ التي أهْلكناها، إذ جاءهم بأسُنا\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"و\".","vol":"10","page":61},{"text":"وسطوتُنا بيانًا أو هم (^١) قائلون - إلا اعترافَهم على أنفسِهم بأنهم كانوا إلى أنفسِهم مُسِيئِين، وبربِّهم آثمِين، ولأمرِه ونَهْيِه مخالِفين.\nوعنى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿دَعْوَاهُمْ﴾. في هذا الموضعِ دعاءَهم.\nوللدعَوى في كلامِ العربِ وجهان؛ أحدُهما الدعاءُ، والآخرُ الادِّعاءُ للحقِّ. ومن الدَّعْوى التي معناها الدعاءُ، قولُ اللهِ ﵎: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأنبياء: ١٥]. ومنه قولُ الشاعر (^٢):\nوإنْ مَذِلَتْ (^٣) رِجْلَى دَعَوْتُكِ أَشْتَفِى … بدَعْواكِ مِن مَذْلٍ بها فَيَهُونُ\nوقد بَيَّنا فيما مَضَى قبلُ أن البأسَ والبأساءَ، الشدةُ، بشواهِد ذلك الدالِة على صحتِه، بما أغنَى عن إعادته في هذا الموضع (^٤).\nوفى هذه الآيةِ الدلالةُ الواضحةُ على صحةِ ما جاءت به الروايةُ عن رسولِ اللهِ ﷺ من قولِه: \"ما هَلَكَ قومٌ حتى يُعْذِروا (^٥) مِن أنفسِهم\".\nوقد تأوَّل ذلك كذلك بعضُهم.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن أبي سنانٍ، عن عبدِ الملكِ بن ميسرةَ الزرَّادِ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودِ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ما هَلَكَ قوم حتى\n_________\n(^١) في ص: \"وهم\".\n(^٢) هو كثير عزة، والبيت في ديوانه ص ١٧٦ من الزيادات على القصيدة.\nوروايته:\nإذا خدرت رجلى ذكرتك أشتفي … بذكرك من مذل بها فيهون\n(^٣) مذلت: خَدِرت. اللسان (م ذ ل).\n(^٤) تقدم في ٣/ ٨٥ وما بعدها.\n(^٥) يقال: أعذر فلان من نفسه. إذا أمكن منها، يعنى أنهم لا يهلكون حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم، فيستوجبون العقوبة، ويكون لمن يعذبهم عذر، كأنهم قاموا بعذره في ذلك. النهاية ٣/ ١٩٧.","vol":"10","page":62},{"text":"يُعْذِروا من أنفسهم\". قال: قلتُ لعبدِ الملكِ: كيف يكونُ ذلك؟ قال: فقرَأ هذه الآية: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ الآية (^١).\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾؟ وكيف أمكَنتْهم الدَّعْوى بذلك وقد جاءهم بأسُ اللَّهِ بالهلاكِ؟ أقالوا ذلك قبلَ الهلاكِ؟ فإن كانوا قالوه قبلَ الهلاكِ، فإنهم قالوا قبلَ مجئِ البأسِ، واللهُ يخبرُ عنهم أنهم قالوه حينَ جاءهم لا قبلَ ذلك؟ أو قالوه بعدَ ما جاءهم، فتلك حالةٌ قد هَلَكوا فيها، فكيف يجوزُ وصفُهم بقيلِ ذلك إذا عايَنوا بأسَ اللهِ وحقيقةَ ما كانت الرسلُ تَعِدُهم من سطوةِ الله؟\nقيل (^٢): ليس كلُّ الأممِ كان هلاكُها في لحظةٍ ليس بينَ أَوَّلِه وآخرِه مَهَلٌ، بل كان منهم مَن غَرِقَ بالطوفانِ، فكان بينَ أوّلِ ظهورِ السببِ الذي عَلِموا أنهم به هالِكون، وبينَ آخرِه الذي عَمَّ جميعَهم هلاكُه، المدةُ التي لاخفاءَ بها على ذى عقلٍ، ومنهم مَن مُتِّعَ بالحياةِ بعدَ ظهورِ علامةِ الهلاكِ لأعينِهم أيامًا ثلاثةً، كقومِ صالح وأشْباهِهم. فحينَئذٍ لمَّا عايَنوا أوائلَ بأسِ اللهِ الذي كانت رسلُ اللهِ تَتَوعَّدُهم به، وأيْقَنوا حقيقةً نزولِ سطوةِ اللهِ بهم، دَعَوا: يا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ. فلم يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم مع مجئِ وعيدِ اللهِ وحلولِ نِقْمتِه بساحتِهم (^٣)، فحَذَّر ربُّنا جلّ ثناؤه الذين أرسَل إليهم نبيَّه محمدًا ﷺ مِن سطوتِه وعقابِه على كفرِهم به، وتَكْذيبِهم رسولَه ما حلَّ بَمن كان قبلَهم مِن الأممِ، إذ عَصَوا رسلَه، واتَّبَعوا أمرَ كلّ جبارٍ عنيد.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٨٣ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣٨، ١٤٣٩ (٨٢١٢) من طريق جرير به موقوفًا.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"و\".\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"إيمانهم\".","vol":"10","page":63},{"text":"<span id=\"aya-960\"></span><span data-type='title' id=toc-3231>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لنسألُنَّ الأمَم الذين أرسلتُ إليهم رُسلى، ماذا عَمِلت فيما جاءتْهم به الرسلُ مِن عندى، مِن أمرى ونَهْيى؟ هل عمِلوا بما أمرتُهم به، وانتهَوا عما نهيتُهم عنه (^١)، وأطاعوا أمرى، أم عَصَونى فخالَفوا ذلك؟ ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾. يقولُ: ولنسألنَّ الرسلَ الذين أرسلتُهم إلى الأممِ، هل بَلَّغَتهم رسالاتى (^٢)، وأدَّت إليهم ما أمرتُهم بأدائِه إليهم، أم قَصَّروا في ذلك ففَرَّطوا ولم يُبَلِّغوهم؟\nوكذلك كان أهلُ التأويلِ يتأوَّلُونه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3230>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾. قال: يسألُ اللهُ الناسَ عما أجابوا المرسلين (^٣)، ويسألُ المرسلين عما بَلَّغوا (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾. إلى قولِه:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"به\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"رسالاته\".\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"قال\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣٩، ١٤٤٠ (٨٢١٣، ٨٢١٨) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٧ إلى ابن المنذر والبيهقى في البعث.","vol":"10","page":64},{"text":"﴿غَائِبِينَ﴾. قال: يوضعُ الكتابُ يومَ القيامةِ فيتكلَّمُ بما كانوا يعمَلون (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديّ: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾. يقولُ: فلنسألنَّ الأمَم ما عمِلوا فيما جاءت به الرسلُ، ولنسألنَّ الرسلَ هل بَلَّغوا ما أُرسِلوا به؟\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ (^٢) المدنيُّ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾: الأمَم، ولنسألُنَّ الذين أرسلنا إليهم عما اثْتَمَناهم عليه، هل بَلَّغوا؟\n\n<span id=\"aya-961\"></span><span data-type='title' id=toc-3232>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فَلَنُخبرِ الرسلَ ومَن أرسلْتُهم إليه بيقينِ علمٍ بما عمِلوا في الدنيا فيما كنتُ أمرْتُهم به، وفيما (^٣) كنتُ نهيتُهم عنه، ﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ عنهم وعن أفعالِهم التي كانوا يفعَلونها.\nفإن قال قائلٌ: وكيف يسألُ الرسلَ والمرسلَ إليهم، وهو يخبِرُ أنه يقصُّ عليهم بعلمٍ بأعمالِهم وأفعالِهم في ذلك؟\nقيل: إن ذلك منه تعالى ذكرُه ليس بمسألِة اسْترشادٍ، ولا مسألِة تعرُّفٍ منهم ما هو به غيرُ عالمٍ، وإنما هو مسألةُ توبيخٍ وتقريرٍ معناها الخبرُ، كما يقولُ الرجلُ للرجلِ: ألم أُحسِنْ إليك فأسأتَ؟ وألم أصِلْكَ فقطعْتَ؟ فكذلك مسألةُ اللَّهِ المرسَلَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٤٤٥ (٨٢٢١) عن محمد بن سعد به. وهو في الدر المنثور من تمام الأثر السابق.\n(^٢) في ت ١: \"سعيد\".\n(^٣) في م: \"ما\".","vol":"10","page":65},{"text":"إليهم بأن يقولَ لهم: ألم يأتِكم رسلى بالبيناتِ؟ ألم أبعثْ إليكم النُّذُرَ فتُنذِرَكم عذابى وعقابي في هذا اليومِ مَن كَفَرَ بى وعَبَدَ غيرى؟ كما أخبَر جلّ ثناؤه أنه قائلٌ لهم يومَئِذٍ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠، ٦١]. ونحو ذلك من القولِ الذي ظاهِرُه ظاهرُ مسألةٍ، ومعناه الخبرُ والقصصُ، وهو بعدُ توبيخٌ وتقريرٌ.\nوأما مسألةُ الرسلِ الذي هو قَصَصٌ وخبرٌ، فإن الأمَم المشركةَ لما سُئِلت في القيامةِ قيل لها: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٧١]. أنكَر ذلك كثيرٌ منهم وقالوا: ما جاءنا من بشيرٍ ولا نذيرٍ. فقيل للرسلِ: هل بلَّغتُم ما أُرْسِلْتُم به؟ أو قيل لهم: ألم تُبَلِّغوا إلى هؤلاء ما أُرسِلتم به؟ كما جاء الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ، وكما قال جلّ ثناؤُه لأمةِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. فكلُّ ذلك مِن اللهِ مسألةٌ للرسلِ على وجهِ الاستشهادِ لهم على مَن أُرسلوا إليه من الأممِ، وللمُرسَلِ إليهم على وجهِ التقريرِ والتوبيخِ، وكلُّ ذلك بمعنى القصصِ والخبرِ. فأما الذي هو عن اللهِ منفيٌّ مِن مسألتِه خلقَه، فالمسألةُ التي هي مسألةُ اسْترشادٍ واستثباتٍ فيما لا يعلمُه السائلُ عنها ويعلَمُه المسئولُ؛ ليعلمَ السائلُ علمَ ذلك من قبله، فذلك غير جائز أن يوصف الله به؛ لأنه العالم بالأشياء قبل كونِها ذلك وفي حالِ كونِها وبعدَ كونِها، وهى المسألةُ التي نَفاها جلّ ثناؤُه عن نفسِه بقولِه: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]. وبقولِه: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]. يعنى: لا يسألُ عن ذلك أحدًا منهم علمَ مُسْتَثْبِتٍ، ليعلمَ علمَ ذلك من قِبَلِ مَن سأل منه (^١)؛ لأنه العالِمُ بذلك كلِّه وبكلِّ شيءٍ غيرِه.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"عنه\".","vol":"10","page":66},{"text":"وقد ذكَرْنا ما رُوِىَ في معنى ذلك من الخبر في غير هذا الموضعِ، فكَرِهْنا إعادتَه (^١).\nوقد رُوِى عن ابن عباسٍ أنه كان يقولُ في معنى قولِه: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾. أنه يُنْطَقُ لهم كتابُ عملِهم، [فيقصُّ بذلك] (^٢) عليهم أعمالَهم (^٣).\nوهذا قولٌ غيرُ بعيدٍ مِن الحقِّ، غيرَ أن الصحيحَ مِن الخبرِ، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"ما منكم مِن أحدٍ إلا سيُكلِّمُه ربُّه يومَ القيامةِ ليس بينَه وبينَه تُرْجُمَانٌ، فيقولُ له: أتذكُرُ يومَ فعلتَ كذا وفعلتَ كذا؟ حتى يُذَكِّرَه ما فَعَل في الدنيا\" (^٤). والتسليمُ لخبرِ رسولِ اللهِ ﷺ أَولى مِن التسليمِ لغيرِه.\n\n<span id=\"aya-962\"></span><span data-type='title' id=toc-3233>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨)﴾.</span>\nالوزنُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: وَزَنتُ كذا وكذا، أَزِنُه وَزْنًا وزِنَةً. مثلَ: وَعَدتُه أَعِدُه وعدًا وعِدَةً.\nوهو مرفوعٌ بـ ﴿الْحَقُّ﴾، و﴿الْحَقُّ﴾ به.\nومعنى الكلامِ: والوزنُ يومَ نسألُ الذين أُرسل إليهم والمرسلين الحقُّ.\nويعنى بـ ﴿الْحَقُّ﴾ العدلَ. وكان مجاهدٌ يقولُ: الوزنُ في هذا الموضعِ القضاءُ.\n_________\n(^١) تقدم في ٢/ ٦٣٠ وما بعدها.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"بأعمالهم\". وينظر ما تقدم تخريجه في ص ٦٥.\n(^٤) صدر هذا الحديث أخرجه البخارى (٧٤٤٣)، ومسلم (١٠١٦).","vol":"10","page":67},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ﴾: القضاءُ (^١).\nوكان يقولُ أيضًا: معنى ﴿الْحَقُّ﴾ ههنا: العدلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3234>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾. قال: العدلُ (^٢).\nوقال آخرون: معنى قولِه: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾: وزنُ الأعمالِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3235>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾: تُوزَنُ الأعمالُ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾. قال: قال عبيدُ بنُ عميرٍ: يؤتى بالرجلِ العظيمِ الطويلِ الأكُولِ الشَّروبِ فلا يَزِنُ جناحَ بعوضةٍ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤٠ (٨٢٢٥) من طريق عبد الله بن كثير عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤٠ (٨٢٢٣) من طريق جرير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وسيأتي من طريق آخر في تفسير الآية ٤٧ من سورة الأنبياء.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤٠ (٨٢٢٤) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٣٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤٠ (٨٢٢٢)، وليس في التفسير: عن مجاهد، وأصل الحديث عند البخاري (٤٧٢٩)، ومسلم (٧٨٥) من حديث أبي هريرة مرفوعا بنحوه.","vol":"10","page":68},{"text":"مجاهدٍ: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾. قال: قال عبيدُ بنُ عميرٍ: يُؤتَى بالرجلِ الطويلِ العظيمِ فلا يَزِنُ جناحَ بعوضةٍ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا يوسفُ بنُ صهيبٍ، عن موسى، عن بلالِ بن يحيى، عن حذيفةَ، قال: صاحبُ الموازينِ يومَ القيامةِ جبريلُ ﵇، قال: يا جبريلُ، زِنْ بينَهم، [فردَّ مِن بعضٍ على بعضٍ. قال: وليس ثُمَّ ذَهَبٌ ولا فضةٌ. قال: فإن كان للظالمِ حسناتٌ أُخِذَ مِن حسناتِه] (^١) فَرُدَّ على المظلومِ، وإن لم يكنْ له حسناتٌ حُمِلَ عليه من سيئاتِ صاحبِه، فيرجِعُ الرجلُ وعليه مثلُ الجبالِ، فذلك قولُه: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ (^٢).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: فمَن كَثُرت حسناتُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3236>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾. قال: حسناتُه (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: فمن ثَقُلَتْ موازِينُه التي تُوزَنُ بها حسناتُه وسيئاتُه.\nقالوا: وذلك هو الميزانُ الذي يعرِفُه الناسُ، له لسانٌ وكِفَّتان.\n\n<span data-type='title' id=toc-3237>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ:\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٩ للمصنف وابن أبي الدنيا واللالكائي.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤١ (٨٢٢٦) من طريق جرير به، وهو في الدر المنثور من تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.","vol":"10","page":69},{"text":"قال لي عمرُو بنُ دينارٍ قولَه: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾. قال: إنا نرى ميزانًا وكِفَّتَين، سمِعتُ عبيدَ بنَ عميرٍ يقولُ: يُجْعَلُ الرجلُ العظيمُ الطويلُ في الميزانِ، ثم لا يقومُ بجناحِ ذبابٍ.\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك عندى القولُ الذي ذكرْناه عن عمرِو بن دينارٍ، من أن ذلك هو الميزانُ المعروفُ الذي يُوزَنُ به، وأَن الله جلّ ثناؤه يزِنُ أعمالَ خلقِه الحسناتِ منها والسيئاتِ، كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾: موازينُ عملِه الصالحِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: فأولئك هم الذين ظَفِروا بالنجاحِ، وأدْرَكوا الفوزَ بالطَّلِباتِ، والخلودَ والبقاءَ في الجناتِ؛ لتظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بقولِه: \"ما وُضِعَ في الميزانِ شيءٌ أثقلُ مِن حسنِ الخلقِ\" (^١). ونحوِ ذلك الأخبارِ التي تُحقِّقُ أن ذلك ميزانٌ توزنُ به الأعمالُ على ما وصفْتُ.\nفإن أنكر ذلك جاهلٌ بتَوْجيهِ معنى خبرِ اللهِ عن الميزانِ وخبرِ رسولِه ﷺ عنه، وِجْهَتَه، وقال: أو باللهِ حاجةٌ إلى وزنِ الأشياءِ وهو العالمُ بمقدارِ كلِّ شيءٍ قبلَ خلقِه إياه وبعدَه وفى كلِّ حالٍ؟ أو قال: وكيف توزنُ الأعمالُ، والأعمالُ ليست بأجسامٍ توصفُ بالثِّقَلِ والخِفَّةِ، وإنما توزنُ الأشياءُ ليُعْرَفَ ثِقَلُهَا مِن خِفَّتِها، وكثرتُها مِن قلتِها، وذلك لا يجوزُ إلا على الأشياءِ التي توصفُ بالثقلِ والخفةِ، والكثرةِ والقلةِ؟\nقيل له في قولِه: وما وجهُ وزنِ اللهِ الأعمالَ وهو العالمُ بمقاديرِها قبلَ كونِها؟ [قيل: وَزْنُه] (^٢) ذلك نظيرُ إثباتِه إياه في أمِّ الكتابِ واستِنساخُه ذلك في\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٤٤٦، ٤٤٨ (الميمنية)، وأبو داود (٤٨٩٩)، والترمذي (٢٠٠٢)، وابن حبان (٤٨١) من حديث أبي الدرداء.\n(^٢) في م: \"وزن\".","vol":"10","page":70},{"text":"الكتابِ، من غيرِ حاجةٍ به إليه، ومن غير خوفٍ من نسيانِه، وهو العالمُ بكلِّ ذلك في كلِّ حالٍ ووقتٍ، قبلَ كونِه وبعدَ وجودِه، بل ليكونَ ذلك حجةً على خلقِه، كما قال جلّ ثناؤُه في تنزيلِه: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ الآية [الحائية: ٢٨، ٢٩]. فكذلك وزنُه تعالى أعمالَ خلقِه بالميزانِ؛ حجةً عليهم ولهم، إما بالتقصيرِ في طاعتِه والتضييعِ، وإما بالتكميلِ والتتميمِ.\nوأمَّا وجهُ جوازِ ذلك، فإنه كما حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ زيادٍ الإفريقيُّ، عن عبدِ اللهِ بن يزيدَ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو (^١)، قال: يُؤتَى بالرجلِ يومَ القيامةِ إلى الميزانِ، فيُوضَعُ في الكفَّةِ، فيُخرجُ له تسعةٌ وتسعون سِجلًّا فيها خطاياه وذنوبُه. قال: ثم يُخرجُ له كتابٌ مثلُ الأُنْمُلةِ، فيها شهادةُ ألا إلهَ إلا اللهُ، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه ﷺ. قال: فتُوضعُ في الكِفَّةِ، فتَرْجَحُ بخطاياه وذنوبِه (^٢).\nفكذلك وزنُ اللهِ أعمال خلقِه، بأن يُوضعَ العبدُ وكتبُ حسناتِه في كِفةٍ مِن كفتى الميزانِ، وكتبُ سيئاتِه في الكِفةِ الأخرى، ويُحْدِثُ اللهُ ﵎ ثقلًا وخفةً في الكِفةِ التي الموزونُ بها أَوْلى؛ احتجاجًا مِن اللهِ بذلك على خلقِه، كفعلِه بكثيرٍ منهم، من اسْتنطاقِ أيدِيهم وأرجلِهم، استشهادًا بذلك عليهم، وما أشبهَ ذلك مِن حُجَجِه.\nويُسألُ مَن أنكَر ذلك، فيقالُ له: إن الله أخبرَنا تعالى ذكرُه أنه يُثَقِّلُ موازينَ\n_________\n(^١) في م: \"عمر\".\n(^٢) أخرجه عبد بن حميد (٣٣٩) من طريق عبد الرحمن بن زياد به، وأخرجه أحمد ١١/ ٥٧٠، ٥٧١ (٦٩٩٤)، وابن ماجه (٤٣٠٠)، والترمذى (٢٦٣٩)، وابن حبان (٢٢٥)، والحاكم ١/ ٦، والبيهقي في الشعب (٢٨٣)، والبغوى (٤٣٢١) من طريق عبد الله بن يزيد أبي عبد الرحمن الحبلى به.","vol":"10","page":71},{"text":"قومٍ في القيامةِ، ويُخِفُّ (^١) موازينَ آخرين، وتظاهَرت الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ بتحقيقِ ذلك، فما الذي أوجبَ لك (^٢) إنكارَ الميزانِ أن يكونَ هو الميزانَ الذي وصَفنا صفتَه، الذي يتعارفُه الناسُ؟ أحجةُ عقلٍ؟ فقد (^٣) يقالُ: وجهُ صحتِه مِن جهةِ العقلِ، وليس في وزنِ اللهِ جلّ ثناؤه خلقَه وكتبَ أعمالِهم، لتعريفهم أثقلَ القِسمين منها بالميزانِ، خروجٌ من حكمةٍ، ولا دخولٌ في جورٍ في قضيةٍ، فما الذي أحالَ ذلك عندَك من حجةِ (^٤) عقلٍ أو خبرٍ؟ إذ كان لا سبيلَ إلى حقيقةِ القولِ بإفسادِ ما لا يدفَعُه العقلُ إِلا مِن أحدِ الوجهَين اللذين ذكرتُ، ولا سبيلُ إلى ذلك. وفى عدمِ البرهانِ على صحةِ دَعْواه من هذين الوجهين، وضوحُ فسادِ قولِه، وصحةِ ما قاله أهلُ الحقِّ في ذلك.\nوليس هذا الموضعُ من مواضعِ الإكثارِ في هذا المعنى على من أنكَر الميزانَ الذي وصفْنا صفتَه، إذ كان قصدُنا في هذا الكتابِ البيانَ عن تأويلِ القرآنِ دونَ غيرِه. ولولا ذلك لقَرَنَّا إلى ما ذكرنا نظائرَه، وفى الذي ذكَرْنا من ذلك كفايةٌ لمَن وُفِّق لفهمِه إن شاء اللهُ.\n\n<span id=\"aya-963\"></span><span data-type='title' id=toc-3238>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾.</span>\nيقولُ جلّ ثناؤُه: ومَن خَفَّتْ موازينُ أعمالِه الصالحةِ، فلم تثقُلْ بإقرارِه بتوحيدِ اللهِ، والإيمانِ به وبرسولِه، واتباعِ أمرِه ونهيهِ، فأولئك الذين غَبَنوا أنفسَهم حظوظَها من جزيلِ ثوابِ اللهِ وكرامتِه، ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) في م: \"يخفف\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"ذلك\".\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ٣، س، ف: \"أن\".\n(^٤) بعده في النسخ: \"أو\". والصواب بحذفها كما أثبتناه.","vol":"10","page":72},{"text":"بما كانوا بحججِ اللهِ وأدِلَّتِه يَجْحَدون، فلا يُقرُّون بصحتِها (^١)، ولا يُوقنون بحقيقتِها.\nكالذى حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾. قال: حسناتُه (^٢).\nوقيل: ﴿فَأُولَئِكَ﴾، و﴿مَنْ﴾ في لفظِ الواحدِ؛ لأن معناه الجمعُ، ولو جاء مُوحَّدًا، كان صوابًا فصيحًا.\n\n<span id=\"aya-964\"></span><span data-type='title' id=toc-3239>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد وطَّأْنا (^٣) لكم أيُّها الناسُ في الأرضِ، وجعلْناها لكم قرارًا تستقِرُّون فيها، ومِهادًا تَمْتهِدونها، وفراشًا تَفْترِشُونها، وجَعَلْنا فيها لكم معايشَ تعيشُون بها أيامَ حياتِكم، من مطاعمَ ومشاربَ، نعمةً منى عليكم، وإحسانًا منى إليكم، ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: وأنتم قليلٌ شكرُكم على هذه النعمِ التي أنعَمتُها عليكم لعبادتِكم غيرى، واتخاذِكم إلهًا سواى.\nوالمعايشُ جمعُ معيشةٍ.\nواختلَفت القرأةُ في قراءتِها؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿مَعَايِشَ﴾. بغيرِ همزٍ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"لصحتها\".\n(^٢) في ص ف: \"سيئاته\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤١ (٨٢٢٨) من طريق جرير به. وهو في الدر المنثور من تمام الأثر المتقدم في ص ٦٨.\n* من هنا يبدأ الجزء التاسع عشر من نسخة جامعة القرويين، والمشار إليها بـ \"الأصل\"، وسيجد القارئ أرقام أوراقها بين معقوفين.\n(^٣) في م: \"وطنا\".","vol":"10","page":73},{"text":"وقرَأه عبدُ الرحمنِ الأعرجُ: (معائِشَ) بالهمزِ (^١).\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندنا ﴿مَعَايِشَ﴾ بغيرِ همزٍ؛ لأنها \"مَفاعِلُ\"، مِن قولِ القائلِ: عشتَ، تعيشُ. فالميمُ فيها زائدةٌ، والياءُ في الحكمِ متحركةٌ؛ لأن واحدَها \"مَفْعَلَةٌ\"، مَعْيَشةٌ، متحركةُ الياءِ، نُقِلت حركةُ الياءِ منها إلى العينِ في واحدِها، فلما جُمعت رُدَّت حركتُها إليها، لسكونِ ما قبلَها وتحركِها. وكذلك تفعلُ العربُ بالياءِ والواوِ إذا سَكَنَ ما قبلَهما وتَحرَّكَتا، في نظائرِ ما وصفنا مِن الجمعِ الذي يأتى على مثالِ \"مَفاعِلَ\"، وذلك مخالفٌ لما جاء مِن الجمعِ على مثالِ \"فعائلَ\"، التي تكونُ الياءُ فيها زائدةً ليست بأصلٍ، فإن ما جاء مِن الجمعِ على هذا المثالِ، فالعربُ تهمِزُه، كقولِهم: هذه مدائنُ، وصحائفُ، وبصائرُ (^٢)، لأن مدائنَ جمعُ مدينةٍ، والمدينةُ \"فَعِيلةٌ\" من قولِهم: مَدَنْتُ المدينةَ. وكذلك صحائفُ، جمعُ صحيفةٍ، والصحيفةُ \"فَعِيلةٌ\" مِن قولِك: صَحَفْتُ الصحيفةَ. فالياءُ في واحدِها زائدةٌ ساكنةٌ، فإذا جمَعْتَ هَمزتَ، لخلافِها في الجمعِ الياءَ التي كانت في واحدِها، وذلك أنها كانت في واحدِها ساكنةً، وهى في الجمعِ متحركةٌ. ولو جَعَلْتَ مَدِينَةً \"مَفْعِلةً\" مِن: دانَ يدينُ، [وجَمَعْت على] (^٣) \"مفاعلَ\"، كان الفصيحُ تركَ الهمزِ (^٤) وتحريكَ الياءِ. وربما هَمَزتِ العربُ جمعَ \"مَفْعِلةٍ\" في ذواتِ\n_________\n(^١) وقرأ بها أيضا زيد بن علي والأعمش، وخارجةُ عن نافع، وابنُ عامر في رواية. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٧٨، ومختصر الشواذ لابن خالويه ص ٤٨، والبحر المحيط ٤/ ٢٧١، قال أبو حيان: وليس بالقياس، لكنهم رووه وهم ثقات، فوجب قبوله. وينظر بقية كلامه في الاحتجاج لهذه القراءة والدفع عن الحكم عليها بالشذوذ.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٢، س، ف: \"نظائر\".\n(^٣) سقط من: س، وفى الأصل: \"ثم جعلت\"، وفى ص: \"فرححب\"، غير منقوطة، وفي ف، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فرجعت\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فيها\".","vol":"10","page":74},{"text":"الياءِ والواوِ، وإن كان الفصيحُ من كلامِها تركَ الهمزِ فيها، إذا جاءت على \"مفاعلَ\"، تشبيهًا منهم لجَمْعِها بجمعِ \"فَعِيلةٍ\"، كما تُشَبِّهُ \"مَفْعَلًا\" بـ \"فَعِيلٍ\"، فتقولُ: مَسِيلُ الماءِ. مِن: سَالَ يسيلُ، ثم تجمعُها جمعَ \"فعيلٍ\"، فتقولُ: هي أمسِلةٌ. في الجمعِ، تشبيهًا منهم لها بجمعِ \"بعيرٍ\" وهو \"فعيلٌ\"، إذ تجمعُه \"أبعرةً\"، وكذلك تجمعُ المَصِيرَ وهو \"مَفْعِلٌ\"، \"مُضرانٌ\"، تشبيهًا له بجمعِ \"بعيرٍ\" وهو \"فعيلٌ\"، إذ تجمعُه \"بُعْرانٌ\". وعلى هذا هَمَز الأعرجُ (معائشَ). وليس ذلك بالفصيحِ في كلامِها. وأولى ما قُرِئَ به كتابُ اللهِ مِن الألسنِ أفصحُها [وأعربُها] (^١) وأعرفُها، دونَ أَنْكَرِها وأَشَذِّها.\n\n<span id=\"aya-965\"></span><span data-type='title' id=toc-3241>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُ ذلك ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ في ظهرِ آدمَ أَيُّها الناسُ، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ في أرحامِ النساءِ خلقًا مخلوقًا، ومثالًا مُمثَّلًا في صورةِ آدمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3240>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾: قولَه: ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ (^٢) آدمَ، وأما ﴿صَوَّرْنَاكُمْ﴾ فذرِّيتَه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) سقط من: ص م ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) بعده في م: \"يعني\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤٢ (٨٢٣٣، ٨٢٣٦) من طريق عبد الله به.","vol":"10","page":75},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ الآية. قال: أما ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ فآدمَ، وأما ﴿صَوَّرْنَاكُمْ﴾ فذرِّيَّةَ آدمَ مِن بعدِه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾: يعني آدمَ، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾: يعنى في الأرحامِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾. يقولُ: خلَقناكم خلقَ آدمَ، ثم صَوَّرناكم في بطونِ أمهاتِكم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾. يقولُ: خلقْنا آدمَ، ثم صَوَّرنا الذريةَ في الأرحامِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ (^٣)، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾. قال: خَلَقَ اللهُ آدمَ مِن طينٍ، ثم صَوَّركم (^٤) في بطونِ أمهاتِكم خلقًا مِن بعدِ خلقٍ، عَلَقةً، ثم مضغةً، ثم عظامًا، ثم كسا العظامَ لحمًا، ثم أنشأْناه خلقًا آخرَ (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤٢ عقب أثر (٨٢٣٤) من طريق أبي جعفر به، مقتصرًا على آخره.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤٢ عقب أثر (٨٢٣٣، ٨٢٣٤) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدى.\n(^٣) بعده في ص م ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"بن آدم\".\n(^٤) في م: \"صورناكم\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"10","page":76},{"text":"قال: خَلَقَ اللهُ آدمَ، ثم صَوَّرَ ذريتَه (^١) بعدَه (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ هارونَ، عن نصرِ بن مُشارسِ (^٣)، عن الضحاكِ: ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾: [﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ آدمَ، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾] (^٤). قال: ذُرِّيَّتَه (^٥).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرَجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾: يعني آدمَ، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾: يعنى ذريتَه.\nوقال آخرون (^٦): معنى ذلك: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ في أصْلابِ آبائِكم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ في بطونِ أمهاتِكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3242>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شريكٍ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾. قال: خلَقْناكم في أصْلابِ الرجالِ، ثم (^٧) صَوَّرناكم في أرحامِ النساءِ (^٨).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ\n_________\n(^١) بعده في ص م ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"من\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٢٥ عن معمر به.\n(^٣) في الأصل، ص: \"مشاوس\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"مشاوش\". والمثبت من تهذيب الكمال ٣٤/ ٢٩٧.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤٢ عقب الأثر (٨٢٣٣، ٨٢٣٦) معلقا، وينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٣٨٧.\n(^٦) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س ف: \"بل\".\n(^٧) في ص م ت ١، ت ٢، ت ٣، س ف: \"و\".\n(^٨) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤٢ عقب الأثر (٨٢٣٢، ٨٢٣٤) معلقًا.","vol":"10","page":77},{"text":"مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمعتُ الأعمشَ يقرأُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾. قال: خلَقناكم في أصْلابِ الرجالِ، ثم صَوَّرناكم في أرحامِ النساءِ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾: يعني آدمَ، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ (^٢): في ظهرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3243>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾. قال: آدمَ، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾. قال: في ظهرِ آدمَ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾: في ظهرِ آدمَ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾. قال: صَوَّرناكم في ظهرِ آدمَ.\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ١١١ عن الأعمش عن المنهال، عن ابن عباس من قوله، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤٢ (٨٢٣٤٨٢٣٢)، والحاكم ٢/ ٣١٩، والبيهقى في الشعب (١٠٧)، بزيادة سعيد بن جبير، بين المنهال وابن عباس.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٢ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) بعده في ص م ت ١، ت ٢، ت ٣، س ف: \"يعني\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٣٣ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤٢ (٨٢٣٥) - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٢ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"10","page":78},{"text":"حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ المدنيُّ، قال: سمِعتُ مجاهدًا في قولِه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾. قال: في ظهرِ آدمَ، لِما تصِيرون إليه مِن الثوابِ في الآخرةِ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ في بُطُونِ أمهاتِكم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ فيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-3244>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عمن ذكَره، قال: ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾. قال: خلَق اللهُ الإنسانَ في الرحمِ، ثم صَوَّره، فشَقَّ سمعَه وبصرَه وأصابعَه (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى هذه (^٢) الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: تأويلُه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾: ولقد خلَقنا آدمَ، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾: بتصويرِ نا آدم، كما قد بَيَّنا فيما مضى قبلُ (^٢) مِن خطابِ العربِ الرجلَ بالأفعالِ تضيفُها إليه، والمعْنَى في ذلك لسَلَفِه (^٣). وكما قال جلّ ثناؤه لمَن بينَ أظهُرِ المؤمنين من اليهودِ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾. [البقرة: ٦٣، ٩٣]. وما أشبَهَ ذلك مِن الخطابِ الموجَّهِ إلى الحيِّ الموجودِ، والمرادُ به السلفُ المعدومُ، فكذلك ذلك في قولِه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾. إنما معناه: ولقد خلَقنا أباكم آدمَ ثم صَوَّرناه.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٢٥ عن معمر، عن الكلبي من قوله. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٢ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) سقط من: ص م ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) تقدم في ١/ ٦٤٢، ٦٤٣.","vol":"10","page":79},{"text":"وإنما قلنا: هذا القولُ أولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ؛ لأن الذي يتلُو ذلك قولُه: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾. ومعلومٌ أن الله قد أمَر الملائكةَ بالسجودِ لآدمَ قبلَ أن يصوِّرَ ذرِّيتَه في بطونِ أمهاتِهم، بل قبلَ أن يخلُقَ أمهاتِهم، و\"ثم\" في كلامِ العربِ لا تأتى إلا بإيذانِ انقطاعِ ما بعدَها عما قبلَها، وذلك كقولِ القائلِ: قمتُ ثم قعدتُ. لا يكونُ القعودُ إذا عُطِف به بـ \"ثمَّ\" على قولِه: قمتُ. إلا بعدَ القيامِ، وكذلك ذلك في جميعِ الكلامِ، ولو كان العطفُ في ذلك بالواوِ، جازَ أن يكونَ الذي بعدَها قد كان قبلَ الذي قبلَها، وذلك كقولِ القائلِ: قمتُ وقعدتُ. فجائزٌ أن يكونَ القعودُ في هذا الكلامِ قد كان قبلَ القيامِ؛ لأن الواوَ تدخُلُ في الكلامِ إذا كانت عطفًا لتُوجِبَ للذى بعدَها مِن المعنى ما وَجَبَ للذي قبلَها، مِن غيرِ دلالةٍ منها بنفسِها على أن ذلك كان في وقتٍ واحدٍ أو وقتَين مختلَفين، أو إن كانا في وقتَين، أيُّهما المتقدِّمُ وأيُّهما المتأخرُ. فلما وصفْنا قلنا: إن قولَه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾. لا يصحُّ تأويلُه إلا على ما ذكرْناه.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن العربَ إذ كانت ربَّما نَطَقَت بـ \"ثمَّ\" في موضعِ الواوِ في ضرورة شعرٍ، كما قال بعضُهم (^١):\nسألتُ ربيعةً مَن خيرُها … أبًا ثم أُمًّا فقالت لِمَهْ\nبمعنى: أبًا وأمًّا. فإن ذلك جائزُ أن يكونَ نظيرَه - فإن ذلك بخلافِ ما ظنَّ؛ وذلك أن كتابَ اللهِ جلّ ثناؤُه نَزَلَ بأفصحِ لغاتِ العربِ، وغيرُ جائزٍ توجيهُ شيءٍ منه إلى الشاذِّ من لغاتِها، وله في الأفصحِ الأشهرِ معنًى مفهومٌ ووجهٌ معروفٌ.\nوقد وجَّه بعضُ مَن ضَعُفَت معرفتُه بكلامِ العربِ مَعْنى (^٢) ذلك إلى أنه مِن\n_________\n(^١) التبيان ٤/ ٣٥٧.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":80},{"text":"المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، وزَعَم أن معنى ذلك: ولقد خلقْناكم ثم قلْنا للملائكةِ: اسجُدوا لآدمَ. ثم صَوَّرناكم.\nوذلك غيرُ جائزٍ في كلامِ العربِ؛ لأنها لا تُدخِلُ \"ثم\" في الكلامِ وهى مرادٌ بها التقديمُ على ما قبلَها من الخبرِ، وإن [كان قد يُعترضُ بها] (^١) في الكلامِ، إذا كان فيه دليلٌ على أن معناها التأخيرُ، وذلك كقولِهم: قامَ ثم عبدُ اللهِ عمرٌو. فأما إذا قيل: قامَ عبدُ اللهِ ثم قَعَد عمرٌو. فغيرُ جائزٍ أن يكونَ قعودُ عمرٍو كان إلا بعدَ قيامِ عبدِ اللهِ، إذا كان الخبرُ صدقًا. فقولُ اللهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾. نظيرُ قولِ القائلِ: قام عبدُ اللهِ ثم قَعَد عمرٌو. في أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ أمرُ اللهِ الملائكةَ بالسجودِ لآدمَ، كان إلا بعدَ الخلقِ (^٢) والتصويرِ؛ لِما وصفنا قبلُ.\nوأما قولُه: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾. فإنه يقولُ جلّ ثناؤُه: فلما صَوَّرنا آدمَ وجعلناه خلقًا سويًّا، ونَفَخنا فيه من روحِنا، قلنا للملائكةِ: اسجُدوا لآدمَ. ابتلاءً مِنَّا واختبارًا لهم بالأمرِ؛ لنَعْلَمَ الطائعَ منهم مِن العاصى.\n﴿فَسَجَدُوا﴾. يقولُ: فَسَجَد الملائكةُ ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾، فإنه ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ لآدمَ حينَ أمَره اللهُ مع مَن أمَر مِن سائرِ الملائكةِ غيرِه بالسجودِ.\nوقد بَيّنا فيما مَضَى المعنى الذي مِن أجلِه امْتَحَنَ ﷻ ملائكتَه بالسجودِ لآدمَ، وأمْرَ إبليسَ وقصصَه، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-966\"></span><span data-type='title' id=toc-3245>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ</span>\n_________\n(^١) في م: \"كانوا قد يقدمونها\".\n(^٢) بعده في ت ١: \"المصور\".\n(^٣) تقدم في ١/ ٥٣٠ - ٥٤٧.","vol":"10","page":81},{"text":"خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾.\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن قيلِه لإبليسَ إذ عصاه فلم يسجُدْ لآدمَ إذ أمَره بالسجودِ له. يقولُ: ﴿قَالَ﴾ اللهُ لإبليسَ: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾: أيُّ شيءٍ منَعك ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾: أن تدعَ السجودَ لآدم، ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ أَن تسجُدَ له (^١)؟ ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ﴾. يقولُ: قال إبليسُ: أنا خيرٌ [منه. يَعْنى: مِن آدمَ] (^٢)، ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.\nفإن قال قائلٌ: فأخبِرْنا عن إبليسَ، أَلَحِقَتْه المَلامةُ على السجودِ أم على تركِ السجودِ؟ فإن تكنْ لِحقَته المَلامةُ على تركِ السجودِ، فكيف قيل له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾؟ [والنَّكِيرُ إذا كان على تركِ السجودِ فإنَّما يقالُ: ما منَعَك أن تسجدَ. وإن كان النكيرُ على السجودِ] (^٣)، فذلك خلافُ ما جاء به التنزيلُ في سائرِ القرآنِ، وخلافُ ما يعرِفُه المسلمون؟\nقيل: إن الملامةَ لم تلحَقْ إبليسَ إلا على معصيتِه ربَّه بتركِه السجودَ لآدمَ إذ أمَره بالسجودِ له، غيرَ أن في تأويلِ قولِه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾. بينَ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ اختلافًا، أبدأُ بذكرِ ما قالوا، ثم أذكُرُ الذي هو أولى ذلك بالصوابِ.\nفقال بعضُ نحويى البصرةِ: معنى ذلك: ما مَنَعك أن تسجُدَ. و\"لا\" ههنا زائدةٌ، كما قال الشاعرُ (^٤):\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س ف: \"منه من آدم\"، وفى م: \"من آدم\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٤) البيت غير منسوب في المحكم لابن سيده ٢/ ١٤٤، وأمالي ابن الشجرى ٢٢٨، ٢٣١، واللسان (ن ع م)، وشرح شواهد المغنى ٢/ ٦٣٤.","vol":"10","page":82},{"text":"أبى جُودُه لا البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ به … نَعَمْ مِنْ فَتًى لا يَمْنَعُ الجُوعَ (^١) قاتِلُهْ\nوقال: فَسَّرته العربُ: أَبَى جُودُه البخلَ. وجعلوا \"لا\" زائدةً حشوًا ههنا، وَصَلوا بها الكلامَ.\nقال: وزَعَم يونسُ أن أبا عمرٍو كان يَجُرُّ البخلَ، ويجعلُ \"لا\" مضافةً إليه، أراد: أبى جودُه \"لا\" التي هي للبخلِ. ويجعلُ \"لا\" مضافةً؛ لأن \"لا\" قد تكونُ للجودِ والبخلِ؛ لأنه لو قال له: امنعِ الحقَّ ولا تُعْطِ المساكينَ. فقال: \"لا\". كان هذا جودًا منه.\nوقال بعضُ نحويى الكوفةِ (^٢) نحوَ القولِ الذي ذكرْناه عن البصريِّ (^٣) في معناه وتأويلِه، غيرَ أنه زَعَم أن العلةَ في دخولِ \"لا\" في قولِه: ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾. أن في أولِ الكلامِ جحدًا، يعنى قولَه: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾. وأن العربَ ربما أعادوا في الكلامِ الذي فيه جحدٌ، جحدًا، كالاستيثاقِ (^٤) والتوكيدِ له، قال: وذلك كقولِهم (^٥):\nما إِنْ رَأَيْنا مِثْلَهُنَّ لمعشرٍ … سُودِ الرءوسِ فَوالجٌ (^٦) وفُيُولُ\nفأعادَ على الجحدِ الذي هو \"ما\" جحدًا، وهو قولُه: \"إنْ\".\nفجَمَعَهما للتوكيدِ.\n_________\n(^١) في المحكم: \"الجوس\"، هو بمعنى الجوع، وفى أمالي ابن الشجرى، وشرح شواهد المغنى: \"الجود\". وكذا أثبتها ناشرو المطبوعة عن هذه المصادر.\n(^٢) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٣٧٤.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"البصريين\".\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"كالاستئناف\".\n(^٥) البيت في معاني القرآن للفراء ١/ ١٧٦، ٣٧٤.\n(^٦) الفوالج جمع الفالج: الجمل الضخم ذو السنامين يحمل من السند للفحلة. الصحاح (ف ل ج).","vol":"10","page":83},{"text":"وقال آخرُ منهم: ليست \"لا\"، بحشوٍ في هذا الموضعِ ولا صلةٍ (^١)، ولكن المنعَ ههنا (^٢) بمعنى القولِ.\nقال: وإنما تأويلُ الكلامِ: من قال لك: لا تسجُدْ إذ أمرتُك بالسجودِ؟ ولكن دَخَل في الكلامِ \"أنْ\"، إذ كان المنعُ بمعنى القولِ لا في لفظِه، كما يُفْعَلُ ذلك في سائرِ الكلام الذي يضارعُ القولَ وهو له في اللفظِ مخالفٌ، كقولِهم: ناديتُ ألَّا تَقُمْ. و: حلَفتُ ألَّا تجلسْ. وما أشبهَ ذلك من الكلامِ.\nوقال: [خفَض البخلَ] (^٣) مَن رَوَى: أبى جودُه لا البخلِ. بمعنى: كلمةَ البخلِ؛ لأن \"لا\" هي كلمةُ البخلِ، فكأنه قال: كلمةَ البخلِ.\nوقال بعضُهم: معنى المنعِ الحولُ بينَ المرءِ وما يريدُه. قال: والممنوعُ مضطرٌّ (^٤) إلى خلافِ ما مُنِعَ منه، كالممنوعِ مِن القيامِ وهو يريدُه، فهو مضطرٌّ مِن الفعلِ إلى ما كان خلافًا للقيامِ، إذ كان المختارُ للفعلِ هو الذي له السبيلُ إليه وإلى خلافِه، فيُؤثِرُ أحدَهما على الآخرِ فيفعلُه. قال: فلما كانت صفةُ المنعِ ذلك، فخوطِب إبليسُ بالمنعِ، فقيل له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾. كان معناه: كأنه قيل له: أيُّ شيءٍ اضطرَّك إلى ألا تسجدَ؟\nوالصوابُ عندى مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إِنَّ في الكلامِ محذوفًا قد كَفَى دليلُ الظاهرِ منه، وهو أن معناه: ما مَنَعك من السجودِ فأحْوجَك ألا تسجدَ؟ فتَرَك ذكرَ \"أحْوجك\" استغناءً بمعرفةِ السامعين قولَه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ\n_________\n(^١) ينظر تعريف الصلة في ١/ ١٩١.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في م: \"بعض\".\n(^٤) بعده في م: \"به\".","vol":"10","page":84},{"text":"السَّاجِدِينَ﴾. أن ذلك معنى الكلامِ، من ذكره، ثم عَمِلَ قولُه: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾. في \"أنْ\" ما كان عاملًا فيه قبلَ \"أحْوجَك\" لو ظَهَر، إذ كان قد نابَ عنه.\nوإنما قلنا: هذا القولُ أولى بالصوابِ؛ لِما قد مَضَى مِن دلالتِنا قبلُ على أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ في كتابِ اللهِ شيءٌ لا معنَى له، وأن لكلِّ كلمةٍ معنًى صحيحًا، فبَيِّنٌ (^١) بذلك فسادُ قولِ مَن قال: \"لا\" في الكلامِ حشوٌ لا معنَى لها.\nوأما قولُ مَن قال: معنى المنعِ ههنا القولُ، فلذلك دخلَت \"لا\" مع \"أن\". فإن المنعَ وإن كان قد يكونُ قولًا وفعلًا، فليس المعروفَ في الناسِ استعمالُ المنعِ في الأمرِ بتركِ شيءٍ؛ لأن المأمورَ بتركِ الفعلِ إذا كان قادرًا على فعلِه وتركِه، ففعَلَه، لا يقالُ: فَعَله وهو ممنوعٌ مِن فعلِه. إلا على اسْتكراهٍ للكلامِ. وذلك أن المنعَ من الفعلِ حَوْلٌ بينَه وبينَه، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ وهو مَحُولٌ بينَه وبينه فاعلًا له؛ لأنه إن جازَ ذلك وَجَب أن يكونَ محولًا بينَه وبينَه، لا مَحولًا، وممنوعًا لا ممنوعًا.\nوبعدُ، فإن إبليسَ لم يأتمِرْ لأمرِ اللهِ بالسجودِ لآدمَ كِبْرًا، فكيف كان يأتمرُ لغيرِه في تركِ أمرِ اللهِ وطاعتِه بتركِه السجودَ لآدمَ، فيجوزَ أن يقالَ له: أيُّ شيءٍ قال لك: لا تسجُدْ لآدمَ إذ أمرتُك بالسجودِ له (^٢)؟ ولكن معناه إن شاء اللهُ ما قلتُ: ما منَعَك من السجودِ له فأحْوجَك، أو: فأخْرجك، أو: فاضْطرَّك إلى ألا تسجُدَ له. على ما بَيَّنتُ.\n[وأمّا قولُه] (^٣): ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. فإنه (^٤) خبرٌ مِن\n_________\n(^١) في م: \"فتبين\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في الأصل: \"القول في تأويل قوله ﷿: قال\".\n(^٤) في الأصل: \"وهذا\".","vol":"10","page":85},{"text":"اللهِ جلّ ثناؤه عن جوابِ إبليسَ إياه إذ سأله ما الذي منَعه من السجودِ لآدمَ فأحْوجَه إلى ألا يسجدَ له، واضْطرَّه إلى خلافِه [أمرَ ربِّه] (^١)، وتركه طاعتَه، أن المانعَ كان له من السجودِ، والداعيَ له إلى خلافِ أمرِ ربِّه في ذلك، أنه أشدُّ منه أيْدًا (^٢)، وأقوى منه قوةً، وأفضلُ منه فضلًا؛ لفضلِ الجنسِ الذي منه خُلِقَ، وهو النارُ، على (^٣) الذي منه خُلِق آدمُ، وهو الطينُ، فجَهِلَ عدوُّ اللهِ وجهَ الحقِّ، وأخْطأ سبيلَ الصوابِ، إذ كان معلومًا أن مِن جوهرِ النارِ الخِفَّةَ والطيشَ والاضْطرابَ والارتفاعَ علوًّا، والذي في جوهرِها مِن ذلك هو الذي حَمَل الخبيثَ بعد الشقاءِ الذي كان (^٤) سَبَق له مِن اللهِ في الكتابِ السابقِ، على الاستكبارِ عن السجودِ لآدمَ، والاسْتخْفافِ بأمرِ ربِّه، فأورَثَه العَطَبَ والهلاكَ، وكان معلومًا أن مِن جوهرِ الطينِ الرَّزانةَ والأناةَ والحلمَ والحياءَ والتثبُّتَ، وذلك الذي [هو مِن] (^٥) جوهرِه من ذلك، كان الداعيَ لآدمَ، بعدَ السعادةِ التي كانت سَبَقَت له مِن ربِّه في الكتابِ السابقِ، إلى التوبةِ مِن خطيئتِه، ومسألتِه ربَّه العفوَ عنه والمغفرةَ. ولذلك كان الحسنُ وابنُ سيرينَ يقولان: أولُ مَن قاسَ إبليسُ. يعنيان بذلك القياس الخطأَ. وهو هذا الذي ذكرنا من خطإِ قولِه، وبُعْدِه مِن إصابةِ الحقِّ، في الفضلِ الذي خَصَّ اللهُ به آدمَ على سائرِ خلقِه، من خلقِه إياه بيدِه، ونفخِه فيه مِن روحه، وإسجادِه له ملائكتَه، وتعليمِه أسماءَ كلِّ شيءٍ، مع سائرِ ما خَصَّه اللهُ به مِن كرامتِه، فضَرَبَ عن ذلك كلِّه الجاهلُ صفحًا، وقَصَدَ إلى الاحتجاجِ بأنه خُلِقَ مِن نارٍ وخُلِقَ آدمُ من طينٍ، وهو في ذلك أيضًا له غيرُ كُفْءٍ، لو لم يكنْ لآدمَ مِن اللهِ تَكْرِمةٌ بشيءٍ غيرِه، فكيف والذي خُصَّ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أمره به\".\n(^٢) في م: \"يدا\". والأيد: القوة. اللسان (أ ى د).\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف، وفى م: \"من\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) في م: \"في\".","vol":"10","page":86},{"text":"به مِن كرامتِه يكثرُ تعدادُه، ويُمَلُّ إحصاؤُه.\nحدَّثني عمرُو بنُ مالكٍ (^١)، قال: ثنا يحيى بنُ سُلَيْمٍ الطائفيُّ، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، قال: أَوَّلُ مَن قاسَ إبليسُ، وما عُبِدَت الشمسُ والقمرُ إلا بالمقاييسِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، عن ابن شَوْذَبٍ، عن مطرٍ الورَّاقِ، عن الحسنِ قولَه: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. قال: قاسَ إبليسُ، وهو أولُ من قاسَ (^٣).\nوبنحوِ ما (^٤) قلنا في تأويلِ (^٥) ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3246>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عمارةَ، عن أبي روقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا خَلَقَ الله آدمَ قال للملائكةِ الذين كانوا مع إبليسَ خاصةً دونَ الملائكةِ الذين في السماواتِ: اسْجُدُوا لآدمَ. فسَجَدوا كلُّهم أجمعون، إلا إبليسَ [أبَى و] (^٦) استكبَر، لما كان [حدَّثَتْه به] (^٧) نفسُه مِن كبرِه واعتزازِه (^٨). فقال: لا أسجدُ له، وأنا خيرٌ منه، وأكبرُ سِنًّا، وأقوى خَلْقًا؛ ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"المرى\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٨٦، والدارمي ١/ ٦٥، من طريق يحيى بن سليم، عن داود بن أبي هند، عن ابن سيرين به. وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٨٨ عن المصنف، وقال: إسناده صحيح.\n(^٣) أخرجه الدارمى ١/ ٦٥ عن محمد بن كثير به. وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٨٨ عن المصنف، وقال: إسناده صحيح.\n(^٤) في م: \"الذي\".\n(^٥) سقط من: م، ف.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"حدث\".\n(^٨) في م: \"اغتراره\" بالغين والراء.","vol":"10","page":87},{"text":"نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. يقولُ: إن النارَ أقوى مِن الطينِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾. قال: ثم جَعَل ذرِّيتَه مِن ماءٍ.\nوهذا الذي قاله عدوُّ اللهِ ليس لِما سألَه عنه بجوابٍ، وذلك أن الله تعالى ذكرُه قال له: ما مَنَعك من السجودِ؟ فلم يُجِبْ بأن الذي منعه من السجودِ أنه خُلِقَ مِن نارٍ وخُلِقَ آدمُ من طينٍ، ولكنه ابتدَأ خبرًا عن نفسِه، فيه دليلٌ على موضعِ الجواب، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-967\"></span><span data-type='title' id=toc-3247>القول في تأويلِ قوله ﷿: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾.</span>\nيعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: قال اللهُ لإبليسَ عندَ ذلك: فاهْبِطْ منها.\nوقد بَيَّنا معنى الهبوطِ فيما مَضَى قبلُ بما أغنَى عن إعادتِه (^١).\n﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فقال اللهُ له: اهبِطْ منها. يعنى من الجنةِ، ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ﴾. يقولُ: فليس لك أن تستكبرَ في الجنةِ عن أمرى وطاعتى.\nفإن قال قائلٌ: وهل لأحدٍ أن يَتَكَبَّرَ [عن أمرِ اللهِ وطاعتِه في غيرِ الجنةِ فيقالَ: ليس لك أن تتكبَّرَ] (^٢) في الجنةِ؟\nقيل: إن معنى ذلك بخلافِ ما إليه ذهبتَ، وإنما معنى ذلك: فاهبِطْ مِن الجنةِ؛ فإنه لا يسكُنُ الجنةَ مُتَكَبِّرٌ عن أمرِ اللهِ، فأما غيرُها، فإنه قد يَسْكُنُها المستكبرُ\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ٥٧١.\n(^٢) سقط من: ص م ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":88},{"text":"عن أمرِ اللهِ والمستكينُ لطاعتِه.\nوقولُه: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾. يقولُ: فاخرُجْ مِن الجنةِ، إنك من الذين قد نالَهم مِن اللهِ الصَّغَارُ، وذلك (^١) الذلُّ والمَهانةُ. يقالُ منه: صَغِرَ يَصْغَرُ صَغَرًا وصَغَارًا وصُغْرانًا. وقد قيل: صَغُرَ يَصْغُرُ صَغَارًا وصَغَارَةً. وبنحوِ ذلك (^٢) قال السديُّ.\nحدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾: والصَّغَارُ هو الذلُّ.\n\n<span id=\"aya-968\"></span><span data-type='title' id=toc-3248>القولُ في تأويل قولِه ﷿: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾.</span>\nوهذه (^٣) جَهْلةٌ أُخرى من جَهَلاتِه الخبيثِ (^٤)، سأل ربَّه ما قد علِم أنه لا سبيلَ لأحدٍ من خلقِ اللهِ إليه، وذلك أنه سأل النَّظِرةَ إلى قيامِ الساعةِ، وذلك هو يومُ يَبْعَثُ اللهُ فيه الخلقَ، ولو أُعطِى ما سأل مِن النَّظرةِ، كان قد أُعطِي الخلودَ، وبقاءً لا فناءَ معه، وذلك أنه لا موتَ بعد البعثِ.\n\n<span id=\"aya-969\"></span>فقال جلّ ثناؤُه له: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٧، ٣٨، ص: ٨٠، ٨١]. وذلك إلى اليومِ الذي قد كَتَبَ اللهُ عليه فيه الهلاكَ والموتَ والفناءَ؛ لأنه لا شيءَ يَبْقَى فَلا يَفْنَى، غيرُ رَبِّنَا الحَيِّ الذي لا يموتُ. يقولُ اللهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥، الأنبياء: ٣٥، العنكبوت: ٥٧].\nوالإنظارُ في كلام العرب التأخيرُ، يقالُ منه: أنظرتُه بحقِّى عليه، أُنْظِرُه به إنْظارًا.\n_________\n(^١) سقط من: ص م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٢) في م: \"الذي قلنا\".\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س ف: \"أيضا\".\n(^٤) في م: \"الخبيثة\".","vol":"10","page":89},{"text":"فإن قال قائلٌ: فإن الله ﵎ قد قال له إذ سأله الإنظارَ إلى يومِ يُبْعَثون: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾. في هذا الموضعِ، فقد أجابه إلى ما سأل؟\nقيل (^١): ليس الأمرُ كذلك، وإنما كان يكونُ (^٢) مُجِيبًا له إلى ما سأل لو كان قال له: إنك مِن المُنْظَرِين إلى الوقتِ الذي سألتَ، أو إلى يومِ البعثِ، أو إلى يومِ يُبْعَثون. أو ما أشبهَ ذلك مما يدلُّ على إجابتِه إلى ما سأل مِن النَّظِرةِ.\nفأما قولُه: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾. فلا دليلَ فيه لولا الآيةُ الأخرى التي قد بَيَّن فيها مدةَ إنظارِه إياه إليها، وذلك قولُه: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾. كم (^٣) المدةُ التي أنْظَره إليها؛ لأنه إذا أَنْظَرَه يومًا واحدًا أو أقلَّ منه أو أكثرَ، فقد دَخَلَ في عِدادِ المُنْظَرين، وتَمَّ فيه وعدُ اللهِ الصادقُ، ولكنه بَيَّنَ قدرَ مدةِ ذلك بالذي ذكرنا، فعُلِمَ بذلك الوقتُ الذي أُنْظِر إليه.\nوبنحوِ ذلك كان السديُّ يقولُ.\nحدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨، ص: ٧٩ - ٨١]. فلم يُنْظِرْه إلى يوم البعثِ، ولكن أنظَرَه إلى يومِ الوقتِ المعلومِ، وهو يومُ يُنفخُ في الصورِ النفخةُ الأولى، فصَعِقَ مَن في السماواتِ ومَن في الأرضِ فماتَ (^٤).\nفتأويلُ الكلامِ: قال إبليسُ لربِّه: ﴿فَأَنْظِرْنِي﴾. أي: أَخِّرْنى وأَجِّلْنى:\n_________\n(^١) بعده في م: \"له\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف، وفى م: \"على\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٩ إلى ابن أبي حاتم دون قوله: وهو يوم ينفخ في الصور ....","vol":"10","page":90},{"text":"وأنْسِئْ في أَجَلى، فلا تُمِتْنى ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. يقولُ: إلى يومِ يُبْعَثُ الخَلقُ. فقال تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾: إلى يوم يُنْفَخُ في الصورِ فَيَصْعَقُ مَن في السماواتِ ومَن في الأرضِ إلا مَن شاء اللهُ.\nفإن قال قائلٌ: وهل أحدٌ مُنْظَرٌ إلى ذلك اليومِ سوى إبليسَ فيقالَ له: إنك منهم؟\nقيل: نعم، مَن لم يقبضِ اللهُ روحَه من خلقِه إلى ذلك اليومِ ممن تقومُ عليه الساعةُ، فهو (^١) مِن المُنْظَرين بآجالِهم إليه، ولذلك قيل لإبليسَ: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾. بمعنى: إنك ممن لا يُمِيتُه اللهُ إلا ذلك اليومَ.\n\n<span id=\"aya-970\"></span><span data-type='title' id=toc-3249>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾.</span>\nيقولُ جلّ ثناؤُه: قال إبليسُ لربِّه: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾. يقولُ: [فبأَيِّ شيءٍ] (^٢) أضْلَلْتَني.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾. يقولُ: أَضْلَلْتَنى (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾. قال: فبما أضْللتني.\nوكان بعضُهم يتأوَّلُ قولَه: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾: بما أَهْلَكْتَنى. مِن قولِهم:\n_________\n(^١) في م: \"فهم\".\n(^٢) في م: \"فيما\".\n(^٣) أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١٠٠٢) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"10","page":91},{"text":"غَوِيَ الفَصيلُ يَغْوَى غَوًى. وذلك إذا فَقَدَ اللبنَ فماتَ، من قولِ الشاعرِ (^١):\nمُعَطَّفَةُ الأَثْنَاءِ (^٢) ليس فَصِيلُها … بِرازِئِها دَرًّا ولا مَيِّتٍ غَوَى (^٣)\nوأصلُ الإغواءِ في كلامِ العربِ تَزْيِينُ الرجلِ للرجلِ الشيءَ حتى يُحَسِّنَه عندَه، غارًّا له به (^٤).\nوقد حُكِى عن بعضِ قبائلِ طيِّئ أنها تقولُ: أصبح فلانٌ غاوِيًا. أي: أصبَح مريضًا.\nوكان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك أنه بمعنى القَسَمِ، كأن معناه عندَه: فبإغْوائِك إياى لأقعدنَّ لهم صراطَك المستقيمَ. كما يقالُ: باللهِ لأفعلنَّ كذا.\nوكان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك أنه بمعنى المُجازاةِ، كأن معناه عندَه: فلأَنك أغويتَنى، أو: فبأنك أغويتَنى، لأقعدنَّ لهم صراطَك المستقيمَ.\nوفى هذا بيانٌ واضحٌ على فساد ما يقولُ القَدريَّةُ، مِن أن كلَّ مَن كَفَر أو آمَن فبتفويضِ اللهِ أسبابَ ذلك إليه، وأن السببَ الذي به يصِلُ المؤمنُ إلى الإيمانِ هو السببُ الذي به (^٥) يصل الكافرُ إلى الكفرِ. وذلك أن ذلك لو كان كما قالوا: لكان الخبيثُ قد قال بقولِه: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾: فبما أصْلَحتَنى. إذ كان سببُ الإغواء هو سببَ الإصلاحِ، وكان في إخبارِه عن الإغواءِ إخبارٌ عن\n_________\n(^١) هو مدرج الريح، عامر بن المجنون الجرمي، والبيت في إصلاح المنطق ص ١٨٩، ٢٠٣، وتهذيبه ٢/ ٥٤، والمعاني الكبير ٢/ ١٠٤٧، والمخصص ٧/ ٤١، ١٨٠ (المجلد الثاني). وينظر الشعر والشعراء ٢/ ٧٣٦.\n(^٢) في المعانى الكبير \"الأذناب\".\n(^٣) يصف قوسًا، قال التبريزى في تهذيبه: أثناؤها: أطرافها الملتئبة، ورازئها، أي: أخذ منها شيئا، ليس فصيل هذه القوس يشرب منها لبنا كفصيل الناقة، ولا يؤذيه كثرة الشرب، يريد أنه لا يشرب في حال من الأحوال.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"10","page":92},{"text":"الإصلاحِ، ولكن لما كان سبباهما مختلفَين، وكان السببُ الذي به غَوَى وهَلَكَ مِن عندِ اللهِ، أضافَ ذلك إليه فقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾.\nولذلك (^١) قال محمدُ بنُ كعبٍ القُرَظِيُّ ما (^٢) حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، قال: قال (^٣) أبو مودودٍ: سمعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظيَّ يقولُ: قاتَلَ اللهُ القَدَريةَ، لإبليسُ أعلمُ باللهِ منهم.\nوأما قولُه: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. فإنه يقولُ: لأَجْلِسنَّ لبنى آدمَ صراطَك المستقيمَ. يعنى: طريقَك القويمَ، وذلك دينُ الله الحقُّ، وهو الإسلامُ وشرائعُه.\nوإنما معنى الكلام: لأَصُدَّنَّ بني آدمَ عن عبادتك وطاعتِك، ولأُغْوينَّهم كما أَغْويتَنِي، ولأُضِلَّنَّهم كما أضْلَلْتَني.\nوذلك كما رُوِى عن [سَبْرةَ بن أبى] (^٤) الفاكهِ أنه سمِع النبيَّ ﷺ يقولُ: \"إن الشيطانَ قَعَدَ لابنِ آدمَ بأَطْرُقِه (^٥)، فَقَعَدَ له بطريقِ الإسلامِ، فقال: أَتُسْلِمُ وتَذَرُ دينَك ودينَ آبائِك؟ فَعَصاه فأسْلمَ، ثم قَعَدَ له بطريقِ الهجرةِ، فقال: أتهاجرُ وتذرُ أرضَك وسماءَك، وإنما مَثَلُ المهاجرِ كالفرسِ في الطِّوَلِ (^٦)؟ فعصاه وهاجَرَ، ثم قَعَدَ له بطريقِ الجهادِ، وهو جَهْدُ النفسِ والمالِ، فقال: أتقاتلُ (^٧) فَتُقْتَلُ،\n_________\n(^١) في م: \"كذلك\".\n(^٢) في م: \"فيما\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"ثنا\".\n(^٤) في م: \"سبرة بن\". وهو قول في اسمه. وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٢٠٢.\n(^٥) جمع طريق على التأنيث لأن الطريق تذكر وتؤنث؛ وجمعه على التذكير: أطرقة. ينظر النهاية ٣/ ١٢٣.\n(^٦) قال السندى - بحاشية سنن النسائي -: هو الحبل الذي يشد أحد طرفيه في وتد والطرف الآخر في يد الفرس … ومقصوده أن المهاجر يصير كالمقيد في بلاد الغربة لا يدور إلا في بيته ولا يخالطه إلا بعض معارفه.\n(^٧) في الأصل: \"تقاتل\".","vol":"10","page":93},{"text":"فَتَنْكَحُ المرأةُ، ويُقْسَمُ (^١) المالُ؟ قال: فَعَصاه فجاهَدَ\" (^٢).\nورُوِيَ عن عونِ بن عبدِ اللهِ في ذلك ما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حَبُّويه (^٣) أبو يزيدَ، عن عبدِ اللهِ بن بكيرٍ، عن محمدِ بن سُوقةَ، عن عونِ بن عبدِ اللهِ: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: طريقَ مكةَ (^٤).\nوالذي [قال عونٌ من ذلك] (^٥)، وإن كان من صراطِ اللهِ المستقيمِ، فليس هو الصراطَ كلَّه. وإنما أخبرَ عدوُّ اللهِ أنه يقعُدُ لهم صراطَ اللهِ المستقيمَ، ولم يَخْصُصْ منه شيئًا دونَ شيءٍ. فالذى رُوِىَ في ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ أشبهُ بظاهرِ التنزيلِ، وأوْلى بالتأويلِ؛ لأن الخبيثَ لا يَأْلو عبادَ اللهِ الصَّدَّ عن كلِّ ما كان لهم قُرْبةً إلى اللهِ ﷿.\nوبنحوِ ما قلنا (^٦) قال أهلُ التأويلِ في معنى \"المستقيمِ\" في هذا الموضعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3250>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: الحقَّ (^٧).\n_________\n(^١) في الأصل: \"يقتسم\".\n(^٢) أخرجه أحمد ٢٥/ ٣١٥ (١٥٩٥٨)، والبخارى في التاريخ الكبير ٤/ ١٨٧، والنسائي (٣١٣٤)، وابن حبان (٤٥٩٣)، والطبراني في الكبير (٦٥٥٨)، والبيهقى في الشعب (٤٢٤٦).\n(^٣) في م: \"حيوة\"، وفى ف: \"حبوة\". ينظر الإكمال لابن ماكولا ٢/ ٣٥٨.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"قاله\".\n(^٦) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"في ذلك\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٢ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر. وهو في تفسير مجاهد ص ٣٣٣ بلفظ: يعنى الإسلام، والدين الحق.","vol":"10","page":94},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ المدنيُّ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: سبيلَ الحقِّ، فَلأُضلَّنهم إلا قليلًا.\nواختلف أهلُ العربيةِ في ذلك؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معناه: لأقعُدنَّ لهم على صراطِك المستقيمِ. كما يقالُ: تَوجَّه مكةَ. أي: إلى مكةَ، كما قال الشاعرُ (^١):\nكأَنِّي إِذْ أَسْعَى لأَظْفَرَ طائرًا … مع النَّجْمِ في (^٢) جَوِّ السماءِ يَصُوبُ\nبمعنى: لأظفَرَ بطائرٍ. فألقَى الباءَ. وكما قال جل ثناؤُه: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٠]. بمعنى: أَعَجِلتُم عن أمرِ ربِّكم.\nوقال بعضُ نحويِّي الكوفيين (^٣): المعنى واللهُ أعلمُ: لأقعُدنَّ لهم على طريقِهم. وفي طريقِهم. قال: وإلقاءُ الصفةِ من هذا جائزٌ، كما تقولُ: قعَدتُ لك وجهَ الطريقِ، وعلى وجهِ الطريقِ؛ لأن الطريقَ صفةٌ (^٤) في المعنى، فاحْتمَل ما يحتمِلُه اليومُ والليلةُ والعامُ، إذ قيل: آتِيك غدًا، وآتيك في غدٍ.\nوهذا القولُ هو أَولى القولين في ذلك (^٥) بالصوابِ؛ لأن القعودَ مُقْتَضٍ مكانًا\n_________\n(^١) التبيان ٤/ ٣٦٤.\n(^٢) في م: \"من\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"الكوفة\". وهو قول الفراء في معاني القرآن ١/ ٣٧٥.\n(^٤) يقصد بالصفة في الموضع الأول حرف الجر، وفي الموضع الثاني الظرف.\nوينظر المصحح النحوي ص ١٧٧، ١٧٨.\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"عندي\".","vol":"10","page":95},{"text":"يُقْعَدُ فيه، فكما يقالُ: [قعدتُ مكانَك. كذلك يقالُ: قعَدتُ صراطَك. وكما يقالُ: قعَدتُ في مكانِك. يقالُ: قعَدتُ على صراطِك] (^١)، وفي صراطِك. كما قال الشاعرُ (^٢):\nلَدْنٌ بِهَزِّ الكَفُّ يَعْسِلُ مَنْتُهُ … فيه (^٣) كما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ (^٤)\nولا تكادُ العربُ تقولُ ذلك في أسماءِ البلدانِ، لا يكادون يقولون: جلستُ مكةَ، [أو: قعَدتُ] (^٥) بغدادَ.\n\n<span id=\"aya-971\"></span><span data-type='title' id=toc-3252>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾.</span>\nاخْتلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى قولِه: ﴿لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: مِن قِبَلِ الآخرةِ، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ الدنيا، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ الحقِّ، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ الباطلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3251>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾. يقولُ: أُشَكِّكُهم في آخرتِهم، ﴿وَمِنْ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"قعدت في مكانك، يقال قعدت على صراطك، وفى صراطك\". وكذا في ف إلا أن فيها: \"صراطك في صراطك\".\n(^٢) هو ساعدة بن جؤية الهذلي، والبيت في ديوان الهذليين ١/ ١٩٠.\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فيها\".\n(^٤) في الديوان: \"لذٌّ\" مكان: \"لدن\". واللدن: اللين الناعم. ولذ: تلَذُّ الكفُّ بهزه. يعسل: أي يضطرب. كما عسل الطريق الثعلب: أي في الطريق، وهو اضطرابه. شرح أشعار الهذليين ٣/ ١١٢٠، وينظر خزانة الأدب ٣/ ٨٥.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"وقمت\"، وفى ب: \"وقعدت\".","vol":"10","page":96},{"text":"خَلْفِهِمْ﴾: [أُرَغِّبُهم في دنياهم] (^١)، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: أُشَبِّهُ عليهم أمرَ دينِهم، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: أُشَهِّى لهم المعاصىَ (^٢).\nوقد رُوِى عن ابن عباس بهذا الإسنادِ في تأويلِ ذلك خلافُ هذا التأويلِ.\nوذلك ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: يعنى مِن الدنيا، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن الآخرةِ، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ حسناتِهم، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ سيئاتِهم (^٣).\nوتُحَقِّقُ [بهذه الروايةِ] (^٤) الروايةُ الأخرى التي حدَّثني بها محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾. قال: أما ﴿مِنْ (^٥) بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: فمِن [قِبَلِ دنياهم] (^٦)، وأما ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: فأمرُ آخرتِهم، وأما ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: فمِن قِبَلِ حسناتِهم، وأما ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: فمِن قِبَلِ سيئاتِهم (^٧).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية: أتاهم مِن بين أيديهم فأخْبَرَهم أنه لا بعثَ ولا جنةَ ولا نارَ،\n_________\n(^١) في تفسير ابن أبي حاتم، والدر المنثور: \"فأرغبهم عن دينهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤٤، ١٤٤٥ (٨٢٤٥، ٨٢٤٨، ٨٢٥٣) من طريق أبي صالح به، وليس فيه تفسير: ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٩٠.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"هذه الرواية\".\n(^٥) سقط من: ص م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"قبلهم\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤٤، ١٤٤٥ (٨٢٤٤، ٨٢٥٠، ٨٢٥٥، ٨٢٥٨) من طريق سلمة بن شابور عن عطية به.","vol":"10","page":97},{"text":"﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن أمرِ الدنيا، فزيَّنها لهم، ودعاهم إليها، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ حسناتِهم؛ بطَّأهم عنها، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: زيَّن لهم السيئاتِ والمعاصيَ، ودعاهم إليها، وأمَرَهم بها، أتاك يا بنَ آدمَ مِن كلِّ وجهٍ، غيرَ أنه لم يَأْتِك مِن فوقِك، [لم يَسْتَطِعْ] (^١) أن يَحُولَ بينَك وبينَ رحمةِ اللَّهِ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى قولِه: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: مِن قِبَلِ دنياهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ آخرتِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3253>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ قولَه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾. قال: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: مِن قِبَلِ دنياهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ آخرتِهم، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ حسناتِهم، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ سيئاتِهم (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن الحكمِ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾. قال: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: مِن دنياهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن آخرتِهم، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: عن (^٤) حسناتِهم، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ سيئاتِهم (^٥).\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٠٩٠.\n(^٣) تفسير سفيان ص ١١١.\n(^٤) في م: \"من\".\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤٤ - ١٤٤٦ عقب الآثار (٨٢٤٤، ٨٢٥١، ٨٢٥٦، ٨٢٦٠) معلقا.","vol":"10","page":98},{"text":"حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾. قال: مِن قِبَلِ الدنيا يُزَيِّنُها لهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ الآخرةِ، يُثَبِّطُهم (^١) عنها، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ الحقِّ، يَصُدُّهم عنه، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ الباطلِ، يُرَغِّبُهم فيه، ويُزَيِّنُه لهم.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: أما ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: فالدنيا أَدْعُوهم إليها، وأُرَغِّبُهم فيها، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: فمِن الآخرةِ، أُشَكِّكُهم فيها، وأُباعِدُها (^٢) عليهم، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: يعنى الحقَّ، فأُشَكِّكُهم فيه، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: يعنى الباطلَ، أُخَفِّفُه عليهم، وأُرَغِّبْهم فيه (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: مِن دُنْياهم، أُرَغِّبُهم فيها، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: آخرتِهم، أُكَفِّرُهم بها، وأُزَهِّدُهم فيها، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: حسناتِهم، أُزَهِّدُهم فيها، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: مَساوِى أعمالِهم، أُحَبِّبُها (^٤) إليهم.\nوقال آخرون: بل (^٥) معنى ذلك: لآتِيَنَّهم (^٥) مِن حيث يُبْصِرون ومن حيث لا يُبْصِرون.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"يبطئهم\".\n(^٢) في م: \"أبعدها\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤٤، ١٤٤٥ عقب الأثر ٨٢٤٤، ٨٢٥١ من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به، وليس فيه تفسير: ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"أحسنها\".\n(^٥) سقط من: ص م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":99},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3254>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرِو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ - ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾. قال: حيث يُبْصِرون، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ - ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: حيث لا يُبْصِرون (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ المَدَنيُّ، قال: قال مجاهدٌ. فذكَر نحوَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حُميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، قال: تَذاكَرْنا عندَ مجاهدٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾. [فقال مجاهدٌ: هو كما قال: يَأْتِيهم مِن بين أيديهم ومِن خلفِهم وعن أيمانِهم وعن شمائِلهم] (^٢)، زاد ابن حميدٍ، قال: يَأْتِيهم مِن ثَمَّ.\nوأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: ثم لآتِيَنَّهم مِن جميعِ وجوهِ الحقِّ والباطلِ، فأَصُدُّهم عن الحقِّ، وأُحَسِّنُ لهم الباطلَ. وذلك أن ذلك عَقِيبُ قولِه: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. فأخْبَر أَنه يَقْعُدُ لبنى آدمَ على الطريقِ الذي أمَرَهم اللَّهُ أن يَسْلُكوه، وهو ما وصَفْنا مِن دينِ اللَّهِ دينِ (^٣) الحقِّ، فيَأْتِيهم في ذلك مِن كلِّ وُجوهِه، مِن الوجهِ الذي أمَرَهم اللَّهُ به، فيَصُدُّهم عنه، وذلك ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ - ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾، ومِن الوجهِ الذي نهاهم اللَّهُ عنه، فيُزَيِّنُه لهم، ويَدْعُوهم إليه، وذلك ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ - ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٣٤، من طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤٤ - ١٤٤٦ (٨٢٤٧، ٨٢٥٢، ٨٢٥٧، ٨٢٦١).\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"10","page":100},{"text":"وقيل: ولم يَقُلْ: مِن فوقِهم؛ لأن رحمةَ اللَّهِ تَنْزِلُ على عبادِه مِن فوقِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3255>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾. ولم يَقُلْ: مِن فوقِهم؛ لأن الرحمةَ تَنْزِلُ مِن فوقِهم (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾. فإنه يقولُ: ولا تَجِدُ يا (^٢) ربِّ أكثرَ بني آدمَ شاكرين لك نعمتَك التي أنْعَمْتَ عليهم، بتَكْرمتِك (^٣) أباهم آدمَ بما أكْرَمْتَه به، مِن إسجادِك له ملائكتَك، وتفضيلِك إياه عليَّ. وشكرُهم إياه طاعتُهم له بالإقرارِ بتوحيدِه، واتِّباعِ أمرِه ونهيِه.\nوكان ابن عباسٍ يقولُ في ذلك بما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾. يقولُ: مُوَحِّدِين (^٤).\n\n<span id=\"aya-972\"></span><span data-type='title' id=toc-3256>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللَّهِ جل ثناؤُه عن إحلالِه بالخبيثِ عدوِّ اللَّهِ ما أحَلَّ به مِن نِقْمتِه ولعنتِه، وطردِه إياه عن جنتِه، إذ عصاه وخالَف أمرَه، وراجَعَه مِن الجوابِ بما لم تَكُنْ\n_________\n(^١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٦٦١) من طريق الحكم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: ص م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٣) في م: \"كتكرمتك\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤٦ (٨٢٦٣) من طريق عبد الله بن صالح به. وهو في الدر المنثور ٣/ ٧٣ من تمام الأثر المتقدم في ص ٩٧.","vol":"10","page":101},{"text":"له مراجعتُه به (^١). قال اللَّهُ ﵎ له (^٢) عندَ ذلك: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا﴾. أي: مِن الجنةِ، ﴿مَذْءُومًا﴾. يقولُ: مَعِيبًا.\nوالذَّأْمُ العيبُ، يقالُ منه: ذأَمَه يَذْأَمُه ذأْمًا، فهو مَذْءُومٌ، ويَتْرُكون الهمزَ، فيقولون: ذِمْتُه أَذِيُمه ذَيْمًا وذامًا. والذَّأْمُ، والذَّيْمُ أبلغُ في العيبِ مِن الدمِّ، وقد أنْشَد بعضُهم هذا البيتَ (^٣):\nصحِبْتُك إذ عَيْنِي عليها غِشاوةٌ … فلمَّا انْجَلَت قطَّعْتُ نفسي أَذِيمُها\nوأكثرُ الرُّواةِ على إنشادِه (^٤): أَلومُها.\nوأما المدحورُ فهو المُقْصَى، يقالُ: دحَرَه يَدْحَرُه دَحْرًا ودُحُورًا، إِذا أقْصَاه وأخْرَجَه. ومنه قولُهم: ادْحَرْ عنك الشيطانَ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3257>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾. يقولُ: اخْرُجْ منها (^٥) لَعِينًا منفيًّا (^٦).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"يقول\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) تقدم في ١/ ٢٧١.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"إنشادها\".\n(^٥) في ص ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"عنها\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٣ إلى ابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي حاتم بلفظ: \"معيبا منفيا\". وهو عند ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٤٧ (٨٢٧٠) من طريق سعيد عن قتادة مقتصرا على قوله: \"معيبا\".","vol":"10","page":102},{"text":"﴿مَذْءُومًا﴾: مَمْقوتًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾. يقولُ: صغيرًا مقيتًا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾. أما ﴿مَذْءُومًا﴾ فمقيتًا (^٣)، وأما ﴿مَدْحُورًا﴾ فمطرودًا (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَذْءُومًا﴾. قال: مَنْفيًّا (^٥)، ﴿مَدْحُورًا﴾. قال: مطرودًا (^٦).\n[حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثني أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (^٧).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤٧ (٨٢٦٩) من طريق عبد الله بن صالح به. بلفظ: \"ملوما\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ س ف: \"منفيا\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤٧ (٨٢٦٧، ٨٢٧٢) عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٣ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فمنفيا\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٩٢.\n(^٥) في الأصل: \"مقيتا\".\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٣٣٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤٧ (٨٢٦٨) مقتصرا على أوله. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٧) سقط من ص م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":103},{"text":"الربيعِ في قولِه: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا (^١)﴾. قال: ﴿مَذْءُومًا﴾ (^١): منفيًّا، والمدْحورُ (^٢) المُصَغَّرُ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عُيينةَ، عن يونُسَ وإسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا﴾. قال: مقيتًا (^٤).\nحدَّثني أبو عمرٍو القَرْقَسانيُّ عثمانُ بنُ يحيى بن عثمانَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، سأَل ابنَ عباسٍ: ما ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾؟ قال: مَقِيتًا (^٥).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾. فقال: ما نَعْرِفُ (^٦) المذءومَ والمذمومَ إلا واحدًا، ولكن تكونُ الحروفُ (^٧) منتقصةً، و[قد قال الشاعرُ] (^٨) لعامر: يا عامِ، ولحارثٍ: يا حارِ، وإنما أُنْزِل القرآنُ على كلامِ العربِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3258>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"قال\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٩٢.\n(^٤) في م: \"منفيا\".\n(^٥) في الأصل: \"معيبا\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٤٦، ١٤٤٧ (٨٢٦٦، ٨٢٧١) من طريق سفيان به.\n(^٦) في ص: \"يعرف\".\n(^٧) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، ومكانها بياض في ص، ف، س، وفى النسخ الأخيرة إشارة إلى الخطأ، ولم يبق من الكلمة في \"ص\" إلا الفاء فقط، والمثبت من الأصل.\n(^٨) في م: \"قال العرب\".","vol":"10","page":104},{"text":"وهذا قَسَمٌ مِن اللَّهِ، أقْسَم أَن مَن تبِع (^١) مِن بنى آدمَ عدوَّ اللَّهِ إبليسَ وأطاعه، وصدَّق ظنَّه عليه، أن يَمْلأَ مِن جميعِهم - يعنى مِن كفَرةِ بنى آدمَ و(^٢) تُبَّاعِ إبليسَ، ومِن إبليسَ وذريتِه - جهنمَ، فرحِم اللَّهُ امرَأً كذَّب ظَنَّ عدوِّ اللَّهِ في نفسِه، وخيَّب فيها أملَه وأمنيتَه، ولم يُمَكِّنْ (^٣) [مِن طمعٍ] (^٤) فيها عدوَّه، واسْتَغَشَّه ولم يَسْتَنْصِحْه، فإن اللَّهَ جل ثناؤُه إنما نبَّه بهذه الآياتِ عبادَه على قِدَمِ عَداوةِ عدوِّهم وعدوِّه إبليسَ لهم، وسالفِ ما سلَف مِن حسَدِه لأبيهم، وبغْيِه عليه وعليهم، وعرَّفهم مواقعَ نِعَمِه عليهم قديمًا، في أنفسِهم ووالدِهم؛ ليَدَّبَّروا آياتِه، ولِيَتَذَكَّرَ أُولو الألبابِ، فيَنْزَجِروا عن طاعةِ عدوِّه وعدوِّهم إلى طاعتِه ويُنِيبوا إليها.\n\n<span id=\"aya-973\"></span><span data-type='title' id=toc-3259>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال اللَّهُ لآدمَ: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾، منها (^٥)، فأسْكَن جلَّ ثناؤُه آدمَ وزوجتَه الجنةَ بعدَ أن أهْبَط منها إبليسَ وأَخْرَجه منها، وأباح لهما أن يَأْكُلا مِن ثمارِها، من أيِّ مكانٍ شاءا منها، ونهاهما أن يَقْرَبا ثمرَ شجرةٍ بعينِها.\nوقد ذكَرْنا اختلافَ أهلِ التأويلِ في ذلك، وما نَرَى مِن القولِ فيه صوابًا، في غيرِ هذا الموضعِ، فكرِهْنا إعادتَه (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"اتبع\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"يكن\".\n(^٤) في م: \"ممن أطمع\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٦) تقدم في ١/ ٥٤٩ وما بعدها.","vol":"10","page":105},{"text":"﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: فتكونا (^١) ممَّن خالَف أمْرَ ربِّه، وفعَل ما ليس له فعلُه.\n\n<span id=\"aya-974\"></span><span data-type='title' id=toc-3260>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا﴾: فوسْوَس إليهما. وتلك الوَسْوسةُ كانت قولَه لهما: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾. وإقسامَه لهما على ذلك.\nوقيل: وسوَس لهما، والمعنى ما ذكَرْتُ، كما قيل: غَرِضْتُ (^٢) إليه (^٣)، بمعنى: اشتقْتُ (^٤) إليه. وإنما يعنى: غَرِضْتُ (^٥) من هؤلاء إليه. فكذلك معنى ذلك: فوسْوَس مِن نفسِه إليهما الشيطانُ بالكذبِ مِن القيلِ؛ ليُبْدِيَ لهما ما وُورِى عنهما مِن سوءاتِهما. كما قال رُؤْبةُ (^٦):\nوَسْوَس (^٧) يَدْعُو مُخْلِصًا ربَّ الفَلَقْ\nومعنى الكلامِ: فحدَّث (^٨) إبليسُ إلى آدمَ و(^٩) حوَّاءَ، وألْقَى إليهما: ما نهاكما\n_________\n(^١) في الأصل: \"فتكون\".\n(^٢) في الأصل، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"عرضت\". ينظر اللسان (غ ر ض) وهذا قول الأخفش.\n(^٣) في م: \"له\".\n(^٤) في م: \"استبنت\".\n(^٥) في النسخ: \"عرضت\". والمثبت كما تقدم.\n(^٦) ديوانه (مجموعة أشعار العرب) ص ١٠٨.\n(^٧) يقول: \"لما أحس بالصيد وأراد رميه وسوس نفسه بالدعاء حذر الخيبة\". اللسان (وس س).\n(^٨) في ص: \"فجذب\".\n(^٩) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":106},{"text":"ربُّكما عن أكلِ ثمرِ هذه الشجرةِ إلا أن تكونا مَلَكين أو تكونا مِن الخالدين؛ ليُبْدِيَ لهما ما واراه اللَّهُ عنهما مِن عوراتِهما فغطَّاه بسِتْرِه الذي ستَرَه عليهما.\nوكان وهبُ بنُ مُنَبِّهٍ [فيما ذُكِر لنا عنه] (^١) يقولُ في السترِ الذي كان اللَّهُ ستَرَهما به، ما حدَّثني به حَوْثَرةُ بنُ محمدٍ المِنْقَريُّ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرٍو، عن ابن مُنَبهٍ في قولِه: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [طه: ١٢١]. قال: كان عليهما (^٢) نورٌ، لا تُرَى سوءاتُهما (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-3261>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: وقال الشيطانُ لآدمَ وزوجتِه حَوَّاءَ: ما نها كما ربُّكما عن هذه الشجرةِ أن تَأْكُلا ثمرَها، إلا لئلا تكونا ملَكَيْن.\nوأُسْقِطَت: \"لا\" مِن الكلامِ لدَلالةِ ما ظهَر عليها، كما أُسْقِطَت مِن قولِه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. والمعنى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لكم ألَّا تَضِلُّوا.\nوقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ يَزْعُمُ أن معنى الكلامِ: ما نهاكما ربُّكما عن هذه الشجرةِ إلا كراهيةَ أن تكونا ملَكين. كما يقالُ: إياك أن تَفْعَلَ: كراهيةَ أن تَفْعَلَ.\n﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾. في الجنةِ، الماكِثِين فيها أبدًا، فلا تَمُوتا.\nوالقرأةُ على فتحِ اللامِ من: ﴿مَلَكَيْنِ﴾. بمعنى: ملَكَين مِن الملائكةِ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) في م: \"عليها\".\n(^٣) سيأتي تخريجه في ص ١١٤.","vol":"10","page":107},{"text":"ورُوِى عن ابن عباسٍ ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي حمادٍ، قال: ثنا عيسى الأعمى، عن السديِّ، قال: كان ابن عباسٍ يَقْرَأُ: (إلا أن تكونا مَلِكَيْن). بكسرِ اللامِ (^١).\nوعن يحيى بن أبى كثيرٍ ما حدَّثني أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: ثنى يَعْلَى بنُ حَكيمٍ، عن يحيى بن أبى كثيرٍ أنه قرَأَها: (مَلِكين). بكسرِ اللامِ (^٢).\nوكأن يحيى وابنَ عباسٍ وجَّها تأويلَ الكلامِ إلى أن الشيطانَ قال لهما: ما نَها كما ربُّكما عن هذه الشجرةِ إلا أن تكونا مَلِكَين مِن الملوكِ. أُراهما (^٣) تأوَّلا في ذلك قولَ اللَّهِ ﷿ في موضعٍ آخرَ: ﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠].\nوالقراءةُ التي لا أَسْتَجِيرُ القراءةَ في ذلك بغيرِها، القراءةُ التي عليها قرأةُ الأمْصارِ، وهى فتحُ اللامِ مِن ﴿مَلَكَيْنِ﴾ بمعنى: ملَكين مِن الملائكةِ؛ لما قد تقدَّم مِن بيانِنا في أن (^٤) ما كان مُسْتَفيضًا في قرأةِ الإسلامِ مِن القراءةِ، فهو الصوابُ الذي لا يَجوزُ خلافُه.\n\n<span id=\"aya-975\"></span><span data-type='title' id=toc-3262>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾: وحلَف لهما، كما قال في موضعٍ آخرَ: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ [النمل: ٤٩]. بمعنى: تَحالَفوا باللَّهِ. وكما قال\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٤ إلى المصنف. وينظر مختصر ابن خالويه ص ٤٨.\n(^٢) وهي أيضا قراءة الحسن بن علي والضحاك والزهري وابن حكيم عن ابن كثير. ينظر البحر المحيط ٤/ ٢٧٩.\n(^٣) في م: \"أنهما\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"كل\".","vol":"10","page":108},{"text":"خالدُ بنُ زُهَيْرٍ ابن (^١) عمِّ أبي ذُؤَيْبٍ (^٢):\nوقاسَمَها باللَّهِ جَهْدًا لأنتُمُ … ألَدُّ مِن السَّلْوَى إذا ما نَشُورُها (^٣)\nبمعنى: وحالَفَها باللَّهِ. وكما قال أعْشَى بنى ثَعْلَبَةَ (^٤):\nرَضِيعَىْ لِبَانٍ ثَدْيَ أُمٍّ تَقاسَما (^٥) … بأسْحَمَ (^٦) داجِ عَوْضُ (^٧) لا نَتَفَرَّقُ\nبمعنى: تَحالَفا.\nوقولُه: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾: [إني لكما] (^٨) لممن يَنْصَحُ لكما في مَشورتِه لكما، وأمْرِه إياكما بأكلِ ثمرِ هذه (^٩) الشجرةِ التي نُهِيتُما عن أكلِ ثمرِها، وفي خبرِه (^١٠) إيا كما بما أَخْبَرَ كما به، مِن أنكما إن أكَلْتُماه كنتما مَلَكين أو كنتما مِن الخالدين.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾: فحلَف لهما (^١١) باللَّهِ حتى خدَعَهما، وقد يُخْدَعُ المؤمنُ باللَّهِ، فقال: إنى خُلِقْتُ قبلَكما، وأنا أعْلَمُ منكما، فاتَّبِعاني\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) ديوان الهذليين ١/ ١٥٨.\n(^٣) السلوى هاهنا: العسل، والشَّوْر: أخذُ العسل. شرح أشعار الهذليين ١/ ٢١٥.\n(^٤) ديوانه ص ٢٢٥.\n(^٥) في الديوان: \"تحالفا\".\n(^٦) اختلف في الأسحم هنا؛ فقيل: الدم تغمس فيه اليد عند التحالف، ويقال: بالرحم. ويقال: بسواد حلمة الثدى. ويقال: بزق الخمر. ويقال: هو الليل. اللسان (س ح م).\n(^٧) عوض: معناه الأبد، وهو للمستقبل من الزمان. الصحاح (ع وض).\n(^٨) في م: \"أي\".\n(^٩) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^١٠) في م: \"خبري\".\n(^١١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"لهم\"","vol":"10","page":109},{"text":"أُرْشِدْكما. وكان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ: مَن خادَعَنا بِاللَّهِ خُدِعْنا (^١).\n\n<span id=\"aya-976\"></span><span data-type='title' id=toc-3263>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾: فخدَعَهما بغُرورٍ.\nيقالُ منه: ما زال فلانٌ يُدَلِّى فلانًا (^٢) بغُرورٍ. بمعنى: ما زال يَخْدَعُه، بغُرورٍ، ويُكَلِّمُه بزُخْرفٍ مِن القولِ باطلٍ.\n﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾. يقولُ: فلما ذاق آدمُ وحوَّاءُ ثمَرَ الشجرةِ، يقولُ: طعِماه. ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾. يقولُ: انْكَشَفَت لهما سوءاتُهما؛ لأنَّ اللَّهَ ﵎ أعراهُما من الكِسوةِ التي كان كَساهما قبلَ الذنبِ والخطيئةِ، فسَلَبَهما ذلك بالخطيئةِ (^٣) التي أخْطَأ و(^٤) المعصيةِ التي ركِبا، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا (^٥) مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾. [يقولُ: أقْبَلا وجعَلا يَشُدَّان عليهما مِن ورقِ الجنةِ] (^٦)؛ ليُوارِيا سوءاتِهما.\nكما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾، [قال: جعَلا يَأْخُذان مِن ورقِ الجنةِ] (^٧)، فيَجْعَلان على سوءاتِهما.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ، وهو عند ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٥١ (٨٢٩٦) من طريق سعيد عن قتادة عن مطرف من قوله دون أوله.\n(^٢) في الأصل: \"لفلان\".\n(^٣) في ت ١، ف: \"الخطيئة\".\n(^٤) في م: \"أو\".\n(^٥) في ص م: \"عليها\".\n(^٦) سقط من: الأصل.\n(^٧) مكرر في الأصل.","vol":"10","page":110},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن الحسنِ، عن أُبَيِّ بن كعبٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"كان آدمُ كأَنه نَخْلَةٌ سَحُوقٌ (^١)، كثيرُ شعَرِ الرأسِ، فلمَّا وقَع بالخَطيئةِ بدَت له عورتُه، وكان لا يَراها، فانْطَلَق فارًّا، فعرَضَت (^٢) له شجرةٌ، فحبَسَتَه بشعرِه، فقال لها: أرْسِلِيني. قالت (^٣): لسْتُ بمُرْسِلتِك. فناداه ربُّه: يا آدمُ، أمنِّي تَفِرُّ؟ قال: لا [يا ربِّ] (^٤)، ولكنى أسْتَحْيِيك (^٥) \".\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا سفيانُ بنُ عيينةَ وابنُ مباركٍ، عن الحسنِ بن (^٦) عُمارةَ، عن المِنْهالِ بن عمرٍو، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت الشجرةُ التي نهَى اللَّهُ عنها آدمَ وزوجتَه السُّنْبُلةَ، فلمَّا أكَلا منها بدَت لهما سوءاتُهما، وكان الذي وارَى عنهما مِن سوءاتِهما أظفارُهما، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ ورقِ التِّينِ، يُلْزِقان (^٧) بعضَها إلى بعضٍ، فانْطَلَق آدمُ مُوَلِّيًا في الجنةِ، فأخَذَت برأسِه شجرةٌ مِن الجنةِ، فناداه [اللَّهُ: يا] (^٨) آدمُ، أمنى تَفِرُّ؟ قال: لا، ولكنى أسْتَحْيِيك يا ربِّ، قال: أما\n_________\n(^١) النخلة السحوق: الطويلة التي بعُد ثمرها عن المجتني. النهاية ٢/ ٣٤٧.\n(^٢) في ص، م، س: \"فتعرضت\". وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"تعرضت\".\n(^٣) في ص م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فقالت\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"استحيتك\".\nوالحديث أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٨٧، ٥/ ١٤٥١، ١٤٥٣ (٣٨٨، ٨٢٩٩، ٨٣٠٨)، من طريق الحسن به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٦٢، وابن عساكر ٧/ ٤٠٥ من طريق الحسن عن عُتَى بن ضمرة، عن أبيّ به.\nوأخرجه أبو الشيخ في العظمة ص ٣٧٢ (١٠٣١) من طريق محمد بن ميمون، عن الحسن، عن أبيّ بن كعب به. فذكره بنحوه، وفيه زيادة، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٩٣، وقال: وقد رواه ابن جرير، وابن مردويه من طرق عن الحسن، عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ والموقوف أصح إسنادًا.\n(^٦) في م: \"عن\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"يلصقان\".\n(^٨) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"أين\".","vol":"10","page":111},{"text":"كان لك فيما منَحْتُك مِن الجنةِ، وأبَحْتُك منها مندوحةٌ عما حرَّمْتُ عليك؟ قال: بلى يا ربِّ، ولكن وعزَّتِك، ما حسِبْتُ أن أحدًا يَحْلِفُ بك كاذبًا. قال: وهو قولُ اللَّهِ: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾. قال: فبعزَّتي لأُهْبِطَنَّك إلى الأرضِ، ثم لا تَنالُ العيشَ إِلا كَدًّا. قال: فأُهْبِط مِن الجنةِ وكانا يَأْكُلان فيها رَغَدًا، فأُهْبِطا إلى (^١) غيرِ رَغَدٍ مِن طعامٍ وشرابٍ، فعُلِّم صَنْعةَ الحديدِ، وأمِر بالحَرْثِ، فحرَث وزرَع، ثم سقَى، حتى إذا بلَغ حصَد (^٢)، ثم داسَه، ثم ذرَّاه، ثم طحَنه، ثم عجَنه، ثم خبَزه، ثم أكَله، فلم يَبْلُغْه (^٣) حتى بلَغ (^٤) منه ما شاء اللَّهُ أن يَبْلُغَ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ في قولِ الله: ﴿يَخْصِفَانِ﴾. قال: يَرْقَعان كهيئةِ الثوب (^٦).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا [مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾: يَخْصِفانِ عليهما] (^٧) مِن الورقِ كهيئةِ الثوبِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"في\".\n(^٢) في م: \"حصده\".\n(^٣) في الأصل: \"يَبْلَعْهُ\"، وغير منقوطة في ص.\n(^٤) في الأصل: \"بلع\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق - كما في الدر المنثور ١/ ٥٣ ومن طريقه ابن عساكر ٧/ ٤٠٣، وعزاه السيوطي إلى سفيان بن عيينة وابن المنذر.\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٣٣٤. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٥٢ (٨٣٠٣). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٥ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":112},{"text":"الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾: وكانا قبلَ ذلك لا يَرَيانِها، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾ الآية.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثنا الحسنُ، عن أُبَيِّ بن كعبٍ، أن آدمَ ﵇ كان رجلًا طُوالًا، كأنه (^١) نخلةٌ سَحُوقٌ، كثيرَ شعرِ الرأسِ، فلمَّا وقع بما وقَع به مِن الخطيئةِ، بدَت له عورتُه عندَ ذلك، وكان لا يرَاها، فانْطَلَق هاربًا في الجنةِ، فعِلقَت برأسِه شجرةٌ مِن شجرِ الجنةِ، فقال لها: أرْسِلِيني. قالت: إنى غيرُ مُرْسِلَتِكَ. [قال لها: أَرْسِلِيني. قالت: إنى غيرُ مُرْسِلَتِك] (^٢)، فناداه ربُّه: يا آدمُ، أمنِّي تَفِرُّ؟ قال: ربَّ إنى أسْتَحْييك (^٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن سفيانَ الثوريِّ، عن ابن أبي ليلى، عن المِنْهالِ بن عمرٍو، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾. قال: ورقِ التَّينِ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شَريكٍ، عن ابن أبي ليلى، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن حسامِ بن مِصَكٍّ (^٥)، عن قتادةَ، وأبى بكرٍ، عن غيرِ قتادةَ، قال: كان لِباسُ آدمَ في الجنةِ ظُفُرًا\n_________\n(^١) في ص: \"لكأنه\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"استحيتك\".\n(^٤) تفسير سفيان ص ١١١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٥٢ (٨٣٠٢) وابن عساكر ٧/ ٤٠٢. وأخرجه الحاكم ٢/ ٣١٩، والبيهقي ٢/ ٢٤٤ من طريق سفيان عن عمرو بن قيس الملائي، عن المنهال به، مطولًا. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٥٣ (٨٣٠٧) من طريق عكرمة عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٥ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٥) في م: \"معبد\"، وتقدم في ٨/ ٣٢٦.","vol":"10","page":113},{"text":"كلُّه، فلما وقَع بالذنبِ كُشِط عنه، وبدَت سَوْءتُه. قال أبو بكرٍ: وقال غيرُ قتادةَ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾. قال: ورقِ التينِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾. قال: كانا لا يَرَيان سوءاتِهما (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عُيَينةَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: سمِعْتُ وهَبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ [في قولِه] (^٢): ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾. قال: كان لباسُ آدمَ وحواءَ ﵉ نورًا على فروجِهما، لا يَرَى هذا عورةَ هذه، ولا هذه عورةَ هذا، فلما أصابا الخطيئةَ بدَت لهما سوءاتُهما (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-3264>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ونادَى آدمَ وحواءَ ربُّهما: ألم أنْهَكما عن أكلِ ثمرةِ الشجرةِ التي أكَلْتُما ثمرَها، وأُعْلِمْكما أن إبليسَ لكما عدوٌّ مبينٌ؟! يقولُ: قد أبان عَداوتَه لكما بتركِ السجودِ لآدمَ؛ حسدًا وبغيًا.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن قيسٍ قولَه: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: لم أكَلْتَها وقد نهَيْتُك عنها (^٤)؟ قال: يا ربِّ أَطْعَمَتْني\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٢٦. ومن طريقه ابن عساكر ٧/ ٤٠٣.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٥٩ (٨٣٤٨)، وابن عساكر ٧/ ٤٠١ من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٤ إلى الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبى الشيخ. وقال ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٩٤ رواه ابن جرير بإسناد صحيح إليه.\n(^٤) سقط من: الأصل.","vol":"10","page":114},{"text":"حواءُ. قال لحواءَ: لمَ أطْعَمْتِه؟ قالت: أمَرَتْنى الحيةُ. قال للحيةِ: لمَ أمَرْتِها؟ قالت: أمَرَنى إبليسُ. قال: ملعونٌ مدحورٌ؛ أما أنت يا حواءُ، فكما أدميْتِ (^١) الشجرةَ تَدْمَيْن كلَّ شهرٍ، وأما أنت يا حيةُ، فأَقْطَعُ قَوائمَك، فتَمْشِين جرًّا (^٢) على وجهِك، وسيَشْدَخُ رأسَك مَن لقِيَك، اهْبِطوا بعضُكم لبعضٍ عدوٌّ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن يَعْلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا أكَل آدمُ مِن الشجرةِ قيل له: لمَ أكَلْتَ مِن الشجرةِ التي نهَيْتُك عنها؟ قال: حوَّاءُ أمَرَتْنى. قال: فإني قد أعْقَبْتُها ألا تَحْمِلَ إلا كَرْهًا، ولا تَضَعَ إلا كَرْهًا. قال: فرنَّت (^٤) حوَّاءُ عندَ ذلك، فقيل لها: الرَّنَّةُ عليك وعلى ولدِك (^٥).\n\n<span id=\"aya-977\"></span><span data-type='title' id=toc-3265>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللَّهِ عن آدمَ وحواءَ فيما أجاباه به، واعترافِهما على أنفسِهما بالذنبِ، ومسألتِهما إياه المغفرةَ منه والرحمةَ، خلافَ جوابِ اللَّعينِ إبليسَ إياه.\nومعنى قولِه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾. قال آدمُ وحوَّاءُ لربِّهما: يا ربَّنا فعَلْنا بأنفسِنا مِن الإساءةِ إليها بمعصيتِك وخلافِ أمرِك، وبطاعتِنا عدوَّنا وعدوَّك، فيما لم يكنْ لنا أن نُطِيعَه فيه مِن أكلِ الشجرةِ التي نهَيْتَنا عن أكلِها، ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا﴾. يقولُ: وإن أنت لم تَسْتُرُ علينا ذنبَنا فتُغَطِّيَه علينا، وتَتْرُكَ فَضِيحتَنا به بعقوبتِك إيانا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"دميت\".\n(^٢) سقط من ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١/ ٥٦٨.\n(^٤) الرنَّة: الصوت، يقال: رنت المرأة ترن رنينًا، وأرنت أيضا: صاحت. الصحاح (ر ن ن).\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٩٤ عن المصنف.","vol":"10","page":115},{"text":"عليه، ﴿وَتَرْحَمْنَا﴾ بتعطُّفِك علينا، وتركِك أخْذَنا به، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. يعنى: لنكونَنَّ مِن الهالِكين.\nوقد بيَّنا معنى \"الخاسرِ\" فيما مضَى بشَواهدِه والروايةِ فيه، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: قال آدمُ: يا (^٢) ربِّ، أرأيتَ إن تُبْتُ واسْتَغْفَرْتُك؟ قال: إذن أُدْخِلَك الجنةَ. وأما إبليسُ، فلم يَسْأَلْه التوبةَ، وسأَل النَّظِرةَ، فأعْطَى كلَّ واحدٍ منهما الذي (^٣) سأل (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبرنا هُشَيْمٌ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا [وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾] (^٥). قال: هي الكلماتُ التي تلَقَّاها آدمُ مِن ربِّه.\n\n<span id=\"aya-978\"></span><span data-type='title' id=toc-3266>القولُ في تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللَّهِ عن فعلهِ بإبليسَ وذريتِه، وآدمَ وولدِه والحيةِ.\nيقولُ جل ثناؤُه: [قال اللَّهُ] (^٦) لآدمَ وحواءَ وإبليسَ والحيةِ: اهْبِطوا مِن السماءِ إلى الأرضِ، بعضُكم لبعضٍ عدوٌّ.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٤٢.\n(^٢) في الأصل: \"أي\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"ما\".\n(^٤) تتمة الأثر المتقدم في ص ١١٤.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف، س: \"الآية\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":116},{"text":"كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي عَوانةَ، عن إسماعيلَ بن سالمٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. قال: آدمُ وحواءُ والحيةُ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ طلحةَ، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. قالَ: فلعنَ الحيةَ، وقطَع قوائمَها، وترَكها تمشِي على بطنِها، وجعَل رزقَها من الترابِ، وأُهبِطُوا إلى الأرضِ؛ آدمُ وحواءُ وإبليسُ والحيةُ (^١).\nوقولُه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. يقولُ: ولكم يا آدمُ وحواءُ وإبليسُ والحيةُ، في الأرضِ قَرارٌ تَسْتَقِرُّونه، وفِراشٌ تمتهِدونه (^٢).\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. قال: هو قولُه (^٣): ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ (^٤) [البقرة: ٢٢].\nورُوِى عن ابن عباسٍ في ذلك ما حُدِّثْتُ عن عبيدِ اللَّهِ، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عمَّن حدَّثه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. قال: القبورُ (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١/ ٥٧٢.\n(^٢) في م: \"تمهدونه\".\n(^٣) بعده في الأصل، ص، م، ت ١، ت ٣، س، ف: \"هو\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ١/ ٥٧٥.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٥٥ (٨٣٢١) من طريق عبيد الله بن موسى به. وسمى الرجل المبهم عكرمة، وينظر ما تقدم في ١/ ٥٧٦.","vol":"10","page":117},{"text":"والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ أخْبرَ آدمَ وحواءَ وإبليسَ والحيةَ إذ أهبطَهم (^١) إلى الأرض أنهم عدوٌّ بعضُهم لبعضٍ، وأن لهم (^٢) مستقرًّا يَسْتَقِرُّون فيه، ولم يَخْصُصْها بأن لهم فيها مستقرًّا في حالِ حياتِهم دونَ حالِ موتِهم، بل عمَّ الخبرَ عنها بأن لهم فيها مستقرًّا، فذلك على عمومِه، كما عمَّ خبرُ اللَّهِ، ولهم فيها مستقرٌّ في حياتِهم على ظهرِها، وبعدَ وفاتِهم في بطنِها، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦].\nوأما قولُه: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. فإنه يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولكم فيها متاعٌ تَسْتَمْتِعون به إلى انقطاعِ الدنيا، وذلك هو الحينُ الذي ذكَرَه.\nكما حُدِّثْتُ عن عبيدِ اللَّهِ بن موسى، قال: أخْبرَنا إسرائيلُ، عن السديِّ، عمَّن حدَّثه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. قال: إلى يومِ القيامةِ، وإلى انقطاعِ الدنيا.\nوالحينُ نفسُه الوقتُ، غيرَ أنه مجهولُ القَدْرِ، يَدُلُّ على ذلك قولُ الشاعرِ (^٣):\n[وما مِراحُك] (^٤) بعدَ الحِلْمِ والدِّينِ … وقد عَلاك مَشِيبٌ حينَ لا حينِ\nأي: وقتَ لا وقتَ.\n\n<span id=\"aya-979\"></span><span data-type='title' id=toc-3267>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أهبطوا\"، وفى ف: \"هبطوا\".\n(^٢) بعده في م: \"فيها\".\n(^٣) هو جرير بن عطية الخطفي، والبيت في ديوانه ٢/ ٥٥٧.\n(^٤) في الديوان: \"ما بال جهلك\". والمراح: الاسم من المرح، وهو شدة الفرح والنشاط حتى يجاوز قدره. اللسان (م ر ح).","vol":"10","page":118},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللَّهُ للذين أهْبَطَهم مِن سماواتِه إلى أرضِه: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ﴾. يقولُ: في الأرضِ تَحْيَوْن. يقولُ: تَكونُون فيها أيامَ حياتِكم، ﴿وَفِيهَا تَمُوتُونَ﴾. يقولُ: وفى الأرضِ تكونُ وفاتُكم، ﴿وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾. يقولُ: ومِن الأرضِ يُخْرِجُكم ربُّكم ويَحْشُرُكم إليه لبعثِ القيامةِ أحياءً.\n\n<span id=\"aya-980\"></span><span data-type='title' id=toc-3268>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزّ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه للجَهَلةِ مِن العربِ الذين كانوا يَتَعَرَّوْن للطوافِ بالبيتِ (^١)، اتِّباعًا منهم أمرَ الشيطان، وتركًا منهم طاعةَ اللَّهِ، مُعرِّفَهم (^٢) انْخداعَهم للشيطانِ (١) بغُرورِه لهم، حتى تمكَّن منهم فسلَبَهم من سِتْرِ اللَّهِ الذي أنْعَم به عليهم، حتى أبْدَى سوءاتِهم وأظْهَرَها مِن بعضِهم لبعضٍ، مع تفَضُّلِ اللَّهِ عليهم بتَمْكينِهم مما يَسْتُرونها به، وأنهم قد سار بهم (^٣) سِيرتَه في أبوَيْهم آدمَ وحوَّاءَ اللذين دلَّاهما بغُرورٍ حتى سلَبَهما سترَ اللَّهِ الذي كان أنْعَم به عليهما حتى أبْدَى لهما سوءاتِهما فعرَّاهما منه -: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾. يعنى بإنزالِه عليهم ذلك: خلقَه لهم، ورزقَه إياهم. واللباسُ ما يَلْبَسون مِن الثيابِ. ﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. يقولُ: يَسْتُرُ عَوراتِكم عن أعينِكم. وكنَى بالسوءاتِ عن العوراتِ، واحدتُها سَوْءَةٌ، وهي فَعْلَةٌ مِن السَّوْءِ، وإنما سُمِّيَت سَوْءَةً لأنه يَسُوءُ صاحبَها انكشافُها مِن جسدِه، كما قال الشاعرُ (^٤):\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فعرفهم\".\n(^٣) في ص: \"به\".\n(^٤) البيت بلا نسبة في الكامل ١/ ٢٨٠، والأمالي الشجرية ٢/ ٢٨٧، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي ١/ ١١٧، واللسان (ر ج ل).","vol":"10","page":119},{"text":"خرَقوا جَيْبَ (^١) فَتاتِهم … لم يُبالُوا سَوْءَةَ (^٢) الرَّجُلَهْ\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3269>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. قال: كان ناسٌ مِن العربِ يَطُوفون بالبيتِ عُراةً، ولا يَلْبَسُ أحدُهم ثوبًا طاف فيه (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ المَدَنيُّ (^٤)، قال: سمِعْتُ مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾. قال: أربعُ آياتٍ نزَلَت في قريشٍ، كانوا في الجاهليةِ لا يَطوفون بالبيتِ إلا عُراةً.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، قال: سمِعْتُ مَعْبَدًا الجُهَنيَّ (^٥) يقولُ في قولِه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. قال: اللباسُ الذي يَلْبَسون.\n_________\n(^١) الجيب هاهنا: الهَنُ، أي الفرج. ينظر اللسان (ر ج ل).\n(^٢) في مصادر التخريج: \"حرمة\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٣٤. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٥٦ (٨٣٢٨). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٥ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"المصرى\".\n(^٥) في ص، ف: \"الجهمي\"، وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٤٤.","vol":"10","page":120},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. قال: كانت قريشٌ تَطوفُ عُراةً، لا يَلْبَسُ أحدُهم ثوبًا طاف فيه، وقد كان ناسٌ مِن العربِ يَطوفون بالبيتِ عُراةً.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ [وسهلُ بنُ يوسُفَ] (^١)، عن عوفٍ، عن مَعْبَدٍ الجُهَنيِّ (^٢): ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. فاللباسُ الذي يُوارِى سوءاتِكم هو لَبُوسُكم هذه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. قال: هي الثيابُ (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: ثنى مَن سمِع عُروةَ بنَ الزبيرِ يقولُ: اللباسُ الثيابُ (^٥).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾. قال: يعني ثيابَ الرجلِ التي يَلْبَسُها (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: \"سهل ويوسف\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"شريك بن يوسف\". وسيأتي على الصواب في ص ١٢٤، ١٢٥. وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٢١٣.\n(^٢) في ف: \"الجهمي\".\n(^٣) في م: \"هذا\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٦ إلى المصنف وأبي عبيد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٦ إلى المصنف.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٥ إلى المصنف.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٥٦ (٨٣٢٩) من طريق أبي معاذ به.","vol":"10","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3270>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَرِيشًا﴾.</span>\nاخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتُه عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَرِيشًا﴾. بغيرِ ألفٍ.\nوذُكِر عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ والحسنِ البصريِّ: أنهما كانا يَقْرأانه: (ورِياشًا).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، عن أبانٍ العَطَّارِ، قال: حدَّثنا عاصمٌ، أن زِرَّ بنَ حبيشٍ قرَأها: (ورِياشًا) (^١).\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك قراءة من قرَأة (^٢): ﴿وَرِيشًا﴾. بغيرِ ألفٍ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ عليها.\nوقد رُوِى عن النبيِّ ﷺ خبرٌ في إسنادِه نظرٌ، أنه قرَأه: (ورِياشًا) (^٣).\nفمَن قرَأ ذلك: (ورِياشًا) فإنه مُحْتَمِلٌ أن يَكونَ أراد به جمعَ الريشِ، كما يُجْمَعُ الذئبُ ذِئابًا، والبئرُ بِئارًا.\nويَحْتَمِلُ أن يَكونَ أراد به مَصْدرًا مِن قولِ القائلِ: راشَه اللَّهُ يَرِيشُه رِياشًا [ورَيْشًا] (^٤) ورِيشًا. كما يقالُ: لبِسه يَلْبَسُه لِباسًا ولِبْسًا. وقد أَنْشَد بعضُهم (^٥):\nفلمَّا كشَفْنَ اللِّبْسَ عنه مسَحْنَه … بأطرافِ طَفْلٍ (^٦) زانَ غَيْلًا (^٧) مُوَشَّمَا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٦ إلى المصنف. وينظر قراءة الحسن في إتحاف فضلاء البشر ص ١٣٤.\n(^٢) في م: \"قرأ\"، وفى ف: \"قرأها\".\n(^٣) سيأتي تخريجه في ص ١٢٧.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) هو حميد بن ثور الهلالي والبيت في ديوانه ص ١٤.\n(^٦) الطَّفل: البنان الناعم. الصحاح (ط ف ل).\n(^٧) الغيل: الساعد الريان الممتلئ. الصحاح (غ ى ل).","vol":"10","page":122},{"text":"بكسرِ اللامِ مِن اللِّبْسِ.\nوالرِّياشُ في كلامِ العربِ الأثاثُ وما ظهَر مِن الثيابِ و(^١) المتَاعِ، مما يُلْبَسُ أو يُحْشَى مِن فراشٍ أو دِثارٍ.\nوالريشُ أيضًا (^٢) هو المتاعُ والأموالُ عندَهم، وربما اسْتَعْمَلوه في الثيابِ والكِسْوةِ دونَ سائرِ المالِ، يقولون: أعْطاه سَرْجًا بريشِه، ورَحْلًا بريشِه. أي: بكِسوتِه وجَهازِه. ويقولون: إنه لحَسَنُ ريشِ الثيابِ. وقد يُسْتَعْمَلُ الرِّياشُ في الخَصْبِ ورَفاهةِ العيشِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3271>ذكرُ مَن قال: الرِّياشُ المالُ.</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: (ورِياشًا (^٣». يقولُ: مالًا (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: (ورِياشًا). قال: المالُ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"من\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"إنما\".\n(^٣) في م: \"ريشا\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٥٧ (٨٣٣١) من طريق أبى معاوية به.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٣٤. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"10","page":123},{"text":"(ورياشًا). قال: أما (رِياشًا)، فرِياشُ المالِ (^١).\nحدَّثني الحارثُ قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ المَدَنيُّ، قال: ثنى مَن سمِع عروةَ بنَ الزبيرِ يقولُ: الرياشُ المالُ (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبيدٌ، عن الضحاكِ في قولِه: (ورِياشًا): يعنى المالَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3272>ذكرُ مَن قال: هو اللباسُ ورَفاهةُ العيشِ</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: (ورِياشًا) (^٣). قال: الرِّياشُ اللباسُ والعيشُ والنَّعيمُ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وسهلُ بنُ يوسُفَ، عن عوفٍ، عن مَعْبَدٍ الجُهَنيِّ: (ورِياشًا). قال: الرِّياشُ المعاشُ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: أخْبَرَنا عوفٌ، قال: قال مَعْبَدٌ الجُهَنيُّ: (ورِياشًا). قال: هو المعاشُ.\nوقال آخرون: الريشُ الجمالُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3273>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١٢١.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٥٧ عقب الأثر (٨٣٣١) معلقا.\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف، والدر المنثور: \"ريشا\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٥٧ (٨٣٣٣) عن محمد بن سعد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٦ إلى أبى الشيخ وابن المنذر.","vol":"10","page":124},{"text":"﴿وَرِيشًا﴾ (^١). قال: الريشُ الجمالُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3276>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: لباسُ التقوَى هو الإيمانُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3274>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾: هو الإيمانُ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: الإيمانُ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: الإيمانُ (^٥).\nوقال آخرون: هو الحياءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3275>ذكرُ منَ قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وسهلُ بنُ يوسُفَ، عن عوفٍ، [عن مَعْبَدٍ] (^٦) الجُهَنيِّ في قولِه: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: الذي ذكَره اللَّهُ في\n_________\n(^١) في ص م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"رياشا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٥٧ (٨٣٣٥) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ١٢١.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٩٦.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":125},{"text":"القرآن هو الحياءُ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخْبَرنا عوفٌ، قال: قال مَعْبدٌ الجُهَنيُّ، فذكَر مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، عن مَعْبَدٍ بنحوِه.\nوقال آخرون: هو العملُ الصالحُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3277>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. قال: لباسُ التقوى العملُ الصالحُ (^٢).\nوقال آخرون: بل ذلك هو السَّمْتُ الحسنُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3278>[ذكرُ من قال ذلك]</span> (^٣)\nحدَّثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ داودَ، عن محمدِ بن موسى، عن زيادِ (^٤) بن عمرٍو، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾. قال: السمتُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٥٨ (٨٣٣٩) من طريق عوف به مختصرا وهو من تمام الأثر المتقدم تخريجه في ص ١٢١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٥٧ (٨٣٣٦) عن محمد بن سعد به. وهو في الدر المنثور ٣/ ٧٦ من تمام الأثر المتقدم في ص ١٢٤.\n(^٣) سقط من: ص م.\n(^٤) في الأصل: \"الذيال\"، وفى ص: \"الذبا\"، وفى م: \"الزباء\" وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: الدنيا\"، وفى ف: \"الرباء\"، وفى مخطوطة تفسير ابن كثير \"ديال\". والمثبت من التاريخ الكبير ٣/ ٣٦٣، والجرح ٣/ ٥٤٠.","vol":"10","page":126},{"text":"الحسنُ في الوجهِ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ، عن سليمانَ بن أرْقمَ، عن الحسنِ، قال: رأيْتُ عثمانَ بنَ عفانَ على منبرِ رسولِ اللهِ ﷺ عليه قميصٌ قُوهِيٌّ (^٢) محلولُ الزِّرِّ، وسمعْتُه يَأْمُرُ بقتلِ الكلابِ، ويَنْهَى عن اللعبِ بالحمامِ، ثم قال: يا أيُّها الناسُ اتَّقوا الله في هذه السَّرائرِ، فإني سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"والذي نفسِ محمدٍ بيدِه، ما عمل أحدٌ قطُّ سرًّا إِلا أَلْبَسَهُ اللَّهُ رِداءَ (^٣) عَلانيةٍ، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًا فشرًا\". ثم تلا هذه الآيةَ: (وريِاشًا). ولم يَقْرَأها: ﴿وَرِيشًا﴾ - ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾. قال: \"السَّمْتُ الحسنُ\" (^٤).\nوقال آخرون: هو خشيةُ اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3279>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ المَدَنيُّ، قال: ثنى مَن سِمع عروةَ بنَ الزبيرِ يقولُ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: خشيةُ اللهِ (^٥).\nوقال آخرون: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ في هذه المواضعِ سترُ العورةِ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٤٦ عن زياد بن عمرو به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٦ إلى المصنف.\n(^٢) القوهى: ضرب من الثياب، بيض، فارسي، منسوب إلى قوهستان. اللسان (ق وهـ).\n(^٣) في م: \"رداءه\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٩٧ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٥٨ (٨٣٤٢) من طريق إسحاق به.\nوأخرج الموقوف منه عبد الرزاق في مصنفه (١٩٧٣٣)، وأحمد ١/ ٥٤٣ (٥٢١)، والبخاري في الأدب المفرد (١٣٠١) من طرق عن الحسن، عن عثمان.\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ١٢١.","vol":"10","page":127},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3280>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: يَتَّقِى اللَّهَ فيُوارِى عورتَه (^١)، ذلك لباسُ التقوَى (^٢).\nواخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ المكِّيين والكوفيِّين والبصريِّين: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. برفع \"اللباسِ\" (^٣).\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ: (ولباسَ التَّقْوَى). بنصبِ \"اللباسِ\"، وهى قراءةُ بعضِ قرأةِ الكوفيِّين (^٤).\nفمَن نصَب: (وَلباسَ). فإنه نصَبه عطفًا به (^٥) على \"الريشِ\"، بمعنى: قد أنْزَلْنا عليكم لباسًا يُوارى سوءاتِكم وريشًا، وأنْزَلنا لباسَ التقوى.\nوأما الرفعُ، فإن أهلِ العربيةِ مختلفون في المعنى الذي به ارْتَفَع \"اللباسُ\"، فكان بعضُ نحويى البصرة يقولُ: هو مرفوعٌ على الابتداءِ، وخبره في قولِه: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾.\nوقد اسْتَخطَأه بعضُ أهلِ العربيةِ في ذلك، وقال: هذا غلَطٌ؛ لأنه لم يَعُدْ على \"اللباس\" (^٦) في الجملةِ عائدٌ، فيَكونَ \"اللباسُ\" إذا رُفع على الابتداء وجُعِل ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ خبرًا.\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"و\"\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٥٨ (٨٣٤٠) من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"ولباس\". وهى قراءة ابن كثير وعاصم وأبي عمرو وحمزة. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٨٠.\n(^٤) وهى قراءة نافع وابن عامر والكسائي. ينظر السابق.\n(^٥) سقط من: ص م ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٦) في الأصل: \"الباس\".","vol":"10","page":128},{"text":"وقال بعضُ نحويى الكوفةِ (^١): ﴿وَلِبَاسُ﴾ يُرْفَعُ بقولِه: ولباسُ التقوى خيرٌ. ويُجْعَلُ ﴿ذَلِكَ﴾ مِن نعتِه.\nوهذا القولُ عندى أولى بالصوابِ في رفعِ (^٢) \"اللباس\"؛ لأنه لا وجهَ للرفعِ فيه (^٣) إلا أن يَكونَ مرفوعًا بـ ﴿خَيْرٌ﴾، وإذا رُفِع بـ ﴿خَيْرٌ﴾ لم يكنْ في ﴿ذَلِكَ﴾ وجهٌ إلا أن يُجْعَلَ ﴿وَلِبَاسُ﴾ (^٤) نعتًا؛ [لأنه لا] (^٥) عائدَ على \"اللباسِ\" مِن ذكرِه في قولِه: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ فيكونَ ﴿خَيْرٌ﴾ مرفوعا بـ ﴿ذَلِكَ﴾، وهو ﴿ذَلِكَ﴾ به.\nفإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ إذا (^٦) رُفع ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: ولباسُ التقوى ذلك الذي قد علِمْتُموه خيرٌ لكم يا بنى آدمَ مِن لباسِ الثياب التي تُوارِى سوءاتِكم، ومِن الرِّياشِ التي أنْزَلْناها إليكم، فالبَسُوه.\nوأما تأويلُ مَن قرَأه نصبًا فإنه: يا بني آدمَ قد أنْزَلْنا عليكم لباسًا يُوارى سوءاتِكم وريشًا ولباسَ التقوى، هذا الذي أنْزَلْناه عليكم مِن اللباسِ الذي يُوارِى سوءاتِكم والريشِ ولباسِ التقوى - خيرٌ لكم من التعرِّي والتجرُّدِ مِن الثيابِ في طوافِكم بالبيتِ، فاتَّقوا الله والْبَسوا ما رزَقكم اللهُ مِن الرِّياش، ولا تُطِيعوا الشيطانَ بالتجرُّدِ والتعرِّى مِن الثيابِ، فإن ذلك سخريةٌ منه بكم وخُدْعةٌ، كما فعَل بأبويكم (^٧) آدمَ وحواءَ، فخدَعَهما حتى جرَّدهما مِن لباسِ اللهِ الذي كان ألْبَسَهما، بطاعتِهما له في أكلِ ما كان اللهُ نهاهما عن أكلِه من ثمرِ الشجرةِ التي عصَياه بأكلِها.\n_________\n(^١) هو الفراء في معاني القرآن ١/ ٣٧٥.\n(^٢) في م: \"رافع\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٤) في الأصل، م: \"اللباس\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"لأنه\"، وفى م: \"لا أنه\".\n(^٦) في م: \"إذن\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"بأبيكم\".","vol":"10","page":129},{"text":"وهذه القراءةُ أولى القراءتين في ذلك عندى بالصوابِ (^١)، أغنى نصبَ قولِه: (ولباسَ التقوى). لصحةِ معناه في التأويلِ على ما بيَّنْتُ، وأن اللَّهَ إنما ابْتَدَأَ الخبرَ عن إنزالِه اللباسَ الذي يُوارِي سوءاتِنا والرِّياشَ؛ توبيخًا للمشركين الذين كانوا يَتَجَرَّدون في حالِ طَوافِهم بالبيتِ، ويَأْمُرُهم بأخْذِ ثيابهم والاستتارِ بها في كلِّ حالٍ، مع الإيمانِ به واتباعِ طاعتِه، ويُعْلِمُهم أن كلَّ ذلك خيرٌ مِن كلِّ ما هم عليه مُقِيمون، مِن كفرِهم باللهِ وتَعَرِّيهم، [لا أنه] (^٢) أعْلَمَهم أن بعضَ ما أنْزَل إليهم (^٣) خيرٌ مِن بعضٍ.\nومما يَدُلُّ على صحة ما قلْنا في ذلك، الآياتُ التي بعد هذه الآيةِ، وذلك قولُه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾. وما بعدَ ذلك من الآياتِ إلى قولِه: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فإنه جلَّ ثناؤُه في كلِّ ذلك يَأْمُرُ بِأَخْذِ الزينةِ مِن الثيابِ واسْتِعمالِ اللباسِ، وتركِ التجرُّدِ والتعرِّى، وبالإيمانِ به واتباعِ أمرِه والعملِ بطاعتِه، ويَنْهَى عن الشركِ به واتباعِ أمرِ الشيطانِ، مُؤكِّدًا في كلِّ ذلك ما قد أجْمَله في قولِه: (يا بنى آدَمَ قد أَنْزَلْنا عليكم لباسًا يُوارِى سَوْءاتِكم وريشًا ولباسَ التقْوَى ذلك خيرٌ).\nوأولى الأقوال بالصحة في تأويلِ قولِه: (ولباسَ التقْوَى). استِشْعارُ النفوسِ تقْوَى اللَّهِ، في الانتهاءِ عما نهَى اللهُ عنه مِن مَعاصِيه، والعملِ بما أمَر به مِن طاعتِه، وذلك يَجْمَعُ الإيمانَ به (^٤)، والعملَ الصالحَ، والحياءَ، وخشيتَه (^٥)، والسَّمْتَ\n_________\n(^١) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"لأنه\".\n(^٣) في ف: \"عليهم\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س ف: \"خشية الله\".","vol":"10","page":130},{"text":"الحسنَ؛ لأن مَن اتَّقَى الله كان به مؤمنًا، وبما أمَرَه به عاملًا، ومنه خائفًا، وله مراقبًا، ومن أن يُرَى عندَ ما يَكْرَهُه من عبادِه مُسْتَحْيِيًا (^١)، ومَن كان كذلك ظهَرَت آثارُ الخيرِ فيه، فحسُن سَمْتُه وهَدْيُه، ورُئِيت عليه بَهْجَةُ الإيمانِ ونورُه.\nوإنما قلْنا: عنى بـ (لباسَ التقوَى). استشعارَ النفسِ والقلبِ ذلك؛ لأن اللباسَ إنما هو ادِّراعُ ما يُلْبَسُ، واجتيابُ (^٢) ما يُكْتَسَى، أو تغطيةُ بدنِه أو بعضِه به، فكلُّ مَن ادَّرَع شيئًا [واجتابه] (^٣) حتى يُرَى عينُه (^٤) أو أثرُه عليه، فهو له لابسٌ، ولذلك جعَل جلَّ ثناؤُه الرجالَ للنساءِ لباسًا، وهن لهم لباسًا، وجعَل الليلَ لعبادِه لباسًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-3281>ذكرُ مَن تأوَّل ذلك بالمعنى الذي ذكَرْنا مِن تأويله إذا قُرِئ قولُه: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ رفعًا.</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: الإيمانُ، ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. يقولُ: ذلك خيرٌ من الرِّياشِ واللباسِ، يُوارى سوءاتِكم (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾. قال: ولباسُ (^٦) خيرٍ، وهو الإيمانُ (^٧).\n_________\n(^١) في الأصل: \"مستجيبًا\". وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"مستحيًا\".\n(^٢) في م: \"احتباء\". واجتبت القميص: إذا لبسته. الصحاح (ج وب).\n(^٣) في م: \"أو احتبى به \"وفى س ف: \"وأصابه\".\n(^٤) في م: \"هو\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"عنه\".\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ١٢١.\n(^٦) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"التقوى\".\n(^٧) تقدم تخريجه في ص ١٢٥.","vol":"10","page":131},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3282>القول في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ذلك الذي ذكَرْتُ لكم أني أنْزَلْتُه إليكم أيُّها الناسُ، من اللباسِ والرِّياشِ، مِن حجج اللهِ وأدلتِه التي يَعْلَمُ بها مَن كفرَ صحةَ توحيدِ اللهِ، وخطأَ ما هم عليه مُقِيمون مِن الضَّلالَةِ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. يقولُ: جعَلْتُ ذلك لهم دليلًا على ما وصَفْتُ ليَذَّكَّروا فيَعْتَبِروا ويُنِيبوا إلى الحقِّ وتركِ الباطلِ؛ رحمةً منى بعبادى.\n\n<span id=\"aya-981\"></span><span data-type='title' id=toc-3283>القول في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: يا بني آدمَ لا يَخْدَعَنَّكم الشيطانُ فيُبْدِيَ سوءاتِكم للناسِ بطاعتِكم إياه عندَ اختبارِه لكم، كما فعَل بأبويكم آدمَ وحوَّاءَ عندَ اختبارِه إياهما، فأطاعاه وعصيا ربَّهما، فأَخْرَجهما بما سبَّب لهما مِن مَكْرِهِ وخَدْعِه مِن الجنةِ، ونزَع عنهما ما كان اللهُ الْبَسَهما مِن اللباسِ؛ ليُرِيَهما سوءاتِهما بكشفِ عورتِهما، وإظْهارِها لأعينِهما بعد أن كانت مستترةً.\nوقد بيَّنا فيما مضَى أن معنى الفتنة الاختبارُ والابتلاء بما أغْنَى عن إعادتِه (^١).\nوقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ اللباسِ الذي أخْبَر [جلَّ ثناؤُه عن الشيطانِ] (^٢) أنه نزَعه عن أبوينا، وما كان؛ فقال بعضُهم: كان ذلك أظفارًا.\n_________\n(^١) تقدم في ٢/ ٣٥٦، ٣٥٧.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"الله جل ثناؤه\".","vol":"10","page":132},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3284>ذكْرُ قولِ (^١) من لم نَذْكُرْ قولَه فيما مضَى مِن كتابِنا هذا في ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شريكٍ، [عن سماكٍ (^٢)، عن عكرمةَ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾. قال: لباسُ كلِّ دابةٍ منها، ولباسُ الإنسانِ الظُّفُرُ، فَأَدْرَكَت آدمَ التوبةُ عندَ ظُفُرِه. أو قال: أظْفارِه (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن [نضرٍ أبي] (^٤) عمرَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: تُركَت أظفارُه عليه زينةً ومَنافعَ. في قولِه: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ (^٥).\nحدَّثني أحمدُ بنُ الوليدِ القُرشيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ أبي الوَزيرِ، قال: أخْبَرنا مَخْلَدُ بنُ الحسينِ، عن عمرِو بن مالكٍ، عن أبي الجَوْزاءِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾. قال: كان لباسُهما الظُّفُرَ، فلمَّا أصابا الخطيئةَ (^٦) نُزِع عنهما (^٧)، وتُرِكَت الأظفارُ تَذْكِرةً وزينةً.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾. قال: كان لباسه الظُّفُرَ، فانْتَهَت توبتُه إلى أظفارِه.\n_________\n(^١) سقط من: ص م ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) سقط من: ص م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٥ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"نصر أبي\"، وفى م: \"نصر بن\". وتقدم في ١/ ٢٥٢ وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٣٩٣.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٥٩ (٨٣٤٥)، وأبو الشيخ في العظمة ص ٣٨٤ (١٠٥٩) من طريق عبد الحميد الحماني به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) في الأصل: \"الخطية\".\n(^٧) بعده في ف: \"لباسهما\".","vol":"10","page":133},{"text":"وقال آخرون: كان لباسُهما نورًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-3285>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنةَ، عن عمرٍو، عن وهبِ بن مُنبِّهٍ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾. قال: النورَ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عُيينةَ، قال: ثنا عمرٌو، قال سمِعْتُ وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ في قولِه: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾. قال: كان لباسُ آدمَ وحواء نورًا على فُروجِهما، لا يَرَى هذا عورةَ هذه، ولا هذه عورةَ هذا (^٢).\nوقال آخرون: إنما عنَى اللهِ بقولِه: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾: يَسْلُبُهما تقوَى اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3286>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا مُطَّلِبُ بن زيادٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾. قال: التُّقَى (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شريكٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾. قال: التقوى (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ١١٤.\n(^٣) في م: \"التقوى\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٦٠ (٨٣٤٩) من طريق شريك به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٦ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"10","page":134},{"text":"مثلَه.\nوالصوابُ مِن القولِ في تأويلِ ذلك عندى أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه حذَّر عبادَه أن يَفْتِنَهم الشيطانُ كما فتَن أبويهم آدمَ وحواءَ، وأن يُجَرِّدَهم مِن لباسِ اللهِ الذي أنْزَله إليهم، كما نزَع عن أبويهم لباسَهما. واللباسُ المطلقُ مِن الكلام بغيرِ إضافةٍ إلى شيءٍ في مُتعَارَفِ الناسِ هو ما اجتابَ (^١) فيه اللابسُ مِن أنواع الكُسَى (^٢)، أو غطَّى بدنه أو بعضَه به (^٣).\nوإذ كان ذلك كذلك، فالحقُّ أن يقال: إن الذي أَخْبَرَ اللَّهُ عن آدمَ وحواءَ مِن لباسِهما الذي نزَعه عنهما الشيطانُ هو بعضُ ما كانا يُوارِيان به أبدانَهما وعورتَهما. وقد يَجوزُ أن يكون ذلك كان [ظُفُرًا، ويَجوزُ أن يكونَ ذلك كان] (^٤) نورًا، ويَجوزُ أن يكونَ كان (^٥) غيرَ ذلك، ولا خبر عندَنا بأيِّ ذلك كان (^٥) تَنْبُتُ به الحَجَّةُ فلا قولَ في ذلك أصوبُ مِن أن يقالَ كما قال اللهُ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾.\nوأضاف جلَّ ثناؤُه إلى إبليسَ إخراجَ آدمَ وحواءَ مِن الجنةِ، ونْزَع ما كان عليهما مِن اللباسِ، عنهما، وإن كان اللهُ جلَّ ثناؤُه هو الفاعلَ ذلك بهما عقوبةً على معصِيتِهما إياه، إذ كان الذي كان منهما من (^٥) ذلك كان (^٦) عن تسبيبِه (^٧) ذلك لهما\n_________\n(^١) في م ت ١، ت ٢ ت ٣ س ف: \"اختار\"، وهكذا في ص ولكن من غير نقط.\n(^٢) في م: \"الكساء\".\n(^٣) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٤) سقط مِن: الأصل.\n(^٥) في ص م ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"في\".\n(^٦) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٧) في ص ف: \"تسببه\"، وفى م س \"تشبيه\".","vol":"10","page":135},{"text":"بمكْرِهِ وخِداعِه، فأُضِيف إليه أحيانًا بذلك المعنى، وإلى اللهِ ﵎ أحيانًا بفعلِه ذلك بهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-3287>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾</span>\nيعني جلَّ ثناؤُه بذلك: إن الشيطانَ يَرَاكم هو. والهاء في ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ﴾ عائدةٌ على الشيطانِ. و﴿قَبِيلُهُ﴾ يعنى: وصنفُه وجيلُه (^١) الذي هو منه، منه، [وهو] (^٢) واحدٌ [يُجْمَعُ قُبلًا] (^٣)، وهم الجنُّ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾. قال: الجنُّ (^٤) والشياطينُ.\n[حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾. قال: الجنُّ والشياطينُ] (^٥).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنى ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾. قال: قَبِيلُه نَسْلُه (^٦).\nوقولُه: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾. يقولُ: مِن حيث لا تَرَوْن أنتم أيُّها الناسُ الشيطانَ وقبيلَه. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حمه\" غير منقوطة. وفى م: \"جنسه\" وفى ف: \"جنه\".\n(^٢) سقط مِن: ص م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ س ف: \"جمع قبلا\"، وفى م: جمعه \"قبل\".\n(^٤) سقط مِن: الأصل.\n(^٥) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣ س ف. والأثر في تفسير مجاهد ص ٣٣٤، ٣٣٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٦٠ (٨٣٥١).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٦٠ (٨٣٥٢) من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد به.","vol":"10","page":136},{"text":"جعَلْنا الشياطينَ نُصَراءَ الكفارِ الذين لا يُوَحِّدون اللَّهَ ولا يُصَدِّقون رسلَه.\n\n<span id=\"aya-982\"></span><span data-type='title' id=toc-3288>القولِ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾.</span>\nذُكِر أن معنى الفاحشةِ في هذا الموضعِ ما حدَّثني به (^١) عليُّ بنُ سعيدٍ الكِنْديُّ، قال: ثنا أبو مُحَيَّاةَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾. قال: كانوا يَطُوفون بالبيتِ عُراةً، يقولون: نَطُوفُ كما ولَدَتْنا أمَّهاتُنا. فَتَضَعُ المرأةُ على قُبُلِها النِّسْعة (^٢) أو الشيءِ، فتقولُ:\nاليومَ يَبْدُو بعضُه أو كلُّه … فما بَدَا منه فلا أُحِلُّه (^٣)\nحدَّثنا ابن وكيعٍ [وابنُ حُمَيدٍ، قالا] (^٤): ثنا جريرٌ، عن منصورٍ عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾: فاحشتُهم أنهم كانوا يَطُوفون بالبيتِ عُراةً (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن مُفَضَّلٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عِمْرانُ بنُ عُيينةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ والشعبيِّ: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾. قال: كانوا يَطوفون بالبيتِ عُراةً.\n_________\n(^١) سقط مِن: ص م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) النسعة: القطعة من السير يضفر على هيئة أعنة النعال تشد به الرحال. ينظر اللسان (ن س ع).\n(^٣) قال السهيلى في الروض الأنف ٢/ ٢٩٠، ٢٩١: يذكر أن هذه المرأة هي ضباعة بنت عامر بن صعصعة، ثم من بني سلمة بن قشير.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"قال\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٦١ (٨٣٥٧) من طريق جرير به.","vol":"10","page":137},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾. قال: كان قبيلةٌ مِن العرب مِن أهل اليمن يَطُوفون بالبيتِ عُراةً، فإذا قيل لهم (^١): لم تَفْعَلُون ذلك؟ قالوا: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾. قال: طوافُهم بالبيت عُراةً (^٣).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾. قال: في طوافِ الحُمْسِ (^٤) في الثيابِ وغيرِهم عُراةً.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾. قال: كان نساؤُهم يَطُفْنَ بالبيتِ عُراةً، فتلك الفاحشةُ التي وجَدوا عليها آباءَهم، ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ الآية.\nفتأويلُ الكلامِ إذن: وإذا فعَل الذين لا يُؤْمِنون باللهِ، الذين جعَل اللهُ لهم الشياطينَ أولياءَ، قبيحًا مِن الفعلِ، وهو الفاحشةُ، وذلك تعرِّيهم للطوافِ بالبيتِ، وتَجَرُّدُهم له، فعُذلِوا على ما أتَوْا مِن قبيحِ فعلِهم، وعُوتِبوا عليه، قالوا: وجْدَنا على مثلِ ما نَفْعَلُ آبَاءَنا، فنحن نَفْعَلُ مثلَ ما كانوا يَفْعَلون، ونَقْتَدِى بِهَدْيِهِم، ونَسْتَنُّ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٦١ (٨٣٥٨) من طريق أحمد به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٧ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ بلفظ آخر.\n(^٤) ينظر معنى الحمس فيما تقدم في ٣/ ٢٨٤ وما بعدها.","vol":"10","page":138},{"text":"بسُنَّتِهم، واللهُ أمرَنَا به، فنحن نَتَّبِعُ أمره فيه.\nيقولُ ﷿ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾. يقولُ: لا يأمرُ خلقَه بقبائحِ الأفعالِ ومَساويها، ﴿أَتَقُولُونَ﴾ أَيُّهَا الناسُ ﴿عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: أَتَرْوُون على اللَّهِ أَنه أَمَرَكم بالتعرِّى والتجرُّدِ مِن الثياب واللباسِ للطوافِ، وأنتم لا تَعْلَمون أنه أمَرَكم بذلك؟\n\n<span id=\"aya-983\"></span><span data-type='title' id=toc-3289>القولِ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء الذين يَزْعمون أن اللَّهَ أَمَرَهم بالفَحْشاءِ كذبًا على اللهِ: ما أَمَرَ ربى بما تَقُولون، بل أمَر (^١) بالقِسْطِ. يعنى: بالعدلِ.\nكما حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾: بالعدلِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾: والقسطُ العدلُ (^٣).\nوأما قوله: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. فإن أهل التأويلِ اخْتَلَفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه وجِّهوا وجوهَكم حيث كنتم في الصلاِة\n_________\n(^١) بعده في ص م ت ١، ت ٢، ت ٣، س ف: \"ربي\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٧ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٦٢ عقب الأثر (٨٣٦١) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط.","vol":"10","page":139},{"text":"إلى الكعبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-3290>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ. عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: إلى الكعبةِ حيثما صلَّيْتُم في الكَنيسةِ وغيرِها (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾: إلى الكعبة حيث صلَّيتُم في كنيسةٍ أو غيرِها.\nحدَّثني الحارثُ، قال ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سَمِعْتُ مجاهدًا] (^٢)، في قولِه: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: إذا صلَّيتُم فاسْتَقْبلوا الكعبةَ في كَنائسِكم وغيرِها.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: هو المسجدُ الكعبةُ.\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن عمرَ بَنِ ذَرٍّ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: إلى (^٣) الكعبةِ حيثما كنتَ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٣٥ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٦٢ (٨٣٦٢).\n(^٢) سقط مِن: ص م ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣،: س، ف.","vol":"10","page":140},{"text":"﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: أقِيموها للِقبْلةِ، هذه القبلِة التي أمرَكم اللهُ بها.\nوقال آخرون: [معنى ذلك] (^١): واجْعَلوا سجودَكم للهِ خالصًا دونَ ما سواه مِن الآلهةِ والأندادِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3291>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: في الإخلاصِ، ألا تَدْعُوا غيرَه، وأن تُخْلِصوا له الدينَ (^٢).\nوأولى هذين التأويلين بتأويلِ الآيةِ ما قاله الربيعُ، وهو أن القومَ أُمروا أن يَتَوَجَّهوا بصلاتِهم إلى ربِّهم لا إلى ما سِواه مِن الأوثانِ والأصنامِ، وأن يَجْعَلوا دعاءَهم للهِ خالصًا، لا مُكاءً و(^٣) تَصْديةً.\nوإنما قلْنا: ذلك أولى التأويلين بالآية؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه إنما خاطَب بهذه الآيةِ قومًا مِن مشركي العربِ لم يكونوا أهلَ كَنائس وبيَع، وإنما كانت الكنائسُ والبيَعُ لأهلِ الكتابَيْن، فغيرُ معقولٍ أن يُقالَ لمن لا يُصَلَّى في كَنيسةٍ ولا بِيعةٍ: وجِّهْ وجْهَك إلى الكعبةِ في كنيسةٍ كنتَ (^٤) أو بيعةٍ.\nوأما قولُه: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. فإنه يقولُ: واعْمَلُوا لرَّبِّكم مُخْلَصًا (^٥) له الدينُ والطاعةُ، لا تَخْلِطوا ذلك بشركٍ، ولا تَجْعَلوا في شيءِ مما\n_________\n(^١) في م: \"بل عنى ذلك\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٦٢ (٨٣٦٣) من طريق ابن أبي جعفر به من قول أبي العالية.\n(^٣) بعده في م: \"لا\".\n(^٤) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) في م: \"مخلصين\".","vol":"10","page":141},{"text":"تَعْمَلُون له (^١) شريكًا.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. قال: أن تُخْلِصوا له الدينَ والدَّعْوةَ والعملَ، ثم تُوَجِّهون إلى البيتِ الحرامِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-984\"></span><span data-type='title' id=toc-3293>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: كما بدَأَكم أشْقِياءَ وسُعَداءَ، كذلك تَبْعَثون يومَ القيامةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3292>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾. قال: إن الله سبحانَه بَدأ خلْقَ ابن آدمَ مؤمنًا وكافرًا، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]. ثم يُعِيدُهم يوم القيامة كما بدَأ خلقَهم، مؤمنًا وكافرًا (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، قال: ثنا أصحابُنا، عن ابن عباسٍ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: يُبْعَثُ المؤمنُ مؤمنًا، والكافرُ كافرًا.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يَحْيَى بن الضُّرَيْسِ، عن أبي جعفرٍ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"به\".\n(^٢) من تمام الأثر المتقدم في ص ١٤٠.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٦٢ (٨٣٦٤) من طريق عبد الله به. وعزاه السيوطي في الدر المنشور ٣/ ٧٧ إلى ابن المنذر.","vol":"10","page":142},{"text":"عن الربيعِ، عن رجلٍ، عن جابرٍ، قال: يُبْعَثون على ما كانوا (^١) عليه، المؤمنُ على إيمانِه، والمنافقُ على نفاقِه (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: عادوا إلى علمِه فيهم، ألم تَسْمَعْ إلى قولِ اللَّهِ فيهم: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾؟ ألم تَسْمَعْ إلى (^٣) قوله: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ (^٤)؟\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: رُدُّوا إلى علمِه فيهم (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو هَمَّامٍ الأهوازيُّ، قال: ثنا موسى بن عُبَيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ في قولِه: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: مَنِ ابْتَدَأ اللهُ خلقَه على الشِّقْوةِ صار إلى ما ابْتَدَأ [عليه خلْقَه] (^٦)، وإن عمِل بأعمالِ أهلِ السَّعادةِ، كما أن إبليسَ عمِل بأعمالِ أهلِ السعادةِ ثم صار (^٧) إلى ما ابْتُدِئَ عليه خلقُه، ومَن ابْتُدِئَ خلقُه على السعادةِ صار إلى ما ابْتُدِئَ عليه خلقُه، وإن عمِل بأعمالِ أهلِ الشَّقاءِ، كما أن السَّحَرةَ عمِلَت بأعمالِ أهلِ الشقاءِ، ثم صاروا إلى ما ابْتُدِئَ عليه خلقُهم (^٨).\n_________\n(^١) في الأصل: \"ماتوا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٧ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٦٢ (٨٣٦٦) من طريق أبي جعفر به من قول أبي العالية نحوه.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٩٩.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣ س ف: \"الله خلْقه عليه\".\n(^٧) بعده خرم في المخطوط الأصل ينتهى في ص ١٦٦ عند قوله: إذا عاينوا من كرامة الله.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٦٣ (٨٣٦٧) من طريق موسى بن عبيدة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٧ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"10","page":143},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن وِقَاءِ (^١) بن إياسٍ أبي يزيَد، عن مجاهدٍ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: يُبْعَثُ المسلمُ مسلمًا، والكافرُ كافرًا (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو [نُعيم الفضلُ بنُ] (^٣) دُكَيْنٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي يزيدَ، عن مُجاهدٍ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: يُبْعَثُ المسلمُ مسلمًا، والكافرُ كافرًا (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي الوَضَّاحِ، عن سالمٍ الأفْطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: كما كُتِب عليكم تكونون (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾. يقولُ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، كما خلَقْناكم؛ فريقٌ مُهْتَدون، وفريقٌ ضالٌّ، كذلك تعودون وتُخْرَجون مِن بطون أمهاتِكم (^٦).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي (^٧) سفيانَ، عن جابرٍ، أن النبيَّ ﷺ، قال: \"تُبْعَثُ كلُّ نفسٍ على ما كانت\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س ف: \"ورقاء\". وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٤٥٥.\n(^٢) تفسير سفيان ص ١١٢، وعنه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٢٦.\n(^٣) سقط مِن النسخ، والمثبت موافق لما في تفسير ابن أبي حاتم. وينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ١٩٧.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٦٢ (٨٣٦٥) من طريق أبي نعيم به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٦٣ (٨٣٦٩) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٧) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج.","vol":"10","page":144},{"text":"عليه\" (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو داودَ الحَفريُّ، عن شريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: كما كُتِب عليكم تكونون (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: يُبْعَثُ المؤمنُ مؤمنًا، والكافرُ كافرًا.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: شقيا وسعيدًا (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك قراءةً، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخرون: معنى ذلك: كما خلَقَكم ولم تكونوا شيئًا، تعودون بعدَ الفَناءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3294>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا غُنْدَرٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: كما بدَأَكم ولم تكونوا شيئًا فأحْياكم، كذلك (^٤) يُمَينتُكم ثم يُحْيِيكم يومَ القيامةِ (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبد الأعلى، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿كَمَا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٧٨) من طريق عبد الرحمن بن مهدى به، وأخرجه أحمد ٢٢/ ٤١٣، ٢٣/ ٢٠٠ (١٤٥٤٣، ١٤٩٤١)، وعبد بن حميد (١٠١٣) ومسلم (٢٨٧٨)، والطحاوي في المشكل (٢٥٥)، والحاكم ٤٢/ ٤٥٢، ٤٩٠ وأبو نعيم في أخبار أصبهان ٢/ ٤٩، والبغوى (٤٢٠٧) من طريق سفيان به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٣٥.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"ثم\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٧ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"10","page":145},{"text":"بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: كما بدَأَكم في الدنيا، كذلك تَعوُدون يومَ القيامةِ أحياءً.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: بدَأ خلْقَهم ولم يكونوا شيئًا، ثم ذهَبوا، ثم يُعِيدُهم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى﴾. يقولُ: كما خلَقْناكم أولَ مرةٍ كذلك تَعُودون (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: يُحْيِيكم بعدَ موتِكم (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. قال: كما خلَقَهم أولا، كذلك يُعِيدُهم آخِرًا (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ القولُ الذي قاله مَن قال: معناه: كما بدَأَكم الله خلقًا بعدَ أن لم تَكُونوا شيئًا، تَعُودون بعدَ فَنائِكم خلقًا مثلَه، يَحْشُرُكم إلى يومَ القيامةِ؛ لأن الله تعالى أمر نبيَّه ﷺ أَن يُعْلِمَ بما في هذه الآيةِ قومًا مشركين أهلَ جاهليةٍ، لا يُؤْمِنون بالمَعادِ، ولا يُصَدِّقون بالقيامةِ، فأمَرَه أن يَدْعُوَهم إلى الإقرارِ بأن الله باعثُهم يومَ القيامة، ومُثِيبُ مَن أطاعه، ومُعاقِبُ مَن عصاه، فقال له: قلْ لهم: أمر ربى بالقِسْطِ، وأن أَقِيموا وُجوهَكم عندَ كلِّ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٢٥ عن معمر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٦٣ (٨٣٦٨) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٩٨.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٩٩.","vol":"10","page":146},{"text":"مسجدٍ، وأنِ ادْعُوه مُخْلِصين له الدين، وأن أَقِرُّوا بِأَنْ كما بدَأَكُم تَعُودون. فترَك ذُكِر: \"وأن أقِرُّوا بأن\". كما ترَك ذكرَ \"أن\" مع \"أقِيموا\"، إذ كان فيما ذُكِر دلالةٌ على ما حُذِف منه.\nوإذ كان ذلك كذلك، فلا وجهَ لأن يُؤْمَرَ بدعاءِ مَن كان جاحدًا النُّورَ بعدَ المَماتِ، إلى الإقرارِ بالصفةِ التي عليها يُنْشَرُ مَن نُشِر، وإنما يُؤْمَرُ بالدعاءِ إلى ذلك مَن كان بالبعثِ مُصَدِّقًا، فأما مِن كان له جاحدًا، فإنما يُدْعَى إلى الإقرار به، به، ثم يُعَرَّفُ كيف شَرائطُ البعثِ. على أن في الخبرِ الذي رُوِى عن رسول اللهِ ﷺ الذي حدَّثناه محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثني المغيرةُ بنُ النعمانِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبي ﷺ قال: \"يُحْشَرُ النَّاسُ عُراةٌ غُرْلًا (^١)، وأولُ مَن يُكْسَى إبراهيمُ\". ثم قرَأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ بن النعمانِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ بن النعمانِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قام فينا رسولَ اللهِ ﷺ بموعِظةٍ، فقال: \"يا أيُّها الناسُ، إنكم تُحْشَرون إلى اللَّهِ حُفاةً غُرْلًا، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) الغرب؛ جمع الأغْرل: وهو؛ الأقلف، والغرلة: القلفة. النهاية ٣/ ٣٦٢.\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٤١٨، ٤٧٠ (١٩٥٠، ٢٠٢٧)، والنسائي ٤/ ١١٤ (٢٠٨١) من طريق يحيى بن سعيد به، وأخرجه البخاري (٣٣٤٩، ٣٤٤٧، ٤٦٢٦)، والترمذى (٢٤٢٣)، مِن طريق سفيان الثورى به.\n(^٣) أخرجه النسائي في الكبرى (١١١٦٠) عن محمد بن بشار به، وأخرجه أيضا (١١١٦٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٠٦٧) من طريق إسحاق به.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٨٦٠/ ٥٨)، والترمذى عقب (٢٤٢٣) عن محمد بن المثنى ومحمد بن بشار به، =","vol":"10","page":147},{"text":"ما (^١) يُبَيِّنُ صحةَ القولِ الذي قلْنا في ذلك مِن أن معناه: أن الخلقَ يعودون إلى اللَّهِ يومَ القيامةِ خلقًا أحْياءً، كما بدَأَهم في الدنيا خلقًا أحْياءً.\nيقالُ منه: بدَأ اللَّهُ الخلقَ يَبْدَؤُهم، وأَبْدَأَهم يُبْدِئُهم إبْداءً. بمعنى: خَلَقَهم. لُغتان فَصِيحتان.\nثم ابْتَدَأَ الخبر جلَّ ثناؤُه عما سَبق مِن علمِه في خلقِه، وجرَى به فيهم قضاؤُه، فقال: هدَى الله منهم فريقًا، فوفَّقَهم لصالحِ الأعمالِ فهم مُهْتَدون، وحقَّ على فريقٍ منهم الضَّلالةُ عن الهُدَى والرَّشادِ، باتخاذِهم الشيطانَ مِن دونِ اللهِ وليًّا.\nوإذا كان التأويلَ هذا، كان \"الفريقُ\" الأولُ منصوبًا بإعمالِ ﴿هَدَى﴾، فيه، و\"الفريقُ\" الثاني بوقوعِ قولِه: ﴿حَقَّ﴾. على عائدِ ذكْرِه في ﴿عَلَيْهِمُ﴾، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١].\nومَن وجَّه تأويلَ ذلك إلى أنه: كما بدَأَكم في الدنيا صِنْفَيْن؛ كافرًا ومؤمنًا، كذلك تَعُودون في الآخرةِ فريقَيْن؛ فريقًا هَدَى، وفريقًا حقَّ عليهم الضَّلالة. نصب \"فريقًا\" الأولَ بقولَه: ﴿تَعُودُونَ﴾، وجعَل الثانيَ عطفًا عليه. وقد بيَّنا الصوابَ عندَنا مِن القولِ فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3295>القولِ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن الفريق الذي حقَّ عليهم الضَّلالةُ، إنما ضلُّوا عن سبيلِ\n_________\n= وأخرجه أحمد ٩/ ٤ (٢٠٩٦)، والبخارى (٢٥٢٦)، وابن حبان (٧٣٤٧) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الدارمي (٢٨٠٢)، والبخارى (٤٦٢٥، ٤٧٤٠)، ومسلم (٢٨٦٠/ ٥٨)، والنسائي (٢٠٨٦) من طريق شعبة به.\n(^١) هذا تمام قوله المتقدم، والسياق: على أن في الخبر الذي روى عن رسول الله ﷺ. .. ما يبين صحة القول.","vol":"10","page":148},{"text":"اللهِ، وجارُوا عن قصدِ المَحَجَّةِ، باتخاذِهم الشياطينَ نُصَرَاءَ مِن دونِ اللَّهِ وظُهَرَاءَ، جهلًا منهم بخطأَ ما هم عليه مِن ذلك، بل فعلوا ذلك وهم يَظُنُّون أنهم على هُدًى وحقٍّ، وأن الصوابَ ما أَتَوْه وركِبوا.\nوهذا مِن أبيَنِ الدلالةِ على خطأ قولِ مَن زعَم أن الله لا يُعَذِّبُ أحدًا على معصيةٍ ركِبها، أو ضلالةٍ اعْتَقَدَها، إلا أن يَأْتِيها بعدَ علمٍ منه بصوابِ وجهها، فيَرْكَبَها عِنادًا منه لربِّه فيها؛ لأن ذلك لو كان كذلك، لم يَكُنْ بينَ فريقِ الضلالةِ الذي ضلَّ وهو يَحْسَبُ أنه هادٍ، وفريقِ الهدى - فَرْقٌ، وقد فرَّق اللهُ بينَ أسمائِهما وأحكامِهما في هذه الآيةِ.\n\n<span id=\"aya-985\"></span><span data-type='title' id=toc-3297>القولِ في تأويلِ قولِه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء الذين يَتَعَرَّوْن عندَ طوافِهم ببيتِه الحرامِ، ويُبْدُون عوراتِهم هنالك مِن مشركي العربِ، والمُحَرِّمين منهم أكلَ ما لم يُحَرِّمه اللهُ عليهم مِن حلالِ رزقِه، تَبَرُّرًا عندَ نفسِه لربِّه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ مِن الكِساءِ واللِّباسِ، ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا﴾ مِن طيباتِ ما رزَقْتُكم، وحلَّلْتُه لكم، ﴿وَاشْرَبُوا﴾ مِن حلالِ الأشْربة، ولا تُحَرِّموا إلا ما حرَّمْتُ عليكم في كتابي، أو على لسانِ رسولي محمدٍ ﷺ.\nوبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3296>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا يحيَى بنُ [حَبيبِ بن] (^١) عَربيٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا شعبةُ، عن سلمةَ، عن مسلمٍ البَطينِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: إن النساءَ كُنَّ يَطْفْنَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"حسين\". وينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٢٦٢.","vol":"10","page":149},{"text":"بالبيتِ (^١) عُراةً - وقال في موضعٍ آخر: بغيرِ ثيابٍ - إلا أن تَجْعَلَ المرأة على فرجِها خِرْقةً، فيما وُصِف إن شاء الله، وتقولُ:\nاليومَ يَبْدُو بعضُه أو كلُّه … فما بدا منه فلا أُحِلُّه\nقال: فنزَلَت هذه الآيةُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (^٢).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، عن مُسْلمٍ البَطِين، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانوا يَطُوفون عُراةً؛ الرجالُ بالنهارِ، والنساءُ بالليلِ، وكانت المرأةُ تقول:\nاليومَ يَبْدُو بعضُه أو كلُّه … فما بَدَا منه فلا أُحِلُّه\nفقال الله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنةَ، عن عمرو، عن ابن عباسٍ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: الثيابُ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا غُنْدَرٌ ووهبُ بنُ جَريرٍ، عن شعبةَ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، قال: سمِعْتُ مسلمًا البَطِينَ يُحَدِّثُ عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت المرأةُ تَطُوفُ بالبيتِ عُرْيانةً. قال غُنْدَرٌ: وهى عُرْيانةٌ. قال وهبٌ:\n_________\n(^١) سقط مِن: ص ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٥/ ٣٠٢٨)، والنسائي (٢٩٥٦)، وفي الكبرى (١١١٨٢) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه مسلم أيضا (٣٠٢٨) / ٢٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٦٤ (٨٣٧٥)، والحاكم ٢/ ٣١٩، والبيهقى ٢/ ٢٢٣، والواحدى في أسباب النزول ص ١٦٩، من طريق شعبة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"10","page":150},{"text":"كانت المرأةُ تَطُوفُ بالبيتِ وقد أخْرَجَت صدرَها وما هنالك. قال غُنْدَرٌ: وتقولُ: مَن يُعِيرُني تِطْوافًا (^١)؟ تَجْعَلُه على فرجِها، وتقولُ:\nاليومَ يَبْدُو بعضُه أو كلُّه … وما بَدَا منه فلا أُحِلُّه\nفأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: كانوا يَطُوفون بالبيتِ عُراةً، فأمَرَهم اللهُ أن يَلْبَسوا ثيابَهم ولا يَتَعَرَّوا (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية. قال: كان رجالٌ يَطُوفون بالبيتِ عُراةً، فأمَرَهم اللهُ بالزينةِ، والزينةُ اللِّباسُ، وهو ما يُوارِي السَّوْءَةَ، وما سوى ذلك مِن جيِّدِ البَزِّ والمتاعِ، فأُمِروا أن يَأْخُذوا زينتَهم عندَ كلِّ مسجدٍ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ وابنُ فُضَيْلٍ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾. قال: كانوا يَطُوفون بالبيتِ عُراةً، فأُمِروا أن يَلْبَسوا ثيابَهم (^٥).\n_________\n(^١) التطواف؛ بكسر التاء: ثوب تلبسه المرأة تطوف به. صحيح مسلم بشرح النووى ١٨/ ١٦٢ وضبطه ابن الأثير بفتح التاء وقال: هذا على حذف المضاف: أي ذا تطواف، ورواه بعضهم بكسر التاء … ويجوز أن يكون مصدرا أيضا. النهاية ٣/ ١٤٣.\n(^٢) أخرجه البيهقى ٢/ ٢٢٣ من طريق وهب بن جرير به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٤ (٨٣٧٦) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٨ إلى ابن مردويه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٦٤ (٨٣٧٧) عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٨ إلى ابن مردويه.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٨ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"10","page":151},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ بنحوِه.\nحدَّثني عمرٌو، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ، في قولِه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: الْبَسوا ثيابَكم.\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: قال: كان ناسٌ يَطُوفون بالبيت عُراةً، فنُهُوا عن ذلك.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: كانوا يَطُوفون بالبيت عُراةً، فأُمروا أن يَلْبَسوا الثيابَ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: ما وارَى العورةَ ولو عَباءةً (^٢).\nحدَّثنا عمرٌو قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، وأبو عاصمٍ، وعبدُ الله بنُ داودَ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: ما يُوارِى عورتَك ولو عباءةً.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: في قريشٍ؛ لتركِهم الثيابِ في الطوافِ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيانُ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٤٦ - تفسير) عن جرير به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٥ (٨٣٧٨) من طريق عثمان بن الأسود به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٣٥","vol":"10","page":152},{"text":"جبيرٍ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: الثيابُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن إبراهيمَ، عن نافعٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: الشَّمْلةُ (^١) مِن الزينةِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن عمرٍو، عن طاوسٍ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: الثيابُ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سُوَيْدٌ وأبو أسامةَ، عن حمادِ بن زيدٍ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كانوا يَطُوفون بالبيتِ عُراةً، فطافَت امرأةٌ بالبيتِ وهى عُريانةٌ، فقالت:\nاليوم يبدو بعضُه أو كلُّه … فما بَدَا منه فلا أُحلُّه (^٤)\nحدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال: كان حيٌّ مِن أهلِ اليمنِ، كان أحدُهم إذا قدِم حاجًّا أو معتمرًا يقولُ: لا يَنْبَغِى أن أَطُوفَ في ثوبٍ قد دَنِسْتُ فيه. فيقولُ: مَن يُعِيرُني مِئْزرًا؟ فإن قدِر على ذلك، وإلا طاف عُرْيانًا، فأَنْزَل الله فيه ما تَسْمَعون: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: قال اللهُ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. يقولُ: ما يُوارِى\n_________\n(^١) الشملة: مئزر مِن صوف أو شعر يؤتزر به. اللسان (ش م ل).\n(^٢) سيأتي تخريجه في ص ١٥٤.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٤٧ - تفسير) عن سفيان به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٨ إلى عبد بن حميد بنحوه.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"10","page":153},{"text":"العورةَ عندَ كلِّ مسجدٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ أن العربَ كانت تَطوفُ بالبيتِ عُراةً إلا الحُمْسَ؛ قريشٌ وأحْلافُهم، فمَن جاء مِن غيرِهم وضَع ثيابَه وطاف في ثيابِ أَحْمَسَ، فإنه لا يَحِلُّ له أَن يَلْبَسَ ثيابَه، فإن لم يَجِدْ مَن يُعِيرُه مِن الحُمْسِ، فإنه يُلْقِى ثيابَه ويَطوفُ عُرْيانًا، وإن طاف في ثيابِ نفسِه، ألْقاها إذا قضَى طوافه، يُحَرِّمُها فيَجْعَلُها حرامًا عليه، فلذلك قال: ﴿آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (^١).\nوبه عن معمرٍ قال: قال ابن طاوس، عن أبيه: الشَّمْلةُ مِن الزينةِ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية: كان ناسٌ مِن أهلِ اليمنِ والأعرابِ إذا حجُّوا البيتَ يَطُوفون به عُرَاةً ليلًا، فأَمَرَهم اللهُ أن يَلْبَسوا ثيابَهم ولا يَتَعَرَّوْا في المسجدِ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾. قال: زينتُهم ثيابُهم التي كانوا يَطْرَحونها عندَ البيتِ ويَتَعَرَّوْن.\nوحدَّثني به مرةً أُخرى بإسنادِه، عن ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. قال: كانوا إذا جاءوا البيتَ فطافوا به، حَرُمَت عليهم ثيابُهم التي طافوا فيها، فإن وَجدوا مَن يُعِيرُهم ثيابًا، وإلا طافوا بالبيتِ عُراةً، فقال: ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ﴾ قال: ثيابَ اللهِ التي\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٢٨ عن معمر به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٢٨ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"10","page":154},{"text":"أخْرَج لعبادِه الآية.\nوكالذي قلْنا أيضًا قالوا في تأويلِ قولِه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-3298>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: أحَلَّ اللهُ الأكلَ والشربَ ما لم يكنْ سَرَفًا أو مَخِيلةً (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾: في الطعامِ والشرابِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: كان الذين يَطُوفون بالبيتِ عُراةٌ يُحَرِّمون عليهم الوَدَكَ (^٣) ما أقاموا بالموسِمِ، فقال اللهُ لهم: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. يقولُ: لا تُسْرِفوا في التحريمِ (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سمِعْتُ مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾. قال: أَمَرَهم أن يَأْكُلوا\n_________\n(^١) المخيلة: الكبر. ينظر النهاية ٢/ ٩٣.\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٢٨ - ومن طريقه البيهقي في الشعب (٦٥٧٢) - عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٦٥ (٨٣٧٩) من طريق محمد بن عبد الأعلى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٦٥ (٨٣٨٠) من طريق ابن جريج به.\n(^٣) الودك: هو دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه. النهاية ٥/ ١٦٩.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٠٣.","vol":"10","page":155},{"text":"ويَشْرَبوا مما رزَقَهم الله (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ قال: لا تأكُلوا حرامًا، ذلك الإسرافُ (^٢).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. يقول: إن الله لا يُحِبُّ المتعدِّين (^٣) حدَّه في حلالٍ أو حرامٍ، الغالين فيما أحَلَّ اللهُ أو حرَّم، بإحلال (^٤) الحرام، وبتحريم (^٥) الحلال، ولكنه يُحِبُّ أن يُحَلَّلَ ما أَحَلَّ، ويُحَرَّم ما حرَّم، وذلك العدلُ الذي أمر به.\n\n<span id=\"aya-986\"></span><span data-type='title' id=toc-3300>القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمد لهؤلاء الجَهَلةِ مِن العرب الذين يَتَعَرَّوْن عندَ طوافهم بالبيت، ويُحَرِّمون على أنفسهم ما أحْلَلْتُ لهم من طيباتِ الرزقِ: مَن حرَّم أيُّها القومُ عليكم زينةَ اللَّهِ التي خلقها لعباده أن تتزيَّنوا بها وتَتَجَمَّلوا بلباسها، والحلال مِن رزقِ اللَّهِ الذي رزق خلْقَه لمطاعمهم ومَشارِبهم.\nواخْتَلَف أهل التأويل في المعنيِّ بالطيباتِ من الرزق، بعد إجماعهم على أن الزينة ما قلنا؛ فقال بعضُهم: الطيبات من الرزق في هذا الموضع اللحُم؛ وذلك أنهم كانوا لا يَأْكُلونه في حال إحرامهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3299>ذكرُ مَن قال ذلك منهم</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسباط، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٠٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٦ (٨٣٨٧) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد.\n(^٣) في ت ١ ت ٢، ت ٣، س، ف: \"المعتدين\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س ف: \"بإحلاله\".\n(^٥) في ص، ت،١ ت ٢، ت ٣، س ف: \"بتحريمه\".","vol":"10","page":156},{"text":"السديِّ في قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾: وهو الوَدَكُ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾: الذي (^٢) حرَّموا على أنفسهم. قال: كانوا إذا حجُّوا أو اعْتَمَروا حرَّموا الشاةَ عليهم وما يَخْرُجُ منها.\nوحدَّثنى به يونُسُ مرةً أخرى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية. قال: كان قومٌ يُحَرِّمون ما يَخْرُجُ من الشاة؛ لبنها وسمنها ولحمها، فقال الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. قال: والزينةُ مِن (^٣) الثيابِ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حِبَّانُ بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن رجل، عن الحسن، قال: لما بعث الله محمدًا فقال: هذا نبييِّ، هذا خيارى، اسْتَنُّوا به، خُذُوا في سنته (^٥) وسبيله، لم تُغلق دونَه الأبواب، ولم تَقُمْ دونَه الحَجَبَةُ (^٦)، ولم يُغْدَ عليه بالجفانِ (^٧)، ولم يُرْجَعْ عليه بها، وكان يَجْلِسُ بالأرض، ويَأْكُلُ طعامه بالأرضِ، ويَلْعَقُ يدَه، ويَلْبَسُ الغَليظ، ويَرْكَبُ الحمار، ويُرْدِفُ بعده (^٨)، وكان يقولُ: \"مَن رغب عن سُنَّتى فليس منى\". قال الحسن: فما أكثر الراغبين عن سنته،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٧ (٨٣٩٦) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) في ص ت ١ ت ٢ ت ٣، س، ف: \"الذين\".\n(^٣) كذا في النسخ، وليست في الدر المنثور، وهو الصواب.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨١ إلى أبى الشيخ.\n(^٥) في ص: \"سننه\".\n(^٦) في م \"الحجب\". والحجبة، جمع حاجب: وهو البواب اللسان (ح ج ب).\n(^٧) في م: \"بالجبار\"، وفى الحاشية: وفى نسخة: \"بالجباب\"، وفى س ف: \"بالخيار\" وكذا في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ ولكن غير منقوطة. والمثبت من حلية الأولياء.\n(^٨) في م: \"عبده\"، وفى الحلية: \"خلقه\" وبعده هنا بمعنى: خلفه.","vol":"10","page":157},{"text":"التاركين لها، ثم إن (^١) عُلُوجًا (^٢) فُساقًا، أكلة الربا والغلول، قد سفَّههم ربى ومقتهم، زعموا ألا بأسَ عليهم فيما أكلوا وشربوا وزخْرَفوا هذه البيوت، يَتَأَوَّلون هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. وإنما جعَل ذلك لأولياء الشيطان. قد جعلها ملاعب لبطنه وفرجه. مِن كلامٍ لم يَحْفَظْه سفيانُ (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنى بذلك ما كانت الجاهلية تُحرِّمُ مِن البَحائرِ والسَّوائبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3301>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾: وهو ما حرَّم أهلُ الجاهلية عليهم من أموالهم؛ البحيرةُ والسائبةُ والوَصيلةُ والحامُ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بن صالحٍ، عن على، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. قال: إن أهل الجاهلية كانوا يُحرِّمون أشياء أحَلَّها الله من الثياب (^٥) وغيرها، وهو قولُ اللهِ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩]. وهو هذا، فأنزل الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) سقط من النسخ، والمثبت من الحلية.\n(^٢) العلوج، جمع علج: وهو الرجل الشديد الغليظ. اللسان (ع ل ج).\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ١٥٣، ١٥٤ من طريق مسلمة بن جعفر عن الحسن به بأطول مما هنا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٦٧ (٨٣٩٨) من طريق يزيد بن زريع، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨١ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"الرزق\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٦، ١٤٦٧ (٨٣٩) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨١ إلى ابن المنذر.","vol":"10","page":158},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3303>القولُ في تأويل قوله: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ لهؤلاء الذين أمَرْتُك أن تقول لهم: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. إذ عَيُّوا (^١) بالجواب فلم يَدْرُوا ما يُجيبُونك: زينةُ اللهِ التي أخْرج لعباده وطيباتُ رزقه للذين صدقوا اللَّهَ ورسولَه، واتَّبعوا ما أُنْزِل إليك من ربِّك في الدنيا، وقد شرَكَهم في ذلك فيها من كفر بالله ورسوله، وخالف أمرَ ربِّه، وهى للذين آمنُوا بالله ورسوله خالصةً يوم القيامة، لا يَشْرَكُهم في ذلك يومَئِذٍ أحدٌ كفر بالله ورسوله، وخالف أمر ربِّه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3302>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاوية، عن عليّ بن أبى طلحة، عن ابن عباسٍ: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ: [هي للذين شاركوا] (^٢) الكفار في الطيباتِ، فأكَلوا مِن طيباتِ طعامها (^٣)، ولبسوا من خيار ثيابها (^٤)، ونكحوا من صالح نسائها (^٥)، وخلصوا بها يومَ القيامة (^٦).\nوحدَّثنى به المثنى مرةً أُخرى بهذا الإسنادِ بعينه، عن ابن عباسٍ، فقال: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. يعنى: يُشارِكُ المسلمون المشركين في الطيباتِ\n_________\n(^١) عيوا: عجزوا. ينظر التاج (ع ى ي).\n(^٢) في م: \"شارك المسلمون\".\n(^٣) في ص، ت ١، ٢، ٣، س، ف: \"طعامهم\".\n(^٤) في ص ت ١، ٢، ت ٣ س ف: \"ثيابهم\".\n(^٥) في ص ت ١، ت ٢، ت ٣ س، ف: \"نسائهم\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٨ (٨٤٠٠) من طريق عبد الله به.","vol":"10","page":159},{"text":"في الحياة الدنيا، ثم يُخْلِصُ الله الطيبات في الآخرة للذين آمنُوا، وليس للمشركين فيها شيءٌ (^١).\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: قال الله لمحمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ: قل هي في الآخرة خالصةً لمن آمن بى في الدنيا، لا يَشْرَكُهم فيها أحدٌ (^٢)، وذلك أن الزينة في الدنيا لكلِّ بنى آدم، فجعلها الله خالصة لأوليائه في الآخرة (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سلمة بن نُبيطٍ، عن الضحاك: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: اليهودُ والنصارى يَشْرَكونكم فيها في الدنيا، وهى للذين آمنوا خالصةً يومَ القيامةِ (١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: خالصةً للمؤمنين في الآخرة، لا يُشارِكُهم فيها الكفارُ، فأما في الدنيا فقد شاركوهم (^٤).\nحدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: مَن عمل بالإيمان في الدنيا خلصت له\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٨ (٨٤٠٤) من طريق عبد الله بن صالح به مختصرا. وينظر في هذا الأثر والأثر قبله ص ١٥٨.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"في الآخرة\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٦٨ (٨٤٠١) من طريق سلمة به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٢٨ عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٨ (٨٤٠٣) من طريق محمد بن عبد الأعلى.","vol":"10","page":160},{"text":"كرامةُ اللهِ يومَ القيامةِ، ومَن ترك الإيمان في الدنيا، قَدِم على ربِّه لا عذر له (^١).\nحدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: يَشْتَركُ فيها معهم المشركون، ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ للذين آمَنوا.\nحُدِّثْتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمان، قال: سمِعْتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. يقولُ: المشركون يُشاركون المؤمنين في الدنيا، في اللباس والطعام والشراب، ويومَ القيامةِ يَخْلُصُ اللباسُ والطعامُ والشرابُ للمؤمنين، وليس للمشركين في شيءٍ مِن ذلك نصيبٌ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: الدنيا يُصِيبُ منها المؤمنُ والكافرُ، ويَخْلُصُ خيرُ الآخرة للمؤمن (^٣)، وليس للكافر فىها نصيبٌ.\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: هذه يوم القيامة للذين آمنوا، لا يَشْرَكُهم فيها أهلُ الكفر، ويَشْرَكونهم فيها في الدنيا، وإذا كان يومُ القيامة فليس لهم فيها قليلٌ ولا كثيرٌ.\nوقال سعيدُ بنُ جبيرٍ في ذلك بما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا إسماعيل بن أبانٍ وحَبُّويه (^٤) الرازيُّ أبو يزيد، عن يعقوب القُمِّيِّ، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٨ (٨٤٠٢) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨١ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ نحوه.\n(^٣) في م: \"للمؤمنين\".\n(^٤) في م: \"حيوية\".","vol":"10","page":161},{"text":"آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: ينتفعون بها في الدنيا، ولا يَتْبَعُهم إثمُها.\nواختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿خَالِصَةً﴾؛ فقرأ ذلك بعضُ قرأة المدينة (خالصةٌ). برفعها، بمعنى: قل هي خالصة للذين آمنوا (^١).\nوقرأه سائرُ قرأة الأمصار ﴿خَالِصَةً﴾ بنصبها على الحال من \"لهم\"، وقد تُرِكَ ذكرها من الكلام اكتفاءً منها بدلالة الظاهر عليها، على ما قد وصفتُ في تأويل الكلام أن معنى الكلام: قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا مشتركةً، وهى لهم في الآخرة خالصةً. ومن قال ذلك بالنصب جعل خبر ﴿هِيَ﴾ (^٢) في قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.\nقال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندى بالصحة قراءةُ مَن قرأ نصبًا؛ لإيثارِ العرب النصب في الفعل إذا تأخَّر بعد الاسم والصفة، وإن كان الرفعُ جائزًا، غير أن ذلك أكثر في كلامهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3304>القولُ في تأويل قوله: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: كما بيَّنْتُ لكم الواجب عليكم في اللباس والزينة، والحلالَ من المطاعم والمشارب والحرام منها، وميَّزتُ بين ذلك لكم أيُّها الناسُ، كذلك أُبَيِّنُ جميع أدلتى وحُجَجى، وأعلام حلالى وحرامى وأحكامى، لقومٍ يَعْلَمون ما يُبَيَّنُ لهم، ويَفْقَهون ما يُميَّزُ لهم.\n\n<span id=\"aya-987\"></span><span data-type='title' id=toc-3305>القولُ في تأويل قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ</span>\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع، وقرأ الباقون بالنصب. السبعة لابن مجاهد ٢٨٠.\n(^٢) في ص، ت ١، ٢، ٣، س، ف: \"هم\".","vol":"10","page":162},{"text":"وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ: قل يا محمدُ لهؤلاء المشركين الذين يَتَجَرَّدون من ثيابهم للطواف بالبيت، ويُحَرِّمون أكل طيبات ما أحلَّ الله لهم من رزقه: أَيُّها القومُ، إن اللَّهَ لم يُحَرِّمُ ما تُحَرِّمونه، بل أحلَّ ذلك لعباده المؤمنين وطيَّبه لهم، وإنما حرَّم ربى القبائح من الأشياء، وهى الفواحش، ما ظهر منها فكان علانيةً، وما بطن منها فكان سرًا في خَفاءٍ.\nوقد روى عن مجاهدٍ في ذلك ما حدَّثني الحارث، قال: ثنى عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعدٍ (^١)، قال: سمِعْتُ مجاهدًا يقولُ في قوله: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. قال: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: طوافُ أهل الجاهلية عُراةً، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: الزنا (^٢).\nوقد ذكرتُ اختلاف أهل التأويل في تأويل ذلك بالروايات فيما مضى، فكرهتُ إعادته (^٣).\nوأما الإثمُ فإنه المعصيةُ، والبغى الاستطالةُ على الناس. يقولُ تعالى ذكره: إنما حرَّم ربى الفواحش مع الإثم والبغى على الناس.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3306>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢ ت ٣: \"سعيد\".\n(^٢) ذكر ابن أبي حاتم آخره في تفسيره ٥/ ١٤٧٠ عقب الأثر (٨٤١٨) معلقا.\n(^٣) تقدم في ٩/ ٦٥٩ - ٦٦١.","vol":"10","page":163},{"text":"السديِّ: ﴿وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ﴾: أما الإثم فالمعصيةُ، والبغىُ أن يبغى على الناس بغيرِ الحقِّ (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سمعتُ مجاهدًا في قوله: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ﴾. قال: نهى عن الإثم، وهى المعاصى كلُّها، وأخْبَر أن [الباغى بَغْيُه] (^٢) كائنٌ على نفسه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3307>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾.</span>\nيقول جلَّ ثناؤه: إنما حرَّم ربى الفواحش والشرك به؛ أَن تَعْبُدوا مع اللَّهِ إلهًا غيره، ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾. يقولُ: حرم ربُّكم عليكم أن تجعلوا معه في عبادته شِركًا لشيءٍ لم يَجْعَلْ لكم في إشراككم إياه في عبادته حجةً ولا بُڑرهانًا، وهو السلطانُ، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: وأن تقولوا: إن اللَّهَ أَمَرَكم بالتعرِّى والتجرُّد للطواف بالبيتِ، وحرَّم عليكم (^٣) أكل هذه الأنعام التي حرَّمتُموها وسيَّبتُموها، وجَعَلْتُموها وصائل وحوامى، وغير ذلك مما لا تَعْلَمون أن الله حرَّمه، أو أمر به، أو أباحه، فتُضيفوا إلى الله تحريمه وحَظْرَه والأمر به، فإن ذلك هو الذي حرَّمه الله عليكم، دونَ ما تَزْعُمون أن الله حرَّمه، أو تقولون إن الله أمركم به، جهلًا منكم بحقيقة ما تقولون وتُضيفونه إلى الله.\n\n<span id=\"aya-988\"></span><span data-type='title' id=toc-3308>القول في تأويل قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٧١ (٨٤٢٢، ٨٤٢٣) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨١ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ س ف: \"اكتفى بغيه\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت،٢ ت ٣ س: \"علينا\".","vol":"10","page":164},{"text":"يقول تعالى ذكره تَهَدُّدًا (^١) للمشركين الذين أخبر جل ثناؤُه عنهم أنهم كانوا إذا فعلوا فاحشةً قالوا: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾. ووعيدًا منه لهم على كذبهم عليه، وعلى إصرارهم على الشرك به، والمُقام على كفرهم، ومُذَكِّرًا لهم ما أحلَّ (^٢) بأمثالهم من الأم الذين كانوا قبلهم: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾. يقول: ولكلِّ جماعةٍ اجتمعت على تكذيب رسل الله وردِّ نصائحهم (^٣) والشرك بالله مع متابعة ربِّهم حُجَجَه عليهم ﴿أَجَلٌ﴾ يعنى: وقتٌ لحلول العقوبات بساحتهم، ونزول المثُلات بهم على شركهم، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾. يقولُ: فإذا جاء الوقتُ الذي وقَّته الله لهلاكهم، وحلول العقاب بهم، ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. يقول: لا يتأخرون بالبقاء في الدنيا، ولا يُمَتَّعون بالحياة فىها عن وقتِ هلاكهم وحين حلول أجل فنائهم (^٤) ساعةً من ساعاتِ الزمانِ، ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. يقول: ولا يتقدَّمون بذلك أيضًا عن الوقتِ الذي جعله الله لهم وقتًا للهلاكِ.\n\n<span id=\"aya-989\"></span><span data-type='title' id=toc-3309>القولُ في تأويل قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره معرِّفًا خلقه ما أعدَّ لحزبه وأهل طاعته والإيمان به وبرسله، وما أعدَّ لحزب الشيطان وأوليائه والكافرين به وبرسله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾. يقول: إن يَجِئكم رسلى الذين أُرسلُهم إليكم بدعائكم إلى طاعتي، والانتهاء إلى أمرى ونهيى، ﴿مِنْكُمْ﴾. يعنى: من أنفسكم، ومن عشائركم وقبائلكم، ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾. يقول: يَتلون عليكم آيات كتابى،\n_________\n(^١) في م: \"مهددا\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"حل\".\n(^٣) بعده في ص ت ١ ت ٢ ت ٣ س ف: \"ذلك\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"قيامهم\".","vol":"10","page":165},{"text":"ويعرِّفونكم أدلتى وأعلامى على صدق ما جاءوكم به من عندى، وحقيقة ما دَعَوْكم إليه من توحيدى، ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾. يقول: فمن آمن منكم بما أتاه به رسلى مما قصَّ عليه من آياتي وصدق، واتقى الله فخافه بالعمل بما أمره به والانتهاء عما نهاه عنه على لسان رسوله، ﴿وَأَصْلَحَ﴾. يقولُ: وأصلح أعماله التي كان لها مفسدًا قبل ذلك من معاصى الله بالتحوُّب (^١) منها، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾. يقول: فلا خوفٌ عليهم يوم القيامةِ مِن عقابِ اللَّهِ إِذا ورَدُوا عليه، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم من دُنياهم التي تركوها، وشَهَواتِهم التي تجنبوها؛ اتباعًا منهم لنهى الله عنها، إذا عاينُوا مِن كرامة (^٢) الله ما عاينوا هنالك.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ أبو عبد الله، قال: ثنا هَيَّاجٌ،\nقال: ثنا عبد الرحمن بنُ زيادٍ، عن أبي سيَّارٍ السُّلَميِّ، قال: إن الله ﵎ جعَل آدمَ وذريته في كفِّه، فقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ثم نظر إلى الرسل، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٢]. ثم بثَّهم (^٣).\nفإن قال قائلٌ: فأين (^٤) جوابُ قوله: ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾؟\nقيل: قد اختلف أهلُ العربية في ذلك؛ فقال بعضُهم في ذلك: الجوابُ مُضْمَرٌ، يَدُلُّ عليه ما ظهر من الكلام، وذلك قولُه: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾. وذلك لأنه حين قال: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾. كأنه قال: فأَطِيعوهم.\n_________\n(^١) ينظر تفسير \"التحوب\" في ٦/ ٣٥٦ - ٣٥٨.\n(^٢) إلى هنا ينتهى الخرم المشار إليه في ص ١٤٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٢ إلى المصنف.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"ما\".","vol":"10","page":166},{"text":"وقال آخرون منهم: الجوابُ ﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾؛ لأن معناه: فمَن اتَّقَى منكم وأَصْلَح. قال: ويَدُلُّ على أن ذلك كذلك، تبعيضُه الكلام، فكان في التبعيض اكْتِفاءٌ من ذكر \"منكم\".\n\n<span id=\"aya-990\"></span><span data-type='title' id=toc-3310>القول في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: وأما من كذَّب بأنباء رسلى التي أرْسَلْتُها إليه، وجحد توحيدي، وكفر بما جاءته به رسلى، واسْتَكْبَر عن تصديقِ حُحَجى وأدلَّتى، فـ ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾. [يقولُ: فمن فعل ذلك فهو من أهل نار جهنم الذين هم أهلها] (^١)، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يقول: هم في نار جهنم ماكثون لا يَخْرُجون منها أبدًا.\n\n<span id=\"aya-991\"></span><span data-type='title' id=toc-3311>القول في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: فمن أخْطَأُ فِعْلًا وأجهلُ قولًا وأبعدُ ذهابًا عن الحقِّ والصواب ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. يقولُ: مُمَّن اخْتَلَق على اللَّهِ زُورًا مِن القول، فقال إذا فعل فاحشةً: إن الله أمرنا بها، ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾. يقولُ: أو كذَّب بأدلته وأعلامه الدالَّة على وحدانيته ونبوّة أنبيائه، فجحد حقيقتها ودافع صحتها. ﴿أُولَئِكَ﴾. يقولُ: مَن فعل ذلك، فافترى على اللَّهِ الكذب وكذَّب بآياتِه، ﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. يقولُ: يَصِلُ إليهم حظهم مما كتب الله (^٢) لهم في اللوح المحفوظ.\n_________\n(^١) سقط من: ص م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) سقط من: الأصل.","vol":"10","page":167},{"text":"ثم اخْتَلَف أهلُ التأويل في صفة ذلك النصيب الذي لهم في الكتاب وما هو؟ فقال بعضُهم: هو عذابُ اللَّهِ الذي أعدَّ لأهل الكفر به.\n\n<span data-type='title' id=toc-3312>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا يعقوب بن إبراهيم [وعمرُو بنُ عبد الحميد، قالا] (^١): ثنا مروانُ، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن أبي صالح في قوله: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. [قال: من العذابِ] (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن أبي صالحٍ مثله (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. يقولُ: ما كُتِب لهم من العذابِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، عن جُوَيْبرٍ، عن كثير بن زيادٍ، عن الحسن في قوله: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال: من العذاب (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاوية، عن جُويبرٍ، عن أبي سهلٍ، عن الحسن، قال: من العذاب.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن رجلٍ، عن الحسن، قال: من العذاب.\n_________\n(^١) في ص م ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"قال\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢ ت ٣، س، ف، وفى م: \"أي من العذاب\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٤ (٨٤٤٤) من طريق أبى أسامة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"10","page":168},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك: أولئك ينالهم نصيبهم مما سبق لهم مِن الشَّقاء والسعادة.\n\n<span data-type='title' id=toc-3313>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريكٍ، [عن سالمٍ] (^١)، عن سعيدٍ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال: مِن الشِّقوة والسعادة (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ بن أبى ليلى، عن القاسم بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال: كـ ﴿شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥].\nحدَّثنا واصلُ بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ، عن الحسن بن عمرٍو الفُقَيميِّ، عن الحكم، قال: سمعتُ مجاهدًا يقولُ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال: هو ما سبق (^٣).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال: ما كُتب لهم من الشَّقاوة والسَّعادة.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن شبلٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: ما كُتب عليهم من الشَّقاوة والسعادة، كـ ﴿شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٤ عقب الأثر (٨٤٤٠) معلقا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٣ (٨٤٣٧) من طريق الحسن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٣٦.","vol":"10","page":169},{"text":"حدثنا المثنى، قال: حدثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن شريكٍ، [عن جابر] (^١)، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. مِن الشَّقاوة والسعادة.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُميرٍ وابن إدريس، عن الحسن بن عمرٍو، عن الحكم، عن مجاهدٍ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال: ما قد سبق مِن الكتاب.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حميدٌ بن عبد الرحمن، عن فُضَيْلِ بن مرزوقٍ، عن عطية: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال: ما قد سبق لهم في الكتاب (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ عمرٍو ويَحْيَى بنُ آدمَ، عن شريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال: من الشِّقوة (^٣) والسَّعادة (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ما قُضِى أو قُدِّر عليهم.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: [﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾] (^٥): يَنالُهم الذي كُتب عليهم من\n_________\n(^١) سقط من الأصل.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٤ (٨٤٤٣) من طريق أبى إسرائيل الملائى عن عطية بلفظ: كتاب الصادق. أو: الكتاب السابق.\n(^٣) في م: \"الشقاوة\".\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٤ عقب الأثر (٨٤٤٠) معلقًا.\n(^٥) سقط من: الأصل، ص.","vol":"10","page":170},{"text":"الأعمال.\nحدَّثنا عمرُو بن عبد الحميد، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاوية، عن إسماعيل بن سُمَيْعٍ، عن بكيرٍ (^١) الطويلِ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال: قومٌ يَعْمَلون أعمالًا لا بُدَّ لهم من (^٢) أن يَعْمَلوها (^٣).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبد الحميد، قال: حدثنا مروانُ، عن الحسن بن عمرٍو، عن الحكم، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال: ينالُهم ما سبق لهم في الكتاب (^٤).\nوقال آخرون: معنى ذلك: أولئك ينالُهم نصيبُهم من كتابهم الذي كُتِب (^٥) لهم أو عليهم بأعمالهم التي عملوها في الدنيا من خير أو (^٦) شرٍّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3314>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. يقولُ: نصيبُهم مِن الأعمالِ، مَن عَمِل خيرًا جُزِى به، ومَن عَمِل شرًّا جُزِى به (^٧).\n_________\n(^١) في النسخ: \"بكر\". والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم. وينظر التاريخ الكبير ٢/ ١١٤.\n(^٢) سقط من: م وليست في تفسير ابن أبي حاتم ولا الدر المنثور.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ٧/ ٢٠٣ عن مروان الفزارى به من قول ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٣، ١٤٧٤ (٨٤٣٩) من طريق إسماعيل بن سميع به من قول ابن عباس. وكذا عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٢ إلى ابن أبي حاتم وأبى الشيخ وابن المنذر.\n(^٤) هذا مكان الأثر في الأصل، ومكانه في بقية النسخ بعد أثر الضحاك القادم في ص ١٧٤، وفيه: لهم من. بدلا من: لهم في.\n(^٥) بعده في: ف \"الله\".\n(^٦) في ص، م، ت، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"و\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٣ (٨٤٣٨) من طريق عبد الله بن صالح، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٢ إلى ابن المنذر.","vol":"10","page":171},{"text":"حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال: مِن أحكام الكتاب على قدر أعمالهم.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال: يَنالُهم نصيبُهم في الآخرةِ مِن أعمالهم التي عملوا وأسْلَفوا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. أي: أعمالُهم، أعمالُ السَّوء التي عملوها وأسْلَفوها (^٢).\nحدَّثني أحمدُ بنُ المقدامِ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: قال أبى: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: زعَم قتادةُ: من أعمالهم التي عملوا.\nحُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. يقولُ: يَنالُهم (^٣) نصيبُهم من العمل. يقولُ: إِنْ عمِل مِن ذلك نصيب خيرٍ جُزِى خيرًا، وإن عمل شرًا جُزِى مثله.\nوقال آخرون: معنى ذلك: يَنالُهم نصيبهم مما وُعِدوا في الكتابِ مِن خيرٍ أو شرٍّ.\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"سلفوا\".\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٢٨، عن معمر به، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٤ (٨٤٤٥).\n(^٢) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"سلفوها\".\n(^٣) سقط من: الأصل.","vol":"10","page":172},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3315>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدُ بن أبى الزَّرْقاءِ، عن سفىان، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال: من الخير والشرِّ (^١).\nحدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا زيدٌ، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهدٍ قال: ما وُعدوا.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال: ما وُعِدوا (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفىان، عن منصور، عن مجاهدٍ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال: ما وُعِدوا فيه من خيرٍ أو شرٍّ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى، عن سفيان، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ (^٣)، عن ابن عباسٍ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال: ما وُعِدُوا فيه من خيرٍ أو شرٍّ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعيم، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال: ما وُعِدوا فيه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٤ (٨٤٤٠) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٢ إلى الفريابى وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٤ (٨٤٤١) من طريق عبد الرحمن به.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"عن ليث\".","vol":"10","page":173},{"text":"﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال: ما وُعِدُوا مِن خيرٍ أو شرٍّ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: ما وُعِدوا فيه من خيرٍ أو شرٍّ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: أولئك ينالُهم نصيبُهم من الكتاب الذي كتبه الله على من افترى عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3316>ذكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. يقولُ: يَنالُهم ما كُتب عليهم. يقولُ: قد كُتب لَمَن يَفْتَرِى على الله أن وجهَه مُسْوَدٌّ (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: أولئك ينالُهم نصيبُهم مما كُتِب لهم من الرزق والعُمر والعمل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3317>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعدٍ، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنسٍ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: مما كُتب لهم من الرزق (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بن حربٍ، عن ابن لهيعة،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٠٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٤ (٨٤٤٦) من طريق عبد الرحمن به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"10","page":174},{"text":"عن أبي صَخْرٍ، عن القُرَظيِّ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: قال: عملُه ورزقه وعمره (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال: من الأعمال والأرزاق والأعمار، فإذا فنى هذا جاءتهم رسلُنَا يَتَوَفَّوْنهم، وقد فرغوا مِن هذه الأشياء كلِّها.\nوأولى هذه الأقوال عندى بالصواب قولُ من قال: معنى ذلك: أولئك ينالُهم نصيبهم (^٢) مما كُتب لهم من خير وشرٍّ في الدنيا، ورزقٍ وعملٍ وأجَلٍ. وذلك أن الله جلَّ ثناؤه أتبع ذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. فأبان بإتباعه ذلك قوله: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. أن الذي ينالُهم من ذلك إنما هو ما كان مَقْضِيًّا عليهم في الدنيا أن ينالهم؛ لأنه قد أخبر أن ذلك ينالُهم إلى وقتِ مجيئهم رسلُه لتَقْبِضَ أرواحهم، ولو كان ذلك نصيبهم من العذابِ (^٣)، أو مما قد أعِدَّ لهم في الآخرة، لم يَكُنْ محدودًا بأنه ينالُهم إلى [حين مجيئهم] (^٤) رسل الله لوفاتهم؛ لأن رسلَ اللَّهِ لا تَجيئُهم للوفاة في الآخرة، وأن عذابهم في الآخرة لا آخر له ولا انْقِضَاءَ، فإن الله قد قضى عليهم بالخلودِ فيه، فبيِّنٌ بذلك أن معناه ما اخْتَرْنا من القول فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3318>القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٤ (٨٤٤٢) من طريق أبى صخر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) بعده في م: \"من الكتاب\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣ س ف: \"الكتاب\".\n(^٤) في ص، ت ١، ٢، ت ٣، س، ف: \"حين\"، وفى م: \"مجئ\".","vol":"10","page":175},{"text":"يعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾: إلى أن جاءتهم رسلُنا، [يقول جلَّ ثناؤُه: و] (^١) هؤلاء الذين افْتَرَوْا على اللَّهِ الكذبَ، أو كذَّبوا بآياتِ ربِّهم، ينالُهم حُظوظُهم التي كتب الله لهم، وسبق في علمه لهم من رزقٍ وعملٍ وأجَلٍ وخيرٍ وشرٍ في الدنيا، إلى أن تأتيَهم رسلُنا لقبض أرواحهم، فـ ﴿إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾. يعني: ملك الموتِ وجُنْدُه، ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾. يقولُ: يَسْتَوفُونَ عَددَهم من الدنيا إلى الآخرة، ﴿قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. يقولُ: قالت الرسلُ: أين الذين كنتُم تَدْعُونهم أولياء مِن دونِ اللَّهِ وتَعْبُدونهم، هلَّا (^٢) يَدْفَعون عنكم ما قد جاءكم من أمر الله الذي هو خالقُكم وخالقُهم، وما قد نزل بساحتِكم من عظيم البلاء! وهلَّا يُغيثونكم من كرب ما أنتم فيه، فيُنقذونكم منه! فأجابهم الأشْقِياءُ، فقالوا: ضَلَّ عنا أولياؤُنا الذين كنا نَدْعُو مِن دونِ اللهِ، يعنى بقوله: ﴿ضَلُّوا﴾: جاروا (^٣) وأخذوا غير طريقنا، وتركونا عند حاجتنا إليهم فلم يَنْفَعونا، يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: وشهد القومُ حينئذٍ على أنفسهم أنهم كانوا كافرين بالله، جاحِدِين وَحْدانيته.\n\n<span id=\"aya-992\"></span><span data-type='title' id=toc-3319>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن الله جلَّ ثناؤه عن قيله لهؤلاء المُفْتَرِين عليه، المكذِّبين آياته يومَ القيامة. يقول تعالى ذكرُه: قال الله لهم حينَ ورَدُّوا عليه يوم القيامة: ادْخُلُوا أَيُّها المُفْتَرُون على ربِّكم، المكذِّبون رسله في جماعاتٍ مِن ضُرَبائِكُم ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"لا\".\n(^٣) في ف: \"حادوا\".","vol":"10","page":176},{"text":"قَبْلِكُمْ﴾. يقولُ: قد سَلَفَت مِن قبلكم، ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾. ومعنى ذلك: ادْخُلُوا في أمم هي في النار، قد خلت من قبلكم من الجنِّ والإنس. فإنما يعنى بـ \"الأمم\" الأحزاب وأهل الملل الكافرة، ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: كلما دخَلَت النارَ جماعةٌ مِن أهل ملةٍ ﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾. يقولُ: شتمت الجماعة الأخرى من أهل ملتِها؛ تبرِّيًا منها.\nوإنما عنى بـ \"الأختِ\" الأُخوَّة في الدين والملَّة. وقيل: ﴿أُخْتَهَا﴾. ولم يَقُلْ: أخاها، لأنه عنى بها أمةً وجماعةً أخرى، كأنه قيل: كلما دخلت أمةٌ لعنت أمةً أُخرى من أهل ملتها ودينها.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3320>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾. يقولُ: كلما دخلت أهلُ ملةٍ لعنوا أصحابهم على ذلك الدينِ، يَلْعَنُ المشركون المشركين، واليهودُ اليهود، والنصارى النصارى، والصابئون الصابئين، والمجوس المجوس، تَلْعَنُ الآخِرةُ الأولى (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-3321>القول في تأويل قوله: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤه: حتى إذا تَدارَكَت الأم في النارِ جميعًا. يعنى: اجْتَمَعَت فيها.\nيقالُ: قد ادَّارَكوا وتَدَارَكوا. إذا اجْتَمَعوا.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٥ (٨٤٥٠) من طريق أحمد بن مفضل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٢ إلى أبى الشيخ.","vol":"10","page":177},{"text":"يقولُ: اجْتَمَع فيها الأوَّلون من أهل الملل الكافرة، والآخرون منهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3322>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.</span>\nوهذا خبرٌ من الله جلَّ ثناؤُه عن مُحاوَرةِ الأحْزابِ مِن أهل الملل الكافرة في النارِ يومَ القيامة، يقولُ الله جلَّ ثناؤه: فإذا اجْتَمَع أهل الملل الكافرة في النارِ فادَّارَكوا، قالت أُخرى أهلِ كلِّ ملةٍ دخلت النار، الذين كانوا في الدنيا بعد أُولَى منهم تقدَّمَتْها وكانت لها سلفًا وإمامًا في الضَّلالة والكفر، لأولاها الذين كانوا قبلهم في الدنيا: ربَّنا هؤلاء أضَلُّونا عن سبيلك، ودعَوْنا إلى عبادة غيرك، وزيَّنوا لنا طاعة الشيطان، فآتِهم اليومَ مِن عذابك الضعف على عذابنا.\nكما حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بن مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾: الذين كانوا في آخر الزمانِ ﴿لِأُولَاهُمْ﴾ الذين شرعوا لهم ذلك الدين: [ربَّنا هؤلاء هم الذين شرعوا لهم ذلك الدين] (^١)، ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ (^٢).\nوأما قوله: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فإنه خبرٌ مِن اللَّهِ عن جوابِه لهم، يقولُ: قال الله للذين يَدْعُونه فيقولون: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾، لكُلِّكم؛ أوَّلِكم وآخركم، وتابعكم ومُتَّبعكم ﴿ضِعْفٌ﴾. يقولُ: مُكَرَّرٌ عليه العذابُ.\nوضِعْفُ الشئ مثلُه مرةً.\nوكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك بما حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٥ (٨٤٥١)، من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر=","vol":"10","page":178},{"text":"عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾: مُضَعْفٌ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3323>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: قال الله: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾. للأُولى والآخرة ضعفٌ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى غيرُ واحدٍ، عن السديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾. قال: أفاعى (^٣).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا سفيان، عن السديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ: ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾. قال: حيَّاتٍ وأفاعى.\nوقيل: إن المُضَعَّفَ (^٤) في كلام العرب ما كان ضِعْفَيْن، والمُضاعَفُ ما كان أكثر من ذلك.\n_________\n= المنثور ٣/ ٨٢ إلى عبد بن حميد.\n(^١) سقط من: م، ت ٢.\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٣٣٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٦ (٨٤٥٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٦ (٨٤٥٥) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ينظر تفسير القرطبي ٧/ ٢٠٠٥.\n(^٤) في، م، ت،٢ ت ٣ س، ف: \"الضعف\".","vol":"10","page":179},{"text":"وقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكنكم يا معشر أهل النارِ لا تَعْلَمون ما قَدْرُ ما أَعَدَّ الله جلَّ ثناؤه لكم من العذابِ، فلذلك تَسْأَلُونَ (^١) الضِّعْفَ منه (^٢) أيتُها الأمة الكافرة آخِرًا لأُختها الأولى.\n\n<span id=\"aya-993\"></span><span data-type='title' id=toc-3325>القول في تأويل قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾.</span>\nيقول جلَّ ثناؤه: وقالت أولَى كلِّ أمةٍ وملَّةٍ سلفت في الدنيا، لأُخراها الذين جاءوا من بعدهم، وحدثوا بعد زمانهم فيها، فسلكوا سبيلهم، واسْتَنُّوا سُنَّتهم: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾، وقد علمْتُم ما حَلَّ بنا مِن عقوبةِ اللَّهِ بمعصيتنا إياه وكُفْرِنا به، و(^٣) جاءَتْنا وجاءتكم بذلك الرسلُ والنُّذُرُ، هل أنبتُم (^٤) إلى طاعة الله، وارْتَدَعْتُم عن غَوَايتكم وضَلالتِكم؟ فانقطعت حجةُ القوم وخُصموا ولم يُطيقوا جوابًا، بأن يقولوا: فُضِّلْنا عليكم أنا (^٥) اعْتَبَرْنا بكم، فَآمَنَّا بِاللَّهِ وصدَّقْنا رسله. قال الله لجميعهم: فذُوقوا جميعكم أيُّها الكفرة عذاب جهنم بما كنتم في الدنيا تكسبون من الآثامِ والمعاصى، وتجترحون من الذنوب والإجرام.\nوبنحو الذي قلنا من التأويل في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3324>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعْتَمِرُ بن سليمان، قال: سَمِعْتُ عِمْرانَ، عن أبي مِجْلَزٍ: ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ\n_________\n(^١) في م: \"تسأل\"، وفى ت:١: \"تسكنون\"، وفى ت: \"يسألون\"، وفى س، ف: \"يستكون\".\n(^٢) في الأصل: \"منها\"،\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢: \"ما\".\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣، ف: \"انتهيتم\"، وفى ت ١، س: \"ألتم\".\n(^٥) في ص، ت ١، س، ف: \"إذا\".","vol":"10","page":180},{"text":"فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾. قال: يقولُ: فما فضلكم علينا وقد بُيِّن لكم ما صُنع بنا وحُذِّرْتُم؟ (^١).\nحدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بن المفضل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾: فقد ضلَلْتُم كما ضللنا (^٢).\nوكان مجاهد يقولُ في ذلك بما حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾. قال: من التخفيف من العذاب (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾. قال: مِن تَخْفيفٍ (^٣).\nوهذا القولُ الذي ذكرناه عن مجاهدٍ قولٌ لا معنى له؛ لأن قول القائلين: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾. لمن قالوا له (^٤) ذلك، إنما هو توبيخٌ منهم لهم (^٤) على ما سلف قبل تلك الحال، يَدُلُّ على ذلك دخول \"كان\" في الكلام، ولو كان ذلك منهم توبيخًا لهم على قيلهم الذي قالوا لربِّهم: ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾. لكان التوبيخُ بأن يقال: فما لكم علينا من فضل في تخفيف العذاب عنكم، وقد نالكم ما قد نالنا من العذاب. ولم يَقُلْ: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٦ (٨٤٥٨) عن محمد بن عبد الأعلى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٦ (٨٤٥٧) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٣٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٦ (٨٤٥٦).\n(^٤) سقط من: م، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":181},{"text":"<span id=\"aya-994\"></span><span data-type='title' id=toc-3327>القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: إن الذين كذَّبوا بحججنا وأدلتنا فلم يُصَدِّقوا بها، ولم يَتَّبعوا رسلَنا ﴿وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾. يقولُ: وتكَبَّروا عن التصديق بها، وأَنفوا من اتباعها والانقياد لها تكبُّرًا، لا تُفَتَّحُ لأرواحهم إذا خرجت من أجسادهم أبوابُ السماءِ، ولا يَصْعَدُ لهم في حياتِهم إلى الله ﷿ قولٌ ولا عملٌ؛ لأن أعمالهم خَبيثَةٌ، وإنما يَرْفَعُ الكَلِمَ الطيب (^١) العملُ الصالحُ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويل في تأويل قوله: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لا تُفَتَّحُ لأرواح هؤلاء الكفار أبوابُ السماء.\n\n<span data-type='title' id=toc-3326>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يَعْلَى (^٢)، عن أبي سنانٍ، عن الضحاك، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾. قال: عنَى بها الكفار؛ أن السماء لا تُفَتَّحُ لأرواحهم، وتُفَتَّحُ لأرواح المؤمنين (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاوية، عن أبي سنانٍ، عن الضحاك، قال: قال ابن عباسٍ: تُفَتَّحُ السماءُ لرُوحِ المؤمنِ، ولا تُفَتَّحُ لروحِ الكافر.\nحدَّثنا محمدُ بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بن المفضل، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) بعده في م، ت ٢، ت ٣، س: \"و\".\n(^٢) في الأصل: \"تعلى\". وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٤٩٢، ٤٩٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٦ (٨٤٥٩) من طريق يعلى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"10","page":182},{"text":"السديِّ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾. قال: إن الكافرَ إِذا أُخِذَ رُوحُه ضَرَبَتْه ملائكةُ الأرض حتى يَرْتَفِعَ إلى السماء، فإذا بلغ السماء الدنيا ضربته ملائكةُ السماء فهبط، فضرَبَتْه ملائكةُ الأرضِ، فارْتَفَع، فإذا بلغ السماء الدنيا ضربته ملائكة السماء الدنيا، فهبط إلى أسفل الأرَضِين، وإذا كان مؤمنًا رُفع (^١) رُوحُه، وفُتِّحَت (^٢) له أبوابُ السماء، فلا يمُرُّ بملكٍ إلا حيَّاه وسلَّم عليه، حتى يَنْتَهِيَ إِلى اللَّهِ فِيُعْطِيَه حاجتَه، ثم يقولُ: رُدُّوا رُوحَ عبدى فيه إلى الأرضِ؛ فإني قضَيْتُ مِن التراب خلقه، وإلى التراب يَعودُ، ومنه يَخْرُجُ (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: أنه لا يَصْعَدُ لهم عملٌ صالحٌ، ولا دعاءٌ إلى اللَّهِ ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-3328>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيد الله، عن سفيان، عن ليثٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾: لا يَصْعَدُ لهم قولٌ ولا عملٌ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾. يعنى: لا يَصْعَدُ إِلى اللَّهِ مِن عملهم شيءٌ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"نفخ\"، وفى م، ف: \"أخذ\".\n(^٢) في م: \"فتح\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٧ (٨٤٦٣) من طريق أحمد بن المفضل به ببعضه.\n(^٤) تفسير سفيان ص ١١٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٧ (٨٤٦٢)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٧ (٨٤٦٠) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"10","page":183},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾. يقولُ: لا تُفَتَّحُ لخيرٍ يَعْمَلُون (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾. قال: لا يَصْعَدُ لهم كلامٌ ولا عملٌ (^٢).\nحدثنا مطَرُ بنُ محمدِ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا عبد الله بن داودَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن منصورٍ عن إبراهيم في قوله: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾. قال: لا يَرْتَفِعُ لهم عملٌ ولا دعاءٌ (^٢).\n[حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يَحْيَى بْنُ آدمَ، عن شَرِيكٍ، عن سالمٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾. قال: لا يَرْتَفِعُ لهم عملٌ ولا دعاءٌ] (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سعيدٍ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾. قال: لا يُرْفَعُ لهم عمل صالحٌ ولا دعاءٌ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: لا تُفَتَّحُ أبواب السماء لأرواحهم ولا لأعمالهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3329>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾. قال: لأرواحهم ولا لأعمالهم (^٤).\nوإنما اخترنا في تأويل ذلك ما اخترنا من القول؛ لعموم خبر الله أن أبواب السماء لا تُفَتَّحُ لهم، ولم يخصُص الخبر بأنه تُفَتَّحُ لهم في شيءٍ، فذلك على ما عمه خبر الله\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٧ (٨٤٦١) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٧ عقب الأثر (٨٤٦٢) معلقا.\n(^٣) سقط من س، ف.\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٤ إلى المصنف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٤ إلى المصنف.","vol":"10","page":184},{"text":"بأنها لا تُفَتَّحُ لهم في شيءٍ مع تأييد الخبر عن رسول الله ﷺ ما قلنا في ذلك.\nوذلك ما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكر بنُ عياشٍ، عن الأعمش، عن المنهال، عن زاذان، عن البراء، أن رسول الله ﷺ ذكر قبضَ رُوحِ الفاجرِ، وأنه يُصْعَدُ بها إلى السماءِ، قال: \"فيصْعَدون بها، فلا يَمُرُّون على ملأٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروحُ الخَبيثُ؟ فيقولون: فلانٌ. بأقبح أسمائه التي كان يُدْعَى بها في الدنيا، حتى يَنْتَهُوا بها إلى السماء الدنيا (^١)، فيسْتَفْتِحون له فلا يُفْتَحُ له\". ثم قرأ رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن محمد بن عمرو بن عطاءٍ، عن سعيد بن يسارٍ، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"الميتُ تَحْضُرُه الملائكةُ، فإذا كان الرجلُ الصالحُ قالوا: اخْرُجى أيَّتها النفسُ الطيبةُ كانت في الجسد الطيب، اخرُجى حميدةً، وأَبْشِرِى بِرَوْحِ اللَّهِ وَرَيحانٍ وربٍّ غيرِ غَضْبانَ. قال: فيقولون ذلك حتى يُعْرَجَ بها إلى السماءِ، فيُسْتَفْتَحُ لها، فيُقالُ: من هذا؟ فيقولون: فلانٌ. فيُقالُ: مرحبًا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسدِ الطيب، ادخلى حَميدةً، وأبْشِرِى بروح وريحانٍ وربٍّ غيرِ غَضْبَانَ. فيُقالُ لها ذلك حتى يُنتهى إلى السماء التي فيها اللهُ ﷿. وإذا كان الرجلُ السَّوْءُ قالوا (^٣): اخْرُجى أَيَّتُها النفسُ الخَبيثةُ كانت في الجسدِ الخبيث، اخْرُجي ذميمةً، وأَبْشِرِى\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٧٨٩)، وابن أبي شيبة ٣/ ٣١٠، ٣٧٤، ٣٨٠ - ٣٨٢، وأحمد ٣٠/ ٤٤٩ - ٥٠٦ (١٨٥٣٤ - ١٨٥٣٦)، وهناد في الزهد (٣٣٩)، وأبو داود (٣٢١٢، ٤٧٥٣، ٤٧٥٤)، وابن أبى حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٧، ١٤٧٨ (٨٤٦٥)، والحاكم ١/ ٣٧، والبيهقى في عذاب القبر (٢١) من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٣، ٨٤ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت،٣، س، ف: \"قال\".","vol":"10","page":185},{"text":"بحميمٍ وغَسَّاقٍ، وآخر من شكله أزواجٍ، فيقولون ذلك حتى تَخْرُجَ، ثم يُعْرَجُ بها إلى السماءِ، فيُسْتَفْتَحُ لها، فيُقالُ: مَن هذا؟ فيقولون: فلانٌ. فيقولون: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيثِ، ارْجِعِى ذَميمةً، فإنه لم (^١) تُفْتَحْ لك أبوابُ السماءِ. فتُرْسَلُ بينَ السماء والأرضِ، فتَصِيرُ إلى القبرِ\" (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكم، قال: ثنا ابن أَبي فُدَيْكٍ، قال: ثنى ابن أبي ذئبٍ، عن محمد بن عمرو بن عطاءٍ، عن سعيدِ بن يَسارٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوه.\nواخْتَلَفَت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة الكوفة: (لا يُفْتَحُ لهم أبوابُ السماءِ) بالياء من \"يُفْتَحُ\" وتخفيف التاءِ منها (^٣). بمعنى: لا يُفْتَحُ لهم جميعًا (^٤) بمرةٍ واحدة وفتحةٍ واحدةٍ.\nوقرأ ذلك بعضُ المدنيين وبعضُ الكوفيين: ﴿لَا تُفَتَّحُ﴾ بالتاء وتشديد التاءِ الثانية (^٥). بمعنى: لا يُفْتَحُ لهم بابٌ بعد بابٍ، وشيءٌ بعد شيءٍ.\nوالصواب في ذلك (^٦) من القول أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، صحيحتا المعنى، وذلك أن أرواح الكفار لا تُفتَّحُ لها ولا لأعمالهم الخبيثة أبوابُ السماء بمرَّةٍ\n_________\n(^١) في م: \"لا\".\n(^٢) أخرجه أحمد ١٤/ ٣٧٧، ٣٧٨ (٨٧٦٩)، ٦/ ١٣٩ (الميمنية)، وابن ماجه (٤٢٦٢، ٤٢٦٨)، والنسائى في الكبرى (١١٤٤٢)، وابن خزيمة في التوحيد ١/ ٢٧٦، ٢٧٧ من طريق ابن أبي ذئب به، وأخرجه ابن حبان (٣٠١٤)، والحاكم ١/ ٣٥٢، ٣٥٣ من طريق قسامة بن زهير، عن أبي هريرة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٣ إلى البيهقى في البعث.\n(^٣) وهى قراءة حمزة والكسائى وخلف. النشر ٢/ ٢٠٢.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"جميعها\".\n(^٥) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبى جعفر ويعقوب، وقرأ أبو عمرو بالتأنيث والتخفيف. النشر ٢/ ٢٠٢.\n(^٦) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"عندى\".","vol":"10","page":186},{"text":"واحدةٍ، ولا مرَّةً بعد مرةٍ، وبابًا بعدَ بابٍ، فكلا المعنيين في ذلك صحيحٌ. وكذلك الياءُ والتاءُ في \"يُفْتَحُ\" و\"تُفَتَّحُ\"؛ لأن الياءَ بناءٌ على فعل الواحد للتوحيد، والتاء لأن الأبواب جماعة، فيُخْبَرُ عنها خبرُ الجماعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-3330>القولُ في تأويل قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤه: ولا يَدْخُلُ هؤلاء الذين كذبوا بآياتِنا واسْتَكْبَروا عنها، الجنةَ التي أعَدَّها اللَّهُ لأوليائه المؤمنين أبدًا، كما لا يَلِجُ الجملُ في سمِّ الخياط أبدًا، وذلك ثَقْبُ الإبرة.\nوكلُّ ثَقبٍ في عينٍ أو أنفٍ أو [أُذنٍ] (^١) أو غير ذلك، فإن العرب تُسَمِّيه سمًّا، وتَجْمَعُه سُمومًا وسمامًا، والسِّمامُ في جمع السَّمِّ القاتل أشهرُ وأفصحُ مِن السُّمومِ، والسُّمومُ في جمعِ السَّمِّ الذي هو بمعنى الثَّقْبِ أفصحُ، وكلاهما في العرب مُسْتَفِيضٌ، وقد يقالُ لواحدِ السُّموم التي هي الثُّقوبُ: سَمٌّ وسُمٌّ. بفتح السين وضمِّها، ومِن السَّمِّ الذي بمعنى الثَّقْبِ قولُ الفَرَزْدَقِ (^٢):\nفنفَّستُ عن سَمَّيْه حتى تنفَّسَا … وقلت له لا تَخْشَ شيئًا وَرائِيَا\nيعنى بـ \"بسَمَّيْه\" ثَقْبَيْ أَنفِه.\nوأما الخياطُ فإنه المخيطُ، وهى الإبرةُ، قيل لها: خياطٌ و: مخيطٌ، كما قيل: قِناعٌ و: مِقْنَعٌ، وإزارٌ و: مِئزَرٌ، و: قرام [و: مِقْرَمٌ] (^٣)، و: لحافٌ و: مِلْحَفٌ.\n_________\n(^١) سقط من: ص م، ت ١، ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) ديوانه ص ٨٩٥.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ١، س، ف.","vol":"10","page":187},{"text":"وأما القرأةُ من جميع الأمصار، فإنها قرأت قولَه: ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. بفتح السين، وأجْمَعَت على قراءةِ ﴿الْجَمَلُ﴾ بفتح الجيم والميم وتخفيف ذلك.\nوأما ابن عباس وعكرمةُ وسعيدُ بن جبيرٍ، فإنه حُكى عنهم أنهم كانوا يقرءون ذلك: (الجُمَّلُ). بضمِّ الجيم وتشديد الميم (^١)، على اختلافٍ في ذلك عن ابن عباسٍ وسعيدٍ.\nفأما الذين قرءوه بالفتح من الحرفين والتخفيف، فإنهم وجَّهوا تأويله إلى الجمل المعروف، وكذلك فسَّروه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3331>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا فُضَيْلُ بنُ عِياضٍ، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبدِ اللهِ في قوله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. قال: هو الجملُ ابن الناقة، أو زوجُ الناقِة.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حصينٍ، عن إبراهيم، عن عبد الله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. قال: الجملُ زوجُ الناقة.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفىان، عن أبي حصينٍ، عن إبراهيم، عن عبدِ اللَّهِ مثله.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عن هُشَيْمٍ، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبدِ اللهِ، قال: الجملُ زوج الناقة (^٢).\n_________\n(^١) هي قراءة شاذة لم يقرأ بها أحد من من القراء العشرة.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٤٨ - تفسير) - ومن طريقه الطبراني (٨٦٩١) - عن هشيم به.","vol":"10","page":188},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أَخْبَرنا هُشَيْمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيم، عن عبدِ اللَّهِ مثله.\n[حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيم، عن عبدِ اللَّهِ مثلهٍ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا قُرَّةُ، قال: سَمِعْتُ الحسن يقولُ: الجملُ الذي يقومُ في المرْبدِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسن: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. قال: حتى يَدْخُلَ البعيرُ في خَرْقِ الإبرة (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن مَهْديِّ، عن هُشيمٍ، عن عَبَّادِ بن راشدٍ، عن الحسن، قال: هو الجملُ. فلمَّا أَكْثَروا عليه، قال: هو الأُشْتُرُ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عَبَّادِ بن راشدٍ، عن الحسن مثله.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن يحيى، قال: كان الحسنُ يَقْرَؤُها: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. قال: فذهب بعضُهم\n_________\n(^١) سقط من: ص م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) المربد: الموضع الذي تحبس فيه الإبل. لسان العرب (ر ب د).\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٤ إلى المصنف وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٢٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٤، ٨٥ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) الأشتر: الجمل بالفارسية. ينظر المعجم الذهبي ص ٦٨، والألفاظ الفارسية المعربة ص ١٠.","vol":"10","page":189},{"text":"يَسْتَفْهِمُه، فقال: أُشْتُرُ، أُشْتُرُ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو النُّعْمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بن زيدٍ، عن شُعَيْبِ بن الحَبْحَابِ، عن أبي العالية: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾. قال: الجملُ الذي له أربع قوائم.\nحدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن أبى حَصِينٍ، أو حُصَيْنٍ، عن إبراهيم، عن ابن مسعودٍ في قوله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾. قال: زوجُ الناقة. يعنى الجمل (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمان، عن الضحاكِ أنه كان يَقْرَأُ: ﴿الْجَمَلُ﴾. قال: وهو الذي له أربعُ قوائم.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، عن عُبيدٍ، عن الضحاك: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾: الذي له أربع قوائم.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبَابِ، عن قُرَّةَ، عن الحسنِ: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾. قال: الذي بالمِرْبَدِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن [عبد الله بن كثيرٍ] (^٢)، عن مجاهد، عن ابن مسعود أنه كان يَقرَأُ: (حتى يَلِجَ الجَمَلُ الأصْفَرُ) (^٣).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٢٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٤ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س ف: \"ابن أبي نجيح\".\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٧٢، من طريق عبد الله بن كثير به، وذكره القرطبي في تفسيره ٧/ ٢٠٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٤ إلى ابن المنذر وابن الأنبارى في المصاحف وأبى الشيخ، وهى قراءة تفسيرية.","vol":"10","page":190},{"text":"حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى بنُ سليمان (^١)، قال: ثنا عبد الكريم بن أبى المُخارق، عن الحسن، في قوله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. قال: الجملُ ابن الناقة أو بَعْلُ الناقة.\nوأما الذين خالفوا هذه القراءةَ فإنهم اخْتَلَفوا؛ فرُوى عن ابن عباسٍ في ذلك روايتان؛ إحداهما الموافقة لهذه القراءة وهذا التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3332>ذكرُ الرواية بذلك عنه</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾: والجملُ ذو القوائم (^٢).\nوذُكِر أن ابن مسعودٍ قال ذلك أيضًا.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾: وهو الجملُ العظيمُ لا يَدْخُلُ في خرقِ الإبرة، مِن أجل أنه أعظمُ منها (^٣).\nوالرواية الأخرى (^٤) ما حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ عياضٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: (حتى يَلِجَ الجُمَّلُ في سَمِّ الخياط). قال: هو قَلْسُ السفينة (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"سليم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤١٠.\n(^٤) أي التي بضم الجيم وتثقيل الميم. ينظر مختصر شواذ ابن خالويه ص ٤٨.\n(^٥) قلس السفينة: هو الحبل الغليظ من حبالها. الوسيط (ق ل س).\nوالأثر أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٤٩ - تفسير) من طريق مجاهد به بمعناه.","vol":"10","page":191},{"text":"حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا أبو غَسَّانَ مالكُ بن إسماعيلَ، عن خالد عبد الله الواسطيِّ، عن حَنْظَلةَ السَّدوسيِّ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ: (حتى يَلِجَ الجُمَّلُ في سَمِّ الخياط). يعنى: الحبلُ الغَليظُ. فذكَرْتُ ذلك للحسن، فقال: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾. قال عبدُ الأعلى: قال أبو غسَّانَ: قال خالدٌ: يعني البعير.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامة، عن مُفَضَّلٍ (^١)، عن مغيرة، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ أنه قرأها: (الجُمَّلُ) مثقَّلةً، قال: هو حبلُ السفينة (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن مَهْديٍّ، عن هُشَيمٍ، عن مغيرة، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: (الجُمَّلُ) حبالُ السفن.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدم، عن ابن مُباركٍ، عن حَنْظلةَ، عن عكرمة، عن ابن عباس: (حتى يَلِجَ الجُمَّلُ في سَمِّ الخياط). قال: الحبلُ الغليظُ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: (حتى يَلِجَ الجُمَّلُ في سَمِّ الخياط). قال: هو الحبلُ الذي يكونُ على السفينة (^٤).\nواختلف عن سعيد بن جبيرٍ أيضًا في ذلك، فرُوى عنه روايتان؛ إحداهما مثلُ\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"فضيل\".\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٧٢، وسعيد بن منصور في سننه (٩٤٩ - تفسير) من طريق مغيرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٥٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنبارى وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٥٢ - تفسير) من طريق عكرمة به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٥٢ - تفسير).","vol":"10","page":192},{"text":"التي ذكرنا عن ابن عباس بضمِّ الجيم وتثقيل الميم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3333>ذكرُ الرواية بذلك عنه</span>\nحدَّثنا عمرانُ بن موسى القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا حسينٌ المُعلِّم، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ أنه قرأها: (حتى يَلِجَ الجُمَّلُ) يعنى: قُلُوسُ السفنِ، يعنى. الحبالُ الغِلاظٌ (^١).\nوالأخرى منهما: بضمِّ الجيم وتخفيف الميم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3334>ذُكر الرواية بذلك عنه</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا [عمر بنُ] (^٢) سالم بن عَجْلانَ الأَفْطَسُ، قال: قرَأْتُ على أبى: (حتى يَلِجَ الجُمَّلُ). فقال: (حتى يَلجَ الجُمَلُ) خفيفةً: وهو حبلُ السفينة، هكذا أَقْرَأَنيها يا بُنيَّ (^٣) سعيدُ بنُ جبيرٍ.\nوأما عكرمةُ، فإنه كان يَقْرَأُ ذلك (الجُمَّلُ) بضمِّ الجيم وتشديد الميم.\nويَتَأَوَّلُه كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن عيسى بن عُبيد (^٤)، قال: سمِعْتُ عكرمة يَقْرَأُ: (الجُمَّلُ) مثقَّلةً، ويقولُ: هو الحبلُ الذي يُصْعَدُ به إلى النخل (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا مسلمُ بن إبراهيم، قال: ثنا كعبُ بنُ فَرُّوخَ،\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٥٣ - تفسير) من طريق سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير بنحوه.\n(^٢) في م ت ٢، ت ٣: \"عمرو عن\".\n(^٣) سقط من: ص، م ت ١ ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٤) في م ت ٢، ت ٣: \"عبيدة\". ينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٧٣٤، ٣٢/ ٢٣.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٤ إلى أبى الشيخ.","vol":"10","page":193},{"text":"قال: ثنا قتادةُ، عن عكرمة في قوله: (حتى يَلجَ الجُمَّلُ في سَمِّ الخياطِ) قال: الحبلُ الغليظُ في خَرْقِ الإبرة.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: (حتى يَلجَ الجُمَّلُ في سَمِّ الخياطِ) قال: حبلُ السفينة في سَمِّ الخياط (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال عبد الله بن كثيرٍ (^٢): سمِعْتُ مجاهدًا يقولُ: الحبلُ مِن حبالِ السفنِ.\nوكأَنَّ مَن قرأ ذلك بتخفيف الميم وضمِّ الجيم، على ما ذكرنا عن سعيد بن جبيرٍ، على (^٣) مثال الصُّرَدِ والجُعَل، وجَّهه إلى جماع جملةٍ من الحبال جُمعت جُمَلا، كما تُجمَعُ الظُّلمةُ ظُلَمًا، والحربةُ حُربًا.\nوكان بعضُ أهل العربيةِ يُنْكِرُ التشديد في الميم، ويقولُ: إنما أراد الراوى الجُمَل بتخفيف الميم، فلم يُفهم ذلك منه، فشدَّده.\nوحُدِّثْتُ عن الفَرَّاءِ، عن الكسائيِّ، أنه قال: الذي رواه عن ابن عباسٍ كان أعجميًّا.\nوأما من شدَّد الميم وضمَّ الجيم، فإنه وجَّهه إلى أنه اسمُ واحدٍ، وهو الحبلُ أو الخيطُ الغليظُ.\nوالصوابُ من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرأةُ الأمصار، وهو: ﴿حَتَّى يَلِجَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٢) في الأصل: \"كبير\".\n(^٣) في الأصل: \"قال\".","vol":"10","page":194},{"text":"الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ بفتح الجيم والميم من \"الجمل\" وتخفيفها، وفتح السين من \"السَّمِّ\"؛ لأنها القراءة المستفيضةُ في قرأة الأمصار، وغيرُ جائزٍ خلافُ ما جاءت به الحجةُ متفقةً عليه من القرأة.\nوكذلك ذلك في فتح السين من قوله: ﴿سَمِّ الْخِيَاطِ﴾.\nوإذ كان الصوابُ من القراءة ذلك، فتأويلُ الكلام: ولا يَدْخُلون الجنة [حتى يلج] (^١) - والولوجُ الدخولُ، من قولهم: ولج فلانٌ الدارَ يَلِجُ وُلوجًا، بمعنى: دخل - الجملُ في سمِّ (^٢) الإبرة، وهو ثَقْبها (^٣).\n﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: وكذلك نُثِيبُ الذين أجْرَموا في الدنيا ما اسْتَحَقُّوا به مِن الله من العذاب الأليم في الآخرة.\nوبمثل الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3335>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامة وابنُ مَهْدَيٍّ وَسُوَيْدٌ الكَلْبِيُّ، عن حمادِ بن زيدٍ، عن يحيى بن عتيقٍ، قال: سأَلْتُ الحسن عن قوله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. قال: ثَقْبِ الإبرة.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مسلمُ بن إبراهيم، قال: أخبرنا كعبُ بن فَرُّوخَ، قال: ثنا قتادةُ، عن عكرمة: ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾: في خَرْقِ الإبرة.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسن مثله.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، س ف.\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، س، ف: \"ثقب\".\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، س، ف: \"سمها\".","vol":"10","page":195},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ في جُحْرِ الإبرة.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. يقولُ: جُحْرِ الإبرة.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾: في ثَقْبِه.\n\n<span id=\"aya-995\"></span><span data-type='title' id=toc-3337>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾.</span>\nيقول جلَّ ثناؤُه: لهؤلاء الذين كذَّبوا بآياتنا واسْتَكْبَرُوا عنها ﴿مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾: وهو ما امْتَهدُوه مما يُقْعَدُ عليه ويُضْطَجَعُ، كالفراش الذي يُفترشُ، والبساطِ الذي يُبْسَطُ، ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾: وهي جمعُ غاشيةٍ، وذلك ما غشَّاهم فغطَّاهم من فوقهم.\nوإنما معنى الكلام: لهم من نار جهنمَ من تحتهم فُرُشٌ، ومن فوقهم منها لُحُفٌ، وإنهم بين ذلك.\nوبنحو الذي قلنا قال أهلُ التأويل في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-3336>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن موسى بن عُبيدةَ، عن محمد ابن كعب: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾. قال: الفُرشُ، ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾. قال: اللُّحُفُ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه هناد في الزهد (٢٦٤) عن وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٥ إلى أبى الشيخ.","vol":"10","page":196},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابرُ بن نوحٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاك: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾. قال: المهادُ الفُرُشُ، والغَواشى اللُّحُفُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾: أما المهادُ لهم كهيئة الفراش، والغَواشِي تَتَغَشَّاهِم مِن فوقهم (^١).\nوأما قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. فإنه يقولُ: وكذلك نُثِيبُ ونُكافئُ من ظلم نفسه، فأكسبها من غضب الله ما لا قبل لها به، بكفره بربِّه، وتكذيبه أنبياءه.\n\n<span id=\"aya-996\"></span><span data-type='title' id=toc-3338>القولُ في تأويل قوله جلَّ وعزّ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: والذين صدَّقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءَهم به من وحى الله وتنزيله وشرائع دينه، وعملوا بما أمرهم الله به، فأطاعوه، وتجنَّبوا ما نهاهم عنه - ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. يقول: لا نُكَلِّفُ نفسًا من الأعمال إلا ما يَسَعُها، فلا تَحْرَجُ فيه، ﴿أُولَئِكَ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. يقولُ: هم أهل الجنة الذين هم أهلُها دون غيرهم ممَّن كفر بالله وعمل سيِّئًا، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يقول: هم في الجنة ماكثون، دائمٌ فيها مُكْثُهم، لا يَخْرُجون منها ولا يُسْلَبون نعيمها.\n\n<span id=\"aya-997\"></span><span data-type='title' id=toc-3339>القول في تأويل قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ</span>\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٤١١.","vol":"10","page":197},{"text":"تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأَذْهَبْنا من صدورِ هؤلاء الذين وصَفتُ صفتَهم، وأخبَر أنَّهم أصحابُ الجنةِ، ما فيها من حقدٍ وغمرٍ (^١) وعداوةٍ كان من بعضِهم في الدنيا على بعضٍ، فجعَلهم في الجنةِ إذا أدخلهُمُوها على سررٍ متقابلين، لا يَحسُدُ بعضُهم بعضًا على شيءٍ خصَّ الله به بعضَهم، وفضَّلَه به (^٢) من كرامتِه عليه، تجرى مِن تحتِهم أنهارُ الجنةِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3340>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾. قال: العداوةُ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن سعيدِ بن بَشيرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾. قال: هي الإحَنُ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن ابن عيينةَ، عن إسرائيل أبى موسى، عن الحسنِ، عن عليٍّ، قال: فينا والله أهلَ بدرٍ نزَلَتْ ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧].\n_________\n(^١) في ص ف: \"عمر\"، وفى م، ت ٢، ت ٣، س: \"غل\". والغمر: الضغن. اللسان (غ م ر).\n(^٢) سقط من: ص ف م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٨ (٨٤٦٩) من طريق جويبر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٥ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) الإحن جمع إحنة، وهي الحقد في الصدر. تاج العروس (أح ن).","vol":"10","page":198},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عُيينةَ، عن إسرائيلَ، قال: [سمِعتُ الحسنَ] (^١) يقولُ: قال عليٌّ ﵁: فينا واللهِ أهلَ بدرٍ نزَلتْ ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: قال عليٌّ: إِنِّي لأرجُو أن أكونَ أنا وعثمانُ وطلحةُ والزبيرُ مِن الذين قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾. قال: إِنَّ أهلَ الجنةِ إذا سِيقوا إلى الجنةِ فبلَغوا، وجَدوا عندَ بابِها شجرةً، في أصلِ ساقِها عينان، فشرِبوا من إحداهما، فيُنزَعُ ما في صدورِهم من غِلٍّ، فهو الشرابُ الطَّهورُ، واغْتَسَلوا مِن الأُخرى، فجرَت عليهم بنَضْرة النَّعيم، فلم يَشْعَثُوا ولم يَشْحَبوا (^٤) بعدَها أبدًا (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن الجُرَيْريِّ، عن أبي نَصْرَةَ، قال: يُحْبَسُ (^٦) أهلُ الجنةِ دونَ الجنةِ، حتى يُقْضَى لبعضِهم مِن بعضٍ، حتى يَدْخُلوا الجنةَ حينَ يَدْخُلونها، ولا يَطْلُبُ أحدٌ منهم أحدًا بقُلامةِ ظُفُرٍ\n_________\n(^١) في ص: \"سمعت\"، وفى، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"سمعته\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٢٩، وأخرج ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٨ (٨٤٦٦) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٥ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ، وعزاه في ٤/ ١٠١ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٢٩ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٨ (٨٤٦٧) - عن معمر به.\n(^٤) في ص، ت ١، س، ف: \"يسحبوا\"، وفى م، ت ٢، ت ٣: \"يتسخوا\". وشحب لونه وجسمه: تغير من هزال أو عمل أو جوع أو سفر. اللسان (ش ح ب).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٧٨، ١٤٧٩ (٨٤٧٠) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٥ إلى أبى الشيخ.\n(^٦) في الأصل: \"يحتبس\".","vol":"10","page":199},{"text":"ظلَمَها إياه، ويُحْبَسُ (^١) أهلُ النارِ دونَ النارِ، حتى يُقْضَى لبعضِهم مِن بعضٍ، فيَدْخُلُون النارَ حينَ يَدْخُلونها، ولا يَطْلُبُ أحدٌ منهم أحدًا بقُلَامةِ ظُفُرٍ ظلَمَها إياه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3341>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء الذين وصَف جلَّ ثناؤُه، وهم الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ، حينَ أُدْخِلوا الجنةَ، ورأَوْا ما أَكْرَمَهم اللَّهُ به مِن كرامتِه، وما صُرِف عنهم مِن العذابِ المُهِينِ الذي ابْتُلِى به أهلُ النارِ بكفرِهم بربِّهم، وتكذيبِهم رسلَه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾. يقولُ: الحمدُ لله الذي وفَّقَنا للعملِ الذي أكْسَبَنا هذا الذي نحن فيه مِن كرامةِ اللَّهِ [وفضلِه] (^٣)، وصرَف عذابَه عنا، ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. يقولُ: وما كنا لِنَرْشُدَ لذلك لولا أن أَرْشَدَنا الله له، ووفَّقَنا بمنِّه وطَوْلِه.\nكما حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن أبي صالحٍ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"كلُّ أهلِ النارِ يَرَى منزلَه مِن الجنةِ، فيقولون: لو هدانا الله. فتَكونُ عليهم حَسْرةً، وكلُّ أهلِ الجنة يَرَى منزلَه مِن النارِ، فيقولون: لولا أن هدانا الله. فهذا شكرُهم\" (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال:\n_________\n(^١) في الأصل، ص: \"يحتبس\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٥ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ٥/ ٢٤ من طريق أبي هشام به، وأخرجه أحمد ١٦/ ٣٨٢ (١٠٦٥٢)، والنسائي في الكبرى (١١٤٥٤)، والحاكم ٢/ ٤٣٥، ٤٣٦، والبيهقى في البعث (٢٤٣) من طريق أبى بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.","vol":"10","page":200},{"text":"سمِعْتُ أبا إسحاقَ يُحَدِّثُ عن عاصمِ بن ضَمْرةَ، عن عليّ بن أبى طالبٍ، قال: ذكَر عمرَ - بشيءٍ لا أَحْفَظه - ثم ذكَر الجنةَ، فقال: يَدْخُلُون فإذا شجرةٌ يَخْرُجُ مِن تحتِ ساقِها عينان، قال: فيَغْتَسِلون من إحداهما، فتَجْرِى عليهم نَضْرِةُ النَّعيم، فلا تَشْعَثُ أشعارُهم، ولا تَغْبَرُّ أبشارُهم، ويَشْرَبون مِن الأخرى، فيَخْرُجُ كلُّ قَذًى وقَذَرٍ - أو شيءٍ في بطونِهم - قال: ثم يُفْتَحُ لهم بابُ الجنةِ، فيُقال لهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. قال: فيسْتَقْبِلُهم الوِلْدانُ، فيَحُفُّون بهم كما تَحُفُّ الوِلدانُ بالحَميمِ إذا جاء مِن غَيْبَتِه، ثم يَأْتُون فَيُبَشِّرون أزواجَهم، فيُسَمُّونهم بأسمائِهم وأسماءِ آبائِهم، فيَقُلْن: أنتَ رأيْتَه؟ قال: فيَسْتَخِفُّهن الفرحُ، قال: فيَجِئْن حتى يَقِفْنَ على أُسْكُفَّةِ الباب، فيَجِيئون فيَدْخُلون، فإذا أُسُّ بيوتِهم بجَنْدلِ اللؤلؤِ، وإذا صُرُوحٌ صُفْرٌ وخُضْرٌ وحُمْرٌ، ومِن كلِّ لونٍ، وسُرُرٌ مرفوعةٌ، وأكوابٌ موضوعةٌ، ونَمارِقُ مصفوفةٌ، وزَرابيُّ مَبْثوثةٌ، فلولا أن اللَّهَ قدَّرَها لهم (^١) لالْتُمِعتْ أبصارُهم مما يَرَوْن فيها، فيُعانِقون الأزْواجَ، ويَقْعُدون على السُّرُرِ، ويقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. إلى آخرِ الآيةِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3342>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره، ٢/ ١٧٦، وابن أبي شيبة ١٣/ ١١٢، ١١٣، وإسحاق بن راهويه - كما في المطالب (٥١٨١، ٥١٨٢)، وابن المبارك في الزهد (١٤٥٠ - زيادات المروزي)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٨)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٢٥٨٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٠ (٨٤٧٦)، والبيهقي في البعث (٢٧٢)، والضياء في المختارة ٢/ ١٦١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"10","page":201},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن هؤلاء الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ، أنهم يقولون عندَ دخولِهم الجنةَ ورؤيتِهم كرامةَ اللهِ التي أكْرَمَهم بها، وهوانَ أعداءِ اللَّهِ في النارِ: والله لقد جاءَتْنا في الدنيا وهؤلاء الذين في النارِ رسلُ رَبِّنا بالحقِّ، مِن الإخبارِ عن وعْدِ اللهِ أهلَ طاعتِه والإيمانِ به وبرسلِه، ووعِيدِه أهلَ مَعاصِيه والكفرِ به.\nوأما قولُه: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. فإن معناه: ونادَى منادٍ هؤلاء الذين وصَف الله صفتَهم، وأخْبَر عما أعَدَّ لهم مِن كرامتِه: أن يا هؤلاء، هذه تِلْكُمُ الجنةُ التي كانت رسلي في الدنيا تُخبِرُكم عنها، أوْرَثَكُموها الله عن الذين كذَّبوا رسلَه؛ لتصديقِكم إياهم، وطاعتِكم ربَّكم، وذلك هو معنى قولِه: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nوبنحوِ الذي (^١) قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3343>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: ليس مِن كافرٍ ولا مؤمنٍ إلا وله في الجنةِ والنارِ مَنْزِلٌ، فإذا دخَل أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، فدخَلوا منازلَهم، رُفِعَت الجنةُ لأهلِ النارِ، فنظَروا إلى منازلِهم فيها، فقيل لهم: هذه منازلُكم لو عمِلْتُم بطاعةِ الله. ثم يقالُ: يا أهلَ الجنةِ، رِثُوهم بما كنتم تَعْمَلُون. فتُقْسَمُ بينَ أهلِ الجنةِ منازلُهم (^٢).\n_________\n(^١) في ص م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"ما\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨١ (٨٤٧٩) من طريق أحمد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٥ إلى أبى الشيخ.","vol":"10","page":202},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ سعدٍ أبو داودَ الحَفَريُّ، عن سعيدِ بن بُكيرٍ (^١)، عن سفيانَ الثوريِّ، عن أبي إسحاقَ، عن الأغرِّ: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾. قال: نُودُوا: أن صِحُّوا فلا تَسْقَموا، واخْلُدوا فلا تَموتوا، وانْعَموا فلا تَبْأسوا.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن الأغَرِّ، عن أبي سعيدٍ: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: يُنادِى مُنادٍ: إن لكم أن [تَحْيَوا فلا تَموتُوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أبدًا، وإِنَّ لكم أن] (^٢) تَصِحُّوا فلا تَسْقَموا أبدًا (^٣).\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في ﴿أَنْ﴾ التي مع ﴿تِلْكُمُ﴾؛ فقال بعضُ نحويى البصرةِ: هي \"أن\" الثقيلةُ خُفِّفَت، وأُضْمِر فيها، ولا يَسْتَقِيمُ أن نَجْعَلَها الخفيفةَ؛ لأن بعدَها اسمًا، والخفيفةُ لا تَلِيها الأسماءُ، وقد قال الشاعرُ (^٤):\nفي فِتْيَةٍ كسُيُوفِ الهندِ قد علِموا … أنْ هالكٌ كلُّ مَن يَحْفَى ويَنْتَعِلُ\nوقال آخرُ (^٥):\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"بكر\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٢٨ - زيادات نعيم) عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأغر، عن أبي سعيد وأبى هريرة موقوفًا، وأخرجه أحمد ١٨/ ٤٠٠ (١١٩٠٥)، وعبد بن حميد (٩٤٢)، ومسلم (٢٨٣٧)، والترمذى (٣٢٤٦) وغيرهم من طريق عبد الرزاق، عن الثورى به مرفوعًا، وأخرجه أحمد ٩/ ١٤ (٨٢٥٨)، والدارمي ٢/ ٣٣٤، والنسائى في الكبرى (١١١٨٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٠ (٨٤٧٧) من طريق أبى إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٥ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٤) هو الأعشى الكبير. والبيت ملفق من بيتين كما في ديوانه ص ٥٩ والكتاب لسيبويه ٣/ ٧٤، وهما:\nإما ترينا حفاة لا نعال لنا إنا … كذلك ما نحفى وننتعل\nفي فتية كسيوف الهند قد علموا … أن ليس يدفع عن ذى الحيلة الحيل\n(^٥) هو عدى بن زيد. والبيت في الكتاب لسيبويه ٣/ ٧٤ منسوب له، وفى المقتضب ٣/ ٢٤١، وأمالي ابن الشجرى ١/ ١٨٨ غير منسوب.","vol":"10","page":203},{"text":"أُكَاشِرُه (^١) وأَعْلَمُ أَنْ كِلانا … على ما ساء صاحبَه حريصُ\nقال: فمعناه: أنه كِلانا. قال: ويكونُ قولُه: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا﴾ [الأعراف: ٤٤]. في مَعْنى (^٢): أيْ وجَدْنا (^٣). وقولُه: ﴿أَنْ [أَفِيضُوا﴾ [الأعراف: ٥٠]: أي أفيضُوا] (^٤)، ولا تكونُ على \"أن\" التي تَعْمَلُ في الأفعالِ؛ لأنك تقولُ: غاظَنى أن قام، وأن ذهَب. فتَقَعُ على الأفعالِ، وإن كانت لا تَعْمَلُ فيها. وفى كتابِ الله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦]: أي امْشُوا.\nوأنكَر ذلك مِن قولِه هذا بعضُ أهلِ العربيةِ (^٥)، فقال: غيرُ جائزٍ أن يَكونَ مع \"أن\" في هذا الموضعِ هاءٌ مُضْمَرَةٌ؛ لأن \"أن\" دخَلَت في الكلامِ لتَقِيَ (^٦) ما بعدَها. قال: و\"أن\" هذه التي مع \"تلكم\"، هي الدائرةُ التي تقَعُ فيما ضارَع الحكايةَ، وليس بلفظِ الحكايةِ، نحوَ (^٧): نادَيْتُ: أنْك قائمٌ، وأنْ زيدٌ قائمٌ، وأن قمتُ، فتلِى (^٨) كلَّ الكلامِ، وجُعِلَت \"أنْ\" وقايةً؛ لأن النداءَ يَقَعُ على ما بعدَه، وسلِم ما بعدَ \"أنْ\"، كما سلِم على (^٩) القولِ، ألا تَرَى أنك تقولُ: قلتُ: زيدٌ قائمٌ، وقلتُ: قام. فتلِيها ما شئتَ مِن الكلامِ؟ فلمَّا كان النداءُ [بمعناها و] (^١٠) الظنِّ، وما أَشْبَهَه مِن القولِ، سلِم على (^١١) ما بعدَ \"أن\"، ودخَلَت \"أن\" وقايةً، قال: وأما \"أي\" فإنها لا\n_________\n(^١) كاشره: إذا ضحك في وجهه وباسطه. لسان العرب (ك ش ر).\n(^٢) في ص م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"موضع\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"أقيموا\".\n(^٥) في ص، ت ١، ف: \"الكفر به\"، وفى م، ت ٢، ت ٣، س: \"الكوفة\".\n(^٦) في الأصل، ت ١، س: \"لنفى\".\n(^٧) زيادة من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٨) في ص، ت ١، س، ف: \"قبلى\".\n(^٩) سقط من: ص، ت ١، س، ف، وفى م، ت ٢، ت ٣: \"ما بعد\".\n(^١٠) في م، ت ٢، ت ٣: \"بمعنى\".\n(^١١) سقط من: م، س.","vol":"10","page":204},{"text":"تَكونُ مكانَ (^١) \"أن\"؛ لأنَّ (^٢) \"أي\" جوابٌ لكلامٍ، و\"أن\" تَكْفِى مِن الاسمِ.\n\n<span id=\"aya-998\"></span><span data-type='title' id=toc-3344>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ونادَى أهلُ الجنةِ أهلَ النارِ بعدَ دخولِهموها: أن يا أهلَ النارِ قد وجَدْنا ما وعَدَنا ربُّنا في الدنيا على ألسُنِ رسلِه، من الثوابِ على الإيمانِ به وبهم، وعلى طاعتِه، حقًّا (^٣)، فهل وجَدْتُم ما وعَدَ رَبُّكم على ألسنتِهم على الكفرِ به، وعلى معاصيه مِن العقابِ، حَقًّا (^٣)؟ فأجابهم أهلُ النَّارِ بأن نعم، قد وجَدْنا [ذلك حقًّا، كما] (^٤) وعَدَنا ربُّنا.\nكالذي حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾. قال: وجَد أهلُ الجنةِ ما وُعِدوا مِن ثوابٍ، وأهلُ النارِ ما وُعِدوا مِن عقابٍ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾: وذلك أن اللَّهَ وعَد أهلَ الجنةِ النعيمَ والكَرامةَ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"على\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"لا يكون\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٨٢ (٨٤٨١)، من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٦ إلى أبى الشيخ.","vol":"10","page":205},{"text":"وكلَّ خيرٍ علِمه الناسُ أو لم يَعْلَموه، ووعَد أهلَ النارِ كلَّ خِزْىٍ وعذابٍ علِمه الناسُ أو لم يَعْلَموه، فذلك قولُه: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨]. قال: فنادَى أصحابُ الجنةِ أصحابَ النارِ: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾. يقولُ: مِن الخِزْى والهَوانِ والعذابِ. قال أهلُ الجنةِ: فإنا قد وجَدْنا ما وعَدَنا ربُّنا حقًّا من النعيمِ والكرامةِ. ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (^١).\nواخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿قَالُوا نَعَمْ﴾. فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿قَالُوا نَعَمْ﴾ بفتحِ العينِ مِن ﴿نَعَمْ﴾.\nورُوِى عن بعضِ الكوفيين أنه قرَأ: (قالوا نَعِمْ) بكسرِ العينِ (^٢)، وقد أُنْشِد بيتٌ لبعضِ بني كَلْبٍ:\nنَعِم إذا قالها منه مُحَقَّقَةٌ … ولا تَخِيبُ (^٣) عَسَى منه ولا قَمَنُ\nبكسر \"نَعِمْ\".\nوالصوابُ من القراءةِ [في ذلك] (^٤) عندَنا ﴿نَعَمْ﴾ بفتحِ العينِ (^٥)؛ لأنها القراءةُ المُسْتَفِيضَةُ في قرأةِ الأمصارِ، واللغةُ المشهورةُ في العربِ.\nوأما قولُه: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: فنادَى مُنادٍ، وأَعْلَم مُعْلِمٌ بينَهم: ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: غَضَبُ اللَّهِ وسَخَطُه وعقوبتُه على مَن كَفَر به.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨١، ١٤٨٢ (٨٤٨٠) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) قرأ الكسائي بكسر العين حيث وقع، وفتحها نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر وعاصم وحمزة، ينظر: الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٤٦٢.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تجيء\".\n(^٤) ليست في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"10","page":206},{"text":"وقد بيَّنا القولَ في \"أن\" إذا صحِبَت من الكلامِ ما ضارَع الحكايةَ، وليس بصريحِ الحكايةِ أنها تُشَدِّدُها العربُ أحيانًا، وتُوقِعُ (^١) الفعلَ عليها فتَفْتَحُها وتُخَفِّفُها أحيانًا، وتُعْمِلُ الفعلَ فيها فتَنْصِبُها به، وتُبْطِلُ عملَها مِن (^٢) الاسمِ الذي يليها، فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\nوإذ كان ذلك كذلك، فسواءٌ شُدِّدَت \"أن\" أو خُفِّفَت في القراءةِ؛ إذ كان معنى الكلامِ بأيِّ ذلك قرَأ القارئُ واحدًا، وكانتا قراءتين مشهورتين في قرأةِ الأمصارِ (^٤).\n\n<span id=\"aya-999\"></span><span data-type='title' id=toc-3345>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: [أذَّن مؤذنٌ] (^٥) بينَ أهلِ الجنةِ والنارِ (^٦)، أن لعنةُ الله على (^٧) الذين كفَروا بالله، وصدُّوا عن سبيلِه، وبَغوها (^٨) عوَجًا. يقولُ: حاوَلوا سبيلَ الله - وهو دينُه - أن يُغيِّروها ويُبَدِّلوها عما جعَلَه الله به (^٩) من استقامتِه، ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾. يقولُ: وهم لقيامِ الساعةِ، وللبعثِ في الآخرةِ، والثوابِ والعقابِ فيها جاحِدون. والعربُ تقولُ للمَيْلِ في الدِّينِ والطريقِ: عِوَجٌ. بكسرِ العينِ، وفى\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"يرفع\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"عن\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٢٠٣ - ٢٠٥.\n(^٤) قرأ نافع وأبو عمرٍو ويعقوب وعاصم بإسكان النون مخففة ورفع لعنة، وقرأ الباقون \"أنَّ لعنةَ\". النشر ٢/ ٢٠٢.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"إن المؤذن\".\n(^٦) بعده في م، ت ٢، ت ٣: \"يقول\".\n(^٧) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"الظالمين\".\n(^٨) في م، ت ٢، ت ٣، ف: \"يبغونها\".\n(^٩) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"له\".","vol":"10","page":207},{"text":"مَيْلِ الرجلِ على الشيءِ والعَطْفِ عليه: عاج إليه يَعُوجُ عِياجًا وعَوَجًا وَعِوَجًا. بالكسرِ مِن العينِ والفتحِ، كما قال الشاعرُ (^١):\nقفَا نَسْأَلُ (^٢) منازلَ آلِ لَيْلَى … على (^٣) عِوَجٍ إليها وانْثِناءِ\nذكَر الفَرَّاءُ أن أبا الجرَّاحِ أنْشَدَه إياه بكسرِ العينِ مِن \"العِوَجِ\"، فأما ما كان خِلْقةً في الإنسانِ، فإنه يقالُ فيه: [ما أَبْيَنَ] (^٤) عَوَجَ ساقِه. بفتحِ العينِ.\n\n<span id=\"aya-1000\"></span><span data-type='title' id=toc-3346>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾: وبينَ الجنِة وبينَ النارِ ﴿حِجَابٌ﴾. يقولُ: حاجزٌ، وهو السورُ الذي ذكَره الله تعالى فقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]. وهو الأعرافُ التي يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه فيها: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾.\nكذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ رَجَاءٍ (^٥)، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: بلَغَنى عن مجاهدٍ قال: الأعرافُ حجابٌ بينَ الجنةِ والنارِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾: وهو السورُ، وهو الأعْرافُ (^٦).\n_________\n(^١) البيت في اللسان (ع وج) غير منسوب.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"نبكي\".\n(^٣) في اللسان: \"متى\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) بعده في م: \"و\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٣ (٨٤٩٠) من طريق أحمد به.","vol":"10","page":208},{"text":"وأما قولُه: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾. فإن الأعرافَ جمعٌ، واحدُها عُرْفٌ، وكلُّ مرتفعٍ مِن الأرضِ عندَ العربِ فهو عُرْفٌ، وإنما قيل لعُرْفِ الدِّيكِ: عُرْفٌ؛ لارتفاعِه على ما سواه من جسدِه، ومنه قولُ الشَّمَّاخِ بن ضِرارٍ (^١):\nوظلَّتْ بأعرافٍ تَفَالَى (^٢) كأنها … رِماحٌ نَحاها وِجْهةَ الرِّيحِ راكِزُ\nيعنى بقولِه: بأعرافٍ: بنُشوزٍ مِن الأرضِ. ومنه قولُ الراجزِ (^٣):\nكلُّ كِنَازٍ (^٤) لَحْمُه نِيَافِ (^٥)\nكالعَلَم المُوفى على الأعْرافِ\nوكان السديُّ يقولُ: إنما سُمِّى الأعرافُ أعْرافًا لأن أصحابَه يعرفون الناسَ.\nحدَّثني بذلك محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عنه (^٦).\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3347>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنةَ، عن عبيدِ اللَّهِ بن\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢٠١، وفىه: تفالى باليفاع. ورواية المصنف هي رواية أبى عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٢١٥.\n(^٢) في النسخ: \"تعالى\". وأثبتناه كما في الديوان والمجاز ويروى أيضا بالغين المعجمة \"تغالى\". وتَفَالى: تَحتَكُ، كأن بعضها يفلى بعضا. اللسان (ف ل ى).\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"الآخر\". والرجز في مجاز القرآن ١/ ٢١٥، واللسان (ن وف).\n(^٤) كناز: يقال على الناقة الكثيرة اللحم، والناقة الصلبة اللحم. اللسان (ك ن ز).\n(^٥) نياف: طويل في ارتفاع. اللسان (ن وف).\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"عن السدي\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٨٤ (٨٤٩٧) من طريق أحمد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٦ إلى أبى الشيخ.","vol":"10","page":209},{"text":"أبى (^١) يزيدَ، سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: الأعرافُ هو الشئُ المُشْرِفُ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيينةَ، عن عُبيدِ (^٣) الله بن أبى (^٤) يزيدَ، قال: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ مثلَه (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنى أبى، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مُجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: الأعرافُ سُورٌ كعُرْفِ الدَّيكِ (^٦).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الْأَعْرَافِ﴾ قال: حجابٌ بينَ الجنةِ والنارِ، سُورٌ له بابٌ (^٧).\nقال أبو موسى (^٨): وحدَّثنى عبيدُ الله بنُ أبى (^٩) يزيدَ، أنه سمِع ابن عباسٍ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف. وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ١٧٨.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٥٧ - تفسير) - ومن طريقه البيهقي في البعث (١٠٧)، وابن المبارك في الزهد (١٣٦٩ - زيادات يحيى بن صاعد والمروزى) وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٣ (٨٤٩٣)، من طريق ابن عيينة به.\n(^٣) في الأصل: \"عبد\".\n(^٤) سقط من النسخ.\n(^٥) في الأصل: \"الأعراف هو الشيء المشرف\".\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٢٩، ٢٣٠.\n(^٦) أخرجه هناد في الزهد (٢٠٤) عن وكيع به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٣ (٨٤٩١) من طريق جابر الجعفى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٦ إلى الفريابى وعبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٧) تفسير مجاهد ص ٣٣٧ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٣ (٨٤٩٢)، وأخرجه هناد في الزهد (٢٠٣) من طريق خصيف، عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٦ إلى هناد وعبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٨) هو عيسى بن ميمون المكي، أبو موسى المذكور في السند قبله. ينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٤٦.\n(^٩) سقط من: م.","vol":"10","page":210},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدٌ قال: سمعتُ الضحاك يقولُ: الأعْرافُ السور الذي بين الجنة والنار (^١).\nواختلف أهلُ التأويل في صفة الرجال الذين أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤه عنهم أنهم على الأعراف، وما [هم، وفى] (^٢) السبب الذي من أجله صاروا هنالك؛ فقال بعضُهم: هم قومٌ من بنى آدمَ اسْتَوَت حسناتُهم وسيئاتُهم، فجعلوا هنالك إلى أن يَقْضِيَ اللهُ فيهم ما يَشاءُ، ثم يُدْخِلُهم الجنةَ بفضل رحمته إياهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3348>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ (^٣)، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا يونُسُ بن أبى إسحاقَ، قال: قال الشعبيُّ: أرْسَل إلى عبدُ الحميد بنُ عبدِ الرحمنِ، وعنده أبو الزِّنادِ عبدُ اللَّهِ بنُ ذكوان مولى قريشٍ، وإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكرًا ليس كما ذكرا، فقلتُ لهما: إن شئتُما أَنْبَأْتُكما بما ذكر حذيفةُ، فقالا: هات. فقلتُ: إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف، فقال: هم قومٌ تَجاوَزَت بهم حسناتُهم النار، وقصَّرَت بهم سيِّئاتُهم عن الجنة، فإذا صُرفت أبصارُهم تِلْقاءَ أصحاب النار قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. فبينا هم كذلك، اطَّلَع إليهم ربُّك فقال لهم (^٤): اذْهَبوا فادْخُلُوا الجنةَ، فإنى قد غفَرْتُ لكم (^٥).\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا حُصَيْنٌ، عن الشعبيِّ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٣ عقب الأثر (٨٤٩١) معلقا.\n(^٢) سقط من: م، وفى ص، س، ف: \"هم في\".\n(^٣) في الأصل: \"وكيع\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت، س، ف.\n(^٥) أخرجه البيهقى في البعث والنشور (١١٠) من طريق يونس بن أبى إسحاق به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤١٥ عن المصنف.","vol":"10","page":211},{"text":"حذيفة، أنه سُئِل عن أصحاب الأعراف، قال: فقال: هم قومٌ اسْتَوَت حسناتُهم وسيئاتُهم، فقصَّرت بهم سيئاتُهم عن الجنة، وخلَّفت بهم حسناتُهم عن النار، قال: فوُقِفوا هنالك على السور حتى يَقْضِيَ اللَّهُ فيهم (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ وعِمْرانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عَن حُصَيْنٍ، عن عامرٍ، عن حذيفة، قال: أصحابُ الأعراف قوم كانت لهم ذنوبٌ وحسناتٌ، فقصَّرت بهم ذنوبُهم عن الجنةِ، وتَجاوَزَت بهم حسناتُهم عن النارِ، فهم كذلك حتى يَقْضِى الله بين خلقه فينْفُذَ فيهم أمرُه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بن يمانٍ، عن سفيان، عن جابرٍ، عن الشعبيِّ، عن حذيفة، قال: أصحابُ الأعراف قومٌ اسْتَوَت حسناتُهم وسيئاتُهم، فيقولُ: ادْخُلوا الجنةَ بفضلى ومغفرتى، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن يونُسَ بن أبى إسحاق، عن عامرٍ، عن حذيفة، قال: أصحاب الأعراف قومٌ تجاوَزَت بهم حسناتُهم النارَ، وقصَّرَت بهم سيئاتُهم عن الجنة (^٢).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، قال: قال سعيدُ بنُ جبيرٍ، وهو يُحَدِّثُ ذلك عن ابن مسعودٍ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٥٥، ٩٥٦ - تفسير)، وهناد في الزهد (٢٠١)، وابن المبارك في الزهد (١٣٧٠ - زيادات المروزى) من طريق حصين به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤١٥ عن المصنف.\n(^٢) أخرجه هناد في الزهد (٢٠٢) عن وكيع به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٤ (٨٤٩٩) من طريق يونس بن أبى إسحاق به، وأخرجه البيهقى في البعث (١١٠) من طريق الشعبى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٧ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"10","page":212},{"text":"حذيفة، أنه سُئِل عن أصحاب الأعراف، قال: فقال: هم قومٌ اسْتَوَت حسناتُهم وسيئاتُهم، فقصَّرَت بهم سيئاتُهم عن الجنة، وخلَّفَت بهم حسناتُهم عن النارِ، قال: فوقفوا هنالك على السور حتى يَقْضِى اللهُ فيهم (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ وعِمْرانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عَن حُصَيْنٍ، عن عامِرٍ، عن حُذيفة، قال: أصحاب الأعراف قومٌ كانت لهم ذنوبٌ وحسناتٌ، فقصَّرت بهم ذنوبُهم عن الجنةِ، وتَجاوَزَت بهم حسناتُهم عن النارِ، فهم كذلك حتى يَقْضِى بين خلقه فيَنْفُذَ فيهم أمرُه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيان، عن جابرٍ، عن الشعبيِّ، عن حذيفة، قال: أصحابُ الأعراف قومٌ اسْتَوَت حسناتُهم وسيئاتُهم، فيقولُ: ادْخُلوا الجنةَ بفضلى ومغفرتى، لا خوفٌ عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن يونُسَ بن أبى إسحاق، عن عامرٍ، عن حذيفة، قال: أصحابُ الأعراف قومٌ تجاوَزَت بهم حسناتُهم النار، وقصَّرَت بهم سيئاتُهم عن الجنة (^٢).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، قال: قال سعيدُ بن جبيرٍ، وهو يُحَدِّثُ ذلك عن ابن مسعودٍ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٥٥، ٩٥٦ - تفسير)، وهناد في الزهد (٢٠١)، وابن المبارك في الزهد (١٣٧٠ - زيادات المروزى) من طريق حصين به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤١٥ عن المصنف.\n(^٢) أخرجه هناد في الزهد (٢٠٢) عن وكيع به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٤ (٨٤٩٩) من طريق يونس بن أبى إسحاق به، وأخرجه البيهقى في البعث (١١٠) من طريق الشعبى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٧ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"10","page":213},{"text":"يُحاسَبُ الناسُ يومَ القيامةِ، فمَن كانت حسناتُه أكثر من سيئاته بواحدةٍ دخل الجنةَ، ومَن كانت سيئاتُه أكثر من حسناته بواحدةٍ دخل النار. ثم قرأ قولَ اللَّهِ جلَّ وعزَّ: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠٢، ١٠٣]. ثم قال: إن الميزان يخفُّ بمثقال حبةٍ، ويَرْجَحُ. قال: فمَن اسْتَوَت حسناتُه وسيئاتُه كان من أصحاب الأعرافِ، فوُقِفوا على الصراط، ثم عرَفوا أهل الجنة وأهل النارِ، فإذا نظَروا إلى أهل الجنة نادَوْا: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾. وإذا صرَفوا أبصارهم إلى يسارهم (^١) أصحاب النار، قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. فتعوذوا (^٢) بالله من منازلهم. قال: فأما أصحابُ الحسناتِ، فإنهم يُعْطَوْن نورًا، فيمْشُون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويُعْطَى كُلُّ عبدٍ يومئذٍ نورًا، وكلُّ أَمَةٍ نورًا، فإذا أَتَوْا على الصراطِ سَلَبَ اللَّهُ نورَ كُلِّ منافقٍ ومنافقةٍ، فلما رأى (^٣) أهلُ الجنة ما لقى المنافقون قالوا: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨]. وأما أصحابُ الأعرافِ، فإن النور كان في أيديهم، فلم يُنْزَعْ من أيديهم، فهنالك يقولُ الله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. فكان الطمعُ دخولًا، قال: فقال ابن مسعودٍ: على أن العبد إذا عمل حسنةً كُتِب له بها عشرٌ، وإذا عمل سيئةً لم تُكتب إلا واحدةً. ثم يقولُ: هلَك مَن غَلَب وُحْدانُه أعشارَه (^٤).\nحدَّثنا أبو هَمَّامٍ الوليدُ بنُ شُجَاعٍ، قال: حدَّثني ابن وهبٍ، قال: أخبرني عيسى الحنَّاط (^٥)، عن الشعبيِّ، عن حذيفة، قال: أصحابُ الأعراف قومٌ كانت لهم\n_________\n(^١) بعده في م: \"نظروا\"، وفى الدر المنثور: \"رأوا\".\n(^٢) في الأصل: \"فنعوذ\". وفى م: \"فيتعوذون\".\n(^٣) في ص، ت ١، س، ف: \"رأوا\".\n(^٤) الزهد لابن المبارك (٤١١ - زوائد نعيم).\n(^٥) في ف، م: \"الخياط\"، وبهما كان يلقب، وكان يلقب بـ \"الخباط\". وينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ١٥، ١٧.","vol":"10","page":214},{"text":"أعمالٌ أنجاهم الله بها من النارِ، وهم آخِرُ مَن يَدْخُلُ الجنةَ، قد عرفوا أهل الجنة وأهل النار.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادة، قال: قال ابن عباس: أصحابُ الأعراف قوم اسْتَوَت حسناتُهم وسيئاتُهم، فلم تَزِدْ حسناتُهم على سيئاتهم، ولا سيئاتُهم على حسناتهم.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ وابن حميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن حبيب بن أبى ثابتٍ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفلٍ، عن ابن عباسٍ - قال [ابن وكيعٍ في حديثِه: قال] (^١): الأعرافُ سورٌ بين الجنة والنار. [وقال ابن حميدٍ في حديثه عن ابن عباسٍ، قال: الأعرافُ السورُ الذي بين الجنة والنار] (^١) - وأصحابُ الأعراف بذلك المكان، حتى إذا بَدَا لِلَّهِ أَن يُعافيهم، انطُلق بهم إلى نهرٍ يقالُ له: الحياةُ. حافتاه [قصبُ الذهب] (^٢)، مُكلَّلٌ باللؤلؤ، ترابُه المسكُ، فأُلْقُوا فيه حتى تَصْلُحَ ألوانُهم، وتَبْدُو في نحورهم شامَةٌ بيضاءُ يُعْرَفون بها، حتى إذا صلَحَت ألوانهم أُتى بهم الرحمنُ، فقال: تَمنَّوا ما شئتُم. فيتَمَنَّون، حتى إذا انْقَطَعَت أمنيتُهم، قال لهم: لكم الذي تمنيتُم ومثله [سبعون ضعفًا] (^٣). فيدْخُلون الجنةَ، وفى نحورِهم شامةٌ بيضاءٌ يُعْرَفون بها، يُسَمَّوْن مساكينَ أهل (^٤) الجنة (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) في ص، ف: \"قصب التوبة\"، وفى م: \"قضب الذهب\".\nوالقصب من الجوهر: ما كان مستطيلًا أجوف، وقيل: القصب أنابيب من جوهر. اللسان (ق ص ب).\n(^٣) في ص، ت ١، ت،٢ ت،٣، س، ف: \"سبعون\"، وفى م: \"سبعين مرة\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١١٨٥ (٨٥٠٢) من طريق جرير به، وفى ٥/ ١٤٨٣ (٨٤٨٩) من طريق منصور مختصرا، وأخرجه هناد في الزهد (٢٠٠) من طريق منصور عن حبيب عن مجاهد عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤١٥، ٤١٦ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٨ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"10","page":215},{"text":"حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حبيبٍ، عن مجاهدٍ، عن عبد الله بن الحارث، قال: أصحاب الأعرافِ يُؤْمَرُ بهم إلى نهرٍ يقالُ له: الحياةُ. ترابُه (^١) الوَرْسُ والزَّعْفَرانُ، وحافتاه قَصَبُ (^٢) الذهب (^٣). قال: وأَحْسَبه قال: مُكَلَّلٌ باللؤلؤ. قال: فيَغْتَسِلون فيه، فتَبْدُو في نحورهم شامَةٌ بيضاءُ، فيقالُ لهم: تمَنَّوْا. فيتمنَّون (^٤) فيقال لهم: لكم ما تمنيتُم وسبعون ضعفًا. [وإنهم] (^٥) مساكين أهل الجنة. قال حَبيبٌ: وحدَّثنى رجلٌ. أنهم اسْتَوَت حسناتهم وسيئاتهم (^٦).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن عبد الله بن الحارث، قال: أصحاب الأعرافِ يُنْتَهَى بهم إلى نهر يقالُ له: الحياة. حافتاه قَصَبٌ (٢) مِن ذهبٍ. قال سفيانُ: أراه قال: مُكَلَّلٌ باللؤلؤ. قال: فيَغْتَسِلون منه اغتسالةً، فتبدو في نحورهم شامةٌ بيضاءُ، ثم يعودون فيَغْتَسِلون فيَزدادُون، فكلما اغْتَسَلُوا ازْدادَت بَياضًا، فيُقالُ لهم: تَمَنَّوْا ما شئتُم. فيَتَمَنَّون ما شاءوا، فيُقالُ لهم: لكم ما تمنيتُم (^٧) وسبعون ضعفًا. قال: فهم مساكينُ أهل الجنة (^٨).\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيينَةَ، عن حصينٍ، عن الشعبي، عن حذيفة، قال: أصحاب الأعراف قومٌ اسْتَوَت\n_________\n(^١) في ت ١، س، ف: \"وإنه\".\n(^٢) في م: \"قضب\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: اللؤلؤ\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) في الأصل، ت ١: \"فإنهم\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٦ (٨٥٠٣) من طريق أبي سنان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الله بن الحارث بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٨ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٧) في الأصل: \"شئتم\".\n(^٨) أخرجه هناد في الزهد (١٩٨) عن وكيع به، وفى (١٩٩) من طريق الثورى به.","vol":"10","page":216},{"text":"حسناتهم وسيئاتهم، فهم على سورٍ بين الجنة والنار، ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾.\nحدثنا بشرُ بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: كان ابن عباس يقولُ: الأعرافُ بين الجنة والنار، حُبِس عليه أقوام بأعمالهم. وكان يقول: قومُ اسْتَوَت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تَزِدْ حسناتهم على سيئاتهم، ولا سيئاتهم على حسناتهم.\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: قال ابن عباس: أهلُ الأعراف قومٌ اسْتَوَت حسناتهم وسيئاتهم (^١).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد، عن جويبرٍ، عن الضحاك، قال: أصحاب الأعراف قومٌ استوت حسناتهم وسيئاتهم.\n[حدثنا ابن وكيع، قال] (^٢): ثنا يحيى بن يمانٍ، عن شريك، عن منصورٍ، عن سعيد بن جبير، قال: أصحابُ الأعراف استَوَت أعمالهم.\nحدثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: أصحاب الأعراف قومٌ استوت حسناتهم وسيئاتهم، فوُقِفوا هنالك على السور.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن منصور، عن حبيب بن أبي ثابت، عن شفيع (^٤) أو سُميع - [أبو جعفر يشكُّ، قال: وهو في كتابي] (^٣): شفيع (^٤) - عن أبي\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٢٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"قال\"، وفى م: \"وقال\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"قال أبو جعفر: كذا وجدت في كتاب\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"سفيع\".","vol":"10","page":217},{"text":"علقمة [مولًى لعثمان] (^١)، قال: أصحاب الأعراف قوم اسْتَوَت حسناتهم وسيئاتهم.\nوقال آخرون: [أصحاب الأعراف قومٌ] (^١) كانوا قُتِلوا في سبيل اللهِ عُصاةً لآبائهم في الدنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-3349>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمانٍ، عن أبي معشر (^٢)، عن شُرَحْبيل بن سعدٍ، قال: هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذنِ آبائهم.\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني الليث، قال: ثني خالدٌ، عن سعيدٍ، عن يحيى بن شِبْلٍ، أن رجلًا من بني النَّضير أخبره عن رجلٍ مِن بنى هلالٍ، أن أباه أخبره أنه سأل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف، فقال: \"هم قومٌ (^٣) غَزَوْا في سبيلِ اللَّهِ عُصاةً لآبائهم، فقُتلوا، فأَعْتَقَهم اللهُ مِن النارِ بقتلهم في سبيله، وحُبسوا عن الجنة بمعصية آبائهم، فهم آخِرُ مَن يَدْخُلُ الجنةَ\" (^٤).\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يزيد بن هارونَ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن يحيى بن شبل مولًى لبنى هاشم، عن محمدِ بن عبدِ الرحمن، عن أبيه، قال: سئل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف، فقال: \"قوم قُتِلوا في سبيلِ اللَّهِ بمعصية آبائهم، فمنعهم قتلهم في سبيل الله عن النار، ومنعتهم معصية آبائهم أن يَدْخُلوا الجنة\" (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) في ص، م، س، ف: \"مسعر\".\n(^٣) في الأصل: \"رجال\".\n(^٤) عزاه الحافظ في الإصابة ٤/ ٣٧٢ إلى المصنف وابن شاهين من طريق الليث به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٤ (٨٤٩٨) من طريق يزيد به، وسمى \"ابن عبد الرحمن المزنى\"، فقال: \"عمر\". وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٥٤ - تفسير) من طريق أبي معشر، عن =","vol":"10","page":218},{"text":"وقال آخرون: بل هم قومٌ صالحون فقهاء علماء.\n\n<span data-type='title' id=toc-3350>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهد، قال: أصحاب الأعراف قومٌ صالحون، فقهاء، عُلماءُ (^١).\nوقال آخرون: بل هم ملائكة، وليسوا ببنى آدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3351>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن [سليمان التيميِّ] (^٢)، عن أبي مجلز في قوله: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: هم رجالٌ مِن الملائكة يَعْرِفون أهل الجنة وأهل النار. قال: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: فنادى أصحاب الأعراف رجالًا في النار يعرفونهم بسيماهم: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف: ٤٨، ٤٩]. قال: فهذا حين دخل أهل الجنة الجنةَ ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا\n_________\n= يحيى بن شبل، عن عمرو بن عبد الرحمن، عن أبيه فذكره، ومن طريقه البيهقي في البعث والنشور (١١٤) وفيه: عمر بن عبد الرحمن. وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١١٢٣)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٢٥٢)، وابن الأنبارى في الأضداد ص ٣٦٩ وتفسير مجاهد ص ٣٣٧، والبيهقي في البعث والنشور (١١٢، ١١٣) من طريق أبي معشر به، إلا أنه يرويه مرة موصولًا ومرة مرسلا ومرة يسمى \"ابن عبد الرحمن \"فيقول: \"عمرو\". ومرة: \"عمر\" ومرة: \"محمد\". ومرة: \"يحيى\". قال ابن حجر: \"والاضطراب فيه من أبي معشر، وهو نجيح بن عبد الرحمن، فإنه ضعيف\". الإصابة ٤/ ٣٧٢.\n(^١) أخرجه هناد في الزهد (٢٠٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٦ (٨٥٠٦) من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٩ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف. وينظر تهذيب الكمال ٣١/ ١٧٦، ١٧٧.","vol":"10","page":219},{"text":"خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (^١) [الأعراف: ٤٩].\nحدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سَمِعْتُ عِمرانَ، قال: قلتُ لأبي مجلز: يقولُ اللَّهُ: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ وتَزْعُمُ أنت أنهم ملائكة؟ قال: فقال: إنهم ذكور وليسوا بإناث.\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن سليمان التيمي، عن أبي مِجْلَرٍ: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾. قال: رجال من الملائكة يَعْرِفون الفريقين جميعًا بسيماهم؛ أهل النار وأهل الجنة، وهذا قبل أن يَدْخُلَ أهل الجنة الجنة (^٢).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمد بن أبي عَدِيٍّ، عن التيمي، عن أبي مجلز بنحوه.\n[حدثنا ابن وكيع] (^٣) قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيان، عن التيمي، عن أبي مجلز، قال: أصحاب الأعراف الملائكةُ.\nحدثني المثنى، قال: ثنا مُعَلَّى (^٤) بن أسدٍ، قال: ثنا خالد، قال: أخبرنا التيمي، عن أبي مجلزٍ، [قال: أصحاب الأعراف] (^٥) الملائكة.\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن عمران بن حُديْرٍ (^٦)، عن أبي مجلزٍ:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤١٦، ٤١٧ عن المصنف.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٥٨ - تفسير) - ومن طريقه البيهقى في البعث والنشور (١٢١) - وابن المبارك في الزهد (١٣٦٦ - زيادات المروزي) عن معتمر به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٣٧٣ - زيادات المروزي)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٦ (٨٥٠٧) من طريق التيمى به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٨، ٨٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف. وفى م: \"و\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"يعلى\". وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٨٢.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"وعلى الأعراف رجال قال هم\".\n(^٦) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"جرير\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٣١٤.","vol":"10","page":220},{"text":"﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾. قال: هم الملائكةُ. قلتُ: يا أبا مجلز، يقولُ الله ﵎: ﴿رِجَالٌ﴾ وتقول أنت: ملائكة؟ قال: إنهم ذكران ليسوا بإناث (^١).\nحدثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن عِمْرانَ بن حُديرٍ، عن أبي مجلزٍ في قوله: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: الملائكةُ. قال: قلتُ: يقولُ الله: ﴿رِجَالٌ﴾. قال: الملائكة (^٢).\nوالصواب من القولِ في أصحاب الأعراف أن يُقال كما قال الله جل ثناؤُه فيهم: هم رجالٌ يَعْرِفون كُلًّا مِن أهل الجنة وأهل النار بسيماهم. ولا خبر عن رسول الله ﷺ يَصِحُّ سندُه، ولا آية (^٣) متفقٌ على تأويلها، ولا إجماع من الأمة على أنهم ملائكةٌ.\nفإذ كان ذلك كذلك، وكان ذلك لا يُدْرَكُ قياسًا، وكان المتعارَفُ بينَ أهل لسان العرب أن الرجالَ اسمٌ يَجْمَعُ (^٤) ذكور بنى آدمَ دونَ إناثهم، ودون سائر الخلقِ غيرهم. كان بيِّنًا، أن ما قاله أبو مجلز من أنهم ملائكة، قولٌ لا معنى له، وأن الصحيح من القول في ذلك ما قاله سائرُ أهل التأويل غيره، هذا مع من قال بخلافه من أصحاب رسول الله ﷺ، ومع ما رُوى عن رسول الله ﷺ في ذلك من الأخبار، وإن كان في أسانيدها ما فيها.\nوقد حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى جَرِيرٌ، عن عُمارةَ بن القَعْقاعِ، عن أبي زُرْعةَ بن (^٥) عمرِو بن جَريرٍ، قال: سُئل رسولُ اللهِ ﷺ عن أصحاب الأعراف، فقال: \"هم آخِرُ مَن يُفْصَلُ بينَهم مِن العبادِ، وإذا فرغ ربُّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن الأنبارى في الأضداد ص ٣٦٩ من طريق وكيع به.\n(^٢) بعده في م: \"ذكور\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"أنه\".\n(^٤) في الأصل: \"لجمع\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ٣٢٣.","vol":"10","page":221},{"text":"العالمين من فصلٍ (^١) بين العبادِ، قال: أنتم قومٌ أخْرَجَتْكُم حَسَناتُكُم مِن النارِ، ولم تُدْخِلْكم الجنةَ، فأنتم عُتَقائى، فارْعَوْا مِن الجنةِ حيث شئتُم\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3353>القول في تأويل قوله جل وعزَّ: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون أهل الجنة بسيماهم، وذلك بياضُ وجوههم، ونضرة النعيم عليها، ويعرفون أهل النار كذلك بسيماهم، وذلك سَوادُ وجوههم، وزُرْقةُ أعينهم، فإذا رأَوْا أهل الجنة نادَوْا أن سلامٌ عليكم.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3352>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ [يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾. قال] (^٣): يَعْرِفون أهل النارِ بسَوادِ الوجوه، وأهل الجنة ببياض الوجوه (^٤).\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: أَنْزَلَهم اللَّهُ بتلك المنزلة ليعرفوا [من في] (^٥) الجنة والنار، وليَعْرفوا أهل النار بسوادِ الوجوه، ويَتَعَوَّذوا باللَّهِ أَن يَجْعَلَهم مع القوم الظالمين، وهم في ذلك يُحَيُّون أهل الجنة بالسلام، لم\n_________\n(^١) في م: \"فصله\".\n(^٢) تفسير سنيد - كما في تفسير ابن كثير ٣/ ٤١٦ - وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٥ (٨٥٠٠) من طريق جرير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٧ إلى ابن المنذر.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) سيأتي تخريجه في ص ٢٣١.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"أهل\".","vol":"10","page":222},{"text":"يَدْخُلوها وهم يَطْمَعون أن يَدْخُلوها، وهم داخلوها إن شاء الله (^١).\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: بسَوادِ الوجوه وزُرْقةِ العيون (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾: الكفار بسواد الوجوه وزرقة العيون، وسيما أهل الجنةِ مُبْيَضَّةٌ وجوههم.\nحدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن جويبرٍ، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: أصحاب الأعراف إذا رأَوْا أصحاب الجنةِ عرفوهم ببياض الوجوه، وإذا رأَوْا أصحابَ النارِ عرفوهم بسوادِ الوجوه.\nحدثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بن نصرٍ، قال: أَخْبَرنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: إن أصحاب الأعراف رجالٌ كانت لهم ذنوبٌ عظامٌ، وكان حَسْمُ (^٣) أمرهم للهِ، فأُقيموا ذلك المقامَ، إِذا نظَروا إلى أهل النارِ عرفوهم بسواد الوجوه، فقالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وإذا نظروا إلى أهل الجنة عرفوهم ببياض الوجوه، فذلك قوله: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٨ (٨٥٢١) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٣٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٧ (٨٥١٠).\n(^٣) في الأصل: \"حسيم\"، وفى الزهد: \"جسيم\"، والمثبت موافق لما في تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٤) الزهد لابن المبارك (٤٠٢ - زيادات نعيم)، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٦، ١٤٨٨ (٨٥٠٩، ٨٥٢٠).","vol":"10","page":223},{"text":"سليمان، قال: سمِعْتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾: زعموا أن أصحاب الأعراف رجالٌ مِن أهل الذنوب أصابوا ذُنوبًا، وكان حَسْمُ (^١) أمرِهم لله، فجعلهم الله على الأعراف، فإذا نظَروا إلى أهل النار عرفوهم بسوادِ الوجوه، فتعَوَّذُوا بالله من النار. وإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوهم: ﴿أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾. [قال الله] (^٢): ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. قال: وهذا قول ابن عباس.\nحدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾: يَعْرِفون الناس بسيماهم، يَعْرِفون أهل النارِ بسَوادِ وجوههم، وأهل الجنة ببياض وجوههم (^٣).\nحدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾: يَعْرِفون أهل النار بسواد وجوههم، وأهل الجنة ببياض وجوههم.\nحدثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: أهل الجنة بسيماهم، بيض الوجوه، وأهل النار بسيماهم، سود الوجوه. وقوله: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: أصحاب الجنة وأصحاب النار. قال: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾. قال: حينَ رأَوْا وُجوهَهم قد ابْيَضَّت.\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاك: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا\n_________\n(^١) في الأصل: \"جسيم\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٧ (٨٥١٣) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٩ إلى أبى الشيخ.","vol":"10","page":224},{"text":"بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: بسوادِ الوجوه.\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمانٍ، عن مباركٍ، عن الحسن: ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: بسوادِ الوجوه ورزقة العيون.\nو\"السِّيماءُ\": العلامة الدالة على الشيء في كلام العرب، وأصله من السِّمَةِ، نُقِلَت واؤها التي هي فاء الفعل إلى موضع العين، كما يقالُ: اضْمَحَلَّ وامْضَحَلَّ، وذُكر سماعًا عن بعض بني عُقيل: هي أرض خامة. يعنى: وخيمةٌ (^١)، ومنه قولهم: له جاهٌ عند الناس. بمعنى: وجهٌ. نُقلت واؤه إلى موضع عين الفعل. وفيها لغات ثلاث؛ سيما مقصورةٌ، وسيما ممدودة، وسِيمِيَاءُ بزيادة ياء أخرى بعد الميم فيها، ومدها على مثالِ الكِبرياء، كما قال الشاعرُ (^٢):\nغلامٌ رماه الله بالحسن يافعًا (^٣) … له سِيمِيَاءٌ لا تَشُقُّ على البَصَرْ\nوأما قوله: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. [فإنَّه يقولُ: ونادى أصحاب الأعراف: يا أهل الجنة أن سلام عليكم] (^٤). أي: حلَّت عليكم أمَنةُ اللَّهِ مِن عقابه وأليم عذابه.\nواختلف أهل التأويل في المعنى بقوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: هذا خبرٌ مِن اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه عن أهلِ الأعراف أنهم قالوا لأهل الجنة ما قالوا قبل دخول أصحاب الأعراف الجنة (^٥)، غير أنهم قالوه وهم يَطْمَعون في دخولها.\n_________\n(^١) في م، ف: \"وخمة\". وأرض وخيمة أي لا ينجع كلؤها ولا توافق ساكنها. ينظر تاج العروس (وخ م).\n(^٢) هو أسيد بن عنقاء الفزاري، وتقدم تخريجه في ٥/ ٢٧.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"إذ رمى\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3354>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدى، قال: أهلُ الأعرافِ يَعْرِفون الناسَ، فإذا مرُّوا عليهم بزُمْرَةٍ يُذْهَبُ بها إلى الجنة، قالوا: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ الله لأهل الأعراف: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ أَن يَدْخُلُوها (^١).\nحدثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، قال: تلا الحسنُ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. قال: والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامةٍ يُرِيدُها بهم (^٢).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. قال: قد أَنْبَأكم الله بمكانهم من الطمعِ.\nحدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن أبي بكر الهُذَلي، قال: قال سعيد بن جبيرٍ، وهو يُحَدِّثُ ذلك عن ابن مسعودٍ، قال: أما أصحاب الأعراف، فإن النور كان في أيديهم، [فلم يُنْزَعُ] (^٣) مِن أيديهم، فهنالك يقولُ الله جل ثناؤُه: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. [فكان الطمع دخولًا (^٤).\nحدثني المثنى، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾] (^٥). قال: في دخولها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٧ (٨٥١٣) من طريق أحمد به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣٠ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٨ (٨٥١٧) - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فانتزع\"، وفى م: \"ما انتزع\".\n(^٤) جزء من الأثر المتقدم في ص ٢١٣، ٢١٤.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":226},{"text":"قال ابن عباس: فأدخلَ الله أصحاب الأعراف الجنةَ.\nحدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة وعطاءٍ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. قالا: في دخولها.\nوقال آخرون: إنما عنى بذلك أهل الجنة، وأن أصحاب الأعراف يقولون لهم قبل أن يَدْخُلوا الجنةَ: سلامٌ عليكم. وأهل الجنة يَطْمَعون أَن يَدْخُلوها، ولم يَدْخُلوها بعد.\n\n<span data-type='title' id=toc-3355>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميدٍ [وابنُ وَكيع، قالا] (^١): ثنا جرير، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلزٍ: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. قال: الملائكة يعرفون الفريقين جميعًا بسيماهم، وهذا قبل أن يَدْخُلَ أهل الجنة الجنةَ، أصحاب الأعرافِ يُنادون أصحاب الجنة أن سلامٌ عليكم، لم يَدْخُلوها وهم يَطْمَعون في دخولها.\n\n<span id=\"aya-1001\"></span><span data-type='title' id=toc-3356>القول في تأويل قوله جلَّ وعزّ: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكره: وإذا صُرِفَت أبصارُ أصحاب الأعراف ﴿تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ يعني: حيالهم ووجاههم، فنظروا إلى تشويه الله بهم (^٢) ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسهم، فأكسبوها مِن سَخَطِكَ ما أَوْرَثهم مِن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"قال: ثنا وكيع، قال\".\n(^٢) في م: \"لهم\".","vol":"10","page":227},{"text":"عقابك (^١) ما هم فيه.\nكما حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدي، قال: وإذا مرُّوا بهم - يعنى بأصحاب الأعراف - بزُمْرةٍ يُذْهَبُ بها إلى النار قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن جُويبرٍ، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: إن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار، [عرفوهم، فقالوا] (^٣): ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (^٤).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي مكين، عن أخيه، عن عكرمة: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾. قال: تُجرَّدُ (^٥) وجوههم للنار، فإذا رأَوْا أهل الجنة، ذهَب ذلك عنهم (^٦).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾: فرأَوْا وجوههم مُسْوَدَّةً، وأعينهم مُزرَقَّةً، قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (^٧).\n\n<span id=\"aya-1002\"></span><span data-type='title' id=toc-3357>القول في تأويل قوله جل وعزّ ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨)﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"عذابك\".\n(^٢) تفسير ابن كثير ٣/ ٤١٧، وقد تقدم أوله في ص ٢٢٦.\n(^٣) في م: \"وعرفوهم قالوا\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٢٢٣.\n(^٥) تجرد: تسلخ جلود وجوههم بسبب النار. وينظر النهاية ١/ ٢٥٧.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٨ (٨٥١٨) من طريق وكيع به.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٨ (٨٥١٩) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد.","vol":"10","page":228},{"text":"يقول جل ثناؤه: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا﴾. من أهل النار (^١) ﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾: سيما أهل النار. فقالوا: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾: ما كنتم تجمعون من الأموالِ والعَدَدِ في الدنيا. ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾. يقول: وتكبُّرُكم الذي كنتمُ تَتَكَبَّرون فيها.\nكما حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: فمرَّ بهم - يعنى بأصحاب الأعراف - ناسٌ مِن الجبارين، عرفوهم بسيماهم. قال: يقولُ: قال أصحاب الأعراف: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (^٢).\nحدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: [ونادوا - يعنى] (^٣) أصحاب الأعراف - ﴿رجالا﴾ في النارِ ﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾: تكثُّرُكم (^٤) ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾.\nحدثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا جرير، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾. قال: هذا حين دخل أهل الجنة الجنةَ ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ الآية. قلتُ لأبي مجلز: عن ابن عباس؟ قال:\n_________\n(^١) في م: \"الأرض\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٩ (٨٥٢٥) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٣) في م: \"ونادى\".\n(^٤) سقط من: الأصل، وفى م: \"وتكبركم\". وما في بقية النسخ كالذى في \"م\" إلا أنهم قدموا هذه اللفظة على التي قبلها فقالوا: \"تكبركم وجمعكم\". وأثبتنا الصواب من تفسير ابن أبي حاتم، حيث أخرجه في ٥/ ١٤٨٩ (٨٥٢٢، ٨٥٢٣) عن محمد بن سعد به.","vol":"10","page":229},{"text":"لا، بل عن غيره (^١).\nحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلزٍ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: نادت الملائكة رجالًا في النار، يعرفونهم بسيماهم: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾. قال: فهذا حين دخل أهل الجنة ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (^٢).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: رجال عظماء من أهل الدنيا. قال: فبهذه الصفة عرف أهل الأعراف أهل الجنة مِن أهل النار، وإنما ذكر هذا حينَ يُذْهَبُ برئيس أهل الخير ورئيس أهل الشرِّ يوم القيامة. قال: وقال ابن زيدٍ في قوله: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾. قال: عن (^٣) أهل طاعة الله (^٤).\n\n<span id=\"aya-1003\"></span><span data-type='title' id=toc-3358>القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾.</span>\nاخْتَلَف أهل التأويل في المعنيين بهذا الكلام؛ فقال بعضهم: هذا قِيلُ الله جلّ ثناؤه لأهل النارِ؛ توبيحًا لهم على ما كان من قيلهم في الدنيا لأهل الأعراف، عند إدخاله أصحاب الأعراف الجنة.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢٢٠.\n(^٢) قد تقدم في ص ٢١٩، ٢٢٠.\n(^٣) في م: \"علي\".\n(^٤) أخرج آخره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٩ (٨٥٢٧) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"10","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3359>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: أصحاب الأعراف رجالٌ كانت لهم ذنوب عظام، وكان حسم (^١) أمرهم لله، يقومون على الأعراف، فإذا نظروا إلى أهل الجنة طمعوا أن يَدْخُلوها، وإذا نظروا إلى أهل النار تعوَّذوا بالله منها، فأُدْخِلوا الجنة، فذلك قوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾. يعنى أصحاب الأعراف، ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أَخْبَرَنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك، [عن ابن عباس] (^٣)، قال: قال ابن عباس: إن الله أَدْخَل أصحاب الأعراف الجنةَ. قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (^٤).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: [﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾. قال: فلما قالُوا لهم الذي قضى الله أن يقولوا - يعنى أصحاب الأعراف - لأهل الجنة وأهل النار] (^٣)، قال الله لأهلِ التكَبُّرِ والأموال: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾، يعنى أصحاب الأعراف، ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ\n_________\n(^١) في الأصل: \"جسيم\"، وفي ف: \"حسمهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٧، ١٤٨٨ (٨٥١٥) ببعضه، والبيهقي في الشعب (٣٨١) وفى البعث والنشور (١٠٨) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٢٢٣.","vol":"10","page":231},{"text":"تَحْزَنُونَ﴾ (^١).\nحدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ الضعفاء ﴿الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾. قال: فقال حذيفة: إن أصحاب الأعرافِ قومٌ تَكافَأت أعمالهم، فقصَّرت بهم حسناتهم عن الجنة، وقصرت بهم سيئاتهم عن النار، فجُعِلوا على الأعرافِ، يَعْرِفون (^٢) الناس بسيماهم، فلمَّا قُضِى بين العبادِ، أُذن لهم في طلب الشفاعةِ، فأتَوْا آدم ﵇، فقالوا: يا آدم، أنت أبونا، فاشْفَعْ لنا عند ربك، فقال: هل تَعْلَمون أحدًا خلقه الله بيدِه، ونفخ فيه مِن رُوحِه، وسبقت رحمته (^٣) إليه غضبَه، وسجَدَت له الملائكة غيرى؟ فيقولون: لا. قال: فيقولُ: ما عمِلْتُ (^٤) كُنْهَ ما أَسْتَطِيعُ أن أَشْفَعَ لكم، ولكن ائتوا ابنى إبراهيم. قال: فيأتون إبراهيم ﵇، فيَسْأَلونه أن يَشْفَعَ لهم عند ربِّه، فيقولُ: هَل تعْلَمون مِن أحدٍ اتَّخَذه الله خليلًا؟ هل تَعْلَمون أحدًا أَحْرَقه قومه في النارِ في اللَّهِ غيرى؟ [فيقولون: لا] (^٥). فيقولُ: ما عملت (^٦) كُنْهَ ما أَسْتَطِيعُ أَن أَشْفَعَ لكم، ولكن ائتوا ابنى موسى. فيأتون موسى ﵇، فيقولُ: هل تَعْلَمون من أحدٍ كلَّمه الله تكليمًا، وقرَّبه نجيًّا غيرى؟ فيقولون: لا. فيقول: ما عَمِلْتُ (^٦) كُنة (^٧) ما أَسْتَطِيعُ أن أَشْفَعَ لكم، ولكن ائتوا عيسى. فيأتونه فيقولون: اشْفَعْ لنا عند ربك. فيقولُ: هل\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٨٩ (٨٥٢٨) عن محمد بن سعد به، دون ذكر أوله.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"يعترفون\". وهما بمعنى، ينظر التاج (ع ر ف).\n(^٣) في م: \"رحمة الله\".\n(^٤) في م، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف، والدر المنثور: \"علمت\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"علمت\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فيه\"، وفى تفسير ابن كثير حيث جاء: \"كنهه\".","vol":"10","page":232},{"text":"تَعْلَمون أحدًا خلَقَهُ اللَّهُ مِن غيرِ أبٍ غيرى؟ فيقولون: لا. فيقولُ: هل تعلمون من أحدٍ كان يُبْرِئُ الأكْمَة والأبرص ويُحْيِي الموتى بإذنِ اللهِ غيرى؟ قال: فيقولون: لا. فيقولُ: أنا حَجيج نفسى، ما عملتُ (^١) كُنْهَ (^٢) ما أَسْتَطِيعُ أَن أَشْفَعَ لكم، ولكن ائتوا محمدًا (^٣). قال رسولُ اللهِ ﷺ: فيَأْتونى، فأَضْرِبُ بيدى على صدرى، ثم أَقولُ: أنا لها. ثم أَمْشِى حتى أَقِفَ بين يدي العرشِ، فأُثْنِي على ربي، فيُفْتَحُ لى مِن الثناءِ ما لم يَسْمَعِ السامعون بمثله قط، ثم أَسْجُدُ فيُقالُ لى: يا محمد، ارْفَعْ رأسك، سلْ تُعْطَه، واشْفَعْ تُشَفَّعْ. فأرفع رأسى (^٤) فأقولُ: رب أمَّتى. فيقال: هم لك. فلا يَبْقَى نبيٌّ مرسَلٌ ولا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ إلا غبطنى يومئذٍ بذلك المقام، وهو المقام المحمود. قال: فآتى بهم باب الجنةِ، فَأَسْتَفْتِحُ، فيُفْتَحُ لى ولهم، فيُذْهَبُ بهم إلى نهرٍ يقال له: نهرُ الحيوان (^٥). حافتاه قَصَبٌ (^٦) من ذهبٍ، مُكَلَّلٌ باللؤلؤ، ترابه المسْك، وحَصْباؤُه الياقوتُ، فيَغْتَسِلون منه، فتَعودُ إليهم ألوان أهل الجنة وريحُ (^٧) [أهل الجنة] (^٨)، ويصيرون كأنهم الكواكبُ الدُّرِّيةُ، ويَبْقَى في صدورهم شاماتٌ بيضٌ يُعرفون بها، يقال لهم: مساكينُ أهل الجنة\" (^٩).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"علمت\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"فيه كنه\".\n(^٣) بعده في م: \"رسول الله ﷺ\".\n(^٤) بعده في الأصل: \"ثم أثنى على ربى ثم أخر ساجدًا، فيقال لى: ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع. فأرفع رأسى\". وينظر الدر المنثور وتفسير ابن كثير.\n(^٥) في م، والدر المنثور: \"الحياة\".\n(^٦) في الأصل، م: \"قضب\".\n(^٧) في م: \"ريحهم\".\n(^٨) سقط من: ص، ص، ت ١، ت ٢ ت ٣، س، ف.\n(^٩) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤١٨ عن حذيفة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى المصنف. وينظر ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٥٥، ٩٥٦ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٨٤، ١٤٨٥ =","vol":"10","page":233},{"text":"حدِّثْتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمِعْتُ الضحاك، قال: إن اللَّهَ أَدْخَل (^١) بعد أصحابَ الأعراف (^٢) الجنةَ، وهو قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾. يعني أصحاب الأعراف، وهذا قول ابن عباسٍ.\nفتأويل الكلام على هذا التأويل الذي ذكرنا عن ابن عباس ومن ذكرنا قولَه فيه: قال الله لأهل التكبُّرِ عن الإقرار بوَحْدانيته، والإذعان لطاعته وطاعة رسله، الجامعين في الدنيا الأموال، مكاثرة ورياءً: أيها الجبابرة (^٣) كانوا في الدنيا، أهؤلاء الضعفاء الذين كنتم في الدنيا أَقْسَمْتُم لا يَنالُهم الله برحمةٍ؟ فإني (^٤) قد غفَرْتُ لهم ورحمتهم بفضلى ورحمتى، ادْخُلُوا يا أصحاب الأعراف الجنةَ، لا خوفٌ عليكم بعدها من عقوبةٍ تُعاقبون بها على ما سلف منكم في الدنيا من الآثام والإجرام، ولا أنتم تحزنون على شيءٍ فاتكم في دنياكم.\nوقال أبو مجلز: بل هذا القولُ خبرٌ من اللهِ عن قيل الملائكةِ لأهل النارِ بعد ما دخلوا النار، تغييرًا منهم لهم على ما كانوا يقولون في الدنيا للمؤمنين الذين أدْخَلَهم الله يومَ القيامة جنته. وأما قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فخبرٌ من الله عن أمره أهل الجنة بدخولها.\nحدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، قال:\n_________\n= (٨٤٩٩)، والبيهقى في البعث والنشور (١١٠) من طريق الشعبي عن حذيفة، وما أخرجه الحاكم ٢/ ٣٢٠ - ومن طريقه البيهقى في البعث (١٠٩) - من طريق الشعبي عن صلة عن حذيفة.\n(^١) في م: \"أدخلهم\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) بعده في م: \"الذين\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال\".","vol":"10","page":234},{"text":"نادَت الملائكة رجالًا في النارِ يَعْرِفونهم بسيماهم ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾. قال: فهذا حين دخل أهل الجنة الجنةَ ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1004\"></span><span data-type='title' id=toc-3360>القول في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن الله تعالى ذكره عن استغاثة أهل النار بأهل الجنة عند نزول عظيم البلاء بهم، من شدة العطش والجوع؛ عقوبةً من الله لهم على ما سلف منهم في الدنيا، من ترك طاعة الله في أداء ما كان فرض عليهم فيها في أموالهم من حقوق المساكين، من الزكاة والصدقة. يقول تعالى ذكره: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ بعد ما دخلوها ﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ بعد ما سكنوها ﴿أَنْ﴾ يا أهل الجنةِ ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ [أي: أَوْسِعُونَا مِنَ الماءِ] (^١). ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. أَيْ: أَطْعِمونا مما رزقكم الله من الطعام.\nكما حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. قال: من الطعام (^٢).\nحدثني يونس، قال: أَخْبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. قال: يَسْتَطْعِمونهم ويَسْتَسْقُونهم (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩٠، ١٤٩١ (٨٥٣٤) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٠ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٩١ (٨٥٣٥) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"10","page":235},{"text":"فأجابهم أهل الجنة: إن الله ﵎ حرَّم الماء والطعام على الذين جحدوا توحيده، وكذبوا في الدنيا رسله.\nوالهاء والميم في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا﴾. عائدتان على \"الماء\"، وعلى \"ما\" التي في قوله: ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾.\nوبنحو ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3361>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن عثمان الثقفي، عن سعيدِ بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. قال: يُنادِى الرجلُ أخاه أو أباه، فيقولُ: قد احْتَرَقْتُ، أَفِضُ عليَّ من الماء. فيقال لهم: أجيبوهم. فيقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (^١).\nوحدَّثني المثنى، قال: ثنا ابن دُكَيْنٍ، قال: ثنا سفيان، عن عثمان، عن سعيد بن جبير: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. قال: يُنادِى الرجلُ أخاه: يا أخى قد احْتَرَقْتُ فأَغِثنى. فيقولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (^٢).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إِنَّ\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ١١٣، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٦٩ عن وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩٠ (٨٥٣٢) من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين به من قول ابن عباس.","vol":"10","page":236},{"text":"اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. قال: طعام (^١) الجنة وشرابها (^٢).\n\n<span id=\"aya-1005\"></span><span data-type='title' id=toc-3362>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن الله جلَّ ثناؤه عن قِيل أهل الجنة للكافرين، يقول تعالى ذكره: فأجاب أهل الجنةِ أهلَ النارِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الذين كفروا بالله ورسله، ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ الذي أمرهم الله به، ﴿لَهْوًا وَلَعِبًا﴾. يقولُ: سُخريةً ولعِبًا.\nوروى عن ابن عباس في ذلك ما حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس (^٣): ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ [قال: لعبًا] (^٤).\nوذلك أنهم كانوا إذا دُعُوا إلى الإيمانِ سخروا ممن دعاهم إليه، وهزئوا به؛ اغترارا بالله.\n﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: وخدعهم عاجل ما هم فيه من العيش والخفض والدَّعَةِ، عن الأخذ بنصيبهم من الآخرة، حتى أتتهم المنية، يقولُ الله جل ثناؤُه: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾. أي: ففى هذا اليوم، وذلك يوم القيامةِ، ﴿نَنْسَاهُمْ﴾. يقولُ: نَتْرُكُهم في العذابِ\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"أهل\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩١ (٨٥٣٧) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٣) بعده في م: \"في قوله\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"ولعبا\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩١ (٨٥٣٩) من طريق أبي صالح به.","vol":"10","page":237},{"text":"المُهين (^١) جياعًا عِطاشًا بغير طعام ولا شراب، كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا، ورفضوا الاستعداد بإتعاب أبدانهم في طاعةِ اللهِ.\nوقد بينا معنى قوله: ﴿نَنْسَاهُمْ﴾. بشواهده فيما مضى، بما أغْنَى عن إعادته (^٢).\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3363>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن جابرٍ، عن مجاهد: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾. قال: نَسُوا في العذابِ (^٣).\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾. قال: نتركهم كما تركوا لقاء يومهم هذا (^٤).\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿نَنْسَاهُمْ﴾. قال: نَتْرُكُهم في النارِ.\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾. قال: نَتْرُكهم (^٥) كما تركوا لقاء (^٦) يومهم هذا (^٧).\n_________\n(^١) في م: \"المبين\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٩/ ٢٤٤، ٢٤٥.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩٢ عقب الأثر (٨٥٤٣) معلقا.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣٠ عن معمر به، وهو في تفسير مجاهد ص ٣٣٧.\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"من الرحمة\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"أن يعملوا للقاء\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩٢ (٨٥٤٣)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٠٢٦)، من طريق عبد الله بن صالح به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٠ إلى ابن المنذر.","vol":"10","page":238},{"text":"[حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد، قال: حدَّثنا أسْبَاطُ، عن السدى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾] (^١)\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ الآية. يقولُ: نسيهم الله من الخير، ولم ينسهم من الشرِّ (^٢).\nحدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: سمعتُ مجاهدًا في قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾. قال: نُؤَخِّرُهم في النارِ (^٣).\nوأما قوله: ﴿وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. فإن معناه: فاليوم ننساهم هذا كما نسُوا لقاء يومهم، وكما كانوا بآياتِنا يَجْحَدون.\nفـ \"ما\" التي في قوله: ﴿وَمَا كَانُوا﴾. معطوفة على \"ما\" التي في (^٤) قوله: ﴿كَمَا نَسُوا﴾.\nوتأويل الكلام: فاليومَ نَتْرُكُهم في العذاب كما تركوا العمل في الدنيا للقاء الله يومَ القيامة، وكما كانوا بآياتِ اللهِ (^٥)، وهى حججُه التي احْتَجَّ بها عليهم؛ من الأنبياء والرسل والكتب وغير ذلك، ﴿يَجْحَدُونَ﴾: يُكَذِّبون، ولا يُصَدِّقون بشيءٍ من ذلك.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩٢ (٨٥٤٥) من طريق أحمد بن المفضل به، ولفظه: نتركهم من الرحمة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩٢ (٨٥٤٦) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩٢ (٨٥٤٤) من طريق ابن جريج، عن مجاهد.\n(^٤) في الأصل: \"مع\".\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يجحدون\".","vol":"10","page":239},{"text":"<span id=\"aya-1006\"></span><span data-type='title' id=toc-3364>القول في تأويل قوله جل وعزَّ: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: أُقسم يا محمد لقد جئنا هؤلاء الكفرة ﴿بِكِتَابٍ﴾، يعني القرآن الذي أنزله إليه، يقول: لقد أنزلنا إليهم هذا القرآنَ مُفَصَّلًا مُبَيَّنًا فيه الحق من الباطل، [﴿عَلَى عِلْمٍ﴾. يقولُ: على علم منا بحقِّ ما فُصِّل فيه من الباطل] (^١) الذي ميَّز فيه بينه وبين الحق، و﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾. يقولُ: بيَّناه لنَهْدِى به ونَرْحَمَ به قومًا يُصَدِّقون به وبما فيه من أمر الله ونهيه، وأخباره، ووعده ووعيده، فيُنْقِذَهم. الضلالة إلى الهدى.\nوهذه الآية مردودة على قوله: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [الأعراف: ٢]. ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾.\nو\"الهدى\" في هذا هذا الموضعِ نُصِبَ على القطع من الهاء التي في قوله: ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾. ولو نُصِب على فعلِ ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ فيكون المعنى: فصَّلْنا الكتاب كذلك. كان صحيحًا.\nولو كان قُرِئ (هُدى ورحمة) كان في الإعراب فصيحًا، وكان خفضُ ذلك بالردِّ على \"الكتاب\".\n\n<span id=\"aya-1007\"></span><span data-type='title' id=toc-3365>القول في تأويل قوله جلَّ وعزَّ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾:</span>\nيقول تعالى ذكره: هل يَنْتَظِرُ هؤلاء المشركون الذين يُكَذِّبون بآياتِ اللَّهِ، ويَجْحَدون لقاءه ﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾. يقولُ: إلا ما يَقُولُ إليه أمرهم، مِن وُرودِهم على\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ف.","vol":"10","page":240},{"text":"عذاب الله، وصليِّهم نار (^١) جحيمه، وأشباه ذلك (^٢) مما أَوْعَدهم الله به.\nوقد بيَّنا معنى التأويل فيما مضى بشواهده، بما أغْنَى عن إعادته في هذا الموضع (^٣).\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3366>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾. أي: ثوابه، ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾. أي: ثوابه (^٤).\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾. قال: تأويله عاقبته (^٥).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾. قال: جزاءه، ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾. قال: جزاؤه (^٦).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بن أبي زائدة، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هذا\"، وفى ف: \"بهذا\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٥/ ٢٢٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩٤ (٨٥٥٧) من طريق يزيد به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩٤ (٨٥٦٢) عن محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣٠ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٠ إلى أبي الشيخ.\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٣٣٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩٤ (٨٥٦١)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٠ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"10","page":241},{"text":"[حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿تَأْوِيلُهُ﴾. قال: جَزَاؤُه] (^١).\nحدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾: أما تأويله، عَواقِبُه، مثلُ وقعة بدرٍ، والقيامة، وما وَعَدَ فيه من موعد (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أَبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾: فلا يزالُ يقعُ مِن (^٣) تأويله أمرٌ بعد أمرٍ، حتى يتم تأويله يوم القيامة، ففى ذلك أَنزَلَ اللَّهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾. حيثُ أَتَابَ اللَّهُ جلَّ ثناؤه أولياءه وأعداءه ثوابَ أعمالهم، ﴿يَقُولُ﴾ يومئذٍ ﴿الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ من الآية (^٤).\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾: فهو (^٥) يومُ القيامة (^٦).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩٤ (٨٥٥٨) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٣) زيادة من: م.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩٤ (٨٥٦٠) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به بمعناه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٠ إلى أبى الشيخ.\n(^٥) في م: \"قال\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩٤ (٨٥٥٩) عن محمد بن سعد به.","vol":"10","page":242},{"text":"تَأْوِيلُهُ﴾. قال: [يوم تأتى حقيقته] (^١). وقرأ قولَ اللَّهِ تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠]. قال: هذا تحقيقها. وقرأ قولَ اللَّهِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾: قال: ما يعلم حقيقته، ومتى يأتى، إلا الله (^٢).\nوأما قولُه: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ فإن معناه: يوم يجئ ما يَقُولُ إليه أمرهم من عقاب الله ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: يقولُ الذين ضَيَّعوا، وتَرَكوا ما أُمروا به من العمل المُنَجِّيهم مما آل إليه أمرُهم يومَئِذٍ مِن العذاب، من قبل ذلك في الدنيا: لـ ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾، أقسم المساكين حين عاينوا البلاء، وحَلَّ بهم العقاب، إن رُسُلَ اللَّهِ التي أتتهم بالنِّذَارِةِ، وبَلَّغَتْهم عن الله الرسالة، قد كانت نَصَحَت لهم، وصَدَقَتْهم عن الله، وذلك حين لا ينفَعُهم التصديقُ، ولا يُنَجِّيهم مِن سَخَطِ اللهِ وأليم عقابه، كثرةُ القالِ والقيل.\nوبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3367>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد (^٣) بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾: أما ﴿الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ فتركوه، فلما رأوا ما وَعَدَهم أنبياؤُهم اسْتَيْقَنوا فقالوا: ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ (^٤).\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي\n_________\n(^١) في م: \"يأتي تحقيقه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩٤ (٨٥٦٣)، من طريق أصبغ، عن ابن زيد بنحوه.\n(^٣) بعده في م: \"بن عمرو\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩٥ (٨٥٦٥، ٨٥٦٦) من طريق أحمد به.","vol":"10","page":243},{"text":"نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾: أَعْرَضُوا عنه (^١).\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.\n\n<span data-type='title' id=toc-3368>القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ من الله جلَّ ثناؤه عن هؤلاء المشركين الذين وَصَفَ صِفَتَهم أنهم يقولون عند حلولِ سَخَطِ الله بهم، ووُرُودِهم أليم عذابه، ومُعاينَتِهم تأويل ما كانت رسلُ اللهِ تَعِدُهم: هل لنا من أصدقاء وأولياء اليوم، فيَشْفَعوا لنا عند ربنا، فتُنَجِّينا شفاعتهم عنده مما قد حَلَّ بنا من [غضب اللَّهِ وسَخطه، وتُرَضِّيَه عنا، أو إن لم تُرَضِّه عنا، لما قد سلَف منا من] (^٢) سوء فعالنا في الدنيا، فهل (^٣) نُرَدُّ إلى الدنيا مرةً أخرى، فنَعْملَ فيها بما يُرْضِيه ويُعْتِبُه مِن أنفسنا؟ قال هذا القول المساكين هنالك؛ لأنَّهم كانوا عَهِدوا في الدنيا أنفسهم لها شفعاءُ تشفع لهم في حاجاتهم، فتَذَكَّروا (^٤) ذلك في وقت لا خُلَّةَ فيه لهم ولا شفاعة.\nيقولُ الله جلّ ثناؤه: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. يقولُ: غَبَنَوا أنفسهم حُظُوظها، ببيعهم ما لا خطر له من نعيم الآخرةِ الدائم، بالخسيس مِن عَرَضِ الدنيا الزائلِ، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. يقولُ: وأَسْلَمَهم لعذابِ اللَّهِ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٣٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩٥ (٨٥٦٤).\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) في م، ت ١: \"أو\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فيذكروا\".","vol":"10","page":244},{"text":"وجارَ (^١) عنهم أولياؤهم الذين كانوا يَعْبُدونهم مِن دونِ اللَّهِ، ويَزْعُمون كذبًا وافتراءً أنهم أربابُهم مِن دونِ اللَّهِ.\nحدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ قوله: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. يقول: بشَّروها (^٢) بخُسرانٍ (^٣).\nوإنما رُفِع قولُه: ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾. ولم يُنْصَبْ عطفًا على قوله: ﴿فَيَشْفَعُوا﴾. لأن المعنى: هل لنا من شفعاء فيَشْفَعوا لنا، أو هل نُرَدُّ فنعمل غير الذي كُنَّا نعمل؟ ولم يُرَدُّ به العطفُ على قوله: ﴿فَيَشْفَعُوا﴾.\n\n<span id=\"aya-1008\"></span><span data-type='title' id=toc-3369>القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: إن سيدكم ومُصْلِحَ أموركم أيُّها الناسُ، هو المعبود الذي له العبادة من كلِّ شيءٍ، الذي خَلَقَ السماواتِ والأرض في ستة أيام، وذلك يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة.\nكما حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا أبو عَوَانةَ، عن أبى بشر، عن مجاهد، قال: بَدْءُ الخلقِ العرشُ والماء والهواء، وخُلِقَت الأرضُ من الماء، وبدأ الخلق يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وجُمِعَ الخلقُ في يوم الجمعة، فتَهَوَّدَت اليهود يوم السبت. ويومٌ من الستة الأيام كألف سنةٍ مما تَعُدُّون (^٤).\n_________\n(^١) في ص: \"حاز\"، وفى م، ت ٢، ت ٣: \"جاد\"، وفى ت ١، س: \"حار\"، وفى ف: \"جاز\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شروها\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩٥ (٨٥٦٩) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٤) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ٢/ ٢٤٢ (٨٠٦) من طريق أبي عوانة به، وأخرجه ابن أبي شيبة =","vol":"10","page":245},{"text":"﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. وقد ذكَرنا معنى الاستواءِ واختلافَ الناس فيه فيما مَضَى قبلُ، بما أغنى عن إعادته (^١).\nوأما قولُه: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، فإنه يقولُ: يُورِدُ الليل على النهارِ فيُلبِسُه إياه، حتى يُذْهِبَ نَضْرته ونورَه، ﴿يَطْلُبُهُ﴾. يقول: يطلبُ الليلُ النهارَ ﴿حَثِيثًا﴾. يعني: سريعًا.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3370>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾. يقولُ: سريعًا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾. قال: يُغْشى الليلَ النهارَ، فيذهبُ بضَوْئِه، ويطلُبُه سريعًا حتى يُدْرِكَهُ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-3371>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّكم اللهُ الذي خَلَقَ السماواتِ والأرضَ والشمسَ\n_________\n= ١٤/ ١٠٦ من طريق أبي عوانة، عن أبي كثير، عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩١ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٥٤ - ٤٥٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩٨ (٨٥٨٢) من طريق أبي صالح به.\n(^٣) أخرج شطره الأول ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٩٧ (٨٥٨١) من طريق أحمد بن المفضل به، وشطره الثاني ٥/ ١٤٩٨ عقب الأثر (٨٥٨٢) من طريق عمرو، عن أسباط به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٢ إلى أبي الشيخ.","vol":"10","page":246},{"text":"والقمرَ والنجومَ مُسَخَّرًا (^١) كلُّ ذلك بأمرِه، أَمَرَهنَّ اللهُ فَأَطَعْنَ لأمرِه (^٢)، ألَا له الخلقُ كلُّه، والأمرُ الذي لا يُخالَفُ، ولا يُرَدُّ أمرُه دونَ ما سِواه مِن الأشياءِ كلِّها، ودونَ ما عَبَدَه المشركون مِن الآلهةِ والأوثانِ التي لا تضرُّ ولا تنفعُ، ولا تخلُقُ ولا تأمُرُ، تبارَك معبودُنا الذي له عبادةُ كلِّ شيءٍ ربُّ العالمين.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ أبو عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، قال: ثنى عبدُ الغفارِ بنُ عبدِ العزيزِ الأنصاريُّ، عن عبدِ العزيزِ الشاميِّ، عن أبيه، وكانت له صحبةٌ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَن لم يَحْمَدِ الله على ما عَمِلَ مِن عملٍ صالحٍ، وحَمِدَ نفسَه، قَلَّ شُكْرُه، وحَبِطَ عملُه، ومَن زَعَمَ أَن اللَّهَ جَعَلَ للعبادِ مِن الأمرِ شيئًا، فقد كَفَرَ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ على أنبيائِه؛ لقولِه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ \" (^٣).\n\n<span id=\"aya-1009\"></span><span data-type='title' id=toc-3372>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: ادْعُوا أَيُّها الناسُ ربَّكم وحدَه، فأَخْلِصوا له الدعاءَ، دونَ ما تَدْعُون مِن دونِه من الآلهةِ والأصنامِ ﴿تَضَرُّعًا﴾. يقولُ: تَذَلُّلًا واستكانةً لطاعتِه، ﴿وَخُفْيَةً﴾. يقولُ: بخشوعِ قلوبِكم، وصحةِ اليقينِ منكم بوحدانيتِه فيما بينَكم وبينَه. لا جهارًا مراءاةً وقلوبُكم غيرُ موقِنةٍ بوحدانيتِه وربوبيتِه، فِعْلُ أهلِ النفاقِ والخداعِ للهِ ولرسولِه.\nكما حدَّثني المُثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"أمره\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٢٣، والحافظ في الإصابة ٧/ ٢٦٥، وفيهما: عبد الغفار بن عبد العزيز. كما هذا، والذي في كتب التراجم أن اسمه عبد الغفور بن عبد العزيز. ينظر التاريخ الكبير ٦/ ١٣٧، والجرح والتعديل ٦/ ٥٥، والثقات ٥/ ١٢٥ ولسان الميزان ٤/ ٤٣، وسيأتي في ١٢/ ٤١٩ باسم عبد العزيز بن عبد الغفور.","vol":"10","page":247},{"text":"المُباركِ بن فَضالةَ، عن الحسنِ، قال: إن كان الرجلُ لقد جَمَعَ القرآن وما يشعُرُ به جارُه، وإن كان الرجلُ لقد فَقِهَ الفقهَ الكثيرَ (^١) وما يشعُرُ به الناسُ، وإن كان الرجلُ ليُصَلِّي الصلاةَ الطويلةَ في بيتِه، وعندَه الزَّوْرُ (^٢) وما يَشْعرون به، ولقد أَدْرَكْنا أقوامًا ما كان على الأرضِ مِن عملٍ يَقْدِرون على أن يَعْمَلُوه في السرِّ فيكونَ علانيةً أبدًا، ولقد كان المسلمون يَجْتَهدون في الدعاءِ، وما يُسْمَعُ لهم صوتٌ، إن كان إلا هَمْسًا بينَهم وبينَ ربِّهم، وذلك أن الله يقولُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾. وذلك أن الله ذَكَرَ عبدًا صالحًا ورَضِيَ فعلَه، فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٢)﴾ (^٣) [مريم: ٣].\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، عن أبي موسى، قال: كان النبيُّ ﷺ في غَزاةٍ، فأشْرَفوا على وادٍ [فجعَل الناسُ] (^٤) يُكَبِّرون ويُهَلِّلون ويَرْفَعون أصواتَهم، فقال: \"أيُّها الناسُ ارْبَعُوا (^٥) على أنفسِكم، إنكم لا تَدْعُون أَصَمَّ ولا غائِبًا، إنكم تَدْعُون سميعًا قريبًا، إنه (^٦) معكم\" (^٧).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾. قال: السِّرُّ (^٨).\n_________\n(^١) في الأصل: \"الكبير\".\n(^٢) في م: \"الزوار\". وفى ص: \"الروز\"، وفى ت ١، س، ف: \"السرور\". والزَّور: الزائرون، اسم للجمع ويكون للواحد والمذكر والمؤنث بلفظ واحد. تاج العروس (ز ور).\n(^٣) الزهد لابن المبارك (١٤٠)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٢، ٩٣ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) اربعوا: ارفقوا. تاج العروس (ر ب ع).\n(^٦) سقط من: م، وفي ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"أنا\".\n(^٧) أخرجه ابن ماجه (٣٨٢٤) من طريق جرير به، وأخرجه الطيالسي (٤٩٥)، والبخاري (٢٩٩٢، ٤٢٠٥)، ومسلم (٢٧٠٤) وغيرهم من طريق عاصم الأحول به.\n(^٨) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٢٤ عن ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٢ إلى=","vol":"10","page":248},{"text":"وأما قولُه: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. فإن معناه: إن ربَّكم لا يُحِبُّ مَن اعْتَدى، فتجاوزَ حَدَّه الذي حَدَّه لعبادِه، في دعائِه ومسألتِه ربَّه، ورَفْعِه صوتَه فوقَ الحدِّ الذي حَدَّ لهم في دعائِهم إياه ومسألتِهم، وفى غيرِ ذلك مِن الأمورِ.\nكما حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، قال: أنبأنا إسماعيلُ بنُ حمادِ بن أبي سليمانَ، عن عبادِ بن عبادِ بن (^١) علقمةَ، عن أبي مِجْلزٍ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. قال: لا تسألْ منازلَ الأنبياءِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: في الدعاءِ ولا في غيرِه. قال ابن جريجٍ: مِن الدعاءِ اعتداءٌ، يُكْرَهُ رفعُ الصوتِ، والنداءُ والصياحُ بالدعاءِ، ويُؤمَرُ بالتضرُّع والاستكانةِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1010\"></span><span data-type='title' id=toc-3373>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾: لا تُشْرِكوا بالله في الأرض، ولا تَعْصُوه فيها، وذلك هو الفسادُ فيها.\nوقد ذَكَرنا الروايةَ في ذلك فيما مَضَى، وبَيَّنَّا معناه بشواهدِه (^٤).\n﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾. يقولُ: بعدَ إصلاحِ اللهِ إياها لأهلِ طاعتِه،\n_________\n= المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ١٣٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٠٠ (٨٥٩٧) من طريق معتمر بن سليمان به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٠٠ (٨٥٩٩)، وأما قول ابن جريج فقد ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٢٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٣ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٩٦ - ٢٩٩.","vol":"10","page":249},{"text":"بابْتعاثِه فيهم الرسلَ دعاةً إلى الحقِّ، وإيضاحِه حُجَجَه لهم، ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، يقولُ: وأخْلِصوا له الدعاءَ والعملَ، ولا تُشْرِكوا في عملِكم له شيئًا غيرَه مِن الآلهةِ والأصنامِ وغيرِ ذلك، وليكنْ ما يكونُ منكم مِن (^١) ذلك خوفًا مِن عقابِه، وطمَعًا في ثوابِه، فإِنَّ مَن كان دعاؤُه إياه على غيرِ ذلك، فهو بالآخرةِ مِن المُكذِّبين؛ لأن مَن لم يَخَفْ عقابَ اللَّهِ، ولم يَرْجُ ثوابَه، لم يُبالِ ما رَكِبَ مِن أمرٍ يَسْخَطُه اللهُ ولا يَرْضَاه، ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: إن ثوابَ اللهِ الذي وعَد المحسنين على إحْسانِهم في الدنيا قريبٌ منهم، وذلك هو رحمتُه؛ لأنه ليس بينَهم وبينَ أن يَصِيروا إلى ذلك مِن رحمتِه وما أعدَّ لهم مِن كرامتِه، إلا أن تُفارِقَ أرواحُهم أجسادَهم.\nولذلك مِن المعنى ذُكِّرَ قولُه: ﴿قَرِيبٌ﴾. وهو مِن خبرِ \"الرحمةِ\"، و\"الرحمةُ\" مؤنثةٌ؛ لأنه أُرِيدَ به القربُ في الوقتِ لا في النسبِ. والأوقاتُ بذلك المعنى، إذا وقعَت أخبارًا للأسماءِ أَجْرَتْها العربُ مُجْرَى الحالِ (^٢)، فَوَحَّدَتها مع الواحدِ والاثنينِ والجميعِ، وذَكَّرَتها مع المؤنثِ، فقالوا: كرامةُ اللهِ (^٣) بعيدٌ مِن فلانٍ، وهى قريبٌ مِن فلانٍ. كما يقولون: هندٌ منَّا قريبٌ، والهندان منا قريبٌ، والهنداتُ منا قريبٌ؛ لأن معنى ذلك: هي في مكانٍ قريبٍ منَّا. فإذا حَذَفوا المكانَ، وجَعَلوا القريبَ خلفًا منه، ذَكَّروه ووَحَّدُوه في الجمعِ، كما كان المكانُ مذكَّرًا وموحَّدًا في الجمعِ. وأما إذا أَنَّثُوه أخْرَجوه مثنًّى مع الاثنينِ، ومجموعًا مع الجميعِ، فقالوا: هي قريبةٌ مِنَّا، وهما [قَرِيبتان منك] (^٤). كما قال عروةُ بنُ الوردِ (^٥):\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"في\".\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ف: \"المحال\".\n(^٣) بعده في الأصل، ص، ت ١، س، ف: \"فلانة\".\n(^٤) في ص، م: \"منا قريبتان\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منا قريبان\".\n(^٥) كذا في النسخ والصواب عروة بن حزام، والبيت في معاني القرآن للفراء ١/ ٣٨١، ونسبه إلى عروة فقط،=","vol":"10","page":250},{"text":"عَشِيَّةَ لَا عَفْرَاءُ مِنْكَ قَريبةٌ … فَتَدْنُو ولا عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدُ\nفأنَّثَ \"قريبةً\"، وذَكَّر \"بعيدًا\" على ما وَصَفْتُ، ولو كان \"القريبُ\" مِن القرابةِ في النسبِ، لم يكنْ مع المؤنثِ إلا مؤنثًا، ومع الجمعِ إلا مجموعًا.\nوكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: ذُكِّر ﴿قَرِيبٌ﴾، وهو صفةٌ لـ \"الرحمةِ\"، وذلك كقولِ العربِ: ريحٌ خَرِيقٌ (^١)، ومِلْحَفَةٌ جَديدٌ، وشاةٌ سَديسٌ (^٢). قال: وإن شئتَ قلتَ: تفسيرُ الرحمةِ ههنا المطرُ ونحوُه، فلذلك ذُكِّرَ، كما قال: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا﴾ [الأعراف: ٨٧]. فذَكَّر؛ لأنه أرادَ الناسَ. وإن شئتَ جعلتَه كبعضِ ما يُذَكِّرون مِن المؤنثِ، كقولِ الشاعرِ (^٣):\n* وَلَا أَرضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا *\nوقد أنكَر ذلك (^٤) بعضُ أهلِ العربيةِ، ورأى أنه يَلْزَمُه إِن جازَ أَن يُذَكِّرَ \"قريبًا\" تَوْجيهًا منه لـ \"الرحمة\" إلى معنى المطرِ، أن يقولَ: هندٌ قامَ. توجيهًا منه لـ \"هند\" وهى امرأةٌ، إلى معنى \"إنسانٍ\"، ورأى أن ما شبَّه به قولَه: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا﴾. غيرُ مُشْتَبِهَيْن (^٥). وذلك أن \"الطائفةَ\" فيما زعَم مصدرٌ بمعنى \"الطَّيفِ\"، كما الصيحةُ والصياحُ بمعنًى، ولذلك قيل: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧].\n\n<span id=\"aya-1011\"></span><span data-type='title' id=toc-3374>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا (^٦) بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾.</span>\n_________\n= ونسب إلى عروة بن حزام في الأغانى ٢٤/ ١٥٥، وخزانة الأدب ٣/ ٢١٥ والبيت فيهما برواية أخرى.\n(^١) ريح خريق: شديدة، وقيل: لينة سهلة. فهو ضد. اللسان (خ ر ق).\n(^٢) شاة سَديس: أي أتت عليها السنة السادسة. اللسان (س د س).\n(^٣) هو عامر بن جوين الطائى. وهذا شطر بيت تقدم تخريجه في ١/ ٤٥٩.\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"من قيله\".\n(^٥) في م: \"مشبهه\".\n(^٦) في النسخ: \"نشرا\" وأثبتناها في تصحيفنا، وسيأتي كلام المصنف في القراءات في الآية.","vol":"10","page":251},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّكم اللهُ الذي خَلَقَ السماواتِ والأرضَ والشمسَ والقمرَ والنجومَ مسخراتٍ بأمرِه، وهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نَشْرًا بِينَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ.\nو\"النَّشْرُ\"، بفتحِ النونِ وسكونِ الشينِ في كلامِ العربِ، مِن الرياحِ، الطيِّبةِ اللينةِ الهُبوبِ، التي تُنْشِئُ السحابَ، وكذلك كلُّ ريحٍ طيِّبةٍ عندَهم فهو (^١) نَشْرٌ، ومنه قولُ امرئِ القيسِ (^٢):\nكأَنَّ المُدَامَ (^٣) وَصَوْبَ الغَمَامِ … وَرِيحَ الخُزَامَى (^٤) ونَشْرَ القُطُرْ (^٥)\nوبهذه القراءةِ قرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الكوفيِّين (^٦)، خلا عاصمِ بن أبي النَّجودِ، فإنه كان يقرؤُه: ﴿بُشْرًا﴾ على اختلافٍ عنه فيه، فرَوَى ذلك بعضُهم عنه: ﴿بُشْرًا﴾ بالباءِ وضَمِّها وسكون الشينِ (^٧)، وبعضُهم بالباءِ وضَمِّها وضمِّ الشينِ معها (^٨). وكان يتأوَّلُ في قراءتِه ذلك كذلك قولَه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦]. [وأنه جَمْعُ بشيرٍ، تُبَشِّرُ بالمطرِ جُمِع بُشُرًا] (^٩)، كما يُجْمَعُ النذيرُ نُذُرًا.\nوأما قرَأَةُ المدينةِ وعامةُ قرأةِ المكيِّين والبصريِّين، فإنهم قَرَءوا ذلك: (وَهُوَ الَّذى\n_________\n(^١) في م: \"فهى\".\n(^٢) ديوانه ص ١٥٧.\n(^٣) المُدَام، والمُدامة: الخمر، لسان العرب (د وم).\n(^٤) الخزامى: نبت طيب الريح. لسان العرب (خ ز م).\n(^٥) القطر: رائحة العود. لسان العرب (ق ط ر).\n(^٦) وهي قراءة حمزة والكسائى وخلف، وقرأ ابن عامر بضم النون وسكون الشين. النشر ٢/ ٢٠٢.\n(^٧) وهى رواية حفص وأبى بكر. ينظر المصدر السابق.\n(^٨) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف، وهذه القراءة ذكرها عنه في المحتسب ١/ ٢٥٥، والبحر المحيط ٤/ ٣١٦، وقرأ بها ابن عباس والسلمي وابن أبي عبلة.\n(^٩) في م: \"تبشر بالمطر وأنه جمع بشير بشرا\".","vol":"10","page":252},{"text":"يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نُشُرًا) بضَمِّ النونِ والشينِ (^١)، بمعنى جمعِ نَشورٍ جُمع نُشُرًا، كما يُجْمَعُ الصَّبورُ صُبُرًا، والشَّكُورُ شُكُرًا.\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ (^٢) يقولُ: معناها إذا قُرِئت كذلك أنها الريحُ التي تَهُبُّ مِن كلِّ ناحية، وتجيءُ مِن كلِّ وجه.\nوكان بعضُهم يقولُ: إذا قُرِئت بضَمِّ النونِ، فينبغي أن تُسَكَّنَ شِينُها؛ لأن ذلك لغةٌ بمعنى \"النَّشْرِ\" بالفتحِ، وقال: العربُ تَضُمُّ النونَ مِن \"النُّشْرِ\" أحيانًا، وتفتحُ أحيانًا بمعنًى واحدٍ. وقال: فاختلافُ القرَأةِ في ذلك على قَدْرِ اختلافِها في لُغتها فيه. وكان يقولُ: هو نظيرُ \"الخَسْفِ\" و\"الخُسْفِ\"، بفتحِ الخَاءِ وضمِّها.\nوالصوابُ مِن القولِ (^٣) في ذلك أن يقالَ: إن قراءةَ مَن قرَأ ذلك: (نَشْرًا) و(نُشُرًا)، بفتح النونِ وسكونِ الشينِ، وبضمِّ النونِ والشين، قراءتان مشهورتان في قرأةِ الأمصار [متقاربتا المعنى، فبأيِّهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ في ذلك. وأما قراءةُ ذلك بالباءِ، فقراءةٌ قليلٌ مَن يقرأُ بها مِن قرأَةِ الأمصارِ] (^٤)، فلا أُحبُّ القراءةَ بها، وإن كان لها معنًى صحيحٌ، ووجهٌ مفهومٌ في المعنى والإعرابِ؛ لِما ذَكَرناه مِن العلةِ (^٥).\nوأما قولُه: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾. فإنه يقولُ: قُدَّامَ رحمتِه وأمامَها.\nوالعربُ تقولُ كذلك لكلِّ شيءٍ يحْدُثُ قُدَّامَ شيءٍ وأَمامَه: جاء بينَ يَدَيْه؛\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو، وأبي جعفر ويعقوب. النشر ٢/ ٢٠٣.\n(^٢) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٢١٧.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"القراءة\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) القراءة بالباء وسكون الشين متواترة.","vol":"10","page":253},{"text":"لأن ذلك مِن كلامِهم جرَى في أخبارِهم عن بنى آدمَ، وكَثُر به استعمالُه (^١) فيهم، حتى قالوا ذلك في غيرِ بنى (^٢) آدمَ وما لا يَدَ له.\nو\"الرحمةُ\" التي ذَكَرها جلَّ ثناؤُه في هذا الموضعِ، المطرُ.\nفمعنى الكلامِ إذن: واللهُ الذي يرسلُ الرياحَ لَيِّنًا هُبوبها، طيِّبًا نَسِيمُها، أمامَ غَيْثِه الذي يسوقُه بها إلى خلقِه، فيُنْشِئُ بها سحابًا ثقالًا، حتى إذا أقَلَّتها - والإقلالُ بها حَمْلُها، كما يقالُ: اسْتقلَّ البعيرُ بحِمْلِه وأقلَّه. إذا حَمَله فقامَ به - ساقَهُ اللَّهُ لإحياءِ بلدٍ مَيِّتٍ قد تَعَفَّت مزارعُه، ودَرَسَت مشاربُه، وأَجْدَبَ أهلُه، فأنزَل به المطرَ، وأَخْرَجَ به مِن كلِّ الثمراتِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3375>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نَشْرًا بينَ يَدَى رَحْمَتِهِ) إلى قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. قال: إن الله يُرسلُ الريحَ، فتأتى بالسحابِ مِن بين الخافقَين، طرفِ السماءِ والأرضِ مِن (^٣) حيثُ يَلْتَقيان، فيُخْرِجُه مِن ثَمَّ، ثم يَنشُرُه فَيَبْسُطه في السماءِ كيف يشاءُ، ثم يَفتحُ أبوابَ السماءِ، فيَسِيلُ الماءُ على السحابِ، ثم يمطِرُ السحابُ بعدَ ذلك، وأما: ﴿رَحْمَتِهِ﴾: فهو المطرُ (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، س، ف: \"استعمالهم\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"ابن\".\n(^٣) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٠١، ١٥٠٢ (١٦٠٥، ٨٦٠٩) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٣ إلى أبى الشيخ.","vol":"10","page":254},{"text":"وأما قولُه: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فإنه يقولُ تعالى ذكرُه: كما نُحْيِي هذا البلدَ الميتَ بما نُنَزِّلُ به مِن الماءِ الذي نُنَزِّلُه مِن السحابِ، فنُخرِجُ به مِن الثمراتِ بعدَ موتِه وجُدُوبتِه وقُحُوطِ أهلِه، كذلك نُخرِجُ الموتَى مِن قبورِهم أحياءً بعد فنائِهم، ودُرُوسِ آثارِهم، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه للمشركين به مِن عبدةِ الأصنامِ، المُكذِّبين بالبعثِ بعدَ المَماتِ، المُنْكِرين الثوابَ والعقابَ: ضَرَبْتُ لكم أيُّها القومُ هذا المثلَ الذي ذَكَرتُ لكم، مِن إحياءِ البلدِ الميتِ بقَطْرِ المطرِ، الذي يَأْتى به السحابُ، الذي تَنْشُرُه الرياحُ التي وَصَفْتُ صفتَها؛ لتَعْتَبروا، فتَذْكُروا وتَعْلَموا أن مَن كان فِعلُ (^١) ذلك مِن قُدرتِه، فيسيرٌ في قدرتِه (^٢) إحياءُ الموتى بعدَ فنائِها، وإعادتُها خلقًا سَوِيًّا بعدَ دُرُوسِها.\nوبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3376>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: وكذلك تُخْرَجون، وكذلك النشورُ، كما يُخْرِجُ (^٣) الزرع (^٤) بالماءِ (^٥).\nوقال أبو هريرةَ: إن الناسَ إذا ماتوا في النفخةِ الأولى، أُمْطِرَ عليهم من ماءٍ تحتَ العرشِ يُدْعَى ماءُ الحيوانِ أربعين سنةً، فيَنْبتُون كما يَنْبُتُ الزرعُ مِن الماءِ، حتى إذا اسْتُكْمِلت أجسادُهم، نُفِخَ فيهم الروحُ، ثم تُلْقَى عليهم نَوْمةٌ، فَيَنامون في\n_________\n(^١) ليست في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) سقط من: م، وفي ص: \"مقدرته\".\n(^٣) في م: \"نخرج\".\n(^٤) في الأصل: \"الزروع\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٠٣ (٨٦١٤) من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"10","page":255},{"text":"قُبُورِهم، فإذا نُفِخَ في الصورِ الثانيةَ، عاشوا (^١)، وهم يَجِدون طعمَ النومِ في رءوسِهم وأعينِهم، كما يجدُ النائمُ حينَ يستيقظُ مِن نومِه، فعندَ ذلك يقولون: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. فَناداهم المنادِى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ (^٢) [يس: ٥٢].\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾. قال: تُمطِرُ السماءُ حتى تَنْشَقَّ عنهم الأرضُ.\n[حدَّثني المُثنى، قال: حدثني أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾. قال: إذا أراد اللهُ أن يُخرجَ الموتى، أمطَر السماءَ حتى تَنْشَقَّ عنهم الأرضُ] (^٣)، ثم يرسلَ الأرواحَ، فتعودُ (^٤) كلُّ رُوحٍ إلى جسدِها، فكذلك يُحْيِي اللهُ الموتَى بالمطرِ كإحيائِه الأرضَ (^٥).\n\n<span id=\"aya-1012\"></span><span data-type='title' id=toc-3377>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: والبلدُ الطيبةُ تربتُه، العذبةُ مشاربُه، يخرجُ نباتُه إذا أَنزَل اللهُ به الغيثَ، وأرسَل عليه الحيا بإذنِه، طيبًا ثمرُه في حينِه ووقتِه، والذي خَبُث فَردُؤَت تربتُه، ومَلُحَت مشاربُه، لا يَخْرُجُ نباته (^٦) ﴿إِلَّا نَكِدًا﴾. يقولُ: إلا\n_________\n(^١) في الأصل: \"عاشوها\".\n(^٢) أصله في مسلم (٢٩٥٥/ ١٤١) عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي ﷺ.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٤) في ص، والدر المنثور: \"فتهوى\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٣٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٠٣ (٨٦١٣) مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٣ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٦) ليس في: الأصل.","vol":"10","page":256},{"text":"عَسِرًا في شدَّةٍ، كما قال الشاعرُ (^١):\nلا تُنْجِزُ الوعدَ إِنْ وَعَدْتَ وإِن … أعْطَيتْ أَعْطَيتَ تَافِهًا نَكِدَا\nيعني بـ \"التَّافِه\" القليلَ، وبـ \"النَّكِدِ\" العَسِرَ. يقالُ منه: نَكِدَ يَنْكَدُ نَكَدًا ونَكْدًا، فهو نَكَدٌ ونَكِدٌ، والنُّكْدُ المصدرُ. ومن أمثالِهم: نَكْدًا وجَحْدًا. و: نُكْدًا وجُحْدًا، والجُحْدُ الشدَّةُ والضيقُ. ويقالُ: [قد نُكِد] (^٢). إذا شُفِه (^٣) وسُئِل. وقد نَكَدُوه، يَنْكُدُونه نَكْدًا. كما قال الشاعرُ (^٤):\nوأَعْطِ ما أَعْطَيْتَه طَيِّبًا … لا خيرَ في المَنْكُودِ والنَّاكِدِ\nواخْتَلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُ أهلِ المدينةِ: (إِلَّا نَكَدًا) بفتحِ الكافِ (^٥).\nوقرَأه بعضُ الكوفيِّين بسكونِ الكافِ: (نَكْدًا) (^٦).\nوخالَفَهما بعدُ سائرُ القرَأةِ في الأمصارِ، فَقَرَءوه: ﴿إِلَّا نَكِدًا﴾ بكسر الكافِ (^٧).\nوكأن مَن قرَأه: (نَكَدًا) بنصبِ الكافِ أرادَ المصدرَ، وكأن مَن قرَأه بسكونِ الكافِ أرادَ كسرَها، فسَكَّنَها على لغةِ مَن قال: هذه فِخْذُ وكِبْدٌ. وكان الذي يجبُ عليه إذا أرادَ ذلك أن يكسِرَ النونَ من \"نِكْدٍ\" حتى يكونَ قد أصابَ القياسَ.\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا قراءةُ مَن قرَأه ﴿نَكِدًا﴾ بفتحِ النونِ\n_________\n(^١) البيت في مجاز القرآن ١/ ٢١٧، ولسان العرب (ت ف هـ)، وهو غير منسوب فيهما.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) المَشفُوه: إذا كثر سؤال الناس إياه حتى نفد ما عنده. لسان العرب ش ف هـ.\n(^٤) البيت في اللسان (ن ك د) غير منسوب.\n(^٥) وهى قراءة أبي جعفر المدنى، من العشرة. النشر ٢/ ٢٠٣.\n(^٦) وهى قراءة ابن محيص، وهى شاذة. إتحاف فضلاء البشر ص ١٣٦.\n(^٧) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبي عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف. ينظر المصدران السابقان.","vol":"10","page":257},{"text":"وكسرِ الكافِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن قَرَأَةِ الأمصارِ عليه.\nوقولُه: ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: كذلك نبيِّنُ لهم (^١) آيةً بعدَ آيةٍ، ونُدْلِى (^٢) بحجةٍ بعدَ حجةٍ، ونضرِبُ مثلًا بعدَ مثلٍ، لقومٍ يَشْكُرون الله على إنعامِه عليهم بالهدايةِ، وتَبصيرِه إياهم سبيلَ أهلِ الضلالةِ، باتِّباعهم ما أمَرَهم باتباعِه، وتَجَنُّبِهم ما أمَرهم بتجنُّبِه مِن سُبُلِ الضلالةِ. وهذا مَثَلٌ ضَرَبَه اللهُ للمؤمنِ والكافرِ، فالبلدُ الطيبُ الذي يخرجُ نباتُه بإذنِ رَبِّهِ، مَثَلٌ للمؤمنِ، والذي خَبُثَ فلا يخرُجُ نباتُه إِلا نَكِدًا، مَثَلٌ للكافرِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3378>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾: فهذا مَثَلٌ ضَرَبه اللهُ للمؤمنِ، يقولُ: هو طيبٌ، وعملُه طيبٌ، كما البلدُ الطيبُ ثمرُه طيبٌ، ثم ضرَب مَثَلَ الكافرِ، كالبلدةِ السَّبِخةِ المالحةِ التي لا (^٣) تخرُجُ منها البَرَكَةُ، فالكافرُ هو الخبيثُ، وعملُه خبيثٌ (^٤).\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾، ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾: كلُّ ذلك مِن الأرضِ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في الأصل، ص، س: \"ندل\"، وفى ف: \"يدل\".\n(^٣) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف. وينظر التبيان ٤/ ٤٣٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٠٣، ١٥٠٤ (٨٦١٥، ٨٦١٩) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٣ إلى ابن المنذر.","vol":"10","page":258},{"text":"السِّباخِ وغيرِها، مثلُ آدمَ وَذُرِّيته [كلِّهم، منه (^١) خبيثٌ وطَيِّبٌ] (^٢) (^٣).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾. قال: هذا مثلٌ ضَرَبَه اللهُ في الكافرِ والمؤمنِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾: مثلٌ ضرَبه اللهُ للقلوبِ، يقولُ جلَّ ثناؤُه: ينزلُ الماءُ فيُخرجُ البلدُ الطيِّبُ نباتَه بإذنِ ربِّه - ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ (^٥): هي السَّبِخَةُ لا تُخْرِجُ نباتَها إلَّا نَكِدًا، والنَّكِدُ الشيءُ القليلُ الذي لا ينفَعُ - فكذلك القلوبُ لما نزَل القرآنُ، فالقلبُ المؤمنُ لا دخَله القرآنُ آمَن به، وثَبَتَ الإيمانُ [في قلبِه] (^٦)، والقلبُ الكافرُ لما دَخَله القرآنُ لم يَتَعلَّقْ منه شيءٌ ينفعُه، ولم يَثْبُتْ فيه مِن الإيمانِ شيءٌ إلا ما لا ينفَعُ، كما لم يُخْرِجْ هذا البلدُ إلا ما لا ينفعُ من النباتِ (^٧).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف. وفي تفسير مجاهد وابن أبي حاتم: \"منهم\".\n(^٢) في م، والدر المنثور: \"فيهم طيب وخبيث\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٣٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٠٣ (٨٦١٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٢٨ عن معمر به.\n(^٥) سقط من: ص، م، ف.\n(^٦) في م: \"فيه\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٠٣ (٨٦١٧) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٣ إلى أبى الشيخ.","vol":"10","page":259},{"text":"نَكِدًا﴾. قال: الطيبُ ينفعُه المطرُ فيَنْبُتُ، ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾: السِّباخُ لا ينفعُه المطرُ، لا يخرُج نباتُه إلا نَكِدًا. قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لآدمَ وذرِّيته كلِّهم، إنما خُلِقوا مِن نفسٍ واحدةٍ، فمنهم مَن آمَن باللهِ وكتابِه، فطابَ، ومنهم مَن كفَر باللَّهِ وكتابِه، فخَبُث (^١).\n\n<span id=\"aya-1013\"></span><span data-type='title' id=toc-3379>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾.</span>\nأقسَمَ ربُّنا جلَّ ثناؤُه للمُخاطَبِين بهذه الآيةِ، أنه أرسَل نوحًا إلى قومِه، مُنْذرَهم بأسَه، ومَخوِّفَهم سَخَطَه، على عبادتِهم غيرَه، فقال لمَن كفَر منهم: يا قومِ اعبُدوا الله الذي له العبادةُ، وذِلُّوا له بالطاعةِ، واخْضَعوا له بالأستكانةِ، ودَعُوا عبادةَ ما سِواه مِن الأنْدادِ والآلهةِ، فإنه ليس لكم [إلهٌ - يعنى معبودًا -] (^٢) يَسْتَوجبُ عليكم العبادةَ غيرُه، فإنى أخافُ عليكم إن لم تَفْعَلوا ذلك ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. يعنى: عذابَ يومٍ يَعْظُمُ فيه بلاؤُكم، بمَجيئِه إياكم بسَخَطِ رَبِّكم.\nواختلفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿غَيْرُهُ﴾؛ فقرَأ ذلك بعضُ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: (ما لكم من إلهٍ غيرِه) بخفضِ \"غير\" على النعتِ لـ \"الإلهِ\" (^٣).\nوقرأَه جماعةٌ من أهلِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ برفعِ \"غير\" (^٤)، ردًّا لها على موضعِ ﴿مِنْ﴾؛ لأن موضعَها رفعٌ، لو نُزِعَت مِن الكلامِ لكان الكلامُ رفعًا. وقيل: ما لكم إلهٌ غيرُ اللَّهِ. فالعربُ - لِمَا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٣ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: م، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"يعني معبود\".\n(^٣) وهي قراءة أبي جعفر والكسائي. النشر ٢/ ٢٠٣.\n(^٤) وبها قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة ويعقوب وخلف. المصدر السابق.","vol":"10","page":260},{"text":"وصَفْتُ مِن أن المَفهومَ (^١) بالكلامِ، أُدْخِلَت ﴿مِنْ﴾ فيه أو أخْرِجَت، وأنها تُدْخِلُها أحيانًا في مثلِ هذا مِن الكلامِ، وتُخْرِجُها منه أحيانًا - تردُّ ما نعَتت به الاسمَ الذي عمِلت فيه على لفظِه [أحيانًا، وعلى معناه أحيانا؛ لما وصفتُ.\nوقد زعَم بعضُهم أن \"غيرَ\"] (^٢) إذا (^٣) خُفِضت، فعلى كلامٍ واحدٍ؛ لأنها نعتٌ لـ \"الإلهِ\"، وأنها (^٤) إذا رُفِعَتْ، فعلى كلامَين: ما لكم غيرُه مِن إلهٍ. وهذا قولٌ يَسْتَضْعِفُه أهلُ العربيةِ.\n\n<span id=\"aya-1014\"></span><span data-type='title' id=toc-3380>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عن جوابِ (^٥) مُشْركي قومِ نوحٍ لنوحٍ، وهم الملأُ - والملأُ: الجماعةُ مِن الرجالِ لا امرأةَ فيهم - أنهم قالوا له حينَ دَعاهم إلى عبادةِ اللَّهِ وحدَه لا شريكَ له: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ﴾ يا نوحُ ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يَعْنون: في أمرٍ زائلٍ عن الحقِّ، مبينٍ زوالُه عن قَصْدِ الحَقِّ (^٦) لَمَن تأمَّلَه.\n\n<span id=\"aya-1015\"></span><span data-type='title' id=toc-3381>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال نوحٌ لقومِه مُجِيبًا لهم: يا قومِ لم آمُرْكم بما أمرتُكم به مِن إخلاصِ التوحيدِ للَّهِ، وإفرادِه بالطاعةِ، دونَ الأنْدادِ والآلهةِ، زوالًا مِنِّي عن مَحَجَّةِ الحقِّ، وضلالًا لسبيلِ الصوابِ، وما بي ما تَظُنُّون مِن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"المعلوم\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ف.\n(^٣) في م: \"فإذا\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"إنما\"، وفى م: \"أما\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"جراءة\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"الحد\".","vol":"10","page":261},{"text":"الضلالِ، ولكنِّى رسولٌ إليكم مِن ربِّ العالمين بما أمرتُكم به؛ مِن إفرادِه بالطاعةِ، والإقرارِ له بالوحدانيةِ، والبراءةِ مِن الأنْدادِ والآلهةِ.\n\n<span id=\"aya-1016\"></span><span data-type='title' id=toc-3382>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه عن نبيِّه نوحٍ أنه قال لقومهِ الذين كَفروا باللهِ وكذَّبوه: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أرسَلني إليكم، فأنا أبلِّغُكم رسالات ربِّى، وأنصحُ لكم في تَحْذيرى إياكم عقابَ الله، على كفرِكم به، وتَكْذِيبِكم إيايَ، ورَدِّكم نَصيحَتي، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ مِن أن عقابَه لا يُرَدُّ عن القومِ المجرمين.\n\n<span id=\"aya-1017\"></span><span data-type='title' id=toc-3383>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه أيضًا عن قيلِ نوحٍ لقومِه أنه قال لهم، إذ رَدُّوا عليه نَصيحتَه في اللهِ، وأنكَروا أن يكونَ اللهُ بَعَثَه نبيًّا، وقالوا له: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا * وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾ [هود: ٢٧]: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: أَوَ عَجِبْتُم أن جاءكم تذكيرٌ مِن اللهِ وعِظَةٌ، يُذَكِّرُكم بما أنزَل ربُّكم على رجلٍ منكم. قيل: معنى قولِه: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾: مع رجلٍ منكم. ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾. يقولُ: ليُنْذِرَكم (^١) بأسَ اللَّهِ، ويخوِّفَكم عقابَه على كفرِكم به،\n_________\n* هنا نهاية الموجود من الجزء التاسع عشر من نسخة جامعة القرويين، والمشار إليه بالأصل، وسيجد القارئ بعد ذلك أرقام النسخة \"ت ١\" بين معكوفين.\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"كما ينذركم\".","vol":"10","page":262},{"text":"﴿وَلِتَتَّقُوا﴾. يقولُ: وكى تتَّقوا عقابَ اللهِ وبأسَه، بتوحيدِه وإخلاصِ الإيمانِ به، والعمل بطاعتِه، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. يقولُ: وليرحَمَكم ربُّكم إن اتَّقَيتُم الله وخِفْتُموه وحَذِرتُم بأسَه.\nوفُتِحَت (الواو) مِن قولِه: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾؛ لأنها واو عطفٍ، دَخَلَت عليها ألفُ استفهامٍ.\n\n<span id=\"aya-1018\"></span><span data-type='title' id=toc-3384>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فكَذَّب نوحًا قومُه، إذ أخبرَهم أنه للهِ رسولٌ إليهم، يأْمُرُهم بخَلْعِ الأنْدادِ، والإقرارِ بوحدانيةِ اللهِ، والعملِ بطاعتِه، وخالَفوا أمرَ ربِّهم، ولَجُّوا في طُغيانِهم يَعْمَهُون، فأنْجاه اللهُ في الفلكِ والذين معه مِن المؤمنينَ به، وكانوا بنوحٍ ﵇ أنفُسًا (^١) عشرةً، فيما حدَّثني به ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابن إسحاقَ: نوحٌ وبنوه الثلاثةُ؛ سامٌ وحامٌ ويافتُ، وأزواجُهم، وستةُ أناسيَّ ممن كان آمَن به (^٢).\nوكان حَمَلَ معه في الفُلكِ مِن كلِّ زوجين اثنين، كما قال ﵎: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]. والفُلك هو السفينة.\n﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: وأغرقَ اللَّهُ الذين كَذَّبوا بحُجَجِه، ولم يَتَّبعوا رسولَه (^٣)، ولم يَقْبَلوا نصيحتَه إياهم في اللَّهِ بالطوفانِ، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾. يقولُ: عَمِينَ عن الحقِّ.\n_________\n(^١) في م: \"ثلاث\". والمثبت موافق لما ترجمه المصنف في ١٢/ ٤١١، وفى تاريخه من أنهم كانوا عشرة سوى نسائهم.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٨٩.\n(^٣) في م: \"رسله\".","vol":"10","page":263},{"text":"كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿عَمِينَ﴾ قال: عن الحقِّ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَوْمًا عَمِينَ﴾. قال: العَمَى، العامِي عن الحقِّ.\n\n<span id=\"aya-1019\"></span><span data-type='title' id=toc-3385>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد أرسَلنا إلى عادٍ أخاهم هودًا. ولذلك نَصَبَ ﴿هُودًا﴾؛ لأنه معطوفٌ به على نوحٍ، ﵉. قال هودٌ: يا قومِ، اعبُدُوا الله فأفْرِدُوا له العبادةَ، ولا تَجْعَلوا معه إلهًا غيرَه؛ فإنه ليس لكم إلهٌ غيرُه، أَفَلَا تَتَّقُونَ ربَّكم فتَحْذَرُونه، وتَخافون عقابَه بعبادتِكم غيرَه، وهو خالقُكم ورازقُكم دونَ كلِّ ما سِواه.\n\n<span id=\"aya-1020\"></span><span data-type='title' id=toc-3386>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عما أجابَ هودًا به قومُه الذين كَفَروا باللَّهِ: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يعني: الذين جَحَدوا توحيدَ اللهِ، وأنكَروا رسالةَ [اللهِ هودًا] (^٢) إليهم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ﴾ يا هودُ ﴿فِي سَفَاهَةٍ﴾، يَعْنون: في ضلالةٍ عن الحقِّ والصوابِ بتَرْكِك دينَنا وعبادةَ آلهتِنا، وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكَاذِبِينَ فِي قِيلِك: إني\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٣٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٠٨ (٨٦٤١).\n(^٢) في م: \"هود\".","vol":"10","page":264},{"text":"رسولٌ مِن ربِّ العالمين.\n\n<span id=\"aya-1021\"></span>﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾. يقولُ: أي: ضلالةٌ عن الحقِّ والصوابِ، وَلكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العَالَمينَ أرسَلَنى، فأنا أُبَلِّغُكم رسالاتِ ربي، وأُؤدِّيها إليكم كما أمَرَنى أن أُؤدِّيَها.\n\n<span id=\"aya-1022\"></span><span data-type='title' id=toc-3387>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)﴾.</span>\nيعنى بقوله: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾: أؤدِّى ذلك إليكم أيُّها القومُ، ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ﴾. يقولُ: وأنا لكم في أمرى [ناصحٌ، في أمرى] (^١) إياكم بعبادةِ اللهِ دونَ ما سِواه من الأنْدادِ والآلهةِ، ودُعائِكم إلى تَصْديقى فيما جئتُكم به من عندِ اللهِ، ناصِحٌ فاقْبَلُوا نَصِيحتي (^٢)، أمينٌ على وَحْيِ اللهِ، وعلى ما ائْتَمَننى اللهُ عليه مِن الرسالةِ، لا أكذبُ فيه ولا أزيدُ ولا أبدِّلُ، بل أبلِّغُ ما أُمِرْتُ به كما أُمرت.\n\n<span id=\"aya-1023\"></span>﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾. يقولُ: أَوَعَجِبتم أن أنزلَ اللهُ وَحْيَه بتَذْكيرِكم وعِظَتِكم على ما أنتم عليه مُقِيمون من الضلالةِ، ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ بِأسَ اللَّهِ، ويُخَوِّفَكم عقابَه. ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾. يقولُ: فاتَّقُوا اللَّهَ في أنفسِكم، واذْكُروا ما أحلَّ بقومٍ نوح مِن العذابِ إذ عَصَوْا رسولَهم، وكَفَروا بربِّهم، فإنكم إنما جَعَلكم ربُّكم خلفاءَ في الأرضِ منهم، لمَّا أهْلَكَهم أبْدَلكم منهم فيها، فاتَّقُوا اللَّهَ أَن يَحِلَّ بكم نظيرُ ما حَلَّ بهم مِن العقوبة فيُهْلِكَكم، ويُبدِلَ منكم غيرَكم، سنَّتَه في قومِ نوحٍ قبلَكم على\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) بعده في م: \"فإني\".","vol":"10","page":265},{"text":"معصيتِكم إياه، وكفرِكم به، ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾: زادَكم (^١) في أجسامِكم طولًا وعِظَمًا على أجسامِ قومِ نوحٍ، وفي [قُواكم على قُواهم] (^٢)؛ نعمةً منه بذلك عليكم، [فاذْكُرُوا نِعَمَه] (^٣) وفضلَه الذي فَضَّلَكم به عليهم في أجسامِكم وقُواكم (^٤)، واشكُروا الله على ذلك بإخلاصِ العبادةِ له، وتركِ الإشراكِ به، وهَجْرِ الأوثانِ والأنْدادِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: كي تُفْلِحوا فتُدْرِكوا الخلودَ والبقاءَ في النعيمِ في الآخرةِ، وتُنْجِحُوا في طَلِباتِكم عندَه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3388>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾. يقولُ: ذَهَبَ بقومِ نوحٍ، واسْتَخْلَفَكم مِن بعدِهم (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾. أي: ساكنى الأرضِ بعد قومِ نوحٍ (^٦).\nوبنحوِ الذي قُلنا أيضًا قالوا في تأويلِ قولِه: ﴿بَسْطَةً﴾.\n_________\n(^١) في م، ت ١، س، ف: \"زاد\".\n(^٢) في م: \"قوامكم على قوامهم\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف\n(^٤) في م: ت ١، ت ٢، س ف: \"قوامكم\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٠٩ (٨٦٥١) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٠ (٨٦٥٢) من طريق سلمة به.","vol":"10","page":266},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3389>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾. قال: ما لقُوَّةِ (^١) قومِ عادٍ (^٢).\nوأما \"الآلاءُ\" فإنها جمعٌ، واحدُها: إلى، بكسرِ الألفِ، في تقديرِ \"مِعًى\"، ويقالُ: \"أَلًى\". في تقديرِ \"قَفًا\" بفتحِ الألفِ، وقد حُكِي سماعًا مِن العربِ\" \"إلْىٌ\" مثلَ \"حِسْى\". والآلاءُ النعمُ. وكذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3390>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾. أي: نِعَمَ اللهِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما ﴿آلَاءَ اللَّهِ﴾ فنعمُ اللهِ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:\n_________\n(^١) في م: \"لقوام\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٠ (٨٦٥٥) من طريق أحمد بن المفضل به ولفظه: في الطول، وأخرج قبله (٨٦٥٤) من طريق أصبغ، عن ابن زيد ولفظه: في القوة قوة عاد. وهو انتقال نظر من الناسخ، فإن الآية في الأثرين واحدة، وتقدم أن المصنف فسر البسطة بالزيادة في الطول والزيادة في القوة، ينظر ص ٢٢٦.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٠ عقب الأثر (٨٦٥٦) معلقا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٠ عقب الأثر (٨٦٥٦) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.","vol":"10","page":267},{"text":"﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾. قال: آلاؤُه نِعَمُه (^١).\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وعادٌ، هؤلاء القومُ الذين وصَف اللهُ صفتَهم، وبعَث إليهم هودًا يَدْعُوهم إلى توحيدِ اللهِ، واتباعِ ما أتاهم به مِن عنده (^٢) - هم فيما حدَّثنا به ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، ولدُ عادِ بن [عَوْصِ بن إرمَ] (^٣) بن سامِ بن نوحٍ (^٤).\nوكانت مساكنُهم الشِّحْرَ (^٥) من أرضِ اليمنِ، وما وَالى بلادَ حضرَموتَ إلى عُمان.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، أن عادًا قومٌ كانوا باليمنِ، بالأحقافِ (^٦).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن عبدِ اللهِ بن أبي سعيدٍ الخزاعيِّ، عن أبي الطُّفيلِ عامِر بن واثِلةَ، قال: سمعتُ عليَّ بنَ أبى طالبٍ ﵁ يقولُ لرجلٍ مِن حضرَموت: هل رأيتَ كثيبًا أحمرَ تُخالِطُه مَدَرَةٌ حمراءُ، ذا أرَاكٍ وسِدْرٍ كثيرٍ بناحيةِ كذا وكذا مِن أرضِ حضرَموتَ (^٧)، هل رأيتَه؟ قال: نعم يا أميرَ المؤمنين، واللهِ إنك لتَنْعَتُه نعتَ رجلٍ قد رآه. قال: لا، ولكنى\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٠ عقب الأثر (٨٦٥٦) معلقا.\n(^٢) في ف: \"عند ربهم\".\n(^٣) في النسخ: \"إرم بن عوص\". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر جمهرة أنساب العرب ص ٤٦٢.\n(^٤) ذكره المصنف في تاريخه ١/ ٢١٦، وابن كثير في البداية والنهاية ١/ ٨٢، والثعالبي في عرائس المجالس ص ٥٣.\n(^٥) الشِّحر: الساحل. تاج العروس (ش ح ر).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٠٨ (٨٦٤٤) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٧) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ س، ف: \"فقال\".","vol":"10","page":268},{"text":"قد حُدِّثتُ عنه. فقال الحضرميُّ: وما شأنُه يا أميرَ المؤمنين؟ قال: فيه قبرُ هودٍ صلواتُ اللهِ عليه (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كانت منازلُ عادٍ وجماعتِهم (^٢) حينَ بعَث اللهُ فيهم هودًا، الأحقافَ. قال: والأحقافُ الرملُ فيما بينَ عُمانَ إلى حَضرَمَوتَ [فاليمنِ كلِّه] (^٣)، وكانوا مع ذلك قد فَشَوا في الأرضِ كلِّها وقهَروا أهلَها بفضلِ قوَّتِهم التي آتاهم اللهُ، وكانوا أصحابَ أوثانٍ يعبُدونها من دونِ الله؛ صنمٌ يقال له: صداءُ. وصنمٌ يقالُ له: صَمُودُ. وصنمٌ يقالُ له: الهَبَاءُ (^٤). فَبَعَثَ اللهُ إليهم هودًا، وهو مِن أوْسَطِهم نسبًا وأفضلهم موضعًا، فأمَرهم أن يُوحِّدوا الله، ولا يجعَلوا معه إلهًا غيرَه، وأن يَكُفُّوا عن ظلم الناس - لم يأمُرْهم فيما يُذْكَرُ، واللهُ أعلمُ، بغيرِ ذلك - فأبَوا عليه وكذَّبوه، وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، واتَّبَعَه منهم ناسٌ وهم يسيرٌ، [مُكتَتِمون بإيمانِهم] (^٥)، وكان ممن آمَن به وصَدَّقه رجلٌ مِن عادٍ يقالُ له: مَرْثَدُ بنُ سعدِ بن عُفَيرٍ (^٦). وكان يكتُمُ إيمانَه، فلما عَتَوْا على اللَّهِ وكَذَّبوا نبيَّهم، وأكْثروا في الأرضِ الفسادَ، وتَجَبَّروا، وبَنَوا بكلِّ رِيعٍ آيةً عَبَثًا بغيرِ نفعٍ، كَلَّمهم هودٌ، فقال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٣١]. قالوا: ﴿يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٣]\n_________\n(^١) أخرجه البخارى في الكبير ١/ ١٣٥ من طريق ابن إسحاق به، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٣٦/ ١٣٨، ١٣٩ من طريق الأصبغ بن نباتة، عن علي نحوه مطولا.\n(^٢) في ف: \"جماعة\".\n(^٣) في م: \"باليمن\".\n(^٤) في ت ١، ص: \"الهناء\".\n(^٥) في م: \"يكتمون إيمانهم\".\n(^٦) في ف: \"عفر\".","vol":"10","page":269},{"text":"أي: ما هذا الذي جئتنا به إلَّا جنونٌ أصابَك به بعضُ آلهتِنا هذه التي تعيبُ. قال: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾. إلى قوله: ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٣ - ٥٦]. فلما فَعَلوا ذلك أمسَكَ اللهُ عنهم المطرَ مِن السماءِ ثلاثَ سنينَ - فيما يَزْعُمون - حتى جهدَهم ذلك، وكان الناسُ في [ذلك الزمانِ] (^١) إذا نَزَلَ بهم بلاءٌ أو جَهْدٌ، فطَلَبوا إلى اللهِ الفرجَ منه، كانت طَلِبَتُهم إلى اللهِ عندَ بيتِه الحرامِ بمكةَ؛ مسلمِهم ومشركِهم، فيجتمعُ بمكةَ ناسٌ كثيرٌ شتَّى، مختلفةٌ أديانُهم، وكلُّهم مُعَظِّمٌ لمكةَ، يَعْرِفُ حُرْمَتها ومكانَها مِن اللهِ.\nقال ابن إسحاقَ: وكان البيتُ في ذلك الزمانِ معروفًا مكانُه، والحرمُ قائمٌ فيما يَذْكُرون، وأهلُ مكة يومَئذٍ العماليقُ، وإنما سُمُّوا العماليقَ لأن (^٢) أباهم عِمْلِيقُ بنُ لاوَذَ بن سامِ بن نوحٍ، وكان سيدُ العماليقِ إذ ذاك بمكةَ، فيما يَزْعُمون، رجلًا يقالُ له: معاويةُ بنُ بكرٍ. وكان أبوه حيًّا في ذلك الزمانِ، ولكنه كان قد كَبِرَ، وكان ابنُه يَرْأَسُ قومَه، وكان السؤدُدُ والشرفُ مِن العماليقِ، فيما يَزْعُمون، في أهلِ ذلك البيتِ، وكانت (^٣) أمُّ معاويةَ بن بكرٍ كَلْهدةَ ابنةَ الخَيْبَرِيِّ؛ رجلٍ مِن عادٍ، فلما قحَط المطرُ عن عادٍ وجُهدوا، قالوا: جَهِّزُوا منكم وفدًا إلى مكةَ، فليَسْتَسْقوا لكم، فإنكم قد هَلَكتُم. فبَعَثُوا قَيْلَ بنَ عنزٍ (^٤)، ولُقَيْمَ بنَ هَزَّالِ بن هزيلٍ، [وعُتَيْلَ بنَ صدِّ] (^٥) بن عادٍ الأكبرِ، ومَرْثَدَ بنَ سعدِ بن غُفَيرٍ، وكان مسلمًا يكتُمُ إسلامَه (^٦)، وجُلْهُمة بنَ الخبيريِّ (^٧)؛\n_________\n(^١) في ص: ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"زمان\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"أن\".\n(^٣) بعده في عن ١، ت ٢، ت ٣، س: \"معه\".\n(^٤) في م: \"عير\".\n(^٥) في: م: \"وعقيل بن ضد\".\n(^٦) في ف، وتفسير ابن أبي حاتم: \"إيمانه\".\n(^٧) في ف: \"الحبرى\".","vol":"10","page":270},{"text":"خالُ معاويةَ بن بكرٍ؛ أخو أمِّه، ثم بَعَثوا لقمانَ بنَ عادِ بن فلانِ بن فلانِ بن صِدِّ بَنِ عادٍ الأكبر، فانطلقَ كلُّ رجلٍ من هؤلاء القوم معه رَهْطُ مِن قومِه، حتى بلَغ عدةُ وفدِهم سبعينَ رجلًا، فلما قَدِموا مكةَ نَزَلوا على معاويةَ بن بكرٍ، وهو بظاهرِ مكةَ خارجًا مِن الحرمِ، فأنزَلهم وأكْرَمَهم وكانوا أخوالَه وصِهرَه (^١)، فلما نَزَلَ وفدُ عادٍ على معاويةَ بن بكرٍ، أقاموا عندَه شهرًا يَشْرَبون الخمرَ وتُغَنِّيهم الجرادتان؛ قينتانِ لمعاوية بن بكرٍ، وكان مسيرُهم شهرًا، ومُقامُهم شهرًا، فلما رأى معاوية بنُ بكرٍ طولَ مُقامِهم، وقد بَعَثَهم قومُهم يَتَعَوَّذون (^٢) بهم مِن البلاءِ الذي أصابَهم، شَقَّ ذلك عليه، فقال: هلَك أخْوالى وأصْهارى، وهؤلاء مُقيمون عندى، وهم ضَيْفى نازِلون عليَّ، واللهِ ما أدْرى كيف أصنعُ بهم؟ [إن أمرتُهم] (^٣) بالخروجِ إلى ما بُعِثوا له، فيظنُّوا أنه ضِيقٌ منى بمُقامِهم عندى، وقد هلَك مَن وراءَهم مِن قومِهم جَهْدًا وعَطَشًا - أو أو كما قال - فَشَكا ذلك مِن أمرِهم إلى قَبْنتَيه الجرَادَتَين، فقالتا: قُلْ شعرًا نُغَنِّيهم به، لا يَدْرون مَن قالَه، لعلّ ذلك أن يُحرِّكَهم. فقال معاويةُ بنُ بكرٍ حينَ أشارَنا عليه بذلك:\nألَا يا قَيْلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ … لعلَّ الله يُصْبِحُنا (^٤) غَمَامَا\nفَيَسْقِى أَرضَ عادٍ إِنَّ عَادًا … قَدَ امْسَوا لا يُبِينُون الكلامَا\nمن العطشِ الشديدِ فليس نَرْجُو … به الشيخَ الكبيرَ ولا الغُلاما\nوقد كانتْ نساؤُهُمُ بخيرٍ … فقد أَمْسَت نِسَاؤُهُمُ عَرَامَى (^٥)\n_________\n(^١) في م: \"أصهاره\".\n(^٢) في م: \"يتغوثون\".\n(^٣) في التاريخ: \"أستحى أن آمرهم\".\n(^٤) في م: \"يسقينا\".\n(^٥) في م: \"عيامي\". وعرم العظم: نزع ما عليه من اللحم. ينظر اللسان (ع ر م).","vol":"10","page":271},{"text":"وإنَّ الوَحْشَ تَأْتِيهم جِهارًا … ولا تَخْشَى لِعَادِيٍّ سِهَامَا\nوأنتُم هاهنا فيما اشْتَهَيتُم … نهارَكمُ وَلَيْلَكُمُ التَّمَاما\nفَقُبِّحَ وَفْدُكُمْ مِن وَفْدِ قومٍ … ولَا لُقُّوا التَّحِيَّةَ والسَّلامَا\nفلما قال معاوية ذلك الشعرَ، غَنَّتْهم به الجرادتان. فلما سمِعَ القومُ ما غَنَّتا به قال بعضُهم لبعضٍ: يا قومُ إنما بعثَكم قومُكم يَتَعَوَّذون (^١) بكم من هذا البلاءِ الذي نزَل بهم، وقد أبطأتُم عليهم، فادْخُلُوا هذا الحرمَ، واسْتَسْقوا لقومِكم. فقال مَرْثَدُ بنُ سعدِ بن عُفَيرٍ: إنكم واللهِ لا تُسْقَوْن بدُعائِكم، ولكن إن أطعتُم نبيَّكم وأَنَبتُم إليه سُقِيتم. فأظْهَر إسلامه عند ذلك، فقال لهم جُلْهُمَةُ بنُ الخيبريِّ، خالُ معاويةَ بن بكرٍ، حينَ سمِع قولَه، وعرَف أنه قد اتَّبَعَ دينَ هودٍ وآمَن به:\nأبَا سعدٍ فإنَّك مِن قَبِيلٍ … ذَوِى كَرَمٍ وأُمُّكَ مِن ثمودِ\nفإنَّا لن (^٢) نُطِيعَك ما بَقِينا … ولَسْنَا فَاعِلِينَ لِمَا تُرِيدُ\nأَتَأْمُرُنَا لِنَتْرُكَ دِينَ رِفْدٍ … وَزَمْلَ [وَآلَ صُدٍّ والعُبودِ] (^٣)\nونَتْرُكَ دينَ آباءٍ كِرامٍ … ذَوِى رأىٍ ونَتَّبَعَ دينَ هُودِ\nثم قالُوا (^٤) لمعاويةَ بن بكرٍ وأبيه بكرٍ: احْبِسَا عَنَّا مَرْثَدَ بنَ سعدٍ، فَلا يَقْدَمَنَّ معنا مكةَ، فإنه قد اتَّبَعَ دينَ هودٍ وتَرَكَ دينَنا. ثم خَرَجوا إلى مكةَ يَسْتَسْقون بها لعادٍ، فلمَّا وَلَّوا إلى (^٥) مكةَ، خرج مَرْثَدُ بنُ سعدٍ مِن منزلِ معاويةَ بن بكرٍ حتى أدْرَكَهم\n_________\n(^١) في م: \"يتغوثون\".\n(^٢) في م: \"لا\".\n(^٣) في م: \"والصداء مع الصمود\".\n(^٤) في س، والتاريخ: \"قال\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":272},{"text":"بها، [قبل أن يدعُوا] (^١) اللَّهَ بشيءٍ مما خَرَجوا له. فلما انتَهى إليهم (^٢) قام يَدْعُو اللَّهَ بمكةَ، وبها وفدُ عادٍ قد اجْتَمَعوا يَدْعون، يقول: اللهمَّ أعْطِنى سُؤْلى وحدى، ولا تُدْخِلْني في شيءٍ مما يَدْعُوك به وفدُ عادٍ. وكان قَيْلُ بنُ عَنْزِ رأسَ وفدِ عادٍ، وقال وفدُ عادٍ: اللهمَّ أَعْطِ قَيْلًا ما سألَكَ، واجعلْ سؤلَنا مع سُؤْلِه. وكان قد تَخَلَّفَ عن وفدِ عادٍ حينَ دَعَا لقمانُ بنُ عادٍ، وكان سيدَ عادٍ، حتى إذا فَرَغوا مِن دعوتِهم، قام فقال: اللهمَّ إنى جئتُك وحدى في حاجتى فأعْطِنى سُؤْلى. وقال قَيْلُ بنُ عنزٍ حينَ دَعا: يا إلَهنا، إن كان هودٌ صادقًا فاسْقِنا فإنا قد هَلَكْنَا. فَأَنْشَأَ اللَّهُ لهم سحائبَ ثلاثًا؛ بيضاءَ وحمراءَ وسوداءَ، ثم نادَاه مُنادٍ من السحابِ: يا قَيْلُ، اخترْ لنفسِك وقومِك مِن هذا السحابِ. فقال: اخترتُ السحابةَ السوداءَ، فإنها أكثرُ السحابِ ماءً. فَناداه مُنادٍ: اخترتَ رمادًا رِمْددًا (^٣)، لا تُبْقِى مِن (^٤) عادٍ أحدًا، لا والدًا تتركُ ولا ولدًا، إلا جَعَلَتْه هَمِدًا، إلا بنى اللُّوذِيَّةِ المُهَدَّى. وبنو اللُّوذِيَّةِ، بنو لُقَيمِ بنِ هزَّالِ (^٥) ابن هزيلةَ بنتِ (^٦) بكرٍ، وكانوا سكانًا بمكةَ مع أخوالِهم لم يكونوا مع عادٍ بأرضِهم، فهم عادٌ الآخِرةُ، ومَن كان مِن نَسْلِهم الذين بَقُوا مِن عادٍ - وساقَ اللهُ السحابةَ السوداءَ - فيما يَذْكُرون - التي اخْتارَها قَيْلُ بنُ عنزٍ بما فيها مِن النِّقْمةِ إلى عادٍ، حتى خرَجت (^٧) عليهم من وادٍ يُقالُ له: المُغِيثُ. فلما رَأَوها اسْتَبْشَروا بها وقالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾. يقولُ اللَّهُ: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"إن يدعوا\"، وفى م: \"لا أدعو\". والمثبت من التاريخ.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) الرِّمْدد: المتناهى في الاحتراق والدقة. النهاية ١/ ٢٦٢.\n(^٤) بعده في م: \"آل\".\n(^٥) بعده في التاريخ: \"بن هزيل\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"بن\"، والمثبت من التاريخ.\n(^٧) في ص، س، ف: \"تخرج\".","vol":"10","page":273},{"text":"عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤، ٢٥]. أي: كلَّ شيءٍ أُمِرَتْ به. وكان أولَ مَن أبصَر ما فيها وعَرَفَ أنها ريحٌ - فيما يَذْكُرون - امرأةٌ مِن عادٍ يقالُ لها: مَهْدُ (^١). فلما تَيَقَّنَت ما فيها، صاحَت ثم صَعِقَت، فلما أفاقَتْ قالوا: ماذا رأيتِ يا مَهْدُ (^١)؟ قالت: رأيتُ ريحًا فيها كشُهُبِ النارِ، أمامَها رجالٌ يَقودُونها. فسَخَّرَها اللهُ عليهم سبع ليال وثمانية أيامٍ حسومًا، كما قال اللهُ (^٢). والحُسُومُ الدائمةُ، فلم تَدَعْ مِن عادٍ أحدًا إلا هلَك. فاعْتَزَل هودٌ، فيما ذُكِر لى، ومَن معَه مِن المؤمنين في حظيرةٍ، ما يُصيبُه ومَن معه (^٣) إلا ما تَلِينُ عليه الجلودُ، وتَلْتَذُّ (^٤) الأنفسُ، [وإنها لتَمُرُّ على (^٥) عادٍ بالظَّعن] (^٦) ما (^٧) بينَ السماءِ والأرضِ، وتَدْمَغُهم بالحجارة. وخَرَجَ وفدُ عادٍ مِن مكةَ، حتى مَرُّوا بمعاويةَ بن بكرٍ وأبيه (^٨). فنَزَلوا عليه، فبينما هم عندَه، إذ أقبَل رجلٌ على ناقةٍ له، في ليلةٍ مُقْمرةٍ مُسْىَ (^٩) ثالثةٍ مِن مُصابٍ (^١٠) عادٍ، فأخبرَهم الخبرَ، فقالوا له: فأين فارَقْتَ هودًا وأصحابَه؟ قال: فارَقْتُهم بساحلِ البحرِ. فكأنهم شَكُّوا فيما حَدَّثهم به، فقالت هزيلةُ بنتُ بكرٍ: صَدَقَ وربِّ الكعبةِ (^١١).\n_________\n(^١) في م: \"مهدد\".\n(^٢) سورة الحاقة الآية \"٧\".\n(^٣) بعده في م: \"من الريح\".\n(^٤) بعده في م: \"به\".\n(^٥) في التاريخ: \"من\".\n(^٦) في ف: \"وإنما كثر من عاد بالطعن\".\n(^٧) سقط من: م.\n(^٨) في النسخ: \"ابنه\" والمثبت من التاريخ.\n(^٩) في م: \"مساء\"، وهو موافق لإحدى نسخ التاريخ.\n(^١٠) في ص، ف: \"رمضان\".\n(^١١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢١٩ - ٢٢٢ دون أوله، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٠٨، ١٥٠٩، ١٥١١ (٨٦٤٥،٨٦٤٦، ٨٦٤٧، ٨٦٦١) من طريق سلمة به ببعضه، وذكره ابن كثير في تفسيره=","vol":"10","page":274},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، قال: ثنا عاصمٌ، عن الحارثِ بن حسانَ البكريِّ، قال: قَدِمْتُ على رسولِ اللهِ ﷺ، فمررتُ بامرأةٍ بالرَّبَذَةِ (^١)، فقالت: هل أنتَ حاملي إلى رسول الله ﷺ؟ قلتُ: نعم. فَحَمَلتُها حتى قدِمتُ المدينةَ، فَدَخَلتُ المسجدَ، فإذا رسولُ اللهِ ﷺ على المنبرِ، وإذا بلالٌ مُتَقَلِّدٌ السيفَ، وإذا راياتٌ سودٌ. قال: قلتُ: ما هذا؟ قال (^٢): عمرُو بنُ العاصِ قَدِمَ مِن غزوتِه. فلما نزَل رسولُ اللهِ ﷺ عن منبرِه أتيتُه، فاستأذَنتُ فأذِنَ لي، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إن بالبابِ امرأةً مِن بني تميمٍ، وقد سألَتْني أن أحْمِلَها إليك. قال: \"يا بلالُ ائْذَنْ لها\". قال: فدخَلتْ، فلما جلَستْ قال لى رسولُ اللهِ ﷺ: \"هلْ بينَكم وبينَ تميمٍ شيءٌ؟ \". قلتُ: نعم. وكانت الدَّبْرَةُ (^٣) عليهم، فإن رأيتَ (^٤) أن تَجْعَلَ الدَّهْنَاءَ بينَنا وبينَهم حاجزًا فعلتُ. قال: تقولُ المرأةُ: [فأين تضطرُّ مُضَرَك] (^٥) يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: قلتُ: إن مَثَلَى مَثَلُ (^٦) مِعْزًى حَمَلَت حَتْفًا (^٧). قال: قلتُ: وحَمَلتُكِ تكونين عليَّ خَصْمًا؟ أعوذُ باللَّهِ أن أكونَ كوافدِ عادٍ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"وما وَافِدُ عادٍ؟ \". قال: قلتُ: على الخبيرِ سَقَطْتَ، إن عادًا قَحَطت فبعَثت مَن يَسْتَسْقى لها، فبَعَثُوا رجالًا، فمَرُّوا على بكرِ بن معاويةَ، فَسَقاهم الخمرَ، وتَغَنَّتهم الجَرَادَتان شهرًا، ثم\n_________\n= ٣/ ٤٣١ - ٤٣٣، وقال بعده: وهو سياق غريب فيه فوائد كثيرة.\n(^١) الرَّبذة: من قرى المدينة على ثلاثة أميال قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز. معجم البلدان ٢/ ٧٤٩.\n(^٢) في م: \"قالوا\".\n(^٣) في م: \"لنا الدائرة\". وهو موافق لإحدى نسخ التاريخ. والدَّبْرَة: العاقبة، والهزيمة في القتال. تاج العروس (د ب ر).\n(^٤) في ص، ف: \"كانت\".\n(^٥) في م: \"فإلى أين يضطر مضطرك\".\n(^٦) بعده في م: \"ما قال الأول\".\n(^٧) في م: \"حتفها\"، وهو مثل لكل من أعان على نفسه بسوء تدبيره. النهاية ١/ ٣٣٨.","vol":"10","page":275},{"text":"فصَلوا (^١) مِن عندِه، حتى أَتَوا جبالَ مَهَرةَ (^٢)، فَدَعَوا، فجاءت سحاباتٌ. قال: وكُلَّما جاءتْ سحابةٌ، قال: اذْهَبى إلى كذا. حتى جاءت سحابةٌ، فنُودِى منها (^٣): خُذْها رمادًا رِمْدِدًا (^٤)، لا تَدَعُ مِن عادٍ أحدًا. قال: فسَمِعَه وكتَمَهم (^٥)، حتى جاءَهم العذابُ.\nقال أبو كريبٍ: قال أبو بكرٍ بعدَ ذلك في حديثِ عادٍ، قال: فأقبلَ الذي (^٦) أتاهم، فأتَى جبالَ مَهَرةَ، فصَعِدَ فقال: اللهمَّ إنى لم أجِئْك لأسيرٍ فأفادِيَه، ولا لمريضٍ أَشْفِيَه، فاسْقِ عادًا ما كنتَ مُسْقِيَه. قال: فرُفِعَت له سحاباتٌ. قال: فنُودِيَ منها: اخترْ. قال: فجَعَل يقولُ: اذْهَبى إلى بنى فلانٍ، [اذْهَبي إلى بني فلانٍ] (^٧) \". قال: فمَرَّتْ آخرَها سحابةٌ سوداءُ، فقال: اذْهَبى إلى عادٍ. فنُودِى منها: خُذْها رَمادًا رِمْدِدًا، لا تَدَعُ مِن عادٍ أحدًا. قال: وكتَمَهم، والقومُ عند بكرِ بن معاويةَ يَشْرَبون. قال: وكَرِه بكرُ بنُ معاويةَ أن يقولَ لهم مِن أجلِ أنهم عندَه، وأنهم في طعامِه. قال: فأَخَذَ في الغناءِ وذَكَّرَهم (^٨).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، قال: ثنا سلَّامٌ أبو المنذرِ النحويُّ، قال: ثنا عاصمٌ، عن أبي وائلٍ، عن الحارثِ بن يزيد البكرى، قال: خرجتُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت،٣، س، ف: \"فصل\".\n(^٢) مهرة: قبيلة، وهي مهرة بن حيدان، تنسب إليهم الإبل المهرية. ينظر معجم البلدان ٤/ ٧٠٠.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في س، ف: \"رمدا\".\n(^٥) في النسخ: \"كلمهم\" والمثبت من التاريخ.\n(^٦) في النسخ: \"الذين\" والمثبت من التاريخ.\n(^٧) سقط من: ف.\n(^٨) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢١٧، ٢١٨، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٥١٢، وأحمد ٢٥/ ٣٠٣ (١٥٩٥٢)، وابن ماجه (٢٨١٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (١٦٦٦)، والطبراني (٣٣٢٧ - ٣٣٢٩) من طريق أبي بكر بن عياش به، مختصرًا.","vol":"10","page":276},{"text":"لأشكوَ العلاءَ بنَ الحضرميِّ إلى رسولِ الله ﷺ، فمَرَرْتُ بالرَّبذَةِ، فإذا عجوزٌ مُنقَطَعٌ بها مِن بني تميمٍ، فقالت: يا عبدَ اللهِ، إن لى إلى رسولِ اللهِ ﷺ حاجةً، فهل أنتَ مُبَلِّغى إليه؟ قال: فحَمَلْتُها، فقَدِمْتُ المدينةَ. قال: فإذا راياتٌ سودٌ (^١)، قلتُ: ما شأنُ الناسِ؟ قالوا: يريد أن يبعث بعمرو بن العاص وجهًا. قال: فجَلَسْتُ حتى فَرَغَ. قال: فدَخَلَ منزله - أو قال: رَحْلَه - فاسْتأذَنتُ عليه، فأَذِنَ لي، فَدَخَلتُ فقعَدتُ، فقال لي رسولُ اللهِ ﷺ: \"هَلْ كان بينَكم وبينَ تميمٍ شيءٌ؟ \" قال (^٢): قلتُ: نعم، وكانت الدَّبْرَةُ عليهم، وقد مَرَرْتُ بالرَّبَذَةِ، فإذا عجوزٌ منهم مُنقطَعٌ بها، فسألَتْني أن أحْملَها إليك وها هي بالبابِ، فأَذِنَ لها رسولُ اللهِ ﷺ فَدَخَلَت، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، اجعلْ بينَنا وبينَ تميمِ الدَّهْناءَ حاجزًا. فَحَمِيَتِ العجوزُ واسْتَوْفَرَت (^٣) وقالت: فأين تضطر مُضرَك يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: قلتُ: أنا كما قالوا (^٤): مِعْزًى حَمَلَت حَتْفًا (^٥)، حملتُ هذه ولا أشعرُ أنها كانت لى خَصْمًا، أَعوذُ باللهِ ورسولِه أن أكونَ كوافدِ عادٍ، قال: \"وما وافدُ عادٍ؟ \". قال: على الخبيرِ سَقَطْتَ. قال: وهو يَسْتَطْعِمُنى الحديثَ. قلتُ: إن عادًا قُحِطُوا، فَبَعَثوا قَيْلًا (^٦) وافدًا، فنَزَلَ على بكرٍ، فَسَقاه الخمرَ شهرًا، وتغنِّيه جاريتان يقالُ لهما: الجَرَادتان. فَخَرَجَ إِلى جبالِ مَهَرَةَ، فنادَى: إني لم أَجِئْ لمريضٍ فأُداوِيَه، ولا لأسيرٍ فأُفادِيَه، اللهمَّ اسْقِ عادًا [ما كنتَ مُسْقِيَه (^٧)] (^٨) فمَرَّت به سحاباتٌ سودٌ، فنُودِى منها: خُذْهَا رَمادًا رِمْدِدًا، لا تُبْقى مِن\n_________\n(^١) سقط من: النسخ، والمثبت من التاريخ والترمذى، وفى المسند: \"راية سوداء\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) استوفزت: استقلت على رجليها ولم تستو قائمة، وقد تهيأت للوثوب. تاج العروس (وف ز).\n(^٤) في م: \"قال الأول\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"قال\"، وفي المسند: \"إنما مثلى ما قال الأول\"، والمثبت من التاريخ.\n(^٥) في م: \"حتفها\".\n(^٦) بعده في ص، ت ١، ت ٢ ت ٣، س، ف: \"قيلا\".\n(^٧) في التاريخ والمسند: \"تسقيه\".\n(^٨) ذكرت النسخ هذه العبارة بعد قوله: \"فنودى منها\"، وهذا موضعها في التاريخ.","vol":"10","page":277},{"text":"عادٍ أحدًا.\nقال: فكانت المرأةُ تقولُ: لا تكنْ كوافدِ عادٍ. فما (^١) بَلَغَنى أنه (^٢) أُرسِل عليهم من الريحِ يا رسولَ اللَّهِ، إِلا قَدْرُ ما يَجْرى في خَاتمي. قال أبو وائلٍ: فكذلك بَلَغَنى (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: أن عادًا أتاهم هودٌ، فوعَظهم وذَكَّرَهم بما قَصَّ (^٤) اللهُ في القرآنِ، فَكَذَّبُوه وَكَفَروا، وسألوه أن يأتيَهم بالعذابِ، فقال لهم: ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾. وإن عادًا أصابَهم حينَ كَفَروا قُحُوطٌ مِن (^٥) المطرِ، حتى جُهِدوا لذلك جَهْدًا شديدًا، وذلك أن هودًا دَعَا عليهم، فبعَث اللهُ عليهم الريحَ العقيمَ، وهى الريحُ التي لا تُلْقِحُ الشجرَ، فلما نَظَروا إليها قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]. فلما دَنَتْ منهم نَظَروا إلى الإبلِ والرجالِ تطيرُ بهم الريحُ بينَ السماءِ والأرضِ، فلما رأوها تنادَوا: البيوت. فلما دَخَلوا البيوتَ دخَلت عليهم، فأهْلَكَتهم فيها، ثم أخْرَجَتهم من البيوتِ، فأصابَتْهم ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾. والنَّحْسُ هو الشؤم، و﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩]: استمرَّ عليهم بالعذابِ ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]: حَسَمَت كلَّ شيءٍ مَرَّتْ به، فلما أَخْرَجَتهم مِن البيوتِ،\n_________\n(^١) في م: \"ففيما\".\n(^٢) بعده في م: \"ما\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢١٨، ٢١٩، وأخرجه أحمد ٢٥/ ٣٠٦ - ٣٠٨ (١٥٩٥٤)، والترمذي (٣٢٧٤) من طريق زيد بن الحباب به، وأخرجه ابن سعد ٦/ ٣٥، وأحمد ٢٥/ ٣٠٤، ٣٠٥ (١٥٩٥٣)، والترمذى (٣٢٧٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (١٦٦٧)، والنسائي في الكبرى (٨٦٠٧)، والطبراني (٣٣٢٥، ٣٣٢٦) من طريق سلام أبي المنذر به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"قضي\".\n(^٥) سقط من: م.","vol":"10","page":278},{"text":"قال اللهُ: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾ مِن البيوتِ ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]: انقَعَرَ مِن أصولِه ﴿خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]: خَوَت فسقَطت، فلما أَهْلَكَهم اللهُ أرسَل عليهم (^١) طيرًا سُودًا فنَقَلَتهم إلى البحرِ فألْقَتْهم فيه. فذلك قولُه: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى (^٢) إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. ولم تخرُجْ ريحٌ قطُّ إلا بمكيالٍ إلا يومَئِذٍ، فإنها عَتَتْ على الخَزَنةِ فغَلَبَتهم، فلم يَعْلَموا كم كان مكيالُها، وذلك قولُه: ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]. والصَّرْصَرُ: ذاتُ الصوتِ الشديدِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1024\"></span><span data-type='title' id=toc-3391>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قالت [عادٌ لهودٍ] (^٤): أجِئْتَنا تَتَوعَدُنا بالعقابِ مِن اللَّهِ على ما نحنُ عليه مِن الدينِ كى نعبدَ الله وحدَه، ونَدِينَ له بالطاعةِ خالصًا، ونهجُرَ عبادةَ الآلهةِ والأصنامِ التي كان آباؤُنا يعبُدُونها، ونتبرَّأَ منها؟ فلسنا فاعِلي ذلك ولا مُتَّبِعيك (^٥) على ما تَدْعونا إليه، فأْتِنا بما تَعِدُنا مِن العقابِ والعذابِ على تَرْكِنا إخلاصَ التوحيدِ اللهِ، وعبادتِنا ما نعبدُ مِن دونِه من الأوثانِ، إن كنتَ مِن أهلِ الصدقِ على ما تقولُ وتَعِدُ.\n\n<span id=\"aya-1025\"></span><span data-type='title' id=toc-3392>القول في تأويل قولِه: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"إليهم\".\n(^٢) في ص، ف: \"تَرى\". وهما قراءتان كما سيأتي في موضعه من التفسير.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٢٥، ٢٢٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٠٩ (٨٦٤٩) من طريق أحمد بن مفضل به مختصرا.\n(^٤) في ص، ف: \"هود له\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"متبعوك\".","vol":"10","page":279},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: قال هودٌ لقومِه: قد حَلَّ بكم عذابٌ وغضبٌ مِن اللهِ.\nوكان أبو عمرٍو بنُ العلاءِ، فيما ذُكِر لنا عنه، يزعُمُ أَن الرِّجْزَ والرَّجْسَ بمعنًى واحدٍ، وأنها مقلوبةٌ، قُلِبت السينُ زايًا، كما قُلِبت شَئِزٌ (^١) وهي من شَئِسٍ بسينٍ، وكما قالوا: قَرَبُوسٌ وقَرَبوزٌ. وكما قال الراجزُ: (^٢)\nألَا لَحَى اللَّهُ بَنِي السِّعْلاتِ (^٣)\nعَمْرَو بْنَ يَرْبُوعٍ لِئَامَ النَّاتِ\nلَيْسُوا بأَعْفافٍ ولا أَكْياتِ\nيريدُ: الناسِ، وأكياسِ، فقُلِبت السينُ تاءً. كما قال رؤبةُ (^٤):\nكُمْ قد رَأَيْنا مِن عَديدٍ مُبْزِى (^٥)\nحتى وَقَمْنَا (^٦) كَيْدَهُ بالرِّجْزِ\nرُوىَ عن ابن عباسٍ أنه كان يقولُ: الرِّجْزُ السَّخَطُ.\nحدَّثني بذلك المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ\n_________\n(^١) في ف: \"سيب\"، وغير منقوطة في ص. وينظر التاج (ش أ ز).\n(^٢) هو علباء بن أرقم، والرجز ورد براويات مختلفة في نوادر أبي زيد ص ١٠٤، والحيوان ١/ ١٨٧، ٦/ ١٦١.\n(^٣) السعلاة: الغُول، وقيل: هي ساحرة الجن. اللسان (س ع ل).\n(^٤) ديوانه ص ٦٤ وفيه: ما رامنا من ذى عديد مبز.\n(^٥) البزو: الغلبة والقهر. اللسان (ب ز و).\n(^٦) وقَمْنا كيده: رددناه أقبح الرد. اللسان (وق م).","vol":"10","page":280},{"text":"رِجْسٌ﴾. يقولُ: سَخَطٌ (^١).\nوأما قولُه: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾. فإنه يقولُ: أَتُخاصِمُوننى في أسماءٍ سَمَّيتُموها، أصنامًا، لا تضُرُّ ولا تنفعُ، ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾. يقولُ: ما جعَل اللهُ لكم في عبادتِكم إياها مِن حُجَّةٍ تَحْتَجُّون بها، ولا مَعْذِرةٍ تَعْتَذِرون بها؛ لأن العبادةَ إنما هي لَمَن ضَرَّ ونفَع، وأثابَ على الطاعةِ، وعاقبَ على المعصيةِ، ورزَق ومنَع، فأما الجمادُ مِن الحجارةِ والحديدِ والنحاسِ، فإنه لا نفعَ فيه ولا ضَرَّ، إلا أن تَتَّخِذَ منه آلةً، ولا حجةَ لعابدٍ عبَدَه مِن دونِ اللهِ في عبادتِه إيَّاه؛ لأن الله لم يأذَنْ بذلك فيُعذِرَ مَن عبَدَه بأنه يعبُدُه اتباعًا منه أمرَ اللهِ في عبادتِه إياه، ولا هو - إذ كان اللهُ لم يأذَنْ في عبادتِه - مما يُرْجَى نفعُه، أو يُخافُ ضَرُّه، في عاجلٍ أو آجلٍ، فَيُعْبَدَ رجاءَ نَفْعِه، أو دفعَ ضَرِّه، ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾. يقولُ: فانْتَظِروا حكمَ اللهِ فينا وفيكم، إنّى معكم من المُنتظرين حكمَه، وفَضْلَ قضائِه فينا وفيكم.\n\n<span id=\"aya-1026\"></span><span data-type='title' id=toc-3393>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فأنْجَينا نوحًا والذين معه مِن أتباعِه على الإيمانِ به، والتصديقِ به وبما دعَا إليه مِن توحيدِ اللَّهِ، وهَجْرِ الآلهةِ والأوثانِ، ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: وأَهْلَكْنا الذين كَذَّبوا مِن قوم هودٍ بحُجَجنا جميعًا عن آخرِهم، فلم نُبْقِ منهم أحدًا.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١١ (٨٦٥٩) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٦ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"10","page":281},{"text":"﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنعام: ٤٥]. قال: اسْتَأْصَلْناهم (^١).\nوقد بَيَّنا فيما مَضَى معنى قولِه: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بشواهدِه بما أغنَى عن إعادتِه (^٢).\n﴿وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: لم يكونوا مُصَدِّقين باللهِ ولا برسولِه هودٍ.\n\n<span id=\"aya-1027\"></span><span data-type='title' id=toc-3394>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد أرسَلنا إلى ثمودَ أخاهم صالحًا.\nوثمود، هو ثمودُ بنُ جاثَر (^٣) بن إرَمَ بن سامِ بن نوحٍ، وهو أخو جَدِيسِ بن جاثَر (^٣)، وكانت مساكنُهما الحِجْرَ بينَ الحجازِ والشامِ إلى وادى القُرى وما حولَه.\nو(^٤) معنى الكلامِ: وإلى بني (^٥) ثمودَ أخاهم صالحًا.\n[وإنما منع \" ثمود\"] (^٦) لأن \"ثمودَ\" قبيلةٌ، كما بكرٌ قبيلةٌ، وكذلك تميمٌ.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. يقولُ: قال صالحٌ لثمودَ: يا قومِ اعْبُدُوا الله وحدَه لا شريكَ له، فما لكم مِن إلهٍ يجوزُ لكم أن تَعْبُدوه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١١ (٨٦٦٢) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٩/ ٢٥٠، ٢٥١.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"عاثر\"، وفى م: \"عابر\". والمثبت من المحبر ص ٣٨٤، وتاريخ المصنف ١/ ٢٢٦، والإكمال ١/ ١٠، ونهاية الأرب ٢/ ٢٩١، وصبح الأعشى ١/ ٣١٣، والقاموس المحيط، والتاج (ج ث ر)، وفى تاريخ المصنف ١/ ٢٠٤: \"غاثر\"، ووقع في أصول جمهرة أنساب العرب: \"عابر\". ينظر ص ٤٦٢.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"وإنما\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":282},{"text":"غيرُه، وقد جاءتكم حُجَّةٌ [مِن ربِّكم] (^١) وبرهانٌ على صدقِ ما أقولُ وحقيقةِ ما إليه أدْعُو؛ مِن إخلاصِ التوحيدِ للهِ، وإفرادِه بالعبادةِ دونَ ما سِواه، وتَصْديقى على أني له رسولٌ، وبَيِّنتى على ما أقولُ، وحقيقةِ ما جئتُكم به مِن عندِ ربي، وحُجَّتي عليه - هذه الناقةُ التي أخْرجَها اللَّهُ مِن هذه الهَضْبةِ، دليلًا على نُبُوَّتى، وصدقِ مَقالتي، فقد عَلِمتم أن ذلك مِن المعجزاتِ التي لا يقدِرُ على مثلِها أحدٌ إلا اللهُ.\nوإنما استشهَد صالحٌ، فيما بَلَغنى، على صحةِ نبوَّتِه عندَ قومِه ثمودَ بالناقةِ؛ لأنهم سألوه إيَّاها آيةً ودَلالةً على حقيقةِ قولِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3395>ذكرُ مَن قال ذلك، وذكرُ سببِ قتلِ قومِ صالحٍ الناقةَ</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن عبدِ العزيزِ بن رُفَيحٍ، عن أبي الطُّفَيلِ، قال: قالت ثمودُ لصالحٍ: اتْيِنا بآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ: فقال لهم صالحٌ: اخْرُجوا إلى هَضْبةٍ مِن الأرضِ. فخَرَجوا، فإذا هي تَمَخَّضُ كما تتمخَّضُ الحاملُ، ثم إنها انفَرَجَت، فخَرَجَت مِن وسطِها الناقةُ، فقال صالحٌ: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣]. ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]. فلما مَلُّوها عَقَرُوها، فَقَالَ لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥].\nقال عبدُ العزيزِ: وحدَّثنى رجلٌ آخَرُ، أن صالحًا قال لهم: إن آيةَ العذابِ أن تُصبحوا غدًا حُمْرًا، واليومَ الثانِيَ صُفْرًا، واليومَ الثالثَ سُودًا. قال: فصَبَّحَهم العذابُ، فلما رَأَوا ذلك تَحنَّطُوا واسْتعدُّوا (^٢).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٣٠، ٢٣١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٢ (٨٦٦٦) من غير ذكر قول عبد العزيز، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٨ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"10","page":283},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾. قال: إن الله بعَث صالحًا إلى ثمودَ، فَدَعاهم فكَذَّبوه، فقال لهم ما ذَكَر اللهُ في القرآنِ، فسألوه أن يأتيَهم بآيةٍ، فجاءَهم بالناقةِ لها شِرْبٌ ولهم شِرْبُ يومٍ معلومٍ. وقال: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾. فأقرُّوا بها جميعًا، فذلك قولُه: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. وكانوا قد أقرُّوا به على وجهِ النفاقِ والتَّقِيَّةِ، وكانت الناقةُ لها شِرْبٌ، فيومَ تشربُ فيه الماءَ، تمرُّ بينَ جَبلين، فيزْحَمانها (^١). ففيهما أثرُها حتى الساعةِ، ثم تأتى فتقفُ لهم حتى يَحْلُبوا اللبنَ فيَرْوِيَهم، [إنما تصُبُّ صبًّا] (^٢)، ويومَ يَشْرَبون الماءَ لا تَأْتِيهم، وكان معها فَصِيلٌ لها، فقال لهم صالحٌ: إنه يُولَدُ في شهرِكم هذا غلامٌ يكونُ هلاكُكم على يَدَيه. فوُلِدَ لتسعةٍ منهم في ذلك الشهرِ، فذبَحوا أبناءَهم، ثم وُلِدَ للعاشرِ فأبَى أن يذبحَ ابنَه، وكان لم يُولَدْ له قبلَ ذلك شيءٌ، فكان ابن (^٣) العاشرِ أزرقَ أحمرَ، فَنَبَتَ نباتًا سريعًا، فإذا مَرَّ بالتسعةِ فرَأَوه، قالوا: لو كان أبناؤنا أحياءً كانوا مثلَ هذا. فغَضِبَ التسعةُ على صالحٍ؛ لأنَّه أمَرَهم بذبحِ أبنائِهم، فـ ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩]. قالوا: نخرُجُ، فيَرى الناسُ أنَّا قد خرجنا إلى سفرٍ، فنأتى الغارَ فنكونُ فيه، حتى إذا كان الليلُ وخرَج صالحٌ إلى المسجدِ أَتَيناه فقَتَلْناه، ثم رَجَعنا إلى الغارِ فكُنَّا فيه، ثم رَجَعْنا فقلْنا: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾، يُصدِّقوننا، يَعْلمون أنَّا قد خَرَجنا إلى سفرٍ. فانْطَلَقوا، فلما دَخَلُوا الغارَ أرادوا أن يَخْرُجوا مِن الليلِ، فسَقَطَ عليهم\n_________\n(^١) في م: \"فيرجمونها\".\n(^٢) في م: \"فكانت تصب اللبن صبا\".\n(^٣) في الدر المنثور: \"أبو\".","vol":"10","page":284},{"text":"الغارُ فقتَلهم، فذلك قولُه: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾. حتى بَلَغَ هاهنا: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٤٨ - ٥١].\nوكَبِرَ الغلامُ ابن العاشرِ، ونَبَتَ نباتًا عَجَبًا مِن السرعةِ، فجلَس مع قومٍ يُصِيبون مِن الشَّرابِ، فأرادُوا ماءً يمْزُجون به شرابَهم، وكان ذلك اليومُ يومَ (^١) شِرْبِ الناقةِ، فوجَدوا الماءَ قد شَرِبَته الناقةُ، فاشْتدَّ ذلك عليهم، وقالوا في شأنِ الناقةِ: ما نَصْنعُ نحنُ باللبنِ! لو كُنَّا نأخُذُ هذا الماءَ الذي تشرَبُه هذه الناقةُ فَنَسْقِيَه أنعامَنا وحُرُوثَنا كان خيرًا لنا، فقال الغلامُ ابن العاشرِ: هل لكم في أن أعْقِرَها لكم؟ قالوا: نعم. فأظْهَرُوا دينَهم، فأتاها الغلامُ، فلما بَصُرت به، شَدَّتْ عليه، فهرَب منها، فلما رأَى ذلك، دخَل خلفَ صخرةٍ على طريقِها، فاسْتَتَر بها، فقال: [أحِيشُوها عليَّ. فَأَحَاشُوها] (^٢) عليه، فلما جازَت به نادَوْه: عليك. فَتَناوَلها فعَقَرها، فسَقَطَت، فذلك قولُه: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩]. وأظْهَروا حينَئذٍ أمرَهم، وعَقَروا الناقةَ، وعَتَوا عن أمرِ ربِّهم، وقالوا: يا صالحُ ائْتِنا بما تَعِدُنا. وفَزِعَ ناسٌ منهم إلى صالحٍ، وأَخْبَروه أن الناقةَ قد عُقِرَت، فقال: عليَّ بالفَصِيلِ. فطَلَبوا الفَصِيلَ، فوَجَدوه على رَابيةٍ مِن الأرضِ فطَلَبوه، فارْتَفَعت به حتى حَلَّقَت به في السماءِ فلم يَقْدِروا عليه. ثم رغَا (^٣) الفصيلُ إلى اللهِ، فأوحَى اللهُ إلى صالحٍ: أنْ مُرْهم فليَتَمتَّعوا في دارهمِ ثلاثةَ أيامٍ. فقال لهم صالحٌ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥]. وآيةُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) في النسخ: \"أجيشوها على فأجاشوها\" وأحشته إذا نفرته نحوه وسقته إليه وجمعته عليه. اللسان (ح وش).\n(^٣) في النسخ: \"دعا\" والرُّغاء: صوت الإبل. النهاية ٢/ ٢٤٠.","vol":"10","page":285},{"text":"ذلك أن تُصبح وجوهكم [أولَ يومٍ] (^١) مُصْفَرَّةً، والثانِيَ مُحمرَّةً، واليومَ الثالثَ مسودَّةً، واليومُ الرابعُ فيه العذابُ. فلما رَأَوا العلاماتِ تَكَفَّنوا وتَحَنَّطوا ولَطَّخوا أنفسَهم بالمُرِّ (^٢)، ولَبِسوا الأنْطاعَ (^٣)، وحَفَروا الأسْرابَ، فَدَخَلُوا فيها يَنْتظِرون الصيحةَ، حتى جاءَهم العذابُ فهَلَكوا. فذلك قولُه: فـ ﴿دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (^٤) [النمل: ٥١].\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لمَّا أهْلَك اللهُ عادًا وتَقَضَّى أمرُها، عَمِرتْ ثمودُ بعدَها، واسْتُخْلِفوا في الأرضِ، فنزَلوا فيها وانْتَشَروا، ثم عَتَوْا على اللَّهِ. فلما ظهَر فسادُهم وعبَدُوا غيرَ اللهِ، بعَث إليهم صالحًا - وكانوا قومًا عَرَبًا، وهو (^٥) مِن أوسطِهم نسبًا وأفضلِهم موضعًا - رسولًا، وكانت منازلُهم الحِجْرَ إلى قُرْحٍ، وهو وادى القرى، وبينَ ذلك ثمانيةَ عشَرَ ميلًا، فيما بينَ الحجازِ والشامِ، فبعَث اللهُ إليهم غلامًا شابًّا، فَدَعاهم إلى اللَّهِ، حتى شَمِطَ وَكَبِرَ، لا يتبعُه منهم إلا قليلٌ مُسْتَضْعَفون فلما ألحَّ عليهم صالحٌ بالدعاءِ، وأكثَر لهم التحذيرَ، وخَوَّفَهم مِن اللهِ العذابَ والنِّقْمةَ، سألوه أن يُرِيَهم آيةً تكونُ مِصْداقًا لِما يقولُ فيما يَدْعوهم إليه، فقال لهم: أيَّ آيةٍ تُريدون؟ قالوا: تخرُجُ معنا إلى عيدِنا هذا - وكان لهم عيدٌ يخرُجون إليه بأصنامِهم وما يَعْبدون مِن دونِ اللهِ في يومٍ معلومٍ مِن السنةِ - فتَدْعُو إِلهَك ونَدْعُو آلهتَنا، فإنِ اسْتُجِيبَ لك اتَّبَعْناك، وإن اسْتُجِيبَ لنا اتَّبَعْتَنا. فقال\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) المرّ: صمغ شجر وهو دواء. الوسيط (م ر ر).\n(^٣) النطع: بساط من الجلد. الوسيط (ن ط ع).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٢ (٨٦٦٤، ٨٦٦٨) من طريق أحمد بن مفضل به ببعضه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٩ إلى أبي الشيخ ببعضه.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"وهم\".","vol":"10","page":286},{"text":"لهم صالحٌ: نعم. فخَرَجوا بأوثانِهم إلى عيدِهم ذلك، وخرَج صالحٌ معهم إلى اللهِ، فدعَوْا أوثانَهم وسألوها ألا يُستجاب لصالحٍ في شيءٍ مما يَدْعو به، ثم قال له جُنْدَعُ بنُ عمرِو (^١) بن جَوَّاسِ (^٢) بن عمرِو بن الدُّمَيْلِ، وكان يومَئذٍ سيدَ ثمودَ وعظيمَهم: يا صالحُ، أخرِجْ لنا مِن هذه الصَّخرةِ - [لصخرةٍ منفردةٍ في ناحيةِ الحِجْرِ يقالُ لها: الكاثِيةُ] (^٣) - ناقةً مخترجةً جَوْفاءَ وَبْراءَ - والْمُخترجَةُ: ما شاكَلَت البُخْتَ مِن الإبلِ - وقالت ثمودُ لصالحٍ مثلَ ما قال جُنْدَعُ بنُ عمرٍو (١)، فإن فعلتَ آمَنَّا بك وصَدَّقْناك، وشَهِدنا أن ما جئتَ به هو الحقُّ، وأخَذ عليهم صالحٌ مواثيقَهم، لئن فعلتُ وفَعَلَ اللَّهُ لتصدِّقُنِّى ولتؤمنُنَّ بي؟ قالوا: نعم. فأعْطَوْه على ذلك عهودَهم، فَدَعا صالحٌ ربَّه بأن يُخرِجَها لهم مِن تلك الهَضْبةِ كما وصَفوا (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن يعقوبَ بن عتبةَ بن المغيرةِ بن الأخْنسِ، أنه حَدَّثَ أنهم نَظَروا إلى الهَضْبةِ حينَ دعا الله صالحٌ بما دعا به، تَمخَّضُ (^٥) بالناقةِ تَمخُّضَ النَّتُوجِ (^٦) بولدِها، فتَحَرَّكت الهضْبةُ، ثم [انتَفَضَت بالناقةِ] (^٧)، فانصَدَعَت عن ناقةٍ، كما وصَفوا، جوفاءَ وَبْراءَ نَتُوجًا، ما بينَ جَنْبَيها لا يعلَمُه إِلا اللَّهُ عِظَمًا، فَآمَنَ به جُنْدَعُ بنُ عمرٍو، ومَن كان معه على أمرِه مِن رَهْطِه، وأراد أشرافُ ثمودَ أن يُؤمنوا به ويُصَدِّقوا، فنَهاهم ذُؤَابُ بن عمرِو بن لبيدٍ، والحبابُ\n_________\n(^١) في م: \"عمرد\"، وينظر البداية والنهاية ١/ ٣١١.\n(^٢) في النسخ: \"حراش\"، وينظر المصدر السابق.\n(^٣) وردت هذه العبارة في النسخ بعد جملة \"جندع بن عمرو\" الآتية.\n(^٤) في م: \"وصفت\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٢ (٨٦٦٥) من طريق سلمة به ببعضه.\n(^٥) في م، ت ١، ف: \"تتمخض\".\n(^٦) النَّتوج: الحامل من الدواب. تاج العروس (ن ت ج).\n(^٧) في، م، ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أسقطت الناقة\"، والمثبت من مصدرى التخريج.","vol":"10","page":287},{"text":"صاحبُ أوثانِهم، وربابُ (^١) بنُ صَمْعَرِ بن جَلْهِسٍ، وكانوا مِن أشرافِ ثمودَ، فرَدُّوا أشرافَها عن الإسلامِ، والدخولِ فيما دَعاهم إليه صالحٌ مِن الرحمةِ والنجاةِ، وكان لجُنْدَعٍ ابن عمٍّ يقال له: شهابُ بنُ خليفةَ بن مخلاةَ بن لبيدِ بن جَوَّاسٍ. فأرادَ أن يُسْلِمَ، فَنَهاه أولئك الرهطُ عن ذلك فأطاعَهم، وكان من أشرافِ ثمودَ وأفاضلِها، فقال رجلٌ مِن ثمودَ يقال له: مهْرَشُ (^٢) بنُ غَنْمةَ بن الدُّمَيلِ، وكان مسلمًا:\nوكانت عُصْبَةٌ مِن آلِ عمرٍو … إلى دِينِ النبيِّ دَعَوْا شِهَابَا\nعزيزَ ثمودَ كُلِّهِمُ جميعًا … فَهَمَّ بأَنْ يُجِيبَ وَلَوْ أَجَابا\nلأصْبَحَ صالحٌ فِينا عزيزًا … وما عَدَلوا بصاحبِهم ذُؤَابًا\nوَلكنَّ الغُواةَ مِنَ آلِ حُجْرٍ … تَوَلَّوْا بَعدَ رُشْدِهِمُ ذِئابَا\nفمَكَثَت الناقةُ التي أخرَجها اللهُ لهم، معها سَقْبُها (^٣)، في أرضِ ثمودَ تَرْعَى الشجرَ، وتشربُ الماءَ، فقال لهم صالحٌ ﵇: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقال اللهُ لصالحٍ: ﴿أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨]. أي: أن الماءَ نصفان، لهم يومٌ ولها يومٌ، وهى محتضَرةٌ، فيومُها لا تدعُ شربَها، وقال: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعرا: ١٥٥]. فكانت، فيما بلَغنى واللهُ أعلمُ، إذا ورَدت، وكانت تَرِدُ غِبًّا، وَضَعَت رأسها في بئرٍ في الحِجْرِ، يقالُ لها: بئرُ الناقةِ. فيَزْعُمون أنها منها كانت تشربُ إذا ورَدت، تضعُ رأسها فيها، فما تَرْفَعُه حتى تشربَ كلَّ قطرةِ ماءٍ في الوادى، ثم ترفعُ رأسَها فتفشَّحُ (^٤)، يعني:\n_________\n(^١) في م: \"رياب\" وينظر البداية والنهاية.\n(^٢) في النسخ: \"مهوس\" والمثبت من البداية والنهاية، وفى مخطوطة من مخطوطات تفسير ابن كثير: \"مهوش\" ولعلها أن تكون مهرش وقرئت خطأ.\n(^٣) في ف: \"سقيها\" والسَّقْب: ولد الناقة. تاج العروس (س ق ب).\n(^٤) في ص، م، ت ٢: \"فتفسح\"، وفى ت ١: \"فيفسح\"، وفى س: \"فتفشخ\"، وفشَح، وفشَج: إذا فرَّج ما بين رجليه. تاج العروس (ف ش ح، ف ش ج).","vol":"10","page":288},{"text":"تَفَحَّجُ (^١) لهم، فيَحْتَلِبون ما شاءوا مِن لبنٍ، فيَشْرَبون ويَدَّخِرون، حتى يَمْلَئوا كلَّ آنيتِهم، ثم تصدرُ مِن غيرِ الفجِّ الذي منه وردت، لا تقدِرُ على أن تَصْدُرَ مِن حيثُ تَرِدُ؛ يَضِيقُ (^٢) عنها، فلا ترجِعُ منه، حتى إذا كان الغدُ كان يومَهم، فيَشْرَبون ما شاءوا مِن الماءِ، ويَدَّخِرون ما شاءوا ليومِ الناقةِ، فهم مِن ذلك في سَعَةٍ، وكانت الناقةُ، فيما يَذْكُرون، تَصِيفُ، إذا كان الحرُّ (^٣)، ظَهْرَ (^٤) الوادى، فتهرُبُ منها المواشى؛ أغنامُهم وأبقارُهم وإبلُهم، فتهبِطُ إلى بطنِ الوادي في حرِّه وجَدْبِه؛ وذلك أن المواشىَ تَنْفِرُ منها إذا رَأَتْها، وتَشْتُو بطنَ الوادى إذا كان الشتاءُ، فتهرُبُ مواشِيهم إلى ظَهْرِ الوادى في البردِ والجَدْبِ، فأضَرَّ ذلك بمواشيهم؛ للبلاءِ والاختبارِ، وكانت مَراتِعُها، فيما يَزْعُمون، [الجَنَابَ وحِسْمَى] (^٥)، كلُّ ذلك تَرْعى مع وادى الحِجْرِ، فكَبُرَ (^٦) ذلك عليهم، فعتَوا عن أمرِ ربِّهم، وأجْمَعوا في عَقْرِ الناقةِ رأيَهم.\nوكانت امرأةٌ مِن ثمودَ يقالُ لها: عُنَيزَةُ بنتُ غُنْمِ بن مِجْلَرٍ. تُكْنَى بِأُمِّ غُنْمٍ (^٧)، وهي مِن بني عبيدِ بن المهلِ أخى زُمَيلِ (^٨) بن المهلِ، وكانت امرأةَ ذُؤاب بن عمرٍو، وكانت عجوزًا مُسِنَّةً، وكانت ذات بناتٍ حسانٍ، وكانت ذاتَ مالٍ مِن إبلٍ وبقرٍ وغنَمٍ، وامرأةٌ أخرى يقال لها: صَدُوفُ (^٩) بنتُ المحيَّا بن زهيرِ (^١٠) بن المحيَّا\n_________\n(^١) تَفَحَّج: مثل تفشح، وتفشج. وينظر التاج (ف ح ج).\n(^٢) في م: \"لضيقه\"، وفي ت ١: \"تضيق\".\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٤) في م: \"بظهر\".\n(^٥) الجَنَاب: موضع بعراض خيبر وسَلاح ووادى القرى. والحِسْمَى: أرض ببادية الشام بينها وبين وادى القرى ليلتان. معجم البلدان ٢/ ١٢٠، ٢١٧.\n(^٦) في ص، ت ١، س، ف: \"فيكثر\".\n(^٧) في البداية والنهاية: \"عثمان\".\n(^٨) في م: \"دميل\".\n(^٩) في عرائس المجالس: \"صدوق\".\n(^١٠) في ص: \"هو\"، وفى ف: \"هز\".","vol":"10","page":289},{"text":"سيدِ بني عبيدٍ، وصاحبِ أوثانِهم في الزمنِ الأولِ، وكان الوادى يقالُ له: وادى المحيَّا. وهو المحيَّا الأكبرُ، جدُّ المحيَّا الأصغرِ أبى صَدُوفَ، وكانت صَدُوفُ مِن أحسنِ الناسِ، وكانت غنيَّةً ذاتَ مالٍ مِن إبل وغنم وبقرٍ، وكانتا (^١) مِن أشدِّ امرأتَين في ثمودَ عداوةً لصالحٍ، وأعظمِه (^٢) به كفرًا، وكانتا تحتالانِ (^٣) أن تُعْقَرَ الناقةُ مع كفرِهما به؛ لِمَا أَضَرَّت به مِن مواشِيهما، وكانت صَدُوفُ عندَ ابن خالٍ لها يقالُ له: صنيمُ (^٤) بنُ هراوةَ بن سعدِ بن الغطريفِ مِن بني هليلٍ، فأسْلَم فحَسُنَ إسلامُه، وكانت صَدُوفُ قد فَوَّضَت إليه مالَها، فأنفَقَه على من أسْلَم معه مِن أصحابِ صالحٍ، حتى رَقَّ المالُ، فاطَّلَعت على ذلك مِن إسلامِه صَدُوفُ، فعاتَبَتْه على ذلك، فأظْهَرَ لها دينَه، ودَعاها إلى اللهِ وإلى الإسلامِ، فأبَتْ عليه، وسَبَّتْ له (^٥)، فأَخَذت بَنِيه وبناتِه منه، فغَيَّبَتهم في بنى عبيدٍ؛ بطنِها الذي هي منه، وكان صنيمٌ زوجُها مِن بني هليلٍ، وكان ابن خالِها، فقال لها: رُدى عليَّ ولدى. فقالت: حتى أُنافِرَك (^٦) إلى بني صنعانَ بن عبيدٍ، أو إلى بنى جُنْدَعِ (^٧) بن عبيدٍ. فقال لها صنيمٌ: بل أنا أقولُ إلى بنى مِرْداسِ بن عبيدٍ. وذلك أن بني مرداسِ بن عبيدٍ، كانوا قد سارعوا في الإسلام، وأبْطَأ عنه الآخرون، فقالت: لا أُنافِرُك إلا إلى مَن دَعَوتُك إليه. فقال بنو مرداسٍ: واللهِ لتُعْطِيَنَّه ولدَه طائعةً أو كارهةً. فلما رأت ذلك أعْطَته إياهم.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"كانت\".\n(^٢) في ص: \"أعظم\"، وفى م: \"أعظمهم\".\n(^٣) في م: \"تحبان\".\n(^٤) في م: \"صنتم\" وفى ص، ت ١، ت ٢، س: \"صهيم\"، وفى ف: \"جهم\"، والمثبت من عرائس المجالس.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢: \"ولده\".\n(^٦) النُّفْرة: الحكم. تاج العروس (ن ف ر).\n(^٧) في ت ١، ف: \"جذع\".","vol":"10","page":290},{"text":"ثم إن صدوفَ وعُنَيزةَ محَلتا (^١) في عَقْرِ الناقةِ للشقاءِ الذي نزَل، فدعَت صدوفُ رجلًا من ثمودَ يقالُ له: الحبابُ. لعَقْرِ (^٢) الناقةِ، وعرَضت عليه نفسَها بذلك إن هو فعَل، فأبَى عليها، فدعَت ابنَ عمٍّ لها يقالُ له: مِصْدَعُ بْنُ مَهْرَجِ بن المحيَّا. وجَعَلت له نفسَها على أن يَعْقِرَ الناقةَ، وكانت من أحسنِ الناسِ، وكانت غنيةً كثيرةَ المالِ، فأجابَها إلى ذلك.\nودعت عُنَيزِةُ بنتُ غُنْمٍ قُدارَ بنَ سالفِ بن جُنْدَعٍ (^٣) رجلًا مِن أَهلِ قُرْحَ، وكان قُدارُ رجلًا أحمرَ أزرقَ قصيرًا، يَزْعُمون أنه كان لزَنْيَةٍ مِن رجلٍ يقالُ له: صهيادُ (^٤). ولم يكنْ لأبيه سالفٍ الذي يُدْعَى إليه، ولكنه قد وُلِدَ على فراشِ سالفٍ، وكان يُدْعَى له، ويُنْسَبُ إليه. فقالت: أُعْطِيكَ أَيَّ بناتي شئتَ على أن تَعْقِرَ الناقةَ. وكانت عُنَيزةُ شريفةً من نساءِ ثمودَ، وكان زوجُها ذؤابُ بنُ عمرٍو مِن أشرافِ رجالِ ثمودَ. وكان قُدارُ عزيزًا منيعًا في قومِه، فانطَلَق قُدارُ بنُ سالفٍ، ومِصْدَعُ بنُ مَهْرَجٍ، فاسْتَنْفرَا غُوَاةً مِن ثمودَ، فاتَّبَعَهما سبعةُ، نفرٍ، فكانوا تسعةَ نفرٍ، أحدُ النفرِ الذين اتَّبَعوهما رجلٌ يقالُ له: [هويلُ بنُ ميلغٍ] (^٥)، خالُ قُدارِ بن سالفٍ، أخو أمِّه لأبيها وأمِّها، وكان عزيزًا مِن أهلِ حِجْرٍ، ودُعَيرُ (^٦) بنُ غنمِ بن داعرٍ، وهو مِن بنى حلاوةَ بن المهلِ، ودَأَبُ (^٧) بنُ مَهْرَجٍ أخو مِصْدَعِ بن مَهْرَجٍ، وخمسةٌ لم تُحفَظْ لنا\n_________\n(^١) في م: \"تحيلا\"، ومَحَلتا: احتالتا. اللسان (م ح ل).\n(^٢) في م: \"لعقره\".\n(^٣) في ت ١، س، ف: \"حدع\".\n(^٤) في عرائس المجالس: \"صفوان\"، وفى البداية والنهاية ١/ ٣١٢ صيبان. والمثبت كما في تفسير ابن كثير.\n(^٥) في ف: \"هويل بن مبلغ\" وفى عرائس المجالس: \"هيات بن مبلغ\"، وفي تفسير القرطبي ١٣/ ٢١٥ \"بلع بن ميلع\".\n(^٦) في ف: \"دعبر\"، وفى عرائس المجالس: \"ذعر\"، والمثبت كما في تفسير القرطبي ١٣/ ٢١٥.\n(^٧) في تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٠ (١٦٤٦٦) \"داد\"، وفى تفسير القرطبي ١٣/ ٢١٥ \"رياب\".","vol":"10","page":291},{"text":"أسماؤهم، فرَصَدوا الناقةَ حينَ صدَرت عن الماءِ، وقد كمَن لها قدارٌ في أصلِ صخرةٍ على طريقِها، وكمَن لها مِصْدَعٌ في أصلِ أخرى، فمَرَّت على مِصْدَعٍ فَرَماها بسهمٍ، فانتظمَ به عَضَلةَ ساقِها، وخرَجت أُمُّ غُنْمٍ عُنَيزَةُ وأَمَرت (^١) ابنتَها، وكانت مِن أحسنِ الناسِ وجهًا، فأسْفَرَت عنه لقدارٍ وأَرَته إياه، ثم ذَمَّرَته (^٢)، فَشَدَّ على الناقةِ بالسيفِ، فكسَف (^٣) عُرْقوبَها، فخَرَّت ورغَت رَغَاةً واحدةً تُحَذِّرُ سَقْبَها، ثم طعَن في لَبَّتِها فنحَرها، وانطَلَق سَقْبُها حتى أتَى جبلًا مُنيفًا (^٤)، ثم أتى صخرةً في رأسِ الجبلِ فرغَا ولاذَ بها. واسمُ الجبلِ فيما يَزْعُمون صُوَرٌ (^٥)، فأتاهم صالحٌ، فلما رأى الناقةَ قد عُقِرت، قال: انتَهَكتُم حرمةَ اللهِ، فأبْشِروا بعذابِ اللهِ ﵎ ونِقْمَتِه. فاتَّبَعَ السقبَ أربعةُ نفرٍ من التسعةِ (^٦) الذين عقَروا الناقةَ، وفيهم مِصْدَعُ بنُ مَهْرَجٍ، فَرَماه مِصْدَعٌ بسهمٍ، فانتظَمَ قلبَه، ثم جَرَّ برجلِه، فأَنزَلَه، ثم ألْقوا لحمَه مع لحمِ أمِّه.\nفلما قال لهم صالحٌ: أبْشِروا بعذابِ اللهِ ونقمتِه. قالوا له، وهم يَهْزَءون به: ومتى ذلك يا صالحُ؟ وما (^٧) آيةُ ذلك؟ وكانوا يُسَمُّون الأيامَ فيهم؛ الأحد أوَّلَ،\n_________\n(^١) في س: \"أبرزت\".\n(^٢) ذمَّرَته: حضته وشجعته. اللسان (ذ م ر).\n(^٣) في ص، ف: \"فخسف\"، وفى م وعرائس المجالس: \"فكشف\"، والمثبت هو الصواب. والكَسْف: قطع العرقوب. اللسان (ك س ف).\n(^٤) في ص، م، ت ٢، س: \"منيعا\"، وفى ف: \"متبعا\"، والمُنيف: العالى. التاج (ن وف).\n(^٥) في ص، ف: \"صنو\"، والمثبت هو الأقرب للصواب، وقد ذكر في معجم البلدان ٣/ ٤٣٥: \"الصُوَر بضم الصاد وفتح الواو جبل\" من غير ذكر نسبته إلى مكان. ووقع في عرائس المجالس اسم الجبل: \"ضوء، وقيل: اسمه قارة\"، وذكر في معجم البلدان ٤/ ١٢ القارة: جبيل مستدق ملموم في السماء لا يقود في الأرض كأنه جثوة وهو عظيم مستدير.\n(^٦) في ص، ت ١، س، ف: \"السبعة\".\n(^٧) في ص، ت ١، س، ف: \"متى\".","vol":"10","page":292},{"text":"والاثنين أهونَ، والثلاثاءَ دُبارَ، والأربعاءَ جُبارَ، والخميسَ مُؤْنِسَ، والجمعةَ العروبةَ، والسبتَ شِيارَ (^١)، وكانوا عَقَروا الناقةَ يومَ الأربعاءِ، فقال لهم صالحٌ، حينَ قالوا ذلك: تُصْبِحون غداةَ يومِ مُؤْنسَ - يعنى يومَ الخميسِ - ووجوهُكم مصفرةٌ، ثم تُصْبِحون يومَ العَروبةِ - يعنى يومَ الجمعةِ - ووجوهُكم محمرةٌ، ثم تُصْبِحون يومَ شِيارَ - يعنى يومَ السبتِ - ووجوهُكم مسودَّةٌ، ثم يُصَبِّحُكم العذابُ يومَ الأولِ - يعنى يومَ الأحدِ - فلما قال لهم صالحٌ ذلك، قال التسعةُ الذين عَقَروا الناقةَ: هَلَمُّوا فلنقتُلْ صالحًا، إن (^٢) كان صادقًا عَجَّلْناه قبلَنا، وإن كان كاذبًا يكونُ قد ألْحَقْناه بناقتِه. فأَتَوه ليلًا ليُبيِّتُوه (^٣) في أهلِه، فدمَغتهم (^٤) الملائكةُ بالحجارةِ، فلما أبْطَئوا على أصحابِهم، أَتَوا منزلَ صالحٍ، فوَجَدوهم مُشَدَّخِين، قد رُضِخوا بالحجارةِ، فقالوا لصالحٍ: أنت قَتَلْتَهم. ثم هَمُّوا به، فقامَت عشيرتُه دونَه، ولَبِسوا السلاحَ، وقالوا لهم: واللَّهِ لا تَقْتُلونه أبدًا، فقد وعَدكم أن العذابَ نازلٌ بكم في ثلاثٍ، فإن كان صادقًا لم تَزِيدوا ربَّكم عليكم إلا (^٥) غَضَبًا، وإن كان كاذبًا فأنتم مِن وراءِ ما تُرِيدون. فانْصَرَفوا عنهم ليلتَهم [تلك، والنفرُ] (^٦) الذين رضَختهم الملائكةُ بالحجارةِ التسعةُ الذين ذكَر (^٧) اللهُ ﵎ في القرآنِ، يقولُ اللهُ ﵎: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾. إلى قولِه: ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٤٨ - ٥٢]. فأصْبَحوا مِن تلك الليلةِ\n_________\n(^١) في ت ١، س، ف: \"سيار\". وهذه الأسماء لا تنصرف، وينظر الأيام والليالي والشهور للفراء ص ٦.\n(^٢) في ص، ت ١، س، ف: \"وإن\".\n(^٣) في ص: \"ليثبتوه\".\n(^٤) دَمَغه دَمْغا: إذا أصاب دماغه فقتله. اللسان (د م غ).\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، س، ف.\n(^٦) في ص، ت ١: \"لذلك والتفوا\"، وفى ف: \"لذلك وألقوا\".\n(^٧) في م: \"ذكرهم\".","vol":"10","page":293},{"text":"التي انصَرَفوا فيها عن صالحٍ وجوهَهم مصفرَّةً، فأيْقَنوا بالعذابِ، وعرَفوا أن صالحًا قد صدَقهم، فطلَبوه ليَقْتُلوه، وخرَج صالحٌ هاربًا منهم (^١)، حتى لجَأ إلى بطنٍ مِن ثمودَ يقالُ لهم: بنو غُنْمٍ. فنزَل على سيِّدِهم؛ رجلٍ منهم يقالُ له: نفيلٌ. يُكْنَى بأبي هُدْبٍ، وهو مُشرِكٌ، فغَيَّبَه فلم يَقْدِروا (^٢) عليه. فغَدوا على أصحابِ صالحٍ، فعَذَّبوهم ليدلُّوهم عليه، فقال رجلٌ مِن أصحابِ صالحٍ - يقالُ له: ميدعُ (^٣) بنُ هرمٍ: يا نبيَّ اللهِ، إنهم ليُعَذِّبوننا لنَدُلَّهم عليك، أفندُلُّهم عليك؟ قال: نعم. فدَلَّهم عليه ميدعُ (^٣) بنُ هرمٍ، فلما عَلِموا بمكانِ صالحٍ، أَتَوا أَبَا هُدْبٍ فَكَلَّمُوه، فقال: نعم (^٤)، عندى صالحٌ، وليس لكم إليه سبيلٌ. فأَعْرَضُوا (^٥) عنه وتَرَكوه، وشغَلهم عنه ما أنزَل اللَّهُ بهم مِن عذابِه، فجعَل بعضُهم يُخْبِرُ بعضًا بما يَرَون في وجوهِهم حينَ أصْبَحوا مِن يومِ الخميسِ، وذلك أن وجوهَهم أصبحت مُصْفرَّةً، ثم أصبَحوا يومَ الجمعةِ ووجوهُهم مُحْمرَّةٌ، ثم أصبَحوا يومَ السبتِ ووجوهُهم مسودَّةٌ، حتى إذا كان ليلةُ الأحدِ خرَج صالحٌ من بين أظْهُرِهم ومَن أسلَمَ معه إلى الشامِ، فنَزَل رملةَ فلسطينَ، وتَخَلَّفَ رجلٌ مِن أصحابِه يقالُ له: ميدعُ (^٣) بنُ هرمٍ. فنَزَلَ قُرْحَ، وهى وادى القرى، وبينَ القُرْحِ وبينَ الحِجْرِ ثمانية عشَرَ ميلًا، فنزَل على سيدِهم؛ رجلٌ يقالُ له: عمرُو بنُ غُنْمٍ. وقد كان أكَل مِن لحمِ الناقةِ ولم يَشْرَكْ (^٦) في قَتْلِها، فقال له ميدعُ بنُ هرم: يا عمرُو بنَ غُنْمٍ، اخرُجْ مِن هذا البلد، فإن صالحًا قال: مَن\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت، س، ف: \"منها\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت، س، ف: \"يقدر\".\n(^٣) في ت ١، وعرائس المجالس: \"مبدع\".\n(^٤) في م: \"لهم\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"وأعرضوا\".\n(^٦) في م: \"يشترك\".","vol":"10","page":294},{"text":"أقامَ فيه هَلَكَ، ومَن خَرَجَ منه نَجا. فقال عمرٌو: ما شَرِكتُ في عَقْرِها، وما رَضِيتُ ما صُنِعَ بها. فلما كانت صبيحةُ الأحدِ أَخَذَتهم الصيحةُ، فلم يَبْقَ منهم صغيرٌ ولا كبيرٌ إلا هلَك، إلا جاريةٌ مُقْعَدَةٌ يقالُ لها: الزُّريْعةُ (^١)، وهى الكلبةُ (^٢) ابنةُ السِّلْقِ، كانت كافرةً شديدة العداوة لصالح، فأطلَقَ اللَّهُ لَها رِجْلَيها بعدما عاينت العذابَ أجمعَ، فخرَجت كأسرعِ ما يُرَى شيءٌ قطُّ، حتى أَتَتْ [أَهلَ قُرْحَ] (^٣)، فَأَخْبَرَتهم بما عايَنَت مِن العذابِ، وما أصابَ ثمودَ منه، ثم اسْتَسْقَت مِن الماءِ فسُقِيت، فلما شَرِبَت ماتَت (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال معمرٌ: أخبَرني من سمِع الحسنَ يقولُ: لما عقَرت ثمودُ الناقةَ، ذهَب فَصِيلُها حتى صعِد تلًّا، فقال: يا ربِّ أينَ أمِّى؟ ثم رَغا رَغْوةً، فنزَلت الصيحةُ فأخْمدَتهم (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ بنحوه، إلا أنه قال: أُصْعِدَ تَلًّا.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أن صالحًا قال لهم حين عقروا الناقةَ: تَمَتَّعُوا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ. وقال لهم: آيةُ هَلاكِكم أن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"الدريعة\"، وفى عرائس المجالس، س: \"الذريعة\" وفي تفسير ابن كثير: \"الزريقة\"، والمثبت من البداية والنهاية ١/ ٣١٦، وينظر تعليق الشيخ شاكر.\n(^٢) في م: \"كلبية\".\n(^٣) في م: \"حيا من الأحياء\".\n(^٤) أخرج صدره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٢ (٨٦٦٧) من طريق سلمة به، وذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص ٥٨ - ٦٢، وابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٣٦ - ٤٣٩، وفى البداية والنهاية ١/ ٣١٠ - ٣١٣.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٣١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٩ إلى أبى الشيخ.","vol":"10","page":295},{"text":"تُصْبِحَ وجوهكم مصفرَّةً، ثم تُصْبحَ اليوم الثانىَ محمرَّةً، ثم تصبحَ اليومَ الثالثَ مسودَّةً. فأصبَحت كذلك. فلما كان اليومُ الثالثُ، وأيْقَنوا بالهلاكِ تَكَفَّنوا وتَحَنَّطوا، ثم أخَذَتهم الصيحةُ فأهْمَدَتهم. قال قتادةُ: قال عاقرُ الناقةِ لهم: لا (^١) أقتُلُها حتى تَرْضَوا أَجْمَعُون (^٢). فجعلوا يَدْخُلون على المرأةِ في خِدْرِها (^٣)، فيقولون: أَتَرْضَين؟ فتقولُ: نعم. والصبيِّ، حتى رَضُوا أَجْمَعُون (٢)، فعقرها (^٤).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن عبدِ اللهِ بن عثمانَ بن خُثَيمٍ (^٥)، عن أبي الزبيرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: لمَّا مَرَّ النبيُّ ﷺ بالحِجْرِ (^٦)، قال: \"لا تسْألوا الآياتِ، فقد سألهَا قومُ صالحٍ، فكانت تَرِدُ مِن هذا الفجِّ، وتصدُرُ مِن هذا الفَجَّ، فعتَوا عن أمرِ ربِّهم، فعقَروها، وكانت تَشْرَبُ ماءَهم يومًا ويَشْرَبون لبنَها يومًا، فعقروها، فأخَذتهم الصيحةُ، أهمَد اللهُ مَن تحتَ أديمِ السماءِ منهم، إلا رجلًا واحدًا كان في حَرَمِ اللَّهِ\". قيل: مَن هو؟ قال: \"أبو رِغالٍ، فلما خرَج مِن الحرمِ أصابَه ما أصابَ قومَه\" (^٧).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"ألا\".\n(^٢) في م: \"أجمعين\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"حجرها\".\n(^٤) في ت ١: \"فعقروها\".\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣١ عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٥ (٨٦٨٤) من طريق محمد بن عبد الأعلى به إلى قوله: فأهمدتهم، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٨ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٥) في م، ت ٢: \"خيثم\". وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٢٧٩.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٣١، ٢٣٢، ومن طريقه أخرجه أحمد ٢٢/ ٦٦ (١٤١٦٠)، والطحاوي في المشكل (٣٧٥٥)، والحاكم ٢/ ٣٢٠، وأخرجه البزار (١٨٤٤ - كشف)، والطحاوي في المشكل (٣٧٥٦)، وابن حبان (٦١٩٧)، والحاكم ٢/ ٣٤٠ من طريق ابن خيثم به.","vol":"10","page":296},{"text":"قال عبدُ الرزاقِ: قال معمرٌ وأخبرَني إسماعيلُ بنُ أميةَ، أن النبيَّ ﷺ مَرَّ بقبرِ أبي رغالٍ، فقال: \"أَتَدْرُون ما هذا؟ \" قالوا: اللهُ ورسولهُ أعلمُ. قال: \"هذا قبرُ أبي رِغالٍ\". قالوا: فمَن أبو رِغالٍ؟ قال: \"رجلٌ مِن ثمودَ، كان في حرمِ اللهِ، فمَنَعَه حَرَمُ اللهِ عذابَ اللهِ، فلمَّا خرَج أصابَه ما أصابَ قومَه، فدُفِنَ هاهنا، ودُفِنَ معه غصنٌ مِن ذهبٍ، فنزَل القومُ، فابْتَدَرُوه بأسْيافِهم. فبَحَثُوا (^١) عليه، فاسْتَخْرَجوا الغُصْنَ\".\nقال عبدُ الرزاقِ: قال معمرٌ: و(^٢) قال الزهريُّ: أبو رِغالٍ، أبو ثقيفٍ (^٣).\nحدَّثنا محمد بن عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن عبدِ اللهِ بن عثمانَ بن خُثَيمٍ (^٤)، عن جابرٍ، قال: مَرَّ النبيُّ ﷺ بالحِجْرِ، ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال في حديثِه: قالوا: مَن هو (^٥) يا رسولَ اللهِ؟ قال: \"أبو رِغالٍ\" (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ، قال: كان يقالُ: إن أحمرَ ثمودَ الذي عقَر الناقةَ كان ولدَ زَنْيةٍ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عنبسةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: قال أبو موسى: أتيتُ أَرضَ ثمودَ، فَذَرَعْتُ (^٧) مصدرَ الناقةِ، فوجَدتُه ستينَ ذراعًا.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، وأخبَرنى\n_________\n(^١) في ص: \"فحنوا\" وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فحبوا\"، وفى س، ف: \"فجثوا\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٣٢.\n(^٤) في م، ت ٢: \"خيثم\". وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٢٧٩.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"هم\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٦ من طريق محمد بن عبد الأعلى به.\n(^٧) فذرعت: قدَّرتُ بالذراع. اللسان \"ذ ر ع\".","vol":"10","page":297},{"text":"إسماعيلُ بنُ أميةَ بنحوِ هذا. يعنى: بنحوِ حديثِ عبدِ اللهِ بن عثمانَ بن خُثَيمٍ (^١)، عن جابرٍ، قال: ومَرَّ النبيُّ ﷺ بقبرِ أبي رِغالٍ، قالوا: ومَن أبو رِغالٍ؟ قال: أبو ثقيفٍ؛ كان في الحَرَمِ لمَّا أهلكَ اللهُ قومَه، منَعه حرمُ اللَّهِ مِن عذابِ اللَّهِ، فلما خرَج أصابَه ما أصابَ قومَه، فدُفِنَ هاهنا، ودُفِنَ معه غُصنٌ مِن ذهبٍ. قال: فابْتَدَره القومُ يَبْحَثون عنه حتى اسْتَخْرجوا ذلك الغصنَ.\nوقال الحسنُ: كان للناقةِ يومٌ، ولهم يومٌ، فأضرَّ بهم.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: لما مَرَّ النبيُّ ﷺ بالحِجْرِ قال: \"لا تَدْخُلوا مساكنَ الذين ظَلَموا أنفسَهم، إلا أن تكونوا باكِينَ؛ أن يُصِيبَكم مثلُ الذي أصابَهم\". ثم قال: ثم قال: [\"هذا وادى النَّفَرِ (^٢) \"] (^٣). ثم رَفَع رأسَه وأسْرَعَ السَّيرَ، حتى أجازَ الوادىَ (^٤).\nوأما قولُه: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾. فإنه يقولُ: ولا تَمَسُّوا ناقةَ اللَّهِ بعَقْرٍ ولا نَحْرٍ، ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يعنى: مُوجِعٌ.\n\n<span id=\"aya-1028\"></span><span data-type='title' id=toc-3396>القولُ في تأويل قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قِيلِ صالحٍ لقومِه واعظًا لهم: واذْكُروا أيُّها القومُ نعمةَ اللهِ عليكم ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ﴾. يقولُ: تَخْلُفون عادًا في الأرضِ بعدَ\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"خيثم\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"البقر\".\n(^٣) ليس في مصدرى التخريج.\n(^٤) سيأتي تخريجه في ١٤/ ١٠٤.","vol":"10","page":298},{"text":"هلاكِها.\nوخلفاءُ جمعُ خليفةٍ، وإنما جُمِعَ خليفةٌ خلفاءَ، وفعلاء إنما هي جمعُ فعيلٍ، كما الشركاءُ جمعُ شريكٍ، والعلماءُ جمعُ عليمٍ، والحُلماءُ جمعُ حليمٍ؛ لأنه ذهَب بالخليفةِ إلى الرجلِ، فكأن واحدَهم خَلِيفٌ، ثم جُمِعَ خلفاءُ. فأما لو جُمِعت الخليفةُ على أنها نظيرةُ كريمةٍ وحليلةٍ ورغيبةٍ، قيل: خلائفُ. كما يقالُ: كرائمُ وحلائلُ ورغائبُ، إذ كانت مِن صفاتِ الإناثِ، وإنما جُمِعت على الوجهَين اللذين جاء بهما القرآنُ؛ لأنها جُمِعت مرةً على لفظِها، ومرةً على معناها.\nوأما قولُه: ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. فإنه يقولُ: وأنزَلكم في الأرضِ، وجعَل لكم فيها مساكن وأزواجًا. ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾. ذُكِرَ أنهم كانوا يَنْقُبون الصخرَ مساكنَ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾: كانوا يَنْقُبون في الجبالِ البيوتَ (^١).\nوقولُه: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾. يقولُ: فاذْكُروا نعمةَ اللهِ التي أنعَم بها عليكم ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.\nكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: لا تَسِيروا في الأرضِ مُفْسِدين (^٢).\nوقد بَيَّنتُ معنى ذلك بشواهدِه واختلافَ المختلفِين فيه فيما مضَى، بما أغنَى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٣ (٨٦٧٢) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٣ (٨٦٧٤) من طريق يزيد به.","vol":"10","page":299},{"text":"عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\n\n<span id=\"aya-1029\"></span><span data-type='title' id=toc-3397>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾: قال الجماعةُ الذين اسْتَكْبَرُوا مِن قومِ صالحٍ عن اتِّباعِ صالحٍ، والإيمانِ باللهِ وبه، ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾. يعنى: لأهلِ المَسْكَنةِ مِن تُبَّاعِ صالحٍ، والمؤمنين به منهم، دونَ ذَوِى شرفِهم، وأهلِ السُّؤْدَدِ منهم: ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾. أَرْسَله اللهُ إلينا وإليكم؟ قال الذين آمَنوا بصالحٍ مِن المستَضَعَفين منهم: إنَّا بما أَرْسَل اللهُ به صالحًا مِن الحقِّ والهدى مؤمنون. يقولُ: مُصَدِّقون، مُقِرُّون أَنه مِن عندِ اللهِ، وأن الله أمَره (^٢) به، وعن أمرِ الله دعانا صالحٌ إليه،\n\n<span id=\"aya-1030\"></span>﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ عن أمرِ اللهِ وأمرِ رسولِه صالحٍ: ﴿إِنَّا﴾ أَيُّها القومُ ﴿بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾. يقولُ: صدَّقْتُم به مِن نبوةِ صالحٍ، وأن الذي جاء به حقٌّ مِن عندِ اللهِ، ﴿كَافِرُونَ﴾. يقولُ: جاحِدون مُنْكِرون، لا نُصَدِّقُ به ولا نُقِرُّ.\n\n<span id=\"aya-1031\"></span><span data-type='title' id=toc-3398>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فعقَرت ثمودُ [ناقةَ اللهِ] (^٣) التي جعَلها (^٤) لهم آيةً،\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٩٩.\n(^٢) في م، ت ٢: \"أمر\".\n(^٣) في م، ت ٣: \"الناقة\".\n(^٤) بعده في م، ت: \"الله\".","vol":"10","page":300},{"text":"﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمرِ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: تَكَبَّروا وتَجَبَّروا عن اتِّباعِ اللَّهِ، [واسْتَعْلَوْا] (^١) عن الحقِّ.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَعَتَوْا﴾ (^٢): عن الحقِّ لا يُبصِرون (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال قال مجاهدٍ: ﴿عَتَوْا عَنْ أَمرِ رَبِّهِمْ﴾: غَلَوْا (^٤) في الباطلِ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمرِ رَبِّهِمْ﴾ [الذاريات: ٤٤]. قال: عتَوْا في الباطلِ، وترَكوا الحقَّ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمرِ رَبِّهِمْ﴾. قال: عَلَوْا (٢) في الباطلِ (^٥).\nوهو مِن قولِهم: جبّارٌ عاتٍ. إذا كان غاليًا (^٦) في تجبُّرِه.\n﴿وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾. يقولُ: قالوا: جِئْنا (^٧) يا صالحُ بما تَعِدُنا مِن عذابِ اللهِ ونقمتِه؛ اسْتِعْجالًا منهم للعذابِ ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ\n_________\n(^١) في ت ١: \"فاستغلوا\"، وفى ت ٣: \"واشتغلوا\"، وفى ف: \"واستغلوا\".\n(^٢) بعده في م: \"علوا\".\n(^٣) في م: \"يبصرونه\"، وفى ف: \"ينصرونه\".\n(^٤) في م: \"علوا\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٣٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٥ (٨٦٨١، ٨٦٨٣)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٩ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٦) في م: \"عاليا\".\n(^٧) في ت ٣، ف: \"أجئتنا\".","vol":"10","page":301},{"text":"الْمُرْسَلِينَ﴾. يقولُ: إن كنتَ لله رسولًا إلينا، فإن اللَّهَ يَنْصُرُ رسلَه على أعدائِه. فعجَّل ذلك لهم كما اسْتَعْجَلوه، يقولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1032\"></span><span data-type='title' id=toc-3400>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فأخذَت الذين عقَروا الناقةَ مِن ثمودَ الرجفةُ، وهى الصيحةُ.\nوالرجفةُ الفَعْلةُ، مِن قولِ القائلِ: رجَف بفلانٍ كذا، يَرْجُفُ رَجُفًا، وذلك إذا حرَّكه وزعْزَعه، كما قال الأَخْطَلُ (^١):\nإِمَّا تَرَيْنِي حَناني الشَّيْبُ مِن كِبَرِ … كالنَّسْرِ أَرْجُفُ والإِنسانُ مَهْدودُ\nوإنما عنَى بالرجْفةِ هاهنا الصيحةَ التي زَعْزَعَتهم وحرَّكَتهم للهلاكِ؛ لأن ثمودَ هلَكت بالصيحةِ فيما ذكَر أهلُ العلمِ.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3399>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿الرَّجْفَةُ﴾. قال: الصيحةُ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) شرح ديوانه ص ٩٥.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٣٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٦ (٨٦٨٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٩ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"10","page":302},{"text":"مجاهد مثله.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: وهى الصيحةُ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾. قال: الصيحةُ.\nوقولُه: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. يقولُ: فَأَصْبَح الذين أَهْلَكَ اللَّهُ من ثمودَ ﴿فِي دَارِهِمْ﴾ يعنى: في أرضِهم التي هلَكوا فيها وبلدتهم.\nولذلك وحَّد \"الدارَ\" ولم يَجْمَعُها، فيقولُ: في دُورِهم. وقد يجوزُ أن يكونَ أريدَ بها الدورُ، ولكنْ وجَّه بالواحدةِ إلى الجمعِ، كما قيل: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١، ٢].\nوقولُه: ﴿جَاثِمِينَ﴾. يعنى: سقوطًا صرعَى لا يتحرَّكون؛ لأنهم لا أرواحَ فيهم، قد هلَكوا. والعربُ تقولُ للباركِ على الركبةِ: جاثمٌ. ومنه قولُ جريرٍ (^١):\nعرَفْتُ المُنْتَأَى (^٢) وعرَفْتُ منها … مَطايَا القِدْرِ كالحِدأِ الجُثُومِ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3401>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. قال: ميِّتِين (^٣).\n_________\n(^١) ديوانه ١/ ٢١٧.\n(^٢) المُنتَأى: الحفرة حول الخباء لئلا يدخله ماء المطر. اللسان (ن أ ى).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٦ (٨٦٨٩) من طريق أصبغ، عن ابن زيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٩ إلى أبى الشيخ.","vol":"10","page":303},{"text":"<span id=\"aya-1033\"></span><span data-type='title' id=toc-3402>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فأدْبَر صالحٌ عنهم حينَ اسْتَعْجَلوه العذابَ وعقَروا ناقةَ اللهِ - خارجًا عن أرضِهم مِن بين أظهُرِهم؛ لأن الله تعالى ذكرُه أَوْحَى إليه: إنِّي (^١) مُهْلِكُهم بعدَ ثالثةٍ (^٢).\nوقيل: إنه لم تَهْلِكُ أُمَّةٌ ونبيُّها بينَ أظهُرِها. فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه عن خروجِ صالحٍ مِن بين قومِه الذين عتَوْا على ربِّهم، حينَ أراد اللهُ إحلالَ عقوبتِه بهم، فقال: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ صالحٌ، وقال لقومِه ثمودَ: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي﴾ وأدَّيْتُ إليكم ما أمَرنى بأدائِه إليكم ربِّي، من أمرِه ونهيهِ، ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ في أدائِى رسالةَ اللهِ إليكم في تحذيرِكم بأسَه، بإقامتِكم على كفرِكم به، وعبادتِكم الأوثانَ، ﴿وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ لكم في اللهِ، الناهِين لكم عن اتِّباعِ أهوائكم، الصادَّين لكم عن شهَواتِ أنفسكم.\n\n<span id=\"aya-1034\"></span><span data-type='title' id=toc-3403>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: ولقد أَرْسَلْنا لوطًا [إذ قال لقومِه] (^٣). ولو قيل: معناه: واذْكُرْ لوطًا يا محمدُ إذ قال لقومِه - إذ لم يَكُنْ في الكلامِ صلةُ الرسالةِ، كما كان في ذكرِ عادٍ وثمودَ - كان مذهبًا.\n_________\n(^١) في ف، ص، ت ١، س: \"أنه\".\n(^٢) في م: \"ثلاثة\".\n* من هنا يبدأ الجزء العشرون من نسخة جامعة القرويين، والمشار إليه بالأصل.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"10","page":304},{"text":"وقولُه: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾. يقولُ: حينَ قال لقومِه مِن سَدُومَ (^١)، وإليهم كان أُرْسِل لوطٌ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾. وكانت فاحشتُهم التي كانوا يَأْتُونها، التي عاقَبَهم اللهُ عليها إتيانَ الذُّكْرانِ، ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: ما سبَقَكم بفعلِ هذه الفاحشةِ أحدٌ مِن العالَمين.\nوذلك كالذى حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا إسماعيلُ ابن عُليةَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عمرِو بن دينارٍ قولَه: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. قال: ما نَزَا (^٢) ذَكَرٌ على ذَكَرٍ، حتى كان قومُ لوطٍ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1035\"></span><span data-type='title' id=toc-3404>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾.</span>\nيُخْبِرُ بذلك جلَّ ثناؤُه عن لوطٍ أنه قال لقومِه؛ توبيخًا منه لهم على فعلِهم: إنكم أيُّها القومُ لَتَأْتُون الرجالَ في أدبارهم شهوةً منكم لذلك مِن دونِ الذي أباحه اللهُ لكم وأحَلَّه مِن النساءِ، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. يقولُ: إنكم لَقومٌ تَأْتُون ما حرَّم اللهُ عليكم، وتَعْصُونه بفعلِكم هذا. وذلك هو الإسرافُ في هذا الموضعِ.\nوالشهوةُ الفَعْلةُ، وهى مصدرٌ مِن قولِ القائل: شَهِيتُ هذا الشيءَ أشْهاه شَهوةً. ومِن ذلك قولُ الشاعرِ (^٤):\nوأشْعَثَ يَشْهَى النومَ قلتُ له ارْتَحِلْ … إذا ما النجومُ أَعْرَضَتْ واسْبَطَرَّتِ (^٥)\n_________\n(^١) سَدُوم: بلدة من أعمال حلب. معجم البلدان ٣/ ٥٩.\n(^٢) في ص، ت ١، س، ف: \"نرى\"، وفي م: \"رؤى\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٩٥، وأخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهى (١٥٩) - ومن طريقه البيهقي في الشعب (٥٤٠٠)، وابن عساكر في تاريخه ٥٠/ ٣١٩ - والآجرى في تحريم اللواط (١) من طريق إسماعيل ابن علية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٠ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) هو الحطيئة، والبيتان في ديوانه ص ٣٤١.\n(^٥) اسبطرت: امتدت. تاج العروس (سَبْطَرَ).","vol":"10","page":305},{"text":"فقام يَجُرُّ البُرْدَ (^١) لو أن نفسَه … يُقالُ له خُذْها بكفَّيْك خرَّتِ (^٢)\n\n<span id=\"aya-1036\"></span><span data-type='title' id=toc-3406>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما كان جوابَ قومِ لوطٍ للوطٍ، إذ وبَّخهم على فعلِهم القبيحِ، ورُكوبِهم ما حرَّم اللهُ عليهم مِن العملِ الخبيثِ، إلا أن قال بعضُهم لبعضٍ: أخْرِجوا لوطًا وابنتَيه (^٣). ولذلك قيل: ﴿أَخْرِجُوهُمْ﴾. فجمَع، وقد جرَى قبلُ ذكرُ لوطٍ وحدَه دونَ غيرِه.\nوقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ إنما جمَع بمعنى. أَخْرِجوا لوطًا ومن كان على دينِه مِن قريتِكم. فاكْتُفى بذكرِ لوطٍ في أولِ الكلامِ مِن ذكرِ تُبّاعِه، ثم جمَع في آخرِ الكلامِ، كما قيل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١].\nوقد بيَّنا نظائرَ ذلك فيما مضَى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٤).\n﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. يقولُ: إن لوطًا ومَن تبِعه أناسٌ يَتَنَزَّهون عما نَفْعَلُه نحن مِن إتيانِ الرجالِ في الأدْبارِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3405>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا هائىُ بنُ سعيدٍ النَّخَعيُّ، عن الحجاجِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. قال: مِن أدبارِ\n_________\n(^١) في الديوان: \"الثوب\".\n(^٢) في ص، م، ف: \"جرت\".\n(^٣) في ص، م، ت ٣، س، ف: \"أهله\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٢/ ٤٠٤ - ٤٠٦.","vol":"10","page":306},{"text":"الرجالِ وأدبارِ النساءِ (^١)\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾: مِن أدبارِ الرجالِ وأدبارِ النساءِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: حمادٌ، عن الحجاجِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. قال: يَتَطَهَّرون مِن أدبارِ الرجالِ والنساءِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الحسنُ بنُ عُمارةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. قال: مِن أدبارِ الرجالِ، ومِن أدبارِ النساءِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. قال: يَتَحَرَّجون (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. يقولُ: عابُوهم بغيرِ عَيْبٍ، وذمُّوهم بغير ذمٍّ (^٤).\n\n<span id=\"aya-1037\"></span><span data-type='title' id=toc-3407>القول في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا أبىَ قومُ لوطٍ مع توبيخٍ لوطٍ إياهم على ما يَأْتون مِن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٣٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٨ (٨٦٩٩) بزيادة: استهزاء بهم، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٠ إلى الفريابى وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٠ إلى عبد الرزاق وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٨ (٨٧٠٠) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٣ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٠ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"10","page":307},{"text":"الفاحشةِ، وإبلاغِه إياهم رسالةَ ربِّه، بتحريمِ ذلك عليهم، إلا التمادىَ في غَيِّهم، أنْجَيْنا لوطًا وأهلَه المؤمنين به (^١)، إلا امرأتَه، فإنها كانت للوطٍ خائنةً، وباللهِ كافرةً.\nوقولُه: ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. يقولُ: مِن الباقِين.\nوقيل: ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. ولم يَقُل: مِن الغابراتِ؛ لأنه أُريدَ (^٢) أنها ممن بقِى مع الرجالِ، فلما ضَمَّ ذكرَها إلى ذكرِ الرجالِ، قيل: ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.\nوالفعلُ منه: غَبَر يَغْبُرُ غُبُورًا وغَيْرًا، وذلك إذا بقِى. كما قال الأَعْشَى (^٣).\nعضَّ بما أبْقَى المَوَاسِى (^٤) له … مِن أَمَةٍ في الزمنِ الغابِرِ\nوكما قال الآخرُ: (^٥)\nوأَبى الذي فتَح البلادَ بسيفِه … فأذَلَّها لبنى أبانِ (^٦) الغابرِ\nيعني: الباقى.\nفإن قال قائلٌ: أفكانت (^٧) امرأةُ لوطٍ ممَّن نجا مِن الهلاكِ الذي هلَك به قومُ لوطٍ؟\nقيل: لا، بل كانت في من هلَك.\nفإن قال: فكيف قيل: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. وقد قلتَ:\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في ص، ف، م، ت ٣: \"يريد\".\n(^٣) ديوانه ص ١٤٥.\n(^٤) المَواسى جمع مُوسى: الحديد. اللسان (وس ى).\n(^٥) هو يزيد بن الحكم بن أبى العاص الثقفى، والبيت في خزانة الأدب ١/ ١١٤.\n(^٦) في الخزانة: \"الزمان\".\n(^٧) في ص، م، ت ٣، ف: \"فكانت\".","vol":"10","page":308},{"text":"إن معنى الغابرِ الباقى؟ فقد وجب أن تكونَ قد بقِيَت؟\nقيل: إن معنى ذلك غيرُ الذي ذهَبْتَ إليه، وإنما عُنِى بذلك: إلا امرأتَه كانت من الباقِين قبلَ الهلاكِ، والمُعَمَّرِين الذين قد أتَى عليهم دهرٌ طويلٌ (^١)، ومرَّ بهم زمنٌ كبيرٌ (^٢)، حتى هرِمَت في من هرِم مِن الناسِ، فكانت ممنَّ (^٣) غَبرَ الدهرَ الطويلَ قبلَ هلاكِ القومِ، فهلَكت مع مَن هلَك مِن قومِ لوطٍ حينَ جاءهم العذابُ.\nوقيل: معنى ذلك: مِن الباقين (^٤) في عذابِ اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3408>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١]: في (^٥) عذابِ اللهِ (^٦).\n\n<span id=\"aya-1038\"></span><span data-type='title' id=toc-3409>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: وأَمْطَرْنا على قومِ لوطٍ الذين كذَّبوا لوطًا ولم يُؤْمِنوا به، مطَرًا مِن حجارةٍ من سِجِّيلٍ أهْلَكْناهم به، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فانْظُرْ يا محمدُ إلى عاقبةِ هؤلاء الذين كذَّبوا اللَّهَ ورسولَه مِن قومِ لوطٍ، فاجْتَرَموا معاصىَ اللهِ، وركِبوا الفَواحشَ، واسْتَحَلُوا ما حرَّم\n_________\n(^١) في ص: \"كثير\"، وفى م: \"كبير\".\n(^٢) في م، ف: \"كثير\".\n(^٣) في ف: \"مع من\".\n(^٤) في ت ٢: \"الغابرين\".\n(^٥) في مصادر التخريج: \"في الباقين في\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٩ (٨٧٠٣) عن محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"10","page":309},{"text":"اللَّهُ مِن أدبارِ الرجالِ، كيف كانت؟ وإلى أيِّ شيءٍ صارت؟ هل كانت إلا البَوارَ والهلاكَ؟ فإن ذلك أو نظيرَه مِن العقوبةِ عاقبةُ مَن كَذَّبك، واسْتَكْبَر عن الإيمانِ باللهِ وتصديقِك، إن لم يَتوبوا مِن قومِك.\n\n<span id=\"aya-1039\"></span><span data-type='title' id=toc-3410>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: وأَرْسَلْنا إلى ولدِ مَدْيَنَ، ومَدْيَنُ: هم ولدُ مَدْيَانَ (^١) بن إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ.\nفيما حدَّثنا به ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ (^٢).\nفإن (^٣) كان الأمرُ كما قال، فـ \"مَدْيَنُ\" قبيلةٌ كتَميمٍ وأَسَدٍ (^٤).\nوزعَم أيضًا ابن إسحاق أن شُعَيبًا الذي ذكَر اللَّهُ أَنه أَرْسَله إليهم مِن ولدِ مَدْيَانَ (١) هذا، وأنه شعيبُ بنُ ميكيلَ بن يشجنَ (^٥)، قال: واسمُه بالسَريانية بثرون (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"مدين\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٠٩.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ٣، ف.\n(^٥) في ص، ت ١، ف: \"يسحن\"، وفى ت ٣: \"يسحر\"، وفى س: \"سحن\"، وفى م: \"يشجر\". وينظر البداية والنهاية ١/ ٤٢٧.\n(^٦) في الأصل: \"يثروب\"، وغير منقوطة في ص، ت ٢، وفى ت ١، س: \"سروب\"، وفى ت ٣: \"بتروب\"، وينظر البداية والنهاية ١/ ٤٢٧.","vol":"10","page":310},{"text":"فتأويلُ الكلامِ على ما قال ابن إسحاقَ: ولقد أَرْسَلْنا إلى ولدِ مَدْيَنَ أَخاهم شعيبَ بنَ ميكيلَ، يَدْعُوهم إلى طاعةِ اللهِ، والانتهاءِ إلى أمرِه، وتركِ السعى في الأرضِ بالفسادِ، والصدِّ عن سبيلِه، فقال لهم شعيبٌ: يا قومِ، اعْبُدوا الله وحدَه لا شريكَ له، ما لكم مِن إِلهٍ يَسْتَوْجِبُ عليكم العبادةَ غيرُ الإلهِ الذي خلَقكم، وبيدِه نفعُكم وضَرُّكم، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: قد جاءتكم علامةٌ وحجةٌ مِن اللهِ بحقيقةِ ما أَقولُ، وصدقِ ما أَدْعُوكم إليه، ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ يقولُ: أتِمُّوا للناسَ حقوقَهم بالكيلِ الذي تَكِيلون به، وبالوزنِ الذي تَزنِون لهم (^١) به، [﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. يقولُ: ولا تَظْلِموا الناسَ حقوقَهم] (^٢)، ولا تَنْقُصوهم إياها.\nومِن ذلك قولُهم: تَحْسَبُها حَمْقاءَ وهى باخِسةٌ (^٣). بمعنى: ظالمةٌ. ومنه قولُ اللهِ: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]. يعنى به: ردئٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3411>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. يقولُ: لا تَظْلِموا الناسَ أشياءَهم (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: ص ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) مجمع الأمثال ١/ ٢١٧، وهو مثل يضرب لمن يتبالَهُ وفيه دهاء.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢٠ عقب الأثر (٨٧٠٨) من طريق عمرو، عن أسباط به","vol":"10","page":311},{"text":"النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. يقولُ: لا تَظْلِموا الناسَ أشياءَهم (^١).\nوقولُه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾. يقولُ: ولا تَعْمَلُوا في أرضِ اللهِ بمَعاصِيه، وما كنتم تَعْمَلونه قبلَ أن يَبْعَثَ اللَّهُ إليكم (^٢) نبيَّه مِن عبادةِ غيرِ اللهِ، والإشراكِ به، وبَخْسِ الناسِ في الكيلِ والوزنِ، ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾. يقولُ: بعدَ أن قد أصْلَح اللهُ الأرضَ بابتعاثِ النبي ﷺ فيكم، يَنْهاكم عما لا يَحِلُّ لكم (^٣) وما يَكْرَهُه اللهُ لكم.\n﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقولُ: هذا الذي ذكَرْتُ لكم، وأمَرْتُكم به مِن إخلاصِ العبادةِ للهِ وحدَه لا شريكَ له، وإيفاءِ الناسِ حقوقَهم مِن الكيلِ والوزنِ، وتركِ الفسادِ في الأرضِ، خيرٌ لكم في عاجلِ دُنْياكم، وآجلِ آخرتِكم عندَ اللهِ يومَ القيامةِ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم مُصَدِّقيَّ فيما أقولُ لكم، وأُؤَدِّي إليكم عن اللهِ مِن أمرِه ونهيِه.\n\n<span id=\"aya-1040\"></span><span data-type='title' id=toc-3412>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾: ولا تَجْلِسوا بكلِّ طريقٍ، وهو الصراطُ، تُوعِدون المؤمنين بالقتلِ.\nوكانوا فيما ذُكِر يَقْعُدون على طريقِ مَن قصَد شعيبًا وأراده ليُؤْمِنَ به،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٢ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ف: \"عليكم\".\n(^٣) سقط من: الأصل.","vol":"10","page":312},{"text":"فيَتَوَعَّدونه ويُخَوِّفونه ويقولون: إنه كذابٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3413>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾. قال: كانوا يُوعِدون مَن أتَى شعيبًا وغشِيَه فأراد الإسلام (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾: والصراطُ الطريقُ، يُخَوِّفون الناسَ أن يَأْتُوا شعيبًا (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: كانوا يَجْلِسون في الطريقِ فيُخْبِرون مَن أتَى عليهم أن شعيبًا النبي ﷺ كذَّابٌ، فلا يَفْتِنَنَّكم (^٣) عن دينِكم (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قولِ اللهِ تعالى: ﴿بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾. [قال: طريقٍ] (^٥)، ﴿تُوعِدُونَ﴾: بكلِّ سبيلِ حقٍّ (^٦).\nحدَّثني المثنى، قال: ثني أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢١ (٨٧١٣، ٨٧١٥) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) ف ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"يفتنكم\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٣٣٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢٤ (٨٧١٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٢ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"10","page":313},{"text":"مجاهدٍ نحوَه.\nحدّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾: كانوا يَقْعُدون [بكلِّ طريقٍ] (^١) يُوعِدون المؤمنين (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن قيسٍ، عن السديِّ: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾. قال: العَشَّارون (^٣).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبي هريرةَ أو غيرِه -[شكَّ أبو جعفرٍ الرازيُّ] (^٤) - قال: أتَى النبيُّ ﷺ مع ليلةَ أُسْرِى به على خشبةٍ على الطريقِ، لا يَمُرُّ بها ثوبٌ إلا شقَّتْه، ولا شيءٌ إلا خرَقَتْه، قال: \"ما هذا يا جبريلُ؟ \" قال: هذا مَثَلُ أقوامٍ مِن أُمَّتِكَ يَقْعُدون على الطريقِ فيقطعونه. ثم تلا (^٥): ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ (^٦).\nوهذا الخبرُ الذي ذكَرْناه عن أبي هريرةَ يَدُلُّ على أن معناه كان عندَ أبى هريرةَ أن نبيَّ اللهِ شعيبًا إنما نهَى قومَه بقولِه: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾: عن قطعِ الطريقِ، وأنهم كانوا قُطَّاعَ الطريقِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"على طريق\"، وفى م: \"على كل طريق\"، وفي ف: \"على الطريق\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢١ (٨٧١٦) من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ بلفظ: \"العاشر\".\n(^٤) في الدر المنثور: \"شك أبو العالية\".\n(^٥) في الأصل: \"قرأ\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٢ إلى المصنف.","vol":"10","page":314},{"text":"وقيل: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾. ولو قيل في غيرِ القرآنِ: لا تَقَعُدوا في كلِّ طريقٍ (^١). كان جائزًا فصيحًا في الكلامِ، وإنما جاز ذلك لأن الطريقَ ليس بالمكانِ المعلومِ، فجاز ذلك كما جاز أن يقالَ: قعَد له بمكان كذا، وعلى مكانِ كذا، وفى مكانِ كذا.\nوقال: ﴿تُوعِدُونَ﴾. ولم يَقُلْ: تَعِدُون؛ لأن العربَ كذلك تَفْعَلُ فيما أبْهَمَت ولم تُفْصِحُ به مِن الوعيدِ، تقولُ: أَوْعَدْته - بالألف - وتقدَّم منى إليه وعيدٌ. فإذا بيَّنت عما أوْعَدَت وأفْصَحَت به، قالت: وعَدته خيرًا، ووعَدته شرًّا. بغيرِ ألفٍ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ٧٢].\nوأما قولُه: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾. فإنه يقولُ: وتَرُدُّون عن طريقِ اللهِ، وهو الردُّ عن الإيمانِ باللهِ، والعملِ بطاعتِه ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾. يقولُ: تَرُدُّون عن طريقِ اللهِ مَن صدَّق باللهِ ووحَّدَه، ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾. يقولُ: وتَلْتَمِسون مَن (^٢) سلَك سبيلَ اللَّهِ وآمَن به وعمِل بطاعتِه عِوَجًا عن القصدِ والحقِّ، إلى الزَّيْعُ (^٣) والضلالِ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: أهلَها، ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾. تَلْتَمِسون لها الزيغَ (^٤).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"صراط\".\n(^٢) في ص، م: \"لمن\".\n(^٣) في الأصل: \"الريع\".\n(^٤) في الأصل: \"الريع\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢١، ١٥٢٢ (٨٧٢٠، ٨٧٢٢) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٢ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"10","page":315},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نجَيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾. قال: تَبْغون السبيلَ عوجًا عن الحقِّ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَتَصُدُّونَ﴾: [مَن آمَنْ] (^٢) ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عن الإسلامِ تَبْغون السبيلَ، ﴿عِوَجًا﴾. هلاكًا (^٣).\nوقولُه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾. يُذَكِّرُهم شعيبٌ نعمةَ اللهِ عندَهم بأن كثَّر جماعتَهم بعدَ أن كان (^٤) قليلًا عددُهم، وأن رفَعهم مِن الذِّلةِ والخَساسةِ، يقولُ لهم: فاشْكُروا الله الذي أنْعَم عليكم بذلك، وأخْلِصوا له العبادَة، واتَّقُوا عقوبتَه بالطاعةِ، واحْذَروا نقمتَه بتركِ المعصيةِ، ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: وانْظُروا ما نزَل بمَن كان قبلَكم مِن الأممِ حينَ عتَوا على ربِّهم، وعصَوْا، رسلَه، مِن المَثُلاتِ والنَّقِماتِ، وكيف وجَدوا عُقْبَى عِصْيانِهم إياه؟ ألم يُهْلَك بعضُهم غرقًا بالطوفانِ؟ وبعضُهم رجمًا بالحجارةِ، وبعضُهم بالصَّيْحةِ؟\nوالإفسادُ في هذا الموضعِ معناه معصيةُ اللهِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢٢ (٨٧٢١، ٨٧٢٣) من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٢ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢١، ١٥٢٢ (٨٧١٨، ٨٧٢٤، ٨٧٢٤) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٢ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"كانوا\".","vol":"10","page":316},{"text":"<span id=\"aya-1041\"></span><span data-type='title' id=toc-3414>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾.</span>\nيعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ﴾: وإن كانت جماعةٌ منكم وفرقةٌ ﴿آمَنُوا﴾. يقولُ: صدَّقوا ﴿بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ من إخلاصِ العبادةِ للهِ، وتركِ مَعاصيه، وظلمِ الناسِ، وبَخسِهم في المكايِيلِ والموازينِ، فاتَّبَعونى على ذلك. ﴿وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾. يقولُ: وجماعةٌ أُخرى (^١) لم يُصَدِّقوا بذلك، ولم يَتَّبِعونى عليه، ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾. يقولُ: فاحْتَبِسوا على قضاءِ اللَّهِ الفاصلِ بينَنا وبينَكم، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾. يقولُ: واللهُ خيرُ مَن يَفْصِلُ، وأعْدَلُ مَن يَقْضِى؛ لأنه لا يَقَعُ في حكمِه مَيْلٌ إلى أحدٍ، ولا محاباةٌ لأحدٍ.\n\n<span id=\"aya-1042\"></span><span data-type='title' id=toc-3415>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكْرُه: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ - يعنى بـ ﴿الْمَلأُ﴾: الجماعةَ من الرِّجال، ويعنى بـ ﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾: الذين تَكَبَّروا عن الإيمانِ باللهِ، والانْتِهاءِ إلى أمرِه، واتباعِ رسولِه شُعَيْبٍ، لمَّا حَذَّرَهم شعيبٌ بأسَ اللهِ على خلافِهم أمرَ رَبِّهم وكُفْرِهِم بِهِ -: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ﴾ ومَن تَبِعك وصدَّقَك وآمَن بك وبما جِئْتَ به معكَ من قريتِنا، ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾. يقولُ: أو (^٢) لترجِعَنَّ أنتَ وهم في دينِنا ومَا نحنُ عليه. قال شعيبٌ مُجيبًا لهم: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾؟.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":317},{"text":"ومعنى الكلامِ أنَّ شُعَيْبًا قال لقومِه: أَتُخْرِجونَنَا مِن قَرْيَتِكم، وتَصُدُّونَنَا عن سبيلِ اللهِ، ولو كنا كارهين لذلك؟. ثم أُدْخِلَت ألفُ الاستفهامِ على واوِ (وَلَوْ) (^١).\n\n<span id=\"aya-1043\"></span><span data-type='title' id=toc-3416>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: قال شعيبٌ لقومِه إذ دَعَوْه إلى العودِ في (^٢) مِلَّتِهم والدخولِ فيها، وتَوَعَّدوه بطرْدِه ومَن تَبِعه مِن قريتِهم إن لم يَفْعَلْ ذلك هو وهم -: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. يقولُ: قد اخْتَلَقْنا على اللَّهِ كَذِبًا وَتَخَرَّصْنا عليه مِن القولِ باطلًا، إن نحن عُدْنا في مِلَّتِكم فرَجَعْنا فيها بعدَ إِذ أَنقَذَنا اللهُ منها، بأن بصَّرَنا خطأَها وصوابَ الهُدَى الذي نحنُ عليه، وما يكون لنا أَنْ نَرْجِعَ فِيها فَنَدِينَ بها ونَتْرُكَ الحقَّ الذي نحنُ عليه، ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾: يقولُ: إلا أن يكونَ سبَق لنا في علمِ اللهِ أنَّا نعودُ فيها، فيَمْضِىَ فينا حينئذٍ قضاءُ اللَّهِ، وتَنْفُذَ مشيئتُه علينا، ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. يقولُ: فإِنَّ عِلْمَ رَبَّنَا وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ فأحاطَ به، فلا يَخْفَى عليه شيءٌ كان، ولا شيءٌ هو كائنٌ، فإن يكنْ سبَق لنا في علمِه أنّا نعودُ في مِلَّتِكم (^٣)، فلا بُدَّ مِن أن يكونَ ما قد سبَق في علمِه، وإِلَّا فإِنَّا غيرُ عائدين في مِلَّتِكم.\n_________\n(^١) في م: \"أولو\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"إلى\".\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فلا يخفى عليه شيء كان ولا شيء هو كائن\".","vol":"10","page":318},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3417>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُدَّيِّ: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: ما ينبغى لنا أن نعودَ في شركِكم بعدَ إذ نجّانا اللهُ منها، إلَّا أن يشاءَ اللَّهُ ربُّنا، فاللَّهُ لا يشاءُ الشركَ، ولكن يقولُ: إلَّا أن يكونَ اللهُ قد علِم شيئا، فإنَّه وسع كلَّ شيءٍ عِلْمًا (^١).\nوقولُه: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾. يقولُ: على اللهِ نعتمِدُ في أمرِنا (^٢)، وإليه نَسْتَنِدُ فيما تَعِدوننا به مِن شرِّكم (^٣) أيها القومُ، فإنَّه الكافي مَن تَوَكَّل عليه.\nثم إنه فزِع صلى اللهُ عليه إلى ربِّه ﷿ بالدعاءِ على قومِه، إذ أَيِس مِن فَلاحِهم، وانقطع رجاؤُه مِن إِذْعانِهم للهِ بالطاعةِ والإقرارِ له بالرِّسالة، وخافَ على نفسِه وعلى مَن تَبِعَهُ مِن مُؤْمِنى قَوْمِهِ مِن فَسَقَتِهم العطبَ والهلكةَ - بتعجيلِ النقمةِ، فقال: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: احْكُم بينَنا وبينَهم بحُكْمِكَ الحقِّ الذي لا جورَ فيه ولا حَيْفَ ولا ظلمَ، ولكنَّه عدلٌ وحقٌّ، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾. يعني: خيُر الحاكمين.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢٣ (٨٧٢٩ - ٨٧٣١) من طريق أحمد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٣ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"أمورنا\".\n(^٣) في م: \"شرككم\"، وفى ف: \"شركهم\".","vol":"10","page":319},{"text":"ذكَر الفراءُ (^١) أنَّ أهلَ عُمانَ يُسمّون القاضىَ الفاتحَ والفتاحَ.\nوذكَر غيرُه مِن أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ (^٢) أنَّه مِن لُغةِ مرادٍ، وأنشَد لبعضِهم بيتًا وهو (^٣):\nأَلَا أَبْلِغْ بنى عُصْمٍ رسولًا … فإني عن فُتاحتِكم غَنِيُّ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأْويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3418>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن مسْعَرِ، عن قتادةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ما كنتُ أدْرِى ما قولُه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾. حتى سمِعتُ بنتَ (^٤) ذِي يَزَنَ تقولُ: تعالَ أُفَاتِحَكَ. يعنى: أُقاضِيكَ (^٥).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: اقضِ بينَنا وبينَ قومِنا (^٦).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا ابن (^٧) دُكَينٍ، قال: ثنا مسْعَرٌ، قال: سمِعتُ قتادةَ يقولُ: قال ابن عباسٍ: ما كنتُ أدرى ما قولُه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا\n_________\n(^١) في معاني القرآن ١/ ٣٨٥.\n(^٢) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٢٢٠، ٢٢١.\n(^٣) تقدم في ٢/ ١٥٠.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"ابنة\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٥٢٩، ١٠/ ٤٧٤ عن وكيع به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢٣ (٨٧٣٣)، والبيهقى في الأسماء والصفات (١٠٧) من طريق مسعر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٣ إلى ابن الأنبارى في الوقف والابتداء. وقتادة لم يسمع من ابن عباس كما تقدم عن المصنف في ١/ ٦١.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢٣ (٨٧٣٤) من طريق عبد الله به.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"أبو\".","vol":"10","page":320},{"text":"وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾. حتى سمِعتُ ابنةَ ذِي يزن تقولُ: تَعَالَ أُفَاتِحُكَ.\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾. أي: اقضِ بينَنا وبيَن قومِنا بالحقِّ.\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾: [اقضِ بينَنا وبينَ قومِنا بالحقِّ] (^١).\nحدثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما قولُه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا﴾. فيقولُ: احْكُمْ بينَنا.\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال الحسنُ البصريُّ: ﴿افْتَحْ﴾: الحكمُ (^٢): احْكُمْ بينَنا وبينَ قومِنا، و﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]: حكَمْنا لكَ حُكْمًا مُبينًا.\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿افْتَحْ﴾: اقضِ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن قتادةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لم أكنْ أدرِى ما: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾. حتى سمِعْتُ بنتَ (^٣) ذى يَزَنَ تقولُ لزوجِها: انطلِقْ أُفَاتِحَكَ.\n\n<span id=\"aya-1044\"></span><span data-type='title' id=toc-3419>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠)﴾.</span>\n_________\n(^١) زيادة من: م. والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣٣ عن معمر به.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"ابنة\".","vol":"10","page":321},{"text":"يقولُ تعالى ذِكْرُه: وقالت الجماعةُ مِن كَفَرَةِ رِجالِ قومِ شعيبٍ - وهم الملأُ الذين جَحَدوا آياتِ اللهِ، وكذَّبُوا رسولَه، وتمادَوا في غَيِّهم - لآخرينَ مِنهم: لئن أنتم اتَّبَعْتم شعيبًا على ما يقولُ، وأَجَبْتُموه إلى ما يَدْعوكم إليه مِن تَوْحِيدِ اللهِ، والانْتِهاءِ إلى أمرِه ونهيِه، وأَقْرَرْتم بنُبُوَّتِه - ﴿إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: لَمَغبونون في فِعْلِكم وتَرْكِكُم مِلَّتكم التي أنتم عليها مقيمون، إلى دينِه الذي يَدْعوكم إليه، وهالكون بذلك من فِعْلِكم.\n\n<span id=\"aya-1045\"></span><span data-type='title' id=toc-3420>القولُ في تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١)﴾.</span>\nيقولُ: فأَخَذتِ الذين كفروا مِن قوم شعيبٍ الرجفةُ - وقد بيَّنتُ معنى الرجفةِ قبلُ (^١)، وأنَّها الزلزلةُ المتحرِّكةُ (^٢) لعذابِ اللهِ - فأهْلَكتهم (^٣)، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: على رُكَبِهم مَوْتَى هَلْكَى.\nوكان صفةُ العذابِ الذي أهْلَكَهم اللهُ به كما حدثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾. قال: إِنَّ اللَّهَ بِعَث شعيبًا إلى مَدْيَنَ وإلى أصحابِ الأَيْكَةِ - والأيكةُ هي الغَيْضَةُ مِن الشَّجَرِ - وكانوا مع كفرِهم يبخَسُون الكيلَ والوزنَ، فدعاهم فكذَّبوه، فقال لهم ما ذكَر اللهُ في القرآنِ، وما ردُّوا عليه، فلمّا عَتَوا وكذّبوه سأَلوه العذابَ، ففتَح اللهُ عليهم بابًا مِن أبواب جَهَنَّمَ، فَأَهْلَكَهم الَحُرّ منه، فلم يَنْفَعْهم ظلٌّ ولا ماءٌ، ثم إنه بعَث سحابَةً فيها ريحٌ طَيِّبَةٌ، فوجدوا بردَ الريح وطِيبَها، فتنادَوا: الظُّلَّةَ، عليكم بها. فلما اجتمَعوا تحتَ السحابةِ رِجالُهم ونِساؤُهم وصبيانُهم، انطبقَت\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٣٠٢، ٣٠٣.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"المحركة\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":322},{"text":"عليهم فأَهْلَكَتْهم، فهو قولُه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ (^١) [الشعراء: ١٨٩].\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان مِن قِصَّةِ خبرِ شعيبٍ وخبِر قومِه ما ذكَر اللهُ في القرآنِ، كانوا أهلَ بَخْسٍ للناسِ في مكاييلِهم وموازينِهم، مع كفرِهم باللهِ وتكذيبِهم نبيَّهم، وكان يَدْعُوهم إلى اللَّهِ جل ثناؤُه وعبادتِه (^٢)، وتركِ ظلمِ الناسِ وبَخْسِهم في مكاييلِهم وموازينِهم، فقال نُصْحًا لهم، وكان صادقًا: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. قال ابن إسحاقَ: فكان رسولُ اللهِ ﷺ فيما ذكَر لى يعقوبُ بنُ أبى سلمةَ - إذا ذكَره (^٣)، قال: \"ذَاكَ (^٤) خَطِيبُ الأَنْبِياءِ\". لحُسْنِ مُراجَعَتِه قومَه فيما يُرادُّهم (^٥). فلما كذَّبوه وتوعَّدوه بالرَّجْمِ والنَّفْى مِن بلادِهم، وعَتَوا على اللَّهِ، أَخَذهم عذَابُ يومِ الظُّلَّةِ، إنه كان عذابَ يومٍ عظيمٍ. فبلغنى أنَّ رجلًا من أهلِ مدينَ يُقالُ له: عمرُو بنُ جَلْهَاءَ. لما رآها قال:\nيا قَوْمِ إِنَّ شعيبًا مُرْسَلٌ فذروا … عنكم سُمَيْرًا وَعِمْرَانَ بنَ شَدّادِ\nإنِّي أَرَى غَبْيَةً (^٦) يا قومِ قد طلَعت … تَدْعُو بِصَوْتٍ عَلَى صَمَّانَةِ (^٧) الوادِى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٣ إلى ابن المنذر، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٩ (٨٧٠٥، ٨٧٠٦) من طريق أحمد بن مفضل به إلى قوله: سألوه العذاب.\n(^٢) في م: \"عبادتهم\".\n(^٣) في م: \"ذكر شعيبا\".\n(^٤) في الأصل: \"ذلك\".\n(^٥) في م: \"يراد بهم\". ورادّه القولَ: راجعه. التاج (ر د د).\n(^٦) في الأصل: \"غيبة\"، وفى م: \"غيمة\". والغبية: الدفعة من المطر. اللسان (غ ب ى). ويريد هنا سحابة ذات غبية.\n(^٧) ف ص، ف: \"صانة\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"صابة\" وغير منقوطة في س. والصمانة والصمان: أرض صلبة ذات حجارة إلى جنب رمل. اللسان (ص م م).","vol":"10","page":323},{"text":"[وإِنَّهُ لن] (^١) تَرَوا فيها ضحاءَ (^٢) غَدٍ … إِلَّا الرَّقِيمَ يُمَشِّي بينَ أَنجَادِ (^٣)\nوسُمَيْرٌ وعِمْرانُ: كاهِناهم، والرقيمُ: كلبُهم (^٤).\nحدثنا ابن حمُيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: فحدَّثنى ابن إسحاقَ، قال: فبلَغنى - واللهُ أعلمُ - أنَّ الله سلَّط عليهم الحرَّ حتى أنضَجَهم، ثم أنشأَ لهم الظُّلَّةَ كالسحابةِ السوداءِ، فلما رَأَوْها ابتدرُوها يستغيثون ببردِها مما هم فيه مِن الحرِّ، حتى إذا دخَلوا تحتَها أُطبقت عليهم، فهلَكوا جميعًا، ونجَّى الله شعيبًا والذين آمنوا معه برحمتِه (^٥).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثني أبو عبدِ الله البجليُّ، قال: \"أبو جادَ\"، و\"هوّز\"، و\"حُطى\" و[\"كَلَمن\"] (^٦) و\"سعفص\"، و\"قرشت\": أسماءُ ملوكِ مدينَ، وكان مَلِكُهم يومَ الظُّلَّةِ في زمانِ شعيبٍ \"كلمن\" (^٧)، فقالت أختُ \"كلمن\" (^٧) تبكيه:\nكَلَمُونٌ هَدَّ رُكْنِى … هُلْكُهُ وَسْطَ المَحِلَّهْ\nسيدُ القومِ أتاه الـ … ــحَتْفُ نارٌ وَسْطَ ظُلَّهْ\nجُعِلَت نارًا عليهم … دارُهم كالمُضْمَحِلَّهْ (^٨)\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"إنكم إن\".\n(^٢) في م: \"ضحاة\".\n(^٣) أنجاد؛ نجد: ما غلظ من الأرض وأشرف وارتفع واستوى. اللسان (ن ج د).\n(^٤) أخرج المرفوع م منه المصنف في تاريخه ١/ ٣٢٧ عن ابن حميد به إلى قوله: يرادهم. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٣ إلى ابن أبي حاتم والحاكم عن ابن إسحاق قال: ذكر لى يعقوب بن أبى سلمة. إلى آخره.\nوهو عند ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢٤ (٨٧٢٦)، والحاكم ٢/ ٥٦٨ من طريق سلمة به مختصرًا كما عند المصنف في تاريخه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢٤ (٨٧٣٩) من طريق سلمة به.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"كلمون\".\n(^٨) ذكره الثعلبى في عرائس المجالس ص ١٤٧. وينظر ما أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٩٥.","vol":"10","page":324},{"text":"<span id=\"aya-1046\"></span><span data-type='title' id=toc-3421>القولُ في تأويل قولِه جل وعز: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكْرُه: فأهلَك اللهُ الذين كذَّبوا شعيبًا فلم يُؤْمِنوا به فأبادَهم، فصارت قريتُهم منهم خاويةً خلاءً، ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾. يقولُ: كأنْ لم يَنْزِلوها (^١) قطُّ، ولم يعيشوا بها حينَ هلَكوا.\nيقالُ: غَنِى فلانٌ بمكانِ كذا، فهو يَغْنَى به غِنًى [وغُنْيانًا] (^٢) وغُنِيًّا، إذا نزَل به وكان به، كما قال الشاعرُ (^٣):\nولقد يَغْنَى به (^٤) جيرانُك الـ … ـمُمْسِكو منك [بعهدٍ ووِصالِ] (^٥)\nوقال (^٦) رُؤْيةُ (^٧):\nوعهدُ مَغْنَى دِمْنَةٍ (^٨) بضَلْفَعا (^٩)\nإنما هو مَفْعَلٌ من \"غَنِىَ\".\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"ينزلوا\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) هو عبيد بن الأبرص، والبيت في ديوانه ص ١١٥.\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"بها\".\n(^٥) في الديوان: \"بأسباب الوصال\".\n(^٦) في الأصل: \"قول\".\n(^٧) ديوانه (مجموع أشعار العرب) ص ٨٧.\n(^٨) دمنة الدار: آثارها. اللسان (د م ن).\n(^٩) ضلفع: قارة ببلاد بنى أسد. التاج (ضلفع).","vol":"10","page":325},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3422>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا مَعْمَرٌ، عن قتادة: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾: كأَنْ لم يعيشوا، كأنْ لم ينعَموا (^١).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾. يقولُ: كأَنْ لم يعيشوا فيها (^٢).\nحدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾: كأن لم يكونوا فيها قطُّ.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾. يقولُ تعالى ذِكْرُه: لم يكنْ الذين اتَّبَعوا شعيبًا الخاسرين، بل الذين كذَّبوه كانوا هم الخاسرين الهالكين؛ لأنَّه أخبرَ عنهم جلّ ثناؤُه أنَّ الذين كذّبوا شعيبًا قالوا للذين أرادوا اتباعَه: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾. فكذَّبهم اللهُ بما أحلَّ بهم مِن عاجلِ نكالِه، ثم قال لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ما خسِر تُبّاعُ شعيبٍ، بل كان الذين كذَّبوا شعيبًا لما جاءت عقوبةُ اللهِ هم الخاسرين، دونَ الذين صدَّقوه وآمنوا به.\n\n<span id=\"aya-1047\"></span><span data-type='title' id=toc-3423>القولُ في تأويلِ قولِه جل وعزّ: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكْرُه: فأدبر شعيبٌ عنهم شاخِصًا مِن بين أَظْهُرِهم حينَ أتاهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢٤، ٦/ ٢٠٥٣ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٣ إلى عبد بن حميد. وسيأتي هذا الأثر والأثر بعده في ١٢/ ٤٦٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٥٢ من طريق عبد الله به، وأخرجه في ٦/ ٢٠٥٢ من طريق الضحاك، عن ابن عباس، وابن أبي الدنيا في العقوبات (١٤٠) من طريق أبى صالح باذان - عن ابن عباس، بلفظ: لم يعمروا فيها، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٣ إلى أبى الشيخ","vol":"10","page":326},{"text":"عذابُ اللهِ، وقال لمّا أيقنَ بنزولِ نِقْمَةِ اللَّهِ بقومِه الذين كذّبوه، حُزْنًا عليهم: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ وأدّيتُ إليكم ما بعثنى به إليكم مِن تحذيرِكم غَضَبَه على إقامَتِكم على الكُفْرِ به، وظُلْمِ الناسِ أشياءَهم، ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ بأمرى إياكم بطاعةِ اللهِ ونهيِكم عن معصيَتِه، ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾. يقولُ: فكيف أحزَنُ على قومٍ جحَدوا وحدانيةَ اللهِ، وكذَّبوا رسولَه، وأتوجعُ لهلاكِهم؟\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3424>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾. يعنى: فكيف أحزنُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾. يقولُ: فكيف أحزنُ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: أصابَ شعيبًا على قومِه حزنٌ لِمَا نزَل (^٢) بهم مِن نقمةِ اللهِ، ثم قال يُعَزِّي نفسَه فيما ذكَر اللهُ عنه: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ [فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾] (^٣).\n\n<span id=\"aya-1048\"></span><span data-type='title' id=toc-3425>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ مُعَرِّفَهُ سَنَّتَه فِي الأُمَمِ التي قد خَلَتْ مِن قبلِ أُمَّتِه، ومُذَكِّرَ مَن كفَر به مِن قريشٍ؛ ليَنْزَجِروا عما كانوا عليه مُقيمين مِن الشرْكِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢٤ (٨٧٤٠) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"يرى\".\n(^٣) في الأصل: \"إلى آخر الآية\". وهذا اللفظ هو تمام الأثر المتقدم في ص ٣٢٤.","vol":"10","page":327},{"text":"باللهِ، والتكذيبِ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ﴾ قبلَك ﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ﴾ وهو البؤسُ وشَظَفُ المعيشةِ وضيقُها، ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ وهى الضُّرُّ وسوءُ الحالِ في أسبابِ دُنْياهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾. يقولُ: فعَلْنا ذلك بهم (^١) ليَتَضَرَّعوا إلى ربِّهم، ويَسْتَكِينوا (^٢) إليه، ويُنِيبوا بالإقلاعِ عن كفرِهم، والتوبةِ مِن تكذيبِ أنبيائِهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3426>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسيِن، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾. يقولُ: بالفقرِ والجُوعِ (^٣).\nوقد ذكَرْنا فيما مضَى الشواهدَ على صِحَّةِ القولِ بما قُلْنا في معنى البأساءِ والضرّاءِ بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٤).\nوقيلَ: ﴿يَضَّرَّعُونَ﴾. والمعنى: يَتَضَرَّعون، ولكن أُدْغِمَت التاءُ في الضادِ لتقاربِ مخرجِهما.\n\n<span id=\"aya-1049\"></span><span data-type='title' id=toc-3427>القولُ في تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾.</span>\nيقولُ جلّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا﴾ أهلَ القريةِ التي أخَذنا أهلَها بالبأساءِ والضرّاءِ،\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، من.\n(^٢) في الأصل: \"يستكينون\"، وفى ف: \"سلبوا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢٤، ١٥٢٥ عقب الأثر (٨٧٤١) من طريق أسباط به.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٣/ ٨٦ - ٩١.","vol":"10","page":328},{"text":"﴿مَكَانَ السَّيِّئَةِ﴾ وهى البأساءُ والضرّاءُ؛ وإنّما جعَل ذلك سيئةً لأنه مما يسوءُ الناسَ ولا يَسرُّهم (^١) - ﴿الْحَسَنَةَ﴾، وهى الرخاءُ والنعمةُ والسَّعَةُ في المعيشةِ، ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ يقولُ: حتى كَثُروا. وكذلك كلُّ شيءٍ كَثُر فإنه يقالُ فيه: قد عفا. كما قال الشاعرُ (^٢):\nولكِنَّا نُعِضُّ السَّيفَ منها (^٣) … بأَسْوقِ عافِياتِ الشَّحمِ كُومِ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3428>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾. قال: مكانَ الشدةِ رخاءً، ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ (^٤).\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾. قال: السيئةُ الشرُّ، والحسنةُ الرخاءُ والمالُ والولُد (^٥).\nحدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَكَانَ السَّيِّئَةِ﴾: [الشرِّ، و﴿الْحَسَنَةَ﴾: الخيرَ] (^٦).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"تسوءهم\".\n(^٢) تقدم البيت في ٣/ ٦٧٦.\n(^٣) في الأصل: \"منا\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣٣ عن معمر به.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٣٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢٦ (٨٧٤٩، ٨٧٥١)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٣ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"الحسنة والحسنة الخير\"، وفى م: \"الحسنة قال السيئة الشر والحسنة الخير\".","vol":"10","page":329},{"text":"حدثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾. يقولُ: مكانَ الشدةِ الرخاءَ (^١).\nحدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا﴾. قال: بدَّلنا مكانَ ما كَرِهوا ما أحبُّوا في الدنيا، حتى عَفَوا مِن ذلك العذابِ، ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ (^٢).\nواختلَفوا في تأويلِ قولِه: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قلنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3429>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. يقولُ: حتى كثُروا وكثُرت أموالهُم (^٣).\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. قال: جَمُّوا.\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. قال: كثُرت أموالُهم وأولادُهم (^٤).\nحدثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢٦ (٨٧٤٨) من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٣ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢٦، ١٥٢٧ (٨٧٥٠، ٨٧٥٨) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٢٦ (٨٧٥٤) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٣٩. وهو في الدر المنثور من تمام الأثر المتقدم في ص ٣٢٩.","vol":"10","page":330},{"text":"﴿حَتَّى عَفَوْا﴾: حتى كثُروا.\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. قال: حتى جَمُّوا وكَثُروا.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. قال: حتى جمُّوا (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. يعنى: جمُّوا؛ كثُروا (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. قال: حتى كثُرت أموالُهم وأولادُهم.\nحدثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾: كثُروا كَمَا يكثُرُ النباتُ والريشُ، ثم أخذَهم عندَ ذلك بغتةً وهم لا يشعُرون.\nوقال آخرون: معنى ذلك: حتى سُرُّوا.\n\n<span data-type='title' id=toc-3430>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. يقولُ: حتى سُرُّوا بذلك (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢٦ (٨٧٥٣) من طريق أبى روق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٤ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"وكثروا\".\n(^٣) وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢٧ (٨٧٥٦) من طريق محمد بن عبد الأعلى، تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٣٣ عن معمر به.","vol":"10","page":331},{"text":"وهذا الذي قاله قتادةُ في معنى ﴿عَفَوْا﴾: سُرُّوا (^١). تأويلٌ لا وجهَ له في كلامِ العربِ؛ لأنه لا يُعْرَفُ العَفْوُ (^٢) السرورُ في شيءٍ من كلامِها، إلَّا أن يكونَ أرادَ: حتى سُرُّوا بكَثْرَتِهم وكثرةِ أموالِهم. فيكونَ ذلك وجهًا وإن بَعُدَ.\nوأما قولُه: ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾. فإنه خبرٌ مِن اللهِ جل ثناؤُه عن هؤلاءِ القومِ الذين أبدلَهم الحسنةَ بالسيئةِ (^٣) التي كانوا فيها، استدراجًا وابتلاءً، أنهم قالوا إذ فعَل ذلك بهم: هذه أحوالٌ قد أصابت مَن قبلنا مِن آبائنا، ونالت أسلافَنا، ونحن لا نعدو أن نكون أمثالَهم، يصيبُنا ما أصابَهم مِن الشِّدَّةِ في المعايشِ، والرخاءِ فيها، وهى السرّاءُ؛ لأنها تَسُرُّ أهلَها. وجَهِل المساكينُ شُكْرَ نعمةِ اللَّهِ، وأغفَلوا [حظَّهم مِن] (^٤) استدامةِ فضلِه، بالإنابةِ إلى طاعتِه، والمسارعةِ إلى الإقلاعِ عما يكرَهُه بالتوبةِ، حتى أتاهم أمرُه وهم لا يشعُرون.\nوقولُه: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: فأخذناهم بالهلاكِ والعذابِ فجأةً، أتاهم على غِرَّةٍ منهم بمجيئهِ، وهم لا يَدْرُون ولا يَعْلَمون أنه يجيثُهم، بل هم بأنه آتيهم مكذّبون حتى يعاينوه ويَرَوْه.\n\n<span id=\"aya-1050\"></span><span data-type='title' id=toc-3431>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) بعده في م: \"بمعنى\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"السيئة\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"من جهلهم\"، وفى م: \"جهلهم\".","vol":"10","page":332},{"text":"[يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾ الذين أرسلنا إليهم رُسُلَنا الذين ذكَرتُ لك يا محمدُ نبأَهم في هذه السورةِ وغيرِها، ﴿آمَنُوا﴾. يقولُ: صدَّقوا الله ورسلَه، ﴿وَاتَّقَوْا﴾. يقول: واتَّقَوْا اللَّهَ فخافُوا عَذَابَه بَتَجَنُّبِهِم مَا يَكْرَهُه مِن أعمالِهم، والإنابةِ إلى ما يُحِبُّه منهم مِن العملِ بطاعتِه، ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: لأرسَلنا عليهم مِن السماءِ الأمطارَ، وأنْبَتْنا لهم مِن الأرضِ بها النباتَ، ورفَعنا عنهم القُحوطَ والُجدوبَ، وذلك مِن بركاتِ السماءِ والأرض. وأصلُ البركةِ المواظبةُ على الشئِ، يقال: قد بارَك فلانٌ على فلانٍ. إذا واظَب عليه، والمباركةُ نحوُ المواظبةِ، فكأنَّ قولَه: ﴿بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. ما يتَتابعُ عليهم مِن خيرِ السماءِ والأرضِ، ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا﴾. يقولُ: ولكن كذَّبوا باللهِ ورسلِه، ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. يقولُ: فعجَّلنا لهم العقوباتِ بكسبِهم الخبيثِ وعملِهم الردئِ، وذلك كفرُهم باللهِ وآياتِه.\n\n<span id=\"aya-1051\"></span><span data-type='title' id=toc-3432>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَفَأَمِنَ﴾ يا محمدُ ﴿أَهْلُ الْقُرَى﴾ المكذبةِ باللهِ ورسولِه أن يُسْلَكَ بهم مَسْلَكَ سلّافِهم من الأممِ المكذبةِ الله ورسلَه، في تعجيلِ العقوبةِ لهم كما عُجِّلت لهم، وقد سلَكوا سبيلَهم في تكذيبِ اللهِ ورسولِه وجحودِ آياتِه فـ ﴿يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾ يقولُ: عقوبتُنا ﴿بَيَاتًا﴾ يَعْنى: ليلًا، ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1052\"></span>﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾. يقولُ: أَوَ أَمِنوا أن تأتيَهم عقوبتُنا نهارًا عندَ الضحى وهم ساهون غافِلون عن مجيئِه، لا يَشْعُرون به] (^١).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف، وهو خرم قديم، استدركناه من نسخة جامعة القرويين، والتي هي الأصل عندنا.","vol":"10","page":333},{"text":"<span id=\"aya-1053\"></span><span data-type='title' id=toc-3434>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أفأمِن يا محمدُ هؤلاءِ الذين يكذِّبون الله ورسولَه، ويَجْحَدون آياتِه، استدراجَ اللهِ إياهم بما أنعَم به عليهم في دنياهم من صحةِ الأبدانِ ورخاءِ العيشِ، كما اسْتَدْرَج الذين قصَّ عليهم قصَصَهم من الأممِ قبلَهم، فإنَّ مكرَ اللَّهِ لا يَأْمَنُه - يقولُ: لا يأمنُ ذلك أن يكونَ استدراجًا مع مُقامِهم على كفرِهم وإصرارِهم على معصيتِهم - ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾: وهم الهالكون.\n\n<span id=\"aya-1054\"></span><span data-type='title' id=toc-3435>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾.</span>\nيقولُ جل ثناؤُه: أولم يَتَبَيَّنْ (^١) للذين يُسْتَخلفون في الأرضِ بعدَ هلاكِ آخرين قبلَهم كانوا أهلَها، فساروا سيرتَهم وعمِلوا أعمالَهم، وعتَوا على (^٢) ربِّهم - ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾. يقولُ: أن لو نشاءُ فعلنا بهم (^٣) فعلَنا بمَن قبلَهم، فأخذْناهم بذنوبهم، وعجَّلنا لهم بَأْسَنا، كما عجَّلناه لمَن كان قبلَهم ممَّن وَرِثوا عنه الأرضَ، فأهلكْناهم بذنوبِهم، ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ: ونختِمُ على قلوبِهم ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾. موعظةً ولا تذكيرًا، سماعَ منتفعٍ بهما.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3433>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"نبين\"، وفى م: \"يبين\".\n(^٢) في م: \"عن أمر\".\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"كما\".","vol":"10","page":334},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال ثنا عيسى، وحدثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾. قال: يُبَيَّن (^١).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾: أولم يُبَيَّنْ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾. يقولُ: أولم يُبَيَّنْ (^٣) لهم.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسيِن، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾. يقولُ: أولم يُبَيَّنُ (^٤)، ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾، هم المشركون (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾. قال: أولم يتَبيَّنْ (^٦) لهم ﴿أَنْ لَو\n_________\n(^١) في الأصل: \"يتبين\"، وفى ت ٢، س، ف: \"نبين\".\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٣٤٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢٩ (٨٧٧٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٠ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في الأصل: \"يتبين\"، وفى ت ٢، س، ف: \"نبين\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٤ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"يتبين\"، وفى ف: \"نبين\".\n(^٤) في الأصل، م، ف: \"يتبين\".\n(^٥) أخرج أوله ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٢٩ عقب الأثر (٨٧٧٤) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به. وأخرج آخره (٨٧٧٥) من طريق أحمد به.\n(^٦) في ص، م: \"نبين\".","vol":"10","page":335},{"text":"نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾. قال: والهدى البيانُ الذي بُعِث هاديًا لهم مبيِّنًا لهم حتى يَعرفوا، لولا (^١) البيانُ لم يَعْرِفوا (^٢).\n\n<span id=\"aya-1055\"></span><span data-type='title' id=toc-3436>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكْرُه: هذه القرى التي ذكَرْتُ لك يا محمدُ أمْرَها وأمْرَ أهلِها. يعنى قومَ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وقومَ لوطٍ وقومَ شعيبٍ - ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾ فنُخْبِرُك عنها وعن أخبارِ أهلِها، وما كان مِن أمرِهم وأمرِ رسلِ اللهِ التي أُرْسِلت إليهم؛ لتَعلمَ أنَّا ننصُرُ رسلَنا والذين آمنوا في الحياةِ الدنيا على أعدائنا وأهلِ الكفرِ بنا، ويعلمَ مُكَذِّبوكَ مِن قومِكَ ما عاقبةُ أمرِ مَن كَذَّبَ رسلَ اللَّهِ، فيرتدِعوا عن تكذيبِكَ، ويُنيبوا إلى توحيدِ اللهِ وطاعتِه، ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾. يقولُ: ولقد جاءت أهلَ القرى التي قَصَصْتُ عليكَ نبأَها ﴿رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، يعنى: بالحُجَجِ [والآياتِ] (^٣)، ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فما كان هؤلاء المشركون الذين أهلكْناهم مِن أهلِ القرَى لِيُؤْمنوا عندَ إرسالِنا إليهم رسلَنا (^٤)، بما كذَّبُوا (^٥) مِن قبلِ ذلك، وذلك يومَ أخَذ ميثاقَهم حين أخرَجَهم مِن ظَهْرِ\n_________\n(^١) في م: \"ولولا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٠ (٨٧٧٦) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف. \"والبينات\"، وفي م: \"البينات\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"يحدثوا\".","vol":"10","page":336},{"text":"آدمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3437>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾. قال: ذلك يومَ أخَذ منهم الميثاقَ فآمنوا كَرْهًا (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: فما كانوا ليُؤْمِنوا عندَ مجيءِ الرُّسُلِ، بما سبَق في علمِ اللهِ أنَّهم يكذِّبون به يومَ أَخْرَجَهم (^٢) مِن صُلْبِ آدمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3438>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ (^٣)، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، عن أُبيِّ بن كعبٍ: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾. قال: كان في عِلْمِه يومَ أقرّوا له بالميثاقِ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال ثنا عبد الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع بن أنسٍ، قال: يحِقُّ على العبادِ أن يأخُذوا مِن العلمِ ما أَبدى لهم ربُّهم، [وأَلا يتناولوا] (^٥) علمَ ما أخفى اللهُ عنهم (^٦)؛ فإن علمَه نافذٌ فيما كان وفيما يكونُ، وفي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٠ (٨٧٨٠) من طريق أحمد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٤ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) في الأصل: \"أخذهم\"، وفي ت ١: \"خروجهم\".\n(^٣) بعده في ص، م، ف: \"عن ابن جريج\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٠ (٨٧٧٨) من طريق أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٥) في م: \"والأنبياء ويدعوا\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"عليهم\".","vol":"10","page":337},{"text":"ذلك [قال اللهُ] (^١): ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾. قال: نفَذ علمُه فيهم أيُّهم المطيعُ مِن العاصى، حيثُ خلَقَهم في زمانِ آدمَ، وتصديقُ ذلك حيث قال لنوحٍ: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود: ٤٨]. وقال في ذلك: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وفى ذلك قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وفى ذلك قال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. فلا حُجَّةَ لأحدٍ على اللهِ (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: فما كانوا لو أحْييناهم بعدَ هلاكِهم ومعاينتِهم ما عايَنوا مِن عذابِ اللهِ، ليُؤْمِنُوا بما كذَّبوا من قبلِ هلاكِهم. كما قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-3439>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾. قال: كقولِه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ (^٣).\nوأشبهُ هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ وأَوْلَاها بالصوابِ القولُ الذي ذكَرْناه عن أُبيِّ بن كعبٍ والرَّبيعِ، وذلك أن مَن سبَق في علمِ اللهِ أنه لا يؤمنُ به فلن يؤمنَ به (^٤) أبدًا. وقد كان سبَق في علمِ اللهِ لمَن أهلَك مِن الأممِ التي قصَّ نبأَهم في هذه السورةِ أنه لا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"قالوا\"، وفى م: \"قال\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٤ إلى المصنف وأبى الشيخ دون أوله.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٤٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٠ (٨٧٧٩).\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":338},{"text":"يؤمنُ أبدًا، فأخبرَ عنهم أنهم لم يكونوا ليؤمنوا بما هم به مكذِّبون في سابقِ عِلْمِه قبلَ مجيءِ الرسلِ عندَ (^١) مجيئهم إليهم.\nولو قيل: تأويله: فما كان هؤلاء الذين ورثوا الأرضَ يا محمدُ من مُشْرِكي قومِك من بعدِ أهلِها الذين كانوا بها، مِن عادٍ وثمودَ - ليُؤْمنوا بما كذَّب به الذين وَرِثوها عنهم مِن توحيدِ اللَّهِ ووَعْدِه ووعيدِه. كان وجهًا ومذهبًا، غيرَ أنى لا أعلمُ قائلًا قاله ممَّن يُعْتَمَدُ [على علمِه] (^٢) بتأويلِ القرآنِ.\nوأما الذي قاله مجاهدٌ مِن أن معناه: ولو رُدُّوا ما كانوا ليُؤْمِنوا. فتأويلٌ لا دلالةَ له (^٣) عليه مِن ظاهرِ التنزيلِ ولا مِن خبرٍ عن الرسولِ صحيحٍ. وإذ كان ذلك كذلك، فأولى منه بالصوابِ ما كان عليه مِن ظاهرِ التنزيلِ دليلٌ.\nوأما قولُه: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾. فإنه يقولُ جل ثناؤُه: كما طبَع الله على قلوب هؤلاء الذين كفَروا بربِّهم وعَصَوا رُسُلَه مِن هذه الأممِ التي قصَصْنا عليكَ نبأَهم يا محمدُ في هذه السورةِ، حتى جاءَهم بأسُ اللَّهِ فهلَكوا به، كذلك يطبعُ اللهُ فيَخْتِمُ (^٣) على قلوبِ الكافرين الذين كَتَب عليهم أنهم لا يؤمنون أبدًا من قومِك.\n\n<span id=\"aya-1056\"></span><span data-type='title' id=toc-3440>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ولم نجد لأكثر أهل هذه القرى التي أهلكناها واقتصصنا عليك يا محمدُ نبأَها ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾. يقولُ: مِن وفاءٍ بما وصَّيناهم به مِن توحيدِ\n_________\n(^١) في م: \"وعند\".\n(^٢) في ت ١، س، ف: \"عليه\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":339},{"text":"اللهِ، واتباعِ رسلِه، والعملِ بطاعتِه، واجتنابِ معاصِيه، وهجرِ عبادَةِ الأوثانِ والأصنامِ - والعهدُ هو الوصيةُ، وقد بَيَّنا ذلك فيما مضَى بما أغنى عن إعادتِه (^١) - ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾. يقولُ: وما وجَدْنا أكثرَهم إلا فَسَقةً عن طاعةِ ربِّهم، تاركين عهدَه ووصيتَه. وقد بيَّنا معنى الفسقِ قبلُ (^٢).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3441>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾. قال: القرونُ الماضيةُ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾. قال: القرونُ الماضيةُ، وعهدُه الذي أخَذَه مِن بنى آدمَ في ظهرِ آدمَ ولم يفُوا به.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ، عن أُبَيِّ بن كعبٍ: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾. قال: في الميثاقِ الذي أخَذَه في ظهرِ آدمَ (^٤).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٣٥ - ٤٣٧.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٣٤، ٩/ ٢٥٥.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٤٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣١ (٨٧٨٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٥ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ، بلفظ الأثر القادم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٥ إلى المصنف.","vol":"10","page":340},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾: وذلك أنَّ الله إنَّما أهلكَ القُرَى لأنهم لم يكونوا حفظوا ما أوصاهم به (^١).\n\n<span id=\"aya-1057\"></span><span data-type='title' id=toc-3442>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)﴾.</span>\n[يقولُ تعالى ذكرُه] (^٢): ثم بعَثنا من بعدِ نوحٍ وهودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشعيبٍ موسَى بنَ عمرانَ - والهاءُ والميمُ اللتان في قولِه: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. هي كنايةُ ذكرِ الأنبياءِ ﵈ التي ذُكِرت من أولَ هذه السورةِ إلى هذا الموضعِ - ﴿بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: بحُججِنا وأدلَّيِنا ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾. يعنى: وإلى جماعةِ قومِ (^٣) فرعونَ مِن الرجالِ، ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾. يقولُ: فكفَروا بها. والهاءُ والألفُ اللتان في قولِه: ﴿بِهَا﴾ عائدتان على \"الآياتِ\". ومعنى ذلك: فظلَموا بآياتِنا التي بعَثنا بها موسى إليهم. وإنما جازَ أنْ يقالَ: فظلَموا بها. بمعنى: كفَروا بها؛ لأنَّ الظلمَ وضعُ الشيءِ في غيرِ موضِعِه - وقد دلَّلنا فيما مضَى على أن ذلك معناه بما يُغْنى عن إعادتِه (^٤) - والكفرُ بآياتِ اللهِ وضعٌ لها في غيرِ موضعِها، وصرفٌ لها إلى غيرِ وجهِها الذي عُنِيتُ به، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. يقول جل ثناؤه لنبيه محمدٍ ﷺ: فانظُر يا محمدُ بعينِ قلبِك كيف كان عاقبةُ هؤلاء الذين أفسدوا في الأرضِ. يعنى: فرعونَ وملأَه إذ ظلَموا بآياتِ اللَّهِ التي جاءهم بها\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣١ (٨٧٨٤) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) في الأصل: \"قال أبو جعفر\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٥٩، ٥٦٠.","vol":"10","page":341},{"text":"موسى ﵇، وكان عاقبتُهم أنّهم غرِقوا جميعًا في البحرِ.\n\n<span id=\"aya-1058\"></span><span data-type='title' id=toc-3443>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾.</span>\nيقولُ جلّ ثناؤُه: وقال موسى لفرعونَ: يا فرعونُ إنى رسولٌ إليك مِن ربِّ العالمين.\n\n<span id=\"aya-1059\"></span><span data-type='title' id=toc-3444>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦)﴾.</span>\nاختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾؛ فقرَأه جماعةٌ مِن قرأةِ المكيين والمدنيين والبصرةِ والكوفةِ: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾. بإرسالِ الياءِ مِن ﴿عَلَى﴾، وتركِ تشديدِها (^١)، بمعنى: أنا حقيقٌ بألَّا أقولَ علَى اللَّهِ إِلَّا الحقَّ. فوجَّهوا معنى ﴿عَلَى﴾ إلى معنى الباءِ، كما يقالُ: رميتُ بالقوسِ، وعلى القوسِ، وجئتُ على حالٍ حسنةٍ وبحالٍ حسنةٍ.\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العرب يقولُ (^٢) إذا قُرِئَ ذلك كذلك: فمعناه: حريصٌ على ألا أقولَ، [ومُحِقٌّ ألا أقولَ] (^٣).\nوقرَأ ذلك جماعةٌ مِن أهلِ المدينةِ: (حَقِيقٌ عَلَيَّ أَن لا أَقُول) (^٤). بمعنى: واجبٌ عليَّ ألا أقولُ، وحقٌّ عليَّ ألا أقولَ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنَّهما قراءتان مشهورتان متقارِبَتا المعنى، قد قرَأ\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبي جعفر ويعقوب وخلف. النشر ٢/ ٢٠٣.\n(^٢) هو قول أبي عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٢٢٤.\n(^٣) في م: \"إلا بحق\"، وفى ف: \"بحق لا أقول\".\n(^٤) وهى قراءة نافع وحده. النشر ٢/ ٢٠٣.","vol":"10","page":342},{"text":"بكلِّ واحدةٍ منهما أئمةٌ مِن القرَأةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ في قراءتِه الصوابَ.\n\n<span id=\"aya-1060\"></span>وقولُه: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: قال موسى لفرعونَ وملئِه: قد جئتُكم ببرهانٍ مِن ربِّكم يشهدُ أيُّها القومُ على صحةِ ما أقولُ، وصدقِ ما أذكُرُ لكم مِن إرسالِ اللهِ جل ثناؤُه إياى إليكم رسولًا، فأرسِلْ يا فرعونُ معى بني إسرائيلَ. فقال له فرعونُ: ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾. يقولُ: بحُجَّةٍ وعلامةٍ شاهدةٍ على صدقِ ما تقولُ، ﴿فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1061\"></span><span data-type='title' id=toc-3446>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)﴾.</span>\nيقولُ جلّ ثناؤُه: ﴿فَأَلْقَى﴾ موسى ﴿عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ﴾. يَعنِي: حيةٌ. ﴿مُبِينٌ﴾. يقولُ: تَبِينُ لَمَن يَراها أنَّها حيةٌ.\nوبما قلنا مِن (^١) ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3445>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾. قال: تحوَّلت حيةً عظيمةً. وقال غيرُه: مثلَ المدينةِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌّ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾. قال: فإذا هي حيةٌ كاد يَسُورُه، يعني: يَثِبُ عليه.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) في م: \"في\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٣، ٨/ ٢٧٠٨ (٨٧٩٠، ١٥٠٩٠) من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وتفسير عبد الرزاق ١/ ٢٣٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٦ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"10","page":343},{"text":"السديِّ: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾: والثعبانُ: الذكرُ مِن الحياتِ، فاتحةً فاها، واضعةً لَحْيَها الأسفلَ في الأرضِ، والأعلَى على سورِ القصرِ، ثم توجَّهت نحوَ فرعونَ لتأخُذَه، فلمّا رآها ذُعِر منها، ووَثَب فأحدثَ، ولم يكنْ يُحدِثُ قبلَ ذلك، وصاح: يا موسى خُذْها وأنا أومنُ بكَ، وأُرسلُ معكَ بني إسرائيلَ. فأخذَها موسى فعادتْ عصًا (^١).\nحدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾. قال: ألقى العصا فصارت حيةً، فوضعتْ فُقْمًا (^٢) لها أسفلَ القبةِ، وفُقْمًا لها أعلى (^٣) القبةِ - قال عبدُ الكريمِ: قال إبراهيمُ: وأشار سفيانُ بإصْبَعِه الإبهامِ والسبابةِ هكذا شِبْةَ الطاقِ - فلما أرادت أن تأخُذَه، قال فرعونُ: يا موسى خُذْها، خُذْها (^٤). فأخذَها موسى بيدِه، فصارت عصًا كما كانت أوَّلَ مرَّةٍ.\nحدَّثنا العباسُ بن الوليدِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، عن القاسمِ بن أبي أيوبَ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ألقى عصاه فتحوّلت حيَّةً عظيمةً فاغِرَةً فاها، مُسْرِعَةً إلى فرعونَ، فلما رأى فرعونُ أنها قاصدةٌ إليه اقْتَحَم عن سريرِه، فاستغاثَ بموسى أن يكُفَّها عنه، ففعَل (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٠٤، ٤٠٥ مطولًا، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٥٩ من طريق عمرو بن حماد به. وسيفرق المصنف أجزاء منه فيما سيأتي.\n(^٢) الفقم: اللَّحْى، وهما فُقْمان. ينظر النهاية ٣/ ٤٦٥.\n(^٣) في الأصل: \"على\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٢، ٨/ ٢٧٥٨ من طريق يزيد بن هارون به، وهو جزء من حديث الفتون، وسيأتي في ١٦/ ٦٤ - ٦٩.","vol":"10","page":344},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾. قال: الحيةُ الذكَرُ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: حدَّثني إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بن عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: لما دخَل موسى على فرعونَ قال له فرعونُ (^٢): أُعَرِّفُك؟ قال: نعم. قال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾؟ [الشعراء: ١٨] قال: فردّ إليه موسى الذي ردّ، فقال فرعونُ: خذُوه. فبادَرَه موسى فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبينٌ، فحَمَلت على الناسِ فانهَزَموا منها (^٣)، فمات منهم خمسةٌ وعشرون ألفًا، قتَل بعضُهم بعضًا، وقام فرعونُ مُنْهَزِمًا حتى دخَل البيتَ (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ [ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾. قال: حيةٌ تسعى.\nحدَّثني الحارثُ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ، قال: حدَّثنا دَيْلَمُ بنُ غَزْوانَ، عن فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ في قولِه: ﴿فَأَلْقَاهَا (^٥) فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾] (^٦) [طه: ٢٠]. قال: ما بينَ لَحْيَيْها أربعون ذِراعًا (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٢، ٨/ ٢٧٥٨ (٨٧٩٤، ١٥٥٨٩) من طريق الضحاك عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ من طرق عن ابن عباس.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"موسى\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٤) أخرجه أحمد في الزهد ص ٦٦ مطولًا، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٥٨ (١٥٥٨٧) من طريق إسماعيل بن عبد الكريم به.\n(^٥) في الأصل: \"فألقى عصاه\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢ ت ٣، س، ف: \"حية تسعى\"، وفى م: \"ثعبان مبين\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٥٩ (١٥٥٩٥) من طريق ديلم بن غزوان به.","vol":"10","page":345},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدةُ بنُ سليمانَ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾. قال: الحيةُ الذكرُ (^١).\n\n<span id=\"aya-1062\"></span>وأما قولُه: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾. فإنه يقولُ: وأخْرج يدَه فإذا هي بيضاءُ تلوحُ لمَن نظَر إليها مِن الناسِ.\nوكان موسى فيما ذُكِر لنا آدمَ، فجعَل اللهُ تحوُّلَها (^٢) بيضاءَ مِنْ غيرِ بَرَصٍ له آيةً، وعلى صدقِ قولِه: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حُجَّةً.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3447>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرَنا يزيدُ بن هارونَ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، عن القاسمِ بن أبي أيوبَ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: أخرَج يدَه مِن جيبِه فرآها بيضاءَ مِن غيرِ سوءٍ، يعني: مِن غيرِ بَرَصٍ، ثم أعادها إلى كُمِّه، فعادت إلى لونِها الأوَّلِ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾. يقولُ: مِن غيرِ بَرَصٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ الله: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾. قال: نزَع يدَه من جيبِه،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٢، ٨/ ٢٧٠٨ (٨٧٩٤، ١٥٥٨٩) من طريق عبدة عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس.\n(^٢) في م: \"تحول يده\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٣، ٨/ ٢٧٥٩ من طريق يزيد بن هارون به، وهو جزء من حديث الفتون.","vol":"10","page":346},{"text":"﴿بَيْضَاءُ﴾: من غيرِ بَرَصٍ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: أخبَرَنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾: أخرَجها مِن جيبِه ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾. قال: نزَع يدَه مِن جيبِه ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾، وكان موسى رجلًا آدَمَ، فأخْرج يدَه فإذا هي بيضاءُ أشدُّ بياضًا مِن اللبنِ، ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢]، قال: من غيرِ برصٍ، آيةً لفرعونَ.\n\n<span id=\"aya-1063\"></span><span data-type='title' id=toc-3448>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قالت الجماعةُ مِن رجالِ قومِ فرعونَ والأشرافُ منهم: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ - يَعْنى (^٣) موسى، ﴿لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾. يعنون: إنه ليأخذُ بأعينِ الناسِ بخِداعِه (^٤) إياهم حتى يُخيِّلَ إليهم العصا حيةً، والآدمَ أبيضَ، والشيءَ بخلافِ ما هو به.\nومنه قيل: سحَر المطرُ الأرضَ - إذا جادَها فقلَع (^٥) نباتَها مِن أصولِه، وقلَب الأرضَ ظهرًا لبطنٍ - فهو يَسْحَرُها سَحْرًا، والأرضُ مَسْحورَةٌ، إذا أصابَها ذلك.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٤٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠٩ عقب الأثر (١٥٥٩٦) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"يعنون\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"وبخداعه\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فقطع\".","vol":"10","page":347},{"text":"فشُبه سحرُ الساحرِ بذلك لتخييلِه إلى مَن سحَره أنه يرى الشيءَ بخلافِ ما هو به.\nومنه قولُ ذِى الرُّمَّةِ في صفةِ السرابِ (^١):\nوساحرةِ (^٢) السرابِ (^٣) مِن المَوامى (^٤) … تَرَقَّصُ في نَواشِزِها (^٥) الأُرومُ (^٦)\n\n<span id=\"aya-1064\"></span>وقولُه: ﴿عَلِيمٌ﴾. [يقولون: هو] (^٧) ساحرٌ عليمٌ بالسحرِ. ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾. [قالوا وهم الملأُ: يُرِيدُ موسى أن يُخْرِجَكُم مِن أرضِكم] (^٨) أرضِ مصرَ، معشرَ القبطِ بسحرِه. فقال فرعونُ للملأ: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾. يقولُ: فأيَّ شيءٍ تأمرون أن نفعلَ في أمرِه، وبأيِّ شيءٍ تُشيرون فيه؟. وقيل: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ والخبرُ بذلك عن فرعونَ، ولم يُذْكَرْ فرعونُ، وقلَّما يجيءُ مثلُ ذلك في الكلامِ، وذلك نظيرُ قولِه: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥١، ٥٢]. فقيل: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. مِن قولِ يوسفَ، ولم يُذْكَرْ يوسفُ، ومَن قال (^٩) ذلك لزِمَه (^١٠) أن يقولَ: قلت لزيدٍ: قُمْ فَإِنِّي قائمٌ. وهو يريدُ:\n_________\n(^١) ديوانه ٢/ ٦٧٤.\n(^٢) في الديوان: \"ساجرة\". بالجيم، أي: مالئة، وبالحاء المهملة رواية.\n(^٣) في م: \"العيون\"، وهى رواية.\n(^٤) الموامى، جمع الموماة: المفازة الواسعة الملساء، وقيل: هي الفلاة التي لا ماء بها ولا أنيس بها. اللسان (م وم).\n(^٥) في الديوان: \"عساقلها\". والنواشز جمع ناشز، وهو التل المرتفع.\n(^٦) ضبطه في الأصل بفتح الهمزة، والأروم بالضم: الأعلام. وقيل: هي قبور عاد. وبالفتح أصل الشجرة، والقرن. اللسان (أ ر م).\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"يقول\".\n(^٨) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٩) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^١٠) سقط من: م.","vol":"10","page":348},{"text":"فقال زيدٌ: إني قائمٌ.\n\n<span id=\"aya-1065\"></span><span data-type='title' id=toc-3449>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: وقال الملأُ مِن قومِ فرعونَ لفرعونَ: أرجِئْه. أي: أخِّرْه. وقال بعضُهم: معناه: احبسْه.\nوالإرجاءُ في كلامِ العربِ التأخيرُ، يقالُ منه: أَرْجَيْتُ هذا الأمرَ وأَرجَأْتُه. إذا أخَّرْتَه. ومنه قولُ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١]: تؤخِّرُ. فالهمزُ مِن كلامِ بعضِ قبائلِ [العربِ مِن] (^١) قَيْسٍ، يقولون: أرجأتُ هذا الأمرَ. وتركُ الهمزِ مِن لغةِ تميمٍ وأسدٍ، يقولون: أرجيتُه.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ العِراقيين: (أرْجِهِ). بغيرِ الهمزِ وبجرِّ الهاءِ (^٢).\nوقرَأه بعضُ قرأةِ الكوفيين: ﴿أَرْجِهْ﴾. بتركِ الهمزِ وتسْكينِ الهاءِ (^٣)، على لغةِ مَن يَقِفُ على الهاءِ في المَكْنيِّ في الوصلِ إذا تحرّك ما قبلَها، كما قال الراجزُ (^٤):\nأنْحَى (^٥) عليَّ الدَّهْرُ رِجلًا ويَدَا\nيُقْسِمُ لا يُصْلِحُ إِلَّا أَفْسَدَا\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) هي قراءة نافع في رواية ورش والكسائي. الكشف عن وجوه القراءات ١/ ٤٧٠، والتيسير ص ٩٢.\n(^٣) هي قراءة عاصم وحمزة. المصدران السابقان.\n(^٤) هو دويد بن زيد بن نهد، والرجز في معاني القرآن للفراء ١/ ٣٨٨ كروايته هنا، وبروايات أخرى في طبقات فحول الشعراء ١/ ٣٢ والشعر والشعراء ١/ ١٠٤، والمؤتلف والمختلف ص ١٦٤.\n(^٥) في س، ف: \"ألحى\"، وفي بقية المصادر سوى معاني القرآن: \"ألقى\".","vol":"10","page":349},{"text":"فيُصْلِحُ اليومَ ويُفْسِدُهْ غَدَا\nوقد يفعَلون مثلَ ذلك بهاءِ التأنيثِ فيقولون: هذه طلحة قد أقبلت. كما قال الراجزُ (^١):\nلما رأى ألا دَعَهْ ولا شِبَعْ … مال إلى أرطاةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ (^٢)\nوقرأه بعضُ البصريين: (أرْجِئْهُ). بالهمزِ وضمِّ الهاءِ، على لغةِ مَن ذَكَرتُ مِن قيس (^٣).\nوأولى القراءاتِ في ذلك بالصوابِ أشهرُها وأفصحُها في كلامِ العربِ، وذلك تركُ الهمزِ وجرِّ الهاءِ، وإن كانت الأُخرى جائزةً، غيرَ أن الذي اخترنا أفصحُ اللغات وأكثرُها على ألسُنِ فصحاءِ العربِ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿أَرْجِهْ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: أخِّرْه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3450>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، أخبرني عطاءٌ الخُراسانيُّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾. قال: أَخِّرْه (^٤).\nوقال آخرون: معناه: احبِسْه.\n_________\n(^١) الرجز في معاني القرآن للفراء ١/ ٣٨٨، وإصلاح المنطق ص ٩٥، وتهذيبه ١/ ١٦٧.\n(^٢) قال التبريزي في تهذيبه: يعنى الذئب، لما رأى أنه لا يشبع من الظبي ولا يدركه مال إلى أرطاة، والأرطى ضرب من شجر الرمل .. والحقف المعوج من الرمل.\n(^٣) هي قراءة ابن كثير وابن عامر في رواية هشام بالهمز وضم الهاء ووصلها بواو، وقرأ أبو عمرو بالهمز والضم من غير صلة بواو. الكشف عن وجوه القراءات ١/ ٤٧٠، والتيسير ص ٩٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٣، ٨/ ٢٧٦١ (٨٧٩٠، ١٥٦٠٦) من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٦ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"10","page":350},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3451>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾. أي: احبِسْه وأخاه (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾. [فإن معناه: وأرسِلْ في مدائن مصرَ - وهى كانت مملكتَه - ﴿حَاشِرِينَ﴾] (^٢). يقولُ: مَن يحشُرُ السحرةَ فيجمَعُهم إليك.\nوقيل: هم الشُّرَطُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3452>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني العباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ ظهيرٍ، عن السديِّ، [عن أبي مالكٍ] (^٣)، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَابْعَثْ (^٤) فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٦]. قال: الشُّرَطُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبي، عن إسماعيلَ بن إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن أبيه (^٥)، عن مجاهدٍ: ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾. قال: الشُّرَطُ (^٦).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا حميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن قيسٍ، عن السديِّ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٣ (٨٧٩١) من طريق يزيد به، وفى ٨/ ٢٧٦١ من طريق همام عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) سقط من: م، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"عن أبي طالب\".\n(^٤) في م في هذا الموضع وما بعده: \"أرسل\"\n(^٥) بعده في الأصل: \"عن إبراهيم بن مهاجر\"، وصوابه عن أبيه إبراهيم بن مهاجر بدون: عن. وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٢١١.\n(^٦) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٦١ عقب الأثر (١٥٦١٠) معلقًا.","vol":"10","page":351},{"text":"﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾. قال: الشُّرَطُ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، [وحدثنا ابن وكيعٍ، قال حدَّثنا أبي، قالا] (^١): ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن أبيه، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾. قال: الشُّرَطُ (^٢).\nحدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن عِكرِمَةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾. قال: الشُّرَطُ.\n\n<span id=\"aya-1066\"></span><span data-type='title' id=toc-3453>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن مَشُورَةِ الملأِ مِن قومِ فرعونَ على فرعونَ أن يُرْسِلَ في المدائنِ حاشرين يَحْشُرون كلَّ ساحرٍ عليم. وفي الكلامِ محذوفٌ اكتُفِى بدَلالةِ الظاهرِ من إظهارِه، وهو: فأرسَل فرعونُ (^٣) في المدائنِ حاشرين يحشُرون السحرةَ فحشَروهم (^٣)، فجاء السحرةُ فرعونَ قالوا: ﴿إِنَّ لَنَا لأَجْرًا﴾. يقولُ: إن لنا لثوابًا على غلبتِنا موسى عندَك، ﴿إِنْ كُنَّا﴾ يا فرعونُ ﴿نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في م: \"قال\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٤، ٨/ ٢٧٦١ (٨٧٩٤، ١٥٦١٠) من طريق إسماعيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٦ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":352},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3454>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني العباس بن الوليد، قال: أخبَرنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، عن القاسمِ بن أبي أيوبَ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: فأرسَلَ فرعونُ في المدائنِ حاشرين، فحُشِر له (^١) كلُّ ساحرٍ متعالمٍ، فلمّا أَتَوا فرعونَ قالوا: بمَ يعمَلُ هذا الساحرُ؟ قالوا (^٢): يعمل بالحياتِ. قالوا: والله ما في الأرضِ قومٌ يعمَلون بالسحرِ والحياتِ والحبالِ والعِصِيِّ أعلمُ مِنَّا، فما أجْرُنا إن غَلَبْنا؟ فقال لهم: أنتم [أقاربي وخاصَّتي] (^٣)، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شيءٍ أحببتُم (^٤).\nحدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: قال فرعونُ: لا نغالِبُه - يعنى موسى - إِلَّا بمَن هو منه، فأَعدَّ غِلمانًا (^٥) مِن بنى إسرائيلَ، فبعَث بهم إلى قريةٍ بمصرَ يقالُ لها: الفَرَمَا (^٦). يعلِّمونهم السحرَ، كما يُعلَّمُ الصبيانُ الكِتابَ فِي الكُتّابِ، قال: فعلَّموهم سِحْرًا كثيرًا. قال: وواعدَ [موسى فرعونَ] (^٧) موعدًا، فلمّا كان في ذلك الموعدِ بعث فرعونُ [إلى السحرةِ] (^٨) فجاء بهم وجاء بمعلِّمِهم معهم، فقال له: ماذا صنعتَ؟ قال: قد عَلَّمْتُهم مِن السحرِ سحرًا لا يُطيقه سحرُ أهلِ الأرضِ، إِلَّا أَنْ يكونَ أمرًا مِن السماءِ، فإنّه لا طاقةَ لهم به، فأمّا سحرُ أهلِ الأرضِ فإنه لن يَغْلِبَهم. فلما\n_________\n(^١) في الأصل: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"لهم\".\n(^٢) في الأصل: \"قال\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"قرابتى وحامتى\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٤، ١٥٣٥، ٨/ ٢٧٦٢، ٢٧٦٣ من طريق يزيد بن هارون به، وهو جزء من حديث الفتون، وسيأتي في ١٦/ ٦٤ - ٦٩.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"علماء\".\n(^٦) الفرما: مدينة على الساحل من ناحية مصر، بين العريش والفسطاط. ينظر البلدان ٣/ ٨٨٣.\n(^٧) في الأصل: \"فرعونُ موسى\".\n(^٨) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":353},{"text":"جاءت السحرةُ قالوا لفرعونَ: ﴿أَئِنَّ (^١) لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١، ٤٢].\n\n<span id=\"aya-1067\"></span>حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: فأرسَل فرعونُ في المدائنِ حاشرين، فحشَروا عليه السحرَة، فلما جاء السحرةُ فرعونَ قالوا: ﴿أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ يقولُ (^٢): عطيةً تعطينا، ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ (^٤) فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ (^٥) عَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٣٦، ٣٧]. أي: كاثِرَه بالسحرةِ، لعلك أن تجدَ في السحرةِ مَن يأتى بمثلِ ما جاء به. وقد كان موسى وهارونُ خرَجا مِن عندِه حينَ أراهم مِن [سلطانِ اللهِ ما أراهم] (^٦)، وبعَث فرعونُ في مملكتِه مكانَه (^٧)، فلم يَتْرُكْ في سلطانِه ساحرًا إلا أتى به. فذُكِر لى والله أعلمُ أنه جُمِع له خمسةَ عشرَ ألفَ ساحرٍ، فلما اجتمعوا إليه أمَرهم أمْرَه، وقال لهم: قد جاءنا ساحِرٌ ما رأينا مثلَه قطُّ، وإنَّكم إن غلَبتموه أكرمتُكم وفضَّلتُكم وقرّبتُكم على أهلِ مملكتي. قالوا: وإن لنا ذلك (^٨) إن غلَبناه؟ قال: نعم (^٩).\n_________\n(^١) في الأصل، م: \"إن\".\n(^٢) في الأصل، ص: \"يقولون\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤١٢ مطولًا، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٦٢، ٢٧٦٣ من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٤) في م: \"أرسل\".\n(^٥) في م: \"ساحر\". وهذه وما قبلها نص آيتي سورة الأعراف.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"سلطان\"، وفى م: \"سلطانه\".\n(^٧) سقط من: م.\n(^٨) في الأصل: \"لأجرا\".\n(^٩) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٠٧ مطولًا. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٦٢، ٢٧٦٣ من طريق سلمة به. وسيفرق المصنف أجزاء منه فيما يأتى.","vol":"10","page":354},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيد، عن عكرمة، قال: السحرة كانوا سبعين (^١). قال أبو جعفر: أحسبُه أنا (^٢) قال: ألفًا.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عبيدةَ، عن [محمدِ بن المنكدرِ] (^٣)، قال: كان السحرةُ ثمانين ألفًا (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبد العزيزِ بن رُفيعٍ، عن خيثمةَ، عن أبي سودةَ، عن كعبٍ، قال: كان سحرةُ فرعونَ اثنى عشرَ ألفًا (^٥).\n\n<span id=\"aya-1068\"></span><span data-type='title' id=toc-3455>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥)﴾.</span>\n\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: قال فرعونُ للسحرةِ - إذ قالوا له: إن لنا عندَك ثوابًا إن نحن غَلبْنا موسى؟ - نعم، لكم ذلك، وإنكم لَمِمَّن أُقَرِّبُه وأُدْنيه مِنى.\n\n<span id=\"aya-1069\"></span>﴿قَالُوا يَامُوسَى﴾. يقولُ: قالت السحرةُ لموسى: يا موسى اخترْ أن تُلْقِيَ عصاكَ، أو نُلْقِيَ نحن عِصِيَّنا.\nولذلك أُدخِلت ﴿أَنْ﴾ مع ﴿إِمَّا﴾ في الكلامِ؛ لأنها في موضعِ أمرٍ بالاختيارِ فـ ﴿أَنْ﴾ إذن في موضعِ نصبٍ لما وصفتُ مِن المعنى؛ لأن معنى الكلامِ: اختَرْ أن\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ٢٦٤ عن عكرمة بلفظ: \"كانوا سبعين ألفا\".\n(^٢) في م: \"أنه\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"ابن المنذر\".\n(^٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦١/ ٦٣ من طريق موسى بن عبيدة به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٤، ٨/ ٢٧٦٢، ٢٧٦٤ من طريق جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٦ إلى ابن أبي شيبة وأبى الشيخ.","vol":"10","page":355},{"text":"تُلْقِيَ أَنتَ، أو أن نُلِقىَ نحن. والكلامُ مع \"إما\" إذا كان على وجهِ الأمرِ، فلابدَّ مِن أن يكونَ فيه \"أن\"، كقولِكَ للرجلِ: إما أن تَمْضِىَ، وإما أن تَقْعُدَ. بمعنى الأمرِ: امضِ أو اقعُد. فإذا كان على وجهِ الخبرِ لم يكنْ فيه \"أن\"، كقولِه: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦]. وهذا هو الذي يُسَمَّى التخييرُ (^١)، وكذلك كلُّ ما كان على وجهِ الجزاءِ. و\"إما\" في جميعِ ذلك مكسورةٌ.\n\n<span id=\"aya-1070\"></span><span data-type='title' id=toc-3456>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى للسَّحَرةِ ألْقُوا ما أنتم مُلقُون، فألقت السحرةُ ما معهم، فلما الْقَوْا ذلك ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾. يقولُ (^٢): خيَّلوا إلى أعينِ الناسِ بما أحدثوا مِن التخييلِ والخُدَعِ أنها تسعىَ، ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾. يقولُ: واسترهَبوا الناسَ بما سحَروا في أعيُنِهم، حتى خافوا مِن العِصِيِّ والحبالِ، ظنًّا منهم أنها حياتٌ، وجاءوا كما قال اللهُ: ﴿بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾: بتخييلٍ عظيمٍ كبيرٍ (^٣) مِن التخييلِ والخداعِ.\nوذلك كالذى حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٤٣، ٤٤]. وكانوا بضعةً وثلاثين ألفَ رجلٍ، ليس منهم رجلٌ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"الخبر\". وقوله: وهذا هو الذي يسمى التخيير. عائد على الحكم الأول في دخول \"أن\" مع \"إما\" كالآية من سورة الأعراف، والمثل الذي مثل به المصنف، وأما الآية التي في سورة التوبة، فهذا ما يسمى الإبهام.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت، س، ف.\n(^٣) في ص، م، ف: \"كثير\".","vol":"10","page":356},{"text":"إلا معه حبلٌ وعصًا، ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾. يقولُ: فرَّقوهم (^١)، ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ (^٢).\nحدَّثني عبدُ الكريمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: أَلْقَوا حبالًا غِلاظًا وخُشُبًا طُوالًا. قال: فأقبلت تُخَيَّلُ إليه مِن سِحرِهم أنها تسعى (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: صَفَّ خمسةَ عشرَ ألفَ ساحرٍ، مع كلِّ ساحرٍ حبالُه وعِصِيُّه، وخرَج موسى معه أخوه يتَّكئُ على عصاه حتى أتى الجمْعَ، وفرعونُ في مجلسِه مع أشرافِ أهلِ مملكتِه، ثم قال السحرةُ: ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ [يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى] (^٤)﴾ [طه: ٦٥، ٦٦]. . فكان أولَ ما اختطفوا بسحرِهم بصرُ موسى وبصرُ فرعونَ، ثم أبصارُ الناس بعدُ، ثم ألقى كلُّ رجلٍ منهم ما في يدِه منِ العِصِيِّ والحبالِ، فإذا هي حياتٌ كأمثالِ الجبالِ، قد مَلاتِ الوادىَ يركَبُ بعضُها بعضًا، ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾، وقال: واللَّهِ إِن كانت لعِصِيًّا في أيديهم، ولقد عادت حياتٍ، وما تعدو عصائىَ (^٥) هذه؟ أو كما حدَّثَ (^٦) نفسَه (^٧).\n_________\n(^١) فرقوهم: أفزعوهم وروَّعوهم. اللسان (ف ر ق).\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤١٣ مطولًا. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٥، ٨/ ٢٧٦٤، ٢٧٦٦ (٨٨٠٠، ١٥٦٢٥، ١٥٦٣٧) من طريق عمرو بن حماد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٦ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٦ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: النسخ. والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٦) بعده في الأصل، ف: \"عن\".\n(^٧) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٠٨، ٤٠٠٩ من قول وهب بن منبه.","vol":"10","page":357},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن هشامٍ الدَّسْتُوائِيِّ، قال: ثنا القاسم بن أبي بَزَّةَ، قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحرٍ، فألقوا سبعين ألف حبلٍ، وسبعين ألف عصًا، حتى جعَل يخيَّلُ إليه مِن سحرِهم أنها تسعى (^١).\n\n<span id=\"aya-1071\"></span><span data-type='title' id=toc-3457>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأوْحينا إلى موسى أن ألق عصاكَ، فألقاها فإذا هِيَ تَلْقَفُ (^٢) وتَبْتَلِعُ ما يَسْحَرُون كَذِبًا وباطلًا. يقالُ منه: لَقِفْتُ الشيءَ فَأَنا أَلقَفُه لَقْفًا ولَقَفانًا.\nوذلك كالذى حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾: فألقى موسى عصاه، فتحولت حيةً، فأكلت سِحرَهم كلَّه (^٣).\nحدَّثنا عبدُ الكريم بن الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: فألقى عصاه فإذا هي حيةٌ، فجعَلت (^٤) تلقَفُ ما يأفِكون، لا تمرُّ بشيءٍ من حبالِهم وخُشُبِهم التي أَلْقَوها إلا التقَمته، فعرَفت السحرةُ أن هذا أمرُ (^٥) السماءِ، وليس هذا بسحرٍ، فخرُّوا سُجَّدًا، وقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢].\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٥٣ عن المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"تلقم\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٣٤ عن معمر به.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) بعده في م: \"من\".","vol":"10","page":358},{"text":"حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: أوحى اللهُ إلى موسى: لا تخَفْ، وأَلْقِ ما في يمينِك تلقَفْ ما يأفِكون، فألْقَى عصاه فأكلت كلَّ حيةٍ لهم، فلما رأَوا ذلك سجَدوا، وقالوا، ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: أوحَى اللهُ إليه أن ألقِ ما في يمينِك، فألقى عصاه مِن يدِه، فاستعرَضت ما ألقَوا مِن حبالِهم وعصيِّهم - وهي حياتٌ في عينِ فرعونَ وأعينِ الناسِ تسعَى - فجعلت تلقَفُها، تبتَلِعُها حيةً حيةً، حتى ما يُرَى بالوادى قليلٌ ولا كثيرٌ مما ألقَوْه (^٢)، ثم أخذَها موسى فإذا هي عصاه (^٣) في يدِه كما كانت، ووقَع (^٤) السحرةُ سجَّدًا، قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، لو كان هذا سحرًا ما غَلَبَنا (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن هشامٍ الدَّسْتُوائيِّ، قال: ثنا القاسمُ بنُ أَبي بَزَّةَ، قال: أوحى الله إليه أن ألقِ عصاك، فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ فاغرٌ فاه، فابْتَلَع حبالَهم وعِصِيَّهم، فأُلْقِى السحرةُ عندَ ذلك سجَّدًا، فما رفَعوا رُءوسَهم حتى رأَوُا الجنةَ والنارَ وثوابَ أهلِهما (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤١٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٦٦ (١٥٦٣٨) من طريق عمرو به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٦ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢ ت ٣، س، ف: \"ألقوا\".\n(^٣) في الأصل: \"عصا\".\n(^٤) في الأصل: \"وقعت\".\n(^٥) من تمام الأثر المتقدم في ص ٣٥٧.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"أهلها\".\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٥٤.","vol":"10","page":359},{"text":"نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: في قولِ اللَّهِ: ﴿يَأْفِكُونَ﴾. قال: يَكذِبون (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾. قال: يَكْذِبون.\nحدَّثني إبراهيمُ بنُ المستمرِّ، قال: ثنا عثمان بنُ عمرَ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ السَّدُوسيُّ، عن الحسنِ: ﴿تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾. قال: حبالَهم وعصيَّهم تَسْتَرِطُها اسْتِراطًا (^٢).\n\n<span id=\"aya-1072\"></span><span data-type='title' id=toc-3459>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرِه: فظهَر الحقُّ وتبيَّن لمن شهِده وحضَره في أمرِ موسى، وأنه لله رسولٌ يدعو إلى الحقِّ: ﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن إفكِ السحرِ (^٣) وكَذِبِه ومخاييلِه.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3458>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾. قال: ظهَر (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٤٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٦ (٨٨٠٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٦ إلى ابن أبي شيبه وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) الاستراط: الابتلاع. اللسان (س ر ط).\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٦ (٨٨٠٦) من طريق قرة بن خالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٦ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"السحرة\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٤١.","vol":"10","page":360},{"text":"حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن أبيه، عن مجاهدٍ: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال: ظهَر الحقُّ وذهَب الإفكُ الذي كانوا يعملون (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾. قال: ظهَر الحقُّ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾. قال: ظهَر موسى.\n\n<span id=\"aya-1073\"></span><span data-type='title' id=toc-3460>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فغَلَب موسى فرعونَ وجموعَه ﴿هُنَالِكَ﴾: عندَ ذلك، ﴿وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾. يقولُ: وانصرَفوا عن موطنِهم ذلك بصُغْرٍ مقهورين.\nيقالُ منه: صَغُر الرجلُ يَصْغَرُ صِغَرًا وصُغْرًا وصَغَارًا.\n\n<span id=\"aya-1074\"></span><span data-type='title' id=toc-3461>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأُلْقِى السحرةُ عندما عاينُوا مِن عظيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ، ساقِطين على وجوهِهم، سجَّدًا لربِّهم\n\n<span id=\"aya-1075\"></span>يقولون: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولون: صدَّقنا بما جاءَنا به موسى، وأن الله الذي علينا عبادتُه هو الذي يَمْلِكُ الجنَّ والإنسَ وجميعَ الأشياءِ غيرَ (^٢) ذلك، ويدبِّرُ ذلك كلَّه\n\n<span id=\"aya-1076\"></span>﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، لا فرعونُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٧ إلى المصنف وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"وغير\".","vol":"10","page":361},{"text":"كالذي حدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بن بشارٍ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما رأتِ السَّحَرَةُ ما رأت، عرَفت أن ذلك أمرُ (^١) السماء وليس بسحرٍ، فخرُّوا سجدًا، وقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1077\"></span><span data-type='title' id=toc-3462>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال فرعونُ للسحرةِ إذ آمنوا باللهِ، يعنى: صدَّقوا رسولَه موسى، لِمَا عاينوا مِن عظيمِ [قدرةِ اللهِ] (^٢) وسلطانِه: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾. يقولُ: أصدَّقتم بموسى وأقررتم بنبوَّتِه ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ بالإيمانِ به، ﴿إِنَّ هَذَا﴾. يقول: إن تصديقكم إياه وإقرارَكم بنبوَّتِه ﴿لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾. يَقولُ لخُدْعةٌ خدَعتم بها مَن في مدينتِنا لِتُخْرِجُوهم منها، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. [يقولُ: فسوف تعلَمون] (^٣) ما أفعلُ بكم، وتَلْقَون مِن عقابي إياكم على صنيعِكِم هذا.\nوكان مكرُهم ذلك فيما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في حديثٍ ذكَرَه عن أبي مالكٍ، [وعن أبي صالحٍ] (^٤)، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةً، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ: التقى موسى وأميرُ السَّحَرةِ، فقال له موسى: أرأَيْتُك إن غلبتُك، أتؤمنُ بي وتشْهَدُ أنَّ ما جئْتُ به حقٌّ؟ قال السَّاحرُ: لآتينَّ غدًا بسحرٍ لا يَغْلِبُه سحرٌ، فواللهِ لئن غلَبتنى لأُومِنَنَّ بك (^٥)، ولأشهدَنَّ أنك حقٌّ. وفرعونُ ينظرُ\n_________\n(^١) بعده في م: \"من\"\n(^٢) في الأصل: \"قدرته\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"وعن أبي طلحة\"، وفى م: \"وعلى بن أبي طلحة\".\n(^٥) في الأصل: \"لك\".","vol":"10","page":362},{"text":"إليهما (^١)، فهو قولُ فرعونَ: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ إذ التقَيْتما لتظَّاهَرا فتُخْرِجا منها أهلَها (^٢).\n\n<span id=\"aya-1078\"></span><span data-type='title' id=toc-3463>القول في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قِيلِ فرعونَ للسحرةِ إذ آمنوا باللهِ وصدَّقوا رسولَه موسى: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. وذلك أن يَقطعَ مِن أحدِهم يدَه اليمنى ورجلَه اليسرى، أو يَقطعَ يدَه اليسرى ورجلَه اليمني، فيخالفَ بينَ العُضوين في القطعِ، فمخالفتُه في ذلك بينهما هو القطعُ من خلافٍ. ويقالُ: إِن أَوَّلَ مَن سَنَّ هذا القطعَ فرعونُ. ﴿ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وإنما قال هذا فرعونُ لِمَا رأى مِن خِذلانِ اللَّهِ إياه وغلبةِ موسى وقهرِه له.\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو داودَ الحَفَريُّ وحَبُّويَه الرازيُّ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفرِ بن أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ (^٣) لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال: أوّلُ مَن صَلَّب، وأوّلُ مَن قطَع الأيدىَ والأرجلَ مِن خلافٍ، فرعونُ (^٤).\n\n<span id=\"aya-1079\"></span><span data-type='title' id=toc-3464>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"إليهم\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤١٢ عن موسى به من قول السدى، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٧ إلى المصنف وأبى الشيخ عن ابن مسعود وناس من الصحابة.\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"و\". وهو نص الآية ٤٩ من سورة الشعراء.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٧ (٨٨١٥) من طريق يعقوب به، من قول سعيد بن جبير وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن المنذر، عن ابن عباس.","vol":"10","page":363},{"text":"يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال السحرةُ مجيبةً لفرعونَ إذ توعَّدهم بقطعِ الأيدى والأرجلِ من خلافٍ والصلبِ: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾. يعنى بالانقلابِ إِلى اللَّهِ الرجوعَ إليه والمصيرَ.\n\n<span id=\"aya-1080\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾. يَقولُ تعالى ذكرُه: ما تُنكِرُ منا يا فرعونُ وما (^١) تَجِدُ علينا إلا مِن أجلِ ﴿أَنْ آمَنَّا﴾ أي: صدَّقْنا ﴿بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾. يقولُ: بحُجَجِ ربِّنا وأعلامِه وأدلَّتِه التي لا تقدِرُ على مثلِها أنت ولا أحدٌ، سوى اللهِ الذي له ملكُ السماواتِ والأرضِ. ثم فزِعُوا إلى اللهِ بمسألتِه الصبرَ على عذابِ فرعونَ، وقبضَ أرواحِهم على الإسلامِ، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ يعنون بقولِهم: ﴿أَفْرِغْ﴾: أنزِلْ علينا حبسًا يَحْبِسُنا عن الكُفِر بكَ عند تعذيبِ فرعونَ إيانا. ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: واقبِضْنا إليك على الإسلامِ دينِ خليلِك إبراهيمَ، لا على الشركِ بك.\n[كما حدَّثني] (^٢) موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾: فقتَّلهم وقطَّعَهم (^٣)، كما قال عبدُ الله بنُ عباسٍ، حين قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾. قال: كانوا في أوّلِ النهارِ سحرةً، وفي آخرِ النهارِ شهداءَ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن عبدِ العزيزِ بن رُفيعٍ، عن عُبيد بن عميرٍ، قال: كانت السحرةُ أوَّلَ النهارِ سحرةً، وآخِرَ النهارِ شهداءَ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ\n_________\n(^١) في الأصل: \"لا\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فحدثني\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"صلبهم\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤١٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٧، ١٥٣٨ (٨٨١٦، (٨٨١٨) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٥٥.","vol":"10","page":364},{"text":"سَاجِدِينَ﴾. قال: ذُكِر لنا أنهم كانوا في أوّلِ النهارِ سحرةً، وآخرِه شهداءَ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ (^٢): ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾. قال: كانوا أوَّلَ النهارِ سحرةً، وآخرَه شهداءَ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1081\"></span><span data-type='title' id=toc-3465>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: وقالت جماعةُ رجالٍ مِن قومِ فرعونَ لفرعونَ: أَتَدَعُ موسى وقومَه مِن بنى إسرائيلَ ﴿لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: كي يُفْسِدوا خدَمَك وعبيدَك عليك في أرضِك من مصرَ، ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾. يقولُ (^٤): ويدَعُ خِدْمتَك موسى وعبادَتَك وعبادةَ آلهَتِك؟\nوفي قوله: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾. وجهان مِن التأويلِ؛ أحدُهما: أتذرُ موسى وقومَه ليفسِدُوا في الأرضِ وقد تَرَككَ وتَرَك عبادتَكَ وعبادةَ آلهيك؟ وإذا وُجِّه الكلامُ إلى هذا الوجهِ مِن التأويلِ كان النصبُ في قولِه: ﴿وَيَذَرَكَ﴾. على الصرفِ (^٥)، لا على العطفِ به على قولِه: ﴿لِيُفْسِدُوا﴾. والثاني: أتذرُ موسى وقومَه ليفسِدوا في الأرضِ وليذرَك وآلهتَك. كالتوبيخِ منهم لفرعونَ على تركِ موسى ليفعلَ هذين الفعلين. وإذا وُجِّه الكلامُ إلى هذا الوجهِ كان نصبُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) بعده في ص، م، ف: \"عن مجاهد\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٥٥.\n(^٤) بعده في ص: \"يدعك\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"يدرك\".\n(^٥) تقدم تعريف المصنف للصرف في ٦/ ٩٢. وينظر ١/ ٦٠٧، ٦٠٨.","vol":"10","page":365},{"text":"﴿وَيَذَرَكَ﴾ على العطفِ على ﴿لِيُفْسِدُوا﴾.\nوالوجهُ الأوّلُ أولى الوجهين بالصوابِ، وهو أن يكونَ نصبُ ﴿وَيَذَرَكَ﴾ على الصرفِ؛ لأنَّ التأويلَ مِن أهلِ التأويلِ به جاء.\nوبعدُ، فإنَّ في قراءةِ أُبَيِّ بن كعبٍ الذي حدَّثني به أحمدُ بنُ يوسف، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال في حرفِ أُبيِّ بن كعبٍ: (وقد ترَكوك أن يَعْبُدوك وآلهتَك) (^١) - دلالةً واضحةً على أن نصبَ ذلك على الصرفِ.\nوقد رُوِى عن الحسنِ البصريِّ أنه كان يَقْرأُ ذلك: (وَيَذَرُك وآلهَتَكَ) (^٢). عطفًا بقولِه: ﴿وَيَذَرَكَ﴾. على قولِه: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى﴾. كأنه وجَّه تأويلَه إلى: أَتَذَرُ موسى وقومَه ويذرُك وآلهتُك ليُفْسِدوا في الأرضِ. وقد تَحتَمِلُ قراءة الحسنِ هذه أن يكونَ معناها: أتذرُ موسى وقومَه ليُفسدوا في الأرضِ، وهو يذرُك وآلهتَك. فيكونَ (يذرُك) مرفوعًا على ابتداءِ الكلامِ [والسلامةِ مِن الحوادثِ] (^٣).\nوأما قولُه: ﴿وَآلِهَتَكَ﴾. فإن قرأةَ الأمصارِ على فتحِ الألفِ منها ومدِّها، بمعنى: وقد ترَك موسى عبادتَك وعبادةَ آلهتِك التي تعبُدُها.\nوقد (^٤) ذُكِر عن ابن عباسٍ أنه قال (^٥): كان له بقرةٌ يَعْبُدُها (^٦).\n_________\n(^١) فضائل القرآن ص ١٧٢ عن حجاج به.\n(^٢) هي قراءة الحسن بخلاف عنه، وقرأ بها أيضًا نعيم بن ميسرة. ينظر البحر المحيط ٤/ ٣٦٧.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) ليس في: الأصل.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) في م: \"يعبدوها\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٨ (٨٨٢٣) من طريق سليمان التيمي، قال: بلغني عن ابن عباس. فذكره. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٧ إلى أبي الشيخ.","vol":"10","page":366},{"text":"وقد رُوِى عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ أنهما كانا يقرأانِها: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ) (^١). بكسرِ الألفِ، بمعنى: ويذرَك وعُبُودتك.\nوالقراءةُ التي لا نرَى القراءةَ بغيرِها هي القراءةُ التي عليها قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحُجَّة مِن القرأةِ عليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-3466>ذكرُ من قال: كان فرعون يعبُدُ آلهةً. على قراءةِ مَن قرَأ ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾</span>\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾: وآلهتُه فيما زعَم ابن عباسٍ كانت البقرَ (^٢)، كانوا إذا رأَوا بقرةً حسناءَ أمَرهم أن يَعْبدُوها، فلذلك أخرَج لهم عجلًا بقرةً (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن عمرٍو، عن الحسنِ، قال: كان لفرعونَ جُمانةٌ (^٤) معلقةٌ في نحرِه يعبُدُها ويسجُدُ لها (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا أبانُ بنُ خالد، قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ: بلَغنى أن فرعونَ كان يعبُدُ إلهًا في السرِّ. وقرَأ ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن أبي بكرٍ، عن الحسنِ، قال:\n_________\n(^١) وهى قراءة شاذة.\n(^٢) في م: \"البقرة\".\n(^٣) ف م: \"وبقرة\". والأثر أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤١٣.\n(^٤) في الأصل، وتفسير ابن كثير: \"حنانة\". والجمانة: حبة تعمل من الفضة كالدرة، وجمعها جمان. الصحاح (ج م ن).\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٥٦.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٨ (٨٨٢٤) من طريق نصير بن يزيد، عن الحسن. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد.","vol":"10","page":367},{"text":"كان لفرعونَ إِلهُ يَعْبُدُه في السرِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3467>ذِكرُ مَن قال: معنى ذلك: ويذرَك وعبادتَك. على قراءةِ مَن قرأ: (وإلاهَتَك)</span>\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابن عيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن محمدِ بن عمرِو بن (^١) الحسنِ، عن ابن عباسٍ: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ). قال: إنما كان فرعونُ يُعبَدُ ولا يَعبُدُ (^٢).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن نافعِ (^٣) بن عمرَ (^٤)، عن عمرِو بن دينارٍ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأ: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ). قال: وعبادتَك. ويقولُ: إنه كان يُعبَدُ ولا يَعبُدُ.\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ). قال: يَتْرُكَ عبادتَك (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرَأُ: (وإلاهَتَك). يقولُ: عبادتَك (^٦).\n_________\n(^١) في ص، م، ف: \"عن\"، وتقدم على الصواب في ١/ ١٢٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٨ (٨٨١٩) من طريق ابن عيينة به، وهو في سنن سعيد بن منصور (٩٥٩ - تفسير)، وفي إسناده سقط. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٧ إلى عبد بن حميد وأبى عبيد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف وأبي الشيخ.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"عن\". وتقدم على الصواب في ١/ ١٢٢.\n(^٤) في الأصل: \"عمرو\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٨ (٨٨٢١) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٣٨ (٨٨٢٠) من طريق عكرمة، عن ابن عباس. وكذا أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٧٢ بأطول من هذا اللفظ، وفيه ذكر القراءة فقط.","vol":"10","page":368},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ). قال: عبادتَك (^١).\nحدَّثنا سعيدُ بنُ الربيع الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن محمدِ بن عمرِو بن حسنٍ (^٢)، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرأُ: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَك). وقال: إنما كان فرعونُ يُعبَدُ ولا يَعبُدُ.\n[حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ، قال حدَّثنا قُرَّةُ، عن الضحاكِ، سمِعه يقرأُ: ﴿وَيَذَرَكَ﴾ قلتُ: ﴿وَآلِهَتَكَ﴾ (^٣). قال: إنما هي: (إلاهتَك). أي: عبادتَك، ألا ترى أنه قال: أنا ربُّكم الأعلى] (^٤).\nوقد زعَم بعضُهم أن مَن قرأَ: (وإلاهَتَكَ). إنما يقصِدُ إلى نحوِ معنى قراءةِ مَن قرأ: ﴿وَآلِهَتَكَ﴾. غير أنه أنَّثَ وهو يريدُ إلهًا واحدًا، كأنه يريدُ: وَيَذَرَكَ وإلاهَكَ. ثم أنَّث الإلهَ فقال: وإلاهَتَك.\nوذكَر بعض البصريين أن أعرابيًّا سُئِل عن \"الإلَهةِ\" فقال: هي عَلَمةٌ. يريدُ عَلَمًا، فأَنَّث العلمَ، فكأنه شيءٌ نُصِب للعبادةِ يُعبَدُ. وقد [قالت بنتُ عتيبةَ بن الحارثِ] (^٥) اليربوعيِّ (^٦):\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٤١. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٧ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٢) في م: \"حسين\".\n(^٣) في الأصل: \"إلاهتك\". والمثبت من الدر المنثور.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٥) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ س: \"قال عتيبة بن شهاب\"، وفي ف: \"قال عيينة بن شهاب\".\n(^٦) البيت في: المحتسب ٢/ ١٢٣، واللسان (ل ع ب، أ ل هـ، أ وب).","vol":"10","page":369},{"text":"تَرَوَّحْنا مِن اللَّعْباءِ (^١) قَصْرًا (^٢) … وأعْجَلْنا الإلَهةَ أن تَئُوبا\nيعنى بالإلهةِ في هذا الموضعِ الشمسَ.\nوكأن (^٣) المتأوَّلَ هذا التأويلِ وجَّه الإلهةَ إذا أُدخلِتْ فيها هاءُ التأنيثِ، وهو يريدُ واحدَ الآلهةِ، إلى نحوِ إدخالِهم الهاءَ في \"وِلْدَتِى\" و\"كَوْكَبَتِي\" و\"ماءَتى\" (^٤)، وهو أهْلَةُ ذاك. وكما قال الراجز (^٥):\nيا مضرُ الحمراءُ أنتِ أُسْرتى\nوأنت مَلْجاتى وأنتِ ظَهْرَتى\nيريدُ: ظهرى.\nوقد بيَّن ابن عباسٍ ومجاهدٌ ما أرادا مِن المعنى في قراءتهما ذلك على ما قرأا، فلا وجهَ لقولِ هذا القائلِ ما قال مع بيانِهما عن أنفسِهما ما قصدًا (^٦) إليه مِن معنى ذلك.\nوقولُه: ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ﴾. يقولُ: قال فرعونُ: سنُقَتِّلُ أبناءَهم الذكورَ مِن أولادِ بنى إسرائيلَ، ﴿وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾. يقولُ: ونستبقى إناثَهم، ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾. يقولُ: وإنا عالون عليهم بالقهرِ. يعنى بقهرِ المُلْكِ والسلطانِ.\n_________\n(^١) اللعباء: اسم لسبخة معروفة بناحية البحرين بحذاء القطيف على سيف البحر. معجم البلدان ٤/ ٣٥٨. والبيت فيه.\n(^٢) في م: \"عصرا\" وهو رواية فيه، وهما بمعنى.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"هذا\".\n(^٤) في م: \"أماتي\".\n(^٥) الرجز في التبيان ٤/ ٥١٣.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف، وفى م: \"ذهبا\".","vol":"10","page":370},{"text":"وقد بيَّنا أن كلَّ (^١) عالٍ بقهرٍ وغلبةٍ على شيءٍ، فإن العربَ تقولُ: هو فوقَه (^٢).\n\n<span id=\"aya-1082\"></span><span data-type='title' id=toc-3468>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُ: قال موسى لقومِه مِن بنى إسرائيلَ لما قال فرعونُ للملأ مِن قومِه: سنُقَتِّلُ أبناءَ بنى إسرائيلَ ونَستحيى نساءَهم -: اسْتَعينوا باللهِ على فرعونَ وقومِه فيما ينوبُكم مِن أمرِكم، واصبِروا على ما نالكم مِن المكارِهِ في أنفسِكم وأبنائكم مِن فرعونَ.\nوكان قد تَبع موسى مِن بنى إسرائيلَ على ما حدَّثني به عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيم بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس، قال: لما آمنَت السحرةُ، اتَّبع موسى ستُّمائةِ ألفٍ من بنى إسرائيلَ (^٣).\nوقولُه: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، يقولُ: إن الأرضَ لله، لعلَّ الله يُورِثُكم إن صَبَرتم على ما نالكم مِن مكروهٍ في أنفسِكم وأولادِكم مِن فرعونَ، واحتسبْتم ذلك، واستقمْتم [من دينكم] (^٤) على السدادِ - أرضَ فرعونَ وقومِه، بأن يُهْلِكَهم ويستخلِفَكم فيها، فإن الله يُورِثُ أَرضَه مَن يَشَاءُ مِن عبادِه، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: والعاقبةُ المحمودةُ لمَن انقى الله وراقبَه، فخافَه باجتنابِ معاصيه وأداءِ فرائضِه.\n\n<span id=\"aya-1083\"></span><span data-type='title' id=toc-3469>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ</span>\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"شيء\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٩/ ١٨٠.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٧ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":371},{"text":"فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾.\nيقولُ جل ثناؤُه: قال قومُ موسى لموسى حينَ قال لهم: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾: ﴿أُوذِينَا﴾ بقتلِ أبنائنا، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾. يقولُ: مِن قبلِ أن تأتيَنا برسالةِ اللهِ إلينا؛ لأنَّ فرعونَ كان يقتلُ أولادَهم الذكورَ حين أظلَّه زمانُ موسى على ما قد بيَّنْتُ فيما مضى مِن كتابِنا هذا (^١).\nوقولُه: ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾. يقولُ: ومِن بعدِ ما جئتَنا برسالةِ اللهِ؛ لأنَّ فرعونَ لما غُلبت سحرتُه، وقال الملأُ (^٢) مِن قومِه له ما قالوا (^٣)، أراد تجديدَ العذابِ عليهم بقتلِ أبنائهم واستحياءِ نسائهم.\nوقيل: إن قوم موسى قالوا لموسى ذلك حين خافوا أن يُدركَهم (^٤) فرعونُ وهم منه هاربون، وقد تراءى الجمعان، فقالوا له: يا موسى ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾: كانوا يذبِّحون أبناءَنا ويستحيون نساءَنا، ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾: اليوم يدرِكُنا فرعونُ فيقتلُنا.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3470>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾: من قبل إرسالِ اللَّهِ إياك وبعدَه (^٥).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٤٦.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"للملأ\".\n(^٣) سقط من: ت ١، وفى ص، م، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"قال\".\n(^٤) بعده في ص، ت ١، س: \"من\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٤١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤١ (٨٨٣٤، ٨٨٣٦). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"10","page":372},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾: فنظرَتْ بنو إسرائيلَ إلى فرعونَ قد ردَفَهم، قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]. قالوا [يا موسى] (^١) ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾: كانوا يذبِّحون أبناءَنا ويَسْتَحْيون نساءَنَا ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾: اليومَ يدركُنا فرعونُ فيَقتلُنا، إنا لمُدرَكون (^٢).\nحدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: أسْرَى (^٣) موسى ببنى إسرائيلَ حتى هجموا على البحرِ، فالتفتُوا فإذا هم برَهَجِ دوابِّ فرعونَ، فقالوا: يا موسى، ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، هذا البحرُ أمامَنا، وهذا فرعونُ [قد رهِقنا] (^٤) بمن معه. قال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.\nوقولُه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: قال موسى لقومِه: لعلّ ربَّكم أن يُهلك عدوّكم فرعونَ وقومَه، ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ﴾. يقولُ: ويجعلَكم تخلفونهم في أرضِهم بعدَ هلاكِهم، لا تخافونَهم ولا أحدًا مِن الناسِ غيرَهم. ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: فيرى ربُّكم ما تعملون بعدَهم مِن\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤١٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٦٩ (١٥٦٥٧) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٣) في ص: \"سرى\"، وفى م: \"سار\"، وفى ت ١، ت ٢ ت، ف: \"سوى\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف. ورهِق فلان فلانا: تبعه فقارب أن يلحقه اللسان (ر هـ ق).","vol":"10","page":373},{"text":"مسارعتِكم في طاعته أو (^١) تثاقلِكم عنها.\n\n<span id=\"aya-1084\"></span><span data-type='title' id=toc-3472>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ولقد اختبرْنا قومَ فرعونَ وتبَّاعَه على ما هم (^٢) عليه مِن الضلالةِ - ﴿بِالسِّنِينَ﴾. يقولُ: بالجُدوبِ سنةً بعد سنةٍ، والقُحوطِ. يقالُ منه: أسْنَتَ القومُ: إذا أَجْدَبوا، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾. يقولُ: واختبرْناهم مع الجُدوبِ بذهابِ ثمارِهم وغلّاتِهم إلَّا القليلَ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. يقولُ: عِظَةً لهم وتذكيرًا لهم، ليَنْزَجِروا عن ضلالتِهم، ويَفْزَعوا إلى ربِّهم بالتوبةِ.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3471>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شريكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبيدةَ، عن عبدِ اللهِ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾. قال: سِنِي الجوعِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿بِالسِّنِينَ﴾: الجائحةِ، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: دونَ ذلك (^٤).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت،٣، س، ف: \"و\".\n(^٢) في الأصل: \"هو\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٢ (٨٨٤٠) من طريق شريك به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٤١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٢، ١٥٤٣ (٨٨٤٢، ٨٨٤٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٨ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"10","page":374},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثني القاسمُ بنُ دينارٍ، قال: ثنا عبيدُ اللِه بنُ موسى، عن شيبانَ، عن أبي إسحاقَ، عن رجاءِ بن حَيْوةَ في قولِه: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾، قال: حتى (^١) لا تحمِلَ النخلةُ إلا تمرةً (^٢) واحدةً (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن رجاءِ بن حيوةَ، عن كعبٍ، قال: يأتى على الناسِ زمانٌ لا تحمِلُ النخلةُ فيه (^٤) إلا تمرةً واحدةً (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحمانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن رجاءِ بن حيوةَ قولَه: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾. قال: يأتى على الناسِ زمانٌ لا تحمِلُ النخلةُ إلا ثمرةً.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾: أخَذَهم اللهُ بالسنين، بالجوعِ عامًا فعامًا، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾؛ فأمَّا ﴿السِّنِينَ﴾ فكان ذلك [في باديَتِهم] (^٥) وأهلِ مواشيهم، وأما ﴿نَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾، فكان ذلك في أمصارِهم وقراهم (^٦).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"حين\"، وفى م: \"حيث\".\n(^٢) في ف: \"ثمرة\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٢ (٨٨٤٣) من طريق شيبان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٨ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢ ت ٣ س: \"بباديتهم\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٢ (٨٨٣٩) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"10","page":375},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3474>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فإذا جاءت آلَ فرعونَ العافيةُ والخِصْبُ والرخاءُ وكثرةُ الثمارِ (^١)، ورأَوا ما يُحِبُّون في دنياهم - ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ و(^١) نحن أولى بها، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾. يعنى: جدوبٌ وقُحوطٌ وبلاءٌ، ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾. يقولُ: يتشاءموا بهم ويقولوا: ذهَبتْ حظوظُنا وأَنْصِباؤُنَا مِن الرَّخاءِ والخصْبِ والعافيةِ مُذ جاءنا موسى.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3473>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾: العافيةُ والرَّخَاءُ، ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾. نحن أحقُّ بها، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: بلاءٌ وعقوبةٌ ﴿يَطَّيَّرُوا﴾: يتشاءَموا ﴿بِمُوسَى﴾ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾. قالوا: ما أصابنا هذا الشرُّ (^٣) إلَّا بكَ يا موسى وبمَن معك، ما رأينا شرًّا ولا أصابنا حتى\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٤٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٣ (٨٨٤٥). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٨ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":376},{"text":"رأيناك. وقولُه: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾. قال: الحسنةُ ما يحبُّون، وإذا كان ما يكرَهون، قالوا: إنما (^١) أصابنا هذا (^٢) بشؤمِ هؤلاءِ الذين ظلَموا (^٣). كما (^٤) قال قومُ صالحٍ: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾. فقال اللهُ: إنَّما ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ (^٥) [سورة النمل: ٤٧].\n\n<span id=\"aya-1085\"></span><span data-type='title' id=toc-3476>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: ألا ما طائرُ آلِ فرعونَ وغيرِهم - وذلك أنصباؤُهم مِن الرَّخاءِ والخِصْبِ وغيرِ ذلك مِن أنصباءِ الخيرِ أو (^٦) الشرِّ - إلا عندَ اللهِ، ولكنَّ أكثرَهم لا يعلمون أن ذلك كذلك، فلجهلِهم بذلك كانوا يطَّيَّرون بموسى وبمن معه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3475>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾. يقولُ: مصائبُهم عندَ اللهِ، قال اللهُ: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n_________\n(^١) في م: \"ما\".\n(^٢) بعده في م: \"إلا\".\n(^٣) كذا في النسخ، وفى تفسير ابن أبي حاتم: \"بين أظهرنا\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٣ (٨٨٤٦، ٨٨٨، ٨٨٥٠) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد به.\n(^٦) في ص، م، ف: \"و\".","vol":"10","page":377},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: الأمرُ مِن قِبَلِ اللَّهِ (^١).\n\n<span id=\"aya-1086\"></span><span data-type='title' id=toc-3477>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه، وقال آلُ فرعونَ لموسى: يا موسى ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ [مِنْ آيَةٍ﴾] (^٢): مِن علامةٍ ودلالةٍ ﴿لِتَسْحَرَنَا بِهَا﴾. يقولُ: لتَلْفِتَنا (^٣) بها عما نحن عليه من دينِ فرعونَ، ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: فما نحن لك في ذلك بمصدِّقين على أنك محقٌّ فيما تدعونا إليه.\nوقد دلَّلْنا فيما مضى على معنى \"السحرِ\" بما أغنى عن إعادتِه (^٤).\nوكان ابن زيدٍ يقولُ في معنى ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾. ما حدَّثني يونسُ، [قال: أخبَرنا ابن وهب] (^٥)، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾. قال: إن ما تأتنا به مِن آيةٍ. وهذه فيها زيادةُ \"ما\" (^٦).\n\n<span id=\"aya-1087\"></span><span data-type='title' id=toc-3478>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعز: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويلِ في معنى الطوفانِ؛ فقال بعضُهم: هو الماءُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٨ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) في س: \"لتنقلنا\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٢/ ٣٥٠ - ٣٥٥.\n(^٥) سقط من: ص، م، س، ف.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٤ (٨٨٥٣) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد.","vol":"10","page":378},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3479>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا حَبُّويَه أبو يزيدَ (^١)، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما جاء موسى بالآياتِ، كان أوّلَ الآياتِ الطوفانُ، فأرسَل اللهُ عليهم السماءَ (^٢).\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابن يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ، عن أبي مالكٍ، قال: الطوفانُ الماءُ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: الطوفانُ الماءُ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جابرُ بن نوحٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: الطوفانُ الغرقُ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: الطوفانُ الماءُ والطاعونُ على كلِّ حالٍ (^٦).\nحدَّثني المثنى، قال: ثني أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: الطوفانُ الموتُ على كلِّ حالٍ (^٧).\n_________\n(^١) في م: \"الرازى\"، وفى ف \"مرثد\"، وغير منقوطة في ص.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٥ (٨٨٦٤) من طريق يعقوب به مطولا.\n(^٣) سيأتي تخريجه في ص ٣٨٣، ٣٨٧.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٤ عقب الأثر (٨٨٥٧)، وأخرجه في ٥/ ١٥٤٥ (٨٨٥٩) من طريق المحاربي، بلفظ: \"الغرق\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٤ (٨٨٥٧) من طريق أبى روق به بمعناه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٨ إلى أبى الشيخ.\n(^٦) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٥ (٨٨٦٠) عن أبي عاصم به.\n(^٧) تفسير مجاهد ص ٣٤٢ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٠٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"10","page":379},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: الطوفانُ الماءُ (^١).\nوقال آخرون: بل هو الموتُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3480>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا المنهالُ بن خليفةَ، عن الحجاجِ، عن الحَكَمِ بن ميناءَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"الطُّوفانُ المَوْتُ\" (^٢).\nحدَّثني عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: سألتُ عطاءً ما الطوفانُ؟ قال: الموتُ (^٣)\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، و(^٤) عمن حدَّثَه، عن مجاهدٍ، قالا (^٥): الطوفانُ الموتُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن عبدِ اللَّهِ بن كثيرٍ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾. قال: الموتُ.\nقال ابن جريجٍ: وسألتُ عطاءً عن الطوفانِ، قال: الموتُ. قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: الموتُ على كلِّ حالٍ.\n_________\n(^١) سيأتي بتمامه في ص ٣٩١، ٣٩٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٤ (٨٨٥٥)، وابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير ٣/ ٤٥٨ - من طريق يحيى بن يمان به. وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦١/ ٦٧ من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٨ إلى أبى الشيخ، وقال ابن كثير: وهو حديث غريب.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٤) سقط من: ص، م، ف.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"قال\".","vol":"10","page":380},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن المنهالِ بن خليفةَ، عن حجاجٍ، عن رجلٍ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"الطوفانُ المَوْتُ\" (^١).\nوقال آخرون: بل كان ذلك أمرًا مِن اللهِ طاف بهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3481>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني جريرٌ، عن قابوسَ بن أبي ظَبْيانَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾. قال: (^٢) \"أمرٌ [من أمرِ] (^٣) اللهِ؛ الطوفانُ. ثم قرَأ (^٤) ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ (^٥) [سورة القلم: ١٩].\nوكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ (^٦).\nيزعُمُ أن الطوفانَ من السيلِ: البُعاقُ والدُّباشُ، وهو الشديدُ. ومن الموتِ: المبالغُ (^٧) الذريعُ السريعُ.\nوقال بعضُهم: هو كثرةُ المطرِ والريحِ.\nوكان بعضُ نحوييِّ الكوفيين يقولُ: الطوفانُ مصدرٌ مثلَ الرُّجْحانِ والنُّقْصانِ، لا يجمعُ.\nوكان بعضُ نحوييِّ البصرةِ (^٨) يقولُ: هو جمعٌ، واحدُها في القياسِ الطوفانةُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٤ (٨٨٥٦) من طريق يحيى به، وسمى المبهم فيه عطاء.\n(^٢) بعده في ص: \"هو\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ف.\n(^٤) في الأصل، م: \"قال\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٤ (٨٨٥٨) من طريق جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٨ إلى ابن المنذر.\n(^٦) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٢٢٦.\n(^٧) في ص، ف: \"المتابع\"، وفى م: \"المتتابع\".\n(^٨) هو الأخفش كما في تهذيب اللغة ١٤/ ٣٣.","vol":"10","page":381},{"text":"والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى ما قاله ابن عباسٍ، على ما رواه عنه أبو ظَبْيانَ، أنه أمرٌ مِن أمرِ (^١) الله طاف بهم، وأنه مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: طاف بهم أمرُ اللهِ، يطوفُ طوفانًا. كما يقالُ: نقَص هذا الشيءُ يَنقُصُ نُقْصانًا. وإذا كان ذلك كذلك، جاز أن يكونَ الذي طاف بهم المطرَ الشديدَ، وجاز أن يكونَ الموتَ الذريعَ. ومن الدلالةِ على أن المطرَ الشديدَ قد يُسمَّى طوفانًا، قولُ الحسن (^٢) بن عُرفُطةَ (^٣):\nغَيَّر الجِدَّةَ من عِرْفانِهِ (^٤) … خِرَقُ (^٥) الريحِ وطُوفانُ المطرْ\nويُرْوى:\n* خُرُقُ الريحِ بطوفانِ المطرْ *\nوقولُ الراعى (^٦):\nتُضْحِى إذا العيسُ أدْرَكنا نكائثَها (^٧) … خَرْقاءَ يَعْتادُها الطوفانُ والزُّؤُدُ (^٨)\nوقولُ أبي النجمِ (^٩):\nقد (^١٠) مَدَّ طُوفانٌ فبَثَّ مَدَدَا\nشهرًا شآبيبَ (^١١) وشهرًا بَرَدَا\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ف.\n(^٢) كذا في النسخ، وهو كذلك في نسخة من البيان والتبيين ٣/ ٢٤٩، واللسان (ك ون)، وهو حسيل، ويقال: حسين. ينظر نوادر أبي زيد ص ٧٧، والبيان والتبيين ٣/ ٢٤٩، والإصابة ٢/ ٧٦.\n(^٣) نوادر أبي زيد ص ٧٧، والمنصف شرح التصريف ٢/ ٢٢٨، ولم ينسبه في المنصف.\n(^٤) في م: \"آياتها\".\n(^٥) الخرق: القِطَع من الريح، واحدتها خِرْقة. النوادر الموضع السابق.\n(^٦) ديوانه ص ٨٦.\n(^٧) سقط من: ت ١، س، ف، ونكيثة البعير: أقصى مجهوده في السير. اللسان (ن ك ث).\n(^٨) في ص، ت ١، س، ف: \"الرود\"، والزؤد: الفزع. اللسان (ز أ د).\n(^٩) ليس في الديوان، وهو في التبيان للطوسى ٤/ ٥٢١.\n(^١٠) في الأصل: \"و\".\n(^١١) الشآبيب: الدفعات من المطر. اللسان (ش أ ب).","vol":"10","page":382},{"text":"وأما ﴿القُمَّلَ﴾، فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في معناه؛ فقال بعضُهم: هو السوسُ الذي يخرُجُ مِن الحنطةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3482>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: القُمَّلُ هو السوسُ الذي يخرُجُ مِن الحنطةِ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ بنحوِه (^٢).\nوقال آخرون: بل هو الدَّبَى، وهو صغارُ الجرادِ الذي لا أجنحةَ له.\n\n<span data-type='title' id=toc-3483>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ، قال: القُمَّلُ الدَّبَى (^٣).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: الدَّبَى هو (^٤) القُمَّلُ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: القُمَّلُ الدَّبَى (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٧ (٨٨٧١) من طريق جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وسيأتي في ص ٣٨٧.\n(^٢) سيأتي مطولا في ص ٣٨٦، ٣٨٧.\n(^٣) سيأتي بتمامه في ص ٨٨، ٣٨٩.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) سيأتي بتمامه في ص ٣٨٧، ٣٨٨.\n(^٦) سيأتي تخريجه في ص ٣٩٤.","vol":"10","page":383},{"text":"قتادةَ، قال: القُمَّلُ هي الدَّبَى، وهى أولادُ الجرادِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: القُمَّلُ هو لدَّبَي.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: القُمَّلُ الدَّبَى (^٢).\n[حدَّثنا ابن وكيعٍ] (^٣)، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن قيسٍ، عمن ذكَرَه، عن عكرمةَ، قال: القُمَّلُ بناتُ الجرادِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: القُمَّلُ الدَّبَى (^٥).\nوقال آخرون: بل القُمَّلُ البراغيثُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3484>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ﴾. قال: زعَم بعضُ الناسِ في القُمَّلِ أنها البراغيثُ (^٦).\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه بتمامه في ص ٣٨٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٦ (٨٨٧٠) من طريق أبي روق به، وفي (٨٨٦٩) من طريق عكرمة، عن ابن عباس.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١٠ إلى أبي الشيخ.\n(^٥) سيأتي بتمامه في ص ٣٩١، ٣٩٢.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٧ (٨٨٧٥) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١٠ إلى أبى الشيخ.","vol":"10","page":384},{"text":"وقال بعضهم: هي دوابٌّ سودٌ صغارٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3485>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ والحسنَ قالا: القُمَّلُ دوابُّ سودٌ صغارٌ (^١).\nوكان بعضُ أهل العلمِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ (^٢) يزعُمُ أَنَّ القُمَّلَ عندَ العربِ الحَمْنانُ. والحَمْنانُ ضَرْبٌ مِن القِرْدانِ (^٣) واحِدَتُها حَمْنانَةٌ. وهى صغارُ القِردانِ فوقَ القَمْقامَةِ. والقُمَّلُ جمع واحدتُها قُمَّلَةٌ، وهى دابةٌ تُشْبِهُ القَمْلَ تأكُلُها الإبلُ فيما بلغنى، وهى التي عناها الأعشَى في قولِه (^٤):\nقَوْمٌ يُعالِجُ قُمَّلًا أَبْناؤُهُمْ … وَسَلَاسِلًا أُجُدًا وَبَابًا مُؤصَدًا\nوكان الفرَاءُ يقولُ (^٥): لم أسمعْ فيه شيئًا، فإِن (^٦) يَكُنْ جمعًا فواحِدُه قامِلٌ، مثلَ ساجدٍ وراكعٍ، وإن يكنِ اسمًا على معنى جمعٍ، فواحدتُه قمَّلةٌ.\n[وقال بعضُهم: هو مِن الجِعْلانِ] (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٧ (٨٨٧٢) من طريق عامر الأحول عن الحسن، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٢/ ٩٦ عن سعيد بن جبير والحسن.\n(^٢) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٢٢٦.\n(^٣) القردان: واحده القُراد، دويْبَّة متطفلة من المفصليات ذات أربعة أزواج من الأرجل تعيش على الدواب والطيور وتمتص دمها. الوسيط (ق ر د). والقُراد أول ما يكون وهو صغير لا يكاد يرى من صغره، يقال له: قمقامة، ثم يصير حمنانة، ثم قرادا. اللسان (قمقم، ح م ن).\n(^٤) ديوانه ص ٢٣١.\n(^٥) تهذيب اللغة ٩/ ١٨٦.\n(^٦) بعده في م: \"لم\".\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف. والجعلان: واحده الجُعَل، حيوان كالخنفساء يكثر في المواضع الندية. اللسان (ج ع ل).","vol":"10","page":385},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3486>ذكر المعانى التي حدَثت في قومِ فرعونَ بحدوثِ هذه الآياتِ والسببُ الذي مِن أجله أحدَثَها اللهُ فيهم</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ الرازيُّ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرِ بن المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: لما أتى موسى فرعونَ، قال له: أرسلْ معىَ بني إسرائيلَ. فأبى عليه، فأرسلَ اللهُ عليهم الطوفانَ، وهو المطرُ، فصبّ عليهم منه شيئًا، فخافوا أن يكونَ عذابًا، فقالوا لموسى: ادعُ لنا ربَّك [يَكْشِفْ عنا المطرِ فنُؤْمِنَ لك ونُرْسِلَ] (^١) معك بني إسرائيلَ. فدعا ربَّه، فلم يُؤمنوا، ولم يُرسِلوا معه بني إسرائيلَ، فأَنْبَتَ لهم في تلكَ السنةِ شيئًا لم يُنْبِتْه قبلَ ذلك مِن الزرعِ والثمرِ والكلأَ، فقالوا: هذا ما كنا نتمنَّى. فأرسل اللهُ عليهم الجرادَ، فسلَّطه على الكلأِ، فلما رأوا أثرَه في الكلأَ عَرَفوا أنه لا يُبْقِى الزرعَ، فقالوا: يا موسى، ادعُ لنا ربكَ فيكشفَ عنا الجرادَ، فنؤمنَ لكَ، ونرسلَ معكَ بنى إسرائيلَ. فدعا ربَّه، فكشَف عنهم الجرادَ، فلم يؤمنوا، ولم يرسِلوا معه بني إسرائيلَ، فداسُوا وأحرزُوا في البيوتِ، فقالوا: قد أحرَزْنا، فأرسلَ اللهُ عليهم القُمَّلَ، وهو السوسُ الذي يخرجُ منه، فكان الرجلُ يُخرِجُ عَشَرَةَ أجربةٍ إلى الرَّحَى، فلا يَرُدُّ منها ثلاثةَ أقفِزةٍ، فقالوا: يا موسى، ادعُ لنا ربَّك يكشفْ عنا القُمَّلَ، فنؤمِنَ لكَ، ونرسلَ معك بني إسرائيلَ. فدعا ربَّه فكشف عنهم، فأبَوا أن يُرسلُوا معه بنى إسرائيلَ. فبينا هو جالسٌ عند فرعونَ إذ سمِع نقيقَ ضِفْدَعٍ، فقال لفرعونَ: ما تلقى أنتَ وقومكَ مِن هذا؟ فقال: وما عسى أن يكونَ كيدُها، فما أمسَوا حتى كان الرجلُ يجلسُ إلى ذَقْنِه في الضفادعِ، ويهمُّ أن يتكلمَ فيثبُ الضِّفْدَعُ في فيه. فقالوا لموسى ادعُ لنا ربَّك يكشِفْ عنا هذه الضفادعَ، فنؤمنَ لك،\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن\"، ولكن في ص: \"المطر\" بدلا من \"الرجز\".","vol":"10","page":386},{"text":"ونرسلَ معك بني إسرائيل (^١)، فأرسل اللهُ عليهم الدَّمَ، فكان ما استقوا مِن الأنهارِ والآبارِ، أو ما كان في أوعيَتِهم، وجدوه دمًا عبيطًا، فشكَوا إلى فرعونَ فقالوا: إنا قد ابتُلينا بالدمِ، وليس لنا شرابٌ. فقال: إنه قد سحَركم. فقالوا: من أين سحرنا ونحن لا نجدُ في أوعيتِنا شيئًا مِن الماء إلا وجدناه دمًا عبيطًا. فأتَوه وقالوا: يا موسى ادعُ لنا ربَّك يكشفْ عنا هذا الدمَ، فنؤمنَ لك، ونرسلَ معك بني إسرائيلَ، فدعا ربَّه، فكُشِف عنهم، فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بنى إسرائيلَ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حَبُّويَه أبو يزيدَ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفرٍ، عن [عن سعيد بن جبيرٍ] (^٣) عن ابن عباسٍ، قال: لما خافوا الغرقَ، قال فرعونُ: يا موسى ادعُ لنا ربَّك يكشِف عنا هذا المطرَ، فنؤمنَ لك. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن حميدٍ، عن يعقوبَ (^٤).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قال: ثم إن الله أرسَل عليهم - يعنى: على قوم فرعونَ - الطوفانَ، وهو المطرُ، فغرِق كلُّ شيءٍ لهم، فقالوا: يا موسى ادعُ لنا ربَّك يكشِفْ عنا، ونحن نؤمنُ لك، ونرسل معك بني إسرائيلَ. فكشَفه اللهُ عنهم ونبَتت به زروعُهم، فقالوا: ما يسرُّنا أنَّا لم نمطَرْ. فبعَث اللهُ عليهم الجرادَ، فأكل حروثَهم، فسألوا موسى أن يدعوَ ربَّه فيكشِفَه ويؤمنوا به، فدعا فكشَفه، وقد بقِى من زروعِهم بقيةٌ، فقالوا: لم تؤمنون وقد بقى لنا من زُروعنا بقيَّةٌ تكفينا؟ فبعث الله عليهم الدَّبَى - وهو القُمَّلُ - فلحَس الأرضَ كلَّها، وكان يدخلُ بينَ ثوبِ أحدِهم وبينَ جلدِه فيعَضُّه،\n_________\n(^١) بعده في م: \"فكشف عنهم فلم يؤمنوا\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٦١، ٤٦٢ عن المصنف.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٥ - ١٥٤٩ (٨٨٦٤، ٨٨٧١، ٨٨٧٦، ٨٨٨٠) من طريق يعقوب به.","vol":"10","page":387},{"text":"وكان يأكُلُ أحدُهم الطعامَ فيمتلئُ دَبًى، حتى إن أحدَهم ليبنى الأسطوانةَ بالجصِّ فيُزْلِقُها حتى لا يَرْتَقِيَ فوقَها شيءٌ؛ يرفعُ فوقها الطعامَ، فإذا صعِد إليه ليأكلَه وجَده ملآن دَبًى، فلم يصابوا ببلاءٍ كان أشدَّ عليهم مِن الدَّبَى، وهو الرِّجزُ الذي ذكَر اللهُ في القرآنِ أنه وقَع عليهم، فسألوا موسى أن يدعَو ربَّه فيكشفَ عنهم، ويؤمنوا به، فلما كشَف عنهم أَبَوا أن يؤمنوا، فأرسل اللهُ عليهم الدمَ، فكان الإسرائيليُّ يأتى هو والقبطيُّ يستقيان مِن ماءٍ واحدٍ، فيَخرجُ ماءُ هذا القبطيِّ دمًا، ويخرج للإسرائيليِّ ماءً، فلما اشتدَّ ذلك عليهم سألوا موسى أن يكشفَه ويؤمنوا به، فكشف ذلك، فأَبَوا أن يؤمنوا، فذلك حينَ يقولُ اللَّهُ: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ (^١) [الزخرف: ٥٠].\nحدَّثنا محمد بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾. قال: أرسَل اللهُ عليهم الماءَ حتى قاموا فيه قيامًا، ثم كشَف عنهم، فلم ينتفِعوا (^٢)، وأخصَب بلادَهم خِصْبًا لم تَحْصَبْ مثلَه، فأرسل اللهُ عليهم الجرادَ فأكلته إلا قليلًا، فلم يؤمِنوا أيضًا، فأرسل اللهُ عليهم (^٢) القُمَّلَ، وهى الدَّبَى، وهى أولادُ الجرادِ، فأكلت ما بقى مِن زروعِهم، فلم يؤمنوا، فأرسل اللهُ (^٣) عليهم الضفادعَ، فدخَلت عليهم بيوتَهم، ووقَعَت في آنيتِهم وفُرُشِهم، فلم يؤمنوا، ثم أرسل اللهُ عليهم الدمَ، فكان أحدُهم إذا أراد أن يشربَ تحوَّلَ ذلك الماءُ دمًا، قال اللهُ: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤١٠ بإسناد السدى المعروف مطولًا جدًّا، وسقط ذكر عمرو بن حماد من التاريخ.\n(^٢) في م: \"يؤمنوا\"، وفى تفسير عبد الرزاق، وتاريخ ابن عساكر: \"ينتهوا\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣٤ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٦١/ ٦٩ - عن معمر به، وأخرج آخره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٩ (٨٨٨٢) من طريق محمد بن عبد الأعلى به.","vol":"10","page":388},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ حتى بلغ ﴿مُجْرِمِينَ﴾. قال (^١): أرسل اللهُ عليهم الماءَ حتى قاموا فيه قيامًا، فدعوا موسى فدعا ربَّه، فكشَفه عنهم. ثم عادوا لشرِّ ما بحضرتِهم. ثم أنبتَت أرضُهم، ثم أرسل الله عليهم الجراد، فأكل عامَّةَ حروثِهم وثمارِهم، ثم دعوا موسى فدعا ربَّه فكشَفه عنهم، ثم عادوا لشرِّ ما بحضرتِهم. فأرسل اللهُ عليهم القُمَّلَ، هذا الدَّبَى الذي رأيتم، فأكل ما أبقى الجرادُ مِن حروثِهم، فلحَسه، فدعوا موسى، فدعا ربَّه، فكشَفه عنهم، ثم عادوا لشرِّ ما بحضرتِهم. ثم أرسل اللهُ عليهم الضفادعَ، حتى مَلأت بيوتَهم وأَفْنِيَتَهم، فدعوا موسى، فدعا ربَّه فكشف عنهم، ثم عادوا بأشرِّ ما بحضرتِهم. فأرسل اللهُ عليهم الدمَ، فكانوا لا يغترِفون من مائهم إلا دمًا، أحمرَ، حتى لقد ذُكِر أن عدوَّ اللهِ فرعونَ كان يجمَعُ بينَ الرجلين على الإناءِ الواحدِ، القبطيِّ والإسرائيليِّ، فيكونُ مما يلى الإسرائيليَّ ماءً، ومما يلى القبطىَّ دمًا، فدعوا موسى، فدعا ربَّه، فكشَفه عنهم في تسعِ آياتٍ: السنينَ، ونقصٍ مِن الثمراتِ، وأراهم يدَ موسى ﵇ وعصاه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾: وهو المطرُ، حتى خافوا الهلاكَ، فأتوا موسى، فقالوا: ي موسى ادعُ لنا ربَّك أن يكشفَ عنا المطرَ، [فإنا نؤمنُ لك ونرسِلُ معك بني إسرائيلَ، فدعا ربَّه، فكشَف عنهم المطرَ] (^٢)، فأنبت اللهُ به حرثَهم، وأخصبَ به بلادَهم، فقالوا: ما نحبُّ أنا لم نمطرُ بتركِ دينِنا، فلن نؤمنَ لك، ولن نرسلَ معك بنى إسرائيلَ. فأرسل اللهُ عليهم الجرادَ، فأسرعَ في فسادِ ثمارِهم وزروعِهم، فقالوا: يا\n_________\n(^١) بعده في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: \"طوفان\".\n(^٢) زيادة من: م.","vol":"10","page":389},{"text":"موسى ادعُ لنا ربَّك [يكشفْ عنا الجرادَ، فإنا سنُؤمنُ لك ونُرسلُ معك بني إسرائيلَ] (^١). فدعا ربَّه، فكشَف عنهم الجرادَ، وكان قد بقى مِن زرعِهم ومعايشِهم بقايا، فقالوا: قد بقِى لنا ما هو كافينا، فلن نؤمن لك ولن نرسلَ معك بني إسرائيلَ. فأرسل اللهُ عليهم القُمَّلَ - وهو الدَّبَى - فتتبع ما كان تركَ الجرادُ، فجزعوا وأحسُّوا بالهلاكِ، قالوا: يا موسى ادعُ لنا ربَّك يكشفْ عنا الدَّبَى، فإنا سنؤمنُ لك، ونرسلُ معك بني إسرائيلَ. فدعا ربَّه، فكشَف عنهم الدَّبَى، فقالوا: ما نحن لك بمؤمنين ولا مُرسِلين معك بني إسرائيلَ. فأرسل اللهُ عليهم الضفادعَ، فملأَ بيوتَهم مِنها، ولقُوا منها أذًى شديدًا لم يَلْقَوا مثلَه فيما كان قبلَه، أنها كانت تثبُ في قدورِهم، فتُفْسِدُ عليهم طعامهم، وتطفئُ نيرانَهم، قالوا: يا موسى ادعُ لنا ربَّكَ يَكْشِفْ عنا الضفادعَ، فقد لقينا منها بلاءً وأذى، فإنا سنؤمنُ لك، ونرسلُ معك بني إسرائيلَ. فدعا ربَّه، فكشَف عنهم الضفادعَ، فقالوا: لا نؤمنُ لك، ولا نرسلُ معك بني إسرائيلَ. فأرسل اللهُ عليهم الدمَ، فجعَلوا لا يأكُلون إلا الدمَ، ولا يَشْرَبون إلا الدمَ، فقالوا: يا موسى ادعُ لنا ربَّكَ يَكْشِفْ عنا الدمَ، فإنا سنُؤمن لك، ونرسلُ معك بني إسرائيلَ. فدعا ربَّه فكشَف عنهم الدمَ، فقالوا: يا موسى لن نؤمنَ لك ولن نرسلَ معك بني إسرائيلَ. فكانت آياتٍ مفصَّلاتٍ بعضُها على إثرِ بعضٍ، ليكونَ للَّهِ عليهم الحجةُ، فأخذهم اللهُ بذنوبِهم، فأغرقَهم في اليَمِّ (^٢).\nحدَّثني عبدُ الكريم، قال: ثنا إبراهيمُ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: أُرسِلَ على قومِ فرعونَ الآياتُ؛ الجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾. قال: فكان الرجلُ من بني إسرائيلَ يركَبُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، س، ف.\n(^٢) أخرج بعضه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٥، ١٥٤٩ (٨٨٦١، ٨٨٦٣، ٨٨٨٥) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٩ إلى ابن المنذر.","vol":"10","page":390},{"text":"مع الرجلِ من قومِ فرعونَ في السفينةِ، فيغرفُ الإسرائيليُّ ماءً، ويغرفُ الفِرعَونيُّ دمًا. قال: وكان الرجلُ مِن قومِ فرعونَ ينامُ في جانبٍ، فيكثُرُ عليه القُمَّلُ والضفادعُ حتى لا يقدرَ أن ينقلبَ على الجانبِ الآخرِ، فلم يزالوا كذلك حتى أوحى اللهُ إلى موسى: ﴿مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء: ٥٢].\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: لما أتى موسى فرعونَ بالرسالةِ أبى أن يؤمنَ، وأن يرسلَ معه بني إسرائيلَ، فاستكبرَ، قال: لن أرسلَ معك بني إسرائيلَ. فأرسل الله عليهم الطوفانَ، وهو الماءُ؛ أمطرَ عليهم السماءَ حتى كادوا يَهلِكون، وامتنع منهم كلُّ شيءٍ، فقالوا: يا موسى ادعُ لنا ربَّك بما عهِد عندَك لئن كشَفت عنا هذا لنُؤْمننَّ لك، ولنُرْسِلَنَّ معك بني إسرائيلَ. فدعا الله فكشَف عنهم المطرَ، فأنبَت اللهُ لهم حروثَهم، وأحيا بذلك المطرِ كلَّ شيءٍ من بلادِهم، فقالوا: واللهِ ما نُحِبُّ أنا لم نَكُنْ أُمْطِرنا هذا المطرَ، ولقد كان خيرًا لنا، فلن نرسلَ معك بني إسرائيلَ، ولن نؤمنَ لك يا موسى. فبعَث اللهُ عليهم الجرادَ، فأكل عامَّةَ حروثِهم، وأسرع الجرادُ في فسادِها، فقالوا: يا موسى ادعُ لنا ربَّك يَكْشِفْ عنا الجرادَ، فإنا مؤمنون لك، ومرسلون معك بني إسرائيلَ. فكشَف اللهُ عنهم الجرادَ، وكان الجرادُ قد أبقى لهم من حروثِهم بقيةً، فقالوا: قد بقِى لنا من حروثِنا ما كان كافينا، فما نحن بتاركي دينِنا، ولن نُؤمنَ لك، ولن نرسلَ معك بني إسرائيلَ. فأرسل اللهُ عليهم القُمَّلَ - والقُمَّلُ الدَّبَى، وهو الجرادُ الذي ليست له أجنحةٌ - فتتبع ما بقى من حروثهم وشجرِهم وكلِّ نبات كان لهم، فكان القُمَّلُ أشدَّ عليهم مِن الجرادِ، فلم يستطيعوا للقُمَّل حيلةٌ، وجزِعوا من ذلك فأتَوا موسى، فقالوا: يا موسى ادعُ لنا ربَّك يَكْشِفْ عنا القُمَّلَ، فإنه لم يُبْقِ لنا شيئًا، قد أكَل ما بقِى مِن حروثِنا، ولئن كشَفت عنا القُمَّلَ لنؤمننّ لك، ولنرسِلنَّ معك بني إسرائيلَ. فكشَف","vol":"10","page":391},{"text":"عنهم القُمَّلَ فنكَثوا. وقالوا: لن نؤمنَ لك، ولن نُرسلَ معك بني إسرائيلَ. فأرسَل اللهُ عليهم الضفادعَ، فامتلأت منه البيوتُ، فلم يبقَ لهم طعامٌ ولا شرابٌ إلا وفيه الضفادعُ، فلَقُوا منها شيئًا لم يَلْقَوْه فيما مضَى، فقالوا: ﴿يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]. قال: فكشَف الله عنهم فلم يفعَلوا، فأنزل الله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ إلى ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٥، ١٣٦] (^١).\nحدَّثنا محمد بنُ حميدٍ الرازيُّ، قال: ثنا أبو تُميْلَةَ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت الضفادعُ برِّيَّةً، فلما أرسَلها اللهُ على آلِ فرعونَ، سمِعت وأطاعت، فجعَلت تقذِفُ (^٢) أنفسَها في القدورِ وهى تغلى، وفي التنانيرِ وهى تفورُ، فأثابَها الله بحسنِ طاعتِها بَرْدَ الماءِ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: فرجَع عدوُّ اللهِ - يعنى فرعون - حين آمنت السحرةُ مغلوبًا مفلولًا، ثم أبى إلا الإقامةَ على الكفرِ، والتمادىَ في الشرِّ، فتابعَ اللهُ عليه بالآياتِ، وأخَذه بالسنين، فأرسل عليه الطُّوفان، ثم الجرادَ، ثم القُمَّلَ، ثم الضفادعَ، ثم الدمَ، آياتٍ مُفصَّلاتٍ. فأرسل الطوفانَ، وهو الماءُ، ففاض على وجهِ الأرضِ، ثم ركَد، لا يَقْدِرون على أن يَحْرُثُوا ولا يعمَلوا شيئًا، حتى جُهِدوا جوعًا، فلما بلَغهم ذلك، قالوا: يا موسى، ادعُ لنا ربَّك، لئن كَشَفْتَ عنا الرجزَ لَنُؤْمننَّ لك، ولنُرْسِلنَّ معك بنى إسرائيلَ، فدعا موسى ربَّه، فكشَفه عنهم، فلم يَفُوا له بشيءٍ مما قالوا، فأرسل الله عليهم الجرادَ، فأكَل\n_________\n(^١) أخرجه أوله ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٩ (٨٨٨٦) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"تغرق\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٨ (٨٨٧٨) من طريق الحسين بن واقد به.","vol":"10","page":392},{"text":"الشجرَ - فيما بلغنى - حتى إن كان ليأكُلُ مساميرَ الأبوابِ مِن الحديدِ حتى تَقَعَ دُورُهم ومساكِنُهم، فقالوا مثلَ ما قالوا، فدعا ربَّه، فكشَفه عنهم، فلم يَفُوا له بشيءٍ مما قالوا، فأرسل اللهُ عليهم القُمَّلَ. فذُكِر لى أن موسَى أُمِر أن يمشىَ إلى كثيبٍ حتى يَضْرِبَه بعصاه، فمشَى إلى كثيبٍ أَهْيَلَ عظيمٍ، فضرَبه بها، فانثال عليهم قُمَّلًا حتى غلَب على البيوتِ والأطعمةِ، ومنعهم النومَ والقرارَ، فلما جهَدَهم قالوا له مثلَ ما قالوا، فدعا ربَّه فكشَفه عنهم، فلم يفوا له بشيءٍ مما قالوا. فأرسل اللهُ عليهم الضفادعَ، فملأتِ البيوتَ والأطعمةَ والآنيةَ، فلا يكشفُ أحدٌ منهم ثوبًا ولا طعامًا ولا إناءً إلَّا وجَد فيه الضفادعَ قد غلَبت عليه، فلما جهَدهم ذلك قالوا له مثلَ ما قالوا، فدعا ربَّه فكشَف عنهم، فلم يَفُوا له بشيءٍ مما قالوا. فأرسل اللهُ عليهم الدمَ، فصارت مياهُ آل فرعونَ دمًا، لا يستقون من بئرٍ ولا نَهَرٍ، ولا يغترِفون من إناءٍ إلا عاد دمًا عبيطًا (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن كعبٍ القرظيِّ، أنه حدَّث أن المرأةَ مِن آل فرعونَ كانت تأتى المرأةَ مِن بني إسرائيلَ حين جهَدهم العطشُ، فتقولُ: اسقينى مِن مائِك، فتغرفُ لها مِن جَرَّتِها، أو تَصُبُّ لها مِن قِرْبَتِها، فيعودُ في الإناء دمًا، حتى إن كانت لتقولُ لها: اجعليه في فيك ثم مُجِّيه في فيَّ، فتأخذ في فيها ماءً، فإذا مجَّته في فيها صار دمًا، فمكَثوا في ذلك سبعةَ أيامٍ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: الجرادُ يأكُلُ زُروعهم ونباتَهم، والضفادعُ تسقُطُ على فُرُشِهم وأطعِمتِهم،\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤١٧.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤١٨، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦١/ ٧٤ من طريق محمد بن إسحاق، عمن لا يتهم.","vol":"10","page":393},{"text":"والدمُ يكونُ في بيوتِهم وثيابِهم ومائِهم وطعامِهم (^١).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن عبدِ اللَّهِ بن كثيرٍ (^٢)، عن مجاهدٍ، قال (^٣): سال النيلُ دمًا، فكان الإسرائيليُّ يستقى ماءً طيِّبًا، ويستقِى الفرعونيُّ دمًا، ويشتركان في إناءٍ واحدٍ، فيكونُ ما يلى الإسرائيليَّ ماءً طيبًا، وما يلى الفرعونى دمًا (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أن موسى لما عالَج فرعونَ بالآياتِ الأربعِ؛ العصا، واليدِ، ونقصٍ مِن الثمراتِ، والسنين. قال: يا ربِّ إن عبدَك هذا قد علا في الأرضِ، وعتا، وبغَى عليَّ، وعلا عليكَ، وعادَّني (^٥) بقومِه، ربِّ خُذْ عبدَك بعقوبَةٍ تجعَلُها له ولقومِه نقمةً، وتجعلُها لقومى عظةً، ولمن بعدى آيةً في الأممِ الباقيةِ. فبعَث اللهُ عليهم الطوفانَ - وهو الماءُ - وبيوتُ بنى إسرائيلَ وبيوتُ القبطِ مشتبكةٌ مختلطةٌ بعضُها ببعضٍ، فامتلأت بيوت القبطِ ماءً، حتى قاموا في الماءِ إلى تراقِيهم، من جلَس منهم غرِق، ولم يدخُلْ بيوت بنى إسرائيل قطرةٌ، فجعلت القبط تنادى موسى: ادع لنا ربك بما عهِد عندَك لئن كشفتَ عنا الرِّجزَ لنؤمننَّ لك، ولنرسلنَّ معك بني إسرائيلَ. قال: فواثقوا موسى ميثاقًا أخذَ عليهم به عهودَهم، وكان الماءُ أخذهم يومَ السبتِ، فأقام عليهم (^٦) سبعة أيام\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٤٢ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٦، ١٥٥٠، ١٥٥٢ (٨٨٦٥، ٨٨٨٩، ٨٨٩٢، ٨٨٩٨، ٨٩٠١) وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٩، ١١١، ١١٤ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) بعده في الأصل: \"عن ابن أبي نجيح\". ينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٤٦٨، ١٦/ ٢١٥.\n(^٣) بعده في م، ت ٢: \"لما\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٩ (٨٨٨١) من طريق أبي حذيفة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١٠ إلى أبى الشيخ.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عالى\"، وعادَّه، أي: آذاه. اللسان (ع د د).\n(^٦) في الأصل: \"عليه\".","vol":"10","page":394},{"text":"إلى السبتِ الآخرِ، فدعا موسى ربَّه، فرفَع عنهم الماءَ، فأعشبت بلادُهم مِن ذلك الماءِ، فأقاموا شهرًا في عافيةٍ، ثم جحَدوا وقالوا: ما كان هذا الماءُ إلا نعمةً علينا وخِصْبًا لبلادِنا، ما نحبُّ أنه لم يكنْ - قال: وقد قال قائلٌ لابنِ عباسٍ: إني سألتُ ابنَ عمرَ عن الطُّوفانِ. فقال: ما أدرى موتًا كان أو ماءً. فقال ابن عباسٍ: أما يقرأُ ابن عمرَ سورةَ \"العنكبوتِ\" حين ذكَر اللهُ [قومَ نوحٍ] (^١) فقال: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤]. أرأيتَ لو ماتوا، إلى مَن جاء موسى ﵇ بالآياتِ الأربعِ بعدَ الطوفانِ؟ - قال: فقال موسى: يا ربِّ إن عبادَك نقَضوا عهدى (^٢)، وأخلفوا وعدِى، ربِّ خُذْهم بعقوبةٍ تجعلُها لهم نقمةً، ولقومى عِظةً، ولمن بعدَهم آيةً في الأممِ الباقيةِ. قال: فبعَث اللهُ عليهم الجرادَ فلم يدعْ لهم ورقةً ولا شجرةً ولا زهرةً ولا ثمرةً إلا أكَله، حتى لم يُبْقِ جَنًى، حتى إذا أفنى الخَضِرَ كلَّها أكل الخشبَ، حتى أكلَ الأبوابَ وسُقوفَ البيوتِ، وابْتُلى الجرادُ بالجوعِ، فجعَل لا يشبعُ، غيرَ أنه لا يدخلُ بيوتَ بني إسرائيلَ، فعجُّوا وصاحوا إلى موسى، فقالوا: يا موسى هذه المرّةَ ادْعُ لنا ربَّك بما عهِد عندَك لئن كشَفَت عنا الرَّجزَ لنُؤْمِننَّ لك ولنُرْسلنَّ معك بني إسرائيلَ. فأعطَوه عهدَ اللَّهِ وميثاقَه، فدعا لهم ربَّه، فكشَف اللهُ الجرادَ بعدَ ما أقام عليهم سبعةَ (^٣) أيامٍ، من السبتِ إلى السبتِ، ثم أقاموا شهرًا في عافيةٍ، ثم عادوا لتكذيبِهم وإنكارِهم ولأعمالِهم أعمالِ السَّوءِ. قال: فقال موسى: يا ربِّ عبادُك قد نقضُوا عهدى وأخلَفوا موعدِى، فخُذْهم بعقوبةٍ تجعلُها لهم نقمةً، ولقومِى عظةً، ولمَن بعدى آيةً في الأممِ الباقيةِ. فأرسل اللهُ عليهم القُمَّلَ - قال أبو بكرٍ: سمِعت سعيدَ بنَ جبيرٍ والحسنَ (^٤) يقولان: كان إلى\n_________\n(^١) في الأصل: \"قوما\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عهدك\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"تسعة\".\n(^٤) في الأصل: \"الحسين\".","vol":"10","page":395},{"text":"جنبِهم كثيبٌ أعْفرُ بقريةٍ من قُرى مصرَ تُدعَى عينَ شمسٍ، فمشَى موسى إلى ذلك الكثيبِ، فضَربَه بعصاه ضربةً صار قُمَّلًا تَدُبُّ إليهم - وهى دوابُّ سودٌ صغارٌ - فدبت إليهم القُمَّلُ، فأخَذت أشعارَهم وأبشارَهم وأشفارَ عيونِهم وحواجِبَهم، ولزِمَ جلودَهم، كأنه الجُدَرِيُّ عليهم، فصرَخوا وصاحوا إلى موسى: إنا نتوبُ ولا نعودُ، فادعُ لنا ربَّك. فدعَا ربَّه فرفَع عنهم القُمَّلَ بعدَ ما أقام عليهم سبعةَ أيامٍ مِن السبتِ إلى السبتِ، فأقاموا (^١) شهرًا في عافيةٍ، ثم عادوا وقالوا: ما كنا قطُّ أحقَّ أن نستيقنَ أنه ساحرٌ منا اليومَ؛ جعَل الرملَ دوابَّ، وعزّةِ فرعونَ لا نُصَدِّقُه أبدًا ولا نتبعُه. فعادوا لتكذيبِهم وإنكارِهم، فدعا موسى عليهم، فقال: يا ربِّ إن عبادَك نقَضوا عهدى، وأخلَفوا وعدى، فخُذْهم بعقوبةٍ تجعلُها لهم نقمةً، ولقومى عِظةً، ولمن بعدى آيةً في الأممِ الباقيةِ. قال: فأرسَل اللهُ عليهم الضفادعَ، فكان أحدُهم يضطجعُ فتركَبُه الضفادعُ، فتكونُ عليه ركامًا حتى ما يستطيعُ أن يَنْصَرِفَ إلى شقِّه الآخرِ، ويفتحُ فاه لأكْلَتِه فيَسْبِقُ الضِّفْدَعُ أكْلَتَه إلى فيه، ولا يعجِنُ عجينًا إِلا تَسَدَّحَت (^٢) فيه، ولا يطبُخُ قدرًا إِلَّا امتلأت ضَفادِعَ. فعُذِّبُوا بها أشدَّ العذابِ، فبكَوْا (^٣) إلى موسى ﵇، وقالوا: هذه المرّةَ نتوبُ ولا نعودُ. فأخذ عهودَهم (^٤) وميثاقَهم، ثم دعا ربَّه، فكشَف اللهُ عنهم الضفادعَ بعد ما أقام عليهم سبعًا مِن السبتِ إلى السبتِ، فأقاموا شهرًا في عافيةٍ، ثم عادوا لتكذيبِهم وإنكارِهم، وقالوا: قد تبينَ لكم سِحْرُه؛ يجعَلُ الترابَ دوابَّ، ويجيءُ بالضفادعِ في غيرِ ماءٍ. فآذَوا موسى ﵇. فقال موسى: يا ربِّ إن عبادَك نقضوا عهدى، وأخلَفوا وعدى، فخُذْهم بعقوبةٍ تجعلُها لهم\n_________\n(^١) في الأصل: \"فقاموا\".\n(^٢) في الأصل، م، ف: \"تشدخت\". وانسدح الرجل: استلقى وفرَّج رجليه. ينظر اللسان (س د ح).\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فشكوا\".\n(^٤) في م: \"عهدهم\".","vol":"10","page":396},{"text":"نقمةً (^١)، ولقومى عِظةً، ولمن بعدى آيةً في الأممِ الباقيةِ. فابتلاهم اللهُ بالدمِ، فأفسَد عليهم معايشَهم، فكان الإسرائيليُّ والقبطيُّ يأتيان النيلَ فيستقيان، فيُخْرِجُ الإسرائيليُّ ماءً، ويُخْرِجُ القبطيُّ دمًا، ويقومان إلى الحُبِّ (^٢) فيه الماء، فيُخْرِجُ الإسرائيلى في إنائِه ماءً، ويُخْرِجُ القبطيُّ دمًا.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبُو سعدٍ، قال: سمِعت مجاهدًا في قولِه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾. قال: الموتُ والجرادُ. قال: الجرادُ يأكُلُ أمتعتَهم وثيابَهم ومساميرَ أبوابِهم، والقُمَّلُ هو الدَّبَى، سلَّطَه اللهُ عليهم بعدَ الجرادِ. قال: والضفادعُ تَسْقُطُ في أطعِمَتِهم التي في بيوتِهم وفي أشربَتِهم.\nوقال بعضُهم: الدمُ الذي أرسَله اللهُ عليهم كان رعافًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-3487>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى بكيرٍ، قال: ثنا زهيرٌ، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ: أما القُمَّلُ فالقَمْلُ، وأما الدمُ، فسلَّط اللهُ عليهم الرُّعافَ (^٣).\nوأما قولُه ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾. فإن معناه: علاماتٍ ودلالاتٍ على صحةِ نبوّةِ موسى وحقيقةِ ما دعاهم إليه ﴿مُفَصَّلَاتٍ﴾: قد فُصِل بينها فجُعِل بعضُها يتلو بعضًا، وبعضُها في إثرِ بعضٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عقوبة\".\n(^٢) في الأصل: \"الجر\"، والحب: الجرة الضخمة، والجر: آنية من خزف، الواحدة جرة. ينظر اللسان (ح ب ب، ج ر ر).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٩ (١٨٨٣) من طريق أحمد بن خالد به.","vol":"10","page":397},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3488>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: فكانت آياتٍ مفصلاتٍ بعضُها في إثرِ بعضٍ؛ ليكونَ للَّهِ الحُجَّةُ عليهم، فأخَذهم اللهُ بذنوبِهم، فأغرَقهم في اليمِّ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾. قال: يَتبَعُ بعضُها بعضًا ليكونَ لله عليهم الحجةُ، فينتقِمَ منهم بعدَ ذلك، وكانت - زعَموا (^٢) - تَمْكُثُ فيهم مِن السبتِ إلى السبتِ، وتُرْفَعُ عنهم شهرًا، قال اللهُ ﷿ ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٦].\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ. ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ أي: آيةً بعدَ آيةٍ يتبعُ بعضُها بعضًا (^٣).\nوكان مجاهدٌ يقولُ فيما ذُكر عنه في معنى \"المفصَّلاتِ\"، ما حدَّثني به الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سمِعت مجاهدًا يقولُ في: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾. قال: معلوماتٍ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-3489>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فاستكبَر هؤلاءِ الذين أرسَل اللهُ عليهم ما ذكَر في هذه الآيةِ مِن الآياتِ والحُجَجِ عن الإيمانِ باللهِ، وتصديقِ رسولِه موسى ﷺ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٤٩ (٨٨٨٥) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) في م: \"الآية\".\n(^٣) ينظر ما تقدم تخريجه في ص ٣٩٣.\n(^٤) بعده في الأصل: \"مُبرَدات\".","vol":"10","page":398},{"text":"واتِّباعِه (^١) على ما دعاهم إليه، وتعظَّموا على اللهِ ﷿، وعَتَوا عليه، ﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: وكانوا قومًا يعمَلون بما يكرهُه اللهُ مِن المعاصى والفسوقِ عُتُوًّا وتمردًا.\n\n<span id=\"aya-1088\"></span><span data-type='title' id=toc-3491>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤)﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾: ولما نزَل بهم عذابُ الله، وحلّ بهم سَخَطُه.\nثم اختلفَ أهلُ التأويلِ في \"الرجزِ\" الذي أخبَر اللهُ أنه وقع بهؤلاءِ القومِ؛ فقال بعضُهم: كان ذلك طاعونًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-3490>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القُمِّيُّ، عن جعفر بن أبي المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: وأمر موسى قومَه من بني إسرائيلَ - وذلك بعدَ ما جاءَ قومَ فرعونَ بالآياتِ الخمسِ؛ الطوفانِ وما ذكَر اللهُ في هذه الآيةِ، فلم يُؤْمِنوا ولم يُرْسِلوا معه بنى إسرائيلَ - فقال: لِيَذْبحْ كلُّ رجلٍ منكم كبشًا، ثم ليَخْضِبْ كفَّه في دمِه، ثم ليَضْرِبْ به على بابِه. فقالت القبطُ لبنى إسرائيلَ: لِمَ تُعالِجُون هذا الدمَ على أبوابِكم؟ فقالوا: إن الله يُرْسِلُ عليكم عذابًا فنَسْلَمُ وتَهْلِكون. فقالت القبطُ: فما يَعْرِفُكم اللهُ إلا بهذه العلاماتِ (^٢)؟ فقالوا: هكذا أَمَرنا به نبيُّنا. فأصبَحوا وقد\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س، ف: \"اتباعهم\".\n(^٢) في الأصل: \"العلامة\".","vol":"10","page":399},{"text":"طُعِن مِن قوم فرعونَ سبعون ألفَ ذَرَا (^١)، فأمسَوا وهم لا يتدافنون، فقال فرعونُ عندَ ذلك (^٢): ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ وهو الطاعونُ ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فدعا ربَّه فكشَفه عنهم، فكان أوفاهم كلَّهم فرعونُ، فقال لموسى: اذهبْ ببنى إسرائيلَ حيثُ شِئتَ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا حَبُّويَه الرازيُّ وأبو داودَ الحَفَرِيُّ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ - قال: حَبُّويَه: عن ابن عباسٍ -: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ قال: الطاعونُ (^٤).\nوقال آخرون: هو العذابُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3492>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: الرجزُ العذابُ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثني أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، م. والذرا: عدد الذرية. اللسان (ذ ر و).\n(^٢) بعده في الأصل: \"لموسى\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٥٠ (٨٨٩٠) من طريق يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ٣٨٣، ٣٨٦، ٣٨٧.\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ٣٩٤.","vol":"10","page":400},{"text":"كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾. أي: العذابَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾. يقولُ: العذابُ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾. قال: الرجزُ العذابُ الذي سلَّطه اللهُ عليهم مِن الجرادِ والقُمَّلِ وغيرِ ذلك، وكلُّ ذلك يعاهِدونه ثم يَنْكُثون.\nوقد بيَّنا معنى \"الرِّجزِ\" فيما مضى من كتابِنا هذا بشواهدِه المغنيةِ عن إعادتِها (^٢).\nوأولى القولين بالصوابِ في هذا الموضعِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أَخبر عن فرعونَ وقومِه أنهم لما وقَع عليهم الرجزُ - وهو العذابُ والسَّخَطُ مِن اللَّهِ عليهم - فزِعوا إلى موسى بمسألتِه ربَّه كَشْفَ ذلك عنهم. وجائزٌ أن يكونَ ذلك الرجزُ كان الطوفانَ والجرادَ والقُمَّلَ والضفادعَ والدمَ؛ لأنَّ كلَّ ذلك كان عذابًا عليهم. وجائزٌ أن يكونَ ذلك الرجزُ كان طاعونًا، ولم يُخبرْنا اللهُ أيَّ ذلك كان، ولا صحَّ عن رسولِ اللهِ ﷺ بأيِّ ذلك كان خبرٌ فنُسَلِّمَ له. فالصوابُ أن نقولَ فيه كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾. فلا نتعداه إلا بالبيانِ الذي لا تمانعَ فيه بينَ أهلِ التأويلِ، وهو: لمَّا حل بهم عذابُ اللهِ وسخطُه قالوا: ﴿يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾. يقولُ: بما أوصاك وأمَرك به - وقد بينّا معنى \"العهدِ\" فيما مضى (^٣) - ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾. يقولُ: لئن رفَعت عنا العذابَ الذي\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١١ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٧٢٩ - ٧٣١.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٣٥، ٤٣٦.","vol":"10","page":401},{"text":"نحن فيه، ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾. يقولُ: لنُصَدَّقن بما جئتَ به ودعوتَ إليه، ولنُقِرَّن به لك، ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يقولُ: ولنُخَلِّين معك بني إسرائيلَ فلا نمنعُهم أن يذهَبوا حيث شاءوا.\n\n<span id=\"aya-1089\"></span><span data-type='title' id=toc-3494>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فدعا موسى ربَّه فأجابه، فلما رفَع اللهُ عنهم العذابَ الذي أنزَله بهم، ﴿إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾؛ ليَسْتَوفوا عددَ أيامِهم التي جعَلها اللهُ لهم مِن الحياةِ أجلًا إلى وقتِ هلاكِهم، ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾. يقولُ: إذا هم يَنْقُضُون عهودَهم التي عاهَدوا ربَّهم وموسى، ويقيمون على كفرِهم وضلالِهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3493>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾. قال: عددٌ مسمًّى لهم (^١) مِن أيامِهم (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"منهم\". وفي مصدرى التخريج: \"معهم\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣٩٤.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ص، ف: \"نحوه\".","vol":"10","page":402},{"text":"حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾. قال: ما أعْطَوا مِن العهودِ. وهو حين يقولُ اللهُ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾: وهو الجوعُ، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (^١) [الأعراف: ١٣٠].\n\n<span id=\"aya-1090\"></span><span data-type='title' id=toc-3495>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلما نكَثوا عهودَهم ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ يقولُ: انتصَرنا منهم بإحلالِ نِقْمَتِنا بهم، وذلك عذابُه ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾. وهو البحرُ. كما قال ذو الرُّمَّةِ (^٢):\nداوِيَّةٌ ودُجَى لَيْلٍ كأنهما … يمٌّ تَراطَنُ في حافَاتِه الرومُ\nوكما قال الراجزُ (^٣):\nكباذخِ اليمِّ سقاه اليمُّ\n﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: فعلنا ذلك بهم بتكذيبِهم بحُجَجِنا وأعلامِنا التي أريناهموها، ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾. يقولُ: وكانوا عن النقمةِ التي أحللناها بهم غافلين قبلَ حلولِها بهم أنها بهم حالَّةٌ.\nوالهاء والألف في قولِه: ﴿عَنْهَا﴾ كنايةٌ مِن ذكرِ \"النقمةِ\"، فإن قال قائلٌ: هي كنايةٌ مِن ذكرِ \"الآياتِ\". ووجَّه تأويلَ الكلامِ إلى: وكانوا عن آياتِنا معرضين.\n_________\n(^١) تقدم بتمامه في ٣٨٧، ٣٨٨، وأخرج هذا الجزء ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٥١ (٨٨٩٣) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٢) ديوانه ١/ ٤١٠.\n(^٣) هو العجاج، والرجز في ديوانه ص ٤٢٧.","vol":"10","page":403},{"text":"فجعَل إعراضَهم عنها غفولًا منهم، إذ لم يقبلوها - كان مذهبًا.\nيقالُ مِن الغفلةِ: غَفَل الرجلُ عن كذا، يَغْفُلُ عنه غَفْلةً وغُفُولًا وغَفْلًا.\n\n<span id=\"aya-1091\"></span><span data-type='title' id=toc-3497>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأورَثْنا القومَ الذين كان فرعونُ وقومُه يستضعِفونهم فيُذبِّحون أبناءَهم ويستحْيون نساءَهم ويستخدمونهم تسخيرًا واستعبادًا - [مِن بنى إسرائيلَ] (^١) - مشارِقَ (^٢) الشامِ، وذلك ما يلى الشرقَ منها، ﴿وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. يقولُ: التي جعلنا فيها الخيرَ ثابتًا دائما لأهلِها.\n[وإنما قال جل ثناؤُه: ﴿وَأَوْرَثْنَا﴾؛ لأنّه أورَث ذلك بني إسرائيلَ بمهلِكِ مَن كان فيها مِن العمالقةِ.\nوبمثلِ الذي قلنا في قولِه: ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ (^٣) قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3496>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن إسرائيلَ، عن فُراتٍ القزَّازِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. قال: الشامُ.\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"الأرض\".\n(^٣) سقط من: الأصل.","vol":"10","page":404},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن فُراتٍ القزَّازِ، قال: سمِعت الحسنَ يقولُ. فذكَر نحوَه (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا قَبِيصَةُ، عن سفيانَ، عن فُراتٍ القزَّازِ، عن الحسنِ: الأرضُ التي باركنا فيها. قال: الشامُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾: [وهم بنو إسرائيلَ] (^٣)، ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾: [وهى] (^٤) أرضُ الشامِ.\nحدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بنُ ثورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. قال: التي بارك (^٥) فيها: الشامُ (^٦).\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ يزعُمُ أن مشارقَ الأرضِ ومغاربَها نصبٌ على المحلِّ، بمعنى (^٧): وأورثنا القومَ الذين كانوا يُستَضعفون في مشارقِ الأرضِ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٣٥ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ١/ ١٤١ - وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٠١ (٨٨٩٥) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) تفسير سفيان ص ١١٣ من قوله، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ١/ ١٤٢ من طريق الأشجعي عن سفيان به، ثم قال: رواه قبيصة عن الثورى وأسقط منه الحسن.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"هي\".\n(^٥) في ف: \"باركنا\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٥١ (٨٨٩٦) من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣٤ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ١/ ١٤٢ - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ف: \"يعنى\".","vol":"10","page":405},{"text":"ومغاربِها. وأن قولَه ﴿وَأَوْرَثْنَا﴾. إنما وقَع على قولِه: ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. وذلك قولٌ لا معنَى له؛ لأن بنى إسرائيلَ لم يكنْ يستضعِفُهم أيامَ فرعونَ غيرُ فرعونَ وقومِه، ولم يكن له سلطانٌ إلا بمصرَ، فغيرُ جائزٍ والأمرُ كذلك أن يقالَ: الذين يُستضعفون في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها.\nفإن قال قائلٌ: فإنَّ معناه: في مشارقِ أرضِ مصرَ ومغاربِها. فإن ذلك بعيدٌ مِن المفهومِ في الخطابِ، مع خروجِه عن (^١) أقوالِ أهلِ التأويلِ والعلماءِ بالتفسيرِ.\nوأما قولُه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾. فإنه يقولُ: وفَى وعدُ اللَّهِ الذي وعَد بنى إسرائيلَ بتمامِه، على ما وعدَهم من تمكينِهم في الأرضِ، ونصرِه إياهم على عدوِّهم فرعونَ. وكلمتُه الحسنى قولُه جلّ ثناؤُه: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥، ٦].\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3498>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: ظهورُ (^٢) قومِ موسى على فرعونَ، وتمكينُ اللهِ لهم في الأرضِ، [وما] (^٣) ورَّثهم منها (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل: \"من\".\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ظهر\".\n(^٣) في ص، ت، س: \"ما\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٣٩٤.","vol":"10","page":406},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nوأما قولُه: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾. فإنه يقولُ: وأهلكنا ما كان فرعونُ وقومُه يصنعونه مِن العماراتِ والمزارعِ، ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾. يقولُ: وما كانوا يبنون مِن الأبنيةِ والقصورِ، فأخرجناهم مِن ذلك كلِّه، وخرَّبْنا جميع ذلك.\nوقد بيَّنا معنى \"التعريشِ\" فيما مضى بشواهدِه (^١).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3499>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾. يقولُ: يبنون (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَعْرِشُونَ﴾: يبنون البيوتَ والمساكنَ ما بلغَت، وكان عِنَبُهم غيرَ معروشٍ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nواختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرَأةِ الحجازِ والعراقِ:\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٤/ ٥٨٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٥٢ (٨٩٠٠) من طريق الضحاك، عن ابن عباس.\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، س، ف: \"معرش\".\nوالأثر تقدم تخريجه في ص ٣٩٤.","vol":"10","page":407},{"text":"﴿يَعْرِشُونَ﴾، بكسرِ الراءِ، سوى عاصمِ بن أبي النجودِ، فإنه قرأَه بضمِّها (^١). وهما لغتان مشهورتان في العربِ، يقالُ: عرَش يعرِش ويعرُش.\nفإذ كان ذلك كذلك، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ؛ لاتفاقِ معنيى (^٢) ذلك، وأنهما معروفتان (^٣) من كلامِ العربِ، وكذلك تفعَلُ العربُ في \"فعَل\" إذا ردّته إلى الاستقبالِ، تضمُّ (^٤) العينَ منها (^٥) أحيانا، [وتَكْسِرُ] (^٦) أحيانًا، غيرَ أن أحبَّ القراءتين إليَّ كسرُ الراءِ؛ لشهرتِها في العامَّةِ، وكثرةِ القرأةِ بها، وأنها أفصَحُ (^٧) اللُّغتين.\n\n<span id=\"aya-1092\"></span><span data-type='title' id=toc-3500>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقطَعنا ببنى إسرائيلَ البحرَ بعدَ الآياتِ التي أريناهموها والعبر التي عاينوها على يَدَى نبيِّ اللهِ موسى، فلم تزجُرْهم تلك الآياتُ، ولم تعِظْهم تلك العبرُ والبيناتُ، حتى قالوا مع معاينتِهم مِن [حُجَجِ اللهِ] (^٨) ما يحقُّ أن تَذَّكَّرَ (^٩) معها البهائمُ، إذ مرّوا ﴿عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾. يقولُ: يُقيمون (^١٠)\n_________\n(^١) في رواية أبي بكر عنه، وهى أيضا قراءة ابن عامر، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي بكسر الراء. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٩٢.\n(^٢) في م، ت ٢، س، ف: \"معنى\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"معروفان\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بضم\".\n(^٥) في م: \"منه\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وبكسرها\" وفى م: \"وتكسره\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أصح\".\n(^٨) في ص، ت ١، س، ف: \"حجج\"، وفى م: \"الحجج\".\n(^٩) في م، ت ١، س، ف: \"يذكر\".\n(^١٠) سقط من: ت، وفى ص، م، ت ١، س، ف: \"يقومون\".","vol":"10","page":408},{"text":"على مُثُلٍ (^١) لهم يعبدونها من دونِ اللَّهِ -: ﴿اجْعَلْ لَنَا﴾ يا موسى ﴿إِلَهًا﴾. يقولُ: مِثالًا نعبُدُه، وصنَمًا نتخذه إلهًا، كما لهؤلاءِ القومِ أصنامٌ يعبدُونها. ولا تنبغى العبادةُ لشيءٍ سوى اللَّهِ الواحدِ القهارِ. قال (^٢) موسى صلواتُ اللهِ عليه: ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيُّها القومُ، ﴿قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ عظمةً اللهِ وواجبَ حقِّه عليكم، ولا تعلَمون أنه لا تجوزُ العبادةُ لشيءٍ سوى اللهِ الذي له ملكوتُ (^٣) السماواتِ والأرضِ.\nوذُكِر عن ابن جريجٍ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ قال ابن جريجٍ: ﴿عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾. قال تماثيلِ بقرٍ، فلما كان عجلُ السامريِّ شَبَّهَه (^٤) مِن تلك البقرِ، فذلك كان (^٥) أول شأنِ العجلِ، ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (^٦).\nوقيل: إن القومَ الذين كانوا عُكُوفًا على أصنامٍ لهم، الذين ذكَرهم اللهُ في هذه الآيةِ - قومٌ كانوا مِن لَخْمٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3501>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بن بشار، قال: ثنا بشرُ بنُ عمرَ (^٧)، قال: ثنا العباسُ بنُ الفضل (^٨)، عن أبي العوامِ، عن قتادةَ: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾.\n_________\n(^١) المثل، جمع المثال: وهى صورة الشيء التي تمثل صفاته.\n(^٢) في م: \"وقال\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ملك\".\n(^٤) في م: \"شبه\".\n(^٥) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٧) في م، ت ٢: \"عمرو\".\n(^٨) في ص، م، ت ١، س، ف: \"المفضل\".","vol":"10","page":409},{"text":"قال: على لَخْمٍ (^١).\nوقيل: إنهم قومٌ (^٢) كانوا من الكنعانيين الذين أُمِر موسى ﵇ بقتالِهم.\nوقد حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، أن أبا واقدٍ الليثيَّ قال: خرَجنا مع رسولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ حُنَيْنٍ، فمرَرْنا بسِدرَةٍ (^٣)، قلتُ: يا نبيَّ اللهِ، اجعلْ لنا هذا (^٤) ذاتَ أنواطٍ كما للكفارِ ذاتُ أنواطٍ - وكان الكفارُ يَنوطون (^٥) سلاحَهم بسدرةٍ [ويعكُفون] (^٦) حولَها - فقال النبيُّ ﷺ: \"اللهُ أَكْبَرُ! هَذَا كمَا قالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لمُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كما لهم آلهَةٌ. إنَّكم ستَرْكَبُونَ سَنَنَ الذين مِن قَبْلِكُم\".\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن سنانِ بن أبي سنانٍ، عن أبي (^٧) واقدٍ الليثيِّ، قال: خرجنا مع رسولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ حنينٍ، فمرَرْنا بسِدرةٍ، فقلنا: يا نبيّ اللهِ، اجعلْ لنا هذه ذاتَ أنواطٍ. فذكَر نحوَه (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٥٣ (٨٩٠٤) من طريق بشر به.\n(^٢) سقط من: م، ت ٢، ف.\n(^٣) السدرة: واحدة السِّدْر، وهو شجر النبق. ينظر الوسيط (س د ر).\n(^٤) في م: \"هذه\".\n(^٥) ينوطون: أي يعلقون. الوسيط (ن وط)\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت، س، ف: \"يعكفون\".\n(^٧) سقط من: م.\n(^٨) أخرجه معمر في جامعه (٢٠٧٦٣)، وعنه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣٥، ومن طريقه أخرجه أحمد ٥/ ٢١٨ (الميمنية)، والنسائى في الكبرى (١١١٨٥)، والطبراني (٣٢٩٠). وأخرجه الطيالسي (١٤٤٣)، وابن أبي شيبة ١٥/ ١٠١، وأحمد ٥/ ٢١٨ (الميمنية)، والترمذى (٢١٨٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٥٣ (٨٩٠٦)، والبيهقى في الدلائل ٥/ ١٢٥، وغيرهم من طريق الزهرى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"10","page":410},{"text":"حدَّثني المثني، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن سنانِ بن أبي سنانٍ، عن أبي واقدٍ الليثيِّ، عن رسولِ اللهِ ﷺ نحوَه (^١).\n[حدَّثني المثنى، قال] (^٢): حدَّثنا أبو (^٣) صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثنى عُقيلٌ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرني سنانُ بنُ أبى سنانٍ الدِّيليُّ، عن أبي واقدٍ الليثيِّ، أنهم خرَجوا مِن مكةَ مع رسولِ اللهِ ﷺ إلى حُنينٍ. قال: وكان للكفارِ سِدرةٌ يعكُفون عندها ويعلِّقون بها أسلحتَهم، يقالُ لها: ذاتُ أنواطٍ. قال: فمرَرنا بسدرةٍ خضراءَ عظيمةٍ. قال: فقلنا: يا رسولَ اللهِ، اجعل لنا ذاتَ أنواطٍ. قال: \"قُلتم والذي نَفْسِي بِيَدِهِ ما قالَ قَوْمُ موسى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كمَا لهم آلِهَةٌ. قالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إنَّها السَّنَنُ، لتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كان قَبْلَكُمْ\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-1093\"></span><span data-type='title' id=toc-3502>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عن قِيلِ موسى لقومِه مِن بني إسرائيلَ. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال لهم موسى: إِنَّ هؤلاء العُكُوفَ على هذه الأصنامِ، اللَّهُ مُهلِكُ ما هم فيه مِن العملِ ومفسدُه ومُخْسِرُهم فيه بإثابَتِه إياهم عليه العذابَ المهينَ. ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن عبادتِهم إياها، فمُضْمَحِلٌّ؛ لأنَّه غيرُ نافِعِهم (^٥)\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٤٢، وأخرجه الطبراني (٣٢٩٣)، والبيهقى في الدلائل ٥/ ١٢٤ من طريق محمد بن إسحاق به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ابن\"، وكلاهما صواب.\n(^٤) أخرجه البخاري في تاريخه ٤/ ١٦٢، ١٦٣ عن أبي صالح به مختصرا، وأخرجه أحمد ٥/ ٢١٨ (الميمنية) من طريق الليث به.\n(^٥) في م: \"نافع\".","vol":"10","page":411},{"text":"عندَ مجيءِ أمرِ اللهِ وحلولِه بساحتِهم، ولا مدافعٌ عنهم بأْسَ اللَّهِ إذا نزَل بهم، ولا مُنقذُهم مِن عذابِه إذا عذَّبَهم في القيامةِ، فهو في معنى ما لم يكنْ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3503>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضلِ، وحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قالا جميعًا: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾. يقولُ: مهلَكٌ ما هم فيه (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾. يقولُ: خُسْرانٌ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾. [قال: المُتَبَّرُ المُخَسَّرُ. وقال: المُتَّبَّرُ والباطلُ سواءٌ. وقرأ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ] (^٣) وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال: هذا كلُّه واحدٌ؛ كهيئةِ غفورٍ رحيمٍ، عفوٍّ غفورٍ. قال: والعربُ تقولُ: إنه البائسُ المُتَّبرُ (^٤)، وإنه البائسُ المُخَسَّرُ (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٣٨٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٥٣ (٨٩٠٨) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لمتبر\".\n(^٥) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لمخسر\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٥٣، ١٥٥٤ (٨٩٠٩) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"10","page":412},{"text":"<span id=\"aya-1094\"></span><span data-type='title' id=toc-3504>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لقومِه: أسوى اللهِ ألتمِسُكم إلهًا وأَجْعَلُ لكم معبودًا تعبُدونه، واللهُ الذي هو خالقُكم فضَّلَكم على عَالَمى دهرِكم وزمانِكم. يقولُ: أفأبغيكم معبودًا لا ينفعُكم ولا يضرُّكم تعبدونه وتترُكون عبادةَ مَن فضَّلَكم على الخلقِ؟ إن هذا بكم (^١) لجهلٌ!\n\n<span id=\"aya-1095\"></span><span data-type='title' id=toc-3505>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لليهودِ مِن بني إسرائيلَ الذين كانوا بينَ ظَهْرَانَى مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ: واذكُروا مع قِيلِكم هذا الذي قلتموه لموسى بعدَ رُؤْيَتِكم مِن الآياتِ والعبرِ، وبعدَ النعمِ التي سلَفت منى إليكم، والأيادي التي تقدمت فِعْلكم ما فعَلتم - ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، وهم الذين كانوا على مِنهاجِه وطريقتِه في الكفرِ باللهِ مِن قومِه، ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾. يقولُ: إذ يحمِّلونكم قُبْحَ (^٢) العذابِ وسيِّئَه.\nوقد بيَّنَّا فيما مضى مِن كتابِنا هذا ما كان العذابُ الذي كان يسومُهم سيِّئَه (^٣).\n﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾. يعنى (^٤): الذكورَ مِن أولادِهم،\n_________\n(^١) في م: \"منكم\".\n(^٢) في م: \"أقبح\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٤٤، ٦٤٥.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"10","page":413},{"text":"﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾. يعنى (^١): يستبْقُون إناثَهم، ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: وفى سَوْمِهم إياكم سُوء العذابِ اختبارٌ مِن اللهِ لكم [ونعمةٌ عظيمةٌ] (^٢).\n\n<span id=\"aya-1096\"></span><span data-type='title' id=toc-3507>القول في تأويلِ قولِه جل وعزَّ: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وواعدْنا موسى لمناجاتِنا ثلاثينَ ليلةً. وقيل: إنها ثلاثون ليلة من ذى القَعْدَةِ. ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾. يقولُ: وأَتمَمْنا الثلاثين الليلةَ بعشرِ ليالٍ تَتِمةَ أربعين ليلةً. وقيل: إن العشرَ التي أتمَّها بها (^٣) أربعين عشرُ ذي الحِجَّةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3506>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾. قال: ذو القَعدةِ وعشرُ ذى الحجة (^٤).\n[حدَّثنا ابن] (^٥) وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾. قال: ذو القَعدةِ وعشرُ ذي الحِجَّةِ، ففى ذلك اختلَفوا.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يقول\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"وتعمد عظيم\"، والتاء في ص، ت ١ غير منقوطة، وفي ت ٢: \"وبعد عظيم\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"به\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣٦ عن الثورى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١٤، ١١٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"10","page":414},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾. هو ذو القَعدةِ وعشرٌ مِن ذى الحِجَّةِ، فذلك قولُه: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: زعَم الحضرمى أن الثلاثين التي كان واعد موسى ربُّه كانت ذا القَعدةِ، والعشرَ مِن ذى الحِجَّةِ التي تمَّم اللهُ بها الأربعين (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾. [قال: ذو القَعدةِ] (^٢). ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [قال:: عشرُ] (^٣) ذي الحجةِ. قال ابن جريجٍ: قال ابن عباسٍ مثلَه (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سمِعت مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾. قال: ذو القَعدةِ، والعشرُ الأُوَلُ من ذى الحِجَّةِ.\n[وحدَّثني الحارثُ] (^٥)، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن مسروقٍ: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾. قال: عشرُ الأضحَى (^٦).\nوأما قولُه: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. فإنه يعنى: فكمَل الوقتُ\n_________\n(^١) علقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٥٧ (٨٩٢١) عن هُرَيم بن عبد الأعلى، عن معتمر بن سليمان به.\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ذو القعدة قال\".\n(^٣) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) أثر ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٥٦ (٨٩٢٠) من طريق عطاء عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٦) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٥٦ عقب الأثر (٨٩٢٠) معلقا.","vol":"10","page":415},{"text":"الذي وعَد (^١) اللهُ موسى أربعين ليلةً وبلَغها.\nكما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾. قال: فبلَغ ميقاتُ ربِّه أربعين ليلةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-3508>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾.</span>\nيقولُ جل ثناؤُه: لما مضى موسى (^٢) لموعدِ ربِّه قال لأخيه هارونَ: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾. يقولُ: كنْ خليفتي فيهم إلى أن أرجعَ. يقالُ منه: خلَفه يخلُفه خِلافَةً. ﴿وَأَصْلِحْ﴾. يقولُ: وأصلِحْهم بحَمْلِك إياهم على طاعةِ اللهِ وعبادتِه.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال موسى لأخيه هارونَ: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾. وكان مِن إصلاحِه ألا يدعَ (^٣) العجلَ يُعبدُ.\nوقولُه: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: ولا تَسْلُكْ طريقَ الذين يُفسِدون في الأرضِ بمعصيتِهم ربَّهم، ومعونتِهم أهلَ المعاصى على عِصْيانِهم ربَّهم، ولكن اسْلُكْ سبيلَ المطيعين ربَّهم.\n[وكانت] (^٤) مواعدةُ اللَّهِ موسى ﵇ بعدَ أن أهلكَ (^٥) فرعونَ، ونجَّى منه بني إسرائيلَ، فيما قال أهلُ العلمِ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ\n_________\n(^١) في م: \"واعد\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في الأصل: \"تدع\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، س، ف: \"فكانت\"، وفى ت ٢: \"وكان\".\n(^٥) في الأصل: \"هلك\".","vol":"10","page":416},{"text":"قولَه: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ الآية. قال: يقولون (^١): إن ذلك بعد ما فرَغ من فرعونَ وقبلَ الطورِ، لما نَجَّى اللهُ موسى ﵇ من البحرِ وغَرَّق آلَ فرعونَ، وخلَص إلى الأرضِ الطيبةِ، أنزل اللهُ عليهم فيها المنَّ والسلوى، وأمَره ربُّه أن يلقاه، فلما أراد لقاء ربِّه استخلف هارون على قومه، وواعدهم أن يأتيهم إلى ثلاثين ليلةً ميعادًا من قِبَلِه (^٢) مِن غيرِ أمرِ ربِّه ولا ميعادِه، فتوجَّه ليلقَى ربَّه. قال (^٣): فلمَّا تَّمت ثلاثون ليلةً قال عدوُّ اللهِ السَّامريُّ: ليس يأتيكم موسى، وما يُصلِحُكم إلا إلهٌ تعبُدونه. فناشَدهم هارونُ وقال: لا تفعَلوا، انظروا (^٤) ليلتَكم هذه ويومَكم هذا، فإن جاء وإلا فعلتم ما بدا لكم. فقالوا: نعم. فلما أصبحوا من غد ولم يَرَوْا موسى، عاد السامريُّ لمثلِ قولِه بالأمسِ. قال: وأحدَث اللهُ الأجلَ بعدَ الأجلِ الذي جعَله نَبِيُّهم (^٥) عشْرًا، فتمَّ ميقات ربِّه أربعين ليلةً، فعاد هارونُ فناشَدهم إلا ما نظَروا يومَهم ذلك أيضًا، فإن جاء وإلا فعلتم ما بدا لكم. ثم عاد السامريُّ [في الثالثةِ] (^٦) لمثلِ (^٧) قوله لهم، وعاد هارونُ فناشَدهم أن ينتظروا، فلما لم يَرَوه (^٨).\nقال القاسمُ: قال الحسينُ: حدَّثني حجاجٌ، قال: ثني أبو بكرِ بنُ عبدِ اللهِ الهذليُّ، قال: قام السامريُّ إلى هارونَ حين انطلق موسى فقال: يا نبيَّ الله، إنا اسْتَعَرْنا يومَ خرَجنا مِن القِبْطِ حُلِيًّا كثيرًا من زينتِهم، وإن الجندَ (^٩) الذين\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يقول\".\n(^٢) في ص، ف، ت ٢، س: \"قيله\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) في ت ٢، ف: \"وينظروا\".\n(^٥) في م، ت ١، س: \"بينهم\"، وفى ف: \"منهم\"، والكلمة غير منقوطة في: ص، ت ٢.\n(^٦) سقط من ت ١، س، ف، وفى ص، م، ت ٢: \"الثالثة\".\n(^٧) في الأصل، ت ٢: \"مثل\".\n(^٨) كذا في النسخ، ليس فيها تتمة هذا الأثر.\n(^٩) سقط من: م.","vol":"10","page":417},{"text":"معك قد أسرَعوا في الحُلِيِّ يبيعونه وينفقونه، وإنما كان عاريَّةً مِن آل فرعونَ، فليسوا بأحياءٍ فنردَّها عليهم، ولا ندرى، لعلَّ أخاك نبيَّ الله موسى إذا جاء يكون له فيها رأىٌ؛ إما أن (^١) يُقرِّبَها قربانًا فتأكلها النارُ، وإما أن يجعلَها للفقراءِ دونَ الأغنياءِ. فقال له هارونُ: نِعْمَ ما رأيت وما قلت. فأمر مناديًا فنادى: من كان عنده شيءٌ مِن حُلِيِّ آلِ فرعونَ فليأتِنا به. فأتَوه به، فقال هارونُ يا سامريُّ، أنت أحقُّ مَن كانت عندَه هذه الخِزانةُ. فقبَضها السامريُّ، [وكان] (^٢) عدو اللَّهِ الخَبيثُ صائغًا، فصاغَ منه عجلًا جسدًا، ثم قذَف في جَوْفِه تربةً مِن القبضةِ التي قبَض مِن أثرِ فرسِ جبريلَ ﵇ إذ رأه في البحرِ، فجعَل يخورُ، ولم يَخُرْ إلا (^٣) واحدةً، وقال لبني إسرائيلَ: إنما تَخَلَّف موسى بعد الثلاثين الليلةَ (^٤) يلتمسُ هذا، (^٥) ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨]. يقولُ: إن موسى ﵇ نسِى ربَّه.\n\n<span id=\"aya-1097\"></span><span data-type='title' id=toc-3509>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولما جاء موسى للوقتِ الذي وعدناه (^٦) أن يلقانا (^٧) فيه، وكلَّمه ربُّه وناجاه، قال موسى لربِّه: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾. قال اللهُ له مجيبًا:\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في الأصل: \"فكان\".\n(^٣) بعده في م: \"مرة\".\n(^٤) في م: \"ليلة\".\n(^٥) سقط من: الأصل، ت ١، ت ٢.\n(^٦) في م: \"وعدنا\"، وفى ت ١، س، ف: \"وعدنا به\"، وفى ت ٢: \"وعد ربه\".\n(^٧) في ت ٢: \"يلقاه\".","vol":"10","page":418},{"text":"﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾.\nو(^١) كان سببَ مسألةِ موسى ربَّه النظرَ إليه ما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: إن موسى لما كلَّمه ربُّه أحبَّ أن ينظُرَ إليه، ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾. فحَفَّ (^٢) حولَ الجبلِ الملائكةَ، وحَفَّ حولَ الملائكةِ بنارٍ، وحَفَّ حولَ النارِ بملائكةٍ، و(^٣) حولَ الملائكةِ بنارٍ، ثم تجلى ربُّه (^٣) للجبل (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]. قال: حدَّثني من لقِى أصحابَ النبيِّ ﷺ أنه قرَّبَه الربُّ حتى سمِع صريفَ القلمِ، فقال عند ذلك مِن الشوقِ إليه: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ الهذليِّ، قال: لما تخلَّف موسى بعدَ الثلاثين حتى سمع كلامَ اللهِ، اشتاقَ إلى النظرِ إليه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾. وليس لبشرٍ أن يُطيق أن ينظُرَ إليَّ في الدنيا، مَن نظَر إليَّ مات. قال: إلهى، سمِعتُ منطقَك فاشتقتُ إلى النظرِ إليكَ، وَلأن أنظُرَ إليك ثم أموتَ أحبُّ إليَّ مِن أن أعيشَ ولا أراك. قال:\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) بعده في م: \"حف\".\n(^٣) في الأصل، ص: \"ربك\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٢٢، ٤٢٣ بإسناد السدى المعروف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٠ إلى المصنف وابن مردويه والحاكم عن ابن عباس. وهو عند الحاكم ٢/ ٥٧٦ من طريق عمرو عن أسباط عن السدى عن عكرمة عن ابن عباس، وفيه زيادة ستأتى في ص ٤٢٧، ٤٣٥.","vol":"10","page":419},{"text":"فانظرْ إلى الجبلِ، فإن استقرَّ مكانه فسوف تراني.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾. قال: أعطنى (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: استخلَف موسى هارون على بنى إسرائيل وقال: إنى مُتعجِّلٌ إلى ربِّي، فاخلفني في قومِي (^٢) ولا تتبغ سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربِّه مُتعجِّلًا للُقِيِّه شوقًا إليه، وأقام هارونُ في بنى إسرائيلَ ومعه السامريُّ يسيرُ بهم على أثرِ موسى ليُلْحِقَهم به، فلما كلَّم اللهُ موسى طمِع في رؤيتِه، فسأل ربَّه أن ينظُرَ إليه، فقال اللهُ له: إنَّكَ ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ الآية (^٣).\nقال ابن إسحاق: فهذا ما وصل إلينا في كتابِ اللهِ مِن (^٤) خبرِ موسى فيما (^٥) طلَب مِن (^٦) النظر إلى ربِّه، وأهلُ الكتابِ يزعُمون وأهلُ التوراةِ أنْ قد كان لذلك تفسيرٌ وقصةٌ وأمورٌ كثيرةٌ ومراجعةٌ لم تأتِنا في كتابِ اللهِ، فاللهُ أعلم.\nقال ابن إسحاقَ عن بعضِ أهلِ العلمِ الأولِ بأحاديثِ أهلِ الكتابِ أنهم يجِدون في تفسيرِ ما عندَهم مِن خبرِ موسى حينَ طلَب ذلك إلى ربِّه، أنه كان مِن كلامِه إياه حينَ طمِع في رؤيتِه وطلَب ذلك منه، وردَّ عليه ربُّه [منه ما] (^٧) ردَّ - أن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٥٩ (٨٩٣١) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١٨ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) بعده في ف: \"وأصلح\".\n(^٣) سقط من: الأصل، ف.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عن\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فلما\"، وفى م: \"لما\".\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) في ف: \"مما\".","vol":"10","page":420},{"text":"موسى كان تطهَّر وطهَّر ثيابَه وصامَ للقاءِ ربِّه، فلما أتى طورَ سيناءَ، ودنا اللهُ له في الغمامِ فكلَّمه، سبَّحه وحمَّده وكبَّره وقدَّسه، مع تضرُّعٍ وبكاءٍ حزينٍ، ثم أخَذ في مِدْحَتِه فقال: ربِّ ما أعظَمَكَ وأعظمَ شأنَك كلَّه! مِن عظمتِك أنه لم يكنْ شيءٌ (^١)، قَبلَك، فأنت الواحدُ القهارُ، كان عرشُك تحتَ عظمتِك نارًا (^٢) توقَّدُ لك، وجَعَلْتَ سُرادِقًا (^٣) مِن دونِه سرادقٌ من نورٍ، فما أعظمَك ربِّ وأعظمَ ملكَك! [جعلت بينَك وبينَ ملائكتِك مسيرةَ خمسِمائةِ عامٍ، فما أعظمَك ربِّ وأعظمَ ملكَك] (^٤) [وسلطانَك] (^٥)! وإذا أردتَ شيئًا تقضيه في جنودِك الذين في السماءِ أو الذين في الأرضِ، وجنودِك الذين في البحرِ، بعَثْتَ الريحَ من عندِك لا يراها شيءٌ مِن خلقِك إلا أنتَ إن شِئْتَ، فدخَلَت في جوفِ مَن شئتَ مِن أنبيائِك، فبلَّغوا ما (^٦) أردتَ مِن عبادِك، وليس أحدٌ مِن ملائكتِك يستطيعُ شيئًا مِن عظمتِك ولا مِن عرشِك ولا يسمعُ صوتَك، فقد أنعمتَ عليَّ، وأَعْظَمْتَ عليَّ (^٧) الفضلَ، وأحسنتَ إليَّ كلَّ الإحسانِ عظَّمْتَنِى في أممِ الأرضِ، وعظَّمْتَنِي عند ملائكتِك، وأسمعتَنى صوتَك، وبذَلتَ لى كلامَك، وأتيتَنى حِكْمَتَكَ، فَإِن أَعُدَّ نُعْماكَ لا أُحصِها (^٨)، وإن أُرِدْ (^٩) شكرَك لا أستطِعْه (^١٠). دعَوتُك ربِّ على فرعونَ بالآياتِ\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"من\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، س، ف: \"نار\".\n(^٣) في النسخ: \"سرادق\".\n(^٤) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف، \"في سلطانك\".\n(^٦) في م: \"لما\".\n(^٧) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"في سلطانك\".\n(^٨) في م: \"أحصيها\".\n(^٩) في م: \"أردت\".\n(^١٠) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أستطيعها\".","vol":"10","page":421},{"text":"العظامِ والعقوبةِ الشديدةِ، فضربتُ بعصاى التي في يدِى البحرَ فانفلق لى ولمن معى، ودعَوتُك حين أجَزْتُ (^١) البحرَ فأغرقتَ عدوَّك وعدوِّي، وسألتكُ الماءَ لى ولأمتى، فضربتُ بعصاى التي في يدِى الحَجَرَ، فمنه أرويتَني وأمتى، وسألتُك لأمتى طعامًا لم يأكله أحدٌ كان قبلَهم، فأمرتني أن أدعُوكَ مِن قِبَل المشرقِ ومن قِبَلِ المغربِ، فناديتُك من شرقيِّ أُمَّتى، فأعطَيْتَنى (^٢) المنَّ مِن مشرقى (^٣) لنفسى، وأتيتَهم السلوى مِن غربِيِّهم مِن قِبَلِ البحرِ. واشتكيتُ الحَرَّ فناديتُك، فظلَّلْتَ عليهم الغمامَ (^٤)، فما أُطيقُ نُعماكَ على أن أعُدَّها ولا أُحْصيَها، وإن أردتُ شكرَها لا أستطيعُها، فجئتُك اليومَ راغِبًا طالبًا سائلًا متضرِّعًا، لتعطيَني ما منَعتَ غيرِى. أطلبُ إليكَ وأسألُكَ يا ذا العظمَةِ والعِزَّةِ والسلطانِ أن تريَنى أنظرَ إليك، فإنِّي قد أحببتُ أن أَرَى وجهَك الذي لم يرَه شيءٌ مِن خلقِك.\nقال له ربُّ العزةِ: ألَا (^٥) ترَى يا بنَ عِمران ما تقولُ؟ تكلمتَ (^٦) بكلامٍ هو أعظمُ مِن سائر الخلق، لا يرانى أحدٌ فيحيا، أليس (^٧) في السماواتِ (^٨) مَعْمَرِى؟ فإنَّهن قد ضَعُفْنَ أن يحملْن عَظَمَتِى، أوَليس في الأرضِ مَعْمَرِى؟ فإنها قد ضَعُفَت أن تسَعَ لجندى (^٩)، فلستُ في مكانٍ واحدٍ فأتجلى لعينٍ تنظرُ إليَّ.\n_________\n(^١) في م: \"جزت\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فأعطيتهم\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"مشرق\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بالغمام\".\n(^٥) في م: \"فلا\".\n(^٦) في ص: \"لما تكلمت\"، وفى ت ١، ت ٢، س، ف: \"ما تكلمت\".\n(^٧) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٨) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"السماء\".\n(^٩) في ص، م، ت ١، س، ف: \"بجندى\".","vol":"10","page":422},{"text":"قال موسى: ربِّ أَنِّي (^١) أراك فأموتُ (^٢) أحبُّ إليَّ مِن ألَّا أراكَ فأحيا (^٣).\nقال له ربُّ العزةِ: يا بنَ عمرانَ، تكلَّمتَ بكلامٍ هو أعظمُ مِن سائرِ الخلقِ، لا يراني أحدٌ فيحيا. قال: ربِّ تممْ عليَّ نُعماكَ، وتمِّمْ عليَّ فضْلَك، وتممْ عليَّ إحسانَك بهذا (^٤) الذي سألتُك، ليسَ لى أن أراكَ فأُقْبَضَ، ولكن أُحِبُّ أن أراكَ فيطمئنَّ قلبي، قال له: يا بنَ عمرانَ، لن يرانى أحدٌ فيحيا، قال موسى: ربِّ تمِّمْ عليَّ نُعْماكَ وفضلَك، وتمِّمْ إليَّ (^٥) إحسانَك بهذا (٤) الذي سألتُك (^٦)، فأموتُ على إثْرِ ذلك أَحَبُّ إليَّ مِن الحياةِ. فقال الرحمنُ المتَرحِّمُ على خلقِه: قد طلبتَ يا موسى، [وجئتَ] (^٧) لأُعطيَك (^٨) سُؤْلَك، إن استطعتَ أن تنظرَ إليَّ، فاذهبْ فاتَّخِذْ لَوْحَينِ، ثمَّ انظرْ إلى الحجرِ الأكبرِ في رأسِ الجبلِ، فإنَّ ما وراءه وما دونَه مَضِيقٌ لا يَسَعُ إلا مجلِسَك يا بنَ عمرانَ، ثم انظُرْ فإنى أَهْبِطُ إليك وجنودِى من قليلٍ وكثيرٍ؛ ففعَل موسى كما أَمَرَه ربُّه، نحَت لَوْحَينِ ثم صعِد بهما إلى الجبلِ. فجلَسَ على الحجرِ، فلما استوى عليه أمَر اللهُ جنودَه الذين في السماءِ الدنيا فقال: ضَعِي أكنافَك (^٩) حولَ الجبلِ. فسمِعت السماءُ (^١٠) ما قال الربُّ ففعَلت أمرَه. ثم\n_________\n(^١) في م: \"أن\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وأموت\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وأحيا\"، وفى م: \"ولا أحيا\".\n(^٤) في م: \"هذا\".\n(^٥) في م: \"على\".\n(^٦) بعده في م: ليس لي أن أراك\".\n(^٧) سقط من: م.\n(^٨) في ص، س: \"لأعطينك\"، وفى م: \"وأعطيتك\"، وفى ت ١، ف: \"لأعطيتك\"، وفي ت ٢: \"لا أعطيتك\".\n(^٩) في ت ١، س: \"أكتافك\".\n(^١٠) سقط من: م.","vol":"10","page":423},{"text":"أرسلَ اللَّهُ الصواعِقَ والظلمةَ والضبابَ على ما كان يلى الجبلَ الذي عليه (^١) موسى أربعةَ فراسخَ مِن كلِّ ناحيةٍ، ثم أمَر اللهُ ملائكةَ السماءِ (^٢) الدنيا أن يمرُّوا بموسى، فاعترَضوا عليه، فمرُّوا به كثيرانِ البقرِ، تَنْبُعُ أفواهُهم بالتقديسِ والتسبيحِ بأصواتٍ عظيمةٍ كصوتِ الرعدِ الشديدِ، فقال موسى بنُ عمرانَ: ربِّ إني كنتُ غنيًّا، ما ترى عيناى شيئًا، قد ذهَب بصرُهما مِن شعاعِ النورِ المتضَعِّفِ (^٣) على ملائكةِ ربِّي. ثم أمَر اللهُ ملائكةَ السماءِ الثانيةِ: أن اهبِطوا على موسى فاعترِضوا عليه. فهبطوا أمثالَ الأُسْدِ، لهم لَجَبٌ (^٤) بالتسبيحِ والتقديسِ، ففزِع العبدُ الضعيفُ ابن عمرانَ مما رأى ومما سمِع، فاقشعرت كلُّ شعرةٍ في رأسِه [وفى] (^٥) جلدِه، ثم قال: ندمتُ على مسألتي إياكَ، فهل ينجيني مِن مكاني الذي أنا فيه شيءٌ؟ فقال له حَبْرُ (^٦) الملائكةِ ورأْسُهم: يا موسى، اصبرْ لِما سألتَ، فقليلٌ مِن كثيرٍ ما رأيتَ. ثم أمَر اللهُ ملائكةَ السماءِ الثالثةِ: أن اهبِطوا على موسى فاعْتَرِضوا عليه. فأقبلوا أمثال النسورِ لهم قَصْفٌ ورَجْفٌ ولَجَبٌ شديدٌ، وأفواهُهم تنبعُ بالتسبيحِ والتقديسِ كجلَبِ (^٧) الجيشِ العظيمِ، ألوانُهم (^٨) كلَهَبِ النارِ، ففزِع موسى وأَسِيَتْ (^٩) نفسُه، وساءَ (^١٠) ظنُّه، وأيس مِن الحياةِ، فقال\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يلى\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في م: \"المتصفف\".\n(^٤) اللجب: ارتفاع الأصوات واختلاطها. تاج العروس (ل ج ب).\n(^٥) في م: \"و\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"خير\".\n(^٧) في م: \"كلجب\".\n(^٨) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف، وفى م: \"أو\"، والمثبت من عرائس المجالس للثعلبي: ص ١٧٩، وتفسير البغوي ٣/ ٢٧٦.\n(^٩) في م، ت ٢: \"أيست\"، وأَسِيت نفسُه: حزنت. اللسان (أ س ى).\n(^١٠) في م: \"أساء\".","vol":"10","page":424},{"text":"له حَبْرُ (^١) الملائكةِ ورأسُهم: مكانَك يا بنَ عمرانَ، حتى ترى ما لا تصبرُ عليه. ثم أمر اللهُ ملائكةَ السماءِ الرابعةِ: أن اهبِطوا فاعترِضوا على موسى بن عمرانَ. فأقبلوا فهبَطوا عليه لا يشبهُهم شيءٌ مِن الذين مرُّوا به قبلَهم، ألوانُهم كلَهَبِ النارِ، وسائرٌ خلقِهم كالثلجِ الأبيضِ، أصواتُهم عاليةٌ بالتسبيحِ والتقديسِ، لا يقارِبُهم شيءٌ مِن أصواتِ الذين مرَّوا به قبلَهم، فاصطكَّت رُكْبتاه، وأُرْعِدَ قلبُه، واشتدَّ بكاؤُه، فقال [له حَبْرُ] (^٢) الملائكةِ ورأسُهم: يا بنَ عمرانَ، اصبرْ لِما سألتَ، فقليلٌ مِن كثيرٍ ما رأيتَ. ثم أمَر اللهُ ملائكةَ السماءِ الخامسةِ: أن اهبِطوا فاعترِضوا على موسى. فهبَطوا عليه سبعةَ ألوانٍ، فلم يستطِعْ موسى أن يُتبِعَهم طرفَه، لم (^٣) يرَ مثلَهم، ولم يسمعْ مثلَ أصواتِهم، وامتلأ جَوْفُه خَوْفًا، واشتدَّ حُزنُه، وكثُرَ بكاؤُه، فقال له حبرُ (١) الملائكةِ ورأسُهم: يا بنَ عمرانَ، مكانَك حتى ترى ما لا تصبرُ عليه. ثم أمرَ اللهُ ملائكةَ السماءِ السادسةِ: أن اهبِطوا على عبدى الذي طلَب أن يراني موسى بن عمرانَ فاعترِضوا عليه. فهبَطوا عليه، في يد كلِّ مَلَكٍ مثل النَّخْلَةِ الطويلةِ نارٌ (^٤) أشدُّ ضوءًا مِن الشمسِ، ولباسُهم كلَهَبِ النارِ، إذا سبَّحوا وقدَّسوا جاوبَهم مَن كان قَبْلَهم مِن ملائكةِ السماواتِ كلَّهم، يقولون بشدةِ أصواتِهم: سُبُّوحٌ قدُّوسٌ ربُّ العزَّةِ أبدًا لا يموتُ. في رأسِ كلِّ مَلَكٍ منهم أربعةُ أوجُهٍ، فلما رآهم موسى رفَع صوتَه يُسبِّحُ (^٥) معهم حين سبَّحوا، وهو يبكي ويقولُ: ربِّ اذكرني ولا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"خير\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"خير\".\n(^٣) في م: \"ولم\".\n(^٤) في م: \"نارا\".\n(^٥) في ت ١: \"فسبح\".","vol":"10","page":425},{"text":"تنسَ عبدَك، لا أدرى أَأَنْفَلتُ (^١) مما أنا فيه أم لا؟ إن خرجتُ احترقتُ (^٢)، وإن مكثتُ مِتُّ. فقال له كبيرُ الملائكةِ ورئيسُهم: قد أوشكتَ يا بنَ عمرانَ أن يمتلِئَ جوفُك وينخلِعَ قلبُك ويَشْتَدَّ بكاؤُك، فاصبرْ للذى جلسْتَ لتنظرَ إليه يا بنَ عمرانَ. وكان جبلُ موسى جبلًا عظيمًا، فأمَر اللَّهُ أن يُحْمَلَ عرشُه، ثم قال: مرُّوا بى على عبدى ليرانى، فقليلٌ مِن كثيرٍ ما رأى. فانفرجَ الجبلُ مِن عظمةِ الربِّ، وغشَّى ضوءُ عرشِ الرحمنِ جبلَ موسى، ورفعت ملائكةُ السماواتِ أصواتَهم (^٣) جميعًا، فارتجّ الجبلُ فاندَكَّ وكلُّ شجرةٍ كانت فيه، وخرَّ العبدُ الضعيفُ موسى بنُ عمرانَ صَعِقًا على وجهِهِ ليس معه رُوحُه، فأرسل اللَّهُ الحياةَ برحمتِه، فتغشاه الرُّوحُ (^٤) برحمتِه وقلَب الحجرَ الذي كان عليه وجعَله كالمَعِدَة (^٥) كهيئة القُبَّةِ؛ لئلَّا يحترقَ موسى، فأقامَه الرّوحُ مثلَ الأمِّ أقامت جنينَها حين يُصرَعُ. قال: فقام موسى يسبحُ اللَّهَ ويقولُ: آمنتُ أنك ربِّي، وصدَّقْتُ أنه لا يراك أحدٌ فيحيا، ومَن نظَرَ إلى ملائكتِك انخلعَ قلبُه، فما أعظمَك ربِّ وأعظمَ ملائكتَك، أنت ربُّ الأربابِ وإلهُ الآلهةِ وملِكُ الملوكِ، تأمرُ الجنودَ الذين هم عبيدُك (^٦) فيُطيعونك، وتأمرُ السماءَ وما فيها فَتطيعُك (^٧)، لا تستنكِفُ مِن ذلك، ولا يعدِلُك شيءٌ، ولا يقومُ لك شيءٌ، ربِّ تبتُ إليك، الحمدُ للَّهِ الذي لا شريكَ لك (^٨)، ما أعظمَك\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س، ف: \"انقلب\"، وفى م: \"أنقلب\".\n(^٢) في م: \"أحرقت\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أصواتها\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في ت ٢: \"كالعرة\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عندك\".\n(^٧) في الأصل: \"فيطيعك\".\n(^٨) في م: \"له\".","vol":"10","page":426},{"text":"وأجلَّك ربَّ العالمين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-3511>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلما اطَّلَع الربُّ للجبلِ جعَل اللَّهُ الجبلَ ﴿دَكًّا﴾. أي: مستويًا بالأرضِ ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. يعنى: مغشيًّا عليه.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3510>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني [الحسينُ بنُ عمرِو بن محمدٍ] (^٢) العَنْقَزِيُّ، قال: ثنى أبى، قال: ثنا أسباطُ بن نصرٍ، عن السديِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللَّهِ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾. قال: ما تجلَّى منه إلا قدرُ الخِنْصَرِ ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال: ترابًا. ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. قال: مغشيًّا عليه (^٣).\nحدَّثنا موسى بنُ هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، قال: زعم السديُّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ أنه قال: تجلَّى منه مثلُ الخِنْصَرِ، فجعَل الجبلَ دكًّا، وخرّ موسى صَعِقًا، فلم يَزل صَعِقًا ما شاء اللَّهُ (^٤).\n_________\n(^١) ذكر بعضه الثعلبى في عرائس المجالس ص ١٧٩، ١٨٠، والبغوى في تفسيره ٣/ ٢٧٦، ٢٧٧. وقال ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٦٩: وقد ذكر محمد بن جرير في تفسيره ههنا أثرا طويلًا فيه غرائب وعجائب عن محمد بن إسحاق بن يسار، وكأنه تلقاه من الإسرائيليات. والله أعلم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الحسن بن محمد بن عمرو\"، وفى م: \"الحسين بن محمد بن عمرو\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٢٢٠.\n(^٣) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٤٨٤)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٥٠٤، ١١٤٩، ١٢١١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦ (٨٩٣٧، ٨٩٤١) من طريق عمرو بن محمد العنقزى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩ إلى البيهقى في كتاب الرؤية، وستأتى بقيته في ص ٤٣٥.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٢٣. وينظر ما تقدم في ص ٤١٩.","vol":"10","page":427},{"text":"حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. قال: مغشيًّا عليه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال: تقَعَّرَ (^١) بعضُه على بعضٍ. وَ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. أي: مَيِّتًا (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال: دكّ بعضُه بعضًا (^٣).\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. قال: مَيِّتًا (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، قال: سمِعت سفيانَ يقولُ في قولِه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال: ساخ الجبلُ في الأرضِ حتى وقَع في البحرِ، فهو يذهبُ معه (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، عن حجاجٍ، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾: انقَعر فدخَل تحتَ الأرضِ، فلا يظهَرُ إلى يومِ\n_________\n(^١) في م: \"انقعر\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦١ (٨٩٤٧) من طريق يزيد به مقتصرا على شطره الثاني، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ. وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٤٨٢، ٤٨٣) من طريق سعيد عن قتادة عن أنس من قوله.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦٠ (٨٩٤٢) من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٠ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٤) جاء هذا الأثر في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف قبل الأثر السابق.\n(^٥) تفسير سفيان ص ١١٣ بنحوه، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦١ (٨٩٤٤) عن ابن المبارك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"10","page":428},{"text":"القيامةِ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ سُهَيلٍ الواسطيُّ، قال: ثنا قرةُ بنُ عيسى، قال: ثنا الأعمشُ، عن رجلٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: \"لمَّا تَجَلَّى رَبُّه للجَبَل - أشارَ بإصْبَعِه (^٢) - فجعَله دَكًّا\". وأرانا أبو إسماعيلَ بإصبَعِه السبَّابةِ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: حدثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، أن النبيَّ ﷺ قرأ هذه الآيةَ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال هكذا بإصبَعِه - ووضَع النبيُّ ﷺ الإبهامَ على المَفصِلِ الأعلى مِن الخِنْصَرِ - \"فساخ الجبلُ\" (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا هُدبةُ بنُ خالدٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قرأ رسولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال: وضَع الإبهامَ قريبًا مِن طرفِ خِنْصَرِه. قال: \"فساخ الجبلُ\". فقال حميدٌ لثابتٍ: تقولُ هذا (^٥)؟ فرفَع ثابتٌ يدَه فضرَب صدرَ حميدٍ، وقال: يقولُه رسولُ اللَّهِ ﷺ، ويقولُه أنسٌ، وأنا أكتُمُه (^٦)!\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٦٨ عن الحسين به.\n(^٢) في م: \"بأصبعيه\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٦٦ عن المصنف.\n(^٤) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ٧٦ من طريق الحجاج به، وأخرجه أحمد ١٩/ ٢٨١، ٢٠/ ٤١١ (١٢٢٦٠، ١٣١٧٨)، والترمذى (٣٠٧٤)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٨١)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٥٠٠)، وابن خزيمة ص ٧٥،٧٦، وابن أبي حاتم في التفسير ٥/ ١٥٦٠ (٨٩٤٠)، وابن الأعرابى في معجمه (٤٠٦)، وابن منده في الرد على الجهمية ص ٨٨ (٧٠)، والحاكم ١/ ٢٥، ٢/ ٣٢٠، ٥٧٧ من طريق حماد بن سلمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه والبيهقى في الرؤية.\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٤٨٠)، وابن عدى ٢/ ٦٧٧، والحاكم ١/ ٢٥، ٢/ ٥٧٧ من طريق هدبة به.","vol":"10","page":429},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾: وذلك أن الجبَلَ حِينَ كُشِف الغِطاءُ ورأى النورَ، صار مثلَ دكٍّ مِن الدِّكاكِ (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾: فإنه أكبرُ مِنك وأشدُّ خَلْقًا، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾. فنظَر إلى الجبلِ لا (^٢) يتمالَكُ، وأقبل الجبلُ يندكُّ عن (^٣) أوَّلِه، فلما رأى موسى ما يصنَعُ الجبلُ خرَّ صَعِقًا (^٤).\nواختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿دَكًّا﴾؛ فقرأته عامَّة قرَأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ مقصورًا بالتنوين (^٥). بمعنى: دكَّ اللَّهُ الجبلَ دَكًّا. أي: فتَّتَهُ (^٦). واعتبارًا بقولِ اللَّهِ: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)﴾ [الفجر: ٢١]. وقولِه: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ [الحاقة: ١٤]. واستَشْهد بعضُهم على ذلك بقولِ حميدٍ (^٧):\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الدكات\". والدكاك: جمع الدَّك والدَّكة، وهو ما استوى من الرمل وسهل. اللسان (د ك ك).\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٦٨ عن الربيع.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ص، ف: \"لم\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"على\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١٨، ١١٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وعاصم. ينظر حجة القراءات ص ٢٩٤، ٢٩٥.\n(^٦) في م: \"فتنته\".\n(^٧) التبيان ٤/ ٥٣٤.","vol":"10","page":430},{"text":"يَدُكُّ أرْكانَ الجِبالِ هَزَمُهُ (^١) … يَخْطِرُ (^٢) بالبِيضِ الرِّقاقِ بُهَمُهْ (^٣)\nوقرأته عامَّةُ قرأةِ الكوفيِّين: (جَعَلَهُ دَكَّاءَ) بالمدِّ وتركِ الإجراءِ (^٤) والتنوينِ (^٥)، مثلُ \"حمراء\" و\"سوداءَ\".\nوكان ممن يقرَؤه كذلك عِكرمةُ، ويقولُ فيه بما حدثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: ثنا عبادُ بنُ عبادٍ، عن يزيدَ بن حازمٍ، عن عِكرمةَ، قال: دكاءَ مِن الدكَّاواتِ. وقال: لمَّا نظَر اللَّهُ إلى الجبلِ صار صَخْرُه (^٦) ترابًا (^٧).\nواختلَف أهلُ العربيةِ في معناه إذا قُرئ كذلك؛ فكان (^٨) بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ (^٩): العربُ تقولُ: ناقةٌ دكاءُ. أي (^٩): ليس لها سَنامٌ. وقال: \"الجبلُ\" مذكرٌ، فلا يشبهُ أن يكونَ منه، إلَّا أن يكونَ جعَله: \"مثلَ دكاءَ\"، و(^١٠) حذَف \"مثلَ\"، فأجراه مُجرَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].\nوكان بعضُ نحوييِّ الكوفةِ يقولُ: معنى ذلك: جعَل الجبلَ أرضًا دكاءَ. ثم حذِفت \"الأرضُ\"، وأُقيمت \"الدكاءُ\" مُقامَها إذ أَدَّت عنها.\n_________\n(^١) الهزم: الصوت. اللسان (هـ ز م).\n(^٢) في م: \"تخطر\".\n(^٣) البُهْم: الفارس الذي لا يدرى من أين يؤتى له من شدة بأسه، والجمع بُهَم. اللسان (ب هـ م).\n(^٤) في م: \"الجر\".\n(^٥) هي قراءة حمزة والكسائر. ينظر حجة القراءات ص ٢٩٤، ٢٩٥.\n(^٦) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"صخرا\". وفى تفسير ابن كثير ٣/ ٤٦٨: \"صحراء\".\n(^٧) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٥٠٥) من طريق عباد بن عباد به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٠ إلى ابن المنذر.\n(^٨) في م: \"فقال\".\n(^٩) سقط من: م. وهذا قول الأخفش كما في تهذيب اللغة ٩/ ٤٣٧.\n(^١٠) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"10","page":431},{"text":"وأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ عندى قراءةُ مَن قرأَه (^١): (جعَله دكاءَ) بالمدِّ وتركِ الإجراءِ (^٢)؛ لدلالةِ الخبرِ الذى روَيناه عن رسولِ اللَّهِ ﷺ على صحتِه، وذلك أنه رُوِي عنه ﵇ أنه قال: \"فساخ الجَبَلُ\". ولم يقلْ: فتفتَّت. ولا: تحوَّل ترابًا. ولا شكَّ أنه إذا ساخ فذهَب، ظهَر وجهُ الأرضِ، فصار بمنزلةِ الناقةِ التي قد ذهَب سَنامُها وصارت دكّاء لا سَنامَ لها (^٣). وأما إذا دُكَّ بعضُه، فإنما يكسَرُ بعضُه بعضًا \" [ويُفَتِّتُ] (^٤) ولا يَسوخُ. وأما الدَّكاءُ، فإنها خَلَفٌ مِن الأَرضِ، فلذلك أُنِّثَت (^٥) على ما قد على ما قد بيَّنْتُ.\nفمعنى الكلامِ إذن: فلما تجلى ربُّه للجبلِ ساخ، فجعَل مكانَه أرضًا دكّاءَ.\nوقد بيَّنَّا معنى \"الصعقِ\" بشواهدِه قبلُ (^٦) فيما مضى، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-3512>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلما ثاب إلى موسى فهمُه مِن غَشيتِه - وذلك هو الإفاقةُ من الصعقةِ التي خرّ لها موسى - قال: ﴿سُبْحَانَكَ﴾: تنزيهًا لك يا ربِّ وتبرئةً لك (^٨) أن يراكَ أحدٌ في الدنيا ثم يعيشَ، ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ مِن مسألتي إياك ما\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قرأ\".\n(^٢) في م: \"الجر\"، والقراءتان كلتاهما صواب مقروء بهما.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بلا سنام\".\n(^٤) في م: \"ويتفتت\".\n(^٥) في ص، ت ١، س، ف: \"أتيت\"، وفى م: \"أتت\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٧) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٩٠، ٦٩١.\n(^٨) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"10","page":432},{"text":"سألتُك مِن الرؤيةِ، ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بك من قومى أن لا يراكَ في الدنيا أحدٌ إلا هلَك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3513>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا عُبيدُ (^١) اللَّهِ بنُ موسى، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الرَّبيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: قد (^٢) كان قبلَه مؤمنون، ولكن يقولُ: أنا أوّلُ مَن آمن أنَّه (^٣) لا يراكَ أحدٌ مِن خلقِك إلى يومِ القيامةِ (^٤).\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أَبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: لما رأى موسى ذلك وأفاق، عرَف أنه قد سأل أمرًا لا ينبغى له، فقال: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِين﴾. قال الربيعُ: قال أبو العاليةِ: عَنَى: إنِّي أوّلُ مَن آمن بكَ أنه لن يراك أحدٌ قبلَ يومِ القيامةِ.\nحدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: قال سفيانُ: قال أبو سعدٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾: فمرّت به الملائكةُ وقد صَعِق، فقالت: يا بنَ النساءِ الحُيَّضِ، لقد سألتَ ربَّكَ أمرًا عظيمًا. فلما أفاق قال: سبحانَك لا إلهَ إلا أنتَ، ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: أنا أوّلُ مَن آمن أنه لا يراك أحدٌ مِن خلقِك. يعني: في الدنيا.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عبد\". وقد تقدم مرارا.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في م: \"بأنه\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٠ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"10","page":433},{"text":"حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: أنا أولُ مَن يُؤمن أنه لا يراك شيءٌ مِن خلقِك (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾. قال: مِن مسألتى الرؤيةَ (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعيدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾: أن أسألَك الرؤيةَ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، عن سفيانَ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾: أن أسألَك الرؤيةَ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عيينةَ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ (^٤): أن أسألَك الرؤيةَ (^٥).\nوقال آخرون: معنى قولِه: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنا أولُ مَن آمَن (^٦) بك من بنى إسرائيلَ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦٢ (٨٩٥١) من طريق الضحاك، عن ابن عباس بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير سفيان ص ١١٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦٢ (٨٩٥٢) وسمى الرجل عيسى الجرشى، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦١، ١٥٦٢ (٨٩٥٠) من طريق أبى نعيم به، وفيه عن رجل، يعنى ابن أبي نجيح.\n(^٤) بعده في ص، م: \"قال تبت إليك من\"، وبعده في ت ١، ت ٢، س، ف: \"من\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٣٨.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"10","page":434},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3514>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحسينُ (^١) بنُ عمرِو بن محمدٍ العنقزِيُّ، قال: حدثني أبى، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: أوّلُ مَن آمَن بك مِن بنى إسرائيلَ (^٢).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يعنى: أوّلُ المؤمنين مِن بنى إسرائيلَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول اللَّهِ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أنا أوّلُ قومى إيمانًا (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ والمثنى بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا أبو نعيمٍ، عن سفيانَ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: أَوّلُ قومى إيمانًا.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال (^٤): أوّلُ قومى إيمانًا.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سمِعت مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: أوّلُ قومى آمَن.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الحسن\".\n(^٢) تقدم أوله في ص ٤٢٧.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦٢ (٨٩٥٣) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أنا\".","vol":"10","page":435},{"text":"وإنما اخْترنا القولَ الذي اخْترنا (^١) في قولِه: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. على قولِ مَن قال: معناه: أنا أوّلُ المؤمنين مِن بنى إسرائيلَ. لأنَّه قد كان قبلَه في بنى إسرائيلَ مؤمنون وأنبياءُ، منهم ولدُ إسرائيلَ لصلبِه، كانوا (^٢) مؤمنين وأنبياءَ؛ فلذلك اخترنا القولَ الذي قلناه قبلُ.\n\n<span id=\"aya-1098\"></span><span data-type='title' id=toc-3515>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي (^٣) وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال اللَّهُ لموسى: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾. يقولُ: اختَرتُك على الناسِ، ﴿بِرِسَالَاتِي﴾ (^٤): إلى خلقى، أرسلْتك بها إليهم، ﴿وَبِكَلَامِي﴾: كلَّمتُك وناجيتُك به (^٥) دونَ غيرِك مِن خلقى، ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾. يقولُ: فخُذْ ما أعطيتُك مِن أمرى ونهيى، وتَمسَّكْ به واعمَلْ به بيدَنِك (^٦)، ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ للَّهِ على ما آتاك مِن رسالتِه، وخصَّك (^٧) به (^٨) مِن النجْوى بطاعتِه في أمرِه ونهيِه، والمسارعةِ إلى مرضاتِه.\n\n<span id=\"aya-1099\"></span><span data-type='title' id=toc-3516>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزَ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"اخترناه\".\n(^٢) في م: \"وكانوا\".\n(^٣) في الأصل: \"برسالتى\"، وهى قراءة نافع وابن كثير. السبعة لابن مجاهد ٢٩٣.\n(^٤) في الأصل، ص، س، ف: \"برسالتى\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٦) في ص، م، ت ١: \"يريد\".\n(^٧) في ص، م، ت:١: \"حصل\".\n(^٨) سقط من: ت ١، س، ف.","vol":"10","page":436},{"text":"يقولُ جلَّ ثناؤه: وكتبْنا لموسى في ألواحِه. وأدخلت الألفُ واللامُ في ﴿الْأَلْوَاحِ﴾ بدلًا مِن الإضافةِ، كما قال الشاعرُ (^١):\n* والأحْلامُ غيرُ عَوَازِبٍ*\nوكما قال جلّ ثناؤُه: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]. يعنى: هي مأْواه.\nوقولُه: هو ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: مِن التذكير والتنبيهِ على عظمةِ اللَّهِ وعزِّ سلطانِه، ﴿مَوْعِظَةً﴾ لقومِه، ومَن أُمِر بالعملِ بما كُتِب في الألواح، ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: وتَبْيِينًا لكلِّ شيءٍ مِن أمرِ اللَّهِ ونهيِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3517>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، أو سعيدِ بن جبيرٍ - قال أبو جعفرٍ (^٢): وهو في أصلِ كتابى: عن سعيدِ بن جبيرٍ - في قولِ اللَّهِ: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: ما أُمروا به ونُهوا عنه (^٣).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:\n_________\n(^١) هو نابغة بنى ذبيان، وقد تقدم البيت كاملا في ٤/ ٣٣٥.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦٥ (٨٩٦٩) من طريق ابن أبي نجيح عن سعيد بن جبير.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٤٣.","vol":"10","page":437},{"text":"﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: من الحلالِ والحرامِ (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سمِعت مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: ما أُمِروا به ونُهوا عنه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. قال عطيةُ: أخبَرنى ابن عباسٍ أن موسى الطَّيِّبَ ﷺ لمّا كرَبه الموتُ قال: هذا مِن أجلِ آدمَ، قد كان اللَّهُ جعلنا في دارِ مثوًى لا نموتُ، فخطأُ آدمَ أنزَلنا ههنا. فقال اللَّهُ لموسى: أبعَثُ إليك آدمَ فتخاصِمَه؟ قال: نعم. فلما بعَث اللَّهُ آدمَ سأله موسى، فقال أبونا آدمُ: يا موسى سألتَ اللَّهَ أن يبعثَني لك؟ قال موسى: لولا أنتَ لم نكن ههنا. قال له: آدمُ: أليسَ قد آتاك اللَّهُ مِن كلِّ شيءٍ موعظةً وتفصيلًا؟ أفلستَ تعلمُ أنه ما أصاب في الأرضِ مِن مُصيبةٍ ولا في أنفسِكم إلا في كتابٍ مَن قبلِ أن نبرَأها؟ قال موسى: بلى. فخصَمه آدمُ صلى الله عليهما (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا (^٣) عبدُ الصمدِ بن معقلٍ، أنه سمِع وَهْبًا يقولُ في قولِه: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: كُتب له (^٤): لا تُشركْ بى شيئًا مِن أهلِ السماءِ ولا مِن أهلِ الأرضِ، فإن كلَّ ذلك خَلْقِى، ولا تحلِفْ باسمى كاذِبًا، فإن مَن\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٢٣ من طريق أسباط، عن السدى، عن عكرمة، عن ابن عباس.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢١ إلى المصنف.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، س، ف: \"معمر عن\". وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٥٢، ٢٨/ ٣٠٣.\n(^٤) بعده في الأصل: \"أن\".","vol":"10","page":438},{"text":"حلَف باسمى كاذبًا فلا أُزكِّيه، ووقِّرْ والِدَيْكَ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-3520>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكْرُه: وقلنا لموسى إذ كتبنا له في الألواحِ مِن كلِّ شيءٍ موعظةً وتفصيلًا لكلِّ شيءٍ: خذِ الألواحَ بقوَّةٍ. فأخرَج الخبرَ عن \"الألواح\". والمرادُ ما فيها.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"القوَّةِ\" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناه: بجِدٍّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3518>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، قال: قال أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾. قال: بجِدٍّ (^٢).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾. يعنى: بجدٍّ واجتهادٍ (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: فخُذْها بالطاعةِ للَّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3519>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال:\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٤٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦٤ (٨٩٦٤) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢١ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٢٣ من طريق عكرمة، عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦٥ (٨٩٧٠) من طريق الضحاك، عن ابن عباس. وتقدم في ٢/ ٥٢.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦٥ (٨٩٧٢) من طريق عمرو بن حماد به. وتقدم في ٢/ ٥٣.","vol":"10","page":439},{"text":"أخبَرنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾. قال: بالطاعةِ (^١).\nوقد بيَّنا معنى ذلك بشواهدِه، واختلافَ أهلِ التأويلِ فيه في سورةِ \"البقرةِ\" عندَ قولِه: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]. فأغنى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3521>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: قلنا لموسى: وأمُرْ قومَك مِن بنى إسرائيلَ ﴿يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾. يقولُ: يعمَلوا بأحسنِ ما يجِدُون فيها.\nكما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾. يقولُ: يعمَلوا (^٣) بأحسنِ ما يجدون فيها (^٤).\nحدَّثني عبدُ الكريمِ، قال: ثنا إبراهيمُ، قال: ثنا سفيانُ، ثنا أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾. قال: أمَر موسى أن يأخُذَها بأشدَّ مما أمَر به قومَه (^٥).\nفإن قال قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾. أكان [مرخَّصًا لهم في تَرْكِ] (^٦) بعضِ ما فيها مِن الحُسنِ؟ قيل: لا، ولكن كان فيها أمرٌ ونهىٌ، فأمَرهم اللَّهُ أن يعملوا بما أمرَهم بعملِه، ويترُكوا ما نهاهم عنه، فالعملُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦٥ (٨٩٧١) من طريق أبى جعفر به. وتقدم في ٢/ ٥٢.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٥٢، ٥٣.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦٦ (٨٩٧٤) من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسير ٣/ ٤٧١ عن ابن عيينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٦ إلى المصنف.\n(^٦) في ت ١، ت ٣، س، ف: \"من خصالهم ترك\"، وفى ت ١: \"من خصالهم قول\".","vol":"10","page":440},{"text":"بالمأمورِ به أحسنُ مِن العملِ بالمَنْهيِّ عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3523>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: قلنا لموسى إذ كتَبْنا له في الألواحِ مِن كلِّ شيءٍ: خذْها بجِدٍّ في العملِ بما فيها واجتهادٍ، وأمُرْ قومَك يعمَلوا (^١) بأحسنِ ما فيها، وانهَهم عن تضيِيعِها وتضيِيعِ العملِ بما فيها والشركِ بى، فإن مَن أشرَك بى منهم ومِن غيرِهم، فإنى سأُريه في الآخرةِ عندَ مصيرِه إليَّ دارَ الفاسقين، وهى نارُ اللَّهِ التي أعدَّها لأعدائه. وإنما قال: ﴿سَأُرِيكُمْ﴾ كما يقولُ القائلُ لمن يخاطبُه: سأريكَ غدًا إلى ما يصيرُ إليه حالُ مَن خالَف أمرى. على وجهِ التهدُّدِ والوعيدِ لمن عصاه وخالَف أمْرَه.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم بنحوِ ما قلنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3522>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي، نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾. قال: مصيرَهم في الآخرة (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا مسلمٌ، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾. قال: جَهَنَّمَ (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يأمروا\"، وفى م: \"يأخذوا\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٤٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦٥ (٨٩٧٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦٦ (٨٩٧٨) من طريق يونس، عن الحسن.","vol":"10","page":441},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك: سأُدخِلُكم أرضَ الشامِ، فأُريكم منازلَ الكافرين الذين هم سكَّانُها من الجبابرةِ والعمالقةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3524>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾: منازلَهم.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾. قال: منازلَهم (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: سأُريكم دارَ قومِ فرعونَ، وهى مصرُ (^٢).\nوإنما اختَرنا القولَ الذي اخترناه في تأويلِ ذلك؛ لأن الذي قبلَ قولِه: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ أمرٌ مِن اللَّهِ لموسى وقومِه بالعملِ بما في التوراةِ، فأولَى الأُمورِ بحكمةِ اللَّهِ أن يختِمَ ذلك بالوعيدِ على مَن ضيَّعَه، وفرَّط في العملِ به، وحادَ عن سبيلِه، دونَ الخبرِ عما قد انقطع الخبرُ عنه، أو عما لم يجرِ له ذكرٌ.\n\n<span id=\"aya-1100\"></span><span data-type='title' id=toc-3525>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: سأنزِعُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦٦ (٨٩٧٩) من طريق محمد بن عبد الأعلى، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٦ عن معمر به.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ذكر من قال ذلك\"، ويياض في ص، ت ١، ت ٢، س، ف، وعُلق عليه في الحاشية: \"نقص بالأصل\"، وفى الدر المنثور ٣/ ١٢٧ عن قتادة: دار الفاسقين قال مصر. وعزاه إلى أبى الشيخ.","vol":"10","page":442},{"text":"عنهم فَهْمَ الكتابِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3526>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ المَرْوَزيُّ، قال: ثنى محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بكرٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عيينةَ يقولُ في قولِ اللَّهِ: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. قال: يقولُ: أنزِعُ عنهم فهمَ القرآنِ، فأصرِفُهم عن آياتى (^١).\nوتأويلُ ابن عيينةَ هذا يدلُّ على أن هذا الكلامَ كان عنده مِن اللَّهِ وعِيدًا لأهلِ الكفرِ باللَّهِ ممن بُعثِ إليه نبيُّنا محمدٌ ﷺ دونَ قومِ موسى؛ لأن القرآنَ إنما أُنزل على نبيِّنا محمدٍ ﷺ دونَ موسى ﵇.\nوقال آخرون في ذلك: معناه: سأصرِفُهم عن الاعتبارِ بالحُجَجِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3527>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾: عن خلقِ السماواتِ والأرضِ والآياتِ فيها، سأصرِفُهم عن أن يتفكَّروا فيها ويعتبِروا (^٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبَر أنه سيصرِفُ عن آياتهِ، وهى أدلَّتُه وأعلامُه على حقيقةِ ما أمَر به عبادَه، وفرَض عليهم مِن طاعتِه في توحيدِه وعدلِه وغيرِ ذلك مِن فرائضِه، والسماواتُ والأرضُ وكلُّ موجودٍ من خلقِه فمن آياتهِ، والقرآنُ أيضًا مِن آياتهِ. وقد عمَّ بالخبرِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦٧ (٨٩٨٣) عن أحمد بن منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٧ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٧ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"10","page":443},{"text":"أنه يصرفُ عن آياتِه المتكبرين في الأرضِ بغيرِ الحقِّ، وهم الذين حقَّت عليهم كلمةُ اللَّهِ أنَّهم لا يُؤمنون، فهم عن فَهْمِ جميعِ آياتِه والاعتبارِ والادِّكارِ بها مصروفون؛ لأنهم لو وفِّقوا لفَهْمِ بعضِ ذلك، وهُدوا للاعتبارِ به؛ لاتَّعظوا وأنابوا إلى الحقِّ، وذلك غيرُ كائنٍ منهم؛ لأنَّه جلَّ ثناؤه قال: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾. ولا تبديلَ لكلماتِ اللَّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3528>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾.</span>\nيقولُ جلّ ثناؤه: وإن يرَ هؤلاءِ الذين يتكبَّرون في الأرضِ بغيرِ الحقِّ - وتَكَبُّرُهم فيها بغيرِ الحقِّ: تجبُّرُهم فيها واستكبارُهم عن الإيمانِ باللَّهِ ورسولِه والإذعانِ لأمرِه ونهيِه، وهم للَّهِ عبيدٌ يَغُذُوهم بنعَمِه، ويريحُ عليهم رِزْقَه بُكْرَةً وعشيًّا - ﴿كُلَّ آيَةٍ﴾. يقولُ: كلَّ حُجَّةٍ للَّهِ على وَحْدانِيَّتِه وربوبيَّتِه، وكلّ دَلالةٍ على أنه لا تنبغى العبادةُ إلا له خالصةً دونَ غيرِه، ﴿لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾. يقولُ: لا يُصَدِّقوا بتلك الآيةِ أنها دالةٌ على ما هي فيه حُجَّةٌ، ولكنَّهم يقولون: هي سحرٌ وكذبٌ. ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾. يقولُ: وإن يرَ هؤلاء الذين وصَف صفتَهم طريقَ الهُدى والسدادِ الذي إن سلكوه نجَوا مِن الهَلَكَةِ والعَطَبِ، وصاروا إلى نعيمِ الأبدِ، لا يسلكوه ولا يتخذوه لأنفسِهم طريقًا؛ جهلًا منهم وحيرةً. ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ﴾. يقولُ: وإن يروا طريقَ الهلاكِ الذي إن سلكوه ضلُّوا وهلَكوا - وقد بيَّنَّا معنى الغيِّ فيما مضَى قبلُ بما أغنى عن إعادتِه (^١) - ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾. يقولُ: يسلُكوه ويجعلوه لأنفسِهم طريقًا، لصرفِ اللَّهِ إياهم\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٩١، وفى ٩٢، ٤/ ٥٥٥.","vol":"10","page":444},{"text":"عن آياتِه وطبعِه على قلوبِهم، فلا يُفْلِحون ولا يُنجِحون. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ جل ثناؤه: صرَفناهم عن آياتِنا أن يعقِلوها ويفهموها، فيعتبروا بها ويذَّكَّروا فيُنِيبوا، عقوبةً منا لهم على تكذيبِهم بآياتِنا، ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾. يقولُ: وكانوا عن آياتنا وأدلَّتِنا الشاهدةِ على حقيقةِ ما أمرناهم به ونهيناهم عنه، غافلين لا يتفكَّرون فيها، لاهين عنها لا يعتبِرون بها، فحقَّ عليهم حينئذٍ قولُ ربِّنا، فعَطبوا.\nواختلَفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿الرُّشْدِ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ المكيين وبعضُ البصريِّين: ﴿الرُّشْدِ﴾ بضمِّ الراءِ وتسكين الشينِ (^١).\nوقرَأ ذلك عامة قرأةِ أهلِ الكوفةِ وبعضُ المكيِّين: (الرَّشَدِ) بفتحِ الراءِ والشينِ (^٢).\nثم اختلَف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ في معنى ذلك إذا ضُمَّت راؤُه وسُكِّنت شينُه، وفيه إذا فُتِحَتَا جميعًا؛ فذُكِرَ عن أبي عمرِو بن العلاءِ أنه كان يقولُ: معناه: إذا ضُمَّت راؤه وسكِّنت شينُه: الصلاحُ، كما قال اللَّهُ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] بمعنى: صلاحًا. وكذلك كان يقرؤُه هو. ومعناه إذا فُتحت راؤُه وشينُه: الرَّشَد في الدينِ، كما قال جلَّ ثناؤه: (تعلَّمَنِ مما عُلَّمتَ رَشَدًا) (^٣). بمعنى: الاستقامةِ والصوابِ في الدينِ.\nوكان الكسائيُّ يقولُ: هما لغتان بمعنًى واحدٍ، مثلُ: السُّقْمِ والسَّقَمِ، والحُزْنِ والحَزَنِ، وكذلك الرُّشْدُ والرَّشَدُ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: إنهما قراءتان مستفيضةٌ القراءةُ\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٢٩٣.\n(^٢) وهى قراءة حمزة والكسائى. ينظر المصدر السابق.\n(^٣) سورة الكهف الآية ٦٦. قرأها بفتح الراء والشين البصريان أبو عمرو ويعقوب. النشر ٢/ ٢٣٤.","vol":"10","page":445},{"text":"بهما في قَرَأةِ الأمصارِ، متفِقتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ بها.\n\n<span id=\"aya-1101\"></span><span data-type='title' id=toc-3529>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: هؤلاء المستكبرون في الأرضِ بغيرِ الحقِّ، وكلُّ مُكذِّبٍ لحُجَجِ اللَّهِ ورسلِه وآياتِه، وجاحدٍ أنه يومَ القيامةِ مبعوثٌ بعدَ مماتِه، ومنكرٍ لقاءَ اللَّهِ في آخِرتِه، ذهَبت أعمالُهم فبطَلَت، وحصَلت لهم أوزارُها فثبَتت؛ لأنهم عمِلوا لغيرِ اللَّهِ، وأتعبوا أنفسَهم في غيرِ ما يُرضى اللَّهَ، فصارت أعمالُهم عليهم وبالًا، يقولُ جل ثناؤه: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: هل ينالون (^١) إِلَّا ثوابَ ما كانوا يعمَلون، فصارَ ثوابُ أعمالِهم الخلودَ في نارٍ أحاط بهم سُرادقُها؛ إذ كانت أعمالُهم في طاعةِ الشيطانِ دونَ طاعةِ الرحمنِ. نعوذُ باللَّهِ مِن غضبِه.\nوقد بيَّنا معنى \"الحُبوطِ\" و\"الجزاءِ\" و\"الآخرةِ\" فيما مضى بما أغنى عن إعادتِه (^٢).\n\n<span id=\"aya-1102\"></span><span data-type='title' id=toc-3530>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: واتَّخذ بنو إسرائيلَ - وهم قومُ موسى - مِن بعدِ ما فارقهم موسى ماضيًا إلى ربِّه لمناجاتِه ووفاءً للوعدِ الذي كان ربُّه وعدَه، ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا﴾. وهو ولدُ البقرةِ، فعبَدوه. ثم بيَّن تعالى ذكرُه ما ذلك العجلُ فقال:\n_________\n(^١) في ف: \"يثابون\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في معنى الحبوط في ٣/ ٦٦٦، ٥/ ٢٩٢، ٨/ ١٤٩، ٥١٨، ٩/ ٣٨٧. ومعنى الجزاء في ١/ ٦٣٢ - ٦٣٥، ومعنى الآخرة في ١/ ٢٥١، ٢٥٢.","vol":"10","page":446},{"text":"﴿جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾. والخوارُ صوتُ البقرِ. يخبرُ جلّ ذكرُه عنهم أنهم ضلُّوا بما لا يُضَلُّ بمثلِه أهلُ العقلِ، وذلك أن الربَّ ﷻ الذي له مَلكوتُ السماواتِ والأرضِ ومدبرُ ذلك، لا يجوزُ أن يكونَ جسدًا له خوارٌ، لا يكلِّمُ أحدًا، ولا يرشُدُ إلى خيرٍ، وقال هؤلاءِ الذين قصَّ اللَّهُ قَصَصَهم لذلك: هو إلهنُا وإلهُ موسى. وعكَفوا عليه يعبُدونه جهلًا منهم وذَهَابًا عن اللَّهِ وضلالًا.\nوقد بيَّنا سببَ عبادتِهم إياه، وكيف كان اتخاذُ مَن اتخذَ منهم العجلَ فيما مضَى بما أغنى عن إعادتِه (^١).\nوفى الحُليِّ لغتان: ضمُّ الحاءِ، وهو الأصلُ، وكسرُها، وكذلك ذلك في كلِّ ما شاكلَه مِن مثلِ \"صليٍّ\" و\"جثيٍّ\" و\"عتيٍّ\". وبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ؛ لاستفاضَةِ القراءةِ بهما في القَرَأةِ، واتفاقِ (^٢) معنييهما (^٣).\nوقولُه: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾. يقولُ: ألم يرَ الذين عكفوا على العجلِ الذي اتخذوه مِن حُليِّهم يعبدونه، أن العجلَ لا يُكلمُهم ﴿وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾. يقولُ: ولا يرشدُهم إلى طريقٍ، وليس ذلك مِن صفةِ ربِّهم الذي له العبادةُ حقًّا، بل صفتُه أنه يكلمُ أنبياءَه ورسلَه، ويُرشدُ خلقَه إلى سبيلِ الخيرِ، وينهاهم عن سبيلِ المهالكِ والردَى. يقولُ اللَّهُ جلّ ثناؤه: ﴿اتَّخَذُوهُ﴾. أي: اتخذوا العجلَ إلهًا، ﴿وَكَانُوا﴾ باتخاذِهم إياه ربًّا معبودًا ﴿ظَالِمِينَ﴾ لأنفسِهم، بعبادتِهم (^٤) غيرَ مَن له العبادةُ، وإضافتِهم الألوهةَ إلى غيرِ الذي له الألوهةُ.\nوقد بيَّنا معنى \"الظلمِ\" فيما مضَى بما أغنى عن إعادتِه (^٥).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٦٩ - ٦٧٥.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"لاتفاق\"، وفى م: \"لا تفارق بين\".\n(^٣) قرأ بكسر الحاء حمزة والكسائي، وقرأ الباقون بضمها. السبعة ص ٢٩٤، والتيسير ص ٩٣.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"لعبادتهم\".\n(^٥) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٥٩، ٥٦٠.","vol":"10","page":447},{"text":"<span id=\"aya-1103\"></span><span data-type='title' id=toc-3531>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾: ولما نَدِم الذين عبَدوا العجلَ الذي وصَف اللَّهُ جلّ ثناؤه صفتَه عندَ رُجوعِ موسى إليهم، واستسَلموا لموسى وحُكمِه فيهم.\nوكذلك تقولُ العربُ لكلِّ نادمٍ على أمرٍ فات منه أوسلَف، وعاجزٍ عن شيءٍ: قد سقِط في يديه وأُسْقِط. لغتان فصيحتان، وأصلُه مِن الاستئسارِ، وذلك أن يضربَ الرجلُ الرجلَ أو يصرعَه فيرمىَ به من يديه إلى الأرضِ ليأسِرَه فيَكْتِفَه. فالمرميُّ به مسقوطٌ في يدى الساقطِ به، فقيلَ لكلِّ عاجزٍ عن شيءٍ وضارعٍ (^١) العجزِه متندِّمٍ على ما فاته: سُقط في يديه وأُسقِط.\nوعنى بقولِه: ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾: ورأَوا أنهم قد حادُوا (^٢) عن قصدِ السبيلِ وذهَبوا عن دينِ اللَّهِ، وكفَروا بربِّهم، قالوا تائبين إلى اللَّهِ مُنيبين إليه مِن كفِرهم به: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)﴾.\nثم اختلَفت القرَأةً في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ ومكةَ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ بالرفعِ على وجهِ الخبرِ (^٣).\nوقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا) بالتاءِ (^٤) (رَبَّنا) بالنصبِ (^٥)، بتأويلِ: لئن لم ترحمْنا يا ربَّنا. على وجهِ الخطابِ منهم لربِّهم. واعتلَّ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"صارع\"، وفى م: \" مصارع\".\n(^٢) في الأصل، م: \"جاروا\"، وفى ص، س: \"حاروا\".\n(^٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبى عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ٢٩٤.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) وهى قراءة حمزة والكسائى. المصدر السابق.","vol":"10","page":448},{"text":"قارئو ذلك كذلك بأنه في إحدى القراءتين: (قالوا رَبَّنَا (^١) لَئِنْ لم تَرْحَمْنَا (^٢) وتَغْفِرْ لَنا). فذلك دليلٌ على الخطابِ.\nوالذي هو أولى بالصوابِ مِن القراءة فى ذلك (^٣) القراءةُ على وجهِ الخبرِ بالياءِ في ﴿يَرْحَمْنَا﴾، وبالرفعِ في قولِه: ﴿رَبُّنَا﴾؛ لأنه لم يتقدّمْ ذلك ما يوجبُ أن يكونَ موجهًا إلى الخطابِ. والقراءةُ التي حَكَيتُ على ما ذكرنا مِن قراءتِها: [قالوا ربَّنَا (^٤) لَئِنْ لم تَرْحَمْنَا (^٥)] (^٦) لا تُعرَفُ صِحَّتُها مِن الوجهِ الذي يجبُ التسليمُ له (^٧).\nومعنى قولِه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾: لئن لم يتعطفْ علينا ربُّنا بالتوبةِ برحمتِه، ويتغمَّد (^٨) ذنوبَنا لنكوننَّ مِن الهالكين الذين حبِطت أعمالُهم.\n\n<span id=\"aya-1104\"></span><span data-type='title' id=toc-3532>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولما رجَع موسى إلى قومِه مِن بنى إسرائيلَ، رجَع غضبانَ أسِفًا؛ لأن اللَّهَ جل ثناؤه كان قد أخبره أنه قد فتَن قومَه، وأن السامريَّ قد أضلَّهم، فكان رجوعُه غضبانَ أسِفًا لذلك.\nوالأسَفُ شدّةُ الغضبِ والتغيُّظ فيه (^٩) على مَن أغضبَه.\n_________\n(^١) سقط من: النسخ، وستأتى على الصواب بعد قليل. وهى قراءة أبى. ينظر البحر المحيط ٤/ ٣٩٤، وهى شاذة.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ربنا\".\n(^٣) القراءتان كلتاهما صواب مقروء بهما.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) بعده في م: \"ربنا\".\n(^٦) في الأصل، ص، ف: \"ربنا لئن لم ترحمنا\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"إليه\".\n(^٨) في ص: \"يتغمدنا\"، وفى ت:٢ \"يتعهدنا\"، وبعده في م: \"بها\".\n(^٩) في ص، م، ت ١، ف: \"به\".","vol":"10","page":449},{"text":"كما حدَّثني عمرانُ بنُ بكارٍ الكلاعيُّ، قال: حدَّثني عبدُ السلامِ بنُ محمدٍ الحضرميُّ، قال: ثنى شريحُ بنُ يزيدَ، قال: سمِعتُ نصرَ بنَ عَلقمةَ يقولُ: قال أبو الدرداءِ في قولِ اللَّهِ: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾. قال: الأسَفُ منزلةٌ وراءَ (^١) الغضبِ أشدُّ من ذلك، وتفسيرُ ذلك في كتابِ اللَّهِ: ذهَب إلى قومِه غضبانَ، وذهَب أَسِفًا (^٢).\nوقال آخرون في ذلك ما حدثني به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ (^٣): ﴿أَسِفًا﴾ قال: حزينًا (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾. يقولُ: أَسِفًا حزينًا. وقال في \"الزخرفِ\": ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] يقولُ: أغضَبونا. والأسفُ على وجهين؛ الغضبُ والحزنُ (^٥).\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا مالكُ بنُ دينارٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ قال: غضبانَ حزينًا (^٦).\nوقولُه: ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾. يقولُ: بئس الفعلُ فعلتم بعدَ فراقى إيَّاكم وأوليتمونى في من خَلَفْتُ ورائى من قومِى فيكم ودِينى الذي أمَركم به\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ف، ت ٢، س، ف: \"وذا\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٧٤ مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٧ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) بعده في الأصل: \"غضبان أسفا يقول\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٧ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦٩ (٨٩٩٦) عن محمد بن سعد به، وأخرجه في ٥/ ١٥٦٩ (٨٩٩٤، ٨٩٩٥) من طريق على بن أبى طلحة عن ابن عباس.\n(^٦) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦٩ عقب أثر (٨٩٩٥) معلقًا.","vol":"10","page":450},{"text":"ربُّكم، يقالُ منه: خلَفه بخيرٍ وخلَفه بشرٍّ. إذا أولاه في أهلِه أو قومِه، أو (^١) مَن كان منه بسبيلٍ مِن بعدِ شخوصِه عنهم خيرًا أو شرًّا.\nوقولُه: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: أَسَبَقْتُم أمرَ رَبِّكم في أنفسِكم، وذهَبتم عنه. يقالُ منه: عجِل فلانٌ هذا الأمرَ، إذا سبَقَه. وعجِل فلانٌ فلانًا، إذا سبَقه. ولا تُعْجِلْنى يا فلانُ، لا تذهَبْ عنى وتَدَعَنى. وأعجلتُه: استحثَثْتُه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3534>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وألقى موسى الألواحَ.\nثم اختلف أهلُ العلمِ في سببِ إلقائِه إياها؛ فقال بعضُهم: ألقاها غضَبًا على قومِه الذين عبدوا العجلَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3533>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدًّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، عن القاسمِ بن أبى أيوبَ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ: لمَّا رَجَعَ مُوسَى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أسِفًا فأخَذ برأسِ أخيه يجرُّه إليه، وألقى الألواحَ مِن الغضبِ (^٣).\nحدَّثني عبدُ الكريمِ، قال: ثنا إبراهيمُ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، قال: قال أبو سعدٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما رجَع موسى إلى قومِه، وكان قريبًا منهم،\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"و\".\n(^٢) في ص، ت ١، س، ف: \"استحييته\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٧٠ (٩٠٠٠) من طريق يزيد به.","vol":"10","page":451},{"text":"سمِع أصواتَهم، فقال: إني لأسمعُ أصواتَ قومٍ لاهِين، فلما عاينهم وقد عكَفوا على العجلِ ألقى الألواحَ فكسَرَها، وأخذَ برأسِ أخيه يجُرُّه إليه.\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: أخَذ موسى الألواحَ ثم رجَع إلى قومِه غضبانَ أَسِفًا، ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ إلى قولِه: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧)﴾ [طه: ٨٧] فأَلْقَى مُوسَى الأَلْوَاحَ وأَخَذَ برأسِ أخيهِ يَجُرُّه إليه، ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما انتهى موسى إلى قومِه فرأى ما هم عليه مِن عبادةِ العجلِ، ألقى الألواحَ مِن يده، ثم أخذ برأسِ أخيه ولحيتِه ويقولُ: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ [طه: ٩٢، ٩٣].\nوقال آخرون: إنما ألقى موسى الألواحَ لفضائلَ أصابَها فيها لغيرِ قومِه، فاشتدَّ ذلك عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3535>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾. قال: رَبِّ إنى أجدُ في الألواح أُمةً خيرَ أمةٍ أُخرِجت للناسِ، يأمرُون بالمعروفِ وينهَون عن المنكرِ، اجعلْهم أمّتى. قال: تلكَ أمةُ أحمدَ، قال: ربِّ إنى أجدُ في الألواحِ أمةً هم الآخِرون في الخَلْقِ، السابقون في دخولِ الجنةِ، ربِّ اجعلْهم أمتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ. قال: ربِّ إنى أجدُ في الألواحِ أمةً أناجيلُهم\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١/ ٦٨١.","vol":"10","page":452},{"text":"في صدورِهم يقرءُونها - وكان مَن قبلَكم (^١) يقرءُون كتابَهم نظرًا حتى إذا رفَعوها لم يحفَظوا شيئًا ولم يعرِفوه (^٢)، وإن اللَّهَ أعطاكم أيَّتها الأمةُ مِن الحفظِ شيئًا لم يُعْطِه أحدًا مِن الأممِ - قال: ربِّ اجعلْهم أمتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ. قال: ربِّ إني أجدُ في الألواحِ أمةً يؤمنون بالكتابِ الأوّلِ وبالكتابِ الآخرِ، ويقاتلون فضولَ (^٣) الضلالةِ حتى يُقاتِلوا الأعورَ الكذابَ، فاجعلْهم أمتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ. قال: ربِّ إنى أجدُ في الألواحِ أمةً صدقاتُهم يأكُلونها في بطونِهم ثم يؤجَرون عليها - وكان مَن قبلَكم مِن الأممِ إذا تصدَّقَ بصدقةٍ فقُبِلت منه، بعَث اللَّهُ عليها نارًا فأكَلَتها، وإن رُدَّتْ عليه تُرِكت فأكلَتها السَّباعُ والطيرُ، وإن اللَّهَ أخَذ صدقاتِكم مِن غنيِّكم لفقيرِكم - قال: ربِّ فاجعلْهم أمتى. قال: تلك أمَّةُ أحمدَ. قال: ربِّ إنى أجدُ في الألواحِ أمةً إذا همَّ أحدُهم بحسنةٍ ثم لم يعمَلْها كُتِبت له حسنةً، فإن عمِلها كُتِبت له عَشْرَ أمثالِها إلى سبعِمائةٍ، ربِّ اجعلْهم أمّتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ. قال: ربِّ إنى أجدُ في الألواحِ أمًة إذا همَّ أحدُهم بسيئةٍ لم تكتبْ عليه حتى يعملَها، فإذا عمِلها كُتِبت عليه سيئةً واحدةً، فاجعَلْهم أمتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ. قال: ربِّ إنى أجدُ في الألواحِ أمةً هم المستجيبون والمستجابُ لهم، ربِّ اجعلْهم أمّتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ. قال: ربِّ إنى أجدُ في الألواحِ أمةً هم المشفَّعون والمشفوعُ لهم، فاجعلْهم أمتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ. قال: وذُكر لنا أنَّ نبيَّ اللَّهِ موسى ﵇ نبَذ الألواحَ وقال: اللهمَّ اجعلْنى (^٤) مِن أمةِ أحمدَ. قال: فأُعطِى نبيُّ اللَّهِ موسى ﵇ ثنتين لم يُعطَهما نبيٌّ، قال اللَّهُ: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي (^٥)\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، س: \"قبلهم\".\n(^٢) في ت:١ \"يعرفوها\"، وبعده في م: \"قال قتادة\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف، وتفسير ابن كثير ٣/ ٤٧٦: \"فصول\". والمثبت من الأصل، وهو موافق للدر المنثور ٣/ ١٢٢.\n(^٤) في الأصل، ص، ت ٢، س، ف: \"اجعله\".\n(^٥) في الأصل: \"برسالتى\". وتقدم في ص ٤٣٦ أنها قراءة نافع وابن كثير.","vol":"10","page":453},{"text":"وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]. قال: فرضِي نبيُّ اللَّهِ، ثم أُعطِيَ الثانيةَ: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف: ١٥٩]. قال: فرضِي نبيُّ اللَّهِ كلَّ الرِّضَا.\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ قال: لما أخذَ موسى الألواحَ، قال: يا ربِّ إنى أجدُ في الألواحِ أمةً هم خيرُ الأممِ، يأمرون بالمعروفِ، وينهَون عن المنكرِ، فاجعلْهم أمتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ. قال: يا ربِّ إنى أجِدُ في الألواحِ أمةً هم الآخِرون السابقون يومَ القيامة، فاجعلْهم أمتى. قال: تلك أمةُ أحمدَ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ بشرِ بن معاذٍ، إلّا أنَّه قال في حديثِه: فألقى موسى الألواحَ، وقال: ربِّ اجعلنى مِن أمةِ محمدٍ (^١).\nوالذي هو أولى بالصوابِ من القولِ في ذلك أن يكونَ سببَ إلقاءِ موسى الألواحَ كان من أجل غضبِه على قومِه لعبادتِهم العجلَ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه بذلك أخبَر في كتابِه، فقال: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾.\nوذُكِر (^٢) أن اللَّهَ لما كتَب لموسى في الألواحِ التوراةَ، أدناه منه حتى سمع صريفَ القلمِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦٤ (٨٩٦٧) من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣٦، ٢٣٧ من طريق معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٢ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبى الشيخ. وقال ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٧٤: وروى ابن جرير عن قتادة في هذا قولا غريبًا، لا يصح إسناده إلى حكاية قتادة، وقد رده ابن عطية وغير واحد من العلماء، وهو جدير بالرد، وكأنه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب، وفيهم كذابون ووضاعون وأفاكون وزنادقة.\n(^٢) في م: \"ذلك\".","vol":"10","page":454},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3536>ذكرُ بعضِ (^١) مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن السديِّ، عن أبي عمارةَ، عن عليٍّ ﵁، قال (^٢): كتَب اللَّهُ الألواحَ لموسى ﵇ وهو يسمعُ صريفَ (^٣) الأقلامِ في الألواحِ (^٤).\n[حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ] (^٥)، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: أدناه حتى سمِع صريفَ القلمِ.\nوقيل: إن التوراةَ كانت سبعةَ أسباعٍ، فلما ألقى موسى الألواحَ تكسَّرت، فرُفِع منها ستةُ أسباعِها، وكان فيما رُفِع تفصيلُ كلِّ شيءٍ الذي قال اللَّهُ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. وبقِى الهُدى والرحمةُ في السُّبُعِ الباقي، وهو الذي قال اللَّهُ: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]. وكانت التوراةُ فيما ذُكِر سبعين وِقْرَ بعيرٍ يُقرأُ الجزءُ منها في سنةٍ.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ خالدٍ المكفوفُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: أُنزِلت التوراةُ وهى سبعون وِقْرَ بعيرٍ، يُقرأُ منها الجزءُ في سنةٍ، لم يقرأْها إلَّا أربعةُ نفرٍ؛ موسى بنُ عمرانَ، وعيسى، وعُزيرٌ، ويوشَعُ بنُ نونٍ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) بعده في م: \"لما\".\n(^٣) في الأصل: \"صرير\". وهما بمعنى الصوت. التاج (ص ر ر، ص ر ف).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال ثنا إسرائيل\". وإسرائيل بن يونس لا يروى عن عطاء. ينظر تهذيب الكمال، ٢/ ٥١٥، ١٨/ ١٦٥، ٢٠/ ٨٦.","vol":"10","page":455},{"text":"واختلفوا في الألواحِ؛ فقال بعضُهم: كانت مِن زمرُّدٍ أخضرَ. وقال بعضُهم: كانت مِن ياقوتٍ. وقال بعضُهم: كانت مِن بَرَدٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3537>ذكرُ الروايةِ بما ذكرنا مِن ذلك</span>\nحدَّثني أحمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّورقيُّ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني يعلى بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ألْقَى موسى الألواحَ فتكسَّرت، فرُفِعت إلَّا سُدُسُها (^١).\nقال ابن جريجٍ: وأخبرنى أن الألواحَ من زبرجدٍ وزُمُرُّدٍ مِن الجنةِ (^٢).\nحدَّثني موسى بنُ سهلٍ الرَّمليُّ وعليُّ بنُ داودَ وعبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بن شَبُّويَه وأحمدُ بنُ الحسنِ الترمذيُّ، قالوا: أخبَرنا آدمُ العسقلانيُّ، قال: أخبرنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: كانت ألواحُ موسى مِن بَرَدٍ (^٣)\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن أبي الجُنَيدِ، عن جعفرِ بن أبى المغيرةِ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ عن الألواحِ مِن أي شيءٍ كانت؟ قال: كانت مِن ياقوتةٍ، كتابُهُ الذهبُ، كتَبه (^٤) الرحمنُ بيدِه، فسمِع أهلُ السماواتِ صريفَ القلمِ وهو يكتُبها (^٥).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ، عن محمدِ بن أبى الوضّاحِ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ، أو سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كانت الألواحُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ٥٧٠ (٨٩٩٩) من طريق الدورقى به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٠ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦٣ (٨٩٥٩) من طريق آدم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢١ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) في م، ت ١: \"كتبها\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦٣ (٨٩٦١) من طريق حكام به، وفى ٥/ ١٥٦٣ (٨٩٦٠) من طريق أبى الجنيد به بنحوه.","vol":"10","page":456},{"text":"من زُمُرُّدٍ، فلما ألقَى موسى الألواحَ بقِى الهُدَى والرَّحمةُ، وذهَب التفصيلُ (^١).\n[حدَّثني الحارثُ] (^٢)، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن محمدِ بن مسلمٍ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ، قال: كانت الألواحُ مِن زُمُرُدٍ أخضرَ (^٣).\nوزعَم بعضُهم أن الألواحَ كانت لوحين. فإن كان الذي قال كما قال، فإنه قيل: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِ﴾؛ وهما لوحان، كما قيل: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]. وهما أَخَوان.\nوأما قولُه: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾. فإن ذلك من فعلِ نبيِّ اللَّهِ ﵇ كان المَوجِدَتِه على أخيه هارونَ في تركِه اتباعَه، وإقامتِه مع بنى إسرائيلَ في الموضعِ الذي ترَكهم فيه، كما قال جلّ ثناؤُه مخبرًا عن قيلِ موسى له: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ [طه: ٩٢، ٩٣]. حتى (^٤) أخبره هارونُ بعذرِه، فقبِل عذرَه، وذلك قيلُه لموسى: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤]. وقال يا ﴿ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\nواختلفت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: يا ﴿ابْنَ أُمَّ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ: يا ﴿ابْنَ أُمَّ﴾. يفتحِ الميمِ مِن \"الأمِّ\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٩/ ٤٩ من طريق عبد الرحمن به بنحوه. ووقع فيه: حصين، بدلًا من: خصيف. وهو تصحيف.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢١ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"حين\".\n(^٥) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٢٩٥.","vol":"10","page":457},{"text":"وقرأ ذلك عامَّةُ قرأة أهلِ الكوفةِ: يا (ابْنَ أُمِّ) بكسرِ الميمِ مِن \"الأمِّ\" (^١).\nواختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ فتحِ ذلك وكسرِه، مع إجماعِ جميعِهم على أنهما لغتان مستعملتان في العربِ؛ فقال بعضُ نحوييِّ البصرةِ: قيل ذلك بالفتحِ على أنهما اسمان جُعِلا اسمًا واحدًا، كما قيل: يا ابنَ عمَّ. وقال: هذا شاذٌّ لا يُقاسُ عليه. قال: ومَن قال في ذلك: يا (ابنَ أُمِّ)، فهو على لغةِ الذين يقولون: هذا غلامِ قد جاء. وجعَله اسمًا واحدًا آخرُه مكسورٌ، مثلَ قولِه: خازِ بازِ (^٢).\nوقال بعضُ نحوييِّ الكوفةِ (^٣): قيل: ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾ [طه: ٩٤]، ويا ابنَ عمَّ، فنُصِب كما يُنصبُ المعربُ في بعضِ الحالاتِ، فيقال: يا حسرتا، ويا ويلتا. قال: فكأَنَّهم قالوا: يا أماه، ويا عماه. ولم يقولوا ذلك في أخٍ، ولو قيل ذلك لكان صوابًا. قال: والذين خفَضوا ذلك فإنه كثُر في كلامِهم حتى حذفوا الياءَ. قال: ولا تكادُ العربُ تحذفُ الياءَ إِلَّا مِن الاسمِ المنادَى يضيفُه المنادِى إلى نفسِه، إلا قولُهم: يا بنَ أمِّ (^٤)، ويا بنَ عمِّ. وذلك أنهما يكثُرُ استعمالُهما في كلامِهم، فإذا جاء ما لا يُستعملُ أثبتوا الياءَ، فقالوا: يا بنَ أبى، ويا بنَ أخى وأختى، ويا بنَ خالتي، ويا بنَ خالى.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إذا فُتِحت الميمُ مِن ﴿ابْنَ أُمَّ﴾، فمرادٌ به الندبةُ: يا بنَ أماه، وكذلك مِن \"ابن عمَّ\"، وإذا كُسِرت، فمرادٌ به الإضافةُ، ثم\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن عامر وحمزة والكسائى وعاصم في رواية أبى بكر. السبعة لابن مجاهد ص ٢٩٥.\n(^٢) الخازِبازِ: ذباب يكون في الروض. تاج العروس (ب وز).\n(^٣) هو الفراء في معاني القرآن ١/ ٣٩٤.\n(^٤) في الأصل: \"عم\".","vol":"10","page":458},{"text":"حذِفت الياءُ التي هي كنايةُ اسمِ المخبِرِ عن نفسِه. وكأن بعضَ مَن أنكرَ تَشْبيه (^١) كسرِ ذلك إذا كُسِر، بكسرِه الزاىَ مِن \"خاز بازِ\"، يقولُ: ليس ذلك نظيرَ \"خازِ بازِ\"؛ لأنَّ \"خازِ بازِ\" لا يُعرفُ الثاني إلا بالأولِ، ولا الأوَّلُ إلا بالثانى، فصار كالأصواتِ.\nوحُكى عن يونسَ النحويِّ (^٢) عن \"يا بنتَ أمِّ\"، و\"يا بنتَ عمِّ\"، فقال: لا يُجعلُ اسمًا واحدًا إلا مع \"ابن\" المذكرِ. قالوا: وأما اللغةُ الجيدةُ والقياسُ الصحيحُ فلغةُ مَن قال: يابنَ أمى. بإثباتِ الياءِ، كما قال أبو زُبيدٍ (^٣).\nيا بْنَ أُمِّي وياشْقَيِّقَ نَفْسِى … أَنْتَ خَلَّفْتَنِى لِدَهْرٍ شَدِيدِ\nوكما قال الآخرُ (^٤):\nيا بْنَ أُمِّي وَلَوْ شَهِدْتُكَ إِذْ تَدْ … عُو تَميمًا وأنْتَ غيرُ مُجَابٍ\nوإنما أثبَت هؤلاء الياءَ في \"الأمِّ\" لأنَّها غيرُ مناداةٍ، وإنما المنادَى هو الابنُ دونَها، وإنما تُسقِطُ العربُ الياءَ مِن المنادَى إذا أضافته إلى [أنفسِها (^٥)، لا إذا أضافته إلى] (^٦) غيرِ أنفسِها (^٧)، كما قد بَيَّنَّا.\nوقيل: إن هارونَ إنما قال لموسى: ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾ [طه: ٩٤] ولم يقلْ له: يا بنَ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"نسبته\".\n(^٢) في الأصل، ص، ف: \"الجرمى\". وينظر ما تقدم في ٨/ ٢٤٥.\n(^٣) ديوانه ص ٤٨، وروايته:\nيا بن حسناء شق نفسى يالجـ … لاج خليتنى لدهر شديد\nوكرواية المصنف في الكتاب ٢/ ٢١٣، واللسان (ش ق ق)، وجاء فيه: لأمر. بدلًا من الدهر.\n(^٤) هو غلفاء بن الحارث بن آكل المرار الكندى، والبيت في النقائض ١/ ٤٥٧، ٢/ ١٠٧٧، والوحشيات ص ١٣٤.\n(^٥) في ص، م، ت ٢: \"نفسها\".\n(^٦) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"نفسها\".","vol":"10","page":459},{"text":"أبى. وهما لأبٍ واحدٍ وأمٍّ واحدةٍ، استعطافًا له على نفسِه برحِمِ الأمِّ.\nوقولُه: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾. يعنى بـ\" القومِ\": الذين عكَفوا على عبادةِ العجلِ، وقالوا: هذا إلهُنا وإلهُ موسى. وخالفوا أمرَ هارونَ. وكان استضعافُهم إياه تركَهم طاعتَه واتباعَ أمرِه، ﴿وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾. يقولُ: قارَبوا ولم يفعَلوا.\nواختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَلَا تُشْمِتْ﴾. فقرَأ قرَأةُ الأمصارِ ذلك: ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ بِضَمِّ التاءِ مِن ﴿تُشْمِتْ﴾ وكسرِ الميمِ منها، مِن قولِهم: أشمَتَ فلانٌ فلانًا بفلانٍ، إذا سرَّه فيه بما يكرهُه المُشْمَتُ به.\nورُوى عن مجاهدٍ أنه قرَأ ذلك: (فلا تَشْمِتْ (^١) بِىَ الأعْدَاءُ).\nحدَّثني بذلك عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: قال حميدُ بنُ قيسٍ: قرَأ مجاهدٌ: (فَلَا تَشْمِتْ بِىَ الأَعْدَاءُ).\nوحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عيينةَ، عن حميدٍ، قال: قرَأ مجاهدٌ: (فَلا تَشْمِتْ بِىَ الأَعْدَاءُ).\nوحُدِّثت عن يحيى بن زيادٍ الفراءِ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن رجلٍ (^٢)، عن مجاهدٍ أنه قرَأ (^٣): (لا تَشْمِتْ) (^٤).\nوقال الفراءُ: قال الكسائيُّ: ما أدرى، فلعلهم أرادوا: (فَلا تَشْمَتْ بىَ الأعْدَاءُ). فإن تكنْ صحيحةً فلها نظائرُ؛ العربُ تقولُ: فرِغْتُ وَفَرَغْتُ. فمَن قال: فَرِغْتُ. قال: أنا أفْرَعُ. ومن قال: فَرَغْتَ. قال: أنا أُفْرُغُ. وكذلك: رَكَنْتُ وَرَكِنْتُ، وشمِلهم أمرٌ (^٥) وشمَلهم. في كثيرٍ مِن الكلامِ. قال: و(الأعداءُ) رفعٌ؛ لأنَّ\n_________\n(^١) في الأصل: \"يشمت\"، وقراءة مجاهد شاذة.\n(^٢) بعده في معاني القرآن: \"أظنه الأعرج\".\n(^٣) في م: \"قال\".\n(^٤) معاني القرآن ١/ ٣٩٤.\n(^٥) في معاني القرآن: \"شر\".","vol":"10","page":460},{"text":"الفعلَ لهم، لمن قال: (تَشمَت) أو (^١) (تَشمِت) (^٢).\nوالقراءةُ التي لا أستجيزُ القراءةَ إلا بها قراءةُ مَن قرَأ: ﴿فَلَا تُشْمِتْ﴾ بضمِ التاءِ الأولى وكسرِ الميمِ - مِن: أشمتُّ به عدوَّه أُشْمِته به - ونَصْبِ \"الأعداءِ\"؛ لإجماعِ الحُجةِ مِن قرأةِ الأمصارِ عليها، وشذوذِ ما خالفها مِن القراءةِ، وكفى بذلك شاهدًا على فسادِ (^٣) ما خالَفها، هذا مع إنكارِ معرفةِ عامةِ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ: شمَّت فلانٌ فلانًا بفلانٍ. وشمَت فلانٌ بفلانٍ يشمِتُ (^٤). وإنما المعروفُ من كلامِهم إذا أخبروا عن شماتَةِ الرجلِ بعدوِّه: شمِت بهِ - بكسرِ الميمِ - يشمَتُ به. بفتحِها في الاستقبالِ.\nوأما قولُه: ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. فإنه قولُ هارونَ لأخيه موسى، يقولُ: لا تجعلنى في مَوْجِدتِك عليَّ وعقوبتِك لى، ولم أُخالِفْ أمرَك، محلَّ مَن عصاك فخالَف أمرَك وعبَد العجلَ بعدَك، فظلَم نفسَه، وعبدَ غيرَ مَن له العبادةُ، ولم أشايعْهم على شيءٍ مِن ذلك.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: أصحابِ العجلِ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) في الأصل: \"و\".\n(^٢) معاني القرآن ١/ ٣٩٤.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) بعده في م، ف: \"به\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٤٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٧٠ (٩٠٠١)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٧ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"10","page":461},{"text":"مجاهدٍ مثلَه.\n\n<span id=\"aya-1105\"></span><span data-type='title' id=toc-3538>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لما تبيَّن له عذرُ أخيه، وعلِم أنه لم يفرِّطْ في الواجبِ الذي كان عليه مِن أمرِ اللَّهِ في إنكارِ (^١) ما فعَله الجَهَلَةُ مِن عَبَدةِ العجلِ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾. مستغفرًا مِن فعلِه بأخيه ولأخيه مِن سالفٍ سلَف (^٢) له بينَه وبينَ اللَّهِ؛ تغمَّدْ ذنوبَنا بسترٍ منك تسترُها به، ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾. يقولُ: وارحمْنا برحمتِك الواسعةِ عبادَك المؤمنين، فإنك أنت أرحمُ بعبادِكَ مِن كلِّ مَن رحِم شيئًا.\n\n<span id=\"aya-1106\"></span><span data-type='title' id=toc-3539>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ إلهًا ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ بتعجيلِ اللَّهِ لهم ذلك، ﴿وَذِلَّةٌ﴾. وهى الهوانُ؛ لعقوبةِ اللَّهِ إيَّاهم على كفرِهم بربِّهم، ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: في عاجلِ الدنيا قبلَ آجلِ الآخرةِ.\nوكان ابن جُريجٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾. قال: هذا لَمْن مات ممن اتَّخَذ العجلَ قبلَ أن يرجِعَ موسى، ومَن فرَّ منهم حينَ أمرَهم موسى أن يقتُلَ بعضُهم بعضًا.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ارتكاب\".\n(^٢) سقط من: م، وفى ف: \"ما سلف\".","vol":"10","page":462},{"text":"وهذا الذي قاله ابن جُريجٍ، وإن كان قولًا له وجهٌ، فإن ظاهرَ كتابِ اللَّهِ مع تأويلِ أكثرِ أهلِ التأويلِ بخلافِه؛ وذلك أن اللَّهَ جلَّ ثناؤه عمَّ بالخبرِ عمَّنِ اتَّخذَ العجلَ أنه سينالُه غضبٌ مِن ربِّه وذِلَّةٌ في الحياةِ الدنيا، وتظاهرت الأخبارُ عن أهلِ التأويلِ مِن الصحابةِ والتابعين بأن اللَّهَ - إذ رجَع إلى بنى إسرائيلَ موسى - تاب على عَبَدةِ العجلِ مِن فعلِهم، بما أخبَر به عن قيل موسى لهم في كتابِه، وذلك قولُه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]. ففعَلوا ما أمَرهم به نبيُّهم ﵇، فكان أمرُ اللَّهِ إيَّاهم بما أمرَهم به مِن قتلِ بعضِهم أنفسَ بعضٍ، عن غضبٍ منه عليهم لعبادتِهم (^١) العجلَ، فكان قتلُ بعضِهم بعضًا هَوانًا لهم، وذلةً أَذلَّهم اللَّهُ بها في الحياةِ الدنيا، وتوبةً منهم إلى اللَّهِ قَبِلها، وليس لأحدٍ أن يجعلَ خبرًا جاء الكتابُ بعمومِه في خاصٍّ مما عمَّه الظاهرُ بغيرِ بُرهانٍ مِن حُجَّةِ خبرٍ أو عقلٍ، ولا نعلمُ خبرًا جاء يوجِبُ نقلَ ظاهرِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. إلى باطِنٍ خاصٍّ، ولا مِن العقلِ عليه دليل، فيجبَ إحالةُ ظاهرِه إلى باطِنِه.\nويعنى بقولِه ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾: وكما جزَيتُ هؤلاءِ الذين اتخَذُوا العجلَ إلهًا مِن إحلالِ الغضبِ بهم، والإذلالِ في الحياةِ على كفرِهم بربِّهم ورِدَّتهم عن دينِهم بعدَ إيمانِهم باللَّهِ - كذلك نجزِى كلَّ مَن افترَى على اللَّهِ فكذَب عليه، وأقرَّ بأُلُوهةِ غيرِه، وعبَد شيئًا سواه مِن الأوثانِ بعدَ إقرارِه بوحدانيةِ اللَّهِ، وبعدَ إيمانِه به وبأنبيائِه ورُسُلِه، وقيل (^٢): ذلك إذا لم يَتُبْ مِن كفرِه\n_________\n(^١) في م، س: \"بعبادتهم\".\n(^٢) في الأصل: \"قبل\".","vol":"10","page":463},{"text":"قبل قتلِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3540>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، قال: تلا أبو قِلابةَ: ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾. قال: فهو جزاءُ كلِّ مفترٍ يكونُ إلى يومِ القيامةِ، أن يُذِلَّه اللَّهُ ﷿ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو النعمانِ عارِمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، قال: قرَأ أبو قِلابةَ يومًا هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾. قال: هي واللَّهِ لكلِّ مفترٍ إلى يومِ القيامةِ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن ثابتٍ و(^٣) حميدٍ، أنّ (^٤) قيسَ بن عُبَادٍ وجاريةَ (^٥) بنَ قُدامةَ دخلا على عليِّ بن أبى طالبٍ ﵁، فقالا: أرأيتَ هذا الأمرَ الذي أنت فيه وتدعُو إليه، أَعَهْدٌ عَهِدَه إليك رسولُ اللَّهِ ﷺ، أم رأىٌ رأيتَه؟ قال: ما لكما ولهذا؟ أَعْرِضَا عن هذا. فقالا: واللَّهِ لا نُعْرِضُ عنه حتى\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣٦ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٧١ (٩٠٠٤) - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٧ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه إسحاق بن راهويه - كما في المطالب العالية (٣٩٨٠) -، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٧١ (٩٠٠٧) من طريق حماد بن زيد به.\n(^٣) في م: \"أن\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"بن\"، وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٦٤.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"حارثة\". وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٤٨٠.","vol":"10","page":464},{"text":"تُخبرَنا. فقال: ما عَهِد إليَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ إلا كتابًا في قِرابِ سَيْفى هذا. فاستلَّه، فاستَخْرج الكتابَ مِن قِرابِ سيفِه، وإذا فيه: \"إنه لم يكنْ نبيٌّ إلَّا له حَرَمٌ، وإنى حرَّمتُ المدينةَ كما حرَّم إبراهيمُ ﵇ مكَّةَ؛ لا يُحمَلُ فيها السلاحُ لقِتالٍ. مَن أحدثَ حدَثًا، أو آوَى مُحْدِثًا، فعليه لعنةُ اللَّهِ والملائكةِ والناسِ أجْمَعين، لا يُقبلُ منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ\". فلمَّا خرَجا قال أحدُهما لصاحبِه: أما ترى هذا الكتابَ؟ فرجَعا وترَكاه، وقالا: إنا سمِعنا اللَّهَ يقولُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾. وإن القومَ قد افترَوا فِريَةً، ولا أرى (^١) إلا ستنزِلُ بهم ذِلَّةٌ (^٢).\nحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عيينةَ، في قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾. قال: كلُّ صاحبِ بدعةٍ ذليلٌ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1107\"></span><span data-type='title' id=toc-3541>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه أنه قابلٌ مِن كلِّ تائبٍ إليه مِن ذَنْبٍ أتاه، صغيرةً كانت معصيتُه أو كبيرةً، كفرًا كانت أو غيرَ كفرٍ، كما قَبِل مِن عبَدَةِ العجلِ توبَتَهم بعدَ كفرِهم به بعبادتِهم العجلَ وارْتِدادِهم عن دينِهم.\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: والذين عمِلوا الأعمالَ السيئةَ ثم رجَعوا إلى طلبِ رضا اللَّهِ بإنابتِهم إلى ما يُحبُّ مما يَكرهُ، وإلى ما يرضَى مما يَسخَطُ، مِن بعدِ سيِّئ أعمالِهم،\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أدرى\".\n(^٢) أخرج آخره إسحاق بن راهويه - كما في المطالب العالية (٣٩٧٩) - من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن علي به، وأصله في البخارى (١٨٧٠)، ومسلم (١٣٧٠).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٧١ (٩٠٠٨)، والبيهقى في شعب الإيمان (٩٥٢٢) من طريق ابن أبي عمر العدنى عن سفيان به، وينظر تفسير البغوي ٣/ ٢٨٥.","vol":"10","page":465},{"text":"وصدَّقوا بأن اللَّهَ قابلٌ توبةَ المذْنبين، وتائبٌ على المُنيبين، بإخلاصٍ مِن (^١) قلوبِهم، ويقينٍ منهم بذلك، [﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمدُ، ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾. يعنى: من بعدِ توبتِهم من أعمالِهم السيِّئةِ] (^٢) ﴿لَغَفُورٌ﴾ لهم. يقولُ: لساترٌ عليهم أعمالَهم السيئةَ، وغيرُ فاضِحِهم بها، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم وبكلِّ مَن كان مثلَهم مِن التائبين.\n\n<span id=\"aya-1108\"></span><span data-type='title' id=toc-3542>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾: ولما [سكَن عن موسى غضبُه] (^٣). وكذلك كلُّ كافٍّ عن شيءٍ ساكتٌ عنه. وإنما قيل للساكتِ عن الكلامِ: ساكتٌ. لكفِّه عنه (^٤).\nوقد ذكِر عن يونسَ النحويِّ (^٥) أنه قال: يقالُ: سكَت عنه الحزنُ. وكلُّ شيءٍ فيما زعَم. ومنه قولُ أبى النَّجمِ العجليِّ (^٦):\nوهَمَّت الأفْعَى بأنْ تَسِيحا (^٧)\nوسَكَتَ المُكَّاءُ (^٨) أَنْ يَصِيحَا\n- ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾. يقولُ: أَخَذها بعدَما ألقاها، وقد ذهَب منها ما\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) سقط من: ص، س، وفى م، ت ١، ت ٢: \"كف موسى عن الغضب\"، وفى ف: \"سكت عن موسى الغضب\".\n(^٤) ينظر مجاز القرآن ١/ ٢٢٩.\n(^٥) في ص، ت ٢، س، ف: \"الحرمى\"، وفى ت ١، ت ٣: \"الجرمى\". وينظر ما تقدم في ٨/ ٢٤٥، وفى ص ٤٥٩.\n(^٦) ديوانه \"مجموع\" ص ٩١.\n(^٧) في ص، ت ١، س، ف، غير منقوطة، وفى م: \"تسبحا\".\n(^٨) المكاء بالضم والتشديد: طائر يألف الريف، وجمعه مكاكىً، وهو فُعّال من مَكَا إِذا صَفَر. ينظر اللسان (م ك و)، وحياة الحيوان الكبرى ص ٣٢٢.","vol":"10","page":466},{"text":"ذهَب. ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾. يقولُ: وفيما نُسِخَ فيها؛ أي كُتِبَ فيها (^١) ﴿هُدًى﴾: بيانٌ للحقِّ، ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾. يقولُ: للذين يخافون اللَّهَ، ويخشَون عقابَه على معاصِيه.\nواختلَف أهلُ العربيِة في وجهِ دخولِ اللامِ (^٢) في قولِه: ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ مع اسْتِقْبَاحِ العربِ أن يقالَ في الكلامِ: رَهِبتُ لك. بمعنى: رَهِبتُك، وأَكرمتُ لك. بمعنى: أكرمتُك؛ فقال بعضُهم: ذلك كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]. أوصَلَ الفعلَ باللامِ.\nوقال بعضُهم: مِن أجلِ ربِّهم يرهَبون.\nوقال بعضُهم: إنما أُدخِلَت عقيبَ الإضافةِ: الذين هم راهبون لربِّهم، وراهبو ربِّهم. ثم أُدخِلت اللامُ على هذا المعنى؛ لأنَّها عقيبَ الإضافةِ لا على التكلُّفِ (^٣).\nوقال بعضُهم: إنما فُعِل ذلك لأنَّ الاسمَ تقدَّم الفعلَ، فحَسُنَ إدخالُ اللامِ.\n[قال: و] (^٤) قد جاء مثلُه في تأخيرِ الاسمِ في قولِه: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢)﴾ [النمل: ٧٢].\nوذُكِر عن عيسى بن عمرَ أنه قال: سمِعتُ الفرزدقَ يقولُ: نقَدتُ له مائةَ دِرْهمٍ. يريدُ: نقَدْتُه مائةَ درهمٍ (^٥). قال: والكلامُ واسعٌ.\n\n<span id=\"aya-1109\"></span><span data-type='title' id=toc-3543>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾.</span>\n_________\n(^١) في م، س: \"منها\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"ففيها\".\n(^٢) في ف: \"الكلام\"، وكتب في حاشيتها: \"لعلها اللام\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"التكليف\"، وفى م: \"التعليق\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وقال آخرون\".\n(^٥) ينظر معاني القرآن ١/ ٢٣٣، واللسان (ن ق د).","vol":"10","page":467},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: واختَار موسى مِن قومِه سبعين رجلًا للوقتِ والأجلِ الذي كان اللَّهُ وعَده أن يلقاه فيه بهم؛ للتوبةِ إليه مما كان مِن فعلِ سُفَهائِهم في أمرِ العجلِ.\nكما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: إن اللَّهَ أمَر موسى أن يأتِيَه في ناسٍ مِن بنى إسرائيلَ يعتذِرون إليه مِن عبادةِ العجلِ، ووعَدهم موعِدًا، فاختار موسى قومَه سبعين رجلًا على عينِه، ثم ذهَب بهم ليعتذِرُوا، فلما أَتَوا ذلك المكانَ، قالوا: لن نؤمنَ لك يا موسى حتى نرى اللَّهَ جهرةً، فإنك قد كلَّمتَه فأَرِناه. فأخَذَتْهم الصاعقةُ فماتوا، فقام موسى يبكى ويدعو اللَّهَ ويقولُ: ربِّ ماذا أقولُ لبنى إسرائيلَ إذا أتيتُهم وقد أهلكتَ خيارَهم؟ ربِّ (^١) لو شئتَ أهلكتَهم مِن قبلُ وإيَّاى (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: اختار موسى مِن بنى إسرائيلَ سبعين رجلًا؛ الخيِّرَ فالخيِّرَ، وقال: انطلِقوا إلى اللَّهِ فتوبوا إليه مما صنَعْتم، وسَلُوه التوبةَ على مَن تَرَكْتُم وراءَكم مِن قومِكم، صوموا وتطَهَّروا، وطهِّروا ثيابَكم. فخرَج بهم إلى طورِ سَيْناءَ لميقاتٍ وقَّتَه له ربُّه، وكان لا يأتيه إلا بإذنٍ منه وعِلْمٍ، فقال له السبعون - فيما ذُكِر لى - حينَ صنَعوا ما أمَرهم به، وخرَجوا معه للقاءِ ربِّه: يا موسى اطلُبْ لنا نسمعْ كلامَ ربِّنا. فقال: أفعلُ. فلما دنا موسى مِن الجبلِ، وقَع عليه عمودُ الغَمامِ حتى تغشَّى الجبلَ كلَّه، ودنا موسى فدخَل فيه، وقال للقومِ: ادنوا - وكان موسى إذا كلَّمَه اللَّهُ وقَع على جبهتِه نورٌ ساطعٌ، لا يستطيعُ أحدٌ مِن بنى آدمَ أن ينظُرَ إليه - فضُرِب دونَه بالحجابِ، ودنا القومُ حتى إذا دخَلوا في\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) تقدم في ١/ ٦٩٥، ٦٩٦.","vol":"10","page":468},{"text":"الغمامِ وقعُوا سُجودًا، فسمِعوه وهو يكلِّمُ موسى؛ يأمُرُه وينهاه: افعلْ، ولا تفعلْ. فلما فرَغ إليه (^١) مِن أمرِه، [انكَشَف عن موسى الغمامُ فأقبَل] (^٢) إليهم، فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]. فأَخَذتْهُم الرَّجْفَةُ، وهى الصاعقةُ، فانفَلَتَتْ (^٣) أرواحُهم فماتوا جميعًا، وقام موسى يناشدُ ربَّه ويدعُوه ويَرْغَبُ إليه، ويقولُ: ربِّ لو شئتَ أَهْلَكْتَهم مِن قبلُ وإِيَّاى، قد سفِهُوا، أفتُهلِكُ (^٤) مَن ورائى مِن بني إسرائيلَ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. قال: كان اللَّهُ أمَره أن يختارَ مِن قومِه سبعين رجلًا، فاختارَ سبعين رجلًا، فبرَّزهم (^٦) ليدعُوا ربَّهم، فكان فيما دعَوُا اللَّهَ أَن قالوا: اللهمَّ أَعْطنا ما لم [تعطِه أحدًا قبلَنا ولم تعطِه] (^٧) أحدًا بعدَنا. فكرِه اللَّهُ ذلك مِن دعائِهم، فأخَذَتْهم الرجفةُ، قال موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ الآية (^٨).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ حيانَ، عن جعفرِ بن بُرْقَانَ، عن ميمونَ\n_________\n(^١) في م: \"الله\".\n(^٢) في م: \"وانكشف عن موسى الغمام أقبل\".\n(^٣) في الأصل: \"فالتفت\"، وفى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"فالتقت\"، وغير منقوطة في س. وفى تاريخ المصنف: \"فانفلتت\". ولعل الكلمة تصحفت من افتلتت، يقال: اقتلت فلان. أي: مات فجأة. ينظر لسان العرب (ف ل ت).\n(^٤) في الأصل: \"فتهلك\"، وفى ت ١ ت ٢: \"فهلك\"، وفى ف: \"فيهلك\".\n(^٥) تقدم في ١/ ٦٩٣ - ٦٩٥، وتخريجه في ١/ ٦٨٤.\n(^٦) في م: \"فبرز بهم \"وفى ت ١، ت ٢، س، ف: \"فبروهم\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"تعطه أحدا بعدنا\". وفى م: \"تعط أحدا بعدنا\". وينظر مصدر التخريج.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٧٤ (٩٠٢٣) من طريق أبى صالح به.","vol":"10","page":469},{"text":"يعنى ابنَ مهرانَ: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. قال: لموعدِهم الذي وعَدهم.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. قال: اختارهم لتمامِ الموعدِ (^١).\nوقال آخرون: إنما أخَذَتْهم الرجفةُ مِن أجلِ دعواهم على موسى قتلَ هارونَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3544>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى أبو إسحاقَ، عن عُمارةَ بن عبدٍ السلوليِّ، عن عليٍّ ﵁، قال: انطلَق موسى وهارونُ، [وشَبَّرٌ وشَبِيرٌ] (^٢)، فانطلَقوا إلى سفحِ جبلٍ، فنام (^٣) هارونُ على سريرٍ، فتوفاه اللَّهُ، فلما رجَع موسى إلى بني إسرائيلَ قالوا له: أينَ هارونُ؟ قال: توفاه اللَّهُ. قالوا: أنتَ قتَلتَه، حسَدتَنا على خُلُقِه ولينِه - أو كلمةً نحوَها - قال: فاختاروا مَن شِئْتم. قال: فاختاروا سبعين رجلًا. قال: فذلك قولُه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾. قال: فلما انتَهَوا إليه قالوا: يا هارونُ مَن قتَلك؟ قال: ما قتَلنى أحدٌ، ولكنْ توفَّانى اللَّهُ. قالوا: يا موسى لن نَعْصِىَ بعدَ اليومِ. قال: فأَخَذَتْهم الرجفةُ. قال: فجعَل موسى يرجعُ يمينًا وشَمالًا، وقال: يا ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾. قال: فأحْياهم اللَّهُ وجعَلهم أنبياءَ كلَّهم (^٤).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الوعد\". والأثر في تفسير مجاهد ص ٣٤٤.\n(^٢) في ص، ف: \"وسر وسر\" بدون نقط.\n(^٣) في الأصل، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فقام\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٢٩، ٥٣٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٧٣، ١٥٧٥ (٩٠١٨، ٩٠٢٨)، من طريق سفيان به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٧٨ عن الثورى به.","vol":"10","page":470},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ من بنى سلولَ، أنه سمِع عليًّا ﵁ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. قال: كان هارونُ حَسَنَ الخُلُقِ محبَّبًا في بنى إسرائيلَ. قال: فلمَّا مات دفنَه موسى. قال: فلمَّا أتَى بنى إسرائيلَ، قالوا له: أينَ هارونُ؟ قال: مات. قال: فقالوا: قتَلتَه. قال: فاختار منهم سبعين رجلًا. قال: فلما أتوا القبر قال موسى: أقتِلْتَ أو مِتَ؟ قال: مِتُّ. قال: فأُصْعِقُوا. قال: فقال موسى: يا ربِّ ما أقولُ لبنى إسرائيلَ إذا رجَعتُ؟ يقولون: أنتَ قتلتَهم. قال: فأُحيُوا وجُعِلوا أنبياءَ.\nحدَّثني عبيدُ (^١) اللَّهِ بنُ الحجاجِ بن المنهالِ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا الربيعُ بنُ حبيبٍ، قال: سَمعتُ أبا سعيدٍ، يعنى الرَّقاشيَّ، وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. فقال: كانوا أبناءَ ما عدا عشرين، ولم يَتَجاوزوا الأربعين؛ وذلك أن ابنَ عشرين قد ذهَب جهلُه وصباه، وأن مَن لم يتجاوزِ الأربعيَن لم يفقِدْ مِن عقلِه شيئًا (^٢).\nوقال آخرون: إنما أخَذتِ القومَ الرجْفةُ لتركِهم فراقَ عبدةِ العجلِ، لا لأنهم كانوا مِن عبَدتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3545>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾، فقرَأ حتى بلَغ: ﴿السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾: ذُكِر لنا أن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: إنما تناولتْهم الرجْفةُ لأنهم لم يزايلوا القومَ حيَن نصبُوا العجلَ،\n_________\n(^١) في النسخ: \"عبد\". وينظر ٨/ ٢٠٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٧٤ (٩٠٢٢) من طريق أبى سلمة الربيع بن حبيب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٩ إلى أبى الشيخ وابن المنذر.","vol":"10","page":471},{"text":"وقد كرِهوا أن يجامِعوهم عليه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريحٍ قولَه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾: ممن لم يكنْ قال ذلك القولَ، على أنهم لم يُجامعوهم عليه، فأخذتْهم الرجْفةُ من أجلِ أنهم لم يكونُوا باينوا قومَهم حينَ اتخذُوا العجل. قال: فلما خرجُوا ودعَوا، أماتهم الله ثم أحياهم، ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾: والميقاتُ الموعدُ، فلما أخَذتْهم الرجفةُ بعد أن خرَج موسى بالسبعين مِن قومِه يدعون اللَّهَ ويسألونه أن يكشِفَ عنهم البلاءَ، فلم يَستجبْ لهم، عَلِمَ موسى أنهم قد أصابوا مِن المعصيةِ ما أصاب قومُهم. قال أبو (^٣) سعدٍ: فحدَّثني محمدُ بنُ كعبٍ القرظيُّ، قال: لم يُسْتَجَبْ لهم مِن أجلِ أنهم لم ينهَوهم عن المنكرِ، ويأمروهم بالمعروفِ. قال: فأخذتْهم الرجفةُ فماتوا، ثم أحياهم اللَّهُ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، عن سعيدِ بن حيانَ، عن ابن عباسٍ: إن السبعين الذين اختارهم موسى مِن قومِه، إنما أخَذتْهم الرجفةُ أنهم لم يرضَوا ولم ينهَوا عن العجلِ (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٧٨ بنحوه.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ٢٨٦ بمعناه مختصرًا.\n(^٣) في ص، م، ت ١، س، ف: \"ابن\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٧٥ (٩٠٢٧) من طريق عوف، عن سعيد بن حيان قوله.","vol":"10","page":472},{"text":"حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، قال: ثنا سعيدُ بنُ حيانَ، عن ابن عباسٍ بنحوِه.\nواختَلف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ قولهِ: ﴿قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾؛ فقال بعضُ نحوييِّ البصرةِ: معناه: واختار موسى مِن قومِه سبعين رجلًا. فلما نُزِعَ \"مِن\" أُعْمِل الفعلُ، كما قال الفرزدقُ (^١).\nومنا الذي اخْتِيرَ الرجالَ سماحةً … وجودًا (^٢) إذا هبَّ الرياحُ الزعازِعُ\nوكما قال الآخرُ (^٣):\nأمَرْتُك الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ به … فقد تَرَكْتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ (^٤)\nوقال الراعي (^٥):\nاخْتَرْتُكَ النَّاسَ إِذ غَثَّتْ (^٦) خَلائِقُهم … واعْتَلَّ مَن كان يُرْجَى عنده السُّولُ\nوقال بعضُ نحوييِّ الكوفةِ (^٧): إنما استُجِيز وقوعُ الفعلِ عليهم إذا طُرِحت \"من\"؛ لأنه مأخوذٌ مِن قولِك: هؤلاء خيرُ القومِ. وخيرٌ من القومِ.\n_________\n(^١) ديوانه ص ٥١٦.\n(^٢) في الديوان: \"وخيرا\".\n(^٣) اختلف في نسبته؛ فنسب في المؤتلف والمختلف ص ١٧ إلى أعشى طرود، ونسب في الكتاب ١/ ٣٧، وشرح شواهد المغنى ٢/ ٧٢٧ إلى عمرو بن معد يكرب، وقد نسب أيضًا إلى العباس بن مرداس وزرعة بن السائب وخفاف بن ندبة، كما في خزانة الأدب ١/ ٣٤٣.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"نسب\" بالسين المهملة، وقد روى البيت بالوجهين، والنشب: جميع ما يملك من المال، وقيل: المال الأصيل الثابت بمعنى العقار كالدور والضياع، مأخوذ من نشب الشيء إذا ثبت في موضع لزومه. خزانة الأدب ١/ ٣٤١.\n(^٥) ديوانه (مجموع) ص ١٨٦.\n(^٦) في ت ١، ف: \"عنت\"، وفى الديوان: \"رثت\" بمعنى بليت، و\"غثت خلائقهم\": ساءت. ينظر لسان العرب (غ ث ث).\n(^٧) هو الفراء في معاني القرآن ١/ ٣٩٥.","vol":"10","page":473},{"text":"فلما (^١) جازتِ الإضافةُ مكانَ \"مِن\" ولم يتغيَّرِ المعنى، استجازوا أن يقولوا: اخترتُكم رجلًا. و: اخترتُ منكم رجلًا. وقد قال الشاعرُ (^٢)\n* [فقُلْتُ له اخترْها قَلُوصًا سَمِينَةً*\nوقال الراجز (^٣):] (^٤)\nتحتَ التي اختارَ (^٥) له اللَّهُ الشَّجَرُ\nبمعنى: اختارها اللَّهُ له مِن الشجرِ.\nوهذا القولُ الثاني أولى عندى في ذلك بالصوابِ؛ لدلالةِ الاختيارِ على طلبِ \"من\" التي بمعنى التبعيضِ، ومِن شأنِ العربِ أن تحذفَ الشيءَ مِن حشوِ الكلامِ إذا عُرِف موضعُه، وكان فيما أظهَرتْ دلالةٌ على ما حذَفتْ، فهذا مِن ذلك إن شاء اللَّهُ.\nوقد بيَّنا معنى \"الرجفةِ\" فيما مضى بشواهدِها (^٦)، وأنها ما رجَف بالقومِ وزعزَعَهُم (^٧) وحرَّكهم؛ أهلَكَهم (^٨) بعدُ فأماتهم، أو أصْعَقهم فسلَب أفهامَهم.\nوقد ذكرْنا الروايةَ في (^٩) هذا الموضعِ، وقولَ مَن قال: إنها كانت صاعقةً أماتَتْهم (^١٠).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فإذا\".\n(^٢) هو الراعى النميري، وهذه رواية الفراء في معاني القرآن، ورواية الديوان:\n*فقلت لرب الناب خذها ثنية*\n(^٣) هو العجاج، والبيت في ديوانه ص ٧.\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) في ص، ت ١، س، ف: \"اختارها\".\n(^٦) تقدم في ص ٣٠٢.\n(^٧) في ص، ت ١، س، ف: \"رعوبهم\"، وفى م: \"أرعبهم\".\n(^٨) في ص، م: \"وأهلكهم\".\n(^٩) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"غير\".\n(^١٠) ينظر ما تقدم ص ٤٦٨ - ٤٧٣.","vol":"10","page":474},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: ماتوا ثم أحياهم (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾: اختارَهم موسى لتمامِ الموعدِ، ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: ماتوا ثم أحياهم اللَّهُ.\nحدَّثني عبدُ الكريمِ، قال: ثنا إبراهيمُ، قال: ثنا سفيانُ، قال: قال أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾. قال: رُجِف بهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3547>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: أفتُهلِكُ هؤلاء الذين أهلكتَهم بما فعل السفهاءُ منا؟ أي: بعبادةِ مَن عبَد العجلَ؟ قالوا: وكان اللَّهُ جلَّ ثناؤُه إنما أهلَكهم لأنهم كانوا ممَّن عبَد العجلَ، وقال موسى ما قال ولا عِلْمَ عندَه بما كان منهم في (^٢) ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-3546>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾. فأوحى اللَّهُ إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممن اتخَذَ العجلَ. فذلك حينَ يقولُ موسى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٤٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٧٥ (٩٠٢٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"من\".","vol":"10","page":475},{"text":"مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: إن إهلاكَك هؤلاء الذين أهلكتَهم هلاكٌ لمَن وراءَهم من بنى إسرائيلَ إذا انصرفتُ إليهم، وليسوا معى، و\"السفهاءُ\" على هذا القولِ كانوا المُهْلَكين الذين سألوا موسى أن يريَهم اللَّهَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3548>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما أخذَت الرجفةُ السبعين فماتوا جميعًا، قام موسى يناشدُ ربَّه ويدعُوه، ويرغبُ إليه، يقولُ: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾. قد سفِهوا، أفتُهْلِكُ مَن ورائى مِن بنى إسرائيلَ بما فعَل السفهاءُ منا؟ أي: إن هذا لهم هلاكٌ، قد اخترت منهم سبعين رجلًا الخيِّرَ فالخيِّرَ، أَرْجِعُ إليهم وليس معى رجلٌ واحدٌ؟ فما الذي يصدِّقونني به، أو يأْمَنونني عليه بعدَ هذا (^١)؟\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾: أتواخذُنا وليس مِنّا رجلٌ واحدٌ ترَك عبادتَك؟ ولا استبدَل بك غيرَك؟\nوأولى الأقوالِ (^٢) بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: إن موسى إنما حزِن على هلاكِ السبعين بقولِه: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾. وأنه إنما عنَى بالسفهاءِ عبدةَ العجلِ، [وأنَّ موسى حين قال ما قال مِن ذلك لم يكنْ عندَه السبعون من عبدةِ العجلِ] (^٣). وذلك أنه محالٌ أن يكونَ موسى كان تخيَّر مِن قومِه لمسألةِ ربِّه جلَّ ثناؤُه\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص ٤٦٨.\n(^٢) في ص، م، ت، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"القولين\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ف.","vol":"10","page":476},{"text":"ما أراد (^١) أن يسألَ لهم إلا الأفضلَ فالأفضلَ منه، ومحالٌ أن يكونَ الأفضلُ كان عندَه مَن شَرِك (^٢) في عبادة العجل واتخذه دونَ اللَّهِ إلهًا.\nقال: فإن قال قائلٌ: فجائزٌ أن يكونَ موسى كان معتقِدًا أن اللَّهَ يعاقبُ قومًا بذنوبِ غيرِهم، فيقولُ: أتهلكُنا بذنوبِ مَن عبَد العجلَ، ونحن مِن ذلك برآءُ؟\nقيل: جائزٌ أن يكونَ معنى [ذلك الهلاكِ] (^٣) قبضَ الأرواحِ على غيرِ وجهِ العقوبةِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]. بمعنى: مات، فيقول: أتميتُنا بما فعَل السفهاءُ منا؟\nوأما قولُه: هو ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾. فإنه يقولُ: ما هذه الفَعْلةُ التي فعَلها قومِى، من عبادتهم ما عبدوا دونَك، إلا فتنةٌ منك أصابتهم. ويعنى بـ \"الفتنةِ\" الابتلاء والاختبار. يقولُ: ابتليتَهم بها ليتبينَ الذي يَضِلُّ عن الحقِّ بعبادتِه إياه، والذي يهتدى بتركِ عبادته. وأضاف إضلالَهم وهدايتَهم إلى اللَّهِ، إذ كان ما كان منهم مِن ذلك عن سببٍ منه جلَّ ثناؤُه.\nوبنحو ما قلنا في \"الفتنةِ\"، قال جماعةٌ مِن أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3549>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾. قال: بَلِيَّتُكَ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حبُّويَه الرازيُّ، عن يعقوبِ، عن جعفرِ بن أبى\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أراه\".\n(^٢) في م: \"أشرك\".\n(^٣) في ص، ت ١، س، ف: \"الهلاك\"، وفى م، ت ٢: \"الإهلاك\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٧٨.","vol":"10","page":477},{"text":"المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾: إلا بَلِيَّتُكَ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبرنا أبو (^٢) جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾. قال: بليَّتُكَ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ﴾: إن هو إلا عذابُك تصيبُ به مَن تشاءُ، وتصرِفُه عمن تشاءُ (^٤).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾: أنت فتنتَهم (^٥).\nوقولُه: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾. يقولُ: أنت ناصِرُنا، ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾. يقولُ: فاستُرْ علينا ذنوبَنا بتركِك عقابَنا عليها، ﴿وَارْحَمْنَا﴾: تعطَّفْ علينا برحمتِك، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ يقولُ: وأنت خيرُ مَن صفَح عن جُرْمٍ، وستَر على ذنبٍ.\n\n<span id=\"aya-1110\"></span><span data-type='title' id=toc-3550>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن دعاءِ نبيِّه موسى ﵇ أنه قال فيه: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا﴾: اجعلنا ممَّن كَتبتَ له ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: وهى الصالحاتُ مِن الأعمالِ، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ممن كتبتَ له المغفرةَ لذنوبِه.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٧٦ عقب الأثر (٩٠٣١) معلقا بنحوه.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ابن\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٧٦ (٩٠٣١)، من طريق عبد الرحمن بن سعد به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٧٥، ١٩٧٦ (٩٠٣٠، ٩٠٣٣، ٩٠٣٤) من طريق أبى صالح به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٧٦ (٩٠٣٢) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"10","page":478},{"text":"كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال: مغفرةً (^١).\nوقولُه: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. يقولُ: إنا تُبْنا إليك.\nوبنحوِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3551>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ وابنُ فضيلٍ وعمرانُ بنُ عيينةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ (^٢) - قال عمرانُ: عن ابن عباسٍ - ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. قال: إنا تُبْنا إليك (^٣).\n[حدَّثنا ابن وكيعٍ] (^٤)، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبَابٍ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، [عن ابن عباسٍ] (^٤)، قال: تُبْنَا إليكَ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ قال: تُبْنا إليك.\n[حدَّثنا ابن وكيعٍ] (^٤)، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ بكرٍ، عن حاتمِ بن أبى صَغِيرةَ (^٥) عن سِماكٍ، أن ابنَ عباسٍ قال في هذه الآيةِ ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. قال: تُبْنا إليك.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٩ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) بعده في م: \"و\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٤٠ من طريق عطاء، عن سعيد بن جبير قوله، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٧٧ (٩٠٤١) من طريق مجاهد، عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر من طرق عن ابن عباس.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"مغيرة\".","vol":"10","page":479},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: أحسَبُه عن ابن عباسٍ قال: ﴿هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. قال: تُبْنا إليك.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. يقولُ: تُبْنا إليك.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ (^١)، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ الأصبهانيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. قال: تُبنا إليك.\nحدَّثنا ابن بشارٍ (^١)، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ووكيعُ بنُ الجراحِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الرحمنِ بن الأصبهانيِّ، عن سعيد بن جبيرٍ بمثلِه (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ابن الأصبهانيِّ، عن سعيدِ بن جبير مثلَه.\n[حدَّثنا ابن وكيعٍ] (^١)، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: تُبْنا إليك.\n[حدَّثنا ابن وكيعٍ] (^١)، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن العوامِ، عن إبراهيمَ التيميِّ، قال: تُبْنا إليك (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن العوّامِ، عن\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) تفسير سفيان ص ١١٤.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٤٣٢ عن محمد بن يزيد به.","vol":"10","page":480},{"text":"إبراهيمَ التيميِّ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾: أي: إِنَّا تُبْنا إليك.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. قال: تبنا (^١).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ يقولُ: تُبْنا إليك (^٢).\nحدَّثني (^٣) محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. يقولُ: تُبْنا إليك (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبى العاليةِ، قال: تُبْنا إليك.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي حُجَيْرٍ (^٥)، عن الضحاكِ، قال: تُبْنا إليك (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣٩ عن معمر به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٧٩.\n(^٣) في م: \"قال حدثنا\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٤٤.\n(^٥) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"جحير\". وسيأتي على الصواب في ٢٠/ ١٠٧. وينظر لسان الميزان ٧/ ٣٢.\n(^٦) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٧٧ عقب الأثر (٩٠٤١) معلقا.","vol":"10","page":481},{"text":"قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: تُبْنا إليك.\nوحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ. فذكَر مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنى أبى وعبيدُ اللَّهِ، عن شريكٍ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، قال: تُبْنا إليك.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حبُّويَه أبو يزيدَ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبى، عن شريكٍ، عن جابرٍ، عن (^١) عبدِ اللَّهِ بن نُجَيٍّ (^٢) عن عليٍّ، قال: إنما سُمِّيت اليهودُ لأنهم قالوا: ﴿هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. يعنى: تبْنا إليك.\nحدَّثنا ابن البرقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أَبى سَلَمةَ، قال: سمِعتُ رجلًا يسألُ سعيدًا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. قال: إنا تُبْنا إليك.\nوقد بيَّنا معنى ذلك بشواهدِه فيما مضى بما أغنى عن إعادتِه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-3552>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"بن\". ينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٢١٩.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يحيى\". وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٢١٩.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٧٩ عن المصنف.\n(^٤) تقدم في ٢/ ٣٢.","vol":"10","page":482},{"text":"وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾.\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: قال اللَّهُ لموسى: هذا الذي أصبتُ به قومَكَ مِن الرجفةِ ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ مِن خَلْقِى، كما أصبتُ (^١) به هؤلاءِ الذين أصبتُهم به مِن قومِك ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: ورحمتى عمَّت خلقى كلَّهم.\nوقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: مخرجُه عامٌّ ومعناه خاصٌّ، والمرادُ به ورحمتى وسِعت المؤمنين بى مِن أمةِ محمدٍ ﷺ. واستَشْهَد بالذي بعدَه مِن الكلامِ، وهو قولُه: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الآية كلها.\n\n<span data-type='title' id=toc-3553>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو سلَمةَ المِنْقَريُّ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، قال: أخبَرنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. قال: جَعَلها اللَّهُ لهذه الأُمةِ (^٢).\nحدَّثني عبدُ الكريمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: قال سفيانُ: قال أبو بكرٍ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"أصيب\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٨٠، ١٠٨١ (٩٠٥٥)، من طريق حماد بن سلمة به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٠٣، والبزار (٢٢١٣ - كشف)، والحاكم ٢/ ٣٢٢، من طريق عطاء به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"10","page":483},{"text":"الهذليُّ: لما (^١) نزَلت: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قال إبليسُ: أنا مِن الشئِ. فنزَعها اللَّهُ مِن إبليسَ، قال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. فقالت اليهودُ: نحن نتَّقِى ونؤتِى الزكاةَ ونؤمنُ بآياتِ ربِّنا. فنزَعها اللَّهُ مِن اليهودِ، وقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآيات كلها. قال: فنزَعها اللَّهُ مِن إبليسَ ومِن اليهودِ، وجعَلها لهذه الأمةِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: لما نزَلت ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. قال إبليسُ: أنا مِن ذلك، من \"كلِّ شيءٍ\" قال اللَّهُ: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾ الآية. فقالت اليهودُ: نحن نتَّقى ونؤتى الزكاةَ. فأَنزَل اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾. قال: فعزَلها (^٣) اللَّهُ عن إبليسَ وعن اليهودِ، وجعَلها لأُمةِ محمدٍ، فسأكتُبها للذين يتَّقون مِن قومِك (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. فقال إبليسُ: أنا مِن ذلك الشئِ. فأنزَل اللَّهُ: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ معاصىَ اللَّهِ، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. فتَمْنَّتْها اليهودُ والنَّصارى، فأنزَل اللَّهُ شرطًا وثيقًا بيِّنًا، فقال: ﴿الَّذِينَ\n_________\n(^١) في ص م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فلما\".\n(^٢) أخرج أوله ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٧٩ (٩٠٥٠)، من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٠ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"نزعها\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"10","page":484},{"text":"يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾: وهو نبيُّكم كان أُمِّيًا لا يكتُبُ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: أخبرنا خالدٌ الحذّاءُ، عن أُنَيسٍ (^٢) أبى العُريانِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. قال: فلم يُعْطَها، فقال: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. إلى قولِه: ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ وعبدُ الأعلى، عن خالدٍ، عن أُنَيسٍ (^٤) أبى العُريانِ (^٥) - قال عبدُ الأعلى: عن أَنَسٍ أبى (^٦) العُريانِ - قال (^٧): قال ابن عباسٍ: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. قال: فلم يُعْطَها موسى، ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: كان اللَّهُ كتَب في الألواحِ ذِكْرَ محمدٍ وذِكْرَ أمتِه، وما ذَخَر (^٨) لهم عندَه، وما يسَّر عليهم في دينِهم، وما وسَّع عليهم فيما أحلَّ لهم، فقال: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٠٧٩ (٩٠٥١) من طريق سعيد به مختصرا. وينظر تفسير البغوي ٣/ ٢٨٨.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت،٢ س، ف \"بن\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور (٩٦٤) عن ابن علية به.\n(^٤) بعده في م، ت ٢: \"بن\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أنيس\".\n(^٦) في ص، م، ت ٢، ف: \"بن\".\n(^٧) في ص، م، ت ٢: \"وقال\".\n(^٨) في م، ت ٢: \"ادخر\".","vol":"10","page":485},{"text":"أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. يعنى الشركَ، الآية (^١).\nوقال آخرون: بل ذلك على العمومِ في الدنيا، وعلى الخصوص في الآخرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3554>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسنِ وقتادة في قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. قالا: وسعتْ في الدنيا البرَّ والفاجرَ، وهى يومَ القيامة للذين اتقَوا خاصَّةً (^٢).\nوقال آخرون: هي على العموم، وهي التوبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-3555>ذكر من قال ذلك</span>\nحدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَنتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الغَافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾: سأل موسى هذا، فقال الله: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾. للعذابِ (^٣) الذي ذكر، ﴿وَرَحْمَتِي﴾ التوبة (^٤). ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. قال: فرحمته التوبة التي سأل موسى، كتبها الله لنا (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٠٧٩ (٩٠٠٢) من طريق أبي صالح به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٧٨ (٩٠٤٧) من طريق عبد الرزاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٠ إلى عبد الرزاق وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"العذاب\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ﴿وسعت كل شيء﴾.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٧٨ (٩٠٤٤، ٩٠٤٦) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"10","page":486},{"text":"وأما قوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، فإنه يقولُ: فسأكتُبُ رحمتي التي وسعت كل شيءٍ. ومعنى \"أكتبُ\" في هذا الموضع: أكتب في اللوح الذي كُتب فيه التوراة، ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. يقول: للقوم الذين يخافون الله، ويخشونَ عقابَه على الكفر به، والمعصية له في أمره ونهيه، فيؤدُّونَ فرائضَه ويَجْتَنِبونَ معاصيه.\nوقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي وصَف الله هؤلاء القوم بأنهم يتقُونَه؛ فقال بعضُهم: هو الشرك.\n\n<span data-type='title' id=toc-3556>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس: ﴿فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. يعنى الشرك (^١).\nوقال آخرون: بل هو المعاصى كلها.\n\n<span data-type='title' id=toc-3557>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ معاصى اللهِ (^٢).\nوأمَّا الزكاة وإيتاؤُها، فقد بينا صفتها فيما مضى بما أغنى عن إعادته (^٣).\nوقد ذكر عن ابن عباس في هذا الموضع أنه قال في ذلك ما حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس: ﴿وَيُؤْتُونَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣١ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٨٠ (٩٠٠٨) من طريق يزيد به.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٦١١ - ٦١٣","vol":"10","page":487},{"text":"الزَّكَاةَ﴾. قال: يُطيعونَ اللَّهَ ورسوله (^١).\nفكأنَّ ابن عباس تأوَّلَ ذلك بمعنى أنه العمل بما يزكَّى النفس ويُطَهِّرُها من صالحات الأعمال.\nوأما قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. فإنه يقول (^٢): وللقوم الذين هم بأعلامنا وأدلَّتِنا يُصدِّقون ويُقرُّون.\n\n<span id=\"aya-1111\"></span><span data-type='title' id=toc-3559>القول في تأويل قوله جل وعزّ: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾.</span>\nوهذا القولُ إبانةٌ من الله جل ثناؤه عن أن الذين وعد موسى نبيه ﵇ أن يكتب لهم الرحمة التي وصفها جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. هم أمة محمد ﷺ؛ لأنَّه لا يعلم الله رسولٌ وُصِفَ بهذه الصفة - أعنى الأميَّ - غير نبينا محمد. وبذلك جاءت الروايات عن أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3558>ذكرُ [الرواية عنهم بذلك]</span> (^٣)\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمران بن عُيَيْنَةَ، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. قال: أمة محمد ﷺ.\n[حدثنا ابن وكيع] (^٤)، قال: ثنا زيدُ بنُ حُباب، عن حماد بن سلمةَ، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: أمة محمد ﷺ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٨٠ (٩٠٦٠) من طريق أبي صالح بنحوه.\n(^٢) بعده في الأصل: \"وللعموم\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"من قال ذلك\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت، ت ٣، س، ف.\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ٤٨٣.","vol":"10","page":488},{"text":"حدثنا أبو كريبٍ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا يحيى بن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيد في قوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. قال: أمة محمد، فقال موسى: ليتنى خُلِقتُ مِن (^١) أمةٍ محمد (^٢).\nحدثنا ابن حميد وابن وكيعٍ، قالا: ثنا جابر (^٣)، عن عطاء، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. قال: الذين يتَّبِعون محمدا [ﷺ.\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عَن نَوْفٍ الحميريِّ، قال: لما اختار موسى قومَه سبعين رجلا لميقات ربِّه فقال الله لموسى: أجعل لكم الأرضَ مسجدًا وطَهُورًا، وأجعل السكينة معكم في بيوتكم، وأجعلكم تقرءونَ التوراة عن ظهر (^٤) قلوبكم، يقرؤها الرجل منكم والمرأة والحرُّ والعبد والصغير والكبير. فقال موسى لقومه: إن الله قد جعل (^٥) لكم الأرضَ طَهُورًا ومسجدًا. قالوا: لا نريد أن نُصلِّىَ إلا في الكنائس. قال: ويجعلُ السكينة معكم في بيتكم. قالوا: لا نريد إلا أن تكونَ كما كانت في التابوت. قال: ويجعلكم تقرءونَ التوراة عن ظهر] (٤) قلوبِكم، ويقرؤها الرجل منكم والمرأة والحر والعبد والصغير والكبيرُ. قالوا: لا نريد أن نقرأها إلَّا نَظَرًا. فقال الله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^٦).\nحدثنا محمد بن عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمد بن ثُورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن يحيى\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت،٢، ت ٣، س، ف: \"في\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣١ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) في ص، م، ت،١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"جرير\".\n(^٤) في م: \"ظهور\".\n(^٥) في م، ف: \"يجعل\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٧٩ (٩٠٠٣) من طريق ليث به بمعناه مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٩ إلى أبى الشيخ.","vol":"10","page":489},{"text":"ابن أبي كثير، عن نوف البكالى، قال: لما انطلق موسى بوفد بنى إسرائيل كلَّمه الله، فقال: إنى قد بسطتُ لهم الأرضَ طَهورًا ومساجدَ يُصلون فيها حيث أدركتهم الصلاة، إلا عند مرحاضٍ أو قبر أو حمَّامٍ، وجعلت السكينة في قلوبهم، وجعَلتهم يقرءون التوراة عن ظهرِ ألسنتهم. قال: فذكر ذلك موسى لبنى إسرائيل، فقالوا: لا نستطيعُ حَمْلَ السكينة في قلوبنا، فاجعلها لنا في تابوت، ولا نقرأُ التوراة إلا نظرا، ولا نُصلِّي إلا في الكنيسة. فقال الله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ حتى بلغ: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. قال: فقال موسى: يا رب اجعلنى نبيهم. قال: نبيُّهم منهم. قال: ربّ اجعلني منهم، قال: لن تُدركهم. قال: يا رب أتيتُك بوفد بنى إسرائيل، فجعلت وفادَتَنا لغيرنا. فَأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]. قال نوف البِكاليُّ: فاحْمدوا الله الذي حفظ غيبتكم (^١)، وأَخَذَ لكم سهمكُم، وجَعَلَ وفادة بنى إسرائيل لكم (^٢).\nحدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا مُعاذ بن هشام، قال: ثنى أبي، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن نوفٍ البِكاليِّ بنحوه، إلا أنه قال: وإنى أُنزِلُ عليكم التوراة تقرءُونها عن ظهر ألسنتكم، رجالكم ونساؤكم وصبيانكم. قالوا: لا نصلى إلا في كنيسة. ثم ذكر سائر الحديثِ نحوه.\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق بن إسماعيل، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. قال: أمةُ محمد.\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عليكم\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٩ إلى ابن أبي حاتم وأبى الشيخ.","vol":"10","page":490},{"text":"حدثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّي: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. قال: هؤلاء أمة محمد ﷺ.\nحدثنا بشر بن معاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: لما قيل: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. تَمَنَّتْها اليهود والنصارى، فأنزلَ اللَّهُ شَرْطًا بَيِّنًا وثيقًا، فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾: وهو نبيُّكم، كان أميا لا يكتب (^١).\nوقد بيَّنا معنى \"الأميِّ\" فيما مضى قبل مما أغنى عن إعادتِه (^٢).\nوأما قوله: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَةِ وَالإنجيل﴾. فإن الهاء في قوله: ﴿يَجِدُونَهُ﴾ عائدة على \"الرسول\"، وهو محمد ﷺ.\nكذلك حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾: هذا محمد ﷺ.\nحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عثمان بن عمرَ، قال: ثنا فليحٌ، عن هلال بن عليٍّ، عن عطاء بن يسارٍ، قال: لَقِيتُ عبدَ اللَّهِ بن عمرو، فقلتُ: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. قال: أجَلْ، والله إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن: ياأيها النبيُّ إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرا. وحِرْزًا للأميين، أنت عبدى ورسولي، [أسميتك اسمَك] (^٣) المتوكل، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ ولا صخَّابٍ (^٤) في الأسواق، ولا يَجْزِى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفحُ، ولن نقبضه حتى نقيم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٨١ من طريق يزيد به.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ١٥٣، ١٥٤.\n(^٣) في م: \"سميتك\"، وفى ف: \"سميتك اسمك\".\n(^٤) في الأصل، ص، ت ٢: \"صخب\".","vol":"10","page":491},{"text":"به المِلَّةَ العوجاءَ، بأن يقولوا: لا إله إلا الله. فنُقِيمَ (^١) به قلوبًا غُلْفًا، وآذانا صُمًّا، وأعينًا عُمْيًا. قال عطاءٌ: ثم لقيتُ كعبا فسألته عن ذلك، فما اختلفا (^٢) حرفًا، إلا أن كعبا قال بلُغَتِه: قلوبًا غُلوفيا، وآذانًا صُمُومِيا (^٣)، وأعينا عُموميا (^٤). [قال أبو جعفر: وهذه لغةٌ حِمْيريَّةٌ] (^٥).\nحدثني أبو كريب، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا فليح بن سليمان، عن هلال بن عليٍّ، قال: ثنى عطاء، قال: لقيتُ عبد الله بن عمرو بن العاص. فذكر نحوَه، إلا أنه قال في كلام كعبٍ: أعينا عموما، وآذانا صمومًا، وقلوبًا غُلوفًا (^٦).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا موسى، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي (^٧) سَلَمَةَ، عن هلال بن عليٍّ، عن عطاء بن يسار، عن عبدِ اللهِ بن عمرو بنحوه، وليس فيه كلام كعب.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: قال الله ﷿: ﴿الَّذِي يَجدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ﴾. يقولُ: يجدون نعته وأمره ونبوتَه مكتوبا عندهم (^٨) (^٩).\n\n<span data-type='title' id=toc-3560>القول في تأويل قوله جلّ وعزّ: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرَّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ</span>\n_________\n(^١) في م: \"فتفتح\"، وفى ف: \"فتقوم\".\n(^٢) في ص، ت ٢: اختلفنا\".\n(^٣) في الأصل: \"صوميا\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٨٤ عن المصنف.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٦) أخرجه ابن سعد ١/ ٣٦٢، وأحمد ١١/ ١٩٣ (٦٦٢٢) عن موسى بن داود به، وأخرجه ابن سعد ١/ ٣٦٢، والبخارى (٢١٢٥)، والبيهقى في الدلائل ١/ ٣٧٣ - ٣٧٤ من طريق فليح به.\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٨) أخرجه ابن سعد ١/ ٣٦١، ٣٦٢، والبخارى (٤٨٣٨)، والبيهقى في الدلائل ١/ ٣٧٥ من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة به.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٨٢ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣١ إلى ابن سعد وأبى الشيخ.","vol":"10","page":492},{"text":"وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾.\nيقول تعالى ذكره: يأمرُ هذا النبيُّ الأُمِّيُّ تُبَّاعَه (^١) بالمعروف، وهو الإيمان بالله ولزوم طاعته فيما أمر ونهى، فذلك المعروفُ الذي يأمرهم به، ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾. وهو الشرك بالله، والانتهاء عما نهاهم الله عنه.\nوقوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾. وذلك ما كانت الجاهلية تحرمه من البحائر (^٢) والسَّوائب والوصائل والحوامِي، ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ﴾. وذلك لحمُ الخنزير والربا وما كانوا يستحلُّونَه من المطاعم والمشارب التي حرمها الله.\nكما حدثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباسٍ: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾: وهو لحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلُّونه من المحرَّماتِ من المآكل التي حرَّمها اللَّهُ (^٣).\nوأما قوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾، فَإِن أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: يعنى بـ \"الإصْرِ\" العهد والميثاق الذي كان أُخِذ على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة.\n\n<span data-type='title' id=toc-3561>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جابرُ بن نوحٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباس: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾. قال:\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، س: \"أتباعه\".\n(^٢) في ص: \"النجائب\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٨٣ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٥ إلى البيهقي.","vol":"10","page":493},{"text":"عهدهم (^١).\n[حدثنا ابن وكيع] (^٢)، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال: [عهدهم] (^٣).\nحدثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ على، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاك مثله.\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بن يمانٍ، عن مباركٍ، عن الحسن: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾. قال: العهود التي أعطوها من [أنفُسِهم] (^٣).\nحدثنا ابن وكيع قال: ثنا ابن نمير، عن موسى بن قيسٍ، [عن مجاهد] (^٤): ﴿وَيَضَعُ (^٥) عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾. قال: عهدَهُم (^٦).\nحدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: يضعُ عنهم عهودهم ومواثيقهم التي أُخِذَتْ منهم (^٧) في التوراة والإنجيل (^٣).\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾: ما كان اللَّهُ أَخَذَ عليهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٨٣ من طريق أبى روق به.\n(^٢) ليس في: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) ينظر تفسير البغوي ٣/ ٢٨٩.\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) في الأصل: \"تضع\".\n(^٦) أخرجه سعيد بن منصور (٩٦٥ - تفسير) من طريق موسى بن قيس به بلفظ: عهودا كانت عليهم.\n(^٧) في م، ت ١، س، ف: \"عليهم\".","vol":"10","page":494},{"text":"من الميثاق فيما حرَّم عليهم، أنْ (^١) يضعَ ذلك عنهم (^٢).\nوقال بعضُهم: يعنى بذلك أنه يضعُ عمَّن اتبع نبى الله التشديد الذي كان على بني إسرائيل في دينهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3562>ذكر من قال ذلك</span>\nحدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ﴾: [تشديدٌ كان] (^٣) عليهم، فجاء محمد بإقالةٍ منه وتجاوزٍ عنه (^٤).\nحدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾. قال: البول ونحوه مما غُلِّظَ على بنى إسرائيل (^٥).\nحدَّثني (^٦) المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: شدة العمل (^٧).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال\n_________\n(^١) في م: \"يقول\".\n(^٢) أخرجه البيهقي ١٠/ ٨ من طريق أبي صالح به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"التي كانت\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٥ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٥ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٨٣، من طريق الحماني به.","vol":"10","page":495},{"text":"مجاهد قوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾. قال: مَن اتَّبع محمدا ﷺ ودينَه من أهل الكتاب، وضَع عنهم ما كان عليهم من التشديد في دينهم (^١).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فضيلٍ، عن أشعثَ، عن ابن سيرين، قال: قال أبو هريرة لابن عباسٍ: ما علينا في الدين من حرجٍ، أن نزني ونسرق؟ قال: بلى، ولكنَّ الإصْرَ الذي كان على بنى إسرائيل وُضعَ عنكم.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾. قال: إِصْرَهُمْ﴾ الدِّينَ (^٢) الذي جعله الله عليهم (^٣).\nوأوْلَى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقالَ: إِنَّ الإِصْر هو العهد - وقد بينا ذلك بشواهده في موضعٍ غير هذا بما فيه الكفاية (^٤) - وأنَّ معنى الكلام: ويضع النبيُّ الأميُّ العهد الذي كان اللَّهُ أَخَذَه على بنى إسرائيلَ مِن إقامة التوراةِ، والعمل بما فيها من الأعمالِ الشَّديدةِ؛ كقطع الجلْدِ مِن البولِ، وتحريم الغنائم، ونحو ذلك من الأعمال التي كانت عليهم مفروضةً، فنسخها حكم القرآن.\nوأما الأغلال التي كانت عليهم، فكان ابن زيد يقولُ فيما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب عنه في قوله: ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾. قال: الأغلال [التي جعلها عليهم] (^٥). وقرأ: [غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]. قال: تلك\n_________\n(^١) ينظر تفسير البغوي ٣/ ٢٨٩، والبحر المحيط ٣/ ٤٠٤.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٨٤ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٥/ ١٥٨ وما بعدها.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.","vol":"10","page":496},{"text":"الأغلالُ. قال: ودعاهُم إلى أن يؤمنوا بالنبيِّ ﵇ فيضع ذلك عنهم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-3563>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فالذين صدَّقوا بالنبي الأميِّ، وأقروا بنبوته، ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾. يقولُ: وقَّروه وعظَّموه وحَمَوْه من الناسِ.\nكما حدثني المثنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس: ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾. يقولُ: حَمَوْه ووقَرُوهُ (^٢).\nحدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنى موسى بن قيس، عن مجاهد: ﴿وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾. قال: ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾: شدَّدُوا (^٣) أَمْرَه، وأعانُوا رسوله ﷺ ونصروه.\nوقوله: ﴿وَنَصَرُوهُ﴾. يقول: وأعانُوه على أعداء الله وأعدائه بجهادهم ونصب الحرب لهم، ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ﴾: يعني القرآن والإسلامَ، ﴿أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: الذين يفعلون هذه الأفعال التي وصَفَ بها جلَّ ثناؤه أتباع محمد ﷺ هم المُنْجحون المدركون ما طلبوا ورجوا بفعلهم ذلك.\nكما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: فما نَقَمُوا - يعنى اليهود - إلا أنْ حسَدوا نبيَّ اللَّهِ، فقال الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾؛ فأَمَّا نَصْرُه وتعزيزه فقد سُبِقتُم به، ولكن خياركم من آمنَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٨٤، ١٥٨٥ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٨٥ من طريق أبي صالح به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، س، ف: \"سددوا\".","vol":"10","page":497},{"text":"بالله، واتبعَ النور الذي أُنزِلَ معه (^١).\nيريد قتادة بقوله: فما نقموا إلا أنْ حَسَدوا نبيَّ اللَّهِ. أن اليهود كان مجيء (^٢) محمدٍ بما جاء به من عند الله رحمةً عليهم لو اتَّبعوه؛ لأنَّه جاء بوضع الإصْرِ والأغلال عنهم فحملهم الحسد على الكفر به، وترك قبول التخفيف، لغلبة خِذْلانِ الله عليهم.\n\n<span id=\"aya-1112\"></span><span data-type='title' id=toc-3564>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد للناس كلِّهم: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ لا إلى بعضكم دون بعض، كما كان من قَبلى مِن الرسل يُرسَلُ إلى بعض الناس دونَ بعض، فمَن كان منهم (^٣) أُرسل كذلك، فإن رسالتي ليست إلى بعضكم دونَ بعض، ولكنها إلى جميعكم.\nوقوله: ﴿الَّذِي لَهُ﴾ من نعتِ اسم [اللَّهِ﴾.\nوإنما معنى الكلام: قل ياأيها الناسُ إلى رسولُ الله الذي له ملك السماواتِ والأرض إليكم.\nويعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: الذي له سلطان السماوات والأرض وما فيهما، وتدبير ذلك وتصريفه، ﴿لَا إلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقول: لا ينبغى أن تكونَ الألوهة والعبادة إلا له جلَّ ثناؤه، دونَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٨٥ من طريق يزيد به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في الأصل: \"منكم\".","vol":"10","page":498},{"text":"سائر الأشياء غيره من الأنْدادِ والأوثان [وغيرها، ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. يعنى بذلك تعالى ذكره أنّ الألوهة والعبادة لا تنبغى] (^١) إلا لمن له سلطان كلَّ شيءٍ، والقادر على إنشاءِ خلْقٍ كل ما شاءَ، وإحيائه وإفنائه إذا شاءَ [وإماتَتِه] (^٢)، ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. يقولُ: قل لهم: فصدِّقوا باللهِ (^٣) الذي هذه صفته، وأَقِروا بوحدانيته، وأنَّه هو الذي له الأُلوهةُ والعبادةُ، وصدِّقوا برسوله محمد ﷺ أنه [للَّهِ نبيٌّ] (^٤) مبعوثٌ إلى خلقه؛ داعيا إلى توحيده وطاعته.\n\n<span data-type='title' id=toc-3565>القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾.</span>\nوأما قوله: ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيِّ﴾. فإنه من نعتِ \"رسولِ اللهِ\".\nوقد بينت معنى [قول القائل] (^٥): النبيّ. فيما مضى بما أغنَى عن إعادته. وكذلك (^٦) معنى قولِه: ﴿الأُمِّيِّ﴾ (^٧).\n﴿الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾. يقولُ: الذي يصدِّقُ بالله وبكلماته.\nثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿وَكَلِمَاتِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وآياته.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٢) في م: \"إماتته\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ص، ف: \"بآيات الله\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٥) سقط من: م. وينظر ما تقدم في ٢/ ٣٠، ٣١.\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) ينظر ما تقدم في ٢/ ١٥٤.","vol":"10","page":499},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3566>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتْهِ﴾. يقولُ: آياتِه (^١).\nوقال آخرون: بل عنى بذلك عيسى ابن مريمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3567>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال مجاهد قوله: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾. قال: عيسى ابن مريم (^٢).\nحدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾: فهو عيسى ابن مريمَ (^٣).\nوالصوابُ من القول في ذلك عندنا أن الله تعالى ذكره أمر عباده أن يُصَدِّقوا بنبوة النبيِّ الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، ولم يخصص الخبر جل ثناؤه عن إيمانه من كلماتِ اللهِ ببعض دونَ بعض، بل [أخْبر فعمَّ الخبرَ] (^٤) عن جميعِ الكلماتِ، فالحق في ذلك أن يُعمَّ القولُ، فإن رسول الله ﷺ كان يؤمن بكلمات الله كلها على ما جاء به ظاهرُ كتابِ اللهِ.\nوأما قوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. [فإن معناه: فاقتدوا] (^٥) به أيها\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٨٧ من طريق يزيد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٨٧ من طريق حجاج به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٥ إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وفى الدر المنثور: \"وكلمته\". بالإفراد. وهى قراءة مجاهد كما في مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٥٢ والبحر المحيط ٤/ ٤٠٦.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ٢٩٠، وفيه: \"وكلمته\". بالإفراد. وينظر البحر المحيط الموضع السابق.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت، س، ف: \"أخبرهم\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"فاهتدوا\".","vol":"10","page":500},{"text":"الناسُ، واعْملوا بما أمَرَكُم أن تعملوا به من طاعةِ اللهِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. يقولُ: لكى تهتدُوا فَتَرشُدوا وتصيبوا الحقَّ في اتباعكم إيَّاه.\n\n<span id=\"aya-1113\"></span><span data-type='title' id=toc-3568>القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾.</span>\nيقول (^١) تعالى ذكره: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى﴾. يعني: من بني إسرائيل، ﴿أُمَّةٌ﴾. يقولُ: جماعة، ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: يهتدونَ بالحقِّ، أي: يستقيمون عليه ويعملون به، ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ أي: وبالحقِّ يُعطون ويَأخُذُون، وينصفون من أَنفُسِهم فلا يَجورُونَ.\nوقد قال في صفة هذه الأمة التي ذكرها الله في هذه الآية جماعةٌ أقوالا نحنُ ذاكرون ما حضَرَنا منها.\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينةَ، عن صدقة أبى الهذيل، عن السدى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. قال: قومٌ بينكم وبينَهم نهرٌ مِن شَهْدِ (^٢).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. قال: بلغني أن بنى إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم [وكفروا] (^٣)، وكانوا اثنى عشَرَ سِبطًا، تبرَّأ سبط منهم مِمّا صنعوا، واعتذَروا، وسألوا اللَّهَ أَنْ يفرِّقَ بينَهم وبينهم، ففتح الله لهم نَفَقًا في الأرضِ\n_________\n(^١) في الأصل: \"يعنى\".\n(^٢) الشهد: العسل ما دام لم يعصر من شمعه، واحدته شَهْدة وشُهْدَة. التاج (ش هـ د). والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٨٨ من طريق ابن عيينة به، وفيه \"نهر من سهل\". قال حامد - رواية عن ابن عيينة -: سهل؛ نهر من رمل يجرى. وكذا عزاه إليه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٦. وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٩١ عن ابن عيينة به كلفظ المصنف.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"كفروا\".","vol":"10","page":501},{"text":"فساروا فيه حتى خرجوا من وراءِ الصِّينِ، فهم هنالك حنفاء مسلمون، يستقبلون قبلَتَنا. قال ابن جُريج: قال ابن عباسٍ: فذلك قوله: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَاءِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤]. ووعد الآخرة عيسى ابن مريم يخرجون معه. قال ابن جريج: قال ابن عباس: ساروا في السَّرَبِ سنةً ونصفًا (^١).\n\n<span id=\"aya-1114\"></span><span data-type='title' id=toc-3569>القول في تأويل قوله جلّ وعزّ: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فرَّقْناهُم (^٢)، يعني قوم موسى من بنى إسرائيل، فرَّقهم (^٣) الله فجعلهم قبائل شتَّى، اثنتَى عَشْرَةَ قبيلةً.\nوقد بيَّنا معنى \"الأسباطِ\" فيما مضى ومَن هُم (^٤).\nواختلف أهل العربية في وجْهِ تأنيثِ \"الاثنتىْ عَشْرَةَ\"، و\"الأسباطُ\" جمع مذكر؛ فقال بعضُ نحوييِّ البصرة: أراد اثنتى عَشْرَة فرقةً. ثم أخبر أن الفِرَقَ أسباط، ولم يجعل العدد على \"أسباط\".\nوكان بعضُهم يَسْتَخْطِيءُ (^٥) هذا التأويل ويقولُ: لا يخرُجُ العددُ على غير (^٦) الثاني، ولكنَّ الفِرَقَ قبلَ \"الاثنتى العَشْرَةَ\" حتى تكونَ \"الاثنتا العشرةَ\" مؤنثةً على ما قبلها، ويكون الكلامُ: وقطعناهُم فِرَقًا اثنتى عشرَةَ أسباطًا. فيصح التأنيثُ لما تقدّم.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٩١ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٦ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في س: \"مزقناهم\".\n(^٣) في س: \"مزقهم\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٢/ ٥٩٧ - ٥٩٩.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يستحكى\"، وفى م: \"يستحكى على\".\n(^٦) في م: \"عين\".","vol":"10","page":502},{"text":"وقال بعض نحويِّى الكوفة: إنما قال: ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ﴾ بالتأنيث، و\"السِّبطُ\" مذكرٌ؛ لأن الكلام ذهب إلى الأممِ، فغَلَّب التأنيثَ وإن كان \"السِّبط\" ذكرًا، وهو مثل قول الشاعرِ (^١):\nوَإِنَّ كِلابًا هذه عَشْرُ أبْطُنٍ … وأنتَ بَرِيءٌ مِن قبائلها العَشْرِ\nذهب بـ \"البطنِ\" إلى القبيلة والفصيلةِ، فلذلك جمع \"البطن\" بالتأنيث.\nوكان آخَرُ (^٢) من نحويي الكوفة يقولُ (^٣): إنما أُنِّثَت \"الاثنتا عَشْرَةَ\"، و\"السبط\" ذَكَرٌ؛ لذكرِ \"الأممِ\".\nوالصواب من القول في ذلك عندى أنّ \"الاثنتى العَشْرَةَ\" أُنثت لتأنيثِ \"القطعةِ\". ومعنى الكلام: وقطَّعناهم قطعًا اثنتى عشْرَةَ. ثم ترجم عن القِطَعِ بـ \"الأسباطِ\"، وغيرُ جائز أنْ تكونَ \"الأسباطُ\" مُفسَّرَةً عن \"الاثنتى العشْرَةَ\"، وهى جمعٌ؛ لأن التفسير (^٤) فيما فوق العشرِ إلى العشرين بالتوحيد لا بالجمعِ، و\"الأسباطُ\" جمعٌ لا واحدٌ، وذلك كقولهم: عندى اثنَتا عَشْرَةَ امرأةً. ولا يقالُ: عندى اثنتا عَشْرَةَ نسوةً. ففي ذلك بيان (^٥) أن \"الأسباط\" ليست بتفسيرٍ لـ \"الاثنتى العشْرَةَ\". وأن القول في ذلك على ما قلنا.\nوأما \"الأمم\"، فالجماعات، و\"السِّبطُ\"، في بني إسرائيلَ نحو القرنِ.\nوقيل: إنما فُرِّقوا أسباطًا لاختلافهم في دينهم.\n_________\n(^١) هو النواح الكلابي، والبيت في الكتاب ٣/ ٥٦٥، ومعاني القرآن للفراء ١/ ١٢٦، واللسان (ب ط ن).\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"آخرون\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"يقولون\". وهذا قول الفراء في معاني القرآن ١/ ٣٩٧.\n(^٤) يعنى بالتفسير التمييز.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"10","page":503},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3570>القول في تأويل قوله جلّ ثناؤُه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)﴾</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤه: وأوحينا إلى موسى إذ فرَّقنا بني إسرائيل قومه اثنتى عشْرَةَ فرقةً، وتَيَّهناهم في التِّيهِ فاستسْقَوا موسى من العطش وعَوَزِ (^١) الماءِ - ﴿أَنِ اضْرِب بُعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾.\nوقد بيَّنا السبب الذي كان قومه استسقوه (^٢)، وبيَّنا معنى \"الوحيِ\" بشواهده (^٣).\n﴿فَأَنْبَجَسَتْ مِنْهُ﴾: فانصبَّتْ وانفجرَتْ من الحجرِ، ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ من الماء، ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أَنَاسٍ﴾. يعنى: كل أناس من الأسباط الاثنتى عَشْرَةَ، ﴿مَّشْرَبَهُمْ﴾ لا يدخُلُ سبطٌ على غيره في شِرْبه، ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ يُكِنُّهم من حر الشمس وأذاها. وقد بينا معنى \"الغمامِ\" فيما مضى قبلُ، وكذلك \"المنّ\" و\"السَّلْوى\" (^٤).\n﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ طعامًا لهم، ﴿كُلُوا مِن طَيَّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. يقولُ: وقلنا لهم: كُلوا من حلال ما رزقناكُم أيها الناسُ فطيَّبناه لكم، ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. وفى الكلامِ\n_________\n(^١) في ص: \"عور\"، وفى م: \"غثور\"، وفى س، ف: \"غور\". والعوز: الحاجة. ينظر اللسان (ع وز).\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٥، وما بعدها.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٥/ ٤٠١، وما بعدها.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٩٨، وما بعدها.","vol":"10","page":504},{"text":"محذوفٌ تُرِكَ ذِكرُه استغناءً بما ظهر عما تُرِكَ، وهو: فأجِمُوا (^١) ذلك وقالوا: لن نصبرَ على طعام واحدٍ، فاستبدلوا الذي هو أدْنَى بالذي هو خيرٌ، ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾. يقولُ: وما أدخلوا علينا نقصًا في مُلكنا وسُلْطانِنا بمسألتهم ما سألوا، وفعلهم ما فعلوا، ﴿وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. أي: يَنقُصُونها حظوظَها باستبدالهم الأدنى بالخير، والأرْذلَ بالأفضلِ.\n\n<span id=\"aya-1115\"></span><span data-type='title' id=toc-3571>القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: واذكر أيضًا يا محمد مِن خَطَأ فعلِ هؤلاء القومِ، وخلافهم على ربهم، وعصيانهم نبيَّهم موسى، وتبديلهم القول الذي أُمِرُوا أنْ يقولُوه حين قال الله لهم: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾: وهى قرية بيت المقدس، ﴿وَكُلُوا مِنْهَا﴾. يقولُ: مِن ثمارها وحبوبها ونَباتِها، ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ (^٢). يقولُ: أين (^٣) شئتُم منها، ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. يقولُ: وقولوا: هذه الفَعْلةُ حِطةٌ تحطُّ ذنوبَنا - ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾. يقولُ: يَتغمد لكمْ ربُّكم ذنوبَكم التي سلَفتْ منكم، فيعفُو لكم عنها فلا يؤاخذكم بها، ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ منكم - وهم المطيعون لله - على ما وعدتكم من غفران الخطايا.\nوقد ذكرنا الروايات في كلِّ ذلك باختلافِ المختلفين، والصحيح من القولِ لدَيْنا فيه (^٤) فيما مضى بما أغنى عن إعادَتِه (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"فأجمعوا\"، وأجم الشيء: كرهه ومله من المداومة عليه. اللسان (أ ج م).\n(^٢) بعده في م: \"منها\".\n(^٣) في م: \"أنى\".\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) ينظر ما تقدم في ١/ ٧٢٠ - ٧٢٢.","vol":"10","page":505},{"text":"<span id=\"aya-1116\"></span><span data-type='title' id=toc-3572>القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فغَيَّر الذين كفروا بالله منهم ما أمرهم الله به من القول، فقالوا - وقد قيل لهم: قولوا: هذه حِطةٌ -: حِنْطةٌ في شَعيرةٍ. وقولهم ذلك كذلك هو غير القول الذي قيل لهم: قُولُوه. يقول الله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِن السَّمَاءِ﴾. يقولُ: بعثنا عليهم عذابًا أهلكهم (^١) بما كانوا يغيِّرون ما يُؤمرون به، فيفعلون خلاف ما أمَرهُم الله بفعله، ويقولون غير الذي أمرهم بقيله.\nوقد بينا معنى \"الرِّجْزِ\" فيما مضى (^٢).\n\n<span id=\"aya-1117\"></span><span data-type='title' id=toc-3573>القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾.</span>\nيقول جل ثناؤه: واسألْ يا محمدُ هؤلاء اليهود الذين (^٣) هم مجاورُوكَ عن أمرِ ﴿الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. يقولُ: كانت بحضرة البحر. أيْ: بقرب البحرِ وعلى شاطئه.\nواختلف أهل التأويل فيها؛ فقال بعضهم: هي أَيْلةُ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أهلكناهم\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٧٢٩ - ٧٣١.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"و\".","vol":"10","page":506},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3574>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ابن إدريسَ، عن محمد بن إسحاق، عن داود بن حُصينٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْرِ﴾. قال: هي قريةٌ يقال لها: أيْلَةُ، بينَ مَدْينَ والطور (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن عبدِ الله بن كثير في قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. قال: سمعنا أنها أيلَة.\nحدثنا سلام بن سالم الخُزاعي، قال: ثنا يحيى بن سليم الطائفى، قال: ثنا ابن جريج، عن عكرمة، قال: دخلتُ على ابن عباس والمصحف في حجره وهو يبكِي، فقلتُ: ما يُبكيكَ، جعلني الله فداءك؟ فقال: ويلك، تعرفُ القرية التي كانت حاضرة البحرِ؟ فقلتُ: تلك أيْلَةُ (^٢).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن أبي بكر الهذليِّ، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. قال: هي أيْلة (^٣).\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحةَ، عن ابن عباس، قال: هي قريةٌ على شاطئ البحرِ بين مصر والمدينةِ يُقال لها: أيْلةُ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٩٧ من طريق محمد بن إسحاق به بلفظ: وهى قرية يقال لها مدين بين أيلة والطور.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٢٦)، والبيهقى ١٠/ ٩٢ من طريق يحيى بن سليم به مطولا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٩٧ من طريق أبي بكر الهذلي به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٧ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم، وسيأتي تخريجه عند ابن أبي حاتم في ص ٥١٣، وليس فيه هذا اللفظ.","vol":"10","page":507},{"text":"حدَّثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: هم أهلُ أيلةَ؛ القرية التي كانت حاضرة البحر (^١).\nحدثني الحارث، [قال: حدثنا عبد العزيز] (^٢)، قال: ثنا أبو سعد، عن مجاهد في قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. قال: أيلة.\nوقال آخرون: معناه: ساحل مَدينَ.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ الآية: ذكر لنا أنها كانت قريةً على ساحل البحرِ يُقال لها: أيْلةُ.\nوقال آخرون: هي مَقْنَا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-3575>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. قال: هي قريةٌ يقالُ لها: مقنا. بين مدينَ وعَيْنُونَى (^٤).\nوقال آخرون: هي مدينُ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٢/ ٦٣ - ٦٥.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في الأصل: \"مقنا\". وينظر معجم البلدان ٤/ ٦١٠.\n(^٤) عينوني وعينون؛ قيل: هي من قرى بيت المقدس. وقيل: قرية من وراء البثنية من دون القُلزم في طرف الشام. معجم البلدان ٣/ ٧٩٥، وينظر طبقات ابن سعد ١/ ٢٦٧.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٩٧، ١٥٩٨ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"10","page":508},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3576>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى محمد بن إسحاق، عن داود بن الحُصينِ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: هي قريةٌ بين أيْلةَ والطورِ يقال لها: مدين (^١).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يُقالَ: هي قريةٌ حاضرة البحرِ. وجائز أن تكونَ أيْلَةَ، وجائز أن تكون مدين، وجائز أن تكونَ مَقْنا (^٢)؛ لأنّ كلَّ ذلك حاضرةُ البحرِ، ولا خبر عن رسول الله ﷺ يقطع العذر بأيِّ (^٣) ذلك من أي، والاختلافُ فيه على ما قد وصفتُ، ولا يُوصَلُ إلى علم ما قد كان فمضَى، مما لم نعاينه، إلا بخبر يوجبُ العلم، ولا خبر كذلك في ذلك.\nوقوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾. يعنى به أهله، إذ يعتدون في السبتِ أمر الله، ويتجاوزونه إلى ما حرمه الله عليهم.\nيقالُ منه: عدا فلان أَمْرِى واعتدى، إذا تجاوَزَه.\nوكان اعتداؤهم في السبت أنّ الله كانَ حَرَّمَ عليهم السبت، فكانوا يصطادون فيه السمكَ، ﴿إذ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَعًا﴾. يقول: إذ تأتيهم حيتانُهم يوم سبتهم الذي نُهُوا فيه عن العمل ﴿شُرَّعًا﴾. يقولُ: شارعةً ظاهرةً على الماء من كلِّ طريق وناحية، كشوارع الطَّريقِ (^٤).\nكالذى حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه بتمامه في ٢/ ٦١ - ٦٣.\n(^٢) في الأصل: \"مقناة\".\n(^٣) في م: \"بأن\".\n(^٤) في م: \"الطرق\".","vol":"10","page":509},{"text":"عُمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس ﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَعًا﴾. يقولُ: ظاهرةً على الماءِ (^١).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿شُرَّعًا﴾. يعنى: من كلِّ مكانٍ (^٢).\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾. يقولُ: ويوم لا يعظِّمونه تعظيمهم السبتَ، وذلك سائر الأيام غير يوم السبتِ، لا تأتيهم الحيتان، ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم﴾. يقولُ: كما وصفنَا لكم من الاختبار والابتلاء الذي ذكرنا، بإظهار السمكِ لهم على ظهرِ الماءِ في اليوم المحرّم عليهم صيده، وإخفائها عنهم (^٣) في اليوم المحلل لهم (^٤) صيده، كذلك نبلُوهم ونختبرهم ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. يقولُ: بفسقهم عن طاعة الله وخروجهم عنها.\nواختلفتِ القَرَأةُ في قراءة قوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾؛ [فقرأ ذلك عامة قرَأَةِ الأمصار: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾] (^٥). بفتح الياء مِن ﴿يَسْبِتُونَ﴾. من قول القائل: سَبَتَ فلانٌ يسْبِتُ سَبْتًا وسُبُوتًا، إذا عظَّم السبْتَ.\nوذُكِرَ عن الحسن البصريِّ أنه كان يقرؤُه: (وَيَوْمَ لا يُسْبِتُونَ) (^٦). بضم الياءِ، من: أسبتَ القومُ يُسْبِتون، إذا دخلوا في السبتِ، كما يقالُ: أَجْمَعْنا، مَرَّتْ بنا جمُعَةٌ، وأَشْهَرْنَا، مَرَّ بنا شَهْرٌ، وأَسْبَتنَا، مرّ بنا سبتٌ.\n_________\n(^١) تقدم بتمامه في ٢/ ٥٩ - ٦١.\n(^٢) سيأتي بتمامه في ص ٥١٣.\n(^٣) في م: \"عنه\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) في م: \"فقرئ\"، وسقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٦) وهى قراءة على، وعاصم بخلاف عنه. البحر المحيط ٤/ ٤١١.","vol":"10","page":510},{"text":"ونُصِبَ ﴿يَوْمَ﴾ من قوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ بقوله: ﴿لَا تَأْتِيهِمْ﴾؛ لأن معنى الكلام: لا تأتيهم يومَ لا يسبتون.\n\n<span id=\"aya-1118\"></span><span data-type='title' id=toc-3577>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾.</span>\nيقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: واذكر أيضًا يا محمد ﴿إِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مَّنْهُمْ﴾. يعنى: جماعة منهم لجماعة كانت تعظُ المعتدين في السبت، وتنهاهم عن معصية الله فيه -: ﴿لِمَ تَعظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ في الدنيا بمعصيتِهِم إيّاه، وخلافهم أمره، واستحلالهم ما حرَّم عليهم، ﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ في الآخرة. قال الذين كانوا ينهَوْنَهم عن معصية الله مُجيبيهم عن قولهم: عِظَتُنا إيَّاهم مَعْذِرَةٌ إلى رَبِّكم، نؤدِّى فرضَه علينا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. يقولُ: ولعلهم أن يتَّقُوا اللَّهَ فيخافُوه، فينيبُوا إلى طاعتِه، ويتوبوا من معصيتهم إيَّاه، وتقدمهم (^١) على ما حرَّم الله عليهم من اعتدائهم في السبت.\nكما حدثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحُصَينِ، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾: لسُخْطِنا أعمالهم، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: ينْزِعون عما هم (^٢) عليه (^٣).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. قال: يتركون هذا العمل الذي هم عليه (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"تعديه\"، وفى ص، ت ١، ت ٢: \"تعديهم\"، وفى ف: \"تعذيهم\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٢/ ٦١، ٦٢، وليس فيه تفسير: \"ولعلهم يتقون\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٠١ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"10","page":511},{"text":"واختلَفتِ القَرَأةُ في قراءة قوله: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً﴾؛ فقرأ ذلك عامة قرأة الحجازِ والكوفة والبصرة: (مَعْذِرَةٌ). بالرفع (^١)، على ما وصفتُ من معناها.\nوقرأ ذلك بعضُ أهل الكوفة: ﴿مَعْذِرَةً﴾. نصبًا (^٢)، بمعنى: إعذارًا وعظناهم وفَعَلنا ذلك.\nواختلف أهل العلم في هذه الفرقة التي قالت: ﴿لِمَ تَعظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُم﴾ هل كانت من الناحية أم من الهالكة؟ فقال بعضُهم: كانت من الناجية؛ لأنها كانت من الناهِيةِ الفرقة الهالكة عن الاعتداء في السبت.\n\n<span data-type='title' id=toc-3578>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذَّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾: هي قريةٌ على شاطئ البحر بين مصر (^٣) والمدينة يقال لها: أيْلةُ، فحرَّمَ الله عليهم الحيتانَ يوم سبْتِهم، فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهِم شُرَّعا في ساحل البحرِ، فإذا مضَى يوم السبت لم يَقدِرُوا عليها، فمكثوا بذلك ما شاءَ اللَّهُ، ثم إِنَّ طائفةً منهم أخذوا الحيتانَ يوم سبتهم، فنهتهم طائفةٌ وقالوا: تأخُذونَها وقد حرَّمها الله عليكم يومَ سبتكم؟ فلم يزدادوا إلَّا غَيًّا وعُتوًّا، وجعَلتْ طائفةٌ أخرى تَنْهاهم، فلما طال ذلك عليهم، قالت طائفةٌ من النُّهاةِ: تَعْلَمُون أنّ هؤلاء قومٌ قد حق عليهم العذابُ، ﴿لِمَ تَعظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذَّبُهُمْ﴾ وكانوا أشدَّ غضبًا لله من الطائفة الأخرى، فقالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وكل قد كانوا يَنْهَوْن، فلما وقع عليهم\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وابن عامر، وحمزة والكسائي، ورواية عن أبي بكر، عن عاصم. ينظر السبعة ص ٢٩٦.\n(^٢) وهى قراءة حفص - ورواية عن أبي بكر - عن عاصم. ينظر السابق.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"مكة\".","vol":"10","page":512},{"text":"غضبُ اللَّهِ، نجتِ الطائفتان اللتان قالوا: ﴿لِمَ تَعظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُم﴾. والذين قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾. وأهلَكَ اللَّهُ أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان: فجعَلَهم قردةً وخنازير (^١).\nحدثنا محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿وَاسْأَلَهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ (^٢). إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾: وذلك أن أهل قريةٍ كانت حاضرة البحر كانت تأتيهم حيتانُهم يوم سبتهم. يقولُ: إذا كانوا يومَ يَسْبتون تأتيهم شُرَّعًا، يعنى: من كلِّ مكانٍ، ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾. وأنهم قالوا: لو أنَّا أخذنا من هذه الحيتان يومَ تجيءُ ما يكفينا فيما سوى ذلك من الأيامِ. فوعَظهم قومٌ مؤمنون ونهَوْهم وقالت طائفةٌ من المؤمنين: إنّ هؤلاء قوم قد همُّوا بأمرٍ ليسوا بمنتَهين دونَه، واللَّهُ مُخزيهم ومعذِّبهم عذابًا شديدًا. قال المؤمنون بعضُهم لبعضٍ: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ إن كان هلاك فلعلنا نَنْجُو، وإما أنْ ينتهوا فيكونَ لنا أجرًا. وقد كان الله جعَل على بني إسرائيل يوما يعبُدونَه، ويَتفرّغون له فيه، وهو يوم الاثنين، فتعدّى الخبثاءُ مِن الاثنين إلى السبت. وقالوا: هو يوم السبتِ. فنهاهم موسى، فاختلفوا فيه، فجعَلَ عليهم السبت، ونهاهم أن يعمَلوا فيه، وأن يعْتَدُوا فيه، وإنَّ رجلًا منهم ذهَب ليحتطب، فأخذه موسى ﵇ فسأله: هل أمرَك بهذا أحدٌ؟ فلم يجد أحدًا أَمَرَه، فرجمه أصحابه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٩٩، ١٦٠٢ من طريق أبي صالح به مختصرا، وينظر أوله في ص ٥٠٧.\n(^٢) بعده في الأصل: \"إذ يعدون\". وهو آخر الموجود من الجزء العشرين من نسخة جامعة القرويين، والأرقام بين المعكوفين بعد ذلك هي أرقام النسخة ت ١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٩٨ من طريق محمد بن سعد به. إلى قوله: من كل مكان ويوم لا يسبتون لا تأتيهم.","vol":"10","page":513},{"text":"حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ، قال: قال بعضُ الذين نَهَوهم لبعضٍ: ﴿لِمَ تَعظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذَّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. يقولُ: لم تعظونَهم وقد وعَظتموهم فلم يطيعوكم؟ فقال بعضُهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبَّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (^١).\nحدثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا معاذ بنُ هانئٍ، قال: ثنا حمادٌ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مَّنْهُمْ لِمَ يَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذَّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال: ما أَدْرِى أنَجا الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أَمْ لَا؟ قال: فلم أَزَلْ به حتى عرفته أنهم قد نَجَوْا، فكساني حُلَّةً (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا حمادٌ، عن داود، عن عكرمة، قال: قرأ ابن عباس هذه الآية. فذَكرَ نحوَه، إلا أنه قال في حديثه: فما زِلتُ أبصِّره حتى عرَفَ أنهم قد نَجَوْا.\nحدثني سلام بن سالمٍ الخُزاعيُّ، قال: ثنا يحيى بن سليمٍ الطائفي، قال: ثنا ابن جُريج، عن عكرمة، قال: دخلتُ على ابن عباس والمصحف في حجره وهو يبكي، فقلتُ: ما يُبكيك، جعلني الله فداءَكَ؟ قال: فقرأ: ﴿وَاسْأَلَهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ قال ابن عباس: لا أسمعُ الفرقة الثالثة ذُكرتْ، نخافُ أنْ نكونَ مثلَهم. فقلتُ: أما تسمعُ الله يقولُ: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ﴾ فَسُرِّيَ عنه وكسانى حُلَّةً (^٣).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٢/ ٦٤.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٩٤ عن حماد به.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٥٠٧.","vol":"10","page":514},{"text":"حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: ثنى رجلٌ، عن عكرمة، قال: جئتُ ابن عباس يوما، وإذا هو يبْكى، وإذا المصحف في حجْرِه، فأعْظمتُ أنْ أدنُو، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدّمتُ فجلستُ، فقلتُ: ما يُبكيك يا بنَ عباسٍ، جعلني الله فداءَكَ؟ فقال: هؤلاء الورقاتُ. قال: وإذا هو في سورة \"الأعراف\"، قال: تعرفُ أَيْلةَ؟ قلت: نعم. قال: فإنه كان حيٌّ من يهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت، ثم غاصَتْ لا يقدِرون عليها، حتى يغوصُوا بعد كدٍّ ومُؤنةٍ شديدةٍ، كانت تأتيهم يوم السبتِ شُرَّعًا، بيضًا سمانًا، كأنها الماخِضُ (^١)، تَنْبطِحُ (^٢) ظهورها لبطونها بأفنيتهم وأبنيتهم، فكانوا كذلك برهةً من الدهرِ، ثم إن الشيطان أوحى إليهم، فقال: إنما نُهيتُم عن أكلها يوم السبتِ، فخُذُوها فيه، وكُلُوها في غيره من الأيام. فقالتْ ذلك طائفةٌ منهم، وقالت طائفة منهم: بل نُهيتُم عن أكلِها وأخذها وصيدها في يومِ السبت. وكانوا كذلك حتى جاءت الجُمعة المقبلة، فعدَتْ طائفة بأنفُسِها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفةٌ ذات اليمين وتَنحَّتْ، واعتزلت طائفةٌ ذات اليسار وسكتت، [وقال الأيمنون: الله ينهاكُم عن أن تعترضوا العقوبة اللهِ] (^٣). وقال الأيسرون: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾؟ قال الأيمنون: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. أي: ينتَهُون، فهو أحبُّ إلينا ألا يُصابوا ولا يهلكوا، وإن لم ينتَهوا فمعذرةً إلى ربِّكم. فمضَوْا على الخطيئةِ، فقال الأيمنونَ: قد فعَلتم [يا أعداءَ] (^٤)\n_________\n(^١) الماخض من النساء والإبل والشاء: التي قد اقترب ولادها. ينظر اللسان (م خ ض).\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"لسطح\" غير منقوطة، وفى م: \"تنتطح\"، وفى نسخة من تفسير عبد الرزاق: \"فتنطح\". والمثبت موافق لنسخة من تفسير عبد الرزاق. وينظر تعليق الشيخ شاكر.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف، وفي تفسير عبد الرزاق: \"فقال الأيمنون: ويلكم، الله الله، ننهاكم عن الله ألا تتعرضوا لعقوبة الله\".\n(^٤) في ف: \"بأعداء\".","vol":"10","page":515},{"text":"اللهِ، واللهِ [لَا نُبايتكم] (^١) الليلةَ في مدينتكم، والله ما نراكم (^٢) تُصبحون حتى يصيبكم الله بخَسْفٍ أو قَذْفٍ، أو بعض ما عندَه [من العذاب] (^٣). فلما أصبحوا ضرَبوا عليهم البابَ ونادَوْا، فلم يُجَابُوا، فوضَعُوا سُلَّمًا وأَعْلَوْا سورَ المدينة رجلًا، فالتفت إليهم فقالَ: أي عبادَ اللهِ، قرودٌ (^٤) واللهِ تَعاوَى، لها أذنابٌ. قال: ففتَحُوا فدخَلوا عليهم، فعرفتِ القردةُ أنْسابها من الإنسِ، ولا تعرفُ الإنسُ أنسابها من القردة، فجعلت القرودُ تأتى نسيبَها من الإنسِ، فتشمُّ ثيابه وتبكي، فتقول لهم: ألم نَنْهكم عن كذا؟ فتقولُ برأسها نَعم. ثم قرأ ابن عباس: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. قال: فأرى اليهود الذين نَهَوْا قد نَجَوْا، ولا أرى الآخرين ذُكروا، ونحنُ نرى أشياء تُنكِرُها فلا نقول فيها. قال: قلتُ: أي (^٥) جعلني الله فداءك، ألا تَرَى أنهم قد كَرِهُوا ما هم عليه وخالَفُوهم، وقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذبهم﴾؟ قال: فأمَرَ بِى فَكُسِيتُ بُردين غليظَيْن (^٦).\nحدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾: ذُكر لنا أنه إذا كان يوم السبتِ أقبلَتِ الحيتانُ حتى تَنْبَطحَ (^٧) علَى سواحلهم وأفنيتهم؛ لما بلَغها من أمرِ اللهِ في الماءِ، فإذا كان في غير يومِ السبت بُعدتْ في الماء حتى يطلبها طالبُهم، فأتاهم الشيطان،\n_________\n(^١) في ص: \"لنأتينكم\"، وفى س: \"ليأتينكم\"، وفى ف، ت ١: \"يأتينكم\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أراكم\".\n(^٣) في م: \"بالعذاب\".\n(^٤) في م: \"قردة\".\n(^٥) في ص، ف: \"إن\"، وفى س: \"قد\".\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٤٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٠٩٨، ١٦٠٠، ١٦٠١ من طريق ابن جريج وأبى بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس به إلى قوله: أو ببعض ما عنده من العذاب.\n(^٧) في م: \"تنتطح\"، وفى س: \"سطح\"، وغير منقوطة في ص، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"10","page":516},{"text":"فقال: إنما حرَّمَ عليكم أكْلَها يوم السبتِ، فاصْطادُوها يوم السبت وكُلوها فيما بعد. قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: صارَ القومُ ثلاثة أصنافٍ؛ أمَّا صِنفٌ فأَمْسَكُوا عن حُرمةِ الله ونَهَوا عن معصية الله، وأما صِنفٌ فأمسك عن حُرمة الله هيبةً للهِ، وأمّا صِنْفٌ فانتهكَ الحُرْمةَ ووقَع في الخطيئةِ.\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. قال: حُرِّمتْ عليهم الحيتانُ يوم السبتِ، وكانت تأتيهم يومَ السبت شُرَّعًا، بلاءً ابتلُوا به، ولا تأتيهم في غيره إلَّا أن يطلبوها؛ بلاءً أيضًا بما كانوا يفسُقون، فأخذوها يومَ السبت استحلالًا ومعصيةَ، فقال الله لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. إِلَّا طائفةً منهم لم يعتَدوا ونَهوْهم، فقال بعضُهم لبعضٍ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ (^١).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مَّنْهُمْ لِمَ تَعظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ حتى بلَغَ: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: لعلّهم يتركون ما هم عليه. قال: كانوا قد بُلُوا بكفِّ الحيتانِ عنهم، وكانوا يسبتون في يوم السبت، ولا يعملون فيه شيئًا، فإذا كان يومُ السبت أتتهم الحيتان شُرَّعًا، وإذا كان غير يوم السبت لم يأتِ حوتٌ واحدٌ. قال: وكانوا قوما (^٢) قد قَرِمُوا (^٣) بحبِّ الحيتانِ ولَقُوا منه بلاءً، فَأَخَذَ رجلٌ منهم حوتًا، فربَطَ في ذَنَبِه خَيْطًا، ثم ربَطَهُ إلى خَشَفَةٍ (^٤)،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٤٥ من قوله: ليس فيه ابن عباس.\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) في ف: \"حرموا\". وقرم إلى اللحم: اشتهاه، والقَرَم: شدة الشهوة إلى اللحم. اللسان (ق ر م).\n(^٤) في ص، س: \"حفة\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"خسفة\"، والخشفة، وبالحاء المهملة أيضا: حجارة تنبت في الأرض نباتا، أو صخرة رخوة في سهل من الأرض. اللسان (ح ش ف، خ ش ف).","vol":"10","page":517},{"text":"ثم ترَكه في الماءِ، حتى إذا غرَبت (^١) الشمس من يوم الأحدِ اجْترَّه بالخيط ثم شواه، فوجَد جارٌ له ريحَ حوتٍ، فقال: يا فلان إِنِّي أجدُ في بيتك ريحَ نُونٍ. فقال: لا. قال: فتطَلَّعَ في تنُّورِه فإذا هو فيه، فأخبره حينئذٍ الخبرَ. فقال: إِنِّي أَرَى اللَّهَ سَيُعذِّبُك. قال: فلمَّا لم يَرَه عُجِّل عذابًا، فلما أتى السبتُ الآخرُ أخذَ اثنين فربَطَهما، ثم اطَّلَعَ جَارٌ له عليه، فلمَّا رآه لم يُعجَّلْ عذابًا جعلوا يصيدونَه، فاطَّلعَ أهل القرية عليهم، فنهاهم الذين ينهَون عن المنكر، فكانوا فرقتَيْن؛ فرقةٌ تنهاهم وتكُفُّ، وفرقةٌ تنهاهم ولا تكُفُّ، فقال الذين نَهَوا وكَفُّوا للذين ينْهَوْن ولا يكفُّون: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾؟ فقال الآخرون: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. فقال الله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. قال الله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. وقال لهم أهل تلك القريةِ: عمِلتم بعمل سُوءٍ، من كان يريدُ يعتزل ويتطَهَّرُ فليعتزِلْ هؤلاء. قال: فاعتزل هؤلاء وهؤلاءِ في مدينتهم، وضربوا بينهم سورًا، فجعلوا في ذلك السور أبوابا يخرج بعضُهم إلى بعضٍ. قال: فلما كان الليلُ طَرقَهم الله بعذاب، فأصبَح أولئك المؤمنون لا يرون منهم أحدًا، فدخلوا عليهم، فإذا هم قردةٌ؛ الرجلُ وأزواجه وأولاده، فجعلوا يدخلون على الرجل يعرفونَه، فيقولون: يا فلان ألم نحذِّرك سَطُواتِ اللَّهِ؟ ألم نُحذِّرْك نِقماتِ اللهِ؟ ونحذِّرْك ونحذِّرْك؟ قال: فليسَ إلا بكاءٌ (^٢). قال: وإنما عذَّب الله الذين ظلموا، الذين أقاموا على ذلك. قال: وأما الذين نَهَوا فكلُّهم قد نَهى، ولكن بعضهم أفضلُ من بعضٍ. فقرأ: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢ ت ٣، س، ف: \"له\".\n(^٢) في ص، س، ف: \"تكاكا\"، وفي ت ١: \"بكاء كما\".\n(^٣) تقدم تخريج أوله في ص ٥١١.","vol":"10","page":518},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن داود، عن عكرمة، قال: قرأ ابن عباسٍ هذه الآية: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال: لا أدرى أنجا القومُ أو هلكوا، فما زلتُ أبصِّرُه حتى عرف أنهم نجَوا، وكسانى حُلَّةً (^١).\nحدثني يونس، قال: أخبرني أشهبُ بنُ عبد العزيزِ، عن مالك، قال: زعم ابن رومانَ أن قوله: ﴿تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾. قال: كانت تأتيهم يوم السبتِ، فإذا كان المساءُ ذهَبتْ فلا يُرَى منها شيءٌ إلى السبتِ، فاتَّخَذ لذلك رجلٌ منهم خَيْطًا ووتِدًا، فربط حونًا منها في الماءِ يومَ السبتِ، حتى إذا أمْسَوا ليلةَ الأحدِ أخَذه فاشْتواه، فوجَد الناسُ ريحه، فأتوْه فسألوه عن ذلك، فجحَدهم، فلم يزالوا به حتى قال لهم: فإنه جِلْدُ حوتٍ وجَدناه. فلمَّا كان السبتُ الآخرُ فعَلَ مثل ذلك - ولا أدرِى لعلَّه قال: ربط حوتَينِ - فلما أمسَى من ليلة الأحدِ أَخَذه فاشْتواه، فوجدوا رائحتَه، فجاءوا فسألوه، فقال لهم: لو شِئتم صنعتُم كما أصنعُ. فقالوا له: وما صنعت؟ فأخبرهم، ففعلوا مثل ما فعَل، حتى كثر ذلك، وكانت لهم مدينةٌ لها رَبَضٌ (^٢)، فغلَّقوها عليهم، فأصابَهم من المسخِ ما أصابَهم، فغَدا إليهم جيرانُهم ممَّن كان يكون حولهم يطلُبون منهم ما يطلبُ الناسُ، فوجدوا المدينةَ مُغلقةً عليهم، فنادَوا فلم يُجيبُوهم، فتسَوَّروا عليهم، فإذا هم قِردةٌ، فجعَلَ القِرْدُ يدْنو يتمسَّحُ بمن كان يعرفُ قبلَ ذلكَ، يدنو منه ويتمسَّحُ به (^٣).\nوقال آخرون: بل الفرقةُ التي قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾. كانت من الفرقة الهالكةِ.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم تخريجه في ص ٥١٤.\n(^٢) الربض: سور المدينة وما حولها، وقيل: الفضاء حول المدينة. التاج (ر ب ض).\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٩٥ عن المصنف.","vol":"10","page":519},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3579>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن داود بن حُصينٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. إلى قوله: ﴿شُرَّعًا﴾. قال: قال ابن عباسٍ: ابتدعوا السبتَ فابتلُوا فيه، فحرِّمتْ عليهم [فيه الحيتانُ] (^١)، فكانوا إذا كان يوم السبت شَرَعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحرِ، فإذا انقضَى السبتُ ذهَبتُ فلم تُرَ حتى السبتِ المقبل، فإذا جاء السبتُ جاءتْ شُرَّعًا، فمكَثوا ما شاءَ اللَّهُ أَنْ يمكثوا كذلك، ثم إن رجلًا منهم أخذ حوتًا [فَخَزَمه بأنفِه] (^٢)، ثم ضرب له وَتِدًا في الساحلِ، وربطه وترَكه في الماءِ، فلما كان الغدُ أخَذه فشَواهُ فأكَله، ففعل ذلك وهم يَنظُرون ولا يُنكِرون، ولا يَنهاه منهم أحدٌ، إِلَّا عُصبةٌ منهم نهوْه، حتى ظهَر ذلك في الأسواق وفعِلَ علانيةً. قال: فقالت طائفةٌ للذين يَنْهَوْنَ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾، ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِرُوا بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾. قال ابن عباس: كانوا أثلاثًا، ثلُثٌ نَهَوْا، وثلثٌ قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾. وثلثٌ أصحاب الخطيئةِ، فما نَجَا إِلَّا الَّذِينَ نَهَوْا، وهَلَك سائرُهم، فأصبح الذين نَهَوْا عن السوء ذات يوم في مجالسهم يتفقَّدون الناسَ لَا يروْنَهم، [فغلَّقوا عليهم] (^٣) دورَهم، فجَعلوا يقولون: إن للناس لشأنًا، فانظروا ما شأنُهم. فاطَّلعوا في دورِهم، فإذا القومُ قد مُسِخوا في ديارهم قردةً، يَعرِفونَ الرجلَ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في م: \"فخرم أنفه\"، وفى ف: \"فخرمه بأنفه\". وخزم أنف الدابة: ثقبها، وجعل فيه خزامة، وهي حلقة تجعل في أحد منخريها. ينظر اللسان (خ ز م).\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فعلوا على\".","vol":"10","page":520},{"text":"بعينِه وإنه لقرْدٌ، ويعرِفُون المرأةَ بعينها وإنها لقردةٌ، قال اللهُ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^١) [البقرة: ٦٦].\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي بكرٍ الهذليِّ، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ الآية. قال ابن عباس: نَجا الناهون، وهلك الفاعِلون، ولا أدْرِى ما صُنعَ بالسَّاكِتِين (^٢).\nحدثنا ابن عبد الأعلَى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمَر، عن قتادة، عن ابن عباسٍ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾. قال: هم ثلاثُ فرقٍ؛ الفرقة التي وعَظَتْ، والموعوظَةُ التي وُعِظَت، والله أعلم ما فعلَت الفرقة الثالثة، وهم الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾. وقال الكلبي: هما فرقتان؛ الفرقة التي وعَظَتْ، والفرقة التي قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾. قال: هي الموعوظة (^٣).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرانُ بنُ عُيينةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لأن أكونَ علِمْتُ مَن هؤلاء الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذَّبْهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾؟ أحبُّ إلى مِمَّا عُدِلَ به (^٤).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاء، قال: قال ابن عباس: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مَّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾. قال: أسمعُ الله يقولُ: ﴿أَنجَيْنَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٩٨، ١٥٩٩، ١٦٠٠، ١٦٠١ من طريق عبد الله بن إدريس به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٧ إلى أبى الشيخ. وقال ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٩٦: وهذا إسناد جيد عن ابن عباس، ولكن رجوعه إلى قول عكرمة في نجاة الساكتين أولى من القول بهذا؛ لأنَّه تبين حالهم بعد ذلك والله أعلم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣٩ عن معمر به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٨ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"10","page":521},{"text":"الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾. فليت شعرِى ما فُعِلَ بهؤلاءِ الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾؟\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفر، عن ماهانَ الحنفيِّ أبي صالحٍ في قوله: ﴿تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾. قال: كانوا في المدينة التي على ساحل البحرِ، وكانت الأيام ستةً، الأحدُ إلى الجمعةِ، فوضعتِ اليهود يوم السبتِ، وسَبَّتوه على أنفُسِهم، فَسَبَّته اللَّهُ عليهم، ولم يكن السبتُ قبل ذلك، فوكَّده الله عليهم، وابتلاهم فيه بالحيتانِ، فجعَلت تَشْرَعُ يوم السبتِ، فيتَّقون أنْ يُصيبوا منها، حتى قال رجلٌ منهم: والله ما السبتُ بيومٍ وكَّدَه الله علينا، ونحنُ وكَّدناه على أنفسِنا، فلو تناولتُ من هذا السمكِ. فتناولَ حوتًا من الحيتانِ، فسمِعَ بذلك جارُه، فخاف العقوبة، فهرَبَ من منزلِه، فلما مكَث ما شاء الله ولم تُصبه عقوبةٌ تناول غيره أيضًا في يوم السبت، فلمَّا لم تُصبهم العقوبةُ، كثُرَ [من تناوَل] (^١) في يوم السبتِ، واتَّخذُوا يوم السبت وليلةَ السبتِ عيدًا يشربون فيه الخمورَ، ويلعبونَ فيه بالمعازِف، فقال لهم خيارهم وصُلحاؤُهم: وَيُحَكم، انتهوا عما تفعلون، إن الله مُهْلِكُكم أو مُعذِّبُكم عذابًا شديدًا، أفلا تعقلون؟ ولا تعدوا (^٢) في السبتِ. فأبَوْا، فقال خيارُهم: نضرِبُ بيننَا وبينَهم (^٣) حائطًا. ففعلوا، وكان إذا كان ليلةُ السبتِ تأذَّوْا بما يسمعون من أصواتِهم وأصوات المعازف، حتى إذا كانت الليلة التي مُسخوا فيها، سكنتْ أصواتهم أوّلَ الليلِ، فقال خيارُهم: ما شأنُ قومِكم قد سكنتْ أصواتهم الليلةَ؟ فقال بعضُهم: لعلّ الخمرَ غَلبتهم فناموا. فلما أصبحوا لم يسمعوا لهم حِسًّا، فقال بعضُهم لبعض:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س، ف: \"ما يتناول\".\n(^٢) في ص، ف: \"تعتدوا\".\n(^٣) في ف: \"بينكم\".","vol":"10","page":522},{"text":"ما لنا لا نسمعُ من قومِكم حِسًّا؟ فقالوا لرجلٍ: اصعد الحائطَ، وانْظُرْ ما شأنهم. فصعِد الحائط فرآهم يموجُ بعضُهم في بعض، قد مُسخوا قردةً، فقال لقومه: تعالوا فانظُروا إلى قومكم ما لَقُوا. فصعدوا، فجعلوا ينظُرونَ إلى الرجل فيتوسَّمونَ فيه، فيقولون: أيْ فلانُ، أنت فلان؟ فيومئُ بيدِه إلى صدرِه: أي نعم، بما كسَبتْ يداىَ.\nحدثني يعقوبُ وابن وكيعٍ، قالا: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أيوبَ، قال: تلا الحسنُ ذات يومٍ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾. فقال: حوتٌ (^١) حرَّمه الله عليهم [في يومٍ وأحلَّه] (^٢) لهم فيما سوَى ذلك، فكان يأتيهم في اليوم الذي حرمه الله عليهم كأنه المخاض، لا يمتنع من أحدٍ - وقلَّما رأيتُ أحدًا يُكثرُ الاهتمام بالذنب إلا واقَعه. قال: فجعلوا يَهُمُّون ويُمسكون حتى أخذُوه، فأكلوا أوخَمَ أكلة أكلها قومٌ قطُّ، [أبقَى خِزْيًا] (^٣) في الدنيا، وأشدَّ عقوبةً في الآخرة، وايْمُ الله، [ما حُوتٌ أَخَذه قومٌ فأكَلوه، أعظمَ عندَ الله من قتل رجلٍ مؤمنٍ، و] (^٤) لَلْمُؤمن أعظم حرمة عند الله من حوتٍ، ولكنَّ الله جعَل موعد قوم الساعةَ، والساعةُ أدْهَى وأمَرُّ (^٥).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا سفيانُ، عن أبي موسى، عن الحسن، قال: جاءتهم الحيتانُ تَشْرَعُ في حياضهم كأنها المخاضُ، فأكلوا والله أوخمَ أكْلةٍ أكلَها\n_________\n(^١) في م، والدر المنثور: \"كان حوتا\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يوم أحله\".\n(^٣) في م: \"أثقله خزيا\".\n(^٤) زيادة من: م. وليست في مصادر التخريج. وينظر روح المعاني ٩/ ١٣٨.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٣١، وابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٢٨) من طريق ابن علية به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٩٩ من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن به بنحوه مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"10","page":523},{"text":"قومٌ قطُّ، أسْوأه عقوبةً في الدنيا، وأشدَّه (^١) عذابًا في الآخرة. وقال الحسن: وقتلُ المؤمنِ واللَّهِ أعظم من أكل الحيتان.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاء، قال: كنت جالسًا في المسجدِ، فإذا شيخٌ قد جاءَ وجلسَ الناسُ إليه، فقالوا: هذا من أصحاب عبد الله بن مسعودٍ. فقال: قال ابن مسعود: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ الآية. قال: لما حُرِّمَ عليهم السبتُ كانت الحيتان تأتى يوم السبت وتأمنُ، فتجِيءُ فلا يستطيعونَ أنْ يمسُّوها، وكان إذا ذهَب السبتُ ذهَبتْ، فكانوا يتصيَّدُونَ كما يتصيَّدُ الناسُ، فلمَّا أرادوا أن يَعْدُوا في السبتِ اصْطادُوا، فنهاهم قومٌ من صالحيهم فأبَوا، وكَثرَهم (^٢) الفُجَّارُ، فأرادَ الفُجَّارُ قتالَهم، فكان فيهم من لا يشتهون قِتالَه؛ أبو أحدِهم أو أخوه أو قريبُه، فلما نهوهم وأبَوْا، قال الصَّالحون: إِنْ (^٣) [أَبَيْتُم، فإنا] (^٤) نجعل بيننا وبينكم (^٥) حائطًا. ففعَلُوا، فلما فقَدُوا أصواتَهم، قالوا: لو نَظَرْتُم إلى إخوانِكُم ما فعلوا؟ فنظروا فإذا هم قد مُسِخُوا قردةً، يعرفون الكبيرَ بكِبَرِه، والصغيرَ بصِغَرِه، فجعَلوا يبكونَ إليهم، وكان هذا بعدَ موسى ﷺ (^٦).\n\n<span id=\"aya-1119\"></span><span data-type='title' id=toc-3580>القولُ في تأويل قوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: فلما ترَكَت الطائفةُ التي اعتدت في السبتِ ما أمرَها الله به\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أشد\".\n(^٢) كثرهم الفجار: غلبوهم كثرة. ينظر النهاية ٤/ ١٥٢.\n(^٣) في م: \"إنا\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"اسهم وإنا\"، وفى م: \"نباينهم وإنا\". والمثبت من العقوبات.\n(^٥) في م: \"بينهم\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٢٧) من طريق جرير به.","vol":"10","page":524},{"text":"مِن تركِ الاعتداء فيه، وضيَّعتْ ما وعَظتْها به الطائفةُ الواعظةُ، وذكرتها ما ذكَّرتها به من تحذيرها عقوبةَ الله على معصِيَتها، فتقدَّمتْ على استحلالِ ما حرَّمَ اللَّهُ عليها - أنْجى الله الذين ينْهَوْنَ منهم عن السُّوءِ، يعنى عن معصية الله، واستحلال حُرَمِه، ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. يقولُ: وأَخَذ الله الذين اعتدَوْا في السبتِ، فاستحلُّوا فيه ما حرَّم الله من صيدِ السمكِ وأكْلِه، فأحلَّ بهم بأسَه، وأهلكهم بِعَذَابٍ شديدٍ بَئيسٍ بما كانوا (^١) يُخالفون أمرَ اللَّهِ، فيخرجونَ من طاعته إلى معصيَتِه، وذلك هو الفسقُ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3581>ذِكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا ابن جُريجٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾. قال: فلما نسُوا موعظة المؤمنينَ إيَّاهم، الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ (^٢).\nحدثني محمد بن المثنَّى، قال: ثنا حَرَمِيٌّ، قال: ثنى شعبةُ، قال: أخبرني عمارةُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس: ﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾. قال: يا ليتَ شعرى ما السُّوءُ الذي نَهَوْا عنه.\nوأما قوله: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾. فإنّ القرَأةَ اختلَفتْ في قراءته؛ فقرأته عامّةُ قرَأةِ أهل المدينة (بعذابٍ بِيسٍ) بكسرِ الباءِ وتخفيفِ الياء بغير همزٍ، على مثال \"فِعْلٍ\" (^٣).\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يفسقون\"، ومضروب عليها في: ص.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١٢/ ٢٤٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٠١.\n(^٣) وهى قراءة نافع وأبي جعفر. النشر ٢/ ٢٠٥.","vol":"10","page":525},{"text":"وقرأ ذلك بعضُ قَرَأةِ الكوفة والبصرةِ: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾. على مثلِ \"فَعيلٍ\"، من البؤسِ، بنصب الباءِ وكسر الهمزة ومدِّها (^١).\nوقرأ ذلك كذلك بعض المكيين، غير أنه كسر باءَ: (بِئيسٍ). على مثال \"فعيل\" (^٢).\nوقرأه بعضُ الكوفيين: (بَيْئِسٍ). بفتح الباء وتسكين الياء وهمزةٍ بعدها مكسورةٍ، على مثالِ \"فَيْعِلٍ\" (^٣).\nوذلك شاذٌّ عند أهلِ العربية؛ لأنَّ \"فَيْعِل\" إذا لم يكن من ذواتِ الياء والواو، فالفتح في عينه الفصيحُ في كلام العربِ، وذلك مثل قولهم في نظيره من السالم: صَيْقَلٌ (^٤)، ونَيْرَبٌ (^٥). وإنما تُكْسَرُ العين من ذلك في ذواتِ الياء والواوِ، كقولهم: سَيِّدٌ، وميِّتٌ. وقد أنشدَ بعضُهم قول امرئِ القيس بن عابسٍ الكنديِّ (^٦):\nكِلاهُما كانَ رَئِيسًا بَيْئِسَا … يَضْرِبُ في يَوْمِ الهِياجِ القَوْنَسا (^٧)\nبكسر العين من \"فيعِل\"، وهى الهمزةُ من \"بَيْئِس\". فلعل الذي قرَأ ذلك كذلك قرأه على هذه.\nوذُكِرَ عن آخَرَ من الكوفيين أيضًا أنه قرَأه: (بَيْئَسٍ). نحو القراءة التي ذكرناها\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وحمزة والكسائي، وحفص عن عاصم. ينظر النشر ٢/ ٢٠٥.\n(^٢) ينظر تفسير القرطبي ٧/ ٣٠٨، والبحر المحيط ٤/ ٤١٣، وقد نسباها إلى أهل مكة ولم يسميا أحدا.\n(^٣) هي قراءة عيسى بن عمر والأعمش بخلاف عنه وهى قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط ٤/ ٤١٣.\n(^٤) الصيقل: شحاذ السيوف. اللسان (ص ق ل).\n(^٥) النيرب: الشر والنميمة، وهو أيضا الرجل الجليد. اللسان (ن ر ب).\n(^٦) البيت في البحر المحيط ٤/ ٤١٣.\n(^٧) القونس: مقدم الرأس. اللسان (ق ن س).","vol":"10","page":526},{"text":"قبلَ هذه، وذلك بفتحِ الباءِ وتسكينِ الياءِ وفتح الهمزة بعدَ الياء، على مثالِ \"فَيْعَلٍ\" مثل (^١) صَيْقَلٍ (^٢).\nوروى عن بعض البصريينَ أنه قرأه: (بَئِسٍ). بفتح الباء وكسر الهمزةِ، على مثال \"فَعِلٍ\" (^٣)، وكما قال ابن قيسِ الرقياتِ (^٤):\nلَيْتَنِي أَلْقَى رُقَيَّةَ فِي … خَلْوَةٍ مِنْ غيرِ ما بَئِسٍ\nورُويَ عن آخَرَ منهم أنه قرأ: (بِئْسَ). بكسر الباء وفتح السينِ، على معنى: بئس العذاب (^٥).\nوأولى هذه القراءاتِ عندى بالصَّواب قراءة من قرأه: (﴿بَئِيسٍ﴾). بفتح الباء وكسر الهمزة ومدِّها على مثال \"فَعِيلٍ\"، كما قال ذو الأصبع العدوانيُّ (^٦):\nحَنَقًا عَلَيَّ وما (^٧) تَرَى … لي (^٨) فِيهِمُ أَثَرًا بَئِيسا\nلأن أهل التأويل أجمعوا على أن معناه: شديدٌ، فدل ذلك على صحةِ ما اخترنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-3582>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا ابن جُريجٍ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"على مثال\".\n(^٢) وهى رواية عن أبي بكر، عن عاصم. ينظر السبعة ٢٩٦.\n(^٣) وهى قراءة أبى عبد الرحمن بن مصرف وهى شاذة. ينظر البحر المحيط ٤/ ٤١٣.\n(^٤) ديوانه ص ١٦٠.\n(^٥) وهى قراءة الحسن. إتحاف فضلاء البشر ص ١٣٩.\n(^٦) البيت في مجاز القرآن ١/ ٢٣١، والأغاني ٣/ ١٠٢.\n(^٧) في م، والأغانى: \"لن\".\n(^٨) في س، ف: \"لهم\".","vol":"10","page":527},{"text":"قال: أخبَرنى رجلٌ، عن عِكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾: أليمٍ وجِيعٍ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِعَذَابِ بَئِيسٍ﴾. قال: شديدٍ.\nحدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾: أليمٍ شديدٍ (^٢).\nحدثنا محمد بن عبد الأعلَى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿بِعَذَابٍ بَيسٍ﴾. قال: مُوجعٍ (^٣).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾. قال: بعذابٍ شديدٍ.\n\n<span id=\"aya-1120\"></span><span data-type='title' id=toc-3583>القول في تأويل قوله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذِكرُه: فلمَّا تمرَّدُوا فيما نُهُوا عنه من اعتدائهم في السبتِ، واستحلالهم ما حرم الله عليهم من صيدِ السمكِ وأَكْلِه، وتمادَوْا فيه ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ أيْ: بُعداءَ من الخيرِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٤٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٠٢.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٤٥ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٠٢. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣٩ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"10","page":528},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3584>ذكر من قال ذلك</span>\nحدثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَن ما نُهُوا عَنْهُ﴾. يقولُ: لمّا مَرَد القومُ على المعصيةِ ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، فصاروا قردةً لها أذنابٌ تَعاوَى، بعدَ ما كانوا رجالًا ونساءً (^١).\nحدثني محمدُ بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾: فجعل الله منهم القردة والخنازير، فزُعِم أن شبابَ القوم صارُوا قردةً، وأنَّ المشيخة صارُوا خنازير (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا الحمّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، أو سعيد بن جبيرٍ، قال: رأى موسى ﵇ رجلًا يحمِلُ قَصَبًا يومَ السبتِ، فضرَب عُنقه.\n\n<span id=\"aya-1121\"></span><span data-type='title' id=toc-3585>القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّن﴾: واذْكُرْ يا محمد إذْ آذن ربُّك فأعْلَمَ. وهو \"تفعَّل\" من الإيذانِ، كما قال الأعشى ميمونُ بن قيسٍ (^٣):\nآذَنَ اليَوْمَ جِيرَتِى بِخُفُوفِ (^٤) … صَرَمُوا حَبْلَ آلِفٍ مَأْلُوفِ\nيعنى بقوله: آذَنَ: أَعْلَمَ. وقد بيَّنا ذلك بشواهده في غير هذا الموضعِ (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٢/ ٦٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٣ (٦٧٣) عن محمد بن سعد به.\n(^٣) ديوانه ص ٣١٣.\n(^٤) خفوف: ارتحال، يقال: خفّ القوم عن وطنهم خفوفا: ارتحلوا مسرعين. التاج (خ ف ف).\n(^٥) ينظر ما تقدم في ٢/ ٣٦١.","vol":"10","page":529},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3586>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللَّهِ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾. قال: قال (^١).\nحدثنا الحارثُ، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن مجاهد: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾. قال: أَمَرَ رَبُّك.\nوقوله: ﴿لَيَبْعَنَّ عَلَيْهِمْ﴾. يعنى: أعْلَمَ رَبُّكَ لَيبعثَنَّ على اليهودِ مَن يسومُهم سوءَ العذابِ. قيل: إن ذلك العربُ، بعثهم الله على اليهودِ يُقاتِلُون مَن لم يُسلم منهم ولم يُعطِ الجزيةَ، ومَن أَعْطَى منهم الجزية كان ذلك له صَغَارًا وذِلَّةً.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3587>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنى بن إبراهيم وعليُّ بنُ داود، قالا: ثنا عبدُ الله بن صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾. قال: هي الجزية، الذين يسومونهم؛ محمد ﷺ وأمّتُه إلى يوم القيامة (^٢).\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) سقط من: ف، وفى م: \"أمر ربك\". والأثر في تفسير مجاهد ص ٣٤٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٠٣. ويعنى بقوله: قال. أي: قال ربك. كما في مصدرى التخريج.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٠٤ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٩ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"10","page":530},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾: فهى المسكنة وأخذُ الجزية منهم (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ، قال ابن عباس: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾. قال: يهودُ وما ضُرِبَ عليهم من الذِّلة والمسكنةِ.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾. قال: فبعث الله عليهم هذا الحيَّ من العربِ، فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامةِ.\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ﴾. قال: بعث عليهم هذا الحيَّ من العرب، فهم في عذابٍ منهم إلى يوم القيامةِ. وقال عبد الكريم الجزرى: يُستحبُّ أن تُبعثَ الأنباط في الجزية.\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا إسحاق بن إسماعيلَ، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيدٍ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ﴾. قال: العربُ، ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾. قال: الخراجُ، وأوّلُ من وضَع الخراج موسى ﵇، فجَبَى الخراج سبْع سنينَ (^٢).\nحدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيدٍ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ﴾. قال: العرب، ﴿سُوءَ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٩٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٠٤ من طريق يعقوب به مقتصرا على قوله: قال: الخراج.","vol":"10","page":531},{"text":"الْعَذَابِ﴾. قال: الخراجُ. قال: وأوّلُ مَن وضع الخراج موسى، فجبَى الخراجَ سبعَ سنينَ.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيدٍ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾. قال: هم أهلُ الكتاب، بعث الله عليهم العربَ يَجبُونَهم الخراجَ إلى يوم القيامة، فهو (^١) سوءُ العذاب، ولم يجب نبيُّ الخراج قطُّ إلا موسى ﷺ ثلاث عشرة سنةً، ثم أمسَك، وإلّا النبي ﷺ (^٢).\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾. قال: يَبْعَثُ (^٣) عليهم هذا الحيَّ من العرب، فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة.\nقال: أخبرنا معمرٌ، قال: أخبرني عبد الكريم، عن ابن المسيَّب، قال: يُستحبُّ أن تُبعثَ الأنباط في الجزيةِ (^٤).\nحدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾. يقولُ: إن ربَّك يبعَثُ على بنى إسرائيل العرب، فيسومونَهم سوءَ العذاب؛ يأخذون منهم الجزية ويقتلونهم.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٠٣ من طريق يعقوب به من قول ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٩ إلى أبى الشيخ من قول ابن عباس.\n(^٣) في ف: \"بعث\"، وفي تفسير عبد الرزاق: \"يتعب\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٣٩، وفي مصنفه (٩٨٧٧، ٩٨٨٠).","vol":"10","page":532},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: ليبعَثنَّ على يهودَ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-3588>القولُ في تأويل قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: إن ربك يا محمد لسريعٌ عقابُه إلى مَن استوْجَبَ منه العقوبةَ على كفره به ومعصيته له، ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. يقولُ: وإنه لذو صَفحٍ عن ذنوبِ مَن تابَ من ذنوبه، فأنابَ وراجع طاعتَه، يستر عليها بعفوه عنها، رحيمٌ له أن يُعاقبه على جُرْمه بعد توبتِه منها؛ لأنَّه يَقْبلُ التوبة ويُقيلُ العثْرَةَ.\n\n<span id=\"aya-1122\"></span><span data-type='title' id=toc-3589>القول في تأويل قوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وفرَّقنا بنى إسرائيل في الأرض ﴿أُمَمًا﴾، يعنى جماعاتٍ شتَّى مُتفرِّقين.\nكما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ بن إسماعيل، عن يعقوب، عن جعفر، عن جعفر، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقَطَعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾. قال: في كلِّ أرضٍ يدخُلُها قومٌ من اليهود (^٢).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾. قال: يهودُ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٠٤ من طريق أصبغ عن ابن زيد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٠٥ من طريق يعقوب به. وهو في الدر المنثور من تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٤٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٠٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٩ إلى ابن المنذر وعبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"10","page":533},{"text":"وقولُه: ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾. يقولُ: من هؤلاءِ القوم الذين وصفهم الله مِن بني إسرائيلَ - ﴿الصَّالِحُونَ﴾. يعنى: مَن يؤمن بالله ورسله، ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾. يعنى: دونَ الصَّالحِ.\nوإنَّما وصفهم الله جلَّ ثناؤُه بأنهم كانوا كذلك قبلَ ارتدادهم عن دينِهم، وقبلَ كفرهم بربِّهم، وذلك قبل أن يُبعث فيهم عيسى ابن مريم صلوات الله عليه.\nوقوله: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. يقول: واختبرناهم بالرَّخاء في العيش، والخفضِ في الدنيا، والدَّعَةِ والسَّعة في الرزقِ، وهى الحسنات التي ذكرها جل ثناؤه. ويعنى بـ ﴿وَالسَّيِّئَاتِ﴾: الشدّة في العيش، والشَّظَفَ فيه، والمصائبَ والرزايا في الأموالِ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. يقولُ: ليرجعوا إلى طاعة ربِّهم، ويُنيبوا إليها، ويتوبوا من معاصيه.\n\n<span id=\"aya-1123\"></span><span data-type='title' id=toc-3590>القول في تأويل قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: فخلف من بعدِ هؤلاء القوم الذين وصف صِفَتَهم - ﴿خَلْفٌ﴾ يعني: خَلْفُ سَوْءٍ. يقولُ: حدَثَ بعدهم وخِلافَهم، وتبدَّل منهم بَدَلُ سَوْءٍ.\nيقال منه: هو خَلَفُ صِدْقٍ، وخَلْفُ سَوْءٍ. وأكثر ما جاء في المدح بفتحِ اللامِ، وفي الذمِّ بتسكينِها، وقد تُحرَّكُ في الذمِّ، وتُسكَّنُ في المدحِ، ومن ذلك في تسكينها في المدح قول حسان (^١):\nلنا القَدَمُ الأُولى إليكَ وخَلْفُنا … لأَوَّلِنا في طَاعَةِ اللَّهِ تابعُ\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢٤١.","vol":"10","page":534},{"text":"وأحْسَبُ أنه إذا وُجِّه إلى الفسادِ مأخوذٌ من قولهم: خَلَف اللبنُ، إذا حمِض من طُولِ تركه في السِّقاءِ حتى يَفْسُدَ. فكأنَّ الرجلَ الفاسد مشبَّهٌ به. وقد يجوزُ أن يكونَ من (^١) قولهم: خَلَف فمُ الصائم، إذا تغيَّرت رِيحُه.\nوأمّا في تسكينِ اللام في الذمِّ، فقول لبيدٍ (^٢):\nذَهَب الذين يُعاشُ في أكْنافِهم … وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَب\nوقيل: إن الخلْفَ الذي ذكر الله في هذه الآيةِ أَنْهم خَلَفُوا مَن قبلهم، هم النَّصارى.\n\n<span data-type='title' id=toc-3591>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللَّهِ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾. قال: النصارى (^٣).\nوالصواب من القول في ذلك عندى أن يقال: إِن اللَّه تعالى ذكره إنما وصَفَ أنه خَلَف القومَ الذين قصَّ قَصصهم في الآياتِ التي مضت - خَلْفُ سَوْءٍ رَدِئٌ، ولم يذكُرْ لنا أنهم نَصارى في كتابه، وقِصَّتُهم بقَصَص اليهودِ أَشبَهُ منها بقَصَص النصارى.\nوبعدُ، فإن ما قبل ذلك خبرٌ عن بني إسرائيلَ، وما بعده كذلك، فما بينهما بأن يكونَ خبرًا عنهم أشبه؛ إذْ لم يكن في الآية دليلٌ على صرف الخبر عنهم إلى غيرهم، ولا جاء بذلك دليلٌ يوجب صحة القول به.\n_________\n(^١) في النسخ: \"منه\". والمثبت صواب العبارة.\n(^٢) ديوانه ص ١٥٧.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٤٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٠٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٩ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"10","page":535},{"text":"فتأويلُ الكلامِ إذن: فتبدّلَ من بعدهم بَدَلُ سَوْءٍ، ورِثوا كتاب الله فعلِموه (^١)، وضَيَّعوا العمل به، فخالفوا حُكْمَه؛ يُرْشَوْن في حكم الله فيأخذون الرِّشْوَة فيه من عرضِ هذا العاجل الأدْنَى، يعنى بـ ﴿الْأَدْنَى﴾: الأقربَ من الآجلِ الأبعدِ، ويقولون إذا فعلوا ذلك: إن الله سيغفر لنا ذنوبنا. تمنِّيًا على الله الأباطيلَ، كما قال جلَّ ثناؤُه فيهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُم مَّمَّا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم ممَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]. ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾. يقولُ: وإِنْ شَرَع لهم ذنبٌ حرامٌ مثلُه من الرِّشوة بعد ذلك، أخذوه واستحلوه، ولم يَرْتدِعوا عنه. يُخبِرُ جلَّ ثناؤه عنهم أنهم أهل إصرارٍ على ذنوبهم، وليسوا بأهل إنابةٍ ولا توبةٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اختلفت عنه عباراتهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3592>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمد بن المقدام، قال: ثنا فضيلُ بن عياضٍ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾. قال: يعملون بالذنب ثم يستغفِرُونَ اللَّهَ، فإن عرَضَ ذلك الذنب أخذوه (^٢).\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضُ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾. قال: من الذنوبِ (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"تعلموه\"، وفى ت ١، ت ٢، س: \"يعلموه\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢٤٠ في تفسيره، وسعيد بن منصور في سننه (٩٦٦ - تفسير)، والبيهقي في الشعب (٧١٥٨) من طريق فضيل به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٩ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٠٧ من طريق سفيان به.","vol":"10","page":536},{"text":"حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصور، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾. قال: يعملون بالذنوبِ، ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾. قال: ذنب آخرُ يعمَلوا به.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن منصور، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿يَأخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾. قال: الذنوبُ، ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مَثْلُهُ يَأخُدُوهُ﴾. قال: الذنوبُ.\nحدثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾. قال: ما أشرَف لهم من شيءٍ في اليوم من الدنيا حلالٌ أو حرامٌ يشتهونَه، أخَذوه، ويبتغُون (^١) المغفرةَ، فإن يجِدُوا الغدَ مثلَه يأخذوه (^٢).\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوه، إلا أنه قال: يتمنَّون المغفرةَ.\nحدثنا الحارث، قال: ثنا عبد العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾. قال: لا يُشْرِفُ لهم شيءٌ من الدنيا إلا أخَذوه، حلَالًا كان أو حرامًا، ويتمنَّون المغفرةَ، ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾. وإن يجدوا عرضًا مثله يأخُذوه.\nحدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾: إى واللهِ، لَخَلْفُ سَوْءٍ ورِثوا الكتاب بعدَ أنبيائِهم ورسلِهم،\n_________\n(^١) في مصادر التخريج: \"يتمنون\"، وهو اللفظ الآتي.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٤٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٠٧، ١٦٠٨، وهو تمام الأثر المتقدم في ص ٥٣٥.","vol":"10","page":537},{"text":"ورَّثَهم الله وعهِدَ إليهم، وقال الله في آيةٍ أخرى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩]. قال: ﴿يَأخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾: تمنَّوا على الله أمانيَّ، وغرَّةٌ يغترُّون بها، ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ﴾: لا يشغَلُهم شيءٌ عن شيءٍ، ولا ينهاهم عن ذلك، كلَّما أشرف (^١) لهم شيءٌ من الدنيا أكلوه، لا يُبَالُون حلالًا كان أو حراما (^٢).\nحدَّثنا محمد بن عبد الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن قَتادة: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾. قال: يأخُذونَه إن كان حلالًا وإن كان حرامًا، ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ﴾. قال: إن جاءهم حلالٌ أو حرامٌ أخذوه (^٣).\nحدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾. قال: كانت بنو إسرائيلَ لا يسْتقضُون قاضيًا إلا ارتَشَى في الحكم، وإنّ خيارَهم اجتمَعوا فأَخَذَ بعضُهم على بعض العهود ألا يفعلوا، ولا يرتشُوا (^٤)، فجعَل الرجلُ منهم إذا استقضي ارْتشَى، فيقالُ له: ما شأنُك ترتشي في الحُكْمِ؟ فيقولُ: سيُغفرُ لِي. فيطعُنُ عليه البقيةُ الآخرون من بنى إسرائيلَ فيما صنَعَ، فإذا ماتَ أو نُزِعَ، و(^٥) جُعلَ مكانَه رجلٌ ممَّن كان يطعُنُ عليه فيرتشي. يقولُ (^٦): وإن يأتِ الآخرين (^٧) عرض الدنيا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وصف\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٠٦، ١٦٠٧ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٩ إلى عبد بن حميد، وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٤٠ عن معمر به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يرتش\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أو\".\n(^٦) في ص: \"فيقول\"، وسقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الآخر\".","vol":"10","page":538},{"text":"يأخُذوه. وأمّا \"عَرَضُ الأدْنى (^١) \"، فعرضُ الدنيا من المالِ (^٢).\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾. يقولُ: يأخذون ما أصابوا، ويتركون ما شاءوا من حلالٍ أو حرام، ويقولون: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ (^٣).\nوحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿يَأْخُدُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى﴾. قال: الكتاب الذي كتبوه، ويقولون: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾؛ لا نُشركُ بالله شيئًا، ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضُ مِثْلُهُ يَأخُذُوهُ﴾: يأتِهم المُحِقُّ برشوةٍ فيُخرجوا له كتابَ اللهِ، ثم يحكموا له بالرِّشوةِ، وكان الظالمُ إذا جاءَهم برشوَةٍ أخرَجوا له المَثْنَاةَ (^٤)، وهو الكتاب الذي كتبوه، فحكَموا له بما في المثناة بالرِّشوة، فهو فيها مُحِقٌّ، وهو في التوراة ظالمٌ، فقال الله: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ (^٥).\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبير قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾. قال: يعملون بالذنوبِ، ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾. قال: الذنوب (^٦).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الدنيا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٣٩ إلى أبى الشيخ مختصرا.\n(^٣) ينظر التبيان ٥/ ٢١.\n(^٤) قيل: إن \"المثناة\" هي أن أحبار بنى إسرائيل بعد موسى ﵇ وضعوا كتابا فيما بينهم على ما أرادوا من غير كتاب الله. النهاية ١/ ٢٢٥.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٠٧، ١٦٠٨ من طريق أصبغ، عن ابن زيد به.\n(^٦) تقدم تخريجه في ص ٥٣٦.","vol":"10","page":539},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3593>القولُ في تأويل قوله: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (^١) (١٦٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ألم يُؤْخَذْ على هؤلاء المرتشين في أحكامهم، القائلين: سَيغفِرُ الله لنا فعلَنا هذا. إذا عُوتِبوا على ذلك - ﴿مِيثَاقُ الْكِتَابِ﴾؟ وهو أخذ الله العهودَ على بني إسرائيلَ بإقامة التوراة والعمل بما فيها، فقال جلّ ثناؤه لهؤلاء الذين قصَّ قِصَّتَهم في هذه الآية، مُوبِّخًا لهم على خِلافهم أمرَه، ونقضهم عهدَه وميثاقَه: ألم يأخذِ الله عليهم ميثاقَ كتابِه ألا يقولوا على الله إلا الحقَّ، ولا يُضِيفوا إليه إلَّا ما أنزلَه على رسوله موسى ﵇ في التوارةِ، وألا يَكْذِبوا عليه.\nكما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿أَلَم يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. قال: فيما يوجِبُون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون فيها ولا يتوبون منها (^٢).\nوأما قوله: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾. فإنه معطوفٌ على قوله: ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾. ومعناه: فخلَفَ من بعدهم خلفٌ ورِثوا الكتاب ودرسوا ما فيه. ويعنى بقولِه: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾: قرَءُوا ما فيه. يقولُ: ورثوا الكتاب فعلموا ما فيه ودرَسُوا، فضيَّعوه وترَكوا العملَ به، وخالفوا عهدَ الله إليهم في ذلك.\nكما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٣، س، ف: \"يعقلون\". وبالتاء قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم، وبالياء قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم. ينظر حجة القراءات ص ٣٠١. وأثبتنا القراءة بالتاء كرسم مصحفنا، وإن كان تفسير المصنف على القراءة بالياء كما سيأتي.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٩٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٠ إلى أبي الشيخ.","vol":"10","page":540},{"text":"﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾. قال: عَلِموه (^١)؛ علِمُوا ما في الكتاب الذي ذكَرَ الله. وقرَأ: ﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (^٢) [آل عمران: ٧٩].\n﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. يقول جل ثناؤُه: وما في الدار الآخرةِ - وهو ما في المعادِ عندَ اللهِ مما أعدَّ لأوليائه، والعاملين بما أنزل في كتابه، المحافظين على حدوده - خيرٌ للذين يتقونَ اللَّهَ، ويَخافونَ عقابَه، فيُراقبونه في أمرِه ونهيِه، ويُطيعونه في ذلك كلِّه في دنياهم، (أَفَلا يَعْقِلُونَ (^٣». يقولُ: أَفَلا يعقِلُ هؤلاء الذين يأخُذونَ عَرَضَ هذا الأدنى على أحكامهم، ويقولون سيغفر لنا، أَنَّ ما عند الله في الدار الآخرة للمتَّقِين العادلين بين الناس في أحكامهم - خيرٌ من هذا العرضِ القليل الذي يَسْتَعْجِلونه (^٤) في الدنيا على خلافِ أمرِ الله، والقضاء بين الناس بالجورِ.\n\n<span id=\"aya-1124\"></span><span data-type='title' id=toc-3594>القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾.</span>\nواختلَفت القرأه في قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُهم: (يُمْسِكُونَ). بتخفيفِ الميمِ وتسكينها، مِن: أمسَك يُمْسكُ (^٥).\nوقرأه آخرون: ﴿يُمَسِّكُونَ﴾. بفتح الميمِ وتشديد السينِ، من مَسَّك يُمسِّك (^٦).\n_________\n(^١) بعده في م: \"و\".\n(^٢) ينظر ما تقدم تخريجه في ٥/ ٥٢٩.\n(^٣) في ص، م: \"تعقلون\".\n(^٤) في ص: \"تستعجلونه\".\n(^٥) وهى قراءة أبى بكر عن عاصم. السبعة ص ٢٩٧.\n(^٦) وهى قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبي عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. ينظر السابق.","vol":"10","page":541},{"text":"[ومعنى ذلك] (^١): والذين يعملونَ بما في كتابِ الله، وأقاموا الصلاةَ بحدودِها، ولم يضيِّعوا أوقاتَها، ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: فمن فعَل ذلك مِن خلقِى، فإني لا أُضيعُ أجر عمله الصالح.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾. قال: كتاب الله الذي جاءَ به موسى ﷺ (^٢).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال مجاهدٌ قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾: من يهودَ أو نصارى، ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1125\"></span><span data-type='title' id=toc-3595>القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: واذكُرْ يا محمد إذ اقتلعنا الجبلَ فرفَعناه فوقَ بني إسرائيلَ كأنه ظلَّةُ غمامٍ من الظلالِ (^٤)، وقلنا لهم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ من فرائِضنا، وألزَمْناكم من أحكامِ كتابِنا، فاقبَلُوه، واعمَلُوا باجتهادٍ منكم في أدائِه من غير تقصيرٍ ولا توانٍ، ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾. يقول: ما في كتابنا من العهود والمواثيق التي أخذنا عليكم بالعمل بما فيه، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. يقولُ: كَيْ تتَّقوا ربَّكم، فتخافوا عقابه، بترككم العملَ به إذا ذكرتم ما أخذ عليكم فيه من المواثيق.\n_________\n(^١) في م: \"ويعنى بذلك\"، وفى ت ١، ت ٢ ت ٣، س، ف: \"ويعني ذلك\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٠٩ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٤٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٠٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٤٠ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبى الشيخ وابن المنذر.\n(^٤) في م: \"الظلام\".","vol":"10","page":542},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3596>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾: فقال لهم موسى: خُذوا ما [آتاكم الله] (^١) بقوةٍ. يقولُ (^٢): العمل بالكتابِ، وإلَّا خَرَّ عليكم الجبلُ فأَهلَكَكم. فقالوا: بل نأخذ ما آتانا الله بقوّةٍ. ثم نكَثوا بعد ذلك (^٣).\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾: فهو قوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٤]. فقال: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ وإلّا أرسلْتُه عليكم (^٤).\nحدَّثني إسحاقُ بن شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ، عن عامرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إنى لأعْلَمُ خلقِ اللَّهِ لأى شيءٍ سجَدتِ اليهود على حرفِ وجوههم، لمَّا رُفِع الجبل فوقهم سجَدُوا وجعلوا ينظرون إلى الجبل؛ مخافة أن يقعَ عليهم. قال: فكانت سجدَةً رَضِيَها الله، فاتَّخَذُوها سنةً (^٥).\nحدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا دواد، عن عامر، عن\n_________\n(^١) في م: \"أتيناكم\".\n(^٢) بعده في م: \"من\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٢ عن محمد بن سعد به مقتصرا على قوله: \"العمل بالكتاب\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٠ من طريق أبي صالح به مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٠ إلى ابن المنذر.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١١ من طريق داود به بزيادة ستأتى في تفسير الآية ١٦ من سورة مريم، وبهذه الزيادة عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٠ إلى أبى الشيخ، وفى ٤/ ٢٦٤ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"10","page":543},{"text":"ابن عباسٍ مثلَه.\nحدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ أي: بجِدٍّ، ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، جبلٌ نزَعه الله من أصلِه، ثم جعله فوق رءوسهم، فقال: لتأخُذُنَّ أَمْرِى، أو لأرمينَّكم به (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الجَبَلَ﴾. قال: كما تُنتقُ الزُّبْدَةُ (^٢). قال ابن جريج: كانوا أَبَوا التوراة أن يقبَلوها أو يؤمنوا بها، ﴿خُذُوا مَا آتيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾. قال: يقولُ: لَتَؤْمِنُنَّ بالتوراةِ ولتقبلُنَّها، أو لَيقَعنَّ عليكم (^٣).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكر بن عبدِ اللهِ، قال: هذا كتابُ اللهِ، أتقبلونَه بما فيه، فإنّ فيه بيانَ ما أَحَلَّ لكم، وما حَرَّم عليكم، وما أمرَكم وما نهاكم. قالوا: انْشُرْ علينا ما فيها، فإن كانت فرائضُها يسيرةً، وحدودها خفيفةً قبلناها. قال: اقبلوها بما فيها. قالوا: لا حتى نعلم ما فيها كيفَ حدودُها وفرائضُها. فراجعوا موسى مرارًا، فأوحى الله إلى الجبل فانقلع، فارتفع في السماءِ حتى إذا كان بين رءوسهم وبين السماءِ، قال لهم موسى: ألا تروْنَ ما يقولُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٢ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٠ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ. وينظر ما تقدم في ٢/ ٤٩.\n(^٢) في م: \"الربذة\"، ونتق السقاء والجراب وغيرها من الأوعية نتقا: إذا نفضه ليقتلع منه زبدته. اللسان (ن ت ق).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٠ من طريق حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ بلفظ: كما تنتق الزبدة أخرجنا الجبل.","vol":"10","page":544},{"text":"ربِّي: لئن لم تَقْبَلُوا التوراةَ بما فيها لأرمينكم بهذا الجبلِ. قال: فحدثني الحسنُ البصريُّ، قال: لما نظَرُوا إلى الجبل خرَّ كلُّ رجلٍ ساجدًا على حاجبه الأيسرِ، ونظَرَ بعينه اليمنى إلى الجبل، فَرَقًا من أن يسقطَ عليه. فلذلك ليس في الأرض يهوديٌّ يسجُدُ إلا على حاجِبِه الأيسرِ، يقولون: هذه السَّجْدة التي رفعت عنا بها العقوبة. قال أبو بكر: فلما نشَر الألواحَ فيها كتابُ اللهِ كتبه بيدِه، لم يَبْقَ على وجه الأرضِ جبلٌ ولا شجرٌ ولا حجر إلا اهتزَّ، فليس اليومَ يهوديٌّ على وجه الأرض صغيرٌ ولا كبيرٌ تُقرأُ عليه التوراة إلَّا اهتزَّ ونغَض (^١) لها رأسه (^٢).\nواختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى قوله: ﴿نَتَقْنَا﴾؛ فقال بعضُ البصريين (^٣): معنى ﴿نَتَقْنَا﴾: رَفعْنا. واستَشهَد بقول العجَّاجِ (^٤):\nيَنْتُقُ أَقْتَادَ (^٥) الشَّلِيلِ (^٦) نَتْقا\nوقال: يعنى بقوله: ينْتُقُ: يرفعُها عن ظهرِه.\nوبقول الآخرِ (^٧).\nوَنَتَقُوا أحلامنا الأثاقِلا\nوقد حُكى عن قائل هذه المقالة قولٌ آخرُ، وهو أن أصل النَّتْقِ والنُّتُوقِ،\n_________\n(^١) في س: \"نفض\"، وفى ف: \"نقص\"، وغير منقوطة في ص، والنغض والنفض بمعنى التحريك. ينظر اللسان (ن غ ض، ن ف ض).\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٩٩ عن سنيد بن داود به.\n(^٣) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٢٣٢.\n(^٤) ديوانه ص ٧٢.\n(^٥) في الديوان: \"رحلى\". والأقتاد، جمع قَتَد، وهو خشب الرحل، وقيل: من أدوات الرحل، وقيل: جميع أداته. اللسان (ق ت د).\n(^٦) الشليل: مسح من صوف أو شعر يجعل على عجز البعير من وراء الرحل. اللسان (ش ل ل).\n(^٧) هو رؤبة بن العجاج، والبيت في ديوانه ص ١٢٢.","vol":"10","page":545},{"text":"كلُّ شيءٍ قَلَعْتَه مِن موضعِه فرَميتَ به، يقالُ منه: نَتَقْتُ نَتْقًا. قال: ولهذا قيل للمرأةِ [الكثيرة الولد] (^١): ناتِقٌ؛ لأنها ترمِى بأولادِها رمْيًا. واستَشهدَ ببيت النابغةِ:\nلَم يُحْرَمُوا حُسْنَ الغِذَاءِ وأُمُّهُمْ … دَحَقَّتْ (^٢) عَلَيْكَ بِناتقٍ مِذْكارِ\nوقال آخرُ منهم (^٣): معناهُ في هذا الموضعِ: رفَعناه. وقال: قالوا: نتقَنى السَّيرُ: حركني. وقال: قالوا: ما نتَق برجلِه: لا يركضُ والنَّتقُ: نَتْقُ الدابةِ صاحبَها (^٤) حينَ تعدُو به وتُتعبُه حتى يربو (^٥). فذلك النَّتْقُ والنُّتُوقُ، ونَتَقَتْنِي الدابةُ، ونتقتِ المرأةُ تَنتُقُ نُتوقًا: كثُر ولدُها.\nوقال بعضُ الكوفيين (^٦): ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾: علقنا الجبلَ فوقَهم فرفعناه، نَنْتُقُه نَتْقًا، وامرأَةٌ مِنْتاقٌ: كثيرةُ الولدِ. قال: وسمِعتُ: أخَذ الجرابَ فنَتَقَ ما فيه: إذا نثَر ما فيه.\n\n<span id=\"aya-1126\"></span><span data-type='title' id=toc-3597>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيه محمدٍ ﷺ: واذْكُر يا محمدُ ربَّك إذ استَخرَج ولد آدمَ من أصلابِ آبائِهم، فقَرَّرهم بتوحيده، وأشهدَ بعضَهم على بعضٍ شهادتَهم بذلك\n_________\n(^١) في النسخ: \"الكبيرة\". والمثبت هو الصواب، وينظر اللسان (ن ت ق).\n(^٢) في الديوان: \"طفحت\"، وأشار محققه إلى روايتنا هذه، ودحقت: ولدت بعض أولادها في إثر بعض. اللسان (د ح ق).\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"صاحبه\".\n(^٥) ربا يربو ربوًا، أخذه الربو، وهو النفَس العالى. اللسان (ر ب و).\n(^٦) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٣٩٩.","vol":"10","page":546},{"text":"وإقرارَهم به.\nكما حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطُوسِيُّ، قال: ثنا الحسينُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا جريرُ بنُ حازمٍ، عن كُلْثومِ بن جَبْرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: \"أخَذ اللَّهُ الميثاقَ مِن ظَهْرِ آدمَ بنَعْمانَ - يعنى عرفةَ - فأخرَج مِن صُلْبه كلَّ ذريةٍ ذَرأها، فنثَرَهم بينَ يديه كالذَّرِّ، ثم كلَّمَهم قِبَلًا (^١) فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا﴾. الآية إلى: ﴿بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ \" (^٢).\nحدَّثنا عِمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا كُلثومُ بنُ جبرٍ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جُبيرٍ عن قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (^٣)﴾. قال: سألتُ عنها ابنَ عباسٍ، فقال: مسَح ربُّك ظهرَ آدمَ، فخرَجت كلُّ نَسَمةٍ هو خالقُها إلى يوم القيامةِ بنَعْمانَ هذه (^٤) - وأشار بيدِه - فأخَذ مواثيقَهم، وأشهدَهم على أنفسِهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (^٥).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فتلا\". وغير منقوطة في ص، وتقدم تفسير هذه الكلمة في ١/ ٥٤٩.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٣٤، وأخرجه أحمد ٤/ ٢٦٧ (٢٤٥٥)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٠٢)، والنسائى في الكبرى (١١١٩١)، والطحاوى في المشكل (٣٨٨٩)، وابن منده في الرد على الجهمية ص ٥٧ (٢٩)، والحاكم ٢/ ٥٤٤، والبيهقى في الأسماء والصفات (٧١٤) من طريق الحسين بن محمد به، وأخرجه الحاكم ١/ ٢٧، والبيهقى (٤٤١، ٧١٤) من طريق جرير به. وقال النسائي: كلثوم ليس بالقوى، وحديثه ليس بالمحفوظ. واختلف في رفعه ووقفه، ورجح ابن كثير الموقوف. ينظر البداية والنهاية ١/ ٢١١، والتفسير ٣/ ٥٠٢. وقد أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٣ من طريق الحسين به موقوفا.\n(^٣) في النسخ: \"ذرياتهم\". وسنثبتها كرسم مصحفنا دون الإشارة إلى ما في النسخ، وينظر هذه القراءة فيما تقدم في ١/ ٤٣٦.\n(^٤) في م: \"هذا\".\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٣٤، وأخرجه ابن سعد ١/ ٢٩، والفريابي في القدر (٥٩) من طريق كلثوم بن جبر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤١ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ وابن المنذر.","vol":"10","page":547},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ ويعقوبُ قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا كُلثومُ بنُ جَبرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾. قال: مسَح ربُّك ظهرَ آدمَ، فخرَجتْ كلُّ نسَمَةٍ هو خالقُها إلى يوم القيامة بنَعْمانَ هذا الذي وراءَ عرفةَ، وأخَذ ميثاقَهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (^١). اللفظُ الحديث يعقوبَ.\nوحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال ربيعةُ بنُ كُلثومٍ، عن أبيه في هذا الحديثِ: (قالوا بلى شَهِدْنا أَنْ يَقُولُوا (^٢) يَوْمَ القِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عن هذا غافِلِينَ) (^٣).\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا عِمرانُ بنُ عُيَيْنةَ، قال: أخبَرنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: أوَّلُ ما أهبط اللَّهُ آدمَ أَهْبَطه بدَحْناءَ (^٤) أَرضٌ بالهند، فمسَح الله ظهرَه، فأَخرَجَ منه كلَّ نَسَمَةٍ هو بارئُها إلى أن تَقُومَ الساعةُ، ثم أخَذ عليهم الميثاقَ وأَشْهَدَهم على أَنْفُسِهِم: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُم قَالُوا بَلَى شَهِدْنا أَن يَقُولُوا (٢) يومَ القِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عن هذا غافِلِينَ) (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرانُ بنُ عُيَيْنة، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: أُهبط آدمُ حينَ أُهبطَ، فمسَح اللَّهُ ظهرَه، فَأَخْرَج منه كلَّ نَسَمَةٍ هو خالقُها إلى يومِ القيامةِ، ثم قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. ثم تلا:\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٣٤. وأخرجه ابن سعد ١/ ٢٩ عن ابن علية به.\n(^٢) في م، وطبقات ابن سعد: \"تقولوا\". وفى الدر المنثور في آخر الأثر: هكذا قرأها: يقولوا؛ بالياء. وهى قراءة أبي عمرو، وقرأ نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٩٨، وسيأتي كلام المصنف على هاتين القراءتين في ص ٥٦٥.\n(^٣) أخرجه ابن سعد ١/ ٢٩ عن ابن علية به، وأخرجه الفريابي في القدر (٦٠) من طريق ربيعة بن كلثوم به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٤) في م: \"بدجني\". وغير واضحة في ت ١، ت ٢، س، ف. وينظر الأوائل للسيوطى ص ١٨.\n(^٥) أخرجه ابن سعد ١/ ٢٩ من طريق عطاء به.","vol":"10","page":548},{"text":"﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. فجفّ القلمُ من يومئذٍ بما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن حبيبِ بن أبى ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. قال: لما خلَق الله آدمَ، أخَذ ذرِّيَّتَه من ظهرِه مثلَ الذَّرِّ، فقبَضَ قَبضتين، فقال لأصحاب اليمين: ادْخُلُوا الجنةَ بسلامٍ. وقال للآخَرين: ادْخُلوا النارَ ولا أُبالى (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن حبيبٍ، عن ابن عباسٍ، قال: مسَح الله ظهَر آدمَ، فَأَخرَجَ كلَّ طيِّبٍ في يمينِه، وأخرَج كلَّ خبيثٍ في الأُخرى.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن شَريكٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: مسَح الله (^٣) ظهرَ آدمَ، فاستَخرجَ منه كلُّ نَسَمة هو خالقُها إلى يوم القيامة.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي قيسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. قال: لما خلق الله آدمَ مسَح ظهرَه بدَحْناء (^٤)، وأخرَجَ من ظهرِه كلَّ نَسمةٍ هو خالقُها\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٣٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٣٥، وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٨٧٦)، ومن طريقه ابن منده في الرد على الجهمية (٣٤)، والفريابي في القدر (٥٦)، والآجرى في الشريعة (٤٤١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٣ من طريق الأعمش.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"على\"، وفى س: \"الله على\".\n(^٤) في م: \"بدجنى\".","vol":"10","page":549},{"text":"إلى يوم القيامة، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. قال: فَيُرَوْنَ يومَئِذٍ جفَّ القلمُ بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن المسعودِيِّ، عن عليّ بن بَذِيمةَ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما خلق الله آدم ﵇ أخَذ ميثاقَه، فمسَح ظهرَه، فأَخَذ ذرِّيَّتَه كهيئةِ الذَّرِّ، فكتَب آجالَهم وأرزاقَهم ومصائبَهم، وأشَهدهم على أنفسِهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾.\nقال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن المسعودِيِّ، عن عليِّ بن بَذِيمةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. قال: لما خلَقَ الله آدمَ، أخَذَ ميثاقَه أنه رَبُّه، وكتَبَ أجلَه ومصائبَه، واستَخرَج ذريتَه كالذَّرِّ، وأخَذ ميثاقَهم، وكتَب آجالَهم وأرزاقَهم ومصائِبَهم (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن ربيعةَ بن كُلثوم، عن أبيه، عن سعيد جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: مسَح اللَّهُ ظهرَ آدمَ ﵇ وهو ببطنِ نَعْمانَ، وادٍ إلى جنب (^٣) عرفَةَ، وأَخْرَج ذريتَه من ظهرِه كهيئةِ الذَّرِّ، ثم أَشْهَدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾.\nقال: ثنا أبي، عن أبي هلالٍ، عن أبي جَمْرَةَ (^٤) الضُّبَعيِّ، عن ابن عباسٍ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٣٦.\n(^٢) أخرجه الفريابي في القدر (٥٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٣ من طريق المسعودى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في س: \"بطن\".\n(^٤) في م: \"حمزة\"، وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٣٦٣.","vol":"10","page":550},{"text":"أَخْرج الله ذرية آدمَ ﵇ من ظهرِه كهيئةِ الذَّرِّ، وهو في آذيٍّ (^١) من الماء (^٢).\nحدَّثني عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ رَبيعةَ، قال: ثنا أبو مسعودٍ، عن جُويبرٍ، قال: مات ابنٌ للضحاكِ بن مُزاحمٍ، ابنَ ستةِ أيامٍ. قال: فقال: يا جابرُ، إذا أنت وضَعتَ ابنى في لَحْدِه، فأَبْرِزْ وجهَه، وحُلَّ عنه عُقَدَه، فإن ابني مُجْلَسٌ ومسئولٌ. ففعلتُ به الذي أمَرنى، فلما فرَغتُ قلتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، عمّ يُسْئَلُ ابنُكَ؟ [من يَسْأَلُه إياه] (^٣)؟ قال: يُسئلُ عن الميثاقِ الذي أقرَّ به في صُلب آدم ﵇. قلتُ: يا أبا القاسم، وما هذا الميثاقُ الذي أقرَّ به في صُلبِ آدم؟ قال: ثني ابن عباسٍ أنَّ الله مسَح صُلْبَ آدمَ، فاستَخرَج منه كلَّ نَسَمةٍ هو خالقُها إلى يوم القيامة، وأخَذ منهم الميثاق أن يَعْبُدوه ولا يُشْرِكوا به شيئًا، [وتَكَفَّلَ لهم بالأرزاقِ، ثم أعادهم في صلبه] (^٤)، [فلن تَقُومَ الساعةُ] (^٥) حتى يُولَدَ من أعطَى الميثاقَ يومَئذٍ، فمن أدركَ منهم الميثاقَ الآخِرَ فوفَى به، نفَعَه الميثاقُ الأولُ، ومن أدرَك الميثاقَ الآخِرَ فلم يَفِ به، لم يَنْفَعُه الميثاقُ الأولُ، ومن مات صغيرًا قبل أن يُدْركَ الميثاق الآخر، ماتَ على الميثاقِ الأول على الفطرة (^٦).\nحدَّثني يونسُ بنُ عبد الأعلَى، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني السَّرِيُّ بن يَحيى، أن الحسنَ بن أبي الحسنِ حدثهم، عن الأسودِ بنَ سَريعٍ، من بنى سعدٍ، قال: غزوتُ مع رسول الله ﷺ أربعَ غَزَواتٍ. قال: فتناول القومُ الذُّرِّيَّةَ بعد ما\n_________\n(^١) الآذى: الموج الشديد. النهاية ١/ ٣٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٣، وابن منده في الرد على الجهمية ص ٦٠ (٣١) من طريق أبي هلال به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤١ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) سقط من: النسخ. والمثبت من تفسير ابن كثير.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٠٢ عن المصنف.","vol":"10","page":551},{"text":"قَتَلوا المقاتِلةَ، فبلَغ ذلك رسول الله ﷺ، فاشَتدَّ عليه، ثم قال: \"ما بالُ أقوام يَتَناوَلون الذُّرِّيةَ؟ \" فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، أليسوا أبناءَ المشركين؟ فقال: \"إنَّ خيارَكم أبناءُ (^١) المشركين، ألا إنَّها ليست نَسَمَةٌ تُولَدُ إِلَّا وُلِدَتْ على الفِطْرَةِ، فما تَزالُ عليها حتى يَبينَ عنها لسانُها، فأبَوَاها يُهَوِّدانها أو يُنَصِّرانِها\". قال الحسنُ: لقد قال الله ذلك في كتابه، ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (^٢).\nحدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ الوليدِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ أبى طَيْبَةَ (^٣)، عن سفيانَ بن (^٤) سعيدٍ، عن الأَجْلَحِ، عن الضحاكِ، وعن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: \" ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. قال: أُخذوا من ظهرِه كما يُؤْخَذُ بالمُشْطِ من الرأسِ، فقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ قالت الملائكةُ: (شهدْنا أن يَقولوا (^٥) يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) \" (^٦).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن\n_________\n(^١) في م: \"أولاد\".\n(^٢) أخرجه الطحاوى في المشكل (١٣٩٥) عن يونس به. وأخرجه أحمد ٢٦/ ٢٣١ (١٦٣٠٣)، والبخارى في الكبير ١/ ٤٤٥، وفى الصغير ١/ ١١٤، والطحاوى (١٣٩٤)، وابن حبان (١٣٢)، والطبراني في الكبير (٨٢٧) من طريق السرى بن يحيى به. وأخرجه معمر في جامعه (٢٠٠٩٠)، وابن أبي شيبة ١٢/ ٣٨٦، وأحمد ٢٤/ ٣٥٤، ٢٦/ ٢٢٧ (١٥٥٨٨، ١٦٢٩٩)، والدارمي ١/ ٢٢٣، والنسائي في الكبرى (٨٦١٦)، وأبو يعلى (٩٤٢)، والطحاوى (١٣٩٦، ١٣٩٧)، والطبراني في الكبير (٨٢٦، ٨٢٨ - ٨٣٥)، وفى الأوسط (١٩٨٤، ٤٩٤١)، والحاكم ٢/ ١٢٣، والبيهقي ٩/ ٧٧، ١٣٠، والحازمي في الاعتبار ص ٢١٣ من طرق عن الحسن به مطولا ومختصرا.\n(^٣) في م: \"ظبية\". وينظر تهذيب الكمال ١/ ٣٥٩.\n(^٤) في النسخ: \"عن\". والمثبت كما في الإسناد بعده، وسفيان بن سعيد هو الثورى.\n(^٥) في م: \"تقولوا\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٠٢ عن المصنف.","vol":"10","page":552},{"text":"مجاهدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. قال: أخَذَهم (^١) كما يَأْخُذُ المُشطُ من الرأسِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حُمَيْدٍ، قالا: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن عبد الله بن عمرٍو: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. قال: أخَذهم كما يَأْخُذُ (^٣) المُشطُ من الرأس. قال ابن حُمَيْدٍ: كما يُؤْخَذُ بالمُشطِ (^٤).\nحدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهريُّ، قال: ثنا روحُ بنُ عُبادةَ وسعدُ بنُ عبدِ الحميد بن جعفرٍ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن زيدِ بن أبي أُنَيْسَةَ، عن عبدِ الحميدِ بن عبد الرحمن بن زيدِ بن الخطابِ، عن مسلمِ بن يسارٍ الجُهَنيِّ، أن عمرَ بنَ الخطابِ سُئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ فقال عمرُ: سَمِعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: \"إِنَّ الله خلق آدمَ ثم مسَح على (^٥) ظهره بيمينِه، فاستَخرَج منه ذرِّيَّةً، فقال: خلَقتُ هؤلاء للجنةِ، وبعملِ أهلِ الجنةِ يَعْمَلون. ثم مسَح ظهرَه فاستَخرَج منه ذرِّيَّةً، فقال: خلَقتُ هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يَعْمَلون\". فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ فَفيم العملُ؟ قال: \"إن الله إذا خلَق العبدَ للجنةِ استَعمَله بعملِ أهلِ الجنة، حتى يَمُوتَ على عملٍ مِن عملِ أهل الجنةِ فيُدْخِلَه الجنةَ، وإذا خلَق العبد للنارِ استَعمَله بعملِ أهلِ النارِ، حتى يَمُوتَ على عملِ من عملِ أهلِ النارِ فيُدْخِلَه النارَ\" (^٦).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أخذ\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٣، واللالكائى في شرح أصول الاعتقاد (٩٩٣) من طريق سفيان به نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤١ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يؤخذ\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"المشط\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٣٥. وأخرجه مالك ٢/ ٨٩٨، ومن طريقه أحمد ١/ ٣٩٩ (٣١١)، =","vol":"10","page":553},{"text":"حدَّثنا إبراهيمُ، قال: ثنا محمدُ بنُ المُصَفَّى، عن بَقِيةَ، عن عُمَرَ (^١) بن جُعْثُمٍ (^٢) القرشيِّ، قال ثني زيدُ بن أبي أُنَيْسَةَ، عن عبد الحميدِ بن عبد الرحمنِ، عن مسلمِ بن يسارٍ، عَن نُعَيْمِ بن ربيعةَ، عن عُمَرَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوه (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن عُمارة، عن أبي محمدٍ رجلٍ من أهل المدينة، قال: سألتُ عمرَ بنَ الخطابِ عن قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. قال: سألتُ النبيَّ ﷺ عنه كما سألْتني، فقال: \"خلَق الله آدمَ بيدِه، ونفَخ فيه من رُوحِه، ثم أجلَسَه فمسَح ظهرَه بيدِه اليمنى، فأَخْرَجَ ذَرأً، فقال: ذَرْءٌ ذَرَأْتُهم للجنة. ثم مسَح ظهرَه بيده الأخرَى، وكلتا يَدَيه يمينٌ، فقال: ذَرْءٌ ذَرَأَتُهم للنارِ، يَعْمَلُون فيما شئتُ من عملٍ، ثم أختِمُ لهم بأسوأ أعمالِهم، فأُدْخِلُهم النارَ\" (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن\n_________\n= وأبو داود (٤٧٠٣)، والترمذى (٣٠٧٥)، والنسائى في الكبرى (١١١٩٠)، وابن أبي عاصم في السنة (١٩٦)، الفريابي في القدر (٢٧، ٢٨)، وابن حبان (٦١٦٦)، والآجرى في الشريعة (٣٢٤)، وابن منده في الرد على الجهمية ص ٥٦ (٢٨)، والحاكم ١/ ٢٧، ٢/ ٣٢٤، ٥٤٤، واللالكائي (٩٩٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٧١٠)، والبغوى في شرح السنة (٧٧)، وفي التفسير ٣/ ٢٩٧. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ، وابن مردويه.\n(^١) في م: \"عمرو\". وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٢٨٧.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"جعفر\".\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٧٠٤) عن محمد بن المصفى به. وأخرجه البخارى في تاريخه ٨/ ٩٦، وابن أبي عاصم في السنة (٢٠١)، ومحمد بن نصر في كتاب الرد على ابن محمد بن الحنفية - كما في النكت الظراف ٨/ ١١٣ - والطحاوى في المشكل (٣٨٨٧، ٣٨٨٨)، وابن عبد البر في التمهيد ٦/ ٤، ٥ من طريق زيد بن أبي أنيسة به.\n(^٤) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ١٨/ ٨١ - معلقا - من طريق حكام به بنحوه، وأخرجه ابن منده في الرد على الجهمية (٢٥) من طريق عمارة به.","vol":"10","page":554},{"text":"ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. قال: إِن اللَّهَ خلَق آدمَ، ثم أخرَج ذريتَه من صلبِه مثلَ الذَّرِّ، فقال لهم: من ربُّكم؟ قالوا: اللَّهُ ربُّنا. ثم أعادَهم في صلبِه، حتى يُولَدَ كلُّ مَن أخَذ ميثاقَه، لا يُزادُ فيهم ولا يُنقَصُ منهم إلى أن تَقُومَ الساعةُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. إلى قوله: ﴿قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾. قال ابن عباسٍ: إن الله لمَّا خلَق آدمَ مسَح ظهرَه، وأَخرَج ذريتَه كلَّهم كهيئةِ الذُّرِّ، فَأَنطَقَهم فتكَلَّموا، وأَشْهَدَهم على أنفسهم، وجعَل مع بعضِهم النورَ، وإنه قال لآدمَ: هؤلاء ذريتُك آخُذُ عليهم الميثاق أنى (^٢) أنا ربُّهم؛ لئلا يُشْرِكوا بى شيئًا، وعليَّ رزقُهم. قال آدمُ: فمن هذا الذي معه النورُ؟ قال: هو داودُ. قال: يا ربِّ، كم كتَبتَ له من الأجل؟ قال: ستين سنةً. قال: كم كتَبتَ لى؟ قال: ألفَ سنةٍ، وقد كتبتُ لكلِّ إنسانٍ منهم كم يُعَمَّرُ وكم يَلْبَثُ. قال: يا ربِّ، زِدْه. قال: هذا الكتابُ موضوعٌ، فأَعْطِه إن شئتَ مِن عُمرِكَ. قال: نعم. وقد جفَّ القلمُ عن أجَل سائرِ بني آدمَ، فكتَب له من أجَلِ آدمَ أربعين سنةً، فصارَ أجلُه مائةَ سنةٍ، فلمَّا عُمِّر تِسعَمائةِ سنةٍ وستينَ سنةً، جاءه ملكُ الموتِ، فلمّا رآه آدمُ، قال: ما لَكَ؟ قال له: قد استَوفَيتَ أجلَك. قال له آدمُ: إِنَّما عُمِّرْتُ تِسعَمائة سنةٍ (^٣) وستين سنةً، وبقى أربعون سنةً (^٤). فلما قال ذلك للمَلَكِ، قال الملَكُ: قد أخبرني بها ربِّي.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٤، واللالكائى في شرح أصول الاعتقاد (٩٩٢) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) سقط من النسخ، والمثبت من تاريخ المصنف.\n(^٣) ليست في: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٤) بعده في م: \"قال\".","vol":"10","page":555},{"text":"قال: فارْجِعْ إلى ربِّك فاسْأَله. فرجَع الملَكُ إلى ربِّه، فقال: ما لَكَ؟ قال: يا ربِّ، رجَعتُ إليك لِمَا كنتُ أعلمُ مِن تَكْرِمَتِكَ إيَّاه. قال الله: ارجِعْ فأَخْبِرْه أنه قد أعطَى ابنه داودَ أربعين سنةً (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن الزبير بن موسى، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إن الله ﵎ ضرَب مَنْكِبَه الأيمنَ، فخرَجتْ كلُّ نفسٍ مخلوقةٍ للجنةِ بيضاءَ نقيةً، فقال: هؤلاء أهلُ الجنةِ. ثم ضرَب مَنْكِبَه الأيسرَ، فخرَجتْ كلُّ نفسٍ مخلوقةٍ للنارِ سوداءَ، فقال: هؤلاء أهلُ النارٍ. ثم أخَذ عهودَهم على الإيمانِ والمعرفةِ له ولأمره، والتصديقِ به وبأمره، بنى آدم كلِّهم، فأَشْهَدهم على أنفسِهم، فآمَنوا وصدَّقوا، وعرَفوا وأقَرُّوا، وبلَغَنى أنه أَخرَجَهم على كفِّه أمثالَ الخَرْدَلِ. [قال ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال] (^٢): إن الله لمَّا أخرجَهم قال: يا عبادَ الله، أجِيبُوا الله - والإجابةُ الطاعةُ - فقالوا: أَطَعنا، اللهم أطَعنا (^٣)، اللهم لبَّيك. قال: فأعطاها إبراهيم ﵇ في المناسكِ: لبَّيك اللهم لبَّيك. وقال: ضرَب متن آدمَ حينَ خلَقه. قال: وقال ابن عباسٍ: خلق آدمَ، ثم أخرَج ذريتَه من ظهرِه مثل الذُّرِّ، فكلَّمهم، ثم أعادهم في صلبه، فليس أحدٌ إلا وقد تَكلَّم فقال: رَبِّيَ اللَّهُ. فقال: وكلُّ خَلْقٍ خَلَق [وهو] (^٤) كائنٌ إلى يوم القيامةِ، وهي الفِطرةُ التي فطَر الناسَ عليها. قال ابن جُريجٍ: قال سعيدُ بنُ جبيرٍ: أخَذ الميثاقَ عليهم بنَعْمَانَ - ونَعْمانُ مِن وراءِ عرَفةَ - أن يَقُولوا يومَ القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾؛ عن الميثاق الذي أخَذ عليهم (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٥٦.\n(^٢) في الرد على الجهمية: \"قال مجاهد عن ابن عباس\".\n(^٣) بعده في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"اللهم أطعنا\".\n(^٤) في م: \"فهو\".\n(^٥) أخرجه ابن منده في الرد على الجهمية (٣٥) من طريق حجاج به دون قول سعيد بن جبير. وأخرجه =","vol":"10","page":556},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع، عن أبي العاليةِ، عن أُبيِّ بن كعبٍ، قال: جمَعهم يومئذٍ جميعًا ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، ثم استَنْطَقهم وأخَذ عليهم الميثاقَ، ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾. قال: فإني أُشْهِدُ عليكم السماوات السبعَ والأرَضِين السبعَ، وأُشْهِدُ عليكم أباكم آدم؛ أنْ تَقُولوا يوم القيامةِ: لم نَعْلَم بهذا. اعْلَموا أنه لا إلهَ غيرى، ولا ربَّ غيرِى، ولا تُشْرِكوا بي شيئًا، و(^١) سأُرْسِلُ إليكم رسلًا يُذَكِّرُونكم عَهْدى وميثاقي، وسأُنْزِلُ عليكم كتبى. قالوا: شهِدنَا أَنَّكَ رَبُّنا وإلهُنا، لا ربَّ لنا غيرُك، ولا إلهَ لنا غيرُك. فأقَرُّوا له يومئذٍ بالطاعةِ، ورفَع عليهم أباهم آدمَ، فنظَر إليهم، فرأى منهم الغنيَّ والفقيرَ، وحَسنَ الصورة ودونَ ذلك، فقال: ربِّ، لولا ساويتَ بينَهم؟ قال: فإنى أُحِبُّ أن أُشكَر. قال: وفيهم الأنبياءُ ﵈ يومئذٍ مثلُ (^٢) السُّرُج، وخَصَّ الأنبياءَ بميثاقٍ آخرَ، قال الله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧]. وهو الذي يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]. وفى ذلك قال: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٦]. يقولُ: أخَذنا ميثاقَه مع النذر الأولى. ومن (^٣) ذلك قوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا\n_________\n= الفريابي في القدر (٥٨)، والآجرى في الشريعة (٤٤٢) من طريق ابن جريج به إلى قوله: وأقروا. وأخرجه ابن منده (٣٦) من طريق الحكم، عن سعيد بن جبير إلى قوله: وأقروا.\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أنا\".\n(^٢) في م: \"مثل\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"في\".","vol":"10","page":557},{"text":"أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢]. [وهو قولُه تعالى] (^١): ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يونس: ٧٤]. قال: كان في علمِه يومَ أقرُّوا به من يُصَدِّقُ ومَن يُكَذِّبُ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾. قال: أَخرَجَهم من ظهرِ آدمَ، وجعَل لآدمَ عمر ألفِ سنةٍ. قال: فعُرِضوا على آدمَ، فرأى رجلًا من ذريتِه له نورٌ، فأعجَبه، فسأل عنه، فقال: هو داودُ، وقد جُعِلَ عمُرُه ستين سنةً. فجعَل له من عُمُرِهِ أربعين سنةً، فلما حُضِرَ (^٣) آدمُ جعَل يُخاصِمُهم في الأربعين سنةً، فقيل له: إنك أعطيتها داود. قال: فجعَل يُخاصِمُهم (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. قال: أَخْرَجَ ذُرِّيَّته من ظهره [في صورة] (^٥) كهيئةِ الذَّرِّ، فعرَضَهم على آدمَ بأسمائِهم وأسماءِ آبائِهم وآجالهم.\n_________\n(^١) سقط من: النسخ، والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٢) أخرجه الفريابي في القدر (٥٢)، والآجرى في الشريعة (٤٣٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٥، والحاكم ٢/ ٣٢٣، واللالكائى في شرح أصول الاعتقاد (٩٩١)، والبيهقى في الأسماء والصفات (٧٨٥)، وابن عبد البر في التمهيد ١٨/ ٩١ من طريق أبي جعفر به.\nوأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ١٣٥ (الميمنية)، والفريابي في القدر (٥٣)، وابن منده في الرد على الجهمية ص ٥٩، ٦٢ (٣٠، ٣٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٧/ ٣٩٦ من طريق الربيع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٢ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ وابن مردويه. وتقدم في ص ٣٣٧ مختصرا.\n(^٣) في م: \"احتضر\". وكلاهما بمعنى. ينظر اللسان (ح ض ر).\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٥٧.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"10","page":558},{"text":"قال: فعرَض عليهِ رُوحَ داودَ في نورٍ ساطعٍ، فقال: من هذا؟ قال: هذا مِن ذُرِّيَّتِك (^١)، نبيٌّ خليفةٌ (^٢). قال: كم عمرُه؟ قال: ستون سنةً. قال: زيدوه من عمرى أربعين سنةً. قال: والأقلامُ رَطْبةٌ تَجْرى، فأُثبتَتْ لداودَ الأربعون، وكان عمُرُ آدم ألفَ سنةٍ، فلمَّا استَكمَلها الأربعينَ سنةً، بُعِثَ إليه ملَكُ الموتِ، فقال: يا آدمُ، أُمِرْتُ أن أَقْبِضُك. قال: ألم يَبْقَ من عُمرى أربعون سنةً؟ قال: فرجَع ملَكُ الموتِ إلى ربِّه، فقال: إن آدمَ يَدَّعِي من عمرِه أربعين سنةً. قال: أخبر آدمَ أنه جعَلها لابنه داودَ والأقلامُ رَطْبَةٌ، فأُثْبِتَت لداودَ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو داودَ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ بنحوِه.\nقال: ثنا ابن فُضَيل وابنُ نُميرٍ، عن عبد الملكِ، عن عطاءٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. قال: أَخرَجَهم من ظهرِ آدمَ حتى أخَذ عليهم الميثاقَ، ثم رَدَّهم في صُلبه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن نَضْرِ بن عَربيٍّ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. قال: أخرَجهم من ظهرِ آدمَ حتى أخَذ عليهم الميثاقَ، ثم ردَّهم في صُلبه.\nقال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، عن أبي بسطامَ، عن الضحاكِ، قال: حيثُ ذرَأَ اللَّهُ خلقَه لآدمَ. قال: خلَقهم وأشهَدهم على أنفسِهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾.\nحُدِّثت عن الحسين بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدٌ، قال:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ذريته\".\n(^٢) في ص، وتاريخ المصنف: \"خلقته\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٥٨.","vol":"10","page":559},{"text":"سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. قال: قال ابن عباسٍ: خلق الله آدمَ، ثم أَخْرَجَ ذُرِّيَّته من ظهرِه، فكَلَّمهم الله وأنطَقهم، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. ثم أعادَهم في صُلبِه، فليس أحدٌ من الخلقِ إِلَّا قد تكلَّم فقال: ربِّيَ اللهُ. وإنّ القيامة لن تَقُومَ حتى يُولَدَ من كان يومئذٍ أَشْهَدَ على نفسه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ طلحةَ، عن أسباطَ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. وذلك حين يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]. وذلك حينَ يقولُ: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. يعنى: يومَ أخَذ منهم الميثاق ثم عرَضَهم على آدم ﵇ (^١).\nقال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السُّدِّيِّ، قال: أَخرَج الله آدم من الجنةِ، ولم يَهْبِطْ من السماءِ، ثم مسَح (^٢) صَفْحةَ ظهرِه اليُمنى، فَأَخْرَج منه ذرَّيةً [كهيئةِ الذَّرِّ أبيضَ مثل اللُّؤْلُو] (^٣)، فقال لهم: ادْخُلوا الجنة برحمتى. ومسَح صفحةَ ظهرِه اليسرى، فأخرَج منه [كهيئةِ الذَّرِّ سُودًا] (^٤)، فقال: ادْخُلُوا النار ولا أُبالى. فذلك حينَ يقولُ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة: ٢٧، ٤١]. ثم أخَذ منهم الميثاقَ، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. فأعطاه (^٥) طائفةٌ\n_________\n(^١) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١٨/ ٨٥ من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدى بإسناده المعروف مطولا.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ظهر آدم\".\n(^٣) في م: \"بيضاء مثلى اللؤلؤ كهيئة الذر\".\n(^٤) في م: \"ذرية سوداء كهيئة الذر\".\n(^٥) في م: \"فأطاعه\".","vol":"10","page":560},{"text":"طائعين، وطائفةً كارهين على وجهِ التَّقِيَّةِ (^١).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمْرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ بنحوهِ، وزاد فيه بعدَ قولِه: وطائفةً على وجهِ التَّقِيَّةِ: فقال هو والملائكةُ: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا (^٢) يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا (^٢) إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. فلذلك ليس في الأرضِ أحدٌ من ولد آدمَ إلا وهو يَعْرِفُ أن ربَّه الله، ولا مشركٌ إلا وهو يقولُ لابنه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]. وذلك حينَ يقولُ اللَّهُ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. وذلك حين يقولُ ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]. وذلك حينَ يقولُ: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. يعني: يومَ أخَذ منهم الميثاقَ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الكَلْبيِّ: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قال: مسَح الله على صُلْبِ آدم، فأخرَج من صُلْبِه من ذريتِه ما يكونُ إلى يوم القيامةِ، وأخَذ ميثاقَهم أنه ربُّهم، فأَعْطَوْه ذلك، ولا تَسْألُ (^٤) [أحدًا؛ كافرًا] (^٥) ولا غيرَه: مَنْ ربُّك؟ إلا قال: الله. وقال الحسنُ مثل ذلك أيضًا (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٣٦، وهو جزء من الأثر السابق.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يقولوا\"، وغير منقوطة في ص، وبالياء قراءة تقدم تخريجها في ص ٥٤٨.\n(^٣) تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يسأل\"، وغير منقوطة في ص.\n(^٥) في م: \"أحد كافر\".\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٤٢ عن معمر، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قوله. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤١ إلى ابن المنذر من قول ابن عباس.","vol":"10","page":561},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ، عن جعفرٍ، عن أبيه، عن عليّ بن حُسينٍ أنه كان يَعزِلُ (^١) ويتأوّلُ هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عُبيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرظيِّ في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قال: أقرَّتِ الأرواحُ قبلَ أنْ تُخْلَقَ أجسادُها (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ الفرج الحِمْصِيُّ، قال: ثنا بَقِيَّةُ بنُ الوليد، قال: ثني الزُّبَيديُّ، عن راشدِ بن سعدٍ، عن عبد الرحمنِ بن قتادةَ النَّصْرِيِّ (^٤)، عن أبيه، عن هشامِ بن حكيمٍ، أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أَتَبْدَأَ (^٥) الأعمالُ أم قد قُضِيَ القضاءُ؟ فقال رسولُ الله ﷺ: \"إِنَّ الله أخذ ذريةَ آدم من ظهورهم، ثم أشْهَدَهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كَفَّيْه، ثم قال: هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في النار. فأهلُ الجنةِ مُيَسَّرون لعمل أهل الجنةِ، وأهلُ النارِ مُيَسَّرون لعملِ أهلِ النارِ\" (^٦).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يقول\". وأثبتت في: م. من الدر المنثور، وهى كذلك أيضا في مصنف ابن أبي شيبة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢١٨ عن حفص به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ١١٥، وابن عبد البر في التمهيد ١٨/ ٨٠ من طريق موسى بن عبيدة به بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤١ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) في م: \"النضرى\"، وفى ت ١، ت ٢، س، ف: \"البصرى\"، وينظر الإكمال ١/ ٣٩٠.\n(^٥) في م: \"ابتدأ\".\n(^٦) أخرجه البخارى في التاريخ الكبير ٨/ ١٩١، ١٩٢، والبزار (٢١٤٠ - كشف) عن أحمد بن الفرج به. وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده - كما في المطالب العالية (٣٢٥٣) - ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (٧١١) - والبخارى في الكبير ٥/ ٣٤١، ٨/ ١٩١، والطبرانى في الكبير ٢٢/ ١٦٩ (٤٣٥) من طريق بقية به. =","vol":"10","page":562},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ الطائيُّ، قال: ثنا حَيْوَةُ ويزيدُ، قالا: ثنا بَقِيَّةُ، عن الزُّبَيْديِّ، عن راشدِ بن سعدٍ، عن عبدِ الرحمن بن قتادةَ النَّصْرِيِّ، عن أبيه، عن هشامِ بن حكيمٍ، عن النبيِّ ﷺ مثله.\nحدَّثني [عبد الله بنُ] (^١) أحمدَ بن شَبُّويَه، قال: ثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا عمرُو بنُ الحارثِ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ سالمٍ (^٢)، عن الزبيدي، قال: ثنا راشدُ بنُ سعدٍ، أن عبدَ الرحمنِ بنَ قتادةَ، حدثه، أن أباه حدثه أن هشامَ بنَ حكيمٍ حدثه، أنه قال: أتى رسول الله ﷺ رجلٌ. فذكر مثله (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثني أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن راشد بن سعدٍ، عن عبد الرحمنِ بن قتادةَ، عن هشامِ بن حكيمٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه (^٤).\nواختُلِفَ في قوله: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾؛ فقال السُّدِّيُّ: هو خبرٌ من الله عن نفسِه وملائكتِه أنه جلَّ ثناؤُه\n_________\n= وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٦٨)، والفريابي في القدر (٢٢، ٢٣)، والآجرى في الشريعة (٣٣٠)، والبيهقى في الأسماء والصفات (٧١٢) من طريق بقية به، وعندهم: عن عبد الرحمن بن قتادة، عن هشام بن حكيم. وينظر تعجيل المنفعة ١/ ٨٠٩، والإصابة ٤/ ٣٥٢.\n(^١) سقط من النسخ، والمثبت مما تقدم في ٢/ ٤٩٩.\n(^٢) في النسخ: \"مسلم\". والمثبت من مصدرى التخريج. وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٥٤٩.\n(^٣) أخرجه البخارى في الكبير ٥/ ٣٤١ عن إسحاق بن إبراهيم به. وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٦٩) من طريق عبد الله بن سالم به.\n(^٤) أخرجه الفريابي في القدر (٢٤)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ١٦٨ (٤٣٤)، وابن منده في الرد على الجهمية (٥٤) من طريق أبي صالح به وأخرجه ابن سعد ١/ ٣٠، ٧/ ٤١٧، وأحمد ٢٩/ ٢٠٦ (١٧٦٦٠)، والفريابي في القدر (٢٥، ٢٦)، وابن قانع في معجم الصحابة ٢/ ١٥٩، وابن حبان (٣٣٨)، والحاكم ١/ ٣١ من طريق معاوية بن صالح، وليس فيه: هشام بن حكيم.","vol":"10","page":563},{"text":"قال هو وملائكتُه، إذ أَقَرَّ بنو آدمَ بربوبيتِه حينَ قال (^١) لهم: ألستُ بربِّكم؟ فقالوا: بلى.\nفتأويلُ الكلامِ على هذا التأويل: وإذ أخَذ ربُّك من بنى آدمَ من ظُهورِهم ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدهم على أنفسِهم: ألستُ بربِّكم؟ قالوا: بلى. فقال الله وملائكتُه: شَهِدنا عليكم بإقرارِكم بأن الله ربُّكم؛ كَيْلا تَقُولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين.\nوقد ذَكَرتُ الرواية عنه بذلك فيما مضَى، والخبرَ الآخر الذي رُوِى عن عبد الله بن عمرٍو، عن النبيِّ ﷺ بمثل ذلك (^٢).\nوقال آخرون: ذلك خبرٌ من الله عن قيل بعض بني آدمَ لبعضٍ حينَ أَشْهَدَ اللَّهُ بعضَهم على بعضٍ. وقالوا: معنى قوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: وأَشْهَدَ بعضَهم على بعضٍ بإقرارِهم بذلك. وقد ذَكَرتُ الرواية بذلك أيضًا عمَّن قاله قبلُ.\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى القولين في ذلك بالصوابِ ما رُوى عن رسولِ اللَّهِ ﷺ إِنْ كان صحيحًا، ولا أعلمُه صحيحًا؛ لأن الثِّقاتِ الذين يُعْتَمَدُ على حفظِهم وإتقانهم حدَّثوا بهذا الحديثِ عن الثوريِّ فوَقَفُوه على عبدِ اللهِ بن عمرٍو ولم يَرْفَعوه، ولم يَذْكُروا في الحديث هذا الحرفَ الذي ذكَره أحمدُ بنُ أَبي طَيْبة (^٣) عنه. وإن لم يَكُنْ ذلك عنه صحيحًا، فالظاهرُ يَدُلُّ على أنه يَدُلُّ على أنه خبرٌ من الله عن قيل بني آدمَ بعضِهم لبعضٍ؛ لأنه جلَّ ثناؤُه قال: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾. فكأنه قيل: فقال الذين شَهِدوا على المُقِرِّين حينَ أَقَرُّوا فقالوا:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قيل\".\n(^٢) تقدم أثر السدى في ص ٥٦١، وحديث عبد الله بن عمرو تقدم في ص ٥٥٢، ٥٥٣.\n(^٣) في م: \"ظبية\".","vol":"10","page":564},{"text":"﴿بَلَى﴾. شَهِدنا عليكم بما أَقْرَرْتم به على أنفسكم؛ كيلا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين.\n\n<span id=\"aya-1127\"></span><span data-type='title' id=toc-3598>القول في تأويل قوله: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: شَهِدنا عليكم أيها المقرُّون بأن الله ربكم؛ كيْلَا تَقُولوا يوم القيامةِ: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾: إنا كنا لا نَعْلَمُ ذلك، وكنا في غفلةٍ منه، ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. اتَّبَعْنا منهاجَهم، ﴿أَفَتُهْلِكُنَا﴾ بإشراكِ مَن أَشرَك بك (^١) من آبائنا، واتباعِنا منهاجَهم على جهلٍ منا بالحقِّ.\nويعنى بقوله: ﴿بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾: بما فعل الذين أَبْطَلوا في دَعْواهم إلهًا غير الله.\nواختلفتِ القَرَأَةُ في قراءة ذلك؛ فقرأه بعضُ المكِّيين والبَصْريِّين: (أَنْ يَقُولُوا). بالياء، بمعنى: شهدنا لِئلَّ (^٢) يَقُولُوا. على وجه الخبر عن الغَيبِ.\nوقرأ ذلك عامَّةُ قَرَأةِ أهل المدينةِ والكُوفَةِ: ﴿أَن تَقُولُوا﴾. بالتاء، على وجهِ الخطابِ من الشهودِ للمشهودِ عليهم (^٣).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان صحيحتًا المعنى، مُتّفقتا التأويل، وإن اختلفت ألفاظُهما؛ لأنّ العربَ تَفْعَلُ ذلك في الحكاية، كما قال اللهُ: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾، و(لَيُبَيِّنُنَّه) [آل عمران: ١٨٧]. وقد بَيَّنَّا نظائرَ ذلك فيما مضَى\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ألا\".\n(^٣) تقدم تخريج هاتين القراءتين في ص ٥٤٨.","vol":"10","page":565},{"text":"بما أغنى عن إعادتِه (^١).\n\n<span id=\"aya-1128\"></span><span data-type='title' id=toc-3600>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وكما فصّلنا يا محمد لقومك آيات هذه السورة، وبيَّنا فيها ما فعَلنا بالأمم السالفة قبل قومك، وأحْللنا بهم من المثلاتِ بكفرهم، وإشراكهم في عِبادتي غيرى، كذلك نُفَصِّلُ الآياتِ، غيرها، ونُبيِّنُها لقومِك، لينزَجروا ويَرْتَدِعوا، فيُنيبُوا إلى طاعتى، ويَتُوبُوا من شركهم وكفرهم، فيَرْجِعُوا إلى الإيمان والإقرار بتوحيدى، وإفراد الطاعة لى، وترك عبادة ما سواى.\n\n<span id=\"aya-1129\"></span><span data-type='title' id=toc-3601>القولُ في تأويل قولِه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيه محمدٍ ﷺ: ﴿وَاتْلُ﴾ يا محمد على قومِك ﴿نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾. يعني خبرَه وقصتَه.\nوكانت آيات الله للذى (^٢) آتاهُ اللهُ إيَّاها فيما يقالُ: اسمُ الله الأعظمُ. وقيل: النبوةُ.\nواختلف أهلُ التأويلِ فيه؛ فقال بعضُهم: هو رجلٌ من بني إسرائيلَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3599>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بن المفضَّل، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ في هذه الآية: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. قال: هو بَلْعَمُ (^٣).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ١٥٥، ٢/ ١٨٨، ٢٦٣.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"الذي\".\n(^٣) أخرجه النسائي في الكبرى (١١١٩٣) عن حميد به.","vol":"10","page":566},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ مثلَه.\nقال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبد اللهِ، قال: هو بَلْعَمُ بنُ أَبَر (^١).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن ابن مسعودٍ في قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾. قال: رجلٌ من بني إسرائيلَ يقالُ له: بَلْعَمُ بنُ أَبَرَ.\nحدَّثنا محمد بن المثنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ وابنُ مَهديٍّ وابنُ أَبي عَدِيٍّ، قالوا: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبد الله أنه قال في هذه الآية. فذكر مثله، ولم يَقُل: ابنَ أَبَرَ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عمرٍو، عن منصور، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن ابن مسعودٍ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. قال: رجلٌ من بنى إسرائيل يقال له: بَلْعَمُ بنُ أَبَرَ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عِمْرانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن حُصَينٍ، عن عِمْرانَ بن الحارث، عن ابن عباسٍ، قال: هو بَلْعَمُ بنُ باعرا (^٢).\nحدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ، عن ابن مسعودٍ في قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٦، والطبراني (٩٠٦٤)، وابن عساكر في تاريخه ١٠/ ٣٩٧ من طريق سفيان به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٠٧.","vol":"10","page":567},{"text":"آيَاتِنَا﴾. إلى: ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾: هو بَلْعَمُ بنُ أَبَر.\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن الأعمش، و(^١) عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن ابن مسعودٍ مثله، إلا أنه قالَ: ابْنُ أَبْرَ، بضمِّ الباءِ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. قال: هو رجلٌ من مدينة الجبارين يقال له: بَلْعَمُ (^٣).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾. قال: بَلْعَامُ بنُ باعر (^٤)، من بني إسرائيل (^٥).\nحدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سَمِعتُ مجاهدًا يقولُ. فذكر مثله.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: أخبرني عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ، أنه سمع مجاهدًا يقولُ. فذكر مثله (^٦).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن وابنُ أَبي عَدِيٍّ، عن شعبة، عن\n_________\n(^١) سقطت الواو من: النسخ، وأثبتناها من مصادر التخريج.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٤٣. ومن طريقه الحاكم ٢/ ٣٢٥، وابن عساكر في تاريخه ١٠/ ٣٩٧، ولفظ الحاكم: بلعم بن باعوراء.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٦ من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٥ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في م: \"باعرا\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٤٧.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٨ من طريق حجاج به، عن ابن عباس من قوله. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٥ إلى ابن المنذر.","vol":"10","page":568},{"text":"حُصين، عن عكرمة، قال في الذي ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. قال: هو بَلْعَامُ (^١).\nوحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا غُنْدَرٌ، عن شعبة، عن حصين، عن عكرمة، قال: هو بَلْعَمُ.\nقال: ثنا عمرانُ بنُ عُيينةَ، عن حُصينٍ، عن عِكْرِمةَ، قال: هو بَلْعَمُ.\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن حصينٍ، قال: سَمِعتُ عكرمة يقولُ: هو بَلْعَامُ.\nحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيلُ، عن حصينٍ، عن مجاهدٍ، قال: هو بَلْعَمُ.\nحدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيل، عن مغيرة، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: هو بَلْعَمُ. [وقالت ثَقِيفٌ: هو أُميةُ بن أبي الصَّلْتِ] (^٢).\nوقال آخرون: كان بَلْعَمُ هذا من أهل اليمن.\n\n<span data-type='title' id=toc-3602>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. قال: هو رجلٌ يُدعى بَلْعَمُ مِن أهل اليمن (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٠/ ٣٩٨ من طريق شعبة به.\n(^٢) سقط من: م. والأثر ذكره ابن كثير في تفسير ٣/ ٥٠٧ عن المصنف. وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٧ من طريق جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٨ عن محمد بن سعد به.","vol":"10","page":569},{"text":"أَوْ تَقُولُوا وقال آخرون: كان من الكَنْعانِيِّين.\n\n<span data-type='title' id=toc-3603>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. قال: هو رجلٌ من مدينة الجبارين يُقال له: بَلْعَمُ (^١).\nوقال آخرون: هو أُميةُ بن أبي الصَّلتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3604>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمنِ بن مهديٍّ، قال: ثنا سعيد بنُ السائب، عن غُطَيْفِ (^٢) بن أبي سفيان، عن يعقوبَ ونافع بن (^٣) عاصم، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال في هذه الآية: ﴿الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾، قال: هو أميةُ بن أبي الصَّلتِ (^٤).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، قال: أنبأنا شعبة، عن يَعْلَى بَنِ عطاء، عن نافع بن عاصم، قال: قال عبد الله بن عمرو: هو صاحبكم أمية بن أبي الصَّلْتِ (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٦٨.\n(^٢) في م: \"غضيف\". وهما قولان في اسمه. ينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ١١٦.\n(^٣) كذا في النسخ، ويعقوب ونافع أخوان، وهما ابنا عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي، وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٢٧٧، ٣٢/ ٣٣٩.\n(^٤) أخرجه النسائي في الكبرى (١١١٩٤) من طريق عبد الرحمن به. وأخرجه النسائي أيضًا في كتاب الأخوة - كما في تحفة الأشراف ٦/ ٣٨٦ (٨٩٤١) - وابن عساكر في تاريخه ٩/ ٢٦٥ من طريق سعيد بن السائب به.\n(^٥) أخرجه النسائي في الكبرى (١١١٩٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٦ من طريق شعبة به.","vol":"10","page":570},{"text":"حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن ووهب بن جريرٍ، قالا: ثنا شعبة، عن يعلى بن عطاءٍ، عن نافعِ بن عاصمٍ، عن عبدِ الله بن عمرٍو بمثله.\nحدَّثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن رجلٍ، عن عبد الله بن عمرٍو: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾. قال: هو أميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: غُنْدَرٌ، عن شعبة، عن يعلى بن عطاءٍ، قال: سمعتُ نافع بنَ عاصمِ بن عروةَ بن مسعودٍ، قال: سَمِعتُ عبد الله بن عمرٍو قال في هذه الآية: ﴿الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. قال: هو صاحبُكم. يعنى أمية بن أبي الصَّلتِ.\nقال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حبيبٍ، عن رجلٍ، عن عبد الله بن عمرٍو، قال: هو أميةُ بن أبي الصَّلْتِ.\nقال: ثنا يزيد، عن شَرِيكٍ، عن عبد الملكِ، عن فضالة، أو ابن فضالة، عن عبد اللهِ بن بن عمرٍو، قال: هو أميةُ.\nحدَّثنا ابن حُمَيْدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن عبد الملكِ بن عُمَيرٍ، قال: تذاكروا في جامعِ دمشق هذه الآية: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾، فقال بعضُهم: نَزَلَتْ في بلعم بن باعوراء. وقال بعضُهم: نزلت في الراهب (^٢). فخرج عليهم عبد الله بنُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٠ من طريق محمد بن بشار به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٤٣ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٩/ ٢٦٦ - عن سفيان الثورى عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الله بن عمرو. دون واسطة.\n(^٢) كذا في النسخ، وفى مصادر التخريج: \"صيفى بن الراهب\". والراهب هو أبو عامر عبد عمرو بن صيفي بن النعمان، وسماه رسول الله ﷺ الفاسق وهو الذي بنى مسجد الضرار. وينظر قصة أبي عامر الراهب في سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٤، والبداية والنهاية ٧/ ١٨٨ وينظر تفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٦١٧، والبحر المحيط ٤/ ٤٢٢.","vol":"10","page":571},{"text":"عمرو بن العاص، فقالوا: فيمن نزلت هذه؟ قال: نزلت في أميةَ بن أَبي الصَّلْتِ الثقفيِّ (^١).\nحدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكَلْبِيَّ: ﴿الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. قال: هو أميةُ بن أبي الصَّلتِ. وقال قتادةُ: يُشَكُّ فيه، يقولُ بعضُهم: بَلْعَمُ. ويقولُ بعضُهم: أميةُ بن أبي الصَّلت (^٢).\nواختلف أهل التأويل في الآياتِ التي كان أُوتِيَها التي قال جلّ ثناؤُه: ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾؛ فقال بعضُهم: كانت اسم الله الأعظم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3605>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٍو قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ، قال: إن الله لمَّا انقَضَتِ الأربعون سنةً - يعنى التي قال الله فيها: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة: ٢٦] - بعث يُوشَعَ بن نونٍ نبيًّا، فدعا بني إسرائيل فأخبرهم أنه نبيّ، وأن الله قد أمَرَه أن يُقاتِلَ الجبَّارين، فبايعوه وصدَّقوه، وانطلق رجلٌ من بنى إسرائيل يُقال له: بَلْعَمُ. وكان عالمًا يَعْلَمُ الاسم الأعظم المكتوم، فكفَر وأتَى الجبّارين، فقال: لا ترهَبوا بنى إسرائيلَ، فإنى إذا خَرَجتُم تقاتلونهم أدعُو عليهم دعوةً فيهلِكون. وكان عندهم فيما شاءَ من الدنيا، غير أنه كان لا يستطيعُ أن يأتى النساء [من عِظَمِهن] (^٣)، فكان يَنْكِحُ أَتانًا له، وهو الذي يقولُ اللهُ: ﴿وَأَتْلُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٦، وابن مردويه - كما في البداية والنهاية ٣/ ٢٧٥ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٩/ ٢٦٥ من طريق عبد الملك بن عمير، عن نافع بن عاصم بن عروة بن مسعود عن عبد الله بن عمرو بنحوه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٤٣، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٩/ ٢٦٦ عن معمر به.\n(^٣) في م: \"يعظمهن\"، وفى ف: \"من عظمتهن\".","vol":"10","page":572},{"text":"عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ أي: تَبَصَّر (^١)، ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾. قال: هو رجلٌ يقالُ له: بَلْعَمُ. وكان يعلمُ اسم الله الأعظم (^٣).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. قال: كان لا يَسْأَلُ الله شيئًا إلا أعطاه (^٤).\nوقال آخرون: بل الآياتُ التي كان أُوتِيَها كتابٌ من كتب الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-3606>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسم قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيلَة، عن أبي حمزة، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان في بني إسرائيلَ بَلعامُ بن باعرَ، أُوتى كتابًا (^٥).\nوقال آخرون: بل كان أُوتى النبوة.\n\n<span data-type='title' id=toc-3607>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن غيره - قال\n_________\n(^١) في م: \"تنصل\"، وفى ف: \"تنصر\"، وفى تاريخ المصنف: \"فبصر\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٣٩ عن السديِّ بإسناده المعروف.\n(^٣) تقدم تخريجه ص ٥٦٨.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٠٨.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٤٦ من طريق جابر به.","vol":"10","page":573},{"text":"الحارثُ: قال عبد العزيز: يعني عن غير نفسه - عن مجاهدٍ، قال: هو نبيٌّ في بني إسرائيل - يعنى بَلْعَمَ - أُوتى النبوة، فرشَاه قومُه على أن يَسْكُتَ، ففعل، وتركهم على ما هم عليه (^١).\nحدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه أنه سُئِلَ عن الآية: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. فحدَّث عن سَيَّارٍ أنه كان رجلًا يقال له: بَلْعَامُ، وكان قد أُوتى النبوةَ، وكان مجابَ الدعوة (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القول في ذلك أن يُقالَ: إِنَّ الله تعالى ذكره أمر نبيَّه ﷺ أن يَتْلُو على قومه خبَر رجلٍ كان الله آتاه حُجَجَه وأدلَّته، وهى الآياتُ.\nوقد دلَّلنا على أن معنى الآياتِ الأدلةُ والأعلامُ فيما مضى، بما أغنَى عن إعادَته (^٣).\nوجائزٌ أن يكونَ الذي كان اللهُ آتاه ذلك بَلْعَمَ، وجائزٌ أن يكونَ أُمية.\nوكذلك الآيات؛ إن كانت بمعنى الحُجَّةِ التي هي بعضُ كتب الله التي أنزلها على بعض أنبيائه، فتعلَّمها (^٤) الذي ذكره اللهُ في هذه الآية وعناه بها، فجائزٌ أن يكون الذي كان أُوتِيَها بَلْعَمَ، وجائزٌ أن يكون أميّةً؛ لأنَّ أمية كان فيما يقال قد قرأ من كُتب أهل الكتاب.\nوإن كانت بمعنى كتاب أنزله الله على مَن أُمِر نبيُّ اللهِ ﵊ أَنْ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٦ إلى المصنف.\nوقال الماوردى - كما في تفسير القرطبي ٧/ ٣٢٠ -: وهذا غير صحيح؛ لأن الله تعالى لا يصطفى لنبوته إلا من علم أنه لا يخرج عن طاعته إلى معصيته. وخطأ هذا القول أيضًا ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٠٩.\n(^٢) سيأتي بتمامه ص ٥٧٦ - ٥٧٨.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ١٠٤.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، س: \"فيعلمه\"، وغير منقوطة في ص، ف.","vol":"10","page":574},{"text":"يتْلُو على قومِه نبأَه، أو بمعنى اسم اللهِ الأعظم، أو بمعنى النبوةِ - فغيرُ جائزٍ أن يكونَ مَعْنِيًّا به أميةُ؛ لأنَّ أميةً لا تَخْتَلِفُ الأمةُ في أنه لم يَكُنْ أُوتِيَ شيئًا من ذلك، ولا خبرَ بأيِّ ذلك المرادُ، وأيِّ الرجلين المعنيُّ، يُوجِبُ الحجةَ، ولا في العقل دلالةٌ على أن ذلك المعنيُّ به مِن أيٍّ.\nفالصوابُ أنْ يُقال فيه ما قال الله، ويُقَرَّ بظاهر التنزيل على ما جاء به الوحى من الله.\nوأما قولُه: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. فإنه يعنى: خرَج من الآياتِ التي كان الله آتاها إيّاه، فتبرَّأ منها.\nوبنحو ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3608>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس، قال: لما نزل موسى ﵇ يعنى بالجبارين - ومن معه، أتاه - يعنى بَلْعَمَ (^١) - بنو عمِّه وقومُه: فقالوا: إن موسى رجلٌ حديدٌ، ومعه جنودٌ كثيرةٌ، وإنه إن يَظْهَرْ علينا يُهْلِكُنا، فادْعُ الله أَن يَرُدَّ عنا موسى ومن معه. قال: إني إن دعوتُ الله أن يَرُدَّ موسى ومن معه ذهَبَتْ دنياي وآخِرَتى. فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، فسلَخَه اللهُ مما كان عليه، فذلك قوله: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"أتاه\".\n(^٢) تقدم تخريجه ص ٥٦٨.","vol":"10","page":575},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: كان اللهُ آتاهُ آياتِه فترَكها (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ: قال ابن عباس: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. قال: نزع منه العلم (^٢).\nوقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾. يقولُ: فصيَّره لنفسه تابعًا؛ يَنْتَهِي إلى أمرِه في معصية الله، ويُخالفُ أمر ربَّه في معصية الشيطان وطاعة الرحمن.\nوقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. يقول: فكان من الهالكين؛ لضلاله وخلافه أمرَ ربِّه، وطاعةِ الشيطان.\n\n<span id=\"aya-1130\"></span><span data-type='title' id=toc-3609>القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ولو شئنا لرفَعنا هذا الذي آتيناه آياتنا بآياتنا التي آتيناه، ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾. يقولُ: سكن إلى الحياة الدنيا في الأرض، ومال إليها، وآثَر لذَّتها وشهواتِها على الآخرة، ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾، ورفض طاعةَ اللهِ، وخالف أمره.\nوكانت قصة هذا الذي وصف اللهُ خبره في هذه الآية، على اختلاف من أهل العلم في خبره وأمره، ما حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه أنه سُئل عن الآية: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. فَحَدَّث عن سيّارٍ أنه كان رجلًا يقال له: بَلْعامُ. وكان قد أُوتى النبوة، وكان مجابَ الدعوة. قال: وإنّ موسى أقبل في بنى إسرائيل يريدُ الأرضَ التي فيها بَلْعَامُ - أو قال: الشامَ - قال: فرُعِبَ الناسُ منه رعبًا شديدًا. قال: فأتوا بَلْعامَ، فقالوا: ادْعُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٨ عن محمد بن سعد به.\n(^٢) هو تمام الأثر المتقدم في ص ٥٦٨.","vol":"10","page":576},{"text":"الله على هذا الرجل وجيشِه، قال: حتى أُوامِرَ (^١) ربِّي - أو: حتى أُوَامِرَ - قال: فوامَرَ في الدعاء عليهم، فقيل له: لا تَدْعُ عليهم؛ فإنّهم عبادِي، وفيهم نَبِيُّهم. قال: فقال لقومه: إنى قد (^٢) وأمَرْتُ ربِّي في الدعاء عليهم، وإني قد نُهِيتُ. قال: فأَهْدَوا إليه هديةً فقبلها، ثم راجعوه فقالوا: ادْعُ عليهم. فقال: حتى أُوامِرَ رَبِّي. فوامَرَ فلم [يَحُرْ إليه شيءٌ] (^٣). قال: فقال: قد وامرْتُ فلم [يَحُرْ إلى شيءٌ] (^٤). فقالوا: لو كَرِه ربُّك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك المرة الأولى. قال: فأَخَذ يَدْعُو عليهم، فإذا دعا عليهم جرى على لسانه الدعاءُ على قومه، وإذا أراد أنْ يدْعُوَ أنْ يُفْتَحَ لقومه، دعا أن يُفْتَحَ لموسى وجيشه - أو نحوًا من ذلك إن شاء اللهُ - قال: فقالوا: ما نراك تدعو إلا علينا. قال: ما يَجْرِى على لسانى إلَّا هكذا، ولو دعوتُ عليه ما استُجيب لى، ولكن سأدُلُّكم على أمرٍ عسى أن يَكُونَ فيه هلاكُهم، إنّ الله يُبْغِضُ الزنى، وإنهم إن وقَعوا بالزنى هلكُوا، ورجوتُ أن يُهلكهم اللهُ، فأَخْرِجوا النساء فلْيَسْتَقْبِلْنهم (^٥)، وإنهم قومٌ مسافرون، فعسى أَنْ يَزْنوا فيَهْلِكُوا. قال: ففَعَلوا وأخْرجُوا النساءَ يَسْتَقْبِلْنهم (^٦). قال: وكان للملك ابنةٌ، فذكر من عِظَمِها ما اللهُ أعلم به. قال: فقال أبوها أو بَلْعامُ: لا تُمكنى نفسَك إِلَّا من موسى. قال: ووقعوا في الزنى. قال: وأتاها رأسُ سِبْطٍ من أسباط بني إسرائيل. قال: فأرادَها على نفسه. قال: فقالت: ما أنا بمُمْكِنةٍ نفسى إلا من موسى. قال: فقال:\n_________\n(^١) في م: \"أوامر\" بالهمز، وكلاهما بمعنى. وكل ما كان في المطبوعة بالهمز، جعلناه بغير همز، إلا اللفظة التالية فهى بالهمز؛ لشك الراوى.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"يأمره بشيء\". وقوله: لم يحر. من: حار يَحُور حَوْرًا. أي: لم يرجع. التاج (ح ور).\n(^٤) في م: \"يأمرني بشيء\".\n(^٥) في م: \"لتستقبلهم\".\n(^٦) في م: \"تستقبلهم\".","vol":"10","page":577},{"text":"إن من منزِلتى كذا وكذا، وإن من حالى كذا وكذا. قال: فأَرْسَلتْ إلى أبيها تستأمرُه. قال: فقال لها: أَمْكِنيه. قال: ويأتيهما رجلٌ من بنى هارونَ معه الرمحُ (^١) فيَطْعُنُهما. قال: وأَيَّده اللهُ بقوةٍ، فانتظمهما جميعًا، [ورفعهما] (^٢) على رمحِه، قال: فرآهما الناسُ. أو كما حدَّثَ. قال: وسَلّط الله عليهم الطاعونَ. قال: فمات منهم سبعون ألفًا.\nقال: فقال أبو المعتمرِ: فحدَّثنى سيَّارٌ أَنّ بَلعَامَ رَكِب حمارةً له، حتى إذا أَتَى المَعْلُولَ (^٣) - أو قال: طريقًا بين (^٤) المعلولِ (^٥) - جعَل يَضْرِبُها ولا تَقَدَّمُ. قال: وقامت عليه فقالت: عَلامَ تَضْرِبُنى؟ أما تَرَى هذا الذي بين يديْك؟ قال: فإذا الشيطان بين يديْه. قال: فنزل فسجد له، قال اللهُ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. قال: فحَدَّثني بهذا سَيَّارٌ، ولا أَدْرِى لعلَّه قد دخل فيه شيءٌ من حديث غيرهِ (^٦).\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: وبلغنى حديث رجلٍ من أهل الكتابِ يُحَدِّثُ أنّ موسى سأل الله أن يَطْبَعَه، وأن يَجْعَلَه من أهل النارِ. قال: ففعَل اللهُ. قال: أُنبئْتُ أَنَّ موسى قتله بعدُ.\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في م: \"المعلولى\". ولعل المراد من هذه اللفظة الجبل، كما في الأثر التالي.\n(^٤) في م: \"من\".\n(^٥) في م: \"المعلولي\"، وفي تفسير ابن كثير: \"العلولى\". ولعله اسم الجبل حسبان الآتي في أثر سالم أبي النضر.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥١٠ عن المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٧ إلى المصنف وأبى الشيخ إلى قوله: فمات منهم سبعون ألفا.","vol":"10","page":578},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمد بن إسحاق، عن سالمٍ أبي النَّضْرِ، أنه حدّث أنّ موسى لما نزل في أرض بنى كَنْعان من أرض الشامِ، أتَى قومُ أَتَى بَلْعَمَ إلى بَلْعَمَ، فقالوا له: يا بلعم، إنّ هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل قد جاء يُخْرِجُنا من بلادنا، ويَقْتُلُنا ويُحِلُّها بني إسرائيلَ ويُسْكِنُها، وإنا قومُك، وليس لنا منزلٌ، وأنت رجلٌ مجاب الدعوة، فاخرُج فادْعُ الله عليهم. فقال: ويْلكم، نبيُّ الله معه الملائكةُ والمؤمنون، كيف أَذْهَبُ أدْعُو عليهم وأنا أَعْلَمُ من اللهِ ما أَعْلَمُ! قالوا: ما لنا من منزلٍ. فلم يزالوا به يُرفِّقُونه (^١) ويَتَضَرَّعون إليه، حتى فَتَنوه فافْتَتَن، فرَكِب حمارةً (^٢) له مُتوجِّهًا إلى الجبل الذي يُطْلِعُه على عسكر بني إسرائيل، وهو جبلُ حُسْبانَ (^٣)، فلمَّا سار عليها غير كثيرٍ رَبَضَتْ (^٤) به، فنزل عنها فضرَبها، حتى إذا أَذْلَقها (^٥) قامت فركِبها، فلم تَسِرْ به كثيرًا حتى رَبَضَتْ به، ففعل بها مثل ذلك، فقامت فركبها، فلم تَسِر به كثيرًا حتى رَبَضَتْ به، فضربها، حتى إذا أَذْلَقها أذِن الله لها فكلَّمته، حجةً عليه، فقالت: ويحك يا بَلْعَمُ، أين تذهب! أما (^٦) ترى الملائكة أمامى (^٧) تَرُدُّنى عن وجهى هذا! أَتَذْهَبُ إلى نبيِّ الله والمؤمنين تَدْعُو عليهم! فلم يَنْزِعْ عنها يَضْرِبُها (^٨)، فخَلَّى اللهُ سبيلَها حين فعل بها ذلك. قال: فانطَلَقت به (^٩)، حتى إذا\n_________\n(^١) في النسخ: \"يرفعونه\"، وفى تاريخ دمشق ونسخة من تاريخ المصنف: \"يرفقونه\". والمثبت من تاريخ المصنف.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف، وتاريخ دمشق ونسختين من تاريخ المصنف: \"حمارا\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"حسان\"، وفى ف: \"حسنان\". والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٤) ربَضت الدابة: بركت. اللسان (ر ب ض).\n(^٥) أذلقها: جهدها، ومعنى الإذلاق: أن يبلغ منه الجهد حتى يقلق ويتضوَّر. اللسان (ذ ل ق).\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ألا\".\n(^٧) سقط من: م. وفى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ألا\". والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٨) في م: \"فضربها\".\n(^٩) زيادة من: م","vol":"10","page":579},{"text":"أشرفت على رأس جبلِ حُسْبانَ (^١)، على عسكر موسى وبنى إسرائيل، جعَل يَدْعو عليهم، فلا يَدْعو عليهم بشيءٍ (^٢) إلا صُرف لسانُه إلى قومه، ولا يَدعو لقومِه بخيرٍ إلَّا صُرِف لسانُه إلى بني إسرائيلَ. قال: فقال له قومُه: أَتَدْرِى يا بَلْعَمُ ما تَصْنَعُ؟ إنما تدعو لهم وتَدْعو علينا. قال: فهذا ما لا أَمْلِكُ، هذا شيءٌ قد غلب الله عليه. واندَلَعَ لسانُه فوقَع على صدرِه، فقال لهم: قد ذهَبت الآن منِّى الدنيا والآخرةُ، فلم يَبْقَ إلا المكرُ والحيلةُ، فسأَمْكُرُ لكم وأَحْتالُ؛ جَمِّلُوا النساءَ، وأَعْطُوهن السِّلَعَ، ثم أرْسِلوهن إلى العسكرِ يَبِعْنَها فيه، ومُرُوهن فلا تَمْنَعُ امرأةٌ نفسَها من رجلٍ أرادها، فإنهم إن زنَى منهم واحدٌ كُفِيتُموهم. ففعَلُوا، فلما دخَل النساءُ العسكرَ، مَرَّتِ امرأةٌ من الكَنْعانِيِّين - اسمُها كسى (^٣) ابنةُ صور رأسِ أُمَّتِه - برجلٍ من عظماءِ بني إسرائيلَ، وهو زمرى بنُ شُلُومَ رأسُ سِبْطِ شَمعونَ (^٤) بن يعقوبَ بن إسحاقَ بن إبراهيمَ، فقام إليها فأخَذ بيدِها حينَ أعجَبَه جمالُها، ثم أقبل بها حتى وقَف بها على موسى ﵇ فقال: إني أَظُنُّك ستقولُ: هذه حرامٌ عليك؟ فقال: أجَلْ، هي حرامٌ عليك، لا تَقْرَبُها. قال: فوالله لا نُطِيعُك في هذا. ثم دخل بها قُبَّتَه فوقَع عليها، وأَرسَل الله الطاعونَ في بني إسرائيلَ، وكان فِنْحاصُ بنُ العَيْزارِ بن هارونَ صاحبَ أمْرِ موسى، وكان رجلًا قد أُعْطِي بَسْطَةً في الخَلْقِ وقوةً في البطش، وكان غائبًا حينَ صنَع زمرى ابن شَلومَ ما صنَع، فجاء والطاعونُ يَحُوسُ (^٥) في بني إسرائيلَ، فأُخْبِر الخبرَ،\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"حان\"، وفى م: \"حنان\".\n(^٢) في م: \"بشر\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف، ونسخة من تاريخ المصنف: \"كسبى\"، وفى نسخة منه: \"كسبى\"، وفي تاريخ دمشق: \"كيسي\".\n(^٤) في ص، س، ف: \"بن سمعان\"، وفى ت ١: \"بن شمعان\".\n(^٥) في م: \"يجوس\" والحوس والجوس بمعنى، وهو العيث في الديار ذهابا وجيئة. التاج (ج وس، ح وس).","vol":"10","page":580},{"text":"فأخَذ حربتَه، وكانت من حديدٍ كلُّها، ثم دخَل عليه القُبَّةَ وهما متضاجِعان، فانتَظَمَهما بحربتِه، ثم خرَج بهما رافِعَهما إلى السماءِ، والحربةُ قد أخَذها بذراعِه، واعتَمَد [بمِرْفَقِه على] (^١) خاصِرته، وأسْند الحربةَ إلى لحْيتِه (^٢)، وكان بِكْرَ العَيْزار، وجعَل يقولُ: اللهم هكذا نَفْعَلُ بمن يَعصِيك. ورُفِع الطاعونُ. فحُسِبَ مَن هَلَك من بني إسرائيلَ في الطاعون، فيما بين أن أصاب زمرى المرأة إلى أن قتَله فِنْحاصُ، فوُجِدوا (^٣) قد هلَك منهم سبعون ألفًا، والمُقلِّلُ يقولُ: عشرون ألفًا. في ساعةٍ من النهارِ، فمِن هنالك يُعْطِى بنو إسرائيلَ ولدَ فِنْحاصَ ابن العَيْزارِ بن هارونَ مِن كُلِّ ذبيحةٍ ذبَحوها القِبَةَ (^٤) والذراعَ واللَّحْى؛ لاعتماده بالحربة على خاصرتِه، وأخْذِه إياها بذراعِه، وإسنادِه إياها إلى لحيتِه (٢)، والبِكْرَ من كلِّ أموالِهم وأنفسِهم؛ لأنه كان بكرَ العيْزارِ، ففى بَلْعَمَ بن باعورَا أنزَل الله على محمدٍ ﷺ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. يعنى بَلْعَمَ، ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٥).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: انطلَقَ رجلٌ من بنى إسرائيلَ يقالُ له: بَلْعَمُ. فأتى الجبارين فقال: لا تَرْهَبُوا مِن بني إسرائيلَ، فإني إذا خرَجتم تُقَاتِلونهم أدْعو عليهم. فخرَج يُوشَعُ يُقاتِلُ الجبارين في الناسِ، وخرَج بَلْعَمُ مع الجبارين على أتانِه، وهو يُرِيدُ أن يَلْعَنَ بنى إسرائيلَ، فكلَّما أراد أنْ يَدعُوَ على بني إسرائيلَ دعا على الجبارين، فقال الجبارون: إنك إنما تَدْعُو علينا. فيقولُ: إنما أردتُ بني إسرائيلَ. فلما بلَغ بابَ المدينةِ أَخَذَ مَلَكٌ بِذَنَبِ الأَتَانِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"على مرفقه إلى\".\n(^٢) في م: \"لحييه\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف، وتاريخ دمشق: \"فوجدوه\".\n(^٤) في م: \"الفشة\". والقبة: هنة متصلة بالكرش ذات أطباق. اللسان (ق ب و).\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٣٧، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ١٠/ ٤٠١ - ٤٠٣.","vol":"10","page":581},{"text":"فأمسَكَها، فجعَل يُحَرِّكُها فلا تَتَحَرَّكُ، فلمَّا أكثرَ ضرْبَها تكلَّمتْ، فقالت: أنتَ تَنْكِحُنِي بالليلِ وتَرْكبُنى بالنهارِ! وَيْلى منك، ولو أنى أطقْتُ الخروجَ لخرَجتُ، ولكن هذا الملَكُ يَحْبِسُنى. وفى بَلْعَمَ يقولُ اللهُ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ الآية (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنى رجلٌ سَمِعَ عكرمة يَقُولُ: قالت امرأةٌ منهم: أَرُونى موسى، فأنا أفْتِنُه. قال: فتطَيَّبَتْ، فَمَرَّت على رجلٍ يُشْبِهُ موسى، فواقَعَها، فأُتِىَ ابن هارونَ فأُخبِرَ، فأخَذ سيفًا، فطعَن به في إحليلِه حتى أخرَجَه [وأخرَجه] (^٢) من قُبُلِها، ثم رفَعهما حتى رآهما الناسُ، فعُلِمَ أنه ليس موسى، ففُضِّلَ آلُ هارونَ في القُربانِ على آل موسى بالكَتِفِ (^٣) والعَضُدِ والفَخِذِ. قال: فهو ﴿الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. يعنى بَلْعَمَ.\nواختلَف أهلُ التأويل في تأويلِ قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لرفَعناه بعلمِه بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-3610>ذكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ لرفَعَه اللهُ تعالى بعلمِه (^٤).\nوقال آخرون: معناه: لرَفعنا عنه الحالَ التي صار إليها من الكفر بالله، بآياتِنا.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٧٣.\n(^٢) سقط من: م، والعبارة غير مستقيمة.\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"بالكتاب\"، وفى س: \"بالكتاف\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.","vol":"10","page":582},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3611>ذِكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (^١)، في قولِ اللهِ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾: [لدَفعنا عنه] (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾: لدفَعناه (^٣) عنه.\nقال أبو جعفرٍ: وأوْلَى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصواب أن يقالَ: إِنَّ الله عمَّ الخبرَ بقولِه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾. أنه لو شاء رفَعه بآياتِه التي آتاه إياها، والرفعُ يَعُمُّ معانىَ كثيرةً؛ منها الرفعُ في المنزلةِ عندَه، ومنها الرفعُ في شرفِ الدنيا ومكارمِها، ومنها الرفعُ في الذكرِ الجميلِ والثناءِ الرفيعِ. وجائزٌ أن يكون الله عنى كلَّ ذلك أنه لو شاء لرفَعه، فأعطاه كلَّ ذلك بتوفيقِه للعملِ بآياتِه التي كان آتاها إياه.\nوإذ كان ذلك جائزًا، فالصوابُ من القولِ فيه ألا يُخَصَّ منه شيءٌ، إذ كان لا دلالةَ على خصوصِه من خبرٍ ولا عقلٍ.\nوأما قولُه: ﴿بِهَا﴾. فإن ابنَ زيدٍ قال في ذلك كالذي قلنا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾: بتلك الآياتِ (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في ص، س، ف: \"لدفعناه عنه\"، وفى م: \"لرفعنا عنه بها\". والأثر في تفسير مجاهد ص ٣٤٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٩. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في م: \"لرفعناه\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٩ من طريق أصبغ، عن ابن زيد به.","vol":"10","page":583},{"text":"وأما قولُه: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾. فإن أهلَ التأويلِ قالوا فيه نحوَ قولِنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3612>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي الهيثمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾. يعنى: ركَن إلى الأرضِ (^١).\nقال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شَريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾. قال: نزَع إلى الأرضِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَخْلَدَ﴾: سكَن (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان في بني إسرائيلَ بَلعامُ بنُ باعرَ، أُوتىَ كتابًا، فأَخلَدَ إلى شهواتِ الأرض ولذتِها وأموالِها، لم يَنْتَفِعْ بما جاء به الكتابُ (^٤).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾: أما ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ فاتبع الدنيا وركَن إليها.\n_________\n(^١) ينظر تاريخ دمشق لابن عساكر ١٠/ ٣٩٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٩، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٠/ ٣٩٨ من طريق شريك به بنحوه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٩ من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٤) تمام الأثر المتقدم في ص ٥٧٣.","vol":"10","page":584},{"text":"وأصلُ الإخلادِ في كلامِ العربِ الإبطاءُ والإقامةُ، يقالُ منه: أَخلَدَ فلانٌ بالمكان: إذا أقامَ به، وأخلَدَ نفسَه إلى المكانِ: إذا أتاه من مكانٍ آخر. ومنه قولُ زُهَيْرٍ (^١):\nلمَنِ الديارُ غشيِتَها بالفَدْفَدِ (^٢) … كالوَحْيِ في حَجَرِ المَسِيل المُخلِدِ (^٣)\nيعني المقيمَ.\nومنه قولُ مالكِ بن نُوَيْرةَ (^٤):\nبأبْناءِ حَيٍّ مِنْ قَبَائِلِ مالِكِ … وعَمْرِو بن يَرْبُوعِ أَقامُوا فَأَخْلَدوا\nوكان بعضُ البَصْريين يقولُ (^٥): معنى قولِه: ﴿أَخْلَدَ﴾: لَزِمَ وتقاعَسَ وأبطأ، والمَخْلِدُ أيضًا هو الذي يُبْطِئُ شَيْبُه من الرجالِ، وهو من الدوابِّ الذي تَبْقَى ثناياه حتى تَخْرُجَ رَباعِيَتاه.\nوأما قولُه: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾. فإن (^٦) ابنَ زيدٍ قال في تأويلِه ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾. قال: كان هواه مع القومِ (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-3613>القولُ في تأويل قوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ</span>\n_________\n(^١) شرح ديوان زهير ص ٢٦٨.\n(^٢) في م: \"بالغرقد\". والفدفد: المرتفِع، فيه صلابة وحجارة، ويقال: أرض مستوية. المصدر السابق ص ٢٦٩.\n(^٣) الوحى هنا: الكتاب، وإنما جعله في حجر المسيل لأنه أصلب له. ينظر المصدر السابق.\n(^٤) البيت في الأصمعيات ص ١٩٣.\n(^٥) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٢٢٣.\n(^٦) في النسخ: \"كان\". والمثبت يقتضيه السياق.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٠ من طريق أصبغ، عن ابن زيد به.","vol":"10","page":585},{"text":"تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: فمَثَلُ هذا الذي آتيناه آياتنا فانسلَخَ منها مَثَلُ الكلب الذي يَلْهَثُ؛ طَرَدْتَه أو ترَكْتَه.\nثم اختَلَف أهلُ التأويل في السببِ الذي من أجلِه جعَل اللهُ مَثَله كمَثَل الكلبِ؛ فقال بعضُهم: مثَّله به في اللَّهْثِ، لتركِه العملَ بكتاب الله وآياتِه التي آتاها إياه، وإعراضِه عن مواعظِ الله التي فيها إعراضُ مَن (^١) لم يؤْتِه الله شيئًا من ذلك، فقال جلَّ ثناؤُه فيه، إذ (^٢) كان سواءٌ أَمْرُه، وُعِظ بآياتِ اللهِ التي آتاها إياه أولم يُوعَظُ، في أنه لا يَتَّعِظُ بها، ولا يَتْرُكُ الكفرَ به: فمثَلُه مَثَلُ الكلبِ الذي سواءٌ أمرُه في لَهْثِه؛ طُردَ أو لم يُطْرَدْ، إذ كان لا يَتْرُكُ اللهثَ بحالٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3614>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي، نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾. قال: تَطْرُدُه، هو مَثَلُ الذي يَقْرَأُ الكتاب ولا يَعْمَلُ به (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ، قال مجاهدٌ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾. قال: تَطْرُدُه بدابَّتِك ورِجْلك يَلْهَثْ. قال: مَثَلُ الذي يَقْرَأُ الكتابَ ولا يَعْمَلُ بما فيه. قال ابن جُريجٍ: الكلبُ منقطِعُ الفؤادِ، لا فؤادَ له، ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"لمن\".\n(^٢) في النسخ: \"إذا\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٤٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٠.","vol":"10","page":586},{"text":"يَلْهَثْ﴾. قال: مَثَلُ الذي يَتْرُكُ الهدَى لا فؤادَ له، إنما فؤادُه منقطعٌ (^١).\nحدَّثني ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ (^٢)، عن معمرٍ، عن بعضِهم: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾: فذلك هو الكافرُ، هو ضالٌّ إن وعَظْتَه وإن لم تَعِظْه (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾: إن تُحمل عليه الحكمةُ لم يَحْمِلْها، وإِن تُرِكَ لم يَهْتَدِ لخيرٍ، كالكلبِ، إن كان رابضًا لَهَثَ، وإِن طُرِد لَهَثَ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: آتاه الله آياتِه فترَكها، فجعَل اللهُ مَثَله كمثلِ الكلبِ ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ الآية: هذا مثلٌ ضرَبه الله لمن عُرِضَ عليه الهُدى. فأبَى أن يَقْبَلَه وترَكَه - قال: وكان الحسنُ يقولُ: هو المنافقُ - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾. قال: هذا مَثَلُ الكافر،\n_________\n(^١) قول ابن جريج عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٦ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في النسخ: \"توبة\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٤٤ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ١/ ٣٩٧ - عن معمر، عن الكلبى قوله.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٠ من طريق عبد الله بن صالح به. وهو تمام الأثر المتقدم في ص ٥٦٨.\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ٥٧٦.","vol":"10","page":587},{"text":"ميتُ الفؤادِ (^١).\nوقال آخرون: إنما مَثَّلَه جل ثناؤُه بالكلبِ لأنه كان يَلْهَثْ كما يَلْهَتُ الكلبُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3615>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾: وكان بَلْعَمُ يَلْهَثْ كما يَلْهَثُ الكلبُ، وأما ﴿تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾: فتَشُدَّ عليه (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأوْلَى التأويلين في ذلك بالصواب تأويلُ من قال: إنما هو مَثَلٌ لتركِه العملَ بآياتِ اللهِ التي أتاها إياه. وإن معناه: سواءٌ وُعِظَ أو لم يُوعَظُ، في أنه لا يَتْرُكُ ما هو عليه من خلافِه أمرَ ربِّه، كما سواءٌ حُمِلَ على الكلبِ وطُرِدَ، أو تُرِكَ فلم يُطْرَدْ، في أنه لا يَدَعُ اللهثَ في كلتا حالتيه.\nوإنما قلنا: ذلك أوْلى القولين بالصوابِ؛ لدلالة قوله تعالى ذكرُه: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. فجعَل ذلك مَثَلَ المكذِّبين بآياتِه، وقد عَلِمنا أن اللُّهاثَ ليس في خِلقةِ كلِّ مكذِّبٍ كُتِبَ عليه تركُ الإنابة من تكذيبٍ بآياتِ اللهِ، وإنَّ ذلك إنما هو مثلٌ ضرَبه الله لهم، فكان معلومًا بذلك أنه للذى وصف الله صفتَه في هذه الآية - كما هو لسائرِ المكذِّبين بآياتِ اللهِ - مَثَلٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3616>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هذا المثلُ الذي ضرَبتُه لهذا الذي آتيناه آياتِنا فانسَلَخ منها،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦١٧، ١٦١٨، ١٦١٩، ١٦٢٠ من طريق يزيد به مفرقًا دون قول الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٦ - دون قول الحسن - إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٥٧٣ دون آخره.","vol":"10","page":588},{"text":"مثلُ القومِ الذين كذَّبوا بحُججِنا وأعلامِنا وأدلتِنا، فسَلَكوا في ذلك سبيلَ هذا المنسلِخِ من آياتِنا الذي آتيناها إياه، في تركِه العملَ بما آتيناه من ذلك.\nوأما قولُه: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾. فإنه يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فاقْصُصْ يا محمدُ هذا القصصَ الذي اقْتَصصتُه عليك - من نبأ الذي آتيناه آياتِنا، وأخبار الأمم التي أخبرتُك أخبارَهم في هذه السورة، واقتَصصتُ عليك نبأَهم ونبأَ أشباهِهم، وما حلَّ بهم من عقوبتِنا، ونزَل بهم حينَ كذَّبوا رسلَنا من نِقمتِنا - على قومِك من قريشٍ، ومَن قِبَلَك من يهودِ بني إسرائيلَ؛ لِيَتفَكَّروا في ذلك فيَعْتَبِروا ويُنيبوا إلى طاعتِنا؛ لئلا يَحِلَّ بهم مثلُ الذي حلَّ بمن قبلَهم من النِّقمِ والمَثَّلاتِ، ويَتَدَبَّرَه اليهودُ من بني إسرائيلَ، فيَعْلَموا حقيقةَ أمرِك، وصحةَ نبوتِك، إذ كان نبأُ الذي آتيناه آياتِنا من خفيِّ علومِهم ومكنونِ أخبارِهم، لا يَعْلَمُه إلا أحبارُهم ومن قرَأ الكتبَ ودرَسَها منهم، وفى علمِك بذلك - وأنتَ أُمِّيٌّ لا تَكْتُبُ ولا تَقْرَأُ، ولا تَدْرُسُ الكتبَ، ولم تُجالِسْ أهلَ العلم - الحجةُ البينةُ لك عليهم بأنك لله رسولٌ، وأنك لم تَعْلَمُ ما عَلِمْتَ من ذلك، وحالُك الحالُ التي أنت بها، إلَّا بوحيٍ من السماء.\nوبنحوِ ذلك كان أبو النَّضْرِ يقولُ:\nحدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدٍ، عن سالمٍ أبي النضر: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: يعنى بني إسرائيل، أي (^١): قد جِئتَهم بخبر ما كان فيهم مما يُخْفُون عليك، لعلَّهم يَتَفَكَّرون فيَعْرِفون أنه لم يأتِ بهذا الخبر عما مضَى فيهم إلا نبيٌّ يأتيه خبرُ السماءِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1131\"></span><span data-type='title' id=toc-3617>القولُ في تأويل قوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س، ف: \"أنى\"، وفى م: \"إذ\"، والمثبت موافق لما في مصدر التخريج.\n(^٢) تمام الأثر المتقدم في ص ٥٧٩ - ٥٨١. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢١ من طريق سلمة به.","vol":"10","page":589},{"text":"يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ساء مثلًا القومُ الذين كَذَّبوا بحجج اللهِ وأدلتِه فجَحَدوها، وأنفسَهم كانوا يَنقُصُون حظوظَها، ويَبْخَسُونها منافِعَها، بتكذيبِهم بها لا غيرها.\nوقيل: ﴿سَاءَ مَثَلًا﴾ من السُّوءِ (^١)، بمعنى: بئسَ مثلًا [مَثَلُ القوم] (^٢). وأُقيم \"القومُ\" مُقامَ \"المثل\" وحُذف \"المثلُ\"، إذ كان الكلامُ مفهومًا معناه، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. فإن معناه: ولكنَّ البِرَّ بِرٌّ (^٣) مَنْ آمَن باللهِ.\nوقد بيَّنا نظائرَ ذلك في مواضعَ غير هذا بما أغنَى عن إعادتِه (^٤).\n\n<span id=\"aya-1132\"></span><span data-type='title' id=toc-3618>القولُ في تأويل قوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: الهدايةُ والإضلالُ بيد الله، والمهتدى - وهو السالكُ سبيل الحقِّ، الراكبُ قَصْدَ المحجَّةِ في دينِه - من هداه الله لذلك، فوَفَّقه لإصابته، والضالُّ مَن خَذَله الله، فلم يُوَفِّقْه لطاعتِه، ومَن فعل الله ذلك به فهو الخاسرُ، يعني: الهالكُ.\nوقد بيَّنا معنى \"الخَسارة\" و\"الهدايةِ\" و\"الضلالةِ\" في غيرِ موضعٍ من كتابنا هذا بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"السر\"، وفى م: \"الشر\". وينظر تعليق الشيخ شاكر.\n(^٢) سقط من النسخ، وينظر تفسير القرطبي ٧/ ٣٢٤.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٣/ ٧٧.\n(^٥) ينظر ما تقدم في معنى الخسارة في ١/ ٤٤٢، وما تقدم في معنى الهداية في ١/ ١٦٥ - ١٦٩، ٢٣٤، وما تقدم في معنى الضلالة في ٢/ ٤١٥، ٤١٦.","vol":"10","page":590},{"text":"<span id=\"aya-1133\"></span><span data-type='title' id=toc-3620>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد خَلَقْنا لجهنم كثيرًا مِن الجنِّ والإنسِ. يقالُ منه: ذَرَأ الله خَلْقَه يَذْرَؤُهم ذَرْءًا.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3619>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ الحسن (^١) الأزْدِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمَانٍ، عن مبارك بن فَضالةَ، عن الحسنِ، في قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. قال: مما خَلَقْنا (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن مباركٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾. قال: خَلَقْنا.\nقال: ثنا زكريا، عن عَتَّابِ بن بَشِيرٍ، عن عليّ بن بَذِيمَةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: أولادُ الزِّنا مما ذَرَأ الله لجهنم (^٣).\nقال: ثنا زكريا بنُ عَدِيٍّ، وعثمانُ الأَحْوَلُ، عن مَرْوانَ بن معاويةَ، عن الحسنِ\n_________\n(^١) في النسخ: \"الحسين\". وقد تقدم على الصواب في ٧/ ٣٧٧ وينظر تاريخ المصنف ١/ ٨٧، ٩٧، ٥/ ١٢٥، ٢٥٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٢ من طريق مبارك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٧ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٢ من طريق عتاب به.","vol":"10","page":591},{"text":"ابن عمرٍو، عن معاويةَ بن إسحاقَ، عن جليسٍ له بالطائفِ، عن عبد الله بن عمرٍو، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"إِنَّ الله لَما ذَرَأَ لجهنمَ ما ذَرَأ، كان وَلَدُ الزِّنا مِمَّن ذَرَأ لجهنمَ\" (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾. [يقولُ: خَلَقْنا لجهنم] (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سَمِعتُ مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾. قال: لقد خلَقْنا لجهنم (^٣) من الجنِّ والإنس (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾: خَلَقْنا (^٥).\nوقال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. لِنَفَادِ عِلْمِه فيهم بأنهم يصيرون إليها بكفرهم بربِّهم.\nوأما قولُه: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾. فإن معناه: لهؤلاء الذين ذَرَأَهم الله لجهنمَ مِن خَلْقِه، قلوبٌ لا يَتَفكَّرون بها في آياتِ اللهِ، ولا يَتَدَبَّرون بها أدِلَّته على وَحْدانِيَّتِه، ولا يَعْتَبرون بها حُجَجَه لرُسُلِه، فيَعْلَموا توحيدَ ربِّهم، ويَعْرِفوا حقيقةَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٢ من طريق مروان بن معاوية به، وعنده: \"لما ذرأ لجهنم مَنْ ذرأ\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٧ إلى أبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) في م: \"لجهنم يقول خلقنا\".\n(^٣) بعده في م: كثيرًا\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٧ إلى المصنف، بلفظ: \"لقد خلقنا لجهنم\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢١ من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٧ إلى ابن المنذر.","vol":"10","page":592},{"text":"نبوَّة أنبيائِهم. فوَصَفَهم ربُّنا جلَّ ثناؤُه بأنهم لا يَفْقَهون بها؛ لإعراضِهم عن الحقِّ، وتَرْكِهم تدبُّرَ صحةِ الرُّشْدِ، وبُطُولِ الكُفْرِ.\nوكذلك قولُه: ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾. معناه: ولهم أعينٌ لا يَنْظرونَ بها إلى آياتِ اللهِ وأدِلَّتِه، فيَتَأَمَّلُوها ويَتَفَكَّروا فيها، فيَعْلَموا بها صحةَ ما تَدْعوهم إليه رسلُهم، وفسادَ ما هم عليه مُقيمون من الشركِ بالله، وتكذيبِ رسلِه. فوَصَفَهم الله بتركِهم إعمالَها في الحقِّ، أَنَّهم (^١) لا يُبْصرون بها. وكذلك قولُه: ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ آيات كتاب الله فيَعْتَبِروها ويَتَفَكَّروا فيها، ولكنَّهم يُعرضون عنها، ويقولون: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] وذلك نظيرُ وصف الله إياهم في موضعٍ آخرَ بقولِه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]. والعربُ تقولُ ذلك للتارِكِ استعمالَ بعضِ جوارحِه فيما يَصْلُحُ له. ومنه قولُ مسكين الدَّارِميِّ (^٢):\nأَعْمَى إِذا ما جارَتي خَرَجَتْ … حتى يُوَارِى جارتى السِّتْرُ (^٣)\nفأَصَمُّ (^٤) عمَّا كان بينهما … سَمْعى [ومَا بالسَّمْع مِن] (^٥) وَقْرِ\nفوَصَفَ نفسَه لتَرْكه النظرَ والاستماعَ بالعمىَ والصَّمَمِ.\nومنه قولُ الآخرِ (^٦):\n_________\n(^١) في م: \"بأنهم\".\n(^٢) ديوانه ص ٤٥.\n(^٣) في الديوان: \"الخدر\".\n(^٤) في م: \"وأصم\"، وفي الديوان: \"ويصم\".\n(^٥) في الديوان: \"وما بي غيره\". وبهذه العبارة تصبح \"وقر\" مرفوعة، فلا يكون في البيت إقواء.\n(^٦) هو عبد الله بن مرة العجلى. والبيتان في حماسة البحترى ص ١٧٢ كما ذكر ذلك الشيخ شاكر، أما البيت الأول فقد وجدناه في تفسير القرطبي ١/ ٢١٤.","vol":"10","page":593},{"text":"وَعَوْرَاءِ (^١) الكلامِ صَمَمْتُ عنها … [ولو أَنِّي] (^٢) أَشَاءُ بها سَمِيعُ\nوبادِرَةِ وَرِعْتُ (^٣) النَّفْسَ عنها … وقد (^٤) [تَئقَتْ مِن الغَضَبِ] (^٥) الضُّلوعُ\nوذلك كثيرٌ في كلامِ العربِ وأشعارِها.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3621>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سمعتُ مجاهدًا يقولُ في قوله: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾. قال: [لا يفقهون بها] (^٦) شيئًا من أمر الآخرة. ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ الهُدَى. ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ الحقَّ. ثم جَعَلهم كالأنعامِ سواءً، ثم جَعَلهم شرًّا من الأنعام، فقال: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾. ثم أخْبَر أنهم هم الغافلون.\n\n<span data-type='title' id=toc-3622>القولُ في تأويل قوله: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾: هؤلاء الذين ذَرَأَهم لجهنمَ هم\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢ س، ف: \"اللام\". وفى: م: \"اللئام\". وأثبتناه كما في مصادره. والعوراء: الكلمة القبيحة. وقال الليث: العوراء: الكلمة التي تهوى في غير عقل ولا رشد. ينظر اللسان (ع ور).\n(^٢) في م: \"وإني لو\".\n(^٣) في م، والحماسة - كما عند الشيخ شاكر -: \"وزّعت\" والورع والوزع واحد، ومعناهما: الكفُّ. التاج (ور ع، وز ع).\n(^٤) في م: \"لو\".\n(^٥) في النسخ: \"بينت من العصب\". وأثبتنا كما في الحماسة، وينظر تعليق الشيخ شاكر، وتثق: إذا امتلأ غضبًا وغيظًا أو حزنًا. التاج (ت أ ق).\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"له قلب لا يفقه به\".","vol":"10","page":594},{"text":"كالأنعام، وهى البهائم التي لا تَفْقَهُ ما يقال لها، ولا تَفْهَمُ ما أَبْصَرَتُه، لما (^١) يَصْلُحُ ولما (^٢) لا يصلُحُ، ولا تَعْقِلُ بقلوبها الخيرَ من الشرِّ، فتُميِّز بينهما (^٣)، فشَبَّههم اللهُ بها؛ إذ كانوا لا يَتَذَكَّرون ما يَرَوْن بأبصارِهم من حُجَجه، ولا يَتَفَكَّرون فيما يسمعون من آي كتابه. ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾. يقولُ: هؤلاء الكفرة الذين ذَرَأَهم لجهنم، أَشَدُّ ذهابًا عن الحقِّ، وأَلْزَمُ لطريق الباطل من البهائم؛ لأنَّ البهائم لا اختيار لها ولا تمييز، فتَخْتارَ وتُميِّزَ، وإنَّما هي مُسَخَّرَةٌ، ومع ذلك تَهْرُبُ مِن المَضَارِّ، وتَطْلُبُ لأَنفُسِها من الغذاء الأصْلَحَ. والذين وصف اللهُ صِفَتَهم في هذه الآية، مع ما أُعطوا من الأفهام والعقول المميِّزة بين المَصَالِحِ والمضارِّ، تترك ما فيه صلاح دنياها وآخرتها، وتَطْلُبُ ما فيه مَضَارُّها (^٤)، فالبهائم منها أَسَدُّ، وهى منها أَضَلُّ، كما وَصَفَها به ربُّنا جلَّ ثناؤُه.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين وَصَفْتُ صفَتَهم القومُ الذين غَفَلوا - يَعْني سَهَوا - عن آياتي وحُجَجى، وتَرَكوا تدبُّرها والاعتبار بها والاستدلالَ على ما دَلَّتْ عليه من توحيدِ ربِّها، لا البهائم التي قد عَرَّفها ربُّها ما سخَّرها له.\n\n<span id=\"aya-1134\"></span><span data-type='title' id=toc-3623>القول في تأويل قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. وهي كما قال ابن عباسٍ.\n_________\n(^١) في م: \"مما\".\n(^٢) في م: \"ما\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بينها\".\n(^٤) بعده في ص، ت ١، س، ف: \"فيها\".","vol":"10","page":595},{"text":"حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، [قال: حدَّثني عمِّي، قال: حدَّثني أبي] (^١)، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. ومِن أسمائِه العزيزُ الجبارُ، وكلُّ أسماءِ اللهِ حَسَنٌ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن هشام بن حسانَ، عن ابن سيرينَ، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ، قال: \"إنَّ لله تسعةً وتسعين اسمًا، مائةً إلا واحدًا، مَن أَحْصاها كُلَّها دَخَل الجنةَ\" (^٣).\nوأمَّا قولُه: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾. فإنه يعنى به المشركين. وكان إلحادُهم في أسماءِ اللهِ أَنَّهم عَدَلوا بها عما هي عليه؛ فسَمَّوا بها آلهتَهم وأوثانَهم، وزادوا فيها ونَقَصوا منها؛ فسَمَّوْا بعضها اللات، اشتقاقًا منهم لها من اسم اللهِ الذي هو اللهُ، وسَمَّوْا بعضَها العُزَّى، اشتقاقًا لها من اسمِ اللهِ الذي هو العزيزُ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٣ عن محمد بن سعدٍ به.\n(^٣) أخرجه أحمد ١٥/ ٣١٥ (٩٥١٣) عن ابن علية به وأخرجه أحمد أيضًا ١٥/ ٣١٥ (٩٥١٣)، ١٦/ ٢٩١، ٤٠٣ (١٠٤٨١، ١٠٦٨٦)، والترمذى (٣٥٠٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٢، وابن حبان (٨٠٧)، والطبراني في الدعاء، (١٠٣)، والحاكم ١/ ١٧، وعنه البيهقي في الأسماء والصفات (١٠) - وعند الحاكم والبيهقى ذكرُ تفصيل الأسماء التسعة والتسعين - من طريق هشام بن حسان به. وأخرجه معمر في جامعه (١٩٦٥٦)، وأحمد ١٣/ ٦١، ١٦/ ٢٩١، ٤٠٢، ٤٠٣ (٧٦٢٣، ١٠٤٨١، ١٠٦٨٥)، ومسلم (٢٦٧٧)، والعقيلي في الضعفاء ٣/ ١٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٢، والطبراني في الدعاء (٩٥ - ١٠٥، ١١٢)، وفى الأوسط (٢٢٩٥، ٤٩٠٠)، والحاكم ١/ ١٧، والبيهقى في الأسماء والصفات (١٠٣) من طريق ابن سيرين به، وعند الحاكم والعقيلي والطبراني (الدعاء - حديث ١١٢ فقط) والبيهقى (حديث ١٠ فقط) ذكر تفصيل الأسماء الحسنى.","vol":"10","page":596},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3624>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾. قال: إلحادُ المُلْحِدِين أن دَعَوُا اللاتَ في أَسماءِ اللهِ (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾. قال: اشْتَقُّوا العُزَّى من العزيز، واشْتَقُّوا اللاتَ مِن اللهِ (^٢).\nواخْتَلَف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿يُلْحِدُونَ﴾.\nفقال بعضُهم: يُكذِّبونَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3625>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾. قال: الإلحاد التكذيبُ (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: يُشْرِكون.\n\n<span data-type='title' id=toc-3626>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن (^٤) ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٣ عن محمد بن سعد به، زاد فيه: \"والعزى\" بعد قوله: \"اللات\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥١٧ عن ابن جريجٍ عن مجاهدٍ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٣ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٩ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في النسخ: \"أبو\". والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم.","vol":"10","page":597},{"text":"﴿يُلْحِدُونَ﴾. قال: يشركون (^١).\nوأصل الإلحاد في كلام العرب، العُدُولُ عن القصد، والجَوْرُ عنه، والإعراضُ. ثم يُسْتَعْمَلُ في كلِّ مُعْوَجٍّ غير مستقيمٍ، ولذلك قيل للحدِ القبر: لَحْدٌ. لأنه في ناحيةٍ منه، وليس في وَسَطِه. يُقال منه: ألحَد فلانٌ يُلْحِدُ إلحادًا. ولَحَدَ يَلْحَدُ لَحْدًا ولُحُودًا. وقد ذُكِر عن الكِسائيِّ أنه كان يُفَرِّقُ بين الإلحادِ واللَّحْدِ؛ فيقولُ في الإلحاد: إنه العُدولُ عن القصدِ. وفي اللَّحْدِ: إنه الرَّكُونُ إلى الشيء. وكان يَقْرَأُ جميع ما في القرآن \"يُلْحِدُون\" بضَمِّ الياء وكسرِ الحاءِ، إلا التي في \"النحلِ\"، فإنه كان يَقْرَؤُها \"يَلْحَدُون\" بفتح الياءِ والحاءِ. ويَزْعُمُ أنه بمعنَى الرُّكُونِ (^٢). وأما سائرُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ، فيَرَوْن أن معناهما واحدٌ، وأنَّهما لغتانِ جاءَتا في حرفٍ واحدٍ بمعنًى واحدٍ.\nواخْتَلَفَتِ القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فَقَرَأَتْه عامَّة أهل المدينة وبعضُ البَصْرِيِّين والكوفيِّين: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ بضمِّ الياء وكسر الحاء، مِن: ألْحَد يُلحِد. في جميع القرآن. وقرأَ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ أهل الكوفة (يَلْحَدون) بفتح الياءِ والحاءِ، من: لَحَدَ يَلْحَدُ (^٣).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أنهما لغتانِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتِهما قَرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ في ذلك، غير أنِّى أختارُ القراءةَ بِضمِّ الياء، على لغةِ مَن قالَ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٣ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٤٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ينظر السبعة ص ٢٩٨، ٣٧٥، والكشف عن وجوه القراءات ١/ ٤٨٤.\n(^٣) قرأ حمزة بفتح الياء، والحاء، ومثله في النحل والسجدة، ووافقه الكسائي على ذلك في النحل، وقرأ الباقون \"يُلحِدون\" بضم الياء وكسر الحاء. ينظر الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٤٨٤، ٤٨٥، والتيسير في القراءات السبع ص ٩٤.","vol":"10","page":598},{"text":"ألحَدَ. لأنها أشهرُ اللغَتين وأفصحُهما. وكان ابن زيدٍ يقولُ في قوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: إنه منسوخٌ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾. قال: هؤلاء أهل الكفرِ، وقد نُسِخ، نَسَخه القِتالُ (^١).\nولا معنى لما قال ابن زيدٍ في ذلك من أنه منسوخٌ؛ لأنَّ قولَه: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾. ليس بأمرٍ مِن الله لنبيِّه ﷺ بتَرْكِ المشركين أن يقولوا ذلك، حتى يَأْذَنَ له في قتالِهم. وإنَّما هو تهديدٌ مِن اللهِ للمُلْحِدِين في أسمائه ووعيدٌ منه لهم، كما قال في موضعٍ آخر: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ الآية [الحجر: ٣]. وكقولِه: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٦]. وهو كلامٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الأَمْرِ بمعنى الوعيد والتهديدِ، ومعناه: إنْ نُمْهِل (^٢) الذين يُلْحِدون، يا محمدُ، في أَسماءِ اللهِ إلى أجلٍ هم بالِغُوه، فسوف يُجْزَوْن - إذا جاءَهم أجلُ اللهِ الذي [أجَّلَهم إليه] (^٣) - جزاءَ أعمالهم التي كانوا يعمَلونها قبل ذلك؛ من الكفر باللهِ، والإلحادِ في أسمائِه، وتكذيبِ رسوله.\n\n<span id=\"aya-1135\"></span><span data-type='title' id=toc-3627>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ومن الخَلْقِ الذين خَلَقْنا ﴿أُمَّةٌ﴾. يعني: جماعةٌ. ﴿يَهْدُونَ﴾. يقولُ: يَهْتَدُون ﴿بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. يقولُ: وبالحقِّ يَقْضون ويُنصِفون الناس. كما قال ابن جريجٍ.\n_________\n(^١) ذكره ابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٣٣٩، والقرطبي في تفسيره ٧/ ٣٢٨.\n(^٢) في م: \"تمهل\".\n(^٣) في م: \"أجله إليهم\".","vol":"10","page":599},{"text":"حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قوله: ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. قال ابن جُريجٍ: ذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: \"هذه أُمَّتِى\". قال: \"بالحقِّ يَأْخُذون ويُعطون ويقْضُون\" (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ بَلَعْنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ إِذا قَرَأَهَا: \"هذه لكم، وقد أَعْطِى القومُ بينَ أيْدِيكُم مِثْلَها: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ \" (^٣) [الأعراف: ١٥٩].\n\n<span id=\"aya-1136\"></span><span data-type='title' id=toc-3628>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: والذين كَذَّبوا بأدِلَّتِنا وأعلامِنَا، فَجَحَدوها ولم يَتَذَكَّروا بها، سَنُمْهِلُه بغرَّتِه ونُزَيِّنُ له سوءَ عملِه، حتى يَحْسَبَ أنه [فيما هو] (^٤) عليه من تكذيبِه بآياتِ اللهِ، إلى نفسِه مُحْسِنٌ، وحتى يَبْلُغَ الغاية التي كُتب له مِن المَهَلِ، ثم نَأْخُذُه بأعمالِه السيئة، فنجازيه بها من العقوبة ما قد أُعِدَّ له. وذلك استدراجُ اللهِ إياه. وأصلُ الاسْتِدْراجِ اغْتِرارُ المُسْتَدْرَجِ بلُطفٍ، مِن حيثُ يَرَى المُستدرَجُ أَنَّ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٩ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٣ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، بلفظ: \"يعنى هذه الأمة يهدون بالحق وبه يعدلون\"، كما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٤٤ عن معمر به، مثل لفظ ابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥١٨ عن سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في م: \"هو فيما\".","vol":"10","page":600},{"text":"المستدرج، إليه محسنٌ، حتى يُوَرِّطَه مكروهًا.\nوقد بيَّنَّا وجه فعل الله ذلك بأهل الكفر به فيما مضَى، بما أغْنَى عن إعادته في هذا الموضع (^١).\n\n<span id=\"aya-1137\"></span><span data-type='title' id=toc-3629>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وأُؤَخِّرُ هؤلاء الذين كَذَّبوا بآياتِنا مِلاوَةً (^٢)، بالكسرِ والضَّمِّ والفتح، من الدهر - وهى الحينُ، ومنه قيل: انتظرتُك مَلِيًّا - ليَبْلُغوا بمعصيتهم ربَّهم المقدارَ الذي قد كتبه لهم من العقاب والعذابِ، ثم يَقْبِضُهم إليه. ﴿إِنَّ كَيْدِي﴾. والكيد هو المكرُ، وقوله: ﴿مَتِينٌ﴾. يعني: قويٌّ شديدٌ. ومنه قولُ الشاعرِ (^٣):\nعَدَلْنَ عُدُولَ النَّاسِ وَامْتَحّ (^٤) يَبْتَلِي (^٥) … أفانينَ (^٦) مِن أُلْهُوبِ (^٧) شَدٍّ (^٨) مُمَاتِنِ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٣١٧ - ٣٢٠.\n(^٢) في م: \"ملاءة\". والملاوة - مثلثة الميم كما ذكَر المصنِّف - والمَلا والمِلئُ، كله مَدَّةُ العَيْش. وقد تملَّى العيش وملِّيه وأملاه الله إياه وملَّاه وأمْلَى الله له: أمْهَلَه وطول له. اللسان (م ل و).\n(^٣) لم نستطع العثور عليه.\n(^٤) في م: \"اقبح\". وفى ت ١: \"افتح\". وغير منقوطة في ص، ت ٢، ت ٣، س، ف. وامتحّ: افعلّ من المَتْحِ. قال في التاج: \"ومن المجاز: فرس متّاح: طويل مدّاد. أي في السير … ومن المجاز: الإبل تتمتَّح في \"سيرها. أي تتروح بأيديها. وفى بعض النسخ: تتراوح\" التاج (م ت ح).\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"سلي\".\n(^٦) في م: \"أفاس\" وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: \"أفاسى\"، وغير منقوطة في ص، ف والأفانين جمع أُفْنُون والأفنون: الجرى المختلط من جرى الفرس والناقة. اللسان (ف ن ن).\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الهرب\". وفى م: \"الهرّاب\". والألهوب أن يجتهد الفرس في عدوه حتى يثير الغبار، والأصل فيه الجرى الشديد الذي يثير اللهب، وهو الغبار الساطع. ويوصف به فيقال: شَدُّ الهوب.\n(^٨) الشدُّ: العَدو. اللسان (ش د د).","vol":"10","page":601},{"text":"يعني: سَيْبًا (^١) شديدًا باقيًا لا يَنْقَطِعُ.\n\n<span id=\"aya-1138\"></span><span data-type='title' id=toc-3630>القولُ في تأويل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: أولم يَتَفَكَّرُ هؤلاء الذينَ كَذَّبوا بآياتنا، فيَتَدَبَّروا بعقولهم، ويعلموا أن رسولَنا الذي أرْسَلْناه إليهم، لا جِنَّةَ به ولا بَلَ، وأنَّ الذي دعاهم إليه هو [الصحيحُ والدينُ] (^٢) القويمُ، والحقُّ المبين. ولذا أُنزِلَتْ هذه الآية فيما قيل.\nكما حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قال: ذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان على الصَّفا، فدعا قريشًا، فَجَعَل يُفَخِّذُهُم فَخْذًا فَخْذًا (^٣): \"يا بَنى فلانٍ، يا بني فلانٍ\". فَحَذَّرَهم بَأْسَ اللهِ، ووَقائِعَ اللهِ. فقال قائِلُهم: إِنَّ صاحِبَكم هذا لمجنونٌ! بات يُصَوِّتُ إلى الصباحِ. أو: حتى أصْبَح، فأَنزَل اللهُ ﵎: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (^٤).\nويعنى بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾؛ ما هو إلا نذيرٌ يُنذِرُكم (^٥) عقابَ اللهِ\n_________\n(^١) في م: \"سيرًا\". والسيب: الجرى. وساب الماء سيبًا: جرى وساب يسيب: مشى مسرعًا. التاج (س ي ب).\n(^٢) في م: \"الدين الصحيح\".\n(^٣) يقال: فخَّذ الرجل بني فلان. إذا دعاهم فخذا فخذا. والفَخْذُ هو حَيُّ الرَّجُل إذا كان من أقرب عشيرته. تاج العروس (ف خ ذ).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٤ من طريق يزيد به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٩، ١٥٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٥) في م: \"منذركم\".","vol":"10","page":602},{"text":"على كفركم به، إن لم تُنِيبوا إلى الإيمان به.\nويعنى بقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ قد أبان لكم، أيها الناسُ، إنذاره ما أَنْذَرَكم به مِن بأس اللهِ، على كفرِكم به.\n\n<span id=\"aya-1139\"></span><span data-type='title' id=toc-3631>القول في تأويل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أولم يَنْظُرُ هؤلاء المُكَذِّبون [بآياتِ اللهِ] (^١)، في مُلكِ اللهِ وسلطانه في السماواتِ وفى الأرض، وفيما خلق جلَّ ثناؤُه من شيءٍ فيهما، فيتَدَبَّروا ذلك ويعتبروا به، ويَعْلَموا أَنَّ ذلك لَمن (^٢) لا نظير له ولا شَبِيهَ، ومِن فعل مَن لا يَنْبَغِى أن تكونَ العبادة والدينُ الخالصُ إلا له، فيُؤْمِنوا به، ويُصَدِّقوا رسوله، ويُنيبوا إلى طاعتِه، ويَخْلعوا الأندادَ والأوثانَ، ويَحْذَروا أن تكونَ آجالُهم قد اقتَرَبت، فيَهلِكوا على كفرِهم ويصيروا إلى عذاب الله، وأليم عقابه؟!\nوقوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: فبأيِّ تخويفٍ وتحذيرٍ وترهيبٍ، بعد تحذيرِ محمدٍ ﷺ وترهيبِه، الذي أتاهم به من عندِ اللهِ في آي كتابه يُصَدِّقون، إن لم يُصدِّقوا بهذا الكتاب الذي جاءَهم به محمدٌ ﷺ من عندِ اللهِ تعالى؟!\n\n<span id=\"aya-1140\"></span><span data-type='title' id=toc-3632>القول في تأويل قوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: إِنَّ إعْراضَ (^٣) هؤلاء الذين كَذَّبوا بآياتِنا، التاركِي النظر في\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بآياتنا\".\n(^٢) في م: \"ممن \".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"أعرض\".","vol":"10","page":603},{"text":"حُججِ الله والفكر فيها - لإضْلالِ اللهِ إيَّاهم، ولو هداهم اللهُ لَاعْتَبَروا وتَدَبَّروا، فأَبْصَروا رُشْدَهم، ولكنَّ الله أضلَّهم، فلا يُبْصرون رُشدًا، ولا يهتدون سبيلًا، ومَن أَضَلَّه عن الرَّشادِ فلا هادى له إليه (^١)، ولكنَّ الله يَدَعُهم في تَمَادِيهِم في كفرهم، وتَمرُّدِهم في شِركهم، يَتَردَّدون؛ ليَسْتَوْجِبوا الغاية التي كتبها اللهُ لهم من عقوبته وأليم نكاله.\n\n<span id=\"aya-1141\"></span><span data-type='title' id=toc-3635>القول في تأويل قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾.\nفقال بعضُهم: عُنى بذلك قومُ رسول الله ﷺ من قريشٍ، وكانوا سَأَلُوا عن ذلك رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3633>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمر، عن قَتادةَ قال: قالت قريشٌ لمحمدٍ ﷺ: إنَّ بيننا وبينك قرابةً، فأَسِرَّ إلينا متى الساعةُ؟ فقال اللهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ (^٢).\nوقال آخرون: بل عُنى به قومٌ من اليهود.\n\n<span data-type='title' id=toc-3634>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونس بن بكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: ثني محمد بن أبي محمدٍ مولَى زيد بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بن جبيرٍ أو عكرمةُ،\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٤٥ عن معمر به.","vol":"10","page":604},{"text":"عن ابن عباسٍ، قال: قال جَبَلُ (^١) بن أبي قُشيرٍ وسمولُ (^٢) بنُ زيدٍ لرسول الله ﷺ: يا محمدُ، أخبِرنا متى الساعةُ إن كنتَ نبيًّا كما تقولُ، فإِنَّا نَعْلَمُ متى هي. فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن طارقِ (^٤) بن شهابٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ لا يزالُ يَذْكُرُ مِن شأن الساعة حتى نَزَلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (^٥).\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القول في ذلك أن يُقالَ: إِنَّ قوما سَألوا رسول الله ﷺ عن الساعةِ، فَأَنزل الله هذه الآيةَ، وجائزٌ أن يكونَ كانوا من قريشٍ، وجائزٌ أن يكونَ (^٦) كانوا من اليهودِ، ولا خبرَ بذلك عندنَا يُجَوِّزُ قَطَّعَ القول على أيِّ ذلك كان.\nفتأويلُ الآيةِ إذن: يَسْأَلُك القومُ الذين يَسْأَلُونك عن الساعةِ: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾؟ يقولُ: متى قيامها؟\nومعنى أيَّانَ: متى. في كلامِ العربِ، ومنه قول الراجز (^٧):\n_________\n(^١) في م، والدر المنثور: \"حمل\". وينظر سيرة ابن هشام ١/ ٥١٥، ٥٦٩، والبداية والنهاية ٥/ ٧.\n(^٢) كذا في النسخ والدر المنثور، وفى سيرة ابن هشام، والبداية والنهاية: \"شمويل\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٦٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٠ إلى أبي الشيخ.\n(^٤) في النسخ: \"مخارق\". والمثبت من تفسير ابن كثير وتحفة الأشراف، وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٣٤١، ٣٤٢.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٢٦ عن وكيع به، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٦٤٥) من طريق إسماعيل بن أبي خالد به.\n(^٦) في م، ص: \"يكونوا\".\n(^٧) الرجز في مجاز القرآن ١/ ٢٣٤، وتفسير القرطبي ٧/ ٣٣٥، واللسان (أ ب ن) غير منسوب.","vol":"10","page":605},{"text":"أَيَّانَ تَقْضى (^١) حاجَتي أَيَّانا … أمَا تَرَى (^٢) لِنُجْحِها إبَّانا (^٣)\nومعنى قولِه: ﴿مُرْسَاهَا﴾: قيامُها. مِن قولِ القائلِ: أرساها اللَّهُ فهى مُرْساةٌ. وأرساها القومُ: إذا حَبَسوها. ورَسَتْ هي تَرْسو رُسُوًّا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3636>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا (^٤) محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾. يقولُ: متى قيامُها (^٥).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾: متى قيامُها (^٦).\nوقال آخرون: معنى ذلك: مُنْتهاها. وذلك قريبُ المعنى مِن معنى مَن قال: معناه: قيامُها. لأنَّ انْتِهاءَها بُلُوغُها وقتَها. وقد بَيَّنا أن أصلَ ذلك الحبسُ والوقوفُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3637>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن\n_________\n(^١) في ص: \"بعصى\" وفى ت ١، س، ف: \"يقضى\". وينظر مصادر التخريج.\n(^٢) غير منقوطة في ص، ت ١، وفى س: \"يرى\". وينظر مصادر التخريج.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"إيانا\"، وفى تفسير القرطبي: \"أوانا\". وإبَّانُ كل شيء وقته وحينه الذي يكون فيه. اللسان (أ ب ن).\n(^٤) في م: \"حدثني\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٦ من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٠ إلى عبد بن حميد مطولًا، وسيورد المصنِّف بقيته بعد قليل في موضعين.","vol":"10","page":606},{"text":"عباسٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾. يعنى: مُنْتهاها (^١).\nوأما قولُه: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾. فإنه أمرٌ مِن اللَّهِ نبيَّه محمدًا ﷺ بأن يجيبَ سائِليه عن الساعةِ، بأنه لا يَعْلَمُ وقتَ قيامِها إلا اللَّهُ الذي يَعْلَمُ الغيبَ، وأنه لا يُظْهِرُها لوقتِها، ولا يعلمُها غيرُه جلَّ ذكرُه.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: علمُها عندَ اللَّهِ، هو يُجَلِّيها لوقتِها، لا يعلمُ ذلك إلا اللَّهُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا يُجَلِّيهَا﴾: يأتى بها (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿لَا يُجَلِّيهَا﴾. قال (^٤): لا يَأْتى بها ﴿إِلَّا هُوَ﴾.\n[حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا يُرسِلُها لوقتِها إلا هو] (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٢٠ عن علي عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٦ من طريق الضحاك عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٧ من طريق يزيد به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٤٧، ومن طريق ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٧. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٧ من طريق شبل عن ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٠ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) سقط من: س، ف. وفى ت ١: \"حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: ﴿لَا يُجَلِّيهَا﴾ قال: لا يأتى بها إلا هو\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥١ إلى المصنِّف وأبى الشيخ مطولًا، وستأتى بقيته في الأثر القادم، وعند تفسير قوله: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾.","vol":"10","page":607},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3640>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ثَقُلَت الساعةُ على أهلِ السماواتِ والأرضِ، أن يَعْرِفوا وقتَها ومجيئَها؛ لخَفائِها عنهم، واسْتِئْثارِ اللَّهِ بعِلْمِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-3638>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. [يقولُ: خَفِيَتْ في السماواتِ والأرضِ] (^١)، فلم يَعْلَمْ قيامَها؛ متى تقومُ - مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، جميعًا عن معمرٍ، عن بعضِ أهلِ التأويلِ ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: ثَقُل علمُها على أهلِ السماواتِ وأهلِ الأرضِ، أنهم لا يَعْلَمون (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: أنها كَبُرَتْ (^٤) عندَ مجيئِها على أهلِ السماواتِ والأرضِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3639>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٧ من طريق أحمد بن المفضل به، وقد تقدم به، وقد تقدم أوله في الأثر السابق.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٤٤ عن معمر عن قتادة والكلبى، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٧ من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة فقط، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٠ - قول قتادة فقط - إلى ابن المنذر.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"كثرت\".","vol":"10","page":608},{"text":"يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، جميعًا عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يعنى: إذا جاءتْ ثَقُلَتْ على أهلِ السماءِ وأَهلِ الأرضِ. يقولُ: كَبُرَتْ عليهم (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: إذا جاءت انشقَّت السماءُ، وانْتَثَرَت النجومُ، وكُوِّرَت الشمسُ، وسُيِّرت الجبالُ، وكان ما قال اللَّهُ، فذلك ثِقَلُها (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: قال بعضُ النَّاسِ في ﴿ثَقُلَتْ﴾: عَظُمَتْ.\nوقال آخرون: معنى قولِه: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. على السماواتِ والأرضِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3641>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. أي على السماواتِ والأرضِ.\nقال أبو جعفرٍ: وأوْلَى عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ثَقُلَتِ الساعةُ في السماواتِ والأرضِ على أهلِها، أن يَعْرِفوا وقتَها وقيامَها؛ لأنَّ اللَّهَ أَخفى ذلك عن خَلْقِه، فلم يُطْلِعْ عليه منهم أحدًا. وذلك أن اللَّهَ أَخْبَر بذلك بعدَ قولِه:\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٤٥ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٢١ عن ابن جريج، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"10","page":609},{"text":"﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾. وأخبر بعدَه أنها لا تَأْتى إلا بغتةً، فالذى هو أوْلَى؛ أن يكون ما بيَن ذلك أيضًا خبرًا عن خَفاءِ علمِها عن الخلقِ، إذ كان ما قبلَه وما بعدَه كذلك.\nوأما قولُه: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾. فإنه يقولُ: لا تجئ الساعةُ إلا فجأةً، لا تَشْعُرون بمجيئها.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾. [يقولُ: يَبْغتُهُم قيامُها، تَأْتيهم على غفلةٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾] (^٢)، قَضَى اللَّهُ أَنها لا تَأْتيكم إلا بغتةً. قال: وذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: \"إِنَّ السَّاعَةَ تَهِيجُ بالناسِ، و(^٣) الرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَه، والرجلُ يَسْقى ماشيتَه، والرجلُ يُقِيمُ سِلْعَتَه في السوقِ، [والرجلُ] (^٤) يَخْفِضُ مِيزانَه ويَرْفَعُه\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-3642>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يسألُك هؤلاءِ القومُ عن الساعةِ، ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٨ من طريق أحمد بن المفضل به، وقد تقدم أوله.\n(^٢) سقط من: س.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٧ من طريق يزيد به، مقتصرًا على الموقوف منه دون المرفوع. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٠ إلى المصنف وعبد بن حميد، الموقوف منه والمرفوع.","vol":"10","page":610},{"text":"[واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويل قولِه: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾] (^١).\nفقال بعضُهم: يَسْأَلُونك عنها كأنك حفيٌّ بِهم. وقالوا: معنى قولِه: ﴿عَنْهَا﴾. التقديمُ، وإن كان مُؤَخَّرًا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3643>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثني عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. يقولُ: كأَنَّ بينَك وبينَهم مَوَدَّةً، كأنك صديقٌ لَهم. قال ابن عباسٍ: لَمَّا سأل الناسُ محمدًا ﷺ عن الساعةِ، سأَلوه سؤالَ قومٍ كأَنَّهم يَرَوْن أن محمدًا حَفِيٌّ بهم، فأوحَى اللَّهُ إليه أنما علمُها عندَه، اسْتَأْثَر (^٣) بعلمِها، فلم يُطْلِعْ عليها ملَكًا ولا رسولًا (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال قتادةُ: قالتْ قريشٌ لمحمدٍ ﷺ: إنَّ بينَنا وبينَك قرابةً، فأسِرَّ إلينا متى الساعةُ؟ فقال اللَّهُ: [﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾] (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾: أَىْ حفيٌّ بهم (^٦). قال: قالتْ قريشٌ: يا محمدُ، أسِرَّ إلينا علمَ الساعةِ، لِمَا\n_________\n(^١) سقط من النسخ، وأثبتناه كالذى جرت به عادة أبى جعفر ومنهاجه.\n(^٢) قال الفراء: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ مقدَّم ومؤخَّرٌ، ومعناه: يسألونك عنها كأنك حفى بها. معاني القرآن ١/ ٣٩٩.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يستأثر\". وينظر مصدرا التخريج.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٨، ١٦٢٩ عن محمد بن سعد به، نحوه وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥١ إلى ابن مردويه.\n(^٥) في ص: \"يسألونك عنها كأنك حفى بهم\". وقد تقدم الأثر ص ٦٠٤، وكانت العبارة هناك على الصواب في ص.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"10","page":611},{"text":"بينَنا وبينَك مِن القَرابة؛ لقَرَابتِنا منك (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ وهانئُ بنُ سعيدٍ، عن حجاجٍ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. قال: حَفِيٌّ بهم حينَ يَسْأَلونك (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ قال: قريبٌ (^٣) منهم، وتَحفَّى عليهم. قال: وقال أبو مالكٍ: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ بهم. قال: قريبٌ منهم، وتَحفَّى عليهم. قال: وقال أبو مالكٍ: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ بهم، فتُحَدِّثُهم (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾: كأَنَّك صديقٌ لهم (^٥).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: كأنك قد اسْتحْفَيْتَ المسألةَ عنها فعَلِمْتَها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٨ من طريق يزيد به، وقد تقدم أوله ص ٦٠٦.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٧١ تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٨ من طريق خصيف عن مجاهد وحده، وعزاه السيوطي عن مجاهد في الدر المنثور ٣/ ١٥١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في م: \"قربت\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥١ من قول أبى مالك إلى عبد بن حميد، بلفظ: كأنك حفى بهم حين يأتونك يسألونك.\nوكذا ورد الأثر في جميع النسخ. ولعل صوابه أن يكون: عن ابن عباس: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. قال: قريب منهم وتحفى عليهم قال: وقال أبو مالك: كأنك حفى بهم فتحدثهم.\n(^٥) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٥٢٢.","vol":"10","page":612},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3644>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾: اسْتَحْفَيْتَ عنها السؤالَ حتى عَلِمْتَها (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. قال: استحفيتَ عنها السؤالَ حتى علمتَ وقتَها.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. قال: كأنك عالمٌ بها.\nقال: ثنا جابرُ (^٢) بنُ نوحٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. قال: [أي لستَ] (^٣) تَعْلَمُها (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنى عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. يقولُ: يَسْأَلُونك عن الساعةِ، كأَنَّ عندَك عِلْمًا مِنها، ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن بعضِهم: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾: كأَنَّك عالمٌ بها (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٤٨ ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥١ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في النسخ: \"حامد\". وهو جابر بن نوح بن جابر أبو بَشير الكوفى، ينظر تهذيب الكمال ٤/ ٤٥٩.\n(^٣) في م: \"كأنك\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٨ من طريق أبى روق عن الضحاك عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥١ عن ابن عباس إلى أبى الشيخ.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٤٥ عن معمر عن الكلبى.","vol":"10","page":613},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. قال: كأَنَّك بها عالمٌ. وقال: أخْفَى عِلْمَها على خَلْقِه. وقرَأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، حتى ختَمَ السورةَ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. يقولُ: كأنك يُعجِبُك سؤالُهم إياك، ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. وقولُه: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. يقولُ: لطيفٌ بها (^٢).\nفوجَّه هؤلاء تأويلَ قولِه: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. إلى: \"حَفِيٌّ بها\"، وقالوا: تقولُ العربُ: تَحَفَّيْتُ له في المسألةِ، وتَخَفَّيْتُ عنه. قالوا: ولذلك قيل: أتَيْنَا فلانًا نَسألُ به. بمعنى: نَسأَلُ عنه.\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى القولينِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: كأنك حَفِيٌّ بالمسألةِ عنها فتَعْلَمُها.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قِيل: ﴿حَفِيٌّ عَنْهَا﴾، ولم يُقَلْ: \"حَفى بها\"، إن كان ذلك تأويلَ الكلامِ؟\nقِيل: إن ذلكَ قيل كذلك؛ لأن الحفاوةَ إنَّما تكونُ في المسألةِ؛ وهي البَشاشَةُ للمسئولِ عندَ المسألةِ، والإكثارُ مِن السؤالِ عنه. والسؤالُ يُوصَلُ بـ \"عن\" مرَّةً وبـ \"الباء\" مرةً، فيقالُ: سألتُ عنه، وسألتُ به. فلمَّا وضِع قولُه: ﴿حَفِيٌّ﴾ (^٣)\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٢٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٨ من طريق عبد الله بن صالح به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ، مقتصرا على قوله: \"لطيف بها\".\n(^٣) في ص، ت ١، س، ف: \"بمعنى\".","vol":"10","page":614},{"text":"مَوْضِعَ السؤالِ، وُصِل بأغْلَبِ الحرفينِ اللَّذَينِ يُوصَلُ بهما السؤالُ، وهو \"عن\"، كما قال الشاعرُ (^١):\nسؤالَ حَفِيٍّ (^٢) عن أخيه كأَنَّه … بِذِكْرَتِهِ (^٣) وَسْنانُ أَو مُتَواسِنُ\nوأما قولُه: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، فإن معناه: قُلْ، يا محمدُ، لسائليك عن وقتِ الساعةِ وحينِ مَجيئِها: لا عِلْمَ لى بذلكَ، ولا يَعْلَمُ (^٤) به إِلَّا اللَّهُ الذي يَعْلَمُ غيبَ السماواتِ والأرضِ. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يَعْلَمون أن ذلك لا يَعْلَمُه إلا اللَّهُ، بل يَحْسَبون أن علمَ ذلك يُوجَدُ عندَ بعضِ خَلْقِه.\n\n<span id=\"aya-1142\"></span><span data-type='title' id=toc-3645>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ: ﷺ قُلْ، يا محمدُ، لسائليك عن الساعةِ أَيَّانَ مُرْساها: ﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾. يقولُ: لا أُقْدِرُ على اجْتِلابِ نفعٍ إلى نَفْسِي، ولا دَفْعِ ضُرٍّ يَحِلُّ بها عنها، إلا ما شاءَ اللَّهُ أَن أَمْلِكَه مِن ذلكَ، بِأَنْ يُقَوِّيَنِى\n_________\n(^١) قال في ديوان الهذليين: \"قال المعطّل أحد بنى رهم بن سعد بن هذيل … وقال أيضًا\". ثم ذكر قصيدة منها هذا البيت. أما شرح أشعار الهذليين ففيه: \"وقال مالك بن خالد، لم يروها إلا الجمحى والأصعمى، ويقال: إنها للمعطَّل. هكذا قال أبو نصر\". ثم ذكر القصيدة وفيها هذا البيت. ديوان الهذليين ٣/ ٤٣ - ٤٩، وشرح أشعار الهذليين ١/ ٤٤٤ - ٤٥٠.\n(^٢) كذا الرواية عند أبى جعفر والذي في مصدرى التخريج: \"سؤال الغنى\". وسياق القصيدة يقضى بأنه سؤال الغنى المستغنى - غير الحفى - لا سؤال الحفى. وقوله: \"سؤال حفى\" يتعارض مع قوله: \"وسنان أو متواسن\".\n(^٣) في م: \"يذكره\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"علم\".","vol":"10","page":615},{"text":"عليه، ويُعِينَنى. ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾. يقولُ: لو كنتُ أَعْلَمُ ما هو كائنٌ مما لم يَكُنْ بعدُ ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾. يقولُ: لأَعْدَدْتُ الكثيرَ مِن الخيرِ.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى الخيرِ الذي عَناهُ اللَّهُ بقولِه: ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لاسْتَكثرتُ مِن العملِ الصالحِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3646>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ قولَه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾. قال: الهُدَى والضلَالةُ. ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾. قال: ﴿أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾: متى أموتُ، لاستكثرتُ مِن العملِ الصالحِ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مِثْلَه (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾. قال: لَاجْتَنَبْتُ ما يكونُ مِن الشَّرِّ واتَّقَيْتُه (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ولو كنتُ أعلمُ الغيبَ لأَعْدَدْتُ للسَّنَةِ المُجْدِبةِ مِن المُخْصِبَةِ، ولَعَرَفْتُ الغلاءَ من الرُّخْصِ، واسْتَعْدَدْتُ له في الرخصِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥١ إلى أبى الشيخ، وينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٥٢٦.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٢٦ عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٢٩ من طريق منصور عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٠ من طريق أصبغ عن ابن زيد به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٢٧ عن ابن زيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥١ إلى أبى الشيخ.","vol":"10","page":616},{"text":"وقولُه: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾. يقولُ: وما مسَّنِىَ الضُّرُّ. ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾. يقولُ: ما أنا إلا رسولُ اللَّهِ أَرْسَلنى إليكم، أُنذِرُ عقابَه مَن عَصاه منكم وخالَف أمْرَه، وأُبَشِّرُ بثوابِه وكرامتِه، مَنْ آمَنَ به وأطاعَه (^١) منكم. وقولُه: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: يُصَدِّقون بأنى للَّهِ رسولٌ، ويُقِرُّونَ بحقيقةِ (^٢) ما جئتُهم به مِن عندِه.\n\n<span id=\"aya-1143\"></span><span data-type='title' id=toc-3647>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. يعنى بالنفسِ الواحدةِ آدمَ.\nكما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. قال: آدمُ ﵇ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: مِن آدمَ (^٤).\nويعنى بقولِه: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: وجعَل من النفْسِ الواحدةِ، وهو آدمُ، زَوْجَهَا حَوَّاءَ.\nكما حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾؛ حواءَ، فجُعِلَتْ مِن ضِلَعٍ من أضْلاعِه لِيَسْكُنَ إليها (^٤).\n_________\n(^١) في ت ١، س، ف: \"طاعه\".\n(^٢) في م: \"بحقية\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ٦/ ٣٤٠.\n(^٤) تقدم تخريجه في ٦/ ٣٤٠.","vol":"10","page":617},{"text":"ويعنى بقولِه: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾: ليَأْوِىَ إليها لقضاءِ الحاجةِ ولَذَّتِهِ. ويعنى بقولِه: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾: فَلَمَّا تَدَثَّرَها لقضاءِ حاجَتِه منها، فقضَى حاجتَه منها، ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾. وفى الكلامِ محذوفٌ تُرِك ذكرُه استغناءً بما ظَهَر عما حُذِفَ (^١)، وذلك قولُه: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ﴾. وإنَّما الكلامُ: فلمَّا تَغَشَّاها فقضَى حاجتَه منها حَمَلَتْ. وقولُه: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾. يعنى بخِفَّةِ الحمْلِ الماءَ الذي حَمَلَتْه حواءُ في رَحِمها مِن آدمَ، أَنَّه كان حَمْلًا خفيفًا، وكذلك هو حملُ المرأةِ ماءَ الرجلِ؛ خفيفٌ عليها. وأمَّا قولُه: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾. فإنه يعنِى: اسْتَمَرَّت بالماءِ؛ قامتْ به وقعَدتْ، وأَتَمَّت الحملَ.\nكما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي عُميرٍ، عن أيوبَ، قال: سألتُ الحسنَ عن قولِه: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾. قال: لو كنتَ امْرَأً عربيًّا لَعَرَفتَ ما هي، إنما هي: فاسْتَمَرَّتْ به (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾: اسْتَبَان حَمْلُها (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾. قال: اسْتَمَرَّ حملُها (^٤).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿حَمَلَتْ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س، ف: \"يحذف\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٢٨ عن أيوب به نحوه، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٤٨ عن معمر عن الحسن، وعزاه السيوطي نحوه في الدر المنثور إلى أبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣١ من طريق يزيد به.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٤٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٢ من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٢ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"10","page":618},{"text":"حَمْلًا خَفِيفًا﴾. [وهى] (^١) النُّطْفَةُ، و(^٢) قولُه: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾. يقولُ: اسْتَمَرَّتْ به (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: فشَكَّتْ فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3648>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾: فشَكَّتْ أَحَمَلَتْ أم لا (^٤).\nويعنى بقولِه: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾: فلمَّا صار ما في بطنِها مِن الحَمْلِ الذي كان خفيفًا - ثَقيلًا، ودَنَتْ ولادتُها. يقالُ منه: أَثْقَلَتْ فلانةُ. إذا صارَتْ ذَاتَ ثِقْلٍ بحملِها. كما يقالُ: أَتَمْرَ فلانٌ. إذا صار ذا تَمْرٍ.\nكما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾: كبِر (^٥) الولدُ في بطنِها (^٦).\nقال أبو جعفرٍ: ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾. يقولُ: نادَى آدمُ وحواءُ ربَّهما وقالا: يا ربَّنا، ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى الصلاحِ الذي أقْسَم آدمُ وحواءُ، عليهما\n_________\n(^١) في م: \"قال هي\".\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣١ من طريق عمرو به. شطره الأول، وأخرج شطره الثاني في ٥/ ١٦٣٢ من طريق عمرو به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣١ عن محمد بن سعد به.\n(^٥) في ص، س، ف: \"كثر\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٢ من طريق عمرو به.","vol":"10","page":619},{"text":"السلامُ، أنه إن آتاهما (^١) في حملِ حواءَ لتَكُونَنَّ مِن الشَّاكرين؛\nفقال بعضُهم: ذلك هو أن يكون الحَمْلُ غلامًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-3649>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾. قال: غلامًا (^٢).\nوقال آخرون: بل هو أن يكونَ المولودُ بشرًا سويًّا مِثلَهما، ولا يكونَ بهيمةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-3650>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن زيدِ بن جبيرٍ الجُشَمِيِّ (^٣). عن أبى البَخْتَرِيِّ، في قولِه: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. قال: أَشْفَقا أن يكونَ شيئًا دونَ الإنسانِ (^٤).\nقال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن زيدِ بن جُبيرٍ، عن أبي البَخْتَرِيِّ، قال: أشْفَقا أن لا يكونَ إنسانًا.\nقال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ، قال: لَمَّا حَمَلَت امرأَةُ آدمَ فَأَثْقَلَتْ، [كَانَا يُشْفِقان] (^٥) أن يكونَ بَهيمةً، فَدَعَوَا رَبَّهما: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا\n_________\n(^١) بعده في م: \"صالحًا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٣ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٤٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٢ إلى ابن المنذر بلفظ: \"غلاما سويا\".\n(^٣) في ص، م، س، ت ٢، ف: \"الحسمى\"، وفى ت ١: \"الجسمى\". وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٣٢؛ أنه من بنى جُشَم بن معاوية.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٣ تعليقا، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٢٨ بلفظ الأثر الآتى.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"كانوا يشفقون\".","vol":"10","page":620},{"text":"صَالِحًا﴾ الآية (^١).\nقال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، [عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: أشْفَقا أن يكونَ بهيمةً (^٢).\nحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ] (^٣)، قال: قال سعيدُ بنُ جبيرٍ: لَمَّا هَبَط (^٤) آدمُ وحواءُ، أُلْقِيت الشهوةُ في نفسِه فأصابَها، فليسَ إِلَّا أن أصابَها حَمَلَتْ، فليس إلا أن حَمَلَتْ تحرَّكَ في بطنِها ولدُها، [قالتْ: ما هذا] (^٥)؟ فجاءَها إبليسُ، فقال (^٦): أتَرَيْنَ في الأرضِ إلا ناقةً أو بقرةً أو ضائنةً (^٧) أو ماعزةً؟ هو (^٨) بعضُ ذلك. قالت: واللَّهِ ما منِّى شيءٌ إلا وهو يَضِيقُ عن ذلكَ. قال: فأطِيعِينِى وسَمِّيه عبدَ الحارثِ تَلِدِى شِبْهَكُما مِثْلَكما. قال: فذَكَرَتْ ذلك لآدمَ ﵇. فقال: هو صاحِبُنا الذي قد [أَخْرَجَنا من الجنةِ] (^٩). فماتَ، ثم حَمَلَتْ بآخرَ، فجاءها فقال: أطِيعِينى وسَمِّيه عبدَ الحارثِ - وكان اسمُه في الملائكةِ الحارثَ - وإلَّا وَلَدتِ ناقةً أو بقرةً أو ضائنةً أو ماعزةً، أو قَتَلتُه، فإنى أنا قتلتُ الأوَّلَ. قال: فذَكَرَتْ ذلك\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٣ من طريق محمد بن عبيد به، كما أخرجه أيضا في نفس الصفحة من طريق آخر عن إسماعيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٢ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٢٨.\n(^٣) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٤) في ت ١: \"أهبط\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال\". والمثبت موافق لما في الدر المنثور.\n(^٦) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ما هذا\".\n(^٧) في ص غير منقوطة. وفى ت ١، س، ف، وابن أبي حاتم والدر المنثور: \"ضانية\". والضّائِن من الغَنَم: ذو الصوف. ويُوصَف به فيقال: كبش ضائن، والأنثى ضائِنة. اللسان (ض أ ن).\n(^٨) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أو\". وينظر الدر المنثور.\n(^٩) مكانه في ص، ت ١، ت ٢، س ف بياض. وفى الدر المنثور: \"علمت\".","vol":"10","page":621},{"text":"لآدمَ، فكأنه لم يَكْرَهُه، فسَمَّتْه عبدَ الحارثِ، فذلك قولُه: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾. يقولُ: شِبْهنَا مِثْلَنَا. ﴿فَلَمَّاآتَيْتَنَا صَالِحًا﴾. قال: شِبْهَهما مِثْلَهما (^١).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾، كَبِر الولدُ في بطنِها، جاءَها إبليسُ، فخَوَّفَها وقال لها: ما يُدرِيك ما في بطنِك؟ لعلَّه كلبٌ أو خِنزيرٌ أو حمارٌ، وما يُدْرِيكِ مِن أين يَخْرُجُ؛ مِنْ (^٢) دُبُرِك فيَقْتُلَك، أو من قُبُلِك، أو يَنْشَقُّ بطنُك فيَقْتُلَك؟ فذلك حِيَن ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾. يقولُ: مِثْلَنَا - ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إِن اللَّهَ أَخْبرَ عن آدمَ وحواءَ، أنهما دَعَوَا اللَّهَ ربَّهما بحَمْلِ حواءَ، وأَقْسَما لئن أعْطاهما ما (^٤) في بطنِ حواءَ صالحًا، ليَكُونَانِ للَّهِ مِن الشاكرين. والصَّلاحُ قد يَشْمَلُ معانىَ كثيرةً؛ منها الصلاحُ في اسْتِواءِ الخَلْقِ، ومنها الصلاحُ في الدِّينِ، والصلاحُ في العقلِ والتدبيرِ. وإذ كان ذلك كذلك، ولا خبرَ عن الرسولِ يُوجِبُ الحُجَّةَ بأنَّ ذلك على بعضِ (^٥) معانِى الصلاحِ دونَ بعضٍ، ولا فيه مِن العقلِ دليلٌ - وَجَب أن يُعَمَّ كما عَمَّه اللَّهُ، فيقالَ: إنهما قالا: لئن آتَيْتَنا صالحًا. بجميعِ (^٦) معاني الصلاحِ.\nوأما معنى قولِه: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. فإنه: لَنَكونَنَّ مُمَّن يَشْكُرُك على ما وَهَبْتَ له مِن الولدِ صالحًا.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٢، ١٦٣٣، من طريق سالم بن أبى حفصة، عن سعيد بن جبير، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في م: \"أمن\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٢، ١٦٣٣ من طريق عمرو به نحوه.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٦) في ت ١، س، ف: \"لجميع\".","vol":"10","page":622},{"text":"<span id=\"aya-1144\"></span><span data-type='title' id=toc-3652>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا رَزَقَهما اللَّهُ ولدًا صالحًا، كما سألَا، جعَلا له شركاءَ فيما آتاهما ورَزَقهما.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الشركاءِ التي جَعَلا (^١) فيما أُوتِيا مِن المولودِ؛ فقال بعضُهم: جعَلا له شركاءَ في الاسمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3651>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا عمرُ بنُ إبراهيمَ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"كانت حَوَّاءُ لا يعيشُ لها ولدٌ، فَنَذَرَتْ لئن عاش لها ولدٌ لَتُسمِّيَنَّه عبدَ الحارثِ، فعاش لها ولدٌ، فسَمَّتْه عبد الحارثِ، وإنَّما كان ذلك عن (^٢) وَحْى الشيطانِ\" (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا معتمرٌ، عن أبيه، قال: ثنا أبو العلاءِ، عن سَمُرةَ بن جندبٍ أنه حدَّث أن آدمَ ﵇ سمَّى ابنَه عبدَ الحارثِ (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"جعلاها\".\n(^٢) في م، وأكثر مصادر التخريج: \"من\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٤٨ بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٥/ ١١ (الميمنية)، والترمذى (٣٠٧٧)، والحاكم ٢/ ٥٤٥ من طريق عبد الصمد به نحوه. كما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣١، والطبرانى (٦٨٩٥)، وابن عدى في الكامل ٥/ ١٧٠٠، وابن مردويه في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٣/ ٥٢٩ - من طريق عمر بن إبراهيم به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥١ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) بعده في النسخ: \"قال: ثنا المعتمر عن أبيه\".","vol":"10","page":623},{"text":"قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سليمانَ التَّيْميِّ، عن أبي العلاءِ بن الشِّخِّيرِ، عَن سَمُرَةَ بن جُندُبٍ، قال: سَمَّى آدمُ ابنَه عبدَ الحارثِ (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن داودَ بن الحُصَينِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت حواءُ تَلِدُ لآدمَ، فتُعَبِّدُهم للَّهِ، وتُسَمِّيه عبدَ اللَّهِ، وعُبَيدَ الله، ونحوَ ذلك، فيُصيُبهم الموتُ، فأتاها إبليسُ وآدمَ، فقال: إنكما لو تُسَمِّيانِه بغيرِ الذي تُسمِّيانه لَعاش. فوَلَدَتْ له رجلًا، فسمَّاه عبدَ الحارثِ، ففيه أَنْزَل اللَّهُ ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. إلى قولِه: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. إلى آخرِ الآيةِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه في آدمَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. إلى قولِه: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾: فشَكَّتْ أَحَبِلَتْ أم لا، ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ الآية. فأتاهما الشيطانُ فقال: هل تَدْرِيان ما يُولَدُ لكما، أم هل تَدْرِيان ما يكونُ، أبهيمةً يكونُ (^٣) أم لا؟ وزَيَّن لهما الباطلَ، إنه غَوِيٌّ مُبِينٌ. وقد كانتْ قبلَ ذلك وَلَدَتْ ولدَيْنِ فماتا، فقال لهما الشيطانُ: إِنَّكما إن لم تُسَمِّياه بى لم يَخْرُجْ سَوِيًّا ومات كما مات الأَوَّلانِ. فسَمَّيا ولدَهما عبدَ الحارثِ، فذلك قولُه: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ الآية (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٢٩ نقلا عن المنصف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥١ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٤٨، ١٤٩ بهذا الإسناد، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٣٠ عن ابن إسحاق به.\n(^٣) سقط من: ف. وفى م: \"تكون\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٣٠ عن العوفى به، وقد تقدم طرف منه في ص ٦١٩.","vol":"10","page":624},{"text":"ابن عباسٍ: لَمَّا وُلِد له أوَّلُ ولدٍ، أتاه إبليسُ فقال: إِنِّي سَأَنْصَحُ لك في شأنِ ولدِك هذا، تُسَمِّيه عبدَ الحارثِ. فقال آدمُ: أعوذُ باللَّهِ من طاعتِك - قال ابن عباسٍ: وكان اسمُه في السماءِ الحارثَ - قال آدمُ: أعوذُ باللَّهِ من طاعتِك، إنى أطَعْتُك في أكْلِ الشَّجرةِ، فأَخْرَجْتَنى مِن الجنةِ، فلن أُطِيعَك. فمات ولدُه، ثم وُلِد له بعدَ ذلك ولدٌ آخرُ، فقال: أطِعْنى وإلا مات كمامات الأوّلُ. فعصاه، فمات، فقال: لا أزالُ أقْتُلُهم حتى تُسمِّيَه عبدَ الحارثِ. فلم يَزَلْ به حتى سَمَّاه عبدَ الحارثِ، فذلك قولُه: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾؛ أَشْرَكَه في طاعتِه في غيرِ عبادةٍ، ولم يُشرِكْ باللَّهِ، ولكن أطاعَه.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا ...... (^١)، عن هارونَ، قال: أخبرنا الزبيرُ بنُ الخِرِّيتِ، عن عِكْرِمَةَ، قال: ما أَشْرَك آدمُ ولا حواءُ، وكان لا يعيشُ لهما ولدٌ، فأتاهما الشيطانُ فقال: إن سَرَّكما أن يعيشَ لكما ولدٌ فسَمِّياه (^٢) عبدَ الحارثِ. فهو قولُه: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾. قال: كان آدمُ ﵇ لا يولدُ له ولدٌ إلا مات، فجاءَه الشيطانُ فقال: إن سَرَّك أن يعيشَ ولدُك هذا، فسَمِّه (^٣)\n_________\n(^١) مكانه في ص، ت ١، ت،٢ س ف بياض، وكتب مقابله: حرف \"ط\"، وفى م: \"سلمة\".\nمكان هذا البياض فما ندرى أهم وضعوها أم كانت في أصولهم على أن الظاهر أن هذا البياض في النسخ الخطية معناه سقوط بقية سند ابن حميد مع متنه وبعض سند هارون الذي بعده. وسند \"هارون\" كما تقدم في ٤/ ٢١٨، ٨/ ٣١٠ حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هارون النحوى، قال: ثنا الزبير بن الخريت، عن عكرمة.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"فسماه\".\n(^٣) في م: \"فسميه\".","vol":"10","page":625},{"text":"عبدَ الحارثِ. ففَعَل، قال: فأشْرَكا في الاسمِ ولم يُشْرِكا في العبادةِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. ذُكِر لنا أنه كان لا يعيشُ لهما ولدٌ، فأتاهما الشيطانُ، فقال لهما: سَمِّياه (^٢) عبدَ الحارثِ. وكان مِن وحى الشيطانِ وأمرِه، وكان شِركًا في طاعتِه (^٣)، ولم يكنْ شركًا في عبادتِه (^٤) (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال: كان (^٦) لا يعيشُ لآدمَ وامرأتِه ولدٌ، فقال لهما الشيطانُ: إذا وُلِد لكما ولدٌ، فسَمِّياه (^٧) عبدَ الحارثِ. ففَعَلا وأطاعاه، فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ الآية (^٨).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فضيلٍ، عن سالمِ بن أبى حفصةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ قولَه: ﴿أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾. إلى قولِه تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال: لَمَّا حَمَلَتْ حواءُ في أوَّلِ ولدٍ وَلَدَتْه حِينَ أَثْقَلَتْ، أَتاها إبليسُ قبلَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٤٥ عن معمر عن الكلبى وقتادة.\n(^٢) في ت ١، س، ف: \"سميا\".\n(^٣) في ص، ت ١، س، ف: \"طاعة\". والمثبت موافق لمصدرى التخريج الآتيين.\n(^٤) في ص، ت ١، س، ف: \"عبارة\". والمثبت موافق لمصدرى التخريج الآتيين.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٤ من طريق يزيد به، مقتصرا على قوله: \"كان شركًا .. \" إلى آخره، وكذا عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٢، ١٥٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"فأسمياه\".\n(^٨) تفسير مجاهد ص ٣٤٨ وينظر أسباب النزول ص ١٧١.","vol":"10","page":626},{"text":"أن تَلِدَ، فقال: يا حواءُ، ما هذا الذي في بطنِك؟ فقالت: ما أدرى. [فقال: مِن أينَ يَخْرُجُ؛ مِن أنفِكِ، أو من عينِك، أو مِن أُذُينِك؟ قالت: لا أدرى] (^١). قال: أَرَأَيْتِ إن خرَج سليمًا، أَمُطِيعَتِى (^٢) أنتِ فيما آمُرُك به؟ قالت: نعم. قال: سَمِّيه عبدَ الحارثِ. وقد كان يُسَمَّى إبليسُ الحارثَ. فقالت: نعم. ثم قالتْ بعدَ ذلك لآدمَ: أتانى آتٍ في النومِ فقال لى كذا وكذا. فقال: إن ذلك الشيطانُ، فَاحْذَرِيه؛ فإنه عَدُوُّنا الذي أَخْرَجَنا مِن الجنةِ. ثم أتاها إبليسُ، فأعاد عليها، فقالتْ: نعم. فلمَّا وَضَعَتْه أَخْرَجَه اللَّهُ سليمًا، فَسَمَّتْه عبدَ الحارثِ، فهو قولُه: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ وابنُ فُضيلٍ، عن عبدِ الملكِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قِيل له: أشْرَك آدمُ؟ قال: أعوذُ باللَّه أن أَزْعُمَ أن آدمَ أشْرَك، ولكنَّ حواءَ لَمَّا أَثْقَلَتْ، أتاها إبليسُ فقال لها: مِن أين يَخْرُجُ هذا؟ مِن أنفِك، أو مِن عينِك، أو مِن فِيكِ؟ فقَنَّطَها، ثم قال: أَرَأَيْتِ إن خَرَج سويًّا (^٤) - زادَ ابن فُضيلٍ: لم يَضُرَّك ولمْ يَقْتُلْك - أتُطِيعيِنى؟ قالت: نعم. قال: فسَمِّيه عبدَ الحارثِ. فَفَعَلَتْ. زاد جريرٌ: فإنَّما كان شِرْكُه في الاسمِ (^٥).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: فوَلَدَتْ غلامًا - يعنى حوّاءَ - فأتاها (^٦) إبليسُ فقال: سَمُّوه عبدِى وإلا قَتَلْتُه.\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٢) في م: \"أتطيعينى\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٤٩ بهذا الإسناد.\n(^٤) بعده في تاريخ المصنف: \"قال ابن وكيع\".\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٤٩، ١٥٠ بهذا الإسناد، وينظر مختصر تاريخ دمشق ٧/ ٣٢٠.\n(^٦) في م: \"فأتاهما\".","vol":"10","page":627},{"text":"قال له آدمُ ﵇: قد أطعتُك وأَخْرَجْتَنِى مِن الجنةِ. فأبى أن يُطِيعَه، فَسَمَّاه عبدَ الرحمنِ، فسَلَّط اللَّهُ عليه إبليسَ فقَتَلَه، فحَمَلَتْ بآخرَ، فَلَمَّا وَلَدَتْه قال لها: سمِّيه عبدى وإلا قَتَلْتُه. قال له آدمُ: قد أطعتُك فأَخْرَجْتَنى مِن الجنةِ. فأبَى، فسَمَّاهُ صالحًا، فقَتَلَه. فلمَّا أن كان الثالثُ، قال لهما: [فإذ غلَبَتُمونِى] (^١) فسَمُّوه عبدَ الحارثِ. وكان اسمَ إبليسَ، وإنما سُمِّي إبليسُ حينَ أَبْلَسَ، فعَنَوا (^٢)، فذلك حيَن يقولُ اللَّهُ ﵎: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. يعنى في الأسماءِ (^٣).\nوقال آخرون: بل المَعْنِيُّ بذلك رجلٌ وامرأةٌ من أهلِ الكفرِ من بنى آدمَ، جعَلا للَّهِ شركاءَ مِن الآلهةِ والأوثانِ حينَ رَزَقَهما ما رزَقهما من الولدِ. وقالوا: معنى الكلام: هو الذي خَلَقَكُم مِن نفسٍ واحدةٍ، وجعَل منها زوجَها ليسْكُنَ إليها، فلمَّا [تغشاها أيُّها] (^٤) الرجلُ الكافرُ، حَمَلَتْ حملًا خفيفًا، فلمَّا أَثْقَلَتْ [دَعَوْتُما اللَّهَ ربَّكما] (^٥). قالوا: وهذا مما ابْتُدِئ به الكلامُ على وجهِ الخطابِ، ثم رُدَّ إلى الخبرِ عن الغائبِ، كما قِيل: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]. وقد بيَّنَّا نظائرَ ذلك بشواهدِه (^٦) فيما مضَى قبلُ.\n_________\n(^١) في م: \"فإذا غلبتم\". ومعنى فإذ غلبتموني: إذ لم تنساقوا لأمرى فتسموه عبدى، فسموه إذن عبد الحارث.\n(^٢) في م: \"ففعلوا\". وعَنَوا: خضعا. ينظر تاج العروس (ع ن و).\n(^٣) في م: \"التسمية\". والأثر أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٥٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٤ من طريق عمرو به، مقتصرا على قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾، إلى آخر الأثر.\n(^٤) في ص: \"تغشيتها أيها\"، وفى م: \"تغشاها. أي هذا\".\n(^٥) في ف: \"دعوا الله ربهما\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت،٢ س: \"بشواهدها\". وينظر ما تقدم في ١/ ١٥٥، ١٥٦.","vol":"10","page":628},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3653>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [سهلُ بنُ يوسفَ] (^١)، عن عمرٍو (^٢)، عن الحسنِ: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. قال: كان هذا في بعضِ أهلِ المللِ، ولم يكنْ بآدمَ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ: عنَى بهذا ذريةَ آدمَ؛ مَن أَشْرَك منهم بعدَه. يَعْنى قولَه: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ (^٤).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: هم اليهودُ والنصارى، رَزَقَهم الله أولادًا فهوَّدوا ونَصَّروا (^٥).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى القولين بالصَّوابِ قولُ مَن قال: عنَى بقولِه: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ في الاسمِ لا في العبادةِ، وأن المَعْنِيَّ بذلك آدمُ وحواءُ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن أهلِ التأويلِ على ذلك.\nفإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ، إذ كان الأمرُ على ما وَصَفْتَ في تأويلِ هذه\n_________\n(^١) في ف: \"شبل بن حوشب\". وسهل هو ابن يوسف الأنماطى البصرى، يروى عن عمرو وهو ابن عبيد بن باب البصرى. ينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٢١٣، ٢٢/ ١٢٣.\n(^٢) في ف: \"عمر\". وينظر الحاشية السابقة.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٢٩ عن المصنف، وصحح إسناده في ٣/ ٥٣٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٢ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٣٠ عن المصنف وصحح إسناده، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٤٥ عن معمر به.\n(^٥) نقله ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٣٠ عن المصنف، وصحح إسناده، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٤ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٢، ١٥٣ إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"10","page":629},{"text":"الآيةِ، وأن المعنيَّ بها آدمُ وحواءُ - في قولِه: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أهو اسْتِنْكافٌ مِن اللَّهِ أن يكونَ له في الأسماءِ شريكٌ، أو في العبادةِ؟ فإن قلتَ: في الأسماءِ. دَلَّ على فسادِه قولُه: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١]. وإن قلتَ: في العبادةِ. قِيل لك: أفكان آدمُ أشْرَك في عبادةِ الله غيرَه؟\nقيل له: إن القولَ في تأويلِ قولِه: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ليسَ بالذي ظَنَنْتَ، وإنما القولُ فيه: فتعالى اللَّهُ عما يُشْرِكُ به مشركُو العربِ مِن عَبَدَةِ الأوثانِ. فأما الخبرُ عن آدمَ وحواءَ فقد انْقَضَى عندَ قولِه: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. ثم اسْتُؤْنف قولُه: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: هذه فَصْلٌ مِن آيةِ آدمَ، خاصَّةٌ في آلهةِ العربِ (^١).\nواخْتَلَفَت القَرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿شُرَكَاءَ﴾؛ فقَرَأ ذلك عامَّةُ قرأَةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ المكِّيين والكوفيِّين: [(جَعَلا لَهُ شِرْكًا). بكسرِ الشينِ، بمعنى الشَّرِكَةِ (^٢).\nوقرَأه بعضُ المكِّيِّين وعامةُ قرأَةِ الكوفيين] (^٣) وبعضُ البصريين: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾. بضَمِّ الشينِ، بمعنى جمعِ شَرِيكٍ (^٤).\nوهذه القراءةُ أوْلَى القراءتين بالصوابِ (^٥)؛ لأنَّ القراءةَ لو صحَّتْ بكسرِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٥ من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) قرأ بها نافع وأبو بكر عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٢٩٩.\n(^٣) سقط من: س.\n(^٤) قرأ بها ابن كثير وحفص عن عاصم وابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائى. المصدر السابق.\n(^٥) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"10","page":630},{"text":"الشينِ، لَوَجَب أن يكونَ الكلامُ: فلمَّا آتاهُما صالحًا، جعَلا (^١) لغيرِه فيه شِركًا؛ لأن آدمَ وحواءَ لم يَدِينا بأنَّ ولدَهما مِن عَطِيَّةِ إبليسَ ثم يَجْعَلا للَّهِ فيه شِركًا؛ بتَسْمِيَتِهما (^٢) إياه بعبدِ اللَّهِ، وإنما كانا يدِينان - لا شكَّ - بأن ولدَهما مِن رزقِ اللَّهِ وعطيَّتِه، ثم سَمَّياه عبدَ الحارثِ، فجعَلا لإبليسَ فيه شِرْكًا بالاسمِ. فلو كانت قراءةُ مَن قَرَأَ (شِرْكًا) صحيحةً؛ وَجَب ما قلنا مِن (^٣) أن يكونَ الكلامُ: جعَلا لغيرِه فيه شِركًا، وفى نزولِ وحى اللَّهِ بقولِه: ﴿جَعَلَا لَهُ﴾ ما يُوضِحُ عن أنَّ الصحيحَ مِن القراءةِ؛ ﴿شُرَكَاءَ﴾ بضمِّ الشينِ، على ما بَيَّنتُ قبلُ.\nفإن قال قائلٌ: فإنَّ آدمَ وحواءَ إنما سَمَّيا ابْنَهما عبدَ الحارثِ، والحارثُ واحدٌ، وقولُه: ﴿شُرَكَاءَ﴾. جماعةٌ، فكيف وَصَفَهما جلَّ ثناؤُه بأنهما جعَلا له شركاءَ، وإنما أشْرَكا واحدًا؟\nقيل: قدْ دَلَّلْنا فيما مضَى على أن العربَ تُخرِجُ الخبرَ عن الواحدِ، مُخْرَجَ الخبرِ الجماعةِ، إذا لم تَقْصِدْ واحدًا بعينِه ولم تُسَمِّه، كقولِه ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وإنما كان القائلُ ذلك واحدًا، فأَخْرَج الخبرَ مُخرجَ الخبرِ عن الجماعةِ، إذ لم يَقْصِدْ قَصْدَه. وذلك مُسْتَفِيضٌ في كلامِ العربِ وأشعارِها (^٤).\nوأمَّا قولُه: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فتنزيهٌ مِن اللَّهِ ﵎ نفسَه، وتعظيمٌ لها عما يقولُ فيه المُبْطِلون، ويَدْعون معه مِن الآلهةِ والأوثانِ.\nكما حدَّثنا القاسِمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ:\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٢) في م: \"لتسميتهما\".\n(^٣) ليست في: م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٣٠٢، ٢/ ٤٠٤ - ٤٠٦.","vol":"10","page":631},{"text":"﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال: هو الإنْكافُ، أَنْكَفَ نَفْسَه جَلَّ وعزَّ - يقولُ: عَظَّم نفسَه - وأنْكَفَتْه الملائكةُ وما سَبَّحَ له (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عُيَيْنَةَ، قال: سمعتُ صَدَقَةً يُحَدِّثُ عن السِّديِّ، قال: هذا مِن المَوْصولِ المُفَصَّلِ (^٢)، قولُه: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. في شأنِ آدمَ وحواءَ (^٣). ثم قال اللَّهُ ﵎: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال: عما يُشرِكُ المشركون، ولم يَعْنِهِما (^٤).\n\n<span id=\"aya-1145\"></span><span data-type='title' id=toc-3654>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أيُشْركون في عبادةِ اللَّهِ، فيَعْبُدون معه ما لا يَخْلُقُ شيئًا، واللَّهُ يخلقُها ويُنْشِئُها؟ وإنما العبادةُ الخالصةُ للخالقِ، لا للمخلوقِ.\nوكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك بما.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، قال: وُلِد لآدمَ (^٥) ولدٌ، فسَمَّاه (^٦) عبدَ اللَّهِ، فأتاهما إبليسُ فقال: ما سَمَّيْتما يا آدمُ ويا حواءُ ابْنَكما؟ قال: وكان وُلِد لهما قبلَ ذلك ولدٌ، فَسَمَّياه عبدَ اللَّهِ، فماتَ. فقالا: سَمَّيْناه عبدَ اللَّهِ. فقال إبليسُ: أَتَظُنَّانِ أن اللَّهَ تاركٌ عبدَه عندَكُما، لا واللَّهِ لَيَذْهَبَنَّ به، كما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٥ من طريق حجاج عن ابن جريج، عن مجاهد، وعنده في أوله: \"الانتكاف\" بدل\" هو الإنكاف\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٣ من قول مجاهد إلى أبى الشيخ.\n(^٢) في م، والدر المنثور: \"والمفصول\". والمثبت موافق لما في تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٣) بعده في الدر المنثور: \"يعني في الأسماء\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٤٦، وعنده \"المفصول المفصل\". كما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٤ عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٢ إلى ابن المنذر، وأبى الشيخ.\n(^٥) بعده في م: \"وحواء\". وينظر مصدرا التخريج.\n(^٦) في م: \"فسمياه\". وينظر مصدرا التخريج.","vol":"10","page":632},{"text":"ذَهَب بالآخَرِ، ولكنْ أدُلكما على اسمٍ يَبْقَى لكما ما بَقيتما فسَمِّياه عبدَ شمسٍ (^١). قال: فذلك قولُ اللَّهِ ﵎: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾. آلشمسُ تَخْلُقُ شيئًا حتى يكونَ لها عبد؟! إنما هي مخلوقةٌ، وقد قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"خَدَعَهما مَرَّتَيْن (^٢)؛ خدَعهما في الجنةِ، وخدَعهما في الأرضِ\" (^٣).\nوقيل: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾. فَأَخْرَج مَكْنِيَّهم مُخْرَجَ مَكْنِيِّ بنى آدمَ (^٤)، وقد قال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا﴾، فَأَخْرَج ذِكْرَهم بـ \"ما\" لا بـ \"مَنْ\" مُخرجَ الخَبرِ عن غيرِ بني آدمَ؛ لأنَّ الذي كانوا يَعْبُدونه إنما كان حَجَرًا أو خشبًا أو نُحاسًا، أو بعضَ الأشياءِ التي يُخْبَرُ عنها بـ \"ما\" لا بـ \"مَنْ\"، فقِيل لذلك: \"ما\". ثم قِيل: \"وهم\". فأُخْرِجَتْ كنايتُهم مُخرجَ كنايةِ بنى آدمَ؛ كان الخبرَ عنها بتعظيمِ المشركيَن إياها نظيرُ الخبِر عن تعظيمِ الناسِ بعضِهم بعضًا.\n\n<span id=\"aya-1146\"></span><span data-type='title' id=toc-3655>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: أَيُشْرِكُ هؤلاء المشركون في عبادةِ اللَّهِ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا مِن خَلْقِ اللَّهِ، ولا يستطيعُ أن يَنْصُرَهم، إن أراد اللَّهُ بهم سوءًا، أو أَحَلَّ بهم عقوبةً، ولا هو قادرٌ إنْ أراد به سوءًا نَصْرَ نفسِه، ولا دَفْعَ ضُرٍّ عنها، وإنما العابدُ يَعْبُدُ ما يَعبُدُه، لاجْتِلابِ نفعٍ منه، أو لدفعِ ضُرٍّ منه عن نفسِه، وآلِهَتُهم التي يَعْبُدونَها [ويُشرِكونها] (^٥) في عبادةِ اللَّهِ، لا تَنْفَعُهم ولا تَضُرُّهم، بل لا تَجْتَلِبُ\n_________\n(^١) بعده في تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور: \"فمسياه\".\n(^٢) بعده في مصدرى التخريج: \"قال زيد\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٥ من طريق أصبغ عن ابن زيد به نحوه.\n(^٤) يعنى المصنف بقوله: \"مكنيهم \" الضمير \"هم\" في الآية. قال في اللسان (ك ن ى): قال ابن سيده: واستعمل سيبويه الكناية في علامة المضمر.\n(^٥) في ص، ت ١، س، ف: \"فيشركونها\".","vol":"10","page":633},{"text":"إلى نفسِها نفعًا، ولا تَدْفَعُ عنها ضُرًّا، فهى مِن نفعِ غيرِ أنْفُسِها، أو دفعِ الضُّرِّ عنها، أبْعَدُ. يُعَجِّبُ ﵎ خَلْقَه مِن عظيمِ خطأَ هؤلاء الذين يُشْركون في عبادتِهم اللَّهَ غيرَه.\n\n<span id=\"aya-1147\"></span><span data-type='title' id=toc-3656>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه في وصفِه وعيبِه ما يُشْرِكُ هؤلاء المشركون في عبادتِهم ربَّهم إياه: ومِن صِفَتِه أنكم أيُّها الناسُ إنْ تَدْعوهم إلى الطريقِ المستقيمِ والأمرِ الصحيحِ السَّديدِ، لا يَتَّبِعوكم؛ لأنها ليستْ تَعْقِلُ شيئًا، فتَتْرُكَ مِن الطَّرْقِ ما كان عن القَصْدِ مُنْعَدِلًا جائرًا، وتَرْكَبَ ما كان مستقيمًا سديدًا.\nوإنَّما أراد اللَّهُ جلَّ ثناؤُه بوَصْفِ آلهتِهم بذلك مِن صِفَتِها، تنبيهَهم على عظيمِ خطئِهم وقُبْحِ اخْتيارِهم. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فكيف يهديكم إلى الرشادِ مَن إن دُعِى إلى الرشادِ وعُرِّفَه، لم يَعْرِفْه، ولم يَفْهَمْ رشادًا مِن ضلالٍ، وكان سواءً دعاءُ داعيهِ إلى الرشادِ وسكوتُه؛ لأنه لا يَفْهَمُ، دعاءَه، ولا يَسْمَعُ صوتَه، ولا يَعْقِلُ ما يُقالُ له. يقولُ: فكيف يُعْبَدُ ما (^١) كانت هذه صفتَه، أم كيف يُشْكِلُ عَظِيمُ جَهِلِ مَن اتَّخَذَ ما هذه صفتُه إلهًا؟ وإنَّما الرَّبُّ المعبودُ هو النافعُ مَن يَعْبُدُه، الضَّارُّ مَن يَعْصيه، الناصرُ وليَّه، الخاذِلُ عدوَّه، الهادى إلى الرشادِ مَن أطاعَه، السامعُ دعاءَ مَن دعاه.\nوقيلَ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾، فعطَف بقولِه: ﴿صَامِتُونَ﴾ وهو اسمٌ، على قولِه: ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ وهو فعلٌ ماضٍ، ولم يَقُلْ: أمْ صمتُّمْ (^٢). كما قال الشاعرُ:\n_________\n(^١) في م: \"من\".\n(^٢) ينظر كتاب سيبويه ٣/ ٦٤.","vol":"10","page":634},{"text":"سَواءٌ عليك النَّفْرُ (^١) أم بِتَّ ليلةً … بأَهْلِ القِبابِ مِن نُمَيْرِ بن عَامِرِ (^٢)\nوقد يُنْشَدُ: أم أنت بائِتٌ.\n\n<span id=\"aya-1148\"></span><span data-type='title' id=toc-3657>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه لهؤلاءِ المشركين مِن عبدةِ الأوثانِ، موبِّخَهمْ على عبادتِهم ما لا يضرُّهم ولا ينفعُهم من الأصنامِ: إن الذين تدعونَ أيُّها المشركونَ آلهةً من دونِ اللَّهِ، وتعبدونها شركًا منكمْ، وكفرًا باللَّهِ، عبادٌ أمثالُكمْ، يقولُ: هم أملاكٌ لربِّكمْ كما أنتم له مماليكُ، فإن كنتم صادقيَن أنها تضرُّ وتنفَعُ، وأنها تستوجبُ منكم العبادةَ لنفْعِها إياكُمْ، فلْيَستجِيبُوا لدعائِكم إذا دعَوْتُموهُم، فإن لم يَسْتَجيبُوا لكم لأنها لا تسمعُ دعاءَكُم، فأَيْقِنوا بأنّها لا تنفعُ ولا تضرُّ؛ لأن الضُّرَّ والنفعَ إنما يكونان مِمَّن إذا سُئل سمِع مسألةَ سائلِه (^٣)، وأعطَى وأفضلَ؛ ومَن إذا شُكِىَ إليه مِن شيءٍ سمِع فضرَّ من استحقَّ العقوبةَ، [ونفَع مَن] (^٤) لا يستوجبُ الضُّرَّ.\n\n<span id=\"aya-1149\"></span><span data-type='title' id=toc-3658>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه لهؤلاءِ الذين عبدوا الأصنامَ مِن دونِه، مُعرِّفهم جهلَ ما هُم عليه مقيمون، الِأصْنامِكم هذه أيُّها القومُ ﴿أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾. فيسعَونَ معكُم\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س، ف: \"الفقر\"، وفى: م \"القفر\". والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٢) ينظر معاني القرآن ١/ ٤٠١، والتبيان ٥/ ٥٧. غير منسوب فيهما.\n(^٣) في م: \"سائل\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، س، ف.","vol":"10","page":635},{"text":"ولكُمْ في حوائجِكم، ويتصرفون بها في منافِعِكُم ﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾ فيدفعون عنكم وينصرونكم بها عند قصدِ من يقصدكم بشرٍّ ومَكروهٍ، ﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ فيعرّفوكُم ما عاينوا وأبْصَروا مما تَغيبون عنه فلا تروْنه ﴿أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ فيخبروكُم بما سمعوا دونَكُم، مما لم تَسْمَعُوه، يقولُ جلَّ ثناؤُه: فإن كانتْ آلهتكم التي تعبدونَها ليس فيها شيء من هذه الآلات التي ذكرتُها - والمعظم من الأشياء إنما يعظَّمُ لما يُرْجَى منه من المنافع التي توصل إليه بعضُ هذه المعاني عندكم - فما وجه عبادتكم أصنامكُم التي تعبدونها وهي خاليةٌ من كلِّ هذه الأشياء التي بها يُوصل إلى اجتلابِ النفع ودفعِ الضُّرِّ.\nوقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنتم وهى (^١)، ﴿فَلَا تُنظِرُونِ﴾. يقولُ: فلا تُؤخِّرون بالكيد والمكر، ولكن عجِّلُوا بذلكَ. يُعلِمُه جلَّ ثناؤُه بذلكَ أنهم لم يضرُّوه، وأنَّه قد عصمه منهم، ويُعرِّف الكفرةً به عَجْزَ أوثانهم عن نُصرَةِ مَن بغَى أولياءهم بسوء.\n\n<span id=\"aya-1150\"></span><span data-type='title' id=toc-3659>القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد للمشركين من عبدة الأوثان: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ﴾. نصيرى ومُعينى وظَهِيرِى عليكم ﴿اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابِ﴾ عَلَيَّ بالحقِّ، وهو الذي يتولى من صلح عمله بطاعتِه مِن خلقه.\n\n<span id=\"aya-1151\"></span><span data-type='title' id=toc-3660>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"وهن\".","vol":"10","page":636},{"text":"وهذا أيضًا أمْرٌ من الله جلَّ ثناؤُه نبيَّه (^١) أن يقوله للمشركين، يقول (^٢) تعالى: قلْ لَهم: إن الله نصيري وظهيري، والذين تَدعون أنتم أيها المشركون من دونِ الله من الآلهة، لا يستطيعونَ نصْرَكُم، ولا هم مع عجزهم عن نُصرتِكُم يقدرون على نصرة أنفسهم، فأى هذين أولى بالعبادة، وأحقُّ بالألوهةِ، أَمَنْ يَنصرُ وليَّه ويمنعُ نفسه ممن أرادَه، أم من لا يستطيعُ نصر وليه ويعجز عن منع نفسه ممن أرادَه وبَغاه بمكروهٍ؟!\n\n<span id=\"aya-1152\"></span><span data-type='title' id=toc-3661>القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾.</span>\nيقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: قل للمشركين: وإن تدعُوا أيها المشركون آلهتكم إلى الهدَى، وهو الاستقامة إلى السداد، ﴿لَا يَسْمَعُوا﴾. يقولُ: لا يَسمَعُوا دعاءَكم، ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. وهذا خطابٌ من الله لنبيِّه ﷺ، يقولُ: وترى يا محمدُ آلهتهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون، ولذلكَ وحَّدَ، ولو كان أمر النبي ﷺ بخطابِ المشركين لقال: وترونهم ينظرونَ إليكم.\nوقد رُوى عن السديِّ في ذلك ما حدثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. قال: هؤلاء المشركون (^٣).\nوقد يحتمل قول السُّديِّ هذا أن يكون أراد بقوله: هؤلاء المشركون - قول الله\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"لنبيه\".\n(^٢) في م، ت ١، ف: \"بقوله\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٧ من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٣ إلى أبي الشيخ.","vol":"10","page":637},{"text":"﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهُدَى لَا يَسْمَعُوا﴾.\nوقد كان مجاهد يقولُ في ذلك ما حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهد: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يبْصِرُونَ﴾ [ما تدعوهم إلى الهدَى] (^١).\nوكأن مجاهدًا وجَّه معنى الكلام إلى أن معناه: وترى المشركين ينظرون إليك وهم لا يبصرون، فهو وجه، ولكن الكلام في سياق الخبرِ عن الآلهة فهو بوصفها أشبه.\nقال أبو جعفر: فإن قال قائلٌ: فما (^٢) معنى قوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾؟ وهل يجوزُ أن يكون شيءٌ ينظر إلى شيءٍ ولا يراه؟\nقيلَ: إنَّ العرب تقول للشيءِ إذا قابل شيئًا أو حاذاهُ: هو ينظرُ إلى كذا. ويقال: مَنزلُ فلان ينظر إلى منزلى. إذا قابله.\nوحُكِى عنها: إذا أتيت موضع كذا وكذا، فنظر إليك الجبل، فخُذ يمينا أو شمالا.\nوحُدثت عن أبي عُبيد، قال: قال الكسائيُّ: الحائط ينظر إليك، إذا كان قريبا منك حيثُ تراهُ، ومنه قول الشاعرِ (^٣):\nإِذَا نَظَرَتْ بِلادُ بَنِي تَمِيمٍ (^٤) … بِعَيْنٍ أَوْ بِلادُ بَنِي صُباحِ\n_________\n(^١) في تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور: \"ما تدعوهم إليه من الهدى\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٧ من طريق أبي حذيفة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٣ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) بعده في ف: \"وجه\".\n(^٣) البيت في النوادر في اللغة لأبي زيد ص ١٣١، ومعجم مقاييس اللغة ٤/ ٢٠٣ غير منسوب فيهما.\n(^٤) في النوادر: \"حبيب\"، وفي معجم مقاييس اللغة: \"نمير\".","vol":"10","page":638},{"text":"يريدُ: تقابل نبتُها وعشبُها وتحاذَى.\nفمعنى الكلام وترى يا محمد آلهة هؤلاء المشركين من عبدة الأوثان، [يقابلونك ويحاذونك] (^١)، وهم لا يبصرونَك؛ لأنَّه لا أبصار لهم. وقيل: ﴿وَتَرَاهُمْ﴾ ولم يُقَل: (وتراها)؛ لأنها صورٌ (^٢) مصورّةٌ على صور بنى آدمَ.\n\n<span id=\"aya-1153\"></span><span data-type='title' id=toc-3663>القول في تأويل قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾.</span>\nاختلف أهل التأويلِ في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويله: خُذِ العفو من أخلاق الناسِ، وهو الفضل، وما لا يجهدهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3662>ذكر من قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنبسة، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ، عن مجاهد في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. قال: من أخلاق الناسِ وأعمالهم بغيرِ تَحسُّسٍ (^٣).\nحدثنا يعقوب وابن وكيع قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ليث، عن مجاهد في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. قال: عفْوَ أخلاق الناسِ، وعفْوَ أمورهم.\nحدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى ابن أَبي الزِّنادِ، عن هشام بن عُرُوةَ، عن أبيه، في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ الآية. قال عُروةُ: أمر الله رسوله ﷺ أن يأخذ العفوَ مِن أخلاقِ الناسِ (^٤).\n_________\n(^١) في ف: \"يقاتلونك ويحادونك\".\n(^٢) في ص، ف: \"صورة\".\n(^٣) في ص: \"تحسيس\"، وفى ف: \"تجسيس\"، والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٣٥.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢٤٥١، وسعيد بن منصور في سننه (٩٧٤ - تفسير)، والبزار (٢١٨٢).","vol":"10","page":639},{"text":"حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عَن مَعمرٍ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن ابن [الزبير، قال: ما أنزلَ اللَّهُ هذه الآيةَ إلا في أخلاقِ الناسِ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ الآية (^١).\nحدثنا ابن وكيع قال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: بلغني عن مجاهد: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: من أخلاقِ الناس وأعمالهم بغيرِ تَحسُّسٍ (^٢).\nقال (^٣): ثنا أبو معاويةَ، عن هشام بن عروةَ، عن وهب بن كَيْسان، عن [ابن الزبير: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. قال: من أخلاق الناسِ، والله لآخذنّه منهم صَحِبتهم (^٤).\nقال (^٣): ثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عُروة، عن ابن] (^٥)، الزُّبَيرِ، قال: إنما أنزل الله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. من أخلاق الناسِ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٨٨، وهناد في الزهد (١٢٦٤)، والبخارى (٤٦٤٣)، وأبو داود (٤٧٨٧)، والبزار (٢١٨١)، والطبراني (١٣/ ١٠٧) (٢٥٧)، والحاكم ١/ ١٢٤، والبيهقي في الدلائل ١/ ٣١٠ من طريق هشام به، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.\n(^٢) ينظر الأثر المتقدم تخريجه في ص ٦٣٩.\n(^٣) القائل: هو ابن وكيع.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٧٥ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٧ من طريق أبي معاوية به. وقال الحافظ في الفتح ٨/ ١٠٣٠٥: رواية أبي معاوية شاذة، مع احتمال أن يكون لهشام فيه شيخان.\n(^٥) أخرجه النَّسَائِي في الكبرى (١١١٩٥) من طريق عبدة به، ومن طريقه النحاس في ناسخه ص ٤٤٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٦) في م: \"أبي\".","vol":"10","page":640},{"text":"حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. قال: من أخلاق الناسِ وأعمالهم من غير تَجَسُّسٍ أو تَحَسُّسٍ، شَكَّ أبو عاصمٍ (^١).\nوقال آخرون: بلْ معنى ذلك: خُذِ (^٢) العَفْوَ من أموال الناس، وهو الفضلُ.\nقالوا: وأُمِر بذلك قبل نزول الزكاةِ، فلما نزلتِ الزكاةُ نُسِخ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3664>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. يعنى: خُذْ ما عفا لك من أموالهم، وما أتوْكَ به من شيءٍ فخُذْه، فكانَ هذا قبل أن تنزِلَ \"براءةُ\" بفرائض الصدقات وتفصيلها، وما انتهت الصدقات إليه (^٣).\nحدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّل، قال: ثنا أسباط السدى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. أمّا العفو: فالفضْلُ من المالِ، نسَختْها الزكاةُ (^٤).\nحُدِّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. يقولُ: خُذْ ما عفا من أموالهم، وهذا قبل أن تنزل الصدقة المفروضَةُ (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٤٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٧ من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في ص، ف: \"هو\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٨ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٤ إلى ابن المنذر.\n(^٤) أخرجه النحاس في ناسخه ص ٤٤٦ من طريق أسباط به.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٨ معلقا.","vol":"10","page":641},{"text":"وقال آخرون: بلْ ذلكَ أمْرُ من الله نبيَّه ﷺ بالعفوِ عن المشركين، وترْكِ الغِلظةِ عليهم قبل أن يُفرَضَ قتالهم عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3665>ذِكرُ من قال ذلك</span>\nحدثني يونس، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. قال: أمره فأعرضَ عنهم عشْرَ سنينَ بمكَّةَ، قال: ثم أمَره بالغِلْظَة عليهم وأن يَقْعُدَ لهمْ كُلَّ مَرصدٍ وأن يَحْصُرَهُم، ثم قال: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلوةَ﴾ [التوبة: ٥]. الآية كلها، وقرأَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣، التحريم: ٩]. قال: وأَمَر المؤمنين بالغِلظة عليهم، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مَّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]. بعد ما كانَ أمَرهُم بالعفو، وقرأ قولَ اللهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤]. ثم لم يقبلْ منهم بعد ذلك إلا الإسلام أو القتل، فنسَخَتْ هذه الآيةُ العفو (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى هذه الأقوال بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: خُذِ العفو من أخلاقِ الناس واتْركِ الغلظةَ عليهمْ. وقال: أُمِر بذلك نبيُّ الله ﷺ في المشركين.\nوإنما قلنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنّ الله جل ثناؤُه أَتْبَعَ ذلك تعليمَه نبيَّه ﷺ مُحاجَّتَه المشركين في الكلام، وذلك قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥]. وعقَّبه بقوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ [الأعراف: ٢٠٢ - ٢٠٣].\nفما بين ذلكَ بأن يكون من تأديبه نبيَّه ﷺ في عِشْرتِهم به أشبهُ وأوْلَى من الاعتراض\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٨، ١٦٣٩ من طريق أصبغ عن ابن زيد مختصرًا.","vol":"10","page":642},{"text":"بأمرِه بأخذ الصدقة من المسلمين.\nفإن قال قائلٌ: أَفَمنسوخٌ ذلكَ؟ قيلَ: لا دَلالة عندنا على أنه منسوخٌ، إذ كان جائزًا أن يكونَ - وإن كان الله أنزله على نبيه ﵊ في تعريفه عِشْرَةَ من لم يُؤْمَرُ بقتاله من المشركين - مرادًا (^١) به تأديب نبيِّ الله والمسلمين جميعًا في عِشرة الناسِ، وأمرُهم بأخْذِ عَفْوِ أخلاقِهم، فيكونَ - وإن كان من أجلهم نزَل - تعليمًا مِن الله خلْقَهُ صفةَ عِشْرة بعضهم بعضًا، لم يجب استعمالُ الغِلظةِ والشِّدة في بعضِهم، فإذا وجب استعمال ذلك فيهم، استعمل الواجبَ، فيكون قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أمرًا بأخذه ما لم يجبْ غيرُ العفو، فإذا وجب غيرُه، أخَذ الواجب وغير الواجب إذا أمكن ذلك، فلا (^٢) يُحكَمُ على الآية بأنها منسوخة لما قد بينا ذلك في نظائره في غير موضع من كُتبنا.\nوأما قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾. فإنّ أهل التأويل اختلفوا في تأويله.\nفقال بعضُهم بما حدثنِي الحسنُ بنُ الزِّبْرِقانِ النَّخَعِيُّ، قال: ثنى حسينٌ الجعفيُّ، عن سفيان بن عيينة، عن رجل قد سمّاه، قال: لما نزلت هذه الآيةُ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"يا جِبْرِيلُ ما هَذَا؟ \" قال: ما أدرِى حتى أسألَ العالِمَ، قال: ثم قال جبريلُ: يا محمد إنّ اللَّهَ يَأْمرُكَ أَنْ تَصِلَ من قطعك، وتُعطِىَ من حرمك، وتَعفُوَ عمّن ظلمك.\nحدثني يونس (^٣)، قال: أخبرنا سُفيانُ، عن أُميٍّ (^٤)، قال: \"لما أنزَل الله على نبيِّه\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"من أدائه\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أن\".\n(^٣) بعده في ف: \"قال: أخبرنا ابن وهب\".\n(^٤) في م: \"أبي\". وهو أمى الصيرفى. وينظر تهذيب الكمال ١١/ ١٧٧.","vol":"10","page":643},{"text":"ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. قال النبي ﷺ: \"ما هذا يا جِبْرِيلُ\"؟ قال: إن الله يأمرُك أن تعفو عمن ظلمك، وتُعطِيَ مَن حرمك، وتصلَ من قطَعك (^١).\nوقال آخرون بما حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن هشامِ بن عُروة، عن أبيه: ﴿وَأْمُرُ بِالْعُرْفِ﴾. يقول: بالمعروف (^٢).\nحدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾. قال: أمّا العرفُ: فالمعروف (^٣).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾: أي بالمعروف (^٤).\nقال أبو جعفر: والصوابُ من القول في ذلك أن يقالَ: إِنَّ الله أمر نبيَّه ﷺ أن يأمرَ الناس بالعُرْفِ، وهو المعروفُ في كلام العرب، مصدر في معنى المعروف، يقالُ: أوليتُه عُرفًا (^٥) وعارفًا وعارفةً. كلُّ ذلك بمعنى المعروف. فإذ كان معنى العُرفِ ذلكَ، فمن المعروفِ صلة رحم مَن قَطَع، وإعطاءُ مَن حرم، والعفو عمن ظلم، وكلُّ ما أمر الله به من الأعمال أو ندَب إليه، فهو من العُرْفِ، ولم يَخصُصِ اللَّهُ مِن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٨ عن يونس به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٤٦، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (٢٥) من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٨ من طريق سفيان عن أمى عن الشعبي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٣ إلى المصنف وابن أبي الدنيا وابن المنذر وأبى الشيخ عن الشعبي.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٤٥ عن معمر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٨ من طريق أسباط به.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٣٦.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"معروفا\".","vol":"10","page":644},{"text":"ذلك معنى دونَ معنًى؛ فالحقُّ فيه أن يُقالَ: قد أمر الله نبيه ﷺ أن يأمر عباده بالمعروف كله لا ببعض معانيه دونَ بعض.\nوأما قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهلِينَ﴾. فإنه أمر من الله تعالى نبيه ﷺ أن يُعرِضَ عمن جَهِل، وذلك وإن كان أمرًا مِن الله نبيَّه، فإنّه تأديبٌ منه عزّ ذكره لخلقه باحتمالِ من ظلمَهم أو اعتدى عليهم، لا بالإعراض عمن جَهل الواجب عليه من حق الله، ولا بالصفح عمن كفر بالله وجَهل وحدانيَّتِه وهو للمسلمين حَرْبٌ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3666>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهلِينَ﴾. قال: أخلاقٌ أمَر الله بها نبيه ﷺ ودلَّه عليها (^١).\n\n<span id=\"aya-1154\"></span><span data-type='title' id=toc-3667>القول في تأويل قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾.</span>\nيعني جل ثناؤُه بقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾: وإِمَّا يُغضبنَّك من الشيطانِ غَضَبْ يَصُدُّكَ عن الإعراض عن الجاهلين، ويحملك على مجازاتهم: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾. يقولُ: فاستجِرْ باللَّهِ من نَزْغِه. ﴿إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾، يقولُ: إِنَّ الله الذي تستعيذُ به من نَزْغِ الشيطان سميع لجهل الجاهل عليك، ولاستعاذتك به من نَزْغِه، ولغير ذلك من كلام خلقه، لا يخفى عليه منه شيءٌ، عليمٌ بما يُذْهِبُ عنكَ نَزْغَ الشَّيطانِ، وغير ذلك من أمورِ خلقه.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٣٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"10","page":645},{"text":"كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهلِينَ﴾. قال رسول الله ﷺ: \"فَكَيْفَ بالغَضَبِ يا رَبِّ\" قال: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (^١).\nحدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال (^٢): علِمَ اللَّهُ أَن هذا العدوَّ مَنيعٌ (^٣) ومَرِيدٌ (^٤). وأصلُ النَّزغِ: الفسادُ، يُقالُ (^٥): نزغ الشيطان بين القومِ، إذا أفسَد بينَهم، وحمَّل بعضهم على بعض، ويقال منه: نزَغَ يَنزَغُ، ونغَز ينغُرُ.\n\n<span id=\"aya-1155\"></span><span data-type='title' id=toc-3668>القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ (^٦) مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الله مِن خلقه، فخافوا عقابَه بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه؛ ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا﴾. يقولُ: إذا ألمَّ بهم طَيْفٌ من الشيطانِ من غضبٍ أو غيره، مما يصدُّ (^٧) عن واجب حقِّ الله عليهم (^٨)، تذكروا عقاب الله وثوابه، ووعده ووعيده، وأبصَرُوا الحقَّ فعمِلُوا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٤ إلى المصنف.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قد\".\n(^٣) في ف: \"متبع\"، وفى تفسير ابن أبي حاتم: \"مبتغى\"، وفى الدر المنثور: \"مبتغ\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٣٩ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٥) في ف، ت ١: \"فقال\"، وفى ت ٢: \"ويقال\". وفى م: \"يقول\".\n(^٦) في ص، ف: طيف\". وهي قراءة كما سيأتي.\n(^٧) في ص، ف: \"يصده\".\n(^٨) في ص، ت ٢، ف: \"عليه\".","vol":"10","page":646},{"text":"به، وانتهوْا إلى طاعة الله فيما فرَض عليهم، وتركوا فيه طاعة الشيطانِ.\nواختلفت القرأةُ في قراءةِ قوله: (طَيْفٌ)؛ فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والكوفة ﴿طَائِفٌ﴾ على مثالِ \"فاعلٍ\"، وقرأه بعض المكيِّين والبصريِّينَ والكوفيين (طَيْفٌ مِنَ الشَّيْطانِ) (^١).\nواختلف أهل العلم بكلام العرب في فرق ما بين الطائفِ والطَّيْف.\nفقال بعضُ البصريين: الطائف والطيف سواءٌ، وهو ما كان كالخيال (^٢) والشيءُ يُلِمُّ بكَ. قال: ويجوز أنْ يكونَ الطيفُ مخفَّفًا عن طيِّفٍ مثل مَيتٍ ومَيِّتٍ.\nوقال بعضُ الكوفيين: الطائفُ، ما طافَ بك من وَسْوسةِ الشيطانِ. وأمَّا الطيفُ: فإنما هو من اللمم (^٣) والمَسِّ.\nوقال آخرُ منهم: الطيفُ: اللَّممُ. والطائف: كلُّ شيءٍ طاف بالإنسان.\nوذُكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقولُ: الطيفُ: الوسْوسةُ.\nقال أبو جعفر: وأوْلَى القراءتين في ذلك عندِى بالصواب (^٤) قراءة من قرَأه (^٥): ﴿طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾؛ لأنّ أهلَ التأويل تأوّلوا ذلك بمعنى الغضب أو (^٦) الزَّلة تكون من المَطِيف به. وإذا كان ذلك معناه، كان معلومًا - إذ كان الطيفُ إنما هو مصدرٌ من قول القائل: طاف يَطِيفُ - أنّ ذلك خبرٌ من الله عما يمس الذين اتقوا من الشيطانِ، وإنّما يَمسُّهم ما طاف بهم من أسبابِه، وذلك كالغضبِ والوسوسةِ، وإنما\n_________\n(^١) أما قراءة ﴿طائف﴾ فهى قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة. وأما قراءة (طَيْفٌ) مثل ضيف فهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي. ينظر الكشف عن وجوه القراءات ١/ ٤٨٦، ٤٨٧، والتيسير ص ٩٤.\n(^٢) في ص، ف: \"كالجبال\".\n(^٣) اللمم: الجنون. اللسان (ل م م).\n(^٤) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٥) في م: \"قرأ\".\n(^٦) في م: \"و\".","vol":"10","page":647},{"text":"يطوفُ الشيطانُ بابن آدم ليستزلَّه عن طاعة ربِّه، أو ليوسوس له، والوسوسة والاستزلال هو الطائفُ من الشيطان، وأما الطيفُ فإنّما هو الخيالُ، وهو مصدرٌ مِن طافَ يَطيفُ، ويقولُ: لم أسمع في ذلك طافَ يَطيفُ، ويتأوّله بأنه بمعنى الميت وهو من الواو.\nوحكى البصريون وبعضُ الكوفيين سماعًا من العرب (^١): طاف يطيفُ، وطِفتُ أَطِيفُ، وأنشدوا في ذلك (^٢):\nأنّي أَلَمَّ بِكَ الخيَالُ يَطِيفُ … ومَطافُه لَكَ ذِكْرَةٌ وَشُعُوفُ (^٣)\nوأما أهل التأويل، فإنهم اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضهم: ذلك الطائفُ: هو الغضبُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3669>ذِكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كريبٍ وابن وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفر، عن سعيد: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ﴾. قال: الطيفُ: الغضبُ (^٤).\nحدثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهد في قوله: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾. قال: هو الغضب (^٥).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الله بن رجاءٍ، عن ابن جُريجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن\n_________\n(^١) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٢٣٧.\n(^٢) البيت لكعب بن زهير في ديوانه ص ١١٣.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، \"شقوف\"، وفى م: \"شغوف\". والمثبت من الديوان، والشَّعَف: إحراق الحب القلب مع لذة. اللسان (ش ع ف).\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٠ معلقا.\n(^٥) ينظر الأثر بعد التالى.","vol":"10","page":648},{"text":"كثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: الغضبُ (^١).\nحدثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مَّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا﴾. قال: هو الغضب (^٢).\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قولِ اللهِ: ﴿طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾. قال: الغضب.\nوقال آخرون: هو اللَّمة والزَّلةُ من الشيطانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3670>ذِكرُ من قال ذلك</span>\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا﴾: و(^٣) الطائف: اللَّمَّةُ من الشيطانِ ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (^٤).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾. يقولُ: نَزْغٌ من الشيطانِ، ﴿تَذَكَرُوا﴾ (^٥).\n_________\n(^١) ينظر الأثر التالى.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٤٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٥ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الغضب، وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٠ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه. وستأتى بقيته في ص ٦٥١، ٦٥٥.\n(^٥) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٤/ ٤٥٠.","vol":"10","page":649},{"text":"حدَّثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا﴾. يقولُ: إذا زَلُّوا تابُوا (^١).\nقال أبو جعفر: وهذان التأويلانِ متقاربا المعنَى؛ لأن الغضب من استزلالِ الشيطانِ، واللَّمَّةُ من الخطيئة أيضًا منه، وكلُّ (^٢) ذلك من طائف الشيطان. وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجه الخصوص معنًى منه دونَ معنى، بل الصواب أن يعُمَّ كما عمَّه جلّ ثناؤه، فيقالَ: إن الذين اتقوا إذا عرَض لهم عارضٌ من أسباب الشيطان - ما كان ذلك العارض - تذكروا أمرَ اللَّهِ، وانتهَوا إلى أمرِه.\nوأما قوله: ﴿فَإِذَا هُم مُبْصِرُونَ﴾. فإنه يعنى: فإذا هم مبصرون هدى الله وبيانه وطاعته فيه، فمنتهون (^٣) عما دعاهم إليه طائف الشيطان.\nكما حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَإِذَا هُم مُبْصِرُونَ﴾. يقول: إذا هم منتهون عن المعصيةِ، آخذون بأمرِ اللهِ، عاصونَ للشيطان (^٤).\n\n<span id=\"aya-1156\"></span><span data-type='title' id=toc-3671>القول في تأويل قوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وإخوان الشياطين تمدُّهم الشياطين في الغَيِّ، يعنى بقوله: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾: يزيدونَهم، ثم لا [يَنقُصون عما نقص] (^٥) عنه الذين اتقوا إذا مسَّهمْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤١ من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٥ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) في النسخ: \"كان\". والمثبت هو الصواب. وينظر تعليق الشيخ شاكر ١٣/ ٣٣٧.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"فمشهود\". وفى س: \"فينتهوا\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤١ بهذا الإسناد مثله.\n(^٥) في م: \"يقصرون عما قصر\". وينظر البحر المحيط ٤/ ٤٥١.","vol":"10","page":650},{"text":"طائفٌ من الشيطان.\nوإنما هذا خبرٌ من الله عن فريقَى الإيمان والكفرِ؛ بأن فريق الإيمان، وأهل تقوى الله إذا استزلَّهم الشيطان تذكَّروا عظمة الله وعقابه، فكفتهم رهبته عن معاصيه، وردَّتْهم إلى التوبة والإنابة إلى الله مما كان منهم من زلَّةٍ، وأن فريق الكافرين يَزيدُهم الشيطانُ غيًّا إلى غيِّهم إذا ركِبوا معصيةً من معاصي الله، ولا يحجزهم (^١) تقوَى اللَّهِ، ولا خوفُ المعادِ إليه عن التمادى فيها والزيادة منها، فهو أبَدًا في زيادة من ركوبِ الإثم، والشيطان يزيده أبدًا، لا يُقصرُ الإنسى عن [شيء من] (^٢) ركوبِ الفواحش، ولا الشيطان من مدِّهِ منه.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله (^٣): ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيَّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ قال: لا الإنسُ يُقصِرون عما يعملون من السيئاتِ، ولا الشياطينُ تُمسِكُ عنهم (^٤).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾. يقولُ: هم الجنُّ يُوحون إلى أوليائِهم من الإنسِ ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾. يقولُ: لا يسأمون (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يجحدهم\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٢ من طريق عبد الله بن صالح به، وهو جزء من الأثر المتقدم تخريجه في ص ٦٤٩.\n(^٥) في ت ١، س: \"يسمون\". وفى ت ٢ ف: \"يسمعون\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٢، ١٦٤٣ بهذا الإسناد مثله مفرقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٥ إلى أبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"10","page":651},{"text":"حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾: إخوانُ الشياطين من المشركينَ، يمدُّهم الشيطان في الغيِّ، ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال عبدُ الله بن كثيرٍ: وإخوانهم من الجنِّ، يمدّونَ إخوانهم من الإِنسِ، ﴿ثُمَّ لَا يُقصِرُونَ﴾. ويقولُ: ثم لا يُقصِرُ الإنسانُ. قال: والمدُّ الزيادةُ، يعنى: أهلَ الشركِ، يقولُ: لا يُقصرُ أهل الشركِ، كما يُقصِرُ الذين اتقَوا؛ لأنهم [لا يَرْعَرُون] (^٢)، لا يحجزهم الإيمان (^٣). قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾. من الشياطين ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾، اسْتِجْهالًا يمدوُّن أهل الشرك، قال ابن جريج: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. قال: فهؤلاءِ الإنسُ. يقولُ الله: ﴿وَإخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُم فِي الْغَيِّ﴾.\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنى محمد بن ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادة: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾. قال: إخوانُ الشياطين يمدُّهم الشيطانُ (^٤) في الغى ثم لا يُقْصِرون (^٥).\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤١ من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) سقط من: م. وفى ص، ت ١، ت ٢، س، ف، وتفسير بن أبي حاتم: \"يرعون\". والمثبت هو الصواب.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٢، ١٦٤٣ من طريق ابن جريج به مفرقا.\n(^٤) في ص، م: \"الشياطين\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٤٥ عن معمر به.","vol":"10","page":652},{"text":"نجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (^١): ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾. من الشياطين ﴿يَمُدُّونَهم في الْغَيِّ﴾ استجهالًا (^٢).\nوكان بعضُهم يتأوّلُ قولَه: ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾. بمعنى: ولا الشياطينُ يُقْصِرون في مدِّهم إخوانهم من الغيِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3672>ذِكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بن معاذ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ عنهم، ولا يرحمونهم (^٣).\nقال أبو جعفر: وقد بينا أولى التأويلين عندنا بالصواب، وإنما اخترنا ما اخترنا من القولِ في ذلك على ما بيَّناه؛ لأن الله وصَف في الآية قبلها أهلَ الإيمان به، وارتداعَهم عن معصيته وما يكرهُه إلى محبته عند تذكُّرِهم عظمته، ثم أتبع ذلك الخبرَ عن إخوان الشياطين، وركوبهم معاصيه، وكان الأولى وصفهم بتماديهم فيها؛ إذ كان عقيب الخبر عن تقصير المؤمنين عنها.\nوأمَّا قولُه: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾، فإن القرَأةَ اختلفت في قراءته؛ فقرأه بعضُ المدنيين (يُمدُّونَهُم) بضمِّ الياء من أَمْدَدْتُ، وقرأته عامة قرأة الكوفيين والبصريِّين ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ بفتح الياء من مدَدت (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"استحلالا\". والأثر في تفسير مجاهد ص ٣٤٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٢ بآخره فقط، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٥ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٥/ ٦٥ والقرطبي في تفسيره ٧/ ٣٥١.\n(^٤) قرأ (يُمِدونهم) بضم الياء وكسر الميم نافع، وقرأ ﴿يَمُدونهم﴾ بفتح الياء وضم الميم الباقون وهم؛ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة والكسائي. ينظر الكشف عن وجوه القراءات ١/ ٤٨٧، والتيسير ص ٩٤.","vol":"10","page":653},{"text":"قال أبو جعفر: والصوابُ من القراءة في ذلك عندنا ﴿يَمُدُّونَهم﴾ بفتحِ الياءِ؛ لأن الذي يمدّ الشياطين (^١) إخوانَهم من المشركين، إنما هو زيادةٌ من جنسِ الممدودِ، وإذا كان الذي مدَّ من جنس الممدود كان كلام العربِ مَدَدْتُ لا أمدَدْت.\nوأما قوله: ﴿يُقصِرُونَ﴾. فإن القرَأَةَ على لغة من قال: أَقَصْرتُ أُقْصِرُ. وللعربِ فيه لغتان: قصرتُ عن الشيء، وأقْصَرتُ عنه.\n\n<span id=\"aya-1157\"></span><span data-type='title' id=toc-3674>القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: وإذا لم تأتِ يا محمد هؤلاء المشركين بآية [من الله] (^٢)، ﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾. يقولُ: قالوا: هلا اخترتها واصطفيتها، من قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُسُلِهِ مَن يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. يعنى: يختارُ ويصطفى. وقد بيَّنا (^٣) ذلك في مواضعه (^٤) بشواهده (^٥).\nثم اختلف أهلُ التأويلِ في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: هلَّا افتعَلْتَها من قِبَلِ نفسك واختلَقْتَها؟ بمعنى: هلا اجتبيتها اختلاقًا؟ كما تقولُ العرب: لقد اختار فلان هذا الأمر وتخيَّره اختلاقًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-3673>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهم بآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾. أي: لولا أتيتنا بها من قبل نفسك. هذا قول كفار\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الشيطان\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) بعده في ف: \"معنى\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"موضعه\".\n(^٥) ينظر ما تقدم في ٩/ ٣٨٦.","vol":"10","page":654},{"text":"قريشٍ (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ الله بن كثيرٍ، عن مجاهد قوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْنَهَا﴾. قالوا: لولا اقتضَبْتَها (^٢). قالوا: تُخْرِجُها من نفسك (^٣).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾. قالوا: لولا تقوَّلتَها، جئت بها من عندِك (^٤).\nحدثني المثنى، قال: ثنى عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾. يقولُ: لولا تلقَيْتَها. وقال مرةً أخرى: لولا أحدثْتها فأنشأْتها (^٥).\nحدثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْنَهَا﴾. يقولون (^٦): لولا أحدثتها (^٧).\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاقِ، قال أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾. قال: لولا جئت بها من نفسك (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٤ من طريق يزيد به.\n(^٢) في ص، ف: \"اقتضيتها\"، واقتضَب الكلام: ارتجله من غير تهيئة أو إعداد. تاج العروس (ق ض ب).\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٤٩ بلفظ: \"لولا ابتدعتها من قبل نفسك\"، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٤٠ بلفظ المصنف.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٤٠.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بإنشائها\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٣ من طريق عبد الله بن صالح به، وهو جزء من الأثر المتقدم تخريجه في ص ٦٤٩.\n(^٦) في م: \"يقول\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٣ من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٨) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٤٧.","vol":"10","page":655},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك: هلّا أخذتَها من ربِّك، وتقبلتها منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3675>ذِكرُ من قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾، يقول: لولا تقبلتها من الله (^١).\nحدثنا محمد بن عبد الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن مَعمر، عن قتادةَ: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾. يقول: لولا تقبَّلْتَها (^٢) من ربِّك (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقول في قوله: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾. يقول: لولا أخذتها أنت، فجئت بها من السماء (^٤).\nقال أبو جعفر: وأوْلَى التأويلين بالصوابِ في ذلك، تأويلُ مَن قال: تأويلُه؛ هلَّا أحدثتها من نفسِك؛ لدلالة قولِ اللَّهِ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يُبيِّنُ ذلك أن الله إنما أمَر نبيه ﷺ بأن يجيبَهم بالخبرِ عن نفسِه أنه إنما يتبع ما يُنَزِّلُ عليه ربُّه ويوحيه إليه، لا أنه يُحدِثُ من قِبَل نفسِه قولًا ويُنشِئُه، فيدعو الناس إليه.\nوحكى عن الفراء أنه كان يقول (^٥): اجتبيتُ الكلام واختلفته وارتجلتُه: إذا افتعلته من قبل نفسك. حدثني بذلك الحارث، قال: ثنا القاسم عنه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٣ بهذا الإسناد مثله.\n(^٢) في ص، م: \"تلقيتها\".\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٥/ ٦٦.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٣ من طريق أبي معاذ به.\n(^٥) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٤٠٢.","vol":"10","page":656},{"text":"قال أبو عُبيدٍ، وكان أبو زيدٍ يقولُ: إنما تقولُ العرب ذلك للكلام يَبتَدِئُه (^١) الرجلُ لم يكن أعدَّه قبل ذلك في نفسه (^٢).\nقال أبو عبيد (^٣): واخترعته (^٤) مثل ذلك (٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3676>القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد للقائلين لك إذا لم تأتهم بآيةٍ: هلّا أحدثتها من قبل نفسك: إن ذلك ليس لِي، ولا يجوز لي فِعْلُه؛ لأن الله إنما أمرنى باتِّباع ما يُوحى إليَّ من عنده، فإنما أتبع ما يوحَى إليّ من ربِّي؛ لأنى عبده، وإلى أمرِه أَنتَهى، وإيَّاه أُطيعُ، ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: هذا القرآن والوحى الذي أتلوه عليكم - ﴿بَصَائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: حُججٌ عليكم، وبيان لكم من ربِّكم، واحدتها: بصيرةٌ، كما قال جل ثناؤه: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٢٠]. وإنما ذكر هذا ووحَّد في قولِه: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾. لما وصفتُ من أنه مراد به القرآن والوحىُ.\nوقوله: ﴿وَهُدًى﴾. يقولُ: وبيانٌ يهدى المؤمنين إلى الطريق المستقيم، ورحمةٌ رَحِمَ الله به عبادَه المؤمنين، فأنقذهم به من الضلالةِ والهَلَكَةِ، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: هو بصائرُ من الله وهدى ورحمةٌ لمن آمن، يقولُ: لمن صدَّقَ بالقرآن أنه تنزيل الله ووحيه، وعمل بما فيه دونَ مَن كذَّبَ به وجحدَه، وكفرَ به، بلْ هو على الذين لا يؤمنون به غمٌّ وخِزْىٌ.\n_________\n(^١) في ص، ف: \"البدية\"، وفى م: \"بيديه\". والمثبت من التبيان.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٥/ ٦٦.\n(^٣) في التبيان: \"أبو عبيدة\".\n(^٤) في م: \"اخترعه\".","vol":"10","page":657},{"text":"<span id=\"aya-1158\"></span><span data-type='title' id=toc-3678>القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره للمؤمنين به، المصدّقينَ بكتابه، الذين القرآن لهم هدى ورحمةٌ: ﴿إِذَا قُرِئَ﴾ عليكم أيها المؤمنون ﴿الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾. يقولُ: أَصغُوا له سمعَكم لتتفهَّموا آياتِه، وتعتبروا بمواعظِه، وأنصتوا إليه لتعقلُوه وتدبروه (^١)، ولا تلغوا فيه فلا تعقلوه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. يقولُ: ليرحمكُمْ ربُّكُم بالعاظِكم بمواعظه، واعتباركم بعبره، واستعمالكم ما بينه لكم ربكم من فرائضه في آيِه.\nثم اختلف أهل التأويل في الحالِ التي أمر الله بالاستماع لقارئ القرآن إذا قرَأ والإنصات له؛ فقال بعضهم: ذلك حال كون المصلِّي في الصلاة خلف إمام يأتمٌّ به، وهو يسمعُ قراءة الإمام، عليه أن يستمع (^٢) لقراءتِه، وقالوا: في ذلك نزلت (^٣) هذه الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-3677>ذِكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكر بن عياشٍ، عن عاصمٍ، عن المسيب بن رافعٍ، قال: كان عبد الله يقولُ: كنا يُسلِّمُ بعضنا على بعض في الصلاةِ؛ سلامٌ على فلانٍ، وسلامٌ على فلان، قال: فجاءَ القرآنُ: ﴿وَإِذَا قُرئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"تتدبروه\".\n(^٢) في م: \"يسمع\".\n(^٣) في م: \"أنزلت\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٤١ عن المصنف.","vol":"10","page":658},{"text":"قال: ثنا حفصُ بن غِياثٍ، عن إبراهيم الهجريِّ، عن أبي عياض، عن أبي هريرة، قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾. والآية الأخرى أُمروا بالإنصات (^١).\nحدثني أبو السائب، قال: ثنا حفصٌ، عن أشعثَ، عن الزهريِّ، قال: نزلت هذه الآية في فتًى من الأنصار كان رسول الله ﷺ كلما قرأ شيئًا قرَأَهُ، فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ (^٢).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا المحاربِيُّ، عن داود بن أبي هندٍ، عن يُسَيْرِ (^٣) بن جابرٍ، قال: صلَّى ابن مسعودٍ فسمع ناسًا يقرءُون مع الإمام، فلما انصرف، قال: أما آن لكم أن تفقهوا؟ أما آن لكم أن تعقِلوا: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾، كما أمركم الله (^٤).\nحدثنا حميد بن مَسعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا الجُريريُّ، عن طلحةَ بن عُبيدِ اللهِ بن كريزٍ، قال: رأيتُ عُبيد بن عُميرٍ وعطاء بن أبي رباحٍ يتحدثان، والقاصُّ يقصُّ، فقلتُ: ألا تستمعان (^٥) إلى الذكر وتستوجبان الموعود؟ قال: فنظرَا إليَّ ثم أقبلا على حديثهما. قال: فأعدتُ، فنظرا إليَّ، ثم أقبلا على\n_________\n(^١) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٣/ ١٠٥، والبيهقى ٢/ ١٥٥، وابن عبد البر في التمهيد ١١/ ٢٩ من طريق إبراهيم بن مسلم الهجرى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٦ إلى أبى الشيخ وابن مردويه. وينظر ما سيأتي.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٤١ عن المصنف، والواحدى في أسباب النزول ص ١٧٢.\n(^٣) في ص، ت ١، س، ف: \"سر\" غير منقوطة، وفى م: \"بشير\"، والمثبت من ت ١، ويقال: أسير، وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٣٠٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٦، وابن عبد البر في التمهيد ١١/ ٢٩ من طريق داود، عن أبي نضرة، عن أسير، عن جابر المحاربي، عن ابن مسعود. وأخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٢٥٨) من طريق داود عن أبي نضرة عن رجل عن ابن مسعود، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٦ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٥) في ت ١، س، ف: \"تسمعان\".","vol":"10","page":659},{"text":"حديثهما. قال: فأعدتُ الثالثةَ، قال: فنظرًا إليَّ، فقالا: إنما ذلك في الصلاةِ، ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ (^١).\nحدَّثني العباسُ بن الوليد، قال: أخبرني أبي، قال: سمعت الأوزاعيَّ، قال: ثنا عبد الله بن عامرٍ، قال: ثنى زيد بن أسلمَ، عن أبيه، عن أبي هريرة عن هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: نزلت في رفْعِ الأصوات، وهم خلف رسول الله ﷺ في الصلاة (^٢).\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير، عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: في الصَّلاةِ (^٣).\nحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهديٍّ، عن رجل، عن قتادة، عن سعيدِ بن المسيَّبِ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: في الصلاة (^٤).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا ليثٌ، عن مجاهد: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: في الصلاة (^٥).\nحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمعتُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٤٢، عن المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٥، والدارقطنى ١/ ٣٢٦ من طريق العباس بن الوليد به، وأخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ١٧١ من طريق عبد الله بن عامر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٥ إلى أبى الشيخ، وابن مردويه، وابن عساكر.\n(^٣) سيأتي تخريجه ص ٦٦٣.\n(^٤) أخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٢٦٩) من طريق ابن مهدى عن حماد بن سلمة عن قتادة به، وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١١/ ٣٠ من طريق حجاج عن حماد به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٩ عن ابن إدريس به.","vol":"10","page":660},{"text":"حميدًا الأعرجَ، قال: سمعتُ مجاهدًا يقولُ في هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: في الصلاةِ.\nقال: ثنى عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا حميد، عن مجاهدٍ بمثله.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ وابن إدريسَ، عن ليث، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: في الصلاة المكتوبة.\nقال: ثنا المحاربيُّ، عن ليثٍ، عن مجاهد، وعن حجاج، عن القاسم بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهد، وعن ابن أبي ليلى، عن الحكمِ، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: في الصلاة المكتوبة (^١).\nقال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي هاشم، عن مجاهد: في الصلاة المكتوبة (^٢).\nقال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ليث، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال: ثنا المحاربيُّ وأبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك قال: في الصلاة المكتوبة (^٣).\nقال: ثنا جرير وابن فُضيلٍ، عن مغيرةَ، عن إبراهيم، قال: في الصلاة المكتوبة (^٤).\nحدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: كانوا يتكلمون في صلاتهم\n_________\n(^١) أثر سعيد بن جبير ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٤٣.\n(^٢) سيأتي تخريجه ص ٦٦٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٨، وزاد: \"وعند الذكر\"، وابن عبد البر في التمهيد ١١/ ٣٠ من طريق جويبر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٨ من طريق مغيرة به، وذكره ابن عبد البر في التمهيد ١١/ ٣٠.","vol":"10","page":661},{"text":"بحوائِجِهم أوّلَ ما فُرضت عليهم، فأنزل الله ما تسمعون: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ (^١).\nحدثنا محمد بن عبد الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: كان الرجل يأتى وهم في الصلاة فيسألُهم: كم صليتم؟ كم بقى؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ (^٢). وقال غيره: كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنارِ، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرَآنُ﴾ (^٣).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ والمحاربيُّ، عن أشعثَ، عن الزهريِّ، قال: كان النبي ﷺ يقرأُ ورجلٌ يقرأُ، فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ (^٤).\nقال: ثنا أبو خالد الأحمرُ، عن الهَجَريِّ، عن أبي عياض، عن أبي هريرةَ، قال: كانوا يتكلمون في الصلاةِ، فلما نزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: هذا في الصلاة (^٥).\nقال: ثنا أبى، عن حُريثٍ (^٦)، عن عامرٍ، قال: في الصلاة المكتوبةِ (^٧).\n_________\n(^١) ذكره الواحدى في أسباب النزول ص ١٧٢ بنحوه، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٦ مقرونا بالأثر الآتي مع زيادة أخرى، وعزاه إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٤٧ عن معمر به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٤٧ عن معمر، عن الكلبي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥٧ إلى ابن المنذر.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٦٥٩.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٨، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٥ من طريق أبي خالد الأحمر به، وتقدم تخريجه في ص ٦٥٩.\n(^٦) في مصدر التخريج: \"جرير\". وينظر تهذيب الكمال ٥/ ٥٦٢.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٨ عن وكيع به.","vol":"10","page":662},{"text":"حدَّثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: إذا قُرئَ في الصلاة (^١).\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾. يعني: في الصلاة المفروضة (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا الثوري، عن أبى هاشمٍ، عن مجاهد، قال: هذا في الصلاة في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ (^٣).\nقال (^٤): أخبرنا الثوري، عن ليث، عن مجاهدٍ، أنه كره إذا مرَّ الإمام بآية خوفٍ أو بآية رحمةٍ أن يقول أحدٌ مِمن (^٥) خلفه شيئًا، قال: السكوت (^٦).\nقال: أخبرنا الثورى، عن ليث، عن مجاهد، قال: لا بأسَ إذا قرأ الرجلُ في غير الصلاة أن يتكلم (^٧).\nحدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. قال: هذا إذا قام الإمامُ للصلاة فاستمعوا له وأنصتوا (^٨).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٤٣ عن السدي.\n(^٢) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٣/ ١٠٥ من طريق أبي صالح به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٤٧، وهو في مصنفه (٤٠٥٦).\n(^٤) القائل هو عبد الرزاق.\n(^٥) في ف، والمصنف، والدر: \"من\".\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٤٨، وهو في مصنفه (٤٠٥٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٤٧.\n(^٨) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٤٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٦ عن يونس، عن ابن =","vol":"10","page":663},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن يونسَ، عن الزهريِّ، قال: لا يُقرأ من وَراءِ الإمامِ فيما يجهر به من (^١) القراءةِ، تكفيهم قراءة الإمام وإن لم يُسْمِعْهُم (^٢) صوته، ولكنهم يقرءون فيما لا (^٣) يجهر به سرًّا في أنفسِهم، ولا يصلح لأحدٍ خلفه أن يقرأ معه فيما يجهرُ به سرًّا ولا علانيةً، قال الله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَم وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (^٤).\nحدثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن ابن هُبيرَة، عن ابن عباسٍ، أنه كان يقولُ في هذه: ﴿وَاذْكُر ربَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾. هذا في المكتوبةِ. وأما ما كان من قَصَص أو قراءة بعد ذلك، فإنما هي نافلةٌ، إن نبي الله ﷺ قرأ في صلاة مكتوبةٍ، وقرأ أصحابه وراءه فخلطوا عليه، قال: فنزل القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾. فهذا في المكتوبة.\nوقال آخرون: بل عُنى بهذه الآية الأمرُ بالإنصات للإمام في الخطبة إذا قُرئَ القرآن في خطبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-3679>ذكر من قال ذلك</span>\nحدثنا تميمُ بن المنتصرِ، قال: ثنا إسحاقُ الأزرقُ، عن شريك، عن سعيدِ بن مسروقٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. قال: الإنصاتُ للإمام يومَ الجمعةِ.\n_________\n= وهب، عن ابن زيد، عن أبيه، نحوه.\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في ت ١، س، ف: \"يسمع\".\n(^٣) في م، ف: \"لم\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٤٢ عن ابن المبارك به، وينظر الأوسط لابن المنذر ٣/ ١٠٦.","vol":"10","page":664},{"text":"حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالد وابن أبي غَنِيَّةَ (^١)، عن العوامِ، عن مجاهد، قال: في خطبة يوم الجمعة (^٢).\nوقال آخرون: عُنى بذلك الإنصاتُ في الصلاة وفي الخطبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-3680>ذِكرُ من قال ذلك</span>\nحدثني ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن منصور، قال: سمعتُ إبراهيم بن أبي حرَّةَ (^٣)، يُحدَّثُ أنه سمع مجاهدا يقولُ في هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: في الصلاة والخطبة يوم الجمعة (^٤).\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارون، عن عَنْبَسةَ، عن جابر، عن عطاء، قال: وجَب الصُّموتُ في اثنتين: عندَ الرجل يقرأُ القرآن وهو يصلى، وعند الإمام وهو يَخطُبُ.\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابر، عن مجاهد: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾. قال: وجَب الإنصات (^٥) في اثنتين: في الصلاةِ والإمامُ يَقرأُ، والجمعة والإمامُ يَخطب (^٦).\n_________\n(^١) في م، ف: \"عتبة\"، وغير منقوطة في (ص). ينظر تهذيب الكمال ٣٤/ ٤٦٧.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٧٦ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٨ من طريق العوام بن حوشب به.\n(^٣) في ص، م: \"حمزة\". وينظر التاريخ الكبير ١/ ٢٨١.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٨ عن محمد بن جعفر به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٧٧ - تفسير) من طريق شعبة به.\n(^٥) بعده في: \"قال وجب\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٨ عن وكيع به.","vol":"10","page":665},{"text":"حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين: قال هشيم: أخبرنا من سمع الحسن يقولُ: في الصلاة المكتوبة، وعند الذكر (^١).\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرَنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا الثورى، عن جابر، عن مجاهد، قال: وجَب الإنصاتُ في اثنتين: في الصلاة ويوم الجمعة (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن بقيةَ بن الوليدِ، قال: سمعتُ ثابت بن عجلان يقولُ: سمعتُ سعيد بن جبير يقولُ في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: الإنصاتُ يومَ الأضحَى، ويوم الفطر، ويومَ الجمعةِ، وفيما يجهر به الإمامُ من (^٣) الصلاة (^٤).\nحدثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ (^٥)، قال: أخبرنا هشيم، عن الربيع بن صُبيح عن الحسن، قال: في الصلاة، وعند الذكر (^٦).\nحدثنا ابن البرقيِّ، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا يحيى بن أيوب، قال: ثنى ابن جريجٍ، عن عطاء بن أبي رباحٍ، قال: أوْجَبَ الإنصات يومَ الجمعةِ قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُمْ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. وفى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٨ عن هشيم به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٦ عن الحسن بن يحيى به، وهو في تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٤٧، وفيه: عن الثورى عن جابر بن عبد الله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في ت ١، س، ف: \"في\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٤٣، عن ابن المبارك به. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٦، والبيهقى ٢/ ١٥٥ من طريق ثابت عجلان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وذكره بن السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٦ عن ابن عباس، وعزاه إلى أبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٥) في ص، ف: \"عمرو بن\"، وفى م: \"عمرو بن حماد\"، وهو خطأ، ينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ١٧٧.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٤٣ عن هشيم به.","vol":"10","page":666},{"text":"الصلاة مثل ذلك (^١).\nقال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: أُمروا باستماع القرآن في الصلاةِ إذا قرأ الإمامُ، وكان من خلفه ممن يأتم به يَسْمَعُه، وفي الخطبة.\nوإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب؛ لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إِذَا قرأ الإمامُ فأنْصِتوا\" (^٢). وإجماع الجميع على أن مَن سَمِع خطبة الإمامِ ممن عليه الجمعة، الاستماع والإنصاتُ لها، مع تتابع الأخبار بالأمر بذلك عن رسول الله ﷺ، وأنَّه لا وقتَ يجبُ على أحدٍ استماعُ القرآنِ والإنصات لسامعه من قارئه إلا في هاتين الحالتين، على اختلاف في إحداهما، وهي حالة أن يكون خلف إمام مؤتم به. وقد صح الخبر عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا من قوله: \"إذا قرأ الإمام فأَنْصِتُوا\". فالإنصاتُ خلفه لقراءته واجبٌ على مَن كان به مؤتمًا سامعا قراءته بعموم ظاهر القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ.\n\n<span id=\"aya-1159\"></span><span data-type='title' id=toc-3681>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: واذكر أيها المستمِع المنصتُ للقرآن، إذا قُرى في صلاةٍ أو خطبة - ﴿رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾. يقولُ: اتعِظْ بما في آي القرآنِ، واعتبر به،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٣٦٩) عن ابن جريج به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٧ إلى أبى الشيخ بنحو لفظ عبد الرزاق.\n(^٢) جزء من حديث أخرجه أحمد ٤/ ٤١٥ (الميمنية)، ومسلم (٤٠٤/ ٦٣)، وأبو داود (٩٧٣)، وابن ماجه (٨٤٧) من حديث أبي موسى. وأخرجه أحمد ١٤/ ٤٦٩ (٨٨٨٩)، وأبو داود (٦٠٤)، وابن ماجه (٨٤٦)، والنسائي (٩٢٠، ٩٢١)، من حديث أبي هريرة.\nوقد اختلف فيه، فصححه مسلم، والمصنف كما سيأتي، والحافظ في الفتح ٢/ ٢٤٢، وغيرهم، وردّه ابن معين وأبو داود وأبو حاتم وغيرهم. ينظر سنن البيهقي ٢/ ١٥٦، ١٥٧، وينظر نصب الراية ٢/ ١٤ - ١٧.","vol":"10","page":667},{"text":"وتذكَّرْ معادَك إليه عند سماعكه. ﴿تَضَرُّعًا﴾، يقول: افعل ذلك تخشُّعًا لله، وتواضعًا له. ﴿وَخِيفَةً﴾، يقول: وخوفًا [من الله] (^١) أن يعاقبَك على تقصير يكونُ منك في الاتعاظ به والاعتبارِ، وغفلةٍ عما بَيَّنَ اللَّهُ فيه من حدودِه، ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾، يقولُ: ودعاءٌ باللسانِ للهِ في خفاءٍ لا جهارٍ. يقولُ: ليكن ذكرُ اللَّهِ عند استماعك القرآنَ في دعاء إن دعوت غير جهارٍ، ولكن في خفاء من القول.\nكما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾. لا يجهرُ بذلك (^٢).\nحدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: سمعتُ مجاهدا يقول في قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ الآية، قال: أُمِرُوا أن يذكروه في الصدور تضرعا وخيفةً (^٣).\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا ابن التّيمى، عن أبيه، عن حيانَ بن عُميرٍ، عن عُبيدِ بن عُمير في قوله: ﴿وَاذكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾. قال: يقول الله: إذا ذكرني عبدى في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني عبدى وحده ذكرتُه وحدى، وإذا ذكرني في ملأ ذكرتُه في أحسن منهم وأكرم\" (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س، ف: \"لله من\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٧ من طريق أصبغ، عن ابن زيد به. وأخرجه أيضًا عن يونس عن ابن وهب عن زيد عن أبيه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٧ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ٣٢١.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٧ عن الحسن بن يحيى به، وهو في تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٤٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٧ إلى أبي الشيخ.","vol":"10","page":668},{"text":"حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾. قال: يُؤمر بالتضرُّع في الدعاء والاستكانة، ويُكرَهُ رفعُ الصوت والنداء والصياحِ بالدعاء (^١).\nوأما قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالأصَالِ﴾. فإنه يعنى: بالبُكْرِ والعَشِيَّاتِ. وأما الأصال فجمعٌ.\nواختلف أهل العربية فيها؛ فقال بعضُهم: هي جمع أصيلٍ، كما الأيمانُ جمعُ يمين، والأسرارُ جمعُ سَريرٍ.\nوقال آخرون منهم: هي جمع أُصُلٍ، والأصل جمع أصيلٍ (^٢).\nوقال آخرون منهم: هي جمعُ أُصل وأصيل (^٣). قال: وإن شئت جعلت الأصل جمعًا للأصيل، وإن شئت جعلته واحدا. قال: والعرب تقول: قد دَنا الأصل. فيجعلونه واحدًا.\nوهذا القولُ أولى بالصواب في ذلك، وهو أنه جائز أن يكون جمع أصيلٍ وأُصل؛ لأنهما قد يُجمعان على أفعال.\nوأما الآصالُ فهى فيما يقالُ في كلام العرب ما بين العصر إلى المغرب.\nوأما قوله: ﴿وَلَا تَكُن مِنَ الْغَافِلِينَ﴾. فإنه يقولُ: ولا تكن من اللاهين إذا قرئ القرآنُ عن عظاتِه وعِبَره، وما فيه من عجائبه، ولكن تدبَّر ذلك وتفهَّمه، وأشعره قلبك [بذكرِ اللهِ] (^٤) وخُضوع له، وخوف من قدرة الله\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ٣٢١ عن ابن جريج.\n(^٢) ينظر مجاز القرآن ١/ ٢٣٩.\n(^٣) بعده في ف: \"والأصل جمع أصيل\".\n(^٤) كذا بالنسخ، ولعل الصواب: \"بذكر الله\".","vol":"10","page":669},{"text":"عليك إن أنت غَفَلتَ عن ذلك.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالأصَالِ﴾. قال: بالبُكْرِ والعَشِيِّ، ﴿وَلَا تَكُن مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (^١).\nحدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا مُعَرِّفُ بنُ واصلِ السَّعدى، قال: سمعت أبا وائل يقولُ لغلامه [عند مغيب الشمس] (^٢): آصَلْنا بعدُ (^٣)؟.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهدٌ، قوله: ﴿وَلَا تَكُن مِنَ الْغَافِلِينَ﴾. قال: الغدوُّ: آخرُ (^٤) الفجرِ صلاة الصبح، والآصال: آخرُ العَشِيِّ صلاة العصر، قال: وكلُّ ذلك لها وقتٌ، أوّلُ الفجر وآخره، وذلك مثل قوله في سورة آل عمران: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ آل عمران: ٤١]. وقيل: العشِيُّ: ميل الشمس إلى أن تغيبَ، والإبكارُ: أولُ الفجر (^٥).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن محمد بن شريكٍ، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، سُئل عن صلاة الفجرِ، فقال: إنها لفى كتاب الله، ولا يقوم عليها، ثم قرأ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ الآية [النور: ٣٦].\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد (^٦)، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ إلى قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. أمر الله بذكره،\n_________\n(^١) تقدم طرفه في ص ٦٦٨.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في ص، ت ١، س، ف: \"وآخر\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٧ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٦) بعده في ص، م، ت ١ س: \"قال: ثنا سويد\". وهو إسناد دائر.","vol":"10","page":670},{"text":"ونهَى عن الغفلةِ. أما ﴿بِالْغُدُوِّ﴾: فصلاة الصبح، ﴿وَالْأَصَالِ﴾: بالعَشِيِّ (^١).\n\n<span id=\"aya-1160\"></span><span data-type='title' id=toc-3682>القولُ في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: لا تَستَكبر أيها المستَمِعُ المنصتُ للقرآن عن (^٢) عبادة ربك، واذكره إذا قُرئَ القرآنُ تَضَرُّعًا وخيفةً، ودون الجهر من القول، فإن الذين عند ربِّك من ملائكته لا يستكبرون عن التواضع له والتَّخَشُّع، وذلك هو العبادةُ.\n﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾. يقولُ: ويعظمون ربَّهم بتواضعهم له وعبادتهم، ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾. يقولُ: واللَّهِ يُصلُّون، وهو سجودهم، فصلوا أنتم أيضًا له، وعظِّموه بالعبادة كما يفعله من عندَه مِن ملائكته.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٧، ١٦٤٨ من طريق يزيد به مفرقًا، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٤٦ عن معمر، عن قتادة بآخره، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٧ إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"من\".","vol":"10","page":671},{"text":"﷽\nرب يسر\n\n<span data-type='title' id=toc-3683>القول في تفسير السورة التي يُذكر فيها الأنفال</span>\n\n<span id=\"aya-1161\"></span><span data-type='title' id=toc-3685>القول في تأويل قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.</span>\nاختلف أهل التأويل في معنى الأنفال التي ذكرها الله في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هي الغنائم. وقالوا: معنى الكلام: يسألك أصحابك يا محمد عن الغنائم التي غَنِمتَها أنت وأصحابك يوم بدر لمن هي؟ فقلْ: هي لله ولرسوله.\n\n<span data-type='title' id=toc-3684>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيع (^١)، قال: ثنا سويد بن عمرو، عن حماد بن زيد، عن عكرمةَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: الأنفالُ الغنائم (^٢).\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى،، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: الأنفالُ الغنائم (^٣).\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، قال: الأنفالُ المغنم.\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمرُ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ:\n_________\n(^١) بعده في م: \"قال ثنا وكيع\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٤٥.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٥١.","vol":"11","page":5},{"text":"﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: الغنائم (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿الْأَنْفَالِ﴾. قال: يعني الغنائم.\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباس قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: الأنفالُ الغنائم (^٢).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. [والأنفال] (^٣) الغنائم.\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: الأنفالُ الغنائم (^٤).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الأنفال الغنائم (^٥).\nحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن جُريجٍ، عن عطاء: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: الغنائمُ (^٦).\nوقال آخرون: هي أنفالُ السَّرايا.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٩ معلقا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٩ من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) في م: \"الأنفال\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٥١ عن معمر عن قتادة.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٤٥.\n(^٦) أخرجه أبو عبيد في الأموال (٧٥٧) - وعنه ابن زنجويه في الأموال (١١٢٧) - عن حجاج عن ابن جريج به، وزاد أبو عبيد ذكر ابن عباس.","vol":"11","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3686>ذِكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا عليُّ بن صالح بن حيٍّ، قال: بلغنى في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: السَّرايا (^١).\nوقال آخرون: الأنفال ما شذَّ من المشركين إلى المسلمين من عبد أو دابَّة أو (^٢) ما أشبه ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-3687>ذكر من قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، عن عبد الملكِ، عن عطاء في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال: هو ما شذَّ من المشركين إلى المسلمين بغير قتالٍ؛ دابَّةٌ أو عبد أو متاعٌ، ذلك للنبي ﷺ يصنع فيه ما شاء (^٣).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نميرٍ، عن عبد الملك، عن عطاء: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾.\nقال: هي ما شذَّ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال من عبد أو أمة أو متاعٍ أو نَفَل (^٤)، فهو للنبي ﷺ يصنع فيه ما شاء (^٥).\nقال: ثنا عبد الأعلى، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، أن ابن عباس سُئل عن الأنفال،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٤٦ عن المصنف.\n(^٢) في م، ت ٢: \"و\".\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في الأموال (٧٦٢)، وابن زنجويه في الأموال (١١٣٢) من طريق عبد الملك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) كذا في النسخ، ولعل صوابها: \"ثَقَل\"، والثَّقَل: متاع المسافر وحشمه، وكل شيء خطير نفيس مصون له قدر ووزن ثقل عند العرب. التاج (ث ق ل).\n(^٥) أخرجه النحاس في ناسخه ص ٤٥٧، ٤٥٨ من طريق ابن نمير وأسباط عن عبد الملك به.","vol":"11","page":7},{"text":"فقال: السلب والفرسُ.\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ويقال: الأنفالُ ما أُخِذ مما سقط من المتاعِ بعدما تُقسم الغنائم، فهي نَفَلٌ لله ولرسوله.\nحدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريج: أخبرني عثمان بن أبي سليمانَ، عن محمد بن شهاب، أن رجلا قال لابن عباس: ما الأنفالُ؟ قال: الفرسُ، [الدِّرع، الرمح] (^١).\nحدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: قال ابن جُريجٍ: قال عطاءٌ: الأنفال: الفرسُ الشاذُّ، والدِّرعُ، والثوبُ.\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمر، عن الزهريِّ، عن ابن عباس، قال: كان يُنفَّلُ الرجلُ [سلَبَ الرجل وفرَسَه] (^٢).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس، عن ابن شهابٍ، عن القاسم بن محمدٍ، قال: سمعت رجلا سأل ابن عباس عن الأنفالِ، فقال ابن عباس: الفرسُ من النَّفَل، والسَّلَبُ من النفَلِ. ثم عاد لمسألته، فقال ابن عباس ذلك أيضًا، ثم قال الرجلُ: الأنفالُ التي قال الله في كتابه ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد يُخْرِجُه (^٣)، فقال ابن عباس: أتدرون ما مَثَلُ هذا؟\n_________\n(^١) في م: \"والدرع والرمح\".\nوالأثر أخرجه أبو عبيد في الأموال (٧٥٨) - وعنه ابن زنجويه في الأموال (١١٢٨) - عن حجاج به.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فرس الرجل وسلبه\".\nوالأثر ذكره ابن عبد البر في الاستذكار ١٤/ ١٥٥ عن معمر به.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، س، ف، وبعض مصادر التخريج: \"يخرجه\".","vol":"11","page":8},{"text":"مَثَلُ صَبِيغٍ الذي ضرَبه عمر بن الخطاب ﵁ (^١).\nحدثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن الزهرى، عن القاسم بن محمد، قال: قال ابن عباس: كان عمر ﵁ إذا سُئل عن شيءٍ قال: لا آمرُك ولا أنهاكَ. ثم قال ابن عباس: واللَّهِ ما بَعَثَ اللَّهُ نبيَّه ﵇ إلا زاجرًا أمرًا مُحِلًّا (^٢) محرِّمًا. قال القاسم: فسُلِّط على ابن عباس رجلٌ يسأله عن الأنفال، فقال ابن عباسٍ: كان الرجلُ يُنَفَّلُ فرسَ الرجل وسلاحَه، فأعادَ عليه الرجلُ، فقال له مثل ذلك، ثم أعادَ عليه حتى أغْضَبه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مَثَلُ هذا؟ مَثَلُ صَبِيغٍ الذي ضرَبه عمر حتى سالت الدماء على عِقبيْه، أو على رجليه. فقال الرجلُ: أمّا أنت فقد انتقم اللَّهُ لعمر منك (^٣).\nحدثنا أحمد بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا ابن المباركِ، عن عبد الملك، عن عطاء: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: يسألونك فيما شذَّ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال، من دابَّةٍ أو عبدٍ (^٤)، فهو نفَلٌ للنبي ﷺ (^٥).\nوقال آخرون: النفَلُ: الخُمُسُ الذي جعله الله لأهلِ الخُمُسِ.\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوى في شرح معاني الآثار ٣/ ٢٣٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٦١ عن يونس به، وأخرجه مالك ٤٥٥٢، ومن طريقه أبو عبيد في الأموال (٧٦٠، ٧٦١)، ومسدد في مسنده - كما في المطالب العالية (٣٩٨٩) - وابن زنجويه في الأموال (١١٣٠)، والطحاوى ٣/ ٢٣٠، والنحاس في ناسخه ص ٤٥٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) في م: \"محللا\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٤٩، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٤٢٧ من طريق معمر به مختصرا.\n(^٤) بياض في: ص، ت ١، ت ٢، س، وفى ف: \"أمة\".\n(^٥) أخرجه الطحاوى في شرح معاني الآثار ٣/ ٢٧٨ من طريق ابن المبارك به.","vol":"11","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3688>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيدٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: هو الخُمُسُ، قال المهاجرون: لِمَ يُرفَعُ عنا (^١) هذا الخُمُسُ؟ لم يُخرج منا؟ فقال الله: هو لله والرسول (^٢).\nحدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبادُ بنُ العوَّامِ، عن الحجاجِ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، أنهم سألوا النبيَّ ﷺ عن الخمس بعد الأربعة الأخماسِ، فنزلتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾ (^٣).\nقال أبو جعفر: وأوْلى هذه الأقوال بالصواب في معنى الأنفال قولُ مَن قال: هي زياداتٌ يزيدُها الإمامُ بعض الجيش أو جميعهم، إمّا مِن سَلَبِه (^٤) على حقوقهم من القسمةِ، وإمَّا مما وصَل إليه بالنفَلِ أو ببعض أسبابه؛ ترغيبا له، وتحريضا لمن معه من جيْشِه على ما فيه صلاحهم وصلاح المسلمين، أو صلاح أحد الفريقين. وقد يدخُلُ في ذلك ما قال ابن عباسٍ من أنه الفرسُ والدرع ونحو ذلك، ويدخُلُ فيه ما قاله عطاء من أن ذلك ما عاد من المشركين إلى المسلمين من عبد أو فرسٍ؛ لأن ذلك أمره إلى الإمام، إذا لم يكن ما وصَلوا إليه لغلبةٍ وقهرٍ، يفعَل ما فيه صلاح أهل الإسلام، وقد يدخُلُ فيه ما غلب عليه الجيش بقهرٍ.\nوإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال بالصوابِ؛ لأن النَّفَل في كلام العرَبِ، إنما هو الزيادة على الشيء، يقال منه: نفَّلتُك كذا وأَنْفَلْتُك: إِذا زِدْتُك.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س، ف: \"هنا\"، وفي ت ٢: \"منا\".\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ٥/ ٧٢.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٤٦ عن ابن أبي نجيح به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"سلمه\".","vol":"11","page":10},{"text":"والأنفالُ: جمعُ نَفَلٍ، ومنه قولُ لبيد بن ربيعةَ (^١):\nإِنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلْ … وبإِذْنِ اللَّهِ رَيْثِي وَعَجَلْ\nفإذ كان معناه ما ذكَرْنا، فكلُّ مَن زِيدَ مِن مُقَاتِلَةِ الجيش على سهمه من الغنيمة، إن كان ذلك لبلاءٍ أبلَاه أو لغَناءٍ كان منه عن المسلمين، بتنفيل الوالي ذلك إيَّاه، [أو بتصيير] (^٢) حكم ذلك له، كالسَّلَبِ الذي يَسْلُبُه القاتِلُ - فهو مُنَفَّلٌ ما زيد مِنْ ذلك؛ لأنَّ الزيادةَ الفَضْلُ (^٣)، وإن كان (^٤) مُسْتَوجِبَه (^٥) في بعض الأحوال لحقٍّ (^٦)، [ليس هو] (^٧) من الغنيمة التي تقعُ فيها القسمة. وكذلك كلُّ ما رُضِخَ (^٨) لمن لا سهمَ له في الغنيمة فهو نَفَلٌ؛ لأنَّه وإن كان مغلوبًا عليه، فليس مما وقعت عليه القسمةُ.\nفالفصلُ - إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا - بين الغنيمة (^٩) والنفَلِ، أن (^١٠) الغنيمة هي ما أفاء الله على المسلمين من أموال المشركين بغلبةٍ وقهرٍ، نُفِّل منه مُنَفَّلٌ أو لم يُنفَّلْ، والنَّفَلُ: هو ما أعطِيَه المرءُ (^١١) على البلاء والغَنَاءِ عن الجيش على غيرِ قسمةٍ.\n_________\n(^١) شرح ديوان لبيد ص ١٧٤.\n(^٢) في م: \"فيصير\".\n(^٣) سقط من: م، وفى ت ١: \"اتصل\"، والتاء غير منقوطة في: ص، ف، وفى ت ٢، س: \"أفضل\"، والمثبت أقرب إلى الصواب ويؤيده السياق بعده.\n(^٤) في م، ت ٢: \"كانت\".\n(^٥) في م: مستوجبة\".\n(^٦) في م، ت ١، ف: \"بحق\".\n(^٧) في م: \"فليست\".\n(^٨) الرَّضْخ: العطية القليلة. النهاية ٢/ ٢٢٨.\n(^٩) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"القسمة\".\n(^١٠) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^١١) في م: \"الرجل\".","vol":"11","page":11},{"text":"وإذْ كان ذلك معنى النَّفَلِ، فتأويل الكلام: يسألُكَ أصحابك يا محمد عن الفضلِ من المال الذي تقعُ فيه القِسْمة من غنيمة كفار قريش الذين قتلوا ببدرٍ لمنْ هوَ؟ قل لهم يا محمد: هو لله ولرسوله دونَكم، يجعله (^١) حيث شاءَ.\nواختُلِف في السببِ الذي من أجله نزلت هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزلت في غنائم بدرٍ؛ لأنَّ النبي ﷺ كان نفَّل أقوامًا على بلاءٍ، فأبلى أقوام وتخلَّف آخرُون مع رسول الله ﷺ، فاختلفوا فيها بعد انقضاء (^٢) الحربِ، فأنزل الله هذه الآيةَ على رسولِه، يُعْلِمُهم أن ما فعل فيها رسول الله ﷺ فماضٍ جائزٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3689>ذِكرُ من قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمرُ بن سليمان، قال: سمعتُ داود بن أبي هند يحدِّثُ عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: \"مَنْ أَتَى مَكانَ كَذَا وَكَذَا (^٣)، أَوْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا\". فتسارع إليه الشبَّانُ، وبقى الشيوخ عند الرايات، فلمَّا فتَح الله عليهم، جاءوا يطلبون ما جعل لهم النبي ﷺ فقال لهم الأشياخ: لا تذهَبوا به دونَنا. فأنزل الله تعالى هذه الآيةَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"فجعله\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"تقض\" غير منقوطة، وفى س: \"بعض\"، وفى ف: \"تفض\". وتَقَضَّى الشيء: فنى وانقطع. الوسيط (ق ض ى).\n(^٣) بعده في م: \"فله كذا وكذا\".\n(^٤) أخرجه ابن حبان (٥٠٩٣) من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه النَّسَائِي في الكبرى (١١١٩٧)، والحاكم ٢/ ٣٢٦، والبيهقى ٦/ ٣١٥ من طريق معتمر به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٥٦، وأبو داود (٢٧٣٨، ٢٧٣٩)، وابن المنذر في الأوسط ١١/ ١٤٦، والطحاوى في شرح معاني الآثار ٣/ ٢٣٢، ٢٧٩، والحاكم ٢/ ٢٢١، والبيهقي في سننه ٦/ ٢٩٢، ٣١٥، وفى الدلائل ٣/ ١٣٦ من طريق داود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٩ إلى أبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"11","page":12},{"text":"حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، وحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما كان يوم بدرٍ، قال رسولُ الله ﷺ: \"مَنْ صَنَعَ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا\". قال: فتسارع في ذلك شبَّانُ الرجالِ، وبقيت الشيوخ تحت الراياتِ، فلما كانت (^١) الغنائم، جاءوا يطلبون الذي جُعِل لهم، فقالت الشيوخ: لا تسْتأثِرُوا علينا؛ فإنا كنا رِدْءًا لكم، وكنا تحتَ الرايات، ولو انكشفتم انكشفتم (^٢) إلينا. فتنازَعُوا، فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُل الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (^٣).\nحدثني إسحاق بن شاهينَ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما كان يوم بدر، قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ فَعَلَ كَذَا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا مِن النَّفَلِ\". قال: فتقدّم الفتيانُ، ولزم المشيخة الرايات فلم يبرَحوا (^٤)، فلما فُتِحَ عليهم قالت المشيخةُ: كنا ردءًا لكم، فلو انهزمتم انحزتُم إلينا، لا تذهَبوا بالمغنم دونَنا. فأبى الفتيانُ، وقالوا: جعله رسول الله ﷺ لنا. فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾. قال: فكان ذلك خيرًا لهم، وكذلك أيضًا أطيعوني فإني أعلمُ (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"كان\".\n(^٢) في م: \"لفئتم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٥٦ عن عبد الأعلى به.\n(^٤) في مصادر التخريج: \"يبرحوها\".\n(^٥) بعده في مصادر التخريج: \"بعاقبة هذا منكم\"، وينظر شرح معاني الآثار ٣/ ٢٣٢، وعون المعبود ٣/ ٣٠.\n(^٦) أخرجه أبو داود (٢٧٣٧)، والحاكم ٢/ ١٣١، ١٣٢، والبيهقي في سننه ٦/ ٢٩١، وفى الدلائل ٣/ ١٣٥ من طريق خالد به.","vol":"11","page":13},{"text":"حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عكرمة في هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال: لما كان يوم بدر، قال النبي ﷺ: \"مَنْ صَنَعَ كَذَا فَلَهُ مِن النَّفَل كَذَا\". فخرج شبَّانُ (^١) الرجال فجعَلوا يصنَعونَه، فلما كان عند القسمةِ، قال الشيوخ: نحن أصحابُ الراياتِ، وقد كنا رِدْءًا لكم. فأنزل الله في ذلك: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يعقوب الزهريُّ (^٢)، قال: ثنى المغيرةُ بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن سليمان بن موسى، عن مكحولٍ مولَى هُذَيلٍ، عن أبي سلَّامٍ (^٣) الباهليِّ، عن أبي أمامة، عن عُبادةَ بن الصامتِ، قال: أَنزَلَ اللَّهُ حِينَ اختلَف القومُ في الغنائم يومَ بدرٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. إلى قوله: ﴿إن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾، فقسمه رسولُ اللَّهِ ﷺ بينهم عن بَوَاء (^٤).\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن محمد، قال: ثنى عبد الرحمن بنُ الحارث وغيره من أصحابنا، عن سليمان بن موسى الأشدقِ، عن مكحول، عن أبي أمامة الباهليِّ، قال: سألتُ عبادة بن الصامتِ عن الأنفال، فقال: فينا معشر أصحاب بدرٍ نزَلتْ، حين اختلفنا في النَّفَل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من\n_________\n(^١) بعده في م: \"من\".\n(^٢) في م، س: \"الزبيرى\"، وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٣٦٧.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"سلامة\". وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٤٨٤.\n(^٤) في م: \"سواء\".\nوالأثر أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٨٢ - تفسير)، والطحاوى في شرح معاني الآثار ٣/ ٢٢٨، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٣، وابن حبان (٤٨٥٥)، والحاكم ١٣٥٢، والواحدى في أسباب النزول ص ١٧٣، والبيهقى ٦/ ٢٩٢، ٩/ ٥٧ من طريق عبد الرحمن بن الحارث والد المغيرة به مطولا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"11","page":14},{"text":"أيدينا، فجعَله إلى رسول الله ﷺ، وقسَمه رسول الله ﷺ بين المسلمين عن بَوَاءٍ (^١) - يقولُ: على السواءِ - فكان في ذلك تقوى الله، وطاعة رسوله ﷺ، وصلاح ذات البينِ (^٢).\nوقال آخرون: بل (^٣) إنما نزلت هذه الآيةُ؛ لأن بعض أصحاب رسول الله ﷺ سأله من المغنم شيئًا قبلَ قِسْمَتِها، فلم يُعْطِه إيَّاه، إذ كان شركًا بين الجيشِ، فجعَل الله جميعَ ذلك لرسول الله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3690>ذكر من قال ذلك</span>\nحدثني إسماعيل بن موسى السُّديُّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عاصم، عن مصعب بن سعد، عن سعد، قال: أتيت النبي ﷺ يومَ بدرٍ بسيفٍ، فقلت: يا رسولَ اللهِ، هذا السيفُ قد شفَى الله به من المشركين، فسألته إيَّاه، فقال: \"ليسَ هذا لي ولا لك\". قال: فلما ولَّيتُ، قلتُ: أخافُ أن يُعطيه من لم يُبل بلائي، فإذا رسول الله ﷺ خلْفِى. قال: فقلتُ: أخافُ أن يكونَ نزَل فيَّ شيءٌ. قال: \"إن السيف قد صار لي\". قال: فأعطانيه، ونزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾.\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا عاصم، عن مصعب بن سعد، عن سعد سعد بن مالكٍ، قال: لما كان يومُ بدرٍ جئتُ بسيفٍ. قال: فقلتُ: يا\n_________\n(^١) في م: \"سواء\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٦٤٢، ٦٦٦، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٥٨ بهذا الإسناد، وأخرجه أحمد ٥/ ٣٢٢، ٣٢٣ (الميمنية)، والحاكم ٢/ ١٣٦، والبيهقى ٦/ ٢٩٢، ٣١٥، ٩/ ٥٧ من طريق محمد بن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٩ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ وابن مردويه.\nوقد اختلف في إسناد هذا الأثر اختلافا كثيرا، ينظر التعليق على سنن سعيد بن منصور (٩٨٢ - تفسير).\n(^٣) سقط من: م، ت ١، س، ف.","vol":"11","page":15},{"text":"رسولَ الله، إن الله قد شفَى صدرى من المشركين - أو نحو هذا - فهبْ لي هذا السيفَ، فقال لي: \"هَذَا لَيْسَ لِي ولَا لَكَ\". فرجعتُ فقلتُ: عسى أن يُعطَى هذا من لم يُبْل بلائِى، فجاءنى الرسولُ، فقلتُ: حدّث فيَّ حَدَثٌ! فلما انتهيتُ، قال: \"يا سَعْدُ، إِنَّكَ سألْتَنى السَّيْفَ ولَيْسَ لي، وَإِنَّهُ قَدْ صَارَ لي فَهُوَ لَكَ\". ونزَلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ \" (^١).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: أصبتُ سيفًا يومَ بدر فأعجبنى، فقلت: يا رسولَ الله، هبْه لي، فأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ \" (^٢).\nحدثنا ابن المثنى وابن وكيعٍ، قال ابن المثنى: ثني (^٣) [أبو معاويةُ، وقال ابن وكيعٍ: ثنا] (^٤) أبو معاوية، قال: ثنا الشيباني، عن محمدِ بن عُبيدِ اللهِ، عن سعد بن أبى وقاصٍ، قال: فلما (^٥) كان يومُ بدرٍ قُتِل أخى عُمَيْرٌ، وقتلتُ [سعيدَ بن العاص] (^٦) وأخَذتُ سيفَه، وكان يُسمَّى (^٧) ذا الكَتِيفةِ (^٨)، فجئتُ به إلى النبي ﷺ، فقال:\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٠٧٩) عن أبي كريب به، وأخرجه أحمد ٣/ ١١٧ (١٥٣٨)، وأبو داود (٢٧٤٠)، والنسائى في الكبرى (١١١٩٦)، وأبو يعلى (٧٣٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٠، والحاكم ٢/ ١٣٢، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٣١٢، والبيهقى ٦/ ٢٩١ من طريق أبي بكر به، وليس عند ابن أبي حاتم ذكر مصعب.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٦٤، وأبو يعلى (٧٢٩)، وابن حبان (٥٣٤٩) من طريق وكيع به، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٢٤) من طريق إسرائيل به.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٣، س، ف.\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) في م: \"لما\".\n(^٦) كذا في هذا الخبر، وقال أبو عبيد في الأموال (٧٥٦) في أثناء الخبر: وقال غيره: العاص بن سعيد. قال أبو عبيد: هذا عندنا هو المحفوظ؛ قتل العاص. وقال الحافظ في الإصابة ٤/ ٧٢٦: الصواب: العاص بن سعيد بن العاص.\n(^٧) في س: \"يسميه\".\n(^٨) في ت ١، ت ٢، س، ف، وبعض المصادر: \"الكثيفة\". والكتيفة: حديدة طويلة عريضة، وربما =","vol":"11","page":16},{"text":"\"اذْهَبْ فَاطْرَحْهُ في القَبَض (^١) \". فطرحْتُه ورجعتُ، وبي ما لا يعلمه إلا اللَّهُ مِن قتل أخى وأخْذِ سَلبى. قال: فما جاوزتُ إلا قريبا حتى نزلت عليه سورة الأنفال، فقال: \"اذْهَبْ فَخُذْ سَيْفَك\". ولفظ الحديث لابن المثنى (^٢).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بُكَيْرٍ، وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، جميعًا عن محمد بن إسحاق، قال: ثنى عبد الله بن أبي بكرٍ، عن [بعضِ بني] (^٣) ساعدة، قال: سمعت أبا أُسَيدٍ (^٤) مالك بن ربيعة يقولُ: أصبتُ سيفَ ابن (^٥) عائذ (^٦) يوم بدرٍ، وكان السيفُ يُدعَى المَرْزُبانَ، فلما أمر رسول الله ﷺ أن يردُّوا ما في أيديهم من النَّفَل، أقبلتُ به فألقيتُه في النَّفَل، وكان رسولُ اللهِ ﷺ لا يمنع شيئًا يسأله، فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزوميُّ، فسأله رسول الله ﷺ، فأعطاه إياه (^٧).\n_________\n= كانت كأنها صفيحة، ويقال للسيف الصفيح: كتيف. ينظر التاج (ك ت ف).\nوالكثيف: السيف، عن كُراع، قال ابن سيده: ولا أدرى ما حقيقته، والأقرب أن يكون تاء؛ لأن الكتيف من الحديد. التاج (ك ث ف).\n(^١) القبض بالتحريك: الذي تجمع عنده الغنائم. وقيل: هو بمعنى المقبوض، وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن تقسم. ينظر الأموال لأبي عبيد (٧٥٦)، والنهاية ٤/ ٦.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في الأموال (٧٥٦)، وسعيد بن منصور في سننه ٢/ ٢٥٦، (٩٨٣ - تفسير)، ومن طريقه ابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٢/ ٩ - وابن أبي شيبة ١٢/ ٣٧٠، وأحمد ٣/ ١٢٩ (١٥٥٦)، وأحمد بن منيع في مسنده - كما في الإتحاف بذيل المطالب ٨/ ٥٨٠ - وابن زنجويه في الأموال (١١٢٦)، والبزار (١٢٣٩)، وابن المنذر في الأوسط ١١/ ١١٤، والواحدى في أسباب النزول ص ١٧٢، والحازمي في الاعتبار ص ١٧٦ من طريق أبي معاوية به.\nوأخرجه ابن علي في الكامل ٦/ ٢١١٥ من طريق الحارث بن نبهان عن محمد بن عبيد الله عن مصعب بن سعد عن سعد، بزيادة مصعب في إسناده.\n(^٣) في م: \"قيس بن\".\n(^٤) بعده في م: \"بن\"، وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ١٣٨.\n(^٥) في سيرة ابن هشام، والروض الأنف ٥/ ١٨٢: \"بني\".\n(^٦) في ص: بغير همز ونقط، وفى م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عائد\"، وفى الروض الأنف: \"عابد\"، والمثبت موافق لما في سيرة ابن هشام.\n(^٧) سيرة ابن هشام ١/ ٦٤٢، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٤٧ عن محمد بن إسحاق به.","vol":"11","page":17},{"text":"حدَّثني يحيى بن جعفرٍ، قال: ثنا أحمد بن أبى بكر، عن يحيى بن عمرانَ، عن جَدِّه عثمان بن الأرقم، عن (^١) عمِّه، عن جدِّه، قال: قال رسول الله ﷺ يومَ بدرٍ: \"رُدُّوا ما كان مِن الأَنْفالِ\". فوضع أبو أُسَيْدِ الساعدى سيفَ ابن عائذٍ (^٢) المَرْزُبانَ، فعرفه الأرقمُ، فقال: هبْهُ لي يا رسول الله. قال: فأعطاه إيّاه.\nحدَّثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن سماك ابن حربٍ، عن مصعب بن سعدٍ، عن أبيه، قال: أصبتُ سيفا. قال: فأتى به النبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ نَفِّلْنيه. فقال: \"ضَعْهُ\". ثم قام فقال: يا رسولَ اللهِ نفِّلنيه، قال: \"ضَعْهُ\". قال: ثم قام فقال: يا رسولَ اللهِ نفِّلنيه، أأُجعَلُ كمَن لا غَنَاء له؟! فقال النبيُّ ﷺ: \"ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ\". فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾ (^٣).\nحدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن مصعب بن سعد، عن سعد، قال: أخَذتُ سيفًا من المغنم، فقلتُ: يا رسول الله، هب لي هذا، فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾.\nحدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مُهاجرٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: قال سعد: كنتُ أخَذتُ سيف سعيد بن العاص بن أمية، فأتيتُ رسول الله ﷺ، فقلتُ:\n_________\n(^١) كذا في النسخ، ولعل الصواب: \"وعن\"، ويكون يحيى بن عمران رواه عن جده مباشرة وبواسطة. ينظر الجرح والتعديل ٩/ ١٧٧، ١٧٨ (٧٣٧)، وتعجيل المنفعة ٢/ ٣٦٢.\n(^٢) في النسخ: \"عائد\"، وينظر التعليق على الأثر السابق.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٧٤٨/ ٣٤)، والبزار (١١٤٩) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أحمد ٣/ ١٦٣ (١٦١٤)، وابن حبان (٦٩٩٢) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الطيالسي (٢٠٥)، وابن زنجويه في الأموال (١١٢٥)، والطحاوى في شرح معاني الآثار ٣/ ٢٧٩، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٩، والبيهقى ٦/ ٢٩١ من طريق شعبة به.","vol":"11","page":18},{"text":"أعطنِى هذا السيف يا رسول الله، فسكت فنزلتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾ إلى قولِه: ﴿إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: فأعطانيه رسول الله ﷺ.\nوقال آخرون: بل نزَلَتْ لأنَّ أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ سألوا قسمةَ الغنيمة بينهم يومَ بدرٍ، فأعلَمَهم الله أن ذلك لله ولرسوله دونَهم، ليس لهم فيه شيءٌ. وقالوا: معنى \"عن\" في هذا الموضع \"مِن\"، وإنما معنى الكلام: يسألونك من الأنفال. وقالوا: قد كان ابن مسعودٍ يقرؤه: (يَسْأَلُونَكَ الأنْفالَ) (^١) على هذا التأويلِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيان، عن الأعمشِ، قال: كان أصحاب عبد الله يقرءونها: (يَسئلُونَكَ الأَنْفالَ) (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاك، قال: هي في قراءة ابن مسعودٍ (يَسْئلُونَكَ الأَنْفال) (^٣).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال: الأنفال المغانمُ، كانت لرسولِ الله ﷺ خالصة (^٤)، ليس لأحدٍ منها شيءٌ، ما أصاب سرايا المسلمين من شيءٍ أَتَوْه به، فمَنْ حبَس (^٥) منه إبرة أو سِلْكًا فهو غُلولٌ، فسألوا\n_________\n(^١) وهى قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦١ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦١ إلى المصنف.\n(^٤) في ت ٢: \"خاصة\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"حبسه\".","vol":"11","page":19},{"text":"رسول الله ﷺ أن يعطيهم منها، قال الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ﴾ لِي جعلتها لرسولي، ليس لكم فيها شيءٌ، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ثم أنزل الله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]. ثم قسم ذلك الخمس لرسول الله ﷺ، ولمن سمَّى في الآية (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: نزلت في المهاجرين والأنصار ممن شهد بدرًا. قال: واختلفوا فكانوا أثلاثا. قال: فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. وملَّكه الله رسوله (^٢)، يَقْسِمُه (^٣) كما أراه الله (^٤).\nحدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عباد بن العوَّام، عن الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أن الناس سألوا النبي ﷺ الغنائم يوم بدر، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾ (^٥).\nقال: ثنا عبادُ بن العوامِ، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: يسألونك أن تُنَفِّلَهم (^٦).\nحدَّثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا أيوب، عن عكرمة في\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣١١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٣، والبيهقى ٦/ ٢٩٣ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦٠ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) في ت ١: \"لرسوله\".\n(^٣) في م، س، ف: \"فقسمه\".\n(^٤) ذكره في التبيان ٥/ ٧٣ عن ابن جريج.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٩ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٤٩ من طريق جويبر به نحوه.","vol":"11","page":20},{"text":"قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾. قال: يسألونك الأنفال (^١).\nقال أبو جعفر: وأوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصواب أن يُقالَ: إِن اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبر في هذه الآية عن قوم سألوا رسول الله ﷺ الأنفال أن يُعطِيهُمُوها، فأخبرهم الله أنها لله، وأنَّه جعلها لرسوله.\nوإذا كان ذلك معناه، جاز أن يكونَ نزولها كان من أجل اختلاف أصحابِ رسول الله ﷺ فيها، وجائزٌ أن يكونَ كان من أجل مسألة من سأله السيفَ الذى ذكرنا عن سعد أنه سأله إياه، وجائزٌ أن يكون من أجل مسألة من سأل (^٢) قسْمَ ذلك بين الجيش.\nواختلفوا فيها، أمنسوخة [أم هي] (^٣) غيرُ منسوخةٍ؟\nفقال بعضُهم: هى منسوخةٌ، وقالوا: نسخها قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ٤١].\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن جابر، عن مجاهدٍ وعكرمة، قالا: كانت الأنفال لله وللرسول، فنسختها: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (^٤).\nحدَّثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباط، عن\n_________\n(^١) ذكره البغوى في تفسيره ٣/ ٣٢٥.\n(^٢) في م، ت ٢: \"سأله\".\n(^٣) في م: \"هي أم\".\n(^٤) أخرجه ابن أبى شيبة ١٢/ ٤٢٦، والنحاس في ناسخه ص ٤٥٢، ٤٥٣، وابن الجوزي في ناسخه ص ٣٤٣ من طريق وكيع عن إسرائيل عن جابر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦١ إلى أبى الشيخ.","vol":"11","page":21},{"text":"السديِّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: أصاب سعد بن أبي وقاص يومَ بدرٍ سيفًا، فاختصم فيه وناسٌ معه، فسألوا النبي ﷺ، فأخذه النبي ﷺ منهم، فقال اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية، فكانت الغنائم يومئذ للنبي ﷺ خاصةً، فنسخها الله بالخُمُسِ (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، قال: أخبَرني سليمٌ مولى أُمّ محمد (^٢)، عن مجاهد في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: نسَختْها: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (^٣).\nحدَّثنا أحمد بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريكٌ، عن جابر، عن مجاهدٍ وعكرمةَ، أو عكرمةَ وعامرٍ، قالا: نسخت الأنفالَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾.\nوقال آخرون: هى محكَمةٌ وليست منسوخةً، وإنما معنى ذلك: ﴿قُلِ (^٤) الْأَنفَالُ لِلَّهِ﴾ وهى لا شك لله مع الدنيا بما فيها والآخرة، وللرسول يضعها في مواضعها التى أمره الله بوضعها فيه.\nذكر من قال ذلك\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قوله:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٤٩ عن السدي.\n(^٢) كذا في النسخ، وفى الناسخ والمنسوخ للنحاس ومصادر ترجمته: \"مولى أم على\". ينظر الجرح والتعديل ٤/ ٢١٣، وتهذيب الكمال ١١/ ٣٤٧، وتهذيب التهذيب ٤/ ١٦٧.\nوقد وقع في الأموال لأبي عبيد: \"سليم\" غير منسوب، وفى ناسخه: \"ليث بن أبي سليم\"، وفي الأموال لابن زنجويه من طريق أبي عبيد: \"سليمان\".\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣١٠، ٣١١، وفى الأموال (٧٦٤)، وابن زنجويه في الأموال (١١٣٤)، والنحاس في ناسخه ص ٤٥٢ من طريق حجاج به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال\".","vol":"11","page":22},{"text":"﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، فقرَأ حتَّى بَلَغ: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾: فسَلِّموا للهِ ولرسوله يحكُمان فيها بما شاءَا (^١)، ويضعانها حيثُ أرادا، فقالوا: نعم. ثم جاء بعدَ الأربعين: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، ولكم أربعة أخماس. وقال النبي ﷺ يوم خيبَرٍ: \"وَهَذَا الخُمُسُ مَرْدُودٌ على فُقَرائِكُمْ\". يَصْنَعُ اللَّه ورسوله في ذلكَ الخُمْسِ مَا أَحَبَّا، ويَضَعَانِه حَيْثُ أحَبَّا. ثم أخبرنا (^٢) الله [بالذى يحِبُّ] (^٣) من ذلك، ثم قرأ الآيةَ: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى والْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ (^٤) [الحشر: ٧].\nقال أبو جعفر: والصوابُ من القول في ذلك أن يقالَ: إن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخبرَ أنه جعَل الأنفال لنبيِّه ﷺ، يُنفِّلُ مَن شاء، فنفّل القاتل السَّلَبَ، وجعَل للجيشِ في البدْأَةِ الرُّبعَ، وفي الرجعةِ الثُّلثَ بعدَ الخُمُسِ، ونفّل قوما بعد سُهمانِهم (^٥) بعيرا بعيرا في (^٦) بعض المغازى، فجعَل الله تعالى ذكره حكم الأنفالِ إلى نبيِّه ﷺ، يُنفِّلُ على ما يرَى مما فيه صلاح المسلمين، وعلى من بعده من الأئمةِ أَنْ يَستَنُّوا بسُنَّتِهِ في ذلك. وليس في الآية دليلٌ على أن حكمها منسوخ؛ لاحتمالها ما ذكَرتُ من المعنى الذى وصَفتُ، وغير جائز أن يُحكَمَ بحكم قد نزل به القرآن أنه منسوخٌ إلا بحجة يجب التسليم لها، فقد دَلَّلْنا في غير موضع من كُتُبنا (^٧) على أن لا منسوخ إلَّا ما أبطل حكمه حادث حكم بخلافه، ينفيه من كلِّ معانيه، أو يأتى خبرٌ يوجِبُ\n_________\n(^١) في م: \"شاء\".\n(^٢) في ت ١، س: \"اختبرنا\".\n(^٣) في م: \"الذي يجب\".\n(^٤) ذكره البغوى في تفسيره ٣/ ٣٢٥ مختصرا.\n(^٥) في ت ١، س، ف: \"سهامهم\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وفي\".\n(^٧) في ت ١، س، ف: \"كتابنا\".","vol":"11","page":23},{"text":"الحجةَ أن أحدهما ناسخٌ الآخرَ.\nوقد ذُكِر عن سعيد بن المسيب أنه كان ينكرُ أن يكونَ التَّنفيلُ لأحدٍ بعدَ رسول الله ﷺ: [تأويلًا منه لقولِ] (^١) الله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾.\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدَةُ بن سليمانَ، عن محمد بن عمرو، قال: أرسَل سعيد بن المسيبِ غلامَه إلى قومٍ سألوه عن شيء، فقال: إنكم أرسلتم إليَّ تسألونى عن الأنفال، فلا نَفَل بعد رسول الله ﷺ (^٢).\nوقد بيَّنا أن للأئمة (^٣) أن يتأسَّوْا برسول الله ﷺ في مغازيهم بفعلِه، فيُنفِّلوا على ما كان يُنَفِّلُ، إذا كان التنفيلُ صلاحًا للمسلمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-3691>القول في تأويل قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ </span>(١)﴾.\nيقول تعالى ذكره: فخافوا اللهَ أيها القومُ، واتقوه بطاعته واجتناب معاصيه، وأصلحوا الحال بينكم.\nواختلف أهل التأويل في الذى عنى (^٤) بقوله: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: هو أمرٌ من الله الذين غنموا الغنيمة يوم بدر، وشهدوا الوقعةَ مع رسول الله ﷺ، إذ اختلفوا في الغنيمة، أن يَرُدَّ (^٥) ما أصابوا منها بعضُهم على بعض.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بأولى من قول\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٤٥٧ عن عبدة بن سليمان به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦١ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الأئمة\".\n(^٤) بعده في ت ٢، ف: \"به\".\n(^٥) في م: \"يردوا\".","vol":"11","page":24},{"text":"ذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. قال: كان نبىُّ اللهِ يُنفِّلُ الرجل من المؤمنين سَلَبَ الرجل من الكفار إذا قتله، ثم أنزل اللَّهُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. أمرهم أن يردَّ بعضُهم على بعض (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: بلغنِي أن النبي ﷺ، كان ينفِّلُ الرجل على قَدْرِ جِدِّه وغَنَائِه على ما رأى، حتى إذا كان يوم بدرٍ وملأ الناسُ أيديهم غنائمَ، قال أهل الضعف من الناسِ: ذهَب أهلُ القوّة بالغنائمِ. فذكرُوا ذلك للنبي ﷺ، فنزلتْ: ﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾: ليردَّ أهل القوّةِ على أهل الضعفِ.\nوقال آخرون: هذا تحريجٌ من الله على القوم، ونهىٌ لهم عن الاختلاف فيما اختلفوا فيه من أمر الغنيمة وغيره.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بن عمارةَ، قال: ثنا خالد بن يزيد، وحدثنا أحمد بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قالا: ثنا أبو إسرائيل، عن فضيل، عن مجاهد في قول الله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكمْ﴾. قال: حرَّج عليهم.\nحدَّثني الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا عباد بن العوّامِ، عن سفيان بن حسين، عن مجاهدٍ، عن ابن عباس: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾.\n_________\n(^١) ذكر آخره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٤.","vol":"11","page":25},{"text":"قال: هذا تحريجٌ من الله على المؤمنين، أن يتقوا ويصلحوا ذاتَ بينهم. قال عباد (^١): قال سفيان: هذا حين اختلفوا في الغنائم يومَ بدرٍ (^٢).\nحدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾: أَي (^٣) لا تَسْتَبُّوا (^٤).\nواختلف أهل العربية في وجهِ تأنيثِ (البين)؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أضاف \"ذاتَ\" إلى \"البينِ\" وجعله \"ذاتَ (^٥) \"؛ لأن بعض الأشياء يُوضَعُ عليه اسمٌ مؤنثٌ وبعضًا يُذَكَّرُ، نحو \"الدّارِ\" و\"الحائط\"، أُنِّثَ \"الدارُ\" وذُكِّر \"الحائطُ\".\nوقال بعضُهم: إنما أراد بقوله: ﴿ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. الحالَ التي للبينِ، فقال (^٦): وكذلك \"ذاتُ العِشاءِ\"، يريد الساعة التي فيها العِشاءُ. قال: ولم يضَعُوا مذكرًا لمؤنث ولا مؤنثًا لمذكَّر إلا لمعنًى.\nقال أبو جعفر: وهذا القولُ أولى القولين بالصواب، للعلة التي ذكرتها له.\nوأما قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. فإن معناه: وانتهوا أيُّها القوم الطالبون الأنفال (^٧) إلى أمرِ اللهِ وأمرِ رسوله فيما أفاء الله عليكم، فقد بيَّن لكم وجوهَهُ (^٨)\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عبادة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٧١، والبخارى في الأدب المفرد (٣٩٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٣، والبيهقى في شعب الإيمان (١١٠٨٤) من طريق عباد عن سفيان عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس، بزيادة الحكم في إسناده، وأخرجه ابن أبي الدنيا في مداراة الناس (١٥٠) من طريق عباد عن سفيان عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦١ إلى ابن مردويه.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"و\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٤ من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٥) في م: \"ذاتا\".\n(^٦) سقط من: ت ٢.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الأفعال\".\n(^٨) في ت ٢: \"وجهه\".","vol":"11","page":26},{"text":"وسُبُلَه، ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم مصدّقين رسولَ اللهِ فيما آتاكُم به من عند ربِّكم.\nكما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾: فَسَلِّمُوا للَّهِ ولرسوله يحكمان فيها بما شاءا، ويضعانها حيث أرادا (^١).\n\n<span id=\"aya-1162\"></span><span data-type='title' id=toc-3692>القولُ في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ </span>(٢)﴾.\nيقول تعالى ذكره: ليس المؤمنُ بالذى يخالِفُ اللَّهَ ورسولَه، ويتركُ اتِّباعَ ما أنزله إليه في كتابه من حدوده وفرائضه والانقياد لحكمه، ولكنَّ المؤمنَ هو الذي إذا ذُكِر اللَّهُ وَجِلَ قلبه، وانقاد لأمره، وخضَع لذكره، خوفًا منه وفَرَقًا من عقابه، وإذا قُرِئ (^٢) عليه آيات كتابه (^٣) صدَّق بها، وأيقَن أنها من عند الله، فازداد بتصديقه بذلك إلى تصديقه بما كان قد بلَغه منه قبل ذلك تصديقًا، وذلك هو زيادة ما تُلىَ عليهم (^٤) من آياتِ اللهِ إِيَّاهُم إيمانًا، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. يقولُ: وباللَّهِ يوقنون في أنّ قضاءَه فيهم ماضٍ فلا يرجون غيره، ولا يرهبون سواه.\nوبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكر من قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٥ من طريق أصبغ عن ابن زيد به.\n(^٢) في م: \"قرئت\".\n(^٣) في ت ٢: \"ربه\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عليه\".","vol":"11","page":27},{"text":"قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهمْ﴾. قال: المنافقون لا يدخُلُ قلوبهم شيءٌ من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيءٍ من آياتِ اللهِ، ولا يتوكَّلون على الله، ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدّون زكاة أموالهم، فأخبر الله سبحانه أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: فَأدَّوْا فرائضَه، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَنتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا﴾. يقولُ: تصديقًا، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. يقول: لا يرجون غيره (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبد الله، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كثير، عن مجاهد: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: فَرِقَتْ.\nقال: ثنا أبي، عن سفيان، عن السُّدى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُم﴾. قال: إذا ذكر اللَّه عندَ الشيءِ وجِلَ قلبُه (^٢).\nحدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّل، قال: ثنا أسباط، [عن السُّديِّ] (^٣): ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. يقولُ: إذا ذكَر الله وجل قلبه.\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللهِ: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: فَرِقَت (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: فَرِقتْ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٥، ١٦٥٦ من طريق أبي صالح به مفرقا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٥، والخلال في السنة (١٦٧٥) من طريق وكيع به.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، س.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٥١.","vol":"11","page":28},{"text":"قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المبارك، عن سفيان، قال: سمعتُ السُّديَّ يقولُ في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يريد أن يَظْلِمَ -أو قال: يَهُمُّ بمعصية الله (^١) - أحسَبه قال: فينْزِعُ عنه (^٢).\nحدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان الثوري، عن عبدِ اللهِ بنِ عثمان بن خُثيم، عن شهرِ بنِ حَوشَبٍ، عن أبي الدرداء في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: الوجَلُ في القلب كإحراق (^٣) السَّعَفةِ (^٤)، أما تجد له قُشَعْرِيرَةً؟ قال: بلى. قال: إذا وجدت ذلك في القلبِ فادعُ اللَّهَ؛ فإن الدعاء يذهَبُ بذلك (^٥).\nحدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: فَرَقًا من الله ﵎، ووَجَلًا من الله، وخوفًا من الله ﵎ (^٦).\nوأما قوله: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. فقد ذكرتُ قول ابن عباس فيه.\nوقال غيره فيه ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أَبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. قال:\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) تفسير الثورى ص ١١٥، وعنه ابن المبارك في الزهد (١٣٩ - زوائد نعيم) وطمس أول إسناده، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٥، وأخرجه البيهقي في الشعب (٧٣٧) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦٢ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في ت ١، س، ف: \"كاختراق\".\n(^٤) السعفة: واحدة السعف، وهى أغصان النخلة، وقيل: السعفة النخلة نفسها. ينظر اللسان (س ع ف).\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦٢ إلى المصنف والحكيم الترمذى وأبى الشيخ.\n(^٦) ذكر أوله ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٥ معلقا.","vol":"11","page":29},{"text":"خشية (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. قال: هذا نعتُ أهل الإيمان (^٢)، فأثبَت نعتَهم، ووصفهم فأثبت صِفَتَهم (^٣).\n\n<span id=\"aya-1163\"></span><span data-type='title' id=toc-3693>القول في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: الذين يؤدون الصلاة المفروضة بحدودها، وينفقون مما رزقهم الله من الأموال فيما أمرهم الله أن ينفقوها فيه، من زكاة وجهادٍ وحج وعمرة ونفقة على من تجب عليهم (^٤) نفقته، فيؤدُّون حقوقهم، ﴿أُوْلَئِكَ﴾. يقول: هؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾، لا الذين يقولون بألسنتهم: قد آمنا. وقلوبهم منطَوِيةٌ على خلافه نفاقًا، لا يقيمون صلاةً، ولا يؤدُّون زكاةً.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾. يقول: الصلوات الخمسَ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٦ من طريق عبد الله بن أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦٢ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) بعده عند ابن أبي حاتم: \"نعتهم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٦ من طريق يزيد به.\n(^٤) في ص، س، ف: \"عليه\".","vol":"11","page":30},{"text":"<span id=\"aya-1164\"></span>﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. يقولُ: زكاة أموالهم، ﴿أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾. يقولُ: برِئوا من الكفرِ. ثم وصف الله النفاقَ وأهلَه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١]. فجعل الله المؤمن مؤمنًا حقًّا، وجعل الكافرَ كافرًا حقًّا، وهو قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ (^١) [التغابن: ٢].\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾. قال: استحقُّوا الإيمان بحقٍّ، فأحقَّه الله لهم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3694>القول في تأويل قوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ </span>(٤)﴾.\nيعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ﴾: لهؤلاء المؤمنين الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم درجاتٌ، وهى مراتب رفيعةٌ.\nثم اختلف أهلُ التأويل في هذه الدرجاتِ التى ذكر الله أنها لهم عنده ما هي؟\nفقال بعضُهم: هى أعمال رفيعةٌ، وفضائل قدَّموها في أيامِ حياتِهم.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي يحيى القتاتِ، عن مجاهد: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. قال: أعمالٌ رفيعةٌ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٦، ١٦٥٧ من طريق أبي صالح به مفرقًا، إلى قوله: أولئك هم الكافرون حقا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٨ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦٢ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٨ من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦٣ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.","vol":"11","page":31},{"text":"وقال آخرون: بل ذلك مراتب في الجنة.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا أحمد بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن [هشامٍ، عن جبلةَ بن عطيةَ] (^١)، عن ابن محيريز: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. قال: الدرجات سبعون درجةً، كلُّ درجةٍ حُضْرُ (^٢) الفرس الجواد المضمَّرِ سبعين سنةً (^٣).\nوقوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾. يقولُ: وعفوٌ عن ذنوبِهم، وتغطيةٌ عليها، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. قيل: الجنةُ. وهو عندى ما أعدَّ اللَّهُ في الجنة لهم من مزيد المآكل والمشارب، وهنئِ العيش.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، عن هشام، عن عمرو، عن سعيدٍ، عن قتادة: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾. قال: لذنوبهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. قال: الجنة (^٤).\n\n<span id=\"aya-1165\"></span><span data-type='title' id=toc-3695>القول في تأويل قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾.</span>\nاختلف أهل التأويل في الجالبِ لهذه الكافِ التي في قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ﴾. وما الذى شُبِّه بإخراج اللهِ نبيَّه ﷺ من بيتِه بالحقِّ؛ فقال بعضُهم: شُبِّه به في الصلاح للمؤمنين، اتقاؤهم ربَّهم، وإصلاحهم ذات بينهم، وطاعتهم الله ورسولَه. وقالوا: معنى ذلك: يقولُ اللَّهُ: وأَصْلِحوا ذات بينكم، فإن ذلك خيرٌ\n_________\n(^١) في النسخ: \"هشام بن جبلة عن عطية\" والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٥٠٠.\n(^٢) الحُضْر: بالضم: العَدْوُ. النهاية ١/ ٣٩٨.\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٩٣) من طريق هشام بن حسان به.\n(^٤) أخرجه الطبراني ٢٣/ ١٦٢ (٢٥٩) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"11","page":32},{"text":"لكم، كما إخراج (^١) اللهِ محمدا ﷺ من بيته بالحق (^٢) كان خيرا له.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهابِ، قال: ثنا داود، عن عكرمة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. . . ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ [الآية: أيْ إن هذا خير لكم، كما كان إخراجُك من بيتِك بالحقِّ] (^٣) خيرًا لك (^٤).\nوقال آخرون: معنى ذلك: كما أخرَجك ربُّك يا محمد من بيتك بالحقِّ على كُرْهٍ من فريقٍ من المؤمنين، كذلك هم يكرهون القتالَ، فهم يُجادِلُونَك فيه بعد ما تبيَّن لهم.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾. قال: كذلك يُجادِلونك في الحقِّ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾: كذلك يُجادِلونك في الحقِّ؛ القتال.\n_________\n(^١) في م، ف: \"أخرج\".\n(^٢) في ص، ف: \"الحق\".\n(^٣) سقط من: ف.\n(^٤) عزاه ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٥٤ إلى المصنف عن عكرمة.","vol":"11","page":33},{"text":"قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله بن أبى جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾. قال: كذلك أخرجك ربُّك (^١).\nحدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: أَنزَلَ اللَّهُ في خروجِه -يعنى خروجَ النبي ﷺ إلى بدرٍ- ومجادلتهم إيَّاه، فقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ لطَلَبِ المشركين، ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ (^٢).\nو(^٣) اختلف أهل العربيةِ في ذلك؛ فقال بعضُ نحويِّي الكوفيين: ذلك أمرٌ من الله لرسولِه ﷺ أن يمضىَ لأمرِه في الغنائمِ، على كُرْه من أصحابه، كما مضَى لأمره في خروجه من بيته لطلب العير (^٤) وهم كارهون.\nوقال آخرون منهم: معنى ذلك: يسألونك عن الأنفال مجادلةً كما جادَلوك يوم بدرٍ، فقالوا: أخرجْتنا للعير (^٥)، ولم تُعلمنا قتالا فنستعدَّ له.\nوقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: يجوز أن يكونَ هذا الكافُ في ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ﴾ على قوله: ﴿أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾. . . ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٥١، ٣٥٢ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٩ (٨٨٠٣) مختصرا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٩ (٨٨٠٤) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦٣ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ص، ف: \"الغير\".\n(^٥) في ص، ف: \"للغير\".","vol":"11","page":34},{"text":"بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾. وقال (^١): الكافُ بمعنى علَى.\nوقال آخرُ (^٢) منهم: هى بمعنى القسَمِ. قال: ومعنى الكلام: والذي أخرجك ربُّك.\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى هذه الأقوال عندى بالصوابِ قولُ مَن قال في ذلك بقولِ مجاهدٍ، وقال: معناه: كما أخرجك ربُّك بالحقِّ، على كُرْه من فريق من (^٣) المؤمنين، كذلك يُجادِلونك في الحقِّ بعدما تبيَّنَ؛ لأن كلا الأمرين قد كان، أعنى خروج بعض من خرَج من المدينةِ كارهًا، وجدالهم في لقاء العدوِّ عند دنوِّ القومِ بعضهم من بعض، فتشبيه بعض ذلك ببعض مع قرب أحدهما من الآخر، أولَى من تشبيهه بما بعُد عنه.\nوقال مجاهد في الحق الذى ذُكر (^٤) أنهم يجادلون فيه النبي ﷺ بعد ما تبيَّنوه: هو القتال.\n\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهد: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾. قال: القتالُ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا إسحاق، قال: ثنا عبدُ الله، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد\n_________\n(^١) في م: \"قيل\".\n(^٢) في م، ت ١، س، ف: \"آخرون\".\n(^٣) سقط من: ص، ف.\n(^٤) في ص، ف: \"ذكره\".","vol":"11","page":35},{"text":"مثله (^١).\nوأما قولُه: ﴿مِن بَيْتِكَ﴾. فإن بعضهم قال: معناه: من المدينةِ.\nذكر من قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي بزَّةَ: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ﴾: المدينة إلى بدرٍ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني محمد بن عبّادِ بن جعفر في قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾. قال: من المدينة إلى بدرٍ.\nوأما قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾، فإن كراهتهم كانت كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمَةُ، عن ابن إسحاق، قال: ثنى محمد بن مسلم الزهريُّ وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبى بكر ويزيد بن رومانَ، عن عروة بن الزبير -وغيرهم من علمائنا- عن عبدِ اللهِ بنِ عباس، قالوا: لما سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيانَ مقبلًا من الشام، ندَب إليهم المسلمين، وقال: \"هذه عيرُ قريش فيها أموالهم، فاخْرُجوا إليها لعلَّ اللَّه أن يُنفِّلَكُموها\". فانتدَب الناس، فخفَّ بعضُهم، وثقُل بعضُهم (^٢)، وذلك أنهم لم يظُنُّوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربا (^٣).\nحدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّل، قال: ثنا أسباط، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٥٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٦٠٦، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٢٧ بهذا الإسناد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٨ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":36},{"text":"السُّديِّ: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ لطلب المشركين (^١).\n\n<span id=\"aya-1166\"></span>ثم اختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بقوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك أهلُ الإيمان من أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا معه حين توجَّه إلى بدرٍ للقاء المشركين.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لما شاوَر النبيُّ ﷺ في لقاء القوم، وقال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدرٍ؛ أمر الناسَ، فتعبَّوْا (^٢) للقتال، وأمرهم بالشوكة، وكَرِه ذلك أهل الإيمان، فأنزل الله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثني ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: ثم ذكر القوم، يعنى أصحابَ رسول الله ﷺ، ومسيرهم مع رسولِ اللهِ ﷺ، حين عرف القومُ أَن قريشًا قد سارت إليهم، وأنهم إنما خرجوا يريدون العِيرَ؛ طمعًا في الغنيمة، فقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿لَكَارِهُونَ﴾. أي كراهية للقاء القوم، وإنكارًا لمسير قريش حين ذُكرُوا لهم (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٩ من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) يقال: عبأت الجيش عبئًا وعبيتهم تعبية؛ أي رتبتهم في مواضعهم وهيأتهم للحرب. ينظر التاج (ع ب أ).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦٣ إلى المصنف.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٦٦٧ وهو جزء من الأثر الذى سبق تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"11","page":37},{"text":"وقال آخرون: عُنى بذلك المشركون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾. قال: هؤلاء المشركون جادَلوك (^١) في الحقِّ كأنما يُساقون إلى الموتِ حين يُدعَوْن إلى الإسلامِ، وهم ينظرون. قال: وليس هذا من صفة الآخرين، هذه صفةٌ مبتدأةٌ لأهل الكفر (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يعقوب بن محمدٍ، قال: ثنى عبدُ العزيزِ بن محمد، عن ابن أخى الزُّهريِّ، عن عمِّه، قال: كان رجلٌ من أصحاب رسول الله ﷺ يفسِّرُ: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾: خروج رسول الله ﷺ إلى العير (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن عباس وابنُ إسحاقَ، من أن ذلك خبرٌ من الله عن فريق من المؤمنين أنهم كرِهُوا لقاء العدوِّ، وكان جدالهم نبيَّ الله ﷺ أن قالوا: لم يُعلِمْنا أنّا نَلْقَى العدوَّ فنستعدَّ لقتالِهم، وإنما خرجنا للعير. ومما يدلُّ على صحّة (^٤) قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾، ففى ذلك الدليل الواضح لمن فهِم عن الله أن القوم قد كانوا للشَّوْكَةِ كارِهين، وأن جدالهم كان في القتال، كما\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"جادلوه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٦٠ من طريق أصبغ عن ابن زيد به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦٤ إلى المصنف.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"صحة\". والصح بالضم، والصحة بالكسر، والصحاح بالفتح، الثلاثة بمعنًى. التاج (ص ح ح).","vol":"11","page":38},{"text":"قال مجاهدٌ؛ كراهةً (^١) منهم له، وأن لا معنى لما قال ابنُ زيدٍ؛ لأن الذى قَبْلَ (^٢) قولِه: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ خبرٌ عن أهل الإيمانِ، والذى يتلوه خبرٌ عنهم، فأن يكونَ خبرا عنهم (^٣) أولى منه بأن يكون خبرًا عمن لم يَجْرِ له ذكرٌ.\nوأما قوله: ﴿بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ فإن أهلَ التأويلِ اختلفوا في تأويله.\nفقال بعضُهم: معناه: بعد ما تبيَّنَ لهم أنك لا تفعَلُ إلا ما أمرك الله.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ أنك لا تصنَعُ إلا ما أمرك الله به (^٤).\nوقال آخرون: معناه يجادلونَك في القتال بعد ما أُمِرتَ به.\nذكرُ من قال ذلك\nروى الكلبيُّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس (^٥).\nوأما قوله: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾. فإن (^٦) معناه: كأنّ هؤلاءِ الذين يجادلونَك في لقاء العدوِّ من كراهتهم للقائهم إذا دُعوا إلى لقائهم للقتال - يُساقُونَ إلى الموتِ.\n_________\n(^١) في م: \"كراهية\".\n(^٢) في ص، ف: \"قيل\".\n(^٣) في م: \"عم\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٩ من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٥) كذا في النسخ بدون ذكر متن هذا الإسناد، ولعله إسناد القول المتقدم.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وأن\".","vol":"11","page":39},{"text":"وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكر من قال ذلك\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾. أي كراهةً للقاء القوم، وإنكارًا لمسير قريشٍ حينَ ذُكِرُوا لهم (^١).\n\n<span id=\"aya-1167\"></span><span data-type='title' id=toc-3696>القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: واذكرُوا أيها القومُ: ﴿إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾. يعنى: إحدى الفرقتين (^٢)؛ فرقة أبي سفيانَ بن حرب والعِيرِ، وفرقةِ المشركين الذى نَفَروا من مكة لمنع عيرِهم.\nوقوله: ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾. يقولُ: أنَّ ما معهم غنيمةٌ لكم، ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. يقولُ: وتحبُّونَ أن تكون تلك (^٣) الطائفةُ التي ليست لها شوكةٌ، يقول: ليس لها حدٌّ، ولا فيها [قتالٌ - أن تكونَ لكم. يقول: تودُّون أن تكونَ لكم العِيرُ التي ليس فيها] (^٤) قتالٌ لكم، دون جماعة قريش الذين جاءُوا لمنع عِيرِهم (^٥)، الذين في لقائهم القتالُ والحربُ.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٦٧.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الفريقين\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ذلك\".\n(^٤) سقط من: ف.\n(^٥) في ف: \"غيرهم\".","vol":"11","page":40},{"text":"وأصلُ الشوكة من الشَّوْكِ.\nوبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عليُّ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ عبدِ الصمد، قالا: [ثنا عبد الصمد بنُ عبد الوارث] (^١)، قال: ثنا أبانٌ العطارُ، قال: ثنا هشام بن عروةَ، عن عروة، أن أبا سفيانَ أقبَل ومن معه من رُكبانِ قريشٍ مقبِلين من الشامِ، فسلكوا طريق الساحل، فلمّا سمِع بهم النبيُّ ﷺ ندب أصحابَه، وحدَّثهم بما معهم من الأموال، وبقلة عددهم، فخرجوا لا يريدون إلا أبا سفيانَ والرَّكب معه، لا يُرَونها إلا غنيمةً لهم، لا يظنون أن يكونَ كبير قتال إذا رأَوْهُم، وهى ما أنزَل الله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمد بن إسحاقَ، عن محمدِ بنِ مسلمٍ الزهريِّ وعاصم بن عمر بن قتادة وعبدِ اللهِ بن أبي بكرٍ ويزيد بن رومان عن عروةَ بن الزبير -وغيرهم من علمائنا- عن عبدِ اللهِ بنِ عباس، كلٌّ قد حدَّثني بعضَ هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سُقتُ من حديث بدر، قالوا: لما سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيانَ مقبِلًا من الشام ندَب (^٣) المسلمينَ إليهم، وقال: \"هذه عيرُ قريش، فيها أموالهم، فاخْرُجوا إليها، لعلَّ اللهَ أن ينفِّلَكُموها\". فانتدَب الناسَ، فخفَّ بعضُهم، وثَقُل بعضٌ، وذلك أنهم لم يظنوا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ يلقَى حربًا،\n_________\n(^١) سقط من: ف.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٢١ بهذا الإسناد.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وندب\".","vol":"11","page":41},{"text":"وكان أبو سفيانَ (^١) حين دنَا من الحجازِ يتحسَّسُ (^٢) الأخبارَ، ويسألُ مَن لَقِيَ مِن الركبان تخوُّفًا [من الناس] (^٣)، [حتى أصاب خبرًا من بعض الرُّكبان] (^٤) أن محمدا قد استنفَر أصحابَه لكَ ولعيرِك. فحذِرَ عند ذلك، واستأجر ضَمضم بن عمرو الغفاريَّ، فبعثه إلى مكةَ، وأمره أن يأتى قريشًا يستنفِرُهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضمُ بن عمرو سريعًا إلى مكةَ، وخرج رسولُ اللهِ ﷺ في أصحابِه، حتى بلغ واديًا يقال له: ذَفِرَانُ. فخرج منه، حتى إذا كان ببعضِه، نزل، وأتاه الخبرُ عن قريش بمسيرهم، ليمنعُوا عِيرَهم، فاستشار النبي ﷺ الناسَ، وأخبرهم عن قريشٍ، فقام أبو بكر، ﵁، فقال فأحسَن، ثم قام عمر، ﵁، فقال فأحسَن، ثم قام المقداد بن عمرٍو، فقال: يا رسولَ اللهِ، امضِ إلى حيثُ أمرك الله فنحنُ معكَ، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتِلا إنا معَكُما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحقِّ لئن سِرْتَ بنا إلى بَرْكِ الغماد (^٥) -يعنى مدينة الحبشةِ- لجالَدْنا معكَ مَنْ دونَه، حتى تبلغه. فقال له رسولُ اللهِ ﷺ خيرا، [ثم دعا له بخير] (^٦)، ثم قال رسول الله ﷺ: \"أَشْيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ\" (١).\n_________\n(^١) بعده في ت ١، ت ٢، ف: \"يستيقن\"، وفى ص: \"استيقن\".\n(^٢) في ص: \"يحسس\" وفى م: \"يتجسس\". وفى ف: \"تجسيس\" والتجسس والتحسس قيل: إنهما بمعنى. وقيل: بالجيم البحث عن العورات. وبالحاء الاستماع. وقيل: التجسس أن يطلبه لغيره. والتحسس: أن يطلبه لنفسه. ينظر النهاية ١/ ٢٧٢.\n(^٣) كذا في النسخ، ولعل الصواب: \"على أموال الناس\".\n(^٤) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٥) برك الغماد بكسر الغين وضمها، والكسر أشهر: موضع إلى الجنوب من مكة، على نحو مائتي كيلو متر مما يلى البحر. وقيل: موضع بأقاصى أرض هجر. وقد كانوا يكنون به عن المكان البعيد جدا. ينظر معجم البلدان ١/ ٥٨٩، والمعجم الكبير ٢/ ٢٥٩.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"11","page":42},{"text":"وإنما يريد الأنصارَ، وذلك أنهم كانوا عدَدَ الناس، وذلك أنهم حين بايعوه على العقبة قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنا برآءُ من ذمامك (^١) حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصَلْتَ إلينا، فأنتَ في ذمَّتنا، نمنعك مما نمنَعُ منه أبناءنا ونساءَنا. فكأنّ رسولَ الله ﷺ خاف (^٢) ألَّا تكونَ الأنصارُ ترى عليها نُصرتَه إِلَّا ممن دَهَمَهُ بالمدينة من عدوِّه، وأن ليس عليهم أن يسيرَ بهم إلى عدوٍّ من بلادِهم، قال: فلما قال ذلك رسولُ الله ﷺ، قال له سعدُ بنُ معاذٍ: لكأنك تريدنا يا رسولَ اللهِ؟ قال: \"أَجَلْ\": قال: فقد آمنا بك وصدَّقناك، وشهدنا أن ما جئتَ به هو الحقُّ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردتَ، فوالذي بعثك بالحقِّ إن استعرضت بنا هذا البحر فخُضْتَه لخضْناه معك ما تخلَّف منا رجلٌ واحدٌ، وما نكْرَهُ أن [تَلقى بنا] (^٣) عدوَّنا غدًا، إنا لصُبُرٌ (^٤) عندَ الحربِ، صُدُقٌ عندَ اللّقاءِ، لعلَّ اللَّهَ أَن يُريَك منا ما تَقَرُّ به عينُك، فسرْ بنا على بركة الله. فسُرَّ (^٥) رسول الله ﷺ بقول سعدٍ، ونشَّطه ذلك، ثم قال: \"سِيرُوا على بَرَكَةِ اللهِ وأَبْشِرُوا؛ فإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاللَّهِ لكأنى أنْظُرُ الآنَ إِلَى مَصَارِعِ القَوْمِ غَدًا\" (^٦).\nحدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا: ثنا أسباط عن السُّديِّ أن أبا سفيان أقبل في عِيرٍ من الشام فيها تجارةُ قريشٍ، وهى اللَّطيمة (^٧)، فبلغ رسول الله ﷺ أنها قد أقبلت فاستنْفَر الناسَ، فخرجوا معه ثلاثمائة وبضعة عشَرَ\n_________\n(^١) الذمام: العهد والأمان. اللسان (ذ م م).\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في م: \"يلقانا\".\n(^٤) في ف: \"لنصبر\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"فسار\".\n(^٦) سيرة ابن هشام ١/ ٦٠٧، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٢٧ بهذا الإسناد.\n(^٧) اللطيمة: الجمال التي تحمل العطر والبزّ، غير الميرة. ولطائم المسك: أوعيته. النهاية ٤/ ٢٥١.","vol":"11","page":43},{"text":"رجلًا، فبَعَث عينًا له من جُهينةَ، حليفا للأنصارِ يُدعى ابنَ الأُرَيْقِطِ، فأتاهُ بخبرِ القومِ، وبلغ أبا سفيان خروج محمد ﷺ، فبعث إلى أهل مكةَ يستعينُهم، فبعث رجلا من بني غفارٍ يُدعى [ضمضَمَ بن عمرو] (^١)، فخرج النبي ﷺ، ولا يشعُرُ بخروجِ قريش، فأخبره الله بخروجِهم، فتخوّف من الأنصار أن يخذلوه ويقولوا: إنَّا عاهَدْنا أن نمنعَك إن أرادَك أحدٌ ببلَدنا. فأقبل على أصحابه فاستشارهم في طلب العِيرِ، فقال له أبو بكر ﵁: إني قد سلَكتُ هذا الطريق، فأنا أعلم به، وقد فارَقهم الرجلُ بمكان كذا وكذا. فسكت النبي ﷺ، ثم عاد فشاورهم، فجعلوا يُشيرون عليه بالعِير؛ فلما أكثرَ المشورةَ، تكلَّم سعد بن معاذ فقال: يا رسولَ اللهِ، أَراك تُشاورُ أصحابَك فيُشيرون عليك، وتعودُ فتشاورهم، فكأنك لا ترضى ما يشيرون عليك، وكأنك تتخوَّفُ أن تتخلَّفَ عنك الأنصارُ، أَنتَ رسولُ اللهِ، وعليك أُنزل الكتابُ، وقد أمرَك اللَّهُ بالقتال ووعدك النصرَ، والله لا يخلِفُ الميعادَ، امْضِ لما أُمِرْتَ به، فوالذي بعثك بالحقِّ، لا يتخلَّفُ عنك رجل من الأنصارِ. ثم قام المقدادُ بنُ الأسودِ الكِنْدِيُّ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنا لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾ [المائدة: ٢٤]. ولكنّا نقولُ: أقدِمْ فقاتلْ إنا معك مقاتلون، ففرح رسول الله ﷺ بذلك وقال: \"إِنَّ رَبِّي وَعَدَنِي القَوْمَ وَقَدْ خرجوا فَسِيرُوا إليهم\". فساروا (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. قال: الطائفتان إحداهما أبو سفيانَ بن حربٍ إذْ أقبَل بالعِيرِ من الشام،\n_________\n(^١) في ص، م: \"عمرو بن ضمضم\".\n(^٢) ينظر تفسير البغوى ٣/ ٣٢٨.","vol":"11","page":44},{"text":"والطائفة الأخرى أبو جهل معه نفرٌ من قريش، فكره المسلمون الشوكة والقتال، وأحبُّوا أن يَلقَوُا العيرَ، وأراد الله ما أراد (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباس، قولَه: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾. قال: أقبلت عِيرُ أهل مكةَ، يريدُ: من (^٢) الشامِ فبلَغ أهل المدينة ذلك، فخرجوا ومعهم رسولُ اللهِ ﷺ يريدون العيرَ، فبلَغ ذلك أهلَ مكَّةَ، فسارعوا السيرَ إليها؛ لا يغلب عليها النبيُّ ﷺ وأصحابه، فسبقت العير رسول الله ﷺ، وكان الله وعدهم إحدى الطائفتين، فكانوا أنْ يلقَوُا العِير أحبُّ إليهم، وأيسرُ شوكةً، وأحضر مغنما؛ فلما سبقتِ العيرُ، وفاتَتْ رسول الله ﷺ، سار رسول الله ﷺ بالمسلمين، يريد القوم، فكرهَ القومُ مسيرهم لشوكة في القوم (^٣).\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. قال: أرادوا العيرَ. قال: ودخل رسولُ اللهِ ﷺ المدينة في شهر ربيع الأوَّلِ، فأغار كُرْزُ بن جابر الفهريُّ (^٤) يريدُ سرْحَ (^٥) المدينة\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٦١ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) أخرجه ابن مردويه -كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٢/ ١٦، ١٧، وأبو نعيم في الدلائل (٤٠٠)، والبيهقى في الدلائل ٣/ ٧٨، ٧٩ من طريق عبد الله بن صالح به مطولا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦٩ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في ص، ف: \"القرشى\". وكلاهما صواب، فهو فهرى قرشى وقد أسلم وحسن إسلامه وقتل يوم الفتح. ينظر أسد الغابة ٤/ ٤٦٨.\n(^٥) السرح: المال يسام في المرعى من الأنعام. التاج (س ر ح).","vol":"11","page":45},{"text":"حتى بلغ الصفراء (^١)، فبلغ النبيَّ ﷺ فركب في أثَرِه، فسبقه كُرْزُ بنُ جَابِرٍ، فرجع النبيُّ ﷺ، فأقام سنتَه، ثم إن أبا سفيانَ أقبَل من الشام في عِيرٍ لقريشٍ، حتى إذا كان قريبا من بدر، نزل جبريل على النبي ﷺ، فأوحى إليه: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾، فَنَفَر النبيُّ ﷺ بجميعِ المسلمين، وهم يومئذ ثلاثمائةٍ وثلاثة عشر رجلًا، منهم سبعون ومائتان من الأنصارِ، وسائرُهم من المهاجرين، وبلغ أبا سفيان الخبر وهو بالبطمِ (^٢)، فبعث إلى جميع قريشٍ وهم بمكةَ، فنفرت قريشٌ وغضبت.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. قال: كان جبريل ﵇ قد نزل، فأخبره بمسيرِ قريشٍ، وهى تريدُ عِيرَها، ووعده: إمَّا العير، وإما قريشًا، وذلك كان ببدر، وأخذوا السُّقاةَ وسألوها، فأخبروهم، فذلك قوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. هم أهل مكة.\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ إلى آخر الآية: خرج النبيُّ ﷺ إلى بدرٍ وهم يريدون يعترضون [عِيرًا لقريش] (^٣)، قال: وخرج الشيطان في صورة سُراقةَ بن جُعشُمٍ، حتى أتَى أهل مكةَ، فاستغواهم وقال: إن محمدًا\n_________\n(^١) الصفراء: قرية فوق ينبع، كثيرة المزارع والنخل، وبينها وبين بدر مرحلة. ينظر معجم ما استعجم للبكرى ٣/ ٨٣٦، ومعجم البلدان ٣/ ٣٩٩.\n(^٢) كذا بالنسخ ولم نجد من ذكره ممن كتب في البلدان والأماكن، وقد رجح الشيخ شاكر ١٣/ ٤٠٤ أن هذه الكلمة تحريف (إضمَ) واد بجبال تهامة وهو الوادى الذي فيه المدينة، فالله أعلم.\n(^٣) في ف: \"غير الفرس\".","vol":"11","page":46},{"text":"وأصحابَه قد عرضوا (^١) لعِيرِكم، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناسِ، مَن مثلُكم؟! وإنى جارٌ لكم أن تكونوا على ما يكره الله. فخرجوا ونادوا أن لا يتخلَّفَ منا أحد إلا هدَمنا داره واستبحْناه. وأخذ رسول الله ﷺ وأصحابه بالرَّوحاء (^٢) عينًا للقوم، فأخبره بهم، فقال رسولُ الله ﷺ: \"إنَّ الله قد وَعَدكُمُ العِير أو القومَ\". فكانت العيرُ أحبَّ إلى القوم [من القوم] (^٣)؛ كان القتالُ في الشوكةِ، والعيرُ ليس فيها قتال، وذلك قول الله ﷿: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. قال: الشوكةُ: القتالُ، وغيرُ الشوكة: العِيرُ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يعقوب بن محمد الزهرى، قال: ثنا عبد الله بن وهبٍ، عن ابن لَهِيعَةَ، عن ابن أبي حبيب، عن أبي عمران، عن أبي أيوبَ، قال: أنزل الله جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾. فلمّا وعدنا إحدى الطائفتين أنها لنا طابتْ أنفُسُنا، والطائفتان: عِيرُ أبي سفيان، أو قريش (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن لَهِيعةَ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن أسلم أبى عمران الأنصاريِّ، أحسبه قال: قال أبو أيوبَ: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س، ف: \"عزموا\".\n(^٢) الروحاء: قرية جامعة لمزينة على ليلتين من المدينة، بينهما أحد وأربعون ميلا. معجم ما استعجم ٢/ ٦٨١.\n(^٣) في ف: \"و\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٦١ من طريق ابن وهب به، وفى ٥/ ١٦٦٠، ١٦٦١، والطبراني في الكبير (٤٠٥٦) من طريق ابن لهيعة مطولا.","vol":"11","page":47},{"text":"الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. قالوا: الشوكةُ: القوم، وغيرُ الشوكة: العِيرُ، فلمَّا وعدنا الله إحدى الطائفتين؛ إما العِيرَ، وإما القومَ، طابَت أنفسنا.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنى يعقوب بن محمدٍ، قال: ثنى غيرُ واحدٍ في قوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾: أن الشوكةَ قريش.\nحُدِّثت عن الحسين بن الفرجِ، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لكُمْ﴾: هي عِيرُ أبي سفيان، ودّ أصحاب رسول الله ﷺ أن العِيرَ كانت لهم، وأن القتالَ صُرف عنهم (^١).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. أي: الغنيمةَ دونَ الحربِ (^٢).\nوأما قوله: ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ ففُتحت على تكرير \"يَعِدُ\"، وذلك أن قولَه: ﴿يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ قد عمل في ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾.\nفتأويل الكلام ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾: يعدكم أن إحدى الطائفتين لكم، كما قال: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً﴾ [محمد: ١٨]. قال: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. فأنَّثَ \"ذات\" لأنَّه مرادٌ بها الطائفة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٦١ من طريق أبي معاذ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٦٩ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٦٦٧.","vol":"11","page":48},{"text":"ومعنى الكلام: وتودُّون أن الطائفة التى هى غيرُ ذاتِ الشوكة تكون لكم، دون الطائفةِ ذاتِ الشوكة.\n\n<span data-type='title' id=toc-3697>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ويريدُ الله أن يُحقَّ الإسلام ويُعليَه (^١): ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾. يقولُ: بأمره إيَّاكم أيها المؤمنون بقتال الكفار، وأنتم تريدون الغنيمة والمال.\nوقوله: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: ويريد أن يَجُبَّ (^٢) أصلَ الجاحدين توحيدَ الله.\nوقد بيَّنا فيما مضَى معنى \"دابر\"، وأنَّه المتأخرُ، وأن معنى قطعه: الإتيان على الجميع منهم (^٣).\nوبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكر من قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾: أن يقتل هؤلاء الذين أراد أن يقطعَ دَابِرَهم، هذا خيرٌ لكم من العِيرِ.\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاق ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ\n_________\n(^١) غير منقوطة في: ص، وفى ف: \"يغلبه\".\n(^٢) في ص، ف: \"يخيب\".\n(^٣) تقدم في ٩/ ٢٥٠.","vol":"11","page":49},{"text":"بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾. أي: الوقعة التي أوقعَ بصناديد قريش وقادتهم (^١) يوم بدرٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1168\"></span><span data-type='title' id=toc-3698>القول في تأويل قوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ويريد الله أن يقطَعَ دابر الكافرين كيما يُحقُّ الحق، كيما يُعبد الله وحده دونَ الآلهة والأصنام، ويُعَزَّ الإسلام، وذلك هو تحقيق الحقِّ: ﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾. يقولُ: ويبطل عبادة الآلهة والأوثان والكفر (^٣)، ولو كره ذلك الذين أجرَموا، فاكتسبوا المآثم والأوزار من الكفار.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾: هم المشركون.\nوقيل: إن الحقَّ في هذا الموضعِ اللهُ ﷿.\n\n<span id=\"aya-1169\"></span><span data-type='title' id=toc-3699>القول في تأويل قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ويُبطل الباطل حين تستغيثونَ ربَّكم، فـ ﴿إذْ﴾ مِن صلة (^٤) ﴿يُبْطِلَ﴾.\nومعنى قوله: ﴿تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾: تستجِيرون به من عدوِّكُم، وتدعُونَه للنصرِ عليهم، ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾. يقولُ: فأجاب دعاءَكُم بأَنِّي مُمِدُّكم بألفٍ\n_________\n(^١) في ف: \"قائدهم\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٦٦٧.\n(^٣) في ص، ف: \"الكفرة\".\n(^٤) بعده في م: \"من\".","vol":"11","page":50},{"text":"من الملائكةِ يُردِفُ بعضُهم بعضًا، ويتلو بعضهم بعضًا.\nوبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ، وجاءت الرواية عن أصحاب رسول الله ﷺ.\nذكرُ الأخبار بذلك\nحدَّثني محمد بن عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن عكرمة بن عمار، قال: ثنى سماك الحنفيُّ، قال: سمعتُ ابن عباس يقولُ: ثني عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ قال: لما كان يوم بدر ونظَر رسول الله ﷺ إلى المشركين وعِدَّتِهم، ونظر إلى أصحابه نيِّفًا على ثلاثمائة، فاستقبل القبلة، فجعل يدعو ويقولُ: \"اللهمَّ أنجِز لي ما وَعدتَنى، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، لا تُعبَدْ في الأرض\". فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤُه، وأخذه أبو بكرٍ الصديقُ ﵁، فوضع رداءَه عليه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: كذاك (^١) يا نبيَّ الله، بأبي وأمِّى مناشدتَك ربَّكَ، فإنه سيُنجِزُ لك ما وعدك، فأنزل الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُردِفِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس، قال: لما اصطفَّ القومُ، قال أبو جهل: اللهمَّ، أولانا بالحقِّ فانصره. ورفع\n_________\n(^١) في م: \"كفاك\". وقد روى الخبر بالوجهين جميعا، قال النووى: هكذا وقع لجماهير رواة مسلم (كذاك) بالذال: ولبعضهم (كفاك) بالفاء، وفي رواية البخارى: حسبك مناشدتك ربك. وكلٌّ بمعنى. صحيح مسلم بشرح النووى ١٢/ ٨٥.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٧٦٣) من طريق ابن المبارك به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٣٥٠، ١٤/ ٣٦٥، وأحمد ١/ ٣٣٤ - ٣٣٦ (٢٠٨)، وعبد بن حميد (٣١)، وأبو داود (٢٦٩٠)، والترمذى (٣٠٨١)، وأبو عوانة (٦٦٩٢ - ٦٦٩٥)، والطحاوى في المشكل (٣٣٠٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٦٢، ١٧٣٠، وابن حبان (٤٧٩٣)، وأبو نعيم في الدلائل (٤٠٨)، والبيهقى ٦/ ٣٢١، وفى الدلائل ٣/ ٥١ - ٥٣ من طريق عكرمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٩ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.","vol":"11","page":51},{"text":"رسول الله ﷺ يدَه، فقال: \"يا ربِّ، إن تَهلِك هذه العصابة فلن تُعبَدَ في الأرضِ أبدًا\" (^١).\nحدَّثني محمد بن سعد، [قال: ثني أبي] (^٢)، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قام النبي ﷺ، فقال: \"اللهمَّ ربنا أنزلتَ علىَّ الكتاب، وأمَرتَنى بالقتال، ووعدتَنى بالنَّصرِ، ولا تُخلِفُ الميعادَ\". فأتاه جبريل ﵇، فأنزل اللَّهُ ﴿أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَورِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤، ١٢٥].\nحدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي (^٣) إسحاق، عن زيد بن نُفيعٍ (^٤)، قال: كان أبو بكرٍ الصدِّيق ﵁ مع رسول الله ﷺ على (^٥) العريش، فجعل النبيُّ ﷺ يدعو، يقول: \"اللهمَّ انصُرْ هذه العِصابَةَ، فإِنَّكَ إن لم تفعل لم (^٦) تُعبَد في الأرضِ\". قال: فقال أبو بكرٍ: بعض مناشدَتِك، مُنجِزَكَ ما وعدَك (^٧).\nحدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٥٩.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"ابن\". وهو خطأ.\n(^٤) كذا في النسخ، وصوابه: \"يشيع\"، ووقع في مصدر التخريج على الصواب. وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ١١٥.\n(^٥) في م: \"في\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، س: \"لن\".\n(^٧) أخرجه ابن أبى شيبة ١٤/ ٣٦٩ عن أبى معاوية به.","vol":"11","page":52},{"text":"السُّدىِّ، قال: أقبل النبي ﷺ يدعو الله ويستغيثه ويستنصِرُه، فأنزل الله عليه الملائكة (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج قولَه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾. قال: دعا النبيُّ ﷺ] (^١).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾. أي: بدعائكم. حين (^٢) نظروا إلى كثرة عدوِّهم وقلة عددهم، ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ بدعاءِ رسول الله ﷺ ودعائكم معه (^٣).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو بكر بن عياشٍ، عن أبي حصينٍ، عن أبي صالح، قال: لما كان يومُ بدرٍ، جعل النبي ﷺ يناشِد ربَّه أَشدَّ النِّشدةِ يدعو، فأتاه عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسولَ اللهِ، بعض نشدَتِك؛ فواللهِ لَيَفِينَّ الله لكَ بما وعدَك (^٤).\nوأمَّا قولُه: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. فقد بينا معناهُ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل\nذكر من قال ذلك\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْف مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. يقولُ: المزيد،\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٥٥٩.\n(^٢) في ص، ت ١، س، ف: \"حتى\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٦٦٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٦٣ من طريق ابن إدريس عن ابن إسحاق.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٥٩ عن أبي بكر بن عياش به.","vol":"11","page":53},{"text":"كما تقولُ: ائتِ الرجل فزِدْه كذا وكذا (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أحمد بن بشيرٍ، عن هارون بن عنترةَ، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿مُرْدِفِينَ﴾. قال: متتَابِعين (^٢).\nقال: ثني أبي، عن سفيان، عن هارون بن عنترة (^٣)، عن ابن عباسٍ مثله (^٢).\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلتِ، قال: ثنا أبو كُدَينَةَ، عن قابوسَ، عن أبيه عن ابن عباسٍ: ﴿مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. قال: وراء كلِّ ملَكٍ ملَكٌ (^٤).\nحدَّثني ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي كُدينة يحيى بن المهلبِ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿مُردِفِينَ﴾. قال: متتابعين (^٥).\nقال: ثنا هانئُ بن سعيدٍ، عن حجاج بن أرطاة، عن قابوسَ، قال: سمعت أبا ظبيان يقولُ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾. قال: الملائكةُ بعضُهم على إثرِ بعضٍ (^٥).\nقال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبر، عن الضحاك، قال: ﴿مُردِفِينَ﴾. قال: بعضُهم على إثرِ بعضٍ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاءَ، عن ابن أبي\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٦٠، لكن بلفظ: \"المدد\" بدل \"المزيد\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٦٣ من طريق هارون به.\n(^٣) كذا في النسخ \"هارون بن عنترة عن ابن عباس\"، وليس له عن ابن عباس رواية، وقد سبق في الأثر قبله ذكر الواسطة بينهما، فلعل هاهنا سقطًا. وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ١٠٠.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٦٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٦٠.","vol":"11","page":54},{"text":"نجيحٍ، عن مجاهد مثلَه (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾. قال: مُمدِّين. قال ابنُ جُرَيج: عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ قال: ﴿مُرْدِفِينَ﴾. الإرْدافُ: الإمداد بهم (^٢).\nحدَّثني بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. أي متتابعين (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ [. . . . . . .] (^٤).\n[قال: حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى] (^٥)، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُردِفِينَ﴾. يتبع بعضُهم بعضًا (^٦).\nحدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾. قال: المرْدِفِين: بعضُهم على إثْرِ بعضٍ، يتبَعُ بعضُهم بعضًا (^٧).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٥٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧١ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٦٠.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٥٥ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سقط من النسخ بقية الإسناد، وهو: عن معمر عن قتادة، مثله. وهو في تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٥٥ عن معمر به.\n(^٥) كذا في: ص، ت ١، ت ٢، س، ف، وسقط من: م. وصوابه: حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل به، وهو إسناد دائر.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٦٣ من طريق أسباط به.\n(^٧) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٦٣ معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧١ إلى أبى الشيخ.","vol":"11","page":55},{"text":"حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيد بن سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. يقولُ: متتابعين يوم بدرٍ (^١).\nواختلفتِ القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأتْه عامة قرأة أهل المدينة: (مردَفين) بنصب الدال (^٢).\nوقرأه بعضُ المكيِّين وعامَّةُ قرأةِ الكوفيين والبصريين: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ (^٣) وكان أبو عمرو يقرؤه كذلك، ويقولُ فيما ذُكِر عنه: هو من أردف بعضهم بعضًا\"، وأنكر هذا القول من قول أبي عمرٍو بعضُ أهل العلم بكلام العرب، وقال: إنما الإرْدافُ: أَن يَحمِلَ الرجلُ صاحبَه خلْفه، قال: ولم يُسْمَعْ هذا في نَعْتِ الملائكة يومَ بدرٍ.\nواختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى ذلك إذا قُرِئ بفتح الدال أو بكسرها.\nفقال بعضُ البصريين والكوفيين: معنى ذلك إذا قُرِئ بالكسرِ: أن الملائكة جاءت يتبَعُ بعضها بعضًا، على لُغةِ مَن قال: أرْدفْتُه. وقالوا: العربُ تقول: أرْدفْتُه وردِفْتُه، بمعنى: تبِعْتُه وأتْبَعْتُه، واستُشهِد لصحةِ قولهم ذلك بما قال الشاعر (^٤):\nإذا الجَوْزَاءُ أرْدِفَتِ الثُّريَّا … ظنَنْتُ بَآلِ فاطِمةَ الظُّنُونا\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٦٣ معلقًا.\n(^٢) هي قراءة نافع. ينظر السبعة ص ٣٠٤، والتيسير ص ٩٥.\n(^٣) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. ينظر المصدرين السابقين.\n(^٤) هو حَزِيمة بن نهد، والبيت في لسان العرب (ر د ف)، (ق ر ظ) والأغاني ١٣/ ٧٨، وسمط اللآلي ص ١٠٠.","vol":"11","page":56},{"text":"قالوا: فقال الشاعرُ: أردفَتْ. وإنما أراد: رَدِفتْ؛ جاءت بعدها؛ لأن الجوزاءَ تجيءُ بعد الثُّريا. وقالوا: معناه: إذا قُرِئ (مُرْدَفِينَ) أنه مفعولٌ بهم، كأن معناه: بألفٍ من الملائكةِ يُردِفُ اللَّهُ بعضهم بعضًا.\nوقال آخرون: معنى ذلك إذا كُسِرَت الدالُ: أردفَت الملائكةُ بعضها بعضًا، وإذا قُرِئَ بفتحها: أردف الله المسلمين بهم.\nوالصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأَ: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ بكسرِ الدَّالِ (^١)؛ لإجماعِ أهل التأويل على ما ذَكَرتُ من تأويلهم، أن معناه: يتبَعُ بعضُهم بعضًا ومتتابِعِين، ففى إجماعهم على ذلك من التأويل الدليلُ الواضح على أنّ الصحيحَ من القراءة ما اخْتَرْنا في ذلك من كسر الدال، بمعنى: أردف بعض الملائكة بعضًا، ومسموعٌ من العربِ: جئتُ مُرْدِفًا لفُلانٍ: أَى جِئْتُ بعده.\nوأما قولُ من قال: معنى ذلك إذا قرئِ (مردَفين) بفتح الدال، أن الله أردَف المسلمين بهم، فقولٌ لا معنى له؛ إذ الذكر الذي في (مردَفين) من الملائكة دون المؤمنين.\nوإنما معنى الكلام: أن يُمدَّكم بألفٍ من الملائكةِ يُردَفُ بعضُهم ببعض، ثم حذَف ذكر الفاعلِ، وأخرج الخبر غير مسمًّى فاعله، فقيل: (مردفين) بمعنى: مردفٌ بعضُ الملائكة ببعضٍ. ولو كان الأمر على ما قاله من ذكَرنا قوله، وجب أن يكون في (المردَفين) ذكر المسلمين لا ذكر الملائكة، وذلك خلافُ ما دلَّ عليه ظاهرُ القرآن.\nوقد ذُكر في ذلك قراءةٌ أخرى، وهى ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: قال عبد الله بن يزيدَ (مُردِّفين)، و(مُرِدِّفينَ)، و(مُرُدِّفين)، مثقَّلٌ على\n_________\n(^١) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"11","page":57},{"text":"معنى: مُرْتَدِفين (^١).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يعقوب بن محمد الزهرى، قال: ثني عبد العزيز بن عمران عن الزَّمْعِي (^٢)، عن أبي الحُويرث، عن محمدِ بنِ جُبيرٍ، عن عليٍّ ﵁، قال: نزل جبريلُ في ألف من الملائكة عن ميمنةِ النبي ﷺ، وفيها أبو بكر ﵁، ونزل ميكائيل ﵇ في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي ﷺ، وأنا فيها (^٣).\n\n<span id=\"aya-1170\"></span><span data-type='title' id=toc-3700>القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: لم يجعَلِ اللَّهُ إرداف الملائكة بعضها بعضًا، وتتابعها بالمصير إليكم أيها المؤمنون مددًا لكم، ﴿إلَّا بُشْرَى﴾ لكم. أي: بشارةً لكم، تُبشِّرُكم بنصر الله إياكم على أعدائكم، ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾. يقولُ: ولتسكُن قلوبكم بمجيئها (^٤) إليكم، وتُوقِنَ بنصرِ (^٥) اللهِ لكم، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾. يقولُ: وما تُنصرون على عدوّكم أيها المؤمنون إلا أنْ ينصرَكم الله عليهم، لا بشدة بأسكم وقواكُم، بل بنصر الله لكم؛ لأن ذلك بيده وإليه، ينْصُرُ من يشاءُ من خلقِه، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. يقول: إن الله الذى ينصركم وبيده نصرُ من يشاءُ من خلقه ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يقهرُه شيءٌ، ولا يغْلِبُه غالبٌ،\n_________\n(^١) ينظر المحتسب ١/ ٢٧٣، وتفسير القرطبي ٧/ ٣٧١.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الربعي\". والزمعى: موسى بن يعقوب. ينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ١٧١.\n(^٣) نقله ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٦٠ عن المصنف، وعزاه إليه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٠.\n(^٤) في ص، ت ١، س، ف: \"لمجيئها\".\n(^٥) في م: \"بنصرة\".","vol":"11","page":58},{"text":"بل يَقْهَرُ (^١) كلَّ شيءٍ ويَغْلِبُه؛ لأنه خَلْقُهُ: ﴿حَكِيمٌ﴾. يقولُ: حكيمٌ في تدبيرِه ونصرِه من نصَر، وخذْلانِه من خَذَل مِن خلقِه، لا يدخُلُ تدبيرَه وهنٌ ولا خلَلٌ.\nورُوى عن عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ، عن مجاهدٍ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخبَرنى ابنُ كثيرٍ، أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: ما مُدَّ النبيُّ ﷺ مما ذكَر الله غيرَ ألفٍ من الملائكةِ مُرْدِفينَ، وذكرَ \"الثلاثةَ\" و\"الخمسةَ\" بشرَى، ما مُدُّوا بأكثرَ من هذه الألفِ الذي ذكَر اللهُ ﷿ فى الأنفالِ. وأما \"الثلاثةُ\" و\"الخمسة\"، فكانت بُشرَى (^٢).\nوقد أتينا على ذلك في سورةِ \"آل عمرانَ\" بما فيه الكفايةُ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1171\"></span><span data-type='title' id=toc-3701>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ولتطمئنَّ به قلوبُكم إذْ يُغَشِّيكم (^٤) النعاسَ، ويعنى بقولِه: ﴿يُغَشِّيكُمُ (^٤) النُّعَاسَ﴾: يُلقِى عليكم النعاسَ، ﴿أَمَنَةً﴾. يقولُ: أمانًا من اللهِ لكم من عدوِّكم أن يغلِبَكم، وكذلك النعاسُ في الحربِ أمنةٌ من اللهِ ﷿.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ،\n_________\n(^١) في ت ١، س، ف: \"يدبر\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٧٠ إلى سنيد وأبى الشيخ.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٦/ ٢٠، وما بعدها.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يغشاكم\"، وسيأتي أنها قراءة.","vol":"11","page":59},{"text":"عن عبدِ اللهِ، قال: النعاسُ فى القتالِ أمنةٌ مِن الله ﷿، وفى الصلاةِ من الشيطانِ (^١).\nحدَّثني الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، في قولِه: (يغشاكم النعاسُ أمنةً منه)، عن عاصمٍ، عن أبى رَزِينٍ (^٢)، قال: قال عبدُ اللهِ. فذكَر مثلَه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن عبدِ اللهِ بنحوِه. والأمنةُ مصدرٌ من قولِ القائلِ: أمِنتُ من كذا أَمَنَةً وأمانًا وأمْنًا. وكلُّ ذلك بمعنًى واحدٍ.\nوبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَمَنَةً مِنْهُ﴾: أمانًا من اللهِ ﷿ (^٤).\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَمَنَةً﴾. قال: أَمْنًا من اللهِ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٥٦، وفي المصنف (٤٢١٩)، وابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٦٤ من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٣١١ لكن عاصم عن زر عن عبد الله، ينظر تخريج الكشاف للزيلعي ٢/ ١٥.\n(^٢) بعده فى م، س: \"عن عبد الله بنحوه\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٥٦.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٥٢ ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٦٥، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ١٧١ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"11","page":60},{"text":"﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾. قال: أنزَل اللهُ ﷿ النعاسَ أمنةً من الخوفِ الذى أصابَهم يومَ أُحدٍ. فقرأ: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤].\nواختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾؛ فقرأ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (يُغْشِيكُمُ النُّعاسَ) بضمِّ الياءِ وتخفيفِ الشينِ ونصبِ النعاسِ، من أغشاهمُ اللهُ النعاسَ، فهو يُغشِيهم (^١).\nوقرأتْه عامةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ بضم الياءِ وتشديدِ الشينِ من غشَّاهمُ اللهُ النعاسَ، فهو يُغشِّيهم (^٢).\nوقرأ ذلك بعضُ المكيِّين والبصريِّين (يَغْشاكُم النُّعاسُ) بفتحِ الياءِ ورفعِ النعاسِ، بمعنى غَشِيهم النعاسُ، فهو يَغْشاهُم (^٣)، واسْتشْهدَ هؤلاء لصحةِ قراءتِهم كذلك بقولِه فى آلِ عمرانَ: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً﴾ [آل عمران: ١٥٤].\nوأوْلَى ذلك بالصوابِ: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ﴾ (^٤). على ما ذكرتُ من قراءةِ الكوفيين لإجماعِ جميعِ القرأةِ على قراءةِ قولِه: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ بتوجِيه ذلك إلى أنه من فعلِ اللهِ ﷿، فكذلك الواجبُ أن يكون كذلك: ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾، إذْ كان قولُه: ﴿وَيُنَزِّلُ﴾ عطفًا على يُغَشِّى؛ ليكون الكلامُ متَّسِقًا على نحوٍ واحدٍ.\nوأما قولُه ﷿: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾، فإن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"يغشاكم\". وهى قراءة نافع. ينظر السبعة ص ٣٠٤، والكشف ١/ ٤٨٩، ٤٩٠.\n(^٢) هي قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر المصدرين السابقين.\n(^٣) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. ينظر المصدرين السابقين.\n(^٤) القراءات كلها صواب ومقروء بها.","vol":"11","page":61},{"text":"ذلك مطرٌ أنزله اللهُ من السماءِ يومَ بدرٍ؛ ليُطهِّرَ به المؤمنين (^١) لصلاتِهم؛ لأنهم كانوا أصبحوا يومَئِذٍ مُجْنِبين على غيرِ ماءٍ؛ فلما أنزَل اللهُ عليهم الماءَ، اغتسلوا وتطهَّرُوا، وكان الشيطانُ [قد وسْوس إليهم] (^٢) بما حزَنهم به، من إصْباحِهم مُجنِبين على غيرِ ماءٍ، فأذْهب اللهُ ذلك من قلوبِهم (^٣) بالمطرِ، فذلكَ ربْطُه على قلوبِهم وتقويتُه أسبابَهم وتَثْبيتُه بذلك المطرِ [أقدامَهم؛ لأنهم كانوا التَقَوْا مع عدوِّهم على رَمْلةٍ ميثاءَ (^٤)، فلبَّدَها المطرُ] (^٥) حتى صارت الأقدامُ عليها ثابتةً لا تسوخُ فيها؛ توطئةً من اللهِ ﷿ لنبيِّه ﵊ وأوليائِه - أسبابَ التمكُّنِ من عدوِّهم والظفَرِ بهم.\nوبمثلِ الذي قلنا، تتابعت الأخبارُ عن [رسولِ اللهِ ﷺ وغيرِه] (^٦) من أهلِ العلمِ.\nذكرُ الأخبارِ الواردةِ بذلك\nحدَّثنا هارونُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا مُصعبُ بنُ المِقدامِ، قال: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن حارثةَ، عن عليٍّ ﵁، قال: أصابَنا من الليلِ طشٌّ (^٧) من المطرِ، يعنى الليلةَ التي كانت في صبيحتِها وقعةُ بدرٍ، فانطلَقنا تحتَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"المؤمنون\".\n(^٢) في م: \"وسوس لهم\".\n(^٣) بعده في ت ١، س، ف: \"وتقويته ذلك من قلوبهم\".\n(^٤) في م: \"هشاء\"، وفى ت ٢: \"تثبتا\". وأرض ميثاء: لينة سهلة. الوسيط (م ى ث).\n(^٥) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٦) كذا في النسخ ولعل صواب العبارة \"أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم\".\n(^٧) الطش: المطر الضعيف وهو فوق الرذاذ. القاموس المحيط (ط ش ش).","vol":"11","page":62},{"text":"الشجَرِ (^١) والحجَفِ (^٢)، نَسْتظلُّ تحتَها من المطرِ، وباتَ رسولُ اللهِ ﷺ يدعو ربَّه: \"اللَّهُمَّ إنْ تهلِكْ هذه العِصابَةُ لا تُعْبَدْ فى الأرضِ\". فلما أن طلَع الفجرُ نادى: \"الصَّلاةَ عِبادَ اللهِ\". فجاء الناسُ من تحتِ الشجرِ والحجَفِ، فصلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ، وحرَّض على القتالِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ وأبو خالدٍ، عن داودَ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ: ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾. قال: طشٌّ يومَ بدرٍ (^٤).\nحدَّثنى الحسنُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا حفصٌ، عن داودَ، عن سعيدٍ، بنحوِه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى عديٍّ وعبدُ الأعلى، عن داودَ، عن الشعبيِّ وسعيدِ بن المسيّبِ، قالا: طشٌّ يومَ بدرٍ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن داودَ، عن الشعبيِّ وسعيدِ بنِ المسيّبِ فى هذه الآيةِ: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾. قالا: طَشٌّ كان يومَ بدرٍ، فثبَّت اللهُ به الأقدامَ (^٥).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: (إذ يغشاكم النعاسُ أمنةً منه) الآية، ذُكِر لنا أنهم مُطِرُوا يومَئذٍ حتى سالَ الوادى ماءً،\n_________\n(^١) في ص، ف: \"الشجرة\".\n(^٢) الحجفة: الترس. النهاية (ح ج ف).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٦٢، وأحمد ٢/ ٢٥٩ (٩٤٨)، وأبو داود (٢٦٦٥)، والبزار (٧١٩)، والبيهقى ٣/ ٢٧٦، ٩/ ٣٣١ من طريق إسرائيل به مطولا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٦٥ من طريق حفص به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧١ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٥٩ عن ابن أبى عدى به.","vol":"11","page":63},{"text":"واقتتلوا على كَثيبٍ أعْفَرَ، فلبَّده اللهُ بالماءِ، وشرِبَ المسلمون وتوضَّئوا وسقَوْا، وأذهبَ اللهُ عنهم وَسْواسَ الشيطانِ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نزل النبيُّ ﷺ، يعنى حينَ سارَ إلى بدرٍ، والمسلمون بينَهم وبين الماءِ رملةٌ دعْصَةٌ (^٢)، فأصابَ المسلمين (^٣) ضعفٌ شديدٌ، وألقى الشيطانُ في قلوبِهُم الغيظَ، فوسوَس بينهم: تزعمون أنكم أولياءُ اللهِ وفيكمْ رسولُه، وقد غلبكم المشركون على الماءِ وأنتم تُصلُّون مُجْنِبينَ! فأمطَر اللهُ عليهم مطرًا شديدًا، فشرِب المسلمون وتطهَّروا، وأذهَب اللهُ عنهم رِجْزَ الشيطانِ، وثَبَتَ الرملُ حين أصابه المطرُ، ومشى الناسُ عليه والدوابُّ، فسارُوا إلى القومِ، وأمدَّ الله نبيَّه ﷺ بألفٍ من الملائكةِ، فكان جبريلُ ﵇ في خمسِمائةٍ من الملائكةِ مُجنِّبةً، وميكائيلُ في خمسِمائةٍ مجنِّبةً (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: (إذ يغشاكم النعاسُ أمنةً منه) إلى قولِه: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾. وذلك أن المشركين من قريشٍ لما خرَجوا لينصُروا العِيرَ ويقاتلوا عنها، نزَلوا على الماءِ يومَ بدرٍ، فغلبوا المؤمنين عليه، فأصابَ المؤمنين الظمأُ، فجعلوا يُصَلُّون مجنِبينَ مُحدِثينَ، حتى تعاظم ذلك في صدورِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، فأنزَل اللهُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٦٥ من طريق سعيد بن بشير عن قتادة مطولًا بنحوه.\n(^٢) في اللسان (د ع ص) الدعصاء: أرض سهلة فيها رملة تحمى عليها الشمس فتكون رمضاؤها أشدَّ من غيرها.\n(^٣) في ص، ت ١، س: \"المسلمون\".\n(^٤) مجنبة الجيش: هي التي تكون فى الميمنة والميسرة، وهما مجنبتان. النهاية ١/ ٣٠٣. والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٦٣.","vol":"11","page":64},{"text":"من السماءِ ماءً حتى سال الوادِى، فشرِب المسلمون وملئُوا الأَسْقِيةَ، وسقَوُا الرِّكابَ واغتسلوا من الجنابةِ، فجعَل الله فى ذلك طُهورًا، وثبَّتَ الأقدامَ، وذلك أنه كانت بينَهم وبينَ القومِ رمْلةٌ فبعَث اللهُ عليها المطرَ، فضربَها حتى اشْتدتْ، وثبتَتْ عليها الأقدامُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: بينَا رسولُ اللهِ ﷺ والمسلمون، فسبقهم المشركون إلى ماءِ بدرٍ، فنزَلُوا عليه، وانصرَف أبو سفيانَ وأصحابُه تلقاءَ البحرِ، فانطلقُوا. قال: فنزلُوا على أعلَى الوادِى، ونزَل محمدٌ ﷺ في أسفلِه، فكان الرجلُ من أصحابِ محمدٍ ﵊ يُجنِبُ فلا يقدرُ على الماءِ، فيصلِّى جُنُبًا، فألقَى الشيطانُ في قلوبِهم، فقال: كيف ترجُون أن تظْهَروا عليهم، وأحدُكم يقومُ إلى الصلاةِ جُنُبًا على غيرِ وضوءٍ؟! قال: فأرسَل اللهُ عليهم المطرَ، فاغتسَلوا وتوضئُوا وشرِبوا، واشتدَّتْ لهم الأرضُ، وكانت بطحاءَ تدخلُ فيها أرجلُهم، فاشْتدَّت لهم من المطرِ واشْتدُّوا عليها (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال: ابنُ عباسٍ: غلَب المشركون المسلمين فى أوَّلِ أمرِهم على الماءِ فظمِئَ المسلمون، وصلَّوا مُجْنبين، محدِثينَ، وكانت بينَهم رمالٌ، فألقى الشيطانُ في قلوبِ المسلمين (^٣) الحزَنَ، فقال: تزعمون أن فيكم نبيًّا، وأنكم أولياءُ اللهِ، وقد غُلِبْتُم على الماءِ، وتصلُّون مُجنِبين محدِثين! قال: فأنزَل اللهُ ماءً من السماءِ، فسال كلُّ وادٍ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن مردويه -كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٢/ ١٦، ١٧ - وأبو نعيمٍ في الدلائل (٤٠٠)، والبيهقى فى الدلائل ٣/ ٧٨، ٧٩ من طريق عبد الله بن صالح به نحوه.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٦٣.\n(^٣) في م: \"المؤمنين\".","vol":"11","page":65},{"text":"فشِرب المسلمون وتطهَّروا، وثبتتْ أقدامُهم، وذهبتْ وسْوسةُ الشيطانِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾. قال: المطرُ أنزَله عليهم قبلَ النعاسِ، ﴿رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾. قال: وسْوستَه، قال: فأطفَأ بالمطرِ الغبارَ، والتَبدتْ به الأرضُ، وطابت به أَنفُسُهم، وثبَتتْ به أَقدامُهم (^٢).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾: أنزلَه عليهم قبلَ النُّعاسِ، طَبَّق بالمطرِ الغبارَ، ولبَّدَ به الأرضَ، وطابتْ به أنفُسُهم، وثبَّت به أقدامَهم (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾. قال: القَطْرُ، ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾: وساوِسَه، أطفأَ بالمطرِ الغُبارَ، ولبَّد به الأرضَ، وطابتْ به أنفُسُهم، وثبتَتْ به أقدامُهم (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، ﴿رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾: وسْوسَتَه (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾. قال: هذا يومَ بدرٍ أنزَل عليهم القطرَ، ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾: الذى ألقَى في قلوبِكم (^٤) ليس لكم بهؤلاء\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٧١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٥٢، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٦٥.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٧١ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ. وينظر التخريج السابق.\n(^٤) في ص، ف: \"قلوبهم\".","vol":"11","page":66},{"text":"طاقةٌ، ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (إذ يغشاكم النعاسُ أمنةً منه) إلى قولِه: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾. أن المشركين نزلوا بالماءِ يومَ بدرٍ، وغلَبوا المسلمين عليه، فأصابَ المسلمين الظمأُ، وصلَّوْا محدِثين مُجْنِبين، فألقَى الشيطانُ في قلوبِ المؤمنين الحزَنَ، ووسْوَس فيها: إنكم تزعمون أنكم أولياءُ اللهِ، وأن محمدًا نبيُّ اللهِ وقد غُلِبْتُم على الماءِ، وأنتم تُصلُّون محدِثين مجْنِبين. فأمطَر اللهُ السماءَ حتى سالَ كلُّ وادٍ، فشرِبَ المسلمون وملئُوا أسقِيتَهم، وسقَوْا دوابَّهم، واغتسَلوا من الجنابةِ، وثبَّت اللهُ به الأقدامَ، وذلك أنهم كان بينهم وبينَ عدوِّهم رملةٌ لا تجوزُها الدوابُّ، ولا يمشى فيها الماشى إلا (^١) بجَهدٍ، فضربَها اللهُ بالمطرِ حتى اشتَدَّتْ وثبتتْ فيها الأقدامُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: (إذ يغشاكم النعاسُ أمنةً منه). أى أَنزَلتُ عليكم الأمنةَ حتى نِمْتُمْ لا تخافون، [ونزَّلتُ (^٣) عليكم من السماءِ المطرَ؛ الذي أصابَهم تلك الليلةَ] (^٤)، فحُبِسَ المشركون أن [يسبقُوا إلى] (^٥) الماءِ، وخُلِّى سبيلُ المؤمنين إليه، ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾: ليُذهبَ عنهم شكَّ الشيطانِ بتخويفِه إيَّاهُم\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٦٣.\n(^٣) في م: \"نزل\".\n(^٤) في سيرة ابن هشام: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ للمطر الذي أصابهم تلك الليلة.\n(^٥) في ت ٢، ف: \"يستقوا\".","vol":"11","page":67},{"text":"عدوَّهم، واستجلادِ (^١) الأرضِ لهم، حتى انتهَوْا إلى منزِلِهم الذى سبَقوا (^٢) إليه عدوَّهم (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ثم ذكر ما ألقى الشيطانُ في قلوبِهم من شأنِ الجنابةِ، وقيامِهم يُصلُّون بغيرِ وضوءٍ، فقال: (إذ يغشاكم النعاسُ أمنةً منه وينزلُ عليكم من السماءِ ماءً ليطهرَكم به ويذهبَ عنكم رجزَ الشيطانِ وليربطَ على قلوبِكم ويُثبِّتَ به الأقدامَ) حتى (^٤) تشتدُّون على الرملِ، وهو كهيئةِ الأرضِ (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا داودُ بن أبي هندٍ، قال: قال رجلٌ عندَ سعيدِ بنِ المسيَّبِ، وقال مرَّةً: قرأ ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ (^٦)﴾. فقال سعيدٌ: إنما هى (ويُنْزِلُ عليكُمْ مِن السَّمَاءِ مَاءً لِيُطْهِرَكم بِهِ) (^٧). قال: وقال الشعبيُّ: كان ذلك طشًّا يومَ بدرٍ (^٨).\nوقد زعَم بعضُ أهلِ العلمِ بالغريبِ مِن أهلِ البصرةِ، أنَّ مجازَ قولِه: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾: ويُفْرِغَ عليهم الصبرَ وينزِّلَه عليهم، فيثبتون لعدوِّهم (^٩). وذلك قولٌ\n_________\n(^١) استجلاد الأرض: شدتها، واشتقاقها من الجَلَد، وهى الأرض الصلبة. ينظر تاج العروس (ج ل د).\n(^٢) فى م: \"سبق.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٦٦٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٦٦ من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن عروة بن الزبير قوله.\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"حين\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٦٧ من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧١ إلى أبى الشيخ.\n(^٦) فى ص، م، ف: \"بها\".\n(^٧) كذا هي قراءة سعيد، وهى قراءة شاذة. ينظر مختصر شواذ القرآن لابن خالويه ص ٥٤.\n(^٨) أثر الشعبي تقدم ص ٦٣ حاشية (٥).\n(^٩) ينظر مجاز القرآن ١/ ٢٤٢.","vol":"11","page":68},{"text":"خلافٌ لقولِ جميعِ أهلِ التأويلِ من الصحابةِ والتابعين، وحسْبُ قولٍ خطأً أن يكونَ خلافًا لقولِ مَن ذَكَرْنا. وقد بيَّنا أقوالَهم فيه، وأن معناه: ويُثبِّتُ أقدامَ المؤمنين بتلبيدِ المطرِ الرملَ حتى لا تسوخَ فيه أقدامُهم وحوافِرُ دوابِّهم.\n\n<span id=\"aya-1172\"></span>وأما قولُه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾: أَنصرُكُم، ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: قَوُّوا عزمَهم، وصحِّحُوا نيّاتِهم في قتالِ عدوِّهم من المشركين.\nوقد قيلَ: إنَّ تثبيتَ الملائكةِ المؤمنين كان حضورَهم حربَهم معهم. وقيل: كان ذلك معونتَهم إيَّاهم بقتالِ أعدائِهم. وقيل: كان ذلك بأن الملَكَ يأتى الرجلَ من أصحابِ النبيِّ ﷺ ويقولُ: سمِعتُ هؤلاءِ القومَ -يعنى المشركين- يقولون: واللهِ لئن حمَلُوا عليْنا لنَنْكشِفنَّ. فيحدِّثُ المسلمون بعضُهم بعضًا بذلك، فتقوَى أنفُسُهم. قالوا: وذلك كان وحيَ الله إلى ملائكتِه.\nوأما ابنُ إسحاقَ، فإنه قال بما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. أى فآزِرُوا الذين آمنوا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-3702>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: سأُرعِبُ قلوبَ الذين كفروا بي، أيها المؤمنون، منكم، وأملؤُها فَرَقًا حتى ينهزِموا عنكم، ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾.\nواختلفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾؛ فقال بعضُهم:\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٦٧، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٦٧ من طريق سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قوله.","vol":"11","page":69},{"text":"معناه: فاضربوا الأعناقَ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾. قال: اضربِوا الأعناقَ (^١).\nقال: ثنا أبي، عن المسعودِيِّ، عن القاسمِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إِنِّى لمْ أُبْعَثْ لأُعَذِّبَ بعذابِ اللهِ، إِنَّمَا بُعِثْتُ لِضَرْبِ الأَعْناقِ، وشدِّ الوَثَاقِ\" (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾. يقولُ: اضرِبوا الرقابَ (^٣).\nواحتجَّ قائلو هذه المقالةِ بأن العربَ تقولُ: رأيتُ نفْسَ فلانٍ. بمعنى رأيتُه، قالوا: فكذلك (^٤) قولُه: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾. إنما معناه: فاضربوا الأعناقَ.\nوقال آخرون: بل (^٥) معنى ذلك: فاضرِبوا الرؤوس.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: وحدثنا الحسينُ، عن يزيدَ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ١٧٢ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٣٩٠ من طريق وكيع به. وهو ضعيف الإسناد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٦٨ من طريق أبي معاذ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧٢ إلى أبي الشيخ.\n(^٤) في ص، ت ١، س، ف: \"فذلك\".\n(^٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قيل\".","vol":"11","page":70},{"text":"عن عكرمةَ: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾. قال: الرءوسَ (^١).\nواعتلَّ قائلو هذه المقالةِ بأن الذى فوقَ الأعناقِ [الرءوسُ. قالوا: وغيرُ جائزٍ أن تقولَ: فوقَ الأعناقِ] (^٢). فيكونَ معناه: الأعناقَ. قالوا: ولو جازَ ذلك كان أن يُقالَ: تحتَ الأعناقِ. فيكون معناه: الأعناق. قالوا: وذلك خلافُ المعقولِ من الخطابِ، وقلبُ معانى الكلامِ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: فاضرِبوا على الأعناقِ. وقالوا: \"على\" و\"فوقَ\" معناهما مُتقارِبان، فجاز أن يُوضَعَ أحدُهُما مكانَ الآخرِ.\nوالصوابُ من القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إن اللهَ أمَر المؤمنينَ مُعلِّمَهم كيفيةَ قتلِ المشركين وضرِبهم بالسيفِ، أن يضرِبوا فوقَ الأعناقِ منهم والأيديَ والأرجلَ. وقولُه: ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾. مُحتملٌ أن يكونَ مرادًا به الرءوسُ، ومحتملٌ أن يكونَ مرادًا به: مِن (^٣) فوقِ جلدةِ الأعناقِ، فيكونَ معناه: على الأعناقِ، وإذا احتَمل ذلك صحَّ قولُ من قال: معناه: الأعناقُ. وإذا كان الأمرُ محتمِلًا ما ذكرنا من التأويلِ، لم يكنْ لنا أن نوجِّهَه إلى بعضِ معانيه دونَ بعضٍ، إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها، ولا حجةَ تدلُّ على خصوصِه، فالواجبُ أن يُقالَ: إن اللهَ أمر بضربِ رءوسِ المشركينِ وأعناقِهم وأيدِيهم وأرجلِهم، أصحابَ نبيِّه ﷺ الذين شهِدوا معه بدرًا.\nوأما قولُه: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. فإن معناه: واضرِبوا، أيها المؤمنون، من عدوِّكم كلَّ طَرَفٍ ومَفْصِلٍ من أطرافِ أيدِيهم وأرجلِهم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٦٨ من طريق الحسين به.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) ليس في: م، ت ١، ت ٢.","vol":"11","page":71},{"text":"والبنانُ: جمعُ بنَانَةٍ، وهى أطرافُ أصابعِ اليدَيْن والرجليْن، ومن ذلك قولُ الشاعرِ (^١):\nألا ليْتنِي قطَّعْتُ منِّى (^٢) بنانةً … ولاقيْتُهُ في البَيْتِ يقْظانَ حاذِرا\nيعنى بالبنانةِ: واحدةَ البنانِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. قال: كلَّ مَفْصِلٍ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. قال: المفاصِلَ (^٣).\nقال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. قال: كلَّ مَفْصلٍ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسنُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. قال: الأطرافَ. ويقالُ: كلَّ مَفصِلٍ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ\n_________\n(^١) هو عباس بن مرداس، والبيت فى مجاز القرآن ١/ ٢٤٢، واللسان (ب ن ن).\n(^٢) في م: \"منه\"، وينظر مجاز القرآن وتفسير ابن كثير ٣/ ٥٦٦.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٦٨ من طريق ابن إدريس به.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٦٨ معلقًا، وابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٦٦.","vol":"11","page":72},{"text":"عباسٍ: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. يعنى بالبنانِ الأطرافَ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ قولَه: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. قال: الأطرافَ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. يعنى الأطرافَ.\n\n<span id=\"aya-1173\"></span><span data-type='title' id=toc-3703>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ هذا الفعلُ مِن ضرْبِ هؤلاء الكفرةِ فوقَ الأعناقِ، وضربِ كلِّ بنانٍ منهم (^٣) - جزاءٌ لهم بشقاقِهم اللهَ ورسولَه، وعقابٌ لهم عليه.\nومعنى قولِه: ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: فارَقوا أمرَ اللهِ ورسولِه وعصوْهُما، وأطاعوا أمرَ الشيطانِ.\nومعنى قولِه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: ومَن يخالفْ أمرَ اللهِ وأمرَ رسولِه، وفارقَ طاعتَهما، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ له، وشدَّةُ عقابِه له فى الدنيا: إحلالُه به ما كان يُحِلُّ بأعدائِه من النِّقمِ، وفي الآخرةِ الخلودُ في نارِ جهنمَ، وحذفَ (له) من الكلامِ لدلالةِ الكلامِ عليها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٦٨ من طريق أبي صالح به.\n(^٢) ذكره البغوى في تفسيره ٣/ ٣٣٥.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، س، ف: \"بأنهم\".","vol":"11","page":73},{"text":"<span id=\"aya-1174\"></span><span data-type='title' id=toc-3704>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: هذا العقابُ الذى عجَّلْتُه لكم أيها الكافرون، المشاقُّون للهِ ورسولِه في الدنيا، من الضربِ فوقَ الأعناقِ منكم، وضربِ كلِّ بنانٍ بأيدى أوليائى المؤمنين، فذوقوه عاجلًا، واعلَموا أن لكم فى الآجلِ والمعادِ عذابَ النارِ. ولفتحِ \"أنّ\" من قولِه: ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ من الإعرابِ وجهان: أحدُهما الرفعُ، والآخرُ النصبُ.\nفأما الرفعُ فبمعنى: ذلكم فذُوقوه ذلكُم وأن للكافرين عذابَ النارِ، بنيَّةِ تكريرِ \"ذلكُم\"، كأنه قيل: ذلكُم الأمرُ وهذا.\nوأما النصبُ فمن وجهَيْن: أحدُهما: ذلكم فذوقوه واعلموا -أو وأيقِنوا- أن للكافرين، فيكونُ نصبُه بنيةِ فعلٍ مضمرٍ، قال الشاعرُ (^١):\nورأيْتِ زَوْجَكِ في الوغى … مُتقَلِّدًا سَيفًا وَرُمْحا\nبمعنى: وحاملًا رُمْحًا.\nوالآخرُ بمعنى: ذلكم فذوقوه، وبأن للكافرين عذابَ النارِ. ثم حُذفتِ الباءُ فنُصِبتْ.\n\n<span id=\"aya-1175\"></span><span data-type='title' id=toc-3705>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) سبق تخريجه في ١/ ١٤٠، ٢٧١، ٥/ ٤١٨، ٨/ ٥١٧.","vol":"11","page":74},{"text":"يعني تعالى ذكرُه: يا أيها الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في القتال، ﴿زَحْفًا﴾. يقولُ: متزاحفًا بعضُكم إلى بعضٍ، والتزاحُفُ: التدانِي والتقاربُ، ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾. يقولُ: فلا تولُّوهم ظهورَكُم فتنهزمُوا عنهم، ولكن اثْبُتوا لهم، فإنّ اللهَ معكُم عليهم، ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. يقولُ: ومن يولِّهم منكم ظهرَه، ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾. يقولُ: إلا مُسْتطرِدًا لقتالِ عدوِّه بطلبِ عَوْرةٍ له يمكنُه إصابتُها، فيكُرُّ عليه، ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾. أو إلَّا أن يولِّيَهم ظهرَه، ﴿مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾. يقولُ: صائرًا إلى حيزِ المؤمنين الذين يفيئون (^١) به معهم إليهم لقتالِهم، ويَرْجِعون به إليهم معهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾. قال: المتحرِّفُ: المتقدِّمُ من أصحابِه؛ ليرى عورةً (^٢) من العدوِّ فيُصيبَها. قال: والمتحيِّزُ: الفارُّ إلى النبيِّ ﷺ وأصحابِه، وكذلك من فرَّ اليومَ إلى أميرِه وأصحابِه. قال الضحَّاكُ: وإنما هذا وعيدٌ من اللهِ لأصحابِ محمدٍ ﷺ، ألا يفروا، وإنما كان النبيُّ ﵊ وأصحابُه (^٣) فئَتَهم (^٤).\n_________\n(^١) في ف: \"يعنون\".\n(^٢) في ف: \"غرة\".\n(^٣) سقط من: م، ت ٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٠، ١٦٧١ من طريق أبي خالد الأحمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٧٣ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":75},{"text":"<span id=\"aya-1176\"></span>حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾: أمَّا المتحرِّفُ، يقولُ: الاستطرادُ (^١)، يريدُ العورةَ (^٢)، ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾. قال: المتحيِّزُ إلى الإمامِ وجندِه (^٣) إن هو كرَّ فلم يكنْ له بهم طاقةٌ، ولا يُعْذَرُ الناسُ وإن كثُروا أن يولُّوا عن الإمامِ (^٤).\nواخْتَلف أهلُ العلمِ في حكمِ قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾، هل هو خاصٌّ فى أهلِ بدرٍ، أم هو فى المؤمنين جميعًا؟ فقال قومٌ: هو لأهلِ بدرٍ خاصَّةً؛ لأنه لم يكنْ لهم أن يترُكوا رسولَ اللهِ ﷺ مع عدوِّه وينهزموا عنه، [فأَمَّا اليومَ فلهم] (^٥) الانهزامُ؟\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن أبي نَضْرةَ فى قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: ذاك يومَ بدرٍ، لم يكنْ لهم أن ينحازوا، ولو انحاز أحدٌ لم ينحزْ إلَّا إلى. قال أبو موسى: يعنى إلى المشركين (^٦).\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"إلا منتظرا\"، وفى م: \"إلا مستطردا\". فى كلٍّ مصحفة، وما أثبتناه موافق لما سبق ومصدر التخريج.\n(^٢) في م: \"العودة\".\n(^٣) فى ت ١، ت ٢، س، ف: \"حيده\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٧٠ من طريق أسباط به مختصرا بنحوه.\n(^٥) فى م: \"فاليوم أفلهم\".\n(^٦) أخرجه ابن أبى شيبة ١٤/ ٣٨٠ عن عبد الأعلى به.","vol":"11","page":76},{"text":"حدَّثنا إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن داودَ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبى سعيدٍ قولَه ﷿: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال: ولو انحازوا انحازوا إلى المشركين ولم يكنْ يومَئذ مسلمٌ في الأرضِ غيرُهم (^١).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا داودُ، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيدٍ، قال: نزَلت في يومِ بدرٍ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى وعليُّ بنُ مسلمٍ الطُّوسيُّ، قال ابنُ المثنى: ثنى عبدُ الصمدِ، وقال عليٌّ: ثنا عبُد الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن داودَ -يعني (^٣) ابن أبي هندٍ- عن أبى نضرةَ، عن أبي سعيدٍ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: يومَ بدرٍ. قال أبو موسى: حُدِّثت أن فى كتابِ غُنْدَرٍ هذا الحديثَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، عن أبي سعيدٍ (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ عاصمٍ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن أبى نضرةَ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: إنما كان ذلك يومَ بدرٍ، ولم يكنْ للمسلمين فئةٌ إلَّا رسولُ اللهِ ﷺ، فأما بعدَ ذلك، فإن المسلمين بعضُهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٠ من طريق داود به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٧٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٢٠٤) عن حميد بن مسعدة به، وأخرجه أبو داود (٢٦٤٨) من طريق بشر به.\n(^٣) فى ف: \"عن\".\n(^٤) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٢٠٣) -وعنه النحاس في ناسخه ص ٤٦٠ - والحاكم ٢/ ٣٢٧ من طريق شعبة به. وأخرجه ابن الجوزى فى النواسخ ص ٣٤٥ من طريق غندر به.","vol":"11","page":77},{"text":"فئةٌ لبعضٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى عن داودَ، عن أبي نضرةَ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: هذه نزلَت فى أهلِ بدرٍ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ عونٍ، قال: كتبتُ إلى نافعٍ أسألُه عن قولِه: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾: أكان ذلك اليومَ أم هو بعدُ؟ قال: وكتبَ إليَّ: إنما كان ذلك يومَ بدرٍ (^٣).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدٌ، عن سفيانَ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: إنما كان الفِرارُ يومَ بدرٍ (^٤)، لم يكن لهم ملجأٌ يلجئون إليه، فأما اليومَ فليس فِرارٌ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الربيعِ، عن الحسنِ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: كانت هذه يومَ بدرٍ خاصَّةً، ليس الفرارُ من الزحفِ من الكبائرِ (^٦).\nقال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: كانت هذه يومَ بدرٍ خاصَّةً (^٧).\n_________\n(^١) ذكره البغوى في تفسيره ٣/ ٣٣٧ عن أبي سعيد.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٠ معلقا.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك فى الجهاد (٢٣١) عن ابن عون به.\n(^٤) بعده في م: \"و\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (٩٥٢١) عن الثورى به نحوه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٨٦، والنحاس في ناسخه ص ٤٦٠ من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٨٦ عن وكيع به.","vol":"11","page":78},{"text":"قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، عن حبيبِ بنِ الشهيدِ، عن الحسنِ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: نزَلت فى أهلِ بدرٍ (^١).\nحدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: ذلكم يومُ بدرٍ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن المباركِ بنِ فَضالةَ، عن الحسنِ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: ذلك يومُ بدرٍ، فأما اليومَ فإنِ انحازَ إلى فئةٍ أو مِصرٍ، أحسَبُه قال: فلا بأسَ به (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا قَبيصةُ بنُ عقبةَ، قال: قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ عونٍ، قال: كتبت إلى نافعٍ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: إنما هذا يومُ بدرٍ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ لَهِيعةَ قال: ثنى يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ، قال: أَوْجب اللهُ لمن فرَّ يومَ بدرٍ النارَ. قال: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾. فلما كان يومُ أحدٍ بعدَ ذلك قال: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]. ثم كان حُنينٌ بعدَ ذلك بسبعِ (^٤) سنينَ، فقال: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ - ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٥) [التوبة: ٢٥ - ٢٧].\n_________\n(^١) أخرجه ابن الجوزى فى النواسخ ص ٣٤٥ من طريق روح بن عبادة به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (٩٥٢٠) عن معمر به، بلفظ أطول من هذا. وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ١٧٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك فى كتاب الجهاد (٢٣٢)، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٧١ من طريق المبارك بن فضالة به.\n(^٤) فى ف: \"بتسع\".\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٧٠ معلقًا، وعزاه السيوطى فى الدر ٣/ ١٧٣ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":79},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا ابنُ عونٍ، عن محمدٍ، [أن عمرَ] (^١) ﵁ بلَغه قتلُ أبي عُبيدٍ، فقال: [لو انحاز إليَّ إن كنتُ له لفئةً] (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن جريرِ بنِ (^٣) حازمٍ، قال: ثني قيسُ بنُ سعدٍ (^٤)، قال: سألت عطاءَ بنَ أبي رباحٍ عن قولِه: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. قال: هذه منسوخةٌ بالآية التي في الأنفالِ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]. قال: وليس لقومٍ أن يفرُّوا من مِثْلَيهم (^٥). قال: [ونسِخَت تلك إلا] (^٦) هذه العِدَّةَ (^٧).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن سليمانَ التَّيْميِّ. عن أبي عثمانَ، قال: لما قُتِل أبو عُبيدٍ جاء الخبرُ إلى عمرَ، فقال: يا أيُّها الناسُ أنا\n_________\n(^١) فى ص: \"أبى عمر\". وفى ف: \"أبي عمرو\".\n(^٢) فى م: \"لو تحيز إلى لكنت له فئة\".\nوالأثر أخرجه ابن المبارك فى الجهاد (٢٣٣)، وابن أبى شيبة ١٢/ ٥٣٦ من طريق ابن عون به، وأخرجه ابن المبارك (٢٣٤)، وعبد الرزاق في مصنفه (٩٥٢٢)، والبيهقى ٩/ ٧٧ من طرق عن عمر.\n(^٣) بعده في ف: \"أبي\".\n(^٤) في النسخ: \"سعيد\". والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٤٧ - ٥٠.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"مثلهم\".\n(^٦) فى الجهاد لابن المبارك: \"نسخت هذه الآية\"، والمراد من قول المصنف: ونُسخت تلك -أى ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ - إلا هذه العدة -أى ﴿مائة يغلبوا مائتين﴾ - فلا يجوز لمسلم أن يفر من مثليه.\n(^٧) الجهاد لابن المبارك (٢٣٦). وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٧٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ، وقد روى عبد الرزاق فى المصنف (٩٥١٩) عن ابن جريج عن عطاء ما يفيد أنه أثبت معناها ولم يقل بنسخها.","vol":"11","page":80},{"text":"فئتُكم (^١).\nقال ابنُ المباركِ، عن معمرٍ وسفيانَ الثوريِّ وابنِ عُيينةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال عمرُ ﵁: أنا فئةُ كلِّ مسلمٍ (^٢).\nوقال آخرون: بل هذه الآيةُ حكمُها عامٌّ فى كلِّ من ولَّى الدُّبُرَ عن العدوِّ منهزمًا.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ ابنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أكبرُ الكبائرِ: الإشراكُ باللهِ، والفرارُ يومَ الزحفِ؛ لأن اللهَ ﷿ يقولُ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (^٣).\nوأولى التأويلين فى هذه الآيةِ بالصوابِ عندى: قولُ من قال: حكمُها مُحْكَمٌ، وأنها نزَلت فى أهلِ بدرٍ، وحكمُهما ثابتٌ في جميعِ المؤمنين، وأن اللهَ حرَّم على المؤمنين إذا لَقُوا العدوَّ أن يُولُّوهم الدُّبُرَ منهزمين، إلَّا لتحرُّفٍ لقتالٍ، أو لتحيُّزٍ إلى فئةٍ من المؤمنين حيثُ كانت من أرضِ الإسلامِ، وأن من ولَّاهم الدُّبُرَ بعدَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك فى كتاب الجهاد (٢٣٣)، وابن أبى شيبة ١٢/ ٥٣٨ من طريق التيمي به.\n(^٢) أخرجه ابن المبارك فى كتاب الجهاد (٢٦٢)، وتفسير الثورى ص ١١٦، ومن طريقه عبد الرزاق في مصنفه (٩٥٢٤)، وابن أبى شيبة ١٢/ ٥٣٦، وأخرجه عبد الرزاق أيضًا والبيهقى ٩/ ٧٧ من طريق معمر وابن عيينة به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٥٤٠)، (٩٨٦ - تفسير) من طريق ابن أبي نجيح به، وأخرجه عبد الرزاق (٩٥٢٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٠ من طرق عن عمر.\n(^٣) أخرجه النحاس في الناسخ ص ٤٦١، والطبراني (١٣٠٢٣) مطولًا، من طريق أبي صالح به.","vol":"11","page":81},{"text":"الزحفِ لقتالٍ، منهزمًا بغيرِ نيةِ إحدى الخَلَّتين اللتين أباح اللهُ التوليةَ بهما (^١)، فقد اسْتَوجَب من اللهِ وعيدَه، إلَّا أن يتفضَّلَ عليه بعفوِه.\nوإنما قلنا: هي مُحْكَمةٌ غير منسوخةٍ؛ لما قد بيَّنا في غيرِ موضعٍ من كتابِنا هذا وغيرِه، أنَّه لا يجوزُ أن يُحْكَمَ لحكمِ آيةٍ بنسخٍ، وله في غيرِ النسخِ وجهٌ، إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها، من خبرٍ يقطعُ العذرَ، أو حُجَّةِ عقلٍ، ولا حجةَ من هذين المعنيين تدلُّ على نسخِ حكمِ قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾.\nوأما قولُه: ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: فقد رجَع بغضبٍ من اللهِ، ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ: ومصيرُه الذي يصيرُ إليه في مَعادِه يومَ القيامةِ جهنمُ ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وبئس الموضعُ الذى يصيرُ إليه ذلك المصيرُ.\n\n<span id=\"aya-1177\"></span><span data-type='title' id=toc-3706>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه -للمؤمنين به وبرسولِه ممن شهِد بدرًا مع رسولِ اللهِ ﷺ، فقاتَل أعداءَ دينِه معه من كفارِ قريشٍ- فلم تقتُلوا المشركين أيُّها المؤمنون أنتم، ولكنَّ اللهَ قتَلهم. وأضاف جلَّ ثناؤُه قتلَهم إلى نفسِه، ونفاه عن المؤمنين به الذين قاتَلوا المشركين؛ إذ كان جلَّ ثناؤُه هو مسبِّبَ قتلِهم، وعن أمرِه كان قتالُ المؤمنين إيَّاهم، ففى ذلك أدلُّ الدليلِ على فسادِ قول المنكِرين أن يكونَ للهِ فى أفعالِ خلقِه\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"بها\".","vol":"11","page":82},{"text":"صُنعٌ (^١) به وصلوا إليها، وكذلك قولُه لنبيِّه ﵊: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ فأضاف الرميَ إلى نبيِّ اللهِ، ثم نفاه عنه، وأَخْبَر عن نفسِه أنه هو الرامى؛ إذ كان جلَّ ثناؤُه هو المُوصِلَ المرميَّ به إلى الذين رُموا [به من] (^٢) المشركين، والمسبِّبَ الرميةَ لرسولِه، فيقالُ للمنكرين (^٣) ما ذكَرنا: قد علمتم إضافةَ اللهِ رميَ نبيِّه ﷺ المشركين إلى نفسه، بعدَ وصفِه نبيَّه به، وإضافتُه إليه ذلك فعلٌ واحدٌ كان من اللهِ بتسبيبِه وتسديدِه، ومن رسولِ اللهِ ﷺ الحذفُ والإرسالُ، فما تُنْكِرون أن يكونَ كذلك سائرُ أفعالِ الخلقِ المكتسبةِ من اللهِ؛ الإنشاءُ والإنجازُ بالتسبيبِ، ومن الخلقِ الاكتسابُ بالقُوَى، فلن يقولوا في أحدِهما قولًا إلَّا أُلْزِموا في الآخَرِ مثلَه.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدٌ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ لأصحابِ محمدٍ ﷺ، حين قال هذا: قتَلتُ. وهذا: قتَلتُ. ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾. قال لمحمدٍ حينَ حصَب الكفارَ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) فى ف: \"صنيع\".\n(^٢) في م: \"من به\".\n(^٣) في ص، ف، م: \"للمسلمين\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٥٢. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٢ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧٤ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"11","page":83},{"text":"مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. قال: رماهم رسولُ اللهِ ﷺ بالحَصْباءِ يومَ بدرٍ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، قال: ما وقَع منها شيءٌ إلا في عينِ رجلٍ (^٢).\nحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ بنِ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أبانٌ العطَّارُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، قال: لما ورَد رسولُ اللهِ ﷺ بدرًا قال: \"هذه مصارِعُهم\". ووجَد المشركون النبيَّ ﷺ. قد سبَقهم إليه ونزَل عليه، فلما طلَعوا عليه زعَموا أن النبيَّ ﷺ قال: \"هذه قريشٌ قد جاءت بجَلْبَتِها (^٣) وفخرِها، تُحادُّك وتُكذِّبُ رسولَك، اللهمَّ إنى أسألُك ما وعَدتنى\". فلما أَقْبَلوا استقبلهم، فحثَا في وجوهِهم، فهزَمهم اللهُ ﷿ (^٤).\nحدَّثنا (^٥) أحمدُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ عِمْرانَ، قال: ثنا موسى بنُ يعقوبَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ زَمْعَةَ، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ، عن أبي بكرِ بنِ سليمانَ بنِ أبي حَثْمةَ (^٦)، عن حَكيمِ بنِ حزامٍ، قال: لما كان يومُ بدرٍ،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٢٥٥، ٢٥٦ عن معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر ٣/ ١٧٤ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٤ من طريق محمد بن عبد الأعلى به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٥٦ من طريق معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٧٤ إلى ابن المنذر وعبد بن حميد.\n(^٣) في م: \"بخيلائها\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٢١ عن عبد الوارث به مطولا، وذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٢/ ١٨ عن المصنف، وقد تقدم بعضه في ص ٤١.\n(^٥) قبله فى ف: \"حدَّثنا ابن حميد قال\".\n(^٦) فى ف: \"خيثمة\".","vol":"11","page":84},{"text":"سمِعنا صوتًا وقَع من السماءِ كأنه صوتُ حَصاةٍ وقَعت في طَسْتٍ، ورمَى رسولُ اللهِ ﷺ تلك الرَّمْيةَ، فانهزمنا (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ ومحمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، قالا: لما دنا القومُ بعضُهم من بعضٍ، أخَذ رسولُ اللهِ ﷺ قَبضْةً من ترابٍ، فرمَى بها في وجوهِ القومِ، وقال: \"شاهتِ (^٢) الوجوهُ\". فدخَلت في أعينِهم كلِّهم، وأقْبَل أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ [يقتلونهم ويأسِرونهم] (^٣)، وكانت هزيمتُهم في رميةِ رسولِ اللهِ ﷺ، وأَنْزل اللهُ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ الآية إلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٤).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ الآية. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ أخَذ يومَ بدرٍ ثلاثةَ أحجارٍ، ورمَى بها (^٥) وجوهَ الكفارِ، فهُزِموا عندَ الحجرِ الثالثِ (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ حينَ التقى الجمعانِ يومَ بدرٍ لعليٍّ: \"أَعْطِنى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٢، والطبراني (٣١٢٨) من طريق موسى بن يعقوب به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٧٤ إلى ابن مردويه. وينظر أسباب النزول للواحدى ص ١٧٤.\n(^٢) أي: قَبُحت.\n(^٣) في ص، ف: \"يقتلوهم ويأسروهم\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٧١ عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧٥ إلى المصنف.\n(^٥) بعده فى م: \"فى\".\n(^٦) ذكره البغوى في تفسيره ٣/ ٣٤٠.","vol":"11","page":85},{"text":"حصًى (^١) من الأرْضِ\"، فناوله حصًى (^١) عليه ترابٌ، فرمي به وجوهَ القومِ، فلم يبقَ مشركٌ إلَّا دخَل في عينِه (^٢) من ذلك الترابِ شيءٌ، ثم ردِفهم (^٣) المؤمنون يقتُلونهم ويأسِرونهم، فذكَر رميةَ النبيِّ ﷺ، فقال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (^٤).\nحدَّثني يونسُ قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. قال: هذا يومُ بدرٍ، أَخَذ رسولُ اللهِ ﷺ ثلاثَ حَصَياتٍ، فرمَى بحصاةٍ في ميمنةِ القومِ، وحصَاةٍ في ميسرةِ القومِ، وحصَاةٍ بينَ أظهرِهم وقال: \"شاهَتِ الوجوهُ\". فانهزموا، فذلك قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: رفَع رسولُ اللهِ ﷺ يدَه يومَ بدرٍ، فقال: \"ياربِّ إن تَهْلِك هذه العصابةُ فلن تُعْبَدَ في الأرضِ أبدًا\". فقال له جبريلُ ﵇: خُذْ قبضةً من الترابِ، فرمَى بها في وجوههم، فما من المشركين من أحدٍ إلَّا أصاب عينيه ومَنْخِرَيه وفمَه ترابٌ من تلك القبضةِ، فولَّوْا مدبرين (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: قال اللهُ ﷿ في\n_________\n(^١) في تفسير ابن كثير: \"حصبا\".\n(^٢) فى م، وتفسير ابن كثير: \"عينيه\".\n(^٣) ردفه: تبعه. الصحاح (ر د ف).\n(^٤) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٢/ ٢٠ عن المصنف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٧٣ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٣، وابن مردويه -كما في تخريج الكشاف للزيلعي- من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"11","page":86},{"text":"رمي رسولِ اللهِ ﷺ المشركين بالحَصْباءِ (^١) من يدِه حينَ رماهم: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. أى (^٢) لم يكنْ ذلك برميتِك، لولا الذى جعَل اللهُ فيها من نصرِك، وما أَلْقَى في صدورِ عدوِّك منها حينَ هزَمهم (^٣).\nورُوِى عن الزُّهْريِّ فى ذلك قولٌ خلافُ هذه الأقوالِ، وهو ما حدَّثنا الحسنُ ابنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزُّهْريِّ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾. قال: جاء أُبيُّ بنُ خلفٍ الجُمَحيُّ إلى النبيِّ ﷺ بعظمٍ حائلٍ، فقال: اللهُ محيى هذا يا محمدُ وهو رميمٌ؟! وهو يفتُّ العظمَ، فقال النبيُّ ﷺ: \"يُحْييه اللهُ، ثم يُميتُك، ثم يُدْخِلُك النارَ\". قال: فلما كان يومُ أحدٍ، قال: واللهِ لأَقتُلنَّ محمدًا إذا رأيتُه. فبلَغ ذلك النبيَّ ﷺ، فقال: \"بل أنا أقتُلُه إن شاء اللهُ\" (^٤).\nوأما قولُه: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾. فإن معناه: وكى يُنْعِمَ على المؤمنين باللهِ ورسولِه بالظَّفَرِ بأعدائِهم، ويَعِدَهم (^٥) ما معهم، ويَكْتُبَ (^٦) لهم أجور أعمالِهم وجهادِهم مع رسولِ اللهِ ﷺ، وذلك هو (^٧) البلاء الحسنُ رميُ اللهِ\n_________\n(^١) فى ت ١، ت ٢، س، ف: \"بالحصى\"، والحصباء: صغار الحصى. اللسان (ح ص ب).\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"إن\".\n(^٣) في م: \"هزمتهم\". والأثر فى سيرة ابن هشام ٢/ ٦٦٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٤ من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن محمد عن عروة، قوله.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٥٦، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٧٣ من طريق يونس عن ابن شهاب، أخبرنى ابن المسيب. بلفظ آخر مطولًا، وأخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ١٧٣ من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبيه، مثل رواية ابن أبي حاتم، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧٥ إلى ابن المنذر.\n(^٥) في م: \"يغنمهم\".\n(^٦) في م: \"يثبت\".\n(^٧) سقط من: م.","vol":"11","page":87},{"text":"هؤلاء المشركين، ويعنى بالبلاءِ الحسنِ: النعمةَ الحسنةَ الجميلةَ، وهى ما وصَفتُ، وما في معناه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال في قولِه: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾. أى ليعرِّفَ المؤمنين من نعمِه عليهم في إظهارِهم على عدوِّهم مع كثرةِ عددِهم، وقلةِ عددِهم؛ ليعرِفوا بذلك حقَّه؛ وليشكُروا بذلك نعمتَه (^١).\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. يعنى: إن اللهَ سميعٌ أيُّها المؤمنون لدعاءِ النبيِّ ﷺ، ومناشدتِه ربَّه، ومسألتِه إيَّاه إهلاكَ عدوِّه وعدوِّكم، ولقيلِكم وقيلِ جميعِ خلقِه، عليمٌ بذلك كلِّه، وبما فيه صلاحُكم، وصلاحُ عبادِه، وغيرِ ذلك من الأشياءِ، محيطٌ به، فاتقوه وأطيعوا أمرَه، وأمرَ رسولِه.\n\n<span id=\"aya-1178\"></span><span data-type='title' id=toc-3707>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ذَلِكُمْ﴾ هذا الفعلُ من قتلِ المشركين ورميِهم، حتى انهزموا، وابتلاءِ المؤمنين البلاءَ الحسنَ بالظَّفَرِ بهم، وإمكانِهم من قتلِهم، وأسرِهم -فعلُنا الذي فعَلنا. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: واعلَموا أن اللهَ مع ذلك مُضْعِفُ كيدِ الكافرين، يعنى مكرَهم، حتى يذِلُّوا وينقادوا للحقِّ أو (^٢) يَهْلِكوا.\nوفى فتحِ \"أنَّ\" من الوجوهِ ما فى قولِه: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٠٦، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٧٤ من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن محمد، عن عروة قوله.\n(^٢) فى النسخ: \"و\". والمثبت ما يقتضيه السياق.","vol":"11","page":88},{"text":"لِلْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٤] وقد بيَّنتُه هنالك (^١).\nوقد اختلفتِ القرأة فى قراءةِ قوله: ﴿مُوهِنُ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ المكيين والبصريين: (مُوَهِّنُ). بالتشديدِ (^٢) من وهَّنتُ الشيءَ: ضعَّفته. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿مُوهِنُ﴾ (^٣). من أَوْهنته فأنا مُوهِنُه، بمعنى: أَضْعَفتُه.\nوالتشديدُ في ذلك أعجبُ إليَّ؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه كان يَنْقُضُ ما يُبْرِمُه المشركون لرسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه، عقدًا بعدَ عقدٍ، وشيئا بعدَ شيءٍ، وإن كان الآخرُ وجهًا صحيحًا.\n\n<span id=\"aya-1179\"></span><span data-type='title' id=toc-3708>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمشركين الذين حاربوا رسولَ اللهِ ﷺ ببدرٍ: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾. يعنى: إن تَسْتَحكموا اللهَ على أقطعِ الحزبين للرحم وأظلمِ الفئتين، وتَسْتَنصروه عليه، فقد جاءَكم حكمُ اللهِ ونصرُه المظلومَ على الظالمِ، والمحقَّ على المُبْطلِ.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المُحَاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿إِنْ\n_________\n(^١) تقدم ص ٧٤.\n(^٢) قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو. ينظر السبعة في القراءات ص ٣٠٤.\n(^٣) قرأ بها ابن عامر وحمزة والكسائى وأبو بكر وعاصم. السابق ص ٣٠٥.","vol":"11","page":89},{"text":"تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾. قال: إن تَسْتَقضوا فقد جاءكم القضاءُ.\nقال: ثنا سويدُ بنُ عمرٍو الكَلْبيُّ، عن حمادِ بنِ زيدٍ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾. قال: إِن تَسْتَقضوا فقد جاءَكم القضاءُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾. يعنى بذلك: المشركين، إن تَسْتَنصروا فقد جاءَكم المددُ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أَخْبَرنى عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾. قال: إن تَسْتَقضوا القضاءَ. وإنه كان يقولُ: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا﴾. قلت: للمشركين؟ قال: لا نعلَمُ إلا ذلك.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾. قال (^٣): كفارُ قريشٍ في قولِهم: ربَّنا افتَحْ بينَنا وبينَ محمدٍ وأصحابِه. ففتَح بينَهم يومَ بدرٍ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٧٥ معلقا، والواحدى فى أسباب النزول ص ١٧٥، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ١٧٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٥ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧٥ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٣) زيادة من: م.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٥٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٧٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"11","page":90},{"text":"مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزُّهْريِّ: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾. قال: استفتح أبو جهلٍ، قال: اللهمَّ [أيُّنا -يعني محمدًا ونفسَه] (^١) - كان أفجرَ بك (^٢)، اللهمَّ وأقطعَ للرحمِ، فَأَحِنْه (^٣) اليومَ. قال اللهُ: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزُّهْريِّ فى قولِه: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾. قال: استفتح أبو جهلِ بنُ هشامٍ، فقال: اللهمَّ أيُّنا كان أفجرَ لك وأقطعَ للرحمِ، فأَحِنْه اليومَ. يعنى محمدًا ﵊ ونفسَه. قال اللهُ ﷿: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾. فضرَبه ابنا عَفْراء؛ عوفٌ ومعوَّذٌ، وأجاز (^٤) عليه ابنُ مسعودٍ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثني عُقيلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبَرنى عبدُ اللهِ بنُ ثَعْلبةَ بنِ صُعيرٍ العدويُّ حليفُ بني زُهْرةَ، أن المستفتِحَ يومَئذ أبو جهلٍ، وأنه قال حينَ التقى القومُ: أيُّنا أقطعُ للرحمِ، [وآتَى لما لا نَعْرِفُ] (^٦)، فَأَحِنْه الغداةَ، فكان ذلك استفتاحَه، فأَنْزل اللهُ في ذلك: ﴿إِنْ\n_________\n(^١) الذى في النسخ: \"يعنى محمدا ونفسه أينا\" بتقديم وتأخير، والمثبت أوفق للسياق.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف. وفى م: \"لك\". والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٣) أي: أمته. من قولهم: حان الرجل: هلك. وأحانه الله. اللسان (ح) ى ن).\n(^٤) فى ص، ف: \"أجهز\". وينظر النهاية ١/ ٣١٥.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٥٦، وفى المصنف ٥/ ٣٤٧ (٩٧٢٥).\n(^٦) فى م: \"آتانا بما لا يعرف\".","vol":"11","page":91},{"text":"تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ الآية. يقولُ: قد كانت بدرٌ قضاءً وعِبرةً لمن اعتبر.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: كان المشركون حينَ خرَجوا إلى النبيِّ ﷺ من مكةَ، أخَذوا بأستارِ الكعبةِ، واستنصروا اللهَ، وقالوا: اللهمَّ انصرْ أعزَّ الجندين، وأكرمَ الفئتين، وخيرَ القبيلتين، فقال اللهُ: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾. يقولُ: قد نصرتُ ما قلتم، وهو محمدٌ ﷺ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وذلك حينَ خرَج المشركون ينظرون عِيرَهم، وإن أهلَ العِيرِ؛ أبا سفيانَ وأصحابَه أَرْسَلوا إلى المشركين بمكةَ يستنصرونهم، فقال أبو جهلٍ: أيُّنا كان خيرًا عندَك فانصره، وهو قولُه: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾. يقولُ: تستنصروا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾. قال: إن تستفتحوا العذابَ، فعُذِّبوا يومَ بدرٍ، قال: وكان استفتاحُهم بمكةَ، قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٥ من طريق الليث به.\n(^٢) ذكره الواحدى ص ١٧٥، وابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٧٣.","vol":"11","page":92},{"text":"قال: فجاءهم العذابُ يومَ بدرٍ، وأَخْبرهم (^١) عن (^٢) يومِ أحدٍ: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ فُضيلٍ، عن مطرِّفٍ، عن عطيةَ، قال: قال أبو جهلٍ يومَ بدرٍ: اللهمَّ انصُرْ أهدى الفئتين، وخيرَ الفئتين وأفضلَ، فنزلَت: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (^٤).\nقال: ثنا عبد الأعلى، عن معمرٍ، عن الزّهْريِّ، أن أبا جهلٍ هو الذي استفتح يومَ بدرٍ، وقال: اللهمَّ أيُّنا كان أفجرَ وأقطعَ لرحمِه، فَأَحِنْه اليومَ، فَأَنْزل اللهُ: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (^٥).\nقال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن ابن إسحاقَ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ ثعلبةَ بنِ صُعَيرٍ، أن أبا جهلٍ قال يومَ بدرٍ: اللهمَّ أقطعُنا لرحمِه، وآتانا بما لا نعرِفُ، فأَحِنْه الغداةَ (^٦). وكان ذلك استفتاحًا منه، فنزَلت: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ الآية (^٧).\n_________\n(^١) فى م: \"أخبر\".\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٧٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٥ من طريق مطرف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧٥ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٦٥ عن عبد الأعلى به.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"العذاب\".\n(^٧) سيرة ابن هشام ١/ ٦٢٨، وأخرجه ابن أبى شيبة ١٤/ ٣٥٩، وأحمد ٥/ ٤٣١، والحاكم ٢/ ٣٢٨ من طريق يزيد به، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ٧٤ من طريق ابن إسحاق به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ١٧٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه وابن منده.","vol":"11","page":93},{"text":"قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن إبراهيمَ بنِ سعدٍ، عن صالحِ بنِ كَيْسانَ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ اللهِ بن ثعلبةَ بنِ صُعَيرٍ، قال: كان المستفتِحَ يومَ بدرٍ أبو (^١) جهلٍ، قال: اللهمَّ أقطعُنا للرحمِ، وآتانا بما لا نعرِفُ، فَأَحِنْه الغداةَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ مسلمٍ الزُّهْرِيُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ ثعلبةَ بنِ صُعيرٍ حليفِ بني زُهْرةَ، قال: لما الْتَقى الناسُ، ودنا بعضُهم من بعضٍ، قال أبو جهلٍ: اللهمَّ أقطعُنا للرحمِ، وآتانا بما لا نَعرِفُ، فأَحِنْه الغداةَ (^٣). فكان هو المستفتحَ على نفسِه (^٤).\nقال ابنُ إسحاقَ: فقال اللهُ: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾؛ لقولِ أبي جهلٍ: اللهمَّ أقطعُنا للرحمِ، وآتانا لما (^٥) لا نعرِفُ، فأحنْه الغداةَ. قال: والاستفتاحُ: الإنصافُ فى الدعاءِ (^٦).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن يزيدَ (^٧) بنِ رُومانَ وغيرِه: قال أبو جهلٍ يومَ بدرٍ: اللهمَّ انصُرْ أحبَّ الدِّينين إليك؛ دينِنا العتيقِ، أم دينِهم الحديثِ. فَأَنْزل اللهُ ﷿: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ إلى\n_________\n(^١) في م: \"أبا\".\n(^٢) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٢٠١)، والحاكم ٢/ ٣٢٨، والواحدى في أسباب النزول ص ١٧٤، من طريق إبراهيم به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"العذاب\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٤٩ بهذا الإسناد.\n(^٥) في م: \"بما\".\n(^٦) سيرة ابن هشام ١/ ٦٢٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٥ من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن محمد عن عروة قوله.\n(^٧) في ف: \"زيد\".","vol":"11","page":94},{"text":"قولِه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوأما قولُه: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فإنه يقولُ: وإن تنتُهوا يا معشرَ قريشٍ وجماعةَ الكفارِ عن الكفرِ باللهِ ورسولِه، وقتال نبيِّه ﷺ والمؤمنين به، فهو خيرٌ لكم في دنياكم وآخرِتكم. ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾. يقولُ: وإن تعودُوا لحربِه وقتالِه وقتالِ أتباعِه المؤمنين، ﴿نَعُدْ﴾ أى بمثلِ الوقعةِ (^١) التي أوْقعَتُ بكم يومَ بدرٍ.\nوقولُه: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾. يقولُ: وإن تعودوا نَعُدْ لهلاكِكم بأيدى أوليائى وهزيمتِكم، ولن تُغنِى عنكم عندَ عَوْدى لقتلِكم بأيديهم وسبيِكم وهزمِكم - ﴿فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾. يعنى: جندَهم وجماعتَهم من المشركين، كما لم يُغْنوا عنهم يومَ بدرٍ مع كثرةِ عددِهم، وقلةِ عددِ المؤمنين، شيئًا. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ جلَّ ذكرُه: وأن اللهَ مع من آمن به من عبادِه على من كفَر به منهم، ينصرُهم عليهم، أو يُظْهِرُهم (^٢) كما أَظْهَرهم يومَ بدرٍ على المشركين.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن أبي إسحاقَ فى قولِه: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: يقولُ لقريشٍ: وإن تعودُوا نَعُدْ لمثلِ الوقعةِ (^٣) التي أصابتْهم (^٤) يومَ بدرٍ: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ\n_________\n(^١) في ف، م: \"الواقعة\".\n(^٢) فى ف: \"يظفرهم\".\n(^٣) في م: \"الواقعة\".\n(^٤) في م: \"أصابتكم\".","vol":"11","page":95},{"text":"الْمُؤْمِنِينَ﴾ أى وإنَّ كُثْرَ عَددِكم في أنفسِكم لن (^١) يُغنِيَ عنكم شيئًا، وأن اللهَ مع المؤمنين ينصرُهم (^٢) على من خالَفهم (^٣).\nوقد قيل: إن معنى قولِه: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾: وإن تعودوا للاستفتاح نَعُدْ لفتحِ محمدٍ ﷺ. [وهذا القولُ لا معنى له] (^٤)؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه قد كان ضمِن لنبيِّه ﵊ حينَ أذِن له فى حربِ أعدائِه (^٥) - إظهارَ دينِه، وإعلاءَ كلمتِه من قبلِ أن يستفتحَ أبو جهلٍ وحزبُه، فلا وجهَ لأن يُقالَ -والأمرُ كذلك-: إن تنتهُوا عن الاستفتاحِ، فهو خيرٌ لكم، وإن تعودوا نَعُدْ؛ لأن اللهَ قد كان وعَد نبيَّه ﷺ الفتحَ بقولِه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، اسْتَفْتَح المشركون أو لم يستفتحوا.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾: إن تستفتحوا الثانيةَ نفتَحْ لمحمدٍ ﷺ، ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: محمدًا (^٦) وأصحابَه (^٧).\nواخْتَلفت القرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ ففتَحها عامةُ قرأَةِ\n_________\n(^١) في ص: \"لمن\".\n(^٢) في ص، ف: \"انصرهم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٦ من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن محمد عن عروة قوله.\n(^٤) زيادة من: م.\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"و\".\n(^٦) في م: \"محمد\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم أوله في تفسيره ٥/ ١٦٧٦ من طريق أسباط به وأخرج آخره ٥/ ١٦٧٦ من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٧٦ إلى أبى الشيخ.","vol":"11","page":96},{"text":"أهلِ المدينةِ (^١) بمعنى: ولن تُغنيَ عنكم فئتُكم شيئًا ولو كثُرت، وأن اللهَ مع المؤمنين. فعطَف بـ \"أن\" على موضعِ \"ولو كثُرت\" كأنه قال: لكثرتِها، ولأن اللهَ مع المؤمنين. ويكونُ موضعُ \"أن\" حينئذٍ نصبًا على هذا القولِ.\nوقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ يزعُمُ أن فتحَها إذا فُتحت على: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عطفًا بالأخرى على الأولى.\nوقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين والبصريين: (وإن اللهَ) بكسرِ الألفِ على الابتداءِ (^٢)، واعتلوا بأنها في قراءة عبدِ اللهِ [(واللهُ مع المُؤمِنينَ)] (^٣).\nوأولى القراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن كسَر \"إن\" على الابتداءِ (^٤)؛ لتقضِّى الخبرِ قبل ذلك عمَّا يَقْتضى قولُه: (وَإِنَّ اللهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ).\n\n<span id=\"aya-1180\"></span><span data-type='title' id=toc-3709>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما أمرَكم به، وفيما نهاكم عنه، ﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾. يقولُ: ولا تُدْبِروا عن رسولِ اللهِ ﷺ، مخالفين أمرَه ونهيَه، ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ أمرَه إيَّاكم ونهيَه، وأنتم به مؤمنون.\nكما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ\n_________\n(^١) قرأ بها نافع وابن عامر وحفص عن عاصم. السبعة في القراءات ص ٣٠٥.\n(^٢) قرأ بها ابن كثير وعاصم -في رواية أبي بكر- وأبو عمرو وحمزة والكسائي. ينظر السابق.\n(^٣) في م ومعاني القرآن ١/ ٤٠٧: \"وإن الله لمع المؤمنين\"، وينظر كتاب المصاحف لابن أبي داود ص ٦٢، والبحر المحيط ٤/ ٤٧٩.\n(^٤) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"11","page":97},{"text":"آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾. أى لا تُخالفوا أمرَه وأنتم تسمَعون لقولِه وتزعُمون أنكم منه (^١).\n\n<span id=\"aya-1181\"></span><span data-type='title' id=toc-3710>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين باللهِ ورسولِه من أصحابِ نبيِّ اللهِ ﷺ: لا تكونوا أيُّها المؤمنون في مخالفةِ رسولِ اللهِ ﷺ كالمشركين الذين إذا سمِعوا كتابَ اللهِ يُتْلى عليهم، قالوا: قد سمِعنا بآذانِنا، ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾. يقولُ: وهم لا يعتبرون ما يسمَعون بآذانِهم، و(^٢) لا ينتفعون به لإعراضِهم عنه، وتركِهم أن يُوعوه قلوبَهم ويتدبَّروه، فجعَلهم اللهُ؛ أن (^٣) لم ينتفعوا بمواعظِ القرآنِ وإن كانوا قد سمِعوها بآذانِهم، بمنزلِة من لم يسمَعْها. يقولُ جلَّ ثناؤُه لأصحابِ رسولِه: لا تكونوا (^٤) أنتم في الإعراضِ عن أمرِ رسولِ اللهِ ﷺ، وتركِ الانتهاءِ إليه، وأنتم تسمَعونه بآذَانِكم كهؤلاء المشركين الذين يسمَعون مواعظَ كتابِ اللهِ بآذَانِهم، ويقولون: قد سمِعنا وهم [عن الاستماعِ لها] (^٥) والاتعاظِ بها مُعْرِضون، كمن (^٦) لا يسمَعُها.\nوكان ابنُ إسحاقَ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾. أى كالمنافقين\n_________\n(^١) فى م: \"مؤمنون\". والأثر فى سيرة ابن هشام ١/ ٦٢٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٧ من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن محمد عن عروة قوله.\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) في م: \"لما\".\n(^٤) بعده فى ت ١، ف: \"كالذين\".\n(^٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"لاستعمالها\".\n(^٦) في م: \"لم\".","vol":"11","page":98},{"text":"الذين يُظهرون له الطاعةَ، ويُسِرُّون المعصيةَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾. قال: عاصون (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا [إسحاقُ، ثنا] (^٣) عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوللذي (^٤) قال ابنُ إسحاقَ وجهٌ، ولكنْ قولُه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ فى سياقِ قَصصِ المشركين، ويتلوه الخبرُ عنهم بذمِّهم، وهو قولُه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾، فَلَأَنْ يكونَ ما بينَهما خبرًا عنهم أَوْلى من أن يكونَ خبرًا عن غيرِهم.\n\n<span id=\"aya-1182\"></span><span data-type='title' id=toc-3711>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن شرَّ ما دبَّ على الأرضِ من خلقِ اللهِ عندَ اللهِ، الذين يَصْغُون (^٥) عن الحقِّ لئلا يستمعوه فيعتبروا به ويتَّعِظوا به، ويَنْكُصون عنه إن نطَقوا به، الذين لا يعقلِون عن اللهِ أمرَه ونهيَه، فيستعملوا بهما أبدانَهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام (١/ ٦٦٩)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٧ من طريق سلمة به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٥٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٧٧، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ١٧٦ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الذي\".\n(^٥) في س: \"يصمون\". ويصغون: يميلون. اللسان (ص غ ى).","vol":"11","page":99},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: الدوابُّ الخلقُ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ، عن عكرمةَ، قال: وكانوا يقولون: إنا صُمٌّ بُكْمٌ عما يدعو (^٢) إليه محمدٌ، لا نسمعُه منه، ولا نُجيبُه به بتصديقٍ. فقُتِلوا جميعًا بأحدٍ، و(^٣) كانوا أصحابَ اللواءِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾. قال (^٤): لا يتَّبِعون الحقَّ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾: وليس بالأصمِّ في الدنيا ولا بالأبكمِ، ولكنْ صمُّ القلوبِ وبُكْمُها وعُمْيُها. وقرَأ: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (^٦) [الحج: ٤٦].\nواخْتُلِف فى من عُنِيَ بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها نفرٌ من المشركين.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٧ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٢) فى م: \"يدعونا\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) بعده في م: \"الذين\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٥٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٨.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٨ من طريق أصبغ عن ابن زيد.","vol":"11","page":100},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾: نفرٌ من بنى عبدِ الدارِ، لا يتَّبعون الحقَّ (^١)\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾. قال: لا يتَّبعون الحقَّ. قال: قال ابنُ عباسٍ: هم نفرٌ من بنى (^٢) عبدِ الدارِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nوقال آخرون: عُنِى بها المنافقون.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾. [أى: المنافقون الذين نهيتُكم أن تكونوا مثلَهم، بُكْمٌ عن الخيرِ، صُمٌّ عن الحقِّ] (^٤)، ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾: لا يعرِفون ما عليهم في ذلك من [النِّقمةِ والتِّباعةِ] (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٨ من طريق أبي حذيفة به، دون قوله: نفر من بنى عبد الدار، وينظر الفتح ٨/ ٣٠٧.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٥٣، وأخرجه الفريابي -كما في الدر المنثور ٣/ ٧٦، وعنه البخارى (٤٦٤٦) - وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٧ من طريق ورقاء به، دون قول مجاهد، وعزاه السيوطى إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه، دون قول مجاهد أيضًا.\n(^٤) سقط من النسخ، والمثبت من سيرة ابن هشام.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"النعمة والساعة\"، وفى م: \"النعمة والسعة\". والمثبت من =","vol":"11","page":101},{"text":"وأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ من قال بقولِ ابنِ عباسٍ، وأنه عُنِى بهذه الآيةِ مشركو قريشٍ؛ لأنها في سياقِ الخبرِ عنهم.\n\n<span id=\"aya-1183\"></span><span data-type='title' id=toc-3712>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾.</span>\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ فى من عُنِى بهذه الآيةِ وفى معناها؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها المشركون. وقال: معناها أنهم لو رزَقهم اللهُ الفَهمَ لما (^١) أَنْزَله على نبيِّه ﷺ لم يؤمنوا به؛ لأن اللهَ قد حكَم عليهم أنهم لا يؤمنون.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ قولَه: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾: ولو أسْمَعَهم لقالوا: ائتِ بقرآنٍ غيرِ هذا. ولقالوا: لولا اجْتَبيتَها. ولو جاءهم بقرآنٍ غيرِه لتولَّوا وهم مُعْرِضون.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. قال: لو أَسْمَعهم بعد أن يعلَمَ ألا (^٢) خيرَ فيهم، ما انتفَعوا بذلك، ولتولَّوا وهم معْرضون.\nوحدَّثني به مرَّةً أخرى، فقال: لو علِم اللهُ فيهم خيرًا لأسمعهم، [ولو أسمعهم] (^٣) بعد أن (^٤) يعلَم ألا خيرَ فيهم ما نفَعهم، بعد أن نفَذ علمه بأنهم لا\n_________\n= سيرة ابن هشام، والأثر فيها ١/ ٦٦٩.\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بما\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"لا\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ألا\".","vol":"11","page":102},{"text":"ينتفعِون به (^١).\nوقال آخرون: بل عُنى بها المنافقون. قالوا: ومعناه ما حدَّثنا به ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾. أى (^٢): لأَنْفَذ لهم قولَهم الذى قالوا بألسنتِهم، ولكنَّ القلوبَ خالفت ذلك منهم، ولو خرَجوا معكم لتولَّوا وهم معرضون، [ما وفَوا] (^٣) لكم بشيءٍ (^٤) مما خرَجوا عليه (^٥).\nوأولى القولين (^٦) في تأويلِ ذلك بالصوابِ عندى ما قال ابنُ جُريجٍ وابنُ زيدٍ؛ لما قد ذكَرنا قبلُ من العلةِ، وأن ذلك ليس من صفةِ المنافقين.\nفتأويلُ الآيةِ إذن: ولو علِم اللهُ فى هؤلاء القائلين [خيرًا لأَسْمَعهم] (^٧) مواعظَ القرآن وعبرَه، حتى يعقِلوا عن اللهِ ﷿ حُججَه منه، ولكنه قد علِم أنه لا خيرَ فيهم، وأنهم ممن كتب لهم الشقاءَ فهم لا يؤمنون، ولو أَفْهَمهم ذلك حتى يعلَموا ويفهَموا لتولَّوا عن اللهِ وعن رسولِه وهم معرضون عن الإيمانِ بما دلَّهم على حقيقتِه (^٨) مواعظُ الله وعبرُه وحُجَجُه، معاندون للحقِّ بعدَ العلمِ به.\n\n<span id=\"aya-1184\"></span><span data-type='title' id=toc-3713>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٩ من طريق أصبغ عن ابن زيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧٦ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) سقط من: م، وفى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أن\".\n(^٣) فى النسخ: \"فأوفوا\". والمثبت من سيرة ابن هشام.\n(^٤) في النسخ: \"بشر\". والمثبت من سيرة ابن هشام.\n(^٥) سيرة ابن هشام ١/ ٦٦٩.\n(^٦) في م: \"القول\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"سمعنا\".\n(^٨) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"حجته\".","vol":"11","page":103},{"text":"اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ (^١) قولِه: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: اسْتَجِيبوا للهِ وللرسولِ إذا دعاكم للإيمانِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. قال: أمَّا ﴿يُحْيِيكُمْ﴾ فهو (^٢) الإسلامُ، أحْيَاهم بعدَ موتِهم؛ بعدَ كفرِهم (^٣).\nوقال آخرون: للحقِّ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. قال: الحقِّ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. قال: الحقِّ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عَنْبسةُ، عن محمدِ بنِ عبد الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ\n_________\n(^١) سقط من ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في مصدر التخريج: \"ففى\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٨٠ من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٥٣. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٩.","vol":"11","page":104},{"text":"وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. قال: للحقِّ.\nوقال آخرون: معناه: إذا دعاكم [إلى ما] (^١) في القرآنِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. قال: هو هذا القرآنُ، فيه الحياةُ والثِّقَةُ (^٢) [والنجاةُ] (^٣) والعصمةُ فى الدنيا والآخرةِ (^٤).\nوقال آخرون: معناه: إذا دعاكم إلى الحربِ وجهادِ العدوِّ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. أى: للحربِ الذى أعزَّكم اللهُ بها بعدَ الذُّلِّ، وقوَّاكم بعدَ الضَّعْفِ، ومنعَكم بها من عدوِّكم بعدَ القهرِ منهم لكم (^٥).\nوأولى الأقوال في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: معناه: استجِيبوا للهِ وللرسولِ بالطاعةِ إذا دعاكم الرسولُ لما يُحييكم من الحقِّ. وذلك أن ذلك إذا كان معناه، كان\n_________\n(^١) فى ت ١، ت ٢، س، ف: \"لما\".\n(^٢) في م: \"العفة\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٨٠ من طريق يزيد به.\n(^٥) سيرة ابن هشام ١/ ٦٦٩. وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٨٠ من طريق ابن إدريس عن ابن إسحاق. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧٩ من طريق سلمة عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة من قوله. وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ١٧٦ إلى ابن إسحاق وابن أبي حاتم من قول عروة أيضًا.","vol":"11","page":105},{"text":"داخلًا فيه الأمرُ بإجابتِهم (^١) لقتالِ العدوِّ والجهادِ، والإجابةِ إذا دعاكم إلى حكمِ القرآنِ، وفى الإجابةِ إلى كلِّ ذلك حياةُ المجيبِ. أما في الدنيا، فيقالُ (^٢): الذكرُ الجميلُ. وذلك له فيه (^٣) حياةٌ. وأما في الآخرةِ، فحياةُ الأبدِ فى الجِنانِ والخلودُ فيها.\nوأما قولُ من قال: معناه: الإسلامُ. فقولٌ لا معنى له؛ لأن اللهَ قد وصفَهم بالإيمانِ بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾. فلا وجهَ لأن يقالَ للمؤمنِ: اسْتَجِبْ للهِ وللرسولِ إذا دعاك (^٤) إلى الإسلامِ والإيمانِ.\nوبعدُ، ففيما حدَّثنا أحمدُ بنُ المقدامِ العِجْليُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ القاسمِ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، قال: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ على أُبَيٍّ وهو يُصلِّى، فدعاه: \"أى أُبَيُّ\". فالتفت إليه أُبَيٌّ ولم يُجِبْه، ثم إن أُبيًّا خفَّف الصلاةَ، ثم انصرَف إلى النبيِّ ﷺ، فقال: السلامُ عليك، أَيْ رسولَ اللهِ. قال: \"وعليك، ما منَعك إذْ دعوتُك أن تُجيبَنى؟ \" قال: يا رسولَ اللهِ، كنتُ أُصلِّى. قال: \"أفلم تجِدْ فيما أُوحِيَ إِليَّ أَن (^٥) ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ \". قال: بلى يا رسولَ اللهِ، لا أعودُ (^٦).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلدٍ، عن محمدِ بنِ جعفرٍ، عن العلاءِ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، قال: مرَّ رسولُ اللهِ ﷺ على أُبَيٍّ وهو قائمٌ يصلِّى، فصرَخ\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بإجابته\".\n(^٢) كذا في النسخ، ورجح الشيخ شاكر أن يكون صوابها: \"فبقاء\".\n(^٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فيها\".\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س: \"دعا\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) أخرجه ابن خزيمة (٨٦١) عن أحمد بن المقدام به، وأخرجه النسائى (١٢٠٥ - كبرى)، والبيهقي في جزء القراءة (١٠٦) من طريق يزيد به.","vol":"11","page":106},{"text":"به [فلم يُجِبْه، ثم جاء فقال] (^١): \"يا أُبَيُّ، ما منَعك أن تُجيبَنى إذ دعوتُك، أليس اللهُ يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ \"؟ قال أُبَيٌّ: لا جَرَمَ يا رسولَ اللهِ، لا تدعونى إلَّا أجبتُ وإن كنتُ أُصلى (^٢).\nما (^٣) يُبِينُ عن أن (^٤) المَعنيَّ بالآيةِ هم الذين يدعوهم رسولُ اللهِ ﷺ إلى ما فيه حياتُهم بإجابتِهم (^٥) إليه من الحقِّ بعدَ إسلامِهم (^٦)؛ لأن أبيًّا كان (^٧) لا شكَّ أنه كان مسلمًا في الوقتِ الذى قال له النبيُّ ﷺ ما ذكَرنا في هذين الخبرين.\n\n<span data-type='title' id=toc-3714>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويلِ في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: يحولُ بينَ الكافرِ والإيمانِ، وبينَ المؤمنِ والكفرِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ الرازيِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال\".\n(^٢) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ٢١٨ من طريق أبى كريب به مختصرًا، وأخرجه البيهقى ٢/ ٣٧٥، ٣٧٦ وفي جزء القراءة (١٠٥)، والبغوى (١١٨٨) من طريق خالد بن مخلد به، وأخرجه أحمد ١٥/ ٢٠٠ (٩٣٤٥)، والترمذى (٢٨٧٥)، وابن خزيمة (٨٦١)، وابن مردويه -كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٢/ ٢١ - من طريق العلاء به.\n(^٣) مبتدأ تقدم خبره فى الصفحة السابقة، وسياق الكلام: وبعد ففيما حدَّثنا. . . . ما يبين.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بإجابته\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"إسلامه\".\n(^٧) سقط من: م.","vol":"11","page":107},{"text":"﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. قال: بينَ الكافرِ أن يؤمنَ، وبينَ المؤمنِ أن يكفُرَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قالا: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، قال: ثنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الله الرازيِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ بنحوِه (^٢).\nحدَّثني أبو زائدةَ زكريا بنُ أبي زائدةَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ عبدِ اللهِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ مثلَه.\nحدَّثني أبو السائبِ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. قال: يحولُ بينَ المؤمنِ وبينَ الكفرِ، وبينَ الكافر وبينَ الإيمانِ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ الرازيِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾: يحولُ بيَن الكافرِ والإيمانِ وطاعةِ اللهِ (^٣)\nقال: ثنا حفصٌ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. قال: يحولُ بينِ المؤمنِ والكفرِ، وبينَ الكافرِ والإيمانِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ١١٧ عن عبد الله الرازي بدون ذكر الأعمش!\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٥٧ دون ذكرُ عبد الله الرازي.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٨٠ من طريق ابن فضيل به. وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ١٧٦ إلى ابن أبي شيبة وحشيش بن أصرم فى الاستقامة وابن المنذر وأبى الشيخ. وأوله عندهم: يحول بين المؤمن وبين الكفر ومعاصى الله.\n(^٤) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٢٨ من طريق الأعمش به.","vol":"11","page":108},{"text":"وعبدُ العزيزِ بنُ أبي روَّادٍ، عن الضحَّاكِ فى قولِه: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. قال: يحولُ بينَ الكافرِ وطاعتِه، وبينَ المؤمنِ ومعصيتِه (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاك بن مُزاحِمٍ بنحوِه.\nقال: ثنا المُحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: يحولُ بينَ المرءِ وبينَ أن يكفُرَ، وبينَ الكافرِ وبينَ أن يؤمنَ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبى روَّادٍ، عن الضحَّاكِ بنِ مزاحمٍ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. قال: يحولُ بينَ الكافِرِ وبينَ طاعةِ اللهِ، وبينَ المؤمنِ ومعصيةِ اللهِ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: ثنا ابنُ أبي روَّادٍ، عن الضحَّاكِ نحوَه.\nوحُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ بنَ مزاحمٍ يقولُ. فذكَر نحوَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ عبدَ العزيزِ بنَ أبى روَّادٍ يحدِّثُ، عن الضحَّاكِ بنِ مُزاحمٍ في قولِه: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. قال: يحولُ بينَ المؤمنِ ومعصيتِه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. يقولُ: يحولُ بينَ\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٨١ معلقًا.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٥٧.","vol":"11","page":109},{"text":"المؤمنِ وبينَ الكفرِ، ويحولُ بينَ الكافرِ وبينَ الإيمانِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. يقولُ: يحولُ بينَ الكافرِ وبينَ طاعتِه، ويحولُ بينَ المؤمنِ وبينَ معصيتِه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المُحَاربيُّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. قال: يحولُ بينَ المؤمنِ وبينَ الكفرِ، وبينَ الكافرِ وبينَ الإيمانِ (^١).\nقال: ثنا أبي، عن ابن أبى روَّادٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. يقولُ: يحولُ بينَ الكافرِ وبينَ طاعتِه، وبينَ المؤمنِ وبينَ معصيتِه.\nقال: ثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾: يحولُ بينَ المؤمنِ والمعاصى، وبينَ الكافرِ والإيمانِ.\nقال: ثنا عُبيدةُ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. قال: يحولُ بينَه وبينَ المعاصى (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: يحولُ بينَ المرءِ وعقلِه فلا يَدْرى ما يعمَلُ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: ثنا عبدُ المجيدِ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. قال: يحولُ بينَ المرءِ وعقلِه.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٨١ معلقًا. وهو في تفسير الثورى ص ١١٧ عن ليث به بلفظ: إذا حال بين المرء وقلبه هلك.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٨١ معلقًا بلفظ: يحول بين المؤمن أن يكفر وبين الكافر أن يؤمن.","vol":"11","page":110},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾: حتى يترُكَه لا يعقِلُ (^١).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. قال: [هو كقولِه: حال حتى ترَكه] (^٢) لا يعقِلُ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مَعْقِلُ بنُ عبيدِ اللهِ، عن حُميدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. قال: إذا حال بينك وبين قلبِك كيف تعمَلُ!\nقال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شريكٌ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. قال: يحولُ بينَ قلبِ الكافرِ وأن يعمَلَ خيرًا (^٣).\nوقال آخرون: معناه: يحولُ بين المرءِ وقلبِه أن يقدِرَ على إيمانٍ أو كفرٍ إلا بإذنِه.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. قال: يحولُ بينَ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٥٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٨١.\n(^٢) في م: \"هى يحول بين المرء وقلبه حتى يتركه\".\n(^٣) أخرجه البغوى في الجعديات (٢٢٣٩) من طريق شريك به، دون قوله: وأن يعمل خيرًا.","vol":"11","page":111},{"text":"الإنسانِ وقلبِه فلا يستطيعُ أن يؤمنَ ولا يكفرَ إلا بإذنِه (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك أنه قريبٌ من قلبِه لا يَخفَى عليه شيءٌ أَظْهَره أَو أَسرَّه.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. قال: هي كقولِه: ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (^٢) [ق: ١٦].\nوأولى الأقوالِ بالصوابِ عندى فى ذلك أن يقالَ: إن ذلك خبرٌ من اللهِ ﷿ أنه أملكُ لقلوبِ عبادِه منهم (^٣)، وأنه يحولُ بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يقدِرَ ذو قلبٍ أن يدرِكَ به شيئًا من إيمانٍ أو كفرٍ، أو أن يعىَ به شيئًا، أو أن يفهمَ، إلا بإذنِه ومشيئتِه، وذلك أن الحولَ بينَ الشيءِ والشيءِ إنما هو الحجزُ بينهما، وإذا حجَز جلَّ ثناؤُه بين عبدٍ وقلبِه في شيءٍ أن يُدْركَه أو يفهَمَه، لم يكنْ للعبدِ إلى إدراكِ ما قد منَع اللهُ قلبَه إدراكَه سبيلٌ. وإذا كان ذلك معناه، دخل في ذلك قولُ من قال: يحولُ بينَ المؤمنِ والكفرِ، وبين الكافرِ والإيمانِ، وقولُ من قال: يحولُ بينَه وبينَ عقله. وقولُ من قال: يحولُ بينَه وبينَ قلبِه حتى لا يستطيعَ أن يؤمنَ ولا يكفرَ إلا بإذنِه؛ لأن اللهَ ﷿ إذا حال بينَ عبدٍ وقلبِه، لم يفهَمِ العبدُ بقلبِه الذي قد حِيل بينَه وبينَه ما مُنِع إدراكَه به، على ما بيَّنتُ. غيرَ أنه ينبغي أن يقالَ: إن اللهَ عمَّ بقولِه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. عن الخبرِ أنه يحولُ بينَ العبدِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٨١ من طريق أسباط به بنحوه.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٧٥ عن قتادة. وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٢٥٧ عن معمر من قوله.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"منه\".","vol":"11","page":112},{"text":"وقلبِه، ولم يَخْصُصْ من المعانى التى ذكَرنا شيئًا دونَ شيءٍ، والكلامُ مُحْتَمِلٌ كُلَّ هذه المعانى، فالخبرُ على العمومِ حتى يخُصَّه ما يجبُ التسليمُ له.\nوأما قولُه: ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. فإن معناه: واعلَموا أيُّها المؤمنون أيضًا مع العلم بأن اللهَ يحولُ بين المرءِ وقلبِه، أن اللهَ الذي يقدِرُ على قلوبِكم وهو أملَكُ بها منكم، إليه مصيرُكم ومرجِعُكم في القيامةِ، فيوفِّيكم جزاءَ أعمالِكم، المحسنَ منكم بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه، فاتَّقوه وراقِبوه فيما أمَركم ونهاكم هو ورسولُه أن تُضيِّعوه، وألا تستجيبوا لرسولِه إذا دعاكم لما يُحييكم، فيُوجِبَ ذلك سَخَطَه، وتستحِقوا به أليمَ عذابِه حينَ تُحْشرون إليه.\n\n<span id=\"aya-1185\"></span><span data-type='title' id=toc-3715>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسولِه: اتَّقوا أَيُّها المؤمنون ﴿فِتْنَةً﴾. يقولُ: اختبارًا من اللهِ يختبِرُكم، وبلاءً يَبتليكم، ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ هذه الفتنةُ التي حذَّرْتُكموها ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، وهم الذين فعَلوا ما ليس لهم فعلُه، إما أجرامٌ أصابوها، وذنوبٌ بينهم وبين اللهِ رَكبوها. يحذّرُهم جلَّ ثناؤُه أن يَرْكَبوا له معصيةً، أو يأتُوا مأثمًا يستحِقُّون بذلك منه عقوبةٌ.\nوقيل: إن هذه الآيةَ نزَلت في قومٍ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، وهم الذين عُنوا بها.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا الحسنُ بنُ أبى جعفرٍ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ","vol":"11","page":113},{"text":"الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. قال: نزَلت في عليٍّ وعثمانَ وطلحةَ والزُّبيرِ، رحمةُ اللهِ عليهم (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. قال قتادةُ: قال الزُّبيرُ بنُ العوَّامِ: لقد نزَلت وما نرى أحدًا منا يقعُ (^٢) بها، ثم خُلِّفْنا (^٣) حتى (^٤) أصابتْنا خاصَّةً (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا زيدُ بنُ عوفٍ أبو ربيعةَ، قال: ثنا حمادٌ، عن حُميدٍ، عن الحسنِ أن الزبيرَ بنَ العوَّامِ، قال: نزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. وما نظنُّنا أهلَها، ونحن عُنينا بها (^٦).\nقال: ثنا قبيصةُ، عن سفيانَ، عن الصَّلْتِ بن دينارٍ، عن ابنِ صُهْبانَ (^٧)، قال: سمِعت الزُّبيرَ بنَ العوَّامِ يقولُ: قرأتُ هذه الآيةَ زمانًا، وما أُرانا من أهلِها، فإذا نحن المعنيُّون بها: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (^٨).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٧٧ إلى المصنف وابن المنذر. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ٢٧٧ من طريق عوف، عن الحسن، قال: فلان وفلان.\n(^٢) بعده في تفسير عبد الرزاق: \"أو\".\n(^٣) في م: \"خصتنا\".\n(^٤) في النسخ: \"فى\". والمثبت من تفسير عبد الرزاق.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٢٥٧ عن معمر به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ١١٥، وأحمد ٣/ ٤٧ (١٤٣٨)، والنسائى فى الكبرى (١١٢٠٦)، ونعيم ابن حماد في الفتن (١٩٣)، وابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٨١ من طريق الحسن به. وأخرجه أحمد ٣/ ٣١ (١٤١٤)، والبزار (٩٧٦)، وابن عساكر في تاريخه ١٨/ ٤٠٥ من طريق مطرف، عن الزبير. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٧٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٧) في ف: \"صهيان\"، وفى م: \"صبهان\". وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٢٠٠.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٨٢ من طريق قبيصة به، وأخرجه الطيالسي (١٨٩) عن =","vol":"11","page":114},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. قال: هذه نزَلت فى أهلِ بدرٍ خاصَّةً، فأصابتْهم يومَ الجملِ فاقْتَتلوا (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن ابنِ أبي خالدٍ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. قال: أصحابُ الجملِ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. قال: أَمَرَ اللهُ المؤمنين ألا يُقِرُّوا المنكرَ بينَ أَظْهُرِهم فيعُمَّهم اللهُ بالعذابِ (^٣).\nقال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. قال: هى أيضًا لكم (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. قال: الفتنةُ الضلالةُ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن المسعوديِّ، عن القاسمِ، قال: قال\n_________\n= الصلت، عن عقبة بن صهبان وأبى رجاء، عن الزبير وهو فى تفسير الثورى ص ١١٨ قال: حدَّثني من سمع عقبة بن صهبان.\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٧٧ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ٢٧٦ عن وكيع به. وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٨٢ من طريق إسماعيل بن أبي خالد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٧٧ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٨٢ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ١٧٧ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٧٨.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٨١ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"11","page":115},{"text":"عبدُ اللهِ: ما منكم من أحدٍ إِلَّا وهو مشتملٌ على فتنةٍ؛ إن اللهَ يقولُ: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]. فليستعِذْ باللهِ من مُضِلَّات الفتنِ (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركُ بنُ فَضالةَ، عن الحسنِ، قال: قال الزبيرُ: لقد خُوِّفْنا بها. يعنى قولَه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (^٢).\nواختَلف أهلُ العربيةِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُ نحويى البصرةِ: تأويلُه (^٣): اتَّقُوا فتنةً لا تُصيبَنَّ الذين ظلَموا. [وأما] (^٤) قولُه: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾. ليس بجوابٍ، ولكنه نهيٌ بعدَ أمرٍ (^٥)، ولو كان جوابًا ما دخَلت النونُ.\nوقال بعضُ نحويى الكوفةِ (^٦): قولُه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. أمرهم ثم نهاهم، وفيه (^٧) طَرَفٌ من الجزاءِ وإن كان نهيًا. قال: ومثلُه قولُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ [النمل: ١٨]. أمَرهم ثم نهاهم، وفيه تأويلُ الجزاءِ. وكأن معنى الكلامِ عنده: اتقوا فتنةً إن لم تتقوها أصابتْكم.\nوأما قولُه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. فإنه تحذيرٌ من اللهِ ووعيدٌ لمن واقَع الفتنةَ التى حذَّره إيَّاها بقولِه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾. يقولُ: اعلَموا أَيُّها\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٨٥ من طريق المسعودى به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ١٧٨ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٧٧ عن المصنف.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"نهى\".\n(^٦) هو الفراء فى معاني القرآن ١/ ٤٠٧.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"منه\"، وفى م: \"منكم\". والمثبت من معاني القرآن.","vol":"11","page":116},{"text":"المؤمنون أن ربَّكم شديدٌ عقابُه لمن افْتَتن بظلمِ نفسِه وخالَف أمرَه فأثِم به.\n\n<span id=\"aya-1186\"></span><span data-type='title' id=toc-3716>القول في تأويلِ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾.</span>\nوهذا تذكيرٌ من اللهِ ﷿ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ ومناصحةٌ (^١). يقولُ أطيعوا اللهَ ورسولَه أيُّها المؤمنون، واستجِيبوا له إذا دعاكم لما يُحييكم، ولا تخالِفوا أمرَه وإن أمرَكم بما فيه عليكم المشقّةُ والشدّةُ، فإن اللهَ مُهوِّنُه (^٢) عليكم بطاعتِكم إيَّاه، ومُعجِّلٌ (^٣) لكم منه ما تُحِبُّون، كما فعَل بكم إذ آمنتُم به واتَّبَعْتُموه وأنتم قليلٌ يَسْتَضْعفُكم الكفارُ فيفتِنُونكم (^٤) عن دينِكم، وينالُونكم (^٥) بالمكروهِ في أنفسِكم وأعراضِكم، تخافون منهم أن يتخطَّفوكم فيقتُلوكم، ويَصْطَلِموا جميعَكم، ﴿فَآوَاكُمْ﴾. يقولُ: فجعَل لكم مَأْوًى تأوون إليه منهم، ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾. يقولُ: وقوَّاكم بنصرِه عليهم حتى قتَلتم منهم من قتَلتم يبدرٍ، ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾. يقولُ: وأَطْعَمكم غنيمتَهم حلالًا طيِّبًا، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: لكى تشكُروا (^٦) على ما رزَقكم (^٧) وأَنْعَم به عليكم من ذلك وغيرِه من نعمِه عندَكم.\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ فى ﴿النَّاسُ﴾ الذين عُنوا بقولِه: ﴿أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ\n_________\n(^١) فى ص: \"مناصحيه\"، وفى ت ١، ت ٢، س: \"مناصحته\".\n(^٢) في م: \"يهونه\".\n(^٣) فى م: \"يعجل\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فيفتنوكم\".\n(^٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ينالوكم\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"تشكرون\".\n(^٧) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"من ذلك\".","vol":"11","page":117},{"text":"النَّاسُ﴾؛ فقال بعضُهم: كفارُ قريشٍ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾. قال: يعنى بمكةَ، مع النبيِّ ﷺ ومن تبِعه من قريشٍ وحلفائِها ومواليها قبلَ الهجرةِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكَلْبيِّ، أو قتادةَ، أو كلاهما (^١): ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ﴾: إنها نزَلت في يومِ بدرٍ، كانوا يومَئذٍ يخافون أن يتخطَّفَهم الناسُ، فآواهم اللهُ وأيَّدهم بنصرِه (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه.\nوقال آخرون: بل عُنِى به غيرُ (^٣) قريشٍ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرني أبي، قال: سمِعتُ وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ في قولِه ﷿: ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ\n_________\n(^١) فى م: \"كليهما\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٢٥٨ عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٨٢ من طريق محمد ابن عبد الأعلى به. وفيه: عن قتادة، أو رجل نسيه أو كلاهما.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"11","page":118},{"text":"النَّاسُ﴾. قال: فارسُ (^١).\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ - وقرَأ: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾: والناسُ إذ ذاك فارسُ والرومُ (^٢).\nقال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: كان هذا الحىُّ من العربِ أذلَّ الناسِ ذُلًّا، وأشقاه عيشًا، وأجوعَه بطونًا (^٣)، وأعراه جلودًا، وأبينَه ضلالًا (^٤)، من عاش منهم عاش شقيًّا، ومَن مات منهم رُدِّى فى النارِ، يُؤْكَلون ولا يأكُلون، واللهِ ما نعلَمُ قبيلًا من حاضرِ (^٥) أهلِ الأرضِ يومَئذٍ كانوا أشرَّ منهم منزلًا، حتى جاء اللهُ بالإسلامِ، فمكّن به في البلادِ، ووسَّع به فى الرزقِ، وجعَلكم به ملوكًا على رقابِ الناسِ، فبالإسلامِ أَعْطَى اللهُ ما رأيتم، فاشكُروا [لله نعمتَه] (^٦)، فإن ربَّكم مُنْعِمٌ يحِبُّ الشكرَ، وأهلُ الشكرِ في مزيدٍ من اللهِ ﵎.\nوأولى القولين فى ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بذلك مشركو قريشٍ؛ لأن المسلمين لم يكونوا يخافون على أنفسِهم قبلَ الهجرةِ من غيرهم؛ لأنهم كانوا أدنى الكفارِ منهم إليهم، وأشدَّهم عليهم يومَئذٍ، مع كثرةِ عددِهم، وقلِة عددِ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١٢/ ٢٥٨ وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٧٧ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٨٣ من طريق إسماعيل به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بطنًا\".\n(^٤) لم يرد فى هذا الأثر موضع الشاهد على الترجمة وهو قوله -كما تقدم في ٥/ ٦٥٩ -: مَكْعومين على رأس حجر بين الأسدين فارس والروم.\n(^٥) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"من\".\n(^٦) في م: \"الله على نعمه\".","vol":"11","page":119},{"text":"المسلمين.\nوأما قولُه: ﴿فَآوَاكُمْ﴾. فإنه يعنى: آواكم المدينةَ. وكذلك قولُه: ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾: بالأنصارِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَآوَاكُمْ﴾. قال: إلى الأنصارِ بالمدينةِ، ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾: وهؤلاءِ أصحابُ محمدٍ ﷺ، أيَّدهم بنصرِه يومَ بدرٍ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عكرمةَ: ﴿فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: يعنى المدينةَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1187\"></span><span data-type='title' id=toc-3717>القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين باللهِ ورسولِه من أصحابِ نبيِّه ﷺ: يا أيها الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ﴾. وخيانتُهم اللهَ ورسولَه كانت بإِظهارِ مَن أَظْهَر منهم لرسولِ اللهِ-ﷺ والمؤمنينَ الإيمانَ فى الظاهرِ والنصيحةَ، وهو يستسِرُّ الكفرَ والغِشَّ لهم فى الباطنِ، يَدُلُّون المشركين على عَوْرتِهم، ويخبِرونهم بما خفِي عنهم من خبرِهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٨٣ من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ١٧٧ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) في م: \"بالمدينة\".","vol":"11","page":120},{"text":"وقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى من نزَلت هذه الآيةُ وفى السببِ الذي نزَلت فيه؛ فقال بعضُهم: نزَلت في منافقٍ كتَب إلى أبي سفيانَ يُطْلِعُه على سرِّ المسلمين.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ بنُ بشرِ بنِ معروفٍ، قال: ثنا شَبَابةُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنا محمدٌ (^١) المُحْرِمُ، قال: لقيتُ عطاءَ بنَ أبي رَباحٍ فحدَّثني، قال: ثني جابرُ بنُ عبدِ اللهِ أن أبا سفيانَ خرَج من مكةَ، فأتى جبريلُ النبيَّ ﷺ، فقال: إن أبا سفيانَ في مكانِ كذا وكذا. فقال النبىُّ ﷺ لأصحابِه: \"إن أبا سفيانَ في مكان كذا وكذا، فاخرُجوا إليه واكتُموا\". قال: فكتَب رجلٌ من المنافقين [إلى أبي سفيانَ أن محمدًا] (^٢) يريدُكم فخُذوا حِذْرَكم. فأنْزَل اللهُ ﷿: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ (^٣).\nوقال آخرون: بل نزَلت في أبي لُبابةَ، للذى (^٤) كان من أمرِه وأمرِ بنى قُريظةَ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الزُّهْرىِّ قولَه: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾. قال: نزَلت في أبي لُبابةَ، بعَثه رسولُ اللهِ ﷺ فأشار إلى حلقِه أنه الذبحُ. قال الزُّهْرىُّ: فقال أبو لُبابةَ: لا واللهِ، لا أذوقُ طعامًا ولا شرابًا حتى أموتَ أو يتوبَ اللهُ علىَّ. قال: فمكَث سبعةَ أيامٍ لا\n_________\n(^١) بعده فى م: \"بن\". وينظر الجرح والتعديل ٨/ ١٩.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أن النبي ﷺ\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧٨ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٨٢ عن المصنف ثم قال: هذا حديث غريب جدا، وفي سنده وسياقه نظر.\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الذي\".","vol":"11","page":121},{"text":"يذوقُ طعامًا ولا شرابًا حتى خرَّ مغشيًّا عليه، ثم تاب اللهُ عليه، فقيل له: يا أبا لُبابةَ قد تيب عليك. قال: واللهِ لا أحُلُّ نفسى حتى يكونَ رسولُ اللهِ ﷺ هو الذي يحُلُّني. فجاءه فحلَّه بيدِه، ثم قال أبو لُبابةَ: إن من توبتي أن أهجُرَ دارَ قومى التي أصبتُ فيها (^١) الذنبَ، وأن أنخلِعَ من مالي، قال: \"يُجزئك الثلثُ أن تصدَّقَ به (^٢) \".\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن ابنِ عُيينةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، قال: سمِعت عبدَ اللهِ بنَ أبي قتادةَ يقولُ: نزَلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ في أبي لُبابةَ (^٣).\nوقال آخرون: بل نزَلت فى شأنِ عثمانَ ﵁.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يونسُ بنُ الحارثِ الطائفيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبَيْدِ (^٤) اللهِ بن عونٍ الثقفىُّ، عن المغيرةِ بن شعبةَ، قال: نزَلت هذه الآيةُ فى قتلِ عثمانَ ﵁: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. الآية (^٥).\nوأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللهَ نهى المؤمنين عن خيانتِه\n_________\n(^١) في م: \"بها\".\n(^٢) سيأتى تخريجه في ١١/ ٦٥٧.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٨٧ - تفسير)، وابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٨٤ من طريق سفيان به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٧٨ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) فى ص، ف، م: \"عبد\". والمثبت من تفسير ابن كثير، وينظر الجرح والتعديل ٨/ ١.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٨١ عن المصنف. ويونس بن الحارث ضعيف، ولو صح فالمراد أن ذلك نوع خيانة لله ورسوله ﷺ، فقتل عثمان ﵁ كان بعد نزول القرآن.","vol":"11","page":122},{"text":"وخيانةِ رسولهِ وخيانةِ أمانتِه، وجائزٌ أن تكونَ نزَلت في أبي لُبابةَ، وجائزٌ أن تكونَ نزَلت في غيرِه، ولا خبرَ عندَنا بأىِّ ذلك كان يجبُ التسليمُ له بصحتِه، فمعنى الآيةِ وتأويلُها ما قدَّمنا ذكرَه.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. قال: نهاهم (^١) أن يخونوا اللهَ والرسولَ كما صنَع المنافقون (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية. قال: كانوا يسمَعون من النبىِّ الله ﷺ الحديثَ فيُفْشُونه حتى يبلُغَ المشركين.\nواخْتَلفوا في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: لا تخونوا اللهَ والرسولَ، فإن ذلك خيانةٌ لأماناتِكم (^٣) وهلاكٌ لها.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾: فإنهم إذا خانوا اللهَ والرسولَ فقد خانوا أماناتِهم.\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، وفى ص، م، ت ٢، س: \"نهاكم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٨٤ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"لأمانتكم\".","vol":"11","page":123},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لا تُظهِروا للهِ من الحقِّ ما يَرْضَى به منكم، ثم تخالِفوه فى السرِّ إلى غيرِه، فإن ذلك هلاكٌ لأماناتِكم، وخيانةٌ لأَنفُسِكم (^١).\nفعلى هذا التأويلِ، قولُه: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾. في موضعِ نصبٍ على الصرفِ (^٢)، كما قال الشاعرُ (^٣):\nلا تَنَه عن خُلُقٍ وتأتىَ مثلَهُ … عارٌ عليكَ إِذَا فعَلتَ عظيمُ\nويُرْوى: وتأتِى مثلَه.\nوقال آخرون: معناه: لا تخونوا اللهَ والرسولَ، ولا تخونوا أماناتِكم وأنتم تعلَمون.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾. يقولُ: لا تخونوا. يعنى: لا تَنْقُصوها.\nفعلى هذا، التأويلُ (^٤): لا تخونوا اللهَ والرسولَ، ولا تخونوا أماناتِكم.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٦٢. وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٨٤ من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد، عن عروة من قوله.\n(^٢) فى ص: \"الطرف\". وفى م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الظرف\". والمثبت هو الصواب. وينظر تعريف المصنف للصرف فى ٦/ ٩٢، وينظر أيضا ١/ ٦٠٨.\n(^٣) تقدم البيت وتخريجه في ١/ ٦٠٨.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ف: \"قوله\".","vol":"11","page":124},{"text":"واخْتَلف أهلُ التأويلِ فى معنى الأمانةِ التي ذكَرها اللهُ فى قولِه: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: هى ما يخفى عن أعينِ الناسِ من فرائضِ اللهِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾: والأمانةُ: الأعمالُ التي أمِن اللهُ عليها العبادَ، يعنى الفريضةَ. يقولُ: ولا تخونوا. يعنى: لا تَنْقُصوها.\nحدَّثنا علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: بتركِ فرائضِه، ﴿وَالرَّسُولَ﴾. يقولُ: بتركِ سنتِه (^١) وارتكابِ معصيتِه. قال: وقال مرَّةً أخرى: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾: والأمانةُ: الأعمالُ. ثم ذكَر (^٢) نحوَ حديث المثنى (^٣).\nوقال آخرون: معنى الأماناتِ هاهنا الدِّينُ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾: دينَكم ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال: قد فعَل ذلك المنافقون، وهم يعلَمون أنهم كفارٌ، يُظْهِرون الإيمانَ. وقرَأ: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا\n_________\n(^١) في ص، م، ف: \"سننه\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٨٣، ١٦٨٤ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧٨ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":125},{"text":"كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]. الآية. قال: هؤلاء المنافقون، اتَّمنَهم (^١) اللهُ ورسولُه على دينِه فخانوا، أَظْهروا الإيمانَ وأسرُّوا الكفرَ (^٢).\nفتأويلُ الكلامِ إذن: يا أيُّها الذين آمَنوا لا تَنْقُصوا اللهَ حقوقَه عليكم من فرائضِه، ولا رسولَه من واجبِ طاعتِه عليكم، ولكن أطِيعوهما فيما أمراكم به ونهياكم عنه، لا تَنْقُصوهما، ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾: وتَنْقُصوا أديانَكم وواجبَ أعمالِكم ولازمَها لكم، ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنها لازمةٌ عليكم (^٣)، واجبةٌ بالحججِ التي قد ثبَتَتْ للهِ عليكم.\n\n<span id=\"aya-1188\"></span><span data-type='title' id=toc-3718>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين: واعْلَموا أيُّها المؤمنون أنما أموالُكم (^٤) التي خوَّلكموها اللهُ، وأولادُكم التى وهَبها اللهُ لكم، اختبارٌ وبلاءٌ أعطاكموها؛ ليختبِرَكم بها ويبتليَكم لينظُرَ كيف أنتم عاملون من أداءِ حقِّ اللهِ عليكم فيها، والانتهاءِ إلى أمرِه ونهيهِ فيها، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: واعْلَموا أن اللهَ عندَه خيرٌ وثوابٌ عظيمٌ، على طاعتِكم إيَّاه فيما أمرَكم ونهاكم في أموالِكم وأولادِكم، التي اختبركم بها في الدنيا، وأطيعوا اللهَ فيما، كلَّفكم فيها تنالوا به الجزيلَ من ثوابِه فى مَعادِكم.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا المسعودىُّ، عن القاسمِ، عن\n_________\n(^١) في م: \"أمنهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٨٥ من طريق أصبغ، عن ابن زيد إلى قوله: يظهرون الإيمان.\n(^٣) بعده فى م: \"و\".\n(^٤) بعده فى ص، ت ١، ت ٢: \"لا\".","vol":"11","page":126},{"text":"عبدِ الرحمنِ، عن ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾. قال: ما منكم من (^١) أحدٍ إلَّا [وهو مشتمِلٌ] (^٢) على فتنةٍ، فمن استعاذ منكم، فليستعِذْ باللهِ من مُضلَّاتِ الفتنِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾. قال: ﴿فِتْنَةٌ﴾: الاختبارُ؛ اختبارُهم. وقرَأ: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (^٤) [الأنبياء: ٣٥].\n\n<span id=\"aya-1189\"></span><span data-type='title' id=toc-3719>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه، إن تَتَّقوا اللهَ بطاعتِه وأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه، وتركِ خيانتِه وخيانةِ رسولِه وخيانةِ أماناتِكم، ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾. يقولُ: يجعَلْ لكم فَصْلًا وفَرْقًا بين حقِّكم وباطلِ من يَبْغِيكم السوءَ من أعدائِكم المشركين، بنُصرتِه (^٥) إيَّاكم عليهم، وإعطائِكم الظُّفَرَ بهم، ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. يقولُ: ويمحو عنكم ما سلَف من ذنوبِكم بينكم وبينه، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾. يقولُ: ويغطِّيها فيسترُها عليكم، فلا يؤاخذُكم بها، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ: واللهُ الذى يفعلُ ذلك بكم، له الفضلُ العظيمُ عليكم وعلى غيرِكم من خلقِه بفعلِه\n_________\n(^١) سقط من ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"مشتملًا\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ١١٦.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٨٥ من طريق أصبغ، عن ابن زيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧٨ إلى أبي الشيخ.\n(^٥) في م: \"بنصره\".","vol":"11","page":127},{"text":"ذلك وفعلِ أمثالِه، وإنَّ فعلَه جزاءٌ منه لعبدِه (^١) على طاعتِه إيَّاه؛ لأنه الموفِّقُ عبدَه لطاعتِه التي اكتسَبها، حتى استحقَّ من ربِّه الجزاءَ الذي وعَده عليها.\nوقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى العبارةِ عن تأويلِ قولهِ: ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾؛ فقال بعضُهم: مخرجًا.\nوقال بعضُهم: نجاةً.\nوقال بعضُهم: فَصْلًا (^٢).\nوكلُّ ذلك متقاربُ المعنى وإن اخْتَلفت العباراتُ عنها، وقد بيَّنت صحةَ ذلك فيما مضَى قبلُ بما أَغْنى عن إعادتِه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-3720>ذكرُ من قال: معناه المخرجُ</span>\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾. قال: مخرجًا (^٤).\nقال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾. قال: مخرجًا (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فُرْقَانًا﴾: مخرجًا.\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، س: \"لعبيده\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"نصرًا\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٩٤، ٩٥.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٨٩ - تفسير) عن جرير به.\n(^٥) تفسير الثورى ص ١١٨.","vol":"11","page":128},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فُرْقَانًا﴾. قال: مخرجًا في الدنيا والآخرةِ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا هانئُ بنُ سعيدٍ، عن حجَّاجٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ. عن مجاهدٍ: ﴿فُرْقَانًا﴾. قال: الفرقانُ المخرجُ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فُرْقَانًا﴾. يقولُ: مخرجًا (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فُرْقَانًا﴾: مخرجًا (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ البصرىُّ، قال: ثنا زائدةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحَّاك: ﴿فُرْقَانًا﴾. قال: مخرجًا (^٤).\nحُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ قال: سمِعت عُبيدًا يقولُ: سمِعتُ الضحَّاك يقولُ: ﴿فُرْقَانًا﴾: مخرجًا.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٥٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٧٩ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٨٦ من طريق أبي صالح به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٥٨، وليس فيه: عن منصور.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٨٦ معلقًا.","vol":"11","page":129},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حُميدٌ، عن زُهيرٍ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ، قال: الفرقانُ المخرجُ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-3721>ذكرُ من قال: معناه النجاةُ</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾. قال: نجاةً (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن رجلٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ فى قولِه: ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾. قال عكرمةُ: المخرجُ. وقال مجاهدٌ: النجاةُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾. قال: نجاةً (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾. يقولُ: يجعَلْ لكم نجاةً (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ أي: نجاةً.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٨٦ معلقًا.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٧٩ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٨٦ من طريق أسباط به.\n(^٤) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ١٧٩ إلى ابن المنذر، وذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٨٦ معلقًا.","vol":"11","page":130},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3722>ذكرُ من قال: فصلًا</span>\n. . . . . . . . . . . . . . (^١) ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾.\nقال: فرقانًا يَفْرُقُ في قلوبِهم بين الحقِّ والباطلِ حتى يعرِفوه ويهتدُوا بذلك الفرقانِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾، أي: فصلًا بين الحقِّ والباطلِ، يُظهِرُ به حقَّكم، ويُطْفِئُ (^٢) به باطلَ مَن خالفكم (^٣).\nوالفرقانُ فى كلامِ العربِ مصدرٌ من قولِهم: فرَقتُ بينَ الشيءِ والشيءِ، أفرُق بينهما فَرْقًا [وفُروقًا] (^٤) وفُرْقانًا.\n\n<span id=\"aya-1190\"></span><span data-type='title' id=toc-3723>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ مذكِّرَه نعمه عليه: واذْكُرْ يا محمدُ إذ يمكُرُ بك الذين كفَروا من مشركي قومِك كي يُثْبِتُوك.\nواخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ فقال بعضُهم: معناه: ليُقَيِّدوك.\n_________\n(^١) سقط إسناد هذا الأثر من النسخ التي بين أيدينا، وقد جاء الكلام متصلا فى م، ت ١، ت ٢، س، ف، ومكان الإسناد بياض في ص.\n(^٢) في م: \"يخفى\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٦٦٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٨٦ من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد، عن عروة قوله.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"11","page":131},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾. يعني: ليُوثِقوك (^١).\nقال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾: ليُوثِقوك.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ الآية. يقولُ: ليشدُّوك وَثاقًا، وأرادوا بذلك نبيَّ اللهِ ﷺ وهو يومَئذٍ بمكةَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ ومِقْسمٍ، قالا: قالوا: أَوْثِقوه بالوَثاقِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾. قال: الإثباتُ هو الحبسُ والوَثاقُ (^٢).\nوقال آخرون: بل معناه: الحبسُ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٨٨ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ١٨٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٨٨ من طريق أسباط به.","vol":"11","page":132},{"text":"سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾. قال: يَسْجُنوك. وقالها عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ (^٢): قالوا: اسْجُنوه.\nوقال آخرون: بل معناه: ليسحَروك (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ البصرىُّ المعروفُ بالوَساوِسىِّ، قال: ثنا عبدُ المجيدِ بنُ أبى روَّادٍ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ، عن عبيدِ بنِ عُميرٍ، عن (^٤) المُطَّلِبِ بنِ أبى وَداعةَ، أن أبا طالبٍ قال لرسولِ اللهِ ﷺ: ما يأتمرُ به قومُك؟ قال: \"يريدون أن يسحَرونى ويقتُلوني ويُخرجونى\". فقال: من أَخْبَرك هذا (^٥)؟ قال: \"ربي\". قال: نِعْم الربُّ ربُّك، فاستوصِ به خيرًا. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أنا أَسْتَوْصِى به؟ بل هو يَسْتَوْصِي بي خيرًا\". فنزَلت: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآية (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قال عطاءٌ: سمِعت عبيدَ بنَ عميرٍ يقولُ: لما ائْتَمَروا بالنبيِّ ﷺ ليقتُلوه أو يُثْبِتوه أو (^٧) يُخْرِجوه، قال له أبو طالبٍ: هل تَدْرِى ما ائتمَروا بك؟ قال: \"نعم\". قال: فأَخْبَره. قال: من أَخْبَرك؟ قال: \"ربِّى\". قال: نعْمَ الربُّ ربُّك، استوصِ به خيرًا. قال: \"أنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٨٨ من طريق حجاج به.\n(^٢) بعده في ص، ف: \"في قوله\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يسحروك\".\n(^٤) في النسخ: \"بن\"، وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٢٢٣، ٢٨/ ٨٦.\n(^٥) في م: \"بهذا\".\n(^٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٧٩ إلى المصنف.\n(^٧) في ص، ت ٢، س: \"و\".","vol":"11","page":133},{"text":"أَسْتَوْصِى به أو هو يَسْتَوْصِي بي؟ \" (^١).\nوكان معنى مَكْرِ قومِ رسولِ اللهِ ﷺ به ليُثْبِتوه كما حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأُموىُّ، قال: ثني أبي، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بنِ أَبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: وحدَّثنى الكَلْبِيُّ، عن باذانَ (^٢) مَوْلى أمِّ هانئٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن نفرًا من قريشٍ من أشرافِ كلِّ قبيلةٍ، اجْتمعوا ليدخُلوا دارَ الندوةِ، فاعترَضهم إبليسُ في صورةِ شيخٍ جليلٍ، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخٌ من نَجْدٍ، سمِعْتُ أنكم اجْتَمعتم، فأردتُ أن أحضُرَكم ولن يعدَمَكم منى رأىٌ ونصحٌ. قالوا: أجلْ، ادخُلْ. فدخَل معهم، فقال: انظُروا (^٣) شأنَ هذا الرجلِ، واللهِ ليُوشِكنَّ أن يواثبَكم (^٤) في أمورِكم بأمرِه. قال: فقال قائلٌ: احْبِسوه في وَثاقٍ، ثم تربَّصوا به ريبَ (^٥) المنونِ حتى يَهْلِكَ كما هلَك من كان قبلَه من الشعراءِ؛ زهيرٌ والنابغةُ، إنما هو كأحدِهم. قال: فصرَخ عدوُّ اللهِ الشيخُ النَّجْدىُّ، فقال: واللهِ ما هذا لكم برأيٍ، واللهِ [ليُخْرِجَنَّه ربُّه] (^٦) من مَحْبِسِه إلى أصحابِه، فليُوشِكُنَّ أن يَثِبوا عليه حتى يأَخُذوه من أيديكم فيمنَعوه منكم، فما آمنُ عليكم أن يُخرجوكم من بلادِكم. قالوا: فانظُروا في غيرِ هذا. قال: فقال قائلٌ: أَخْرِجوه من بينِ أظهرِكم تستريحوا منه، فإنه إذا خرَج لن يضرَّكم ما صنَع وأين وقَع، إذا غاب عنكم أذاه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٨٨ من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧٩ إلى سنيد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) فى النسخ، والدلائل للبيهقى: \"زاذان\". وينظر ما تقدم في ٩/ ٨٨.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"إلى\"\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يواتيكم\".\n(^٥) زيادة من: م.\n(^٦) كذا في النسخ، وفى سيرة ابن هشام: \"ليخرجن أمره\"، وفى تاريخ المصنف، ودلائل أبي نعيم: \"لخرج أمره\". وفى تفسير ابن أبي حاتم، والدر المنثور: \"ليخرجن رأيه\".","vol":"11","page":134},{"text":"واسترحتم، وكان أمرُه فى غيرِكم. فقال الشيخُ النَّجْدىُّ: واللهِ ما هذا لكم برأىٍ، ألم تروا حلاوةَ قولِه، وطلاقةَ لسانهِ، وأخْذَ القلوبِ ما تسمَعُ من حديثِه، واللهِ لئن فعَلتم ثم استعرض العربَ، لتجتمعَنَّ عليكم، ثم ليأتينَّ إليكم حتى يخرِجَكم من بلادِكم ويقتُلَ أشرافَكم. قالوا: صدَق واللهِ، فانظُروا رأيًا غيرَ هذا. قال: فقال أبو جهلٍ: واللهِ لأُشيرنَّ عليكم برأىٍ ما أراكم أبصرتُموه بعدُ، ما أرى غيرَه. قالوا: وما هو؟ قال: نأخُذُ من كلِّ قبيلةٍ غلامًا وسيطًا (^١) شابًا نهْدًا (^٢)، ثم يُعْطَى كلُّ غلامٍ منهم سيفًا صارمًا، ثم يضرِبونه (^٣) ضربةَ رجلٍ واحدٍ، فإذا قتَلوه تفرَّق دمُه في القبائلِ كلِّها، فلا أظنُّ هذا الحىَّ من بنى هاشمٍ يقدِرون على حربِ قريشٍ كلِّها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبِلوا العَقْلَ (^٤) واسترَحنا، وقطَعنا عنَّا أذاه. فقال الشيخُ النَّجْدىُّ: هذا واللهِ الرأىُ، القولُ ما قال الفتى، لا أرى غيرَه. قال: فتفرَّقوا على ذلك وهم مُجْمِعون له. قال: فأتى جبريلُ النبىَّ ﷺ فأمَره ألا يبيتَ في مضجعِه الذي كان يبيتُ فيه تلك الليلةَ، وأذِن اللهُ له عندَ ذلك بالخروجِ، وأَنْزَل عليه بعد قدومِه المدينةَ \"الأنفالَ\" يُذَكِّرُه نعمَه عليه، وبلاءَه عندَه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. وأَنْزَل في قولِهم: تَرَبَّصوا به رَيْبَ المنونِ حتى يَهْلِكَ كما هلَك من كان قبلَه من الشعراءِ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]. وكان يُسمَّى ذلك اليومُ يومَ الزحمةِ. للذى اجتمعوا عليه من الرأيِ (^٥).\n_________\n(^١) فى م: \"وسطًا\". والوسيط: الحسيب في قومه. النهاية ٥/ ١٨٤.\n(^٢) النهد: القوى الضخم. النهاية ٥/ ١٣٥.\n(^٣) في ص: \"يضربوه\"، وفى ت ١: \"يضربه\"، وفى ت ٢، س، ف: \"نضربه\".\n(^٤) العقل: الدية. الصحاح (ع ق ل).\n(^٥) سيرة ابن هشام ١/ ٤٨٠.=","vol":"11","page":135},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ ومِقْسمٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾. قالا: تشاوروا فيه ليلةً وهم بمكةَ، فقال بعضُهم: إذا أصبح فأوثِقوه بالوَثاقِ. وقال بعضُهم: بل اقتُلوه. وقال بعضُهم: بل أَخْرِجوه. فلما أصبحوا رأوا عليًّا ﵁، فردَّ اللهُ مكرَهم (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرني أبي، عن عكرمةَ، قال: لما خرَج النبىُّ ﷺ وأبو بكرٍ إلى الغارِ، أمَر علىَّ بنَ أبي طالبٍ فنام فى مضجَعِه، فبات المشركون يحرُسونه، فإذا رأوه نائمًا حسِبوا أنه النبىُّ ﷺ فترَكوه، فلما أصبَحوا ثاروا إليه وهم يحسَبون أنه النبىُّ ﷺ، فإذا هم بعلىٍّ، فقالوا: أين صاحبُك؟ قال: لا أَدْرى. قال: فركِبوا الصَّعْبَ والذَّلولَ في طلبِه (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، قال: أخبَرنى عثمانُ الجَزَرىُّ (^٣)، أن مِقْسمًا مولى ابنِ عباسٍ أَخْبَره، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾. قال: تشاورت قريشٌ ليلةً بمكةَ، فقال بعضُهم: إذا أصبح فأثبِتوه بالوَثاقِ. يريدون النبيَّ ﷺ. وقال بعضُهم: بل اقتُلوه. وقال بعضُهم: بل أَخْرِجوه. فَأَطْلَع اللهُ نبيَّه على ذلك، فبات علىٌّ ﵁\n_________\n= وأخرجه البيهقى فى الدلائل ٢/ ٤٦٨ من طريق سعيد بن يحيى الأموى به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٨٦ من طريق يحيى بن سعيد الأموى، عن ابن إسحاق، عن ابن أبي ليلى، عن مجاهد، عن ابن عباس. وأخرجه المصنف فى تاريخه ٢/ ٣٧٠، وأبو نعيم فى الدلائل (١٥٤)، من طريق سلمة عن ابن إسحاق به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٧٩ إلى ابن المنذر.\n(^١) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢٥٨ في تفسيره عن معمر عن قتادة، وعن عثمان الجزرى عن مقسم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٥٩.\n(^٣) في م: \"الجريرى\". وينظر الجرح والتعديل ٦/ ١٧٤.","vol":"11","page":136},{"text":"على فراشِ النبىِّ ﷺ تلك الليلةَ، وخرَج النبىُّ ﷺ حتى لحِق بالغارِ، وبات المشركون يحرُسون عليًّا، يحسَبون أنه النبىَّ ﷺ، فلما أصبَحوا ثاروا إليه، فلما رأوه عليًّا ﵁، ردَّ اللهُ مكرَهم، فقالوا: أين صاحبُك؟ قال: لا أَدْرِى. فاقتصُّوا أَثَرَه، فلما بلَغوا الجبلَ ومرُّوا بالغارِ، فرأوا على بابِه نَسْجَ العنكبوتِ، قالوا: لو دخَل هاهنا لم يكنْ نسجٌ على بابِه. فمكَث فيه ثلاثًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. قال: اجتمَعت مشيخةُ قريشٍ يتشاورون في النبىِّ ﷺ بعدَما أَسْلَمت الأنصارُ، وفرِقوا أن يتعالى أمرُه إذ وجَد ملجأً لجأ إليه. فجاء إبليسُ فى صورةِ رجلٍ من أهلِ نَجْدٍ، فدخَل معهم فى دارِ الندوةِ، فلما أنْكَروه قالوا: من أنت، فواللهِ ما كلُّ قومِنا أعلمناهم مجلسَنا هذا؟ قال: أنا رجلٌ من أهلِ نجدٍ أسمَعُ من حديثِكم وأُشيرُ عليكم. فاستحْيُوا فخلَّوا عنه، فقال بعضُهم: خُذوا محمدًا إذا اضْطجَع (^٢) على فراشِه، فاجعَلوه في بيتٍ نتربَّصُ به رَيْبَ المنونِ -والرَّيبُ هو الموتُ، والمَنونُ هو الدهرُ- قال إبليسُ: بئسما قلت، تجعَلونه في بيتٍ فيأتي أصحابُه فيخرجونه، فيكونُ بينكم قتالٌ؟ قالوا: صدَق الشيخُ. قال: أخرِجوه من قريتِكم. قال إبليسُ: بئسما قلت، تُخرِجونه من قريتِكم وقد أَفْسَد سفهاءَكم، فيأتى قريةً أُخرى فيفسدُ سفهاءَهم، فيأتيكم بالخيلِ والرجالِ؟ قالوا: صدَق الشيخُ. قال أبو جهلٍ -وكان أولاهم بطاعةِ إبليسَ-: بل نعمِدُ إلى كلِّ بطنٍ من بطونٍ قريشٍ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٣٠١ (٣٢٥١)، والخطيب في تاريخ بغداد، ١٣/ ١٩١، والطبراني (١٢١٥٥) من طريق عبد الرزاق به. وهو في تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٥٨، والمصنف ٥/ ٣٨٩ تحت (٩٧٤٣) لكن عن مقسم قوله.\n(^٢) فى م: \"اصطبح\".","vol":"11","page":137},{"text":"فنُخْرِجُ منهم رجلًا فنعطيهم السلاحَ، فيشُدُّون على محمدٍ جميعًا فيضرِبونه ضربةَ رجلٍ واحدٍ، فلا يستطيعُ بنو عبدِ المطلبِ أن يقتُلوا قريشًا، فليس لهم إلا الدِّيةُ. قال إبليسُ: صدَق هذا (^١) الفتى: هو أجودُكم رأيًا. فقاموا على ذلك، وأَخْبَر اللهُ رسولَه ﷺ، فنام على الفراشِ، وجعَلوا عليه العيونَ. فلما كان في بعضِ الليلِ، انطلَق هو وأبو بكرٍ إلى الغارِ، ونام علىُّ بنُ أبى طالبٍ على الفراشِ، فذلك حينَ يقولُ اللهُ ﴿لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾. والإثباتُ هو الحبسُ والوَثاقُ. وهو قولُه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦]. يقولُ: يُهْلِكُهم. فلما هاجر رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ لقِيه عمرُ، فقال له: ما فعَل القومُ؟ وهو يرى أنهم قد أُهْلِكوا حين خرَج النبيُّ ﷺ من بينِ أَظْهُرِهم، وكذلك كان يصنَعُ بالأممِ، فقال النبيُّ ﷺ: \"أُخِّروا بالقتالِ\" (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾. قال: كفارُ قريشٍ أرادوا ذلك بمحمدٍ ﷺ قبل أن يخرُجَ من مكةَ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبى نَجيحٍ عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثني ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا هانئُ بنُ سعيدٍ، عن حجاجٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه، إلا أنه قال: فعَلوا ذلك بمحمدٍ ﷺ\n_________\n(^١) فى م: \"وهذا\".\n(^٢) تقدم تخريج قوله: الإثبات هو الحبس والوثاق. في ص ١٣٢.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٨٨ من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٨٠ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.","vol":"11","page":138},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ الآية: هو النبيُّ ﷺ مكَروا به وهو بمكةَ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ إلى آخر الآيةِ. قال: اجتمَعوا فتشاوَروا في رسولِ اللهِ ﷺ، فقالوا: اقتُلوا هذا الرجلَ. فقال بعضُهم: لا يقتُلُه رجلٌ إلا قُتِل به. قالوا: خُذوه فاسجُنوه واجعَلوا عليه حديدًا. قالوا: فلا يدعُكم أهلُ بيتِه. قالوا: أخرِجوه. قالوا: إِذَن يَسْتَغْوِىَ الناسَ عليكم. قال: وإبليسُ معهم في صورةِ رجلٍ من أهلِ نجدٍ، واجتَمع رأيُهم أنه إذا جاء يطوفُ البيتَ ويَسْتَلِمُ أن يجتمِعوا عليه فيغمُّوه (^١) ويقتُلوه، فإنه لا يَدْرِى أهلُه من قتَله، فيرضَوْن بالعَقْلِ، فنقتُلُه ونستريحُ ونعقِلُه. فلما أن جاء يطوفُ بالبيتِ اجتمعوا عليه فغمُّوه (^٢)، فأتى أبو بكرٍ، فقيل له ذاك، فأتى فلم يجِدْ مدخلًا، فلما أن لم يجدْ مدخلًا، قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؟ قال: ثم فرَّجها اللهُ عنه، فلما أن كان (^٣) الليلُ أتاه جبريلُ ﵇، فقال: من أصحابُك؟ فقال: \"فلانٌ وفلانٌ وفلانٌ\". فقال: لا (^٤)، نحن أعلمُ بهم منك يا محمدُ، هم ناموسُ (^٥) ليلٍ. قال: وأُخِذ أولئك من مضاجعِهم وهم نيامٌ، فأُتِى بهم النبىُّ ﷺ، فقدِّم أحدُهم إلى جبريلَ فكحَله، ثم أَرْسَله، فقال: \"ما صورتُه يا جبريلُ؟ \". قال: كُفِيتَه يا نبيَّ اللهِ. ثم\n_________\n(^١) في النسخ: \"فيعموه\".\n(^٢) في النسخ: \"فعموه\".\n(^٣) فى ص، ت ٢، س، ف: \"حبط\"، وفى ت ١: \"حنط\".\n(^٤) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فقال جبريل ﵇\".\n(^٥) الناموس: المكر والخداع، والناموس: دويبة أغبر كهيئة الذرة. اللسان (ن م س).","vol":"11","page":139},{"text":"قدِّم آخرُ فنقَر فوقَ رأسِه بعصًا نَقْرةً، ثم أَرْسَله فقال: \"ما صورتُه يا جبريلُ؟ \". فقال: كُفِيتَه يا نبيَّ اللهَ. ثم [أُتى بآخرَ] (^١) فنقَر في ركبتِه، فقال: \"ما صورتُه يا جبريلُ؟ \". قال: كُفِيتَه. ثم أُتى بآخرَ، فسقاه مَذْقةً (^٢)، فقال: \"ما صورتُه يا جبريلُ؟ \". قال: كُفِيتَه يا نبيَّ اللهِ. وأُتى بالخامسِ، فلما غدا من بيتِه مرَّ بنبالٍ فتعلَّق مِشْقصٌ (^٣) بردائِه فالتوى، فقطَع الأكحلَ (^٤) من رجلِه، وأما الذى كُحِلت عيناه فأصبح وقد عمِى، وأما الذى سُقِى مَذْقةً فأصبح وقد استَسقى بطنُه، وأما الذي نُقِر فوق رأسِه، فأخذته النُّقْرةُ (^٥) -والنُّقْرَةُ (^٦) قُرْحةٌ عظيمةٌ أخَذته في رأسِه- وأما الذي طُعِن في ركبتِه، فأصبح وقد أُقعِد، فذلك قولُ اللهِ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ قولَه: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ أي: فمكَرتُ لهم (^٧) بكيدى المتينِ حتى خلَّصتُك منهم (^٨).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن\n_________\n(^١) فى ف: \"قدم آخر\".\n(^٢) المذقة: الشربة من اللبن إذا خلط بالماء. اللسان (م ذ ق).\n(^٣) المشقص: نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض. النهاية ٢/ ٤٩٠.\n(^٤) الأكحل: عرق في اليد يفصد، وقيل: هو عرق الحياة، يدعى نهر البدن، وفي كل عضو منه شعبة لها اسم على حدة، فإذا قطع فى اليد لم يرقأ الدم. ينظر اللسان (ك ح ل).\n(^٥) فى ص، م، ت ١، ف: \"النقدة\".\n(^٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"النقدة\".\n(^٧) في سيرة ابن هشام، وتفسير ابن أبي حاتم: \"بهم\". وستأتى أيضًا في كلام المصنف ص ١٤٤: مكرت لهم.\n(^٨) سيرة ابن هشام ١/ ٦٦٩. وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٨٨ من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن عروة من قوله.","vol":"11","page":140},{"text":"عكرمةَ قولَه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: هذه مكيةٌ. قال ابنُ جُريجٍ: قال مجاهدٌ: هذه مكيةٌ.\nفتأويلُ الكلامِ إذن: واذكُرْ يا محمدُ نعمتى عندَك بمكرى بمن حاول المكرَ بك من مشركي قومِك، بإثباتِك، أو قتلِك، أو إخراجِك من وطنِك، حتى استنقذتُك منهم وأهلكتُهم، فامضِ لأمرى فى حربِ من حارَبك من المشركين، وتولَّى عن [إجابتِك إلى] (^١) ما أَرْسَلتُك به من الدينِ القيِّم، ولا يُرْعِبنَّك كثرةُ عددِهم، فإن ربَّك خيرُ الماكرين بمن كفَر به، وعبَد غيرَه، وخالَف أمرَه ونهيَه. وقد بيَّنا معنى المكرِ فيما مضى بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1191\"></span><span data-type='title' id=toc-3724>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا تُتْلَى على هؤلاء الذين كفَروا آياتِ كتابِ اللهِ الواضحةَ لمن شرَح اللهُ صدرَه لفَهْمِه، قالوا - جهلًا منهم، وعنادًا للحقِّ، وهم يعلَمون أنهم كاذبون فى قيلِهم: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾، الذي تُلِيَ علينا، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. يعنى أنهم يقولون: ما هذا القرآنُ الذي يُتْلَى عليهم إلا أساطيرُ الأوَّلين.\nوالأساطيرُ جمعُ أَسْطُرٍ، وهو جمعُ الجمعِ؛ لأن واحدَ الأَسْطُرِ سَطْرٌ، ثم يُجْمَعُ السطرُ: أَسْطُرٌ وسطورٌ، ثم تُجْمَعُ الأسطرُ: أساطيرُ وأساطرُ.\nوقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ (^٣) يقولُ: واحدُ الأساطيرِ أُسْطُورةٌ.\n_________\n(^١) في م، ف: \"إجابة\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٩/ ٥٣٩.\n(^٣) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ١/ ١٨٩ وينظر ما تقدم في ٩/ ٢٠٠.","vol":"11","page":141},{"text":"وإنما عَنى المشركون بقولِهم: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: إنْ هذا القرآنُ الذي تتلُوه علينا يا محمدُ إلا ما سطَّره الأوّلون وكتَبوه من أخبارِ الأممِ. كأنهم أضافوه إلى أنه أُخِذ عن بني آدمَ، وأنه لم يُوحِه اللهُ إليه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ قولَه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾. قال: كان النضرُ بنُ الحارثِ يختلِفُ تاجرًا إلى فارسَ، فيمرُّ بالعِبادِ (^١) وهم يقرَءون الإنجيلَ ويركَعون ويسجُدون، فجاء مكةَ، فوجَد محمدًا ﷺ قد أُنْزِل عليه وهو يركَعُ ويسجُدُ، فقال النَّضْرُ: قد سمِعنا، لو نشاءُ لقلنا مثلَ هذا. للذى سمِع من العِبادِ. فنزَلت: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾. قال: فقصَّ ربُّنا ما كانوا قالوا بمكةَ، وقصَّ قولَهم: ﴿إِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُدِّيِّ، قال: كان النضرُ بنُ الحارثِ بنِ علقمةَ أخو بني عبدِ الدارِ يختلِفُ إلى الحيرةِ فيسمَعُ سجعَ أهلِها وكلامَهم، فلما قدِم مكةَ سمِع كلامَ النبيِّ ﷺ والقرآنَ، فقال: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.\n_________\n(^١) العباد: قوم من قبائل شتَّى من بطون العرب، نزلوا الحيرة واجتمعوا على النصرانية، فأنفوا أن يتسموا بالعبيد، وقالوا: نحن العباد. اللسان (ع ب د).","vol":"11","page":142},{"text":"يقولُ: أساجيعُ أهلِ الحيرةِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: قتَل النبىُّ ﷺ يومَ بدرٍ صَبْرًا عقبةَ بنَ أبي مُعَيْطٍ، وطُعَيمةَ بنَ عَدىٍّ، والنضرَ بنَ الحارثِ، وكان المِقْدادُ أسَر النضرَ، فلما أمَر بقتلِه، قال المِقْدادُ: [يا رسولَ اللهِ] (^٢) أسيرى. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إنه كان يقولُ في كتابِ اللهِ ما يقولُ\". فأمَر النبيُّ ﷺ بقتلِه، فقال المقدادُ: أسيرى. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"اللهمَّ أَغْنِ المقدادَ من فضلِك\". فقال المقدادُ: هذا الذي أردتُ. وفيه أُنْزِلت هذه الآيةُ: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ الآية (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قتَل يومَ بدرٍ ثلاثةَ رَهْطٍ من قريشٍ صَبْرًا؛ المُطْعِمَ بنَ عَدىٍّ (^٤)، والنضرَ بنَ الحارِثِ، وعقبةَ بنَ أبى مُعَيْطٍ. قال: فلما أمَر بقتلِ النضرِ، قال المقدادُ بنُ الأسودِ: أسيرى يا رسولَ اللهِ. قال: \"إنه كان يقولُ في كتابِ اللهِ وفي رسولِه ما كان يقولُ\". قال: فقال ذلك مرَّتين أو ثلاثًا، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"اللهمَّ أَغْنِ المقدادَ من فضلِك\". وكان المقدادُ أسَر النَّضْرَ.\n\n<span id=\"aya-1192\"></span><span data-type='title' id=toc-3725>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٨٩ من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٨٧ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨٠ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٨٨ عن هشيم به وقال -عن ذكر المطعم فى هذا الخبر-: وهو غلط؛ لأن المطعم بن عدى لم يكن حيًّا يوم بدر، ولهذا قال رسول الله ﷺ يومئذ: \"لو كان المطعم حيا، ثم سألني في هؤلاء النتنى، لوهبتهم له\". وينظر صحيح البخارى (٣١٣٩).","vol":"11","page":143},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: واذكُرْ يا محمدُ أيضًا ما حلَّ بمن قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. إذ مكَرت لهم (^١)، فأتيتُهم بعذابٍ أليمٍ، وكان ذلك العذابُ قتلَهم بالسيفِ يومَ بدرٍ.\nوهذه الآيةُ أيضًا ذُكِر أنها نزَلت في النضرِ بنِ الحارثِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: ثنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال: نزَلت فى النضرِ بنِ الحارثِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾. قال: قولُ النضرِ بنِ الحارثِ - [أو ابنِ الحارثِ] (^٣) بنِ كَلَدةَ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾: قولُ النضرِ بنِ الحارثِ ابنِ علقمةَ بنِ كَلَدةَ من بنى عبدِ الدارِ.\nقال: أخبرنا إسحاقُ، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم فى ص ١٤٠.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور (٩٩٠ - تفسير) عن هشيم به، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٨٩ من طريق أبي بشر به\n(^٣) فى م: \"بن علقمة\".","vol":"11","page":144},{"text":"مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾. قال: هو النضرُ بنُ الحارثِ بنِ كَلَدةَ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا طلحةُ بنُ عمرٍو، عن عطاءٍ، قال: قال رجلٌ من بنى عبدِ الدارِ يقالُ له: النضرُ بنُ كَلَدةَ: اللهمَّ إن كان هذا هو الحقَّ من عندِك فأمطِرْ علينا حجارةً من السماءِ أو ائتِنا بعذابٍ أليمٍ. فقال اللهُ: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦]. وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤]. وقال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ﴾ [المعارج: ١، ٢]. قال عطاءٌ: لقد نزَل فيه بِضْعَ عَشْرَةَ آيةً من كتابِ اللهِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: فقال -يعنى النضرَ بنَ الحارثِ: اللهمَّ إن كان ما يقولُ محمدٌ هو الحقَّ من عندِك، فأمطِرْ علينا حجارةً من السماءِ أو ائتِنا بعذابٍ أليمٍ. قال اللهُ: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية. قال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ﴾.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية. قال: قال ذلك سَفَهةُ (^٤) هذه\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٥٣.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨١ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٩٠ من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٤) فى ص، ت ٢، ف: \"سفه\"، وفى ت ١، س: \"سفيه\".","vol":"11","page":145},{"text":"الأمةِ وجَهَلتُها، فعاد اللهُ بعائدتِه ورحمتِه على سفهةِ هذه الأمةِ وجهلتِها.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثم ذكَر غِرَّةَ (^١) قريشٍ واستِفتاحَهم على أنفسِهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾. أى: ما جاء به محمدٌ، ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ كما أمطرتَها على قومِ لوطٍ، ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أى: ببعضِ ما عذَّبت به الأممَ قبلَنا (^٢).\nواخْتَلف أهلُ العربيةِ (^٣) فى وجهِ دخولِ ﴿هُوَ﴾ في الكلامِ؛ فقال بعضُ البصريين نُصِب ﴿الْحَقَّ﴾؛ لأن ﴿هُوَ﴾، واللهُ أعلمُ، حُوِّلت زائدةً في الكلامِ صلةَ توكيدٍ كزيادةِ \"ما\"، ولا تُزادُ إلا فى كلِّ فعلٍ لا يستغنى عن خبرٍ، ليست (^٤) ﴿هُوَ﴾ بصفةِ ﴿هَذَا﴾؛ لأنك لو قلت: رأيتُ هذا هو. لم يكنْ كلامًا، ولا تكونُ \"هذه\" المضمر من صفةِ الظاهرةِ، ولكنها تكونُ من صفةِ المضمرةِ نحوَ قولِه: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]، و﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠]. لأنك تقولُ: وجَدته هو وإياى. فتكون \"هو\" صفةً، وقد تكونُ فى هذا المعنى أيضًا غير صفةٍ، ولكنها تكونُ زائدةً كما كان في الأوَّلِ، وقد تُجْرَى في جميعِ هذا مُجْرَى الاسمِ، فيُرْفَعُ ما بعدَها إن كان ما (^٥) بعدَها ظاهرًا أو\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"غيرة\". والغرة: الغفلة والاغترار. ينظر اللسان (غ ر ر).\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٠. وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٩٠، ١٦٩١. من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن عروة من قوله.\n(^٣) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فى قوله و\"، ولعله سقط من هذه النسخ قوله: \"هو الحق\". ويكون السياق: في قوله: هو الحق. ووجه دخول: هو في الكلام.\n(^٤) فى م: \"ليس\".\n(^٥) سقط من: م.","vol":"11","page":146},{"text":"مضمرًا في لغةِ بني تميمٍ، يقولون في قولِه: (إِن كان هذا هو الحقُّ من عندك) (^١).\nو(لَكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالمونَ (^٢». و(تَجِدُوه عِندَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ (^٣) وَأَعْظَمُ أجْرًا). كما تقولُ: كانوا آباؤُهم الظالمون. جعَلوا هذا المضمرَ نحو \"هو\" و\"هما\" و\"أنت\" زائدًا فى هذا المكانِ، ولم تُجْعَلْ مواضعَ الصفةِ؛ لأنه فصلٌ أراد أن يبِّينَ به أنه [ليس ما بعدَه صفةً] (^٤) لما قبلَه، ولم يُحتَجْ إلى هذا في الموضعِ الذى لا يكونُ له خبرٌ.\nوكان بعضُ الكوفيين يقولُ: لم تدخُلْ \"هُوَ\" التى هى عمادٌ (^٥) في الكلامِ إلا لمعنًى صحيحٍ. وقال: كأنه قال: زيدٌ قائمٌ. فقلتَ أنت: بل عمرٌو هو القائمُ. فـ \"هو\" لمعهودِ الاسمِ، والألفُ واللامُ لمعهودِ الفعلِ [والألفُ واللامُ] (^٦) التي هي صلةٌ في الكلامِ مخالفةٌ لمعنى \"هو\"؛ لأن دخولَها وخروجَها واحدٌ في الكلامِ، وليست كذلك \"هو\"، وأما التى تدخُلُ صلةً فى الكلامِ، فتوكيدٌ شبيهٌ بقولِهم: وجدتُه نفسَه. تقولُ ذلك وليست بصفةٍ كالظريفِ والعاقلِ.\n\n<span id=\"aya-1193\"></span><span data-type='title' id=toc-3726>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.</span>\n_________\n(^١) وهي قراءة الأعمش وزيد بن على. مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٥٤، والبحر المحيط ٤/ ٤٨٨.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الظالمين\". وقراءة الرفع هى قراءة عبد الله وأبي زيد النحويين. مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٣٦، والبحر المحيط ٨/ ٢٧.\n(^٣) في النسخ: \"خيرا\". والمثبت هو صواب استشهاد المصنف، وبالرفع قرأ أبو السمال وابن السميفع. مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٦٤، والبحر المحيط ٨/ ٣٦٧.\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ليس بصفة ما بعده\".\n(^٥) تقدم معنى العماد في ٢/ ٢١٤.\n(^٦) سقط من: م. ومكانه بياض فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف. والمثبت كما أثبته الشيخ شاكر.","vol":"11","page":147},{"text":"اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾: أى؛ وأنت مقيمٌ بينَ أَظْهُرِهم. قال: وأُنْزِلت هذه على النبيِّ ﷺ وهو مقيمٌ بمكةَ. قال: ثم خرَج النبىُّ ﷺ من بينِ أظْهُرِهم، فاستَغفر من بها من المسلمين، فأَنْزَل اللهُ (^١) بعدَ خروجِه عليه حينَ استَغفر أولئك بها: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: ثم خرَج أولئك البقيةُ من المسلمين من بينِهم فعذَّب الكفارَ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرِ بنِ أبي المغيرةِ، عن ابنِ أَبْزَى، قال: كان النبيُّ ﷺ بمكةَ، فأنْزَل اللهُ (^٢): ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. قال: فخرج النبىُّ ﷺ إلى المدينةِ، فأنزلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: فكان أولئك البقيةُ من المسلمين الذين بقُوا فيها يستغفِرون، يعنى بمكةَ، فلما خرَجوا أنْزَل اللهُ عليه: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾. قال: فأذِن اللهُ له في فتحِ مكةَ، فهو العذابُ الذى وعَدهم (^٣).\n\n<span id=\"aya-1194\"></span>حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾: يعنى النبيَّ ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يعنى من بها من المسلمين، ﴿وَمَا لَهُمْ\n_________\n(^١) زيادة ليست في: الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٢) بعده في ص، ت ٢، س، ف: \"عليه\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٩٣ من طريق يعقوب به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ١٨١ إلى أبى الشيخ.","vol":"11","page":148},{"text":"أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾: يعني (^١) مكةَ وفيها (^٢) الكفارُ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾: يعنى أهلَ مكةَ [وأنت فيهم] (^٤) ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ وفيهم المؤمنون يستغفِرون، يغفرُ لمن فيهم من المسلمين (^٥).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الرازيُّ وأبو داودَ الحَفْرىُّ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن ابنِ أَبْزَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: بقيةُ من بَقِىَ من المسلمين منهم، فلما خرَجوا قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾.\nقال: ثنا عمرانُ بنُ عُيينةَ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. قال: أهلُ مكةَ.\nوأخبرنا أبي، عن سَلَمةَ بنِ نُبيطٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: المؤمنون من أهلِ مكةَ، ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُم اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: المشركون من أهلِ مكةَ (^٦).\nقال: ثنا أبو خالدٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بغير\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فيهم\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨١ إلى المصنف وعبد بن حميد، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٩١ - تفسير) من طريق حصين به بلفظ آخر مختصرا.\n(^٤) سقط من: م، وفى ص، ت ١، س، ف: \"واىىعهم\". بدون نقط.\n(^٥) ذكر آخره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٩٢ معلقا بلفظ آخر.\n(^٦) أخرجه النحاس في الناسخ ص ٤٦٥ من طريق وكيع به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٩١ من طريق سلمة بن نبيطٍ به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨٢ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.","vol":"11","page":149},{"text":"مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: المؤمنون يستغفِرون بينَ ظهرانَيهم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. يقولُ: الذين آمَنوا معَك يستغفِرون بمكةَ حتى أخرَجك والذين آمنوا معك.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قال ابنُ عباسٍ: لم يعذِّبْ قريةً حتى يُخْرِجَ النبيَّ منها والذين آمنوا معه ويُلْحِقَهُ (^٢) بحيث أُمِر، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: يعنى المؤمنين، ثم عاد إلى المشركين فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. قال: يعنى أهلَ مكةَ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك (^٤): وما كان اللهُ ليعذِّب هؤلاء المشركين من قريشٍ بمكةَ وأنت فيهم يا محمدُ حتى أخْرجك من بينِهم، وما كان اللهُ معذِّبَهم وهؤلاء المشركون يقولون: يا ربِّ غُفرانَك. وما أشْبَه ذلك من معانى الاستغفارِ بالقولِ. قالوا: وقولُه: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ في الآخرةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّمادىُّ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا عكرمةُ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٩٢ معلقا.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يلحق\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٩٣ من طريق حجاج، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس مقتصرا على آخره بلفظ آخر.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"11","page":150},{"text":"أبي زُميلٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن المشركين كانوا يطوفون بالبيتِ يقولون: [لبَّيْكَ لبَّيْكَ، لا شريكَ] (^١) لك. فيقولُ النبىُّ ﷺ: \"قَدْ قَدْ (^٢) \". فيقولون (^٣): إلا شريكٌ هو لك، تملِكُه وما ملَك. ويقولون: غفرانَك غفرانَك، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. فقال ابنُ عباسٍ: كان فيهم أمانان، نبىُّ اللهِ والاستغفارُ. قال: فذهَب النبيُّ ﷺ وبقِى الاستغفارُ. ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾. قال: فهذا عذابُ الآخرةِ. قال: وذاك عذابُ الدنيا (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ ومحمدِ بنِ قيسٍ، قالا: قالت قريشٌ بعضُها لبعضٍ: محمدٌ أَكْرَمه اللهُ من بينِنا ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾ الآية. فلما أَمْسَوا ندِموا على ما قالوا، فقالوا: غُفْرانَك اللهمَّ. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. إلى قولِه: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٥).\nحدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: كانوا يقولون -\n_________\n(^١) فى م: \"لبيك لا شريك لك لبيك\".\n(^٢) أى حسب. وتكرارها لتأكيد الأمر. النهاية ٤/ ١٩.\n(^٣) بعده فى م: \"لا شريك لك\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٩١، والبيهقى ٥/ ٤٥ من طريق أبي حذيفة به، وأخرجه مسلم (١١٨٥) من طريق عكرمة بن عمار به مختصرا دون قولهم: غفرانك. إلى آخره، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٨١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨١ إلى المصنف.","vol":"11","page":151},{"text":"يعنى المشركين-: واللهِ إن اللهَ لا يعذِّبُنا ونحن نستغفِرُ، ولا يعذِّبُ أمةً ونبيُّها معها حتى يُخْرِجَه عنها. وذلك من قولِهم ورسولُ اللهِ ﷺ بينَ أظهرِهم، فقال اللهُ لنبيِّه ﷺ يذكُرُ له جهالتَهم وغِرَّتَهم واستفتاحَهم على أنفسِهم إذ قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ كما أمطرتَها على قومِ لوطٍ. وقال (^١) حين نعَى عليهم سوءَ أعمالِهم: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: أى لقولِهم (^٢): [إِنَّا نَسْتَغْفِرُ ومحمدٌ بينَ أظهُرِنا. ثم قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ وإن كنتَ بينَ أظهرِهم] (^٣)، وإن كانوا يستغفِرون كما قال: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أى: من آمن باللهِ وعبَده، أي: أنت ومن تبِعك (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ الصبَّاح البزَّارُ (^٥)، قال: ثنا أبو (^٦) بردةَ، عن أبي موسى، قال: إنه كان فيكم (^٧) أمانان؛ قولُه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: أما النبيُّ ﷺ فقد مضَى (^٨)، وأما الاستغفارُ فهو دائرٌ فيكم إلى يومِ القيامةِ (^٩).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"كان\".\n(^٢) فى م: \"بقولهم\".\n(^٣) سقط من النسخ، والمثبت من سيرة ابن هشام.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٠. وهو تمام الأثر المتقدم ص ١٤٦.\n(^٥) سقط من هذا الإسناد راو أو أكثر.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فيك\".\n(^٨) في ص، ت ٢، س، ف: \"تقضى\"، وفي ت ١: يقضى\".\n(^٩) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٧/ ٤ من طريق عباد بن يوسف عن أبي بردة به، وأخرجه الحاكم في ١/ ٥٤٢ من طريق عبيد بن أبي أيوب، عن أبي موسى. وأخرجه الترمذى (٣٠٨٢) من طريق أبي بردة، عن أبيه مرفوعًا. وقال: هذا حديث غريب، وإسماعيل بن مهاجر يضعف فى الحديث، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٨٢ إلى أبى الشيخ والطبراني وابن مردويه.","vol":"11","page":152},{"text":"حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبي إسحاقَ، عن عامرٍ أبى الخطَّابِ الثورىِّ، قال: سمِعت أبا العلاءِ يقولُ: كان لأمةِ محمدٍ ﷺ أمَنَتانِ، فذهَبت إحداهما، وبقِيت الأُخرى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية.\nوقال آخرون: معنى ذلك: وما كان اللهُ ليعذِّبَهم وأنت فيهم يا محمدُ، وما كان اللهُ معذِّبَ المشركين وهم يستغفِرون، أن (^١) لو استغفَروا. قالوا: ولم يكونوا يستغفِرون، فقال جلَّ ثناؤُه إذ لم يكونوا يستغفِرون: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.\nقال: إن القومَ لم يكونوا يستغفِرون، ولو كانوا يستغفِرون ما عُذِّبُوا، وكان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ: هما أمانان أَنْزَلهما اللهُ، فأما أحدُهما فمضى؛ نبيُّ اللهِ، وأما الآخرُ فأبقاه اللهُ رحمةً بينَ أظهرِكم؛ الاستغفارُ والتوبةُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ، قال: قال اللهُ لرسولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. يقولُ: ما كنت أعذِّبُهم وهم يستغفِرون، و(^٢) لو استغفروا وأقرُّوا بالذنوبِ لكانوا مؤمنين، وكيف لا أعذِّبُهم وهم لا يستغفِرون؟\n_________\n(^١) كذا في النسخ، ولعل الصواب: \"أى\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"11","page":153},{"text":"وما لهم ألا يعذِّبَهم اللهُ وهم يصُدُّون عن محمدٍ وعن المسجدِ الحرامِ (^١)؟\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: يقولُ: لو استغفَروا لم أعذِّبْهم (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: وما كان اللهُ ليعذِّبَهم وهم يُسْلِمون. قالوا: واستغفارُهم كان في هذا الموضعِ إسلامَهم.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ الصبَّاحِ، قال: ثنا عِمْرانُ بنُ حُديرٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: سألوا العذابَ، فقال: لم يكنْ ليعذِّبَهم وأنت فيهم، ولم يكنْ ليعذِّبَهم وهم يدخُلون فى الإسلامِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. قال: بينَ أظهرِهم. وقولُه: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: [وهم] (^٤) يُسْلِمون (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٩٢، ١٦٩٣، ١٦٩٤ من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) ذكره النحاس في الناسخ ص ٤٦٧ معلقًا.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨١ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٥٤. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"11","page":154},{"text":"مجاهدٍ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾: بينَ أظهرِهم، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: وهم يسلمون (^١)، ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ﴾: قريشٌ (^٢)، ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدِ اللهِ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. قال: بينَ أظهرِهم، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: دخولُهم في الإسلامِ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وفيهم مَن قد سبَق له من اللهِ الدخولُ في الإسلامِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. يقولُ: ما كان اللهُ سبحانَه يعذِّبُ قومًا وأنبياؤُهم بينَ أظهرِهم حتى يُخرِجَهم. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. يقولُ: ومنهم من قد سَبَقَ له من اللهِ الدخولُ في الإيمانِ، وهو الاستغفارُ. ثم (^٣) قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾. فعذَّبهم يومَ بدرٍ بالسيفِ (^٤).\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"مسلمون\".\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) سقط من: ص، ف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٩٢، والنحاس في الناسخ ص ٤٦٤، والبيهقي في دلائل النبوة ٣/ ٧٦ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ١٨٢ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":155},{"text":"وقال آخرون: بل معناه: وما كان اللهُ معذِّبَهم وهم يُصَلُّون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. يعنى: يُصلُّون. يعنى بهذا أهلَ مكةَ (^١).\nحدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقىُّ، قال: ثنا حسينٌ الجُعْفِيُّ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: يصلُّون (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحَّاكَ بنَ مزاحمٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾: يعنى أهلَ مكةَ. يقولُ: لم أكنْ لأعذِّبَكم وفيكم محمدٌ، ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. يعنى: يؤمنون ويصلُّون.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: وهم يصلُّون.\nوقال آخرون: بل (^٣) معنى ذلك: وما كان اللهُ ليعذِّبَ المشركين وهم يستغفرون. قالوا: ثم نُسِخ ذلك بقولِه: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.\n_________\n(^١) في تفسير ابن أبي حاتم من تمام الأثر قبله.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٥٤.\n(^٣) زيادة من: م.","vol":"11","page":156},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ بنِ واقدٍ، عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ، قالا: قال فى \"الأنفال\": ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. فنسَختها الآيةُ التي تليها: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾. إلى قولِه: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. فقوتلوا بمكةَ، وأصابهم فيها الجوعُ والحَصْرُ (^١).\nوأولى هذه الأقوالِ عندى فى ذلك بالصوابِ قولُ من قال: تأويلُه: وما كان اللهُ ليعذِّبَهم وأنت فيهم يا محمدُ، وبينَ أظهرِهم مقيمٌ، حتى أُخرِجَك من بينِ أظهرِهم؛ لأنى لا أُهْلِكُ قريةً وفيها نبيُّها، وما كان اللهُ معذِّبَهم وهم يستغفِرون من ذنوبِهم وكفرِهم، ولكنهم لا يستغفرون من ذلك، بل هم مصرُّون عليه، فهم للعذابِ مستحقُّون، كما يقالُ: ما كنتُ لِأُحْسِنَ إليك وأنت تسيءُ إلىَّ. يرادُ بذلك: لا أُحْسِنُ إليك إذا أسأت إلىَّ. أو: (^٢) لو أسأْتَ إلىَّ لم أحسنْ إليك، ولكن أُحسنُ إليك لأنك لا تسئُ إلىَّ. وكذلك ذلك، ثم قيل: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. بمعنى: وما شأنُهم وما يمنَعُهم أن يعذِّبَهم اللهُ وهم لا يستغفِرون اللهَ من كفرِهم فيؤمنوا به، وهم يصُدُّون المؤمنين باللهِ ورسولِه عن المسجدِ الحرامِ.\nوإنما قلنا: هذا القولُ أَوْلى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ؛ لأن القومَ، أعنى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٩٣ من طريق أبي تميلة يحيى بن واضح به.\n(^٢) في م: \"و\".","vol":"11","page":157},{"text":"مشركي مكةَ، كانوا اسْتَعْجلوا العذابَ، فقالوا: اللهمَّ إن كان ما جاء به محمدٌ هو الحقَّ، فأمطِرْ علينا حجارةً من السماءِ أو ائتنا بعذابٍ أليمٍ. فقال اللهُ لنبيِّه: ما كنتُ لأعذِّبَهم وأنتَ فيهم، وما كنتُ لأعذِّبَهم لو استغفروا، وكيف لا أعذِّبُهم بعدَ إخراجِك منهم وهم يصُدُّون عن المسجدِ الحرامِ. فأَعْلَمه جلَّ ثناؤُه أن [الذي استَعْجلوه مِن] (^١) العذابِ حائقٌ بهم ونازلٌ، وأَعْلَمهم حالَ نزولِه بهم، وذلك بعد إخراجِه إياه من بينِ أظهرِهم. ولا وجهَ لإيعادِهم العذابَ في الآخرةِ وهم مستعجِلوه فى العاجلِ، ولا شكَّ أنهم في الآخرةِ إلى العذابِ صائرون، بل في تعجيلِ اللهِ لهم ذلك يومَ بدرٍ الدليلُ الواضحُ على أن القولَ فى ذلك ما قلنا.\nوكذلك لا وجهَ لقولِ من وجَّه قولَه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. إلى أنه عُنِى به المؤمنون، وهو في سياقِ الخبرِ عنهم، وعما اللهُ فاعلٌ بهم، ولا دليلَ على أن الخبرَ عنهم قد تقضَّى، وعلى أن ذلك به عُنوا (^٢)، وألا (^٣) خِلافَ في تأويلِه من أهلِه موجودٌ.\nوكذلك أيضًا لا وجهَ لقولِ من قال: ذلك منسوخٌ بقولِه: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية؛ لأن قولَه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. خبرٌ، والخبرُ لا يجوزُ أن يكونَ فيه نسخٌ، وإنما يكون النسخُ للأمرِ أو (^٤) النهيِ.\nواخْتَلف أهلُ العربيةِ فى وجهِ دخولِ \"أن\" فى قولِه: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ\n_________\n(^١) فى م: \"الذين استعجلوا\"، وفى ف: \"الذين استعجلوه من\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عنهم\"\n(^٣) في م، ف: \"لا\".\n(^٤) فى م: \"و\".","vol":"11","page":158},{"text":"اللَّهُ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: هي زائدةٌ هاهنا. قال (^١): وقد عمِلت كما عمِلت \"لا\" وهي زائدةٌ وجاء في الشعرِ (^٢):\nلو لم تكنْ غَطَفانُ لا ذُنوبَ لها … إلىَّ لامت (^٣) ذوُو أحسابِها عُمرا\nوقد أَنْكر ذلك من قولِه بعضُ أهلِ العربيةِ، وقال: لم تدخلْ \"أن\" إلَّا لمعنًى صحيحٍ؛ لأن معنى ﴿وَمَا لَهُمْ﴾: ما يمنَعُهم من أن يُعَذَّبوا. قال: فدخَلت \"أن\" لهذا المعنى، وأُخرِج بـ \"لا\"، ليُعلمَ أنه بمعنى الجَحدِ؛ لأن المنعَ جَحْدٌ. قال: و\"لا\" في البيتِ صحيحٌ معناها؛ لأن الجحدَ إذا وقَع عليه جَحْدٌ صار خبرًا. وقال: ألا ترى إلى قولِك: ما زيدٌ ليس قائمًا. فقد أوْجَبت القيامَ (^٤)؟ قال: وكذلك \"لا\" في هذا البيتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3727>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما لهؤلاء المشركين ألا يعذِّبَهم اللهُ وهم يصُدُّون عن المسجدِ الحرامِ، ولم يكونوا أولياءَ اللهِ. ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ﴾، يقولُ: ما أولياءُ اللهِ ﴿إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾. يعنى: الذين يتَّقون اللهَ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصِيه. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكنَّ أكثرَ المشركين لا يعلَمون أن أولياءَ اللهِ المتقون، بل يحسَبون أنهم أولياءُ اللهِ.\nوبنحوِ ما قلنا [في ذلك] (^٥) قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) تقدم في ٤/ ٤٤٥.\n(^٣) في م، ف: \"لام\".\n(^٤) لأن النفى للنفى إثبات.\n(^٥) ليس في الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢، س.","vol":"11","page":159},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾: هم أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾: من كانوا وحيثُ كانوا (^٢).\nحدَّثنى المُثَّنَى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾: الذين يخرجون منه، ويقِيمون الصلاةَ عندَه، أى أنت، يعنى النبيَّ ﷺ، ومن آمن بك، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1195\"></span><span data-type='title' id=toc-3728>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما لهؤلاء المشركين ألَّا يعذِّبَهم اللهُ وهم يصُدُّون عن المسجدِ الحرامِ الذى (^٤) يصلُّون للهِ فيه ويعبُدونه، ولم يكونوا للهِ أولياءَ، بل أولياؤُه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٩٤ من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٩٤ من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٨٣ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٩٤، ١٦٩٥ من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير.\n(^٤) فى ت ١، ت ٢، س، ف: \"الذين\".","vol":"11","page":160},{"text":"الذين يصدُّونهم عن المسجدِ الحرامِ، وهم لا يصلون في المسجدِ الحرامِ، ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾، يعنى بيتَ اللهِ العتيقَ ﴿إِلَّا مُكَاءً﴾، وهو الصَّفيرُ، يقالُ منه: مكَا يَمْكُو مَكْوًا ومُكاءً. وقد قيل: إن المَكْوَ: أن يجمَعَ الرجلُ يديه ثم يُدْخِلَهما في فِيه، ثم يصيحَ. ويقالُ منه: مكَتِ استُ الدابَّةِ مُكاءً، إذا نَفَخت بالريحِ. ويقالُ: إنه لا يَمْكُو إلَّا استٌ مكشوفةٌ، ولذلك قيل للاستِ: المَكْوةُ، سمِّيت بذلك، ومن ذلك قولُ عنترةَ:\nوحَليلِ (^١) غانيةٍ (^٢) تركتُ مُجدَّلًا (^٣) … تَمْكُو فَريصتُه (^٤) كشِدْقِ الأَعْلمِ (^٥)\nوقولُ الطَّرِمَّاحِ (^٦):\nفنَحا (^٧) لأُولَاها (^٨) بطعنةِ مُحْفَظٍ … تَمْكُو جوانبُها من الإنْهارِ (^٩)\nبمعنى: تصوِّتُ.\nوأما التصديةُ، فإنها التصفيقُ، يقالُ منه: صدَّى يُصَدِّى تَصْدِيةً، وصفَّق\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"خليل\"، وفي ت ٢ \"حسل\". والحليل والحليلة: الزوجان. اللسان (ح ل ل).\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"عايبة\"، وفي ت ٢: \"عاينه\".\n(^٣) المجدل: الصريع على الجدالة، وهى الأرض. اللسان (ج د ل).\n(^٤) الفريصة: اللحمة التي بين الجنب والكتف، والفريصة هى التى ترعد من الدابة إذا فزعت. التاج (ف ر ص).\n(^٥) الأعلم: الشق في المشفر الأعلى للبعير. اللسان (ع ل م).\nوالبيت في سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٠، وصدره:\n*ولرب قرن قد تركت مجدلا*\nوالمعاني الكبير ٢/ ٩٨١، واللسان (ح ل ل). وشطره الأول فى المعانى الكبير ١/ ٣٣٨، واللسان (م ك و).\n(^٦) ديوانه ص ٢٢٦.\n(^٧) في ت ١: \"صحا\".\n(^٨) في الديوان: \"لأولها\".\n(^٩) الإنهار: من قولهم: أنهر الطعنة إذا وسعها. التاج (ن هـ ر).","vol":"11","page":161},{"text":"وصفَّح بمعنًى واحدٍ.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن موسى بنِ قيسٍ، عن حُجْرِ (^١) بنِ عَنْبسٍ: ﴿إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: [المُكاءُ التصفيرُ، و] (^٢) التصديةُ التصفيقُ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾: المكاءُ التصفيرُ، والتصديةُ التصفيقُ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. يقولُ: كانت صلاةُ المشركين عندَ البيتِ مُكاءً، يعني: التصفيرَ. وتصديةً، يقولُ: التصفيقُ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسدىُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبرنا فُضيلٌ، عن عطيةَ: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾، قال: التصفيقُ والصَّفيرُ (^٦).\n_________\n(^١) في ت ١: \"مجير\"، وفى س: \"حجير\"، وينظر تهذيب الكمال ٥/ ٤٧٣.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٩٥، ١٦٩٦ معلقا.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٩٥ معلقا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨٣ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) تنظر الحاشية السابقة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨٣ إلى ابن المنذر.\n(^٦) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٩٦ معلقا.","vol":"11","page":162},{"text":"حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن قُرَّةَ بنِ خالدٍ، عن عطيةَ، عن ابنِ عمرَ، قال: المكاءُ التصفيقُ، والتصديةُ الصفيرُ. قال: وأمال ابنُ عمرَ خدَّه إلى (^١) جانبٍ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن قرةَ بنِ خالدٍ، عن عطيةَ، عن ابنِ عمرَ: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: المكاءُ والتصديةُ: الصفيرُ والتصفيقُ (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: سمعت محمدَ بنَ الحسينِ (^٣) يحدِّثُ عن قرةَ بنِ خالدٍ، عن عطيةَ العَوْفىِّ، عن ابنِ عمرَ، قال: المكاءُ الصفيرُ، والتصديةُ التصفيقُ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن عطيةَ، عن ابنِ عمرَ، في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: المكاءُ الصفيرُ، والتصديةُ التصفيقُ. وقال قرةُ: وحكى لنا عطيةُ فعلَ ابنِ عمرَ فصفَّر، وأمال خدَّه، وصفَّق بيديه (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني بكرُ بنُ مُضَرَ (^٤)، عن جعفرِ بنِ ربيعةَ، قال: سمعت أبا سَلَمةَ بنَ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ يقولُ في قولِ اللهِ: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال بكرٌ: فجمَع لى\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فى\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٩٥ من طريق عطية العوفى به بالشطر الأول بلفظ: المكاء: الصفير. وذكره ابن أبي حاتم فى ٥/ ١٦٩٦ بشطره الثانى وفعل ابن عمر معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٨٣ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٣) في ص، ت ٢: \"الحسن\".\n(^٤) فى ت ١: \"نصر\"، وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٢٢٧، ٢٢٨.","vol":"11","page":163},{"text":"جعفرٌ كفَّيْه ثم نفَخ فيهما صفيرًا، كما قال له أبو سَلَمةَ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: المكاءُ الصَّفيرُ، والتصديةُ التصفيقُ.\nقال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سَلَمةُ بنُ سابورَ، عن عطيةَ، عن ابنِ عمرَ: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾، قال: تصفيرٌ وتصفيقٌ.\nقال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ (^١) مرزوقٍ، عن عطيةَ، عن ابنِ عمرَ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حَبُّويَهْ أبو يزيدَ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت قريشٌ يطوفون بالبيتِ وهم عراةٌ يصفِّرون ويصفِّقون، فَأَنْزَل اللهُ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. فأُمِروا بالثيابِ (^٢).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ، قال: كانت قريشٌ يعارضون النبىَّ ﷺ فى الطوافِ يستهزئون به، يصفِّرون به ويصفِّقون، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا مُكَاءً﴾. قال: كانوا ينفُخون في أيدِيهم، والتصديةُ التصفيقُ.\n_________\n(^١) فى ت ١: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٣٠٥، ٣٠٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٩٦، والضياء فى المختارة ١٠/ ١١٧ من طريق يعقوب به، وعند الضياء زيادة فى آخره، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨٣ إلى أبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨٣ إلى عبد بن حميد.","vol":"11","page":164},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: المكاءُ: إدخالُ أصابعِهم في أفواهِهم، والتصديةُ التصفيرُ (^١)، يخلِطون بذلك على محمدٍ ﷺ صلاتَه (^٢).\nحدَّثنا المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه لم يقلْ: صلاتَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ (^٣)، عن مجاهدٍ، قال: المكاءُ: إدخالُ أصابعِهم فى أفواهِهم، والتصديةُ التصفيقُ. قال: نفرٌ من بني عبدِ الدارِ كانوا يخلِطون بذلك كلِّه على محمدٍ صلاتَه.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا طلحةُ بنُ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: من بينِ الأصابعِ. قال أحمدُ: سقَط علىَّ حرفٌ وما أُراه إلا الحَذْفَ (^٤)، والنفخُ والصفيرُ منها، وأرانى سعيدُ بنُ جبيرٍ حيث كانوا يَمْكُون من ناحيةِ أبي قُبَيْسٍ.\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، قال: أخبرَنا طلحةُ بنُ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: المكاءُ: كانوا يُشبِّكون بينَ أصابعِهم ويصفِّرون بها، فذلك المكاءُ. قال: وأرانى سعيدُ بنُ جبيرٍ المكانَ الذى كانوا يَمْكُون فيه نحوَ أبي قُبَيْسٍ (^٥).\n_________\n(^١) فى م: \"التصفيق\"، وفى تفسير مجاهد: \"والتصفيق\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٥٤. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٩٥، ١٦٩٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٨٣ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ت ٢: \"أبي نجيح\".\n(^٤) فى م: \"الخذف\"، وفى ف: \"الحرف\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٩٦ من طريق إسحاق بن سليمان به، وعزاه السيوطى في الدر المنشور ٣/ ١٨٤ إلى أبى الشيخ.","vol":"11","page":165},{"text":"حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعةَ، عن جعفرِ بنِ ربيعةَ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ في قولِه: ﴿مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: المكاءُ النفخُ، وأشار بكفِّه (^١) قِبلَ فيه، والتصديةُ التصفيقُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: المُكاءُ الصفيرُ، والتصديةُ التصفيقُ.\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: كنا نُحَدَّثُ أن المكاءَ التصفيقُ بالأيدى، والتصديةَ صياحٌ كانوا يعارضون به القرآنَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: المكاءُ التصفيرُ، والتصديةُ التصفيقُ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. والمكاءُ: الصفيرُ على نحوِ طيرٍ أبيضَ يقالُ له: المَكَّاءُ، يكونُ بأرضِ الحجازِ، و(^٤) التصديةُ: التصفيقُ (^٥).\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"بكفيه\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الصفير\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٢٥٩ عن معمر به.\n(^٤) سقط من: م، ف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٩٥ من طريق أحمد بن المفضل به دون قوله: والتصدية التصفيق.","vol":"11","page":166},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: المكاءُ: صفيرٌ كان أهلُ الجاهليةِ يعلنون به، قال: وقال فى المكاءِ أيضًا: صفيرٌ في أيديهم ولعبٌ (^١).\nوقد قيل في التصديةِ: إنها الصدُّ عن بيتِ اللهِ الحرامِ. وذلك قولٌ لا وجهَ له؛ لأن التصديةَ مصدرٌ من قولِ القائلِ: صدَّيْتُ تصديةً. وأما (^٢) الصَّدُّ فلا يقالُ منه: صدَّيْتُ، إنما يقالُ منه: صَدَدْتُ، فإن شدَّدت منها الدالَ على معنى تكريرِ الفعلِ، قيل: صدَّدْتُ تصديةً، إلا أن يكونَ صاحبُ هذا القولِ وجَّه التصديةَ إلى أنه من صددتُ، ثم قلبت إحدى دالَيْه ياءً، كما يقال: تظنَّيْتُ من ظَنَنْتُ، وكما قال الراجزُ (^٣):\nتَقَضِّىَ البازي إذا البازى كَسَرْ\nيعني: تقضُّضَ البازى، فقلَب إحدى ضادَيه ياءً. فيكونُ ذلك وجهًا يُوجَّهُ إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3729>ذكرُ مَن قال ما ذكَرنا في تأويلِ التصديةِ</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا طلحةُ بنُ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾: صدُّهم عن بيتِ اللهِ الحرامِ.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٩٥ معلقا.\n(^٢) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س: \"من\".\n(^٣) هو العجاج، وتقدم البيت في ٢/ ٤٨.","vol":"11","page":167},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ (^١) سليمانَ، قال: أخبرنا طلحةُ بنُ (^٢) عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَتَصْدِيَةً﴾. قال: التصديةُ: صدُّهم الناسَ عن البيتِ الحرامِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَصْدِيَةً﴾. قال: التصديةُ عن سبيلِ اللهِ، وصدُّهم عن الصلاةِ، وعن دينِ اللهِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال: ما كان صلاتُهم التي يزعُمون أنها يُدْرَأُ (^٥) بها عنهم إلا مُكاءً وتصديةً، وذلك ما لا يَرْضَى اللهُ، ولا يحبُّ، ولا ما افترض عليهم، ولا ما أمرهم به (^٦).\nوأما قولُه: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. فإنه يعنى العذابَ الذي وعَدهم به بالسيفِ يومَ بدرٍ، يقولُ للمشركين الذين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية. حين أتاهم بما اسْتَعْجلوه من العذابِ: ﴿فَذُوقُوا﴾، أى اطْعَموا. وليس بذوقٍ بفمٍ، ولكنه ذَوقُ بالحسِّ، ووجودُ طعمٍ ألمِه بالقلوبِ، يقولُ لهم: فذوقوا العذابَ بما\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، س: \"قال حدثنا\".\n(^٢) في ص، ت ٢، س، ف: \"عن\"، وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٤٢٧.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٩٧ من طريق إسحاق بن سليمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٨٤ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٩٧ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"تدوم\".\n(^٦) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧١.","vol":"11","page":168},{"text":"كنتم تجْحَدون أن اللهَ معذِّبُكم به على جحودِكم توحيدَ ربِّكم ورسالةَ نبيِّكم ﷺ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. أى: [ما أَوْقع اللهُ] (^١) بهم يومَ بدرٍ من القتلِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. قال: هؤلاءِ أهلُ بدرٍ يومَ عذَّبهم اللهُ.\nحُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. يعنى: أهلَ بدرٍ، عذَّبهم اللهُ يومَ بدرٍ بالقتلِ والأسرِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1196\"></span><span data-type='title' id=toc-3730>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين كفَروا باللهِ ورسولِه ينفقون أموالَهم، فيعطونها\n_________\n(^١) في سيرة ابن هشام: \"لما أوقع\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٩٧ من طريق أبى معاذ به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ١٨٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"11","page":169},{"text":"أمثالَهم من المشركين ليتقوَّوا بها على قتالِ رسولِ اللهِ ﷺ والمؤمنين به، ليصدُّوا المؤمنين باللهِ ورسولِه عن الإيمانِ باللهِ ورسولهِ، فسينفقون أموالَهم في ذلك، ﴿ثُمَّ تَكُونُ﴾ نفقتُهم تلك ﴿عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾. يقولُ: تصيرُ ندامةً عليهم؛ لأن أموالَهم تذهَبُ، ولا يظفَرون بما (^١) يأمُلون ويطمَعون فيه من إطفاءِ نورِ اللهِ، وإعلاءِ كلمةِ الكفرِ على كلمةِ اللهِ؛ لأن اللهَ مُعْلى كلمتِه، وجاعلُ كلمةِ الكفرِ السفلى، ثم يغلِبُهم المؤمنون، ويحشُرُ اللهُ الذين كفَروا به وبرسولِه إلى جهنمَ، فيُعَذَّبون فيها، فأَعْظِمْ بها حسرةً وندامةً لمن عاش منهم ومن هلَك، أما الحىُّ فحُرِب (^٢) مالُه، وذهَب باطلًا فى غيرِ دَرَكِ (^٣) نَفْعٍ، ورجَع مغلوبًا (^٤) مقهورًا (^٥) مَحروبًا (^٦) مسلوبًا. وأما الهالكُ فقُتِل وسُلِب، وعُجِّل به إلى نارِ اللهِ يخلُدُ فيها، نعوذُ باللهِ من غضبِه.\nوكان الذى تولَّى النفقةَ التى ذكرها اللهُ فى هذه الآيةِ -فيما ذُكر- أبا سفيانَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّىُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾. قال: نزَلت في أبي سفيانَ بنِ حَرْبٍ، استأجر يومَ أحدٍ ألفين من الأحابيشِ من بني كِنانة، فقاتَل بهم النبيَّ ﷺ. وهم الذين يقولُ فيهم كعبُ بنُ مالكٍ:\n_________\n(^١) في ص: \"كما\"، وفي ت ١: \"مما\".\n(^٢) في ف: \"فحرم\". والحَرِب: أن يُسلب الرجلُ مالَه. التاج (ح ر ب).\n(^٣) في ت ١: \"منزل\". وبعده في م: \"ولا\".\n(^٤) في ص، ت ٢، ف: \"مغلولًا\"، وفي ت ١، س: \"معلولا\".\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س: \"رفعه\" هكذا بدون نقط.\n(^٦) فى م: \"محزونًا\"، وفي ت ١: \"محزوبا\".","vol":"11","page":170},{"text":"و(^١) جئنا إلى مَوْجٍ من البحرِ وَسْطَهُ … أحابيشُ (^٢) منهم حاسِرٌ ومُقَنَّعُ\nثلاثةُ آلافٍ ونحن نَصِيَّةٌ (^٣) … ثلاثُ مئينَ إِن كثُرنا (^٤) فَأَرْبَعُ (^٥)\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ، عن يعقوبَ القُمِّىِّ، عن جعفرٍ، عن ابنِ أَبْزَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال: نزَلت في (^٦) أبي سفيانَ، استأجر يومَ أحدٍ ألفين ليقاتلَ بهم رسولَ اللهِ ﷺ، سوى من استجاش من العربِ (^٧).\nقال: أخبرنا أبى، عن خطَّابِ بنِ عثمانَ العُصْفُريِّ، عن الحكمِ بنِ عُتيبةَ (^٨): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: نزَلت في أبي سفيانَ، أنْفَق على المشركين يومَ أحدٍ أربعين (^٩) أوقيَّةً [من ذهبٍ] (^١٠)، وكانت الأوقيَّةُ يومَئذٍ اثنين وأربعين مِثْقالًا (^١١).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢ س، ف. وفى طبقات ابن سلام وسيرة ابن هشام: \"فجئنا\".\n(^٢) الأحابيش: هم بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة. ينظر نسب قريش ص ٩، والمحبر ص ٢٤٦، ٢٦٧.\n(^٣) النصية من القوم: خيارهم وأشرافهم. اللسان (ن ص ى).\n(^٤) في تفسير ابن أبي حاتم: \"كثرن\".\n(^٥) في ت ٢، س، ف، وسيرة ابن هشام، وطبقات ابن سلام: \"وأربع\". والبيتان في سيرة ابن هشام ٢/ ١٣٤، وطبقات ابن سلام ٢/ ٢٢٠. والبيت الأول فقط في نسب قريش ص ٩.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٩٧، وابن عساكر ٢٣/ ٤٣٨ من طريق يعقوب القمى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨٤ إلى ابن سعد وعبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٦) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ابن\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٩٧ من طريق يعقوب القمى عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير، فلعله تصحف من سعيد بن أبزى.\n(^٨) في ت ٢: \"عيينة\".\n(^٩) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^١٠) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^١١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٩٧ من طريق خطاب بن عثمان العصفرى به، وعزاه =","vol":"11","page":171},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. قال: لما قَدِم أبو سفيانَ بالعيرِ إلى مكةَ، أَشَّب (^١) الناسَ ودعاهم إلى القتالِ حتى غزا نبيَّ اللهِ من العامِ المقبلِ، وكانت بدرٌ في رمضانَ يومَ الجمعةِ، صبيحةَ سابعَ عشرةَ من شهرِ رمضانَ، وكانت أحدٌ في شوَّالٍ يومَ السبتِ لإحدى عَشْرةَ خلَت منه في العامِ الرابعِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: قال اللهُ - فيما كان المشركون، و(^٢) منهم أبو سفيانَ، يستأجرون الرجالَ يقاتلون محمدًا بهم-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: وهو محمدٌ ﷺ. ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾. يقولُ: ندامةً يومَ القيامةِ وويلًا، ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، حتى قولِه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. قال: في نفقةِ أبي سفيانَ على الكفارِ يوم أحدٍ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n= السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^١) في ص: \"اىسب\" غير منقوطة، وفى م: \"أنشد\"، وفى ت ١: \"أنشب\"، وفى س: \"أنسب\"، وفي ف: \"أسب\"، والصواب ما أثبتنا. والتأشيب: التحريش بين القوم، والتجمع من هنا ومن هنا. تاج العروس (أ ش ب).\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٩٨ من طريق أحمد بن مفضل به مفرقًا دون أوله، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ١٨٤ إلى أبي الشيخ.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٥٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨٤ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.","vol":"11","page":172},{"text":"مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال (^١): ثنى محمدُ بنُ مسلمِ بنُ عبيدِ اللهِ بنِ شهابٍ الزُّهْرىُّ ومحمدُ بنُ يَحيى بنِ حِبَّانَ (^٢) وعاصمُ بنُ عمرَ (^٣) ابنِ قتادةَ، والحُصينُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ (^٤) عمرِو بنِ سعدِ بنِ معاذٍ (^٥)، قالوا: لما أُصيب (^٦) يومَ بدرٍ من كفارِ قريشٍ من أصحابِ القَليبِ، ورجَع فلُّهم إلى مكةَ، ورجَع أبو سفيانَ بعيرِه، مشى عبدُ اللهِ بنُ أبي (^٧) ربيعةَ، وعكرمةُ بنُ أبي جهلٍ، وصفوانُ بنُ أميةَ، في رجالٍ من قريشٍ أصيب آباؤُهم وأبناؤُهم وإخوانُهم ببدرٍ، فكلَّموا أبا سفيانَ ابنَ حربٍ، ومن كانت له فى تلك العيرِ من قريشٍ تجارةٌ، فقالوا: يا معشرَ قريشٍ، إن محمدًا قد وَتَرَكم (^٨) وقتَل خيارَكم، فأعينونا بهذا المالِ على حربِه لعلنا أن ندركَ منه ثأرًا بمن أُصِيب منا. ففعَلوا. قال: ففيهم -كما ذُكِر عن ابنِ عباسٍ- أَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم﴾، إلى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (^٩).\n_________\n(^١) في ص، م، ف: \"قالا\".\n(^٢) فى ت ١، ت ٢، وتفسير ابن أبي حاتم: \"حيان\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٦٠٥، ٦٠٧.\n(^٣) فى ت ٢: \"عمير\".\n(^٤) في النسخ: \"و\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٥) بعده في تفسير ابن أبي حاتم وسيرة ابن هشام: \"وغيرهم من علمائنا\". وسياقة ابن هشام بعد ذلك مختلفة قليلا عما هاهنا.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أصيبت قريش أو من قاله منهم\"، وفي م: \"أصابت المسلمون\". وسياق ابن أبي حاتم: \"لما أصيب أصحاب بدر أصحاب القليب. . .\"، والمثبت من السيرة.\n(^٧) سقط من: م، ف.\n(^٨) الوَتَر: الفزع وكل من أدركه بمكروه فقد وتره. التاج (وت ر).\n(^٩) سيرة ابن هشام ٢/ ٦٠ بنحو هذا. وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٩٨، والبيهقي في الدلائل ٣/ ٢٢٤ من طريق ابن إسحاق به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨٤ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":173},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، إلى قولِه: ﴿يُحْشَرُونَ﴾. يعني: النفرَ الذين مشَوا إلى أبى سفيانَ، وإلى من كان له مالٌ مِن قريشٍ في تلك التجارةِ، فسألوهم أن يُقَوُّوهم (^١) على حربِ رسولِ اللهِ ﷺ، ففعلوا (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال (^٣): أخبرني سعيدُ بنُ أبي (^٤) أيوبَ، عن عطاءِ بنِ دينارٍ، فى قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية: نزَلت في أبي سفيانَ بنِ حربٍ.\nوقال بعضُهم: عنَى بذلك المشركين من أهلِ بدرٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. الآية. قال: هم أهلُ بدرٍ.\nوالصوابُ من القولِ فى ذلك عندى ما قلنا، وهو أن يقالَ: إن اللهَ أخبر عن الذين كفَروا به من مشركي قريشٍ أنهم ينفقون أموالَهم ليصدُّوا عن سبيلِ اللهِ، لم يخبرْنا بأىِّ أولئك عنَى، غيرَ أنه عمَّ بالخبرِ الذين كفَروا. وجائزٌ أن يكونَ عنى المُنْفِقين أموالَهم لقتالِ رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه بأُحُدٍ. وجائزٌ أن يكون عنَى المُنْفِقين\n_________\n(^١) في ص: \"يقوهم\"، وفى م: \"يعينوهم\"، وفى ت ١، ف: \"يقروهم\"، وفى س: \"يغزوهم\". والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧١، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٩٩ من طريق سلمة به.\n(^٣) بعده فى ص: \"قال ابن زيد\". وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٣٤٢.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢. وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٣٤٢.","vol":"11","page":174},{"text":"منهم ذلك ببدرٍ. وجائزُ أن يكونَ عنَى الفريقين.\nوإذ كان ذلك كذلك، فالصوابُ فى ذلك أن يَعُمَّ كما عمَّ جلَّ ثناؤُه الذين كفروا من قريشٍ.\n\n<span id=\"aya-1197\"></span><span data-type='title' id=toc-3731>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يحشُرُ اللهُ هؤلاء الذين كفَروا بربِّهم، وينفقون أموالَهم للصدِّ عن سبيلِ اللهِ إلى جهنمَ، ليفرِّقَ بينَهم، وهم أهلُ الخُبْثِ، كما قال وسمَّاهم ﴿الْخَبِيثَ﴾، وبين (^١) المؤمنين باللهِ وبرسولِه، وهم الطيبون كما سمَّاهم جلَّ ثناؤُه، فميَّز جلَّ ثناؤُه بينَهم بأن أسْكَن أهلَ الإيمانِ به وبرسولِه جناتِه، وأَنْزَل أهلَ الكفرِ نارَه.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. فميَّز أهلَ السعادةِ مِن أهلِ الشقاوةِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: ثم ذكَر المشركين وما يصنَعُ بهم يومَ القيامةِ، فقال: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ\n_________\n(^١) في ص، ف: \"ميز\".","vol":"11","page":175},{"text":"الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. يقولُ: يميزَ المؤمنَ من الكافرِ، فيجعلَ الخَبيثَ بعضَه على بعضٍ (^١).\nويعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿[وَيَجْعَلَ] (^٢) الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾: فيجعَلَ الكفارَ بعضَهم فوقَ بعضٍ، ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾. يقولُ: فيجعَلَهم رُكامًا، وهو أن يجمَعَ بعضَهم إلى بعضٍ حتى يكثُروا، كما قال جلَّ ثناؤُه في صفةِ السحابِ: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ [النور: ٤٣]، أي: مجتمِعًا كثيفًا.\nوكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾. قال: فيجمَعَه جميعًا بعضَه على بعضٍ (^٣).\nوقولُه: ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمْ﴾. يقولُ: فيجعَلَ الخبيثَ جميعًا في جهنمَ.\nفوحَّد الخبرَ عنهم لتوحيدِ قولِه: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ﴾. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، فجمَع ولم يقلْ: ذلك هو الخاسرُ. فردَّه إلى أوَّلِ الخبرِ. ويعنى بـ ﴿أُولَئِكَ﴾: الذين كفَروا، وتأويلُه: هؤلاء الذين ينفقون أموالَهم ليصدُّوا عن سبيلِ اللهِ هم الخاسرون. ويعنى بقولِه: ﴿الْخَاسِرُونَ﴾. الذين غُبِنت صفقتُهم وخسِرت تجارتُهم، وذلك أنهم شرَوْا بأموالِهم عذابَ اللهِ فى الآخرةِ، وتعجَّلوا بإنفاقِهم إيَّاها، فيما أنفقوا من قتالِ نبىِّ اللهِ والمؤمنين به، الخزىَ والذُّلَّ.\n\n<span id=\"aya-1198\"></span><span data-type='title' id=toc-3732>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ للذين كفَروا من مشركي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٩٩ من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) في النسخ: \"فيجعل\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٩٩ من طريق أصبغ ابن زيد.","vol":"11","page":176},{"text":"قومِك: إن ينتهوا عما هم عليه مقيمون من كفرِهم باللهِ ورسولِه، وقتالِك وقتالِ المؤمنين، فيُنيبوا (^١) إلى الإيمانِ، يغفِرِ اللهُ لهم ما قد خلا ومضَى من ذنوبِهم قبلَ إيمانِهم وإنابتِهم إلى طاعةِ اللهِ وطاعةِ رسولِه، بإيمانِهم وتوبتهِم، ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ يقولُ: وإن يَعُدْ هؤلاء المشركون لقتالِك بعدَ الوقعةِ التي أوقعتُها بهم يومَ بدرٍ، فقد مضَت سنتى فى الأوَّلين منهم ببدرٍ، ومن غيرِهم من القرونِ الخاليةِ، إذ طَغوا وكذَّبوا رسلى ولم يقبَلوا نُصْحَهم، من إحلالِ عاجلِ النَّقَمِ بهم، فأُحلُّ بهؤلاء إن عادوا لحربِك وقتالِك مثلَ الذين أَحْلَلتُ بهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾: في قريشٍ يومَ بَدْرٍ، وغيرِها من الأممِ قبلَ ذلك (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا (^٣) ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) في ت ١: \"فيثبتوا\"، وفى ف: \"فثبتوا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٠٠ من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٨٥ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في م: \"حدثني المثنى قال ثنا\". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٢٠١.","vol":"11","page":177},{"text":"مجاهدٍ: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: في قريشٍ وغيرِها من الأممِ قبلَ ذلك.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال في قولِه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا﴾ لحربِك ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾، أي: من قُتِل منهم يومَ بدرٍ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ لقتالِك، ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ من أهلِ بدرٍ.\n\n<span id=\"aya-1199\"></span><span data-type='title' id=toc-3733>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسولِه: وإن يعُدْ هؤلاء لحربِك، فقد رأيتم سنتى فيمن قاتَلكم منهم يومَ بدرٍ، وأنا عائدٌ بمثلِها فيمن حاربكم منهم، فقاتِلوهم حتى لا يكونَ شِركٌ، ولا يُعبدَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، فيرتفعَ البلاءُ عن عبادِ اللهِ من الأرضِ وهو الفتنةُ، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾. يقولُ: و(^٢) حتى تكونَ الطاعةُ والعبادةُ كلُّها للهِ خالصةً دونَ غيرِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٠٠ من طريق سلمة عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد عن أبيه.\n(^٢) سقط من: م، ف.","vol":"11","page":178},{"text":"قولَه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. يعنى: حتى لا يكونَ شركٌ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، عن يونسَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: الفتنةُ: الشِّركُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. يقولُ: [قاتِلوهم حتى لا يكونَ شركٌ] (^٣)، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، حتى يقالَ: لا إلهَ إلا اللهُ، عليها قاتَل نبيُّ اللهِ ﷺ، وإليها دعا (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: حتى لا يكونَ شِركٌ (^٥).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركُ بنُ فَضَالةَ، عن الحسنِ، فى قولِه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: حتى لا يكونَ بلاءٌ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، أي: لا يُفتنَ (^٦) مُؤمنٌ عن دينِه، ويكونَ التوحيدُ للهِ خالصًا ليس فيه شِركٌ، ويُخلعَ ما دونَه مِن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٧٠١ من طريق الضحاك عن ابن عباس.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٠١ معلقا.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٠١ معلقا، كما أخرجه أيضًا في نفس الصفحة من طريق سعيد به بشطره الثانى فقط دون قوله: عليها قاتل النبي. . .\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٠١ من طريق أسباط به.\n(^٦) فى م: \"يفتر\".","vol":"11","page":179},{"text":"الأندادِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: حتى لا يكونَ كفرٌ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾: لا يكونَ مع دينِكم كفرٌ (^١).\nحدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصَّمَدِ، قال: ثني أبي، قال: ثنا أبانٌ العطارُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عُروةَ، [عن أبيه] (^٢)، أن عبدَ الملكِ بنَ مروانَ كتَب إليه يسألُه عن أشياءَ، فكتَب إليه عروةُ: سلامٌ عليك، فإنى أحمدُ اللهَ إليك، الذى لا إله إلا هو، أما بعدُ: فإنك كتبتَ إلىَّ تَسألُنِي عن مخرَجِ رسولِ اللهِ ﷺ مِن مكةَ، وسأُخبرُك به، ولا حَولَ ولا قوّةَ إلَّا باللهِ:\nكان من شأنِ خروجِ رسولِ اللهِ ﷺ مِن مكةَ، أَنَّ اللهَ أعطاه النُّبَّوةَ، فنِعم النبيُّ ونِعمَ السيدُ، ونِعمَ العشيرةُ، فجزاه اللهُ خيرًا، وعرَّفَنا وجهَه في الجنةِ، وأحيانا على مِلَّتِه، وأماتَنا عليها، وبعثَنا عليها، وإنه لمَّا دعا قومَه لما بعثَهُ اللهُ له مِن الهُدى والنورِ الذى أَنزَل عليه، لم يَبعُدوا (^٣) منه أوَّلَ ما دَعاهم إليه، وكادوا (^٤) يَسمعون له حتى ذكَرَ طواغيتَهم، وقَدِم ناسٌ مِن الطائفِ من قريشٍ لهم أموالٌ - [أنكَر ذلك عليه (^٥) ناسٌ] (^٦) واشتدُّوا عليه، وكَرِهوا ما قال، وأغرَوا به مَن أطاعَهم، فانصَفَق (^٧) عنه\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٠١ معلقا.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في ص، م، س، ف: \"ينفروا\". وفي ت ١: \"يتعدوا\".\n(^٤) في م: \"كانوا\".\n(^٥) زيادة من: م.\n(^٦) في التاريخ: \"أنكروا ذلك عليه\".\n(^٧) فى م: \"فانعطف\". وانصفق عنه: رجع. اللسان (ص ف ق).","vol":"11","page":180},{"text":"عامةُ (^١) الناسِ فترَكوه، إلا من حفِظه اللهُ منهم وهم قليلٌ، فمكَث بذلك ما قدَّر اللهُ أن يمكثَ، ثم ائْتَمرت رءوسُهم بأن يَفتِنوا من اتَّبَعه عن دينِ اللهِ من أبنائِهم وإخوانِهم وقبائِلهم، فكانت فتنةٌ شديدةُ الزلزالِ، فافتُتِن من افتُتِن، وعصَم اللهُ مَن شاء منهم، فلما فُعِل ذلك بالمسلمينَ أمَرهم رسولُ اللهِ ﷺ أن يَخرُجوا إلى أرضِ الحبَشةِ، وكان بالحبشةِ مَلِكٌ صالحٌ يقال له: النَّجَاشِيُّ. لا يُظْلَمُ أحدٌ (^٢) بأرضِه، وكان يُثْنَى عليه، مع ذلك صلاحٌ (^٣)، وكانت أرضُ الحبشةِ مَتْجَرًا لقريشٍ يتَّجِرون فيها، ومساكنَ لتجارتهم يجدون فيها رَفاغًا (^٤) مِن الرزقِ، وأمنًا ومتجرًا (^٥) حَسَنًا، فأمَرهم بها النبيُّ ﷺ، فذهَب إليها عامتُهم لمَّا قُهِروا بمكةَ، وخافوا عليهم الفَتْنَ، ومكَث هو فلم يَبرَحْ، فمكَث بذلك (^٦) سنواتٍ يَشتدُّون على من أسلمَ منهم، ثم إنه فشا الإسلامُ فيها، ودخَل فيه رجالٌ من (^٧) أشرافِهم ومنعتِهم؛ فلما رَأوا ذلك استَرْخَوا استرخاءةً عن رسولِ اللهِ ﷺ وعن أصحابِه، وكانت الفِتنةُ الأولى هي أخرجت مَن خرح مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ قِبَل أرضِ الحبشةِ مخافتَها، وفرارًا مما كانوا فيه من الفَتْنِ والزلزالِ، فلما استُرخِى عنهم ودخَل فى الإسلامِ من دخَل منهم، تُحُدِّث بهذا الاسترخاءِ عنهم، فبلَغ ذلك من كان بأرضِ الحبشةِ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، أنه قد استُرخِى عمن كان منهم بمكةَ، وأنهم لا يُفْتَنون، فرجَعوا إلى مكةَ، وكادوا\n_________\n(^١) في ت ١: \"طاعة\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) زيادة من التاريخ.\n(^٤) فى م، ف: \"رتاعا\"، وفى ت ١، س: \"رباعا\"، وفى ت ٢: \"رقاعا\"، والمثبت من التاريخ. والرَّفْغ: السعة من العيش. تاج العروس (ر ف غ).\n(^٥) فى ص: \"منحرا\".\n(^٦) في النسخ: \"ذلك\". والمثبت من التاريخ.\n(^٧) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ذوى\".","vol":"11","page":181},{"text":"يَأْمنون بها، وجعَلوا يزدادون ويكثُرون، وأنه أسلَم من الأنصارِ بالمدينةِ ناسٌ كثيرٌ، وفشا بالمدينةِ الإسلامُ، وطَفِق أهلُ المدينةِ يَأتون رسولَ اللهِ ﷺ بمكة؛ فلما رأت قريشٌ ذلك، تَوامَرتْ (^١) على أن يَفْتِنوهم ويَشْتَدُّوا (^٢) عليهم، فأخَذوهم وحَرِصوا على أن يَفْتِنوهم، فأصابَهم جَهْدٌ شديدٌ، وكانت الفِتنةَ الآخِرةَ، فكانت ثِنتين؛ فتنةً أخرَجت من خرَج منهم إلى أرضِ الحبشةِ، حينَ أمَرهم رسولُ اللَّهِ ﷺ بها وأذِن لهم في الخروجِ إليها، وفتنةً لمَّا رجَعوا ورَأوا من يأتيهم مِن أهلِ المدينةِ، ثم إنه جاء رسولَ اللَّهِ ﷺ مِن المدينةِ سبعون نَقِيبًا (^٣) رءوسُ الذين أسلَموا، فوافَوه بالحجِّ، فبايَعوه بالعَقَبةِ، وأعطَوه على: أنا منك وأنت منا، وعلى أن مَن جاء من أصحابِك، أو جِئْتَنا، فإنا نمنَعُك مما نَمْنَعُ منه أنفسَنا. فاشتَدَّت عليهم قريشٌ عندَ ذلك، فأمَر رسولُ اللهِ ﷺ أصحابَه أن يَخرُجوا إلى المدينةِ، وهى الفتنةُ الآخرةُ التي أخرَج فيها رسولُ اللهِ ﷺ أصحابَه وخرَج هو، وهى التى أَنزَلَ اللهُ فيها: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عبدُ الرحمنِ بنُ أبى الزِّنادِ، عن أبيه، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، أنه كتَب إلى الوليدِ: أما بعد، فإنك كتبت إلىَّ تَسألُنى عن مخرَج رسولِ اللهِ ﷺ مِن مكةَ، وعندى بحمدِ اللَّهِ من ذلك علمٌ بكلِّ ما كتَبتَ تسألُنى عنه، وسأُخبِرُك إن شاءَ اللهُ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ، ثم ذكر نحوه (^٥).\n_________\n(^١) في تفسير ابن كثير: \"تآمرت\": وهما بمعنى واحد.\n(^٢) فى م، ف: \"يشدوا\".\n(^٣) في م، ف: \"نفسا\".\n(^٤) ذكره المصنف في تاريخه ٢/ ٢٣٨، ٣٢٩ عن عبد الوارث بن عبد الصمد به إلى قوله: \"أشرافهم\". وذكره ابن كثير كاملا في تفسيره ٣/ ٥٩٨، ٥٩٩ نقلا عن المصنف.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٩٩.","vol":"11","page":182},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا قيسٌ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: يِسافُ ونائلةُ صَنمانِ كانا يُعبدانِ.\nوأمّا قولُه: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ فإنَّ معناه: فإنِ انتَهَوا عن الفتنةِ، وهى الشركُ باللهِ، وصاروا إلى الدينِ الحقِّ معكم، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِير﴾، يقولُ: فإنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عليه ما يَعملون (^١) من تركِ الكفرِ، والدخولِ في دينِ الإسلامِ؛ لأنه يُبصرُهم (^٢)، ويُبصرُ (^٣) أعمالَهم (^٤)، والأشياءُ كلُّها مُتَجَلِّيَةٌ له، لا تَغيبُ عنه، و﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣].\nوقد قال بعضُهم: معنى ذلك: فإنِ انتَهَوا عن القتالِ.\nوالذى قُلنا في ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنَّ المشركينَ وإنِ انتَهَوا عن القتالِ، فإنه كان فرضًا على المؤمنين قتالهم حتى يُسلموا.\n\n<span id=\"aya-1200\"></span><span data-type='title' id=toc-3734>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإنْ أدْبرَ هؤلاء المشركون عما دعوتُموهم إليه أيها المؤمنون من الإيمانِ باللهِ ورسولِه، وتركِ قتالِكم على كفرِهم، [فأبَوا إلا الإصرارَ] (^٥) على\n_________\n(^١) فى ص، س، ف: \"تعملون\".\n(^٢) فى ص: \"ينصرهم\"، وفى م: \"يبصركم\".\n(^٣) في ص: \"ينصر\".\n(^٤) في م: \"أعمالكم\".\n(^٥) في ت ١: \"فأتوا الإضرار\".","vol":"11","page":183},{"text":"الكفرِ وقتالِكم، فقاتِلوهم وأيْقِنوا أن اللهَ مُعينُكم عليهم وناصركُم، ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى﴾ -هو لكم- يقولُ: نِعمَ المعينُ لكم ولأوليائِه، ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾: وهو الناصرُ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن أمرِك إلى ما هم عليه من كفرِهم، فإنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاكُمْ الذى أعزَّكم ونصَركم عليهم يومَ بدرٍ، في كثرةِ عددِهم وقلةِ عُدَدِكم، ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-1201\"></span><span data-type='title' id=toc-3735>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وهذا تعليمٌ من اللهِ ﷿ المؤمنين قسْمَ غنائمِهم إذا غنِموها، يقولُ تعالى ذِكرُه: واعْلموا أيها المؤمنون أن ما غنِمتم من غنيمةٍ.\nواختلف أهلُ العلمِ في معنى الغنيمةِ والفَيْءِ؛ فقال بعضُهم: فيهما معنيان كلُّ واحدٍ منهما غيرُ صاحبِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حميدُ (^٢) بنُ عبدِ الرحمنِ، عن الحسنِ بنِ صالحٍ، قال: سألتُ عطاءَ بنَ السائبِ عن هذه الآيةِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. وعن هذه الآيةِ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧]. قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٠٢ من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله ابن الزبير عن أبيه، إلى قوله: من كفرهم، كما أخرجه في ٥/ ١٧٠٢ من طريق عبد الله بن إدريس عن ابن إسحاق بالشطر الثاني بنحوه.\n(^٢) في ف: \"عبيد\".","vol":"11","page":184},{"text":"قلتُ (^١): ما الفَىْءُ وما الغنيمةُ؟ قال: إذا ظهَر المسلمون على المشركين وعلى أرضِهم، وأخذوهم عَنوةً، فما أخذوا من مالٍ ظهَروا عليه فهو غنيمةٌ، وأما الأرضُ فهو في سوادِنا هذا فَيْءٌ (^٢).\nوقال آخرون: الغنيمةُ: ما أُخِذَ عَنْوةً، والفَيْءُ: ما كان عن صلحٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ الثوريِّ، قال: الغنيمةُ: ما أصاب المسلمون عَنوةً بقتالٍ؛ فيه الخُمُسُ وأربعةُ أخماسٍ لمن شهِدها، والفيءُ: ما صُولِحوا عليه بغيرِ قتالٍ، وليس فيه خمسٌ، هو لمن سمَّى اللهُ (^٣).\nوقال آخرون: الغنيمةُ والفَيْءُ بمعنًى واحدٍ. وقالوا: هذه الآيةُ التي في الأنفالِ ناسخةٌ قولَه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الحشر: ٧].\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]. قال: كان الفئُ فى هؤلاء، ثم نُسِخَ ذلك فى سورةِ \"الأنفالِ\": ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى\n_________\n(^١) بعده في م: \"غنمتم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبى شيبة في مصنفه ١٢/ ٤٣٣ عن حميد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبى شيبة في مصنفه ١٢/ ٤٣٤ عن وكيع به بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٧١٥) عن سفيان بمعناه.","vol":"11","page":185},{"text":"وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. فنسَخت هذه ما كان قبلَها في سورةِ \"الحشرِ\"، وجُعِلَ الخُمُسُ لمن كان له الفئُ فى سورةِ \"الحشرِ\"، وسائرُ ذلك لمن قاتل عليه (^١).\nوقد بيَّنا فيما مضَى الغنيمةَ، وأنها المالُ يُوصلُ إليه من مالِ من خوَّل اللهُ مالَه أهلَ دينِه، بغلبةٍ عليه وقهرٍ بقتالٍ (^٢).\nفأما الفيءُ فإنه ما أفاءه اللهُ على المسلمين من أموالِ أهلِ الشركِ، وهو ما ردَّه عليهم منها بصُلْحٍ من غيرِ إيجافِ (^٣) خيلٍ ولا ركابٍ. وقد يجوزُ أَن يُسَمَّى ما رَدَّتْه عليهم منها سيوفُهم ورماحُهم وغيرُ ذلك من سلاحِهم فيئًا، لأن الفيءَ إنما هو مصدرٌ من قولِ القائلِ: فاء الشيءُ يفئُ فيئًا. إذا رجَع، وأفاءه اللهُ: إذا ردَّه.\nغيرَ أن الذى ردَّ (^٤) حُكْمَ اللهِ فيه من الفيءِ بحُكْمِه (^٥) في سورةِ \"الحشرِ\"، إنما هو ما وصفتُ صفتَه من الفيءِ دونَ ما أُوجِفَ عليه منه بالخيلِ والركابِ؛ لعللٍ قد بَيَّنْتُها في كتابِنا \"كتابِ لطيفِ القولِ فى أحكامِ شرائعِ الدينِ) وسَنُبيِّنُه أيضًا في تفسيرِ سورةِ \"الحشرِ\" إذا انتهينا إليه إن شاء اللهُ تعالى.\nوأما قولُ مَن قال: الآية فى سورةِ \"الأنفالِ\" ناسخةٌ الآيةَ في سورةِ \"الحشرِ\"، فلا معنَى له، إذ كان لا معنَى في إحدى الآيتين يَنْفِى حُكْمَ الأخرى. وقد بيَّنا أن معنَى النسخِ هو نفىُ حكمٍ قد ثبَت بحكمٍ خلافُه في غيرِ موضعٍ بما أغنَى عن إعادتِه\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ١٩٢، ١٩٣ إلى عبد بن حميد، وينظر الناسخ والمنسوخ ص ٧٠٣.\n(^٢) تقدم ص ٥ - ١٢.\n(^٣) أوجفه: حثّه. والإيجاف: التحريك والإسراع. التاج (وج ف).\n(^٤) فى م: \"ورد\".\n(^٥) في م: \"يحكيه\".","vol":"11","page":186},{"text":"في هذا الموضعِ (^١).\nوأما قولُه: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ فإنه مرادٌ به كلُّ ما وقَع عليه اسمُ شيءٍ مما خوَّله اللهُ المؤمنين من أموالِ من غلَبوا على مالِه من المشركين مما وقَع فيه القَسْمُ حتى الخيطِ والمخْيطِ. كما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: المِخْيَطُ من الشيءِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ الفضلُ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-3736>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: قولُه: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، مِفتاحُ كلامٍ، وللهِ الدنيا والآخرةُ وما فيهما، وإنما معنى الكلامِ: فأن للرسولِ (^٥) خمسَه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ،\n_________\n(^١) تقدم في ٢/ ٣٨٨ - ٣٩٠.\n(^٢) تفسير سفيان ص ١١٩، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٥/ ٢٤٢ (٩٤٩٥)، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٠٢ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨٥ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٤٣٤ عن وكيع به.\n(^٤) أخرجه ابن زنجويه فى الأموال (١٢٣٧) عن أبي نعيم به.\n(^٥) في ت ٢: \"لله\".","vol":"11","page":187},{"text":"قال: سألتُ الحسنَ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾. قال: هذا مِفْتاحُ كلامٍ، للهِ الدنيا والآخرةُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ بنَ محمدٍ عن قولِه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. قال: هذا مِفْتاحُ كلامٍ، للهِ الدنيا والآخرةُ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، قال: ثنا أبو شِهابٍ، عن وَرْقاءَ، عن نَهْشَلٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا بعث سريةً، فغنِموا خمَّس الغنيمةَ، فضرَب ذلك الخمسَ فى خمسةٍ، ثم قرَأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾. قال: وقولُه: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. مِفْتاحُ كلامٍ، للهِ ما في السماواتِ وما فى الأرضِ، فجعَل اللهُ سهمَ اللهِ وسهمَ الرسولِ واحدًا\" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. قال: للهِ كلُّ شيءٍ (^٣).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. قال: اللهِ (^٤) كلُّ شيءٍ، وخُمُسٌ للهِ ورسولِه، ويُقسَمُ ما سوى ذلك على أربعةِ أسهمٍ (^٥).\n_________\n(^١) سيأتى تخريجه في ص ١٩٦.\n(^٢) أخرجه الطبراني (١٢٦٦٠) من طريق أحمد بن يونس به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ١٨٥ إلى أبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١٢/ ٤٣١ عن جرير به، وأخرجه أبو يوسف فى الخراج ص ١٠٢ عن مغيرة به.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) أخرجه ابن زنجويه في الأموال (٧٦)، وعبد بن حميد، ومن طريقه ابن حزم في المحلى ٧/ ٥٣٣ من طريق =","vol":"11","page":188},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كانت الغنيمةُ تُقْسَمُ خمسةَ أخماس، فأربعةُ أخماسٍ لمَن قاتَل عليها، ويُقْسَمُ الخُمُس الباقى على خمسةِ أخماسٍ، فخُمُسٌ للهِ والرسولِ (^١).\nحدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا أبانٌ، عن الحسنِ، قال: أوْصَى أبو بكرٍ ﵁ بالخُمُسِ مِن مالِه، وقال: أَلا أَرْضَى مِن مالى بما رضِي اللهُ لنفسِه (^٢)!\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾. قال: حُمُسُ اللَّهِ وخُمُسُ رسولِه واحدٌ، كان النبىُّ ﷺ يَحْمِلُ منه، ويَصْنَعُ (^٣) فيه ما شاء (^٤).\nحدَّثني المُثَنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن المغيرةِ، عن أصحابِه، عن إبراهيمَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. قال: كلُّ شيءٍ للهِ، الخمُسُ للرسولِ ولذى القُرْبى واليَتامَى والمساكينِ وابن السبيلِ.\nوقال آخَرون: معنى ذلك: فإن لبيتِ اللَّهِ خُمُسَه وللرسولِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعُ بنُ الجرَّاحِ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ\n_________\n= ابن عون به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه ٢/ ٢٥٤ (٢٦٧٧)، ومن طريقه البيهقى ٦/ ٣٣٨ عن هشيم به.\n(^١) أخرجه عبد بن حميد ومن طريقه ابن حزم في المحلى ٧/ ٥٣٣ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٨٥ إلى عبد الرزاق بنحوه، وسيأتى بتمامه في سورة الحشر آية ٧.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤ نقلًا عن المصنف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يضع\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٠٣، والبيهقى ٦/ ٣٣٨ من طريق ابن فضيل به، وأخرجه أبو عبيد في =","vol":"11","page":189},{"text":"ابنِ أنسٍ، عن أبى العاليةِ الرِّياحيِّ، قال: كان رسولُ اللَّهِ يُؤْتَى بالغنيمة، فيَقْسِمُها على خمسةٍ، تكونُ أربعةُ أخماسٍ لمن شهِدها، ثم يَأْخُذُ الخمسَ فيَضْرِبُ بيدِه فيه، فيَأْخُذُ منه الذى قبَض كفُّه فيَجْعَلُه للكعبةِ، وهو سهمُ اللَّهِ، ثم يَقْسِمُ ما بقى على خمسةِ أسهمٍ، فيكونُ سهمٌ للرسولِ، وسهمٌ لذوى القُرْبى: وسهمٌ لليَتامَى، وسهمٌ للمساكينِ، وسهمٌ لابن السبيلِ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبى العاليةِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: فكان يُجاءُ بالغَنيمةِ، فتُوضَعُ فَيَقْسِمُها رسولُ اللهِ ﷺ خمسةَ أسهمٍ، فيَجْعَلُ أربعةً بينَ الناسِ، ويَأْخُذُ سهمًا، ثم يَضْرِبُ بيدِه فى جميعِ ذلك السهمِ، فما قبَض عليه مِن شيءٍ جعَله للكعبةِ، فهو الذى سُمِّى للَّهِ، ويقولُ: \"لا تَجْعَلوا للهِ نصيبًا، فإن للَّهِ الدنيا والآخرةَ\". ثم يَقْسِمُ نصيبَه (^٢) على خمسةِ أسهمٍ؛ سهمٍ للنبيِّ ﷺ، وسهمٍ لذَوِى القُرْبى، وسهمٍ لليَتامَى، وسهمٍ للمساكينِ، وسهمٍ لابنِ السبيلِ.\nوقال آخرون: ما سُمِّى لرسولِ اللهِ ﷺ مِن ذلك فإنما هو مرادٌ به قرابتُه، وليس للهِ ولا لرسولِه منه شيءٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ\n_________\n= الأموال (٨٣٨)، وابن أبي شيبة ١٢/ ٤٣١، وابن زنجويه فى الأموال (١٢٣٠)، والنسائي (٤١٥٣)، والطحاوي في معانى الآثار ٣/ ٢٨١ من طريق عبد الملك به نحوه.\n(^١) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٢/ ٣١ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٤٢٩ عن وكيع به، وأخرجه أبو عبيد في الأموال (٨٣٦)، وابن زنجويه فى الأموال (٧١، ١٢٢٧)، وأبو داود في المراسيل ص ١٢٨، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٠٣، والطحاوى فى شرح معاني الآثار ٣/ ٢٧٦ من طريق أبي جعفر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨٥ إلى ابن المنذر.\n(^٢) فى م: \"بقيته\".","vol":"11","page":190},{"text":"عباسٍ، قال: كانت (^١) الغنيمةُ تُقْسَمُ على خمسةِ أخْماسٍ، فأربعةٌ منها لمَن قاتلَ عليها، وحُمُسٌ واحدٌ يُقْسَمُ على أربعةٍ، فرُبعٌ للهِ والرسولِ ولذِى القُرْبى -يعنى قرابةَ النبيِّ ﷺ- فما كان للهِ والرسولِ فهو لقرابةِ النبيِّ ﷺ، ولم يَأْخُذِ النبيُّ ﷺ مِن الخُمُسِ شيئًا، والربُعُ (^٢) الثانى لليَتامَى، والربعُ (^٢) الثالثُ للمَساكينِ، والربعُ (^٢) الرابعُ لابنِ السبيلِ (^٣).\nوأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: قولُه: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ افتتاحُ كلامٍ، وذلك لإجماعِ الحجَّةِ على أن الخُمُسَ غيرُ جائزٍ قَسْمُه على ستةِ أسهمٍ، ولو كان للهِ فيه سهمٌ، كما قال أبو العاليةِ، لوجَب أن يكونَ خمسُ الغَنيمةِ مَقْسومًا على ستةِ أسهمٍ. وإنما اختَلَف أهلُ العلمِ في قسمِه على خمسةٍ فما دونَها، فأما على أكثرَ مِن ذلك، فما لا نَعْلَمُ قائلًا قاله غيرَ الذي ذكَرْنا مِن الخبرِ عن أبى العاليةِ. وفى إجماعِ مَن ذكَرْتُ الدلالةُ الواضحةُ على صحةِ ما اخْتَرْنا.\nفأما مَن قال: سهمُ الرسولِ كان لذوِى القربى. فقد أوْجَب للرسولِ سهمًا وإن كان ﷺ صرَفه إلى ذَوِى قَرابتِه، فلم يَخْرُجْ مِن أن يكونَ القَسْمُ كان على خمسةِ أسهمٍ.\nوقد حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية. كان نبيُّ\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، س: \"ما كانت\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الخمس\".\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في الأموال (٣٧، ٨٣٥)، وابن زنجويه فى الأموال (٧٧، ١٢٢٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٠٤ - ١٧٠٦، والطحاوى فى شرح معانى الآثار ٣/ ٢٧٦ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨٥ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":191},{"text":"اللهِ ﷺ إذا غنِم غَنيمةً جُعِلَت أَخْماسًا، فكان خمسٌ للهِ ولرسولِه، ويَقْسِمُ المسلمون ما بقى، وكان الخمسُ الذى جُعِل للهِ ولرسولِه - لرسولِه (^١) ولذوِي القربَى واليتامى والمساكينِ وابنِ السبيلِ، فكان هذا الخمسُ خمسةَ أخماسٍ؛ خمسٌ للَّهِ ورسولِه، وخمسٌ لذوى القربي، وخمسٌ لليتامى، وخمسٌ للمساكينِ، وخمسٌ لابنِ السبيلِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بنِ أبى عائشةَ، قال: سأَلْتُ يحيى بنَ (^٢) الجَزَّارِ عن سهمِ النبيِّ ﷺ، فقال: هو خمسُ الخمسِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ وجريرٌ، عن موسى بنِ أبى عائشةَ، عن يحيى بنِ الجزارِ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن يحيى بنِ الجزارِ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. قال: أربعةُ أخماسٍ لمن حضَر البَأْسَ، والخمسُ الباقِي للهِ\n_________\n(^١) سقط من النسخ، وقد أثبتها الشيخ شاكر مِن مطبوعته، وهي زيادة يقتضيها السياق.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في الأموال (٣٥، ٨٣٣) عن عبد الرحمن بن مهدى به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٤٨٦)، وابن أبى شيبة ١٢/ ٤٣٠، وابن زنجويه فى الأموال (٧٤، ١٢٢٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٢٨١ من طريق سفيان به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٦٧٨)، وابن زنجويه في (١٢٢٢)، والنسائى (٤١٥٥) من طريق موسى بن أبى عائشة به.\n(^٤) أخرجه أبو عبيد في الأموال (٣٤، ٨٣٢)، وابن أبى شيبة ١٢/ ٤٣٠، والبيهقى ٦/ ٣٣٨ من طريق جرير به.","vol":"11","page":192},{"text":"وللرسولِ؛ خمسُه يَضَعُه حيث رأَى، وخمسُه لذوي القربي، وخمسُه لليتامى، وخمسُه للمساكين، ولابنِ السبيلِ خمسُه (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾. فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا فيهم؛ فقال بعضُهم: هم قرابةُ رسولِ اللهِ ﷺ مِن بنى هاشمٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثني أبي، عن شَرِيكٍ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان آلُ محمدٍ ﷺ لا تَحِلُّ لهم الصدقةُ، فجُعِل لهم خمسُ الخمسِ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ وأهلُ بيتِه لا يَأْكُلون الصدقةَ، فجُعِل لهم خمسُ الخمسِ.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عبدُ السلامِ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، قال: قد علِم اللهُ أن فى بنى هاشمٍ الفقراءَ، فجعَل لهم الخمسَ مكانَ الصدقةِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبانٍ، قال: ثنا الصَّبَّاحُ بنُ يحيى المُزَنىُّ، عن السدىِّ، عن [أبي الديلمِ] (^٤)، قال: قال علىُّ بنُ الحسينِ رحمةُ اللَّهِ\n_________\n(^١) ذكره ابن المنذر فى الأوسط ١١/ ١٠٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢١٥، ١٢/ ٤٣٥ عن وكيع به، وأخرجه ابن زنجويه في الأموال (٧٢) من طريق شريك به.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٧ عن خصيف به، وعزاه إلى المصنف.\n(^٤) فى م: \"ابن الديلمي\". وهو أبو الديلم حذلم بن بشير. الإكمال ٢/ ٤٠٥.","vol":"11","page":193},{"text":"عليه لرجلٍ مِن أهلِ الشأْمِ: أما قرَأْتَ فى \"الأنفال\": ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآيةَ؟ قال: نعم. قال: فإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم (^١).\nحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، قال: هؤلاء قَرابةُ رسولِ اللهِ ﷺ الذين لا تَحِلُّ لهم الصدقةُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن حجاجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن نَجْدةَ كتب إليه يَسْأَلُه [عن ذَوِى القُرْبى] (^٢)، فكتَب إليه: [كُنَّا نَزْعُمُ] (^٣) أنا نحن هم، فأبَى ذلك علينا قومُنا (^٤).\nقال: حدَّثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. قال: أربعةُ أخْماسٍ لمن حضَر البَأْسَ، والخمسُ الباقى للهِ وللرسولِ، خمسُه يَضَعُه حيثُ رأَى، وخمسٌ لذوى القربى، وخمسٌ لليتامى، وخمسٌ (^٥) للمساكين، ولابنِ السبيلِ خمسُه.\nوقال آخرون: بل هم قريشٌ كلُّها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرني عبدُ اللَّهِ بنُ نافعٍ، عن أَبي مَعْشَرٍ،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٧ عن على بن الحسين، وعزاه إلى المصنف. وينظر ما سيأتي في ١٤/ ٥٦٣، ١٩/ ١٠٦، ٢٠/ ٤٩٨، ٤٩٩.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"عنه\".\n(^٣) في م: \"كتابا نزعم\". وفى ت ١، س، ف: \"كتابا يزعم\". وما أثبتناه هو مقتضى ما في مصدرى التخريج.\n(^٤) أخرجه أحمد ٣/ ٤٣٢ (١٩٦٧) عن أبى معاوية مطولًا، وأبو يعلى ٥/ ٤١ (٣٦٣٠) من طريق عطاء به بنحو حديث أحمد.\n(^٥) سقط مِن: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"11","page":194},{"text":"عن سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، قال: كتَب نَجْدَةُ إلى ابنِ عباسٍ يَسْأَلُه عن ذى القربي، قال: فكتَب إليه ابنُ عباسٍ: قد كنا نقولُ: إنا هم. فأبَى ذلك علينا قومُنا، وقالوا: قريشٌ كلُّها ذوو قربي (^١).\nوقال آخرون: سهمُ ذى القربى كان لرسولِ اللهِ ﷺ، ثم صار مِن بعدِه لولىِّ الأمر مِن بعدِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أنه سُئِل عن سهمِ ذى القربى، فقال: كان طُعْمةً لرسولِ اللهِ ﷺ ما كان حيًّا، فلما تُوُفِّيَ جُعِل لولىِّ الأمر مِن بعدِه.\nوقال آخرون: بل سهمُ ذى القربى كان لبنى هاشمٍ وبنى المطَّلبِ خاصةً.\nوممن قال ذلك الشافعىُّ، وكانت علَّتُه فى ذلك ما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونُسُ بن بكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثني الزهرىُّ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، عن جبيرِ بنِ مُطْعِمٍ، قال: لما قسَم رسولُ اللهِ ﷺ سهمَ ذى القربي مِن خيبرَ علي بني هاشمٍ وبنى المطلبِ مشَيْتُ أنا وعثمانُ بنُ عفانَ ﵁، فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ، هؤلاء إخوتُك بنو هاشمٍ، لا نُنْكِرُ فضلَهم؛ لمكانِك الذى جعَلك اللهُ به منهم، أرأَيْتَ إخوانَنا بنى المطلبِ، أعْطَيْتَهم وتَركْتَنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلةِ\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال (٨٥١)، وابن أبي شيبة ١٢/ ٤٧٢ من طريق أبي معشر به، وأخرجه الحميدى (٥٣٢)، وأحمد ٥/ ٣١٠ (٣٢٦٤)، ومسلم (١٨١٢/ ١٣٩)، والنسائي في الكبرى (٨٦١٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٠٤، والطبراني (١٠٨٣٢)، وابن حزم في المحلى ٧/ ٥٣٢، والبيهقي ٦/ ٤٣٥ مِن طريق إسماعيل بن أمية عن سعيد المقبري عن يزيد بن هرمز عن ابن عباس، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٤٥٥) من طريق إسماعيل بن أمية أن نجدة كتب إلى ابن عباس. . .، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨٦ إلى الشافعى وابن المنذر وابن مردويه. وينظر الشافعي ٧/ ٣٤٢.","vol":"11","page":195},{"text":"واحدةٍ. فقال: \"إنهم لم يُفارِقونا فى جاهليةٍ ولا إسلامٍ، إنما بنو هاشمٍ وبنو المطلبِ شيءٌ واحدٌ\". ثم شبَّك رسولُ اللهِ ﷺ يديه إحداهما بالأخرى (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: سهمُ ذى القربي كان لقَرابةِ رسول الله ﷺ مِن بنى هاشمٍ وحلفائِهم مِن بنى المطلبِ؛ لأن حليفَ القومِ منهم، ولصحةِ الخبرِ الذي ذكَرْناه بذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ.\nواخْتَلَف أهلُ العلمِ في حكمِ هذين السهمين -أعنى سهمَ رسولِ اللهِ ﷺ، وسهمَ ذى القربي- بعدَ رسول اللهِ ﷺ؛ فقال بعضُهم: يُصْرَفان في مَعونةِ الإسلامِ وأهلِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أحمدُ بنُ يُونُسَ، قال: ثنا أبو شِهابٍ، عن وَرْقاءَ، عن نَهْشَلٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جُعِل سهمُ اللهِ (^٢) وسهمُ الرسولِ واحدًا، ولذى القربى، فجُعِل هذان السهمان في الخيلِ والسلاحِ، وجُعِل سهمُ اليتامى والمساكينِ وابنِ السبيلِ، لا يُعْطَى غيرَهم (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ٦/ ٣٤١ من طريق يونس بن بكير به، وأخرجه أبو يوسف في الخراج ص ١٠٢، ١٠٣، والشافعي في الأم ٤/ ١٤٦، ١٤٧، وأبو عبيد في الأموال (٨٤٣)، وابن أبي شيبة ١٤/ ٤٦٠، وأحمد ٢٧/ ٣٠٤ (١٦٧٤١)، وأبو داود (٢٩٨٠)، والنسائى (٤١٤٨)، وأبو يعلى (٧٣٩٩)، وابن المنذر في الأوسط ١١/ ٩٨، والطحاوى ٣/ ٢٨٣، ومحمد بن نصر المروزى فى السنة ص ٥٠ رقم (١٥٨)، والطبراني (١٥٩١، ١٥٩٢، ١٥٩٣) مِن طريق ابن إسحاق به، وأخرجه أحمد ٢٧/ ٣٣٨ (١٦٧٨٢)، وابن زنجويه (١٢٤٢، ١٢٤٣)، والبخاري (٣١٤٠، ٣٥٠٢، ٤٢٢٩)، وأبو داود (٢٩٧٨، ٢٩٧٩)، والنسائى (٤١٤٧)، وابن ماجه (٢٨٨١)، والبيهقى ٢/ ١٤٩، ١٥٠، ٦/ ٣٤٠ - ٣٤٢، والبغوى (٢٧٣٦) من طريق ابن شهاب به.\n(^٢) بعده في ف: \"له\".\n(^٣) هو بقية الأثر المتقدم ص ١٨٨.","vol":"11","page":196},{"text":"قال: سأَلْتُ الحسنَ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾. قال: هذا مِفْتاحُ كلامٍ؛ للَّهِ الدنيا والآخرةُ. ثم اختلف الناسُ في هذين السهمين بعدَ وفاةِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال قائلون: سهمُ النبيِّ ﷺ لقرَابةِ النبيِّ ﷺ. وقال قائلون: سهمُ القرابةِ لقرابةِ الخليفةِ. واجْتَمَع رأيُهم أن يَجْعَلوا هذين السهمين في الخيلِ والعُدَّةِ في سبيلِ اللَّهِ، فكانا على ذلك في خلافةِ أبي بكرٍ [وعمرَ ﵄] (^١) (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ بنَ محمدٍ، فذكر نحوَه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُ (^٣) بنُ عبيدٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: كان أبو بكرٍ وعمرُ ﵄ يَجْعَلان سهمَ النبيِّ ﷺ فى الكُرَاعِ والسلاحِ، فقلتُ لإبراهيم: ما كان علىٌّ ﵁ يقولُ فيه؟ قال: كان علىٌّ أشدَّهم فيه (^٤).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي\n_________\n(^١) في ص: \"رحمة الله عليه\". وفي ت ١، ت ٢، س، ف: \"﵁\". وينظر مصادر التخريج.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في الأموال (٣٩، ٨٣٧، ٨٤٧)، والحاكم ٢/ ١٢٨، والبيهقي في السنن ٦/ ٣٣٨، ٣٤٢ من طريق عبد الرحمن بن مهدى به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٣٨٢)، وابن أبي شيبة ١٢/ ٤٣١، ٤٧١، ٤٧٢، وابن زنجويه فى الأموال (٧٥، ١٢٤٧)، والنسائي (٤١٥٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٠٢، والطحاوى فى شرح معانى الآثار ٣/ ٢٣٤، ٢٧٧ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨٥ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) فى ف: \"عمرو\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٦ عن المصنف.","vol":"11","page":197},{"text":"الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية. قال ابنُ عباسٍ: فكانت الغَنيمةُ تُقْسَمُ على خمسةِ أخماسٍ؛ أربعةٍ بينَ مَن قاتَل عليها، وخمسٍ واحدٍ يُقْسَمُ على أربعةٍ؛ للَّهِ وللرسولِ، ولذى القربى -يعنى قرابةَ النبيِّ ﷺ- فما كان للهِ وللرسولِ فهو لقَرابةِ النبيِّ ﷺ، ولم يَأْخُذِ النبيُّ ﷺ مِن الخمسِ شيئًا، فلما قبَض اللهُ رسولَه ﷺ، ردَّ أبو بكرٍ ﵁ نصيبَ القرَابةِ فى المسلمين، فجعَل يَحْمِلُ به في سبيلِ اللَّهِ، لأن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صدقةٌ\" (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أنه سُئِل عن سهمِ ذى القربى، فقال: كان طُعمةً لرسولِ اللهِ ﷺ، فلما تُوُفِّى حمَل عليه أبو بكرٍ وعمرُ في سبيلِ اللهِ صدقةً على رسولِ اللهِ ﷺ.\nوقال آخرون: سهم ذوي القربى مِن بعدِ رسولِ اللهِ ﷺ مع سهمِ رسولِ اللهِ ﷺ إلى والى (^٢) أمرِ المسلمين.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عمرُو بنُ ثابتٍ، عن عمرانَ بنِ ظَبْيان، عن حُكَيمِ بنِ سعدٍ، عن علىٍّ ﵁، قال: يُعْطَى كُلُّ إنسانٍ نصيبه مِن الخمسِ، ويلى الإمامُ سهمَ اللهِ ورسولِه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أنه سُئِل عن\n_________\n(^١) تقدم في ص ١٩١ دون قوله: \"فلما قبض. . .\" إلخ -وينظر الأثر السابق- ودون المرفوع منه. وقد أخرج المرفوع البخاري (٣٠٩٣، ٣٧١٢، ٤٠٣٦، ٥٣٥٨، ٦٧٢٦، ٦٧٢٧، ٧٣٠٥) من حديث أبي بكر وعائشة وغيرهما. وأخرجه مسلم [(١٧٥٧/ ٤٩، ٥٠) ١٧٥٨، ١٧٥٩] من حديث عائشة ومالك ابن أوس.\n(^٢) فى م: \"ولي\".","vol":"11","page":198},{"text":"سهمِ ذوِي القربي، فقال: كان طُعْمةً لرسولِ اللهِ ﷺ ما كان حيًّا، فلما تُوُفِّى جُعِل لولىِّ الأمرِ مِن بعدِه.\nوقال آخرون: سهمُ رسولِ اللهِ ﷺ مردودٌ في الخمسِ، والخمسُ مَقْسومٌ على ثلاثةِ أسهمٍ؛ على اليتامى، والمساكينِ، وابنِ السبيلِ، وذلك قولُ جماعةٍ مِن أهلِ العراقِ.\nوقال آخرون: الخمسُ كلُّه لقَرابةِ رسولِ اللهِ ﷺ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عبدُ الغَفَّارِ، قال: ثنا المِنْهَالُ بنُ عمرٍو، قال: سأَلْتُ عبد الله بنَ محمدِ بنِ علىٍّ، وعلىَّ بنَ الحسينِ عن الخمسِ، فقال: هو لنا. فقلتُ لعلىٍّ: إن الله يقولُ: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. فقال: يتامانا ومَساكينُنا (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أن سهمَ رسولِ اللهِ ﷺ مردودٌ في الخمسِ، والخمسُ مقسومٌ على أربعة أسهمٍ، على ما رُوِى عن ابنِ عباسٍ؛ للقَرابةِ، سهمٌ، ولليتامى سهمٌ، وللمساكين سهمٌ، ولابنِ السبيلِ سهمٌ؛ لأن اللَّهَ أَوْجَب الخمسَ لأقوامٍ موصوفين بصفاتٍ، كما أوْجَب الأربعةَ الأخماسِ لآخرين، وقد أجْمَعوا أن حقَّ الأربعةِ الأخماسِ لن يَسْتَحِقَّه غيرُهم، فكذلك حقُّ أهلِ الخمسِ لن يَسْتَحِقَّه غيرُهم، فغيرُ جائزٍ أن يَخْرُجَ عنهم إلى غيرِهم، كما غيرُ جائزٍ أن تَخْرُجَ بعضُ السُّهمانِ التي جعَلها اللهُ لمن سماه في كتابِه بفقدِ بعضِ مَن يَسْتَحِقُه إلى غيرِ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٦ وعزاه إلى المصنف.","vol":"11","page":199},{"text":"أهلِ السُّهمانِ الأُخَرِ.\nوأما اليتامى فهم أطفالُ المسلمين الذين قد هلَك آباؤُهم، والمساكينُ هم أهلُ الفاقةِ والحاجةِ مِن المسلمين، وابنِ السبيلِ المُجْتازُ سفرًا قد انقُطِع به.\nكما حدَّثني المُثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الخمسُ الرابعُ لابنِ السبيلِ، وهو الضيفُ (^١) الفقيرُ الذي يَنْزِلُ بالمسلمين (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3737>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: أيْقِنوا أيُّها المؤمنون أنما غنِمْتُم مِن شَيءٍ فمقسومٌ القَسْمَ الذي بيَّنْتُه، وصدِّقوا به إن كنتم أقْرَرْتُم بوَحْدانية اللهِ، وبما أَنْزَلَ اللهُ على عبدِه محمدٍ ﷺ يومَ فرَق بينَ الحقِّ والباطلِ ببدرٍ، فأبان فَلَجَ المؤمنين وظهورَهم على عدوِّهم، وذلك ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾؛ جمعُ المؤمنين، وجمعُ المشركين، واللهُ على إهلاكِ أهلِ الكفرِ وإذْلالِهم بأيدى المؤمنين، وعلى غيرِ ذلك مما يَشاءُ ﴿قَدِيرٌ﴾، لا يمتنعُ عليه شيءٌ أراده.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الضعيف\". وينظر مصادر التخريج.\n(^٢) تقدم أوله في ص ١٩٠، ١٩١.","vol":"11","page":200},{"text":"عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾. يعنى بالفرقانِ يومَ بدرٍ، فرَق اللهُ فيه بينَ الحقِّ والباطلِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثني عُقَيْلٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ بنِ الزبير. [وإسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ] (^٣) -يَزيدُ أحدُهما على صاحبِه- في قولِه: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾: يومَ فرَق اللهُ بينَ الحقِّ والباطلِ، وهو يومُ بدرٍ، وهو أولُ مَشْهَدٍ شهِده رسولُ اللهِ ﷺ، وكان رأسَ المشركين عتبةُ بنُ ربيعةَ، فالْتَقَوْا يومَ الجمعةِ لتسعَ عشْرةَ ليلةً مضَتْ مِن شهرِ رمضانَ، وأصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ثلاثُ مائةٍ وبضعةَ عشَرَ رجلًا، والمشركون ما بينَ الألفِ والتسعِ مائةٍ، فهزَم اللهُ يومَئذٍ المشركين، وقُتِل منهم زيادةٌ على سبعين، وأُسِر منهم مثلُ ذلك (^٤).\nحدَّثنا محمد بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن مِقْسَمٍ: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾. قال: يومَ بدرٍ، فرَق اللهُ بينَ الحقِّ والباطلِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٠٦ (٩١٠١)، والحاكم في المستدرك ٣/ ٢٣، والبيهقي في دلائل النبوة ٣/ ١٢٠ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨٧، ١٨٨ إلى أبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٥٥، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٠٦ معلقًا.\n(^٣) سقط مِن: ت ٢، س، ف.\n(^٤) مصنف عبد الرزاق (٩٧٢٦).","vol":"11","page":201},{"text":"عثمانَ الجزريِّ، عن مِقْسَمٍ فى قولِه: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾. قال: يومَ بدرٍ، فرَق اللهُ بينَ الحقِّ والباطلِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾: يومَ بدرٍ، وبدرٌ بينَ المدينةِ ومكةَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثني يحيى بنُ يعقوبَ أبو طالبٍ، عن ابنِ عونٍ، عن محمدِ بنِ عبدِ اللَّهِ الثَّقفيِّ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمىِّ عبدِ اللهِ بنِ حَبيبٍ، قال: قال الحسنُ بنُ علىِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁: كانت ليلةُ الفرقانِ يومَ الْتَقَى الجمعان لسبعَ عشْرةَ مِن شهرِ رمضانَ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾. قال ابنُ جريجٍ: قال ابن كثيرٍ: يومَ بدرٍ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾. أَىْ: يومَ فُرِق (^٤) بينَ الحقِّ والباطلِ بقدرتى (^٥)، يومَ الْتَقَى الجمعان منكم ومنهم (^٦).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٥٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٧٠٦ بهذا الإسناد، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ١٨٧ إلى أبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٩ عن المصنف، وقال: إسناد جيد قوى، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ١٨٨ إلى المصنف.\n(^٤) في سيرة ابن هشام: \"فرقت\".\n(^٥) في م: \"ببدر أي\".\n(^٦) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٢.","vol":"11","page":202},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾: وذاكم يومُ بدرٍ، يومَ فرَق اللهُ بينَ الحقِّ والباطلِ (^١).\n\n<span id=\"aya-1202\"></span><span data-type='title' id=toc-3738>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: أيْقِنوا أيُّها المؤمنون، واعْلَموا أَن قَسْمَ الغَنيمة على ما بيَّنه لكم ربُّكم، إن كنتم آمَنْتُم باللهِ وما أَنْزَل على عبدِه يومَ بدرٍ، إذ فرَق بينَ الحقِّ والباطلِ، مِن نصرِ رسولِه، ﴿إِذْ أَنْتُمْ﴾ حينئذٍ ﴿بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: بشَفيرِ الوادى الأدنَى إلى المدينةِ، ﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾. يقولُ: وعدوُّكم مِن المشركين نزولٌ بشَفيرِ الوادى الأقصى إلى مكةَ، ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾. يقولُ: والعِيرُ فيه أبو سفيانَ وأصحابُه في موضعٍ أسفلَ منكم إلى ساحلِ البحرِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾. قال: شَفيرِ الوادى الأدنى، وهم بشَفيرِ الوادى الأقْصَى. ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾. قال: أبو سفيانَ وأصحابُه أسفلَ منهم (^٢).\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٧٠٦ معلقًا، وابن كثير في تفسيره ٤/ ٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٠٧ من طريق محمد بن عبد الأعلى ببعضه، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٥٩ عن معمر به.","vol":"11","page":203},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾: وهما شَفيرا الوادى، كان نبيُّ اللهِ أعلى الوادى، والمشركون بأسفلِه، ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾. يعنى أبا سفيانَ، انجَذَم (^١) بالعيرِ على حَوْزِيَّته (^٢) حتى قدِم بها مكةَ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾: مِن الوادى إلى مكةَ، ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾. أي: عيرُ أبي سفيانَ التي خرَجْتُم لتَأْخُذوها وخرَجوا ليَمنَعوها عن غيرِ مِيعادٍ منكم ولا منهم (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾. قال: أبو سفيانَ وأصحابُه مُقْبِلون مِن الشامِ تُجَّارًا، لم يَشْعُروا بأصحابِ بدرٍ، ولم يَشْعُرْ محمدٌ ﷺ بكفارِ قريشٍ، ولا كفارُ قريشٍ بمحمدٍ وأصحابِه، حتى الْتَقى (^٤) على ماءِ بدرٍ مَن يَسْتَقِى لهم كلِّهم، فاقْتَتَلوا، فغلبهم أصحابُ محمدٍ ﷺ، فأسَرُوهم.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\n_________\n(^١) في ص: \"اتخذم\". وفى م: \"انحدر\". وفى ت ١، ت ٢، س، ف: \"اىحدم\" قال ابن الأثير: ومنه حديث قتادة في قوله تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ قال:\"انجذم أبو سفيان بالعير\". أي: انقطع بها من الركب وسار. اهـ. النهاية ١/ ٢٥٢.\n(^٢) في ص، ت ٢، س، ف: \"حورىىه\" وفى م: \"حوزته\" وفى ت ١: \"حوريته\". والحوزِيَّة المنحازة عن الإبل لا تخالطها. وقيل: بل التي عندها سير مذخور من سيرها مصون لا يدرك. اللسان (ح وز).\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٢.\n(^٤) في م: \"التقيا\".","vol":"11","page":204},{"text":"حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: ذكرَ منازلَ القومِ والعيرِ، فقال: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾، والرَّكبُ هو أبو سفيانَ (^٢) ﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾. على شاطئ البحرِ.\nواختَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ﴾. فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدنيين والكوفيين: ﴿بِالْعُدْوَةِ﴾، بضمِّ العينِ (^٣). وقرَأَه بعضُ المكيين والبصريين: (بالعِدْوَةِ) بكسرِ العينِ (^٤). وهما لغتان مشهورتان بمعنًى واحدٍ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nيُنْشَدُ بيتُ الراعي (^٥):\nوعينان حُمْرٌ (^٦) مآقِيهما … كما نظَر العِدْوةَ الجُؤْذَرُ (^٧)\nبكسرِ العينِ مِن العِدْوةِ، وكذلك يُنْشَدْ بيتُ أوسِ بنِ حَجَرٍ (^٨):\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٥٥. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨٨ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) بعده في م: \"وعيره\".\n(^٣) هى قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٣٠٦، والتيسير في القراءات السبع لأبي عمرو الداني ص ٩٤.\n(^٤) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ٣٠٦، والتيسير ص ٩٤.\n(^٥) ديوانه ص ١١٨.\n(^٦) كذا في النسخ، ولعله خطأ من النساخ. والذى فى الديوان \"حُرٍّ\". يريد أن عينيها جميلتان واسعتان تتحركان يمينًا وشمالًا.\n(^٧) الجؤذر: ولد البقرة الوحشية. التاج (ج ذ ر).\n(^٨) ديوانه ص ١٠٤.","vol":"11","page":205},{"text":"وفارِسٍ [لو تَحُلُّ الخيلُ] (^١) عِدْوَتَه … ولَّوْا سِراعًا وما هَمُّوا بإقْبالِ\n\n<span data-type='title' id=toc-3739>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه: ولو كان اجْتماعُكم في الموضعِ الذى اجْتَمَعْتُم فيه أنتم (^٢) أيُّها المؤمنون، وعدوُّكم مِن المشركين عن مِيعادٍ منكم ومنهم، ﴿لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾؛ لكثرةِ عددِ عدوِّكم، وقلةِ عددِكم، ولكنَّ اللهَ جمَعَكم على غيرِ مِيعادٍ بينَكم وبينَهم؛ ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾، وذلك القضاءُ مِن اللهِ كان نصرَه أولياءَه مِن المؤمنين بالله ورسولِه، وهلاكَ أعدائِه وأعدائهم ببدرٍ؛ بالقتلِ والأسْرِ.\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾: ولو كان ذلك عن مِيعادٍ منكم ومنهم، ثم بلَغَكم كثرةُ عددِهم وقلةُ عددِكم ما لقِيتُموهم، ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾. أى: ليَقْضِيَ اللهُ ما أراد بقدرتِه مِن إعزازِ الإسلامِ وأهلِه، وإذلالِ الشركِ وأهلِه، عن غيرِ ملأٍ (^٣) منكم، ففعَل ما أراد مِن ذلك بلطفِه (^٤).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال (^٥): أَخْبَرنى يونُسُ عن (^٦) ابنِ\n_________\n(^١) في الديوان: \"لا يحل الحى\"\n(^٢) في م: \"أنتما\".\n(^٣) في م، ف: \"بلاء\".\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٢.\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ابن زيد قال\"، وفى م: \"قال ابن زيد\". وسيأتي على الصواب في ١٢/ ٥٨.\n(^٦) سقط من: م.","vol":"11","page":206},{"text":"شهابٍ، قال: أخبرَنى عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللَّهِ بن كعبِ بنِ مالكٍ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ كعبٍ، قال: سَمِعْتُ كعبَ بنَ مالكٍ يقولُ في غزوةِ بدرٍ: إنما خرَج (^١) رسولُ اللهِ ﷺ والمسلمون يُريدون عِيرَ قريشٍ، حتى جمَع اللهُ بينَهم وبينَ عدوِّهم على غيرِ مِيعادٍ (^٢).\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن ابنِ عونٍ، عن عميرِ (^٣) بنِ إسحاقَ، قال: أقْبَل أبو سفيانَ فى الركْبِ مِن الشامِ، وخرَج أبو جهلٍ ليَمْنَعَه مِن رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه، فالْتَقَوْا ببدرٍ، ولا يَشْعُرُ هؤلاء بهؤلاء، ولا هؤلاء بهؤلاء، حتى الْتَقَت السُّقاةُ، قال: ونهَد (^٤) الناسُ بعضُهم لبعضٍ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-3740>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: ولكنَّ الله جمَعَهم هنالك ليَقْضِىَ أمرًا كان مفعولًا؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾.\nوهذه اللامُ فى قولِه: ﴿لِيَهْلِكَ﴾. مكرَّرةٌ على اللامِ في قولِه: ﴿لِيَقْضِيَ﴾. كأنه قال: ولكن ليَهْلِكَ مَن هلَك عن بينةٍ، جمَعكم.\nويعنى بقولِه: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾: ليموتَ مَن مات مِن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"يخرج\". وفي س: \"مخرج\".\n(^٢) سيأتي بطوله في ١٢/ ٥٨.\n(^٣) فى ص، م، ت ١: \"عمر\"، وفى ف: \"عمرو\"، والمثبت مِن مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٣٦٩.\n(^٤) فى م: \"نظر\". ونهد القوم لعدوهم: إذا صمدوا له وشرعوا في قتاله. التاج (ن هـ د).\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٠ عن المصنف.","vol":"11","page":207},{"text":"خلقِه عن حُجَّةٍ للهِ قد أُثْبِتَت له، وقطَعَت عُذرَه، وعبرةٍ قد عايَنها ورآها، ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾. يقولُ: ولِيعِيشَ (^١) مَن عاش منهم عن حُجَّةٍ للهِ قد أُثْبِتَت له، وظهَرَت لعينِه، فعلِمها، جمَعَنا بينَكم وبينَ عدوِّكم هنالك.\nوقال ابنُ إسحاقَ فى ذلك بما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [أي: لِيَكْفُرَ مِن كَفَر بعدَ الحُجَّةِ] (^٢)؛ لما رأَى مِن الآياتِ والعبر، ويُؤْمِنَ مَن آمن على مثلِ ذلك (^٣).\nوأما قولُه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. فإن معناه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ أيُّها المؤمنون ﴿لَسَمِيعٌ﴾ لقولِكم وقولِ غيرِكم حينَ يُرِى اللهُ نبيَّه في منامِه، ويُرِيكم عدوَّكم في أعينِكم قليلًا، وهم كثيرٌ، ويرَاكم عدوُّكم في أعينِهم قليلًا (^٤)، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما تُضْمِرُه نفوسُكم، وتَنْطَوِى عليه قلوبُكم حينئذٍ، وفي كلِّ حالٍ.\nيقولُ جلَّ ثناؤُه لهم ولعبادِه: واتَّقُوا ربَّكم أيُّها الناسُ في مَنْطِقِكم أن تَنْطِقوا بغيرِ حقٍّ، وفى قلوبِكم أن تَعتَقِدوا فيها غيرَ الرُّشْدِ، فإن اللهَ لا يَخْفَى عليه خافيةٌ مِن ظاهرٍ أو باطنٍ.\n\n<span id=\"aya-1203\"></span><span data-type='title' id=toc-3741>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: وإن اللهَ يا محمدُ سميعٌ لما يقولُ أصحابُك، عليمٌ بما\n_________\n(^١) في ص، س، ف: \"ليعسن\".\n(^٢) سقط من النسخ. والمثبت من سيرة ابن هشام، وهو ما يقتضيه السياق.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٢، ٦٧٣.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"كثيرًا\".","vol":"11","page":208},{"text":"يُضْمِرونه، إذ يُرِيك اللهُ عدوّكم وعدوَّهم ﴿فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾. يقولُ: يُرِيكهم في نومِك قليلًا فتُخْبِرُهم بذلك، حتى قوِيَت قلوبُهم، واجْتَرءوا على حربِ عدوِّهم، ولو أراك ربُّك عدوَّك وعدوَّهم كثيرًا لفَشَل أصحابُك، فجبُنوا وخاموا (^١)، ولم يَقْدِروا على حربِ القومِ، ولَتَنازعوا في ذلك، ولكنَّ اللَّهَ سلَّمهم مِن ذلك بما أراك فى منامِك من الرؤيا، إنه عليمٌ بما تُجِنُّه (^٢) الصدورُ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مما تُضْمِرُه القلوبُ.\nوقد زعَم بعضُهم أن معنى قولِه: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾. أي: في عينِك التى تنامُ بها، فصيَّر المنامَ هو العينَ، كأنه أراد: إذ يُرِيكهم اللهُ في عينِك قليلًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾. قال: [أراه اللهُ إياهم] (^٣) في منامِه قليلًا، فأخبرَ (^٤) النبىُّ ﷺ أصحابَه بذلك، فكان تَثْبيتًا لهم (^٥).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) في م: \"خافوا\". وخام: نكص وجبن، وخام عن القتال: جبن عنه. اللسان (خ ى م).\n(^٢) فى ص: \"تجنيه\"، وفى م: \"تخفيه\". وفى ت ٢: \"تحفظه\". وتجنه: تخفيه وتستره.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أراهم الله إياه\".\n(^٤) فى ص، ت ١، ف: \"وأخبر\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٠٩ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٥٩، ٢٦٠ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨٨ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":209},{"text":"مجاهدٍ بنحوِه.\nوقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ الآية: فكان أولُ ما أراه مِن ذلك نعمةً مِن نعمِه عليهم، شجَّعهم بها على عدوِّهم، و[كَفَّ بها عنهم] (^١) ما تُخُوِّف عليهم مِن ضعفِهم؛ لعلمِه بما فيهم (^٢).\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ولكنَّ اللهَ سلَّم للمؤمنين أمرَهم حتى أظْهَرهم على عدوِّهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنا عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾. يقولُ: سلَّم اللهُ لهم أمرَهم حتى أظْهَرهم على عدوِّهم (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ولكن اللهَ سلَّم أمرَه فيهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾. قال: سلَّم أمرَه فيهم (^٤).\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، س: \"كفها عنهم\"، وفى م: \"كفاهم بها\". والمثبت مِن سيرة ابن هشام.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٥/ ١٧٠٩ عن محمد بن سعد به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٢٦٠ عن معمر به.","vol":"11","page":210},{"text":"وأولى القولين في ذلك بالصوابِ عندى ما قاله ابنُ عباسٍ، وهو أن اللهَ سلَّم القومَ -بما أَرَى نبيَّه ﷺ فى منامِه- مِن الفشلِ والتَّنازُعِ، حتى قوِيَت قلوبُهم، واجْتَرَأوا على حربِ عدوِّهم، وذلك أن قولَه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾. عَقِيبُ قوله: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. فالذى هو أولى بالخبرِ عنه، أنه [سلَّمَهم منه] (^١) جلَّ ثناؤُه ما كان مَخُوفًا منه، لو لم يُرِ نبيَّه ﷺ مِن قلةِ القومِ في منامِه.\n\n<span id=\"aya-1204\"></span><span data-type='title' id=toc-3742>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ إذ يُرِى الله نبيَّه في منامِه المشركين قليلًا، وإذ يُرِيهم اللهُ المؤمنين إذ لَقُوهم في أعينِهم قليلًا، وهم كثيرٌ عددُهم، ويُقَلِّلُ المؤمنين فى أعينِهم؛ ليَتْرُكوا الاستعدادَ لهم فيَهُونَ على المؤمنين شوكتُهم.\nكما حدَّثني ابنُ بَزيعٍ البَغْداديُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لقد قُلِّلوا في أعينِنا يومَ بدرٍ حتى قلتُ لرجلٍ إلى جنبى: تُراهم سبعين؟ قال أُراهم مائةً. قال: فأَسَرْنا رجلًا منهم، فقلنا: كم هم؟ قال (^٢): ألفًا (^٣).\n_________\n(^١) في ف: \"سلمه منهم\".\n(^٢) بعده فى م: \"كنا\". والمثبت مِن النسخ موافق لما في دلائل البيهقى.\n(^٣) تقدم تخريجه ٥/ ٢٥١، وأخرجه ابن مردويه -كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٢/ ٣١، ٣٢ - مِن طريق إسرائيل به.","vol":"11","page":211},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنحوِه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ قولَه: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾. قال ابنُ مسعودٍ: قُلِّلوا في أعينِنا حتى قلتُ لرجلٍ: أتُراهم يكونون مائةً؟\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: قال ناسٌ مِن المشركين: إن العيرَ قد انصرَفَت فارْجِعوا. فقال أبو جهلٍ: الآن إذ برَز لكم محمدٌ وأصحابُه! فلا تَرْجِعوا حتى تَسْتَأْصِلوهم. وقال: يا قومِ، لا تَقْتُلوهم بالسلاحِ، ولكن خُذوهم أخْذًا، فارْبُطوهم بالحبال. يَقولُه مِن القدرةِ فى نفسِه.\nوقولُه: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قلَّلْتُكم أيُّها المؤمنون فى أعينِ المشركين وأَرَيْتُكموهم في أعينِكم قليلًا حتى يَقْضِيَ الله بينَكم ما قضَى مِن قتالِ بعضِكم بعضًا، وإظهارِكم أيُّها المؤمنون على أعدائِكم مِن المشركين، والظَّفَرِ بهم؛ لتكونَ كلمةُ الله هى العليا، وكلمةُ الذين كفَروا السفلى، وذلك أمرٌ كان اللهُ فاعلَه، وبالغًا فيه أمرَه.\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾. أى: ليُؤَلِّفَ بينَهم على الحربِ للنِّقْمةِ ممَّن أراد الانتقامَ منه، والإنعامِ على مَن أراد إتمامَ النعمةِ عليه مِن أهلِ ولايتِه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد بن منيع -كما في المطالب العالية (٤٧٢٣) - وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٠ من طريق أبي أحمد به.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٣.","vol":"11","page":212},{"text":"﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: مصيرُ الأمورِ كلِّها إليه في الآخرةِ، فيُجازِى أهلَها على قدرِ اسْتحقاقِهم؛ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه.\n\n<span id=\"aya-1205\"></span><span data-type='title' id=toc-3743>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾.</span>\nوهذا تعريفٌ مِن الله جلَّ ثناؤُه أهلَ الإيمانِ به السيرةَ فى حربِ أعدائِه مِن أهلِ الكفرِ به، والأفعالَ التي يُرْجَى (^١) لهم باستعمالها عندَ لقائِهم النصرةُ عليهم، والظَّفَرُ بهم. ثم يقولُ جلَّ ثناؤُه لهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، إذا لقيتُم جماعةً مِن أهلِ الكفرِ باللهِ للحربِ والقتالِ، فاثْبُتوا لقتالهم، ولا تَنْهَزِموا عنهم، ولا تُوَلُّوهم الأدبار هارِبين إلا مُتَحَرِّفًا لقتالٍ، أو مُتَحَيِّزًا إلى فئةٍ منكم، ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾. يقولُ: وادْعُوا الله بالنصرِ عليهم، والظَّفَرِ بهم، وأشْعِروا قلوبَكم وألسنتكم ذكرَه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: كيما تَنْجَحوا فتَظْفَروا بعدوِّكم، ويَرْزُقَكم الله النصرَ والظفَرَ عليهم.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. افْتَرَض اللهُ ذكرَه عندَ أشْغَلِ ما تَكونون (^٢)، عندَ الضِّرابِ بالسيوفِ (^٣)\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ترجى\"، وغير منقوطة في: ص.\n(^٢) في ص، س، ف: \"يكونوا\"، وفي ت ١: \"يكون\".\n(^٣) في ص، ف: \"والسيوف\". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٥، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ١٨٩ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.","vol":"11","page":213},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾: يُقاتِلونكم فى سبيلِ اللهِ: ﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾: اذْكُروا اللهَ الذى بذَلْتُم له أنفسَكم والوفاءَ بما أعْطَيْتُموه مِن بَيْعتِكم، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-1206\"></span><span data-type='title' id=toc-3744>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به: أطِيعوا أيُّها المؤمنون ربَّكم ورسولَه فيما أمَرَكم به ونهاكم عنه، ولا تُخالِفوهما في شيءٍ، ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾. يقولُ: ولا تَخْتَلِفوا فتفَرَّقوا وتَخْتَلِفَ قلوبُكم، ﴿فَتَفْشَلُوا﴾. يقولُ: فتَضْعُفوا وتجبُنوا، ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. وهذا مَثَلٌ يقالُ للرجلِ إذا كان مُقْبِلًا (^٢) ما يُحِبُّه ويُسَرُّ به: الريحُ مقبلةٌ عليه. يعنى بذلك ما يُحِبُّه، ومِن ذلك قولُ عَبيد بن الأبْرصِ (^٣).\nكما حَمَيْناك يومَ النَّعْفِ (^٤) مِن شَطَبٍ (^٥) … والفضلُ للقومِ مِن رِيحٍ ومِن عَدَدِ\nيعنى: مِن البأسِ والكثرةِ.\nوإنما يُراد به فى هذا الموضعِ: وتَذْهَبَ قوتُكم وبأسُكم فتَضْعُفوا، ويَدْخُلَكم الوَهَنُ والخَلَلُ.\n﴿وَاصْبِرُوا﴾. يقولُ: اصْبِروا مع نبيِّ اللهِ ﷺ عندَ لقاءِ عدوِّكم، ولا\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٣.\n(^٢) بعده في م: \"عليه\".\n(^٣) ديوانه ص ٥٩.\n(^٤) النعف: ما انحدر من حزونة الجبل وارتفع عن منحدر الوادى. تاج العروس (ن ع ف).\n(^٥) شطب: جبل في ديار بني أسد معجم البلدان ٣/ ٢٨٩.","vol":"11","page":214},{"text":"تَنْهَزِموا عنه وتَتْرُكوه، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. يقولُ: اصْبِروا فإني معكم.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. قال: نصْرُكم. قال: وذَهَبت ريحُ أصحابِ محمدٍ ﷺ حين نازَعوه يومَ أُحدٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ نُمَيْرٍ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. فذكَر نحوَه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه، إلا أنه قال: ريحُ أصحابِ محمدٍ حينَ ترَكوه يومَ أحدٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. قال: حِدَّتُكم (^٣) وجِدُّكم (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. قال: ريحُ الحربِ (^٥).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٥٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٢ من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ١٨٩ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه الفريابي -كما فى الدر المنثور ٣/ ١٨٩ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٢ من طريق ورقاء به.\n(^٣) فى م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"حربكم\". والحدة: القوة. الوسيط (ح د د).\n(^٤) غير منقوطة فى: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره، ١/ ٢٦٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٢ من طريق معمر عن قتادة.","vol":"11","page":215},{"text":"﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. قال: الريحُ: النصرُ، لم يَكُنْ نصرٌ قَطُّ إِلا بريحٍ يَبْعَثُها اللهُ تضْرِبُ وجوهَ العدوِّ، فإذا كان ذلك لم يَكُنْ لهم قِوَامٌ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ أى: لا تَخْتَلِفوا فيَتَفَرَّقَ، أمرُكم، ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾: فيَذْهَبَ حَدُّكم (^٢)، ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: إني معكم إذا فعَلْتُم ذلك (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾. قال: الفشلُ: الضعفُ عن جهادِ عدوِّه والانكسارُ لهم، فذلك الفشلُ (^٤).\n\n<span id=\"aya-1207\"></span><span data-type='title' id=toc-3745>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾.</span>\nوهذا تقدُّمٌ مِن الله جلَّ ثناؤُه إلى المؤمنين به وبرسولِه ألا (^٥) يَعْمَلُوا عملًا إلا للهِ خاصةً، وطلَبِ ما عندَه، لا رِئَاءَ الناسِ، كما فعل القومُ مِن المشركين في مسيرِهم إلى بدرٍ طلبَ رئاءِ الناسِ، وذلك أنهم أُخْبِروا بفَوْتِ (^٦) العِيرِ رسولَ اللهِ ﷺ وأصحابَه، وقيل لهم: انْصَرِفوا فقد سلِمَت العيرُ التي جئْتم لنصْرتِها. فأبَوْا وقالوا: نَأْتِي بدرًا، فَنَشْرَبُ بها الخمرَ، وتَعْزِفُ علينا القِيانُ، وتَتَحَدَّثُ بنا العربُ (^٧) فيها.\n_________\n(^١) قِوام كل شيء وقَوامه: عماده ونظامه. الوسيط (ق وم).\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٢ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٢) فى م: \"جدكم\"، وفى سيرة ابن هشام: \"حدتكم\". والحد: البأس. ينظر الوسيط (ح د د).\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٢ من طريق أصبغ عن ابن زيد به.\n(^٥) في م: \"لا\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بقرب\".\n(^٧) بعده في م: \"لمكانتنا\".","vol":"11","page":216},{"text":"فَسُقُوا مكانَ الخمرِ كُئوسَ المَنايا.\nكما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثني أبي، قال: ثنا أبانٌ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن عروةَ قال: كانت قريشٌ قبلَ أن يَلْقاهم النبيُّ ﷺ يومَ بدرٍ قد جاءهم راكبٌ مِن أبى سفيانَ والركبِ الذين معه: إنا قد أجَزْنا القومَ [وأن ارجِعُوا] (^١). فجاء الركبُ الذين بعَثهم أبو سفيانَ الذين يَأْمُرُون قريشًا بالرَّجْعةِ بالجُحْفة، فقالوا: واللهِ لا نَرْجِعُ حتى نَنْزِلَ بدرًا، فنُقِيمَ به (^٢) ثلاثَ ليالٍ، ويَرانا مَن غَشِيَنا مِن أهلِ الحجازِ، فإنه لن يرانا أحدٌ مِن العربِ وما جمَعْنا فيُقاتِلَنا. وهم الذين قال اللهُ: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾. والْتَقَوْا هم والنبيُّ ﷺ، ففتَح اللهُ على رسولِه، وأخْزَى أئمة الكفرِ، وشفَى صدورَ المؤمنين منهم (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ في حديثٍ ذكَره، قال: ثنى محمدُ بنُ مسلمٍ، وعاصمُ بنُ عُمرَ (^٤)، وعبدُ اللَّهِ بنُ أَبي بكرٍ، ويزيدُ بنُ رُومانَ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ وغيرِه (^٥) مِن علمائِنا، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا رأَى أبو سفيانَ أنه أحْرَز عِيرَه، أرْسَل إلى قريشٍ: إنكم إنما خرَجْتم لتَمْنَعوا عيرَكم ورجالكم وأموالَكم، فقد نجَّاها اللهُ فارْجِعوا. فقال أبو جهلِ بنُ هشامٍ: واللَّهِ لا نَرْجِعُ حتى نَرِدَ بدرًا -وكان بدرٌ مَوْسمًا مِن مَواسمِ العربِ، يَجْتَمِعُ لهم بها سُوقٌ كلَّ عامٍ- فنُقِيمَ عليه ثلاثًا، ونَنْحَرَ الجُزُرَ، ونُطْعِمَ الطعامَ، ونَسْقِيَ الخمورَ، وتَعْزِفَ علينا\n_________\n(^١) في م: \"فارجعوا\".\n(^٢) في م: \"فيه\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٢٤ عن عبد الوارث به.\n(^٤) في النسخ: \"عمرو\"، وهو خطأ. وهو عاصم بن عمر بن قتادة، وقد سبق مرارا.\n(^٥) في ص: \"غيرهم\".","vol":"11","page":217},{"text":"القِيانُ، وتَسْمَعَ بنا العربَ فلا يَزالون يَهابُوننا أبدًا، فامْضُوا (^١).\nقال ابن حميدٍ: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾، أي: لا تكونوا كأبي جهلٍ وأصحابِه الذين قالوا: لا تَرْجِعُ حتى نَأْتىَ بدرًا، ونَنْحَرَ بها الجُزُرَ، ونَسْقِى بها الخمرَ، وتَعْزِفَ علينا القِيانُ، وتَسْمَعَ بنا العربُ فلا يَزالون يَهابُوننا. أي: لا يَكُونَنَّ أمرُكم رياءً ولا سُمْعةً ولا الْتماسَ ما عندَ الناسِ، وأخْلِصوا اللهِ النيةَ والحِسْبةَ في نصرِ دينِكم، ومُؤازَرةِ نبيِّكم. أي: لا تَعْمَلُوا إلا للهِ، ولا تَطْلُبوا غيرَه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارة الأسَديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أَخْبرَنا إسرائيلُ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾. قال: أصحابُ بدرٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي، نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾. قال: أبو جهلٍ وأصحابُه يومَ بدرٍ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٦١٨، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٣٨ بهذا الإسناد.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٣، ٦٧٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٣، ١٧١٤ من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قوله.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٤ من طريق عبيد الله بن موسى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩٠ إلى ابن المنذر.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٥٦ مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩٠ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"11","page":218},{"text":"مجاهدٍ مثلَه. قال ابن جُريج: وقال عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: هم مشركو قريشٍ، وذلك خروجُهم إلى بدرٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه،، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾. يعني: المشركين الذين قاتَلوا رسولَ ﷺ يوم بدرٍ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾. قال: هم قريشٌ وأبو جهلٍ وأصحابُه الذين خرَجوا يومَ بدرٍ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. قال: كان مشركو قريشٍ الذين قاتَلوا نبيَّ الله يومَ بدرٍ خرَجوا، ولهم بَغْىٌ وفخرٌ، وقد قيل لهم يومَئِذٍ: ارْجِعوا، فقد انْطَلَقَت عِيرُكم وقد ظفِرْتُم. قالوا: لا واللهِ حتى يَتَحَدَّثَ أهلِ الحجازِ بمسيرِنا وعددِنا. قال: وذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال يومَئِذٍ: \"اللهم إن قريشًا أَقْبَلَت بفخرِها وخُيَلائِها لتُحادَّك ورسولَك\" (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: ذكَر المشركين وما يُطْعِمون على المياهِ فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٣ عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٨٩، ١٩٠ إلى ابن مردويه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦٠ عن معمر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٤ من طريق يزيد به، ولم يذكر فيه الجزء المرفوع، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ، وينظر تفسير مجاهد ص ٣٥٦.","vol":"11","page":219},{"text":"خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سِمعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا﴾. قال: هم المشركون خرَجوا إلى بدرٍ أَشَرًا وبَطَرًا (^١).\nحدَّثني الحارث، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ، قال: لما خرَجَت قريشٌ مِن مكةَ إلى بدرٍ، خرَجوا بالقِيانِ والدفوف، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (^٢).\nفتأويلُ الكلامِ إذن: ولا تكونوا أيُّها المؤمنون باللهِ ورسولِه في العملِ بالرياءِ والسُّمعةِ، وتركِ إخلاصِ العملِ للهِ واحْتِسابِ الأجرِ فيه كالجيش مِن أهلِ الكفرِ باللهِ ورسولِه الذين خرَجوا مِن منازِلهم بطَرًا ومُراءاة الناسِ بزِيِّهم وأموالِهم وكثرةِ عددِهم، وشدةِ بِطانتِهم، ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ويَمْنَعون الناسَ مِن دينِ اللهِ والدخولِ في الإسلامِ بقتالِهم إياهم، وتعذيبِهم مِن قدَرُوا عليه مِن أهلِ الإيمانِ باللهِ، ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ مِن الرياءِ، والصدِّ عن سبيلِ اللهِ، وغيرِ ذلك مِن أفعالِهم، ﴿مُحِيطٌ﴾. يقولُ: عالمٌ بجميعِ ذلك، لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ، وذلك أن الأشياءَ كلَّها له مُتَجَلِّيةٌ، لا يَعْزُبُ عنه منها شيءٌ، فهو لهم بها مُعاقِبٌ، وعليها معذِّبٌ.\n\n<span id=\"aya-1208\"></span><span data-type='title' id=toc-3746>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ</span>\n_________\n(^١) ذكر نحوه ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٦.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩٠ إلى المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٦.","vol":"11","page":220},{"text":"لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)﴾.\nيعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾: وحينَ زيَّن لهم الشيطانُ أعمالَهم.\nوكان تزيينُه ذلك لهم كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ، قال: جاء إبليسُ يومَ بدرٍ في جُنْدٍ مِن الشياطينِ معه رايتُه، [والشيطانُ] (^١) في صورةِ رجلٍ مِن بني مُدْلِجٍ؛ في صورةِ سُراقةَ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ، فقال الشيطانُ للمشركين: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾. فلما اصْطَفَّ الناسُ، أخذ رسولُ اللهِ ﷺ قبضةً مِن الترابِ، فرَمى بها (^٢) وجوهَ المشركين، فولُّوا مُدْبِرِين، وأقْبَل جبريلُ إلى إبليسَ، فلما رآه، وكانت يدُه في يدِ رجلٍ مِن المشركين، انْتَزَع إبليسُ يدَه، فولَّى مدبرًا (^٣) وشِيعتُه، فقال الرجلُ: يا سُراقةُ، أَتَزْعُمُ أنك لنا جارٌ؟! قال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وذلك حين رأى الملائكةَ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) بعده في م: \"في\".\n(^٣) بعده في م: \"هو\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٥، والبيهقى مطولًا في دلائل النبوة ٣/ ٧٨، ٧٩ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩٠ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"11","page":221},{"text":"السدِّى، قال: أتَى المشركين إبليسُ في صورةِ سُراقةَ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ الكِنانيِّ الشاعرِ، ثم المُدْلجِيِّ، فجاء على فرسٍ، فقال للمشركين: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾. فقالوا: ومَن أنت؟ قال: أنا جارُكم سُراقةُ، وهؤلاء كِنانةُ قد أتَوْكم.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ، ثنى يزيدُ بنُ رُومانَ، عن عروةَ بن الزبيرِ، قال: لمَّا أجْمَعَت قريشٌ المسيرَ ذكَرَت الذي بينَها وبينَ بني (^١) بكرٍ - يعنى مِن الحرب - فكاد ذلك أن يَثْنِيَهم (^٢)، فتَبَدَّى لهم إبليسُ في صورةِ سُراقةَ بن جُعْشُمٍ المُدْلِجِيِّ - وكان مِن أشرافِ بني كِنانةَ - فقال: أنا جارٌ لكم مِن أن تَأْتِيَكُم كِنانةُ بشيءٍ تَكْرَهونه، فخرَجوا سِراعًا (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ في قوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾. فذكَر اسْتِدراجَ إبليسَ إياهم وتشَبُّهَه بسراقةَ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ لهم (^٤)، حينَ ذكَروا ما بينَهم وبينَ بني (١) بكرِ بن عبدِ مَناةَ بن كِنانةَ في (^٥) الحربِ التي كانت بينَهم، يقولُ اللهُ: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾، ونظرَ عدوُّ اللهِ إلى جنودِ اللَّهِ مِن الملائكةِ، قد أيَّد اللهُ بهم رسولَه والمؤمنين على عدوِّهم، ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾، وصدَق عدوُّ الله، إنه رأَى ما لا يَرَوْن، وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. فأَوْرَدَهم ثم أَسْلَمَهم. قال:\n_________\n(^١) سقط مِن: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في م: \"يثبطهم\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٦١٢، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٣١ عن ابن حميد به.\n(^٤) سقط مِن: م.\n(^٥) في م: \"من\".","vol":"11","page":222},{"text":"فذُكِر لى أنهم كانوا يَرَوْنه في كلِّ منزلٍ في صورةِ سُراقةُ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ لا يُنْكِرونه، حتى إذا كان يومُ بدرٍ، والْتَقَى الجمعان، كان الذي رآه حينَ نكَص الحارثُ بنُ هشامٍ أو عميرُ بنُ وهبٍ الجُمَحيُّ، فذُكِر أحدُهما، فقال (^١): أين [أي سُراقَ؟ مثَلَ] (^٢) عدوُّ الله وذهَب (^٣).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. قال: ذُكِر لنا أنه رأَى جبريلَ تَنْزِلُ معه الملائكةُ، فزعَم عدوُّ اللهِ أنه لا يَدَانِ (^٤) له بالملائكةِ، وقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾. وكذَب واللهِ عدوُّ اللهِ، ما به مخافةُ اللهِ، ولكن علِم أن لا قوةَ له ولا مَنَعةَ له، وتلك عادةُ عدوِّ اللهِ لمن أطاعَه [واستقاد له] (^٥)، حتى إذا الْتَقَى الحقُّ والباطلُ، أَسْلَمَهم شرَّ مُسْلَم، وتبَرَّأ منهم عندَ ذلك (^٦).\nحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية. قال: لمَّا كان يومُ بدرٍ، سار إبليسُ برايتِه وجنودِه مع المشركين، وأَلْقَى في قلوبِ المشركين: إن أحدًا لن يَغْلِبَكم، وإنى جارٌ لكم. فلمَّا الْتَقَوْا ونظر الشيطانُ إلى أمدادِ الملائكةِ، ﴿نَكَصَ\n_________\n(^١) سياق العبارة في سيرة ابن هشام: قال ابن إسحاق: وعمير بن وهب أو الحارث بن هشام قد ذُكِر لى أحدهما الذي رأى إبليس حين نكص على عقبيه يوم بدر، فقال ....\n(^٢) في م: \"سراقة، أسلمنا\". ومثل: من الأضداد، يقال للقائم: ماثل. وللاصق بالأرض: ماثل. ويقال: رأيت شخصا ثم مثل أي غاب عن عيني. ينظر الأضداد ص ٢٨٨.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٦٦٣.\n(^٤) في النسخ: \"يدى\". والمثبت مِن مصدرى التخريج. وما لى بفلان يدان: أي طاقة. اللسان (ى د ى).\n(^٥) في م: \"واستعاذ به\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٦ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩٠ إلى أبي الشيخ.","vol":"11","page":223},{"text":"عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ - قال: رجَع مُدْيرًا - وقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ الفرجِ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزيزِ بن الماجشونِ، قال: ثنا مالكٌ، عن إبراهيمَ بن أبي عَبْلةَ، عن طلحةَ بن عُبيدِ اللَّهِ بن كَرِيزٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"ما رُؤى إبليسُ يومًا هو فيه أصغرُ ولا أَحْقَرُ ولا أَدْحَر ولا أَغْيَظُ مِن يومِ عرفةَ، وذلك مما يَرَى مِن تنزيلِ الرحمةِ والعفوِ عن الذنوبِ، إلا ما رأَى يومَ بدرٍ\". قالوا: يا رسولَ اللِه، وما رأَى يومَ بدرٍ؟ قال: وأمَا إنه رأَى جبريلَ يَزْعُ الملائكةَ (^٢) \" (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سليمانُ بنُ المغيرةِ، عن حميدٍ بن هلالٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾. قال: رأَى جبريلَ مُعْتَجِرًا (^٤) بِبُرْدٍ، يَمْشِى بين يديِ النبيِّ ﷺ، وفي يدِه اللِّجامُ، ما ركِب (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا هاشم بنُ القاسمِ، قال: ثنا سليمانُ بنُ المغيرةِ، عن حُميدِ بن هلالٍ، قال: قال الحسنُ: وتلا هذه الآيةَ: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية، قال: سار إبليسُ مع المشركين ببدرٍ برايتِه وجنودِه، وألْقَى في\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٦ عن ابن جريج به.\n(^٢) نزع. الملائكة: يرتبهم ويسويهم ويصفهم للحرب. تاج العروس (وزع).\n(^٣) الموطأ ١/ ٤٢٢، ومن طريقه أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨٨٣٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٠٦٩)، والبغوى (١٩٣٠)، وفى تفسيره ٣/ ٣٦٧ عن إبراهيم بن أبي عبلة، وهذا الحديث مرسل من هذا الوجه. وقد رواه البيهقى موصولًا في شعب الإيمان (٤٠٧٠) من طريق ابن أبي عبلة عن طلحة، عن أبي الدرداء.\n(^٤) الاعتجار: ليُّ الثوب على الرأس من غير إدارة تحت الحنك، تاج العروس (ع ج ر).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٦ من طريق سليمان بن المغيرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"11","page":224},{"text":"قلوبِ المشركين: إن أحدًا لن (^١) يَغْلِبَكم وأنتم تُقاتِلون على دينِ آبائِكم، ولن تُغلبوا كثرةً. فلمَّا الْتَقَوْا ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. يقولُ: رجع مُدْبرًا وقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾. يعنى الملائكةَ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ، قال: لمَّا أجمعت قريشٌ على السيرِ، قالوا: إنما نَتَخَوَّفُ مِن بنى بكرٍ. فقال لهم إبليس في صُورةِ سُراقةَ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ: أنا جارٌ لكم مِن بنى بكرٍ، ولا غالبَ لكم اليومَ مِن الناسِ.\nفتأويلُ الكلامِ: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ في هذه الأحوالِ وحين زيَّن لهم الشيطانُ خروجَهم إليكم أيُّها المؤمنون الحربِكم وقتالِكم، وحسَّن ذلك لهم، وحثَّهم عليكم، وقال لهم: لا غالبَ لكم اليومَ مِن بنى آدمَ، فَاطْمَئِنوا وأَبْشِرُوا، ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ مِن كِنانةَ أن تَأْتِيَكم مِن ورائِكم فتُغِيرَكم؛ أُجِيرُكم وأَمْنَعُكم منهم، فلا تَخافوهم، واجْعَلوا حدَّكم (^٢) وبأسَكم على محمدٍ وأصحابِه، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾. يقولُ: فلما تزاحَفَت جنودُ اللهِ مِن المؤمنين وجنودُ الشيطانِ مِن المشركين، ونظَر بعضُهم إلى بعضٍ، ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. يقولُ: رجعَ القَهْقَرَى على قَفاه هاربًا. يقالُ منه: نكَص يَنْكُصُ ويَنْكِصُ نُكوصًا.\nومنه قولُ زُهَيْرٍ (^٣):\nهم يَضْرِبون حَبِيكَ البَيْضِ (^٤) إذ لَحِقوا … لا يَنْكُصون إذا ما اسْتُلْحِموا وحَمُوا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"لا\".\n(^٢) في م، ف: \"جدكم\".\n(^٣) ديوانه ص ١٥٩.\n(^٤) البيض: جمع البيضة أي المغفر، وهو الخوذة، وحبيك البيض: طرائق حديده جمع حبيكة. ينظر اللسان (ح ب ك)، و(ب ي ض).","vol":"11","page":225},{"text":"وقال للمشركين: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ يعنى أنه يَرَى الملائكةَ الذين بعَثهم اللهُ مَدَدًا للمؤمنين، والمشركون لا يَرَوْنهم، إنى أخافُ عقابَ اللهِ، وكذَب عدُّو الله، ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\n\n<span id=\"aya-1209\"></span><span data-type='title' id=toc-3748>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ في هذه الأحوالِ (^١) ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ وكرَّ (^٢) بقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ على قولِه: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾.\n﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. يعنى: شكٌّ في الإسلام، لم يَصِحُّ يقينُهم، ولم تُشْرَحْ بالإيمانِ صدورهم، ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾. يقولُ: غَرَّ هؤلاء الذين يُقاتِلون المشركين مِن أصحابِ محمدٍ ﷺ مِن أنفسِهم - دينُهم وذلك الإسلامُ.\nوذُكِر أن الذين قالوا هذا القولَ كانوا نفرًا ممن كان قد تكَلَّم بالإسلامِ مِن مشركي قريشٍ، ولم يَسْتَحْكمِ الإسلامُ في قلوبُهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3747>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ\n_________\n(^١) بعده في م: \"و\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"كرر\".","vol":"11","page":226},{"text":"دِينُهُمْ﴾. قال: كان ناسٌ مِن أهلِ مكةَ تكَلَّموا بالإسلامِ، فخرَجوا مع المشركين يومَ بدرٍ، فلمَّا رأَوْا قلةَ المسلمين، قالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ (^١).\nحدَّثني إسحاقُ (^٢) بنُ شاهينَ، قال: ثنا خالدٌ، عن داودَ، عن عامرِ مثلَه.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يحيى بنُ زكريا، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾. قال: فئةٌ مِن قريشٍ؛ [أبو قيسِ بنُ] (^٣) الوليدِ بن المغيرِة، وأبو قيسِ بنُ الفاكهِ بن المغيرةِ، والحارثُ بنُ زَمْعَةَ بن الأسودِ بن المطلبِ، وعليُّ بنُ أميةَ بن خلفٍ، والعاصى بنُ مُنَبِّهِ بن الحجاجِ، خرَجوا مع قريشٍ مِن مكةَ، وهم على الارْتيابِ، فحبَسهم ارْتيابُهم، فلمَّا رأَوْا قلةَ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ قالوا ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ حتى [قدِموا على ما] (^٤) قدِموا عليه مع قلةِ عددِهم وكثرةِ عدوِّهم (^٥). [فشرد بهم مِن خلفَهم] (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾. قال: هم قومٌ لم يَشْهَدوا القتالَ يومَ بدرٍ، فسُمُّوا منافقين. قال معمرٌ: وقال بعضُهم: قومٌ كانوا أقَرُّوا بالإسلامِ، وهم بمكةَ، فخرَجوا مع المشركين يومَ بدرٍ،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أبو إسحاق\".\n(^٣) في م: \"قيس بن\". ومكانه بياض في: ص، ت ١، ت ٢، س، ف. وتنظر سيرة ابن هشام ١/ ٦٤١.\n(^٤) سقط من: ت ١، س، ف\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ف: \"عددهم\".\n(^٦) سقط مِن: م. والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٩.","vol":"11","page":227},{"text":"فلمَّا رأَوْا قلةَ المسلمين قالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، إلى قولِه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. قال: رأَوْا عِصابةً مِن المؤمنين شرَدتْ (^٢) لأمرِ اللهِ. وذُكِر لنا أن أبا جهلٍ عدوَّ اللَّهِ لمَّا أشْرَف على محمدٍ ﷺ، وأصحابِه، قال: واللَّهِ لا يُعْبَدُ اللَّهُ بعدَ اليومَ. قَسْوةً (^٣) وعُتُوًّا (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ في قولِه: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: ناسٌ كانوا مِن المنافقين بمكةَ، قالوه يومَ بدرٍ، وهم يومَئذٍ ثلاثمائةٍ وبضعةَ عشَرَ رجلًا (^٥).\nقال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ في قولِه: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: لمَّا دنا القومُ بعضُهم مِن بعضٍ، فقلَّل اللهُ المسلمين في أعينِ المشركين، وقلَّل المشركين في أعينِ المسلمين، فقال المشركون: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾. وإنما قالوا ذلك مِن قلتهم في أعينِهم، وظنُّوا أنهم سيَهْزِمونهم لا يَشْكُّون في ذلك، فقال اللهُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\n_________\n(^١) أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٦ أثر الحسن وحده من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦٠، ٢٦١ عن معمر به وسمى المجهول الكلبى، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في م، ومصدرى التخريج: \"تشددت\". وفى ف: \"سردب\". وشرد القوم: ذهبوا. التاج (ش رد).\n(^٣) في ت ١، ف: \"فسبوه\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٧ من طريق يزيد به.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٩، وليس فيه: \" وهم يومئذ\".","vol":"11","page":228},{"text":"وأما قولُه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. فإن معناه: ومَن يُسْلِمُ أمره إلى الله ويَثِق به، ويَرْضَ بقضائِه، فإن الله حافظُه وناصره؛ لأنه عزيزٌ لا يَغْلِبُه شَيءٌ، ولا يَفْهَرُه أَحدٌ، فجارُه مَنيعٌ، ومَن يَتَوَكَّلْ عليه مكفيٌّ (^١).\nوهذا أمرٌ مِن الله جلَّ ثناؤُه المؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللهِ وغيرِهم أن يُفَوِّضوا أمرَهم إليه، ويُسَلِّموا لقضائه، كيما يكفيهم أعداءهم، ولا يَسْتَذِلَّهم مَن ناوَأَهم؛ لأنه عزيزٌ غيرُ مغلوبٍ، فجارُه غير مَقْهورٍ، ﴿حَكِيمٌ﴾ يقولُ: هو فيما يُدَبِّرُ مِن أمرِ خلقِه، حكيمٌ لا يَدْخُلُ تدبيره خَلَلٌ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1210\"></span><span data-type='title' id=toc-3750>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولو تُعايِنُ يا محمدُ حينَ يَتَوَفَّى الملائكةُ أرواحَ الكفارِ، فتَنزعُها مِن أجسادِهم، تَضْرِبُ الوجوهَ منهم والأسْتاهَ، ويقولون لهم: ذُوقوا عذابَ النارِ التي تُحرِقُكم يومَ وُرودِكم جهنمَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3749>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابِن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾. قال: يومُ بدرٍ (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"يكفه\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يكفى\".\n(^٢) بعده في ف: \"أبدا\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٥٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٨.","vol":"11","page":229},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سليمٍ (^١)، عن إسماعيلَ بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾. قال: وأَسْتاهَهم، ولكنَّ الله كريمٌ يَكُنِى (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ، في قولِه: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾. قال: وأستاههم، ولكنه كريمٌ يَكْنِى: (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن يَعْلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾. قال: إن الله كنَى، ولو شاء لقال: أسْتاهَهم، وإنما عنى بأدبارِهم أستاهَهم (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: أستاهَهم يومُ بدرٍ.\nقال ابن جريجٍ: قال ابن عباس: إذا أقبل المشركون بوجوهِهم إلى المسلمين ضرَبوا وجوهَهم بالسيوفِ، وإذا ولَّوْا أدْرَكَتهم الملائكةُ، فضرَبوا أدبارَهم (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبَّادُ بنُ راشدٍ، عن الحسنِ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، إني رأيتُ بظهرِ أبي جهل مثلَ الشِّراكِ!\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ف: \"أسلم\"، وينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٣٦٥.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٩٧ - التفسير) عن يحيى بن سليم به.\n(^٣) تفسير سفيان ص ١١٩ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٨ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٨ معلقًا.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٠.","vol":"11","page":230},{"text":"قال: ما ذاك؟ قال: \"ضربُ الملائكةٍ\" (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، أن رجلًا قال للنبيِّ ﷺ: إلى حمَلْتُ على رجلٍ مِن المشركين، فذهَبْتُ لأضْرِبَه، فندَر (^٢) رأسه! فقال: \"سبَقك إليه المَلَكُ\".\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى حَرْملة، أنه سمِع عمرَ مولى غُفْرة (^٣) يقولُ: إذا سمِعْتَ الله يقولُ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾. فإنما يُرِيدُ أستاهَهم (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: وفى الكلامِ محذوفٌ اسْتغْنِى بدلالةِ الظاهرِ عليه مِن ذكرِه، وهو قوله: ويقولون: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. حُذفت \"يقولون\"، كما حُذِفَت مِن قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة: ١٢]. بمعنى: يقولون: ربَّنا أَبْصَرْنا.\n\n<span id=\"aya-1211\"></span><span data-type='title' id=toc-3751>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ الملائكةِ لهؤلاء المشركين الذين قُتِلوا ببدرٍ، أنهم يقولون لهم، وهم يَضْرِبون وجوهَهم وأدبارَهم: ذُوقوا عذابَ اللَّهِ الذي يُحْرِقُكم، هذا العذابُ لكم ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. أي: بما كسَبَت أيديكم\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٠ عن الحسن البصرى، وقال: رواه ابن جرير، وهو مرسل.\n(^٢) ندر رأسه: سقط ووقع. النهاية ٥/ ٣٥.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عفرة\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٨ معلقًا.","vol":"11","page":231},{"text":"مِن الآثامِ، والأوْزارِ، واجْتَرَحْتُم (^١) مِن معاصى اللهِ أيامَ حياتِكم، فذُوقوا اليومَ العذاب، وفى مَعادِكم عذابَ الحريق، وذلك لكم بأن اللَّهَ ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾: لا يُعاقِبُ أحدًا مِن خلقه إلا بجُرْمٍ اجْتَرَمه، ولا يُعَذِّبُه إِلا بمعصيتِه إياه؛ لأن الظلمَ لا يَجوزُ أن يكونَ منه.\nوفى فتحِ \"أن\" مِن قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾، وجهان مِن الإعرابِ؛ أحدُهما: النصبُ، وهو للعطفِ (^٢) على \"ما\" التي في قولِه: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾ بمعنى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وبـ ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ في قولِ بعضِهم، والخفضُ في قولِ بعضٍ.\nوالآخرُ: الرفعُ على: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وذلك أن الله (^٣).\n\n<span id=\"aya-1212\"></span><span data-type='title' id=toc-3752>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فعَل هؤلاء المشركون مِن قريشٍ الذين قُتِلوا ببدرٍ كعادةِ قومِ فرعوَن وصَنيعهم وفعلِهم، وفعل مِن كذَّب بحُجَجِ اللهِ ورسلهِ مِن الأمم الخاليةِ قبلَهم، ففعَلْنا (^٤). بهم كفعلِنا بأولئك.\nوقد بيَّنا فيما مضَى أن الدَّأْبَ هو الشأنُ والعادةُ، بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ف: \"اخترتم\". واجترح الشيء: كسبه. ينظر اللسان (ج رح).\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"العطف\".\n(^٣) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٤١٣.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"فعلنا\".\n(^٥) تقدم في ٥/ ٢٣٧.","vol":"11","page":232},{"text":"حدَّثني الحارثُ، قال: ثنى عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شَيْبانُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ ومجاهدٍ وعطاءٍ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: كفعلِ آِل فرعونَ، كسُننِ آلِ فرعونَ.\nوقولُه: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾. يقولُ: فعاقَبَهم اللهُ بتكذيبِهم حججَه ورسلَه، ومعصيتِهم ربَّهم، كما عاقبَ أشكالَهم، والأممَ الذين قبلَهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾: لا يَغْلِبُه غالبٌ، ولا يَرُدُّ قضاءَه رادٌّ، يَنْفُذُ أَمرُه، ويَمْضِى قضاؤه في خلقِه شديدٌ عقابُه لمن كفَر بآياتِه، وجحَد حُجَجَه.\n\n<span id=\"aya-1213\"></span><span data-type='title' id=toc-3754>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأخَذْنا هؤلاء الذين كفَروا بآياتِنا مِن مشركي قريشٍ بيدرٍ بذنوبِهم، وفعَلْنا ذلك بهم، بأنهم غيَّروا ما أنْعَم اللهُ عليهم به مِن ابتعاثِه رسولَه منهم وبينَ أظهرِهم، بإخْراجِهم إياه مِن بينِهم، وتكذيبِهم له، وحربِهم إياه، فغيَّرنا نعمتَنا عليهم بإهلاكنا إياهم، كفعلِنا ذلك في الماضِين قبلَهم، ممن طغَى علينا وعصَى أمرَنا.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3753>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. يقولُ: نعمةُ اللهِ محمدٌ ﷺ، أنْعَم به على قريشٍ وكفَروا، فنقَله إلى الأنصارِ (^١).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"الأمصار\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٨ من طريق أحمد بن =","vol":"11","page":233},{"text":"وقولُه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن كلامِ خلقِه، يَسْمَعُ كلامَ كلِّ ناطقٍ منهم، بخيرٍ نطَق أو بشرٍّ، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما تُضْمِرُه صدورُهم، وهو مُجازِيهم ومُثيبُهم على ما يقولون ويَعْمَلون، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا.\n\n<span id=\"aya-1214\"></span><span data-type='title' id=toc-3755>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: غيَّر هؤلاء المشركون باللهِ، المقتولون ببدرٍ، نعمةَ ربِّهم التي أنْعَم بها عليهم، بابتعاثِه محمدًا منهم، وبينَ أظهرِهم، داعيًا لهم إلى الهدى، بتكذيبِهم إياه، وحربِهم له، ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: كسُنَّةِ آلِ فرعونَ وعادتِهم، وفعلِهم بموسى نبيِّ اللهِ في تكذيبِهم إياه، وقَصْدِهم (^١) لحربِه، وعادةِ مَن قبلهم مِن الأممِ المكذِّبةِ رسلَها وصَنيعهم، ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ بعضًا بالرَّجفة، وبعضًا بالخَسْفِ، وبعضًا بالريحِ، ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ في اليَمِّ، ﴿وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾. يقولُ: كلُّ هؤلاء الأممِ التي أهْلَكْناها كانوا فاعلِين ما لم يَكُن لهم فعلُه مِن تكذيبهم رسلَ اللهِ والجحودِ لآياتِه، فكذلك أهْلَكْنا هؤلاء الذين أهْلَكْناهم ببدرٍ، إذ غيَّروا نعمةَ اللَّهِ عندَهم، بالقتلِ بالسيفِ (^٢)، وأذْلَلْنا بعض! هم بالإسارِ والسِّباءِ.\n\n<span id=\"aya-1215\"></span><span data-type='title' id=toc-3756>القولُ في تأويلِ قولِه ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾.</span>\n_________\n= المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩١ إلى أبي الشيخ.\n(^١) في م: \"تصديهم\"، وفى ف: \"قصده\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"والسيف\".","vol":"11","page":234},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: إن شرَّ ما دبَّ على الأرضِ عندَ اللهِ الذين كفَروا بربِّهم، فجحَدوا وَحْدانيتَه، وعبَدوا غيره، ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: فهم لا يُصَدِّقون رسلَ اللهِ، ولا يُقرُّون بوحيِه وتنزيلِه.\n\n<span id=\"aya-1216\"></span><span data-type='title' id=toc-3757>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ يا محمدُ، يقولُ: أخَذْتَ عهودَهم ومَواثيقِهم أن لا يُحاربوك، ولا يُظاهِروا عليك محاربًا لك، كقُرَيظةَ ونُظِرائهم ممَّن كان بينَك وبينَهم عهدٌ وعقدٌ، ثم ينقُضون عهودَهم ومَواثيقَهم، كلما عاهَدوا دافعَوك (^١) وحارَبوك وظاهَروا عليك، وهم لا يَتَّقُون الله، ولا يَخافون في فعلِهم ذلك أن يُوقِعَ بهم وَقْعةً تَجْتاحُهم وتهلِكُهم.\nكالذي حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾. قال: قريظةُ مالَئوا على محمدٍ يومَ الخندق أعداءَه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\n\n<span id=\"aya-1217\"></span><span data-type='title' id=toc-3758>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ</span>\n_________\n(^١) في ص: \"وانصوك\" غير منقوطة وفى ت ١: \"وافقوك\". وفى ف: \"فقول\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٥٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩١ إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"11","page":235},{"text":"يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فإما تَلْقَيَنَّ في الحربِ هؤلاء الذين عاهَدْتهم، فنقضُوا عهدَك مرةً بعد مرة مِن قُرَيظَةَ فتَأْسِرْهم، ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: فافْعَلْ بهم فعلًا يكونُ مُشَرِّدًا مِن خلفَهُم مِن نظرائهم ممَّن بينَك وبينَه عهدٌ وعقدٌ.\nوالتشريدُ: التطريدُ والتبديدُ والتفريقُ.\nوإنما أُمِر بذلك نبيُّ اللهِ ﷺ أن يَفْعَلَ بالناقضِ العهد بينَه وبينَهم، إذا قدَر عليهم، فعلًا يكونُ إخافةً لمن وراءَهم ممن كان بينَ رسولِ اللهِ ﷺ وبينَه عهدٌ، حتى لا يَجْتَرِئوا على مثل الذي اجْتَرَأ عليه هؤلاء الذين وصَف اللهُ صفتَهم في هذه الآية مِن نقضِ العهدِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3759>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ يعني: نكِّلْ بهم مِن بعدَهم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: نكِّلْ بهم مَن وراءَهم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٠ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩١ إلى المصنف.","vol":"11","page":236},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: عِظْ بهم مَن سِواهم مِن الناسِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: نَكِّلْ بهم مَن خلفهم، مِن بعدهم مِن العدوِّ، لعلهم يَحْذَرون أن يَنْكُثوا، فتَصْنَعَ بهم مثلَ ذلك (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾. قال: أنْذِرْ بهم مَن خلفَهم (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: نكِّلْ بهم مَن خَلفَهم؛ مَن بعدهم. قال ابن جُريجٍ: قال عبد الله بن كثيرٍ: نَكِّلْ بهم مِن وراءَهم.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. أي: نكِّلْ بهم مَن وراءَهم لعلهم يَعْقِلُون (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٩، ١٧٢٠ من طريق يزيد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٩، ١٧٢٠ من طريق أسباط به مفرقا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٩ من طريق محمد بن الأعلى به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦١ عن معمر به.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٠ من طريق ابن إدريس عن ابن إسحاق به.","vol":"11","page":237},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ بنَ مُزاحم يقولُ في قوله: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: نكِّلْ بهم مِن بعدَهم (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾. قال: أخِفْهم بما تَصْنَعُ بهؤلاء. وقرَأ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].\nوأما قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. فإن معناه: كي يَتَّعِظوا بما فعَلْتَ بهؤلاء الذين وصَفْتُ صفتَهم، فيَحْذَروا نقضَ العهدِ الذي بينَك وبينَهم؛ خوفَ أَن يَنْزِلَ منك ما نزَل بهؤلاء إذا هم نقَضوه.\n\n<span id=\"aya-1218\"></span><span data-type='title' id=toc-3760>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإما تخافنَّ يا محمدُ مِن عدوٍّ لك، بينَك وبينَه عهدٌ وعقدٌ، أَن يَنْكُثَ عهدَه ويَنْقُضَ عقدَه ويَغْدِرَ بك، وذلك هو الخيانةُ والغدرُ، ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾. يقولُ: فناجِزْهم بالحربِ، وأعْلِمْهم قبلَ (^٢) حربِك إياهم أنك قد فسَخْتَ (^٣) العهدَ بينَك وبينَهم بما كان منهم؛ مِن ظهورِ أمارِ (^٤) الغدرِ والخيانةِ منهم، حتى تَصِيرَ أنت وهم على سَواءٍ في (^٥) العلمِ بأنك لهم محاربٌ، فيَأْخُذوا للحربِ آلتَها، وتَبْرَأَ مِن الغدرِ. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾: الغادرين\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٠ معلقا، وابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٢.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"مثل\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، س: \"نسخت\".\n(^٤) في م، ف: \"آثار\". وأمار: قيل: هي العلامة. وقيل: جمع أمارة، وهى العلامة أيضًا. ينظر التاج (أ م ر).\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"من\".","vol":"11","page":238},{"text":"بمَن كان منه في أمانٍ وعهدٍ بينَه وبينَه أن يَغْدِرَ به، فيُحارِبَه قبلَ إعلامِه إياه أنه له حربٌ، وأنه قد فاسَخه العقدَ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف يَجوزُ نقضُ العهدِ بخوفِ الخيانةِ، والخوفُ ظنٌّ لا يقينٌ؟\nقيل: إن الأمرَ بخلافِ ما إليه ذهبْتَ، وإنما معناه: إذا ظهَرَت أمارُ (^١) الخيانةِ مِن عدوِّكِ، وخِفْتَ وقوعَهم بك، فألْقِ إليهم مقاليدَ السَّلْمِ، وآذِنْهم بالحربِ، وذلك كالذي كان مِن بنى قُريظةَ، إذ أجابوا أبا سفيانَ ومَن معه مِن المشركين إلى مظاهرتِهم على رسولِ اللَّهِ ﷺ، ومحاربتِهم معه بعدَ العهدِ الذي كانوا عاهَدوا رسولَ اللَّهِ ﷺ على المُسالَمةِ، ولن يُقاتِلوا رسولَ اللَّهِ ﷺ، فكانت إجابتُهم إياه إلى اللَّهِ ذلك مُوجِبًا لرسولِ اللَّهِ ﷺ خوفَ الغدرِ به وبأصحابِه منهم، فكذلك حكمُ كلَّ قومٍ أهلِ مُوادَعةٍ للمؤمنين، ظهَر لإمامِ المسلمين منهم مِن دلائلِ الغدرِ مثلُ الذي ظهَر لرسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه مِن قريظةَ منها، فحقٌّ على إمامِ المسلمين أن يَنْبِذَ إليهم على سَواءٍ، ويُؤْذِنَهم بالحربِ.\nومعنى قوله: ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾. أي: حتى يَسْتَوى علمُك وعلمُهم بأن كلَّ فريقٍ منكم حربٌ لصاحبِه لا سِلْمٌ.\nوقيل: نزَلَت الآيةُ في قريظةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3761>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾. قال: قريظةَ (^٢).\n_________\n(^١) في ت ١، م، س، ف: \"آثار\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٥٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢١ من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩١ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":239},{"text":"وقد قال بعضُهم: السَّواءُ في هذا الموضعِ المَهَلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3762>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: إنه مما تبَيَّن لنا أن قولَه: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾. أنه على مَهَلٍ؛ كما حدَّثنا بكيرٌ، عن مُقاتِلِ بن حَيَّانَ في قولِ اللَّهِ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ١، ٢].\nوأما أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ، فإنهم في معناه مُخْتَلِفون، فكان بعضُهم يقولُ: معناه: فانْبِذْ إليهم على عَدْلٍ. يعنى: حتى يَعْتَدِلَ علمُك وعلمُهم بما عليه بعضُكم لبعضٍ مِن المحاربةِ، واسْتَشْهَدوا لقولِهم ذلك بقولِ الراجزِ (^١):\nواضْرِبْ وُجوهَ الغُدُرِ الأعْداءِ\nحتى يُجِيبُوك إلى السَّواءِ\nيعني: إلى العدلِ.\nوكان آخرون يقولون: معناه الوسَطُ. مِن قول حسَّانَ (^٢):\nيا وَيْحَ أنصارِ الرسولِ ورَهْطِه … بعدَ المغيَّبِ في سَواءِ المُلْحَدِ\nبمعنى: في وسَطِ المُلْحَدِ (^٣).\nوكذلك هذه المعانى مُتَقارِبةٌ؛ لأن العَدْلَ وسَطٌ لا يَعْلُو فوق الحقِّ،\n_________\n(^١) التبيان ٥/ ١٤٥.\n(^٢) تقدم في ٢/ ٤١٦.\n(^٣) في م: \"اللحد\".","vol":"11","page":240},{"text":"ولا يَقْصُرُ عنه، وكذلك الوسَطُ عَدْلٌ، وكذلك الوسَطُ عَدْلٌ، واسْتواءُ علمِ (^١) الفريقين فيما عليه بعضُهم لبعضٍ بعدَ (^٢) المُهادَنةِ، عدلٌ مِن الفعلِ ووسَطٌ، وأما الذي قاله الوليدُ بنُ مسلمٍ مِن أن معناه المَهَلُ، فما لا أَعْلَمُ له وجهًا في كلامِ العربِ.\n\n<span id=\"aya-1219\"></span><span data-type='title' id=toc-3763>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩)﴾.</span>\nاخْتَلَفَت القرَأَةُ في قراءة ذلك؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: (ولا تَحْسَبَنَّ الذين كَفَروا سَبَقُوا إنهم). بكسرِ الألف من \"إنهم\" وبالتاءِ في: \"تحسبن\"، بمعنى: ولا تَحْسَبَنَّ يا محمدُ الذين كفَروا سبَقونا، ففاتونا بأنفسِهم، ثم ابْتُدِئ الخبرُ عن قدرةِ اللَّهِ عليهم، فقيل: إن هؤلاء الكفَرةَ لا يُعْجِزون ربَّهم إذا طلَبَهم وأراد تعذيبَهم وإهلاكَهم بأنفسِهم، فيَفُوتوه بها.\nوقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالياءِ في \"يَحْسَبَنَّ\"، وكسرِ الألفِ من ﴿إِنَّهُمْ﴾ (^٣). وهي قراءةٌ غيرُ حميدةٍ لمعنيين؛ أحدُهما: خروجُها (^٤) مِن قراءةِ القرأةِ وشذوذُها عنها، والآخرُ: بُعْدُها مِن فصيحِ كلامِ العربِ، وذلك أن \"يَحْسَبُ\": يَطْلُبُ في كلامِ العربِ منصوبًا وخَبَرَه كقولِه: عبدُ (^٥) اللَّهِ يَحْسَبُ (^٦) أخاك قائمًا ويقومُ وقام. فقارئُ هذه القراءةِ أَصْحَبَ\n_________\n(^١) سقط من: م. وفى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"على\". والصواب ما أثبتناه.\n(^٢) في م: \"بعض\".\n(^٣) القراءة بالتاء هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي. والقراءة بالياء هي قراءة ابن عامر وحمزة، وعاصم في رواية حفص، إلا أن ابن عامر قرأ بفتح الهمزة من \"أنهم\". السبعة لابن مجاهد ص ٣٠٧، والتيسير لأبي عمرو ص ٩٦.\n(^٤) في م: \"خروجهما\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عند\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"تحتسب\".","vol":"11","page":241},{"text":"\"يَحْسَبُ\" خبرًا الغير مُخبَرٍ عنه مذكورٍ، وإنما كان مراده - ظنِّي (^١) -: ولا يَحْسَبَنَّ الذين كفَروا سبَقوا إنهم لا يُعْجِزوننا، فلم يُفَكِّرْ في صوابِ مَخْرَجِ الكلامِ وسُقْمِه، واسْتَعْمَل في قراءتِه ذلك كذلك ما ظهَر له مِن مفهومِ الكلامِ، وأحْسَبُ أن الذي دعاه إلى ذلك الاعتبارُ بقراءةِ عبدِ اللَّهِ، وذلك أنه فيما ذُكر في مصحفِ عبدِ اللَّهِ: (ولا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا أنهم سبقوا إنهم لا يعجزون) (^٢). وهذا فصيحٌ صحيحٌ إذا أُدْخِلَت \"أنهم\" في الكلامِ؛ لأن \"يَحْسَبَنَّ\" عاملةٌ في \"أنهم\". وإذا لم يَكُنْ في الكلام \"أنهم\" كانت خاليةً من اسمٍ تَعْمَلُ فيه.\nوللذى قرَأ (^٣) ذلك مِن القرأةِ وجهانِ في كلامِ العربِ، وإن كانا بعيدَيْن مِن فصيحِ كلامِهم؛ أحدُهما: أن يَكونَ أُرِيدَ به: ولا يَحْسَبَنَّ الذين كفَروا أن سبَقوا، أو أنهم سبَقوا. ثم حذَف \"أن وأنهم\"، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤]. بمعنى: أن يُرِيَكم. وقد يُنْشَدُّ في نحوِ ذلك بيتٌ لذي الرُّمَّةِ (^٤):\nأَظَنَّ (^٥) ابن طُرْثُوثٍ عُتَيْبَةُ (^٦) ذاهبًا … بعادِيَّتِي (^٧) تَكْذابه وجَعَائِلهْ (^٨)\nبمعنى: أَظَنَّ ابْنُ طُرْثُوثٍ أَن يَذْهَبَ بِعادِيَّتى تكذابه وجَعائِلُه؟ وكذلك قراءةُ\n_________\n(^١) في م: \"بطى\". والمراد: في ظنى.\n(^٢) الذي في كتاب المصاحف لابن أبي داود أن قراءة عبد الله: (ولا يحسب الذين كفروا سبقوا). المصاحف ص ٦٢، وينظر البحر المحيط ٤/ ٥١٠.\n(^٣) بعده في م: \"من\".\n(^٤) ديوان ذي الرمة ص ٢/ ١٢٦٤.\n(^٥) في ديوانه: \"لعل\".\n(^٦) في النسخ: \"عيينة\". والمثبت من مصدر التخريج. وينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٤١٥.\n(^٧) العادية: البئر القديمة. وهى بئر اختصموا فيها. ينظر الديوان ٢/ ١٢٦٤، واللسان (ع ود)\n(^٨) جعائله: ما جعَل للسلطان ورشاد. الديوان ٢/ ١٢٦٤.","vol":"11","page":242},{"text":"مَن قرَأ ذلك بالياء، يُوَجِّهُ \"سبقوا\" إلى \"سابقين\" على هذا [المعنى.\nوالوجهُ الثاني: على أنه أراد إضْمارَ منصوبٍ بـ \"يحسب\" كأنه قال: ولا يَحْسَبُ الذين كفَروا أنهم سبَقوا. ثم حذَف \"أنهم\" (^١) وأضْمَرَ.\nوقد وجَّه بعضُهم معنى قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. إنما ذلكم الشيطانُ يُخَوِّفُ المؤمنَ مِن أوليائه، وأن ذِكْرَ المؤمنِ مُضْمَرٌ في قوله: ﴿يُخَوِّفُ﴾. إذ كان الشيطانُ عنده لا يُخَوِّفُ أولياءه.\nوقرَأ ذلك بعضُ أهل الشام: (ولا تَحْسَبَنَّ الذين كفروا) بالتاءِ مِن \"تحسين\"، (سبَقوا أنهم لا يُعْجِزون) بفتحِ الألفِ مِن \"أنهم\" (^٢)، بمعنى: ولا تَحْسَبَنَّ الذين كفَروا أنهم لا يُعْجِزون.\nولا وجهَ لهذه القراءةِ يُعْقَلُ إلا أن يَكونَ أراد القارئ بـ \"لا\" التي في ﴿يُعْجِزُونَ﴾ \"لا\" التي تَدْخُلُ في الكلامِ حَشْوًا وصِلَةً، فيكونَ معنى الكلامِ حينئذٍ: ولا تَحْسَبَنَّ الذين كفروا سبَقوا أنهم يُعْجِزون (^٣). ولا وجهَ لتوجيهِ حرفٍ في كتابِ اللَّهِ إلى التطويلِ بغيرِ حُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها، وله في الصحةِ مَخْرَجٌ.\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندى قراءةُ مَن قرَأ: (ولا تَحْسَبَنَّ) بالتاء، (الذين كفَروا سبَقوا إنهم) بكسر الألف مِن ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾. بمعنى: ولا تَحْسَبَنَّ أنت يا محمدُ الذين جحَدوا حججَ اللَّهِ، وكذَّبوا بها سبَقونا بأنفسِهم] (^٤)،\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الهمز\"، والصواب ما أثبتناه، وينظر تفسير الطبري بتحقيق الشيخ شاكر.\n(^٢) هذه قراءة ابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٣٠٨، والكشف ١٢/ ٤٩٤، والتيسير ص ٩٦.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"لا يعجزون\".\n(^٤) سقط من: ص.","vol":"11","page":243},{"text":"[ففاتونا، إنهم لا يُعْجِزوننا أي: يَفُوتوننا بأنفسِهم، ولا يَقْدِرون على الهربِ منا.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: (وَلَا تَحْسَبَن الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنهُمْ لا يُعْجِزُون). يقولُ: لا يَفُوتون (^١).\n\n<span id=\"aya-1220\"></span><span data-type='title' id=toc-3765>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ﴿وَأَعِدُّوا﴾ لهؤلاء الذين كفروا بربِّهم الذين بينَكم] (^٢) وبينَهم عهدٌ (^٣)، إذا خِفْتُم خيانتَهم وغدرَهم أيُّها المؤمنون باللَّهِ ورسولِه، ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. يقولُ: ما أَطَقْتُم أن تَعُدُّوه لهم مِن الآلاتِ التي تكونُ قوةً لكم عليهم مِن السلاحِ والخيلِ، ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. يقولُ: تُخِيفون بإعدادِكم ذلك عدوَّ اللَّهِ وعدوَّكم مِن المشركين.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3764>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا [ابن إدريسَ] (^٤)، قال: سمِعْتُ أسامةَ بنَ زيدٍ، عن صالحِ بن كَيْسانَ، عن رجلٍ مِن جُهَيْنةَ يَرْفَعُ الحديثَ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾: \"ألا إن الرمْىَ هو القوةُ، ألا إن الرمْىَ هو القوةُ\".\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢١ من طريق أسباط به.\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) في النسخ: \"أبو إدريس\". والصواب ما أثبتناه. وتقدم هذا الإسناد كثيرًا.","vol":"11","page":244},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا سعيدُ بن شُرَحْبِيلَ، قال: ثنا ابن لهيعةَ، عن يزيدَ بن أبي حَبيبٍ وعبدِ الكريمِ بن الحارثِ، عن أبي عليٍّ الهَمْدانيِّ، أنه سمع عقبةَ بنَ عامرٍ على المنبرِ يقولُ: قال اللَّهُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾. ألا وإنى سمِعْتُ رسول اللَّهِ ﷺ يقولُ على المنبرِ: \"قال اللَّهُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوةَ الرميُ، ألا إن القوةَ الرميُ\". ثلاثًا (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا محبوبٌ وجعفرُ بنُ عَوْنٍ ووكيعٌ وأبو أسامةَ وأبو نُعَيْمٍ، عن أسامةَ بن زيدٍ، عن صالحِ بن كَيْسانَ، عن رجلٍ، عن عقبةَ بن عامرٍ الجُهَنيِّ، قال: قرَأ رسولُ اللَّهِ ﷺ على المنبرِ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾. فقال: \"ألَا إن القوةَ الرميُ، ألا إن القوةَ الرميُ\". ثلاثَ مراتٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أسامةَ بن زيدٍ، عن صالحِ بن كَيْسانَ، عن رجلٍ، عن عقبةَ بن عامرٍ، أن النبيَّ ﷺ اقرأ هذه الآيةَ على المنبرِ، فذكرَ نحوَه.\nحدَّثنا أحمدَ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا أسامةُ بنُ زيدٍ، عن صالحِ بن كيسانَ، عن عقبةَ بن عامرٍ، عن، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عُبيدةَ، عن أخيه محمدِ بن عُبيدة، عن أخيه عبدِ اللَّهِ بن عُبيدةَ، عن عقبةَ بن عامرٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٤٤٨)، وأحمد ٢٨/ ٦٤٢ (١٧٤٣٢)، ومسلم (١٩١٨)، وأبو داود (٢٥١٤)، وابن ماجه (٢٨١٣)، وأبو يعلى (١٧٤٣)، وأبو عوانة (٧٤٨٨ - ٧٤٩٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٢، وابن حبان (٤٧٠٩)، والطبراني ١٧/ ٩١١ (١٦٢٢٥)، والبيهقى ١٠/ ١٣ طريق أبى على ثمامة بن شفى به.\n(^٢) أخرجه الترمذى (٣٠٨٣) من طريق وكيع.\n(^٣) أخرجه سفيان الثورى في تفسيره ص ١٢٠ عن أسامة به.","vol":"11","page":245},{"text":"النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾: \"ألا إن القوةَ الرميُ\" (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن شعبةَ بن دينارٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. قال: الحصونِ، ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾. قال: الإناثِ (^٢).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن رجاءِ بن أبي سلمةَ، قال: لقِى رجلٌ مجاهدًا بمكةَ، ومع مجاهدٍ جُوَالِقٌ (^٣)، قال: فقال مجاهدٌ: هذا القوةِ. ومجاهدٌ يَتَجَهَّزُ للغزوِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾: مِن سلاحٍ (^٥).\nوأما قوله: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. فقال ابن وكيعٍ: حدَّثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن عثمانَ بن المغيرةِ الثَّقَفيِّ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. قال: تُخْزُون به عدوَّ اللَّهِ وعدوَّكم (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق بن إبراهيم القراب في الرمي (١١) من طريق موسى ابن عبيدة به، وينظر علل ابن أبي حاتم (١٦٩٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٢٠، ومن طريقه البيهقى في الشعب (٤٣٠٧). وأخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٤٨٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٢٢ من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩٢ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) الجوالق: وعاء كبير منسوج من صوف أو شعر. وهو الذي يسميه العامة \"شوال\". ينظر المعرب للجواليقي ص ١٥٨.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٢ عن علي بن سهل به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٧٢ من طريق أسباط به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٣ من طريق وكيع به.","vol":"11","page":246},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عثمانَ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيْفٍ، عن عكرمة وسعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. قال: تُخْزُون به عدوَّ اللَّهِ وعدوَّكم، وكذا كان يقرؤها (^١): (تُخْزُونَ) (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عثمانَ بن المغيرةِ وخُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ تُخْزُون به.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيْفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nيقالُ منه: أَرْهَبْتُ العدوَّ ورهَّبْتُه، فأنا أُرْهِبُه [وأُرَهْبُه] (^٣) إِرْهابًا وتَرْهيبًا (^٤)، وهو الرَّهَبُ والرُّهْبُ، ومنه قولُ طُفَيْلٍ الغَنَويِّ (^٥):\nوَيْلُ أُمِّ حَيٍّ دَفَعْتُم فِي نُحورِهمُ … بني كِلابٍ غَداةَ الرُّعْبِ والرَّهَبِ\n\n<span data-type='title' id=toc-3766>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في هؤلاء الآخرين مَن هم وما هم؟ فقال بعضُهم: هم بنو قُريظةَ.\n_________\n(^١) في م: \"يقرأ بها\".\n(^٢) في النسخ: \"ترهبون\" وما أثبتناه هو الصواب، وقراءة (تخزون) قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف، وينظر الكشاف ٢/ ١٦٦ والبحر المحيط ٤/ ٥١٢.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س: \"وأرهبته\".\n(^٥) ديوانه ص ٩٦.","vol":"11","page":247},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3767>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾. يعنى: مِن بني قُرَيظةَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾. قال: قريظةَ.\nوقال آخرون: مِن فارسَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3768>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدَ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾: هؤلاء أهلُ فارسَ (^٢).\nوقال آخرون: هم كلُّ عدوٍّ للمسلمين غيرِ الذي أُمِر النبيُّ ﷺ أن يُشَرِّدَ بهم مَن خلفَهم، قالوا: وهم المنافقون.\n\n<span data-type='title' id=toc-3769>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾. قال: أخِفْهم بهم لما تَصْنَعُ بهؤلاء. وقرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٥٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٣، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٣٤٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩٨ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٤ من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٠ من طريق أصبغ عن ابن زيد.","vol":"11","page":248},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾. قال: هؤلاء المنافقون لا تَعْلَمونهم؛ لأنهم معكم يقولون: لا إلهَ إلا اللَّهُ، ويَغْرُون معكم.\nوقال آخرون: هم قومٌ مِن الجنِّ.\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ أمَر المؤمنين بإعدادِ الجهادِ وآلةِ الحربِ وما يَتَقَوَّون به على جهادِ عدوِّه وعدوِّهم مِن المشركين مِن السلاحِ والرمِي وغيرِ ذلك ورباطِ الخيلِ، ولا وجهَ لأن يقالَ: عُنِى بالقوةِ معنًى دونَ معنًى مِن معاني القوةِ، وقد عمَّ اللَّهُ الأمرَ بها.\nفإن قال قائلٌ: فإن رسولَ اللَّهِ ﷺ قد بيَّن أن ذلك مرادٌ به الخصوصُ بقولِه: \"ألا إن القوةَ الرميُ\"؟\nقيل له: إن الخبرَ، وإن كان قد جاء بذلك فليس في الخبرِ ما يَدلُّ على أنه مرادٌ بها الرميُ خاصةً دونَ سائرِ معاني القوةِ عليهم، فإن (^١) الرميَ أحدُ معاني القوةِ؛ لأنه إنما قيل في الخبرِ: \"ألا إن القوةَ الرمىُ\". ولم يُقَلْ: دونَ غيرِها. ومن القوةِ أيضًا السيفُ والرمحُ والحربةُ، وكلُّ ما كان مَعونةً على قتالِ المشركين، كمعونةِ الرميِ أو أبْلَغَ مِن الرميِ فيهم وفى النِّكايةِ منهم، هذا مع وَهَاءِ سندِ الخبرِ بذلك عن رسولِ اللَّهِ ﷺ (^٢).\nوأما قولُه: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾. فإن قولَ مَن قال: عُنِى به الجنُّ. أقربُ وأشبهُ بالصوابِ؛ لأنه جلَّ ثناؤُه قد أدْخَل بقولِه: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. الأمرَ بارتباطِ الخيلِ لإرهابِ كلِّ عدوٍّ\n_________\n(^١) بعده في ص، ف: \"كان\".\n(^٢) أخرجه أحمد ٢٨/ ٦٤٢ (١٧٤٣٢)، ومسلم (١٩١٨) وغيرهما من حديث عقبة بن عامر بهذا اللفظ، ولعل المصنف قصد الرواية الأخرى وهى: \"ألا إن الرمي هو القوة\".","vol":"11","page":249},{"text":"للَّهِ وللمؤمنين يَعْلَمونهم، ولا شكَّ أن المؤمنين كانوا عالمِين بعَداوةِ قريظةَ وفارسَ لهم؛ لعلمِهم بأنهم مشركون، وأنهم لهم حربٌ، ولا معنى لأن يقالَ: وهم يَعْلَمونهم لهم أعداءً ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾، ولكن معنى ذلك - إن شاء اللَّهُ - تُرْهِبون بارْتِباطِكم أيُّها المؤمنون الخيلَ عدوَّ اللَّهِ وأعداءَكم مِن بني آدمَ، الذين قد علِمْتُم عداوتَهم لكم لكفرِهم باللَّهِ ورسولِه، وتُرْهِبون بذلك جنسًا آخرَ مِن غيرِ بني آدمَ، لا تَعْلَمون أماكنَهم وأحوالَهم اللَّهُ يَعْلَمُهم دونَكم؛ لأن بني آدمَ لا يَرَوْنهم. وقيل: إن صهيلَ الخيلِ يُرْهِبُ الجنَّ، وإن الجنَّ لا تَقْرَبُ دارًا فيها فرسٌ.\nفإن قال قائلٌ: فإن المؤمنين كانوا لا يَعْلَمون ما عليه المنافقون، فما تُنْكِرُ أن يكونَ عُنِى بذلك المنافقون؟ قيل: فإن المنافقين لم يَكُنْ تَرُوعهم خيلُ المسلمين ولا سلاحُهم، وإنما كان يَرُوعهم أن يَظْهَرَ المسلمون على سرائرِهم التي كانوا يَسْتَسِرُّون من الكفر، وإنما أُمِر المؤمنون بإعدادِ القوةِ لإرهابِ العدوِّ، فأَما مَن لم يُرْهِبه ذلك، فغيرُ داخلٍ في معنى مَن أُمِر بإعدادِ ذلك له المؤمنون، وقيل: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾. فاكْتُفِى للعلمِ بمنصوبٍ واحدٍ في هذا الموضعِ؛ لأنه أُرِيد لا تَعْرِفونهم، كما قال الشاعرُ (^١):\nفإن اللَّهَ يَعْلَمُنى ووَهْبًا … وأنَّا سَوفَ يَلْقَاهُ كِلانا\n\n<span data-type='title' id=toc-3770>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وما أَنْفَقْتُم أيُّها المؤمنون مِن نفقةٍ في شراءِ آلةِ حربٍ مِن سلاحٍ أو حِرابٍ (^٢)، أو كُرَاعٍ، أو غيرِ ذلك من النفقاتِ في جهادِ أعداءِ اللَّهِ مِن\n_________\n(^١) هو النمر بن تولب، والبيت في ديوانه (مجموع) ص ١٢٢.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"حرب\". والحراب: جمع حربة، وهى آلة من آلات الحرب دون =","vol":"11","page":250},{"text":"المشركينَ يُخْلِفْه اللَّهُ عليكم في الدنيا، ويَدَّخِرْ لكم أُجورَكم على ذلك عندَه، حتى يُوَفِّيَكموها يومَ القيامة، ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾. يقولُ: يَفْعَلُ ذلك بكم ربُّكم، فلا يُضِيعُ أجورَكم عليه.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3771>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾. أي: لا يَضِيعُ لكم عندَ اللَّهِ أجرُه في الآخرةِ، وعاجلُ خَلَفِه في الدنيا (^١).\n\n<span id=\"aya-1221\"></span><span data-type='title' id=toc-3772>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وإما تخافَنَّ مِن قومٍ خِيانَةً وغدرًا، فانْبِذْ إليهم على سواءٍ، وآذِنْهم بالحربِ، ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾: وإن مالوا إلى مسالمَتِك، ومُتارَكتِك الحربَ، إما بالدخولِ في الإسلامِ، وإما بإعطاءِ الجزيةِ، وإما بموادَعَةٍ، ونحوِ ذلك من أسبابِ السَّلْمِ والصلحِ، ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾، يقولُ: فمِلْ إليها، وابْذُل لهم ما مالوا إليه مِن ذلك وسألوكه.\nيقالُ منه منه: جنَح الرجلُ إلى كذا يَجْنَحُ إليه جُنوحًا، وهى لتَميمٍ، وقيسٍ فيما ذُكِر عنها تقولُ: يَجْنُحُ، بضمِّ النونِ. وآخرون: يقولون: يَجْنِحُ بكسرِ النونِ، وذلك إذا مال. ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (^٢):\n_________\n= الرمح. التاج (ح ر ب).\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٤ من طريق سلمة به.\n(^٢) ديوانه ص ٥٧.","vol":"11","page":251},{"text":"جَوانِحَ قَدْ أَيْقَنَّ أَن قَبِيلَه … إذا ما الْتَقَى الجَمْعَانِ أولُ غالِبِ\nجوانحُ: مَوائلُ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3773>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾. قال: للصلحِ، ونسَخها قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^١) [التوبة: ٥].\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾: إلى الصلحِ، ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾. قال: وكانت هذه قبلَ \"براءة\"؛ كان نبيُّ اللَّهِ ﷺ يُوادِعُ القومَ إلى أجلٍ، فإما أن يُسْلِموا، وإما أن يُقاتِلَهم (^٢)، ثم نُسِخ ذلك بعدُ في \"براءة\"، فقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. وقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. ونبَذَ (^٣) إلى كلِّ ذى عهدٍ عهدَه (^٤)، وأمَره (^٥) بقتالِهم، حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّهُ، ويُسْلِموا، وأن لا يَقْبَل منهم إلا ذلك، وكلُّ عهدٍ كان في هذه السورةِ وفي غيرِها، وكلُّ صلحٍ يُصالِحُ به\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦١، ومن طريقه النحاس في ناسخه ص ٤٦٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في م: \"يقاتلوا\".\n(^٣) في ص، ت ٢، س، ف: \"نبذوا\".\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"في براءة\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أمرهم\".","vol":"11","page":252},{"text":"المسلمون المشركين يَتَوادَعون به (^١)، فإن \"براءةَ\" جاءَت بنسخِ ذلك، فأُمِر بقتالِهم على كلِّ حالٍ حتى يقولوا: لا إلهَ إلا اللَّهُ.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ (^٢)، عن يزيدَ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾: نسَخَتها الآيةُ التي في \"براءةَ\"؛ قولُه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، إلى قولِه: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (^٣) [التوبة: ٢٩].\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾. يقولُ: وإن أرادوا الصلحَ فأرِدْه (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾، أي: إن دعَوْك إلى السَّلْمِ، إلى الإسلامِ، فصالِحْهم عليه (^٥).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾. قال: فصالِحْهم، قال: وهذا قد نسَخَه الجهادُ (^٦).\nفأما ما قاله قتادةُ ومَن قال مثلَ قولِه مِن أن هذه الآيةَ منسوخةٌ، فقولٌ لا دَلالةَ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في النسخ: \"الحسن\". وتقدم هذا الإسناد كثيرا.\n(^٣) أخرجه ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٣٤٦ من طريق الحسين بن واقد عن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٥ من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٥) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٤.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٧.","vol":"11","page":253},{"text":"عليه مِن كتابٍ ولا سنةٍ ولا فِطْرةِ عقلٍ.\nوقد دلَّلْنا في غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا وغيرِه، على أن الناسخَ لا يكونُ إلا ما نفَى حكمَ المنسوخِ مِن كلِّ وجهٍ، فأما ما كان بخلافِ ذلك فغيرُ كائنٍ ناسخًا.\nوقولُ اللَّهِ في \"براءةَ\": ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. غيرُ نافٍ حكمُه حكمَ قولِه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾؛ لأن قولَه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾. إنما عُنِى به بنو قريظةَ، وكانوا يهودًا أهلَ كتابٍ، وقد أذِن اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه للمؤمنين بصلحِ أهلِ الكتابِ، ومُتارَكتِهم الحربَ، على أخْذِ الجزيةِ منهم.\nوأما قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. فإنما عُنِى به مشركو العربِ مِن عَبَدة الأوثانِ الذين لا يَجوزُ قبولُ الجزيةِ منهم، فليس في إحدى الآيتين نفيُ حكمِ الأخرى، بل كلُّ واحدةٍ منهما مُحْكَمةٌ فيما أُنْزِلَت فيه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾. قال: قريظةُ (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: فوِّضْ إلى اللَّهِ يا محمدُ أمرَك، واسْتَكْفِه واثقًا به أنه يَكْفِيك.\nكالذي حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: إن الله كافيك (^٢).\nوقولُه: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. يعنى بذلك: إن اللَّهَ الذي تَتَوَكَّلُ عليه\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٥٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٤.","vol":"11","page":254},{"text":"سميعٌ لما تَقولُ أنت ومَن تُسالِمُه وتُتارِكُه الحربَ مِن أعداءِ اللَّهِ وأعدائِك، عندَ عقدِ السَّلْمِ بينَك وبينَه، وبشرطِ (^١) كلِّ فريقٍ منكم على صاحبِه مِن الشروطِ، و﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يُضْمِرُه كلُّ فريقٍ منكم للفريقِ الآخرِ مِن الوفاءِ بما عاقَدَه عليه، ومَن المُضْمِرُ ذلك منكم في قلبه، والمُنْطَوِى على خلافِه لصاحبِه (^٢).\n\n<span id=\"aya-1222\"></span><span data-type='title' id=toc-3775>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإن يُرِدْ يا محمدُ هؤلاء الذين أمَرْتُك بأن تَنْبِذَ إليهم على سَواءٍ، إن خِفْتَ منهم خيانةً، وبمُسالمَتِهم إن جنَحوا للسَّلْمِ - خَداعَك والمكرَ بك، ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾. يقولُ: فإن الله كافِيكهم وكافيك خداعَهم إياك؛ لأنه مُتَكَفِّلٌ بإظهارِ دينِك على الأديانِ، ومُتَضَمِّنٌ أَن يَجْعَلَ كلمتَه العليا وكلمةَ أعدائِه السُّفْلى، ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾. يقولُ: اللَّهُ الذي قوَّاك بنصرِه إياك على أعدائِه، ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾. يعنى: بالأنصارِ.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3774>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾. قال: قريظةُ (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"يشترط\"، وفى م، ت ١، س: \"يشرط\".\n(^٢) بعده في ت ١، س، ف: \"لا رب غيره ولا معبود سواه\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٦ من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"11","page":255},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾: هو مِن وراءِ ذلك (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾. قال: بالأنصارِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1223\"></span><span data-type='title' id=toc-3776>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾.</span>\nيُريدُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾: وجمعَ بينَ قلوبِ المؤمنين مِن الأوسِ والخزرجِ، بعدَ التفرقِ والتَّشَتُّتِ، على دينِه الحقِّ، فصيَّرهم به جميعًا بعدَ أن كانوا أشْتاتًا، وإخْوانًا بعدَ أن كانوا أعداءً.\nوقوله: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: لو أنْفَقْتَ يا محمدُ ما في الأرضِ جميعًا من ذهبٍ ووَرِقٍ وعَرَضِ، ما جَمعْتَ أنت بينَ قلوبِهم بحِيَلِك، ولكنَّ اللَّهَ جَمعها على الهدى، فائْتَلَفَت (^٣) واجْتَمَعَت؛ تقوية مِن اللَّهِ لك وتأييدًا منه، ومعونةً على عدوِّك، يقولُ جلَّ ثناؤُه: والذي فعَل ذلك وسبَّبه لك، حتى (^٤) صاروا لك أعوانًا وأنصارًا ويدًا واحدةً على مَن بَغاك سُوءًا هو الذي إن رام عدوٌّ منك مرامًا يَكْفِيك كيدَه، ويَنْصُرُك عليه، فثِقْ به، وامْضِ لأمرِه، وتوَكَّلْ عليه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٦ من طريق سلمة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٦ من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٣) في ص، ف: \"فانقلبت\".\n(^٤) في ت ٢: \"حين\".","vol":"11","page":256},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3777>ذكر مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ قال: هؤلاء الأنصارُ ألَّف بينَ قلوبِهم مِن بعدِ حربٍ فيما كان بينَهم.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن بَشيرِ بن ثابتٍ - رجلٍ من الأنصارِ - أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾: يعنى: الأنصارَ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ على الهُدَى الذي بعَثك به إليهم، ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ بدينِه الذي جمَعهم عليه، يعني: الأوسَ والخزرجَ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن إبراهيمَ الخُوزيِّ (^٢)، عن الوليدِ بن أبى مُغيثٍ، عن مجاهدٍ قال: إذا الْتَقَى المسلمان فتصَافحا، غُفِر لهما. قال: قلتُ لمجاهدٍ: بمُصافحةٍ (^٣) يُغفَرُ لهما (^٤)؟ فقال مجاهدٌ: أما سمِعْتَه يقولُ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾؟ فقال الوليدُ لمجاهدٍ: أنت أعلمُ منى (^٥).\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٥.\n(^٢) في ص، ف: \"الحررى\"، وفى م، ت ١: \"الجزرى\"، وفى ت ٢: \"الحرزى\"، وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٥٦.\n(^٣) في ف: \"بمصافحتهم\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٩ عن المصنف.","vol":"11","page":257},{"text":"حدَّثنا عبدُ الكريمِ بنُ أبي عُميرٍ، قال: ثني الوليدُ، عن أبي عمرٍو، قال: ثنى عَبْدةُ بنُ أبي لُبابةَ، عن مجاهدٍ، ولقيتُه وأَخَذ بيدى، فقال: إذا تَراءَى المتحابَّانِ في اللَّهِ، فأَخَذ أحدُهما بيدِ صاحبِه وضحِك إليه، تحاتَّت خَطاياهما كما يَتَحاتُّ ورقُ الشجرِ، قال عَبْدةُ: فقلتُ له: إن هذا لَيسيرٌ (^١). قال: لا تَقُل ذلك، فإن اللَّهَ يقولُ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾. قال عَبْدةُ: فَعَرَفْتُ أنه أفقه مني (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: ثنا فُضَيْلُ بنُ غَزْوانَ، قال: أَتَيْتُ أبا إسحاقَ فسلَّمتُ عليه، فقلتُ: أَتَعْرِفُني؟ فقال فُضَيْلٌ: نعم، لولا الحياءُ منك لقبَّلتك. حدَّثني أبو الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: نزَلت هذه الآيةُ في المتحابِّين في اللَّهِ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن غُليةَ، قال: أخْبرَنا ابن عونٍ، عن عُميرِ (^٤) بن إسحاقَ، قال: كنا نَتَحَدَّثُ أن أولَ ما يُرْفَعُ مِن الناس - أو قال: عن الناسِ - الألفةُ (^٥).\n_________\n(^١) في ف: \"ليسر\".\n(^٢) أخرجه ابن وهب في جامعه ١/ ٢٤٠ (١٥٩) عن الأوزاعي به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٦٧، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٧، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٩٧ من طريق ابن مصرف عن مجاهد بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩٩ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦٣)، وابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان (١٤)، والبزار في البحر الزخار (٢٠٧٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٧، والحاكم ٢/ ٣٢٩ من طريق فضيل ابن غزوان به.\n(^٤) في ت ٢: \"عمرو\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٩ عن ابن عون به.","vol":"11","page":258},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سويدٍ، عن الأوزاعيِّ، قال ثنى عبدُة بنُ أبي لُبابةَ، عن مجاهدٍ، ثم ذكَر نحوَ حديثِ عبدِ الكريمِ عن الوليدِ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [أبو أسامةَ] (^١) وابنُ نُمَيْرٍ وَحَفصُ مِنْ غِيَاثٍ، عن فُضَيلِ بن غَزْوانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحْوصِ، قال: سمعتُ عبدَ اللَّهِ يقولُ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، قال: هم المُتَحابُّون في اللَّهِ (^٢).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ الذي ألَّفَ بينَ قلوبِ الأوسِ والخزرجِ بعدَ تَشَتُّتِ كلمتِها و(^٣) تَعادِيها، وجَعَلهم لك أنصارًا ﴿عَزِيزٌ﴾: لا يقْهَرُه شيءٌ، ولا يَرُدُّ قضاءَه رادٌّ، ولكنه يَنْفُذُ في خلقِه حكمُه. يقولُ: فعليه فتوكَّلْ، وبه فثِقْ، ﴿حَكِيمٌ﴾: في تَدْبيرِه خلقَه.\n\n<span id=\"aya-1224\"></span><span data-type='title' id=toc-3778>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا أيُّها النبيُّ حَسْبُك اللَّهُ، وحَسْبُ مَن اتَّبَعَك من المؤمنين اللَّهُ. يقولُ لهم جلّ ثناؤه: ناهِضوا عدوَّكم فإن اللَّهَ كافِيكم أمرَهم، ولا يَهُولَنَّكم كثرةُ عَددِهم وقلةُ عَددِكم، فإن اللَّهَ مُؤيِّدُكم بنَصرِه.\nوبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ت ١: \"أسامة\".\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٢١٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٧ من طريق حفص به.\n(^٣) في ص، ت ١، س، ف: \"أو\".","vol":"11","page":259},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3779>ذكر مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سفيانُ، عن شَوْذبٍ أبي (^١) معاذٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: حسبُك اللَّهُ، وحسبُ مَن اتَّبعك مِن المؤمنين اللَّهُ (^٢).\nحدَّثني أحمدُ بنُ عثمانَ بن حكيمٍ الأَوْدِيُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبرَنا سفيانُ، عن شَوْذَبٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: حسبُك اللَّهُ وحسبُ مَن معك (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، عن سفيانَ، عن شَوْذبٍ، عن عامر بنحوِه، إلا أنه قال: حسبُك اللَّهُ، وحسبُ من شَهِد معك.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، عن ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: يا أيُّها النبيُّ حسبُك اللَّهُ وحسبُ مَن اتَّبَعَك مِن المؤمنين، إن حسبَك أنت وهم اللَّهُ.\nفـ \"من\" من قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، على هذا التأويلِ الذي ذَكَرناه عن الشعبيِّ، نُصِبَ عطفًا على معنى الكافِ في قولِه: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾. لا على لفظِه؛ لأنها في محلِّ خفضٍ في الظاهرِ، وفي محلِ نصبٍ في المعنى؛ لأن\n_________\n(^١) في م: \"بن\". وفرق البخارى بين شوذب أبى معاذ، وشوذب الذي يروى عن الشعبي. ينظر التاريخ الكبير ٤/ ٢٦١، والجرح والتعديل ٤/ ٣٧٧، ٣٧٨.\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٢١، وأخرجه البخاري في تاريخه ٤/ ٢٦١ من طريق مؤمل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠٠ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٧ من طريق عبيد الله بن موسى به.","vol":"11","page":260},{"text":"معنى الكلامِ: يَكْفيك اللَّهُ ويَكْفِى مَن اتَّبعك مِن المؤمنين.\nوقد قال بعضُ أهلِ العربيةِ في \"مَن\": إنها في موضعِ رفعٍ على العطف على اسمِ اللَّهِ، كأنه قال: حَسْبُك اللَّهُ ومُتَّبعوك إلى جهادِ العدوِّ مِن المؤمنين، دونَ القاعِدين عنك منهم. واسْتشْهدَ على صحةِ قولهِ ذلك بقولهِ: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾.\n\n<span id=\"aya-1225\"></span><span data-type='title' id=toc-3780>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ يقول (^١): حُثَّ مُتَّبِعيك ومُصَدِّقيك على ما جئتهم به من الحقِّ؛ على قتالِ مَن أَدْبَرَ وتَوَلَّى عن الحقِّ مِن المشركين، ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾ رجلًا ﴿صَابِرُونَ﴾ عندَ لقاءِ العدوِّ، يَحْتَسِبون أنفسَهم ويَثْبُتون لعدوِّهم ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ من عدوِّهم ويَقْهَروهم، ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ﴾ عندَ ذلك ﴿يَغْلِبُوا﴾ منهم ﴿أَلْفًا﴾ - ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. يقولُ: مِن أجلِ أن المشركين قومٌ يُقاتلون على غيرِ رجاءِ ثوابٍ، ولا لطلبِ أجرٍ ولا احْتسابٍ؛ لأنهم لم يَفْقَهوا أن اللَّهَ مُوجِبٌ لمَن قاتَلَ احْتسابًا، وطلب موعودَ الله في المعادِ - ما وعَد المجاهدين في سبيلهِ، فهم لا يَثْبتُون إِذا صَدَقوا في اللقاءِ؛ خشيةَ أن يُقتلوا فتذهَبَ\n_________\n(^١) سقط من: م.","vol":"11","page":261},{"text":"دُنياهم.\n\n<span id=\"aya-1226\"></span>ثم خَفَّفَ تعالى ذكرُه عن المؤمنين إذ عَلِمَ ضَعْفَهم، فقال لهم: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾، يعنى: أن في الواحدِ منهم عن لقاءِ العشرةِ مِن عدوِّهم ضعفًا، ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ﴾ عندَ لقائِهم للثباتِ لهم ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ منهم، ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ منهم، ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يعنى: بتَخْليةِ اللَّهِ إيَّاهم لغَلَبَتِهم، ومَعونته إياهم، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ لعدوِّهم وعدوِّ اللَّهِ، احتسابًا في صَبْرِه، وطلبًا الجزيلِ الثوابِ مِن ربِّه، بالعَوْنِ منه له، والنصرِ عليه.\nوبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3781>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مُحَبَّبٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن لَيْثٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. قال: كان الواحدُ لعشرةٍ، ثم جُعِلَ الواحدُ باثْنين، لا ينبغى له أَن يَفِرَّ منهما (^١).\nحدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى، قال: ثنا أبي، قال: ثنا ابن جريجٍ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن ابن عباسٍ، قال: جُعِل على المسلمين على الرجلِ عشرةٌ مِن الكفارِ، فقال: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فخُفِّفَ ذلك عنهم، فجُعِلَ على الرجلِ رجلان. قال ابن عباسٍ: فما أحبُّ أن يعلمَ الناسُ تَخْفيفَ ذلك عنهم (^٢):\n_________\n(^١) تفسير الثوري ص ١٢١، ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦٢، وابن الجوزي في نواسخه ص ٣٥١.\n(^٢) أخرجه الشافعي في الأم ٤/ ٩٢، وعبد الرزاق في مصنفه (٩٥٢٥)، وسعيد بن منصور في سننه (١٠٠٠ - تفسير)، والبخاري (٤٦٥٢)، وابن الجارود (١٠٤٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٨، والطبراني (١١٢١١)، والبيهقي ٩/ ٧٦، وفي الشعب (٤٠٠١) من طريق عمرو بن دينار به.","vol":"11","page":262},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال محمدُ بنُ إسحاقَ، ثنى عبدُ اللَّهِ بن أبي نجيحٍ المكيُّ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عباسٍ، قال: لمَّا نَزَلت هذه الآيةُ، ثقُلَت على المسلمين، وأعْظَموا أن يُقاتِلَ عشرون مائتين، ومئةٌ ألفًا، فَخَفَّفَ اللَّهُ عنهم، فنَسَخها بالآيةِ الأخرى فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾. قال: وكانوا إذا كانوا على الشَّطْرِ من عدوِّهم لم يَنْبغِ لهم أن يَفِرُّوا منهم، وإن كانوا دونَ ذلك لم يَجِبْ عليهم أن يُقاتِلوا، وجازَ لهم أن يَتَحوَّزوا عنهم (^١).\nحدَّثني المثنى، قال ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، قال: كان لكلِّ رجلٍ مِن المسلمين عشرَةٌ، لا ينبغى له أن يَفِرَّ منهم، فكانوا كذلك حتى أنزلَ اللَّهُ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، فَعَبَّأ لكلِّ رجلٍ مِن المسلمين رجلين مِن المشركين، فنسَخ الأمرَ الأَوَّلَ. وقال مرَّةً أخرى في قولِه: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. فأمَر اللَّهُ الرجلَ مِن المؤمنين أن يُقاتِلَ عشرةً مِن الكفارِ، فَشَقَّ ذلك على المؤمنين، ورَحِمَهم اللَّهُ فقال: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ\n_________\n(^١) في ف: \"عليهم\". والحديث في سيرة بن هشام ١/ ٦٧٥، ٦٧٦، وأخرجه إسحاق بن راهويه - كما في الدر المنثور ٣/ ٢٠٠ - ومن طريقه الطبراني في الأوسط (٨١٠٧)، وابن مردويه - كما في الدر - ومن طريقه الضياء في المختاره (٤٨٩) - وابن حبان (٤٧٧٣)، والطبراني (١١٣٩٦) من طريق ابن إسحاق به، وأخرجه ابن المبارك في كتاب الجهاد (٢٣٥)، وسعيد بن منصور في سننه (١٠٠١ - تفسير)، والبيهقى ٩/ ٧٦ من طريق ابن أبي نجيح به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٨ من طريق عطاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"11","page":263},{"text":"يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. فأمرَ اللَّهُ الرجلَ مِن المؤمنين أن يُقاتِلَ رجلين مِن الكفار.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾، إلى قولِه: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾: وذلك أنه كان جعَل على كلِّ رجلٍ من المسلمين عشرةً من العدوِّ يُؤشِّبُهم - يعنى: يُغْرِيهم - بذلك، ليُوَطِّنوا أنفسَهم على الغزوِ (^١)، وأن اللَّهَ ناصِرُهم على العدوِّ، ولم يكنْ أمرًا عَزَمَه اللَّهُ عليهم ولا أوجَبَه، ولكن كان تَحْريضًا ووصيةً أمَرَ اللَّهُ بها نبيَّه، ثم خَفَّفَ عنهم فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾، فجَعَل على كلِّ رجلٍ رجلين بعدَ ذلك تخفيفًا؛ ليعلمَ المؤمنون أن اللَّهَ بهم رحيمٌ، فَتَوَكَّلوا على اللَّهِ، وصبَروا (^٢) وصَدَقوا (^٣). ولو كان عليهم واجبًا، كفَّروا (^٤) إذنْ: كلُّ (^٥) رجلٍ مِن المسلمين [نكَل] (^٦) عمن لَقِىَ مِن الكفار إذ (^٧) كانوا أكثرَ منهم فلم يُقاتِلوهم، فلا يَغُرَّنَّك قولُ رجالٍ، فإني قد سَمِعتُ رجالًا يقولون: إنه لا يَصلُحُ لرجلٍ من المسلمين أن يُقاتِلَ حتى يكونَ على كلِّ رجلٍ رجلان، وحتى يكونَ على كلِّ رجلين أربعةٌ، ثم بحسابِ ذلك، وزَعَموا أنهم يَعْصُون اللَّهَ إن قاتلوا حتى يَبْلُغوا عِدَّةَ ذلك، وأنه لا\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"العزو\"، وفي ت ١، س، ف: \"العدو\".\n(^٢) في م: \"اصبروا\".\n(^٣) في م: \"اصدقوا\".\n(^٤) في م: \"الغزو\".\n(^٥) بعده في م: \"بعد\".\n(^٦) زيادة يقتضيها السياق، وينظر تفسير الطبرى بتحقيق الشيخ شاكر ١٤/ ٥٣.\n(^٧) في ص، م، ت ١، س، ف: \"إذا\".","vol":"11","page":264},{"text":"حَرَج عليهم أن لا يُقاتِلوا حتى يَبْلُغوا عدَّةَ أن يكونَ على كلِّ رجلٍ رجلان، وعلى كلِّ رجلين أربعةٌ، وقد قال اللَّهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، وقال الله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤]، فهو التحريضُ الذي أنزلَ الله عليهم في \"الأنفال\"، فلا تعجزنَّ (^١)، قاتلْ (^٢)، قد سَقَطتَ بينَ ظَهْرَى أَناسٍ كما شاء اللَّهُ أن يكونوا.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ (^٣)، عن يزيدَ، عن عكرمةَ والحسنِ، قالا: قال في \"سورة الأنفال\": ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾، ثم نسَخ فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾، إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةً، عن عكرمةَ قولَه: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾. قال: واحدٌ من المسلمين وعَشَرةٌ من المشركين، ثم خَفَّفَ عنهم، فجعَل عليهم أن لا يَفِرَّ رجلٌ مِن رجلين (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾، إلى قولِه: ﴿وَإِنْ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"يعجزك\".\n(^٢) في ت ٢: \"قائل\".\n(^٣) في م: \"الحصين\". وهو الحسين بن واقد. ينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٢٣.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٩ عن عكرمة والحسن معلقًا، وأخرجه ابن الجوزي في النواسخ ص ٣٥١ من طريق الحسين بن واقد عن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٩ معلقًا.","vol":"11","page":265},{"text":"يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ﴾. قال: هذا (^١) لأصحابِ محمدٍ ﷺ يومَ بدرٍ، جعَل على الرجل منهم قتالَ (^٢) عشرةٍ مِن الكفارِ، فضجُّوا مِن ذلك، فجَعَل على الرجلِ قتالَ (^٣) رجلين، تَخْفيفًا مِن اللَّهِ (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال ثنا إبراهيمُ بنُ (^٥) يزيدَ، عن عمرِو بن دينارٍ وأبي معبدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إنما أُمِر الرجلُ أن يُصَبِّرَ نفسَه لعشرةٍ، والعشرةُ لمائةٍ، إذ المسلمون قليلٌ، فلما كثُر المسلمون خفَّف اللَّهُ عنهم، فأمَر الرجلَ أن يَصْبِرَ لرجلين، والعشرةَ للعشرين، والمائةَ المائتين.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. قال: كان فُرِضَ عليهم إذا لَقِىَ عشرون مائتين أن لا يَفِرُّوا، فإنهم إن لم يَفِرُّوا غَلَبُوا، ثم خَفَّفَ اللَّهُ عنهم وقال: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾، فيقولُ: لا ينبغى أن يَفِرَّ ألفٌ من ألفين، فإنهم إن صَبَروا لهم غَلَبُوهم.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾: جَعَلَ اللَّهُ على كلِّ رجلٍ رجلين، بعدَ ما كان على كلِّ\n_________\n(^١) زيادة من: م.\n(^٢) سقط من: ص، م.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٥٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠١ إلى أبى الشيخ.\n(^٥) في ت ٢: \"عن\".","vol":"11","page":266},{"text":"رجلٍ عشرةٌ. وهذا الحديثُ عن ابن عباسٍ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن جريرِ بن حازمٍ، عن الزبيرِ [بن الخرِّيتِ] (^٢)، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: كان فُرِضَ على المؤمنين أن يُقاتِلَ الرجلُ منهم عشرةً من المشركين؛ قولُه: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾. فشَقَّ ذلك عليهم، فأنزلَ اللَّهُ التخفيفَ، فجَعَلَ على الرجلِ أن يُقاتِلَ الرجلين، قولُه: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، فخَفَّفَ اللَّهُ عنهم، ونُقِصوا مِن النّصرِ (^٣) بقَدْرِ ذلك (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. يقولُ: يُقاتِلوا مائتين، فكانوا أضعفَ من ذلك، فنَسَخَها اللَّهُ عنهما، فَخَفَّفَ فقال: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. فجَعَلَ أولَ مرةٍ الرجلَ لعشَرةٍ (^٥)، ثم جَعَلَ الرجلَ لاثنين.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن ابن\n_________\n(^١) عزاء السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠٠ إلى أبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) في في ف: \"أبي الحرية\".\n(^٣) في م: \"العصير\"، وفي ف: \"البصر\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٥/ ٧٢٤ والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٤٧٠ من طريق يزيد بن هارون به، وابن المبارك في الجهاد ص ١٧٩ (١٣٧)، والبخاري (٤٦٥٢)، وأبو داود (٢٦٤٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٩، والبيهقى ٩/ ٧٦ من طريق جرير بن حازم به.\n(^٥) في ص، ت ١، ت، س، ف: \"بعشرة\".","vol":"11","page":267},{"text":"أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. قال: كان فُرِض عليهم إذا لَقِيَ عشرون مائتين أن لا يَفِرُّوا، فإنهم إن لم يَفِرُّوا غَلَبوا، ثم خَفَّفَ اللَّهُ عنهم فقال: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فيقولُ: لا ينبغي أن يَفِرَّ ألفٌ مِن ألفين، فإنهم إن صَبَروا لهم غَلَبوهم (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: كان هذا واجبًا أن لا يَفِرَّ واحدٌ من عشرةٍ (^٢).\nوبه قال: أخبرنا الثوريُّ، عن لَيْثٍ، عن عطاءٍ مثلَ ذلك (^٣).\nوأما قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ فقد بَيَّنَّا تأويلَه (^٤).\nوكان ابن إسحاق يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾، أي: لا يُقاتِلون على نيةٍ (^٥)، ولا حقٍّ فيه، ولا معرفةٍ بخيرٍ (^٦) ولا شرٍّ (^٧).\nوهذه الآيةُ، أعنى قولَه: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، وإن كان مخرجُها مخرجَ الخبرِ، فإن معناها الأمرُ، يدلُّ على ذلك قولُه: ﴿الْآنَ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٦١، وتفسير مجاهد ٣٥٧، ٣٥٨ بنحوه.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٦١، وفي مصنفه (٩٥٢٦).\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٦٢، وفي مصنفه (٩٥٢٧)، وتفسير الثوري ص ١٢١ عن ابن جريج عن عطاء.\n(^٤) تقدم في ص ٢٦١\n(^٥) في ص، ت ٢، ت ٢، س، ف: \"بينة\".\n(^٦) في م، ف، وتفسير ابن أبي حاتم: \"لخير\".\n(^٧) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢٩ من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد عن أبيه.","vol":"11","page":268},{"text":"خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾. فلم يكن التخفيفُ إلا بعدَ التثقيلِ، ولو كان ثبوتُ العشرةِ منهم للمائةِ مِن عدوِّهم، كان غيرَ فرضٍ عليهم قبلَ التخفيفِ، وكان ندبًا، لم يكنْ للتخفيفِ وجهٌ؛ لأن التخفيفَ إنما هو ترخيصٌ في تركِ الواحدِ من المسلمين الثبوتَ للعشرَةِ من العدوِّ، وإذا لم يكن التشديدُ قد كان له مُتقدِّمًا، لم يكنْ للترخيصِ وجهٌ، إذ كان المفهومُ مِن الترخيصِ إنما هو بعدَ التشديدِ. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن حكمَ قولِه: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ ناسخٌ لحكم قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. وقد بَيَّنَّا في كتابِنا (^١) \"لطيفِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ\"، أن كلَّ خبرٍ مِن اللَّهِ وَعَدَ فيه عبادَه على عملٍ ثوابًا وجزاءً، وعلى تَرْكِه عقابًا وعذابًا، وإن لم يكنْ خارجًا ظاهرُه مخرجَ الأمرِ، ففى معنى الأمرِ، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.\nواختلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾.\nفقرأه بعضُ المدنيِّين وبعضُ البصريِّين: (وَعَلِمَ أنَّ فيكم ضُعْفًا). بضَمِّ الصَادِ في جميعِ القرآنِ، وتنوينِ الضعفِ على (^٢) المصدرِ من: ضَعُفَ الرجلُ ضُعْفًا (^٣).\nوقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيِّين: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾، بفتحِ الضادِ على المصدر أيضًا مِن ضَعُف (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، س، ف: \"كتاب\".\n(^٢) في ت ٢: \"من\".\n(^٣) هذه قراءة نافع وأبي عمرو وابن كثير والكسائي وابن عامر. السبعة ص ٣٠٨، ٣٠٩.\n(^٤) قرأ بذلك عاصم وحمزة. وخالف حفص عاصمًا فقرأ عن نفسه لا عن عاصم في الروم: (ضُعفٍ … ضعفًا) بالضم جميعًا. السبعة لابن مجاهد ص ٣٠٩.","vol":"11","page":269},{"text":"وقرأه بعضُ المدنيِّين: (ضُعفَاء) (^١)، على تقديرِ \"فُعلاء\" (^٢)، جُمِعَ ضعيفٌ على ضُعفاءَ، كما يُجمعُ الشريكُ شركاءَ، والرحيمُ رُحماءَ.\nوأَولى القراءاتِ في ذلك بالصوابِ قِراءةُ مَن قرأه: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾، و: (ضُعْفًا)، بفتحِ الضادِ أو ضمِّها؛ لأنهما القراءتان المعروفتان، وهما لغتان مشهورتان في كلامِ العربِ فصيحتان، بمعنًى واحدٍ، فبأيتِهما قَرأ القارئُ فمُصيبٌ الصوابَ.\nفأما قراءةُ مَن قرأ ذلك: (ضعفاءَ)، فإنها عن قراءة القرأةِ شاذةٌ، وإن كان لها في الصحةِ مخرجٌ، فلا أحبُّ لقارئٌ القراءةَ بها (^٣).\n\n<span id=\"aya-1227\"></span><span data-type='title' id=toc-3782>القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرهُ: ما كان لنبيٍّ أن يَحْتَبِسَ كافرًا قَدَرَ عليه وصار في يَدِه، من عَيْدَةِ الأُوثَانِ للفداءِ أو للمَنِّ.\nوالأسْرُ في كلامِ العربِ: الحبسُ (^٤)، يقالُ منه: مأسورٌ. يرادُ به: محبوسٌ. ومسموعٌ منهم: أَنَالَه (^٥) اللَّهُ أُسْرًا.\n_________\n(^١) هذه قراءة أبي جعفر المدني. النشر في القراءات العشر ٢/ ٢٠٨.\n(^٢) بعده في ص، ت ٢، س: \"بمعنى\".\n(^٣) تقدم قبل قليل أن هذه القراءة قراءة أبي جعفر المدني، أحد العشرة، وهي متواترة.\n(^٤) سقط من: ص، ت ٢، س، ف.\n(^٥) في ص، ت ٢، ص، ف: \"أبي\" والمثبت موافق لما في اللسان والتاج (أس ر)، وفي أساس البلاغة (أ س ر): \"وفي أدعيتهم: أبى لك الله أسرا\".","vol":"11","page":270},{"text":"وإنما قال اللَّهُ جلّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ ﷺ يُعرِّفُه أن قتلَ المشركين الذين أَسَرَهم ﷺ يومَ بدرٍ ثم فادَى بهم، كان أوْلي بالصوابِ من أَخْذِ الفِدية منهم وإطْلاقِهم.\nوقوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: حتى يُبالغَ في قتلِ المشركين فيها، ويَقْهَرَهم غَلَبةً وقَسْرًا.\nيقال منه: أَثْخَنَ فلانٌ في هذا الأمرِ. إذا بالَغَ فيه. وحُكِى: أَنْخَنتُه معرفةً. بمعنى: قتلتُه معرفةً.\n﴿تُرِيدُونَ﴾. يقولُ للمؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: تُريدون أيُّها المؤمنون ﴿عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ بأسْرِكمُ المشركين، وهو ما عَرضَ للمرءِ (^١) منها مِن مالٍ ومتاعٍ. يقولُ: تُرِيدون بأَخْذِكم الفداءَ مِن المشركين متاعَ الدنيا وطُعْمَها، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾. يقولُ: واللَّهُ يريدُ لكم زينةَ الآخرةِ وما أعدَّ للمؤمنين وأهلِ ولايتهِ في جناتِه، بقَتْلِكم إياهم وإثْخانِكم في الأرضِ. يقولُ لهم: واطلُبوا ما يريدُ اللَّهُ لكم وله اعمَلوا، لا ما تَدْعوكم إليه أهواءُ أنفسِكم مِن الرغبةِ في الدنيا وأسبابِها، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾. يقولُ: إن أنتم أردتُم الآخرةَ لم يَغْلبْكم [عدوٌّ لكم] (^٢)؛ لأن اللَّهَ عزيزٌ لا يُقْهَرُ ولا يُغلَبُ، وأنه ﴿حَكِيمٌ﴾ في تَدْبِيرِه أَمرَ خلقِه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3783>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢. وفي س: في: \"للمشركين\".\n(^٢) في ت ٢: \"عدوكم\".","vol":"11","page":271},{"text":"ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾: وذلك يومَ بدرٍ، والمسلمون يومَئذٍ قليلٌ، فلما كَثُروا واشتدَّ سلطانُهم، أنزلَ اللَّهُ ﵎ بعدَ هذا في الأُسارى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، فجعَلَ اللَّهُ النبيَّ والمؤمنين في أمرِ الأُسارى بالخيارِ؛ إن شاءوا قَتَلوهم، وإن شاءوا اسْتَعْبَدوهم، وإن شاءوا فادَوْهم (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ (^٢) لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ الآية. قال: أرادَ أصحابُ نبيِّ اللَّهِ ﷺ يومَ بدرٍ الفداءَ، ففادَوْهم بأربعةِ آلافٍ [أربعةٍ آلافٍ] (^٣)، ولعَمْرى ما كان أَثْخنَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يومئذٍ، وكان أوَّلَ قتالٍ قاتلَه المشركين (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فضيلٍ، عن حبيبِ بن أبي عمرةَ، عن مجاهدٍ، قال: الإثخانُ: القتلُ (^٥).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شريكٌ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: إِذا أَسَرْتُموهم فلا تُفادوُهم حتى تُثْخِنوا فيهم القتلَ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٢٩٩، ٣٠٠، وفي الأموال (٣٤٢)، وابن زنجويه في الأموال (٥٣٠)، وابن المنذر في الأوسط ١١/ ٢٢٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣٢، والنحاس في ناسخه ص ٤٧٢ من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠٣ إلى ابن مردويه.\n(^٢) غير منقوطة في ص، وفي م، ت ١، ت ٢، س، ف، وما بعدها: \"تكون\". وهي قراءة أبي عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ٣٠٩.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠٣ إلى ابن المنذر.\n(^٥) في ت ٢، س: \"الفصل\". وأخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٤٢٠ عن ابن فضيل به، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٣٢ من طريق حبيب بن أبى عمرة، وابن المنذر في الأوسط ١١/ ٢٢٩.\n(^٦) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٠١، وفي الأموال (٣٤١) - وابن زنجويه في الأموال (٥٢٨، =","vol":"11","page":272},{"text":"قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ الآية: نَزَلت الرخصةُ بعدُ؛ إن شِئْتَ فمُنَّ، وإن شئتَ فَفادِ (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾. يعنى: الذين أُسِروا ببدرٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ مِن عدوِّه ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: يُثْخِنَ عدوَّه حتى يَنْفِيَهم مِن الأرضِ، ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾، أي: المتاعَ والفداءَ بأخذِ الرجالِ، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ بقَتْلِهِم، لظُهُورِ الدينِ الذي يُريدون إطفاءَه، الذي به تُدْرَكُ الآخرةُ (^٣).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، قال: ثنا الأعمشُ، عن عمرِو بن مُرَّةً، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لمَّا كان يومُ بدرٍ وجيء بالأَسْرى، قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ما تقولون في هؤلاء الأَسْرى؟ \". فقال أبو بكرٍ: يا رسولَ اللَّهِ، قومُك وأهلُك، اسْتَبْقِهم واسْتأنِهم (^٤) لعلَّ اللَّهَ أن يتوبَ عليهم. وقال عمرُ: يا رسولَ اللَّهِ، كَذَّبوك وأخْرجوك، قَدِّمْهم فاضرِبْ أعناقَهم. وقال عبدُ اللَّهِ بنُ رواحةَ: يا رسولَ اللَّهِ، انظُرْ واديًا كثيرَ الحَطَبِ، فأدخِلْهم فيه، ثم أضْرمْه عليهم\n_________\n= ٥٢٩)، تفسير مجاهد ص ٣٥٨ من طريق شريك عن سالم عن سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر بنحوه.\n(^١) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ١١/ ٢٢٩ عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠٣ إلى ابن أبي شيبة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣٢ من طريق أبي معاذ به.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣٣ من طريق سلمة به.\n(^٤) في م، والمسند: \"استأن بهم\". واستأنهم: أي انتظرهم. ينظر النهاية ١/ ٧٨.","vol":"11","page":273},{"text":"نارًا. قال: فقال له العباسُ: قَطَعتَ رَحِمَكَ. قال: فسَكتَ رسولُ اللَّهِ ﷺ فلم يُجبْهم، ثم دخَل. فقال ناسٌ: يأخُذُ (^١) بقَوْلِ أبي بكرٍ. وقال ناسٌ: يَأخُذُ (^٢) بقَولِ عمرَ. وقال ناسٌ: يأخُذُ بقَولِ عبدِ اللَّهِ بن رَواحةَ. ثم خَرَجَ عليهم رسولُ اللَّهِ ﷺ، فقال: \"إن اللَّهَ لَيُلَيِّنُ قلوبَ رجالٍ حتى تكونَ ألينَ من اللَّبَنِ، وإن اللَّهَ لَيُشَدِّدُ قلوبَ رجالٍ حتى تكونَ أشدَّ من الحجارةِ، وإن مَثَلَك يا أبا بكرٍ مَثَلُ إبراهيمَ، قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، ومَثَلَك يا أبا بكرٍ مَثَلُ عيسى، قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الآية [المائدة: ١١٨]، ومَثَلَك (^٣) مَثَلُ نوحٍ، قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، ومَثَلَك (^٣) كمَثَلِ موسى، قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] \". قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أنتم اليومَ عالةٌ، فلا يَنْفَلِتَنَّ أحدٌ منهم إلا بفِداءٍ أو ضَرْبٍ عُنُقٍ\". قال عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ: إلا سُهيلَ ابنَ بيضاءَ؛ فإني سمعتُه يذكُرُ الإسلامَ. فَسَكَتَ رسولُ اللَّهِ ﷺ، فما رأيتُني في يوم أخوفَ أن تقَعَ عليَّ الحجارةُ مِن السماءِ منى في (^٤) ذلك اليومِ، حتى قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إلا سُهيلَ ابنَ بيضاءَ\". قال: فأنزلَ اللَّهُ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾، إلى آخرِ الثلاثِ الآياتِ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"تأخذ\".\n(^٢) في ص، ت ٢: \"نأخذ\".\n(^٣) بعده في م: \"يا ابن رواحة\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"من\".\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٤٧٦ بهذا الإسناد، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٤١٧، ١٤/ ٣٧٠، وأحمد ٦/ ١٣٨ (٣٦٣٢)، والترمذى (١٧١٤، ٣٠٨٤)، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٢/ ٣٥ - ٣٧، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٠٧، ٢٠٨، والبيهقى ٦/ ٣٢١، والواحدى في أسباب النزول ص ٢٣٦، ٢٣٧ من طريق أبي معاوية به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣١، والطبراني (١٠٢٥٨، ١٠٢٥٩)، والحاكم ٣/ ٢١، والبيهقي في الدلائل ٣/ ١٣٨ من طريق الأعمش به.","vol":"11","page":274},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، [ثنا عمرُ بنُ يونُسَ اليماميُّ] (^١)، قال: ثنا عكرمةُ بنُ عمارٍ، قال: ثنا أبو زُمَيلٍ، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ، قال: لمَّا أسَروا الأُسارى، يعنى يومَ بدرٍ، قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أينَ أبو بكرٍ وعمرُ وعليٌّ؟ \". قال: \"ما تَرون في الأُسارى؟ \". فقال أبو بكرٍ: يا رسولَ اللَّهِ، هم بنو العمِّ والعشيرةِ، وأرى أن تأخذَ منهم فِديةً تكونُ لنا قوةً على الكفارِ، وعسى اللَّهُ أن يَهْدِيَهم للإِسلامِ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ما ترَى يا بنَ الخطابِ؟ \". فقال: لا والذي لا إلهَ إلا هو، ما أرى الذي رأى أبو بكرٍ، يا نبيَّ اللَّهِ، ولكن أرى أن تُمَكَّنَنا منهم، فتُمَكِّنَ عَليًّا مِن عَقِيلٍ فيَضْرِبَ عنُقَه (^٢)، وتُمَكِّنَنى من فلانٍ - نسيبٍ لعمرَ - فأضربَ عُنُقَه، فإن هؤلاء أئمةُ الكفرِ وصَناديدُها. فهَوِى رسولُ اللَّهِ ﷺ ما قال أبو بكرٍ، ولم يَهْوَ ما قلتُ. قال عمرُ: فلما كان من الغدِ جئتُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فإذا هو وأبو بكرِ قاعدان يَبْكيان، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أخبرْني من أيِّ شيءٍ تَبْكى أنت وصاحبُك، فإن وَجَدتُ بكاءً بكَيتُ، وإن لم أجِدْ بكاءً تَباكَيتُ لبُكائِكما (^٣). فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أبكِي للذى عَرَضَ [عليَّ أصحابُك] (^٤) من (^٥) أخذِهم (^٦) الفداءَ، ولقد عليَّ عذابُكم (^٧) أَدْني هذه الشجرةٍ\" - شجرةٍ (^٨) قريبةٍ من رسولِ اللَّهِ ﷺ فأنزلَ اللَّهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي\n_________\n(^١) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٥٣٤.\n(^٢) بعده في م: \"وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه\"، وفي المسند: \"وتمكن حمزة من فلان أخيه\".\n(^٣) زيادة من مسلم والترمذي وأحمد وابن أبي حاتم. وعند البيهقي: \"بيكائكما\".\n(^٤) في م، ت ٢، س: \"لأصحابي\".\n(^٥) في ص: \"في\".\n(^٦) في ص: \"أحدهم\".\n(^٧) في صحيح مسلم وسنن البيهقي: \"عذابهم\".\n(^٨) في م، ومسند أحمد: \"لشجرة\".","vol":"11","page":275},{"text":"الْأَرْضِ﴾، إلى قوله: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾، وأحلَّ اللَّهُ الغنيمة لهم (^١).\n\n<span id=\"aya-1228\"></span><span data-type='title' id=toc-3785>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لأهلِ بدرٍ الذين غَنِموا وأخَذوا من الأَسْرى الفداءَ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. يقولُ: لولا قضاءٌ من اللَّهِ سَبَقَ لكم، أهلَ بدرٍ، في اللوحِ المحفوظِ - بأن اللَّهَ مُحِلٌّ لكم الغنيمةَ، وأن اللَّهَ قَضَى فيما قَضَى أنه لا يُضِلُّ قومًا بعدَ إذ هَداهم حتى يُبَيِّنَ لهم ما يَتَّقون، وأنه لا يُعذِّبُ أحدًا شَهِدَ المشهدَ الذي شَهِدتُموه ببدرٍ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ ناصرًا دينَ اللَّهِ - لنالَكم مِن اللَّهِ، بأخْذِكم الغنيمةَ والفِداءَ، عذابٌ عظيمٌ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3784>ذكر مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية. قال: إن اللَّهَ كان مُطْعِمَ هذه الأمةِ الغنيمةَ، وإنهم أَخَذوا الفداءَ من أُسارى بدرٍ قبلَ أن يُؤمَروا به. قال فعاب اللَّهُ ذلك عليهم، ثم أحلَّه اللَّهُ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بَزيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، عن عَوفٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٠٨١) عن ابن بشار به، وأخرجه مسلم (١٧٦٣)، والطحاوي في المشكل (٣٣٠٩) وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٦٢، ١٧٣٠، وابن حبان (٤٧٩٣)، وأبو نعيم في الدلائل (٤٠٨)، والبيهقى ٦/ ٣٢١ وفي الدلائل ٣/ ٥١ - ٥٣ من طريق عمر بن يونس به. وتقدم من طريق ابن المبارك عن عكرمة بن عمار ص ٥١.\n(^٢) أخرجه الطحاوى في المشكل ٨/ ٣٦٤ تحت (٣٣١٢) من طريق عوف به.","vol":"11","page":276},{"text":"الحسنِ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية، وذلك يومَ بدرٍ، أَخَذَ أصحابُ النبيِّ ﷺ المغانمَ والأُسارى قبلَ أن يُؤمَروا به، وكان اللَّهُ، ﵎، قد كتَب في أمِّ الكتابِ: المغانمُ والأُسارى حلالٌ لمحمدٍ وأمتِه. ولم يكنْ أحَلَّه لأمةٍ قبلَهم، فأَخذوا المغانَم، وأَسَروا الأُسارى قبلَ أن يُنزَّلَ إليهم في ذلك، قال اللَّهُ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. يعنى: في الكتابِ الأولِ أن المغانمَ والأُسارى حلالٌ لكم ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال ثني عمِّي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية، وكانت الغنائمُ قبلَ أن يُبْعَثَ النبيُّ ﷺ في الأممِ إذا أصابوا مَغْنمًا جَعَلوه للقربانِ، وحرَّمَ اللَّهُ عليهم أن يأكُلوا منه قليلًا أو كثيرًا، حُرِّمَ ذلك على كلِّ نبيٍّ وعلى أمته، فكانوا لا يأكلون منه، ولا يَغُلُّون منه، ولا يأخُذون منه قليلًا ولا كثيرًا إلا عَذَّبَهم اللَّهُ عليه، وكان اللَّهُ حرَّمَه عليهم تحريمًا شديدًا، فلم يُحِلُّه لنبيٍّ إلا لمحمدٍ ﷺ، وكان قد سبَق من الله في قضائِه أن المغنمَ له ولأمتِه حلالٌ، فذلك قولُه يومَ بدرٍ، في أخذِ الفداءِ من الأُسارى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوف (^٢)، عن الحسنِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. قال: إن اللَّهَ كان مُعْطِىَ هذه الأمةِ الغنيمةَ، وفعَلوا الذي فَعَلوا قبل أن تَحِلَّ الغنيمةُ (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠٤ إلى ابن مردويه.\n(^٢) في النسخ: عروة. وينظر هذا الإسناد في ٦/ ١٩، ١٢/ ٢٣١، ١٣/ ٤٥، ١٤/ ١٧١، كما في مصدر التخريج.\n(^٣) أخرجه الطحاوى في المشكل ٨/ ٣٦٤، ٣٦٥ تحت (٣٣١٢) من طريق عوف به.","vol":"11","page":277},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، قال: قال الأعمشُ في قولِه: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾، سبَق من الله أن أحلَّ لهم الغنيمةَ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلى، عن بشيرِ بن مَيمونٍ، قال: سمعتُ سعيدًا يُحدِّثُ، عن أبي هريرةَ، قال: قرأ هذه الآيةَ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قال: يعنى: لولا أنه سبَقَ في عِلْمى أنى سأُحِلَّ الغنائمَ، لَمَسَّكم فيما أَخَذْتُم من الأُسارى عذابٌ عظيمٌ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ وأبو مُعاويةَ بنحوِه، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ما أَحلَّتِ الغنائمُ لأحدٍ سُود الرءوسِ من قَبْلِكم، كانت تَنْزلُ نارٌ من السماءِ [وتأكُلُها] (^٣) \". حتى كان يومُ بدرٍ، فوقَع الناسُ في الغنائمِ، فأنزلَ اللَّهُ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾ حتى بلغَ: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوه، قال: فلما كان يومُ بدرٍ أسرع الناسُ في الغنائمِ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسير ١/ ٢٦٢ عن معمر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣٤، ١٧٣٥ من طريق بشير بن ميمون أبي صيفى به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٩٠٧) وفي (١٠٠٢ - تفسير) من طريق سعيد بن أبي سعيد قوله.\n(^٣) في ص، ف: \"تأكلها\".\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٩٠٦)، وابن أبي شيبة ١٤/ ٣٨٧، ٣٨٨ (١٨٥٨٧)، وأحمد ١٢/ ٤٠٣، ٤٠٤ (٧٤٣٣)، والنسائي في الكبرى (١١٢٠٩)، وابن الجارود (١٠٧١)، والبيهقي ٦/ ٢٩٠، وابن عبد البر في التمهيد ٦/ ٤٥٧ من طريق أبي معاوية به، وأخرجه أبو داود الطيالسي (٢٥٥١) ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣٣، والترمذى (٣٠٨٥)، والطحاوي في المشكل (٣٣١٠ - ٣٣١٢)، وابن حبان (٤٨٠٦)، والبيهقى ٦/ ٢٩٠ من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠٣ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.","vol":"11","page":278},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن أشعثَ بن سَوَّارٍ، عن ابن سيرينَ، عن عَبِيدةَ، قال: أَسَر المسلمون من المشركين سبعين، وقَتَلوا سبعين، فقال رسول الله ﷺ: \"اختاروا أن تأخُذُوا منهم الفداءَ فتقَووا بهِ على عَدُوَّكُم، وإن قَبِلْتُموُه قُتِلَ منكم سبعونَ، أو تَقْتُلوهم\". فقالوا: بل نأخذُ الفِديةَ منهم. وقُتِل منهم سبعون. قال عَبيدةُ: وطَلَبوا الخِيَرتين كلتيهما (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن أشعثَ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: كان فِداءُ أُسارى بدرٍ مائةَ أوقيَّةٍ، والأوقيَّةُ أربعون درهمًا، ومن الدنانيرِ ستَّةُ دنانيرَ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا ابن عونٍ، عن ابن سيرينَ، عن عبيدةَ، أنه قال في أسارى بدرٍ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إن شئتم قَتَلتُموهُم، وإن شِئتم فاديتمُوهُم واستُشهِدَ منكُم بِعِدَّتهم\". فقالوا: بلى، نأخُذُ الفداءَ فنستمتعُ (^٢) به ويُستَشهدُ منا بعدَّتِهم (^٣).\nحدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا عبدُ الصَّمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنَا هَمَّامُ بنُ يحيى، قال ثنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن سعودٍ، قال: أمَر عمرُ، ﵁، بقَتْلِ الأُسارى، فأنزل اللَّهُ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفَرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ،\n_________\n(^١) شكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف ٢/ ٣٧ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٦٨ من طريق أشعث به، وأخرجه ابن سعد ٢/ ٢٢ من طريق ابن سيرين.\n(^٢) في م: \"فتستمتع\".\n(^٣) أخرجه البزار في مسنده ٢/ ١٧٧ عقب الحديث (٥٥١) من طريق ابن عون به. وينظر علل الدارقطني ٤/ ٣٠ (٤١٨).","vol":"11","page":279},{"text":"قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. قال: كان المَغْنَم مُحرَّمًا على كلِّ نبيٍّ وأُمَّتِه، وكانوا إذا غَنِموا يَجْعَلون المغنم للَّهِ قُربانًا تأكُلُه النارُ، وكان سَبَقَ في قضاءِ اللَّهِ وعلمِه أن يُحِلَّ المغنمَ لهذه الأمةِ يأكلُونه في بطونِهم.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قال: كان في علمِ اللَّهِ أن تَحِلَّ لهم الغنائمُ، فقال: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ بأنه أحلَّ لكم الغنائمَ ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: لولا كتابٌ من اللَّهِ سبَق لأهلِ بدرٍ ألَّا يُعَذِّبَهم: لمَسَّهم عذابٌ عظيمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3786>ذكر مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، عن شريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيد: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. قال: لأهلِ بدرٍ مِن السعادةِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا ابن نُمِيرٍ، عن وَرقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ لأهلِ بدرٍ مَشْهدَهم (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن الحسنِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. قال: سَبَقَ من اللَّهِ خيرٌ لأهلِ بدرٍ (^٤).\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣٤ معلقًا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣٥ من طريق شريك به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٥٨.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦٢ عن معمر به.","vol":"11","page":280},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: كان سبَق لهم من اللَّهِ خيرٌ، وأَحَلَّ لهم الغنائمَ (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، عن عمرِو بن عُبيدٍ، عن الحسنِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. قال: سبَق أن لا يُعذِّبَ أحدًا من أهلِ بدرٍ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. لأهلِ بدرٍ ومشهدَهم إيَّاه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: لمسَّكم فيما أخذتُم من الغنائم يومَ بدرٍ قبلَ أن أُحِلَّها لكم. فقال: سبَق من اللَّهِ العَفْوُ عنهم، والرحمةُ لهم، سبَق أنه لا يُعذِّبُ المؤمنين؛ لأنه لا يعذِّبُ رسولَه، ومن آمن به، وهاجَر معه ونَصَره (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أن لا يؤاخذَ أحدًا بفعلٍ أتاه على جهالةٍ؛ ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-3787>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ لأهل بدرٍ ومشهدَهم إياه. قال: كتابٌ سبَق؛ لقولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣٤ معلقًا.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣٥ معلقًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣٥ من طريق أصبغ عن ابن زيد بنحوه.","vol":"11","page":281},{"text":"يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] سبَق ذلك وسبَق أن لا يُؤاخِذَ قومًا فَعَلُوا شيئًا بجهالةٍ ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ قال ابن جريجٍ: قال ابن عباسٍ: ﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾: مما أسَرْتم. ثم قال بعد: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: عاتَبَه في الأسارى وأخذِ الغنائمِ، ولم يكنْ أحدٌ قبلَه من الأنبياءِ يأكلُ مغنمًا من عدوٍّ له (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدٍ، قال (^٢): ثني أبو جعفرٍ محمدُ بن عليّ بن الحسينِ بن عليّ بن أبى طالبٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"نُصرتُ بالرُّعبِ، وجُعِلَت لِىَ الأرضُ مسجدًا وطَهورًا، وأُعطِيتُ جوامعَ الكَلِمِ، وأُحِلَّت لىَ المغائمُ ولم تَحِلُّ لنبيٍّ كان قَبْلى، وأُعطِيتُ الشفاعةَ، خمسٌ لم يؤتهنَّ نبيٌّ كان قبْلى\". قال محمدٌ: فقال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾. أي: قبلَك ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾، إلى قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾. أي: من الأُسارى والمغانمِ، ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: أي لولا أنه سبَق منى أن لا أُعَذِّبَ إلا بعدَ النهى، ولم أكُنْ نَهَيتُكم، لعذَّبتُكم فيما صنَعتم، ثم أُحِلُّها له ولهم، رحمةً ونعمةً وعائدةً من الرحمنِ الرحيمِ (١).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ ما قد بَيَّناه قبلُ. وذلك أن قولَه: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. خبرٌ عامٌّ غيرُ محصورٍ على معنًى دونَ معنًى، وكلُّ هذه المعانى التي ذكرتُها عمَّن ذكَرتُ مما قد سبَق في كتابِ اللَّهِ أَنه لا يُؤَاخِذُ بشيءٍ منها هذه الأمةَ، وذلك ما عَمِلوا من عملٍ بجهالةٍ، وإحلال الغنيمةِ، والمغفرةُ\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٦.\n(^٢) بعده في م: \"ثنى أبو سلمة، عن محمد، قال\".","vol":"11","page":282},{"text":"لأهلِ بدرٍ، وكلُّ ذلك مما كُتِبَ لهم. وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجهَ لأن يَخُصَّ (^١) من ذلك معنًى دونَ معنًى، وقد عَمَّ اللَّهُ الخبرَ بكلِّ ذلك بغيرِ دلالةٍ توجِبُ صحةَ القولُ بخصوصِه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: لم يكنْ من المؤمنين أَحدٌ ممَّن نُصِرَ إلا أحبَّ الغنائمَ إلا عمرَ بنَ الخطابِ، جعَل لا يَلْقَى أسيرًا إِلا ضَرَب عُنُقَه، وقال: يا رسولَ اللَّهِ، ما لنا وللغنائمِ؟ نحن قومٌ نُجَاهِدُ في دينِ اللَّهِ حتى يُعبَدَ اللَّهُ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"لو عُذِّبنا في هذا الأمرِ يا عمرُ ما نجا غيرُك\". قال اللَّهُ: لا تعودوا تَستَحِلُّون قبلَ أن أُحِلَّ لكم (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: لمّا نَزَلَت: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية، قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"لو نَزَل عذابٌ من السماءِ لم ينْجُ منه إلا سعدُ بنُ معاذٍ\". لقوله: يا نبيَّ اللَّهِ، كان الإثخانُ في القتلِ أحبَّ إليَّ من استبقاءِ الرجالِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1229\"></span><span data-type='title' id=toc-3788>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين من أهلِ بدرٍ: فكُلُوا أَيُّها المؤمنون مما غَنِمتُم من أموالِ المشركين حلالًا بإحلالِه لكم طيبًا، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: وخافُوا اللَّه أن تَعُودوا، أن تَفْعَلُوا في دينِكم شيئًا بعدَ هذه من قبلِ أن يُعهَدَ فيه إليكم، كما فَعَلتم في أخذِ الفداءِ وأكلِ الغنيمةِ، وأَخَذتموهما من قبلِ أن يَحِلَّا لكم ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يحصر\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣٥ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٣) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٢/ ٣٨، ٣٩ عن المصنف، وسيرة ابن هشام ١/ ٦٢٨ ببعضه دون الجزء المرفوع.","vol":"11","page":283},{"text":"رَحِيمٌ﴾.\nوهذا من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ.\nوتأويلُ الكلامِ: فكلُوا مما غنمتم حلالًا طيبًا، إن اللَّهَ غفورٌ رحيمٌ، واتَّقُوا اللَّهَ.\nويعنى بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لذنوبِ أهلِ الإيمانِ من عبادِه، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم أن يعاقبَهم بعدَ توبتِهم منها.\n\n<span id=\"aya-1230\"></span><span data-type='title' id=toc-3790>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى (^١) إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا أيها النبيُّ، قُلْ لَمَن فِي يَدَيْك وفي يَدَيْ أصحابِك من أَسرى المشركين الذين أُخِذ منهم من الفداءِ ما أُخِذ ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾. يقولُ: إن يَعْلَمِ اللَّهُ في قلوبِكم إسلامًا ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ من الفداءِ ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾. يقولُ: ويَصْفَحُ لكم عن عقوبةِ جُرمِكم الذي اجتَرَمتموه بقتالكم نبيَّ اللَّهِ وأصحابَه، وكفرِكم باللَّهِ، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لذنوب عباده إذا تابُوا، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم أن يُعاقِبَهم عليها بعدَ التوبةِ.\nوذُكِر أن العباسَ بنَ عبدِ المطلبِ كان يقولُ: فيَّ نَزَلَت هذه الآيةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3789>[ذكرُ من قال ذلك]</span> (^٢)\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ابن (^٣) إسحاقَ، عن ابن أبي نجيحٍ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف - في هذا الموضع وما بعده -: \"الأسارى\". وهي قراءة أبي عمرو، والمثبت هو قراءة الباقين. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٠٩، والتيسير ص ٩٦، والكشف عن وجوه القراءات ١/ ٤٩٦.\n(^٢) في ف: \"ذكر الرواية بذلك\".\n(^٣) في م: \"أبى\". وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٢١٥.","vol":"11","page":284},{"text":"عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قال العباسُ: فيَّ نزلَت ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾. فأخبرتُ النبيَّ ﷺ بإسلامي، وسألتُه أن يُحاسبَنى بالعشرين الأوقية التي أخَذ منى فأبَى، فأبْدَلَني اللَّهُ بها عشرين عبدًا، كلُّهم تاجرٌ، مالي في يَدَيه (^١).\nوقد حدَّثنا بهذا الحديثِ - ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال محمدٌ: ثنى الكلبيُّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ بن رِئابٍ، قال: كان العباسُ بنُ عبدِ المطلبِ يقولُ: فيَّ واللَّهِ نَزَلت حينَ ذكرتُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ إسلامى. ثم ذَكَر نحوَ حديثِ ابن وكيعٍ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ الآية. قال: ذُكر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ ما لمَّا قَدِم عليه مالُ البحرين ثمانون ألفًا، وقد توضَّأ لصلاةِ الظهرِ، فما أعطَى يومَئذٍ شاكيًا (^٢)، ولا حَرَم سائلًا، وما صَلَّى يومَئذٍ حتى فَرَّقَه، وأمَر العباسَ أن يأخذَ منه ويَحْتَثِيَ، فَأَخَذ. قال: وكان العباسُ يقولُ: هذا خيرٌ مما أُخِذ منَّا، وأرجُو المغفرةَ (^٣).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٦/ ٢٩٣ من طريق ابن وكيع به. ووقع فيه: عبد الله بن إسحاق عن محمد بن إسحاق، وهو خطأ. وهو عبد الله بن إدريس.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣٧ من طريق ابن إدريس، والطبراني (١١٣٩٨) والأوسط (٨١٠٧) من طريق ابن إسحاق ووقع في تفسير ابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والأوسط \"عطاء\" بدل \"مجاهد\".\n(^٢) غير منقوطة في ص، س، وفي ت ١، ف: \"ساكتا\".\n(^٣) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٢/ ٤٢ عن المصنف، وأصل الأثر في صحيح البخارى (٤٢١، ٣١٦٥) من حديث أنس بن مالك.","vol":"11","page":285},{"text":"ابن عباس قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ الآية، وكان العباسُ أُسِرَ يومَ بدرٍ، فاقْتَدى نفسَه بأربعين أُوقيةً من ذهبٍ، فقال العباسُ حينَ نَزَلت هذه الآيةُ: لقد أعطانا (^١) اللَّهُ خَصْلتين ما أحبُّ أن لي بهما الدنيا؛ إنى أُسِرتُ يومَ بدرٍ، ففَدَيتُ نفسي بأربعين أوقيةً، فآتاني أربعين عبدًا، وأنا أرجو المغفرةَ التي وَعَدنا اللَّهُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يعنى بذلك مَن أُسِرَ يومَ بدرٍ، يقولُ: إِن عَمِلتُم بطاعتى، ونصَحتُم لرسولى، آتيتُكم خيرًا مما أُخِذ منكم، وغَفَرتُ لكم (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾: عباسٌ وأصحابهُ، قال: قالوا للنبيِّ ﷺ: آمنَّا بما جئتَ به، ونَشْهَدُ أنك لرسولُ اللَّهِ، لنَنْصَحَنَّ لك على قومِنا، فنَزَل: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾: إيمانًا وتَصْديقًا، يَخْلُفُ لكم خيرًا مما أُصِيب منكم، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الشركَ الذي كنتم عليه. قال: فكان العباسُ يقولُ: ما أُحبُّ أن هذه الآيةَ لم تنزلْ فينا وأن لىَ الدنيا، لقد قال: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾، فقد أعْطاني خيرًا مما أُخِذَ منى مائةَ ضعفٍ، وقال: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، وأرجو أن يكونَ قد غفرَ لي.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ\n_________\n(^١) في م، وتفسير ابن أبي حاتم: \"أعطاني\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣٧، والبيهقي في الدلائل ٣/ ١٤٣ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٦/ ٢٩٣ - من طريق أبي صالح به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣٧ عن محمد بن سعد به مختصرًا.","vol":"11","page":286},{"text":"سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ من الآية. يعنى: العباسَ وأصحابهَ، أُسِروا يومَ بدرٍ، يقولُ اللَّهُ: إِن عَمِلتم بطاعتى، ونَصَحتم لي ولرسولى، أعطيتُكم خيرًا مما أُخذَ منكم، وغَفَرتُ لكم. وكان العباسُ بنُ عبدِ المطَّلب يقولُ: لقد أعْطانا اللَّهُ خَصْلتين ما شيءٌ هو أفضلُ منهما؛ عشرين عبدًا، وأما الثانيةُ، فنحن في موعودِ الصادقِ، نَنْتَظِرُ المغفرةَ من اللَّهِ سبحانَه (^١).\n\n<span id=\"aya-1231\"></span><span data-type='title' id=toc-3792>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: وإن يُرِدْ هؤلاء الأُسارى الذين في أيديكم ﴿خِيَانَتَكَ﴾، أي الغدرَ بك والمكرَ والخداعَ، بإظهارِهم لك بالقولِ خلافَ ما في نفوسِهم، ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: فقد خالَفوا أمرَ اللَّهِ من (^٢) قبل وقعة بدرٍ، وأمكَن منهم ببدرٍ المؤمنين، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يقولون بألسنتِهم، ويُضْمِرونه في نفوسِهم، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تَدْبيرِهم وتَدْبيرِ أمورِ خلقِه سواهم.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3791>ذكر مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ يعنى العباسَ وأصحابَه في قولِهم: آمنَّا بما جئتَ به، ونشهدُ أنك رسولُ الله، لنَنصَحنَّ لك على قومِنا. يقولُ: إن كان قولهم خيانةً ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣٧ من طريق أبي معاذ به.\n(^٢) في م: \"ممن\".","vol":"11","page":287},{"text":"يقولُ: قد كَفَروا وقاتَلوك، فأمكَنك اللَّهُ منهم.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ الآية. قال: ذُكِر لنا أن رجلًا كتب لنبيِّ اللَّهِ ﷺ، ثم عمَد فنافَقَ، فلَحِقَ بالمشركين بمكةَ، ثم قال: ما كان محمدٌ يَكْتُبُ إلا ما شئتُ. فلما سَمِعَ ذلك رجلٌ من الأنصارِ، نَذَر لئن أمكنَه اللَّهُ منه ليَضْرِبَنَّه بالسيفِ، فلما كان يومُ الفتحِ أمَّن رسولُ اللَّهِ ﷺ الناسَ إلا عبدَ اللَّهِ بنَ سعدِ بن أبي سَرْحٍ، ومِقْيَسَ بنَ صُبابةَ (^١)، وابنَ خَطَلٍ، وامرأةً (^٢) كانت تدعو على النبيِّ ﷺ كلَّ صباحٍ، فجاء عثمانُ بابنِ أبى سَرْحٍ، وكان رضيعَه أو أخاه من الرضاعةِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، هذا فلانٌ أقبَل تائبًا نادمًا، فأعرَض عنه (^٣) نبيُّ اللَّهِ ﷺ، فلمَّا سمِع به الأنصاريُّ أقبل متقلِّدًا سيفَه، فأطاف به، وجعَل يَنْظُرُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ رَجاءَ أن يُومِئَ إليه، ثم إن رسولَ اللَّهِ ﷺ قَدَّم يدَه فبايَعَه، فقال: \"أما واللَّهِ لقد تلوَّمْتُك فيه لتوفىَ نذرَك\". فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، إنى هِبْتُك، فلولا أو مَضتَ إليَّ (^٤). فقال: \"إنه لا ينبغى لنبيٍّ أن يُومِضَ\" (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: قد كفَروا باللَّهِ، ونقَضوا عهدَه، فأمكَن منهم يبدرٍ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"ضبابة\". وينظر الإكمال ٢/ ٤٥٤.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"امرأته\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أو مضت إليَّ: أشرت إليَّ إشارة خفية. النهاية ٥/ ٢٣٠.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣٨ من طريق سعيد بن بشير عن قتادة بنحوه، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٥/ ٦٠، ٦١ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٩/ ٣٠، ٣١ - من طريق الحكم بن عبد الملك قتادة أنس بن مالك بنحوه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣٨ من طريق أحمد بن مفضل به.","vol":"11","page":288},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3794>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: إن الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه ﴿وَهَاجَرُوا﴾. يعني: هجروا قومهم وعَشيرتَهم ودورَهم - يعني: تركوهم وخرجوا عنهم - وهجَرهم قومُهم وعشيرتُهم ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: بالغُوا في إتعابِ نفوسِهم وإنصابِها في حربِ أعداءِ اللَّهِ من الكفارِ، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ في دينِ اللَّهِ الذي جعَله طريقًا إلى رحمتِه والنجاةِ من عذابِه، ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾. يقولُ: والذين آوَوْا رسولَ اللَّهِ والمهاجرين معه. يعنى: أنهم جعَلوا لهم مأوىً يَأْوُون إليه، وهو المثوى والمسكنُ. يقولُ: أسكنوهم وجعَلوا لهم من منازلِهم مساكنَ، إذ أخْرَجهم قومُهم من منازلِهم، ﴿وَنَصَرُوا﴾. يقولُ: ونصروهم على أعدائِهم وأعداءِ اللَّهِ من المشركين. ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. يقولُ: هاتان الفرقتان يعنى المهاجرين والأنصارَ - بعضُهم أنصارُ بعضٍ، وأعوانٌ على مَن سِواهم من المشركين، وأيديهم واحدةٌ على من كفَر باللهِ، وبعضُهم إخوانٌ لبعضٍ دونَ أقربائِهم الكفارِ.\nوقد قيل: إنما عُنى بذلك أن بعضَهم أولى بميراثِ بعضٍ وأن اللَّهَ ورَّث بعضَهم من بعضٍ بالهجرةِ والنُّصرة دونَ القرابةِ والأرحامِ، وأن اللَّهَ نسَخ ذلك بعدُ بقولِه: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، [الأحزاب: ٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-3793>ذكر مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ","vol":"11","page":289},{"text":"آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. يعني: في الميراثِ، جعَل الميراثَ للمهاجرين والأنصارِ دونَ ذوى الأرحامِ، قال اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾. يقولُ: ما لكم من ميراثِهم من شيءٍ، وكانوا يَعْمَلون بذلك، حتى أنزل اللَّهُ هذه الآية: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، [الأحزاب: ٦] في الميراث، فنَسَخت التي قبلَها، وصار الميراثُ لذوى الأرحامِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: لا هجرة بعد الفتح، وإنما هو الشهادةُ بعدَ ذلك، ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى قولِه: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾، وذلك أن المؤمنين كانوا على عهد رسولِ الله ﷺ على ثلاثِ منازلَ؛ منهم المؤمنُ المهاجرُ المباينُ (^٢) لقومِه في الهجرةِ، خرَج إلى قومٍ مؤمنين (^٣) في ديارِهم وعَقارِهم وأموالِهم (^٤). ﴿آوَوْا وَنَصَرُوا﴾. وأعلنوا ما أعْلَن أهلُ الهجرةِ، وشهَروا السيوفَ على من كذَّب وجحَد، فهذانِ مؤمنانِ جعَل اللَّهُ بعضَهم أولياءَ بعضٍ، فكانوا يَتَوارَثون بينَهم إذا تُوُفِّي المؤمنُ المهاجرُ (^٥) بالولايةِ في الدينِ، وكان الذي آمَن ولم يهاجِرْ لا يَرِثُ؛ من أجلِ أنه لم يُهاجِرْ ولم ينصُرْ، فبرَّأ اللَّهُ المؤمنين المهاجرين من\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣٩، ١٧٤٠ مفرقًا ببعضه من طريق أبي صالح به. كما أخرجه ابن أبي حاتم في ٥/ ١٧٤٣ من طريق آخر عن ابن عباس بنحو شطره الثاني.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"والمباين\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، س، ف.\n(^٤) بعده في م: \"وفي قوله\".\n(^٥) بعده في م: \"ورثه الأنصارى\".","vol":"11","page":290},{"text":"ميراثِهم، وهى الوَلايةُ التي قال اللَّهُ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾، وكان حقًّا على المؤمنين و(^١) الذين آوَوا ونصَروا إذا اسْتَنصَروهم في الدين أن يَنْصُروهم إن قاتَلوا (^٢)، إلا أن يَستَنْصروا على قومٍ بينَهم وبينَ النبيِّ ﷺ ميثاقٌ، فلا نصر لهم عليهم إلا على العدوِّ الذين لا ميثاقَ لهم، ثم أنزل اللَّهُ بعدَ ذلك أَلْحَقَ كلَّ ذى رَحِمٍ برَحمِه من المؤمنين الذين هاجروا والذين آمنوا ولم يُهاجروا، فجعَل لكلِّ إنسانٍ من المؤمنين نصيبًا مفروضًا بقولِه: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وبقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الثلاثُ الآياتِ خواتيمُ \"الأنفالِ\"، فيهن ذِكرُ ما كان من وَلايةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بينَ مهاجرى المسلمين، و(^٤) بينَ الأنصارِ في الميراثِ، ثم نسَخ ذلك آخرُها: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن كثيرٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ إلى قولِه: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. قال: بَلَغنا أنها كانت في الميراثِ، لا يتوارثُ المؤمنون الذين هاجروا والمؤمنون الذين لم يهاجروا. قال: ثم نزَل بعدُ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) كذا في النسخ، وفي ابن أبي حاتم: \"قوتلوا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣٨ - ١٧٤٠ مفرقًا، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٣٥٣ من طريق محمد بن سعد به.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ما كان\".","vol":"11","page":291},{"text":"أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. فتوارثوا ولم يهاجِروا. قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: خواتيمُ \"الأنفالِ\" الثلاثُ الآياتِ (^١) فيهن ذِكرُ ما كان والَى رسولُ اللَّهِ ﷺ بينَ المهاجرين المسلمين وبينَ الأنصارِ في الميراثِ، ثم نسَخ ذلك آخرُها: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ إلى قولِه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ قال: لَبِث المسلمون زمانًا يَتوارثون بالهجرةِ، والأعرابيُّ المسلمُ لا يَرِثُ من المهاجرِ شيئًا، فنسَخ ذلك بعدَ ذلك قولُ (^٢) اللَّهِ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦]، أي: من أهلِ الشركِ، فأُجيزت الوصيةُ، ولا ميراثَ لهم، وصارت المواريثُ بالمللِ، والمسلمون يَرِثُ بعضُهم بعضًا من المهاجرين والمؤمنين، ولا يرثُ أهلُ مِلَّتين.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحُسَينِ (^٣)، عن يزيدَ، عن عكرمةَ والحسنِ، قالا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾. وكان الأعرابيُّ لا يرثُ المهاجرَ، ولا يرِثُه المهاجرُ، فنسَخها فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فألحق\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الحسن\". وهو الحسين بن واقد. ينظر تهذيب الكمال ٦/ ٤٩١.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣٩، وابن الجوزي في ناسخه ص ٣٥٥ من طريق حبيب بن الزبير=","vol":"11","page":292},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ في الميراثِ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ وهؤلاء الأعرابُ ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ في الميراثِ ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾. يقولُ: بأنهم مسلمون. ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ في الميراث ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ الذين توارثوا على الهجرةِ في كتابِ الله، [ثم نسَختْها الفرائضُ والمواريثُ] (^١)، فتَوارَث الأعرابُ والمهاجرون (^٢).\n\n<span id=\"aya-1232\"></span><span data-type='title' id=toc-3795>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾.</span>\nيعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (^٣) باللَّهِ ورسولِه ﴿وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ قومَهم الكفارَ، ولم يُفارِقوا دارَ الكفرِ إلى دارِ الإسلامِ، ﴿مَا لَكُمْ﴾ أيُّها المؤمنون باللَّهِ ورسولِه المهاجرون قومَهم المشركين وأرضَ الحربِ ﴿مِنْ وَلَايَتِهِمْ﴾. يعنى: من نُصرتهم وميراثِهم (^٤) - وقد ذكَرتُ قولَ بعضِ من قال: معنى الوَلايةِ ههنا\n_________\n= عن عكرمة بنحوه. وذكره ابن الجوزى أيضًا عن الحسن معلقًا، وأخرجه ابن الجوزى ص ٣٥٤ من طريق الحسين عن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس.\n(^١) وقعت هذه الجملة في ص، ت ١، ت ٢، س، ف بعد قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ السالف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٣٩، ١٧٤٠ من طريق أحمد بن المفضل ببعضه.\n(^٣) بعده في م: ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"براءتهم\"، وفي م: \"ميراثهم\". والمثبت موافق للسياق وما سيأتي من الآثار التالية.","vol":"11","page":293},{"text":"الميراثُ. وسأذكُرُ إن شاء اللَّهُ من حضَرَنى ذكرُه بعد - ﴿مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ قومَهم ودورَهم من دارِ الحربِ إلى دارِ الإسلامِ ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ يقولُ: إن استنصركم هؤلاء الذين آمنوا، ولم يُهاجروا. ﴿فِي الدِّينِ﴾. يعنى: بأنهم من أهلِ دينِكم على أعدائِكم وأعدائِهم من المشركين، فعليكم أيُّها المؤمنون من المهاجرين والأنصار النصرُ، إلا أن يَستَنصروكم ﴿عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. يعني: عهدٌ قد وثَّق به بعضُكم على بعضٍ أن لا يحارِبَه ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ بما تعمَلون فيما أمَرَكم ونهاكم من وَلايةِ بعضِكم بعضًا أيُّها المهاجرون والأنصارُ، وتركِ وَلايةِ من آمن ولم يُهاجرْ، ونُصْرتِكم إياهم عندَ استنصارِكم في الدين، وغير ذلك من فرائضِ اللَّهِ التي فَرَضَها عليكم ﴿بَصِيرٌ﴾ يراه ويبصرُه، فلا يخفَى عليه من ذلك ولا من غيرِه شيءٌ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: كان المسلمون يَتوارثون بالهجرةِ، وآخَى النبيُّ ﷺ بينَهم، فكانوا يَتَوارَثون بالإسلامِ والهجرةِ، وكان الرجلُ يُسْلِمُ ولا يُهاجِرُ، لا (^١) يَرِثُ أخاه، فنَسخ ذلك قولُه: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ (^٢) [الأحزاب: ٦].\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، أن النبيَّ ﷺ أخَذ على رجلٍ دخَل في الإسلامِ، فقال: \"تُقيم الصلاةَ، وتؤتِي الزكاةَ، وتَحُجُّ البيتَ، وتَصومُ رمضانَ، وأنك لا تَرَى نارَ مشركٍ إلا وأنت حربٌ\" (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"ولا\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢٦٢ - ومن طريقه النحاس في ناسخه ص ٤٧٤ - عن معمر به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦٢، وفي مصنفه (٩٨٢٤) عن معمر به.","vol":"11","page":294},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ﴾. يعنى: إن استَنْصَرَكم الأعرابُ المسلمون أيُّها المهاجرون والأنصارُ على عدوِّهم فعليكم أن تَنْصُروهم ﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قال: قال ابن عباسٍ: ترَك النبيُّ ﷺ الناسَ يومَ تُوُفِّي على أربع منازلَ؛ مؤمنٌ مهاجرٌ، والأنصارُ، وأعرابيٌّ مؤمنٌ لم يُهاجرْ، إن استَنْصَره النبيُّ ﷺ نصَره، وإن ترَكه فهو إذُنه (^٢)، وإن استنْصَر النبيَّ ﷺ ما في الدينِ كان حقًّا عليه أن يَنصُرَه (^٣)، فذلك قولُه: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾، والرابعةُ التابعون بإحسانٍ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينُ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ إلى آخر السورةِ: فإن (^٤) رسولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّي وترك الناسَ على أربعِ منازلَ؛ مؤمنٌ مهاجرٌ، ومسلمٌ أعرابيٌّ، والذين آوَوْا ونصَروا، والتابعون بإحسانٍ (^٥).\n\n<span id=\"aya-1233\"></span><span data-type='title' id=toc-3796>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ باللَّهِ ورسوله ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٤٠ من طريق أبي صالح به.\n(^٢) في م: \"إذن له\".\n(^٣) في ص: \"ينصرهم\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٤٢ من طريق أبي معاذ به.","vol":"11","page":295},{"text":"بَعْضٍ﴾. يقولُ: بعضُهم أعوانُ بعضٍ وأنصارُه، وأحقُّ به من المؤمنين باللَّهِ ورسولِه.\nوقد ذكَرنا قولَ من قال: عنى بأنَّ (^١) بعضَهم أحقُّ بميراثِ بعضٍ من قرابتِهم من المؤمنين. وسنذكُرُ بقيةَ من حضَرَنا ذكرُه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، قال: قال رجلٌ: نُورِّثُ أرحامَنا من المشركين؟ فنزَلَت: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الآيةَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. نزَلَت في مواريثِ مُشركي أهلِ العهدِ (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ إلى قولِه: ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. قال: كان المؤمنُ المهاجِرُ والمؤمنُ الذي ليس بمهاجرٍ لا يتَوارَثان وإن كانا أخوَين مؤمنين. قال: وذلك لأن هذا الدينَ كان بهذا البلدِ قليلًا، حتى كان يومُ الفتحِ وانقَطَعت الهجرةُ توارَثوا حيثما كانوا بالأرحامِ، وقال النبيُّ ﷺ: \"لا هجرةَ بعدَ الفتحِ\". وقرَأ (^٤): ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾.\nوقال آخرون: معنى ذلك أن الكفارَ بعضُهم أنصارُ بعضٍ، وأنه لا يكونُ مؤمنًا من كان مقيمًا بدارِ الحربِ لم يهاجِرْ.\n_________\n(^١) في م: \"بيان أن\". ورسمت في ص، ت ١، ت ٢، س: \"بيان\".\n(^٢) تفسير الثورى ص ١٢٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٤١.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠٦ إلى المصنف.\n(^٤) في ف: \"اقرؤا\".","vol":"11","page":296},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3797>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. قال: كان يَنْزِلُ الرجلُ بينَ المسلمين والمشركين، فيقولُ: إن ظهَر هؤلاء كنتُ معهم، وإن ظهَر هؤلاء كنتُ معهم. فأبَى اللَّهُ عليهم ذلك، وأنزَل اللَّهُ في ذلك، فلا تَراءى نارُ مسلمٍ و(^١) نارُ مشركٍ، إلا صاحبَ جِزيةٍ مُقرًّا بالخراجِ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حضَّ اللَّهُ المؤمنين على التواصُلِ، فجعَل المهاجرين والأنصارَ أهلَ وَلايةٍ (^٢) في الدينِ دونَ من سِواهم، وجعَل الكفارَ بعضَهم أولياءَ بعض (^٣).\nوأما قوله: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختَلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: إلا تَفْعَلُوا أَيُّها المؤمنون ما أُمِرتُم به من مُوارَثةِ المهاجرين منكم بعضِهم من بعضٍ بالهجرةِ والأنصارِ بالإيمانِ، دونَ أقربائِهم من أعرابِ المسلمين و(^٤) دونَ الكفارِ ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ﴾. يقولُ: يحدُثْ بلاءٌ في الأرضِ بسببِ ذلك، ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. يعنى: ومعاصٍ للَّهِ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-3798>ذكر مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، س: \"لا\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"ولايته\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٤٢ من طريق سلمة به.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الله\".","vol":"11","page":297},{"text":"تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. إلا تَفْعلوا هذا تَتْرُكوهم يَتَوارثون كما كانوا يَتَوارثون ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. قال: ولم يَكُنْ رسولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ الإيمانَ إلا بالهجرةِ، ولا يَجعلونهم منهم إلا بالهجرةِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. يعنى: في الميراثِ. ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾. يقولُ: إلا تأْخُذوا في الميراثِ بما أَمَرتُكم به ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: إلا تَناصروا أيُّها المؤمنون في الدِّينِ تَكُنْ فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبيرٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3799>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: جعَل المهاجرين والأنصارَ أهلَ وَلايةٍ (^٢) في الدين دونَ من سِواهم، وجعل الكفارَ بعضَهم أولياءَ بعضٍ، ثم قال: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ أَن يَتَولَّى المؤمنُ الكافرَ دونَ المؤمنِ. ثم ردَّ المواريثَ إلى الأرحامِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قولُه: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. قال: إلا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٤١، وأبو عبيد في ناسخه ص ٣٢٨، ٣٢٩ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص، ف: \"ولايته\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٧ بنحوه. وقوله: ثم رد المواريث إلى الأرحام. ليس محل تفسير هذه الآية، بل تفسير الآية (٧٥) في قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾.","vol":"11","page":298},{"text":"تَعاوَنوا وتَناصروا في الدين تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبيرٌ (^١).\nقال أبو جعفر: وأولى التأويلين بتأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ قولُ من قال: معناه أن بعضَهم أنصارُ بعضٍ دونَ المؤمنين، وأنه دَلالةٌ على تحريمِ الله على المؤمنِ المُقامَ في دار الحربِ، وتركَ الهجرةِ؛ لأن المعروفَ في كلامِ العربِ من معنى الوليِّ أنه النَّصيرُ والمُعينُ، أو ابن العمِّ والنَّسيبُ. فأما الوارثُ فغيرُ معروفٍ ذلك من معانيه، إلا بمعنى أنه يَليه في القيام بإِرثِه من بعدِه، وذلك معنًى بعيدٌ، وإن كان قد يَحتَمِلُه الكلامُ. وتوجيهُ معنى كلامِ الله إلى الأظهرِ الأشهرِ أولى من توجيههِ إلى خلافِ ذلك.\nوإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ أن أولى التأويلين بقوله: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ تأويلُ من قال: إلا تَفْعَلوا ما أمرتُكم به من التعاونِ والنُّصرةِ على الدين، تكُنْ فتنةٌ في الأرضِ. إذ كان مبتدأُ الآيةِ من قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بالحثِّ على الموالاةِ على الدين والتَّناصُرِ جاء، وكذلك الواجبُ أن يكونَ خاتمتُها به.\n\n<span id=\"aya-1234\"></span><span data-type='title' id=toc-3800>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ آوَوْا رسول الله ﷺ والمهاجرين معه، ونصروهم ونصَروا دينَ الله، أولئك هم أهلُ الإيمانِ بالله ورسوله حقًّا، لا مَن آمَن ولم يُهاجرْ دارَ الشركِ، وأقام بينَ أظهرِ أهلِ الشركِ، ولم يَغزُ مع المسلمين عدوَّهم، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾. يقولُ: لهم\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ٣٨٠.","vol":"11","page":299},{"text":"سِترٌ من الله على ذنوبهم بعفوه لهم عنها ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: لهم في الجنةِ مَطعمٌ (^١) ومشربٌ هَنيٌّ كريمٌ، لا يتغيَّرُ في أجوافِهم فيصيرَ نَجوًا (^٢)، ولكنه يصيرُ رَشْحًا كرشحِ المسكِ.\nوهذه الآيةُ تُنْبئُ عن صحةِ ما قلنا: إن معنى قول الله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ في هذه الآيةِ، وقولِه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إنما هو النُّصرةُ والمعونةُ دونَ الميراثِ؛ لأنه جلَّ ثناؤُه عقَّب ذلك بالثناء على المهاجرين والأنصارِ، والخبرِ عما لهم دونَ من لم يُهاجرْ بقولِه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ الآية، ولو كان مُرادًا بالآيات قبل ذلك الدَّلالةُ على حكم ميراثِهم لم يَكُنْ عقيب ذلك إلا الحثُّ على مُضِيِّ الميراثِ على ما أمَر، وفى صحةِ ذلك كذلك الدليلُ الواضحُ على أن لا ناسخَ في هذه الآيات لشيءٍ ولا منسوخَ.\n\n<span id=\"aya-1235\"></span><span data-type='title' id=toc-3801>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: والذين آمنوا بالله ورسولِه من بعدِ تِبياني ما بيَّنْتُ من وَلايةِ المهاجرين والأنصار بعضهم بعضًا، وانقطاعِ وَلايتِهم ممن آمَن ولم يُهاجِرْ حتى يُهاجر، ﴿وَهَاجَرُوا﴾ دارَ الكفرِ إلى دارِ الإسلامِ، ﴿وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ أيُّها المؤمنون، ﴿فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ في الوَلايةِ، يَجبُ عليكم لهم من الحقِّ والنُّصرةِ في الدينِ والموارثةِ مثلُ الذي يجبُ لكم عليهم، ولبعضكم على بعضٍ.\n_________\n(^١) في م: \"طعم\".\n(^٢) النَّجو: ما يخرج من البطن من ريح وغائط. اللسان (ن ج و).","vol":"11","page":300},{"text":"كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثم ردَّ المواريثَ إلى الأرحامِ التي بينَهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: بالميراثِ (^١)، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3803>القول في تأويل قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرهُ: والمُتناسِبون بالأرحامِ بعضُهم أولى ببعضٍ في الميراثِ، إذا كانوا ممَّن قسَم الله له منه نصيبًا وحظًّا من الحليف والوليِّ، ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. يقولُ: في حكم الله الذي كتبَه في اللوحِ المحفوظِ والسابقِ من القضاءِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يقولُ: إن الله عالمٌ بما يُصلِحُ عبادهَ في توريثِه بعضَهم من بعضٍ بالقَرابةِ (^٣) والنسب دونَ الحِلْفِ بالعَقْدِ، وبغير ذلك من الأمور كلِّها، لا يَخفَى عليه شيءٌ منها.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3802>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بن سليمانَ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا قتادةُ أنَّه قال: لا يَرِثُ الأعرابيُّ المُهَاجِرَ، حتى أنزل الله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، [الأحزاب: ٦] (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"في الميراث\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٧.\n(^٣) في م: \"في القرابة\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٠٧ إلى المصنف، وينظر تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٦٢.","vol":"11","page":301},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا مُعاذٌ، قال: ثنا ابن عَوْنٍ، عن عيسى بن الحارثِ، أن أخاه شُريحَ بن الحارثِ كانت له سُرِّيَّةٌ، فوَلَدت منه جاريةً، فلما شَبَّت الجاريةُ زُوِّجَت، فوَلَدَت غلامًا، ثم ماتَت السُّرِّيَّةُ، واختَصم شُرَيحُ بنُ الحارثِ والغلامُ إلى شُرَيحٍ القاضي في ميراثها، فجَعَل شُرَيحُ بنُ الحارثِ يقولُ: ليس له ميراثٌ في كتابِ اللهِ. قال: فقَضَى شُرَيحٌ بالميراثِ للغلامِ. قال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. فرَكِبَ مَيْسَرَةُ بنُ يَزِيدَ إِلى ابن الزُّبَيرِ، وأخبرَه بقضاءِ شُريحٍ وقوله، فكَتَب ابن الزَّبَيرِ إِلى شُرَيحٍ: إِن مَيْسَرَةَ أَخبرني أنك قَضَيتَ بكذا وكذا، وقلتَ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. وإنه ليس كذلك، إنما نَزَلَت هذه الآيةُ؛ أن الرجلَ كان يُعاقِدُ الرجلَ يقولُ: تَرِثْنى وأَرِتُك: فنَزَلَت: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. فجاء بالكتابِ إِلى شُرَيحٍ، فقال شُرَيحٌ: أَعْتَقَهَا جَنَانُ (^١) بَطْنِها. وأبَى أَن يَرْجِعَ عن قضائه (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن عَوْنٍ، قال: ثنى عيسى بنُ الحارثِ، قال: كانت لشُرَيح بن الحارث سُرِّيَّةٌ، فَذَكَر نحوَه، إلا أنه قال في حديثِه: كان الرجلُ يُعاقِدُ الرجلَ يقولُ: تَرِثُنى وأَرِثُك. فلمَّا نَزَلَت تُرِك ذلك.\n[آخر تفسيرِ سورةِ \"الأنفالِ\". والحمد لله وحدَه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله] (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"جنين\". والجنان من كل شيء: جوفه. والجنان: ما سَتر. الوسيط (ج ن ن).\n(^٢) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ٢/ ٣٢٠، ٣٢١ من طريق ابن عون بنحوه، وأخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٢٣ من طريق معاذ به مختصرا في تفسير ابن الزبير للآية، وليس فيه القصة.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"11","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3804>القولُ في تفسير السورة التي يُذْكَرُ فيها التوبةُ</span>\n\n<span id=\"aya-1236\"></span><span data-type='title' id=toc-3805>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ </span>(٢)﴾.\nيعنى بقوله: جلَّ ثناؤُه: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. هذه براءةٌ مِن اللَّهِ ورسوله.\nفـ ﴿بَرَاءَةٌ﴾ مرفوعةٌ بمحذوفٍ، وهو هذه، كما في قولِه: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١] مرفوعةٌ بمحذوفٍ هو هذه، ولو قال قائلٌ: ﴿بَرَاءَةٌ﴾ مرفوعةٌ بالعائدِ مِن ذكرِها في قولِه: ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾. وجَعَلها كالمعرفةِ تَرْفَعُ ما بعدَها، إذْ كانت قد صارَت بصِلَتِها، وهى قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِه﴾ كالمعرفةِ، وصار معنى الكلامِ: براءةٌ (^١) من الله ورسولِه، إلى الذين عاهَدْتم مِن المشركين. كان مذهبًا غيرَ مَدْفوعةٍ صحتُه، وإن كان القولُ الأولُ أعجبَ إِليَّ؛ لأن مِن شَأْنِ العربِ أن يُضْمِروا لكلِّ مُعاينٍ، نكرةً كان أو معرفةً ذلك المُعاينُ، \"هذا\" و\"هذه\"، فيقولون عندَ مُعاينتِهم الشيءَ الحسنَ: حسنٌ والله. والقبيحَ: قَبيحٌ واللهِ. يُريدون: هذا حسنٌ والله، وهذا قبيحٌ والله؛ فلذلك اخْتَرتُ القولَ الأَوَّلَ.\nوقال: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾. والمعنى: إلى الذين عاهد رسول الله ﷺ من المشركين؛ لأن العُهودَ بينَ المسلمين والمشركين على عهدِ رسول الله ﷺ، لم يكن يَتَوَلَّى عَقْدَها إلا رسولُ الله ﷺ، أو مَن يَعْقِدُها بأَمْرِه،\n_________\n(^١) كذا في النسخ ولعل صوابها: \"البراءة\".","vol":"11","page":303},{"text":"ولكنه خاطَب المؤمنين بذلك لعِلْمِهم بمعناه، وأن عُقُودَ النبيِّ ﷺ على أمتِه كانت عُقُودَهم؛ لأنهم كانوا لكلِّ أفعالِه فيهم راضِين، ولعُقُودِه عليهم مُسَلِّمين، فصارَ عَقْدُه عليهم كعُقُودِهم على أنفسِهم؛ فلذلك قال: ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. لما كان مِن عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَهْدِهِ.\nوقد اختَلَف أهلُ التأويلِ فيمَن بَرِيءَ الله ورسولُه إليه مِن العهدِ الذي كان بينَه وبين رسولِ اللهِ من المشركين، فأَذِنَ له في السِّياحة في الأرضِ أربعةَ أشهرٍ.\nفقال بعضُهم: هُم صِنْفان من المشركين:\nأحدُهما: كانت مُدَّةُ العهدِ بينَه وبين رسولِ اللَّهِ ﷺ أقلَّ مِن أربعةِ أشهرٍ، وأُمْهِلَ بالسِّياحة أربعةَ أشهرٍ.\nوالآخرُ منهما: كانت مُدَّةُ عَهْدِه بغيرِ أَجَلٍ محدودٍ، فقُصِر به على أربعة أشهرٍ ليَرْتادَ لنفسِه، ثم هو حَرْبٌ بعد ذلك للهِ ولرسولِه وللمؤمنين، يُقْتَلُ حيثما أُدْرِكَ ويُؤسَرُ إلا أن يتوبَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3806>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: بَعَث رسولُ اللَّهِ ﷺ أبا بكرٍ الصِّديقَ، ﵁، أميرًا على الحاجِّ من سنة تسْعٍ؛ ليُقيمَ للناسِ حَجَّهم، والناسُ من أهل الشِّرْكِ على منازلِهم مِن حَجِّهم. فخَرَج أبو بكرٍ ومَن معه من المسلمين، ونَزَلَت سورةُ \"براءة\" في نَقْضِ (^١) ما بين رسولِ اللَّهِ ﷺ وبينَ المشركين من العهدِ الذي كانوا عليه فيما بينَه وبينَهم: أن لا يُصَدَّ عن البيتِ أَحدٌ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بعض\".","vol":"11","page":304},{"text":"جاءه، وأن لا يُخاف أحدٌ في الشهرِ الحرام. وكان ذلك عهدًا عامًّا بينه وبين الناسِ من أهل الشركِ. وكانت بين (^١) ذلك عُهُودٌ بينَ رسولِ اللَّهِ ﷺ وبين قبائلَ مِن العرب خصائص إلى أجلٍ مُسَمًّى، فَنَزَلَت فيه وفيمَن تَخَلَّف عنه مِن عنه من المنافقين في تَبوكَ، وفى قول من قال منهم، فكَشَف الله فيها سرائر أقوام كانوا يَسْتَخفون بغير ما يُظْهِرون، منهم مَن سُمِّي لنا، ومنهم من لم يُسَمَّ لنا، فقال: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾. أي لأهل العهد العامِّ من أهلِ الشِّرْكِ من العرب ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. إلى قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾. أي: بعد هذه الحَجَّةِ (^٢).\nوقال آخرون: بل كان إمهالُ اللهِ، ﷿، بسياحة أربعة أشهرٍ، مَن كان مِن المشركين بينَه وبينَ رسول الله ﷺ، عهدٌ، فأما مَن لم يكن له من رسولِ اللهِ عهدٌ، فإنما كان أَجَلُه خمسين ليلةً، وذلك عشرون من ذى الحجَّة والمحرَّمُ كلُّه. قالوا: وإنما كان ذلك كذلك؛ لأن أَجَلَ الذين لا عهدَ لهم كان إلى انسلاخ الأشهر الحُرُم، كما قال الله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. الآية، قالوا: والنداء بـ \"براءةَ\"، كان يوم الحجِّ الأكبر، وذلك يومُ النَّحْرِ في قولِ قومٍ، وفى قولِ آخرين يومُ عرفةَ، وذلك خمسون يومًا.\nقالوا: وأمَّا تأجيلُ الأشهرِ الأربعةِ، فإنما كان لأهلِ العهدِ بينَهم وبينَ رسولِ اللهِ ﷺ من يومِ نَزَلَت ﴿بَرَاءَةٌ﴾. قالوا: ونَزَلَت في أوَّلِ شوَّالٍ، فكان انقضاءُ مُدَّةٍ أجلهم انسلاخَ الأشهر الحُرُمِ. وقد كان بعضُ مَن يقولُ هذه المقالة يقولُ: ابتداءُ التَّأجيل كان للفريقين واحدًا - أعنى الذي له العهدُ، والذي لا عهدَ له - غيرَ أن أجلَ\n_________\n(^١) في ف: \"من\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٤٣.","vol":"11","page":305},{"text":"الذي كان له عهدٌ كان أربعة أشهرٍ، والذي لا عهدَ له انسلاخَ الأشهرِ الحُرُمِ، وذلك انقضاءُ المُحرَّمِ.\n\n<span id=\"aya-1237\"></span><span data-type='title' id=toc-3807>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. قال: حَدَّ الله للذين عاهَدوا رسوله أربعة أشهرٍ، يسيحون فيها حيثما شاءُوا، وحدَّ (^١) أَجَلَ مَن ليس له عهدٌ، انسلاخَ الأشهرِ الحُرُمِ مِن يومِ النَّحْرِ إلى انسلاخ المُحَرَّمِ، خمسين ليلةً، فإذا انسَلَخ الأشهرُ الحُرُمُ، أَمَره بأن يَضَعَ السيف فيمَن عاهَد (^٢).\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لمَّا نَزَلَت: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إلى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: براءةٌ من المشركين الذين كان لهم عهدٌ، يومَ نَزَلَت \"براءةُ\"، فجَعَل مُدَّةَ مَن كان له عهدٌ قبل أن تَنْزِلَ \"براءةُ\" أربعة أشهرٍ، وأمَرهم أن يَسِيحوا في الأرض أربعةَ أشهرٍ، وجَعَل مُدَّةَ المُشْرِكين الذين لم يكنْ لهم عهدٌ قبل أن تَنْزِلَ \"براءةُ\" انسلاخَ الأشهر الحُرُمِ، وانسلاخُ الأشهرِ الحُرُمِ مِن يوم أُذِّنَ بـ \"براءة\" إلى انسلاخِ المُحَرَّمِ، وهى خمسون ليلةً: عشرون من ذى الحِجَّة، وثلاثون من المُحرَّمِ ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾. يقولُ: لم يَبْق لأحدٍ من المشركين عهدٌ ولا ذِمَّةٌ منذُ نَزَلَت \"براءةُ\"،\n_________\n(^١) زيادة من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٤٦، ١٧٥١، ١٧٥٢ (٩٢١٨، ٩٢٥٠، ٩٢٥٥) من طريق أبي صالح به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١٠ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":306},{"text":"وانسَلَخ الأشهرُ الحُرُمُ، ومُدَّةُ مَن كان له عهدٌ من المشركين قبلَ أن تَنْزِلَ \"براءةُ\" أربعة أشهرٍ مِن يومِ أُذُنَ بـ \"براءةَ\" إلى عشرٍ من أوَّلِ ربيع الآخر، فذلك أربعةُ أشهرٍ (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾. قبل أن تَنْزِلَ \"براءةُ\" عاهَد ناسًا من المشركين مِن أهل مكةَ وغيرهم، فنَزَلَت: \"براءةُ\" من الله إلى كلِّ أحدٍ ممن كان عاهَدَك مِن المشركين، فإنى أَنْقُضُ العهدَ الذي بينَك وبينَهم، فأُوْجِّلُهم أربعةَ أشهرٍ يَسِيحون حيثُ شاءُوا من الأرض آمِنِين. وأجَّل مَن لم يكنْ بينَه وبينَ النبيِّ ﷺ عهدٌ، انسلاخَ الأشهرِ الحُرُمِ مِن يومَ أُذِّنَ بـ \"براءةَ\"، وأُذِّنَ بها يومَ النَّحْرِ، فكان عشرين من ذى الحِجَّة، والمُحرَّمِ ثلاثين، فذلك خمسون ليلةً. فأمر الله نبيَّه إذا انسَلَحَ المُحرَّمُ أَن يَضَعَ السيفَ فيمَن لم يكنْ بينَه وبينَ نبيِّ اللهِ ﷺ، عهدٌ، يَقْتُلُهم حتى يَدخُلُوا في الإسلامِ، وأمَر بمَن كان له عهدٌ إذا انسَلَخ أربعةٌ من يومِ النَّحْرِ (^٢)، أَن يَضَعَ فيهم السيفَ أيضًا، يَقْتُلَهم حتى يَدْخُلُوا في الإسلامِ. فكانت مُدَّةً مَن لا عهد بينه وبين رسول الله ﷺ خمسين ليلةً من يومِ النَّحْرِ، ومُدَّةُ مَن كان بينَه وبين رسولِ الله ﷺ عهدٌ أربعةُ أشهرٍ من يومِ النَّحْرِ إلى عشرٍ يَخْلُونَ مِن شهر ربيع الآخَرِ (^٣).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٥ عن العوفى به.\n(^٢) بعده في تفسير ابن كثير ٤/ ٤٥: \"إلى عشر خلون من ربيع الآخر\".\n(^٣) ذكر أوله ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٤٦ عقب الأثر (٩٢٠) معلقًا، وأخرجه مختصرًا أيضًا ٦/ ١٧٥٢، وذكر بعضه ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٥.","vol":"11","page":307},{"text":"وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. قال: ذُكِر لنا أن عليًّا نادَى بالأَذانِ، وأُمِّر على الحاجِّ أبو بكرٍ، ﵄، وكان العامَ الذي حَجَّ فيه المسلمون والمشركون، ولم يَحُجَّ المشركون بعد ذلك العام (^١).\nقوله: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. إلى قوله: ﴿إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾. قال: هم مُشْرِكو قريشٍ، الذين عاهَدهم رسول الله ﷺ زمن الحُدَيبيةِ، وكان بَقِي مِن مُدَّتِهم أربعةُ أشهرٍ بعدَ يومِ النَّحْرِ، وأمَر الله نبيَّه أن يُوَفِّيَ بِعَهْدِهِم إِلى مُدَّتِهِم، ومَن لا عهدَ له انسلاخَ المحرمِ. ونُبِذَ إلى كلِّ ذى عَهْدِ عهدُه، وأمِر بقتالِهم حتى يَشْهَدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ الله، ولا يَقْبَلُ منهم إلا ذلك.\nوقال آخرون: كان ابتداءُ تَأْخير المشركين أربعة أشهرٍ، وانقضاءُ ذلك لجميعهم، وقتًا واحدًا. قالوا: وكان ابتداؤُه يومَ الحَجِّ الأكبرِ، وانقضاؤُه انقضاءَ عشرٍ مِن ربيعٍ الآخرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3808>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. قال: لمَّا نَزَلَت هذه الآيةُ، بَرِئَ مِن عهدِ كلِّ مُشْرِكٍ، ولم يُعاهِدْ بعدَها إلا مَن كان عاهَد، وأجرَى لكلٍّ مُدَّتَهم ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ لمَن دخَل عهدُه فيها مِن عَشْرِ (^٢) ذى الحِجَّةِ، والمحُرَّمِ، وصَفَرِ، وشهر ربيعٍ الأوَّلِ، وعشرٍ من شهرِ ربيع الآخَرِ (^٣).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٦.\n(^٢) في تفسير ابن أبي حاتم: \"هي عشرون\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٤٦، ١٧٥٠، ١٧٥٢ (٩٢١٦، ٩٢٤٤، ٩٢٥١) من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"11","page":308},{"text":"حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ وغيرُه، قالوا: بَعَث رسولُ الله ﷺ ما أبا بكرٍ أميرًا على الموسم سنةَ تِسْعٍ، وبَعَث عليَّ بنَ أبي طالبٍ، ﵁، بثلاثينَ أو أربعينَ آيةً من \"براءةً\"، فقَرَأها على الناسِ يُؤجِّلُ المشركين أربعة أشهرٍ يَسيحون في الأرضِ، فقرَأ عليهم \"براءة\" يومَ عَرفةَ، أَجَّلَ المشركين عشرين من ذى الحجَّةِ، والمُحَرَّم، وصَفَرٍ، وشهرَ ربيع الأوَّلِ، وعَشْرًا من ربيع الآخرِ، وقَرَأها عليهم في منازلِهم، وقال: لا يَحُجَّنَّ بعدَ عامِنا هذا مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَنَّ بالبيتِ عُرْيانٌ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. عشرون من ذى الحِجَّةِ، والمحرم، وصفرٍ، وربيعٍ الأولِ، وعَشْرٍ من ربيعٍ الآخرِ، كان ذلك عهدَهم الذي بينَهم (^١).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن، عن مجاهدٍ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى أهل العهد؛ خُزاعةَ، ومُدْلِجٍ، ومَن كان له [عهدٌ مِن] (^٢) غيرهم. أقبلَ رسولُ اللهِ ﷺ مِن تَبُوكَ حينَ فَرَغ، فأرادَ رسول الله ﷺ الحَجَّ، ثم قال: \"إنه يَحْضُرُ المشركون، فيَطُوفون عُرَاةً، فلا أُحِبُّ أن أحجَّ حتى لا يكونَ ذلك\". فأرسَل أبا بكرٍ وعليًّا، ﵄، فطافا بالناس بذى المجَازِ، وبأمكنتِهم التي كانوا يَتَبايعون بها، [وبالموسم كلِّه] (^٣)، فآذَنُوا أصحاب العهد بأن يَأمنوا أربعة أشهرٍ، فهى الأشْهرُ المُتوالياتُ: عشرون مِن آخرِ ذى الحِجَّةِ إلى عَشْرِ يَخْلُون من شهر ربيع الآخر، ثم لا عهدَ لهم، وآذَن الناسَ كلَّهم (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦٥ عن معمر به.\n(^٢) في ص، ت ١، س، ف: \"أو\". وفى ابن أبي حاتم: \"عهد و\".\n(^٣) في م: \"بالمواسم كلها\".\n(^٤) في م: \"كلها\".","vol":"11","page":309},{"text":"بالقتال إلا أن يُؤْمِنوا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهد قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. قال: أهلُ العهدِ: مُدْلِجٌ، والعربُ الذين عاهَدهم، ومَن كان له عهدٌ. قال: أقبَل رسولُ اللهِ ﷺ مِن تَبوكَ حينَ فَرَغ منها وأرادَ الحَجَّ، ثم قال: \"إنَّه يَحْضُرُ (^٢) البيتَ مُشْرِكون يَطُوفون عُرَاةً، فلا أُحِبُّ أن أَحُجَّ حتى لا يكونَ ذلك\". فأرسَل أبا بكرٍ وعليًّا، ﵄، فَطافا بالناس بذى المجَازِ، وبأمْكِنتِهم التي كانوا يَتَبايعون بها، وبالموسم كلِّه، وآذَنُوا أصحابَ العهدِ بأن يأمَنوا أربعةَ أشهرٍ، فهى (^٣) الأشهرُ الحرُمُ المُنْسَلِخاتُ المُتوالياتُ: عشرون مِن آخِرِ ذى الحِجَّةِ إلى عَشْرٍ يَخُلُونَ مِن شهرِ ربيعٍ الآخرِ، ثم لا عهدَ لهم. وآذَن الناس كلَّهم بالقِتالِ إلا أن يُؤْمِنوا. فَآمَن الناس أجمعون حينَئذٍ، ولم يَسِحْ أحدٌ. قال: حينَ رَجَع مِن الطائفِ، ومَضَى مِن فَوْرِهِ ذلك فغَرَا تبوكَ، بعدَ إذ جاء إلى المدينةِ.\nوقال آخرون ممن قال: ابتداءُ الأجلِ لجميعِ المشركين وانقضاؤه كان واحدًا؛ كان ابتداؤه يومَ نَزَلَت \"براءةُ\"، وانقضاؤه انقضاءَ الأشهرِ الحُرُمِ، وذلك انقضاءُ المُحَرَّمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3809>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٦٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٤٦ (٩٢١٧، ٩٢٢٠) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"حضر\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، س: \"في\".","vol":"11","page":310},{"text":"الزُّهْرِى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. قال: نَزَلَت في شَوَّالٍ، فهى الأربعةُ الأشهر: شَوَّالٌ، وذو القَعْدة، وذو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ (^١).\nوقال آخرون: إنما كان تأجيلُ اللَّهِ الأشهرَ الأربعةَ المشركين في السياحةِ، لمَن كان بينَه وبينَ رسولِ الله ﷺ عَهْدٌ مُدَّتُه أقلُّ (^٢) من أربعة أشهرٍ. [أَمَّا مَن كان له عهدٌ مُدَّتُه أكثرُ من أربعة أشهرٍ] (^٣)، فإنه أُمِر ﷺ أن يُتِمَّ له عهدَه إلى مُدَّتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3810>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمد بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، قال: قال الكَلْبِيُّ: إنما كانت الأربعةُ الأشهرِ لَمَن كان بينه وبيَن رسول الله ﷺ عهدٌ دونَ الأربعةِ الأشهرِ، فأَتَمَّ له الأربعةَ. ومَن كان له عهدٌ أكثرُ من أربعة أشهرٍ، فهو الذي أُمِر أن يُتِمَّ له عهدَه، وقال: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (^٤).\nقال أبو جعفرٍ، ﵀: وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ، قولُ مَن قال: الأَجَلُ الذي جَعَله الله لأهل العهدِ مِن المشركين، وأَذِن لهم بالسِّياحة فيه بقولِه: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. إنما هو لأهل العهد الذين ظاهَروا على رسولِ الله ﷺ، ونَقَضُوا عهدَهم قبل انقضاءِ مُدَّتِه. فأمَّا الذين لم يَنْقُضوا عهدَهم، ولم يُظاهروا عليه، فإن الله جلَّ ثناؤُه، أمَر نبيَّه ﷺ بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مُدَّتِه بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٤٧ (٩٢٢١) من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦٥، ومن طريقه النحاس في الناسخ ص ٤٨٧ عن معمر به.\n(^٢) في ص، س، ف: \"أكثر\".\n(^٣) سقط من: ص، س، ف.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦٥ عن معمر به.","vol":"11","page":311},{"text":"عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.\nفإن ظَنَّ ظانٌّ أن قولَ الله تعالى ذكرُه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ يدلُّ على خلافِ ما قُلنا في ذلك، إذ كان ذلك يُنْبِئُ علي (^١) أن الفرضَ على المؤمنين كان بعدَ انقضاء الأشهر الحُرُم، قَتْلَ كُلِّ مُشْرِكٍ، فإن الأمرَ في ذلك بخلافِ ما ظَنَّ، وذلك أن الآية التي تَتْلُو ذلك تنبئُ (^٢) عن صحةِ ما قُلْنا، وفسادِ ما ظَنَّه مَن ظَنَّ أن انسلاخَ الأشهرِ الحُرُم كان يُبيحُ قتلَ كلِّ مُشْرِكٍ، كان له عهدٌ من رسولِ الله ﷺ، أو لم يكنْ كان له منه عهدٌ، وذلك قوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]. فهؤلاء مُشْرِكون، وقد أمر الله نبيَّه ﷺ والمؤمنين بالاستقامةِ لهم في عهدِهم، ما استَقاموا لهم بتَرْكِ نقض صُلْحِهم، وتَرْكِ مُظاهرة عدوِّهم عليهم.\nوبعدُ، ففى الأخبار المُتظاهرة عن رسول الله ﷺ: أنه حينَ بَعَث عليًّا، ﵁ بـ \"براءةَ\" إلى أهل العهودِ بينَه وبينَهم، أمَره فيما أمَره أن يُنادِىَ به فيهم: ومَن كان بينَه وبينَ رسول الله ﷺ، عهدٌ، فعهدُه إلى مُدَّتِه أوضحُ الدليل على صحةِ ما قُلنا. وذلك أن الله لم يأمُرْ نبيَّه ﷺ بنَقْضِ عهدِ قومٍ كان عاهَدهم إلى أَجَلٍ، فاستقاموا على عهدهم (^٣) بتَرْكِ نَقْضِه، وأنه إنما أَجَّل أربعةَ أشهرٍ مَن كان قد نَقَض عهدَه قبلَ التأجيل، أو مَن كان له عهدٌ إلى أجلٍ غيرِ محدودٍ. فأمَّا مَن كان أجلُ عهدِه محدودًا، ولم يجعلْ بنَقْضِه على نفسِه سبيلًا، فإن رسول الله ﷺ كان بإتمامِ\n_________\n(^١) في م: \"عن\".\n(^٢) في ص، ف: \"تبين\".\n(^٣) في م: \"عهده\".","vol":"11","page":312},{"text":"عهده إلى غاية أجله مأمورًا. وبذلك بَعَث مُنادِيَه يُنادى به في أهل الموسم من العرب.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا قَيْسٌ، عن مُغِيرةَ، عن الشَّعْبيِّ، قال: ثنى مُحَرَّرُ بنُ أبي هريرةَ، عن أبي هريرةَ، ﵁، قال: كنتُ مع عليٍّ، ﵁، حينَ بعثَه النبيُّ ﷺ يُنَادِي، فكان إذا صَحِلَ (^١) صوتُه نادَيتُ. قلتُ: بأيِّ شيءٍ كنتم تُنادُون؟ قال: بأربعٍ: لا يَطْفْ بالكعبة عُريانٌ، ومَن كان له عند رسول الله ﷺ عهدٌ فعهدُه إلى مُدَّتِه، ولا يَدخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مؤمنةٌ، ولا يَحُجَّ بعد عامنا هذا (^٢) مُشْرِكٌ (^٣).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو (^٤)، قال: ثنا عَفَّانُ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيع، قال: ثنا الشَّيْبانيُّ، عن الشَّعْبيِّ، قال: أخبرَنا المُحَرَّرُ بنُ أبي هريرةَ، عن أبيه، قال: كنتُ مع عليٍّ، ﵁، فذَكَر نحوَه، إلا أنه قال: ومَن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهدٌ، فعهدُه إلى أجلِه (^٥).\nوقد حَدَّث بهذا الحديثِ شعبةُ، فخالف قيسًا في الأجلِ.\nفحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ومحمدُ بنُ المُثَنَّى، قالا: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ، عن الشَّعْبيِّ، عن المُحَرَّرِ بن أبي هريرةَ، عن أبيه، قال: كنتُ مع عليٍّ حينَ بَعَثه رسولُ اللهِ ﷺ ببراءةٍ إلى أهل مكة، فكنتُ أُنادى حتى\n_________\n(^١) صحل صوته: أي بَحَّ. اللسان (ص ح ل).\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) أخرجه النسائي (١١٢١٤ - كبرى)، وابن حبان (٣٨٢٠) من طريق المغيرة به.\n(^٤) في ص، ف: \"معمر\".\n(^٥) أخرجه إسحاق بن راهويه (٥١٧)، والحاكم ٢/ ٣٣١ من طريق الشيباني به.","vol":"11","page":313},{"text":"صَحِلَ صَوْتى. فقلتُ: بأيِّ شيءٍ كنتَ تُنادِى؟ قال: أُمِرْنا أَن تُنادِيَ: أنه لا يَدْخُلُ الجنة إلا مؤمنٌ، ومَن كان بينَه وبينَ رسولِ الله ﷺ من عهدٌ، فأجلُه إلى أربعةِ أشهرٍ، فإذا حَلَّ الأجلُ، فإن الله بَرِيءٌ مِن المشركين ورسولُه، ولا يَطُفْ بالبيت عُرْيانٌ، ولا يَحُجَّ بعد العامِ مُشْرِكٌ (^١).\nقال أبو جعفرٍ، رحمه ﵀: وأخشَى أن يكونَ هذا الخبرُ وَهُمًا مِن ناقلِه في الأجل؛ لأن الأخبار مُتظاهرةٌ في الأجلِ بخلافِه، مع خلافِ قيسٍ شُعْبَةَ في نفسِ هذا الحديث على ما بَيَّنتُه.\nحدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، عن عليٍّ، ﵁، قال: أُمِرتُ بأربع؛ أُمِرْتُ أن لا يَقْرَبَ البيتَ بعد هذا العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُف رجلٌ بالبيتِ عُرْيانًا، ولا يَدخُلُ الجنةَ إلا كلُّ نفس مُسْلمةٍ. وأن يَتِمَّ إلى كلٍّ ذى عَهْدِ عهدُه (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن زيدِ بن يُثَيعٍ (^٣) قال: نَزَلَت \"براءةُ\"، فبَعَث بها رسول الله ﷺ أبا بكرٍ، ثم أرسَل عليًّا فأخَذَها منه. فلما رَجَع أبو بكرٍ، قال: هل نَزَل في شيءٌ؟ قال: لا،\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٢٩٥٨) من طريق عثمان بن عمر به، وأخرجه أحمد ١٣/ ٣٥٦ (٧٩٧٧)، والدارمي ١/ ٣٣٢، ٢/ ٢٣٧، والنسائي (٢٩٥٨) من طريق شعبة به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٩ عن المصنف، وذكره الدارقطني في علله ٣/ ١٦٣ عن معمر به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦٥، والبزار في مسنده (٧٨٥) من طريق معمر عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن علي، وينظر علل الدارقطني.\n(^٣) غير منقوطة في ص، ت ٢، س، ف. وفى ت ١: \"ينبع\". وفى م: \"يشيع\"، والمثبت كما في مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ١١٥.","vol":"11","page":314},{"text":"ولكنى أُمِرْتُ أن أُبْلِغَها أنا أو رجلٌ مِن أهل بيتى. فانطلَق إلى مكةَ، فقامَ فيهم بأربعٍ؛ أن لا يَدْخُلَ مكةَ مُشْرِكٌ بعد عامه، هذا، ولا يَطُف بالكعبة عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مُسْلِمَةٌ، ومَن كان بينَه وبينَ رسولِ الله عهدٌ، فعهده إلى مُدَّتِه (^١).\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاقَ، عن زيدِ بن يُثَيعٍ، عن عليٍّ، قال: بَعَثني النبيُّ ﷺ، حينَ أُنزِلَت \"براءةُ\" بأربعٍ؛ أَن لا يَطُفْ بالبيتِ عُرْيانٌ، ولا يَقْرَبِ المسجدَ الحرامَ مُشْرِكٌ بعد عامِهم هذا، ومَن كان بينَه وبينَ رسول الله ﷺ، عهدٌ، فهو إلى مُدَّتِه، ولا يَدْخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مُسْلِمةٌ (^٢).\nحدَّثنا ابن وَكِيع، قال: ثنا ابن عبدِ الأَعْلى، عن مَعْمَرٍ، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ، ﵁، قال: بُعثتُ إلى أهل مكةَ بأربعٍ. ثم ذكَر الحديثَ.\nحدَّثنا إبراهيم بنُ سعيدٍ الجَوْهَرِيُّ، قال: ثنا حسينُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ قَوْمٍ، عن الأعمشِ، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ: أن رسول الله ﷺ ما بعث أبا بكر بـ \"براءةَ\"، ثم أتبعه عليًّا، فأَخَذَها منه، فقال أبو بكر، ﵁: الله عنه: يا رسولَ اللَّهِ، حَدَث فيَّ شيءٌ؟ قال: \"لا، أَنْتَ صَاحِبي في الغارِ وعلى الحوض، ولا يُؤَدِّي عَنِّي إلا أنا أو عليٌّ\". وكان الذي بَعَث به عليًّا أربعًا: لا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ١٨٣ (٤)، وأبو يعلى (١٠٤)، والمروزي في مسند أبى بكر (١٣٢)، والجورقاني في الأباطيل والمناكير ١/ ١٢٧ (١٢٠٤) من طريق إسرائيل موصولا عن أبي بكر بنحوه. قال الحافظ في أطراف المسند ٦/ ٨٣ (٧٨٠٠): وهذا منقطع. وقال الجورقاني: هذا حديث منكر رواه عن إسرائيل زافر بن سليمان فخالف فيه وكيعًا.\n(^٢) أخرجه الحميدى (٤٨)، وأحمد ٢/ ٣٢ (٥٩٤)، والدارمي ٢/ ٦٨، والترمذي (٨٧١، ٨٧٢، ٣٠٩٢)، وأبو يعلى (٤٥٢)، والبيهقى ٩/ ٢٠٧ من طريق أبي إسحاق به.","vol":"11","page":315},{"text":"يَدْخُلُ الجنة إلا نفسٌ مُسْلِمةٌ، ولا يَحُجَّ بعد العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطْف بالبيتِ عُرْيانٌ، ومَن كان بينه وبين رسولِ الله ﷺ عهدٌ فهو إلى مُدَّتِه (^١).\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبى، عن ابن أبي خالدٍ، عن عامرٍ، قال: بَعَث النبيُّ ﷺ عليًّا، ﵁، فنادَى: ألا لا يَحُجَّنَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُفْ بالبيتِ عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مُسْلِمَةٌ، ومَن كان بينه وبين رسول الله عهدٌ، فأجَلُه إلى مُدَّتِه، والله بَرئٌ من المشركين ورسولُه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن حكيم بن حكيم بن عَبَّادِ بن حُنَيْفٍ، عن أبي جعفر محمد بن عليّ بن حُسَينِ بن عليٍّ، قال: لما نَزَلَت \"براءةُ\" على رسول الله ﷺ، وقد كان بَعَث أبا بكرٍ الصديقَ، ﵁، ليُقِيمَ الحَجَّ للناسِ، قيل له: يا رسول الله، لو بَعَثْتَ إلى أبي بكرٍ، فقال: \"لا يُؤَدِّي عَنِّي إلا رجلٌ مِن أهلِ بَيْتِى\". ثم دَعا عليَّ بنَ أبي طالبٍ، ﵁، فقال: \"اخْرُج بهذه القِصَّةِ مِن صَدْرِ \"بَرَاءةَ\"، وأَذِّنْ في الناسِ يومَ النَّحْرِ إذا اجْتَمَعوا بمِنًى؛ أنَّه لا يَدْخُلُ الجنةَ كافِرٌ، ولا يَحُجَّ بعد العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُفْ بالبيتِ عُرْيانٌ، ومَن كان له عند رسول الله ﷺ عَهْدٌ فهو إلى مُدَّتِه\". فَخَرَج عليُّ بنُ أبي طالبٍ، ﵁، على ناقةِ رسولِ الله ﷺ العَضْباءِ، حتى أدرَك أبا بكرٍ الصديقَ بالطريق، فلمَّا رَآه أبو بكرٍ، قال: أميرٌ أو مأمورٌ؟ قال: مأمورٌ، ثم مَضَيا، ﵄، فأقامَ أبو بكرٍ للناسِ الحَجَّ، والعربُ إذ ذاك في تلك السنةِ على مَنازلِهم مِن الحَجِّ التي كانوا عليها في الجاهليةِ، حتى إذا كان يومُ النَّحْرِ، قامَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ، ﵁، فأَذَّنَ في الناسِ بالذي أمَره رسولُ الله ﷺ، فقال: يا أَيُّها الناسُ، لا\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٠٩١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٤٥ (٩٢١٥) من طريق الحكم به.","vol":"11","page":316},{"text":"يَدْخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مُسْلِمَةٌ، ولا يَحُجَّ بعدَ العام مُشْرِكٌ، ولا يَطُف بالبيتِ عُرْيانٌ، ومَن كان له عهدٌ عند رسول الله ﷺ، فهو له إلى مُدَّتِه. فلم يَحُجَّ بعدَ ذلك العامِ مُشْرِكٌ، ولم يَطُفْ بالبيتِ عُرْيانٌ، ثم قَدِما على رسول الله ﷺ. وكان هذا مِن \"براءةَ\"، فيمَن كان مِن أهلِ الشِّرْكِ مِن أهل العهد العامِّ، وأهلِ المُدَّةِ إلى الأجلِ المُسَمَّى (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحُسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا نَزَلَت هذه الآياتُ إلى رأسِ أربعينَ آيةً، بَعَثَ بِهِنَّ رسولُ اللهِ ﷺ مع أبي بكرٍ، وأَمَّره على الحَجِّ، فلمَا سارَ فبلَغ الشجرةَ من ذي الحُلَيفة، أتبَعه بعليٍّ فأخَذها منه، فرَجَع أبو بكرٍ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أَنْزِل في شأنى شيءٌ؟ قال: \"لا، ولكن لا يُبلِّغُ عنِّي غَيرى، أو رجلٌ مِنِّي، أمَا تَرْضَى يا أبا بكر أنك كنتَ مَعِي في الغارِ، وأَنَّك صاحبي على الحَوْضِ؟ \". قال: بلى يا رسولَ اللهِ! فسارَ أبو بكرٍ على الحاجِّ، وعليٌّ يُؤذِّنُ بـ \"براءةَ\"، فقامَ يومَ الأضحَى، فقال: لا يَقْرَبَنَّ المسجد الحرامَ مُشْرِكٌ بعدَ عامِه هذا، ولا يَطُوفَنَّ بالبيتِ عُرْيانٌ، ومَن كان بينَه وبين رسول الله ﷺ، عهدٌ، فله عَهْدُه إلى مُدَّتِه، وإن هذه أيامُ أَكلٍ وشُرْبٍ، وإن الله لا يُدْخِلُ الجنةَ إلا من كان مُسْلِمًا. فقالوا: نحن نَبْرَأُ مِن عهدِك وعهدِ ابن عَمِّك إلا مِن الطَّعْنِ والضَّرْبِ. فَرَجَع المشركون، فَلامَ بعضُهم بعضًا، وقالوا: ما تَصْنَعون، وقد أَسْلَمَت قريشٌ؟ فأسلَموا.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيْعٍ، عن عليٍّ، قال: أُمِرْتُ بأربعٍ؛ أَن لا يَقْرَبَ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٩ نقلا عن الطبرى، سيرة ابن هشام ٢/ ٤٣٠.","vol":"11","page":317},{"text":"البيتَ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوف بالبيتِ عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلَ الجنةَ إلا نفسٌ مُسْلِمَةٌ، وأن يَتِمَّ إلى كلِّ ذى عَهْدٍ عهدُه. قال مَعْمَرٌ: وقاله قتادةُ (^١).\nقال أبو جعفر، ﵀: فقد أَنْبَأَتْ هذه الأخبارُ ونظائرها عن صحةِ ما قُلنا، وأن أَجَلَ الأشهر الأربعةِ إنما كان لَمَن وَصَفْنا. فأمَّا مَن كان عهدُه إلى مُدَّةٍ مَعْلومةٍ، فلم يَجعَلْ لرسول الله ﷺ وللمؤمنين لنَقْضِه ومُظاهَرةِ أعدائِهم عليهم سبيلًا، فإن رسول الله ﷺ قد وَفَّى له بعهده إلى مُدَّتِه، عن أمر الله إياه بذلك. وعلى ذلك دَلَّ ظاهرُ التنزيل، وتَظاهَرَت به الأخبارُ عن الرسول ﷺ.\nوأما الأشهرُ الأربعةُ، فإنها كانت أَجَلَ مَن ذَكَرْنا، وكان ابتداؤُها يومَ الحَجِّ الأكبرِ، وانقضاؤها انقضاءَ عَشْرٍ من ربيع الآخرِ، فذلك أربعةٌ أشهرٍ متتابعةٍ، جُعِل لأهلِ العَهْدِ الذين وَصَفْنا أَمْرَهم فيها السياحة في الأرضِ، يَذْهَبون حيث شاءوا، لا يَعْرِضُ لهم فيها من المسلمين أحدٌ بحربٍ، ولا قتلٍ، ولا سَلْبٍ.\nفإن قال قائلٌ: فإذا كان الأمرُ في ذلك كما وَصَفتَ، فما وَجْهُ قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. وقد عَلِمتَ أن انسلاخها انسلاخُ المحرمِ، وقد زَعَمْتَ أن تأجيلَ القومِ مِن اللهِ ومِن رسوله كان أربعةَ أشهر، وإنما بين يوم الحجِّ الأكبر، وانسلاخ الأشهرِ الحُرُمِ خمسون يومًا أكثره، فأين الخمسون يومًا من الأشهر الأربعة؟\nقيل: إن انسلاخ الأشهرِ الحُرُمِ، إنما كان أَجَلَ مَن لا عهد له مِن المشركين من رسول الله ﷺ، والأشهر الأربعة لمن له عَهْدٌ، إما إلى أجلٍ غيرِ محدودٍ، وإمَّا إلى أجلٍ محدودٍ قد نَقَضَه، فصارَ بنَقْضِه إياه بمعنى مَن خِيفَ خيانتُه، فاسْتَحَقَّ النَّبْذَ إِليه\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٦٥، وينظر ما تقدم ص ٣١٥.","vol":"11","page":318},{"text":"على سواء، غيرَ أنه جُعِل له الاستعدادُ لنفسِه، والارْتيادُ لها من الأَجَل الأربعةِ الأشهرِ. ألَا تَرَى الله يقولُ لأصحاب الأشهر الأربعةِ، ويَصفُهم بأنهم أهلُ عَهْدٍ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾. وَوَصَف المجعولَ لهم انسلاخَ الأشهرِ الحرمِ أجلًا، بأنهم أهلُ شِرْكِ لا أهلَ عَهْدِ، فقال: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾. الآية - ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. الآية، ثم قال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. فأمَر بقتلِ المُشْرِكين الذين لا عَهْدَ لهم بعدَ انسلاخ الأشهر الحُرُمِ، وبإتمام عَهْدِ الذين لهم عَهْدٌ، إذا لم يكونوا نَقَضُوا عهدَهم بالمُظاهرةِ على المؤمنين، وإدخالِ النَقْصِ فيه عليهم.\nفإن قال قائلٌ: وما الدليلُ على أن ابتداءَ التأجيل كان يوم الحَجِّ الأكبرِ، دونَ أن يكونَ كان مِن شَوَّالٍ، على ما قاله قائلو ذلك؟\nقيل له: إن قائلى ذلك، زَعَموا أن التأجيلَ كان مِن وَقْتِ نُزولِ \"براءةَ\"، وذلك غيرُ جائزٍ أن يكونَ صحيحًا؛ لأن المجعولَ له أجلُ السياحةِ إلى وَقْتٍ محدودٍ، إذا لم يَعْلَمْ ما جُعِل له ولا سيما مع عَهْدِ له قد تَقَدَّم قبل ذلك بخلافِه، فكمَن لم يُجْعَلْ له ذلك؛ لأنه إذا لم يَعْلَمُ ما لَه في الأجل الذي جُعِل له، وما عليه بعدَ انْقِضائِه، فهو كهيئته قبلَ الذي جُعِل له من الأجَلِ. ومعلومٌ أن القومَ لم يَعْلَموا بما جُعِل لهم من ذلك، إلا حينَ نُودِى فيهم بالموسمِ. وإذا كان ذلك كذلك، صَحَّ أن ابتداءَه ما قُلنا، وانقضاءه كان ما وَصَفْنا.\nوأما قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. فإنه يعنى: فسِيرُوا فيها مُقْبِلِين ومُدْبِرِين، آمِنين غيرَ خائِفِين مِن رسولِ الله ﷺ وأتباعِه.","vol":"11","page":319},{"text":"يقالُ منه: ساحَ فلانٌ في الأرضِ يَسِيحُ، سياحةً وسُيُوحًا وسَيَحانًا.\nوأما قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾. فإنه يقولُ لأهل العهدِ مِن المشركين (^١) الذين كان بينَهم وبينَ رسولِ اللهِ ﷺ عَهْدٌ قبل نزولِ هذه الآيةِ: اعلَموا، أيُّها المُشْرِكون، أنكم إن سِحْتُم في الأرضِ، واخْتَرْتم ذلك مع كُفْرِكم بالله، على الإقرارِ بتَوحيدِ اللهِ وتَصْديقِ رسولِه: ﴿غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾. يقولُ: غيرُ مُفِيتِيه بأنفسِكم؛ لأنكم حيثُ ذَهَبْتم وأينَ كنتم مِن الأرضِ، ففى قَبْضتِه وسُلطانه، لا يَمْنَعُكم منه وزيرٌ، ولا يحول بينكم وبينَه إذا أرادَكم بعذابٍ مَعْقِلٌ ولا مَوْئِلٌ إلا الإيمانُ به وبرسوله، والتوبةُ مِن مَعْصِيتِه. يقولُ: فبادروا عُقوبته بتوبةٍ، ودَعُوا السياحةَ التي لا تَنْفَعُكم.\nوأما قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: واعلموا أن اللَّهَ مُذِلُّ الكافرين، ومُورِثُهم العارَ في الدنيا، والنارَ في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-1238\"></span><span data-type='title' id=toc-3811>القول في تأويل قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإعلامٌ من الله ورسوله إلى الناسِ يومَ الحَجِّ الأكبرِ.\nوقد بَيَّنَّا معنى الأذانِ، فيما مَضَى مِن كتابنا هذا بشَواهِدِه (^٢).\nوكان سليمانُ بنُ موسى يقولُ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: زَعَمَ سليمانُ بنُ موسى الشَّامِيُّ أن\n_________\n(^١) ليست في: م.\n(^٢) تقدم في ١٠/ ٢٠٦.","vol":"11","page":320},{"text":"قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. قال: الأذانُ: القَصَصُ، فاتحةُ \"براءةَ\" حتى تختم: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨]. فذلك ثمانٌ وعشرون آيةً (^١)\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ، في قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. قال: إعلامٌ من الله ورسولِه (^٢).\nورُفِع قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾. عطفًا على قولِه: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾. كأنه قال: هذه براءةٌ من اللهِ ورسولِه، وأَذانٌ مِن اللَّهِ.\nوأما قوله: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾. فإن فيه اختلافًا بين أهل العلمِ؛ فقال بعضُهم: هو يومُ عَرَفةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3812>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحَكَمِ، قال: أخبرَنا أبو زُرْعَةَ وهبُ (^٣) الله بن راشدٍ، قال: أخبرَنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيحٍ، قال: أخبرَنا أبو صَخْرٍ، أنه سَمِع أبا مُعاويةَ البَجَليَّ مِن أهلِ الكوفةِ يقولُ: سمعتُ أبا الصَّهْبَاءِ البَكْرِيَّ، وهو يقولُ: سألتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ، ﵁، عن يوم الحَجِّ الأكبرِ، فقال: إن رسول الله ﷺ بَعَث أبا بكر بنَ أبي قُحافةَ، ﵁، يُقِيمُ للناسِ الحَجَّ، وبَعَثنى معه بأربعينَ آيةً من \"براءةَ\"، حتى أَتَى عَرَفةَ، فخَطَب الناسَ يومَ عَرَفةَ، فلمَّا قَضَى خُطبته التفَتَ إليَّ، فقال: قُمْ، يا عليُّ، وأَدِّ رسالةَ رسولِ الله ﷺ. فقُمْتُ فقَرَأتُ عليهم أربعينَ آيةً مِن \"براءةَ\"، ثم صَدَرْنا حَتى أَتَينا مِنِّي، فَرَمَيتُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٤٧ (٩٢٢٤) من طريق حجاج ببعضه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٤٧ (٩٢٢٥) من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٣) في النسخ: \"وهبة\"، وينظر الثقات لابن حبان ٩/ ٣٢٨، وما تقدم في ٥/ ١٣١.","vol":"11","page":321},{"text":"الجَمْرةَ، ونَحَرتُ البَدَنةَ، ثم حَلَقتُ رأسى، وعلمتُ أن أهلَ الجَمْعِ لم يكونوا حَضَروا خُطْبَة أبي بكرٍ يومَ عَرَفةَ، فَطَفِقْتُ أَتَتَبَّعُ بها الفَسَاطِيطَ، أَقْرَؤها عليهم. فمِن ثَمَّ إخالُ حَسِبتم أنه يومَ النَّحْرِ، ألا وهو يومُ عَرَفةَ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بن يَحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن أبي إسحاقَ، قال: سألتُ أبا جُحَيفةَ عن يومِ الحَجِّ الأكبر، فقال: يومُ عَرفةَ. فقلتُ: أمِن عندكِ، أو مِن أصحابِ محمدٍ؟ قال: كلُّ ذلك (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، قال: الحَجُّ الأكبرُ، يومُ عَرفةَ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن عمرَ بن الوليدِ الشَّنِّيِّ، عن شهابِ بن عَبَّادٍ العَصرِيِّ، عن أبيه، قال: قال عمرُ، ﵁: يومُ الحجِّ الأكبرِ يومُ عَرفةَ. فذكَرتُه لسعيد بن المُسَيَّب، فقال: أخبِرُكَ عن ابن عمرَ، أن عمرَ قال: الحَجُّ الأكبرُ يومُ (^٣) عَرَفةَ (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عمرُ بنُ الوليدِ الشَّنِّيُّ، قال: ثنا شِهابُ بنُ عَبَّادٍ العَصَرِيُّ، عن أبيه، قال: سَمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ، ﵁، يقولُ: هذا يومُ عَرفَةَ، يومُ الحَجِّ الأكبرِ فلا يَصُومَنَّه أحدٌ. قال: فحَجَجْتُ بعدَ أبي، فأتيتُ المدينةَ، فسألتُ عن أفْضل أهلِها، فقالوا: سعيدُ بنُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٠ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١٣ عن أبي الصهباء عن علي مختصرا، وعزاه إلى المصنف.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٦٧.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٤٣٩ عن وكيع به بنحوه.","vol":"11","page":322},{"text":"المُسَيَّبِ. [فأتيتُه، فقلتُ: إنى سألتُ عن أفْضلِ أهل المدينةِ، فقالوا: سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ] (^١)، فأخبرْني عن صَومِ يومِ عَرفةَ. فقال: أُخْبِرُكَ عمَّن هو أفضلُ منى [مائةَ ضعفٍ] (^٢)، عمرُ أو ابن عمرَ، كان يَنْهَى عن صَوْمِه ويقولُ: هو يومُ الحَجِّ الأكبر (^٣).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ حبيبٍ، عن مَعْقِل بن داودَ، قال: سمعتُ ابن الزبيرِ يقولُ: يومُ عَرفةَ هذا، يومُ الحَجِّ الأكبرِ، فلا يَصُمه أحدٌ (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا غالبُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ، قال: سألتُ عطاءً عن يوم الحَجِّ الأكبرِ، فقال: يومُ عَرفةَ، فَأَفِضُ (^٥) منها قبلَ طلوُعِ الفجر.\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: أخبرَنى محمدُ بنُ قيسِ بن مَخْرَمةَ قال: خَطَب النبيُّ ﷺ عَشِيَّةَ عَرفةَ، ثم قال: \"أَمَّا بعدُ\" - وكان لا يَخْطُبُ إلا قال: أمَّا بعدُ - \"فإِنَّ هذا يومُ الحَجِّ الأكبرِ\" (^٦).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، عن\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في م: \"أضعافا\"، وفى، ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ضعف\"، والمثبت من تفسير ابن كثير ٤/ ٥٠.\n(^٣) أخرجه ابن سعد ٢/ ٣٨١، ٧/ ١٢٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٤٨ (٩٢٢٩) من طريق عمر بن الوليد الشني به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١٢ إلى أبى الشيخ بنحوه.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١٢ إلى المصنف عن معقل بن داود به، وعزاه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٤٨ معلقا. وينظر تفسير البغوي ٤/ ١١، وابن كثير ٤/ ٥١.\n(^٥) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"فاقض\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٤٨ من طريق ابن جريج به. وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥١ عن ابن جريج به.","vol":"11","page":323},{"text":"مُجاهدٍ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومُ عَرفةَ (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُليمانَ، عن سَلَمَةَ بن بُخْتٍ (^٢)، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومُ عَرفةَ.\nحدَّثنا القاسمُ، قْال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرَنى ابن (^٣) طاوسٍ، عن أبيه، قال: قُلنا: ما الحَجُّ الأكبرُ؟ قال: يومُ عَرفةَ (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبرَنا ابن جُرَيجٍ، عن محمد بن قيس بن مَخْرمةَ، أن رسولَ الله ﷺ خَطَب يومَ عَرَفةَ، فقال: \"هذا يومُ الحَجِّ الأكبر\" (^٥).\nوقال آخرون: هو يومُ النَّحْرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3813>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سُفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومُ النَّحْرِ (^٦).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مُصْعَبُ بنُ سَلَّامٍ، عن الأَجْلَحِ، عن أبي إسحاقَ،\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ١٢، وابن كثير ٤/ ٥١.\n(^٢) غير منقوطة في ص، وفى ت ١، ت ٢، س، م: \"محب\"، وينظر الجرح والتعديل ٤/ ١٥٦، والإكمال ١/ ٢١٥.\n(^٣) سقط من النسخ. وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٣٥٧.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٤٨ معلقا، وينظر تفسير البغوي ٤/ ١١، وتفسير ابن كثير ٤/ ٥١.\n(^٥) أخرجه أبو داود في مراسيله (١٥٣) عن أبي كريب به، وذكره البيهقى ٥/ ١٢٥ من طريق ابن إدريس به.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦٧ عن الثورى به.","vol":"11","page":324},{"text":"عن الحارثِ، قال: سمعتُ عليًّا يقولُ: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومُ النَّحْرِ (^١).\nحدَّثنا ابن حُمَيْدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عَنْبَسةُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارث، قال: سألتُ عليًّا عن الحَجِّ الأكبر الحَجِّ الأكبر، فقال: هو يومُ النَّحْرِ.\nحدَّثنا ابن أبي الشَّوَارب، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا سليمانُ الشَّيْبانيُّ، قال: سألتُ عبد الله بن أبي أوفَى عن الحَجِّ الأكبرِ، قال: فقال: يومُ النَّحْرِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سُفيانُ، عن عَيَّاشٍ العامِريِّ، عن عبدِ اللهِ بن أبي أوفَى، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومُ النَّحْرِ (^٣).\nقال: ثنا سُفيانُ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي أوفَى، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومُ النَّحْرِ (^٣).\nحدَّثنا محمد بن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الملكِ، قال: دخَلتُ أنا وأبو سَلَمَةَ على عبدِ اللهِ بن أبي أوفَى، قال: فسألتُه عن يومِ الحَجِّ الأكبرِ، فقال: يومُ النَّحْرِ، يومٌ يُهَرَاقُ فيه الدَّمُ (^٤).\nحدَّثنا عبد الحميد بنُ بَيانٍ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن سُفيانَ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبر، يومُ النَّحْرِ.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو السَّائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن الشَّيْبانيِّ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه الدمياطي في الصلاة الوسطى (٤٩) من طريق الأجلح مرفوعا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٤٣٨،٤٣٩ (القسم الأول من الجزء الرابع)، وتفسير مجاهد ص ٣٦٤ من طريق سليمان الشيباني به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٤٤٠ من طريق سفيان به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٠٧ - تفسير) من طريق عبد الملك به.","vol":"11","page":325},{"text":"سألتُ ابنَ أبي أوفَى عن يومِ الحَجِّ الأكبرِ، قال: هو يومُ النَّحْرِ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا الشَّيْبانيُّ، عن عبدِ اللَّهِ بن أَبِي أوفَى، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومُ النَّحْرِ (^١).\nقال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ بنُ عُمَيرٍ، قال: سمعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ أبي أوفى، وسئل عن قوله: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ قال: هو اليومُ الذي يُرَاقُ فيه الدَّمُ، ويُحْلَقُ فيه الشَّعَرُ.\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، قال: سمعتُ يحيى بنَ الجَزَّارِ يُحَدِّثُ، عن عليٍّ، أنه خَرَج يومَ النَّحْرِ على بَغْلَةٍ بيضاءَ، يريد الجَبَّانةَ، فجاءه رجلٌ فأَخَذ بلجامِ بَغْلَتِه، فسأله عن الحَجِّ الأكبرِ، فقال: هو يومُك هذا، خَلِّ سبيلَها (^٢).\nحدَّثنا عبدُ الحميد بنُ بَيانٍ، قال: ثنا إسحاقُ، عن مالكِ بن مِغْوَلٍ وسُعَيْرٍ (^٣)، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبر يومُ النَّحْرِ.\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن أبي إسحاق، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال: سُئِل عن يومُ الحَجِّ الأكبرِ، قال: هو يومُ النَّحْرِ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكِيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شُعبةَ، عن الحَكَمِ، عن يَحيى بن الجَزَّارِ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن صاعد في مسند عبد الله بن أبي أوفى (٤٤)، وتفسير مجاهد ص ٣٦٤ من طريق هشيم به.\n(^٢) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٢/ ٥١.\n(^٣) في م: \"شتير\" وينظر تهذيب الكمال ١١/ ١٣٠.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٠٨ - تفسير)، والترمذى (٣٠٨٩) من طريق ابن عيينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١١ إلى أبى الشيخ.","vol":"11","page":326},{"text":"عن عليٍّ، أنه لَقِيَه رجلٌ يومَ النَّحْرِ، فأخَذ بلِجامِه، فسَأله عن يومُ الحَجِّ الأكبرِ، قال: هو هذا اليوم (^١).\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ آدمَ، عن قَيْسٍ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ، وعَيَّاشٍ العامِرِيِّ، عن عبدِ اللهِ بن أبي أوفَى، قال: هو اليومُ الذي يُهَرَاقُ فيه الدِّماءُ.\nحدَّثنا ابن وَكيع، قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ (^٢)، عن ابن أبي أوفَى، قال: الحَجُّ الأكبرُ، يومٌ تُهَرَاقُ فيه الدِّماءُ، ويُحْلَقُ فيه الشَّعَرُ، ويَحِلُّ فيه الحرامُ.\nحدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرَّمْلِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأَعْمَشِ، عن عبد الله بن سِنانٍ (^٣)، قال: ثنا المُغِيرةُ بنُ شُعْبَةَ يومَ الأضْحى على بعيرٍ، فقال: هذا يومُ الأضْحى، وهذا يومُ النَّحْرِ، وهذا يومُ الحَجِّ الأكبرِ (^٤).\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعْمش، عن عبدِ الله بن سِنانٍ (^٣)، قال: خَطَبَنا المُغِيرةُ بنُ شُعْبَةَ يومَ الأضْحى على بَعيرٍ، وقال: هذا يومُ الأضْحى، وهذا يومُ النَّحْرِ، وهذا يومُ الحَجِّ الأكبر (^٥).\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الأعْمش، عن عبدِ اللهِ بن سنانٍ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٤٣٩ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن وكيع به.\n(^٢) سقط من: ت ٢، وفى ص، ت ١، س، ف: \"عيينة\".\n(^٣) في م: \"يسار\". وينظر الجرح والتعديل ٥/ ٦٨، والثقات لابن حبان ٥/ ١١ وتعجيل المنفعة ١/ ٧٤٣.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٠٩) من طريق الأعمش به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٤٣٩ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن وكيع به.","vol":"11","page":327},{"text":"خَطَبَنا المُغِيرةُ بنُ شُعْبَةَ، فذكَر نحوه.\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ سعيدٍ، عن حَمَّادِ بن سَلَمَةَ، عَن سِمَاكٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْرِ (^١).\nحدَّثنا ابن أبي الشَّوَارِبِ، قال: ثنا عبد الواحدِ، قال: ثنا سليمانُ الشَّيْبانيُّ قال: سَمِعتُ سعيد بن جُبَيرٍ يقولُ: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْرِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ، عن إسرائيل، عن أبي إسحاقَ، عن أبي جُحَيفةَ، قال: الحَجِّ الأكبرُ يومُ النَّحْرِ (^٣).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بِشْرٍ، قال: اختَصَم عليُّ بنُ عبدِ اللهِ بن عباسٍ، ورجلٌ مِنْ آلِ شَيْبَةَ في يومِ الحَجِّ الأكبرِ، قال عليٌّ: هو يومُ النَّحْرِ. وقال الذي مِن آلِ شَيْبَةَ، هو يومُ عَرَفةَ. فَأَرْسِل إلى سعيدِ بن جُبَيرٍ فسألوه، فقال: هو يومُ النَّحْرِ، أَلَا تَرَى أن مَن فاتَه يومُ عرَفةَ لم يَفُتْه الحَجُّ، فإذا فاتَه يومُ النَّحْرِ فقد فاتَه الحَجُّ؟\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا يونسُ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، أنه قال: الحَجُّ الأكبرُ، يومُ النَّحْرِ. قال: فقلتُ له: إن عبدَ اللَّهِ بن شَيْبَةَ، ومحمدَ بنَ عليِّ بن عبدِ اللهِ بن عباسٍ اختَلَفا في ذلك؛ فقال محمدُ بنُ عليٍّ: هو يومُ النَّحْرِ. وقال عبد الله: هو يومُ عَرفةَ. فقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: أرأيتَ لو أن رجلًا فاتَه يومُ عَرفةَ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٤٤٠ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن يحيى بن سعيد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٤٣٨، ٤٣٩ (القسم الأول من الجزء الرابع)، وتفسير مجاهد ص ٣٦٤ من طريق الشيباني به. وينظر تفسير البغوي ٤/ ١٢.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٤٤٠ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن عبيد الله به.","vol":"11","page":328},{"text":"أكان يَفوتُه الحَجُّ؟ وإذا فاتَه يومُ النَّحْرِ فاته الحَجُّ.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو السَّائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن الشَّيْبانيِّ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْرِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: ثني رجلٌ، عن أبيه، عن قيسِ بن عُبادةَ، قال: ذو الحِجَّةِ (^١) العاشرُ النَّحْرُ، وهو يومُ الحَجِّ الأكبرِ.\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادٍ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ، والحَجُّ الأصْغَرُ العُمْرةُ (^٢).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادِ بن الهادِ، قال: الحَجُّ الأكبرَ يومُ النَّحْرِ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحارِبيُّ، عن مُسْلِمٍ الحَجَبِيِّ، قال: سألتُ نافعَ بنَ جُبَيرِ بن مُطْعِمٍ، عن يومِ الحَجِّ الأكبرِ، قال: يومُ النَّحْرِ (^٤).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن المُغِيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: كان يقالُ: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْرِ (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: يومُ\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"و\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٤٣٩ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق سفيان به.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٠٦ - تفسير من طريق أبي إسحاق به.\n(^٤) ذكره ابن كثير ٤/ ٥١.\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ١٢، وابن كثير ٤/ ٥١.","vol":"11","page":329},{"text":"الحَجِّ الأكبرِ يومٌ يُهَرَاقُ فيه الدَّمُ، ويَحِلُّ فيه الحَرامُ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ، أنه قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ الذي يَحِلُّ فيه كلُّ حَرامٍ.\nقال: ثنا هُشَيمٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن الشَّعْبيِّ، عن عليٍّ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن ابن عَوْنٍ، قال: سألتُ محمدًا عن يومِ الحَجِّ الأكبرِ فقال: كان يومًا وَافَقَ فيه حَجَّ رسولِ اللهِ ﷺ وحَجَّ أَهلِ الوَبَرِ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا [عمرُ بنُ ذَرٍّ] (^٤)، قال: سألتُ مجاهدًا عن يومِ الحَجِّ الأكبرِ، فقال: هو يومُ النَّحْرِ (٢).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن مجاهدٍ: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ثَوْرٍ، عن مجاهدٍ: يوم الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ - وقال عِكْرمةُ: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ، يومٌ تُهَرَاقُ فيه الدِّماءُ، ويَحِلُّ فيه الحرامُ - قال: وقال مجاهدٌ: يومٌ يُجْمَعُ فيه الحَجُّ كلُّه،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٤٣٩ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن وكيع به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥١.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٢ عن المصنف.\n(^٤) في ف: \"عمرو بن دينار\".","vol":"11","page":330},{"text":"وهو يومُ الحَجِّ الأكبرِ (^١).\nقال: ثنا إسرائيلُ، عن عبدِ الأَعْلى، عن محمدِ بن عليٍّ: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ.\nقال: ثنا إسرائيلُ، عن عبدِ الأَعْلى، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nقال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ، عن سِمَاكِ بن حَرْبٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن أبي إسحاقَ، قال: قال عليٌّ: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْرِ. قال: وقال الزُّهْرِيُّ: يومُ النَّحْرِ يومُ الحَجِّ الأكبرِ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وَهْبٍ، قال: ثنا عمِّى عبدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرنى يونسُ وعمرٌو، عن الزُّهْرِيِّ، عن حُمَيدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن أبي هريرةَ، قال: بَعَثَنى رسولُ اللهِ ﷺ مع أبي بكرٍ في الحَجَّةِ التي أمَّره رسولُ اللهِ ﷺ عليها قبل حجَّةِ الوداعِ، في رَهْطٍ يُؤذِّنون في الناس يومَ النَّحْرِ؛ ألا لا يَحُجُّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفُ بالبيتِ عُرْيانٌ. قال الزُّهْرِيُّ: فكان حميدٌ يقولُ: يومُ النَّحْرِ يومُ الحَجِّ الأكبرِ (^٣).\n_________\n(^١) ينظر تفسير مجاهد ص ٣٦٤.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦٦ عن معمر به.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٣٤٧/ ٤٣٥)، وابن خزيمة (٢٧٠٢) من طريق ابن وهب به، به، وأخرجه البخارى (١٦٢٢) من طريق يونس به وأخرجه أيضًا (٣٦٩، ٣١٧٧، ٤٣٦٣، ٤٦٥٥، ٤٦٥٧)، وأبو داود (١٩٤٦)، والنسائى (٢٩٥٧)، من طريق الزهرى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١١ إلى ابن مردويه.","vol":"11","page":331},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ (^١)، عن أبي إسحاقَ، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بن شَدَّادٍ، عن الحَجِّ الأكبرِ والحَجِّ الأصْغرِ، فقال: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْرِ، والحَجُّ الأصْغَرُ العُمْرةُ (^٢).\nقال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن أبي إسحاقَ، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بن شَدَّادٍ، فذكَر نحوَه (^٢).\nقال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابن عُيَينةَ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ، قال: سَمِعتُ عبدُ اللهِ بنَ أبي أوفَى يقولُ: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومٌ يُوَضَعُ فيه الشَّعَرُ، ويُهَرَاقُ فيه الدَّمُ، ويَحِلُّ فيه الحرامُ (^٢).\nقال: ثنا الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن عليٍّ، قال: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْرِ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا قَيْسٌ، عن عَيَّاشٍ العامِرِيِّ، عن عبدِ اللهِ بن أبي أوفَى، أنه سُئِل عن يومِ الحَجِّ الأكبرِ، فقال: سبحانَ اللهِ، هو يومٌ تُهَرَاقُ فيه الدِّماءُ، ويَحِلُّ فيه الحرامُ، ويُوْضَعُ فيه الشَّعَرُ، هو يومُ النَّحْرِ.\nقال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي حَصِينٍ، عن عبدِ اللهِ بن سنانٍ، قال: خَطَبَنا المُغِيرةُ بن شُعبةَ على ناقةٍ له، فقال: هذا يومُ النَّحْرِ، وهذا يومُ الحَجِّ الأكبرِ.\nقال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا حسنُ بنُ صالحٍ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، قال:\n_________\n(^١) في م: \"الشعبي\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٦٧.\n(^٣) تقدم ص ٣٢٤ بذكر الحارث بن أبي إسحاق وعلى.","vol":"11","page":332},{"text":"يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، عن إبراهيمَ بن طَهْمانَ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾. [قال: يومُ الحجِّ الأكبرِ] (^١) يومُ النَّحْرِ، يَحِلُّ فيه الحَرامُ.\nحدَّثني أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا ابْنُ عَوْنٍ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي بَكْرةَ، عن أبيه، قال: لمَّا كان ذلك اليومُ، قَعَد على بعيرٍ له النبيُّ، وأَخَذ إنسانٌ بخطامِه - أو زِمامِه - فقال: أيُّ يومٍ هذا؟ قال: فسَكَتْنا حتى ظَنَنَّا أَنه سَيُسَمِّيه غيرَ اسمِه، فقال: أليس يومَ الحَجِّ (^٢)؟\nحدَّثنا سَهْلُ بنُ محمدٍ السجستانيُّ (^٣)، قال: ثنا أبو جابرٍ الحرميُّ (^٤)، قال: ثنا هشامُ بنُ الغازِ الجُرَشِيُّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: وَقَف رسولُ اللهِ ﷺ يومَ النَّحْرِ عندَ الجَمَراتِ في حَجَّةِ الوداعِ، فقال: \"هذا يومُ الحَجِّ الأكبرِ\" (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٢ عن المصنف، وأخرجه مسلم (١٦٧٩/ ٣٠) من طريق يزيد بن زريع به، وأخرجه أحمد ٥/ ٣٧، ٤٥ (ميمنية)، وابن حبان (٣٨٤٨، ٥٩٧٣)، والبيهقي ٣/ ٢٩٨ من طريق ابن عون به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ٢٦،٢٧، والبخارى (١٧٤١) من طريق ابن سيرين به.\n(^٣) في ص، م، ف: \"الحساني\"، وفى ت ١، ت ٢، س: \"الجدبى\". والمثبت من تفسير ابن كثير ٤/ ٥٢، وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٢٠١.\n(^٤) في ص، ف: \"الحربى\"، وفى م: \"الحرثى\"، والمثبت من تفسير ابن كثير ٤/ ٥٢.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٤٨ (٩٢٢٧) من طريق أبي جابر به، وأخرجه ابن سعد ٢/ ١٨٤، والبخارى معلقا (١٧٤٢)، وابن ماجه (٣٠٥٨)، وأبو داود (١٩٤٥) من طريق هشام به، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٨/ ٢٧٤ من طريق نافع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١١ إلى أبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"11","page":333},{"text":"عمرٍو بن مُرَّةَ، عن مُرَّةَ الهَمْدَانيِّ، عن رجلٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ قال: قامَ فينا رسولُ اللهِ ﷺ على ناقةٍ حمراءَ مُخَضْرَمَةٍ (^١)، فقال: \"أَتَدْرُون أيُّ يومٍ يَوْمُكم؟ \". قالوا: يومُ النَّحْرِ، قال: \"صَدَقْتُم، يومُ الحَجِّ الأكبرِ\" (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ مُرَّةَ، قال: ثنا مُرَّةُ، قال: ثنا رجلٌ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ، قال: قامَ فينا رسولُ اللهِ ﷺ، فذكَر نحوَه (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبرَنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبيه عن .... (^٤) قال: بَعَث رسولُ اللهِ ﷺ عليًّا بأربعِ كلماتٍ حين حَجَّ أبو بكرٍ بالناسِ، فنادَى [بهن: ألا] (^٥) إنه يومُ الحَجِّ الأكبرِ، ألا إنه لا يَدْخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مُسْلِمةٌ، ألَا ولا يطوفُ بالبيتِ عُرْيانٌ، ألَا ولا يحجُّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ألَا ومَن كان بينَه وبينَ محمدٍ عهدٌ، فأجلُه إلى مُدَّتِه، واللهُ بَرِيءٌ مِن المشركين ورسولُه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنى هُشَيمٌ، عن حَجَّاج بن أَرْطَاةَ، عن عطاءٍ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ.\nحدَّثني يونسٌ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾. قال: يومُ النَّحْرِ، يومٌ يَحِلُّ فيه المُحْرِمُ، ويَنْحَرُ فيه البُدْنَ.\n_________\n(^١) ناقة مخضرمة: أي قطع طرف أذنها. الصحاح (خضرم) ٥/ ١٩١٤.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٢ نقلا عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ٢٨ عن محمد بن جعفر به بنحوه.\n(^٣) أخرجه النسائي (٤٠٩٩) عن ابن المثنى به، وأخرجه أحمد ٥/ ٤١٢ (ميمنية) عن يحيى بن سعيد به.\n(^٤) سقط من: م. وهو بياض في باقى النسخ يسع اسم الراوى ولعله \"أبو هريرة\" وينظر ما تقدم ٣١٣.\n(^٥) في م: \"ببراءة\".","vol":"11","page":334},{"text":"وكان ابن عمرَ يقولُ: هو يومُ النَّحْرِ. وكان أبي يقولُه. وكان ابن عباسٍ يقولُ: هو يومُ عَرفةَ. ولم أسمَعْ أحدًا يقولُ إنه يومُ عَرَفةَ إلا ابنَ عباسٍ. قال ابن زيدٍ: والحَجُّ يفوتُ بفَوْتِ يوم النَّحْرِ، ولا يفوتُ بفوتِ يومِ عَرفةَ، إن فاتَه اليومٌ لم يَفُتْه الليلُ، يَقِفُ مَا بينَه وبينَ طلوعِ الفجرِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: يومُ الأضحى يومُ الحَجِّ الأكبرِ (^٢).\nحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبي، عن شُعبةَ، عن عمرِو بن مُرَّةً، قال: ثنى رجلٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في غُرْفَتِي هذه حَسِبْتُه، قال: خَطَبَنا رسولُ اللهِ ﷺ يومَ النَّحْرِ على ناقةٍ حمراءَ مُخَضْرَمةٍ، فقال: \"أتَدْرون أيُّ يومٍ هذا؟ هذا يومُ النَّحْرِ، وهذا يومُ الحَجِّ الأكبرِ\" (^٣).\nوقال آخرون: معنى قولِه: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾: حينَ الحجِّ الأكبرِ ووقتَه. قال: وذلك أيامُ الحَجِّ كلُّها، لا يومٌ بَعيْنِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3814>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾: حينَ الحجِّ، أيامَه كلَّها (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن ابن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥١ مختصرا.\n(^٢) تفسير البغوي ٤/ ١٢.\n(^٣) أخرجه أحمد ٢٥/ ٢٢١ (١٥٨٨٦) عن وكيع به.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٦٤.","vol":"11","page":335},{"text":"جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: الحجُّ الأكبرُ أيامُ مِنًى كلُّها، ومَجامِعُ المشركين حينَ كانوا بذي المجَازِ وعُكاظٍ ومَجَنَّةَ، حينَ نُودِى فيهم أن لا يجتمعَ المسلمون والمشركون بعدَ عامِهم هذا، وأن لا يطوفَ بالبيتِ عُريانٌ، ومَن كان بينَه وبينَ رسولِ اللهِ ﷺ عهدٌ، فعهدُه إلى مُدَّتِه (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا أبو عُبَيدٍ، قال: كان سفيانُ يقولُ: يومُ الحَجِّ، ويومُ الجَمَلِ، ويومُ صِفِّينَ، أي: أيامُه كلُّها (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾. قال: حينَ الحَجِّ، أي: أيامُه كلُّها.\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ عندَنا، قولُ مَن قال: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾: يومَ النَّحْرِ؛ لتَظاهرِ الأخبارِ عن جماعةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أن عليًّا نادَى بما أرسَله به رسولُ اللهِ ﷺ مِن الرسالةِ إلى المشركين، وتَلا عليهم \"براءةَ\" يومَ النَّحْرِ. هذا، مع الأخبارِ التي ذكَرناها عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال يومَ النَّحْرِ: \"أَتَدْرُون أيُّ يومٍ هذا؟ هذا يومُ الحَجِّ الأكبرِ\".\nوبعدُ، فإن اليومَ إنما يُضافُ إلى المعنى الذي يكونُ فيه، كقولِ الناسِ: يومُ عَرفةَ. وذلك يومُ وقوفِ الناسِ بعَرفةَ، ويومُ الأضْحى. وذلك يومٌ يُضَحُّون فيه، ويومُ الفِطْرِ، وذلك يومٌ يُفْطِرون فيه. وكذلك: يومُ الحَجِّ. يومٌ يَحُجُّون فيه، وإنما يَحُجُّ الناسُ ويَقْضُون مناسكَهم يومَ النَّحْرِ؛ لأن في ليلةِ نهارِ يومِ النَّحْرِ، الوقوفَ بعرفَةَ [غيرُ فائتٍ] (^٣) إلى طلوعِ الفجرِ، وفي صَبيحتِها يُعْمَلُ أعمالُ\n_________\n(^١) تفسير البغوي ٤/ ١٢ عن ابن جريج عن مجاهد مختصرا.\n(^٢) تفسير البغوي ٤/ ١٢، وتفسير ابن كثير ٤/ ٥٢.\n(^٣) في م: \"كان\".","vol":"11","page":336},{"text":"الحَجِّ. فأمَّا يومُ عَرفةَ، فإنه وإن كان فيه (^١) الوقوفُ بعرَفةَ، فغيرُ فائتٍ الوقوفُ به إلى طلوعِ الفجرِ من ليلة النَّحْرِ، والحَجُّ كلُّه يومَ النَّحْرِ.\nوأمَّا ما قال مجاهدٌ، من أن يومَ الحَجِّ، إنما هو أيامُه كلُّها، فإن ذلك وإن كان جائزًا في كلامِ العربِ، فليس بالأشْهرِ الأعْرفِ في كلامِ العربِ مِن مَعانيه، بل أغْلَبُ على معنى اليومِ عندَهم، أنه مِن غُروبِ الشمسِ إلى مثلِه مِن الغدِ، وإنما مَحْمَلُ تأويلِ كتابِ اللهِ على الأشْهرِ الأعْرفِ مِن كلامِ مَن نَزَل الكتابُ بلسانِه.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي من أجلِه قيل لهذا اليومِ: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾؛ فقال بعضُهم: سُمِّى بذلك؛ لأن ذلك كان في سنةٍ اجتَمَع فيها حَجُّ المسلمين والمشركين.\n\n<span data-type='title' id=toc-3815>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ، قال: إنما سُمِّى الحجَّ الأكبرَ مِن أجلِ أنه حَجَّ أبو بكرٍ الحَجَّةَ التي حَجَّها، واجتَمَع فيها المسلمون والمشركون، فلذلك سُمِّى الحجَّ الأكبرَ. ووافقوا (^٢) أيضًا عيدَ اليهودِ والنصارى (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن عليّ بن زيدِ بن جُدْعانَ، عن عبدِ اللهِ بن الحارثُ بن نوفلٍ، قال: يومَ الحَجِّ الأكبرِ،\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"وافق\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦٦ عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٤٨ (٩٢٣١) من طريق سهل السراج عن الحسن بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١١ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":337},{"text":"كانت حجةُ الوداعِ، اجتمع فيه حَجُّ المسلمين والنصارى واليهودِ، ولم يَجتَمِعْ قبلَه ولا بعدَه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمر، عن الحسنِ، قال: قولُه: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾. قال: إنما سُمَّي الحَجَّ الأكبر؛ لأنه يومٌ حَجَّ فيه أبو بكرٍ، ونُبِذت فيه العهودُ.\nوقال آخرون: الحَجُّ الأكبرُ القرآنُ، والحَجُّ الأصغرُ الإفرادُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3816>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا أبو بكرٍ النَّهْشَلِيُّ، عن حَمَّادٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان يقالُ: الحَجُّ الأكبرُ، والحَجُّ الأصغرُ؛ فالحَجُّ الأكبرُ القِرآنُ، والحَجُّ الأصغرُ إفرادُ الحَجِّ (^١).\nوقال آخرون: الحَجُّ الأكبرُ الحَجُّ، والحَجُّ الأصغرُ العمرةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3817>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، قال: الحَجُّ الأكبرَ الحَجُّ، والحَجُّ الأصْغرُ العمرةُ (^١).\nقال: ثنا عبدُ الأعلى، عن داودَ، عن عامرٍ، قال: قلتُ له: هذا الحَجُّ الأكبرُ، فما الحَجُّ الأصغرُ؟ قال: العُمْرةُ (^٢).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ ابن أبي\n_________\n(^١) تفسير البغوي ٤/ ١٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ص ١٢٨ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن عبد الأعلى به بلفظ: العمرة في رمضان.","vol":"11","page":338},{"text":"هندٍ، عن الشَّعْبيِّ، قال: كان يقالُ: الحَجُّ الأصْغَرُ العُمْرةُ في رمضانَ.\nقال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان يقالُ: الحَجُّ الأصْغرُ العُمْرةُ (^١).\nقال: ثنا عبدُ الرحمنِ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ (^٢)، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادٍ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ، والحَجُّ الأصغرُ العُمْرةُ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، أن أهلَ الجاهليةِ كانوا يُسَمُّون الحَجَّ الأصْغر، العُمْرةَ (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلى هذه الأقوالِ بالصوابِ في ذلك عندى، قولُ مَن قال: الحَجُّ الأكبرُ الحَجُّ؛ لأنه أكبرُ من العُمْرةِ بزيادةِ عملِه على عملِها، فقيل له: الأكبرُ. لذلك، وأمَّا الأصْغرُ فالعُمْرةُ؛ لأن عملَها أقلُّ مِن عملِ الحَجِّ، فلذلك قيل لها: الأصغرُ. لنُقْصانِ عملِها عن عملِه.\nوأما قولُه: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾. فإن معناه: أن الله بَرِيءٌ من عهدِ المشركين ورسولَه، بعدَ هذه الحَجَّةِ.\nومعنى الكلامِ: وإعلامٌ مِن اللهِ ورسولِه إلى الناسِ في يوم الحَجِّ الأكبرِ، أن الله\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٢٢٢ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، وابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ١٨ من طريق منصور به.\n(^٢) في م: \"أسماء\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦٧، وابن أبي شيبة ص ٢٢٢ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق سفيان به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٠٦ - تفسير) من طريق أبي إسحاق به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٦٦ عن معمر به.","vol":"11","page":339},{"text":"ورسولَه من عهدِ المشركين ومنهم (^١) بَرِيئان.\nكما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾. أي: بعدَ هذه الحَجَّةِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3818>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ </span>(٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: فإن تُبْتُم مِن كفرِكم، أيُّها المشركون، ورَجَعتم إلى توحيدِ اللهِ، وإخلاصِ العبادةِ له دونَ الآلهةِ والأنْدادِ، فالرجوعُ إلى ذلك خيرٌ لكم مِن الإقامةِ على الشِّرْكِ في الدنيا والآخرةِ، ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾. يقولُ: وإِن أَدْبَرْتم عن الإيمانِ باللهِ، وأَبَيْتُم إلا الإقامةَ على شِرْكِكم، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾. يقولُ: فأيْقِنوا أنكم لا تُفِيتون الله بأنفسِكم مِن أن يَحِلُّ بكم عذابُه الأليمُ، وعِقابُه الشديدُ على إقامتِكم على الكفرِ، كما فُعِل بِذَوِيكُم (^٣) مِن أَهلِ الشِّرْكِ، مِن إنزالِ نِقَمِه به، وإحلالِه العذابَ عاجلًا بساحتهِ، ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: وأعْلِم، يا محمدُ، الذين جَحَدوا نُبُوَّتك، وخالَفوا أمرَ رَبَّهم بعذابٍ مُوجِعٍ يَحِلُّ بهم.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾. قال: آمَنْتُم.\n\n<span id=\"aya-1239\"></span><span data-type='title' id=toc-3819>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ</span>\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٤٤.\n(^٣) في ت ١، س، ف: \"بدوانكم\"، وفي ت ٢: \"بذنوبكم\".","vol":"11","page":340},{"text":"شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾، إلا مِن عَهْدِ الذين عاهَدْتم من المشركين، أيُّها المؤمنون ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ مِن عَهْدِكم الذي عاهَدْتُموهم، ﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ مِن عدوِّكم، فيُعِينوهم بأنفسِهم وأبدانِهم، ولا بسلاحٍ، ولا خيلٍ، ولا رجالٍ، ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾. يقولُ: فَفُوا لهم بعهدِهم الذي عاهَدْتُموهم عليه، ولا تَنْصِبوا لهم حَرْبًا إلى انقضاءِ أجلِ عَهْدِهم الذي بينَكم وبينَهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: إن الله يُحِبُّ مَن اتَّقَاه بطاعتِه بأداءِ فرائضِه واجْتِنابِ مَعاصِيه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾. يقولُ: إِلى أَجَلِهم (^١).\nحدَّثنا ابن حُمَيَدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. أي: العهدَ الخاصَّ إلى الأجلِ المُسَمَّى ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ الآية (^٢).\n[حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا] (^٣) وَلَمْ يُظَاهِرُوا [عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾] (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٥٠ (٩٢٤٤) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٤٤.\n(^٣) سقط من: ص، ف.","vol":"11","page":341},{"text":"الآية. قال: هم مُشْرِكو قريشٍ الذين عاهَدهم رسولُ اللهِ ﷺ زمنَ الحُدَيبيةِ، وكان بَقِي مِن مُدَّتِهم أربعةُ أشهرٍ بعد يومِ النَّحْرِ، فأمَر اللهُ نبيَّه أن يُوَفِّيَ لهم بعهدِهم إلى مُدَّتِهم، ومَن لا عهدَ له إلى انسلاخِ المُحرَّمِ، ونَبَذَ إلى كلِّ ذى عهدٍ عهدَه، وأمَره بقتالِهم حتى يَشْهَدوا أن لا إله إلا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ اللهِ، وأن لا يَقْبَلَ منهم إلا ذلك (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: مُدَّةُ مَن كان له عهدٌ من المشركين قبلَ أن تَنْزِلَ \"براءةُ\" أربعةُ أشهرٍ مِن يومَ أُذِّن بـ \"براءةَ\" إلى عشرٍ مِن شهرِ ربيعٍ الآخرِ، وذلك أربعةُ أشهرٍ، فإن نَقَض المشركون عهدَهم وظاهَروا عدوًّا، فلا عهدَ لهم، وإن وَفَّوْا بعهدِهم الذي بينَهم وبينَ رسولِ اللهِ ﷺ، ولم يُظاهِروا عليه عدوًّا، فقد أَمِرَ أن يُؤدِّيَ إليهم عهدَهم ويَفِيَ به (^٢).\n\n<span id=\"aya-1240\"></span><span data-type='title' id=toc-3820>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾: فَإِذا انقَضَى وَمَضَى وخرَج.\nيقالُ منه سَلَحْنا شهرَ كذا نَسْلَخُه سَلْخًا وسُلُوخًا. بمعنى: خَرَجْنا منه. ومنه قولُهم: شاةً مَسْلوخةٌ. بمعنى: المنزوعةُ من جلدِها، المُخْرجَةُ منه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٥٠ (٩٢٣٩، ٩٢٤٣) من طريق يزيد به إلى قوله \"مدتهم\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٥ عن العوفى عن ابن عباس به إلى قوله: \"الآخر\".","vol":"11","page":342},{"text":"ويعنى بالأشهرِ الحُرُمِ؛ ذا القَعْدةِ، وذا الحِجَّةِ، والمُحَرَّمَ.\nوإنما أُرِيدَ في هذا الموضعِ انسلاخُ المحرَّمِ وحدَه؛ لأن الأذانَ كان بـ\"براءةَ\" يومَ الحَجِّ الأكبرِ. فمعلومٌ أنهم لم يكونوا أجَّلوا الأشهرَ الحرمَ كلَّها - وقد دللَّنا على صحةِ ذلك فيما مضَى - ولكنه لمَّا كان مُتَّصِلًا بالشهرَين الآخرَين قبلَه الحرامَين، وكان هو لهما ثالثًا، وهى كلُّها مُتَّصِلٌ بعضُها ببعضٍ، قيل: فإذا انسلَخ الأشهرُ الحرمُ.\nومعنى الكلامِ: فإذا انقَضَت الأشهرُ الحرم الثلاثةُ على الذين لا عهدَ لهم، أو عن الذين كان لهم عهدٌ فنَقَضوا عهدَهم بمُظاهرتِهم الأعداءَ على رسولِ اللهِ وعلى أصحابِه، أو كان عهدُهم إلى [غير أجلٍ] (^١) معلومٍ.\n﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: فاقْتُلُوهم ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. يقولُ: حيثُ لَقِيتُموهم من الأرضِ، في الحَرَمِ وغيرِ الحَرَمِ، في الأشهرِ الحُرُمِ وغيرِ الأشهرِ الحُرُمِ، ﴿وَخُذُوهُمْ﴾. يقولُ: وأَسِرُوهم، ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾. يقولُ: وامْنَعوهم مِن التصرفِ في بلادِ الإسلامِ ودخولِ مكةَ، ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾. يقولُ: واقْعُدوا لهم بالطَّلَبِ لقَتْلِهم أو أسْرِهم ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾. يعنى: كلَّ طريقٍ ومَرْقَبٍ، وهو مَفْعَلٌ مِن قولِ القائلِ: رَصَدتُ فلانًا أَرْصُدُه رَصْدًا، بمعنى: رَقَبْتُه.\n﴿فَإِنْ تَابُوا﴾. يقولُ: فإن رَجَعُوا عما هم (^٢) عليه مِن الشِّرْكِ باللهِ وجُحُودِ نُبوَّةِ نبيِّه محمدٍ ﷺ، إلى توحيدِ اللهِ وإخلاصِ العبادةِ له، دونَ الآلهةِ والأنْدادِ، والإقرار بنُبَّوةِ محمدٍ ﷺ، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾. يقولُ: وأَدَّوْا مَا فَرَضَ اللهُ عليهم مِن الصلاةِ بحدودِها وأعْطَوُا الزَّكاةَ التي أوجَبها اللهُ عليهم في أموالِهم أهلَها، ﴿فَخَلُّوا\n_________\n(^١) في م: \"أجل غير\".\n(^٢) في م: \"نهاهم\".","vol":"11","page":343},{"text":"سَبِيلَهُمْ﴾. يقولُ: فَدَعُوهم يَتَصَرَّفون في أمْصارِكم، ويدخُلون البيتَ الحرامَ ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لَمَن تَابَ مِن عبادِه، فأنابَ إلى طاعتِه بعدَ الذي كان عليه مِن معصيتِه، ساتِرٌ على ذَنْبِه، رحيمٌ به أن يُعاقِبَه على ذُنُوبِه السالفةِ قبلَ توبتِه بعدَ التوبةِ.\nوقد ذكرنا اختلافَ المُخْتلِفِين في الذين أُجِّلوا إلى انسلاخِ الأشهرِ الحُرُمِ.\nوبنحوِ ما قُلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3821>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عبدُ الأعْلَى بنُ واصلٍ الأسْدِيُّ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبرَنا أبو جعفرٍ الرَّازِيُّ عن الربيعِ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"مَن فَارَقَ الدنيا على الإخلاصِ للهِ وحدَه وعبادتِه لا يُشْرِكُ به شيئًا، فارَقَها واللهُ عنه راضٍ\". قال: وقال أنسٌ: هو دِينُ اللهِ الذي جاءت به الرسلُ، وبلَّغُوه عن ربِّهم، قبلَ هَرْجٍ (^١) الأحاديثِ واختلافِ الأهْواءِ، وتصديقُ ذلك في كتابِ اللهِ في آخرِ ما أنزَل اللهُ، قال اللهُ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾. قال: توبتُهم؛ خَلْعُ الأوثانِ وعبادةُ ربِّهم، وإقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، ثم قال في آيةٍ أخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا\n_________\n(^١) الهرج: كثرة الكذب. التاج (هـ ر ج).\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٤ عن المصنف، وأخرجه أبو يعلى - كما في الدر المنثور ٣/ ٢١٣ ومن طريقه الضياء في المختارة (٢١٢٢) - وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٥٣ (٩٢٧٢)، والحاكم ٢/ ٣٣٢ من طريق عبيد الله بن موسى به، وأخرجه ابن ماجه (٧٠)، والحارث بن أبي أسامة في مسنده (٧ - بغية)، وابن نصر في كتاب الصلاة - كما في تفسير ابن كثير - والحاكم ٢/ ٣٣٢، والبيهقى في الشعب (٦٨٥٦)، والضياء (٢١٢٣، ٢١٢٧)، واللالكائى في شرح أصول الاعتقاد (١٥٤٩) من طريق أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن نصر والبزار وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"11","page":344},{"text":"انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ حتى ختَم آخِرَ الآيةِ. وكان قتادةُ يقولُ: خَلُّوا سبيلَ من أمَركم اللهُ أن تُخَلُّوا سبيلَهَ، فإنما الناسُ ثلاثةُ رَهْطٍ: مسلمٌ عليه الزكاةُ، ومُشْرِكٌ عليه الجِزْيةُ، وصاحبُ حربٍ يأْمَنُ بتِجارتِه في المسلمين إذا أعطَى عُشُورَ مالِه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾، وهى الأربعةُ التي عَدَدتُ لك. يعنى: عشرين من ذى الحِجَّةِ، والمُحرَّمَ، وصفرَ، وربيعًا الأَوَّلَ، وعشرًا مِن شهرِ ربيعٍ الآخِرِ (^٢).\nوقال قائلو هذه المقالةِ: قيل لهذه الأشهرِ الحرمُ؛ لأن الله، ﷿، حَرَّم على المؤمنين فيها دماءَ المُشْرِكين والعَرْضَ لهم إلا بسبيلِ خيرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3822>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن إبراهيمَ بن أبى بكرٍ، أنه أخبرَه، عن مجاهدٍ وعمرِو بن شعَيبٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ أنها الأربعةُ التي قال اللهُ: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾. قال: هي الحُرُمُ؛ مِن أجْلِ أنهم أُومِنوا فيها حتى يَسِيحوها (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٥٥ (١٠٠٨٣) من طريق يزيد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٥٢ (٩٢٥١) من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٦٣، ٣٦٤ بمعناه ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٤٦ (٩٢٢٠)، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٣ عن مجاهد وعمرو بن شعيب.","vol":"11","page":345},{"text":"أَشْهُرٍ﴾. قال: ضُرِب لهم أجلٌ أربعةُ أشهرٍ، وتَبَرَّأَ مِن كلِّ مُشْرِكٍ. ثم أمَر إذا انسَلَخَت تلك الأشهرُ الحُرُمُ؛ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾، لا تَتْرُكُوهم يَضْرِبون في البلادِ، ولا يَخْرُجون للتجارةِ، ضَيِّقُوا عليهم، بعدَها (^١) أمَر بالعَفْوِ؛ ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾. يعنى: الأربعةَ التي ضرَب اللهُ (^٣) لهم أَجَلًا لأهلِ العهدِ العامِّ مِن المشركين فاقْتُلُوهُمْ ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ الآية (^٤).\n\n<span id=\"aya-1241\"></span><span data-type='title' id=toc-3823>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: وإن اسْتأمَنَك، يا محمدُ، من المشركين الذين أمَرْتُك بقتالِهم وقَتْلِهم بعدَ انسلاخِ الأشهرِ الحُرُمِ أحدٌ ليَسْمَعَ كلامَ اللهِ منك، وهو القرآنُ الذي أنزَله اللهُ عليه، ﴿فَأَجِرْهُ﴾. يقولُ: فأمِّنْه ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ وتَتْلُوه عليه ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾. يقولُ: ثم رُدَّه بعدَ سَماعِه كلامَ اللهِ إِنْ هو أَبَى أَن يُسْلِمَ، ولم يَتَّعِظُ بما تَلَوتَه عليه مِن كلامِ اللهِ، فيؤَمَّن إلى ﴿مَأْمَنَهُ﴾. يقولُ: إلى حيثُ يأمَنُ منك وممن في طاعتِك، حتى يَلْحَقَ بدارِه وقومِه من المشركين. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بعدما\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٥٣ (٩٢٦٩، ٩٢٧٠) من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ص، ف.\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٤٤، تفسير البغوي ٤/ ١٣.","vol":"11","page":346},{"text":"قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: تَفْعَلُ ذلك بهم مِن إعْطائِك إيَّاهم الأمانَ ليَسْمَعوا القرآنَ، ورَدِّك إيَّاهم - إذا أَبَوُا الإسلامَ - إلى مَأْمَنِهم، مِن أجلِ أنهم قومٌ جَهَلَةٌ لا يفْقَهون عن اللهِ حُجَّةً، ولا يَعْلَمون ما لَهم بالإيمانِ باللهِ لو آمَنوا، وما عليهم من الوِزْرِ والإثمِ بتَرْكِهم الإيمانَ باللهِ.\nوبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3824>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾. أي: مِن هؤلاء الذين أمَرْتُك بقتالِهم، ﴿فَأَجِرْهُ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ أَمَّا كَلَامُ اللهِ فالقرآنُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾. قال: إنسانٌ يَأْتِيك فيَسمَعُ ما تقولُ، ويَسمَعُ ما أُنْزِل عليك، فهو آمِنٌ حتى يَأْتِيَك فيَسْمَعَ كلامَ اللهِ، وحتى يَبْلُغَ مَأْمَنَه حيثُ جاء (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ عن سعيدٍ، قال: خرَج\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٤٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٥٥ (١٠٠٨٨) من طريق أسباط به\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"جاءه\". والأثر في تفسير مجاهد ص ٣٦٤. ومن طريقه ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٥٥، ١٧٥٦، وأخرجه أيضًا ٦/ ١٧٥٥ من طريق ابن أبي نجيح به.","vol":"11","page":347},{"text":"رسولُ اللهِ ﷺ، غازِيًا، فلَقِى العدوَّ، وأخرَج المسلمون رجلًا من المشركين، وأشْرَعوا فيه الأَسِنَّةَ، فقال الرجلُ: ارفَعُوا عنى سلاحَكم، وأسْمِعونى كلامَ اللهِ تعالى. فقالوا: تَشْهَدُ أن لا إله إلا اللهُ، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، وتَخْلَعُ الأَنْدادَ، وتَتَبَرَّأُ مِن اللَّاتِ والعُزَّى. فقال: فإني أُشْهِدُكم أني قد فعَلتُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قولِه: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾. قال: إن لم يُوافِقْه ما تقصُّ (^١) عليه وتُحَدِّثُه، فأَبْلِغْه، قال: وليس هذا بمنسوخٍ (^٢).\nواختُلِف في حكمِ هذه الآيةِ، هل هو منسوخٌ أو هو غيرُ منسوخٍ؟\nفقال بعضُهم: هو غيرُ منسوخٍ. وقد ذكَرنا قولَ من قال ذلك.\nوقال آخرون: هو منسوخٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3825>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، نسخَتها: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (^٣) [محمد: ٤٧]\nقال: ثنا سفيانُ، عن السُّدِّيِّ مثلَه (^٤).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"تقول\" وكتب عليه في ص: \"ط\"، والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٥٦ (١٠٠٩١) من طريق أصبغ عن ابن زيد به.\n(^٣) ذكره النحاس في ناسخه ص ٤٩٣، وابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٥.\n(^٤) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص ٣٠٠، وابن الجوزي في النواسخ ص ٣٠٠، وابن الجوزى في النواسخ ص ٤٦٧، ٤٦٨ من طريق سفيان به ولكن فيه أن قوله تعالى: \"فاقتلوا المشركين … \" هو الناسخ لقوله: \"فإما منا بعد وإما فداء\"، وذكره النحاس في ناسخه ص ٤٩٣، وابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٥ عن السدى.","vol":"11","page":348},{"text":"وقال آخرون: بل نسخ قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ قولَه: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-3826>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدَةُ بنُ سُليمانَ، عن ابن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ نسَخها قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى، قولُ مَن قال: ليس ذلك بمنسوخٍ. وقد دلَّلْنا على أن معنى النَّسْخِ، هو نَفْيُ حُكْمٍ قد كان ثبَت بحُكْمٍ آخَرَ غيرِه، ولم تَصِحَّ حُجَّةٌ بوجوبِ حُكْمِ اللهِ في المشركين بالقَتْلِ بكلِّ حالٍ، ثم نسَخه بتَرْكِ قتلهم على أَخْذِ الفِداءِ، ولا على وَجْهِ المَنِّ عليهم.\nفإذ كان ذلك كذلك، وكان الفِداءُ والمَنُّ والقَتْلُ لم يَزَلْ مِن حكمِ رسولِ اللهِ ﷺ فيهم مِن أوَّلِ حربٍ حارَبهم - وذلك مِن يومِ بدرٍ - كان معلومًا أن معنى الآيةِ: فاقْتُلوا المشركين حيثُ وَجَدْتُموهم، وخُذُوهم (^٢) للقتلِ أو المَنِّ أو الفِداءِ واحْصُروهم. وإذا كان ذلك معناه، صَحَّ ما قُلنا في ذلك دونَ غيرِه.\n\n<span id=\"aya-1242\"></span><span data-type='title' id=toc-3827>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أَنَّى يكونُ، أَيُّها المؤمنون باللهِ ورسولِه، وبأيِّ معنًى،\n_________\n(^١) أخرجه ابن الجوزى في النواسخ ص ٤٦٧ من طريق سعيد بن أبي عروبة به.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ليسوا\".","vol":"11","page":349},{"text":"يكونُ للمشركين بربِّهم عهدٌ وذِمَّةٌ عندَ اللهِ وعندَ رسولِه، يُوَفَّى لهم به، ويُتْرَكوا مِن أجلِه آمِنِين يَتَصَرَّفون في البلادِ؟ وإنما معناه: لا عهدَ لهم، وأن الواجبَ على المؤمنين قَتْلُهم حيثُ وجَدوهم، إلا الذين أُعْطُوا العهد عندَ المسجدِ الحرامِ منهم، فإن الله، جلَّ ثناؤُه، أمر المؤمنين بالوفاءِ لهم بعَهْدِهم، والاستقامةِ لهم عليه، ما داموا عليه للمؤمنين مُسْتَقِيمِين.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بقولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.\nفقال بعضُهم: هم قومٌ [مِن جَذِيمةَ بن الدُّئِلِ] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-3828>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾: هم بنو جذيمةَ بن الدُّئِلِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن محمدِ بن عَبَّادِ بن جعفرٍ قولَه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. قال: هم\n_________\n(^١) في تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٥٦: \"جذيمة بن فلان\" وفى الدر المنثور ٣/ ٢١٤: \"خزيمة بن فلان\". والمثبت موافق لما في البحر المحيط ٤/ ١٢؛ ولم أجد هذه القبيلة في أنساب العرب، والأقرب أنها: \"جذيمة بن عامر بن عبد بن مناة بن كنانة أولاد عم لبنى الدئل بن بكر بن عبد مناة\". وينظر جمهرة أنساب العرب ص ١٨٤، ١٨٧. وينظر طبعة شاكر ١٤/ ١٤١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٥٦ (١٠٠٩٤) من طريق أحمد بن مفضل به.","vol":"11","page":350},{"text":"جَدِيمةُ بكرِ (^١) كِنانةَ (^٢).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [الذين كانوا هم (^٣) وأنتم على العهد العامِّ، بأن [لا تُخِيفوهم ولا يُخِيفوكم في الحُرمةِ] (^٤) ولا في الشهرِ الحرامِ] (^٥) ﴿عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وهى قبائلُ بني بكرٍ، الذين كانوا دخَلوا في عهدِ قريشٍ وعَقْدِهم يومَ الحُدَيبيةِ، إلى المدةِ التي كانت بينَ رسولِ اللهِ ﷺ وبينَ قريشٍ، فلم يكنْ نقَضها إلا هذا الحيُّ مِن قريشٍ، وبنو الدُّئلِ مِن بكرٍ. فأُمِر بإتمامِ العهدِ لمَن لم يكنْ نقَض عَهْدَه مِن بنى بكرٍ إلى مُدَّتِهِ. ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾ الآية (^٦).\nوقال آخَرون: هم قريشٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3829>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: هم قريشٌ (^٧).\n_________\n(^١) بعده في م: \"من\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٥٠ (٩٢٤٠) من طريق حجاج به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١٢ إلى أبى الشيخ وابن المنذر.\n(^٣) سقط من النسخ، والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٤) في م: \"لا تمنعوهم ولا يمنعوكم من الحرم\".\n(^٥) سقط من: ف.\n(^٦) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٤٤.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٤٩ (٩٢٣٨) من طريق ابن جريج، أخبرني سليمان عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"11","page":351},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. يعنى: أهلَ مكةَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. يقولُ: هم قومٌ كان بينَهم وبينَ النبيِّ ﷺ مُدَّةٌ، ولا ينبغى لمُشْرِكٍ أَن يَدْخُلَ المسجدَ الحرامَ، ولا يُعْطِيَ المسلمَ الجِزْيةَ ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾. يعنى: أهلَ العَهْدِ مِن المشركين.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾. قال: هؤلاء قريشٌ (^٢).\nوقد نَسَخ هذا الأشهر التي ضُرِبت لهم، وغَدَروا بهم فلم يَسْتَقِيموا، كما قال اللهُ، فضَرَب لهم بعدَ الفتحِ أربعةَ أشهرٍ، يَخْتارون مِن أمرِهم؛ إمَّا أن يُسْلِموا، وإمَّا أن يَلْحَقوا بأيِّ بلادٍ شاءوا. قال: فأَسْلَموا قبلَ الأربعةِ الأشهرِ، [وقبلَ قتلٍ] (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ عن قتادةَ ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾. قال: [هو يومُ الحديبيةِ] (^٤)، قال: فلم يَسْتَقِيموا، نَقَضوا عهدَهم (^٥)؛ أعانوا بنى بكرٍ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٥٧ من طريق أبي صالح به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٥٧ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٣) في م: \"وقبل وقبل\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، س: بدون نقط.\n(^٤) في ص: \"هم الحديبية\"، وفى ت ١، ت ٢، س، ف: \"هم يوم الحديبية\"، وفى م: \"هم قوم جذيمة\"، والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٥) بعده في م: \"أي\".","vol":"11","page":352},{"text":"حِلْفَ قريشٍ، على خُزاعةَ حِلْفِ النبيِّ ﷺ (^١).\nوقال آخرون: هم قومٌ مِن خُزاعةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3830>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: أهلُ العهدِ مِن خُزاعةَ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلى هذه الأقوالِ بالصوابِ عندى، قولُ مَن قال: هم بعضُ بنى بكرٍ من كنانةَ، ممن كان أقامَ على عهدِه، ولم يكنْ دخَل في نقضِ ما كان بينَ رسولِ اللهِ ﷺ (^٣) يوم الحُدَيبيةِ من العهدِ مع قريشٍ، حينَ نقضُوه بمعونتِهم حلفاءَهم من بنى الدُّئِلِ، على حلفاءِ رسولِ اللهِ ﷺ مِن خُزاعةَ.\nوإنما قلتُ: هذا القولُ أَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ؛ لأن الله أمَر نبيَّه والمؤمنين بإتمامِ العهدِ لمَن كانوا عاهَدوه عندَ المسجدِ الحرامِ، ما استَقاموا على عهدِهم.\nوقد بَيَّنَّا أن هذه الآياتِ، إنما نادَى بها عليٌّ في سنةِ تسعٍ من الهجرةِ، وذلك بعدَ فتحِ مكةَ بسنةٍ، فلم يكنْ بمكةَ مِن قريشٍ ولا خُزاعةَ كافرٌ يومَئذٍ بينَه وبينَ رسولِ اللهِ ﷺ عهدٌ، فَيُؤمَرَ بالوفاءِ له بعهده ما اسْتَقامَ على عهدِه؛ لأن مَن كان\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٥٧ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦٧، ٢٦٨ عن معمر به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٦٣ بنحوه، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٤٦، وسبق تخريجه.\n(^٣) بعده في م: \"وبين قريش\".","vol":"11","page":353},{"text":"منهم من ساكِنى مكةَ، كان قد نقَض العهدَ، وحُورِب قبلَ نزولِ هذه الآياتِ.\nوأما قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. فإن معناه: إن الله يُحِبُّ مَن اتَّقَى الله وراقَبه في أداءِ فَرائضِه والوفاءِ بعهدِه لمَن عاهَده، واجْتِنابِ مَعاصِيه، وتَرْكِ الغَدْرِ بعهودِه لمَن عاهَده.\n\n<span id=\"aya-1243\"></span><span data-type='title' id=toc-3831>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: كيف يكونُ لهؤلاء المشركين الذين نقَضُوا عهدَهم، أو لمَن لا عهدَ له منهم منكم، أيُّها المؤمنون عهدٌ وذِمَّةٌ، وهم ﴿إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يَغْلِبُوكم، ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾.\nواكْتُفِى بـ \"كيف\" دليلًا على معنى الكلامِ؛ لتقدُّمِ ما يرادُ مِن المعنى بها قبلَها. وكذلك تَفْعَلُ العربُ، إذا أعادَت الحرفَ بعدَ مُضِيِّ معناه، استَجازوا حَذْفَ الفعلِ، كما قال الشاعرُ (^١):\nوَخَبَّرْتُمانى أنما الموتُ في القُرَى … فيكفَ وهَذِى هَضْبَةٌ وكَثيبُ\nفحَذَف الفعلَ بعدَ \"كيف\" لِتَقدُّمِ ما يرادُ بعدَها قبلَها. ومعنى الكلامِ: فكيف يكونُ الموتُ في القُرَى، وهذى هَضْبةٌ وكَثيبٌ، لا يَنْجُو فيهما منه أحدٌ؟\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لا يَرْقُبوا الله فيكم ولا عهدًا.\n_________\n(^١) هو كعب بن سعد الغنوى، كما في معاني القرآن للفراء ١/ ٤٢٤، والبيت في الاختيارين للأخفش ص ٧٥٨، والأصمعيات ص ٩٧، وجمهرة أشعار العرب ٢/ ٧٠٩، باختلاف في الألفاظ.","vol":"11","page":354},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3832>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا﴾. قال: الله (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سليمانَ، عن أبي مِجْلَزٍ في قولِه: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠] قال: مثلُ (^٢) قولِه: جَبْرائيلُ مِيكائيلُ إسْرافيلُ. كأنه [يقولُ: يضيفُ] (^٣) جَبْرَ ومِيْكا وإسْرافَ إلى \"إيل\". يقولُ عبدُ اللهِ ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا﴾. كأنه يقولُ: لا يَرْقُبون الله.\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنى محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ ﴿إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾: لا يُراقِبون (^٤) الله ولا غيرَه (^٥).\nوقال آخرون: الإلُّ (^٦): القَرابةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3833>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾. يقولُ: قَرابَةً ولا عَهْدًا.\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ١٢٣، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٨٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٥٨ من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١٤ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"يقال جبر نصف\". وفى م: \"يقال يضاف جبر\"، وفي ت ١: \"يقول جبر نصف جبر\".\n(^٤) في م: \"يرقبون\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٥٨ من طريق محمد بن ثور، به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦٨ عن معمر به.\n(^٦) في ص: \"الإيل\".","vol":"11","page":355},{"text":"وقولُه: ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾. قال: الإلُّ: يعنى القَرابةُ، والذِّمَّةُ العَهْدُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾. الإلُّ القرابةُ، والذِّمَّةُ العهدُ - يعنى: أهلَ العهدِ من المشركين - يقولُ: ذِمَّتَهم.\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ وعَبْدةُ، عن جويبرٍ (^٢)، عن الضَّحَّاكِ: الإلُّ القرابةُ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن سَلَمةَ بن كُهَيلٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠]. قال: الإلُّ القَرابةُ، والذمُة العهدُ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعَاذٍ، قال: أخبرَنا عُبَيدُ بنُ سُليمانَ، قال: سَمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾. الإلُّ القَرابةُ، والذِّمَّةُ الميثاقُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾: المشركون: ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ عهدًا ولا قَرابةً ولا ميثاقًا (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٥٨ من طريق الضحاك عن ابن عباس.\n(^٢) في م: \"حوشب\".\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٥٨ معلقا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٥٧ من طريق أحمد بن مفضل به.","vol":"11","page":356},{"text":"وقال آخرون: معناه: الحِلْفُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3834>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾. قال: الإلُّ الحِلفُ، والذِّمَّةُ العهدُ (^١).\nوقال آخرون: الإلُّ: هو العهدُ، ولكنه كُرِّر لما اختَلَف اللفظان، وإن كان معناهما واحدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-3835>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلًّا﴾. قال: عهدًا (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾. قال: لا يَرْقُبوا فيكم عهدًا ولا ذِمَّةً. قال: إحداهما مِن صاحبتِها كهيئةِ غفورٍ رحيمٍ، قال: فالكلمةُ واحدةٌ، وهي تَفْتَرِقُ. قال: والعهدُ هو الذِّمَّةُ (^٣).\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا ذِمَّةً﴾. قال: العهدُ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسٌ، عن خُصَيفٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦٨، وابن أبي حاتم - مختصرًا - في تفسيره ٦/ ١٧٥٨ من طريق معمر عن قتادة.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٦٥ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٥٨.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٥٨ معلقا.","vol":"11","page":357},{"text":"مجاهدٍ: ﴿وَلَا ذِمَّةً﴾. قال: الذمةُ العهدُ.\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخبرَ عن هؤلاء المشركين الذين أمَر نبيَّه والمؤمنين بقَتْلِهم بعدَ انسلاخِ الأشهرِ الحُرُمِ، وحَصْرِهم والقعودِ لهم على كلِّ مَرْصَدٍ - أنهم لو ظهَروا على المؤمنين لم يَرْقُبوا فيهم ﴿إِلًّا﴾. والإلُّ: اسمٌ يشتملُ على مَعانٍ ثلاثةٍ: وهى العهدُ والعقدُ، والحلِفُ، والقَرابةُ، وهو أيضًا بمعنى اللهِ. فإذْ [كانت الكلمةُ تشملُ] (^١) هذه المعانيَ الثلاثةَ، ولم يكنِ الله خَصَّ مِن ذلك معنى دونَ معنًى، فالصوابُ أن يَعُمَّ ذلك، كما عَمَّ بها جلّ ثناؤُه، معانيَها الثلاثةَ، فيقالَ: لا يَرْقُبون في مؤمنٍ الله، ولا قرابةً، ولا عهدًا، ولا ميثاقًا.\nومن الدلالةِ على أنه يكونُ بمعنى القرابةِ، قولُ ابن مُقْبِلٍ (^٢):\nأفْسَدَ الناسَ خُلُوفٌ خَلَفُوا … قَطَعُوا الإِلَّ وَأعْرَاقَ الرَّحِمْ\nبمعنى: قَطَعوا القَرابةَ، وقولُ حسانَ بن ثابتٍ (^٣):\nلَعَمْرُكَ إِنَّ إِنَّكَ مِن (^٤) قُريشٍ … كإلِّ السَّقْبِ مِن رَأْلِ النَّعَامِ (^٥)\nوأما معناه إذا كان بمعنى العهدِ، فقولُ القائلِ (^٦):\n_________\n(^١) في ص، ف: \"فإن كان ذلك كله شمل\". وفى ت ١، ت ٢، س: \"فإن كان ذلك كلمة يشمل\".\n(^٢) ينظر التبيان ٥/ ١٧٨.\n(^٣) ديوانه ص ١٠٥.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"في\". والمثبت موافق لما في مصدر التخريج.\n(^٥) السقب: ولد الناقة الذكر حين يولد، والأنثى حائل والرأل ولد النعام. ديوانه الموضع السابق.\n(^٦) ينظر التبيان ٥/ ١٧٨.","vol":"11","page":358},{"text":"وَجَدْنَاهُمُ كاذِبًا إِلُّهُمْ … وَذُو الإلَّ والعَهْدِ لا يَكْذِبُ\nوقد زعَم بعضُ مَن يُنْسَبُ إلى معرفةِ كلام العربِ من البَصْريين (^١): أن الإِلَّ والعهدَ والميثاقَ واليمينَ واحدٌ (^٢)، وأن الذمةَ في هذا الموضعِ، التَّذَمُّمُ ممن لا عهد له، والجمعُ: ذِمَمٌ.\nوكان ابن إسحاق يقولُ: عنَى بهذه الآيةِ أهل العهد العامِّ.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾. أي: المشركون الذين لا عهدَ لهم إلى مُدَّةٍ مِن أهل الشركِ (^٣) العامِّ ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ (^٤).\nفأمَّا قوله: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾. فإنه يقولُ: يُعْطُونكم بألسنتِهم مِن القول خلاف ما يُضْمِرُونه لكم في نفوسِهم من العداوةِ والبغضاءِ، ﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ أي: تأبَى عليهم قُلوبُهم أن يُذْعِنُوا لكم، بتَصْديقِ ما يُبْدُونه لكم بألسنتِهم. يُحَذِّرُ جلَّ ثناؤه أمرَهم المؤمنين، ويَشْحَذُهم على قَتْلِهم واجْتِياحِهم، حيثُ وُجِدوا من أرضِ اللَّهِ، وأن لا يُقَصِّروا في مَكْروهِهم بكلِّ ما قَدَرُوا عليه، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾. يقولُ: وأكثرُهم مُخالِفون عهدَكم، ناقِضون له، كافِرون بربِّهم، خارِجون عن طاعتِه.\n\n<span id=\"aya-1244\"></span><span data-type='title' id=toc-3836>القولُ في تأويل قوله: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) هو أبو عبيدة كما في مجاز القرآن ١/ ٢٥٣.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في م: \"العهد\". والمثبت موافق لما في السيرة.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤٤.","vol":"11","page":359},{"text":"يقول جلَّ ثناؤُه: ابتاعَ هؤلاء المشركون الذين أمركم اللهُ، أيُّها المؤمنون، بقَتْلِهم حيثُ وَجَدْتُموهم بتَرْكِهم اتباعَ ما احْتَجَّ اللهُ به عليهم مِن حُجَجِه - يسيرًا مِن العِوَض، قليلًا مِن عَرَضِ الدنيا.\nوذلك أنهم، فيما ذُكر عنهم، كانوا نقضُوا العهد الذي كان بينَهم وبين رسولِ اللهِ ﷺ بأكلةٍ أطعَمَهموها أبو سفيانَ بنُ حَرْبٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. قال: أبو سفيانَ بن حَرْبٍ، أطعمَ حلفاءَه، وترَك حلفاءَ محمدٍ ﷺ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوأما قولُه: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾. فإن معناه: فمَنَعُوا الناسَ مِن الدخولِ في الإسلامِ، وحاوَلوا ردَّ المسلمين عن دينِهم، ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ اللَّهُ جلّ ثناؤُه: إن هؤلاء المشركين الذين وصفتُ صِفاتِهم، ساءَ عملُهم الذي كانوا يَعْمَلون مِن اشْتِرائهم الكفرَ بالإيمانِ، والضلالة بالهُدى، وصَدِّهم عن سبيل اللَّهِ مَن آمَن باللهِ ورسولِه، أو مَن أرادَ أن يُؤْمِنَ.\n\n<span id=\"aya-1245\"></span><span data-type='title' id=toc-3837>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: لا يَتَّقِى هؤلاء المشركون الذين أمَرْتُكم، أيُّها المؤمنون، بقَتْلِهم حيثُ وَجَدْتُموهم، في قَتْلِ مؤمنٍ لو قَدَروا عليه ﴿إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٦٤، ٣٦٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٥٩.","vol":"11","page":360},{"text":"فلا تُبْقُوا عليهم، أيُّها المؤمنون، كما لا يُبْقُون عليكم لو ظَهَروا عليكم، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾. يقولُ: المُتَجاوِزون فيكم إلى ما ليس لهم بالظُّلْمِ والاعتداءِ.\n\n<span id=\"aya-1246\"></span><span data-type='title' id=toc-3839>القولُ في تأويل قولِه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: فإن رجَع هؤلاء المشركون الذين أمَرْتُكم، أيُّها المؤمنون، بقَتْلِهم عن كفرِهم وشِرْكِهم باللهِ إلى الإيمانِ به وبرسولِه، وأنابُوا إلى طاعتِه ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المكتوبةَ، فأدَّوْها بحُدُودِها، ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ المفروضةَ أهلَها. يقولُ: فهم إخوانُكم في الدينِ الذي أمَركم اللهُ به، وهو الإسلامُ ﴿وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾. يقولُ: ونُبَيِّنُ حُجَجَ اللهِ وأدلتَه على خَلْقِه، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ما بُيِّنَ لهم، فنَشْرَحُها لهم مُفَصَّلةً دونَ الجُهَّالِ الذين لا يَعْقِلون عن اللهِ بيانَه، ومُحْكَمَ آياتِه.\nوبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3838>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾. يقولُ: إِن تَرَكوا اللاتَ والعُزَّى، وشَهِدوا أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ اللهِ ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦٠ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣١٤ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":361},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ، عن ليثٍ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾. قال: حَرَّمَت هذه الآيةُ دماءَ أهلِ القِبْلةِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: افتُرِضَت الصلاةُ والزكاةُ جميعًا، لم يُفَرَّقَ بينَهما. وقرَأ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ وأبَى أن يَقْبَلَ الصلاةَ إلا بالزكاةِ. وقال: رَحِم اللهُ أبا بكرٍ، ما كان أفْقَهَه (^٢)!\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبَيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: أُمِرْتم بإقام الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، ومَن لم يُزَكِّ فلا صلاةَ له (^٢).\nوقيل: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾. فرُفِع بضمير: فهم إخوانكم، إذ كان قد جرَى ذكرُهم قبلُ، كما قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الأحزاب: ٥]. بمعنى: فهم إخوانُكم في الدين.\n\n<span id=\"aya-1247\"></span><span data-type='title' id=toc-3840>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن نقَض هؤلاء المشركون الذين عاهَدْتُموهم مِن قريشٍ، عهودَهم من بعدِ ما عاقَدوكم، أن لا يُقاتِلوكم، ولا يُظاهِروا عليكم أحدًا مِن أعدائِكم، ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾. يقولُ: وقَدَحوا في دينِكم الإسلامِ،\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ٨/ ٨١.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ١٦.","vol":"11","page":362},{"text":"فثَلَبوه (^١) وعابُوه، ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾. يقولُ: فَقاتِلوا رؤساءَ الكفرِ باللهِ؛ ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾. يقولُ: إن رؤساءَ الكفرِ لا عهدَ لهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾: لكى يَنْتَهُوا عن الطَّعْنِ في دينِكم والمظاهرةِ عليكم.\nوبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ بينَهم (^٢) في المَعْنِيِّين بأئمةِ الكفرِ.\nفقال بعضُهم: هم أبو جَهْلِ بنُ هشامٍ، وعُتبةُ بنُ ربيعةَ، وأبو سُفيانَ بنُ حَرْبٍ، ونظراؤهم. وكان حُذَيفةُ يقولُ: لم يأتِ أهلُها بعدُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3841>ذكر مَن قال: [هم مَن سَمَّيتُ]</span> (^٣)\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ إلى ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾. يعنى: أهلَ العهدِ مِن المشركين، سَمَّاهم ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ وهم كذلك. يقولُ اللهُ لنبيِّه: وإن نَكَثوا العهدَ الذي بينَك وبينَهم، فقاتِلْهم (^٤)، أئمةُ الكفر (^٥) لا أَيْمانَ لهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ (^٦).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ\n_________\n(^١) في م: \"فثلموه\". وثلبه يثلِبه ثلبا: لامه وعابه وصرح بالعيب وقال فيه وتنقصه. اللسان (ث ل ب).\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"منهم\".\n(^٣) في ت ٢، ف: \"ذلك\".\n(^٤) في م: \"فقاتل\"، وفي ت ٢: \"فقاتلوا\".\n(^٥) بعده في م: \"لأنهم\"، وفى ت ٢: \"إنهم\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٦٠، ١٧٦١ عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١٤ إلى ابن مردويه.","vol":"11","page":363},{"text":"مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ إلى ﴿يَنْتَهُونَ﴾. فكان مِن أئمةِ الكفرِ؛ أبو جهلِ بنُ هشامٍ، وأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وعُتْبةُ بنُ رَبيعةَ، وأبو سفيانَ، وسهيلُ بن عمرٍو، وهم الذين هَمُّوا بإخراجِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادة: ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ أبو سُفْيانَ، وأبو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وسُهَيلُ بنُ عمرٍو، وعُتْبةُ بنُ رَبيعةَ (^١).\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ وابنُ بَشَّارٍ - قال ابن وَكِيعٍ: ثنا غُنْدَرٌ. وقال ابن بَشَّارٍ: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ - عن شُعْبَةَ، عن أبي بِشْرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾. قال: أبو سُفْيانَ منهم (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني (أحمدُ بنُ المفضَّلِ) (^٣)، قال: ثنا أسْباطُ، عن السِّدِّيِّ: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ إلى ﴿يَنْتَهُونَ﴾:: هؤلاء قريشٌ. يقولُ: إن نَكَثوا عهدَهم الذي عاهَدوا على الإسلامِ وطعَنوا فيه، فقاتِلْهم (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيدٌ، قال: سَمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِهِ: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾. يعنى: رءوس (^٥) المشركين، أهلَ مكةَ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦١ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦٨ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٢٣/ ٤٣٨ من طريق الحكم عن مجاهد به.\n(^٣) في م: \"حجاج\". وهذا السند فيه تخليط وسقط ولعله إسنادان؛ الأول: القاسم عن الحسين عن حجاج عن ابن جريج، والثانى: القاسم عن محمد بن الحسين عن أحمد بن المفضل … الخ.\n(^٤) في م: \"فقاتلوهم\".\n(^٥) في م: \"رأس\"\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦١ من طريق أبي معاذ النحوى به.","vol":"11","page":364},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قولِه: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾: أَبو سُفْيانَ بنُ حَرْبٍ، وأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وعُشبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وسُهَيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله، وهَمُّوا بإخراج الرسول، وليس والله كما يتأوَّله (^١) أهلُ الشُّبُهَاتِ والبدع والفِرَى على اللَّهِ، وعلى كتابه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3842>ذكرُ الروايةِ عن حذيفة بالذي ذكرنا عنه</span>\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأَعْمَشِ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، عن حذيفة: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾. قال: ما قُوتِل أهل هذه الآية بعد (^٣).\nحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا حبيبُ بنُ حَسَّانَ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، قال: كنتُ عندَ حُذَيفةَ، فقرأ هذه الآيةَ: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾، فقال: ما قُوتِل أهل هذه الآية بعد.\nحدثني أبو السائبِ، قال: ثنا الأعمش، عن زيدِ بن وَهْبٍ، قال: قرَأ حُذَيفةُ: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾. قال: ما قُوتِل أهل هذه الآية بعد.\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صِلَةَ بن زُفَرَ: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾: لا عهد لهم (^٤).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيج، عن\n_________\n(^١) في م: \"تأوله\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٦٨.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ١٠٨، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦١ من طريق أبي معاوية به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ٢٢ عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة، وعلقه في ١٧٦٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١٤ إلى أبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"11","page":365},{"text":"مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾. قال: عهدَهم (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾: عهدَهم الذي عاهَدوا على الإسلامِ.\nحدثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن صِلَةَ، عن عَمَّار بن ياسرٍ في قوله: ﴿لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾. قال: لا عهدَ لهم (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُبَيدٍ المُحارِبيُّ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن أبي إسحاقَ، عن صِلَةَ بن زُفَرَ، عن حُذيفةَ في قولِه: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾. قال: لا عهدَ لهم.\nوأمَّا النَّكْثُ: فإن أصلَه، النَّقْضُ، يقالُ منه: نَكَثَ فلانٌ قُوَى حبلِه. إذا نَقَضها، والأيمانُ: جمعُ اليمينِ.\nواختَلَفَت القرأة في قراءةِ قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾. فقرأه قرأةُ الحجاز والعراقِ وغيرُهم: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾. بفَتْحِ الألفِ مِن ﴿أَيْمَانَ﴾ (^٣). بمعنى: لا عُهُودَ لهم، على ما قد ذكَرنا مِن قولِ أهلِ التأويلِ فيه.\nوذُكِر عن الحسن البصريِّ أنه كان يقرأُ ذلك: (إِنَّهُمْ لا إيمانَ لَهُمْ). بكَسْرِ الألفِ، بمعنى: لا إسلامَ لهم (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٦٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير الثورى ص ١٢٣، ١٢٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦٢ من طريق عبد الرحمن بن مهدى به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٤٨ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١٥ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) هي قراءة القراء العشرة عدا ابن عامر الشامي. النشر ٢/ ٢٧٨.\n(^٤) وهي قراءة ابن عامر من السبعة. وينظر معاني القرآن للفراء ص ٤٢٥، والسبعة لابن مجاهد ٣١٢، والحجة لأبي زرعة ص ٣١٥.","vol":"11","page":366},{"text":"وقد يُتَوجَّهُ لقراءتِه كذلك وَجْهٌ غيرُ هذا. وذلك أن يكونَ أرادَ بقراءتِه ذلك كذلك: أنهم لا أمانَ لهم: أي لا تُؤْمِنوهم، ولكن اقتُلُوهم حيثُ وجَدْتُموهم، كأنه أرادَ المصدرَ مِن قولِ القائلِ: آمِنْتُه، فأنا أو مِنُه إيمانًا.\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك الذي لا أستَجِيزُ القراءةَ بغيرِه، قراءةُ مَن قرَأه بفَتْحِ الألفِ دونَ كسرها (^١)؛ لإجماع الحجَّةِ مِن القرأةِ على القراءة به، ورَفْضِ خلافِه، ولإجماع أهلِ التأويلِ على ما ذكَرتُ مِن أن تأويلَه لا عهدَ لهم، والأيمان التي هي بمعنى العهدِ، لا تكونُ إلا بفَتْح الألفِ؛ لأنها جمعُ يمينٍ كانت على عَقْدٍ كان بينَ المُتوادِعِين.\n\n<span id=\"aya-1248\"></span><span data-type='title' id=toc-3843>القول في تأويل قولِه: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين بالله ورسوله، حاضًّا لهم على جهادِ أعدائِهم مِن المشركين: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ﴾، أيُّها المؤمنون، هؤلاء المشركين الذين نقَضوا العهدَ الذي بينَكم وبينَهم، وطعَنوا في دينِكم، وظاهَروا عليكم أعداءَكم، ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ مِن بين أظْهُرِهم فأخْرَجوه، ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بالقتال، يعنى: فِعْلَهم ذلك يومَ بَدْرٍ. وقيل: قتالهم حلفاءَ رسولِ اللهِ ﷺ مِن خُزاعةَ، ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾. يقولُ: أَتَخافونهم على أنفسِكم (^٢)، فتَتْرُكوا قتالَهم خَوْفًا على أنفسكم منهم، ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾. يقولُ: فاللَّهُ أَوْلَى بكم أن تخافوا عُقوبته بتَرْكِكم جهادَهم، وتَحْذَروا سَخَطَه عليكم، مِن هؤلاء المشركين،\n_________\n(^١) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٢) في م: \"أنفسهم\".","vol":"11","page":367},{"text":"الذين لا يملكون لكم ضُرًّا ولا نَفْعًا إلا بإذنِ الله، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقول: إن كنتم مُقِرِّين أن خشيةَ اللهِ بكم أَوْلَى مِن خشيةِ هؤلاء المشركين على أنفسِكم.\nوبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ:\n\n<span data-type='title' id=toc-3844>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ، ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾. يقولُ: هَمُّوا بإخراجِه فأخرَجوه ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بالقتالِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. قال: قتالُ قريشٍ حلفاءَ محمدٍ ﷺ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: أمرَ الله رسولَه بجهادِ أهلِ الشِّرْكِ، ممن نَقَض مِن أهلِ العهدِ الخاصِّ (^٣)، ومَن كان مِن أهلِ العهدِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦٣، ١٧٦٣ من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٦٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١٥ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) سقط من النسخ، والمثبت من مصدر التخريج.","vol":"11","page":368},{"text":"العامِّ، بعد الأربعةِ الأشهرِ التي ضرَب لهم أجلًا، إلا أن [يَعْدُو فيها عادٍ منهم فيُقتل بعدائِه فقال] (^١): ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1249\"></span><span data-type='title' id=toc-3846>القولُ في تأويل قوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قاتِلوا، أيُّها المؤمنون باللهِ ورسولِه هؤلاء المُشْرِكين الذين نكَثُوا أيمانهم، ونقَضُوا عُهُودَهم بينَكم وبينَهم، فأَخْرَجُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ مِن بين أَظْهُرِهم - ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾. يقولُ: يَقْتُلُهم اللهُ بأيديكم، ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾. يقولُ: ويُذِلُّهم بالأَسْرِ والقَهْرِ، ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾، فيُعْطِيكم الظُّفَرَ عليهم والغَلَبَةَ، ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾. يقول: ويُبرِئُ داءَ صدورِ قومٍ مؤمنين باللهِ ورسولهِ، بقَتْلِ هؤلاء المشركين بأيْدِيكم، وإذْلالِكم وقَهْرِكم إيَّاهم. وذلك الدَّاءُ هو ما كان في قلوبِهم عليهم مِن المَوْجِدَةِ بما كانوا يَنالونهم به مِن الأَذَى والمَكْرُوهِ.\nوقيل: إن الله عنَى بقولِه: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾: صدورَ خُزاعةَ حلفاءِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ وذلك أن قريشًا نقضُوا العهدَ بينَهم وبينَ رسولِ اللهِ ﷺ بَمعُونتِهم بَكْرًا عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3845>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى وابنُ وكِيعٍ قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعبةُ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يعودوا فيها على دينهم مقبل بعذابه فقال\"، وفى م: \"يعودوا فيها على دينهم فيقبل بعد ثم قال\"، والمثبت موافق لما في مصدر التخريج.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٤٦.","vol":"11","page":369},{"text":"عن الحكمِ، عن مجاهدٍ في هذه الآيةٍ: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: خُزاعةُ (^١).\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ العَنْقَرِيُّ، عن أسباطَ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: خُزاعةُ؛ يَشْفِ صدورَهم مِن بني بكرٍ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾: خُزاعةَ، حلفاءِ محمدٍ ﷺ (^٣).\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: حلفاءِ رسولِ اللَّهِ ﷺ من خُزاعةَ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n\n<span id=\"aya-1250\"></span><span data-type='title' id=toc-3847>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦٣ من طريق شعبة عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦٣ من طريق أسباط به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٦٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١٥ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"11","page":370},{"text":"يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: ويُذْهِبْ وَجْدَ قلوبِ هؤلاء القومِ المؤمنين مِن خُزاعةَ، على هؤلاءِ القومِ الذين نَكَثوا أيمانَهم من المشركين، وغَمَّها وكَرْبَها بما فيها مِن الوَجْدِ عليهم، بمَعُونتِهم بَكْرًا كما حدَّثني ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ العَنْقَرِيُّ، عن أسباطَ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ حينَ قَتَلهم بنو بكرٍ، وأعانتهم قريشٌ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ مثلَه، إلا أنه قال: وأعانهم (^١) عليهم قريشٌ (^٢).\nوأمَّا قولُه: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾. فإنه خبرُ مبتدأ؛ ولذلك رُفِع، وجُزِم الأحرفُ الثلاثةُ قبل ذلك على وَجْهِ المُجازاة، كأنه قال: قاتِلوهم، فإنكم إن تُقاتِلوهم يُعَذِّبْهم اللهُ بأيْدِيكم، ويُخْرِهم، ويَنْصُرْكم عليهم، ثم ابتَدَأ فقال: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾؛ لأن القتالَ غيرُ مُوجِبٍ لهم التوبةَ مِن اللَّهِ، وهو مُوجِبٌ لهم العذابَ مِن اللِه، والخِزْيَ، وشِفاءَ صُدورِ المؤمنين، وذَهَابَ غَيْظِ قلوبِهم، فجَزَم ذلك شَرْطًا وجزاءً على القتالِ، ولم يكنْ مُوجِبًا القتالُ التوبةَ، فَابْتُدِئَ الخَبَرُ (^٣) به ورُفِع.\nومعنى الكلام: ويَمُنُّ اللهُ على مَن يشاءُ من عبادِه الكافرين، فيُقبِلُ به إلى التوبةِ بتَوفيقِه إيَّاه، ﴿اللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بسَرائرِ عبادِه، ومَن هو للتوبةِ أهلٌ، فيتوبُ عليه، ومَن غيرُ أهلٍ لها، فيَخْذُلُه، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تَصْرِيفِ عبادِه من حالِ كفرٍ إلى حالِ\n_________\n(^١) في ص، ف: \"أعانتهم\". والمثبت موافق لما في مصدر التخريج.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦٤ من طريق أسباط به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١٥ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) في م: \"الحكم\".","vol":"11","page":371},{"text":"إيمانٍ بتوفيقِه مَن وَفَّقَه لذلك، ومِن حال إيمان إلى كُفْرٍ، بخِذْلانِه مَن خَذَلَ منهم عن طاعتِه وتوحيدِه، وغيرِ ذلك من أمْرِهم.\n\n<span id=\"aya-1251\"></span><span data-type='title' id=toc-3848>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين الذين أمَرهم بقتالِ هؤلاء المشركين، الذين نَقَضُوا عهدَهم الذي بينَهم وبينَهم (^١) بقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ الآية. حاضًّا على جهادِهم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ أيُّها المؤمنون، أن يَترُكَكم اللهُ بغيرِ مِحْنةٍ يَمتحِنُكم بها، وبغيرِ اختبارٍ يَخْتَبِرُكم به؛ ليُعْرِفَ الصادقَ منكم في دينِه من الكاذبِ فيه، ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا﴾. يقولُ: أحَسِبتُم أن تُتْرَكوا بغيرِ اختبارٍ يَعْرفُ به أهلَ ولايتِه المجاهدين منكم في سبيله، مِن المُضَيِّعين أمرَ اللهِ في ذلك المُفَرِّطين، ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ﴾. يقولُ: ولمَّا يعلم اللهُ الذين آمنوا (^٢) منكم، والذين لم يَتَّخِذوا مِن دونِ اللهِ ولا مِن دونِ رسولِه، ولا مِن دونِ المؤمنين ﴿وَلِيجَةً﴾: هو الشيءُ يَدْخُلُ في آخَرَ غيرِه، يقالُ منه: ولج [فلانٌ في] (^٣) كذا يَلِجُه فهو وَليجةٌ.\nوإنما عنَى بها في هذا الموضعِ البِطانةَ مِن المشركينَ. نَهَى اللهُ المؤمنين أن يَتَّخِذُوا من عدوِّهم من المشركين أولياءَ، يُفْشُون إليهم أسرارَهم، ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا\n_________\n(^١) في م: \"بينه\"، وت ١: \"بين\".\n(^٢) في م، ف: \"جاهدوا\". وينظر التبيان ٥/ ١٨٧.\n(^٣) في ص، ت ١، س، ف: \"في فلان\". وفي ت ٢: \"فلان\".","vol":"11","page":372},{"text":"تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: والله ذو خِبْرةٍ بما تَعْمَلُون، مِن اتِّخاذ كم مِن دونِ اللهِ ودونِ رسولِه والمؤمنين به أولياءَ وبِطانةً، بعدَ ما قد نَهاكم عنه، لا يَخْفَى ذلك عليه، ولا غيرُه مِن أعمالِكم، واللهُ مُجازِيكم على ذلك، إنْ خيرًا فخيرًا، وإِنْ شَرًّا فَشَرًّا.\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى الوَليجةِ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3849>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن المفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾: يَتوَلَّجُها من الولايةِ للمشركين (^١).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿وَلِيجَةً﴾. قال: دَخَلًا (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قِوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَلِيجَةً﴾. قال: أبَى أَن يَدَعَهم دونَ التَّمْحيصِ، وقرَأ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾، وقرأ (^٣): ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾، ﴿[أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ] (^٤) وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآيات كلَّها، أخبرَهم أن لا يَترُكَهم حتى يُمحِّصَهم ويَخْتَبِرَهم، وقرَأ: ﴿أَحَسِبَ (١) النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾: لا يُختَبَرون\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦٥ من طريق أحمد بن المفضل به\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦٥ من طريق أبي جعفر به.\n(^٣) في ص، ف: \"قوله\".\n(^٤) سقط من: ص، م.","vol":"11","page":373},{"text":"﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. أبَ اللهُ إلا أن يُمَحِّصَ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ: ﴿وَلِيجَةً﴾. قال: هو الكفرُ والنفاقُ - أو قال أحدَهما (^٢).\nوقيل: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾، ولم يَقُلْ: أحَسِبْتُم، لأنه مِن الاستفهامِ المُعْتَرَضِ في وسط الكلامِ، فأدخِلت فيه ﴿أَمْ﴾ ليُفرِّقَ بينَه وبينَ الاستفهامِ المبتدأ. وقد بَيَّنتُ نظائرَ ذلك في غيرِ موضعٍ مِن الكتابِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1252\"></span><span data-type='title' id=toc-3850>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ما ينبغى للمشركين أن يَعْمُروا مساجدَ اللهِ، وهم شاهِدون على أنفِسهم بالكفرِ. يقولُ: إن المساجدَ إنما تُعْمَرُ لعبادِة اللهِ فيها، لا للكفرِ به. فمَن كان باللهِ كافرًا، فليس مِن شأنه أن يَعْمُرَ مساجدَ اللهِ.\nوأمَّا شهادتُهم على أنفسِهم بالكفرِ، فإنها كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾. يقولُ: ما ينبغى لهم أن يَعْمُرُوها. وأمَّا: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾، فإن النصرانيِّ يُسْأَلُ: ما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦٤، ٩/ ٣٠٣٢ من طريق أصبغ عن ابن زيد، ٩/ ٣٠٣٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦٥ (١٠٠٤٧) من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦٨ عن معمر به.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٢/ ٤١١ - ٤١٣، ٥٨٥، ٣/ ٦٢١، ومعاني القرآن ١/ ٤٢٦.","vol":"11","page":374},{"text":"أنتَ؟ فيقولُ: نَصْرانيٌّ. واليهوديُّ، فيقولُ: يهوديٌّ. والصَّابِئُ، فيقولُ: صابئٌ. والمشركُ يقولُ إذا سألتَه: ما دينُك؟ فيقولُ: مُشْرِكٌ. لم يكنْ ليقولَه أحدٌ إلا العربَ (^١).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو العَنْقَزِيُّ، عن أسباطَ، عن السُّدِّيِّ: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾. قال: يقولُ: ما كان ينبغى لهم أن يَعْمُرُوها (^٢).\nحدَّثنا ابن وكِيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السُّدِّيِّ: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: النصرانيُّ يقالُ له: ما أنتَ؟ فيقولُ: نصرانيٌّ. واليهوديُّ يقالُ له: ما أنتَ؟ فيقولُ: يهوديٌّ. والصَّابئٌّ يقالُ له: ما أَنتَ؟ فيقولُ: صابئٌ.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾. يقولُ: بَطَلَت وذَهَبَت أَجورُها؛ لأنها لم تكنْ للهِ، بل كانت للشيطانِ، ﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾. يقولُ: ماكِثون فيها أبدًا، لا أحياءً ولا أمواتًا.\nواختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلُ المدينةِ والكوفةِ: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ على الجماعِ.\nوقرَأ ذلك بعضُ المَكِّيِّين والبَصْرِّيين: (مَسْجِدَ اللهِ) على التوحيدِ (^٣)، بمعنى: المسجد الحرامِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦٥ من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦٥ من طريق أسباط به.\n(^٣) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ﴿مساجد الله﴾ على الجمع. ينظر السبعة ص ١١٣، والتيسير ص ٩٦.","vol":"11","page":375},{"text":"وهم جميعًا مُجْمِعون على قراءةِ قولِه: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ (^١) على الجماع؛ لأنه إذا قُرِئ كذلك، احتَمَل معنى الواحدِ والجماعِ؛ لأن العربَ قد تذهبُ بالواحدِ إلى الجماع، وبالجماعِ إلى الواحدِ، كقولِهم: عليه ثوبٌ أخلاقٌ (^٢)\n\n<span id=\"aya-1253\"></span><span data-type='title' id=toc-3851>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ المُصَدِّقُ بوحدانيةِ الله، المخلصُ له العبادةَ، ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يقولُ: الذي يُصَدِّقُ ببعثِ اللهِ الموتَى أحياءً مِن قبورِهم يومَ القيامةِ، وأقامَ الصلاةَ المكتوبةَ بحدودِها وأدَّى الزكاةَ الواجبةَ عليه في مالِه إلى مَن أوجَبَها اللهُ له، ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾. يقولُ: ولم يَرْهَبْ عقوبةَ شيءٍ على معصيتِه إيَّاه، سوى اللهِ، ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. يقولُ: فخليقٌ بأولئك الذين هذه صفتُهم، أن يكونوا عندَ اللهِ ممن قد هَداه اللهُ للحقِّ وإصابةِ الصوابِ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يقولُ: مَن وَحَّد الله، وآمَن باليومِ الآخرِ. يقولُ: أَقرَّ بما أنزَل اللهُ، ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾. يعنى: الصلواتِ الخمسَ ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾. يقولُ: لم يَعبُدْ إلا الله، قال: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ﴾. يقولُ: إن أولئك هم المفلحون، كقولِه لنبيِّه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. يقولُ: إن\n_________\n(^١) يريد (مساجد الله) الثانية التي في الآية ١٨، ففيها الإجماع أما الأولى ففيها قراءتان.\n(^٢) ينظر معاني القرآن ١/ ٤٢٦، ٤٢٧.","vol":"11","page":376},{"text":"ربَّك سيَبْعَثُك مقامًا محمودًا، وهى الشفاعةُ، وكلُّ \"عسى\" في القرآنِ فهى واجِبةٌ (^١).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثم ذَكَر قولَ قريشٍ: إنَّا أهلُ الحرمِ، وسُقاةُ الحاجِّ، وعُمَّارُ هذا البيتِ، ولا أحدَ أفضلُ مِنَّا. فقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. أي: إن عمارتَكم ليست على ذلك، ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾. أي: من عَمَّرها بحقِّها؛ مَن آمَن باللهِ واليوم الآخرِ، ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾، فأولئك عُمَّارُها، ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. وعسى مِن اللهِ حَقٌّ.\n\n<span id=\"aya-1254\"></span><span data-type='title' id=toc-3853>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾.</span>\nوهذا تَوبيخٌ من اللهِ تعالى ذكرُه لقومٍ افتَخَروا بالسقايةِ وسِدانةِ البيتِ، فأَعْلَمَهم، جلَّ ثناؤه، أن الفخرَ في الإيمانِ بالله واليومِ الآخر والجهادِ في سبيلِه، لا في الذي افتَخَروا به مِن السِّدانةِ والسقايةِ. وبذلك جاءت الآثارُ وتأويلُ أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3852>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو الوليدِ الدَّمَشْقيُّ أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ سلَّامٍ، عن جدِّه أبى سَلَّامٍ الأسودِ، عن النُّعمانِ بن بشيرٍ الأنصاريِّ، قال: كنتُ عندَ مِنْبرِ رسولِ اللهِ ﷺ في نَفَرٍ مِن أصحابِه، فقال رجلٌ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦٦ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١٦ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"11","page":377},{"text":"منهم: ما أُبالى ألَّا أعمَلَ عملًا بعدَ الإسلامِ؛ إلا أن أَسْقِىَ الحاجَّ. وقال آخرُ: بل عمارةُ المسجدِ الحرامِ. وقال آخَرُ: بل الجهادُ في سبيلِ اللهِ خيرٌ مما قُلْتُم. فزَجَرهم عمرُ بنُ الخطابِ، ﵁، وقال: لا تَرْفَعوا أصواتَكم عندَ مِنبرِ رسولِ اللهِ ﷺ وهو يومُ الجمعةِ - ولكن إذا صَلَّيتُ الجمعةَ دخلتُ على رسولِ اللهِ ﷺ، فاسْتفتَيتُه فيما اختَلَفتُم فيه. قال: ففَعَل، فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال العباسُ بنُ عبدِ المُطَّلبِ حينَ أُسِر يومَ بدرٍ: لئن كنتم سَبَقْتُمونا بالإسلامِ والهجرةِ والجهادِ، لقد كُنَّا نُعمِّرُ المسجدَ الحرامَ، ونَسْقِى الحاجَّ، ونَفُكُّ العانىَ. قال اللهُ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ إلى قولِه: ﴿الظَّالِمِينَ﴾. يعنى: أن ذلك كان في الشِّرْكِ، ولا أَقْبَلُ ما كان في الشِّرْكِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه،، عن ابن عباسٍ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ إلى قولِه: ﴿الظَّالِمِينَ﴾. وذلك أن المشركين قالوا: عِمارةُ بيتِ اللهِ، وقيامٌ على السِّقايةِ خيرٌ ممن آمَن وجاهَد، وكانوا يَفْخَرون بالحرمِ ويَسْتَكْبِرون (^٣) من أجلِ أنهم أهلُه وعُمَّارُه.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣٠/ ٣١٩ (١٨٣٦٧)، ومسلم (١٨٧٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦٧، وابن حبان (٤٥٩١)، والطبرانى في الأوسط (٤٢٣) وفى الشاميين (٢٨٦٧)، والبيهقى ٩/ ١٥٨، والواحدى في أسباب النزول ص ١٨٢، والبغوى في تفسيره ٤/ ٢٢ من طرق عن معاوية بن سلام عن زيد بن سلام عن أبي سلام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١٨ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦٨ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١٨ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"يستكثرون\".","vol":"11","page":378},{"text":"فذكر الله استكبارَهم (^١) وإعراضَهم، فقال لأهلِ الَحرَمِ مِن المشركين: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦، ٦٧]. يعنى: أنهم يَسْتَكْبِرون بالحَرَمِ. وقال: ﴿بِهِ سَامِرًا﴾. لأنهم (^٢) كانوا يَسْمُرُون، ويَهْجُرون القرآنَ والنبيَّ ﷺ. فخيَّر الإيمانَ باللهِ والجهادَ مع نبيِّ اللهِ على عُمْرانِ المشركين البيتَ، وقيامِهم على السِّقايةِ. ولم يكنْ يَنْفَعُهم عندَ اللهِ الشِّرْكِ به (^٣)، أن كانوا يَعْمُرُون بيتَه ويَخْدُمُونه (^٤). قال اللهُ: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. يعنى: الذين زعَموا أنهم أهلُ العمارةِ، فسَمَّاهم الله ظالمينَ بشِرْكِهم، فلم تُغْنِ عنهم عنهم العمارةُ شيئًا (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرَنا مَعْمَرٌ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن النُّعمانِ بن بشيرٍ، أن رجلًا قال: ما أُبالى أن لا أعملَ عملًا بعدَ الإسلامِ، إلا أن [أَسْقِىَ الحاجَّ. وقال آخَرُ: ما أُبالى أن لا أعملَ عملًا بعدَ الإسلامِ، إلا أن] (^٦) أعْمُرَ المسجدَ الحرامَ. وقال آخَرُ: الجهادُ في سبيلِ اللهِ أفضلُ مما قُلْتُم. فزَجَرهم عمرُ وقال: لا تَرْفَعوا أصواتَكم عندَ منبرِ رسولِ الله ﷺ وذلك يومَ الجمعةِ - ولكن إذا صَلَّى الجمعةَ دَخَلْنا عليه. فنَزَلَت: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قولِه: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"استكتارهم\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"و\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يحرمونه\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦٧ - ١٧٦٩ عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١٨ إلى ابن مردويه.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٦٨، وفيه: (عن رجل) بين يحيى والنعمان بن بشير.","vol":"11","page":379},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن عمرٍو، عن الحسنِ قال: نَزَلَت في عليٍّ، وعباسٍ، وعثمانَ، وشَيْبَةَ، تَكَلَّموا في ذلك، فقال العباسُ: ما أُرَانى إلا تاركَ سِقايتِنا. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أقِيمُوا (^١) سِقايتَكم، فإن لكم فيها خيرًا\" (^٢).\nقال (^٣): أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابن عُيَيْنَةَ، عن إسماعيلَ، عن الشعبيِّ، قال: نَزَلَت في عليٍّ والعباسِ، تَكَلَّما في ذلك (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: أُخْبِرْتُ عن أبي صَخْرٍ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظِيَّ يقولُ: افْتَخَر طلحةُ بنُ شَيبةَ مِن بنى عبدِ الدارِ، وعباسُ بن عبدِ المطلبِ، وعليُّ بنُ أبى طالبٍ؛ فقال طلحةُ: أنا صاحِبُ البيتِ، معى مِفْتاحُه، لو أشاءُ بِتُّ فيه. وقال عباسٌ: أنا صاحِبُ السِّقايةِ والقائم عليها، ولو أشاءُ بِتُّ في المسجدِ. وقال عليٌّ: ما أدرى ما تقولان، لقد صَلَّيْتُ إلى القبلةِ ستةَ أشهرٍ قبلَ الناسِ، وأنا صاحِبُ الجهادِ. فأنزَل اللهُ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآيةَ كلَّها.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ، قال: لمَّا نَزَلَت: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾. قال العباسُ: ما أُرَاني إلا تاركَ سِقايتِنا. فقال النبي ﷺ: \"أقِيمُوا على سقايتِكم، فإن لكم فيها خيرًا\".\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١: \"على\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٦٩.\n(^٣) يعنى الحسن بن يحيى.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٦٩، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٨١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦٨ من طريق إسماعيل بن أبي خالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١٨ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"11","page":380},{"text":"السُّدِّيِّ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: افْتَخَر عليٌّ وعباسٌ وشيبةُ بنُ عثمانَ؛ فقال العباسُ: أنا أفضلُكم؛ أنا أسْقِى حُجَّاجَ بيتِ الله. وقال شيبةُ: أنا أعْمُرُ مسجدَ الله. وقال عليٌّ: أنا هاجَرْتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ، وأجاهِدُ معه في سبيل اللهِ. فأنزَل اللهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إِلَى ﴿نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾.\nحُدِّثْتُ الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ عن سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الآية: أقبلَ المسلمون على العباسِ وأصحابِه الذين أُسِرُوا يومَ بدرٍ يُعَيِّرُونهم بالشِّرْكِ، فقال العباسُ: أمَا واللهِ لقد كُنَّا نَعْمُرُ المسجدَ الحرامَ، ونَفُكُّ العانِيَ، ونَحْجُبُ البيتَ، ونَسْقِى الحاجَّ. فأنزَل الله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الآية.\nفتأويل الكلامِ إذن: أجَعَلْتُم، أيُّها القومُ، سِقايةَ الحاجِّ، وعمارةَ المسجدِ الحرامِ، كإيمانِ مَن آمَن باللهِ واليومِ الآخرِ، وجاهَد في سبيلِ اللهِ! ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾: وهؤلاء وأولئك، ولا تَعْتَدِلُ أحوالُهما عندَ اللهِ ومَنازِلُهما؛ لأن الله تعالى لا يَقْبَلُ بغيرِ الإيمانِ به وباليومِ الآخرِ عملًا، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: والله لا يُوفِّقُ لصالحِ الأعمالِ مَن كان به كافرًا، ولتوحيدِه جاحِدًا.\nووُضِع الاسمُ موضعَ المصدرِ في قولِه: ﴿كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾؛ إذ كان معلومًا معناه، كما قال الشاعرُ (^١):\nلَعَمْرُكَ مَا الفِتْيانُ أَن تَنْبُتَ اللِّحَى … ولَكِنَّما الفِتْيانُ كُلُّ فَتًى نَدِى\n_________\n(^١) البيت في معاني القرآن ١/ ٤٢٧، أنشده الكسائي للفراء.","vol":"11","page":381},{"text":"فجعَل خبرَ الفتيانِ \"أن\"، وهو كما يقالُ: إنما السَّخاءُ حاتمٌ، والشِّعْرُ زهيرٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-1255\"></span><span data-type='title' id=toc-3854>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾.</span>\nوهذا قضاءٌ من الله بينَ فِرَقِ المُفْتَخِرِين الذين افتَخَر أحدُهم بالسِّقايةِ، والآخرُ بالسِّدانةِ، والآخَرُ بالإيمانِ باللهِ والجهادِ في سبيلِه، يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللهِ وصَدَّقوا بتوحيدِه مِن المشركين، ﴿وَهَاجَرُوا﴾ دورَ قومِهم، ﴿وَجَاهَدُوا﴾ المشركين في دينِ اللهِ، ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ وأرفع منزلةً عندَه مِن سُقاةِ الحاجِّ وعُمَّارِ المسجدِ الحرامِ، وهم بالله مُشْرِكون، ﴿وَأُولَئِكَ﴾. يقولُ: وهؤلاء الذين وَصَفْنا صِفَتَهم، أنهم آمَنوا وهاجَروا وجاهَدوا، ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ بالجنةِ، الناجُون من النارِ.\n\n<span id=\"aya-1256\"></span><span data-type='title' id=toc-3855>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يُبشِّرُ هؤلاء الذين آمنوا وهاجَروا وجاهَدوا في سبيلِ اللهِ - ﴿رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ لهم، أنه قد رَحِمهم مِن أن يُعَذِّبَهم، وبرضوانٍ منه لهم، بأنه قد رَضِى عنهم بطاعتِهم إيَّاه، وأدائِهم ما كَلَّفَهم، ﴿وَجَنَّاتٍ﴾. يقولُ: وبَساتينُ ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾: لا يَزُولُ ولا يَبِيدُ، ثابتٌ دائمٌ أبدًا لهم.\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيريُّ (^٢)، قال: ثنا سُفيانُ، عن محمدِ\n_________\n(^١) ينظر المصدر السابق.\n(^٢) في م: \"الموسوى\"، في ت ١، ت ٢: \"الزهرى\".","vol":"11","page":382},{"text":"ابن المُنكَدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: إذا دَخَل أهلُ الجنةِ الجنةَ، قال اللهُ سبحانَه: أُعْطِيكم أفضلَ مِن هذا. فيقولون: رَبَّنا، أَيُّ شيءٍ أَفضلُ مِن هذا؟ قال: رِضْواني (^١).\n\n<span id=\"aya-1257\"></span><span data-type='title' id=toc-3857>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: ماكثِين فيها، يعني: في الجناتِ ﴿أَبَدًا﴾: لا نهاية لذلك ولا حَدَّ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: إن الله عنده لهؤلاء المؤمنين الذين نَعَتَهم جلَّ ثناؤه النعتَ الذي ذكَر في هذه الآيةِ - ﴿أَجْرٌ﴾: ثوابٌ على طاعتِهم لربِّهم، وأدائِهم ما كَلَّفَهم مِن الأعمالِ ﴿عَظِيمٌ﴾، وذلك النعيمُ الذي وَعَدَهم أن يُعْطِيهم في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-1258\"></span><span data-type='title' id=toc-3856>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسولِه: لا تَتَّخِذوا آباءَكم وإخوانَكم بِطانةً وأصدقاءَ تُفْشُون إليهم أسرارَكم، وتُطْلِعُونهم على عَورةِ الإسلامِ وأهلِه، وتُؤثِرون المُكْثِ بينَ أظْهُرِهم على الهجرةِ إلى دارِ الإسلامِ، ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾. يقولُ: إن اخْتاروا الكفرَ باللهِ على التصديقِ به والإقرارِ بتوحيدِه، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾. يقولُ: ومَن يَتَّخِذْهم منكم بِطانةً مِن دونِ المؤمنين، ويُؤْثِرِ المُقامَ معهم على الهجرةِ إلى رسولِ اللهِ ودارِ الإسلامِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. يقولُ: فالذين يَفْعَلون ذلك منكم، هم الذين خالَفوا أمرَ اللهِ، فوضَعوا الولايةَ في غيرِ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٥/ ٢١٧.","vol":"11","page":383},{"text":"موضعِها، وعَصَوُا الله في أمرِه.\nوقيل: إن ذلك نَزَل نَهْيًا مِن اللهِ المؤمنين عن مُوالاةِ أقربائِهم الذين لم يُهاجِروا مِن أرضِ الشِّرْكِ إلى دارِ الإسلامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3858>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: أُمِروا بالهجرةِ، فقال العباسُ بنُ عبدِ المُطَّلبِ: أَنا أَسْقِى الحاجَّ. وقال طلحةُ أخو بني عبدِ الدارِ: أنا صاحِبُ الكعبة فلا نُهاجرُ. فَأُنزِلَت: ﴿لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ إلى قولِه: ﴿يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾: بالفتحِ، في أمرِه إِيَّاهم بالهجرةِ، هذا كلُّه قبلَ فتحِ مكةَ (^١).\n\n<span id=\"aya-1259\"></span><span data-type='title' id=toc-3859>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ ﵎ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ، للمُتَخَلِّفين عن الهجرةِ إلى دارِ الإسلامِ، المُقيمين بدارِ الشِّرْكِ: إن كان المُقامُ مع آبائِكم وأبنائِكم وإخوانِكم وأزواجِكم وعَشِيرتِكم، وكانت ﴿أَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾. يقولُ: اكتسبتُموها، ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾، بفِراقِكم بلدَكم، ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ فسَكَنتُموها - ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ مِن الهجرةِ إلى اللهِ ورسولِه، مِن دارِ الشِّرْكِ،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٦٥، ٣٦٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦٨، ١٧٧٠.","vol":"11","page":384},{"text":"ومِن جهادٍ في سبيلِه، يعني: في نُصْرِة دينِ اللهِ الذي ارتَضاه، ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾. يقولُ: فتَنَظَّروا، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾. حتى يأتىَ اللهُ بفتحِ مكةَ، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. يقولُ: واللهُ لا يُوَفِّقُ للخيرِ الخارِجِين عن طاعتِه وفي معصيتِه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3860>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾: بالفتحِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾: فتحِ مكةَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾. يقولُ: تَخْشَون أن تَكْسُدَ فتَبِيعونها (^٢)، ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾. قال: هي القصورُ والمنازلُ (^٣).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾. يقولُ: أَصَبْتُموها (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٦٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢٣ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وأما\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧١ من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢٣ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧١ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"11","page":385},{"text":"<span id=\"aya-1260\"></span><span data-type='title' id=toc-3861>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لقد نَصَركم اللهُ، أيُّها المؤمنون، في أماكنِ حربٍ تُوَطِّنون (^١) فيها أنفسَكم على لقاءِ عدوِّكم، ومشاهدَ تَلْتَقون فيها أنتم وهم كثيرةٍ، ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾. يقولُ: وفى يومِ حُنَينٍ أيضًا قد نَصَرَكم. وحُنَينٌ وادٍ، فيما ذُكِر، بينَ مكةَ والطائفِ. وأُجْرِىَ؛ لأنه مذكرٌ، اسمٌ لمذكرٍ. وقد يُتْرَكُ إجراؤُه، ويرادُ به أن يُجعَلَ اسمًا للبلدةِ التي هو بها، ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):\nنَصَرُوا نَبِيَّهِمُ وشَدُّوا أَزْرَه … بحُنَينَ يومَ تَوَاكُلِ الأبْطالِ\nحدَّثني عبدُ الوارثِ بن عبدِ الصمدِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا أبانٌ العَطَّارُ، قال: ثنا هشام بنُ عُروةً، عن عُرُوةَ، قال: حنينٌ وادٍ إلى جنبِ ذى المَجازِ (^٣).\n﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ وكانوا ذلك اليومَ، فيما ذُكِر لنا، اثْنَى عشَرَ ألفًا.\nورُوِى أن النبيَّ ﷺ قال ذلك اليومَ: \"لن نُغْلَبَ مِن قِلَّةٍ\" (^٤). وقيل: قال ذلك رجلٌ مِن المسلمين مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ (^٥). وهو قولُ اللهِ: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"تستوطنون\".\n(^٢) البيت لحسان بن ثابت، وهو في ديوانه ص ٣٩٣. وينظر معاني القرآن ١/ ٤٢٩.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧٣ من طريق عبد الصمد به.\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٤٤.\n(^٥) أخرجه البزار (١٨٢٧ - كشف) من حديث أنس، وينظر دلائل النبوة للبيهقى ٥/ ١٢٣.","vol":"11","page":386},{"text":"كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾. يقولُ: فلم تُغْنِ عنكم كثرتُكم شيئًا، ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾. يقولُ: وضاقَت الأرضُ بسِعتِها عليكم. و\"الباءُ\" هاهنا في معنى \"في\"، ومعناه: وضاقَت عليكم الأرضُ في رَحْبِها وبرَحْبِها، يقالُ منه: مكانٌ رَحِيبٌ. أي واسِعٌ، وإنما سُمِّيت الرِّحابُ رحابًا لسعتِها.\n﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾: عن عدوِّكم مُنْهَزِمِين مُدْبِرِين، يقولُ: وَلَّيْتُمُوهم الأدْبارَ، وذلك الهزيمةُ. يُخْبِرُهم ﵎ أن النصرَ بيدِه ومِن عندِه، وأنه ليس بكثرةِ العددِ وشِدَّةِ البَطْشِ، وأنه يَنْصُرُ القليلَ على الكثيرِ إذا شاءَ، ويُخَلِّي [الكثيرَ] (^١) والقليلَ فيَهْزِمُ الكثيرُ.\nوبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3862>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ حتى بلغ: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. قال: وحنينٌ ماءٌ بينَ مكةَ والطائفِ، قاتَل عليها نبيُّ اللهِ هَوازِنَ وثَقيف، وعلى هَوازنَ مالكُ بنُ عوفٍ أخو بنى نَصْرٍ، وعلى ثَقِيفَ عبدُ يالِيلَ بنُ عمرٍو الثَّقَفِيُّ (^٢). قال: وذُكِر لنا أنه خرَج يومَئذٍ مع رسولِ اللهِ ﷺ اثْنَا عَشَرَ ألفًا؛ عشَرَةُ آلافٍ مِن المهاجِرين والأنصارِ، وألفانِ مِن الطُّلَقاءِ. وذُكِر لنا أن رجلًا قال\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١. وفي س: \"الكبير و\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧٢ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢٤ إلى أبي الشيخ.","vol":"11","page":387},{"text":"يومئذٍ: لن تُغْلَبَ اليومَ بكثرةٍ، قال: وذُكِر لنا أن الطُّلقاءَ انْجَفَلوا (^١) يومَئذٍ بالناسِ، وجَلوا عن نبيِّ اللهِ ﷺ، حتى نَزَل عن بَغْلَتِهِ الشَّهْباءِ. وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ قال: \"أي ربِّ، آتِنى ما وَعَدْتَنى\" (^٢). قال: والعباسُ آخِذٌ بلجامِ بغلةِ رسولِ اللهِ ﷺ فقال له النبيُّ ﷺ: \"نادِ: يا مَعْشرَ الأنصارِ، ويا مَعْشَرَ المُهَاجِرِين\" (^٣). فجَعَل يُنادِى الأنصارَ فَخِذًا فَخِذًا ثم قال: \"نادِ يا أصحابَ سورةِ البقرةِ\" (^٤). قال: فجاء الناسُ عُنقًا واحدًا. فالتَفَتَ نبيُّ اللهِ ﷺ، وَإذا عِصَابَةٌ مِن الأَنصارِ، فقال: \"هلْ معكم غيرُكم؟ \". فقالوا: يا نبيُّ اللهِ ﷺ، واللهِ لو عَمَدْتَ إِلى بَرْكِ الغِمَادِ (^٥) مِن ذِى يَمَنٍ لكُنَّا معك. ثم أَنْزَل اللهُ نصرَه، وهَزَم عدوّهم، وتَراجَع المسلمون. قال: وأخَذ رسولُ اللهِ كَفًّا من ترابٍ، أو قَبْضةً مِن حَصْباءَ، فرَمَى بها وجوهَ الكفارِ، وقال: \"شاهَتِ الوجوهُ\". فانْهَزموا. فلما جَمَع رسولُ الله ﷺ الغنائمَ، وأتَى الِجْعرانةَ، فقَسَم بها مَغانمَ حُنَينٍ، وتألَّفَ أُناسًا مِن الناسِ فيهم؛ أبو سفيانَ بنُ حَرْبٍ، والحارثُ بن هشامٍ، وسُهيلُ بنُ عمرٍو، والأَقْرَعُ بنُ حابسٍ، فقالت الأنصارُ: أمِن (^٦) الرجلُ وآثرَ (^٧) قومَه. فبَلَغ ذلك رسولَ اللهِ ﷺ، وهو في قُبَّةٍ له مِن أدَمٍ، فقال: \"يا معشر الأنصارِ، ما هذا الذي بَلَغنى؟ ألم تَكونوا ضُلَّالًا فَهَدَاكم اللهُ، وكنتم أَذِلَّةً فأعزَّكم اللهُ، وكنتم وكنتم\". قال: فقال سعدُ بنُ عُبادةَ، ﵀: ائْذَنْ لي فأَتكَلَّمَ. قال: \"تَكَلَّمْ\". قال: أمَّا قولُك: \"كنتم ضُلَّالًا فهَداكم اللهُ\". فكُنَّا كذلك\n_________\n(^١) أي: ذهبوا مسرعين. ينظر النهاية ١/ ٢٧٩.\n(^٢) كذا في النسخ. والمحفوظ أنه من قول النبي ﷺ في بدر.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٣٥/ ١٠٥٩، ١٣٦) من حديث أنس.\n(^٤) أخرجه أحمد ٣/ ٢٩٨ (١٧٧٦).\n(^٥) برك الغماد: بفتح الباء وكسرها وضم الغين وكسرها، في أقصى اليمن. معجم ما استعجم ١/ ٢٤٤.\n(^٦) في م: \"حن\".\n(^٧) في م: \"إلى\".","vol":"11","page":388},{"text":"\"وكنتمُ أذِلَّةً فأعَزَّكم الله\". فقد عَلِمَت العرب ما كان حيٌّ من أحياء العرب أمنعَ لِما وراء ظهورهم مِنَّا. فقال عمر: يا سعدُ، أنذرِى مَن تُكَلِّمُ! فقال: نعم، أُكَلِّمُ رسول الله ﷺ. فقال رسول الله: \"والذي نَفْسي بيده، لو سَلَكَتِ الأنصار وادِيًا والناسُ وادِيًا، لسَلَكْتُ وَادِىَ الأنصار، ولولا الهجرة لكنتُ امْرًا من الأنصارِ\" (^١).\nوذُكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقولُ: \"الأنصارُ كَرِشِى وعَيْبَتِي، فاقبَلوا مِن مُحْسِنِهم، وتَجاوزُوا عن مُسِيئِهم\". ثم قال رسول الله ﷺ: \"يا معشرَ الأنصارِ، \"أمَا تَرْضَون أن يَنْقَلِبَ الناسُ بالإبل والشَّاءِ، وتَنْقَلِبُون برسول الله إلى بُيُوتِكم؟ \". فقالت الأنصارُ: رَضِينا عن الله ورسولِه، والله ما قلنا ذلك إلا [ضِنًّا برسولِ] (^٢) الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: \"إن الله ورسولَه يُصدِّقانِكم ويَعْذِرانِكم\" (^٣).\nحدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا لنا أنّ أُمَّ رسول الله ﷺ التي أَرْضَعَته، أو ظِئْرَه مِن بنى سعد بن بكر، أتته فسألَته سَبَايا يومِ حُنَين، فقال رسولُ الله ﷺ: \"إنى لا أُمْلِكُهم، وإنما لي منهم نَصيبي، ولكن ائْتِيني غدًا فَسَلِينى والناسُ عندى، فإنى إذا أَعْطَيْتُكِ نَصِيبى أعطاك الناسُ\". فجاءت الغدَ، فبَسَط لها ثوبًا، فقَعَدَت عليه، ثم سألَته، فأعطاها نصيبَه، فلما رأى ذلك الناسُ أعْطَوها أنصباءهم (^٤).\nحدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ الآية، إن رجلا من أصحاب\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم.\n(^٢) في م: \"حرصا على رسول\".\n(^٣) أخرجه مسلم (١٧٨٠/ ٨٤) من حديث أبي هريرة.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ٨/ ١٠٢.","vol":"11","page":389},{"text":"رسول الله ﷺ يومَ حنينٍ قال: يا رسولَ اللهِ، لن نُغْلَبَ اليومَ مِن قِلَّةٍ. وأعجَبَته كثرةُ الناسِ، وكانوا اثْنى عشَرَ ألفًا. فسارَ رسولُ الله ﷺ، فوُكِلوا إلى كلمةِ الرجلِ، فانهزَموا عن رسول الله غيرَ العباسِ، وأبي سُفْيانَ بن الحَارِثِ، وأيمن ابن أمِّ (^١) أيمنَ، قُتِل يومئذٍ بينَ يَديه، فنادى رسول الله ﷺ: \"أينَ الأنصار؟ أين الذين بايعوا تحت الشجرةِ؟ \". فتراجع الناسُ، فأنزل الله الملائكة بالنصر. فهزموا المشركين يومئذٍ، وذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ الآية (^٢).\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عَن كَثِيرِ بن عباسِ بن عبدِ المُطَّلبِ، عن أبيه، قال: لما كان يومُ حُنَينٍ، التقَى المسلمون والمشركون، فولَّى المسلمون يومَئذٍ. قال: فلقد رأيتُ النبيَّ ﷺ وما معه أحدٌ إلا أبو سفيان بن الحارثِ بن عبد المطَّلِب، آخِذًا بغَرْزِ النبي ﷺ، لا يَأْلو ما أسرع نحو المشركين. قال: فأتيتُ حتى أخَذتُ بلِجامِه، وهو على بغلة له شَهْباءَ، فقال: \"يا عباسُ، نادِ أصحابَ السَّمْرَةِ\". وكنتُ رجلًا صَيِّتًا، فأذنتُ بصَوتى الأعلى: أين أصحابُ السَّمرَةِ؟ فالتفتوا كأنها الإبل إذا حنَّت (^٣) إلى أولادها، يقولون: يا لبَّيك، يا لبَّيك، يا لبَّيك. وأقبل المشركون، فالتقوا هم والمسلمون، وتَنادَت الأنصارُ: يا معشر الأنصارِ. ثم قُصِرَت الدعوة في بني الحارث بن الخزرجِ، فتَنَادَوا: يا بني الحارث بن الخزرجِ. فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته، كالمتطاول إلى قتالهم، فقال: \"هذا حينَ حَمِيَ الوَطِيسُ\". ثم أَخَذ بيده من\n_________\n(^١) في ف: \"أو\".\n(^٢) أخرج أوله ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧٣ من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٣) في ص، ت ١، س، ف: \"حشرت\".","vol":"11","page":390},{"text":"الحَصْباءِ فرَماهم بها، ثم قال: \"انْهَزموا وربِّ الكعبةِ، انْهَزَموا ورب الكعبة\". قال: فوالله ما زال أمرهم مُدْبِرًا، وحَدُّهم كَليلا، حتى هَزَمهم الله. قال: فلكأنِّي أنظُرُ إلى النبي ﷺ لا يَرْكُضُ خلفَهم على بَغْلِتِه (^١).\nحدثنا ابن عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سعيد بن المُسَيَّبِ، أنهم أصابوا يومئذ ستة آلافِ سَبْيٍ، ثم جاء قومهم مسلمين بعد ذلك، فقالوا: يا رسولَ الله، أنتَ خيرُ الناس وأبَرُّ الناسِ، وقد أخَذْتَ أبناءَنا ونساءَنا وأموالنا. فقال النبي ﷺ: \"إن عندى مَن تَرَوْنَ، وإن خيرَ القولِ أصْدَقُه، اخْتاروا؛ إمَّا ذَرارِيَّكم ونساءَكم، وإمَّا أموالكم\". قالوا: ما كُنَّا نَعْدِلُ بالأحسابِ شيئًا. فقام رسولُ الله ﷺ، فقال: \"إن هؤلاء قد جاءوني مُسْلِمِين، وإِنَّا خَيَّرْناهم بينَ الذَّرارِيِّ والأموالِ، فلم يَعْدِلوا بالأحساب شيئًا، فمَن كان بيده منهم شيءٌ، فطابت نفسه أن يَرُدَّه فبسبيل (^٢) ذلك، ومَن لا فليُعْطِنا، وليَكُنْ قَرْضًا علينا حتى نُصِيبَ شيئًا، فنُعْطِيه مكانَه\". فقالوا: يا نبيَّ اللهِ، رَضِينا وسَلَّمنا. فقال: \"إنى لا أدْرِى، لعل منكم مَن لا يَرْضَى، فَمُروا عُرَفاءَكم فليَرْفَعوا ذلك إلينا\". فرفعت إليه العُرفاءُ أن قد رَضُوا وسَلَّموا (^٣).\nحدثنا عليُّ بن سَهْلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، قال: ثنا يَعْلَى بن عطاءٍ، عن أبي هَمَّامٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ - يعنى الفِهْرِيَّ - قال: كنتُ مع\n_________\n(^١) أخرجه النَّسَائِي في الكبرى (٨٦٤٧) عن محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦٩ وفى المصنف (٩٧٤١)، وابن سعد ٢/ ١٥٥، وأحمد ٣/ ٢٩٦ (١٧٧٥)، ومسلم (١٧٧٥)، وأبو يعلى (٦٧٠٨)، وابن حبان (٧٠٤٩)، والبيهقى في الدلائل ٥/ ١٣٩ من طريق معمر به، وأخرجه الحميدي (٤٥٩)، وابن سعد ٤/ ١٨، ١٩، وأحمد ٣/ ٣٩٨ (١٧٧٦)، ومسلم (١٧٧٥)، والنسائي في الكبرى (٨٦٥٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧٣، والحاكم ٣/ ٣٢٧، ٣٢٨، والبيهقي في الدلائل ٥/ ١٣٧ - ١٣٩، والبغوى في تفسيره ٤/ ٢٧ من طريق الزهرى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢٤ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) في م: \"فليفعل\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٧٠، وابن سعد ٢/ ١٥٥ من طريق معمر به.","vol":"11","page":391},{"text":"النبي ﷺ في غزوة حُنَينٍ، فلما رَكَدَت (^١) الشمسُ، لَبَسْتُ لأمَتِى، ورَكِبتُ فرسِى، حتى أتيتُ النبيَّ ﷺ وهو في ظِلِّ شجرةٍ، فقلتُ: يا رسول الله، قد حانَ الرَّوَاحُ. فقال: \"أَجَلْ\". فنادَى: \"يا بلالُ، يا بلالُ\". فقام بلالٌ مِن تحتِ سَمُرَةٍ (^٢)، فأقبل كأن ظَلَّه ظِلُّ (^٣) طيرٍ، فقال: لبيك وسَعديك، ونفسى فِداؤك يا رسول الله. فقال له النبي ﷺ: \"أَسْرِجُ فَرَسى\". فَأَخْرَج سَرْحًا دَفْتاه حَشْوهما ليفٌ، ليس فيهما أشَرٌ، ولا بَطَرٌ. قال: فرَكِب النبي ﷺ، فَصافَقْناهم يومنا وليلتنا، فلما التقَى الخَيْلان، وَلَّى المسلمون مُديرين كما قال الله، فنادَى رسول الله ﷺ: \"يا عِبادَ الله، يا معشر المهاجرين\". قال: ومال النبي ﷺ عن فرسه، عن فرسه، فَأَخَذَ حَفْنَةً مِن تُراب، فرَمَى بها وجوهَهم، فوَلُّوا مُدْبِرِين. قال يَعْلَى بن عطاءٍ: فَحَدَّثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: ما بَقِى مِنَّا أحدٌ إلا وقد امْتَلأت عَيناه مِن ذلك الترابِ (^٤).\nحدثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ البراء، وسأله رجلٌ مِن قيسٍ: فَرَرْتُم عن رسول الله ﷺ يومَ حُنَينٍ؟ فقال البَرَاءُ: لكنَّ رسول الله ﷺ لم يَفِرَّ، وكانت هَوازِنُ يومَئِذٍ رُماةً، وإِنَّا لمَّا حَمَلنا عليهم انكشَفوا، فأكْبَيْنا على الغنائمِ، فاسْتَقْبَلونا بالسِّهام، ولقد رأيتُ رسول الله ﷺ على بغلته البيضاءِ، وإن أبا سفيان بن الحارث آخِذٌ بلجامِها، وهو\n_________\n(^١) ركدت الشمس: إذا قام قائم الظهيرة. قال الزمخشري: وللشمس ركود، وهو أن تدوم حيال رأسك كأنها لا تريد أن تبرح أساس البلاغة، وتاج العروس (ر ك د).\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢ س: \"شجرة\". والسمرة هي الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية. لسان العرب (س م ر).\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) أخرجه الطيالسي (١٤٦٨)، وابن سعد ٢/ ١٥٦، وابن أبي شيبة ١٤/ ٥٢٩، وأحمد ٥/ ٢٨٦ (الميمنية)، وأبو داود (٥٢٣٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٧٦٣)، والطبراني ٢٢/ ٢٨٨ (٧٤١)، والبيهقى في دلائل النبوة ٥/ ١٤١، وغيرهم من طريق حماد بن سلمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢٤ إلى البغوي في معجمه وابن مردويه.","vol":"11","page":392},{"text":"يقولُ: \"أنا النبيُّ لا كَذِبْ أنا ابن عبدِ المُطَّلِبْ\" (^١).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: سأَله رجلٌ: يا أبا عُمارةَ، وَلَّيْتُم يومَ حُنَين؟ فقال البَراءُ وأنا أسمَعُ: أَشْهَدُ أن رسول الله ﷺ لم يُوَلِّ يومَئِذٍ دُبُرَه، وأبو سُفيانَ يَقُودُ بَغْلتَه، فلمَّا غَشِيَه المشركون، نَزَل فجَعَل يقولُ: \"أنا النبيُّ لا كَذِبْ أنا ابن عبدِ المُطَّلِبْ\". فما رُؤى يومَئِذٍ أَحدٌ مِن الناس كان أشدَّ منه (^٢).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى جعفر بن سليمانَ، عن عوف الأعْرابيِّ، عن عبدِ الرحمنِ مولى أمِّ بُرْثُنٍ، قال: ثني رجلٌ كان من المشركين يومَ حُنَينٍ، قال: لمَّا التَقينا نحن وأصحاب محمدٍ، ﵊، لم يقفوا لنا حَلْبَ شاةٍ أَن كَشَفناهم، فبينا نحنُ نَسُوقُهم، إذ انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء، فتَلَقَّانا رجالٌ بِيضٌ، حِسانُ الوجوهِ، فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا. فرجعنا، [وركبنا القوم] (^٣)، فكانت إياها (^٤).\nحدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيد، قال:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٠/ ١٧٧٦) عن ابن المثنى به، وأخرجه أحمد ٣٠/ ٤٢٥ (١٨٤٧٥)، والبخارى (٤٣١٧)، ومسلم (٨٠/ ١٧٧٦) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الطيالسي (٧٤٢)، وابن سعد ٢٤/ ٢٥١، والبخارى (٢٨٦٤، ٤٣١٦) والنسائى في الكبرى (٨٦٣٨)، وأبو يعلى (١٧٢٧)، والطحاوى في المشكل (٣٣٢٢)، وابن حبان (٤٧٧٠)، والبيهقي في الدلائل ٥/ ١٣٣ من طريق شعبة به.\n(^٢) أخرجه ابن سعد ١/ ٢٤، ٢٥، وأحمد ٣٠/ ٤١٣ (١٨٤٦٨) عن وكيع به، وأخرجه ابن سعد ٤/ ٥١، وأحمد ٣٠/ ١٣ (١٨٤٦٨)، والبخارى (٣٠٤٢) من طريق إسرائيل به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٥٠٧، ١٤/ ٥٢١، ٥٢٢ وغيره من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢٥ إلى ابن مردويه.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢ س: \"وركبوا\".\n(^٤) أخرجه مسدد - كما في البداية والنهاية ٧/ ٣١ والمطالب العالية (٤٧٩٩) - عن جعفر بن سليمان به، ومن طريقه البيهقي في الدلائل ٥/ ١٤٣، وتصحف جعفر في المطالب إلى يحيى.","vol":"11","page":393},{"text":"أمَدَّ اللَّهُ نبيَّه ﷺ يومَ حُنَين بخمسةِ آلافٍ من الملائكةِ مُسَوِّمِين. قال: ويومَئِذٍ سَمَّى الله الأنصارَ مؤمنين. قال: فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودًا لم تروها (^١).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثَرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا﴾. قال: كانوا اثْنَيْ عَشَرَ ألفا.\nحدثنا محمد بن يزيد الأدَمِيُّ، قال: ثنا مَعْنُ بنُ عيسى، عن سعيد بن السائبِ الطَّائفيِّ، عن أبيه، عن يزيد بن عامرٍ، قال: لمَّا (^٢) كانت انْكِشافةُ المسلمين حينَ انكَشَفوا يومَ حُنَين ضَرَب النبي ﷺ يدَه إلى الأرضِ، فَأَخَذ منها قَبْضَةً مِن تُرَابٍ، فأقبَل بها على المشركين وهم يَتْبَعون المسلمين، فَحَثاها في وجوههم وقال: \"ارْجِعُوا، شاهَتِ الوجوه\". قال: فانصَرَفنا، ما يَلْقَى أحدٌ أحدًا، إلا وهو يَمْسَحُ القَذَى عن عينَيه (^٣).\nوبه، عن يزيد بن (^٤) عامر السُّوَائيِّ، قال: قيل له: يا أبا حاجزٍ، الرُّعبُ الذي ألْقَى الله في قلوب المشركين، ماذا وَجَدْتُم؟ قال: وكان أبو حاجزٍ مع المشركين (^٥) يومَ حُنَين، فكان يأخُذُ الحَصاة فيرمى بها في الطَّسْتِ فيَطِنُّ، ثم يقولُ: كان في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧٤ من طريق جرير به.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"انكشفوا\".\n(^٣) أخرجه البخارى في تاريخه ٨/ ٣١٦ من طريق معن بن عيسى به، وأخرجه عبد بن حميد (٤٣٩)، والطبراني ٢٢/ ٢٣٧ (٦٢٢)، والبيهقى في الدلائل ٥/ ١٤٣، ١٤٤ من طريق سعيد بن السائب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢٦ إلى ابن مردويه.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"عن\". وهو خطأ واضح.\n(^٥) في ص، ت ١، ف: \"المسلمين\".","vol":"11","page":394},{"text":"أجوافِنا مثلُ هذا.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسنُ بنُ عَرفةَ، قال: ثني المُعْتَمِرُ بن سليمانَ، عن عوف، قال: سمعتُ عبد الرحمن مولى أمِّ بُرْثُنٍ - أو: أُمِّ بُرْثُمٍ (^١) - قال: ثنى رجلٌ كان في المشركين يومَ حُنَينٍ، قال: لمَّا الْتَقَيْنَا نحنُ وأصحاب رسول الله الله ﷺ يوم حُنَين، لم يَقُوموا لنا حَلَبَ شاةٍ. قال: فلمَّا كَشَفْناهم جَعَلْنا نَسُوقُهم في أدبارهم، حتى انتَهَينا إلى صاحب البغلة البيضاءِ، فإذا هو رسول الله ﷺ. قال: فتلَقَّانا عنده رجالٌ بِيضٌ (^٢)، حِسانُ الوجوه، فقالوا لنا: شاهتِ الوجوه، ارجعوا. قال: فانْهَزَمنا وركبوا أكْتافَنا، فكانت إيَّاها (^٣).\n\n<span id=\"aya-1261\"></span><span data-type='title' id=toc-3863>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ثم من بعدِ ما ضاقت عليكم الأرضُ بما رَحُبَت وتَوْلِيَتِكم الأعداء أدْبارَكم، كَشَف اللَّهُ نازِلَ البلاء عنكم، بإنزاله السكينة - وهي الأَمَنَةُ والطمأنينة - عليكم، وقد بَيَّنَّا أنها فَعِيلةٌ من الشكون، فيما مضى من كتابنا هذا قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (^٤).\n﴿وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾. وهى الملائكةُ التي ذكَرْتُ في الأخبار التي قد مَضَى ذِكْرُها، ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: وعَذَّبَ اللَّهُ الذين جَحدوا\n_________\n(^١) في م: \"مريم\". وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٥٠٥.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الوجوه\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٧٠، ٧١ عن المصنف، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٩/ ٨٥٠ (مخطوط) من طريق عوف به.\n(^٤) تقدم في ٤/ ٤٧١ - ٤٧٦.","vol":"11","page":395},{"text":"وَحْدانيته، ورسالة رسوله محمد ﷺ، بالقتلِ وسَبْيِ الأَهْلِينَ والذَّرَارِيِّ، وسَلْبِ الأموالِ، والذِّلَّةِ، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ﴾. يقولُ: هذا الذي فَعَلْنا بهم من القتلِ والسَّبْي ﴿جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: هو ثواب أهل مجحود وحدانيته ورسالة رسوله.\nحدثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: قَتَلَهم بالسيف (^١).\nحدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبو داودَ الحَفَرِيُّ (^٢)، عن يعقوب، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: بالهزيمة والقتل (^٣).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ﴾. قال: مَن بَقى منهم (^٤).\n\n<span id=\"aya-1262\"></span><span data-type='title' id=toc-3864>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ثم يَتَفضَّلُ اللَّهُ بتوفيقه للتوبةِ والإنابةِ إليه من بعد عذابه الذي به عَذَّب مَن هَلَك منهم قتلا بالسيف ﴿عَلَى مَن يَشَاءُ﴾. أي: يتوبُ اللَّهُ على مَن يشاءُ مِن الأحياء (^٥)، يُقْبِلُ به إلى طاعتِه، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لذنوبِ مَن أنابَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧٤، من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٢) في ص: \"الحضرى\"، وفى ف: \"الحضرمي\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧٤، من طريق أبي داود الحفرى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢٥ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧٤ من طريق أصبغ عن ابن زيد به.\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"و\".","vol":"11","page":396},{"text":"وتابَ إليه منهم ومن غيرهم منها، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم، فلا يُعَذِّبُهم بعد توبتهم، ولا يُؤاخِذُهم بها بعد إنابتهم.\n\n<span id=\"aya-1263\"></span><span data-type='title' id=toc-3866>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله، وأقروا بوحدانيته: ما المشركون إلا نجسٌ.\nواختلف أهل التأويل في معنى النَّجَسِ، وما السبب الذي من أجلِه سَمَّاهم بذلك؛ فقال بعضُهم: سَمَّاهم بذلك؛ لأنهم يُجْنِبون فلا يَغْتَسِلون، فقال: هم نَجَسٌ، ولا يَقْرَبوا المسجد الحرام؛ لأن الجنب لا ينبغى له أن يَدْخُلَ المسجد.\n\n<span data-type='title' id=toc-3865>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾. لا أعلمُ قتادة إلا قال: النَّجَسُ الجنابة (^١).\nوبه عن مَعْمَرٍ، قال: وبَلَغَنى أن النبي ﷺ لَقِى حُذيفة، وأخذ النبي ﷺ بيده، فقال حذيفةُ: يا رسولَ اللهِ، إنى جُنُبٌ. فقال: \"إن المؤمنَ لا يَنْجُسُ\" (^٢).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾. أي: أجْنَابٌ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٧١ عن معمر به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٧١ عن معمر به، وأخرجه أحمد ٥/ ٣٨٤ (الميمنية)، ومسلم (٣٧٢) وغيرها من طريق أبي وائل عن حذيفة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧٥ من طريق يزيد به، وذكره ابن المنذر في الأوسط ١١/ ٢١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢٦ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"11","page":397},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك: ما المشركون إلا رِجْسُ خِنْزيرٍ أو كلبٍ.\nوهذا قولٌ رُوى عن ابن عباسٍ مِن وجه غير حميدٍ، فكرهنا ذكره.\nوقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. يقول للمؤمنين: فلا تَدَعُوهم أن يَقْرَبوا المسجد الحرام بدخولهم الحَرَم. وإنما عنى بذلك مَنْعَهم من دخول الحرَمِ؛ لأنهم إذا دَخَلُوا الحَرَمَ، فقد قربوا المسجد الحرام.\nوقدِ اختَلَف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم فيه نحو الذي قُلْناه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3867>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر وابن المُثَنَّى، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: الحَرَمُ كلُّه قِبْلةٌ ومسجد. قال: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾. لم يَعْنِ المسجد وحدَه، إنما عَنَى مكةَ (^١) الحرم. قال ذلك غيرَ مَرَّةٍ (^٢).\nوذُكر عن عمر بن عبد العزيز في ذلك ما:\nحدثنا عبد الكريم بن أبي عُمَيرٍ، قال: ثنى الوليد بن مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرو، أن عمر بن عبد العزيز كَتَب: أنِ امْنَعوا اليهود والنصارى من دخول مساجدِ المسلمين، وأَتْبَعَ نَهْيَه قولَ اللهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (^٣).\nحدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن أَشْعَثَ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّمَا\n_________\n(^١) بعده في م: \"و\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧٦ من طريق أبي عاصم به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٨٨٠، ٩٨٨١، ١٩٣٥٦)، والنحاس في ناسخه ص ٤٩٧ من طريق ابن جريج به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٥١٢، ٥١٣، والبيهقى ١٠/ ١٠٣ من طريقين عن عمر بن عبد العزيز بمعناه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢٧ إلى أبي الشيخ.","vol":"11","page":398},{"text":"الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾. قال: لا تُصافحوهم، فمَن صافحهم فليتوضَّأْ (^١).\nوأما قوله: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. فإنه يعنى: بعد العام الذي نادى فيه عليٌّ، رحمة الله عليه، ببراءةٍ، وذلك عامَ حَجَّ بالناس أبو بكر، وهى سنة تسعٍ من الهجرة كما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. وهو العام الذي حج فيه أبو بكر، ونادى عليٌّ، رحمة الله عليهما، بالأذان وذلك، لتسع (^٢) سنينَ مَضَينَ مِن هجرة رسول الله ﷺ، وحَجَّ نبيُّ الله ﷺ مِن العامِ المقبلِ، حَجَّةَ الوداع، لم يَحُجَّ قبلها ولا بعدها (^٣).\nوقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾. يقولُ للمؤمنين: وإن خِفْتُم فاقةً وفقرًا، بمنعِ المشركين من أن يَقْرَبوا المسجد الحرام، ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ﴾. يقال منه: عالَ يَعِيلُ عَيْلَةً وعُيُولا، ومنه قول الشاعر (^٤):\nوَما يَدْرِى الْفَقِيرُ مَتَى غِناهُ … وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ\nوقد حُكِى عن بعضِهم أن من العربِ مَن يقولُ في الفاقة: عالَ يَعُولُ. بالواو.\nوذُكِر عن عمرو بن فائد أنه كان تأوَّلَ قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ بمعنى: وإذ خِفْتُم. ويقولُ: كان القوم قد خافوا. وذلك نحو قول القائلِ لأبيه: إن كنتَ أبى فأكْرِمْنى. بمعنى: إذ كنت أبي. وإنما قيل ذلك لهم؛ لأن المؤمنين خافوا بانقطاع\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٧٤ نقلا عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٤٣٣ عن ابن فضيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢٧ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) في ص، ت ١، س، ف: \"لسبع\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧٦ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢٦ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٤) تقدم تخريجه في ٦/ ٣٧٦.","vol":"11","page":399},{"text":"المشركين عن دخولِ الحَرَم، انقطاع تجاراتهم، ودخول ضَرَرٍ عليهم بانقطاع ذلك، وأمَّنَهم الله مِن العَيْلةِ، وعَوَّضهم مما كانوا يَكْرَهون انقطاعه عنهم، ما هو خيرٌ لهم منه، وهو الجِزْية، فقال لهم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرَّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ إلى: ﴿صَاغِرُونَ﴾.\nوقال قوم: بإدْرارِ المطرِ عليهم.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3868>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الحرامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. قال: لمَّا نَفَى الله المشركين عن المسجدِ الحرامِ، أَلْقَى الشيطان في قلوب المؤمنين الحَزَنَ، قال: من أين تأكلون، وقد نُفِى المشركون، وانقَطَعَت عنكم (^١) العِيرُ. فقال الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ﴾. فأمرهم بقتال أهل الكتابِ، وأغْناهم من فضله (^٢).\nحدثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن سِماكٍ، عن عِكْرمةَ في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. قال: كان المشركون يجيئون إلى البيت، ويَجِيئون معهم بالطعامِ، ويَتَّجِرون فيه؛ فلما نُهُوا أن يأتوا البيتَ قال المسلمون: من أين لنا طعامٌ؟ فأنزل الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عنهم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢٧ إلى ابن مردويه.","vol":"11","page":400},{"text":"شَاءَ﴾، فأنزَل عليهم المطرَ، وكَثَّر خيرَهم حتى (^١) ذَهَب عنهم المشركون (^٢).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حُمَيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن عليّ بن صالحٍ، عن سِماكٍ، عن عِكرمةَ: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ الآية، ثم ذكر نحو حديثِ هَنَّادٍ، عن أبي الأحْوَصِ.\nحدثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيان، عن واقدٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: لما نَزَلَت: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. شَقَّ ذلك على أصحاب النبي ﷺ، وقالوا: من يأتينا بطعامنا، ومن يأتينا بالمتاع؟ فَنَزَلَت: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ﴾ (^٣).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن واقد مولى زيدِ بن خُليدة (^٤)، عن سعيد بن جُبَيرٍ، قال: كان المشركون يَقْدَمون عليهم بالتجارةِ، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ إلى قوله: ﴿عَيْلَةً﴾. قال: الفقرُ. ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (^٥).\nحدثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أبيه، عن عطية العوفي، قال: قال المسلمون: قد كُنَّا نُصِيبُ مِن تجاراتهم وبياعاتهم. فنَزَلَت: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ\n_________\n(^١) في م، س: \"حين\". وهو لفظ رواية ابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠١١ - تفسير) عن أبي الأحوص به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧٧ من طريق أبى الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قوله. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢٧ إلى ابن المنذر وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(^٣) تفسير سفيان ص ١٢٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢٧ إلى أبي الشيخ.\n(^٤) في م: \"خلدة\". وينظر تهذيب التهذيب ١١/ ١٠٨.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧٧ معلقا.","vol":"11","page":401},{"text":"نَجَسٌ﴾ إلى قوله: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾.\nحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمعت أبي - أحسِبُه [قال: أنبأنا] (^١) أبو جعفر - عن عَطِيَّةَ، قال: لمَّا قيل: ولا يَحُجَّ بعد العامِ مُشْرِكٌ. قالوا: قد كُنَّا نُصِيبُ مِن بِياعاتِهم في الموسم. قال: فنَزَلَت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يعني: بما فاتهم من بياعاتهم.\nحدَّثنا أبو كرَيب، وابنُ وَكِيعٍ، قالا: ثنا ابن يَمانٍ، عن أبي سنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾. قال: بالجزية (^٢).\nحدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ وأبو معاويةَ، عن أبي سنانٍ، عن ثابت، عن الضحاكِ، قال: خرج المشركون من مكةَ، فشقَّ ذلك على المسلمين، وقالوا: كُنَّا نُصِيبُ منهم التجارةَ والميرةَ. فأنزل الله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسين بن الفرجِ، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سُليمان، قال: سمعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾: كان ناسٌ مِن المسلمين يَتَألَّفون العِيرَ، فلمَّا نَزَلَت \"براءة\" بقتال المشركين حيثما ثُقِفوا، وأن يَقْعُدوا لهم كلَّ مَرْصَدٍ، قَذَف الشيطان في قلوبِ المؤمنين: فمن أين تَعِيشون، وقد أُمِرْتُم بقتال أهلِ العِيرِ؟!. فعلم اللَّهُ مِن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أنا قال\".\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧٧ معلقا.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٤/ ٧٤.","vol":"11","page":402},{"text":"ذلك ما عَلِم، فقال: أطيعوني، وامْضُوا لأمرى، وأطيعوا رسولى، فإنى سوف أُغْنِيكُم مِن فَضْلى. فتَوكَّل لهم الله بذلك.\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ﴾. قال: قال المؤمنون: كُنَّا نُصِيبُ مِن مَتاجر المشركين. فوَعَدَهم الله أن يُغْنِيَهم من فضله، عِوَضًا لهم بأن لا يقربوهم المسجد الحرام. فهذه الآية مع [أوَّلِ \"براءةَ\" في القراءةِ، ومع] (^١) آخرِها في التأويل (^٢). ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: حين أُمر محمد وأصحابه بغزوة تبوك (^٣).\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهد بنحوه.\nحدثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: لما نَفَى الله المشركين عن المسجدِ الحرامِ، شَقَّ ذلك على المسلمين، وكانوا يأتون [ببيعات فينتفع] (^٤) بذلك المسلمون. فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾. فأغناهم بهذا الخراجِ، الجزية الجاريةَ عليهم،\n_________\n(^١) في م: \"من\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٦٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧٧، وعزاه السيوطي في\nالدر المنثور ٣٠/ ٢٢٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٦٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧٨، والبيهقى ٩/ ١٨٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى أبى الشيخ.\n(^٤) في م، س: \"ببياعات\".","vol":"11","page":403},{"text":"يأخُذُونها شهرًا شهرًا، عاما عامًا، فليس لأحدٍ من المشركين أن يقربَ (^١) المسجدَ الحرامَ بعدَ عامهم بحالٍ، إلا صاحب الجِزْيةِ، أو عَبْدَ رجلٍ مِن المسلمين (^٢).\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جُرَيجٍ، قال: أخبرنا أبو (^٣) الزبيرِ، أنه سمع جابر بن عبدِ اللهِ يقولُ في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾: إلا أن يكونَ عبدًا، أو أحدًا مِن أهل الذمةِ (^٤).\nقال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، قال: إلا صاحب جِزْيةٍ، أو عبدًا لرجل من المسلمين (^٥).\nحدثنا زكريا بن يَحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا حَجاجٌ، عن عبد الملك بن عبدِ العزيز بن جُريجٍ، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبدِ اللهِ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾: إلا أن يكونَ عبدًا، أو أحدا من أهل الجزية (^٦).\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن\n_________\n(^١) في ف، ومصدر التخريج: \"يقربوا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧٧ من طريق يزيد به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ابن\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٤٠٢.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٧١، ٢٧٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧٥ عن الحسن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢٦ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٧١.\n(^٦) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ١١/ ٢١، ٢٢ من طريق حجاج به.","vol":"11","page":404},{"text":"فَضْلِهِ﴾. قال: أغْناهم الله بالجزية الجارية، شهرًا فشهرًا، وعاما فعامًا (^١).\nحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عن الحَجَّاجِ، عن أبي (^٢) الزبير، عن جابرٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. قال: لا يَقْرَبُ المسجد الحرام بعدَ عَامِه هذا مُشْرِكٌ ولا ذِمِّى (^٣).\nحدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾: وذلك أن الناس قالوا: لتُقْطَعنَّ عَنَّا الأسواقُ، فلتَهْلِكَنَّ التجارةُ، وليَذْهَبَنَّ ما كُنَّا نُصِيبُ فيها من المرافق. فنزل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: مِن وجه غير ذلك، ﴿إِنْ شَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. ففى هذا عِوَضٌ مما تَخَوَّفْتُم مِن قَطْعِ تلك الأسواق. فعَوَّضَهم الله بما قطع عنهم من أمرِ الشِّرْكِ، ما أعطاهم مِن أعْناقِ أهل الكتابِ مِن الجزية (^٤).\nوأما قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فإن معناه: ﴿إنَّ الله عَلِيمٌ﴾ بما حَدَّثَتْكم به أنفسكم، أيُّها المؤمنون، مِن خَوفِ العَيْلة عليها، بمَنْعِ المشركين من أن يَقْرَبوا المسجد الحرام، وغير ذلك من مصالح عبادِه، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيرِه إياهم، وتدبير جميعِ خَلْقِه.\n\n<span id=\"aya-1264\"></span><span data-type='title' id=toc-3869>القول في تأويل قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ</span>\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٧٢.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"ابن\".\n(^٣) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ١١/ ٢٢ من طريق عباد بن العوام عن أشعث عن أبي الزبير به.\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٤٧، ٥٤٨.","vol":"11","page":405},{"text":"وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾.\nيقول تعالى ذكره للمؤمنين به مِن أصحاب رسوله ﷺ: ﴿قَاتِلُوا﴾، أيها المؤمنون، القومَ ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يقولُ: ولا يُصَدِّقون بجنةٍ ولا نارٍ، ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾. يقولُ: ولا يُطيعون الله طاعة الحقِّ. يعنى: أنهم لا يُطيعون طاعة أهل الإسلامِ، ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: وهم اليهودُ والنصارى.\nوكلُّ مُطِيعٍ مَلِكًا أو ذا سلطانٍ، فهو دائنٌ له. يقال منه: دانَ فلانٌ لفلانٍ، فهو يَدِينُ له دِينًا، قال زهيرٌ (^١):\nلَئِنْ حَلَلْتَ بِجَوٍّ فِي بَنِي أَسَدٍ … في دِينِ عمرٍو وحالَتْ بَيْنَنَا فَدَكُ\nوقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. يعنى: الذين أُعْطُوا كتابَ اللهِ، وهم أهل التوراة والإنجيل ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾.\nوالجزيةُ: الفِعْلةُ، مِن: جَزَى فلانٌ فلانًا ما عليه. إذا قضاه، يَجْزِيه؛ والجزيةُ مثلُ القِعْدة والجلْسَة.\nومعنى الكلام: حتى يُعْطُوا الخراجَ عن رقابهم، الذي يبذلونه للمسلمين دَفْعًا عنها.\nوأما قوله: ﴿عَن يَدٍ﴾. فإنه يعنى: مِن يده إلى يدِ مَن يَدْفَعُه إِليه.\n_________\n(^١) شرح ديوان زهير ص ١٨٣. وينظر مجاز القرآن ١/ ٢٥٥.","vol":"11","page":406},{"text":"وكذلك تقولُ العرب لكلِّ مُعْطٍ قاهرًا له شيئًا، طائعا له أو كارهًا: أعطاه عن يده، وعن يدٍ. وذلك نظير قولهم: كَلَّمتُه فمًا لفمٍ، ولَقِيتُه كَفَّةً لكَفَّةٍ، وكذلك أعطيتُه عن يد ليد.\nوأمَّا قولُه: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فإن معناه: وهم أذلاء مقهورون. يقال للذليلِ الحقير: صاغِرٌ.\nوذكر أن هذه الآية نَزَلَت على رسول الله ﷺ في أمره بحرب الروم، فَغَزا رسول الله ﷺ بعد نزولها غزوة تبوك.\n\n<span data-type='title' id=toc-3870>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرٍو (^١)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: حين أُمِر محمد وأصحابه بغزوة تبوكَ (^٢).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهد نحوه.\nواختلف أهل التأويلِ في معنى الصَّغارِ الذي غناه الله في هذا الموضع؛\nفقال بعضُهم: أن يُعْطِيَها وهو قائمٌ، والآخِذُ جالسٌ.\n_________\n(^١) في م: \"عروة\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٤٠٣.","vol":"11","page":407},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3871>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبد الرحمنِ بن بشْرٍ النَّيْسابوريُّ، قال: ثنا سفيان، عن أبي (^١) سعدٍ، عن عِكْرمة: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. قال: أي تأخُذُها وأنت جالسٌ وهو قائم (^٢).\nوقال آخرون: معنى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: عن أنفسهم، بأيديهم يَمْشُون بها، وهم كارِهون. وذلك قول رُوى عن ابن عباس (^٣)، من وجه فيه نَظَرٌ.\nوقال آخرون: إعطاؤهم (^٤) إياها هو الصَّغَارُ.\n\n<span id=\"aya-1265\"></span><span data-type='title' id=toc-3873>القول في تأويل قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾.</span>\nاختلف أهل التأويل في القائل: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾؛ فقال بعضهم: كان ذلك رجلًا واحدًا، وهو فِنْحاصُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3872>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال:\n_________\n(^١) في م، ف: \"ابن\". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٥٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٨٠، من طريق سفيان عن أبي سعد قوله، وفيه قصة، وذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٣٣، وأبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٣٠.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٣٣.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"اعطاؤه\".","vol":"11","page":408},{"text":"سَمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عُبَيدِ بن عُمَيرٍ يقولُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾. قال: قالها رجلٌ واحدٌ، قالوا: إن اسمه فِنْحاصُ. وقالوا: هو الذي قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (^١) [آل عمران: ١٨١].\nوقال آخرون: بل كان ذلك قول جماعة منهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3874>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونس بن بُكَيرٍ، قال: ثنا محمد بن إسحاقَ، قال: ثني محمد بن أبي محمدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، قال: ثني سعيد بن جبيرٍ أو عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: أتى رسول الله ﷺ سَلَّامُ بنُ مِشْكَمٍ، ونُعْمانُ بنُ أوْفَى، وشَأْسُ بن قيسٍ، ومالك بنُ الصَّيْفِ، فقالوا: كيف نَتَّبِعُك وقد تَرَكْتَ قِبْلَتَنا، وأنت لا تَزْعُمُ أن عزيرًا ابن اللهِ؟ فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾. إلى: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (^٢).\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ﴾: وإنما قالوا: هو ابن الله. من أجل أن عُزيرًا كان في أهل الكتابِ، وكانت التوراة عندهم، فعملوا (^٣) بها ما شاء الله أن يَعْمَلُوا، ثم أضاعُوها وعَمِلوا بغير الحقِّ، وكان التابوتُ فيهم. فلما\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٣٦ عن عبيد بن عمير. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢٩. إلى ابن المنذر عن ابن جريج.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٠ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٨١ من طريق يونس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢٩ إلى أبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٣) في م: \"يعملون\".","vol":"11","page":409},{"text":"رأى الله أنهم قد أضاعوا التوراةَ، وعَمِلوا بالأهْواءِ، رَفَعَ اللَّهُ عنهم التابوتَ، وأنساهم التوراة، ونَسَخَها من صدورهم، وأرسل الله عليهم مَرَضًا، فاسْتَطْلَقَت بُطونُهم، حتى جَعَل الرجلُ يمشى كَبِدُه، حتى نَسُوا التوراة، ونُسِخَت من صُدورِهم، وفيهم عُزَيرٌ. فمَكَثوا ما شاء الله أن يمكثوا بعد ما نُسِخَت التوراة من صدورهم، وكان عزيز قبلُ مِن عُلمائهم، فدَعا عُزَيرٌ الله، وابْتَهَل إليه أن يَرُدَّ إليه الذي نُسِخَ من صدره (^١) من التوراة. فبينما هو يُصَلِّي مُبْتِهِلًا إلى اللهِ، نَزَل نورٌ مِن الله فدخل جَوْفَه، فعاد إليه الذي كان ذَهَب مِن جوفه من التوراة، فأذن في قومه، فقال: يا قوم، قد آتانى الله التوراة وردّها إليَّ. فعَلِق (^٢) يُعَلِّمُهم، فمَكَثوا ما شاء الله وهو يُعَلِّمُهم. ثم إن التابوتَ نَزَل بعد ذلك وبعدَ ذَهابه منهم، فلما رأوا التابوتَ عَرَضوا ما كان فيه على الذي كان عُزَيرٌ يُعَلِّمُهم، فوجدوه مثله، فقالوا: والله ما أُوتى عُزَيرٌ هذا إلا أنه ابن اللهِ (^٣).\nحدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾: إنما قالت ذلك لأنهم ظَهَرَت عليهم العَمالقةُ فقَتَلوهم، وأخَذوا التوراةَ، وذَهَب علماؤُهم الذين بَقُوا، فدفنوا (^٤) كُتُبَ التوراة في الجبالِ. وكان عُزَيرٌ غلامًا يَتَعَبَّدُ في رءوس الجبالِ، لا يَنزِلُ إلا يوم عيدٍ. فجعل الغلام يَبْكِى ويقولُ: ربِّ، تَرَكْتَ بنى إسرائيلَ بغير عالمٍ. فلم يَزَلْ يَبْكِي حتى سَقَطَت أشْفارُ عينيه، فنزل مَرَّةً إلى العيدِ، فلما رَجَع إذا هو بامرأةٍ قد مَثَلَتْ له\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"صدورهم\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"به\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٨١ عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢٩ إلى ابن إسحاق وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وقد دفنوا\".","vol":"11","page":410},{"text":"عند قبرٍ من تلك القبورِ تَبْكى وتقولُ: يا مُطْعِماه، ويا كاسياه. فقال لها: وَيْحَكِ، مَن كان يُطْعِمُكِ [أو يَكْسُوكِ أو يَسْقِيكِ أو] (^١) يَنْفَعُكِ قبلَ هذا الرجل؟ قالت: الله. قال: فإن الله حيٌّ لم يَمُتْ. قالت: يا عُزيرُ، فمن كان يُعَلِّمُ العلماءَ قبل بنى إسرائيل؟ قال: الله. قالت: فلِمَ تَبكى عليهم؟ فلما عَرَف أنه قد خُصِمٍ، وَلَّى مُدْبِرًا، فَدَعَتْه فقالت: يا عُزيرُ، إذا أصبحت غدًا فأتِ نهر كذا وكذا فاعْتَسِل فيه، ثم اخرُجْ فَصَلِّ ركعتين، فإنه يأتيك شيخٌ، فما أعطاك فخُذْه. فلما أصبح انطلَق عُزَيرٌ إلى ذلك النهر فاغتَسل فيه، ثم خَرَج فصَلَّى ركعتين، فجاءه الشيخ فقال: افتَحْ فمَك (^٢). ففَتَح فمَه، فألقَى فيه شيئًا كهيئة الجمرة العظيمةِ، مجتمعٌ (^٣) كهيئة القوارير، ثلاث مرارٍ. فَرَجَع عُزَيرٌ وهو من أعلم الناس بالتوراةِ، فقال: يا بنى إسرائيلَ، إنى قد جِئْتُكم بالتوراةِ. فقالوا: يا عُزَيرُ، ما كنتَ كَذَّابًا. فَعَمِد فَرَبَط على كلَّ إصْبَعٍ له قَلَمًا، وكتب بأصابعه كلِّها، فكتب التوراة كلَّها، فلما رَجَع العلماءُ أُخْبِروا بشَأْنِ غزيرٍ، فاستخرج أولئك العلماء كتبهم التي كانوا رفعوها (^٤) من التوراة في الجبالِ، وكانت في خَوَابٍ (^٥) مدفونةٍ، فعارضوها بتوراةِ عُزَيرٍ، فوجدوها مثلها، فقالوا: ما أعطاك الله هذا إلا أنك ابنُه (^٦).\nواختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعضُ المكِّيِّين والكوفيِّين: (وقالت اليهودُ عُزَيْرُ ابن اللَّهِ). لا يُنَوِّنون \"عُزيرا\" (^٧). وقرأه بعضُ\n_________\n(^١) في م: \"و\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في م: \"مجتمعا\".\n(^٤) في م: \"دفنوها\".\n(^٥) الخوابي: جمع خابية، وهى الجرة الكبيرة. التاج (خ ب أ).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٨١، ١٧٨٢ من طريق أحمد بن مفضل به.\n(^٧) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو - في رواية - وابن عامر وحمزة. السبعة لابن مجاهد ص ٣١٣.","vol":"11","page":411},{"text":"المَكِّيِّين والكوفيِّين: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾. بتنوين \"عُزَيرٍ\" (^١). قال: هو اسمٌ مُجْرًى وإن كان أعْجَمِيًّا لخِفَّتِه، وهو مع ذلك غيرُ منسوبٍ إلى الله، فيكونُ بمنزلة قول القائلِ: زيد ابن عبدِ اللهِ. وأُوقع الابنُ موقع الخبر. ولو كان منسوبًا إلى الله لكان الوجه فيه - إذا كان الابن خبرًا - الإجراءَ والتنوين، فكيف وهو منسوبٌ إلى غير أبيه؟.\nوأَمَّا مَن تَرَك تنوينَ \"عُزيرٍ\"، فإنه لما كانت \"الباءُ\" (^٢) من \"ابن\" [ساكنةً مع التنوين الساكن] (^٣)، والتقى ساكِنان، فحذف الأوَّلُ منهما اسْتِثْقالًا لتَحْريكِه، كما (^٤) قال الراجز (^٥):\nلَتَجدَنِّي بالأميرِ بَرَّا\nوبالقَناةِ مِدْعَسًا (^٦) مِكَرًا\nإذا غُطَيْفُ السُّلَمِيُّ فَرَّا\nفحَذَف \"النونَ\" للساكن الذي اسْتقبلها.\nقال أبو جعفرٍ: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءةُ مَن قرأَ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾. بتنوين \"عُزير\" (^٧)؛ لأن (^٨) العرب [لا تُنوِّنُ] (^٩) الأسماء إذا كان الابن نعتًا\n_________\n(^١) وهى قراءة عاصم والكسائي، ورواية عن أبي عمرو. المصدر السابق.\n(^٢) في ص، ف: \"النون\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"وهى نون التوكيد ساكنة\"، وفى ف: \"وهى نون التوكيد ساكن\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) نوادر أبي زيد ص ٩١ معاني القرآن للفراء ١/ ٤٣١.\n(^٦) رجل مدعس: طعان. اللسان (د ع س) والرجز فيه.\n(^٧) القراءاتان كلتاهما صواب.\n(^٨) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"النون\".\n(^٩) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"من\".","vol":"11","page":412},{"text":"للاسم (^١) كقولِهم: هذا زيدُ بنُ عبدِ اللهِ. فأرادوا الخبر عن عُزيرٍ (^٢) بأنه ابن اللهِ، ولم يُريدوا أن يَجْعَلوا الابن له، نعتًا، والابن في هذا الموضع خبرٌ لـ \"عُزيرٍ\"؛ لأن الذين ذكر الله عنهم أنهم قالوا ذلك إنما أخْبَروا عن \"عُزَيرٍ\" أنه كذلك، وإن كانوا بقيلهم ذلك كانوا كاذِبِين على اللهِ مُفْتَرِين.\n﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ يعنى قول اليهود: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾. يقولُ: يشبه (^٣) قول هؤلاء في الكذبِ على الله والفِرْيةِ عليه، ونشبتهم المسيحَ إلى أنه لله ابنٌ، كَذِبَ (^٤) اليهودِ وفِرْيتَهم على الله في نِسبتِهم عزيرًا إلى أنه لله ابنٌ، ولا ينبغى أن يكون لله ولدٌ، سبحانه، ﴿بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦].\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3875>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿يُضَاهِئُونَ (^٥) قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾. يقولُ: يُشبهون (^٦).\n_________\n(^١) كذا ورد السياق في النسخ، ولعل الصواب أن يكون بعده: وتنونه إذا كان خبرا. كما هو ظاهر من المثل بعده والتعليق عليه. وينظر تعليق الشيخ شاكر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"زيد\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، س: \"نسبة\"، وفى ف: \"نسبته\".\n(^٤) في م: \"ككذب\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف في هذا الموضع وما بعده: \"يضاهون\". وهى القراءة التي سيختارها المصنف، وأثبتناها في جميع المواضع كرسم مصحفنا.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٨٣ من طريق أبي صالح به.","vol":"11","page":413},{"text":"حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قولَه: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾: ضَاهَت النصارى قولَ اليهودِ قبلَهم (^١).\nحدَّثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾: النصارى يُضاهِئون قول اليهودِ في عُزَيرٍ (^٢).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾. يقولُ: النصارى يُضاهئون قول اليهود.\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾. يقولُ: قالوا مثلَ ما قال أهلُ الأديانِ (^٣).\nوقد قيل (^٤): إن معنى ذلك: يَحْكُون بقولِهم قول أهل الأوثان (^٥) الذين قالوا: ﴿الَّلاتَ وَالْعُزَّى (١٩) ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ (^٦) [النجم: ١٩، ٢٠].\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٨٣ من طريق يزيد به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٧١ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٨٢ من طريق أحمد بن المفضل به. مقتصرا على قوله: النصارى.\n(^٣) في النسخ: \"الأوثان\". والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم وهو في تفسيره ٦/ ١٧٨٣ عن محمد بن سعد به. وينظر الدر المنثور ٣/ ٢٣٠.\n(^٤) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٤٣٣.\n(^٥) في م: \"الأديان\".\n(^٦) بعده في ص، ت ١ س: \"ذكر من قال ذلك\".","vol":"11","page":414},{"text":"واختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فَقَرَأَته عامة قرأة الحجاز والعراق (يُضَاهُون). بغير همزٍ (^١). وقرأه عاصم: ﴿يُضَاهِئُونَ﴾. بالهمز، وهى لغةٌ لثقيفٍ. وهما لغتان، يقال: ضاهَيْتُه على كذا، أَضَاهِيهِ مُضَاهاةً. و: ضَاهأْتُه عليه مُضاهأةً. إذا مالأْتَه عليه وأَعَنْتَه.\nقال أبو جعفر: والصواب من القراءةِ في ذلك تَرْكُ الهمزِ؛ لأنها القراءةُ المستفيضة في قرأة الأمصار، واللغة الفصحى (^٢).\nوأما قوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾. فإن معناه فيما ذُكر عن ابن عباس ما حدثني المثُنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾. يقولُ: لَعَنَهم الله، وكلُّ شيءٍ في القرآنِ قَتْلُ فهو لَعْنٌ (^٣).\nوقال ابن جريج في ذلك ما حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاج، عن ابن جريج قوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾: يعنى النصارى، كلمةٌ من كلام العرب (^٤).\nفأمَّا أهل المعرفة بكلام العرب فإنهم يقولون: معناه: قَتَلَهم الله. والعرب تقولُ: قاتَعَك الله، وقاتَعَها الله. بمعنى: قاتَلَك اللَّهُ. قالوا: وقاتَعَك الله. أهونُ من: قاتله الله.\nوقد ذكروا أنهم يقولون: شاقاه الله ما باقاه. يُريدون: أشقاه الله ما أبقاه. قالوا: ومعنى قوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾. كقوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [الذاريات: ١٠].\n_________\n(^١) هي قراءة القراء العشرة عدا عاصم. السبعة ٣١٤.\n(^٢) القراءتان متواترتان، فلا تفاضل بينهما.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٨٣ من طريق الضحاك عن ابن عباس مقتصرا على قوله: لعنهم الله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"11","page":415},{"text":"و: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأَخْدُود﴾ [البروج: ٤]. واحدٌ، وهو بمعنى التَّعَجُّبِ.\nفإن كان الذي قالوا كما قالوا، فهو من نادر الكلام الذي جاء على غيرِ القياس؛ لأن \"فاعلتُ\" لا تكادُ أن تَجِيءَ فِعْلًا إلا من اثنين، كقولهم: خاصمتُ فلانا وقاتلته. وما أشبه ذلك، وقد زَعَموا أن قولهم: عافاك الله. منه، وأن معناه: أعْفاك الله. بمعنى الدعاءِ لَمَن دَعا له بأن يُعْفِيه مِن السوء.\nوقوله: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ: أَي وَجْهِ يُذْهَبُ بهم ويُحدُّونَ (^١)؟ وكيف يَصِدُّون عن الحقِّ؟ وقد بَيَّنَّا ذلك بشواهده فيما مضى قبل (^٢).\n\n<span id=\"aya-1266\"></span><span data-type='title' id=toc-3876>القول في تأويل قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾.</span>\nيقولُ جلّ ثناؤه: اتَّخذ اليهودُ أحبارهم، وهم العلماءُ - وقد بينت تأويل ذلك بشواهدِه فيما مَضَى مِن كتابنا هذا قبل (^٣) - واحِدُهم حِبْرٌ وحَبْرٌ بكسر الحاء منه وفتحها.\nوكان يونس النحويُّ (^٤) - فيما ذُكر عنه - يَزْعُمُ أنه لم يَسْمَعْ ذلك إلا حِبْرٌ بكسر الحاء. ويَحْتَجُّ بقول الناسِ: هذا مِدادُ حِبْرٍ. يراد به: مِداد عالِم.\nوذَكَر الفَرَّاءُ أنه سمعه حِبْرًا وحَبْرًا، بكسر الحاء وفتحها.\n_________\n(^١) في م: \"يحيدون\"، وفي ت ١، ت ٢، س: \"يجدون\"، وفى ف: \"يجيدون\". ومعنى: يُحَدّون: يمنعون ويصرفون عن الخير. ينظر اللسان (ح د د)، ومجاز القرآن ١/ ١٧٤، ٢٥٧.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٨/ ٥٨٤.\n(^٣) في م: \"قيل\". وينظر ما تقدم في ٨/ ٤٥٣.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"الحرمي\"، وفى م: \"الجرمي\". وينظر ما تقدم في ٨/ ٢٤٥.","vol":"11","page":416},{"text":"والنصارى رُهبانهم، وهم أصحاب الصوامع وأهل الاجتهاد في دينهم منهم.\nكما حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سَلَمةَ، عن الضحاكِ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾. قال: قُراءَهم وعلماءهم (^١).\nو﴿أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ﴾. يعنى سادةً لهم من دونِ اللهِ، يُطيعونهم في معاصى اللهِ، فيُحِلُّون ما أحَلُّوه لهم مما (^٢) قد حَرَّمه الله عليهم، ويُحَرِّمون ما يُحَرِّمونه عليهم مما قد أحَلَّه الله لهم.\nكما حدثني الحسين (^٣) بن يزيدَ الطَّحَّانُ، قال: ثنا عبد السلام بنُ حَرْبٍ المُلائيُّ، عن غُطَيْفِ بن أَعْيَنَ عن مصعب بن سعدٍ، عن عَدِيِّ بن حاتمٍ، قال: انتهَيت إلى النبي ﷺ وهو يقرأُ في سورة \"براءة\": ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ﴾. فقال: أما إنهم لم يكونوا يَعْبُدُونهم، ولكن كانوا يُحِلُّون لهم فيُحِلُّون (^٤).\nحدثنا أبو كُرَيْبٍ وابنُ وَكِيعٍ، قالا: ثنا مالكُ بن إسماعيلَ، وحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد، جميعًا، عن عبد السلام بن حربٍ، قال: ثنا غُطَيْفُ بن أَعْيَنَ، عن مصعب بن سعد، عن عديِّ بن حاتم، قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ وفي عُنقى صليبٌ من ذهب، فقال: يا عَدِيُّ، اطْرَحْ هَذا الوَثَنَ مِن عُنُقِكَ\".\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٨٤ من طريق سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فيما\".\n(^٣) في النسخ: \"الحسن\"، والمثبت كما تقدم في ٦/ ٦٢٨.\n(^٤) أخرجه الترمذى (٣٠٩٥) عن الحسين بن يزيد به، كلفظ الحديث بعده، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٠، ٢٣١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"11","page":417},{"text":"قال: فطَرَحتُه، وانتهيتُ إليه وهو يقرأُ في سورة \"براءةَ\". فقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ﴾. قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنا لسنا نَعبُدُهم. فقال: \"أليس يُحرِّمونَ ما أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَه، ويُحِلُّون ما حَرَّم اللَّهُ فَتُحِلُّونه؟ \" قال: قلتُ: بلى. قال: \"فتلك عِبادتُهم\" (^١). واللفظ لحديث أبي كُرَيْبٍ.\nحدثني سعيد بن عمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا بَقِيَّةُ، عن قيسِ بن الربيع، عن عبدِ السلام بن حربٍ النَّهْدِيِّ، عن عطيفٍ (^٢)، عن مصعب بن سعد، عن عَدِيٍّ بن حاتمٍ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ سورة \"براءةً\"، فلما قرأ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ﴾. قلتُ: يا رسول الله، أما إنهم لم يكونوا يُصَلُّون لهم. قال: \"صَدَقْتَ، ولكن كانوا يُحِلُّون لهم ما حَرَّم الله فيَسْتَحِلُّونه، ويُحَرِّمون ما أحل الله لهم فيُحَرِّمونه\" (^٣).\nحدثنا محمد بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيان، عن حبيبِ بن أبي ثابت، عن أبي البَخْتَرِيِّ، عن حذيفةَ أنه سُئِل عن قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ﴾. أكانوا يَعْبُدُونهم؟ قال: لا، كانوا إذا أحَلُّوا لهم شيئًا اسْتَحَلُّوه، وإذا حَرَّموا عليهم شيئًا حَرَّموه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخارى في التاريخ الكبير ٧/ ١٠٦، والطبراني ١٧/ ٩٢ (٢١٨)، والبيهقي في المدخل ١/ ٢٠٩ (٢٦١) من طريق مالك بن إسماعيل به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٨٤، وابن حزم في الأحكام ٦/ ٢٨٣، والبيهقى ١٠/ ١١٦ من طريق عبد السلام بن حرب به، وأخرجه ابن سعد - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٢/ ٦٦ - من طريق عامر بن سعد عن علي، وأخرجه ابن مردويه كما في تخريج الكشاف - من طريق عطاء بن يسار عن عدى.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"خصيف\".\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير ١٧/ ٩٢ (٢١٩) من طريق بقية بن الوليد به.\n(^٤) تفسير الثورى ص ١٢٤، ومن طريقه البيهقي في المدخل ١/ ٢٠٩ (٢٥٩)، وعزاه السيوطي في الدر =","vol":"11","page":418},{"text":"حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن حبيب، عن أبي البَخْتَرِى، قال: قيل لحذيفة (^١). فذَكَر نحوه، غير أنه قال: ولكن كانوا يُحِلُّون لهم الحرام فيَسْتَحِلُّونه، ويُحَرِّمون عليهم الحلال فيُحرمونه (^٢).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن العَوَّامِ بن حَوْشَبٍ، عن حبيبٍ، عن أبي البَخْتَرِى، قال: قيل لحذيفةَ: أرأيتَ قولَ اللهِ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾ قال: أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم، ولا يُصَلُّون لهم، ولكنهم كانوا إذا أحَلُّوا لهم شيئًا اسْتَحَلُّوه، وإذا حَرَّموا عليهم شيئًا أَحَلَّه الله لهم (^٣) حَرَّموه، فتلك كانت رُبوبيَّتَهم (^٤).\nقال: ثنا جريرٌ وابنُ فُضَيلٍ، عن عطاءٍ، عن أبي البَخْتَرِى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ﴾. قال: انطلقوا إلى حلال الله فجَعَلوه حراما، وانطلقوا إلى حرام الله فجَعَلوه حلالا، فأطاعوهم في ذلك. فجَعَل الله طاعتهم عبادتهم، ولو قالوا لهم: اعبُدُونا. لم يَفْعَلُوا (^٥).\nحدثني الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثَّوْرِيُّ، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البَخْتَرِى، قال: سأل رجلٌ حذيفة، فقال: يا أبا عبدِ اللهِ، أرأيتَ قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللهِ﴾.\n_________\n= المنثور ٣/ ٢٣١ إلى الفريابي وابن المنذر وأبى الشيخ، ينظر الآثار بعده.\n(^١) في النسخ: \"لأبي حذيفة\". والمثبت هو الصواب، كما هو ظاهر الآثار قبله وبعده.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٨٤، والبيهقى، ١٠/ ١١٦، وفى المدخل ١/ ٢٠٩ (٢٥٨) من طريق حبيب به.\n(^٣) في ص: \"عليهم\".\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠١٢ - تفسير) من طريق العوام به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٤٢٢ عن ابن فضيل به، وأخرجه ابن حزم في الأحكام ٦/ ٣١٧، وتفسير مجاهد ص ٣٦٧ من طريق عطاء به.","vol":"11","page":419},{"text":"أكانوا يَعْبُدُونهم؟ قال: لا، كانوا إذا أحَلُّوا لهم شيئًا اسْتَحَلُّوه، وإذا حَرَّموا عليهم شيئًا حَرَّموه (^١).\nحدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن أَشْعَثَ، عن الحسن: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾. قال: في الطاعة (^٢).\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ﴾. يقول: وزَيَّنُوا لهم طاعتهم (^٣).\nحدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن السّدي: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. قال عبد الله بن عباس: لم يأمُرُوهم أن يَسْجُدوا لهم، ولكن أمروهم بمعصية الله فأطاعوهم، فسَمَّاهم الله بذلك أربابا.\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾. قال: قلتُ لأبي العالية: كيف كانت الربوبية التي كانت في بنى إسرائيل؟ قال: قالوا (^٤): ما أمَرُونا به ائْتَمَرْنا، وما نَهَونا عنه انتهينا لقولهم. وهم يجدون في كتاب الله ما أُمروا به وما نُهُوا عنه، فاسْتَنْصَحوا الرجالَ ونَبَذُوا كتابَ اللهِ وراءَ ظهورهم (^٥).\nحدثني بِشْرُ بنُ سُوَيدٍ، قال: ثنا سفيان، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبي\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٧٢.\n(^٢) ينظر تفسير القرطبي ٤/ ١٠٥.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٤/ ٧٧.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"لم يسبوا أحبارنا بشيء مضى\".\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٨٤ معلقا.","vol":"11","page":420},{"text":"البَخْتَرِيِّ، عن حُذَيْفَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ﴾. قال: لم يَعْبُدُوهم، ولكنهم أطاعوهم في المعاصى (^١).\nوأما قوله: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾. فإن معناه: اتَّخَذُوا أحبارهم ورُهبانهم والمسيح ابن مريمَ أربابًا مِن دونِ اللهِ.\nوأما قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾. فإنه يعنى به: وما أُمر هؤلاء اليهود والنصارى الذين اتخذوا الأحبار والرهبان والمسيح أربابا، ليس (^٢) إلا أن يَعْبُدُوا مَعْبُودًا واحدًا، وأن يُطيعوا إلا ربًا واحدًا، دونَ أرباب شَتَّى، هُو الله الذي له عبادة كلِّ شيءٍ، وطاعةُ كلِّ خَلْقٍ، المُسْتَحِقُّ على جميع خلقه الدَّيْنونة له بالوحدانية والربوبية، ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقول تعالى ذكره: لا تَبْغى الألوهة إلا للواحدِ الذي أُمِرَ الخلق بعبادته، ولَزِمَت جميع العبادِ طاعته، ﴿سُبْحَانَه عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: تَنْزيها وتَطْهِيرًا للهِ عما يُشْرَكُ في طاعتِه وربوبيَّتِه القائلون: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾. والقائلون: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾. المُتَّخِذون أحبارهم [ورهبانهم] (^٣) أربابًا مِن دونِ اللهِ.\n\n<span id=\"aya-1267\"></span><span data-type='title' id=toc-3877>القول في تأويل قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: يريدُ هؤلاء المُتَّخذون أخبارهم ورُهْبانَهم والمسيحَ ابْنَ مريم أربابًا ﴿أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾. يعنى: أنهم يحاولون بتكذيبهم بدينِ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٩٣٩٤) من طريق سفيان به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣١ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ٢.","vol":"11","page":421},{"text":"الله الذي ابتعث به رسولَه، وصدِّهم الناسَ عنه بألسنتهم، أن يُبطلوه، وهو النورُ الذي جَعَله الله لخلقه ضياءً، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾: يَعْلَو دينُه، وتَظْهَرَ كلمتُه، ويُتِمَّ الحقَّ الذي بعث به رسوله محمدًا ﷺ، ﴿وَلَوْ كَرِهَ﴾ إتمام الله إيَّاه، ﴿الكَافِرُونَ﴾. يعني: جاحِدِيه المُكَذِّبِين به.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3878>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيّ: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾. يقولُ: يُريدون أن يُطفئوا الإسلام بكلامهم (^١).\n\n<span id=\"aya-1268\"></span><span data-type='title' id=toc-3879>القول في تأويل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: اللَّهُ الذي يأبَى إلا إتمام دينه ولو كره ذلك جاحدوه ومُنْكِروه - ﴿الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ محمدا ﷺ، ﴿بِالْهُدَى﴾. يعني: ببيان فرائض الله على خلقِه، وجميع اللازم لهم، وبـ ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾، وهو الإسلامُ، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. يقولُ: ليغلي الإسلام على المِلَلِ كلِّها، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ باللهِ ظهوره عليها.\nوقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾؛ فقال بعضُهم: ذلك عندَ خُرُوجِ عيسى، حينَ تَصِيرُ الملل كلُّها واحدة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٨٥ من طريق أحمد بن مفضل به.","vol":"11","page":422},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3880>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بن سعيد القَطَّانُ، قال: ثنا سفيان (^١)، قال: ثني ثابتٌ الحَدَّادُ أبو المِقْدامِ، عن نُبَيْحٍ (^٢)، عن (^٣) أبي هريرةَ في قولِه: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. قال (^٤): خُرُوج عيسى ابن مريم (^٥).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حُمَيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن فُضَيلِ بن مَرْزُوقٍ، قال: ثنى مَن سَمِع أبا جعفر يقولُ (^٦): ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. قال: إذا خرج عيسى ﵇ اتَّبَعه أهلُ كلِّ دينٍ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: ليُعْلِمَه شرائع الدينِ كلَّها فيُطْلِعَه عليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-3881>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدَّينِ كُلَّهِ﴾. قال: ليُظْهِرَ اللَّهُ نبيَّه على أمرِ الدين كلِّه، فيُعْطِيَه إياه كلَّه ولا يَخْفَى عليه منه شيء. وكان المشركون واليهود يَكْرَهون ذلك (^٧).\n_________\n(^١) في النسخ: \"شقيق\". والمثبت مما سيأتي في تفسير الآية ٤ من سورة الصف، وهو في تفسير سفيان كما سيأتي، وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٥٤.\n(^٢) في ص، م، ت ٢، س، ف: \"شيخ\"، وغير منقوطة في ت ١، والمثبت من تفسير سفيان، وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٣١٤.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) بعده في م: \"حين\".\n(^٥) تفسير سفيان ص ١٢٥ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣١ إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٦) سقط من: م، ف.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٨٦، ١٧٨٧ من طريق أبي صالح به.","vol":"11","page":423},{"text":"<span id=\"aya-1269\"></span><span data-type='title' id=toc-3883>القول في تأويل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: يا أَيُّها الذين صَدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، وأقرُّوا بوحدانية ربِّهم، إن كثيرا من العلماء والقُرَّاء من بنى إسرائيل من اليهود والنصارى - ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾. يقولُ: يأخُذُون الرِّشا في أحكامهم، ويُحرِّفون كتاب الله، ويَكْتُبون بأيديهم كُتُبًا ثم يقولون: هذه من عندِ اللَّهِ. ويأخُذون بها ثمنًا قليلًا مِن سِفْلتِهم، ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ويمنعون من أراد الدخولَ في الإسلام الدخول فيه بنهيهم إياهم عنه.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3882>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾: أمَّا ﴿الْأَحْبَارِ﴾ فين اليهودِ، وأمَّا ﴿الرُّهْبَانِ﴾ فمن النصارى، وأمَّا ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فمحمد ﷺ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-3884>القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾، ويأكُلُها أيضًا معهم ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٧ من طريق أحمد بن مفضل، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣١ إلى أبى الشيخ.","vol":"11","page":424},{"text":"وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. يقولُ: بَشِّرِ الكثيرَ من الأحْبارِ والرهبانِ الذين يأكلون أموال الناس بالباطلِ، والذين يكنزون الذهبَ والفضةَ ولا يُنفقونها في سبيل الله، بعذابٍ (^١) لهم يوم القيامةِ، مُوجِعِ مِن الله.\nواختَلَف أهل العلم في معنى الكَنْزِ؛ فقال بعضُهم: هو كلُّ مالٍ وَجَبَت فيه الزكاة فلم تُؤدَّ زكاته. قالوا: وعَنَى بقوله: ﴿وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: ولا يُؤدُّون زكاتها.\n\n<span data-type='title' id=toc-3885>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: كلُّ مالٍ أدَّيْتَ زكاتَه فليس بكَنْزٍ وإن كان مدفونًا، وكلُّ مالٍ لم تُؤدِّ زكاتَه فهو الكثرُ الذي ذَكَره الله في القرآنِ، يُكْوَى به صاحبه، وإن لم يكن مدفونًا (^٢).\nحدثنا الحسن (^٣) بن الجُنَيدِ، قال: ثنا سعيد بن مسلمةَ، قال: ثنا إسماعيل بن أُمَيَّةَ، عن نافعٍ، عن ابن عمر أنه قال: كلُّ مالٍ أُدِّيَتْ منه الزكاة فليس بكنْزٍ وإن كان مدفونًا، وكلُّ مال لم تُؤدَّ منه الزكاةُ، وإن لم يكن مدفونًا، فهو كَنْزٌ.\nحدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن نافعٍ، عن\n_________\n(^١) بعده في م: \"أليم\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٧١٤٠) من طريق أيوب به. وأخرجه الشافعي في مسنده ١/ (٦١٢) ومن طريقه البيهقي في المعرفة ٢/ ٢٢، وعبد الرزاق في المصنف (٧١٤٤)، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٨، وابن الجوزى في النواسخ ص ٣٦٣ من طريق نافع به. كما أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٢٥٦، وعنه الشافعي في مسنده ١/ (٦١٣)، ومن طريقه البيهقي ٤/ ٨٣، وفى المعرفة (٢٢١٣)، وابن أبي شيبة ٣/ ١٩٠، من طريقين عن ابن عمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في م: \"الحسين\".","vol":"11","page":425},{"text":"ابن عمرَ، قال: أيُّما مالٍ أُديَتْ زكاتُه فليس بكثر وإن كان مدفونا في الأرضِ، وأيُّما مالٍ لم تُؤدَّ زكاتُه فهو كَنْرٌ يُكْوَى به صاحِبُه، وإن كان على وَجْهِ الأَرضِ.\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي وجَرِيرٌ، عن الأعمشِ، عن عطيةَ، عن ابن عمر، قال: ما أُدِّيَت زكاتُه فليس بكنْزٍ (^١).\nقال: ثنا أبى، عن العُمَرِيِّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: ما أُديت زكاتُه فليس بكنْزٍ وإن كان تحتَ سبع أَرَضِين، وما لم تُؤدَّ زكاته فهو كَنْزٌ وإن كان ظاهرًا (^٢).\nقال: ثنا جَرِيرٌ، عن الشَّيْبانيِّ، عن عِكْرمةَ، قال: ما أَدَّيْتَ زكاتَه فليس بكَنْزٍ (^٣).\nحدثنا محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ، قال: أمَّا ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ فهؤلاء أهلُ القِبْلَةِ، والكنْزُ ما لم تُؤدَّ زكاتُه وإن كان على ظهرِ الأرضِ، وإن قلَّ، وإن كان كثيرا قد أُدِّيتْ زكاتُه فليس بكنْزٍ (^٤).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، قال: قُلتُ لعامرٍ: مالٌ على رَفٍّ بينَ السماءِ والأرض لا تُؤدَّى زكاتُه، أكثر هو؟ قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٩٠ من طريق الأعمش به نحوه وفيه قصة.\n(^٢) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٢/ ٦٨، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٧١٤١، ٧١٤٢) عن عبيد الله وعبد الله العمريين به، وأخرجه البيهقي ٤/ ٨٢ من طريق عبيد الله به، والطبراني في الأوسط (٨٢٧٩)، وأخرجه ابن علي ٣/ ١٢٦٢، والبيهقى ٤/ ٨٢ من طريق سويد بن عبد العزيز، عن عبيد الله به مرفوعًا، وقال البيهقي: الصحيح موقوف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٩٠ من طريق أبي إسحاق الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس.\n(^٤) أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٨٩ شطره الأول من طريق أحمد بن مفضل به.","vol":"11","page":426},{"text":"يُكْوَى به يوم القيامةِ.\nوقال آخرون: كلُّ مالٍ زاد على أربعة آلاف درهمٍ فهو كَنْزٌ، أُدِّيتْ منه الزكاةُ أو لم تُؤدَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3886>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبو بكر بنُ عَيَّاشٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن أبي الضُّحَى، عن جَعْدةَ بن هُبَيرةَ، عن عليٍّ، رحمةُ اللهِ عليه، قال: أربعةُ آلافِ درهمٍ فما دونَها نَفَقَةٌ، فما كان أكثرَ من ذلك فهو كَنْزٌ.\nحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي حَصِينٍ، عن أبي الضُّحَى، عن جَعْدةَ بن هُبَيرةَ، عن عليٍّ مثلَه.\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ (^١)، قال: أخبَرنى أبو حَصِينٍ، عن أبي الضُّحَى، عن جَعْدةَ بن هُبَيرةَ، عن عليٍّ، ﵀ عليه في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ﴾. قال: أربعةُ آلافِ درهمٍ فما دونَها نفقةٌ، وما فوقها كَنْزٌ (^٢).\nوقال آخرون: الكَنْزُ كلُّ ما فَضَل من المال عن حاجةِ صاحبه إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3887>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عُبَيدُ (^٣) اللهِ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا\n_________\n(^١) في م: \"الشعبي\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٧٣، وهو في مصنفه (٧١٥٠)، ومن طريقه ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٢ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) في ت ١، س، ف: \"عبد\"، وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ١٥٨.","vol":"11","page":427},{"text":"شُعْبَةُ، عن ابن (^١) عبدِ الواحدِ، أنه سَمِع أبا مُجِيبٍ، قال: كان نَعْلُ سيفِ (^٢) أبي هريرةَ مِن فضةٍ، فَنَهاه عنها أبو ذرٍّ، وقال: إن رسول الله ﷺ قال: \"مَن تَرَكَ صَفْراءَ أو بَيْضاءَ كُوِيَ بها\" (^٣).\nحدثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ و(^٤) الأَعْمَشِ وعمرو بن مُرَّةَ، عن سالم بن أبي الجَعْدِ، قال: لما نَزَلَت: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ﴾. قال النبيُّ ﷺ: \"تَبًّا للذَّهَبِ، تَبًّا للفضةِ\". يقولُها ثلاثًا. قال: فشَقَّ ذلك على أصحابِ رسول الله ﷺ، قالوا: فأيَّ مالٍ نَتَّخِذُ؟ فقال عمرُ: أنا أعلَمُ لكم ذلك. فقال: يا رسولَ اللهِ، إن أصحابَك قد شَقَّ عليهم وقالوا: فأيَّ المالِ نَتَّخِذُ؟ فقال: \"لِسانًا ذاكِرًا، وقَلْبًا شاكرًا، وزوجةً تُعِينُ أحدكم على دينه\" (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"أنس عن\".\n(^٢) نعل السيف: الحديدة التي تكون في أسفل القراب. النهاية ٥/ ٨٢.\n(^٣) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٢/ ٧٢ عن المصنف، وأخرجه البخارى في الكبير ٦/ ٦٠، والبيهقي ٤/ ١٤٤ معلقا عن معاذ به وأخرجه المصنف في تهذيب الآثار (٤٢٨ - مسند ابن عباس)، وأحمد ٥/ ١٦٨ (الميمنية)، والبخارى ٦/ ٥٩، ٦٠، والبيهقى ٤/ ١٤٤، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٢/ ٧٢ - من طرق عن شعبة. وقد اختلف في اسم شيخ شعبة وقال عنه الذهبي: يروى عن شعبة، عن أبي المجيب بحديث منكر. الميزان ٤/ ٣٩٤. وقد روى معناه عن أبي ذر موقوفًا أخرجه البيهقي ١/ ١٤٤.\n(^٤) في م: \"عن\".\n(^٥) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (٤٥٠ - مسند ابن عباس)، وأخرجه أيضا (٤٦٥) من طريق الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم، عن ثوبان. وأخرجه أحمد ٥/ ٢٨٢ (الميمنية) - ومن طريقه أبو نعيم في الحلية ١/ ١٨٢ - وابن ماجه (١٨٥٦)، والطبرانى في الصغير ٢/ ٤٥ - ومن طريقه الواحدى في أسباب النزول ص ١٨٤ - من طريق عمرو بن مرة، عن سالم، عن ثوبان، وأخرجه ابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٢/ ٧٢ من طريق أبي عامر عن ثوبان، وعزاه الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف ٢/ ٧٠ إلى أبي يعلى، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٢ إلى ابن شاهين في الترغيب في الذكر وأبي الشيخ. وقال الزيلعي: الحاصل أنه حديث ضعيف لما فيه من الاضطراب.","vol":"11","page":428},{"text":"حدثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن سالمِ بن أبي الجَعْدِ، عن ثَوْبَانَ بمثلِه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، قال: لما نَزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال المهاجرون: وأيَّ المالِ نَتَّخِذُ؟ فقال عمرُ: أسألُ النبي ﷺ عنه، قال: فأدْرَكْتُه على بَعِيرٍ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إن المهاجرين قالوا: فأَيَّ المالِ نَتَّخِذُ؟ فقال رسولُ الله ﷺ: \"لِسانًا ذَاكِرًا، وقَلْبًا شاكرًا، وزوجةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أحدَكم على دينِه\" (^٢).\nحدثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، عن شَهْرِ بن حَوْشَبٍ، عن أبي أمامَةَ، قال: تُوفِّيَ رجلٌ مِن أهل الصُّفَّةِ فوُجِدَ في مِئْزَره دينارٌ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"كَيَّةٌ\". ثم تُوفِّيَ آخَرُ فَوُجِدَ فِي مِئْزَرِهِ ديناران، فقال النبي ﷺ: \"كَيَّتان\" (^٣).\nحدثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عَن شَهْرِ بن حَوْشَبٍ، عن صُدَيِّ بن عَجْلانَ أَبي أُمَامَةَ، قال: ماتَ رجلٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ فوُجِدَ فِي مِئْزَرِه\n_________\n(^١) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٢/ ٦٩ عن المصنف، وأخرجه المصنف في تهذيب الآثار (٤٥١ - مسند ابن عباس). وأخرجه الطبراني في الأوسط (٢٢٧٤) من طريق مؤمل به. وأخرجه أحمد ٥/ ٢٧٨ (الميمنية)، وفى الزهد ص ٢٦، والترمذى (٣٠٦٤) من طريق إسرائيل به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٧٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٨٨. وهو في تفسير الثورى ص ١٢٠ عن عمرو به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٧٤، وأخرجه أحمد ٥/ ٢٥٣ (الميمنية) من طريق معمر به كما أخرجه ٥/ ٢٥٢، ٢٥٣ \"الميمنية\"، والطبراني (٧٥٧٤، ٨٠١١)، وأبو يعلى، وابن أبي شيبة - كما في تخريج الكشاف ٢/ ٧٣ - من طرق عن قتادة به. وأخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٧٢، وأحمد ٥/ ٢٥٣ (الميمنية)، والطبراني (٤٦٥٤)، وفي مسند الشاميين (٦٨٩) من طرق عن أبي أمامة.","vol":"11","page":429},{"text":"دينارٌ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"كَيَّةٌ\". ثم تُوفِّيَ آخَرُ فَوُجِدَ فِي مِئْزَرِه ديناران؛ فقال نبيُّ اللهِ ﷺ: \"كَيَّتان\" (^١).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن سالمٍ، عن ثوبان، قال: كُنَّا في سَفَرٍ، ونحن نَسِيرُ مع رسول الله ﷺ قال المهاجرون: لَوَدِدْنا أَنَّا عَلِمْنَا أَيُّ المالِ خيرٌ فنَتَّخِذَه؟ إذ نَزَل في الذهبِ والفضةِ ما نَزَلَ، فقال عمر: إن شئتم سألتُ رسول الله ﷺ عن ذلك. فقالوا: أجلْ. فانطَلَق فتَبِعْتُه أوضعُ (^٢) على بَعيرى، فقال: يا رسول الله، إن المهاجرين لمَّا أُنزِل في الذهبِ والفضةِ ما أُنزِل، قالوا: وَدِدْنا أَنَّا عَلِمْنا أي المالِ خيرٌ فنَتَّخِذَه؟ قال: \"نعم، فيَتَّخِذُ أحدُكم لسانا ذاكرًا، وقَلْبًا شاكرًا، وزوجةً تُعِينُ أحدكم على إيمانه\" (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصحة القول الذي ذُكر عن ابن عمرَ، مِن أن كلَّ مالٍ أُدِّيتْ زكاتُه فليس بكَنْزٍ يَحْرُمُ على صاحبِه اكْتنازُه وإن كَثُر، وأن كلَّ مالٍ (^٤) لم تُؤَدَّ زكاتُه، فصاحِبُه مُعاقَبٌ مُسْتَحِقٌّ وعيدَ اللَّهِ، إلا أن يَتَفَضَّلَ اللَّهُ عليه بعَفْوِه وإن قلَّ، إذا كان مما يجبُ فيه الزكاةُ. وذلك أن الله أوجب في خمس أَوَاقٍ مِن الوَرِقِ على لسان رسوله ﷺ رُبُعَ عُشْرِها، وفى عشرين مثقالًا من الذهب مثلَ ذلك، رُبُعَ عُشْرِها، فإذ كان ذلك فَرْضَ الله في الذهبِ والفضةِ على لسانِ رسولِه، فمعلوم أن الكثير من المال وإن بلغ في الكثرة ألوفَ ألوفٍ، لو كان - وإن أُدِّيت زكاته - من الكنوزِ التي أوعد الله أهلَها عليها العقابَ، لم يكن فيه الزكاة التي ذكرنا\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (٧٥٧٣) من طريق يزيد به، وأخرجه أحمد ٥/ ٢٥٣ (الميمنية) من طريق سعيد به.\n(^٢) الإيضاع: أن يعدى بعيره ويحمله على العدو الحثيث. تهذيب اللغة ٣/ ٧٣.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ١٨٢ من طريق جرير به.\n(^٤) في م: \"ما\".","vol":"11","page":430},{"text":"مِن رُبُعِ العُشْرِ؛ لأن ما كان فَرْضًا إخراجُ جميعِه من المال وحرام اتِّخاذُه، فزكاتُه الخروجُ من جميعِه إلى أهله لا رُبُعُ عُشْرِه. وذلك مثلُ المالِ المغصوبِ الذي هو حرامٌ على الغاصبِ إمساكُه، وفرضٌ عليه إخراجه من يده إلى يده، فالتَّطَهُّرُ منه ردُّه إلى صاحبِه. فلو كان ما زادَ مِن المالِ على أربعة آلاف درهم، أو ما فَضَل عن حاجة ربِّه التي لا بدَّ منها، مما يَسْتَحِقُّ صاحبه باقتنائه - إذا أدَّى إلى أهلِ السُّهْمانِ حُقُوقهم منها مِن الصدقةِ - وعيدَ اللهِ، لم يكن اللازم ربَّه فيه رُبُعَ عُشْرِه، بل كان اللازم له الخروج من جميعه إلى أهلِه وصَرْفَه فيما يَجِبُ عليه صَرْفُه، كالذى ذكرنا من أن الواجب على غاصب رجل ماله رَدُّه على ربِّه.\nوبعد، فإن فيما حدَّثنا محمد بن عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، قال: قال مَعْمَرٌ: أَخبرنى سُهَيلُ بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أن رسول الله ﷺ قال: \"ما مِن رجلٍ لا يُؤَدِّي زكاة مالِه، إلا جُعِل يوم القيامة صفائحَ من نارٍ يُكْوَى بها جنبيه (^١) وجَبْهتُه وظَهْرُه، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنةٍ، حتى يُقْضَى بين الناسِ، ثم يُرى سبيلُه، وإن كانت إبِلًا إلا يُطِحَ لها بِقاعٍ قَرْقَرٍ (^٢) تَطَؤُه بأخْفافِها - حَسِبْتُه قال: وتَعُضُّه بأَفْواهِها - يُرَدُّ أُولاها على أُخراها، حتى يُقْضَى بينَ الناسِ، ثم يُرى سبيلُه، وإن كانت غَنَمًا فمثلُ ذلك، إلا أنها تَنْطَحُه بقُرُونِها، وتَطَوُه بِأَظْلَافِها\" (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"جنبه\"، وفى ص، س، ف: \"حبينه\".\n(^٢) بطح: قيل ألقى على وجهه، وقيل أصله في اللغة البسط والمد، فقد يكون على وجهه وقد يكون على ظهره، والقاع: المستوى الواسع من الأرض، وكذلك القرقر. ينظر صحيح مسلم بشرح النووى ٧/ ٦٤.\n(^٣) أخرجه النَّسَائِي في الكبرى (١١٦٢١) عن محمد بن عبد الأعلى به مختصرا. وأخرجه الطيالسي=","vol":"11","page":431},{"text":"وفى نظائرِ ذلك من الأخبار التي كَرِهْنا الإطالة بذِكْرِها - الدلالة الواضحة على أن الوعيدَ إنما هو من الله على الأموالِ التي لم تُؤَدَّ الوظائف المفروضة فيها لأهلها مِن الصدقة، لا على اقتنائها واكتنازها.\nوفيما بَيَّنَّا من ذلك البيانُ الواضحُ على أن الآية لخاصٍّ، كما قال ابن عباسٍ، وذلك ما حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. يقولُ: هم أهل الكتاب. وقال: هي خاصَّةٌ وعامةٌ.\nيعنى بقوله: هي خاصَّةٌ وعامَّةٌ: هي خاصة في (^١) المسلمين في من لم يُؤَدِّ زكاةَ ماله منهم، وعامة في أهلِ الكتابِ؛ لأنهم كفارٌ لا تُقْبَلُ منهم نَفَقاتُهم إن أَنْفَقوا.\nيدلُّ على صحة ما قُلنا في تأويل قولِ ابن عباس هذا ما حدثني المثنَّى، قال: ثنا عبد اللهِ، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَها﴾. إلى قوله: ﴿هَذَا مَا كَنَرْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾. قال: هم الذين لا يُؤدُّون زكاةَ أموالهم. قال: وكلُّ مال لا تُؤَدَّى زكاتُه، كان على ظهرِ الأرضِ أو في بطنِها، فهو كَنزٌ، وكلُّ مال تُؤَدَّى زكاتُه فليس بكَنْزٍ، كان على ظهرِ الأَرضِ أو في بَطْنِها (^٢).\n_________\n= (٢٥٦٢)، وأحمد ١٣/ ٧ (٧٥٦٢)، ومسلم (٩٨٧/ ٢٦)، وأبو داود (١٦٥٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٩٠ من طريق سهيل به وأخرجه البخارى (٢٣٧١، ومسلم (٢٤/ ٩٨٧) من طريق أبي صالح به مطولا.\n(^١) في النسخ: \"من\" والمثبت هو الصواب.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٢ إلى ابن المنذر، وأخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٩٠ من طريق عكرمة عن ابن عباس مختصرًا.","vol":"11","page":432},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾. قال: الكثرُ ما كُنِزَ عن طاعةِ الله وفريضتِه، وذلك الكَنْزُ. وقال: افتُرِضَت الزكاة والصلاة جميعًا لم يُفَرَّق بينهما.\nوإنما قلنا: ذلك على الخصوص؛ لأن الكثر في كلامِ العربِ كلُّ شيءٍ مجموعٌ بعضُه على بعض، في بطنِ الأرضِ كان أو على ظهرها. يدلُّ على ذلك قول الشاعرِ (^١):\nلا دَرَّ دَرِّيَ إِنْ أَطْعَمْتُ نازِلَهم … قِرْفَ الحَتِيِّ وعندى البُرُّ مَكْنُوزُ (^٢)\nيعنى بذلك: وعندى البُرُّ مجموعٌ بعضُه على بعض. وكذلك تقولُ العربُ للبَدَنِ المجتمعِ: مُكْتَنَزٌ، لانضمامِ بعضه إلى بعض.\nوإذا كان ذلك معنى الكَنْزِ عندَهم، وكان قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾. معناه: والذين يَجْمَعون الذهب والفضة بعضها إلى بعض ولا يُنفِقُونها في سبيل الله. وهو عامُّ في التلاوة، و(^٣) لم يَكُنْ في الآية بَيان كم ذلك القدرُ من الذهب والفضة الذي إذا جُمِع بعضُه إلى بعض اسْتَحَقَّ الوعيدَ - كان معلومًا أن خصوصَ ذلك إنما أُدْرِكَ لوَقْفِ الرسولِ عليه، وذلك كما بَيَّنَّا مِن أنه المالُ الذي لم يُؤدَّ حقٌّ الله منه من الزكاةِ دون غيره؛ لما قد أوضحنا من الدلالة على صحته.\nوقد كان بعضُ الصحابة يقولُ: هي عامةٌ في كلِّ كَثرٍ، غير أنها خاصةٌ في\n_________\n(^١) هو المتنخل الهذلي، والبيت في ديوان الهذليين ٢/ ١٥.\n(^٢) لا دردرى: يقول لا رزقت الدَّرَّ، كأنه قال ذلك لنفسه كالهازئ. وقرف كل شيء ما قُرِف يعنى قِشرَه، والذي يقلع عنه ويؤكل. والحَتِيُّ: المُقل، وهو الدَّوم. شرح ديوان الهذليين ٣/ ١٢٦٣.\n(^٣) سقط من النسخ، والصواب إثباتها.","vol":"11","page":433},{"text":"أهلِ الكتابِ، وإياهم عَنَى الله بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-3888>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني أبو حَصِينٍ عبد الله بن أحمد بن يونسَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: ثنا حُصَينٌ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، قال: مَرَرْتُ بالرَّبَذَةِ (^١) فَلَقِيتُ أبا ذَرٍّ، فقلتُ: يا أبا ذَرٍّ، ما أنزَلك هذه البلادَ؟ قال: كنتُ بالشامِ فقرأتُ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَة﴾ الآية. فقال معاويةُ: ليست هذه الآية فينا، إنما هذه الآية في أهل الكتابِ. قال: فقلتُ: إنها لفينا وفيهم. قال: فارتَفَع في ذلك بيني وبينَه القولُ، فكَتَب إلى عثمانَ يَشْكُونى، فكتب إليَّ عثمانُ أَنْ أَقِبِلْ إِلَيَّ. قال: فأقبلتُ، فلما قَدِمْتُ المدينةَ رَكِبنى الناسُ كأنهم لم يَرونى قبل يومئذٍ، فشَكُوتُ ذلك إلى عثمان، فقال لي: تَنَحَّ قريبًا. قلتُ: والله إنى (^٢) لن أَدَع ما كنتُ أقولُ (^٣).\nحدثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ وابنُ وَكِيعٍ، قالوا: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا حُصينٌ، عن زيد بن وَهْبٍ، قال: مَرَرْنا بالرَّبَذَةِ. ثم ذَكَر عن أبي ذرٍّ نحوه (^٤).\nحدثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أشْعَثَ وهشام، عن [ابن سيرين] (^٥)، قال: قال أبو ذَرٍّ: خَرَجْتُ إلى الشامِ، فقرأتُ هذه الآيةَ: ﴿وَالَّذِينَ\n_________\n(^١) الربذة: من قرى المدينة على ثلاثة أميال البلدان ٢/ ٧٤٩.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن سعد ٢/ ٢٢٦، والبخارى (١٤٠٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٨٩، والواحدي في أسباب النزول ص ١٨٣ من طريق هشيم. به. وأخرجه البخارى (٤٦٦٠)، والنسائي في الكبرى (١١٢١٨)، ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد ١٧/ ١٥١، من طريق حصين. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٣ إلى أبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢١٢، ١١/ ١١٠ عن ابن إدريس به.\n(^٥) في م: \"أبى بشر\".","vol":"11","page":434},{"text":"يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فقال معاوية: إنما هي في أهل الكتاب. قال: فقلتُ: إنها لفينا وفيهم (^١).\nحدثني يعقوب بن إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا حُصَيْنٌ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، قال: مَرَرْتُ بالرَّبَذَةِ فإذا أنا بأبى ذَرٍّ، قال: قلتُ له: ما أنزَلك منزلك هذا؟ قال: كنتُ بالشامِ فاخْتَلَفتُ أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: فقال: نَزَلَت في أهلِ الكتاب، فقلتُ: نَزَلَت فينا وفيهم. ثم ذكر نحو حديثِ هُشَيمٍ، عن حصينٍ.\nفإن قال قائلٌ: فكيف قيل: ﴿وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فأُخرِجَت الهاءُ والألفُ مُخرجَ الكناية عن أحد النوعين؟\nقيل: يحتمل ذلك وجهين:\nأحدهما: أن يكونَ الذهبُ والفضةُ مُرادًا بها الكنوزُ، كأنه قيل: والذين يَكْنِزون الكُنُوزَ ولا يُنفِقونها في سبيلِ الله. لأن الذهبَ والفضةَ هي الكنوزُ في هذا الموضع.\nوالآخَرُ: أن يكونَ اسْتُغْنى بالخبرِ عن إحداهما في عائدِ ذِكْرِهما، من الخبر عن الأُخرى؛ لدلالة الكلامِ على أن الخبرَ عن الأخرى مثلُ الخبرِ عنها، وذلك كثيرٌ موجودٌ في كلام العرب وأشعارِها، ومنه قولُ الشاعر (^٢):\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار. (٤٩٢ - مسند ابن عباس)، وأخرجه ابن سعد ٤/ ٢٢٦ من طريق هشام به، وأخرجه الخلال في السنة (٥٠) من طريق ابن سيرين به.\n(^٢) هو عمرو بن امرئ القيس، كما في جمهرة أشعار العرب ٢/ ٦٧٥، والخزانة ٤/ ٢٧٥. ونسبه سيبويه في الكتاب ١/ ٧٥ إلى قيس بن الخطيم، والبيت في ديوانه ص ١٧٣؛ ضمن الأشعار المنسوبة إليه.","vol":"11","page":435},{"text":"نحنُ بما عندَنا وأنتَ بما … عندَك راضٍ والرأىُ مُخْتَلِفُ\nفقال: راضٍ. ولم يقلْ: راضون. وقال الآخَرُ (^١):\nإِنَّ شَرْخَ (^٢) الشبابِ والشَّعَرَ الأَسْـ … ـودَ ما لم يُعَاصَ كانَ جُنُونَا\nفقال: يُعاصَ. ولم يقلْ: يُعاصِيا. في [أشباهِ ذلك] (^٣) كثيرةٍ. ومنه قول اللهِ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]. ولم يقلْ: إليهما.\n\n<span id=\"aya-1270\"></span><span data-type='title' id=toc-3889>القول في تأويل قوله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فبَشِّرْ هؤلاء الذين يكنزون الذهب والفضة، ولا يُخْرِجون حقوقَ الله منها، يا محمد، بعذابٍ أليمٍ - يومَ يُحْمَى عليها في نَارِ جَهَنَّمَ فاليومُ مِن صلةِ العذاب الأليم، كأنه قيل: يُبشِّرُهم بعذاب أليم يُعَذِّبُهم الله به في يومٍ يُحْمَى عليها.\nويعنى بقوله: ﴿يُحْمَى عَلَيْهَا﴾: تَدْخُلُ النارَ فيُوقَدُ عليها، أي: على الذهبِ والفضةِ التي كنزوها، ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكَوَى بِهَا جَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وظهورُهُمْ﴾. وكلُّ شيءٍ أُدْخِلَ النار، فقد أُحْمِيَ إحْماءً، يقال منه: أَحْمَيتُ الحديدةَ في النارِ أُحْمِيها إحْماءً.\nوقوله: ﴿فَتَكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾ يعني: بالذهب والفضةِ المكنوزة،\n_________\n(^١) هو حسان بن ثابت، والبيت في ديوانه ٢٨٢.\n(^٢) شرح الشباب: أوله، وقوته ونضارته. اللسان (ش ر خ).\n(^٣) في م: \"أشياء\".","vol":"11","page":436},{"text":"يُحْمَى عليها في نار جهنمَ، يَكْوِى اللهُ بها. يقولُ: يَحْرِقُ اللَّهُ جِباهَ كانزِيها وجُنوبَهم وظهورَهم، ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ﴾. ومعناه: ويقال لهم: هذا ما كَنَزْتُم في الدنيا أيُّها الكافرون الذين مَنَعوا كنوزَهم من فرائضِ اللَّهِ الواجبة فيها لأنفسِكم، ﴿فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُون﴾. يقولُ: فيقال لهم: فاطْعَمُوا عذاب الله بما كنتم تَمْنَعون مِن أموالكم حقوقَ اللَّهِ وتَكْنِزونها مُكاثرةً ومُباهاةً.\nوحُذِف مِن قوله: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ﴾: ويقال لهم. لدلالة الكلام عليه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3890>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبرنا أيوبُ، عن حميد بن هلالٍ، قال: كان أبو ذَرٍّ يقولُ: بَشِّرِ الكَنَّازِين بِكَيٍّ في الجباهِ، وكَيٍّ في الجُنوبِ، وكَيٍّ في الظهورِ، حتى يَلْتَقِيَ الحَرُّ في أجوافهم.\nقال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن الجُرَيْرِيِّ، عن أبي العلاءِ بن الشِّخِّيرِ، عن الأحْنفِ بن قَيْسٍ، قال: قَدِمْتُ المدينة، فبينا أنا في حَلْقَةٍ فيها ملأٌ من قريشٍ، إذ جاء رجلٌ [أَخْشَنُ الثيابِ، أَخْشَنُ الجسدِ، أَخْشَنُ] (^١) الوَجْهِ، فقامَ عليهم، فقال: بَشَّرِ الكَنَّازِين برَضْفٍ (^٢) يُحْمَى عليه في نار جهنم، فيُوضَعُ على حَلَمَةِ ثَدْي أحدِهم حتى يَخْرُجَ مِن نُغْضِ (^٣) كَتِفِه، ويُوضَعُ على نُغْضِ كَتِفِه حَتى يَخْرُجَ مِن حَلَمَةِ ثَدْيَيْهِ، يَتَزَلْزَلُ. قال: فوَضَع القومُ رءوسهم، فما رأيتُ أحدًا منهم رجع إليه شيئًا. قال:\n_________\n(^١) في م: \"خشن\"، وفى ف: \"حسن\".\n(^٢) الرضف: الحجارة المحماة على النار، واحدتها رضفة. النهاية ٢/ ٢٣١.\n(^٣) النغض: أعلى الكتف، وقيل: هو العظم الرقيق الذي على طرفه. النهاية ٥/ ٨٧.","vol":"11","page":437},{"text":"وأدْبَر، فاتَّبَعْتُه حتى جَلَس إلى ساريةٍ، فقلتُ: ما رأيتُ هؤلاء إلا كَرهوا ما قُلْتَ. فقال: إن هؤلاء لا يَعْقِلون شيئًا (^١).\nحدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ، قال: ثني عمرُو بنُ قيس، عن عمرِو بن مُرَّةَ الجَمَليِّ، عن أبي نَصْرٍ، عن الأحْنَفِ بن قيسٍ، قال: رأيتُ في مسجد المدينة رجلًا غليظ الثيابِ، رَثَّ الهيئةِ، يَطُوفُ في الحِلَقِ وهو يقولُ: بَشِّرْ أصحابَ الكنوز بِكَيٍّ في جُنُوبِهم، وكَيٍّ في جِباههم، وكَيٍّ في ظهورِهم. ثم انطلق وهو يَتَذمَّرُ يقولُ: ما عسى تَصْنعُ بي قريش!\nحدثنا محمد بن عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، قال: قال أبو ذَرٍّ: بَشِّرْ أصحاب الكنوز بكيٍّ في الجباهِ، وكَيٍّ في الجُنُوبِ، وكَيٍّ في الظهور (^٢).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن قابوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾. قال: حَيَّةٌ تَنْطَوى على جَبِينِه (^٣) وجَبْهِتِه، تقولُ: أنا مالك الذي بَخِلْتَ به (^٤).\nحدثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجَعْدِ، عن مَعْدانَ بن أبي طَلْحَةَ، عن ثَوْبَانَ، أن نبي الله ﷺ كان يقولُ: \"مَن تَرَك بعدَه كَنْزًا، مَثَلَ له يومَ القيامةِ شُجاعًا أَقْرَعَ له زبيبتان، يَتْبَعُه، يقولُ: وَيْلَكَ ما\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ١٦٠ (الميمنية)، ومسلم (٩٩٢/ ٣٤، ٣٥)، وابن حبان (٣٢٥٩) من طريق إسماعيل بن عليه به. وأخرجه البخارى (١٤٠٧) من طريق الجريري به بنحوه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢٧٣ في تفسيره عن معمر به، وهو في مصنفه (٦٨٦٥).\n(^٣) في ت ٢: \"جنبيه\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٩٠ من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٣ إلى أبي الشيخ.","vol":"11","page":438},{"text":"أنت؟ فيقولُ: أنا كَنْزُك الذي تَرَكْتَه بعدَك. فلا يَزالُ يَتْبَعُه حتى يُلْقِمَه يَدَه فيَقْضِمَها، ثم يَتْبَعَه سائرَ جسده\" (^١).\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن ابن (^٢) طاوسٍ، عن أبيه، قال: بَلَغَنى أن الكنوزَ تَتَحوَّلُ يومَ القيامةِ شُجاعًا يَتْبَعُ صاحبه وهو يَفِرُّ منه، ويقولُ: أنا كَنْزُك. لا يُدْرِكُ منه شيئًا إلا أخَذه (^٣).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن مَسْروقٍ، عن عبد الله، قال: والذي لا إله غيرُه، لا يُكْوَى عبدٌ بِكَنْزٍ فيمَسُّ دينارٌ دينارًا، ولا درهمٌ درهما، ولكن يُوسَّعُ جلده، فيُوضَعُ كلُّ دينارٍ ودرهم على حِدَتِه (^٤).\nقال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن الأعمش، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: ما مِن رجلٍ يُكْوَى بكنزٍ، فيُوضَعُ دينارٌ على دينار، ولا درهمٌ على درهمٍ، ولكن يوسَّعُ جلْدُه (^٥).\n\n<span id=\"aya-1271\"></span><span data-type='title' id=toc-3891>القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٨٨٢ - كشف)، وابن خزيمة (٢٢٥٥) من طريق بشر به، وأخرجه ابن حبان (٣٢٥٧)، والطبراني (١٤٠٨)، والحاكم ١/ ٣٨٨، وأبو نعيم في الحلية ١/ ١٨١ من طرق عن يزيد به.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٧٤.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢١٢، والطبراني (٨٧٥٤) من طريق الأعمش به. وعزاه السيوطي في الدر المنشور ٣/ ٢٣٣ إلى أبي الشيخ.\n(^٥) تفسير الثورى ص ١٢٥ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩٠.","vol":"11","page":439},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ عِدَّةَ [شهورِ السنة عند الله] (^١) اثنا عشر شهرًا في كتاب الله الذي كَتَب فيه كلَّ ما هو كائنٌ في قضائه الذي قَضَى يوم خلق السماواتِ والأرضَ، ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾. يقولُ: هذه الشهور الاثنا عَشَرَ، منها أربعةُ أشهر حرمٍ كانت الجاهلية تُعَظِّمُهن وتُحرِّمُهن، وتُحرِّمُ القتال فيهن، حتى لو لَقِى الرجلُ منهم فيهن قاتل أبيه لم يَهِجْه، وهُنَّ رجبُ مُضَرَ، وثلاثةٌ مُتوالياتٌ؛ ذو القَعْدةِ، وذو الحجَّةِ، والمحرمُ. وبذلك تَظاهَرَت الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ.\nحدثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبَابِ، قال: ثنا موسى بن عُبيدةَ الرَّبَذِيُّ، قال: ثنى صدقةُ بنُ يَسارٍ، عن ابن عمر، قال: خَطب رسول الله ﷺ في حجَّةِ الوداع بمنًى في أوسط أيام التشريق، فقال: \"يا أيُّها الناسُ، إن الزمان قد استَدَارَ كهيئته يومَ خَلَقَ اللَّهُ السماواتِ والأرضَ، وإن عِدَّةَ الشهورِ عندَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شهرًا، منها أربعةٌ حُرُمٌ، أَوَّلُهن رجبُ مُضَرَ بينَ جمادى وشعبان، وذو القعدةِ، وذو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ\" (^٢).\nحدثنا محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا أَشْعَثُ، عن محمد بن سيرينَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الزمان قد اسْتَدارَ كهيئته يومَ خَلَق الله السماوات والأرضَ، وإن عِدَّةَ الشهورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهرًا في كتابِ الله يومَ خَلَق السماوات والأرضَ، منها أربعةٌ حرمٌ، ثلاثة متوالياتٌ، ورجبُ مُضَرَ بينَ جمادى وشعبانَ\" (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"الشهور\".\n(^٢) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٢/ ٧٤، ٧٥ عن المصنف، وأخرجه عبد بن حميد (٨٥٦)، والبزار (١١٤١ - كشف)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩١ من طريق موسى بن عبيدة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٤ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه البزار (١١٤٢ - كشف)، عن محمد بن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٤ إلى ابن مردويه.","vol":"11","page":440},{"text":"حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: ثنا أيوب، عن محمدِ بن سيرينَ، عن أبي بَكْرةَ، أن النبي ﷺ خَطَبَ في حَجة الوداعِ، فقال: \"ألَا إن الزمانَ قد استَدارَ كهيئته يومَ خَلَقَ الله السماواتِ والأَرضَ، السنة اثنا عَشَرَ شَهرًا، منها أربعةٌ حُرُمٌ، ثلاثةٌ مُتَوالياتٌ؛ ذو القعدة، وذو الحِجَّةِ، والمحرم، ورجب مُضَرَ الذي بينَ جُمادى وشعبانَ\" (^١).\nحدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سليمانُ التَّيْمِيُّ، قال: ثني رجلٌ بالبحرين، أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في حَجَّةِ الوداع: \"ألا إن الزمان قد اسْتَدارَ كهيئته يومَ خَلق الله السماوات والأرضَ، وإن عِدَّةَ الشهور عندَ اللهِ اثْنا عشَر شهرًا، ثلاثةٌ متوالياتٌ؛ ذو القعدة، وذو الحِجَّةِ، والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان\".\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن ابن أبي نَجيحٍ قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾: إن النبي ﷺ قال: \"ثلاثة متوالياتٌ؛ ذو القَعدة، وذو الحِجَّة، والمحرم، ورجبٌ الذي بين جمادى وشعبانَ\" (^٢).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذُكِر لنا أن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٣٧ (الميمنية)، وأبو داود (١٩٤٧)، والنسائي (٤١٤١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩١ من طريق إسماعيل بن إبراهيم به. وأخرجه البخارى (١٠٥، ٣١٩٧، ٤٤٠٦، ٤٦٦٢، ٥٥٥٠، ٧٤٤٧)، ومسلم (١٦٧٩)، وأبو داود (١٩٤٨)، والبيهقى في الشعب (٣٨٠٥) من طريق أيوب به. وأخرجه أحمد ٥/ ٤٠ من طريق ابن سيرين به، وأخرجه أحمد ٥/ ٣٧ (الميمنية)، والدارمي (١٩٢٢)، والبخارى (٦٧)، ومسلم (١٩٧٩)، والترمذى (١٥٢٠)، والنسائى (٤٤٠١) من طرق عن أبي بكرة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٦٠٤ من قول ابن إسحاق.","vol":"11","page":441},{"text":"نبيَّ الله ﷺ قال في خطبته يومَ منًى: \"ألَا إن الزمان قد اسْتَدارَ كهيئته يومَ خَلَقَ اللَّهُ السماوات والأرضَ، وإن عِدَّةَ الشهور عندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهرًا، منها أربعة حرمٌ، ثلاثةٌ متوالياتٌ؛ ذو القَعْدةِ، وذو الحِجَّةِ، والمحرم، ورجب مُضَرَ الذي بينَ جُمادى وشعبان\".\nوهو قول عامة أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3892>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾: أمَّا ﴿أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾؛ فذو القعدة، وذو الحجة، والمُحرَّمُ، ورجب، وأمَّا ﴿كِتَابِ اللَّهِ﴾، فالذى عندَه (^١).\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد في قول الله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾. قال: يُعْرَفُ بها شأنُ النَّسِيءِ، ما نَقَص مِن السنةِ (^٢).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. قال: يُذْكَرُ بها شأنُ النَّسِيءِ.\nوأما قوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. فإن معناه: هذا الذي أخبرتكم به، مِن أن عِدَّةَ الشهور عندَ اللهِ اثنا عشرَ شهرًا في كتاب الله، وأن منها أربعةً حُرُمًا - هو\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩١ من طريق أحمد به مقتصرا على آخره.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٦٨ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٦ إلى أبى الشيخ.","vol":"11","page":442},{"text":"الدين المستقيم.\nكما حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّي: ﴿ذَلِكَ الدَّينُ الْقَيِّم﴾. يقولُ: المستقيمُ (^١).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. قال: الأمرُ القَيِّمُ.\nيقول (^٢) تعالى: واعلموا أيها الناسُ أن عِدَّةَ الشهورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شهرًا في كتابه (^٣) الذي كتب فيه كلَّ ما هو كائنٌ، وأن من هذه الاثْنى العشر الشهرَ، أربعةَ أشهرٍ حُرُما، ذلك دين الله المستقيمُ، لا ما يَفْعَلُه النَّسِيءُ (^٤) مِن تَحليلِه ما يُحَلَّلُ مِن شهور السنة، وتحريمه ما يُحَرِّمُه منها.\nوأما قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. فإن معناه: فلا تَعْصُوا اللَّهَ فيها، ولا تُحِلُّوا فيهنَّ ما حَرَّمَ اللَّهُ عليكم، فتكسبوا أنفسكم ما لا قبل لها به مِن سَخَطِ اللَّهِ وعقابه.\nكما حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: الظُّلْمُ العمل بمعاصى اللهِ والتَّرْكُ لطاعته (^٥).\nثم اختَلَف أهل التأويل في الذي عادت عليه الهاء والنونُ في قوله: ﴿فِيهِنَّ﴾؛\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩٢ من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٢) بعده في م: \"قال\".\n(^٣) في م: \"كتاب الله\".\n(^٤) في ت ١، س، ف: \"الذي\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩٢ من طريق أصبغ عن ابن زيد.","vol":"11","page":443},{"text":"فقال بعضُهم: عادَ ذلك على \"الاثْنى العشَرَ الشهرَ\". وقال: معناه: فلا تَظْلِموا في الشهور كلها أنفسكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3893>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾: في كُلِّهن، ثم اختصَّ مِن ذلك أربعة أشهرٍ فَجَعَلَهن حُرُمًا، وعَظَّمَ حُرُماتِهن، وجَعَل الذنب فيهنّ أعظم، والعمل الصالح والأجرَ أعظم (^١).\nحدثنا ابن وكِيعٍ، قال: ثنا سويد بن عمرٍو، عن حَمَّادِ بن سَلَمَةَ، عن عليِّ بن زيد، عن يوسف بن مِهْرَانَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: في الشهور كلِّها (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: فلا تَظْلِموا في الأربعةِ الأشهرِ الحُرُّمِ أنفسَكم. والهاء والنون عائدةٌ على \"الأشهر الأربعةِ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-3894>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بِشْرُ بنُ مُعاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، قتادة: أما قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾. فإن الظلم في الأشهرِ الحُرُمِ أعظمُ خطيئةً ووِزْرًا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩١، والبيهقي في الشعب (٣٨٠٦) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩٢ من طريق حماد بن سلمة به.","vol":"11","page":444},{"text":"من الظلمِ فيما سواها، وإن كان الظلم على كلِّ حالٍ عظيمًا، ولكنَّ الله يُعظِّمُ مِن أمرِه ما شاء. وقال: إن الله اصْطَفى صَفَايا من خلقِه؛ اصْطَفى مِن الملائكةِ رُسُلًا، ومن الناسِ رُسُلًا، واصْطَفى من الكلام ذِكْرَه، واصْطَفى من الأرض المساجد، واصْطَفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصْطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالى ليلةَ القَدْرِ، فَعَظِّموا ما عَظْمَ اللَّهُ، فإنما تُعَظَّمُ الأمورُ بما عَظَّمَها الله عند أهلِ الفهم وأهل العقل (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: فلا تَظْلِموا في تَصْييرِكم حرام الأشهر الأربعةِ حلالًا، وخلالها حراما - أنفسكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3895>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾. إلى قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. أي: لا تَجْعَلوا حَرامَها حلالًا، ولا حلالَها حرامًا، كما فَعَل أهلُ الشِّرْكِ، فإنما النَّسِيءُ الذي كانوا يَصْنَعون من (^٢) ذلك ﴿زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية (^٣).\nحدثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن الحسن: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾. قال: ظلمُ أنفسكم ألا\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٩٠ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٦ إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر وأبى الشيخ، وهو عند ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٩٣ من طريق يزيد به إلى قوله: ما شاء.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٤٨.","vol":"11","page":445},{"text":"تُحَرِّموهن كحُرمتهن (^١).\nحدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيزِ، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمدِ بن عليٍّ: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: ظُلْمُ أنفسِكم أن لا تُحَرِّمُوهُنَّ كَحُرْمَتِهِنَّ. (^١)\nحدثنا أحمد بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمدٍ بنحوه.\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلى الأقوال في ذلك عندى بالصواب قولُ مَن قال: فلا تَظْلِموا في الأشهر الأربعة أنفسَكم، باسْتحلال حَرامِها، فإن الله عَظَّمَها وعَظَّمَ حُرمتها.\nوإنما قُلنا: ذلك أولى بالصوابِ في تأويله؛ لقوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾. فأخرج الكناية عنهن (^٢) مُخْرَجَ الكناية عن جمعِ (^٣) ما بين الثلاثة إلى العشرة. وذلك أن العربَ تقولُ فيما بين الثلاثةِ إلى العشرة إذا كَنَتْ عنه: فَعَلنا ذلك لثلاث ليالٍ خَلَون، ولأربعةِ أيام بَقِين. وإذا أخْبَرَت عما فوقَ العشرة إلى العشرين قالت: فَعَلْنا ذلك لثلاثَ عشْرَةَ خَلَت، ولأربعَ عَشْرَةَ مَضَت. فكان في قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾. وإخراجه كناية عددِ الشهور التي نَهَى المؤمنين عن ظُلْمِ أنفسهم فيهن مُخْرَجَ عددِ الجمع القليلِ من الثلاثة إلى العشرة - الدليل الواضح على أن الهاءَ والنونَ من ذكره \"الأشهر الأربعةِ\" دونَ \"الاثنى العشَرَ\"؛ لأن ذلك لو كان كناية عن \"الاثْنى العشَرَ الشهرَ\" لكان: فلا تَظْلِموا فيها أنفسكم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٩٢ من طريق سفيان به.\n(^٢) في م: \"عنه\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"جميع\".","vol":"11","page":446},{"text":"فإن قال قائل: فما أنْكَرْتَ أن يكونَ ذلك كناية عن \"الاثنى العشر الشهر\"، وإن كان الذي ذَكَرْتَ هو المعروف في كلام العربِ؟ فقد علمت أن المعروف مِن كلامها إخراج كناية ما بين الثلاثِ إلى العشرِ بالهاء دون النونِ، وقد قال الشاعر (^١):\nأَصْبَحْنَ فِي قُرْحٍ (^٢) وفِي دَارَاتِها (^٣)\nسَبْعَ ليالٍ غَيْرَ مَعْلُوفاتِها\nولم يَقُلْ: مَعْلوفاتهن. وذلك كنايةٌ عن السَّبْع؟\nقيل: إن ذلك وإن كان جائزًا، فليس بالأفصح الأعرف في كلامها، وتوجيهُ كلام الله إلى الأفصح الأغرفِ أَوْلى مِن تَوجيهه إلى الأنكرِ.\nفإن قال (^٤): فإن كان الأمرُ على ما وَصَفتَ، فقد يجب أن يكونَ مُباحًا لنا ظُلْمُ أنفسنا في غيرِهنَّ مِن سائر شهور السنة.\nقيل: ليس ذلك كذلك، بل ذلك حرام علينا في كلِّ وقتٍ وزمانٍ، ولكن الله عَظَّمَ حُرمة هؤلاء الأشهرِ وشَرَّفَهن على سائر شهور السنة، فَخَصَّ الذنب فيهن بالتعظيمِ، كما خَصَّهنَّ بالتشريف، وذلك نظير قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. ولا شكَّ أن الله قد أَمَرَنا بالمحافظة على الصلوات المفروضات كلِّها بقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾. ولم يُبحْ تَرْكَ\n_________\n(^١) معاني القرآن للفراء ١/ ٤٣٥ ونسبه إلى أبى القمقام الفقعسى، وحماسة أبي تمام ٢/ ٤١٦ من أبيات نسب بعضها إلى عمرو بن لجأ.\n(^٢) القرح: سوق وادى القرى. معجم البلدان ٤/ ٥٣.\n(^٣) داراتها: جمع دارة، وهى: كل أرض واسعة بين جبال. اللسان (د ور).\n(^٤) بعده في م: \"قائل\".","vol":"11","page":447},{"text":"المحافظةِ عليهنَّ بأمرِه بالمحافظةِ على الصلاة الوسطى، ولكنه تعالى ذكره زادها تَعْظِيمًا، وعلى المحافظة عليها توكيدًا، وفى تضييعها تشديدا. فكذلك ذلك في قوله: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدَّينُ الْقَيَّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾.\nوأما قوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾. فإنه يقول جل ثناؤه: وقاتِلوا المشركين باللَّهِ أَيُّها المؤمنون جميعًا غير مختلفين، مؤتلفين غير متفرقين (^١)، كما يُقاتِلُكم المشركون جميعًا مُجْتَمِعين غيرَ مُتَفَرِّقين.\nكما حدَّثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدِّيِّ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾: أما ﴿كَافَّةً﴾ فجميعٌ وأمرُكم مُجْتَمِعُ (^٢).\nحدثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾. يقولُ: جميعا (^٣).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾. أي: جميعًا.\nوالكافة في كلِّ حالٍ على صورة واحدة لا تُذكَّرُ ولا تُجمَعُ؛ لأنها وإن كانت بلفظ \"فاعلةٍ\"، فإنها في معنى المصدر، كالعافية والعاقبةِ، ولا تُدْخِلُ العرب فيها الألف واللامَ؛ لكونها آخر الكلام، مع الذي فيها من معنى المصدرِ، كما لم يُدخِلوها إذا قالوا: قاموا معًا، وقاموا جميعًا.\n_________\n(^١) في ص، ت ١ ف: \"متفقين\"، وفى م: \"مفترقين\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩٣ من طريق أحمد بن المفضل به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩٣ من طريق أبي صالح به.","vol":"11","page":448},{"text":"وأما قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. فإن معناه: واعْلَموا أيُّها المؤمنون بالله أنكم إن قاتلتم المشركين كافَّةً، واتَّقَيْتُم الله، فأَطَعْتُموه فيما أمركم ونَهاكم، ولم تُخالفوا أمره فتَعْصُوه، كان الله معكم على عدوِّكم وعدوِّه من المشركين، ومَن كان الله معه لم يَغْلِبُه شيءٌ؛ لأن الله مع مَن اتَّقاه، فَخافَه وأطاعَه فيما كَلَّفَه مِن أمره ونهيه.\n\n<span id=\"aya-1272\"></span><span data-type='title' id=toc-3896>القول في تأويلِ قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ما النَّسِيءُ إلا زيادةٌ في الكفر.\nوالنَّسِيءُ مصدرٌ مِن قول القائل: نَسَأْتُ في أيامك (^١). و: نَسَأَ اللهُ في أجلك. أي: زادَ الله في أيام عُمُرِك ومُدَّةِ حياتك حتى تبقى فيها حيًّا. وكلُّ زيادةٍ حَدَثَت في شيءٍ، فالشيءُ الحادثُ فيه تلك الزيادة بسبب ما حَدَثَ فيه، نَسِيءٌ، ولذلك قيل للَّبَنِ إذا كُثِّر بالماءِ: نَسِيءٌ. وقيل للمرأةِ الحُبلَى: نَسُوءٌ. ونُسِئَت المرأةُ؛ لزيادة الولد فيها. وقيل: نَسَأْتُ الناقةَ وأَنْسَأَتُها. إذا زَجَرتَها ليزدادَ سَيْرُها.\nوقد يَحتَمِلُ أن يكونَ (^٢) النسيءُ \"فَعِيل\"، صرف إليه من \"مفعولٍ\"، كما قيل: لَعِينٌ وقتيلٌ. بمعنى: مَلْعونٌ ومقتولٌ، ويكون معناه: إنما الشهرُ المُؤَخَّرُ زيادةٌ في الكفر. وكأنَّ القول الأول أشبه بمعنى الكلام، وهو أن يكون معناه: إنما التأخير الذي يُؤخِّرُه أهلُ الشِّرْكِ بالله من شهور الحرُم الأربعة، وتصْييرُهم الحرام منهنَّ حلالًا،\n_________\n(^١) تقول إذا أخرت الرجل بدينه: أنسأته. فإذا زدت في الأجل زيادة يقع عليها تأخير قلت: قد نسأت في أيامك وفى أجلك. معاني القرآن للفراء ١/ ٤٣٧.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"11","page":449},{"text":"والحلال منهنَّ حرامًا - زيادةٌ في كفرهم وجُحُودِهم أحكام الله وآياته.\nوقد كان بعضُ القرأة يقرأُ ذلك: (إنما النسيُّ). بتَرْكِ الهمز، وتركِ مَدِّه (^١)، ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.\nواخْتَلَفَت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقَرَأته عامة قرأةِ (^٢) الكُوفيين: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. بمعنى: يُضِلُّ اللهُ بالنسئِ الذي ابتدعوه وأحدثوه الذين كفروا.\nوقرأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرة وبعضُ الكوفيين: (يَضِلُّ به الذين كفروا). بمعنى: يزولُ عن مَحَجَّةِ اللهِ التي جَعَلها لعباده طريقًا يَسْلُكونه إلى مَرْضاتِه الذين كَفَروا (^٣).\nوقد حكى عن الحسن البصرى: (يُضِلُّ به الذين كفروا). بمعنى: يُضِلُّ بالنَّسِيءِ الذي سَنَّه الذين كَفَروا الناسَ (^٤).\nقال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يُقال: هما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ [من القراءة] (^٥) أهل علمٍ (^٦) بالقرآن [ومعرفةٍ] (^٧) به، وهما متقاربتا المعنى؛ لأن مَن أضَلَّه الله فهو ضالٌّ، ومن ضلَّ فبإضلال الله إياه وخِذْلانِه له ضَلَّ، فبأيَّتِهما قرأ القارئ فهو للصواب في ذلك مُصِيبٌ.\n_________\n(^١) قراءة ورش وأبى جعفر بإبدال الهمزة ياءً وإدغام الياء قبلها فيها فيصير اللفظ بياء مشددة. النشر ١/ ٣١٤، وإتحاف فضلاء البشر ١٤٥.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) قرأ عاصم - في رواية حفص - وحمزة والكسائى وخلف بضم الياء وفتح الضاد. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر بفتح الياء وكسر الضاد. السبعة لابن مجاهد ص ٣١٤.\n(^٤) وقرأ بها يعقوب الحضرمي، ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٤٣٧، وإتحاف فضلاء البشر ص ١٤٥، والنشر ٢/ ٢١٠.\n(^٥) في م: \"القراء\".\n(^٦) في م: \"العلم\".\n(^٧) في م: \"والمعرفة\".","vol":"11","page":450},{"text":"وأمَّا الصوابُ مِن القراءة في ﴿النَّسِيءُ﴾ فالهمز (^١)، وقراءته على تقدير فعيلٍ؛ لأنها القراءة المستفيضة في قرأةِ الأمصار التي لا يجوز خلافُها فيما أَجْمَعَت (^٢) عليه.\nوأما قوله: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا﴾. فإن معناه: يُحِلُّ الذين كَفَروا النسئ، و\"الهاء\" في قوله: ﴿يُحِلُّونَهُ﴾. عائدةٌ عليه.\nومعنى الكلام: يُحِلُّون الذي (^٣) أخَّروا تحريمه من الأشهر الأربعة الحرم عامًا، ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾. يقول: ليُوافقوا بتحليلهم ما حَلَّلوا من الشهور وتحريمهم ما حَرَّموا منها عِدَّةَ ما حَرَّم الله، فيحلوا ما حرم الله، ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾. يقولُ: حُسِّنَ لهم وحُبّب إليهم سَيِّئ أعمالهم وقبيحها، وما خُولف به أمر الله وطاعته، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: والله لا يُوفِّقُ لمحاسن الأفعال [وجميلها] (^٤)، وما لله فيه رضًى، القوم الجاحدين توحيده، والمنكرين نبوة محمدٍ ﷺ، [ولكنه] (^٥) يُخَذِّلُهم عن الهدى، كما خَذَّلَ هؤلاء الناس عن (^٦) الأشهر الحرم.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3897>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن\n_________\n(^١) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٢) في ت ٢: \"اجتمعت\".\n(^٣) في م، س، ف: \"الذين\".\n(^٤) في م: \"وحلها\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ولكنهم\".\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"11","page":451},{"text":"ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. قال: النَّسِيءُ (^١): أن جُنادة بن عوف بن أُمَيَّةَ الكِنانيَّ كان يُوافى الموسم (^٢) كل عامٍ، وكان يُكنى أبا تمامةَ (^٣)، فينادى: ألا إن أبا ثُمامةَ لا يحابُ (^٤) ولا يُعابُ، ألا وإن صَفَرَ العامِ الأولِ العام (^٥) حلالٌ. فَيُحِلُّه (^٦) الناسُ، فيُحَرَّمُ صفرٌ عامًا، ويُحَرَّمُ المحرم عامًا، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿الْكَافِرِينَ﴾. وقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. يقولُ: يَتركون المحرم عامًا، وعامًا يُحرِّمونه (^٧).\nقال أبو جعفر: وهذا التأويلُ من تأويل ابن عباسٍ يدلُّ على صحة قراءةِ مَن قرأ (النَّسيُّ) بتركِ الهمز وتركِ المدِّ. وتوجيهه معنى الكلام إلى أنه \"فَعْلٌ\" مِن قولِ القائل: نَسِيتُ الشيءَ أَنساه. ومن قولِ اللهِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. بمعنى: تَرَكوا الله فتَرَكَهم.\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. قال: فهو المحرم، كان يُحَرَّمُ عامًا وصفرٌ عامًا، وزِيدَ صفرٌ آخَرُ في الأشهر الحُرُم. وكانوا يُحَرِّمون صفرًا مرةً، ويُحِلُّونه مرةً، فعابَ الله ذلك. وكانت هَوازنُ وغَطَفانُ وبنو سُلَيْمٍ\n_________\n(^١) بعده في م: \"هو\".\n(^٢) بعده في م: \"في\".\n(^٣) بعده في ص، ت ١، س، ف: \"فيوافى الموسم كل عام\"، وبعده في ت ٢: \"فيوافي كل عام\".\n(^٤) في م، ف: \"يجاب\". ويحاب من الحوب وهو الإثم، والمعنى: لا يُنسب إلى الإثم. ينظر اللسان (ح وب).\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) في م: \"فيحل\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩٣، ١٧٩٤ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٦ إلى ابن مردويه بنحوه.","vol":"11","page":452},{"text":"تفعلُه (^١).\nحدثنا ابن وَكِيعِ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. قال: كان النسئُ رجلًا من بني كنانة، وكان ذا رأيٍ فيهم، وكان يجعَلُ سنةً المحرَّمَ صفرًا، فيُغيرون (^٢) فيه، فيَغْنَمون (^٣) فيه ويُصيبون، ويُحرِّمُه سنةً (^٤).\nقال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصورٍ، عن أبي وائل: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية، وكان رجلٌ مِن بني كنانةَ يُسَمَّى النسئ، فكان يجعَلُ المحرَّمَ صفرًا، ويَسْتَحِلّ فيه الغنائم، فنَزَلَت هذه الآية (^٥).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعتُ لَيْثًا، عن مجاهد، قال: كان رجلٌ مِن بني كنانة يأتى كل عام في الموسم على حمارٍ له، فيقولُ: أَيُّها الناسُ، إنى لا أعابُ ولا أحاب (^٦)، ولا مَرَدَّ لما أقولُ، إِنَّا قد حَرَّمنا المحرمَ وأَخَّرْنا صفرًا. ثم يَجِيءُ العام المقبل بعده فيقولُ مثل مقالته، ويقولُ: إنا قد حَرَّمْنا صفرًا وأَخَّرْنا المحرم. فهو قوله: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾. قال: يعنى الأربعةَ، ﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾، لتأخير هذا الشهر الحرام (^٧).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٧ إلى ابن مردويه بنحوه مختصرا.\n(^٢) في م: \"فيغزون\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فيعلمون\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩٤ من طريق جرير به.\n(^٥) تفسير سفيان ص ١٢٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩٤ بدون ذكر منصور، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٧ إلى ابن المنذر.\n(^٦) في م، ت ١، س، ف: \"أجاب\".\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٩٢ عن ليث به.","vol":"11","page":453},{"text":"حدِّثْتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا مُعاذٍ، قال: أخبرنا عُبَيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾: النسئ المحرم، وكان يُحرَّمُ المحرم عامًا ويُحرَّمُ صفرٌ عامًا، فالزيادةُ صفرٌ، وكانوا يُؤخِّرون الشهور حتى يَجْعَلُوا صفرًا المحرمَ، فيُحِلُّوا ما حَرَّم الله. وكانت هوازنُ وغَطَفانُ وبنو سُلَيمٍ يُعَظْمونه، وهم الذين كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية (^١).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿الْكَافِرِينَ﴾: عَمَد أناسٌ من أهل الضلالة فزادوا صفرًا في الأشهرِ الحُرُمِ، فكان يقومُ قائمُهم في الموسم فيقولُ: ألا إن آلهتكم قد حَرَّمَت العام المحرم. فيُحَرِّمونه ذلك العام، ثم يقومُ في العام المقبل فيقولُ: ألا إن آلهتكم قد حَرَّمَت صَفَرًا. فيُحَرِّمونه ذلك العام، وكان يقال لهما: الصَّفَران. قال: فكان أول من نسَأ النسئ بنو مالك بن كنانة، وكانوا ثلاثة؛ أبو ثمامةً صفوان بن أمية، أحدُ بني فُقَيْمِ (^٢) بن الحرث، ثم أحدُ بني كنانة (^٣).\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. قال: فَرَض الله الحج في ذى الحجة. قال: وكان المشركون يُسَمُّون الأشهر: ذو الحَجَّةِ، والمحرَّمُ وصفرٌ، وربيعٌ، وربيعٌ، وجمادَى، وجُمادى، ورجبٌ، وشعبانُ،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٩٢.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"نعيم\".\n(^٣) كذا في النسخ والدر المنثور؛ لم يذكر إلا واحدا، والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٧ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":454},{"text":"ورمضان، وشوّال، وذو القعدة، وذو الحِجَّةِ (^١)، يحجون فيه مرَّةً أخرى (^٢)، ثم يَسْكُتُون عن المحرَّم فلا يذكرونه، ثم يعودون فيُسَمُّون (^٣) صَفَرًا صَفَرًا، ثم يُسَمُّون رجبًا جُمادى الآخرة، ثم يُسمُّون شعبان رمضان، [ثم يُسَمُّون رمضان شوالًا] (^٤)، ثم يُسمون ذا القعدة شوالًا، ثم يُسَمُّون ذا الحجة ذا القَعْدةِ، ثم يُسمون المحرم ذا الحجة، فيَحُجُّون فيه، واسمه عندهم ذو الحِجَّةِ. ثم عادوا بمثل (^٥) هذه القصة، فكانوا يحُجُّون في كلِّ شهرٍ عامين، حتى وافَقَ حَجَّةُ أبي بكرٍ، ﵁، الآخِرَ مِن العامين في ذى القَعْدَةِ، ثم حَجَّ النبي ﷺ حَجَّته التي حَجَّ، فوافق ذا الحجَّةِ، فذلك حين يقولُ النبي ﷺ في خطبته: \"إن الزمان قد اسْتَدارَ كهيئته يومَ خَلَقَ الله السماواتِ والأرضَ\" (^٦).\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. قال: حَجُّوا في ذى الحِجَّةِ عامين، ثم حَجُّوا في المحرم عامين، ثم حَجُّوا في صفرٍ عامين، فكانوا يَحُجُّون في كلِّ سنة في كلِّ شهر عامين، حتى وافَقَت حَجُّةُ أبى بكرٍ الآخرَ مِن العامين في ذى القَعْدَةِ قبلَ حَجَّةِ النبيِّ ﷺ بسنةٍ، ثم حَجَّ النبي ﷺ من قابل في ذى الحجة، فذلك حين يقول النبي ﷺ في خطبته: \"إن الزمان قد اسْتَدارَ كَهَيْئَتِه يومَ خَلَقَ اللهُ\n_________\n(^١) بعده في تفسير عبد الرزاق والدر المنثور: \"ثم\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يسمون\".\n(^٤) سقط من: ت ٢، وفى ص، ت ١، س، ف: \"ثم يسمون شوال رمضان\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"مثل\".\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٧٥، ٢٧٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩٥ من طريق ابن أبي نجيح به نحوه، بدون ذكر المرفوع، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٧ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ، وينظر تعليق ابن كثير على هذا الأثر في تفسيره ٤/ ٩٣.","vol":"11","page":455},{"text":"السماوات والأرض\".\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عِمْرانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن حُصينٍ، عن أبي مالك: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. قال: كانوا يَجْعَلون السنة ثلاثةَ عشَرَ شهرًا، فيجعلون المحرم صفرًا، فيَسْتَحِلُّون فيه الحُرُماتِ، فَأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زَيْدٍ في قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. قال: هذا رجلٌ مِن بنى كِنانة يقال له القَلَمَّسُ (^١). كان في الجاهلية، وكانوا في الجاهلية لا يُغيرُ بعضُهم على بعضٍ في الشهر الحرامِ، يَلْقَى الرجلُ قاتل أبيه فلا يمدُّ إليه يَدَه، فلما كان هو، قال: اخرجوا بنا. قالوا له: هذا المحرم. فقال: [نُنْسِئُه العام، هما العامَ صَفَران، فإذا كان [عام قابل] (^٢) قضينا فجَعَلناهما (^٣) مُحَرَّمَين. قال: ففَعَل ذلك، فلما كان] (^٤). [عام قابل] (^٥) قال: لا تَغْزُوا في صفرٍ، حَرِّموه مع المحرَّمِ، هما مُحَرَّمان، المحرَّمُ أَنسأناه عامًا أَوّلَ ونقضيه ذلك الإنساءَ. وقال منافرُهم (^٦):\n* ومِنَّا مُنْسِئ الشهر (^٧) القَلَمَّس (^٨) *\n_________\n(^١) قيل له ذلك لجوده؛ إذ القلمس من أسماء البحر. ينظر الروض الأنف ١/ ٢٤٧، والتاج (قلمس).\n(^٢) في ص، ت ٢، س، ف: \"عاما قابلا\"، وفى تفسير ابن كثير: \"العام القابل\".\n(^٣) في ص، ت ٢ س، ف: \"جعلناها\"، وفى تفسير ابن كثير: \"جعلناهما\".\n(^٤) سقط من: ت ١.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عاما قابلا\".\n(^٦) في م: \"شاعرهم\". والمنافرة: المفاخرة. التاج (ن ف ر).\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الشهور\".\n(^٨) البيت في تفسير القرطبي ٨/ ١٣٨ غير منسوب، وفيه \"ناسيء\". بدل \"منسئ\"، وينظر نسب قريش لمصعب الزبيرى ص ٩٨.","vol":"11","page":456},{"text":"وأنزل الله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى آخِرِ الآية (^١).\nوأما قوله: ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾، فإن معناه: زيادة كفر بالنَّسِيء إلى كفرهم بالله قبل (^٢) ابْتِداعِهم النسئ.\nكما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهد: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. يقول: ازدادوا به كفرًا إلى كفرهم (^٣).\nوأما قوله: ﴿لِيُوَاطِئُوا﴾، فإنه من قول القائل: وَاطأتُ فلانًا على كذا أُواطِئُه مواطأةٌ. إذا وافقته عليه، مُعِينًا له، غيرَ مُخالفٍ عليه.\nوروى عن ابن عباسٍ في ذلك ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾. يقولُ: يُشبهون (^٤).\nوذلك قريب المعنى مما بَيَّنَّا؛ وذلك أن ما شابه الشيء فقد وافقه من الوجه الذي شابهه.\nوإنما معنى الكلام: أنهم يُوافقون بعدة الشهور التي يُحَرِّمُونها عدةَ الأشهرِ الأربعةِ التي حَرَّمها الله، لا يَزِيدون عليها ولا يَنْقُصون منها، وإِن قَدَّموا وأَخَّروا. فذلك مواطأَةُ عِدَّتِهِم عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٩٢ إلى قوله: هما محرمان. وقال عقبه: هذه صفة غريبة في النسئ وفيها نظر؛ لأنهم في عام إنما يحرمون على هذا ثلاثة أشهر فقط وفى العام الذي يليه يحرمون خمسة أشهر، فأين من قوله تعالى: ﴿يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله﴾.\n(^٢) في م: \"وقيل\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩٤ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩٥ من طريق أبي صالح به.","vol":"11","page":457},{"text":"<span id=\"aya-1273\"></span><span data-type='title' id=toc-3898>القول في تأويل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾.</span>\nوهذه الآية حَثٌّ مِن الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسوله على غزو الروم، وذلك غزوة رسول الله ﷺ تبوك.\nيقول جل ثناؤه: يا أيها الذين صَدَّقوا الله ورسولَه، ﴿مَا لَكُمْ﴾: أيُّ شيءٍ أمْرُكم، ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقول: إذا قال لكم رسولى محمدٌ: ﴿انْفِرُوا﴾. أي: اخرُجُوا مِن منازلكم إلى مَغْزاكم.\nوأصلُ النَّفْر مُفارقة مكانٍ إلى مكان لأمر هاجه على ذلك، ومنه نُفُورُ الدابة، غير أنه يقالُ مِن النَّفْرِ إلى الغزو: نَفَر فلانٌ إلى تَغْرِ كَذَا يَنْفِرُ نَفْرًا وَنَفِيرًا. وأَحسَبُ أَن من الفروق التي يُفَرِّقون بها بين اختلافِ المخبَرِ عنه وإن اتَّفقت معاني الخبرِ.\nفمعنى الكلام: ما لكم أيها المؤمنون، إذا قيل لكم: اخرُجُوا غُزاةً في سبيل الله. أي في جهادِ أعداءِ اللهِ، ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾. يقولُ: تَثاقَلْتُم إلى لزوم أرضكم ومساكنكم والجلوس فيها.\nوقيل: ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ لاندغام (^١) \"التاءِ\" في \"الثاءِ\"، فأُحدثت لها ألفٌ ليُوصَلَ (^٢) إلى الكلام، بها، لأن \"التاء\" مندغمةٌ (^٣) في \"الثاء\"، ولو أُسْقِطَت \"الألفُ\" وابْتُدِئَ بها، لم تكن إلا متحركةً، فأُحْدِثَت \"الألفُ\" لتَقَعَ الحركة بها،\n_________\n(^١) في م: \"لأنه أدغم\".\n(^٢) في م: \"ليتوصل\".\n(^٣) في م: \"مدغمة\".","vol":"11","page":458},{"text":"كما قال جل ثناؤه: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٣٨]. وكما قال الشاعر (^١):\nتولى الضَّحِيعَ إِذا ما اسْتافَها خَصِرًا … عَذْبَ المَذاقِ إذا ما اتَّابَعَ القُبَلُ\nفهو بنى (^٢) الفعلَ افْتَعَلْتم مِن التَّثاقُلِ (^٣).\nوقوله: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: أَرَضِيتُم بحَظِّ (^٤) الدنيا والدَّعَةِ فيها، عوضًا مِن نعيم الآخرة وما عندَ اللهِ للمتقين في جَناتِه (^٥)، ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ﴾. يقولُ: فما الذي يستمتع به المستمتعون (^٦) في الدنيا من عَيْشِها ولذَّاتِها في نعيم الآخرة والكرامة التي أعدَّها (^٧) الله لأوليائه وأهل طاعته، ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾: يسير. يقولُ لهم: فاطلبوا أيُّها المؤمنون نعيم الآخرةِ [وشَرَفَ] (^٨) الكرامة التي عندَ اللهِ لأوليائه، بطاعته والمسارعة إلى الإجابة إلى أمره في النَّفِيرِ لجهادِ عدوِّه.\nوبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3899>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي\n_________\n(^١) تقدم في ٢/ ١١٩.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"بين\"، وهي غير منقوطة في: ص.\n(^٣) كذا هذه العبارة في النسخ، وينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٢٦٠.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بحفظ\".\n(^٥) في م: \"جنانه\".\n(^٦) في م: \"المتمتعون\".\n(^٧) في ص، ت ١، س، ف: \"أوعدها\"، وفي ت ٢: \"أودعها\".\n(^٨) في م: \"وترف\".","vol":"11","page":459},{"text":"نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾: أُمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وبعد الطائف وبعد حنينٍ، أُمروا بالنَّفْرِ (^١) في الصيفِ، حينَ خُرِفَت (^٢) النخلُ، وطابت الثمارُ، واشْتَهَوا الظِّلالَ، وشَقَّ عليهم المخرجُ (^٣).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ الآية. قال: هذا حين أُمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وحُنَينٍ وبعد الطائف، أمَرَهم بالنَّفِيرِ في الصيف، حين اختُرِفَت النخلُ، وطابت الثمارُ، واشْتَهَوا الظِّلالَ، وشَقَّ عليهم المخرجُ. قال: فقالوا: مِنَّا (^٤) الثقيلُ، [وذو] (^٥) الحاجة والضَّيْعَةِ والشُّغُلِ، والمنتشرُ به أمره في ذلك كلِّه. فأنزل الله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١].\n\n<span id=\"aya-1274\"></span><span data-type='title' id=toc-3900>القولُ في تأويل قوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره للمؤمنين به مِن أصحاب رسولِه، مُتوعِّدهم على تركِ النَّفْرِ إلى عدوِّهم من الروم: إن لم تنفروا أيها المؤمنون إلى مَن اسْتَنْفَرَكم رسولُ الله،\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢: \"بالنفير\".\n(^٢) خرف النخل: صرمه واجتناه. اللسان (خ ر ف).\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٦٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩٦، وعزاه السيوطي في المنشور ٣/ ٢٣٧ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف، وفى تفسير مجاهد ص ٣٦٩: \"فينا\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ذو\".","vol":"11","page":460},{"text":"يُعَذِّبْكم الله عاجلًا في الدنيا بترككم النَّفْرَ إليهم عذابًا مُوجِعًا، ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾. يقولُ: يَسْتبدِلِ اللهُ بكم نبيَّه قومًا غيركم، يَنْفِرون إذا اسْتُنْفِروا، ويُجيبونه إذا دُعُوا، ويُطيعون الله ورسوله، ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾. يقولُ: ولا تَضُرُّوا الله بترككم النَّفير ومَعْصيتكم إياه شيئًا؛ لأنه لا حاجة به إليكم، بل أنتم أهل الحاجة إليه، وهو الغني عنكم وأنتم الفقراء، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقول جل ثناؤه: والله على إهلاككم واستبدال قوم غيركم بكم، وعلى كل ما يشاءُ من الأشياء قدير.\nوقد ذُكر أن العذاب الأليم في هذا الموضع كان احْتباسَ القَطْرِ عنهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3901>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، قال: ثنى عبد المؤمن بن خالد الحنفى، قال: ثنى نَجدَةُ الخُراسانى، قال: سَمِعتُ ابن عباس وسُئِل عن قوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. قال: إن رسول الله ﷺ اسْتَنْفَر حَيًّا مِن أحياءِ العرب فَتَثاقلوا عنه، فأُمْسِكَ عنهم المَطَرُ، فكان ذلك عذابهم، فذلك قوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (^١).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبد المؤمن، عن نجدة، قال: سألتُ ابن عباس. فذكر نحوه، إلا أنه قال: فكان عذابهم أن أمسك عنهم المَطَرُ.\nحدثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (٦٨٠)، وأبو داود (٢٥٠٦)، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٩٧، والحاكم ٢/ ١١٨، والبيهقى ٩/ ٤٨ من طريق زيد بن الحباب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"11","page":461},{"text":"يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: اسْتَنَفَر اللهُ المؤمنين في لَهَبَانِ الحَرِّ في غزوة تبوكَ قِبَلَ الشام، على ما يعلمُ اللهُ مِن الجَهْدِ.\nوقد زَعَم بعضُهم أن هذه الآية منسوخةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3902>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصري، قالا: قال: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. وقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢١]. فنَسَخَتها الآيةُ التي تَلَتْها (^١): ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (^٢) [التوبة: ١٢٢].\nقال أبو جعفر: ولا خبر بالذي قال عكرمة والحسنُ مِن نسخ حكم هذه الآية التي ذَكَرا (^٣) يجب التسليم له، ولا حُجَّةَ باتٌّ (^٤) بصحة ذلك، وقد رأى ثبوت الحكم بذلك عددٌ من الصحابة والتابعين سنذكُرُهم بعد. وجائزٌ أن يكون قوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. لخاصٍّ من الناس، ويكون المراد به من اسْتَنفَرَه رسول الله ﷺ فلم يَنْفِرْ، على ما ذكرنا من الرواية عن ابن عباسٍ.\nوإذا كان ذلك كذلك، كان قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"تليها\".\n(^٢) ذكره النحاس في ناسخه ص ٥٠٣، وابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٣٦٥، وابن كثير في تفسيره ٤/ ٩٥، وأخرجه ابن الجوزى في النواسخ ص ٣٦٤، ٣٦٥ من طريق على بن الحسين عن أبيه عن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس.\n(^٣) في م: \"ذكروا\"، وفى ت ٢: \"ذكر أنه\"، وفى ف: \"ذكر\".\n(^٤) في م: \"تأتى\".","vol":"11","page":462},{"text":"كَافَّةً﴾. نَهْيًا مِن الله المؤمنين عن إخلاءِ بلادِ الإسلام بغير مؤمنٍ مقيمٍ فيها، وإعلامًا منه (^١) لهم أن الواجب مِن (^٢) النَّفْرِ على بعضهم دون بعضٍ، وذلك على من اسْتُنْفِرَ منهم دونَ مَن لم يُسْتَنفَرْ. وإذا كان ذلك كذلك لم يكن في إحدى الآيتين نسخٌ للأخرى، وكان حكم كلِّ واحدة منهما ماضيًا فيما عُنيَتْ به.\n\n<span id=\"aya-1275\"></span><span data-type='title' id=toc-3903>القول في تأويل قوله: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.</span>\nوهذا إعلامٌ من الله أصحاب رسوله ﷺ أنه المتوكِّل بنصرة (^٣) رسوله على أعداء دينه، وإظهاره عليهم دونَهم، أعانوه أو لم يُعينوه، وتذكيرٌ منه لهم فعل ذلك به، وهو من العددِ في قلة والعدوُّ في كثرةٍ، فكيف به وهو من العددِ في كثرة والعدوُّ في قلَّةٍ؟\nيقول لهم جلّ ثناؤه: إلَّا تنفروا أيها المؤمنون مع رسولى إذا اسْتَنفَرَكم فتَنْصُروه، فالله ناصِرُه ومُعِينه على عدوِّه، ومُغْنِيه عنكم وعن معونتكم ونُضرتكم، كما نَصَره ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ باللَّهِ مِن قريش من وطنه وداره، ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾. يقولُ: أَخْرَجُوه وهو أحد الاثنين، أي: واحدٌ من الاثنين.\nوكذلك تقول العربُ: هو ثاني اثنين. يعنى: أحد الاثنين، و: ثالث ثلاثة. و: رابع أربعة. يعنى: أحد الثلاثة، وأحد الأربعة. وذلك خلافُ قولهم: هو أخو\n_________\n(^١) في: م: \"من الله\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"بنصر\".","vol":"11","page":463},{"text":"ستة، وغلام سبعة. لأن الأخ والغلامَ غيرُ الستة والسبعة، وثالث الثلاثةِ أحد الثلاثة\nوإنما عَنَى جلّ ثناؤه بقوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾. رسول الله ﷺ، وأبا بكرٍ ﵁؛ لأنهما كانا اللذين خَرَجا هاربين مِن قريش، إِذ هَمُّوا بِقَتْلِ رسولِ الله ﷺ، واخْتَفَيا في الغارِ.\nوقوله: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾. يقول: إذ رسول الله ﷺ وأبو بكر، ﵁، في الغارِ. والغارُ: النَّقْبُ (^١) العظيم يكونُ في الجبل، ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾. يقولُ: إذ يقول رسولُ اللهِ لصاحبه أبي بكرٍ: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾. وذلك أنه خافَ مِن الطَّلَبِ أن يعلموا بمكانهما، فجزع من ذلك، فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾. لأنَّ اللَّهَ مَعَنا والله ناصرُنا، فلن يعلم المشركون بنا، ولن يَصِلوا إلينا.\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: فقد نَصَره الله على عدوّه وهو بهذه الحال من الخوف وقلة العدد، فكيف يَخْذُلُه ويُحْوِجه إليكم وقد كثر الله أنصاره وعدد جنوده؟\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3904>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ﴾. ذَكَر ما كان في أوَّلِ شأنه حينَ بَعَثه.\n_________\n(^١) في ف: \"الثقب\".","vol":"11","page":464},{"text":"يقولُ الله: [فأنا فاعلٌ ذلك به وناصِرُه، كما نَصَرْتُه إذ ذاك] (^١) وهو ثاني اثنين (^٢).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهد قوله: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾. قال: ذَكَر ما كان في أوَّلِ شأنه حينَ بُعِث، فالله فاعل به كذلك، ناصِرُه كما نَصَره إذ ذاك ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾. قال: فكان صاحبه أبو بكر، وأما الغارُ فجبلٌ بمكة يقال له: ثَوْرٌ (^٣).\nحدثنا عبد الوارث بنُ عبدِ الصمد، قال: ثنى أبي، قال: ثنا أبان العطار، قال: ثنا هشام بن عُرْوةَ، عن عُرْوةَ، قال: لما خرج النبي ﷺ وأبو بكرٍ، ﵁، وكان لأبي بكرٍ منيحةٌ (^٤) مِن غَنَمٍ تروح على أهله، فأرسل أبو بكرٍ عامر بن فهيرة في الغنم إلى ثورٍ. وكان عامرُ بنُ فُهَيرةَ يَرُوحُ بتلك الغنم على النبي ﷺ بالغار في ثورٍ، وهو الغارُ الذي سَمَّاه الله في القرآن (^٥).\nحدثني يعقوب بن إبراهيم بن جُبَيرٍ الواسِطِيُّ، قال: ثنا عَفَّانُ وحبَّانُ، قالا: ثنا همامٌ، عن ثابت، عن أنس، أن أبا بكرٍ، ﵁، حَدَّثهم قال: بَيْنَا أنا مع رسول الله ﷺ في الغار وأقدامُ المشركين فوق رءوسنا، فقلتُ: يا رسول الله، لو أن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وكل به كذلك ناصركم كما نصره\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٦٩ ومن طريقه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٣٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٣ إلى أبي الشيخ.\n(^٤) المنيحة: الشاة والناقة المعارة للبن. ينظر اللسان (م ن ح).\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٣٧٥ - ٣٧٧ مطولا.","vol":"11","page":465},{"text":"أحدَهم رَفَع قَدَمَه أَبْصَرَنا. فقال: \"يا أبا بكرٍ، ما ظَنُّك باثْنَين الله ثالثهما؟ \" (^١).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شَرِيكٍ، عن إبراهيم بن مهاجرٍ، عن مجاهد، قال: مَكَثَ أبو بكرٍ مع النبي ﷺ في الغارِ ثلاثًا (^٢).\nحدثنا محمد بن عبد الأعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾. قال: في الجبل الذي يُسَمَّى ثورًا، مَكث فيه رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ ثلاث ليالٍ (^٣).\nحدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبيه، أن أبا بكر الصديق، ﵁، حينَ خَطَب قال: أَيُّكُم يَقْرَأُ سورةَ التوبة؟ قال رجلٌ: أنا. قال: اقرأ. فلما بَلَغ: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾. بَكَى أبو بكر وقال: أنا والله صاحِبه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-3905>القول في تأويل قوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٣٦) من طريق عفان وحبان به، وأخرجه ابن سعد ٣/ ١٧٣، ١٧٤، وابن أبي شيبة ١٢/ ٧، ١٤/ ٣٣٣، وأحمد ١/ ١٨٩ (١١)، وفى فضائل الصحابة (٢٣) (١٧٩)، والترمذى (٣٠٩٦)، والمروزي في مسند أبي بكر (٧٢)، وأبو يعلى (٦٦)، وابن حبان (٦٢٧٨، ٦٨٦٩)، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٤٨٠، ٤٨١ من طريق عفان به، وأخرجه عبد بن حميد (٢)، والبخارى (٤٦٦٣)، ومسلم (٢٣٨١)، والمروزي (٧١)، وأبو يعلى (٦٧)، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٤٨١، والبغوى في تفسيره ٤/ ٥٠ من طريق حبان به، وأخرجه البخارى (٣٦٥٣، ٣٩٢٢)، والبيهقى في الدلائل ٢/ ٤٨٠، ٤٨١ من طريق همام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٢ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٣٤ عن وكيع به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٧٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٣ إلى ابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٠٠ من طريق ابن وهب به.","vol":"11","page":466},{"text":"يقول تعالى ذكره: فأنزل الله طُمأنينته وسُكونه على رسوله. وقد قيل: على أبي بكر. ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾. يقولُ: وقَوَّاه بجنود من عنده من الملائكة لم تَرَوْها أنتم، ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (^١): وهى كلمة الشِّرْكِ، ﴿السُّفْلَى﴾: لأنها قُهِرَت وأُذلَّت، وأبطَلَها الله تعالى، ومَحَق أهلها، وكلُّ مَقهورٍ ومَغلوب فهو أسفلُ مِن الغالب، والغالب هو الأعلى، ﴿وَكَلِمَةُ﴾. يقولُ: ودين الله وتوحيده وقول لا إله إلا الله، [وهى] (^٢) كلمته، ﴿الْعُلْيَا﴾: على الشِّرْكِ وأهله، الغالية (^٣).\nكما حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾: وهى الشِّرْكُ باللَّهِ، ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾: وهى لا إله إلا الله (^٤).\nوقوله: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾. خبر مبتدأٌ، غيرُ مردودٍ على قوله: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾؛ لأن ذلك لو كان معطوفًا على الكلمة الأولى لكان نَصْبًا.\nوأما قوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، فإنه يعنى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في انتقامِه مِن أهل الكفر به، لا يَقْهَرُه، قاهِرٌ، ولا يَغْلِبُه غالب، ولا يَنْصُرُ (^٥) مَن عاقبه ناصرٌ، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تَدْبيره خَلْقَه، وتَصْرِيفِه إياهم في مَشِيئَتِه.\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"السفلى\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وهو\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الغالب\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٠١ من طريق أبي صالح به.\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"منه\".","vol":"11","page":467},{"text":"<span id=\"aya-1276\"></span><span data-type='title' id=toc-3907>القول في تأويل قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾.</span>\nاختلف أهل التأويل في معنى الخِفَّةِ والثِّقَل، اللذين أمَر اللهُ مَن كان به أحدهما بالنفر معه؛ فقال بعضُهم: معنى الخِفَّةِ التي عَناها الله في هذا الموضعِ، الشبابُ، ومعنى الثِّقَل الشَّيخوخةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3906>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حمُيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنبسةَ، عن رجل، عن الحسن، في قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: شِيبًا وشُبَّانًا.\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا حَفْصٌ، عن عمرو، عن الحسنِ، قال: شُيُوخًا وشُبَّانًا (^١).\nقال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن عليّ بن زيدٍ، عن أنس، عن أبي طَلْحَةَ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: كُهولًا وشُبّانًا، ما أسْمَعُ الله عَذَرَ أَحَدًا (^٢). فَخَرَج إلى الشام، فجاهد حتى مات (^٣).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّام، عن عَنبسةَ، عن المُغِيرَةِ بن النُّعْمَانِ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٣٠٦ عن حفص بن غياث به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٦ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) في ص، ف: \"واحدا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٣٤١ عن ابن عيينة به (وسقط من سنده أنس)، وأخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ١٨٤، ١٨٥ من طريق ابن عيينة به. وأخرجه ابن المبارك في الجهاد (١٠٤)، وابن سعد ٣/ ٥٠٧، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٠٢ بنحوه مطولًا، والطبراني (٤٦٨٣)، والحاكم ٣/ ٣٥٣، والبيهقى ٩/ ٢١ من طريق ابن جدعان به، وأخرجه أحمد في الزهد ص ٢٥٠، ٢٥١، وأبو يعلى (٣٤١٣)، وابن حبان (٧١٨٤)، والحاكم ٢/ ١٠٤، وابن الأثير في أسد الغابة ٦/ ١٨٢ من طريق ثابت عن أنس بنحوه مطولًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٦ إلى ابن أبي عمر العدنى في مسنده وابن مردويه.","vol":"11","page":468},{"text":"كان رجلٌ من النَّخَعِ، وكان شَيْخًا بادِنًا (^١)، فأرادَ الغزو، فمنعه سعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فقال: إن الله يقولُ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. فأَذِنَ له سعد. فقُتِل الشيخُ، فسأل عنه بعدُ عمرُ، فقال: ما فَعَل الشيخُ الذي كأنه (^٢) من بني هاشمٍ؟ فقالوا: قُتِل يا أمير المؤمنين.\nحدَّثنا ابن وَكِيع، قال: ثنا يزيدُ بن هارون، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ، قال: الشابُّ والشيخُ (^٣).\nقال: ثنا أبو أُسامةَ، عن مالكِ بن مِغْوَلٍ، عن إسماعيلَ، عن عِكرمةَ، قال: الشابُّ والشيخُ (^٤).\nقال: ثنا المُحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاك: كُهولًا وشُبَّانًا. قال: ثنا حَبُّويَة (^٥) أبو يزيدَ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفر بن حميد، عن بِشرِ بن عَطِيَّةَ: كُهولًا وشُبَّانًا.\nحدَّثنا الوليدُ، قال: ثنا عليُّ بنُ سَهْلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مُسْلم، عن بُكَيرِ (^٦) ابن مَعْروفٍ، عن مُقاتِلِ بن حَيَّانَ، في قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: شُبَّانًا وكُهُولًا.\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي\n_________\n(^١) رجل بادن: سمين جسيم. اللسان (ب د ن).\n(^٢) في م: \"كان\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٣٠٦ عن يزيد بن هارون به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٣٠٦ عن أبي أسامة به.\n(^٥) في م: \"حيوة\".\n(^٦) في ف: \"بكر\". وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٢٥٢.","vol":"11","page":469},{"text":"نَجيحٍ، عن مجاهد: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: شَبَابًا وشُيُوخًا، وأغنياءَ ومساكيَن.\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسنُ: شُيُوخًا وشُبَّانًا (^١).\nحدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا بَقِيَّةُ، قال: ثنا حريزٌ (^٢)، قال: ثنى حِبَّانُ (^٣) بنُ زيدٍ الشَّرْعَبِيُّ، قال: نَفَرْنا مع صفوان بن عمرو، وكان واليًا على حِمْصَ قِبَلَ الأُفْسُوسِ (^٤)، إلى الجَرَاجمةِ (^٥)، فَلَقِيتُ شَيْخًا كبيرًا هِمًّا (^٦) قد سَقَط حاجِباه على عَيْنَيْهِ مِن أهل دمشقَ على راحلته فيمَن أغارَ، فأقبَلتُ عليه فقلتُ: يا عم، لقد أعذَر الله إليك. قال: فرَفَع حاجبيه، فقال: يا ابن أخى، اسْتَنْفَرَنَا اللهُ خِفافًا وثِقالًا، مَن يُحِبَّه الله يَبْتَلِه، ثم يُعِيدُه فيَبْتَليه (^٧)، وإنما يتبتلى الله من عبادِه مَن شَكَر وصَبَر وذَكَر ولم يَعْبُدُ إلا الله.\nحدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: كلُّ شَيْخٍ وشابٍّ.\nوقال آخرون: معنى ذلك مَشاغِيلُ وغيرُ مَشاغِيلَ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٣٠٦ من طريق قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٦ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) في م، ت ١: \"جرير\". وينظر تهذيب الكمال ٥/ ٥٦٨.\n(^٣) في ص، ف: \"حيان\". وينظر تهذيب الكمال ٥/ ٣٣٦.\n(^٤) الأفسوس: بلد بثغور طرسوس، يقال إنه بلد أصحاب الكهف، وطرسوس مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم. معجم البلدان ١/ ٣٣٠، ٣/ ٥٣٦.\n(^٥) الجراجمة: قوم من العجم بالجزيرة أو نَبَط الشام. التاج (جرجم).\n(^٦) الهِمُّ: الشيخ الكبير البالى، وجمعه أهمام. اللسان (هـ م م).\n(^٧) في م: \"فيبقيه\".","vol":"11","page":470},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3908>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ وابنُ وَكِيعٍ، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سُفيانُ، عن منصورٍ، عن الحكم في قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: مَشاغِيلُ وغيرُ مَشاغِيلَ (^١).\nوقال آخرون: معناه: انفروا أغنياءَ وفقراءَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3909>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنبسة، عمَّن ذكَره، عن أبي صالح: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: أغنياءَ وفقراءَ (^٢).\nوقال آخرون: معناه: نِشاطًا وغيرَ نِشاطٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3910>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. يقولُ: انْفِرُوا نِشاطًا وغيرَ نِشاطٍ (^٣).\nحدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: نِشاطًا وغير نشاطٍ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٣٠٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٣ من طريق ابن مهدى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٥٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٠٢، ١٨٠٣ عن محمد بن سعد به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٧٦ عن معمر به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٣٠٦ من طريق سعيد عن قتادة.","vol":"11","page":471},{"text":"وقال آخرون: معناه: رُكْبانًا ومُشَاةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-3911>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا على بن سَهْلٍ، قال: ثنا الوليد، قال: قال أبو عمرو: إذا كان النَّفْرُ إلى دُرُوبِ الشامِ، نَفَر الناسُ إليها [﴿خِفَافًا﴾ رُكبانًا، وإذا كان النَّفْرُ إلى هذه السواحل، نَفَرُوا إليها] (^١) ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ رُكْبانًا ومُشَاةً (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ذا ضَيْعَةٍ، وغير ذى ضَيْعَةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3912>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: الثَّقِيلُ الذي له الضَّيْعةُ، فهو ثَقِيلٌ يَكْرَهُ أن يُضَيِّعَ ضَيْعتَه، ويَخْرُجَ، والخفيفُ الذي لا ضَيْعةَ له، فقال الله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ، عن أبيه، قال: زَعَم حَضْرَمِيٌّ أَنه ذُكر له أن ناسًا كانوا عسى أن يكون أحدهم عليلًا أو كبيرًا، فيقولُ - [إني أحسَبُه قال -: أنا لا] (^٤) آثم. فأنزل الله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٩٧.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٥٣.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"ان احسه أنا قال\". وفى ف: \"ان احسه قال أنا قال\". وينظر مصدرى التخريج.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٩٦ عن معتمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٦ إلى المصنف.","vol":"11","page":472},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن محمدٍ، قال: شَهِد أبو أيوب مع رسول الله ﷺ بدرًا، ثم لم يَتَخَلَّفْ عن غَزَاةٍ للمسلمين إلا وهو في أخرى (^١)، إلا عامًا واحدًا، وكان أبو أيوبَ يقولُ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. فلا أَجِدُنى إلا خَفِيفًا أو ثَقِيلًا (^٢).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سَهْلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا [حَريزُ بنُ] (^٣) عثمانَ، عن راشد بن سعدٍ، عمَّن رَأَى المقداد بن الأسودِ فارسَ رسولِ اللهِ ﷺ على تابوتٍ من تَوابيتِ الصَّيَارِفةِ بحِمْصَ، وقد فَضَل عنه مِن عِظَمِه (^٤)، فقلتُ له: لقد أعذَر الله إليك. فقال: أبَتْ (^٥) علينا سورةُ \"البُحوث (^٦) \"، ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (^٧).\nحدَّثنا سعيد بن عمرو السَّكُونيُّ، قال: ثنا بَقِيَّةُ بنُ الوليد، قال: ثنا حَريزٌ، قال: ثنى عبدُ الرحمن بنُ مَيْسَرَةَ، قال: ثنى أبو راشدٍ الحُبْرانيُّ، قال: وَافَيتُ المقدادَ بن الأسودِ فارسَ رسول الله ﷺ جالسًا على تابوتِ مِن توابيتِ الصَّيارفةِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"آخرين\".\n(^٢) أخرجه ابن سعد ٣/ ٤٨٥، والحاكم ٣/ ٤٥٨ من طريق ابن علية وعندهما زيادات، وأخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٣٠٥ من طريق أبى العوام عن أبي أيوب بمعناه.\n(^٣) في م، ف: \"جرير عن\". وينظر تهذيب الكمال ٥/ ٥٦٨.\n(^٤) يريد أنه زاد عن التابوت من سمنه.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، س، ف، وسنن البيهقى ومجمع الزوائد: \"أتت\". وأثبتناه كبقية مصادر التخريج وهو موافق لما في ص.\n(^٦) في النسخ: \"البعوث\". وهو تحريف. وسيأتي في الأثر التالى على الصواب. قال ابن الأثير: \"في حديث المقداد: \"قال أبت علينا سورة البحوث … \" يعنى سورة التوبة، سميت بها لما تضمنت من البحث عن أسرار المنافقين، وهو إثارتها والتفتيش عنها. والبحوث جمع بحث. ورأيت في الفائق سورة البحوث بفتح الباء، فإن صحت فهى فعول من أبنية المبالغة … ويكون من باب إضافة الموصوف إلى الصفة\" اهـ. النهاية ٢/ ٩٩.\n(^٧) ينظر الأثر الآتي.","vol":"11","page":473},{"text":"بحِمْصَ، قد فَضَل عنها (^١) مِن عِظَمِه، يريدُ الغَزْوَ، فقلتُ له: لقد أعذَر الله إليك. فقال: أبَتْ علينا سورةُ \"البحوث (^٢) \"؛ ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر المؤمنين بالنَّفْرِ الجهادِ أعدائه في سبيله، خفافًا وثِقالًا. وقد يَدْخُلُ في الخفافِ كلُّ مَن كان سَهْلًا عليه النَّفْرُ؛ لقُوَّةِ بَدَنِه على ذلك، وصِحَّةِ جسمه وشَبابِه، ومَن كان ذا يُسْرٍ (^٤) بمالٍ وفَراغٍ مِن الاشتغال، وقادرًا على الظَّهْرِ والرِّكابِ، ويَدْخُلُ في الثِّقَالِ كلُّ مَن كان بخلاف ذلك، من ضعيف الجسم وعليله وسَقِيمه، ومِن مُعْسِرٍ مِن المال، ومُشْتَغِلٍ بضَيْعةٍ ومَعاشٍ، ومَن كان لا ظَهْرَ له ولا ركاب، والشيخ ذو السِّنِّ والعيال.\nفإذ كان قد يَدْخُلُ في الخفافِ والثِّقَالِ مَن وَصَفْنَا مِن أهل الصفاتِ التي ذكرنا، ولم يَكُن الله جلّ ثناؤُه خَصَّ مِن ذلك صِنْفًا دونَ صِنْفٍ في الكتاب، ولا على لسان الرسول ﷺ، ولا نَصَبَ على خُصوصه دليلًا - وَجَب أن يقال: إِن الله جل ثناؤه أمر المؤمنين من أصحابِ رسوله بالنَّفْرِ للجهاد في سبيله خِفَافًا وثِقَالًا مع رسوله ﷺ، على كل (^٥) حالٍ مِن أحوال الخِفَّة والثِّقل.\nحدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن سعيدِ بن\n_________\n(^١) في م: \"عنه\". وفي مجمع الزوائد: \"عليها\". قال الشيخ شاكر: التابوت مذكر وقد يؤنث.\n(^٢) في م، ومجمع الزوائد: \"البعوث\".\n(^٣) أخرجه الطبراني ٢٠/ ٢٣٦ (٥٥٦)، والحاكم ٣/ ٣٤٩ من طريق بقية به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٣١٥، ٣١٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٢ من طريق حريز به، وأخرجه البيهقى ٩/ ٢١ من طريق جبير بن نفير عن المقداد بنحوه.\n(^٤) في م: \"تيسر\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"11","page":474},{"text":"مسْروقٍ، عن مُسْلِمِ بن صُبيحٍ، قال: أَوَّلُ ما نَزَلَ مِن \"براءةَ\" ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضُّحَى مثله (^١).\nحدَّثنا الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ (^٢)، عن مُجاهد، قال: إن أوَّلَ ما نَزَل مِن \"براءةَ\": ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التوبة: ٢٥]. قال: يُعَرِّفُهم نَصْرَه، ويُوَطِّنُهم (^٣) لغزوة تبوك (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-3913>القول في تأويل قوله: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله من أصحاب رسول الله ﷺ: ﴿وَجَاهِدُوا﴾ أيُّها المؤمنون، الكفار، ﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾. فَأَنْفِقُوها في مُجاهدتهم على دين الله الذي شرعه لكم، حتى ينقادوا لكم، فيَدْخُلُوا فيه طَوْعًا أو كَرْهًا، أو يُعْطُوكم الجزية عن يَدٍ صَغَارًا، إن كانوا أهلَ كتاب، أو تَقْتُلُوهم، ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾. يقولُ: وبأنفسكم، فقاتلوهم بأيديكم، يُخْزِهِمُ اللهُ ويَنْصُرْكم عليهم، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقول: هذا الذي آمُرُكم به مِن النَّفْرِ في سبيلِ اللَّهِ تعالى خِفافًا وثقالًا، وجهاد أعداء الله بأموالكم وأنفسكم - خيرٌ لكم مِن التَّثاقُلِ إلى الأرضِ إذا\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ١٢٦، ١٢٧، وذكره ابن كثير ٤/ ٩٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٦ إلى الفريابي وأبي الشيخ.\n(^٢) في م: \"جرير\".\n(^٣) في ت ٢: \"يوطيهم\". وفي تفسير مجاهد: \"يوطئهم أو يوطنهم\". وينظر تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٦٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٧٢.","vol":"11","page":475},{"text":"استنفرتم، والخلودِ إليها، والرِّضا بالقليل من متاعِ الحياة الدنيا عِوَضًا من الآخرة، إن كنتم من أهل العلم بحقيقة ما بُيِّنَ لكم مِن فَضْلِ الجهاد في سبيلِ اللهِ على القُعُودِ عنه\n\n<span id=\"aya-1277\"></span><span data-type='title' id=toc-3914>القول في تأويل قوله: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢)﴾.</span>\nيقولُ جلّ ثناؤه للنبي - وكانت جماعةٌ من أصحابه قد استأذنوه في التَّخَلُّفِ عنه حينَ خَرَج إلى تبوك، فأذن لهم -: لو كان ما تدعو إليه المُتَخَلِّفين عنك، والمُسْتأذنيك في تَرْكِ الخروج معك إلى مَغْزَاك الذي اسْتَنْفَرْتهم إليه ﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾. يقولُ: غَنِيمةً حاضِرةً، ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾. يقولُ: ومَوْضِعًا قَرِيبًا سَهْلًا، ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ ونَفَروا معك إليهما، ولكنك اسْتَنْفَرْتَهم إلى مَوْضِعٍ بَعِيدٍ، وكَلَّفْتَهم سَفَرًا شَاقًّا عليهم؛ لأنك اسْتَنْهَضْتَهم في وَقْتِ الحَرِّ، وزمانِ القَيْظِ، وحين الحاجة إلى الكنِّ (^١)، ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾. يقول تعالى ذكره: وسَيَحْلِفُ لك، يا محمد، هؤلاء المُسْتَأْذِنوك في تَرْكِ الخروج معك - اعتذارًا منهم إليك بالباطل، لِتَقْبَلَ منهم عُذْرَهم، وتَأْذَنَ لهم في التَّخَلُّفِ عنك - بالله كاذِبِين: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾. يقولُ: لو أَطَقْنا الخروج معكم، بوجودِ السَّعَةِ والمراكب والظُّهور وما لا بدَّ للمسافرِ والغازى منه، وصِحَّةِ البَدَنِ والقُوَى، لخَرَجْنا معكم إلى عدوِّكم. ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. يقول: يُوجِبُونَ لأنفسهم بحَلِفِهم بالله كاذبين الهلاك والعَطَبَ؛ لأنهم يُورثونها سَخَطَ\n_________\n(^١) الكِن: وقاء كل شيء وستره، وهو ما يَرُدُّ الحر والبرد من الأبنية والمساكن. اللسان (ك ن ن).","vol":"11","page":476},{"text":"اللَّهِ، ويُكْسِبُونها أليمَ عِقابِه، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. في حَلِفِهم باللَّهِ: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾؛ لأنهم كانوا للخروج مطيقين، بوجودِ السبيل إلى ذلك بالذي كان عندهم من الأموال، مما يَحْتاجُ إليه الغازي في غزوه، والمُسافِرُ في سَفَرِه، وصِحَّةِ الأبْدانِ وقُوَى الأَجْسامِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3915>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ إلى قوله: ﴿لَكَاذِبُونَ﴾: إنهم يَسْتَطيعون الخروج، ولكن كان تَبْطِئةً من عند أنفسهم والشيطانِ، وزَهَادةً في الخيرِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادة: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾. قال: هي غزوة تبوك (^٢).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: إنهم يَسْتَطِيعون (^٣).\n\n<span id=\"aya-1278\"></span><span data-type='title' id=toc-3916>القول في تأويل قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾.</span>\nوهذا عِتابٌ مِن الله تعالى ذكره، عاتب به نبيَّه ﷺ في إِذْنِهِ لَمَن أَذِن له في التَّخَلُّفِ عنه، حين شخص إلى تبوك لغزو الروم، مِن المنافقين.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وفيه: \"الجهاد\" بدل \"الخير\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٧٦ عن معمر به.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٤٩، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٨٠٥ من طريق سلمة به.","vol":"11","page":477},{"text":"يقولُ جلّ ثناؤه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾، يا محمد، ما كان منك في إذنك لهؤلاء المنافقين الذين استأذنوك في تَرْكِ الخروج معك، وفى التَّخَلُّفِ عنك، مِن قبل أن تَعْلَمَ صِدْقَه مِن كَذِبِه، ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾. لأى شيءٍ أَذِنْتَ لهم؟ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾، يقولُ: ما كان ينبغي لك أن تَأْذَنَ لهم في التَّخَلُّفِ عنك إذ قالوا لك: لو استَطَعْنا لخرجنا معك. حتى تَعْرِفَ مَن له العُذْرُ منهم في تَخَلُّفِه، ومَن لا عُذْرَ له منهم، فيكونَ إِذْنُكَ لمَن أَذِنْتَ له منهم على علمٍ منك بعُذْرِه، وتَعْلَمَ مَن الكاذب منهم المُتَخَلِّفُ نِفاقًا وشَكًّا في دين الله.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3917>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾. قال: ناسٌ قالوا: اسْتَأْذنوا رسول الله ﷺ، فإن أذن لكم فاقْعُدُوا، وإن لم يَأْذَن لكم فاقْعُدُوا (^١).\nحدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ الآية. عاتبه كما تَسْمَعون، ثم أنزل الله التي في سورة \"النور\"، فرَخَّص له في أن يَأْذَنَ لهم إن شاء، فقال: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢].\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٦٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"11","page":478},{"text":"فجَعَله اللهُ رُخْصَةً في ذلك مِن ذلك (^١).\nحدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَينةَ، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن ميمون الأَوْدِيِّ، قال: اثنتان فَعَلهما رسولُ اللهِ ﷺ لم يُؤْمَرُ فيهما بشيءٍ؛ إذنه للمُنافقين، وأخذه من الأُسارى، فأنزل الله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية (^٢).\nحدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سُليمانَ، قال: قرأتُ على سعيد بن أبى عروبة، فقال: هكذا سمعته من قتادة، قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية: ثم أنزل الله بعد ذلك في سورة \"النور\": ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ الآية (^٣).\nحدثنا صالح بن مسمارٍ، قال: ثنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا موسى بنُ سَرْوَانَ (^٤)، قال: سألْتُ مُوَرِّقًا عن قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ قال: عاتبه ربُّه (^٥).\n\n<span id=\"aya-1279\"></span><span data-type='title' id=toc-3918>القولُ في تأويل قوله: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤)﴾.</span>\nوهذا إعلام من الله نبيه ﷺ سيما المنافقين، أن من علاماتهم التي يُعرفون بها، تَخَلُّفَهم عن الجهاد في سبيل الله باستئذانهم رسول الله ﷺ في تركهم الخروج معه\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٩٩.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٤٠٣)، وسعيد بن منصور في سننه (١٠١٧ - تفسير) عن سفيان به.\n(^٣) أخرجه النحاس في ناسخه ص ٥٠٥ من طريق سعيد به. وأخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٥ من طريق همام عن قتادة. وعزاء السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٧ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) في م: \"مروان\"، وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٤٠، ٦٨.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٥ من طريق النضر بن شميل به.","vol":"11","page":479},{"text":"إذا اسْتُنْفِرُوا بالمعاذير الكاذبة.\nيقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: يا محمد، لا تَأْذَنَنَّ فِي التَّخَلُّفِ عنك - إذا خَرَجْتَ لغزو عدوّك - لَمَن استأذنك في التَّخَلُّفِ مِن غَيرِ عُذْرٍ، فإِنه لَا يَسْتَأْذِنُكَ في ذلك إلا منافق لا يؤمن بالله واليوم الآخرِ. فأمَّا الذي يُصَدِّقُ بِاللهِ ويُقِرُ بوَحْدانيته وبالبعث والدار الآخرة والثواب والعقاب، فإنه لا يَسْتأْذِنُكَ في تَرْكِ الغزو وجهادِ أعداء الله بماله ونفسه، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: والله ذو علم بمن خافَه فاتَّقاه بأداءِ فَرائضه، واجتناب معاصيه، والمسارعة إلى طاعتِه في غَزْوِ عدوِّه وجهادهم بماله ونفسه، وغير ذلك من أمره ونهيه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3919>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. فهذا تعييرٌ للمُنافِقِين حين استأذنوا في القُعُودِ عن الجهادِ مِن غيرِ عُذْرٍ، وعَذَر الله المؤمنين فقال: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (^١) [النور: ٦٢].\n\n<span id=\"aya-1280\"></span><span data-type='title' id=toc-3920>القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ: إنما يَسْتأذنك، يا محمد، في التَّخَلُّفِ خِلافَك، وترك الجهاد معك، من غيرِ عُذْرٍ بَيِّنٍ - الذين لا يُصَدِّقون بالله ولا يُقرُّون بتوحيده،\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٢٧٣، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٦، والنحاس في ناسخه ص ٥٠٦ من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٧ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":480},{"text":"﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. يقولُ: وشَكَّت قلوبهم في حقيقة وحدانية الله، وفي ثوابه أهل طاعته، وعقابه أهلَ مَعاصِيه، ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾. يقولُ: في شَكّهم مُتَحَيِّرون، وفى ظُلمةِ الحَيَرةِ مُتَرَدِّدون، لا يَعْرِفون حَقًّا مِن باطل فيَعْمَلُوا على بصيرةٍ. وهذه صفة المنافقين.\nوكان جماعةٌ مِن أهل العلم يرون أن هاتين الآيتين مَنْسُوختان بالآية التي ذُكِرَت في سورة \"النور\".\n\n<span data-type='title' id=toc-3921>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة والحسنِ البَصْرِى، قالا: قوله: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. إلى قوله: ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾. نَسَختها الآيةُ التي في \"النورِ\": ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ إلى ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^١). [النور: ٦٢].\nوقد بَيَّنَّا الناسخ والمنسوخ بما أغنى عن إعادته هاهنا (^٢).\n\n<span id=\"aya-1281\"></span><span data-type='title' id=toc-3922>القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ولو أراد هؤلاء المستأذنوك يا محمد، في ترك الخروج\n_________\n(^١) أخرجه ابن الجوزى في نواسخه ص ٣٦٧، ٣٦٨ من طريق على بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس. وذكره النحاس في ناسخه ص ٥٠٥ عن الحسن وعكرمة، وفيه أن آية سورة التوبة هي التي نسخت آية سورة النور.\n(^٢) تقدم في ٢/ ٣٨٨ وما بعدها.","vol":"11","page":481},{"text":"معك [لجهاد عدوِّك - الخروج معك] (^١)، ﴿لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾. يقولُ: لأَعَدُّوا للخروج عُدَّةً، ولَتَأهَّبُوا للسفر والعدوِّ أُهْبتهما، ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾. يعنى: خُروجهم لذلك، ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾. يقولُ: فثَقَّل عليهم الخروج حتى اسْتَخَفُّوا القُعود في منازلهم خلافك، واستثقلوا السفر والخروج معك، فتركوا لذلك الخروج، ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾. يعنى: اقْعُدُوا مع المَرْضَى والضعفاء الذين لا يجدون ما يُنْفِقُون، ومع النساء والصِّبيانِ، واتركوا الخروج مع رسول الله ﷺ والمجاهدين في سبيل الله. وكان تَثْبيطُ اللَّهِ إيّاهم عن الخروج مع رسوله والمؤمنين به؛ لعِلْمِه بنفاقهم وغشهم للإسلام وأهله وأنهم لو خَرَجوا معهم ضَرُّوهم ولم يَنْفَعوا. وذُكر أن الذين اسْتَأذَنوا رسول الله ﷺ في القُعُودِ كانوا عبد الله ابنَ أُبَيٍّ ابن سلول، والجَدَّ بنَ قَيْسٍ، ومَن كان على مثل الذي كانا عليه.\nكذلك حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، قال: كان الذين استأذنوه، فيما بلغنى، مِن ذَوى الشَّرَفِ، منهم: عبد الله بن أُبَيٍّ ابن سلول، والجد بن قَيْسٍ، وكانوا أشرافًا في قومهم، فثبَّطَهم الله؛ لِعِلْمِه بهم، أن يَخْرُجوا معهم، فيُفْسِدوا عليه جندَه (^٢).\n\n<span id=\"aya-1282\"></span><span data-type='title' id=toc-3923>القول في تأويل قوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: لو خرج، أيُّها المؤمنون، فيكم هؤلاء المنافقون، ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾. يقولُ: لم يَزيدُوكم بخروجهم فيكم إلا فسادًا وضُرًّا؛ ولذلك ثبَّطتهم عن الخروج معكم.\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٤٩، ٥٥٠.","vol":"11","page":482},{"text":"وقد بَيَّنَّا معنى الخَبَالِ بشَواهِدِه فيما مَضَى قبلُ (^١).\n﴿وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾. يقولُ: ولأسْرَعوا برَكائبهم السَّيْرَ بينكم.\nوأصله من إيضاع الخيل والركاب، وهو الإسْراعُ بها في السَّيْرِ. يقال للناقة إذا أسْرَعَت السيرَ: وَضَعَت الناقةُ تَضَعُ وَضْعًا ومَوْضوعًا (^٢). وأوضَعَها صاحبها: إذا جدَّ بها وأسرع. يُوضِعُها إيضاعًا، ومنه قول الراجز (^٣):\nيا لَيْتَنى فيها جَذَع\nأَحُبُّ فيها وأَضَعْ\nوأما أصل الخلال، فهو من الخَلَلِ، وهى الفُرَجُ تكون بين القوم في الصفوف وغيرها، ومنه قول النبي ﷺ: \"تَرَاصُّوا في الصُّفوفِ لَا يَتَخَلَّلُكم أولاد الحذف\" (^٤).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٥/ ٧٠٨.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ووضوعًا\". وهو من مصادر وضع ولكن وجدناه في معاجم اللغة بمعنى آخر؛ قالوا: ومن المجاز: وضع فلان نفسه وضعًا ووضوعًا، بالضم، وضَعةً، بالفتح؛ أذلها. وأثبتنا الذي في المطبوعة، إذ وجدنا في المعاجم ما يؤازره حيث وجدنا: ووضع البعير حكمته وضعًا وموضوعًا إذا طامن رأسه وأسرع. ومن المجاز: وضعت الناقة وضعًا وموضوعًا: أسرعت في سيرها والدابة تضع في سيرها وهو سير دون. ولها موضوع ومرفوع. ينظر اللسان، والتاج، والأساس (وض ع).\n(^٣) البيتان لدريد بن الصمة، وينظر سيرة ابن هشام ٢/ ٤٣٩، واللسان (وض ع). والجذع: صغير السن، وأخب: من الخبب وهو ضرب من العدو أو هو مثل الرمل أو السرعة، اللسان (ج ذ ع، خ ب ب).\n(^٤) أخرجه الطبراني في الصغير ١/ ١١٩، والحاكم ١/ ٢١٧ بهذا اللفظ من حديث البراء بن عازب، وفيه زيادة: (قيل: وما أولاد الحذف؟ قال: \"ضأن سود تكون بأرض اليمن \").\nوأخرجه أبو داود (٦٦٧)، والنسائى (٨١٤) من حديث أنس عن النبي ﷺ بلفظ: \"رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق فوالذي نفسي بيده إنى لأرى الشياطين تدخل من خلل الصف كأنها الحذف\".\nوكان في النسخ الخطية بياض بعد قوله: \"يتخللكم\". فلعله إشارة إلى سقط يوازيه قوله ﷺ في حديث البراء عند الطبراني: \"لا يتخللكم الشيطان كأولاد\". وكذلك ما في حديث أنس.","vol":"11","page":483},{"text":"وأما قوله: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾. فإن [معناه: يبغون بكم الفتنة. يقول] (^١): يطلبون لكم ما تَفْتِنُون (^٢) به عن مَخْرَجِكم في مَغْزاكم، بتثبيطهم إياكم عنه. يقالُ منه: بَغَيتُه الشَّرَّ، وبَغَيتُه الخيرَ، أَبْغِيه بُغَاء. إذا الْتَمَسْتَه له، بمعنى: بَغَيتُ له. وكذلك عَكَمتك (^٣)، وحَلَبتك. بمعنى: حَلَبَتُ لك، وعَكَمتُ لك. وإذا أرادوا: أَعَنتُك على التماسه وطَلَبِه، قالوا: أبْغَيتُك كذا، وأحلبتك وأعكمتك. أي أعَنتُك عليه.\nوبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3924>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادة: ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾: بينكم، ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ بذلك (^٤).\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾. يقولُ: ولأوضَعوا أسلحتهم خلالكم، بالفتنة.\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾: يُبَطِّئونكم. قال: رفاعةُ بنُ التابوتِ، وعبد الله بن أُبيٍّ ابن سَلول، وأوسُ بنُ قَيْظِيٍّ (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"معنى يبغونكم الفتنة\".\n(^٢) في م: \"تفتنون\".\n(^٣) عَكَم المتاع يعكمُه عَكمًا: شده بثوب. وهو أن يبسطه ويجعل فيه المتاع ويشده ويسمى حينئذ عكمًا. اللسان (ع ك م).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٠٨ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٧٦ عن معمر به.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٦٩، ٣٧٠. ومن طريقه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"11","page":484},{"text":"القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهد قوله: ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾. قال: لأسرعوا الأزقَّة (^١) خلالكم، ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾. يُبَطِّئُونكم؛ عبدُ اللهِ بنُ نَبْتَلٍ، ورفاعةُ بنُ تابوتٍ، وعبدُ اللهِ ابن أُبَيٍّ ابن سلول.\nقال: حدثنا الحسين (^٢)، قال: ثنى أبو سفيان، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة: ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾. قال: لأسرعوا خلالكم، ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ بذلك (^٣).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾. قال: هؤلاء المنافقون في غزوة تبوك. يُسَلِّي الله عنهم نبيَّه ﷺ والمؤمنين، فقال: وما يُحْزِنُكم؟ ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾. يقولون: قد مُجمع لكم، وفعل وفعل. يُخذِّلونكم، ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾: الكفر (^٤).\nوأما قوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾. فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: وفيكم سَمَّاعُون لحديثكم لهم، يُؤدُّونه إليهم، عيونٌ لهم عليكم.\n_________\n(^١) كذا في النسخ. والأزقة جمع زُقاق وهو السكة. وقيل: هو الطريق الضيق نافذًا أو غير نافذ دون السكة. والتاج (ز ق ق).\n(^٢) في م: \"الحسن\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٨ من طريق معمر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٧ إلى ابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٧ من طريق أصبغ عن ابن زيد به إلى قوله: \"يخذلونكم\". وذكر آخره معلقا ٦/ ١٨٠٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٧ إلى أبى الشيخ. وعندهما: \"سأل\". بدلًا من \"يسلى\".","vol":"11","page":485},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3925>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾: يُحَدَّثون بأحاديثكم، عيونٌ غيرُ منافقين (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾. قال: مُحَدِّثون، عيونٌ غيرُ المُنافِقِين (^٢).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾. يَسْمَعون ما يُؤَدُّونه لعدوِّكم (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وفيكم مَن يَسْمَعُ كلامهم ويُطِيعُ لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3926>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾: وفيكم مَن يَسْمَعُ كلامهم.\nحدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، قال: كان الذين استأذنوا، فيما بَلَغَنى، مِن ذَوِي الشَّرَفِ، منهم: عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَى ابن سَلول، والجَدُّ بن قيسٍ، وكانوا أشرافًا في قومهم، فَثَبَّطَهم الله، لعلمه بهم، أن يَخْرُجوا معهم، فيفسدوا عليه جُنْدَه، وكان في جُنْدِه قومٌ أهلُ مَحَبَّةٍ لهم وطاعةٍ فيما يدعونهم إليه؛\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٧٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٠٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٢٠ - تفسير) من طريق ابن جريج به بنحوه.\n(^٣) أخرجه بن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٩ من طريق أصبغ عن ابن زيد به.","vol":"11","page":486},{"text":"لشرفهم فيهم، فقال: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ (^١).\nفعلى هذا التأويل: وفيكم أهلُ سَمْعٍ وطاعة منكم، لو صحبوكم أفسدوهم عليكم بتَثْبيطهم إياهم عن السَّيْرِ معكم.\nوأما على التأويل الأوَّلِ فإن معناه: وفيكم منهم سَمَّاعون يَسْمَعون حديثكم لهم، فيُبلغونهم ويُؤَدُّونه إليهم، عيونٌ لهم عليكم.\nقال أبو جعفر: وأولى التأويلين عندى في ذلك بالصوابِ تأويل من قال: معناه: وفيكم سماعون لحديثكم لهم، يبلغونه عنكم، عيونٌ لهم. لأن الأغْلَبَ مِن كلام العرب في قولهم: سَمَّاعٌ. وَصْفُ مَن وُصِف به أنه سَمَّاعٌ للكلام، كما قال الله جل ثناؤه في غير موضع من كتابه ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١: ٤٢]. واصفًا بذلك قوما بسماع الكذب من الحديث. وأمَّا إذا وَصَفوا الرجلَ بسَماعِ كلامِ الرجل وأمره ونهيه وقبوله منه وانتهائه إليه، فإنما [يصفه له] (^٢) بأنه له سامعٌ مطيعٌ، ولا يكاد يقولُ: هو له سَمَّاعٌ مُطِيعٌ.\nوأما قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. فإن معناه: والله ذو عِلْمٍ بَمَن يُوَجِّهُ أفعاله إلى غير وجوهها، ويَضَعُها في غير مواضعها، ومَن يَسْتأْذِنُ رسول الله ﷺ لعُذْرٍ، ومَن يَسْتَأْذِنُه شَكًّا في الإسلام ونفاقًا، ومَن يَسْمَعُ حديثَ المؤمنين ليُخْبِرَ به المنافقين، ومَن يَسْمَعُه ليُسَرَّ بما سَرَّ المؤمنين (^٣) ويُسَاءَ بما ساءَهم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن سَرائرِ خلقه وعلانيتهم.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٤٩، ٥٥٠، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٠٠، وقد تقدم طرف منه ص ٤٨٢.\n(^٢) في م: \"تصفه\".\n(^٣) في ص، ف: \"المؤمنون\".","vol":"11","page":487},{"text":"وقد بَيَّنَّا معنى الظلم في غير موضعٍ من كتابنا هذا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (^١).\n\n<span id=\"aya-1283\"></span><span data-type='title' id=toc-3927>القول في تأويل قوله: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)﴾.</span>\nيقولُ، تعالى ذكره: لقد التمس هؤلاء المنافقون الفتنة لأصحابك، يا محمد، التَمَسوا صَدَّهم عن دينهم، وحَرَصوا على رَدِّهم إلى الكفرِ بالتَّخْذيل عنه، كفعل عبد الله بن أُبيٍّ بك وبأصحابك يومَ أُحُدٍ، حين انصرف عنك بمن تبعه من قومه، وذلك كان ابتغاءهم ما كانوا ابتَغَوا لأصحاب رسول الله ﷺ من الفتنة مِن قبلُ.\nويعنى بقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾. من قبل هذا، ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾. يقولُ: وأجالوا فيك وفى إبطال الدَّينِ الذي بعثك به الله الرأى بالتَّخذيل عنك، وإنكار ما تأتيهم به، ورده عليك، ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾. يقولُ: حتى جاءك (^٢) نصرُ اللهِ، ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾. يقولُ: وظَهَر دينُ اللهِ الذي أمر به وافتَرَضَه على خَلْقِه، وهو الإسلامُ، ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾. يقولُ: والمنافقون لظهور أمرِ اللهِ ونَصْرِه إياك كارهون. وكذلك الآنَ يُظْهِرُك الله، ويُظْهِرُ دِينَه على الذين كَفَرُوا مِن الروم وغيرهم من أهل الكفر به، وهم كارهون.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ٥٥٩، ٥٦٠.\n(^٢) في م: \"جاء\".","vol":"11","page":488},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3928>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾. أي: ليُخذلوا عنك أصحابك، ويَرُدُّوا عليك أمرك، ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ (^١).\nوذُكر أن هذه الآيةَ نَزَلَت فِي نَفَرٍ مُسَمَّين بأَعْيانِهم.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن عمرو، عن الحسن قوله: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾. قال: منهم عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ ابن سَلول، وعبدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَل أخو بني عمرو بن عوف، ورفاعةُ بنُ رافع، وزيدُ بنُ التابوتِ القَينقاعي (^٢).\nوكان تَخْذِيلُ عبدِ اللهِ بن أبيٍّ أصحابه عن رسول الله ﷺ في هذه الغزاة كالذى حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن الزُّهْرِيِّ، ويزيد بن رومان، وعبدِ اللَّهِ بن أبي بكرٍ، وعاصم بن عمر بن قتادةَ، وغيرِهم، كلٌّ قد حَدَّثَ في غزوة تبوك ما بلغه عنها، وبعضُ القوم يُحَدِّثُ ما لم يُحَدِّثْ بعضٌ، وكلٌّ قد اجتمع حديثه في هذا الحديث، أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه بالتَّهَيُّؤُ لَغَزْوِ الروم، وذلك في زمانِ عُشرة من الناسِ، وشِدَّةٍ مِن الحَرِّ، وجَدْبٍ مِن البلادِ، وحينَ طَابَ الثِّمارُ، وأُحِبَّت الظِّلالُ، فالناسُ يُحِبُّون المقام في ثمارهم، وظِلالِهم، ويَكْرَهون الشُّخُوص عنها، على الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسولُ الله ﷺ قلما يَخْرُجُ في غزوة إلا كَنَى عنها، وأخبر أنه يريدُ غير الذي يَصْمِدُ له، إلا ما كان من\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٥٠، وتقدم بعضه ص ٤٨٢، ٤٨٦.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ٣/ ١٠٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٧ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":489},{"text":"غزوة تبوك، فإنه بَيَّنَها للناس لبُعْدِ الشُّقَّة (^١)، وشِدَّةِ الزمانِ، وكثرة العدوِّ الذي صمد له ليتأهَّبَ الناسُ لذلك أُهْبَتَه، وأمر الناسَ بالجهاد (^٢)، وأخبرهم أنه يريد الروم، فتَجَهَّز الناسُ على ما في أنفسهم من الكُره لذلك الوجه؛ لما فيه، مع ما عظَّموا مِن ذكرِ الروم وغَزوهم. ثم إن رسول الله ﷺ جدّ في سَفَرِه، فأمر الناس بالجهاد (^٣) والانكماش (^٤)، وحَضَّ أهلَ الغِنَى على النَّفَقةِ والحُمْلانِ في سبيل اللهِ (^٥).\nفلما خرج رسولُ اللهِ ﷺ، ضَرَب عَسْكره على ثَنِيَّةِ الوداع، وضَرَبَ عبدُ اللهِ ابن أُبِيٍّ ابْنُ سَلولَ عَسْكره على (^٦) حِدَةٍ أسفل منه، بحَذْوِ (^٧) ذُبَابٍ؛ جبل بالجبَّانةِ أسفل من ثَنية الوداع، وكان فيما يزعمون، ليس بأقل العسْكرين، فلما سارَ رسولُ اللهِ ﷺ، تَخَلَّف عنه عبد الله بن أُبَيٍّ فيمَن تَخَلَّفَ مِن المُنافِقِين وأهلِ الرَّيْبِ، وكان عبد اللهِ بنُ أُبَيٍّ أخا بنى عَوْفِ بن الخزرج، وعبدُ اللهِ بنُ نَبْتَلٍ أخا بنى عمرِو بن عوف، ورفاعةُ بن زيد (^٨) بن التابوتِ أخا بني قينقاع، وكانوا مِن عُظَماء المنافقين، وكانوا ممن يَكِيدُ للإسلام وأهله. قال: وفيهم - كما ثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عمرِو بن عُبَيدٍ، عن الحسنِ البَصْرِيِّ -\n_________\n(^١) ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"المشقة\".\n(^٢) في تاريخ الطبرى وسيرة ابن هشام: \"الجهاز\".\n(^٣) في م: \"الجهاز\".\n(^٤) الانكماش: الإسراع والجد. وينظر اللسان (ك م ش).\n(^٥) سيرة ابن هشام ٢/ ٥١٦، وأخرجه المصنف في تاريخه ٣/ ١٠١، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٥/ ٢١٣، من طريق ابن إسحاق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٨ إلى ابن المنذر.\n(^٦) بعده في النسخ: \"ذى\". وينظر تاريخ المصنف ٣/ ١٠٣ وسيرة ابن هشام ٢/ ٥١٩ حيث ذكر ذلك في سياق أثر طويل لابن إسحاق يحكى غزوة تبوك يجتزئ منه أبو جعفر هذه الأقوال.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، س ف: \"بحدو\". وفى م والسيرة: \"نحو\". وفي تاريخ المصنف.\n\"بحذاء\" والحذو والحذاء: الإزاء والمقابل. اللسان (ح ذ و).\n(^٨) في م: \"يزيد\".","vol":"11","page":490},{"text":"أنزل الله: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية (^١).\n\n<span id=\"aya-1284\"></span><span data-type='title' id=toc-3930>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩)﴾.</span>\nوذكر أن هذه الآيةَ نَزَلَت في الجَدِّ بن قَيْسٍ.\nويعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿وَمِنْهُمْ﴾: ومن المُنافِقِين، ﴿مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ أُقِمْ فلا أَشْخَصُ معك، ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾. يقولُ: ولا تَبْتَلِنى برؤية نساء بنى الأصفر وبناتهم، فإنى بالنساءِ مُغْرَمٌ، فَأَخْرُجَ وَآثَمَ بذلك.\nوبذلك من التأويل تظاهرت الأخبارُ عن أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3929>ذكرُ [الرواية بذلك عمَّن قاله]</span> (^٢)\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللَّهِ: ﴿ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾. قال: قال رسول الله ﷺ: \"اغْزُوا تَبوكَ تَغْنَموا بَناتِ الأصْفر (^٣) نساءَ الرومِ\". فقال الجدُّ: ائذَنْ لنا ولا تَفْتِنَّا بالنساءِ (^٤).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ٣/ ١٠٣.\n(^٢) في ت ٢، ف: \"من قال ذلك\".\n(^٣) بعده في م: \"و\".\n(^٤) في تفسير مجاهد ص ٣٧٠، بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ، وينظر ابن كثير ٤/ ١٠٢ والحديث يروى من حديث أبي هريرة كما عند الحاكم ٣/ ٢١٩، وكعب بن مالك كما عند الطبراني في الكبير ١٩/ ٨١، (١٦٣، ١٦٤)، ويروى عن غيرهما.","vol":"11","page":491},{"text":"مُجاهدٍ، قال (^١): قال رسول الله ﷺ: \"اغْزُوا تَغْنَمُوا بناتِ الأَصْفَرِ\". يعنى نساء الروم، ثم ذكر مثله.\nقال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قوله: ﴿ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾. قال: هو الجَدُّ بنُ قَيْسٍ، قال: قد عَلِمَت الأنصارُ أني إذا رأيتُ النساء لم أصبر حتى أُفْتَتَنَ، ولكن أُعِينُك بمالى (^٢).\nحدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمد بن إسحاق، عن الزُّهْرِيِّ، ويزيد بن رُومانَ، وعبد الله بن أبي بكرٍ، وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم، قال: قال رسول الله ﷺ ذات يومٍ، وهو في جهازه، للجَدِّ بن قَيْسٍ أخي بني سلمة: \"هل لك يا جَدُّ العام في جِلادِ بنى الأصْفَرِ؟ \". فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أَو تَأْذَنُ لى ولا تَفْتِنِّى؟! فوالله لقد عَرَف قومى ما رَجلٌ أَشدَّ عُجْبًا بالنساءِ مِنِّي، وإني أخشَى إن رأيتُ نساء بنى الأصْفرِ أَلَّا أَصْبِرَ عنهنَّ. فأَعْرَضَ عنه رسولُ الله ﷺ، [وقال: قد] (^٣) \"أَذِنْتُ لك\". ففى الجَدِّ بن قَيْسٍ نَزَلَت هذه الآية: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ الآية. أي: إن كان إنما يَخْشَى الفِتْنة من نساء بنى الأصفر وليس ذلك به، فما سَقَط فيه من الفِتْنة بتَخَلُّفِه عن رسول الله ﷺ، والرَّغْبة بنفسه عن نفسه -\nأعظم (^٤).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله:\n_________\n(^١) في م: \"قالوا\".\n(^٢) أخرجه الطبراني (١٢٦٥٤) من طريق الضحاك عن ابن عباس بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٧ إلى ابن المنذر وابن مردويه وأبي نعيم في المعرفة.\n(^٣) في م: \"وقد قال\".\n(^٤) جزء من حديث تقدم ص ٤٨٩.","vol":"11","page":492},{"text":"﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾. قال: هو رجلٌ مِن المنافقين يقال له: جَدُ بنُ قَيْسٍ. فقال له رسول الله: \"العام نَغْزو بنى الأصفر، ونَتَّخِذُ منهم سَرارِيَّ وَوُصَفاءَ (^١) \". فقال: أي رسولَ اللَّهِ، ائذَنْ لي ولا تَفْتِنِّي، إن لم تَأْذَنْ لي افتُتِنْتُ وقَعَدتُ (^٢). فَغَضب (^٣)، فقال الله: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾. وكان من بنى سَلِمةَ، فقال لهم النبي ﷺ: \"مَن سَيِّدُكم يا بنى سَلِمةَ\". فقالوا: جَدُّ بنُ قَيْسٍ، غيرَ أَنَّه بَخيلٌ جَبانٌ. فقال النبي ﷺ: \"وأى داءٍ أَدْوَى مِن البُخْل، ولكنْ سَيِّدُكم الفتى الأبيضُ الجَعْدُ [بِشْرُ بنُ] (^٤) البراء بن مَعْرُورٍ\" (^٥).\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾. يقولُ: ائْذَنْ لى ولا تُخْرِجْنى. ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾. يعنى: في الحَرَجِ سَقَطوا (^٦).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ\n_________\n(^١) في م: \"وصفانا\". والوصفاء جمع وصيف وهو الخادم والخادمة. التاج (وص ف).\n(^٢) في م: \"وقعت\".\n(^٣) أي: رسول الله ﷺ.\n(^٤) في م: \"الشعر\". وفى ت ١، ت ٢، س، ف: \"بشرب\". وينظر ترجمته في الاستيعاب ١/ ١٦٧، وأسد الغابة ١/ ٢١٨، وسير أعلام النبلاء ١/ ١٦٩، والإصابة ١/ ٢٩٤.\n(^٥) من أول قول النبي ﷺ: \"من سيدكم يا بني سلمة .... \" إلى آخره. أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٢٩٦)، والطبراني في الأوسط (٨٩١٣)، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ٣١٧ من حديث جابر، وقد فصل ابن حجر في الإصابة ١/ ٢٩٤، ٢٩٥ الكلام على هذا الحديث، فليراجع.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٩، ١٨١٠، من طريق أبي صالح به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٨ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":493},{"text":"ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾: ولا تُؤْثِمْنِي، ألا في الإِثْمِ سَقَطوا (^١).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾. يقول: وإن النار لمطيفةٌ (^٢) بَمَن كَفَر باللهِ وجَحَد آياتِه وكَذَّب رُسُلَه، مُحْدِقةٌ بهم، جامعة لهم جميعًا يومَ القيامة. يقولُ: فكَفَى للجدِّ بن قيس وأشكاله من المنافقين بصليِّها خزيًا.\n\n<span id=\"aya-1285\"></span><span data-type='title' id=toc-3932>القول في تأويل قوله: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: يا محمد، إن يُصِبْك سرورٌ بفَتْحِ اللَّهِ عليك أرضَ الروم في غَزاتِك هذه، يَسُؤ الجَدَّ بنَ قَيْسٍ ونُظَراءَه وأشْيَاعَهم مِن المنافقين، وإن تُصِبْك مُصِيبَةٌ بِفُلُولِ جيشك فيها، يَقُل الجد ونُظَراؤه: ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾. أي: قد أَخَذْنا حِذْرَنا بِتَخَلُّفِنا عن محمد، وتَرْكِ أتباعه إلى عدوه، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: مِن قبل أن تُصِيبَه هذه المصيبةُ. ﴿وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾. يقولُ ويَرتَدُّوا عن محمد وهم فَرِحون بما أصابَ محمدًا وأصحابه من المصيبة، بفُلُولِ أصحابه وانهزامهم عنه، وقَتْلِ مَن قُتِل منهم.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3931>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾. يقولُ: إِن تُصِبْكَ في سَفَرِك\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨١٠ من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٨ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) أي: يقال: أطاف به. إذا أحاطه. اللسان (ط وف).","vol":"11","page":494},{"text":"هذا لغزوة تبوك حَسَنةٌ تَسُؤْهم. قال: الجَدُّ وأصحابه (^١).\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾: حِذْرَنا.\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نميرٍ، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾. قال: حِذْرَنا (^٢).\nحدثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾: إن كان فَتْحٌ للمسلمين، كبُر ذلك عليهم وساءهم (^٣).\n\n<span id=\"aya-1286\"></span><span data-type='title' id=toc-3933>القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره مُؤدِّبًا نبيه محمدًا ﷺ: قُل يا محمد، لهؤلاء المنافقين الذين تَخَلَّفوا عنك: ﴿لَنْ يُصِيبَنَا﴾. أيُّها المُرتابون في دينهم، ﴿إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ في اللوح المحفوظ، وقضاه علينا، ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾. يقولُ: هو ناصِرُنا على أعدائه، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: وعلى اللَّهِ فَليَتَوَكَّلِ المؤمنون؛ فإنهم إن يَتَوَكلوا عليه، ولم يَرْجُوا النصرَ مِن عندِ غيره، ولم يخافوا شيئًا غيره، يَكْفِهم أمورهم، ويَنْصُرْهم على مَن بَغاهم وكادَهم.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٩ إلى المصنف وسنيد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٧٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨١١. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٩ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨١١ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٩ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":495},{"text":"<span id=\"aya-1287\"></span><span data-type='title' id=toc-3935>القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قُلْ يا محمد، لهؤلاء المنافقين الذين وَصَفتُ لك صِفتهم وبَيَّنتُ لك أمرهم: هل تنتظرون بنا إلا إحدى الخلَّتين اللَّتين هما أحسن من غيرهما؛ إمَّا ظَفَرًا بالعدوِّ وفتحًا لنا بغَلَبَتناهم، ففيها الأَجْرُ والغَنِيمة والسلامة؛ وإِمَّا قَتْلًا مِن عدوِّنا لنا، ففيه الشهادة والفوز بالجنة، والنَّجَاةُ مِن النارِ، وكلتاهما مما [يُحَبُّ، ولا يُكْرَهُ] (^١) ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾. يقولُ: ونحن ننتظر بكم أن يُصِيبَكُمُ اللهُ بعُقوبةٍ مِن عنده عاجلةٍ، تُهْلِكُكم، أو بِأَيْدِينَا فتَقْتُلُكم، ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾. يقولُ: فانْتَظِرُوا إِنَّا معكم مُنتظرون ما الله فاعل بنا، وما إليه صائرٌ أمرُ كلِّ فريقٍ مِنَّا ومنكم.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-3934>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾. يقولُ: فَتْحٌ أو شَهادةٌ. وقال مَرَّةً أخرى: يقولُ: القَتْلُ، فهى الشهادة والحياة والرزق، وإمَّا يُخْزِيكم بأيدينا (^٢).\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"نحب ولا نكره\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨١٢ من طريق أبي صالح به.","vol":"11","page":496},{"text":"حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾. يقولُ: قَتْل فيه الحياةُ والرِّزْقُ، وإما أن يَغْلِبَ فيؤتيه الله أجرًا عظيمًا، وهو مثل قوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾ (^١) [النساء: ٧٤].\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾. قال: القَتْلُ في سبيل الله، والظُّهورُ على أعدائه (^٢).\n[قال: ثنا محمد بن بكرٍ، عن ابن جُريجٍ، قال: بلغنى عن مجاهدٍ، قال: القَتْلُ في سبيل الله، والظُّهورُ.\nحدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾: القتل في سبيل الله، والظُّهور على أعداء الله] (^٣).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوه. قال ابن جُريجٍ: قال ابن عباسٍ: ﴿بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾: بالموت. ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾. قال: القتلُ.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿قُلْ هَلْ\n_________\n(^١) حدث خلط في هذه الآية في النسخ: ص، ت ١، ف، س فجاءت هكذا \"ومن يقاتل في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة\" وجاءت في المطبوعة هكذا \"ومن يقاتل في سبيل الله\" إلى \"فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما\" والمثبت من: ت ٢.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٧٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨١٢.\n(^٣) سقط من: ت ١.","vol":"11","page":497},{"text":"تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾: إلا فَتْحًا، أو قَتْلًا في سبيلِ اللهِ، ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾. أي: قتلٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-1288\"></span><span data-type='title' id=toc-3936>القولُ في تأويل قوله: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمد، لهؤلاء المنافقين: أنفقوا كيف شِئْتُم أموالكم في سَفَرِكم هذا وغيره، وعلى أيِّ حالٍ شِئْتُم، مِن حالِ الطوع والكرْه، فإنكم إن تُنفقوها، لن يتقبَّل الله منكم نَفَقاتِكم، وأنتم في شَكٍّ من دينكم، وجَهْلٍ منكم بنبوَّة نبيِّكم، وسوء معرفة منكم بثواب الله وعقابه، ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. يقولُ: خارجين عن الإيمان بربكم.\nوخرج قوله: ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ مَخْرج الأمْرِ، ومعناه الخبرُ (^٢)، والعربُ تَفْعَلُ ذلك في الأماكن التي يَحْسُنُ فيها \"إن\"، التي تأتي بمعنى الجزاء، كما قال، جلّ ثناؤه: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]. فهو في لفظ الأمر، ومعناه الجزاءُ (^٣)، ومنه قول الشاعر (^٤):\nأسيئى بنا أو أحْسِنى لا مَلُومةً … لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةً إِنْ تَقَلَّتِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨١٢ من طريق يزيد به ببعضه.\n(^٢) قال الفراء في معاني القرآن ١/ ٤٤١: \"وهو أمر في اللفظ وليس بأمر في المعنى؛ لأنه أخبرهم أنه لن يتقبل منهم. وهو في الكلام بمنزلة إن في الجزاء؛ كأنك قلت: إن أنفقت طوعا أو كرها فليس بمقبول منك … \" وينظر الكشاف ٢/ ١٩٥، والبحر المحيط ٥/ ٥٢، والمحكم لابن سيده ٣/ ١٤٤، وينظر أيضا تفسير المصنف لقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٨٠].\n(^٣) في م: \"الخبر\". وينظر الحاشية السابقة.\n(^٤) هو كثير عزة، وقد تقدم تخريج البيت في ٢/ ١٩٤.","vol":"11","page":498},{"text":"فكذلك قوله: ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾. إنما معناه: إن تُنْفِقُوا طَوْعًا أو كَرْهًا ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾.\nوقيل: إن هذه الآيةَ نَزَلَت في الجَدِّ بن قَيْسٍ، حين قال للنبي ﷺ، لمَّا عَرَضَ عليه النبي ﷺ الخروج معه لغزو الروم: هذا مالى أُعينك به.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباس: قال الجَدُّ بنُ قَيْسٍ: إنى إذا رأيتُ النساء لم أَصْبِرْ حتى أُفْتَتَنَ، ولكن أُعِينك بمالي. قال: ففيه نَزَلَت: ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾. قال: لقوله: أُعِينُك بمالى (^١).\n\n<span id=\"aya-1289\"></span><span data-type='title' id=toc-3937>القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وما منع هؤلاء المنافقين، يا محمد، أن تُقبل منهم نَفَقاتُهم التي يُنفقونها في سَفَرِهم معك، وفى غير ذلك من السُّبُلِ ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ فـ \"أن\" الأولى في موضع نَصْبٍ، والثانية في موضع رفع؛ لأن معنى الكلام: ما مَنَع قبول نَفَقاتِهم إلا كفرهم باللَّهِ، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾، يقول: لا يأتونها إلا مُتَناقِلين بها؛ لأنهم لا يرجون بأدائها ثوابًا، ولا يخافون بتَرْكِها عِقابًا، وإنما يُقيمونها مخافة على أنفسهم بتَرْكِها مِن المؤمنين، فإذا أَمِنُوا لم يُقيموها، ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ﴾. يقولُ: ولا يُنْفِقُون مِن أموالهم شيئًا هو ﴿إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ أن يُنْفِقوه في الوَجْهِ الذي يُنْفِقُونه فيه، مما فيه\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٤٩٢.","vol":"11","page":499},{"text":"تقويةٌ للإسلام وأهله.\n\n<span id=\"aya-1290\"></span><span data-type='title' id=toc-3939>القول في تأويل قوله: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾.</span>\nاختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معناه: فلا تُعْجِبْك يا محمد أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بها في الآخرة. وقال: معنى ذلك التَّقْديم، وهو مُؤخَّرٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3938>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾. قال: هذه من تقاديم [الكلام، يقول: لا تُعْجِبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إِنَّمَا يُرِيدُ] (^١) اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا في الآخرة (^٢).\nحدثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا﴾: في الآخِرَةِ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إنما يريدُ اللهُ ليُعَذِّبَهم بها في الحياة الدنيا، بما ألزمهم فيها مِن فَرائضِه.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨١٣ من طريق يزيد به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٩ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":500},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3940>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثت عن المسيب بن شريك، عن [سليمان البصري] (^١)، عن الحسن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: بأخذ الزكاة والنفقة في سبيل الله.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: بالمصائب فيها، هي لهم عذابٌ وهى للمؤمنين أجْرٌ (^٢).\nقال أبو جعفر: وأَوْلى التأويلين بالصواب في ذلك عندنا التأويل الذي ذكرناه عن الحسن؛ لأن ذلك هو الظاهرُ من التنزيل، فصَرْفُ تأويله إلى ما دلَّ عليه ظاهِرُه، أَوْلى مِن صَرْفه إلى باطن لا دلالة على صحته.\nوإنما وَجَّه مَن وَجَّه ذلك إلى التقديم وهو مُؤخَّرٌ؛ لأنه لم يَعْرِفُ لتَعْذِيبِ اللَّهِ المنافقين بأموالهم وأولادهم في الحياة الدنيا، وَجْهَا يُوَجِّهه إليه، وقال: كيف يُعَذِّبُهم بذلك في الدنيا وهى (^٣) لهم فيها سرورٌ؟ وذَهَب عنه تَوْجِيهُه إلى أنه مِن عظيم العذاب عليه، إلزامه ما أوجب الله عليه فيها من حقوقه وفَرائضه، إذ كان يُلْزِمُه ويُؤخَذُ منه، وهو به غيرُ طَيِّبِ النفس، ولا راجٍ به مِن اللَّهِ جَزاءً، ولا مِن الأَخْذِ منه حَمْدًا ولا شُكْرًا، على ضَجَرٍ منه وكُرْهٍ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"سلمان الأنضرى\"، وفى م: \"سلمان الأقصرى\". والمثبت كما سيأتي في ص ٦٤٨ وينظر أيضًا تهذيب الكمال ١١/ ٣٥١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨١٣ من طريق أصبغ، عن ابن زيد وسيأتي بتمامه في تفسير الآية ١٠١ من سورة التوبة.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"هو\".","vol":"11","page":501},{"text":"وأما قوله: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ [وَهُمْ كَافِرُونَ﴾، فإنه يعني: وتَخْرُجَ أنفسهم] (^١)، فَيَموتوا على كُفْرِهم بالله، وجُحُودِهم نبوة نبيِّ الله محمدٍ ﷺ.\nيقالُ منه: زَهَقَت نفسُ فلانٍ، وزَهِقَت. فمَن قال: زَهَقَت. قال: تزْهَقُ. ومَن قال: زهقت، قال: تزهقُ زُهوقًا. ومنه قيل: زَهَق فلانٌ بين أيدى القومِ يَزْهَقُ زُهُوقًا. إذا سَبَقَهم فتَقَدَّمَهم. ويقالُ: زَهَق الباطل. إذا ذَهَب ودَرَس.\n\n<span id=\"aya-1291\"></span><span data-type='title' id=toc-3941>القول في تأويل قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ويَحْلِفُ بالله لكم، أيُّها المؤمنون، هؤلاء المنافقون كَذِبًا وباطلًا، خَوْفًا منكم - ﴿إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ في الدين والملة. يقولُ الله تعالى مُكَذِّبًا لهم: ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾. أي: ليسوا من أهل دينكم وملَّتِكم، بل هم أهل شكٍّ (^٢) ونفاق، ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾. يقولُ: ولكنهم قومٌ يخافونكم، فهم خَوْفًا منكم يقولون بألسنتهم: إنَّا منكم. ليَأْمَنوا فيكم فلا يُقْتَلوا.\n\n<span id=\"aya-1292\"></span><span data-type='title' id=toc-3942>القول في تأويل قوله: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: لو يَجِدُ هؤلاء المنافقون ﴿مَلْجَأً﴾. يقولُ: عَصَرًا (^٣) يَعْتَصِرون به مِن حِصْنٍ، ومَعْقِلًا يَعْتَقِلون فيه منكم، ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾. وهى الغيران في الجبال، واحِدَتُها: مَغَارةٌ، وهي مَفَعْلَةٌ، مِن: غارَ الرجلُ في الشيء،\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٢) في ف: \"شرك\".\n(^٣) أي الملجأ والمنجاة. اللسان (ع ص ر).","vol":"11","page":502},{"text":"يَغُورُ فيه. إذا دَخَل، ومنه قيل: غارت العين. إذا دَخَلَت فِي الحَدَقَةِ. ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾. يقولُ: أو سَرَبًا في الأرض يدخلون فيه. وقال: ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ (^١)؛ لأنه مِن ادَّخَل يَدَّخِلُ.\nوقوله: ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾. يقولُ: لأدْبَروا إليه، هَرَبًا منكم، ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾. يقولُ: وهم يُسْرِعون في مشيهم.\nوقيل: إن الجماحَ مَشىٌ بينَ المَشْيَين. ومنه قولُ مُهَلْهِلٍ (^٢):\nلقد جَمَحْتُ جماحًا في دِمائِهِمُ … حتى رأيتُ ذَوِى [أَحْسَابِهِمْ خَمَدُوا] (^٣)\nوإنما وصفهم الله بما وصفهم به من هذه الصفة؛ لأنهم إنما أقاموا بينَ أَظْهُرِ أصحاب رسول الله ﷺ على كُفْرِهم ونفاقهم وعداوتهم لهم، ولما هم عليه من الإيمان بالله وبرسوله؛ لأنهم كانوا (^٤) قَوْمَهم وعشيرتهم وفى دُورهم وأموالهم، فلم يَقْدِروا على تَرْكِ ذلك وفراقه، فصانعوا القومَ بالنِّفاق ودافعوا عن أنفسهم وأموالهم وأولادهم بالكفر ودَعْوى الإيمان، وفى أنفسهم ما فيها من البُغْضِ لرسول الله ﷺ وأهل الإيمان به والعداوة لهم، فقال الله واصِفَهم بما في ضَمائرهم: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ الآية.\nوبنحو الذي قُلْنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) بعده في م: \"الآية\".\n(^٢) التبيان ٥/ ٢٤١.\n(^٣) في التبيان: \"أجسامهم جمدوا\".\n(^٤) بعده في م: \"في\".","vol":"11","page":503},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3943>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ والمَلْجَأُ الحرْز (^١) في الجبال، والمغارات الغيرانُ في الجبال. وقوله: ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ والمُدَّخَلُ: \"السَّرَبُ\" (^٢).\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾، ﴿مَلْجَأً﴾. يقولُ: حِرْزًا، ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾. يعنى: الغِيرانَ، ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ يقولُ: ذهابًا في الأرضِ، وهو النَّفَقُ في الأرضِ، وهو السَّرَبُ.\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا﴾. قال: حِرْزًا لهم يَفِرُّون إليه منكم (^٣).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا﴾. قال: مُحْرِزًا لهم، لفَرُّوا إليه منكم. وقال ابن عباسٍ: قوله: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾: حِرْزًا أو مغاراتٍ، قال: الغيرانُ، ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾. قال: نَفَقًا في الأرضِ.\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، عن سعيدٍ، عن قتادة: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ\n_________\n(^١) الحرز: الموضع الحصين. التاج (ح ر ز).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره مفرقا ٦/ ١٨١٤، ١٨١٥ من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٧٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨١٥. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٠ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"11","page":504},{"text":"مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا﴾. يقولُ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾: حُصُونًا، ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾: غِيرانًا، ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾: أَسْرابًا - ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-1293\"></span><span data-type='title' id=toc-3944>القول في تأويل قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ومِن المُنافِقِين الذين وَصَفْتُ لك، يا محمد، صِفتهم في هذه الآياتِ ﴿مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾. يقولُ: يَعِيبُك في أمرها، ويَطْعُنُ عليك فيها.\nيقالُ منه: لَمزَ فلانٌ (^٢) فلانًا يَلْمِزُه، ويَلْمُزُه. إذا عابه وقرصه (^٣)، وكذلك هَمَزه. ومنه قيل: فلانٌ هُمَزَةٌ لُمزَةٌ، ومنه قول رؤبة (^٤):\nقارَبتُ بينَ عَنَقِي وَجَمْزِى (^٥)\nفي ظِلٍّ عَصْرَىْ باطِلِي وَلَمزِى\nومنه قول الآخر (^٦):\nإذا لَقِيتُكَ تُبْدِى لِي مُكَاشَرَةً (^٧) … وإنْ أُغَيَّبْ فَأَنتَ العائبُ اللُّمَزَهْ\n_________\n(^١) أخرج أوله ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨١٤ من طريق يزيد به.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"قرضه\" وقرصه أي: دام على منافرته وغيبته. ينظر الوسيط (ق ر ص).\n(^٤) ديوانه ص ٦٤.\n(^٥) العنق والجمز: ضربان من السير، والجمز أشدهما فهو قريب من الوثب والعدو. ينظر الوسيط (ع ن ق)، (ج م ز).\n(^٦) هو زياد الأعجم. والبيت في مجاز القرآن ١/ ٢٦٣. وإصلاح المنطق ص ٤٢٨. وسيأتي في تفسير الآية ١ من سورة الهمزة.\n(^٧) كاشره: ضحك في وجهه وباسطه: الوسيط (ك ش ر).","vol":"11","page":505},{"text":"﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا﴾. يقول: ليس بهم في عَيْبِهِم إِيَّاكَ فيها، وطَعْنهم عليك بسببها الدِّينُ، لكن الغضب لأنفسهم، فإن أنت أَعْطيتهم منها ما يُرْضِيهم رَضُوا عنك، وإن أنت لم تُعْطِهم منها سخطوا عليك وعابُوك.\nوبنحو ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3945>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾. قال: يَرُوزُك (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾: يَرُوزُك ويسألُك.\nقال ابن جريج: وأخبرني داود بن أبي عاصم، قال: أتى النبي ﷺ بصدقةٍ فقَسَمَها ههنا وههنا، حتى ذَهَبَت. قال: ورآه رجلٌ مِن الأنصارِ، فقال: ما هذا بالعدل. فنزلت هذه الآية (^٢).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾. يقولُ: ومنهم مَن يَطْعَنُ عليك في الصدقات، وذكر لنا أن رجلًا من أهل البادية حديث عهد بأعرابية - أَتَى نبيَّ اللَّهِ ﷺ وهو يَقْسِمُ ذهبًا وفضةً، فقال: يا محمد، والله لئن كان اللهُ أَمَرَك أن تَعْدِلَ، مَا عَدَلْتَ. فقال نبيُّ الله ﷺ:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٧٠، ومن طريقه أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨١٦. ولفظه في تفسير مجاهد: يتهمك، يسألك ويروزك. ولفظ ابن أبي حاتم: يلمزك يسألك. والروز: الامتحان والتقدير. يقال: رزت ما عند فلان، إذا اختبرته وامتحنته، والمعنى: يمتحنك ويذوق أمرك هل تخاف لائمته إذا منعته أم لا. النهاية ٢/ ٢٧٦.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٠ إلى سنيد والمصنف.","vol":"11","page":506},{"text":"\"وَيْلَكَ، فمَن ذَا يَعْدِلُ عليك بَعْدِي؟ \". ثم قال نبي الله ﷺ: \"احْذَرُوا هذا وأشباهَه، فإن في أمتى أشباه هذا، يَقْرَءُون القرآنَ لا يُجاوِزُ تَراقِيهم، فإذا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهم، ثم إذا خَرَجوا فاقْتُلُوهم، ثم إذا خَرَجوا فاقْتُلُوهم\". وذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان يقول: \"والذي نفسي بيده، ما أُعطيكم شيئًا ولا أَمْنَعُكُمُوه، إنما أنا خازنٌ\" (^١).\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾. قال: يَطْعُنُ (^٢).\nقال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ عن مَعْمَرٍ عن الزُّهْرِيِّ، عن أبي سَلَمةَ بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد، قال: بينما رسولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ قَسْمًا، إذ جاءه ابن ذى الخُوَيْصِرَةِ التَّمِيميُّ (^٣)، فقال: اعْدِلْ، يا رسولَ اللَّهِ. فقال: \"وَيْلَكَ! ومَن يَعْدِلُ إِن لم أَعْدِلْ؟ \". فقال عمرُ بنُ الخطاب: يا رسولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لي فَأَضْرِبَ عُنقه، قال: \"دَعْهُ، فإن له أصحابًا يَحْقِرُ (^٤) أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صِيامهم، يَمْرُقُون من الدين كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِن الرَّمِيَّةِ، فيُنْظَرُ فِي قُذَذِهِ (^٥)، فلا يَنْظُرُ شيئًا، ثم يُنْظُرُ في نَصْلِه فلا يَجِدُ شيئًا، ثم يُنْظُرُ فِي رِصافِهِ (^٦) فَلا يَجِدُ شَيئًا، قد سَبَقَ الفَرْثَ والدَّمَ، آيتُهُم رجلٌ أسودُ، إحْدَى يَدَيْه - أو قال: يَدَيْه - مثلُ ثَدْي المرأةِ، أو مثلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ (^٧)، يَخْرُجُون على حين فَتْرَةٍ مِن الناسِ\". قال: فنَزَلَت: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾. قال أبو سعيد: أَشْهَدُ أَنِّي سمِعتُ هذا مِن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٠٤.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٧٧ عن معمر به.\n(^٣) اسمه على الصواب: \"ذو الخويصرة\"، ينظر أسد الغابة ٢/ ١٧٢، والإصابة ٢/ ٤١١.\n(^٤) في ص، ف: \"يحتقر\".\n(^٥) القذذ: ريش السهم. النهاية ٤/ ٢٨.\n(^٦) الرصاف: عقب يلوى على مدخل النصل. النهاية (ر ص ف).\n(^٧) تدردر: أي ترجرج تجيءُ وتذهب. والأصل تتدردر، فحذف إحدى التاءين تخفيفا. النهاية ٢/ ١١٢.","vol":"11","page":507},{"text":"رسول الله ﷺ، وأَشْهَدُ أن عليًّا، رحمة الله عليه، حين قتلهم، جيء بالرجل على النعتِ الذي نَعَت رسول الله ﷺ (^١).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾. قال: هؤلاء المنافقون قالوا: والله ما يُعطيها محمدٌ إلا من أحبَّ، ولا يُؤْثِرُ بها إلا هَواه. فأخبر الله نبيَّه، وأخبرهم أنه إنما جاءت من الله، وأن هذا أمرٌ من الله، ليس مِن محمد: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾. الآية (^٢).\n\n<span id=\"aya-1294\"></span><span data-type='title' id=toc-3946>القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ولو أن هؤلاء الذين يَلْمِزُونك (^٣) يا محمد، في الصدقات، رَضُوا ما أعطاهم الله ورسوله من عطاءٍ، وقسم لهم مِن قَسْمٍ، ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾. يقولُ: وقالوا: كَفِيُّنَا (^٤) اللهُ، ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾. يقولُ: سيُعْطِينا الله من فضلِ خَزائنه، ورسوله من الصدقة وغيرها، ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾. يقولُ: وقالوا: إنَّا إلى اللهِ نَرْغَبُ في أن يُوسِّعَ علينا من فضله، فيُغْنِينا\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٢٢٠) عن محمد بن عبد الأعلى به. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٨٦٤٩) والتفسير ١/ ٢٧٧ - ومن طريقه أحمد ١٨/ ٩٤ (١١٥٣٦) والبخارى (٦٩٣٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٩٢٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨١٥، والواحدى في أسباب النزول ص ١٨٦ - عن معمر به، وأخرجه البخارى (٣٦١٠)، ومسلم (١٠٦٤/ ١٤٨)، والطحاوي في المشكل (٤٠٧١)، والبيهقى ٨/ ١٧١، وفى الدلائل ٥/ ١٨٧، والبغوى (٢٥٥٢) من طريق الزهرى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨١٧ من طريق أصبغ عن ابن زيد به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يلمزوك\".\n(^٤) في م: \"كافينا\". وكلاهما بمعنًى.","vol":"11","page":508},{"text":"عن الصدقةِ وغيرِها من صِلاتِ الناسِ، والحاجةِ إليهم.\n\n<span id=\"aya-1295\"></span><span data-type='title' id=toc-3948>القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ما (^١) الصَّدَقَاتُ إلا للفقراءِ والمساكينِ، ومَن سَمَّاهم اللهُ جلَّ ثناؤُه.\nثُمَّ اختلف أهلُ التأويلِ في صفةِ الفقيرِ والمسكينِ؛ فقال بعضُهم: الفقيرُ المحتاجُ المتعفِّفُ عن المسألةِ، والمسكينَ المحتاجُ السائلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3947>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن أشعثَ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾. قال: الفقيرُ: الجالِسُ في بيتِه، والمسكينُ: الذي يَتَتَبَّعُ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنا مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾. قال: المساكينُ: الطَّوَّافون، والفقراءُ: فقراءُ المسلمين (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"لا تنال\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨١٨ من طريق أشعث به، بلفظ: \"الفقير الذي لا يسأل\"، وأخرجه ابن زنجويه في الأموال (٢٠٤٣) من طريق محرز البصرى عن الحسن، مطولًا بلفظ: \"الفقير هو الذي لا يسأل، فإن أعطى شيئًا، أخذ ما يكتفى به، والمسكين هو الذي يسأل إذا احتاج، فإذا أصاب ما يكتفى به أمسك\".\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال (١٩٤٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره مفرقا ٦/ ١٨١٨، ١٨٢٠ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥١ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":509},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن جَريرِ بن حازمٍ، قال: ثنى رجلٌ، عن جابرِ بن زيدٍ، أنه سُئِل عن الفقراءِ، قال: الفُقراءُ: المتعفِّفُون، والمساكينُ: الذين يَسْألون (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مَعْقِلُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ الجَزَريُّ (^٢)، قال: سألتُ الزُّهْرِيَّ عن قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾. قال: الذين في بُيوتهم لا يَسْألون، والمساكينُ: الذين يَخْرُجون فيَسْألون (^٣).\nحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا يَحيى بنُ سعيدٍ، عن عبدِ الوارثِ بن سعيدٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الفقيرُ: الذي لا يَسْأَلُ، والمِسْكينُ: الذي يَسْألُ (^٤).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾. قال: الفقراء الذين لا يَسْأَلُون الناسَ (^٥)؛ أهلُ حاجةٍ، والمساكينُ: الذين يَسْألون الناسَ.\nحدَّثنا الحارثُ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الفقراء: الذين لا يَسْألون، والمساكينُ: الذين يَسْألون.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٩٩، ٢٠٠، عن أبي أسامة به، وأخرجه أبو عبيد بنحوه في الأموال (١٩٤٤) من طريق جرير بن حازم به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٩٩ من طريق زياد بن حدير عن رجل عن جابر.\n(^٢) في م: \"الحراني\"، وفى ت ١، س، ف: \"الحريري\"، والحراني والجزرى نسبتان له. ينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٧٤.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره مفرقا ٦/ ١٨١٨، ١٨٢٠، من طريق أبي أحمد به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٠ من طريق معقل به.\n(^٤) أخرجه أبو عبيد في الأموال (١٩٤٣) عن يحيى بن سعيد به، وذكره النحاس في ناسخه ص ٥١٠.\n(^٥) بعده في م: \"وهم\".","vol":"11","page":510},{"text":"وقال آخرون: الفقيرُ هو ذو الزَّمانةِ (^١) من أهلِ الحاجةِ، والمسكينُ هو الصحيحُ الجسمِ منهم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3949>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾. قال: الفقيرُ (^٣): مَن به زمانةٌ، والمِسْكينُ: الصَّحِيحُ المحتاجُ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾: أَمَّا الفقيرُ: فالزَّمِنُ الذي به زمانةٌ، وأمَّا المِسْكينُ، فهو الذي ليست به زَمانةٌ.\nوقال آخرون: الفقراءُ: فقراءُ المهاجرين والمساكينُ: مَن لم يُهاجِرْ مِن المسلمين وهو مُحتاجٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3950>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا جَريرُ بنُ حازمٍ، عن عليٍّ بن الحَكَمِ، عن الضَّحاكِ بن مُزاحم: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ قال: فقراءُ\n_________\n(^١) الزمانة: العاهّة. اللسان (زم (ن)\n(^٢) سقط من: م، ت ١.\n(^٣) في ص، ت ١، س، ف: \"الفقراء\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٧٨ عن معمر به، ومن طريقه النحاس في ناسخه ص ٥٠٧، ٥٠٨ بلفظ: \"الفقراء الذين بهم زمانة، والمساكين الأصحاء المحتاجون\"، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره مفرقا ٦/ ١٨١٩،١٨٢٠ من طريق أبي عوانة عن قتادة نحوه، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥١ وعزاه إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"11","page":511},{"text":"المُهاجِرين، ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: الذين لم يُهاجروا (^١).\nقال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾: المهاجرين (^٢). قال سفيانُ: يعنى: ولا يُعْطَى الأعرابُ منها شيئًا (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: كان يقالُ: إنما الصدقةُ لفقراءِ المهاجرين (^٤).\nقال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: كانت تُجعَلُ الصدقةُ في فقراءِ المهاجرين، و(^٥) في سبيلِ اللهِ.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، وسعيدِ بن عبدِ الرحمنِ بن أبْزَى، قالا (^٦): كان ناسٌ مِن المهاجرين لأحدِهم الدارُ والزوجةُ والعبدُ والناقةُ، يَحُجُّ عليها ويَغْزو، فنَسَبَهم اللهُ إلى أنهم فقراءُ، وجَعَل لهم سَهْمًا في الزكاةِ (^٧).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ،\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال (١٩٤٠)، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٢٠ من طريق جرير بن حازم به واقتصر ابن أبي حاتم على شطره الأخير.\n(^٢) سقط من: س. وفى ص: \"والمهاجرين\"، وفى ت ١ ف: \"والمساكين\".\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال (١٩٣٩)، وابن زنجويه (٢٢٨٤) من طريق سفيان به، وليس عندهما قول سفيان. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨١٨، ١٨١٩ من طريق منصور به، وليس عنده قول سفيان أيضًا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢١٩ عن وكيع به، من قول منصور.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٦) في م: \"قال\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٧٩ من طريق جعفر عن سعيد وحده بلفظ: يعطى من الزكاة من له الدار والخادم والفرس.","vol":"11","page":512},{"text":"عن إبراهيمَ، قال: كان يقالُ: إنما الصدقاتُ (^١) في فقراءِ المهاجرين، وفي سبيلِ اللَّهِ وقال آخرون: المسكينُ: الضعيفُ الكَسْبِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-3951>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا ابن عَوْنٍ، عن محمدٍ، قال: قال عمرُ: ليس الفقيرُ بالذي لا مالَ له، ولكن الفقيرُ الأَخْلَقُ الكَسْبِ (^٣).\nقال يعقوبُ: قال ابن عُلَيَّةَ: الأَخْلَقُ: المحارَفُ (^٤) عندَنا.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرِ، عَن مَعْمَرٍ، عن أيوبَ، عن ابن سيرينَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ قال: ليس المسكينُ بالذي لا مالَ له، ولكن المسكينُ الأَخْلَقُ الكَسْبِ (^٥).\nوقال بعضُهم: الفقيرُ: من المسلمين، والمسكينُ: من أهلِ الكتابِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3952>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عمرُ بنُ نافعٍ، قال: سمعتُ\n_________\n(^١) بعده في: ت ١، س، ف: \"للفقراء\".\n(^٢) في م: \"البئيس\".\n(^٣) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١٨/ ٥٢ والاستذكار ٢٦/ ٢٦٠ (٣٩٥٤٠) من طريق ابن عون به.\n(^٤) المحارَف: المحدود المحروم. وقيل: هو الذي قُتِر رزقُه. وقيل: رجل محارَف: منقوص الحظ، لا ينمو له مال. ينظر تاج العروس (ح ر ف).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٢٠ من طريق ابن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٠ عن معمر به.","vol":"11","page":513},{"text":"عِكْرمةَ في قولِه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾. قال: لا تقولوا لفقراء المسلمين: مساكين. إنما المساكينُ مَساكينُ (^١) أهلِ الكتابِ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: الفقيرُ: هو ذو الفَقْرِ و(^٣) الحاجة، [ومع حاجتِه يتعفَّفُ] (^٤) عن مسألةِ الناسِ والتَّذَلُّلِ لهم، في هذا الموضعِ. والمسكينُ: هو المحتاجُ المتذَلِّلُ للناسِ بمسألتهم.\nوإنما قُلنا: إن ذلك كذلك، [وإن] (^٥) كان الفريقان لم يُعْطَيَا إلا بالفقرِ والحاجةِ، دونَ الذِّلَّةِ والمسألةِ (^٦)؛ لإجماعِ الجميعِ من أهلِ العلمِ أن المسكينَ إنما يُعْطَى مِن الصدقة المفروضةِ بالفقرِ، وأن معنى المَسْكَنةِ (^٧) عندَ العربِ، الذِّلَّةُ، كما قال الله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ (^٨) [البقرة: ٦١] يعنى بذلك: الهُونَ والذلةَ، لا الفقرَ. فإذ (^٩) كان اللهُ جلَّ ثناؤُه قد صَنَّفَ مَن قَسَم له مِن الصدقةِ المفروضةِ قَسْمًا بالفقرِ، فجَعَلهم صِنْفَين، كان معلومًا أن كلَّ صِنْفٍ منهم غيرُ الآخرِ، وإذ كان ذلك كذلك، كان لا شكَّ أنَّ المقسومَ له باسمِ الفقرِ (^١٠)، غيرُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، س، ف.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسير ٤/ ٦٢، وابن كثير في تفسيره ٤/ ١٠٦.\n(^٣) في م: \"أو\".\n(^٤) في ص، ت ٢: \"مع حاجته وتحفره\". وفى س: \"مع حاجته وتحقره\". وفى ف: \"مع حاجته وتحقره\".\n(^٥) في ص، س، ف: \"فإن\".\n(^٦) في م، س: \"المسكنة\". وفى ف: \"المسكنة والمسألة\".\n(^٧) في ص، ف: \"المسألة\".\n(^٨) في ص، س، ف جاء لفظ الآية: \"وضربت عليهم المسكنة\". وهو لفظ الآية ١١٢ من سورة آل عمران.\n(^٩) في م: \"فإذا\".\n(^١٠) في م، س، ف: \"الفقير\".","vol":"11","page":514},{"text":"المقسومِ له باسمِ الفقرِ (^١) والمسكنةِ، والفقيرَ المُعْطَى ذلك باسمِ الفقرِ (^٢) المطلقِ، هو الذي لا مَسْكنةَ فيه، والمُعْطَى باسمِ المسكنةِ والفقرِ، هو (^٣) الجامعُ إلى فقرِه المَسْكنةَ؛ وهى الذُّلُّ بالطلبِ والمسألةِ.\nفتأويلُ الكلامِ إذن (^٤) - إذْ كان ذلك معناه: إنما الصدقات للفقراء (^٥)؛ المُتَعَفِّفِ منهم الذي لا يسألُ، والمُتَذَلِّل منهم الذي يسألُ، وقد رُوِيَ عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِ الذي قُلنا في ذلك خبرٌ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن شَرِيكِ بن أبي نَمِرٍ، عن عطاءِ بن يَسارٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ليس المسكينُ بالذي تَرُدُّه اللقْمَةُ واللُّقْمَتانِ، والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ، إنما المسكينُ المُتَعَفِّفُ، اقْرَءُوا إِن شِئْتُم: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (^٦) [البقرة: ٢٧٣].\nومعنى قولِه ﷺ: \"إنما المسكينُ المُتَعفِّفُ\"؛ على نحوِ ما قد جَرَى به استعمال الناسِ مِن تَسْمِيتهم أهل الفقرِ مساكينَ، لا على تفصيلِ المسكينِ من الفقيرِ.\n_________\n(^١) في س، ف: \"الفقير\".\n(^٢) في م، ف: \"الفقير\".\n(^٣) بعده في ص، س، ف: \"ذو\".\n(^٤) ليست في: م، ت ١، ت ٢\n(^٥) بعده في س، ف: \"والمساكين\".\n(^٦) أخرجه أحمد ١٥/ ٧١ (٩١٤٠)، ومسلم (١٠٣٩)، والنسائي (٢٥٧٠)، وأبو يعلى (٦٣٧٨)، من طريق إسماعيل به. وأخرجه البخارى (٤٥٣٩)، ومسلم (١٠٣٩)، وابن زنجويه في الأموال (٢١١٠)، والبيهقى ٤/ ١٩٥ من طريق شريك به.","vol":"11","page":515},{"text":"ومما يُنْبِيُّ عن أن ذلك كذلك، انتزاعُه ﷺ بقولِ (^١) اللَّهِ: \"اقْرَءوا إن شِئْتُم: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ \"، وذلك في صفةِ مَن ابْتَدَأَ اللَّهُ ذِكْرَه ووَصَفَه بالفقرِ (^٢)؛ فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣].\nوقوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾. وهم (^٣) السُّعَاةُ فِي قَبْضِها مِن أهلِها، ووَضْعِها في مُسْتَحِقِّها (^٤)، يُعْطَوْن ذلك بالسِّعاية، أغنياءَ كانوا أو فقراءَ.\nوبمثلِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3953>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مَعْقِلُ بنُ (^٥) عُبَيدِ اللَّهِ، قال: سألتُ الزُّهْرِيَّ عن العامِلين عليها، فقال: السُّعاةُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾. قال: جُباتُها الذين يَجْمَعونها، ويَسْعَوْن فيها.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾: الذي يَعْمَلُ عليها.\n_________\n(^١) في ص، س، ف: \"يقول\"، وفى م: \"لقول\". وانتزع بالآية والشِّعْر: تمثَّل. تاج العروس (ن ز ع).\n(^٢) في ف: \"الفقير\".\n(^٣) في ص، س، ف: \"إنهم\".\n(^٤) في م: \"مستحقيها\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عن\". وصوابها ما في: م. وقد جاءت على الصواب قبلُ في صفحة ٥١٠ بنفس رجال الإسناد.","vol":"11","page":516},{"text":"ثم اختَلَف أهلُ التأويلِ في قدر ما يُعْطَى العاملُ مِن (^١) ذلك؛ فقال بعضُهم: يُعْطَى منه الثُّمُنَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3954>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حُمَيدُ (^٢) بن عبدِ الرحمنِ، عن حسنِ بن صالحٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ، قال: للعامِلين عليها الثُّمُنُ مِن الصدقةِ.\nحُدِّثْتُ عن مسلمِ بن خالدٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾. قال: يأكلُ العُمَّالُ مِن السهمِ الثامنِ (^٣).\nوقال آخرون: بل يُعْطَى على قَدْرِ عِمالتِه.\n<span data-type='title' id=toc-3955>[ذكرُ مَن قال ذلك]</span> (^٤)\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ بنُ عطاءٍ، عن الأخضرِ بن عَجْلانَ، قال: ثنا عطاءُ بنُ زُهَيرٍ العامريُّ، عن أبيه، أنه لَقِى عبدَ اللهِ بنَ عمرِو بن العاصِ، فسألَه عن الصدقة: أيُّ مالٍ هي؟ فقال: مالُ العُرْجانِ والعُورانِ والعُمْيانِ، وكلِّ مُنْقَطَعٍ (^٥) به. فقال له: [إن للعاملين حقًّا] (^٦) والمجاهدين؟ قال: إن\n_________\n(^١) في ص، س، ف: \"في\".\n(^٢) في ف: \"عبيد\". وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٣٧٥.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٦٣.\n(^٤) ليست في: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٥) المُنقطع به: من \"انْقُطِعَ به\": إذا عجز عن سفره؛ من نفقةٍ ذَهَبَتْ، أو قامت عليه راحلته، أو أتاه أمر لا يقدر على أن يتحرك معه. ينظر تاج العروس (ق ط ع).\n(^٦) في ص، ت ١، س، ف: \"أي والعاملين\".","vol":"11","page":517},{"text":"المجاهدين قومٌ أُحِلَّ لهم، وللعاملين (^١) عليها على قَدْرِ عِمالِتهم. ثم قال: لا تَحِلُّ الصدقةُ لغنيٍّ، ولا لذى مِرَّةٍ (^٢) سَوِيٍّ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: يكونُ للعاملِ عليها إن عَمِلَ بالحقِّ، ولم يكنْ عمرُ ﵁ ولا أولئك يُعْطُون العامل الثُّمُنَ، إنما يَفْرِضون له بقَدْرِ عِمالتِه (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن أشْعَثَ، عن الحسنِ: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾. قال: كان يُعْطَى العامِلون (^٥).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: يُعْطَى العاملُ عليها على قَدْرِ عِمالتِه و(^٦) أجْرِ مِثْلِه.\nوإنما قُلْنا: ذلك أَوْلى بالصوابِ؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه لم يَقْسِمُ صدقةَ الأموالِ بينَ الأصْنافِ الثمانيةِ على ثمانيةِ أسهمٍ، وإنما عَرَّفَ خَلْقَه أن الصدقاتِ لن تُجاوزَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س، ف: \"العاملين\".\n(^٢) المرة: قُوَّة الخَلْقِ وشِدَّتُه. ينظر القاموس المحيط (م ر ر).\n(^٣) أخرجه البيهقى ٧/ ١٣ من طريق الأخضر وأخيه شميط عن عطاء به نحوه، وجاء عنده قوله: \"لا تحل .... \" مرفوعًا إلى النبي ﷺ، كما أخرجه في ٧/ ١٥ من طريق الأخضر به، مختصرا بلفظ: \"قال: قلت: للعاملين عليها، يعنى حقًّا؟ قال: نعم على قدر عمالتهم\". وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير، ٤/ ٢٦٢، ٢٦٣، وابن زنجويه في كتاب الأموال (٢٠٤٢)، ومن طريق شميط بن عجلان عن عطاء به نحوه، لكن عندهما عن عبد الله بن عمر لا \"عمرو\"، ووقع عند البخاري عن شميط عن أبيه عن ابن عمر\" والأرجح أنه سقط منه \"عن عطاء\"، كما أخرجه البخارى أيضا في تاريخه الكبير ٦/ ٤٦٨، ٤٦٩ من طريق عطاء به نحوه، وعنده أيضا عن ابن عمر، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٢ بنحوه لكن من قول ابن عمر، وعزاه لأبي الشيخ.\n(^٤) في ص، ت ١، س، ف: \"عمله\".\n(^٥) ينظر الأموال لابن زنجويه (٢٠٤٣).\n(^٦) سقط من: م.","vol":"11","page":518},{"text":"هؤلاء الأصْنافَ الثمانيةَ إلى غيرِهم. وإذ كان كذلك، بما سنُوضِحُ بعدُ، وبما قد أوضَحْناه في [مواضع أُخَر] (^١)، كان معلومًا أن مَن أُعْطِى منها حقًّا، فإنما يُعْطَى على (^٢) اجتهادِ المُعْطِى فيه. وإذا كان ذلك كذلك، وكان العاملُ عليها إنما يُعْطَى على عملِه، لا على الحاجةِ التي تزولُ بالعَطِيَّةِ، كان معلومًا أن الذي أُعْطاه مِن ذلك، إنما هو عِوَضٌ مِن سَعْيِه وعملِه، وأن ذلك إنما هو قَدْرُ ما (^٣) يَسْتَحِقُّهُ عِوَضًا مِن عملِه الذي لا يزولُ بالعَطِيَّةِ، وإنما يزولُ بالعَزْلِ.\nوأمَّا المُؤلَّفَةُ قلوبهم، فإنهم قومٌ كانوا يُتَأَلَّفون على الإسلامِ، ممن لم تَصِحَّ نُصْرَتُه؛ اسْتِصلاحًا به نفسَه وعَشيرته؛ كأبي سفيانَ بن حربٍ وعُيَيْنَةَ بن بدرٍ، والأقْرَعِ بن حابسٍ، ونُظَرائِهم مِن رؤساء القبائلِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3956>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: وهم قومٌ كانوا يَأْتون رسولَ اللهِ ﷺ قد أسْلَموا، وكان رسولُ اللهِ ﷺ يَرْضَخُ (^٤) لهم مِن الصدقاتِ، فإذا أعْطاهم مِن الصدقةِ (^٥) فأصابوا منها خيرًا، قالوا: هذا دِينٌ صالحٌ. وإن كان غيرَ ذلك، عابُوه وتَرَكوه (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"موضع آخر\".\n(^٢) بعده في م: \"قدر\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) يرضخ: يعطى قليلا. ينظر الوسيط (ر ض خ).\n(^٥) في م: \"الصدقات\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥١ إلى المصنف وابن مردويه، وعزاه صاحب منار السبيل ١/ ٢٠٨ إلى أبي بكر ابن المنذر في تفسيره.","vol":"11","page":519},{"text":"حدَّثنا ابن عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن يحيى بن أبى كثيرٍ، أن المؤلفةَ قلوبُهم من بنى أُمَيَّةَ أبو سفيانَ بنُ حَرْبٍ، ومِن بني مَحْرُومٍ الحارثُ بن هشامٍ وعبدُ الرحمنِ بنُ يَرْبوعٍ، ومن بني جُمَحَ صَفْوانُ بنُ أُمَيَّةَ، ومِن بنى عامِرِ بن لُؤيٍّ سُهَيل بنُ عمرٍو وحُوَيْطِبُ بنُ عبدِ العُزَّى، ومن بني أسدِ بن عبدِ العُزَّى حكيمُ بنُ حزامٍ، ومِن بنى هاشمٍ أبو (^١) سفيان بنُ الحارثُ بن عبدِ المطلبِ، ومِن بني فَزارةَ عُيَينةُ بنُ حِصْنِ بن بدرٍ، ومن بني تميمٍ الأَقْرَعُ بنُ حابسٍ، ومِن بني نصرٍ مالكُ بنُ عوفٍ، ومِن بني سُلَيمٍ العباسُ بنُ مِرْداسٍ، ومن ثقيفٍ العلاءُ بنُ حارثةَ (^٢). أعطَى النبيُّ ﷺ كلَّ رجلٍ منهم مائةَ ناقةٍ إلا عبدَ الرحمنِ بنَ يَرْبوعٍ وحُويطِبَ بنَ عبدِ العُزَّى، فإنه أعطىَ كلَّ رجلٍ منهم خمسين (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، قال: ثنا محمدُ بن ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الزهريِّ، قال: قال صَفْوانُ بنُ أميةَ: لقد أعْطاني رسولُ اللهِ ﷺ، وإنه لأَبْغَضُ الناسِ إليَّ، فما بَرِح يُعْطِينى حتى إنه لأَحَبُ الناسِ إلَّى (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ناسٌ كان يَتَألَّفُهم بالعَطِيَّةِ؛ عُيَيْنةُ بنُ بدرٍ ومَن كان\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) كذا في النسخ، وقيل صوابها: جارية، بالجيم التحتانية، وبعضهم يقول خارجة. ينظر الاستيعاب ٣/ ١٠٨٥ وأسد الغابة ٤/ ٧٣، والإصابة ٤/ ٥٤٠، ٥/ ٢٧٩.\n(^٣) ذكره الزيلعي في نصب الراية ٢/ ٣٩٤ عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨١، ٢٨٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٢٢، ١٨٢٣ من طريق معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥١ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٢، وابن عساكر ٢٤/ ١١٦ من طريق معمر به، وأخرجه أحمد ٦/ ٤٦٥ (الميمنية)، ومسلم (٥٩/ ٢٣١٣)، والترمذى (٦٦٦) من طريق يونس بن يزيد الأيلى عن الزهرى عن سعيدِ بن المسيب عن صَفْوانُ بنُ أميةَ.","vol":"11","page":520},{"text":"معه (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، عن حمادِ بن سَلَمَةَ، عن يونسُ، عن الحسنِ: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: الذين يُؤَلَّفون على الإسلامِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: وأما المؤلَّفةُ قلوبُهم، فأُناسٌ مِن الأعرابِ ومن غيرِهم، كان نبيُّ اللهِ ﷺ يَتألَّفُهم بالعَطِيَّة كيما يؤمنوا (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مَعْقِلُ بنُ عُبَيدِ (^٤) اللهِ، قال: سألتُ الزهريَّ، عن [قولِه: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾] (^٥). فقال: مَن أسلمَ مِن يهوديٍّ أو نصرانيٍّ. قلتُ: وإن كان غنيًّا؟ قال: وإن كان غنيًّا (^٦).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مَعْقِلُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ الجَزَرِيُّ، عن الزهريِّ: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [قال: كلُّ] (^٧) من هو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ.\nثم اختَلَف أهلُ العلمِ في وجودِ المؤلَّفة اليومَ وعَدَمِها، وهل يُعْطَى اليوم أحدٌ على التألفِ على الإسلام من الصدقةِ؟ فقال بعضُهم: قد بَطَلَت المؤلفةُ قلوبهم اليومَ، ولا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٧٠، ٣٧١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٢٣، وابن أبي حاتم في تفسيره، ٦/ ١٨٢٣، من طريق حمادٍ به، بلفظ: الذين يدخلون في الإسلام. . وأخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال (١٩٦٠) من طريق حماد عن حُميد عن الحسن، بمثل لفظ السابقَين.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٢٣ معلقًا.\n(^٤) في ص، ت ١، س، ف: \"عبد\". وينظر ما تقدم في ص ٥١٠.\n(^٥) في ص، ت ١، س، ف: \"المؤلفة قلوبهم\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٢٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٢٣ من طريق أبي أحمد محمد بن عبد الله الأسدى به.\n(^٧) في ص، ت ١، س: \"كل\"، وفى م: \"قال\".","vol":"11","page":521},{"text":"سهمَ لأحدٍ في الصدقةِ المفروضةِ إلا لذى حاجة إليها، أو (^١) في سبيلِ اللهِ، أو لعاملٍ عليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-3957>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن أَشْعَثَ، عن الحسنِ: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: أمَّا المؤلَّفةُ قلوبُهم فليس اليومَ (^٢).\nحدَّثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: لم يَبْقَ في الناسِ اليومَ مِن المؤلفةِ قلوبُهم، إنما كانوا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، عن حِبَّانَ بن أبي جَبَلةَ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ رَضِى الله تعالى عنه وأتاه عُيَيْنةُ بنُ حِصْنٍ: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. أي: ليس اليوم مؤلفةٌ (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسنِ، قال: ليس اليوم مؤلفةٌ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: إنما كانت المؤلفةُ قلوبُهم على عهدِ النبيِ ﷺ، فلما وَليَ أبو بكرٍ، رضِى اللهِ تعالى عنه، انْقَطَعَت الرِّشا (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"و\".\n(^٢) أخرجه ابن زنجويه في الأموال (٢٠٤٣) من طريق محرز البصري عن الحسن بمعناه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٣٣ عن وكيع به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٢٢ من طريق جابر به.\n(^٤) ذكره الزيلعي في نصب الراية ٢/ ٣٩٤ عن المصنف.","vol":"11","page":522},{"text":"وقال آخرون: المؤلَّفةُ قلوبُهم في كلِّ زمانٍ، وحَقُّهم في الصدقاتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3958>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: في الناس اليوم المؤلَّفةُ قلوبُهم.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ مثلَه (^١).\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى، أن اللَّهَ جَعَل الصدقةَ في مَعْنَيَيْن؛ أحدُهما: سَدُّ خَلَّةِ المسلمين، والآخرُ: معونةُ الإسلامِ وتقويتُه. فما كان في معونةِ الإسلامِ وتقويةِ أسبابهِ، فإنه يُعْطاه الغَنيُّ والفقيرُ؛ لأنه لا يُعْطاه مَن يُعْطاه بالحاجةِ منه إليه، وإنما يُعْطاه معونةً للدين. وذلك كما يُعْطَى الذي يُعْطاه بالجهادِ في سبيلِ اللهِ، فإنه يُعْطَى ذلك غَنِيًّا كان أو فقيرًا؛ للغَزْوِ، لا لسَدِّ خَلَّتِه، وكذلك المؤلفةُ قلوبُهم، يُعْطَوْن ذلك وإن كانوا أغنياءَ؛ اسْتِصْلاحًا بإعطائِهموه أمرَ الإسلامِ، وطلبَ تقويتِه وتأييدِه، وقد أعطَى النبيُّ ﷺ من أعْطَى مِن المؤلَّفةُ قلوبُهم، بعدَ أن فَتَح اللهُ عليه الفتوحَ، وفَشَا الإسلامُ وعَزَّ أهلُه. فلا حُجَّةَ لمُحْتجٍّ بأن يقولُ: لا يُتَأَلَّفُ اليومَ على الإسلامِ أحدٌ؛ لامتناعِ أهلِه بكثرةِ العددِ ممن أرادَهم. وقد أعطَى النبيُّ ﷺ مَن أعطَى منهم في الحالِ التي وَصَفتُ.\nوأما قولُه: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ فإن أهلُ التأويلِ اختَلَفوا في معناه؛ فقال بعضُهم وهم الجمهورُ الأعظمُ: هم المُكاتبون، يُعْطَوْن منها في فكِّ رِقابِهم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٢٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٢٣ من طريق وكيع به.","vol":"11","page":523},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3959>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الحسنِ بن دينارٍ، عن الحسنِ (^١)، أن مُكاتَبًا قام إلى أبي موسى الأشعريِّ ﵁، وهو يَخْطُبُ الناسَ يومَ الجمعةِ، فقال له: أيُّها الأميرُ، حُثَّ الناسَ عليَّ. فحَثَّ عليه أبو موسى، فألقَى الناسُ عليه عِمامةً ومُلاءةً وخاتَمًا، حتى الْقَوْا سَوادًا كثيرًا، فلما رأى أبو موسى ما أُلْقِى عليه، قال: اجْمَعوه. فجُمِع، ثم أَمَر به فبيعَ، فأَعْطَى المُكاتَبَ مُكاتَبَتَه، ثم أَعْطَى الفَضْلَ في الرِّقابِ، ولم يَرُدَّه على الناسِ، وقال: إنما أَعْطَى الناسُ في الرقابِ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مَعْقِلُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ، قال: سألتُ الزُّهْرى عن قولِه: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾. قال: المُكاتَبون (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾. قال: المُكاتَبُ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سَهْلُ بن يوسفَ، عن عمرو، عن الحسنِ: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾. قال: هم المُكاتَبون (^٥).\nورُوِى عن ابن عباسٍ أنه قال: لا بأسَ أن [يُعْتِقَ الرَّجُل] (^٦) الرقبةَ مِن الزكاةِ (^٧).\n_________\n(^١) في م: \"الحسين\". ينظر تهذيب الكمال ٦/ ٩٥.\n(^٢) ذكره الزيلعي في نصب الراية ٢/ ٣٩٥ عن المصنف، وأخرجه البيهقى ٧/ ٣١ من طريق فلان الحنفى عن أبي موسى، بمعناه، وينظر تفسير ابن كثير ٤/ ١٠٨.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٢٣، والبيهقى ٧/ ٢١ معلقا عند كليهما، وينظر تفسير ابن كثير ٤/ ١٠٨.\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ٤/ ١٠٨، وتفسير القرطبي، ١٢/ ٢٥٢، ونصب الراية ٢/ ٣٩٥.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٢٣ معلقا، والزيلعي في نصب الراية.\n(^٦) في م: \"تعتق\".\n(^٧) أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال (١٩٦٦، ١٩٦٧)، وابن أبي شيبة ٣/ ١٧٩، ١٨٠، وعبد الله بن أحمد في مسائله لأبيه ٢/ ٥٠٤، ٥٠٥ (٦٩٦)، والحافظ في التغليق ٣/ ٢٤ من طرق عن ابن عباس.","vol":"11","page":524},{"text":"قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك عندى قولُ مَن قال: عُنِى بالرقابِ في هذا الموضع المُكاتبون؛ لإجماع الحُجَّةِ على ذلك، فإن الله جَعَل الزكاةَ حقًّا واجبًا على مَن أوجَبَها عليه في ماله، يُخْرِجُها منه، لا يَرْجِعُ إِليه منها نَفْعٌ مِن عَرَضِ الدنيا ولا عِوَضٌ، والمُعْتِقُ رقبةً منها راجعٌ إليه ولاءُ مَن أَعْتَقَه، وذلك نفعٌ يعودُ إليه منها.\nوأما الغارمِون: فالذين اسْتَدَانوا في غيرِ معصيةِ اللهِ، ثم لم يَجِدوا قضاءً في عينٍ ولا عَرَضٍ.\nوبالذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3960>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عثمانَ بن أسودِ، عن مجاهدٍ، قال: الغارِمون: مَن احْتَرَق بيتُه أو يُصِيبُه السيلُ، فَيَذْهَبُ متاعُه، أو (^١) يَدَّانُ على عيالِه، فهذا مِن الغارِمين (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾. قال: مَن احْتَرَق بيتُه، وذَهَب السيلُ بمالِه، وادَّانَ على عيالِه (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"و\".\n(^٢) تفسير الثورى ص ١٢٧، ومن طريقه ابن زنجويه في كتاب الأموال (٢٠٤٨)، وأخرجه أيضًا في الأموال (٢٠٤٦)، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٧ من طريق عثمان بن الأسود به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٨٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٢٤ من طريق الحسن بن أبي الربيع - وهو الحسن بن يحيى به.","vol":"11","page":525},{"text":"حدَّثنا أحمدُ، قال: [ثنا أبو أحمدَ، قال:] (^١) ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾: المُسْتَدِينُ في غيرِ سَرَفٍ، ينبغى للإمامِ أَن يَقْضِيَ عنهم من بيتِ المالِ (^٢).\nقال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مَعْقِلُ بنُ عُبَيدِ اللهِ، قال: سألْنا الزهريَّ عن الغارِمين، قال: أصحابُ الدَّينِ (^٣).\nقال: ثنا مَعْقِلٌ، عن عبدِ الكريمِ، قال: ثني خادمٌ لعمرَ بن عبدِ العزيز خَدَمَه عشرين سنةً، قال: كَتَبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ أن يُعْطَى الغارِمونَ. قال أحمدُ: أكثرُ ظَنِّي مِن الصدقاتِ.\nقال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: الغارِمون: المُسْتَدِينُ في غيرِ سَرَفٍ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: أمَّا الغارِمون: فقومٌ غَرَّقَتْهم الديونُ في غيرِ إمْلاقٍ (^٥) ولا تَبْذيرٍ ولا فسادٍ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الغارِمُ: الذي يَدْخُلُ عليه الغُرْمُ.\n_________\n(^١) سقط من النسخ. وينظر تهذيب الكمال ١/ ٢٦٥، ٢/ ٥١٥ وما تقدم ص ٥٢٣ وغيرها.\n(^٢) أخرجه ابن زنجويه في كتاب الأموال (٢٠٤٧) من طريق إسرائيل به بنحوه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٧ عن أبي أحمد به.\n(^٤) تفسير سفيان الثوري ص ١٢٧ بنحوه.\n(^٥) الإملاق: كثرة إنفاق المال وتبذيره حتى يورث حاجة. والإملاق أيضًا: الإفساد. ينظر لسان العرب (م ل ق).","vol":"11","page":526},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمَانٍ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾. قال: هو الذي يذهبُ السيلُ والحريقُ بمالِه، ويَدَّانُ على عيالِه.\nقال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: المُسْتَدِينُ في غيرِ فسادٍ (^١).\nقال: حدَّثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: الغارِمون: الذين يَسْتَدِينون في غيرِ فسادٍ، ينبغى للإمام أن يَقْضِيَ عنهم (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عثمانَ بن الأسْودِ، عن مجاهدٍ: هم قومٌ رَكبتْهم (^٣) الديونُ في غيرِ فسادٍ ولا تبذيرٍ، فجعلَ اللهُ لهم في هذه الآية سَهْمًا.\nوأمَّا قولُه: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فإنه يعنى: وفي النفقة في نُصْرةِ دينِ اللهِ وطريقِه وشريعتِه التي شَرَعَها لعبادِه، بقتالِ أعدائِه، وذلك هو غزوُ الكفارِ.\nوبالذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3961>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَفِي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٧، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٢٤ من طريق وكيع به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٧ عن وكيع. به.\n(^٣) في ص: \"تركنهم\". وفى ت ١، س، ف: \"تركتهم\".","vol":"11","page":527},{"text":"سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: الغازِى في سبيلِ اللَّهِ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، قال: قال النبيُّ ﷺ: \"لا تَحِلُّ الصدقةُ لغَنِيٍّ إلا لخمسةٍ؛ رجلٍ عَمِل عليها، أو رجلٍ اشْتَراها بمالِه، أو في سبيلِ اللهِ، أو ابِن السبيلِ، أو رجلٍ كان له جارٌ تُصُدِّقَ عليه فأهْدَاها له (^٢).\nقال: ثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"لا تَحِلُّ الصدقةُ لغَنيٍّ (^٣) إلا لثلاثةٍ؛ في سبيلِ اللهِ، أو (^٤) ابن السبيلِ، أو رجلٍ كان له جارٌ فتُصُدِّقَ عليه فأهْدَاها له\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٢٥ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢١٠ عن وكيع به نحوه، وأخرجه أبو عبيد في الأموال (١٧٢٩)، وابن زنجويه في الأموال (٢٠٥٧)، والدارقطني في العلل ١١/ ٢٧١ من طريق الثورى به. وأخرجه مالك ١/ ٢٦٨، وابن زنجويه (٢٠٥٨)، وأبو داود (١٦٣٥)، والحاكم ١/ ٤٠٨، والبيهقى ٧/ ١٥، وابن عبد البر في التمهيد ٥/ ٩٦، والبغوى (١٦٠٤) وغيرهم من طريق زيد به، وأخرجه موصولا بنحوه: أحمد ١٨/ ٩٦، ٩٧ (١١٥٣٨)، وأبو داود (١٦٣٦)، وابن ماجه (١٨٤١)، وابن خزيمة (٢٣٧٤)، والحاكم ١/ ٤٠٧، ٤٠٨، والبيهقى ٧/ ١٥، وابن عبد البر في التمهيد ٥/ ٩٦، ٩٧ من طريق عبد الرزاق عن معمر عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا. وأخرجه الدارقطنى في العلل ١١/ ٢٧٠، ٢٧١ من طريق الثوري ومعمر جميعًا عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد مرفوعًا، وأخرجه البيهقى ٧/ ١٥ من طريق عبد الرزاق عن الثورى عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد مرفوعًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) في ص، ت ١: \"معني\"، وفى س، ف: \"يعني\".\n(^٤) في ف: \"و\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢١٠، وأحمد ١٧/ ٣٧٠، ٤١٦/ ١٨ (١١٢٦٨، ١١٩٢٩)، وأبو يعلى=","vol":"11","page":528},{"text":"وأمَّا قوله: ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فالمسافرُ الذي يَجْتاز مِن بلدةٍ (^١) إلى بلدةٍ (^١). والسبيلُ الطريقُ. وقيل للضاربِ فيه: ابن السبيلِ؛ للزومِه إياه، كما قال الشاعرُ (^٢).\nأنا ابن الحربِ (^٣) رَبَّتْنِى وليدًا … إلى أنْ شِبْتُ واكْتَهَلَتْ لِدَانِي\nوكذلك تفعلُ العربُ، تُسَمِّى اللازمَ للشيءِ يُعْرَفُ بِه؛ بابنِه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3962>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: ابن السبيلِ: المُجْتازُ من أرضٍ إلى أرضٍ (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا مِنْدَلٌ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: لابنِ السبيل حقٌّ مِن الزكاةِ وإن كان غنيًّا، إذا كان مُنْقَطَعًا به.\n_________\n= (١٢٠٢) من طريق وكيع به. وأخرجه عبد بن حميد (٨٩٣)، وابن زنجويه (٢٠٥٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٩، والبيهقى ٧/ ٢٣ من طريق ابن أبي ليلى به، وأخرجه الطيالسي (٢٣٠٨) مختصرًا، وأحمد ١٧/ ٤٥٣، ٤٥٤ (١١٣٥٨)، وابن زنجويه (٢٠٥٦)، وأبو داود (١٦٣٧)، وأبو يعلى (١٣٣٣) والطحاوى ٢/ ١٩، من طريق عطية به.\n(^١) في م: \"بلد\".\n(^٢) البيت في التبيان ٥/ ٢٤٥، ولم ينسبه لقائلٍ.\n(^٣) ابن الحرب: هو الشجاع الذي تعود الحرب وألفها ينظر ثمار القلوب. للثعالبي ص ٢٦٨.\n(^٤) تفسير الثورى ص ١٢٧.","vol":"11","page":529},{"text":"حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مَعْقِلُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ، قال: سألتُ الزهريِّ عن ابن السبيلِ، قال: يأتى عليَّ ابن السبيلِ وهو مُحتاجٌ. قلتُ: فإن كان غنيًّا؟ قال: وإن كان غنيًّا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ابْنِ السَّبِيلِ﴾: الضيفُ، جُعِل له فيها حقٌّ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال [ابن زِيدٍ في قولِه] (^٢) ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: المسافرُ مَن كان غنيًّا أو فقيرًا، إذا أُصِيبَتْ نفقتُه أو فُقِدَتْ، أو أصابَها شيءٌ، أو لم يكن معه شيءٌ، فحَقُّه واجبٌ.\nحدَّثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ، أنه قال في الغَنِيِّ إذا سافرَ فاحْتاجَ في سفرِه، قال: يأخُذُ مِن الزكاةِ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: ابن السبيلِ: المُجْتازُ مِن الأرضِ إلى الأرضِ (^٤).\nوقولُه: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قَسْمٌ قسَمه اللهُ لهم، فأَوْجَبه في أموالِ أهلِ الأموالِ لهم، واللهُ عليم بمصالحِ خلقِه فيما فَرَض لهم، وفي غيرِ ذلك، لا يَخْفَى عليه شيءٌ؛ فعلى عِلْمٍ منه فَرَض ما فَرَضَ مِن الصدقةِ، وبما فيها مِن المصلحةِ، حكيم في تَدْبيرِه خلقَه، لا يَدْخُلُ في تَدْبِيرِه خَلَلٌ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٧ عن أبي أحمد به نحوه.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، س.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢١١، وابن زنجويه في الأموال (٢٠٤٥) من طريق هشيم به، بلفظ: \"يُعطى من الصدقة في سفره لأنه ابن السبيل\"، وزاد ابن زنجويه بعده \"حتى يبلغ ماله\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٧، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٢٥ من طريق وكيع به.","vol":"11","page":530},{"text":"واختَلف أهلُ العلمِ في كَيْفيةِ قَسْمِ الصدقاتِ التي ذَكَرَها اللهُ في هذه الآيةِ، وهل يجبُ لكلِّ صِنْفِ مِن الأصنافِ الثمانيةِ (^١) فيها حقٌّ، أو ذلك إلى ربِّ المالِ، ومَن يَتَوَلَّى قَسْمَها؛ في أنَّ له أن يُعْطِي جميعَ ذلك مَن شَاءَ مِن الأصنافِ الثمانيةِ؛ فقال عامةُ أهلِ العلمِ: للمُتَوَلِّى قَسْمِها وَضْعُها (^٢) في أيِّ الأصْنافِ الثمانيةِ شاءَ، وإنما سَمَّى اللَّهُ الأصنافَ الثمانيةَ في الآيةِ، إعْلامًا منه خَلْقَه أن الصدقةَ لا تَخْرُجُ مِن هذه الأصنافِ الثمانيةِ (^٣) إلى غيرِها، لا إيجابًا لقَسْمِها بينَ الأصنافِ الثمانيةِ [الذين ذَكَرهم اللهُ تعالى] (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-3963>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن الحجاج بن أَرْطَاةَ، عن المنْهالِ بن عمرٍو، عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، عن حُذَيفة في قولِه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ عَلَيْهَا. قال: إن شِئْتَ جَعَلْتَه في صنفٍ واحدٍ، أو صِنْفَين، أو ثلاثةٍ (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الحجاجِ، عن المِنْهالِ، عن زِرٍّ، عن حُذيفةَ، قال: إذا وَضَعْتَها في صِنْفٍ واحدٍ أجْزَأَ عنك (^٦).\n_________\n(^١) بعده في ف: \"التي\".\n(^٢) في ت ١، س، ف: \"ووضعها\".\n(^٣) زيادة من: م.\n(^٤) زيادة من: م. وفى ص، ت ١، ف: \"الذين ذكرهم\".\n(^٥) في م: \"لثلاثة\".\n(^٦) أخرجه أبو عبيد في الأموال (١٨٢٦)، وابن أبي شيبة ٣/ ١٨٢، والبيهقى ٧/ ٧ من طريق أبى معاوية به. وأخرجه ابن زنجويه في كتاب الأموال (٢١٩٩) من طريق حجاج به نحوه، وأخرجه أبو يوسف في الخراج ص ٢٠٦، وابن أبي شيبة ٣/ ١٨٢ من طريق المنهال به بنحوه عند أبي يوسف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٠، ٢٥١ إلى أبي الشيخ.","vol":"11","page":531},{"text":"قال: ثنا جَريرٌ، عن لَيْثٍ، عن عطاءٍ، عن عمر: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾. قال: أيُّما صِنفٍ أعطيتَه من هذا أجْزَاكَ (^١).\n[قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن عبدِ المطلبِ، عن عطاءٍ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية. قال: لو وَضَعْتَها في صنفٍ (^٢) من هذه الأصنافِ أَجْزَأك، ولو نَظَرْتَ إلى أهِل بيتٍ مِن المسلمين فقراءَ مُتَعَفِّفِين فجَبَرْتهم بها، كان أحبُّ إليَّ (^٣).\nقال: أخبَرنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبير: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ - ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، فأيَّ صِنفٍ أعطيتَه من هذه الأصنافِ أجْزَاك] (^٤) (^٥).\nقال: ثنا عِمْرانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن عطاء، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) ذكره الزيلعي في نصب الراية ٢/ ٣٩٧ عن المصنف، وأخرجه ابن زنجويه في الأموال (٢١٩٨) من طريق ليث به، بلفظ: \"أن عمر كان يضع الزكاة في صنف واحد ويأخذ العروض\".\n(^٢) بعده في م: \"واحد\".\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في الأموال (١٨٣٨)، وابن زنجويه في الأموال (٢١٩٤، ٢١٩٧، ٢٢٧٨) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء به دون قوله: \"ولو نظرت … \"، إلا في (٢٢٧٨) عند ابن زنجويه فقد جاء تامًّا، وأخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٣ من طريق حجاج عن عطاء، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥١ إلى أبى الشيخ. وأما \"عبد المطلب عن عطاء\" فلم نجد في ترجمة عطاء وهو ابن أبي رباح - تهذيب الكمال ٢٠/ ٦٩ - من يروى عنه بهذا الاسم، ولكن يروى عنه عبد الملك بن أبي سليمان - ترجمة عطاء، وترجمة عبد الملك في تهذيب الكمال ١٨/ ٣٢٢ - وينظر كذلك ترجمة عبد الله بن نمير في تهذيب الكمال ١٦/ ٢٢٥ فليس هناك روايته عمن اسمه عطاء، ولكن عن عبد الملك بن أبي سليمان. والأرجح أن النسخ تحرف فيها \"عبد الملك\" إلى \"عبد المطلب\".\n(^٤) سقط من: ف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٢ عن جرير به، وأخرجه ابن زنجويه في الأموال (٢١٩٤، ٢١٩٦)، والبيهقى ٧/ ٨ من طريق عطاء - وهو ابن السائب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥١ إلى أبي الشيخ.","vol":"11","page":532},{"text":"مثلَه (^١).\nقال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾. قال: إنما هذا شيءٌ أَعْلَمَهُ، فَأَيَّ صِنفٍ مِن هذه الأصنافِ أعطيتَه أجْزَأ عنك (^٢).\nقال: ثنا أبى، عن شُعْبَةَ، عن الحكم، عن إبراهيمَ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾. قال: في أيِّ هذه الأصنافِ وضعتها أجْزَأَك (^٣).\nقال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، [قال: إذا] (^٤) وَضَعْتَها في صنفٍ واحدٍ مما سَمَّى اللَّهُ أَجْزأك (^٥).\nقال: ثنا أبي، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: إذا وضَعْتَها في صنفٍ واحدٍ مما سَمَّى اللَّهُ أجزأك (^٦)\nقال: ثنا خالدُ بنُ حَيَّانَ أبو يزيدَ، عن جعفرِ بن بُرْقَانَ، عن ميمونِ بن مِهْرَانَ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾. قال: إذا جَعَلْتَها في صنفٍ واحدٍ من هؤلاء أجْزَأ عنك (^٧).\n_________\n(^١) ذكره الزيلعي في نصب الراية ٢/ ٣٩٧ عن المصنف، وأخرجه أبو يوسف في الخراج ص ٢٠٥، ٢٠٦، وعبد الرزاق في مصنفه (٧١٣٦، ٧١٣٧)، وأبو عبيد في الأموال (١٨٢٩) من طرق عن ابن عباس بنحوه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٢ عن جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥١ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٢ عن وكيع به.\n(^٤) في ص، ت ١، س، ف: \"إن\".\n(^٥) أخرجه أبو عبيد في الأموال (١٨٣٨)، وابن زنجويه (٢١٩٤) من طريق سفيان به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٢ عن وكيع به نحوه.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٧٣ من طريق جعفر به.","vol":"11","page":533},{"text":"قال: ثنا محمدُ بنُ بِشْرٍ، عن مسعودٍ، عن عطاء، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية. قال: أَعْلَمَ أهلَها مَن هم.\nقال: ثنا حَفْصٌ، عن لَيْثٍ، عن عطاءٍ، عن عمرَ، أنه كان يأخُذُ العَرْضَ (^١) في الصدقة، ويَجْعَلُها في صنفٍ واحدٍ (^٢).\nوكان بعضُ المتأخرين يقولُ: إذا تولَّى ربُّ المالِ قَسْمَها، فإنّ (^٣) عليه وَضْعَها في ستةِ أصنافٍ؛ وذلك أن المؤلَّفةُ قلوبُهم عنده قد ذَهَبوا، وأن سهمَ العاملين يَبْطُلُ بقَسْمِه إياها، ويَزْعُمُ أَنه لا يَجْزِيه أن يُعْطِيَ مِن كلِّ صنفٍ أقلَّ مِن ثلاثة أنفسٍ، وكان يقولُ: إن تَوَلَّى قَسْمَها الإمامُ، فإنَّ (^٣) عليه أن يَقْسِمها على سبعةِ أصنافٍ، لا يَجْزِى عندَه غيرُ ذلك.\n\n<span id=\"aya-1296\"></span><span data-type='title' id=toc-3964>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: ومن هؤلاء المنافقين جماعةٌ يُؤْذُون رسولَ اللهِ ﷺ ويَعِيبونه (^٤)، ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾، سامعةٌ، يسمعُ مِن كلِّ أحدٍ ما يقولُ، فيَقْبَلُه\n_________\n(^١) في م: \"الفرض\"، وفي ف: \"المعرض\". والعَرْض بالتسكين ما خالف النَّقْدين من متاع الدنيا وأثاثها، والجمع عُرُوض. ينظر تاج العروس (ع ر ض).\n(^٢) ذكره الزيلعي في نصب الراية ٢/ ٣٩٧ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٢ عن حفص به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧١٣٤) من طريق ليث عن رجل عن عمر \"أنه كان يأخذ العروض في الزكاة ويجعلها في صنف واحد من الناس\".\n(^٣) في م: \"كان\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"يغشونه\".","vol":"11","page":534},{"text":"ويُصَدِّقُه. وهو من قولهم: رجلٌ أذَنةٌ، مثل \"فعلة\"، إذا كان يُسْرِعُ الاستماعَ (^١) والقبولَ، كما يقالُ: هو يَقِنٌ ويَقَنٌ. إذا كان ذا يقينٍ بكلِّ ما حُدِّثَ (^٢). وأصله مِن أذِنَ له يَأْذَنُ، إِذا اسْتَمَعَ له. ومنه الخبرُ عن النبيِّ ﷺ: \"ما أَذِنَ اللَّهُ لشيءٍ كَأَذَنِه لنبيٍّ يَتَغَنَّى (^٣) بالقرآنِ\" (^٤). ومنه قولُ عديٍّ بن زيدٍ (^٥):\nأيُّها القلبُ تَعَلَّلْ بِدَدَنْ (^٦) … إِنَّ هَمِّي فِي سَمَاعٍ وَأَذَنْ (^٧)\nوذكر أن هذه الآية نَزَلت في ربيعِ (^٨) بن الحارثِ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ذَكَر اللَّهُ غِشَّهم (^٩) - يعنى المنافقين - وأَذَاهم [للنبيِّ ﷺ، فقال] (^١٠): ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ الآية، وكان الذي يقولُ تلك المقالةَ - فيما بَلَغني - نَبْتلُ (^١١) بن الحارثِ، أخو بني عمرِو بن عوفٍ، وفيه نزلت هذه الآيةُ؛ وذلك أنه قال: إنما محمد أُذُنٌ؛ مَن حدَّثه شيئًا صَدَّقه. يقولُ الله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾. أي:\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س: \"الإسماع\".\n(^٢) في ص: \"أحدث\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"أخذت\".\n(^٣) في ف: \"معني\".\n(^٤) أخرجه أحمد ١٣/ ١٠٢ (٧٦٧٠) والبخارى (٥٠٢٣)، ومسلم (٧٩٢)، وغيرهم من حديث أبي هريرة.\n(^٥) في ف: \"يزيد\". والبيت في أمالي ابن الشجرى ٢/ ٣٦ واللسان (أ ذ ن، د دن).\n(^٦) الدَّدن: اللهو واللعب، ويستعمل محذوف النون \"الدَّد\". ينظر اللسان (د د ن).\n(^٧) في ف: \"أدي\". وينظر مصادر التخريج.\n(^٨) كذا في النسخ، وصوابه: \"نبتل\" كما سيأتي في الخبر التالي.\n(^٩) في م: \"عيبهم\".\n(^١٠) في ص، ف: \"فقال النبي ﵇\"، وفى ت ١، ت ٣، س: \"فقال النبي ﷺ \".\n(^١١) في ف: يصل\"، وفى ت ١: ميل، وفى ت ٢، س: \"سل\" هكذا بدون نقط. وينظر مصدر التخريج.","vol":"11","page":535},{"text":"يسمعُ الخيرَ ويُصَدِّقُ به (^١).\nواختَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولَه: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾.\nفقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾، بإضافةِ الأُذُنِ إلى الخَيرِ (^٢). يعنى: قلْ لهم يا محمدُ: هو أُذُن خيرٍ، لا أُذُنُ شَرٍّ.\nوذُكِر عن الحسنِ البصريِّ أنه قرَأ ذلك: (قل أذنٌ خيرٌ لكم) بتنوينِ \"أُذُن\" (^٣)، ويَصِيرُ \"خيرٌ\" خبرًا له، بمعنى: قلْ: مَن يسمعُ منكم أيُّها المنافقون ما تقولون ويُصَدِّقُكم - إن كان محمدٌ كما وَصَفْتُموه - مِن أنكم إذا أتَيْتُموه (^٤) فأنكَرْتُم ما ذُكر له عنكم مِن أذَاكم إياه وعَيْبِكم له، سَمِعَ منكم وصَدَّقكم - خيرٌ لكم من أن يُكَذِّبَكم ولا يَقْبَلَ منكم ما تقولون. ثم كَذَّبَهم فقال: بل لا يَقْبَلُ إِلا مِن المؤمنين؛ ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القراءةِ عندى في ذلك قراءةُ مَن قرأَ: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾، بإضافة الأُذُنِ إلى الخيرِ وخفضِ الخيرِ، بمعنى: قل هو أُذُنُ خيرٍ لكم، لا أُذُنُ شَرٍّ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3965>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٢١.\n(^٢) قراءة السبعة جميعا. السبعة ص ٣١٥.\n(^٣) وهى قراءة على بن أبى طالب والسلمي وابن أبي إسحاق وقتادة وعيسى بن عمر الثقفي، وهي قراءة شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة. ينظر شواذ القرآن ص ٥٩.\n(^٤) في م: \"آذيتموه\".","vol":"11","page":536},{"text":"ابن عباس قولَه: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ﴾: يسمَعُ مِن كلِّ أحدٍ (^١).\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ﴾. قال: كانوا يقولون: إنما محمدٌ أُذُنٌ، لا يُحَدَّثُ عَنَّا شيئًا إلا هو أُذُنٌ يسمعُ ما يقال له.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابُن نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي (^٢) نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾: نقولُ ما شِئْنا ونحلِفُ، فيُصَدِّقُنا (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾. قال: يقولون: نقولُ ما شِئْنا، ثم نحلفُ له فيُصَدِّقُنا (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه (^٣).\nوأما قوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾، فإنه يقولُ: يُصَدِّقُ باللهِ وحدَه لا شريكَ له. وقوله ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: ويُصَدِّقُ المؤمنين، لا الكافرين ولا المنافقين.\nوهذا تكذيبٌ مِن اللهِ للمنافقين الذين قالوا: محمدٌ أُذُنٌ. يقولُ جلَّ ثناؤُه: إنما محمدٌ ﷺ مستمِعُ خيرٍ، يُصدِّقُ باللهِ وبما جاءه مِن عندِه، ويُصدِّقُ المؤمنين، لا أهل النفاق والكفرِ باللهِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٢٧ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) سقط من: م، من: م، ف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣١٧ ومن طريق ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٢٧.","vol":"11","page":537},{"text":"وقيل: ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. معناه: ويؤمنُ المؤمنين؛ لأن العربَ تقولُ، فيما ذُكِر لنا عنها: آمنتُ له، وآمنتُه. بمعنى: صَدَّقتُه، كما قيل: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢]. ومعناه: رَدِفَكم. وكما قال: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]. ومعناه: للذين هم ربَّهم يَرْهَبون.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3966>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، ثنى عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. يعنى: يُؤمِنُ باللَّهِ، ويُصَدِّقُ المؤمنين (^١).\nوأما قوله: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾، فإن القرأةَ اختَلَفَت في قراءتِه؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ (^٢) الأمصارِ: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (^٣)، بمعنى: قل هو أذنُ خيرٍ لكم، وهو رحمةٌ للذين آمَنوا منكم. فرفع الرحمةَ عطفًا بها على الأُذُنِ.\nوقرأه بعضُ الكوفيين: (وَرَحْمَةٍ) (^٤) عطفًا بها على الخيرِ (^٥)، بتأويلِ: قل أذنُ خيرٍ لكم وأُذُن رحمةٍ.\nقال أبو جعفرٍ، ﵀: وأَوْلى القراءتَين بالصوابِ في ذلك عندى قراءةُ مَن قرَأه: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بالرفعِ (^٦) عطفًا بها على الأُذُنِ، بمعنى: وهو رحمةٌ للذين آمَنوا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٢٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) هذه قراءة السبعة إلا حمزة. ينظر السبعة ص ٣١٥ وحجة القراءات ص ٣٢٠.\n(^٤) هذه قراءة حمزة. السبعة ص ٣١٥.\n(^٥) في ص: \"الجر\"، وفى ت ٢، س، ف: \"الخير\".\n(^٦) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"11","page":538},{"text":"منكم. وجَعَله الله رحمةً لمَن اتَّبعه واهْتَدى بهُداه، وصَدَّق بما جاء به مِن عندِ ربِّه؛ لأن اللَّهَ اسْتَنْقَذهم به مِن الضلالةِ، وأَوْرَثَهم باتِّباعه جناتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3967>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء المنافقين الذين يَعيِبُون (^١) رسولَ اللهِ ﷺ ويقولون: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾، وأمثالهم من مُكَذِّبِيه، والقائلين فيه الهُجْرَ (^٢) والباطلَ: عذابٌ مِن اللَّهِ موجعٌ لهم في نارِ جهنمَ.\n\n<span id=\"aya-1297\"></span><span data-type='title' id=toc-3968>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسولِه ﷺ: يحلِفُ لكم أيُّها المؤمنون هؤلاء المنافقون باللهِ ليرضوكم فيما بَلَغَكم عنهم مِن أذاهم رسولَ اللهِ ﷺ، وذِكْرِهم إياه بالطعنِ عليه والعَيْبِ، له، ومُطابقتِهم (^٣) سرًّا أهلَ الكفرِ عليكم، بالله والأيْمان الفاجرةِ، أنهم ما فَعَلوا ذلك، وإنهم لعلَى دينِكم، ومعكم على من خالَفكم، يَبْتَغون بذلك رضِاكم. يقولُ الله جلّ ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [بالتوبةِ والإنابةِ مما قالوا ونَطَقوا] (^٤)، ﴿إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.\nيقولُ: إن كانوا مُصَدِّقِين بتوحيدِ اللَّهِ، مُقِرِّين بوَعْدِه ووَعِيدِه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"يعنون\".\n(^٢) الهجر في المنطق: الفحش والكلام فيما لا ينبغي. النهاية ٥/ ٢٤٥.\n(^٣) في س: \"مظاهرتهم\". وطابقه على الشيء: جامعه عليه. ينظر اللسان (ط ب ق).\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"11","page":539},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3969>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآية: ذُكِر لنا أن رجلًا مِن المنافقين، قال: واللهِ إن هؤلاء الخيارُنا وأشرافُنا، وإن كان ما يقولُ محمدٌ حقًّا، لهم شرٌّ مِن الحَميرِ. قال: فسَمِعها رجلٌ مِن المسلمين فقال: واللهِ إن ما يقولُ محمدٌ حقٌّ، ولأنتَ شَرٌّ مِن الحمارِ. فَسَعَى بها الرجلُ إلى نبيِّ اللهِ ﷺ، فأرسَل إلى الرجال فدَعاه، فقال: \"ما حَمَلك على الذي قلتَ؟ \". فَجَعَل يَلْتَعِنُ ويحلفُ باللَّهِ ما قال ذلك. قال: وجَعَل الرجلُ المسلمُ يقولُ: اللهمَّ صَدِّقِ الصادقَ وكذِّبِ الكاذبَ. فأنزَل اللهُ في ذلك: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-1298\"></span><span data-type='title' id=toc-3970>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ألم يعلمْ هؤلاء المنافقون الذين يَحْلِفون باللهِ كذبًا للمؤمنين ليُرْضُوهم، وهم مُقيمون على النفاقِ، أنه مَن يُحاربِ الله ورسولَه، ويُخالفهما فيُناوِئْهما بالخلافِ عليهما، ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ في الآخرةِ، ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾. يقولُ: لابِثًا فيها، مُقِيمًا إلى غيرِ نهايةٍ. ﴿ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾. يقولُ: فلُبْثُه في نارِ جهنمَ وخلودُه فيها هو الهوانُ والذلُّ العظيمُ.\nوقرأت القرآةُ: ﴿فَأَنَّ﴾ بفتحِ \"الألف\" مِن \"أَنَّ\"، بمعنى: ألم يَعْلَموا أَنَّ لَمَن حادَّ الله ورسولَه نارَ جهنمَ. وإعمالِ ﴿يَعْلَمُوا﴾ فيها، كأَنهم جَعَلُوا \"أَنَّ\" الثانيةَ مُكَرَّرةً على الأولى، واعْتَمَدوا عليها؛ إذ كان الخبرُ معها دونَ الأولى.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٢٨ من طريق يزيد به.","vol":"11","page":540},{"text":"وقد كان بعضُ نَحْويِّى البصرة يختارُ الكسرَ في ذلك على الابتداءِ؛ بسببِ دخولِ \"الفاءِ\" فيها، وأن دخولَها فيها عندَه دليلٌ على أنها جوابُ الجزاءِ، وأنها إذا كانت [جوابَ الجزاءِ] (^١)، كان الاختيارُ فيها الابتداءَ.\nوالقراءةُ التي لا أَسْتَجِيزُ غيرَها فتحُ الألفِ في كلا الحرفَين - أعنى \"أنّ\" الأولى والثانيةَ - لأن ذلك قراءةُ الأمصارِ، وللعِلَّة التي ذكرتُ من جهة العربيةِ.\n\n<span id=\"aya-1299\"></span><span data-type='title' id=toc-3972>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يَخْشَى المنافقون أن تَنزِلَ فيهم سورةٌ ﴿تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ: تُظهِرُ المؤمنين على ما في قلوبِهم.\nوقيل: إن الله أنزَل هذه الآيةَ على رسولِ اللهِ ﷺ؛ لأن المنافقين كانوا إذا عابوا رسول اللهِ ﷺ وذكروا شيئًا مِن أمره وأمرِ المسلمين، قالوا: لعل الله لا يُفْشِى سِرَّنا. فقال اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ لهم: ﴿اسْتَهْزِئُوا﴾. مُتَهَدِّدًا لهم مُتَوَعِّدًا، ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا (^٢) تَحْذَرُونَ﴾.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3971>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾. قال: يقولون القولَ (^٣)\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"للجواب جزاء\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ما كنتم\".\n(^٣) في م: \"للقول\".","vol":"11","page":541},{"text":"بينَهم، ثم يقولون: عسى اللهُ أن لا يُفْشِيَ سِرَّنا علينا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلَّا أنه قال: سِرَّنا هذا.\nوأما قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾، فإنه يعنى به: إِن اللَّهَ مُظْهِرٌ عليكم أيُّها المُنافِقون ما كنتم تَحْذَرون أن تُظهِروه، فأظهَر اللهُ ذلك عليهم وفَضَحَهم، فكانت هذه السورةُ تُدْعَى الفاضحةَ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كانت تُسَمَّى هذه السورةُ الفاضحة؛ فاضحةَ المنافِقين (^٢).\n\n<span id=\"aya-1300\"></span><span data-type='title' id=toc-3973>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)﴾.</span>\nيقولُ جلّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولئن سألتَ يا محمدُ هؤلاء المنافقين عما قالوا مِن الباطلِ والكذبِ، ليَقولُنَّ لك: إنما قُلنا ذلك لَعِبًا، وكنَّا نخوضُ في حديثٍ لعبًا وهزؤًا. يقولُ الله لمحمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ أباللهِ وآياتِ كتابِه ورسولِه كنتُم تَسْتَهْزِئُون؟\nوكان ابن إسحاقُ يقولُ: الذي قال هذه المقالةَ - كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان الذي قال هذه المقالةَ - فيما بَلَغَنى، وديعةُ بنُ ثابتٍ، أخو بني أميةَ بن زيدٍ، مِن بني عمرِو بن عوفٍ (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٧١ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٢٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٢٩ من طريق يزيد به.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٢٤، ٥٢٥.","vol":"11","page":542},{"text":"حدَّثنا عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا الليثُ، قال: ثنى هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، أن رجلًا من المُنافِقين قال لعوفِ بن مالكٍ في غزوةِ تبوكَ: ما لِقُرَّائِنا هؤلاء، أرغبُنا بُطونًا، وأكْذبُنا ألسنةً، وأَجْبَنُنا عند اللقاءِ! فقال له عوفٌ: كذبتَ، ولكنك منافقٌ، لأخْبِرَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ. فَذَهَب عوفٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، ليُخبره، فوَجَد القرآنَ قد سَبَقَه. فقال زيدٌ: قال عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ: فنظرتُ إليه مُتَعَلِّقًا بحَقَبِ (^١) ناقةِ رسولِ اللهِ ﷺ تَنْكُبُه الحجارةُ (^٢). يقولُ: إنَّما كنا نخوضُ وتلعبُ. فيقولُ له النبيُّ ﷺ: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾؟ \"، ما يزيدُه (^٣).\n[حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ] (^٤)، قال: ثني هشامُ بنُ سعدٍ (^٥)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، قال: قال رجلٌ في غزوةِ تبوكِ في مجلسٍ: ما رأينا مثلَ قُرَّائِنا هؤلاء، أرغبَ بُطونًا، ولا أكذبَ ألْسُنًا، ولا أجبنَ عندَ اللقاء! فقال رجلٌ في المجلسِ: كذبتَ، ولكنك منافقٌ، لأُخْبِرَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ. فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ، ونَزَلَ القرآنُ. قال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: فأنا رأيتُه مُتَعَلِّقًا بحَقَبِ ناقةِ رسولِ اللهِ ﷺ، تَنكُبُه الحجارةُ (^٦) وهو يقولُ: يا رسولَ اللهِ، إنما كُنَّا نخوضُ ونلعبُ. ورسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا\n_________\n(^١) في ت ٢: \"بعقب\". والحقب محركة: الحزام الذي يلى حَقْو البعير، أو هو حبل يشدّ به الرحل في بطنه مما يلى ثيله. ينظر التاج (ح ق ب).\n(^٢) أي: تناله وتصيبه. ينظر النهاية ٥/ ١١٣.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"يريده\". وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١١٢ عن الليث بنحوه، وذكره القرطبي في تفسيره ٨/ ١٩٧ وعزاه إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: م، ف.\n(^٥) في ص، ف: \"سعيد\" وهو المتقدم في السند قبله، وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٢٠٤.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س ف: \"بالحجارة\".","vol":"11","page":543},{"text":"تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (^١) \".\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا أيوبُ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، إلى قولِه: ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. قال: فكان رجلٌ ممن إن شاء اللَّهُ عَفا عنه يقولُ: اللهمَّ إنى أسمعُ آيةً أنا أُعْنَى بها، تَقْشَعِرُّ منها الجلودُ، وتَحِبُ (^٢) منها القلوبُ، اللهمَّ فاجعلْ وفاتى قتلًا في سبيلِك؛ لا يقولُ أحدٌ: أنا غَسَّلْتُ، أَنا كَفَّنْتُ، أَنا دَفَنْتُ. قال: فأُصِيبَ يومَ اليمامة، فما أحدٌ مِن المسلمين إلا وُجِد غيره (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾. الآية، قال: بَيْنَا رسولُ اللهِ ﷺ يسيرُ في غزوتِه إلى تبوكَ، وبينَ يَدَيه ناسٌ مِن المنافقين، قالوا: أيَرْجو (^٤) هذا الرجلُ أن يفتح قصورَ (^٥) الشامِ وحصونَها، هيهاتَ هيهاتَ! فَأَطْلَعَ اللَّهُ نبيِّه ﷺ على ذلك، فقال نبيُّ الله ﷺ: \"احتبِسوا (^٦) عليَّ (^٧) الرَّكْبَ\". فأتاهم فقال: \"قُلْتُم كذا، قُلْتُم كذا\". قالوا: يا نبيَّ الله، إنما كُنَّا نخوض ونلعب. فأنزَل اللهُ ﵎ (^٨) ما تَسْمَعون (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٢٩ من طريق يونس به، وأخرجه العقيلي ١/ ٩٣ (١٠٦) من طريق نافع عن ابن عمر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٤ إلى أبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"يحب\"، وفى م: \"تجل\"، وتجب أي: تضطرب وتخفق. ينظر النهاية ٥/ ١٥٤.\n(^٣) أي: إن الله استجاب دعوته فوجد القتلى والمصابون إلا هو لم يوجد. والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١١٢.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"أنرجو\".\n(^٥) في ف: \"قبور\".\n(^٦) في ص، ف: \"احبسوا\".\n(^٧) بعده في م: \"هؤلاء\".\n(^٨) بعده في م: \"فيها\"، وفي مصدر التخريج: \"فيهم\".\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٣٠ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٤ =","vol":"11","page":544},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾. قال: بينما النبيُّ ﷺ في غزوةِ تبوكَ، ورَكْبٌ مِن المُنافِقِين يَسيرون بينَ يَدَيه، فقالوا: يَظُنُّ هذا أن يفتحَ قصورَ الرومِ وحصونَها! فأطْلَع اللهُ نبيِّه ﷺ على ما قالوا، فقال: \"عليَّ بهؤلاء النَّفَر\". فَدَعاهم فقال: \"قُلْتُم كذا و(^١) كذا، فخلفوا: ما كُنَّا إلا نخوضُ ونلعبُ (^٢).\nحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ وغيرِه، قالوا: قال رجلٌ مِن المنافقين: ما أَرَى قُرَّاءَنا هؤلاء إلا أَرْغَبَنَا بُطُونًا، وأكذَبَنا ألسنةً، وأجْبَنَنا عندَ اللقاءِ. فرُفِع ذلك إلى رسولِ الله ﷺ، فجاء إلى رسول اللَّهِ ﷺ وقد ارْتَحَل ورَكِبَ ناقتَه، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنما كُنَّا نخوضُ ونلعبُ. فقال: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ \"، إلى قوله: ﴿مُجْرِمِينَ﴾، وإن رجْلَيه [لتنْسِفَان الحجارةَ] (^٣)، وما يَلْتَفِتُ إليه رسولُ اللهِ ﷺ، وهو متعلقٌ بنِسْعَةِ (^٤) رسولِ اللهِ ﷺ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾. قال: قال رجلٌ مِن\n_________\n= إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^١) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"قلتم\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٢ عن معمر به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"لينسفان الحجارة\" وفى م: \"لتسفعان بالحجارة\". وينظر مصدر التخريج، والنسف: قلع الشيء من أصله. التاج (ن س ف).\n(^٤) النسعة، بالكسر: سير مضفور يجعل زماما للبعير وغيره. النهاية ٥/ ٤٨.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١١١ عن أبي معشر به.","vol":"11","page":545},{"text":"المنافقين: يحدِّثُنا محمدٌ أن ناقةَ فلانٍ بوادى كذا وكذا [في يومِ كذا وكذا] (^١)، وما يُذريه ما الغيبُ (^٢)؟\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\n\n<span id=\"aya-1301\"></span><span data-type='title' id=toc-3974>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ (^٣) عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ (^٤) طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ لهؤلاء الذين وَصَفتُ لك صفتَهم: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾ بالباطلِ، فتقولوا: كُنَّا نخوضُ ونلعبُ. ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾، يقولُ: [قد جَحَدُتُم الحقَّ بقولِكم] (^٥) ما قلتُم في رسولِ اللهِ ﷺ والمؤمنين به. ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، يقولُ: بعدَ تَصْديقِكم به، وإقِرارِكم به، به، ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾. وذُكِر أنه عُنى \"بالطائفةِ\" في هذا الموضعِ رجلٌ واحدٌ.\nوكان ابن إسحاقَ يقولُ فيما حدَّثنا به ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان الذي عُفِى عنه - فيما بَلَغَنى - مَخْشِيُّ (^٦) بنُ حُمَيِّرٍ الْأَشْجَعِيُّ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ١، س، ف، وينظر مصادر التخريج.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٧١، ٣٧٢ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٣٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٤ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، س في هذا الموضع وما بعده: \"يعف\" بالياء، وهى قراءة السبعة غير عاصم، فإنه قرأه بالنون: ﴿نَعْفُ﴾. ينظر السبعة ص ٣١٦.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، س، في هذا الموضع وما بعده \"تعذب\" بالتاء مبنيا للمفعول، وهي قراءة السبعة غير عاصم، فإنه قرأه ﴿نُعَذِّبْ﴾ بالنون. ينظر المصدر السابق.\n(^٥) سقط من: ف.\n(^٦) غير منقوطة في ص، وفي ت ١: \"محسى\"، وفى ف: \"بحبى\" وهو مخشى ويقال له \"مخشن\" =","vol":"11","page":546},{"text":"حليفُ بني سلمةَ، وذلك أنه أنكَر منهم بعضَ ما سَمِع (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبَابٍ (^٢)، عن موسى بن عُبَيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾. قال: الطائفة (^٣): رجلٌ (^٤).\nواختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ (^٥) بإنكارِه (^٦) ما أنكَر عليكم (^٧) مِن قِبَلِ الكفر، ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ بكفرِه واستهزائِه بآياتِ اللهِ ورسولِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3975>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، قال: قال بعضُهم: كان رجلٌ منهم لم يُمالِئْهم في الحديثِ، يسيرُ مُجانِبًا لهم، فنَزَلَت: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾، فسُمِّى طائفة وهو واحدٌ (^٨).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إن تَتُبْ طائفةٌ منكم فَيَعْفو اللهُ عنه، يُعَذِّبِ اللهُ طائفةً منكم بتَرْكِ التوبة.\nوأما قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ فإن معناه: نُعَذِّبْ طائفةً منهم\n_________\n= أيضًا. ينظر سيرة ابن هشام ٢/ ٥٢٤، والإصابة ٦/ ٥٣.\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٢٥.\n(^٢) في م: \"حبان\" وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٤٠.\n(^٣) في م: \"طائفة\"\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٦١ عن زيد بن حباب به.\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س: \"تعذب طائفة\"، وبعده في ف: \"تعذب به طائفة\".\n(^٦) عبر المصنف بالإفراد اعتمادا على أن المقصود بالطائفة: الرجل كما دل عليه الأثر قبله، وكذا الآثار التي يسوقها المصنف بعد.\n(^٧) في ف: \"عليهم\".\n(^٨) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٢ عن معمر عن الكلبي به، فسمى ما أُبهم في رواية المصنف.","vol":"11","page":547},{"text":"باكْتِسابِهم الجُرْمَ، وهو الكفر باللهِ، وطَعْنُهم في رسولِ اللهِ ﷺ.\n\n<span id=\"aya-1302\"></span><span data-type='title' id=toc-3976>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ وهم الذين يُظهرون للمؤمنين الإيمانَ بألسنتِهم، ويُسرُّون (^١) الكفرَ باللهِ ورسولِه. ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾. يقولُ: هم صِنْفٌ واحدٌ، وأمْرُهم واحدٌ، في إعلانِهم الإيمانَ واسْتِبْطانهم الكفرَ؛ ﴿يَأْمُرُونَ﴾ منَ قبِلَ منهم ﴿بِالْمُنْكَرِ﴾: وهو الكفرُ باللهِ وبمحمدٍ ﷺ وبما جاء، وتَكْذيبُه، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾. يقولُ: ويَنْهَونهم عن الإيمانِ باللهِ ورسولِه، [وبما] (^٢) جاءهم به مِن عندِ اللَّهِ.\nوقوله: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾. يقولُ: ويُمسكون أيديَهم عن النفقةِ في سبيلِ اللَّهِ، ويَكُفُّونها عن الصدقةِ، فيَمْنَعون الذين فَرَضَ اللَّهُ لهم في أموالِهم ما فَرَضَ مِن الزكاةِ حقوقَهم.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾. قال: لا يَبْسُطُونها بنفقةٍ في حقٍّ (^٣).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يستسرون\".\n(^٢) في ت ١: \"لما\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٧٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٣٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٥ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"11","page":548},{"text":"مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾: لا يَبْسُطُونها بخيرٍ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾. قال: يَقْبِضون أيديَهم عن كلِّ خيرٍ (^١).\nوأما قولُه: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، فإن معناه: تَرَكوا الله أن يُطيعوه ويَتَّبعوا أمرَه، فتَرَكَهم اللهُ مِن توفيقِه وهدايتِه ورحمتِه.\nوقد دَلَّلنا فيما مَضَى على أن معنى النسيانِ التَّرْكُ، بشواهدِه، فأَغْنَى ذلك عن إعادتِه ههنا (^٢).\nوكان قتادة يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾: نُسُوا مِن الخيرِ، ولم يُنْسَوا من الشرِّ (^٣).\nقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. يقولُ: إن الذين يُخادعون\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٣٢ من طريق محمد بن عبد الأعلى به.\n(^٢) تقدم في ٢/ ٣٩٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٣٣ من طريق يزيد بن زريع به.","vol":"11","page":549},{"text":"المؤمنين بإظهارِهم لهم بألسنتِهم الإيمانَ باللهِ وهم للكفرِ مُسْتَبْطِنون - هم المُفارِقون طاعةَ اللهِ، الخارِجون عن الإيمانِ به وبرسولِه.\n\n<span id=\"aya-1303\"></span><span data-type='title' id=toc-3977>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ﴾ باللَّهِ ﴿نَارَ جَهَنَّمَ﴾ أن يُصْلِيهموها جميعًا، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: ماكِثِين فيها أبدًا، لا يَحْيَون فيها ولا يَموتون. ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾، يقولُ: هي كافيِتُهم؛ عقابًا وثوابًا على كفرِهم باللهِ. ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾، يقولُ: وأَبْعَدَهم اللهُ وأَسْحَقَهم مِن رحمتِه، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. يقولُ: وللفريقَين جميعًا، يعنى مِن أهلِ النفاقِ والكفرِ، عندَ اللَّهِ ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾: دائمٌ، لا يزولُ ولا يَبِيدُ.\n\n<span id=\"aya-1304\"></span><span data-type='title' id=toc-3978>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المنافقين الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾: أبالله وآياتِ كتابه ورسولِه كنتم تستهزئون؟ ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ مِن الأممِ الذين فَعَلوا فعْلَكم فأهْلَكَهم اللهُ، وعَجَّل (^١) لهم في الدنيا الخِزْىَ، مع ما أعدَّ لهم مِن العقوبةِ والنَّكال في الآخرةِ. يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: واحْذَروا أن يَحِلَّ بكم مِن عقوبةِ اللهِ مثلُ الذي حَلَّ بهم؛ فإنهم كانوا أشدَّ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"حل\".","vol":"11","page":550},{"text":"منكم قوّةً وبَطْشًا، وأكثرَ منكم أموالًا وأولادًا ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾. يقولُ: فتَمَتَّعوا بنصيبِهم وحَظِّهم مِن دنياهم ودينِهم، ورَضُوا بذلك مِن نصيبِهم في الدنيا عِوَضًا مِن نصيبِهم في الآخرةِ، [وقد سَلَكتُم أيُّها المنافقون سبيلَهم في الاستمتاع ﴿بِخَلَاقِكُمْ﴾. يقولُ: فَعَلتم بدينِكم ودُنْياكم، كما اسْتَمْتَع الأممُ الذين كانوا] (^١) مِن قبلكم (^٢)، الذين أهلكتُهم بخِلافِهم أمرى - ﴿بِخَلَاقِهِمْ﴾. يقولُ: كما فَعَل الذين مِن قبلِكم بنصيبهم من دُنياهم ودينهِم. ﴿وَخُضْتُمْ﴾ في الكذبِ والباطلِ على اللهِ ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾. يقولُ: وخُضْتُم أنتم أيضًا أيُّها المنافقون كخَوْضِ تلك الأممِ قبلَكم.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3979>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني أبو معشرٍ، عن سعيدِ بن أبى سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"لَتَأْخُذُنَّ كما أَخَذَ الأمُ من قَبْلِكم؛ ذِرَاعًا بذراعٍ، وشِبْرًا بشِبْرٍ، وباعًا بباعٍ، حتى لو أن أحدًا مِن أولئك دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوه\". قال أبو هريرةَ: اقْرَءُوا إن شِئْتُم القرآنَ: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾. قالوا (^٣): يا رسولَ اللهِ، كما صَنَعَت فارسُ والرومُ؟ قال: \"فهَلِ الناسُ\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قبلهم\".\n(^٣) في س: \"قال\". وفي صحيح البخاري: \"فقيل\".","vol":"11","page":551},{"text":"إلا هُمْ؟ \" (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عمرَ بن عطاءٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية. قال: قال ابن عباسٍ: ما أشْبَهَ الليلةَ بالبارحة: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: هؤلاء بنو إسرائيلَ شُبِّهْنا بهم. لا أعلمُ إلا أنه قال: والذي نَفْسِي بيدِه لتتَّبِعُنَّهم حتى لو دَخَلَ الرجلُ منهم جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُموه (^٢). قال ابن جُرَيجٍ: وأخبرَنى زيادُ بنُ سعدٍ، عن محمدِ بن زيدِ بن مُهاجرٍ، عن سعيدِ بن أبى سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"والذي نَفْسِي بيدِه لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الذين مِن قبلِكم؛ شِبْرًا بشِبْرٍ، وذِرَاعًا بذراعٍ، وباعًا بباعٍ، حتى لو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُموه\". قالوا: ومَن هم يا رسولَ اللهِ، أهلُ الكتابِ؟ قال: \"فَمَهْ (^٣) \" (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ أنه قال: \"فمَن؟ \" (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١٤/ ٦٠، ١٥٣، ٤٠٤، ٤٠٥ (٨٣٠٨، ٨٤٣٣، ٨٨٠٥، ٨٨٠٦)، والبخارى (٧٣١٩) من طريق سعيد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٣٤ من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٥ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في م: \"فمن \"وينظر مصدر التخريج.\n(^٤) أخرجه أحمد ١٤/ ٨١ (٨٣٤٠) عن حجاج به.\n(^٥) أخرجه الطيالسي (٢٢٩٢)، وأحمد ١٨/ ٣٢٢ (١١٨٠٠)، والبخارى (٣٤٥٦، ٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩) وغيرهم من حديث أبي سعيد.","vol":"11","page":552},{"text":"الحسنِ: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾. قال: بدينِهم (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"حَذَّرَكم (^٢) أن تُحِدِثوا في الإسلامِ حَدَثًا، وقد عَلِمَ (^٣) أنه سيفعلُ ذلك (^٤) أقوامٌ مِن هذه الأمةِ، فقال اللهُ في ذلك: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أ﴾. وإنما حَسِبوا أن لا يقعَ بهم مِن الفتنةِ ما وَقَع ببنى إسرائيلَ قبلَهم، وإن الفتنةَ عائدةٌ كما بَدَتْ (^٥)\nوأمَّا قولُه: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾، فإن معناه: هؤلاء الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، وفَعَلُوا في ذلك فعلَ الهالِكِين مِن الأممِ قبلَهم. ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾، يقولُ: ذَهَبَتْ أعمالهم باطلًا، فلا ثوابَ لها إلا النارُ؛ لأنها كانت فيما يَسْخَطُ اللَّهُ ويَكْرَهُه. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، يقولُ: وأولئك هم المَغْبونُون صفقتُهم، ببَيْعهم نعيمَ الآخرة بخَلاقِهم مِن الدنيا اليسيرِ الزهيدِ.\n\n<span id=\"aya-1305\"></span><span data-type='title' id=toc-3980>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ألم يأتِ هؤلاء المنافقين الذين يُسِرُّون الكفرَ باللهِ، ويَنْهَون\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٣٤ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٣ عن معمر به.\n(^٢) في ص، ت ٢، س، ف: \"حدثكم\"، وينظر مصدر التخريج.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: علمتم\"، وينظر مصدر التخريج.\n(^٤) سقط من: ص، ت ذ، ت ٢، س، ف.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٥ إلى أبي الشيخ.","vol":"11","page":553},{"text":"عن الإيمانِ به وبرسولِه ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يقولُ: خبرُ الأممِ الذين كانوا من قبلهم حينَ عَصَوا (^١) رُسُلَنا وخالفوا أمْرَنا، ماذا حَلَّ بهم من عقوبتِنا؟\nثم بَيَّنَ جل ثناؤه مَن أولئك الأممُ التي قال لهؤلاء المُنافِقِين: ألم يأتِهم نَبَؤُهم؟ فقال: ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾. ولذلك خَفَضَ القومَ، لأنه تَرْجَمَ بهم (^٢) عن \"الذين\" و\"الذين\" في موضعِ خفضٍ.\nومعنى الكلامِ: ألم يأتِ هؤلاء المنافقين خبرُ قومِ نوح وصَنيعى بهم إذ كَذَّبُوا رسولي نوحًا، وخالَفوا أمْرِى؟ ألم أُغْرِقْهم بالطُّوفانِ؟ ﴿وَعَادٍ﴾، يقولُ: وخبرُ عادٍ إذ عَصَوا رسولى هودًا، ألم أُهْلِكهم بريحٍ صَرْصَرٍ عاتيةٍ؟ وخبرُ ثمودَ إذ عَصَوا رسولى صالحًا، ألم أهلِكْهم بالرَّجْفَةِ، فأتْرُكَهم بأفْنِيتِهم خُمودًا؟ وخبرُ قومِ إبراهيمَ إذ عَصَوه، ورَدُّوا عليه ما جاءهم به مِن عندِ اللَّهِ مِن الحقِّ، أَلم أَسْلُبهم النعمةَ، وأُهلِكْ مَلِكَهم نُمْرُوذَ (^٣)؟ وخبرُ أصحابِ مَدْيَنَ بن إبراهيمَ، ألم أُهلِكُهم بعذابِ يومِ الظُّلَّةِ إذ كَذَّبوا رسولى شعيبًا؟ وخبرُ المُنْقَلِبة بهم أرضُهم، فصار أعلاها أسفلَها، إذ عَصَوا رسولى لوطًا، وكَذَّبوا ما جاءهم به مِن عندى من الحقِّ؟ يقولُ تعالى ذكرُه: أفأمِن هؤلاء المنافقون الذين يَسْتَهْزِءون باللهِ وبآياتِه ورسولِه، أن يُسْلَكَ بهم في الانْتِقامِ منهم وتَعْجيلِ الخِزْي والنَّكالِ لهم في الدنيا، سبيلُ أسلافِهم مِن الأممُ، ويَحِلَّ بهم بتَكْذيبِهم رسولي محمدًا ﷺ ما حَلَّ بهم في تَكْذيبِهم رُسُلَنا، إذ أتتهم بالبينات.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س: \"عموا\".\n(^٢) في م: \"بهن\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"نمرود\" بالمهملة، وينظر تعليقنا المتقدم في ٤/ ٥٦٨.","vol":"11","page":554},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3981>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادة: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾. قال: قومِ لوطٍ، انْقَلَبَت بهم أرضُهم، فجُعِل عاليها سافلَها (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾. قال: هم قومُ لوطٍ.\nفإن قال قائلٌ: فإن كان عَنَى بـ ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ قومَ لوطٍ، فكيف قيل: المؤتفكاتُ، فَجُمِعَت ولم تُوَحَّد؟\nقيل: إنها كانت قَرْياتٍ ثلاثًا، فجُمِعَت لذلك، ولذلك جُمعت بالتاءِ على قولِ اللَّهِ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٣].\nفإن قال: وكيف قيل: أَتتهم رسلهم بالبيناتِ، وإنما كان المُرْسَلُ إليهم واحدًا؟\nقيل: معنى ذلك: أَتَى كلَّ قريةٍ من المؤتفكاتِ رسولٌ يَدْعُوهم إلى اللهِ، فتكونُ رسلُ رسولِ اللهِ ﷺ الذين بَعَثَهم إليهم (^٢) للدعاءِ إلى اللهِ عن رسالاته (^٣) رُسُلًا إليهم، كما قالت العربُ لقومٍ نُسبوا إلى أبى فُدَيْكٍ الخارِجيِّ: الفُدَيْكات، وأبو فُدَيْكٍ واحدٌ ولكن أصحابَه لما نُسبوا إليه وهو رئيسُهم، دُعُوا بذلك ونُسِبوا إلى رئيسِهم. فكذلك قولُه: ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٣٧ من طريق محمد بن عبد الأعلى، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٥ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"إليه\".\n(^٣) في م: \"رسالته\".","vol":"11","page":555},{"text":"وقد يَحتمِلُ أن يقالَ: معنى: أَتَتْ قومَ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وسائرَ الأممِ الذين ذَكَرهم اللهُ في هذه الآية - رسلُهم من اللهِ بالبيناتِ.\nوقولُه: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾. يقولُ جل ثناؤه: فما أهْلَكَ اللَّهُ هذه الأممَ التي ذَكَر أنه أهْلَكها إلا بإجْرامِها وظلمِها أنفسَها واسْتحقاقِها مِن اللهِ عظيمِ العقابِ، لا ظلمًا مِن اللهِ لهم، ولا وضعًا منه جلّ ثناؤه عقوبةً في غيرِ مَن هو لها أهلٌ؛ لأن الله حكيمٌ لا خَلَلَ في تدبيرِه، ولا خطأَ في تقديرِه، ولكن القومَ الذين أَهْلَكَهم ظَلَموا أنفسهم بمعصيةِ اللهِ وتكذيبِهم رسلَه، حتى أسْخَطوا [عليهم ربِّهم، فحَقَّتْ عليهم] (^١) كلمةُ العذابِ فعُذِّبوا.\n\n<span id=\"aya-1306\"></span><span data-type='title' id=toc-3982>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأما المؤمنون والمؤمناتُ، وهم المُصَدِّقون باللهِ ورسولِه وآياتِ كتابه، فإن صفتَهم؛ أن بعضَهم أنصارُ بعضٍ وأعوانُهم، ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يقولُ: يأمُرون الناسَ بالإيمانِ باللهِ ورسولِه، وبما جاء به مِن عندِ الله، ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾. يقولُ: ويؤدُّون الصلاةَ المفروضةَ، ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. يقولُ: ويُعْطُون الزكاةَ المفروضةَ أهلَها، ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، فيأتَمِرون لأمرِ اللهِ ورسولِه، ويَنْتَهُون عما نَهياهم (^٢) عنه، ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾. [يقولُ: هؤلاء الذين هذه صفتُهم، الذين سيرحمُهم اللهُ] (^٣)، فيُبْعِدُهم (^٤)\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"عليها\".\n(^٢) في م، ت ١: \"نهيناهم\".\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) في ف: \"فيعذبهم\".","vol":"11","page":556},{"text":"مِن عذابِه، ويُدْخِلُهم جنتَه، لا أهلُ النفاقِ والتكذيبِ باللهِ ورسولِه، النَّاهون عن المعروفِ، الأمِرُون بالمنكرِ، القابِضون أيديَهم عن أداءِ حقِّ اللهِ من أموالِهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ يقولُ: إن الله ذو عِزَّةٍ في انتقامِه ممن انْتَقَم مِن خلقِه على معصيتِه وكفرِه به، لا يمنعه من الانتقامِ منه مانعٌ، ولا ينصُرُه منه ناصرٌ، ﴿حَكِيمٌ﴾ في انتقامِه منهم و(^١) في جميعِ أفعالِه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3983>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: كلُّ ما ذَكَر اللَّهُ في القرآنِ مِن الأمِر بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، فالأمرُ بالمعروفِ دعاءٌ من الشركِ إلى الإسلامِ، والنهي عن المنكرِ النهيُ عن عبادة الأوثانِ والشياطينِ (^٢).\nقال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾. قال: الصلواتُ الخمسُ.\n\n<span id=\"aya-1307\"></span><span data-type='title' id=toc-3984>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وعَد اللهُ الذين صَدَقوا اللَّهَ ورسولَه، وأَقَرُّوا به\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٣١ من طريق أبي جعفر به مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٦٨ إلى ابن أبي حاتم وابن إسحاق. بزيادة على هذا.","vol":"11","page":557},{"text":"وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، مِن الرجالِ والنساءِ، ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ: بساتينَ تجرى تحتَ أشْجارِها الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: لَابِثِين فيها أبدًا، مُقيمين، لا يزولُ عنهم نَعِيمُها ولا يَبِيدُ، ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾. يقولُ: ومنازلَ يَسْكُنونها طيبةً.\nوطِيبُها أنها فيما ذُكِر لنا كما حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، [عن جَسْرٍ] (^١)، عن الحسنِ، قال: سألتُ عِمْران بن حصينٍ وأبا هريرةَ عن آيةٍ في كتابِ اللهِ ﵎: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾. فقالا: على الخبيرِ سَقَطْتَ، سألْنا رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: \"قَصْرٌ في الجنةِ من لؤلؤ، فيه سبعون دارًا من ياقوتةٍ حمراءَ، في كلِّ دارٍ سبعون بيتًا مِن زُمُردةٍ خضراءَ، في كلِّ بيتٍ سبعون سريرًا (^٢).\nحدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجَوْهَرِيُّ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ حبيب، عن جَسْرِ (^٣) بن فَرْقَدٍ، عن الحسنِ، عن عِمْرانَ بن حُصَينٍ وأبى هريرةَ، قالا: سُئل رسولُ اللهِ ﷺ عن هذه الآيةِ: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾. قال: \"قَصْرٌ مِن لؤلؤةٍ، في ذلك القصرِ سبعون دارًا مِن ياقوتةٍ حمراءَ، في كلِّ دارٍ سبعون بيتًا مِن زَبَرْ جِدةٍ خضراءَ، في كلِّ بيتٍ سبعون سريرًا، على كلِّ سريرٍ سبعون فِراشًا مِن كلِّ لونٍ، على كلِّ فراشٍ زوجةٌ من الحورِ العينِ، في كلِّ بيتٍ سبعون مائدةً، على كلِّ مائدةٍ سبعون لونًا مِن طعامٍ، في كل بيتٍ سَبعون وصيفةً، ويُعْطَى المؤمنُ مِن القُوَّةِ في غَداةٍ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، س، ف، وفى ص: \"عن الحسن\". ثم ضرب على الألف واللام، والمثبت من الأوسط للطبراني، وانظره في الأثر بعده. وينظر التاريخ الكبير ٢/ ٢٤٦.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٨٤٩) من طريق أبى كريب به.\n(^٣) في النسخ: \"حسن\".","vol":"11","page":558},{"text":"واحدة ما يأتى على ذلك كلِّه أَجْمَعَ\" (^١).\nوأمَّا قوله: ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾. فإنه يعنى: وهذه المساكنُ الطيِّبةُ التي وَصَفَها جلّ ثناؤُه في جناتِ عدنٍ.\nو﴿فِي﴾ مِن صلةِ ﴿وَمَسَاكِنَ﴾.\nوقيل: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾. لأنها بساتينُ خُلْدٍ وإقامةٍ، لا يَطْعَنُ منها (^٢) أحدٌ.\nوقيل: إنما قيل لها: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾. لأنها دارُ اللَّهِ التي اسْتَخْلَصَها لنفسِه، ولمَن شاء مِن خلقه، مِن قولِ العربِ: عَدَنَ فلانٌ بأرضِ كذا. إذا أقامَ بها وخَلَدَ بها، ومنه المَعْدِنُ، ويقال: هو في مَعْدِنِ صدقٍ. يعنى به أنه في أصلٍ ثابتٍ. وقد أنشَد بعضُ الرواةِ بيتَ الأَعْشَى (^٣):\nوإن يَسْتَضِيفوا (^٤) إلى حكمِه (^٥) … يُضَافُوا إلى راجحٍ قد عَدَنْ (^٦)\nويُنْشَدُ: قد وَزَنْ.\nوكالذي قُلنا في ذلك كان ابن عباسٍ وجماعةٌ معه - فيما ذُكر - يَتَأوَّلونه.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في البعث والنشور (٢٨١) وابن الجوزى في الموضوعات ٣/ ٢٥٢ من طريق براهيم بن سعيد به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٥٧٧)، والطبرانى في الكبير ١٨/ ١٦٠ (٣٥)، والبزار (٢٢١٧) من طريق جسر بن فرقد به، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة ص (٦٠٩) من طريق الحسن به. .. وقال ابن كثير في البداية والنهاية ٢٠/ ٢٨٦: وهذا الحديث غريب، بل الأشبه أنه موضوع، وإذا كان الخبر ضعيفًا لم يمكن اتصاله، فإن جسرا هذا ضعيف جدا.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فيها\".\n(^٣) ديوانه ص ١٩.\n(^٤) في م: \"تستضيفوا\"، وفى الديوان: \"يستضافوا\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"حلمه\"، وفى ف: \"حمله\".\n(^٦) في الديوان: \"رزن\" بالراء، ووزن ورزن بمعنى، وكذا أيضًا: عدن، كما فسره أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٢٦٤.","vol":"11","page":559},{"text":"حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن حبيبِ بن الشهيدِ، قال: ثنا عَتَّابُ بن بشيرٍ، عن خُصَيفٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾. قال: مَعْدِنُ الرجلِ الذي يكونُ فيه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سهلِ بن عسكرٍ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: ثنا [الليثُ بنُ] (^٢) سعدٍ عن زيادَة، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِيِّ، عن فَضالةَ بن عُبَيدٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إِنَّ اللَّهَ يَفْتَحُ الذِّكْرَ في ثلاثِ ساعاتٍ يَبْقَيْنَ مِن الليلِ؛ في الساعةِ الأُولى مِنْهُنَّ ينظرُ في الكتابِ الذي لا يَنْظُرُ فيه أحدٌ غيرُه، فيَمْحُو ما يَشَاءُ ويُنْبِتُ، ثم يَنْزِلُ في الساعةِ الثانيةِ إلى جنةِ عَدْنٍ، وهى دارُه التي لم تَرَها عَيْنٌ، ولم تَخْطُرْ على قلبِ بَشَرٍ، وهى مَسْكَنُه، ولا يَسْكُنُ معه من بني آدمَ غير ثلاثةٍ؛ النَّبِيِّين والصِّدِّيقين والشهداءِ، ثم يقولُ: طُوبَى لَمَن دَخَلَكِ. وذَكَر في الساعةِ الثالثةِ\" (^٣).\nحدَّثني موسى بنُ سهلٍ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا الليثُ بنُ سعدٍ، قال: ثنا زيادةُ بن محمدٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِيِّ، فَضالةَ بن عُبيدٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"عَدْنٌ دَارُه - يعني: دارُ اللَّهِ - التي لم تَرَها عينٌ، ولم تَخْطُرْ على قلبِ بشرٍ، وهى مَسْكنُه، ولا يَسْكُنُها معه مِن بني آدمَ غيرُ ثلاثة، النَّبِيِّين، والصِّدِّيقين والشهداءِ، يقولُ الله ﵎: طُوبَى لَمَن دَخَلَكِ\".\nوقال آخرون: معنى ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: جنات أعْنابٍ وكُرُومٍ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٤٠ من طريق خصيف به بلفظ: معدنهم فيها أبدا بنحوه.\n(^٢) في النسخ: \"الكندى\". والمثبت كما في الإسناد بعده، وسيأتي على الصواب أيضًا في تفسير الآية ٣٩ من سورة الرعد.\n(^٣) سيأتي تخريجه ١٣/ ٥٧٠.","vol":"11","page":560},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3985>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أحمد بن أبى سُرَيجٍ الرازيُّ، قال: ثنا زكريا بنُ عَدِيٍّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ عمرٍو، عن زيد بن أبى أُنَيْسةً، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن الحارثِ، أن ابنَ عباسٍ سأل كعبًا عن ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾. فقال: هي الكرومُ والأعنابُ بالسريانيةِ.\nوقال آخرون: هي اسمٌ لبُطْنانِ الجنةِ ووَسَطِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-3986>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا شعبةُ، عن سليمانَ الأعمشِ، عن عبدِ الله بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: ﴿عَدْنٍ﴾: بُطْنانُ الجنةِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ ومحمد بنُ المُثنى، قالا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ وشعبةَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾. قال: بُطْنانُ الجنةِ. قال ابن بَشَّارٍ في حديثِه: فقلتُ: ما بُطنانُها؟ وقال ابن المُثنى في حديثِه: فقلتُ للأعمشِ: ما بُطْنَانُ الجنةِ؟ قال: وَسَطُها.\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعْمشِ، عن عبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، أو (^٢) أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾. قال: بُطْنانُ الجنةِ.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٣٥ من طريق الأعمش به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٧ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في م: \"و\".","vol":"11","page":561},{"text":"قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن الأعْمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ بمثلِه.\nحدَّثنا ابن المُثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ مثلَه.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ أبي سُرَيجٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعْمشِ، عن أبي الضُّحَى وعبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، عنهما جميعًا، أو عن أحدِهما، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾. قال: بُطْنَانُ الجنةِ.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٍ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ في قولِ اللهِ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾. قال: بُطْنانُ الجنةِ (^١).\nوقال آخرون: ﴿عَدْنٍ﴾: اسمٌ لقصرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3987>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ الكَنْديُّ، قال: ثنا عَبْدة أبو غَسَّانَ، عن عونِ بن موسى الكِنانيِّ، عن الحسنِ، قال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، وما أدْراكَ ما جناتُ عَدْنٍ؟ قَصْرٌ مِن ذهبٍ، لا يدخله إلا نبيٌّ، أو صِدِّيقٌ، أو شهيدٌ، أو حَكَمٌ عَدْلٌ. ورَفَع به صوتَه (^٢).\nحدَّثنا أحمد بن أبي سُرَيجٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عاصمٍ، قال: ثنا عونُ بنُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٠) من طريق جرير وفضيل بن عياض به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٤٥٥) زيادات المروزي، (٤٢٥) زيادات نعيم، وابن أبي شيبة ١٣/ ١٢٦، هناد في الزهد (٤٨)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٧٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٤٠ من طريق منصور به.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٦٨ - تفسير)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٧٨) من طريق عون به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٧ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":562},{"text":"موسى، قال: سِمعتُ الحسنَ بنَ أبي الحسنِ يقولُ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، وما أدْراك ما جناتُ عدنٍ؟ قَصْرٌ من ذهب، لا يدخُلُه إلا نبيٌّ، أو صِدِّيقٌ، أو شهيدٌ، أو حَكَمٌ عَدْلٌ، رَفَعَ الحسنُ به صوتَه.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا حمادُ بنُ سلَمةَ، عن يَعْلَى بنِ عطاءٍ، عن نافعِ بن عاصمٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: إن في الجنةِ قصرًا يقالُ له: عَدْنٌ. حوله البُرُوجُ والمروجُ (^١)، له خمسون ألفَ بابٍ، على كلِّ بابٍ حِبَرَةٌ (^٢)، لا يدخله إلا نبيٌّ أو صِدِّيقٌ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ ناصحٍ (^٤)، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن يَعْلَى بن عطاءٍ، قال: سمِعتُ يعقوب بنَ عاصمٍ، يُحَدِّثُ عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو (^٥)، أن في الجنةِ قصرًا يقال له: عَدْنٌ. له خمسةُ آلافِ بابٍ، على كلِّ بابٍ خمسةُ آلافِ حِبَرَةٌ، لا يدخُلُه إلا نبيٌّ، أو صِدِّيقٌ، أو شهيدٌ (^٦).\nوقيل: هي مدينةُ الجنةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3988>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثْتُ عن عبدِ الرحمنِ المُحارِبيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فِي جَنَّاتِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"الروح\"، وفى ف: \"البروج\". وسيأتي على الصواب في تفسير الآية ٢٣ من سورة الرعد. والمروج جمع المرج: وهو أرض واسعة فيها نبت كثير تمرج فيها الدواب. تهذيب اللغة ١١/ ٧١.\n(^٢) الحبرة والحبير من البرود: ما كان مَوْشِيًّا مخطَّطا. النهاية ١/ ٣٢٨.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في العلل ٢/ ٤٣٦ من طريق حماد بن سلمة به.\n(^٤) في م: \"ناجح\"، وفى ف: \"واضح\" وينظر الجرح والتعديل ٣/ ٣٩.\n(^٥) في ف: \"عمر\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٣٠٧ من طريق شعبة به، وأخرجه أيضًا في ٥/ ٣١١، ٦/ ٥٣٥، ١٢/ ٢٢١ من طريق ابن سابط عن عبد الله بن عمرو.","vol":"11","page":563},{"text":"عَدْنٍ﴾. قال: هي مدينةُ الجنةِ، فيها الرسلُ والأنبياءً والشهداءُ وأئمةُ الهُدَى، والناسُ حولَهم بعدُ، والجناتُ حولَها (^١).\nوقيل: إنه اسمُ نهرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3989>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثتُ عن المُحارِبيِّ، عن واصلِ بن السائبِ الرَّقَاشِيِّ، عن عطاءٍ، قال: ﴿عَدْنٍ﴾ نهرٌ في الجنةِ، جناتُه على حافتَيه (^٢).\nوأما قولُه: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. فإن معناه: ورضا اللهِ عنهم أكبرُ من ذلك كلِّه. وبذلك جاء الخبرُ عن رسول اللهِ ﷺ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: إن الله يقولُ لأهلِ الجنةِ: يا أهلَ الجنةِ. فيقولون: لَبَّيْكَ ربَّنا وسَعْدَيك. فيقولُ: هل رَضِيتُم؟ فيقولون: وما لنا لا نَرْضَى، وقد أعْطَيْتَنا ما لم تُعْطِ أحدًا مِن خَلْقِك؟ فيقولُ: أنا أُعْطِيكم أفضلَ مِن ذلك. قالوا: ياربَّ، وأيُّ شيءٍ أفضلُ مِن ذلك؟ قال: أُحِلُّ عليكم رِضْوانى فلا أسْخَطُ عليكم بعده أبدًا\" (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٧ إلى المصنف وأبى الشيخ، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٧٣ وعزاه إلى المصنف.\n(^٢) ذكره البغوي ٤/ ٧٣ في تفسيره.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٣٠ - زوائد نعيم)، ومن طريقه أحمد ١٨/ ٣٤٨ (١١٨٣٥)، والبخارى (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩)، والترمذى (٢٥٥٥)، والنسائى في الكبرى (٧٧٤٩)، وابن منده في الإيمان (٨١٩)، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٣٤٢، ٨/ ١٨٤، والبيهقى في البعث (٤٩٠)، وفي الأسماء والصفات (١٠٥٤)، وأخرجه البخارى (٧٥١٨)، ومسلم (٢٨٢٩)، وابن حبان (٧٤٤٠)، وابن منده في الإيمان (٨١٩)، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٣٤٢، والبيهقى في البعث (٤٩٠)، وفي الأسماء والصفات (٤٧٤)، والبغوى (٤٣٩٤) من طريق مالك به.","vol":"11","page":564},{"text":"حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنى يعقوبُ، عن حَفْصٍ، عن شِمْرٍ، قال: يَجِيءُ القرآنُ يومَ القيامةِ في صورةِ الرجلِ الشاحبِ، إلى الرجل حينَ يَنْشَقُّ عنه قبرُه، فيقولُ: أَبْشِرْ بكرامةِ اللَّهِ، أَبْشِرْ برضوانِ اللَّهِ. فيقولُ: مِثْلُك مَن يُبَشِّرُ بالخيرِ؟ ومَن أنت؟ فيقولُ: أنا القرآنُ الذي كنتُ أُسْهرُ ليلَك، وأُظْمِئُ نهارك. فيَحْمِلُه على رقبتِه حتى يُوافِىَ به ربَّه، فيَمْثُلُ بينَ يَدَيه فيقولُ: ياربِّ، عبدُك هذا اجْزِه عنى خيرًا، فقد كنتُ أُسْهرُ ليله، وأُظْمِئُ نهارَه، وآمُرُه فَيُطِيعُنى، وأَنْهاهُ فَيُطِيعُنى. فيقولُ الربُّ ﵎: فله حُلَّةُ الكرامةِ. فيقولُ: أي ربَّ، زِدْه فإنه أهلُ ذلك. فيقولُ: فله رِضْوانى. قال: ورِضوانُ (^١) اللهِ أكبرُ (^٢).\nوابْتُدِئَ الخبرُ عن رضوانِ اللهِ للمؤمنين والمؤمناتِ أنه أكبرُ مِن كلِّ ما ذَكَر جلّ ثناؤه فرُفِعَ، وإن كان الرِّضْوانُ فيما قد وَعَدهم. ولم يَعْطِفْ به في الإعربِ على \"الجناتِ\" و\"المساكنِ الطيبةِ\"، ليُعْلَمَ بذلك تفضيلُ اللَّهِ رضوانَه عن المؤمنين على سائرِ ما قَسَمَ لهم مِن فضلِه وأعْطاهم مِن كرامتِه، نظيرُ قولِ القائلِ في الكلامِ الآخَرِ: أعطيتُك ووصلتُك بكذا، وأكرمتُك، ورِضاى بعد عنك أفضلُ لك (^٣).\nهذه الأشياءُ التي وعدتُ المؤمنين والمؤمناتِ ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. يقولُ: هو الظُّفَرُ العظيم، والنَّجاءُ الجسيمُ؛ لأنهم ظَفرِوا بكرامةِ الأبدِ، ونَجَوا مِن الهوانِ في سَقَرَ (^٤)، فهو الفوزُ العظيمُ الذى لا شيءَ أعظمُ منه.\n\n<span id=\"aya-1308\"></span><span data-type='title' id=toc-3990>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) بعده في م: \"من\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٧ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) في م: \"وذلك\".\n(^٤) في النسخ: \"السفر\".","vol":"11","page":565},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ [بالسيفِ والسلاحِ والمنافقين] (^١).\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ الجهادِ الذي أَمرَ الله نبيَّه به في المنافقين، فقال بعضُهم: أمرَه بجهادِهم باليدِ واللسانِ، وبكلِّ ما أطاقَ جهادَهم به.\n\n<span data-type='title' id=toc-3991>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا مُحَميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ ويحيى بنُ آدمَ، عن حسنِ بن صالحٍ، عن عليّ بن الأقمَرِ، عن [عمرِو بن أبي جُنْدبٍ] (^٢)، عن ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾. قال: بيدِه، فإن لم يَسْتطِعْ فبلسانِه، فإن لم يستطِعْ فبقلبِه، فإن لم يستطع فليَكْفَهِرَّ (^٣) في وجهِه (^٤).\nوقال آخرون: بل أمرَه بجهادهم باللسانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3992>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾: فأمرَه اللهُ بجهادِ الكفارِ بالسيفِ، والمنافقين باللسانِ، وأَذْهَب الرِّفْقَ عنهم (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"والمنافقين بالسيف والسلاح\".\n(^٢) في م: \"عمرو بن جندب\"وهما قولان في اسمه. ينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٥٦٦.\n(^٣) فليكفهر: أي: فليلقه بوجه عابس قطوب. ينظر النهاية ٤/ ١٩٣.\n(^٤) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٢/ ٨١ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٤١، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٢/ ٨١، ووالبيهقي في الشعب (٩٣٧٠) من طريق يحيى بن آدم به. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٣٧٧) - ومن طريقه ابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (١٠٩) - من طريق على بن الأقمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٤١، ١٨٤٢، والبيهقى ٩/ ١١ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٨ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"11","page":566},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثني الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾. قال: الكفارَ بالقتالِ، والمنافقين أن يَغْلُظَ عليهم بالكلام.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: جاهِدِ الكفارَ بالسيفِ، واغْلُظ على المنافقين بالكلامِ، وهو مُجاهدتُهم (^١).\nوقال آخرون: بل أمَره بإقامة الحدودِ عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3993>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الحسن: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾. قال: جاهِدِ الكفار بالسيفِ، والمنافقين بالحدودِ، أَقِمْ عليهم حدودَ اللهِ (^٢)\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾. قال: أمر الله نبيِّه ﷺ أن يُجاهِدَ الكفارَ بالسيفِ، ويَغْلُظَ على المُنافقين في الحدودِ (^٣).\n_________\n(^١) ذكر ابن أبي حاتم أوله في تفسيره ٦/ ١٨٤١ معلقا، وأخرج آخره ٦/ ١٨٤٢ من طريق أبي معاذ به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٨٣ عن معمر به بدون الجملة الأولى، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٤١ من طريق حوشب، عن الحسن مقتصرا على قوله: المنافقين بالحدود، وعلق ابن أبي حاتم أوله في تفسيره ٦/ ١٨٤١.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وعلقه ابن أبي حاتم في =","vol":"11","page":567},{"text":"قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوال في تأويلِ ذلك عندى بالصوابِ، ما قال ابن مسعودٍ من أن الله أمرَ نبيِّه ﷺ مِن جهادِ المنافقين بنحوِ الذي أمرَه به مِن جهادِ المشركين.\nفإن قال قائلٌ: فكيف تَرَكَهم ﷺ مُقيمين بينَ أَظْهُرِ أصحابِه مع علمِه بهم؟\nقيل: إن الله تعالى ذكرُه إنما أمَر بقتالِ مَن أظْهَر منهم (^١) كلمةَ الكفرِ، ثم أقامَ على إظهارِه ما أظهَر مِن ذلك، وأمَّا مَن إذا اطَّلِعَ عليه منهم أنه تَكَلَّم بكلمةِ الكفرِ وأُخِذ بها، أنكَرَها ورَجَع عنها وقال: إنى مسلمٌ. فإِنَّ حكمَ اللَّهِ في كلِّ مَنْ أَظْهَر الإسلامَ بلسانه، أن يَحْقِنَ بذلك له دمَه ومالَه، وإن كان مُعْتَقِدًا غيرَ ذلك، وتَوَكَّلَ هو جلَّ ثناؤُه بسرائرهم، ولم يجعَلْ للخلقِ البحثَ عن السرائرِ؛ فلذلك كان النبيُّ ﷺ علمه بهم وإطْلاعِ اللهِ إياه على ضمائرِهم واعتقادِ صُدورهم، كان يُقِرُّهم بينَ أَظْهُرِ أصحابِه، ولا يَسْلُكُ بجهادِهم مَسْلكَ جهادِ مَن قد ناصَبه الحربَ على الشركِ باللهِ؛ لأن أحدَهم كان إذا اطُّلِع عليه أنه قد قال قولًا كَفَر فيه باللَّهِ ثم أُخِذ به، أنكره وأظهر الإسلامَ بلسانِه، فلم يكنْ ﷺ ما يأخُذه إلا بما أظهرَ (^٢) له مِن قولِه عندَ حضوره إياه وعزمِه على إمضاءِ الحكمِ فيه، دونَ ما سَلَف مِن قولٍ كان نَطَقَ به قبلَ ذلك، ودونَ اعتقادِ ضميرِه الذي لم يُبحِ اللهُ لأحدٍ الأخْذَ به في الحكمِ، وتَوَلَّى الأخْذَ به هو دنَ خلقه.\nوقولُه: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واشْدُدْ عليهم بالجهادِ والقتالِ\n_________\n= تفسيره ٦/ ١٨٤١، ١٨٤٢.\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"منه\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ظهر\".","vol":"11","page":568},{"text":"والإرهابِ (^١).\nوقولُه: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ: ومساكنُهم جهنمُ، وهى مَثْواهم ومَأْواهم، ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وبئس المكانُ الذي يُصار إليه جهنمُ.\n\n<span id=\"aya-1309\"></span><span data-type='title' id=toc-3994>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)﴾.</span>\nاختَلَف أهلُ التأويلِ في الذي نَزَلَت فيه هذه الآيةُ، والقولِ الذي كان قاله الذي أخبرَ اللهُ عنه أنه يَحْلِفُ باللهِ ما قاله؛ فقال بعضُهم: الذي نَزَلَت فيه هذه الآيةُ الجُلَاسُ بنُ سُوَيدِ بن الصامتِ.\nوكان القولُ الذي قاله ما حدَّثنا به ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو (^٢) معاويةً، عن هشامِ بنُ عُروةَ، عن أبيه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾. قال: نَزَلَت في الجُلَاسِ بن سُويدِ بنُ الصامتِ، قال: إن كان ما جاء به محمدٌ حقًّا، لنحنُ أشرُّ مِن الحُمُرِ (^٣). فقال له ابن امرأتِه: واللهِ يا عدوَّ اللهِ، لأُخْبِرَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بما قلتَ، فإنى إن لا أفعلْ أخافُ أن تُصِيبَنى قارعةٌ وأؤاخَذَ بخطيئتِك. فدعا النبيُّ ﷺ الجُلَاسِ، فقال: \"يا جُلَاسُ، أقلتَ كذا وكذا؟ \". فحَلَف ما قال، فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ\n_________\n(^١) في م: \"الإرعاب\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"الحمير\".","vol":"11","page":569},{"text":"فَضْلِهِ﴾ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو معاويةَ الضَّرِيرُ، عن هشامِ بن عُرْوةَ، عن أبيه، قال: نَزَلَت هذه الآية ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ في الجُلَاسِ بن سُويدِ بن الصامتِ، أقبَل هو وابنُ امرأتِه مُصْعَبٌ مِن قُبَاءٍ، فقال الجُلَاسُ: إن كان ما جاء به محمدٌ حقًّا، لنحنُ أَشَرُّ مِن حُمُرِنا هذه التي نحن عليها. فقال مصعبٌ: أما واللهِ يا عدوَّ اللهِ، لأُخْبرَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بما قلتَ. فأتيتُ النبيَّ ﷺ، وخَشِيتُ أن ينزِلَ فيَّ القرآنُ، أو تُصِيبَنى قارعةٌ، و(^٢) أن أُخْلَطَ (^٣)، قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَقبلتُ أنا والجُلَاسُ مِن قُبَاءٍ فقال: كذا وكذا، ولولا مخافةُ (^٤) أنْ أُخْلَطَ (^٥) بخطيئتِه، أو تُصيبَنى قارعةٌ، ما أخْبَرْتُك. قال: فَدَعا الجُلَاسَ فقال له: \"يا جُلَاسُ، أقُلْتَ الَّذى قال مصعبٌ؟ \". قال: فحَلَف. فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ الآية.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان الذي قال تلك المقالةَ فيما بَلَغَنى، الجُلاسُ بنُ سُويدِ بن الصامتِ، فرَفَعَها عنه رجلٌ كان في حجرِه، يقالُ له: عميرُ بنُ سعيدٍ (^٦). فأنكَرها، فحَلَف باللهِ ما قالها، فلما نَزَل فيه\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٨٣٠٣)، وابن سعد ٤/ ٣٧٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٤٦ من طريق هشام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٨ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في ص، م، ت ٢، س، ف: \"أو\".\n(^٣) سقط من النسخ، وستأتى على الصواب بعد قليل، وهى كذلك في مصنف عبد الرزاق.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الله\".\n(^٥) في م: \"أؤاخذ\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يخلط\". وصوابها ما أثبتنا.\n(^٦) في سيرة ابن هشام: \"سعد\" وقد ذكر ابن حجر في الإصابة ٤/ ٧١٩ الخلاف فيه؛ فبعضهم يفرق بينهما وبعضهم يجعلهما واحدًا.","vol":"11","page":570},{"text":"القرآنُ، تابَ ونَزَعَ وحَسُنَتْ توبته فيما بَلَغَنى (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾: قال أحدُهم: لئن كان ما يقولُ محمدٌ حقًّا، لنحن شَرٌّ مِن الحميرِ. فقال له رجلٌ مِن المؤمنين: إن ما قال لحقٌّ، ولأنت شَرٌّ مِن حمارٍ. قال: فَهَمَّ المنافقون بقتلِه، فذلك قولُه: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nقال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثني أيوبُ بنُ إسحاقَ بن إبراهيمَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ جالسًا في ظلِّ حجرةٍ (^٣)، فقال: \"إنه سَيأتِيكم إنسانٌ فيَنْظُرُ إليكم بعَيْنَى شيطانٍ، فإذا جاء فلا تُكَلِّمُوه\". فلم يَلْبَثُ أن طَلَع رجلٌ أزرقُ، فدَعاه رسولُ اللهِ ﷺ، فقال: \"عَلامَ تَشْتُمُنى أنت وأصحابُك؟ \". فانطَلَق الرجلُ فجاء بأصحابِه، فحَلَفوا باللهِ ما قالوا وما فَعَلوا حتى تَجاوَزَ عنهم، فأنزلَ اللهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾. ثم نَعَتَهم جميعًا إلى آخرِ الآيةِ (^٤).\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٥١٩.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٧٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٤٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٩ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"شجرة\".\n(^٤) سيأتي تخريجه في تفسير الآية ١٨ من سورة المجادلة.","vol":"11","page":571},{"text":"وقال آخرون: بل نَزَلت في عبدِ اللهِ بن أبيٍّ ابن سلولَ، قالوا: والكلمةُ التي قالَها ما حدَّثنا به بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾. إلى قولِه: ﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. قال: ذُكِر لنا أن رجلَين اقْتَتَلا، أحدُهما مِن جُهَينةَ، والآخرُ مِن غِفارٍ، وكانت جُهَينةُ حلفاءَ الأنصارِ، وظَهَرَ الغِفارِيُّ على الجُهَنِيِّ، فقال عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ للأوسِ: انصُروا أخاكم، فواللهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ محمدٍ إلا كما قال القائلُ: سَمِّنْ كلبَك يأكُلْك. وقال: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]. فسعى بها رجلٌ من المسلمين إلى نبيِّ اللهِ ﷺ، فأرسل إليه فسأله، فجَعَل يحلفُ باللهِ ما قاله، فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾. قال: نَزَلَت في عبدِ اللهِ بن أُبيٍّ ابن سلولَ.\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يقالَ: إن الله تعالى أخبرَ عن المنافقين أنهم يَحْلِفون باللهِ كذبًا على كلمةِ كفرٍ تَكَلَّموا بها أنهم لم يقولوها، وجائزٌ أن يكونَ ذلك القولُ ما رُوِيَ عن عُروةَ أن الجُلَاسَ قاله، وجائزٌ أن يكونَ قائلُه عبدَ اللهِ بنَ أُبيٍّ ابنَ سلولَ، والقولُ ما ذَكَر قتادةُ عنه أنه قال، ولا علم لنا بأيِّ (^٢) ذلك مِن أيٍّ، إذْ كان لا خبرَ بأحدِهما يُوجِبُ الحُجَّةَ، ويُتَوَصَّلُ به إلى يقينِ العلمِ به، وليس مما يُدْرَكُ علمُه بفطرةِ العقلِ، فالصوابُ أن يقالَ فيه كما قال اللهُ جلّ ثناؤه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه والأثر بعده في تفسير الآية ٨ من سورة \"المنافقون\".\n(^٢) في ص، م: \"بأن\"، وفى ت ١، ت ٢، س، ف: \"فإن\" وتقدم مثله كثيرا، ينظر مثلا ١/ ٥٥٦.","vol":"11","page":572},{"text":"أما قولُه: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾. فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفُوا في الذي كان هَمَّ بذلك، وما الشيءُ الذي كان هَمَّ به؟ قيل (^١): ابن امرأتِه الذي سَمِعَ منه ما قال، وخَشِيَ أَن يُفْشِيَه عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-3995>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: هَمَّ المنافقُ بقَتْلِه، يعنى: بقَتْلِ المؤمنِ الذي قال له: أَنتَ شَرٌّ مِن الحمارِ. فذلك قولُه: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\nوقال آخرون: كان الذي هَمَّ رجلًا من قريشٍ، والذي همَّ به قتلَ رسولِ اللهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3996>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن جابرٍ عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾. قال: رجلٌ مِن قريشٍ هَمَّ بقتلِ رسولِ اللهِ ﷺ، يقالُ له: الأسودُ (^٤).\nوقال آخرون: الذي هَمَّ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابن سلولَ، وكان هَمُّه الذي لم يَنَلْه\n_________\n(^١) في م: \"أقتل\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٥٧١.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، وفي م: \"به\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٤٥ من طريق شريك، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس.","vol":"11","page":573},{"text":"قولَه: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. مِن قولِ قتادةَ، وقد ذَكَرناه.\nوقولُه: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. ذُكِر لنا أن المنافقَ الذي ذَكَر اللهُ عنه أنه قال كلمةَ الكفرِ، كان فقيرًا فَأَغْناه اللهُ بأن قُتِلَ له مولًى، فأعطاه رسولُ اللهِ ﷺ دِيَتَه، فلما قال ما قال، قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا﴾. يقولُ: ما أنكَروا على رسولِ اللهِ ﷺ شيئًا، إلا أن أغْناه (^١) اللهُ ورسولُه من فضِله.\n\n<span data-type='title' id=toc-3997>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: وكان الجُلَاسُ قُتِلَ له مولًى، فأمَر له رسولُ اللهِ ﷺ بديَتِه، فاسْتَغْنَى، فذلك قولُه: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٢).\nقال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن عمرٍو، عن عِكرمةَ، قال: قَضَى النبيُّ ﷺ بالدَّيَةِ اثْني عشَرَ ألفًا في مَوْلًى لبنى عديِّ بن كعبٍ، وفيه أُنْزِلَت هذه الآيةُ: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال: كانت لعبدِ اللهِ بنُ أُبَيٍّ دِيَةٌ، فَأَخْرَجَها\n_________\n(^١) في م: \"أغناهم\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٥٧٠.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٧٢٧٣)، وسعيد بن منصور (١٠٢٥)، وابن أبي شيبة ٩/ ١٢٦، والترمذى (١٣٨٩) من طريق ابن عيينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٠ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"11","page":574},{"text":"رسولُ اللهِ ﷺ له (^١).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن سفيانَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: سمِعتُ عكرمةَ، أن موْلًى لبنى عَدِيٍّ بنُ كعبٍ قَتَل رجلًا مِن الأنصارِ، فقَضَى له رسولُ اللهِ ﷺ بالدِّيةِ اثنى عشَرَ ألفًا، وفيه أُنزلَت: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال عمرٌو: لم أسمَعْ هذا عن النبيِّ ﷺ إلا مِن عكرمةَ. يعنى الديةَ اثْنى عشَرَ ألفًا.\nحدَّثنا صالحُ بنُ مِسْمارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ سِنانٍ العَوَقيُّ (^٢)، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمٍ الطائفيُّ، عن عمرٍو بن دينارٍ، عن عِكْرمةَ مولى ابن عباسٍ، عن ابن عباسٍ، أن النبيَّ ﷺ جَعَل الديةَ اثْنى عشَرَ ألفًا، فذلك قولُه: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال: بأَخْذِ الديةِ (^٣).\nوأمَّا قولُه: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن يَتُبْ هؤلاء القائلون كلمةَ الكفرِ مِن قِيلهم الذي قالوه فرَجَعوا عنه، يكُ رجوعُهم وتوبتُهم مِن ذلك خيرًا لهم مِن النفاقِ، ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾. يقولُ: وإن يُدْبِروا عن التوبةِ فيَأْبَوها، ويُصِرُّوا على كفرِهم، ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يقولُ: يُعَذِّبْهم عذابًا مُوجِعًا في الدنيا؛ إما بالقتلِ، وإما بعاجلِ خِزْيٍ لهم فيها، ويُعَذِّبْهم في الآخرةِ بالنارِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٤٦ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"العوفى\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٣٢٠.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٢٦٣٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٤٥ من طريق محمد بن سنان به، وأخرجه الدارمي ٢/ ١٩٢، وأبو داود (٤٥٤٦)، وابن ماجه (٢٦٢٩)، والترمذى (١٣٨٨)، والنسائي (٤٨١٧)، والبيهقى ٨/ ٧٨ من طريق محمد بن مسلم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٠ إلى أبي الشيخ وابن مردويه.","vol":"11","page":575},{"text":"وقولُه: ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. يقولُ: وما لهؤلاء المنافقين - إِن عَذَّبَهم اللهُ في عاجلِ الدنيا - من وليٍّ يُواليه على مَنْعِه مِن عقابِ اللهِ، ولا نصيرٍ ينصرُه مِن اللهِ فيُنْقِذَه مِن عقابِه. وقد كانوا أهلَ عِزٍّ ومَنَعةٍ بعشائرِهم وقومِهم، يَمْتَنِعُون بهم ممن أرادهم بسوءٍ، فأخْبَر جلّ ثناؤُه أن الذين كانوا يَمْنَعونهم ممن أرادهم بسوءٍ من عشائرِهم وحُلفائِهم، لا يَمْنَعُونهم مِن اللهِ، ولا يَنْصُرونهم منه إن احتاجوا إلى نَصْرِهم.\nوذُكِر أن الذي نَزَلَت فيه هذه الآيةُ تاب مما كان عليه من النفاقِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-3998>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾. قال: قال الجُلَاسُ: قد اسْتَثْنَى اللهُ لى التوبةَ، فأنا أتوبُ. فقَبِل منه رسولُ اللهِ ﷺ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ الآية. فقال الجُلَاسُ: يا رسولَ اللهِ، إني أرى الله قد اسْتَثْنى لى التوبةَ، فأنا أتوبُ. فتابَ، فقَبِل رسولُ اللهِ ﷺ منه.\n\n<span id=\"aya-1310\"></span><span data-type='title' id=toc-3999>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومن هؤلاءِ المُنافِقِين الذين وَصَفتُ لك يا محمدُ صفتَهم ﴿مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾. يقولُ: أعطى الله عهدًا، ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٧٠.","vol":"11","page":576},{"text":"يقولُ: لئن أعْطانا اللهُ مِن فضلِه، ورَزَقَنا مالًا، وَوَسَّع علينا من عندِه، ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾. يقولُ: لنُخْرِجَنَّ الصدقةَ من ذلك المال الذي يرزقُنا (^١) ربُّنا، ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. يقولُ: ولَتَعْمَلَنَّ فيها بعملِ أهلِ الصلاحِ بأموالِهم، من صلةِ الرحمِ به، وإنفاقِه في سبيلِ اللهِ.\n\n<span id=\"aya-1311\"></span>يقولُ اللهُ ﵎: فرَزَقَهم اللهُ وآتاهم من فضلِه، ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ﴾ اللهُ ﴿مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾: بفضلِ اللهِ الذي آتاهم، فلم يَصَّدَّقوا منه، ولم يَصِلوا منه قرابةً، ولم يُنْفِقوا منه في حقِّ اللهِ، ﴿وَتَوَلَّوْا﴾. يقولُ: وأَدْبَروا عن عهدِهم الذي عاهَدوه الله ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عنه .\n\n<span id=\"aya-1312\"></span>﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ اللهُ ﴿نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ببُخْلِهم بحقِّ اللهِ الذي فَرَضَه عليهم فيما آتاهم مِن فضلِه، وإخلافِهم الوعدَ الذي وَعَدوا الله، ونَقْضِهم عهدَه في قلوبِهم، ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ مِن الصدقةِ والنفقةِ في سبيلِه، ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ في قِيلهم، وحَرَمهم التوبةَ منه؛ لأنه جلّ ثناؤُه اشْتَرَط في نفاقِهم أنه أعقَبَهُمُوه إلى يوم يَلْقَونه، وذلك إلى (^٢) يوم مَماتِهم وخُروجِهم مِن الدنيا.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها رجلٌ يقالُ له: [ثعلبةُ بنُ (^٣) حاطبٍ من الأنصارِ] (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-4000>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) في م: \"رزقنا\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) بعده في ت ١، ت ٢، س، ف: \"أبى\"، وقد ذكر بالاسمين جميعا. ينظر في ذلك، وفي تحقيق الكلام على قصته الإصابة ١/ ٤٠٠.\n(^٤) سقط من: ص.","vol":"11","page":577},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية: وذلك أن رجلًا يقالُ له: ثعلبةُ بنُ (^١) حاطب مِن الأنصارِ، أتَى مجلسًا فأَشْهَدَهم، فقال: لئن آتانى اللهُ مِن فضلِه، آتَيْتُ منه كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، وتَصَدَّقْتُ منه، وَوَصَلْتُ منه القرابةَ. فابْتَلاه اللهُ فأتاه مِن فضلِه، فأَخْلَفَ الله ما وعَدَه، وأَغْضَبَ الله بما أخْلَفَ ما وَعَدَه، فقَصَّ اللهُ شأنَه في القرآنِ بقولِه (^٢): ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾. إلى قولِه: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا هشامُ بنُ عَمَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ شعيبٍ، قال: ثنا مُعَانُ (^٤) بنُ رفاعةَ السَّلامِيُّ (^٥)، عن أبي عبدِ الملكِ عليّ بن يزيدَ الألْهانيِّ، أنه أخبرَه عن القاسمِ أبي (^٦) عبدِ الرحمنِ، أنه أخبرَه عن أبي أُمامةَ الباهليِّ، عن ثعلبةَ بن حاطبٍ الأنصاريِّ، أنه قال الرسولِ اللهِ ﷺ: ادعُ الله أن يَرْزُقَنى مالًا. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"وَيْحَكَ يا ثَعْلبةُ، قليلٌ تُؤدِّى شُكرَه خيرٌ مِن كثيرٍ لا تُطِيقُه\". قال: ثم قال مرةً أُخرى، فقال: \"أمَا ترْضَى أن تكونَ مثلَ نبيَّ اللهِ، فَوَالَّذِي نَفْسَى بيدِه، لو شِئْتُ أن تسيرَ معى الجبالُ ذَهَبًا وفضةً لسارَتْ\". قال: والذي بَعَثَكَ بالحقِّ، لئن دعوتَ الله فَرَزَقَنى مالًا لأُعْطِينَّ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"اللهمَّ ارْزُقْ ثَعْلبة مالًا\". قال: فاتَّخذ غنمًا، فَنَمَتْ كما يَنْمو الدُّودُ، فضاقَت عليه المدينةُ، فَتَنَحَّى عنها، فنَزَل واديًا من أوديتِها، حتى جَعَل\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أبي\".\n(^٢) ليست في: ص، م، ت ١، س، ف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٤٩، والبيهقى في الدلائل ٥/ ٢٨٩ من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦١ إلى ابن مردويه.\n(^٤) في م، س، ف: \"معاذ\". وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ١٥٧.\n(^٥) في النسخ: \"السلمي\". والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم والدلائل للبيهقي.\n(^٦) في م: \"بن\"، وهو القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن. ينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٢٨٣.","vol":"11","page":578},{"text":"يُصَلِّي الظهرَ والعصرَ في جماعةٍ، ويتركُ ما سِواهما (^١)، ثم تَمَتْ وكَثُرَت، فتَنَحَّى حتى تركَ الصلواتِ إلا الجمعةَ، وهي تَنْمُو كما يَنْمو الدُّودُ، حتى تَرَكَ الجمعةَ، فَطَفِقَ يَتَلَقَّى الرَّكْبانَ يومَ الجمعةِ يسألُهم عن الأخبارِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ ما فَعَلَ ثَعْلبةُ؟ \". فقالوا: يا رسولَ اللهِ، اتَّخَذَ غَنَمًا فَضاقَت عليه المدينةُ. فأخْبَروه بأمرِه، فقال: \"يا وَيْحَ ثَعْلبةَ، يا وَيْحَ ثَعْلَبةَ، يا وَيْحَ ثَعْلَبةَ\". قال: وأَنزَلَ اللهُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] الآية. ونَزَلَت عليه فرائضُ الصدقةِ، فبَعَث رسولُ اللهِ ﷺ رجلَين على الصدقةِ؛ رجلًا مِن جُهَينةَ، ورجلًا مِن سُلَيمٍ، وكَتَب لهما كيف يأخُذانِ الصدقةَ مِن المسلمين، وقال لهما: \"مُرَّا بثعلبةَ، وبفلانٍ - رجلٍ مِن بنى سُلَيمٍ - فَخُذا صدقاتِهما\". فَخَرَجا أَتَيا ثعلبةَ، فسَألاه الصدقةَ، وأقرَآه كتابَ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: ما هذه إلا جِزْيةٌ، ما هذه إلا أختُ الجزيةِ، ما أدرِى ما هذا، انْطَلِقا حتى تَفْرُغا ثم عُودا إليَّ. فَانْطَلَقا، وسَمِع بهما السُّلَمِيُّ، فَنَظَر إلى خيارِ أسنانِ إبلِه، فعَزَلها للصدقةِ، ثم اسْتَقْبَلَهم بها، فلما رَأَوها، قالوا: ما يجبُ عليك هذا، وما نريدُ أن نأخذَ هذا منك. قال: بلى فخُذُوه، فإن نفسى بذلك طيِّبةٌ، وإنما هي لى. فَأَخَذوها منه، فلما فَرَغَا مِن صدقاتهما رجعا، حتى مَرَّا بِثَعْلَبَةَ، فقال: أَرُونى كتابَكما. فنَظَر فيه فقال: ما هذه إلا أختُ الجِزْيةِ، انطَلِقا حتى أرى رأيي. فانْطَلَقا حتى أتَيا النبيَّ ﷺ، فلما رآهما قال: \"يا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ\". قبل أن يُكَلِّمَهما، ودعا للسُّلَمِيِّ بالبركةِ، فأخبرَاه بالذي صَنَع ثَعْلبةُ، والذي صنَعَ السُّلَمِيُّ، فأنزَل اللهُ ﵎ فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. وعندَ رسولِ اللهِ ﷺ رجلٌ مِن أقاربِ ثَعْلَبةَ، فسَمِع ذلك، فخَرَج حتى أتاه، فقال: وَيْحك يا ثعلبةُ، قد أنزَل\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"سواها\".","vol":"11","page":579},{"text":"اللهُ فيك كذا وكذا. فخَرَج ثعلبةُ حتى أتى النبيَّ ﷺ، فسأَله أن يَقْبَلَ منه صدقتَه، فقال: \"إن الله مَنَعَنى أن أَقْبَلَ منك صَدَقتَك\". فَجَعَل يَحْثِى على رأسِه الترابَ، فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: هذَا عَمَلُك، قد أمَرْتُك فلم تُطِعْنى\". فلما أَبَى أَن يَقْبِضَ رسولُ اللهِ ﷺ، رَجَع إلى منزلِه، وقُبِضَ رسولُ اللهِ ﷺ ولم يَقْبَلْ منه شيئًا، ثم أتَى أبا بكرٍ حينَ اسْتُخْلِفَ، فقال: قد عَلِمْتَ منزلتي من رسولِ اللهِ ﷺ، ومَوضِعى مِن الأنصارِ، فاقْبَلْ صَدَقتى. فقال أبو بكرٍ: لم يَقْبَلْها رسولِ اللهِ ﷺ، وأنا أقبَلُها! فقُبِضَ أبو بكرٍ ولم يَقْبِضْها، فلما وَلِيَ عمرُ أتاه فقال: يا أميرَ المؤمنين، اقبَلْ صدقتي فقال: لم يَقْبَلْها منك رسولُ اللهِ ﷺ، ولا أبو بكرٍ، [وإذًا لا] (^١) أَقْبَلُها منك. فقُبِض ولم يَقْبَلْها، ثم وَليَ عثمانُ، رحمةُ اللهِ عليه، فأتاه فسألَه أن يقبَلَ صدقتَه، فقال: لم يَقْبَلْها رسولُ اللهِ ﷺ، ولا أبو بكرٍ ولا عمرُ، رضوانُ اللهِ عليهما، وأنا لا أقبَلُها منك. فلم يَقْبَلْها منه، وهَلَكَ ثَعْلبةُ في خلافةِ عثمانَ رحمةُ اللهِ عليه (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية: ذُكِر لنا أن رجلًا من الأنصارِ أتَى على مجلسٍ من الأنصارِ، فقال: لئن آتاه اللهُ مالًا لَيُؤدِّيَنَّ إلى كلِّ ذي حقٍّ حقَّه. فأتاه اللهُ مالًا فصَنَع فيه ما تَسْمَعون، قال: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾. إلى\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"لا أنا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٢٥٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٤٧، وأبو نعيم في المعرفة ٣/ ٢٧١ (١٣٧٥)، وابن عساكر في تاريخه ١٢/ ٩ من طريق هشام بن عمار به، وأخرجه ابن قانع ١/ ١٢٤ (١٢٧)، والبغوى في تفسيره ٤/ ٧٥، ٧٦، وابن الأثير في أسد الغابة ١/ ٢٨٣، ٢٨٤ من طريق محمد بن شعيب به، وأخرجه الطبراني (٧٨٧٣)، والبيهقى في الدلائل ٥/ ٢٨٩، وفي الشعب (٤٣٥٧) من طريق معان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٠ إلى الحسن بن سفيان وابن المنذر وأبى الشيخ والعسكرى في الأمثال وابن منده وابن مردويه، وقال البيهقي: هذا حديث مشهور فيما بين أهل التفسير، وإنما يروى موصولا بأسانيد ضعاف، وقد قال عنه الهيثمي في المجمع ٧/ ٣٢: وفيه على بن يزيد الألهانى وهو متروك.","vol":"11","page":580},{"text":"قولِه: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ حَدَّثَ أن موسى الله ﵇ لمَّا جاء بالتوراةِ إلى بنى إسرائيلَ، قالت بنو إسرائيلَ: إن التوراةَ كثيرةٌ، وإنا لا نفرُغُ لها، فسَلْ لنا ربَّك جماعًا مِن الأمرِ نحافظُ عليه، ونَتَفرَّغُ فيه لمَعاشِنَا. قال: يا قومِ مَهلًا مَهْلًا، هذا كتابُ اللهِ، ونورُ اللهِ، وعِصْمةُ اللهِ. قال: فأَعَادوا عليه، فأعادَ عليهم، قالها ثلاثًا. قال: فأوحَى اللهُ إلى موسى: ما يقولُ عبادى؟ قال: يا ربِّ يقولون: كَيْتَ وكَيْتَ. قال: فإنى أمُرُهم بثلاثٍ، إن حافَظوا عليهنَّ دَخَلُوا بهنَّ الجنةَ، أن يَنْتَهُوا إلى قِسْمةِ الميراثِ فلا يَظْلِموا فيها، ولا يُدْخِلوا أبصارَهم البيوتَ حتى يُؤْذَنَ لهم، وألا يَطْعَموا طَعامًا حتى يتَوضَّئوا وضوءَهم للصلاةِ. قال: فرَجَع بهنَّ نبيُّ اللهِ ﷺ إلى قومِه، ففَرِحوا ورأَوا (^١) أنهم سيقومون بهنَّ. قال: فواللهِ ما لَبِثَ القومُ إلا قليلًا حتى حَقْحَقُوا (^٢) وانقُطِعَ بهم. فلما حَدَّثَ نبيُّ اللهِ بهذا الحديثِ عن بني إسرائيلَ، قال: \"تَقبَّلُوا (^٣) لى [ستًّا أتقبَّلْ] (^٤) لكم الجنَّةَ (^٥) \". قالوا: ما هُنَّ يا رسولَ اللهِ؟ قال: \"إذا حَدَّثَتُم فلا تَكْذِبوا، وإذا وَعَدتُم فلا تُخْلِفوا، وإذا ائتُمِنْتُم فلا تَخونُوا، وكُفُّوا أبصارَكم وأيديَكم وفُروجَكم (^٦)؛ أبصارَكم عن الخيانةِ، وأيديَكم عن السرقةِ، وفروجَكم عن (^٧) الزِّنا\" (^٨).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"رووا\".\n(^٢) في م: \"جنحوا\" وحقحق القوم: إذا اشتدوا في السير. اللسان (ح ق ق).\n(^٣) في م: \"تكفلوا\". وتقبل وتكفّل بمعنًى. ينظر اللسان (ق ب ل).\n(^٤) في م: \"بست أتكفل\".\n(^٥) في م: \"بالجنة\".\n(^٦) بعده في م: \"و\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"من\".\n(^٨) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٥١٧) من طريق يزيد به إلى قوله: بما كانوا يكذبون ومن هنا إلى آخره عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٢ إلى أبى الشيخ، وأخرج المرفوع منه ابن أبي شيبة وأحمد بن منيع في مسنديهما كما في المطالب العالية (١، ٢/ ٢٩٠٩)، وأبو يعلى (٤٢٥٧)، والحاكم ٤/ ٣٥٩، والخطيب في الموضح ٢/ ١٦٨ من حديث أنس. وأخرجه أحمد ٥/ ٣٢٣ (ميمنية)، والبيهقى ٦/ ٢٨٨ من حديث عبادة.","vol":"11","page":581},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، أن النبيَّ ﷺ كان يقولُ: \"ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه صارَ مُنافِقًا، وإن صامَ وصَلَّى وزَعَم أنه مسلمٌ؛ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا ائْتُمن خانَ، وإذا وَعَدَ أَخْلَفَ\" (^١).\nوقال آخرون: بل المَعْنِيُّ بذلك رجلان؛ أحدُهما ثَعْلَبةُ، والآخرُ مُعَتِّبُ بنُ قُشَيْرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4001>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن عمرِو بنُ عُبَيدٍ، عن الحسنِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية (^٢): وكان الذي عاهَدَ الله منهم ثَعْلبةُ بنُ حاطبٍ، ومُعَتِّبُ بنُ قُشَيْرٍ، وهما من بني عمرِو بن عوفٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال: رجلان خَرَجا على ملإِ قُعُودٍ، فقالا: واللهِ لئن رَزَقَنَا اللهُ لنَصَّدَّقنَّ، فلما رَزَقَهم اللهُ بَخِلوا به.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾: رجلان خَرَجا على ملإِ قعودٍ، فقالا: واللهِ لئن رَزَقَنَا اللهُ لنَصَّدَّقَنَّ. فلما رَزَقَهم بَخِلوا به، فأَعْقَبهم نفاقًا في قلوبِهم بما أخْلَفوا الله ما وَعَدوه حين قالوا: لنصَدَّقنَّ. فلم يَفْعَلوا.\n_________\n(^١) أخرجه الفريابي في ذم المنافقين (٢١) من طريق يزيد، عن يونس بن عبيد، عن الحسن. وأصل الحديث أخرجه البخاري (٣٣، ٢٧٤٩، ٦٠٩٥)، ومسلم (١٠٧ - ١١٠) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الآخر\"، وفى م: \"إلى الآخر\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٥١.","vol":"11","page":582},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ الآية. قال: هؤلاء صِنْفٌ مِن المُنافِقين، فلما آتاهم ذلك بَخِلوا به، فلما بَخِلوا بذلك أعقَبَهم بذلك نفاقًا إلى يومِ يَلْقَونه، ليس لهم منه توبةٌ ولا مغفرةٌ ولا عفوٌ، كما أصابَ إبليسَ حينَ مَنَعه التوبةَ.\nقال أبو جعفرٍ: في هذه الآيةِ الإبانةُ مِن اللهِ جلّ ثناؤُه عن علامةِ أهلِ النفاقِ، أعنى في قولِه: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾.\nوبنحوِ هذا القولِ كان يقولُ جماعةٌ من الصحابةِ والتابِعين، ورُوِيت (^٢) به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4002>ذكرُ بعض مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعْمشِ، عن عُمارةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ، قال: قال عبدُ اللهِ: اعْتَبِروا المنافقَ بثلاثٍ؛ إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخلَف، وإذا عاهَد غدَر، وأنزَل اللهُ تصديقَ ذلك في كتابِه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾. إلى قولِه: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٥١٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٤٧ من طريق ورقاء به.\n(^٢) في م: \"وردت\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور (١٠٢٦)، ومن طريقه الطبراني (٩٠٧٥)، والفريابي في صفة النفاق (١٠) من طريق أبى معاوية به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٥٩٤، والحسين المروزى في زوائده على زهد ابن المبارك (١٠٦٧)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٥١٦)، ومحمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٦٧٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٤٦ من طريق الأعمش به.","vol":"11","page":583},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن صُبَيحِ بن عبدِ اللهِ بن عُمَيرٍ (^١)، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو (^٢)، قال: ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه كان مُنافِقًا؛ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وَعَدَ أخلفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ. قال: وتَلَا هذه الآية ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٣).\nحدَّثنا ابن المُثَنّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، قال: سَمِعتُ صُبَيحَ بنُ عبدِ اللهِ العَبْسيَّ (^٤) يقولُ: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو عن المنافقِ. فذَكَر نحوَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، قال: ثنا أبو هشامٍ المخزوميُّ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ حكيمٍ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظِيَّ، يقولُ: كنتُ أسمعُ أن المنافقَ يُعْرَفُ بثلاثٍ؛ بالكذبِ، والإخلافِ، والخيانةِ، فالتَمسْتُها في كتابِ اللهِ زمانًا لا أجِدُها، ثم وجدْتُها في اثْنَتَين (^٥) مِن كتابِ اللهِ، قولِه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾. حتى بَلَغَ: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. وقولِه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] هذه الآية (^٦).\n_________\n(^١) في النسخ: \"عميرة\"، وينظر الثقات ٤/ ٣٨٢، والإكمال ٥/ ١٦٧.\n(^٢) في النسخ: \"عمر\" وسيأتي على الصواب في الإسناد بعده.\n(^٣) أخرجه الفريابي في صفة النفاق (١٦) من طريق غندر محمد بن جعفر به. وأخرجه البخارى (٣٤)، ومسلم (١٠٦) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا.\n(^٤) في النسخ: \"القيس\". وتقدم على الصواب في ٨/ ٧٣٩، ٧٤٠ وينظر التاريخ الكبير ٤/ ٣١٨.\n(^٥) في م: \"آيتين\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦١ إلى أبي الشيخ والخرائطى في مكارم الأخلاق، وأخرجه الخرائطى في مساوئ الأخلاق ومذمومها (١٤٣، ٣٠٣) من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن محمد بن كعب، وأوله مرفوع.","vol":"11","page":584},{"text":"حدَّثني القاسمُ بنُ بِشْرِ بن معروفٍ، قال: ثنا شبابةُ (^١)، قال: ثنا محمدٌ المُحْرِمُ (^٢)، قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه فهو مُنافِقٌ، وإن صَلَّى وصامَ وزَعَمَ أنه مسلمٌ؛ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإِذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا ائْتُمِن خانَ\". فقلتُ للحسنِ: يا أبا سعيدٍ، لئن كان لرجلٍ عليَّ دَيْنٌ فلَقِيني، فَتَقاضاني، وليس عندى، وخِفْتُ أن يَحْبِسَنى ويُهْلِكَني، فَوَعَدْتُه أَن أَقْضِيَه رأسَ الهلالِ فلم أفعلْ، أمنافقٌ أنا؟ قال: هكذا جاء الحديثُ. ثم حَدَّثَ عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو أن أباه لمَّا حَضَره الموتُ قال: زَوِّجوا فلانًا، فإني وَعَدْتُه أن أُزوِّجَه، لا ألقَى الله بثُلُثِ النفاقِ. قال: قلتُ: يا أبا سعيدٍ، ويكونُ ثُلُثُ الرجلِ منافقًا، وثُلُثاه مؤمنًا؟ قال: هكذا جاء الحديثُ. قال: فحَجَجْتُ فلَقِيتُ عطاءَ بنَ أبي رباحٍ فأخبرْتُه الحديثَ الذي سمِعتُه من الحسنِ، وبالذى قلتُ له وقال لي، فقال لي: أعَجَزْتَ أن تقولَ له: أخبِرْني عن إخوةِ يوسفَ ﵇، ألم يَعِدوا أباهم فأخْلَفوه، وحَدَّثوه فكَذَبُوه، وأْتَمَنَهم فخانوه، أفمنافِقين كانوا؟ ألم يكونوا أنبياءَ، أبوهم نبيٌّ وجَدُّهم نبيٌّ؟ قال: فقلتُ لعطاءٍ: يا أبا محمدُ حدَّثني بأصلِ النفاقِ، وبأصلِ هذا الحديثِ. فقال: حدَّثني جابرُ بنُ عبدِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ ﷺ إنما قال هذا الحديثَ في المُنافقين خاصةً، الذين حَدَّثوا النبيَّ فَكَذَبوه، وأتَمَنَهم على سِرِّه فَخَانُوه، ووَعَدوه أن يخرُجوا معه في الغزوِ فأَخْلَفوه. قال: وخَرَجَ أبو سفيانَ مِن مكةَ، فأتَى جبريلُ النبيَّ ﷺ، فقال: إن أبا سفيانَ في مكان كذا وكذا. فقال النبيُّ ﷺ لأصحابِه: \"إن أبا سفيانَ في مكانِ كذا وكذا، فاخْرُجُوا إليه واكْتُمُوا\". قال: فكَتَبَ رجلٌ مِن المُنافِقين إليه أن محمدًا يريدُكم، فخُذُوا حِذْرَكم. فأنزَل اللهُ:\n_________\n(^١) في م: \"أسامة\".\n(^٢) في م: \"المخرمى\".","vol":"11","page":585},{"text":"﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]. وأنزَل في المُنافِقين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾. إلى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. فإذا لَقِيتَ الحسنَ فأَقْرِئْه السلامَ، وأخبِرْه بأصلِ هذا الحديثِ وبما قلتُ لك. قال: فقَدِمتُ على الحسنِ، فقلتُ: يا أبا سعيدٍ، إن أخاك عطاءً يُقْرِئُك السلامَ. فأخبرتُه بالحديثِ الذي حَدَّثَ وما قال لى. فَأَخَذَ الحَسنُ بيَدِى فأشالها (^١)، وقال: يا أهلَ العراقِ، أَعَجَزْتُم أن تكونوا مثل هذا؟ سَمِعَ منى حديثًا فلم يَقْبَلْه حتى اسْتَنْبَطَ أصلَه، صَدَقَ عطاءٌ، هكذا الحديثُ، وهذا في المُنافقين خاصةً (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبرَنا يعقوبُ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه، وإن صَلَّى وصامَ وزَعَمَ أنه مسلمٌ، فهو مُنافِقٌ\". فقيل له: ما هي يا رسولَ اللهِ؟ فقال النبيُّ ﵊: \"إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإِذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإِذا ائْتُمِنَ خَانَ\".\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: ثنا مُبَشِّرٌ (^٣)، عن الأوزاعيِّ، عن هارونَ بن رئابٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرِو بن وائلٍ، أنه لمَّا حَضَرَتْه الوفاةُ قال: إن فلانًا خَطَبَ إليَّ ابْنَتى، وإنى كنتُ قلتُ له فيها قولًا شَبِيهًا بالعِدَةِ، واللهِ لا ألقَى الله بثُلُثِ النفاقِ، وأُشْهِدُكم أني قد زَوَّجتُه (^٤).\nوقال قومٌ: كان العهدُ الذي عاهَدَ الله هؤلاء المُنافِقون، شيئًا نَوَوْه في أنفسِهم ولم يَتَكَلَّموا به.\n_________\n(^١) في م: \"فأمالها\" وأشال يده: رفعها. اللسان (ش ول).\n(^٢) ينظر ما تقدم تخريجه في ص ٢١٢.\n(^٣) في م، ف: \"ميسرة\"، وفى ت ١: \"ميسر\". وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ١٩٠.\n(^٤) أخرجه الفريابي في صفة النفاق (١٨) من طريق الأوزاعي به.","vol":"11","page":586},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4003>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: سمعتُ مُعْتَمِرَ بنَ سليمانَ التَّيْمِيَّ يقولُ: رَكِبتُ البحرَ، فأصابَنا ريحٌ شديدةٌ، فنَذَرَ قومٌ منَّا نُذُورًا، ونَوَيتُ أنا لم أتَكَلَّمْ به، فلما قَدِمتُ البصرةَ سألتُ أبى سليمانَ، فقال لي يا بُنَيَّ: فِ (^١) به.\nقال مُعْتَمِرٌ: وثنا كَهْمَسٌ، عن سعيدِ بن ثابتٍ، قال: قولُه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية. قال: إنما هو شيءٌ نَوَوْه في أنفسِهم ولم يَتَكَلَّموا به، ألم تَسْمَعْ إلى قولِه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾؟\n\n<span id=\"aya-1313\"></span><span data-type='title' id=toc-4004>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ألم يَعْلَمْ هؤلاء المُنافِقون الذين يَكْفُرون باللهِ ورسولِه سِرًّا، ويُظْهِرون الإيمانَ بهما لأهلِ الإيمانِ بهما جَهْرًا، ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ الذي يُسِرُّونه في أنفسِهم مِن الكفرِ به وبرسولِه، ﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾. يقولُ: ونَجْواهم إذا تَناجَوا بينَهم بالطعنِ في الإسلامِ وأهلِه، وذِكْرِهم بغيرِ ما يَنْبَغِى أَن يُذْكَروا به - فيَحْذَروا مِن اللهِ عقوبتَه أن يُحِلُّها بهم، وسَطُوتَه أن يُوقِعَها بهم، على كفرِهم باللهِ وبرسولِه، وغِشِّهم (^٢) للإسلامِ وأهلِه، فيَنْزِعوا عن ذلك، ويَتُوبوا منه، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. يقولُ: ألم يَعْلَموا أن الله عَلَّامُ ما غَابَ عن أسماعِ خلقِه\n_________\n(^١) في م: \"فه\" بهاء السكت، وقد ذهب البصريون إلى أن ثبوتها في الوصل - مكسورة أو مضمومة - ضرورة، والكوفيون إلى الجواز. ينظر خزانة الأدب ١١/ ٤٥٧.\n(^٢) في م: \"عيبهم\".","vol":"11","page":587},{"text":"وأبصارِهم وحَواسِّهم، مما أكَنَّتْه نفوسهم فلم يَظْهَرْ على جَوارِحِهم الظاهرةِ، فَيَنْهاهم ذلك عن خِداعِ أوليائِه بالنفاقِ والكذبِ، ويَزْجُرُهم عن إضْمارِ غيرِ ما يُبْدُونه، وإظهارِ خلافِ ما يَعْتَقِدونه؟\n\n<span id=\"aya-1314\"></span><span data-type='title' id=toc-4005>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: الذين يَلْمِزُون المُطَّوِّعِين في الصدقةِ على أهلِ المَسْكنةِ والحاجةِ بما لم يُوجِبْه اللهُ عليهم في أموالِهم، ويَطْعَنُون فيها عليهم بقولِهم: إنما تَصَدَّقوا به رياءً وسُمْعةً ولم يُريدوا وَجْهَ اللهِ. ويَلْمِزُون الذين لا يَجِدُون ما يَتَصَدَّقون به إلا جُهَدَهم، وذلك طاقتُهم، فينْتَقِصُونهم ويقولون: لقد كان اللهُ عن صدقةِ هؤلاء غَنِيًّا؛ سُخْرِيةً منهم بهم، ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾.\nوقد بَيَّنَّا صفةَ سُخْرِيةِ اللهِ بَمَن يَسْخَرُ به من خلقِه، في غيرِ هذا الموضعِ بما أغنَى عن إعادتِه ههنا (^١).\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم مِن عندِ اللهِ يومَ القيامةِ عذابٌ مُوجِعٌ مؤلمٌ.\nوذُكِرَ أن المعنيَّ بقولِه: ﴿الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ، وعاصمُ بنُ عَدِيٍّ الأنصاريُّ، وأن المَعنيَّ بقولِه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾: أبو عَقِيلٍ الإراشيُّ أخو بني أُنَيفٍ.\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ٣١٢ وما بعدها.","vol":"11","page":588},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4006>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾. قال: جاء عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ بأربعين أُوقيةً من ذهبٍ إلى النبيِّ ﷺ، وجاءه رجلٌ مِن الأنصارِ بصَاعٍ مِن طعامٍ، فقال بعضُ المُنافِقين: واللهِ ما جاء عبدُ الرحمنِ بما جاء به إلا رياءً. وقالوا: إن كان اللهُ ورسولُه لَغَنِيَّيْن عن هذا الصَّاعِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي: عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾: وذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ إِلى الناسِ يومًا فنادَى فيهم أن اجْمَعُوا صَدَقَاتِكم فجَمَع الناسُ صدقاتِهم، ثم جاء رجلٌ مِن آخرهم (^٢) بمَنٍّ مِن تمرٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، هذا صاعٌ مِن تمرٍ، بِتُّ ليلتي أَجرُّ بالجريرِ (^٣) الماءَ حتى نِلْتُ صاعَين مِن تمرٍ، فأمْسَكَتُ أحدَهما وأَتيتُكَ بالآخرِ. فأمَرَه رسولُ اللهِ ﷺ أن ينثُرَه في الصدقاتِ، فسخِرَ منه رجالٌ وقالوا: واللهِ إِنَّ الله ورسولَه لغنيانِ عن هذا، وما يصنعانِ بصاعِك من شيءٍ. ثمَّ إِنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ - رجلٌ من قريشٍ من بَنِي زُهْرَةَ - قال لرسولِ اللهِ ﷺ: هل بَقِى مِن أحدٍ مِن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٠، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٢/ ٨٩ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٢ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في م: \"أحوجهم\".\n(^٣) في ص، ف: \"بالحرير\" غير منقوطة والجرير: حبل من أدَم نحو الزمام، ويطلق على غيره من الحبال المضفورة. ينظر النهاية ١/ ٢٥٩.","vol":"11","page":589},{"text":"أهلِ هذه الصدقاتِ؟ [فقال: \"لا\"] (^١). فقال عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ: إن عندى مائةَ أوقيةٍ من ذهبٍ في الصدقاتِ. فقال له عمرُ بنُ الخطابِ: أمجنونٌ أنت؟ فقال: ليس بي جنونٌ. فقال: أتعلمُ (^٢) ما قلتَ؟ قال: نعم، مالى ثمانيةُ آلافٍ؛ أمَّا أربعةُ آلافٍ فأُقْرِضُها ربي، وأمَّا أربعةُ آلافٍ فلِى. فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: \"بارَكَ اللهُ لك فيما أمْسَكْتَ وفيما أعْطَيْتَ\". ولَمَزَه (^٣) المُنافِقون فقالوا: واللهِ ما أعطَى عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ عَطِيَّتَه إلا رياءً. وهم كاذِبون، إنما كان به مُتَطَوِّعًا، فأَنزَل اللهُ عُذْرَه وعذرَ صاحبِه المسكينِ الذي جاء بالصَّاعِ مِن التمرِ، فقال اللهُ في كتابِه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن شِبْلٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: جاء (^٥) عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ بصدقةِ مالِه أربعةِ آلافٍ، فلَمَزَه المُنافِقون، وقالوا: رَاءَى. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾. قال: رجلٌ مِن الأنصارِ، آجَرَ نفسَه بصاعٍ من تمرٍ، لم يكن له غيرُه، فجاء به فلَمَزُوه، وقالوا: كان اللهُ غَنِيًّا عن صاعِ هذا.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في ص: \"أفعلنا\"، وفى ت ١، ت ٢، س: \"أفعلمنا\"، وفى ف: \"أتعلمنا\".\n(^٣) في م، ف: ف: \"كره\".\n(^٤) أخرجه ابن مردويه - كما في تخريج الزيلعي ٢/ ٨٩، ٩٠ من طريق محمد بن سعد به.\n(^٥) في ص، ت ٢، س، ف: \"حدثنا\".\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٣٧٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٠، ١٨٥١ من طريق ابن جريج عن مجاهد مطولا بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٣ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":590},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية. قال: أقبَل عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ بنصفِ مالِه فتَقَرَّب به إلى اللهِ، فلَمَزَه المُنافِقون، فقالوا: ما أعْطَى ذلك إلا رياءً وسمعةً. فأقبَل رجلٌ من فقراءِ المسلمين يقالُ له: حَبْحابٌ (^١) أبو عَقِيلٍ. فقال: يا نبيَّ اللهِ، بِتُّ أجرُّ الجريرَ على صاعَين مِن تمرٍ؛ أمَّا صاعٌ فأمسَكْتُه لأهلِى، وأما صاعٌ فها هو ذا. فقال المُنافِقون: واللهِ إِن الله ورسولَه لَغَنِيَّان عن هذا. فأنزَل اللهُ في ذلك القرآنَ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ الآية (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾. قال: تَصَدَّقَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ بشَطْرِ مالِه، وكان مالُه ثمانيةَ آلافِ دينارٍ، فتَصَدَّقَ بأربعةِ آلافِ دينارٍ، فقال ناسٌ مِن المُنافِقين: إن عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ لعظيمُ الرِّياءِ. فقال اللهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾. وكان لرجلٍ صاعان من تمرٍ، فجاء بأحدِهما، فقال ناسٌ مِن المُنافِقين: إن كان اللهُ عن صاعِ هذا لَغَنِيًّا. فكان المُنافِقون يَطْعَنون عليهم ويَسْخَرون بهم، فقال اللهُ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) غير منقوطة في ص، ف، وفى س: \"حجاب\"، وقد اختلف في اسمه، فقيل: \"الحبحاب\" كما أثبتناه، وقيل: \"الحثحاث\"، وقيل: \"الجثجاث\". ينظر الإصابة ١/ ٤٦٤، ٢/ ١٣، وأسد الغابة ١/ ٤٣٨، ٦/ ٢٢٠.\n(^٢) عزاه ابن حجر في الفتح ٨/ ٣٣١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن منده، وقال: وهذا مرسل.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٣، ٢٨٤ عن معمر به، ومن طريقه ابن عساكر ٢٥/ ٢٦٢.","vol":"11","page":591},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحَجَّاجُ بنُ المِنْهالِ الأنْماطيُّ، قال: ثنا أبو عوانةَ، عن [عمرَ بن] (^١) أبي سَلَمةَ، عن أبيه أن رسولَ الله ﷺ قال: \"تَصَدَّقُوا، فإني أريدُ أن أبْعَثَ بَعْثًا\". قال: فقال عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ: يا رسولَ اللهِ، إن عندى أربعةَ آلافٍ؛ ألفَين أُقْرِضُهما الله، وألفين لِعيالي. قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"بارَكَ اللهُ لك فيما أعْطَيتَ، وبارَكَ لك فيما أَمْسَكْتَ\". فقال رجلٌ مِن الأنصارِ: وإن عندى صاعَين مِن تمرٍ؛ صاعًا لربِّي، وصاعًا لِعيالي. قال: فلَمَزَ المنافِقون وقالوا: ما أَعْطَى ابن عوفٍ هذا إلا رياءَ. وقالوا: أو لم يكنِ اللهُ غَنِيًّا عن صاعِ هذا. فأنزَل اللهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، إلى آخرِ الآيةِ (^٢).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبرَنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾. قال: أصابَ الناس جَهْدٌ شديدٌ، فأمَرهم رسولُ اللهِ ﷺ أن يَتَصَدَّقوا، فجاء عبدُ الرحمنِ بأربعِمائةِ أُوقيةٍ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"اللهمَّ بارِكْ له فيما أَمْسَكَ\". فقال المُنافِقون: ما فَعَل عبدُ الرحمنِ هذا إلا رياءً وسُمْعةً. قال: وجاءَ رجلٌ بصَاعٍ من تمرٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، آجَرْتُ نفسي بصاعَين، فانطلقتُ بصاعٍ منهما إلى أهلِى، وجئتُ بصاعٍ مِن تمرٍ. فقال المنافِقون: إن الله غنيٌّ عن صاع هذا. فأنزَل اللهُ هذه الآيةَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ\n_________\n(^١) سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٤٤٣.\n(^٢) أخرجه البزار (٢٢١٦ - كشف)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥١، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٢/ ٨٨ من طريق أبي عوانة به، وينظر المجمع ٧/ ٣٢.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥١ من طريق عبد الرحمن بن سعد - وهو الدشتكى - به.","vol":"11","page":592},{"text":"الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية: وكان المطَّوِّعون (^١) مِن المؤمنين في الصدقاتِ عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ، تَصَدَّقَ بأربعةِ آلافِ دينارٍ، وعاصمَ بنَ عَدِيٍّ أَخا بنِى العَجْلانِ، وذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ رَغَّبَ في الصدقةِ وحَضَّ عليها، فقامَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ فتَصَدَّقَ بأربعةِ آلافِ درهمٍ، وقام عاصمُ بنُ عَدِيٍّ فَتَصَدَّقَ بمائةِ وَسْقٍ مِن تمرٍ، فَلَمَزُوهما وقالوا: ما هذا إلا رياءً. وكان الذي تَصَدَّقَ بِجُهْدِه أبو عَقِيلٍ، أخو بني أُنَيْفٍ الإراشيُّ، حليفُ بني عمرِو بن عوفٍ، أَتَى بصَاعٍ مِن تمرٍ فأفْرَغَه في الصدقةِ، فَتَضاحَكوا به وقالوا: إن الله لغنيٌّ عن صاعِ أبي عَقِيلٍ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو النُّعْمانِ الحكمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ، عن سليمانَ، عن أبي وائلٍ، عن أبي (^٣) مسعودٍ، قال: لمَّا نَزَلَت آيةُ الصدقةِ كُنَّا نُحامِلُ (^٤). قال أبو النعْمانِ: كُنَّا نعملُ. قال: فجاء رجلٌ فتَصَدَّقَ بشيءٍ كثيرٍ. قال: وجاء رجلٌ فتَصَدَّقَ بصاعِ تمرٍ، فقالوا: إن الله لَغَنِيٌّ عن صاعٍ هذا. فنَزَلَت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن موسى بن عُبيدةَ، قال: ثنى\n_________\n(^١) في م: \"من المطوعين\"، وينظر مصدر التخريج.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٥١.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ابن\". وينظر مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٥٥٠.\n(^٤) تحاملت الشيء: تكلفته على مشقة، والمحاملة: أن يتكلف الحمل بالأجرة ليكتسب ما يتصدق به. النهاية ١/ ٤٤٣.\n(^٥) أخرجه الطيالسي (٦٤٣)، والبخارى (١٤١٥، ٤٦٦٨)، ومسلم (١٠١٨)، والنسائي (٢٥٢٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٠، وابن حبان (٣٣٣٨، ٣٣٧٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه وأبي نعيم في معرفة الصحابة وغيرهم من طريق شعبة به.","vol":"11","page":593},{"text":"خالدُ بنُ يسارٍ، عن ابن أبي عقيلٍ، عن أبيه، قال: بِتُّ أَجُرُّ الجَرِيرَ على ظَهْرى على صاعَين منِ تمرٍ، فانْقَلَبْتُ بأحدِهما إلى أهلى يَتَبَلَّغون به، وجئتُ بالآخرِ أَتَقَرَّبُ به إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فأتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فأخبَرتُه، فقال: \"انْثُرْه في الصدقةِ\". فسَخِرَ المُنافِقون منه وقالوا: لقد كان اللهُ غَنِيًّا عن صدقةِ هذا المسكينِ. فأنزَل اللهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآيتين (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا الجُرَيريُّ (^٢) عن أبي السليلِ، قال: وَقَفَ على الحيِّ رجلٌ، فقال: ثنى أبي أو عمى، فقال: شَهِدْتُ رسولَ اللهِ ﷺ وهو يقولُ: \"مَن يَتَصَدَّقُ اليومَ بصدقةٍ أَشْهَدُ له بها عندَ اللهِ يومَ القيامةِ؟ \". قال: وعليَّ عمامةٌ لى. قال: فتَزَعْتُ [لَوْثًا أو لَوْثَيْن] (^٣) لأَتَصدَّقَ بهما. قال: ثم أدْرَكَنى ما يُدْرِكُ ابنَ آدمَ، فعَصَبتُ بها رأسِى. قال: فجاء رجلٌ لا أرَى بالبقيعِ رجلًا أقصرَ قِمَّةً (^٤)، ولا أشدَّ سَوادًا، ولا [أدمَّ بعينٍ] (^٥) منه، يقودُ ناقةً لا أرى بالبقيعٍ أحسنَ منها ولا أجملَ منها. قال: أصدقةٌ هي يا رسولَ اللهِ؟ قال: \"نعم\". قال: فدونَكها. فألقَى (^٦) بخطامِها - أو بزِمامِها - قال: فَلَمَزَه رجلٌ جالسٌ، فقال: واللهِ إنه ليَتَصَدَّقُ بها، ولهى خيرٌ منه. فنظر إليه رسولُ اللهِ ﷺ، فقال: \"بل هو خيرٌ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٢، والطبراني (٣٥٩٨)، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٢/ ٨٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٢ إلى ابن أبي شيبة، والبغوى في معجمه، وأبى الشيخ، وأبي نعيم في معرفة الصحابة من طريق زيد بن الحباب به، وينظر تفسير ابن كثير ٤/ ١٢٧، والفتح ٨/ ٣٣١، ومجمع الزوائد ٧/ ٣٣، والفتح ٨/ ٣٣١.\n(^٢) في ت ١، ص، ف: \"الحريري\".\n(^٣) أي لَفَّة أو لفَّتين، وهو من اللّوث: الطيّ والجمع، يقال: لُثت العمامة ألوثها لَوثا. النهاية ٤/ ٢٧٥.\n(^٤) القمة بالكسر: شخص الإنسان إذا كان قائما، وهى القامة. النهاية ٤/ ١١٠.\n(^٥) في م: \"أذم لعينى\" وقوله: \"آدم\" هو من الدمامة وهى القبح.\n(^٦) بعده في ص، ف: \"الله\"، وزيادتها خطأ واضح.","vol":"11","page":594},{"text":"منك ومنها\". يقولُ ذلك نبيُّنا (^١) ﷺ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرَني يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرَنى عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بن كعبِ بن مالكٍ، يقولُ: الذي تَصَدَّقَ بصاعِ التمرِ فلَمَزَه المنافقون، أبو خَيْثَمَةَ الأنصاريُّ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ رجاءٍ، أبو سهلٍ العبادانيُّ قال: ثنا عامرُ بنُ يسافٍ اليماميُّ، عن يحيى بن أبى كثيرٍ اليماميِّ، قال: جاء عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ بأربعةِ آلافِ درهمٍ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، مالى ثمانيةُ آلافٍ، جئتُك بأربعةِ آلافٍ فأجْعَلُها في سبيلِ اللهِ، وأَمْسَكْتُ أربعةَ آلافٍ لعيالي. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"بارَكَ اللهُ فيما أعْطَيتَ وفيما أمْسَكْتَ\". وجاء رجلٌ آخَرُ فقال: يا رسولَ اللهِ، بِتُّ الليلةَ أَجُرُّ الماءَ على صاعَين؛ فأَمَّا أحدُهما فتَرَكْتُ لعيالي، وأما الآخرُ فجئُتك به أجعَلُه في سبيلِ اللهِ. فقال: \"بارَكَ اللهُ لك فيما أعْطَيتَ وفيما أَمْسَكَتَ\". فقال ناسٌ مِن المنافقين: واللهِ ما أعْطَى عبدُ الرحمنِ إلا رياءً وسمعةً، ولقد كان اللهُ ورسولُه غَنِيَّيْنِ عن صاعِ فلانٍ. فَأَنزَلَ اللهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾، يعنى عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ، ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾، يعنى صاحبَ الصَّاعِ، ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) كذا في النسخ، وفي مسند أحمد: \"ثلاث مرار\".\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٣٤ (الميمنية)، وابنه عبد الله في زوائد الزهد ١/ ١٧٣، ١٧٤ من طريق الجريري به، وينظر تفسير ابن كثير ٤/ ١٢٦.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٢ إلى المصنف، وسيأتي بتمامه في ١٢/ ٥٨ - ٦٥.\n(^٤) ذكره ابن حجر في الفتح ٨/ ٣٣٢ عن المصنف.","vol":"11","page":595},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال ابن عباسٍ: أمَر النبيُّ ﷺ المسلمين أن يَجْمَعوا صدقاتِهم، وإذا عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ قد جاء بأربعةِ آلافٍ، فقال: هذا مالي أُقْرِضُه الله، وقد بَقِيَ لى مثلُه. فقال له: \"بُورِك لك فيما أعْطَيتَ وفيما أمْسَكتَ\". فقال المنافقون: ما أعْطَى إلا رياءً، وما أعطَى صاحبُ الصاعِ إلا رياءً، إنْ كان اللهُ ورسولُه لَغَنِيَّيْنِ عن هذا، وما يصنَعُ اللهُ بصاعٍ من شيءٍ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾، إلى قولِه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: أمر النبيُّ ﷺ المسلمين أن يَتَصَدَّقوا، فقال (^١) عمر بنُ الخطابِ: [فأُلفَى ذلك مالى وافرا] (^٢) فآخذُ نصفَه. قال: فجئتُ أحملُ مالًا كثيرًا. فقال له رجلٌ مِن المنافقين: تُرائِى يا عمرُ. فقال [عمرُ: أُرَائى] (^٣) الله ورسولَه، وأمَّا غيرُهما فلا. قال: ورجلٌ مِن الأنصارِ لم يكنْ عندَه شيءٌ، فَآجَرَ (^٤) نفسَه ليَجُرَّ الجريرَ على رقبتِه بصاعَين ليلتَه، فتَرَكَ صاعًا لعيالِه، وجاء بصاعٍ يحمِلُه (^٥)، فقال له بعضُ المنافقين: إن الله ورسولَه عن صاعِك لَغَنِيَّان. فذلك قولُ اللهِ ﵎: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾: هذا الأنصاريُّ، ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"فقام\"، وينظر مصدر التخريج.\n(^٢) في م: \"فألقى مالا وافرا\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"لعمر إن\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فواجر\".\n(^٥) في ت ١: \"لحمله\"، وفى ف: \"لجمله\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٢ من طريق أصبغ، عن ابن زيد به.","vol":"11","page":596},{"text":"وقد بَيَّنَّا معنى اللَّمْزِ (^١) في كلامِ العربِ بشواهدِه، وما فيه مِن اللغةِ والقراءةِ فيما مَضَى (^٢).\nوأما قولُه: ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾، فإن معناه: المُتَطَوِّعِين، أُدْغِمَتِ \"التاءُ\" في \"الطاءِ\"، فصارت \"طاءً\" مشددةً، كما قيل: (ومن يَطَّوَّعَ خَيْرًا) [البقرة: ١٥٨] يعنى: يَتَطَوَّعُ.\nوأما الجُهْدُ، فإن للعرب فيه لُغَتَين؛ يقال: أعْطانى مِن جُهْدِه، بضمِّ الجيمِ، وذلك - فيما ذكر - لغةُ أهلِ الحجازِ. ومن جَهْدِه (^٣) بفتحِ \"الجيمِ\"، وذلك لغةُ نجدٍ.\nوعلى الضمِّ قراءةُ الأمصارِ، وذلك هو الاختيارُ عندَنا؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه.\nوأما أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ مِن رُواةِ الشعرِ وأهلِ العربيةِ، فإنهم يَزْعُمون أنها مفتوحةٌ ومضمومةٌ بمعنىً واحدٍ، وإنما اختلافُ ذلك لاختلافِ اللغةِ فيه، كما اخْتَلَفَت لغاتُهم في الوُجْدِ والوَجْدِ، بالضمِّ والفتحِ مِن \"وَجَدْتُ\".\nورُوِى عن الشعبيِّ في ذلك ما حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن عيسى بن المغيرةِ، عن الشعبيِّ، قال: الجَهْدُ (^٤) في العملِ، والجُهْدُ في القوتِ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الهمز\".\n(^٢) تقدم في ص ٥٠٥.\n(^٣) في م: \"جهد\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"الجهد والجهد فالجهد\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٣ من طريق عيسى بن المغيرة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٣ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"11","page":597},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حَفْصٌ، عن عيسى بن المغيرةِ، [عن الشعبيِّ مثلَه.\nقال: ثنا ابن إدريسَ، عن عيسى بن المغيرةٍ] (^١)، عن الشعبيِّ، قال: الجَهْدُ في العملِ، والجُهْدُ في القِيتةِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1315\"></span><span data-type='title' id=toc-4007>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ادْعُ الله لهؤلاء المنافقينَ الذين وَصَفَ صفاتِهم في هذه الآياتِ، بالمغفرةِ، أو لا تَدْعُ لهم بها.\nوهذا كلامٌ خَرَجَ مَخرجَ الأمرِ، وتأويلُه الخبرُ (^٣)، ومعناه: إن استغفرتَ لهم يا محمدُ أو لم تستغفِرْ لهم، فلن يغفِرَ اللهُ لهم.\n[وقولُه: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾] (^٤). يقولُ: إن تسألْ لهم أن تُسْتَرَ عليهم ذنوبُهم بالعفوِ منه لهم عنها، [وتَرْكِ فضيحتِهم بها، فلن يَسْتُرَ اللهُ عليهم، ولن يعفو لهم عنها] (^٤)، ولكنهم يفضحُهم بها على رءوسِ الأشهادِ يومَ القيامةِ، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: هذا الفعلُ مِن اللهِ لهم (^٥)، وهو تركُ عَفْوِه لهم عن ذنوبِهم؛ من أجلِ أنهم جَحَدوا توحيدَ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ف.\n(^٢) في م: \"المعيشة\"، وفى س: \"العينة\"، وينظر مصدر التخريج، والقيتة كميتة، بوزن فعلة، من القوت النهاية ٤/ ١١٩.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الجزاء\".\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) في م: \"بهم\".","vol":"11","page":598},{"text":"اللهِ ورسالةَ رسولِه، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. يقولُ: واللهُ لا يوفِّقُ للإيمانِ به وبرسولِه مَن آثرَ الكفرَ به، والخروجَ عن طاعتِه على الإيمانِ به وبرسولِه.\nويُرْوَى عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه حينَ نَزَلَت هذه الآيةُ، قال: \"لأزِيدَنَّ في الاستغفارِ لهم على سبعين مرةً\"؛ رجاءً منه أن يغفِرَ اللهُ لهم، فنَزَلَت: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (^١) [المنافقون: ٦].\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سليمانَ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه، أن عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ ابنَ سلولَ قال لأصحابِه: لولا أنكم تُنْفِقون على محمدٍ وأصحابِه لانْفَضُّوا مِن حولِه. وهو القائلُ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]. فأنزَل اللهُ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. قال النبيُّ ﷺ: \"لأَزِيدَّ على السبعين\". فأنزَل اللهُ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، فأبَى اللهُ ﵎ أن يغفرَ لهم (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرةَ، عن شِباكٍ (^٣)، عن الشعبيِّ، قال: دَعا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بن أبيٍّ ابن سلولَ النبيَّ ﷺ إلى جنازةِ أبيه، فقال له النبيُّ ﷺ: \"مَن أنت؟ \". قال: الحُبابُ بنُ عبدِ اللهِ بن أبيٍّ. فقال له النبيُّ: ﷺ: \"بل أنتَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بن أُبيٍّ ابن سلولَ؛ إن الحُبابَ هو الشيطانُ\". ثم قال النبيُّ ﵊: \"إنه قد قِيل لى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، فأنا أستغفِرُ لهم سبعين وسبعين\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٤٦٧٠، ٤٦٧٢)، ومسلم (٢٤٠٠، ٢٧٧٤) من حديث ابن عمر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٤ من طريق عبدة بن سليمان به.\n(^٣) في ف: \"سالم\"، وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٩٨.","vol":"11","page":599},{"text":"وسبعين\". وألبَسَه النبيُّ ﷺ قميصَه وهو عَرِقٌ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾: فقال النبيُّ ﷺ: \"سأزِيدُ على سبعين استغفارةً\". فأنزَل اللهُ في السورةِ التي يُذكَرُ فيها المنافقون: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ عَزْمًا (^٢).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nقال: ثنا الحسينُ (^٣)، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا مُغِيرةُ، عن الشعبيِّ، قال: لمَّا ثَقُل عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ، انطلَقَ ابنُه إلى النبيِّ ﷺ، فقال له: إن أبى قد احْتُضِرَ، فأُحِبُّ أن تَشْهَدَه وتُصليَ عليه. فقال النبيُّ ﷺ: \"ما اسْمُك؟ \". قال: الحُبابُ بنُ عبدِ اللهِ. قال: \"بل أنتَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بن أَبيٍّ؛ إِن الحُبابَ اسمُ شيطانٍ\" (^٤). قال: فانطَلَق معه حتى شَهِدَه وأَلْبَسَه قميصَه وهو عَرِقٌ، وصَلَّى عليه، فقيل له: أتصلِّى عليه [وهو منافقٌ] (^٥)؟ فقال: \"إن الله قال: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد ٣/ ٥٤١ من طريق عطاء بن السائب عن السائب عن الشعبي.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٧٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٤ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٣) في: \"الحسن\"، وهو الحسين بن داود الملقب بسنيد. ينظر تهذيب الكمال ١٢/ ١٦١.\n(^٤) في ت ١، ف: \"الشيطان\".\n(^٥) زيادة من: م.","vol":"11","page":600},{"text":"يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، ولأسْتَغْفِرَنَّ له سبعين وسبعين\". قال هُشَيمٌ: وأشُكُّ في الثالثةِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسِ قولَه: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، إلى قولِه: ﴿الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لمَّا نَزَلَت هذه الآيةُ أسمعُ ربِّي قد رَخَّصَ لى فيهم، فواللهِ لأسْتَغْفِرَنَّ أكثرَ مِن سبعين مرةً، فلعل الله أَن يَغْفِرَ لهم\". فقال اللهُ مِن شدةِ غضبِه عليهم: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (^٢) [المنافقون: ٦].\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. فقال نبيُّ اللهِ: \"قد خيَّرَنى ربِّي فلأَزِيدَنَّهم على سبعين\". فأَنزَلَ اللهُ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: لمَّا نَزَلَت: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، فقال النبيُّ ﷺ: \"لأَزيدنَّ على سبعين\". فقال اللهُ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة ٢/ ٦٥٨ من طريق الحسين به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٤ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٤ عن معمر به.","vol":"11","page":601},{"text":"<span id=\"aya-1316\"></span><span data-type='title' id=toc-4008>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فَرِحَ الذين خَلَّفَهم اللهُ عن الغزوِ مع رسولِه والمؤمنين به، وجهادِ أعدائِه ﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾. يقولُ: بجلوسِهم في منازلِهم ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾. يقولُ: على الخلافِ لرسولِ اللهِ في جلوسِه ومَقْعدِه. وذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ أمَرهم بالنَّفْرِ إلى جهادِ أعداءِ اللهِ، فخالَفوا أمرَه وجَلَسوا في منازلِهم.\nوقولُه: ﴿خِلَافَ﴾: مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: خالَف فلانٌ فلانًا، فهو يُخالِفُه خِلافًا. فلذلك جاء مصدرُه على تقديرِ \"فِعالٍ\"، كما يقالُ: قاتَلَه فهو يُقاتِلُه قِتالًا. ولو كان مصدرًا مِن خَلَفَه، لكانت القراءةُ: بمقعدِهم خَلْفَ رسولِ اللهِ. لأن مصدرَ خَلَفَه: خَلْفٌ، لا خِلافٌ، ولكنه على ما بَيَّنتُ مِن أنه مصدرُ خَالَف، فقُرِئ ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، وهى القراءةُ التي عليها قرأةُ (^١) الأمصارِ، وهى الصوابُ عندَنا.\nوقد تأوَّل ذلك بعضُهم بمعنى: بعدَ رسولِ اللهِ ﷺ. واسْتَشهَد على ذلك بقولِ الشاعرِ (^٢):\nعَقَبَ الربيعُ (^٣) خِلافَهم فكأنَّما … بَسَطَ الشَّوَاطِبُ (^٤) بينَهن حَصِيرَا\n_________\n(^١) في م: \"قراءة\".\n(^٢) هو الحارث بن خالد المخزومي، والبيت في مجاز القرآن ١/ ٢٦٤، والأغانى ٣/ ٣٣٦، واللسان (ع ق ب)، (خ ل ف).\n(^٣) في الأغاني، واللسان (ع ق ب): \"الرذاذ\" وهى الرواية التي سيذكرها المصنف في ١٥/ ٢١.\n(^٤) جمع شاطبة وهي التي تعمل الحُصر من الشطْب، وهو السَّعف الأخضر. اللسان (ش ط ب).","vol":"11","page":602},{"text":"وذلك قريبٌ لمعنى ما قُلنا؛ لأنهم قَعدوا بعدَه، على الخلافِ له.\nوقولُه: ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكَرِهَ هؤلاء المُخَلَّفون (^١) أن يَغْزوا الكفارَ بأموالِهم وأنفسِهم ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يعني: في دينِ اللهِ الذي شَرَعَه لعبادِه، ليَنْصُروه، مَيْلًا إلى الدَّعَةِ والخَفْضِ (^٢)، وإيثارًا للراحة على التعبِ والمشقةِ، وشُحًّا بالمالِ أَن يُنْفِقوه في طاعةِ اللهِ.\n﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾. وذلك أن النبيَّ ﷺ اسْتَنْفَرَهم (^٣) إلى هذه الغزوةِ وهى غزوةُ تبوكَ، في حرٍّ شديدٍ، فقال المنافقون بعضُهم لبعضٍ: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾. فقال اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ لهم يا محمدُ: ﴿نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [التي أعَدَّها اللهُ لمَن خالَف أمرَه وعَصَى رسولَه] (^٤)، ﴿أَشَدُّ حَرًّا﴾ مِن هذا الحرِّ الذي تَتَواصَون بينَكم أن لا تَنْفِروا فيه. يقولُ: فالذى هو أشدُّ حرًّا أحْرَى أن يُحْذَرَ ويُتَّقَى مِن الذي هو أقلُّهما أذًى ﴿لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾، [يقولُ: لو كان هؤلاء المنافقون يَفْقَهُون] (^٥) عن اللهِ وَعْظَه، ويَتَدَبَّرون آيَ كتابِه، ولكنهم لا يَفْقَهون عن اللهِ، فهم يَحْذَرون من الحرِّ أقلَّه مكروهًا وأخفَّه أذًى، ويُوافِقون أشدَّه مكروهًا، وأعظمَه على مَن يَصْلاه بلاءً!\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"المخالفون\".\n(^٢) الخفض: الدعة والعيش الطيب. التاج (خ ف ض).\n(^٣) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"استسرهم\".\n(^٤) سقط من ف.\n(^٥) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"11","page":603},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4009>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، إلى قولِه: ﴿يَفْقَهُونَ﴾. وذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ أمَر الناسَ أن يَنْبَعِثوا معه، وذلك في الصيفِ، فقال رجالٌ: يا رسولَ اللهِ، الحرُّ شديدٌ ولا نستطيعُ الخروجَ، فلا تَنْفِرْ (^١) في الحرِّ. فقال اللهُ: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾. فَأَمَرَه اللهُ بالخروجِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾. قال: هي (^٣) غزوةُ تبوكَ (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِيِّ وغيرِه، قالوا: خَرَجَ رسولُ اللهِ ﷺ في حرٍّ شديدٍ إلى تبوكَ، فقال رجلٌ مِن بني سَلِمةَ: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾. فأنزَل اللهُ: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ الآية (^٥).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ذَكَر قولَ بعضِهم لبعضٍ، حينَ أُمِر رسولُ اللهِ ﷺ بالجهادِ، وأجمَع السيرَ إلى تبوكَ على شدةِ الحرِّ وجَدْبِ البلادِ، يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ\n_________\n(^١) غير منقوطة في ص، وفى س: \"ينفر\"، وفى ف: \"ننفر\"، وينظر مصدرى التخريج.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٥ عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٥ إلى ابن مردويه.\n(^٣) في م: \"من\"، وفى الدر المنثور \"عن\". وينظر تفسير عبد الرزاق.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٤ عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٤ من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٥ إلى أبي الشيخ.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٥ إلى المصنف.","vol":"11","page":604},{"text":"جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-1317\"></span><span data-type='title' id=toc-4011>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فَرِحَ هؤلاء المُخَلَّفون بمَقْعدِهم خلافَ رسولِ اللهِ، فليَضْحَكوا فَرِحين قليلًا في هذه الدنيا الفانيةِ بمَقْعدِهم خلافَ رسولِ اللهِ، ولَهْوِهم عن طاعةِ ربِّهم، فإنهم سَيَبْكُون طويلًا (^٢) في جهنمَ، مكانَ ضحكِهم القليلِ في الدنيا. ﴿جَزَاءً﴾، يقولُ: ثوابًا مِنَّا لهم على معصيتِهم بتَرْكِهم النَّفْرَ إِذ اسْتُنْفِروا إلى عدوِّهم، وقُعودِهم في منازلِهم خلافَ رسولِ اللهِ. ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، يقولُ بما كانوا يَجْتَرِحون من الذنوبِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4010>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾، قال: يقولُ اللهُ ﵎: الدنيا قليلٌ، فلْيَضحَكوا فيها ما شاءوا، فإذا صاروا إلى الآخرةِ بَكَوا بكاءً لا ينقطعُ. فذلك الكثيرُ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن الربيعِ بن خُثَيْمٍ (^٤): ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾، قال: في الدنيا. ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾،\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٥١.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"كثيرا\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور (١٠٢٨ - تفسير)، وابن أبي شيبة ١٣/ ٤١٨، وهناد في الزهد (٤٧٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٥، ١٨٥٦ من طريق أبي معاوية به.\n(^٤) في م، ف: \"خيثم\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٧٠.","vol":"11","page":605},{"text":"قال: في الآخرةِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ويحيى، قالا: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بن سُمَيعٍ، عن أبي رَزِينٍ في قولِه: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾. قال: في الآخرةِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾. قال: ليضحَكوا في الدنيا قليلًا، وليَبْكوا في النارِ كثيرًا. وقال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ (^١) إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٦]. قال: آجالُهم (^٢). أحدُ هذين الحديثين رَفَعه إلى ربيعِ بن خُثيمٍ (^٣) (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾. قال: ليَضْحَكوا قليلًا في الدنيا، ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ في الآخرةِ في نارِ جهنمَ؛ ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾. أي: في الدنيا، ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾، أي: في النارِ. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال:\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س: \"يمنعون\".\n(^٢) في م: \"أجلهم\".\n(^٣) في النسخ: \"خيثم\".\n(^٤) أخرج رواية أبى رزين المرفوعة إلى الربيع بن خثيم: ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٩٦ عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي رزين عن الربيع، وعزاها السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٨ إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر. وستأتى. تفسير المصنف للآية (١٦) من سورة الأحزاب.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٤ عن معمر به.","vol":"11","page":606},{"text":"\"والذي نفسي بيده لو تَعْلَمون ما أعلمُ لضَحِكْتم قليلًا، ولبكَيْتُم كثيرًا\". ذُكِر لنا أنه نُودى عندَ ذلك، أو قيل له: لا تُقَنِّطْ عبادى (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن الربيعِ بن خُثيمٍ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾. قال: في الدنيا، ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾. قال: في الآخرةِ (^٢).\nقال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيعٍ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾. قال: في الدنيا، فإذا صاروا إلى الآخرةِ بَكَوا بكاءً لا ينقطِعُ، فذلك الكثيرُ.\nحدَّثنا عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾. قال: هم المنافقون والكفارُ الذين اتَّخَذوا دينَهم هزوًا ولَعِبًا. يقولُ اللهُ ﵎: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ في الدنيا، ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ له في النارِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَلْيَضْحَكُوا﴾ في الدنيا ﴿قَلِيلًا﴾، ﴿وَلْيَبْكُوا﴾ يومَ القيامةِ ﴿كَثِيرًا﴾، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾، حتى بَلَغَ: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (^٤) [المطففين: ٢٩ - ٣٦].\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٥ معلقا عقب الأثر (١٠٥٠٧) بشطره الأول فقط، وشطره الثاني جزء من حديث أخرجه الترمذى (٢٣١٢) من حديث أبي ذر.\n(^٢) الزهد لوكيع (١٨)، ومن طريقه هناد في الزهد (٤٧١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٦.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٥، ١٨٥٦ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٥ إلى ابن المنذر.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٥ معلقا عقب الأثر (١٠٥٠٧) لكن من قول زيد بن أسلم.","vol":"11","page":607},{"text":"<span id=\"aya-1318\"></span><span data-type='title' id=toc-4013>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فإن رَدَّك اللهُ يا محمدُ إلى طائفةٍ مِن هؤلاء المنافقين من غزوتِك هذه ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ معك في أخرى غيرِها، فقلْ لهم: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وذلك عندَ خروجِ النبيِّ ﷺ إلى تبوكَ، ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾. يقولُ: فاقْعُدوا مع الذين قَعَدوا من المنافقين خِلافَ رسولِ اللهِ؛ لأنكم (^١) منهم، فاقْتَدوا بهَدْيهِم، واعمَلوا مثلَ الذي عَمِلوا مِن معصيةِ اللهِ، فإن الله قد سخِطَ عليكم.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4012>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، الحرُّ شديدٌ ولا نستطيعُ الخروجَ، فلا تَنْفِرُ (^٢) في الحَرِّ. وذلك في غزوةِ تبوكَ، فقال اللهُ: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾. فأمَره اللهُ بالخروجِ، فتَخَلَّفَ عنه رجالٌ، فأدرَكَتْهم نفوسُهم، فقالوا: واللهِ ما صَنَعْنا شيئًا. فانطَلَق منهم ثلاثةٌ فلَحِقوا برسولِ اللهِ ﷺ،\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"لأنهم\".\n(^٢) في ت ١: \"ينفروا\"، وفى ت ٢: \"ينفر\".","vol":"11","page":608},{"text":"فلما أتَوه تابوا ثم رَجَعوا إلى المدينةِ، فأنزل اللهُ: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾، إلى قولِه: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"هَلَكَ الذين تَخَلَّفوا\". فأنزَل اللهُ عُذْرَهم لمَّا تابوا، فقال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾، إلى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٧، ١١٨]، وقال: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^١) [التوبة: ١١٧].\nحدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾، إلى قولِه: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾، أي: مع النساءِ. ذُكِر لنا أنهم كانوا اثنَيْ عَشَرَ رجلًا مِن المنافقين، [فقيل فيهم ما قيل] (^٢) (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾: والخالِفون الرجالُ (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن التأويلِ في قولِه: ﴿الْخَالِفِينَ﴾. ما قال ابن عباسٍ.\nفأما ما قال قتادةُ مِن أن ذلك النساءُ، فقولٌ لا معنَى له؛ لأن العربَ لا تجمعُ النساءَ إذا لم يكنْ معهنَّ رجالٌ بالياءِ والنونِ، ولا بالواوِ والنونِ، ولو كان مَغْنيًّا بذلك النساءُ، لقيل: فاقعدوا مع الخوالفِ. أو: مع الخالفاتِ. ولكن معناه ما قُلنا، مِن أنه أُرِيدَ به: فاقْعُدُوا مع مرضَى الرجالِ وأهلِ زَمانتِهم، والضعفاءِ منهم والنساءِ. وإذا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٦ عن محمد بن سعد به مختصرا.\n(^٢) في ص، س، ف: \"قتل منهم ما قتل\"، وينظر مصدرى التخريج.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٦ من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٥ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٧ من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"11","page":609},{"text":"اجتَمع الرجالُ والنساءُ في الخبرِ، فإن العربَ تُغَلِّبُ الذكورَ على الإناثِ، ولذلك قيل: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾. والمعنى ما ذَكَرنا.\nولو وُجِّه معنى ذلك إلى: فاقْعُدوا مع أهلِ الفسادِ، مِن قولِهم: خَلَفَ الرجلُ عن (^١) أهلِه يَخْلُفُ خُلُوفًا: إذا فَسَد، ومِن قولِهم: هو خَلْفُ سَوْءٍ (^٢) - كان مذهبًا. وأصلُه إذا أريدَ به هذا المعنى، مِن قولِهم: خَلَفَ اللبنُ يَخْلُفُ خُلُوفًا: إذا خَبُثَ (^٣) مِن طولِ وضعِه في السِّقاءِ حتى يَفْسُدَ، ومِن قولِهم: خَلَفَ فمُ الصائمِ: إِذا تَغَيَّرت ريحُه.\n\n<span id=\"aya-1319\"></span><span data-type='title' id=toc-4015>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولا تُصَلِّ، يا محمدُ، على أحدٍ ماتَ مِن هؤلاء المنافقين الذين تَخَلَّفوا عن الخروجِ معك أبدًا، ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾. يقولُ: ولا تَتَوَلَّ دفنه وتقبيرَه (^٤) - مِن قولِ القائلِ: قامَ فلانٌ بأمرِ فلانٍ. إذا كَفاه أمرَه - ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾. يقولُ: إنهم جحَدوا توحيدَ اللهِ ورسالةَ رسولِه، وماتوا وهم خارِجون مِن الإسلامِ، مُفارِقون أمرَ اللهِ ونهيَه.\nوقد ذُكِر أن هذه الآية نزَلَت حينَ صَلَّى النبيُّ ﷺ على عبدِ اللهِ بن أُبَيٍّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4014>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"على\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"سواء\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"خلف\".\n(^٤) في م: \"تقبره\".","vol":"11","page":610},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى وسفيانُ بنُ وكيعٍ، وسَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قالوا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عُبَيدِ اللهِ قال: أخبَرنى نافعٌ، عن ابن عمرَ، قال: جاء ابن عبدِ اللهِ بن أبيٍّ ابن سلولَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ حينَ ماتَ أبوه، فقال: أعْطِني قميصَك حتى أُكَفِّنَه فيه، وصَلِّ عليه، واسْتغفِرْ له. فأعْطاه قميصَه - [وقال] (^١): \"إِذا فَرَغْتُم فَآذِنُونى\". فلما أرادَ أن يُصَلِّيَ عليه، جذَبه عمرُ، وقال: أليس قد نَهاك اللهُ أن تُصَلِّيَ على المنافقين؟! فقال: \"بل خَيَّرني وقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. قال: فصَلَّى عليه. قال: فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾. قال: فترَك الصلاةَ عليهم (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عُبَيدِ اللهِ، عن ابن عمرَ، قال: لمَّا تُوفِّي عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابن سلولَ، جاء ابنُه عبدُ اللهِ إلى النبيِّ ﷺ، فسأله أن يُعْطِيَه قميصَه، يُكَفِّنُ فيه أباه، فأعْطاه، ثم سأله أن يُصَلِّيَ عليه، فقامَ عمرُ بنُ الخطابِ، ﵁، فَأَخَذَ بثوبِ النبيِّ ﷺ، فقال: ابنَ سَلول! أَتُصَلِّي عليه وقد نَهَاك اللهُ أن تُصَلِّيَ عليه؟! فقال النبيُّ ﷺ: \"إنما خَيَّرني ربي، فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. وسأزيدُ على سبعين\". فقال: إنه منافقٌ! فصَلَّى عليه رسولُ اللهِ ﷺ، فأنزَل اللهُ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (^٣).\nحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ العَنْبَرِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن مُجالدٍ، قال:\n_________\n(^١) سقط من: ص، ف.\n(^٢) أخرجه البخارى (١٢٦٩)، ومسلم (٢٧٧٤/ ٤)، وابن ماجه (١٥٢٣)، والترمذى (٣٠٩٨)، والنسائى في الكبرى (٢٠٢٧)، (١١٢٢٤)، والمجتبى (١٨٩٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٧ من طريق يحيى بن سعيد به.\n(^٣) أخرجه البخارى (٤٦٧٠)، ومسلم (٢٧٧٤/ ٣)، والطحاوى في المشكل (٧٠)، وابن أبي حاتم في =","vol":"11","page":611},{"text":"ثنى عامرٌ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ؛ أن رأسَ المنافقين مات بالمدينةِ، فأوصَى أن يُصَلِّيَ عليه النبيُّ ﷺ، وأن يُكَفَّنَ في قميصِه، فكَفَّنَه في قميصِه، وصَلَّى عليه، وقامَ على قبرِه، فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (^١).\nحدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن يزيدَ الرَّقَاشِيِّ، عن أنسٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ أرادَ أن يُصَلِّي على عبدِ اللهِ بن أبيٍّ ابن سَلولَ، فأخَذَ جبريلُ ﵇، بثوبِه فقال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ (^٣)، عن عمرٍو، عن جابرٍ، قال: جاء (^٤) النبيُّ ﷺ عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ، وقد أُدْخِلَ حُفْرتَه، فأَخْرَجه، فوضَعه على رُكْبتَيه، وألبَسه قميصَه، وتفَل عليه مِن ريقِه، واللهُ أعلمُ (^٥).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن\n_________\n= تفسيره ٦/ ١٨٥٧، والبيهقي في الدلائل ٥/ ٢٨٧ من طريق أبي أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر به، وأخرجه البخارى (٧٦٧٢) وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٧ من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه، وبهذه الطرق يتبين أن في سند الطبرى سقطا، وهو نافع، الواسطة بين عبيد الله، وابن عمر.\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٥٢٤)، والبزار - كما في تفسير ابن كثير ٣/ ١٣٤، والطحاوي في المشكل (٧١) من طريق يحيى بن سعيد به، وأخرجه أحمد ٢٣/ ٢٣٧ (١٤٩٨٦) والنسائى في الكبرى (٩٦٦٥) من طريق أبي الزبير عن جابر بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٦ إلى أبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٣٤ عن المصنف، وأخرجه أبو يعلى (٤١١٢) من طريق يزيد الرقاشي به، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ٤٢: رواه أبو يعلى، وفيه يزيد الرقاشي، وفيه كلام وقد وثق. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٦ إلى ابن مردويه.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"علية\". وينظر مصادر التخريج.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٥) أخرجه البخارى (١٢٧٠، ١٣٥٠، ٣٠٠٨، ٥٧٩٥)، ومسلم (٢/ ٢٧٧٣)، والنسائي في الكبرى (٢٠٢٨)، والمجتبى (١٩٠٠، ٢٠١٨) من طريق ابن عيينة به.","vol":"11","page":612},{"text":"عُبَيدِ اللهِ بن عبدِ اللهِ بن عُتْبَةَ بن مسعودٍ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ، قال: سمعتُ عمرَ بنَ الخطابِ، ﵁، يقولُ: لمَّا تُوفِّى عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابن سلولَ، دُعِى رسولُ اللهِ ﷺ للصلاةِ عليه (^١)، فقامَ إليه، فلما وقَف عليه يريدُ الصلاةَ، تَحوَّلْتُ حتى قُمْتُ في صدرِه، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَتُصَلِّي على عدوِّ اللهِ، عبدِ اللهِ بن أبيٍّ، القائلِ يومَ كذا، كذا وكذا. [أُعَدِّدُ أيامَه] (^٢)، ورسولُ اللهِ ﵊ يَتَبَسَّمُ، حتى إذا أكثَرتُ عليه، قال: \"أَخِّرْ عنى يا عمرُ، إني خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، وقد قيل لى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فلو أنى أعلمُ أنى إن زِدْتُ على السبعين غُفِر له، لزِدْتُ\". قال: ثم صَلَّى عليه ومَشَى معه، فقامَ على قبرِه، حتى فُرِغَ منه. قال: أتعجَّبُ (^٣) لي وجُرْأتى على رسولِ اللهِ ﷺ، واللهُ ورسولُه أعلمُ، فواللهِ ما كان إلا يسيرًا حتى نَزَلَت هاتان الآيتان: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾. فما صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ بعدَه (^٤) على منافقٍ، ولا قامَ على قبرِه حتى قبَضه اللهُ (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن عاصمِ بن عمرَ بن قتادةَ، قال: لما مات عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ، أتَى ابنُه عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ رسولَ اللهِ ﷺ، فسأله قميصَه، فأعْطاه، فكَفَّنَ فيه أباه.\nحدَّثنا المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثني عُقَيْلٌ، عن ابن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"إليه\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س: \"أعد آثامه\".\n(^٣) في ص، ف: \"تعجب\" وفى ت ١، ت ٢: \"فعجب\". وفى مصدر التخريج: \"فعجبت\" وهو أقرب.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف. وينظر مصدر التخريج.\n(^٥) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٥٢، وأخرجه أحمد ١/ ٢٥٤ (٩٥)، وعبد بن حميد (١٩)، والترمذى (٣٠٩٧)، والبزار (١٩٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٣، وابن حبان (٣١٧٦) من طريق ابن إسحاق به.","vol":"11","page":613},{"text":"شهابٍ، قال: أخبَرنى عبيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بن عتبةَ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ، عن عمرَ بن الخطابِ، قال: لما مات عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ. فذكر مثلَ حديثِ ابن حميدٍ، عن سلمةَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ الآية. قال: بعَث عبدُ اللهِ بنُ أَبيٍّ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وهو مريضٌ ليأتيَه، فنَهاه عن ذلك عمرُ، فأتاه نبيُّ اللهِ ﷺ، فلما دَخَل عليه، قال نبيُّ اللهِ ﷺ: أهْلَكَ حُبُّ (^٢) اليهودِ\". قال: فقال: يا نبيَّ اللهِ، إنى لم أبَعَثْ إليك لتُؤنِّبَنى، ولكن بَعثتُ إليك لتستغفرَ لى. وسأله قميصَه أن يُكفَّنَ فيه، فأعطاه إياه، فاستغفرَ له رسولُ اللهِ ﷺ، فمات، فكُفِّنَ في قميصِ رسولِ اللهِ ﷺ، ونفَث في جلدِه، ودَلَّاه في قبره، فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية، قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كُلِّم في ذلك، فقال: \"وما يُغْنِى عنه قَمِيصِي مِن اللهِ - أو ربِّى - وصَلاتي (^٣) عليه، وإني لأَرْجو أن يُسْلِمَ به ألفٌ مِن قومِه\" (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا ابن ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قَتادةَ، قال: أرسَل عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابن سلولَ وهو مريضٌ إلى النبيِّ ﷺ، فلما دخَل عليه، قال له النبيُّ ﷺ: \"أهْلَكَك حُبُّ يهودَ\". قال: يا رسولَ اللهِ، إنما أرسلتُ إليك لتستغفرَ لى، ولم أرسلْ إليك لتُؤَنِّبَنى. ثم سأله عبدُ اللهِ أَن يُعْطِيَه قميصَه أن يُكَفَّن فيه،\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٤٦٧١، ٤٦٧١)، والنسائي (١٩٦٥) من طريق الليث به، وعلقه النحاس في ناسخه ص ٥٢٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٤ إلى ابن مردويه وأبي نعيم في الحلية، وهو في الحلية ١/ ٤٣، ٤٤، وفيه سقط من الإسناد.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أحب\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"صلى\".\n(^٤) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٢/ ٩٣ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٦ إلى أبي الشيخ بنحوه، وينظر فتح البارى ٨/ ٣٣٤.","vol":"11","page":614},{"text":"فأعْطاه إياه وصَلَّى عليه، وقامَ على قبرِه، فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-1320\"></span><span data-type='title' id=toc-4016>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولا تُعْجِبْك يا محمدُ، أموالُ هؤلاء المنافِقين وأولادُهم، فتُصَلِّيَ على أحدِهم إذا مات، وتقومَ على قبرِه مِن أجلِ كثرةِ مالِه وولدِه، فإني إنما أعطيتُه ما أعطيتُه ذلك؛ لأُعَذِّبَه بها في الدنيا بالغمومِ والهمومِ، بما ألْزِمُه فيها مِن المؤنِ والنفقاتِ والزّكوات، وبما يَنوبُه فيها من الرَّزايا والمُصيباتِ، ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾. يقولُ: وليموتَ فتَخْرُجَ نفسُه من جسدِه، فيُفارِقَ ما أعطيتُه من المالِ والولدِ، فيكونَ ذلك حسرةً عليه عندَ موتِه، وَوبالًا عليه حينَئذٍ، ووَبالًا عليه في الآخرةِ، بموتِه جاحِدًا توحيدَ اللهِ، ونبوةَ نبيِّه محمدِ ﷺ.\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا سُويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾ في الحياةِ الدنيا (^٢).\n\n<span id=\"aya-1321\"></span><span data-type='title' id=toc-4017>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا أُنزِل عليك، يا محمدُ، سورةٌ مِن القرآن، بأن يقالَ لهؤلاء المنافقين: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾. يقولُ: صَدِّقُوا باللهِ، ﴿وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾. يقولُ: اغْزُوا المشركين مع رسولِ اللهِ ﷺ، ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: استأْذَنَك ذَوو الغِنَى والمالِ منهم في التَّخَلُّفِ عنك، والقعودِ في\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٥ عن معمر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨١٤ من طريق أسباط عن السدى.","vol":"11","page":615},{"text":"أهلِه، ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا﴾. يقولُ: [وقالوا] (^١) لك: دَعْنا نَكُنْ ممن يَقْعُدُ في منزلِه مع (^٢) ضعفاء الناسِ ومَرْضاهم، ومَن لا يَقدِرُ على الخروجِ معك في (^٣) السفرِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى الطَّوْلِ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4018>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ﴾. قال: يعنى أهلَ الغِنَى (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾. يعنى: الأغنياءَ.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ كان منهم عبدُ اللهِ بن أبيٍّ، والجَدُّ بنُ قيسٍ، فنَعَى اللهُ ذلك عليهم (^٥).\n\n<span id=\"aya-1322\"></span><span data-type='title' id=toc-4019>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: رَضِى هؤلاء المنافقون الذين إذا قيل لهم: آمنوا باللهِ، وجاهِدوا مع رسولِه، استأذَنَك أهلُ الغِنَى منهم في التخلُّفِ عن الغزوِ والخروجِ معك\n_________\n(^١) سقط من: ف.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"من\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"و\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٨ من طريق الضحاك عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٥) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٥٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٩ من طريق سلمة بنحوه.","vol":"11","page":616},{"text":"لقتالِ أعداءِ اللهِ من المشركين - أن يكونوا في منازلهم كالنساءِ اللَّواتي ليس عليهنَّ فرضُ الجهادِ، فهن قُعُودٌ في منازِلهنَّ وبيوتِهن، ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ: وختَم اللهُ على قلوبِ هؤلاء المنافقين، ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ عن اللهِ مواعظَه، فيَتَّعِظُوا (^١) بها وقد بيَّنَّا معنى الطبعِ، وكيف الختمُ على القلوبِ فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى الخوالفِ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4020>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾. قال: والخَوَالفُ هنَّ النساءُ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾. يعنى: النساءَ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حَبُّويه أبو يزيدَ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن حفصِ بن حُمَيدٍ، عن شِمْرِ بن عطيةَ: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾. قال: النساءُ (^٤).\nقال: ثنا المحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿مَعَ الْخَوَالِفِ﴾. قال: مع النساءِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَضُوا بِأَنْ\n_________\n(^١) في م: \"فيتعظون\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٦٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٩ من طريق الضحاك عن ابن عباس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٥٩ معلقًا.","vol":"11","page":617},{"text":"يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾، أي مع النساءِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ والحسنِ: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾. قالا: النساءِ (^١).\nحدَّثني المُثَنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾. قال: مع النساءِ.\n\n<span id=\"aya-1323\"></span><span data-type='title' id=toc-4021>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لم يُجاهِدْ هؤلاء المنافقون الذين اقْتَصَصْتُ قَصَصَهم المشركين، لكن الرسولُ محمدٌ ﷺ، والذين صَدَّقوا الله ورسولَه معه، هم الذين جاهَدوا المشركين بأموالِهم وأنفسِهم، فأنفَقوا في جهادِهم أموالَهم، وأتْعَبوا في قتالِهم أنفسَهم وبَذَلُوها، ﴿وَأُولَئِكَ﴾. يقولُ: وللرسولِ وللذينِ آمَنوا معه، الذين جاهَدوا بأموالِهم وأنفسِهم ﴿الْخَيْرَاتُ﴾: وهى (^٤) خيراتُ الآخرةِ، وذلك نساؤها وجناتُها ونعيمُها.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٦ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٧٣.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور (١٠٢٩ - تفسير) من طريق ابن جريج به.\n(^٤) في ص، ف: \"هم\".","vol":"11","page":618},{"text":"واحدتُها خَيْرَةٌ، كما قال الشاعرُ (^١):\nولقد طَعَنْتُ مَجامِعَ الرَّبَلاتِ (^٢) … رَبَلَاتِ هندٍ خَيْرةِ المَلِكاتِ\nوالخيرةُ مِن كلِّ شيْءٍ: الفاضلةُ.\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: وأولئك هم المُخَلَّدون في الجناتِ، الباقون فيها، الفائِزون بها.\n\n<span id=\"aya-1324\"></span><span data-type='title' id=toc-4022>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أعدَّ اللهُ لرسولِه محمدٍ ﷺ والذين آمَنوا معه جَنَّاتٍ، وهى البساتينُ تَجْرِى مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: لابثِين فيها، لا يموتون فيها، ولا يَظْعَنون عنها، ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. يقولُ: ذلك النَّجَاءُ العظيمُ، والحظُّ الجزيلُ.\n\n<span id=\"aya-1325\"></span><span data-type='title' id=toc-4023>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وَجاءَ رسولَ اللهِ ﷺ المُعْتَذِرُونَ (^٣) مِن الأَعْرَابِ ليؤذنَ لهم في التَّخَلُّفِ، وقَعَدَ عن المجيءِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ والجهادِ معه الذين كذَبوا الله ورسُولَه، وقالوا الكذبَ، واعْتَذَروا بالباطلِ فيهم. يقولُ تعالى ذكرُه: سيُصيبُ\n_________\n(^١) هو رجل جاهلى من بنى عدى؛ عدى تميم، والبيت في مجاز القرآن ١/ ٢٦٧ واللسان (خ ي ر).\n(^٢) هي جمع ربلَة أو رَبَلَة، وهى كل لحمة غليظة، وقيل: هي ما حول الضرع والحياء من باطن الفخذ، وقيل: هي باطن الفخذ. وهذا الأخير هو المناسب هنا. ينظر اللسان (ر ب ل).\n(^٣) في ص، م: \"المعذرون\".","vol":"11","page":619},{"text":"الذين جَحَدوا توحيدَ اللهِ، ونُبوَّةَ نبيِّه محمدٍ ﷺ منهم، عذابٌ أليمٌ.\nفإن قال قائلٌ: فكيف قيل: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾. وقد عَلِمتَ أن المُعذِّرَ في كلامِ العربِ، إنما هو الذي يُعَذِّرُ في الأمرِ، فلا يبالِغُ فيه، ولا يُحْكِمُه، وليست هذه صفةَ هؤلاء، وإنما صفتُهم أنهم كانوا قد اجْتَهَدوا في طلبِ ما يَنْهَضون به مع رسولِ اللهِ ﷺ إلى عدوِّهم، وحَرَصُوا على ذلك، فلم يَجدوا إليه السبيلَ، فهم بأن يوصَفوا بأنهم قد أَعْذَروا، أوْلى وأحقُّ منهم بأن يُوصَفوا بأنهم عَذَّروا، و(^١) إذا وصفوا بذلك فالصوابُ في ذلك مِن القراءةِ ما قرَأه ابن عباسٍ.\nوذلك ما حدَّثناه المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي حَمَّادٍ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ عُمَارَةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، قال: كان ابن عباسٍ يقرأُ: (وجاءَ المُعذِرُونَ) مخففةً، ويقولُ: هم أهلُ العُذْرِ (^٢).\nمع موافقةِ مجاهدٍ إياه وغيرِه عليه.\nقيل: إن معنى ذلك على غيرِ ما ذهبتَ إليه، وأن معناه: وجاءَ المُعْتَذِرون مِن الأعرابِ، ولكنَّ \"التاءَ\" لمَّا جاوَرَت \"الذالَ\" أُدغِمت فيها، فصُيِّرتا \"ذالًا\" مشددةً؛ لتقاربِ مخرجِ إحداهما مِن الأخرى، كما قيل: \"يذَّكرون\" في يتذكَّرون، و\"يذَّكرُ\" في يَتذكَّرُ، وخَرَجَت \"العينُ\" من المُعَذِّرين إلى الفتحِ؛ لأن حركةَ \"التاءِ\" مِن المُعْتَذِرين وهى الفتحةُ، نُقِلَت إليها، فحُرِّكَتْ بما كانت به مُحَرَّكةً. والعربُ قد تُوجِّه في معنى الاعْتذارِ إلى الإعْذارِ، فتقولُ: قد اعْتَذَر فلانٌ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٦٠ من طريق بشر بن عمارة به، وقراءة ابن عباس هذه هي قراءة يعقوب من العشرة، والكسائى في رواية قتيبة. ينظر حجة القراءات ص ٣٢١ والنشر ٢/ ٢١٠.","vol":"11","page":620},{"text":"في كذا. يعني: أعْذَر، ومن ذلك قولُ لَبيدٍ (^١):\nإلى الحَوْلِ ثُمَّ اسمُ السَّلامِ عليكُما … ومَنْ يَبْكِ حَوْلًا كاملًا فَقَدِ اعْتَذَرْ\nفقال: فقد اعْتَذَر، بمعنى: فقد أعْذَر.\nعلى أن أهلَ التأويلِ قد اختلفوا في صفةِ هؤلاء القومِ الذين وَصَفَهم اللهُ بأنهم جاءوا رسولَ اللهِ ﷺ مُعَذِّرين؛ فقال بعضُهم: كانوا كاذِبين في اعْتذارِهم، فلم يَعْذُرْهم اللهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4024>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو عُبيدةَ عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصَّمَدِ، قال: ثنى أبي، عن الحسينِ، قال: كان قتادةُ يقرأُ: (وجَاء المُعَذَّرُونَ (^٢) مِنَ الأعْرَابِ). قال: اعْتَذَروا بالكذبِ (^٣).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يحيى بنُ زكريا، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾. قال: نَفَرٌ مِن بنى غِفارٍ، جاءوا فاعْتَذَروا، فلم يَعْذُرْهم اللهُ (^٤).\nفقد أَخْبَر مَن ذكَرْنا من هؤلاء أن هؤلاء القومَ إنما كانوا أهلَ اعْتذارٍ بالباطلِ لا بالحقِّ، فغيرُ جائزٍ أن يُوصَفوا بالإعْذارِ، إلا أن يُوصَفوا بأنهم أعْذَرُوا في الاعْتذارِ بالباطلِ، فأمَّا بالحقِّ - على ما قاله مَن حَكينا قولَه مِن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١/ ١١٧.\n(^٢) بفتح الذال والتشديد، وهى قراءة شاذة. ينظر مختصر في شواذ القرآن ص ٥٩.\n(^٣) في م: \"بالكتب\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٣٧.","vol":"11","page":621},{"text":"هؤلاء - فغيرُ جائزٍ أن يُوصَفوا به.\nوقد كان بعضُهم يقولُ: إنما جاءوا مُعَذِّرِين غير جادِّين، يَعْرِضُون ما لا يُريدون فعلَه. فمَن وَجَّهَه إلى هذا التأويلِ فلا كُلْفةَ في ذلك، غيرَ أنى لا أعلمُ أحدًا مِن أَهلِ العلمِ بتأويلِ القرآنِ وَجَّه تأويلَه إلى ذلك، فاسْتَحَبُّوا القولَ به.\nوبعدُ، فإن الذي عليه من القراءةِ قرأةُ الأمصارِ، التشديدُ في \"الذالِ\" - أعنى مِن قولِه: ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ - ففى ذلك دليل على صحةِ تأويلِ مَن تأوَّله بمعنى الاعْتذارِ؛ لأن القومَ الذين وُصِفوا بذلك لم يُكَلَّفُوا أَمْرًا عَذَّرُوا فيه، وإنما كانوا فِرْقتَين؛ إما مجتهدٌ طائعٌ، وإما منافقٌ فاسقٌ لأمرِ اللهِ مخالفٌ، فليس في الفريقَين موصوفٌ بالتَّعْذيرِ (^١) في الشخوصِ مع رسولِ اللهِ ﷺ، وإنما هو مُعَذِّرٌ (^٢) مبالغٌ، أو مُعتَذِرٌ.\nفإذ كان ذلك كذلك، وكانت الحُجَّةُ من القرأَةِ مجمعةً على تَشْدِيدِ \"الذالِ\" مِن المُعَذِّرين، عُلِم أن معناه ما وَصَفناه مِن التأويلِ.\nوقد ذُكِر عن مجاهدٍ في ذلك موافقةُ ابن عباسٍ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عُيَينَةَ، عن حُمَيدٍ، قال: قرَأ مجاهدٌ: (وَجاءَ المُعْذِرُونَ) مخففةً، وقال: هم أهلُ العُذْرِ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان المُعَذِّرون (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"في التقدير\".\n(^٢) في ص، ف: \"معذرو\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور (١٠٣٠ - تفسير) من طريق حميد به.\n(^٤) كذا ورد الأثر مبتورا في النسخ، وتمامه كما في سيرة ابن هشام ٢/ ٥٥٢: \"فيما بلغني نفرا من بني =","vol":"11","page":622},{"text":"<span id=\"aya-1326\"></span><span data-type='title' id=toc-4027>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ليس على أهلِ الزَّمانةِ وأهلِ العجزِ عن السفرِ والغزوِ، ولا على المرضى، ولا على مَن لا يَجِدُ نفقةً يَتَبَلَّغُ بها إلى مَغْزاه، حَرَجٌ: وهو الإثمُ، يقولُ: ليس عليهم إثمٌ، إذا نَصَحوا للهِ ولرسولِه في مَغِيبِهم عن الجهادِ مع رسولِ اللهِ ﷺ، ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾. يقولُ: ليس على مَن أحسَنَ، فَنَصَح للهِ (^١) ورسولِه في تَخلُّفِه عن رسولِ اللهِ ﷺ عن الجهادِ معه، لعُذْرٍ يُعْذَرُ بهِ طريقٌ يَتَطرَّقُ عليه فيُعاقَبُ مِن قِبَلِه، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: واللهُ ساترٌ على ذنوبِ المحسنين، يَتَغَمَّدُها بعَفْوِه لهم عنها، رحيمٌ بهم، أن يُعاقِبَهم عليها.\nوذُكِر أن هذه الآية نَزَلَت في عائذِ بن عمرٍو المُزَنيِّ. وقال بعضُهم: في عبدِ اللهِ بن مُغَفَّلٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4025>ذكرُ مَن قال: نَزَلَت في عائذِ بن عمرٍو</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: نَزَلَت في عائذِ بن عمرٍو (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-4026>ذكرُ مَن قال: نَزَلَت في ابن مُغَفَّلٍ</span>\n_________\n= غفار منهم خُفاف بن أَيمَاء بن رَحَضَة، ثم كانت القصة لأهل العذر، حتى انتهى إلى قوله: \"ولا على الذين إذا ما أتوك … \" الآية. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^١) في م: \"الله\".\n(^٢) بعده في ص، ف: \"وغيره\" وينظر تفسير ابن كثير ٤/ ١٣٨.","vol":"11","page":623},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ إلى قولِه: ﴿حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾. وذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ ما أمَر الناسَ أن يَنْبعِثوا غازِين معه، فجاءته عصابةٌ مِن أصحابِه، فيهم عبدُ اللهِ بنُ مُغَفَّلٍ المُزَنيُّ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، احْمِلْنا. فقال لهم رسولُ اللهِ ﷺ: \"واللهِ ما أجِدُ ما أحْمِلُكم عليه\". فتَوَلَّوا ولهم بكاءٌ، وعَزَّ (^١) عليهم أن يَجْلِسوا عن الجهادِ، ولا يَجِدون نفقةً ولا مَحْمَلًا. فلما رأى اللهُ حِرْصَهم على محبَّتِه ومحبَّةِ رسولِه، أنزَل عُذْرَهم في كتابِه، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ إلى قولِه: ﴿فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1327\"></span><span data-type='title' id=toc-4029>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولا سبيلَ أيضًا على النَّفَرِ الذين إذا ما جاءُوكَ لتَحْمِلَهم، يَسْأَلونك الحُمْلانَ؛ ليَبْلُغوا إلى مَغْزاهم الجهادِ أعداءِ اللهِ معك، يا محمدُ، قلتَ لهم: لا أجِدُ حَمُولةً أحمِلُكم عليها، ﴿تَوَلَّوْا﴾. يقولُ: أَدْبَروا عنك، ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾: وهم يَبْكُون مِن حُزْنٍ على أنهم لا يَجِدون ما يُنْفِقون، وَيَتَحَمَّلون به للجهادِ في سبيلِ اللهِ.\nوذَكَر بعضُهم أن هذه الآيةَ نَزَلَت فِي نَفَرٍ مِن مُزَيْنَةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4028>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\n_________\n(^١) في ص، ف: \"عزيز\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٧ إلى المصنف وابن مردويه، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٣٨.","vol":"11","page":624},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾. قال: هم مِن مُزَينَةَ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾. قال: هم بنو مُقَرِّنٍ (^٢) مِن مُزَينةَ (١)\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن ابن جُرَيجٍ قراءةً، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾. قال: هم بنو مُقَرِّنٍ مِن مُزَينَةَ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾. قال: هم بنو مُقَرِّنٍ مِن مُزَيْنَةَ.\nقال: ثنا أبي، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ [وغيرِه] (^٣)، عن ابن مُغَفَّلٍ (^٤) المُزَنيِّ، وكان أحدَ النفرِ الذين أُنزِلَت فيهم: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ الآية (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٦٢ من طريق ورقاء به بنحوه.\n(^٢) في ف: \"مقرون\".\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"عن غيره\"، وفى ت ١، س: \"عن غيره\" بلا نقط، وفي م: \"عن عروة\" والمثبت من المعرفة والتاريخ.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"معقل\".\n(^٥) أخرجه الفسوى في المعرفة والتاريخ ١/ ٢٥٦ وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٦٢ من طريق أبي جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٧ إلى ابن مردويه.","vol":"11","page":625},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عُيَينةَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾. قال: منهم ابن مُقَرِّنٍ.\nوقال سفيانُ: قال الناسُ: منهم عِرْباضُ بنُ ساريةَ.\nوقال آخرون: بل نَزَلَت في عِرْباضِ بن ساريةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4030>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ثَوْرِ بن يَزِيدَ، عن خالدِ بن مَعْدانَ، عن عبدِ الرحمنِ بن عمرٍو السُّلَميِّ، وحُجْرِ بن حُجْرٍ الكَلَاعِيِّ، قالا: دَخَلْنا على عِرْباضِ بن ساريةَ، وهو الذي أُنْزِل فيه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْنَ﴾ الآية (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا الوليدُ، قال: ثنا ثَوْرٌ، عن خالدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن عمرٍو، وحُجْرِ بن حُجْرٍ بنحوِه (^١).\nوقال آخرون: بل نَزَلَت في نَفَرٍ سبعةٍ مِن قبائلَ شَتَّى.\n\n<span data-type='title' id=toc-4031>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ وغيرِه، قال: جاء ناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يَسْتَحْمِلونه، فقال: \"لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُم عليه\". فأنزلَ اللهُ: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ الآية،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٦٢ من طريق الوليد بن مسلم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٨ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":626},{"text":"قال: هم سبعةُ نَفَرٍ: من بنى عمرِو بن عوفٍ سالمُ بنُ عُمَيرٍ، ومِن بنى واقِفٍ هَرَمِيُّ (^١) ابن عمرٍو، ومِن بنى مازنِ بن النَّجَّارِ عبدُ الرحمنِ بنُ كعبٍ، يُكْنَى أبا ليلى، ومن بني المُعَلَّى سَلْمانُ بنُ صَخْرٍ، ومِن بني حارثةَ [عُلْبَةُ بنُ زِيدٍ] (^٢) وهو الذي تَصَدَّق بعِرْضِه (^٣)، فقَبِلَه اللهُ منه - ومن بني سلمة عمرُو بنُ غَنَمةَ (^٤)، وعبدُ اللهِ بنُ عمرٍو المُزَنِيُّ (^٥).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ قولَه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾، إلى قولِه: ﴿حَزَنًا﴾: وهم البكَّاءُون، كانوا سبعةً. واللهُ أعلمُ (^٦).\n\n<span id=\"aya-1328\"></span><span data-type='title' id=toc-4032>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ما السبيلُ بالعقوبةِ على أهلِ العُذْرِ يا محمدُ، ولكنها على الذين يَستأذِنونك في التَّخَلُّفِ خِلافَك، وتَركِ الجهادِ معك، وهم أهلُ غنًى وقوةٍ وطاقةٍ للجهادِ والغزوِ، نِفاقًا وشكًّا في وعدِ اللهِ وَوَعِيدِه، ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾. يقولُ: رَضُوا بأن يَجْلِسوا بعدَك مع النساءِ - وهنَّ الخوالفُ خلفَ\n_________\n(^١) في النسخ: \"حرمى\"، وينظر الإصابة ٦/ ٥٦٧، وتبصير المنتبه ٤/ ١٤٥٣.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عبد الرحمن بن زيد أبو عبلة\"، ومثله في م إلا أن فيها \"يزيد\" مكان \"زيد\". والمثبت من سيرة ابن هشام ٢/ ٥١٨. وينظر أسد الغابة ٤/ ٨٠، والإصابة ٤/ ٥٤٦.\n(^٣) في ف: \"بفرضه\".\n(^٤) في ف: \"غنيمة\"، وينظر الاستيعاب ٣/ ١١٩٥.\n(^٥) في ت ١، ت ٢، س: \"المرى\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٧ إلى المصنف، وينظر أسباب النزول للواحدي ص ١٩٣.\n(^٦) سيرة ابن هشام ٢/ ٥١٨.","vol":"11","page":627},{"text":"الرجالِ في البيوتِ - ويَتْرُكوا الغزوَ معك، ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ: وخَتَمَ اللهُ على قلوبِهم بما كَسَبوا من الذنوبِ، ﴿فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ سوءَ عاقبتِهم بتَخَلُّفِهم (^١) عنك، وتَركِهم الجهادَ معك، وما عليهم من (^٢) قبيحِ الثناءِ في الدنيا وعظيمِ البَلاءِ في الآخرةِ.\n\n<span id=\"aya-1329\"></span><span data-type='title' id=toc-4033>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يعتذرُ إليكم (^٣)، أيُّها المؤمنون باللهِ، هؤلاء المُتَخلِّفون خلافَ رسولِ اللهِ ﷺ، التارِكون جهادَ المشركين معكم من المنافقين، بالأباطيلِ والكذبِ، ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ من سفرِكم وجهادِكم، ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمدُ: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾. يقولُ: لن نُصَدِّقَكم على ما تقولون، ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾. يقولُ: قد أخبَرنا اللهُ من أخبارِكم، وأعْلَمَنا من أمرِكم ما قد عَلِمْنا به كَذِبَكم، ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾. يقولُ: وسَيَرَى اللهُ ورسولُه فيما بعدُ عملَكم؛ أَتَتوبون من نفاقِكم، أم تُقيمون (^٤) عليه؟، ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. يقولُ: ثم تُرجَعون بعد مماتِكم، ﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. يعنى: الذي يعلمُ السرَّ والعلانيةَ، الذي لا يخْفَى عليه بواطنُ أمورِكم وظواهرُها، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فيُخْبِرُكم بأعمالِكم\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بخلفهم\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ف: \"إليك\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"تعلمون\".","vol":"11","page":628},{"text":"كلَّها؛ سيِّئِها وحَسَنِها، فيُجازِيكم بها؛ الحسنَ منها بالحسنِ، والسيِّئَ منها بالسيِّئِ.\n\n<span id=\"aya-1330\"></span><span data-type='title' id=toc-4034>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: سَيحلِفُ، أَيُّها المؤمنون باللهِ، لكم هؤلاء المنافقون الذين فَرِحوا بمَقْعدِهم خلافَ رسولِ اللهِ، ﴿انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾. يعني: إذا انصَرَفْتم إليهم من غزوِكم؛ ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾، فلا تُؤَنِّبُوهم، ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه للمؤمنين: فدَعُوا تأْنيبَهم، وخَلُّوهم وما اختاروا لأنفسِهم من الكفرِ والنفاقِ، ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ: إنهم نَجَسٌ، ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ: ومصيرُهم إلى جهنمَ، وهى مسكنُهم الذي يَأوُونه في الآخرةِ، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. يقولُ: ثوابًا بأعمالِهم التي كانوا يَعْمَلُونها في الدنيا من معاصى اللهِ.\nوذُكِر أن هذه الآيةَ نَزَلت في رجلين من المنافقين قالا ما حدَّثنا به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال ثنى عمي، قال ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا﴾ إلى ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ قيل له: ألا تَغزو بنى الأصفرِ؛ لعلك أن تُصيبَ بنتَ عظيمِ الرومِ، فإنهم حسانٌ. فقال رجلان: قد عَلِمتَ يا رسولَ اللهِ أن النساءَ فتنةٌ، فلا تَفْتِنَّا بهنَّ، فأْذَنْ لنا. فأذِن لهما. فلما انطلقَا قال أحدُهما: إن هو إلا شَحْمةٌ لأوَّلِ آكلٍ. فسارَ رسولُ اللهِ ﷺ، ولم يَنزِلْ عليه في ذلك شيءٌ. فلما كان ببعضِ الطريقِ، نَزَلَ عليه وهو على بعضِ المياهِ: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا","vol":"11","page":629},{"text":"قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾، ونَزَلَ عليه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾، ونَزَلَ عليه: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ونَزَلَ عليه: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فسمِع ذلك رجلٌ ممن غزا مع النبيِّ ﷺ، فأتاهم وهم خلفَهم، فقال تَعلَمون أن قد نَزَلَ على رسولِ اللهِ ﷺ بعدَكم قرآنٌ. قالوا: ما الذي سَمِعتَ؟ قال: ما أدرى، غيرَ أني سمِعتُ أنه يقولُ: إنهم رِجْسٌ. فقال رجلٌ يُدْعَى مَخْشيًّا (^١): واللهِ، لوَدِدتُ أنى أُجلَدُ مائةَ جلدةٍ وأنى لستُ معكم. فأتى رسولَ اللهِ ﷺ فقال: \"ما جاء بك؟ \". فقال: وَجْهُ رسولِ الله ﷺ تَسْفَعُه الريحُ، وأنا في الكِنِّ (^٢). فأنزلَ اللهُ تعالى عليه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾، ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾، ونزَلَ عليه في الرجلِ الذي قال: لوَدِدتُ أنى أُجلَدُ مائةَ جلدةٍ. قولُ اللهِ تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾، فقال رجلٌ مع رسولِ اللهِ: لئن كان هؤلاء كما يقولون ما فينا خيرٌ. فبَلَغ ذلك رسولَ اللهِ ﷺ، فقال له: \"أنت صاحبُ الكلمةِ التي سمِعتُ؟ \". فقال: لا والذي أنزَلَ عليك الكتابَ. فأنزلَ اللهُ فيه: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾، وأنزَل فيه: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرَني يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرَني عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بن كعبِ بن مالكٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ كعبٍ قال: سمِعتُ كعبَ بنَ مالكٍ يقولُ: لمَّا قَدِمَ رسولُ اللهِ ﷺ من تبوكَ، جَلَسَ\n_________\n(^١) في ص، ف: \"مخشي\"، وفى م: \"مغشيا\".\n(^٢) الكن: كل ما يرد الحر والبرد من الأبنية والغيران ونحوها: الوسيط (ك ن ن).\n(^٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٦ إلى قوله: \"جزاء بما كانوا يكسبون\"، وعزاه إلى المصنف.","vol":"11","page":630},{"text":"للناس. فلما فَعَل ذلك، جاءه المُخَلَّفون فَطَفِقوا يَعْتَذِرون إليه، ويحلِفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا، فقَبِلَ منهم رسولُ اللهِ ﷺ علانيتَهم، وبايعَهم واستَغفَر لهم ووَكَل سرائرَهم إلى اللهِ، وصَدَقْتُه حديثي. فقال كعبٌ: واللهِ ما أنعَم اللهُ عليَّ من نعمةٍ قطُّ، بعدَ أن هدَاني للإسلامِ، أعظمَ في نفسي (^١) من صِدقِ رسولِ اللهِ ﷺ أن لا أكون كَذَبَتهُ، فَأَهْلِكَ كما هَلَك الذين كَذَبوا، إن الله قال للذين كَذَبوا حينَ أنزل الوحْيَ شرَّ (^٢) ما قال لأحدٍ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1331\"></span><span data-type='title' id=toc-4035>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يَحْلِفُ لكم، أيُّها المؤمنون باللهِ، هؤلاء المنافِقون؛ اعتذارًا بالباطلِ والكذِب؛ ﴿لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. يقولُ: فإن أنتم، أيّها المؤمنون، رَضِيتم عنهم وقبِلتم مَعذرتَهم، إذ كنتم لا تَعلَمون صِدقَهم من كذبِهم، فإن رضاكم عنهم غيرُ نافعِهم عندَ اللهِ؛ لأن الله يَعْلَمُ من سرائرِ أمرِهم ما لا تَعْلَمون، ومن خَفِيِّ اعتقادِهم ما تَجْهَلون، وأنهم على الكفرِ باللهِ [مقيمون. وقوله: (الفاسقين)] (^٤) يعنى: أنهم الخارجون من الإيمانِ إلى الكفرِ باللهِ، ومن الطاعةِ إلى المعصيةِ.\n_________\n(^١) في م: \"نفسك\".\n(^٢) سقط من النسخ، والمثبت من صحيح مسلم.\n(^٣) أخرجه البخارى (٤٦٧٦، ٦٦٩٠)، ومسلم (٢٧٦٩)، وأبو داود (٢٢٠٢، ٣٣١٧، ٢٧٧٣، ٤٦٠٠)، والنسائي (٧٣٠، ٣٨٣٣)، والطبراني ١٩/ ٥٦ (٩٦، ٩٧) من طريق ابن وهب به، وأخرجه أحمد ٢٥/ ٦٦ (١٥٧٨٩)، والبخارى (٣٨٨٩، ٤٦٧٧) وغيرهما من طريق الزهرى به.\n(^٤) ليست في النسخ وهى زيادة يقتضيها السياق.","vol":"11","page":631},{"text":"<span id=\"aya-1332\"></span><span data-type='title' id=toc-4036>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: الأعرابُ أشدُّ جُحودًا لتوحيدِ اللهِ، وأشدُّ نفاقًا من أهلِ الحَضَرِ في القرى والأمصارِ. وإنما وصفَهم، جل ثناؤه، بذلك لجفائِهم وقسوةِ قلوبِهم، وقلةِ مُشاهدتِهم لأهلِ الخيرِ، فهم (^١) لذلك أقْسَى قلوبًا، وأقلُّ علمًا بحقوقِ اللهِ.\nوقولهُ: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾. يقولُ: وأَخلَقُ أن لا يَعلَموا حدودَ ما أنزلَ اللهُ على رسولِه، وذلك فيما قال قتادةُ: السُّنَنُ.\nحدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾. قال: هم أقلُّ عِلمًا بالسُّننِ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَغراءَ (^٣)، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: جَلَسَ أعرابيٌّ إلى زيدِ بن صُوحانَ وهو يُحدِّثُ أصحابَه - وكانت يدُه قد أُصيبت يومَ نهاوندَ - فقال: واللهِ إن حديثَك ليُعجِبُني، وإن يدَك لتُريبُني. فقال زيدٌ: وما يُريبُك من يدى؟ إنها الشَّمالُ. فقال الأعرابيُّ: واللهِ ما أدرى، اليمينَ يَقطعون أمِ الشمالَ؟ فقال زيدُ بنُ صُوحانَ: صَدَقَ اللهُ: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"فهى\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٦٦ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٨ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في م: \"مقرن\". وينظر تهذيب الكمال ١٧/ ٤١٨.\n(^٤) أخرجه ابن سعد ٦/ ١٢٣ - ومن طريقة ابن عساكر ١٩/ ٤٣٧ - وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٦٦ من طريق الأعمش به.","vol":"11","page":632},{"text":"وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمن يعلمُ حدودَ ما أنزل على رسولِه، والمنافقِ من خلقِه، والكافرِ منهم، لا يخفَى عليه منهم أحدٌ، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره إيَّاهم، و(^١) في حلمه عن عقابهم مع علمه بسرائرهم وخِداعِهم أولياءَه.\n\n<span id=\"aya-1333\"></span><span data-type='title' id=toc-4038>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومن الأعرابِ مَن يَعُدُّ نفقتَه التي يُنفقُها في جهادِ مُشركٍ، أو في معونةِ مسلمٍ، أو في بعضِ ما نَدَبَ اللهُ إليه عبادَه ﴿مَغْرَمًا﴾. يَعْنى: غُرمًا لَزِمه لا يرجو له ثوابًا، ولا يَدفعُ به عن نفسِه عقابًا، ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾. يقولُ: ويَنْتَظِرون بكم الدوائرَ أن تدورَ بها الأيامُ والليالى إلى مكروهٍ، ونَفْى (^٢) محبوبٍ، وغلبةِ عدوٍّ لكم. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾. يقولُ: جَعَلَ اللهُ دائرةَ السَّوْءِ عليهم ونزولَ المكروهِ بهم، لا عليكم أيُّها المؤمنون ولا بكم، ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لدعاءِ الداعين، ﴿عَلِيمٌ﴾ بتَدْبِيرِهم وما هو بهم نازلٌ من عقابِ اللهِ، وما هم إليه صائرون من أليمِ عقابِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4037>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾. قال: هؤلاء المنافقون\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"مجيء\".","vol":"11","page":633},{"text":"من الأعرابِ، الذين إنما يُنفقون رياءً اتِّقاءَ (^١) أن يُغزَوا أو يُحارَبوا أو يُقاتَلُوا، ويَرَون نفقتهم مَغْرمًا، ألا تراه يقولُ: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ (^٢).\nواخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقَرَأه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بفتحِ السين، بمعنى النعتِ للدائرةِ، وإن كانت الدائرةُ مضافةً إليه، كقولِهم: هو رجلُ السَّوءِ، وامرؤُ الصدقِ. كأنه إذا فُتح، مصدرٌ، من قولِهم: سُؤتُه أَسْوءُه سَوءًا ومَساءَةً ومَسائيَةً. وقرأ ذلك بعضُ أهل الحجازِ وبعضُ البَصْريِّين: (عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السُّوءِ) بضمِّ السينِ (^٣)، كأنه جَعَله اسمًا، كما يقالُ: عليه دائرةُ البلاءِ والعذابِ. ومن قال: (عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السُّوْءِ) فضَمَّ، لم يقلْ: هذا رجلُ السُّوءِ، بالضمِّ، والرجلُ السُّوءُ. وقال الشاعرُ (^٤):\nوكنتَ كَذِئبِ السَّوءِ لمَّا رأَى دَمًا … بصاحبِه يومًا أحال على الدَّمِ (^٥)\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا بفتحِ السينِ (^٦) بمعنى: عليهم الدائرةُ التي تسُوءُهم سَوءًا، كما يقالُ: هو رجلٌ صِدقٌ. على وجهِ النعتِ.\n\n<span id=\"aya-1334\"></span><span data-type='title' id=toc-4039>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ف: \"إبقاء على\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، س: \"إنعاء على\". غير منقوطة عدا \"س\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٦٦ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٣) قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بفتح السين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم السين. التيسير في القراءات السبع ص ٩٧، والكشف عن وجوه القراءات ١/ ٥٠٥.\n(^٤) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ص ٧٤٩، وفى اللسان (س وأ).\n(^٥) أحال الذئب على الدم: أقبل عليه. اللسان (ح ول). قال الجاحظ: فإنها - أي الذئاب - قد تتهارش على الفريسة، ولا تبلغ القتل، فإذا أدمى بعضها بعضا وَثَبت عليه فمزقته وقتلته … اهـ ثم أورد البيت. الحيوان ٦/ ٢٩٨.\n(^٦) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"11","page":634},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ومن الأعرابِ من يُصدِّقُ الله، ويُقِرُّ بوحدانيتِه وبالبعثِ بعدَ الموتِ، والثوابِ والعقابِ، وينوِى ما (^١) يُنفِقُ من نفقةٍ في جهادِ المشركين، وفي سفرِه مع رسولِ اللهِ ﷺ ﴿قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾، والقرباتُ جمعُ قُربةٍ، وهو ما قَرَّبَه من رضا اللهِ ومحبتِه، ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾. يعنى بذلك: ويبتغى بنفقةِ ما يُنفقُ، مع طلبِ قربتِه من اللهِ، دعاءَ الرسولِ واستغفارَه له.\nوقد دلَّلنا فيما مضى من كتابِنا، على أن من معاني الصلاةِ الدعاءَ، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4040>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾. يعني: استغفارَ النبيِّ ﵊ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾. قال: دعاءَ الرسولِ. قال: هذه ثَنِيَّةُ اللهِ من الأعرابِ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن\n_________\n(^١) في م: \"بما\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٤٨.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٦٧ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٩ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٤) الثَنيَّة: ما استثنى. اللسان ث ن ي.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٦٧ من طريق يزيد به مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"11","page":635},{"text":"مُجَاهِدٍ قولَه: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال: هم بنو مُقَرِّنٍ، من مُزينةَ، وهم الذين قال اللهُ فيهم: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التوبة: ٩٢]. قال: هم بنو مُقرِّنٍ، من مُزَينةَ (^١).\nقال: ثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: قولُه: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾، ثم استثنى فقال: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا جعفرٌ، عن البَخْتريِّ بن المختارِ العبديِّ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ (^٣) بنَ معقلٍ (^٤) قال: كُنَّا عشَرةً ولدَ مُقرِّنٍ، فنزلت فينا: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٥).\nقال اللهُ: ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألا إن صلواتِ الرسولِ قربةٌ لهم من اللهِ. وقد يَحتَمِلُ أن يكونَ معناه: ألا إن نفقتَه التي يُنفِقُها كذلك قربةٌ لهم عندَ اللهِ. ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. يقولُ: سيُدخِلُهم اللهُ في من رَحِمه، فأدخلَه برحمتِه الجنةَ، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لما اجتَرموا، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم مع توبتِهم وإصلاحِهم أن يُعذِّبَهم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٦٧ من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٩ إلى سنيد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٦٦ من طريق حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(^٣) في ف: \"الرحمن\".\n(^٤) في ف، م: \"مغفل\". وينظر تهذيب الكمال ١٧/ ٤١٧.\n(^٥) ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب ٦٢٧٣، والإصابة ٥/ ٢٤٥ عن المصنف.","vol":"11","page":636},{"text":"<span id=\"aya-1335\"></span><span data-type='title' id=toc-4042>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: والذين سَبَقوا الناسَ أَوَّلًا إلى الإيمان باللهِ ورسولِه ﴿مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الذين هاجروا قومَهم وعشيرتَهم، وفارَقوا منازلَهم وأوطانَهم، ﴿وَالْأَنْصَار﴾ الذين نصَروا رسولَ اللهِ ﷺ على أعدائِه من أهلِ الكفرِ باللهِ ورسولِه، ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾. يقولُ: والذين سَلَكوا سبيلَهم في الإيمانِ بالله ورسولِه، والهجرةِ من دارِ الحربِ إلى دارِ الإسلامِ؛ طلبَ رضا اللهِ، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.\nواختلَفَ أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: هم الذين بايَعوا رسولَ اللهِ ﷺ بيعةَ الرُّضوانِ، أو أَدْرَكوا.\n\n<span data-type='title' id=toc-4041>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾. قال: من أدرك بيعةَ الرُّضوانِ.\nقال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن مُطرِّفٍ، عن عامرٍ، قال: المُهاجِرون الأوَّلون: مَن أدرَك البيعةَ تحتَ الشجرةِ (^١).\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٣٣ - تفسير)، وابن أبي شيبة في مصنفه ١٤/ ١١١ من طريق مطرف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٠ إلى ابن المنذر وابن مردويه وأبى الشيخ وأبي نعيم في المعرفة.","vol":"11","page":637},{"text":"الشعبيِّ، قال: المُهاجِرون الأوّلون (^١): الذين شَهِدوا بيعةَ الرُّضوانِ (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن مُطرِّفٍ، عن الشعبيِّ، قال: المهاجرون الأوَّلون: من كان قبلَ البيعةِ إلى البيعةِ فهم المُهاجِرون الأوَّلون، ومن كان بعدَ البيعةِ فليس من المهاجرين الأوَّلين.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (^٣)، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ ومُطرِّفٌ، عن الشعبيِّ، قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾: هم الذين بايَعوا بيعةَ الرضوانِ.\nحدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن داودَ، عن عامرٍ، قال: فَصلُ ما بينَ الهجرتَين بيعةُ الرضوانِ، وهى بيعةُ الحُديبِيَةِ.\nحدَّثني المُثنَّى، قال: أخبَرنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، قال: أخبَرَنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ ومُطرِّفٌ، عن الشعبيِّ، قال: هم الذين بايَعوا بيعةَ الرضوانِ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عبْثَرٌ أبو زُبيدٍ، عن مُطَرِّفٍ، عن الشعبيِّ، قال: المهاجرون الأوَّلون: من أدرَك بيعةَ الرضوانِ.\nوقال آخرون: بل هم الذين صَلَّوا القبلتين مع رسولِ الله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4043>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن قيسٍ، عن عثمانَ الثَّقَفيِّ، عن\n_________\n(^١) بعده في ف: \"إلى البيعة فهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٦٨ من طريق يحيى به.\n(^٣) بعده في ف: \"قال: حدَّثني حجاج\".","vol":"11","page":638},{"text":"مولًى لأبي موسى، عن أبي موسى، قال: المهاجرون الأوّلون: من صلَّى القبلتين مع النبيِّ ﷺ (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيعِ، عن عثمانَ بن المغيرةِ، عن أبي زُرعةَ بن عمروِ بن جريرٍ، عن مولًى لأبي موسى، قال: سألتُ أبا موسى الأشعريَّ عن قولِه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾. قال: هُم الَّذين صَلَّوا القبلتينِ جميعًا.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أَبى، عن أبي هِلالٍ، عن قتادةَ، قال: قلتُ لسعيدِ بن المسيَّبِ: لمَ سُمُّوا المهاجرين الأوَّلين؟ قال: من صلَّى مع النبيِّ ﷺ القبلتين جميعًا، فهو من المهاجرين الأوّلين.\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابن أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: المهاجرون الأوَّلون الذين صَلَّوا القبلتَين (^٢).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ قولَه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾. قال: هم الذين صَلَّوا القبلتَين جميعًا.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثنَّى، قال: ثنا عباسُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ مثلَه.\nحدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، عن بعضِ أصحابِه، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، وعن أشْعثَ، عن ابن سيرينَ في قولِه:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٦٨ من طريق قيس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٩ إلى أبى الشيخ وأبي نعيم في المعرفة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٦٨ من طريق ابن أبي عروبة به، وزاد: وهم أهل بدر.","vol":"11","page":639},{"text":"﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾. قال: هم الذين صَلَّوا القبلتين (^١).\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا ابن عَونٍ، عن محمدٍ، قال: المهاجرون الأوّلون: الذين صلَّوا القبلتين.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾. قال: هم الذين صلَّوا القبلتين جميعًا (^٢).\nوأمَّا الذين اتَّبَعوا المهاجرين الأوَّلين والأنصارَ بإحسانٍ، فهم الذين أسلَموا للهِ إسلامَهم، وسَلَكوا منهاجَهم في الهجرةِ والنُّصرةِ وأعمالِ الخيرِ؛ كما حدَّثنا أحمدُ بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال ثنا أبو معشرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ، قال: مرَّ عمرُ برجلٍ وهو يقرأُ هذه الآيةَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: من أقرَأك هذه الآيةَ؟ قال: أَقْرَأَنِيها أبيُّ بنُ كعبٍ. قال: لا تُفارِقْنى حتى أَذْهَبَ بك إليه. فأتاه فقال: أنتَ أَقْرَأْتَ هذا هذه الآيةَ؟ قال: نعم. قال: وسَمِعتَها من رسولِ اللهِ ﷺ؟ قال: [نعم. قال] (^٣): لقد كنتُ أُرانا رَفَعْنَا رِفْعَةً لا يبلُغُها أحدٌ بعدَنا. قال أبيٌّ (^٤): تصديقُ ذلك في (^٥) الآيةِ التي في أوَّلِ \"الجمعةِ\"، وأوسطِ (^٦) \"الحشرِ\"، وآخرِ \"الأنفال\"؛ أما أوَّلُ \"الجمعةِ\" ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٦٨ عن ابن سيرين معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٩ إلى ابن المنذر وأبي نعيم في المعرفة.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٨٥.\n(^٣) سقط من النسخ. وإثباتها يقتضيه السياق. والمثبت من مصدرى التخريج ٤/ ١٤٢.\n(^٤) في النسخ: \"و\". والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٥) بعده في النسخ: \"أول\" وهو تكرار.\n(^٦) سقط من: س. وفى ص، ت ١، ت ٢: \"أول\".","vol":"11","page":640},{"text":"يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣]، وأوسطُ \"الحشر\" ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، وأما آخِرُ \"الأنفال\" ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥] (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا أبو مَعشرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرظيِّ، قال: مرَّ عمرُ بنُ الخطابِ برجلٍ يقرأُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾. حتى بَلَغ: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾. قال: وأخَذ عمرُ بيدِه فقال: من أقرَأكَ هذا؟ قال: أبيُّ بن كعبٍ. فقال: لا تُفارِقْنى حتى أَذْهَبَ بك إليه. فلما جاءَه، قال عمرُ: أنتَ أقرأتَ هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم. قال: أنتَ سَمِعتَها من رسولِ اللهِ ﷺ؟ قال: نَعَمْ. قال: لقد كنتُ أَظُنُّ أنَّا رَفُعْنَا رِفْعَةً لا يَبْلُغُها أحدٌ بعدنا. فقال أبيُّ: بلى، تصديقُ هذه الآيةِ في أوّلِ سورةِ \"الجمعةِ\": ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ إلى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وفى سورة \"الحشرِ\": ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، وفى \"الأنفال\": ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.\nورُوى عن عمرَ في ذلك ما حدَّثني به أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن هارونَ، عن حبيبِ بن الشهيدِ، وعن ابن عامرٍ الأنصاريِّ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قرَأَ: (والسَّابِقُونَ الأوَّلُون مِن المُهاجِرِين والأنصارُ (^٢) الَّذِين اتَّبِعُوهُم بإحْسانٍ). فرفع الأنصارَ، ولم يُلحِقِ \"الواوَ\" في (الذين)، فقال له زيدُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٤٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٩ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٢) بعده في ص، ف: \"و\".","vol":"11","page":641},{"text":"ابن ثابتٍ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾. فقال عمرُ: (الَّذين اتَّبعوهُم بإحْسانٍ). فقال زيدٌ: أميرُ المؤمنين أعلمُ. فقال عمرُ: ائتُونى بأبيِّ بن كعبٍ. فأتاه فسأله عن ذلك، فقال أبيٌّ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾. فقال عمرُ: إذن نُتابعُ أبَيًّا (^١).\nوالقراءةُ على خفضِ الأنصار عطفا بهم على المهاجرين.\nوقد ذكر عن الحسن البصرى أنه كان يقرأُ: (الأنصارُ) بالرفعِ. عطفًا بهم على السابقين (^٢).\nوالقراءة التي لا أستجيزُ غيرَها، الخفضُ في ﴿الْأَنْصَارِ﴾ (^٣)؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، وأن السابقَ كان من الفريقين جميعًا من المهاجرين والأنصارٍ، وإنما قَصَدَ الخبرَ عن السابقِ من الفريقين، دونَ الخبرِ عن الجميعِ، وإلحاقُ \"الواوِ\" في ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾؛ لأن ذلك كذلك في مصاحفِ المسلمين جميعًا، على أن التابعين بإحسانٍ غيرُ المهاجرين والأنصارِ، وأما (السَّابقون) فإنهم مرفوعون بالعائدِ من ذكرِهم في قولِه: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.\nومعنى الكلامِ: رَضِيَ اللهُ عن جميعِهم لَمَّا أطاعوه، وأجابوا نبيَّه إلى ما دَعاهم إليه من أمرِه ونهيِه، ورَضِيَ عنه السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصارِ، والذين اتَّبَعوهم بإحسانٍ، لَمَّا أجزَلَ لهم من الثوابِ على طاعتِهم إياه، وإيمانِهم به وبنبيِّه ﷺ ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ يَدْخُلُونها، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: لابثين فيها ﴿أَبَدًا﴾: لا يموتون فيها، ولا يَخْرجون منها ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\n_________\n(^١) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٧٣ عن حجاج، وأخرجه ابن مردويه في تفسيره - كما في تخريج أحاديث الكشاف ٢/ ٩٦ - من طريق حبيب بن الشهيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٩ إلى سنيد وابن المنذر.\n(^٢) وهي قراءة يعقوب الحضرمي أحد القراء العشرة. ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ١٤٧.\n(^٣) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"11","page":642},{"text":"<span id=\"aya-1336\"></span><span data-type='title' id=toc-4044>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾</span>\nيَقولُ تعالى ذكرُه: ومِن القومِ الذين حولَ مدينتِكم مِن الأعرابِ منافقون، ومِن أهلِ مدينتِكم أيضًا أمثالُهم أقوامٌ منافقون.\nوقوله: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾. يقولُ: مَرَنُوا عليه ودَرِبُوا (^١) به، ومنه: شيطانٌ مارِدٌ، ومريدٌ. وهو الخبيثُ العاتِي. ومنه قيل: تمرَّدَ فلانٌ على ربِّه. أي: عَتَا،، ومَرَنَ (^٢) على معصيتِه واعتادَها.\nوقال ابن زيدٍ في ذلك، ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾. قال: أقاموا عليه، لم يتوبوا كما تابَ الآخرون (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾. أي: لَجُّوا فيه وأبَوْا غيرَه (^٤).\n﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾. يقول لنبيِّه محمدٍ ﷺ: لا تعلمُ يا محمدُ أنت هؤلاء المنافِقين الذين وَصَفتُ لك صفتَهم ممن حولَكم من الأعرابِ ومن أهلِ المدينةِ، ولكنَّا نحن نعلمُهم، كما حدَّثنا الحسنُ، قال أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ\n_________\n(^١) في ف: \"قدموا\".\n(^٢) في م: \"مرد\"\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٦٩ من طريق أصبغ عن ابن زيد وفيه: آخرون. بدون الألف واللام.\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٥٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٦٩ من طريق سلمة به.","vol":"11","page":643},{"text":"في قولِه: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ إلى قولِه: ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾، قال: فما بالُ أقوامٍ يَتكلَّفون علمَ الناسِ؟ فلانٌ في الجنةِ، وفلانٌ في النارِ. فإذا سألتَ أحدهم عن نفسِه قال: لا أدرى. لَعَمْرِى أَنتَ بنفسِك أعلمُ منك بأعمالِ الناسِ، ولقد تكَلَّفْتَ شيئًا ما تَكلَّفَتْه الأنبياء قبلَك، قال نبيُّ اللهِ نوحٌ ﵇: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١٢]. وقال نبيُّ اللهِ شعيبٌ ﵇: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [هود: ٨٦]. وقال اللهُ لنبيِّه ﵇: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ (^١).\nوقولُه: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾. يقولُ: سنعذِّبُ هؤلاء المنافقين مرَّتين؛ إحداهما في الدنيا، والأخرى في القبرِ.\nثم اختلَفَ أهلُ التأويلِ في التي في الدنيا، ما هي؟ فقال بعضُهم: هي فضيحتُهم، فَضَحَهم اللهُ بكشفِ أمورِهم وتَبيينِ سرائرِهم للناسِ على لسانِ رسولِه ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4045>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسينُ بنُ عمرٍو العَنقَزِيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾. قال: قامَ رسولُ اللهِ ﷺ خطيبًا يومَ الجمعةِ، فقال: \"اخرُج يا فلانُ، فإنك مُنافقٌ، اخرُج يا فلانُ فإنك مُنافقٌ\". فأخرَجَ من المسجدِ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٨٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٠ عن الحسن بن يحيى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"11","page":644},{"text":"ناسًا منهم فَضَحَهم (^١)، فلَقِيَهم عمرُ وهم يَخرُجون من المسجدِ، فاختبأ منهم؛ حياءً أنه لم يَشْهَدِ الجمعةَ، وظنَّ أن الناسَ قد انصَرَفوا، واختَبَئوا هم من عمرَ، ظنُّوا أنه قد عَلِمَ بأمرِهم، فجاء عمرُ فدخَلَ المسجدَ، فإذا الناسُ لم يُصلُّوا، فقال له رجلٌ من المسلمين: أَبْشِرْ يا عمرُ، فقد فضَحَ اللهُ المنافقين اليومَ. فهذا العذابُ الأوَّلُ، حينَ أخرَجَهم من المسجدِ، والعذابُ الثاني عذابُ القبرِ (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَخطُبُ، فيذكرُ المنافقين فيُعذِّبُهم بلسانِه. قال: وعذابُ القبرِ (^٣).\n[وقال آخرون: هي ما يُصِيبُ الإنسانَ من الخوفِ والجوعِ والقتلِ والسِّباءِ وغيرِ ذلك، وعذابُ القبرِ] (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-4046>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: القتلُ والسِّباءُ (^٥).\n_________\n(^١) بعده في مصادر التخريج: \"ولم يكن عمر شهد تلك الجمعة لحاجة كانت له\".\n(^٢) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٢/ ٩٧ عن المصنف، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٧٩٢)، وابن مردويه - كما في تخريج أحاديث الكشاف ٢/ ٩٧ - من طريق الحسين به. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٣٤: وفيه الحسين بن عمرو بن محمد العنقزى وهو ضعيف. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٠ من طريق عمرو العنقزى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧١ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٢ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) ليست في النسخ. وهى زيادة يقتضيها السياق.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧١ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٦ عن معمر به.","vol":"11","page":645},{"text":"حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ بالجوعِ وعذابِ القبرِ. قال: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ يومَ القيامةِ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ والقاسمُ ويحيى بنُ آدمَ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: الجوعُ والقتلُ. [وقال يحيى: الخوفُ والقتلُ] (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: بالجوعِ والقتلِ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: بالجوعِ وعذابِ القبرِ (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: الجوعُ والقتلُ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: سنُعذِّبُهم عذابًا في الدنيا، وعذابًا في الآخرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4047>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\n(^٥) حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٤٤.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٠ من طريق ابن يمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧١ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧١ من طريق يحيى بن يمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٥) بداية الجزء الحادي والثلاثين من نسخة جامعة القرويين ويرمز لها بـ (الأصل).","vol":"11","page":646},{"text":"﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾: عذابَ الدنيا (^١)، وعذابَ القبرِ، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ أسَرَّ إلى حُذَيفةَ باثني عشَرَ رجلًا من المنافقين، فقال: \"ستةٌ منهم تكْفِيكهم الدُّبَيلةُ (^٢)؛ سراجٌ من نارِ جهنمَ، يأْخُذُ في كَتِفِ أحدِهم، حتى يُفضِىَ إلى صدرِه، وستةٌ يموتون موتًا\". ذُكِر لنا أن عمرَ بنَ الخطابِ، كان إذا مات رجلٌ (^٣) يَرَى أنه منهم، نَظَرَ إلى حذيفةَ، فإن صَلَّى عليه صَلَّى عليه، وإلا تَرَكَه. وذُكِر لنا أن عمرَ قال لحُذَيفةَ: أَنْشُدُك باللهِ أمنهم أنا؟ قال: لا واللهِ، ولا أُؤَمِّنُ منها أحدًا بعدَك (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: عذابُ الدنيا وعذابُ القبرِ (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ ومحمدُ بنُ المثنى (^٦)، قالا: ثنا بَدَلُ بنُ المحبَّر، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: عذابًا في الدنيا وعذابًا في القبرِ (^٧).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: عذابُ الدنيا وعذابُ القبرِ، ثم يُرَدُّون إلى عذابِ النارِ (^٨).\n_________\n(^١) في الأصل: \"النار\".\n(^٢) الدبيلة: خُرَاج ودمل كبير تظهر في الجوف فتقتل صاحبها غالبا. النهاية ٢/ ٩٩.\n(^٣) بعده في الأصل: \"ومنهم ممن\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٤٤ عن سعيد به.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٦ عن معمر به.\n(^٦) في ص، ف، م: \"العلاء\". وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٢٨.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٠، والبيهقى في عذاب القبر ص ٦٦ (٦٣) من طريق شعبة به بلفظ: عذاب في القبر وعذاب في النار. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧١ إلى أبى الشيخ.\n(^٨) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٤٤.","vol":"11","page":647},{"text":"وقال آخرون: بل (^١) كان عذابُهم إحدى المرَّتين، مَصائبهم في أموالِهم وأولادِهم، والمرّةَ الأخرى [في الآخرةِ] (^٢) في جهنمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4048>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: أما عذابٌ في الدنيا فالأموالُ والأولادُ. وقَرَأ قولَ اللهِ: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٨٥]. بالمصائبِ فيهم، هي لهم عذابٌ، وهى للمؤمنين أجرٌ. قال: وعذابٌ في الآخرةِ في النارِ، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾. قال: النارُ (^٣).\nوقال آخرون: بل إحدى المرَّتين الحدودُ، والأخرى عذابُ القبرِ. ذُكِر ذلك عن ابن عباسٍ من وجهٍ غيرِ مُرَتَضًى (^٤).\nوقال آخرون: بل إحدى المرَّتين أخذُ الزكاةِ من أموالِهم، والأخرى عذابُ القبرِ. ذُكر ذلك عن سليمانَ بن أرقمَ، عن الحسنِ (^٥).\nوقال آخرون: بل إحدى المرتين عذابهم بما يَدخُلُ عليهم من الغيظِ في أمرِ الإسلامِ.\n_________\n(^١) ليست في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) ليست في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨١٣، ١٨٧١ من طريق أصبغ عن ابن زيد به، إلى قوله: وهى للمؤمنين أجر، وقد تقدم بعضه في ص ٥٠١.\n(^٤) في م: \"مرضى\" وينظر تفسير البغوي ٤/ ٨٩.\n(^٥) ينظر التبيان ٥/ ٢٨٩، وما تقدم في ص ٥٠١.","vol":"11","page":648},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4049>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: العذابُ الذي وَعَدهم مرَّتين فيما بَلَغنى عنهم، ما هم فيه من أمرِ الإسلامِ، وما يَدْخُلُ عليهم من غَيظِ ذلك على غيرِ حسبةٍ، ثم عذابُهم في القبورِ (^١) إذا صاروا إليها (^٢)، ثم العذابُ العظيمُ الذي يُرَدُّون إليه؛ عذابُ الآخرةِ والخلدُ (^٣) فيه (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندى أن يقالَ: إن الله ﷿ أخبرَ أنه يُعذِّبُ هؤلاء المنافقين (^٥) الذين مَرَدوا على النفاقِ مرَّتين، ولم يَضَعْ لنا دليلًا يوصَلُ (^٦) به إلى علمِ صفةِ ذَينِك العذابين، وجائزٌ أن يكونَ بعضُ ما ذَكَرنا عن القائلين ما أُنبِئنا عنهم، وليس عندَنا علمٌ بأيِّ ذلك من أيٍّ (^٧)، غيرَ (^٨) أن في قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾. دلالةً على أن العذابَ في المرَّتين كلتيهما قبلَ دخولِهم النارَ، والأغلبُ من إحدى المرَّتين أنها (^٩) في القبرِ. وقولُه: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾. يقولُ: ثم يُرَدُّ هؤلاء المُنافقون بعدَ تعذيبِ اللهِ إياهم مرَّتين إلى عذابٍ عظيمٍ، وذلك عذابُ جهنمَ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"القبر\".\n(^٢) في م: \"إليه\".\n(^٣) في م: \"يخلدون\".\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٥٣، ٥٥٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧١ من طريق سلمة بنحوه، مقتصرا على قوله: العذاب العظيم .....\n(^٥) ليست في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٦) في م: \"نتوصل\".\n(^٧) في م: \"بأى\".\n(^٨) في م: \"علي\"، وفى ف: \"عن\".\n(^٩) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أنهما\".","vol":"11","page":649},{"text":"<span id=\"aya-1337\"></span><span data-type='title' id=toc-4050>القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومن أهلِ المدينةِ مُنافقون مَرَدُوا على النفاقِ، ومنهم آخرون ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾، يقولُ: أقَرُّوا بذنوبِهم، ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾. يعنى جلّ ثناؤه بالعملِ الصالحِ الذي خَلَطوه بالعملِ السَّيِّئِ: اعتِرَافهم بذنوبِهم، وتوبتَهم منها، والآخرُ السَّيِّئُ هو تَخَلُّفُهم عن رسولِ اللهِ ﷺ حينَ خَرَج محارِبًا (^١)، وتَركُهم الجهادَ مع المسلمين.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾. وإنما الكلامُ: خَلَطُوا عملًا صالحًا بآخرَ سَيِّئٍ؟ قيل: قد اختَلَف أهلُ العربيةِ في ذلك؛ فكان بعضُ نَحوييِّ البصرةِ يقولُ: قيل ذلك كذلك، وجائزٌ في العربيةِ أن يكونَ بآخرَ (^٢)، كما تقولُ: استَوى الماءُ والخشبةُ. أي: بالخشبةِ، وخَلَطتُ الماءَ واللبنِ. [أي: باللبنِ. وقال بعضُ نحوييِّ الكوفةِ: ذلك نظيرُ قولِ القائلِ: خلَطتُ الماءَ واللبنَ] (^٣). وأنكَر أن يكون نظيرَ قولِهم: استوَى الماءُ والخشبةَ. واعتلَّ في ذلك أن الفعلَ في الخلطِ عاملٌ في الأولِ والثانى، وجائزٌ تقديمُ كلِّ واحدٍ منهما على صاحبِه، وأن تقديمَ الخشبةِ على الماءِ غيرُ جائزٍ في قولِهم: استوى الماءُ والخشبةُ. وكان ذلك عندَه (^٤) دليلًا على مُخالفةِ ذلك الخلطَ.\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك عندى، أنه بمعنى قولِهم: خَلَطتُ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"غازيا\".\n(^٢) لعل هنا سقطا.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) في م: \"عندهم\".","vol":"11","page":650},{"text":"الماء واللبنَ. بمعنى: خلطتُه باللبنِ.\n﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: لعلَّ الله أن يتوبَ عليهم. و(عسى) من اللهِ واجبٌ، وإنما معناه: سيتوبُ اللهُ عليهم. ولكنه في كلامِ العربِ على ما وصفتُ، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: إن الله ذو صَفحٍ وعَفوٍ لمن تابَ من (^١) ذنوبِه، وساترٌ له عليها، ﴿رَحِيمٌ﴾ به أن يُعذِّبَه بها.\nوقد اختلف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بهذه الآيةِ، والسببِ الذي من أجلِه أُنزِلت فيه؛ فقال بعضُهم: نَزَلت في عشْرةِ أنفسٍ كانوا تخلَّفوا عن رسولِ اللهِ ﷺ في غزوةِ تبوكَ، منهم أبو لُبابةَ، فرَبَطَ سبعةٌ منهم أنفسَهم بالسَّوارى (^٢) عندَ مَقدَمِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ توبةً منهم من ذنبِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-4051>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾. قال: كانوا عشَرَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفوا عن رسولِ اللهِ ﷺ في غزوةِ تبوكَ، فلما حَضَر رجوعُ النبيِّ ﷺ أوثَقَ سبعةٌ منهم أنفسَهم بسَوارى المسجدِ، فكان ممَرُّ النبيِّ ﷺ إذا رَجَع في المسجدِ عليهم، فلما رآهم قال: \"من هؤلاء المُوثِقُون أنفسَهم بالسَّواري؟ \". قالوا: هذا أبو لُبابةَ وأصحابٌ له تَخلَّفوا عنك يا رسولَ اللهِ؛ حتى تُطلِقَهم وتَعذِرَهم. فقال النبيُّ ﷺ: \"وأنا أُقسِمُ باللهِ لا أطلِقُهم ولا أَعذِرُهم حتى يكونَ اللهُ هو الذي يُطلِقُهم؛ رَغِبوا عنِّي وتَخَلَّفوا عن الغزوِ مع المسلمين\". فلما\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عن\".\n(^٢) في ص، م، ف: \"إلى السوارى\".","vol":"11","page":651},{"text":"بَلَغهم ذلك قالوا: ونحن واللهِ لا نطلقُ أنفسَنا حتى يكونَ اللهُ الذي يُطلِقُنا. فأنزل اللهُ ﷿: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. و\"عسى\" من اللهِ واجبٌ، فلما نَزَلت، أرسلَ إليهم النبيُّ ﷺ فأطلقهم وعَذَرَهم (^١).\nوقال آخرون: بل كانوا ستةً، أحدُهم أبو لُبابةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4052>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وذلك أن رسولَ الله ﷺ غَزا غزوةَ تبوكَ، فتَخلَّف أبو لُبابةَ وخمسةٌ معه عن النبيِّ ﷺ، ثم إنّ أبا لُبابةَ ورَجلَين معه تَفَكَّروا ونَدِموا وأيقَنوا بالهلَكةِ، وقالوا: نكونُ في الكِنِّ والطمأنينةِ مع النساءِ، ورسولُ اللهِ والمؤمنون معه في الجهادِ، واللهِ لنُوثِقَنَّ أنفسَنا بالسَّوارى، فلا نطلقُها حتى يكونَ رسولُ اللهِ ﷺ هو يُطلِقُنا ويَعْذِرُنا. فانطلَقَ أبو لُبابةَ فأوثَقَ نفسَه ورجلان معه بسَوارى المسجدِ، وبَقِىَ ثلاثةُ نفرٍ لم يُوثِقوا أنفسَهم، فرَجَع رسولُ اللهِ ﷺ من غزوتِه، وكان طريقُه في المسجدِ، فمرَّ عليهم فقال: \"من هؤلاء المُوثِقو أنفسِهم بالسَّوارِى؟ \". فقالوا: هذا أبو لُبابةَ وأصحابٌ له؛ تخلَّفوا عن رسولِ اللهِ، ﷺ فعاهدوا الله ألّا يُطلِقوا أنفسَهم حتى تكون أنت الذي تُطلِقُهم وترضَى عنهم، وقد اعترَفوا بذنوبِهم. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"والله لا أُطلِقُهم حتى أُومَرَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٢، ١٨٧٤ مفرقا، وابن مردويه - كما في تخريج أحاديث الكشاف ٢/ ٩٨ - والبيهقي في الدلائل ٥/ ٢٧١ من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي مطولًا في الدر المنثور ٣/ ٢٧٢ إلى ابن المنذر. وستأتى تتمته في ص ٦٥٩، ٦٦٢، ٦٦٧، ٦٦٩.","vol":"11","page":652},{"text":"بإطلاقِهم، ولا أَعْذِرُهم حتى يكون اللهُ هو يَعْذِرُهم، وقد تَخَلَّفوا عنى ورَغِبُوا بأنفسِهم عن غزوِ المسلمين وجهادِهم\". فأنزل الله ﷿ برحمتِه: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ و\"عسى\" من اللهِ واجبٌ، فلما نَزَلت الآيةُ أطلقَهم رسولُ الله ﷺ وعَذَرَهم، وتجاوزَ عنهم (^١).\nوقال آخرون: الذين رَبَطوا أنفسَهم بالسَّوارى كانوا ثمانيةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-4053>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن زيدِ بن أسلمَ ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾ قال: هم الثمانيةُ الذين رَبَطوا أنفسَهم بالسَّوارِى؛ منهم: كَرْدَمٌ ومِرْداسٌ، وأبو لُبابةَ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: الذين رَبَطوا أنفسَهم بالسَّوارِى؛ هلالٌ، وأبو لُبابةَ، وكَرْدَمٌ، ومِرْداسٌ، وأبو قيسٍ (^٣).\nوقال آخرون: بل كانوا سبعةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-4054>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَآخَرُونَ\n_________\n(^١) في الأصل: \"عن ذنوبهم\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٢ عن محمد بن سعد به.\nوعزاه السيوطي مطولًا في الدر المنثور ٣/ ٢٧٣ إلى ابن مردويه. وستأتى تتمته في ص ٦٦٠، ٦٦٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٢ من طريق يعقوب به. وستأتى تتمته في ص ٦٦٠.\n(^٣) ينظر تفسير البغوي ٤/ ٩٠.","vol":"11","page":653},{"text":"اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. ذُكِر لنا أنهم كانوا سبعةَ رَهْطٍ تَخَلَّفوا عن غزوةِ تبوكَ، فأمَّا أربعةٌ فَخَلَطوا عملًا صالحًا وآخَرَ سيئًا؛ جَدُّ بن قيسٍ، وأبو لُبابةَ، وجذامٌ (^١)، وأوسٌ، وكلُّهم مِن الأنصارِ، وهم الذين قيل فيهم: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية (^٢) [التوبة: ١٠٣].\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عَن قتادةَ: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾. قال: هم نَفَرٌ ممن تَخلَّفَ عن تبوكَ (^٣)؛ منهم أبو لُبابةَ، ومنهم جَدُّ (^٤) بنُ قَيْسٍ، تِيبَ عليهم. قال قتادةُ: وليسوا بالثلاثةِ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾. قال: هم سبعةٌ؛ منهم أبو لُبابةَ، كانوا تَخَلَّفوا عن غزوةِ تبوكَ، وليسوا بالثلاثةِ.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ، قال: حدَّثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾، نَزَلَت في أبى لُبابةَ وأصحابِه، تَخَلَّفوا عن نبيِّ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"حدام\" غير منقوطة، وفى م، ت ٢، ف، والدر المنثور: \"حرام\"، وفي تفسير ابن أبي حاتم: \"خذام\"، وفي الإصابة: \"خدام\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٣ من طريق يزيد به، وأخرجه عبد بن حميد - كما في الإصابة ١/ ١٤٦ - من طريق سعيد به بدون ذكر \"جذام\".\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٣ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) بعده في الأصل: \"مع رسول ﷺ\".\n(^٤) في الأصل: \"جابر\" وانظر مصدر التخريج.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بثلاثة\"، يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٣ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٦ عن معمر به.","vol":"11","page":654},{"text":"اللهِ ﷺ في غزوةِ تبوكَ، فلمَّا قَفَلَ (^١) رسولُ اللهِ ﷺ من غزوتِه، و(^٢) كان قريبًا مِن المدينةِ، نَدِموا على تَخَلُّفِهم عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، وقالوا: نكونُ في الظِّلالِ والأطعمةِ والنساءِ، ونبيُّ اللهِ في الجهادِ واللَّأْواءِ! واللَّهِ لنُوثِقَنَّ أنفسَنا بالسَّوارِى، ثم لا نطلقُها حتى يكونَ نبيُّ اللهِ ﷺ يُطْلِقُنا (^٣) ويَعْذُرُنا. وأوثَقوا أنفسَهم، وبَقِيَ ثلاثةٌ لم يُوثِقوا أنفسَهم بالسواري (^٤)، فَقَدِمَ رسولُ اللهِ ﷺ مِن غزوتِه، فمرَّ في المسجدِ، وكان طريقَه، فأبصَرهم، فسأل عنهم، فقيل له: أبو لُبابة وأصحابُه تَخَلَّفوا عنك يا نبيَّ اللَّهِ، فصَنَعوا بأنفسِهم ما تَرَى، وعاهَدوا الله (^٥) لا يُطْلِقُوا (^٦) أنفسَهم حتى تكون أنتَ الذي تُطْلِقُهم. فقال نبيُّ اللِه ﷺ: \"لا أُطْلِقُهم حتى أُومَرَ بإطلاقِهم، ولا أعْذُرُهم حتى يَعْذُرَهم اللهُ. و(^٧) قد رَغَبُوا بأنفسِهم عن غزوةِ المسلمين\". فأنزل اللهُ ﷿: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ إلى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ و(عسى) مِن اللهِ واجبٌ، فأطْلَقَهم نبيُّ اللهِ وعَذَرَهم (^٨).\nوقال آخرون: بل عُنِى بهذه الآيةِ أبو لُبابةَ خاصةً، وذنبُه الذي اعتَرَف به، فتِيبَ عليه منه، ما كان مِن أمرِه في بني قُريظةَ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س: \"ثقل\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، س: \"يطلقها\".\n(^٤) ليست في: م.\n(^٥) بعده في م: \"أن\" والمثبت من سائر النسخ وله وجه في اللغة.\n(^٦) بعده في الأصل: \"عن\".\n(^٧) سقط من: م.\n(^٨) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٢ إلى أبى الشيخ. وسيأتي تتمته في ص ٦٦١، ٦٧١.","vol":"11","page":655},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4055>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن ورقاء، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾. قال: نَزَلَت في أبي لُبابةَ، قال لقُريظةَ ما قال (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾. قال: أبو لُبابةَ، إذ قال لقُريظةَ ما قال، أشارَ إلى حلقِه: إن محمدًا ذابحُكم إن نَزَلتم على حُكْمِ اللَّهِ.\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾. فَذَكَر نحوَه، إلا أنه قال: إن نَزَلْتم على حكمِه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ: رَبَطَ أبو لُبابةَ نفسَه إلى ساريةٍ، فقال: لا أحُلُّ نفسى حتى يَحُلَّنى اللهُ ورسولُه. قال: فحَلَّه النبيُّ ﷺ، وفيه أُنزِلَت هذه الآيةُ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحارِبيُّ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾. قال: نَزَلَت في أبي لُبابةَ (^٢).\nوقال آخرون: بل نَزَلَت في أبي لُبابةَ بسببِ تَخلُّفِه عن تبوكَ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٧٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٣ والبيهقي في الدلائل ٥/ ٢٧١. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٣ من طريق المحاربي به.","vol":"11","page":656},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4056>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، قال: قال الزهريُّ: كان أبو لُبابةَ ممن تخلَّفَ عن النبيِّ ﷺ في غزوةِ تبوكَ، فرَبَطَ نفسَه بساريةٍ، فقال: واللهِ لا أَحُلُّ نفسى منها، ولا أذوقُ طعامًا ولا شرابًا حتى أموتَ، أو يتوبَ اللهُ عليَّ. فمكَتَ سبعةَ أيامٍ لا يذوقُ فيها (^١) طعامًا ولا شرابًا، حتى خَرَّ مَغْشِيًّا عليه. قال: ثم تابَ اللهُ عليه، ثم قيل له: قد تِيبَ عليك يا أبا لُبابةَ. فقال: واللهِ لا أَحلُّ نفسى (^٢) حتى يكونَ رسولُ اللهِ ﷺ هو يَحُلُّنى. قال: فجاءَ النبيُّ - ﷺ فَحَلَّه بيدِه، ثم قال أبو لُبابةَ: يا رسولَ اللهِ، إن مِن تَوْبتى أن أهجُرَ دارَ قومى التي أصبتُ فيها الذنبَ، وأن أنخلِعَ مِن مالى كلِّه صدقةً إلى اللهِ وإلى رسولِه. قال: \"يُجْزِئُك يا أبا لُبابةَ الثُّلثُ (^٣).\nوقال بعضُهم: عُنِى بهذه الآيةِ الأعرابُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4057>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾. قال: فقال: إنهم مِن الأعرابِ (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) من هنا خرم في مخطوط جامعة القرويين المشار إليه بالأصل، ينتهي في ص ٦٧٩.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٦، وأخرج آخره في (١٦٣٩٧) عن ابن جريج ومعمر به، وعن معمر وحده في (٩٧٤٥).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٣ عن محمد بن سعد به.","vol":"11","page":657},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن حَجَّاجِ بن أَبي زينبَ (^١)، قال: سمعتُ أبا عثمانَ يقولُ: ما في القرآنِ آيةٌ أَرْجَى عندى لهذه الأمةِ مِن قولِه: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلى هذه الأقوالِ بالصوابِ في ذلك، قولُ مَن قال: نَزَلَت هذه الآيةُ في المُعْترِفِين بخطإِ فعلِهم في تَخَلُّفِهم عن رسولِ اللهِ ﷺ، وتَرْكِهم الجهادَ معه، والخروجَ لغزوِ الرومِ حينَ شَخَصَ إلى تبوكَ، وإن الذين نَزَل ذلك فيهم جماعةٌ أحدُهم أبو لُبابةَ.\nوإنما قُلنا: ذلك أولَى بالصوابِ في ذلك؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه قال: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾. فأخبَر عن اعترافِ جماعةٍ بذنوبِهم، ولم يكنِ المُعترِفُ بذنبِه المُوثِقُ نفسَه بالساريةِ في حصارِ قُريظةَ غيرَ أبي لُبابةَ وحدَه، فإذ كان ذلك، وكان اللهُ ﵎ قد وَصَفَ في قولِه: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾. بالاعترافِ بذنوبِهم جماعةً، عُلِمَ أن الجماعة الذين وَصَفَهم بذلك ليست (^٣) الواحدَ، فقد تَبَيَّن بذلك أن هذه الصفةَ إذ (^٤) لم تكنْ إلا لجماعةٍ، وكان لا جماعةَ فَعَلَت ذلك - فيما نَقَلَه أهلُ السيرِ والأخبارِ، وأجمَع عليه أهلُ التأويلِ - إلا جماعةٌ من المُتخلفِين عن غزوةِ تبوكَ، صَحَّ ما قُلنا في ذلك. وقُلنا: كان منهم أبو لُبابةَ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن أهلِ التأويلِ على ذلك.\n_________\n(^١) في النسخ: \"ذئب\". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٥/ ٤٣٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٣/ ٥٤٨، وابن أبي الدنيا في التوبة - كما في الدر المنثور ٣/ ٢٧٣ - ومن طريقه البيهقى في الشعب (٧١٦٥) من طريق يزيد بن هارون، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في م: \"السبب غير\".\n(^٤) في م: \"إذا\".","vol":"11","page":658},{"text":"<span id=\"aya-1338\"></span><span data-type='title' id=toc-4059>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ، خُذْ مِن أموالِ هؤلاءِ الذين اعْتَرَفوا بذنوبِهم، فتابوا منها، ﴿صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ مِن دَنَسِ ذنوبِهم، ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾. يقولُ: وتُنَمِّيهم وتَرْفعُهم عن خَسيسِ منازلِ أهلِ النفاقِ بها، إلى منازلِ أهلِ الإخلاصِ، ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: وادْعُ لهم بالمغفرةِ لذنوبِهم، واستغفِرْ لهم منها، ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾. يقولُ: إن دعاءَك واستغفارَك طُمأنينةٌ لهم، بأن الله قد عَفا عنهم، وقبل توبتَهم، ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: واللهُ سميعٌ لدعائِك إذا دعوتَ لهم، ولغيرِ ذلك مِن كلامِ خلقِه، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما تطلبُ لهم بدعائِك ربَّكَ لهم، وبغيرِ ذلك مِن أمورِ عبادِه.\nوبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4058>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: جاءوا بأموالِهم - يعنى أبا لُبابةَ وأصحابَه - حينَ أُطلِقوا، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، هذه أموالُنا فتَصَدَّقْ بها عنا، واستغفرْ لنا. قال: \"ما أُمِرْتُ أن آخُذَ مِن أموالِكم شيئًا\". فأنزَل اللهُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، يعنى بالزكاةِ: طاعةَ اللهِ والإخلاصَ، ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: استغفرْ لهم (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٤، ١٨٧٦ من طريق أبي صالح به. وتقدم أوله في ص ٦٥١.","vol":"11","page":659},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا أطْلَق رسولُ اللهِ ﷺ أبا لُبابةَ وصاحِبَيه، انطَلَق أبو لُبابةَ وصاحِباه بأموالِهم، فأتَوا بها رسولَ اللهِ ﷺ، فقالوا: خُذْ مِن أموالنا فتَصدَّقْ بها عَنَّا، وصَلِّ علينا - يقولون: استغفرْ لنا - وطَهِّرْنا. فقال رسول الله ﷺ: \"لا آخُذُ منها شيئًا حتى أُومَرَ\". فأنزَل اللهُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾. يقولُ: استغفِرْ لهم من ذنوبِهم التي كانوا أصابوا. فلما نَزَلَت هذه الآيةُ أخذ رسولُ اللهِ ﷺ جزءًا من أموالهم، فتَصدَّقَ بها عنهم (^١).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن زيدِ بن أسلمَ، قال: لمَّا أطْلَقَ النبيُّ ﷺ أبا لُبابةَ، والذين رَبَطوا أنفسَهم بالسَّوارِى، قالوا: يا رسولَ اللهِ، خُذْ من أموالِنا صدقةً تُطَهِّرْنا بها. فأنزَل اللهُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: قال الذين رَبَطوا أنفسَهم بالسَّوارِى حينَ عَفا اللهُ عنهم: يا نبيَّ اللهِ، طَهِّرْ أموالَنا. فأنزَل اللهُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، وكان الثلاثةُ إذا اشْتَكَى أحدُهم اشْتَكَى الآخران مثلَه، وكان عَمِيَ منهم اثنان، فلم يَزَلِ الآخرُ يَدْعو حتى عَمِيَ (^٣).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الأربعةُ؛ جَدُّ بنُ\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٦٥٢.\n(^٢) تقدم أوله في ص ٦٥٣.\n(^٣) ينظر التبيان ٥/ ٢٩٢، وقد تقدم أوله في ص ٦٥٣.","vol":"11","page":660},{"text":"قيسٍ، وأبو لُبابةَ، وجذامٌ (^١)، وأوسٌ، وهم الذين قيل فيهم: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾. أي: وقارٌ لهم، وكانوا وَعَدوا من أنفسِهم أن يُنْفِقوا، ويُجاهِدوا، ويَتَصَدَّقوا (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ، قال: لمَّا أطلَق نبيُّ اللهِ ﷺ أبا لُبابةَ وأصحابه، أتوا نبيَّ اللهِ بأموالِهم، فقالوا: يا نبيَّ اللهِ، خُذْ مِن أموالِنا فتصَدَّق به عنا، وطَهِّرْنا وصَلِّ علينا. يقولون: استغفِرْ لنا. فقال نبيُّ اللهِ: \"لا أَخُذُ مِنْ أَمْوَالِكُمْ شَيئًا حتى أُومَرَ فيها\". فأنزَل اللهُ، ﷿: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ من ذنوبِهم التي أصابُوا، ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: استغفِرْ لهم. ففَعَل نبيُّ اللهِ، ﵊، ما أمَره اللهُ به (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾: أبو لُبابةَ وأصحابُه، ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: استغفِرْ لهم لذنوبِهم التي كانوا أصابوا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾. قال: هؤلاء ناسٌ مِن المنافقين ممن كان تَخلَّف عن النبيِّ ﷺ في غزوةِ تبوكَ، اعتَرَفوا بالنِّفاقِ، وقالوا: يا رسولَ اللهِ، قد ارْتَبْنا ونافَقْنا وشَكَكْنا، ولكن توبةٌ جديدةٌ، وصدقةٌ نُخْرِجُها من أموالِنا، فقال اللهُ لنبيِّه، ﵊: ﴿خُذْ مِنْ\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ف: \"حرام\". وغير منقوطة في ص.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٥ من طريق سعيد بن بشير عن قتادة بنحوه، وأخرج بعضه في ٦/ ١٨٧٦ من طريق يزيد به، وقد تقدم أوله في ص ٦٥٣.\n(^٣) أخرج بعضه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٥ من طريق أبي معاذ به مختصرًا، وقد تقدم أوله في ص ٦٥٤.","vol":"11","page":661},{"text":"أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، بعدَما قال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (^١) [التوبة: ٨٤].\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ رفعِ ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾؛ فقال بعضُ نحويى البصرةِ: رفعُ ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ في الابتداءِ، وإن شئتَ جعلتَه من صفةِ الصدقةِ، ثم جئتَ بها توكيدًا، وكذلك ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾.\nوقال بعضُ نحويى الكوفةِ: إن كان قولُه: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ للنبيِّ، ﵊، فالاختيارُ أن تجزمَ؛ لأنه (^٢) لم يَعُدْ على الصدقةِ عائدٌ، ﴿تُزَكِّيهِمْ﴾ مُستأنَفٌ. وإن كانت الصدقةُ تُطَهِّرُهم، وأنت تُزَكِّيهم بها، جازَ أن تجزمَ الفعلَين وترفعَهما (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ في ذلك مِن القولُ أن قولَه: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ مِن صلةِ الصدقةِ؛ لأن القرأةَ مُجْمِعَةٌ على رفِعها، وذلك دليل على أنه مِن صلةِ الصدقةِ. وأما قوله: ﴿تُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ فخبرٌ مُسْتأنَفٌ، بمعنى: وأنت تُزَكِّيهم بها، فلذلك رُفِعَ.\nواخْتلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾.\nفقال بعضُهم: رحمةٌ لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-4060>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٥ من طريق أصبغ عن ابن زيد به.\n(^٢) في م، ت ١: \"بأنه\".\n(^٣) ينظر البحر المحيط ٥/ ٩٥.","vol":"11","page":662},{"text":"عباسٍ: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾. يقولُ: رحمةٌ لهم (^١).\nوقال آخرون: بل معناه: إن صلاتَك وَقارٌ لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-4061>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾. أي: وَقارٌ لهم (^٢).\nواختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَته قرأةُ المدينةِ (إِنَّ صَلَوَاتِكَ سَكَنٌ لَهُمْ). بمعنى: دَعواتِك.\nوقرَأ قرأةُ العراقِ وبعضُ المكيِّين: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾. بمعنى: إِن دعاءَك (^٣). وكأن الذين قَرَءُوا ذلك على التوحيدِ، رَأَوْا أن قراءتَه بالتوحيدِ أصحُّ؛ لأن في التوحيدِ مِن معنى الجمعِ وكثرةِ العددِ ما ليس في قولِه: (إِنَّ صَلَوَاتِكَ سَكَنٌ لَهُمْ)، إذ كانت الصلواتُ هي جمعٌ لِما بينَ الثلاثِ إلى العشرِ مِن العددِ، دونَ ما هو أكثرُ من ذلك. والذي قالوا مِن ذلك، عندَنا كما قالوا: وبالتوحيدِ عندَنا القراءةُ لا [العلةُ؛ لأن] (^٤) ذلك في العددِ أكثرُ من الصلواتِ، ولكن المقصودَ منه الخبر عن دعاءِ النبيِّ ﷺ وصلواتِه (^٥) أنه سَكَنٌ لهؤلاءِ القومِ، لا الخبرُ عن العددِ. وإذا كان ذلك كذلك، كان التوحيدُ في الصلاةِ أَوْلى (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٦ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٠ إلى أبى الشيخ، وقد تقدم أوله في ص ٦٥١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٦ من طريق يزيد به.\n(^٣) قرأ حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وإن صلاتك على التوحيد ونصب التاء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر بالجمع وكسر التاء. السبعة ص ٣١٧، والتيسير ص ٩٧.\n(^٤) في م، ت ١: \"لعلة أن\".\n(^٥) في م: \"صلاته\".\n(^٦) والقراءتان كلتاهما صواب.","vol":"11","page":663},{"text":"<span id=\"aya-1339\"></span><span data-type='title' id=toc-4062>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه، أخبرَ المؤمنين به أن قبولَ توبةِ مَن تابَ مِن المنافقين، وأخْذَ الصدقةِ مِن أموالِهم إذا أعْطَوها - ليسا إلى نبيِّ اللهِ ﷺ، وأن نبيَّ الله حينَ أبَى أن يُطْلِقَ مَن رَبَطَ نفسَه بالسَّوارِى من المتخلفين عن الغزوِ معه، وحينَ تَرَكَ قبولَ صَدَقتِهم بعدَ أن أطلقَ اللهُ عنهم حتى (^١) أَذِنَ له في ذلك - إنما فَعَلَ ذلك مِن أجلِ أن ذلك لم يكنْ إليه ﷺ، وأن ذلك إلى اللهِ تعالى ذكرُه دونَ محمدٍ، وأن محمدًا إنما يفعلُ ما يفعلُ مِن تَرْكٍ وإطلاقٍ وأخْذٍ صدقةٍ، وغيرِ ذلك مِن أفعالِه بأمرِ اللهِ. فقال جلَّ ثناؤُه: ألم يعلمْ هؤلاءِ المُتَخَلِّفون عن الجهادِ مع المؤمنين، المُوثِقو أنفسِهم بالسَّوارِى، القائلون: لا تُطلِقُ أنفسَنا حتى يكونَ رسولُ اللهِ ﷺ هو الذي يُطْلِقُنا. السَّائلو رسولِ اللهِ ﷺ أخْذَ صدقةِ أموالِهم - أنَّ ذلك ليس إلى محمدٍ، وأن ذلك إلى اللهِ، وأن الله هو الذي يقبلُ توبةَ مَن تابَ مِن عبادِه، أو يَرُدُّها، ويأخُذُ صدقةَ مَن تَصدَّقَ منهم، أو يَرُدُّها عليه دونَ محمدٍ، فيُوجِّهوا توبتَهم وصدقتَهم إلى اللهِ، ويقصِدوا بذلك قصدَ وجهِه دونَ محمدٍ وغيرِه، ويُخلِصوا التوبةَ له ويُريدوه بصدقتِهم، ويَعْلَموا أن الله هو التوابُ الرحيمُ؟ يقولُ: [المُراجِعُ لعبيدِه] (^٢) إلى العفوِ عنهم إذا رجَعوا إلى طاعتِه، الرحيمُ بهم إذا هم أنابُوا إلى رِضاه مِن عقابِه.\nوكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: قال الآخرون: يعنى الذين لم يَتوبوا من المُتخلِفين: هؤلاءِ، يعنى الذين\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"حين\".\n(^٢) في م: \"المرجع بعبيده\"، وفى ف: \"الراجع لعبيده\".","vol":"11","page":664},{"text":"تابوا، كانوا بالأمسِ معنا لا يُكلَّمون ولا يُجالَسون، فما لهم؟ فقال اللهُ: ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بن المُثَنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبرَني رجلٌ كان يأتى حمادًا ولم يجلسْ إليه، قال شعبةُ: قال العَوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ: هو قتادةُ، أو ابن قتادةَ، رجلٌ مِن مُحاربٍ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ السائبِ - وكان جارَه - قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ يقولُ: ما من عبدٍ تَصدَّقَ بصدقةٍ إلا وَقَعَت في يدِ اللهِ، فيكونُ هو الذي يضعُها في يدِ السائلِ. وتَلَا هذه الآية: [(وهو الذي يَقْبَلُ التوبةَ عن عبادِه ويَأْخُذُ الصدقاتِ)] (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن عبدِ اللهِ بن السائبِ، عن عبدِ اللهِ بن (^٣) قتادةَ المُحارِبيِّ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ قال: ما تصَدَّقَ رجلٌ بصدقةٍ إلا وَقَعَت في يدِ اللهِ قبلَ أن تَقَعَ في يدِ السائلِ، وهو يَضَعُها في يدِ السائلِ. ثم قرَأ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٦ من طريق أصبغ عن ابن زيد به.\n(^٢) كذا في النسخ، وهو خلط بين الآية ١٠٤ من سورة التوبة وبين الآية ٢٥ من سورة الشورى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ وآية التوبة هي موضع الاستشهاد في الأثر وينظر ما تقدم ٥/ ٤٦.\n(^٣) بعده في النسخ: \"أبي\". والصواب - كما سيأتي في الأثر التالي - ما أثبتناه. وينظر التاريخ الكبير ٥/ ١٧٥.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٨٧، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٦٤٧)، وأبو عبيد في الأموال (٩٠١)، وابن زنجويه في الأموال (١٣٠٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٧، والطبراني (٨٥٧١) من طريق الثورى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٥ إلى الحكيم الترمذي في نوادر الأصول.","vol":"11","page":665},{"text":"السائبِ، عن عبدِ اللهِ بن (^١) قتادةَ، عن ابن مسعودٍ بنحوِه.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن الأعمْشِ، عن عبدِ اللهِ بن السائبِ، عن عبدِ اللهِ بن (^٢) قتادَة، قال: قال عبدُ اللهِ: إن الصدقةَ تَقَعُ في يدِ اللهِ قبلَ أَن تَقَعَ في يدِ السائلِ، ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، [قال: حدَّثنا وكيعٌ] (^٤)، قال: ثنا عبَّادُ بنُ منصورٍ، عن القاسمُ، أنه سمِع أبا هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إِنَّ الله يَقْبَلُ الصدقةَ، ويَأخُذُها بيمينِه، فيُربِّيها لأحدِكم كما يُربِّي أحدُكم مُهْرَه، حتى إِنَّ اللقمةَ لتصيرُ مثلَ أُحُدٍ\" (^٥). وتصديقُ ذلك في كتابِ اللهِ: [(وهو الذي] (^٦) يقبلُ التوبةَ عن عبادِه، ويأخذُ الصدقات) و﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦].\nحدَّثنا سليمانُ بنُ عمرَ بن الأقطعِ الرَّقِّيُّ (^٧)، قال: ثنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، عن عبّادِ بن منصورٍ، عن القاسمِ، عن أبي هريرةَ، ولا أُراه إلا قد رفَعه، قال: إن الله يَقْبَلُ الصدقةَ. ثم ذكَر نحوَه (٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن أيوبَ، عن القاسمُ بن محمدٍ عن أبي هريرةَ قال: إِنَّ الله يَقْبَلُ الصدقةَ إذا كانت مِن طيِّبٍ،\n_________\n(^١) بعده في م: \"أبى\".\n(^٢) بعده في النسخ: \"أبي\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسير ٤/ ١٤٦ عن الأعمش به.\n(^٤) سقط من النسخ. والمثبت مما تقدم في ٥/ ٤٦.\n(^٥) تقدم تخريجه في ٥/ ٤٦.\n(^٦) في م: \"أن الله هو\". وينظر ما تقدم في ٥/ ٤٦.\n(^٧) في م: \"الربى\". وينظر الجرح والتعديل ٤/ ١٣١.","vol":"11","page":666},{"text":"ويَأْخُذُها بيمينِه، وإن الرجلَ يَتَصَدقُ بمثلِ اللقمةِ، فيُربِّيها اللهُ له، كما يُربِّي أحدُكم فَصِيلَه أو مُهْرَه، فتَرْبُو في كفِّ اللهِ - أو قال: في يدِ اللهِ - حتى تكونَ مثلَ الجبلِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾، ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يَقُولُ: \"والذي نفسُ محمدٍ بيدِه، لا يَتَصدَّقُ رجلٌ بصدقةٍ فتَقَعُ في يدِ السائلِ حتى تَفَعَ في يدِ اللهِ\".\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةٌ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، يعنى إن استقاموا (^٢).\n\n<span id=\"aya-1340\"></span><span data-type='title' id=toc-4063>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَقُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاءِ الذين اعترَفوا لك بذنوبِهم من المتخلِّفين عن الجهادِ معَك: ﴿اعْمَلُوا﴾ للهِ بما يُرْضِيهِ مِن طاعتِه وأداءِ فرائضِه، ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾. يَقُولُ: فسيرى اللهُ إن عمِلتُم عملَكم، ويراه رسولُه ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ في الدنيا، ﴿وَسَتُرَدُّونَ﴾ يومَ القيامةِ إلى مَن يَعْلَمُ سرائرَكم وعلانيتَكم، فلا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن باطنِ أمورِكم وظواهرِها،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٧ عن معمر به، وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ٤٢ من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة بنحوه، وقد تقدم في ٥/ ٤٧ من طريق عبد الرزاق عن معمر به مرفوعا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٠٥ من طريق عبد الله بن صالح به، وهو تتمة الأثر المتقدم في ص ٦٥١.","vol":"11","page":667},{"text":"﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: فيُخْبِرُكم بما كنتم تَعمَلون؛ وما منه خالصًا وما منه رياءً (^١)، وما منه طاعةً وما منه للهِ معصيةً، فيجازِيكم على ذلك كلِّه جزاءَكم؛ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. قال: هذا وعيدٌ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1341\"></span><span data-type='title' id=toc-4064>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومن هؤلاء المُتَخَلِّفين عنكم حينَ شَخَصْتُم لعدوّكم، أيُّها المؤمنون، آخرون.\nورُفِع قولُه: ﴿وَآخَرُونَ﴾. عطفًا على قولِه: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢].\n﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾. يعني: مُرْجَئون (^٣) لأمرِ اللهِ وقَضائِه.\nيقالُ منه: أرجأتُه أُرْجِئُه إرْجاءً، وهو مُرْجَأٌ، بالهمزِ، وتركِ الهمزِ، وهما لغتان معناهما واحدٌ. وقد قَرَأَتِ القرأةُ بهما جميعًا (^٤).\nوقيل: عُنِىَ بهؤلاءِ الآخَرِين، نفرٌ ممن كان تَخلَّفَ عن رسولِ اللهِ ﷺ في غزوةِ تبوكَ، فنَدِموا على ما فَعَلُوا، ولم يَعْتَذِروا إلى رسولِ اللهِ ﷺ عندَ مَقْدَمِه، ولم يُوثِقوا أنفسَهم بالسَّوارِى، فأَرْجَأَ اللهُ أمرَهم إلى أن صَحَّتْ توبتُهم، فتابُ عليهم،\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"لغيره\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٠ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٣) في ص، ت ٢، س، ف: \"مرجون\".\n(^٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة ويعقوب بهمزة مضمومة بعد الجيم، وقرأ الباقون: نافع وحفص وحمزة والكسائي وأبو جعفرٍ وخلف بواو ساكنة بعد الجيم من غير همز. البدور الزاهرة ١٣٩.","vol":"11","page":668},{"text":"وعَفا عنهم.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4065>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: وكان ثلاثةٌ منهم - يعنى مِن المُتخلِّفِين عن غزوةِ تبوكَ - لم يُوثِقوا أنفسَهم بالسَّوارِي، أُرْجئوا سَبْتَةً (^١)، لا يَدْرون أيُعَذَّبون أو يُتابُ عليهم، فأنزَل اللهُ: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (^٢) [التوبة: ١١٧، ١١٨].\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نَزَلَت هذه الآيةُ، يعنى قولَه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. أخَذ رسولُ اللهِ ﷺ من أمواِلهم - يعنى: مِن أموالِ أبى لُبابةَ وصاحِبَيه - فتَصدَّقَ بها عنهم، وبَقِيَ الثلاثةُ الذين خالَفوا أبا لُبابةَ، ولم يُوثِقوا، ولم يُذْكَروا بشيءٍ، ولم يَنْزِلْ عُذْرُهم، وضاقَت عليهم الأرضُ بما رَحُبَت، وهم الذين قال اللهُ: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. فجعَل الناسُ يقولون: هَلكوا إذ لم ينزلْ لهم عُذْرٌ. وجعَل آخرون يقولون: عسى اللهُ أن يغفرَ لهم. فصاروا مُرْجَئِين لأمرِ اللهِ حتى نَزَلَت: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ\n_________\n(^١) في مصدر التخريج: \"سنة\". والسبتة: مدة من الزمان قليلة كانت أو كثيرة. النهاية ٢/ ٢٣١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٨ من طريق أبي صالح به. وهو جزء من أثر مطول تقدم أوله في ص ٦٥١.","vol":"11","page":669},{"text":"الْعُسْرَةِ﴾. الذين خَرَجوا معه إلى الشامِ، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]. ثم قال: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. يعنى المُرْجَئِين لأمرِ اللهِ نَزَلَت عليهم التوبةُ، فعُمُّوا بها، فقال: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (^١) [التوبة: ١١٨].\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سويدُ بنُ عمرٍو، عن حمادِ بن زيدٍ، عن أيوبَ، عن عِكْرمةَ: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: هم الثلاثةُ الذين خُلِّفوا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: هلالُ مِنْ أُمَيَّةَ، ومُرارةُ بن الرَّبيعِ (^٣)، وكعبُ بنُ مالكٍ، مِن الأوسِ والخزرجِ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾: هلالُ بنُ أميةَ، ومُرارةُ بنُ الرَّبيعِ (^٣)، وكعبُ بنُ مالكٍ، مِن الأوسِ والخزرجِ.\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٦٥٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٦ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"ربعي\". قال الحافظ: وفي حديث مجمع بن جارية عند ابن مردويه: مرارة بن ربعي. وهو خطأ. وينظر أسد الغابة ٥/ ١٣٤، والإصابة ٦/ ٦٥، وصحيح مسلم بشرح النووى ١٧/ ٩٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٨، من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٦ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"11","page":670},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ مثلَه (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾: هم الثلاثةُ الذين خُلِّفوا عن التوبةِ - يريدُ غيرَ (^٢) أبى لُبابةَ وأصحابِه - ولم يُنْزِلِ اللهُ عُذْرَهم، فضَاقَت عليهم الأرضُ بما رَحُبَت، وكان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ فيهم فرقَتَين؛ فرقةً تقولُ: هَلَكُوا حينَ لم يُنْزِلِ اللهُ فيهم ما أنزَل في أبى لُبابةَ وأصحابِه. وتقولُ فرقةٌ أخرى: عسى اللهُ أن يَعْفوَ عنهم. وكانوا مُرْجَئِين لأمرِ اللهِ. ثم أنزَل اللهُ رحمتَه ومَغْفرتَه، فقال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]. وأنزَل: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. الآية (^٣) [التوبة: ١١٨].\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: كُنَّا نُحدَّثُ أنهم الثلاثةُ الذين خُلِّفوا؛ كعبُ بنُ مالكٍ، وهلالُ بنُ أميةَ، ومُرارةُ بنُ الرَّبيعِ (^٤)، رهطٌ مِن الأنصارِ (^٥).\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٩٧، وابن كثير في تفسيره ٤/ ١٤٨.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) تتمة الأثر في ص ٦٥٤.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"ربيعة\". قال النووى: \"مرارة بن ربيعة. فكذا وقع في نسخ مسلم\"، ووقع في البخارى: ابن الربيع. وقال الحافظ في الفتح: ابن الربيع، هو المشهور. قال ابن عبد البر: يقال بالوجهين. ينظر صحيح مسلم بشرح النووى ١٧/ ٩٢، وفتح البارى ٨/ ١١٩.\n(^٥) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٩٧.","vol":"11","page":671},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: هم الثلاثةُ الذين خُلِّفوا (^١).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾: وهم الثلاثةُ الذين خُلِّفوا، وأَرْجَأَ رسولُ اللهِ ﷺ أمرَهم، حتى أَتَتْهم توبتُهم مِن اللهِ (^٢).\nوأما قولُه: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾. فإنه يعنى: إما أن يَحْجِزَهم اللهُ عن التوبةِ بخِذْلانِه إياهم، فيُعذِّبَهم بذنوبِهم التي ماتوا عليها في الآخرةِ. ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: وإما يُوفِّقَهم للتوبةِ، فَيتوبوا مِن ذنوبِهم، فيغفرَ لهم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: واللهُ ذو علمٍ بأمرِهم، وما هم صائرون إليه مِن التوبةِ، والمُقامِ على الذنبِ، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدْبيرِهم، وتَدْبِيرِ مَن سِواهم مِن خلقِه، لا يدخُلُ حكمَه خَلَلٌ.\n\n<span id=\"aya-1342\"></span><span data-type='title' id=toc-4067>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: والذين ابْتَنَوْا مسجدًا ضِرارًا، وهم فيما ذُكِر اثنا عَشَرَ نفسًا مِن الأنصارِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4066>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الزهريِّ ويزيدَ بن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٧ عن معمر به.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٥٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٨ من طريق سلمة به.","vol":"11","page":672},{"text":"رُومانَ، وعبدِ اللهِ بن أبى بكرٍ، وعاصمِ بن عمرَ بن قتادةَ وغيرِهم، قالوا: أقبَل رسولُ اللهِ ﷺ يعنى من تبوكَ - حتى نزَل بذى أوانٍ؛ بلدٍ بينَه وبينَ المدينةِ ساعةٌ من نهارٍ. وكان أصحابُ مسجدِ الضِّرارِ قد كانوا أتَوه، وهو يَتَجَهَّرُ إلى تبوكَ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، إنا قد بَنَيْنا مسجدًا لذى العلةِ، والحاجةِ، والليلةِ المَطِيرةِ، والليلةِ الشاتيةِ، وإنا تُحِبُّ أن تأتِيَنا فتُصَلِّيَ لنا فيه. فقال: \"إِنِّي على جَناحَ سَفَرٍ وحالِ شُغْلٍ - أو كما قال رسولُ اللهِ ﷺ - ولو قد قَدِمْنا أتَيْناكم إن شاء اللهُ، فصَلَّيْنا لكم فيه\". فلما نَزَل بذى أوانٍ، أتاه خبرُ المسجدِ، فَدَعا رسولُ اللهِ ﷺ مالكَ بنَ الدُّخْشُمِ، أخا بنى سالمِ بن عوفٍ، ومَعْنَ بنَ عَدِيٍّ - أو أخاه عاصمَ بنَ عدِيٍّ - أخا بنى العَجْلانِ، فقال: \"انْطَلِقا إلى هذا المسجدِ الظالمِ أهلُه، فاهْدِماه وحَرَّقَاه\"، فَخَرَجا سريعَيْن حتى أَتَيا بنى سالم بن عوفٍ، وهم رهطُ مالكِ بن الدّخْشُمِ، فقال مالكٌ بلَعْنٍ: أَنْظِرْنى حتى أخرُجَ إليك بنارٍ مِن أهلى. فَدَخَل (^١) أهله، فَأَخَذَ سَعَفًا مِن النخلِ، فأَشْعَل فيه نارًا، ثم خَرَجا يَشْتَدَّان حتى دَخَلا المسجدَ، وفيه أهلُه، فحَرَّقاه وهَدَماه، وتَفَرَّقوا عنه، ونَزَل فيهم مِن القرآنِ ما نزَل: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾، إلى آخرِ القصةِ، وكان الذين بنَوه اثْنِي عَشَرَ رجلًا؛ خِذَامُ بن خالدِ بن (^٢) عُبيد بن زيدٍ، أحدُ بنِي عمرِو بن عوفٍ - ومن دارِه أُخْرِج مسجدُ الشِّقاقِ - وثعلبةُ بنُ حاطبٍ، [مِن بني عُبيدٍ، وهو إلى بنى أميةَ بن زيدٍ] (^٣)، ومُعَتِّبُ بنُ قُشَيرٍ، من بنى ضُبَيعَةَ بن زيدٍ، وأبو حبيبةَ بنُ الأزْعرِ، من بني ضُبَيعةَ ابن زيدٍ، وعَبَّادُ بنُ حُنَيفٍ، أخو سَهْلِ بن حُنَيفٍ، مِن بني عمرِو\n_________\n(^١) كذا في النسخ وتفسير ابن كثير، وبعده في تاريخ المصنف وسيرة ابن هشام: \"إلى\".\n(^٢) في تاريخ المصنف، وسيرة ابن هشام وتفسير ابن أبي حاتم: \"من بني\".\n(^٣) في سيرة ابن هشام: \"من بني أمية بن زياء\". وفي ابن أبي حاتم تصحفت إلى: \"هزال بن أمية بن زيد\".","vol":"11","page":673},{"text":"ابن عوفٍ، وجاريةُ بنُ عامرٍ، وابناه مُجَمِّعُ بنُ جاريةَ (^١)، وزيدُ بنُ جاريةَ (^١)، ونَبْتَلُ بنُ الحارثِ، وهم مِن بنى ضُبَيعةَ، وبَحْزَجُ (^٢) وهو إلى بني ضُبَيعةَ، وبِجَادُ بن عثمانَ، وهو مِن بنى ضُبيعةَ، ووديعةُ بنُ ثابتٍ، وهو إلى بني أميةَ، رهطِ أبي لُبابةَ بن عبدِ المنذر (^٣).\nفتأويلُ الكلامِ: والذين ابْتَنوا مسجدًا ضِرارًا لمسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، وكفرًا باللهِ لمُحَادَّتِهم بذلك رسولَ اللهِ ﷺ، ويُفَرِّقوا به المؤمنين؛ ليُصَلِّيَ فيه بعضُهم دونَ مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، وبعضُهم في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فيَخْتَلِفوا بسببِ ذلك ويَفْتَرِقوا، ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: وإعدادًا له لأبي عامرٍ الكافرِ، الذي خالَف الله ورسولَه وكَفَر بهما، وقاتلَ رسولَ اللهِ ﷺ، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾. يعنى: مِن قبلِ بنائِهم ذلك المسجدَ. وذلك أن أبا عامرٍ هو الذي كان حَزَّبَ الأحزابَ - يعنى حَزَّب الأحزابَ لقتالِ رسولِ اللهِ ﷺ فلما خَذَلَه اللهُ، لَحِق بالرومِ يَطْلُبُ النصرَ مِن مَلِكهم على نبيِّ اللهِ، وكَتَب إلى أهلِ مسجدِ الضِّرارِ يأمُرُهم ببناءِ المسجدِ الذي كانوا بَنَوه - فيما ذُكِر عنه - ليُصَلِّي فيه - فيما يَزْعُمُ - إذا رجَع إليهم، ففَعَلوا ذلك. وهذا معنى قولِ اللهِ، جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"حارثة\"، والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٢) في م، ف: \"بخدج\"، وفى ت ١: \"يخرج\". ولعله تصحيف.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ٣/ ١٠٩. وأخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٧٩ من طريق سلمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٧ إلى ابن المنذر، وينظر سيرة ابن هشام ٢/ ٥٢٩، ٥٣٠، ودلائل النبوة للبيهقى ٥/ ٢٥٩، وابن كثير في تفسيره ٤/ ١٤٩.","vol":"11","page":674},{"text":"﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولَيَحْلِفَنَّ بانُوه: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ ببِنائِناه إلا الرفقَ بالمسلمين، والمنفعةَ والتوسعةَ على أهلِ الضَّعْفِ والعلَّةِ، ومَن عَجَزَ عن المسيرِ (^١) إلى مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ الصلاةِ فيه، وتلك هي الفعلةُ الحَسَنَةُ (^٢)، ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في حَلِفِهم ذلك، وقيلهم: ما بَنَيْناه إلا ونحن نريدُ الحسنى. ولكنهم بَنَوه يريدون ببنائِه السُّوآى؛ ضرارًا لمسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، وكفرًا باللهِ، وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا لأبى عامرٍ الفاسقِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4068>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾: وهم أناسٌ مِن الأنصارِ ابْتَنَوا مسجدًا، فقال لهم أبو عامرٍ: ابْنُوا مسجدَكم، واسْتَعِدُّوا (^٣) بما اسْتَطعتم من قوّةٍ ومِن سلاحٍ، فإني ذاهبٌ إلى قيصرَ ملكِ الرومِ، فآتِي بجندٍ من الرومِ، فأُخْرِجُ محمدًا وأصحابَه. فلما فَرَغوا من مسجِدهم، أتَوُا النبيَّ ﷺ، فقالوا: قد فَرَغْنا مِن بناءِ مسجدِنا، فنحبُّ أن تُصَلِّيَ فيه، وتَدْعوَ لنا بالبركةِ. فأنزَل اللهُ فيه: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ﴾، إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"المصير\". وكلاهما بمعنى.\n(^٢) في ص، ف: \"الحسنى\".\n(^٣) في ابن أبي حاتم ودلائل البيهقي: \"استمدوا\".","vol":"11","page":675},{"text":"الظَّالِمِينَ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: لما بَنَى رسولُ اللهِ ﷺ مسجدَ قُباءٍ، خرَج رجالٌ مِن الأنصارِ؛ منهم بَحْزَجٌ (^٢) جَدُّ عبدِ اللهِ بن حُنَيفٍ، ووَدِيعةُ بنُ حِزامٍ، ومُجَمِّعُ بنُ جاريةَ الأنصاريُّ، فَبَنَوا مسجد النِّفاقِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ لِبَحْزَجٍ: \"وَيْلَكَ، مَا أَرَدْتَ إلى ما أَرَى\". فقال: يا رسولَ اللهِ، واللهِ ما أردتُ إلا الحُسْنَى. وهو كاذبٌ، فصَدَّقَه رسولُ اللهِ، وأرادَ أَن يَعْذُرَه، فأنزَل اللهُ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، يعني رجلًا منهم يقالُ له: أبو عامرٍ، كان مُحارِبًا لرسولِ اللهِ ﷺ، وكان قد انْطَلَق إلى هِرَقْلَ، فكانوا يَرْصُدُون [إذا قدِم] (^٣) أبو عامرٍ أن يُصلِّيَ فيه، وكان قد خرَج مِن المدينةِ مُحاربًا للهِ ولرسولِه: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: أبو عامرٍ الراهبُ، انطَلَق إلى قيصرَ، فقالوا: إذا جاء يُصَلِّي فيه. كانوا يَرَون أنه سيظهرُ على\n_________\n(^١) أخرجه ابن حاتم ٦/ ١٨٧٨، ١٨٨١، والبيهقى في الدلائل ٥/ ٢٦٢، ٢٦٣، من طريق أبي صالحٍ به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) في م: \"بخدج\"، والمثبت موافق لما في تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٣) بياض في ص، ت ١، س ف، وسقط من: م، والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٧٩، ١٨٨٠، ١٨٨١، وابن مردويه - كما في تخريج - الكشاف للزيلعي ٢/ ١٠١، ١٠٢ كلاهما عن محمد بن سعد به.","vol":"11","page":676},{"text":"محمدٍ ﷺ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾. قال: المنافقون. ﴿لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: لأبي عامرٍ الراهبِ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال: ثنا أبو إسحاقَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: نَزَلَت في المُنافقِين، وقولُه: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: هو أبو عامرٍ الراهبُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سُويدُ بنُ عمرٍو، عن حماد بن زيدٍ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾. قال: هم بنو غَنْمِ بن عوفٍ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن أيوبَ،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٧٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٧٩ إلى قوله: المنافقون. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عمر بن شبة في تاريخ المدينة ١/ ٥٢، ٥٣، والطحاوى في شرح مشكل الآثار (٤٧٣٩) من طريق حماد بن زيد به مطولا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٦ إلى ابن المنذر مطولا.","vol":"11","page":677},{"text":"عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾. قال: هم حَيٌّ يقالُ لهم: بنو غَنْمٍ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ عن سعيدٍ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾. قال: هم حَيٌّ يقالُ لهم: بنو غَنْمٍ (^٢).\nقال: أَخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أبو عامرٍ الراهبُ، انطَلَق إلى الشأمِ، فقال الذين بنَوا مسجدَ الضِّرارِ: إنما بَنَيناه ليُصَلِّيَ فيه أبو عامرٍ (^٣).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ الآية: عَمَد ناسٌ مِن أهلِ النفاقِ، فابْتَنَوا مسجدًا بقباءٍ؛ ليُضاهوا به مسجدَ رسولِ اللهِ ﷺ، ثم بَعَثوا إلى رسولِ اللهِ ليُصَلِّي فيه. ذُكِر لنا أنه دَعا بقميصِه ليأتيَهم حتى أطْلَعَه اللهُ على ذلك (^٤).\nوأما قولُه: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: فإنه كان رجلًا يقالُ له: أبو عامرٍ. فَرَّ مِن المسلمينِ فلَحِقَ بالمشركين، فقَتَلوه بإسلامِه. قال: إذا جاء صَلَّى فيه. فأنزَل اللهُ: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ الآية.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٧٩، من طريق محمد بن عبد الأعلى به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٨٧.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٨٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٠ من طريق الحسن بن يحيى به بدون ذكر عائشة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٩ من طريق سعيد بن بشير عن قتادة بنحوه.","vol":"11","page":678},{"text":"حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾: هم ناسٌ مِن المُنافِقين بَنَوا مسجدًا بقباءٍ يُضارُّون به نبيَّ اللهِ والمسلمين، ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، كانوا يقولون: إذا رجَع أبو عامرٍ من عندِ قيصرَ من الرومِ صلَّى فيه. وكانوا يقولون: إذا قَدِم ظَهَر على نبيِّ اللهِ ﷺ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ (^٢) حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: مسجدَ قُباءٍ، كانوا يُصَلُّون فيه كلُّهم. وكان رجلًا (^٣) من رؤساءِ المُنافِقين (^٤)؛ أبو عامرٍ أبو حنْظلةَ غسيلِ الملائكةِ، وصَيْفيٌّ، وأخوه (^٥). وكان هؤلاء الثلاثةُ مِن خيارِ المسلمين، فخَرَج أبو عامرٍ هاربًا هو وابنُ [عبدِ ياليلَ] (^٦) مِن ثقيفٍ، وعَلْقمةُ بنُ عُلاثَةَ مِن قيسٍ، من رسولِ اللهِ ﷺ، حتى لَحِقوا بصاحبِ الرومِ، فأمَّا عَلْقمةُ وابنُ [عبدِ يالِيلَ] (^٧)، فرَجَعا فبايَعا النبيَّ ﷺ وأسلَما، وأما أبو عامرٍ فتَنَصَّر وأقام. قال: وبَنَى ناسٌ من المنافقين مسجدَ الضِّرارِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٧٩ من طريق جويبر عن الضحاك بمعناه مختصرا.\n(^٢) إلى هنا انتهى الخرم في مخطوطة جامعة القرويين والمشار إليها بالأصل.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"رجل\".\n(^٤) بعده في م: \"يقال له\".\n(^٥) في م: \"أخيه\".\n(^٦) في الأصل، س: \"ياليل\"، وفى ص: \"بالين\" غير منقوطة، وفى ف: \"بالين\"، والمثبت من تاريخ المصنف ٣/ ١٤٠، والاستيعاب ١/ ٣٨٠ واسمه كنانة بن عبد ياليل.\n(^٧) في الأصل: \"ياليل\"، وفى ص، م، ف: \"بالين\"، وفى ت ١، ت ٢: \"تالين\"، وفى ص: \"يالين\".","vol":"11","page":679},{"text":"لأبي عامرٍ، قالوا: حتى يأتيَ أبو عامرٍ فيُصَلِّيَ فيه. ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: يُفَرِّقون به (^١) جماعتَهم؛ لأنهم كانوا يُصَلُّون جميعًا في مسجدِ قُباءٍ، وجاءوا يَخْدعون النبيَّ ﷺ فقالوا: يا رسولَ اللهِ، ربما جاء السيلُ، فقطَع بينَنا (^٢) الواديَ، ويحولُ بينَنا وبينَ القومِ، فنُصَلِّي في مسجدِنا، فإذا ذَهَب السيلُ صَلَّيْنا معهم. قال: وبَنَوه على النفاقِ. قال: وانْهار مسجدُهم على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ. قال: وألقَى الناسُ عليه النَّتِنَ (^٣) والقُمامةَ، فأنزَل اللهُ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لئلا يُصَلُّوا (^٤) في مسجدِ قُباءٍ [جميعُ المؤمنين] (^٥)، ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾: أبي عامرٍ، ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (^٦).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن أبي جعفرٍ، عن ليثٍ، أن شقيقًا لم يُدْرِكِ الصلاةَ في مسجدِ بني عامرٍ، فقيل له: مسجدُ بني فلانٍ، لم يُصَلُّوا بعدُ. فقال: لا أُحِبُّ أن أُصَلِّى فيه، فإنه بُنِيَ على ضِرارٍ، وكلُّ (^٧) مسجدٍ بُنِيَ ضِرارًا أو رياءً أو سمعةً، فإن أَصلَه يَنْتَهى إلى المسجدِ الذي بُنِي ضرارًا (^٨).\n_________\n(^١) في م: \"بين\".\n(^٢) بعده في ص، م، \"وبين\".\n(^٣) في ص: \"التين\"، وفى، ت ١، ت ٢، س، ف: \"النتن\". والنتن هو الشيء الذي له رائحة كريهة من قولهم: نتن الشيء - بكسر التاء ينتن - بفتحها - فهو نتن. قاله ابن رسلان. وينظر نيل الأوطار ١/ ٤٥ في شرح حديث بئر بضاعة.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، س: \"يصلى\"، وفى ف: \"يصلون\".\n(^٥) في الأصل، ص: ت ١، ت ٢، س، ف: \"جميعا المؤمنون\". والمثبت من \"م\" موافق لما في ابن أبي حاتم.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٠ من طريق أصبغ عن ابن زيد مقتصرا على بعضه.\n(^٧) في الأصل، ت ١، ت ٢، س: \"كمل\".\n(^٨) في ص، م، ف: \"على ضرار\".","vol":"11","page":680},{"text":"<span id=\"aya-1343\"></span><span data-type='title' id=toc-4070>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: لا تَقُمْ، يا محمدُ، في المسجدِ الذي بَناه هؤلاء المنافقون، ضِرارًا وتفريقًا بينَ المؤمنين، وإرصادًا لمَن حارَب الله ورسولَه. ثم أقسَم جلَّ ثناؤُه، فقال: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ﴾، أنت ﴿فِيهِ﴾.\nيعني بقولِه: ﴿أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾: ابْتُدِئَ أساسُه وأصلُه على تَقْوى اللهِ وطاعتِه. ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ ابْتُدِئَ بناؤه (^١)، ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾. يقولُ: أَوْلى أن تقومَ فيه مُصَلِّيًا للهِ.\nوقيل: معنى قولِه: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾: منذُ (^٢) أولِ يومٍ، كما تقولُ العربُ: لم مِنْ أرَه مِن يومِ كذا. بمعنى: منذُ (^٣)، و﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ يرادُ به: مِن أَوَّلِ الأيامِ، كقولِ القائلِ: لَقِيتُ كلَّ رجلٍ بمعنى: كلَّ الرجالِ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المسجدِ الذي عَناه بقوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾، فقال بعضُهم: هو مسجدُ رسولِ اللهِ ﷺ الذي فيه مِنْبَرُه وقبرُه اليومَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4069>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو مُعاوية، عن إبراهيمَ بن طَهْمانَ، عن عثمانَ بن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"في بنائه\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، س: \"مبدأ\".\n(^٣) في م: \"مبدؤه\".","vol":"11","page":681},{"text":"عُبَيدِ اللهِ، قال: أرسَلنى محمدُ بنُ أبي هريرةَ إلى ابن عمرَ أسألُه عن المسجدِ الذي أُسِّس على التقوى، أيُّ مسجدٍ هو؟ مسجدُ المدينةِ، أو مسجدُ قُباءٍ؟ قال: لا بل (^١) مسجدُ المدينةِ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا القاسمُ بنُ عمرٍو العَنْقَزِيُّ، عن الدَّراورديِّ، عن عثمانَ بن عُبَيدِ اللهِ، عن ابن عمرَ وزيدِ بن ثابتٍ وأبي سعيدٍ، قالوا: المسجدُ الذي أُسِّس على التقوى، مسجدُ الرسولِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن ربيعةَ بن عثمانَ، عن عثمانَ بن عُبَيدِ اللهِ بن أبي رافعٍ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن المسجدِ الذي أُسِّس على التقوى، قال: هو مسجدُ الرسولِ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن أبي الزِّنادِ، عن خارجةَ بن زيدٍ، عن زيدٍ، قال: هو مسجدُ النبيِّ ﷺ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن عبدِ الرحمنِ بن عبدِ اللهِ بن ذَكْوانَ، عن أبيه، عن خارجةَ بن زيدٍ، عن زيد، قال: هو مسجدُ الرسولِ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أسامةَ بن زيدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبى سعيدٍ، عن أبيه، قال: المسجدُ الذي أُسِّس على التقوى، هو مسجدُ النبيِّ\n_________\n(^١) ليست في: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) أخرجه الحاكم ١/ ٤٨٧ من طريق الدراوردي، ولكن عن أبي سعيد فقط كما سيأتي في ص ٦٨٧. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٧ إلى الزبير بن بكار وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٧٢ عن وكيعٍ به، وينظر تاريخ البخارى ٦/ ٢٣٢، والجرح ٦/ ١٥٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٧ إلى ابن مردويه.","vol":"11","page":682},{"text":"الأعظمُ (^١).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، [قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ] (^٢)، قال: ثنا حُميدٌ الخَرَّاطُ المَدَنِيُّ (^٣)، قال: سَمِعتُ أبا سَلَمةَ بن عبدِ الرحمنِ، قال: مَرَّ بي عبدُ الرحمنِ بنُ أبى سعيدٍ، فقلتُ: كيف سَمِعتَ أباك يقولُ في المسجدِ الذي أُسِّسَ على التقوى؟ فقال: [قال أبي] (^٤): أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ، فدَخَلتُ عليه في بيتِ بعضِ نسائِه، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ مسجدٍ الذي أُسِّسَ على التقوى؟ قال: فأَخَذَ كَفًّا مِن حَصْباءَ فَضَرَب به الأرضَ، ثم قال: \"هو مسجدُكم هذا\". فقال (^٥): هكذا سَمِعتُ أباك يَذكُرُ (^٦).\nحدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بن المُسيَّبِ، قال: إن المسجدَ الذي أُسِّس على التقوى من أوّلِ يومٍ هو مسجدُ المدينةِ الأكبرُ (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن داود، قال: قال سعيدُ بنُ المُسيَّبِ، فذَكَر مثلَه، إلا أنه قال: الأعظمُ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٧٢، ومن طريقه الحاكم ٢/ ٣٣٤، والبيهقى في دلائل النبوة ٥/ ٢٦٤ عن وكيعٍ به.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الآدمى\". وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٣٦٦.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، م، ف: \"لي\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ثم\"، وسقط من: م.\n(^٦) أخرجه البيهقى في الدلائل ٥/ ٢٦٣ من طريق ابن بشار به، وأخرجه أحمد ١٧/ ٢٨٢، ٢٨٣ (١١١٨٧)، ومسلم (١٣٩٨/ ٥١٤)، والطحاوى في المشكل (٤٧٣٥) من طريق يحيى بن سعيد به وأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٧٢، ٣٧٣ وعنه مسلم (١٣٩٨)، والبيهقى في السنن ٥/ ٢٤٦، والدلائل ٥/ ٢٦٤ من طريق حميد دون ذكر عبد الرحمن بن أبي سعيد.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٧٢ من طريق قتادة عن سعيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٧ إلى أبي الشيخ.","vol":"11","page":683},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيد القطّانُ، قال: حدَّثنا ابن حَرْملةَ، عن سعيدِ بن المُسيَّبِ، قال: هو مسجدُ النبيِّ ﷺ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عُيَينةَ، عن أبى الزَّنادِ، عن خارجةَ بن زيدٍ، قال: أحسَبُه عن أبيه، قال: مسجدُ النبيِّ ﷺ الذي أُسِّس على التقوى (^٢).\nوقال آخرون: بل عُنِيَ بذلك مسجدُ قُباءٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4071>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾: يعنى مسجدَ قُباءٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ نحوَه.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾. قال: هو مسجدُ قُباءٍ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٣ عن يحيى بن سعيد به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٨٨، وأخرجه الطبراني (٤٨٥٣) من طريق ابن عيينة به من قول زيد دون شك، وأخرج سعيد بن منصور في سننه (١٠٣٥ - تفسير عن ابن عيينة عن أبي الزناد عن خارجة من قوله، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٧٢ والطبراني (٣٨٥٤) من طريق سفيان عن أبي الزناد عن خارجة مرفوعا. وعزاء السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٧ للضياء المقدسي في المختارة عن زيد بن ثابت مرفوعا، وللحديث طرق أخرى عن زيا تأتي إن شاء الله.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١١٨١، ١١٨٢، والبيهقي في الدلائل ٥/ ٢٦٣ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٧ إلى ابن المنذر.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٨٢ معلقًا.","vol":"11","page":684},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامة، عن صالحٍ بن حَيَّانَ، عن ابن بُرَيدةَ (^١)، قال: مسجدُ قُباءٍ الذي أُسِّسَ على التقوى، بَناه نبيُّ اللهِ ﷺ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في المسجدِ الذي أُسِّس على التقوى: مسجدُ قُباءٍ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عُروةَ بن الزبيرِ، قال: الذين بُنِيَ فيهم المسجدُ الذي أُسِّس على التقوى - بنو عمرِو بن عوفٍ.\nوأَوْلى القولَين في ذلك عندى بالصوابِ، قولُ مَن قال: هو مسجدُ الرسولِ ﷺ؛ لصحةِ الخبرِ بذلك عن رسولِ اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4072>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ وابنُ وكيعٍ؛ قال أبو كُريبٍ: ثنا وكيعٍ، وقال ابن وكيعٍ: ثنا أبي، عن ربيعةَ بن عثمانَ التَّيْمِيِّ، عن عمرانَ بن أبى أنسٍ، رجلٍ مِن الأنصارِ، عن سهلِ بن سعدٍ، قال: اخْتَلَف رجلان على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ في المسجدِ الذي أُسِّسَ على التقوى، فقال أحدُهما: هو مسجدُ النبيِّ ﷺ. وقال الآخرُ: هو مسجدُ قُباءٍ. فَأَتَيا رسولَ اللهِ ﷺ، فسألاء، فقال: هو مَسْجدى هذا\" (^٣). اللفظُ\n_________\n(^١) في م: \"بريد\".\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٢ معلقًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٧٢ ومن طريقه عبد بن حميد (٤٦٦)، وابن حبان (١٦٠٤، ١٦٠٥)، والطبراني (٦٠٢٥)، وأحمد ٥/ ٣٣١ (الميمنية) عن وكيع به. وأخرجه الطحاوي في المشكل (٤٧٣٧) من طريق ربيعة بن عثمان به، وأخرجه أحمد ٥/ ٣٣٥ (الميمنية) من طريق عمران به. وعزاه السيوطي في الدر =","vol":"11","page":685},{"text":"لحديثِ أبي كُرَيبٍ، وحديثُ سفيانَ نحوَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، عن عبدِ اللهِ بن عامرٍ الأَسْلَميِّ، عن عمرانَ أبى أنسٍ، عن سهلِ بن سعدٍ، عن أبيِّ بن كعبٍ، أن النبيَّ ﷺ سُئِل عن المسجدِ الذي أُسِّسَ على التقوى، فقال: \"هو (^١) مَسْجدى هذا\" (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: ثني الليثُ، عن عِمْرانَ بن أبى أنسٍ، عن ابن أبي سعيدٍ، عن أبيه، قال: تَمارَى رجلان في المسجدِ الذي أُسِّس على التقوى مِن أوّل يومٍ، فقال رجلٌ: هو مسجدُ قُباءٍ. وقال آخرُ: هو مسجدُ رسولِ اللهِ ﷺ. فقال رسول اللهِ ﷺ: \"هو مَسْجِدى هذا\" (^٣).\nحدَّثني بحرُ بنُ نصرٍ الخَولانيُّ، قال: قُرِئَ على شعيبِ بن الليثِ، عن أبيه، عن عِمْرانَ بن أبى أنسٍ، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ الخدريِّ؛ [عن أبي سعيدٍ الخدريِّ أنه] (^٤) قال: تَمارَى رجلان، فذَكَر مثلَه (^٥).\n_________\n= المنثور ٣/ ٢٧٧ إلى الزبير بن بكار في أخبار المدينة والحاكم في الكنى وابن مردويه.\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، م، ف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٧٣، ١٢/ ٢١٠، وأحمد ٥/ ١١٦ (الميمنية)، وابن حميد (١٦٦)، والحاكم ٢/ ٣٣٤ من طريق أبي نعيم به. وأخرجه أحمد ٥/ ١١٦ (الميمنية) من طريق عبد الله بن عامر به. وأخرجه الخطيب البغدادى في تاريخه ٤/ ٧٩ من طريق جابر عن أبي بن كعب به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٧ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه الطحاوى في المشكل (٤٧٣٦) عن يونس به، وأخرجه أحمد ١٧/ ٩٩، ١٨/ ٣٥٨ (١١٠٤٦، ١١٨٤٦)، وابن حبان (١٦٠٦)، وابن مردويه - كما في تعجيل المنفعة ١/ ٥٨١، ٥٨٢ ترجمة سعيد بن أبى سعيد الخدري من طريق الليث به.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، م، ف.\n(^٥) أخرجه الطحاوى في المشكل (٤٧٣٦) عن بحر بن نصر به، وأخرجه أحمد ١٨/ ٣٥٨ (١١٨٤٦) من طريق ليث به.","vol":"11","page":686},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: ثنى سَحْبَلُ (^١) بن محمدُ بن أبي يَحيى، قال: سَمِعتُ عمّى أُنيسَ بنَ أبي يحيى يُحدِّثُ، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولَ اللهِ ﷺ: \"المسجدُ الذي أُسِّسَ على التَّقْوى [هو هذا\". يَعْنى رسولُ اللهِ ﷺ مسجدَه (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا القاسمُ بنُ عمرٍو العنقَزِيُّ، عن الدَّرَاوَرْدِيُّ، عن ابن أبي يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"المسجدُ الذي أُسِّس على التَّقْوَى] (^٣) مَسْجِدى هذا، وفي كلٍّ خيرٌ\" (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثني الحِمَّانيُّ، قال: ثنا عبدُ العزيز، عن أُنَيسِ بن أبي يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا صَفوانُ بنُ عيسى، قال: أخبَرنا أُنيسُ بن أبى يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أن رجلًا مِن بنى (^٥) خُدْرةَ، ورجلًا مِن بنى (^٦) عوفٍ، امْتَرَيا في المسجدِ الذي أُسِّس على التقوى،\n_________\n(^١) في ف: \"سهيل\" وفى م: \"سجل\"، وهو عبد الله بن محمد بن أبى يحيى، وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ١٠٠.\n(^٢) أخرجه الطحاوى في المشكل (٤٧٣٤) عن يونس به، وأخرجه أيضا من طريق سحبل به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٧٢، وأحمد ١٧/ ٢٧١، ٢٧٢ (١١١٧٨)، الترمذي (٣٢٣) - ومن طريقه البغوي (٤٥٥) - والطحاوى في شرح المشكل (٤٧٣٣)، وابن حبان (١٦٢٦) من طريق أنيس بن أبي يحيى به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٣٣٤ من طريق أبي يحيى به.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، م، ف.\n(^٤) أخرجه الحاكم ١/ ٤٨٧ من طريق الدراوردى به.\n(^٥) سقط من: الأصل، ص، ف، والمثبت موافق لما في المسند.\n(^٦) بعده في المسند: \"عمرو بن\".","vol":"11","page":687},{"text":"فقال العَوْفيُّ (^١): [هو مسجدُ قباء. وقال الخدريُّ] (^٢): هو مسجدُ رسولِ اللهِ ﷺ (^٣). فأَتيا النبيَّ ﷺ فسألاه، فقال: \"هو مَسْجِدى هذا، وفى ذلك (^٤) خيرٌ كثيرٌ (^٥) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-4074>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: في حاضِري المسجدِ الذي أُسِّسَ على التقوى من أولِ يومٍ، رجالٌ يُحِبُّون أن يُنَظِّفُوا مقاعدَهم بالماءِ إذا أَتَوا الغائطَ، واللهُ يحبُّ المُطَّهِرِينَ بالماءِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4073>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا هَمَّامُ بنُ يحيى، عن قتادةَ، عن شهرِ بن حوشبٍ قال: لمَّا نَزَلَت ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾، قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ما الطُّهُورُ الذي أثْنَى اللهُ عليكم به؟ \". قالوا: يا رسول اللهِ، نغسِلُ أثرَ الغائطِ (^٦).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال لأهلِ قُباءٍ: \"إِنَّ الله قد أحسَن عليكم الثَّناء في الطُّهُورِ، فما\n_________\n(^١) في م: \"العوفي \".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، م، ف.\n(^٣) بعده في م: \"وقال العوفي: هو مسجد قباء\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، م، ف: \"كل\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، م، ف، وأخرجه أحمد ١٨/ ٣٧٠، ٣٧١ (١١٨٦٤) عن صفوان بن عيسى به.\n(^٦) أخرجه عمر بن شبة في تاريخ المدينة ١/ ٤٧ من طريق داود بن أبي هند عن شهر بن حوشب به نحوه.","vol":"11","page":688},{"text":"تَصْنَعون؟ \". قالوا: إِنَّا نغسِلُ عَنَّا أَثَرَ الغائطِ والبولِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: لمَّا نَزَلَت ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾، قال النبي ﷺ: \"يا معشرَ الأنصارِ، ما هذا الطُّهُورُ الذي أثْنَى اللَّهُ عليكم فيه؟ \". قالوا: إنَّا نَسْتطِيبُ بالماءِ إذا جِئْنا مِن الغائطِ (^٢).\nحدَّثني جابرُ بنُ الكُرْدِيِّ، قال: ثنا محمدُ بنُ (^٣) سابقٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْولٍ، عن سَيَّارٍ أبى الحَكَمِ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن محمدِ بن عبدِ اللَّهِ بن سَلَامٍ، قال: قام (^٤) علينا رسولُ اللَّهِ ﷺ، فقال: \"ألَا أخْبِرُوني؛ فإن الله قد أثْنَى عليكم بالطُّهُور خيرًا؟ \". فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّا نَجِدُ عندَنا مكتوبًا في التوراةِ: الاستنجاءُ بالماءِ.\nحدَّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ (^٥)، عن مالكِ بن مِغْولٍ، قال: سَمِعتُ سَيَّارًا أبا الحَكَمِ غيرَ مَرَّةٍ، يُحَدِّثُ عن شَهْرِ بن حوشبٍ، عن محمدِ بن عبدِ اللَّهِ ابن سلَامٍ، قال: لمَّا قَدِم النبيُّ ﷺ على أهلِ قباءٍ قال: \"إِنَّ اللَّهَ قد أَثْنَى عليكم بالطُّهُورِ خيرًا\". يعنى (^٦) قولَه: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾. قالوا: إذا نَجِدُه مكتوبًا عندَنا في التوراةِ: الاستنجاءُ\n_________\n(^١) أخرجه عمر بن شبة في تاريخ المدينة ١/ ٤٧ من طريق سعيد نحوه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسير ١/ ٢٨٨ عن معمر به.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، م، ف. وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ١٣٤.\n(^٤) كذا في النسخ ولعلها: \"قدم\"، وينظر الأثر التالي وما سيأتي ص ٦٩٣.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، م، س، م، ف: \"رافع\".\n(^٦) زيادة من: م.","vol":"11","page":689},{"text":"بالماءِ (^١).\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ (^٢)، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْولٍ، عن سَيَّارٍ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن محمدِ بن عبدِ الله سَلَامٍ، قال يحيى: ولا أعلمُه إلا عن أبيه، قال: قال النبيُّ ﷺ لأهلِ قُباءٍ: \"إِنَّ اللَّهَ قد أثْنَى عليكم في الطُّهُورِ خيرًا\". قالوا: إنا نَجِدُه مكتوبًا عندَنا (^٣) في التوراةِ: الاستنجاءُ بالماءِ. وفيه نَزَلَت: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (^٤).\nحدَّثني عبد الأَعْلَى بنُ واصلٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ صُبيحٍ اليَشْكُرِيُّ، قال: ثنا أبو أُويسٍ المَدَنيُّ، عن شُرَحْبيلَ بن سعدٍ، عن عُويمِ بن ساعدةَ - وكان مِن أهلِ بدرٍ - قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ لأهلِ قُباءٍ: \"إِنِّي أَسْمَعُ اللَّهَ قد أَحسَن (^٥) عليكم الثَّناءَ في الطُّهُورِ، فما هذا الطُّهُورُ (^٦)؟ \". قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ما نعلَمُ شيئًا، إلا أن جيرانًا لنا مِن اليهودِ رَأَيناهم يَغْسِلون أدبارَهم مِن الغائطِ، فَغَسَلْنا كما غَسَلوا (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٥٣، وأحمد ٦/ ٦ (الميمنية)، وعمر بن شبة في تاريخ المدينة ١/ ٤٨ من طريق يحيى بن آدم به، وأخرجه البخارى في تاريخه ١/ ١٨، وابن قانع في معجم الصحابة ٣/ ٢٢، والطبراني في المعجم الكبير (٣٨١ - قطعة من الجزء ١٣) من طريق مالك بن مغول به، وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة ٦/ ٢٢ وزاد عزوه إلى ابن منده.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، م، ف: \"رافع\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، م، ف: \"علينا\".\n(^٤) أخرجه أبو القاسم البغوي - كما في الإصابة ٦/ ٢٢ - عن أبي هشام الرفاعي به. قال أبو هشام: وكتبته من أصل كتاب يحيى بن آدم، ليس فيه عن أبيه، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٩٣٦٣) من طريق عبد الله بن عمر عن عبد الله بن سلام بنحوه.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، م، ف: \"أثنى\".\n(^٦) ليست في: الأصل.\n(^٧) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥٨٨٥)، والصغير ٢/ ٢٣ من طريق إسماعيل بن صبيح اليشكري به، =","vol":"11","page":690},{"text":"حدثني محمدُ بنُ عمارةَ، قال: ثنا محمدُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ، عن شُرَحْبيلَ بن سعد قال: سَمِعتُ خُزَيمةَ بنَ ثابتٍ يقولُ: نَزَلَت هذه الآيةُ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾. قال: كانوا يَغْسِلُون أَدْبارَهم مِن الغائطِ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن (^٢) أبي ليلى، عن عامرٍ، قال: كان أناسٌ مِن أهلِ قباءٍ يَسْتَنجون بالماءِ، فنَزَلَت: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عَرفةَ، قال: ثنا شَبابةُ بنُ سَوَّارٍ، عن شُعبةَ، عن مسلمٍ القُرِّيِّ (^٣)، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: أصُبُّ على رأسى؟ - وهو محرِمٌ - قال: ألم تسمَعِ اللَّهَ يقولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حَفْصٌ، عن داودَ، وابنِ أبي ليلى، عن الشعبيِّ، قال: لمَّا نَزَلَت: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾، قال رسولُ اللَّهِ ﷺ لأهلِ قُباءٍ: \"ما هذا الذي أثْنَى اللَّهُ عليكم؟ \". قالوا: ما مِنَّا مِن أحدٍ إلا وهو يَسْتَنْجِى مِن الخلاءِ (^٤).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيمٌ، عن عبدِ الحميدِ\n_________\n= وأخرجه أحمد ٢٤/ ١٣٥ (١٥٤٨٥)، وابن خزيمة (٨٣) والطبرانى في الكبير ١٧/ ١٤٠ (٣٤٨)، والحاكم ١/ ١٥٥ من طريق أبى أويس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٨ إلى ابن مردويه.\n(^١) أخرجه الطبراني ٤/ ١١٧، ١١٨ (٣٧٩٣) من طريق شرحبيل بن سعد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٨ إلى ابن مردويه.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ١، ف: \"ابن\".\n(^٣) في الأصل: \"القرنى\" وهو مسلم بن مخراق العبدى القرى، وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٥٣٥.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٥٣ عن حفص به.","vol":"11","page":691},{"text":"المَدَنيِّ، عن إبراهيمَ بن إسماعيلَ الأنصاريِّ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال لعُويمِ بن ساعدةَ: \"ما هذا الذي أثْنَى اللَّهُ به (^١) عليكم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾؟ \". قال: [يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّا] (^٢) نغسلُ الأدْبارَ بالماءِ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ، عن حُصَينٍ، عن موسى بن أبي كثيرٍ، قال: بَدْءُ حديثِ هذه الآيةِ في رجالٍ من الأنصارِ مِن أهلِ قُباءٍ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾، فَسَأَلهم النبيُّ ﷺ، قالوا: نَسْتَنْجِي بالماءِ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أَصْبَغُ بنُ الفرجِ، قال: أخبَرني ابن وَهْبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن أبي الزِّنادِ، قال: أخبَرني عُروةُ بنُ الزبيرٍ، عن عُويمِ بن ساعدةَ مِن بني عمرِو بن عوفٍ، ومَعْنِ بن عَدِيٍّ مِن بنى العَجْلانِ، وأبى الدَّحْداحِ؛ فأَمَّا عُويمُ بنُ ساعدةَ، فهو الذي بَلَغَنا أنه قال لرسولِ اللَّهِ ﷺ: مَن الذين قال اللَّهُ فيهم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"نِعْمَ الرجلُ (^٤) منهم عُوَيمُ بن ساعدةَ\". لم يَبْلُغنا أنه سَمَّى منهم رجلًا غيرَ عُوَيمٍ (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المبَاركِ، عن هشامِ بن\n_________\n(^١) ليست في: ص، م، ت ١، ت ٢، ف، ومصدر التخريج.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"نوشك أن\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٥١ عن هشيم به.\n(^٤) في م: \"الرجال\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٢ من طريق يونس به، لا يذكر فيه معنا ولا أبا الدحداح، وليس آخره: لم يبلغنا … إلخ، وأخرجه ابن سعد ٣/ ٤٥٩، ٤٦٠ من طريق ابن شهاب عن عروة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٩ إلى أبي الشيخ وابن مردويه بدون ذكر معنٍ ولا أبي الدحداح.","vol":"11","page":692},{"text":"حَسّانَ، قال: ثنا الحسنُ، قال: لمَّا نَزَلَت هذه الآيةُ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾؟، قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ما هذا الذي ذَكَرَكم اللَّهُ به في أمرِ الطُّهُورِ، فأثْنَى به عليكم؟ \". قالوا: نغسِلُ أَثَرَ الغائطِ والبولِ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن مالكِ بن مِغْولٍ، قال: سَمِعتُ سَيَّارًا أبا الحَكَمِ يُحدِّثُ، عَن شَهْرِ بن حَوشبٍ، عن محمدِ بن عبدِ اللَّهِ بن سَلَامٍ، قال: لمَّا قَدِم رسولُ اللَّهِ ﷺ المدينةَ - أو قال: قَدِمَ علينا رسولُ اللَّهِ ﷺ - فقال: \"إن اللَّهَ قد أَثْنى عليكم في الطُّهُورِ خيرًا، أفلا تُخْبِرونى؟ \". قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنا نَجِدُ عندنا (^١) مكتوبًا في التوراةِ: الاستْنجاءُ بالماءِ. قال مالكٌ: يعنى قولَه: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (^٢).\nحدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ، قال: لمَّا نَزَلَت هذه الآيةُ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾. سَأَلهم رسولُ الله ﷺ: \"ما طُهُورُكم هذا الذي ذَكَر الله؟ \". قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، كُنَّا نَسْتَنْجى بالماءِ في الجاهليةِ، فلما جاء الإسلامُ لم نَدَعْه. قال: \"فلا تَدَعُوه\".\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: كان في مسجدِ قُباءٍ رجالٌ مِن الأنصارِ يُوضِّئون سَفِلتَهم بالماءِ، يَدْخُلُون النخلَ والماءُ يَجْرِى فَيَتوضَّئون، فأثْنَى اللَّهُ ذلك (^٣) عليهم، فقال: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾. الآية.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا طلحةُ بنُ عمرٍو، عن عطاءٍ، قال:\n_________\n(^١) في النسخ: \"علينا\" وينظر ما تقدم ص ٦٨٩.\n(^٢) تقدم ص ٦٨٩.\n(^٣) في م: \"بذلك\".","vol":"11","page":693},{"text":"أحْدَث قومٌ الوضوءَ بالماءِ مِن أهلِ، قُباءٍ فنَزَلَت فيهم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (^١).\nوقيل: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾، وإنما هو المُتطهِّرين، ولكن أُدغِمت \"التاءُ\" في \"الطاءِ\"، فجُعِلَت \"طاءً\" مشددةً؛ لقربِ مَخْرجِ إحداهما من الأخرى.\n\n<span id=\"aya-1344\"></span><span data-type='title' id=toc-4075>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩)﴾.</span>\nاخْتَلَفَت القرأة في قراءةِ قولِه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾؛ فقَرَأ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (أَفمَنْ أُسِّسَ بُنْيانُهُ على تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمَّنْ أُسِّسَ بُنْيانُهُ) على وَجْهِ ما لم يُسمَّ فاعله في الحرفَين كليهما (^٢).\nوقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾. على وصفِ \"مَن\" [بأنَّه هو] (^٣) الفاعلُ الذي أَسَّس بنيانَه.\nوهما قراءتان مُتَّفِقَتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أن قراءتَه بتَوجيهِ الفعلِ إلى \"مَن\" إذ كان هو (^٤) المؤسِّسَ (^٥)، أعجبُ إليَّ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٣ من طريق طلحة بن عمرو به ولفظه: \"المتطهرين بالماء\".\n(^٢) قرأ بها نافع وابن عامر، وقرأ الباقون بفتح الهمزة والسين ونصب النون، والتيسير ص ٩٨ والنشر ٢/ ٢١١.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"بأنه\"، وفى م: \"بناء\"، وفى ف: \"أنه\".\n(^٤) في م: \"من\".\n(^٥) بعده في م: \"من\".","vol":"11","page":694},{"text":"فتأويلُ الكلامِ إذًا: أيُّ هؤلاء الذين بَنَوا المساجدَ خيرٌ، أيها الناسُ، عندَكم؛ الذين ابْتَدَءُوا بناء مسجدِهم [على اتقاءِ اللَّهِ، بطاعتِه] (^١) في بنائِه وأداءِ فرائضِه، ورضًا مِن اللَّهِ لبنائِهم ما بَنَوه مِن ذلك، وفعلِهم ما فَعَلوه خيرٌ، أم الذين ابْتَدَءُوا بناءَ مسجدِهم] (^٢) على شَفا جُرُفٍ هارٍ؟.\nيعنى بقوله: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ﴾: على حرفِ جُرفٍ هارٍ (^٣).\nوالجُرُفُ، من الركايا (^٤)، ما لم يُبْنَ له جُولٌ (^٥).\n﴿هَارٍ﴾ يعنى: متهوِّرٍ، وإنما هو هائرٌ، ولكنه قُلِبَ، فأُخِّرَت ياؤُها، فقيل: ﴿هَارٍ﴾ كما قيل: هو شاكي (^٦) السلاحِ و: شائكٌ. وأصلُه مِن: هارَ يَهورُ فهو هائرٌ. وقيل: هو مِن هارَ يَهارُ. إذا انهدَم، ومَن جَعَله مِن هذه اللغةِ قال: هِرْتَ يا جُرُفُ. ومَن جَعَله مِن: هارَ يَهُورُ، قال: هُرْتَ يا جُرُفُ.\nوإنما هذا مَثَلٌ. يقولُ تعالى ذكرُه: أيُّ هذين الفريقَين خيرٌ؟ وأيُّ هذين البناءَين أثبتُ؟ أمن ابتدَأ أساسَ بنائِه على طاعةِ اللَّهِ، وعلمٍ منه بأنَّ بناءه للهِ طاعةٌ، واللَّهُ به راضٍ، أم مَن ابتَدَأه بنفاقٍ وضلالٍ، وعلى غير بصيرةٍ منه بصوابِ فعلِه مِن خطئِه، فهو لا يَدْرِى متى يَتَبَيَّنُ له خطأُ فعلِه وعظيمُ ذنبِه، فيَهْدِمَه، كما بانى (^٧)\n_________\n(^١) في م: \"بطاعتهم\".\n(^٢) سقط من الأصل.\n(^٣) سقط من: ص، ت ٢، ت ٢، م، ف.\n(^٤) في م: \"الركى\". والرَّكيَّة: البئر تحفر، والجمع ركى وركايا. اللسان (ر ك ى).\n(^٥) والجول: جدار البئر وقال أبو عبيد: وهو كل ناحية من نواحى البئر إلى أعلاها من أسفلها. اللسان (ج ول). وينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٢٦٩.\n(^٦) في م: \"شاك\". قال الجوهري: رجل شاكى السلاح إذا كان ذا شوكة وحدّ في سلاحه. اللسان (ش ك و).\n(^٧) في ص، ت ٢، ت ٢، م، ف: \"يأتي\".","vol":"11","page":695},{"text":"البِناءِ على جُرُفِ رَكِيَّةٍ، لا حابسَ لمياهِ (^١) السيولِ عنها ولغيرِه من المياهِ، ثريةِ (^٢) الترابِ متناثرتِه (^٣)، لا تُلْبِثُه السيولُ [والندَى] (^٤) أن تَهْدِمَه وتَنثُرَه؟\nيقولُ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾. يعنى: فانْتَثَرَ الجُرُفُ الهَارِي ببنائِه في نارِ جهنمَ.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَانْهَارَ بِهِ﴾. يعني: قواعدَه في نارِ جهنمَ (^٥).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿فَانْهَارَ بِهِ﴾. يقولُ: فَخَرَّ به (^٦).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾. قال: واللَّهِ ما تَناهَى أَنْ وَقَع في النارِ. ذُكِر لنا أنه حُفِرَت بقعةٌ منها (^٧) فرُؤِىَ منها الدخانُ (^٨).\n_________\n(^١) في م: \"لماء\".\n(^٢) في ص، ف: \"تربة\" وفى م: \"ترى به\". والثرى: التراب الندى، وأرض ثرية: أي ذات ثرى وندى. اللسان (ث ر ي).\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢ ف: \"متناثرة\" وفى م: \"متناثرا\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٤، والبيهقى في الدلائل ٥/ ٢٦٣ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٩ إلى ابن المنذر.\n(^٦) ينظر الدر المنثور ٣/ ٢٧٩\n(^٧) في م: \"منه\".\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٤ من طريق سعيد بن بشير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"11","page":696},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: بنو عمرِو بن عوفٍ اسْتأذَنوا النبيَّ ﷺ في بُنيانِه، فأَذِن لهم، ففَرَغُوا منه يومَ الجمعةِ، فصَلَّوْا فيه يومَ (^١) الجمعةِ، ويومَ السبتِ، ويومَ الأحدِ. قال: وانْهار يومَ الاثنينِ. قال: وكان قد اسْتَنْظَرَهم ثلاثًا، السبتَ، والأحدَ، والاثنينِ، ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ مسجدُ المنافقين، انهارَ فلم يَتَناهَ دونَ أن وَقَعَ في النارِ.\nقال ابن جُرَيجٍ: ذُكِر لنا أن رجالًا حَفَروا فيه، فأَبْصَرُوا الدخانَ يخرجُ منه (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ المختارِ، عن عبدِ اللَّهِ الداناجِ، عن طَلْقٍ بن حبيبٍ، عن جابرٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾، قال: رأيتُ المسجدَ الذي بُنِىَ ضِرارًا يخرجُ منه الدخانُ على عهدِ النبيِّ ﷺ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ مرزوق البَصْرِيُّ، قال: ثنا أبو سَلَمةَ. قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ المختارِ، عن عبدِ اللَّهِ الداناجِ، قال: ثني طلقُ العَنَزِيُّ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: رأيتُ الدخانَ يخرجُ مِن مسجدِ الضِّرارِ.\nحدَّثني سلامُ بنُ سالمٍ الخُزاعيُّ، قال: ثنا حلفُ بنُ ياسينَ الكوفيُّ، قال: حَجَجْتُ مع أبى في ذلك الزمانِ - يعنى: زمانَ بني أُميةَ - فمَرَرْنا بالمدينة، فرأيتُ مسجدَ القِبْلتَين - يعنى: مسجدَ الرسولِ - وفيه قبلةُ بيتِ المقدسِ، فلما كان زمانُ أبي جعفرٍ، قالوا: يدخُلُ الجاهلُ فلا يعرِفُ القبلةَ. فهذا البناءُ الذي يَرَون جَرَى على\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، م، ف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٩ إلى ابن المنذر من قوله: مسجد المنافقين انهار … إلخ.\n(^٣) أخرجه مسدد - كما في المطالب العالية (٤٠٠٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٤، والحاكم ٤/ ٤٩٦ من طريق عبد العزيز بن المختار به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٩ إلى ابن المنذر.","vol":"11","page":697},{"text":"يدِ عبدِ الصمدِ بن عليٍّ. ورأيتُ مسجدَ المنافقين الذي ذَكَره اللَّهُ في القرآنِ، وفيه حَجَرٌ يخرُجُ منه الدخانُ، وهو اليومَ مَزبَلةٌ.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: واللَّهُ لا يُوفِّقُ للرَّشادِ في أفعالِه، مَن كان بانيًا بناءَه في غيرِ حَقِّه وموضعِه، ومَن كان مُنافِقًا مُخالِفًا بفعِله أمرَ اللَّهِ وأمرَ رسولِه.\n\n<span id=\"aya-1345\"></span><span data-type='title' id=toc-4077>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لا يزالُ بُنيانُ هؤلاء ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ (^١). يقولُ: لا يزالُ مسجدُهم الذي بَنَوه ﴿رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يعنى: شَكًّا ونِفاقًا في قلوبِهم، يَحْسَبون أنهم كانوا في بنائِهِ مُحْسِنِينَ، ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾. يعنى: إلا أن تَتَصدَّعَ قلوبهم فَيَموتوا، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما عليه هؤلاء المنافقون الذين بَنَوا مسجدَ الضِّرارِ مِن شَكِّهم في دينِهم، وما قَصَدوا في بِنائِهموه وأرادوه، وما إليه صائرٌ أمرُهم في الآخرةِ، وفى الحياةِ ما عاشوا، وبغيرِ ذلك مِن أُمورِهم وأمورِ غيرِهم: ﴿حَكِيمٌ﴾ في تَدْبيرِه إياهم، وتَدْبيرِ جميعِ خلقِه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4076>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾. يعنى: شَكًّا، ﴿إِلَّا أَنْ\n_________\n(^١) بعده في م: \"ريبة\".","vol":"11","page":698},{"text":"تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾: يعنى الموتَ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾. قال: شكٌّ في قلوبِهم، ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾: إلى أن يموتوا (^٢).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾. يقولُ: حتى يَموتوا.\nحدَّثني مطرُ بنُ محمدٍ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا أبو قُتَيبةَ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾. [قال: الموتُ] (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا ابن أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾] (^٤). قال: إلا أن يَموتوا.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: يَموتوا.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٤، ١٨٨٥، والبيهقى في الدلائل ٥/ ٢٦٣ من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٨ عن معمر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٢١ من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٠ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، م، ف.\n(^٥) بعده في ص، م، ف: \"أبى\".","vol":"11","page":699},{"text":"مجاهدٍ: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: يَموتوا.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن مَعْمَرٍ، عَنِ قتادةَ والحسنِ: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾. قالا: شَكًّا قلوبِهم (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ الرازيُّ، قال: ثنا أبو سِنانٍ، عن حبيبٍ ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾. قال: غَيْظًا في قلوبِهم (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: يَموتوا.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ الرازيُّ، عن أبي سنانٍ، عن حبيبٍ: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: إلا أن يَموتوا.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا قَبِيصةُ، عن سفيانَ، عن السُّدِّيِّ: ﴿رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾. قال: كُفَرًا. قلتُ: أكفَرَ مُجمِّعُ بن جاريةَ؟ قال: لا، ولكنها حَزَازَةٌ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٧٤.\n(^٢) تقدم في الصفحة السابقة عن قتادة فقط.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٥ من طريق إسحاق الرازي عن حبيب بدون ذكر أبي سنان.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٠ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٥ من طريق سفيان به.\nوالحزازة: وجع في القلب من غيظ ونحوه. التاج (ح ز ز).","vol":"11","page":700},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاق، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾، قال: حَزَازَةٌ في قلوبِهم.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾: لا يزالُ ريبةً في قلوبِهم راضِين بما صَنَعوا؛ [أولئك المنافقون يَرَون أنَّهم قد أحسَنوا وصنَعوا] (^١)، كما حُبِّبَ العجلُ في قلوبِ أصحابِ موسى، وقَرَأ: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣]. قال: حُبَّه. ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: لا يزالُ ذلك في قلوبِهم حتى يَموتوا، يعنى (^٢) المنافقين (^٣).\n[حدَّثني الحارثُ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ، قال: قال سفيانُ: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: إلا أن يَموتُوا. قال: وكان أصحاب عبدِ اللَّهِ يَقْرءُونها: (ريبةً في قلوبِهم ولو قُطِّعَت قلوبُهم)] (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسٌ، عن السُّدِّيِّ، عن إبراهيمَ: ﴿رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾. قال: شَكًّا. قال: قلتُ: يا أبا عمرانَ، تقولُ هذا وقد قرأتَ القرآنَ؟ قال: إنما هي حَزَازَةٌ (^٥).\nواخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، م، ف.\n(^٢) سقط من الأصل، ص، ف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٤ من طريق أصبغ عن ابن زيد به، وفي آخره سقط من المطبوع.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، م، ف. والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٦ من طريق عبد العزيز به بلفظ: يتوبوا.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٧٩ إلى أبى الشيخ.","vol":"11","page":701},{"text":"فقَرَأ ذلك بعضُ قرأةِ الحجازِ والمدينةِ والبصرةِ والكوفةِ: (إِلَّا أَنْ تُقَطَّعَ قُلُوبُهُم) بضمِّ \"التاء\" (^١) مِن \"تَقطَّعَ\" على أنه لم يُسَمَّ فاعلُه، وبمعنى: إلا أن يُقَطِّعَ الله قلوبَهم.\nوقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ بفتحِ \"التاءِ\" من \"تَقطَّعَ\" على أن الفعلَ للقلوبِ. بمعنى: إلا أن تَتقطَّعَ قلوبُهم، ثم حُذِفَت إحدى التاءَين (^٢).\nوذُكِر أن الحسنَ كان يقرؤه: (إلى (^٣) أنْ تقطعَ قلوبَهم) (^٤). بمعنى: حتى تَتقطَّعَ قلوبُهم. وذُكِرَ أنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وَلَوْ قُطِّعَتْ قُلُوبُهم) (^٥) وعلى الاعتبارِ بذلك قرَأ مَن قرَأ ذلك: (إِلَّا أَنْ تُقَطَّعَ) بضمِّ \"التاءِ\".\nوالقولُ عندى في ذلك أن الفتحَ في \"التاءِ\" والضمَّ مُتقارِبا المعنى؛ لأن القلوبَ لا تَتقطَّعُ إذا تَقَطَّعَت إلا بتقطيع الله إيَّاها، ولا يُقَطِّعُها اللَّهُ إلا وهى مُتقطِّعةٌ. وهما قراءتان معروفتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما جماعةٌ مِن القرأةِ، فبأيَّتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ في قراءِته.\nوأما قراءةُ مَن قرأ ذلك: (إلى (^٦) أن تُقَطَّعَ) فقراءةٌ لمصاحفِ المسلمين مخالفةٌ (^٧)، ولا أرَى القراءةَ بخلافِ ما في مصاحفِهم جائزةً.\n_________\n(^١) قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو والكسائي وشعبة وخلف. النشر ٢/ ٢٨١.\n(^٢) قراءة ابن عامر وحمزة وحفص وأبى جعفر. المصدر السابق.\n(^٣) في ص، ت ٢، ت ٢، ف: \"إلا\". وينظر البحر المحيط ٥/ ١٠١.\n(^٤) قراءة يعقوب الحضرمي. النشر ٢/ ٢١١.\n(^٥) وهي قراءة شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة، ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٤٥٢.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"إلا\".\n(^٧) هي قراءة يعقوب الحضرمي، أحد القراء العشرة، وهى متواترة، ولا يجوز ردُّها.","vol":"11","page":702},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-1346\"></span><span data-type='title' id=toc-4078>القول في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن اللَّهَ جَلَّ ثناؤُه ابْتَاعَ مِن المؤمنين أنفسَهم وأموالَهم بالجنةِ، ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾. يقولُ: وَعَدَهم الجنةَ، جلَّ ثناؤُه، وعدًا عليه حقًّا أن يُوفِيَ لهم به، في كتبِه المنزَّلَةِ؛ التوراةِ والإنجيلِ والقرآنِ، إذا هم وَفُوا بما عاهَدوا اللَّهَ، فقاتَلوا في سبيلِه ونُصْرةِ دينِه أعداءَه، فقَتَلوا وقُتِلوا، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: ومَن أحسنُ وفاءً بما ضَمِنَ وشَرَطُ مِن اللَّهِ، ﴿فَاسْتَبْشِرُوا﴾. يقولُ ذلك للمؤمنين: فاسْتَبْشِروا، أيُّها المؤمنون، الذين صَدَقوا الله فيما عاهَدوا ﴿بِبَيْعِكُمُ﴾ أنفسَكم وأموالَكم بالذي (^١) بِعْتُموها مِن ربِّكم (^٢)، فإن ذلك هو الفوزُ العظيمُ.\nكما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، قال: ما مِن مسلمٍ إلا وللَّهِ في عنقِه بَيْعةٌ، وَفَى بها أو مات عليها، في قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت، ٢، ف: \"الذي\".\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"به\".","vol":"12","page":5},{"text":"يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ثم حَلَّاهم فقال: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ إلى ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ [بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾. قال: ثامَنَهم واللَّهِ، فأغلَى لهم] (^٢).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن محمدِ بن يسارٍ، عن قتادةَ، أنه تَلَا هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾. قال: ثامَنَهُم [واللَّهِ] (^٣)، فأغْلَى لهم الثمنَ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى منصورُ بنُ هارونَ (^٥)، عن أبي إسحاقَ الفَزَارِيِّ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ، أنه تَلَا هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾. قال: بايَعَهم فأَغْلَى لهم (^٦).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨١ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) في ص، م، ت ٢، ت ٢ ف: \"يعنى بالجنة\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدرا المنثور ٣/ ٢٨٠ إلى المصنف.\n(^٣) في م: \"الله\".\n(^٤) في الأصل: \"يعنى بالجنة\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) في الأصل: \"إبراهيم\". وينظر الطبقات لابن سعد ٧/ ٤٩٢.\n(^٦) بعده في م: \"الثمن\". =","vol":"12","page":6},{"text":"القُرَظِيِّ وغيرِه، قالوا: قال عبدُ اللَّهِ بنُ رواحةَ لرسولِ اللَّهِ ﷺ: اشْتَرِطْ لربِّك ولنفسِك ما شئتَ. قال: \"أَشْتَرِطُ لربِّي أن تَعْبُدُوه ولا تُشْرِكوا به شيئًا، وأَشْتَرِطُ لنَفْسى أن تَمْنَعونى مما تَمْنَعون منه أنفسَكم وأموالَكم\". قالوا: فإذا فَعَلنا ذلك فماذا لنا؟ قال: \"الجنةُ\". قالوا: رَبِح البيعُ، لا نُقِيلُ ولا نستقيلُ. فنَزَلَت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عُبَيْدُ بنُ طُفَيلٍ العَبْسِيُّ، قال: سمعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحِمٍ، وسأله رجلٌ عن قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية. قال الرجلُ: أَلَا أَحْمِلُ على المشركين فأُقاتِلَ حتى أُقْتَلَ؟ قال: وَيْلك، أين الشرطُ؟ ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ الآية.\n\n<span id=\"aya-1347\"></span><span data-type='title' id=toc-4079>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن اللَّهَ اشْتَرى مِن المؤمنين التائِبِين العابِدين أنفسَهم وأموالَهم. ولكنه رُفِعَ، إذ كان مُبْتدَأَ آيةٍ (^٢) بعدَ تمَامِ أخرى قبلَها (^٣)، والعربُ تفعلُ\n_________\n= والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٧ من طريق أبي إسحاق عن أبي رجاء عن سهيل وهو ابن أبي حزم القُطَعى عن كثير وهو ابن زياد البرساني عن الحسن.\n(^١) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٢/ ١٠٤ عن المصنف، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص ١٩٦ عن محمد بن كعب القرظي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٠ إلى المصنف.\n(^٢) في م: \"به\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"أنه\".\n(^٣) في م: \"مثلها\".","vol":"12","page":7},{"text":"ذلك، وقد تقدَّمَ بيانُنا ذلك في قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضع (^١).\nومعنى التائبين (^٢): الراجِعون مما يَكرهُه (^٣) اللَّهُ ويسخطُه (^٤) إلى ما يُحِبُّه ويَرْضاه.\nكما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن ثعلبةَ بن سُهَيلٍ، قال: قال الحسنُ في قولِ اللَّهِ: ﴿التَّائِبُونَ﴾. قال: تابوا إلى الله من الذنوبِ كلِّها.\nحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ العَنْبَرِيُّ، قال: ثنى أبي، عن أبي الأشْهَبِ، عن الحسن، أنه قرَأ: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾. قال: تابوا (^٥) مِن الشركِ، وبَرِئُوا مِن النفاقِ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي الأشْهَبِ، قال: قرَأ الحسنُ: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾. قال: تابُوا مِن الشركِ، وبَرِئُوا مِن النفاقِ (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني منصورُ بن هارونَ، عن أبي إسحاقَ الفَزاريِّ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ، قال (^٧): ﴿التَّائِبُونَ﴾: مِن الشركِ.\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ٣٤٥، ٣٤٦.\n(^٢) في م: \"التائبون\".\n(^٣) في م: \"كرهه\".\n(^٤) في م: \"سخطه\".\n(^٥) في الأصل: \"التائبون\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٣٠ عن أبي أسامة به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٨ من طريق أبي الأشهب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٧) سقط من: الأصل.","vol":"12","page":8},{"text":"حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا جَريرُ بن حازمٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقرَأُ هذه الآيةَ: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾. قال الحسنُ: تابوا واللهِ مِن الشركِ، ويَرِئُوا مِن النفاقِ.\nحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿التَّائِبُونَ﴾. قال: تابوا مِن الشركِ، ثم لم يُنافِقوا في الإسلامِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿التَّائِبُونَ﴾. قال: الذين تابوا من الذنوبِ، [ثم لم] (^٢) يَعودوا فيها.\nوأما قولُه (^٣): ﴿الْعَابِدُونَ﴾، فهم الذين ذَلُّوا خشيةً للهِ وتواضعًا له، فجَدُّوا في خدمته.\nكما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الْعَابِدُونَ﴾: قومٌ أَخَذوا مِن أبدانِهم في ليلِهم ونهارِهم (^٤).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن ثعلبةَ بن سهيلٍ، قال: قال الحسنُ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿الْعَابِدُونَ﴾. قال: عَبَدوا الله على أحايينِهم كلِّها، في السراءِ والضراءِ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى منصورُ بنُ هارونَ، عن أبي\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ، وستأتى بقيته في الأثر بعد التالي وفي ص ١٠، ١٥.\n(^٢) في الأصل: \"فلم\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٩ من طريق يزيد به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٨، ١٨٨٩ من طريق حكام عن ثعلبة عن رجل عن الحسن.","vol":"12","page":9},{"text":"إسحاقَ الفزاريِّ، عن أبي رجاءٍ عن الحسنُ ﴿الْعَابِدُونَ﴾. قال: العابِدون لربِّهم.\nوأما قوله: ﴿الْحَامِدُونَ﴾، فإنهم الذين يَحْمَدون اللَّهَ على كلِّ ما امتَحَنَهم به من خيرٍ وشرٍّ.\nكما حدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الْحَامِدُونَ﴾: قومٌ حَمِدوا الله على كلِّ حالٍ (^١).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن ثعلبةَ، قال: قال الحسنُ: ﴿الْحَامِدُونَ﴾: الذين حَمِدوا اللَّهَ على أحايينِهم كلِّها، في السراءِ والضراءِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى منصورُ بن هارونَ، عن أبي إسحاقَ الفزاريِّ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ: ﴿الْحَامِدُونَ﴾. قال: الحامِدون على الإسلامِ (^٣).\nوأما قوله: ﴿السَّائِحُونَ﴾، فإنه (^٤) الصَّائمون.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عيسى الدَّامَغانيُّ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا سفيانُ، عن عمرِو بن دينارٍ، و(^٥) حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ الحارثِ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عُبَيدِ بن عميرٍ، قال: سُئِل النبيُّ\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٩ من طريق حكام عن ثعلبة عن رجل عن الحسن.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٩ من طريق أبي إسحاق عن أبي رجاء عن سهيل وهو ابن أبي حزم القُطَعى عن كثير وهو ابن زياد البرساني عن الحسن.\n(^٤) في م: \"فإنهم\".\n(^٥) سقط من: م.","vol":"12","page":10},{"text":"ﷺ عن السائحين، فقال: \"هُمُ الصَّائمون\" (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا حكيمُ بنُ خِذامٍ (^٢)، قال: ثنا سليمانُ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال (^٣) رسول الله ﷺ: \"السَّائِحون هم الصَّائِمون\" (^٤).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن الأعْمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الصَّائمون (^٥).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الصَّائمون (^٦).\nحدَّثنا ابن بشارٍ قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى عاصمٌ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ بمثلِه.\n_________\n(^١) أخرجه مسدد في مسنده - كما في المطالب (٣٩٩٩) - والبيهقى ٤/ ٣٠٥ من طريق سفيان به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٣٣٥، ومن طريقه البيهقى في الشعب (٣٥٧٨) من طريق سفيان عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير عن أبي هريرة. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، على أنه مما أرسله أكثر أصحاب ابن عيينة ولم يذكروا أبا هريرة في إسناده. وقال البيهقي: المحفوظ عن ابن عيينة عن عمرو عن عبيد بن عمير عن النبي ﷺ مرسلًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨١ إلى المصنف عن عبيد بن عمير مرسلًا، ثم عزاه إلى المصنف والفريابي ومسدد في مسنده عن عبيد بن عمير عن أبي هريرة.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"حزام\". وينظر المؤتلف والمختلف ٢/ ٨٩٨، ٣/ ١٢٥٠.\n(^٣) بعده في م: \"لى\".\n(^٤) أخرجه العقيلي في الضعفاء ١/ ٣١٧، وابن عدى في الكامل ٢/ ٦٣٨ من طريق محمد بن عبد الله بزيع به، وأخرجه ابن المقرى في معجمه (٥٩٩) من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨١ إلى أبى الشيخ وابن مردويه وابن النجار.\n(^٥) أخرجه ابن المقريء في معجمه عقب (٥٩٩) من طريق الأعمش به.\n(^٦) أخرجه أحمد في العلل ٢/ ٩١ (٥٣٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٩ من طريق عبد الرحمن بن مهدي به، والطبراني (٩٠٩٥) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"12","page":11},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ، قال: أخبَرنا شَيبانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: السياحةَ الصيامُ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلَ، عن أشْعثَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الصائمون (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبيه وإسرائيلَ، عن أشْعثَ بن أبى الشعثاءِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الصائمون.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ (^٣)، عن أشْعثَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الصائمون (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أشْعثَ بن أبي الشَّعْثاءِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، عن أبي (^٥) عبدِ الرحمنِ، قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾: هم الصائمون.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٩، ١٨٩٠ تعليقًا.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٩ تعليقًا.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"إسرائيل\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٥٦ عن سعيد بن جبير.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"12","page":12},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿السَّائِحُونَ﴾. قال: يعنى بالسائحين: الصائمين (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ، عن إسرائيلَ، عن [أبي يحيى] (^٢)، عن مجاهدٍ، قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾: هم الصائمون.\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الصائمون (^٣).\n[حدَّثني المُثَنَّى] (^٤)، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: [كلُّ ما] (^٥) ذَكَر اللَّهُ في القرآنِ (^٦) السياحةَ، هم الصائمون (^٧).\n[حدَّثنا ابن وكيعٍ] (٤)، قال: ثنا أبي، عن المسعوديِّ، عن أبي سِنانٍ، عن ابن أبى الهُذَيلِ، عن أبي عمرٍو العَبْديِّ، قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الذين يُدِيمون الصيامَ مِن المؤمنين (^٨).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ (^٩)، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن ثعلبةَ بن سهيلٍ، قال: قال الحسنُ: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الصائمون (^١٠).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٥٦ عن العوفي عن ابن عباس.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"أبي نجيح\"، وفى م، ف: \"ابن أبي نجيح\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٧٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨١ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: \"كلما\".\n(^٦) بعده في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ذكر\" والمثبت موافق لما في تفسير ابن كثير والدر المنثور.\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٥٦ عن علي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨١ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٠ من طريقين عن أبي سنان به.\n(^٩) في الأصل: \"وكيع\".\n(^١٠) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٩/ ٤٤ من طريق آخر عن الحسن به.","vol":"12","page":13},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى منصور بن هارونَ، عن أبي إسحاقَ الفَزاريِّ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنُ، قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الصائمون شهرَ رمضانَ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الصائمون (^١).\n[حدَّثنا ابن وكيعٍ] (^٢)، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ ﴿السَّائِحُونَ﴾ فإنه (^٣) الصائمون.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الصائمون.\nحُدِّثْتُ عن الحسينُ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخبرَنا عُبيَدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿السَّائِحُونَ﴾: يعنى الصَّائمين (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ ويَعْلى وأبو أسامةَ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الصائمون (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هُشَيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه.\n[حدَّثني المُثَنَّى] (٢)، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٩، ١٨٩٠ تعليقًا.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢: \"قال\"، وفى ف: \"ذاك\".\n(^٤) في ف: \"الصائمون\".\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٨٩، ١٨٩٠ تعليقًا.","vol":"12","page":14},{"text":"عُيَينةَ، قال: ثنا عمرٌو، أنه سَمِعَ وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: كانت السياحةُ في بني إسرائيلَ، وكان الرجلُ إذا ساحَ أربعينَ سنةَ رأى ما كان يرى السائحون قبلَه. فساحَ وَلَدُ بَغِيٍّ أربعين سنةً فلم يَرَ شيئًا، فقال: أيْ ربِّ، أرأيتَ إن أساءَ أبواى وأحسنتُ أنا! قال: فَأُرِى ما أُرِىَ السائحون قبلَه (^١).\nقال ابن عُيَينةَ: إذا تَرَكَ الطعامَ والشرابَ والنساءَ فهو السائحُ (^٢).\nحدثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿السَّائِحُونَ﴾: قومٌ أَخَذوا مِن أبدانِهم صومًا للَّهِ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ يزيدَ، عن الوليدِ بن عبدِ اللَّهِ، عن عائشةَ، قالت: سياحةُ هذه الأمَّةِ الصيامُ (^٤).\nوقوله: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾. يعنى: المُصَلِّين، الراكِعِين في صلاتِهم، الساجدِين فيها.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى منصورُ بنُ هارونَ، عن أبي إسحاقَ الفَزاريِّ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾. قال: الصلاةُ المفروضةُ (^٥).\nوأما قوله: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَر﴾، فإنه يعنى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٢ إلى المصنف مقتصرا على قوله: كانت السياحة في بني إسرائيل.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٢ إلى ابن المنذر بنحوه.\n(^٣) تقدم أوله في ص ٩.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٥٦ عن المصنف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩١ من طريق أبي إسحاق الفزاري عن أبي رجاء عن سهيل وهو ابن أبي حزم القُطَعى عن كثير بن زياد البرساني عن الحسن.","vol":"12","page":15},{"text":"أنهم يأمُرون الناسَ بالحقِّ في أديانهم واتِّباعِ الرشدِ والهُدى والعملِ، ويَنْهَونهم عن المنكرِ، وذلك نَهْيُهم الناسَ عن كلِّ فعلٍ وقولٍ نَهَى اللَّهُ عبادَه عنه.\nوقد رُوِيَ عن الحسنِ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني منصورُ بنُ هارونَ، عن أبي إسحاقَ الفَزاريِّ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾: لا إلهَ إلا اللَّهُ، ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَر﴾: عن الشركِ (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن ثَعْلَبةَ بن سهيلٍ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: أمَا إنهم لم يأمُروا الناسَ حتى كانوا مِن أهلِها، ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. قال: أمَا إنهم لم يَنْهَوا عن المنكرِ حتى انتهَوا عنه (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثني إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: كلُّ ما ذَكَر اللَّهُ (^٣) في القرآنِ مِن (^٣) الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، فالأمرُ بالمعروفِ دعاءٌ من الشركِ إلى الإسلامِ، والنهيُ عن المنكرِ نهىٌ عن عبادةِ الأوثانِ والشياطينِ.\nوقد دَلَّلنا فيما مَضَى قبلُ على صحةِ ما قُلنا؛ مِن أن المعروف (^٤) هو كلُّ ما أمَر\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩١ من طريق أبي إسحاق الفزاري عن أبي رجاء عن سهيل بن أبي حزم القُطَعى عن كثير بن زياد البرساني عن الحسن، بأوله فقط. وسقط ذكر أبي رجاء من إسناده.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩١، ١٨٩٢ من طريق حكام عن ثعلبة بن سهيل عن رجل عن الحسن.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"الأمر بالمعروف\".","vol":"12","page":16},{"text":"اللَّهُ به عبادَه أو رسولُه ﷺ، [والمنكر] (^١) هو كلُّ ما نَهَى اللَّهُ عنه عبادَه أو رسولُه (^٢). وإذ كان ذلك كذلك، ولم يكنْ في الآيةِ دلالةٌ على أنها عُنِى بها خصوصٌ دونَ عمومٍ، ولا في (^٣) خبرٍ عن الرسولِ، ولا في فطرةِ عقلٍ، فالعمومُ بها أَوْلى؛ لما قد بَيَّنَّا في غير موضعٍ مِن كُتُبِنا.\nوأما قولُه: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾، فإنه يعنى: المؤدُّون فَرائضَ اللَّهُ، المُنْتَهون إلى أمرِه ونهِيه، الذين لا يُضَيِّعون شيئًا ألزمَهم العملَ به، ولا يَرْتكِبون (^٤) شيئًا نَهاهم عن ارْتِكابِه.\nكالذي حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد اللَّهُ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾: يعنى: القائِمين على طاعةِ اللَّهِ. وهو شرطٌ اشْتَرَطه اللَّهُ على أهلِ الجهادِ، إذا وَفَوا للَّهِ (^٥) بشرطِه، وَفَى لهم بشرطِهم (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾. قال: القائِمون على طاعةِ اللَّهِ (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف، وفى م: \"والنهي عن المنكر\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٥/ ٦٧٦، ٦٧٧.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"يركبون\".\n(^٥) في ص، م: \"الله\".\n(^٦) في م: \"شرطهم\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٢ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٢ إلى ابن المنذر.\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٥٧ عن العوفي عن ابن عباس.","vol":"12","page":17},{"text":"حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّام، عن ثعلبةَ بن سهيلٍ، قال: قال الحسنُ في قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾. قال: القائمون على أمرِ اللَّهُ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى منصورُ بنُ هارونَ، عن أبي إسحاقَ الفَزاريِّ، عن أبي رجاءٍ عن الحسنِ: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾. قال: لفرائض اللَّهِ (^٢).\nوأما قولُه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فإنه يعنى: وبَشِّرِ المُصَدِّقِين بما وَعَدَهم اللَّهُ إذا هم [وَفَّوا اللَّهُ بعهدِهم] (^٣)، أنه مُوَفٍّ لهم بما وَعَدَهم من إدخالِهم الجنةَ.\nكما حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ بن خليفة، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ حتى خَتَمَ الآيةَ، قال: هم (^٤) الذين وَفَوا ببيعتِهم (^٥)، ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ حتى خَتَمَ الآيةَ، فقال: هذا عملُهم وسيرُهم في الرخاءِ، ثم لَقُوا العدوَّ فصَدَقوا ما عاهَدوا اللَّهَ عليه.\nوقال بعضُهم: معنى ذلك: وبَشِّرْ مَن فَعَل هذه الأفعالَ - يعنى قولَه: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ - وإن لم يَغْزُوا.\n\n<span data-type='title' id=toc-4080>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى منصورُ بن هارونَ، عن أبي إسحاقَ الفزاريِّ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: الذين\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٢ من طريق حكام عن ثعلبة بن سهيل عن رجل عن الحسن.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٥٧ عن الحسن.\n(^٣) في م: \"وفوا الله بعهده\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٥) في ت ١: \"ببيعهم\".","vol":"12","page":18},{"text":"لم يَغْزوا (^١).\n\n<span id=\"aya-1348\"></span><span data-type='title' id=toc-4081>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ما كان يَنْبَغى للنبيِّ محمدٍ ﷺ والذين آمنوا به، ﴿أَنْ يَسْتَغْفِرُوا﴾. يقولُ: أن يَدْعوا بالمغفرةِ للمشركين، ولو كان المشركون الذين يَسْتَغْفرون لهم (^٢) ذَوى قَرابةٍ لهم، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ: مِن بعدِ ما ماتوا على شِرْكِهم باللَّهِ وعبادةِ الأوثانِ، فتَبَيَّنَ (^٣) لهم أنهم مِن أهلِ النارِ؛ لأن اللَّهُ قد قَضَى أن لا يَغْفِرَ لمشركٍ، فلا يَنْبَغِى لهم أن يَسْأَلُوا ربَّهم أن يفعلَ ما قد عَلِموا أنه لا يفعلُه.\n\n<span id=\"aya-1349\"></span>فإن قالوا: فإن إبراهيمَ قد اسْتَغْفر لأبيه وهو مشركٌ؟ فلم يكن استغفارُ إبراهيمَ لأبيه إلا لمَوعدةٍ وَعَدَها إياه، ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ وعَلِمَ أنه للَّهِ عدوٌّ، خَلَّاه وتَرَكَه، وتَرَكَ الاستغفارَ له، وآثَرَ اللَّهَ وأمْرَه عليه، فتبرَّأَ منه حينَ تَبَيَّنَ له أَمرُه.\nواختَلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي نَزَلَت هذه الآيةُ فيه؛ فقال بعضُهم: نَزَلَت في شأنِ أبي طالبٍ عمِّ النبيِّ ﷺ؛ لأن النبيَّ ﷺ أرادَ أن يستغفرَ له بعدَ موتِه، فنَهاه اللَّهُ عن ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٢ من طريق أبى إسحاق الفزاري عن أبي رجاء عن سهيل وهو ابن أبي حزم القطعي عن كثير وهو ابن زياد البرساني عن الحسن. وفي متنه تصحيف.\n(^٢) بعده في م: \"أولى قربى\".\n(^٣) في م: \"وتبين\".","vol":"12","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4082>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا (^١) عن محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، [عن مَعْمَرٍ] (^٢)، [عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المسيبِ، عن أبيه] (^٣)، قال: لمَّا حَضَرَت أبا طالبٍ الوفاة، دَخَلَ عليه النبيُّ ﷺ وعندَه أبو جهلٍ وعبد اللَّهُ بنُ أبي أميةَ، فقال: \"يا عَمِّ، قُلْ: لا إله إلا اللَّهُ، كلمةً أُحَاجُّ لك بها عندَ اللَّهِ\". فقال له أبو جهلٍ وعبدُ اللَّهُ بنُ أبى أميةَ: يا أبا طالبٍ، أترغبُ عن ملةِ عبدِ المطلبِ؟ فلم يزالا يكلمانِه حتى قالَ آخِرَ شيءٍ تكلَّم به: أنا على ملةِ عبدِ المطلبِ. فقال النبيُّ ﷺ: \"لأَسْتَغْفِرَنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك\". فنَزَلَت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، ونَزَلَت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (^٤) [القصص: ٥٦].\nحدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وَهْبٍ، قال: ثنا عمى عبدُ اللَّهِ بنُ وَهْبٍ، قال: ثني يونسُ، عن الزهريِّ، قال: أخبرَني سعيدُ بنُ المسيبِ، عن أبيه، قال: لمَّا حَضَرَت أبا طالبٍ الوفاةُ، جاءه رسولُ اللَّهُ ﷺ فوجَدَ عندَه أبا جهلِ بنَ هشامٍ وعبدَ اللَّهِ بنَ أبي أميةَ بن المغيرةِ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"يا عم، قل: لا إله إلا اللَّهُ، كلمةً\n_________\n(^١) في الأصل: \"حدثت عن\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) أخرجه النسائي (٢٠٣٤) عن محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٨ ومن طريقه أخرجه أحمد ٥/ ٤٣٣ (الميمنية)، والبخاري (٣٨٨٤، ٤٦٧٥)، ومسلم (٢٤/ ٤٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٤، والبيهقى في الدلائل ٢/ ٣٤٢. وأخرجه البخاري (١٣٦٠، ٤٧٧٢، ٦٦٨١)، ومسلم (٤٠/ ٢٤)، والبيهقى في الدلائل ٢/ ٣٤٢ من طريق الزهري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.","vol":"12","page":20},{"text":"أشْهَدُ لك بها عندَ اللَّهِ\". قال أبو جهلٍ وعبدُ اللَّهِ بنُ أبي أميةَ: يا أبا طالبٍ، أترغبُ عن ملةِ عبدِ المطلبِ؟! فلم يَزَلْ رسولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُها عليه ويعيدُ له تلك المقالةَ، حتى قال أبو طالبٍ آخِر ما كَلَّمَهم: هو على ملةِ عبدِ المطلبِ. وأبَى أن يقولَ: لا إلهَ إلا اللَّهُ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"واللَّهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك\". فأنْزَل اللَّهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾، وأنزل اللَّهُ في أبى طالبٍ، فقال لرسولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية (^١) [القصص: ٥٦].\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾. قال: [قولُ المؤمنين] (^٢): ألا نستغفرُ لآبائِنا وقد استغفرَ إبراهيمُ لأبيه كافرًا؟ فأنزَل الله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ الآية.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبْلٌ، عن عمرِو بن دينارٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: \"اسْتَغْفرَ إبراهيمُ لأبيه وهو مُشْرِكٌ، فلا أزالُ أستغفرُ لأبي طالبٍ حتى يَنْهانى عنه رَبِّي\". فقال أصحابُه: لنَسْتَغْفرنَّ لآبائِنا كما استغفرَ النبيُّ ﷺ لعَمِّه. فأنزل اللَّهُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٤/ ٣٩) من طريق عبد الله بن وهب به.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"يقول المؤمنون\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٢، ٢٨٣ إلى المصنف.","vol":"12","page":21},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ (^١)، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: [لمَّا حُضِر أبو طالبٍ] (^٢)، أتاه رسولُ اللَّهِ ﷺ وعندَه عبدُ اللَّهِ بنُ أبي أميةَ وأبو جهلِ بنُ هشامٍ، فقال له رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أَيْ عمِّ، إنك أعظمُ الناسِ عليَّ حَقًّا، وأحسنُهم عندى يدًا، ولأنتَ أعظمُ عليَّ حقًّا مِن والِدِي، فقلْ كلمةً تجبُ لى بها الشفاعةُ يومَ القيامةِ؛ قلْ: لا إلهَ إِلا اللَّهُ\". ثم ذَكَر نحوَ حديثِ ابن عبدِ الأعْلى عن محمدِ بن ثورٍ (^٣).\nوقال آخرون: بل نَزَلَت في سببِ أُمِّ رسولِ اللَّهِ ﷺ، وذلك أنه أرادَ أن يستغفرَ لها فمُنِعَ من ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-4083>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فُضَيلٌ، عن (^٤) عطيةَ، قال: لمَّا قَدِمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ، مكةَ، وَقَفَ على قبرِ أمِّه حتى سَخِنَت عليه الشمسُ؛ رجاءَ أن يُؤذَنَ له فيستغفرَ لها، حتى نَزَلَت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا قيسٌ، عن عَلْقمةَ بن مَرْثدٍ، عن سليمانَ بن بُرَيدةَ، عن أبيه، أن النبيَّ ﷺ [لمَّا قدِم مكةَ] (^٥) أَتَى رَسْمَ، قال: وأكبرُ (^٦)\n_________\n(^١) في م: \"عيينة\". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ١٣٩.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"لما حضر أبا طالب الوفاة\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٣ إلى المصنف.\n(^٤) في الأصل: \"بن\". وينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٣٠٥.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"أكثر\".","vol":"12","page":22},{"text":"ظَنِّي أنه قال: قبرٍ، فجَلَسَ إليه، فجَعَل يُخاطِبُ، ثم قامَ مُسْتَعْبِرًا (^١). فقلنا (^٢): يا رسولَ اللَّهِ، إنَّا رأينا (^٣) ما صنعتَ. قال: \"إِنِّي اسْتأذَنتُ رَبِّي في زيارةِ قبرِ أمِّي فأَذِنَ لي، واسْتأذَنتُه في الاسْتغفارِ لها فلم يَأذَنْ لى\". فما رُؤِىَ باكيًا أكثرَ مِن يومئذٍ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ إلى: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: فإن رسول اللَّهِ ﷺ ما أرادَ أن يستغفرَ لأمِّه، فنَهاه اللَّهُ عن ذلك، فقال: \"فإنَّ إبراهيمَ خليلَ اللَّهِ قد اسْتَغْفر لأبيه\". فأنَزل اللَّهُ ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ إلى: ﴿لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (^٥).\nوقال آخرون: بل نَزَلَت مِن أجلِ أن قومًا من أهلِ الإيمان كانوا يَسْتَغْفِرون لمَوتاهم مِن المشركين، فنُهُوا عن ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-4084>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"مستغفرًا\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"فقلت\".\n(^٣) في تفسير ابن كثير: \"رابنا\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٥٩ عن علقمة بن مرثد به، وأخرجه أحمد ٥/ ٣٥٦ (الميمنية)، والترمذي (١٠٥٤) من طريق علقمة بن مرثد بنحوه مطولًا، وأخرجه أحمد ٥/ ٣٥٦/، ٣٥٩ (الميمنية) من طريق سليمان بنحوه مطولًا.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٦٠ عن العوفي عن ابن عباس.","vol":"12","page":23},{"text":"كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: فكانوا يَسْتَغْفِرُون لهم حتى نَزَلَت هذه الآيةُ، فلما نَزَلَت (^١) أَمْسَكوا عن الاستغفارِ لأمواتِهم، ولم يَنْهَهم أن يَسْتَغْفروا للأحياءِ حتى يَموتوا، ثم أنزَل الله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ الآية (^٢).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية: ذُكِرَ لنا أن رجالًا من أصحابِ النبيِّ ﷺ قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إن مِنْ آبائِنَا مَن كان (^٣) يُحْسِنُ الجِوارَ، ويَصِلُ الأرحامَ، ويَفُلُّ العانيَ، ويُوفِي بالذِّمَمِ، أفلا نستغفرُ لهم؟ قال: فقال النبيُّ ﷺ: \"بلى، واللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لأبي كما اسْتغفَرَ إبراهيمُ لأبيه\". قال: فأنزَل اللَّهُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ حتى بَلَغَ ﴿الْجَحِيمِ﴾، ثم عَذَرَ اللَّهُ إبراهيمَ فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. قال: وذُكِرَ لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال: \"أُوحِيَ إليَّ كلماتٌ فَدَخَلْنَ فِي أُدْنِي وَوَقَرْنَ فِي قلبي؛ أُمِرتُ أن لا أستغفِرَ لَمن ماتَ مُشْرِكًا، ومَن أعطَى فضلَ مالِه فهو خيرٌ له، ومَن أمسَكَ فهو شرٌّ له، ولا يلومُ اللَّهُ على كَفافٍ\" (^٤).\nواختَلف أهلُ العربيةِ في معنى قولِه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾.\n_________\n(^١) في الأصل: \"أنزلت\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٣ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٢ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٣ إلى المصنف.","vol":"12","page":24},{"text":"فقال بعضُ نَحويى البصرةِ: معنى ذلك: ما كان لهم الاستغفارُ، وكذلك معنى قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ﴾ [يونس: ١٠٠]: وما كان لنفسٍ الإيمانُ ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.\nوقال بعض نحويى الكوفةِ: معناه: ما كان يَنْبَغِى لهم أن يَسْتَغْفِرُوا لهم. قال: وكذلك إذا جاءت \"أن\" مع \"كان\"، فكلُّها بتأويلِ: ينبغي؛ ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]: ما كان يَنْبَغِي له، ليس هذا من أخلاقِه. قال: فلذلك إذا (^١) دَخَلَت \"أن\" تدلُّ على الاستقبال؛ لأن \"ينبغي\" تطلب (^٢) الاستقبالَ.\nوأما قوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾، فإن أهلَ التأويلِ (^٣) اخْتَلَفوا في السببِ الذي أُنزِل فيه؛ فقال بعضُهم: أُنزِل مِن أجلِ أن النبيَّ ﷺ وأصحابَه كانوا يَسْتَغْفرون لمَوتاهم المشركين، ظَنًّا منهم أن إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ قد فَعَل ذلك حينَ أنزَل اللَّهُ ﷿ قولَه خبرًا عن إبراهيمَ: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧].\nوقد ذَكَرنا الروايةَ عن بعضِ مَن حَضَرَنا ذكرُه، [وسنذكُرُ عمَّن لم نذكُرْه] (^٤).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الخليلِ، عن عليٍّ، قال: سمِعتُ رجلًا يستغفرُ لوالدَيه وهما مُشْرِكان، [فقلتُ له: أتستغفِرُ لهما وهما مُشْرِكان] (^٥)؟ فقال: أوَ لم يستغفِرْ إبراهيمُ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢.\n(^٢) في ص: \"لطلب\"، وفى ف: \"يطلب\".\n(^٣) في ص، م، ت ١ ت ٢، ف: \"العلم\".\n(^٤) في الأصل: \"وسأذكر عمن لم أذكره\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف، وفى م: \"فقلت: أيستغفر الرجل لوالديه وهما مشركان؟ \".","vol":"12","page":25},{"text":"لأبيه؟ قال: فأتيتُ النبيَّ ﷺ فذكَرتُ ذلك له، فأنزَل الله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا﴾ (^١) إلى ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الخليلِ، عن عليٍّ، أن النبيَّ ﷺ كان يستغفِرُ لأبوَيه وهما مُشْرِكان، حتى نَزَلَت: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ إلى قولِه: ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (^٣).\nوقيل: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾، ومعناه: إلا مِن بعدِ موعدةٍ، كما يقالُ: ما كان هذا الأمرُ إلا عن سببِ كذا. بمعنى: مِن بعدِ ذلك السببِ أو مِن أجلِه. فكذلك قولُه: ﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾: مِن أجلِ موعدةٍ وبعدَها.\nوقد تأوَّلَ قومٌ قولَ اللَّهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية، أن النَّهْيَ مِن اللَّهِ عن الاستغفارِ للمشركين بعدَ مَماتِهم؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. وقالوا: ذلك لا يَتَبيَّنُه أحدٌ إلا بأن يموتَ على كفرِه، وأمَّا وهو حيٌّ فلا سبيلَ إلى علمِ ذلك، فللمؤمنين أن يَسْتغفروا لهم.\n_________\n(^١) من هنا خرم في مخطوطة الأصل وينتهي في ص ٨٨.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٢٨ (١٠٨٥)، والنسائي (٢٠٣٥)، وأبو يعلى (٣٣٥) من طريق عبد الرحمن مهدى به، وأخرجه أحمد ٢/ ١٦٢، ٣٢٨ (٧٧١، ١٠٨٥)، والترمذي (٣١٠١)، والبزار (٨٩٣، ٨٩٤)، وأبو يعلى (٦١٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٣، والحاكم ٢/ ٣٣٥، والبيهقي في الشعب (٩٣٧٨) من طريق سفيان به، وأخرجه الطيالسي (١٣٣)، والبيهقى (٩٣٧٧) من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه والضياء في المختارة.\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (٣٣٥) من طريق يحيى بن سعيد به.","vol":"12","page":26},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4085>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا سليمانُ بن عمرَ الرَّقِّيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، عن سفيانَ الثوريِّ، عن الشَّيْبانيِّ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: ماتَ رجلٌ يهوديٌّ وله ابنٌ مسلمٌ فلم يخرُجْ معه، فذُكِر ذلك لابنِ عباسٍ فقال: كان يَنْبغِي له أن يمشِىَ معه ويَدْفِنَه ويَدْعوَ له بالصلاحِ ما دامَ حيًّا، فإذا ماتَ وَكَلَه إلى شأنِه. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾: لم يَدْعُ (^١).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا ابن (^٢) فُضَيلٍ، عن ضِرَارِ بن مُرَّةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ قال: ماتَ رجلٌ نَصْرانيٌّ، فوَكَلَه ابنُه إلى أهلِ دينِه، فأتيتُ ابنَ عباسٍ فذَكَرتُ ذلك له، فقال: ما كان عليه لو مَشَى معه وأَجَنَّه واستغفَر له. ثم تَلَا: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ الآية (^٣).\nوتأوَّلَ آخرون الاستغفارَ في هذا الموضعِ بمعنى الصلاةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4086>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا كثيرُ بنُ هشامٍ، عن جعفرِ بن بُرْقانَ، قال: ثنا حبيبُ بنُ أبى مرزوقٍ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، قال: ما كنتُ أَدَعُ الصلاةَ على أحدٍ مِن أهلِ هذه القبلةِ، ولو كانت حَبَشِيَّةً حُبْلَى مِن الزِّنا؛ لأنى لم أَسْمَعِ اللَّهَ يَحْجُبُ الصلاةَ إلا عن المشركين، يقولُ اللَّهُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٦١ عن الثوري به.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤٨ عن ابن فضيل به، وأخرجه أيضا ٣/ ٣٤٨ من طريق إسرائيل عن ضرار به.","vol":"12","page":27},{"text":"آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (^١).\nوتأوَّله آخرون بمعنى الاستغفارِ الذي هو دعاءٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4087>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن عصمةَ بن زاملٍ (^٢)، عن أبيه، قال: سَمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: رَحِمَ اللَّهُ رجلًا استغفَر لأبي هريرةَ ولأمِّه. قلت: ولأبيه؟ قال: لا، إن أبى ماتَ وهو مشركٌ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وقد دَلَّلنا على أن معنى الاستغفارِ مسألةُ العبدِ ربَّه غَفْرَ الذنوبِ (^٤). وإذ كان ذلك كذلك، وكانت مسألةُ العبدِ ربَّه ذلك قد تكونُ في الصلاةِ وفي غيرِ الصلاةِ، لم يكُنْ أحدُ القولَين اللذين ذَكَرنا فاسدًا؛ لأن اللَّهَ قد (^٥) عَمَّ بالنهيِ عن الاستغفارِ للمشركِ بعدَما تبَيَّنَ له أنه مِن أصحابِ الجحيمِ، ولم يُخصِّصْ مِن ذلك حالًا أباحَ فيها الاستغفارَ له.\nوأما قولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، فإن معناه ما قد بَيَّنتُ مِن أنه: من بعدِ ما يَعْلَمون (^٦) بموتِه كافرًا أنه مِن أهلِ النارِ.\nوقيل: ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾؛ لأنهم سكانُها وأهلُها الكَائِنون فيها، كما يقالُ لسُكَّانِ الدارِ: هؤلاء أصحابُ هذه الدارِ. بمعنى: سُكَّانُها.\nوبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٦١ عن عطاء بن أبي رباح.\n(^٢) في م: \"راشد\". وينظر التاريخ الكبير ٧/ ٦٣، والجرح ٧/ ٢٠.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٦١ عن المصنف.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٦/ ٦٨.\n(^٥) سقط من: م، ف.\n(^٦) في ت ٢، ف: \"تعلمون\".","vol":"12","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4088>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. قال: تَبَيَّنَ للنبيِّ ﷺ أن أبا طالبٍ حينَ [ماتَ أن التوبةَ قد انْقطَعَت عنه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: تَبَيَّنَ له حينَ] (^٢) ماتَ، وعَلِمَ أن التوبة قد انْقطَعَت عنه (^٣). يعنى في قولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضَّحَّاكَ في قولِه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية. يقولُ: إذا ماتوا مُشْرِكِين، يقول الله: [﴿إِنَّهُ مَنْ] (^٥) يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ الآية [المائدة: ٧٢].\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾؛ قال بعضُهم: معناه: فلمَّا تَبَيَّنَ له بموته مشركًا باللَّهِ تَبرَّأَ منه وتَرَكَ الاستغفارَ له.\n\n<span data-type='title' id=toc-4089>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ،\n_________\n(^١) في ص: \"منه\".\n(^٢) سقط من: ف، ت ١، ت ٢.\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٨٩.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"منه\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٥ من طريق محمد بن عبد الأعلى به.\n(^٥) في النسخ: \"ومن\".","vol":"12","page":29},{"text":"عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ما زالَ إبراهيمُ يستغفِرُ لأبيه حتى مات، ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى، عن سفيانَ، عن حبيبٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ما زال إبراهيمُ يستغفِرُ لأبيه حتى مات، فلما ماتَ تَبَيَّنَ له أنه عدوٌّ للَّهِ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لم يزَلْ إبراهيم يستغفِرُ لأبيه حتى ماتَ، فلما ماتَ لم يستغفِرْ له.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾: يعنى: استغفَر له ما كان حيًّا، فلما ماتَ أمسكَ عن الاستغفارِ له.\nحدَّثني مَطَرُ بنُ محمدٍ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ وأبو قُتَيبةَ سَلْمُ بنُ قُتَيبةَ، قالا: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. قال: لمَّا ماتَ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٤ من طريق عبد الرحمن به، وأخرجه أيضًا ٦/ ١٨٩٥ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٥ إلى الفريابي وابن المنذر وأبى الشيخ وأبي بكر الشافعي في فوائده والضياء في المختارة.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٥ تعليقًا.","vol":"12","page":30},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾. قال: موتُه وهو كافرٌ.\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن شُعْبَةَ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال: ثنا [ابن أبي غَنِيَّةَ] (^١)، عن أبيه، عن الحَكَمِ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. قال: حينَ ماتَ ولم يُؤْمِنْ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن عمرِو بن دينارٍ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾: موتُه وهو كافرٌ.\nقال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. قال: لمَّا ماتَ (^٣).\nحدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾: لمَّا ماتَ على شِرْكِه تَبَرَّأَ منه (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾: كان إبراهيمُ، صلواتُ اللَّهِ عليه، يَرْجُو أَن يُؤْمِنَ أبوه ما دامَ حَيًّا، فلما ماتَ على شِرْكِه تَبَرَّأ منه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"ابن أبي عتبة\"، وفى م: \"البراء بن عتبة\"، والمثبت هو الصواب، وقد تقدم هذا الإسناد في ٧/ ٥٥٥، ٨/ ٨١.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٥ تعليقًا.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٦١ عن الضحاك.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٦١ عن قتادة.","vol":"12","page":31},{"text":"مجاهدٍ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. قال: موتُه وهو كافرٌ.\nحدَّثنا أحمدُ (^١) بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ما زالَ إبراهيمُ يستغفِرُ لأبيه حتى ماتَ، فلما ماتَ تَبَيَّنَ له أنه عدوٌّ اللَّهِ فلم يستغفِرْ له (^٢).\nقال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا أبو (^٣) إسرائيلَ، عن عليِّ بن بَذِيمةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾. قال: فلمَّا ماتَ.\nوقال آخرون: معناه: فلما تَبَيَّنَ له في الآخرةِ، وذلك أن أباه يَتَعلَّقُ (^٤) به إذا أرادَ أن يَجوزَ الصراطَ، فيَمُرُّ به عليه، حتى إذا كادَ أن يُجاوِزَه حانَتْ مِن إبراهيمَ التِفاتةٌ، فإذا هو بأبيه في صورةِ قِرْدٍ أو ضَبُعٍ، فخَلَّى (^٥) عنه وتَبَرَّأ منه حينَئذٍ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-4090>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ، قال: ثنا [عبدُ الملكِ بنُ أبي سليمانَ] (^٧)، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ يقولُ: إن إبراهيمَ يقولُ يومَ القيامةِ: ربِّ والدى، ربِّ والدى. فإذا كانت (^٨) الثالثةُ أَخَذَ بيدِه، فيَلْتَفِتُ إليه وهو ضِبْعانٌ (^٩) فيَتَبَرَّأُ\n_________\n(^١) في النسخ: \"محمد\"، والمثبت هو الصواب، وينظر تهذيب الكمال ١/ ٢٦٥.\n(^٢) تفسير سفيان الثوري ص ١٢٧.\n(^٣) سقط من: ف. وإسرائيل بن يونس وأبو إسرائيل الملائي كلاهما يروى عن علي بن بذيمة، ويروى عنهما أبو أحمد الزبيرى. ينظر تهذيب الكمال ٢/ ٥١٥، ٣/ ٧٧.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"متعلق\".\n(^٥) في ت ١: \"فتخل\"، وفي ف: \"فيخل\"، وبدون نقط في: ص، ت ٢.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يتبرأ\".\n(^٧) في م: \"عبد الله بن سليمان\". وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٣٢٢.\n(^٨) في م: \"كان\".\n(^٩) الضِّبْعان: الذكر من الضباع. اللسان (ض ب ع).","vol":"12","page":32},{"text":"منه.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن عُبَيدِ بن عُمَيرٍ، قال: إنكم مَجموعون يومَ القيامةِ في صعيدٍ واحدٍ، يُسْمِعُكم الداعى، ويَنْفُذُكم البصرُ. قال: فتَزْفِرُ جهنمُ زَفْرةً لا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرسَلٌ إِلا وَقَعَ لرُكْبَتَيه، تُرْعَدُ فرائصُه. قال: فحَسِبْتُه يقولُ: نَفْسي نَفْسى. قال: ويُضْرَبُ الصِّراطُ على جِسْرِ (^١) جهنمَ كحدِّ السيفِ، دَحْضٌ مَزَلَّةٌ، وفي جانبَيه ملائكةٌ معهم خَطاطيفُ كشوكِ السَّعْدانِ. قال: فَيَمْضُون كالبرقِ، وكالريحِ، وكالطيرِ، وكأجاويدِ الرِّكابِ، وكأجاويدِ الرجالِ، والملائكةُ يقولون: رَبَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. فناجٍ سالمٌ، ومخدوشٌ ناجٍ، ومكدوسٌ (^٢) في النارِ، فيقولُ إبراهيمُ لأبيه: إنى كنتُ آمُرُك في الدنيا فتَعْصِيني، ولستُ تارِكَك اليومَ، فخُذْ بحَقْوِى (^٣). فيأخُذُ بِضَبْعَيْه (^٤)، فيُمْسَخُ ضَبْعًا، فإذا رَآه قد مُسِخَ تَبرَّأَ منه (^٥).\nوأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ اللَّهِ؛ وهو خبرُه عن إبراهيمَ أنه لمَّا تَبَيَّن له أن أباه للَّهِ عدو تَبرَّأَ منه، وذلك حالَ علمِه ويقينِه أنه للَّهِ عدوٌّ وهو به مشركٌ، وهو حالُ ثُبُوتِه (^٦) على شِرْكِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4091>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص.\n(^٢) عند ابن أبي شيبة وأبي نعيم في الحلية: \"مكردس\".\n(^٣) الحقو: معقد الإزار. النهاية ١/ ٤١٧.\n(^٤) الضَّبْع: ما بين الإبْط إلى نصف العضد من أعلاها، وهما ضبعان. اللسان (ض ب ع).\n(^٥) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٧٣ من طريق جرير عن منصور عن مجاهد عن عبيد بن عمير به، وليس فيه ذكر إبراهيم ﵇، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٧٩ من طريق الأعمش عن مجاهد عن عبيد بن عمير بنحوه مختصرًا.\n(^٦) في م: \"موته\".","vol":"12","page":33},{"text":"اختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى (^١) \"الأَوَّاهِ\"؛ فقال بعضُهم: هو الدَّعَّاءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4092>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الأَوَّاهُ الدَّعَّاءُ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وابن وكيعٍ، قالا: ثنا أبو بكرٍ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ الله، قال: الأَوَّاهُ الدَّعَّاءُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: ثني جريرُ بنُ حازمٍ، عن عاصمِ بن بَهْدلةَ، عن زِرِّ بن حُبَيشٍ، قال: سألتُ عبدَ اللَّهِ عن الأَوَّاهِ، فقال: هو الدَّعَّاءُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بِشْرٍ، عن ابن أبي عَروبةَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.\nقال: ثنا قبيصةُ، عن سفيانَ، عن عبدِ الكريمِ، عن أبي عبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الأَوَّاهُ الدُّعَاءُ.\nقال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ وإسرائيلُ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ الله مثلَه.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٦٢ عن سفيان الثورى به، وأخرجه الطبراني (٩٠٠٤) من طريق عاصم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٥ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"12","page":34},{"text":"داود بن أبي هند، قال: نُبِّئتُ عن عُبَيدِ بن عُمَيرٍ، قال: الأَوَّاهُ، الدعاءُ.\nحدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينَ، قال: ثنا داودُ، [عن عبدِ اللَّهِ بن عبيدٍ، قال: الأَوَّاهُ الدَّعَّاءُ.\nحدَّثني ابن المُثَنَّى، قال: حدَّثني عبدُ الأَعْلَى، قال: حدَّثنا داود] (^١)، عن عبدِ اللَّهِ بن عُبيد بن عميرٍ الليثيِّ، عن أبيه، قال: الأَوَّاه الدَّعَّاءُ.\nوقال آخرون: بل هو الرحيمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4093>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمةَ، عن مسلمٍ البَطِينِ، عن أبي العُبَيْدَيْنِ، قال: سُئِل عبدُ اللَّهِ عن الأوَّاهِ، فقال: الرحيمُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنى محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ الجَزَّارِ يُحدِّثُ، عن أبي العُبَيْدَيْنِ - رجلٍ ضَرِيرِ البصرِ - أنه سأَل عبدَ اللَّهِ عن الأَوَّاهِ، فقال: الرحيمُ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا المُحارِبيُّ، وحدَّثنا خَلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شُمَيلٍ، جميعًا عن المسعوديِّ، عن سَلَمَةَ بن كُهَيلٍ، عن أبي العُبَيْدَيْنِ، أَنه سأل ابنَ مسعودٍ فقال: ما الأَوَّاهُ؟ قال: الرحيمُ.\nحدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن الأعْمشِ، عن\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه الفريابي كما في الدر المنثور ٣/ ٢٨٥ - ومن طريقه الطبراني (٩٠٠٢) - عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٥ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه الطبراني (٩٠٠٦) من طريق شعبة به.","vol":"12","page":35},{"text":"الحَكَمِ، عن يحيى بن الجَزَّارِ، عن أبي العُبَيْدَيْنِ، أنه جاء إلى عبد الله - وكان ضريرَ البصرِ - فقال: يا أبا عبدِ الرحمنِ، مَن نسألُ إذا لم نسألْك؟ فكأَنَّ ابن مسعودٍ رَقَّ له، قال: أخبِرْني عن الأوَّاهِ؟ قال: الرحيمُ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٍ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن سَلَمةَ بن كَهَيلٍ، عن مسلمٍ البَطِينِ، عن أبي العُبَيْدَيْنِ، قال: سألتُ عبدَ اللَّهِ عن الأوَّاه، فقال: هو الرحيمُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعْمشِ، عن الحَكَمِ، عن يحيى بن الجَزَّارِ، قال: جاء أبو العُبَيْدَيْنِ إلى عبدِ اللَّهِ فقال له: ما حاجتُك؟ قال: ما الأَوَّاهُ؟ قال: الرحيمُ.\nقال: ثنا ابن إدريسَ، عن الأعْمشِ، عن الحَكَمِ، عن يَحيى بن الجَزَّارِ، عن أبي العُبَيْدَيْنِ - رجلٍ مِن بنى سُواءةَ (^٢) - قال: جاء رجلٌ إلى عبدِ اللَّهِ فسأله عن الأوَّاءِ، فقال له عبدُ اللَّهِ: الرحيمُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحارِبيُّ وهانئُ بنُ سعيدٍ، عَن حَجَّاجٍ، عن الحَكَمِ، عن يحيى بن الجَزَّارِ، عن أبي العُبَيْدَيْنِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الأَوَّاهُ الرحيمُ.\nحدَّثني يعقوبُ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عَن شعبةَ، عن الحَكَمِ، عن يحيى بن الجَزَّارِ، أن أبا العُبَيْدَيْنِ رجلٌ مِن بنى نُمَيرٍ - قال يعقوبُ: كان ضريرَ البصرِ. وقال ابن وكيعٍ: كان مكفوفَ البصرِ - سأَل ابنَ مسعودٍ فقال: ما الأوَّاهُ؟ قال: الرحيمُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٦، والطبراني (٩٠٠٧) من طريق الأعمش به.\n(^٢) في م: \"سوأة\".","vol":"12","page":36},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن زكريا، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسرةَ، قال: الأوَّاهُ الرحيمُ (^١).\nقال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسرةَ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسرةَ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بِشْرٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: هو الرحيمُ (^١).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كُنَّا نُحدَّثُ أن الأوَّاهَ الرحيمُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ﴾. قال: رحيمٌ (^٢). [وقال] (^٣) عبدُ الكريمِ الجَزَرِيُّ، عن أبي عبيدةَ، عن ابن مسعودٍ مثلَ ذلك (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الكريمِ، عن أبي عبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الأَوَّاهُ الرحيمُ (^٥).\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمةَ، عن مسلمٍ\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٦ تعليقًا.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٩٠ عن معمر به.\n(^٣) في م: \"قال\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٩٠.\n(^٥) أخرجه الطبراني (٩٠٠٣) من طريق سفيان به.","vol":"12","page":37},{"text":"البَطِينِ، عن أبي العُبَيْدَيْنِ، أنه سأل عبدَ اللَّهِ عن الأَوَّاهِ، فقال: الرحيمُ.\nقال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن شُرَحْبيلَ، قال: الأَوَّاهُ الرحيمُ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسنِ، قال: الأوَّاه، الرحيمُ بعبادِ اللَّهِ.\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو خَيْثمةَ زهيرٌ، قال: ثنا أبو إسحاقَ الهَمْدانيُّ، عن أبي مَيْسرةَ (^١) عمرِو بن شُرَحْبيلَ، قال: الأَوَّاهُ: الرحيمُ، بلحنِ الحبشةِ (^٢).\nوقال آخرون: بل هو المُوقِنُ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-4094>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٍ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: الأَوَّاهُ المُوقِنُ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ آدمَ، عن ابن مُباركٍ، عن خالدٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: الأَوَّاهُ المُوقِنُ، بلسانِ الحبشةِ (^٥).\nقال: ثنا حميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن حسنٍ، عن مسلمٍ، عن مجاهدٍ، عن\n_________\n(^١) بعده في النسخ: \"عن\"، وأبو ميسرة هو عمرو بن شرحبيل. ينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٦٠.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٥ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الموفق\". ومثله في أغلب المواضع الآتية.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٩٠ عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٥ إلى أبى الشيخ.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٥ إلى المصنف وأبى الشيخ.","vol":"12","page":38},{"text":"ابن عباسٍ، قال: الأَوَّاه الموقنُ، بلسانِ الحبشةِ (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: سَمِعتُ سفيانَ، يقولُ: الأَوَّاهُ المُوقِنُ. وقال بعضُهم: الفَقِيهُ المُوقِنُ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن جابرٍ، عن عطاءٍ، قال: الأوَّاهُ المُوقِنُ، بلسانِ الحبشةِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أبيه، عن رجلٍ، عن عكرمةَ، قال: هو المُوقِنُ (^٢).\nقال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن الثوريِّ، عن مُجالدٍ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ، قال: الأَوَّاهُ المُوقِنُ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن مسلم، عن مجاهدٍ، قال: الأَوَّاهُ المُوقِنُ (^٤).\nقال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قابوسَ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابن عباسٍ، قال: الأَوَّاهُ: المُوقِنُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٦ إلى حسن بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٥ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٥ إلى المصنف.\n(^٣) بعده في م: \"بلسان الحبشة\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٦ من طريق جابر وهو ابن يزيد الجعفى عن مجاهد وعكرمة، وعزى السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٥ أثر عكرمة إلى ابن المنذر.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٩٠ بلفظ: \"المؤمن\"، وفي نسخة: \"الموفق\".","vol":"12","page":39},{"text":"مجاهدٍ: أَوَّاهٌ: مُوقِنٌ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: أَوَّاهٌ، قال: مُؤْتَمِنٌ مُوقِنٌ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعَاذٍ، يقولُ: أَخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾. قال: الأوَّاهُ المُوقِنُ (^٢).\nوقال آخرون: هي كلمةٌ بالحبشيةِ، معناها المؤمنُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4095>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾. قال: الأوَّاه هو المؤمنُ بالحبشيةِ (^٣).\nحدَّثنا عليُّ بن داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ﴾: يعنى المؤمنَ التَّوَّابَ (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا حسنُ بنُ صالحٍ، عن مسلمٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: الأوَّاهُ المؤمنُ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ: الأَوَّاهُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٧٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٥ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، م: \"بالحبشة\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٥ إلى المصنف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٦ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٥ إلى ابن المنذر.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٦٢ عن مجاهد به.","vol":"12","page":40},{"text":"المؤمنُ (^١)، بالحبشيةِ (^٢).\nوقال آخرون: هو المُسبِّحُ الكثيرُ الذكرِ اللَّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4096>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ، قال: الأوَّاهُ المُسبِّحُ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن حَجَّاجٍ، عن الحَكَمِ، عن الحسنِ بن مسلمِ بن يَنَّاقٍ، أن رجلًا كان يُكْثِرُ ذكرَ اللَّهِ ويُسَبِّحُ، فذكر ذلك للنبيِّ ﷺ فقال: \"إنَّه أوَّاهٌ\" (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [زيدُ بنُ حبابٍ] (^٥)، عن ابن لَهِيعَةَ، عن الحارثِ بن يزيدَ، عن عليِّ بن رباحٍ، عن عقبةَ بن عامرٍ، قال: الأوَّاهُ الكثيرُ الذكرِ الله (^٦).\nوقال آخرون: هو الذي يُكْثِرُ تلاوةَ القرآنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4097>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، قال: ثنا المِنْهالُ بنُ خليفةَ، عن حَجَّاجِ بن أرطاةَ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، أن النبيَّ ﷺ دَفَنَ مَيِّتًا فقال: \"يَرْحَمُكَ اللَّهُ، إِن\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) في م: \"بالحبشة\". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٦٢ عن ابن جريج.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٥ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٦٣ عن المصنف.\n(^٥) في م: \"يزيد بن حيان\"، وفي ف: \"يزيد بن حباب\". وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٤٠.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٦ إلى المصنف وأبى الشيخ.","vol":"12","page":41},{"text":"كنتَ لأَوَّاهًا\". يعنى تَلاءُ للقرآنِ (^١).\nوقال آخرون: هو مِن التأوُّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4098>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي يونسَ القُشَيريِّ، عن قاصٍّ (^٢) كان بمكةَ، أن رجلًا كان في الطوافِ فَجَعَل يقولُ: أَوَّهْ. قال: فَشَكاه أبو ذَرٍّ [إلى النبيِّ] (^٣) ﷺ فقال: \"دَعْهُ، إِنَّه أَوَّاهٌ\".\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شُعبةً، عن أبي يونسَ الباهليِّ، قال: سمِعتُ رجلًا بمكةَ كان أصلُه روميًّا، يُحدِّثُ عن أبي ذرٍّ، قال: كان رجلٌ يطوفُ بالبيتِ ويقولُ في دُعائِهِ: أَوَّهْ أَوَّهْ. فذُكِر ذلك للنبيِّ ﷺ فقال: \"إنَّه أَوَّاهٌ\". زادَ أبو كُرَيبٍ في حديثِه قال: فخَرَجتُ ذاتَ ليلةٍ، فإذا رسولُ اللَّهِ ﷺ يَدْفِنُ ذلك الرجلَ ليلًا ومعه المصباحُ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بن الحُبابِ، عن جعفرِ بن سليمانَ، قال: ثنا أبو عِمْرانَ، عن عبدِ اللَّهِ بن رباحٍ، عن كعبٍ، قال: الأَوَّاهُ إِذا ذَكَر النارَ قال: أَوَّهْ (^٥).\n_________\n(^١) في ف، ت ١، ت ١: \"القرآن\". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٦٣ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٥ إلى ابن مردويه.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ف: \"قاضي\".\n(^٣) في م: \"للنبي\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٥ من طريق وكيع به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٦٣ عن شعبة به، وقال عقبه: \"هذا حديث غريب، رواه ابن جرير ومشاه\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٥ إلى ابن مردويه.\n(^٥) أخرجه البيهقى في الشعب (٩١٦) من طريق زيد بن الحباب به نحوه، وأخرجه أحمد في الزهد ص ٧٨ من طريق جعفر به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.","vol":"12","page":42},{"text":"حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ (^١) عبدِ الصمدِ العَمِّيُّ (^٢)، عن أبي عِمْران الجَوْنيِّ، عن عبدِ الله بن رباحٍ، عن كعبٍ، قال: كان إِذا ذَكَرَ النارَ قال: أَوَّهْ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن جعفرِ بن سليمانَ، قال: أخبَرنا أبو عِمْرانَ، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ رباحٍ الأنصاريَّ يقولُ: سمِعتُ كعبًا يقولُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ﴾. قال: إذا ذَكَر النارَ قال: أَوَّهْ مِن النارِ.\nوقال آخرون: معناه أنه فَقِيهٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4099>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ﴾. قال: فَقِيهٌ.\nوقال آخرون: هو المتُضَرِّعُ الخاشعُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4100>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحَجَّاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَهْرامَ، قال: ثنا شهرُ بنُ حوشبٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن شَدَّادِ بن الهادِ، قال: بينَما رسولُ اللَّهِ ﷺ جالسٌ، قال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، ما الأَوَّاهُ؟ قال: \"المتُضَرِّعُ\". قَالَ: \" ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ \" (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَغْراءَ، عن\n_________\n(^١) في النسخ: \"عن\"، وهو خطأ، وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ١٦٥.\n(^٢) في م: \"القمى\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٥، ١٨٩٦ من طريق عبد الحميد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٥ إلى أبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"12","page":43},{"text":"عبدِ الحميدِ، عن شهرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن شدادٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"الأَوَّاهُ الخاشعُ المتُضَرِّعُ\".\nوأَوْلى الأقوالِ في ذلك عندى بالصواب القولُ الذي قاله عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ، الذي رَواه عنه زِرٌّ، أنه الدَّعَّاءُ.\nوإنما قلنا ذلك أَولى بالصوابِ؛ لأن الله ذَكَرَ ذلك ووَصَف به إبراهيمَ خليلَه، صلواتُ اللَّهِ عليه، بعدَ وَصْفه إيَّاه بالدُّعاءِ والاستغفارِ لأبيه، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ وتَرَكَ الدعاءَ والاستغفارَ له، ثم قال: إن إبراهيم لدعَّاءٌ لربِّه (^١)، شاكٍ له، حليمٌ عمَّن سَبَّه ونالَه بالمكروهِ. وذلك أنه، صلواتُ اللَّهِ عليه، وَعَدَ أباه بالاستغفارِ له ودعاءِ اللَّهِ له بالمغفرةِ عندَ وعيدِ أبيه إياه وتَهدُّدِه له بالشتمِ بعدَما رَدَّ عليه نصيحتَه في اللَّهِ وقولِه: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. فقال له صلواتُ اللَّهِ عليه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٦ - ٤٨] فوفَى لأبيه بالاسْتغفارِ له حتى تَبَيَّنَ له أنه عدوٌّ للَّهِ، فوَصَفَه اللَّهُ بأنه دَعَّاءٌ لربِّه، حليمٌ عمَّن سَفِهَ عليه.\nوأصلُه مِن التأوُّهِ؛ وهو التَّضَرُّعُ والمسألةُ بالحُزْنِ والإشفاقِ، كما رَوَى عبدُ اللَّهِ بن شَدَّادِ عن النبيِّ ﷺ، وكما رَوَى عقبةُ بنُ عامرٍ الخبرَ الذي حدَّثَنيه يَحيى بنُ عثمانَ بن صالحٍ السَّهْمِيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا ابن لَهِيعَةَ، قال: ثني الحرثُ بنُ يزيدَ، عن عليّ بن رباحٍ، عن عقبةَ بن عامرٍ، أنه قال لرجلٍ يقالُ له: ذو البِجادَيْنِ:\n_________\n(^١) في م: \"ربه\".","vol":"12","page":44},{"text":"إنه أوَّاهٌ\". وذلك أنه رجلٌ كان يكثِرٌ ذكرَ اللَّهِ بالقرآنِ والدعاءِ، ويرفَعُ صوتَه (^١).\nولذلك قيل للمُتوجِّعِ مِن أَلمٍ أو مرضٍ: لم (^٢) تَتأَوَّهُ. كما قال المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ (^٣):\nإذا ما قُمْتُ أَرْحَلُها بِلَيْلٍ … تَأوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الحَزَينِ\nومنه قولُ الجَعْدِيِّ (^٤):\nضرُوحٍ مَرُوحٍ تُتْبِعُ الوُرْقَ بَعْدَما … يُعَرِّسْنَ شكوى (^٥) آهَةً وتَذَمُّرَا (^٦)\nولا تكادُ العربُ تَنْطِقُ منه بـ \"فعَل يَفْعُلُ\"، وإنما تقولُ فيه: تَفَعَّل يَتَفعَّلُ. مثل: تأوَّه يتأوَّهُ، وأَوَّه يُؤَوَّهُ.\nكما قال الراجزُ:\n* فَأَوَّهَ الرَّاعِى وَضَوْضَى (^٧) أكْلُبُهْ *\nوقالوا أيضًا: أَوَّهْ منك. ذكر الفراءُ (^٨) أن أبا الجَرَّاحِ أَنشَدَه:\nفأَوِّهُ مِن الذِّكْرَى إِذا ما ذَكَرْتُها … ومِن بُعْدِ أَرضٍ بَيْنَنَا وسَماءِ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢٨/ ٦٥٥ (١٧٤٥٣)، وابن عبد الحَكَمِ في فتوح مصر ص ٢٩١، والروياني (٢١٠) والطبراني ١٧/ ٢٩٥ (٨١٣)، والبيهقى في الشعب (٥٨٠) من طريق ابن لهيعة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٥ إلى ابن مردويه.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٢، ف: \"كما\".\n(^٣) ديوانه ص ١٩٤.\n(^٤) شعر النابغة الجعدى ص ٣٩، وجمهرة أشعار العرب ٢/ ٧٧٦، والمعاني الكبير ١/ ٣١٥.\n(^٥) في م: \"تشكو\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"تنمرا\" غير منقوطة.\n(^٧) أي: صاحت وجلَّبت. الوسيط (ض وض).\n(^٨) معاني القرآن ٢/ ٢٣، وينظر لسان العرب (أ وهـ).","vol":"12","page":45},{"text":"قال: وربما أَنشَدنا: \"فَأَو مِن الذِّكْرَى\" بغير هاءٍ.\nولو جاء \"فعَل\" منه على الأصلِ لكان: آه يَئُوهُ أَوْهًا.\nولأن معنى ذلك تَوجَّعَ وتَخَزَّنَ وتَضرَّعَ، اختَلَف أهلُ التأويلِ فيه الاختلافَ الذي ذكرتُ؛ فقال مَن (^١) قال معناه الرحمةُ: إِنَّ ذلك كان مِن إبراهيم على وجهِ الرِّقَّةِ على أبيه، والرحمةِ له ولغيرِه مِن الناسِ.\nوقال آخرون: إنما كان ذلك منه لصحةِ يَقينِه، وحسن معرفته بعظمة اللَّهِ، وتواضعِه له.\nوقال آخرون: كان لصحةِ إيمانِه بربِّه.\nوقال آخرون: كان ذلك منه عندَ تلاوتِه تنزيلَ اللَّهِ الذي أنزَله عليه.\nوقال آخرون: كان ذلك منه عندَ ذكرِ (^٢) ربِّه.\nوكلُّ ذلك عائدٌ إلى ما قلتُ، وتَقارَبَ معنى بعض ذلك من بعضٍ؛ لأن الحزينَ المُتَضَرِّعَ إلى ربِّه، الخاشعَ له بقلبِه، يَنوبُه ذلك عند مسألِته ربَّه ودعائِه إيَّاه في حاجتِه، وتَعْتَورُه هذه الخِلالُ التي وَجَّهَ المفسِّرون إليها تأويلَ قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-1350\"></span><span data-type='title' id=toc-4101>القول في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما كان اللَّهُ ليَقْضِيَ عليكم في استغفارِكم لمَوْتاكم\n_________\n(^١) في م: \"ما\".\n(^٢) في ت ١، ف: \"ذكره\".","vol":"12","page":46},{"text":"المشركين - بالضلالِ، بعدَ إذ رَزَقَكم الهدايةَ، وَوَفَّقَكم للإيمانِ به وبرسولِه، حتى يَتَقدَّمَ إليكم بالنَّهْيِ عنه، فتترُكوا الانتهاءَ عنه، فأما قبلَ أن يُبَيِّنَ لكم كراهيةَ ذلك بالنهيِ عنه، ثم تتَعدَّوْا نهيَه إلى ما نَهاكم عنه، فإنه لا يَحكُمُ عليكم بالضلالِ؛ لأن الطاعةَ والمعصيةَ إنما يكونان مِن المأمورِ والمَنَّهِيِّ، فأما مَن لم يُؤمَرُ ولم يُنْهَ، فغيرُ كائنٍ مُطِيعًا أو عاصيًا، فيما لم يُؤمَرُ به ولم يُنْهَ عنه. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللَّهَ ذو علمٍ بما خالَطَ أنفسَكم عندَ نَهْيِ اللَّهِ إِياكم عن الاستغفارِ لمَوْتاكم المشركين، من الجَزَعِ على ما سَلَفَ منكم مِن الاسْتغفارِ لهم قبلَ تَقَدُّمه إليكم بالنهيِ عنه، وبغيرِ ذلك مِن سَرائرِ أمورِكم وأمورِ عبادِه وظَواهرِها، فبَيَّنَ لكم حِلْمَهُ (^١) في ذلك عليكم؛ ليَضَعَ عنكم ثِقَلَ الوَجْدِ بذلك.\nوبنحو ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4102>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾. قال: بيانُ اللَّهِ للمؤمنين في الاستغفار للمشركين خاصةً، وفي بيانِه طاعتَه ومعصيتَه عامةً (^٢)، [فافْعَلوا أو ذَرُوا] (^٣).\nحدَّثني المُثَنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"حكمه\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) ليست هذه الجملة في تفسير مجاهد - كما سيأتي تخريجه من حديث ورقاء - وفي تفسير ابن أبي حاتم - ورواه من طريق مجاهد - والدر المنثور: \"ما فعلوا أو تركوا\". وينظر تفسير البغوي ٤/ ١٠٣، وتفسير ابن كثير ٤/ ١٦٤.","vol":"12","page":47},{"text":"مجاهدٍ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾. قال: بيانُ اللَّهِ للمؤمنين [أن لا يَسْتَغْفروا] (^١) للمشركين خاصةً، وفي بيانِه (^٢) طاعتُه ومعصيتُه عامةً، فافْعَلوا أو ذَرُوا.\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، نحوَه (^٣).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾. قال: يُبَيِّنُ الله للمؤمنين في أن لا يَسْتَغْفروا للمشركين، في بيانِه (^٤) في طاعتِه وفي معصيتِه، فافعَلوا أو ذَرُوا.\n\n<span id=\"aya-1351\"></span><span data-type='title' id=toc-4103>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن الله، أيُّها الناسُ، له سلطانُ السماواتِ والأرضِ ومُلْكُهما، وكلُّ مَن دونَه مِن الملوكِ فعبيدُه ومماليكُه، بيده حياتُهم وموتُهم، يُحْيى مَن يشاءُ منهم، ويُمِيتُ مَن يشاءُ منهم، فلا تَجْزَعوا، أَيُّها المؤمنون، مِن قتالِ مَن كفَر بى من الملوكِ؛ ملوكَ الرومِ كانوا أو ملوكَ فارسَ والحبشةِ أو غيرَهم (^٥)، وجاهِدُوهم في طاعتى، فإنىَ المُعِزُّ مَن أشاءُ منهم ومنكم، والمُذِلُّ مَن أَشَاءُ.\n_________\n(^١) بعده ت ١، ت ٢: \"في الاستغفار\". وفي ف: \"في ألا يستغفروا\".\n(^٢) بعده في ص: \"في\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٧٧، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٦ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"شأنه\".\n(^٥) بعده في م: \"واغزوهم\".","vol":"12","page":48},{"text":"وهذا حَضٌّ مِن اللَّهِ، جلّ ثناؤُه، المؤمنين على قتالِ كلِّ مَن كفَر به مِن المماليكِ، وإغراءٌ منه لهم بحَرْبِهم.\nوقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. يقولُ: وما لكم مِن أحدٍ هو لكم حَليفٌ مِن دونِ اللَّهِ، يُظاهِرُكم عليه، إن أنتم خالَفْتُم أمرَ اللَّهِ فَعاقَبَكم على خلافِكم أمرَه؛ يَسْتَنْقِذُكم مِن عقابِه، ولا نصيرٍ يَنْصُرُكم منه، إن أرادَ بكم (^١) سُوءًا. يقولُ: فباللَّهِ فثِقُوا، وإيَّاه فارْهَبوا، وجاهِدوا في سبيلِه مَن كفَر به، فإنه قد اشْتَرَى منكم أنفسَكم وأموالَكم بأن لكم الجنةَ، تُقاتِلون في سبيلِه فتَقْتُلون وتُقْتَلون.\n\n<span id=\"aya-1352\"></span><span data-type='title' id=toc-4104>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ (^٢) قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لقد رزَق اللَّهُ الإنابةَ إلى أمرِه وطاعتِه، نبيَّه محمدًا، ﷺ، والمهاجرين ديارَهم وعشيرتَهم إلى دارِ الإسلامِ، وأنصارَ رسولِه في اللَّهِ، الذين اتَّبَعوا رسولَ اللَّهِ ﷺ في ساعةِ العُسْرةِ منهم؛ من النفقة والظَّهْرِ والزَّادِ والماءِ، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ (^٣) قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: مِن بعدِ ما كادَ يَميلُ قلوبُ بعضهم عن الحقِّ، ويَشُكُّ في دينِه، ويَرْتابُ بالذي نالَه مِن المَشقَّةِ والشِّدَّةِ في سفرِه وغزوِه. ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: ثم رزَقهم، جلَّ ثناؤُه، الإنابةَ والرجوعَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"به\".\n(^٢) فيت ٢، ف: \"تزيغ\"، وهى قراءة الجميع غير حفص، وحمزة. الكشف عن وجوه القراءات ١/ ٥١٠، والتيسير ص ٩٨.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"تزيغ\".","vol":"12","page":49},{"text":"إلى الثباتِ على دينِه، وإبصارَ الحقِّ، الذي كان قد كاد يَلْتَبِسُ عليهم، ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. يقول: إن ربَّهم (^١) بالذين (^٢) خالَطَ قلوبَهم ذلك لِما نالَهم في سفرِهم مِن الشدَّةِ والمَشقَّةِ، رءوفٌ بهم رحيمٌ أن يُهْلِكَهم، فيَنْزِعَ منهم الإيمانَ، بعدَما قد أَبْلَوْا في الله ما أبْلَوا مع رسولِه، وصَبَروا عليه من البأساءِ والضَّرّاءِ.\nوبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4105>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾: في غزوةِ تَبوكَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن محمدِ بن عَقِيلٍ: ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾. قال: خَرَجوا في غزوةِ تبوكَ (^٣)، الرجلان والثلاثةُ على بعيرٍ، وخَرَجُوا في حرٍّ شديدٍ، وأصابَهم يومَئذٍ (^٤) عطشٌ شديدٌ، فجَعَلُوا يَنْحَرون إبلَهم، فيَعْصِرُون أَكْراشَها، ويَشْرَبون ماءَها (^٥)، وكان ذلك عُسْرةً مِن الماءِ، وعُسْرةً مِن الظَّهْرِ، وعُسْرةً مِن النفقةِ (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن\n_________\n(^١) في م: \"ربكم\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"بالذي\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) في مصادر التخريج: \"يومًا\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف، وتفسير ابن أبي حاتم: \"ماءه\". وينظر بقية المصادر.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٨ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٩٠، ومن طريقه البيهقى في الدلائل ٥/ ٢٢٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٦ إلى أبى الشيخ.","vol":"12","page":50},{"text":"مجاهدٍ: ﴿سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾. قال: غزوة تبوك. قال: العُشرة: أصابهم جهدٌ شديدٌ حتى إن الرجلين ليَشُقَّانِ التمرة بينهما، وإنهم ليمُصُّون التمرة الواحدة، ويشربون عليها الماء.\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾. قال: غزوة تبوك (^١).\nقال: ثنا زكريا بنُ عَدِيٍّ (^٢)، عن ابن مُبارك، عن مَعْمَرٍ، عن عبدِ الله بن محمدِ بن عَقِيلٍ، عن جابرٍ: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾. قال: عُسْرة الظَّهر، [وعُسْرة الزَّادِ] (^٣)، وعُسْرة الماء (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية. الذين اتَّبعوا رسول الله في غزوة تبوك، قبل الشامِ في لَهَبَانِ الحَرِّ على ما يعلمُ اللَّهُ مِن الجُهْدِ، أصابَهم فيها جَهْدٌ شديدٌ، حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يَشُقَّان التمرة بينهما، وكان النَّفَرُ يَتداولون (^٥) التمرة بينهم يَمُصُّها هذا، ثم يشرب عليها، ثم يمُصُّها هذا، ثم يشربُ عليها، فتابَ اللهُ عليهم وأَقْفَلَهَم مِن غزوهم (^٦).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٧٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في م، ف: \"على\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٣٦٤.\n(^٣) سقط من: ف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يتناولون\". وينظر مصدرى التخريج.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٩ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٦ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"12","page":51},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عُتبة [بن أبي عُتبة] (^١)، عن نافع بن جُبيرِ بن مُطْعِمٍ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ، أنه قيل لعمر بن الخطاب، ﵁، في شأنِ العُسْرِةِ، فقال عمرُ: خَرَجْنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قَيْظٍ شَدِيدٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا أَصابَنا فيه عَطَشٌ شديدٌ (^٢)، حتى ظَنَنَّا أن رقابنا ستنقطِعُ، [حتى إن كان الرجلُ ليذهَبُ يلتمسُ الماء، فلا يرجعُ حتى يَظُنُّ أن رقبته ستنقطِعُ] (^٣)، حتى إن الرجل ليَنْحَرُ بعيره، فيَعْصِرُ فَرْثَه فيشربُه، ويجعَلُ ما بقى على كَبِده. فقال أبو بكرٍ: يا رسول اللهِ، إن الله قد عَوَّدَك في الدعاء خيرًا، فادع لنا. [قال: \"تُحِبُّ ذلك؟ \". قال نعم] (^٤). فرفع يديه، فلم يَرْجِعُهما حتى [قالت السماءُ] (^٥)، فأظَلَّت ثم سَكَبَتْ، فمَلَئُوا ما معهم، [ثم ذهَبْنا (^٦) ننظرُ. ننظُرُ، فلم نَجِدْها جاوَزَتِ (^٧) العسكر] (^٨) (^٩).\n_________\n(^١) سقط من: ف. وفى ت ١، ت ٢، س: \"عن أبي عتبة\"، وذكر الحاكم في المستدرك ١/ ١٥٩ أنه ابن أبي حكيم، وعتبة بن أبى عتبة هو عتبة بن مسلم كما قال الدارقطني في العلل ٢/ ٨٤، وقال الحافظ في تهذيب التهذيب ٧/ ١٠٢: ذكر الخطيب في الموضع أن البخارى فرق بين عتبة بن أبى عتبة، وعتبة بن مسلم، والصواب أنهما واحد، ونقل ذلك عن عبد الغنى بن سعيد الأزدى وغيره. قال: وكأن سعيد بن أبي هلال يقول تارة: عن عتبة بن مسلم، وتارة: عن عتبة بن أبي عتبة.\n(^٢) سقط من: ص، م.\n(^٣) ليس في المستدرك والدلائل لأبي نعيم، والدر المنثور.\n(^٤) ليس في الدر المنثور.\n(^٥) في م: \"مالت السماء\"، وفى المعجم الأوسط: \"انقمأت السحاب\"، وقالت السماء: أقبلت بالسحاب. اللسان (ق ول).\n(^٦) في م: \"رجعنا\".\n(^٧) في ف، ابن خزيمة، الحاكم، البيهقى في السنن: \"جازت\".\n(^٨) ليس عند الطبراني.\n(^٩) أخرجه ابن خزيمة (١٠١) - ومن طريقه البيهقي في الدلائل ٥/ ٢٣١ - من طريق يونس بن عبد الأعلى به، وأخرجه البزار (٢١٤)، والحاكم ١/ ١٥٩ ومن طريقه البيهقى في السنن ٩/ ٣٥٧ - وأبو نعيم في =","vol":"12","page":52},{"text":"حدَّثني إسحاقُ بن زيادةَ العَطَّارُ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبد الله بن وَهْبٍ، قال: ثنا عمرُو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلالٍ، عن نافع بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قيل لعمر بن الخطاب، ﵁: حَدَّثْنا عن شأن جيشِ العُشرة. فقال عمرُ: خَرَجْنا مع رسول الله ﷺ. ثم ذكر نحوه (^١).\n\n<span id=\"aya-1353\"></span><span data-type='title' id=toc-4106>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لقد تاب الله على النبيِّ والمهاجرين والأنصار وعلى الثلاثةِ الذين خُلِّفوا. وهؤلاء الثلاثةُ الذين وَصَفَهم الله في هذه الآية بما وَصَفَهم به، فيما قيل (^٢)، هم الآخرون الذين قال جلّ ثناؤُه: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٦]. فتاب عليهم، عزّ ذكرُه، وتَفضَّلَ عليهم.\nوقد مَضَى ذكرُ مَن قال ذلك مِن أهل التأويل بما أغْنَى عن إعادته في هذا الموضع (^٣).\n_________\n= الدلائل ص ٥٢٣ (٤٥٢) من طريق ابن وهب به، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٣٢٩٢) من طريق سعيد بن أبي هلال به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٦ إلى ابن مردويه والضياء في المختارة، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.\n(^١) أخرجه الفريابي في دلائل النبوة (٤٢) من طريق يعقوب بن محمد به، وأخرجه ابن حبان (١٣٨٣) من طريق عبد الله بن وهب به. وقد رجح الدارقطنى في العلل ٢/ ٨٣، ٨٤ رواية من ذكر عتبة بن أبي عتبة، مكان نافع بن جبير - كما في الحديث السابق.\n(^٢) في م: \"قبل\".\n(^٣) تقدم في ١١/ ٦٦٩ - ٦٧٢.","vol":"12","page":53},{"text":"فتأويلُ الكلامِ إِذًا: ولقد تابَ اللهُ على الثلاثة الذين خَلَّفهم الله عن التوبة، فأَرْجَأَهم عمَّن تابَ عليه ممن تَخَلَّفَ عن رسول الله ﷺ.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عمَّن سَمِعَ عكرمة في قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. قال: خُلِّفُوا عن التوبة (^١).\nحدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: أما قولُه: ﴿خُلِّفُوا﴾. فخُلِّفوا عن التوبة (^٢).\n﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾. يقولُ: بِسَعتِها، غَمًّا وندمًا على تَخلُّفِهم عن الجهادِ مع رسول الله ﷺ ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾، بما نالهم من الوَجْدِ والكَرْبِ بذلك، ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ﴾. يقولُ: وأَيْقَنُوا بقلوبهم أن لا شيء لهم يَلْجَئُون إليه مما نَزَلَ بهم مِن أمرِ اللهِ مِن البَلاءِ بتَخَلُّفِهم خلافَ رسولِ الله ﷺ، يُنجِّيهم مِن كَرْبِه، ولا مما يَحْذَرون من عذابِ اللهِ - إلا الله، ثم رَزَقَهم الإنابة إلى طاعته، والرجوع إلى ما يُرْضيه عنهم، ليُنيبوا إليه، ويَرْجعوا إلى طاعته، والانتهاء إلى أمره ونَهْيِه، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. يقولُ: إن الله هو الوَهَّابُ لعباده الإنابةَ إلى طاعتِه، الموفِّقُ مَن أحبَّ توفيقه منهم لما يُرْضِيه عنه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم، أن يُعاقبهم بعد التوبة، أو يَخْذُلَ مَن أراد منهم التوبة والإنابة ولا يتوبَ عليه. وبنحو ما قُلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويل.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٩٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ، وابن عساكر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٠٤ من طريق سعيد بن بشير عنه به.","vol":"12","page":54},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4107>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابر في قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. قال: كعبُ بنُ مالكٍ، وهلالُ بن أميةَ، ومُرَارةُ بنُ ربيعةَ، وكُلُّهم مِن الأنصارِ (^١).\nحدَّثني عُبَيدُ بنُ محمد (^٢) الورَّاقُ، قال: ثنا أبو أسامة، عن الأعْمش، عن أبي سُفيان، عن جابرٍ بنحوه، إلا أنه قال: ومُرارةُ بنُ الربيع، أو ابن ربيعة. شَكَّ أبو أسامة.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عكرمة وعامرٍ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. قال: أرجئوا في أوسط \"براءة\".\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. قال: الذين أُرْجِئُوا في أوسط \"براءة\"؛ قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦]. هلالُ بنُ أمية، ومُرارةُ بنُ الرَّبيع (^٣)، وكعبُ بنُ مالكٍ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾: الذين أُرْجِئوا في وسط \"براءة\".\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. قال: كلُّهم من الأنصارِ؛ هلالُ بنُ أمية، ومُرارةُ بنُ\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٤٦ - تفسير) من طريق أبي معاوية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٦ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن منده وابن مردويه وابن عساكر.\n(^٢) سقط من: م. وينظر تاريخ المصنف ٢/ ٢٩٣، ٣٨٥، وترجمته في تاريخ بغداد ١١/ ٩٧.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ربعى\"، وفى م، والدر المنثور: \"ربيعة\". والمثبت هو الصواب، وينظر ما تقدم في ١١/ ٦٧٠.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٩ إلى المصنف.","vol":"12","page":55},{"text":"ربيعة، وكعبُ بنُ مالكٍ.\nقال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. قال: الذين أُرْجِئوا.\nقال: ثنا جريرٌ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: ﴿الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾: كعبُ بنُ مالكٍ وكان شاعرًا، ومُرارةُ بنُ الربيع، وهلالُ بنُ أمية، وكلُّهم أنصاريٌّ (^١).\nقال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ والمُحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ، قال: كلُّهم من الأنصارِ؛ هلالُ بنُ أميةَ، ومُرارةُ بنُ الرَّبيع (^٢)، وكعبُ بنُ مالكِ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاكِ قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. قال: هلالُ بنُ أمية، وكعبُ بن مالكٍ، ومُرارةُ بنُ الربيع، كلُّهم من الأنصارِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. إلى قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: كعبُ بنُ مالكٍ، وهلالُ بنُ أمية، ومُرارةُ بنُ ربيعةَ، تَخَلَّفوا في غزوة تبوك؛ ذُكر لنا أن كعب بن مالكٍ أوثق نفسه إلى ساريةٍ، فقال: لا أُطْلِقُها - أو (^٤) لا أُطْلِقُ نفسى - حتى يُطلِقنى رسول الله ﷺ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"والله لا أُطْلِقُه حتى يُطْلِقَه ربُّه إن شاءَ\". وأما الآخَرُ فكان تَخَلَّفَ على حائطٍ له كان أَدْرَكَ، فَجَعَله\n_________\n(^١) في م: \"أنصار\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"ربيع\".\n(^٣) ينظر الأثر المتقدم تخريجه في ١١/ ٦٧٠.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"و\".","vol":"12","page":56},{"text":"صدقةً في سبيل الله، وقال: والله لا أطعمُه. وأما الآخرُ، فرَكِبَ المفاوز يَتْبَعُ رسول الله ﷺ، ترفَعُه أَرضٌ وتضَعُه أخرى، وقَدَماه تَشَلْشَلان دمًا (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عُبيد الله، عن إسرائيل، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، قال: ﴿الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾: هلالُ بنُ أمية، وكعبُ بنُ مالكٍ، ومرُارةُ بنُ ربيعةَ.\nقال: ثنا أبو داودَ الحَفَرِيُّ، عن سلامٍ أبي الأحْوصِ، عن سعيد بن مسروقٍ، عن عكرمة: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. قال: هلالُ بنُ أمية، ومُرارةُ، وكعبُ بنُ مالكٍ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا ابن عَوْنٍ، عن عمر بن كثيرِ بن أفلحَ، قال: قال كعبُ بنُ مالكٍ: ما كنتُ في غَزاةٍ أَيسرَ للظَّهرِ والنفقة مني في تلك الغزاة. قال كعبُ بنُ مالكٍ: لمَّا خرج رسولُ اللهِ ﷺ قلتُ: أَتَجَهَّزُ غدًا ثم أَلْحَقُه، فأَخَذتُ في جهازى، فأمسَيتُ ولم أفرُغْ (^٣)، فلما كان اليومُ الثالثُ أَخَذْتُ في جهازى، فأمسَيتُ ولم أفرُغْ، فقلتُ: هَيْهَات، سارَ الناسُ ثلاثا، فأقمتُ، فلما قَدِمَ رسول الله ﷺ، جعل الناسُ يَعْتَذِرون إليه، فجئتُ حتى قُمْتُ بينَ يَدَيه، فقلتُ: ما كنتُ في غَزاةٍ أيسر للظهر والنفقة منى في هذه الغزاة. فأعرض عنى رسول الله ﷺ، فأمَر الناس أن لا يُكَلِّمونا، وأُمِرَتْ نِساؤنا أن يَتَحَوَّلُن عنَّا. قال: فتَسَوَّرت حائطًا ذاتَ يومٍ، فإذا أنا بجابر بن عبدِ اللهِ، فقلتُ: أَيْ جابرُ، نَشَدْتُك باللهِ، هل عَلِمْتَنى غَشَشْتُ الله ورسولَه يومًا قَطُّ؟ فسكت عنى، فجعل لا\n_________\n(^١) تشَلشَلان دما: تقطران دما. واللسان (ش ل ل). والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٠٤ من طريق سعيد بن بشير عنه به، وتقدم طرف منه في ص ٥٤.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٤٥ - تفسير) من طريق أبي الأحوص به.\n(^٣) بعده في المسند: \"فقلت: آخذ في جهازى غدًا والناس قريب بعد ثم ألحقهم، فأمسيت ولم أفرغ\".","vol":"12","page":57},{"text":"يُكَلِّمُني، فبَينا أنا ذاتَ يومٍ، إذ سمعتُ رجلًا على الثَّنيَّةِ يقولُ: [كعبُ كعبُ] (^١). حتى دنا مني، فقال: بَشِّروا كعبًا (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: غَزا رسول الله ﷺ عزوة تبوكَ، وهو يريدُ الرومَ ونصارى العرب بالشام، حتى إذا بلغ تبوك، أقامَ بها بضعَ عَشرةَ ليلةً، ولَقِيَه بها وفد أذْرُحَ (^٣) ووفدُ أيْلةَ (^٤)، فصالحهم (^٥) رسولُ اللهِ ﷺ على الجزية، ثم قَفَلَ رسولُ اللهِ ﷺ مِن تبوك ولم يُجاوِزْها، وأنزل الله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية. والثلاثةُ الذين خُلِّفُوا رَهْطُ منهم؛ كعبُ بنُ مالكٍ، وهو أحدُ بنى سَلِمةَ، ومُرارةُ بنُ ربيعة، وهو أحدُ بني عمرو بن عوفٍ، وهلالُ بنُ أميةَ، وهو من بنى واقفٍ، وكانوا تَخَلَّفوا عن رسول الله ﷺ في تلك الغزوة، في بضعةٍ وثمانين رجلًا، فلما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، صَدَقَه أولئك حديثَهم، واعتَرَفوا بذنوبهم، وكَذَبَ، سائرُهم، فحَلَفوا لرسولِ اللهِ ﷺ ما حبَسهم إلا العُذْرُ، فقَبِلَ منهم رسولُ اللهِ وبايَعَهم، ووَكَلَهم في سرائرهم إلى اللهِ، ونهى رسولُ الله ﷺ عن كلام الذين خُلِّفوا، وقال لهم حينَ حَدَّثوه حديثهم، واعْتَرَفوا بذنوبهم: \"قد صَدَقْتُم فقوموا حتى يَقْضِيَ اللهُ فيكم\". فلما أنزل الله\n_________\n(^١) في المسند: \"كعبا كعبا\".\n(^٢) أخرجه أحمد ٢٥/ ٥١ (١٥٧٧١)، والطبرانى ١٩/ ١٠١ (٢٠٢) من طريق ابن علية به.\n(^٣) أذرُح: اسم بلد في أطراف الشام من أعمال الشراة ثم من نواحى البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز. معجم البلدان ١/ ١٧٤.\n(^٤) أيلة: مدينة على ساحل بحر القُلزُم مما يلى الشام، وقيل هي آخر الحجاز وأول الشام. معجم البلدان ١/ ٤٢٢.\n(^٥) في م: \"صالحهم\".","vol":"12","page":58},{"text":"القرآن تاب على الثلاثة، وقال للآخرين: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾، حتى بلغ: ﴿لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦].\nقال ابن شهابٍ: وأخبرنى عبدُ الرحمن بنُ عبدِ اللهِ بن كعب بن مالكٍ أن عبد الله بن كعبِ بن مالكٍ - وكان قائدَ كعبٍ مِن بَنيه حينَ عَمِيَ - قال: سمِعتُ كعبَ بنَ مالكٍ يُحدِّثُ حديثَه حينَ تَخَلَّفَ عن رسولِ اللهِ ﷺ في غزوة تبوك، قال كعبٌ: لم أَتَخلَّفْ عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قَطُّ، إلا في غزوة تبوك، غير أنِّى قد تَخَلَّفْتُ في غزوة بدرٍ، ولم يُعاتَبْ أَحدٌ (^١) تَخَلَّفَ عنها، إنما خرَج رسول الله ﷺ والمسلمون يُريدون عير قريشٍ، حتى جمع الله بينهم وبينَ عدوِّهم على غير ميعادٍ، ولقد شَهِدتُ مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة، ليلة العقبة، حينَ تَواثَقْنا على الإسلام، وما أُحِبُّ أن لى بها مشهدَ بدرٍ، وإن كانت بدرٌ أذكرَ في الناس منها.\nفكان من خبرى حينَ تَخلَّفتُ عن النبيِّ ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكُنْ قَطُّ أقوَى ولا أيسرَ منى حينَ تَخلَّفْتُ عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعتُ قبلها راحلتين قَطُّ، حتى جمَعتُهما في تلك الغزوةِ، فَغَزاها رسولُ اللهِ ﷺ في حَرٍّ شديدٍ، واسْتقبل سفرًا بعيدًا ومَفاوِزَ، واستقبل عدوًّا كثيرًا، فجَلَّى للمسلمين أمرَهم، ليتأهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوهم، فأخبَرهم بوجههم (^٢) الذي يريدُ، والمسلمون مع النبيِّ ﷺ كثيرٌ، ولا يجمعُهم كتابٌ حافظٌ - يريدُ بذلك الديوانَ - قال كعبٌ: فما رجلٌ يريدُ أن يَتَغيَّبَ إلا يَظُنُّ أن ذلك سَيَخْفى، ما لم ينزل فيه وَحْىٌ من الله، وغَزا رسولُ\n_________\n(^١) في م، ف: \"أحدًا\".\n(^٢) في م: \"بوجهه\".","vol":"12","page":59},{"text":"الله ﷺ تلك الغزوة حينَ طابَت الثمارُ والظِّلالُ، وأنا إليهما أصْعَرُ (^١)، فَتَجهَّز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، وطَفِقْتُ أغْدو لكى أتَجهَّز معهم (^٢)، فلم أقض مِن جَهازى شيئًا، ثم غَدوتُ فرَجَعتُ ولم أقض شيئًا، فلم يَزَلْ ذلك يَتَمادَى حتى أسْرَعوا وتفارَطَ الغَزْوُ، وهَمَمْتُ أن أرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهم، فيا ليتني فعَلتُ، فلم يُقَدَّرْ ذلك لي، فَطَفِقْتُ إِذا خَرَجْتُ في الناس بعد خروج النبيِّ ﷺ يُحْزِنُنِى أَن لا أَرَى لى أُسوةً إلا رجلًا مَغْموصًا عليه في النفاقِ، أو رجلًا ممن عَذَرَ اللهُ مِن الضعفاء، ولم يَذْكُرْنى رسول الله ﷺ حتى بَلَغَ تبوكَ، فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوك: \"ما فَعَلَ كعبُ بن مالكٍ؟ \". فقال رجلٌ مِن بنى سَلِمةَ: يا رسولَ اللهِ، حَبَسَه بُرْداه، والنظرُ في عِطْفَيْه. فسَكَتَ رسول الله ﷺ، فبَيْنا هو على ذلك، رأى رجلًا مُبَيِّضًا (^٣) يزولُ به السرابُ (^٤)، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"كُنْ أبا خَيْثمةَ\". فإذا هو أبو خَيْثمةَ الأنصاريُّ، وهو الذي تَصَدَّقَ بصاع التمرِ، فَلَمَزَه المنافقون. قال كعبٌ: فلما بلغنى أن رسول الله ﷺ. [قد توجَّه] (^٥) قافِلًا من تبوك، حَضَرَني بَثِّي (^٦)، فَطَفِقْتُ أتذكَّرُ الكذب، وأقولُ: بم أخرُجُ مِن سَخَطِه غدًا؟ وأستعينُ على ذلك بكلِّ ذى رأي من أهلي، فلما قيل لي (^٧): إن رسول الله ﷺ قد أَظَلَّ قادِمًا. زاحَ عنى الباطلُ، حتى\n_________\n(^١) في س، ف: \"أصغر\". وأَصعَرُ: أَميَلُ. النهاية ٣/ ٣١.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"والمسلمون معه\". بعده في صحيح مسلم: \"فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا\". وينظر مسند الطيالسي (١٠٣٤).\n(^٣) مبيض، كمحدِّث: لابس ثيابا بيضًا. قال ابن الأثير: ويجوز أن يكون مُبيضًا بسكون الباء وتشديد الضاد، من البياض. التاج (ب ى ض) والنهاية ١/ ١٧٣.\n(^٤) يزول به السراب: يرفعه ويظهره. يقال: زال به السراب. إذا ظهر شخصه فيه خيالًا. النهاية ٢/ ٣١٩.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٦) في م: \"همى\". والبث: أشد الحُزن. النهاية ١/ ٩٥.\n(^٧) سقط من: ص، م.","vol":"12","page":60},{"text":"عَرَفْتُ أني لن أنجوَ منه بشيءٍ أبدًا، فأجمَعتُ صدقه، وصبَّحَ (^١) رسول الله ﷺ قادمًا، وكان إذا قَدِم من سفر بدَأ بالمسجدِ فركَع فيه ركعتَين، ثم جلَس للناسِ، فلما فعَل ذلك جاءه المُخَلَّفُون، فطَفِقُوا يَعْتَذِرون إليه ويَحْلِفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا، فقيل منهم رسول الله ﷺ علانيتَهم، وبايَعَهم واستغفر لهم، ووَكُل سرائرَهم إلى الله، حتى جئتُ، فلما سَلَّمْتُ تَبسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ، ثم قال: \"تعالَ\". فجئتُ أمشى حتى جلَستُ بينَ يَدَيه، فقال لي: \"ما خَلَّفَكَ؟ ألم تكُنْ قد ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟ \". قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إِنّى والله لو (^٢) جلَستُ عندَ غيرك مِن أهل الدنيا، لرأيتُ أنى سأخرُجُ مِن سَخَطِه بعُذرٍ، لقد أُعطيتُ جَدَلًا، ولكنى واللَّهِ لقد علمتُ لئن حَدَّثْتُك اليوم حديث كَذِبٍ تَرْضَى به عنى، لَيُوشِكُنَّ اللهُ أَن يُسْخِطَك عليَّ، ولئن حَدَّثْتُك حديثَ صِدقٍ تَجِدُ عليَّ فيه، إِنِّي لأرجو فيه عَفْوَ الله، والله ما كان لى عُذْرٌ، والله ما كنتُ قَطُّ أقوى ولا أيسر منى حينَ تَخَلَّفْتُ عنك. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أمَّا هذا فقد صَدَقَ، قُمْ حَتى يَقْضِيَ اللهُ فيك\". فقُمْتُ، وثارَ رجالٌ مِن بنى سَلِمةَ، فاتَّبَعونى وقالوا: واللَّهِ مَا عَلِمْناكَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قبلَ هذا، لقد عَجَزْتَ في (^٣) أن لا تكونَ اعْتَذَرتَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ بما اعْتَذَرَ به المُخَلَّفون (^٤)! فقد كان كافيك ذنبَك استغفارُ رسولِ الله ﷺ لك. قال: فوالله ما زالوا يُؤَنِّبُوننى، حتى أردتُ أن أرجِعَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فأُكَذِّبَ نفسى. قال: ثم قلتُ لهم: هل لَقِى هذا معى أحدٌ؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثلُ ما قيل لك. قال: قلتُ: من هما؟ قالوا: مُرارةُ بنُ ربيع العامريُّ\n_________\n(^١) في م: \"أصبح\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"لقد\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م، ف: \"المتخلفون\".","vol":"12","page":61},{"text":"وهلالُ بنُ أميةَ الواقفيُّ. قال: فذَكَروا لي رجلَين صالحَين قد شَهِدا بدرًا (^١) فيهما أُسْوةٌ. قال: فمَضَيتُ حينَ ذَكَروهما لى، ونَهَى رسولُ الله ﷺ المسلمين عن كلامنا، أيُّها الثلاثةُ، مِن بين مَن تَخَلَّفَ عنه. قال: فاجْتَنَبَنا الناسُ وتَغَيَّروا لنا حتى تَنَكَّرَتْ لي في نفسي الأرضُ، فما هي بالأرض التي أعرِفُ، فَلَبِثْنا على ذلك خمسين ليلةً، فأما صاحباي، فاسْتَكَانا وقَعَدا في بُيوتهما يَبْكِيان، وأما أنا، فكنتُ أشَبَّ القومِ وأجلَدَهم، فكنتُ أخرُجُ وأشهَدُ الصلاة، وأطوفُ في الأسواق، ولا يُكَلِّمُني أحدٌ، وأتى رسول الله ﷺ، فأسلِّمُ عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقولُ في نفسي: هل حَرَّكَ شفتَيه بردِّ السلام أم لا؟ ثم أُصَلِّى معه، وأَسارِقُه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتى نَظَرَ إليَّ، وإذا التفَتُّ نحوه أعرَضَ عنى، حتى إذا طال ذلك عليَّ مِن جفوة المسلمين، مشَيتُ حتى تَسَوَّرتُ جدارَ حائطِ أبي قتادة، وهو ابن عمِّى وأحبُّ الناس إليَّ، فسَلَّمْتُ عليه، فوالله ما رَدَّ عليَّ السلام، فقلتُ: يا أبا قتادةَ، أَنْشُدُك بالله، هل تعلَمُ أنى أحِبُّ الله ورسوله؟ فسكَتَ. قال: فعُدْتُ فناشَدتُه، فسكَت، فعُدْتُ فناشَدتُه، فقال: الله ورسوله أعلمُ. فَفَاضَتْ عَيْناى، وتَوَلَّيتُ حتى تَسَوَّرتُ الجدار، فبَيْنا أنا أمشى في سوق المدينة، إذا نبَطِيٌّ (^٢) مِن نَبَطِ أهل الشام ممن قَدِمَ بالطعامِ يَبيعُه بالمدينة، يقولُ: مَن يدُلُّ على كعب بن مالكٍ؟ قال: فطَفِقَ الناسُ يُشيرون له حتى جاءني، فدفع إليَّ كتابًا مِن مَلكِ غَسَّانَ، وكنتُ كاتبًا، فقرأتُه، فإذا فيه: أمَّا بعدُ، فإنه قد بلَغَنا أن صاحبَك قد جَفاكَ، ولم يجعَلْك الله بدارِ هَوَانٍ ولا مَضْيَعةٍ، فالحقْ بِنا نُواسِكَ.\nقال: فقلتُ حين [قرأتُها: وهذه] (^٣) أيضًا من البلاء، [فتأمَّمتُ به] (^٤)\n_________\n(^١) بعده في م: \"لى\".\n(^٢) في م: \"بنبطي\".\n(^٣) في م: \"قرأته وهذا\". والتأنيث فيه إرادة لمعنى الصحيفة أو الرسالة.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"فتأممت بها\". والتأمم: القصد. النهاية ١/ ٦٩.","vol":"12","page":62},{"text":"التَّنُّورَ [فَسَجَرتُه به] (^١)، حتى إذا مَضَتْ أربعون من الخمسين، واسْتَلْبَث الوحيُ، إذا رسولُ رسول الله ﷺ يأتينى، فقال: إن رسول الله ﷺ يأمُرُك أن تَعْتزلَ امرأتَك. قال: فقلتُ: أُطَلِّقُها أم ماذا أفعَلُ؟ قال: لا، بل اعْتَزِلُها فلا تَقْرَبَنَّها (^٢). قال: وأرسَل إلى صاحِبَيَّ بذلك. قال: فقلتُ لامرأتى: الحَقِى بأهلِك فكونى (^٣) عندَهم، حتى يقضىَ الله في هذا الأمر. قال: فجاءت امرأةُ هلالٍ رسول الله ﷺ فقالت: يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخٌ ضائعٌ ليس له خادمٌ، فهل تَكْرَهُ أن أخدُمَه؟ فقال: \"لا، ولكنْ لا يَقْرَبَنَّكِ\". قالت: فقلتُ: إنه والله ما به حركةٌ إلى شيءٍ، ووالله ما زالَ يَبْكى منذُ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال لى بعضُ أهلى: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك؟ فقد أذن لامرأة هلالٍ أن تَخْدُمَه. قال: فقلتُ: لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ، وما يُدْرِيني ماذا يقول لى إذا اسْتأذنتُه فيها، وأنا رجلٌ شابٌّ.\nفلَبِثْتُ بعد ذلك عشر ليالٍ، فَكَمَلَ لنا خمسون ليلةً مِن حين نهى رسولُ اللهِ ﷺ عن كلامنا، قال: ثم صلَّيتُ صلاة الفجرِ صباح خمسين ليلةً على ظهر بيتٍ من بُيُوتِنا، فبَيْنا أنا جالسٌ على الحالِ التي ذَكَرَ اللهُ مِنَّا (^٤)، قد ضاقَت عليَّ نفسى، وضاقَت عليَّ الأرضُ بما رَحُبَتْ، سَمِعتُ صوت صارخٍ [أَوْفَى على جبلِ سَلْعٍ] (^٥) يقولُ بأعلى صوته: يا كعبُ بنَ مالكٍ، أبشرْ. قال: فَخَرَرْتُ ساجدًا، وعَرَفْتُ أَنْ\n_________\n(^١) في ف: \"فسجرته به\". وسجر التنور. أوقده وأحماه. تاج العروس (س ج ر).\n(^٢) في م: \"تقربها\".\n(^٣) في م: \"تكوني\".\n(^٤) في م: \"عنا\".\n(^٥) أوفى على جبل سَلعْ: أشرف واطَّلَع. النهاية ٥/ ٢١١، وسَلع: جَبل بسوق المدينة. معجم البلدان ٣/ ١١٧.","vol":"12","page":63},{"text":"قد جاء فرجٌ. قال: وآذَنَ رسولُ الله ﷺ بتوبة الله علينا حينَ صَلَّى صلاة الفجرِ، فذهَب الناسُ يُبَشِّرُونَنا، فذهَب قِبَلَ صاحِبَيَّ مُبَشِّرُون، وركَض رجلٌ إليَّ فرسًا، وسعَى ساعٍ مِن أسلمَ قِبَلى، وأَوْفَى الجبلَ، وكان الصوتُ أسرع من الفرس، فلما جاءنى الذي سَمِعتُ صوتَه يُبَشِّرُنى، نَزَعْتُ له ثَوْبَيَّ، فكَسَوتُهما إياه بِبَشارته، والله ما أَمْلِكُ غيرَهما يومَئذٍ، واسْتَعَرْتُ ثوبَين فلبستُهما، وانطلقتُ أتأمَّمُ رسولَ اللهِ ﷺ، فَتَلقَّانى الناسُ فوجًا فوجًا يُهَنِّئُونى بالتوبة، ويقولون: لِتَهْنِكَ (^١) توبة الله عليك حتى دخَلتُ المسجدَ، فإذا رسول الله ﷺ جالسٌ في المسجدِ حوله الناسُ، فقامَ إليَّ طلحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ يُهَرْولُ حتى صافَحَنى وهَنَّأَنى، واللَّهِ ما قامَ رجلٌ مِن المهاجرين غيرُه - قال: فكان كعبٌ لا يَنْساها لطلحةَ - قال كعبٌ: فلما سَلَّمْتُ على رسول الله ﷺ قال وهو يَبْرُقُ وجهُه من السرور: \"أبْشرْ بخير يومٍ مَرَّ عليك منذُ وَلَدَتْك أمُّكَ\". فقلتُ: أمِن عندِك يا رسولَ اللهِ، أم من عندِ اللهِ؟ قال: \"لا، بَلْ مِن عِنْدِ الله\". وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنارَ وجهُه، حتى كأن وجهه قطعةُ قمرٍ، وكُنَّا نعرِفُ ذلك منه.\nقال: فلما جلَستُ بينَ يَدَيه قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إِن مِن تَوْبَتى أن أنْخلِعَ مِن مالى صدقةً إلى اللهِ وإلى رسوله. فقال رسولُ الله ﷺ: \"أَمْسِكْ (^٢) بعضَ مالك، فهو خيرٌ لك\". قال: فقلتُ: فإني أُمْسِكُ سَهْمىَ الذي بخيبرَ. وقلتُ: يا رسول اللهِ، إن الله إنما أنْجانى بالصدقِ، وإن مِن تَوْبتى أن لا أُحدِّثَ إلا صدقًا ما بَقِيتُ. قال: فوالله ما علمتُ أحدًا من المسلمين أَبْلاه (^٣) الله في صِدْقِ الحديث، منذ ذكَرتُ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"ليرضك\".\n(^٢) بعده في س: \"عليك\".\n(^٣) في م: \"ابتلاه\".","vol":"12","page":64},{"text":"ذلك لرسول الله ﷺ، أحسن مما ابْتَلاني (^١)، والله ما تَعمَّدتُ كذبةً مُذْ قلتُ ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومى هذا، وإنى أرجو [أن يَحْفَظَني] (^٢) الله فيما بقي. قال: فأنزل الله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ حتى بَلَغَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. قال كعبٌ: والله ما أنعم الله عليَّ (^٣) من نعمةٍ قَطُّ بعد أن هَدانى للإسلام أعظمَ في نفسى مِن صِدْقى رسولَ اللهِ ﷺ أن لا أكونَ كَذَبْتُه فأَهْلِكَ كما هلَك الذين كذبوا (^٤)، فإِنَّ الله قال للذين كَذَبوا حينَ أَنزَل الوحى شَرَّ ما قال لأحدٍ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦].\nقال كعبٌ: كُنَّا (^٥) خُلِّفْنا، أَيُّها الثلاثةُ، عن أمر أولئك الذين قَبِلَ رسولُ اللهِ ﷺ توبتَهم حينَ حَلَفُوا له، فبايَعَهم واسْتغفَر لهم، وأَرْجَأَ رسولُ الله ﷺ ما أمرنا حتى قَضَى الله فيه، فبذلك قال الله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفْنا عن الغزو، إنما هو تَخْليفُه إيَّانا وإرْجاؤُه أَمْرَنا عمن حلف له واعْتَذَرَ إليه، فقبل منه (^٦).\n_________\n(^١) في صحيح مسلم: \"أبلانى\". والبلاء والإبلاء يكونان في الخير والشر معًا. يقال: ابتليته بلاء حسنًا وبلاء سيئًا. اللسان (ب ل ى).\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف. وانظر صحيح مسلم.\n(^٤) في م: \"كذبوه\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) في م: \"منهم\". والحديث أخرجه البخارى (٤٦٧٦، ٦٦٩٠)، ومسلم (٢٧٦٩)، وأبو داود (٢٢٠٢، ٢٧٧٣، ٣٣١٧، ٤٦٠٠)، والنسائي (٧٣٠، ٣٤٢٢، ٣٨٣٣) من طريق ابن وهب به مطولا ومختصرًا، وأخرجه أحمد ٢٥/ ٦٥ (١٥٧٨٨)، والبخارى (٣٨٨٩) من طريق يونس به، ولم يسق البخاري لفظه، وعند أحمد مختصرًا، وينظر مسند الطيالسي (١٠٣٤).","vol":"12","page":65},{"text":"حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، عن عَقِيلٍ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبَرني عبدُ الرحمن بن عبد الله بن كعبِ بن مالكٍ، أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائدَ كعبٍ مِن بَنِيه حينَ عَمِيَ - قال: سَمِعتُ كعبَ بنَ مالكٍ يُحدِّثُ حديثَه حينَ تَخَلَّفَ عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك. فذكر نحوَه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الزهريِّ، عن عبد الرحمن بن كعبٍ، عن أبيه، قال: لم أتخَلَّفْ عن النبيِّ ﷺ في غزاةٍ غزاها إلا بدرًا، ولم يُعاتب النبيُّ ﷺ أحدًا تَخَلَّفَ (^٢) عن بدرٍ، ثم ذَكَرَ نحوَه (^٣).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن ابن شهابٍ الزهريِّ، عن عبد الرحمن بن عبدِ اللهِ بن كعب بن مالكٍ الأنصاريِّ، ثم السُّلميِّ، عن أبيه، أن أباه عبد الله بن كعبٍ - وكان قائدَ أبيه كعب حينَ أُصِيبَ بصرُه - قال: سَمِعتُ أبي كعبَ بنَ مالكٍ يُحَدِّثُ حديثَه حين تخلَّف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وحديث صاحبيه، قال: ما تخلَّفتُ عن رسول الله ﷺ في غزوة غَزاها، غير أني كنتُ تَخَلَّفْتُ عنه في غزوة بدر. ثم ذَكَر نحوَه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخارى في الأدب المفرد (٩٤٤) من طريق أبي صالح به ببعضه، وأخرجه أحمد ٢٥/ ٨١ (١٥٧٩٠)، والبخارى (٢٧٥٧) مختصرًا، (٤٤١٨) مطولًا، ومسلم (٢٧٦٩)، والنسائي (٣٤٢٤، ٣٨٣٤) من طريق الليث به ببعضه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٩٩، ١٩٠٥ من طريق عقيل به مطولًا ومختصرًا.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بخلفه\"، وفى س: \"تخلفه\". وانظر مصدر التخريج.\n(^٣) أخرجه أحمد ٦/ ٣٨٧ - ٣٩٠ (الميمنية) من طريق معمر به مطولًا.\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٣١، وأخرجه أبو داود (٣٣٢١) من طريق ابن إسحاق به مقتصرًا على بعضه.","vol":"12","page":66},{"text":"<span id=\"aya-1354\"></span><span data-type='title' id=toc-4109>القولُ في تأويل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين مُعَرِّفَهم سبيلَ النجاة من عقابه، والخلاص من أليم عذابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، وراقبوه بأداء فرائضه وتَجَنُّبِ حدودِه، ﴿وَكُونُوا﴾، في الدنيا، مِن أهل ولاية الله وطاعته، تكونوا في الآخرةِ ﴿مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، في الجنة. يعنى: مع من صدق الله الإيمانَ به، فحَقَّقَ قولَه بفعلِه، ولم يكُنْ مِن أهل النفاق فيه، الذين يُكذِّبُ قيلَهم فعلُهم.\nوإنما معنى الكلام: وكونوا مع الصادقين في الآخرة باتقاء الله في الدنيا، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩].\nوإنما قلنا: ذلك معنى الكلام؛ لأن كون المُنافقِ مع المؤمنين غيرُ نافعه بأيِّ وجوهِ الكون كان معهم، إن لم يكُنْ عاملًا عملهم، وإذا عَمِلَ عَمَلَهم فهو منهم، وإذا كان منهم، كان وَجْهُ (^١) الكلام أن يقال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. ولتوجيه الكلام إلى ما وَجَّهْنا من تأويله، فَسَّر ذلك مَن فَسَّره مِن أهل التأويل بأن قال: معناه: وكونوا مع أبي بكرٍ وعمرَ، أو: مع النبيِّ ﷺ والمهاجرين، ﵃.\n\n<span data-type='title' id=toc-4108>ذكرُ من قال ذلك أو غيره في تأويله</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن نافع في قولِ اللهِ:\n_________\n(^١) في م: \"لا وجه في\".","vol":"12","page":67},{"text":"﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. قال: مع النبيِّ ﷺ، وأصحابه (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حَبُّويَه أبو يزيدَ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن نافعٍ، قال: قيل للثلاثة الذين خُلِّفُوا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. محمد وأصحابه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ بن إسماعيل، عن عبد الرحمن المُحاربيِّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. قال: مع أبي بكرٍ وعمرَ وأصحابهما، ﵃ (^٢).\nقال: ثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ بشرٍ الكاهليُّ، قال: ثنا خلفُ بنُ خليفةَ، عن أبي هاشمٍ الرُّمَّانيِّ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ في قولِ اللهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. قال: مع أبي بكرٍ وعمرَ، ﵄ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. قال: مع المهاجرين الصادِقين (^٤).\nوكان ابن مسعودٍ فيما ذُكر عنه يَقْرَؤُه: (وكُونُوا مِنَ الصَّادِقِين).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٠٦ من طريق يعقوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٠٦، وابن عساكر في تاريخه ٣٠/ ٣١٠ من طريق المحاربي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٩ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ١٠٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٨٩ إلى المصنف.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ١٠٩.","vol":"12","page":68},{"text":"ويتأوَّلُه أن ذلك نَهىٌ من الله عن الكذب (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-4110>ذكرُ الرواية عنه بذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرو بن مُرَّةَ، قال: سمعت أبا عُبَيدةَ بن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ يقولُ: قال ابن مسعود: إن الكذب لا يَحِلُّ منه جدٌّ ولا هَزَلٌ، اقرءوا إن شئتم: (يا أيُّها الذين آمَنُوا اتَّقُوا الله وكُونُوا من (^٢) الصَّادِقِينَ). قال: وكذلك هي قراءةُ ابن مسعودٍ: (مِن الصادقين). فهل تَرَون في الكذب رُخْصَةً (^٣)؟\nقال: ثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن شعبةَ، عن عمرو بن مُرَّةَ، قال: سَمِعتُ أبا عبيدةَ، عن عبدِ اللهِ، نحوَه (^٤).\nقال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، قال: سَمِعتُ أبا عُبَيدةَ يُحَدِّثُ عن عبد الله، قال: الكَذِبُ لا يَصْلُحُ منه جدٌّ ولا هَزْلٌ، اقْرَءوا إن شئتم: (يأيُّها الذين ءامنوا اتقوا الله وكونوا من (٢) الصادقين). وهي كذلك في قراءة عبدِ اللهِ، فهل تَرَون مِن رُخْصَةٍ في الكذب (^٥)؟\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعْمشِ، عن إبراهيم، عن عبدِ اللهِ، قال: لا يَصلُحُ الكذبُ في هَزْلٍ ولا جِدٍّ. ثم تلا عبد الله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا﴾ …\n_________\n(^١) هي قراءة شاذة، وينظر البحر المحيط ٥/ ١١١.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"مع\"، وهي كذلك في تهذيب الآثار للمصنف.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٤٨ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٠٦، وابن عدي في الكامل ١/ ٤١، والبيهقى في الشعب (٤٧٨٩، ٤٧٩٠) من طريق شعبة به.\n(^٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٤٠٠) عن شعبة به.\n(^٥) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند على) (٢٥٣) من طريق محمد بن جعفر به.","vol":"12","page":69},{"text":"لا (^١) أدْرى أقال: (مِنَ الصَّادِقِين). أو: ﴿مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. وهو في كتابي: ﴿مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (^٢).\n[قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، عن أبي مَعْمَرٍ، عن عبدِ الله مثله] (^٣) (^٤).\nقال: ثنا أبي، عن الأعْمش، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عَن أَبي عُبَيدةَ، عن عبدِ اللهِ مثله (^٥).\nوالصحيحُ من التأويل في ذلك، هو التأويلُ الذي ذَكَرْناه عن نافعٍ والضحاكِ، وذلك أن رسومَ المصاحب كلِّها مُجْمِعَةٌ على: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، وهى القراءةُ التي لا أستجيزُ لأحدٍ القراءة بخلافها.\nوتأويلُ عبد الله، رحمةُ الله عليه، في ذلك على قراءته، تأويلٌ [صحيحٌ، غير] (^٦) أنَّ القراءة بخلافها.\n\n<span id=\"aya-1355\"></span><span data-type='title' id=toc-4111>القولُ في تأويل قوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"ما\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند على) (٢٥١) من طريق إبراهيم به بنحوه.\n(^٣) سقط من: س، ف.\n(^٤) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند على) (٢٥٠، ٢٥٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٨٧) من طريق الأعمش به.\n(^٥) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (مسند على) (٢٥٥) من طريق الأعمش به.\n(^٦) في م: \"غير صحيح\".","vol":"12","page":70},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: لم يكنْ لأهل المدينة، مدينة رسول الله ﷺ ﴿وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ سُكَّانِ البَوادى الذين تَخَلَّفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوكَ، وهم من أهل الإيمان به، أن يَتَخَلَّفوا في أهاليهم ولا [دارٍ لهم] (^١)، [ولا] (^٢) أن يَرْغَبوا بأنفسهم عن نفسه في صُحْبتِه في سفره والجهاد معه، ومعاونته على ما يُعانيه في غزوِه، ﴿ذَلِكَ﴾. يقولُ: إنما (^٣) لم يكن لهم هذا ﴿بِأَنَّهُمْ﴾؛ من أجل أنهم، وبسبب أنهم ﴿لَا يُصِيبُهُمْ﴾ في سفرهم (^٤) إذا كانوا معه ﴿ظَمَأٌ﴾. وهو العطشُ، ﴿وَلَا نَصَبٌ﴾. يقولُ: ولا تَعَبٌ. ﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يعنى: ولا مجاعةٌ في إقامة دينِ اللهِ ونُصْرتِه، وهَدْمِ (^٥) مَنَارِ الكفر، ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا﴾. يعنى أرضًا. يقولُ: ولا يطئونَ أرضًا، ﴿يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾، وَطُؤُهم إياها، ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾. يقولُ: ولا يُصيبون [من عدوِّ اللهِ وعدوِّهم] (^٦) شيئًا في أموالهم وأنفسهم وأولادهم، إلا كتب الله لهم بذلك كلِّه ثواب عملٍ صالحٍ قد ارْتَضَاه، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: إن الله لا يَدَعُ مُحْسِنًا مِن خلقه أحسَن في عمله فأطاعَه فيما أمَرَه، وانتهى عما نهاه عنه، أن يُجازيَه على إحسانه، ويُثيبَه على صالحِ عملهِ. فلذلك كتب لمن فعل ذلك من أهل المدينة ومَن حولَهم من الأعرابِ ما ذكَر في هذه الآية، الثوابَ على كلِّ ما فعَل، فلم\n_________\n(^١) في م: \"دارهم\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في م: \"إنه\".\n(^٤) في ص: \"سيرهم\"، وفى ت ١، ت ٢، س: \"سرهم\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"هزم\".\n(^٦) في ص، ف: \"عدو الله ولهم\"، وفى ت ١، ت ٢، س: \"عدوا لله وعدو لهم\".","vol":"12","page":71},{"text":"يُضَيِّعْ له أجرَ فعلِه ذلك.\nوقد اختَلَف أهلُ التأويل في حكم هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: هي مُحْكَمةٌ، وإنما كان ذلك لرسول الله ﷺ خاصةً، لم يكن لأحدٍ أن يَتَخَلَّفَ إِذا غَزا خِلافَه، فيَقْعُدَ عنه، إلا من كان ذا عُذْرٍ، فأما غيرُه مِن الأئمة والولاة، فإن لمن شاء مِن المؤمنين أن يَتَخَلَّفَ خِلافَه، إذا لم يكنْ بالمسلمين إليه ضرورةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4112>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾: هذا إذا غَزا نبيُّ الله بنفسِه، فليس لأحدٍ أن يَتَخَلَّفَ. ذكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ قال: \"لولا أن أشُقَّ على أُمَّتِى ما تَخَلَّفْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو في سبيل الله، لكني لا أجِدُ سَعَةً فأَنْطَلِقَ بهم معى، ويَشُقُّ عليَّ - أو: أكْرَهُ - أن أدَعَهم بعدي\" (^١).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بن مسلمٍ، قال: سمعتُ الأوزاعيَّ، وعبدَ الله بن المباركِ، والفَزاريَّ، والسَّبِيعيَّ، وابنَ جابرٍ، وسعيدَ بنَ عبد العزيز، يقولون في هذه الآية: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾. إلى آخر الآية: إنها لأوَّل هذه الأمة وآخرها من المجاهدين في سبيل الله (^٢).\nوقال آخرون: هذه الآيةُ نزلت وفى أهل الإسلامِ قِلَّةٌ، فلما كَثُروا نسخها الله،\n_________\n(^١) أخرج المرفوع منه أحمد ١٢/ ٧٣ (٧١٥٧)، والبخارى - بنحوه (٧٢٢٦)، ومسلم (١٨٧٦) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٠٨، ١٩٠٩ من طريق الوليد به.","vol":"12","page":72},{"text":"وأباحَ التَّخَلَّفَ لمن شاء، فقال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-4113>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾. فقرأ حتى بلَغ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال: هذا حين كان الإسلامُ قليلًا، فلمَّا كَثُرَ الإسلامُ بعدُ (^١)، قال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ إلى آخر الآية (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن الله عنَى بها الذين وصفهم بقوله: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ الآية. ثم قال جل ثناؤُه: ما كان لأهل المدينة الذين تَخَلَّفوا عن رسول الله، ولا لمَن حولَهم من الأعراب الذين قَعَدوا عن الجهاد معه، أن يَتَخَلَّفُوا خِلافَه، ولا يَرْغَبوا بأنفسهم عن نفسه. وذلك أن رسول الله ﷺ كان ندَب في غزوتِه تلك كلُّ مَن أطاقَ النهوضَ معه إلى الشُّخُوص إلا مَن أَذِنَ له، أو أمره بالمُقام بعدَه، فلم يكنْ لمَن قدَر على الشُّخُوص التَّخَلُّفُ، فَعَدَّدَ (^٣) جل ثناؤُه مَن تَخَلَّفَ منهم، فأظهر (^٤) نِفاقَ مَن كان تَخَلُّفُه منهم نِفاقًا، وعَذَرَ مَن كان تَخَلُّفُه كان (^٥) لعُذْرٍ، وتابَ على من كان تَخَلُّفُه تَفْرِيطًا مِن غَيرِ شَكٍّ ولا ارْتِيابٍ في أمرِ اللهِ، إذ تابَ مِن خطأ ما كان منه مِن الفعل. فأما التَّخَلُّفُ عنه في حالِ\n_________\n(^١) في تفسير ابن أبي حاتم: \"وفشا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٠٧ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٣) في ص، ت ٢، س: \"فعدل\"، وفى ت ١، ف: \"بعدك\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وأظهر\".\n(^٥) سقط من: م.","vol":"12","page":73},{"text":"اسْتِغْنائه، فلم يكنْ مَحْظورًا، إذا لم يكنْ عن كراهةٍ (^١) منه ﷺ ذلك. وكذلك حكمُ المسلمين اليومَ إزاءَ إمامهم، فليس بفَرْضٍ على جميعهم النهوضُ معه، إلا في حالِ حاجتِه إليهم لما لابدَّ للإسلام وأهله من حضورِهم واجتماعهم، واسْتِنَهاضِه إياهم، فيَلْزَمُهم حينَئذٍ طاعتُه.\nوإذا كان ذلك معنى الآية، لم تكنْ إحدى الآيتين اللتين ذَكَرْنا ناسخةً للأخرى، إذ لم تكنْ إحداهما نافيةً حكمَ الأخرى من كلِّ وجوهِه، ولا جاءَ خبرٌ يُوَجِّهُ الحُجَّةَ بأن إحداهما ناسخةٌ للأخرى.\nوقد بَيَّنَّا معنى \"المَخْمَصةِ\" وأنها المَجاعةُ، بشواهدِه، وذَكَرْنا الرواية عمَّن قال ذلك في موضعٍ غير هذا، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا (^٢).\nوأما \"النَّيْلُ\"، فهو مصدرٌ من قول القائل: نالَنى يَنالُنى، ونِلْتُ الشيءَ، فهو مَنيلٌ. وذلك إذا كنتَ تنالُه بيدِك، وليس من التَّناوُلِ، وذلك أن التناولَ مِن النَّوالِ، يقالُ منه: نُلْتُ له، أنولُ له، من العَطِيَّةِ.\nوكان بعضُ أهل العلم بكلام العرب يقولُ: النَّيْلُ مصدرٌ مِن قول القائل: نالنى بخير يَنولُنى نَوالًا، وأنالَنى خيرًا إنالةً. وقال: كأَنَّ النَّيْلَ مِن الواو، أُبْدِلَت يَاءً لخِفَّتِها وثقَلِ الواو.\nوليس ذلك بمعروفٍ في كلامِ العرب، بل من شأن العرب أن تُصَحِّحَ الواوَ مِن ذواتِ الواو إذا سَكَنَتْ وانفَتَح ما قبلَها، كقولِهم: القَوْلُ، والعَوْلُ، والحَوْلُ. ولو جازَ ما قال، لجازَ القَيْلُ.\n_________\n(^١) في م: \"كراهته\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٨/ ٩١ - ٩٣.","vol":"12","page":74},{"text":"<span id=\"aya-1356\"></span><span data-type='title' id=toc-4114>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ذلك بأنهم لا يُصيبُهم ظمأٌ - وسائرُ ما ذَكَر - ولا يَنالُون من عدوٍّ نيلًا، ولا يُنْفِقون نفقةً صغيرةً [ولا كبيرةً] (^١) في سبيل الله، ولا يَقْطَعون مع رسول الله ﷺ في غزوه (^٢) واديًا إلا كتب الله (^٣) لهم أجر عملهم ذلك، جزاءً لهم عليه، كأحسن ما يَجْزِيهم على أحسن أعمالهم التي كانوا يَعْمَلونها وهم مُقِيمون في منازلِهم.\nكما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ الآية. قال: ما ازْداد قومٌ من أهليهم في سبيل اللهِ بُعْدًا إلا ازْدادُوا مِن اللهِ قُرْبًا (^٤).\n\n<span id=\"aya-1357\"></span><span data-type='title' id=toc-4115>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولم يكن المؤمنون ليَنْفِروا جميعًا.\nوقد بَيَّنَّا معنى الكافَّةِ بشواهدِه، وأقوالَ أهل التأويل فيه، فأغنى عن\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"غزوة\".\n(^٣) زيادة من: ص.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٠٩ من طريق يزيد به، وكذا أخرجه من طريق شيبان، عن قتادة.","vol":"12","page":75},{"text":"إعادته في هذا الموضعِ (^١).\nثم اختَلَف أهلُ التأويل في المَعْنَى الذي عَناه الله بهذه الآية، وما النَّفْرُ الذي كَرِهَه لجميعِ المؤمنين؟ فقال بعضُهم: هو نَفْرٌ كان من قوم كانوا بالبادية، بعثهم رسول الله ﷺ لا يُعَلِّمون الناسَ الإسلام، فلما نَزَلَ قولُه: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾. انْصَرَفوا عن البادية إلى النبيِّ ﷺ، خشية أن يَكونوا ممن تَخَلَّفَ عنه وممن عُنِىَ بالآية، فأَنزَل الله في ذلك عُذْرَهم بقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾. وكَرِهَ انصراف جميعهم (^٢) من البادية إلى المدينة.\n\n<span data-type='title' id=toc-4116>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾. قال: ناسٌ من أصحاب محمدٍ ﷺ خرَجوا في البَوادي، فأصابوا من الناس معروفًا، ومن الخِصْب ما يَنْتَفِعون به، ودعَوا مَن وجَدوا من الناس إلى الهُدى، فقال الناسُ لهم: ما نَراكم إلا قد ترَكْتُم أصحابَكم وجئْتُمونا، فوجَدوا في أنفسهم من ذلك تحرُّجًا (^٣)، وأقْبَلوا من البادية كلُّهم حتى دخلوا على النبيِّ ﷺ، فقال اللهُ: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ يَبْتَغون الخيرَ، ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ وليَسْمَعوا ما في الناسِ، وما أنزَل الله بعدَهم ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ الناس كلَّهم ﴿إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.\n_________\n(^١) تقدم في ٣/ ٦٠١، ٦٠٢.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"جمعهم\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"حرجا\".","vol":"12","page":76},{"text":"حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله، إلا أنه قال في حديثِه: فقال الله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾: خَرجَ بعضٌ، وقَعَدَ بعضٌ يَبْتَغون الخيرَ.\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَ حديثِه عن أبي حُذَيفة (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ نحو حديثِ المُثَنَّى عن أبي حُذَيفةَ، غيرَ أنه قال في حديثِه: ما نَراكم إلا قد تَرَكْتُم صاحِبَكم. وقال: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾: ليَسْمَعوا ما في الناسِ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: وما كان المؤمنون ليَنْفروا جميعًا إلى عدوِّهم ويَتْرُكوا نبيَّهم ﷺ وحدَه.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾. قال: ليَذْهَبوا كلُّهم، فلولا نفَر مِن كلِّ حيٍّ وقبيلةٍ طائفةٌ، [وتَخَلَّفَ طائفةٌ] (^٢) ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾؛ لِيَتَفَقَّهَ المُتَخَلِّفون مع النبيِّ ﷺ في الدِّينِ، وليُنْذِرَ المُتَخَلِّفون النافِرِين إذا رَجَعوا إليهم لعلهم يَحْذَرون.\n\n<span data-type='title' id=toc-4117>[ذكرُ مَن قال ذلك]</span> (^٣)\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٧٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١٠، ١٩١٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩٣، إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) سقط من ت ١، ت ٢، س، ف، وفى ص: \"ويتخلف طائفة\".\n(^٣) كذا في النسخ، ولعل الصواب حذفها من هذا الموضع.","vol":"12","page":77},{"text":"قولَه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾. يقولُ: ما كان المؤمنون ليَنْفِروا جميعًا، ويَتْرُكوا النبيَّ ﷺ وحدَه، ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾. يعني عُصْبةً، يعنى السَّرايا، ولا يَتَسَرَّوا إلا بإذنه، فإذا رجَعت السَّرايا، وقد نزَل بعدَهم قرآنٌ، تَعَلَّمَه القاعدون من النبيِّ ﷺ، قالوا: إن الله قد أنزل على نبيِّكم بعدَكم قُرآنًا وقد تَعَلَّمْناه. فتَمْكُثُ السَّرايا يتعلَّمون ما أنزل الله على نبيِّهم [بعدَهم، ويبعثَ سرايا أخر، فذلك قولُه: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾. يقولُ: يتعلَّمُون ما أنزل الله على نبيِّه] (^١)، ويُعَلِّمُوا (^٢) السَّرايا إذا رجَعت إليهم لعلهم يَحْذَرون (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾. إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. قال: هذا إذا بعَث نبيُّ الله الجيوشَ، أمرَهم ألا يُعْرُوا (^٤) نبيَّه، وتقيمُ طائفةٌ مع رسول الله ﷺ تَتَفَقَّهُ في الدين، وتَنْطلِقُ طائفةٌ تَدْعو قومَها، وتُحذِّرُهم وقائع الله في من خَلا قبلَهم (^٥).\nحدَّثنا الحسينُ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾، الآية كان نبيُّ الله ﷺ إذا غَزا بنفسِه لم يَحِلُّ لأحدٍ من المسلمين أن يَتَخَلَّفَ عنه، إلا أهل العُذرِ، وكان إذا أقامَ فَأُسِرَّت السَّرايا، لم يَحِلُّ لهم أن يَنْطَلِقوا إلا بإذنه، فكان\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في م: \"يعلمونه\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٠٩، ١٩١٢ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩٢ إلى ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في المدخل.\n(^٤) أعرى القوم صاحبهم: تركوه في مكانه وذهبوا عنه. اللسان (ع ر و).\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٧٣.","vol":"12","page":78},{"text":"الرجلُ إذا أسْرى (^١) فنَزَل بعدَه قرآنٌ، تَلاه (^٢) نبيُّ الله على أصحابه القاعدين معه، فإذا رجَعت السَّرِيةُ، قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله ﷺ: إِن الله أَنزَل بعدكم على نبيِّه قرآنًا. فيُقْرِئونهم، ويُفَقِّهونهم في الدين، وهو قولُه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾. يقولُ: إذا أقام (^٣) رسولُ الله ﷺ: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾. يعنى بذلك أنه لا يَنْبغى للمسلمين أن يَنْفِرُوا جميعًا ونبيُّ اللهِ قاعدٌ، ولكن إذا قعَد نبيُّ اللهِ تَسرَّتِ السَّرايا، وقعَد معه عُظمُ الناسِ (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ما هؤلاء الذين نفَروا بمؤمنين، ولو كانوا مؤمنين لم يَنْفِرْ جميعُهم، ولكنهم مُنافِقون، ولو كانوا صادِقين أنهم مؤمنون، لنَفَرَ بعضٌ ليَتَفَقَّه في الدين، وليُنْذِرَ قومَه إِذا رَجَعَ إِليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-4118>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قولَه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾: فإنها ليست في الجهادِ، ولكنْ لمَّا دَعا رسولُ اللهِ ﷺ على مُضَرَ بالسنين، أجْدَبَتْ بلادُهم، وكانت القبيلةُ منهم تُقبِلُ بأَسْرِها حتى يَحِلُّوا بالمدينة من الجَهْدِ، ويَعْتَلُّوا بالإسلام وهم كاذبون، فضَيَّقوا على أصحاب النبيِّ ﷺ وأجْهَدوهم، وأنْزَل الله يُخْبِرُ رسول الله أنهم ليسوا مؤمنين، فردهم رسول الله الله إلى عشائرهم، وحذَّر قومهم أن يَفْعَلُوا فِعْلهم، فذلك قولُه: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ\n_________\n(^١) في ص: \"استرى\"، وفى ت ١، ت ٢، س، ف: \"اشترى\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وتلاه\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قام\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٧٣.","vol":"12","page":79},{"text":"يَحْذَرُونَ﴾ (^١).\nوقد رُوِى عن ابن عباسٍ في ذلك قولٌ ثالثٌ، وهو ما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾. إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. قال: كان يَنْطَلِقُ مِن كلِّ حيٍّ من العرب عصابةٌ فيَأْتون النبيَّ ﷺ فيَسْألونه عما يريدُونه من دينِهم، ويَتَفَقَّهُون في دينِهم، ويقولون لنبيِّ اللهِ: ما تأمُرُنا أن نفعلَه، وأخبِرْنا ما نقولُ لعشائرِنا إذا انْطَلَقْنا إليهم؟ قال: فيأمُرُهم نبيُّ الله بطاعة الله وطاعة رسوله، ويَبْعَثُهم إلى قومِهم بالصلاة والزكاة، وكانوا إذا أتَوا قومَهم نادَوا: إن مَن أسلمَ فهو مِنَّا. ويُنْذِرُونهم، حتى إن الرجلَ ليُفارِقُ (^٢) أباه وأمَّه، وكان رسولُ اللهِ ﷺ يخبرُهم ويُنْذِرون قومَهم، فإذا رَجَعوا إليهم يَدْعونهم إلى الإسلام، ويُنْذِرونهم النار ويُبَشِّرونهم بالجنة (^٣).\nوقال آخرون: إنما هذا تَكْذيبٌ من الله لمُنافقين أَزْرَوْا بأعراب المسلمين وعزَرُوهم (^٤) في تَخلُّفِهم خلافَ رسول الله ﷺ، وهم ممن قد عذَره الله بالتَّخلُّف.\n\n<span data-type='title' id=toc-4119>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَينة، عن سليمانَ الأحولِ، عن عكرمةَ، قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١٣ من طريق أبي صالح به.\n(^٢) في النسخ: \"ليعرف\"، والمثبت من ابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١١، ١٩١٢ عن محمد بن سعد به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"غيرهم\". وعزَره يعزِره: لامه.","vol":"12","page":80},{"text":"حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾. إلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: قال ناسٌ مِن المنافقين: هَلَكَ مَن تَخَلَّفَ. فَنَزَلَت: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾. إلى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. ونَزَلَت: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ [الشورى: ١٦]. الآية (^١).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد اللهِ بن الزبير، عن ابن عُيَينةَ، قال: ثنا سليمان الأحولُ، عن عكرمة، قال: سمعته يقولُ: لما نزلت: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩]. ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾. إلى قوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: قال المنافقون: هَلَكَ أصحابُ البَدْوِ الذين تَخَلَّفوا عن محمدٍ ولم ينفروا معه. وقد كان ناسٌ مِن أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا إلى البَدْوِ، إلى قومِهم يُفقِّهونهم، فأَنزَل اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾. إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. ونزلت: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ الآية.\nواختلف الذين قالوا: عُنِى بذلك النهى عن نَفْرِ الجميع في السريةِ وتَرْكِ النبيِّ ﷺ وحده - في المعنيِّين بقوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنى به الجماعة المتخلِّفة مع رسول الله ﷺ. وقالوا: معنى الكلام: فهَلَّا نَفَر مِن كلِّ فرقة طائفةٌ للجهادِ؛ ليَتَفَقَّهَ المتخلِّفون في الدِّينِ، وليُنْذِروا قومهم الذين نَفَروا في السرية إذا رجعوا إليهم مِن غزوِهم؟\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٨٩٦)، (١٠٥١ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩٧ - مختصرا - من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"12","page":81},{"text":"وذلك قول قتادة. وقد ذكرنا رواية ذلك عنه من رواية سعيد بن أبي عروبةَ (^١).\nوقد حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادة: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ الآية. قال: ليَتَفَقَّه الذين قعدوا مع نبيِّ اللهِ، ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾. يقولُ: ليُنْذِروا الذين خَرَجوا إِذا رَجَعوا إليهم (^٢).\nحدَّثنا محمد بن عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الحسن وقتادة: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾، قالا: كافةً ويَدَعوا النبيَّ ﷺ (^٢).\nوقال آخرون منهم: بل معنى ذلك: لتتفقَّهَ الطائفةُ النافرةُ دون المتخلِّفة، وتُحذِّر النافرة المتخلفة.\n\n<span data-type='title' id=toc-4120>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الحسن: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾. قال: ليَتَفَقَّهُ الذين خرجوا بما يُرِيهم (^٣) اللهُ من الظهور على المشركين والنُّصرة، ويُنذِروا قومَهم إذا رَجَعوا إليهم (^٤).\n_________\n(^١) تقدم في ص ٧٨.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٩١.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"يردهم\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١٢ من طريق محمد بن عبد الأعلى به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٩١، عن معمر به.","vol":"12","page":82},{"text":"وأَوْلى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: تأويلُه: وما كان المؤمنون ليَنْفِروا جميعًا ويتركوا رسول الله ﷺ وحده، وأن اللَّهَ نهى بهذه الآيةِ المؤمنين به أن يَخْرُجوا في [غزوٍ وجهادٍ] (^١) وغير ذلك من أمورهم، ويدعوا رسول الله ﷺ وحيدًا، ولكن عليهم إذا سَرَّى رسول اللهِ ﷺ سَريةً، أن يَنْفِرَ معَها مِن كُلِّ قبيلةٍ مِن قبائل العرب - وهى الفرقةُ - طائفةٌ، وذلك من الواحد إلى ما بلغ من العدد، كما قال اللهُ جلّ ثناؤُه: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾. يقولُ: فَهَلَّا نَفَرَ مِن كُلِّ فرقةٍ منهم طائفةٌ؟ وهذا إلى هاهنا على أحد الأقوال التي رُويت عن ابن عباسٍ، وهو قولُ الضَّحَّاكِ وقتادة.\nوإنما قلنا: هذا القولُ أَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب؛ لأن الله تعالى ذكرُه حظَر التخلُّفَ خلاف رسولِ اللهِ ﷺ على المؤمنين به من أهل المدينة مدينة الرسول ﷺ ومن الأعراب، لغير عُذْرٍ يُعْذَرون به، إذا خرج رسول الله ﷺ لغزوٍ وجهادٍ عدوٍّ قبل هذه الآيةِ بقوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾. ثم عقَّب ذلك جلّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾. فكان معلومًا بذلك، إذ كان قد عَرَّفَهم في الآية التي قبلها اللازم لهم من فرضِ النَّفْرِ، والمباحَ لهم مِن تَرْكه في حال غزو رسول ﷺ، وشخوصِه عن مدينته لجهادِ عدوٍّ، وأعْلَمَهم أنه لا يَسَعُهم التَّخلُّفُ خِلافَه إلا لعُذْرٍ، بعدَ اسْتِنهاضِه بعضَهم وتَخْليفِه بعضَهم - أن يكونَ عَقِيبَ تعريفهم ذلك تَعْريفُهم الواجب عليهم عند مقامِ رسول الله ﷺ بمدينته، وإشخاص غيرِه عنها، كما كان الابتداءُ بتَعْرِيفهم الواجب عندَ شُخوصِه وتَخْليفِه بعضَهم.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"غزو جهاد\".","vol":"12","page":83},{"text":"وأما قوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾. فإن أَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: لتَتَفَقَّهَ الطائفةُ النافرة بما تُعايِنُ مِن نصر اللهِ أهل دينه وأصحاب رسوله ﷺ على أهل عداواته والكفر به، فيَفْقَهَ بذلك من مُعاينتِه حقيقة علم أمر الإسلام وظهوره على الأديانِ مَن لم يكنْ فَقِهَه، وليُنْذِرُوا قومَهم فيُحَذِّروهم أن ينزِلَ بهم من بأس الله مثلُ الذي نزل بمن شاهَدوا وعاينوا ممن ظَفِرَ بهم المسلمون من أهل الشرك، إذا هم رجعوا إليهم مِن غزوهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. يقولُ: لعلَّ قومَهم إذا هم حَذَروهم ما عاينوا من ذلك، يَحْذَرون فيؤمنون باللهِ ورسوله، حَذَرًا أن ينزِلَ بهم ما نَزَل بالذين أُخبِروا خبرَهم.\nوإنما قُلنا: ذلك أولى الأقوال بالصواب - وهو قول الحسن البصريِّ الذي رَوَيناه عنه - لأن النَّفْرَ قد بَيَّنَّا فيما مضى، أنه إذا كان مطلقًا بغير صلةٍ بشيءٍ، أن الأغلب من استعمال العرب إياه في الجهاد والغزو (^١). فإذا كان ذلك هو الأغلبَ مِن المعانى فيه، وكان جلّ ثناؤه قال: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾. عُلِمَ أن قولَه: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾. إنما هو شرطٌ للنَّفْرِ لا لغيره، إذ كان يَليه دون غيره من الكلام.\nفإن قال قائل: وما تُنْكِرُ أن يكون معناه: ليتَفَقَّهَ المتُخَلِّفون في الدين؟\nقيل: تُنْكِرُ ذلك لاسْتِحالته؛ وذلك أن نَفْرَ الطائفة النافرة، لو كان سببًا لتفقُّهِ المُتَخَلِّفةِ، وجَب أن يكونَ (^٢) مُقامُها معهم سببًا لجَهْلِهم وتَرْكِ التَّفَقُّهِ، وقد عَلِمنا أن مُقامَهم لو أقاموا ولم يَنْفِروا لم يكن [سببًا لمَنْعهم] (^٣) مِن التَّفَقُّهِ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١١/ ٤٥٨ - ٤٦٠.\n(^٢) إلى هنا ينتهى خرم المخطوط الأصل. والمشار إليه في ص ٢٦.\n(^٣) في الأصل: \"شيئا يمنعهم\".","vol":"12","page":84},{"text":"وبعد، فإنه قال جلّ ثناؤه: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾. عطفًا به على قولِه: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾. ولا شكَّ أن الطائفة النافرةَ لم تنفِرْ (^٢) إلا والإنذارُ قد تَقدَّمَ مِن الله إليها، وللإنذار وخوف الوعيدِ نفَرت، فما وَجْهُ إِنْدَارِ الطائفة المتخلفة الطائفة النافرة، وقد تساوتا في المعرفة بإنذار اللهِ إياهما؟ ولو كانت إحداهما جائزةٌ (^٣) أن توصَفَ بإنذار الأخرى، لكان أحقَّهما بأن تُوصَفَ به الطائفةُ النافرةُ؛ لأنها قد عاينَت من قدرةِ اللهِ ونُصْرة المؤمنين على أهل الكفر به ما لم تُعاين المُقيمةُ، ولكن ذلك إن شاء الله كما قلنا، من أنها تُنْذِرُ مِن حَيِّها وقبيلتِها من لم يؤمنْ باللهِ إذا رجعت إليه، أن يَنْزِلَ به ما نزَلَ بَمَن عايَنَه (^٤) ممن أظفَر اللهُ به المؤمنين مِن نُظَرائِهِ من أهل الشرك.\n\n<span id=\"aya-1358\"></span><span data-type='title' id=toc-4121>القولُ في تأويل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسوله: يا أيُّها الذين صَدَّقوا اللَّهَ ورسوله، قاتِلوا من وليَكم من الكفارِ دونَ مَن [هو أبْعَدُ] (^٥) منهم. يقولُ لهم: ابْدَءُوا بقتالِ الأقرب فالأقرب إليكم دارًا، دونَ الأبعد فالأبعد. وكان الذين يلُون المخاطبين بهذه الآية يومئذٍ الروم؛ لأنهم كانوا سكان الشام يومئذٍ، والشام كانت أقرب إلى المدينةِ\n_________\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، م، ف: \"ينفروا\".\n(^٣) في م: \"جائز\".\n(^٤) في م: \"عاينته\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أبعد\"، وفى م: \"بعد\".","vol":"12","page":85},{"text":"من العراق. فأما بعد أن فَتَحَ اللهُ على المؤمنين البلاد، فإن الفرضَ على أهل كلِّ ناحيةٍ قتالُ مَن وَلِيَهم من الأعداءِ دونَ الأبعد منهم، ما لم يُضْطَرَّ إليهم أهلُ ناحيةٍ أخرى مِن نواحي بلاد الإسلام، فإن اضطرُّوا إليهم، لزِمهم (^١) عونهم ونصرهم؛ لأن المسلمين يَدٌ على مَن سواهم.\nولصحة كون ذلك كذلك (^٢)، تأوَّلَ كلُّ مَن تأوَّلَ هذه الآية أن معناها إيجابُ الفرضِ على أهل [كلِّ ناحيةٍ] (^٣) قتالَ مَن وَلِيَهم من الأعداء.\n\n<span data-type='title' id=toc-4122>ذكرُ الرواية بذلك عنهم</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن شبيب بن غَرْقَدَةَ (^٤) البارقيِّ، عن رجلٍ مِن بني تميمٍ، قال: سألتُ ابن عمر عن قتالِ الدَّيْلم، قال: عليك بالروم (^٥).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ وأحمدُ بنُ إسحاق [وسفيانُ بن وكيعٍ] (^٦)، قالوا: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيانُ، عن يونسَ، عن الحسنِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾. قال: الدَّيْلمُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الربيع، الربيع، عن الحسن أنه كان إذا سُئِل عن قتال الروم والدَّيْلمِ (^٧)، تلا هذه الآية: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ\n_________\n(^١) في م: \"لزم\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في الأصل: \"ناحيته\".\n(^٤) بعده في م: \"عن عروة\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٣٧٠.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩٣ إلى ابن مردويه عن ابن عمر مرفوعا.\n(^٦) سقط من: الأصل.\n(^٧) هم جيل من العجم كانوا يسكنون نواحى أذربيجان. الوسيط (د ل م).","vol":"12","page":86},{"text":"الْكُفَّارِ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا عِمْرانُ أخي، قال: سألتُ جعفر بن محمد بن عليِّ بن الحسين، فقلتُ: ما تَرَى في قتالِ الدَّيْلم؟ فقال: قاتلوهم ورابطُوهم، فإنهم من الذين قال الله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيان، عن الربيع، عن الحسن أنه سُئِلَ عن الشام والدَّيلمِ، فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾: الدَّيْلمُ (^٣).\nحدَّثني عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا الوليد، قال: سمعت أبا عمرٍو و(^٤) سعيد بن عبد العزيز يقولان: يُرابط كلُّ قومٍ ما يليهم من مسالحِهم (^٥) وحُصونهم. ويتأوَّلان قول الله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾. قال: كان الذين يلونهم مِن الكفار العرب، فقاتَلَهم حتى فرغ منهم، فلما فرغ قال اللهُ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. حتى بلغ: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. قال: فلما فَرَغَ مِن قتال من يليه من العرب، أمَرَه بجهادِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩٣ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١٤ من طريق يعقوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩٣ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١٣ من طريق أبي نعيم به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بن\".\n(^٥) المسالح؛ جمع المسلحة: الثغر والمرقَب. اللسان (س ل ح).","vol":"12","page":87},{"text":"أهل الكتاب. قال: وجهادُهم أفضلُ الجهادِ عندَ اللهِ (^١).\nوأما قوله: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾. فإن معناه: وليجد هؤلاء الكفارُ الذين تُقاتلونهم ﴿فِيكُمْ﴾ أي منكم شِدَّةً عليهم، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: وأَيقِنوا عند قتالكم إياهم أن الله معكم، وهو ناصرُكم عليهم إنِ (^٢) اتَّقَيتُم الله وخِفْتُموه بأداءِ فَرائضِه واجتنابِ مَعاصِيه، فإِن الله ناصِرٌ مَن اتَّقاه ومُعينُه.\n\n<span id=\"aya-1359\"></span><span data-type='title' id=toc-4123>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وإذا أَنزَل اللهُ سورةً مِن سُورِ القرآن على * نبيِّه محمد ﷺ، فمن هؤلاء المنافقين الذين ذكرهم اللهُ في هذه السورةِ مَن يقولُ: أيُّكم أيُّها الناسُ زادته هذه السورةُ ﴿إِيمَانًا﴾؟ يقولُ: تصديقًا بالله وبآياتِه. يقولُ اللهُ: فأما الذين آمَنوا من الذين قيل لهم ذلك، فزَادتهم السورة التي أُنزلت إيمانًا، وهم يَفْرَحون بما أعْطاهم اللهُ من الإيمان واليقين.\nفإن قال قائلٌ: أوَ (^٣) ليس الإيمانُ في كلام العرب التصديق والإقرار؟\nقيل: بلى.\nفإن قال (^٤): فكيف زادتهم السورةُ تَصْديقًا وإقرارًا؟\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٧٨، ١٩١٤ من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"فإن\".\n* إلى هنا ينتهى الخرم في مخطوطة الأصل الذي بدأ ص ٢٦.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"و\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قيل\".","vol":"12","page":88},{"text":"قيل: زادَتْهم إيمانًا حينَ نَزَلَت؛ لأنهم قبل أن تَنْزِلَ السورةُ لم يكنْ لَزِمَهم فرضُ الإقرارِ بها، والعمل بها بعينِها (^١)، إلا في جملة إيمانهم بأن كلَّ ما جاءهم به نبيُّهم ﷺ من عند اللهِ فحَقٌّ، فلما أنزل الله السورةَ لَزِمَهِم فَرْضُ الإقرار بأنها بعينِها من عندِ الله، ووَجَبَ عليهم فَرْضُ (^٢) الإيمان بما فيها من أحكام اللهِ وحدودِه وفرائضِه، فكان ذلك هو الزيادة التي زادَهم (^٣) نزولُ السورة حينَ نَزَلَت مِن الإيمان والتصديق بها.\nوبنحو الذي قُلنا في تأويل (^٤) ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4124>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾. قال: كان إذا نَزَلَت سورةٌ آمَنوا بها، [فزادهم الله] (^٥) إيمانًا وتصديقًا وكانوا يَسْتَبْشِرون (^٦).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قوله: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. قال: خشيةً (^٧).\n_________\n(^١) في ص، ف: \"لعينها\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وفرض\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"زادتهم\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) في س، وتفسير ابن أبي حاتم: \"فزادتهم\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"فزادهم\"، والمثبت موافق لما في الدر المنثور.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١٥ عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩٣ إلى ابن مردويه.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١٤ من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.","vol":"12","page":89},{"text":"<span id=\"aya-1360\"></span><span data-type='title' id=toc-4125>القول في تأويل قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ نِفاقٌ وشَكٌّ في دينِ الله، فإن السورة التي أُنزِلت زادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهم، وذلك أَنهم شَكُّوا في أنها من عند الله، فلم يُوقنوا (^١) بها ولم يُصَدِّقوا، فكان ذلك زيادة شكٍّ حادثةً في تنزيل اللهِ، لَزِمَهم الإيمان به [ووجَب عليهم فرضُ العمل به، فلم يُصدِّقوا به، ولم يوقنوا بوجوب فرض الإيمان به] (^٢) عليهم، بل ارْتابوا بذلك، فكان ذلك زيادةَ نَتْنٍ مِن أفعالهم إلى ما سَلَفَ منهم من (^٣) نظيرِه مِن النَّتْنِ والنفاقِ. وذلك معنى قوله: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾. ﴿وَمَاتُوا﴾ يعنى هؤلاء المنافقين الذين (^٤) هلكوا، ﴿وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ يعنى: وهم كافِرون بالله وآياته.\n\n<span id=\"aya-1361\"></span><span data-type='title' id=toc-4126>القول في تأويل قوله: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾.</span>\nاختلفت القرَأَةُ في قراءةِ قوله: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأَةِ الأمصار: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ﴾ بالياءِ، بمعنى: أَوَلا يَرَى هؤلاء الذين في قلوبهم مرضُ النفاق؟\nوقَرَأ ذلك حمزةُ: (أوَ لا تَرَوْنَ) بالتاءِ (^٥)، بمعنى: أَوَلا تَرَون أنتم (^٦) أيُّها المؤمنون أنهم يُفتنون؟\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يؤمنوا\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أنهم\".\n(^٥) القراءة بالياء وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٣٢٠.\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: \"أنهم\".","vol":"12","page":90},{"text":"والصوابُ عندنا من القراءة في ذلك الياءُ (^١)، على وجه التوبيخ من الله لهم؛ لإجماع الحجةِ مِن قَرَأةِ الأمصارِ عليه وصحةِ معناه.\nفتأويلُ الكلام إذن: أَوَلا يرى هؤلاء المنافقون أن الله يَخْتَبِرُهم في كلِّ عامٍ مرةً أو مرَّتين، بمعنى أنه يَخْتبِرُهم في بعض الأعوام مَرَّةً وفى بعضها مَرَّتين، ﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾. يقولُ: ثم هم مع البلاء الذي يحِلُّ بهم من الله، والاختبار الذي يَعْرِضُ لهم، لا يُنيبون مِن نِفاقهم، ولا يتوبون مِن كُفرهم، ولا هم يَتَذَكَّرون بما يَرون مِن حُجَجِ اللهِ ويُعاينون من آياته، فيَتَّعِظوا بها، ولكنهم مُصِرُّون على نفاقهم.\nواخْتَلَف أهل التأويل في معنى \"الفتنة\" التي ذكر الله في هذا الموضع أن هؤلاء المنافقين يُفْتَنون بها؛ فقال بعضُهم: ذلك اختبارُ اللهِ إِيَّاهم بالقَحْطِ والشدة.\n\n<span data-type='title' id=toc-4127>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: بالسَّنَةِ والجوع (^٢).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُتلون، ﴿فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: بالسَّنَة والجوع (^٢).\n_________\n(^١) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٧٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩٣ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"12","page":91},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: [حدَّثنا أبو حذيفة] (^١)، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: يُبْتَلون بالعذاب في كلِّ عامٍ مرةً أو مرتين.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: بالسَّنةِ والجوع.\nوقال آخرون: بل معناه أنهم يُختبرون بالغزو والجهاد.\n\n<span data-type='title' id=toc-4128>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: يُبْتَلون بالغزو في سبيل اللهِ في كلِّ عامٍ مرة أو مرتين (^٢).\nحدَّثنا محمد بن عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسن مثلَه (^٣).\nوقال آخرون: بل معناه أنهم يُختَبَرون بما يُشِيعُ المشركون من الأكاذيبِ على رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه، فيفتِنون (^٤) بذلك الذين في قلوبهم مرضٌ.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١٦ من طريق سعيد بن بشير عن قَتادةَ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٩١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١٥ من طريق محمد بن عبد الأعلى به.\n(^٤) في ص: \"فيفتتنن\"، وفى م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فيفتتن\".","vol":"12","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4129>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن جابرٍ، عن أبي الضُّحَى، عن حُذيفةَ: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: كُنَّا نسمَعُ في كلِّ عامٍ كَذِبةً أو كذبتين، فيُضِلُّ بها فئامٌ مِن الناسِ كثيرٌ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شَرِيكٍ، عن جابرٍ، عن أبي الضُّحَى، عن حُذيفة، قال: كان لهم في كلِّ عام كَذِبةٌ أو كَذِبتان (^١).\nوأَوْلى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الله تعالى ذكرُه عَجَّبَ عِبادَه المؤمنين من هؤلاء المنافقين، ووَبَّخَ المُنافقين في أنفسِهم بقلةِ تَذَكُّرِهم، وسُوء تنبُّههم (^٢) لمواعظ اللهِ التي يَعِظُهم بها. وجائزٌ أن تكون تلك المواعظ (^٣) الشدائد التي يُنْزِلُها بهم من الجوع والقَحْطِ. وجائزٌ أن تكون ما يُرِيهم مِن نُضرةِ رسوله على أهلِ الكفر به، ويَرْزُقُه مِن إظهاره (^٤) كلمته على كلمتهم. وجائزٌ أن تكونَ ما يَظْهَرُ للمسلمين من نفاقهم وخُبْثِ سرائرهم، برُكونهم إلى ما يَسْمَعون من أراجيف المشركين برسول الله ﷺ وأصحابه. ولا خبرَ يُوجِبُ صحةً بعض ذلك دونَ بعضٍ من الوجه الذي يَجِبُ التسليمُ له. فلا قول في ذلك أولى بالصوابِ مِن التسليم لظاهرِ قولِ اللهِ، وهو: أوَلَا يَرون أنهم يُختَبَرون في كلِّ عامٍ مَرَّةً أو مرَّتين،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١٦ من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩٣ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) في الأصل: \"تثبتهم\"، وفى ت ١، ت ٢، س، ف: \"تنبيههم\".\n(^٣) في الأصل: \"الموعظة\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"إظهار\".","vol":"12","page":93},{"text":"بما (^١) يكون زاجرًا (^٢) لهم، ثم لا ينزَجِرون ولا يتَّعِظون؟\n\n<span id=\"aya-1362\"></span><span data-type='title' id=toc-4130>القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ من القرآنِ، فيها عَيْبُ هؤلاء المنافقين الذين وَصَفَ جلّ ثناؤُه صِفتهم في هذه السورة، وهم عند رسول الله ﷺ، ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ فتناظروا: ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ إِن تَكَلَّمْتم أو تَناجَيْتم بمعايب القوم يُخْبِرُهم (^٣) به. ثم قاموا فانْصَرَفوا من عندِ رسولِ اللهِ ﷺ، ولم يَسْتَمِعوا قراءته (^٤) السورة التي فيها معايبُهم.\nثم ابتدأ جلّ ثناؤه قوله: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. فقال: صَرَفَ اللهُ عن الخير والتوفيق والإيمان بالله ورسوله قلوب هؤلاء المنافقين، ذلك ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. يقولُ: فَعَلَ اللهُ بهم هذا الخذلانَ، وصَرَفَ قلوبهم عن الخيراتِ؛ مِن أجلِ أنهم قومٌ لا يفقهون عن اللهِ مواعظَه، استكبارًا ونفاقًا.\nواختلف أهل العربية في الجالب حرف الاستفهام؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرة: قال: ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾. كأنه قال: قال بعضُهم لبعضٍ؛ لأن نَظَرَهم في هذا المكان كان إيماءً [أو شَبيهًا] (^٥) به، واللهُ أَعلم.\n_________\n(^١) في الأصل: \"ما\".\n(^٢) في الأصل: \"زجرا\".\n(^٣) في الأصل: \"يختبرهم\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قراءة\".\n(^٥) في ص، س، ف: \"وشبيها\"، وفى م، ت ١، ت ٢: \"وتنبيها\".","vol":"12","page":94},{"text":"وقال بعضُ نحويِّى الكوفة: إنما هو: وإذا ما أُنزِلت سورةٌ، قال بعضُهم لبعضٍ: ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾؟\nوقال آخرُ منهم: هذا النظرُ ليس معناه القولَ، ولكنه النظرُ الذي يَجْلِبُ الاستفهام (^١)، كقول العرب: تَناظَروا أيُّهم أعلمُ. و: اجْتَمَعوا أَيُّهم أَفْقَهُ. أي: اجْتَمَعوا ليَنْظُروا. فهذا الذي يَجْلِبُ الاستفهام.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شُعْبَةَ، عن أبي حمزة، عن ابن عباسٍ، قال: لا تقولوا: انصَرَفْنا من الصلاة. فإن قومًا انصَرَفَوا فَصَرَفَ اللهُ قلوبَهم، ولكن قولوا: قد قَضَيْنا الصلاة.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاق، عن عُمَيرٍ ابن [قميمٍ التغلبيِّ] (^٢)، عن ابن عباسٍ، قال: لا تقولوا: انصرَفْنا من الصلاة. فإن قومًا انصَرَفوا، فصرف الله قلوبهم (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو مُعاوية، عن الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن ابن عباسٍ، قال: لا تقولوا: انصَرَفْنا من الصلاةِ. فإن قومًا انصَرَفوا فصَرَفَ اللهُ قلوبَهم، ولكن قولوا: قد قَضَينا الصلاة (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بالاستفهام\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"تميم التغلبى\"، وفى م، ف: \"تميم الثعلبي\". وهو عمير بن قميم - وقيل: تميم - التغلبى. ينظر التاريخ الكبير ٦/ ٥٣٦، والجرح والتعديل ٦/ ٣٧٨.\n(^٣) أخرجه البخارى في تاريخه ٦/ ٥٣٧ من طريق سفيان به، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٨٢ من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٥٢ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١٧ من طريق أبي معاوية به.","vol":"12","page":95},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ الآية. قال: هم المنافقون (^١).\nوكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾: [ممن سَمِعَ] (^٢) خبركم، رآكم أحدٌ أَخبَره؟ إذا نَزَلَ شَيءٌ يُخبرُ عن كلامهم. قال: وهم المنافقون. قال: وقَرَأَ: ﴿وَإِذَا مَا (^٣) أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾: حتى بَلَغَ: ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ أخبَره بهذا؟ أكان معكم أحدٌ؟ سَمِعَ كلامَكم أحدٌ يُخبره بهذا (^٤)؟\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو إسحاق الهَمْدانيُّ، عمَّن حدَّثه، عن ابن عباسٍ، قال: لا تَقُل: انصَرَفْنَا مِن الصلاةِ. فإن الله ﷿ عَيَّرَ قومًا فقال: ﴿انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ولكن قل: قد صَلَّيْنا.\n\n<span id=\"aya-1363\"></span><span data-type='title' id=toc-4131>القولُ في تأويل قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للعرب: لقد جاءَكم أيُّها القومُ رسولُ اللهِ إليكم، ﴿مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١٦ عن محمد بن سعد به.\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ص، ف: \"من يسمع\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١٦ من طريق أصبغ، عن ابن زيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩٣ إلى أبي الشيخ.","vol":"12","page":96},{"text":"أَنْفُسِكُمْ﴾، تَعْرِفونه، لا من غيركم فتَتَّهِمُوه على أنفسكم في النصيحة لكم، ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾. أي: عزيزٌ عليه عَنتُكم، وهو دخولُ المَشَقَّةِ عليهم والمكروه والأذى، ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: حريصٌ على هُدَى ضُلَّالِكم وتوبتهم ورجوعهم إلى الحقِّ، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. أي: رفيقٌ رَحِيمٌ.\nوبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4132>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن جعفر بن محمدٍ، عن أبيه في قوله ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾. قال: لم يُصِبْه شيءٌ من شِرْكِ في ولادته (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرَنا ابن عُيينةً، عن جعفر بن محمدٍ في قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾. قال: لم يُصبه شيءٌ من ولادة الجاهلية. قال: وقال النبيُّ ﷺ: \"إِنّى خَرَجْتُ مِن نكاحٍ ولم أخرُج من سفاحٍ\" (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن ابن عُيَينةَ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه نحوَه.\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١٧، والبيهقى ٧/ ١٩٠ من طريق سفيان به. بلفظ الأثر بعده، وفيهما الزيادة المرفوعة أيضًا.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٩١. ينظر طرق المرفوع وتخريجها في البداية والنهاية ٣/ ٣٦٢ - ٣٦٤.","vol":"12","page":97},{"text":"رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾. قال: جَعَلَه اللهُ مِن أنفسهم، فلا يَحْسُدُونه على ما أعطاه الله من النبوة والكرامة (^١).\nوأما قولُه: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾. فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.\nفقال بعضُهم: معناه: ما ضَلَلْتُم.\n\n<span data-type='title' id=toc-4133>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ ظُهَيرٍ، عن السُّدِّيِّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾: ما ضَلَلْتُم (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: عزيزٌ عليه عَنَتُ مؤمنكم (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-4134>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾: عزيزٌ عليه عَنَتُ مؤمنِهم (^٤).\nوأَوْلى القولَين في ذلك بالصواب قولُ ابن عباسٍ، وذلك أن الله ﷿ عَمَّ بالخبر عن نبيِّ الله أنه عزيزٌ عليه ما عنَت قومَه، ولم يَخْصُصْ أهلَ الإيمان به، فكان ﷺ كما وَصَفَه الله به عزيزًا عليه عَنَتُ جميعهم.\nفإن قال قائلٌ: وكيف يجوزُ أن يُوصَفَ ﷺ بأنه كان عزيزًا عليه عَنتُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١٧ من طريق يزيد به.\n(^٢) ذكره البغوي ٤/ ١١٦ في تفسيره.\n(^٣) في الأصل: \"مؤمنيكم\".\n(^٤) في الأصل: \"مؤمنيكم\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١٨ من طريق يزيد به.","vol":"12","page":98},{"text":"جميعهم، وهو يقتُلُ كفارَهم، ويَسْبِى ذَراريَّهم، ويَسْلُبُهم أموالهم؟\nقيل: إن إسلامَهم لو كانوا أسْلَمُوا، كان أحبَّ إليه من إقامتهم على كفرهم وتَكْذيبِهم إياه، حتى يَسْتَحِقوا ذلك من الله. وإنما وصَفه الله جلّ ثناؤُه بأنه عزيزٌ عليه عَنتُهم؛ لأنه كان عزيزًا عليه أن يأتوا ما يُعْنِتُهم، وذلك أن يَضِلُّوا فيَسْتوجبوا العَنَتَ مِن الله بالقتل والسِّباء (^١).\nوأما ﴿مَا﴾ (^٢) التي في قوله: ﴿مَاعَنِتُّمْ﴾. فإنه رفع بقوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾. لأن معنى الكلامِ ما ذكرتُ: عزيزٌ عليه عَنتُكم.\nوأما قولُه: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾. فإن معناه ما قد بَيَّنْتُ، وهو قولُ أهلِ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4135>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾: حريصٌ على ضالِّهم أن يَهْدِيَهِ اللهُ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾. قال: حريصٌ على من لم يُسْلِمُ أَن يُسْلِمَ (^٤).\n\n<span id=\"aya-1364\"></span><span data-type='title' id=toc-4136>القولُ في تأويل قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"السبي\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١٨ من طريق يزيد به.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٩١.","vol":"12","page":99},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: فإن تَوَلَّى يا محمدُ هؤلاء الذين جئْتَهم بالحقِّ مِن عندِ ربِّك من قومك، فأدْبَروا عنك، ولم يَقْبَلوا ما أتيتَهم به مِن النصيحة في (^١) الله، وما دعوتهم إليه من النور والهُدَى. ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾: يَكْفِينى ربِّي، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لا معبود سواه، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾، وبه وَثِقتُ، وعلى عونِه اتَّكَلتُ، وإليه وإلى نصره اسْتَنَدْتُ، فإنه ناصِرى ومُعِينى على مَن خالَفَنى: وتَوَلَّى عنى منكم ومن غيركم من الناسِ، ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ الذي يَمْلِكُ كلَّ ما دونَه، والمُلوكُ كلُّهم مَماليكُه وعبيدُه.\nوإنما عَنَى بوصفه جلّ ثناؤُه نفسَه بأنه ربُّ العرش العظيم، الخبرَ عن جميع ما دونَه أنهم عبيدُه، وفى مُلْكِه وسُلطانِه؛ لأن العرش العظيم إنما كان (^٢) يكونُ للملوك، فوصَف نفسه بأنه ذو العرش العظيم (^٢) دونَ سائرِ خلقِه، وأنه الملكُ العظيمُ دونَ غيره، وأن مَن دونَه في سلطانه ومُلْكه، جارٍ عليهم (^٣) حكمُه وقضاؤُه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾: يعنى الكفارَ، تَوَلُّوا عن رسولِ اللهِ ﷺ، وهذه في المؤمنين (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن عمرٍو، عن عُبَيدِ بن عُمَيرٍ، قال: كان عمرُ رحمة الله عليه لا يُثْبِتُ آيةً في المصحفِ حتى يَشْهَدَ رجلان، فجاء رجلٌ من الأنصار بهاتين الآيتين: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ\n_________\n(^١) بعده في ت ١، ت ٢، س: \"دين\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عليه\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١٩ من طريق أبي صالح به.","vol":"12","page":100},{"text":"عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾. فقال عمرُ: لا أسألك عليها (^١) بَيِّنةً أبدًا، كذلك (^٢) كان رسولُ الله ﷺ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن يونس، عن زُهَيرٍ، عن الأعْمشِ، عن أبي صالحٍ الحَنَفيِّ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إِنَّ الله رحيمٌ يُحِبُّ الرحيم (^٤)، يَضَعُ رحمته على كلِّ رحيمٍ\". قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنا لنَرْحَمُ أَنفسَنا وأموالَنا. قال: وأُرَاه قال: وأزواجَنا. قال: \"ليس كذلك، ولكن كونوا كما قال الله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ \". أَرَاه قرأ هذه الآية كلَّها (^٥).\nحدَّثني محمدُ بن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن عليّ بن زيد، عن يوسفَ، عن ابن عباسٍ، عن أبيِّ بن كعبٍ، قال: آخرُ آيةٍ نزلت من القرآنِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخرِ الآية (^٦).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"عليهما\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"كذا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩٦ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٥٣) - تفسير من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن عمر.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"كل رحيم\".\n(^٥) أخرجه أحمد في الزهد ص ٣٩٣، ٣٩٤ من طريق الأعمش، عن أبي راشد، عن أبي صالح بنحوه.\n(^٦) أخرجه إسحاق بن راهويه - كما في المطالب العالية (٣٩٩٤)، وأحمد ٥/ ٢٩٥ (الميمنية)، والحاكم ٢/ ٣٣٨، والبيهقى في الدلائل ٧/ ١٣٩ من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩٥ إلى ابن أبي شيبة وابن منيع في مسنده وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه. وهو عند أحمد بن منيع - كما في المطالب العالية (٣٩٩٥) - من طريق منصور عن الحسن، عن أبي بن كعب نحوه.","vol":"12","page":101},{"text":"حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا شعبةُ، عن عليّ بن زيدٍ، عن يوسفَ، عن ابن عباسٍ، عن أبيِّ بن كعبٍ، قال: آخرُ آيةٍ نزلت على النبيِّ ﷺ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبةُ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن يوسفَ، عن أبيِّ بن كعبٍ، قال: أحْدَثُ القرآن عهدًا بالله هاتان الآيتان: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ إلى آخرِ الآيتين (^١).\nحدَّثني أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أبانُ بنُ يزيدَ العطارُ، عن قَتادةَ، عن أبَيِّ بن كعبٍ، قال: أحدثُ القرآن عهدًا باللهِ الآيتان: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السورة.\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق بن راهويه - كما في المطالب العالية (٣٩٩٤) - عن وكيع، عن شعبة به.","vol":"12","page":102},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم. ربِّ يسِّر\n\n<span data-type='title' id=toc-4137>القولُ في تفسير السورة التي يُذكرُ فيها يونسُ ﷺ</span>\n\n<span id=\"aya-1365\"></span><span data-type='title' id=toc-4140>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿الر﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اختلَفَ أهلُ التأويل في تأويل (^١) ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: أنا اللهُ أَرَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-4138>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا يحيى بنُ داودَ بن ميمون الوَاسِطيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، في قوله: ﴿الر﴾: أنا الله أَرَى (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن عطاء بن السائبِ، عن أبي الضُّحَى، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿الر﴾. قال: أنا اللهُ أَرَى (^٣).\nوقال آخرون: هي حروفٌ مِن اسم الله الذي هو \"الرحمنُ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-4139>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبدُ الله بن أحمدَ بن شَبُّويه، قال: ثنا عليُّ بنُ الحسين، قال: ثنى أبي،\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢١ من طريق أبي أسامة به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢١، ١٩٩٤، والنحاس في الوقف والابتداء ص ١١٠، ١١١، ومن طريقه ابن النجار في ذيل تاريخ بغداد ١٧/ ٣، ٤، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٦٧) من طريق شريك به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"12","page":103},{"text":"عن يزيدَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: \"الر\"، و\"حم\"، و\"نون\"، حروفُ \"الرحمن \"مُقطَّعةً (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عيسى بنُ عُبيد، عن الحسينِ بن عثمانَ، قال: ذَكَر سالمُ بنُ عبدِ اللهِ \"الر\"، و\"حم\"، و\"نون\" فقال: اسمُ \"الرحمن \"مُقطَّعٌ. ثم قال: الرحمنُ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن (^٣) أبي حمَّادٍ، قال: ثنا مِنْدَلٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: \"الر\"، و\"حم\"، و\"نون\"، هو اسمُ الرحمن.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ عمرٍو الكَلْبيُّ، عن أبي عوانة، عن إسماعيلَ بن سالمٍ، عن عامرٍ، أنه سُئِل عن \"الر\"، و\"حم\"، و\"ص\"، قال: هي أسماءٌ مِن أسماءِ الله مقطعةٌ بالهجاءِ، فإذا وَصَلْتها كانت اسمًا مِن أسماء الله.\nوقال آخرون: هي اسمٌ من أسماء القرآن.\n\n<span data-type='title' id=toc-4141>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿الر﴾، اسمٌ من أسماء القرآن (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢١ من طريق الحسين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩٩ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢١ معلقا، وليس عنده: \"ثم قال: الرحمن\".\n(^٣) سقط من: م. وينظر الجرح والتعديل ٢/ ٢١٧.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢١، ١٩٩٤ من طريق محمد بن عبد الأعلى به.","vol":"12","page":104},{"text":"وقد ذَكَرنا اختلافَ الناسِ، وما إليه ذَهَب كلُّ قائلٍ في الذي قال فيه، وما الصوابُ لَدَينا مِن القولِ في ذلك في (^١) نظيره، وذلك في أول سورة \"البقرة\" (^٢)، فأغنَى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. وإنما ذَكَرنا في هذا الموضع القَدرَ الذي ذكرنا؛ لمخالفة مَن ذكرنا قوله في هذا، قولَه (^٣) في: ﴿الر﴾، فأما الذين وَفَّقوا (^٤) بينَ معاني جميعِ ذلك، فقد ذكرْنا قولهم (^٥) هناك [بما أغنى] (^٦). عن الإعادة هاهنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-4143>القولُ في تأويل قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ </span>(١)﴾.\nاختُلِف في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: تلك آياتُ التوراة.\n\n<span data-type='title' id=toc-4142>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾. قال: التوراةُ والإنجيلُ (^٧).\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. قال: الكتبُ التي كانت قبلَ القرآن (^٨).\nوقال آخرون: معنى ذلك: هذه آياتُ القرآن.\nوأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويلُ من تأَوَّلَه: هذه آياتُ القرآن. ووجَّه\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٠٤ - ٢٢٨.\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"وقفوا\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قوله\".\n(^٦) في ص، ت ٢، س، ف: \"مكتفًا\". وفى م: \"مكتفيا\".\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٨٢ عن مجاهد.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢٢ من طريق سعيد بن بشير عنه به.","vol":"12","page":105},{"text":"معنى \"تلك\" إلى معنى \"هذه\"، وقد بَيَّنَّا وجهَ تَوجيه \"تلك\" إلى هذا المعنى في سورة \"البقرة\" بما أغنى عن إعادتِه (^١). والآياتُ: الأعلامُ. والكتابُ: اسمٌ من أسماءِ القرآنِ. وقد بيَّنا كلَّ ذلك فيما مضَى قبلُ.\nوإنما قلنا: هذا التأويلُ أولى في ذلك بالصواب؛ لأنه لم يَجِئْ للتوراة والإنجيل قبلُ ذكرٌ، ولا تلاوةٌ بعدَه، فيُوجَّهَ إليه الخبرُ.\nفإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلام: والرحمنِ، هذه آياتُ القرآن الحكيم. ومعنى الحكيم في هذا الموضع: المُحَكمُ. صُرِفَ \"مُفعَل\" إلى \"فعيل\"، كما قيل: \"عذابٌ أَلِيمٌ\"، بمعنى: مُؤلِمٌ. وكما قال الشاعرُ (^٢):\n* أَمِنْ رَيحانَةَ الدَّاعِي السَّميعُ *\nوقد بيَّنا ذلك في غير موضعٍ من الكتابِ.\nفمعناه إذًا: تلك آياتُ الكتابِ المُحكَم، الذي أحكَمه الله وبيَّنه لعبادِه، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].\n\n<span id=\"aya-1366\"></span><span data-type='title' id=toc-4144>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أكان عجبًا للناسِ إيحاؤُنا القرآن إلى (^٣) رجلٍ منهم بإنذارِهم عقابَ الله على مَعاصيه؟! كأنهم لم يَعلَموا أن الله قد أَوحَى مِن قَبلِه إلى\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٢٨ - ٢٣١.\n(^٢) هو عمرو بن معد يكرب. وقد تقدم البيت بتمامه في ١/ ٢٩٢.\n(^٣) في م: \"علي\".","vol":"12","page":106},{"text":"مثله من البشر، فَتَعَجَّبوا مِن وَحينا إليه.\nوبنحو ما قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4145>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا بعَثَ الله محمدًا رسولًا، أنكرت (^١) العربُ ذلك، أو (^٢) من أنكر منهم، فقالوا: الله أعظمُ مِن أن يكون رسولُه بشرًا مثل محمدٍ. قال (^٣): فأنزل الله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ (^٤) [يوسف: ١٠٩].\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: عَجِبَتْ قريشٌ أن بُعِثَ رجلٌ منهم. قال: ومِثلُ ذلك: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾، [الأعراف: ٦٥]، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣]، قال الله: ﴿أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-4146>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.</span>\n_________\n(^١) من هنا يبدأ الجزء الثاني والثلاثون من مخطوط خزانة القرويين والمشار إليه بالأصل.\n(^٢) في س، ف: \"و\". وهو موافق لما في الدر المنثور. والمثبت موافق لما في تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢٢ من طريق أبي كريب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩٩ إلى أبي الشيخ وابن مردويه.","vol":"12","page":107},{"text":"يقولُ جلّ ثناؤه: أكان عَجَبًا للناسِ أن أوحينا إلى رجل منهم، أن أنذر الناسَ، وأن بَشِّرِ الذين آمنوا بالله ورسوله ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾. عطفٌ على ﴿أَنْذِرِ﴾.\nواختلَف أهلُ التأويل في معنى قوله: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: أن لهم أجرًا حسنًا بما قدَّموا مِن صالحِ الأعمال.\n\n<span data-type='title' id=toc-4147>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. قال: ثوابَ صِدقٍ (^١).\nقال: ثنا عبدُ الله بنُ رجاءٍ، عن ابن جُريجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كثير، عن مجاهدٍ: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. قال: الأعمال الصالحة (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: أجرًا حسنًا بما قدَّموا من أعمالهم (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [زيدُ بنُ حبابٍ] (^٣)، عن إبراهيم بن يزيد، عن الوليد بن عبد الله بن (^٤) أبي مُغيثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٤/ ١٨٣.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٨٣ بنحوه عن العوفي عن ابن عباس.\n(^٣) في م: \"يزيد بن حبان\". وهو زيد بن الحباب بن الرَّيَّان أبو الحسين العكلى. ينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٤٠.\n(^٤) في ص، م، س، ف: \"عن\". وهو الوليد بن عبد الله بن أبي مُغيث، مولى بني عبد الدار، حجازي. ترجمته في تهذيب الكمال ٣١/ ٣٧.","vol":"12","page":108},{"text":"قال: صلاتُهم، وصومُهم، وصَدَقتُهم، وتسبيحهم (^١).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾. قال: خيرٌ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\n[حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله] (^٣).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n[حدَّثنى القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ] (^٤)، قال: ثني حجَّاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾: ثوابَ صدقٍ عند ربِّهم.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع مثلَه (^٥).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: [وَبَشِّرِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢٣ من طريق زيد بن الحباب به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢٣ من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، س، ف. والأثر في تفسير مجاهد ص ٣٧٩.\n(^٤) سقط من ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢٣، ١٩٢٤ من طريق ابن أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٠ إلى أبي الشيخ.","vol":"12","page":109},{"text":"الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. قال: القدمُ الصدقُ، ثوابُ (^١) الصدقِ بما قَدَّموا مِن الأعمال (^٢).\nوقال آخرون: معناه: أن لهم سابقَ صدقٍ في اللوحِ المحفوظِ من السعادةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4148>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا عبدُ الله بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بن صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: سبقت لهم السعادة في الذِّكر الأوَّل (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: أن محمدًا ﵌ شفيعٌ لهم، [فهو لهم] (^٤) قدمُ صدقٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4149>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن فُضَيلٍ، عن (^٥) عمرو بن الجونِ، عن قَتادةَ أو الحسنِ: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. قال: محمد شفيعٌ لهم (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"الثواب\".\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٤/ ١٨٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢٢، ١٩٢٣، من طريق أبي صالح به، بلفظ: \"تحقق لهم الشهادة في الذكر الأول\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بن\". وهو فضيل بن مرزوق. ينظر الإكمال ٢/ ١٦٣، وما يأتى في حاشية التخريج.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢٤ من طريق يحيى بن آدم به، من قول الحسن بلفظ: \"شفيع لهم يوم القيامة\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٠ إلى أبي الشيخ من قول الحسن.","vol":"12","page":110},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أي سلَفَ صدقٍ عند ربِّهم (^١).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ الزبير، عن ابن عُيَينةَ، عن زيدِ بن أسلمَ، في قولِه: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. قال: محمدٌ ﷺ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصواب قولُ مَن قال: معناه: أن لهم أعمالًا صالحةً عند الله، يستوجِبون بها منه الثوابَ.\nوذلك أنه مَحِكيٌّ عن العرب: هؤلاء أهلُ القدم في (^٣) الإسلام. أي: هؤلاء الذين قَدَّموا فيه خيرًا، فكان لهم (^٤) فيه تَقْديمٌ. ويقالُ: له عندى قَدَمُ صِدقٍ، وقَدَمُ سَوْءٍ. وذلك ما قَدَّمتَ (^٥) إليه من خيرٍ أو شرٍ. ومنه قولُ حسانَ بن ثابتٍ (^٦):\nلنا القدَمُ العُليا (^٧) إليك وخَلفُنا … لأوَّلِنا في طاعةِ اللهِ تابعُ\nوقولُ ذي الرُّمَّة (^٨):\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢٣ معلقا، وينظر تفسير ابن كثير ٤/ ١٨٣. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٠ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه سفيان بن عيينة في تفسيره - كما في التغليق ٤/ ٢٢٢. قال: أخبرت عن زيد به.\n(^٣) في الأصل: \"و\".\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، س، ف: \"له\".\n(^٥) في م: \"قدم\".\n(^٦) تقدم في ١٠/ ٥٣٤.\n(^٧) في م: \"الأولى\".\n(^٨) ديوانه ٢/ ٩٧٢. وعنده: \"الفخر\"، بدل \"البحر\".","vol":"12","page":111},{"text":"لكم قَدَمٌ لا يُنْكِرُ الناسُ أنها … مع الحَسَبِ العادِيِّ طَمَّتْ (^١) على البحر\nفتأويلُ الكلام إذًا: وبَشِّرِ الذين آمنوا أن لهم تقديمَ (^٢) خيرٍ من الأعمالِ الصالحةِ عندَ ربِّهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-4150>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ (^٣) مُبِينٌ﴾.</span>\nاخْتَلَفَت القَرَأَةُ في قراءة ذلك؛ فقَرَأتْه عامَّةُ قَرَأَةِ أهل المدينة والبصرة: (إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) (^٤). بمعنى: إن هذا الذي جئْتَنا به - يَعْنون القرآن - لسحرٌ مبينٌ. وقرأ ذلك مسروقٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وجماعةٌ مِن قَرَأةِ الكوفيين: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ (^٥)؛ [بمعنى: إِنَّ هذا النذير الذي يَدْعونا إلى التوحيد - يَعْنون النبيَّ صلَّى الله عليه - لساحرٌ مُبينٌ] (^٦).\nوقد بَيَّنتُ فيما مَضَى (^٧) مِن نظائر ذلك، أن كلَّ موصوفٍ بصفةٍ يَدُلُّ (^٨) الموصوفُ على صفتِه، وصفتُه عليه، فالقارئُ مُخَيَّرٌ في القراءةِ في ذلك، وذلك نظيرُ هذا الحرف: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ و(لسِحْرٌ\n_________\n(^١) العادي: القديم، كأنه منسوب لعادٍ قوم هودٍ ﵇، وكل قديم ينسبونه إلى عادٍ، وإن لم يدركهم. وطمَّت: عَلَت وغَمَرت. ينظر اللسان (ع د و)، (ط م م).\n(^٢) في م: \"تقدمه\".\n(^٣) في الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢ س: \"لسحر\".\n(^٤) هي قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر، السبعة ص ٣٢٢، والكشف عن وجوه القراءات ١/ ٤٢١.\n(^٥) هي قراءة ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي. المصدران السابقان.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٧) ينظر ما تقدم في ٩/ ١١٥، ١١٦.\n(^٨) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ترك\"، وفى م: \"نزل\".","vol":"12","page":112},{"text":"مبينٌ)؛ وذلك أنهم إنما وَصَفوه بأنه ساحرٌ، [فوَصْفُهم إياه بالسَّحْرِ يَدُلُّ على أَنَّهم قد وَصَفوا ما جاءَهم به بأنَّه سحرٌ] (^١)، ووَصْفُهم ما جاءَهم به أنه سحرٌ يدلُّ على أنهم قد وَصَفوه بالسحرِ. وإذ (^٢) كان ذلك كذلك، فسواءٌ بأيِّ ذلك قَرَأ القارئُ؛ لاتفاقِ معنى القراءتَين. وفى الكلام محذوفٌ، اسْتُغْنى بدلالةِ ما ذُكر عما تُرِكَ ذكرُه، وهو: فلما بَشَّرَهم وأنْذَرَهم وتَلا عليهم الوحىَ، قال الكافرون: إن هذا الذي جاءَنا به لَسحرٌ مبينٌ.\nفتأويلُ الكلام إذًا: أكان (^٣) للناسِ عجبًا أن أوْحَينا إلى رجلٍ منهم، أن أنذرِ الناسَ، وبَشِّرِ الذين آمَنوا أن لهم قدمَ صِدْقٍ عندَ رَبِّهم؟ فلمَّا أتاهم بوحي اللَّهِ وتَلاه عليهم، قال المُنكِرون توحيدَ اللَّهِ ورسالة رسوله: إِنَّ هذا الذي جاءنا به محمدٌ (^٤) لسحرٌ مبينٌ. أي: يُبَيِّنُ لكم عنه أنه مُبطلٌ فيما يَدَّعِيه.\n\n<span id=\"aya-1367\"></span><span data-type='title' id=toc-4151>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ </span>(٣)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّكم الذي له عبادةُ كلِّ شيءٍ (^٥)، لا تَنْبَغى العبادةُ إلا له، هو الذي خَلَق السماوات السبعَ، والأرَضينَ السبعَ في ستةِ أيامٍ، وانفَرَد بخَلْقِها بغير شريكٍ ولا ظهيرٍ، ثم اسْتَوى على عرشِه مُدَبِّرًا للأمور، وقاضيًا (^٦) في خلقِه ما\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في م: \"إذا\".\n(^٣) في الأصل، ت ٢: \"كان\"، وفى س: \"إذا كان\".\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) بعده في م: \"و\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قاضيها\".","vol":"12","page":113},{"text":"أحبَّ، لا يُضادُّه في قَضائِه أحدٌ، ولا يَتَعَقَّبُ تدبيرَه مُتَعَقِّبٌ، ولا يدخلُ أموره خَلَلٌ، ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾. يقولُ: لا يشفعُ عندَه شافعٌ يومَ القيامةِ في أحدٍ، إلا من بعد أن يأذن له [في الشفاعةِ فيه] (^١).\n﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾. يقولُ ﷻ: هذا الذي هذه صفتُه، سيِّدُكم ومولاكم، لا مَن لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ، ولا يُدَبِّرُ ولا يقضى، مِن الآلهة والأوثان، ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾. يقولُ: فاعْبُدوا ربَّكم الذي هذه صفتُه، وأَخْلِصوا له العبادةَ، وأفْرِدوا له الأُلُوهَةَ والرُّبوبيةَ، بالذِّلَّةِ منكم له، دونَ أوثانِكم وسائرِ ما تُشْركون معه في العبادة، ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: أفلا تَتَّعِظون وتَعْتَبِرون بهذه الآياتِ والحُجَج، فتُنِيبون (^٢) إلى الإذْعانِ بتوحيد ربِّكم، وإفراده بالعبادة، وتَخْلَعون (^٣) الأندادَ وتَبْرَءون منها؟\nوبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4152>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾. قال: يَقْضِيه وحدَه (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ،\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في الأصل: \"فتنيبوا\".\n(^٣) في ص: \"تحلفون\"، وفى م: \"تجمعون\"، وفى ت ١: \"اخلفوا\"، وفى س: \"تخلعوا\"، وفى ف: \"تحلفوا\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٧٩ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٠ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"12","page":114},{"text":"عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾. قال: يَقْضِيه وحدَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾. قال: يَقْضِيه وحده.\n[حدَّثني المُثَنَّى] (^١) قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n\n<span id=\"aya-1368\"></span><span data-type='title' id=toc-4153>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ </span>(٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: إلى ربِّكم - الذي (^٢) صِفتُه ما وَصَف، جلَّ ثناؤُه، في الآية قبلَ هذه - مَعادُكم، أيُّها الناسُ، يومَ القيامة جميعًا. ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾. فَأَخْرَجَ \"وعدَ اللَّهِ\" مُصَدَّرًا من قوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾؛ لأن فيه معنى الوعد، ومعناه: يَعِدُكم الله أن يُحْيِيَكم بعدَ مَماتِكم وعدًا حقًّا. فلذلك نَصَب \"وعدَ اللَّهِ حقًّا\". ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّكم يبدأُ إنشاء الخلقِ وإحْداثَه وإيجادَه، ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾. [يقولُ: ثم يُعِيدُه] (^٣) فيُوجِدُه حَيًّا كهيئته يومَ (^٤) ابْتَدَأَه، بعدَ فَنائِهِ وبَلَائِه.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، س، ف.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، س، ف: \"هذه\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في الأصل: \"حين\".","vol":"12","page":115},{"text":"كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾. قال: يُحْيِيه ثم يُمِيتُه (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وأَحْسَبُه أنه قال: ثم يُحْيِيه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ رجاءٍ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عبدِ الله بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: قال: يُحْيِيه ثم يُمِيتُه، ثم يُحْيِيه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: يُحْيِيه ثم يُمِيتُه، ثم يَبْدَؤُه ثم يُحْيِيه.\n[حدَّثني المُثَنَّى] (^٢)، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nوقَرَأَت قرأةُ الأمصار ذلك: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾. بكسر الألفِ مِن ﴿إِنَّهُ﴾، على الاستئناف. وذُكر عن أبي جعفرٍ الرازيِّ (^٣) أنه قَرَأه: (أنه) بفتح الألف من \"أنه\"، كأنه أرادَ: حقًّا أنه يبدأُ الخلقَ ثم يُعِيدُه فـ \"أن\" حينَئذٍ تكونُ رفعًا، كما قال الشاعرُ (^٤):\nأحَقًّا عبادَ الله أن لستُ زائرًا … [ريَا حيَّةً] (^٥) إلا عليَّ رَقِيبُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٧٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢٦. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٠ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) وهى قراءة أبي جعفر المدنى أيضًا. ينظر النشر في القراءات العشر ٢/ ٢١٢، وإتحاف فضلاء البشر ص ١٤٨.\n(^٤) هو ابن الدمينة كما في شرح ديوان الحماسة ٣/ ١٣٦٤، ومجموعة المعاني ص ١٣٧.\n(^٥) كذا في الأصل، وهى غير منقوطة في ص، ت ١، وفي ت ١: \"جنة\" لا يتبين المقطع الأول من الكلام. وفي ت ٢، س، ف: \"ناجية\" بغير نقط أيضا. وفى مصدري التخريج: \"ولا صادرا\".","vol":"12","page":116},{"text":"وقولُه: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾. يقولُ: ثم يُعِيدُه من بعد مماتِه كهيئتِه قبلَ مماتِه عندَ بعثِه من قبره. ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يقولُ: ليُثِيبَ (^١) مَن صَدَّقَ الله ورسوله، وعَمِلوا بما (^٢) أَمَرَهم الله به مِن الأعمال، واجْتَنَبوا ما نَهاهم عنه، على أعمالِهم الحسنة. ﴿بِالْقِسْطِ﴾. يقولُ: ليَجْزِيَهم على الحَسَنِ مِن أعمالِهم التي عَمِلوها في الدنيا، الحسنَ من الثوابِ، والصالحَ مِن الجزاءِ في الآخرة، وذلك هو القِسْطُ. والقِسْط: العدلُ والإنصافُ.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدل (^٣).\nوقولَه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ فإنه جلَّ ثناؤُه ابْتَدَأَ الخبر عما أَعَدَّ للذين كفَروا من العذابِ، وفيه معنى العطف على الأول؛ لأنه تعالى ذكرُه عَمَّ بالخبر عن مَعادِ جميعهم، كفارِهم ومُؤمنيهم، إليه، ثم أخبرَ أن إعادتَهم ليَجْزِيَ كلَّ فريقٍ بما عمِل؛ المحسنَ منهم بالإحسانِ، والمُسيء بالإساءة. ولكن لمَّا كان قد تَقدَّمَ الخبرُ المُسْتأنَفُ، عما أَعَدَّ للذين كفَروا من العذابِ، ما يَدُلُّ سامعَ ذلك على المرادِ، ابْتَدَأ الخبرَ، والمعنيُّ العطفُ، فقال: والذين جحَدوا الله ورسولَه، وكَذَّبوا بآياتِ اللهِ ﴿لَهُمْ شَرَابٌ﴾ في جهنم، ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾، وذلك شرابٌ قد أُغْلِيَ واشْتدَّ حَرُه، حتى إنه - فيما ذُكر عن النبيِّ ﷺ لتتساقَطُ من أحدِهم حينَ يُدْنِيه منه فروةً رأسِه، وكما وَصَفه به (^٤) جل ثناؤُه: ﴿كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩].\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، س، ف: \"ليثبت\".\n(^٢) في ص، م، ت ٢، س، ف: \"ما\".\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢٧ معلقًا.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":117},{"text":"وأصلُه مفعولٌ صُرِفَ إلى فعيلٍ، وإنما هو محمومٌ، أي مُسَخَّنٌ، وكلُّ مُسَحَّنٍ عند العربِ فهو حميمٌ، ومنه قولُ المُرقِّشِ (^١).\nو(^٢) كلُّ يومٍ لها مِقْطَرَةٌ … فيها كِبَاءٌ مُعَدٌّ وحَمِيمْ\nيعني بالحميمِ: الماءَ الحارَّ (^٣) المُسَخَّنَ.\nوقولُه: ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم مع ذلك عذابٌ مُوجِعٌ، سوى الشرابِ مِن الحميم ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ بالله ورسولِه.\n\n<span id=\"aya-1369\"></span><span data-type='title' id=toc-4154>القولُ في تأويل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّكم الله الذي خَلَقَ السماوات والأرضَ، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾ بالنهارِ، ﴿وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ بالليل. ومعنى ذلك: هو الذي أضاءَ الشمسَ وأنارَ القمرَ، ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾. يقولُ: [وهَيَّأَه] (^٤) فَسَوَّاه منازلَ لا يُجاوِزُها، ولا يَقْصُرُ دونَها على حالٍ واحدةٍ أبدًا.\n[وقال: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ فَوَحَّدَ (^٥)، وقد ذَكَر الشمسَ والقمرَ، فإن في ذلك وجهين؛ أحدُهما: أن تكونَ \"الهاء\" في قوله: ﴿وَقَدَّرَهُ﴾] (^٦) للقمر خاصَّةً؛\n_________\n(^١) تقدم في ٩/ ٣٢٥. وهناك \"في كل ممسى\" مكان \"وكل يوم\".\n(^٢) في م: \"في\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قضاة\".\n(^٥) في م: \"فوحده\".\n(^٦) سقط من: ت ٢.","vol":"12","page":118},{"text":"لأن بالأهلَّةِ يُعْرَفُ انقضاءُ الشهور والسنينَ لا بالشمس. والآخرُ: أن يكونَ اكْتُفِى بذكر أحدِهما من (^١) الآخر، كما قال في موضعٍ آخَرَ: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. وكما قال الشاعرُ (^٢):\nرَمَانى بأمرٍ كنتُ منه وَوَالِدِى … بَرِيًّا و[مِن جُولِ] (^٣) الطَّوِيِّ (^٤) رَمَانِي\nوقولُه: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾. يقولُ: وقَدَّر ذلك منازل؛ ﴿لِتَعْلَمُوا﴾ أنتم أيُّها الناسُ، ﴿عَدَدَ السِّنِينَ﴾. دخولَ ما يَدخُلُ منها، وانقضاءَ ما يُسْتقبَلُ منها، وحسابَها، يقولُ: وحسابَ أوقاتِ السنينَ، وعددَ أيامِها، وحسابَ ساعاتِ أيامها، ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: لم يخلقِ اللَّهُ الشمسَ والقمرَ ومنازلَهما إلا بالحقِّ، [وهو] (^٥) الحقُّ تعالى ذكرُه، يقولُ (^٦): خلَقتُ ذلك كلَّه بحقِّ وَحْدى، بغير عونٍ ولا شريكٍ، ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾. يقولُ: يُبَيِّنُ الحُجَجَ والأدلة، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، إِذا تَدَبَّروها حقيقةً وحدانية الله، وصحةَ ما يَدْعُوهم إليه محمدٌ ﷺ؛ مِن خَلْعِ الأنداد، والبراءةِ مِن الأوثانِ.\n\n<span id=\"aya-1370\"></span><span data-type='title' id=toc-4155>القولُ في تأويل قوله: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ</span>\n_________\n(^١) في م: \"عن\".\n(^٢) هو ابن أحمر؛ كما في كتاب سيبويه ١/ ٧٥. وقيل: البيت للأزرق بن طرفه بن العمرد، كما في اللسان (ج ول). وهو غير منسوب في معاني القرآن للفراء ١/ ٤٥٨، وشرح الحماسة للتبريزى ٢/ ٩٣٦، والتاج (ج ول).\n(^٣) في كتاب سيبويه وشرح الحماسة: \"من أجل\". قال التبريزي: وهو الصحيح.\n(^٤) الجول: جدار البئر. والطوى: البئر المطويَّة بالحجارة. ينظر اللسان (ج ول)، (ط وي).\n(^٥) في م: \"يقول\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":119},{"text":"وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه مُنَبِّهًا عبادَه على موضع الدَّلالة على ربوبيتِه، وأنه خالقُ كلِّ ما دونَه: إن فى اعْتِقابِ الليل (^١) النهارَ، واعْتِقابِ النهار الليل؛ إذا ذَهَب هذا (^٢) جاء هذا، وإذا جاء هذا (^٢) ذهَب هذا، وفيما خلق الله في السماواتِ مِن الشمسِ والقمرِ والنجومِ، وفى الأرضِ مِن عجائبِ الخلقِ الدَّالَّة على أن لها صانعًا ليس كمثلِه شيءٌ - ﴿لَآيَاتٍ﴾. يقولُ: لأدِلَّةٌ وحُجَجًا وأعلامًا واضحةً ﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ الله، فيَخافون وعيدَه، ويَخْشَوْن عقابَه، على إخلاص العبادة لربِّهم.\nفإن قال قائلٌ: أوَ لا دَلالةَ فيما خلَق الله فى السماواتِ والأرض على صانعِه. إلا لَمَن اتَّقَى الله؟\nقيل: في ذلك الدَّلالةُ الواضحةُ على صانعِه لكلِّ مَن صَحَّتْ فِطرتُه، وبَرِئَ من العاهات قلبُه (^٣). ولم يَقْصِدْ بذلك الخبرَ عن أن فيه الدَّلالة لمَن كان قد أَشْعَر نفسَه تَقْوى الله، وإنما معناه: إن في ذلك لآياتٍ لمَن اتَّقَى عقابَ اللهِ، فلم يَحْمِلُه هَواه على خلافِ ما وَضَح له من الحقِّ؛ لأن ذلك يدلُّ كلَّ ذى فِطْرةٍ صحيحةٍ على أن له مُدبِّرًا يَسْتحِقُّ عليه الإذعانَ له بالعُبُودَةِ (^٤)، دونَ ما سِوَاه من الآلهةِ والأنْدادِ.\n\n<span id=\"aya-1371\"></span><span data-type='title' id=toc-4156>القولُ في تأويل قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾.</span>\n_________\n(^١) بعده في م، ف: \"و\".\n(^٢) بعده في ص، ت ٢، س، ف: \"و\". وينظر ما تقدم فى ٣/ ١٠.\n(^٣) في الأصل: \"عقله\".\n(^٤) في ت ١، س: \"بالعبودية\". وهما بمعنى.","vol":"12","page":120},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين لا يَرْجون (^١) لقاءَنا يومَ القيامةِ، فهم لذلك مُكَذِّبون بالثوابِ والعقابِ، مُتَنافِسون فى زِيَنِ (^٢) الدنيا وزَخارفِها، راضُون بها عوضًا مِن الآخرةِ، مُطْمَئِنِّين إليها ساكِنينِ، الَّذِينَ (^٣) هم عن آياتِ اللهِ، وهى أدلتُه على وَحْدانيتِه، وحُجَجِه على عبادِه، في إخلاصِ العبادةِ له - ﴿غَافِلُونَ﴾ مُعْرِضون عنها لاهُون، لا يَتَأمَّلونها تأمُّلَ ناصحٍ لنفسِه، فيَعْلَموا (^٤) بها حقيقة ما دَلَّتْهم عليه، ويَعْرِفوا بها بُطُولَ ما هم عليه مُقِيمُون،\n\n<span id=\"aya-1372\"></span>﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: هؤلاء الذين هذه صفتُهم، ﴿مَأْوَاهُمُ﴾. مصيرُهم (^٥) إلى النارِ؛ نارِ جهنمَ في الآخرة؛ ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فى الدنيا من الآثامِ والأجْرامِ (^٦)، ويَجْتَرِحون من السيئاتِ\nوالعربُ تقولُ: فلانٌ لا يَرْجو فلانًا. إذا كان لا يَخافُه. ومنه قولُ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]. ومنه قولُ أبي ذُؤيبٍ (^٧):\nإذا لَسَعَتْه النَّحْلُ لم يَرْجُ لَسْعَها … وخالَفَها فى بيتِ نُوبٍ عَوَامِلِ (^٨)\nوبنحو ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، م: \"يخافون\".\n(^٢) في ت ١: \"زينة\".\n(^٣) في م: \"والذين\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فيعملوا\".\n(^٥) فى م: \"مصيرها\".\n(^٦) الأجرام: جمع جُرم، وهو التَّعدِّى، والذنب، والجريمة. ينظر لسان العرب (ج ر م).\n(^٧) تقدم في ٧/ ٤٥٦.\n(^٨) فى م: \"عواسل\". والعوامل: جمع عامل. ينظر الوسيط (ع م ل).","vol":"12","page":121},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾. قال (^١): هو قولُه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: ١٥] (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، [وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ] (^٣) في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾. قال: هو مثلُ قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾. قال: إذا شئتَ رأيتَه (^٤) صاحبَ دُنيا، لها يَفْرَحُ، ولها يَحْزَنُ، ولها يَرْضَى، ولها يَسْخَطُ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿إِنَّ\n_________\n(^١) بعده فى م، وتفسير مجاهد: \"هو\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٧٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢٨.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"رأيت\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢٨ من طريق سعيد به، وعنده: \"أتيت\" بدل \"شئت\".","vol":"12","page":122},{"text":"الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ الآية كلّها. قال: هؤلاء أهلُ الكفر. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-1373\"></span><span data-type='title' id=toc-4157>القولُ في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه (^٢): إن الذين صَدَّقوا اللَّهَ ورسولَه وعمِلوا الصالحاتِ؛ وذلك العملُ بطاعةِ اللهِ والانتهاءُ إلى أمرِه، ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾. يقولُ: يُرْشِدُهم ربُّهم بإيمانِهم به إلى الجنةِ.\nكما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولهَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: بلَغنا أن نبيَّ الله ﷺ قال: \"إن المؤمن إذا خرَج مِن قبره، صُوِّرَ (^٣) له عملُه في صورةٍ حَسَنَةٍ، [وشارةٍ حَسَنةٍ] (^٤)، فيقولُ له: ما أنت؟ فوالله إني لأَرَاكَ [امْرَأَ صدقٍ] (^٥). فيقولُ: أنا عملُك. فيكونُ له نورًا وقائدًا إلى الجنة، وأما الكافرُ إذا خرَج مِن قبرِه، صُوِّر (^٣) له عملُه في صورةٍ سيئة [وشارةٍ سيئةٍ] (^٦)، فيقولُ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢٩ من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠١ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات\".\n(^٣) في تفسير ابن أبي حاتم: \"مثل\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف. وفي تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور \"وريح طيبة\".\n(^٥) في الأصل: \"امرأ الصدق\"، وفى تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور: \"عين امرئ صدقٍ\".\n(^٦) فى م: \"وبشارة سيئة\"، وفى تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور: \"وريح منتنة\".","vol":"12","page":123},{"text":"ما أنت؟ فوالله إنى لأراكَ [امْرَأَ سَوْءٍ] (^١). فيقولُ: أنا عملُك. فيَنْطلِقُ به حتى يُدْخِلَه النارَ\" (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ قال: يكونُ لهم نورًا يَمْشُون به.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n[حدَّثني المُثَنَّى] (^٣) قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nو(^٥) قال ابنُ جُرَيجٍ: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾. قال: يَمْثُلُ له عملُه في صورةٍ حسنةٍ وريحٍ طيبةٍ، يُعارِضُ صاحبَه، ويُبَشِّرُه بكلِّ خيرٍ، فيقولُ له: من أنت؟ فيقولُ: أنا عملُك. فيَجْعَلُ له نورًا مِن بين يَدَيه حتى يُدْخِلَه (^٦) الجنةَ، فذلك قولُه:\n_________\n(^١) في الأصل: \"امرأ السوء\"، وفى تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور: \"عين امرئ سوء\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢٩ من طريق سعيد عن قتادة عن الحسن نحوه مرسلًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٠١ - قتادة عن الحسن- إلى ابن المنذر.\n(^٣) سقط من ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٧٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠١ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٥) سقط من: الأصل، ف.\n(^٦) فى ت ١، ت ٢، س، ف: \"يدخل\".","vol":"12","page":124},{"text":"﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾. والكافرُ يَمْثُلُ له عملُه في صورة سيئةٍ، وريحٍ مُنْتِنَةٍ، فيُلازِمُ صاحبَه [ويُلازُّه] (^١) حتى يَقْذِفَه فى النارِ (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: بإيمانهم يَهْدِيهم ربُّهم لدينِه. يقولُ: بتَصْديقِهم هَدَاهم (^٣).\nوقولُه: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ: تَجْرِى مِن تحتِ هؤلاء المؤمنين، الذين وصَف جلَّ ثناؤُه، صفتَهم، أنهارُ الجنة. ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. يقولُ: في بَساتينِ النعيمِ، الذى نَعَّمَ الله به أهلَ طاعتِه والإيمان به.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾. وإنما وَصَف، جلَّ ثناؤُه، أنهارَ الجنةِ فى سائرِ القرآن أنها تَجْرِى تحتَ الجناتِ؟ وكيف يُمْكِنُ الأنهارُ أن تَجْرِي مِن تحتِهم، إلا أن يكونوا فوقَ أرضِها، والأنهارُ تجرى (^٤) تحتَ أرضِها؟ وليس ذلك مِن صفةِ أنهارِ الجنةِ؛ [لأن من صفتِها أنها] (^٥) تَجْرِى على وجهِ الأرضِ في غيرِ أخاديدَ؟\nقيل: إن معنى ذلك بخلافِ ما إليه ذهَبتَ، وإنما معنى ذلك: تَجْرِى مِن دونِهم الأنهارُ. أَى (^٦): بين أيديهم في بساتينِ النعيمِ. وذلك نظيرُ قولِ اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه: ﴿قَدْ\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، والدر المنثور. وفى م: \"ويلاده\". وفى س، ف: \"ويلاوه\". ولازَّه مُلازَّةً ولِزازا: قارنَه. ولازَزتُه: لاصَقتُه. يُنظر لسان العرب وتاج العروس (ل ز ز).\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٨٦، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٣٠١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) بعده فى ص، م، ت ٢: \"ذكر من قال ذلك\". وفى حاشية ص أمامها: \"كذا\" وبعدها قدر سطر بياض.\n(^٤) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"من\".\n(^٥) في ص، ت ٢، س، ف: \"لا من صفتها إنما\"، وفى ت ١: \"ولا من صفتها إنما\"، وفى م: \"لأن صفتها أنها\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"إلى\"، وفى م: \"إلى ما\".","vol":"12","page":125},{"text":"جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤]. ومعلومٌ أنه لم يَجْعَل السَّرىَّ تحتَها وهي عليه قاعدةٌ؛ إذ كان السَّرِىُّ هو الجدولَ، وإنما عَنَى أَنه (^١) جعَل دونَها: بينَ يَدَيها. وكما قال جلَّ ثناؤُه مُخبِرًا عن قيلِ فرعونَ: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١]. بمعنى: مِن دُونِي، بينَ يَدَيَّ.\n\n<span id=\"aya-1374\"></span>وأما قولُه: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾. فإن معناه: دُعاؤُهم فيها: سُبْحانَك اللهمَّ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: و(^٢) أُخْبِرتُ أن قوله: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ قال: إذا مَرَّ بهم الطيرُ يَشْتَهُونَه، قالوا: سُبحانَك اللهمَّ. وذلك دَعْواهم فيها (^٢)، فيأتيهم الملَكُ بما اشْتَهَوا، فيُسَلِّم عليهم، فيَرُدُّون عليه، فذلك قولُه: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾. قال: فإذا أَكَلُوا حَمِدُوا اللَّهَ ربَّهم، فذلك قولُه: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾. يقولُ: ذلك قولُهم فيها، ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ الأَشْجَعِيُّ، قال: سَمِعتُ سفيان يقولُ:\n_________\n(^١) في م: \"به\".\n(^٢) سقط من ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٨٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٠١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٣٠ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٣٠١ إلى أبي الشيخ.","vol":"12","page":126},{"text":"﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾. قال: إذا أرادوا الشيءَ قالوا: اللهمَّ. فيَأْتيهم ما دَعَوْا به (^١).\nوأما قولُه: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾. فإن معناه: تَنْزِيهًا لك، يا ربِّ، مما أضافَ إليك أهلُ الشرك بك، من الكذبِ عليك والفِرْيَةِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سَمِعتُ أَبي، عن غير واحدٍ، عَطِيَّةُ فيهم: سبحانَ اللهِ؛ تَنْزِيةٌ للَّهِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عثمان بن عبد الله بنِ مَوْهَبٍ، قال: سَمِعتُ موسى بنَ طلحةَ، قال: سُئِل رسولُ الله ﷺ عن سبحان الله. [فقال: \"إنزاه] (^٢) الله عن (^٣) السُّوء\" (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ وأبو السائب وخَلَّادُ بنُ أسلمَ، قالوا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا قابوسُ، عن أبيه، أن ابنَ (^٥) الكَوَّاءِ سأل عليًّا، ﵁، عن سبحان اللهِ،\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ١٢٨ بنحوه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٣٠ من طريق الأشجعي به نحوه.\n(^٢) فى م: \"قال إبراء\"، وفى ف: \"فقال أنزه\".\n(^٣) في الأصل: \"من\".\n(^٤) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٧٥٣)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٥٨)، من طريق سفيان به، وأخرجه الطبرانى فى الدعاء (١٧٥٤) من طريق عثمان بن عبد الله بن موهب به عن موسى من قوله، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ١١٠ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) في الأصل: \"أبا\". وهو تحريف، واسم ابن الكواء هذا: عبد الله بن أبي أوفى اليشكري؛ وينظر تاريخ الطبري ٥/ ٦٣، ٢١٢، وميزان الاعتدال ٢/ ٤٧٤.","vol":"12","page":127},{"text":"فقال (^١): كلمةٌ رَضِيَها اللهُ لنفسِه (^٢).\nحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْدِىُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن سفيانَ بن سعيدٍ الثورىِّ، عن عثمانَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مَوْهَبٍ الطَّلْحَيَّ، عن موسى بنِ طلحةَ، قال: سُئِل رسولُ الله ﷺ عن سبحانَ اللهِ، فقال: \"تَنْزِيهًا للَّهِ عن السُّوء\".\nحدَّثنى علىُّ بنُ عيسى البَزَّارُ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ حَمَّادٍ، قال: ثنى حفصُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا طلحةُ [بنُ يحيى بن طلحة] (^٣)، عن أبيه، عن طلحة بن عُبَيدِ اللهِ، قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن تفسير سبحانَ اللهِ. قال (^٤): \"هو تَنْزِيهُ اللهِ عِن (^٥) كُلِّ سُوءٍ\" (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرِو بن تَمَّامٍ الكلبىُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ أيوبَ، قال: ثنى أبي، عن جَدِّى، عن موسى بنِ طلحةَ، عن أبيه، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، قولُ سبحانَ الله؟ قال: \"تَنْزِيهُ اللهِ عن السُّوءِ\" (^٧).\n﴿وَتَحِيَّتُهُمْ﴾ يقولُ: وتحيةُ بعضِهم بعضًا، ﴿فِيهَا سَلَامٌ﴾: أي سَلِمْتَ وأَمِنْتَ مما ابْتُلى به أهلُ النارِ.\n_________\n(^١) فى م: \"قال\".\n(^٢) أخرجه الطبرانى فى الدعاء (١٧٦١) من طريق ابن إدريس به، وفى (١٧٦٠) من طريق قابوس به مطولًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ١١٠ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: الأصل، ت ١، ت ٢.\n(^٤) فى م: \"فقال\".\n(^٥) في الأصل، ص، م، ت ٢، س، ف: \"من\".\n(^٦) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٧٥١)، والحاكم ١/ ٥٠٢، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٥٩)، والخطيب في الكفاية ص ٢٢٦، كلهم من طرق عن عبيد الله به. وجاء عند البيهقي \"جعفر بن سليمان\" بدل \"حفص بن سليمان\".\n(^٧) أخرجه الطبرانى فى الدعاء (١٧٥٢) من طريق سليمان بن أيوب به.","vol":"12","page":128},{"text":"والعربُ تُسَمِّى المُلْكَ التحية؛ ومنه قولُ عمرِو بنِ مَعْدِ يكربَ (^١):\nأَزُورُ بها أبا قابُوس حتى … أُنِيخَ على تَحِيَّتِهِ بجُنْدِى\nومنه قولُ زُهَيْرِ بنِ جَنابِ الكلبيِّ (^٢):\nمِن كُلِّ ما نال الفَتَى … قد نِلْتُه إلَّا التَّحِيَّة\nوقولُه: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾. يقولُ: وآخِرُ دُعائهم، ﴿[أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: وآخِرُ دُعائهم] (^٣) أن يقولوا: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين. ولذلك خُفِّفَت \"أن\"، ولم تُشدَّدُ؛ لأنه أُريد بها الحكايةُ (^٤).\n\n<span id=\"aya-1375\"></span><span data-type='title' id=toc-4158>القولُ في تأويل قوله ﷿: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ﴾ إِجابةً دُعائهم في ﴿الشَّرَّ﴾، وذلك فيما عليهم مَضَرَّةٌ فى نفسٍ أو مالٍ، ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾. يقولُ: كاسْتِعجالِه لهم فى الخير بالإجابة إذا دَعوه به، ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾. يقولُ: لهَلَكوا، وعُجِّلَ لهم الموتُ، وهو الأجلُ.\nوعنَى بقوله: ﴿لَقُضِيَ﴾. لفُرغَ إليهم من أجلهم، ونُبذ إليهم (^٥)، كما قال أبو ذُؤَيبٍ (^٦):\n_________\n(^١) ديوان عمرو بن معد يكرب ص ٧٥ باختلاف في روايته.\n(^٢) شرح القصائد السبع للأنبارى ص ٢٩٨ وفيه مصادر أخرى.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) بعده فى ت ١، ت ٢، س: \"والله الموفق للصواب\".\n(^٥) في م: \"تبدى لهم\".\n(^٦) تقدم في ٢/ ٤٦٦. وسيأتى فى تفسير الآيتين ١٠، ١١ من سورة سبأ.","vol":"12","page":129},{"text":"وعليهما مَسْرُودَتَانِ قَضَاهما … داودُ أو (^١) صَنَعُ السوابغ تُبَّعُ\n﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾، يقولُ: فَنَدَعُ الذين لا يخافون عِقابَنا، ولا يُوقِنون بالبَعْثِ ولا بالنشورِ، ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾. يقولُ: في تَمرُّدِهم وعُتُوِّهم. ﴿يَعْمَهُونَ﴾. يعنى: يَتَرَدَّدون.\nوإنما أخبرَ، جلّ ثناؤُه، عن هؤلاء الكفرةِ بالبعث بما أخبرَ به عنهم، مِن طُغْيانِهم وتَرَدُّدِهم فيه، عندَ تَعْجيله إجابةَ دعائِهم في الشرِّ، لو اسْتجابَ لهم، أن ذلك كان يَدْعوهم إلى التَّقَرُبِ إلى الوَثَنِ الذى يُشْرِكُ به أحدُهم، أو يُضِيفُ ذلك إلى أنه مِن فعلِه.\nوبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾. قال: قولُ الإنسانِ إذا غضِب لولدِه ومالِه: لا باركَ الله فيه ولعَنه (^٢).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾. قال: قولُ\n_________\n(^١) في النسخ: \"إذ\".\nمن هنا خرم فى مخطوط جامعة القرويين المشار إليه بالأصل وينتهى فى صفحة ٢٣٥.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٨٠ ومن طريقه الفريابي -كما في تغليق التعليق- ٤/ ٢٢٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٣٢، وعبد بن حميد في تفسيره - كما في الفتح ٨/ ٣٤٦ من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠١ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"12","page":130},{"text":"الإنسان لولدِه ومالِه إذا غَضِبَ عليه: اللهمَّ لا تُبارِكْ فيه والْعَنْه. فلو يُعَجِّلُ اللهُ (^١) الاستجابةَ لهم (^٢) في ذلك، كما يُسْتجابُ في الخير، لأَهْلَكَهم.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾. قال: قولُ الإنسانِ (^٣) لولدِه ومالِه إذا غَضِبَ عليه: اللهمَّ لا تُبارِكْ فيه والْعَنْه، ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾. قال: لأَهْلَكَ مَن دَعا عليه ولأمَاتَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾. قال: قولُ الرجلِ لولدِه إذا غضِب عليه أو مالِه: اللهمَّ لا تُبارِك فيه والْعَنْه. قال اللهُ: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾. قال: لأَهْلَكَ مَن دَعا عليه ولأماتَه، قال: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾. قال: يقولُ: لا نُهلِكُ أهلَ الشِّرْكِ، ولكن نَذَرُهم في طُغْيانِهم يَعْمَهُون.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾. قال: هو دعاءُ الرجلٍ على نفسِه ومالِه بما يَكْرَهُ أَن يُسْتَجابَ له (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَقُضِيَ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٣) بعده في س: \"قال قول الإنسان\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٣٢ من طريق محمد بن عبد الأعلى به.","vol":"12","page":131},{"text":"إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾. قال: لأَهْلَكْناهم. وقرأ: ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]. قال: يُهْلِكُهم كلَّهم.\nونصَب قولَه: ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ﴾، بوقوع \"يُعَجِّل\" عليه، كقولِ القائلِ: قُمْتُ اليومَ قِيامَك. بمعنى: قُمْتُ كقيامِك، وليس بمصدرٍ مِن يُعَجِّلُ؛ لأنه لو كان مصدرًا لم يَحْسُن دخولُ الكافِ، أعنى كافَ التشبيه فيه.\nواختَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قوله: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾. فَقَرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ على وجه ما لم يُسَمَّ فاعلُه، بضَمِّ القافِ مِن قُضِيَ ورَفْعِ الأجلِ (^١). وقَرَأه عامةُ أهل الشامِ (لقَضَى إليهم أجلَهم). بمعنى: لقَضَى الله إليهم أجلَهم (^٢). وهما قِراءتان مُتَّفِقَتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ، غيرَ أنى أقرؤُه على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه؛ لأن عليه أكثرَ القرأة.\n\n<span id=\"aya-1376\"></span><span data-type='title' id=toc-4159>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا أصابَ الإنسانَ الشدةُ والجَهْدُ، ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾. يقولُ: اسْتغاثَ بنا في كشفِ ذلك عنه، ﴿لِجَنْبِهِ﴾. يعنى: مُضْطَجِعًا لجَنَّبِه، ﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ بالحالِ التي يكونُ بها عندَ نزولِ ذلك الضُّرِّ به، ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ يقولُ: فلما فَرَّجْنا عنه الجهدَ الذى أصابَه، ﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ يقولُ: استَمرَّ على طريقتِه الأولى قبلَ أن يُصِيبَه الضُّرُّ، ونَسِيَ ما كان\n_________\n(^١) هي قراءة السبعة غير ابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٣٢٣، ٣٢٤.\n(^٢) هي قراءة ابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٣٢٣.","vol":"12","page":132},{"text":"فيه مِن الجَهدِ والبلاء أو تَناسَاه، وترَك الشكرَ لربِّه الذى فَرَّجَ عنه ما كان قد نزَل به مِن البلاءِ حينَ اسْتعاذَ به، وعادَ للشِّرك به (^١) ودَعْوى الآلهة والأوثان أربابًا معه. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: كما زُيِّنَ لهذا الإنسان -الذى وَصَفْنا صفتَه- استمرارُه على كُفْرِه بعدَ كشفِ اللهِ عنه ما كان فيه مِن الضُّرِّ، كذلك زُيِّن للذين أسْرَفوا فى الكذِبِ على اللهِ وعلى أنبيائِه، فَتَجاوَزوا فى القولِ فيهم إلى غيرِ ما أَذِنَ اللهُ لهم به، ما كانوا يَعْملون مِن مَعاصى اللهِ والشركِ به.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ قوله: ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾. قال: مُضْطَجِعًا (^٢).\n\n<span id=\"aya-1377\"></span><span data-type='title' id=toc-4160>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد أهْلَكُنا الأممَ التي كَذَّبَت رسلَ اللهِ مِن قبلكم، أيُّها المشركون بربِّهم، ﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾. يقولُ: لمَّا أَشْرَكوا وخالفوا أمرَ اللهِ ونَهْيَه. ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ مِن عندِ اللهِ ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وهى الآياتُ والحُجَجُ التي تُبِينُ عن صِدْقِ مَن جاءَ بها.\n_________\n(^١) سقط من م.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٠٢ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"12","page":133},{"text":"ومعنى الكلام: وجاءتْهم رسلُهم بالآياتِ البينات أنها حقٌّ، ﴿[وَمَا] (^١) كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ يقولُ: فلم تكنْ هذه الأممُ التي أهْلَكْناها ليُؤْمِنوا بِرُسُلِهم، ويُصَدِّقوهم إلى ما دَعَوهم إليه من توحيد الله، وإخلاص العبادةِ له، ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: كما أهلَكْنا هذه القرونَ من قبلكم، أيُّها المشركون، بظُلمِهم أنفسَهم، وتَكْذيبِهم رُسُلَهم، ورَدِّهم نصيحتَهم، كذلك أفعلُ بكم فأُهْلِكُكم كما أَهْلَكتُهم بتَكْذيبِكم رسولَكم محمدًا ﷺ، وظُلْمِكم أنفسَكم بشِرْكِكم بربِّكم، إن أنتم لم تُنِيبوا وتَتوبوا إلى اللهِ مِن شِرْكِكم، فإن مِن ثوابِ الكافرِ بي على كفرِه عندى، أن أُهْلِكَه بسَخَطِى فى الدنيا، وأُورِدَه النارَ في الآخرة (^٢).\n\n<span id=\"aya-1378\"></span><span data-type='title' id=toc-4161>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثم جعَلناكم أيُّها الناسُ خلائفَ مِن بعدِ هؤلاء القرونِ الذين أهلَكناهم لمَّا ظلَموا، تَخلُفُونهم الأرضَ، وتكونون فيها بعدَهم؛ ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: ليَنظُرَ ربُّكم أين عملُكم مِن عملٍ مَن هَلَكَ مِن قَبْلِكُم مِن الأممِ بذُنوبهم وكفرهم بربِّهم، تَحذُونَ (^٣) مِثالَهم فيه؛ فتَستَحِقُوا مِن العقابِ ما استَحَقُوا، أم تُخالِفون سبيلَهم فتُؤمنون بالله ورسوله، وتُقِرُّون بالبعثِ بعد الممات؛ فتَستَحِقُوا مِن ربِّكم الثواب الجزيل؟\nكما حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فما\".\n(^٢) بعده فى ت ١: \"والله الموفق والهادى\".\n(^٣) في ص: \"تحتذون\"، وفى ت ١: \"لتكونون\"، وفي ت ٢، س بياض.","vol":"12","page":134},{"text":"﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. ذُكر لنا أن عمرَ بنَ الخطابِ، ﵁، قال: صدَق ربُّنا، ما جَعَلنا خلفاءَ إلا ليَنظُرَ كيف أعمالُنا، فأَرُوا اللهَ مِن أعمالِكم خيرًا بالليلِ والنهارِ والسرِّ والعلانيةِ (^١).\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا زيدُ (^٢) بنُ عوفٍ أبو ربيعةَ فَهدٌ (^٣) قال: ثنا حَمَّادٌ، عن ثابتٍ البُنَانيِّ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبي ليلى، أن عوفَ بنَ مالكٍ ﵁ قال لأبي بكرٍ ﵁: رأيتُ فيما يَرَى النائمُ كأن سببًا (^٤) دُلِّيَ مِن السماءِ، فانتُشِطَ (^٥) رسولُ الله ﷺ، ثم دُلِّىَ فانتُشِط أبو بكرٍ، ثم ذُرعَ (^٦) الناسُ حولَ المنبر، ففضَل عمرُ، بثلاثِ أذرعٍ إلى المنبرِ. فقال عمرُ: دَعْنا مِن رُؤياك، لا أَرَبَ لنا فيها. فلما استُخلِفَ. عمرُ قال: ياعوفُ، رُؤياكَ، قال: وهل لك في رُؤياي من حاجةٍ؟ أو لم تَنْتَهِرْنى! قال: ويحَك، إنى كَرِهْتُ أَن تَنْعَى الخليفة رسول الله ﷺ نفسَه. فقَصَّ عليه الرُّؤيا، حتى إذا بلَغ: ذُرِعَ الناسُ إلى المنبر بهذه الثلاث الأذرع. قال: أمَّا إحداهُنَّ؛ فإنه كائنٌ خليفةً، وأما الثانيةُ؛ فإنه لا يخافُ في الله لومة لائمٍ، وأما الثالثةُ؛ فإنه شهيدٌ. قال: فقال: يقولُ الله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. فقد استُخلفتَ [يا ابنَ أمِّ عمر] (^٧)، فانظُرْ كيف تعمَلُ. وأما قولُه: فإنى لا أخافُ فى اللهِ لَومَة لائمٍ. فما شاءَ اللهُ. وأما قولُه: فإنى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٣٤ من طريق سعيد بن بشير عنه به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٠٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في م: \"يزيد\". وينظر الجرح والتعديل ٣/ ٥٧٠.\n(^٣) فى م: \"بهذا\". وينظر المصدر السابق.\n(^٤) فى ت ١، س: \"شيئا\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"فانبسط\"، وانتشط: أى جَذب إلى السماء ورفع إليها. النهاية ٥/ ٥٧.\n(^٦) أي قيسوا بالذراع. ينظر التاج (ذ ر ع).\n(^٧) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":135},{"text":"شَهِيدٌ. فأَنَّى لعمرَ الشهادةُ والمسلمون مُطِيفون به. ثم قال: إِنَّ اللهَ على ما يشاءُ قديرٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-1379\"></span><span data-type='title' id=toc-4162>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قُرِئ على هؤلاءِ المشركين آياتُ كتابِ اللهِ الذى أَنزَلناه إليك يا محمدُ، ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ واضحاتٍ، على الحقِّ دالاتِ، ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾. يقولُ: قال الذين لا يخافون عقابَنا، ولا يُوقنون بالمعادِ إلينا، ولا يُصَدِّقون بالبعثِ، لك: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾. يقولُ: أو غَيِّره. ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمدُ: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾، أي: مِن عندى.\nوالتبديلُ الذى سَألوه -فيما ذُكِرَ- أن يُحوِّلَ آيةَ الوعيدِ آيةَ وَعدٍ، وآيةَ الوعدِ وعيدًا، والحرامَ حلالًا، والحلالَ حرامًا. فأمر الله نبيَّه ﷺ أن يُخبرَهم أن ذلك ليس إليه، وأن ذلك إلى مَن لا يُرَدُّ حُكمُه، ولا يُتَعقَّبُ قَضاؤُه، وإنما هو رسولٌ مُبَلِّغٌ، ومأمورٌ مُتَّبعٌ.\nوقولُه: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾. يقولُ: قلْ لهم: ما أَتَّبِعُ فى كلِّ ما آمُرُكُم به، أيُّها القومُ، وأنْهاكم عنه، إلا ما يُنَزِّلُه إلىِّ ربِّي، ويَأْمُرُنى به. ﴿إِنِّي أَخَافُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٣٤ من طريق حماد به، مختصرا، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٨٩ عن المصنف.","vol":"12","page":136},{"text":"إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. يقولُ: إنى أخشَى مِن اللهِ إِن خالفتُ أمره، وغَيَّرتُ أحكامَ كتابِه، وبدَّلتُ وَحيَه، فعَصَيتُه بذلك ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هَولَه، وذلك يَومَ تذهلُ كلُّ مرضعةٍ عما أرضَعت، وتضعُ كلُّ ذاتِ حملٍ حملَها وترَى الناسَ سُكارى وما هم بسُكاري.\n\n<span id=\"aya-1380\"></span><span data-type='title' id=toc-4163>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه، مُعَرَّفَه الحُجَّةَ على هؤلاء المشركين، الذين قالوا له: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾. قل لهم يا محمدُ: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾. أى: ما تلَوتُ هذا القرآنَ عليكم، أيُّها الناسُ، بأن كان لا يُنزِلُه عليَّ، فيَأْمُرَنى بتِلاوتِه عليكم، ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾. يقولُ: ولا أَعلَمَكم به. ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾. يقولُ: فقد مَكَثتُ فيكم أربعين سنةً من قبل أن أتلُوَه عليكم، ومن قبل أن يُوحِيَه إلىَّ ربِّي. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنى لو كنتُ مُنتَحِلًا ما ليس لى مِن القول، كنتُ قد انتَحَلتُه في أيام شَبابى وحَدَاثتى، وقبلَ الوقتِ الذى تَلَوتُه عليكم؟ فقد كان لي اليومَ، لو لم يُوحَ إلىَّ وأومَرْ بتلاوتِه عليكم، مَنْدوحةٌ عن مُعاداتِكم، ومُتَّسَعٌ في الحالِ التي كنتُ بها (^١) منكم، قبل أن يُوحَى إلىَّ وأُومَرَ بتلاوتِه عليكم. وبنحوِ الذى قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ،\n_________\n(^١) فى ت ١، ت ٢، س، ف: \"لها\".","vol":"12","page":137},{"text":"قولَه: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾. ولا أَعلَمَكم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾. يقولُ: لو شاء الله لم يُعلِمْكموه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾. يقولُ: ما حَذَّرتُكم به (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾. وهو قولُ مُشركي أهل مكةَ للنبيِّ ﷺ. ثم قال لنبيِّه ﷺ: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: لَبِثَ أربعين سنةً (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قوله: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ولا أعلَمَكم به.\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٣٤ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٠٢ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٣٤، ١٩٣٥ من طريق سعيد به. وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٣٠٢ إلى ابن المنذر وأبى شيخ.","vol":"12","page":138},{"text":"الحسن، أنه كان يقرأُ: (ولا أدْرَأَتُكُم (^١) به) يقولُ: ما أعلمتُكم به (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضّحَاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾. يقولُ: ولا أشعَرَكم الله به.\nوهذه القراءةُ التي حُكِيَت عن الحسنِ عندَ أهلِ العربية غَلَطٌ، وكان الفراءُ يقولُ في ذلك (^٣): قد ذُكِرَ عن الحسنِ أنه قال: (ولا أدْرَأْتُكم به). قال: فإن يكنْ فيها (^٤) لغةٌ سوى دَرَيتُ وأدْرَيتُ، فلعلَّ الحسنَ ذهَب إليها. وأما أن يَصلُحَ مِن دَرَيتُ أو أدريتُ، فلا؛ لأن الياء والواوَ إذا انفتَح ما قبلَهما وسكَنتا، صحَّتا ولم تَنْقَلِبا إلى \"ألفٍ\"، مثلَ: قَضَيتُ ودَعَوتُ. ولعلَّ الحسنَ ذَهَبَ إلى طبيعتهِ وفصاحتِه فهمَزَها؛ لأنها تضارِعُ: دَرَأْتُ الحدَّ وشِبهَه. وربما غَلِطَت العربُ في الحرفِ إذا ضارَعَه آخرُ من الهمزِ، فيَهمِزون غيرَ المهموزِ، وسمِعتُ امرأةً مِن طيِّئ تقولُ: رَثَأْتُ زوجي بأبياتٍ. ويقولون: لبَّأْتُ بالحجِّ، وحَلَّأْتُ السَّوِيقَ. يَتَغَلَّطون (^٥)؛ لأن حَلأتُ قد يقالُ فى دفع العِطاشِ من الإبل. ولبَّأتُ ذَهَب (^٦) به إلى اللِّبأ (^٧)؛ لبَأ الشاةِ. ورَثَأْت زوجى. ذهَب (٦) به إلى: رَثَأتُ اللبنَ. إذا أنت حلَبت الحليبَ على الرائبِ، فتلك الرَّثيئةُ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أدراكم\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٠٢ إلى المصنف وابن المنذر وأبي عبيد، وينظر قراءة الحسن في مختصر شواذ القراءات ص ٦١ ومعانى القرآن للفراء ١/ ٤٥٩، واتحاف فضلاء البشر ص ١٤٩.\n(^٣) ينظر معانى القرآن ١/ ٤٥٩.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"منها\".\n(^٥) في معاني القرآن: \"فيغلطون\".\n(^٦) فى م: \"ذهبت\".\n(^٧) اللبأ: أول ما يحلب عند الولادة. النهاية ٤/ ٢٢١.","vol":"12","page":139},{"text":"وكان بعضُ البصريِّين يقولُ: لا وجهَ لقراءةِ الحسنِ هذه؛ لأنها من: أدريتُ. مثلَ: أعطيتُ. إلا أن لغةً لبنى (^١) عقيلٍ: أعطاتُ (^٢). يريدون: أعطيتُ. تُحوِّلُ الياءَ ألفًا، قال الشاعرُ (^٣):\n[لقد آذَنَتْ] (^٤) أهلَ اليمامةِ طيِّئٌ … بحربٍ كَنَاصاةِ الأغرِّ المُشَهَّرِ (^٥)\nيريدُ: كناصيةٍ. حُكِى ذلك عن المفُضَّلِ. وقال زيدُ الخيل (^٦):\nلعَمْرُكَ ما أَخشَى التَّصَعلُكَ ما بَقَا … على الأرضِ قَيْسِىٌّ يَسُوقُ الأَباعِرًا\nفقال: بقا. وقال الشاعرُ (^٧):\n[لزَجَرتُ قلبًا] (^٨) لا يَريعُ (^٩) لزاجرٍ … إِنَّ الغَوِىَّ إِذا نُها (^١٠) لم يُعتِبِ\nيريدُ: نُهى. قال: وهذا كلُّه على قراءةِ الحسنِ، وهي مرغوبٌ عنها. قال: وطَيِّئٌ تُصَيِّرُ كلَّ ياءٍ انكَسَر ما قبلَها ألفًا، يقولون: هذه جاراةٌ. وفي التَّرقُوَة: تَرقاةٌ. والعرقوَةِ: عَرقاةٌ. قال: وقال بعضُ طيئ: قد لَقَت فَزارةُ. حَذَفَ اليَاءَ مِن\n_________\n(^١) فى م: \"بنى\".\n(^٢) في ص، م: \"أعطأت\"، وفى ت ١، ت ٢، س، ف: \"أعطت\". والمثبت هو الصواب.\n(^٣) هو حُرَيث بن عَنَّاب الطائى، والبيت فى نوادر أبي زيد ص ١٢٤، والمعانى الكبير لابن قتيبة ٢/ ١٠٤٨، واللسان (ن ص ى)، وفى هذه المصادر بعض الاختلاف عن ما هنا.\n(^٤) في ص: \"ألا آذنت\"، وفى ت ١، ت ٢، س، ف: \"ألا أديت\".\n(^٥) في ص، ت ٢، س، ف: \"المشقر\".\n(^٦) البيت في نوادر أبي زيد ص ٦٨.\n(^٧) هو لبيد بن ربيعة، والبيت في ديوانه ص ١٥٦.\n(^٨) فى م: \"زجرت فقلنا\"، وفى ت ١: \"زجرت قلنا\"، وفى ت ٢، س: \"لزجرت قلنا\"، وفى ف: \"أرحت قلنا\".\n(^٩) غير منقوطة فى ص، ف، وفى م: \"نريع\"، والرَّيع: العود والرجوع. التاج (ر ى ع).\n(^١٠) في الديوان: \"نُهى\" على غير لغة طيّ.","vol":"12","page":140},{"text":"\"لَقِيَتْ\" لما لم يُمكنه أن يُحوّلها ألفًا؛ لسكون التاءِ، فيَلْتَقِى ساكنان. وقال: زعَم يونسُ أن [نَسَا ورَضَا] (^١)، لغةٌ معروفةٌ، قال الشاعرُ:\nوأُنبئْتُ (^٢) بالأَعراضِ ذا البَطنِ خالدًا … نَسَا أو تَناسَى أَن يَعُدَّ المَوَالِيَا\nوروى عن ابنِ عباسٍ في قراءةِ ذلك أيضًا روايةٌ أخرى:\nوهى ما حدَّثنا به المثنى، قال: ثنا المعلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا خالدٌ عن (^٣) حنظلةَ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه كان يقرأُ: (قلْ لو شاء اللهُ ما تَلَوْتُه عليكم ولا أنْذَرتُكم به) (^٤).\nوالقراءة التى لا [أستجيرُ أن تَعْدوَها] (^٥) هى القراءةُ التي عليها قَرَأَةُ الأمصار: ﴿قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ﴾. بمعنى: ولا أَعلَمَكم به، ولا أشعَرَكم به.\n\n<span id=\"aya-1381\"></span><span data-type='title' id=toc-4164>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ لهؤلاء المشركين، الذين نَسَبُوك فيما جئتَهم به مِن عندِ ربِّك إلى الكذبِ: أَيُّ خَلْقٍ [أَشدُّ تَعدِّيًا] (^٦)، وأَوْضَعُ لقيلِه في غيرِ\n_________\n(^١) في ص: \"نُهى ورُضى\"، وفى ت ١، ت ٢، س، ف \"نها ورضا\".\n(^٢) في م: \"أبنيت\"، وفى ت ١: \"اسب\"، وفي ف: \"أتيت\".\n(^٣) في النسخ: \"بن\". والمثبت من مصدرى التخريج، وينظر الجرح والتعديل ٣/ ٢٤٠.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٥٦ - تفسير) من طريق خالد به. وينظر قراءة ابن عباس في مختصر شواذ القراءات ص ٦١.\n(^٥) في ص: \"نستجيز أن تعدوها\"، وفي ت ٢، ف: \"نستجيز أن يعدوها\"، وفى س: \"يستجيز أن نعدوها\".\n(^٦) في ص، ت ١، س: \"أشد بعدنا\"، وفى م: \"أشر بعدنا\".","vol":"12","page":141},{"text":"موضعه، ممن اختَلَقَ على الله كذبًا، وافترى عليه باطلًا ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ يعني: بحُجَجِه ورسلِه وآياتِ كتابِه. يقولُ له جلّ ثناؤه: قل لهم: ليس الذى أضَفتُمونى إليه بأعجبَ من كَذِبِكم (^١) على ربِّكم وافتِرائِكم عليه، وتَكذيِبكم بآياتِه، ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾. يقولُ: إنه لا يَنجَحُ الذين اجتَرَموا (^٢) الكفرَ في الدنيا يومَ القيامِة، إذا لَقُوا ربَّهم، ولا يَنالون الفلاحَ.\n\n<span id=\"aya-1382\"></span><span data-type='title' id=toc-4165>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ويعبد هؤلاء المشركون، الذين وصفتُ لك يا محمدُ صفتَهم، من دونِ اللهِ، الذى لا يضرُّهم شيئًا، ولا ينفعُهم في الدنيا ولا في الآخرةِ، وذلك هو الآلهةُ والأصنامُ التى كانوا يَعْبُدونها، [﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. يعنى: أنهم كانوا يَعْبُدونها] (^٣) رجاءَ شفاعتها عندَ اللَّهِ. قال اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ لَهُم: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: أَتُخْبِرون الله بما لا يكون في السماواتِ ولا في الأرض. وذلك أن الآلهةَ لا تشفعُ لهم عندَ اللهِ في السماواتِ ولا في الأرضِ، وكان المشركون يَزْعُمون أنها تشفعُ لهم عند الله. فقال الله لنبيِّه ﵌: قل لهم: أتُخبرون اللهَ أن ما لا يشفعُ في السماواتِ ولا في الأرض يشفعُ لكم فيهما (^٤)، وذلك باطلٌ لا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"تكذيبكم\".\n(^٢) في ت ٢: \"اجرموا\"، وفى ف: \"احترحوا\".\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فيها\".","vol":"12","page":142},{"text":"تُعْلَمُ حقيقتُه وصحتُه، بل يعلمُ اللَّهُ أن ذلك خلافُ ما تقولون (^١)، وأنها لا تشفعُ لأحدٍ، ولا تنفع ولا تضر، ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: تَنْزِيهًا لِلَّهِ وعُلُوًّا عما يفعله هؤلاء المشركون من إشراكهم في عبادته (^٢) ما لا يضرُّ ولا ينفعُ، وافترائِهم عليه الكذبَ.\n\n<span id=\"aya-1383\"></span><span data-type='title' id=toc-4166>القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما كان الناسُ إلا أهلَ دينٍ واحدٍ وملةٍ واحدةٍ، ﴿فاختلفوا﴾ في دينِهم، فافْتَرَقَت بهم السُّبُلُ في ذلك، ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾. يقولُ: ولولا أنه سبَق مِن اللَّه، أنه لا يُهْلِكُ قومًا إلا بعدَ انقضاء آجالِهم، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، يقولُ: لقُضِيَ بينَهم بأن يُهْلِكَ أهل الباطلِ منهم، ويُنجِّىَ أهلَ الحقِّ.\nوقد بَيَّنَّا اختلاف المختلفين في معنى ذلك في \"سورةِ البقرة\"، وذلك في قولِه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] وبينا الصوابَ من القولِ فيه بشواهدِه، فأغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ حِينَ قتَل أحدُ ابنَى (^٤) آدم أخاه (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ف: \"يقولون\".\n(^٢) في م: \"عبادة\".\n(^٣) تقدم في ٣/ ٦٢٠ - ٦٢٧.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، س: \"بني\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٨٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٣٧.","vol":"12","page":143},{"text":"حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاءَ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\n\n<span id=\"aya-1384\"></span><span data-type='title' id=toc-4168>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويقول هؤلاء المشركون: هَلَّا أُنزِل على محمدٍ ﴿آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾. يقولُ: عَلَمٌ ودليلٌ نعلمُ به أن محمدًا مُحِقٌّ فيما يقولُ؟ قال اللهُ له: ﴿فَقُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾. أي: لا يُعْلَمُ أَحدٌ (^١) يفعلُ (^٢) ذلك إلا جلَّ ثناؤه؛ لأنَّه لا يعلم الغيبَ -وهو السِّرُ والخَفَيُّ مِن الأمورِ- إلا اللهُ، ﴿فَانتَظِرُوا﴾ أيُّها القومُ قضاءَ الله بيننا، بتَعْجِيلِ عقوبته للمُبْطِلِ مِنَّا، وإظهارِه المحقَّ عليه، إنى معكم ممن ينتظرُ ذلك. ففعل ذلك، جلّ ثناؤه، فقضَى بينَهم وبينَه، بأن قتَلهم يومَ بدرٍ بالسيفِ.\n\n<span id=\"aya-1385\"></span><span data-type='title' id=toc-4167>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا رَزَقْنا المشركين باللَّهِ فَرَجًا بعد كَرْبٍ، ورخاءً (^٣) بعدَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أحدكم\".\n(^٢) في م: \"بفعل\".\n(^٣) في ت ٢، ف: \"رجاء\".","vol":"12","page":144},{"text":"شدَّة أصابتهم. وقيل: عنّى به القَطْرَ (^١) بعد القَحْطِ. والضَّرَّاءُ هى الشدة، والرحمةُ هي الفَرَجُ. يقولُ: ﴿إِذَا لَهُم مَّكْرُ فِي آيَاتِنَا﴾. اسْتهزاءٌ وتكذيبٌ.\nكما حدَّثنا المُثنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذَا لَهُم مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾. قال: اسْتِهزاءٌ وتكذيبٌ (^٢).\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقولُه: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قلْ لهؤلاء المشركين المُسْتَهْزِئين مِن حُجَجنا وأدلَّتِنا، يا محمد: ﴿اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾. أي: أسرعُ مِحَالًا (^٣) بكم، واسْتِدْراجًا لكم وعقوبةً، منكم، من المَكْرِ في آياتِ اللهِ. والعربُ تَكْتَفى بـ\"إذا\" مِن \"فعلتُ\" و\"فَعَلوا\"، فلذلك حُذف الفعلُ معها.\nوإنما معنى الكلام: وإذا أذَقنا الناس رحمةً من بعدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهم، مكَروا في آياتنا، فاكتفى من \"مكَروا\"، به إذا لهم مَكرٌ\".\n﴿إنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾. يقولُ: إِنَّ حَفَظَتَنا الذين نُرْسِلُهم إليكم، أيُّها الناسُ، يَكْتُبون عليكم ما تمكُرون في آياتِنا.\n\n<span id=\"aya-1386\"></span><span data-type='title' id=toc-4169>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ</span>\n_________\n(^١) في م: \"المطر\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٨٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٣٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٣ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) المحال: الكيد وروم الأمر بالحيل. اللسان (م ح ل).","vol":"12","page":145},{"text":"فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: الله الذى يُسَيرُكم، أيُّها النَّاسُ، في البر على الظَّهْرِ، وفى البحر في الفلكِ، ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾، وهى السُّفنُ، ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾. يعنى: وجَرَتِ الفلك بالناسِ، ﴿بِريحٍ طيبة﴾ في البحر ﴿وَفَرِحُوا بِهَا﴾. يعنى: وفَرِحَ رُكْبانُ الفلكِ بالريح الطيبة التي يسيرون بها. والهاءُ في قولِه: ﴿بِهَا﴾ عائدةٌ على الريحِ الطيبةِ، ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾. يقولُ: جاءت الفلكَ ريحٌ عاصفٌ، وهي الشديدةُ.\nوالعربُ تقولُ: ريحٌ عاصفٌ وعاصفةٌ، وقد أعْصَفَتِ الريحُ وعصفت. و\"أعْصَفَت\" في بني أسدٍ فيما ذُكِر؛ قال بعضُ بني دُبَيْرِ (^١).\nحَتَّى إِذا أَعْصَفَتْ رِيحٌ مُزَعْزِعَةٌ … فيها قطارٌ (^٢) ورَعْدٌ صَوْتُه زَجِل (^٣)\n﴿وَجَاءَ هُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وجاءَ ركبانَ السفينةِ الموجُ من كل مكانٍ، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِم﴾. يقولُ: وظَنُّوا أن الهلاكَ قد أحاطَ بهم وأحْدَقَ، ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. يقولُ: أَخْلَصُوا الدعاءَ للَّهِ هنالك، دون أوثانهم وآلهتِهم، وكان مَفْزَعُهم حينئذٍ إلى اللَّهِ دونَها.\nكما حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قوله: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. قال: إذا مَسَّهم الضُّرُّ في البحرِ\n_________\n(^١) البيت في معانى القرآن ١/ ٤٦٠ غير منسوب إلى قائل.\n(^٢) جمع قَطر وهو: المطر. التاج (ق ط ر).\n(^٣) الزَّجَل: رفع الصوت، وخُص به التطريب. اللسان (ز ج ل).","vol":"12","page":146},{"text":"أخْلَصوا له الدعاءَ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن الأعْمشِ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن أبي عُبيدة في قولِه: ﴿مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: هيا شراهيا. تفسيرُه: يا حَيُّ يا قيومُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَتهُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: هؤلاء المشركون يَدْعُون مع اللَّهِ ما يَدْعُون، فإذا كان الضُّرُّ لم يَدْعُوا إلا اللهَ، فإذا نجَّاهم إذا هم يُشْرِكون، ﴿لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾ الشدةِ التي نحن فيها ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لك على نِعَمِك، وتَخْلِيصِك إيَّانا مما نحن فيه بإخلاصِنا العبادةَ لك، وإفرادِ الطاعةِ دونَ الآلهةِ والأنْدادِ.\nواخْتَلَفَت القرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَيِّرُكُم﴾؛ فَقَرَأَته عامةُ قرأةِ الحجاز والعراق ﴿هُوَ الَّذِى يُسَيِّرُكُم﴾ من السَّيْرِ بالسينِ (^٣).\nوقَرَأَ ذلك أبو جعفرٍ القارئُ (هوَ الَّذِى يَنْشُرُكُمْ) من النَّشْرِ (^٤)، وذلك البسطُ مِنِ قولِ القائلِ: نَشَرْت الثوبَ. وذلك بَسْطُه ونَشْرُه مِن طَيِّهِ. فَوَجَّهَ أبو جعفرٍ معنى ذلك إلى أن اللهَ يبعثُ عبادَه، فيَبْسُطُهم بَرًّا وبحرًا، وهو قريبُ المعنى مِن التَّسْييرِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٣٩ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٩٣ عن معمر به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٩٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٣٩ عن الحسن بن يحيى عنه به.\n(^٣) هي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي. ينظر السبعة ٣٢٥، والكشف عن وجوه القراءات ١/ ٥١٦، والتيسير ص ٩٩.\n(^٤) وهى قراءة ابن عامر أيضا. ينظر المصادر السابقة، والنشر ٢/ ٢١٢.","vol":"12","page":147},{"text":"وقال: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾. وقال في موضعٍ آخرَ: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] فَوَحَّدَ. والفُلكُ اسمٌ للواحدةِ والجماعِ، ويُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ.\nقال: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ وقد قال: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَيِّرُكُمْ﴾ فخاطَب، ثم عاد إلى الخبرِ عن الغائبِ. وقد بَيَّنْتُ ذلك في غير موضعٍ من الكتابِ، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nوجوابُ قوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الفُلْكِ﴾ ﴿جَاءَتَهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾. وأما جوابُ قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ فَـ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1387\"></span><span data-type='title' id=toc-4170>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا أَنْجَى اللَّهُ هؤلاء الذين ظنُّوا في البحر أنهم أُحيط بهم، مِن الجهدِ الذي كانوا فيه، أخْلَفوا اللَّهَ ما وَعَدوه، وبَغَوا في الأرضِ، فَتَجاوَرُوا فيها إلى غير ما أَذِنَ اللهُ لهم فيها (^٢) مِن الكفرِ به، والعملِ بمعاصِيه على ظَهْرِها. يقولُ الله: يا أَيُّها الناسُ، إنما اعْتِداؤُكم الذي تَعْتَدونه على أنفسِكم، وإياها تَظْلِمون، وهذا الذى أنتم فيه متاعُ الحياةِ الدنيا. يقولُ: ذلك بلاغٌ تُبلَغون به في عاجلِ دُنْياكم.\nوعلى هذا التأويلِ \"البَغْىُ\" يكون مرفوعًا بالعائد من ذكرِه في قولِه: ﴿عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾، ويكونُ قولُه: (مَتَاعُ الحَياةِ الدُّنْيا). مرفوعًا على معنى: ذلك متاعُ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ١٥٥.\n(^٢) في م: \"فيه\".","vol":"12","page":148},{"text":"الحياةِ الدنيا، كما قال: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَهَارٍ بَلَاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. بمعنى هذا بلاغٌ.\nوقد يحتملُ أن يكونَ معنى ذلك: إنما بَغْيُكم في الحياة الدنيا على أنفسِكم؛ لأنكم بكفرِكم تُكْسِبونها غضبَ اللَّهِ، متاعُ الحياةِ الدنيا، كأنه قال: إنما بَغْيُكم متاعُ الحياةِ الدنيا. فيكونُ \"البَغْى\" مرفوعًا بالمتاعِ، و\"على أنفسِكم\" مِن صلةِ \"البَغْيِ\" (^١).\nوبرفعِ \"المتاعِ\"، قرأت القرَأةُ سوى عبدِ اللَّهِ بنِ أَبي إسحاقَ، فإِنه نَصَبَه بمعنى: إنما بَغْيُكم على أنفسِكم متاعًا في الحياةِ الدنيا، فجعل البَغْى مرفوعًا بقوله: ﴿عَلَى أَنفُسِكُم﴾ والمتاعَ منصوبًا على الحالِ (^٢).\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ﴾. يقولُ: ثم إلينا بعدَ ذلك مَعادُكم ومصيرُكم، وذلك بعدَ المماتِ. ﴿فَنَنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: فنخبِرُكم يومَ القيامِة بما كنتُم تَعْمَلون في الدنيا مِن معاصى اللهِ، ونُجازيكم على أعمالِكم التي سلَفت منكم في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-1388\"></span><span data-type='title' id=toc-4171>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"البلاغ\".\n(^٢) قراءة الرفع هى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي، وأما قراءة النصب فهى قراءة عاصم في رواية حفص. ينظر السبعة ٣٢٥، والتيسير ص ٩٩، وينظر البحر المحيط ٥/ ١٤٠.","vol":"12","page":149},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: إنما مثلُ ما تُباهون في الدنيا، وتَفاخَرون به من زينتِها وأموالِها، مع ما قد وُكِّل بذلك مِن التَّكدير والتنغيصِ وزوالِه بالفناءِ والموتِ، كمثلِ ﴿مَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾. يقولُ: كمطرٍ أرسَلناه من السماءِ إلى الأرضِ، ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾. يقولُ: فتبت بذلك المطرِ أنواعٌ مِن النباتِ، مختلِطٌ بعضُها ببعضٍ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيحِ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾. قال: اخْتَلَطَ، فنبت بالماء كلُّ لونٍ مما يأكُلُ الناسُ، كالحِنطة والشعيرِ وسائرِ حبوب الأرضِ والبقولِ والثمارِ، وما يأكُلُه الأنعامُ والبهائمُ مِن الحشيشِ والمَراعي (^١).\nوقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾. [يعنى: ظهر حسنُها وبهاؤُها] (^٢)، ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾. يقولُ: وتَزَيَّنَت. ﴿وَظَنَ أَهْلُهَا﴾. يعنى: أهلُ الأرضِ، ﴿أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾. يعنى: على ما أنبَتَت. وخرَج الخبرُ عن الأرضِ، والمعنى للنباتِ، إذ كان مفهومًا بالخطابِ ما عُنى به. وقولُه: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾. يقولُ: جاء الأرضَ أمرُنا. يعنى: قضاؤُنا بهلاكِ ما عليها مِن النباتِ؛ إما ليلًا وإما نهارًا، ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾. يقولُ: فَجَعَلْنا ما عليها ﴿حَصِيدًا﴾. يعنى: مقطوعة مقلوعةً من أصولها، وإنما هي محصودةٌ صُرِفَت إلى حصيدٍ، ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾. يقولُ: كأن لم تكن تلك الزروعُ والنباتُ على ظهرِ الأرضِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":150},{"text":"نابتةً (^١) قائمةً على الأرضِ قبل ذلك بالأمسِ، وأصلُه من: غَنِيَ فلانٌ بمكان كذا، يَغْنَى به، إِذا أَقامَ به، كما قال النابغةُ الذبيانيُّ (^٢):\nغَنِيتُ بذلك إذْ هُمُ لكَ (^٣) جِيرَةٌ … منها بعَطْفِ رسالةٍ وَتَوَدُّدِ\nيقولُ: فكذلك يأتى الفَناء على ما تَتَباهَون (^٤) به مِن دُنْياكم وزخارفها، فيُفْنِيها و(^٥) يُهْلِكُها، كما أهْلَكَ أمرُنا وقضاؤنا نبات هذه الأرض بعد حُسنها وبهجتها، حتى صارت (^٦) ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ كأن لم تكُن قبل ذلك نباتًا على ظهرِها.\nيقولُ الله جلّ ثناؤه: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. يقولُ: كما بَيَّنَّا لكم، أيُّها الناسُ، مثلَ الدنيا، وعَرَّفْناكم حكمَها وأمرَها، كذلك نُبَيِّنُ حُجَجَنا وأدلتنا لمن تَفَكَّر واعْتَبَر ونظَر. وخَصَّ به أهلَ الفكرِ؛ لأنهم أهلُ التمييزِ بينَ الأمورِ، والفَحْصِ عن حقائقِ ما يَعْرِضُ مِن الشُّبَهِ في الصدورِ.\nوبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾. الآية: إى واللهِ لئن تَشَبَّتَ بالدنيا وحَدِبَ (^٧) عليها لتُوشِكَنَّ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"ثابتة\".\n(^٢) البيت في ديوانه ص ٣١.\n(^٣) في م: \"لي\". وسيأتي أيضا في ص ٥٦٠.\n(^٤) في ت ٢، س، ف: \"يتناهون\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أو\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"صار\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"حدث\" وحدِب عليه يحدَب إذا عطف عليه. ينظر اللسان (ح د ب). والمراد أنه انكب عليها.","vol":"12","page":151},{"text":"الدنيا أن تَلْفِظَه وتُقْضَى منه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾. قال: أنبتت وحَسُنَت (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ، قال: سمِعتُ مروانَ يقرأُ على المنبرِ هذه الآيةَ: (حتى إذَا أخَذَتِ الأَرْضُ زِخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها وما كان اللَّهُ لِيُهْلِكَها إلا بذنوب أهلها). قال: قد قرأتُها، وليست في المصحفِ. فقال عباسُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن العباسِ: هكذا يَقْرَؤُها ابنُ عباسٍ. فأرسَلوا إلى ابنِ عباسٍ فقال: هكذا أَقْرَأنى أَبَيُّ بنُ كعبٍ (^٣).\nحدَّثنا محمد بن عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾. يقولُ: كأن لم تَعِشْ، كأن لم تَنْعَمْ (^٤).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن إسماعيلَ، قال: سمِعتُ أبا سَلَمَةَ بن عبد الرحمنِ يقولُ: في قراءةِ أُبَيٍّ: (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ وما أهْلَكْناها إلا بذنوبِ أهلِها كذلكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤١ من طريق سعيد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤١ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٩٣ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٩٧ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٤ إلى المصنف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤٢ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٩٣ عن معمر به.\n(^٥) هي قراءة شاذة، والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٤ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"12","page":152},{"text":"واخْتَلَفَت القرَأةُ في قراءةِ قوله: ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾. فقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الحجازِ والعراقِ ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ بمعنى: وتَزَيَّنَت، ولكنهم أَدْغَمُوا \"التاء\" في \"الزايِ\"؛ لتقاربِ مَخْرجَيهما، وأدْخلوا \"ألفًا\" ليُوْصَلَ إلى قراءتِه، إذ كانت \"التاءُ\" قد سكَنت، والساكنُ لا يُبتَدأُ به.\nوحُكِى عن أبي العاليةِ، وأبى رجاءٍ، والأغرجِ، وجماعةٍ أُخَرَغيرهم، أنهم قَرَءُوا ذلك: (وأزْيَنَتْ) على مثالِ أفْعَلَت (^١).\nوالصواب من القراءة في ذلك: ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾؛ لإجماع الحُجَّةِ مِن القرأة عليها.\n\n<span id=\"aya-1389\"></span><span data-type='title' id=toc-4172>القولُ في تأويل قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لعبادِه: أيُّها الناسُ، لا تَطْلُبوا الدنيا وزينتَها، فإن مصيرَها إلى فَناء وزَوالٍ، كما مصيرُ النباتِ الذى ضرَبه اللهُ لها مثلًا إلى هلاكٍ وبَوَارٍ، ولكن اطلُبوا الآخرة الباقيةَ، ولها فاعْمَلُوا، وما عندَ اللهِ فالتَمِسوا بطاعتِه، فإن اللهَ يَدْعُوكم إلى دارِه، وهى جَنَّاتُه التى أعَدَّها لأوليائه، تَسْلَموا من الهموم والأحزان فيها، وتأمَنوا من فناءِ ما فيها مِن النعيمِ والكرامةِ التى أعَدَّها لَمَن دَخَلَها، وهو يَهْدِى مَن يشاءُ من خلقِه، فيُوَفِّقه لإصابةِ الطريقِ المستقيمِ، وهو الإسلامُ الذى جعَله، جلّ ثناؤُه، سببًا للوصول إلى رضاه، وطريقًا لَمَن رَكِبَه وسلَك فيه إلى جِنانِه (^٢) وكرامتِه.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن\n_________\n(^١) ينظر هذه القراءة في مختصر شواذ القراءات لابن خالويه ص ٦١، والبحر المحيط ٥/ ١٤٣، ١٤٤، والمحتسب ١/ ٣١١.\n(^٢) في ت ١: \"جناته\"، وفى ت ٢، ف: \"جنابه\".","vol":"12","page":153},{"text":"قتادةَ، قال: اللَّهُ السلامُ، ودارُه الجنةُ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾. قال: اللهُ هو السلامُ، ودارُه الجنةُ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن النبي ﷺ، قال: \"قيل لي (^٣): لِتَنَمْ عينُك، ولْيَعْقِلْ قلبك، ولْتَسْمَعْ أُذُنك. فَنَامَتْ عَيْنى، وعقَل قلبي، وسَمِعَت أُذُنى، ثم قيل: سَيِّدٌ بنى دارًا، ثم صنَع مأدُبةً، ثم أرسَلَ داعيًا، فمَن أَجابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدارَ، وأكَلَ مِن المَأدبة (^٤)، ورَضِيَ عنه السيدُ، ومَن لم يُجبِ الداعِيَ لم يَدْخُل الدارَ، ولم يأكُلْ مِن المأدُبةِ (^٥)، ولم يَرْضَ عنه السَّيدُ، فالله السَّيِّدُ، والدارُ الإسلامُ، والمأدُبةُ الجنةُ، والدَّاعِى محمدٌ ﷺ\" (^٦).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ذُكِرَ لنا أن في التوراةِ مكتوبًا: يا باغِيَ الخيرِ هَلُمَّ، ويا باغِيَ الشرِّ انْتَهِ (^٧).\nحدَّثني الحسين بنُ سَلَمةَ بنِ أَبي كَبْشةَ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عمرٍو، قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤٣ من طريق محمد بن عبد الأعلى به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٩٣.\n(^٣) في ت ٢، س، ف: \"في\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"المائدة\".\n(^٥) في ت ٢، ف: \"المائدة\".\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٩٣ عن معمر به. وأخرجه الدارمي ١/ ١٨، والمروزي في السنة (١٠٩)، والطبراني (٤٥٩٧) من طريق عباد بن منصور عن أيوب عن أبي قلابة عن عطية عن ربيعة الجرشي عن النبي.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤٣ من طريق سعيد به.","vol":"12","page":154},{"text":"ثنا عَبَّادُ بن راشدٍ، عن قتادةَ، قال: ثنى خُلَيدٌ العَصرِيُّ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ما مِن يومٍ [طلعت فيه شمسُه] (^١) إلا وبجَنَبَتَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ، يَسْمَعُه خلقُ اللهِ كلُّهم إلا الثَّقَلَين: يا أيُّها الناسُ هَلُمُّوا إلى ربِّكم، إن ما قَلَّ وكَفَى خيرٌ مما كَثُرَ وأَلْهَى\". قال: وأُنْزِلَ ذلك في القرآنِ في قولِه: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ليثِ بنِ سعدٍ، عن خالدِ (^٣) بنِ يزيدَ، عن سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: خرَج علينا رسول الله ﷺ يومًا، فقال: \"إني رأيتُ في المنامِ كأن جِبريلَ عندَ رأسى، وميكائيلَ عندَ رِجْلَيَّ، يقول أحدهما لصاحبه: اضْرِبْ له مثلًا. فقال: اسمَعْ، سَمِعَتْ أُذُنُكَ، واعْقِل عقَل قلبك؛ إنما مَثَلُك ومَثَلُ أُمَّتِك، كمثل مَلِكِ اتَّخَذَ دارًا، ثم بنَى فيها بيتًا، ثم جعل فيها مأدبةً، ثم بعث رسولًا يَدْعُو الناسَ إلى طعامه، فمنهم مَن أجابَ الرسولَ، ومنهم من ترَكه، فاللَّهُ المَلِكُ، والدارُ الإسلام، والبيتُ الجنةُ، وأنتَ يا محمد الرسولُ، مَن أَجابَك دخل الإسلام، ومَن دخل الإسلامَ دخَل الجنةَ، ومن دخل الجنةَ أَكل منها (^٤) \" (^٥).\n\n<span id=\"aya-1390\"></span><span data-type='title' id=toc-4173>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ٢، س، ف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤٢ من طريق الحسين به، والبيهقى في الشعب (٣٤١٢) من طريق عباد بن راشد به، وأحمد ٥/ ١٩٧ (الميمنية)، والحاكم ٢/ ٤٤٤ من طريق قتادةَ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٤ إلى أبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"خلاد\". وينظر تهذيب الكمال ٨/ ٢٠٩.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ما فيها\".\n(^٥) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٣٨، والبيهقى في الدلائل ١/ ٣٧٠ من طريق عبد الله بن صالح عن الليث عن خالد عن سعيد بن أبي هلال عن أبي جعفر محمد بن على بن الحسين عن جابر بن عبد الله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٤ إلى ابن مردويه.","vol":"12","page":155},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: للذين أحْسَنوا عبادةَ اللهِ في الدنيا من خلقِه، فأطَاعُوه فيما أمَر ونهَى، الحسنى.\nثم اختلفَ أهل التأويلِ في معنى الحُسْنَى والزيادة اللَّتين وَعَدَهما الله المحسنين من خلقِه؛ فقال بعضُهم: الحسنى هى الجنةُ، جعَلها اللهُ للمحسنين مِن خلقِه جزاءً، والزيادةُ عليها، النظرُ إلى اللهِ تعالى.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عامر بن سعدٍ، عن أبي بكرٍ الصديقِ ﵁: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: النظرُ إلى وجهِ ربِّهم (^١).\nحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا حَميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن قَيْسٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عامر بن سعدٍ، عن سعيدِ بنِ نمْرانَ (^٢)، عن أبي بكرٍ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: النظرُ إلى وجهِ اللَّهِ تعالى (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عامرِ بنِ سعدٍ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: النظرُ إلى وجهِ ربِّهم (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ١٢٠، وابن منده في الرد على الجهمية (٨٤)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٤٧١)، والآجرى في الشريعة (٥٩٠، ٥٩١)، والبيهقى في الأسماء والصفات (٦٦٦)، والسنة لابن أبي عاصم (٤٧٣، ٤٧٤) من طريق إسرائيل به، وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٤٧٠)، والآجرى في الشريعة (٥٨٩)، والبيهقي في الاعتقاد ص ١٣٢ من طريق أبي إسحاق به.\n(^٢) في ت ١، س: \"نمر\"، وفى ت ٢: \"نمير\". وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٢٣.\n(^٣) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص ٥٢، وابن خزيمة في التوحيد ص ١٢٠ من طريق أبي إسحاق به.\n(^٤) أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد ٣/ ٤٦١ (٧٩٢) من طريق عبد الرحمن به، وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ١٢٠ واللالكائي ٣/ ٤٦١ (٧٩٣) من طريق سفيان به.","vol":"12","page":156},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن عامرِ بنِ سعدٍ، قال في هذه الآيةِ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: الزيادةُ النظرُ إلى وجهِ الرحمنِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن مسلمِ بنِ نُذَيْرٍ (^٢)، عن حذيفةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: النظرُ إلى وَجْهِ ربِّهم (^٣).\nحدَّثني يَحيى بن طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا شَرِيكَ، قال: سَمِعتُ أبا إسحاقَ يقولُ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾. قال: النظر إلى وَجْهِ الرحمنِ (^٤).\nحدَّثني عليُّ بنُ عيسى، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا أبو بكرٍ الهذليُّ، قال: سَمِعتُ أبا تَميمةَ الهُجَيْمِيَّ يُحَدِّثُ عن أبي موسى الأشعريِّ، قال: إذا كان يومُ القيامةِ بعَث اللهُ إلى أهلِ الجنةِ مُنادِيًا يُنادى: هل أنجزكم اللهُ ما وعَدكم؟ فيَنْظُرون إلى ما أعدَّ اللهُ لهم مِن الكرامةِ، فيقولون: نعم. فيقولُ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ النظرُ إِلى وَجْهِ الرحمنِ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٤٧٢، ١١٤٥) من طريق محمد بن جعفر به.\n(^٢) في ت ١: \"يزيد\"، وكلاهما صواب فاسمه مسلم بن نذير، ويقال: مسلم بن يزيد، ويقال: مسلم بن نذير بن يزيد. ينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٥٤٦.\n(^٣) أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد ٣/ ٤٥٨ (٧٨٣) من طريق ابن مهدي به؛ وابن خزيمة في التوحيد ص ١٢٠، والآجرى في الشريعة (٥٩١) وعبد الله بن أحمد في السنة (٤٧٣)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد ٣/ ٤٥٨ (٧٨٤) من طريق إسرائيل به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٨١، والدارمي في الرد على الجهمية ص ٥٢ من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٦ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ والدارقطني والبيهقى.\n(^٤) أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد ٣/ ٤٦٢ (٧٩٤) من طريق شريك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٦ إلى الدارقطني.\n(^٥) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ١٢١، والدارمي في الرد على الجهمية ص ٥٢ من طريق أبي بكر الهذلي به.","vol":"12","page":157},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدُ بن نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن أبى بكرٍ الهُذَليِّ، قال: أخبرنا أبو تميمةَ الهُجَيْمِيُّ، قال: سمعت أبا موسى الأشعرى يَخُطُبُ على منبرِ البصرة يقولُ: إن اللهَ يَبْعَثُ يوم القيامةِ مَلَكًا إلى أهل الجنة، فيقولُ: يا أهلَ الجنةِ، هل أنْجَزَكم الله ما وعدكم؟ فيَنْظُرون (^١) فيَرَون الحلِيَّ والحُللَ والثمارَ والأنهارَ والأزواج المُطَهَّرةَ، فيقولون: نعم، قد أنجزنا الله ما وعدنا. ثم يقولُ المَلَكُ: هل أنْجَزَكم الله ما وعدكم؟ ثلاثَ مَرَّاتٍ. فلا يَفْقِدون شيئًا مما وُعدوا، فيقولون: نعم. فيقولُ: قد بقى لكم شيءٌ، إن الله يقولُ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. [أَلَا إن الحُسْنَى الجنةُ، والزيادةَ] (^٢) النظرُ إلى وَجْهِ اللَّهِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرنا شَبِيبٌ، عن أبانٍ، عن أبي تَميمةَ الهجيميِّ، أنه سمع أبا موسى الأشعرى يُحدِّثُ عن رسول الله ﷺ: \"إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ يومَ القيامةِ مُنادِيًا يُنادِى أهل الجنة بصوتٍ يُسْمِعُ أَوَّلَهم و(^٤) آخِرَهم: إِن اللَّهَ وعدكم الحسنى وزيادةً؛ فالحسنى الجنةُ، والزيادةُ النَّظَرُ إلى وَجْهِ الرحمن\" (^٥).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا حَمَّادُ بنُ زِيدٍ، عن ثابت البنانيِّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: النظرُ إِلى وَجْهِ ربِّهم. وقرأ: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾. قال: بَعْدَ النظرِ إِلى وَجْهِ ربِّهم (^٦).\n_________\n(^١) بعده في م: \"إلى ما أعد الله لهم من الكرامة\".\n(^٢) سقط من: ص، س.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤٥، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد ٣/ ٤٥٧ - ٤٥٩ (٧٨٢، ٧٨، ٧٨٦) من طريق أبي بكر الهذلي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٥ إلى الدارقطني في الرؤية.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) أخرجه ابن مردويه في تفسيره -كما في تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي ٢/ ١٢٥ - من طريق ابن وهب به.\n(^٦) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ١١٩، والدارمى في الرد على الجهمية ص ٥٢، وعبد الله بن أحمد =","vol":"12","page":158},{"text":"حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المبارك، عن سليمانَ المغيرةِ، قال: أخبرنا ثابتٌ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبي ليلى في قولِه: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾. قال: قيل له: أرأيتَ قولَه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: إن أهلَ الجنةِ إذا دخَلوا الجنةَ، فأُعطوا فيها ما أُعْطوا مِن الكرامةِ والنعيمِ. قال: نُودوا: يا أهلَ الجنةِ، إن الله قد وعَدكم الزيادةَ. فيتَجلَّى لهم. قال ابنُ أبي ليلى: فما ظَنُّك بهم. حينَ ثَقُلَت مَوازينهم، وحينَ صارت الصحفُ في أيمانِهم، وحينَ جازوا جسرَ جهنمَ ودخَلوا الجنةَ، وأُعْطُوا فيها ما أُعْطُوا مِن الكرامة والنعيمِ؟ كلُّ ذلك لم يكن شيئًا فيما رأوا (^١).\nقال: ثنا ابن المبارك، عن مَعْمَرٍ، وسليمان بن المغيرةِ، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: النظرُ إِلى وَجْهِ ربِّهم (^٢).\nقال: ثنا الحجَّاجُ، ومُعَلَّى بن أسد، قالا: ثنا حَمَّادُ بنُ زِيدٍ، عن ثابتٍ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: إذا دخل أهل الجنة الجنةَ، قال لهم: إنه قد بقى من حَقِّكم شيء لم تُعْطَوْه. قال: فيَتَجَلَّى لهم، ﵎. قال: فيَصْغُرُ عندَهم كلُّ شيءٍ أَعْطُوه. قال: ثم قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: الحسنى: الجنةُ، والزيادةُ: النظرُ إلى وَجْهِ ربِّهم، ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ بعدَ ذلك (^٣).\n_________\n= في السنة (٤٤٥) من طريق حماد بن زيد به.\n(^١) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ١٢٠ من طريق سليمان بن المغيرة به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٩٦، ومن طريقه ابن خزيمة في التوحيد ص ١١٩ عن معمر به.\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ١١٩ من طريق حماد بن زيد به.","vol":"12","page":159},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن ثابتٍ البنانيِّ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبي ليلى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، النظرُ إلى وَجْهِ الله (^١).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. النظرُ إلى الربِّ (^٢).\nحدَّثنا عمرو بن عليٍّ ومحمدُ بنُ بَشَّارٍ، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ بن مَهْدِيٍّ، عن النبي ﷺ، في هذه الآيةِ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: \"إذا دخل أهل الجنة الجنةَ وأهلُ النارِ النارَ، نُودوا: يا أهلَ الجنةِ، إن لكم عند الله موعِدًا. قالوا: ما هو؟ ألم تُبَيِّض وُجُوهَنا، وتُثَقِّلْ مَوازِينَنا، وتُدْخِلْنا الجنةَ، وتُنَجِّنا مِن النارِ؟ فيُكْشَفُ الحِجابُ فَيَتَجَلَّى لهم، فوالله ما أعطاهم شيئًا أَحَبَّ إليهم مِن النَّظَرِ إليه\". ولفظ الحديثِ لعَمرٍو (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحَجَّاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حَمَّادٌ، عن ثابتٍ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صُهَيبٍ، قال: تَلا رسولُ اللهِ هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قالَ: \"إذا دخَل أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، نادَى مُنادٍ: يا أهلَ الجنةِ، إن لكم عندَ اللهِ موعدًا يريدُ أن يُنْجِزَكُموه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ١١٩ من طريق معمر به.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الاعتقاد ص ١٣٢ من طريق هوذة به، وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١١٤٦)، وابن خزيمة في التوحيد ص ١٢١ من طريق المبارك وعوف عن الحسن به بنحوه.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٥٥٢، ٣١٠٥)، وابن خزيمة في التوحيد ص ١١٨ من طريق ابن بشار به، وأخرجه أحمد ٤/ ٣٣٢ (الميمنية)، ومسلم (١٨١/ ٢٩٧) من طريق ابن مهدى به، وهو عندهم موصول بذكر ابن مهدى عن حماد سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب، وهو السند الذي سيسوقه المصنف بعد ذلك.","vol":"12","page":160},{"text":"فيقولون: وما هو؟ ألم يُثَقِّلِ اللَّهُ مَوازيننا، ويُبيِّض وجوهَنا؟ \". ثم ذكر سائرَ الحديثِ نحوَ حديثِ عمرِو بنِ علىٍّ، وابنِ بَشَّارٍ، عن عبدِ الرحمنِ (^١).\nقال: ثنا الحمانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاق، عن سعيدِ بنِ نِمْرانَ (^٢)، عن أبي بكر الصديقِ، ﵁: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: النظرُ إلى وَجْهِ اللهِ ﵎ (^٣).\nقال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن عامرِ بنِ سعدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. بلَغنا أن المؤمنين لما دخلوا الجنةَ ناداهم مُنادٍ: إِن اللَّهَ وعَدكم الحسنى، وهى الجنةُ، وأما الزيادةُ: فالنظرُ إلى وَجْهِ الرحمن (^٤).\nحدَّثنا محمد بن عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ المختارِ، عن ابن جُرَيج، عن عطاءٍ، عن كعبِ بنِ عُجْرةَ، عن النبي ﷺ في قولِه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: \"الزيادة النظرُ إلى وَجْهِ الرحمنِ ﵎\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٨٧) من طريق الحجاج به، وأخرجه الطيالسي (١٤١١)، وأحمد ٤/ ٣٣٢ (الميمنية)، ومسلم (١٨١/ ٢٩٨)، والترمذى (٣١٠٥)، والبيهقي في الاعتقاد ص ١٢٨، وفي الأسماء والصفات (٦٦٥)، وابن منده في الرد على الجهمية (٨٣)، والآجرى في الشريعة (٦٠٢ - ٦٠٤). وغيرهم من طرق عن حماد به.\n(^٢) في ت ١، س: \"عمران\". وينظر التاريخ الكبير للبخارى ٣/ ٥١٧.\n(^٣) أخرجه الدارمى في الرد على الجهمية ص ٥٢ من طريق شريك به.\n(^٤) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ١٢١ من طريق سعيد به، وعبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٩٤، ومن طريقه ابن خزيمة في التوحيد ص ١٢١ عن معمر به.\n(^٥) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٤٨٤)، واللالكائى في شرح أصول الاعتقاد ٣/ ٤٥٦ (٧٨١) من طريق ابن حميد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٥ إلى ابن مردويه والبيهقي في الرؤية.","vol":"12","page":161},{"text":"قال: ثنا جريرٌ، عن لَيْثٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابط، قال: الحسنى: النضرةُ، والزيادةُ: النظرُ إلى وَجْهِ اللهِ تعالى (^١).\nحدَّثنا ابنُ البَرْقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أَبي سَلَمةَ، قال: سَمِعتُ زُهَيرًا، عمَّن سَمِعَ أبا العالية، قال: ثنا أبَيُّ بنُ كَعْبٍ، أنه سأل رسول الله ﷺ، عن قولِ اللهِ تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: \"الحسنى: الجنةُ، والزيادةُ: النظرُ إلى وَجْهِ اللهِ\" (^٢).\nوقال آخرون في الزيادةِ بما حدَّثنا به يحيى بنُ طلحةَ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ عياضٍ، عن منصور، عن الحكم، عن عليٍّ، ﵁: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: الزيادةُ: غرفةٌ من لؤلؤةٍ واحدةٍ، لها أربعة أبوابٍ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّام، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن الحكَمِ، عن عليٍّ، ﵁، نحوه، إلا أنه قال: فيها أربعة أبواب (^٣).\nقال: ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم بن عتيبة، عن على، ﵁ مثل حديث يحيى بن طلحةَ، عن فُضَيل، سواءً (^٤).\nوقال آخرون: الحُسنى: واحدةٌ من الحسناتِ بواحدةٍ، والزيادةُ: التضعيفُ إلى تمامِ العشرِ.\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٥٩ - تفسير، وابن أبى شيبة ١٣/ ٤٢٩، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤٥، واللالكائى في شرح أصول الاعتقاد ٣/ ٤٦٢ (٧٩٥) من طريق جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٦ إلى الدارقطني.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤٤، واللالكائى في شرح أصول الاعتقاد ٣/ ٤٥٦ (٧٨٠) من طريق زهير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٥ إلى الدارقطنى وابن مردويه والبيهقى في كتاب الرؤية.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤٥ من طريق عمرو بن أبي قيس عن منصور به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٥٨ - تفسير) من طريق جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٦ إلى أبى الشيخ والبيهقي في الرؤية.","vol":"12","page":162},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: هو مثلُ قولِه: ﴿وَلَدَيْنَا مَزيدٌ﴾ [ق: ٣٥]. يقولُ: يَجزيهم يعملهم ويزيدهم من فضلِه. وقال: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمَثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (^١) [الأنعام: ١٦٠].\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن علقمةَ بنِ قيسٍ: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: قلتُ: هذه الحسنى، فما الزيادة؟ قال: ألم تَرَ أن الله يقولُ: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (^٢).\nحدَّثنا بِشْرٌ: قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ في هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: الزيادةُ بالحسنةِ عشرُ أمثالِها، إلى سبعِمائةِ ضعفٍ (^٣).\nوقال آخرون: الحُسنى: حسنةٌ مثلُ حسنةٍ، والزيادةُ: زيادةُ مغفرةٍ مِن اللهِ ورضوانٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٦ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور (١٠٦٠ - تفسير) عن جرير به، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤٦ من طريق أبى ظبيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٦ إلى ابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٦ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"12","page":163},{"text":"مجاهدٍ: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [مثلها حُسْنَى] (^١)، ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ مغفرةٌ ورضوانٌ (^٢).\nوقال آخرون: الزيادةُ ما أُعْطُوا في الدنيا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: ﴿الحُسْنَى﴾ الجنةُ، ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ ما أَعْطاهم في الدنيا، لا يُحاسبهم به يومَ القيامة. وقرأ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٧] قال: ما آتاه مما يحبُّ في الدنيا، عُجِّلَ له أجرُه فيها (^٣).\nوكان ابنُ عباسٍ يقولُ في قولِه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾: [بما:\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾] (١). يقولُ: للذين شهدوا أن لا إلهَ إلا الله (^٤).\nوأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللهَ، ﵎، وعَد المُحسنين مِن عبادِه على إحْسانِهم الحُسْنى، أن يجْزِيَهم على طاعتِهم إياه الجنةَ، وأن\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٨٠، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٦ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤٦ من طريق آخر عن ابن زيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٦ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤٤ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٦ إلى ابن المنذر والبيهقي.","vol":"12","page":164},{"text":"تَبْيَضَّ وجوهُهم، ووعَدهم مع الحُسنى الزيادة عليها، ومِن الزيادةِ على إدخالِهم الجنةَ، أن يُكْرِمَهم بالنظرِ إليه، وأن يُعْطِيَهم غُرَفًا مِن لآلئ، وأن يزيدَهم غفرانًا ورضوانًا، كلُّ ذلك من زياداتِ عطاءِ اللَّهِ إياهم على الحُسْنى التي جعَلها اللهُ لأهلِ جناته، وعَمَّ ربنا، جلّ ثناؤُه، بقوله: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ الزيادات على الحُسنى، فلم يُخصص منها شيئًا دونَ شيءٍ، وغيرُ مستنكر من فضل الله أن يجمع ذلك لهم، بل ذلك كلُّه مجموعٌ لهم إن شاء اللهُ. فأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ، أن يُعمَّ كما عَمَّه عزَّ ذكرُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4174>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾.</span>\nيعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾. لا يَغْشَى وجوههم كآبةٌ ولا كسوفٌ حتى تصيرَ من الحزنِ كأَنما عَلاهَا فَتَرٌ. والقَتَرُ: الغبار، وهو جمع قَتَرَةٍ، ومنه قول الشاعرِ (^١):\nمُتَوَّجٌ (^٢) برِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُه … مَوْجٌ تَرَى فوقه الراياتِ والقَتَرَا\nيعنى بالقتَرِ: الغبار.\n﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾، ولا هوانٌ ﴿أَوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين وَصَفْتُ صفتهم، هم أهلُ الجنةِ وسكانُها، ومَن [هو فيها] (^٣). ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يقولُ: هم فيها ماكِثون أبدًا، لا تَبِيدُ فيخافوا زوال نعيمِهم، ولا هم بمُخْرَجِين فتَتَنَغَّصَ عليهم لذَّتهم.\n_________\n(^١) هو الفرزدق، والبيت في ديوانه ص ٢٩٠.\n(^٢) في الديوان: \"معتصب\".\n(^٣) سقط من: م.","vol":"12","page":165},{"text":"وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nوكان ابنُ أبي ليلى يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾. ما حدَّثنا محمدُ بن منصورٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ (^١)، عن ثابتٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾. قال: بعدَ نظرِهم إلى ربِّهم (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحَجَّاج ومُعَلَّى بن أسد، قالا: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، بنحوه (^٢).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾. قال: سوادُ الوجوه (^٣).\n\n<span id=\"aya-1391\"></span><span data-type='title' id=toc-4175>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: والذين عَمِلوا السيئاتِ في الدنيا، فعَصَوُا اللهَ فيها، وكفَروا به وبرسولِه، ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ﴾ [فله جزاءُ سيئةٍ] (^٤) مِن عملِه السيئِ الذي عَمِله في الدنيا، ﴿بِمِثْلِهَا﴾ مِن عقابِ اللهِ في الآخرةِ. ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) بعده في م: \"قال: ثنا زيد\". وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٢٣٩.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ١٥٨، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٤٢٦ عن عفان به، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤٦ من طريق حماد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٧ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤٦ من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٦ إلى ابن المنذر.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"12","page":166},{"text":"وتَغْشاهم ذلةٌ وهوانٌ بعقابِ اللهِ إيَّاهم. ﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾. يقولُ: ما لهم مِن اللهِ مِن مانعٍ يمنُعهم إذا عاقَبهم يحولُ بينَه وبينَهم.\nوبنحوِ الذى قُلنا في قولِه: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾. قال: تَغْشاهم ذلةٌ وشدةٌ (^١).\nواختَلَف أهلُ العربيةِ في الرافعِ \"للجزاءِ\": فقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: رُفعَ بإضمارِ \"لهم\"، كأنه قيل: ولهم جزاءُ السيئةِ بمثلها. كما قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]. والمعنى: فعليه صيامُ ثلاثةِ أيامٍ. قال: وإن شئتَ رفعتَ \"الجزاءَ\" بالباءِ في قولِه: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةِ بِمِثْلِهَا﴾.\nوقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: \"الجزاءُ\" مرفوعٌ بالابتداءِ، وخبرُه \"بمثلِها\". قال: ومعنى الكلامِ: جزاء سيئةٍ مثلُها، وزِيدَت \"الباءُ\"، كما زِيْدَت في قولِهم (^٢): بحسبِك قولُ السوءِ. وقد أنْكر ذلك مِن قولِه (^٣) بعضُهم، فقال: يجوزُ أن تكونَ \"الباء\" في \"حسبِ\" (^٤)؛ لأن التأويلَ: إن قلت السوءَ فهو حسبُك. فلما لم تَدخُلْ في الجزاءِ، أُدْخِلت في حسبِ. بحسبِك أن تقومَ: إن قمتَ فهو حسبُك. فإن مُدِحَ ما بعد حسبِ، أُدْخِلتِ \"الباءُ\" فيما بعدَها، كقولِك: حسبُك بزيدٍ. ولا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٧ إلى المصنف.\n(^٢) في م: \"قوله\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قول\".\n(^٤) كذا في النسخ، ومقتضى الكلام أن يكون بعدها كلمة: \"زائدة\".","vol":"12","page":167},{"text":"يجوزُ: بحسبِك زيدٌ. لأن زيدًا الممدوحُ، فليس بتأويل جزاءٍ.\nوأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ، أن يكونَ \"الجزاءُ\" مرفوعًا بإضمار، بمعنى: فلهم جزاءُ سيئة بمثلِها. لأن اللهَ قال في الآيةِ التي قبلَها: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. فوصَف ما أعدَّ لأوليائِه، ثم عقَّب ذلك بالخبرِ عما أعدَّ اللَّهُ لأعدائِه، فالأشبهُ بالكلامِ أن يقالَ: وللذين كَسَبوا السيئاتِ جزاءُ سيئةٍ. وإذا وُجِّهَ ذلك إلى هذا المعنى، كانت \"الباءُ\" صلةً للجزاءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4176>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: كأنما أُلبِسَت وجوه هؤلاء الذين كَسَبوا السيئاتِ ﴿قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ﴾. وهي جمعُ قِطعةٍ.\nوكان قتادةُ يقولُ في تأويلِ ذلك ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بن ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾. قال: ظلمةٌ مِن الليلِ (^١).\nواخْتَلَفت القرَأةُ في قولِه تعالى: ﴿قِطَعًا﴾. فقرَأتْه عامة قرأة الأمصار: ﴿قِطَعًا﴾ بفتح \"الطاءِ\"، على معنى جمع قِطْعةٍ (^٢)، وعلى معنى أن تأويلَ ذلك: كأنما أُغْشِيت وجهَ كلِّ إنسان منهم قطعةٌ مِن سَوادِ الليل. ثم جمع ذلك فقيل: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا﴾: مِن سَوادٍ، إذ جُمِعَ الوجهُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤٧ عن محمد بن عبد الأعلى به، وعبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٩٦ عن معمر به.\n(^٢) هي قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة. ينظر السبعة ص ٣٢٥ والكشف ١/ ٥١٧، والتيسير ص ٩٩.","vol":"12","page":168},{"text":"وقرَأه بعضُ مُتأخِّرِى القرَأةِ: (قِطْعًا) بسكون \"الطاءِ\" (^١)، بمعنى: كأنما أُغشِيَت وجوههم سوادًا من الليلِ، وبقيةً من الليلِ، ساعةً منه، كما قال: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١] [الحجر: ٦٥]. أي: ببقيةٍ قد بَقِيَت منه. ويَعْتَلُّ لتصحيح قراءته ذلك كذلك، أنه في مصحف أبيٍّ؛ (ويَغْشَى وجوههم قطع مِن الليلِ مظلمٌ).\nوالقراءةُ التى لا يجوزُ خلافُها عندى، قراءةُ مَن قَرَأ ذلك بفتح \"الطاء\"؛ لإجماع الحجة من قرَأةِ الأمصار على تصويبها وشُذُوذٍ ما عَداها، وحسبُ الأخرى دَلالةً على فسادِها، خروج قارئِها عما عليه قرَأةُ أهلِ أمصارِ (^٢) الإسلامِ.\nفإن قال لنا قائلٌ: فإن كان الصوابُ في قراءةِ ذلك ما قلتَ، فما وجهُ تذكيرِ المُظْلِمِ وتوحيدِه، وهو مِن نعتِ القِطَعِ والقِطْعِ، جمعٌ لمؤنثٍ؟\nقيل: في تذكير (^٣) ذلك وجهان: أحدُهما، أن يكونَ قِطْعًا من الليلِ، وأن يكونَ من نعتِ الليل، فلما كان نكرةً، و\"الليلُ\" معرفةٌ نصب على القطْعِ؛ فيكون معنى الكلامِ حينئذٍ كأنما أُغْشِيَت وجوههم قطعًا من الليل المظلم. ثم حذفت \"الألفُ\" و\"اللامُ\" مِن \"المظلم\"، فلما صارَ نكرةً وهو مِن نعتِ \"الليلِ\" نُصِبَ على القطعِ.\nويسمّى أهلُ البصرة ما كان كذلك \"حالًا\"، والكوفيون \"قطعًا\".\nوالوجه الآخرُ على نحوِ قولِ الشاعرِ (^٤):\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير والكسائي. وتنظر المصادر السابقة.\n(^٢) في م: \"الأمصار و\".\n(^٣) في م، ف: \"تذكيره\".\n(^٤) هو أبو ذؤيب، وهذا صدر بيت في ديوانه ص ١١٣ عجزه:\n*أحيى أبُوَّتَكِ الشُّمَّ الأماديحُ*","vol":"12","page":169},{"text":"لو أن مِدْحَةَ حَيٍّ مُنْشِرٌ أحدًا\nوالوجهُ الأول أحسنُ وَجْهَيه.\nوقولُه: ﴿أَوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾. يقول: هؤلاء الذين وَصَفْتُ لك صفتهم، أهل النار الذين هم أهلها، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، يقولُ: هم فيها ماكِثُون.\n\n<span id=\"aya-1392\"></span><span data-type='title' id=toc-4177>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويوم نجمعُ الخلق لموقف الحساب جميعًا، ثم نقولُ حينئذٍ للذين أشْرَكوا بالله الآلهة والأندادَ: ﴿مَكَانَكُمْ﴾، أي: امْكُثُوا مكانَكم، وقِفُوا في موضعِكم ﴿أَنتُمْ﴾ أيُّها المشركون ﴿وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ الذين كنتُم تَعْبُدونَهم مِن دونِ الله من الآلهة والأوثان. ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾، يقولُ: فَفَرَّقْنا بين المشركين بالله وما أشركوه به. [وهو من قولهم: زلتُ الشيءَ أزيله. إذا فرَّقت بينه] (^١) وبين غيرِه وأبنْتَه منه. وقال: فزَيَّلْنا إرادة تكثير الفعل وتكريره (^٢)، ولم يقل: فزِلْنا بينهم.\nوقد ذُكِرَ عن بعضهم أنه كان يَقْرؤُه: (فزايلْنا بينَهم). كما قيل: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ﴾ [لقمان: ١٨]: (ولا تُصاعِرْ خدَّك) (^٣). والعربُ تفعلُ ذلك كثيرًا في \"فَعَلْت\"، يُلْحِقون فيها أحيانًا \"ألِفًا\" مكانَ التشديدِ، فيقولون: \"فاعَلْت\". إذا\n_________\n(^١) ما بين المعقوفين زيادة لابد منها لاستقامة العبارة، وينظر اللسان (ز ى ل)، ومعانى القرآن للفراء ١/ ٤٦٢.\n(^٢) في ت ١: \"تنكيره\"، وفى س: \"تكثيره\".\n(^٣) هذه قراءة نافع وأبي عمرو وحمزة والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥١٣. وستأتي في تفسير الآية ١٨ من سورة لقمان.","vol":"12","page":170},{"text":"كان الفعلُ لواحدٍ. وأما إذا كان لاثنين، [فلا تكاد] (^١) تقولُ إلا: \"فاعَلْت\".\n﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾، وذلك حين تَبَرَّأَ الذين اتُّبِعوا مِن الذين اتَّبَعُوا ورَأَوا العذابَ، وتَقَطَّعَتْ بهم الأسباب؛ لمَّا قيل للمشركين: اتَّبعوا ما كنتُم تَعْبُدون من دونِ اللهِ. ونُصِبَت لهم آلهتهم، قالوا: كُنَّا نعبد هؤلاء. فقالت الآلهة لهم: ما كنتم إيَّانا تَعْبُدون.\nكما حُدِّثتُ عن مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ، قال: يكونُ يومَ القيامة ساعةٌ فيها شدةٌ، تُنصَبُ لهم الآلهة التى كانوا يَعْبُدون، فيقالُ: هؤلاء الذين كنتم تعبدون مِن دونِ اللَّهِ. فتقولُ الآلهة: والله ما كُنَّا نَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا نَعْقِلُ، ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا. فيقولون: والله لإياكم كُنَّا نعبدُ. فتقول لهم الآلهة: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ. في قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنهم﴾. قال: فَرَّقْنا بينهم. ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ قالوا: بلى، قد كُنَّا نعبدُكم. فقالوا: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ ما كُنَّا نسمع ولا نبصِرُ ولا نتكلَّمُ. فقال اللهُ: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ﴾ الآية (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س ف: \"فلابد أن\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤٨، ١٩٤٩ من طريق مسلم بن خالد به مطولًا، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٣٠٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤٨ من طريق آخر عن ابن زيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٧ إلى أبى الشيخ مختصرًا.","vol":"12","page":171},{"text":"ورُوِى عن مجاهدٍ أنه كان يتأوَّلُ الحشرَ في هذا الموضعِ الموتَ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، قال: سمعتُهم يَذْكُرون عن مجاهد في قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾. قال: الحشرُ الموتُ (^١).\nوالذي قلنا في ذلك أولى بتأويله؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه أخبر أنه يقولُ يومئذٍ للذين أشْرَكوا ما ذكر أنه يقولُ لهم، ومعلومٌ أن ذلك غيرُ كائنٍ في القبرِ، وأنَّه إنما هو خبرٌ عما يقالُ لهم ويقولون في الموقفِ بعدَ البعثِ.\n\n<span id=\"aya-1393\"></span><span data-type='title' id=toc-4178>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيل شركاء المشركين من الآلهة والأوثان لهم يومَ القيامةِ، إذ قال المشركون بالله لها: إيَّاكم كُنَّا نعبدُ: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾، أي: إنها تقولُ: حسبُنا الله شاهدًا بيننا وبينكم أيها المشركون، فإنه قد عَلِمَ أنا ما علمنا (^٢) ما تقولون. ﴿إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾، يقولُ: ما كُنَّا عن عبادتِكم إيانا دونَ اللَّهِ إلا غافلين، لا نشعُرُ به ولا نعلَمُ.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِين﴾، قال: ذلك كلُّ شيءٍ يُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثني إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤٧ من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٧ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في س: \"عملنا\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٨٠، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤٩.","vol":"12","page":172},{"text":"أبي نجيحٍ، عن مجاهد مثلَه.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِين﴾، قال: يقول ذلك كلُّ شيءٍ كان يُعْبَدُ مِن دونِ اللَّهِ.\n\n<span id=\"aya-1394\"></span><span data-type='title' id=toc-4179>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾.</span>\nاختَلَفَت القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿هُنَالِكَ تَبلُوا كُلُّ نَفْسٍ﴾ بالباء (^١)، بمعنى: عند ذلك تُخْتَبَرُ كلُّ نفسٍ بما قَدَّمَت مِن خيرٍ أو شرٍّ.\nوكان ممن يُقرؤُه ويتأوَّلُه كذلك مجاهدٌ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾. قال: تُخْتَبَرُ (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقرأ ذلك جماعةٌ مِن أهلِ الكوفةِ وبعضُ أَهلِ الحجازِ: (تَتْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س: \"بالتاء\"، وفى ف: \"بالياء\". وهذه القراءة قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبى عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٣٢٥ وحجة القراءات ص ٣٣١.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٨١، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"12","page":173},{"text":"أسْلَفَتْ)، بالتاء (^١).\nواختَلَفَ قارئو ذلك كذلك في تأويلِه.\nفقال بعضُهم: معناه وتأويلُه: هنالك تتبع كلُّ نفسٍ ما قَدَّمَت في الدنيا لذلك اليومِ.\nورُوِى بنحوِ ذلك خبرٌ عن النبيِّ ﷺ، من وجهٍ وسَنَدٍ غيرِ مُرْتَضَى، أنه قال: \"يَمْثُلُ لكُلِّ قوم ما كانوا يَعْبُدون مِن دونِ اللَّهِ يومَ القيامةِ، فَيَتَّبِعُونَهم حتى يُورِدَوهم النارَ\". قال: ثم تَلَا رسولُ الله ﷺ هذه الآية: (هنالك تتلو كل نفس ما أسلفت) (^٢).\nوقال بعضُهم: بل معناه: تَتْلُو كتابَ حسناتِه وسيئاتِه. يعنى: تقرأُ، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣].\nوقال آخرون: تَتْلو: تُعايِنُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ﴾، قال: ما عَمِلَت، تَتْلُو: تُعايِنهُ (^٣).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إنهما قراءتانِ مَشْهورتانِ، قد قَرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما أئمةٌ مِن القرأةِ، وهما مُتقارِبتا المعنى -وذلك أن مَن تَبعَ في الآخرةِ ما\n_________\n(^١) هذه قراءة حمزة والكسائي - السبعة لابن مجاهد ص ٣٢٥ وحجة القراءات ص ٣٣١.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٧ إلى ابن مردويه عن ابن مسعود.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٤٩ عن ابن زيد معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٧ إلى أبى الشيخ.","vol":"12","page":174},{"text":"أسْلَفَ مِن العملِ في الدنيا، هُجِمَ به على مَوْردِه، فيُخْبَرُ هنالك ما أَسْلَفَ مِن صالح أو سَيِّئُ في الدنيا، وإن مَن [خَبَر ما] (^١) أَسْلَفَ في الدنيا من أعماله في الآخرة، فإنما يُخْبَرُ بعدَ مَصِيره إلى حيثُ أَحَلَّه (^٢) ما قَدَّمَ في الدنيا من عمله، فهو في كلتا الحالتين مُتَّبعٌ ما أسْلَفَ من عملِه، مُختبرٌ له- فبأيتِهما قَرَأ القارئ، كما وَصَفْنا، فمصيبٌ الصوابَ في ذلك.\nوأما قوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَهُمُ الْحَقِّ﴾، فإنه يقولُ: ورَجَعَ هؤلاء المشركون يومئذٍ إلى الله الذى هو ربُّهم ومالكهم الحقُّ لا شكَّ فيه، دونَ ما كانوا يَزْعُمون أنهم لهم أربابٌ من الآلهة والأنْدادِ، ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، يقولُ: وبَطَلَ عنهم ما كانوا يَتَخَرَّصون من الفِرْية والكذب على اللهِ، بدَعْواهم أوثانَهم أنها للهِ شركاءُ، وأنها تُقَرِّبُهم منه زُلْفَى.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. قال: ما كانوا يَدْعُون معه من الأنْدادِ والآلهةِ، ما كانوا يَفْتَرُون الآلهة، وذلك أنهم جَعَلوها أندادًا وآلهة مع اللهِ؛ افتراءً وكذبًا (^٣).\n\n<span id=\"aya-1395\"></span><span data-type='title' id=toc-4180>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾.\n_________\n(^١)</span> في م، ف: \"خير من\".\n(^٢) في س، ف: \"أجله\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٥٠ من طريق آخر عن ابن زيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٧ إلى المصنف وأبى الشيخ.","vol":"12","page":175},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمد ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء المشركين باللهِ الأوثانَ والأصنامَ: ﴿مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ﴾ الغيثَ والقطرَ، ويُطلعُ لكم أم شمسَها، ويُغْطِشُ ليلَها، ويُخْرِجُ ضُحاها. وَمِن ﴿الْأَرْضِ﴾ أقواتَكم وغذاءكم الذي يُنبته لكم، وثمارَ أشجارِها؟ ﴿أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾. يقولُ: أَمْ مَن ذا الذى يَملكُ أسماعَكم وأبصارَكم التي تَسْمَعون بها أن يزيدَ في قُواها، أو يَسْلُبَكموها فيَجْعَلَكم صُمًّا، وأبْصارَكم التي تُبصرون بها، أن يُضيئَها (^١) لكم [ويُنِيرها] (^٢)، أو يَذْهَبَ بنورها فيجعلكم عُمْيًا لا تُبْصِرون؟ ﴿وَمَن يُخرجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾. يقولُ: ومَن يُخْرِج الشيء الحى من الميتِ؟ ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. يقولُ: ومَن (^٣) يُخْرِجُ الشيء الميتَ مِن الحى؟\nوقد ذكرنا اختلاف المختلفين من أهل التأويلِ، والصوابَ من القول عندَنا في ذلك بالأدلةِ الدالةِ على صحتِه في سورةِ \"آلِ عمرانَ\"، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضِع (^٤).\n﴿وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: وقلْ لهم: مَن يُدَبِّرُ أمر السماء والأرض وما فيهن، وأمْرَكم وأمْرَ الخلقِ؟ ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾، يقول جل ثناؤُه: فسوف يُجيبونك بأن يقولوا: الذى يفعل ذلك كلَّه الله. ﴿فَقُل أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ يقولُ: أفلا تخافون عقابَ الله على شِرْككم، وادِّعائِكم ربًّا غيرَ مَن هذه الصفة صفته، وعبادتِكم معه مَن لا يرزقكم شيئًا، ولا يملكُ لكم ضَرًّا ولا نفعا، [ولا يفعَلُ فِعْلًا] (^٥).\n_________\n(^١) في ت ٢، س: \"يصيبها\".\n(^٢) في ت ٢: \"أو ينشرها\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٤) تقدم في ٥/ ٣٠٧ - ٣١١.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"12","page":176},{"text":"<span id=\"aya-1396\"></span><span data-type='title' id=toc-4181>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لخلقِه: أيُّها الناسُ، فهذا الذي يفعل هذه الأفعال، فيَرْزُقُكم مِن السماءِ والأرضِ، ويملك السمع والأبصارَ، ويُخْرِجُ الحَيَّ مِن الميت، والميتَ مِن الحيِّ، ويُدَبِّرُ الأمر - ﴿اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾: لا شكَّ فيه، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَل﴾، يقولُ: فأيُّ شيءٍ سِوى الحقِّ إلا الضلالُ؛ وهو الجَوْرُ عن قَصْدِ السبيل؟ يقولُ: فإذا كان الحقُّ هو ذا، فادِّعاؤكم غيره إلها وربًّا هو الضلالُ والذهاب عن الحق لا شك فيه، ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾، يقولُ: فأى وجه عن الهُدَى والحقِّ تُصرفون، وسواهما تَسْلُكون، وأنتم مقرون بأن الذى تُصرفون عنه هو الحقُّ؟\n\n<span id=\"aya-1397\"></span><span data-type='title' id=toc-4182>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: كما قد صُرف هؤلاء المشركون عن الحقِّ إلى الضلالِ، ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾، يقولُ: وَجَبَ عليهم قضاؤُه وحكمه في السابق من علمِه، ﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾، فخَرَجوا مِن طاعةِ ربِّهم إلى مَعْصيتِه، وكَفَرُوا به، ﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يقولُ: لا يُصَدِّقون بوحدانية الله ولا بنبوَّةِ نبيِّه ﷺ.\n\n<span id=\"aya-1398\"></span><span data-type='title' id=toc-4183>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿هَلْ مِن شُرَكَائِكُم﴾، يعني: من الآلهة والأوثانِ ﴿مَّن يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾. يقولُ: مَن يُنْشِئُ خلقَ شيءٍ مِن غير أصلٍ، فيُحْدِثُ خلقه ابتداءً، ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾. يقولُ: ثم يُفْنِيه بعدَ","vol":"12","page":177},{"text":"إنشائِه، ثم يُعِيدُه كهيئته قبل أن يُفنِيَه، فإنهم لا يَقْدِرون على دعوى ذلك لها، وفى ذلك الحُجَّةُ القاطِعةُ، والدلالة الواضحة على أنهم في دعواهم أنها أرباب، وهى للهِ في العبادة شركاء كاذبون مُفْتَرون، فَقُلْ لهم حينئذٍ يا محمد: ﴿اللَّهُ يَبْدَؤا الخَلْقَ﴾، فيُنْشِئُه مِن غير شيءٍ، ويُحْدِثُه مِن غيرِ أصلٍ، ثم يُفْنِيه إِذا شَاءَ، ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إذا أرادَ كهيئته قبل الفناءِ، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ: فَأَىُّ وجهٍ عن قصدِ السبيل وطريق الرُّشدِ تُصْرَفون وتُقلبون؟\nكما حدَّثنا محمد بن عبد الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الحسن: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. قال: أَنَّى تُصْرَفون (^١)؟\nوقد بَيَّنَّا اختلاف المختلفين في تأويلِ قولِه: ﴿أَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾، والصوابَ مِن القولِ في ذلك عندَنا بشواهدِه في سورةِ \"الأنعامِ\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-1399\"></span><span data-type='title' id=toc-4184>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه لنبيِّه محمد ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين: ﴿هَلْ مِن شُرَكَائِكُم﴾ الذين تَدْعون مِن دونِ اللهِ، وذلك آلهتهم وأوثانهم، ﴿مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾، يقول: من يُرْشِدُ ضالًّا مِن ضلالِته إلى قصدِ السبيلِ، ويُسَدِّدُ حائرًا (^٣) عن الهُدَى إلى واضحِ الطريقِ المستقيم؟ فإنهم لا يَقْدِرون أن يَدَّعوا أن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٥٢ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٩٦ عن معمر به.\n(^٢) تقدم في ٩/ ٤٢٣، ٤٢٤، ولم يبين المصنف في هذا الموضع اختلاف المختلفين والصواب من القولُ، ولكنه بينه في ٨/ ٥٨٤.\n(^٣) في م: \"جائزًا\".","vol":"12","page":178},{"text":"آلهتَهم وأوثانَهم تُرْشِدُ ضالًا أو تَهْدِى حائرًا. وذلك أنهم إن ادَّعَوا ذلك لها، أكْذَبَتْهم المشاهدة، وأبانَ عَجْزَها عن ذلك الاختبارُ بالمعاينة. فإذا قالوا: لا. وأَقَرُّوا بذلك، فقل لهم: فاللَّهُ يَهْدِى الضال عن الهُدَى إلى الحقِّ، ﴿أَفَمَن يَهْدِي﴾، أَيُّها القومُ ضالًّا ﴿إلَى الْحَقِّ﴾، وحائرًا (^١) عن الرشدِ إلى الرشد، ﴿أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ﴾ إلى ما يَدعو إليه، ﴿أَمَّن لَّا يَهْدِى إِلَّا أَن يُهْدَى﴾؟!\nواختَلَفَتِ القرأةُ في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرأة أهل المدينة: (أم مَن لا يَهْدي)، بتَسْكين الهاءِ وتشديدِ الدَّالِ (^٢)؛ فجَمَعوا بينَ ساكِنين، وكأن الذى دَعاهم إلى ذلك أنهم وجَّهوا أصلَ الكلمةِ إلى أنه: أم مَن لا يَهْتَدِى (^٣)، وَوَجَدوه في خطِّ المصحف بغيرِ ما قَرءوا (^٤)، وأن التاءَ حُذِفَت لمَّا أُدغمت في الدال، فأقرُّوا الهاءَ ساكنةً على أصلِها الذى كانت عليه، وشَدَّدوا الدال طلبًا لإدغام التاء فيها، فاجْتَمَع بذلك سكون الهاء والدال، كذلك فَعَلوا في قوله: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ [النساء: ١٥٤]، وفى قوله: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩].\nوقَرَأ ذلك بعضُ قرأة أهل مكةَ والشامِ والبصرة: (يَهدِّى)، بفتح الهاء وتشديد الدال (^٥)، وأمُّوا ما أمَّه المَدَنِيُّون من الكلمة، غير أنهم نَقَلوا حركة التاءِ مِن يَهْتَدِى، إلى الهاء الساكنةِ، فحَرَّكوا بحركتها، وأدْغَموا التاء في الدال فشَدَّدوها.\n_________\n(^١) في م: \"جائرا\".\n(^٢) هي قراءة أبي جعفر، وينظر النشر ٢/ ٢١٢.\n(^٣) في ت ٢، س، ف: \"يهدى\".\n(^٤) في م: \"قرروا\".\n(^٥) هى قراءة نافع في رواية ورش، وابن كثير وابن عامر. المصدر السابق.","vol":"12","page":179},{"text":"وقرَأ ذلك بعضُ قرأة الكوفةِ: ﴿يَهدِّى﴾، بفتح الياء وكسرِ الهاءِ وتشديدِ الدالِ (^١)، بنحوِ ما قَصَدَه قرأةُ أهل المدينةِ، غير أنه كَسَرَ الهاءَ لكسرة الدالِ مِن يَهْتَدى، استثقالا للفتحة بعدها كسرةً في حرفٍ واحدٍ.\nوقَرَأ ذلك بعضُ عامة قرأة الكوفيين: (أمْ مَن لا يَهْدِى)، بتسكينِ الهاءِ وتخفيفِ الدالِ (^٢)، وقالوا: إن العربَ تقولُ: هَدِيتُ. بمعنى: اهْتَدَيتُ. قالوا: فمعنى قولِه: (أم مَنْ لا يَهْدِى): أم مَن لا يَهْتَدِى إِلَّا أَنْ يُهْدَى.\nوأَوْلى القراءاتِ في ذلك بالصوابِ (^٣) قراءةُ مَن قرأَ: (أَمْ مَنْ لا يَهَدِّى)، بفتح الهاء (^٤) وتشديد الدالِ، لما وَصَفْنا مِن العِلَّة لقارئ ذلك كذلك، وأن ذلك لا يدفَعُ صحتَه ذو علم بكلام العربِ، وفيهم (^٥) المنكرُ غيرَه. وأحقُّ الكلام أن يقرأ بأفصحِ اللغات التي نَزَلَ بها كلامُ اللَّهِ.\nفتأويل الكلام إذن: أفمَن يَهْدِى إلى الحقِّ أحقُّ أن يُتَّبَعَ، أم مَن لا يَهْتَدِى إلى شيءٍ إلا أن يُهْدَى؟!\nوكان بعضُ أهل التأويلِ يَزْعُمُ أن معنى ذلك: أم مَن لا يقدِرُ أن ينتقِلَ عن مكانه إلا أن يُنْقَلَ.\nوكان مجاهدٌ يقول في تأويلِ ذلك ما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: (أَفَمَنْ يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أمْ مَنْ لا يَهَدِّى إلَّا أنْ يُهْدَى)، قال: الأوثانُ، اللَّهُ يَهْدى منها ومن غيرها من شاء لما\n_________\n(^١) هي قراءة عاصم في رواية حفص، ويعقوب. النشر ٢/ ٢١٢.\n(^٢) هي قراءة حمزة والكسائى وخلف. المصدر السابق.\n(^٣) القراءات التى ذكرها المصنف كلها متواترة.\n(^٤) في ص، ت ١، س، ف: \"الياء\".\n(^٥) في ت ٢: \"فهم\".","vol":"12","page":180},{"text":"شاء (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: (أَمَّن لا يَهَدِّى إلا أنْ يُهْدَى). قال: قال: الوَثَنُ.\nوقولُه: ﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: ألَا تَعْلَمون أن مَن يَهْدِى إلى الحقِّ أحقُّ أن يُتَّبَعَ من الذى لا يَهْتَدى إلى شيءٍ إلا أن يَهْديه إليه هادٍ غيره، فتتركوا اتِّباعَ مَن لا يَهْتدى إلى شيءٍ وعبادته، وتَتَّبعوا مَن يَهْديكم في ظلماتِ البر والبحر، وتُخلصوا له العبادة فتُفْرِدوه بها وحدَه، دونَ ما تُشْرِكونه فيها مِن آلهتِكم وأوثانِكم؟\n\n<span id=\"aya-1400\"></span><span data-type='title' id=toc-4185>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما يَتَّبِعُ أكثر هؤلاء المشركين ﴿إِلَّا ظَنًّا﴾، يقول: إلا ما لا علمَ لهم بحقيقته وصحتِه، بل هم منه في شكٍّ وريبةٍ، ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، يقولُ: إن الشكَّ لا يُغْنى من اليقين شيئًا، ولا يقومُ في شيءٍ مَقامَه، ولا يُنتفَع به حيث يحتاج إلى اليقينِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، يقول تعالى ذكرُه: إن الله ذو علمٍ بما يفعَلُ هؤلاء المشركون؛ مِن اتِّباعِهم الظنَّ، وتكذيبهم الحقَّ اليقينَ، وهو لهم بالمرصادِ حيثُ لا يُغْنى عنهم ظنُّهم مِن اللهِ شيئًا.\n\n<span id=\"aya-1401\"></span><span data-type='title' id=toc-4186>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ما ينبغى لهذا القرآن ﴿أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٨١ ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٥٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"12","page":181},{"text":"ما يَنْبغى له أن يَتَخرَّصَه أحدٌ مِن عندِ غيرِ اللَّهِ. وذلك نظير قوله: (وما كان لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلَّ) (^١)، بمعنى: ما ينبَغِي لنبي أَن يَغُلَّه أصحابُه.\nوإنما هذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤه أن هذا القرآنَ مِن عنده، أنزله إلى محمد عبده، وتكذيبٌ منه للمشركين الذين قالوا: هو شعرٌ وكَهانةٌ. والذين قالوا: إنما يتعلَّمُه محمدٌ مِن يُحنَّسَ (^٢) الروميِّ.\nيقولُ لهم جلّ ثناؤه: ما كان هذا القرآنُ ليختلِقَه أحدٌ مِن عندِ غيرِ اللَّهِ؛ لأن ذلك لا يقدر عليه أحدٌ من الخلق، ﴿وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ولكنه من عندِ اللَّهِ أَنزَله مُصدِّقا لما بين يديه. أي: لِما قبلَه من الكتبِ التي أُنزِلت على أنبياءِ اللَّهِ؛ كالتوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه، ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾. يقولُ: وتبيان الكتاب الذى كتبه الله على أمة محمد ﷺ (^٣)، وفرائضه التى فَرَضَها عليهم في السابق من علمِه، ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. يقول: لا شكَّ فيه أنه تصديقُ الذى بينَ يديه من الكتابِ، وتفصيلُ الكتابِ مِن عندِ ربِّ العالمين، لا افتراءٌ مِن عندِ غيرِه ولا اختلاقٌ.\n\n<span id=\"aya-1402\"></span><span data-type='title' id=toc-4187>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: أم يقول هؤلاء المشركون: افترى محمد هذا القرآن من نفسه، فاختَلَقَه وافتَعَلَه؟ قل يا محمد لهم: إن كان كما تقولون: إنى اختلقته وافتريتُه، فإنكم مثلى من العرب، ولسانى مثلُ لسانكم وكلامى، فجِيئوا بسورة\n_________\n(^١) هذه قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي، وتقدم ذكرها في ٦/ ١٩٨.\n(^٢) في م: \"يعين\". وينظر الإصابة ٦/ ٦٩٦.\n(^٣) بعده في م: \"وآله\".","vol":"12","page":182},{"text":"مثل هذا القرآن.\nوالهاء في قوله: ﴿مَثْلِهِ﴾ كنايةٌ عن القرآن.\nوقد كان بعضُ نحويى البصرة يقولُ: معنى ذلك: قلْ فأتُوا بسورة مثلِ سورته، ثم أُلقيت سورةٌ، وأُضِيفَ المثلُ إلى ما كان مضافًا إليه السورة، كما قيل: ﴿وَاْسَأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. يراد به: واسألْ أهلَ القرية.\nوكان بعضُهم ينكر ذلك من قوله، ويَزْعُمُ أن معناه: فأتُوا بقرآن مثل هذا القرآن.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن السورةَ إنما هي سورةٌ مِن القرآنِ وهى قرآنٌ، وإن لم تكن جميع القرآن، فقيل لهم: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾، ولم يقلْ: مثلِها؛ لأن الكناية أُخرجت على المعنى -أعنى معنى السورة- لا على لفظها؛ لأنها لو أُخْرِجت على لفظِها لقيل: فأتوا بسورةٍ مثلِها.\n﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾، يقولُ: وادْعُوا أيها المشركون على أن يأتوا بسورة مثلها مَن قَدَرْتُم (^١) أن تَدْعوا على ذلك من أوليائكم وشركائكم، ﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾. يقولُ: مِن عندِ غيرِ اللَّهِ، فأَجْمِعُوا على ذلك واجتَهِدوا، فإنكم لا تستطيعون أن تأتوا بسورةٍ مثلِه أبدًا.\nوقولُه: ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم صادقين في أن محمدًا افترَاه، فأتُوا بسورةٍ مثلِه من جميعِ مَن يُعِينُكم على الإتيانِ بها. فإن لم تَفْعلوا ذلك، فلا شكَّ أنكم كَذَبَةٌ في زعْمِكم أن محمدًا افتراه؛ لأن محمدًا لن يَعْدُو أن يكون بشرًا\n_________\n(^١) في ت ٢، س، ف: \"قديم\".","vol":"12","page":183},{"text":"مثلَكم، فإذا عَجَزَ الجميعُ مِن الخَلْقِ أن يأتوا بسورة مثله، فالواحدُ منكم (^١) عن أن يأتيَ بجميعِه أعجزُ.\n\n<span id=\"aya-1403\"></span><span data-type='title' id=toc-4188>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ما بهؤلاء المشركين يا محمد تكذيبُك، ولكن بهم التكذيبُ، ﴿بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾: مما أنزل اللهُ عليك في هذا القرآنِ، مِن وعيدِهم على كفرِهم بربِّهم، ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُه﴾، يقولُ: ولما يأتِهم بعدُ بَيانُ ما يئولُ إليه ذلك الوعيدُ الذى تَوَعَّدَهم الله في هذا القرآنِ، ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، يقول تعالى ذكرُه: كما كَذَّبَ هؤلاء المشركون يا محمدُ بوعيدِ اللهِ، كذلك كَذَّبَ الأمم التي خَلَت قبلهم بوعيدِ اللهِ إياهم على تكذيبهم رسلَهم، وكفرِهم بربِّهم، ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، يقولُ تعالى ذكرُه لنبيه محمد ﷺ: فانظُرْ يا محمد كيف كان عُقبى كُفْرِ مَن كَفَرَ باللَّهِ، ألم نُهلِك بعضَهم بالرجْفَةِ، وبعضَهم بالخسْفِ، وبعضَهم بالغرَقِ؟ يقولُ: فإن عاقبةَ هؤلاء الذين يُكَذِّبونك، ويَجْحَدون بآياتى من كفارِ قومِك، كالتي كانت عاقبةَ من قبلَهم مِن كفرة الأممِ، إن لم يُنيبوا من كفرهم ويُسارعوا إلى التوبة.\n\n<span id=\"aya-1404\"></span><span data-type='title' id=toc-4189>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ومن قومك يا محمدُ من قريشٍ مَن سوف يؤمِنُ به. يقولُ: مَن سوف يُصدِّقُ بالقرآن، ويُقر أنه من عندِ اللهِ (^٢) - ﴿وَمِنْهُم مَّن لَّا\n_________\n(^١) في م: \"منهم\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يقول\".","vol":"12","page":184},{"text":"يُؤْمِنُ بهِ﴾، يقولُ: ومنهم مَن لا يُصَدِّقُ به، ولا يُقِرُّ أبدًا. ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾، يقول: والله أعلم بالمكذِّبين به منهم، الذين لا يُصَدِّقون به أبدًا مِن كلِّ أحدٍ، لا يَخْفى عليه، وهو من وراء عقابه. فأما من كتبتُ له أنه يؤمِنُ به منهم فإني سأتوبُ عليه.\n\n<span id=\"aya-1405\"></span><span data-type='title' id=toc-4190>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمد ﷺ: وإن كَذَّبَك يا محمد هؤلاء المشركون، ورَدُّوا عليك ما جئتَهم به مِن عندِ ربِّك، فقلْ لهم: أيُّها القومُ، لي دِيني وعَمَلى، ولكم دينُكم وعملُكم، لا يَضُرُّني عملكم، ولا يَضُرُّكم عَملى، وإنما يُجازَى كلُّ عامل بعمَلِه، ﴿أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ﴾ لا تُؤخَذون (^١) بجريرته، ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ لا أُوْخَذُ (^٢) بجريرةِ عملِكم. وهذا كما قال جلّ ثناؤه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ] [الكافرون: ١ - ٣].\nوقيل: إن هذه الآيةَ منسوخةٌ، نَسَخَها الجهادُ والأمرُ بالقتالِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلَكُمْ﴾ الآية. قال: أمَره بهذا، ثم نَسَخَه وأمَرَه بجهادِهم (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"تؤاخذون\".\n(^٢) في م: \"أؤاخذ\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٥٤ من طريق آخر عن ابن زيد به.","vol":"12","page":185},{"text":"<span id=\"aya-1406\"></span><span data-type='title' id=toc-4191>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمد ﷺ: ومِن هؤلاء المشركين مَن يَسْتَمِعون إلى قولِك، ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: أفأنت تخلُقُ لهم السمعَ، ولو كانوا لا سمعَ لهم يعقِلون به، أم أنا؟\nوإنما هذا إعلام من الله عباده أن التوفيق للإيمان به بيده لا إلى أحد سواه، يقولُ لنبيه محمد ﷺ: كما أنك لا تقدِرُ أن تُسمِعَ يا محمد من سلبته السمعَ، فكذلك لا تقدر أن تُفهم أمرى ونَهْيى قلبًا سلبتُه فَهم ذلك؛ لأنى ختمتُ عليه أنه لا يؤمِنُ.\n\n<span id=\"aya-1407\"></span><span data-type='title' id=toc-4192>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومن هؤلاء المشركين -مُشرِكي قومك- مَن ينظُرُ إليك يا محمدُ ويَرَى أعلامك وحُجَجَك على نبوّتك، ولكن الله قد سَلَبَه التوفيق فلا يهتَدِى، ولا تقدِرُ أن تَهْدِيَه، كما لا تقدِرُ أن تُحدِثَ للأعمى بصرًا يَهْتَدِي به؛ ﴿أَفَأَنتَ تَهْدِى الْعُمَيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: أفأنت يا محمد تُحْدِثُ لهؤلاء الذين يَنْظُرون إليك وإلى أدلَّتِك وحججك فلا يوفقون للتصديق بك، أبصارًا -لو كانوا عميا- يهتدون بها ويُبْصِرون؟ فكما أنك لا تُطِيقُ ذلك، ولا تقدِرُ عليه ولا غيرُك، ولا يقدِرُ عليه أحدٌ، سواى، فكذلك لا تقدِرُ على أن تبَصِّرَهم سبيل الرشادِ أنت ولا أحدٌ غيرى؛ لأن ذلك بيدى وإليَّ.\nوهذا من الله تعالى ذكرُه تسْلية لنبيِّه ﷺ عن جماعةٍ ممن كَفَرَ به من قومه وأدبَر عنه فكَذَّبَ، وتعزيةٌ له عنهم، وأمرٌ برفعِ طمعه من إنابتهم إلى الإيمان بالله.","vol":"12","page":186},{"text":"<span id=\"aya-1408\"></span><span data-type='title' id=toc-4193>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: إن الله لا يفعَلُ بخلْقِه ما لا يَسْتَحِقُون منه؛ لا يُعاقِبُهم إلا بمعصيتهم إيَّاه، ولا يُعَذِّبهم إلا بكفرهم به، ﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ﴾. يقولُ: ولكن الناس هم الذين يَظْلِمون أنفسَهم، باجْتِرامِهم ما يُورِثُها غضبَ اللَّهِ وسَخَطَه.\nوإنما هذا إعلام من الله تعالى ذكرُه لنبيه محمد ﷺ والمؤمنين به، أنه لم يَسْلُبْ هؤلاء الذين أخبر جلّ ثناؤه عنهم أنهم لا يُؤْمِنون، الإيمان ابتداءً منه بغيرِ جُزمٍ سَلَفَ منهم، وإخبارٌ أنه إنما سَلَبَهم ذلك باستحقاقٍ منهم سَلْبَه، لذنوبٍ اكْتَسَبوها، فحَقَّ عليهم قولُ ربّهم: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٨٧].\n\n<span id=\"aya-1409\"></span><span data-type='title' id=toc-4194>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ نَحْشُرُ هؤلاء المشركين، فنَجْمَعُهم في موقفِ الحسابِ، كأنهم كانوا قبل ذلك لم يَلْبَثوا إلا ساعةً مِن نهارٍ يَتَعارَفون فيما بينهم، ثم انقَطَعتِ المعرفةُ، وانقَضَت تلك الساعةُ، يقولُ اللَّهُ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاء اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: قد غُبِنَ (^١) الذين جَحَدوا ثوابَ اللهِ وعقابه حظوظهم (^٢) مِن الخيرِ، وهَلكوا، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. يقولُ: وما كانوا مُوَفَّقِين لإصابةِ الرشدِ مما (^٣) فَعَلوا من تكذيبهم بلقاءِ اللَّهِ؛ لأنَّه أكْسَبَهم ذلك ما لا قِبَلَ لهم به مِن عذاب الله.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عين\".\n(^٢) في م: \"وحظوظهم\".\n(^٣) في ف: \"عن ما\".","vol":"12","page":187},{"text":"<span id=\"aya-1410\"></span><span data-type='title' id=toc-4195>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: وإما نُرِيَنَّك يا محمد في حياتك بعض الذي نَعِدُ هؤلاء المشركين من قومك من العذابِ، ﴿أَو نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل أن نُرِيَك ذلك فيهم، ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾. يقول: فمصيرهم بكلِّ حالٍ إلينا، ومُنْقَلَبُهم، ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾. يقول جل ثناؤُه: ثم أنا شاهدٌ على أفعالِهم التي كانوا يَفْعَلونها في الدنيا، وأنا عالمٌ بها لا يَخْفَى على شيءٌ منها، وأنا مُجازيهم بها عندَ مصيرِهم إليَّ ومَرجعهم جزاءهم الذى يَسْتَحِقُونه.\nكما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾: من العذاب في حياتِك، ﴿أَو نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾: قبلُ، ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ (^١).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n\n<span id=\"aya-1411\"></span><span data-type='title' id=toc-4196>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولكلِّ أمةٍ خَلَتْ قبلكم أيها الناسُ رسولٌ أرسَلتُه إليهم،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٨١ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٥٥ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٨ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"12","page":188},{"text":"كما أرسَلت محمدا إليكم، يدعون مَن أرسلتهم إليهم إلى دين الله وطاعته، ﴿فَإذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾. يعنى: في الآخرةِ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريج، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾. قال: يومَ القيامةِ (^١).\nوقوله: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾. يقولُ: قُضِيَ حينئذ بينَهم بالعدلِ، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ مِن جزاءِ أعمالِهم شيئًا، ولكن يُجازَى المحسنُ بإحسانِه، والمسيءُ مِن أهل الإيمانِ؛ إما أن يُعاقِبَه اللهُ، وإما أن يعفوَ عنه، والكافرُ يُخلَّدُ في النارِ، فذلك قضاءُ اللهِ بينَهم بالعدل، وذلك لا شك عدل لا ظلمٌ.\nحدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾. قال: بالعدلِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1412\"></span><span data-type='title' id=toc-4197>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: ويقولُ هؤلاء المشركون مِن قومِك يا محمدٌ: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ الذى تَعِدُنا أنه يأتينا من عندِ اللهِ، وذلك قيامُ الساعةِ؟ ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: أنتَ ومَن تَبِعَك فيما تَعِدوننا به مِن ذلك.\n\n<span id=\"aya-1413\"></span><span data-type='title' id=toc-4198>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قل يا محمدُ لمُستَعجِليك وعيدَ الله، القائلين لك: متى\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٨١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٥٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٨ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٨١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٥٥.","vol":"12","page":189},{"text":"يَأتِينا الوعدُ الذى تَعِدُنا إن كنتم صادقين: ﴿قُلْ لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي﴾ أيُّها القومُ، أي: لا أقدِرُ لها على ضُرٍّ ولا نفع في دنيا ولا دين، ﴿إِلَّا مَا شَاءَ الله﴾ أن أملِكَه، فأجْلِبَه إليها بإذنه. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيه ﷺ: قلْ لهم: فإذ كنتُ لا أقدِرُ على ذلك إلا بإذنه، فأنا عن القدرة على الوصول إلى علم الغيب، ومعرفة قيامِ الساعِة أعجزُ وأعجَزُ، إلا بمشيئتِه وإذنِه لي في ذلك. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾، يقول: لكلِّ قومٍ ميقاتٌ لانقضاءِ مُدَّتِهم وأجلهم، فإذا جاء وقتُ انقضاء أجلهم وفناء أعمارِهم، لا يَستأخرون عنه ساعةً، فيُمهلون ويؤخَّرون، ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ قبلَ ذلك؛ لأن اللهَ قد قضَى أن لا يتقدَّمَ ذلك قبلَ الحين الذى قدَّرَه وقَضاه.\n\n<span id=\"aya-1414\"></span><span data-type='title' id=toc-4199>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومِك: أرأيتم إن أتاكم عذابُ اللّهِ بيانًا -يقولُ: ليلا- أو نهارًا، وجاءت الساعةُ، وقامَت القيامةُ، أتقدِرون على دفع ذلك عن أنفسِكم؟ يقولُ الله تعالى ذكرُه: ماذا يَستَعجِلُ مِن نزول العذاب المجرمون الذين كَفَروا بالله، وهم الصالون بحره دون غيرهم، ثم لا يقدرون على دفعه عن أنفسهم؟\n\n<span id=\"aya-1415\"></span><span data-type='title' id=toc-4200>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أهنالك إذا وَقَعَ عذاب الله بكم أيُّها المشركون، ﴿آمَنتُم بِهِ﴾. يقولُ: صَدَّقتُم به في حالٍ لا ينفعُكم فيها التصديق، وقيل لكم حينَئذٍ: آلآن تُصَدِّقون به وقد كنتم قبلَ الآنَ به تستَعجِلون، وأنتم بنزوله مُكذِّبون؟ فذُوقوا الآن ما كنتُم به تُكذِّبون.","vol":"12","page":190},{"text":"ومعنى قوله: ﴿أَثُمَّ﴾. في هذا الموضعِ: أهنالك، وليست \"ثُمَّ\" هذه التي تأتى بمعنى العطفِ.\n\n<span id=\"aya-1416\"></span><span data-type='title' id=toc-4201>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثُمَّ قِيلَ للَّذينَ ظلَموا أنفسَهم بكفرهم بالله: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾: تَجرَّعوا عذابَ اللهِ الدَّائم لكم أبدا، الذي لا فناءَ له ولا زوالَ، ﴿إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾. يقولُ: يقال لهم: فانظُروا، ﴿هَلْ تُجزَوْنَ﴾. أي: هل تُتابون ﴿إلا بما كنتم تكسِبُونَ﴾، يقولُ: إلا بما كنتم تَعْمَلُونَ في حياتكم قبل مماتكم من معاصى الله.\n\n<span id=\"aya-1417\"></span><span data-type='title' id=toc-4202>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ويسْتخبِرُك هؤلاء المشركون من قومك يا محمد، فيقولون لك: أحقٌّ ما تقولُ وما تَعِدُنا به من عذاب الله في الدارِ الآخرةِ، جزاءً على ما كُنَّا نكسِبُ من معاصى الله في الدنيا؟ قل لهم يا محمد: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ لا شكَّ فيه، وما أنتم بمعجزى الله، إذا أرادَ ذلك بكم، بهربٍ أو امتناعٍ، بل أنتم في قبضته وسلطانه ومُلكِه، إذا أرادَ فعَل ذلك بكم، فاتَّقُوا اللهَ في أنفسِكم.\n\n<span id=\"aya-1418\"></span><span data-type='title' id=toc-4203>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤)﴾.</span>","vol":"12","page":191},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ولو أن لكلِّ نفسٍ كَفَرت باللَّهِ -وظُلْمُها في هذا الموضعِ: عبادتُها غيرَ مَن [تُستَحَقُّ عبادتُه] (^١)، وتركُها طاعةَ من يجب عليها (^٢) طاعتُه- ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ مِن قليلٍ أو كثيرٍ، ﴿لافتَدَتْ بِهِ﴾. يقول: لافتدت بذلك كلِّه من عذابِ اللهِ إذا عايَنَته.\nوقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾. يقولُ: وأَخْفَتْ رؤساء هؤلاء المشركين مِن وُضَعائِهم وسَفِلَتِهم الندامةَ، حين أبْصَروا عذاب الله قد أحاط بهم، وأيْقَنُوا أنه واقعٌ بهم، ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾. يقولُ: وقَضَى اللَّهُ يومَئِذٍ بينَ الأتباع والرؤساء منهم بالعدل، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾؛ وذلك أنه لا يُعاقِبُ أحدًا منهم إلا بجَرِيرتِه، ولا يأخُذُه (^٣) بذنبِ أحدٍ، ولا يُعذِّبُ إلا من قد أعْذَرَ إليه في الدنيا وأَنذَرَ، وتابَعَ عليه الحُججَ.\n\n<span id=\"aya-1419\"></span><span data-type='title' id=toc-4204>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ذكرُه: ألا إن كلَّ ما في السماواتِ وكل ما في الأرضِ مِن شيءٍ للهِ مِلكٌ، لا شيء فيه لأحدٍ سواه. يقولُ: فليس لهذا الكافر بالله يومئذ شيءٌ يملكُه، فيَفْتَدِىَ به من عذاب ربه، وإنما الأشياء كلُّها للذى إليه عقابه، ولو كانت له الأشياء التي هي في الأرضِ ثم افتَدَى بها (^٤)، لم يَقْبَلْ منه بدلا من عذابه فيصرِفَ بها عنه العذابَ، فكيف وهو لا شيء له يَفْتدِى به منه، وقد حق عليه عذابُ اللهِ؟ يقولُ اللَّهُ\n_________\n(^١) في م: \"يستحق عبادة\".\n(^٢) في ف: \"عليه\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"يأخذ\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"به\"، وفى م: \"بما\". وأثبتنا ما يقتضيه الكلام.","vol":"12","page":192},{"text":"جلّ ثناؤه: ﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. [يعنى: أن عذابه الذي أوعد هؤلاء المشركين على كفرهم حَقٌّ] (^١)، فلا عليهم أن لا يستعجلوا به، فإنه بهم واقعٌ لا شكَّ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يَعلَمون حقيقةَ وقوع ذلك بهم، فهم مِن أجلِ جَهْلِهم به مكذِّبون.\n\n<span id=\"aya-1420\"></span><span data-type='title' id=toc-4205>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن الله هو المُحيى المُميتُ، لا يَتَعذَّرُ عليه فعل ما أراد فعْلَه من إحياء هؤلاء المشركين إذا أراد إحياءَهم بعد مَماتِهم، ولا إماتَتِهم إذا أراد ذلك، وهم إليه يَصِيرون بعدَ مَماتِهم، فيُعايِنون ما كانوا به مُكذِّبين من وعيدِ الله وعقابه.\n\n<span id=\"aya-1421\"></span><span data-type='title' id=toc-4206>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره لخلقه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتَكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن ربِّكُمْ﴾. يعني: ذكرى تُذَكِّرُكم عقابَ اللهِ، وتُخَوِّفُكم وعيدَه، ﴿مِن رَّبِّكُمْ﴾. يقولُ: من عند ربِّكم، لم يَخْتلِقها محمدٌ ﷺ، ولم يَفْتَعِلْها أحدٌ، فتقولوا: لا نأْمَنُ أن تكونَ لا صحة لها. وإنما يعنى بذلك جلّ ثناؤُه القرآن، وهو الموعظةُ من الله.\nوقوله: ﴿وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾. يقول: ودواءٌ لِما في الصدور من الجهلِ، يَشْفِى به الله جهلَ الجُهَّالِ، فيُبْرِئُ به داءَهم، ويَهْدِى به مِن خلقِهِ مَن أَرادَ هِدايتَه به، ﴿وَهُدًى﴾. يقولُ: وهو بيانٌ لحلالِ اللَّهِ وحرامِه، ودليلٌ (^٢) على طاعته\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"دليله\".","vol":"12","page":193},{"text":"ومعصيتِه، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ يَرْحَمُ بها مَن شَاءَ مِن خلقِه، فيُنْقِذُه به من الضلالة إلى الهُدى، ويُنَجِّيه به مِن الهلاكِ والرَّدَى، وجَعَلَه ﵎ رحمةً للمؤمنين به دونَ الكافرين به؛ لأن مَن كَفَرَ به فهو عليه عَمًى، وفي الآخرة جزاؤُه على الكفر به الخلودُ في لَظَى.\n\n<span id=\"aya-1422\"></span><span data-type='title' id=toc-4207>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء المكذِّبين (^١) بك وبما أُنزِلَ إليك من عندِ ربِّك: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ أَيُّها الناسُ، الذى تَفَضَّلَ به (^٢) عليكم، وهو الإسلامُ، فبَيَّنَه لكم، ودَعاكم إليه، ﴿وَبِرَحمتِهِ﴾ التي رَحِمكم بها، فأنزَلَها إليكم، فعَلَّمَكم ما لم تكونوا تَعْلَمون من كتابِه، وبَصَّرَكم بها معالم دينِكم، وذلك القرآنُ، ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. يقولُ: فإن الإسلام الذى دَعاهم إليه، والقرآن الذى أنزله عليهم، خيرٌ مما يَجْمَعون مِن حُطام الدنيا وأموالِها وكنُوزِها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال (^٣) أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدثني عليُّ بن الحسن الأزْدِيُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الحجاجِ، عن عطيةَ، عن أبي سعيد الخدريِّ في قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ\n_________\n(^١) في النسخ: \"المشركين\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"بها\".\n(^٣) بعده في م، ص: \"جماعة من\".","vol":"12","page":194},{"text":"فَلْيَفْرَحُوا﴾. قال: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾: القرآنُ، ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾: أن جَعَلَكُم مِن أهلِه (^١).\nحدَّثني يحيى بن طلحة اليربوعيُّ، قال: ثنا فُضَيلٌ، عن منصورٍ، عن هلالِ بنِ يسَافٍ: ﴿قُلْ (^٢) بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾. قال: بالإسلام الذي هَداكم، وبالقرآن الذى عَلَّمَكم (^٣).\nحدثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصور، عن هلال بن يسافٍ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾. قال: بالإسلام [والقرآن] (^٤). ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من الذهب والفضة (^٥).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن هلالِ بن يسافٍ في قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾. قال: فضلُ الله الإسلامُ، ورحمتُه القرآن (^٦).\nحدَّثني عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا زيدٌ، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن هلال ابن يَسَافٍ في قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾. قال: الإسلام والقرآنُ.\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٦٤ - تفسير)، وابن أبي شيبة ١٠/ ٥٠١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٥٨، والنحاس في الوقف والابتدا ص ٨١، والبيهقى في الشعب (٢٥٩٨) من طريق أبي معاوية به.\n(^٢) في ص: \"قال\".\n(^٣) أخرجه البيهقي في الشعب (٢٦٠١) من طريق فضيل بن عياض به.\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) تفسير الثورى ص ١٢٨.\n(^٦) أخرجه أبو عبيد في فضائله ص ٢٤، والبيهقى في الشعب (٢٦٠٢) من طريق عبد الرحمن بن مهدي به.","vol":"12","page":195},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ وقبيصةُ، قالا: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن هلال بن يسافٍ مثله.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصور، عن هلالٍ مثلَه.\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾: أما فضلُه فالإسلام، وأما رحمته فالقرآنُ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾. قال: فضلُه الإسلام، ورحمتُه القرآنُ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾. قال: القرآنُ.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾. قال: القرآنُ (^٣).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، [عن ابنِ جُرَيجٍ] (^٤)، قال: قال ابن عباسٍ: قولُه: ﴿هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. قال: الأموالُ وغيرها (^٥).\nحدَّثنا عليُّ بنُ داودَ، قال: ثني أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابنِ\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٥٩ معلقا.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٩٦ عن الحسن، بدون ذكر معمر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥٠٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٥٨ من طريق حجاج عن القاسم عن مجاهد، وعند ابن أبي حاتم: فضل الله: الدين.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"غيره\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٩ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"12","page":196},{"text":"عباسٍ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾. يقولُ: فضلُه الإسلامُ، ورحمتُه القرآنُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن هلالٍ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾. قال: بكتاب الله، وبالإسلام ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (^٢).\nوقال آخرون: بل الفضلُ القرآنُ، والرحمةُ الإسلامُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. قال: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾: القرآنُ، ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ (^٣) حينَ جَعَلَهُم مِن أهل القرآن (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هِشَامُ بنُ سعدٍ، عن زيد بن أسلم، قال: فضلُ اللَّهِ القرآنُ، ورحمتُه الإسلامُ (^٥).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاكِ قولَه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾. قال: ﴿بِفَضْلِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٥٩، والبيهقى في الشعب (٢٥٩٦) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٠/ ٥٠٢ عن جرير به.\n(^٣) بعده في ت ١، ت ٢، س، ف: \"الإسلام\".\n(^٤) أخرجه أبو عبيد في فضائله ص ٢٤ عن الحسين بن الحسن بن عطية به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥٠٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٥٩، والبيهقى في الشعب (٢٥٩٧) من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه البيهقي في الشعب (٢٥٩٩) من طريق جعفر بن عون به.","vol":"12","page":197},{"text":"اللَّهِ﴾: القرآنُ، ﴿وبرحمته﴾: الإسلامُ (^١).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿قل بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾. قال: كان أبي يقولُ: فضلُه القرآنُ، ورحمتُه الإسلامُ (^٢).\nواختَلَفَت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾.\nفقَرَأَ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصار: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ بالياء، ﴿هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ بالياء (^٣) أيضًا (^٤)، على التأويل الذى تأوَّلْناه مِن أنه خبرٌ عن أهل الشركِ بالله. يقولُ: فبالإسلام والقرآن الذى دَعاهم إليه، فلْيَفرَحْ هؤلاء المشركون، لا بالمال الذى يَجْمَعون، فإن الإسلام والقرآنَ خيرٌ مِن المال الذى يَجْمَعون.\nوكذلك حُدِّثت عن عبد الوهاب بن عطاءٍ، عن هارونَ، عن أبى التَّيَّاحِ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾: يعنى الكفار.\nورُوِيَ عن أُبَيِّ بن كعبٍ في ذلك ما حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أسلم المِنْقَرِيِّ، عن (^٥) عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أَبْزَى، عن أبيه، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، أنه كان يقرأُ: (فبذلك فلتَفْرَحوا هو خَيْرٌ مما تَجْمعون) بالتاء (^٦).\nحدثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن الأَجْلَحِ، عن\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور (١٠٦٥ - تفسير)، ومن طريقه البيهقي في الشعب (٢٦٠٠)، عن هشيم به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٥٩ من طريق أصبغ عن ابن زيد به.\n(^٣) في ت ٢: \"بالتاء\".\n(^٤) هي قراءة السبعة إلا ابن عامر فقرأ: (خير مما تجمعون)، ولم يذكر عنه في: ﴿فليفرحوا﴾ شيء.\n(^٥) بعده في م: \"عبد الله بن\".\n(^٦) أخرجه ابن سعد ٢/ ٣٤٠، وأحمد ٥/ ١٢٣ (الميمنية)، والبخارى في خلق أفعال العباد (٤٢٠)، وأبو داود (٣٩٨٠)، والبيهقى في الشعب (٢٥٩٤) وغيرهم من طرق عن الثورى به.","vol":"12","page":198},{"text":"عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أَبْزَى، عن أبيه، عن أُبَيِّ بن كعب مثل ذلك (^١).\nوكذلك كان الحسنُ البَصْرِيُّ يقولُ، غير أنه فيما ذُكِرَ عنه كان يقرأُ قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ بالياءِ، الأوَّلُ على وَجْهِ الخطابِ، والثاني على وَجْهِ الخبر عن غائبٍ.\nوكان أبو جعفر القارئُ -فيما ذُكِرَ عنه- يقرأُ ذلك نحوَ قراءة أُبَيٍّ، بالتاء جميعا (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القراءة في ذلك (^٣)، ما عليه قرأة الأمصار من قراءةِ الحرفَين جميعا بالياء: ﴿فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. لمعنيين؛ أحدهما: إجماعُ الحُجَّةِ مِن القرأة عليه.\nوالثاني: صحتُه في العربية؛ وذلك أن العرب لا تكادُ تأمُرُ المخاطب باللامِ والتاءِ، وإنما تأمره فتقول: افعل ولا تفعلْ.\nوبعدُ: فإني لا أعلم أحدًا من أهل العربية إلا وهو يَسْتَرْدِئُ أَمَرَ المخاطَب باللام، ويرى أنها لغةٌ مرغوبٌ عنها، غير الفَرَّاءِ (^٤)، فإنه كان يزعُمُ أَن \"اللامَ\" في [الأمر هى البناءُ] (^٥) الذى خُلِقَ له، واجَهتَ به أم لم تُوَاجِه. إلا أن العرب حَذَفَت (^٦) \"اللام\"\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في فضائله ص ٢١٥، وسعيد بن منصور في سننه (١٠٦٢ - تفسير)، وابن أبي شيبة ١٠/ ٥٦٤، ١٢/ ١٤١، وأحمد ٥/ ١٢٢ (الميمنية)، والبخارى في خلق أفعال العباد (٤٢١ - ٤٢٣)، وأبو داود (٣٩٨١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٥٩، وغيرهم من طريق الأجلح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٨ إلى ابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف وأبى الشيخ وابن مردويه. وينظر الطيالسي (٥٤٧).\n(^٢) قرأ: (فلتفرحوا) بالخطاب أبى ويعقوب في رواية رويس، وقرأ: (تجمعون) بالخطاب أبو جعفر وابن عامر ويعقوب في رواية رويس. ينظر النشر ٢/ ٢١٤، والإتحاف ص ١٥٢.\n(^٣) القراءتان المذكورتان متواترتان.\n(^٤) معاني القرآن للفراء ١/ ٤٦٩.\n(^٥) في ص: \"هى البناء\"، وفى م: \"ذى التاء\"، وفى ت ١، ت ٢، س: \"هي التاء\"، وفى ف: \"هي\". والمثبت من معاني القرآن ١/ ٤٦٩.\n(^٦) في ت ٢، س، ف: \"حدثت\".","vol":"12","page":199},{"text":"مِن فعلِ المأمورِ المُواجَهِ؛ لكثرة الأمرِ خاصةً (^١) في كلامِهم، كما حَذَفوا (^٢) \"التاءَ\" مِن الفعلِ. قال: وأنت تعلمُ أن الجازم والناصبَ لا يَقَعان إلا على الفعل الذى أوله \"الياءُ\" و\"التاءُ\" و\"النونُ\" و\"الألفُ\"، فلما حُذفت \"التاءُ\": ذَهَبَت \"اللامُ\"، وأُحْدِثَت \"الألفُ\" في قولِك: اضرِبْ، وافرَحْ. لأن \"الفاء\" (^٣) ساكنةٌ، فلم يَسْتَقِمْ أَن يُسْتأنف بحرف ساكنٍ، فأدخَلوا ألفًا خفيفةً يقعُ بها الابتداءُ، كما قال (^٤): ﴿ادَّارَكُوا﴾ [الأعراف: ٣٨] و﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ [التوبة: ٣٨].\nوهذا الذى اعْتَلَّ به الفراءُ عليه لا له؛ وذلك أن العرب إن كانت قد حَذَفَت \"اللامَ\": في المُواجَهِ وتَرَكَتْها، فليس لغيرها إذا نَطق بكلامها أن يُدْخِلَ فيه ما ليس منه، مادام مُتكلِّمًا بلغتها، فإن فعل ذلك كان خارجا عن لغتها. وكتاب (^٥) الله الذى أنزله على محمدٍ بلسانها، فليس لأحدٍ أن يَتْلُوَه إلا بالأفصحِ من كلامها، وإن كان معروفًا بعضُ ذلك من لغة بعضِها، فكيف بما ليس بمعروف من لغة حيٍّ ولا قبيلةٍ منها، وإنما هو دَعْوى لا ثَبَتَ (^٦) بها ولا صحةَ (^٧).\n\n<span id=\"aya-1423\"></span><span data-type='title' id=toc-4208>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"حاجته\".\n(^٢) في ت ٢، س، ف: \"حدثوا\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الألف\"، وفى معاني القرآن: \"الضاد\".\n(^٤) في النسخ: \"قالوا\". وينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٤٦٩.\n(^٥) في م: \"الكلام\".\n(^٦) في ص، ت ٢، س: \"تثبت\". والثبت: الحجة. التاج (ث ب ت).\n(^٧) في م: \"حجة\".","vol":"12","page":200},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء المشركين: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أَيُّها الناسُ، ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾. يقولُ: ما خَلَقَ اللهُ لكم من الرزق فخَوَّلَكُموه، وذلك ما تَتَغَذَّون به مِن الأطعمةِ، ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾. يقولُ: فحَلَّلْتُم بعض ذلك لأنفسِكم، وحَرَّمْتُم بعضَه عليها. وذلك كتَحْريمِهم ما كانوا يُحَرِّمُونه مِن حُرُوثِهم التي كانوا يَجْعَلونها لأوثانِهم، كما وَصَفَهم اللهُ به، فقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦]. ومِن الأنعامِ ما كانوا يُحَرِّمونه بالتَّبْحِيرِ والتَّسْييب، ونحوِ ذلك، مما قَدَّمناه فيما مَضَى مِن كتابِنا هذا (^١).\nيقولُ اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ بأن تُحَرِّموا ما حَرَّمْتم منه ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾، أي: تقولون الباطلَ وتَكْذِبون؟\nوبنحوِ الذى قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، [عن عليٍّ] (^٢)، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن أهلَ الجاهلية كانوا يُحَرَّمون أشياءَ أَحَلَّها اللهُ من الرزقِ (^٣) وغيرَها، وهو قولُ اللهِ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾. وهو هذا. فأنزَل اللهُ تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ (^٤) الآية [الأعراف: ٣٢].\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٩/ ٢٦ - ٣٠.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) فى م: \"الثياب\".\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ٤/ ٢١١.","vol":"12","page":201},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ إلى قولِه: ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾. قال: هم أهلُ الشركِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾. قال: الحرثُ والأنعامُ.\nقال ابنُ جُرَيجٍ: قال مجاهدٌ: البَحائرُ والسُّيَّبُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾. قال: في البَحِيرةِ والسَّائبةِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ الآية. يقولُ: كلُّ رزقٍ لم أُحَرِّمُ، حَرَّمْتُموه على أنفسِكم من نسائِكم وأموالِكم وأولادِكم، ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ فيما حَرَّمْتُم مِن ذلك، ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾. فَقَرَأَ حتى بَلَغَ ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾. وقَرَأَ: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩]. وقَرَأَ: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٦٠ عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٠٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٨١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٦١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٦٠، ١٩٦١ من طريق سعيد وخليد عن قتادة.","vol":"12","page":202},{"text":"وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ حتى بَلَغَ ﴿لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٣٨]. فقال: هذا قولُه، جَعَلَ لهم رزقًا، فجعلوا منه حرامًا وحلالًا، وحَرَّموا بعضَه (^١)، وأَحَلُّوا بعضَه. وقَرَأَ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]. أيَّ هذين حَرَّمَ على هؤلاء الذين يقولون وأحلَّ لهؤلاء؟ ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٣]. ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام: ١٤٤]. إلى آخرِ الآياتِ.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضّحّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾: هو الذى قال اللهُ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ إلى قولِه: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (^٢) [الأنعام: ١٣٦].\n\n<span id=\"aya-1424\"></span><span data-type='title' id=toc-4209>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما ظَنُّ هؤلاء الذين يَتَخَرَّصون على اللهِ الكذبَ، فيُضِيفون إليه تحريم ما لم يُحرمه عليهم من الأرزاقِ والأقواتِ التى جعَلها اللهُ (^٣) لهم غذاءً، أن الله فاعلٌ بهم يومَ القيامة بكذبِهم وفِرْيتِهم عليه؟ أيحسَبون أنه يَصْفَحُ عنهم ويغفرُ؟ كلا، بل يُصْلِيهم سعيرًا خالدين فيها أبدًا، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"بعضهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٦١ عن أبي معاذ به.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":203},{"text":"عَلَى النَّاسِ﴾. يقولُ: إن اللهَ لذو تَفَضُّلٍ على خلقِه، بَتَرْكِهِ مُعاجَلَةَ مَنِ افْتَرَى عليه الكذبَ بالعقوبةِ فى الدنيا، وإمْهالِه إيَّاه، إلى وُرُودِه عليه في القيامةِ. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: ولكن أكثرَ الناس لا يَشْكُرونه على تَفَضُّلِه عليهم بذلك، وبغيرِه مِن سائرِ نِعَمِه.\n\n<span id=\"aya-1425\"></span><span data-type='title' id=toc-4210>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَمَا تَكُونُ﴾ يا محمدُ ﴿فِي شَأْنٍ﴾. يعني: في عملٍ مِن الأعمالِ، ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾. يقولُ: وما تَقْرَأُ مِن كتابِ اللهِ مِن قرآنٍ، ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾. يقولُ: ولا تعمَلون (^١) أيُّها الناسُ من خيرٍ أو شرٍّ، ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾. يقولُ: إلا ونحن شهودٌ لأعمالِكم وشُئونِكم، إذ تَعْمَلونها وتأخُذُون فيها.\nوبنحوِ الذى قُلنا في ذلك رُوِيَ القولُ عن ابنِ عباسٍ وجماعةٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. يقولُ: إذ تَفْعَلون (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: إذ تُشِيعون فى القرآنِ الكذبَ.\n_________\n(^١) بعده في م: \"من عمل\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٦٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٠٩ إلى ابن المنذر.","vol":"12","page":204},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثتُ عن المسيَّبِ بن شَرِيكٍ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحّاكِ: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. يقول: تُشِيعون في القرآنِ مِن الكذبِ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: إذ تُفيضون في الحقِّ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. فى الحقِّ ما كان (^١).\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوإنما اخْتَرْنا القولَ الذى اختَرْناه فيه؛ لأنه تعالى ذكرُه أخبرَ أنه لا يعملُ عبادُه عملًا إلا كان شاهدَه، ثم وَصَلَ ذلك بقولِه: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. فكان معلومًا أن قولَه: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. إنما هو خبرٌ منه عن وقتِ عمل العامِلِين أنه له شاهدٌ، لا عن وقتِ تلاوةِ النبيِّ ﷺ القرآن؛ لأن ذلك لو كان خبرًا عن شهودِه تعالى ذكرُه وقتَ إفاضةِ القومِ فى القرآنِ، لكانت القراءةُ بالياءِ: (إذ يُفِيضون فيه) خبرًا منه عن المُكَذِّبِين (^٢) فيه.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٨١، ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٦٣.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"المتكذبين\".","vol":"12","page":205},{"text":"فإن قال قائلٌ: ليس ذلك خبرًا عن المُكذِّبِين (^١)، ولكنه (^٢) خطابٌ للنبيِّ ﷺ، أنه شاهدُه إذ تَلَا القرآنَ.\nفإن ذلك لو كان كذلك، لكان التنزيلُ: (إذ تُفِيضُ فيه)؛ لأن النبيَّ ﷺ واحدٌ لا جمعٌ (^٣)، كما قال: ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾. فأفرَده بالخطاب، ولكن ذلك في ابتدائِه خطابَه ﷺ بالإفرادِ، ثم عَوْدِه إلى إخراجِ الخطابِ على الجمعِ (^٤)، نظيرَ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]. وذلك أن في قولِه: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، دليلًا واضحًا على صَرْفِه الخطابَ إلى جماعةِ المسلمين مع النبيِّ ﷺ مع جماعةِ الناسِ غيرِه؛ لأنه ابتَدَأ خطابه، ثم صَرَفَ الخطابَ إلى جماعةِ الناسِ، والنبيُّ ﷺ فيهم.\nوخبرٌ عن أنه لا يعملُ أحدٌ من عبادِه عملًا إلا وهو له شاهدٌ، يُحْصِى عليه ويَعْلَمُه، كما قال: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ يا محمدُ، عملُ خلقِه، ولا يذهبُ عليه علمُ شيءٍ حيثُ كان مِن أرضٍ أو سماءٍ.\nوأصلُه مِن عُزُوبِ الرجل عن أهلِه فى ماشيتِه، وذلك غيبتُه عنهم فيها. يقالُ منه: عَزَبَ الرجلُ عن أهلِه يَعْزُبُ، ويَعْزبُ، لغتان فصيحتان، قَرَأَ بكلِّ واحدةٍ منهما جماعةٌ من القرأةِ، وبأيَّتِهما قَرَأَ القارئُ فمُصِيبٌ؛ لاتفاقِ مَعْنَيَيهما، واسْتِفاضتِهما فى منطقِ العربِ، غيرَ أنى أميلُ إلى الضَّمِّ فيه؛ لأنه أغلبُ على المشهورين مِن القرأةِ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"المتكذبين\".\n(^٢) فى م: \"لكن\".\n(^٣) في ص، ت ٢، س: \"جميع\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"الجميع\".\n(^٥) قرأ الكسائي بكسر الزاي، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة بضمها. التيسير ص ١٠٠.","vol":"12","page":206},{"text":"وقولُه: ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾. يعنى: مِن زِنَةِ نملةٍ صغيرةٍ؛ يُحْكَى عن العربِ: خُذْ هذا، فإنه أَخَفُّ مِثْقالًا مِن ذاك. أى أخفُّ وَزْنًا.\nوالذَّرَّةُ واحدةُ الذَّرِّ، والذَّرُّ صِغارُ النملِ. وذلك خبرٌ عن أنه لا يَخْفَى عليه ﷻ أصغرُ الأشياءِ وإن خَفَّ فى الوزنِ كلَّ الخِفِّةِ، ومقاديرُ ذلك ومبلغُه، ولا أكبرُها وإن عَظُمَ وثَقُلَ وزنُه، وكم مبلغُ ذلك. يقولُ تعالى ذكرُه لخلقِه: فليكنْ عملُكم، أيُّها الناسُ، فيما يُرْضِى ربَّكم عنكم، فإنَّا شهودٌ لأعمالِكم، لا يَخْفَى علينا شيءٌ منها، ونحن مُحْصُوها ومُجازُوكم بها.\nواختلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ﴾.\nفقرأ ذلك عامَّةُ القرأةِ بفتحِ \"الراءِ\" مِن ﴿أَصْغَرَ﴾ و﴿أَكْبَرَ﴾ على أن معناها الخفضُ، عطفًا بالأصغرِ على الذَّرَّةِ، وبالأكبرِ على الأصغرِ، ثم فُتِحَت راؤُهما؛ لأنهما لا يَجْرِيان (^١). وقَرَأَ ذلك بعضُ الكوفيِّين: (وَلا أَصْغَرُ مِن ذلك وَلَا أكْبَرُ) رفعًا (^٢)؛ عطفًا بذلك على معنى المِثْقالِ؛ لأن معناه الرفعُ، وذلك أن \"مِن\" لو أُلِغيت (^٣) من الكلامِ لرُفِعَ المِثْقَالُ، وكان الكلامُ حينَئذٍ: وما يَعْزُبُ عن ربِّك مثقالُ ذَرَّةٍ، ولا أصغرُ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ، ولا أكبرُ. وذلك نحوُ قولِه: (مِنْ خَالِقٍ غَيْرِ اللهِ) و﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣].\nوأوْلى القراءتَين في ذلك بالصوابِ (^٤) قراءةُ مَن قَرَأَ بالفتحِ، على وَجْهِ الخَفضِ والرَّدِّ على الذرَّةِ؛ لأن ذلك قراءةُ قرأةِ الأمصارِ، وعليه عوامُّ القرأةِ، وهو أصحُّ في\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم وابن عامر والكسائي. السبعة لابن مجاهدٍ ص ٣٢٨. والتيسير ص ١٠٠.\n(^٢) هي قراءة حمزة وحده. السبعة لابن مجاهدٍ ص ٣٢٨، والتيسير ص ١٠٠.\n(^٣) في م: \"ألقيت\".\n(^٤) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"12","page":207},{"text":"العربية مَخْرَجًا، وإن كان للأخرى وَجْهٌ معروفٌ.\nوقولُه: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. يقولُ: وما ذاك كلُّه إلا في كتابٍ عندَ اللهِ، ﴿مُبِينٍ﴾، عن حقيقةِ خبر اللهِ لَمَن نَظَرَ فيه، أنه لا شيءَ كان أو يكونُ إلا وقد أحْصَاه اللهُ جلّ ثناؤُه فيه، وأنه لا يَعْزُبُ عن اللهِ علمُ شيءٍ مِن خلقِه حيث كان مِن سمائِه وأرضِه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾. يقولُ: لا يَغِيبُ عنه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمارةَ، قال: ثنا عبيد (^٢) اللهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبى يحيى، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾. قال: ما يَغِيبُ عنه (^٣).\n\n<span id=\"aya-1426\"></span><span data-type='title' id=toc-4211>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ألا إن أنصارَ اللهِ لا خوفٌ عليهم في الآخرةِ مِن عقابِ اللهِ؛ لأن اللهَ رَضِيَ عنهم، فَآمَنَهم مِن عقابِه، ولا هم يَحْزَنون على ما فاتَهم مِن الدنيا.\nوالأولياءُ: جمعُ وَليٍّ، وهو النصيرُ. وقد بَيَّنَّا ذلك بشواهدِه (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٠٩ إلى ابن المنذر وعبد بن حميد والفريابي.\n(^٢) في النسخ: \"عبد\" وقد تقدم مرارًا.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س. والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٦٣ من طريق عبيد الله ابن موسي به.\n(^٤) تقدم في ٢/ ٤٠٨.","vol":"12","page":208},{"text":"واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فيمَن يَسْتَحِقُّ هذا الاسمَ؛ فقال بعضُهم: هم قومٌ يُذْكَرُ اللهُ لرؤيتِهم؛ لما عليهم مِن سِيما الخيرِ والإخْبات.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ يَمانٍ، قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. قال: الذين يُذْكَرُ اللهُ لرُؤْيتِهم (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ وأبو هشامٍ، قالا: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن أَشْعَثَ بنِ إِسحاقَ، عن جعفرِ بن أبى المُغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن العلاءِ بنِ المُسَيَّبِ، عن أبي الضُّحَى مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن العلاءِ بنِ المُسَيَّبِ، عن أبيه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. قال: الذين يُذْكَرُ اللهُ لرُؤْيتِهم.\nقال: ثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ وعُبَيدُ اللهِ، عن سفيانَ، عن العلاءِ بنِ المُسَيَّبِ، عن أبي الضُّحَى، قال: سمعتُه يقولُ فى هذه الآيةِ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. قال: من الناسِ مفاتيحُ، إذا رُءُوا ذُكِر اللهُ لرُؤْيتِهم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٦٤ من طريق ابن يمان، بدون ذكر: سعيد بن جبير، وأخرجه الطبراني (١٢٣٢٥) ومن طريقه أبو نعيم في أخبار أصبهان ١/ ٢٣٠، ٢٣١ من طريق يحيى بن يمان عن أشعث عن جعفر عن سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٠٩ إلى أبى الشيخ وابن مردويه والضياء.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٢٨ عن ابن يمان به.\n(^٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١٣/ ٥٢١ عن ابن مهدى به.","vol":"12","page":209},{"text":"قال: ثنا أبي، عن مِسْعَرٍ، عن سهلٍ أبي (^١) الأسدِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن أولياءِ اللهِ، فقال: \"الذين إذا رُءُوا ذُكِرَ اللهُ\" (^٢).\nقال (^٣): ثنا زيدُ بنُ حُبَابٍ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن أبى وائلٍ، عن عبدِ اللهِ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. قال: الذين إذا رُءُوا ذُكِر اللهُ لرُؤْيتِهم (^٤).\nقال: ثنا [أبو يزيدَ] (^٥) الرازيُّ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيَرٍ، [عن النبيِّ ﷺ قال: \"هم الذين إذا رُءُوا ذُكِرَ اللهُ\" (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا فُرَاتٌ، عن أبي سعدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ] (^٧)، قال: سُئِلَ النبيُّ ﷺ عن أولياءِ اللهِ، قال: \"هُمُ الذين إذا رُءُوا ذُكِرَ اللهُ\" (^٨).\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا العَوَّامُ، عن عبدِ اللهِ بنِ أَبي\n_________\n(^١) فى م: \"ابن\". وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٤٦٣.\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢١٧) وابن أبي الدنيا في الأولياء (٢٧) من طريق مسعر به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٣٠٩ إلى أبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) أخرجه ابن أبى الدنيا في الأولياء (٢٦) من طريق زيد بن الحباب به، وأخرجه الطبراني (١٠٤٧٦) من طريق زيد بن الحباب به مرفوعا. وينظر السلسلة الضعيفة (٢٤٠٩).\n(^٥) في ت ٢: \"أبو زيد\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في الأولياء (١٥) من طريق يعقوب به، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٢٣٥)، وابن المبارك في الزهد (٢١٨)، والبزار (٣٦٢٦ - كشف، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٦٤، من طريق يعقوب به بزيادة ابن عباس مرفوعًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٠٩ إلى الحكيم الترمذي وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس.\n(^٧) سقط من: ت ١، ت ٢، س. وغير واضح في: ف.\n(^٨) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٦، ٧/ ٢٣١ من طريق آخر عن سعيد به.","vol":"12","page":210},{"text":"الهُذَيلِ فى قولِه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآية. قال: إن وليَّ اللهِ إذا رُئِيَ ذُكِر اللهُ.\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ (^١) فُضَيلٍ، قال: ثنا أبي، عن عمارةَ بنِ القَعْقاعِ الضَّبِّيِّ، عن أبي زُرْعةَ بنِ (^٢) عمرِو بنِ جريرٍ (^٣) البَجَلِيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إِنَّ مِن عِبادِ اللهِ عبادًا يَغْبِطُهم الأنبياءُ والشهداءُ\". قيل: مَن هم يا رسولَ اللهِ، فلعلنا نحبُّهم؟ قال: \"هم قومٌ تَحابُّوا في اللهِ مِن غيرِ أموالٍ ولا أنسابٍ (^٤)، وجوهُهم (^٥) نورٌ، على منابرَ مِن نورٍ، لا يَخافُون إذا خافَ الناسُ، ولا يَحْزَنون إذا حَزِنَ الناسُ\". وقرَأ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عمارةَ، عن أبي زُرْعَةَ، عن عمرَ بنِ الخطابِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إِنَّ مِن عِبادِ اللهِ لأُناسًا، ما هم بأنبياءَ ولا شهداءَ، يَغْبِطُهم الأنبياءُ والشهداءُ يومَ القيامةِ بمكانِهم مِن اللهِ\". قالوا: يا رسولَ اللهِ، أخبرْنا مَن هم، وما أعمالُهم، فإنَّا نحبُّهم لذلك؟ قال: \"هم قومٌ تَحابُّوا في\n_________\n(^١) في النسخ: \"أبو\". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٢٩٣.\n(^٢) في النسخ: \"عن\". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ٣٢٣.\n(^٣) في م: \"حمزة\".\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أسباب\".\n(^٥) بعده في م: \"من\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في الإخوان (٥)، والبيهقى فى شعب الإيمان (٨٩٩٧) من طريق ابن فضيل به، وأخرجه النسائى فى الكبرى (١١٢٣٦) من طريق محمد بن فضيل عن أبيه وعمارة عن أبي زرعة به، وأخرجه أبو يعلى (٦١١٠) -وعنه ابن حبان (٥٧٣) - من طريق ابن فضيل عن عمارة عن أبي زرعة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣١٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"12","page":211},{"text":"اللهِ، [بروحِ اللهِ] (^١)، على غيرِ أرحامٍ بينَهم، ولا أموالٍ يَتَعاطَونها، فواللهِ إن وجوهَهم لنورٌ، وإنهم لعلى نورٍ، لا يَخافون إذا خافَ الناسُ، ولا يَحْزنون إذا حَزِنَ الناسُ\". وقَرَأ هذه الآية: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ (^٢).\nحدَّثنا [بحرُ بنُ نصرٍ] (^٣) الخَوْلانيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ حسانَ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَهْرامَ، قال: ثنا شَهْرُ بنُ حوشبٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"يأتى مِن أفْناءِ الناسِ ونَوازعِ القبائلِ، قومٌ لم تَصِلْ (^٤) بينَهم أرحامٌ متقارِبةٌ تَحابُّوا فى اللهِ، وتَصَافَوا فِى اللهِ، يَضَعُ اللهُ لهم يومَ القيامةِ منابرَ مِن نورٍ، فيُجْلِسُهم عليها، يَفْزَعُ الناسُ فلا يَفْزَعون، وهم أولياءُ اللهِ الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنون\" (^٥).\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ: الوليُّ -أعنى وليَّ اللهِ- هو مَن كان\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، س.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٥٢٧)، وابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٦٣، والبيهقي في الشعب (٨٩٩٨) من طريق جرير به، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٥ من طريق عمارة به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٣١٠ إلى هناد وابن مردويه.\n(^٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الحسن بن\"، وفى م: \"الحسن بن نصر\". والمثبت هو الصواب، وينظر تهذيب الكمال ٤/ ١٦.\n(^٤) في ت ١، م: \"يتصل\".\n(^٥) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٧١٤)، وأحمد ٥/ ٣٤٣ (الميمنية)، وابن أبي الدنيا في الإخوان (٦)، وابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٦٣ من طريق عبد الحميد بن بهرام به. وأخرجه أحمد ٥/ ٣٤١ من طريق شهر به. وأخرجه معمر في جامعه (٢٠٣٢٤)، وأحمد ٥/ ٣٤٢ (الميمنية)، وأبو يعلى (٦٨٤٢)، والطبراني في الكبير (٣٤٣٣، ٣٤٣٥)، والبغوي في تفسيره ٤/ ١٣٩، وشرح السنة ١٣/ ٥٠، والبيهقى فى الشعب (٩٠٠١) - من طريق شهر عن أبي مالك بدون ذكر عبد الرحمن بن غنم.","vol":"12","page":212},{"text":"بالصفةِ التى وَصَفَه اللهُ بها، وهو الذى آمَن واتَّقَى، كما قال اللهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك كان ابنُ زيدٍ يقولُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ مَن هم يا ربِّ؟ قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. قال: أبَى أن يتقبَّلَ الإيمانَ إلا بالتقوى (^١).\n\n<span id=\"aya-1427\"></span><span data-type='title' id=toc-4212>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: الذين صَدَّقوا اللهَ ورسولَه، وما جاء به من عندِ اللهِ، وكانوا يَتَّقُون اللهَ (^٢) بأداءِ فرائضِه، واجْتنابِ معاصيه.\nوقولُه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: مِن نعتِ الأولياءِ. ومعنى الكلامِ: ألا إن أولياءَ الله الذين آمنوا وكانوا يَتَّقُون، لا خوفٌ عليهم ولا هم يَحْزنون.\nفإن قال قائلٌ: فإذ كان معنى الكلامِ ما ذكرتَ عندَك، أفي موضعِ رفعٍ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أم في موضعِ نصبٍ؟\nقيل: في موضعِ رفعٍ، وإنما كان كذلك وإن كان مِن نعتِ الأولياءِ؛ لمَجيئِه بعدَ خبرِ الأولياءِ، والعربُ كذلك تفعلُ، خاصةً فى \"إن\" إذا جاء نعتُ الاسمِ الذى عَمِلَت فيه بعدَ تمامِ خبرِه، رَفَعوه فقالوا: إن أخاك قائمٌ الظريفُ (^٣). كما قال اللهُ: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سبأ: ٤٨]، وكما قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٦٥ من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد به.\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، س: \"الطريق\".","vol":"12","page":213},{"text":"تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤].\nوقد اختَلَف أهلُ العربيةِ فى العلَّةِ التي مِن أجلِها قيل ذلك كذلك، مع أن إجماعَ جميعِهم على أن ما قُلنا هو الصحيحُ مِن كلامِ العربِ، وليس هذا مِن مواضعِ الإبانةِ عن العِلَلِ التى من أجلِها قيل ذلك كذلك.\n\n<span id=\"aya-1428\"></span><span data-type='title' id=toc-4213>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: البُشْرَى مِن اللهِ فى الحياةِ الدنيا وفي الآخرةِ، لأولياءِ اللهِ الذين آمَنوا وكانوا يَتَّقُون.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ في البُشْرَى التي بَشَّرِ اللهُ بها هؤلاء القومَ، ما هي؟ وما صفتُها؟\nفقال بعضُهم: هى الرؤيةُ الصالحةُ يَراها الرجلُ المسلمُ أو تُرَى له، وفي الآخرةِ الجنةُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن ذكوانَ، عن شيخٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن هذه الآيةِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال النبيُّ ﷺ: \"الرُّؤيا الصالحةُ يَرَاها المؤمنُ أو تُرَى له\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٤٤٥ من طريق سفيان عن الأعمش به، والطيالسي (١٠٦٩)، وأحمد ٦/ ٤٤٦، ٤٤٧ (الميمنية)، من طريق شعبة به. وأخرجه الطحاوى فى المشكل (٢١٨٠)، والبيهقى فى الشعب (٤٧٥١) =","vol":"12","page":214},{"text":"حدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرنى أبى، قال: أخبَرنا الأوزاعيُّ، قال: أخبَرنى يحيى بنُ أبى كثيرٍ، قال: ثنى أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: سأل عبادةُ ابنُ الصامتِ رسولَ اللهِ ﷺ عن هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لقد سأَلْتَني عن شيءٍ ما سَألَنِي عنه أحدٌ قبلَك\" -أو قال: غيرُك- قال: \"هى الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها الرجلُ الصالحُ، أو تُرَى له\" (^١).\nحدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، عمَّن ذَكَره، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عُبادة بن الصامتِ، قال: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن قولِ اللهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"هي الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها المسلمُ أو تُرَى له\" (^١).\nحدَّثنا أبو قِلابةَ، قال: ثنا مسلمٌ، قال: ثنا أبانٌ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن عُبادةَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (^٢).\n_________\n= من طريق الأعمش به. جميعهم بزيادة عطاء بعد ذكوان. وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٣١١ إلى الحكيم الترمذى فى نوادر الأصول وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^١) أخرجه الطيالسي (٥٨٤) -ومن طريقه الترمذى (٢٢٧٥)، والبيهقى فى الشعب (٤٧٥٣) - عن حرب بن شداد (وزاد الترمذي: وعمران القطان) عن يحيى به. وأخرجه أحمد ٥/ ٣٢١ (الميمنية)، وابن قانع في معجم الصحابة (٦٨٩)، والحاكم ٤/ ٣٩١ من طرق عن يحيى به.\n(^٢) أخرجه الدارمي ٢/ ١٢٣ عن مسلم به، وأخرجه أحمد ٥/ ٣١٥ (الميمنية) من طريق أبان به.","vol":"12","page":215},{"text":"حدَّثنا ابن المُثَنَّى وعثمانُ (^١) بن عمر، قالا: ثنا عليٌّ، عن (^٢) يحيى، عن أبي سَلَمةَ، قال: نُبِّئْتُ أن عُبادةَ بنَ الصامتِ سَأَل رسولَ اللهِ ﷺ عن هذه الآية: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فقال: \"سألْتَنِي عن شيءٍ ما سألَنِي عنه أحدٌ قَبْلَك، هى الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها الرجلُ أو تُرَى له\" (^٣).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعْمشِ، عن أبي صالحٍ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن رجلٍ مِن أهلِ مصرَ، عن أبي الدرداءِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال: سأل رجلٌ أبا الدرداءِ عن هذه الآيةِ، فقال: لقد سألتَني عن شيءٍ ما سَمِعتُ أحدًا سألَ عنه بعدَ رجلٍ سأل عنه رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: \"هي الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها الرجلُ المسلمُ أو تُرَى له، بُشْرَاه في الحياةِ الدنيا، وبُشْرَاه فى الآخرةِ الجنةُ\" (^٤).\nحدَّثني سعيدُ بن عمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، عن ابن المُنْكَدرِ (^٥)، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن رجلٍ مِن أهلِ مصرَ، قال: سألتُ أبا الدرداءِ عن هذه الآية: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فقال: ما سألنى عنها أحدٌ منذُ سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ غيرُك، إلا رجلًا واحدًا؛ سألتُ عنها رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: \"ما سألَنِى عنها أحدٌ منذُ أنزَلَها اللهُ غيرُك إلا رجلًا واحدًا، هي الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها المسلمُ، أو تُرى له\" (^٦).\n_________\n(^١) في النسخ: \"أبو عثمان\". والمثبت هو الصواب، وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٤٦١.\n(^٢) في النسخ: \"بن\". وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ١١١.\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٣١٥ (الميمنية)، وابن ماجه (٣٨٩٨)، والحاكم ٢/ ٣٤٠ من طريق على به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٦٧ - تفسير)، وأحمد ٦/ ٤٤٧، ٤٥٢ (الميمنية)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٦٥ من طريق أبي معاوية به.\n(^٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س: \"المنذر\".\n(^٦) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٦٦ - تفسير)، وأحمد ٦/ ٤٤٧ (الميمنية)، والترمذي =","vol":"12","page":216},{"text":"حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ المُنْكَدِرِ (^١)، سَمِعَ عطاءَ ابن يسارٍ يخبرُ عن رجلٍ من أهلِ مصرَ أنه سأل أبا الدرداءِ عن: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. ثم ذَكَر نحوَ حديثِ سعيدِ بنِ عمرٍو السَّكُونيِّ، عن عثمانَ بنِ سعيدٍ.\nحدَّثنى أبو (^٢) حُمَيدٍ الحِمْصِيُّ (^٣) أحمدُ بنُ المغيرةِ، قال: ثني يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عمرِو بنِ عبدٍ الأخمُوشيُّ، عن حُمَيدِ بنِ عبدِ اللهِ المُزَنيِّ، قال: أتى رجلٌ عُبادةَ بنَ الصامتِ، فقال: آيةٌ في كتابِ اللهِ أسألُك عنها، قولُ اللهِ تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾؟ فقال عُبادةُ: ما سألَنِي عنها أحدٌ قبلَك، سألتُ عنها رسولَ اللهِ ﷺ، فقال مثلَ ذلك: \"ما سألني عنها أحدٌ قبلَك، الرُّؤْيا الصالحةُ، يَرَاها العبدُ المؤمنُ في المنامِ أو تُرَى له\" (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن ابنِ سيرينَ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"الرُّؤْيا الحسنةُ، هى البُشْرَى يَرَاها المسلمُ أو تُرَى له\" (^٥).\nقال: ثنا أبو بكرٍ، عن أبي حُصَينٍ، عن أبي صالحٍ، قال: قال أبو هريرةَ: الرُّؤْيا\n_________\n= (٢٢٧٣، ٣١٠٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٦٥ من طريق سفيان به.\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، س: \"المنذر\".\n(^٢) فى ت ١، ت ٢، س، ف: \"ابن\"، وينظر تهذيب الكمال ١/ ٤٧٢.\n(^٣) ت ١: \"الحميصي بن\".\n(^٤) أخرجه ابن مردويه -كما في تخريج الكشاف ٢/ ١٣٣ - من طريق عمر بن عمرو به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣١٣ إلى الحكيم الترمذى.\n(^٥) ذكره ابن كثير ٤/ ٢١٦ عن المصنف.","vol":"12","page":217},{"text":"الحسنةُ بُشْرَى مِن اللهِ، وهى المُبَشِّراتُ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ حاتمٍ المُؤدِّبُ، قال: ثنا عمارُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ: \" ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها العبدُ الصالحُ أو تُرَى له، وهي في الآخرةِ الجنةُ\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا رِشْدينُ بنُ سعدٍ، عن عمرِو بنِ الحارثِ، عن أبى السمحِ (^٣)، عن عبدِ الرحمنِ بنِ جُبَيرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ، عن النبيِّ ﷺ، أنه قال: \" ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: الرُّؤْيا الصالحة، يُبَشِّرُ بها العبد، جُزْءٌ من تسعةٍ وأربعين جزءًا من النبوة\" (^٤)\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عبيدةَ، عن أيوبَ بنِ خالدِ بن صَفْوانَ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ، أنه قال لرسولِ اللهِ ﷺ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾: فقد عَرَفْنَا بُشْرى الآخرةِ، فما بُشْرَى الدنيا؟ قال: \"الرُّؤْيا الصالحةُ يرَاها العبدُ، أو تُرَى له، وهى جزءٌ مِن أربعةٍ وأربعين جزءًا، أو سبعين جُزْءًا من النبوَّةِ\" (^٥).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرٍو، قال: ثنا يحيى بنُ أبى كثيرٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ، أنه سأل رسولَ الله ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٤ والنسائى فى الكبرى (١٠٧٤٤) من طريق أبي بكر به.\n(^٢) ذكره ابن كثير ٤/ ٢١٦ عن المصنف به. وأخرجه ابن مردويه -كما في تخريج الزيلعي ٣/ ١٣٥ من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٣١١ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"الشيخ\". وينظر تهذيب الكمال ٨/ ٤٧٧، وما سيأتي في ص ٢٢٣.\n(^٤) أخرجه أحمد ١١/ ٦٢١ (٧٠٤٤) من طريق دراج به.\n(^٥) ذكره ابن كثير ٤/ ٢١٥ عن المصنف.","vol":"12","page":218},{"text":"عن هذه الآيةِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. فقال: \"لقد سألْتَنِي عن شيءٍ ما سألَنِي عنه أحدٌ من أمَّتى قبلَك؛ هى الرُّؤيا الصالحةُ يَراها المسلمُ أو تُرَى له، وفى الآخرةِ الجنةُ\" (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حمادٍ الدُّولابيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أَبي يزيدَ، عن أبيه، عن سِباعِ بنِ (^٢) ثابتٍ، عن أمِّ كُرْزٍ الكعبيةِ، سَمِعَت رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"ذهَبت النبوةُ وبَقيَت المُبَشِّراتُ\" (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ عُيَينةَ، عن الأعْمشِ، عن ذَكْوانَ، عن رجلٍ، عن أبي الدرداءِ، عن النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: \"الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها (^٤) المسلمُ أو تُرَى له، وفي الآخرة الجنةُ\" (^٥).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الأعْمشِ، عن أبي صالحٍ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن رجلٍ كان بمصرَ، قال: سألتُ أبا الدرداءِ عن هذه الآيةِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فقال أبو الدرداء: ما سَأَلنى عنها أحدٌ منذُ سألتُ عنها رسولَ اللهِ ﷺ، فقال النبيُّ ﷺ: \"ما سألَنِي عنها أحدٌ قبلَك، هي الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها المسلمُ أو تُرَى له، وفى الآخرةِ الجنةُ\" (^٦).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص ٢١٥.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أبى\". وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ١٩٩.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣٨٩٦) من طريق سفيان به.\n(^٤) بعده فى ف: \"المؤمن\".\n(^٥) أخرجه أحمد ٦/ ٤٤٥ (الميمنية) عن عبد الرزاق به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥١، وفي مسنده (٢٦)، وابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٦٦ من طريق وكيع به.","vol":"12","page":219},{"text":"قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، عن عاصمٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: \"سألتُ النبيَّ ﷺ عن قولِه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال: \"ما سألَنِي عنها أحدٌ غيرُك؛ هى الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها المسلمُ أو تُرَى له\" (^١).\nقال: ثنا جريرٌ، عن الأعْمشِ، عن أبي صالحٍ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي الدرداءِ في قولِه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال: سألتُ عنها رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: \"ما سألني عنها أحدٌ قبلَك؛ هي الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها العبدُ أو تُرَى له، وفي الآخرةِ الجنةُ\".\nقال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيعٍ، عن أبى صالحٍ -قال ابنُ عُيَينةَ: ثم سمِعتُه مِن عبدِ العزيزِ، عن أبي صالحٍ السَّمَّانِ- عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن رجلٍ مِن أهلِ مصرَ، قال: سألتُ أبا الدرداءِ عن هذه الآيةِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: ما سَأَلنى عنها أحدٌ منذ سألتُ عنها رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: \"ما سألَنى عنها أحدٌ منذ أُنزِلَت عليَّ إلا رجلٌ واحدٌ؛ هي الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها الرجلُ أو تُرَى له\" (^٢).\nقال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ (^٣) بكرٍ السهميُّ، عن حاتمِ بن أبي صَغِيرةَ، عن عمرِو بنِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٢ عن أبي بكر بن عياش به.\n(^٢) أخرجه الحميدى (٣٩١)، وأحمد ٦/ ٤٤٧ (الميمنية)، والترمذى (٣١٠٦)، والفسوي في المعرفة والتاريخ ٢/ ٦٩٩ والحاكم ٤/ ٣٩١، والبيهقى فى الشعب (٤٧٥٢) من طريق ابن عيينة به.\n(^٣) سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٣٤٠.","vol":"12","page":220},{"text":"دينارٍ، أنه سألَ رجلًا من أهلِ مصرَ فَقِيهًا، قدِم عليهم في بعض تلك المواسم، قال: قلتُ: أَلَا تُخْبِرُني عن قول الله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؟ قال: سألتُ عنها أبا الدرداءِ، فأخبرَني أنه سألَ عنها رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: \"هي الرُّؤْيا الحسنةُ يَرَاها العبدُ أو تُرَى له\".\nقال: ثنا أبي، عن عليِّ بنِ مباركٍ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عُبادةَ بنِ الصامتِ، قال: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن قولِ اللهِ تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: \"هى الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها العبدُ أو تُرَى له\" (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ وأبو الوليدِ الطيالسيُّ، قالا: ثنا أبانٌ، قال: ثنا يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، عن عُبادةَ بنِ الصامتِ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، قال اللهُ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فقال: \"لقد سألتَني عن شيءٍ ما سألَنِى عنه أحدٌ قبلك، أو أحدٌ مِن أمَّتِى\". قال: \"هي الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها الرجلُ الصالحُ أو تُرَى له\" (^٢).\nقال: ثنا الحجَّاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن عاصمِ بنِ بَهْدلةَ، عن أبي صالحٍ، قال: سمِعتُ أبا الدرداءِ، وسئل عن: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: ما سَألَنى عنها أحدٌ قبلَك منذُ سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عنها، فقال: \"ما سألَنِي عنها أحدٌ قبلَك؛ هي الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها العبدُ أو تُرَى له\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٣١٥ (الميمنية)، وابن ماجه (٣٨٩٨) من طريق وكيع به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٣٤٠ من طريق على بن المبارك به. وتقدم ص ٢١٦.\n(^٢) تقدم تخريجه ص ٢١٥.\n(^٣) أخرجه الترمذى (٣١٠٦) من طريق حماد بن زيد به.","vol":"12","page":221},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عُبَيدِ اللهِ ابنِ أبي يزيدَ، عن نافعٍ بنِ جُبَيرٍ، عن رجلٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ، في قولَه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: \"وهى الرُّؤْيا الحسنةُ يراها الإنسانُ أو تُرَى له\".\nوقال ابنُ جُرَيجٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن أبي الدرداءِ، أو ابنُ جُرَيجٍ، عن محمدِ بنِ المُنْكَدِر، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: سألتُ النبيَّ ﷺ عنها، فقال: \"هي الرُّؤْيا الصالحةُ\".\nوقال ابنُ جُرَيجٍ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، قال: هي الرُّؤْيا يَرَاها الرجلُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن يحيى ابنِ أبي كثيرٍ، قال: هى الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها المسلم أو تُرَى له (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدةُ، عن هشام بنِ عُرُوةَ، عن أبيه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: هى الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها العبدُ الصالحُ (^٢).\nقال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ، قال: هي الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها المسلمُ أو تُرَى له (^٣).\nقال: ثنا عبدةُ بنُ سليمانَ، عن طلحةَ القَنَّادِ، عن جعفرِ بن أبي المُغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: هى الرُّؤْيا الحسنةُ يَرَاها العبدُ المسلمُ لنفسِه أو لبعضِ إخوانِه (^٤).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٩٦ عن معمر به، مرفوعا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٤ عن عبدة به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٤ عن ابن فضيل به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٤ من طريق طلحة القناد به.","vol":"12","page":222},{"text":"قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: كانوا يقولون: الرُّؤْيا مِن المُبَشِّراتِ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، أن رجلًا سأل النبيَّ ﷺ عنها، فقال: \"ما سألني عنها أحدٌ مِن أمتى منذ أُنْزِلت عليَّ قبلَك\". قال: \"هى الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها الرجلُ لنفسِه أو تُرَى له\".\nقال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هُشَيمٌ، عن العوَّامِ، عن إبراهيمَ التيميِّ، أن ابنَ مسعودٍ قال: ذهَبَت النبوةُ، وبَقِيَت المُبَشِّراتُ. قيل: وما المُبَشِّراتُ؟ قال: الرُّؤْيا الصالحةُ يراها الرجلُ أو تُرى له (^١).\nقال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فهو قولُه لنبيِّه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ [الأحزاب: ٤٧]. قال: هى الرُّؤْيا الحسنةُ يَرَاها المؤمنُ أو تُرَى له (^٢).\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابن لَهِيعةَ، عن خالدِ بنِ يزيدَ، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: هى رُؤْيا الرجلِ المسلم يُبَشِّرُ بها في حياتِه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ الحارثِ، أن دَرَّاجًا أبا السَّمْحِ حدَّثه، عن عبدِ الرحمنِ بن جُبَيرٍ، عن عبد اللهِ بنِ عمرٍو، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: الرُّؤْيا الصالحة يُبَشِّرُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن مردويه -كما في تخريج الكشاف ٢/ ١٣٤ - من طريق آخر عن ابن مسعود مرفوعا.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٣ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"12","page":223},{"text":"بها المؤمنُ، جزءٌ (^١) مِن ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوةِ\" (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا أنسُ بنُ عِياضٍ، عن هشامٍ، عن أبيه في هذه الآيةِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال: هى الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها الرجلُ أو تُرَى له.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا أبو المُغيرةِ، قال: ثنا صفْوانُ، قال: ثنا حُمَيدُ ابنُ عبدِ اللهِ، أَن رجلًا سأَلَ عُبادةَ بنَ الصامتِ عن قولِ اللهِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فقال عبادةُ: لقد سألتَني عن أمرٍ، ما سألَني عنه أحدٌ قبلَك، ولقد سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عما سألتَني، فقال لي: \"يا عُبادةُ، لقد سألتَنِي عن أمرٍ ما سألنِي عنه أحدٌ مِن أمتى، تلك الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها المؤمنُ لنفسِه أو تُرَى له\" (^٣).\nوقال آخرون: هى بشارةٌ يُبَشِّرُ بها المؤمنُ في الدنيا عندَ الموتِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنث عبد الأعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عَن الزُّهْرِيِّ وقتادةَ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: هي البِشارةُ عندَ الموتِ في الحياةِ الدنيا (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٤٧٦٤) من طريق ابن وهب به، وينظر ما تقدم في ص ٢١٨.\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٣٢٥ (الميمنية) عن أبي المغيرة به، وأخرجه ابن مردويه -كما في تخريج الكشاف ٢/ ١٣٣ - من طريق صفوان به. وينظر إطراف المسند ٢/ ٦٤٧.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٦٦ من طريق محمد بن ثور به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٩٦ عن معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٣ إلى ابن المنذر.","vol":"12","page":224},{"text":"حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يَعْلَى، عن أبى بسطامٍ، عن الضحاكِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: يعلمُ أين هو قبلُ [أن يموت] (^١) (^٢).\nوأَوْلى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه أخبرَ أن لأوليائِه المتقين، البُشْرَى فى الحياةِ الدنيا، ومن البشارةِ فى الحياةِ الدنيا الرُّؤْيا الصالحةُ يَرَاها المسلمُ، أو تُرَى له. ومنها بُشْرَى الملائكةِ إياه عندَ خروجِ نفْسِه برحمةِ اللهِ، كما رُوي عن النبيِّ ﷺ: \"إن الملائكةِ التي تَحْضُرُه عندَ خُرُوج نفْسِه، تقولُ لنفْسِه: اخْرُجِي إلى رحمةِ اللهِ ورضوانِه\" (^٣).\nوَمنها: بُشْرَى اللهِ إياه ما وَعَدَه فى كتابِه، وعلى لسانِ رسولِه ﷺ مِن الثوابِ الجزيلِ، كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥]. وكلُّ هذه المعاني من بُشْرى اللهِ إياه في الحياةِ الدنيا، بَشَّرَه بها. ولم يخصصِ اللهُ من ذلك معنًى دونَ معنًى، فذلك مما عَمَّه جلّ ثناؤُه أن ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وأمَّا في الآخرةِ فالجنةُ.\nوأما قولُه: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ فإن معناه: إن اللهَ لا خُلْفَ لوعدِه، ولا تغييرَ لقوله عما قال، ولكنه يُمْضِى لخلقِه مواعيدَه، ويُنْجِزُها لهم.\n_________\n(^١) فى م، ت ١: \"الموت\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٦٥ من طريق يعلى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣١٣ إلى ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن المنذر وأبى الشيخ وابن منده في كتاب سؤال القبر.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٠/ ١٨٦.","vol":"12","page":225},{"text":"وقد حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، قال: أطالَ الحجاجُ الخطبةَ، فوَضَع ابنُ عمرَ رأسَه فى حِجْرى، فقال الحجاجُ: إن ابنَ الزبيرِ بَدَّلَ كتابَ اللهِ. فَقَعَد ابنُ عمرَ فقال: لا تستطيعُ أنت ذاك ولا ابنُ الزبيرِ، ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾. فقال الحجاجُ: لقد أوتيتَ علمًا إن نفَعك (^١). قال أيوبُ: فلما أقبَل عليه في خاصةِ نفسِه سَكَتَ (^٢).\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذه البشرى في الحياةِ الدنيا وفي الآخرةِ هى الفوزُ العظيمُ، يعنى: الظَّفَرَ بالحاجةِ والطَّلِبَةِ والنجاةِ من النار.\n\n<span id=\"aya-1429\"></span><span data-type='title' id=toc-4214>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: لا يَحْزُنْك يا محمدُ قولُ هؤلاء المشركين فى ربِّهم ما يقولون، وإشراكُهم معه الأوثانَ والأصنامَ؛ فـ ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن اللهَ هو المُنفرِدُ بعزّةِ الدنيا والآخرةِ لا شريكَ له فيها، وهو المُنتقِمُ من هؤلاء المشركين القائلين فيه مِن القولِ الباطلِ ما يقولون، فلا يَنصُرُهم عندَ انتقامِه منهم أحدٌ؛ لأنه لا يُعازُّه شيءٌ، ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. يقولُ: وهو ذو السمعِ لِما يقولون مِن الفِرْيةِ والكذبِ عليه، وذو علمٍ بما يُضْمِرُونه في أنفسِهم ويُعْلِنونه، مُحْصى ذلك عليهم كلِّه، وهو لهم بالمرصادِ.\n_________\n(^١) فى م، ت ١: \"تفعل\"، وفى ت ٢، س، ف: \"يفعل\"، وغير منقوطة في \"ص\". والمثبت من مستدرك الحاكم.\n(^٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٣٩، ٣٤٠ من طريق ابن علية به، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٥٢٨) من طريق نافع به.","vol":"12","page":226},{"text":"وكُسرت \"إِنَّ\" من قولِه: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾؛ لأن ذلك خيرٌ مِنَ اللهِ مبتدأٌ، ولم يَعْمَلْ فيها القولُ؛ لأن القولَ عُنِيَ به قولُ المشركين، وقولُه: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ لم يكنْ من قبلِ المشركين، ولا هو خيرٌ عنهم أنهم قالوه.\n\n<span id=\"aya-1430\"></span><span data-type='title' id=toc-4215>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ﴾ يا محمدُ، كلَّ ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ مُلْكًا وعبيدًا، لا مالكَ لشيءٍ مِن ذلك سِواه. يقولُ: فكيف يكونُ إلهًا معبودًا من يعبدُه هؤلاء المشركون مِن الأوثانِ والأصنامِ، وهى للهِ مِلْكٌ، وإنما العبادةُ للمالكِ دونَ المملوكِ، وللربِّ دونَ المربوبِ، ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: وأَيُّ شَيءٍ يَتَّبِعُ مَن يَدْعو من دونِ اللهِ، يعني: غيرَ اللهِ وسِواه، شركاءَ. ومعنى الكلامِ: أَيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ مَن يقولُ: للهِ شركاءُ فى سلطانِه ومُلْكِه. كاذبًا، واللهُ المُنْفرِدُ بمُلْكِ كلِّ شيءٍ في سماءٍ كان أو أرضٍ! ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾. يقولُ: ما يَتَّبِعون في قيلِهم ذلك ودَعْواهم إلا الظَّنَّ، يقولُ: إِلا الشَّكَ لا اليقينَ، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. يقولُ: وإن هم إلا يَتَقَوَّلون الباطلَ تَظَنُّنًا وتَخَرُّصًا للإفكِ، عن غير علمٍ منهم بما يقولون.\n\n<span id=\"aya-1431\"></span><span data-type='title' id=toc-4216>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ رَبَّكم أَيُّها الناسُ الذي اسْتوجَبَ عليكم العبادةَ ﴿هُوَ﴾ الربُّ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ وفَصَلَه مِن النهارِ ﴿لِتَسْكُنُوا فِيه﴾ مما كنتم فيه في نهارِكم مِن التَّعَبِ والنَّصَبِ، وتَهْدَءُوا فيه مِن التصرُّفِ والحركةِ","vol":"12","page":227},{"text":"للمعاشِ، والعَناءِ الذى كنتم فيه بالنهارِ، ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾. يقولُ: وجَعَل النهارَ مُبْصِرًا. فأضافَ الإبصارَ إلى النهارِ، وإنما يُبْصَرُ فيه، وليس النهارُ مما يُبْصِرُ. ولكن كان مفهومًا في كلامِ العربِ معناه، خاطَبَهم بما في لغتِهم وكلامِهم، وذلك كما قال جريرٌ (^١):\nلقد لُمْتِنَا يا أُمَّ غَيْلَانَ فِي السُّرَى … ونِمْتِ وما ليلُ المَطِيِّ بَنَائمِ\nفأضافَ النومَ إلى الليلِ ووَصَفَه به، ومعناه نفسُه، أنه لم يكنْ نائمًا فيه هو ولا بَعِيرُه.\nيقولُ تعالى ذكرُه: فهذا الذي يفعلُ ذلك، هو ربُّكم الذي خَلَقَكم وما تَعْبُدون، لا ما لا ينفعُ ولا يضرُّ، ولا يفعلُ شيئًا.\nوقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن فى اختلافِ حالِ الليلِ والنهارِ، وحالِ أهلِهما فيهما، دلالةً وحُجَجًا على أن الذى له العبادةُ خالصًا بغيرِ شريكٍ، هو الذى خلَق الليلَ والنهارَ، وخالَفَ بينَهما؛ بأن جعَل هذا للخلقِ سَكَنًا، وهذا لهم معاشًا، دونَ مَن لا يخلقُ ولا يفعلُ شيئًا، ولا يَضُرُّ ولا ينفعُ.\nوقال (^٢): ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾؛ لأن المرادَ منه: الذين يَسْمَعون هذه الحُجَجَ ويتفكَّرون فيها، فيَعْتَبِرون بها ويَتَّعِظون، ولم يُرَدْ به الذين يَسْمَعون بآذانِهم، ثم يُعْرِضون عن عِبَرِه وعِظاتِه.\n\n<span id=\"aya-1432\"></span><span data-type='title' id=toc-4217>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا</span>\n_________\n(^١) ديوانه ٢/ ٩٩٣.\n(^٢) في ت ١: \"قوله\".","vol":"12","page":228},{"text":"مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال (^١) هؤلاء المشركون باللهِ من قومِك يا محمدُ: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾. وذلك قولُهم: الملائكةُ بناتُ اللهِ. يقولُ اللهُ مُنَزِّهًا نفسَه عما قالوا وافْتَرَوا عليه من ذلك: سبحانَ اللهِ -تَنْزيهًا للهِ عما قالوا وادَّعَوا على ربِّهم- ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾. يقولُ: اللهُ غنيٌّ عن خلقِه جميعًا، فلا حاجةَ به إلى ولدٍ؛ لأن الولدَ إنما يَطْلُبُه مَن يَطْلُبُه، ليكونَ عونًا له فى حياتِه، وذكرًا له بعدَ وفاتِه، واللهُ عن كلِّ ذلك غنيٌّ، فلا حاجةَ به إلى مُعِينٍ يُعِينُه على تَدْبيرِه، ولا يَبِيدُ فيكونَ به حاجةٌ إلى خَلَفٍ بعدَه، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: للهِ ما في السماواتِ وما في الأرضِ] (^٢) مِلْكًا، والملائكةُ عبادُه ومِلْكُه، فكيف يكونُ عبدُ الرجلِ ومِلْكُه له ولدًا؟! يقولُ: أفلا تَعْقِلون أيُّها القومُ خطأَ ما تقولون؟ ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾. يقولُ: ما عندَكم أيُّها القومُ بما تقولون وتدَّعون مِن أن الملائكةَ بناتُ اللهِ، مِن حُجَّةٍ تَحْتجُّون بها -وهى السلطانُ- ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ﴾ قولًا (^٣) لا تَعْلَمون حقيقتَه وصحتَه، وتُضِيفون إليه ما لا يجوز إضافتُه إليه جهلًا منكم بما تقولون بغيرِ حُجَّةٍ ولا برهانٍ.\n\n<span id=\"aya-1433\"></span><span data-type='title' id=toc-4218>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) فى ت ١، ت ٢، س: \"ما\".","vol":"12","page":229},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ فيتَقوّلون (^١) عليه الباطلَ، ويَدَّعون له ولدًا، ﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: لا يَبْقَون (^٢) في الدنيا،\n\n<span id=\"aya-1434\"></span>ولكن لهم ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾ يُمَتَّعون به، وبلاغٌ يَتَبَلَّغون به إلى الأجلِ الذى كُتِبَ فناؤُهم فيه، ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾. يقولُ: إذا انقَضَى أجلُهم الذى كُتِبَ لهم، إلينا مصيرُهم ومُنْقَلَبُهم، ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾ وذلك إصلاؤُهم جهنمَ، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ باللهِ فى الدنيا، فيُكَذِّبون رسله، ويَجْحَدون آياته.\nورُفِعَ قولُه: ﴿مَتَاعٌ﴾ بُمُضْمَرٍ قبله؛ إما \"ذلك\"، وإما \"هذا\".\n\n<span id=\"aya-1435\"></span><span data-type='title' id=toc-4219>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ على هؤلاء المشركين الذين قالوا: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ مِن قومِك، ﴿نَبَأَ نُوحٍ﴾. يقولُ خبرَ نوحٍ، ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي﴾. يقولُ: إن كان عَظُمَ عليكم مَقامى بينَ أظهُرِكم وشَقَّ عليكم، ﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. يَقولُ: وَوَعْظِى إيَّاكم بحُجَجٍ اللهِ، وتَنْبِيهِى إياكم على ذلك، ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾. يقولُ: إن كان شَقَّ عليكم مَقامى بينَ أظهُرِكم، وتَذْكِيرى بآياتِ اللهِ، فعزَمتم على قَتْلى أو طَرْدِى مِن بينِ أَظْهُرِكم، فعلى اللهِ اتِّكالى وبه ثِقَتى، وهو سَنَدى وظَهْرى.\n_________\n(^١) فى م: \"فيقولون\".\n(^٢) في ت ٢، ف: \"يتقون\".","vol":"12","page":230},{"text":"﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾، يقولُ: فأعِدُّوا أمرَكم، واعزِمُوا على ما تُقْدمون عليه في أمْرِى.\nيقالُ منه: أجمعتُ على كذا. بمعنى: عَزَمْتُ عليه، ومنه قولُ النبيِّ ﷺ: \"مَن لم يُجْمِعْ على الصَّومِ مِن الليلِ فلا صَوْمَ له\" (^١). بمعنى: مَن لم يَعْزِم، ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):\nيا لَيْتَ شِعْرِى والمُنَى لا تَنْفَعُ … هل أَغْدُونْ يومًا وأَمْرِى مُجْمَعُ\nورُوِى عن الأعْرجِ فى ذلك ما حدَّثني بعضُ أصحابِنا، عن عبدِ الوهابِ، عن هارونَ، عن أَسِيدٍ، عن الأعرجِ: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾. يقولُ: أَحْكِموا أمركم وادْعُوا شُرَكَاءَ كم (^٣).\nونُصِبَ قوله: ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ بفعلٍ مضمرٍ له، وذلك: وادْعوا شركاءَكم، وعُطِفَ بالشركاءِ على قولِه: ﴿أَمْرَكُمْ﴾ على نحوِ قولِ الشاعرِ (^٤):\nورأيتِ زَوْجَكَ في الوَغَى … مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحَا\nفالرمحُ لا يُتَقَلَّدُ، ولكن لمَّا كان فيما أُظْهِرَ مِن الكلامِ دليلٌ على ما حُذِفَ، فاكْتُفِى [بذكر ما] (^٥) ذُكِرَ منه مما حُذِفَ، فكذلك ذلك في قولِه: ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف. والحديث أخرجه أحمد ٦/ ٢٨٧ (الميمنية)، وأبو داود (٢٤٥٤)، والترمذى (٧٣٠)، والنسائي (٢٣٣٠ - ٢٣٤٠)، وغيرهم من حديث حفصة. وينظر نصب الراية،٢/ ٤٣٤، ٤٣٥، والإرواء ٤/ ٢٥ - ٣٠.\n(^٢) البيت في اللسان (ج م ع)، ومعانى القرآن ١/ ٤٧٣، والنوادر ص ١٣٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٦٩ من طريق عبد الوهاب به\n(^٤) تقدم تخريجه في ١/ ١٤٠.\n(^٥) في ت ٢: \"بما\".","vol":"12","page":231},{"text":"واختَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقَرَأَتْه قرأةُ الأمصارِ: ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ نصبًا، وقولَه: ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ بهمِز الألفِ وفتحِها، مِن: أَجمَعْتُ أمرى، فأنا أُجْمِعُه إجماعًا (^١).\nوذُكِر عن الحسنِ البصرىِّ، أنه كان يَقْرؤُه: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ بفتحِ الألفِ وهمزِها (^٢)، (وشركاؤُكم) بالرفعِ (^٣) على معنى: وأجْمِعوا أمرَكم، وليُجمعْ أمرَهم أيضًا معكم شركاؤُكم.\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك، قراءةُ مَن قَرَأَ: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ بفتحِ الألفِ مِن \"أجْمِعوا\"، ونُصِبَ الشركاءُ؛ لأنها في المصحفِ بغيرِ واوٍ، و(^٤) لإجماعِ الحجةِ على القراءةِ بها، ورَفْضِ ما خالَفها، ولا يعترضُ عليها بمن (^٥) يجوزُ عليه الخطأُ والسَّهْوُ.\nوعُنِىَ بالشركاءِ آلهتُهم وأوثانُهم.\nوقولُه: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾. يقولُ: ثم لا يكنْ أمركُم عليكم مُلتبِسًا (^٦) مُشْكِلًا مُبْهَمًا.\nمِن قولِهم: غُمَّ على الناسِ الهلالُ. وذلك إذا أَشْكَلَ عليهم أمرُه فلم يَتَبَيَّنوه،\n_________\n(^١) بعده في ص: \"وذكر عن الحسن البصرى أنه كان يقرؤه فأجمعوا أمركم بهمز الألف وفتحها من أجمعت أمرى فأنا أجمعه إجماعا\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أمركم\".\n(^٣) وهى قراءة شاذة، وينظر مختصر الشواذ ص ٦٢.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٥) فى ت ١، ت ٢، ف: \"ممن\".\n(^٦) فى ت ٢: \"غمة متلبسا\"","vol":"12","page":232},{"text":"ومنه قولُ رؤبةَ (^١):\nبل لو شَهِدْتِ الناسَ إذ تُكُمُوا … بِغُمَّةٍ لو لم تُفَرَّجْ غُمُّوا\nوقيل: إن ذلك من الغمِّ؛ لأن الصدرَ يضيقُ به، ولا يَتَبَيَّنُ صاحبُه لأمرِه مَصدرًا يَصْدُرُه، يَتَفَرَّجُ عليه (^٢) ما بقلبِه (^٣)، ومنه قولُ خنساءَ (^٤):\n[وذِي كُرْبَةٍ] (^٥) رَاخَى ابنُ عمرٍو خِناقه … وَغُمَّتَهُ عَن وَجْهِهِ فَتَجَلَّتِ\nوكان قتادةَ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ ابنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾. قال (^٦): لا يَكْبُرُ (^٧) عليكم أمرُكم (^٨).\nوأما قولُه: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ فإن معناه: ثم أمضُوا إلىَّ ما في أنفسِكم وافْرَغوا منه.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرِ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾. قال: اقْضُوا إلىَّ ما كنتم قاضِين (^٩).\n_________\n(^١) كذا في النسخ، والبيت لأبيه العجاج وهو في ديوانه ص ٤٢٢.\n(^٢) فى م: \"عنه\".\n(^٣) فى ت ١: \"يغلبه\"، وفى ف: \"تفلته\".\n(^٤) أنيس الجلساء ص ١١.\n(^٥) في الديوان: \"ومختنق\".\n(^٦) في م: \"قالا\".\n(^٧) في ص، س، ف: \"يكثر\"\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٦٩ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٩٦ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٠ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق =\nـ","vol":"12","page":233},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾. قال: اقْضُوا إلىَّ (^١) ما في أنفسِكم (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nواختَلَف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ فى معنى قولِه: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾.\nفقال بعضُهم: معناه: امْضُوا إلىَّ، كما يقالُ: قد قَضَى فلانٌ. يراد: قد ماتَ ومَضَى.\nوقال آخرون منهم: بل معناه: ثم افْرَغوا إلىَّ. وقالوا: القضاءُ الفراغُ، والقضاءُ مِن ذلك. قالوا: وكأن قَضَى دينَه مِن ذلك، إنما هو فَرَغ منه.\nوقد حُكِىَ عن بعضِ القرأةِ، أنه قرَأ ذلك: (ثُمَّ أَفْضُوا (^٣) إلى) بمعنى: تَوَجَّهوا إلىَّ حتى تَصِلوا إليَّ، مِن قولهم: قد أفْضَى إلىَّ الوَجَعُ (^٤). وشِبْهُه.\nوقوله: ﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾. يقولُ: ولا تُؤخِّرون، مِن قولِ القائلِ: أنظرتُ فلانًا بما لى عليه مِن الدِّينِ.\n_________\n= في تفسيره ١/ ٢٩٦ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^١) بعده فى ت ٢: \"ولا تنظرون\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٨٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٠، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٣١٣ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في ت ٢، ف: \"أقضوا\". وينظر مختصر الشواذ ص ٦٢.\n(^٤) فى ف: \"الرجع\".\nـ","vol":"12","page":234},{"text":"إنما (^١) هذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن قولِ نبيِّه نوحٍ ﵇ لقومِه: إنه بنُصْرةِ اللهِ له عليهم واثقٌ، ومِن كيدِهم وبَوائقِهم (^٢) غيرُ خائفٍ - وإعلامٌ منه لهم أن آلهتَهم لا تَضُرُّ ولا تنفعُ. يقولُ لهم: أمْضُوا ما تُحدِّثون أنفسَكم به فيَّ، على عزمٍ منكم صحيحٍ، واسْتَعينوا مع (^٣) من شايَعَكم علىَّ بالهتِكم التي تَدْعون مِن دونِ اللَّهِ، ولا تُؤخِّروا ذلك، فإني قد توكلتُ على اللهِ، وأنا به واثقٌ أنكم لا تَضُرُّونى إلا أن يشاءَ ربِّي.\n، وهذا، وإن كان خبرًا مِن اللَّهِ عن عن نوحٍ، فإنه حَثٌّ مِن اللهِ لنبيِّه محمدٍ ﷺ على التأسِّى به، وتعريفٌ منه سبيلَ الرشاد فيما قَلَّدَه من الرسالِة والبلاغِ عنه.\n\n<span id=\"aya-1436\"></span><span data-type='title' id=toc-4220>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخبرًا عن قيلِ نبيِّه نوحٍ ﵇ لقومِه: فإن توليتم أيُّها القومُ عنى بعدَ دُعائِى إياكم [إلى اللهِ] (^٤)، وتبليغي رسالةَ ربِّي إليكم، مُدبرِين فأَعْرَضتُم عما دَعوتُكم إليه مِن الحقِّ والإقرارِ بتوحيدِ اللهِ، وإخلاصِ العبادةِ له، وتركِ إشراكِ الآلهةِ في عبادتِه - فبتضييع (^٥) منكم وتفريطٍ في واجبِ حقِّ اللهِ عليكم، لا بسببٍ مِن قِبَلى، فإنى لم أسألْكم على ما دَعَوتُكم إليه أجرًا، ولا عِوَضًا\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، وفى ت ٢، س، ف: \"أما\".\n(^٢) في م: \"تواثقهم\".\n(^٣) سقط من: م.\n(*) هنا ينتهى الخرم فى مخطوط الأصل الذي بدأ في ص ١٣٠.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) في ص، ف: \"فتضييع\"، وفى م، ت ٢: \"فتضيع\"، وفي ت ١: \"بتضييع\"","vol":"12","page":235},{"text":"أعتاضُه منكم، بإجابتِكم إيَّايَ إلى ما دعوتُكم إليه من الحقِّ والهُدى، ولا طَلَبَتُ منكم عليه ثوابًا ولا أجرًا (^١)، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ يقولُ جلَّ ثناؤُه: إِنْ جَزائى وأجرُ عملى وثوابه إلا على ربِّي لا عليكم أيُّها القومُ، ولا على غيرِكم، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: وأمرَنى ربِّى أن أكونَ من المُذعِنين له [بالطاعةِ، المُنقادِين لأمرِه ونهيِه، المُتَذلِّلين (^٢) له] (^٣)، ومِن أجلِ ذلك أَدعُوكم إليه، وبأمرِه آمُرُكم بتركِ عبادةِ الأوثانِ.\n\n<span id=\"aya-1437\"></span><span data-type='title' id=toc-4221>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فكذَّبَ نوحًا قومه فيما أخبَرهم به عن اللهِ من الرسالةِ والوحيِ، فنجيناه ومن معه ممن حَمَل معه فى الفلكِ، يعني في السفيِنة، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ﴾. يقولُ: وجَعَلنا الذين نَجَّينا مع نوحٍ في السفينة خلائفَ في الأرضِ مِن قومِه الذين كذَّبوه بعدَ أن أغرَقنا ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، يعني: حُججِنا وأدلِتنا على توحيدِنا، ورسالِة رسولِنا نوحٍ. يقولُ الله لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فانظرْ يا محمدُ كيف كان عاقبةُ المُنذَرين؛ وهم الذين أنذرَهم نوحٌ عقابَ اللهِ على تكذيبِهم إيَّاه وعبادتِهم الأصنامَ. يقولُ له جلَّ ثناؤُه: انظر ماذا أعقَبهم تكذيبُهم رسولَهم، فإنَّ عاقبةَ مَن كَذَّبك مِن قومِك، إن تَمادَوا في كفرِهم وطُغيانِهم على ربِّهم، نحوُ الذي كان مِن عاقبةِ قومِ نوحٍ حينَ كذَّبوه. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فلْيَحذَروا أن يَحِلَّ بهم مثلُ الذي حَلَّ به إن لم يَتوبوا.\n_________\n(^١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"جزاءً\".\n(^٢) فى م، ت ٢، س: \"المذللين\".\n(^٣) سقط من: ت ٢، ف.","vol":"12","page":236},{"text":"<span id=\"aya-1438\"></span><span data-type='title' id=toc-4223>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثم بعثنا من بعدِ نوحٍ رسلًا إلى قومِهم، فأتَوهم ببيِّناتٍ مِن الحُججِ والأدلَّةِ على صدقِهم، وأنهم للهِ رسلٌ، وأن ما يَدعُونهم إليه حقٌّ، ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: فما كانوا ليُصَدِّقوا بما جاءَتهم به رسلُهم، بما كَذَّب به قوم نوحٍ ومن قبلهم من الأم الخاليةِ من قبلِهم، ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كما طَبَعنا على قلوب أولئك فختَمْنا عليها، فلم يكونوا يَقبَلون من أنبياءِ اللهِ نصيحتَهم، ولا يَستَجيبون لدُعائِهم إيَّاهم إلى ربِّهم، بما اجتَرَموا مِن الذنوبِ واكتسَبوا من الآثامِ، كذلك نطبعُ على قلوبِ من اعتَدَى على ربِّه فتَجاوَزَ ما أمرَه به من توحيدِه، وخالَفَ ما دَعاهم إليه رسلُهم مِن طاعتِه؛ عقوبةً لهم على معصيتِهم ربَّهم مِن هؤلاء الآخرين من بعدِهم.\n\n<span id=\"aya-1439\"></span><span data-type='title' id=toc-4222>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثم بَعَثْنَا مِن بعدِ هؤلاء الرسلِ الذين أرسَلْناهم من بعدِ نوحٍ إلى قومِهم، موسى وهارونَ ابنى عِمرانَ إلى فرعونَ مصرَ ﴿وَمَلَئِهِ﴾. يعنى: وأشرافِ قومه وسَرَواتِهم (^١)، ﴿بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: بأدلَّتِنا على حقيقةِ ما دَعَوهم إليه؛ مِن الإذعانِ للهِ بالعبودةِ، والإقرارِ لهما بالرسالةِ، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾. يقولُ: فاسْتكْبروا عن الإقرارِ بما دَعاهم إليه موسى وهارونُ، ﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾. يعني: آثمين بربِّهم بكفرِهم باللهِ تعالى.\n_________\n(^١) فى م: \"سادتهم\". وسروات الناس: أشرافهم، اللسان (س ر و).","vol":"12","page":237},{"text":"<span id=\"aya-1440\"></span><span data-type='title' id=toc-4224>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾. يعنى: فلما جاءَهم بيانُ ما دعَاهم إليه موسى وهارونُ، وذلك الحججُ التى جاءَهم بها، وهي الحقُّ الذى جاءَهم مِن عندِ اللهِ، ﴿قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾. يَعنون: أنه يَبينُ لَمَن رَاه وعاينَه أنه سحرٌ لا حقيقةَ له.\n\n<span id=\"aya-1441\"></span>قال موسى لهم: ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ﴾ مِن عِندِ الله: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾؟\nواختلف أهلُ العربيةِ فى سببِ دخولِ \"ألفِ الاستفهامِ\" في قولِه: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾. فقال بعضُ نحويى البصرةِ: أُدخِلت فيه على الحكايةِ لقولِهم؛ لأنهم قالوا: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾؟ فقال: أتقولون: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾؟\nوقال بعضُ نحويى الكوفةِ: إنهم قالوا هذا سحرٌ. ولم يقولوه بالألفِ؛ لأن أكثر ما جاء بغيرِ ألفٍ. قال: فيُقالُ: فلِمَ أُدخِلت الألفُ؟ فيُقالُ: قد يجوزُ أن تكونَ مِن قبلِهم، وهم يَعلَمون أنه سحرٌ، كما يقولُ الرجلُ للجائزةِ إذا أتَتْه: أحقٌّ هذا؟ وقد عَلِمَ أنه حقٌّ. قال: وقد يجوزُ أن تكونَ على التعجُّبِ منهم: أسحرٌ هذا؟ ما أعظَمَه!\nوأولى من (^١) ذلك فى هذا بالصوابِ عندى، أن يكونَ المقولُ محذوفًا، ويكونَ قوله: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾. مِن قيلِ موسى، مُنكِرًا على فرعونَ ومَلَئِه قولَهم للحقِّ لمَّا جاءهم: سحرٌ. فيكونُ تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: قال موسى لهم: ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ﴾ - وهى الآياتُ التي أتاهم بها مِن عندِ اللهِ حجةً له على صدقِه:\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"12","page":238},{"text":"سحرٌ. أسحرٌ هذا الحقُّ الذي تَرَونه؟! فيكونُ السحرُ الأولُ محذوفًا اكْتفاءً بدلالةِ قولِ موسى لهم: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾، على أنه مرادٌ في الكلامِ، كما قال ذو الرُّمَّةِ (^١):\nفلمَّا لَبِسْنَ الليلَ أو حينَ نصَّبَتْ … له مِن خَذَا آذَانِها وَهُو جانِحُ\nيريدُ: أو حينَ أقبلَ، ثم حُذِفَ اكتفاءً بدَلالةِ الكلامِ عليه، وكما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، والمعنى: بَعْثناهم ليسُوؤوا وجوهَكم، فترك ذلك اكتفاءً بدَلالةِ الكلامِ عليه، في أشباهٍ لمِا ذكرْنا كثيرةٍ، يُتعِبُ إحصَاؤُها.\nوقولُه: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾. يقولُ: ولا يَنجحُ الساحرون ولا يَبقَوْن.\n\n<span id=\"aya-1442\"></span><span data-type='title' id=toc-4225>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال فرعونُ وملؤُه لموسى: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾. يقولُ: لتَصْرِفَنا وتَلويَنا عمَّا وجَدْنا عليه آباءَنا، مِن قبلِ مجيئِك، من الدينِ.\nيقالُ منه: لَفَتَ فلانٌ عُنُقَ فلانٍ. إذا لَوَاها، كما قال رُؤبَةُ (^٢):\n* لَفتًا وتهزِيعًا سَوَاءَ اللَّفتِ*\nالتَّهزيعُ: الدَّقُّ، واللَّفْتُ: اللى.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لِتَلْفِتَنَا﴾. قال: لتَلويَنا عمَّا وَجَدنا عليه آباءَنا (^٣).\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ٣٤٤.\n(^٢) صدر بيت، وعجزه: وطامح النخوة مستكِتِّ، الديوان ص ٢٤.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٣ من طريق محمد بن عبد الأعلى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣١٤ إلى ابن المنذر وعبد الرزاق.","vol":"12","page":239},{"text":"وقولُه: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾. يعنى: العظمةُ، وهي الفِعْلِياءُ مِن الكبرِ. ومنه قولُ ابنِ الرِّقاعِ:\nسُؤدَدًا غيرَ فاحشِ لا تُدَا … نِيه تجبَّارةٌ (^١) ولا كِبرياءُ\n[وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك] (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: المُلكُ (^٣).\nقال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: السلطانُ في الأرضِ (^٤).\nقال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: بَلَغَنى عن مجاهدٍ قال: الملْكُ في الأرضِ.\nقال: ثنا المحارِبيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: الطاعةُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: الملكُ.\n_________\n(^١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"تجباره\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٨٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٣ من طريق ابن أبي نجيح به:\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٣ من طريق الأعمش به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣١٤ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"12","page":240},{"text":"قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ قال: السلطانُ في الأرضِ.\nوهذه الأقوالُ كلُّها متقارباتُ المعانى؛ وذلك أن المُلكَ سلطانٌ، والطاعةَ ملكٌ، غيرَ أن معنى الكبرياء، هو ما يثبتُ فى كلامِ العربِ، ثم يكونُ ذلك عظمةً بمُلْكِ وسلطانٍ وغيرِ ذلك\nوقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾. قالوا (^١): وما نحنُ لكُما يا موسى وهارونُ ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾، يعني: بمُقرِّين بأنكما للهِ (^١) رسولان أرسَلَكُما (^٢) إلينا.\n\n<span id=\"aya-1443\"></span><span data-type='title' id=toc-4226>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال فرعونُ لقومِه: ائتوني بكلِّ مَن يَسْحَرُ مِن السَّحَرةِ، عليمٍ بالسِّحْرِ. فلمَّا جاءَ السَّحَرةُ فرعونَ قال لهم (^٢) موسى: أَلْقُوا مَا أَنتُمْ مُلْقُونَ مِن حِبالكم وعصِيِّكم.\nوفى الكلامِ محذوفٌ قد تُرك ذكرُه، وهو: فأَتَوْه بالسَّحَرةِ، فلمَّا جاء\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في م: \"أرسلتما\".","vol":"12","page":241},{"text":"السحرةُ.\n\n<span id=\"aya-1444\"></span>ولكن اكتُفى بدَلالةِ قولِه: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾ على ذلك، فتُرِكَ ذِكْرُه. وكذلك بعدَ قولِه: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ محذوفٌ أيضًا قد تُرِكَ ذكرُه، وهو: فألْقَوْا حبالَهم وعِصِيَّهم - ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى﴾ - ولكن اكتفى بدَلالةِ ما ظَهَر من الكلامِ عليه، فتُرِكَ ذكرُه.\n\n<span id=\"aya-1445\"></span><span data-type='title' id=toc-4227>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا الْقَوا ما هم مُلْقُوه قال لهم موسى: ما جِئْتُم به السِّحرُ. ما واختَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ (^١)، على وَجهِ الخبرِ مِن موسى عن الذي جاءت به سَحَرة فرعونَ أنه سِحرٌ، كأن معنى الكلامِ على تأويلِهم: قال موسى: الذي جَئْتُم به أيُّها السَّحَرَةُ.\nوقَرَأَ ذلك مجاهدٌ وبعضُ المدنيِّين وبعضُ البصريِّين: (ما جئتم به السحرُ) (^٢) على وجهِ الاستفهامِ مِن موسى إلى (^٣) السَّحَرةِ عما جاءوا به: أسحرٌ هو أم غيرُه؟\nوأولى القراءتَين في ذلك عندى بالصوابِ (^٤) قراءةُ من قَرأه على وَجهِ الخبرِ لا على الاستفهامِ؛ لأن موسى صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه لم يكن شاكًّا فيما جاءت به السَّحرةُ أنه سحرٌ لا حقيقةَ له، فيحتاجُ إلى استخبارِ السَّحَرةِ عنه: أىُّ شيءٍ هو؟\n_________\n(^١) بغير مدٍّ ولا همزٍ، وهى قراءة السبعة غير أبي عمرو السبعة لابن مجاهد ص ٣٢٨.\n(^٢) بالمد والهمز، وهى قراءة أبي عمرو وأبي جعفر المدنى، ومجاهد وأصحابه. الإتحاف ص ١٥٢، والبحر المحيط ٥/ ١٨٢.\n(^٣) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) القراءتان كلتاهما صواب","vol":"12","page":242},{"text":"وأخرى، أنه صلواتُ اللهِ عليه قد كان على علمٍ مِن أن (^١) السَّحَرَةَ إنما جاء بهم فرعونُ ليُغالبوه على ما كان جاءَهم به مِن الحقِّ الذى كان الله آتاه، فلم يكنْ يذهبُ عليه أنهم لم يكونوا يُصَدِّقونه فى الخبرِ عما جاءوه به مِن الباطلِ، فيستَخبِرَهم أو يَسْتَجير استخبارَهم عنه، ولكنه صلواتُ اللهِ عليه أعلَمَهم أنه عالمٌ بِبُطُولِ ما جاءوا به مِن ذلك بالحقِّ الذى أتاه، ومُبطِلٌ كيدَهم بجَدِّه، وهذه أَولى بصفةِ رسولِ اللهِ ﷺ مِن الأخرى.\nفإن قال قائلٌ: فما وجَهُ دخولِ الألفِ واللام في السحرِ، إن كان الأمرُ على ما وَصَفتَ؟ وأنت تعلمُ أن كلامَ العربِ في نظيرِ هذا أن يقولوا: ما جاءنى به عمرٌو درهمٌ، والذى أعطانى أخوك دينارٌ. ولا يَكادُون أن يقولوا: الذي أعطاني أخوك الدرهمُ، وما جاءني به عمرٌو الدينارُ.\nقيل له: بلى، إن كلامَ العربِ إدخالُ الألفِ واللامِ في خبرِ ما والذي، إذا كان الخبرُ عن مَعهودٍ قد عَرَفه المخاطَبُ والمخاطِبُ، بل لا يجوزُ إذا كان ذلك كذلك إلا بالألفِ واللامِ؛ لأن الخبرَ حينئذٍ خبرٌ عن شيءٍ بعينه معروفٍ عندَ الفريقين، وإنما يأتى ذلك بغيرِ الألفِ، [واللامِ] (^٢) إذا كان الخبرُ عن مجهولٍ غيرِ معهودٍ، ولا مقصودٍ قصْدَ شيءٍ بعينِه، فحينئذٍ لا تدخلُ الألفُ واللامُ في الخبرِ، وخبرُ موسى كان خبرًا عن معروفٍ عنده وعندَ السَّحَرةِ. وذلك أنها كانت نَسَبَت ما جاءهم به موسى مِن الآياتِ التى جَعَلَها اللهُ عَلَمّا له على صدقه ونُبُوَّته إلى أنه سحرٌ، فقال لهم موسى: السحرُ الذى وصَفْتُم به ما جئتُكم به مِن الآيات أيُّها السحرةُ، هو هذا (^٣) الذي جئتم\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: ص، م، ف.\n(^٣) سقط من: ص، م، ف.","vol":"12","page":243},{"text":"أنتم، لا ما جئتُكم به أنا. ثم أَخبرَهم أن الله سيبُطلُه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾، يقولُ: سيَذهبُ به. فذَهب به تعالى ذكرُه بأن سَلَّط عليه عصا موسى؛ قد حوّلها تعبانًا يتلقَّفه، حتى لم يبقَ منه شيءٌ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. يعنى: إنه لا يُصلِحُ عملَ مَن سَعَى في أرضِ الله بما يَكرَهُه، وعَمِلَ فيها بمعاصيه\nوقد ذُكِر أن ذلك فى قراءةِ أبيِّ بنِ كعبٍ: (ما أتيتم به سحر). وفي قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (ما جئتم به سحرٌ) (^١)، وذلك مما يؤيدُ قراءةَ مَن قرأ بنحوِ الذى اخترنا مِن القراءةِ فيه.\n\n<span id=\"aya-1446\"></span><span data-type='title' id=toc-4228>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن موسى ﷺ أنه قال للسحرةِ: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾. يقولُ: ويُثبِتُ الله الحقِّ الذى جِئتُكم به من عندِه، فيُعليه على باطلِكم، ويُصحِّحُه ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾. يعني: بأمرِه، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾. يعنى: الذين اكتَسبوا الإثمَ بربِّهم، بمعصيتِهم إياه.\n\n<span id=\"aya-1447\"></span><span data-type='title' id=toc-4229>القولُ فى تاويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلم يُؤمن لموسى، مع ما أتاهم به مِن الحُجَجِ والأدلةِ، ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾، خائِفين مِن فرعونَ ومَلَئِهم.\n_________\n(^١) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٤٧٥، والبحر المحيط ٥/ ١٨٣.","vol":"12","page":244},{"text":"اختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى الذُريَّة في هذا الموضعِ. فقال بعضُهم: معنى الذُّرِّيَّةِ في هذا الموضعِ: القليلُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾. قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: الذُّريَّةُ: القليلُ (^١)\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عُبيدُ بنُ سليمان (^٢)، قال: سمِعْتُ الضّحَاكَ يقولُ في قولِه تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾. الذريةُ: القليلُ. كما قال اللهُ تعالى: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ (^٣) [سورة الأنعام: ١٣٣].\nوقال آخرون: معنى ذلك: فما آمنَ لموسى إلا ذريةُ من أُرسِل إليه موسى مِن بنى إسرائيلَ لطولِ الزمانِ؛ لأن الآباءَ ماتوا وبَقِى الأبناء، فقيلَ لهم ذريةٌ؛ لأنهم كانوا ذريةَ مَن هلَك ممن أُرسِل إليهم موسى ﵇.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه تعالى ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾. قال: أولادُ (^٤) الذين أُرسل إليهم، مِن طولِ الزمانِ، وماتَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٥ عن قتادةَ به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في النسخ: (سليم) وهو سند دائر.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٢٢.\n(^٤) بعده في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الرسل\".","vol":"12","page":245},{"text":"آباؤهم (^١)\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ. وحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾. قال: أولادُ الذين أُرسِل إليهم موسى، من طولِ الزمانِ، وماتَ آباؤهم.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾. قال: أبناءُ الذين أُرسِل إليهم، فطال عليهم الزمانُ، وماتت آباؤهم.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: فما آمَن لموسى إلا ذريَّةٌ مِن قومِ فرعونَ.\nذكر من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾. قال: فإن الذُّريَّةَ التي آمنَتْ لموسى، مِن أناسٍ غيرِ بنى إسرائيلَ، مِن قومِ فرعونَ يسيرٌ؛ منهم امرأةُ فرعونَ، ومؤمنُ آلِ فرعونَ، وخازِنُ فرعونَ، وامرأةُ خازنه (^٢)\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٨٢ وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٤ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٤ إلى المصنف","vol":"12","page":246},{"text":"وقد رُوىَ عن ابنِ عباس خبرٌ يَدُلُّ على خلافِ هذا القولِ، وذلك ما حدَّثني به المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾. يقولُ: بنى إسرائيلَ (^١).\nفهذا الخبرُ يُنبيُّ عن (^٢) أنه كان يَرَى أن الذُّريَّةَ في هذا الموضعِ، هم بنو إسرائيلَ دونَ غيرِهم مِن قومِ فرعونَ.\nوأَولى هذه الأقوالِ عندى بتأويلِ الآيةِ، القولُ الذي ذكرْتَه عن مجاهدٍ، وهو أن الذريةَ فى هذا الموضعِ، أُريد بها ذُرِّيةٌ مَن أُرسِل إليه موسى مِن بني إسرائيلَ، فهَلَكوا قبلَ أن يُقِرُّوا بِنُبُوَّته لطولِ الزمانِ، فأدركَتْ ذُرِّيتُهم، فآمنَ منهم مَن ذَكَر اللهُ بموسى.\nوإنما قلتُ: هذا القولُ أولى بالصوابِ فى ذلك؛ لأنه لم يَجْرِ في هذه الآيةِ ذكرٌ لغيرِ موسى، فلأن تكونَ \"الهاءُ\" فى قولِه: ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾ من ذكر موسى لقُربها مِن ذكرِه، أولى مِن أن تكونَ مِن ذكرِ فرعونَ لبُعدِ ذكرِه منها، إذ لم يكن بخلافِ ذلك دليلٌ مِن (^٣) خبرٍ ولا نظرٍ.\nوبعدُ، فإن في قولِه: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾. الدليلَ الواضحَ على أن \"الهاءَ\" فى قولِه: ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾. من ذكرِ موسى، لا مِن ذكرِ فرعونِ؛ لأنها لو كانت مِن ذكرِ فرعونَ، لكان الكلامُ: على خوفٍ منه. ولم يكن: على خوفٍ مِن فرعونَ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٧٥ من طريق أبي صالح به.\n(^٢) في الأصل: \"على\"، وفي م: \"عنه\".\n(^٣) في الأصل: \"في\".\nـ","vol":"12","page":247},{"text":"وأما قولُه: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ﴾. فإنه يعنى على حالِ خوفٍ ممِّنْ آمَنَ مِن ذُرِّية قومِ موسى بموسى.\nفتأويلُ الكلامِ: فما آمن لموسى إلا ذريةٌ مِن قومِه، من بنى إسرائيلَ، وهم خائِفونَ من فرعونَ ومَلَئِهم أن يَفتِنوهم.\nوقد زَعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أنه إنما قيل: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾، لأن الذين كانوا آمنوا به إنما كانت أُمَّهاتُهم من بني إسرائيلَ، وآباؤُهم مِن القِبْط، فقيل لهم: الذريةُ. من أجل ذلك، كما قيل لأبناءِ الفُرْسِ الذين أُمَّهَاتُهم مِن العَرَبِ وآباؤُهم مِن العَجَمِ: أبناءٌ (^١).\nوالمعروفُ مِن معنى الذريَّةِ فى كلامِ العربِ، أنها أعقابُ من نُسِبَتْ إليه من قِبَلِ الرجالِ والنساءِ. كما قال الله جلَّ ثناؤُه: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣]. وكما قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ﴾. ثم قال بعدُ: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ [الأنعام: ٨٥،٨٤]. فجَعل مَن كان مِن قِبَل الرجال والنساء من ذرية إبراهيمَ.\nوأما قولُه: ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾. فإن الملأَ الأشرافُ. وتأويلُ الكلام: على خوفٍ مِن فرعونَ ومن أشرافِهم.\nواختلَفَ أهلُ العربيةِ فى مَن عُنِى بالهاءِ والميمِ اللتين فى قولِه: ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾. فقال بعضُ نحوبى أهل البصرة: غنى بها الذريةُ، وكأنه وَجَّه معنى الكلامِ إلى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ﴾، وملأِ الذريةِ مِن بَنى إسرائيل.\n_________\n(^١) معانى القرآن للفراء ١/ ٤٧٦","vol":"12","page":248},{"text":"وقال بعضُ نحويى الكوفةِ: عُنى بهما فرعون. قال: وإنما جاز ذلك وفرعونُ واحدٌ؛ لأن [المَلِكَ إذا ذُكرَ بخوفٍ (^١) أو سفرٍ أو قدومٍ من سفرٍ، ذَهَبَ الوَهُمُ إليه وإلى مَن معه] (^٢). وقال: ألا تَرى أنك تقولُ: قَدِمَ الخليفةُ فكَثُرَ الناسُ. تريدُ: بمنَ معه، وقَدِمَ فعلتِ الأسعارُ. [لأنك تَنِوى] (^٣) بقدومِه قدومَ مَن معه. قال: وقد يكونُ أن تريدَ بفرعونَ آل فرعونَ، وتحذفُ الآلَ (^٤)، فيجوزُ كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يريدُ أهل القرية، والله أعلمُ.\nقال: ومثلُه قولُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].\nوأولى القولين (^٥) في ذلك بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: الهاءُ والميمُ عائدتان على الذريةِ، ووجَّه معنى الكلامِ إلى أنه: على خوفٍ مِن فرعونَ، وملأ الذريةِ. لأنه كان في ذريةِ القَرْنِ الذين أُرسِلَ إليهم موسى مَن كان أبوه قبطيًّا وأمه إسرائيليةً، فمن كان كذلك منهم كان مع فرعونَ على موسى.\nوقولُه: ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾. [يقولُ: كان إيمانُ مَنْ آمَن مِن ذريَّةِ قومِ موسى على خوفٍ من فرعونَ أن يفتنَهم] (^٦) بالعذابِ، فيَصُدَّهم عن دينِهم، ويحملَهم على الرجوعِ عن الإيمانِ، والكفرِ باللهِ.\n_________\n(^١) فى م: \"لخوف\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت،٢، س، ف: \"لانا ننوي\".\n(^٤) في النسخ: \"آل فرعون\". والمثبت من معاني القرآن للفراء.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الأقوال\".\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.","vol":"12","page":249},{"text":"وقال: أن يَفْتِتَهم، فوحَّد، ولم يَقُلْ: أن يَفْتِنوهم؛ لدليلِ الخبرِ عن فرعونَ بذلك؛ أن قومَه كانوا على مثلِ ما كان عليه، لمِا قد تقدَّم من قولِه: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾.\nوقولُه: ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. يقولُ فإنه لمن المُتَجاوِزِين الحقِّ إلى الباطلِ، وذلك كفرُه باللهِ، وتركُه الإيمانَ به، وجُحودُه وحدانيةَ اللهِ، وادعاؤُه لنفسِه الألوهةَ، وسفكُه الدماءَ بغيرِ حِلِّها.\n\n<span id=\"aya-1448\"></span><span data-type='title' id=toc-4230>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخْبرًا عن قيلِ نبيِّه موسى لقومه: يا قومِ إنْ كُنْتم أقْرَرْتُم بوحْدانيةِ اللهِ، وصَدَّقْتم بربوبيَّتِه ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾. يقولُ: فيه فثِقوا، ولأمرِه فسَلِّموا، فإنه لن يَخذُل وليَّه ولن (^١) يُسلِمَ مَن توكَّلَ عليه، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم مُذعِنين للهِ بالطاعةِ، فعليه توكّلوا.\n\n<span id=\"aya-1449\"></span><span data-type='title' id=toc-4231>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فقال قومُ موسى لموسى: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾. أى به وَثِقنا، وإليه فوَّضنا أمرَنا.\nوقولُه: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ، جلَّ ثناؤُه، مُخْبِرًا عن قومِ موسى أنهم دعَوا ربَّهم فقالوا: ربَّنا لا تختبرْ هؤلاء القومَ الكافرين، ولا\n_________\n(^١) سقط من: م، وفي ص، ت ١، س، ف: \"لم\".","vol":"12","page":250},{"text":"تَمتحِنْهم بنا. يَعنون قومَ فرعونَ.\nوقد اختلف أهلُ التأويلِ في المعنى الذى سَألوه ربَّهم مِن إعاذتِه ابتلاءَ قومِ فرعونَ بهم. فقال بعضُهم: سألوه أن لا يُظهِرَهم عليهم، فيَظنُّوا أنهم خيرٌ منهم، وأنهم إنما سُلِّطوا عليهم لكرامتِهم عليه وهوانِ الآخرين.\nذكرُ مِن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ قال: ثنا أبي، عن عِمرانَ بنَ حُدَيرٍ، عن أبي مجلزٍ في قولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا يَظهَروا علينا، فيَرَوا أنهم خيرٌ منا\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن عمرانَ بن حُدَيرٍ، عن أبي مجلزٍ فى قولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: قالوا: لا تُظهِرْهم علينا فيَرَوا أنهم خيرٌ منا (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي الضُّحى ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: لاتُسَلِّطْهم علينا، فيزدادوا [طغيانًا (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن أبيه، عن أبي الضحى: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا تسلِّطْهم علينا، فيزدادوا] (^٣) فتنةً.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٦ من طريق حماد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٧٦ من طريق سفيان به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":251},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تُسَلطْهم علينا فيَفتنونا\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن ابنِ عُيينةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا تُسلِّطْهم علينا فيَفْتِنونا.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ عُيينةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وقال أيضًا: فَيَقْتلونا (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا تُسَلِّطهم علينا فيَفتِنونا (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ لا تُعذِّبْنا بأيدى قومِ فرعونَ، ولا بعذابٍ مِن عندِك، فيقولَ قومُ فرعونَ: لو كانوا على حقٍّ ما عُذِّبوا ولا سُلِّطْنا عليهم. فيُفتنوا بنا (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فيفتنونا\"، والأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٩٧.\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، س، ف: \"فيقتلونا\"، وفى م: \"فيضلونا\"، والأثر أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٧٠ - تفسير)، ونعيم بن حماد فى الفتن والملاحم (٣٦٠) من طريق سفيان به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٤ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٨٢ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٦. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣١٤ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"12","page":252},{"text":"مجاهدٍ قولَه: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا تُعذِّبْنا بأيدى قومِ فرعونَ ولا بعذابٍ من عندِك. فيقولَ قومُ فرعونَ: لو كانوا على حقٍّ ما سُلِّطنا عليهم، ولا عُذَّبوا. فيَفتَتِنوا (^١) بنا.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسة، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا تُصِبْنا بعذاب من عندك ولا بأيدِيهم، فيفتَتِنوا ويقولوا: لو كانوا على حقٍّ ما سُلِّطْنا عليهم، وما عُذِّبوا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا تَبتَلِينا ربَّنا فتُجهِدَنا، ونُجعلَ (^٢) فتنةً لهم، هذه الفتنة. وقرأ: ﴿فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [سورة الصافات: ٦٣] (^٣). قال المشركون حينَ كانوا يُؤذُون النبىَّ ﷺ والمؤمنين، ويَرمُونهم، أليس ذلك فتنةً لهم وشرًّا (^٤) لهم، وهي بَلِيَّةٌ للمؤمنين (^٥)؟\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إن القومَ رَغِبوا إلى اللهِ في أن يُجِيرَهم من أن يكونوا محنةً لقومِ فرعونَ وبلاءً، وكلُّ ما كان مِن أمرٍ كان لهم مَصَدَّةٌ عن اتباعِ موسى والإقرارِ به وبما جاءَهم به، فإنه لا شكَّ أنه كان لهم فتنةً،\n_________\n(^١) فى ت ١، ت ٢، س، ف: \"فيفتنوا\".\n(^٢) في النسخ: \"تجعله\"، والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم.\n(^٣) في الأصل: \"للقوم الظالمين\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، س، ف: \"سوءا\"، وفى ت ٢ \"سؤالهم\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٦ من طريق أصبغ عن ابن زيد.","vol":"12","page":253},{"text":"وكان مِن أعظمِ [ذلك أن يُسَلَّطوا عليهم، فإنَّ ذلك كان لا شك -لو كان- من أعظمِ] (^١) الأمورِ لهم إبعادًا من الإيمانِ باللهِ وبرسولِه، وكذلك من المَصَدَّةِ كان لهم عن الإيمانِ، أن لو كان قوم موسى* عاجَلَتْهم مِن اللهِ محنةً في أنفسِهم، من بليةٍ تَنزِلُ، بهم. فاستعاذَ القومُ باللهِ مِن كلِّ معنًى يكونُ صادًّا لقومِ فرعونَ عن الإيمانِ باللهِ بأسبابِهم.\n\n<span id=\"aya-1450\"></span><span data-type='title' id=toc-4232>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ونَجِّنا ياربَّنا برحمتِك، فخَلَّصْنَا مِن أَيْدى القومِ الكافرين قومِ فرعونَ؛ لأنهم كانوا يستَعبِدونهم ويستَعمِلونهم في الأشياءِ القذرةِ من خدمتِهم.\n\n<span id=\"aya-1451\"></span><span data-type='title' id=toc-4233>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ﴾ أن اتخذا لقومِكما بمصرَ بيوتًا.\nيقالُ منه: تبوَّأ فلانٌ لنفسِه بيتًا. إذا اتَّخَذَه، وكذلك: تَبَوَّأَ مضجعًا (^٢). إذا اتخذَهَ، وبَؤَّاتُه أنا بيتًا. إذا اتخذتُه له. ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. يقولُ: واجعلوا بيوتَكم مساجدَ تُصلُّون فيها.\nواختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلَ قوله: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾؛ فقال\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(*) من هنا خرم في مخطوط الأصل وينتهي في ص ٢٧٨.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"مصحفا\". وينظر تفسير البغوى ٤/ ١٤٦.","vol":"12","page":254},{"text":"بعضُهم في ذلك نحوَ الذي قلنا فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حميدٍ، عن عكرمةَ، عن ابنُ عباسٍ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: مساجدَ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: أُمِروا أن يَتَّخِذوها مساجدَ (^١).\nقال: ثنا أبو غَسَّانَ مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا زهيرٌ، قال: ثنا خُصيفٌ، عن عكرمةَ، عن ابنُ عباسٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: كانوا يَفرَقون مِن فرعونَ وقومِه أن يصلُّوا، فقال لهم: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. يقولُ: اجعَلوها مسجدًا (^٢) حتى تُصَلُّوا فيها (١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ وابنُ حُميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: خافوا، فأُمِروا أن يُصَلُّوا في بيوتِهم (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: كانوا خائفين، فأُمِروا أن يُصلُّوا في بيوتِهم (^٤).\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ١٢٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٧، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٣١٤ إلى ابن مردويه.\n(^٢) فى ت ٢: \"مساجد\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٧٣ - تفسير)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٣١ من طريق جرير به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٧ من طريق سفيان به.","vol":"12","page":255},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ (^١)، قال: ثنا شِبْلٌ، عن خُصيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: كانوا خائفين، فأُمِروا أن يصلُّوا في بيوتِهم.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: كانوا لا يصلُّون إلا في البِيَعِ، وكانوا لا يصلون إلا خائفين، فأُمِروا أن يُصَلُّوا فى بيوتِهم (^٢).\nقال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قال: كانوا خائفين، فأُمِروا أن يصلُّوا في بيوتِهم.\nقال: ثنا عبدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن السدىِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: كانت بنو إسرائيلَ تخافُ فرعونَ، فأُمِروا أن يجعلوا بيوتَهم مساجدَ يُصَلُّون فيها.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبرَنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. يقولُ: مساجدَ (^٣)\nقال: ثنا أحمد بن يونسُ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ:\n_________\n(^١) في ت ٢:\"اليماني\".\n(^٢) تفسير الثوري ص ١٢٨، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٧٢ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٧ من طريق سفيان بن عيينة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٧ من طريق أبي جعفر به.","vol":"12","page":256},{"text":"﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: كانوا يُصلُّون في بيوتِهم، يخافون.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، عن أبي سنانٍ، عن الضحاكِ: ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾. قال: مساجدَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: كانوا خائفين، فأُمروا أن يُصلُّوا في بيوتِهم.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: قال أبي (^٢): اجعلوا في بيوتِكم مساجدَكم تصلُّون فيها؛ تلك القبلة (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: واجعلوا مساجدَكم قِبَلَ الكعبة.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى. عن المِنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنُ عباسٍ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. يعنى الكعبةَ (^٤)\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٧٦ من طريق أبي سنان عن ثابت عنه به.\n(^٢) بعده فى م: \"زيد\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٢٤، عن ابن زيد وعن أبيه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٧ من طريق ابن أبي ليلى به.","vol":"12","page":257},{"text":"أبيه، عن ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: قالت بنو إسرائيلَ لموسى: لا نستطيعُ أن نُظهِرَ صلاتَنا مع الفراعنةِ، فأَذِنَ اللهُ لهم أن يصلُّوا في بيوتِهم، وأُمِروا أن يجعلَوا بيوتَهم قِبَلَ القبلةِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. يقولُ: وَجِّهوا بيوتَكم مساجدَكم نَحو القبلِة، ألا تَرَى أنه يقولُ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (النور: ٣٦)؟\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: قِبَلَ القبلةِ.\nحدَّثنا القاسمُ: قال ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهد: ﴿بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: نحو الكعبة، حينَ خافَ موسى ومَن معه مِن فرعونَ أن يصلُّوا فى الكنائسِ الجامعةِ (^٢)، فأمروا أن يجعلوا في بيوتِهم مساجدَ مستقبِلةً الكعبةَ يصلُّون فيها سرًّا.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. ثم ذَكَر مثلَه سواءً (^٣).\nقال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٢٤ عن العوفي عن ابن عباس.\n(^٢) في تفسير مجاهد: \"الجماعة\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٨٢\nـ","vol":"12","page":258},{"text":"تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾: مساجدَ.\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾. قال: مصرُ: الإسكندريةُ (^١).\nحدَّثنا بِشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: وذلك حينَ مَنَعهم فرعونُ الصلاةَ، فأُمِروا أن يجعلوا مساجدَهم في بيوتهم، وأن يوجِّهوا نحو القبلةِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: نحوَ القبلةِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ، عن أبي سنانٍ، عن الضحاك: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾، قال: مساجدَ. ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: قِبَلَ القبلةِ (^٤).\nوقال آخرون: معنى ذلك: واجعلوا بيوتَكم يقابلُ بعضُها بعضًا.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٨٢ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣١٤ إلى ابن المنذر وابن أبي شيبة\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٧ معلقًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٤ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٩٧ عن معمر به.\n(^٤) أخرج ابن أبي حاتم شطره الأول في تفسيره ٦/ ١٩٧٦ من طريق أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك به، وذكر شطره الثاني معلقا ٦/ ١٩٧٧.","vol":"12","page":259},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرانُ بنُ عُيَينةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. قال: يقابلُ بعضُها بعضًا (^١).\nوأولى الأقوال فى ذلك بالصوابِ القولُ الذى قدَّمنا بيانَه، وذلك أن الأغلبَ مِن معانى البيوتِ -وإن كانت المساجدُ بيوتًا- البيوتُ المسكونةُ إذا ذُكِرت باسمِها المطلقِ، دونَ المساجدِ؛ لأن المساجدَ لها اسمٌ هى به معروفةٌ، خاصٌّ لها، وذلك: المساجدُ. فأما البيوتُ المطلقةُ بغيرِ وصلِها بشيءٍ، ولا إضافتِها إلى شيءٍ، فالبيوتُ المسكونةُ.\nوكذلك القبلةُ، الأغلبُ من استعمال الناسِ إياها في قِبَلَ المساجدِ وللصلواتِ.\nفإذا كان ذلك كذلك، وكان غيرُ جائزٍ توجيهَ معاني كلامِ الله إلا إلى الأغلبِ مِن وجوهِها، المستعملِ بينَ أهلِ اللسانِ الذى نَزَل به دونَ الخفىِّ المجهولِ، ما لم تأتِ دلالةٌ تدلُّ على غيرِ ذلك، ولم يكن على قولِه: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. دلالةٌ تقطعُ العذرَ بأن معناه غيرُ الظاهرِ المستعملِ في كلامِ العربِ، لم يجز لنا توجيهُه إلى غيرِ الظاهرِ الذى وصفنا، وكذلك القولُ في قولِه: ﴿قِبْلَةً﴾.\n﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأدُّوا الصلاةَ المفروضةَ بحدودِها في أوقاتِها.\nوقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيه ﵊: وبشِّر مقيمي الصلاةِ، المطيعى الله يا محمدُ، المؤمنين، بالثوابِ الجزيلِ منه.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٢٤ عن سعيد به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٧ من طريق عطاء عن سعيد عن ابن عباس به.","vol":"12","page":260},{"text":"<span id=\"aya-1452\"></span><span data-type='title' id=toc-4234>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال موسى: يا ربَّنا، إنك أعطيتَ فرعونَ وكبراءَ (^١) قومِه وأشرافَهم -وهم الملأُ- زينةٌ مِن متاعِ الدنيا وأثاثِها، وأموالًا مِن أعيانِ الذهبِ والفضةِ فى الحياةِ الدنيا، ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾. يقولُ موسى لربِّه: ربَّنا أعطيتَهم ما أعطيتَهم مِن ذلك ليضلُّوا عن سبيلِك.\nواختلف القرأةُ في قراءةِ ذلك.\nفقرأه بعضُهم: ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ بمعنى: ليُضلُّوا الناسَ عن سبيلك، ويصدُّوهم عن دينِك.\nوقرأ ذلك آخرون: (ليَضِلُّوا عَنْ سَبِيلك). بمعنى: ليضِلُّوهم عن سبيلِك، فيَجورُوا عن طريقِ الهُدى (^٢).\nفإن قال قائلٌ: أفكان الله جلّ ثناؤه أعطَى فرعونَ وقومَه ما أعطاهم مِن زينةِ الدنيا وأموالِها ليُضِلوا الناسَ عن دينِه، أو ليضلُّو هم عنه؟ فإن كان لذلك أعطاهم ذلك، فقد كان منهم ما أعطاهم لذلك (^٣)، فلا عتبَ عليهم في ذلك! [قيل: إن معنى ذلك] (^٤) بخلافِ ما توهَّمتَ.\n_________\n(^١) فى ت ١: \"وثم ذكر\"، وفى س: \"وذكر\"، وفى ف: \"ذكرا\".\n(^٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر بفتح الياء: \"ليَضِلُّوا\"، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالضم: ﴿لِيُضِلُّوا﴾. وينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٦٧، والتيسير في القراءات السبع ص ١٠٠، والكشف عن وجوه القراءات ١/ ٤٤٩.\n(^٣) في م: \"لأجله\"، وفي ت ٢: \"بذلك\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":261},{"text":"وقد اختلف أهلُ العربيةِ في معنى هذه \"اللامِ\" التي في قولِه: ﴿لِيُضِلُّوا﴾.\nفقال بعضُ نحويى البصرةِ: معنى ذلك: ربَّنا فَضَلوا عن سبيلِك، كما قال: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]. أي: فكان لهم، وهم لم يَلتقِطوه ليكونَ لهم عدوًّا وحَزَنًا، وإنما التقَطوه فكان لهم. قال: فهذه \"اللامُ\"، تَجيءُ في هذا المعنى.\nوقال بعضُ (^٣) نحويى الكوفةِ: هذه \"اللامُ\" لامُ كي. ومعنى الكلامِ: ربَّنا أعطيتَهم ما أعطيتَهم كي يُضِلُّوا، ثم دَعا عليهم.\nوقال آخرُ (^٤): هذه اللاماتُ في قولِه: ﴿لِيُضِلُّوا﴾، ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾. وما أشبَهَها بتأويلِ الخفضِ: آتيتَهم ما آتيتَهم لضلالِهم - والتقطوه لكونِه (^٥)، قد آلتِ الحالةُ إلى ذلك. والعربُ تجعلُ لامَ كي في معنى لامِ الخفضِ، ولامَ الخفضِ في معنى لامِ كي؛ لتقاربِ المعنى، قال اللهُ تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ (^٦) بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٩٥]. أى لإعراضِكم، ولم\n_________\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف. والمراد به هو الفراء ﵀. وينظر معاني القرآن ١/ ٤٧٧.\n(^٤) هو أبو العباس أحمد بن يحيى. كما نص عليه صاحب اللسان، حيث نقل آراء الكوفيين والبصريين في هذه \"اللام\". اللسان (ل وم).\n(^٥) بعده في: \"لأنه\".\n(^٦) في النسخ: \"يحلفون\". والمثبت هو الصواب.","vol":"12","page":262},{"text":"يحلفوا لإعراضهم (^١)، وقال الشاعرُ (^٢):\nسمَوتَ ولم تَكُن أَهلًا لِتَسْمُو … ولكنَّ المُضَيَّعَ قد يُصَابُ\nقال: وإنما يقالُ: وما كنتَ أهلًا للفعلِ. ولا يقالُ: لتفعل. إلا قليلًا. قال: وهذا منه.\nوالصوابُ مَن القولِ فى ذلك عندى أنها لامُ كي، ومعنى الكلامِ: ربَّنا أعطيتَهم ما أعطيتَهم مِن زينةِ الحياةِ الدنيا والأموالِ لتفتنَهم فيه، ويُضلوا عن سبيلِك عبادَك عقوبةً منك، وهذا كما قال جلّ ثناؤه: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن: ١٦، ١٧].\nوقوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. هذا دعاءٌ من موسى، دعا اللهَ على فرعونَ وملئِه أن يُغَيِّرَ أموالَهم عن هيئتِها، ويُبَدِّلَها إلى غيرِ الحالِ التي هي بها، وذلك نحوَ قولِه: ﴿أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧]. يعنى به: منِ قبلِ أن نغيرَها عن هيئتِها التي هي بها.\nيقالُ منه: طَمَسْتُ عينَه أطمِسَها، وأطمُسَها طمْسًا وطُمُوسًا. وقد تَستِعملُ العربُ الطمسَ فى العُفُوِّ والدُّثورِ، وفى الاندقاقِ والدُّروسِ، كما قال كعبُ بنُ زهيرٍ (^٣):\nمِن كلٍّ نضَّاحَةِ الذِّفْرَى إِذا عَرِقَت … عُرضَتُها طَامسُ الأعلامِ مجهولُ\nوقد اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك في هذا الموضعِ؛ فقال جماعةٌ منهم فيه مثلَ قولِنا\n_________\n(^١) يريد: الجعلهم يعرضون. وجاءت هذه العبارة فى اللسان بأوضح من هذا، قال: \"المعنى: لإعراضكم عنهم وهم لم يحلفوا لكي تعرضوا، وإنما حلفوا لإعراضهم عنهم\".\n(^٢) البيت في شرح التصريح ٢/ ٢٣٦، واللسان (ل وم).\n(^٣) تقدم في ٤/ ١١.","vol":"12","page":263},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبى (^١) زائدةَ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنى ابنُ جريجٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ، قال: بَلَغَنا عن القُرظيِّ في قولِه: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. قال: اجعلْ سُكَّرَهم (^٢) حجارةً.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظىِّ، قال: جعَل (^٣) سُكَّرَهم حجارةً (^٤)\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعٍ، عن أبي العاليةِ: ﴿اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. قال: جعلَها (^٥) حجارةً (^٦).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ابنُ سعدٍ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. قال: صارت حجارةً (^٧)\n_________\n(^١) سقط من: م، ف، وينظر تهذيب التهذيب ٣/ ٣٣٥، والثقات لابن حبان ٨/ ٢٥٥.\n(^٢) السُّكَّرُ، بالضم وشد الكاف: من الحلوى، معروف، معرب شكر بفتحتين، والسُّكَّرُ رطب طيِّب، نوع منه شديد الحلاوة، والسُّكَّرُ عنب يصيبه المرق فينتشر، فلا يبقى العنقود إلا أقله، وهو رطبٌ صادق الحلاوة عذبٌ أبيض. التاج (س ك ر).\n(^٣) في م: \"اجعل\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٨٣ من طريق سنيد، وهو الحسين بن داود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣١٥ إلى أبي الشيخ.\n(^٥) في م: \"اجعلها\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٩ من طريق يحيى بن يمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣١٥ إلى أبي الشيخ.\n(^٧) ذكرُه ابن كثير ٤/ ٢٢٥.","vol":"12","page":264},{"text":"حدَّثنابشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. قال: بَلَغَنا أن زروعَهم تحوَّلت حجارةً (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. قال: بلغنَا أن حُروثًا (^٢) لهم صارت حجارةً.\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا قبيصةُ بنُ عقبةَ، قال: ثنا سفيانُ: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. قال: يقولون: صارت حجارةً.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يحيى الحِمَّانيُّ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. قال: صارت حجارةً (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. قال: بَلَغنا أن حروثًا لهم صارت حجارةً (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٧٩ من طريق سعيد بن أبي عروبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣١٥ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في ص، ت،١، ت،٢، س، ف: \"حرثا\".\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٩ معلقًا.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٩٦.","vol":"12","page":265},{"text":"قال: جَعَلها الله حجارةً منقوشةً على هيئةِ ما كانت (^١).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. قال: قد فَعَل ذلك، وقد أصابَهم ذلك، طَمَس على أموالهم، فصارت حجارةً؛ ذَهَبُهم ودراهمُهم وعَدَسُهم، وكلُّ شيءٍ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أهلِكْها.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. قال: أهلِكْها.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ (^٣) أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٤)\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. يقولُ: دَمِّرْ عليهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٧٩ من طريق آخر عن الضحاك بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣١٥ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٥/ ٤٢٣.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٨٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٥ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.","vol":"12","page":266},{"text":"وأهلِكْ أموالَهم (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. فإنه يعنى: واطبَع عليها حتى لا تلينَ ولا تنشرحَ بالإيمانِ.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: وقال موسى قبلَ أن يأتىَ فرعونُ: ربنا اشدُدْ على قلوبِهم فلا يؤمِنوا حتى يَرَوا العذابَ الأليمَ. فاستجاب اللهُ له، وحالَ بينَ فرعونَ وبين الإيمانِ حتى أدرَكَه الغرقُ، فلم ينفعْه الإيمانُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ: واطبع على قلوبِهم ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، وهو الغرقُ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: بالضلالةِ.\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (^٤) ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. قال: بالضلالِة (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٨ عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣١٥ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٨٠ والبيهقى فى الاعتقاد ص ١٧٧ من طريق عبد الله به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٧٩، ١٩٨٠ عن محمد بن سعد به.\n(^٤) سقط من: ص، ت ٢، س.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٨٣، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٩.","vol":"12","page":267},{"text":"مجاهدٍ مثلَه\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضّحَاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ: أهلكهم كفارًا (^١)\nوأما قولُه: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. فإن معناه: فلا يصدِّقوا بتوحيدِ اللهِ ويُقِرُّوا بوحدانيتِه حتى يَرَوا العذابَ المُوجعَ (^٢).\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ باللهِ، فيما يَرَون من الآياتِ، ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\nقال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: سمِعتُ المقرئُ (^٤) يقولُ: ﴿فَلَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٧٩ من طريق أبي معاذ به.\n(^٢) فى ت ١: \"المؤلم\". وفى ت ٢: \"الأليم الموجع\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٨٣ ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٨٠.\n(^٤) في م: \"المنقرى\"، وفى ت ٢:\"المزنى\"، وهو عبد الله بن يزيد المقرئ. وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٣٢٠. وما سيأتي في ١٣/ ١٢٣.","vol":"12","page":268},{"text":"يُؤْمِنُوا﴾. يقولُ: دُعاءٌ عليهم.\nواختلف أهلُ العربيةِ فى موضعِ ﴿يُؤْمِنُوا﴾؛ فقال بعضُ نحويى البصرةِ: هو نصبٌ؛ لأن جوابَ الأمرِ بالفاءِ، أو يكونُ دعاءً عليهم إذ عَصَوا. وقد حُكى عن قائل هذا القولُ أنه كان يقولُ: هو نصبٌ، عطفًا على قولِه: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾.\nوقال آخرُ منهم (^١) - وهو قولُ نحويى الكوفيينَ: موضعُه جزمٌ على الدعاءِ مِن موسي عليهم، بمعني: فلا آمنوا (^٢)، كما قال الشاعرُ (^٣):\nفلا يَنْبَسط مِن بينِ عَينَيك ما انزَوَى … ولا تَلقَنى إلا وأنفُكَ رَاغِمُ\nبمعنى: فلا انبسَطَ مِن بينِ عينَيك ما انزَوى، ولا لَقِيتَنى. على الدعاءِ. [وكان بعضُ نحويبى الكوفةِ يقولُ: هو دعاءٌ، كأنه قال: اللهمَّ] (^٤) فلا يؤمنوا. قال: وإن شئتَ جعلتَها جوابًا لمسئلتِه إياه؛ لأن المسئلةَ خَرَجَت على لفظِ الأمرِ، فتجعلُ ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾، في موضعِ نصبٍ على الجوابِ، وليس بسهلٍ قال: ويكونُ كقولِ الشاعرِ (^٥):\nيا ناقُ سيرى عَنَقًا (^٦) فسيحا … إلى سليمانَ فَنستريحا\nقال: وليس الجوابُ بسهلٍ في الدعاءِ؛ لأنه ليس بشرطٍ.\n_________\n(^١) ينظر مجاز القرآن ١/ ٢٨١.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) هو الأعشى الكبير. والبيت في ديوانه ص ٧٩.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف\n(^٥) هو أبو النجم العجلى. والبيت فى ديوانه ص ٨٢ وسيأتي في سورة إبراهيم.\n(^٦) العنق: ضرب من السير، وهو المنبسط. اللسان (ع ن ق).","vol":"12","page":269},{"text":"والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أنه فى موضعِ جزمٍ على الدعاءِ، بمعنى: فلا آمنوا. وإنما اخترتُ ذلك لأن ما قبلَه دعاءٌ، وذلك قولُه: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، فإلحاقُ قولِه: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾. إذ كان في سياقِ ذلك بمعناه أشبهُ وأولى.\nوأما قولُه: ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. فإن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: معناه: حتى يَرُوا الغرقَ. وقد ذكَرنا الروايةَ عنه بذلك مِن بعضِ وجوهِها فيما مضَى (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال ابنُ عباسٍ: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. قال: العَرقُ.\n\n<span id=\"aya-1453\"></span><span data-type='title' id=toc-4235>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن الله عن إجابتِه لموسى ﷺ وهارونَ دعاءَهما على فرعونَ وأشرافِ قومِه وأموالِهم. يقولُ جلَّ ثناؤه: قال اللهُ لهما: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ في فرعونَ وملئِه وأموالِهم.\nفإن قال قائلٌ: وكيف نُسبت الإجابة إلى اثنين والدعاءُ إنما كان من واحدٍ؟ قيل: إن الداعىَ وإن كان واحدًا، فإن الثاني كان مؤمِّنًا وهو هارونُ، فلذلك نُسِبت الإجابةُ إليهما؛ لأن المؤمِّنَ داعٍ، وكذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢٦٧.","vol":"12","page":270},{"text":"جريجٍ، عن رجلٍ، عن عكرمةَ، قال (^١): ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾. [قال: كان موسى يدعو وهارونُ يؤمنُ، فذلك قولُه: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾] (^٢).\nوقد زَعَم بعضُ أهلُ العربيةِ أن العربَ تخاطبُ الواحدَ خطابَ الاثنين، وأنشَد في ذلك (^٣):\nفقلتُ لصاحبي لا تُعجَلانَا (^٤) … بِنَزعِ أصولِه واجتَزَّ شِيحَا\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا زكريا بنُ عدىٍّ، عن ابنُ المباركِ، عن إسماعيلَ ابنِ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ، قال: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾. قال: دعا موسى، وأمَّن هارونُ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي وزيدُ بنُ حبابٍ، عن موسى بنِ عبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، قال: دعا موسى، وأمَّن هارونُ (^٦)\nقال: ثنا أبو معاويةَ، عن شيخٍ له، عن محمدِ بنِ كعبٍ، قال: دعا موسى وأمَّن هارونُ.\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى\n_________\n(^١) فى م:\"في قوله\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف. والأثر ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٨٠ معلقًا، وذكره أيضًا ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٢٦.\n(^٣) البيت المضرس بن ربعي الأسدى. وقيل: ليزيد بن الطثرية. والبيت فى تأويلِ مشكل القرآن ص ٢٢٤، وشرح شواهد المغنى ٢/ ٥٩٨، واللسان (ج ز ز).\n(^٤) في مصادر التخريج: \"تحبسانا\". قال في اللسان: \"وقوله: لا تحبسنا بنزع أصوله. يقول: لا تحبسنا عن شيٍّ اللحم بأن تقلع أصول الشجر، بل خذ ما تيسر من قضبانه وعيدانه، وأسرع لنا فى شيّه. ويروى: لا تحبسانا\".\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٨٠ معلقا، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٢٦.\n(^٦) أخرجه سعيد بن منصور (١٠٧٥ - تفسير) من طريق آخر عن محمد بن كعب بنحوه، وذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٨٠ معلقا، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٢٦.","vol":"12","page":271},{"text":"العاليةِ، قال: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾. قال: دعا موسى، وأمَّن هارونُ (^١).\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، وعبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: دعا موسى، وأمَّن هارونَ، فذلك قولُه: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن رجلٍ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾. قال: كان موسى يدعو وهارونُ يؤمِّنُ، فذلك قولُه: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباس: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾؛ لموسى وهارونَ، قال ابنُ جريجٍ: قال عكرمةُ: أمَّن هارونُ على دعاءِ موسى، فقال اللهُ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: كان هارونُ (^٥) يقولُ: آمين. فقال اللهُ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾. فصار التأمينُ دعوةً، صار شريكَه فيها (^٦).\nوأما قولُه: ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾. فإنه أمرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه لموسى وهارونَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٨٠ من طريق أبي جعفر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٨٠ من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٩٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٥ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٥ إلى أبى الشيخ دون أثر عكرمة.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٥ إلى المصنف.","vol":"12","page":272},{"text":"بالاستقامة والثباتِ على أمرِهما من دعاءِ فرعونَ وقومِه إلى الإجابةِ إلى توحيدِ اللهِ وطاعتِه، إلى أن يأتيهَم عقابُ اللهِ الذي أخبَرهما أنه أجابهما فيه.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾: فامضيا لأمرى، وهى الاستقامةُ. قال ابنُ جريجٍ: يقولون: إن فرعونَ مكثَ بعدَ [هذه الدعوةِ] (^١) أربعين سنةً (^٢).\nوقولُه: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولا تَسلُكانِّ طريقَ الذين يَجهَلون حقيقةَ وعدى، فتستَعجِلان قَضائى، فإن وعدى لا خُلفَ له، وإن وعيدى نازلٌ بفرعونَ، وعذابى واقعٌ به وبقومِه.\n\n<span id=\"aya-1454\"></span><span data-type='title' id=toc-4236>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقطَعنا ببنى إسرائيلَ البحرَ حتى جاوَزوه، ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ﴾. يقولُ: فتَبِعهم فرعونُ، ﴿وَجُنُودُهُ﴾. يقالُ منه: أتبَعتُه وتبِعتُه، بمعنًى واحدٍ.\nوقد كان الكسائيُّ فيما ذكَر أبو عبيدٍ عنه يقولُ: إذا أُريدَ أنه أتبَعهم خيرًا أو شرًّا، فالكلامُ (^٣): أتبَعَهم بهمزِ الألفِ، وإذا أريد أنه (^٤) اتَّبع أثرَهم أو اقتدَى بهم،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س، ف: \"هذه الآية\"، وفي ت ٢: \"هذا\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٢٦، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٣١٥ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قال كلام\".\n(^٤) سقط من: م.","vol":"12","page":273},{"text":"فإنه من اتَّبعتُ، مشددةَ التاءِ غير مهموزةِ الألفِ\n﴿بَغْيًا﴾ على موسى وهارونَ ومَن معهما مِن قومِهما مِن بني إسرائيلَ، ﴿وَعَدْوًا﴾. يقولُ: واعتداءً عليهم.\nوهو مصدرٌ مِن قولهم: عَدا فلانٌ على فلانٍ في الظلمِ، يَعدو عليه عدوًا. مثل: غزا يَغْزُو غزوًا.\nوقد رُوى عن بعضِهم أنه كان يقرَأُ: (بغيا وعُدُوا) (^١). وهو أيضًا مصدرٌ مِن قولهم: عَدَا يعدوا عدُوًّا. مثل: علا يَعلو عُلوًّا.\n﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾، يقولُ: حتى إذا أحاطَ به الغرقُ. وفي الكلامِ متروكٌ قد تُرِك ذكرُه اكتفاءً (^٢) بدَلالةِ ما ظهَر مِن الكلامِ عليه، وذلك: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾، فيه فغَرَّقناه، ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾.\nوقولُه: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ فرعونَ حينَ أشفَى (^٣) على الغرقِ وأيقَن بالهلكة: ﴿آمَنْتُ﴾. يقولُ: أَقرَرتُ ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾.\nواختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك. فقرَأه بعضُهم، وهو قراءةُ عامةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿أَنَّهُ﴾، بفتحِ الألفِ مِن ﴿أَنَّهُ﴾ على إعمالِ آمنتُ فيها ونصبِها به (^٤).\n_________\n(^١) هي قراءة الحسن وقتادة وأبو رجاء وعكرمة، وهي قراءة شاذة. ينظر مختصر شواذ القراءات لابن خالويه ص ٦٣.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) فى م، ت ٢:\" أشرف\". وأشفى على الشيء: أشرف عليه. اللسان (ش ف ى).\n(^٤) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم. ينظر السبعة ص ٣٣٠، والكشف عن وجوه القراءات ١/ ٥٢٢.","vol":"12","page":274},{"text":"وقرأ آخرون: (آمنتُ إنه)، بكسرِ الألفِ مِن ﴿أَنَّهُ﴾ على ابتداءِ الخبرِ، وهى قراءةُ عامةِ الكوفيين (^١).\nوالقولُ فى ذلك عندى أنهما قراءتان مُتقاربنا المعنى، وبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ شدّادٍ، قال: اجتمَع يعقوبُ وبنوه إلى يوسفَ، وهم اثنان وسبعون، وخرَجوا مع موسى مِن مصرَ حينَ خَرجوا، وهم ستُّمائةِ ألفٍ فلما أدرَكهم فرعونُ فرأَوه، قالوا: يا موسى أين المخرجُ فقد أُدركنا؟ قد كُنَّا نلقَى مِن فرعونَ البلاءَ. فأوحَى اللهُ إلى موسى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] ويَبِسَ لهم البحرُ، وكشَفَ اللهُ عن وجهِ الأرضِ، وخرَج فرعون على فرسٍ حصانٍ أدهَمَ (^٢)، على لونِه مِن الدُّهم ثمانمائةِ ألفٍ سِوى ألوانِها من الدوابِّ، وكانت تحتَ جبريلَ ﵇ فرسٌ وَدِيقٌ (^٣) ليس فيها أنثى غيرُها، وميكائيلُ يسوقُهم، لا يَشِذُّ رجلٌ منهم إلا ضَمَّه إلى الناسِ، فلما خرَج آخِرُ بني إسرائيلَ دَنا منه جبريلُ ولَصِقَ به، فوجَدَ الحصانُ ريحَ الأنثى، فلم يَمِلكْ فرعونُ مِن أمره شيئًا، وقال: أقدمِوا، فليس القومُ أحقَّ بالبحرِ منكم. ثم\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة والكسائي. ينظر المصدرين السابقين.\n(^٢) الأدهم: الأسود. اللسان (د هـ م).\n(^٣) فرس وديق: هى التى تشتهى الفحل. النهاية ٥/ ١٦٨.","vol":"12","page":275},{"text":"أتبعَهم فرعونُ، حتى إذا همَّ أولُهم أن يخرُجوا، ارتَطَم ونادى فيها: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. ونُودى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عطاءِ ابنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ وعن عديِّ بنِ ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ، جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: رفعَه (^٢) أحدُهما إلى النبيِّ ﷺ. فقال: \"إن جبريلَ كان يَدُسُّ فى فمِ فرعونَ الطينَ مخافةَ أن يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ\" (^٣).\nحدَّثني الحسينُ بنُ عمرُو بنِ محمدٍ العنقزىُّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبةُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، و(^٤) عن عديِّ بنِ ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"جعَل جبريلُ ﵇ يدُسُّ -أو يحشو- في فمِ فرعونَ الطينَ مخافة أن تُدرِكَه الرحمةُ\".\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن كثيرِ بنِ زاذانَ، عن أبى حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال النبىُّ ﷺ: \"قال لى جبريلُ: يا محمدُ، لو رأيتَنى وأنا أَغِطُّه (^٥) وأدُسُّ من الحالِ (^٦) فى فِيه مخافةَ أن تُدركَه رحمةُ اللهِ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١/ ٦٥٥، ٦٥٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٨١، ١٩٨٢ من طريق محمد بن كعب بنحوه مختصرًا.\n(^٢) فى م، ت ٢: \"يرفعه\".\n(^٣) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٢٣٨) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أحمد ٤/ ٤٥، ٥/ ٢٤٥ (٢١٤٤، ٣١٥٤)، والحاكم ١/ ٥٧ من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الطيالسي (٢٧٤٠)، والترمذى (٣١٠٨)، وابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٨٢ من طرق عن شعبة به.\n(^٤) سقط من: النسخ. والمثبت هو الصواب كما في الحديث السابق. وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٨٦.\n(^٥) غطه في الماء: كبسه. التاج (غ ط ط).\n(^٦) فى م، ت ٢: \"حمئه\". والحال: الطين الأسود كالحمأة. النهاية ١/ ٤٦٤.","vol":"12","page":276},{"text":"فيغفِرَ له\". يعني فرعونَ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن علىٍّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مهرانَ، عن ابنِ عباسٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: \"لمَّا أغرَق اللهُ فرعونَ قال: آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمَنَت به بنو إسرائيلَ. فقال جبريلُ: يا محمدُ، لو رأيتَني وأنا أخُذُ مِن حالِ (^٢) البحرِ وأدُسُّه في فِيه، مخافةَ أن تُدرِكَه الرحمةُ\" (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثني عمرُو بنُ (^٤) حكامٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"لمَّا قال فرعونُ: لا إله إلا اللهُ. جَعَل جبريلُ يحشُو في فِيه الطينَ والترابَ\".\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: أخبَرني من سمِعَ ميمونَ بنَ مهرانَ يقولُ في قولِه: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾. قال: أخَذ جبريلُ مِن حَمأةِ البحرِ فضرَب بها فاه -أو قال: ملأ بها فاه- مخافةَ أن تُدرِكَه رحمةُ الله.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ علىٍّ، عن جعفرِ بنِ بُرقانَ، عن ميمونِ ابنِ مهرانَ، قال: خطَب الضحاكَ بنُ قيسٍ، فحَمِد اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: إن فرعونَ كان عبدًا طاغيًا ناسيًا لذكرِ اللهِ، فلما أدرَكه الغرقُ قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن عدى ٢/ ٧٨٩، والبيهقى فى شعب الإيمان (٩٣٩٠) من طريق حكام به.\n(^٢) فى م، ت ٢:\" حمأة\".\n(^٣) أخرجه الترمذى (٣١٠٧)، والطبراني (١٢٩٣٢)، والحاكم ٤/ ٢٤٩ من طرق عن حجاج به. والطيالسي (٢٨١٦)، وأخرجه أحمد ٤/ ٨٢ (٢٢٠٣)، وابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٨٢، من طرق عن حماد به\n(^٤) فى م: \"عن\". وينظر التاريخ الكبير ٦/ ٣٢٤، والجرح والتعديل ٦/ ٢٢٧.","vol":"12","page":277},{"text":"إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال اللهُ: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.\nقال: ثني أبي، عن شعبة، عن عديِّ بنِ ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن فِرعونَ لما أدركه الغرقُ جعَل جبريلُ يَحشُو (^١) في فِيه الترابَ خشيةَ أن يُغفرَ له\nقال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، عن عيسى بنِ المغيرةِ، عن إبراهيمَ التيميِّ، أن جبريلَ ﵇ [قال: ما حسَدتُ أحدًا] (^٢) مِن بنى آدمَ (^٣) الرحمةَ إلا فرعونَ، فإنه حينَ قال ما قال خشيتُ أن تصلَ إلى الربِّ فأخَذتُ مِن حَمأةِ البحر وزَبدِه، فضرَبتُ به عينَيه ووجهَه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ قال: أخبَرنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن عمرَ بنِ يعلى، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال جبريلُ ﵇: لقد حَشَوتُ فاه بالحَمأةِ مخافةَ أن تُدرِكَه الرحمةُ (^٤).\n\n<span id=\"aya-1455\"></span><span data-type='title' id=toc-4237>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُعرّفًا فرعونَ قُبحَ صَنيعه أيامَ حياتِه، وإساءتَه إلى نفسِه أيامَ صحتِه، بتمَادِيه ومعصيتِه ربَّه، حينَ فَزِعَ إليه فى حالِ حلولِ سَخَطِه به، ونُزُولِ\n_________\n(^١) فى م، ت ٢، ف: \"يحثو\".\n(^٢) في م: \"ما خشيت على أحد\".\n(^٣) إلى هنا ينتهى الخرم المشار إليه في ص ٢٥٤ من مخطوط الأصل.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٨٢ من طريق أبي خالد الأحمر عن عمر بن عبد الله الثقفى به بنحوه.","vol":"12","page":278},{"text":"عقابِه به (^١)، مُستَجِيرًا به من عذابِه الواقعِ به، لما ناداه وقد عَلَته أمواجُ البحرِ، وغَشِيته كُربُ الموتِ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ له، المُنقادين بالذلةِ له، المُعترِفين بالعبوديةِ: الآن تُقِرُّ للهِ بالعبوديةِ، وتستسلمُ له بالذلة، وتُخلص له الألوهةَ، وقد عصيتَه قبلَ نزولِ نِقمتَه بك، فأسخَطتَه على نفسِك، وكنتَ مِن المفسدين فى الأرضِ، الصادِّين عن سبيلِه؟ فهلَّا وأنت فى مَهَلٍ، وبابُ التوبةِ لك منفِتحٌ، أقررتَ بما أنت به الآن مُقِرٌّ؟.\n\n<span id=\"aya-1456\"></span><span data-type='title' id=toc-4238>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لفرعونَ: فاليوم نجعَلُك على نَجوةٍ مِن الأَرضِ ببدنِك، ينظُرُ إليك هالكًا من كذَّب بهلاكِك؛ ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾. يقولُ: لتكون (^٢) لمَن بعدَك مِن الناسِ عبرةً يعتَبِرون بك، فيَنَزجِرون عن معصيةِ اللهِ والكفرِ به، والسَّعي في أرضِه بالفسادِ.\nوالنَّجوةُ، الموضعُ (^٣) المرتفعُ على ما حولَه مِن الأرضِ، ومنه قولُ أوسِ بنِ حجر (^٤):\nفَمَن بِعَقوتِه (^٥) كَمَن بِنجوتِه … والمُستَكِنُّ كَمَن يَمشى بِقِرواحِ (^٦)\n_________\n(^١) سقط من: م، ف.\n(^٢) سقط من: ص، م، ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) البيت في ديوانه ص ١٦ وفيه بعض الفروق عن ما هنا.\n(^٥) العقوة: الساحة وما حول الدار والمحلة. اللسان (ع ق و).\n(^٦) القرواح: الأرض البارزة للشمس. اللسان (ق رح).","vol":"12","page":279},{"text":"وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مِن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنَ سليمانَ، عن أبيه، عن أبي السَّليلِ، عن قيسِ بنِ عُبادٍ (^١) أو (^٢) غيرِه، قال: قالت (^٣) بنو إسرائيلَ لموسى: إنه لم يَمت. تعنى (^٤) فرعونَ. قال: فأخرَجه اللهُ إليهم ينَظُرون إليه مثلَ الثورِ الأحمرِ (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن سعيد الجُرَيريِّ، عن أبي السَّليلِ، عن قيسِ بنِ عُبادٍ (^٦) - قال: وكان مِن أكثرِ (^٧) الناسِ، أو: أحدثِ الناسِ- عن بني إسرائيلَ. قال: فحدَّثنا أن أولَ جنودِ فرعونَ لمَّا انتهَى إلى البحرِ، هابَت الخيلُ اللِّهبَ (^٨). قال: ومَثَل لحصانٍ منها فرسٌ وَديقٌ، فَوَجَد ريحَها. قال أبو جعفرٍ: أحسَبُه أنا قال: فانسلَّ فاتَّبعَته الخيلُ (^٩)\n- قال: فلمَّا تتامَّ آخرُ جنودِ فرعونَ في البحرِ، وخرَج آخرُ بنى إسرائيلَ، أُمِر البحرُ فانصفَق (^١٠) عليهم،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عبادة\"، وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٦٤.\n(^٢) فى م: \"و\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٢٩٨ من طريق أبي السليل به.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"معاذ\".\n(^٧) في ت ١، ت،٢، س: \"أكبر\".\n(^٨) في ص، ت ٢ س:\"اللهث\"، وفى ت ١: \"اللث\". واللهب؛ بالكسر: الفرجة والهواء بين، الجبلين. اللسان (ل هـ ب).\n(^٩) سقط من: م، ف.\n(^١٠) فى م، ت ٢: \" فانطبق\". وانصفق: رجع. اللسان (ص ف ق).","vol":"12","page":280},{"text":"فقالت بنو إسرائيلَ: ما مات فرعونُ، وما كان ليموتَ أبدًا. فَسَمِعَ الله تكذيبَهم نبيَّه ﵇. قال: فرَمَى به على الساحلِ، كأنه ثورٌ أحمرُ يَتراءاه بنو إسرائيلَ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال ثنا موسى بنُ عبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ شدادٍ: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾. قال: بدنُه جسدُه، رمَى به البحرُ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾. قال: بجسدِك.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١)\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، عن القاسمِ بنِ أبي أيوبَ، قال: ثنى سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا جاوَز موسى البحرَ بجميعِ مَن معه، التقى البحرُ عليهم -يعنى على فرعونَ وقومِه- فأغرَقَهم، فقال أصحابُ موسى: إنا نخافُ أن لا يكونَ فرعونُ، غَرِقَ، ولا نؤمِنُ بهلاكِه. فَدَعا ربَّه فأخرَجه، فنبَذَه البحر حتى استيقَنوا بهلا كهـ (^٢)\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٨٣ ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٨٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣١٦ إلى ابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف وأبى الشيخ\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٠٧ (٥١٠) من طريق يزيد به، وأخرجه أيضًا في ٨/ ٢٧٧٥.","vol":"12","page":281},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ (^١)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾. يقولُ: أنكرَ ذلك طوائفُ مِن بني إسرائيلَ، فقذَفه اللهُ على ساحلِ البحرِ يَنظُرون إليه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾. قال: لما غرَّق (^٢) اللهُ فرعونَ، لم تصدِّقْ طائفةٌ مِن الناسِ بذلك، فأخرَجه اللهُ آيةً وعِظَةً (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ التيميِّ، عن أبيه، عن أبي السَّليلِ، عن قيسِ بنِ عُبادٍ أو غيرِه، بنحوِ حديثِ ابنِ عبدِ الأعلى، عن معتمرٍ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ، عن ابنِ جريجٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ.، عن مجاهدٍ: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾، قال: بجسدِك.\n[ثنا ابنُ وكيعِ] (^٥) قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ (^٦)، عن ابنِ جريجٍ، قال: بَلَغنى عن مجاهدٍ: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾. قال: بجسدِك.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: كَذَّبَ بعضُ بني إسرائيلَ بموتِ فرعونَ، فرَمَى به على ساحلِ البحِر ليَراه بنو\n_________\n(^١) في الأصل: \"زيد\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ف: \"أغرق\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٨٤ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣١٦ إلى عبد الرزاق وابن المنذر.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"معمر\". وينظر ما تقدم في ص ٢٨٠.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف\n(^٦) فى م، ت ١، ف: \"بكير\". وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٥٣٠.","vol":"12","page":282},{"text":"إسرائيلَ. قال: أحمرُ كأنه ثورٌ.\nوقال آخرون: [معنى ذلك] (^١) تَنْجو بجسدِك مِن البحرِ، فتخرجُ منه\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾. يقولُ: أنجَى اللهُ فرعونَ لبنى إسرائيلَ مِن البحرِ، فنَظَروا إليه بعدَ ما غَرِقَ (^٢).\nفإن قال قائلٌ: وما وجهُ قولِه: ﴿بِبَدَنِكَ﴾؟ وهل كان (^٣) يجوز أن يُنَجِّيه بغيرِ بدنِه، فيحتاجُ الكلامُ إلى أن يقالَ فيه: ﴿بِبَدَنِكَ﴾؟\nقيل: كان جائزًا أن يُنَجِّيَه بهيئتِه حيًّا كما دَخَل البحرَ، فلما كان جائزًا ذلك، قيل: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾، ليُعْلَمَ أنه ينجِّيه بالبدنِ بغيرِ روحٍ، ولكن ميتًا.\nوقولُه: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا﴾، يعني: عن حُجَجنا وأدلتِنا على أن العبادةَ والألوهة لنا خالصةٌ، ﴿لَغَافِلُونَ﴾. يقولُ: لساهون، لا يَتَفكَّرون فيها، ولا يَعْتَبِرون بها.\n\n<span id=\"aya-1457\"></span><span data-type='title' id=toc-4239>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٦ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف","vol":"12","page":283},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد أنزلنا بني إسرائيلَ منازلَ صِدْقٍ.\nقيل: عُنى بذلك الشامُ وبيتُ المقدسِ. وقيل: عُنِى به الشامُ ومصرُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ وأبو خالدٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكَ: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾. قال: منازلَ صدقٍ؛ مصرَ والشامَ (^١)\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾. قال: بَوَّأَهم اللهُ الشامَ وبيتَ المقدسِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾. [قال: مبوأُ صدقٍ] (^٣): الشامُ. وقرأ: ﴿الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (^٤) [الأنبياء: ٧١].\nوقولُه: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾. يقولُ: ورَزَقنا بني إسرائيلَ مِن حلالِ الرزقِ، وهو الطيِّبُ.\nوقولُه: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: فما اخْتَلف هؤلاء الذين فَعَلنا هذا الفعل من بني إسرائيلَ، حتى جاءَهم ما كانوا به\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٨٥، وابن عساكر في تاريخه ١/ ١٥١ من طريق جويير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣١٦ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٨٥ عن محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٩٧، ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه ١/ ١٤٣، ١٥١ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣١٦ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، س.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٨٥ من طريق آخر عن ابن زيد به.","vol":"12","page":284},{"text":"عالمين؛ وذلك أنهم كانوا قبلَ أن يُبْعَثَ محمدٌ ﷺ مُجْمِعِين على نبوةِ محمدٍ، والإقرارِ به وبمَبْعثِه، غيرَ مختلِفين فيه بالنعتِ الذى كانوا يجدونه مكتوبًا عندَهم، فلما جاءهم ما عَرَفوا كَفَرَ به بعضُهم، وآمَن به بعضُهم، والمؤمنون به منهم كانوا عددًا قليلًا. فذلك قولُه: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ [الْعِلْمُ﴾. ومعناه: حتى جاءَهم] (^١) المعلومُ الذى كانوا يعلمونه نبيًّا للهِ. فَوَضَعَ \"العِلْمَ\" مكانَ المعلومِ.\nوقد كان بعضُهم يتأوَّلُ \"العلمَ\" ههنا كتابَ اللهِ ووَحْيَه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بغيًا بينهم (^٢). قال: العلمُ كتابُ اللَّهِ الذى أنزله، وأمرُه الذى أمَرهم به، وهل اختلَفوا حتى جاءهم العلمُ بغيًا بينهم؟ أهلُ هذه الأهواِء هل اقْتَتلوا إلا على البغيِ؟ قال: والبغىُ وجهان؛ وجهُ النَّفَاسِةِ في الدنيا، ومَن اقتَتلَ عليها من أهلِها، وبغىٌ فى العلمِ، يَرَى هذا جاهلًا مُخْطِئًا، ويرى نفسَه مصيبًا عالمًا، فيبْغى بإصابتِه وعلمِه على هذا المخطئ (^٣).\nوقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إن ربَّك يا محمدُ يَقْضِى بين المختلِفين مِن بني إسرائيلَ فيك (^٤) يومَ القيامةِ، فيما كانوا فيه مِن أمرِك (^٥) في الدنيا يختلِفون، بأن\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) كذا في النسخ، زاد: بغيا بينهم. وليست من الآية، وهذه الزيادة في آية سورة آل عمران ١٩، والشورى ١٤، والجاثية ١٧. ولم يذكر المصنف هذا الخبر فى تفسير العلم والبغى فى هذه الآيات من هذه السور.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٧ إلى المصنف وأبى الشيخ، مقتصرًا على أوله.\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س: \"قبل\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"أمرى\".","vol":"12","page":285},{"text":"يُدْخِلَ المُكذِّبين بك منهم النارَ، والمؤمنين بك منهم الجنةَ. فذلك قضاؤُه فيهم يومَئِذٍ فيما كانوا فيه يَخْتَلِفون من أمرِ محمدٍ ﷺ.\n\n<span id=\"aya-1458\"></span><span data-type='title' id=toc-4240>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فإن كنتَ يا محمدُ في شَكٍّ مِن حقيقةِ ما أخبَرناك [وأَنزَلنا] (^١) إليك مِن أن بنى إسرائيلَ لم يَخْتَلِفوا في نبوتِك قبلَ أن تُبْعَثَ رسولًا إلى خلقِنا (^٢)؛ لأنهم يَجِدونك عندَهم مكتوبًا، ويَعْرِفونك بالصفةِ التي أنت بها موصوفٌ في كتابِهم فى التوراةِ والإنجيلِ، ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ ل﴾ مِن أهلِ التوراةِ والإنجيلِ؛ كعبدِ اللَّهِ بنِ سلامٍ، ونحوه مِن أهلِ الصدقِ والإيمان بك منهم، دونَ أهلِ الكذبِ والكفرِ بك منهم.\nوبنحوِ الذى قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال: التوراةَ والإنجيلِ، الذين أدْرَكوا محمدًا ﷺ من أهلِ الكتابِ فأمَنوا به. يقولُ: سَلْهم إن كنتَ فى شكٍّ بأنك مكتوبٌ عندَهم (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"فأنزلنا\"، وفى م، ف: \"وأنزل\".\n(^٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"خلقه\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٧ إلى المصنف وأبى الشيخ","vol":"12","page":286},{"text":"كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال: هو عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ، كان مِن أهلِ الكتابِ، فآمَن برسولِ اللهِ ﷺ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال: يعنى أهلَ التقوى وأهلَ الإيمانِ من أهلِ الكتابِ ممن أدَرك نبىَّ الله ﷺ (^٣).\nفإن قال قائلٌ: أوَ كان رسولُ اللهِ ﷺ فى شكٍّ مِن خبرِ اللهِ أنه حقٌّ يقينٌ، حتى قيلَ له: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قيل: لا. وكذلك قال جماعةٌ منِ أهلِ العلمِ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾. فقال: لم يشُكَّ النبيُّ ﷺ ولم يسألْ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا سويدُ بنُ عمرٍو، عن أبي عَوانةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال: ما شكَّ وما سأل (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٨٦ من طريق أصبغ عنه به.\n(^٢) تفسير البغوى ٤/ ١٥٠.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٨٦ من طريق أبي معاذ به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٧٧ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٧٦ - تفسير) عن أبي عوانة به.","vol":"12","page":287},{"text":"حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلامٍ، قال: ثنا هشيم، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ومنصورِ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ، قال: لم يشُكٍّ رسولُ اللهِ ﷺ ولم يسألْ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: ذُكِر لنا أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"لا أشُكُ ولا أَسْأَلُ\".\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال: بَلَغَنا أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"لا أَشُكُ ولا أسألُ\" (^٢).\nفإن قال (^٣): فما وجهُ مخرجِ هذا الكلامِ إذن إن كان الأمرُ على ما وصفت؟ قيل: قد بَيَّنا في غيرِ موضعِ مِن كتابِنا هذا، استجازةَ العربِ قولَ القائلِ منهم لمملوكِه: إن كنتَ مملوكي فانْتهِ إلى أمرى. والعبدُ المأمورُ بذلك لا يشكُّ سيدُه القائلُ له ذلك أنه عبدُه، كذلك قولُ الرجلِ منهم لابنِه: إن كنتَ ابني فَبِرَّنى. وهو لا يشُكُّ فى ابنِه أنه ابنُه، وإن ذلك مِن كلامِهم صحيحٌ مستفيضٌ فيهم، وذكرَنا ذلك بشواهدِه، وأن منه قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. وقد عَلِم جلّ ثناؤُه أن عيسى لم يقُلْ ذلك، وهذا من ذلك، لم يكنْ ﷺ شاكًّا في حقيقةِ خبرِ اللَّهِ وصحته، والله تعالى بذلك من أمره كان عالمًا، ولكنه جلّ ثناؤُه خاطَبه خطابَ قومِه\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٧٧ - تفسير) عن هشيم به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٩٧ عن معمر به.\n(^٣) بعده في ت ٢، ف: \"قائل\".","vol":"12","page":288},{"text":"بعضهم بعضًا، إذ كان القرآنُ بلسانهم نَزَلَ.\nوأما قولُه: ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. فهو خبرٌ مِن اللهِ مبتدأٌ، يقولُ تعالى ذكرُه: أُقسِمُ لقد جاءك الحقُّ اليقينُ مِن الخبِر بأنك للَّهِ رسولٌ، وأن هؤلاء اليهودَ والنصارى يَعْلَمون صحةَ ذلك، ويَجِدون نعتَك عندَهم في كتُبِهم. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. يقولُ: فلا تكوننَّ مِن الشاكِّين في صحةِ ذلك وحقيقتِه.\nولو قال قائلٌ: إن هذه الآيةَ خُوطب بها النبيُّ ﷺ، [والمرادُ بها بعضُ مَن لم يكُنْ صَحت بصيرتُه بنبوتِ ﷺ] (^١) ممن كان قد أظهر الإيمانَ بلسانِه، تنبيهًا له على موضعِ تَعَرُّفِ (^٢) حقيقةِ أمرِه الذى يزيلُ اللَّبْسَ عن قلبِه، كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١]. كان قولًا غيرَ مدفوعةٍ صحتُه.\n\n<span id=\"aya-1459\"></span><span data-type='title' id=toc-4241>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: ولا تكونن يا محمدُ مِن الذين كذَّبوا بحُجَج الله وأدلتِه، فتكونَ ممن غُبِنَ حظَّه، وباع رحمةَ اللهِ ورضاه بسَخَطِه وعقابِه.\n\n<span id=\"aya-1460\"></span><span data-type='title' id=toc-4242>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يعرف\".","vol":"12","page":289},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين وَجَبَت عليهم يا محمدُ كلمةُ ربِّك، وهى (^١) لعنتُه إياهم، بقوله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]. فَتَبَتَت عليهم. يقالُ. منه: حقَّ على فلانٍ كذا يَحِقُّ عليه. إذا ثَبَت ذلك عليه ووَجَب.\n\n<span id=\"aya-1461\"></span>وقولُه: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾. يقولُ: لا يُصَدِّقون بحجج الله، ولا يُقرون بوحدانية ربِّهم، ولا بأنك للهِ رسولٌ - ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ وموعظةٍ وعبرةٍ، فعايَنُوها- حتى يُعاينوا العذابَ الأليمَ، كما لم يؤمِنْ فرعونُ ومَلَؤُه، إذ حقَّت عليهم كلمةُ ربِّك، حتى عايَنوا العذابَ الأليمَ، فحينَئذٍ قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونسُ: ٩٠]. حين لم ينفعه قيلُه ذلك، فكذلك هؤلاء الذين حَقَّت عليهم كلمةُ ربِّك من قومِك؛ مِن عبدةِ الأوثانِ وغيرِهم، لا يؤمنون بك فيَتَّبِعونك إلا فى الحينِ الذى لا يَنفَعُهم إيمانُهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n<span data-type='title' id=toc-4243>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\n\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال: حقَّ عليهم سَخَطُ اللَّهِ بما عَصَوه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: حَقٌّ عليهم سَخَطُ اللَّهِ بما\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س: \"هو\".","vol":"12","page":290},{"text":"عَصَوهُ (^١).\n\n<span id=\"aya-1462\"></span><span data-type='title' id=toc-4244>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: (فهَلَّا كانت قريةٌ آمنت). وهي كذلك فيما ذُكِرَ في قراءةِ أبيٍّ (^٢).\nومعنى الكلامِ: فما كانت قريةٌ آمَنت عندَ مُعاينتها العذابَ، ونزولَ سَخَطِ اللَّهِ بها، بعصيانِها ربَّها واستحقاقِها عقابِه، فنَفَعَها إيمانُها ذلك في ذلك الوقتِ، كما لم ينفَعْ فرعونَ إيمانُه حين أدركه الغرَقُ بعدَ تمادِيه في غَيِّه، واستحقاقِه سَخَطَ اللهِ بمعصيتِه ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾، فإنهم نَفَعَهم إيمانُهم بعدَ نزولِ العقوبةِ وحلولِ السخَطِ بهم، فاستَثْنى اللهُ قومَ يونسَ مِن أهلِ القرى الذين لم يَنْفَعْهم إيمانُهم بعدَ نزولِ العذابِ بساحتِهم، وأخرجَهم منهم، وأخبَر خلْقَه أنه نفعَهم إيمانُهم خاصةً مِن بينِ سائرِ الأممِ غيرِهم.\nفإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ على ما وصفتَ مِن أن قولَه: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾. بمعنى: فما كانت قريةٌ آمَنت. بمعنى الجحودِ، فكيف نصَب ﴿قَوْمَ﴾، وقد علِمَت أن ما قبلَ الاستثناءِ إذا كان جحدًا كان ما بعدَه مرفوعًا، وأن الصحيحَ مِن كلامِ العربِ: ما قامَ أحدٌ إلا أخوك وما خَرَجَ (^٣) إلا أبوك.\nقيل: إن ذلك إنما يكونُ كذلك إذا كان ما بعدَ الاستثناءِ مِن جنسِ ما قبلَه،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٨٦ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٩٨ عن معمر به.\n(^٢) هي قراءة شاذة، وينظر البحر المحيط ٥/ ١٩٢.\n(^٣) بعده في م، ف: \"أحد\".","vol":"12","page":291},{"text":"وذلك أن الأخَ مِن جنس أحدٍ، وكذلك الأبُ، ولكن لو اختلَف الجنسانِ حتى يكونَ ما بعدَ الاستثناءِ مِن غيرِ جنسِ ما قبلَه، كان الفصيحُ مِن كلامِهم النصبَ، وذلك لو قلتَ: ما بَقِى فى الدارِ أحدٌ إلا الوتِدَ. وما عندَنا أحدٌ إلا كلبًا أو حمارًا. لأن الكلبَ والوتدَ والحمارَ مِن غيرِ جنسِ أحدٍ، ومنه قولُ النابغةِ الذُّبيانيِّ (^١)\n..................... عَيَّتْ (^٢) جوابًا وما بالرَّبْعِ مِن أحدِ\nثم قال:\nإِلَّا أَوَارِىَّ (^٣) لأْيًا ما أُبَيِّنُها … والنُّؤْىُ كالحوضِ بالمظلومةِ الجَلَدِ\nفنصَب الأوارِىَّ، إذ كان مستثنًى مِن غيرِ جنسِه، فكذلك نَصْبُ ﴿قَوْمَ يُونُسَ﴾، نُصبوا (^٤) لأنهم أمةٌ غيرُ الأممِ الذين استُثْنُوا منهم ومن غيرِ جنسِهم وشكلِهم، وإن كانوا مِن بني آدمَ، وهذا الاستثناءُ الذي يسمِّيه بعضُ أهلِ العربيةِ الاستثناءَ المنقَطِعَ، ولو كان قومُ يونسَ بعضَ الأمةِ الذين استُثنوا منهم كان الكلامُ رَفْعًا، ولكنهم كما وَصفتُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾.\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ١٨٣، ١٨٤.\n(^٢) في م: \"أعيت\".\n(^٣) في الأصل: \"الأوارى\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":292},{"text":"يقولُ: لم تكُن قريةٌ آمَنتْ فنفَعَها الإيمان إذا نزَل بها بأسُ اللَّهِ إلا قريةَ يونسَ (^١).\nقال ابنُ جريجٍ: قال مجاهدٌ: فلم تكْن قريةٌ آمَنتْ فنفعَها إيمانُها، كما نفعَ قومَ يونسَ إيمانُهم، إلا قومَ يونسَ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. يقولُ: لم يكنْ هذا في الأممِ قبلَهم، لم ينفَعْ قريةً كَفَرت ثم آمنت حينَ حَضَرها العذابُ فتُرِكت إلا قومَ يونسَ؛ لمَّا فَقَدوا نبيَّهم، وظَنُّوا أن العذابَ قد دَنا منهم، قَذَفَ الله فى قلوبِهم التوبةَ، ولَبِسوا المُسوحَ، وألهَوا (^٣) بينَ كلِّ بهيمةٍ وولَدِها، ثم عَجُّوا إلى اللهِ أربعين ليلةً، فلما عرَفَ اللهُ الصَّدقَ مِن قلوبِهم، والتوبةَ والندامةَ على ما مَضَى منهم، كشفَ اللهُ عنهم العذابَ بعدَ أن تدَلَّى عليهم. قال: وذُكِر لنا أن قومَ يونسَ كانوا بنِينَوَى أَرضِ المُوصلِ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾. قال: بَلَعْنا أنهم خَرَجوا فتَزَلُوا على تلٍّ، وفَرَّقوا بينَ كلِّ بهيمةٍ وولدِها، يَدْعون اللهَ أربعين ليلةً، حتى تابَ عليهم (^٥).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن إسماعيلَ بنِ عبدِ الملكِ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٧ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٨٣.\n(^٣) ألهاه، أى شغله. والمراد: فرقوا بين البهيمة وولدها بالهاء الولد عن أمه. اللسان (ل هـ و).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٨٨ من طريق خليد عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣١٧ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٩٨ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٨ إلى المصنف وأحمد في الزهد.","vol":"12","page":293},{"text":"عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: غَشَّى قومَ يونسَ العذابُ، كما يُغَشِّى الثوبُ بالقبرِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينِ، قال: ثني حجاجٌ، عن صالحٍ المُرِّىِّ، عن قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ: إن العذابَ كان هبَط على قومِ يونسَ، حتى لم يكنْ بينَهم وبينَه إلا قَدْرُ ثلُثى ميلٍ، فلما دَعَوا كشَف اللَّهُ عنهم (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وإسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ جميعًا، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾. قال: كما نَفَع قومَ يونسَ. زادَ أبو حذيفةَ فى حديثهِ قال: لم تكُن قريةٌ آمَنت حين رأتِ العذابَ فنفَعَها إيمانُها، إلا قومَ يونسَ مَتَّعْناهم (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللِه بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: ثنا رجلٌ قد قرَأ القرآنَ في صدرِه، في إمارةِ عمرَ بنِ الخطابِ، ﵁، فحَدَّثَ عن قومِ يونسَ حيث (^٤) أنذرَ قومَه فَكَذَّبوه، فأخبرَهم أن العذابَ يُصِيبُهم، وفارقهم، فلما رَأوا ذلك وغَشِيهم العذابُ لكنِّهم (^٥)، خَرَجوا مِن مساكنِهم، وصَعِدوا في مكانٍ رفيعٍ، وأنهم جَأَروا إلى ربِّهم ودَعوه مخلصين له الدينَ أن يكشِفَ عنهم العذابَ، وأن يُرْجِعَ إليهم رسولَهم. قال: ففى ذلك أنزَل اللهُ: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا\n_________\n(^١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"القبر\". والمعنى: كما يغشى الثوب الإنسان في القبر. كما سيأتي في الصفحة التالية. والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٨٩ من طريق إسماعيل به.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٨ إلى المصنف وأحمد في الزهد.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٨٣.\n(^٤) فى ص، م، ت ١، ت،٢، س، ف: \"حين\".\n(^٥) الكِنُّ: البيت. اللسان (ك ن ن).","vol":"12","page":294},{"text":"كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. فلم تكُنْ قريةٌ غَشِيها العذابُ، ثم أُمسِك عنها إلا قومَ يونسَ خاصةً، فلما رأى ذلك يونسُ لِكِنَّهُ، ذَهَب عاتبًا على ربِّه، وانطَلق مغاضبًا، وظنَّ أن لن يُقْدَرَ (^١) عليه، حتى رَكِبَ في سفينةٍ، فأصابَ أهلَها عاصفٌ مِن الريحِ. فذكَر قصةَ يونسَ وخبرَه (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، قال: لمَّا رَأَوُا العذابَ ينزِلُ فَرَّقوا بينَ كلِّ أنثى وولدِها مِن الناسِ والأنعامِ، ثم قاموا جميعًا فدَعَوُا الله وأخلَصوا إيمانُهم، فرَأَوُا العذابَ يُكْشَفُ عنهم، قال يونسُ حينَ كُشِفَ العذابُ: أرجِعُ إليهم وقد كَذَبْتُهم! وكان يونسُ قد وَعَدهم العذابَ بصبحِ ثالثةٍ، فعندَ ذلك خَرَجَ مُغْضَبًا، وساءَ ظُنُّه.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ عبدِ الملكِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: لمَّا أُرسل يونسُ إلى قومِه يَدْعوهم إلى الإسلامِ وتَرْكِ ما هم عليه. قال: فَدَعاهم فأبَوا، فقِيل له: أخبِرْهم أن العذابَ مُصَبِّحُهم. فقالوا: إنا لم تُجرِّب عليه كَذِبًا، فانظُروا، فإن باتَ فيكم فليس بشيءٍ، وإن لم يَبِتْ فاعْلَموا أن العذابَ مُصَبِّحُكم. فلما كان في جوفِ الليلِ أخَذَ عُلاثَةً (^٣)، فتَزوَّدَ منها (^٤) شيئًا، ثم خرَج، فلما أصبَحوا تَغَشَّاهم العذابُ كما يَتَغَشَّى الإنسانَ الثوبُ فى القبرِ، فَفَرَّقوا بينَ الإنسانِ وولدِه وبينَ البهيمةِ وولدِها، ثم عَجُّوا إلى اللهِ، فقالوا: آمنَّا بما جاءنا به يونسُ وصدَّقْنا. فكشَفَ اللهُ عنهم العذابَ، فخرَج يونسُ\n_________\n(^١) في م: \"نقدر\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ١٣، ١٤.\n(^٣) في م:\"مخلاته\"، وفى ت ١، س، ف: \"علامة\"، وفى ت ٢:\"مخلاية\"، والعلاثة: الأقط المخلوط بالسمن، أو الزيت المخلوط بالأقط. اللسان (ع ل ث).\n(^٤) في الأصل، م، ف: \"فيها\".","vol":"12","page":295},{"text":"ينظُرُ العذابَ فلم يرَ شيئًا، قال: جَرَّبوا علىَّ كَذِبًا فَذَهَبَ مُغاضِبًا ربَّه حتى أتَى البحرَ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، قال: ثنا ابنِ مسعودٍ في بيتِ المالِ، قال: إن يونسَ كان قد وعدَ قومَه العذابَ، وأخبرَهم أنه يأتيهم إلى ثلاثةِ أيامٍ، ففَرَّقوا بيَن كلِّ والدةٍ وولدِها، ثم خَرَجوا فجَأَروا إلى اللَّهِ واستغفَروه، فكَفَّ اللَّهُ عنهم العذابَ، وغدا يونسُ ينظرُ العذابَ، فلم يرَ شيئًا، وكان مِن كذَب ولم تكُنْ له بيِّنةٌ قُتِل، فانطلقَ مُغاضِبًا (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا صالحٌ المُرِّىُّ، عن أبي عمرانَ الجَوْنيِّ، عن أبى الجَلْدِ جِيلانَ، قال: لمَّا غَشَّى قومَ يونسَ العذابُ، مَشَوا إلى شيخٍ مِن بقيِة علمائِهم، فقالوا له: إنه قد نزَل بنا العذابُ، فما تَرى؟ فقال: قولوا: يا حيُّ حينَ لا حىٌّ، ويا حىٌّ مُحْيي الموتى، ويا حىٌّ لا إلهَ إلا أنت. فكُشِفَ عنهم العذاب ومُتِّعوا إلى حينٍ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: بلغني في حرفِ ابنِ مسعودٍ: ﴿فَلَوْلَا﴾. يقولُ: (فهلا) (^٣).\nوقوله: ﴿لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢/ ١٥، ١٦ وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٧ إلى ابن مردويه مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه أحمد في الزهد ص ٣٤، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٨٩ من طريق صالح المري به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٩٨ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣١٨ إلى المصنف وأبى الشيخ.","vol":"12","page":296},{"text":"لمَّا صَدَّقوا رسولَهم وأقرُّوا بما جاءهم به بعدَما أظَلَّهم العذابُ، وغَشِيَهم أمرُ اللَّهِ، ونزَل بهم البلاءُ، كَشَفنا عذابَ الهوانِ والذلِّ في حياتِهم الدنيا، ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. يقولُ: وأَخَّرنا في آجالهم ولم نُعاجِلهم بالعقوبةِ، وتَرَكناهم في الدنيا يَسْتَمْتعون فيها بآجالِهم إلى حينِ مماتِهم، ووقتِ فناءِ أعمارِهم التي قَضَيْتُ فَناءَها (^١).\n\n<span id=\"aya-1463\"></span><span data-type='title' id=toc-4245>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: ﴿وَلَوْ شَاءَ﴾ يا محمدُ ﴿رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ بك فصَدَّقوك أنك لى رسولٌ، وأن ما جئتَهم به وما تَدْعوهم إليه، مِن توحيدِ اللهِ وإخلاصِ العبودةِ له، حقٌّ، ولكنه (^٢) لا يشاءُ ذلك؛ لأنه قد سبَق مِن قضاءِ اللهِ قبلَ أن يبعَثك رسولًا: إنه لا يؤمِنُ بك ولا يتَّبعُك فيصدِّقُك بما بعثكَ اللهُ به مِن الهُدى والنورِ إلا مِن قد (^٣) سَبَقَت له السعادةُ فى الكتابِ الأوَلِ، قبلَ أن يَخْلُقَ السماواتِ والأرضَ وما فيهن. وهؤلاء الذين عَجِبوا [مِن صِدْقِ إيحائِنا إليك هذا القرآنَ] (^٤)؛ لتُنْذِرَ به مِن أمرتُك بإنذارِه ممن قد سبق له عندى أنهم لا يؤمنون بك في الكتابِ السابقِ.\nوبنحوِ الذي قلنا الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"تم السفر والحمد لله كثيرًا، يتلوه إن شاء الله القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. وسيتم من هنا اعتماد أرقام المخطوط ت ١ أصلا في النص.\n(^٢) فى م: \"لكن\".\n(^٣) سقط مِن: م، ف.\n(^٤) فى ص، ت ١، ت،٢، س، ف: \"من إيحائنا إليك صدق هذا القرآن\"","vol":"12","page":297},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللِه بن صالح، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونسُ: ١٠٠]. ونحوَ هذا في القرآنِ، فإن رسولَ اللهِ ﷺ كان يحرِصُ أن يؤمِنَ جميعُ الناسِ ويُتابعوه (^١) على الهُدى، فأخبرَه اللهُ أنه لا يؤمنُ [مِن قومِه] (^٢) إلا مِن قد (^٣) سبَق له مِن اللهِ السعادةُ في الذكرِ الأوّلِ، ولا يَضِلُّ إلا مَن سَبَقَ له مِن اللهِ الشقاءُ فى الذكرِ الأوَّلِ (^٤).\nفإن قال قائلٌ: فما وجهُ قولِه: ﴿لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾، فالكلُّ يدلُّ على الجميعِ، والجميعُ على الكلِّ، فما وجهُ تكرارِ ذلك، وكلُّ واحدةٍ منهما تُغْنى عن الأخرى؟\nقيل: قد اختلَف أهلُ العربيةِ فى ذلك؛ فقال بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ: جاء بقولِه: ﴿جَمِيعًا﴾ فى هذا الموضعِ توكيدًا، كما قال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١]. ففى قوله: ﴿إِلَهَيْنِ﴾ دليلٌ على الاثنين.\nوقال غيره: جاء بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ بعد ﴿كُلُّهُمْ﴾؛ لأن ﴿جَمِيعًا﴾ لا، تقعُ إلا توكيدًا، ﴿كُلُّهُمْ﴾ يقعُ توكيدًا واسمًا؛ فلذلك جاء بـ ﴿جَمِيعًا﴾ بعد ﴿كُلُّهُمْ﴾. قال: ولو قيل: إنه جمَع بينَهما ليُعْلمَ أن معناهما واحدٌ لجاز\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت،٢، س، ف: \"يبايعوه\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ٢.\n(^٣) سقط من: ص، س.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٤/ ٢٨٤ (٧٢٥٠)، والطبراني في الكبير (١٣٠٢٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٣٩) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"12","page":298},{"text":"هلهنا. قال: وكذلك: ﴿إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾، العدد كلُّه يُفَسَّرُ به، فيقال: رأيتُ قومًا أربعةً. فلما جاء باثنين، وقد اكتُفى بالعددِ منه؛ لأنهم يقولون: عندى درهمٌ، ودرهمان. فيَكْفِي مِن قولِهم: عندى درهمٌ واحدٌ، ودرهمان اثنان. فإذا قالوا: دراهمُ. قالوا: ثلاثةٌ. لأن الجمعَ يلتبسُ، والواحدُ والاثنان لا يَلْتَيسان. [ثم بنى] (^١) الواحدَ والتثنيةَ على [بناءٍ في] (^٢) الجمعِ؛ لأنه ينبغى أن يكونَ مع كلِّ واحدٍ واحدٌ؛ لأن درهمًا يدلُّ على الجنسِ الذى هو منه، وواحدٌ يدلُّ على كلِّ الأجناسِ. وكذلك اثنان يدلان على كلِّ الأجناسِ، ودرهمان يدلَّان على أنفسِهما، فلذلك جاء بالأعدادِ؛ لأنه الأصلُ.\nوقولُه: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ جل ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إنه لن يُصدِّقَك يا محمدُ ولن يَتَّبِعَك ويُقِرَّ بما جئتَ به إِلا مَن شَاء رَبُّكَ أن يُصدِّقَك، لا يإكْراهِك إياه، ولا بحرصِك على ذلك، ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ لك، مُصَدِّقين على ما جئتَهم به مِن عندِ ربِّك؟ يقولُ له جلّ ثناؤُه: فاصْدَعْ بما تُؤْمَرُ، وأعْرِضُ عن المشركين الذين حَقَّتْ عليهم كلمةُ رَبِّك أنهم لا يُؤْمِنُون.\n\n<span id=\"aya-1464\"></span><span data-type='title' id=toc-4246>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: وما كان لنفسٍ خلقتُها مِن سبيلٍ إلى تَصْديقك يا محمدُ إلا بأن آذَنَ لها في ذلك، فلا تُجْهِدنَّ نفسَك في طلبِ هُداها، وبَلِّغْها\n_________\n(^١) فى م: \"لم يثن\".\n(^٢) فى م: \"ثنافى\"، وفى ف، ت ١، س: \"تنافى\"، وفى ص غير منقوطة. والكلام في هذا الموضع غير مفهوم، فكأن ههنا سقطا.","vol":"12","page":299},{"text":"وعيدَ اللَّهِ، وعَرِّفْها ما أمرك ربُّك بتَعريفِها، ثم خَلِّها، فإِنَّ هُداها بيدِ خالقِها.\nوكان الثورىُّ يقولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. ما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال: بقضاءِ اللهِ.\nوأما قولُه: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾. فإنه يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللهَ يَهْدى مَن يشاءُ مِن خلقِه للإيمانِ بك يا محمدُ، ويأذَنُ له في تَصْديقِك، فيُصدِّقُك ويَتَّبِعُك ويُقِرُّ بما جئتَ به مِن عندِ رَبِّكَ، ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾. وهو العذابُ وغضبُ اللهِ ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾. يعنى: الذين لا يَعْقِلون عن اللهِ حُجَجَه ومواعظَه وآياتِه، التى دلَّ بها جلّ ثناؤُه على نبوّةِ محمدٍ ﷺ وحقيقةِ ما دَعاهم إليه مِن توحيدِ اللهِ وخَلْعِ الأندادِ والأوثانِ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللِه، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾. قال: السَّخَطَ (^١).\n\n<span id=\"aya-1465\"></span><span data-type='title' id=toc-4247>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين مِن قومِك، السائِليك الآياتِ على صحة ما تَدْعوهم إليه مِن توحيد الله، وخلعِ الأندادِ والأوثانِ: ﴿انْظُرُوا﴾ أيُّها القومُ ﴿مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ مِن الآياتِ الدالة على حقيقةِ ما أدْعوكم إليه مِن توحيدِ اللهِ؛ مِن شمسِها وقمرِها، واختلافِ ليلِها ونهارِها، ونزولِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٩٠ من طريق عبد الله به.","vol":"12","page":300},{"text":"الغيثِ بأرزاقِ العبادِ مِن سحابِها، وفي الأرضِ مِن جبالِها، وتَصدُّعِها بنباتِها وأقواتِ أهلِها، وسائرِ صنوفِ عجائبِها، فإن في ذلك لكم إن عَقَلتم وتَدبَّرتم عظةً (^١) ومعتبرًا، ودلالةً على أن ذلك مِن فعلِ مَن لا يجوز أن يكون له في ملكِه شريكٌ، ولا له على تدبيرِه وحفظِه ظهيرٌ يُغنيكم عما سواه مِن الآياتِ.\nيقولُ الله جلّ ثناؤُه: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: وما تُغنى الحُجَجُ والعِبَرُ والرُّسُلُ المُنذِرةُ عبادَ اللَّهِ عقابه، عن قومٍ قد سبَق لهم مِن اللهِ الشقاءُ، وقضَى لهم فى أمِّ الكتابِ أنهم مِن أهلِ النارِ، لا يؤمنون بشيءٍ مِن ذلك ولا يُصَدِّقون به، ولو جاءتْهم كلُّ آيةٍ حتى يَرَوُا العذابَ الأليمَ؟\n\n<span id=\"aya-1466\"></span><span data-type='title' id=toc-4248>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ محذرًا مشركي قومِه مِن حلولِ عاجلِ نِقَمِه بساحتِهم، نحوَ الذى حلَّ بنظرائِهم مِن قبلِهم مِن سائرِ الأممِ الخاليةِ مِن قبلِهم، السالكةِ في تكذيبِ رسلِ اللهِ وجحودِ توحيدِ ربِّهم سبيلَهم: فهل ينتظرُ يا محمدُ هؤلاء المشركون مِن قومِك، المكذِّبون بما جئتَهم به مِن عندِ اللَّهِ، إلا يومًا يُعاينون فيه مِن عذابِ اللَّهِ مثلَ أيامِ أسْلافِهم الذين كانوا على مثلِ الذى هم عليه مِن الشركِ والتكذيب، الذين مَضَوا قبلهم فخَلّوا؛ مِن قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ؟ قل لهم يا محمدُ، إن كانوا ذلك يَنْتَظِرون: فانْتَظروا عقابَ اللهِ إياكم، ونزولَ سَخَطِه بكم، إنى مِن المُنتظِرِين هَلاكَكُم وبَوارَكم بالعقوبةِ التي تَحْلُّ بكم مِن اللَّهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في م: \"موعظة\".","vol":"12","page":301},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يقولُ: وقائعِ اللهِ في الذين خلَوا مِن قبلِهم؛ قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ فى قولِه: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾. قال: خَوَّفَهم عذابَه ونِقْمتَه وعقوبتَه، ثم أخبرَهم أنه إذا وَقَع مِن ذلك أمرٌ أنجىَ اللهُ رسلَه والذين آمنوا معه، فقال اللهُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1467\"></span><span data-type='title' id=toc-4249>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين مِن قومِك: انْتِظروا مثلَ أيامِ الذين خَلَوا مِن قبلِكم مِن الأممِ السالفةِ الذين هَلَكوا بعذابِ اللهِ، فإن ذلك إذا جاء لم يَهْلِكُ به سواهم ومَن كان على مثلِ الذى هم عليه مِن تكذيبِك، ثم نُنَجِّي هناك رسولَنا محمدًا ﷺ ومَن آمَن به وصَدَّقَه واتَّبعه على دينِه، كما فعَلْنا مِن (^٣) قبلِ ذلك\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٩١ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣١٨ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٩١ من طريق ابن أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣١٨ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) سقط من: ص، م.","vol":"12","page":302},{"text":"برسلنا الذين أهْلَكنا أمَمَها (^١)، فأنْجَيناهم ومَن آمن به معهم مِن عذابِنا حين حقَّ (^٢) على أممِهم. ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: كما فعلنا بالماضِين مِن رسلِنا فأنْجَيناها والمؤمنين معها وأهْلكنا أمَمَها، كذلك نفعَلُ بك يا محمدُ وبالمؤمنين، فنُنَجِّيك وتُنَجِّى المؤمنين بك، حقًّا علينا غيرَ شَكٍّ.\n\n<span id=\"aya-1468\"></span><span data-type='title' id=toc-4250>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين مِن قومِك الذين عَجِبوا أن أوحيتُ إليك: إن كنتم في شَكٍّ، أيُّها الناسُ، مِن ديني الذي أدْعوكم إليه، فلم تَعْلموا أنه حقٌّ مِن عندِ اللهِ، فإنى لا أعبدُ الذين تَعْبدون مِن دونِ اللَّهِ مِن الآلهةِ والأوثانِ التى لا تسمعُ ولا تُبصِرُ ولا تُغْنِى عنى شيئًا، فتَشُكُوا فى صحَّتِه. وهذا تعريِضٌ ولحنٌ مِن الكلامِ لطيفٌ.\nوإنما معنى الكلامِ: إن كنتم في شكٍّ مِن ديني فلا ينبَغِي لكم أن تَشُكُوا فيه، وإنما ينبَغى لكم أن تَشكُّوا فى الذى أنتم عليه مِن عبادةِ الأصنامِ التي لا تعقِلُ شيئًا، ولا تضُرُّ ولا تنفَعُ، فأما دينى فلا ينبغي لكم أن تَشكُّوا فيه؛ لأنى أعبدُ اللهَ الذى يقبِضُ الخَلْقَ فيُميتُهم إذا شاء، وينفعُهم و[يَضُرُّهم إذا شاء] (^٣)؛ وذلك أن عبادةَ مَن كان كذلك لا (^٤) يستنكِرُها ذو فطرةٍ صحيحةٍ. وأما عبادةُ الأوثانِ فيُنْكِرُها\n_________\n(^١) في م: \"أممهم\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"حقت\".\n(^٣) فى النسخ: \"يضر من يشاء\". والمثبت موافق للسياق.\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: فلا.","vol":"12","page":303},{"text":"كلُّ ذي لُبٍّ وعقْلٍ صحيحٍ.\nوقولُه: ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾. يقولُ: ولكن أعبدُ اللهَ الذى يقبِضُ أرواحَكم، فيُمِيتُكم عند مجِيءٍ (^١) آجالكم. لا وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. يقولُ: وهو الذى أمرنى أن أكونَ مِن المُصدِّقين بما جاءني مِن عندِه.\n\n<span id=\"aya-1469\"></span><span data-type='title' id=toc-4251>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ﴾. و\"أن\" الثانيةُ عطفٌ على \"أن\" الأولى. ويعنى بقوله: ﴿وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾: أقمْ نفسَك على دينِ الإسلامِ، ﴿حَنِيفًا﴾. مستقيمًا عليه، غيرَ مُعْوَجٍّ عنه إلى يهوديةٍ، ولا نصرانيةٍ، ولا عبادة وثَنٍ، ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: ولا تكوننَّ ممن يُشْرِكُ فى عبادة ربِّه الآلهة والأندادَ فتكونَ مِن الهالِكين.\n\n<span id=\"aya-1470\"></span><span data-type='title' id=toc-4252>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَدْعُ يا محمدُ مِن دونِ معبودِك وخالقِك شيئًا لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرةِ، ولا يضرُّك في دينٍ ولا دنيا. يعنى بذلك الآلهةَ والأصنامَ. يقولُ: لا تعبدْها راجيًا نفعَها أو خائفًا ضَرَّها، فإنها لا تنفعُ ولا تضرُّ، ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ ذلك، فدعوتَها مِن دونِ اللهِ، ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: مِن المشركين باللهِ، الظالمُ لنفسِه\n\n<span id=\"aya-1471\"></span><span data-type='title' id=toc-4253>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ</span>\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":304},{"text":"وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: وإن يُصِبْك الله يا محمدُ بشدةٍ (^١) أو بلاءٍ، فلا كاشفَ لذلك إلا ربُّك الذى أصابَك به، دونَ ما يعبدُه هؤلاء المشركون مِن الآلهةِ والأنْدادِ، ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾. يقولُ: وإن يُرِدْك ربّك برخاءٍ أو نعمةٍ وعافيةٍ وسرورٍ، ﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾. يقولُ: فلا يقدِرُ أحدٌ أن يَحُولَ بينَك وبينَ ذلك [ولا يَرُدَّك عنه] (^٢)، ولا يَحْرِمَكه؛ لأنه الذي بيده السراءُ والضراءُ دونَ الآلهةِ والأوثانِ، ودونَ ما سِواه، ﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. يقولُ: يُصِيبُ ربُّك يا محمدُ بالرخاءِ والبلاءِ والسراءِ والضراءِ مَن يشاءُ ويريدُ مِن عباده، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ لذنوبِ مَن تابَ وأنابَ مِن عبادِهِ مِن كُفْرِه وشِرْكِه إلى الإيمانِ به وطاعتِه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بمَن آمَن به منهم وأطاعَه، أن يعذِّبَه بعدَ التوبةِ والإنابةِ.\n\n<span id=\"aya-1472\"></span><span data-type='title' id=toc-4254>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ للناسِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يعنى: كتابُ اللهِ، فيه بيانُ كلِّ ما بالناسِ إليه حاجةٌ مِن أمرَ دينِهم، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾. يقولُ: فمَن استقامَ فسَلكَ سبيلَ الحقِّ، وصَدَّقَ بما جاء مِن عندِ اللَّهِ مِن البيانِ، ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) فى ف: \"بشرٌ\".\n(^٢) سقط من: س.","vol":"12","page":305},{"text":"فإنما يَستقيمُ على الهُدى، ويسلُكُ قصْدَ السبيلِ لنفسِه، فإياها يَبْغى الخيرَ بفعلِه ذلك لا غيرَها، ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾. يقولُ: ومَن اعْوَجَّ عن الحقِّ الذى أتاه مِن عندِ اللهِ، وخالفَ دينَه، وما بعثَ به محمدًا، والكتابَ الذى أنزلَه عليه، ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾. يقولُ: فإن ضلالَه ذلك إنما يَجْنى به على نفسِه لا على غيرِها؛ لأنه لا يُؤخَذُ بذلك غيرُها، ولا يُورِدُ بضلالِه ذلك المهالكَ سوى نفسِه، ولَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخْرَى، ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾. يقولُ: وما أنا عليكم بمُسَلَّطٍ على تَقْويمِكم، إنما أمرُكم إلى اللهِ، وهو الذى يُقَوِّمُ مَن يشاءُ منكم، وإنما أنا رسولٌ مُبلِّغٌ، أُبَلِّغكم ما أُرسِلتُ به إليكم.\n\n<span id=\"aya-1473\"></span><span data-type='title' id=toc-4255>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واتَّبِعْ يا محمدُ وحىَ اللهِ الذي يوحيه إليك، وتنزيلَه الذى يُنِزلُه عليك، فاعملْ به، واصبِرْ على ما أصابَك في اللهِ مِن مشركي قومِك مِن الأذَى والمكارِهِ، وعلى ما نالَك منهم، حتى يقضِىَ اللهُ فيهم وفيك أمرَه بفعلٍ فاصلٍ، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾. يقولُ: وهو خيرُ القاضين وأعدَلُ الفاصِلين. فحَكَم جلّ ثناؤُه بينَه وبينَهم يومَ بدرٍ، وقَتَلَهم بالسيفِ، وأمرَ نبيَّه ﷺ فيمَن بَقِىَ منهم أن يسلُكَ بهم سبيلَ مَن أهلكَ منهم، أو يَتوبوا ويُنِيبوا إلى طاعتِه.\nكما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ١٠٧]. ﴿وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾. قال: هذا منسوخٌ، ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾: حكم اللهُ بجهادِهم، وأَمَرَه","vol":"12","page":306},{"text":"بالغِلظِة عليهم (^١).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ يونسَ ﵇، والحمدُ للهِ وحدَه، وصلَّى اللهُ على محمدٍ وآلِهِ. يتلوه تفسيرُ السورةِ التي يُذكَرُ فيها هودٌ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٩٣ من طريق آخر عن ابن زيد به، وينظر الناسخ والمنسوخ للنخاس ص ٥٢٩.","vol":"12","page":307},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4256>تفسيرُ السورةِ التي يُذكَرُ فيها هودُ ﵇</span>\n﷽\nربُ يَسِّر\n\n<span id=\"aya-1474\"></span><span data-type='title' id=toc-4257>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ </span>(١)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: قد ذكَرنا اختلافَ أهلِ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿الر﴾، والصوابَ مِن القولِ فى ذلك عندَنا بشواهدِه، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nوقولُه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾: يعنى: هذا الكتابُ الذي أنزَله اللهُ على نبيِّه محمدٍ ﷺ، وهو القرآنُ.\nورُفِع قولُه: ﴿كِتَابٌ﴾ بنيَّةِ: هذا كتابٌ. فأما على قولِ مَن زَعَم أن قولَه: ﴿الر﴾ مرادٌ به سائرُ حروفِ المعجمِ التي نَزَل بها القرآنُ، وجُعِلت هذه الحروفُ دلالةً على جميعِها، وأن معنى الكلامِ هذه الحروفُ كتابٌ أُحكِمت آياتُه. فإن الكتابَ على قولِه، ينبغي أن يكون مرفوعًا بقوله: ﴿الر﴾.\nوأما قولُه: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: أُحكِمت آياتُه بالأمرِ والنهيِ، ثم فُصِّلت بالثواب والعقابِ.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم فى ١/ ٢٠٤، ١٢/ ١٠٣.","vol":"12","page":308},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرني أبو محمدٍ الثقفىُّ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾. قال: أُحكِمتْ بالأمرِ (^١) والنهي، وفُصِّلَت [بالثوابِ والعقابِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا عبدُ الكريمِ بنُ محمدٍ الجُرْجانيُّ، عن أبي بكرٍ الهذليِّ، عن الحسنِ: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾. قال: أُحكِمتْ في الأمرِ والنهيِ، وفُصِّلت] (^٢) بالوعيدِ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللِه بن الزبير، عن ابنِ عُيينةَ، عن رجلٍ، عن الحسنِ: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾. قال: بالأمرِ والنهيِ، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾. قال: بالثوابِ والعقابِ (^٤).\nورُوِىَ عن الحسنِ قولٌ خلافُ هذا؛ وذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن أبى بكرٍ، عن الحسنِ، قال: وحدَّثنا عبَّادُ بنُ العوَّامِ، عن رجلٍ، عن الحسنِ، قال: ﴿أُحْكِمَتْ﴾: بالثوابِ والعقابِ، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾: بالأمرِ والنهيِ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ مِن الباطلِ، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، فبُيِّنَ منها الحلالُ والحرامُ.\n_________\n(^١) في س: \"في الأمر\".\n(^٢) سقط من: س.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٩٤، ١٩٩٥ من طريق أبى بكر به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٣٢٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ. وعندهما: \"بالوعد والوعيد\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٩٥ من طريق ابن عيينة به، دون أوله.","vol":"12","page":309},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾: أَحْكَمها اللهُ مِن الباطلِ، ثم فَصَّلها بعلمه، فبيَّن حلالَه وحرامَه، وطاعتَه ومعصيتَه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾. قال: أحكَمها اللهُ مِن الباطلِ، ثم فَصَّلها: بَيَّنها (^٢).\nوأولى القولين فى ذلك بالصوابِ قولُ مِن قال: معناه: أحكَم اللهُ آياتِه مِن الدَّخَلِ والخَللِ والباطلِ، ثم فَصَّلها بالأمرِ والنهيِ؛ وذلك أن إحكامَ الشيءِ إصلاحُه وإتقانُه، وإحكامَ آياتِ القرآنِ إحكامُها مِن خَلَلٍ يكونُ فيها، أو باطلٍ يقدِرُ ذو زَيْغٍ أن يَطْعُنَ فيها مِن قِبَلِه (^٣). وأما تفصيلُ آياته، فإنه تمييزُ بعضها مِن بعضٍ بالبيانِ عما فيها مِن حلالٍ وحرامٍ وأمرٍ ونهيٍ.\nوكان بعضُ المفسرين يفسِّرُ قولَه: ﴿فُصِّلَتْ﴾. بمعنى: فُسِّرت، وذلك نحوُ الذي قُلنا فيه مِن القولُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، قال: ثنا ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾. قال: فُسِّرت.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٩٥ من طريق سعيد بن بشير وخليد عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠١ عن معمر به.\n(^٣) في ت ١، س: \"قيله\".","vol":"12","page":310},{"text":"حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فُصِّلَتْ﴾. قال: فُسِّرت (^١).\nقال: ثنا محمدٍ بنُ بكرٍ، عن ابنِ جريجٍ، قال: بَلَغنى عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾. قال: فُسِّرت.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال قتادةُ: معناه: بُيِّنَتْ. وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك قبلُ، وهو شبيهُ المعنى بقولِ مجاهد.\nوأما قولُه: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، فإن معناه: حكيمٌ بتدبيرِ الأشياءِ وتقديرها، خبيرٌ بما يئولُ إليه عواقبُها.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. يقولُ: مِن عندِ حكيمٍ خبيرٍ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٩٥ من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) تقدم أوله ص ٣١٠.","vol":"12","page":311},{"text":"<span id=\"aya-1475\"></span><span data-type='title' id=toc-4258>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ </span>(٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثم فُصِّلت بأن لا تَعْبدوا إلا اللهَ وحدَه لا شريكَ له، وتَخْلعوا (^١) الآلهةَ والأندادَ. ثم قال تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ للناسِ (^٢): إننى لكم مِن عندِ اللهِ ﴿نَذِيرٌ﴾ يُنْذِرُكم عقابَه على معاصيه وعبادةِ الأصنامِ، ﴿وَبَشِيرٌ﴾ يُبَشِّرُكم بالجزيلِ مِن الثوابِ على طاعتِه، وإخلاصِ العبادةِ والألوهةِ له.\n\n<span id=\"aya-1476\"></span><span data-type='title' id=toc-4259>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ </span>(٣)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثم فُصِّلت آياتُه بأن لا تَعْبدوا إلا الله، وبأن استغْفِروا ربَّكم. ويعنى بقولِه: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾: وأن اعْمَلوا أيُّها الناسُ مِن الأعمالِ ما يُرْضِى ربَّكم عنكم، فيَسْتُرَ عليكم عظيمَ ذنوبِكم التي رَكِبتُموها بعبادتِكم الأوثانَ والأصنامَ، وإشراكِكم الآلهةَ والأندادَ في عبادتِه.\nوقولُه: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾. يقولُ: ثم ارجِعوا إلى ربِّكم بإخلاصِ العبادةِ له دونَ ما سِواه مِن سائرِ ما تعبدون مِن دونِه، بعدَ خَلْعِكم الأندادَ، وبراءتِكم مِن عبادتِها؛ ولذلك قيل: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾، ولم يقُلْ: وتُوبوا إليه (^٣). لأن التوبةَ معناها الرجوعُ إلى العملِ بطاعةِ اللهِ، والاستغفارُ استغفارٌ مِن\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س: \"تجعلوا\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":312},{"text":"الشركِ الذى كانوا عليه مُقِيمين، والعملُ للهِ لا يكوُ عملًا له إلا بعدَ تركِ الشركِ به، فأما الشركُ فإن عملَه لا يكونُ إلا للشيطانِ، فلذلك (^١) أمَرهم تعالى ذكرُه بالتوبة إليه بعدَ الاستغفارِ مِن الشركِ؛ لأن أهلَ الشركِ كانوا يَرَون أنهم يُطِيعون اللَّهَ بكثيرٍ مِن أفعالِهم، وهم على شركِهم مُقِيمون.\nوقولُه: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمشركين الذين خاطَبَهم بهذه الآياتِ: استغْفرِوا ربَّكم ثم تُوبوا إليه، فإنكم إذا فعَلتم ذلك بَسَطَ عليكم مِن الدنيا، ورَزَقَكم مِن زينتِها، وأنْسَأَلكم في آجالِكم إلى الوقتِ الذى قضَى فيه عليكم الموتَ.\nوبنحوِ الذي قُلنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، فأنتم (^٢) في ذلك المتاعِ (^٣)، فخُذُوه بطاعةِ اللهِ ومعرفةِ حقِّه، فإن اللهَ مُنعِمٌ يحِبُّ الشاكرين، وأهلُ الشكرِ فى مزيدٍ مِن اللهِ، وذلك قضاؤُه الذى قَضَى (^٤).\nوقولُه: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: يعنى الموتَ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، س:\"فذلك\".\n(^٢) في ت ٢: \"فإنهم\".\n(^٣) فى س: \"المكان\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٩٧ من طريق سعيد به.","vol":"12","page":313},{"text":"مجاهدٍ: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: الموتُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: وهو الموتُ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: الموتُ (^٢).\nوأما قولُه: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾، فإنه يعنى: يُثِيبُ كلُّ مَن تَفَضَّلَ بفضلِ مالِه أو قوتِه أو معروفِه على غيرِه، مُحْتسِبًا بذلك، مُريدًا به وجهَ اللَّهِ، أَجزَلَ ثوابِه وفضْلِه في الآخرةِ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾. قال: ما احتَسَب به مِن مالِه، أو عملٍ بيدِه أو رجلِه، أو كلمةٍ، أو ما تطوَّعَ به مِن أمرِه كلِّه.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: وحدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: أو عَمَلٍ بيديه أو رِجْلَيه وكلامِه، وما تطوَّلَ (^٣) به مِن أمره كلِّه (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ:، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٩٧ من طريق يزيد بنحوه.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠١.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف:\"يطول\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٨٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٩٧ نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"12","page":314},{"text":"عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: وما نَطَق به مِن أمرِه كلِّه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾. أي: في الآخرةِ (^١).\nوقد رُوِيَ عن ابن مسعودٍ أنه كان يقولُ في تأويلِ ذلك ما حُدِّثْتُ به عن المسيَّبِ بنِ شريكٍ، عن أبى بكرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾. قال: مَن عَمِلَ سيئةً كُتبت عليه سيئةٌ، ومَن عَمِلَ حسنةٌ كُتبت له عشرُ حسناتٍ، فإن عُوقِب بالسيئةِ التي كان عَمِلها في الدنيا، بَقِيت له عشرُ حسناتٍ، وإن لم يُعاقَبْ بها في الدنيا، أُخِذَ مِن الحسناتِ العشرِ واحدةٌ وبَقِيت له تسعُ (^٢) حسناتٍ. ثم يقولُ: هَلَكَ مَن غَلَبَ آحادُه أَعْشارَه (^٣).\nوقولُه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: وإن أعْرَضوا عما دعَوتَهم إليه مِن إخلاصِ العبادةِ للهِ، وتركِ عبادةِ الآلهةِ، وامتَنَعوا مِن الاستغفارِ للَّهِ والتوبةِ إليه، فأدْبَروا مُوَلِّين عن ذلك، فإني أَيُّها القومُ أَخافُ عليكم عذابَ يومٍ كبيرِ شأنُه، عظيمٍ هَوْلُه، وذلك يومَ تُجْزَى كلُّ نفس بما كَسَبَت وهم لا يُظْلَمون. وقال جلّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾. ولكنه مما قد تقدَّمَه قولٌ، والعربُ إذا قَدَّمَت قبل الكلامِ قولًا خاطَبَت، ثم عادَت إلى الخبرِ عن الغائبِ، ثم رَجَعَت بعدُ إلى الخطابِ. وقد بَيَّنَّا ذلك في غيرِ موضعِ، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٩٧ من طريق سعيد به.\n(^٢) في ت ٢: \"عشر\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٣٧ عن المصنف.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ١٥٥، ١٥٦.","vol":"12","page":315},{"text":"<span id=\"aya-1477\"></span><span data-type='title' id=toc-4260>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ </span>(٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: إلى اللهِ أَيُّها القومُ مآبُكم ومصيرُكم، فاحْذَروا عقابَه إن تولَّيتم عما أدْعَوكم إليه مِن التوبةِ إليه مِن عبادتِكم الآلهةَ والأصنامَ، فإنه مُخَلَّدُكم نارَ جهنمَ إن هَلَكتم على شركِكم قبلَ التوبةِ إليه، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: وهو على إحيائكم بعدَ مماتِكم، وعقابِكم على إشْراكِكم به الأوثانَ، وغيرِ ذلك مما أرادَ بكم وبغيرِكم - قادرٌ.\n\n<span id=\"aya-1478\"></span><span data-type='title' id=toc-4261>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾.</span>\nاخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾؛ فقَرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾؛ على تقدير \"يَفْعَلُون\" مِن ثَنَيْتُ، والصدورُ منصوبةٌ (^١)\nواخْتَلف قارِئو ذلك كذلك في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: ذلك كان مِن فعلِ بعضٍ المنافقين، كان إذا مَرَّ برسولِ اللهِ ﷺ غَطَّى وجهَه، وثَنَى ظهرَه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدٍ بن المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أبى عدىٍّ، عن شعبةَ، عن حُصَينٍ، عن عبدِ (^٢) اللهِ بنِ شدَّادٍ فى قولِه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾. قال: كان أحدُهم إذا مَرَّ برسول الله ﷺ قال بثوبِه على وجهِه، وثَنَى ظهرَه.\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط. ٥/ ٢٠٢.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عبيد\"، وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٨١.","vol":"12","page":316},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حصينٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ شَدَّادِ بنِ الهادِ قوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾. قال: مِن رسولِ اللهِ ﷺ، قال: كان المنافقون إذا مَرُّوا به، ثَنَى أحدُهم صدرَه، ويُطأطِئُ رأسَه، فقال اللهُ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ الآية.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن حُصَينٍ، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ شدَّادٍ يقولُ فى قولِه: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾. قال: كان أحدُهم إذا مَرَّ بالنبى الله ثَنَى، صدرَه، وتَغَشَّى بثوبِه، كي لا يَراه النبي ﷺ (^١).\nوقال آخرون: بل كانوا يَفْعَلون ذلك جهلًا منهم باللهِ، وظَنَّا أن اللهَ يَخْفى عليه ما تُضْمِرُه صدورُهم إذا فَعلَوا ذلك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾. قال: شَكَّا وامتراءً في الحقِّ، ليَسْتَخْفوا مِن اللهِ إن استطاعوا.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾: شَكًّا وامْتراءً فى الحقِّ، ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾. قال: مِن اللهِ إن اسِتطاعوا.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٩٩ من طريق عمرو بن عون به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٧٨ - تفسير) عن هشيم به، والأثر في تفسير مجاهد ص ٣٨٤ من طريق ورقاء عن حصين به بلفظ: \"لكيلا يسمع القرآن والذكر\"، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٣٢٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"12","page":317},{"text":"مجاهدٍ: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾. قال: تَضِيقُ؛ شَكًّا.\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللِه، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾. قال: تَضِيقُ؛ شَكًّا وامْتراءً في الحقِّ.: قال: ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾. قال: مِن اللهِ إن استطاعوا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾. قال: مِن جهالتِهم به، قال اللهُ: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ فى ظلمةِ الليلِ في أجوافِ بيوتِهم ﴿يَعْلَمُ﴾ تلك الساعةَ ﴿مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصورٍ، عن أبى رَزينٍ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾. قال: كان أحدُهم يَحْنى ظهره، ويَسْتَغْشِى بثوبه (^٣).\nوقال آخرون: إنما كانوا يَفْعلون ذلك لئلا يَسْمعوا كتابَ (^٤) اللهِ تعالى.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٨٤، ومن طريقه الفريابي فى تفسيره - كما في التغليق ٤/ ٢٢٥ - وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٩٩، ٢٠٠٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٢٠ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٠٠، ٢٠٠١ من طريق هوذة به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٠٠ من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٠ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"كلام\".","vol":"12","page":318},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ الآية. قال: كانوا يَحْنون صدورهم لكيلا يَسْمعوا كتابَ اللهِ، قال تعالى: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. وذلك أخفَى ما يكونُ ابنُ آدمَ، إذا حَنَى صدرَه، واسْتَغْشَى بثوبِه، وأَضْمَرَ هَمَّه في نفسِه، فإن اللَّهَ لا يَخْفى ذلك عليه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾. قال: أخفَى ما يكونُ الإنسانُ إذا أسرَّ في نفسِه شيئًا، وتَغَطَّى بثوبِه، فذلك أخفَى ما يكونُ، واللَّهُ يَطَّلِعُ على ما في نفوسِهم، واللهُ يعلمُ ما يُسِرِّون وما يُعْلِنون (^٢).\nوقال آخرون: إنما هذا إخبارٌ مِن اللهِ نبيِّه ﷺ عن المنافقين الذين كانوا يُضْمِرون له العداوةَ والبغضاءَ، ويُبْدُون له المحبةَ والمودةَ، أنهم (^٣) معه وعلى دينِه. يقولُ جلّ ثناؤُه: لا إنهم يَطْوون صدورَهم على الكفرِ ليَسْتَخْفُوا مِن اللهِ. ثم أخبرَ جلّ ثناؤُه أنه لا يخفى عليه سرائرُهم وعلانيتُهم.\nوقال آخرون: كانوا يَفْعَلون ذلك إذا ناجى بعضُهم بعضًا.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٩٩، ٢٠٠٠ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠١ عن معمر\n(^٣) في م: \"وأنهم\".","vol":"12","page":319},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾. قال: هذا حينَ يُناجِي بعضُهم بعضًا. وقرأ: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ الآية.\nورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقرأُ ذلك: (ألا إنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ)، على مثالِ: \"تَحْلَوْلِي الثمرةُ\"، \"تَفْعَوعِلُ\" (^١).\nحدَّثنا [ابنُ وكيعٍ] (^٢)، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن ابنِ جريجٍ، عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقرأُ: (ألا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ). قال: كانوا لا يأتون النساءَ ولا الغائطَ إلا وقد تَغَشَّوا بثيابِهم؛ كراهةَ أن يُفْضُوا بفروجِهم إلى السماءِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ عبادِ بنِ جعفرٍ يقولُ: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقرؤُها: (ألا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي (^٤) صُدُورُهُمْ). قال: سألتُه عنها، فقال: كان ناسٌ يَسْتَحْيُون أن يتخلَّوا فيُفْضُوا إلى السماءِ، وأن يُصِيبوا فيُفْضُوا إلى السماءِ (^٥).\n_________\n(^١) هي قراءة شاذة، وينظر البحر المحيط ٥/ ٢٠٢.\n(^٢) بياض في: ص، س، ف، وفي ت ١: \"المثنى\"، وفي ت ٢: \"وكيع\".\n(^٣) ذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٣٥٠ من طريق أبي أسامة وعزاه إلى المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٠ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٤) في ص، ت ٢، ف: \"يثنونى\"، وفي ت ١، س: \"يثنون\". وتثنونى، ويثنونى قراءتان عن ابن عباس. ينظر البحر المحيط ٥/ ٢٠٢، والفتح ٨/ ٣٥٠.\n(^٥) أخرجه البخاري (٤٦٨١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٩٩، والبغوي في تفسيره ٤/ ١٦١ من طريق حجاج به، وأخرجه البخاري (٤٦٨٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٩٨ من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٠ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.","vol":"12","page":320},{"text":"ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ في تأويلِ ذلك قولٌ آخرُ، وهو ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: أُخْبِرتُ عن عكرمةَ أن ابنَ عباسٍ قرأ: (ألا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ). وقال ابنُ عباسٍ: (تَثْنَوْنِي صدورُهم): الشكُّ في اللَّهِ، وعملُ السيئاتِ، ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾: يستكبرُ، أو يَسْتَكِنُّ مِن اللَّهِ، واللَّهُ يَراه؛ ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن رجلٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قرأ: (ألا إنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ). قال عكرمةُ: (تَثْنَوْنِي صُدُورُهم). قال: الشَّكُّ في اللَّهِ، وعملُ السيئاتِ، فَيَسْتَغْشِي ثيابَه، ويَسْتكِنُّ مِن اللَّهِ، واللَّهُ [يراه، و] (^٢) يعلمُ ما يُسِرُّون وما يُعْلنون.\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وهو: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾. على مثالِ \"يَفْعَلون\"، و\"الصدورُ\" نَصْبٌ بمعنى: يَحْنون صدورَهم ويَكُنُّونها (^٣).\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾. يقولُ: يَكُنُّون (^٤) (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٩٩ من طريق محمد بن عبد الأعلى به.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"يكبونها\".\n(^٤) في م: \"يكبون\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٩٨ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢١ إلى ابن المنذر.","vol":"12","page":321},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾. يقولُ: يَكْتُمون ما في قلوبِهم، ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ يعلمُ ما عمِلوا بالليلِ والنهارِ (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾. يقولُ: تَثْنَوْنِي صُدُورُهُم (^٢).\nوهذا التأويلُ الذي تأوَّله الضحاكُ على مذهبِ قراءةِ ابنِ عباسٍ، إلا أن الذي حدَّثنا، هكذا ذَكَر القراءةَ في الروايةِ.\nفإذا كانت القراءةُ التي ذكرنا أَولى القراءتَين في ذلك بالصوابِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليها، فأَوْلى التأويلاتِ بتأويلِ ذلك، تأويلُ مَن قال: إنهم كانوا يَفْعَلون ذلك جهلًا منهم باللَّهِ أنه يَخْفَى عليه ما تُضْمِرُه نفوسُهم، أو تَناجَوه بينَهم.\nوإنما قلنا: ذلك أَولى التأويلاتِ بالآيةِ؛ لأن قولَه: ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ بمعنى: ليَسْتَخْفوا مِن اللَّهِ، وأن الهاءَ في قولِه: ﴿مِنْهُ﴾ عائدةٌ على اسمِ اللَّهِ، ولم يَجْرِ لمحمدٍ ذكرٌ قبلُ فيُجعَلَ مِن ذكرِه ﷺ، وهي في سياقِ الخبرِ عن اللَّهِ. فإذ كان ذلك كذلك كانت بأن تكونَ مِن ذكرِ اللَّهِ أَوْلى، وإذا صَحَّ أن ذلك كذلك، كان معلومًا أنهم لم يحدِّثوا أنفسَهم أنهم (^٣) يَسْتَخْفُون مِن اللَّهِ إلا بجهلِهم به، فلمّا أخبَرَهم جلّ ثناؤُه أنه لا يَخْفَى عليه سرُّ أمورِهم وعلانيتُها (^٤)، على أيِّ حالٍ كانوا،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٩٨، ٢٠٠٠ عن محمد بن سعد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٩٩ من طريق أبي معاذ بلفظ: \"تلتوي صدورهم\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فإنهم\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"لا علانيتها\".","vol":"12","page":322},{"text":"تَغَشَّوا بالثيابِ، أو ظَهَروا بالبَرَازِ (^١)، فقال: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾. يعني: يَتَغَشَّون ثيابَهم، يَتَغَطَّونها ويَلْبَسون.\nيقالُ منه: اسْتَغْشَى ثوبَه وتَغشَّاه. قال اللَّهُ: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧]. وقالت الخنساءُ (^٢):\nأَرْعَى النجومَ وما كُلِّفْتُ رِعْيَتَها … وتارةً أَتَغَشَّى فَضْلَ أَطْمَارِي (^٣)\n﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: يعلمُ ما يُسِرُّ هؤلاء الجهلةُ بربِّهم، الظانُّون أن اللَّهَ يَخْفى عليه ما أضْمَرَته صدورُهم إذا حَنَوها على ما فيها وثَنَوها (^٤)، وما تَناجَوه بينَهم فأخْفَوه، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: سواءٌ عندَه سرائرُ عبادِه وعلانيتُهم، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: إن اللَّهَ ذو علمٍ بكلِّ ما أَخْفَته صدورُ خلْقِه؛ مِن إيمانٍ وكفرٍ، وحقٍّ وباطلٍ، وخيرٍ وشرٍّ، وما تَسْتجِنُّه مما لم تُجِنَّه (^٥) بعدُ.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾. يقولُ: يُغَطُّون رءوسَهم (^٦).\nقال أبو جعفرٍ: فاحْذَروا أن يَطَّلِعَ عليكم ربُّكم وأنتم مُضْمِرون في صدورِكم\n_________\n(^١) البراز: الفضاء البعيد الواسع، ليس فيه شجر ولا ستر. اللسان (ب ر ز).\n(^٢) شرح ديوان الخنساء ص ٥٥.\n(^٣) الأطمار: أخلاق الثياب. اللسان (ط م ر).\n(^٤) في م: \"ثنوه\".\n(^٥) في م: \"يجنه\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٠٠ من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"12","page":323},{"text":"الشكَّ في شيءٍ مِن توحيدِه أو أمرِه أو نَهْيِه، أو فيما ألزَمكم الإيمانَ به والتصديقَ، فتَهْلِكوا باعْتقادِكم ذلك. واللَّهُ أعلمُ.\n\n<span id=\"aya-1479\"></span><span data-type='title' id=toc-4262>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾: وما تَدِبُّ دابَّةٌ في الأرضِ.\nوالدابَّةُ، الفاعلةُ مِن: دَبَّ، فهو يَدِبُّ، وهو دابٌّ، وهي دابَّةٌ - ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾. يقولُ: إلا ومِن اللَّهِ رزقُها الذي يَصِلُ إليها، هو به متكفِّلٌ، وذلك قُوتُها وغذاؤُها، وما به عَيْشُها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ في قولِه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾. قال: ما جاءها مِن رزقٍ فمِن اللَّهِ، وربما لم يرزقْها حتى تموتَ جوعًا، ولكن ما كان مِن رزقٍ فمِن اللَّهِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾. قال: كلُّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٠١ من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢١ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"12","page":324},{"text":"دابةٍ (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾: يعني كلَّ دابةٍ، والناسُ منهم (^٢).\nوكان بعضُ أهلِ العلم بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ يزعُمُ أن كلَّ آكلٍ (^٣) فهو دابةٌ، وأن معنى الكلامِ: وما دابةٌ في الأرضِ، وأن \"مِن\" زائدةٌ (^٤).\nوقولُه: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾: حيثُ تستقِرُّ فيه، وذلك مأواها الذي تَأْوِي إليه ليلًا أو نهارًا، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾: الموضِعَ الذي يُودِعُها، إما بموتِها فيه، أو دفنِها\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ التيميِّ، عن ليثٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾: حيثُ تَأْوِي، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾: حيثُ تموتُ (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٠١ عن محمد بن سعد به.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٠١ معلقًا.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"مال\"، وفي م: \"ماش\". والمثبت من مجاز القرآن.\n(^٤) مجاز القرآن ١/ ٢٨٥.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠١، ٣٠٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٥٦ (٧٦٨٦)، ٦/ ٢٠٠١ عن الحسن بن يحيى به دون آخره، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢١ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ. وتقدم في ٩/ ٤٣٤ من وجه آخر عن ليث، عن مقسم، قال: مستقرها في الصلب حيث تأوي إليه.","vol":"12","page":325},{"text":"ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾. يقولُ: حيثُ تَأْوِي، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾. يقولُ: إذا ماتَت (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن ليثٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾. قال: المستقرُّ حيثُ تَأْوِي، والمستودَعُ حيثُ تموتُ.\nوقال آخرون: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الرحمِ، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ في الصلبِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الرحمِ، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ في الصلبِ. مثلُ التي في \"الأنعامِ\" (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾: فالمستقرُّ ما كان في الرحمِ، والمستودعُ ما كان في الصلبِ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾. يقولُ: في الرحمِ، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾: في الصلبِ (^٤).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٣٩ عن علي بن أبي طلحة به.\n(^٢) تقدم في ٩/ ٤٣٩.\n(^٣) تقدم في ٩/ ٤٣٨.\n(^٤) تقدم في ٩/ ٤٤١.","vol":"12","page":326},{"text":"وقال آخرون: المستقَرُّ في الرحمِ، والمستودعُ حيث تموتُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي ويَعْلى وابنُ فُضَيلٍ، عن إسماعيلَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾. قال: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ الأرحامَ، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ الأرضَ التي تموتُ فيها (^١).\nقال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾: المستقرُّ الرحمُ، والمستودَعُ المكانُ الذي تموتُ فيه (^٢).\nوقال آخرون: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ أيامَ حياتِها، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيث تموتُ فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ قولَه: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾. قال: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ أيامَ حياتِها، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيث تموتُ، ومِن حيث تُبْعَثُ (^٣).\nوإنما اختَرنا القولَ الذي اختَرناه فيه؛ لأن اللَّهَ جلّ ثناؤُه أخبَر أن ما رُزِقَت الدوابُّ مِن رزقٍ فمنه، فأولى أن يَتْبَعَ ذلك أن يَعْلَمَ (^٤) مَثْواها ومستقرَّها دونَ الخبرِ عن علمِه بما تَضمَّنته الأصلابُ والأرحامُ.\n_________\n(^١) تقدم في ٩/ ٤٣٣ عن إبراهيم.\n(^٢) تقدم في ٩/ ٤٣٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٠٣ من طريق عبد الرحمن به، دون أوله. وينظر البحر المحيط ٥/ ٢٠٤.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يعلمه\".","vol":"12","page":327},{"text":"ويعني بقولِه: ﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: عددُ كلِّ دابةٍ، ومبلغُ أرزاقِها، وقدرُ قرارِها في مستقرِّها، ومدةُ لُبْثِها في مستودعِها، كلُّ ذلك في كتابٍ عندَ اللَّهِ مُثْبَتٌ مكتوبٌ، ﴿مُبِينٍ﴾: يُبِينُ لمَن قرأه أن ذلك مثبتٌ مكتوبٌ قبلَ أن يخلقَها ويُوجِدَها.\nوهذا إخبارٌ مِن اللَّهِ جلّ ثناؤُه الذين كانوا يَثْنون صدورَهم ليَسْتَخْفوا منه، أنه قد عَلِمَ الأشياءَ كلَّها، وأثبَتَها في كتابٍ عندَه قبلَ أن يَخلقَها ويُوجِدَها.\nيقولُ لهم تعالى ذكره: فمَن كان قد عَلِمَ ذلك منهم قبلَ أن يُوجِدَهم، فكيف يَخْفَى عليه ما تَنْطَوي عليه نفوسُهم إذا ثَنَوا به صدورَهم، واسْتَغْشَوا عليه ثيابَهم؟\n\n<span id=\"aya-1480\"></span><span data-type='title' id=toc-4263>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: اللَّهُ الذي إليه مرجعُكم أيُّها الناسُ جميعًا، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. يقولُ: أَفيَعجِزُ مَن خَلَقَ ذلك مِن غيرِ شيءٍ أن يُعِيدَكم أحياءً بعدَ أن يُمِيتَكم؟\nوقيل: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه خلَق السماواتِ والأرضَ وما فيهنَّ في الأيامِ الستةِ، فاجتُرِئَ في هذا الموضعِ بذكْرِ خلْقِ السماواتِ والأرضِ مِن ذكرِ خلْقِ ما فيهنَّ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبَرني إسماعيلُ بنُ أميةَ، عن أيوبَ بنِ خالدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ رافعٍ، مولى أمِّ سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: أَخَذ رسولُ اللَّهِ ﷺ بيدي، فقال: \"خَلَقَ اللَّهُ التُّربةَ","vol":"12","page":328},{"text":"يومَ السبتِ، وخَلَقَ الجبالَ فيها يومَ الأحدِ، وخَلَقَ الشجرَ فيها يومَ الاثنينِ، وخَلَقَ المكروهَ يومَ الثلاثاءِ، وخَلَقَ النورَ يومَ الأربعاءِ، وبَثَّ فيها من كلِّ دابةٍ يومَ الخميسِ، وخَلَقَ آدمَ بعدَ العصرِ مِن يومِ الجمعةِ في آخرِ الخلقِ، في آخرِ ساعاتِ الجمعةِ، فيما بَيْن العصرِ إلى الليلِ\" (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. قال: بدأ خلقَ الأرضِ في يومين، وقَدَّرَ فيها أقواتَها في يومين.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن كعبٍ،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١٤/ ٨٢ (٨٣٤١)، ومسلم (٢٧٨٩)، والنسائي في الكبرى (١١٠١٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٤ (٣٠٤)، وأبو يعلى (٦١٣٢)، وابن حبان (٦١٦١)، وأبو الشيخ في العظمة (٨٧٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨١٢) من طريق حجاج به، وأخرجه ابن معين في تاريخه ٣/ ٥٢ (٢١٠)، وأبو الشيخ (٨٧٨)، وابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير ١/ ٩٩ - من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٤٣ إلى ابن المنذر وسيأتي في سورة \"فصلت\"، الآية ٩ من طريقين عن حجاج به. وعلقه البخاري في تاريخه ١/ ٤١٣، ٤١٤ عن إسماعيل به، وقال: وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب. وهو أصح.\nوقال شيخ الإسلام: طعن فيه من هو أعلم من مسلم مثل يحيى بن معين ومثل البخاري وغيرهما، وذكر البخاري أن هذا من كلام كعب الأحبار وطائفة اعتبرت صحته؛ مثل أبي بكر بن الأنباري وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهما، وقد وافق البيهقي وغيره الذين ضعفوه.\nوهذا هو الصواب؛ لأنه قد ثبت بالتواتر أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وثبت أن آخر الخلق كان يوم الجمعة، فيلزم أن يكون أول الخلق يوم الأحد، وهكذا هو عند أهل الكتاب، وعلى ذلك تدل أسماء الأيام. ولو كان أول الخلق يوم السبت وآخره يوم الجمعة لكان قد خلق في الأيام السبعة، وهو خلاف ما أخبر به القرآن مع أن حذاق الحديث يثبتون علة هذا الحديث من غير هذه الجهة، وأن راويه غلط فيه لأمور يذكرونها.\nوأسند البيهقي (٨١٣) عن ابن المديني قال: ما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلا من إبراهيم بن أبي يحيى. وينظر مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٣٥، ١٨/ ١٨، والبداية والنهاية ١/ ٣١ - ٣٣، وتفسير ابن كثير ١/ ٩٩، ٣/ ٤٢٢، والأنوار الكاشفة للمعلمي ص ١٨٨، والصحيحة (١٨٣٣).","vol":"12","page":329},{"text":"قال: بدأ اللَّهُ خلقَ السماواتِ والأرضِ يومَ الأحدِ والاثنينِ والثلاثاءِ والأربعاءِ والخميسِ، وفَرَغَ منها يومَ الجمعةِ، فَخَلَقَ آدمَ في آخرِ ساعةٍ مِن يومِ الجمعةِ، قال: فجَعَلَ مكانَ كلِّ يومٍ ألفَ سنةٍ (^١).\nوحُدِّثْتُ عن المسيبِ بنِ شريكٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. قال: مِن أيام الآخرةِ، كلُّ يومٍ مقدارُه ألفُ سنةٍ، ابتدأ في الخلقِ يومَ الأحدِ، واجْتَمع (^٢) الخلقُ يومَ الجمعةِ، فسُمِّيَت الجمعةَ، وسَبَت يومَ السبتِ، فلم يخلُقْ شيئًا (^٣).\nوقولُه: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾. يقولُ: وكان عرشُه على الماءِ قبلَ أن يخلقَ السماواتِ والأرضَ وما فيهن.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾. قال: كان عرشُه على الماءِ قبلَ أن يخلُقَ شيئًا (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٤ حتى قوله: \"الاثنين\"، ١/ ٥٩ دون قوله: \"فخلق آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة\".\n(^٢) في م، ت ١، س، ف: \"ختم\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٤، ٥٩ عن محمد بن أبي منصور والمثنى، عن علي بن الهيثم، عن المسيب به، دون قوله: \"فسميت الجمعة … \"، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٠٤ من طريق بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس مقتصرًا على قوله: \"يوم مقداره ألف سنة\". وبلفظه هذا سيأتي في سورة (ق) الآية ٣٨ من طريق عبيد عن الضحاك قوله.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٨٤، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٠٥.","vol":"12","page":330},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: نا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾: يُنَبِّئُكم ربُّكم ﵎ كيف كان بدءُ خلقِه قبلَ أن يخلُقَ السماواتِ والأرضَ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾. قال: هذا بدءُ خلقِه قبلَ أن يخلُقَ السماءَ والأرضَ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن يَعْلى بنِ عطاءٍ، عن وكيعِ بنِ حُدُسٍ، عن عمِّه أبي رزينٍ العُقيليِّ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أين كان ربُّنا قبلَ أن يخلقَ السماواتِ والأرضَ؟ قال: \"في عَمَاءٍ (^٣)، فوقَه هواءٌ، وتحتَه هواءٌ، ثم خَلَقَ عرشَه على الماءِ\" (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ ومحمدُ بنُ هارونَ القطانُ الرازقيُّ، قالا: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن يَعْلى بنِ عطاءٍ، عن وكيعِ بنِ حُدُسٍ، عن عمِّه أبي رزينٍ، قال: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ، أين كان ربُّنا قبل أن يخلُقَ خلقَه؟ قال: \"كان في عَمَاءٍ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٠٥ من طريق سعيد به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠١ عن معمر به.\n(^٣) العماء بالفتح والمد: السحاب. النهاية ٣/ ٣٠٤.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٧، ٣٨، وأخرجه الطيالسي (١١٨٩)، وأحمد ٢٦/ ١١٧، ١١٨ (١٦٢٠٠)، وأبو الشيخ في العظمة (٨٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٠١، ٨٦٤)، وغيرهم من طريق حماد بن سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٢ إلى ابن المنذر وابن مردويه وصححه المصنف في تاريخه ١/ ٤٠. ووكيع بن حدس مجهول.","vol":"12","page":331},{"text":"ما فوقَه هواءٌ، وما تحتَه هواءٌ، ثم خَلَقَ عرشَه على الماءِ\" (^١).\nحدَّثنا خَلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شُمَيلٍ، قال: أخبَرنا المسعوديُّ، قال: أخبَرنا جامعُ بنُ شدّادٍ، عن صفوانَ بنِ مُحْرزٍ، عن ابنِ حُصَيبٍ (^٢) - وكان مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ قال: أتَى قومٌ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فَدَخَلُوا عليه، فجَعَل يُبَشِّرُهم ويقولون: أعْطِنا، حتى ساءَ ذلك رسولَ اللَّهِ ﷺ، ثم خَرَجوا مِن عندِه، وجاء قومٌ آخرون فدَخَلوا عليه، فقالوا: جِئْنا نُسَلِّمُ على رسولِ اللَّهِ ﷺ، ونتفقَّه في الدينِ، ونسألُه عن بَدْءِ هذا الأمرِ، قال: \"فاقْبَلوا البُشْرَى إذ لم يَقْبَلُها أولئك الذين خَرَجوا\". قالوا: قَبِلْنا. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"كان اللَّهُ لا (^٣) شيءَ غيرُه، وكان عرشُه على الماءِ، وكَتَبَ في الذكرِ قبلُ كلَّ شيءٍ، ثم خَلَقَ سبعَ سماواتٍ\". ثم أتاني آتٍ، فقال: تلك ناقتُك قد ذَهَبَت. فَخَرَجْتُ يَنْقَطِعُ دونَها السَّرابُ، ولوَدِدْتُ أني تركتُها (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٧. وأخرجه أحمد ٢٦/ ١٠٨ (١٦١٨٨)، والترمذي (٣١٠٩)، وابن ماجه (١٨٢)، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب العرش ص ٧ من طريق يزيد بن هارون به. وحسنه الترمذي.\n(^٢) في م: \"حصين\". وهو بريدة بن حصيب. وقد روى هذا الحديث من وجهين: الأول - وهو الذي بين أيدينا - عن ابن حصيب، والثاني عن ابن حصين. وينظر مصادر التخريج.\n(^٣) في م: \"ولا\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٨ - وفيه ابن حصين وهو خطأ - وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ٢٤٢، ٢٤٣، والحاكم ٢/ ٣٤١ من طريق المسعودي به. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢١٠، ٢١٣) من طريق المسعودي عن جامع عن ابن بريدة - وفي الموضع الثاني: عن رجل عن بريدة - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٢ إلى ابن المنذر وابن حبان وابن مردويه وهو عن ابن حبان عن عمران بن حصين.\nوحديث عمران أخرجه النسائي في الكبرى (١١٢٤٠) من طريق المسعودي به.\nوأخرجه أحمد ٤/ ٤٣١، ٤٣٢ (الميمنية)، والبخاري (٧٤١٨)، والدارمي في الرد على الجهمية ص ١٠، ١١، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب العرش ص ١، والمصنف في تاريخه ١/ ٣٨، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٠٠)، وفي الاعتقاد ص ٩٢، وغيرهم من طريق جامع به.","vol":"12","page":332},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي قيسٍ، عن ابنِ أبي ليلى، عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾. قال: كان عرشُ اللَّهِ على الماءِ، ثم اتَّخَذَ لنفسِه جنةً، ثم اتَّخَذَ دونَها أخرى، ثم أطبَقَهما بلؤلؤةٍ واحدةٍ، قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢]. قال: وهي التي: ﴿لَا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ - أو قال: وهما التي: ﴿لَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. قال: وهي التي لا تعلَمُ الخلائقُ ما فيها - أو ما فيهما - يأتيهم كلَّ يومٍ منها - أو منهما - تحفَةٌ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: سُئِل ابنُ عباسٍ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾. قال: على أيِّ شيءٍ كان الماءُ؟ قال: على متنِ الريحِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٠٧)، والخطيب ٩/ ١١٦ من طريق إسحاق به، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢١٤) من طريق ابن أبي ليلى به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٧٥ ومن طريقه البيهقي في البعث والنشور (٢٤٣) من طريق إسحاق عن عنبسة بن سعيد وعمرو بن أبي قيس وغيرهما عن المنهال به، وأخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب العرش ص ٦ من طريق إسحاق عن عنبسة عن ابن أبي ليلى وعمرو عن ابن أبي ليلى عن المنهال به.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٠، وأخرجه الدارمي في الرد على بشر المريسي ص ٨٧، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب العرش ص ٢ من طريق وكيعٍ به، وأخرجه الفريابي، كما في الدر المنثور ٣/ ٣٢٢ - ومن طريقه أبو الشيخ في العظمة (٢١٢) - وابن أبي عاصم في السنة (٥٨٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٠٥، وأبو الشيخ (٢٢٩)، والحاكم ٢/ ٣٤١، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٠٢) من طريق سفيان به، وأخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة (٣) من طريق آخر عن سعيد به بزيادة: \"وكانت الريح على الهواء\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٢ إلى ابن المنذر.","vol":"12","page":333},{"text":"الأعمشِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: سُئِل ابنُ عباسٍ عن قولِه تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾: على أيِّ شيءٍ كان الماءُ؟ قال: على متنِ الريحِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (^٢).\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا مُبَشِّرٌ (^٣) الحلبيُّ، عن أرطاةَ بنِ المنذرِ، قال: سمِعتُ ضَمْرةَ يقولُ: إن اللَّهَ كان عرشُه على الماءِ، وخلقَ السماواتِ والأرضَ بالحقِّ، وخلَق القلمَ، فكتَب به ما هو خالقٌ، وما هو كائنٌ مِن خلقِه، ثم إن ذلك الكتابَ سبَّح اللَّهَ ومجَّدَه ألفَ عامٍ، قبلَ أن يخلُقَ شيئًا من الخلْقِ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبد الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، قال: سمِعتُ وهبَ بنَ منبهٍ يقولُ: إن العرشَ كان قبلَ أن يخلُقَ اللَّهُ السماواتِ والأرضَ، ثم قَبَضَ قبضةً من صَفاةِ (^٥) الماءِ، ثم فَتَحَ القبضةَ، فارتَفَع (^٦) دُخَانًا، ثم قَضَاهُنَّ سبعَ سماواتٍ في يومين، ثم أَخَذَ طينةً مِن الماءِ، فَوَضَعَها مكانَ البيتِ، ثم دَحا الأرضَ منها، ثم خَلَقَ الأقواتَ في يومين، والسماواتِ في يومين، وخلَقَ الأرضَ في يومين، ثم فَرَغَ مِن آخرِ الخلقِ يومَ السابعِ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٠، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٠٢ عن معمر به، وفي مصنفه (٩٠٨٩) عن الأعمش عن المنهال عن سعيد، وفيه زيادة.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤١.\n(^٣) في م: \"ميسر\". وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ١٩٠.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤١ بلفظ: \"إن الله خلق القلم فكتب … \". وفيه زيادة - وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢١٦) من طريق أرطاة عن ضمرة عن جبير بن نفير مرفوعًا.\n(^٥) في م: \"صفاء\".\n(^٦) في مصدري التخريج: \"فارتفعت\".\n(^٧) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٩ عن محمد بن سهل بن عسكر عن إسماعيل به نحوه، وأخرجه في =","vol":"12","page":334},{"text":"وقولُه: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهو الذي خلَق السماواتِ والأرضَ أيُّها الناسُ، وخَلَقَكم في ستةِ أيامٍ، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾. يقولُ: ليختبرَكم، ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. يقولُ: أيُّكم أحسنُ له طاعةً.\nكما حُدِّثنا عن داودَ بنِ المُحَبَّرِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ (^١)، عن كُليبِ بنِ وائلٍ، عن عبدِ بنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ، أنه تَلا هذه الآيةَ: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. قال: \"أيُّكم أحسنُ عقلًا، وأَوْرَعُ عن محارمِ اللَّهِ، وأسرَعُ في طاعةِ اللَّهِ\" (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. يعني الثقلَين (^٣).\nوقولُه: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولئن قلتَ لهؤلاء المشركين مِن قومِك: إنكم مبعوثون أحياءً مِن بعدِ مماتِكم. فتلوتَ عليهم بذلك تنزيلي ووحيي، ليقولُنَّ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. أي: ما هذا\n_________\n= ١/ ٤٣ عن محمد بن سهل به مختصرًا جدًا، قال: الأيام سبعة. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢٣٢) من طريق إسماعيل به، وفيه: \"قبل أن يخلق الله السماوات والأرض على الماء، فلما أراد أن يخلق السماوات والأرض قبض … \".\n(^١) في النسخ: \"زيد\". وينظر تهذيب الكمال ٨/ ٤٤٤، ١٨/ ٤٥١، وتفسير ابن أبي حاتم.\n(^٢) حديث ضعيف جدًّا، أخرجه داود بن المحبر في كتاب العقل - كما في تخريج الكشاف ٢/ ١٤٥ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٠٦، والثعلبي كما في تخريج الكشاف، وأخرجه ابن مردويه - كما في تخريج الكشاف - من طريق كليب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٢ إلى الحاكم في تاريخه. وأحاديث العقل كلها كذب. ينظر كتاب التحديث بما قيل: لا يصح فيه حديث ص ١٧٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٠٦ من طريق آخر عن ابن جريج.","vol":"12","page":335},{"text":"الذي تَتْلوه علينا مما تقولُ إلا سحرٌ مبينٌ (^١) لسامعِه عن (^٢) حقيقتِه أنه سحرٌ.\nوهذا على تأويلِ مَن قرأ ذلك: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.\nوأما مَن قرأه: (إِنْ هَذَا إِلَّا ساحِرٌ مُبِينٌ) (^٣)، فإنه يُوَجِّهُ الخبرَ بذلك عنهم إلى أنهم وصَفَوا رسولَ اللَّهِ ﷺ بأنه فيما أتاهم به من ذلك ساحرٌ مبينٌ.\nوقد بَيَّنَّا الصوابَ مِن القراءةِ في ذلك في نظائرِه فيما مَضَى قبلُ، بما أغنَى عن إعادتِه ههنا (^٤).\n\n<span id=\"aya-1481\"></span><span data-type='title' id=toc-4264>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولئن أخَّرْنا عن هؤلاء المشركين من قومِك يا محمدُ العذابَ، فلم نُعَجِّلْه لهم، وأَنْسَأْنا في آجالِهم إلى أمةٍ معدودةٍ، ووقتٍ محدودٍ، وسنينَ معلومةٍ.\nوأصلُ الأُمَّةِ، ما قد بَيَّنَّا فيما مَضَى مِن كتابِنا هذا، أنها الجماعةُ مِن الناسِ، تجتَمِعُ على مذهبٍ ودينٍ، ثم تُستعمَلُ في معانٍ كثيرةٍ، ترجِعُ إلى معنى الأصلِ الذي ذكرتُ (^٥). وإنما قيل للسنين المعدودةِ والحينِ في هذا الموضعِ ونحوِه: أُمَّةٌ؛ لأن فيها تكونُ الأمةُ. وإنما معنى الكلامِ: ولئن أخَّرْنا عنهم العذابَ إلى مجيءِ أمةٍ\n_________\n(^١) زيادة يستقيم بها السياق.\n(^٢) في م: \"مبين\".\n(^٣) هي قراءة حمزة والكسائي وخلف. النشر ص ١٩٢، وإتحاف فضلاء البشر ص ١٥٣.\n(^٤) تقدم في ٩/ ١١٥، ١١٦.\n(^٥) تقدم في ٢/ ٥٦٦.","vol":"12","page":336},{"text":"وانقراضِ أخرى قبلَها.\nوبنحوِ الذي قلنا مِن أن معنى الأمةِ في هذا الموضعِ الأجلُ والحينُ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ. وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن عاصمٍ، عن أبي رزينٍ، عن ابنِ عباسٍ. وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن عاصمٍ، عن أبي رزينٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾. قال: إلى أجلٍ محدودٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن أبي رزينٍ، عن ابنِ عباسٍ بمثلِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾. قال: أجلٌ معدودٌ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ، قال: إلى أجلٍ معدودٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٢ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٠٧، والحاكم ٢/ ٣٤١ من طريق، عبد الرحمن به، وأخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠٧ من طريق أبي نعيم به، وعزاه الشوكاني في فتح القدير ٢/ ٤٨٤ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وسيأتي في سورة يوسف الآية ٤٥.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٢ عن معمر به.","vol":"12","page":337},{"text":"نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾. قال: إلى حينٍ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾. يقولُ: أمْسَكنا عنهم العذابَ إلى أمةٍ معدودةٍ. قال ابنُ جريجٍ: قال مجاهدٌ: إلى حينٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾. يقولُ: إلى أجلٍ معلومٍ.\nوقولُه: ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾. يقولُ: ليقولَنَّ هؤلاء المشركون ما يحبِسُه؟ أَيُّ شيءٍ يمنَعُهُ مِن تعجيلِ العذابِ الذي يَتَوَعَّدُنا به، تكذيبًا منهم به، وظَنًّا منهم أن ذلك إنما أُخِّرَ عنهم لكذبِ المُتوعِّدِ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قولُه: ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾. قال: للتكذيبِ به، أو أنه ليس بشيءٍ (^٢).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٨٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٠٧، وعند مجاهد: \"إلى أجل معدود\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٠٧ من طريق آخر عن ابن جريج، قال: قال آخرون ....","vol":"12","page":338},{"text":"وقولُه: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه، تحقيقًا لوعيدِه، وتصحيحًا لخبرِه: ألا يومَ يأتِيهِم العذابُ الذي يُكَذِّبون به ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾. يقولُ: ليس يصرِفُه عنهم صارفٌ، ولا يدفَعُه عنهم دافِعٌ، ولكنه يَحِلُّ بهم فيُهْلِكُهم، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يقولُ: ونَزَلَ بهم وأصابهم الذي كانوا به يَسْخَرون مِن عذابِ اللَّهِ، وكان استهزاؤُهم به الذي ذَكَره اللَّهُ قيلَهم قبلَ نزولِه: \"ما يحبِسُه\" [و\"هلّا تأتينا به\"] (^١)؟\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك كان بعضُ أهلِ التأويلِ يقولُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. قال: ما جاءت به أنبياؤُهم مِن الحقِّ.\n\n<span id=\"aya-1482\"></span><span data-type='title' id=toc-4265>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولئن أَذَقْنا الإنسانَ مِنَّا رخاءً وسعةً في الرزقِ والعيشِ، فبسَطْنا عليه مِن الدنيا، وهي الرحمةُ التي ذَكَرها تعالى ذكرُه في هذا الموضعِ، ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾. يقولُ: ثم سَلَبْناه ذلك، فأصابَته مصائبُ أَجاحَتْه، فذَهَبَت به، ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾. يقولُ: يظَلُّ قَنِطًا مِن رحمةِ اللَّهِ، آيسًا مِن الخيرِ.\nوقولُه: ﴿لَيَئُوسٌ﴾. فعولٌ، مِن قولِ القائلِ: يَئِسَ فلانٌ مِن كذا، فهو\n_________\n(^١) في م، ف: \"نقلًا بأنبيائه\".","vol":"12","page":339},{"text":"يئوسٌ. إذا كان ذلك صفةً له. وقولُه: ﴿كَفُورٌ﴾. يقولُ: هو كفورٌ لمَن أنعَمَ عليه، قليلُ الشكرِ لربِّه المُتَفَضِّلِ عليه بما كان وَهَبَ له مِن نعمتِه\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩)﴾. قال: يا بنَ آدمَ، إذا كانت بك نعمةٌ مِن اللَّهِ من السعةِ والأمنِ والعافيةِ، فكفورٌ لِما بك منها، وإذا نُزِعَت منك [نبْتَغِي قَدْعَكَ وعقلَك] (^١)، فيئوسٌ مِن رَوحِ اللَّهِ، قَنوطٌ مِن رحمتِه. كذلك المرءُ المنافقُ والكافرُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1483\"></span><span data-type='title' id=toc-4266>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولئن نحن بَسَطْنا للإنسانِ في دُنياه، ورَزَقْناه رخاءً في عَيْشِه، ووَسَّعْنا عليه في رِزقِه، وذلك هي النِّعَمُ التي قال جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ﴾. وقولُه: ﴿بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾. يقولُ: بعدَ ضيقٍ مِن العيشِ كان فيه، وعُسْرةٍ كان يعالجُها، ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ليقَولَنَّ عندَ ذلك: ذَهَبَ الضيقُ والعُسْرةُ عني، وزالت الشدائدُ والمكارِهُ. ﴿إِنَّهُ\n_________\n(^١) في م: \"يبتغ لك فراغك\". والقدع: الكف والمنع. التاج (ق د ع).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٠٧ من طريق آخر عن ابن جريج، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٢ إلى أبي الشيخ مطولًا، وستأتي بقيته قريبا.","vol":"12","page":340},{"text":"لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الإنسانَ لفرِحٌ بالنِّعَمِ التي يُعْطاها، مسرورٌ بها ﴿فَخُورٌ﴾، يقولُ: ذو فخرٍ بما نالَ مِن السعةِ في الدنيا، وبُسِطَ له فيها مِن العيشِ، ويَنْسَى صُرُوفَها، ونَكَدَ العوائصِ (^١) فيها، ويَدَعُ طلبَ النعيمِ الذي يَبْقى، والسرورَ الذي يدومُ، فلا يزولُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ غِرَّةً باللَّهِ وجراءةً عليه، ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ﴾ واللَّهُ لا يحبَّ الفرحينَ، ﴿فَخُورٌ﴾ بعدَ ما أُعْطِي، وهو لا يشكُرُ اللَّهَ (^٢).\nثم اسْتَثْنى جلَّ ثناؤُه مِن الإنسانِ الذي وَصَفَه بهاتين الصفتَين الذين صَبَروا وعَمِلوا الصالحاتِ، وإنما جازَ استثناؤُهم منه؛ لأن الإنسانَ بمعنى الجنسِ ومعنى الجمعِ، وهو كقولِه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ١ - ٣].\n\n<span id=\"aya-1484\"></span>فقال تعالى ذكرُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فإنهم إن تأتِهم شدّةٌ من الدنيا وعسرةٌ فيها، لم يُثْنِهم ذلك عن طاعةِ اللَّهِ، ولكنهم صَبَروا لأمرِه وقضائِه، فإن نالوا فيها رخاءً وسعةً شَكروه، وأدَّوا حقوقَه بما آتاهم منها، يقولُ اللَّهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ يغفرُها لهم، ولا يفضَحُهم بها في معادِهم، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. يقولُ: ولهم مِن اللَّهِ مع مغفرةِ ذنوبِهم ثوابٌ - على أعمالِهم الصالحةِ التي عَمِلوها في دارِ الدنيا - جزيلٌ، وجزاءٌ عظيمٌ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عندَ البلاءِ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ عندَ النعمة، ﴿لَهُمْ\n_________\n(^١) في م: \"العوارض\". والعوائص: الشدائد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٢ إلى المصنف وأبي الشيخ مطولًا.","vol":"12","page":341},{"text":"مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبِهم، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. قال: الجنةُ (^١).\n\n<span id=\"aya-1485\"></span><span data-type='title' id=toc-4267>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فلعلك يا محمدُ تاركٌ بعضَ ما يُوحِي إليك ربُّك أن تُبلِّغَه مِن أمرِك بتبليغِه ذلك، وضائقٌ بما يُوْحَى إليك صدرُك، فلا تُبَلِّغُه إياهم، مخافةَ أن يقولوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ له مُصدِّقٌ بأنه للَّهِ رسولٌ. يقولُ تعالى ذكرُه: فبَلِّغْهم ما أوحيتُه إليك، فإنك ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ تُنْذِرُهم عقابي، وتُحَذِّرُهم بأسي على كفرِهم بي، وإنما الآياتُ التي يسألونكها عندي، وفي سلطاني، أُنزِلُها إذا شئتُ، وليس عليك إلا البلاغُ والإنذارُ، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ القَيِّمُ بكلِّ شيءٍ، وبيدِه تدبيرُه، فانفُذْ لما أمرتُك به، ولا يمنعْك مسألتُهم إياك الآياتِ مِن تبليغِهم وَحْيِي، والنفوذِ لأمري.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال اللَّهُ لنبيِّه: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ أن تفعلَ فيه ما أُمِرتَ، وتدعوَ إليه كما أُرسِلتَ. قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾، لا نرى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٠٨ من طريق آخر عن ابن جريج، إلى قوله: \"النعمة\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٢ إلى أبي الشيخ مطولًا.","vol":"12","page":342},{"text":"معه مالًا، أين المالُ؟ ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يُنذِرُ معه ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ فَبَلِّغْ ما أُمِرتَ (^١).\n\n<span id=\"aya-1486\"></span><span data-type='title' id=toc-4268>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: كَفاك حجةً على حقيقةِ ما أتيتَهم به، ودلالةً على صحةِ نبوَّتِك، هذا القرآنُ مِن سائرِ الآياتِ غيرِه، إذ كانت الآياتُ إنما تكونُ لمن أُعْطِيها دلالةً على صدقِه، لعجزِ جميعِ الخلقِ عن أن يأتوا بمثلِها.\nوهذا القرآنُ جميعُ الخلقِ عَجَزَةٌ (^٢) عن أن يأتوا بمثلِه، فإن هم قالوا: افتريتَه. أي: اختلَقْتَه وتكذَّبتَه، ودلَّ على أن معنى الكلامِ ما ذكرنا قولُه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ إلى آخر الآيةِ.\nويعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾، أي: أيقولون افتراه؟ وقد دلَّلنا على سببِ إدخالِ العربِ \"أم\" في مثلِ هذا الموضعِ (^٣).\nفقلْ لهم يأتوا بعشرِ سورٍ مثلِ هذا القرآنِ. ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾، يعني: مُفْتَعَلاتٍ مختلَقاتٍ (^٤)، إن كان ما أتيتُكم به مِن هذا القرآنِ مُفْتَرًى، وليس بآيةٍ مُعْجِزَةٍ كسائرِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٠٨ من طريق آخر عن ابن جريج من قوله حتى قوله: \"أرسلت\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٢ إلى المصنف وأبي الشيخ عن ابن جريج مطولًا.\n(^٢) في م: \"عجزت\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٢/ ٤١١.\n(^٤) في م: \"مختلفات\".","vol":"12","page":343},{"text":"ما سُئِلْتُه من الآياتِ، كالكَنزِ الذي قُلتم: هَلَّا أُنزِل عليه؟ أو المَلكِ الذي قُلتم: هَلَّا جاء معه نذيرًا له مُصدِّقًا؟ فإنكم قومي، وأنتم مِن أهلِ لساني، وأنا رجلٌ منكم، ومحالٌ أن أقدِرَ أخلُقَ وحدي مائةَ سورةٍ وأربعَ عَشْرَةَ سورةً، ولا تَقْدِروا بأجمعِكم أن تَفْتروا وتَخْتلقوا (^١) عشرَ سورٍ مثلِها، ولا سيما إذا استعنتم في ذلك بمَن شئتم مِن الخلقِ. يقولُ جلّ ثناؤُه: قلْ لهم: وادعوا مَن استطعتم أن تَدْعوهم مِن دونِ اللَّهِ - يعني سوى اللَّهِ - لافتراءِ ذلك واختلافِه مِن الآلهةِ. فإن أنتم لم تَقْدِروا على أن تَفْتَروا عشرَ سورٍ مثلِه، فقد تبيَّن لكم أنكم كَذَبَةٌ في قولِكم: ﴿افْتَرَاهُ﴾. وصحَّت عندَكم حقيقةُ ما أتيتُكم به، أنه مِن عندِ اللَّهِ، ولم يكُنْ لكم أن تتخيَّروا الآياتِ على ربِّكم، وقد جاءكم مِن الحجةِ على حقيقةِ ما تكذِّبون به، أنه مِن عندِ اللَّهِ، مثلَ الذي تسألون مِن الحجةِ، وترغبون أنكم تصدِّقون بمجيئِها.\nوقولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ لقولِه: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾، وإنما هو: قلْ: فأتوا بعشرِ سورٍ مثلِه مفترياتٍ، إن كنتم صادقين أن هذا القرآنَ افْتَراه محمدٌ، وادعوا مَن استطعتم مِن دونِ اللَّهِ على ذلك، مِن الآلهةِ والأندادِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾: قد قالوه. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾، وادعوا شهداءَكم. قال: يشهَدون أنها مثلُه. هكذا قال القاسمُ في حديثِه (^٢).\n_________\n(^١) في ت ٢، ف: \"تخلقوا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٢، ٣٢٣ إلى المصنف وأبي الشيخ.","vol":"12","page":344},{"text":"<span id=\"aya-1487\"></span><span data-type='title' id=toc-4269>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قل يا محمدُ لهؤلاء المشركين: فإن لم يستَجِبْ لكم من تَدْعون من دونِ اللَّهِ، إلى أن يأتوا بعشرِ سورٍ مثلِ هذا القرآنِ مفترياتٍ، ولم تُطِيقوا أنتم وهم أن تأتوا بذلك، فاعلَموا وأيْقِنوا أنه إنما أُنزِلَ مِن السماءِ على محمدٍ ﷺ، بعلمِ اللَّهِ وإذنِه، وأن محمدًا لم يَفْتَرِه، ولا يقدِرُ أن يفتريَه، ﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: وأيقِنوا أيضًا أن لا معبودَ يستحقُّ الأُلوهةَ على الخلْقِ إلا اللَّهُ الذي له الخلْقُ والأمرُ، فاخْلَعوا الأندادَ والآلهةَ، وأفْرِدوا له العبادةَ.\nوقد قيل: إن قولَه: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ خطابٌ مِن اللَّهِ لنبيِّه، كأنه قال: فإن لم يستَجِبْ لك هؤلاء الكفارُ يا محمدُ، فاعلَموا أيُّها المشركون أنما أُنزِل بعلمِ اللَّهِ. وذلك تأويلٌ بعيدٌ مِن المفهومِ.\nوقولُه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. يقولُ: فهل أنتم مُذْعِنون للَّهِ بالطاعةِ، ومخلِصون له العبادةَ بعدَ ثبوتِ الحجةِ عليكم؟\nوكان مجاهدٌ يقولُ: عَنى بهذا القولِ أصحابَ محمدٍ ﷺ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. قال: لأصحابِ محمدٍ ﷺ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: وحدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ،","vol":"12","page":345},{"text":"عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. قال: لأصحابِ محمدٍ ﷺ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقيل: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾. والخطابُ في أوّلِ الكلامِ قد جَرَى لواحدٍ، وذلك قولُه: ﴿قُلْ فَأْتُوا﴾. ولم يقُلْ: فإن لم يستجيبوا لك. على نحوِ ما قد بَيَّنا قبلُ من خطابِ رئيسِ القومِ وصاحبِ أمرِهم، أن العربَ تُخْرِجُ خطابَه أحيانًا مخرَجَ خطابِ الجميعِ، إذا كان خطابُه [خطابًا لأتْباعِه] (^٢) وجندِه، وأحيانًا مخرجَ خطابِ الواحدِ، إذا كان في نفسِه واحدًا.\n\n<span id=\"aya-1488\"></span><span data-type='title' id=toc-4270>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: من كان يُريدُ بعملِه الحياةَ الدنيا، وإيَّاها (^٣) وزينتها يطلبُ به، نُوَفِّ إليهم أجورَ أعمالِهم فيها وثوابَها، ﴿وَهُمْ فِيهَا﴾. يقولُ: وهم في الدنيا، ﴿لَا يُبْخَسُونَ﴾. يقولُ: لا يُنْقَصون أجرَها، ولكنهم يُوَفَّونه فيها.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٨٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٣ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) في م: \"خطاب الأتباع\".\n(^٣) في م: \"أثاثها\".","vol":"12","page":346},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية: وهي ما يُعْطِيهم اللَّهُ مِن الدنيا بحسَناتِهم، وذلك أنهم لا يُظْلمون نقيرًا. يقولُ: مَن عَمِلَ صالحًا التماسَ الدنيا؛ صومًا أو صلاةً أو تهجُّدًا بالليلِ، لا يعمَلُه إلا لالتماسِ الدنيا، يقولُ اللَّهُ: أُوَفِّيه الذي التمسَ في الدنيا مِن المثابةِ، وحَبِطَ عملُه الذي كان يعمَلُ التماسَ الدنيا، وهو (^١) في الآخرةِ من الخاسرين (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾. قال: ثوابُ ما عمِلوا في الدنيا مِن خيرٍ أُعْطُوه في الدنيا، وليس لهم في الآخرةِ إلا النارُ وحَبِطَ ما صَنَعوا فيها.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قولَه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾. قال: [وَزْنَ ما] (^٣) عَمِلوا مِن خيرٍ أُعْطُوا في الدنيا، وليس لهم في الآخرةِ إلا النارُ، وحَبِطَ ما صَنَعوا فيها. قال: هي مثلُ الآيةِ التي في \"الرومِ\": ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ (^٤) [الروم: ٣٩].\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"هم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٠، ٢٠١١، ٢٠١٣ عن محمد بن سعد به.\n(^٣) في م، ف: \"وربما\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٠، والبيهقي في الزهد (١١) من طريق منصور، عن سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٣ إلى أبي الشيخ نحوه.","vol":"12","page":347},{"text":"﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾. قال: مَن عَمِلَ للدنيا وُفِّيَه في الدنيا (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾. قال: مَن عَمِلَ عملًا مما أَمَر اللَّهُ به؛ مِن صلاةٍ أو صدقةٍ، لا يريدُ بها وجهَ اللَّهِ، أعْطاه اللَّهُ في الدنيا ثوابَ ذلك مثلَ ما أنفقَ، فذلك قولُه: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾: في الدنيا، ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ أجرَ ما عمِلوا فيها، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ الآية (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن عيسى - يعني ابنَ ميمونٍ - عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. قال: ممن لا يُقبَلُ منه، جُوزِي به، يُعْطَى ثوابَه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن عيسى الجُرَشِيِّ، عن مجاهدٍ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾. قال: ممن لا يُقبَلُ منه، يُعَجَّلُ له في الدنيا (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾. أي: لا يُظْلَمون. يقولُ: مَن كانت الدنيا هَمَّه وسَدَمَه (^٥)، وطَلِبَته ونيتَه، جازاه اللَّهُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥١٩ عن وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٣ إلى هناد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٤ إلى أبي الشيخ نحوه.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١١ من طريق ابن يمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٤ إلى أبي الشيخ.\n(^٥) السدم: اللهج والولوع بالشيء. النهاية ٢/ ٣٥٥.","vol":"12","page":348},{"text":"بحسناتِه في الدنيا، ثم يُفْضِي إلى الآخرةِ وليس له حسنةٌ يُعْطَى بها جزاءً، وأما المؤمنُ، فيُجازى بحسناتِه في الدنيا، ويُثابُ عليها في الآخرةِ، ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾. أي: في الآخرةِ لا يُظلمون (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، جميعًا، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ الآية. قال: مَن كان إنما هِمَّتُه الدنيا، إياها يطلُبُ، أعطاه اللَّهُ مالًا، وأعْطاه فيها ما يعيشُ، وكان ذلك قِصاصًا له بعملِه، ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾. قال: لا يُظْلَمون (^٢).\nقال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ليثِ بنِ أبي سُليمٍ (^٣)، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ، أن النبيَّ ﷺ قال: \"من أحسنَ مِن محسنٍ، فقد وَقَعَ أجرُه على اللَّهِ في عاجلِ الدنيا وآجلِ الآخرةِ\" (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ الآية. يقولُ: مَن عَمِلَ عملًا صالحًا [يريدُ به وجهَ اللَّهِ] (^٥) في غيرِ تقوَى - يعني (^٦) أهلَ الشركِ - أُعْطِي على ذلك أجرًا في الدنيا؛\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٢ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٤ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٢.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"سليمان\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٢.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) بعده في م: \"من\".","vol":"12","page":349},{"text":"يَصِلُ رحِمًا، يُعْطِي سائلًا، يرحَمُ مُضطرًّا، في نحوِ هذا مِن أعمالِ البرِّ، يعجِّلُ اللَّهُ له ثوابَ عملِه في الدنيا؛ يوسِّعُ عليه في المعيشةِ والرزقِ، ويقِرُّ عينَه فيما خَوَّله، ويدفَعُ عنه مِن مكارهِ الدنيا، في نحوِ هذا، وليس له في الآخرةِ مِن (^١) نصيبٍ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا حفصٌ بنُ عمرَ أبو عمرَ الضريرُ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن أنسٍ في قولِه: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾. قال: هي في اليهودِ والنصارى (^٣).\nقال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، عن أبي رجاءٍ الأزديِّ، عن الحسنِ: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾. قال: طيباتِهم.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن وهيبٍ، أنه بَلَغه أن مجاهدًا كان يقولُ في هذه الآيةِ: هم أهلُ الرياءِ، هم أهلُ الرياءِ (^٥).\nقال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن حيوةَ بنِ شريحٍ، قال: ثنى الوليدُ بنُ أبي الوليدِ أبو عثمانَ، أن عقبةَ بنَ مسلمٍ حدَّثه، أن شُفَيَّ بنَ ماتعٍ الأصبحيَّ حدَّثه، أنه دخَل\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، س.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١١ من طريق أبي معاذ به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٠ من طريق حماد، عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٣ إلى أبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١١ من طريق ابن علية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٤ إلى أبي الشيخ.\n(^٥) أخرجه نعيم بن حماد في زوائده على الزهد لابن المبارك (٦٠)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٣ إلى أبي الشيخ.","vol":"12","page":350},{"text":"المدينةَ، فإذا هو برجلٍ قد اجتَمع عليه الناسُ، فقال: مَن هذا؟ فقالوا: أبو هريرةَ. فدَنَوتُ منه حتى قعَدتُ بين يديه وهو يحدِّثُ الناسَ، فلما سَكَتَ وخَلَا (^١)، قلتُ: أنشُدُك بحقِّ وبحقِّ لمَا حدَّثْتَني حديثًا سمِعتَه مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ عَقَلْتَه وعَلِمْتَه. قال: فقال أبو هريرةَ: أفعَلُ، لأُحدثنَّك حديثًا حدَّثنيه رسولُ اللَّهِ ﷺ. [ثم نَشَغَ نَشْغَةً (^٢)، ثم أفاقَ، فقال: لأُحدثنَّك حديثًا حدَّثنيه رسولُ اللَّهِ ﷺ] (^٣) في هذا البيتِ، ما فيه أحدٌ غيرى وغيرُه. ثم نَشَغَ أبو هريرةَ نشْغةً شديدةً، ثم مالَ (^٤) خارًّا على وجهِه، واشتدَّ به طويلًا، ثم أفاقَ، فقال: حدَّثني رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إن اللَّهَ ﵎ إذا كان يومُ القيامةِ نزَل إلى أهلِ (^٥) القيامةِ ليقضِيَ بينَهم، وكلُّ أُمةٍ جاثيةٌ، فأَوَّلُ مَن يُدْعَى به رجلٌ جمَع القرآنَ، ورجلٌ قُتِلَ في سبيلِ اللَّهِ، ورجلٌ كثيرُ المالِ، فيقولُ اللَّهُ للقارِئِ: ألم أُعَلِّمْك ما أنزَلتُ على رَسولي؟ قال: بلى يا ربِّ. قال: فماذا عمِلتَ فيما عُلِّمتَ؟ قال: كنتُ أقومُ آناء الليلِ وآناءَ النهارِ. فيقولُ اللَّهُ له: كَذَبْتَ. وتقولُ له الملائكةُ: كَذَبْتَ. ويقولُ اللَّهُ له (^٦): بل أردتَ أن يقالَ: فلانٌ قارئٌ. فقد قيلَ ذلك. ويُؤْتَى بصاحبِ المالِ، فيقولُ اللَّهُ له: ألم أوسِّعْ عليك حتى لم أدعْك تحتاج إلى أحدٍ؟ قال: بلى يا ربِّ. قال: فماذا عَمِلتَ فيما آتيتُك؟ قال: كنتُ أَصِلُ الرحِمَ وأتصدَّقُ. فيقولُ اللَّهُ له: كذَبْتَ. وتقولُ له الملائكةُ: كذبتَ. ويقولُ اللَّهُ له: بل أردتَ أن يقالَ: فلانٌ جَوَادٌ. فقد قيلَ ذلك. ويؤتى\n_________\n(^١) في م: \"خلى\".\n(^٢) نشغ نشغة: شهق وغشى عليه والنشغ: الشهيق حتى يكاد يبلغ به الغشى. وإنما يفعل الإنسان ذلك تشوقًا إلى شيء فائت وأسفًا عليه. النهاية ٥/ ٥٨.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، س، ف، وفي ت ٢: \"يوم\".\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":351},{"text":"بالذي قُتِلَ في سبيلِ اللَّهِ، فيقالُ له: فيماذا قُتِلتَ؟ فيقولُ: أُمِرْتُ بالجهادِ في سبيلِك، فقاتَلتُ حتى قُتِلتُ. فيقولُ اللَّهُ له: كَذَبْتَ. وتقولُ له الملائكةُ: كذبتَ. ويقولُ اللَّهُ له: بل أردتَ أن يقالَ: فلانٌ جريءٌ. وقد قيلَ ذلك\". ثم ضرَب رسولُ اللَّهِ ﷺ على رُكْبَتي، فقال: \"يا أبا هريرةَ، أولئك الثلاثةُ أوّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ لهم النارُ يومَ القيامةِ\".\nقال الوليدُ أبو عثمانَ: فأخبرَني عقبةُ أن شُفَيًّا هو الذي دَخَلَ على معاويةَ فأخبرَه بهذا.\nقال أبو عثمانَ: وحدَّثني العلاءُ بنُ أبي حكيمٍ، أنه كان سيَّافًا لمعاويةَ، قال: فدَخَل عليه رجلٌ، فحدَّثه بهذا عن أبي هريرةَ، فقال أبو هريرةَ: وقد فُعِلَ بهؤلاء هذا، فكيف بمَن بَقِيَ مِن الناسِ؟ ثم بَكَى معاويةُ بكاءً شديدًا حتى ظننا أنه هَلَكَ، وقلنا: هذا الرجلُ شرٌّ (^١). ثم أفاقَ معاويةُ ومَسَحَ عن وجهِه، فقال: صَدَقَ اللَّهُ ورسولُه: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا﴾. وقرَأ إلى (^٢): ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عيسى بنِ ميمونٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية. قال: ممن لا يُتقبَّلُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بشر\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٦٩)، ومن طريقه البخاري في خلق أفعال العباد (٢٥٣)، وابن أبي الدنيا في الأهوال (٢٣٥، ٢٣٦)، وابن خزيمة (٢٤٨٢)، وابن حبان (٤٠٨)، وأبو الفضل الزهري في حديثه (٦٨٧)، والحاكم ١/ ٤١٨، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ١٦٩ وأخرجه الترمذي (٢٣٨٢)، والنسائي في الكبرى - كما في التحفة ١٠/ ١١١ - عن سويد به، وأخرجه أحمد ١٤/ ٢٩ (٨٢٧٧)، ومسلم (١٩٠٥)، وغيرهما من طريق سليمان بن يسار، عن أبي هريرة بمعناه.","vol":"12","page":352},{"text":"منه؛ يصومُ ويصلي يريدُ به الدنيا، ويدفَعُ عنه وَهْمَ الآخرةِ، ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾: لا يُنْقَصون (^١).\n\n<span id=\"aya-1489\"></span><span data-type='title' id=toc-4271>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين ذكرتُ أنَّا نوفِّيهم أجورَ أعمالِهم في الدنيا، ﴿لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾: يَصْلَونها، ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾. يقولُ: وذَهَبَ ما عَمِلُوا في الدنيا، ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ لأنهم كانوا يعمَلون لغيرِ اللَّهِ، فأبطَلَه اللَّهُ وأحبَط عاملَه أجرَه (^٢).\n\n<span id=\"aya-1490\"></span><span data-type='title' id=toc-4272>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: قد بَيَّن له دينَه فَتَبَيَّنه، ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: يعني بقولِه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ محمدًا ﷺ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنا حسينُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شيبانُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٢ من طريق سفيان به، دون أوله. والأثر في تفسير سفيان ص ١٢٩ عن مجاهد بمعناه.\n(^٢) بعده في ص: \"ذكر من قال ذلك\"، وفي ت ١، س، ف: \"ذكر من قال ذلك، كذا وجدت في الأصل\"، وفي ت ٢: \"والله أعلم\".","vol":"12","page":353},{"text":"قتادةَ، عن عروةَ، عن محمدِ ابنِ الحنفيةِ، قال: قلتُ لأبي: يا أبتِ، أنت التالي في: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: لا واللَّهِ يا بنيَّ، وَدِدْتُ أني كنتُ أنا هو، ولكنه لسانُه (^١).\nحدَّثني يعقوبُ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: لسانُه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: لسانُه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا الحكمُ بنُ عبدِ اللَّهِ أبو النعمانِ العجليُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه.\nحدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ الأزديُّ، قال: ثنا المُعافَى بنُ عمرانَ، عن قرةَ بنِ خالدٍ، عن الحسنِ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: وهو محمدٌ ﷺ، كان على بينةٍ مِن ربِّه (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ قولَه: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: لسانُه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٤، والطبراني في الأوسط (٦٨٢٨) من طريق قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٤ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٤ إلى أبي الشيخ من طريق ابن أبي نجيح، عن الحسن.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٣ معلقا.","vol":"12","page":354},{"text":"﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: لسانُه هو الشاهدُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شعبةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا غندرٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ مثلَه.\nوقال آخرون: يعني بقولِه: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾: محمدٌ ﷺ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن سليمانَ العلافِ، عن الحسينِ بنِ عليٍّ في قولِه: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: الشاهدُ محمدٌ ﷺ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا غندرٌ، عن عوفٍ، قال: ثنى سليمانُ العلافُ، قال: بلغني أن الحسينَ (^٢) بنَ عليٍّ قال: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: محمدٌ ﷺ.\nقال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، عن سليمانَ العلافِ، سمع الحسينَ بنَ عليٍّ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. يقولُ: محمدٌ هو الشاهدُ مِن اللَّهِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: رسولُ اللَّهِ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٣ عن معمر به.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"الحسن\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٠٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٤، وابن المقرئ في معجمه (٢١٧) من طريق أبي أسامة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٤ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن عساكر.","vol":"12","page":355},{"text":"ﷺ كان على بينةٍ مِن ربِّه، والقرآنُ يتلُوه شاهدٌ (^١) أيضًا مِن اللَّهِ؛ لأنه (^٢) رسولُ اللَّهِ ﷺ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. قال: النبيُّ ﷺ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن نضرِ بنِ عربيٍّ، عن عكرمةَ مثلَه.\nقال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه (^٥).\nحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا أبو خالدٍ، سمِعتُ سفيانَ يقولُ: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. قال: محمدٌ ﷺ.\nوقال آخرون: هو عليُّ بنُ أبي طالبٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا رزيقُ بنُ مرزوقٍ، قال: ثنا صباحٌ الفراءُ (^٦)، عن جابرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ نُجيٍّ (^٧)، قال: قال عليٌّ ﵁: ما مِن\n_________\n(^١) بعده في م: \"منه\".\n(^٢) في م: \"بأنه\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٥ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٨٣ - تفسير) عن جرير به، وأخرجه الثوري في تفسيره ص ١٢٩ عن منصور، عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٤ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ، وعزاه أيضًا إلى أبي الشيخ من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٣ عن الثوري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٤ إلى أبي الشيخ.\n(^٦) في م: \"الفرائي\". وينظر ثقات ابن حبان ٨/ ٣٢٤.\n(^٧) في م: \"يحيى\".","vol":"12","page":356},{"text":"رجلٍ مِن قريشٍ إلا وقد نَزَلَت فيه الآيةُ والآيتان. فقال له رجلٌ: فأنتَ فأيُّ (^١) شيءٍ نَزَلَ (^٢) فيك؟ فقال عليٌّ: أما تقرأُ الآيةَ التي نَزَلَت في \"هودَ\": ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ (^٣).\nوقال آخرون: هو جبريلُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ أنه كان يقولُ: جبريلُ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بنِ عبيدِ اللَّهِ، عن إبراهيمَ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: جبريلُ.\nوحدَّثنا به أبو كريبٍ مرّةً أُخرى بإسنادِه عن إبراهيمَ، فقال: قال: يقولون: عليٌّ. إنما هو جبريلُ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: هو جبريلُ، تَلا التوراةَ والإنجيلَ والقرآنَ، وهو الشاهدُ مِن اللَّهِ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أي\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"نزلت\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - ٦/ ٢٠١٤، ٢٠١٥ من طريق آخر عن علي معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٤ إلى ابن مردويه، وأبي نعيم في المعرفة بزيادة: \"رسول الله ﷺ على بينة من ربه، وأنا شاهد منه\"، وعزاه إلى ابن مردويه مرفوعًا بهذه الزيادة. وجابر الجعفي ضعيف. قال ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٤٦: وقيل: هو علي. وهو ضعيف لا يثبت له قائل.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٤ من طريق قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٤ إلى أبي الشيخ، من طريق ابن أبي نجيح، قال: ذكر عكرمة عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٤ من طريق ابن إدريس به، وأخرجه الثوري في تفسيره =","vol":"12","page":357},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ. وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُخرِّميُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: ثنا سفيانُ. وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ. وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: جبريلُ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nقال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nقال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: جبريلُ.\nقال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: جبريلُ (^٢).\nقال: ثنا أبو معاويةَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: جبريلُ (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ\n_________\n= ص ١٢٩، وسعيد بن منصور في سننه (١٠٨٢ - تفسير) من طريق منصور عن مجاهد.\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٣.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٤ معلقًا.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٤ معلقًا.","vol":"12","page":358},{"text":"رَبِّهِ﴾: يعني محمدًا، هو على بينةٍ مِن اللَّهِ، ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾: جبريلُ شاهدٌ مِن اللَّهِ، يتلو على محمدٍ ما بُعِثَ به (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: هو جبريلُ (^٢).\nقال: ثنا أبي، عن نضرِ بنِ عربيٍّ، عن عكرمةَ، قال: هو جبريلُ (^٢).\nقال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: جبريلُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: يعني محمدًا ﷺ على بينةٍ مِن ربِّه، ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾: فهو جبريلُ، شاهدٌ مِن اللَّهِ بالذي يتلو مِن كتابِ اللَّهِ الذي أُنزِل على محمدٍ. قال: ويقالُ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. يقولُ: يحفَظُه المَلَكُ الذي معه (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو النعمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، قال: كان مجاهدٌ يقولُ في قولِه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. قال: يعني محمدًا ﷺ، ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: جبريلُ (^٤).\nوقال آخرون: هو مَلَكٌ يحفَظُه.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٣ معلقًا، مقتصرًا على أوله.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٤ معلقًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٤ عن محمد بن سعد به، دون آخره، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٤ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه، بزيادة في آخره.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٨١ - تفسير) عن حماد به دون أوله وبزيادة في آخره.","vol":"12","page":359},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: معه حافظٌ من اللَّهِ، مَلَكٌ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ وسُوَيدُ بنُ عمرٍو، عن حمادِ بنِ سَلَمةَ، عن أيوبَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: مَلَكٌ يحفَظُه.\nقال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابنِ جريجٍ، عمن سمِع مجاهدًا: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: الملَكُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾: يتبَعُه حافِظٌ مِن اللَّهِ، مَلَكٌ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن أيوبَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: المَلَكُ يحفظُه، ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]. قال: يَتَّبِعونه حقَّ اتباعِه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قال: حافظٌ مِن اللَّهِ، مَلَكٌ.\nوأولى هذه الأقوالِ التي ذكرناها بالصوابِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾. قولُ مَن قال: هو جبريلُ؛ لدلالةِ قولِه: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾. على صحةِ ذلك. وذلك أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ لم يتلُ قبلَ القرآنِ كتابَ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٨٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٤ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) تقدم آخره في ٢/ ٤٩١.","vol":"12","page":360},{"text":"موسى، فيكونَ ذلك دليلًا على صحةِ قولِ مَن قال: عُنِي به لسانُ محمدٍ ﷺ، أو (^١) محمدٌ نفسُه، أو عليٌّ. على قولِ مَن قال: عُنِي به عليٌّ. ولا يُعْلَمُ أن أحدًا كان تلا ذلك قبلَ القرآنِ أو جاء به ممن ذَكَرَ أهلُ التأويلِ أنه عُنِي بقولِه: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ غيرُ جبريلَ ﵇.\nفإن قال قائلٌ: فإن كان ذلك دليلَك على أن المَعْنيَّ به جبريلُ، فقد يجِبُ أن تكونَ القراءةُ في قولِه: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾. بالنصبِ؛ لأن معنى الكلامِ على ما تأوَّلتَ يجِبُ أن يكونَ: ويتلو القرآنَ شاهدٌ مِن اللَّهِ، ومِن قبلِ القرآنِ كتابَ موسى؟\nقيل: إن القرأةَ في الأمصارِ قد أجمَعت على قراءةِ ذلك بالرفعِ، فلم يكُنْ لأحدٍ خلافُها، ولو كانت القراءةُ جاءت في ذلك بالنصبِ، كانت قراءةً صحيحةً ومعنًى صحيحًا.\nفإن قال: فما وجهُ رفعِهم إذن \"الكتابَ\"، على ما ادَّعيتَ مِن التأويلِ؟\nقيل: وجهُ رفعِهم هذا أنهم ابتدءوا الخبرَ عن مجيءِ كتابِ موسى قبلَ كتابِنا المنزَّلِ على محمدٍ ﷺ، فرفَعوه بـ: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ (^٢)، والقراءةُ كذلك، والمعنى الذي ذكرتُ مِن معنى تلاوةِ جبريلَ ذلك قبلَ القرآنِ، وأن المرادَ من معناه ذلك، وإن كان الخبرُ مستأنفًا على ما وصَفتُ، اكتفاءً بدلالةِ الكلامِ على معناه.\nوأما قولُه: ﴿إِمَامًا﴾. فإنه نَصْبٌ على القطْعِ مِن ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾. وقولُه: ﴿وَرَحْمَةً﴾. عَطْفٌ على الإمامِ، كأنه قيلَ: ومِن قبلِه كتابُ موسى إمامًا لبني إسرائيلَ يأتمُّون به، ورحمةً لهم (^٣) مِن اللَّهِ تَلاه على موسى.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"و\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وفيه\".\n(^٣) سقط من: ت ١، س، ف.","vol":"12","page":361},{"text":"كما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾. قال: مِن قبلِه جاء بالكتابِ إلى موسى (^١).\nوفي الكلام محذُوفٌ قد تُرِكَ ذكرُه اكتفاءً بدلالةِ ما ذُكِرَ عليه منه، وهو: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾، كمَن هو في الضلالةِ مُتَرَدِّدٌ، لا يهتَدِي لرُشْدٍ، ولا يعرِفُ حقًّا مِن باطلٍ، ولا يطلُبُ بعمَلِه إلا الحياةَ الدنيا وزينتَها. وذلك نظيرُ قولِه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. والدليلُ على حقيقةِ ما قلنا في ذلك أن ذلك عَقِيبَ قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ الآية. ثم قيلَ: أهذا خيرٌ أمَّن كان على بينةٍ مِن ربِّه؟ والعرَبُ تفعَلُ ذلك كثيرًا، إذا كان فيما ذَكَرَت دلالةٌ على مرادِها على ما حَذَفَت، وذلك كقولِ الشاعرِ (^٢):\nفأُقْسِمُ (^٣) لو شيءٌ أَتَانا رسولُهُ … سِوَاكَ ولكنْ لم نَجِدْ لكَ مَدْفَعَا\nوقولُه: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين ذكرتُ يُصَدِّقون ويُقِرُّون به، إن كَفَرَ به هؤلاء المشركون الذين يقولون: إن محمدًا افْتَراه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4273>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٥ من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٤، ٣٢٥ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) هو امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص ٢٤٢.\nوقد ذكر البغدادي في الخزانة ١٠/ ٨٥ أن الجواب مذكور في البيت بعده، وهو:\nإذن لرددناه ولو طال مكثه … لدينا ولكنا بحبك وُلَّعا\nوقال: وعذرهم في تقدير الجواب أن هذا البيت ساقط في أكثر الروايات، وقد ذكره الزجاجي في \"أماليه الصغرى والكبرى\" في جملة أبيات ثمانية رواها عن المبرد من قصيدة لامرئ القيس.\n(^٣) في الديوان: \"أجدّك\".","vol":"12","page":362},{"text":"تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾ بهذا القرآنِ، فيجحَدْ أنه مِن عندِ اللَّهِ، ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾، وهم المُتَحَزِّبةُ على مِلَلِهم، ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾: أنه يصيرُ إليها في الآخرةِ بتكذيبِه. يقولُ اللَّهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾. يقولُ: فلا تَكُ في شكٍّ منه، مِن أن موعِدَ مَن كَفَرَ بالقرآنِ مِن الأحزابِ النارُ (^١)، وأن هذا القرآنَ الذي أنزَلناه إليك مِن عندِ اللَّهِ.\nثم ابتَدَأ جلّ ثناؤُه الخبرَ عن القرآنِ، فقال: إن هذا القرآنَ الذي أنزلناه إليك يا محمدُ الحقُّ مِن ربِّك لا شكَّ فيه، ولكن أكثرَ الناسِ لا يُصدِّقون بأن ذلك كذلك.\nفإن قال قائلٌ: أوَ كان النبيُّ ﷺ في شَكٍّ مِن أن القرآنَ مِن عندِ اللَّهِ، وأنه حَقٌّ، حتى قيل له: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾؟\nقيلَ: هذا نظيرُ قولِه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤]. وقد بَيَّنَّا ذلك هنالك (^٢).\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، قال: نُبِّئتُ أن سعيدَ بنَ جبيرٍ قال: ما بَلَغَني حديثٌ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ على وَجْهِه إلا وجَدتُ مِصْداقَه في كتابِ اللَّهِ تعالى، حتى قال: \"لا يسمَعُ بي أحدٌ مِن هذه الأمةِ، ولا\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٢٨٧، ٢٨٨.","vol":"12","page":363},{"text":"يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم لا يؤمِنُ بما أُرسِلتُ به، إلا دَخَل النارَ\". قال سعيدٌ: فقلتُ: أين هذا في كتابِ اللَّهِ؟ حتى أتيتُ على هذه الآيةِ: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾. قال: مِن أهلِ المللِ كلِّها (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُخرِّميُّ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾. قال: مِن المِلَلِ كلِّها.\nحدَّثني يعقوبُ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: كنتُ لا أسمَعُ بحديثٍ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ على وَجْهِه إلا وجدتُ مِصْداقَه - أو قال: تَصْديقَه - في القرآنِ، فبَلَغني أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"لا يسمَعُ بي أحدٌ مِن هذه الأمةِ، ولا يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم لا يؤمنُ بما أُرْسِلْتُ به، إلا دَخَلَ النارَ\". فجعَلتُ أقولُ: أين مِصْداقُها؟ حتى أتيْتُ على هذه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. إلى قولِه: ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾. قال: فالأحزابُ المِلَلُ كلُّها.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: ثنى أيوبُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ما مِن أحدٍ يسمَعُ بي مِن هذه الأمةِ، ولا يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، فلا يؤمنُ بي، إلا دَخَلَ النارَ\". فجعَلتُ أقولُ: أين مِصْداقُها في كتابِ اللَّهِ؟ قال: وقَلَّما سمِعتُ حديثًا عن النبيِّ ﷺ إلا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٥ من طريق ابن بشار به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم والحاكم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وهو عند الحاكم ٢/ ٣٤٢ من طريق معمر.","vol":"12","page":364},{"text":"وجَدتُ له تصديقًا في القرآنِ، حتى وجَدتُ هذه الآياتِ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: المِللِ كلِّها (^١).\nقال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾. قال: الكفارُ أحزابٌ، كلُّهم على الكفرِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد: ٣٦]. أي: يكفُرُ ببعضِه، وهم اليهودُ والنصارى. قال: بَلَغنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: \"لا يسمَعُ بي أحدٌ مِن هذه الأمةِ، ولا يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم يموتُ قبلَ أن يؤمِنَ بي، إلا دَخَلَ النارَ\" (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا يوسفُ بنُ عديٍّ النضْريُّ (^٤): قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن أبي موسى الأشعريِّ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"مَن سَمِعَ بي مِن أمتي، أو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ، فلم يؤمنْ بي، لم يدخلِ الجنةَ\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٣، ٣٠٤ عن معمر به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٣٤٢ من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي عمرو البصري، عن سعيد، عن ابن عباس. وأيوب بصري يكنى أبا بكر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٥ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٦ من طريق خليد وسعيد بن بشير، عن قتادة، في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٥ إلى أبي الشيخ، دون المرفوع.\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"البصري\"، وفي ف: \"النصري\"، وغير منقوطة في: ص. ويوسف بن عدي كوفي سكن مصر، فلعل صوابه: المصري ينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٤٣٨.\n(^٥) إسناده منقطع؛ سعيد لم يسمع من أبي موسى، وأخرجه الطيالسي (٥١١)، وأحمد ٤/ ٣٩٦، ٣٩٨ (الميمنية)، والبزار (٣٠٥٠)، والنسائي في الكبرى (١١٢٤١)، والروياني في مسنده (٥٢٦)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٣٠٨ من طريق شعبة به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٨٤ - تفسير)، ومسدد في مسنده - كما في الإتحاف بذيل المطالب (٥٣٤٤) - من طريق أبي بشر به. وعزاه السيوطي =","vol":"12","page":365},{"text":"<span id=\"aya-1491\"></span><span data-type='title' id=toc-4274>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأيُّ الناسِ أشدُّ تعدِّيًا (^١) ممن اخْتَلق على اللَّهِ كذبًا، فكَذَب عليه، ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾. يقولُ (^٢): هؤلاء الذين يكذِبون على ربِّهم يُعْرَضون يومَ القيامةِ على ربِّهم، فيسألُهم عما كانوا في دارِ الدنيا يعمَلون.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. قال: الكافرُ والمنافقُ، ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ فيسألُهم عن أعمالِهم (^٣).\nوقولُه: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾: يعني الملائكةَ والأنبياءَ الذين شَهِدوهم، وحَفِظوا عليهم ما كانوا يعمَلون. وهم جمعُ شاهدٍ، مثلُ الأصحابِ الذي هو جمعُ صاحبٍ، ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: شَهِدَ هؤلاء الأشهادُ في الآخرةِ على هؤلاء المُفْتَرِين على اللَّهِ في الدنيا، فيقولون (^٤): هؤلاء الذين كَذَبوا\n_________\n= في الدر المنثور ٣/ ٣٢٥ إلى ابن المنذر والطبراني وابن مردويه. وعند سعيد والسيوطي زيادة قول سعيد كما في الآثار قبله.\n(^١) في م، ت ١، س، ف: \"تعذيبا\".\n(^٢) في م: \"ويقول الأشهاد\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٦ من طريق آخر عن ابن جريج، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٥ إلى أبي الشيخ.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فيقول\".","vol":"12","page":366},{"text":"في الدنيا على ربِّهم. يقولُ اللَّهُ: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: ألَا غضَبُ اللَّهِ على المعتدين الذين كفَروا بربِّهم.\nوبنحوِ ما قلنا في قولِه: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا [ابنُ نميرٍ] (^١)، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾. قال: الملائكةُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الملائكةُ.\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾: والأشهادُ الملائكةُ، يَشْهدون علي بني آدمَ بأعمالِهم (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْأَشْهَادُ﴾، قال: الخلائقُ. أو قال: الملائكةُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ بنحوِه (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾: الذين كانوا يَحْفَظون أعمالَهم عليهم في الدنيا، ﴿هَؤُلَاءِ\n_________\n(^١) في م: \"نمير بن نمير\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٨٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٧، وفيه زيادة.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٥ إلى أبي الشيخ.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٤.","vol":"12","page":367},{"text":"الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾: حَفِظوه وشَهِدوا به عليهم يومَ القيامةِ. قال ابنُ جريجٍ: قال مجاهدٌ: الأشْهادُ الملائكةُ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، قال: سألتُ الأعمشَ عن قولِه: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾. قال: الملائكةُ (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾: يعني الأنبياءَ والرسلَ، وهو قولُه: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٩]. قال: وقولُه: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾: يقولون: يا ربَّنا، أتيناهم بالحقِّ فَكَذَّبوا، فنحن [نشهَدُ عليهم] (^٢) أنهم كَذَبوا عليك يا ربَّنا (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ وهشامٍ، عن قتادةَ، عن صفوانَ بنِ مُحرِزٍ المازنيِّ (^٤)، قال: بَيْنا نحن بالبيتِ مع عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ وهو يطوفُ، إذ عَرَضَ له رجلٌ، فقال: يا بنَ عمرَ، ما سمِعتَ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ في النَّجْوى؟ فقال: سمِعتُ نبيَّ اللَّهِ ﷺ يقولُ: \"يَدْنو المؤمنُ (^٥) مِن ربِّه حتى يَضَعَ عليه كَنَفَه، فيُقَرِّرُه بذنوبِه، فيقولُ: هل تعرِفُ كذا؟ فيقولُ: ربِّ أعرِفُ. مرتين، حتى إذا بلَغ به ما شاء اللَّهُ أن يَبْلُغَ، قال: فإني قد سترتُها عليك في الدنيا، وأنا\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ٩/ ١٨ عن سفيان به.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٧ من طريق أبي معاذ به، دون آية النحل.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"البازي\".\n(^٥) في ص، س: \"المرء\"، وفي ف: \"العبد\".","vol":"12","page":368},{"text":"أَغْفِرُها لك اليومَ. قال: فيُعْطَى صحيفةَ حسناتِه - أو كتابَه - بيمينِه، وأما [الكفارُ والمنافقون] (^١)، فيُنادَى بهم على رءوسِ الأشهادِ: أَلَا هؤلاء الذين كَذَبوا على ربِّهم، ألا لعنةُ اللَّهِ على الظالمين\" (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا هشامٌ، عن قتادةَ، عن صفوانَ بنِ مُحرِزٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: كنَّا نُحدِّثُ أنه لا يُخْزَى يومَئذٍ أحدٌ فيَخْفَى خِزْيُه على أحدٍ ممن خَلَقَ اللَّهُ أو الخلائقِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1492\"></span><span data-type='title' id=toc-4275>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ألَا لعنةُ اللَّهِ على الظالمين الذين يصدُّون الناسَ عن الإيمانِ به، والإقرارِ له بالعبودةِ، وإخلاصِ العبادةِ له دونَ الآلهةِ والأندادِ مِن مشركي قريشٍ، وهم الذين كانوا يَفْتِنون عن الإسلامِ مَن دَخَلَ فيه. ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾. يقولُ: ويلتمسون سبيلَ اللَّهِ - وهو الإسلامُ الذي دَعا الناسَ إليه محمدٌ ﷺ يقولُ: زيغًا وميلًا عن الاستقامةِ. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. يقولُ: وهم بالبعثِ بعدَ المماتِ، مع صدِّهم عن سبيلِ اللَّهِ، وبغيِهم إياها عوجًا ﴿كَافِرُونَ﴾ يقولُ: هم جاحدون ذلك منكِرون.\n\n<span id=\"aya-1493\"></span><span data-type='title' id=toc-4276>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الكافر والمنافق\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ٥/ ١٤٥.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٥ إلى المصنف وابن مردويه، وأخرجه أحمد ١٠/ ٨٤، ٨٥ (٥٨٢٥) والطرسوسي في مسند ابن عمر (٢٦)، وأبو نعيم في الحلية ٢/ ٢١٦ من طريق سعيد به دون قوله: \"كنا نحدث\".","vol":"12","page":369},{"text":"لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾.\nيعني (^١) جلَّ ذكرُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ هؤلاء الذين وَصَفَ، جلَّ ثناؤُه، أنهم يَصُدُّون عن سبيلِ اللَّهِ، يقولُ جلَّ ثناؤُه: إنهم لم يكونوا بالذين يُعْجِزون ربَّهم، بهربِهم منه في الأرضِ إذا أراد عقابَهم والانتقامَ منهم، ولكنهم في قَبْضتِه ومِلْكِه، لا يَمْتَنِعون منه إذا أرادهم، ولا يَفُوتُونه هَرَبًا إِذا طَلَبَهم، ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾. يقولُ: ولم يكنْ لهؤلاء المشركين إذا أراد عقابَهم مِن دونِ اللَّهِ، أنصارٌ يَنْصرونهم مِن اللَّه، ويَحُولون بينَهم وبينَه إذا هو عذَّبهم، وقد كانت لهم في الدنيا [مَنَعَةٌ يمتنعون] (^٢) بها ممن أرادهم من الناس بسوءٍ.\nوقولُه: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يُزادُ في عذابِهم، فيُجْعلُ لهم مكانَ الواحدِ اثنان.\nوقولُه: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ فإنه اخْتُلِف في تأويلِه.\nفقال بعضُهم: ذلك وَصْفٌ (^٣)، وَصَفَ اللَّهُ به هؤلاء المشركين، أنه قد ختَم على سمعِهم وأبصارِهم، وأنهم لا يسمعون الحقَّ، ولا يُبْصِرون حُجَجَ اللَّهِ، سَماعَ مُنْتَفِعٍ، ولا إبصارَ مهتدٍ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يقول\".\n(^٢) في ص، س، ف: \"منفعة يمتنعون\"، وفي ت ١: \"منفعة ينتفعون\"، وفي ت ٢: \"منعة يمنعون\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":370},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾: صُمٌّ عن الحقِّ فما يَسْمعونه، بُكْمٌ فما يَنْطِقون به، عُمْيٌ فلا يُبْصِرُونه ولا يَنْتَفِعون به (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾. قال: ما كانوا يستطيعون أن يَسْمعوا خيرًا (^٢) فيَنْتفِعوا به، ولا يُبْصِروا خيرًا (^٣) فيأخذوا به (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أخبرَ اللَّهُ سبحانه أنه حالَ بينَ أهلِ الشركِ وبين طاعتِه في الدنيا والآخرةِ؛ أما في الدنيا، فإنه قال: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾، وهي طاعتُه، ﴿وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾. وأما في الآخرة، فإنه قال: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً﴾ (^٥) [القلم: ٤٢، ٤٣].\nوقال آخرون: إنما عَنَى بقولِه: ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ آلهةَ الذين يصدُّون عن سبيلِ اللَّهِ. وقالوا: معنى الكلامِ: أولئك وآلهتُهم لم يكونوا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١/ ٣٤٨.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"خبرًا\"، وينظر مصادر التخريج.\n(^٣) في ت ٢: \"خبرا\" وينظر مصادر التخريج.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٩، من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وعبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٠٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٦ إلى أبي الشيخ.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٦ إلى المصنف وأبي الشيخ.","vol":"12","page":371},{"text":"مُعْجِزين في الأرضِ، ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾، يعني الآلهةَ، أنها لم يكنْ لها سمعٌ ولا بصرٌ. وهذا قولٌ رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ مِن وجهٍ كَرِهْتُ ذكرَه لضعفِ سَنَدِه.\nوقال آخرون: معنى ذلك: يُضاعَفُ لهم العذابُ بما كانوا يستطيعون السمعَ ولا يَسْمَعونه، وبما كانوا يُبْصِرون ولا يَتأمَّلون (^١) حججَ اللَّهِ بأعينِهم فيَعْتَبِروا بها. قالوا: والباءُ كان ينبغي لها أن تدخلَ؛ لأنه قد قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠]. بكذبِهم، في غيرِ موضعٍ مِن التنزيلِ، أُدخِلت فيه الباءُ، وسقوطُها جائزٌ في الكلامِ، كقولِك في الكلامِ: [لأجزينَّك بما عمِلتَ، وما عمِلتَ] (^٢). وهذا قولٌ قاله بعضُ أهلِ العربيةِ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا ما قاله ابنُ عباسٍ وقتادةُ، مِن أنَّ اللَّهَ وَصَفَهم، تعالى ذكرُه، بأنهم لا يستطيعون أن يَسْمَعوا الحقَّ سماعَ مُنْتفِعٍ، ولا يُبْصِرونه إبصارَ مهتدٍ؛ لاشتغالِهم بالكفرِ الذي كانوا عليه مُقِيمين، عن استعمالِ جوارحِهم في طاعةِ اللَّهِ، وقد كانت لهم أسماعٌ وأبصارٌ.\n\n<span id=\"aya-1494\"></span><span data-type='title' id=toc-4277>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ﷿: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين هذه صفتُهم، هم الذين غَبَنُوا أنفسهم\n_________\n(^١) في ت ١، س: \"يتلون\".\n(^٢) في النسخ: \"لاحت بما فيك ما عملت، وبما علمت\". ولعله خطأ، والمثبت من معاني القرآن ٢/ ٨.","vol":"12","page":372},{"text":"حظوظَها مِن رحمةِ اللَّهِ، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ وبَطَلَ كذبُهم وإفكُهم وفِرْيتُهم على اللَّهِ، بادِّعائِهم له شركاءَ، فَسَلَكَ ما كانوا يَدْعونه إلهًا مِن دونِ اللَّهِ غيرَ مسلكِهم، وأخَذ طريقًا غيرَ طريقِهم، فَضَلَّ عنهم؛ لأنه سَلَكَ بهم إلى جهنمَ، وصارت آلهتُهم عدمًا لا شيءَ؛ لأنها كانت في الدنيا حجارةً أو خشَبًا أو نُحاسًا، أو كان للَّهِ وليًّا، فسَلَكَ به إلى الجنةِ، وذلك أيضًا غيرُ مسلكِهم، وذلك أيضًا ضلالٌ عنهم.\n\n<span id=\"aya-1495\"></span><span data-type='title' id=toc-4278>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: حقًّا إن هؤلاء القومَ الذين هذه صفتُهم في الدنيا، في الآخرةِ هم الأخسرون، الذين قد باعوا منازلَهم مِن الجنانِ بمنازلِ أهلِ الجنةِ مِن النارِ، وذلك هو الخسرانُ المبينُ. وقد بَيَّنا فيما مَضَى أن معنى قولِهم: جَرمْتُ. كسبتُ الذنبَ وجرَّمْتُه (^١)، وإن العربَ كثر استعمالُها إياه في مواضعِ الأيمانِ، وفي مواضعِ \"لا بدَّ\"، كقولِهم: لا جَرَمَ أنك ذاهبٌ. بمعنى: \"لا بدَّ\"، حتى استعملوا ذلك في مواضعِ التحقيقِ، فقالوا: لا جرمَ ليقومنَّ. بمعنى: حقًّا ليقومنَّ، فمعنى الكلامِ: لا مَنْعَ عن أنهم، ولا صَدَّ عن أنهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-1496\"></span><span data-type='title' id=toc-4279>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين صَدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، وعَمِلوا في الدنيا بطاعةِ اللَّهِ، وأَخْبَتوا إلى ربِّهم.\n_________\n(^١) في م: \"أجرمته\". وينظر لسان العرب (ج ر م). وما تقدم في ٨/ ٤٤، ٤٥.\n(^٢) ينظر معاني القرآن ٢/ ٨، ٩.","vol":"12","page":373},{"text":"واختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى الإخباتِ. فقال بعضُهم: معنى ذلك: وأنابوا إلى ربِّهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾. قال: الإخباتُ الإنابةُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: وأنابوا إلى ربِّهم (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: وخافوا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾. يقول: خافوا (^٣).\nوقال آخرون: معناه: اطمأنوا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٦ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٠ من طريق سعيد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٩ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٦ إلى أبي الشيخ.","vol":"12","page":374},{"text":"المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾. قال: اطمأنوا (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخرون: معنى ذلك: خَشَعوا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾: الإخباتُ: التخشُّعُ والتواضعُ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وهذه الأقوالُ متقاربةُ المعاني، وإن اختلفت ألفاظُها؛ لأن الإنابةَ إلى اللَّهِ مِن خوفِ اللَّهِ، ومِن الخشوعِ والتواضعِ للَّهِ بالطاعةِ، والطمأنينةُ إليه مِن الخشوعِ له. غيرَ أن نفسَ الإخْباتِ عندَ العربِ الخشوعُ والتواضعُ. وقال: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾. ومعناه: وأَخْبَتوا لربِّهم، وذلك أن العربَ تضعُ اللامَ موضعَ \"إلى\" و\"إلى\" موضعَ اللامِ كثيرًا، كما قال تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]. بمعنى: أوحى إليها. وقد يجوزُ أن يكونَ قيل ذلك كذلك؛ لأنهم وُصِفوا بأنهم\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٨٦، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٦ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٠، من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وعبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٠٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٦ إلى أبي الشيخ.","vol":"12","page":375},{"text":"عَمَدوا بإِخْباتِهم إلى اللَّهِ.\nوقولُه: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين هذه صفتُهم، هم سكانُ الجنةِ الذين لا يخرجُون عنها، ولا يموتون فيها، ولكنهم فيها لابِثُون إلى غيرِ نهايةٍ.\n\n<span id=\"aya-1497\"></span><span data-type='title' id=toc-4280>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: مَثَلُ فريقي الكفرِ والإيمانِ كمثل الأعمى الذي لا يَرَى بعَيْنَيه (^١) شيئًا (^٢)، والأصمِّ الذي لا يسمعُ شيئًا، فكذلك فريقُ الكفرِ لا يُبْصِرُ الحقَّ فيتَّبِعَه ويعملَ به؛ لشغلِه بكفرِه باللَّهِ، وغَلَبَةِ خِذْلانِ اللَّهِ عليه، لا يسمعُ داعيَ اللَّهِ إلى الرشادِ، فيُجيبَه إلى الهدى فيهتديَ به، فهو مُقيمٌ في ضلالتِه، يتردَّدُ في حَيْرتِه. ﴿وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾، فكذلك (^٣) فريقُ الإيمانِ، أبصَرَ حُجَجَ اللَّهِ، وأقرَّ بما دَلَّت عليه مِن توحيد اللَّهِ، والبراءةِ مِن الآلهةِ والأندادِ، ونبوَّةِ الأنبياءِ، ﵈، وسمِعَ داعيَ اللَّهِ فأجابَه، وعَمِلَ بطاعةِ اللَّهِ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾. قال: الأعمى والأصمُّ: الكافرُ. والبصيرُ والسميعُ: المؤمنُ (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"بعينه\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢.\n(^٣) كذا في ص، م، ت ١، س، ف، وفي ت ٢: \"فلذلك\"، ولعل صوابها: \"فذلك\". وينظر تعليق الشيخ شاكر ١٥/ ٢٩١.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٦ إلى المصنف وأبي الشيخ.","vol":"12","page":376},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾: الفريقان، الكافران و(^١) المؤمنان. فأما الأعمى والأصمُّ فالكافران، وأما البصيرُ والسميعُ فهما المؤمنان.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ الآية، هذا مَثَلٌ ضَرَبَه اللَّهُ للكافرِ والمؤمنِ، فأما الكافرُ فصَمَّ عن الحقِّ فلا يسمعُه، وعَمِيَ عنه فلا يُبْصِرُه. وأما المؤمنُ فسَمِعَ الحقَّ فانتَفَع به، وأبصَرَه فوَعاه وحَفِظَه وعَمِل به.\nيقولُ تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾، يقولُ: هل يستوي هذان الفريقان، على اختلافِ حالتَيهما في أنفسِهما عندَكم أيُّها الناسُ؟ فإنهما لا يستويان عندَكم فكذلك حالُ الكافرِ والمؤمنِ لا يستويان عندَ اللَّهِ. ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ يقولُ، جلَّ ثناؤُه: أفلا تَعْتَبِرون أيُّها الناسُ وتتفكرون، فتَعْلَموا حقيقةَ اختلافِ أمرَيهما، فتَنْزجِروا عما أنتم عليه مِن الضلالِ إلى الهدى، ومِن الكفرِ إلى الإيمانِ؟ فالأعمى والأصمُّ والبصيرُ والسميعُ في اللفظِ أربعةٌ، وفي المعنى اثنان، ولذلك قيل: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾، وقيل: ﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ﴾، والمعنى: كالأعمى الأصمِّ. وكذلك قيل: ﴿وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾، والمعنى: البصيرِ السميعِ. كقولِ القائلِ: قام الظريفُ والعاقلُ. وهو يَنْعَتُ بذلك شخصًا واحدًا.\n\n<span id=\"aya-1498\"></span><span data-type='title' id=toc-4281>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: م.","vol":"12","page":377},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ [إِنِّي لَكُمْ﴾ أيُّها القومُ] (^١) ﴿نَذِيرٌ﴾ مِن اللَّهِ، أُنذرُكم بأسَه على كفرِكم به، فآمِنوا به وأطِيعوا أمرَه. ويعني بقولِه: ﴿مُبِينٌ﴾: يُبِينُ لكم عما أُرسِل به إليكم، مِن أمرِ اللَّهِ ونهيِه.\nواختلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِنِّي﴾؛ فقرَأ ذلك عامة قرأةِ الكوفةِ وبعضُ المدنيين بكسرِ \"إن\" على وجهِ الابتداءِ (^٢)؛ إذ كان في الإرسالِ معنى القولِ. وقرَأ ذلك بعضُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ بفتحِ \"إن\" (^٣) على إعمالِ الإرسالِ فيها، كأن معنى الكلامِ عندَهم: لقد أرسلنا نوحًا إلى قومِه بأني لكم نذيرٌ مبينٌ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أن يقالَ: إنهما قراءتان متَّفِقَتا المعنى، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما جماعةٌ من القرأةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ كان مصيبًا للصوابِ في ذلك.\n\n<span id=\"aya-1499\"></span>وقولُه: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾. فمَن كَسَر الألفَ في قوله: ﴿إِنِّي﴾. جعَل قولَه: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ عاملًا في \"أنْ\" التي في قولِه: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾. ويصيرُ المعنى حينَئذٍ: ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومِه، أن لا تعبدوا إلا اللَّهَ، وقلْ لهم: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. ومَن فَتَحها رَدَّ \"أنْ\" في قولِه: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا﴾ عليها، فيكونُ المعنى حينَئذٍ: لقد أرسلنا نوحًا إلى قومِه بأني لكم نذيرٌ مبينٌ، بأن لا تعبدوا إلا اللَّهَ.\nويعني بقولِه: بأن لا تعبدوا إلا اللَّهَ: أيُّها الناسُ، اتركوا (^٤) عبادةَ الآلهةِ\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) هي قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة. ينظر السبعة ص ٣٣٢، وحجة القراءات ص ٣٣٧، والتيسير ص ١٠١.\n(^٣) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي، وتنظر المصادر السابقة.\n(^٤) زيادة يستقيم بها الكلام، وينظر التبيان ٥/ ٤٦٩.","vol":"12","page":378},{"text":"والأوثانِ، وإشراكَها في عبادتِه، وأفْرِدوا اللَّهَ بالتوحيدِ، وأخْلِصوا له العبادةَ، فإنه لا شريكَ له في خَلْقِه. وقولُه: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾. يقولُ: إني، أيُّها القومُ، إن لم تَخُصُّوا (^١) اللَّهَ بالعبادةِ، وتُفْرِدوه بالتوحيدِ، وتَخْلعوا (^٢) ما دونَه مِن الأندادِ والأوثانِ - أخافُ عليكم مِن اللَّهِ عذابَ يومٍ مؤلمٍ عقابُه وعذابُه لمَن عُذِّبَ فيه. وجَعَل الأليمَ مِن صفةِ اليومِ، وهو مِن صفةِ العذابِ؛ إذ كان العذابُ فيه، كما قيل: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦]. وإنما السَّكَنُ مِن صفةِ ما سَكَنَ فيه، دونَ الليلِ.\n\n<span id=\"aya-1500\"></span><span data-type='title' id=toc-4282>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فقال الكبراءُ مِن قومِ نوحٍ وأشرافُهم، وهم الملأُ الذين كفروا باللَّهِ، وجَحَدوا نبوَّةَ نبيِّهم نوحٍ، ﵇: ﴿مَا نَرَاكَ﴾ يا نوحُ ﴿إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾: يعنُون بذلك أنه آدميٌّ مثلُهم في الخلقِ والصورةِ والجنسِ، كأنهم كانوا منكِرِين (^٣) أن يكونَ اللَّهُ يرسلُ مِن البشرِ رسولًا إلى خلقِه. وقولُه: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾. يقولُ: وما نَراك اتَّبَعك إلا الذين هم سَفِلَتُنا مِن الناسِ، دونَ الكُبَراءِ والأشرافِ، فيما نرَى (^٤) ويظهرُ لنا.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"تخلصوا\".\n(^٢) في ت ١، س، ف: \"تجعلوا\".\n(^٣) في س: \"متكبرين\".\n(^٤) في م: \"يرى\".","vol":"12","page":379},{"text":"وقولُه: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ اختلفت القرأةُ في قراءتِه؛ فقَرأتْه عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والعراقِ: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ بغيرِ همزِ \"البادِي\"، وبهمزِ ﴿الرَّأْيِ﴾، بمعنى: ظاهرِ الرأيِ. مِن قولِهم: بَدَا الشيءُ يبدو. إذا ظَهَر (^١)، كما قال الراجزُ:\nأضْحَى لِخالي شَبَهِي بَادِي بَدِي\nوصارَ للفَحْلِ لِساني وَيَدِي (^٢)\nبادي بَدِي، بغيرِ همزٍ. وقال آخرُ:\nوقد عَلَتْنِي (^٣) ذُرْأَةٌ (^٤) بادِي بَدِي (^٥) (^٦)\nوقرَأ ذلك بعضُ أهلِ البصرةِ: (بادِئَ الرأيِ)، مهموزًا أيضًا، بمعنى: مبتدأَ الرأيِ. مِن قولِهم: بدأتُ بهذا الأمرِ. إذا ابتدأتَ به قبلَ غيرِه (^٧).\nوأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك (^٨) عندَنا، قراءةُ مَن قرأَ: ﴿بَادِيَ﴾، بغيرِ همزِ \"البادِي\"، وبهمزِ ﴿الرَّأْيِ﴾؛ لأن معنى ذلك الكلامِ: إلا الذين هم أراذِلُنا، في ظاهرِ الرأيِ، وفيما يظهرُ لنا.\nوقولُه: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾. يقولُ: وما نَتَبَيَّنُ لكم علينا مِن فضلٍ نِلْتُموه بمُخالفتِكم إيانا في عبادةِ الأوثانِ إلى عبادةِ اللَّهِ، وإخلاصِ العُبُودةِ له،\n_________\n(^١) هي قراءة السبعة إلا أبا عمرو. ينظر السبعة ص ٣٣٢. وحجة القراءات ص ٣٣٨، والتيسير ص ١٠١.\n(^٢) البيت في معاني القرآن ٢/ ١١، واللسان (ب د و).\n(^٣) في ت ١، س، ف: \"غلبني\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، س: \"ذره\"، والذرأة: الشَّمَط والشيب. تاج العروس (ذ ر أ).\n(^٥) في م: \"بدئ\"، وفي ف: \"يدى\".\n(^٦) البيت في مجاز القرآن ١/ ٢٨٨، وإصلاح المنطق ص ١٧٢، والأغاني ٢٠/ ٤١٨.\n(^٧) هي قراءة أبي عمرو. ينظر السبعة ص ٣٣٢، وحجة القراءات ص ٣٣٨، والكشف ١/ ٥٢٦، والتيسير ص ١٠١.\n(^٨) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"12","page":380},{"text":"فنتبعَكم طلبَ ذلك الفضلِ، وابتغاءَ ما أصبتُموه بخلافِكم إيانا ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾، وهذا خطابٌ منهم لنوحٍ، ﵇، وذلك أنهم إنما كذَّبوا نوحًا دونَ أتباعِه؛ لأن أتباعَه لم يكونوا رسلًا، وأخرَج الخطابَ، وهو واحدٌ، مُخرجَ خطابِ الجميعِ، كما قيل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]. وتأويلُ الكلامِ: بل نظنُّك، يا نوحُ، في دَعْواك أن اللَّهَ ابْتَعَثَك إلينا رسولًا - كاذبًا.\nوبنحوِ ما قلنا في تأويلِ قوله: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾. قال: فيما ظَهَرَ لنا (^١).\n\n<span id=\"aya-1501\"></span><span data-type='title' id=toc-4283>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه، مخبِرًا عن قيلِ نوحٍ لقومِه، إذ (^٢) كذَّبوه وردُّوا عليه ما جاءهم به مِن عندِ اللَّهِ من النصيحةِ: ﴿يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾: على علمٍ ومعرفةٍ وبيانٍ مِن اللَّهِ لي ما يَلْزَمُني له، ويجبُ عليَّ مِن إخلاصِ العبادةِ له، وتركِ إشراكِ الأوثانِ معه فيها، ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾. يقولُ: ورَزَقَني منه التوفيقَ والنبوةَ والحكمةَ، فآمنتُ به، وأطعتُه فيما أمَرني ونَهاني: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٤/ ٨ - من طريق عطاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"إن\".","vol":"12","page":381},{"text":"واختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ والكوفةِ (فَعَمِيَتْ)، بفتحِ العينِ وتخفيفِ الميمِ بمعنى: فعَمِيت الرحمةُ عليكم فلم تهتدوا لها، فتُقِرُّوا بها، وتُصَدِّقوا رسولَكم عليها (^١).\nوقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ بضمِّ العينِ وتشديدِ \"الميمِ\" (^٢)، اعتبارًا منهم ذلك بقراءةِ عبدِ اللَّهِ، وذلك أنها (^٣) فيما ذُكِر في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فعمَّاها عليكم) (^٤).\nوأولى القراءتين في ذلك عندي بالصوابِ قراءةُ مَن قرأَه: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ (^٥) بضمِّ العينِ وتشديدِ الميمِ؛ للذي ذَكَروا مِن العلةِ لمَن قرَأ به، ولقربِهِ مِن قولِهِ: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾. فأضافَ الرحمةَ إلى اللَّهِ، فكذلك تعميتُه على الآخرين بالإضافةِ إليه أولى. وهذه الكلمةُ مما حَوَّلت العربُ الفعلَ عن موضعِه؛ وذلك أن الإنسانَ هو الذي يَعْمَى عن إبصارِ الحقِّ، إذ يَعْمَى عن إبصارِه، والحقُّ لا يوصفُ بالعَمَى، إلا على الاستعمالِ الذي قد جَرَى به الكلامُ، وهو في جوازِه لاستعمالِ العربِ إياه، نظيرُ قولِهم: دَخَل الخاتمُ في يَدِي، والخُفُّ في رِجْلي. ومعلومٌ أن الرِّجْلَ هي التي تدخلُ في الخُفِّ، والأُصْبُعَ في الخاتمِ، ولكنهم استعملوا ذلك كذلك، لمَّا كان معلومًا المرادُ فيه (^٦).\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في قراءة أبي بكر. ينظر السبعة ص ٣٣٢، وحجة القراءات ص ٣٣٨. والكشف ١/ ٥٢٧ والتيسير ص ١٠١.\n(^٢) هي قراءة حفص عن عاصم، وحمزة والكسائي، ينظر المصادر السابقة.\n(^٣) سقط من: ت ٢، وفي م: \"أنهما\".\n(^٤) هي قراءة عبد الله بن مسعود وأبيّ وعلي والسلمي والحسن والأعمش وهي قراءة شاذة. ينظر حجة القراءات ص ٣٣٨، ومختصر شواذ ابن خالويه ص ٦٤، والبحر المحيط ٥/ ٢١٦.\n(^٥) هذه القراءة، وقراءة (فَعَمِيَتْ) كلتاهما صواب.\n(^٦) ينظر معاني القرآن ٢/ ١٢.","vol":"12","page":382},{"text":"وقولُه: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾. يقولُ: أنأْخُذُكم بالدخولِ في الإسلامِ، وقد عمَّاه اللَّهُ عليكم؟ ﴿وَأَنْتُمْ (^١) لَهَا كَارِهُونَ﴾. يقولُ: وأنتم لإلْزامِناكُموها ﴿كَارِهُونَ﴾. يقولُ: لا نفعلُ ذلك، ولكن نَكِلُ أمرَكم إلى اللَّهِ، حتى يكونَ هو الذي يَقْضِي في أمرِكم ما يرى ويشاءُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: قال نوحٌ: يا قَوْمِ ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾. قال: قد عَرَفتُها، وعَرَفتُ بها أمرَه، وأنه لا إلهَ إلا هو، ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾: الإسلامَ والهُدى والإيمانَ والحُكْمَ (^٢) والنبوةَ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ الآية، أمَا واللَّهِ لو استطاعَ نبيُّ اللَّهِ ﷺ الألزمَها قومَه، ولكن لم يستطعْ (^٤) ذلك، ولم يَمْلِكْه (^٥).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ، عن أبي العاليةِ،\n_________\n(^١) ليست في النسخ، ولا بد منها لاستقامة المعنى.\n(^٢) في ت ١، س: \"الحكمة\".\n(^٣) أخرج شطره الأول ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٣ من طريق آخر عن ابن جريج، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٦ إلى أبي الشيخ.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يملك\" والمثبت موافق لما في الدر المنثور.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٣ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٦ إلى أبي الشيخ.","vol":"12","page":383},{"text":"قال: في قراءةِ أبيٍّ: (أنُلْزِمُكُمُوهَا مِنْ شَطْرِ أَنْفُسِنا وأَنْتم لها كارِهُونَ) (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبيرِ، عن ابنِ عيينةَ، قال: أخبرَنا عمرُو بنُ دينارٍ، قال: قرَأ ابنُ عباسٍ: (أَنُلْزِمُكُمُوهَا مِنْ شَطْرِ أَنْفُسِنا). قال عبدُ اللَّهِ: (مِنْ شَطْرِ أَنْفُسِنَا): مِن تلقاءِ أنفسِنا (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا ابنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بنِ كعبٍ: (أَنُلْزِمُكُمُوها مِن شَطْرِ قُلُوبِنا وأَنتم لها كارِهُونَ) (^٣).\n\n<span id=\"aya-1502\"></span><span data-type='title' id=toc-4284>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩)﴾.</span>\nوهذا أيضًا خبرٌ مِن اللَّهِ عن قِيلِ نوحٍ لقومِه، أنه قال لهم: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ﴾ على نصيحتي لكم، ودِعايتِكم إلى توحيدِ اللَّهِ، وإخلاصِ العبادةِ له ﴿مَالًا﴾: أجرًا على ذلك، فتَتَّهِموني في نصيحتى، وتظنون أن فِعْلي ذلك طلبُ عَرَضٍ مِن أعراضِ الدنيا، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: ما ثوابُ نصيحتي لكم ودِعايتِكم إلى ما أدْعوكم إليه، إلا على اللَّهِ، فإنه هو الذي يُجازيني ويُثِيبُني\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٦ إلى المصنف، وقراءة أبيٍّ هذه شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور (١٠٨٥ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٣ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٦ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ، كلهم دون قوله: \"قال عبد الله … إلخ\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٦ إلى ابن المنذر.","vol":"12","page":384},{"text":"عليه، ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: وما أنا بمُقْصٍ مَن آمَن باللَّهِ، وأقرَّ بوحدانيتِه، وخَلَعَ الأوثانَ، وتَبَرَّأَ منها، بأن لم يكونوا مِن عِلْيَتِكم وأشرافِكم؛ ﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: إن هؤلاء الذين تسألوني طَرْدَهم، صائِرون إلى اللَّهِ، واللَّهُ سائلُهم عما كانوا في الدنيا يعملون، لا عن [شَرَفِهم وحَسَبِهم] (^١).\nوكان قيلُ نوحٍ ذلك لقومِه؛ لأن قومَه قالوا له، كما:\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: قالوا له: يا نوحُ، إن أحببتَ أن نَتَّبِعَك فاطرُدْهم، وإلا فلن نَرْضَى أن نكونَ نحن وهم في الأمرِ سواءً، فقال: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾، فيسألُهم عن أعمالِهم (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ (^٣)، جميعًا عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾. قال: جزائي (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ. عن مجاهدٍ مثلَه (^٤).\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٤).\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"سوقهم وحسنهم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٦ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) في ف: \"جريج\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٨٦، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٣.","vol":"12","page":385},{"text":"وقولُه: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾. يقولُ: ولكني، أيُّها القومُ، أراكم قومًا تَجْهَلون الواجبَ عليكم مِن حقِّ اللَّهِ، واللازمَ لكم مِن فرائضِه، ولذلك مِن جَهْلِكم سألتُموني أن أطرد الذين آمنوا باللَّهِ.\n\n<span id=\"aya-1503\"></span><span data-type='title' id=toc-4285>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ: ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي﴾ فيمنَعُني ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، إن هو عاقَبَني على طَرْدي المؤمنين الموحِّدين اللَّهَ، ﴿إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾، ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: أفلا تَتفَكَّرون فيما تقولون، فتَعْلَمون خطأه، فتَنْتَهوا عنه؟\n\n<span id=\"aya-1504\"></span><span data-type='title' id=toc-4286>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)﴾.</span>\nوقولُه: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ عطفٌ على قولِه: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾ (^١). ومعنى الكلامِ: ويا قومِ لا أسألُكم عليه أجرًا، ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ التي لا يُفْنِيها شيءٌ، فأَدْعُوكم إلى اتِّباعي عليها، ﴿وَلَا أَعْلَمُ﴾ أيضًا ﴿الْغَيْبَ﴾ يعني: ما خَفِيَ مِن سرائرِ العبادِ؛ فإن ذلك لا يعلمُه إلا اللَّهُ، فأدَّعِيَ الربوبيةَ، وأدعوَكم إلى عبادتي. ﴿وَلَا أَقُولُ﴾ أيضًا: ﴿إِنِّي مَلَكٌ﴾ مِن الملائكةِ أُرسلتُ إليكم، فأكونَ كاذبًا في دَعْوايَ ذلك، بل أنا بشرٌ مثلُكم كما تقولون، أُمرتُ بدُعائِكم إلى اللَّهِ، وقد أَبْلَغْتُكم ما أُرسِلتُ به إليكم، ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾. يقولُ: ولا أقولُ للذين\n_________\n(^١) في النسخ: \"أجرًا\". والمثبت هو نص التلاوة. ويوضحه ما بعده.","vol":"12","page":386},{"text":"اتَّبعوني وآمنوا باللَّهِ ووَحَّدوه، الذين تستحقرُهم أعينُكم، وقلتُم: إنها أَرَاذِلُكم: ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ (^١) اللَّهُ خَيْرًا﴾، وذلك الإيمانُ باللَّهِ، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾. يقولُ: اللَّهُ أعلمُ بضمائرِ صدورِهم، واعتقادِ قلوبِهم، وهو وليُّ أمرِهم في ذلك، وإنما لي منهم ما ظهرَ وبدا، وقد أظهَروا الإيمانَ باللَّهِ واتَّبَعوني، فلا أطرُدُهم، ولا أستَحِلُّ ذلك، ﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: إني إن قلتُ لهؤلاءِ الذين أظْهَروا الإيمانَ باللَّهِ وتَصْديقي: ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾، وقضيتُ على سرائرِهم، بخلافِ ما أَبْدَتْه (^٢) ألْسِنَتُهم لي، على غيرِ علمٍ مني بما في نفوسِهم، وطردتُهم (^٣) بفعلي ذلك، لَمِنَ الفاعلين ما ليس لهم فعلُه، المعتدين ما أمَرَهم اللَّهُ به، وذلك هو الظلمُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ التي لا يُفْنِيها شيءٌ، فأكونَ إنما أدعوكم لتَتَّبِعوني عليها، لأُعْطِيَكم منها، ﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ نزلتُ مِن السماءِ برسالةٍ، ما أنا إلا بشرٌ مثلُكم، ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾: ولا أقولُ اتَّبِعوني على علمِ الغيبِ (^٤).\n\n<span id=\"aya-1505\"></span><span data-type='title' id=toc-4287>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا</span>\n_________\n(^١) في م: \"يؤتيكم\".\n(^٢) في ص: \"أبدأته\"، وفي ت ٢: \"أبداه\"، وفي س: \"أبدا به\".\n(^٣) في ت ٢، ف: \"طردهم\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٦ إلى أبي الشيخ.","vol":"12","page":387},{"text":"بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ نوحٍ لنوحٍ، ﵇: قد خاصَمْتَنا، فأكثرتَ خُصُومتَنا، فأْتِنا بما تَعِدُنا مِن العذابِ إن كنتَ مِن الصادقين في عِداتِك ودَعْواك أنك للَّهِ رسولٌ، يعني: بذلك أنه لن يقدرَ على شيءٍ مِن ذلك.\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ [أبي نجيحٍ] (^١)، عن مجاهدٍ: ﴿جَادَلْتَنَا﴾. قال: مارَيْتَنا (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٢).\nوحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا﴾. قال: مارَيْتَنَا (^٢). ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾. قال ابنُ جريجٍ: تكذيبًا بالعذابِ، وأنه باطلٌ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1506\"></span><span data-type='title' id=toc-4288>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ف: \"جريج\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٨٧ ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٦ إلى المصنف وأبي الشيخ.","vol":"12","page":388},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: قال نوحٌ لقومِه حينَ اسْتَعْجَلوه العذابَ: يا قومِ، ليس الذي تستعجلون مِن العذابِ إليَّ، إنما ذلك إلى اللَّهِ لا إلى غيرِه، هو الذي يأتيكم به إن شاء، ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. يقولُ: ولستُم إذا أرادَ تعذيبَكم - بمُعْجِزِيه؛ أي: بفائتِيه هربًا منه؛ لأنكم حيثُ كنتم في مُلْكِه وسلطانِه وقدرتِه، حكمُه عليكم جارٍ.\n\n<span id=\"aya-1507\"></span>﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾. يقولُ: ولا ينفعُكم تَحْذِيري عقوبتَه، ونزولَ سَطْوتِه بكم على كفرِكم به، ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ في تَحْذيري إياكم ذلك؛ لأن نُصْحي لا ينفعُكم؛ لأنكم لا تَقْبَلونه، ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾. يقولُ: إن كان اللَّهُ يريدُ أن يُهْلِكَكم بعذابِه، ﴿هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: وإليه تُرَدُّون بعدَ الهلاكِ.\nحُكِي عن طَيِّئٍ أنها تقولُ: أصبح فلانٌ غاويًا. أي: مريضا. وحُكِي عن غيرِهم سماعًا منهم: أغويتُ فلانًا. بمعنى: أهلكتَه. وغَوِيَ الفصيلُ. إذا فَقَدَ اللبنَ فماتَ. وذُكِر أن قولَ اللَّهِ: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] أي: هَلاكًا.\n\n<span id=\"aya-1508\"></span><span data-type='title' id=toc-4289>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه، أيقولُ - يا محمدُ - هؤلاء المشركون من قومِك: افتَرى محمدٌ هذا القرآنَ، وهذا الخبرَ عن نوحٍ؟ قلْ لهم: إن افتريتُه فتخرَّصتُه واختلقتُه ﴿فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾. يقولُ: فعليَّ إثمي في افْترائي ما افتريتُ على ربِّي دونَكم، لا تؤاخَذُون بذَنْبي ولا إثْمي، ولا أُوَاخَذُ بذنبِكم، ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾. يقولُ: وأنا بريءٌ مما تُذنِبون وتَأْثَمُون بربِّكم مِن افْترائِكم عليه.","vol":"12","page":389},{"text":"يقالُ منه: أَجْرَمتُ إجرامًا وجَرَمْتُ أُجْرِمُ جَرْمًا. كما قال الشاعرُ (^١):\nطريدُ عشيرةٍ ورهينُ ذنبٍ … بما جَرَمَتْ يَدِي وَجَنَى لِساني\n\n<span id=\"aya-1509\"></span><span data-type='title' id=toc-4290>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأوحَى اللَّهُ إلى نوحٍ، لمَّا حقَّ على قومِه القولُ، وأظلَّهم (^٢) أمرُ اللَّهِ: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ﴾ يا نوحُ، باللَّهِ، فيوحِّدَه ويَتَّبِعَك على ما تَدْعوه إليه ﴿مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ فصَدَّق بذلك واتَّبَعك، ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾. يقولُ: فلا تَسْتَكِنْ ولا تحزنْ ﴿بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، فإني مُهلِكُهم، ومُنْقِذُك منهم ومَن اتَّبَعَك. وأَوْحَى اللَّهُ ذلك إليه بعدَما دعا عليهم نوحٌ بالهلاكِ، فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦].\nوهو تَفْتَعِلُ مِن البؤسِ، يقالُ: ابتأسَ فلانٌ بالأمرِ يَبْتَئِسُ ابْتئاسًا. كما قال لَبيدُ بنُ ربيعةَ (^٣):\nفي مَأْتَمٍ كنِعاجِ صا … رَةَ (^٤) يَبْتَئِسْنَ بما لَقِينا\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي\n_________\n(^١) هو الهَيْرُدان بن خطار السعدي، والبيت في مجاز القرآن ١/ ٢٨٨، واللسان (ج ر م).\n(^٢) في ص: \"أطلهم\".\n(^٣) شرح ديوان لبيد ص ٣٢٦.\n(^٤) صارة: جبل في ديار بني أسد. معجم البلدان ٣/ ٣٦١.","vol":"12","page":390},{"text":"نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾. قال: لا تحزنْ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. يقولُ: فلا تحزنْ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال: لا تَأْسَ ولا تحزنْ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾، وذلك حينَ دعا عليهم قالَ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، قولَه: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾. يقولُ: فلا تأسَ ولا تحزنْ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضّحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾، فحينَئذٍ دعا على قومِه، لمَّا بَيَّن اللَّهُ له أنه لن يؤمنَ مِن قومِه إلا مَن قد آمن.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٨٧، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٢٥ - وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٥ عن محمد بن سعد به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٠٤ عن معمر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٤ من طريق سعيد بن أبي عروبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٦ إلى أبي الشيخ.","vol":"12","page":391},{"text":"<span id=\"aya-1510\"></span><span data-type='title' id=toc-4291>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأُوحِي إليه أنه لن يؤمنَ مِن قومِك إلا مَن قد آمَن، وأَنِ اصْنَعِ الفلكَ، وهو السفينةُ؛ كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: الفلكُ، السفينةُ (^١).\nوقولُه: ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾. يقولُ: بعينِ اللَّهِ ووَحْيِه، كما يأمُرُك.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾، وذلك أنه لم يَعْلَمْ كيف صَنْعَةُ الفُلكِ، فَأَوحَى اللَّهُ إليه أن يَصْنَعَها على مِثْلِ جُؤْجُؤ الطائرِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنى عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَوَحْيِنَا﴾. قال: كما نَأْمُرُك (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثني المثنى قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾: كما نأمُرُك (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. قال: بعينِ اللَّهِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٧ إلى المصنف وأبي الشيخ.\n(^٢) الجؤجؤ: الصدر، النهاية ١/ ٢٣٢، والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٥ عن محمد بن سعد به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٨٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٧ إلى أبي الشيخ.","vol":"12","page":392},{"text":"قال ابنُ جريجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿وَوَحْيِنَا﴾. قال: كما نأمُرُك (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. قال: بعينِ اللَّهِ ووَحْيِه (^٢).\nوقولُه: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تسألْني في العفوِ عن هؤلاء الذين ظَلَموا أنفسَهم مِن قومِك، فأكسَبوها - تَعدِّيًا منهم عليها بكفرِهم باللَّهِ - الهلاكَ بالغَرَقِ؛ إنهم مُغْرَقون بالطوفانِ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾. قال: يقولُ: ولا تُراجِعْني. قال: تقدَّمَ ألَّا يشفعَ لهم عندَه (^٣).\n\n<span id=\"aya-1511\"></span><span data-type='title' id=toc-4292>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويصنعُ نوحٌ السفينةَ، وكلما مَرَّ عليه جماعةٌ مِن كُبَراءِ قومِه ﴿سَخِرُوا مِنْهُ﴾. يقولُ: هَزِئوا مِن نوحٍ، ويقولون له: أتحوَّلْتَ نجارًا بعد النبوّةِ، وتعملُ السفينةَ في البرِّ؟ فيقولُ لهم نوحٌ: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا﴾: إن تَهْزَءوا مِنَّا اليومَ، فإنَّا نهزأُ منكم في الآخرةِ، كما تَهْزَءون مِنَّا في الدنيا، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا عاينتُم عذابَ اللَّهِ مَن الذي كان إلى نفسِه مُسِيئًا مِنَّا.\nوكانت صنعةُ نوحٍ السفينةَ كما حدَّثني المُثَنَّى، وصالحُ بنُ مِسْمارٍ، قالا (^٤):\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٦، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٨٢) من طريق حجاج بن محمد به، دون ذكر كلام مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٧ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٤ عن معمر به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٧ إلى المصنف وأبي الشيخ.\n(^٤) في م: \"قال\".","vol":"12","page":393},{"text":"ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبرنا موسى بنُ يعقوبَ، قال: ثنى فائدٌ (^١) مولى عبيدِ اللَّهِ بنِ عليِّ بنِ أبي رافعٍ، أن إبراهيمَ بنَ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ربيعةَ، أخبرَه أن عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ أخبرَتْه، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"لو رَحِمَ اللَّهُ أحدًا مِن قومِ نوحٍ لرَحِمَ أمَّ الصَّبِيِّ\". قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"كان نوحٌ مَكَثَ في قومِه ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا يَدْعوهم إلى اللَّهِ، حتى كان آخِرُ زمانِه غَرَسَ شجرةً، فعَظُمَت وذَهَبَت كلَّ مذهبٍ، ثم قَطَعَها، ثم جَعَلَ يعملُ سفينةً، ويَمُرُّون فيَسْألونه، فيقولُ: أعملُها سفينةً. فيَسْخَرون منه ويقولون: تعملُ (^٢) سفينةً في البرِّ، فكيف تَجْرِي؟ فيقولُ: سوف تَعْلَمون. فَلَما فَرَغَ منها، وفارَ التَّنُّورُ، وكَثُرَ الماءُ في السِّكَكِ، خَشِيَتْ أمُّ الصَّبِيِّ (^٣) عليه، وكانت تُحِبُّه حبًّا شديدًا، فخَرَجَت إلى الجبلِ، حتى بَلَغَت ثُلُثَه، فلما بَلَغَها الماءُ خَرَجَت حتى بَلَغَت ثُلُثَي الجبلِ، فلما بَلَغَها الماءُ خَرَجَت حتى اسْتَوَت على الجبلِ، فلما بَلَغَ الماءُ رقبتَها، رَفَعَتْه بيَدَيها (^٤) حتى ذَهَبَ بها الماءُ. فلو رَحِمَ اللَّهُ منهم أحدًا لَرَحِمَ أَمَّ الصبيِّ\" (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن طولَ السفينةِ ثلاثُمائةِ ذراعٍ، وعرضَها خمسون ذراعًا، وطولَها في السماءِ ثلاثون ذراعًا، وبابَها في عرضِها (^٦).\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س: \"قائد\". ينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ١٤٢.\n(^٢) في ص، س: \"يعمل\".\n(^٣) في م: \"صبي\".\n(^٤) في م: \"بين يديها\".\n(^٥) أخرجه بإسناده ولفظه المصنف في تاريخه ١/ ١٨٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٧، والحاكم ٢/ ٣٤٢ من طريق ابن أبي مريم به، وأخرجه الطبراني في الأوسط - كما في المجمع ٨/ ٢٠٠، والحاكم ٢/ ٥٤٧ من طريق موسى بن يعقوب الزمعي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٧ إلى أبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٦) أخرجه بإسناده ولفظه المصنف في تاريخه ١/ ١٨١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"12","page":394},{"text":"حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسنِ، قال: كان طولُ سفينةِ نوحٍ ألفَ ذراعٍ ومائتي ذراعٍ، وعرضُها ستَّمائةِ ذراعٍ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ (^٢)، عن مُفَضَّل بنِ فَضالةَ، عن عليِّ بنِ زيدِ بنِ جُدْعانَ، عن يوسفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال الحواريُّون لعيسى ابنِ مريمَ: لو بعثتَ لنا رجلًا شَهِدَ السفينةَ، فحدَّثَنا عنها. قال: فانطَلَق بهم حتى انتهى بهم إلى كَثيبٍ مِن ترابٍ، فأخَذَ كفًّا مِن ذلك الترابِ بكَفِّه، قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: هذا كعبُ (^٣) حامِ بنِ نوحٍ. قال: فضَرَبَ الكثيبَ بعصاه، قال: قمْ بإذنِ اللَّهِ. فإذا هو قائمٌ يَنْفُضُ الترابَ عن رأسِه قد شابَ، قال له عيسى: هكذا هلكتَ؟ قال: لا، ولكن مِتُّ وأنا شابٌّ، ولكنِّي ظننتُ أنها الساعةُ، فمِن ثَمَّ شِبْتُ. قال: حَدِّثْنا عن سفينةِ نوحٍ. قال: كان طولُها ألفَ ذراعٍ ومائتي ذراعٍ، وعرضُها ستَّمائةِ ذراعٍ، و(^٤) كانت ثلاثَ طبقاتٍ؛ فطبقةٌ فيها الدوابُّ والوحشُ، وطبقةٌ فيها الإنسُ، وطبقةٌ فيها الطيرُ، فلما كَثُرَ أرواثُ الدوابِّ، أوحَى اللَّهُ إلى نوحٍ: أن اغمِزْ ذَنَبَ الفيلِ. فَغَمَزَ (^٥)، فَوَقَعَ منه خِنْزِيرٌ وخنزيرةٌ، فأقبَلا على الرَّوْثِ، فلما وَقَعَ الفأرُ بجَرَزِ (^٦) السفينةِ يَقْرِضُه، أوحَى اللَّهُ إلى\n_________\n(^١) أخرجه بإسناده ولفظه المصنف في تاريخه ١/ ١٨١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٥ من طريق محمد بن سيف أبي رجاء عن الحسن به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٨ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) بعده في ت ٢: \"عن ابن جريج\".\n(^٣) في تاريخ الطبري: \"قبر\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) في م: \"فغمزه\".\n(^٦) في م: \"بحبل\"، وفي ص، ف: \"ىحرر\" غير منقوطة. وفي ت ١: \"بجرير\"، والجرز: صدر الإنسان أو وسطه. التاج (ج ر ز). والمراد صدر السفينة أو وسطها.","vol":"12","page":395},{"text":"نوحٍ: أن اضربْ بين عَيْنَيِ الأسدِ. فخَرَج مِن مَنْخَرِه سِنَّورٌ وسِنَّورةٌ، فأقبَلا على الفأرِ. فقال له عيسى: كيف عَلِمَ نوحٌ أن البلادَ قد غَرِقَت؟ قال: بَعَثَ الغرابَ يأتيه بالخبرِ، فوجَدَ جيفةً، فوَقَعَ عليها، فدَعا عليه بالخوفِ؛ فلذلك لا يَأْلَفُ البيوتَ. قال: ثم بَعَثَ الحمامةَ، فجاءت بوَرَقِ زيتونٍ بمِنْقارِها، وطينٍ برِجْلَيها (^١)، فعَلِمَ أن البلادَ قد غَرِقَت. قال: فطَوَّقَها الخُضرةَ التي في عُنُقِها، ودعا لها أن تكونَ في أُنسٍ وأمانٍ، فمِن ثَمَّ تألفُ البيوتَ. قال: فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ، ألا ننطلقُ به إلى أهلينا، فيجلسُ معنا، ويحدِّثُنا؟ قال: كيف يَتْبَعُكم مَن لا رزقَ له؟ قال: فقال له: عُدْ بإذنِ اللَّهِ. قال: فعادَ ترابًا (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عمن لا يتَّهِمُ، عن عُبيدِ بنِ عميرٍ الليثيِّ، أنه كان يحدِّثُ، أنه بَلَغَه أنهم كانوا يَبْطِشون به - يعني قومَ نوحٍ (^٣) - فيَخْنُقونه حتى يُغْشَى عليه، فإذا أفاقَ قال: اللهمَّ اغفِرْ لقومي فإنهم لا يَعْلمون. حتى إذا تمادَوا في المعصيةِ، وعَظُمت في الأرضِ منهم الخطيئةُ، وتطاولَ عليه وعليهم الشأنُ، واشتدَّ عليه منهم البلاءُ، وانتظر النَّجْلَ بعدَ النَّجْلِ، فلا يأتي قرنٌ إلا كان أخبثَ مِن القرنِ الذي قبلَه، حتى إن كان الآخِرُ منهم لَيقولُ: قد كان هذا مع آبائِنا ومع أجدادِنا هكذا مجنونًا. لا يَقْبَلون منه شيئًا، حتى شكا ذلك مِن أمرِهم نوحٌ إلى اللَّهِ تعالى، كما قصَّ اللَّهُ علينا في كتابِه: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٥، ٦] إلى آخرِ القصةِ، حتى قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا\n_________\n(^١) في ص، ف: \"برجلها\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٨١، ١٨٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٨ إلى المصنف.\n(^٣) بعده في التاريخ: \"بنوح\".","vol":"12","page":396},{"text":"فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦، ٢٧]. إلى آخرِ القصةِ، فلما شكا ذلك منهم نوحٌ إلى اللَّهِ، واسْتَنْصَره عليهم، أوحَى اللَّهُ إليه أن: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. أي: بعدَ اليوم؛ ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾. فأقبَل نوحٌ على عملِ الفلكِ، ولَهِيَ (^١) عن قومِه، وجَعَل يقطَعُ الخشبَ، ويضرِبُ الحديدَ، ويُهَيِّئُ عُدَّةَ الفلكِ مِن القارِ وغيرِه مما لا يُصلِحُه إلا هو، وجعَل قومُه يمرُّون به، وهو في ذلك مِن عملِه، فيَسْخَرون منه، ويَسْتَهزئون به، فيقولُ: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾. قال: ويقولون له فيما بلغني: يا نوحُ، قد صِرْتَ نَجَّارًا بعدَ النبوةِ؟! قال: وأعقمَ اللَّهُ أرحامَ النساءِ، فلا يولدُ لهم ولدٌ.\nقال: ويزعمُ أهلُ التوراةِ أن اللَّهَ أمره أن يصنعَ الفلكَ مِن خشبِ السَّاجِ، وأن يصنعَه أَزْوَرَ (^٢)، وأن يَطْلِيَه بالقارِ مِن داخلِه وخارجِه، وأن يجعلَ طولَه ثمانين ذراعًا، وأن يجعلَه ثلاثةَ أطباقٍ؛ سُفْلًا، ووَسَطًا، وعُلْوًا، وأن يجعلَ فيه كِوًى، ففعَل نوحٌ كما أمره اللَّهُ، حتى إذا فرَغ منه، وقد عَهِد اللَّهُ إليه: إذا جاء أمرُنا وفار التَّنُّورُ، فـ ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، وقد جعَل التَّنُّورَ آيةً فيما بينَه وبينَه، فقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٧]. واركبْ. فلما فارَ التنُّورُ، حَمَل نوحٌ في الفلكِ مَن أمَره اللَّهُ - وكانوا قليلًا كما قال اللَّهُ - وحَمَل (^٣) فيها مِن كلٍّ زوجين اثنين، مما فيه الروحُ والشجرُ، ذكرٍ (^٤) وأنثى،\n_________\n(^١) لَهِيتُ عن الشيء، بالكسر، ألهَى، بالفتح، لُهِيًّا: إذا سلوت عنه وتركتَ ذكره، وإذا غفلتَ عنه واشتغلتَ. النهاية ٤/ ٢٨٢.\n(^٢) الأزور: المائل. يقال: عنق أزور، أي مائل. التاج (ز ور).\n(^٣) في ت ٢، س: \"احمل\".\n(^٤) في م: \"ذكرًا\".","vol":"12","page":397},{"text":"فحَمَل فيه بَنِيه الثلاثةَ - سامٌ وحامٌ ويافثُ - ونساءَهم (^٢)، وستةَ أناسٍ ممن كان آمَن به، فكانوا عشرةَ نفرٍ؛ نوحٌ وبَنوه وأزواجُهم، ثم أدخَل ما أمَره (^٣) به مِن الدوابِّ، وتَخلَّفَ عنه ابنُه يامٌ، وكان كافرًا (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ دينارٍ، عن عليِّ بنِ زيدٍ (^٥)، عن يوسفَ بنِ مِهْرَانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سمعتُه يقولُ: كان أوَّلُ ما حَمَل نوحٌ في الفلكِ مِن الدوابِّ الدُّرَّةَ (^٦)، وآخرُ ما حَمَل الحمارَ، فلما أدْخَل (^٧) الحمارَ وأدخَل صدرَه، تعلَّق (^٨) إبليسُ بذنبِه، فلم تستقلَّ رجلاه، فجَعل نوحٌ يقولُ: ويحك! ادخُلْ. فينهَضُ فلا يستطيعُ، حتى قال نوحٌ: ويحك! ادخُلْ وإن كان الشيطانُ معك. قال: كلمةٌ زَلَّتْ عن لسانِه، فلما قالها نوحٌ خَلَّى الشيطانُ سبيلَه، فدَخَل ودخَل الشيطانُ معه، فقال له نوحٌ: ما أدْخَلَك عليَّ (^٩) يا عدوَّ اللَّهِ؟ فقال: ألم تقُلْ: ادخُلْ وإن كان الشيطانُ معك؟ قال: اخرُجْ عني يا عدوَّ اللَّهِ. فقال: ما لك بدٌّ مِن أن تَحْمِلَني. فكان - فيما يَزْعمون - في ظهرِ الفلكِ، فلما اطمأنَّ نوحٌ في الفلكِ، وأدخَل فيه مَن آمَن به، وكان ذلك في الشهرِ (^١٠) مِن السنةِ\n_________\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"نساؤهم\".\n(^٣) بعده في ت ٢: \"الله\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٨٢، ١٨٣.\n(^٥) في ت ٢: \"يزيد\".\n(^٦) الدُّرَّة: ضرب من الببغاوات. ينظر الحيوان للجاحظ ٥/ ١٥١، حاشية (٣).\n(^٧) في م: \"دخل\".\n(^٨) سقط من: ت ٢، وفي م: \"مسك\"، وبياض في: ص، س، ف.\n(^٩) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^١٠) سقط من النسخ وكذا من تاريخ المصنف اسمُ ذلك الشهر.","vol":"12","page":398},{"text":"التي دَخَل فيها نوحٌ بعدَ ستِّمائةِ سنةٍ مِن عمرِه، لسبعَ عشْرةَ ليلةً مَضَت مِن الشهرِ. فلما دَخَل وحَمَل معه مَن حَمَل، تَحرَّك ينابيعُ الغَوْطِ (^١) الأكبرِ، وفُتِحَ أبوابُ السماءِ، كما قال اللَّهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١١، ١٢]. فدَخَل نوحٌ ومَن معه الفلكَ، وغَطَّاه عليه وعلى مَن معه بطبقِه (^٢)، فكان بينَ أن أَرسلَ اللَّهُ الماءَ، وبينَ أن احْتمل الماءُ الفلكَ، أربعون يومًا وأربعون ليلةً، ثم احْتمل الماءُ، كما يزعُمُ أهلُ التوراةِ، وكَثُر الماءُ واشتدَّ وارتفعَ، يقولُ اللَّهُ جلّ ذكرُه لمحمدٍ ﷺ: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣]. والدُّسُرُ المساميرُ؛ مساميرُ الحديدِ، فجعلت الفلكُ تَجْري به وبمَن معه في موجٍ (^٣) كالجبالِ، ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ الذي هَلَكَ فيمَن هلكَ، ﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ حينَ رأى نوحٌ مِن صِدْقِ موعد ربِّه ما رأى، فقال: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾. وكان شقيًّا قد أضمَر كفرًا، ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾، وكان عَهِدَ الجبالَ، وهي حِرْزُ مِن الأمطارِ إذا كانت، فظنَّ أن ذلك كما كان يعهَدُ، قال نوحٌ: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾، وكَثُرَ الماءُ حتى طَغَى وارتفعَ فوقَ الجبالِ، كما يزعمُ أهلُ التوراةِ، بخمسةَ عشرَ ذراعًا، فبادَ ما على وجهِ الأرضِ مِن الخلقِ، مِن كلِّ شيءٍ فيه الروحُ أو شجرٍ، فلم يَبْقَ شيءٌ من الخلائقِ إلا نوحٌ ومَن معه في الفلكِ، وإلا عُوجُ بنُ عُنُقَ، فيما يزعمُ أهلُ الكتابِ، فكان بينَ أن أرسلَ اللَّهُ الطوفانَ، وبين أن غاضَ الماءُ، ستةَ\n_________\n(^١) الغوط: المطمئن الواسع من الأرض. التاج (غ وط).\n(^٢) في م: \"بطبقة\". والطبق: غطاء كل شيء. ينظر اللسان (ط ب ق).\n(^٣) في ص، ف: \"موضع\"، ووضع فوقها ناسخ ص علامة: \"ط\".","vol":"12","page":399},{"text":"أشهرٍ وعشرَ ليالٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ دينارٍ، عن عليِّ بنِ زيدِ بنِ جُدْعانَ، قال ابنُ حميدٍ: قال سلمةُ: وحدَّثني حسنُ بنُ عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مهرانَ، قال: سمعتُه يقولُ: لما آذَى نوحًا في الفلكِ عَذِرةُ الناسِ، أُمِر أن يمسَحَ ذَنَبَ الفيلِ، فمسَحَه، فخَرَج منه خِنْزيران، وكَفَى عنه ذلك، وإن الفأرَ توالَدَت في الفلكِ، فلما آذَتْه، أُمِر أن يأمرَ الأَسدَ يَعْطِسُ، فَعَطَسَ، فَخَرَج من مَنْخَريه هِرَّان يأكُلان عنه الفأرَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مهرانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا كان نوحٌ في السفينةِ، قَرَضَ الفأرُ حبالَ السفينةِ، فَشَكا نوحٌ، فأوحَى اللَّهُ إليه، فمسَح ذَنَبَ الأسدِ، فخرَج سِنَّوْران، وكان في السفينةِ عَذِرةٌ، فشكا ذلك إلى ربِّه، فأوحى اللَّهُ إليه، فمسَح ذَنَبَ الفيلِ، فخرَج خِنْزيران.\nحدَّثنا إبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوزَجانيُّ، قال: ثنا الأسودُ بنُ عامرٍ، قال: أخبرَنا سفيانُ بنُ (^٢) سعيدٍ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه.\nحُدِّثْتُ عن المسيَّبِ، عن (^٣) أبي رَوْقٍ، عن الضّحّاكِ، قال: قال [سلمان الفارسي] (^٤): عَمِل نوحٌ السفينةَ في أربعمائةِ سنةٍ، وأنبت السَّاجَ أربعين سنةً، حتى\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٨٤، ١٨٥، وذكر أوله ابن كثير في البداية والنهاية ١/ ٢٦٠.\n(^٢) في ت ١: \"عن\".\n(^٣) في النسخ: \"بن\" والصواب ما أثبتناه، وهو إسناد دوار.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"سليمان الفراسي\". وفي م: \"سليمان القراسي\". والمثبت كما في تاريخ المصنف.","vol":"12","page":400},{"text":"كان طولُه أربعَمائةِ (^١) ذراعٍ، والذراعُ إلى المَنْكِبِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1512\"></span><span data-type='title' id=toc-4293>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ نوحٍ لقومِه: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: أيُّها القومُ، إذا جاء أمرُ اللَّهِ، مَن الهالكُ؟ ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾. يقولُ: الذي يأتيه عذابُ اللَّهِ مِنَّا ومنكم يُهِينُه ويُذِلُّه، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. يقولُ: وينزِلُ به في الآخرةِ مع ذلك، عذاب دائمٌ لا انقطاعَ له، مقيمٌ عليه أبدًا.\n\n<span id=\"aya-1513\"></span>وقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾. يقولُ: ويصنَعُ نوحٌ الفلكَ حتى إذا جاء أمرُنا الذي وعدناه أن يجيءَ قومَه، مِن الطوفانِ الذي يُغْرِقُهم.\nوقولُه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: انْبجَسَ الماءُ مِن وجهِ الأرضِ، وفارَ التنورُ، وهو وجهُ الأرضِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا العوامُ بنُ حوشبٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في قولِه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: التنورُ وجهُ الأرضِ. قال: قيل له: إذا رأيتَ الماءَ على وجهِ الأرضِ فاركَبْ أنت ومَن\n_________\n(^١) في المصدر: \"ثلاثمائة\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٨٠، ١٨١ عن ابن أبي منصور عن علي بن الهيثم عن المسيب به.","vol":"12","page":401},{"text":"اتَّبَعَك (^١). قال: والعربُ تُسمِّي وجهَ الأرضِ تَنُّورَ الأرضِ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن العوامِ، عن الضحاكِ بنحوِه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخبرَنا الشيبانيُّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: وجهُ الأرضِ (^٣).\nحدَّثنا زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ وسفيانُ بنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الشيبانيِّ، عن عكرمةَ: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال (^٤): وجهُ الأرضِ.\nوقال آخرون: هو تنويرُ الصبحِ. من قولِهم: نَوَّرَ الصبحُ تَنْويرَا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ (^٥)، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، عن زيادٍ (^٦) مولى أبي جُحَيفةَ، عن أبي جُحَيفةَ، عن عليٍّ - رضي الله\n_________\n(^١) في م: \"معك\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٩ من طريق يعقوب به. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٨٧ - تفسير) عن هشيم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٩ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٩ معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٩ إلى أبي الشيخ.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"على\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فضل\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٢٩٣.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"عباس\"، وفي ف: \"ابن عباس\"، والمثبت من مصدر التخريج. وهو زياد بن زيد السوائي، مولى أبي جحيفة. تهذيب الكمال ٩/ ٤٧٣، وينظر الأثر القادم.","vol":"12","page":402},{"text":"عنه - قولَه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: هو تنويرُ الصبحِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ وإسحاقُ بنُ إسرائيل، قالا: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاقَ، عن زيادٍ مولى أبي جُحَيفةَ، عن أبي جُحَيفةَ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: تنويرُ (^٢) الصبحِ.\nحدَّثنا حمادُ بنُ يعقوبَ، قال: أخبرَنا ابنُ فُضيلٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاقَ، عن مولى أبي جُحَيفةَ - أُراه قد سَمَّاه - عن أبي جُحَيفةَ، عن عليٍّ: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: تنويرُ (^٣) الصبحِ.\nحدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن ابنِ إسحاقَ، عن رجلٍ مِن قريشٍ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: طلعَ الفجرُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (^٤)، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، عن رجلٍ قد سمَّاه، عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ قولَه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: إذا طلعَ الفجرُ.\nوقال آخرون: [معنى ذلك] (^٥): وفارَ أعْلَى الأرضِ وأشرفُ مكانٍ فيها بالماءِ. وقال: التنورُ أشرفُ الأرضِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٨ من طريق محمد بن فضيل بن غزوان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٩ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) في ت ٢: \"نور\".\n(^٣) في ص، ت ١، س، ف: \"نور\".\n(^٤) بعده في ت ٢: \"قال حدثني الحجاج\".\n(^٥) سقط من: ت ١، س.","vol":"12","page":403},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾: كنا نُحَدَّثُ أنه أعلى (^١) الأرضِ وأشرفُها، وكان عَلَمًا بينَ نوحٍ وبينَ ربِّه (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: سمعتُ قتادةَ في (^٣) قولِه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: أشرفُ الأرضِ وأرفعُها، فارَ الماءُ منه.\nوقال آخرون: هو التنورُ الذي يُخْتَبَرُ (^٤) فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: إذا رأيتَ تَنُّورَ أهلِك يخرُجُ منه الماءُ، فإنه هلاكُ قومِك (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي محمدٍ، عن الحسنِ، قال: كان تنورًا من حجارةٍ كان لحواءَ، حتى صار إلى نوحٍ. قال: فقيل له: إذا رأيتَ الماءَ يفورُ مِن التنورِ فاركَبْ أنت وأصحابُك (^٦).\n_________\n(^١) في ت ١، م، ف: \"على\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٩ من طريق سعيد بن بشير عن قتادة نحوه.\n(^٣) ليست في: ص، م، ت ٢، ت ٣، س، ف.\n(^٤) في ت ٢: \"يخبز\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٩ عن محمد بن سعد به.\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٨٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٨ إلى المصنف.","vol":"12","page":404},{"text":"حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شبلٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: حينَ انْبَجَسَ الماءُ، وأُمِر نوحٌ أن يركَبَ هو ومَن معه في الفلكِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: انبجسَ الماءُ منه؛ آيةً (^١) أن يركَبَ بأهلِه ومَن معه في السفينةِ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه، إلا أنه قال: آيةً (^٣) أن يركَبَ أهلُه ومَن معه (^٤) في السفينةِ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن (^٥) ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: آيةً (^٦) بأن يركبَ بأهلِه ومَن معهم في السفينةِ (٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا خلفُ بنُ خليفةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: نَبَعَ الماءُ في التنورِ، فعَلِمَتْ به امرأتُه فأخبرَته. قال: وكان ذلك في ناحيةِ الكوفةِ (^٧).\nقال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا عليُّ بنُ ثابتٍ، عن السَّرِيِّ بنِ إسماعيلَ، عن\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"إنه\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٨٧\n(^٣) في ت ٢، س، ف: \"إنه\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"معهم\".\n(^٥) في م: \"بن\".\n(^٦) في س، ف: \"إنه\".\n(^٧) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٨٧.","vol":"12","page":405},{"text":"الشعبيِّ أنه كان يحلِفُ باللَّهِ (^١): ما فارَ التنورُ إلا مِن ناحيةِ الكوفةِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن النضرِ أبي عمرَ الخَزَّازِ (^٣)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه (^٤): ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: فارَ التنورُ بالهندِ (^٥).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾: كان آيةً لنوحٍ إذا خَرَجَ منه الماءُ، فقد أتَى الناسَ الهلاكُ والغَرَقُ. وكان ابنُ عباسٍ يقولُ في معنى \"فارَ\": نَبَعَ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: نَبَعَ (^٦).\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وفورانُ الماءِ سَوْرَةُ دَفْعَتِه، يقالُ منه: فارَ الماءُ يَفُورُ [فَوْرًا وفُؤورًا وفَوَرانًا] (^٧). وذاك إذا سارت دَفْعَتُه.\nوأَوْلى هذه الأقوالِ عندَنا بتأويلِ قولِه: ﴿التَّنُّورُ﴾. قولُ مَن قال: هو التنورُ\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"بأنه\"، وفي ف: \"أنه\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٨٧.\n(^٣) في ت ٢: \"الخراز\"، وفي س: \"الحرار\"، وفي ف: \"الجزار\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ٢، س، ف.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٨٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٩ من طريق أبي يحيى عبد الحميد الحماني به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٢٨ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٨ إلى ابن المنذر.\n(^٧) في ت ١: \"فورا\"، وفي س: \"فورا وفُؤرا\"، وفي م: \"فورانا وفورا\".","vol":"12","page":406},{"text":"الذي يُخْبَزُ فيه؛ لأن ذلك هو المعروفُ مِن كلامِ العربِ، وكلامُ اللَّهِ لا يُوَجَّهُ إلا إلى الأغلبِ الأشهرِ مِن معانيه عندَ العربِ، إلا أن تقومَ حجةٌ (^١) على شيءٍ منه بخلافِ ذلك، فيُسَلَّمَ لها. وذلك أنه جل ثناؤُه إنما خاطَبَهم بما خاطَبَهم به، لإفهامِهم معنى ما خاطَبَهم به. قلنا لنوحٍ، حينَ جاء عذابُنا قومَه الذي وَعَدْنا نوحًا أن نعذِّبَهم به، وفارَ التنورُ الذي جَعَلْنا فَوَرَانَه بالماءِ آيةَ مجيءِ عذابِنا، بينَنا وبينَه، لهلاكِ قومِه: ﴿احْمِلْ فِيهَا﴾. يعني في الفلكِ، ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. يقولُ: مِن كُلٍّ ذكرٍ وأنثى اثنين (^٢).\nكما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. قال: ذكرٌ وأنثى مِن كلِّ صِنفٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: فالواحدُ زوجٌ، والزوجين ذكرٌ وأنثى مِن كلِّ صنفٍ.\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. قال: ذكرٌ وأنثى مِن كلِّ صنفٍ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن\n_________\n(^١) في م: \"حجتهم\"، وفي س: \"الحجة\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٨٧، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٣٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٢٩ إلى أبي الشيخ بلفظ: في كلام العرب يقولون للذكر والأنثى زوجان.","vol":"12","page":407},{"text":"مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. يقولُ: مِن كلِّ صنفٍ اثنين.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: يعني بالزوجين اثنين؛ ذكرًا وأنثى.\nوقال بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ مِن الكوفيين: الزوجان في كلامِ العربِ: الاثنان. قال: ويقالُ: عليه زَوْجَا نعالٍ (^١). إذا كانت عليه نعلان، ولا يقالُ: عليه (^٢) زوجُ نعالٍ. وكذلك: عندَه زوجَا حَمامٍ، وعليه زوجَا قيودٍ. وقال: ألا تسمعُ إلى قولِه: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [النجم: ٤٥]. فإنما هما اثنان.\nوقال بعضُ البصريِّين مِن أهلِ العربيةِ في قولِه: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. قال: فجَعَل الزوجين، الضَّرْبَين؛ الذكورَ والإناثَ. قال: وزعم يونسُ أن قولَ الشاعرِ (^٣):\nوأنتَ امْرُؤٌ تَغْدُو على كلِّ غِرَّةٍ … فَتُخْطِئُ فيها مَرَّةً وتُصِيبُ\nيعني به الذئبَ. قال: فهذا أشذُّ مِن ذلك (^٤).\nوقال آخرُ منهم: الزوجُ اللونُ. قال: وكلُّ ضربٍ يُدْعَى لونًا. واسْتَشْهد ببيتِ\n_________\n(^١) في س، ف: \"فقال\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) ورد غير منسوب في الصحاح واللسان والتاج (م ر أ).\n(^٤) أي: تسمية الذئب امرءًا أشذ من ذلك.","vol":"12","page":408},{"text":"الأعشى في ذلك (^١):\nوكلُّ زَوْجٍ مِن الدِّيباجِ يَلْبَسُهُ … أبو قُدامةَ مَحْبُوًّا (^٢) بِذاك مَعَا\nوبقول لَبيدٍ (^٣):\nبذي (^٤) بَهْجَةٍ كَنَّ المَقَانِبُ (^٥) صَوْبهُ (^٦) … وَزَيَّنَهُ أَزْوَاجُ نَوْرٍ مُشَرَّبِ\nوذُكِر أن الحسنَ قال في قولِه: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]: السماءُ زوجٌ والأرضُ زوجٌ، والشتاءُ زوجٌ والصيفُ زوجٌ، والليلُ زوجٌ، والنهارُ زوجٌ، حتى يصيرَ الأمرُ إلى اللَّهِ الفردِ، الذي لا يُشْبِهُه شيءٌ.\nوقولُه: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾. يقولُ: واحمِلْ أهلَك أيضًا في الفلكِ. يعني بالأهلِ: ولدَه ونساءَه وأزواجَه. ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾. يقولُ: إلا مَن قلتُ فيهم (^٧): إني مُهْلِكُه مع مَن أُهْلِكُ مِن قومِك.\nثم اختَلفوا في الذي اسْتَثْناه اللَّهُ مِن أَهلِه؛ فقال بعضُهم: هو بعضُ نساءِ نوحٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ:\n_________\n(^١) ديوانه ص ١٠٧.\n(^٢) الاحتباء بالثوب: الاشتمال. ينظر اللسان (ح ب و).\n(^٣) شرح ديوان لبيد ص ١١.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وذي\".\n(^٥) المقنب من الخيل: جماعة منه، ومن الفرسان، تجتمع للغارة. ينظر تاج العروس (ق ن ب).\n(^٦) في ص، ت ٢: \"صوته\". وفي ت ١، س: \"صورته\"، وفي ف: \"صدرته\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"منهم\".","vol":"12","page":409},{"text":"﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾. قال: العذابُ، هي امرأتُه كانت من (^١) الغابِرين في العذابِ (^٢).\nوقال آخرون: بل هو ابنُه الذي غَرِقَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثْتُ عن المسيَّبِ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾. قال: ابنُه (^٣) غَرِقَ في مَن غَرِقَ.\nوقولُه: ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾. يقولُ: واحملْ معهم مَن صَدَّقَك واتَّبَعَك مِن قومِك. يقولُ اللَّهُ: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. يقولُ: وما أقرَّ بوحدانيةِ اللَّهِ مع نوحٍ مِن قومِه إلا قليلٌ.\nواختلفوا في عددِ الذين كانوا آمَنوا معه، فَحَمَلَهم معه في الفلكِ؛ فقال بعضُهم في ذلك: كانوا ثمانيةَ أنفسٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. قال: ذُكِرَ لنا أنه لم يتمَّ في السفينةِ إلا نوحٌ وامرأتُه وثلاثةُ بَنيه، ونساؤُهم، فجميعُهم ثمانيةٌ (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"في\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٣ إلى المصنف وأبي الشيخ.\n(^٣) في ت ١، س، ف: \"انه\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٨٨ عن بشر به، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٣١ من طريق سعيد بن أبي عروبة به.","vol":"12","page":410},{"text":"حدَّثنا ابنُ وكيعٍ والحسنُ بنُ عرفةَ، قالا: ثنا يحيى بنُ عبد الملكِ بنِ أبي غَنِيَّةَ (^١)، عن أبيه، عن الحكمِ: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. قال: نوحٌ، وثلاثةُ بَنيه، وأربعُ كَنائنِه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: حُدِّثتُ أن نوحًا حَمَلَ معه (^٣) بَنيه الثلاثةَ، وثلاثَ نسوةٍ لبَنيه، وامرأةَ نوحٍ، فهم ثمانيةٌ بأزواجِهم، وأسماءُ بنيه: يافثُ، وسامٌ، وحامٌ. وأصابَ حامٌ زوجتَه في السفينةِ، فدَعا نوحٌ أن تُغَيَّرَ نُطْفتُه، فجاء بالسودانِ (^٤).\nوقال آخرون: بل كانوا سبعةَ أنفسٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. قال: كانوا سبعةً؛ نوحٌ، وثلاثُ كنائنَ له، وثلاثةُ بنينَ (^٥).\nوقال آخرون: كانوا عشرةً سوى نسائِهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لمَّا فارَ التنورُ، حمل\n_________\n(^١) في ص: \"عنبة\"، وفي ت ١، ف: \"عتبة\"، وفي ت ٢: \"عيينة\"، وفي س: \"عىىه\" غير منقوطة. ينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٤٤٦.\n(^٢) الكَنَّة، بالفتح: امرأة الابن أو الأخ. تاج العروس (ك ن ن). والأثر أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٨٨ عن ابن وكيع والحسن به، وأخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٣١ من طريق يحيى بن أبي غنية به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٣ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) بعده في ت ١: \"في السفينة\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٨٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٣ إلى المصنف وأبي الشيخ.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٨٨.","vol":"12","page":411},{"text":"نوحٌ في الفلكِ مَن أمَره اللَّهُ به، وكانوا قليلًا كما قال اللَّهُ، فحَمَل (^١) بنيه الثلاثةَ؛ سامٌ وحامٌ ويافتُ، ونساءَهم، وستةَ أَناسيَّ ممن كان آمن (^٢)، فكانوا عشرةَ نفرٍ بنوحٍ وبَنيه وأزواجِهم (^٣).\nوقال آخرون: بل كانوا ثمانين نفسًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ، قال ابنُ عباسٍ: حمَل نوحٌ معه في السفينةِ ثمانين إنسانًا (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ: كان (^٥) بعضُهم يقولُ: كانوا ثمانين. يعني القليلَ الذي قال اللَّهُ: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٤).\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، قال: ثنى حسينُ بنُ واقدٍ الخُراسانيُّ، قال: ثنى أبو نَهِيكٍ، قال: سمعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: كان في سفينةِ نوحٍ ثمانون رجلًا، أحدُهم جُرْهُمٌ (^٦).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك، أن يقالَ كما قال اللَّهُ: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فجعل\".\n(^٢) في ص، ت ١، س، ف: \"أمره\"، وفي ت ٢: \"أمر الله\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٨٩.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٨٧.\n(^٥) في ت ٢: \"قال\".\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٨٧ عن موسى به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٣٠ من طريق زيد بن الحباب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٣ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"12","page":412},{"text":"قَلِيلٌ﴾، يَصِفُهم بأنهم كانوا قليلًا، ولم يُحَدَّ (^١) عددُهم بمقدارٍ ولا خبرٍ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ صحيحٍ. فلا ينبغي أن يُتَجاوزَ في ذلك حدُّ اللَّهِ، إذ لم يكنْ لمَبْلَغِ عددِ ذلك حدٌّ مِن كتاب اللَّهِ، أو أثرٍ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ.\n\n<span id=\"aya-1514\"></span><span data-type='title' id=toc-4294>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال نوحٌ: اركَبوا في الفُلكِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾. وفي الكلامِ محذوفٌ قد استُغْنِي بدَلالةِ ما ذُكر مِن الخبرِ عليه عنه، وهو قولُه: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. فحَمَلهم نوحٌ فيها، وقال لهم: اركَبوا فيها. فاستُغنى بدَلالةِ قولِه: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ عن (^٢) حملِه إياهم فيها، فتُرِك ذكرُه.\nواختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾. فقرأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين: (بسمِ اللَّهِ مُجْرَاهَا ومُرساها) بضمِّ الميمِ في الحرفين كليهما (^٣). وإذا قُرِئ كذلك، كان مِن أَجْرَى وأَرْسَى، وكان فيه وجهان من الإعرابِ؛ أحدُهما الرفعُ، بمعنى: بسمِ اللَّهِ إجراؤُها وإرساؤُها. فيكونُ المُجْرَى والمُرْسَى مرفوعَين حينَئذٍ بالباءِ التي في قولِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. والآخرُ النصبُ، بمعنى: بسمِ اللَّهِ عندَ إجْرائِها وإرْسائِها [أو وقتَ (^٤) إجرائِها وإرسائِها] (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"يحدد\"، وفي ف: \"نجد\".\n(^٢) في ص، ت ١، س، ف: \"على\".\n(^٣) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر. ينظر التيسير ص ١٠١، والكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٥٢٨، وإتحاف فضلاء البشر ص ١٥٤.\n(^٤) سقط من: ص، ت ٢، س، ف.\n(^٥) سقط من: ت ١.","vol":"12","page":413},{"text":"فيكونُ قولُه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. كلامًا مُكْتَفِيًا بنفسِه، كقولِ القائلِ عندَ ابتدائِه في عملٍ يعملُه: باسمِ اللَّهِ. ثم يكونُ المُجْرَى والمُرْسَى منصوبَين على ما نصَبت العربُ قولَهم: الحمدُ للَّهِ سِرارَك وإهلالَك. يعنون الهلالَ أولَه وآخرَه. كأنهم قالوا: الحمدُ للَّهِ أولَ الهلالِ وآخرَه. ومسموعٌ منهم أيضًا: الحمدُ للَّهِ ما إهلالَك إلى سِرارِك.\nوقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾، بفتحِ الميمِ مِن ﴿مَجْرَاهَا﴾، وضَمِّها مِن ﴿وَمُرْسَاهَا﴾ (^١)، فجعلوا ﴿مَجْرَاهَا﴾ مصدرًا مِن جَرَى يَجْرِي مَجْرًى. و﴿وَمُرْسَاهَا﴾، مِن أرسَى يُرْسِي إِرساءً. وإذا قُرِئ ذلك كذلك كان في إعرابِهما مِن الوجهين نحوُ الذي فيهما إذا قُرِئا: (مُجرَاها ومُرساها)، بضمِّ الميمِ فيهما على ما بيَّنتُ.\nورُوِي عن أبي رجاءٍ العُطارديِّ، أنه كان يقرأُ ذلك: (بسمِ اللَّهِ مُجْرِيها وَمُرْسِيها) بضمِّ الميمِ فيهما، ويُصَيِّرُهما نعتًا للَّهِ (^٢). وإذا قُرِئا كذلك، كان فيهما أيضًا وجهان مِن الإعرابِ، غيرَ أن أحدَهما الخفضُ، وهو الأغلبُ عليهما مِن وَجْهيِ الإعرابِ؛ لأن معنى الكلامِ على هذه القراءةِ: بسمِ اللَّهِ مُجْرِي الفلكِ ومُرسِيها. فالمُجْرِي نعتٌ لاسمِ اللَّهِ. وقد يَحْتَملُ أن يكونَ نصبًا، وهو الوجهُ الثاني؛ لأنه يَحسُنُ دخولُ الألفِ واللامِ في المُجْرِي والمُرْسِي، كقولِك: بسم اللَّهِ المُجْرِيها والمُرْسِيها. وإذا حُذِفتا نُصِبتا على الحالِ، إذ (^٣) كان فيهما معنى النَّكرةِ وإن كانا مضافَين إلى المعرفةِ.\nوقد ذُكِر عن بعضِ الكوفيِّين أنه قرَأ ذلك: (مَجْراها ومَرْساها)، بفتحِ الميمِ\n_________\n(^١) وهي قراءة عاصم في رواية حفص، وحمزة والكسائي مع إمالة الراء. ينظر المصادر السابقة.\n(^٢) ينظر البحر المحيط ٥/ ٢٢٥.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"إذا\".","vol":"12","page":414},{"text":"فيهما جميعًا (^١) مِن جرَى ورَسا، كأنه وجَّهه إلى أنه: في حالِ جَرْيِها، وحالِ رُسُوِّها. وجعل كلتا الصفتَين للفُلْكِ، كما قال عنترةُ (^٢):\nفصَبَرتُ [نفسًا عندَ ذلك] (^٣) حُرَّةً … تَرْسُو إذا نَفْسُ الجبانِ تَطَلَّعُ\nوالقراءةُ التي نختارُها في ذلك قراءةُ مَن قرَأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ بفتح الميمِ ﴿وَمُرْسَاهَا﴾ بضمِّ الميمِ، بمعنى: بسمِ اللَّهِ حِينَ تَجْري وحينَ تُرْسِي. وإنما اخترتُ الفتحَ في ميمِ ﴿مَجْرَاهَا﴾ لقربِ ذلك مِن قولِه: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾. ولم يقلْ: تُجْرَى بهم. ومَن قرَأ: (بِسْمِ اللَّهِ مُجْراها). كان الصوابُ على قراءتِه أن يقرأَ: (وهي تُجْرَى بهم). وفي إجماعِهم على قراءةِ: (تَجْرِي). بفتحِ التاءِ دليلٌ واضحٌ على أن الوجهَ في ﴿مَجْرَاهَا﴾ فتحُ الميمِ. وإنما اخْترنا الضمَّ في ﴿مُرْسَاهَا﴾ لإجماعِ الحجةِ مِن القَرَأةِ على ضمِّها، ومعنى قولِه: ﴿مَجْرَاهَا﴾، مسيرُها. ﴿وَمُرْسَاهَا﴾: وَقْفُها، من: وقَفها اللَّهُ وأَرْساها.\nوكان مجاهدٌ يقرأُ ذلك بضمِّ الميمِ في الحرفين جميعًا.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ. قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: (بسم اللَّهِ مُجْراها ومُرْساها) قال: حينَ يَركَبون ويُجْرُون ويُرْسُون (^٤).\n_________\n(^١) وهي قراءة شاذة، وقد قرأ بها ابن مسعود وعيسى الثقفي وزيد بن علي والأعمش. ينظر البحر المحيط ٥/ ٢٢٥.\n(^٢) في شرح ديوانه ص ٨٩، واللسان (ص ب ر).\n(^٣) في الديوان واللسان: \"عارفة لذلك\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٨٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٣٣.","vol":"12","page":415},{"text":"[حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: بِسمِ اللَّهِ حينَ يَرْكَبون ويُجْرون ويُرْسُون] (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن وَرقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: (بسم اللَّهِ مُجْراها ومُرْساها) قال: بسمِ اللَّهِ حِينَ يُجْرُون وحينَ يُرْسُون.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: (ارْكَبُوا فيها بسمِ اللَّهِ مُجْراها ومُرْساها). قال: إذا أراد أن تُرْسِيَ قال: باسمِ اللَّهِ. فأرسَت. وإذا أرادَ أن تَجريَ قال: باسمِ اللَّهِ. فجَرت (^٢).\nوقولُه: ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: إن ربي لساتِرٌ ذنوبَ مَن تَابَ وأَنابَ إليه، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم أن يعذِّبَهم بعدَ التوبةِ.\n\n<span id=\"aya-1515\"></span><span data-type='title' id=toc-4295>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾: والفلكُ تَجْري بنوحٍ ومَن معه فيها، ﴿فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ يامٌ ﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ عنه، لم يَرْكبْ معه الفلكَ: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ الفلكَ، ﴿وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1516\"></span><span data-type='title' id=toc-4296>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ</span>\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٣٣ من طريق جابر بن نوح به بنحوه، وفيه تقديم وتأخير. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٣ إلى المصنف.","vol":"12","page":416},{"text":"مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال ابنُ نوحٍ لما دَعاه نوحٌ إلى أن يَركبَ معه السفينةَ، خوفًا عليه مِن الغَرَقِ: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾. يقولُ: سأصيرُ إلى جبلٍ أتحصَّنُ به مِن الماءِ، فيَمْنَعُني منه أن يُغْرِقَني. ويعني بقولِه: ﴿يَعْصِمُنِي﴾: يمنعُني، مثلَ عِصامِ القربةِ الذي يُشَدُّ به رأسُها، فيمنعُ الماءَ أن يسيلَ منها.\nوقولُه: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾. يقولُ: لا مانعَ اليومَ مِن أمرِ اللَّهِ الذي قد نزَل بالخلقِ مِن الغرقِ والهلاكِ إِلا مَن رَحِمَنا، فأنْقَذَنا منه، فإنه الذي يمنعُ مَن شاء مِن خلقِه ويعصِمُ.\nفـ \"مَنْ\" في موضعِ رفعٍ؛ لأن معنى الكلامِ: لا عاصم يَعصِمُ اليومَ مِن أمرِ اللَّهِ إلا اللَّهُ.\nوقد اختلف أهلُ العربيةِ في موضعِ \"مَن\" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ (^١): هو في موضعِ نصبٍ؛ لأن المعصومَ بخلافِ العاصمِ، والمرحومَ معصومٌ. قال: كأن (^٢) نصْبَه بمنزلةِ قولِه: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]. قال: ومَن استجازَ \"اتِّباعُ الظَّنِّ\"، والرفعَ في قولِه (^٣):\nوبَلْدةٍ ليس بها أَنِيسُ … إلا اليَعافِيرُ وإلا العِيسُ\nلم يجزْ له الرفعُ في \"مَنْ\"؛ لأن الذي قال: إلا اليعافيرُ. جعلَ أنيسَ البرِّ اليعافيرَ وما أشْبَهَها. وكذلك قولُه: \"إِلَّا اتِّبَاعُ الظَّنِّ\" يقولُ: علمُهم ظَنٌّ. قال:\n_________\n(^١) هو الفراء. ينظر معاني القرآن ٢/ ١٥.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) البيت لجران العود النميري، وقد تقدم في ٧/ ٤٨٣.","vol":"12","page":417},{"text":"وأنت لا يجوزُ لك في وجهٍ أن تقولَ: المعصومُ هو عاصمٌ في حالٍ. ولكن لو جعَلْتَ العاصمَ في تأويلِ معصومٍ؛ [كأنَّك قلتَ] (^١): لا معصومَ اليومَ مِن أَمرِ اللَّهِ. لجازَ رفعُ \"مَنْ\". قال: ولا يُنْكَرُ أن يَخْرُجَ المفعولُ على فاعلٍ، ألا تَرى قولَه: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]. معناه - واللَّهُ أعلمُ - مدفوقٌ. وقولُه: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]، معناها: مَرْضيَّةٌ. قال الشاعرُ (^٢):\nدَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها … واقْعُدْ فإنك أنتَ الطَّاعِمُ الكاسِي\nومعناه: المكسوُّ.\nوقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾، على: لكنْ مَن رَحِم. ويجوزُ أن يكونَ على: لا ذا عِصْمةٍ. أي: معصومٌ. ويكونُ ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ رفعًا، بدلًا من العاصمِ.\nولا وجهَ لهذه الأقوالِ التي حَكَيناها عن هؤلاء؛ لأن كلامَ اللَّهِ تعالى ذكرُه إنما يُوَجَّهُ إلى الأفصحِ الأشهرِ مِن كلامٍ مَن نزَل بلسانِه، ما وُجِدَ إلى ذلك سبيلٌ. ولم يضطرَّنا شيءٌ إلى أن نجعلَ عاصمًا في معنى معصومٍ، ولا أن نجعلَ \"إلا\" بمعنى \"لكن\"، إذ كنا نجدُ لذلك في معناه - الذي هو معناه في المشهورِ مِن كلامِ العربِ - مَخْرجًا صحيحًا، وهو (^٣) ما قلنا مِن أن معنى ذلك: قال نوحٌ: لا عاصمَ اليومَ مِن أمرِ اللَّهِ إلا مَن رَحِمَنا، فأنْجانا مِن عذابِه. كما يقالُ: لا مُنْجِيَ اليومَ مِن عذابِ اللَّهِ إلا اللَّهُ، ولا مُطْعِمَ اليومَ مِن طعامِ زيدٍ إلا زيدٌ. فهذا هو الكلامُ المعروفُ، والمعنى المفهومُ.\n_________\n(^١) سقط من: النسخ. والمثبت من معاني القرآن يقتضيه السياق.\n(^٢) هو الحطيئة، والبيت في ديوانه ص ٢٨٤.\n(^٣) بعده في ت ١، س: \"من\".","vol":"12","page":418},{"text":"وقولُه: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾. يقولُ: وحالَ بينَ نوحٍ وابنِه موجُ الماءِ، فغَرِقَ، فكان ممن أهْلَكَه اللَّهُ بالغرقِ مِن قومِ نوحٍ ﷺ.\n\n<span id=\"aya-1517\"></span><span data-type='title' id=toc-4297>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال اللَّهُ للأرضِ [بعدَ ما] (^١) تَناهى أمرُه في هلاكِ قومِ نوحٍ، بما أهْلَكَهم به مِن الغرقِ: ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾، أي: تَشَرَّبي. مِن قولِ القائلِ: بَلِع فلانٌ كذا يَبْلَعُه، و(^٢) بَلَعَه يَبْلَعُه. إذا ازْدَرَدَه (^٣). ﴿وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾، يقولُ: أقْلِعي عن (^٤) المطرِ، أمْسِكي، ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾، ذهَبت به الأرضُ ونَشِفَته، ﴿وَقُضِيَ الْأَمْر﴾. يقولُ: قُضِي أمرُ اللَّهِ، فَمَضَى بهلاكِ قومِ نوحٍ، ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، يعني الفُلْكَ اسْتَوت، أرْسَت (^٥) على الجودِيِّ، وهو جبلٌ، فيما ذُكِرَ، بناحيةِ المَوصِلِ أو الجزيرةِ، ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، يقولُ: قال اللَّهُ: أبْعَدَ اللَّهُ القومَ الظالمين، الذين كفَروا باللَّهِ مِن قومِ نوحٍ.\nحدَّثنا عبادُ بنُ يعقوبَ الأسديُّ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن عثمانَ بنِ مَطرٍ، عن عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ الغفورِ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"في أولِ يومٍ مِن رجبٍ رَكِبَ نوحٌ السفينةَ، فصامَ هو وجميعُ مَن معه، وجَرَتْ السفينةُ ستةَ أشهرٍ، فانْتَهَى ذلك إلى المُحَرَّمِ، فأرْسَتِ السفينةُ على الجُودِيِّ يومَ عاشوراءَ، فصامَ\n_________\n(^١) في ت ١: \"بعد\"، وفي ت ٢: \"لما\".\n(^٢) في م: \"أو\".\n(^٣) ازدرده: ابتلعه. اللسان (ز ر د).\n(^٤) سقط من: ص، ت ٢، س، ف.\n(^٥) في ت ١، س، ف: \"أرسيت\".","vol":"12","page":419},{"text":"نوحٌ، وأمَرَ جميعَ مَن معه مِن الوحشِ والدوابِّ، فَصَامُوا شكرًا للَّهِ\" (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: كانت السفينةُ أعْلاها للطيرِ، ووَسَطُها للناسِ، وفي أسفلِها السباعُ، وكان طولُها في السماءِ ثلاثين ذراعًا، ودُفِعَت مِن عينِ وَرْدةَ (^٢) يومَ الجُمعةِ لعشرِ ليالٍ مَضَين مِن رجبٍ، وأَرْسَت على الجوديِّ يومَ عاشوراءَ، ومَرَّت بالبيتِ، فَطافَت به سبعًا، وقد رفَعه اللَّهُ مِن الغرقِ، ثم جاءت اليمنَ، ثم رجَعت (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن قتادةَ، قال: هبَط نوحٌ مِن السفينةِ يومَ العاشرِ مِن المحرَّمِ، فقال لمَن معه: مَن كان منكم اليومَ صائمًا فليُتِمَّ صومَه، ومَن كان مفطرًا فليَصُمْ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي مَعْشرٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ قال: ما (^٤) كان (^٥) زمنَ نوحٍ شبرٌ مِن الأرضِ، إلا (^٦) إنسانٌ يَدَّعِيه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٨٩، ١٩٠ بهذا الإسناد. وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٥١/ ٢٣٨ من طريق عبد الغفور بن عبد العزيز به. وهو حديث موضوع ذكره السيوطي في اللآلئ المصنوعة ٢/ ١١٦، ١١٧. وعبد العزيز بن عبد الغفور هكذا، قال عنه الحافظ في الإصابة ٥/ ٢٥٠: وهذا مقلوب. وتقدم في ١٠/ ٢٤٧ واسمه هناك عبد الغفار بن عبد العزيز.\n(^٢) عين وردة: هي مدينة رأس عين وهي مدينة كبيرة مشهورة من مدن الجزيرة بين حران ونصيبين ودنيسر. ينظر معجم البلدان ٢/ ٧٣١، ٣/ ٧٦٤.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٩٠.\n(^٤) سقط من: النسخ، والمثبت من التاريخ.\n(^٥) بعده في م: \"في\".\n(^٦) في النسخ: \"لا\". والمثبت من التاريخ.","vol":"12","page":420},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِرَ لنا أنها - يعني الفُلكَ - استقلَّت بهم في عشرٍ خَلَون من رجبٍ، وكانت في الماءِ خمسين ومائةَ يومٍ، واسْتقرَّت على الجوديِّ شهرًا، وأُهبِطَ بهم في عشرٍ مِن المحرمِ يومَ عاشوراءَ (^١).\nوبنحوِ ما قُلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ قال: نَقَصَ. ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ قال: هلاكُ قومِ نوحٍ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال: قال ابنُ جريجٍ: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ نَشِفَتْه الأرضُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ يقولُ: أمْسِكي. ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ يقولُ: ذَهَب\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٩٠.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٨٧، ٣٨٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٣٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٥ إلى أبي الشيخ.","vol":"12","page":421},{"text":"الماءُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ الغُيوضُ ذهابُ الماءِ. ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾. قال: جبلٌ بالجزيرةِ، تشامَخت الجبالُ مِن الغرقِ، وتواضَعَ هو للهِ؛ فلم يغرَقْ، [وأُرسِيت] (^٣) عليه (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾. قال: الجوديُّ جبلٌ بالجزيرةِ (^٥)، تَشامَخَت الجبالُ يومئذٍ من الغرقِ وتطاوَلت، وتَواضَعَ هو للهِ؛ فلم يَغرَقْ، [وأَرسَت] (^٦) سفينةُ نوحٍ عليه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾. يقولُ: على الجبلِ، واسمُه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٣٦ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٥ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٣٦ معلقا.\n(^٣) في م، ت ١، س، ف: \"فأرسيت\"، وفي ت ٢: \"فأرسلت\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٨٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٣٧ من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٥ إلى أبي الشيخ.\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، س: \"وأرسيت\"، وفي ف: \"فأرسيت\".","vol":"12","page":422},{"text":"الجُوديُّ (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾. قال: جبلٌ بالجزيرةِ، شَمَخت الجبالُ، وتواضَع حينَ أرادتْ أن ترفأَ عليه سفينةُ نوحٍ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾: أبقاها اللهُ لنا بوادي أرضِ الجزيرةِ عِبرةً وآيةً (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾: هو جبلٌ بالمَوصلِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكرَ لنا أن نوحًا بعثَ الغرابَ لينظرَ إلى الماءِ، فوجدَ جِيفةً فوقعَ عليها، فبعَث الحمامةَ فأتَته بورقِ الزيتونِ، فأُعطِيَتِ الطوقَ الذي في عنُقِها، وخضابَ رِجليها (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لما أرادَ اللهُ أن يَكُفَّ ذلك - يعني الطوفانَ - أرسلَ ريحًا على وجهِ الأرضِ، فسكَن الماءُ، واستدَّت (^٥) ينابيعُ الأرضِ الغمرَ الأكبرَ، وأبوابُ السماءِ. يقولُ اللَّهُ تعالى (^٦): ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ\n_________\n(^١) أخرج نحوه ابن سعد في طبقاته ١/ ٤٠ من طريق آخر عن ابن عباس مطولًا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٣٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٥ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٣٧ من طريق آخر عن الضحاك به.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٤ إلى أبي الشيخ.\n(^٥) في ت ٢، س: \"اشتدت\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"لمحمد\".","vol":"12","page":423},{"text":"ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾، إلى ﴿بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، فَجَعَل الماءُ (^١) ينقُصُ ويغيضُ ويُدبِرُ. وكان استواءُ الفلكِ على الجوديِّ - فيما يزعُمُ أهلُ التوراةِ - في الشهرِ السابعِ لسبعَ عشْرَةَ ليلةً مضَت منه، في أوّلِ يومٍ من الشهرِ العاشرِ رُئِي رءوسُ الجبالِ، فلما مَضَى بعد ذلك أربعون يومًا (^٢)، فتَح نوحٌ كُوَّةَ الفلكِ التي صنَع فيها، ثم أرسلَ الغرابَ لينظرَ له ما فعلَ الماءُ، فلم يرجِعْ إليه، فأرسلَ الحمامةَ فرجَعت إليه، ولم يَجدْ لرجلَيها موضعًا، فبسط يدَه للحمامةِ فأخَذها، ثم مكَث سبعةَ أيامٍ، ثم أرسَلها لتنظُرَ له، فرجَعت حينَ أمست وفي فِيها ورقُ زيتونةٍ، فعَلِم نوحٌ أن الماءَ قد قلَّ عن (^٣) وجهِ الأرضِ، ثم مكَث سبعةَ أيامٍ، ثم أرسَلها فلم ترجِعْ، فعَلِمَ نوحٌ أن الأرضَ قد برَزتْ، فلما كمَلت السنةُ فيما بينَ أن أرسَل اللهُ الطوفانَ إلى أن أرسلَ نوحٌ الحمامةَ، ودخَل يومٌ واحدٌ من الشهرِ الأوَّلِ مِن سنةِ اثنتين - برَز وَجهُ الأرضِ، وظهَر اليَبَسُ، وكشَف نوحٌ غِطاءَ الفلكِ، ورأى وجهَ الأرضِ، وفي الشهرِ الثاني مِن سنةِ اثنتَين في سبعٍ وعشرين ليلةً منه، قيل لنوحٍ: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. حُدِّثتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيد بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ: يزعُمُ ناسٌ أن مَن غَرِقَ مِن الولدان مع آبائهم، وليس كذلك، إنما الولدان بمنزلة الطير وسائر من أغرَقَ الله بغير ذنب، ولكن\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ت ١: \"ليله\".\n(^٣) في ت ٢: \"على\".","vol":"12","page":424},{"text":"حضَرتْ آجالُهم فماتوا لآجالِهم، والمُدرِكون (^١) مِن الرجالِ والنساءِ كان الغَرَقُ عقوبةً مِن اللهِ لهم في الدنيا، ثم مصيرُهم إلى النارِ.\n\n<span id=\"aya-1518\"></span><span data-type='title' id=toc-4298>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ونادى نوحٌ ربَّه، فقال: ربِّ إنك وَعَدتَّني أن تُنَجِّيَني مِن الغرقِ والهلاكِ وأهلي، وقد هلَك ابنِي، وابنِي من أهلي، ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ الذي لا خُلفَ له، ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ بالحقِّ، فاحكم لي بأن تَفيَ لي (^٢) بما وعدتَّني، من أن تُنَجِّي لي أهلي، وتُرجِعَ إليَّ ابني.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾. قال: أحكمُ الحاكمين بالحقِّ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1519\"></span><span data-type='title' id=toc-4299>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ: يا نوحُ، إن الذي غرَّقتُه فأهلكتُه، الذي تذكُرُ أنه مِن أهلِك، ليس مِن أهلِك.\nواختلف أهلُ التأويلِ في معنى قوله: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾، فقال بعضُهم: معناه: ليس مِن ولدِك، هو مِن غيرِك. وقالوا: كان ذلك مِن حِنثٍ (^٤).\n_________\n(^١) في ف: \"المذكورون\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٣٩ من طريق أصبغ عن ابن زيد به.\n(^٤) الحنث: الإثم، وأولاد الحنث: أولاد الزنى. تاج العروس (ح ن ث).","vol":"12","page":425},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. قال: لم يكن ابنَه (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾. قال: ابنَ امرأتِه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أصحابِه (^٣)، ابنُ أبي عَروبةَ فيهم، [عن] (^٤) الحسنِ، قال (^٥): واللهِ ما هو بابنِه (^٦).\nقال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾. قال: هذه بلغةِ طَيِّئٍ (^٧)، لم يكنِ ابنَه، كان ابنَ امرأتِه (٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عَوفٍ ومنصورٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. قال: لم يكن ابنَه. وكان يقرؤُها: (إنه عمِل غيرَ صالحٍ) (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٣٩ من طريق هشيم به. وفيه: \"أبيه\" بدل \"ابنه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٣٤ من طريق إسرائيل عن جابر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٤ إلى أبي الشيخ وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"أصحاب\".\n(^٤) سقط من النسخ. وما أثبتناه هو الصواب. فابن علية يروي عن ابن أبي عروبة، وهو يروي عن الحسن. ينظر تهذيب الكمال ١١/ ٥.\n(^٥) في ص، ت ١، س، ف: \"قالا\". وبعده في م: \"لا\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٣٤ من طريق قتادة عن الحسن بلفظ: ليس بابنه.\n(^٧) بعده في ت ٢: \"على من\".\n(^٨) وهي قراءة الكسائي وحده من السبعة، ينظر السبعة ص ٣٣٤، وتنظر الحاشية (١) من ص ٤٣٥.","vol":"12","page":426},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ قال: كنتُ عندَ الحسنِ، فقال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾: لعَمرُ اللهِ ما هو ابنَه. قال: قلتُ: يا أبا سعيدٍ، يقولُ اللَّهُ: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾، وتقولُ: ليس بابنِه؟! قال: أفرأيت قولَه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾؟ قال: قلتُ: إنه ليس مِن أهلِك الذين وعدتُك أن أُنَجِّيَهم معك، ولا يختلِفُ أهلُ الكتابِ أنه ابنُه. قال: إن أهلَ الكتابِ يَكذِبون (^١).\nحدَّثنا بشرٌ: قال: ثنا يزيدُ، قال ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقرأُ هذه الآيةَ: (إنه ليس من أهْلِكَ إنه عَمِلَ غيرَ صالحٍ). فقال عندَ ذلك: واللهِ ما كان ابنَه (^٢). ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]. قال سعيدٌ: فذكرتُ ذلك لقتادةَ، قال: ما كان يَنبغي له أن يَحلِفَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. قال: تَبَيَّنَ لنوحٍ أنه ليس بابنِه (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. قال: بيَّن اللهُ لنوحٍ أنه ليس بابنِه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٦.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س: \"بابنه\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٤٠ من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٦ إلى أبي الشيخ.","vol":"12","page":427},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال ابنُ جريجٍ في قولِه: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾. قال: ناداه وهو يحسَبُه أنه ابنُه، وكان وُلِدَ على فراشِه.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ثُويرٍ (^١)، عن أبي جعفرٍ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. قال: لو كان مِن أهلِه لنَجا.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، سَمِعَ (^٢) عُبيدَ بنَ عميرٍ يقولُ: نَرى أن ما قَضى رسولُ اللهِ ﷺ: \"الولدُ للفِراشِ\". [مِن أجلِ ابنِ نوحٍ] (^٣) (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن ابنِ عَونٍ، عن الحسنِ، قال: لا واللهِ ما هو بابنِه.\nوقال آخرون: معنى ذلك: ليس من أهلك الذين وعدتُك أن أُنجِّيَهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن أبي عامرٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾. قال:\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"ثور\". وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٥١٥، ٤/ ٤٢٩.\n(^٢) في م: \"وسمع\".\n(^٣) في التمهيد: \"نوح\".\n(^٤) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٨/ ١٩٤ من طريق سفيان بن عيينة به. وقال ابن حجر في الفتح ١٢/ ٣٩: وجاء من مرسل عبيد بن عمير وهو أحد كبار التابعين، أخرجه ابن عبد البر بسند صحيح إليه.","vol":"12","page":428},{"text":"هو ابنُه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن سفيانَ، قال: ثنا أبو عامرٍ، عن الضحاكِ، قال: قال ابنُ عباسٍ: هو ابنُه، ما بَغتِ (^١) امرأةُ نبيٍّ قطُّ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن أبي عامرٍ الهمدانيِّ، عن الضحاكِ بن مُزاحمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما بَغتِ امرأةُ نبيٍّ قطُّ، قال: وقولُه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾: الذين وعدتُك (^٢) أن أُنجِّيَهم معك (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ وغيرِه، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: هو ابنُه، غيرَ أنه خالَفه في العملِ والنيةِ. قال عكرمةُ في بعضِ الحروفِ: (إنه عَمِلَ عملًا غيرَ صالحٍ)، والخيانةُ تكونُ على غيرِ بابٍ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان عكرمةُ يقولُ: كان ابنَه، ولكن كان مخالفًا له في النيةِ والعملِ، فمِن ثُمَّ قيل له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾.\n_________\n(^١) في تفسير ابن أبي حاتم: \"بعث\".\n(^٢) في ف: \"وعدتهم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٣٤، ٢٠٣٩ عن الحسن بن يحيى به، وعبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣١٠، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه (١٧/ ٦٦٣ - مخطوط) عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٥ إلى الفريابي وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٤) قوله: \"على غير باب\". يريد أنها تكون من عدة وجوه، وليست خيانة الزنا فقط. والأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٧ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٣٤، ٢٠٣٩ عن الحسن بن يحيى عنه به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٣ إلى ابن المنذر وسعيد بن منصور.","vol":"12","page":429},{"text":"حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ وابنُ عُيينةَ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمانَ بنِ قَتَّةَ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يُسألُ - وهو إلى جنبِ الكعبةِ - عن قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]. قال: أمَا إنه لم يكنْ بالزِّنى، ولكن كانت هذه تخبرُ الناسَ أنه مجنونٌ، وكانت هذه تَدُلُّ على الأضيافِ، ثم قرَأ: (إِنَّه عَمِل غيرَ صالحٍ) (^١).\nقال ابنُ عُيينةَ: وأخبَرني عَمَّارٌ الدُّهْنِيُّ أنه سأَل سعيدَ بنَ جبيرٍ عن ذلك، فقال: كان ابنَ نوحٍ، إن اللهَ لا يَكذِبُ، قال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ (^٢). قال: وقال بعضُ العلماءِ: ما فجَرتِ امرأةُ نبيٍّ قطُّ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ. قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن عَمَّارٍ الدُّهْنيِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قال اللهُ وهو الصادقُ - وهو ابنُه: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سعيدٍ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ شدادٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما بَغَتِ امرأةُ نبيٍّ قطُّ\nحدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: سألتُ أبا بشرٍ عن قولِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. قال: ليس مِن أهلِ دينِك، وليس ممن وعدتُك أن أُنجِّيَهم (^٣).\nقال يعقوبُ: قال: هشيمٌ: كان عامةُ ما كان يحدِّثُنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ\n_________\n(^١) تفسير الثوري ص ١٣٠، تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٠، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٩٢ - تفسير) مختصرًا، والآجري في تحريم اللواط (١١)، والحاكم ٢/ ٤٩٦ من طرق عن الثوري به.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٣٤ معلقا.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أنجيه منهم\"، وفي سعيد بن منصور: \"أنجيه معك\". والأثر أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٩٠ - تفسير) عن هشيم به.","vol":"12","page":430},{"text":"جبيرٍ.\n[حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، عن يعقوبَ بنِ قيسٍ، قال: أتَى سعيدَ بنَ جبيرٍ] (^١) رجلٌ فقال: يا أبا عبدِ اللهِ، الذي ذكَر اللهُ في كتابِه، ابنُ نوحٍ، ابنُه هو؟ قال: نعم واللهِ، إن نبيَّ اللَّهِ أمَره أن يَركبَ معه في السفينة فعصَى، فقال: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾. قال: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾؛ لمعصيةِ (^٢) نبيِّ اللهِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، عن أبي معاويةَ البَجَليِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه جاء إليه رجلٌ فسأَله، فقال: أرأيتَك ابنَ نوحٍ، ابنُه؟ فسبَّحَ طويلًا، ثم قال: لا إله إلا اللهُ، [يحدِّثُ اللهُ محمدًا] (^٤): ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾، وتقولُ: ليس منه! ولكن خالَفه في العملِ، فليس منه مَن لم يؤمِنْ.\nحدَّثني يعقوبُ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أبي هارونَ الغَنَويِّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾. قال: أشهدُ أنه ابنُه، قال اللهُ: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ، قالا: هو ابنُه.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في ص، ت ١، س، ف: \"لمعصيته\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٣٩ من طريق يعقوب بن قيس به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٦ إلى سعيد بن جبير دون القصة.\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٣٤ معلقا.","vol":"12","page":431},{"text":"حدَّثني فضَالةُ بنُ الفضلِ (^١) الكوفيُّ، قال: قال بَزِيعٌ: سأل رجلٌ الضحاكَ عن ابنِ نوحٍ، فقال: ألَا تَعجَبون إلى هذا الأحمقِ، يسألُني عن ابنِ نوحٍ، وهو ابنُ نوحٍ، كما قال اللهُ: قال نوحٌ لابنِه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ أنه قرأ: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾، وقولَه: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. قال: يقولُ (^٢): ليس هو مِن أهل ولايتِك، ولا ممن وعدتُك أن أنجِّيَ مِن أهلِك، ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. قال: يقولُ: كان عملُه في شركٍ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: هو والله ابنُه لصُلبِه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. قال: ليس مِن أهلِ دينِك، ولا ممن وعدتُك أن أنجِّيَه. وكان ابنَه لصُلبِه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. يقولُ: ليس ممن وَعَدناه النجاةَ.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. يقولُ: ليس مِن أهلِ ولايتِك، ولا ممن وَعَدتُك أن أُنجِّيَ مِن أهلِك، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ\n_________\n(^١) في س: \"الفضيل\".\n(^٢) بعده في م: \"ليس هو من أهلك، قال: يقول\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٣٩ من طريق آخر عن الضحاك بنحوه.","vol":"12","page":432},{"text":"صَالِحٍ﴾ (^١): كان عملُه في شركٍ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ حيَّانَ، عن جعفرِ بنِ بُرقانَ، عن ميمونٍ وثابتِ بنِ الحجاجِ، قالا: هو ابنُه، وُلِدَ على فراشِه.\nوأولى القولين في ذلك بالصوابِ، قولُ مَن قال: تأويلُ ذلك: إنه ليس مِن أهلِك الذين وعدتُك أن أُنجِّيَهم، لأنه كان لدينِك مُخالفًا وبي كافرًا، وكان ابنَه لأن اللهَ تعالى ذكرُه قد أخبَر نبيَّه محمدًا ﷺ أنه ابنُه، فقال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾. وغيرُ جائزٍ أن يخبرَ أنه ابنُه، فيكونَ بخلافِ ما أخبَر. وليس في قولِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ دَلالةٌ على أنه ليس بابنِه، إذ كان قولُه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ محتملًا مِن المعنى ما ذكَرنا، ومحتملًا أنه ليس من أهل دينِك، ثم يحذفُ الدينُ، فيقالُ: إنه ليس مِن أهلِك، كما قيل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢].\nوأما قولُه: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. فإن القرأةَ اختلفت في قراءتِه؛ فقرأته عامةُ قرَأةِ الأمصارِ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ بتنوينِ ﴿عَمَلٌ﴾، ورفعِ ﴿غَيْرُ﴾ (^٣)؛ واختلَف الذين قَرءوا ذلك كذلك في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: إن مسألتَك إياي هذه عملٌ غيرُ صالحٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. قال: إن مسألتَك إياي هذه، عملٌ غيرُ صالحٍ.\n_________\n(^١) بعده في م: \"يقول\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٦ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) هذه قراءة السبعة غير الكسائي.","vol":"12","page":433},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ أي: سوءٌ، ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. يقولُ: سؤالُك عما ليس لك به علمٌ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن حمزةَ الزياتِ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. قال: سؤالُك إياي عملٌ غيرُ صالحٍ، ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.\nوقال آخرون: بل معناه: إن الذي ذكرتَ أنه ابنُك، فسألتَني أن أُنَجِّيَه، عملٌ غيرُ صالحٍ؛ أي: إنه لغيرِ رِشدةٍ. وقالوا: الهاءُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ﴾ عائدةٌ على الابنِ (^٣).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن الحسنِ أنه قرأ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. قال: ما هو واللهِ بابنِه (^٤).\nورُوِي عن (^٥) جماعةٍ مِن السلفِ أنهم قَرَءوا ذلك: (إنَّهُ عَمِلَ غيرَ صالحٍ)، على وجهِ الخبرِ عن الفعلِ الماضي، و(غيرَ) منصوبةٌ (^٦). وممن رُوِي عنه أنه قرَأَ ذلك\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٠ عن معمر به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٩٣ - تفسير) من طريق آخر عن قتادة.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٦ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الأثر\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ٤٢٦، ٤٢٨.\n(^٥) بعده في ف: \"حماد عن\".\n(^٦) هي قراءة الكسائي. ينظر السبعة ص ٣٣٤.","vol":"12","page":434},{"text":"كذلك ابنُ عباسٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمانَ بنِ قتَّةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قرَأ: (عمِلَ غيرَ صالحٍ).\nووجَّهوا تأويلَ ذلك إلى ما حدَّثنا به ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عُندَرٌ، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: (إِنَّه عَمِلَ غيرَ صالحٍ). قال: كان مخالفًا له في النيةِ والعملِ (^٢).\nولا نعلمُ هذه القراءةَ قرَأ بها أحدٌ مِن قرَأةِ الأمصارِ إلا بعضَ المتأخرين، واعتَلَّ في ذلك بخبرٍ رُوِي عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قرَأ ذلك كذلك - غيرِ صحيحِ السندِ، وذلك حديثٌ رُوِيَ عن شهرِ بنِ حوشَبٍ؛ فمرةً يقولُ: عن أمِّ سلمةَ. ومرةً يقولُ: عن أسماءَ بنتِ يزيدَ. ولا نعلمُ [أيَّةَ يُريدُ] (^٣)، ولا نعلمُ لشَهرٍ سماعًا يَصحُّ عن أمِّ سلَمَةَ (^٤).\n_________\n(^١) البحر المحيط ٥/ ٢٢٩، وهي قراءة علي وأنس وعائشة. وهي في مصحف ابن مسعود، وقرأ بها أيضًا يعقوب. ينظر النشر ٢/ ٢١٧.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٩٤ - تفسير) من طريق ابن أبي عروبة به. وينظر ما تقدم ص ٤٢٩.\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"ابنة يزيد\"، وفي م: \"لبنت يزيد\"، وفي س: \"ابنت يريد\".\n(^٤) هذه قراءة سبعية، قرأ بها الكسائي ورويت عن ابن عباس وعائشة، وهي قراءة علي وأنس، وقرأ بها يعقوب الحضرمي. وأما الخبر الذي روي عن أم المؤمنين أم سلمة؛ فقد أخرجه الطيالسي (١٦٩٩) وأحمد (٦/ ٢٩٤، ٣٠٩ - الميمنية)، وأبو داود (٣٩٨٣)، والترمذي (٢٩٣١، ٢٩٣٢)، من طرق عن شهر عن أم سلمة. وأخرجه الطيالسي أيضًا (١٧٣٦)، وأحمد (٦/ ٤٥٤، ٤٥٩، ٤٦٠ - الميمنية)، وأبو داود (٣٩٨٢) من طرق عن حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر عن أسماء بنت يزيد الأنصارية. وشهر يروي أحاديث يتفرد بها لم يشركه فيها أحد. ينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٥٨٦، والتعليق على مسند الطيالسي ٣/ ١٧٣، ٢٠٠.","vol":"12","page":435},{"text":"والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا (^١) ما عليه قرَأةُ الأمصارِ؛ وذلك رفعُ ﴿عَمَلٌ﴾ بالتنوينِ، ورفعُ ﴿غَيْرُ﴾، بمعنى: إن سؤالَك إيَّاي ما تَسألنيه في ابنِك - المُخالفِ دينَك، المُوالي أهلَ الشركِ بي؛ مِن النجاةِ مِن الهلاكِ، وقد مَضَتْ إجابتي إياك في دعائِك: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، ما قد مضَى، مِن غيرِ استثناءِ أحدٍ منهم - عملٌ غيرُ صالحٍ؛ لأنه مسألةٌ منك إليَّ أن لا أفعلَ ما قد تقدَّمَ مني القولُ بأني أفعله في إجابتي مسألتَك إياي فِعْلَه. فذلك هو العملُ غيرُ الصالحِ.\nوقولُه: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. نهيٌ من اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه نوحًا أن يسألَه عن أسبابِ أفعالِه التي قد طَوَى علمَها عنه وعن غيرِه مِن البشرِ. يقولُ له تعالى ذكرُه: إني يا نوحُ قد أخبرتُك عن سؤالِك سببَ إهلاكي ابنَك الذي أهلكتُه، فلا تَسألنِ بعدَها عما (^٢) قد طوَيتُ علمَه عنك مِن أسبابِ أفعالي، وليس لك به علمٌ: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [في مسألتِك إياي عن ذلك.\nوكان ابنُ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾] (^٣) ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: أن تبلُغَ الجهالةُ بك أن لا أَفِيَ لك بوعدٍ وعدتُك، حتى تسألَني ما ليس لك به علمٌ، ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^٤).\nواختلفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.\nفقرأ ذلك عامةُ قرَأَةِ الأمصارِ: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ بكسرِ النونِ\n_________\n(^١) القراءتان المتقدمتان كلتاهما صواب.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"عمل\".\n(^٣) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٦ إلى أبي الشيخ.","vol":"12","page":436},{"text":"وتخفيفِها (^١)، ونَحَوْا بكسرِها إلى الدَّلالةِ على الياءِ التي هي كنايةُ اسمِ اللهِ: فلا تسألْني (^٢).\nوقرَأ ذلك بعضُ المكيِّين، وبعضُ أهلِ الشامِ: (فلا تسألَنَّ) بتشديدِ النونِ وفتحِها (^٣)، بمعنى: فلا تَسألنَّ يا نوحُ ما ليس لك به علمٌ.\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا، تخفيفُ النونِ وكسرُها؛ لأن ذلك هو الفصيحُ مِن كلامِ العربِ، المستعملُ بينَهم (^٤).\n\n<span id=\"aya-1520\"></span><span data-type='title' id=toc-4300>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا نبيَّه محمدًا ﷺ عن إنابةِ نوحٍ، ﵇، [إليه بالتوبةِ] (^٥) مِن زَلَّتِه، في مسألتِه التي سألها ربَّه في ابنِه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ﴾. أي أستجيرُ بك أن أتكلَّفَ مسألتَك ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾، مما قد استأثرتَ بعلمِه، وطويتَ علمَه عن خلقِك، فاغفِرْ لي زلَّتي في مسألتي إياك ما سألتُك في ابني، وإن أنت لم تغفِرْها لي وتَرحمْني فتُنقِذْني مِن غضبِك ﴿أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. يقولُ: مِن الذين غَبَنوا أنفسَهم حظوظَها وهَلَكوا.\n\n<span id=\"aya-1521\"></span><span data-type='title' id=toc-4301>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ﴾ مِن الفلكِ إلى الأرضِ، ﴿بِسَلَامٍ\n_________\n(^١) هي قراءة أبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة ص ٣٣٥.\n(^٢) في ص، م، ت ١، س، ف: \"تسألن\".\n(^٣) هي قراءة ابن كثير وقرأ نافع وابن عامر بفتح اللام وكسر النون والتشديد. السبعة ص ٣٣٥.\n(^٤) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٥) في م: \"بالتوبة إليه\".","vol":"12","page":437},{"text":"مِنَّا﴾. يقولُ: بأمنٍ مِنَّا أنت ومَن معك مِن إهْلاكِنا، ﴿وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾. يقولُ: [وبركاتٍ] (^١) عليك، ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾. يقولُ: وعلى قرونٍ تجيءُ مِن ذريةِ مَن معك مِن ولدِك. فهؤلاء المؤمنون مِن ذريَّةِ نوحٍ الذين سَبَقَت لهم مِن اللَّهِ السعادةُ، وبارَكَ عليهم قبلَ أن يَخلُقَهم في بطونِ أمهاتِهم وأصْلابِ آبائِهم. ثم أخبَر تعالى ذكرُه نوحًا عما هو فاعلٌ بأهلِ الشَّقاءِ مِن ذُرِّيتِه، فقال له: ﴿وَأُمَمٌ﴾. يقولُ: وقرونٌ وجماعةٌ، ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في الحياةِ الدنيا، يقولُ: نرزقُهم فيها ما يَتَمتَّعون به، إلى أن يَبْلُغوا آجالَهم، ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: ثم نُذِيقُهم إذا وَرَدوا علينا عذابًا مؤلمًا مُوجِعًا.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بنِ عُبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: دخَل في ذلك السلامِ كلُّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ إلى يومِ القيامةِ، ودخَل في ذلك العذابِ والمتاعِ كلُّ كافرٍ وكافرةٍ إلى يومِ القيامةِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو داودَ الحَفَرِيُّ، عن سفيانَ، عن موسى بنِ عبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾. قال: دخَل في السلامِ (^٣) كلُّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ، وفي\n_________\n(^١) كذا في النسخ، ولعل الصواب: \"وببركات\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٤٢ من طريق وكيع به، وأخرجه أيضًا ٦/ ٢٠٤١ من طريق موسى بن عبيدة بنحو شطره الأول، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٧ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الإسلام\".","vol":"12","page":438},{"text":"الشركِ كلُّ كافرٍ وكافرةٍ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ قراءةً عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾. يعني: ممن لم يُولَدْ: قد قَضَى (^٢) البركاتِ لمَن سبَق له في علمِ اللَّهِ وقضائِه [السعادةُ، ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾: مَن سبَق له في علمِ اللَّهِ وقضائِه] (^٣) الشقاوةُ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ بنحوِه، إلا أنه قال: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾: متاعَ الحياةِ الدنيا، ممن قد سبَق له في علمِ اللَّهِ وقضائِه الشقاوةُ (^٤). قال: ولم يَهْلِكِ الولدانُ (^٥) يومَ غَرِقَ قومُ نوحٍ بذنبِ آبائِهم، كالطيرِ والسباعِ، ولكن جاء أجلُهم مع الغَرَقِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾. قال: هَبَطوا واللَّهُ عنهم راضٍ، هَبَطوا بسلامٍ مِن اللَّهِ، كانوا أهلَ رحمةٍ (^٦) مِن أهلِ ذلك الدهرِ، ثم أخرَجَ منهم نَسْلًا بعد ذلك أُممًا، منهم من رحِمَ، ومنهم من من عَذَّبَ. وقرَأ: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾. وقال (^٧): إنما افْتَرَقَت الأممُ مِن تلك (^٨)\n_________\n(^١) تفسير الثوري ص ١٣٠، ١٣١.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"مضى\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الشقوة\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الولد\".\n(^٦) في تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور: \"رحمته\".\n(^٧) في النسخ: \"وذلك\"، والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٨) في ص، ت ٢، س، ف: \"ذلك\".","vol":"12","page":439},{"text":"العصابةِ التي خَرَجَت مِن ذلك الماءِ وسَلِمَت (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ الآية. يقولُ: بركاتٍ عليك وعلى أممٍ ممّن معك لم يُولَدوا، أوجب اللَّهُ لهم البركاتِ؛ لما سبَق لهم في علمِ اللَّهِ مِن السعادةِ، ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾. يعنِي: متاعَ الحياةِ الدنيا، ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ لِما سبَق لهم في علمِ اللَّهِ مِن الشقاوةِ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بن المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن حميدٍ، عن الحسنِ، أنه كان إذا قرأ سورةَ \"هودٍ\" فأتَى على: ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾، حتى (^٣) خَتَمَ الآيةَ، قال الحسنُ: فأنْجَى اللَّهُ نوحًا والذين آمَنوا (^٤)، وهَلَكَ المُتَمتِّعون. حتى ذَكَرَ الأنبياءَ، كلُّ ذلك يقولُ: أنْجاه اللَّهُ، وهَلَكَ المُتَمتِّعون.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: بعدَ الرحمةِ (^٥).\nحدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرني أبي، قال: أخبرنا عبدُ اللَّهِ بنُ شَوْذَبٍ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٤١، ٢٠٤٢ من طريق آخر عن ابن زيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٦ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٤٢ من طريق أبي معاذ ببعضه، وأخرجه أيضًا ٦/ ٢٠٤١ من طريق آخر عن الضحاك بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٧ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) بعده في ف: \"معه\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٤٢ من طريق آخر عن ابن زيد به.","vol":"12","page":440},{"text":"قال: سمِعتُ داودَ بنَ أبي هندٍ يُحدِّثُ عن الحسنِ، أنه أتَى على هذه الآيةِ: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: فكان ذلك حينَ بعَث اللَّهُ عادًا، فأرسَل إليهم هودًا، فصَدَّقَه مُصَدِّقون، وكَذَّبَه مُكَذِّبون، حتى جاء أمرُ اللَّهِ، فلما جاء أمرُ اللَّهِ نجَّى اللَّهُ هودًا والذين آمنوا معه، وأهْلَك اللَّهُ المُتَمَتِّعين، ثم بعَث اللَّهُ ثَمودًا (^١)، فبعَث إليهم صالحًا، فصَدَّقَه مُصَدِّقون، وكَذَّبَه مكذِّبون، حتى جاء أمرُ اللَّهِ، فلما جاء أمرُ اللَّهِ نَجَّى اللَّهُ صالحًا والذين آمنوا معه، وأهْلَك اللَّهُ المُتمتِّعين، ثم اسْتقرَأ الأنبياءَ نبيًّا نبيًّا على نحوٍ مِن هذا (^٢).\n\n<span id=\"aya-1522\"></span><span data-type='title' id=toc-4302>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: هذه القصَّةُ التي أنبأْتُك بها مِن قصةِ نوحٍ وخبرِه وخبرِ قومِه ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾. يقولُ: هي مِن أخبارِ الغيبِ التي لم تَشْهَدْها فتعلَمَها، ﴿نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾. يقولُ: نُوحِيها إليك نحن فنُعَرِّفُكَها، ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ الوحيِ الذي نُوحِيه إليك، ﴿فَاصْبِرْ﴾ على القيامِ بأمرِ اللَّهِ وتبليغِ رسالتِه، وما تَلْقَى مِن مُشركي قومِك، كما صبَر نوحٌ، ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: إن الخيرَ مِن عواقبِ الأمورِ لمَن اتَّقَى اللَّهَ، فأدَّى فرائضَه، واجْتَنَب معاصيَه، فهم الفائزون بما يُؤمِّلون (^٣) مِن النعيمِ في الآخرةِ، والظَّفَرِ في الدنيا بالطَّلِبةِ، كما كانت عاقبةُ نوحٍ إذ صَبَرَ لأمرِ اللَّهِ، أن نَجَّاه (^٤) مِن\n_________\n(^١) في م: \"ثمود\"، وكلاهما صواب. ينظر التاج (ث م د).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٤١ من طريق داود بن أبي هند بنحوه.\n(^٣) في ت ٢، س: \"يأملون\".\n(^٤) في ت ١: \"أنجاه\".","vol":"12","page":441},{"text":"الهَلَكةِ مع مَن آمَن به، وأعْطاه في الآخرةِ ما أعْطاه مِن الكرامةِ، وغَرَّقَ (^١) المكذِّبين به فأهْلَكَهم جميعَهم (^٢).\nوبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾: القرآنِ، وما كان عَلِمَ محمدٌ ﷺ وقومُه ما صَنَعَ نوحٌ وقومُه، لولا ما بَيَّنَ اللَّهُ له (^٣) في كتابِه (^٤) (^٥).\n\n<span id=\"aya-1523\"></span><span data-type='title' id=toc-4303>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأرسَلْنا إلى قومِ عادٍ أخاهم هودًا، فقال لهم: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحدَه لا شريكَ له، دونَ ما تعبدون مِن دونِه مِن الآلهةِ والأوثانِ، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. يقولُ: ليس لكم معبودٌ يستحقُّ [عليكم العبادةَ] (^٦) غيرُه، فأخْلِصوا له العبادةَ، وأفْرِدوه بالألوهةِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"أغرق\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"جميعا\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أو هذا القرآن\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٤٣ من طريق سعيد وهو ابن بشير عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٧ إلى أبي الشيخ.\n(^٦) في م: \"العبادة عليكم\".","vol":"12","page":442},{"text":"يقولُ: ما أنتم في إشْراكِكم معه الآلهةَ والأوثانَ إلا أهلُ فِرْيةٍ مُكذِّبون (^١) تَخْتلقون الباطلَ؛ لأنه لا إلهَ سِواه.\n\n<span id=\"aya-1524\"></span><span data-type='title' id=toc-4304>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ هودٍ لقومِه: يا قومِ لا أسألُكم على ما أدْعوكم إليه مِن إخلاصِ العبادةِ للَّهِ وخلعِ الأوثانِ والبراءةِ منها - جزاءً وثوابًا، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾. يقولُ: إِن ثوابي وجزائي على نصيحتي لكم ودعائِكم إلى اللَّهِ إلَّا على الذي خلَقَني، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: أفلا تَعْقِلون أنِّي لو كنتُ أبْتَغي بدعايتِكم إلى اللَّهِ غيرَ النصيحةِ لكم، وطلبِ الحظِّ لكم في الدنيا والآخرةِ - لالتمستُ منكم على ذلك بعضَ أعراضِ الدنيا، وطلبتُ منكم الأجرَ والثوابَ؟\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾: أي خَلَقَني (^٢).\n\n<span id=\"aya-1525\"></span><span data-type='title' id=toc-4305>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ هودٍ لقومِه: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾. يقولُ: آمِنوا به حتى يغفِرَ لكم ذنوبَكم.\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"و\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٤٤ من طريق سعيد بن بشير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٧ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"12","page":443},{"text":"[والاستغفارُ هو الإيمانُ باللَّهِ] (^١) في هذا الموضعِ؛ لأن هودًا ﷺ إنما دَعا قومَه إلى توحيدِ اللَّهِ ليغفرَ لهم ذنوبَهم، كما قال نوحٌ لقومِه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٢) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٣، ٤]. وقولُه: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾. يقولُ: ثم تُوبوا إلى اللَّهِ مِن سالفِ ذنوبِكم وعبادتِكم غيرَه بعدَ الإيمانِ به، ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾. يقولُ: فإنكم إن آمنتم باللَّهِ وتُبْتُم مِن كفرِكم به، أرسلَ قَطْرَ (^٢) السماءِ عليكم يُدِرُّ لكم الغيثَ في وقتِ حاجتِكم إليه، وتحيا بلادُكم مِن (^٣) الجَدْبِ والقَحْطِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في قولِه ﴿مِدْرَارًا﴾ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مِدْرَارًا﴾. يقولُ: يتبعُ بعضُها (^٤) بعضًا (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾. قال: يُدِرُّ ذلك عليهم (^٦) [مطرًا مطرًا] (^٧).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"والإيمان بالله هو الاستغفار\".\n(^٢) في ف: \"مطر\".\n(^٣) في ت ٢: \"بعد\".\n(^٤) في تفسير ابن أبي حاتم: \"بعضه\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٤٥ من طريق أبي صالح به.\n(^٦) في ت ١: \"عليكم\".\n(^٧) في ص: \"مطرا ومطرا\"، وفي م: \"قطرا ومطرا\"، وفي ت ١، ف: \"مطرا\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٤٥ من طريق آخر عن ابن زيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٧ إلى أبي الشيخ.","vol":"12","page":444},{"text":"وأما قولُه: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾، فإن مجاهدًا كان يقولُ في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾. قال: شِدَّةً إلى شدَّتِكم.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وإسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ، فذكَر مثلَه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾. قال: جَعَلَ لهم قوةً، فلو أنهم أطاعوه زادَهم قوةً إلى قوتِهم. وذُكِر لنا أنه إنما قيل لهم: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ (^٢)﴾؛ أنه [كان قد] (^٣) انقطعَ النسْلُ عنهم سنينَ، فقال هودٌ لهم: إن آمنتم باللَّهِ أحْيَا اللَّهُ بلادَكم، ورَزَقَكم المالَ والولدَ؛ لأن ذلك مِن القوةِ (^٤).\nوقولُه: ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: ولا تُدْبِروا عما أدْعوكم إليه مِن توحيدِ اللَّهِ، والبراءةِ مِن الأوثانِ والأصنامِ، ﴿مُجْرِمِينَ﴾. يعني: كافرين باللَّهِ.\n\n<span id=\"aya-1526\"></span><span data-type='title' id=toc-4306>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٨٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٤٥.\n(^٢) بعده في م: \"قال\".\n(^٣) في م: \"قد كان\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٤٥ من طريق آخر عن ابن زيد مقتصرا على أوله.","vol":"12","page":445},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ هودٍ لهودٍ: يا هودُ، ما أَتَيتَنا ببيانٍ ولا برهانٍ على ما تقولُ فنُسَلِّمَ لك، ونُقِرَّ بأنك صادقٌ فيما تَدْعونا إليه، مِن توحيدِ اللَّهِ، والإقرارِ بنبوتِك، ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا﴾. يقولُ: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا﴾ يعني لقولِك، أو مِن أجلِ قولِك، ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، يقولُ: قالوا: وما نحن لك بما تَدَّعي مِن النبوةِ والرسالةِ مِن اللَّهِ إلينا بمُصدِّقين.\n\n<span id=\"aya-1527\"></span><span data-type='title' id=toc-4307>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن قولِ قومِ هودٍ، أنهم قالوا له، إذ نَصَح لهم، ودَعاهم إلى توحيدِ اللَّهِ وتصديقِه، وخَلْعِ الأوثانِ والبراءةِ منها: لا نتركُ عبادةَ آلهتِنا، وما نقولُ إلا أن الذي حَمَلَكَ على ذَمِّها والنَّهْيِ عن عبادتِها، أنه أصابَك منها خَبَلٌ مِن جنونٍ.\n\n<span id=\"aya-1528\"></span>فقال هودٌ لهم: إني أُشْهِدُ اللَّهَ على نَفْسي، وأشهدُكم أيضًا أيُّها القومُ، أني بريءٌ مما تُشْرِكون في عبادةِ اللَّهِ مِن آلهتِكم وأوثانِكم [مِن دونِه] (^١). ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾. يقولُ (¬*): فاحْتالوا أنتم جميعًا وآلهتُكم في ضُرِّي ومَكْرُوهي، ﴿ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾. يقولُ: ثم لا تُؤَخِّرون ذلك، فانْظُروا: هل تَنالوني أنتم [وهي] (^٢) بما زَعَمتم أن آلهتَكم نالَتْني به مِن السوءِ؟\nوبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"من دونكم\"، وفي ف: \"منى دونكم\".\n(¬*) من هنا يبدأ الجزء الثالث والثلاثون من مخطوطة جامعة القرويين.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وهم\".","vol":"12","page":446},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. قال: أصابَتْك الأوثانُ بجنونٍ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. قال: أصابَك بعضُ (^٢) الأوثانِ بجنونٍ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ دُكَينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عيسى، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. قالوا (^٣): سَبَبْتَ آلهتَنا وعِبْتَها فَأَجَنَّتْك.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. قال: أصابَك بعضُ آلهتِنا بسوءٍ، يَعْنون الأوثانَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. يقول (^٤): تُصِيبُك آلهتُنا بالجنونِ (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٨٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٤٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٧ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال\".\n(^٤) في م: \"قال\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٧ إلى المصنف.","vol":"12","page":447},{"text":"﴿إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. قال: ما يحملُك على ذمِّ الهتِنا إلا أنه أصابَك منها سوءٌ (^١).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. قال: أصابَك بعضُ (^٢) الأوثانِ بجنونٍ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. قال: إنما تصنعُ هذا بآلهتِنا؛ أنها أصابَتك بسوءٍ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ: أصابَتك آلهتُنا بشرٍّ (^٥).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال (^٦): ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. يقولون: نخشى أن يصيبَك من آلهتِنا سوءٌ، ولا نحبُّ أن تعتريَك، يقولون: يُصِيبُك منها سوءٌ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾. قال: يقولون: اختلَط عقلُك (^٧) فأصابَك هذا، مما صَنَعَتْ بك آلهتُنا.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٤ عن معمر به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) وقع هذا الأثر قبل الأثرين السابقين في: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٤٦ من طريق سعيد به.\n(^٥) في الأصل: \"بسوء\".\n(^٦) في الأصل: \"يقول\".\n(^٧) في الأصل: \"عملك\".","vol":"12","page":448},{"text":"وقولُه (^١): ﴿اعْتَرَاكَ﴾. افتَعَلك (^٢)، مِن عَرَاني الشيءُ يَعْروني، إذا أصابَك، كما قال الشاعرُ (^٣):\n* مِن القومِ يَعْرُوه اجْتِراءٌ ومَأْثَمُ *\n\n<span id=\"aya-1529\"></span><span data-type='title' id=toc-4308>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾.</span>\nيقولُ: إني على اللَّهِ الذي هو مالِكي ومالِكُكم والقَيِّمُ على جميعِ خلقِه، توكَّلتُ من أن تُصِيبوني أنتم وغيرُكم مِن الخلقِ بسوءٍ، فإنه ليس مِن شيءٍ يَدِبُّ على الأرضِ إلا واللَّهُ مالكُه، وهو في قبضتِه (^٤) وسلطانِه، ذليلٌ له خاضعٌ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾، فخَصَّ بالأخذِ (^٥) الناصيةَ دونَ سائرِ أماكنِ الجسدِ؟\nقيل: لأن العربَ كانت تستعملُ ذلك في وصفِها مَن وَصَفَته بالذلةِ والخضوعِ، فتقولُ: ما ناصيةُ فلانٍ إلا بيدِ فلانٍ. أي: إنه له مطيعٌ يُصرِّفُه كيف شاء. وكانوا إذا أسَروا الأسيرَ فأرادوا إطلاقَه والمَنَّ عليه جَزُّوا ناصيتَه؛ ليعتدُّوا بذلك عليه فخرًا عندَ المفاخرةِ، فخاطَبَهم (^٦) اللَّهُ بما يَعْرِفون في كلامِهم،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قولك\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"افتعل\".\n(^٣) هو أبو خراش الهذلي، وصدر البيت:\n* تذكَّرَ ذحلا عندنا وهو فاتك *\nينظر ديوان الهذليين ٢/ ١٤٧، وشرح أشعار الهذليين ٣/ ١٢١٩.\n(^٤) في الأصل: \"قبضه\".\n(^٥) في الأصل، س: \"الأخذ\".\n(^٦) في الأصل: \"فخاطبها\".","vol":"12","page":449},{"text":"والمعنى ما ذكرتُ.\nوقولُه: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: إن ربِّي على طريقِ الحقِّ، يُجازي المحسنَ مِن خلقِه بإحسانِه والمسيءَ بإساءتِه، لا يظلمُ أحدًا منهم شيئًا، ولا يقبلُ منهم إلا الإسلامَ والإيمانَ به.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: الحقِّ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n\n<span id=\"aya-1530\"></span><span data-type='title' id=toc-4309>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)﴾.</span>\nيقولُ ﷿ مخبرًا عن قيلِ هودٍ لقومِه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾. يقولُ: فإن أدبَرتم (^٢) مُعرِضِين عما أدْعوكم (^٣) إليه مِن توحيدِ اللَّهِ وتركِ عبادةِ الأوثانِ، ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾، وما على الرسولِ إلا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٨٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٧ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) في النسخ: \"أدبروا\"، ولعل الصواب ما أثبت.\n(^٣) في ص، م، ت ١، س، ف: \"أدعوهم\".","vol":"12","page":450},{"text":"البلاغُ، ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾. يقولُ: يُهْلِكُكم ربِّي، ثم يَسْتَبْدِلُ ربِّي منكم قومًا غيرَكم، يُوحِّدونه ويُخْلِصون له العبادةَ، ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾. يقولُ: ولا تَقْدِرون له على ضُرٍّ إذا أرادَ هلاكَكم (^١) أو أهْلَكَكم.\nوقد قيل: لا يَضُرُّه هَلاكُكم إذا أهْلَكَكم، لا تُنْقِصونه شيئًا؛ لأنه سواءٌ عندَه كنتم أو لم تكونوا. ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾. يقولُ: إن ربِّي على جميعِ خلقِه ذو حفظٍ وعلمٍ، يقولُ: هو الذي يَحْفَظُني مِن أن تَنالوني بسُوءٍ.\n\n<span id=\"aya-1531\"></span><span data-type='title' id=toc-4310>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: ولمَّا جاء قومَ هودٍ عذابُنا ﴿نَجَّيْنَا﴾ منه ﴿هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِاللَّهِ ﴿مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾. يعني: بفضلٍ منه عليهم ونعمةٍ، ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾. يقولُ: و(^٢) نجَّيناهم أيضًا مِن عذابٍ غليظٍ يومَ القيامةِ، كما نَجَّيناهم في الدنيا مِن السَّخْطةِ التي أنزلناها (^٣) بعادٍ.\n\n<span id=\"aya-1532\"></span><span data-type='title' id=toc-4311>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: [وهؤلاء] (^٤) الذين أَحْلَلنا بهم نِقْمَتَنا وعذابَنا عادٌ، جَحَدوا [بحُجَجِ اللَّهِ وأدلتِه] (^٥)، وعَصَوا رُسُلَه الذين أرسَلهم إليهم، للدعاءِ إلى توحيدِه واتباعِ أمرِه، ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾. يعني: كلِّ مُسْتكبرٍ\n_________\n(^١) في م: \"إهلاككم\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أنزلتها\".\n(^٤) في الأصل: \"هؤلاء\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بأدلة الله وحججه\".","vol":"12","page":451},{"text":"على اللَّهِ، جائرٍ (^١) عن الحقِّ، لا يُذْعِنُ له ولا يَقْبَلُه.\nيقالُ منه: عَنَدَ عن الحقِّ، فهو يَعْنِدُ عُنُودًا، والرجلُ عانِدٌ وعَنُودٌ. ومِن ذلك قيل للعِرْقِ الذي ينفجِرُ فلا يَرْقأُ: عِرْقٌ عانِدٌ. أي ضارٍ، ومنه قولُ الراجزِ (^٢):\n* إنِّي كبيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدَا *\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: المُشْرِكِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1533\"></span><span data-type='title' id=toc-4313>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: وأُتبعَ عادٌ قومُ هودٍ في هذه الدنيا غَضَبًا مِن اللَّهِ وسَخْطةً يومَ القيامةِ مثلَها؛ لعنةً إلى اللعنةِ التي سَلَفَت لهم مِن اللَّهِ في الدنيا، ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾. يقولُ: أبعَدَهم اللَّهُ مِن الخيرِ.\nيقالُ: كفَر فلانٌ ربَّه وكفَر بربِّه، وشَكَرتُ لك وشَكَرتُك. وقيل: إن معنى ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾: كَفَرُوا نعمةَ ربِّهم.\n\n<span id=\"aya-1534\"></span><span data-type='title' id=toc-4312>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: وأرسَلنا إلى ثمودَ أخاهم صالحًا، فقال لهم: يا قومِ، اعْبدُوا\n_________\n(^١) في م: \"حائد\".\n(^٢) البيت في مجاز القرآن ١/ ٢٩١، واللسان (ع ن د).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٤٧ من طريق سعيد به.","vol":"12","page":452},{"text":"اللَّهَ وحدَه لا شريكَ له، وأَخْلِصوا له العبادةَ دونَ ما سِواه مِن الآلهةِ، فما لكم مِن إلهٍ غيرُه، يَسْتوجِبُ عليكم العبادةَ، ولا تجوزُ الألوهةُ إلا له (^١)، ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. يقولُ: هو ابْتَدَأَ خَلْقَكم مِن الأرضِ، وإنما قال ذلك؛ لأنه خلَق آدمَ مِن الأرضِ، فخرَج الخطابُ لهم؛ إذ كان ذلك فعْلَه بمَن (^٢) هم منه، ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾. يقولُ: وجَعَلكم عُمَّارًا (^٣) فيها. فكان المعنى فيه: أسْكَنَكم فيها أيامَ حياتِكم، مِن قولِهم: أعْمَرَ فلانٌ فلانًا دارَه، وهي له عُمْرَى (^٤).\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾. قال: أعْمَرَكم فيها (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، [وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ] (^٦): ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾. يقولُ: أعمَرَكم.\nوقولُه: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾. يقولُ: اعْمَلوا عملًا يكونُ سببًا لسَتْرِ اللَّهِ عليكم\n_________\n(^١) بعده في م: \"و\".\n(^٢) في الأصل: \"من\".\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س: \"عمارها\".\n(^٤) العُمْرَى: نوع من الهبة، وصورتها أن يقول الرجل: أعمرتك داري هذه، أو هي لك عمرى، أو نحو هذا. سميت عمرى؛ لتقييدها بالعمر. المغنى ٨/ ٢٨١، ٢٨٢.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٨٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٤٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٨ إلى أبي الشيخ.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":453},{"text":"ذنوبَكم، وذلك الإيمانُ به، وإخلاصُ العبادةِ له دونَ ما سِواه، واتِّباعُ رسولِه صالحٍ.\n﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾. يقولُ: ثم اتْرُكُوا مِن الأعمالِ ما يكرَهُه ربُّكم، إلى ما يَرْضاه ويُحِبُّه؛ ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾. يقولُ: إن ربِّي قريبٌ ممن أخْلَصَ له العبادةَ، ورَغِبَ إليه في التوبةِ، مجيبٌ له إذا دَعاه.\n\n<span id=\"aya-1535\"></span><span data-type='title' id=toc-4314>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: قالت ثمودُ لصالحٍ نبيِّهم: ﴿يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا﴾. أي: كُنَّا نَرْجو أن تكونَ فينا سيدًا قَبْلَ هذا القولِ الذي قلتَه لنا؛ مِن أنه مالَنا (^١) إلهٌ غيرُ اللَّهِ. ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾؟ يقولُ: أتَنْهانا أن نعبدَ الآلهةَ التي كانت آباؤُنا تَعْبُدُها (^٢)؟ ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (^٣)﴾: يَعْنون أنهم لا يَعْلَمون صحةَ ما يَدْعوهم إليه مِن توحيدِ اللَّهِ، وأن الألوهةَ لا تكونُ إلا له خالصًا.\nوقولُه: ﴿مُرِيبٍ﴾. أي: يُوجِبُ التُّهْمةَ، مِن: أَرَبتُه، فأنا أُرِيبُه إرابةً. إذا فعلتَ به فعلًا يوجِبُ له الرِّيبةَ، ومنه قولُ الهُذَليِّ (^٤):\n* كُنْتُ إِذا أَتَوْتُه مِن غَيْبِ *\n* يَشَمُّ عِطْفِي وَيَبُرُّ (^٥) ثَوْبي *\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"من\".\n(^٢) في م: \"تعبد\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) هو خالد بن زهير الهذلي. ديوان الهذليين ١/ ١٦٥، وشرح أشعار الهذليين ١/ ٢٠٧، وهو في اللسان (أ ت ى).\n(^٥) في مصدر التخريج: \"يمس\". ويبز ثوبه: يجذبه إليه. اللسان (ب ز ز).","vol":"12","page":454},{"text":"* [كأنَّما أَرَبْتُه] (^١) بِرَيْبِ *\n\n<span id=\"aya-1536\"></span><span data-type='title' id=toc-4315>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: قال صالحٌ لقومِه مِن ثمودَ: ﴿يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى [بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾. يقولُ: إن كنت على] (^٢) برهانٍ وبيانٍ مِن اللَّهِ قد عَلِمتُه وأيقَنتُه. ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾. يقولُ: وآتَاني منه النبوَّةَ والحكمةَ والإسلامَ، ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾. يقولُ: فمَن الذي يدفَعُ عنى عقابَه إذا عاقَبَني إن أنا عَصَيتُه، فيُخَلِّصَني منه، ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي﴾ بِعُذْرِكم الذي تَعْتَذِرون به؛ مِن أنكم تَعْبدون ما كان يعبدُ آباؤُكم - ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ لكم يُخْسِرُكم حُظُوظَكم مِن رحمةِ اللَّهِ.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾، يقولُ: ما تَزْدادون أنتم إلا خَسارًا (^٣).\n\n<span id=\"aya-1537\"></span><span data-type='title' id=toc-4316>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤)﴾.</span>\nيقولُ ﷿ مخبرًا عن قيلِ صالحٍ لقومِه مِن ثمودَ، إذ قالوا له: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ وسألوه الآيةَ على ما دَعاهم إليه: ﴿يَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ\n_________\n(^١) في مصدر التخريج: \"كأنني قد أربته\".\n(^٢) ليس في: الأصل، م.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٨ إلى المصنف وأبي الشيخ.","vol":"12","page":455},{"text":"اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾. يقولُ: حُجَّةً وعلامةً، ودلالةً (^١) على حقيقةِ ما أَدْعوكم إليه، ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾، فليس عليكم رزقُها ولا مُؤْنتُها، ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾. يقولُ: لا تقْتُلوها ولا تَنالوها بعَقْرٍ؛ ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾. يقولُ: فإنكم إن تَمَسُّوها بسُوءٍ يأخُذْكم عذابٌ مِن اللَّهِ غيرُ بعيدٍ فيُهْلِكْكم.\n\n<span id=\"aya-1538\"></span><span data-type='title' id=toc-4317>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: فعَقَرَت ثمودُ ناقةَ اللَّهِ. وفي الكلامِ محذوفٌ قد تُرِكَ ذكرُه؛ استغناءً بدلالةِ الظاهرِ عليه، وهو: فكَذَّبوه فعَقَروها، فقال صالحٌ لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾. يقولُ: اسْتَمْتِعوا في دارِ الدنيا بحياتِكم ثلاثةَ أيامٍ، ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾. يقولُ: هذا الأَجَلُ الذي أجَّلْتُكم وَعْدٌ مِن اللَّهِ، وَعَدَكم بانقضائِه الهلاكَ ونزولَ العذابِ بكم، ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾. يقولُ: لم يَكْذِبْكم فيه مَن أعْلَمَكم ذلك.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾: وذُكِر لنا أن صالحًا حينَ أخْبَرَهم أن العذابَ أَتاهم، لَبِسوا الأنْطاعَ (^٢) والأَكْسيةَ، وقيل لهم: إن آيةَ ذلك أن تَصْفَرَّ ألوانُكم أولَ يومٍ، ثم تَحْمَرَّ في اليومِ الثاني، ثم تَسْودَّ في اليومِ الثالثِ. وذُكِر لنا أنهم لمَّا عَقَروا الناقةَ نَدِموا وقالوا: عليكم الفصيلَ (^٣). فصَعِدَ الفَصِيلُ القارَّةَ -\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٢) الأنطاع: جمع نَطعٍ وهو بساط من الجلد، كثيرا ما كان يُقتل فوقه المحكوم عليه بالقتل. الوسيط (ن ط ع).\n(^٣) الفصيلُ: ولدُ الناقةِ إذا فصل عن أمه، والجمع فُصلان وفِصال. اللسان (ف ص ل).","vol":"12","page":456},{"text":"والقارةُ الجبلُ - حتى إذا كان اليومُ الثالثُ، استقبلَ القبلةَ وقال: يا ربِّ أمي، [يا ربِّ أمي، يا ربِّ أمي] (^١)، قال: فأُرْسِلَت الصيحةُ عندَ ذلك (^٢).\nوكان ابنُ عباسٍ يقولُ: لو صَعِدتُم القارةَ، لرأيتُم عظامَ الفصيلِ. وكانت منازلُ ثمودَ بحِجْرٍ، بينَ الشامِ والمدينةِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾. قال: بقيةَ آجالِهم (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، أن ابنَ عباسٍ قال: لو صَعِدتُم على القارةِ لرأيتُم عظامَ الفَصيلِ (^٤).\n\n<span id=\"aya-1539\"></span><span data-type='title' id=toc-4318>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: فلما جاء ثمودَ عذابُنا ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا﴾ منه، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ به (^٥) ﴿مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾. يقولُ: بنعمةٍ وفضلٍ مِن اللَّهِ، ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾. يقولُ: ونَجَّيناهم مِن هَوانِ ذلك اليومِ وذُلِّه بذلك العذابِ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ﴾ في بَطْشِه، إذا بَطَشَ بشيءٍ أهْلَكَه، كما أهلكَ ثمودَ حينَ بطَش بها ﴿الْعَزِيزُ﴾ فلا يَغْلِبُه غالبٌ، ولا يَقْهَرُه قاهِرٌ، بل يغلِبُ كُلَّ شيءٍ ويَقْهَرُه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ثلاثا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٤٩، ٢٠٥٠، ٢٠٥١ من طريق آخر عن قتادة.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٥ عن معمر به.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٥.\n(^٥) سقط من: ت ١، س، ف.","vol":"12","page":457},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾. قال: نَجَّاه اللَّهُ برحمةٍ منه (^١)، ونَجَّاه مِن خِزْيِ (^٢) يومِئذٍ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن شهرِ بنِ حوشبٍ، عن عمرِو بنِ خارجةَ، قال: قلنا له: حدِّثْنا حديثَ ثمودَ. قال: أُحدِّثُكم عن رسولِ اللَّهِ ﷺ عن ثمودَ: \"كانت ثمودُ قومُ صالحٍ أَعْمَرَهم اللَّهُ في الدنيا فأطالَ أعْمارَهم، حتى جعَل أحدُهم يَبْني المسكنَ مِن المَدَرِ، فيَنْهدِمُ والرجلُ منهم حيٌّ، فلما رَأَوا ذلك اتَّخَذوا مِن الجبالِ بيوتًا فَرِهِين، فنَحَتُوها (^٤) وجَوَّفوها، وكانوا في سَعَةٍ مِن معايشِهم، فقالوا: يا صالحُ، ادعُ لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا آيةً، نعلمُ أنك رسولُ اللَّهِ. فَدَعا صالحٌ ربَّه، فأخرَج لهم الناقةَ، فكان شِرْبُها يومًا وشِرْبُهم يومًا معلومًا، فإذا كان يومُ شِرْبِها (^٥) خَلَّوا عنها وعن الماءِ وحَلَبوها لبنًا، مَلَئُوا كلَّ إناءٍ ووعاءٍ وسقاءٍ (^٦) حتى إذا كان يومُ شِرْبِهم صَرَفوها عن الماءِ، فلم تشربْ منه شيئًا، فمَلَئوا كلَّ إناءٍ ووعاءٍ وسقاءٍ، فأوحَى اللَّهُ إلى صالحٍ، أن قومَك سيَعْقِرون ناقتَك، فقال لهم، فقالوا: ما كُنَّا لنفعلَ. فقال: إلا تَعْقِروها أنتم أوشَك\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"منا\".\n(^٢) بعده في ت ١، س، ف: \"منّا ومن خزي\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٥ عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٥١ من طريق محمد بن عبد الأعلى به.\n(^٤) بعده في الأصل: \"وجابوها\"، وفي ص: \"وجابوها وحرقوها\"، وفي ت ١، س: \"وحابوها وخرفوها\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"شربهم\"، وفي س: \"شربهما\".\n(^٦) بعده في الأصل: \"فأوحى الله إلى صالح\".","vol":"12","page":458},{"text":"أن يولدَ فيكم مولودٌ يعقرُها (^١). قالوا: ما علامةُ ذلك المولودِ، فواللَّهِ لا نجدُه إلا قَتَلناه. قال: فإنه غلامٌ أشقرُ أزرقُ أصهَبُ أحمرُ. قال: وكان في المدينةِ شيخان عزيزان مَنِيعان، لأحدِهما ابنٌ [يُرْغَبُ به] (^٢) عن المناكحِ، وللآخرِ ابنةٌ لا يجدُ لها كُفُؤًا، فَجَمَعَ بينَهما مجلسٌ، فقال أحدُهما لصاحبِه: ما يمنَعُك أن تُزَوِّجَ ابنَك؟ قال: لا أجِدُ له كُفُؤًا. قال: فإن ابنتي كفؤٌ له، وأنا أزوِّجُك. فَزَوَّجَه، فوُلِدَ بينَهما ذلك المولودُ، وكان في المدينةِ ثمانيةُ رهطٍ يُفْسِدون في الأرضِ، ولا يُصلِحون، فلما قال لهم صالحٌ: إنما يَعقِرُها مولودٌ فيكم. اخْتاروا ثمانيَ نسوةٍ قوابلَ مِن القريةِ، وجَعَلوا معهنَّ شُرَطًا كانوا يَطُوفون في القريةِ، فإذا وَجَدوا المرأةَ (^٣) تُمخَضُ، نَظَروا (^٤) ما ولدُها؛ فإن كان غلامًا قَلَّبْنَه، فَنَظَرْنَ ما هو، وإن كانت جاريةً أَعرَضْنَ عنها، فلما وَجَدوا ذلك المولودَ صرَخ النسوةُ، وقُلنَ: هذا الذي يريدُ رسولُ اللَّهِ صالحٌ. فأرادَ الشُّرَطُ أن يأخُذوه، فحالَ جَدَّاه بينَهم وبينَه، وقالا: لو أن صالحًا أرادَ هذا قَتَلناه. فكان شَرَّ مولودٍ، وكان يَشِبُّ في اليومِ شبابَ غيرِه في الجمعةِ، ويَشِبُّ في الجمعةِ شبابَ غيرِه في الشهرِ، ويَشِبُّ في الشهرِ شبابَ غيرِه في السنةِ، فاجتمَع الثمانيةُ الذين يُفسِدون في الأرضِ ولا يُصلِحون، وفيهم الشيخان، فقالوا: استُعمِلَ (^٥) علينا هذا الغلامُ؛ لمنزلتِه وشَرَفِ جَدَّيه. فكانوا (^٦) تسعةً، وكان صالحٌ لا ينامُ معهم في القريةِ، كان في مسجدٍ يقالُ له: مسجدُ صالحٍ، فيه يبيتُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في ص، س: \"ىرعىله\" بدون نقط، وفي ف: \"يرغبله\"، وفي م: \"يرغب به\"، وفي ت ١: \"يرغبله\"، وفي ت ٢: \"مرعنله\".\n(^٣) في الأصل: \"القرية\".\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س: \"المرأة وجدوا\".\n(^٥) في م: \"نستعمل\".\n(^٦) في الأصل: \"وكانوا\".","vol":"12","page":459},{"text":"بالليلِ، فإذا أصبَح أتاهم، فوعَظَهم وذَكَّرهم، وإذا أمسى خَرَجَ إلى مسجدِه فباتَ فيه\".\nقال حجاجٌ: وقال ابنُ جريجٍ: لمَّا قال لهم صالحٌ: إنه سيولَدُ غلامٌ يكونُ هلاكُكم على يدَيه. قالوا: فكيف تأمُرُنا؟ قال: آمُرُكم بقتلِهم. فقتَلُوهم إلا واحدًا. قال: فلما بَلَغ ذلك المولودُ قالوا: لو كنَّا لم نقتُلْ أولادَنا، لكان لكلِّ رجلٍ منَّا مثلُ هذا، هذا عَمَلُ صالحٍ. فائْتَمَرُوا بينَهم بقَتلِه، وقالوا: نخرُجُ مسافرين، والناسُ يَرَوننا علانيةً، ثم نرجِعُ مِن ليلةِ كذا، من شهرِ كذا وكذا، فنرصُدُه عندَ مُصلَّاه، فنقتُلُه، فلا يحسَبُ الناسُ إلا أنَّا مسافرون كما نحن. فأقبَلوا حتى دَخَلوا تحتَ صخرةٍ يرصُدُونه، فأرسَل اللَّهُ عليهم الصخرةَ فرَضَختهم (^١)، فأصبَحوا رَضحًا. فانطَلَقَ رجالٌ ممن قد اطَّلَع على ذلك منهم، فإذا هم رَضخٌ، فرَجَعوا يصيحون في القريةِ: أي عبادَ اللَّهِ، أما رَضِيَ صالحٌ أن أَمَرَهم أن يَقتُلوا أولادَهم، حتى قَتَلهم؟! فاجتمَع أهلُ القريةِ على عقرِ (^٢) الناقةِ أجمعون، وأحجَموا عنها إلَّا ذلك الابنَ (^٣) العاشرَ.\nثم رَجَعَ الحديثُ إلى حديثِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، قال: \"فأرادوا أن يمكُروا بصالحٍ، فمشَوا حتى أَتَوا على سَرَبٍ (^٤) على طريقِ صالحٍ، فاختبَأ فيه ثمانيةٌ (^٥)، وقالوا: إذا خرَج علينا قَتَلناه، وأتينا أهلَه فبيَّتناهم. فأمَر اللَّهُ ﷿ الأرضَ، فاستَوت عليهم، قال: فاجتمَعوا ومَشَوا إلى الناقةِ، وهي على حَوضِها قائمةٌ، فقال\n_________\n(^١) الرّضخُ مثل الرّضح: كسر الرأسِ. اللسان (ر ض خ).\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قتل\".\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، س، ف: \"ابن\".\n(^٤) السرَب: حفير تحت الأرض. اللسان (س ر ب).\n(^٥) بعده في الأصل: \"وبقى\".","vol":"12","page":460},{"text":"الشقيُّ لأحدِهم: ائتِها فاعقِرْها. فأتاها، فَتعاظَمَه ذلك، فأضرَبَ عن ذلك، فبَعَث آخرَ، فأعظَمَ ذلك، فجَعَل لا يبعَثُ رجلًا إلا تَعاظَمه أمرُها، حتى مَشَى (^١) إليها وتَطاوَلَ فضرَبَ عُرقوبيها، فوَقَعت تَركُضُ، وأتى رجلٌ منهم صالحًا، فقال: أدرِكِ الناقةَ فقد عُقِرت. فأقبَل، وخَرَجوا (^٢) يَتَلقَّونه، ويعتَذِرون إليه: يا نبيَّ اللَّهِ، إنما عَقَرها فلانٌ، إنه لا ذنبَ لنا. قال: فانظُروا هل تُدرِكون فصيلَها؟ فإن أدركتُموه، فعسى اللَّهُ أن يرفَعَ عنكم العذابَ. فخَرَجوا يَطلُبونه، ولمَّا رأى الفصيلُ أمَّه تضطرِبُ، أتَى جبلًا - يقالُ له: القَارةُ - قصيرًا، فصَعِدوا (^٣) وذهَبوا ليأخُذوه، فأوحَى اللَّهُ ﷿ إلى الجبلِ، فطالَ في السماءِ، حتى ما تنالُه الطيرُ. قال: ودخَل صالحٌ القريةَ، فلما رآه الفصيلُ بكَى، حتى سالت دموعُه، ثم استقبَل صالحًا، فَرَغا رَغوةً، ثم رغا أخرى، ثم رغا أخرى، فقال صالحٌ لقومِه: لكلِّ رغوةٍ أجلُ يومٍ (^٤)، ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾، ألا إن آيةَ العذابِ أن اليومَ الأولَ تصبِحُ وجوهُكم مصفرَّةً، واليومَ الثانيَ محمرَّةً، واليومَ الثالثَ مسودةً. فلما أصبَحوا إذا وجوهُهم كأنها قد طُليت بالخلوقِ (^٥)، صغيرُهم وكبيرُهم، ذَكَرُهم وأُنثاهم، فلما أمسَوا صاحُوا بأجمعِهم: ألا إنه (^٦) قد مَضَى يومٌ من الأجلِ، وحَضَرَكم العذابُ، فلما أصبَحوا اليوم الثانيَ إذا وجوهُهم محمرَّةٌ، كأنها خُضِبت بالدماءِ، فصاحوا وضَجُّوا وبَكَوا وعَرَفوا أنه (^٧) العذابُ، فلما\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"مشوا\".\n(^٢) في الأصل، ت ١، ت ٢، س: \"وخرج\"، وفي ف: \"خرجا\".\n(^٣) في ص، م، ت ٢، س، ف: \"فصعد\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) الخلوقُ والخلاقُ: ضرب من الطيب. تغلب عليه الحمرة والصفرة. اللسان (خ ل ق).\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"آية\".","vol":"12","page":461},{"text":"أمسَوا صاحُوا بأجمعِهم: ألا قد مضَى يومان مِن الأجلِ وحَضَركم العذابُ. فلما أصبَحوا اليومَ الثالثَ فإذا وجوهُهم مسودَّةٌ (^١)، كأنها طُلِيَت بالقارِ، فَصاحوا جميعًا: ألا قد حَضَرَكم العذابُ. فتَكفَّنوا وتحَنَّطوا، وكان حَنوطُهم الصبرَ والمَغَرَ (^٢)، وكانت أكفاتُهم الأنطاعَ، ثم ألقَوا أنفسَهم بالأرضِ، فجعَلوا يُقلِّبون أبصارَهم، فينظُرون إلى السماءِ مرةً، وإلى الأرضِ مرةً، ولا يَدرون مِن حيثُ يأتيهم العذابُ؛ مِن فوقِهم مِن السماءِ أو مِن تحتِ أرجلِهم من الأرضِ، جَشَعًا (^٣) وفرقًا (^٤)، فلما أصبَحوا اليومَ الرابعَ، أتتهم صيحةٌ مِن السماءِ، فىها صوتُ كلِّ صاعقةٍ، وصوتُ كلِّ شيءٍ له صوتٌ في الأرضِ، فتقَطَّعت قلوبُهم في صدورِهم، فأصبَحوا في ديارِهم (^٥) جاثِمين\" (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: حُدِّثْتُ أنه لما أَخَذتهم الصَّيحةُ، أهلَكَ اللَّهُ مَن بينَ المشارقِ والمغاربِ منهم، إلا رجلًا واحدًا كان في حَرَمِ اللَّهِ، فمنَعه (^٧) حَرَمُ اللَّهِ مِن عذابِ اللَّهِ. قيل: ومَن هو يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: \"أبو رِغالٍ\" (^٨). وقال رسولُ اللَّهِ ﷺ، حينَ أتَى على قريةِ ثمودَ لأصحابِه: \"لا يَدخُلَنَّ أحدٌ منكم القريةَ، ولا تَشرَبوا مِن مائِهم\".\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٢) في ت ٢، ف: \"المقر\" والمقرُ: إنقاع الشيء في الخلّ أو في الملح أو في الشيء المرِّ. اللسان بتصرف (م ق ر). والمَغَرةُ والمَغْرةُ: طين أحمر يصبغ به، والمغَرُ والمغْرةُ: لون إلى الحمرة. اللسان (م غ ر).\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"خسفا\". والجشع: الجزع لفراق الإلف. النهاية ١/ ٢٧٤.\n(^٤) في م: \"غرقا\". والفرق: شدة الخوف.\n(^٥) في ص، م، ت ٢، س، ف: \"دارهم\" وفي ت ١: \"جارهم\".\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٢٧ - ٢٣٠ سندًا ومتنًا.\n(^٧) في الأصل، ص، ت ١، س، ف: \"منعه\".\n(^٨) بعده في ت ٢: \"واحدا كان\".","vol":"12","page":462},{"text":"وأَراهم مُرتَقى الفصيلِ حينَ ارتَقى في القارةِ.\nقال ابنُ جريجٍ: وأخبَرني موسى بنُ عقبةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمرَ، أن النبيَّ ﷺ حينَ أتَى على قريةِ ثمودَ، قال: \"لا تَدخُلوا على هؤلاء المُعذَّبين إلا أن تكونوا باكِين، فإن لم تكونوا باكِينَ فلا تَدخُلوا عليهم؛ أن يُصيبَكم ما أصابَهم\".\nقال ابنُ جريجٍ: قال جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ: إن النبيَّ ﷺ لمَّا أتَى على الحِجْرِ، حَمِدَ اللَّهَ وأثنَى عليه، ثم قال: \"أما بعدُ، فلا تسألوا رسولَكم الآياتِ؛ هؤلاء قومُ صالحٍ سألوا رسولَهم الآيةَ، فبعَث اللَّهُ لهم الناقةَ، فكانت تَرِدُ من هذا الفجِّ، وتَصدُرُ (^١) من هذا الفجِّ، فتشرَبُ ماءَهم يومَ وُرُودِها\" (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِرَ لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ لمَّا مرّ بوادي ثمودَ، وهو عامِدٌ إلى تبوكَ، قال: فأمَر أصحابَه أن يُسرِعوا السيرَ، وألا يَنزِلوا به، ولا يَشرَبوا مِن مائِه، وأخبَرهم أنه وادٍ ملعونٌ. قال: ولقد ذكِرَ لنا أن الرجلَ الموسرَ من قومِ صالحٍ كان يُعطِي المُعسِرَ منهم ما يَتَكفَّنون به، وكان الرجلُ منهم يلحَدُ لنفسِه ولأهلِ بيتِه؛ لميعادِ نبيِّ اللَّهِ صالحٍ الذي وَعَدهم، وحدَّث من رآهم بالطرقِ والأفنيةِ والبيوتِ؛ فيهم شبانٌ وشيوخٌ، أبقاهم اللَّهُ عبرةً وآيةً.\nحدَّثنا إسماعيلُ بنُ المتوكلِ الأشجعيُّ مِن أهلِ حمصَ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ واقدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عثمانَ بنِ خُثيمٍ، قال: ثنا أبو الطفيلِ، قال: لمَّا غزَا رسولُ اللَّهِ ﷺ غزاةَ تبُوكَ، نَزَل الحِجرَ، فقال (^٣): \"أيُّها\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"تشرب\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٣١ سندًا ومتنًا.\n(^٣) بعده في م: \"يا\".","vol":"12","page":463},{"text":"الناسُ، لا تسألوا نبيَّكم الآياتِ، هؤلاء قومُ صالحٍ سألوا نبيَّهم أن يَبعَثَ لهم آيةً (^١). فبَعَث اللَّهُ لهم الناقةَ (^٢) آيةً، فكانت تَلِجُ عليهم يومَ وُرُودِهم [من هذا الفجِّ فتشرَبُ ماءَهم يومَ ورودِهم] (^٣) الذي كانوا يتروَّون منه، ثم يَحلِبونها مثلَ ما كانوا يَتروَّون مِن مائِهم قبلَ ذلك لبنًا، ثم تخرُجُ من ذلك الفجِّ، فعتَوا عن أمرِ ربِّهم وعَقَروها، فوعَدَهم اللَّهُ العذابَ بعدَ ثلاثةِ أيامٍ\". قال (^٤): \"وكان وعدًا مِن اللَّهِ غيرَ مكذوبٍ، فأهلَك اللَّهُ مَن كان منهم في مشارقِ الأرض ومغاربِها، إلا (^٥) رجلًا واحدًا كان في حَرَمِ اللَّهِ، فمنَعَه حَرَمُ اللَّهِ مِن عذابِ اللَّهِ\". قالوا: ومَن ذلك الرجلُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: \"أبو رِغالٍ\" (^٦).\n\n<span id=\"aya-1540\"></span><span data-type='title' id=toc-4319>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ (^٧) كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأصابَ الذين فَعَلوا ما لم يكنْ لهم فعلُه، مِن عَقرِ ناقةِ اللَّهِ وكفرِهم به - الصيحةُ، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: قد جَثَمتهم المَنايا، وتَرَكَتهم خمودًا بأفْنيتِهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الصَّيْحَةُ\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"فبعث الله لهم آية\".\n(^٢) في الأصل: \"ناقة\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) في ص، ت ٢، س، ف: \"ليس\"، وبعده في ت ١: \"إلّا\".\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٣١، ٢٣٢ سندًا ومتنًا.\n(^٧) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ثمودا\". بالتنوين، وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٣٣٧.","vol":"12","page":464},{"text":"فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. يقولُ: أصبَحوا قد هَلَكوا (^١).\n\n<span id=\"aya-1541\"></span>﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾. يقولُ: كأن لم يَعِيشوا فيها، ولم يُعمَّروا بها (^٢).\nكما حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾: كأن لم يَعِيشوا فيها (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٣).\nوقد بَيَّنا ذلك فيما مَضَى بشواهدِه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه (^٤).\nوقولُه: ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾. يقولُ: ألا إن ثمودَ (^٥) كَفَروا بآياتِ ربِّهم فجَحَدوها، ﴿أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾. يقولُ: ألا أبعَد اللَّهُ ثمودَ (^٦)؛ لنُزُولِ العذابِ بهم.\n\n<span id=\"aya-1542\"></span><span data-type='title' id=toc-4320>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد جاءت رسلُنا مِن الملائكةِ. وهم فيما ذُكرَ، كانوا جبريلَ ومَلَكين آخرَين، وقيل: إن المَلَكين الآخرَين كانا ميكائيلَ وإسرافيلَ معه. ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. يعني إبراهيم خليلَ اللَّهِ، ﴿بِالْبُشْرَى﴾. يعني: البشارةِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٥٢ من طريق سعيد به.\n(^٢) في الأصل: \"فيها\"، وكتب فوقها: \"بها\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٠/ ٣٢٦.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١٠/ ٣٢٥، ٣٢٦.\n(^٥) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ثمودًا\".\n(^٦) في الأصل: \"ثمودا\"، وفي ف: \"بثمود\".","vol":"12","page":465},{"text":"واختلَفوا في تلك البشارةِ التي أَتَوه بها؛ فقال بعضُهم: هي البِشارةُ بإسحاقَ.\nوقال آخرون: هي البِشارةُ بهلاكِ قومِ لوطٍ.\n﴿قَالُوا سَلَامًا﴾. يقولُ: فسلَّموا عليه سلامًا.\nونَصَبَ ﴿سَلَامًا﴾ بإعمالِ ﴿قَالُوا﴾ فيه، كأنه قيل: قالوا قولًا، وسَلَّموا تَسليمًا.\n﴿قَالَ سَلَامٌ (^١)﴾. يقولُ: قال إبراهيم لهم: سلامٌ. فرفَعَ ﴿سَلَامًا﴾؛ بمعنى: عليكم السلامُ، أو بمعنى: [نحنُ سِلمٌ] (^٢) منكم.\nوقد ذُكرَ عن العربِ أنها تقولُ: سِلمٌ. بمعنى السلامِ، كما تقولُ (^٣): حِلٌّ وحلالٌ، وحِرمٌ وحرامٌ.\nوذَكَرَ الفرَّاءُ أن بعضَ العربِ أنشَده (^٤):\nمَرَرنا فقلنا إيهِ سلمٌ فسلَّمت … كما اكتلَّ (^٥) بالبَرقِ الغَمامُ اللَّوائِحُ\nبمعنى: سلامٌ. وقد رُوِيَ: كما انكلَّ.\nوقد زَعَم بعضُهم أن معناه إذا قُرِئَ كذلك: نحنُ سِلمٌ لكم. من المُسالمةِ التي هي خلافُ المحاربةِ. وهذه قراءةُ عامةِ قرأَةِ الكوفيِّين (^٦).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، س، ف: \"سلم\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"سلام\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قالوا\".\n(^٤) معاني القرآن ٢/ ٢١.\n(^٥) اكتل السحاب عن البرق وانكل: تبسم. اللسان (ك ل ل) والبيت فيه.\n(^٦) وهي قراءة حمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٣٣٧.","vol":"12","page":466},{"text":"وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والبصرةِ: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ (^١). على أن الجوابَ مِن إبراهيمَ صلواتُ اللَّهِ عليه، لهم كان (^٢) بنحوِ تَسليمِهم: عليكم السلامُ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أنهما قراءتان مُتقارِبتا المعنى؛ لأن السِّلمَ قد يكونُ بمعنى السلامِ على ما وصَفتُ، والسلامُ بمعنى السِّلْمِ؛ لأن التسليمَ لا يكادُ يكونُ إلا بينَ أهلِ السِّلمِ دونَ الأعداءِ، فإذا ذُكِرَ تسليمٌ مِن قومٍ على قومٍ، ورَدُّ الآخرين عليهم، دلَّ ذلك على مُسالمةِ بعضِهم بعضًا. وهما مع ذلك قراءتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ (^٣) أهلُ قُدوةٍ في القراءةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ (^٤) الصوابَ.\nوقولُه: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. [يقولُ: فما بطَّأَ إبراهيمُ إذ تَضَيَّفته رسلُ اللَّهِ أن جاءهم بعجلٍ حنيذٍ] (^٥). وأصلُه مَحنوذٌ، صُرِفَ مِن مفعولٍ إلى فَعيلٍ.\nوقد اختلَف أهلُ [العلمِ بالعربيةِ] (^٦) في معناه؛ فقال بعضُ أهلِ البصرةِ منهم (^٧): معنى المحنوذِ: المشويُّ. وقال: يقالُ منه: حنَذتُ فرسي. بمعنى: سَخَّنتُه وعَرَّقتُه. واستشهَد لقولِه ذلك ببيتِ الراجزِ (^٨):\n* ورَهِبَا مِن حَنذِه أَن يَهرَجَا (^٩) *\n_________\n(^١) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم. المصدر السابق.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) بعده في م: \"منهما\".\n(^٤) بعده في ص: \"فيها\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٦) في م: \"العربية\"، وفي س: \"العلم في العربية\".\n(^٧) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٢٩٢.\n(^٨) هو العجاج، والبيت في ديوانه ص ٣٧٥.\n(^٩) هرج: سدر من شدة الحر. اللسان (هـ ر ج).","vol":"12","page":467},{"text":"وقال آخرُ منهم: حَنَذَ فرسَه. أي: أضمَرَه. وقال: قالوا: حنَذَه يَحنِذُه حنذًا. أي: عرَّقَه.\nوقال بعضُ أهلِ الكوفةِ (^١): كلُّ [شيءٍ شُوى] (^٢) في الأرضِ، إذا خَدَدتَ له فيها (^٣) فدَفَنتَه وغَمَمتَه فهو الحَنيذُ والمحنوذُ. قال: والخيلُ تُحنَذُ إِذا أُلقيت عليها الجِلالُ (^٤) بعضُها على بعضٍ لتَعرَقَ. قال: ويقالُ: إذا سَقَيتَه فأحنِذْ. يعني: أخفِسْ، يريدُ: أقِلَّ الماءَ وأكثرِ النبيذَ.\nقال (^٥): وأما أهلُ التأويلِ فإنهم قالوا في معناه ما أنا ذاكِرُه.\nوذلك ما حدَّثني به المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. يقولُ: نضيجٍ (^٦).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. قال: العجلُ حَسيلُ البقرةِ (^٧)، والحنيذُ الشَّويُّ (^٨) النضيجُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾. إلى: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. قال: نَضِيجٍ سخنٍ، أُنضِجَ بالحجارةِ.\n_________\n(^١) هو الفراء كما في تهذيب اللغة ٤/ ٤٦٥.\n(^٢) في ص، م، ف: \"ما انشوى\"، وفي ت ١، ت ٢، س: \"من شوى\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فيه\".\n(^٤) الجلال: جمع الجلُ، وهي الذي تُلبَسه الدابة لتصان به. اللسان (ج ل ل).\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"البقر\".\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"المشوي\".","vol":"12","page":468},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾: والحنيذُ النضيجُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. قال: نَضِيجٍ. قال: وقال الكلبيُّ: الحنيذُ، الذي يُحنَذُ في الأرضِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصِ بنِ حميدٍ، عن شِمْرٍ في قولِه: ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. قال: الحنيذُ الذي يقطُرُ ماءً وقد شُوِيَ. وقال حفصٌ: الحنيذُ مثلُ حِنَاذِ الخيلِ (^٢).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ، قال: ذبَحه ثم شَواه في الرضْفِ، فهو الحنيذُ حين شواه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو يزيدَ، عن يعقوبَ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرِ بن عطيةَ: ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. قال: المشويُّ الذي يقطُرُ.\nحدَّثنا المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصِ بنِ حميدٍ، عن شِمْرِ بنِ عطيةَ، قال: الحَنيذُ الذي يَقطُرُ ماؤُه وقد شُوِيَ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. قال: نَضيجٍ.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٥ عن معمر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٥٣ من طريق يعقوب به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٨ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) جزء من حديث أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٥٠ سندًا ومتنًا، وسيأتي بتمامه ص ٤٧٣، ٤٧٤.","vol":"12","page":469},{"text":"حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾: الذي قد (^١) أُنضِجَ بالحجارةِ (^٢).\nوحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: قال سفيانُ: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾: مشويٍّ.\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ أنه سَمِعَ وهبَ بنَ منبهٍ يقولُ: ﴿حَنِيذٍ﴾. يعني: شَوِيٍّ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: الحِناذُ الإنضاجُ.\nوهذه الأقوالُ التي ذكَرناها عن أهلِ العربيةِ وأهلِ التفسيرِ مُتقاربةُ (^٣) المعاني بعضُها مِن بعضٍ.\nوموضعُ ﴿أَنْ﴾ من (^٤) قولِه: ﴿أَنْ جَاءَ﴾. نصبٌ بقولِه: ﴿فَمَا لَبِثَ﴾؛ [لأن معناه: فما لبِث بأن] (^٥) (^٦) جاء.\n\n<span id=\"aya-1543\"></span><span data-type='title' id=toc-4321>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلما رأى إبراهيمُ أيديَهم لا تَصِلُ إلى العجلِ الذي أتاهم\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٥٣ من طريق أبي معاذ به.\n(^٣) في: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"متقاربات\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"في\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٦) في م: \"إن\".","vol":"12","page":470},{"text":"به، والطعامِ الذي قَدَّمَ إليهم، نَكِرَهم، وذلك أنه لمَّا قَدَّمَ طعامَه ﵇ إليهم، فيما ذُكِر، كَفُّوا عن أكلِه؛ لأنهم لم يكونوا ممن يأكُلُه، وكان إمساكُهم عن أَكلِه عندَ إبراهيمَ، وهم ضِيفانُه، مُستنكَرًا، ولم تكن تُثْبِتُهم (^١) معرفةٌ، ورَاعَه أمرُهم، وأوجَسَ في نفسِه منهم خِيفةً.\nوكان قتادةُ يقولُ: كان [إنكارُ إبراهيمَ] (^٢) ذلك مِن أمرِهم، لما (^٣) حدَّثنا به (^٤) بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قَولَه: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾: وكانت العربُ إذا نَزَل بهم ضيفٌ فلم يَطعَمْ من طعامِهم، ظنُّوا أنه لم يجئْ بخيرٍ، وأنه يُحدِّثُ نفسَه بشرٍّ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾. قال: كانوا إذا نَزَل بهم ضيفٌ فلم يأكُلْ مِن طعامِهم، ظنُّوا أنه لم يأتِ بخيرٍ، وأنه يحدِّثُ نفسَه بشرٍّ، ثم حَدَّثوه عندَ (^٥) ذلك بما (^٦) جاءوا (^٧).\nوقال غيرُه في ذلك ما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن الأسودِ بنِ قيسٍ، عن جُندبِ بنِ سفيانَ، قال: لمَّا دَخَل ضيفُ إبراهيمَ ﵇، قرَّب إليهم العجلَ، فجعَلوا ينكُتون بقِداحٍ في أيديهم مِن نَبلٍ، ولا\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف، وفي م: \"بينهم\".\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"إنكارهم ذلك\"، وفي م: \"إنكاره\"، وفي ت ٢: \"إنكارهم\".\n(^٣) سقط من: ف، وفي ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"كما\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) في الأصل: \"بعد\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"لما\".\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٠ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"12","page":471},{"text":"تَصلُ أيديهم إليه، نَكِرَهم عندَ ذلك (^١).\nيقالُ منه: نكِرتُ الشيءَ أَنكِرُه، وأَنكرتُه أُنكِرُه، بمعنًى واحدٍ، ومِن \"نَكِرتُ وأَنكرتُ\" قولُ الأعشى (^٢):\nوأَنكرَتني وما كان الذي نَكرت … من الحوادثِ إلا الشَّيبَ والصَّلعا\nفجمَع اللغتين جميعًا في البيتِ.\nوقال أبو ذُؤيبٍ (^٣):\nفنَكِرنَه فنفَرنَ وامترَسَت به … هَوجاءُ هادِيةٌ وهادٍ جُرْشُعُ (^٤).\nوقولُه ﷿: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾. يقولُ: أحسَّ في نفسِه منهم خِيفةً وأضمَرَها. ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾. يقولُ: قالت الملائكةُ لمَّا رَأت ما بإبراهيمَ من الخوفِ منهم: لا تخَفْ منَّا وكُنْ آمِنًا، فإِنَّا ملائكةُ ربِّك أُرسلنا إلى قومِ لوطٍ.\n\n<span id=\"aya-1544\"></span><span data-type='title' id=toc-4322>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾.</span>\n[يقولُ تعالى ذكرُه] (^٥): ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾: سارةُ بنتُ هارانَ بنِ ناحورَ بنِ ساروغَ (^٦) بنِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٥٤ من طريق الأسود بن قيس به.\n(^٢) ديوانه ص ١٠١.\n(^٣) ديوان الهذليين ١/ ٨.\n(^٤) الهوجاء: التي تركب رأسها، وامترست: احتكت، والهادية: المتقدمة، وجرشع: منتفخ الجنبين. ينظر شرح أشعار الهذليين ١/ ٢٢.\n(^٥) في الأصل: \"يعني ﷿\".\n(^٦) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ساروح\"، وفي م: \"ساروج\". والمثبت من تاريخ المصنف ١/ ٢٣٣.","vol":"12","page":472},{"text":"أرغوا (^١) بنِ فالغَ (^٢)، وهي ابنةُ عمِّ إبراهيمَ، ﴿قَائِمَةٌ﴾. قيل: كانت قائمةً من وراءِ السِّترِ، تستمعُ كلامَ الرسلِ وكلامَ إبراهيمَ. وقيل: كانت قائمةً تخدُمُ الرسلَ، وإبراهيمُ جالسٌ مع الرسلِ.\nوقولُه: ﴿فَضَحِكَتْ﴾. اختلفَ أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿فَضَحِكَتْ﴾. وفي السببِ الذي مِن أجلِه ضَحِكت؛ فقال بعضُهم: ضَحِكت الضَّحكَ المعروفَ؛ تعَجُّبًا مِن أنها وزوجَها إبراهيمَ يَخدُمان ضِيفانَهم بأنفسِهما، تَكرِمةً لهم، وهم عن طعامِهم مُمسِكون لا يأكُلون (^٣).\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: بَعَثَ اللَّهُ الملائكةَ لتُهْلِكَ قومَ لوطٍ، أقبَلَت تَمشي في صورةِ رجالٍ شبابٍ حتى نَزَلوا على إبراهيمَ، فتضيَّفُوه، فلما رَآهم إبراهيمُ أَجلَّهم، فراغَ إلى أهلِه فجاء بعجلٍ سمينٍ، فذَبَحه ثم شَواه في الرَّضْفِ، فهو (^٤) الحَنيذُ حينَ شَواه، وأَتاهم فقعَد معهم، وقامَت سارَةُ تَخدُمُهم، فذلك حينَ يقولُ: (وامرأتُه قائمةٌ وهو جالسٌ). في قراءةِ ابنِ مسعودٍ، فلما قَرَّبه إليهم قال: ألا تأكُلون؟ قالوا: يا إبراهيمُ، إنا لا نأكُلُ طعامًا إلا بثمنٍ. قال: فإن لهذا ثَمَنًا، قالوا: وما ثَمنُه؟ قال:\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، س، ف: \"راعوا\"، وفي م: \"راعو\"، وفي ت ٢: \"راعول\". والمثبت من تاريخ المصنف.\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢: \"فالح\"، وفي س، ف: \"فالخ\".\n(^٣) في ص، ت ١، س، ف: \"يأكلونه\".\n(^٤) في الأصل: \"وهو\".","vol":"12","page":473},{"text":"تَذكُرون اسمَ اللَّهِ على أوَّلِه، وتحمَدونه على آخرِه. فنظَر جبريلُ إلى ميكائيلَ فقال: حُقَّ لهذا أن يتَّخِذَه ربُّه خليلًا. ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾. يقولُ: لا يأكُلون، فَزِع منهم، وأوجَسَ منهم خِيفةً، فلما نَظَرت إليهم (^١) سارَةُ أنه قد أكرَمهم، وقامَت هي تخدُمُهم، ضَحِكت، وقالت: يا (^٢) عجَبًا لأضيافِنا هؤلاء، إنا نخدُمهم بأنفسِنا تَكرِمةً لهم، وهم لا يأكُلون طعامَنا (^٣)!\nوقال آخرون: بل ضَحِكت مِن أن قومَ لوطٍ في غفلةٍ وقد جاءتْ رسلُ اللَّهِ بإهلاكِهم (^٤).\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: لما أوجَسَ إبراهيمُ خِيفةً في نفسِه، حدَّثوه عند ذلك بما جاءوا فيه، فضَحِكت امرأتُه، وعَجِبت من أن قومًا أتاهم العذابُ وهم في غفلةٍ، فضَحِكت من ذلك وعَجِبت، فبشَّرْناها بإسحاقَ، ومن وراءِ إسحاقَ يعقوبَ (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ أنه قال: ضحِكت (^٦) تعجُّبًا مما فيه قومُ لوطٍ من الغفلةِ، ومما أتاهم من العذابِ (^٧).\nوقال آخرون: بل ضَحِكَت ظنًّا منها بهم أنهم يُريدون عَملَ قومِ لوطٍ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"إليه\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٤٩، ٢٥٠ سندًا ومتنًا. وتقدم جزء منه ص ٤٦٩.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"لهلاكهم\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٥٤ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٠ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٦) في الأصل: \"أضحكت\".\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٦ عن معمر به.","vol":"12","page":474},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني الحارثُ، ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ في قولِه: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾. قال: لمَّا جاءت الملائكةُ ظنَّت أنهم يُريدون أن يَعمَلوا كما يعملُ قومُ لوطٍ (^١).\nوقال آخرون: بل ضَحِكَت لِما رَأت بزوجِها إبراهيمَ من الرَّوعِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبيِّ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾. قال: ضَحِكَت حينَ راعُوا إبراهيمَ، مما رَأت من الرَّوعِ بإبراهيمَ (^٢).\nوقال آخرون: بل ضَحِكَت حينَ بُشِّرت بإسحاقَ؛ تعَجُّبًا من أن يكونَ لها ولدٌ على كِبرِ سنِّها وسنِّ زوجها.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، أنه سَمِع وهبَ بنَ منبهٍ يقولُ: لمَّا أتى الملائكةُ إبراهيمَ فَرَآهم، راعَه هيئتُهم وجَمالُهم، فسلَّموا عليه، وجَلَسوا إليه، فقامَ فأمَرَ بعجلٍ سمينٍ، فحُنِذَ له،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٦٥.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٦ عن معمر به. وذكر ابن كثير في تفسيره أن هذا القول والذي قبله ضعيفان جدا.","vol":"12","page":475},{"text":"فقرَّب إليهم الطعامَ، فلما رأى أيديَهم لا تَصِلُ إليه نَكِرهم وأوجَس منهم خيفةً، وسارَةُ وراءَ البيتِ تسمَعُ، قالوا: لا تخَفْ إنا نُبَشِّرُك بغلامٍ حليمٍ مباركٍ. فبشَّر به امرأتَه سارةَ، فضَحِكت وعَجِبت: كيف يكونُ لسنِّي (^١) ولدٌ، وأنا عجوزٌ وهو شيخٌ كبيرٌ؟! فقالوا: [لا تعجَبي] (^٢) من أمرِ اللَّهِ، فإنه قادرٌ على ما يشاءُ، فقد وَهَبه اللَّهُ لكم، فأبشِروا به (^٣).\nوقد قال بعضُ مَن كان يتأوَّلُ هذا التأويلَ: إن هذا من المُقدَّمِ الذي معناه التأخيرُ. كأنَّ معنى الكلامِ عندَه: وامرأتُه قائمةٌ، فبشَّرناها بإسحاقَ. ومِن وراءِ إسحاقَ يعقوبَ، فضَحِكت وقالت: يا ويلتا، ألِدُ (^٤) وأنا عجوزٌ؟!\nوقال آخرون: بل معنى قولِه: ﴿فَضَحِكَتْ﴾. في هذا الموضِع: حاضَت (^٥).\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، عن عليِّ بنِ هارونَ، عن عمرِو بنِ الأزهرِ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَضَحِكَتْ﴾. قال: حاضَت، وكانت ابنةَ بضعٍ وتسعين سنةً. قال: وكان إبراهيمُ ابنَ مائةِ سنةٍ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"لي\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أتعجبين\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٥٥ من طريق إسماعيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٣٩ إلى ابن المنذر، قال ابن كثير ٤/ ٢٦٥: وهذا مخالف لهذا السياق فإن البشارة صريحة مرتبة على ضحكها. اهـ.\n(^٤) في م، ت ١: \"أألد\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"فحاضت\"، وفي ف: \"فحضت\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٠ إلى المصنف.","vol":"12","page":476},{"text":"وقال آخرون: بل ضَحِكت سرورًا بالأمنِ منهم، لمَّا قالوا لإبراهيمَ: ﴿لَا تَخَفْ﴾. وذلك أنه قد كان خافَهم، وخافَتهم هي (^١) أيضًا، كما خافَهم إبراهيمُ، فلما أَمِنت ضَحِكت، فأتبَعوها البشارةَ بإسحاقَ.\nوقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ من الكوفيِّين (^٢) يزعُمُ أنه لم يسمَعْ \"ضَحِكت\" بمعنى \"حاضَت\" من ثقةٍ.\nوذكَر بعضُ أهلِ العربية من البصريِّين أن بعضَ أهلِ الحجازِ أخبَره عن بعضِهم أن العربَ تقولُ: ضَحِكَت المرأةُ: حاضَت. قال: وقد قالوا (^٣): الضحكُ الحيضُ.\nو(^٤) قال بعضُهم: الضحكُ العَجَبُ. وذَكَر بيتَ أبي ذؤيبٍ (^٥):\nفجاءَ بِمزجٍ (^٦) لم يَرَ الناسُ مثلَه … هو الضَّحكُ إِلا أنَّه عمَلُ النَّحلِ\nوذَكر أن بعضَ أصحابِه أنشَده في الضحكِ بمعنى الحيضِ (^٧):\nوضِحكُ الأرانبِ فوقَ الصَّفا … كمثلِ دَمِ الجَوفِ يومَ اللِّقا\nقال: وذَكَر له بعضُ أصحابِه أنه سَمِعَ للكُميتِ (^٨):\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٢.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢. س، ف: \"قد\".\n(^٥) ديوان الهذليين ١/ ٤٢.\n(^٦) المزج: العسل. شرح أشعار الهذليين ١/ ٩٦.\n(^٧) البيت بلا نسبة في اللسان (ض ح ك).\n(^٨) شعر الكميت ٢/ ١٢٥.","vol":"12","page":477},{"text":"فأضحَكتِ الضِّباعَ سُيُوفُ سعدٍ … بقَتلى ما دُفِنَّ ولا وُدِينَا (^١)\nوقال: يريدُ الحيضَ.\nقال: وبَلحارثُ بنُ كعبٍ يقولون: ضَحِكت النخلةُ، إذا أخرَجت الطَّلعَ أو البُسرَ. وقالوا: الضَّحْكُ: الطلعُ. قال: وسَمِعنا من يحكِي: أضحَكتُ حوضًا. أي ملَأتُه حتى فاضَ. قال: وكأنَّ المعنى قريبٌ بعضُه من بعضٍ كلُّه؛ لأنه كأنه شيءٌ يمتلئُ فيَفيضُ.\nوأولى الأقوالِ التي ذُكِرت في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: معنى قولِه: ﴿فَضَحِكَتْ﴾: فعجِبت من غفلةِ قومِ لوطٍ عما أظلَّهم (^٢) مِن عذابِ اللَّهِ، وغفلتِهم (^٣) عنه.\nوإنما قلنا: هذا القولُ أولى بالصوابِ؛ لأنه ذُكِر عقيبَ قولِهم لإبراهيمَ: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾. فإذا كان ذلك كذلك، وكان لا وجهَ للضحكِ والتعجبِ من قولِهم لإبراهيمَ: ﴿لَا تَخَفْ﴾. كان الضَّحِكُ والتعجُّبُ، إنما هو من أمرِ قومِ لوطٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4323>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾. يقولُ ﷿: فبشَّرنا سارةَ امرأةَ إبراهيمَ، ثوابًا منَّا لها على نَكيرِها وتعجُّبِها من فعلِ قومِ لوطٍ - بإسحاقَ ولدًا لها، ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾. يقولُ: ومن</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"درينا\". وودن الشيء: بلَّه. اللسان (ود ن).\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"قد أحاط بهم\".\n(^٣) في م: \"غفلته\".","vol":"12","page":478},{"text":"خلفِ إسحاقَ بيعقوبَ (^١) من ابنِها إسحاقَ.\nوالوراءُ في كلام العربِ: ولدُ الولدِ، وكذلك تأوَّلَه أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾. قال: الوراءُ، ولدُ الولدِ (^٢).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ ومحمدُ بنُ المثنى، قال كلُّ واحدٍ منهما: حدَّثني أبو الْيسَعَ إسماعيلُ بنُ حمادِ بنِ أبي المغيرةِ، مولى [أبي موسى] (^٣) الأشعريِّ، قال: كنتُ إلى جنب جدِّي أبي المغيرةِ بنِ مِهرانَ في مسجدِ عليِّ بنِ زيدٍ، فمرَّ بنا الحسنُ بنُ أبي الحسنِ، فقال: يا أبا المغيرةِ، مَن هذا الفتى؟ قال: ابني مِن وراءٍ (^٤). فقال الحسنُ: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ ومحمدُ بنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بن أبي عديٍّ، قال (^٥): ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾. قال: [الوراءُ هو ولدُ الولدِ] (^٦).\nحدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينَ، قال: ثنا خالدٌ، عن داودَ، عن عامرٍ في قولِه:\n_________\n(^١) في ص، م، ف: \"يعقوب\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٥٦ من طريق داود به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤١ لابن الأنباري.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) في م: \"ورائي\".\n(^٥) في الأصل: \"قالا\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ولد الولد هو الوراء\".","vol":"12","page":479},{"text":"﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾. قال: الوَراءُ: ولدُ الولدِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ مثلَه.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو (^٢) عمرٍو الأزديُّ، قال: سمِعتُ الشعبيَّ يقولُ: ولدُ الولدِ هم الولدُ من الوَراءِ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، قال: جاء رجلٌ إلى ابنِ عباسٍ ومعه ابنُ ابنِه، فقال: من هذا معك؟ قال: هذا ابنُ ابني. قال: هذا ابنُك (^٣) من الوَراءِ. قال: فكأنه شقَّ [ذلك على] (^٤) الرجلِ، فقال ابنُ عباسٍ: إن اللَّهَ يقولُ: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾. فولدُ الولدِ هم الولدُ (^٥) من الوَراءِ (^٦).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لمَّا ضَحِكت سارَةُ وقالت: عجبًا لأضيافِنا هؤلاء، إنا نخدُمُهم بأنفسِنا تكرِمةً لهم، وهم لا يأكُلون طعامَنا! قال لها جبريلُ: أبشرِي بولدٍ اسمُه إسحاقُ، ومن وراءِ إسحاقَ يعقوبَ. فضَرَبت جبهتَها (^٧) عَجَبًا. فذلك قولُه: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ [الذاريات: ٢٩]. وقالت: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٩٦ - تفسير) عن خالد به.\n(^٢) سقط ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ولدك\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، س، ف: \"على ذلك\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٥٦ من طريق حبيب به.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وجهها\".","vol":"12","page":480},{"text":"الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾. قالت سارةُ لجبريلَ (^١): ما آيةُ ذلك؟ قال: فأخَذَ بيدِه عودًا يابِسًا فلَواه بينَ أصابعِه، فاهتَزَّ أخضرَ. فقال إبراهيمُ: هو للَّهِ إذن ذبيحًا (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ﴿فَضَحِكَتْ﴾. يعني: سارةُ لمَّا عَرَفت من أمرِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه، ولِما تعلمُ من قومِ لوطٍ، فبشَّروها بإسحاقَ، ومن وَراءِ إسحاقَ يعقوبَ؛ بابنٍ وبابنِ ابنٍ، فقالت وصَكَّت وجهَها. يُقالُ: ضَرَبتْ على جَبينها: ﴿يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ (^٣) وَأَنَا عَجُوزٌ﴾، إلى قولِه: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ (^٤).\nواختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: (ومن ورَاءِ إسحاقَ يعقوبُ) برفعِ يعقوبَ (^٥)، بنيَّةِ (^٦) ابتداءِ الكلامِ بقولِه: (ومن ورَاءِ إسحاقَ يعقوبُ)، وذلك وإن كان خبرًا مبتدأً، ففيه دلالةٌ على معنى التبشيرِ (^٧).\nوقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ والشامِ: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ نصبًا (^٨).\nفأما الشاميُّ منهما، فذُكِر أنه كان يَنحو بـ \"يعقوبَ\" نحوَ النصبِ، بإضمارِ فعلٍ آخرَ مُشاكِلٍ للبشارةِ، كأنه قال: ووهَبنا لها (^٩) من وَراءِ إسحاقَ يعقوبَ، فلما لم يظهَرْ \"وَهَبنا\"، عَمِل فيه التبشيرُ (^١٠)، وعُطِف به (^١١) على موضعِ إسحاقَ، إذ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٧٢، ٢٧٣ سندًا ومتنًا.\n(^٣) في الأصل: \"ألد\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٤٩ سندًا ومتنًا.\n(^٥) هذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر عنه. السبعة ص ٣٣٨.\n(^٦) في ص، ت ٢: \"بقية\"، وفي م: \"يعيد\"، وفي ف: \"لغة\".\n(^٧) في الأصل: \"التبمثير\"، وفي: ص، ت ٢: \"التبشر\".\n(^٨) هذه قراءة ابن عامر وحمزة، وعاصم في رواية حفص عنه. السبعة ص ٣٣٨.\n(^٩) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"له\".\n(^١٠) في ص، ت ٢: \"التبشر\".\n(^١١) في الأصل: \"له\".","vol":"12","page":481},{"text":"كان إسحاقُ وإن كان مخفوضًا (^١)، فإنه بمعنى المنصوبِ، بعملِ \"بشَّرنا\" فيه، كما قال الشاعرُ جريرٌ (^٢):\nجِئْني بمِثلِ بني بَدرٍ لقومِهم … أو مِثلِ أُسرةِ منظورِ بنِ سيَّارِ\nأو عامرِ بنِ طُفيلٍ في مُركَّبِه … أو حارِثًا يومَ نادى القومُ يا حَارِ (^٣)\nوأما الكوفيُّ منهما، فإنه قرَأه بتأويلِ الخفضِ، فيما ذُكر عنه، غيرَ أنه نَصَبه لأنه لا يُجرَى.\nوقد أنكَر ذلك أهلُ العلمِ بالعربيةِ، من أجلِ دخولِ الصفةِ (^٤) بينَ حرفِ العطفِ والاسمِ، وقالوا: خطأٌ أن يقالَ: مررتُ بعمرٍو في الدارِ، وفي البيتِ زيدٍ. وأنت عاطفٌ بزيدٍ على عمرٍو، إلا بتكريرِ (^٥) الباءِ وإعادتِها، فإن لم تُعَدْ كان وجهُ الكلامِ عندَهم الرفعَ، وجازَ النصبُ، فإن قُدِّم الاسمُ على الصفةِ جازَ حينَئذٍ الخفضُ، وذلك إذا قيل (^٦): مَررْتُ بعمرٍو في الدارِ، وزيدٍ في البيتِ. وقد أجازَ الخفضَ، والصفةُ معترضةٌ بينَ حرفِ العطفِ والاسمِ، بعضُ نحويِّي أهلِ (^٧) البصرةِ.\n_________\n(^١) في ت ١، ف: \"محفوظا\"\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) البيتان في ديوان جرير ١/ ٢٣٧، ٢٣٨. والرواية فيه: \"أو حارث\" بالخفض وعليها فلا شاهد فيهما.\n(^٤) أي حرف الجر. ينظر مصطلحات النحو الكوفي ص ٢٧.\n(^٥) في الأصل: \"بتقدير\".\n(^٦) في م: \"قلت\".\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":482},{"text":"وأولى القراءتَين في ذلك بالصوابِ عندي قراءةُ مَن قرَأه رفعًا (^١)؛ لأن ذلك هو الكلامُ المعروفُ من كلامِ العربِ، والذي لا يَتَناكرُه أهلُ العلمِ بالعربيةِ، وما عليه قرأةُ الأمصارِ. فأما النصبُ فيه، فإن له وجهًا (^٢)، غيرَ أني لا أحبُّ القراءةَ به؛ لأن كتابَ اللَّهِ نَزَل بأفصحِ ألسُنِ العربِ، والذي هو أولى [بأهلِ العلمِ] (^٣) [أن يتلوه] (^٤) بالذي نزَل به من (^٥) الفصاحةِ.\n\n<span id=\"aya-1545\"></span><span data-type='title' id=toc-4324>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قالت سارةُ لما بُشِّرَت بإسحاقَ أنها تَلِدُ، تَعَجُّبًا مما قيل لها من ذلك، إذ كانت قد بَلَغت السنَّ التي لا يَلِدُ من كان قد بلَغَها من الرجالِ والنساءِ، وقيل: إنها كانت يومَئذٍ ابنةَ تسعٍ وتسعين سنةً، وإبراهيمُ ابنَ مائةِ سنةٍ. وقد ذكرتُ الروايةَ بما (^٦) رُوى في ذلك عن مجاهدٍ قبلُ (^٧).\nوأما ابنُ إسحاقَ، فإنه قال [في ذلك ما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال] (^٨): كانت سارَةُ [يومَ بُشِّرت بإسحاقَ] (^٩)، فيما ذكَر لي بعضُ\n_________\n(^١) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٢) في ت ٢: \"وجهان\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بالعلم\".\n(^٥) سقط من: الأصل.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فيما\".\n(^٧) ينظر ص ٤٧٦.\n(^٨) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٩) سقط من: الأصل.","vol":"12","page":483},{"text":"أهلِ العلمِ، ابنةَ تسعين سنةً، وإبراهيمُ ابنَ عشرين ومائةِ سنةٍ (^١) -: ﴿يَاوَيْلَتَى﴾، وهي كلمةٌ تقولُها العربُ عندَ التعجبِ مِن الشيءِ، أو الاستنكارِ للشيءِ، فيقولون عندَ التعجبِ: ويلُ امِّه رجلًا ما أرجَلَه!\nوقد اختلَف أهلُ العربيةِ في هذه الألفِ التي في ﴿يَاوَيْلَتَى﴾.\nفقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: هذه ألفٌ خفيفةٌ (^٢)، إذا وقفتَ قلتَ: يا ويلتاه. وهى مثلُ ألفِ النُّدبةِ، فلُطِّفت من أن تكونَ في السَّكتِ، وجُعِلت بعدَها الهاءُ لتكونَ أبينَ لها وأبعدَ في الصوتِ؛ وذلك أن الألفَ إذا كانت بينَ حرفَين، كان لها صدًى، كنحوِ الصوتِ يكونُ في جوفِ الشيءِ فيتردَّدُ فيه، فيكونُ أكثرَ وأبينَ.\nوقال غيرُه: هذه ألفُ النُّدبةِ، فإذا وقفتَ عليها فجائزٌ. وإن وقفتَ على الهاءِ فجائزٌ. وقال: ألا تَرَى أنهم قد وَقَفوا على قولِه: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ [الإسراء: ١١]، فحَذَفوا الواو وأثبَتوها (^٣)، وكذلك: ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤] بالياءِ، وغيرِ الياءِ (^٤). قال: وهذا أقوى من ألفِ النُّدبةِ وهائِها.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا، أن هذه الألفَ ألفُ النُّدبةِ، والوقفُ عليها بالهاءِ وغيرِ الهاءِ جائزٌ في الكلامِ؛ لاستعمالِ العربِ ذلك في كلامِها.\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٤٩ عن ابن حميد به، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٥٦ من طريق سلمة عن ابن إسحاق بنحوه.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"حقيقة\".\n(^٣) القرأة جميعهم على حذف الواو في: ﴿وَيَدْعُ﴾ وصلا ووقفا إتباعا للرسم، غير أن يعقوب الحضرمي كان يثبتها في الوقف. الإتحاف ص ١٧١.\n(^٤) قرأ بإثبات الياء وصلا: نافع وأبو عمرو والكسائي وأبو جعفر المدني. وقرأ بإثباتها في الحالين ابن كثير ويعقوب الحضرمي. الإتحاف ص ١٧٨، والبحر ٦/ ١٤٧.","vol":"12","page":484},{"text":"وقولُها (^١): ﴿أَأَلِدُ (^٢) وَأَنَا عَجُوزٌ﴾. تقولُ: أنَّى يكونُ لي ولدٌ ﴿وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾. والبعلُ في هذا الموضعِ الزوجُ، وسُمِّيَ بذلك لأنه قَيِّمُ أمرِها، كما سَمَّوا مالكَ الشيء بعلَه، وكما قالوا للنخلِ الذي (^٣) يستَغنِي (^٤) بماءِ السماءِ عن سَقيِ ماءِ الأنهارِ والعيونِ: البعلُ؛ لأن مالكَ الشيءِ القيِّمُ به، والنخلُ البعلُ، بماءِ السماءِ حياتُه.\nوقولُه: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. يقولُ جلَّ ذِكره: إن كونَ الولدِ من مِثلي ومثلِ بَعْلي، على السنِّ التي نحن بها، لشيءٌ عجيبٌ. ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. يقولُ ﷿: قالت الرسلُ لها: أتعجَبين مِن أمرٍ (^٥) أمَر اللَّهُ به أن يكونَ، وقضاءٍ قَضاه اللَّهُ فيكِ وفي بعلِك؟!\n\n<span id=\"aya-1546\"></span>وقولُه: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾. يقولُ: رحمةُ اللَّهِ وسعادتُه لكم أهلَ بيتِ إبراهيمَ. وجُعِلت الألفُ واللامُ خَلَفًا من الإضافةِ. وقولُه: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ ﷿ محمودٌ في تَفَضُّلِه عليكم بما تفضَّلَ به من النِّعَمِ عليكم (^٦) وعلى سائرِ خلقِه، ﴿مَجِيدٌ﴾. يقولُ: ذو مجدٍ ومَدحٍ وثناءٍ كريمٍ. يقالُ في \"فَعُلَ\" منه: مَجُدَ الرجلُ يَمجُدُ مَجادةً. إذا صارَ كذلك. وإذا أردتَ أنك مَدَحتَه قلتَ: مجَّدتُه تمجيدًا.\n\n<span id=\"aya-1547\"></span><span data-type='title' id=toc-4325>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى</span>\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قوله\".\n(^٢) في الأصل، ت ١، ت ٢: \"ألد\". وفي س: \"آلد\".\n(^٣) في م: \"التي\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يسقى\".\n(^٥) سقط من: الأصل، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٦) في الأصل: \"عليك\". وفي ص، ف: \"على\".","vol":"12","page":485},{"text":"يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)﴾.\nيقولُ ﷿: فلما ذَهَب عن إبراهيمَ الخوفُ الذي أوجَسَه في نفسِه مِن رُسُلِنا، حينَ رأى أيديَهم لا تَصِلُ إلى طعامِه، وأَمِنَ أن يكونَ قُصِد في نفسِه وأهلِه بسوءٍ، ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بإسحاقَ - ظلَّ ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال بعضُ (^١) أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾. يقولُ: ذَهَب عنه الخوفُ، ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بإسحاقَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بإسحاقَ، ويعقوبَ - ولدٌ من صُلبِ إسحاقَ - وأمِن مما كان يخافُ، قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (^٣) [إبراهيم: ٣٩]. وقد قيل: معنى ذلك: وجاءته البُشرى؛ أنهم ليسوا إياه يريدون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾. قال: حينَ أخبَروه أنهم أُرسلوا إلى قومِ لوطٍ، وأنهم ليسوا إياه\n_________\n(^١) سقط من ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٥٧ من طريق سعيد بن بشير عنه به، بشطره الأول، وأخرجه أيضًا ٦/ ٢٠٥٧ من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه به بشطره الثاني، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤١ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٤٩ سندًا ومتنًا.","vol":"12","page":486},{"text":"يريدون (^١).\nقال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: قال (^٢) معمرٌ. وقال آخرون: بشِّر بإسحاقَ (^٣).\nوأما ﴿الرَّوْعُ﴾ فهو الخوفُ، يقالُ منه: راعَني كذا يَرُوعُني رَوعًا. إذا خافَه. ومنه قولُ النبيِّ ﷺ لرجلٍ (^٤): \"كيف لك برَوْعةِ المؤمنِ؟ \" (^٥): ومنه قولُ عنترةَ (^٦):\nما رَاعَني إِلَّا حَمولَةُ أهلِها … وَسْطَ الدِّيارِ تَسَفُّ حبَّ الخِمخِمِ (^٧)\nبمعنى: ما أفزغَني.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الرَّوْعُ﴾: الفَرَقُ.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٨ عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٥٧ من طريق محمد بن عبد الأعلى به. وليس عنده: \"أنهم ليسوا إياه يريدون\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤١ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) في م: \"ثنا\"، وفي ف: \"ثنا محمد بن\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٨ عن معمر به.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٢١ من حديث زيد بن ثابت بمعناه.\n(^٦) البيت في شرح ديوان عنترة ص ١٢٣.\n(^٧) الخمخم: نبت له شوك دقيق لصاق بكل ما يتعلق. التاج (خ م م).","vol":"12","page":487},{"text":"قال: وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾. قال: الفَرَقُ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال (^٢): أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾. [قال: الفَرَقُ] (^٣) (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ] (^٣)﴾. يقولُ (^٥): ذَهب عنه الخوفُ (^٦).\nوقولُه: ﴿يُجَادِلُنَا﴾: يُخاصِمُنا.\nكما حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (^٧): ﴿يُجَادِلُنَا﴾. قال (^٨): يُخاصِمُنا.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٥٧ من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤١ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) في الأصل: \"وقال\".\n(^٣) سقط من: الأصل، ت ١.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٤، ٣٠٥.\n(^٥) في م: \"قال\".\n(^٦) بعده في م، ص، ت ٢، س، ف: \"في قوم لوط يقول\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٥٧ من طريق سعيد بن بشير، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤١ إلى ابن المنذر.\n(^٧) سقط من: الأصل.\n(^٨) سقط من: م.\n(^٩) بعده في الأصل: قال: وحدثنا إسحاق قال ثنا عبد الله عن ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهد. وتقدم ذلك قبل قليل. والأثر في تفسير مجاهد ص ٣٨٩، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٥٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤١ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"12","page":488},{"text":"وزَعَم بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ أن معنى قولِه: ﴿يُجَادِلُنَا﴾: يُكلِّمُنا، وقال: لأن إبراهيمَ لا يُجادلُ اللَّهَ، إنما يسألُه ويطلبُ إليه (^١). وهذا من الكلامِ جهلٌ؛ لأن اللَّهَ ﷿ أخبرَنا في كتابهِ أنه يُجادِلُ في قومِ لوطٍ، فقولُ القائلِ: إبراهيمُ لا يُجادِلُ اللَّهَ (^٢) - مُوهِمًا بذلك أن قولَ من قال في تأويلِ قولِه: ﴿يُجَادِلُنَا﴾. يُخاصمُنا، أن إبراهيم كان يُخاصِمُ ربَّه - جهلٌ من الكلامِ، وإنما كان جِدالُه الرسلَ على وجهِ المُحاجَّةِ لهم. ومعنى ذلك: وجاءته البُشرى يُجادِلُ رُسُلَنا، ولكنه لمّا عُرِف المرادُ من الكلامِ حَذَف الرُّسُلَ.\nوكان جدالُه إياهم كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، قال: ثنا جعفرٌ، عن سعيدٍ: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾. قال: لما جاءه (^٣) جبريلُ ومن معه قالوا لإبراهيم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١]. قال لهم إبراهيمُ: أتُهلِكون قريةً فيها أربعُمائةِ (^٤) مؤمنٍ؟ قالوا: لا. قال: أفتُهلكون قريةً فيها ثلاثُمائةِ مؤمنٍ؟ قالوا: لا. قال أفتُهلكون قريةً فيها مائتا مؤمنٍ؟ قالوا: لا. قال: أفتُهلكون قريةً فيها أربعون مؤمنًا؟ قالوا: لا. قال: أفتُهلكون قريةً فيها أربعةَ عشرَ مؤمنًا؟ قالوا: لا. قال (^٥): وكان إبراهيمُ يَعُدُّهم أربعةَ عشرَ بامرأةِ لوطٍ، فسكَتَ عنهم واطمأنَّت نفسُه (^٦).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ\n_________\n(^١) في م، ف: \"منه\". وفي ت ١، ت ٢، س: \"الله\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في م: \"جاء\".\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"مائة\". والمثبت موافق لما في مصدر التخريج.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٩٧ عن ابن حميد به، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٥٨ من طريق يعقوب به.","vol":"12","page":489},{"text":"جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال المَلَكُ لإبراهيمَ: إن كان فيها خمسةٌ يُصلُّون، رُفِع عنهم العذابُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾: ذُكر لنا أن مُجادلتَه إيَّاهم أنه قال لهم: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المؤمنين، أمُعذِّبُوها أنتم؟ قالوا: لا. حتى صار ذلك إلى عشرةٍ. قال: أرأيتُم إن كان فيها عشرةٌ، أمُعذِّبوهم أنتم؟ قالوا: لا وهي ثلاثُ قرًى، فيها ما شاء اللَّهُ من الكثرةِ والعددِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾. قال: بَلَغنا أنه قال لهم يومَئذٍ: أرأيتُم إن كان فيهم خمسون من المسلمين؟ قالوا: وإن كان فيهم (^٢) خمسون [من المسلمين] (^٣) لم نعذِّبْهم. قال: و(^٤) وأربعون؟ قالوا: وأربعون. قال: ثلاثون؟ قالوا: و(^٥) ثلاثون. حتى بَلَغ عشرةً. قالوا: وإن كان فىهم عشرةٌ. قال: ما قومٌ لا يكونُ فيهم عشرةٌ فيهم خيرٌ (^٦).\nقال ابنُ عبدِ الأعلى: قال محمدُ بنُ ثورٍ: قال معمرٌ: وبَلَغنا أنه كان في قريةِ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٩٨ سندًا ومتنًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٢ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"فيها\".\n(^٣) سقط من: الأصل، ص، م، ت ١، س، ف.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٩٨ عن محمد بن عبد الأعلى به، وعبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٠٨، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ١٤/ ٦٣٥ (مخطوط) عن معمر عن قتادة من قوله دون قوله: بلغنا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤١ إلى أبي الشيخ.","vol":"12","page":490},{"text":"لوطٍ أربعةُ آلافِ ألفِ إنسانٍ، أو ما شاء اللَّهُ من ذلك (^١).\nوحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ - ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الحجر: ٥٧]؟ قالوا: إنا أُرسِلنا إلى قومِ لوطٍ. فجادَلهم في قومِ لوطٍ. فقال: أرأيتُم إن كان فيها مائةٌ من المسلمين أتُهلِكونهم؟ قالوا: [لا. قال] (^٢): فلم يَزَلْ يحُطُّ، حتى بلَغ عشرةً من المسلمين. فقالوا: لا تُعذِّبُهم إن كان فيهم عشرةٌ من المسلمين. ثم قالوا: يا إبراهيمُ أعرِض عن هذا، إنه ليس فيها إلا أهلُ بيتٍ مِن المؤمنين، هو لوطٌ وأهلُ بيتِه، وهو قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾. فقالت الملائكةُ: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾. يعني: إبراهيمَ، جادلَ عن قومِ لوطٍ، [ليَرُدَّ عنهم] (^٣) العذابَ. قال: فيزعُمُ أهلُ التوراةِ أن مُجادلةَ إبراهيمَ إيَّاهم، حينَ جادلَهم في قومِ لوطٍ، ليَرُدَّ عنهم العذابَ، إنما قال للرسُلِ فيما يُكلِّمهم به: أرأيتُم إن كان فيهم مائةُ مؤمنٍ أتُهلِكونهم؟ قالوا: لا. قال: أفرأيتُم إن كانوا تسعين؟ قالوا: لا. قال: أفرأيتُم إن كانوا ثمانين؟ قالوا: لا. قال: أفرأيتُم إن كانوا سبعين؟ قالوا: لا. قال أفرأيتُم إن كانوا ستين؟ قالوا: لا. قال: أفرأيتُم إن كانوا خمسين؟ قالوا: لا. قال\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٩ عن معمر به.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ت ١، س: \"لروعهم\"، وفي ف: \"ليروعهم\".","vol":"12","page":491},{"text":": أفرأيتُم إن كان رجلًا واحدًا مسلمًا؟ قالوا: لا. قال: فلما لم يذكروا لإبراهيمَ أن فيها مؤمنًا واحدًا قال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾. يدفَعُ به عنهم العذابَ. ﴿قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢]. قالوا: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال إبراهيمُ: أتُهلِكونهم إن وجدتُم فيها (^١) مائةَ مؤمنٍ؟ ثم تسعين (^٢)، حتى هبَط إلى خمسةٍ. قال: وكان في قريةِ لوطٍ أربعةُ آلافِ ألفٍ.\nحدَّثني محمدُ بن عوفٍ، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا صفوانُ، قال: ثنا أبو المُثنَّى ومسلمٌ أبو حِسْبةَ (^٣) الأشجعيُّ، قالا: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال إبراهيمُ: أتعذِّبُ عالَمًا من عالمِك كثيرًا وفيهم مائةُ رجلٍ يعبدُك (^٤)؟ قال: لا وعزَّتي، ولا خمسين. قال: فأربعين؟ فثلاثين؟ حتى انتهى إلى خمسةٍ. قال: لا وعزَّتي، لا أُعذِّبُهم، ولو كان فيهم خمسةٌ يَعبُدُونني. قال اللَّهُ ﷿: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (^٥) [الذاريات: ٣٦] لوطًا وابنتَيه. قال: فحلَّ\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، س، ف: \"فيهم\".\n(^٢) في الأصل: \"سبعين\".\n(^٣) في الأصل: \"الجميل\"، وفي ص، م: \"الحبيل\"، وفي ت ١، ت ٢: \"الخيل\"، وفي ف س: \"الحل\". وفي مصدر التخريج: \"الحميل\". والمثبت من الإكمال ٢/ ٤٧١، ومؤتلف الدارقطني ٢/ ٦٧٧، ٦٧٨، وتبصير المنتبه ١/ ٤٤٠.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أي\".","vol":"12","page":492},{"text":"بهم (^١) العذابُ. قال اللَّهُ ﷿: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧]. وقال: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا﴾ (^٢).\nوالعربُ لا تكادُ تتَلقَّى \"لمَّا\"، إذا وَلِيها فعلٌ ماضٍ، إلا بماضٍ، يقولون: لمَّا قامَ قُمتُ. ولا يكادون يقولون: لمَّا قامَ أقومُ. وقد يجوزُ فيما كان من الفعلِ له تَطاوُلٌ، مثلَ الجدالِ والخصومةِ والقتالِ، فيقولون في ذلك: لمَّا لَقِيتُه أقاتِلُه. بمعنى: قاتلتُه (^٣).\n\n<span id=\"aya-1548\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن إبراهيمَ لبَطِيءُ الغضبِ، متذلِّلٌ لربِّه، خاشعٌ له، مُنقادٌ لأمرِه، ﴿مُنِيبٌ﴾ رَجَّاعٌ إلى طاعتِه.\nكما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾. قال: القانِتُ الرجَّاعُ.\nوقد بيَّنَّا معنى الأوَّاهِ فيما مضَى، باختلافِ المختلفِين، والشواهدَ على الصحيحِ منه عندَنا من القولِ بما أغنَى عن إعادتِه (^٤).\n\n<span id=\"aya-1549\"></span><span data-type='title' id=toc-4326>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ف: \"من\".\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٤/ ٦٣٥ (مخطوط) من طريق أبي المغيرة به حتى قوله: \"ابنتيه\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"جعلت أقاتله\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٣٣ - ٤٦.","vol":"12","page":493},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قولِ رُسُلِه لإبراهيمَ: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾. وذلك قيلُهم له حينَ جادلَهم في قومِ لوطٍ، فقالوا له: دع عنك الجِدالَ في أمرِهم، والخُصومةَ فيه، فإنه قد جاء أمرُ ربِّك بعذابِهم، وحقَّ عليهم كلمةُ العذابِ، ومضَى فيهم بهلاكِهم القضاءُ، ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾. يقولُ: وإن قومَ لوطٍ نازلٌ بهم عذابٌ من اللَّهِ غيرُ مدفوعٍ عنهم (^١)، وقد ذكَرنا (^٢) الروايةَ بما ذَكرنا فيه عمن ذُكِر ذلك عنه (^٣).\n\n<span id=\"aya-1550\"></span><span data-type='title' id=toc-4327>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: ولمَّا جاءت ملائكتُنا لوطًا، ساءَه مَجِيئُهم، وهو \"فُعِل\"، مِن السُّوءِ، ﴿وَضَاقَ بِهِمْ﴾. بمجيئِهم (^٤)، ﴿ذَرْعًا﴾. يقولُ: وضاقَت نفسُه غَمًّا بمَجيئِهم. وذلك أنه لم يكُنْ يعلمُ أنهم رُسُلُ اللَّهِ في حالِ ما ساءَه مجيئُهم، وعلِم مِن قومِه ما هم عليه مِن إتْيانِهم الفاحشةَ، وخافَهم (^٥) عليهم، فضاقَ مِن أجلِ ذلك لمَجيئِهم (^٦) ذَرْعًا، وعلِم أنه سيحتاجُ إلى المُدافعةِ عن أضْيافِه؛ ولذلك قال: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في م، ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ذكر\".\n(^٣) بعده في ت ٢: \"بما أغنى عن إعادته\". وينظر ما تقدم في ١٠/ ٣٠٩، ٣١٠.\n(^٤) في الأصل: \"بمجيئه\".\n(^٥) في ص، م، ف: \"خاف\".\n(^٦) في ص، م، ف: \"بمجيئهم\".","vol":"12","page":494},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾. يقولُ: ساءَ ظَنًّا بقومِه، وضاقَ ذرعًا بأضْيافِه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن حذيفةَ، أنه قال: لما جاءتِ الرسلُ لوطًا أتَوه وهو في أرضٍ له يعملُ فيها، وقد قيل لهم، واللَّهُ أعلمُ: لا تُهْلِكوهم حتى يَشْهَدَ عليهم (^٢) لوطٌ. قال: فأتَوه فقالوا: إنا مُتَضَيِّفوك (^٣) الليلةَ. فانطَلَق بهم، فلما مشَى (^٤) ساعةً التفَتَ، فقال: أمَا تَعْلَمون ما يعملُ أهلُ هذه القريةِ؟ واللَّهِ ما أعلمُ على ظهرِ الأرضِ أُناسًا أخبثَ منهم. قال: فمضَى معهم. ثم قال الثانيةَ مثلَ ما قال، فانطَلَق بهم، فلمَّا بَصُرَت بهم (^٥) عجوزُ السَّوْءِ امرأتُه، انطَلَقَت فأنْذَرَتهم (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال حذيفةُ، فذكَر نحوَه (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦١ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٢ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في الأصل: \"نتضيفوك\".\n(^٤) في م، ف: \"مضى\".\n(^٥) في ت ١، س، ف: \"به\".\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٩٨، ٢٩٩.\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٧ عن معمر به، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٤/ ٦٣٦ (مخطوط) من طريق محمد بن حماد عن عبد الرزاق به، بدون ذكر حذيفة فيه.","vol":"12","page":495},{"text":"حدَّثنا ابنُ (^١) حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ (^٢)، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلَائيُّ، عن سعيدِ بنِ بشيرٍ، عن قتادةَ، قال: أَتَتِ الملائكةُ لوطًا وهو في مَزْرعةٍ له، وقال اللَّهُ لملائكتِه (^٣): إن شهِد لوطٌ عليهم أربعَ شهاداتٍ، فقد أَذِنْتُ لكم في هَلَكتِهم. فقالوا: يا لوطُ، إنا نريدُ أن نَضِيفَك الليلةَ. فقال: وما بلَغكم (^٤) أمرُهم؟ قالوا: وما أمْرُهم؟ فقال: أشهدُ باللَّهِ إنها لشَرُّ قريةٍ في الأرضِ عملًا. يقول ذلك أربعَ مراتٍ، فشَهِد عليهم لوطٌ أربعَ شهاداتٍ، فدخَلوا معه منزلَه (^٥).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: خرَجت الملائكةُ مِن عندِ إبراهيمَ نحوَ قريةِ لوطٍ، فأَتَوها نصفَ النهارِ، فلمَّا بلَغوا نهرَ سَدُومَ لَقُوا ابنةَ لوطٍ تَسْتَقِي مِن الماءِ لأهلِها، وكانت له ابنتان، اسمُ الكُبرى ريثا، والصُّغْرى زُغرتا (^٦)، فقالوا لها: يا جاريةُ، هل مِن منزلٍ؟ قالت: نعم، فَمكانَكم لا تدخُلوا حتى آتِيَكم. فَرِقَتْ عليهم مِن قومِها فأتَتْ أباها، فقالت: يا أبتاه، أرادَك فِتْيانٌ على بابِ المدينةِ، ما رأيتُ وجوهَ قومٍ أحسنَ منهم، لا يأخُذْهم قومُك\n_________\n(^١) في الأصل: \"أبو\".\n(^٢) في الأصل: \"بشر\". ينظر تهذيب الكمال ٧/ ٨٩.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"للملائكة\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"بلغك\"، وبعده في ص، م: \"من\".\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٩٩.\n(^٦) في الأصل: \"زعرتا\"، وفي تاريخ الطبري: \"رعزيا\"، وفي البداية والنهاية ١/ ٤١٦: \"دغوثا\".","vol":"12","page":496},{"text":"فيَفْضَحوهم - وقد كان قومُه نَهَوه أن يُضِيفَ رجلًا، فقالوا: خَلِّ عَنَّا فلنُضِفِ الرجالَ - فجاء بهم، فلم يعلَمْ أحدٌ إلا أهلُ بيتِ لوطٍ، فخرَجت امرأتُه، فأخْبَرَت قومَها، قالت: إن في بيتِ لوطٍ رجالًا ما رأيتُ (^١)؛ مثلَ وجوهِهم قَطُّ. فجاءه قومُه يُهْرَعون إليه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: خرَجت الرسلُ - فيما يزعمُ أهلُ التوراةِ - مِن عند إبراهيمَ إلى لوطٍ بالمؤتفِكةِ، فلما جاءتِ الرسلُ لوطًا سِيءَ بهم، ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾، وذلك مِن خوفِ (^٣) قومِه عليهم، أن يَفْضَحُوه في ضيفِه، فقال: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾.\nوأما قولُه: ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾. فإنه يقولُ: وقال لوطٌ: هذا اليومُ يومٌ شديدٌ شَرُّه، عظيمٌ بَلاؤُه.\nيقالُ منه: عصِب يومُنا هذا يَعْصَبُ عَصَبًا، ومنه قولُ عديِّ بنِ زيدٍ (^٤):\nوكنتُ لِزَازَ (^٥) خَصْمِكَ لم أُعَرِّدْ (^٦) … وقد سَلَكُوكَ في يومٍ عَصِيبِ\nوقولُ الراجزِ (^٧):\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"مثلهم\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٩٩ بإسناد السدي المعروف، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٠ والحاكم ٢/ ٥٦٢، ٥٦٣ من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٣) في ص، م، ف: \"تخوف\".\n(^٤) الأغاني ٢/ ١١١، ومجاز القرآن ١/ ٢٩٤، واللسان (س ل ك).\n(^٥) اللَّزَز: الشِّدَة، وإنه لَلِزاز خصومة ومِلَزٌّ، أي: لازم لها موكل بها يقدر عليها. ينظر اللسان (ل ز ز).\n(^٦) عرَّد الرجل عن قرنه، إذا أحجم ونكل، والتعريد: الفرار، ينظر اللسان (ع ر د).\n(^٧) مجاز القرآن ١/ ٢٩٤.","vol":"12","page":497},{"text":"يومٌ عصيبٌ يَعْصِبُ الأبْطالَا\nعَصْبَ القَوِيِّ السَّلَمَ الطِّوَالَا\nوقولُ الآخرِ (^١):\nوإنَّك إلا تُرْضِ بكرَ بنَ وائلٍ … يكُنْ لك يومٌ بالعراقِ عَصِيبُ\nوقال كعبُ بن جُعيلٍ (^٢):\nويُلِبُّون (^٣) بالحَضِيضِ (^٤) قِيامٌ (^٥) … عارِفاتٌ منه بيَوْمٍ عَصِيبِ\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾: شديدٌ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قال: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾. يقولُ: شديدٌ.\n_________\n(^١) مجاز القرآن ١/ ٢٩٤.\n(^٢) ينظر التبيان ٦/ ٣٩.\n(^٣) لبَّ بالمكان لبًّا، وألبَّ: أقام به ولزمه. اللسان (ل ب ب).\n(^٤) الحضيض: قرار الأرض عند سفح الجبل، وقيل: هو في أسفله. ينظر اللسان (ح ض ض).\n(^٥) في م، ت ٢، ص، ف: \"فئام\".","vol":"12","page":498},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾. أي: يومُ بلاءٍ وشدةٍ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾: شديدٌ (^١).\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾. أي: يومٌ شديدٌ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1551\"></span><span data-type='title' id=toc-4328>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: وجاء لوطًا قومُه يُسْتَحَثُّون إليه، يُرْعَدون مع سرعةِ (^٣) المَشْيِ، مما بهم مِن طلبِ الفاحشةِ.\nيقالُ: أُهْرِعَ الرجلُ مِن بردٍ أو غضبٍ أو حُمَّى: إذا أُرْعِد، وهو مُهْرعٌ. إذا كان مُعْجَلًا حريصًا، كما قال الراجزُ (^٤):\n* بمُعْجَلاتٍ نحوَه مَهارِعُ *\nومنه قولُ مُهَلهَلٍ (^٥):\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٩ عن معمر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦١ من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٢ إلى أبي الشيخ. وتقدم أوله في ص ٤٩٥ حاشية (١).\n(^٣) في ت ١، س، ف: \"سعة\".\n(^٤) مجاز القرآن ١/ ٢٩٤.\n(^٥) البيت في اللسان والتاج (هـ ر ع).","vol":"12","page":499},{"text":"فجاءوا يُهْرَعون وهم أُسارَى … تَقودُهُمُ على رَغْمِ الأُنُوفِ\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾. قال: يُهَرْوِلون إليه (^١)، وهو الإسراعُ في المشيِ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ والمحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾. قال: يَسْعَون إليه (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: فأَتَوه يُهْرَعون إليه، يقولُ: سِراعًا إليه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾. قال: يُسْرِعون إليه (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، س، ف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٨٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٢.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ٩/ ٧٥ عن الضحاك.\n(^٤) في الأصل: \"إليهم\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٩ عن معمر به.","vol":"12","page":500},{"text":"حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾. يقولُ: يُسْرِعون إليه المشيَ (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يحيى بنُ زكريا، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾. قال: يُهَرْوِلون في المَشْيِ.\nقال سفيانُ: ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾: يُسْرِعون إليه.\nحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: قال سفيانُ بنُ عُيينةَ في قولِه: ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾. قال: كأنهم يُدْفَعون (^٢)\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، قال: ثنا حفصُ بنُ حميدٍ، عن شِمْرِ بنِ عطيةَ، قال: أقبَلوا يُهرَعون (^٣) مشيًا بينَ الهَرْولةِ (^٤) والجَمْزِ (^٥) (^٦).\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾. يقولُ: مُسْرِعين (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦١ معلقًا من طريق عمرو به.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ٩/ ٧٥ عن ابن عيينة.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يسرعون\".\n(^٤) الهرولة: بين العَدو والمشي، وقيل الهرولة الإسراع. ينظر اللسان (هـ ر ول).\n(^٥) جَمَزَ الفرسُ ونَحْوُهُ، سار سيرًا قريبا من العدو. الوسيط (ج م ز).\n(^٦) سيأتي مطولًا في ص ٥١٦.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦١ من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"12","page":501},{"text":"وقولُه: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾. [يقولُ: و(^١) مِن قبلِ مجيئِهم إلى لوطٍ، كانوا] (^٢) يَأْتون الرجالَ [في أدْبارِهم] (^٣).\nكما حدَّثنا القاسمٌ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾. قال: يَأْتون الرجالَ.\nوقولُه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾. يقولُ ﷿: قال لوطٌ لقومِه لمَّا جاءوه يُراوِدونه عن ضيفِه: هؤلاء يا قومِ بناتي - يعني: نساءَ أُمَّتِه - انكِحوهن (^٤)، ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾. قال: أمَرهم لوطٌ بتزويجِ النساءِ، وقال: هنَّ أطهرُ لكم (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: وبَلَغني هذا أيضًا عن مجاهدٍ (^٦).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، [قال: ثنا أبي، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ] (^٧)، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾. قال: لم يَكُنَّ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ٢.\n(^٢) في ت ١، س، ف: \"قال\".\n(^٣) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فانكحوهن\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٦ ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ١٤/ ٦٣٦ (مخطوط) عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٣ إلى أبي الشيخ.\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٦ ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ١٤/ ٦٣٦ (مخطوط) عن معمر به.\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، س، ف.","vol":"12","page":502},{"text":"بناتِه، ولكنْ كُنَّ مِن أُمتِه، وكلُّ نبيٍّ أبو أمَّتِه (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ أبي [نجيحٍ، عن مجاهدٍ] (^٢) في قولِه: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾. قال: أمَرهم أن يتزوَّجوا النساءَ، لم يَعْرِضْ عليهم سِفاحًا (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: قال أبو بشرٍ: سمِعتُ ابنَ أبي نجيحٍ يقولُ في قولِه: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾. قال (^٤): ما عَرَض عليهم نِكاحًا ولا سِفاحًا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾. قال: أمَرهم أن يَتزوَّجوا النساءَ، وأراد نبيُّ اللَّهِ أن يَقِيَ أضيافَه ببناتِه (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبرَنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ في قولِه: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾: يعني التزويجَ (^٦).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو النعمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ شَبيبٍ الزَّهْرانيُّ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِ (^٧) لوطٍ:\n_________\n(^١) تفسير الثوري ص ١٣١ ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد ١١/ ١٧١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٢ وابن عبد البر في التمهيد ١١/ ١٧١ من طريق وكيع به.\n(^٢) في الأصل: \"إسحاق\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٣ من طريق ابن علية به.\n(^٤) بعده في الأصل: \"قال\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"حدثني أبو جعفر، عن الربيع في قوله: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾: يعني التزويج\".\n(^٧) في ت ١، ت ٢، س: \"قوم\".","vol":"12","page":503},{"text":"﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾: يعني نساءَهم (^١)، هنَّ بَناتُه، هو نبيُّهم، وقال: في بعضِ القراءةِ: (النَّبِيُّ أوْلى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ) (^٢).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾: قالوا: أوَ لم نَنْهَك أن تُضَيِّفَ العالمين؟ قال: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ إِنْ كنتُم فاعِلين، ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ (^٣)؟\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لمَّا جاءت الرسلُ لوطًا أقبَل قومُه إليهم حينَ أُخْبِروا بهم، يُهْرَعون إليه، فيَزْعُمون، واللَّهُ أعلمُ، أن امرأةَ لوطٍ هي التي أخبرَتْهم بمكانِهم، وقالت: إن عندَ (^٤) لوطٍ لَضَيْفًا (^٥) ما رأيتُ أحسنَ ولا أجملَ منهم قَطُّ. وكانوا يَأْتون الرجالَ شهوةً مِن دونِ النساءِ، فاحشةٌ لم يَسْبِقُهم بها أحدٌ من العالمين. فلما جاءوه قالوا: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] أي: ألم (^٦) نَقُلْ لك: لا يَقْرَبَنَّك أحدٌ؟ فإنا لن نَجِدَ عندَك أحدًا إلا فَعَلْنا به الفاحشةَ. قال: ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾، فأنا أَفْدِي ضَيْفي منكم بهنَّ، ولم يَدْعُهم إلا إلى الحلالِ مِن النكاحِ.\n_________\n(^١) في م: \"نساؤهم\".\n(^٢) كذا قرأ ابن مسعود. ينظر البحر المحيط ٥/ ٢٤٦، ومختصر شواذ القرآن ص ١٢٠.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٢ من طريق حماد به.\n(^٣) تقدم مطولًا في ص ٤٩٦، ٤٩٧.\n(^٤) بعده في الأصل: \"قوم\".\n(^٥) في الأصل: \"تضيفا\"، وفي م: \"لضيفانا\". والضيف: يكون للواحد والجميع، كعدل وخصم. ينظر التاج (ض ي ف).\n(^٦) في ص، س، ف: \"لم\".","vol":"12","page":504},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾. قال: النساءُ.\nواختَلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾؛ فقرَأته عامةُ القرأةِ برفعِ: ﴿أَطْهَرُ﴾، على أن جَعَلوا \"هنَّ\" اسمًا، و﴿أَطْهَرُ﴾ خبرَه، كأنه قال (^١): بناتي أطهرُ لكم مما تُريدون مِن الفاحشةِ مِن الرجالِ.\nوذُكِر عن [عيسى بنِ عمرَ] (^٢) البصريِّ أنه كان يقرأُ ذلك: (هُنَّ أَطْهَرَ لكم) بنصبِ \"أطهرَ\" (^٣).\nوكان بعضُ نحويِّي أهلِ (^٤) البصرةِ يقولُ: هذا لا يكونُ، إنما يُنْصَبُ خبرُ الفعلِ الذي لا يَسْتَغْني عن خبرٍ (^٥)، إذا كان بينَ الاسمِ والخبرِ هذه الأسماءُ المضمرةُ.\nوكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ يقولُ: مَن نَصَبه جَعَله نكرةً خارجةً مِن المعرفةِ، فيكونُ (^٦) قولُه: ﴿هُنَّ﴾ (^٧). عمادًا للفعلِ، فلا يُعْمِلُه.\nوقال آخرُ منهم: مسموعٌ مِن العربِ: هذا زيدٌ إياه بعينِه. قال (^٧): فقد جَعَله\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قيل\".\n(^٢) في الأصل: \"عمر بن عيسى\". وهو عيسى بن عمر الثقفي. ينظر ترجمته في مراتب النحويين ص ٤٣، ٤٦، ٤٧، وأخبار النحويين البصريين ص ٣١، ٣٣.\n(^٣) قرأ ذلك سعيد بن جبير، والحسن بخلاف، وزيد بن علي، ومحمد بن مروان، وعيسى بن عمر الثقفي، وابن أبي إسحاق. ينظر المحتسب ١/ ٣٢٥، ومختصر شواذ القرآن ص ٦٥، والبحر المحيط ٥/ ٢٤٧.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ص، ف.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الخبر\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ويكون\".\n(^٧) سقط من: الأصل.","vol":"12","page":505},{"text":"خبرًا (^١) لهذا، مثلَ قولِك: كان عبدُ اللَّهِ إياه بعينِه (^٢).\nوإنما لم يَجُزْ أن يقَعَ الفعلُ ههنا؛ لأن التقريبَ (^٣) ردُّ كلامٍ، فلم يَجْتَمِعا؛ لأنه يَتناقَضُ؛ لأن ذلك إخبارٌ عن معهودٍ، [وهذا إخبارٌ عن] (^٤) ابتداءِ ما هو فيه: هأنذا حاضرٌ، أو (^٥) زيدٌ هو العالمُ. فيناقِضُ (^٦) أن يُدخِلَ المعهودَ على الحاضرِ؛ فلذلك لم يَجُزْ.\nوالقراءةُ التي لا أستجيزُ خلافَها في ذلك الرفعُ: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾؛ لإجماعِ الحجةِ مِن قرأةِ الأمصارِ عليه، مع صحتِه في العربيةِ، وبُعْدِ النصبِ فيه مِن الصحةِ.\nوقولُه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾. يقولُ: فاخشَوُا اللَّهَ، أيُّها الناسُ، واحْذَروا عقابَه في إتْيانِكم الفاحشةَ التي تَأْتونها وتَطْلُبونها، ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾. يقولُ: ولا تُذِلُّوني بأن تَرْكَبوا مني في ضَيْفي ما يَكْرَهون أن تَرْكَبوه منهم.\nوالضيفُ في لفظِ واحدٍ في هذا الموضعِ، بمعنى جميعٍ (^٧)، والعربُ تُسَمِّي الواحدَ والجمعَ ضيفًا، بلفظِ واحدٍ، كما قالوا: رجلٌ عَدْلٌ، وقومٌ عَدْلٌ.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، س، ف: \"خبر\".\n(^٢) بعده في الأصل: \"فقد جعله خبرًا\" - ولعله ملغىً - وفي ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال\".\n(^٣) تقدم تعريف التقريب في ٥/ ٧١٧.\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) في م: \"و\".\n(^٦) في م: \"فتناقض\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"جمع\".","vol":"12","page":506},{"text":"وقولُه ﷿: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾؟ يقولُ: أليس منكم رجلٌ ذو رُشْدٍ، يَنْهَى مَن أراد ركوبَ الفاحشةِ مِن ضَيْفي، فيحولَ بينَهم وبينَ ذلك؟\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾. أي: رجلٌ يعرِفُ الحقَّ، [يأمرُ بالمعروفِ] (^٢)، ويَنْهَى عن المنكرِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1552\"></span><span data-type='title' id=toc-4329>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: قال قومُ لوطٍ للوطٍ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ يا لوطُ ﴿مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾؛ لأنهن لسنَ لنا أزواجًا.\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾. أي: مِن أزواجٍ (^٤).\n﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾. يقولُ: قالوا: وإنك لتعلمُ يا لوطُ أنّ حاجتَنا في غيرِ بناتِك، وأنّ الذي نريد هو ما تَنْهانا عنه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"امرأة\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ١٩٢ عن ابن إسحاق.\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وإنك لتعلم ما نريد\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٣ من طريق سلمة به.","vol":"12","page":507},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾. إنا نريدُ الرجالَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾. أي: إن بُغْيتَنا لغيرُ ذلك (^٢).\nفلمَّا لم يَتَناهَوا، ولم يَرُدَّهم قولُه، ولم يَقْبَلوا منه شيئًا مما عرَض عليهم مِن أمرِ (^٣) بناتِه قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-1553\"></span><span data-type='title' id=toc-4330>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: قال لوطٌ لقومِه حينَ أَبَوا إلا المُضِيَّ لِما قد جاءوا له مِن طلبِ الفاحشةِ، ويئِس (^٤) مِن أن يَسْتَجِيبوا له إلى شيءٍ مما عرَض عليهم: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ بأنصارٍ تَنْصُرُني عليكم، وأعوانٍ تُعِينُني، ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. يقولُ: أو أنضَمُّ إلى عشيرةٍ مانعةٍ تَمْنَعُني منكم، لحُلْتُ بينَكم وبينَ ما جئتُم تُرِيدونه مِنِّي في أضْيافي. وحُذِف جوابُ لو لدَلالةِ الكلامِ عليه، وأن معناه مفهومٌ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٤ من طريق عمرو به. وتقدم أوله في ص ٤٩٦، ٤٩٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٤ من طريق سلمة به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أمور\".\n(^٤) في ص، س، ف: \"أنس\"، وفي م، ت ١، ت ٢: \"أيس\".","vol":"12","page":508},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: قال لوطٌ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. يقولُ: إلى جُنْدٍ (^١) شديدٍ، لَقاتَلْتُكم (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. قال: العشيرةُ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. قال: العشيرةُ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركُ بنُ فَضالةَ، عن الحسنِ: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. قال: إلى ركنٍ مِن الناسِ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قولُه: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. قال: بَلَغَنا أنه لم يُبْعَثُ نبيٌّ بعدَ لوطٍ إلا في ثَرْوَةٍ (^٥) مِن قومِه (^٦)، حتى النبيُّ ﷺ (^٧).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ\n_________\n(^١) في ت ١: \"حي\".\n(^٢) تقدم أوله في ص ٤٩٦.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١١، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ١٤/ ٦٣٣ (مخطوط).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٤ من طريق المبارك به بزيادة.\n(^٥) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف. والثروة: العدد الكثير. النهاية ١/ ٢١٠.\n(^٦) في الأصل: \"قوم\".\n(^٧) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٦١ من طريق آخر عن ابن جريج بدون قوله: \"حتى النبي ﷺ\".","vol":"12","page":509},{"text":"قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. أي: عشيرةٍ تَمْنَعُني أو شيعةٍ تَنْصُرُني، لحَلْتُ بينَكم وبينَ هذا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. قال: يعني به العشيرةَ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، أن هذه الآيةَ لمَّا نَزَلت: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. [قال: فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"رَحِمَ اللَّهُ لوطًا، لقد كان يَأْوِي إلى رُكْنٍ شديدٍ\"] (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن مباركٍ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"رَحِمَ اللَّهُ أخي لوطًا، لقد كان يَأْوِي إلى رُكْنٍ شديدٍ، فلأيِّ شيءٍ اسْتَكانَ\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدةُ وعبدُ الرحيمِ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، قال: ثنا أبو سلمةَ، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"رحمةُ اللَّهِ على لوطٍ إن كان لَيَأْوِي إلى ركنٍ شديدٍ، إذ قال لقومِه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. ما بَعَث اللَّهُ بعدَه (^٣) مِن نبيٍّ إلا في ثَرْوةٍ من قومِه\". قال محمدٌ: والثَّرْوةُ الكثرةُ والمَنَعَةُ (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٣ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) أخرجه الترمذي (٣١١٦) عن أبي كريب به. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٦٠٥) من طريق عبدة به، والطحاوي في المشكل (٣٣٠) من طريق عبد الرحيم، به. وأخرجه الترمذي (٣١١٦)، وابن عساكر في تاريخه ١٤/ ٦٣٣ (مخطوط) من طريق محمد بن عمرو به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٣، ٣٤٤ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.","vol":"12","page":510},{"text":"حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ (^١)، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه (^٢).\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه (^٣).\nحدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبانٍ المصريُّ، قال: ثنا سعيدُ بنُ تَلِيدٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ، قال: ثنا بكرُ بنُ مُضَرَ، عن عمرِو بنِ الحارثِ، عن يونسَ، ابنِ يزيدَ، عن ابنِ شهابٍ الزهريِّ، قال: أخبرَني أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ وسعيدُ بنُ المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ اللَّهِ ﷺ، قال: \"رحِم اللَّهُ لوطًا، لقد كان يَأْوِي إلى رُكْنٍ شديدٍ\" (^٤).\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ وسعيدِ بنِ المسيبِ، عن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ اللَّهِ ﷺ، قال (^٥). فذَكَر مثلَه (^٦).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"كثير\". ومحمد بن بشر ومحمد بن كثير، كلاهما سمع من محمد بن عمرو، وروى عنه ابن وكيع، وأثبتنا ما في الأصل لموافقته ما في المصادر، وسيأتي كذلك في سورة يوسف.\n(^٢) أخرجه أحمد ١٤/ ١٢١ (٨٣٩٢)، وابن حبان (٦٢٠٧) من طريق محمد بن بشر به، بزيادة ذكر يوسف ﵇، وسيأتي في سورة يوسف بهذا الإسناد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٤ عن يونس به.\n(^٤) جزء من حديث تقدم تخريجه ٤/ ٦٢٩، وأخرجه الطحاوي في المشكل (٣٢٧) من طريق سعيد بن تليد به.\n(^٥) سقط من: الأصل.\n(^٦) جزء من حديث تقدم أوله في ٤/ ٦٢٩، ٦٣٠.","vol":"12","page":511},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمَةَ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال في قولِه: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (^١)﴾ \"قد كان يَأْوِي إلى رُكْنٍ شديدٍ (^١) \". يعني اللَّهَ ﷿، قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"فما بعَث اللَّهُ بعدَه مِن نبيٍّ إلا في ثَرْوةٍ مِن قومِه\" (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعةَ، عن أبي يونسَ، سَمِع أبا هريرةَ يحدِّثُ (^٣) عن النبيِّ ﷺ قال: \"رَحِمَ اللَّهُ لوطًا، فإنه كان يَأْوِي إلى رُكْنٍ شديدٍ\" (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ؛ [سعيدُ بنُ الحكمِ] (^٥)، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ أبي الزنادِ، عن أبيه، عن عبدِ الرحمنِ الأعرجِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه (^٦).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان إذا قرَأ هذه الآيةَ، أو أتَى على هذه الآيةِ قال: \"يرحَمُ (^٧) اللَّهُ لوطًا، إن كان ليَأْوِي إلى ركنٍ شديدٍ\". وذُكِر لنا أن اللَّهَ ﷿ لم يَبْعَثْ نبيًّا بعدَ\n_________\n(^١) في الأصل: \"رشيد\".\n(^٢) أخرجه أحمد ١٤/ ٥٣٩، ١٦/ ٥٢٤ (٨٩٨٧، ١٠٩٠٣)، والحاكم ٢/ ٥٦١، وتمام (١٤٤١ - الروض البسام) من طريق حماد به.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) أخرجه أحمد ١٤/ ٢٥٩ (٨٦٠٥) من طريق ابن لهيعة به.\n(^٥) سقط من: ت ٢، وفي ص، م، ت ١، س، ف: \"سعيد بن عبد الحكم\". وهو سعيد بن الحكم بن محمد، المعروف بابن أبي مريم. ينظر ترجمته في تهذيب الكمال ١٠/ ٣٩١.\n(^٦) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٩٧ - تفسير)، وأحمد ١٤/ ٣١ (٨٢٧٩)، والبخاري (٣٣٧٥)، ومسلم ٤/ ١٨٤٠ (١٥٣)، والبغوي في تفسيره ٤/ ١٩٢، وابن عساكر في تاريخه ١٤/ ٦٣٣ (مخطوط) من طريق أبي الزناد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٤ إلى ابن مردويه.\n(^٧) في م، ت ١، س، ف: \"رحم\".","vol":"12","page":512},{"text":"لوطٍ، ﵇، إلا في ثَرْوةٍ مِن قومِه، حتى بَعَث اللَّهُ نبيَّكم في ثروةٍ مِن (^١) قومِه (^٢).\nيقالُ: من (١) ﴿آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: أويتُ إليك، فأنا آوِي إليك أَوْيًا. بمعنى صِرْتُ إليك وانضَمَمْتُ، كما قال الراجزُ (^٣):\nيَأْوِي إِلى رُكْنٍ مِن الأَرْكَانِ\nفي عَدَدٍ طَيْسٍ (^٤) ومَجْدٍ بَانِ\nوقيل: إن لوطًا لمَّا قال [هذا القولَ] (^٥)، وَجَدَت الرسلُ عليه لذلك.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: قال لوطٌ لهم (^٦): ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. فَوَجَد عليه الرُّسُلُ، وقالوا (^٧): إن رُكْنَك لشديدٌ (^٨).\n\n<span id=\"aya-1554\"></span><span data-type='title' id=toc-4331>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾.\n_________\n(^١)</span> سقط من: الأصل.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٣ إلى المصنف.\n(^٣) مجاز القرآن ١/ ٢٩٤.\n(^٤) الطيس: الكثير من الطعام والشراب والماء، والعدد الكثير. اللسان (ط ي س).\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"هذه المقالة\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٧) بعده في ت ١، ف: \"يا لوط\".\n(^٨) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٠٠ بزيادة، وسيأتي مطولًا في ص ٥٢٠.","vol":"12","page":513},{"text":"يقولُ ﷿: قالت الملائكةُ للوطٍ لمَّا قال لوطٌ لقومِه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. ورَأَوا ما لَقِيَ مِن الكَرْبِ بسببِهم منهم: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾، أُرْسِلنا لإهْلاكِهم، وإنهم لن يَصِلوا إليك، وإلى ضَيْفِك بمَكْروهٍ، فهَوِّنُ عليك الأمرَ، ﴿فَأَسْرِ (^١) بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾. يقولُ: فاخرُجْ مِن بينِ أظْهُرِهم أنت وأهلُك ببقيةٍ مِن الليلِ.\nيقالُ منه: أَسْرى وسَرَى، وذلك إذا سارَ بليلٍ، ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾.\nواختَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَأَسْرِ﴾؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ المكيِّين والمدنيِّين: (فاسْرِ)، وصلٌ؛ بغيرِ همزِ الألفِ، مِن \"سَرَى\".\nوقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿فَأَسْرِ﴾ (^٢) بهمزِ الألفِ، مِن \"أَسْرى\" (^٣).\nوالقولُ في ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما أهلُ قُدْوةٍ في القراءةِ، وهما لغتان مشهورتان في العربِ، معناهما واحدٌ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ في ذلك.\nوأما قولُه: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾. فإن عامةَ القرأةِ مِن الحجازِ والكوفةِ، وبعضَ أهلِ البصرةِ، قَرءوا بالنصبِ: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ (^٤)، بتأويلِ: فأسْرِ بأهلِك إلا امرأتَك، وعلى أن لوطًا أُمِر أن يسْرِيَ بأهْلِه سِوى زوجتِه؛ فإنه نُهِي أن يسْرِيَ بها،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وأسر\".\n(^٢) بعده في ص، ت ٢، س، ف: \"بهم\".\n(^٣) قرأ ابن كثير ونافع: (فاسرِ بأهلِك). من سريت [بغير همز] وقرأ الباقون: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ من أسريت. السبعة لابن مجاهد ص ٣٣٨.\n(^٤) هي قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.","vol":"12","page":514},{"text":"وأُمِر بتَخْليفِها مع قومِها.\nوقرَأ ذلك بعضُ البصريِّين (^١): (إلَّا امْرَأَتُكَ) رفعًا، بمعنى: ولا يَلْتفِتْ منكم أحدٌ إلا امرأتُك، [وإن] (^٢) لوطًا قد أخرجَها معه، وأنه نُهِي لوطٌ ومَن معه ممن أَسْرى معه، أن يَلْتفِتَ سِوى زوجتِه، وإنها التفتَتْ، فهَلَكت لذلك.\nوقولُه: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾. يقولُ: إنه مصيبٌ امرأتَك ما أصابَ قومَك مِن العذابِ ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾. يقولُ: إن موعدَ قومِك للهلاكِ (^٣) الصبحُ. فاسْتَبْطَأ ذلك منهم لوطٌ، وقال لهم: بل عَجِّلوا لهم الهلاكَ. فقالوا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾. أي: عندَ الصبحِ نزولُ العذابِ بهم.\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾. أي: إنما ينزلُ بهم مِن صُبْحِ ليلتِك هذه، فامضِ لِما تؤمَرُ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: فمَضَتِ الرُّسُلُ مِن عندِ إبراهيمَ إلى لوطٍ، فلما أَتَوا لوطًا، وكان مِن أمرِهم ما ذَكَر اللَّهُ ﷿، قال جبريلُ للوطٍ: يا لُوطُ، ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١]. فقال لهم لوطٌ: أهْلِكوهم الساعةَ. فقال له جبريلُ ﵇: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ\n_________\n(^١) هي قراءة أبي عمرو وابن كثير، وينظر السبعة ص ٣٣٨.\n(^٢) في م: \"فإن\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الهلاك\".","vol":"12","page":515},{"text":"بِقَرِيبٍ﴾؟ فأُنزِلت على لوطٍ: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾؟ قال: فأَمَره أن يسْرِيَ بأهلِه بِقِطْعٍ مِن الليلِ، ولا يَلْتَفِتَ منهم أحدٌ إلا امرأتَه. قال: فسارَ، فلما كانت الساعةُ التي أُهْلِكوا فيها أَدْخَل جبريلُ جناحَه فرفَعَها (^١) حتى سَمِع أهلُ السماءِ صِياحَ الدِّيَكةِ ونُباحَ الكلابِ، فجَعَل عالِيَها سافلَها، وأمطَرَ عليها حجارةً مِن سِجِّيلٍ. قال: وسَمِعَت امرأةُ لوطٍ الهَدَّةَ (^٢)، فقالت: واقَوماه! فأَدْرَكَها حجرٌ فقَتَلها (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصِ بنِ حميدٍ، عن شِمْرِ بنِ عطيةَ، قال: كان لوطٌ أَخَذ على امرأتِه أن لا تُذِيعَ (^٤) شيئًا مِن سِرِّ أضْيافِه. قال: فلما دخَل عليه جبريلُ، ﵇، ومَن معَه، رَأَتهم (^٥) في صورةٍ لم تَرَ مثلَها [قَطُّ، فانطَلَقت] (^٦) تَسْعى إلى قومِها، فأتَتِ النادِيَ، فقالت بيدِها هكذا، وأقْبَلوا يُهْرَعون مَشْيًا بينَ الهرولةِ والجَمْزِ (^٧)، فلما انتَهَوا إلى لوطٍ، و(^٨) قال لهم لوطٌ ما قال اللَّهُ ﷿ في كتابِه، قال جبريلُ: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾. قال: فقال بيدِه، فطَمَس أعيُنَهم، قال (^٨): فجَعَلُوا يَطْلُبونهم، يَلْمَسُون الحيطانَ\n_________\n(^١) في ص، ف: \"فرفعه\".\n(^٢) الهدّة: صوت شديد تسمعه من سقوط ركن أو حائط أو ناحية جبل. اللسان (هـ د د).\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٠١ عن ابن حميد به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٧ من طريق يعقوب به بجزء منه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٥ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في س: \"ترفع\"، وفي ف: \"تدفع\".\n(^٥) في الأصل: \"ورأتهم\".\n(^٦) في الأصل: \"فانطلقت\"، وفي مصدرى التخريج: \"قط انطلقت\".\n(^٧) تقدم تعريف الهرولة والجمز ص ٥٠١.\n(^٨) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":516},{"text":"وهم لا يُبْصِرون (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن حذيفةَ، قال: لمَّا بَصُرتْ بهم - يعني بالرُّسُلِ - عجوزُ السَّوْءِ امرأتُه انطَلَقَت فأَنْذرَتهم، فقالت: قد تَضَيَّفَ لوطًا قومٌ، ما رأيتُ قومًا أحسنَ منهم (^٢) وجوهًا. قال: ولا أعْلَمُه إلا قالت: ولا (^٣) أشدَّ بياضًا، وأطيبَ ريحًا. قال: فأَتَوه يُهْرَعون إليه، كما قال اللَّهُ ﷿، فأَصْفَقَ (^٤) لوطٌ البابَ. قال: فجَعَلوا يُعالجونه. قال: فاسْتأْذَنَ جبريلُ ربَّه في عقوبتِهم، فأَذِن له، فصَفَقَهم (^٥) بجَناحِه، فتَرَكَهم عُمْيانًا يَتَرَدَّدون في أخبثِ ليلةٍ (^٦) أَتَت عليهم قطُّ، فأخبَروه: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ … ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: ولقد ذُكِر لنا أنه كانت مع لوطٍ حينَ خَرَجَ مِن القريةِ امرأتُه، ثم سَمِعَت الصوتَ، فالتفَتَت، وأرسَل اللَّهُ ﷿ عليها حجرًا فأهْلَكَها (^٧).\nوقولُه: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾: فأرادَ نبيُّ اللَّهِ ما هو أعجلُ مِن ذلك، فقالوا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾؟\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائيُّ، عن سعيدِ بنِ بشيرٍ، عن قتادةَ، قال: انطَلَقت امرأتُه - يعني امرأةَ لوطٍ - حينَ رَأَتهم - يعني حينَ رأتِ الرسلَ - إلى قومِها، فقالت: إنه قد ضافَه\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٠١ عن ابن حميد به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٢ من طريق يعقوب به إلى قوله: ما قال الله في كتابه.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) أصفق الباب: أغلقه وردَّه. اللسان (ص ف ق).\n(^٥) صفق الطائر بجناحيه يصفق: ضرب بهما. اللسان (ص ف ق).\n(^٦) بعده في م: \"ما\".\n(^٧) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٠٢.","vol":"12","page":517},{"text":"الليلةَ قومٌ ما رأيتُ مثلَهم قطُّ أحسنَ وجوهًا، ولا أطيبَ ريحًا، فجاءوا يُهْرَعون إليه، فبادَرَهم لوطٌ إلى أن يَرْحَمَهم (^١) على البابِ، فقال: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١]. فقالوا: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠]. فدَخَلوا على الملائكةِ، فتَناوَلَتهم الملائكةُ، فطَمَسَت أعينَهم. فقالوا: يا لوطُ، جِئْتَنا بقومٍ سَحَرةٍ سَحَرونا، كما أنت حتى نصبحَ (^٢). قال: فاحتَمَل جبريلُ قُرَيَّاتِ لوطٍ الأربعَ، في كلِّ قريةٍ مائةُ ألفٍ، فرَفَعَهم على جَناحِه بينَ السماءِ والأرضِ، حتى سَمِع أهلُ السماءِ الدنيا أصواتَ دِيَكتِهم، ثم قَلَبهم، فجَعَل اللَّهُ عاليَها سافلَها (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال حذيفةُ: لمَّا دَخَلوا عليه، ذَهَبَت (^٤) عجوزُه، عجوزُ السَّوْءِ، فأَتَتْ قومَها، فقالت: لقد تَضيَّفَ لوطًا الليلةَ قومٌ ما رأيتُ قومًا (^٥) قطُّ أحسنَ وجوهًا منهم. قال: فجاءوا يُسْرِعون، فعاجَلَهم لوطٌ (^٦)، فقامَ مَلَكٌ فَلَزَّ (^٧) البابَ، يقولُ: فَسَدَّه، واسْتأذَنَ جبريلُ في عقوبتِهم، فأُذِنَ له، فضَرَبهم جبريلُ بجَناحِه، فتَرَكَهم عُميًا فباتُوا بشَرِّ ليلةٍ. ثم قالُوا: (إِنَّا رُسُل رَبِّك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتُك (^٨». قال: فبَلَغَنا أنها\n_________\n(^١) في ص، ف: \"ترحهم\" غير منقوطة، وفي م: \"يزجهم\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"تصبح\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٠٢.\n(^٤) في ت ١: \"انطلقت\".\n(^٥) سقط من: الأصل.\n(^٦) في ص، ت ٢، س: \"إلى لوط\"، وفي ف: \"إلى\".\n(^٧) في ص، ت ٢، س، ف: \"فكز\"، وفي ت ١: \"فوكز\".\n(^٨) تقدم توجيه الطبري لقراءة الرفع أن امرأته خرجت معهم وأنها التفتت فهلكت لذلك، وهو الموافق لما في هذا الأثر.","vol":"12","page":518},{"text":"سَمِعَت صوتًا، فالتفَتَت فأصابَها حجرٌ، وهي شاذَّةٌ من القومِ، معلومٌ مكانُها (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، عن حذيفةَ بنحوِه، إلا أنه قال: فعالجهم (^٢) لوطٌ (^٣).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لمَّا قال لوطٌ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. بسَط حينَئذٍ جبريلُ جَناحَه (^٤)، ففَقَأَ أعينَهم، وخَرَجوا يدوسُ بعضُهم في آثارِ (^٥) بعضٍ عُميانًا، يقولون: النَّجَاءَ النَّجَاءَ؛ فإنّ في بيتِ لوطٍ أَسْحَرَ قومٍ في الأرضِ. فذلك قولُه: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧]. وقالوا للوطٍ: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ (^٦)، واتَّبِعْ أدبارَ أهلِك. يقولُ: سِرْ بهم، ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٥]. فأَخْرَجَهم اللَّهُ إلى الشامِ. وقال لوطٌ: أهْلِكوهم الساعةَ. فقالوا: إنا لم نؤمَرْ إلا بالصبحِ، أليس الصبحُ بقريبٍ؟! فلما أن كان السَّحَرُ خَرَج لوطٌ وأهلُه معه (^٧) امرأتُه. فذلك قولُه: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ (^٨) [القمر: ٣٤].\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٠٣، وتقدم أوله في ص ٤٩٠.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فعاجلهم\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٧، ٣٠٨، وأخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٠٣ عن الحسن بن يحيى عنه به.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"جناحيه\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أدبار\".\n(^٦) بعده في م، ت ١، س، ف: \"إنه مصيبها\".\n(^٧) بعده في التاريخ: \"إلا\".\n(^٨) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٠٣ عن موسى به، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٥، ٢٠٦٧ من طريق عمرو به مختصرًا، وتقدم أوله في ص ٤٩٦.","vol":"12","page":519},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، أنه سَمِع وهبَ بنَ منبهٍ يقولُ: كان أهلُ سَدُومَ الذين فيهم لوطٌ [قومَ سَوْءٍ] (^١) قد اسْتَغْنَوا عن النساءِ بالرجالِ، فلما رأى اللهُ ذلك، بَعَث الملائكة ليُعَذِّبوهم، فأَتَوا إبراهيمَ، فكان مِن أمرِه وأمْرِهم ما ذَكَره اللهُ ﷿ فى كتابِه، فلما بَشَّروا سارَةَ بالولدِ، قاموا وقامَ معهم إبراهيمُ يَمْشى، قال: أخْبِروني، لِمَ بُعِثْتم وما خَطْبُكم؟ قالوا: إنا أُرْسِلنا إلى أهلِ سَدومَ لنُدمِّرَها؛ فإنهم (^٢) قومُ سَوْءٍ، قد اسْتَغْنَوا بالرجالِ عن النساءِ. قال إبراهيمُ: أرأيتم (^٣) إنْ كان فيهم خمسون رجلًا صالحًا؟ قالوا: إذن لا نُعذِّبُهم. [فلم يَزَلْ] (^٤) يَنْقُصُ حتى قال: أهلُ البيتِ؟ قالوا: فإن كان فيها بيتٌ صالحٌ. قال: فلوطٌ وأهلُ بيتِه؟ قالوا: إن امرأتَه هَوَاها معهم، فلما يَئِس إبراهيمُ انصَرَف، ومَضَوا إلى أهلِ سَدُومَ، فَدَخَلوا على لوطٍ، فلما رأَتْهم (^٥) امرأتُه أَعْجَبَها حُسْنُهم وجمالُهم، فأرسَلَت إلى أهلِ القريةِ: إنه قد نَزَل بِنا قومٌ لم نَرَ (^٦) قطُّ أحسنَ منهم ولا أجملَ. فَتَسامعوا بذلك، فغَشَوا دارَ لوطٍ مِن كلِّ ناحيةٍ، وتَسَوَّروا عليهم الجدرانَ، فلَقِيَهم لوطٌ، فقال: يا قومِ، لا تَفْضَحونِ في ضَيْفى، وأنا أزوِّجُكم بناتى، فهنَّ أطهرُ لكم. فقالوا: لو كُنَّا نريدُ بناتِك لقد عَرَفْنا مكانَهنَّ. فقال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. فوَجَد عليه الرُّسُلُ، وقالوا: إن رُكْنَك لشديدٌ، ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قوم\"، وفى م: \"قوما\".\n(^٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"وإنهم\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فجعل\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"رأت\".\n(^٦) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قوم\"، وفي التاريخ: \"قومًا\".","vol":"12","page":520},{"text":"غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾. فمَسَح أحدُهم أعينَهم بجَناحِه (^١)، فطَمَس أبصارَهم، فقالوا: سُحِرْنا، انْصَرِفوا بنا حتى نرجِعَ إليه. فكان مِن أمرِهم ما قد قَصَّ اللهُ تعالى في القرآنِ (^٢) فأدْخَل ميكائيلُ، وهو صاحبُ العذابِ، جَناحَه، حتى بَلَغ أسفلَ الأرضِ، فقَلَبَها، ونَزَلت حجارةٌ من السماءِ، فتَتَبَّعَت مَن لم يكنْ منهم في القريةِ حيثُ كانوا، فأهْلَكَهم اللهُ (^٣)، ونَجَّى لوطًا وأهلَه، إلا امرأتَه (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ و(^٥) عن أبى بكرِ بنِ عبدِ اللهِ، وأبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن حُذيفةَ، دَخَل حديثُ بعضِهم في بعضٍ، قال: كان إبراهيمُ، ﵇، يأتِيهم فيقولُ: وَيْحَكم! أَنْهاكم عن اللهِ أنْ تَعَرَّضوا لعقوبتِه. [فلم يطيعوا] (^٦)، حتى إذا بَلَغ الكتابُ أجلَه لمحِلِّ عذابِهم، وسطواتِ الربِّ بهم، قال: فانتَهَت الملائكةُ إلى لوطٍ وهو يعملُ فى أرضٍ له، فدَعاهم إلى الضيافةِ، فقالوا: إنا مُضَيِّفوك الليلةَ. وكان اللهُ تعالى ذكرُه عهِد إلى جبريلَ ﵇، أن لا يُعَذِّبَهم حتى يَشْهَدَ عليهم لوطٌ ثلاثَ شهاداتٍ، فلما تَوَجَّه بهم لوطٌ إلى الضيافةِ، ذكَر ما يعملُ قومُه مِن الشرِّ والدَّوَاهى العظامِ، فمشَى معهم ساعةً ثم التَفتَ إليهم، فقال: أمَا تَعْلَمون ما يعملُ أهلُ هذه القريةِ! ما أعلمُ على وجه الأرضِ شَرًّا منهم، أين أذهبُ بكم! إلى قومى وهم شَرُّ خلقِ اللهِ! فالتفت جبريلُ إلى الملائكةِ، فقال: احْفَظوا، هذه\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ف: \"بجناحيه\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"كتابه\".\n(^٣) بعده في الأصل: \"كلهم\".\n(^٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٣٠٤، والمثنى به، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٦٣ من طريق إسماعيل به مختصرًا نحوه.\n(^٥) سقط من: الأصل، ت ١.\n(^٦) سقط من: م، ف.","vol":"12","page":521},{"text":"واحدةٌ. ثم مَشَى ساعةً، فلما تَوسَّطَ القريةَ وأشْفَقَ عليهم، واسْتَحْيى منهم، قال: أمَا تَعْلَمون ما يعملُ أهلُ هذه القريةِ! ما (^١) أعلمُ على وَجْهِ الأَرضِ شَرًّا منهم، إن قومى شَرُّ خلقِ اللهِ. فالتفتَ جبريلُ إلى الملائكةِ، فقال: احْفَظوا، هاتان ثِنْتان. فلما انتَهَى إلى بابِ الدارِ بَكَى حياءً منهم، وشَفَقَةً عليهم، وقال: إن قومى شَرُّ خلقِ اللهِ، أَمَا تَعْلَمون ما يعملُ أهلُ هذه القريةِ! ما أعلمُ على وَجْهِ الأَرضِ أهلَ قريةٍ شرًّا منهم. فقال جبريلُ للملائكةِ: احْفَظوا، هذه ثلاثٌ، قد حَقَّ العذابُ. فلما دَخَلُوا ذَهَبَت عجوزُه، عجوزُ السَّوْءِ، فصعدت، فَلَوَّحت بِثَوْبِها، فأتاها الفُسَّاقُ يُهْرَعون سِراعًا. قالوا: ما عندَكِ؟ قالت: ضَيَّفَ لوطٌ الليلةَ قومًا (^٢) ما رأيتُ قطُّ (^٣) أحسنَ وجوهًا منهم، ولا أطيبَ ريحًا منهم. فهُرِعوا يُسارِعون (^٤) إلى البابِ، فعالجهم (^٥) لوطٌ على البابِ، فدافَعوه طويلًا، هو داخلٌ وهم خارجٌ، يُناشِدُهم اللهَ ويقولُ: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾. فقامَ المَلكُ فَلَزَّ بالبابِ (^٦)، يقولُ: فَسَدَّه، واسْتأْذَنَ جبريلُ في عقوبتِهم، فأَذِنَ اللهُ له، فقامَ في الصورةِ (^٧) التي يكونُ فيها في السماءِ، فنَشَرَ جَناحَه، ولجبريلَ جَناحان، وعليه وِشاحٌ (^٨) مِن دُرٍّ منظومٍ، وهو بَرَّاقُ الثنايا، أَجْلى الجَبينِ، ورأسُه حُبُكٌ حُبُكٌ (^٩) مثلُ المرجانِ، وهو\n_________\n(^١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وما\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قوم\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) فى م: \"مسارعين\"، وفى ت ١: \"سارعين\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فعاجلهم\".\n(^٦) فى ص، م، ف: \"الباب\". ولزّ بالباب: أى لصق به. ينظر اللسان (ل ز ز).\n(^٧) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"القرية\".\n(^٨) في س: \"وشاحان\".\n(^٩) أي: شعر رأسه متكسر من الجعودة. النهاية ١/ ٣٣٢.","vol":"12","page":522},{"text":"اللؤلؤُ، كأنه الثلجُ، وقَدَماه إلى الحضرةِ، فقال: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾، امْضِ (^١) يا لوطُ مِن البابِ، ودَعْنى وإياهم. فتنَحَّى لوطٌ عن البابِ، فخَرَج عليهم، فنَشَر جَناحَه، فضَرَب به وجوهَهم ضربةً شَدَخ أعينَهم، فصاروا عُمْيًا، لا يعْرِفون الطريقَ، ولا يهْتَدون إلى بيوتِهم، ثم أَمَر لوطًا، فاحْتَمَل بأهلِه مِن ليلتِه، قال: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لمَّا قال لوطٌ لقومِه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. والرُّسُلُ تسمعُ ما يقولُ وما يقالُ له، ويَرَون ما هو فيه مِن كَرْبِ ذلك، فلما رَأَوا ما بَلَغَه قالُوا: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾. أى: بشيءٍ تكرهُه، ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾. أى: إنما ينزلُ بهم العذابُ مِن صبحِ ليلتِك هذه، فامْضِ لِما تؤمَرُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِيِّ، أنه حَدَّث، أن الرسلَ عند ذلك سَفَعُوا (^٤) في وجوهِ القومِ (^٥) الذين جاءوا لوطًا من قومِه يُراودونه عن ضَيْفه، فرَجَعوا عُميانًا. قال: يقولُ اللهُ ﷿:\n_________\n(^١) في ص: \"أمط\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٢٣ - ٥٢٥، وابن أبي الدنيا في العقوبات (١٥٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٠، ٢٠٦٦، والآجرى فى تحريم اللواط (٧) من طريق آخر عن حذيفة مطولا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٤ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٦٥، ٢٠٦٧ من طريق سلمة به مختصرًا.\n(^٤) في ت ٢: \"سبقوا\"، وفى ف: \"شفعوا\"، وسفع وجهه بيده سفعًا: لطمه. ينظر اللسان (س ف ع).\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":523},{"text":"﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ (^١) [القمر: ٣٧].\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: بطائفةٍ من الليلِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: بطائفةٍ مِن الليلِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: جوفِ الليلِ (^٤).\nوقولُه: ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ [الحجر: ٦٥]. يقولُ: واتَّبِعْ أدبارَ أَهْلِك، ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾. كان (^٥) مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾. قال: لا ينظُرْ وراءَه أحدٌ، ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) ينظر تاريخ المصنف ١/ ٣٠٦، ٣٠٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٦٧، والدر المنثور ٣/ ٣٤٥.\n(^٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٤/ ١٩٣، والقرطبي في تفسيره ٩/ ٧٩، وأبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٢٤٨ عن ابن عباس بهذا اللفظ. وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٦٥ من طريق عبد الله بن صالح به بلفظ: سواد الليل. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٤، ٣٤٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم بلفظ: سواد الليل.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٩ عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٥ من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة به بزيادة: أى سواد.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٤ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٥) في م: \"وكان\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٦٦ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بدون قوله: إلا امرأتك. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٥ إلى ابن المنذر وينظر ما سيأتي في تفسير الآية ٦٥ من سورة الحجر.","vol":"12","page":524},{"text":"ورُوِيَ عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أنه كان يقرأُ: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا امْرأتَكَ).\nحدَّثني بذلك أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: في حرفِ ابنِ مسعودٍ: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا امْرَأَتَكَ) (^١).\nوهذا يدلُّ على صحةِ القراءةِ [في المرأةِ] (^٢) بالنصبِ.\n\n<span id=\"aya-1555\"></span><span data-type='title' id=toc-4332>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاءَ أَمْرُنَا بالعذابِ، وقضاؤُنا فيهم بالهلاكِ، ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا﴾. [يعنى: عالىَ] (^٣) القريةِ (^٤) سَافِلَهَا، ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾. يقولُ: وأرسَلنا عليها ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾.\nواختَلف أهلُ التأويلِ فى معنى ﴿سِجِّيلٍ﴾؛ فقال بعضُهم: هو بالفارسيةِ: سنكَ وكِلْ (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٥ إلى المصنف وأبي عبيد. وينظر المصاحف ص ٦٣، وقراءة ابن مسعود هذه شاذة.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٤) في ص، م، ت ٢: \"قريتهم\"، وسقط من: ت ١، س، ف.\n(^٥) ينظر المعرب للجواليقي ص ٢٢٩.","vol":"12","page":525},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: بالفارسيةِ، أوَّلُها حَجَرٌ، وآخِرُها طينٌ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: فارسيةٌ أُعْرِبت سنكَ وكلْ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: السِّجِّيلُ الطينُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ وعكرمةَ: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قالا: من طينٍ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٩٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٨. وسيأتي بقيته في ص ٥٣٠.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٨ معلقًا.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٠٩، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ١٤/ ٦٣٩ (مخطوط) عن معمر به. بدون ذكر عكرمة.","vol":"12","page":526},{"text":"ثنى عبدُ الصمدِ، عن وهبٍ، قال: سِجِّيلٌ بالفارسيةِ: سنك وكل.\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾: أما السِّجِّيلُ فقال ابنُ عباسٍ: هو بالفارسيةِ: سنْك وجِلْ، سَنْك هو الحجرُ، والجِلْ (^١) هو الطينُ. يقولُ: أَرْسَلْنا عليهم حجارةً من طينٍ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: طينٌ فى حجارةٍ (^٢).\nوقال ابنُ زيدٍ فى ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: السماءُ الدنيا، قال: والسماءُ الدنيا اسمُها سجِّيلٌ (^٣)، وهى التى أنزلَ اللهُ على قومِ لوطٍ (^٤).\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من البصريِّين يقولُ: السِّجِّيلُ، هو مِن الحجارةِ، الصلبُ الشديدُ، ومِن الضربِ، ويستشهدُ على ذلك بقولِ الشاعرِ:\nضَرْبًا تَوَاصَى به الأَبْطالُ سِجِّيلَا (^٥)\nوقال: بعضُهم يُحوِّلُ اللامَ نونًا.\n_________\n(^١) فى م: \"جل\"، وفى ت ٢: \"كل\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٨ من طريق الضحاك عن ابن عباس بلفظ: من طين. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في ف: \"سجين\".\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٦ إلى المصنف، دون آخره. وذكره أبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٢٤٩ عن ابن زيد، وقال: وهذا ضعيف لوصفه بمنضود.\n(^٥) في ت ١، س، ف: \"سجلا\". والشعر لابن مقبل فى ديوانه ص ٣٣٣. وفيه: \"سجينا\".","vol":"12","page":527},{"text":"وقال آخرُ منهم: هو \"فِعِّيل\"، من قولِ القائلِ: أسْجَلْتُه: أرسلتُه، فكأنه مِن ذلك. أي: مُرْسَلةٌ عليهم.\nوقال آخرُ منهم: هو مِن سَجَلْتُ له سَجْلًا. مِن العطاءِ، فكأنه قيل: مُنِحوا ذلك البلاء فأُعْطُوه. وقالوا: أَسْجَلَه: أَهْمَلَه (^١).\nوقال بعضُهم: بل هو من السِّجِلِّ؛ لأنه كان فيها عَلَمٌ كالكتابِ.\nوقال آخرُ منهم: بل هو طينٌ يُطْبَحُ كما يُطْبَخُ الآجُرُّ، ويُنشِدُ بيتَ الفضلِ بنِ عباسٍ (^٢):\nمَنْ يُسَاجِلْنى يُسَاجِلْ ماجِدًا … يملأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبْ (^٣)\nفهذا مِن: سَجَلْتُ له سَجْلًا: أعطيتُه.\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا ما قاله المفسرون، وهو أنها مِن طينٍ، وبذلك وَصَفها اللهُ ﷿ في كتابِه في موضعٍ آخَرَ، وذلك قولُه: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٣، ٣٤].\nوقد رُوِيَ عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه كان يقولُ: هي فارسيةٌ ونَبَطِيَّةٌ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: \"سجيلٌ (^٤) \" فارسيةٌ ونَبَطيةٌ: سج إيل.\nفذهَب سعيدُ بنُ جبيرٍ في ذلك إلى أن اسمَ الطينِ بالفارسيةِ جل لا إيل، وأن\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أمهله\".\n(^٢) الأغانى ١٦/ ١٧٨، والكامل للمبرد ١/ ١٩٣، ومجاز القرآن ٢/ ٢٢٩.\n(^٣) الكَرَب: الحبل يشد وسط خشبة الدلو فوق الرشاء ليقويه. الوسيط (ك ر ب).\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":528},{"text":"ذلك لو كان بالفارسيةِ لكان سِجْل لا سِجِّيل؛ لأن الحجرَ بالفارسيةِ يُدْعَى: سنج، والطينَ: جل، فلا وجه لكون الياءِ فيها وهي فارسيةٌ.\nوقد بيَّنا الصوابَ مِن القولِ عندَنا في ذلك في أولِ الكتابِ، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nوقد ذُكر عن الحسنِ البصريِّ أنه قال: كان أصلُ الحجارةِ طينًا، فشُدِّدَت.\nوأما قولُه: ﴿مَنْضُودٍ﴾. فإن قتادةَ وعكرمةَ يقولان فيه ما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ وعكرمةَ: ﴿مَنْضُودٍ﴾. يقولُ: مصفوفة (^٢).\nوقال الربيعُ بنُ أنسٍ فيه ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ فى قوله: ﴿مَنْضُودٍ﴾. قال: قد نُضِد بعضُه على بعضٍ (^٣).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ اللهِ الهُذَليِّ: أما قولُه: ﴿مَنْضُودٍ﴾. فإنها في السماءِ مَنضودةٌ مُعَدَّةٌ، وهى مِن عُدَّةِ اللهِ التي أعَدَّ للظلَمةِ (^٤).\nوقال بعضُهم: منضودٌ: يَتْبَعُ (^٥) بعضُه بعضًا عليهم. قال: فذلك نَضْدُه.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ١٥ - ٢٠.\n(^٢) تقدم أوله في ص ٥٢٦.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٩ من طريق عبد الله بن أبي جعفر به، وعزا السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٦ إلى أبى الشيخ. وسيأتي بقيته في ص ٥٣١.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ٩/ ٨٣ عن أبي بكر الهذلي.\n(^٥) في ص، ت ٢، س، ف: \"يتبعه\".","vol":"12","page":529},{"text":"والصوابُ مِن القولِ فى ذلك ما قاله الربيعُ بنُ أنسٍ، وذلك أن قولَه: ﴿مَنْضُودٍ﴾. من نعتِ: ﴿سِجِّيلٍ﴾. لا مِن نعتِ الحجارةِ، وإنما أُمْطِر القومُ حجارةً مِن طينٍ، صفةُ ذلك الطينِ، أنه نُضِد بعضُه إلى بعضٍ، فصُيِّر حجارةً، ولم يُمْطَروا الطينَ، فيكونَ موصوفًا بأنه تَتابَع على القومِ بمَجيئِه.\nوإنما كان جائزًا أن يكونَ على ما تأوَّله هذا المتأوِّلُ، لو كان التنزيلُ بالنصبِ \"منضودةً\" (^١)، فيَكونَ من نعتِ الحجارةِ حينَئذٍ.\n\n<span id=\"aya-1556\"></span>وأما قولُه: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾. فإنه يقولُ: مُعَلَّمةً عندَ اللهِ، أَعْلَمَها اللهُ، والمسوَّمةُ من نعتِ الحجارةِ، ولذلك نُصِبَت وأُنِّثَتْ (^٢).\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾. قال: مُعَلَّمةً.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أَبي جعفرٍ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل: \"منضودا\"، وفي ف: \"منضدة\".\n(^٢) في م: \"نعت بها\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٩٠، وتقدم أوله في ص ٥٢٦.","vol":"12","page":530},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. قال ابنُ جريجٍ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾: لا تُشاكِلُ حجارةَ الأرضِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ وعكرمةَ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾. قالا: مُطَوَّقةً، بها نَضْحٌ (^٢) مِن حُمْرةٍ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾: عليها سِيما معلومةٌ، حدَّث بعضُ مَن رآها أنها حجارةٌ مُطَوَّقَةٌ عليها، أو بها نَضْحٌ مِن حُمرةٍ، ليست كحجارتِكم (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِه: ﴿مُسَوَّمَةً﴾. قال: عليها سِيما خُطوطٍ (^٥).\nحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾. قال: المسوَّمةُ المختَّمةُ.\nوأما قولُه: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾، فإنه يقولُ تعالى ذكرُه مُتهَدِّدًا مُشْركي قريشٍ: وما هذه الحجارةُ التى أمْطَرْتُها على قومِ لوطٍ مِن مشركي قومِك يا محمدُ ببعيدٍ أن يُمْطَروها، إن لم يَتُوبوا مِن شركِهم.\nوبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٥/ ٢٥٠ عن ابن جريج.\n(^٢) في ص: \"نضيح\"، وفي ت ٢: \"تصح\"، وفى س: \"نضج\". والنضح: أثر الشيء. اللسان (ن ض ج).\n(^٣) تقدم أوله في ص ٥٢٦.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٩ من طريق سعيد به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٩ من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٦ إلى أبى الشيخ، وتقدم أوله في ص ٥٢٩.","vol":"12","page":531},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو عَتَّابٍ (^١) الدَّلَّالُ سهلُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبانُ بنُ تَغْلِبَ (^٢)، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. قال: أن يُصِيبَهم ما أصاب القومَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. قال: يُرْهِبُ بها قريشًا (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. يقولُ: ما أجار اللهُ منها ظالمًا بعدَ قومِ لوطٍ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ\n_________\n(^١) فى ت ١، ت ٢، س، ف: \"غياث\". ينظر تهذيب الكمال ١٢/ ١٧٩.\n(^٢) في ت ٢، ف: \"ثعلب\". ينظر تحرير التقريب ١/ ٨٠.\n(^٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"من يشاء\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٩٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٦ إلى أبى الشيخ.","vol":"12","page":532},{"text":"وعكرمةَ: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. يقولُ: لم [يَبْرأْ منها ظالمٌ] (^١) بعدَهم (^٢). حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ (^٣)، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن ابنِ شَوْذَبٍ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾، قال: يعنى ظالمي هذه الأمةِ، ثم قال: واللهِ ما أجار منها ظالمًا بعدُ (^٤).\nحدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو (^٥)، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. يقولُ: مِن ظَلَمةِ العربِ، إن لم يؤمنوا (^٦) فيُعَذَّبوا بها (^٧).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ بنِ عبدِ اللهِ، قال: يقولُ: وما هى مِن ظَلَمةِ أمتِك ببعيدٍ، فلا يَأْمَنُها منهم ظالمٌ.\nوكان قلْبُ الملائكةِ عالىَ أرضِ (^٨) سَدُومَ سافلَها كما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن مجاهدٍ، قال: أخذَ جبريلُ\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"يرا منها ظالمًا\"، وفى ت ١، س، ف: \"يرا ظالمًا\"، وبعده في الأصل: ببعيد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧٠ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٠٩ عن معمر به، وتقدم أوله في ص ٥٢٦.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"سعد\". ينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٥٤.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧٠ من طريق ضمرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٦ إلى أبي الشيخ.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"حماد\". وهو عمرو بن حماد، تقدم مرارًا.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يتوبوا\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧٠ من طريق عمرو به.\n(^٨) سقط من: ت ١، س، ف.","vol":"12","page":533},{"text":"قومَ لوطٍ من سَرْحِهم ودورِهم، و(^١) حمَلهم بمواشيهم وأمتعتِهم، حتى سمِع أهلُ السماءِ نُباحَ كلابِهم، ثم أكْفَأَها (^٢).\nوحدَّثنا به أبو كريبٍ، مرةً أخرى، عن مجاهدٍ، قال: أدخَل جبريلُ جناحَه تحتَ الأرضِ السُّفلَى من قومِ لوطٍ، ثم أخذَهم بالجناحِ الأيمنِ، فأخذَهم من سَرْحِهم ومواشيهم، ثم رفعها (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ كان يقولُ: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾. قال: لما أصبحوا غدا جبريلُ على قريتِهم، ففتَقها من أركانِها، ثم أدخل جناحَه، ثم حمَلَها على خوافى (^٤) جناحيه (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، قال: حدَّثني هذا ابنُ أبي نجيحٍ عن إبراهيمَ بنِ أبى بكرٍ، قال: ولم يسمعْه ابنُ أبي نجيحٍ من (^٦) مجاهدٍ، قال: فحملها على خوافى جناحيه بما فيها، ثم صعِد بها إلى السماءِ، حتى سمِع أهلُ السماءِ نُباحَ كلابِهم، ثم قَلَبها، فكان أوَّلَ ما سقَط منها شِرافُها (^٧)، فذلك قولُ اللهِ ﷿: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أكفأهم\". والأثر أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٣٠٤ عن أبي كريب به، وأخرجه الآجرى فى تحريم اللواط (٥)، وابن عساكر في تاريخه ١٤/ ٦٤٠ (مخطوط) من طريق آخر عن الأعمش به نحوه.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٠٥.\n(^٤) فى ت ١، ت ٢، س، ف: \"حوافى\". والخوافي: ريشات إذا ضم الطائر جناحيه خفيت. ينظر اللسان (خ ف ي).\n(^٥) فى م: \"جناحه\". والأثر أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٠٥.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عن\".\n(^٧) في م: \"شرفها\".","vol":"12","page":534},{"text":"حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال مجاهدٌ: فلم يُصِبْ قومًا ما أصابَهم؛ إن اللهَ طمَس على أعْينهم، ثم قلب قريتَهم، وأمطر عليهم حجارةً مِن سجيلٍ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: بلغنا أن جبريلَ ﵇ أخَذ بعُرْوةِ القريةِ الوُسْطَى، ثم ألوى بها إلى السماءِ، حتى سمِع أهلُ السماءِ ضواغِيَ (^٢) كلابهم، ثم دمَّر بعضَها على بعضٍ، فجعل عاليَها سافلَها، ثم أتْبعهم (^٣) الحجارةَ. قال قتادةُ: وبلَغنا أنهم كانوا أربعةَ آلافِ ألفٍ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أنَّ جبريلَ ﵇ أخذ بعرْوَتِها الوُسْطَى، ثم أَلْوَى بها إلى جَوِّ السماءِ، حتى سمِعَت الملائكةُ ضَواغيَ كلابِهم، ثم دمَّر بعضَها على بعضٍ، ثم أتبع شُذَّانَ (^٥) القومِ صخرًا. قال: وهى ثلاثُ قرًى يقالُ لها: سَدُومُ. وهى بينَ المدينةِ والشامِ. قال: وذُكِر لنا أنه كان فيها أربعةُ آلافِ ألفٍ. وذُكِر لنا أن إبراهيمَ ﵇ كان يُشرِفُ (^٦)، يقولُ: سَدُومُ، يومٌ [مَا لكِ] (^٧)!\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٠٥ بدون قول مجاهد.\n(^٢) ضغا القط ونحوه كالذئب والثعلب والكلب: صاح من الألم ونحوه. ينظر الوسيط (ض غ و).\n(^٣) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"تبعهم\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٠٥، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٣٠٨ عن معمر به.\n(^٥) في الأصل: \"شذاذ\". وشُذَّان الناس وشذاذهم: متفرقوهم. ينظر اللسان (ش ذ ذ).\n(^٦) تشرّفت المربأ، وأشرفته: أى علوته، وأشرف عليه: اطلع عليه من فوق. ينظر التاج (ش ر ف).\n(^٧) في تاريخ المصنف: \"يوما هالك\". والأثر أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٣٠٥، ٣٠٦ عن بشر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٨ من طريق سعيد به مختصرًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٥ إلى أبى الشيخ.","vol":"12","page":535},{"text":"حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ، قال: لما أصبحوا، يعني قومَ لوطٍ، نزَل جبريلُ فاقتلَع الأرضَ من سبعِ أَرَضِينَ، فحملَها حتى بلغ بها السماءَ الدنيا، [حتى سَمِع أهلُ السماءِ نُباحَ كلابِهم وأصواتَ ديوكِهم، ثم قلبها فقتلهم] (^١)، فذلك حين يقولُ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٣]. المنقلبةَ حينَ أهوى بها جبريلُ الأرضَ، فاقتلَعها بجناحَيه (^٢)، فمَن لم يمتْ حين أسقَط (^٣) الأرضَ، أمطَر اللهُ عليه وهو تحت الأرضِ الحجارةَ، ومن كان منهم شاذًّا فى الأرضِ، وهو قولُ اللهِ ﷿: فـ ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾. ثم تَتَبَّعهم في القرى، فكان الرجلُ [يتحدَّثُ فيأتيه] (^٤) الحجرُ فيقتلُه، فذلك قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، وأبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قالا (^٦): بلَغنا أن جبريلَ ﵇ لما أصبح نشَر جناحَه، فانتسَف به أرضَهم بما فيها من قصورِها ودوابِّها وحجارتِها وشجرِها وجميعِ ما فيها، فضمَّها فى جناحِه، فحواها وطواها في جوفِ جناحِه، ثم صعِد بها إلى السماءِ الدنيا، حتى سَمِع سكانُ السماءِ أصواتَ الناسِ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في م: \"بجناحه\".\n(^٣) في الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"سقط\".\n(^٤) في الأصل: \"يأتيه يتحدث فيأتيه\"، وفى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يأتيه\". والمثبت موافق لما في المصادر.\n(^٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (١٥١) من طريق عمرو به نحوه. وأخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٠٦ عن السدي بإسناده المعروف.\n(^٦) في م: \"قال\".","vol":"12","page":536},{"text":"والكلابِ، وكانوا أربعةَ آلافِ ألفٍ، ثم قلَبها فأرسَلها إلى الأرضِ منكوسةً، دَمْدَم بعضَها على بعضٍ، فجعَل عاليَها سافلَها، ثم أتبَعها حجارةً من سِجِّيلٍ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ ابنُ كعبٍ القُرَظيُّ، قال: حُدِّثْتُ أن [الله ﷿ بعَث] (^١) جبريلَ ﵇ إلى المؤتفكةِ؛ قريةِ لوطٍ ﵇، التي كان لوطٌ فيها، فاحتَملها بجناحَيه، ثم أَصعَدَ (^٢) بها، حتى إنَّ أهلَ السماءِ الدنيا لَيسمعون نابحةَ (^٣) كلابِها وأصواتَ دَجاجِها، ثم كفَأها على وجهِها، ثم أتبَعَها اللهُ بالحجارةِ، يقولُ اللهُ: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾. فأهْلكها اللهُ وما حولَها من المؤتفكاتِ، وكنّ خمسَ قُرَيَّاتٍ (^٤): [صبعةُ، وصعرةُ، وعمرةُ (^٥)] (^٦)، ودوما، وسدُومُ. وسدومُ هي القريةُ العظمى، ونجَّى اللهُ لوطًا ومن معه مِن أهلِه، إلا امرأتَه كانت فيمن هلَك (^٧).\n\n<span id=\"aya-1557\"></span><span data-type='title' id=toc-4333>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ</span>\n_________\n(^١) فى ص، م، ف: \"نبي الله ﷺ قال: بعث الله\". والمثبت موافق لما في تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور وتاريخ المصنف.\n(^٢) في مصدر التخريج: \"صعد\". وكلاهما بمعنى ارتقى ينظر الوسيط (ص ع د).\n(^٣) فى م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"نباح\".\n(^٤) في الأصل: \"قرايات\".\n(^٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س: \"عره\".\n(^٦) فى ص، م، ف: \"صنعة، وصعوة، وعثرة\"، وفى مصادر التخريج وغيرها اضطراب، لذا قال السهيلي: \"وقد ذكرت الأسماء الأخرى ولكن بتخليط لا يتحصل منه حقيقة والله أعلم\". ثم ذكر الأقرب إلى الصواب، وهو الموافق لما في الأصل، إلا \"صعوة\" فعنده \"صعدة\" وينظر تاريخ الطبري ١/ ٣٠٧، والتعريف والإعلام للسهيلي ص ١٦٢.\n(^٧) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٠٦ عن ابن حميد به، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٧ من طريق ابن إسحاق به.","vol":"12","page":537},{"text":"بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإلى ولدِ (^١) مدين أخاهم شعيبًا، فلما أتاهم ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: أطيعوه، وتذلَّلُوا له بالطاعةِ لما أمرَكم به ونهاكم عنه، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. يقولُ: ما لكم مِن معبودٍ (^٢) يستحقُّ عليكم العبادةَ غيرَه، ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾. يقولُ: ولا تنقُصوا الناسَ حقوقَهم في مِكيالكم وميزانِكم؛ ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾.\nواختلف أهلُ التأويلِ فى الخيرِ الذى أخبَر اللهُ ﷿ عن شعيبٍ أنه قال لمدينَ إنه يَراهم به؛ فقال بعضُهم: كان ذلك رُخْصَ السعرِ، وحذَّرهم غَلَاءَه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ داودَ الواسطيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ موسى، عن زياد (^٣) بنِ عمرٍو، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. قال: رُخْصُ السعرِ، ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾. قال: غلاءُ سعرٍ (^٤).\nحدَّثني أحمدُ بنُ عمرٍو (^٥) البصريُّ (^٦)، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا صالحُ بنُ رستمَ، عن الحسنِ، وذكَر قومَ شعيبٍ، قال:\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) بعده فى م، ف: \"سواه\".\n(^٣) في النسخ: \"الذيال\" وقد تقدم على الصواب ١٠/ ١٢٦.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٦ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٥) في م: \"على\".\n(^٦) في: م: \"النصري\"، وفى س: \"النضرى\". وينظر تاريخ الطبرى ١/ ٣٥٤.","vol":"12","page":538},{"text":"﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. قال: رُخْصُ السعرِ.\n[حدَّثني محمدُ بنُ عمرَ (^١) بن عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، عن أبي عامرٍ الخزازِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. قال: الغنى ورُخْصُ السعرِ] (^٢).\nوقال آخرون: عنَى بذلك: إني أرى لكم مالًا وزينةً مِن زِيَنِ الدُّنيا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. قال: يعنى خيرَ الدنيا وزينتَها (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾: أبصَر عليهم قِشْرًا (^٤) من قِشْرِ الدنيا وزينتِها (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قولِه: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. قال: في دُنياكم، كما قال اللهُ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]. سمَّاه اللهُ خيرًا؛ لأنَّ الناسَ يُسمون المالَ خيرًا (^٦).\nوأَوْلى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ: ما أخبَر اللهُ عن شعيبٍ أنَّه قال لقومِه، وذلك قولُه لهم: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. يعنى: بخيرِ الدنيا، وقد يدخلُ في\n_________\n(^١) في النسخ: \"عمرو\". وقد تقدم مرارًا على الصواب. وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ١٧٤.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١١.\n(^٤) القشرة: الثوب الذى يلبس، ولباس الرجل: قشرة، وكل ملبوس قشر. اللسان (ق ش ر).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٧١ من طريق سعيد بن أبي عروبة به بنحوه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٧١ من طريق آخر عن ابن زيد به.","vol":"12","page":539},{"text":"خيرِ الدنيا المالُ وزينةُ الحياةِ الدنيا، ورُخْصُ السعرِ، ولا دَلالةَ على أنَّه عَنى بقيلِه ذلك بعضَ خيراتِ الدنيا دونَ بعضٍ، فذلك على كلِّ معانى خيراتِ الدنيا التي ذكَر أهلُ العلمِ أنهم كانوا أُوتوها، وإنما قالَ ذلك شعيبٌ؛ لأنَّ قومَه كانوا في سَعَةٍ من عيشِهم، ورخصٍ من أسعارِهم، كثيرةً أموالُهم، فقال لهم: لا تَنقُصوا الناسَ حقوقَهم فى مكاييلِكم وموازينِكم، فقد وسَّع اللهُ عليكم ورزَقَكم، ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ بمخالفتِكم أمرَ اللهِ وبخسِكم الناسَ أموالَهم في مكاييلِكم وموازينِكم، ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾. يقولُ: أَن يَنزِلَ بكم عذابُ يومٍ محيطٍ بكم عذابُه، فجعَل \"المحيطَ\" نعتًا لليوم، وهو [من نعتِ العذابِ] (^١)؛ إذ كان مفهومًا معناه، وكان العذابُ في اليومِ، فصار كقولِهم: بعضُ (^٢) جُبَّتِك متخرِّقةٌ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1558\"></span><span data-type='title' id=toc-4334>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِ شعيبٍ لقومِه: ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾. يقولُ: بالعدلِ، وذلك بأن تُوفُّوا أهلَ الحقوقِ التى هى مما يُكالُ أو يُوزنُ حقوقَهم، على ما وجَب لهم مِن التمامِ بغيرِ بخسٍ، ولا نقصٍ.\nوقولُه: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. يقولُ: ولا تَنقُصوا الناسَ حقوقَهم التي يجبُ عليكم أن تُوَفوهم، كيلًا أو وزنًا أو غيرَ ذلك.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"نعتا للعذاب\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"متحرقة\"، وفى م: \"محترقة\".","vol":"12","page":540},{"text":"كما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عليُّ بنُ صالحِ بنِ حيٍّ، قال: بلَغنى في قولِه: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. قال: لا تَنقُصوهم.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. يقولُ: لا تَظلِموا الناسَ أشياءَهم (^١).\nوقولُه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: ولا تَسيروا في الأرضِ تَعملون فيها بمعاصى اللهِ.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادة في قولِه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. قال: لا تَسيروا في الأرضِ (^٢).\nوحُدِّثْتُ عن المسيبِ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: لا تَسْعَوا في الأرضِ مُفْسدين. يعني: نقصانَ الكيلِ والميزانِ.\n\n<span id=\"aya-1559\"></span><span data-type='title' id=toc-4335>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: ما أبْقاه اللهُ لكم بعدَ أن توفُّوا الناسَ حقوقَهم، بالمكيالِ والميزانِ بالقسطِ، فأحلَّه لكم، خيرٌ لكم من الذى يبقى لكم، ببخسِكم الناسَ من حقوقِهم بالمكيالِ والميزانِ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقول: إن كنتم مصدّقين بوعدِ اللهِ ووعيدهِ، وحلالهِ وحرامهِ. وهذا\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧١ معلقا عن قتادة بنحوه.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١١. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧١ من طريق سعيد عن قتادة به.","vol":"12","page":541},{"text":"قولٌ رُوى عن ابنِ عباسٍ بإسنادٍ غير مرتضًى عند أهلِ النقلِ.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ فى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: طاعةُ اللهِ خيرٌ لكم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ؛ وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: طاعةُ اللهِ خيرٌ لكم (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ (^٢) خَيْرٌ لَكُمْ﴾. [قال: طاعةُ اللهِ خيرٌ لكم] (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾. قال: طاعةُ اللهِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: طاعةُ اللهِ خيرٌ لكم (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٨٥ من طريق ليث به بنحوه وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٦ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) بعده في م: \"قال طاعة الله\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١١.","vol":"12","page":542},{"text":"مجاهدٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: طاعةُ اللهِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، نحوَه.\nوقال آخرون: معنى ذلك: حَظُّكم من ربِّكم خيرٌ لكم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: حظُّكم من ربِّكم خيرٌ لكم (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: حَظُّكم مِن اللهِ خيرٌ لكم (^٣).\nوقال آخرون: معناه: رزقُ اللهِ خيرٌ لكم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عمن ذَكَره، عن ابنِ عباسٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾. قال: رزقُ اللهِ (^٤).\nوقال ابنُ زيدٍ فى ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: الهلاكُ في\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٩٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧٢ من طريق سعيد بن أبي عروبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٦ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١١.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٦ إلى المصنف.","vol":"12","page":543},{"text":"العذابِ، والبقيةُ في الرحمةِ.\nوإنما اخترتُ في تأويلِ ذلك القولَ الذى اخترتُه؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه إنما تقدَّمَ إليهم بالنهيِ عن بخسِ [الناسِ أشياءَهم في] (^١) المكيالِ والميزانِ، وإلى تركِ التطفيفِ في الكيلِ، والبخسِ فى الميزانِ، دعاهم شعيبٌ، فتعقيبُ ذلك بالخبرِ عما لهم من الحظِّ في الوفاءِ في الدنيا والآخرةِ أَولَى، مع أن قولَه: ﴿بَقِيَّتُ﴾. إنما هي مصدرٌ من قولِ القائلِ: بَقَّيْتُ بَقِيَّةً من كذا. فلا وجهَ لتوجيه معنى ذلك إلا إلى: بقيةُ اللهِ التي أبقاها لكم، مما لكم بعدَ وفائِكم الناسَ حقوقَهم، خيرٌ لكم من بقيتِكم من الحرامِ الذى يبقى لكم من ظلمِكم الناسَ، ببخسِكم إياهم في الكيلِ والوزنِ.\nوقولُه: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾. يقولُ: وما أنا عليكم أيُّها الناسُ برقيبٍ، أرقُبُكم عندَ كيلِكم ووزنِكم: هل توفون الناسَ حقوقَهم أم تظلِمونهم؟ وإنما عليّ أن أبلِّغَكم رسالةَ ربى، فقد أبلَغتكموها.\n\n<span id=\"aya-1560\"></span><span data-type='title' id=toc-4336>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ (^٢) تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ شعيبٍ له (^٣): ﴿يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ﴾ عبادةَ ﴿مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الأوثانِ والأصنامِ ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س: \"أصلواتك\". وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر. وأما قراءة التوحيد \"أصلاتك\" فهي قراءة حفص وحمزة والكسائي وينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣١٧، والكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٥٠٦، والتيسير ص ٩٧.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":544},{"text":"فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ مِن كسرِ الدراهمِ وقَطْعِها، وبَخْسِ الناسِ في الكيلِ والوزنِ، ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ﴾: وهو الذى لا يحمِلُه الغضبُ أن يفعَلَ ما لم يكنْ ليفعَلَه في حالِ الرضا، ﴿الرَّشِيدُ﴾. يعني: رشيدُ الأمرِ في أمرِه إياهم أن يتركوا عبادةَ الأوثانِ.\nكما حدَّثنا محمودُ بنُ خِدَاشٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ خالدٍ الخياطُ (^١)، قال: ثنا داودُ بنُ قيسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ فى قولِ اللهِ: ﴿أَصَلَاتُكَ (^٢) تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾. قال: كان مما نهاهم عنه حذفُ الدراهمِ. أو قال: قطعُ الدراهمِ. الشكُّ مِن حمادٍ (^٣).\nحدَّثنا [سهلُ بنُ موسى] (^٤) الرازيُّ، قال: ثنا ابنُ أبي فُدَيكٍ، عن أبي مودودٍ، قال: سمعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظيِّ يقولُ: بلغنى أَنَّ قومَ شعيبٍ عُذِّبوا في قطعِ الدراهمِ، ثم (^٥) وجَدتُ ذلك فى القرآنِ: ﴿أَصَلَاتُكَ (^٦) تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ (^٧).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبَابٍ، عن موسى بنِ عبيدةَ، عن محمدِ ابنِ كعبٍ القُرَظيِّ، قال: عُذِّبَ قومُ شعيبٍ في قطعِهم الدراهمَ، فقالوا: ﴿يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ (٦) تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا\n_________\n(^١) فى س، ف: \"الحناط\". وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٢٣٣.\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س: \"أصلواتك\".\n(^٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٣٢٩.\n(^٤) في الأصل: \"موسى بن سهل\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٦) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أصلواتك\".\n(^٧) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٢٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٦ إلى ابن المنذر.","vol":"12","page":545},{"text":"مَا نَشَاءُ﴾ (^١)؟\nثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ خالدٍ الخياطُ، عن داودَ بنِ قيسٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ في قولِه: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾. قال: كان مما نهاهم عنه حذفُ الدراهمِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾؟ قال: نهاهم عن قطعِ الدنانيرِ والدراهمِ، فقالوا: إنما هي أموالُنا نفعلُ فيها ما نشاءُ؛ إن شِئْنا قطَّعْناها، وإن شِئْنا حرَّقناها، وإن شئنا طرَحْناها (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: وأخبَرنى داودُ بنُ قيسٍ المرِّيُّ أنه سمِع زيد بنَ أسلمَ يقولُ فى قولِ اللهِ: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾؟ قال زيدٌ: كان مِن ذلك قطعُ الدراهمِ.\nوقولُه: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾. كان الأعمشُ يقولُ في تأويلِها ما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ عن الأعمشِ في قولِه:\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٢٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧٣ من طريق حماد بن خالد به، وزاد فيه وحذف الدراهم من الفساد في الأرض، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٦، ٣٤٧ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وفيه الزيادة وحذَف الشيء حذفا: قطعه من طرفه. الوسيط (ح ذ ف).\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٦ إلى المصنف وأبى الشيخ. وحرق الحديد، حرقًا: برده. الوسيط (ح ر ق).","vol":"12","page":546},{"text":"﴿أَصَلَاتُكَ﴾. قال: قراءتُك (^١).\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ أن نترُكَ ما يعبدُ آباؤنا، أو أن نفعلَ في أموالِنا ما نشاءُ. وإنما كان شعيبٌ نهاهم أن يفعَلوا فى أموالِهم ما قد ذكَرتُ أنه نهاهم عنه فيها؟ قيلَ: إنَّ معنى ذلك بخلافِ ما توهَّمتَ.\nوقد اختلَف أهلُ العربيةِ فى معنى ذلك؛ فقال بعضُ البصريين: معنى ذلك: أصلواتُك تأمرُك أن نترُكَ ما يعبُدُ آباؤُنا، أو أن نترُكَ أن نفعلَ في أموالِنا ما نشاءُ، وليس معناه: تأمُرُك أن نَفعلَ فى أموالِنا ما نشاءُ، لأنه ليس بذا أمرهم.\nوقال بعضُ الكوفيين نحوَ هذا القولِ، قال (^٢): وفيها وجهٌ آخرُ يجعَلُ الأمرَ كالنهيِ، كأنه (^٣) قال: أصلاتُك تأمُرُك بذا، وتنهانا عن ذا؟ فهي حينئذٍ مردودةٌ، على أن الأُولى [لا إضمارَ فيها] (^٤)، [كأنك قلتَ: تأمُرُك (^٥) أن نفعلَ في أموالِنا ما نشاءُ. كما تقولُ: أضرِبُك أن تسئَ. كأنَّه قال: أنهاكَ أن تسئَ.\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ: إن \"أن\" الأُولى] (^٦) منصوبةٌ بقولِه \"تأمرُك\"، وأنَّ الثانيةَ منصوبةٌ عطفًا بها على \"ما\" التي في قولِه: ﴿مَا يَعْبُدُ﴾. وإذا كان ذلك كذلك، كان معنى الكلامِ: أصلاتُك (^٧) تأمُرُك أن نترُكَ ما يعبُدُ\n_________\n(^١) في ف: \"قرآنك\". والأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧٢ عن الحسن به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) معانى القرآن للفراء ٢/ ٢٥.\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لأنه\".\n(^٤) سقط من: النسخ، والمثبت من معاني القرآن للفراء.\n(^٥) كذا في الأصل، ومعاني القرآن للفراء: \"تنهانا\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٧) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أصلواتك\".","vol":"12","page":547},{"text":"آباؤنا، أو أن نترُكَ أن نفعَلَ فى أموالِنا ما نشاءُ. وقد ذُكِر عن بعضِ القرَأَةِ أنه قرَأه (ما تشاءُ (^١»، فمَن قرَأ ذلك كذلك فلا مُؤْنةَ (^٢) فيه، وكانت \"أن\" الثانيةُ حينَئذٍ معطوفةً على \"أن\" الأُولى.\nوأما قولُهم لشعيبٍ: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾. فإنهم أعداءُ اللهِ، قالوا له ذلك استهزاءً به، وإنما سفَّهوه وجهَّلوه بهذا الكلامِ. وبما قلنا مِن ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾. قال: يستهزِئون (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾: المستهزِئون يستهزِئون به (^٤): ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1561\"></span><span data-type='title' id=toc-4337>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"نشاء\"، والمثبت هو الصواب وهي قراءة على بن أبي طالب والضحاك وغيرهما: \"تشاء\" بالتاء. ينظر شواذ القراءات ص ٦٥، والبحر المحيط ٥/ ٢٥٣.\n(^٢) في ت ٢، س: \"مرية\".\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٦/ ٥٠.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":548},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: قال شعيبٌ لقومِه: يا قومِ، أرأيتُم إن كنتُ على بيانٍ وبرهانٍ من ربِّى فيما أدعوكم إليه من عبادةِ اللهِ، والبراءةِ مِن عبادةِ الأوثانِ والأصنامِ، وفيما أنهاكم عنه مِن إفسادِ المالِ، ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾. يعنى: حلالًا طيبًا، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾. يقولُ: وما أريدُ أن أنهاكم عن أمرٍ، ثم أفعلَ خلافَه، بل لا أفعلُ إلا ما آمُرُكم به، ولا أنتهي إلا عما أنهاكم عنه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾. يقولُ: لم أكنْ لأنهاكم عن أمرٍ ثم أركبَه وآتِيَه، ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾. يقول: ما أريدُ فيما أمرُكم به وأنهاكم عنه، إلا إصلاحَكم وإصلاحَ أمرِكم، ﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾. يقولُ: ما قدرْتُ على إصلاحِه، لئلا ينالَكم مِن اللهِ عقوبةٌ مُنكِّلةٌ بخلافِكم أمرَه، ومعصيتِكم رسولَه، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾. يقولُ: وما إصابتى الحقَّ في (^١) محاولتي (^٢) إصلاحَكم وإصلاحَ أمرِكم إلا باللهِ، فإنه هو المعينُ على ذلك، إن لا يُعِنِّى عليه لم أُصِبِ الحقَّ فيه (^٣).\nوقولُه: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾. يقولُ: إِلى اللهِ أفوِّضُ أمرِى، فإنه ثقتى، وعليه اعتمادى في أمورِى. وقولُه: ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾: وإليه أُقبِلُ بالطاعةِ، وأرجِعُ بالتوبةِ.\nكما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال: أرجعُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى\n_________\n(^١) في الأصل: \"من\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"مجادلتي\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧٤ من طريق سعيد به مقتصرًا على قوله: لم أكن لأنهاكم عن أمر وأركبه.","vol":"12","page":549},{"text":"نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ. [وحدَّثني المُثَنَّى قال: ثنا] (^١) إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ قال: وإليه (^٢) أرجعُ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال: أرجعُ.\n\n<span id=\"aya-1562\"></span><span data-type='title' id=toc-4338>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه مخبرًا عن قِيلِ شعيبٍ لقومِه: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾. يقولُ: لا يَحْمِلَنَّكم عداوتى وبغضى وفراقُ الدينِ الذي أنا عليه، على الإصرارِ على ما أنتم عليه من الكفر باللهِ، وعبادةِ الأوثانِ، وبَخسِ الناسِ في المكيالِ والميزانِ، وتركِ الإنابةِ والتوبةِ، فيصيبَكم ﴿مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغَرَقِ، ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من العذابِ، ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ من الرجفةِ، ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ﴾، الذين ائتفكتْ بهم الأرضُ ﴿مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ هلاكُهم، [فلا تتعظوا به وتعتبروا] (^٤). يقولُ: فاعتبروا بهؤلاء، واحذروا أن يُصيبَكم بشقاقي مثلُ\n_________\n(^١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال وحدَّثنا\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٩٠، ومن طريقه عبد بن حميد في تفسيره -كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٢٦. وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧٤. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٧ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) فى م: \"أفلا تتعظون وتعتبرون\". والعبارة المثبتة جواب طلب للنهى في قوله: \"لا يحملنكم عداوتى وبغضى. . .\".","vol":"12","page":550},{"text":"الذي أصابَهم.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾. يقولُ: لا يحملنَّكم فراقى ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ الآيةَ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾. يقولُ: لا يحملَنَّكم شقاقى (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ قولَه: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾. قال: عداوتي وبَغْضائى وفراقي.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾. قال: إنما كانوا حديثًا منهم قريبًا بعدَ (^٣) قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾. قال: إنما كانوا حديثي عهدٍ قريبٍ بعدَ قومِ نوحٍ وعادٍ (^٥) وثمودَ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧٥ من طريق سعيد بن أبي عروبة به. وأخرجه في ٦/ ٢٠٧٤ من طريق سعيد بن بشير به دون قوله: \"فراقي\". عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٧ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١١.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يعني\".\n(^٤) بعده في النسخ: \"وصالح\". وهو سبق قلم من الناسخ أو المصنف. والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧٥ عن محمد بن عبد الأعلى به.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف، والمثبت من تفسير عبد الرزاق.\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٠، ٣١١.","vol":"12","page":551},{"text":"قال أبو جعفرٍ: وقد يَحتمِلُ أن يقالَ: معناه: وما دارُ قومِ لوطٍ منكم ببعيدٍ.\n\n<span id=\"aya-1563\"></span><span data-type='title' id=toc-4339>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالَى ذِكرُه مخبرًا عن قيلِ شعيبٍ لقومِه: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا﴾ أيها القومُ ﴿رَبَّكُمْ﴾ من ذنوبِكم بينَكم وبينَ ربِّكم، التى أنتم عليها مقيمون، من عبادةِ الآلهةِ والأصنامِ، وبَخْسِ الناسِ حقوقَهم في المكاييل والموازينِ. ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾. يقولُ: ثم ارجعوا إلى طاعتِه والانتهاء إلى أمرِه ونهيِه. ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾. يقولُ: هو رحيمٌ بمن تاب وأنابَ إليه، أن يعذِّبَه بعد التوبةِ. ﴿وَدُودٌ﴾. يقولُ: ذو محبةٍ لمن أناب وتاب إليه، يَوَدُّه ويحبُّه.\n\n<span id=\"aya-1564\"></span><span data-type='title' id=toc-4340>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: قال قومُ شعيبٍ لشعيبٍ: ﴿يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾. أى ما نعلمُ حقيقةَ كثيرٍ مما تقولُ وتخبرُنا به، ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾. ذُكِر لنا (^١) أنَّه كان ضريرًا، فلذلك قالوا له: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ الأسديُّ، قال: ثنا أَسِيدُ (^٢) بنُ زيدٍ (^٣)، قال:\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أسد\". وينظر تهذيب الكمال ٣/ ٢٣٨.\n(^٣) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف، وتاريخ المصنف: \"الجصاص\". والذى فى مصادر =","vol":"12","page":552},{"text":"أخبرَنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾. قال: كان أعمى (^١).\nحدَّثنا عباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنى إبراهيمُ بنُ مهديٍّ المِصِّيصيُّ، قال: ثنا خلفُ بنُ خليفةَ، عن سفيانَ، [عن سالمٍ] (^٢)، عن سعيدٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثني أحمد بن الوليد الرمليُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ زيادٍ وإسحاقُ بنُ المنذرِ، وعبدُ الملكِ بنُ يزيدَ (^٤)، قالوا: ثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ، مثلَه (^٥).\nحدَّثني أحمدُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ ومحمدُ بنُ الصباحِ، قالا: سمعنا شريكًا، يقولُ فى قولِه: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾. قال: أعمى (^٥).\nحدَّثنى أحمدُ بنُ الوليدِ، قال: حدَّثنا سَعْدُويَهْ، قال: ثنا عبادٌ، عن شريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ مثلَه (^٦).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ قولَه: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾. قال: كان ضعيفَ البصرِ. قال سفيانُ: وكان يقالُ له: خطيبُ\n_________\n= ترجمته: \"الجمال\". ينظر المجروحين لابن حبان ١/ ١٨٠، والضعفاء الكبير للعقيلي ١/ ٢٨، والجرح والتعديل ٢/ ٣١٨، وتهذيب الكمال ٣/ ٢٣٨.\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٢٥ عن عبد الأعلى به، وابن عساكر في تاريخه ٢٣/ ٧٢ من طريق أسيد به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٢٦ عن عباس به وابن عساكر في تاريخه ٢٣/ ٧١، ٧٢ من طريق إبراهيم بن مهدى المصيصي به.\n(^٤) فى م: \"زيد\".\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٢٦.\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٢٦ عن أحمد بن الوليد به، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٢٣/ ٧٢ من طريق عباد بن العوام به.","vol":"12","page":553},{"text":"الأنبياءِ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمّانيُّ، قال: ثنا عبادٌ، عن شريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾. قال: كان ضريرَ البصرِ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾. يقولُ: يقولون: ولولا [أنَّا نَتَّقي] (^٣) عشيرَتَك وقومَك لرجَمْناك، يعنون: لسبَبْناك. وقال بعضُهم: معناه لقتلناك (^٤).\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾. قال: قالوا: لولا أنا (^٥) نَتَّقِى قومَك ورهطَك لرجمناك (^٦).\nوقولُه: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾. يعنون: ما أنت ممن يَكْرُمُ علينا، فيَعْظُمَ علينا إذلالُه وهَوَانُه، بل ذلك علينا هَينٌ.\n\n<span id=\"aya-1565\"></span><span data-type='title' id=toc-4341>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)﴾.</span>\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ١٣٣. وأخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٢٦ عن المثنى به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧٦ من طريق أبي نعيم به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٨ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٢٦.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أنت في\".\n(^٤) في الأصل: \"لقاتلناك\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، س، ف: \"أن\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧٧ من طريق آخر عن ابن زيد به.","vol":"12","page":554},{"text":"يقولُ تعالى ذِكرُه: قال شعيبٌ لقومِه: يا قومِ أَعْزَزْتُم قومَكم، فكانوا أعزَّ عليكم مِنَ اللهِ، واستخفَفْتُم بربِّكم، فجعَلتموه خَلْف ظهورِكم، لا تأتمرون لأمرِه، ولا تخافون عقابَه، ولا تعظِّمونه حقَّ عظمتِه.\nيقالُ للرجلِ إذا لم يقضِ حاجةَ الرجلِ: نبذَ حاجتَه وراءَ ظهرِه. أى: ترَكَها لا يلتفتُ إليها، وإذا قضاها قيل: جعَلها أمامَه ونُصْبَ عينيه. ويقال: ظَهَرتَ بحاجتي، وجَعَلتَها ظِهْرِيَّةً أى: خلفَ ظهرِك، كما قال الشاعرُ (^١):\nوَجَدْنا بنى البَرْصَاءِ مِنْ وَلَدِ الظُّهْرِ\nبمعنى أنهم يَظْهَرون بحوائجِ الناسِ، فلا يلتفتون إليها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾. وذلك أن قومَ شعيبٍ ورهطَه كانوا أعزَّ عليهم مِنَ اللهِ، وصغُر شأنُ اللهِ عندهم عزَّ ربُّنا وجلَّ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾. قال: قَصًى (^٣).\n_________\n(^١) هو أرطاة بن سهية المرى. وصدر البيت: فمن مبلغ أبناء مرة أننا. والبيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٢٩٨، واللسان (ظ هـ ر).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧٧ عن محمد بن سعد به.\n(^٣) في م: \"قفا\". وقصًى مصدر قصى بمعنى بَعُد. وينظر القاموس (ق ص ى). والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧٧ من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح به.","vol":"12","page":555},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾. يقول: عزَّزْتم (^١) قومَكم، وأظهَرْتُم بربِّكم (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾: قال: لم تراقبوه في شيءٍ، إنما تراقبون قومى ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾: لا تخافونه (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: أعزَزْتُم قومَكم، واغترَرْتُم بربِّكم (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: سمعتُ إسحاقَ بن أبى إسرائيلَ، قال: قال سفيانُ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾: كما يقولُ الرجلُ للرجلِ: خلَّفتَ حاجتي خلفَ ظهرِك، فـ ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ استخفَفْتُم بأمرِه، فإذا أراد الرجلُ قضاءَ حاجةِ صاحبِه جعَلها أمامَه بين يديه، ولم يستخِفَّ بها.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه:\n_________\n(^١) في الأصل: \"أعززتم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧٧ من طريق سعيد بن أبي عروبة به. وبعده في م: \"حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾، قال: لم تراقبوه في شيء، إنما تراقبون قومى ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ يقول: عززتم قومكم، وأظهرتم بربكم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧٧ من طريق محمد بن عبد الأعلى به مختصرًا. وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٣١١، ٣١٢ عن معمر به.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٢.","vol":"12","page":556},{"text":"﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾. قال: الظِّهرِيُّ: الفضلُ. مثلُ الحمَّالِ (^١) يخرجُ معه بإبلٍ ظَهَاريَّةٍ فضلٍ، لا يَحْمِلُ عليها شيئًا، إلا أن يُحتاج إليها. قال: فيقولُ: إنما ربُّكم عندَكم مثلُ هذا إن احتجْتُم إليه، وإن لم تحتاجوا إليه فليس بشيءٍ (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: واتخذتُم ما جاءَ به شعيبٌ وراءَكم ظِهريًّا، فالهاءُ التى فى قولِه: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾. على هذا القولِ (^٣)، مِن ذِكرِ ما جاء به شعيبٌ ﵇.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾. قال: تركتُم ما جاء به شعيبٌ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، قال: نَبذوا أمرَه (^٥).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾. قال: نبَذتُم أمرَه (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾. قال: هم رهطُ شعيبٍ،\n_________\n(^١) فى م ومصدرى التخريج: \"الجمال\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧٨ من طريق آخر عن ابن زيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٨ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٩٠.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧٧ من طريق سفيان به.","vol":"12","page":557},{"text":"تَرْكُهم ما جاء به وراءَ ظهورِهم ظِهريًّا.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ. قال: وحدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ. عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾. قال: استثناؤُهم رهطَ شعيبٍ و(^١) تَرْكُهم ما جاءَ به شعيبٌ وراءَ ظهورِهم ظهريًّا (^٢).\nوإنما اختَرْنا القولَ الذى اختَرْناه في تأويلِ ذلك لقربِ قولِه: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ مِن قولِه: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾. فكانت الهاءُ التي في قولِه ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ بأن تكونَ مِن ذِكرِ اللهِ؛ لقربِ جوارِها منه، أشبهُ وأَوْلَى.\nوقولُه: ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. يقولُ: إِنَّ رَبِّي محيطٌ علمُه بعمَلِكم، فلا يَخْفَى عليه منه شيءٌ، وهو مجازيكم على جميعِه عاجلًا وآجلًا.\n\n<span id=\"aya-1566\"></span><span data-type='title' id=toc-4342>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه مخبرًا عن قيلِ شعيبٍ لقومِه: ﴿يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. يقولُ: على تمكُّنِكم، يقالُ منه: الرجلُ يعملُ على مَكينَتِه ومَكِنتِه (^٣). أى على اتئاده، ومَكُن الرجلُ يمكُن مَكْنًا ومَكانةً ومكانًا.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٩٠. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٧٧، لكن بغير هذا المعنى، قال: \" ﴿ظهريا﴾. رهط شعيب جعلوا الله وراءهم ظهريا\".\n(^٣) في الأصل، ص: \"مكيته\". وينظر اللسان (م ك ن).","vol":"12","page":558},{"text":"وكان بعضُ أهلِ التأويلِ يقولُ في معنى قولِه: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾: على منازِلكم. فمعنى الكلامِ إذن: ويا قومِ اعملوا على تمَكُّنِكم من العملِ الذى تعملونَه، ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ على تُؤَدةٍ مِن العملِ الذى أعملُه، ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيُّنا الجانى على نفسِه المخطئُ عليها، والمصيبُ فى فعله المحسنُ (^١) إلى نفسِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4343>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾.</span>\nيقولُ تعالَى ذِكرُه مخبرًا عن قيلِ نبيِّه شعيبٍ لقومِه: الذي يأتيه منا ومنكم أيُّها القومُ ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾. يقولُ: يُذِلُّه ويهينُه. ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾. يقولُ: ويُخزِى أيضًا الذى هو كاذبٌ في قيلِه وخبرِه منا ومنكم. ﴿وَارْتَقِبُوا﴾، أى انتَظِرُوا وتَفَقَّدُوا، من \"الرِّقْبةِ\"، يقالُ منه: رَقَبْتُ فلانًا أرقُبُه رِقبةً. وقولُه: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾. يقولُ: إنى أيضًا ذو رِقبةٍ لذلك العذابِ معكم، وناظرٌ إليه بمَن هو نازلٌ منا ومنكم.\n\n<span id=\"aya-1567\"></span><span data-type='title' id=toc-4344>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: ولما جاءَ قضاؤُنا فى قومِ شعيبٍ بعذابِنا، نجَّيْنا شعيبًا رسولَنا، والذين آمنُوا به، فصدَّقوه على ما جاءَهم به مِن عندِ ربِّهم، مع شعيبٍ، من عذابِنا الذي بَعَثْنا على قومِه، برحمةٍ مِنا له، ولمن آمَن به، واتَّبَعه على ما جاءَهم به من عندِ ربِّهم، وأخَذتِ الذين ظَلموا الصيحةُ مِن السماءِ أخمَدتْهم فأهلَكتْهم، بكفرِهم بربِّهم، وقيلَ: إنَّ جبريلَ ﵇، صاحَ بهم صيحةً\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"المخطئ\".","vol":"12","page":559},{"text":"أخْرَجَتْ أرْواحَهم مِن أجسامِهم، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ على ركبِهم، وصَرْعَى بأفنيتِهم.\n\n<span id=\"aya-1568\"></span><span data-type='title' id=toc-4345>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: كأن لم يَعِشْ (^١) قومُ شُعَيبٍ الذين أَهْلَكَهم اللهُ بعذابِه، حينَ أصبَحوا في ديارِهم جاثِمِين، قبلَ ذلك، ولم يَعْمُروها (^٢)، من قولِهم: غَنِيتُ بمكانِ (^٣) كذا. إذا أقمتَ به، ومنه قولُ النابغةِ:\nغَنِيَتْ بذلكَ إِذْ هُمُ لَكَ (^٤) جِيرَةٌ … منْها بعَطْفِ رِسالَةٍ وتَوَدُّدِ (^٥)\nوكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عَليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾. قال: يقولُ: كأن لم يعيشُوا فيها (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^٧).\nحدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه (٦).\n_________\n(^١) فى ت ١، ت ٢، س: \"يغش\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يغنوا\".\n(^٣) في ت ١، س، ف: \"مكان\".\n(^٤) في م: \"لى\".\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ١٥١.\n(^٦) تقدم تخريجه في ١٠/ ٣٢٦.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٥٣ من طريق محمد بن عبد الأعلى بلفظ: \"كأن لم ينعموا\".","vol":"12","page":560},{"text":"وقولُه: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: أَلَا أَبْعَد اللهُ مَدْيَنَ مِن رحمتِه بإحلالِ نِقْمَتِه بهم (^١)، ﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾. يقولُ: كما بَعِدَت من قبلِهم ثمودُ من رحمتِه، بإنزالِ سُخْطِه بهم.\n\n<span id=\"aya-1569\"></span><span data-type='title' id=toc-4346>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: ولقد أرسَلنا موسى بأدلتِنا على توحيدِنا، وحُجَّةٍ تُبِين لمَن عايَنَها وتأمَّلَها بفِكْرٍ (^٢) صحيحٍ، أنها تدلُّ على توحيدِ اللهِ، وكَذِبِ كُلِّ مَن ادَّعَى الربوبيةَ دونَه، وبُطُولِ قولِ مَن أشرَك معه في الأُلوهَةِ غيرَه\n\n<span id=\"aya-1570\"></span>﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾. يعنى: وإلى أشرافِ جُندِه وأتْباعِه (^٣)، ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾. يقول: فكذَّبَ فرعونُ وملؤُه موسى، وجحَدُوا وحدانيةَ اللهِ، وأبَوا قبولَ ما أَتاهم به موسى من عندِ اللهِ، واتَّبَع مَلَأُ فرعونَ [أمرَ فرعونَ] (^٤) دونَ أمرِ اللهِ، وأطاعُوه في تكذيبِ موسى، وردّ ما جاءهم به مِن عندِ اللهِ عليه. يقول ﷿: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾. يعنى: أنه لا يُرْشِدُ أمرُ فرعونَ مَن [قبِلَه منه] (^٥) في تكذيبِ موسى، إلى خيرٍ، ولا يهدِيه إلى صلاحٍ، بل يُورِدُه نارَ جهنمَ.\n\n<span id=\"aya-1571\"></span><span data-type='title' id=toc-4347>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بقلب\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"تباعه\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) فى م: \"قيله\" وفي ت ٢: \"قيله منه\".","vol":"12","page":561},{"text":"يقولُ ﷿: يَقْدُمُ فرعونُ قومَه يومَ القيامةِ يقُودُهم، فيمضِى بهم إلى النارِ، حتى يُورِدَهموها، ويُصلِيَهم سَعِيرَها، ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾. يقولُ: وبِئْسَ الوِرْدُ الذى يَرِدُونه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. [قال: فرعونُ يقدُمُ قومَه يومَ القيامةِ] (^١)، يمضِى بين أيديهم، حتى [يهجُمَ بهم على] (^٢) النار (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ: يقودُ قومَه يومَ القيامةِ، فأورَدَهم النارَ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ: أَضلَّهم، فأورَدَهم النارَ (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابنُ عيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عمَّن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ فى قولِه: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾.\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ١: \"يجيء بهم إلى\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٨٠ عن محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣١٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٨ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٨٠ من طريق سعيد به.\n(^٥) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٣٤٨ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"12","page":562},{"text":"قال: الورودُ (^١) الدخولُ (^٢).\nحُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾. كان ابنُ عباسٍ يقولُ: الورودُ (^٣) فى القرآنِ أربعةُ أورادٍ: في \"هود\" قولُه: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾، [ووِرْدٌ فى] (^٤) \"مريم\" ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، ووِرْدٌ فى \"الأنبياء\" ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، ووِرْدٌ أيضًا فى \"مريم\" ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]. كان ابنُ عباسٍ يقولُ: كلُّ هذا (^٥) الدُّخُولُ، واللهِ ليَرِدنَّ جهنمَ كلُّ بَرٍّ وفاجرٍ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (^٦) [مريم: ٧٢].\n\n<span id=\"aya-1572\"></span><span data-type='title' id=toc-4348>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: وأتبَعَهم اللهُ ﴿فِي هَذِهِ﴾، يعني في هذه الدنيا، مع العذابِ الذي عجَّلَه لهم فيها، من الغَرَقِ فى البحرِ، لعنةً (^٧) ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ: وفى يومِ القيامةِ أيضًا يُلْعَنُون لَعنةً أُخرَى.\n_________\n(^١) فى م، ت ١، س، ف، وعبد الرزاق وابن أبي حاتم: \"الورد\". والمثبت موافق لما في الدر المنثور.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٨٠، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٣٤٨ إلى ابن المنذر.\n(^٣) فى م، ت ١، س، ف: \"الورد\" وفى ابن أبي حاتم: \"المورود\"، ولعله تصحيف من: \"الورود\".\n(^٤) في ص، ف: \"فى\"، وفى م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وفي\".\n(^٥) بعده في الأصل: \"هو\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٨١ من طريق آخر عن الضحاك به مختصرا.\n(^٧) في م، ت ١، س، ف: \"لعنته\"، وفي ت ٢: \"أمنه\".","vol":"12","page":563},{"text":"كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبد الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: لعنةً أخرى.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: زِيدُوا بلعنتِه (^١) لعنةً أُخرَى، فتلك لعنتان.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾. قال: لعنةً (^٢) في إثْرِ اللعنةِ.\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: زِيدوا لعنةً أخرى، فتلك لعنتان (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي هَذِهِ لَعْنَةً﴾. قال: في الدنيا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَرْدِفوا بلعنةٍ أخرى زِيدُوها، فتانِك (^٤) لعنتان.\n_________\n(^١) فى م، ت ١: \"بلعنة\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"اللعنة\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٩١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٨١.\n(^٤) فى م، ت ٢: \"فتلك\".","vol":"12","page":564},{"text":"وقولُه: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾. يقولُ: بئس العَوْنُ المُعانُ اللعنةُ المَزيدةُ فيها أخرى منها (^١).\nوأصلُ \"الرِّفْدِ\" العَوْنُ، يقالُ منه: رفَد فلانٌ فلانًا عندَ الأميرِ يَرْفِدُه رِفْدًا، بكسرِ الراءِ، وإذا فُتِحَت فهو السَّقْيُ فى القَدَحِ العظيمِ، والرَّفْدُ: القَدَحُ الضخمُ، ومنه قولُ الأعشى (^٢):\nرُبَّ رَفْدِ هرَقْتَه ذلك اليو … مَ وأَسْرَى مِن مَعْشَرٍ أَقْتَالِ (^٣)\nويقالُ: رفَد فلانٌ حائطَه. وذلك إذا أسْنَده بخشبةٍ؛ لئلا يَسْقُطَ. و\"الرَّفْدُ\" بفتحِ الراءِ المصدرُ، يقالُ منه: رفَدَه يَرْفِدُه رَفْدًا. و\"الرِّفْد\": اسمُ الشيءِ الذى يُعْطاه الإنسانُ، وهو \"المَرْفَدُ\".\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾. قال: لعنةُ (^٤) الدنيا والآخرةِ (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٢) ديوانه ص ١٣.\n(^٣) في ص، س: \"أقيال\"، وفي ت ١، ت ٢، ف: \"اقبال\"، وينظر الديوان. والأقتال: جمع قِتل وهو العدو والقِرن. اللسان (ق ت ل). وقال فى حاشية الديوان: يكنى بإراقة الرفد عن الموت. اهـ.\n(^٤) بعده في الأصل: \"في\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٨١ من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٨ إلى ابن المنذر.","vol":"12","page":565},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾. قال: لعَنَهم اللهُ في الدنيا، وزِيد لهم فيها لعنةً (^١) في الآخرةِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾. قال: لعنةٌ فى الدنيا، وزِيدوا فيها لعنةً في الآخرةِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾. يقولُ: ترادَفَت (^٣) عليهم اللعنتان مِن اللهِ؛ لعنةٌ فى الدنيا، ولعنةٌ في الآخرةِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ، قال: أصابَتْهم لعنتان فى الدنيا، رَدِفَتْ (^٥) إحداهما الأخرى، فهو قولُه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ (^٦).\n\n<span id=\"aya-1573\"></span><span data-type='title' id=toc-4349>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠)﴾.</span>\nيقولُ ﷿ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: هذا القَصَصُ الذي ذكَرْناه لك في هذه\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"اللعنة\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٢.\n(^٣) فى ص، ت ٢، س، ف: \"ترافدت\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٨١ من طريق سعيد به.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"رفدت\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٧٨ عن الضحاك.","vol":"12","page":566},{"text":"السورةِ، والنبأُ الذى أنْبَأْناكَه فيها مِن أخبارِ القرى التى أهْلَكْنا أهلَها بكفرِهم باللهِ، وتكذيبِهم رسلَه ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ فنُخْبِرُك به. ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾. يقولُ: [من هذه القرى التي قصَصنا نبأَها عليك ما هو ﴿قَائِمٌ﴾. يقولُ: منها قائمٌ بنيانُه غيرُ منهَدِمٍ، بائدٌ أهلُه] (^١) هالكٌ، ومنها قائمٌ بنيانُه عامرٌ، ومنها حَصِيدٌ بنيانُه، خَرابٌ مُتَداعٍ، قد تَعَفَّى أثرُه، دارسٌ. من قولِهم: زَرْعٌ حَصِيدٌ. إذا كان قد اسْتُؤْصِل قَطْعُه، وإنما هو محصودٌ، ولكنه صُرِف إلى فَعيلٍ، كما قد بيَّنا في نظائرِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾. يعنى بالقائمِ قُرًى عامرةً، والحصيدِ قُرًى خامدةً (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾. قال: قائمةٌ (^٣) على عروشِها، ﴿وَحَصِيدٌ﴾: مُسْتَأْصَلةٌ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾ يُرَى\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"منها بنيانه بائد أهله\". وفى م: \"منها بنيانه بائد بأهله\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٨٢ عن محمد بن سعد به.\n(^٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قائم\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٢ عن معمر بلفظ \"خاوية على عروشها\". وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٨٢ من طريق سعيد بن بشير بنحوه.","vol":"12","page":567},{"text":"مكانُه، ﴿وَحَصِيدٌ﴾ لا يُرَى له أثرٌ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾. قال: خاوٍ على عروشِه، ﴿وَحَصِيدٌ﴾: مُلْتَزِقٌ بالأرضِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ: ﴿قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾. قال: خرَّ بنيانُه (^٢).\nوحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾. قال: الحصيدُ الذى قد خَرَّ (^٣) بنيانُه.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾. منها قائمٌ يُرَى أثرُه، وحَصِيدٌ قد بادَ لا يُرَى أَثَرُه (^٤).\n\n<span id=\"aya-1574\"></span><span data-type='title' id=toc-4350>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: وما عاقَبْنا أهلَ هذه القُرَى التي اقتصَصْنا نبأَها عليك يا محمدُ، بغيرِ استحقاقٍ منهم عقوبتَنا، فنكونَ بذلك (^٥) قد وضَعْنا عقوبتَناهم في غيرِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٩ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٨٢ من طريق عبيد الله به.\n(^٣) في الأصل: \"خرب\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) بعده في الأصل: \"ما\".","vol":"12","page":568},{"text":"موضعِها، ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. يقولُ: ولكنهم أوْجبوا لأنفسِهم بمعصيتِهم اللهَ وكفرِهم به عقوبتَه وعذابَه، فأحَلُّوا بها ما لم يَكُنْ لهم أن يُحِلُّوه بها، وأوْجَبوا لها ما لم يَكُنْ لهم أن يوجِبوه لها (^١)، ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: فما دفَعت عنهم آلهتُهم التي يعبُدُونها (^٢) مِن دونِ اللهِ، ويَدْعُونها (^٣) أربابًا، من عقابِ اللهِ وعذابِه، إذ (^٤) أحَلَّه بهم ربُّهم، ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾، ولا ردَّت عنهم شيئًا منه، ﴿لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ يا محمدُ. يقولُ: لمَّا جاء قضاءُ ربِّك بعذابِهم، فحقَّ عليهم عقابُه، ونزَل بهم سَخَطُه، ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾. يقولُ: وما زادَتْهم آلهتُهم عندَ مَجِيءِ أمرِ ربِّك هؤلاء المشركين بعقابِ اللهِ غيرَ تخسيرٍ وإهلاكٍ وتدميرٍ. يقالُ منه: تبَّبْتُه أُتَبِّبُه تَتْبِيبًا، ومنه قولُهم للرجلِ: تَبًّا لك. كما قال جريرٌ (^٥):\nعَرَادَةُ (^٦) من بَقِيَّة قومِ لوطٍ … ألا تَبًّا لِمَا فَعَلُوا (^٧) تَبَابا\nوبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا سعيدُ بنُ سَلَّامٍ أبو الحسنِ البصريُّ، قال: ثنا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"بها\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يدعونها\".\n(^٣) في ص، ت ١، س، ف: \"يدعوا إنها\"، وفى ت ٢: \"ويدعون أنهم\".\n(^٤) فى م، ت ٢: \"إذا\"، وفى ف: \"إن\".\n(^٥) ديوانه ص ٨١٩.\n(^٦) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عرابة\"، وهو راوية الراعي النميري.\n(^٧) في الديوان: \"عملوا\".","vol":"12","page":569},{"text":"سفيانُ، عن [نُسَيْرِ بنِ ذُعْلُوقٍ] (^١)، عن ابنِ عمرَ في قولِه: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾. قال: غيرَ تَخْسِيرٍ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (^٣): ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾. قال: تَخْسِيرٍ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾: غيرَ تخسيرٍ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ] (^٤) مثلَه (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ يقولُ: غيرَ تخسيرٍ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾. قال: غيرَ تخسيرٍ (^٦).\nوهذا الخبرُ مِن اللهِ ﷿، وإن كان خبرًا منه عمَّن مضَى مِن الأممِ قبلنَا، فإنه وعيدٌ من اللهِ ﷿ لنا أيتُها الأُمَّةُ، أنا إن سلَكْنا سبيلَ الأممِ قبلَنا في الخلافِ عليه\n_________\n(^١) فى ت ١، ت ٢، س، ف: \"بشير بن دعلوق\". وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٣٣٩.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٩ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ. وسعيد بن سلام متروك، والأثر فى تفسير سفيان الثورى ص ١٣٣، ١٣٤ من قوله.\n(^٣) ليس في الأصل.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٩١، ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٨٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٩ إلى ابن المنذر.\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٢ عن معمر به.","vol":"12","page":570},{"text":"وعلى رسولِه، سلَك بنا سبيلَهم في العقوبةِ، وإعلامٌ منه لنا أنه لا يَظْلِمُ أحدًا مِن خلقِه، وأن العبادَ هم الذين يَظْلِمون أنفسَهم.\nكما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، قال: اعْتَذَر -يعنى ربُّنا جلَّ ثناؤُه- إلى خلقِه، فقال: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾. مما ذكَرْنا لك من عذابِ مَن عذَّبْنا من الأممِ، ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ حتى بلَغ: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾. قال: ما زادهم (^١) الذين كانوا يَعْبُدونهم غيرَ تَتْبيبٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1575\"></span><span data-type='title' id=toc-4351>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: وكما أخَذْتُ، أَيُّها الناسُ، أهلَ هذه القرى التي اقْتَصَصْتُ عليك نبأَ أهلِها، بما أخَذْتُهم به من العذابِ، على خلافِهم أمرِى، وتكذيبِهم رسلي، وجُحودِهم آياتِى، فكذلك أخْذى القرى وأهلَها، إِذا أَخَذْتُهم بعقابي، وهم ظَلمةٌ لأنفسِهم بكفرِهم باللهِ، وإشراكِهم به غيرَه، وتكذيبِهم رسلَه، ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: إِن أَخْذَ ربِّكم بالعقابِ مَن أَخَذه، ﴿أَلِيمٌ﴾. يقولُ: مُوجِعٌ، شديدُ الإيجاعِ.\nوهذا أمرٌ مِن اللهِ ﷿، تحذيرٌ لهذه الأمَّةِ أن تسلكَ في معصيتِه طريقَ مَن قبلَهم مِن الأممِ الفاجرةِ، فيَحِلَّ بها (^٣) ما حلَّ بهم مِن المَثُلاتِ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س: \"زادوهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٨٢ من طريق آخر عن ابن زيد دون آخره.\n(^٣) فى م: \"بهم\".","vol":"12","page":571},{"text":"كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن بُرَيْدِ (^١) بنِ أبي بُرْدةَ، عن أبيه، عن أبي موسى، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إن اللهَ يُمْلى -وربما (^٢) قال: يُمْهِلُ- للظالمِ (^٣)، حتى إذا أخَذه لم يُفْلِتْه\" (^٤)، ثم قرَأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ (^٥).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: إن اللهَ حذَّر هذه الأمةَ سَطْوتَه بقولِه: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (^٦).\nوكان عاصمٌ الجَحْدريُّ يَقْرَأُ ذلك: (وكذلك أَخَذَ رَبُّكَ إِذْ (^٧) أَخَذ القُرَى) (^٨). وذلك قراءةٌ لا أَسْتَجِيزُ القراءةَ بها؛ لخلافِها مَصاحفَ المسلمين وما عليه قرأةُ الأمصارِ.\n\n<span id=\"aya-1576\"></span><span data-type='title' id=toc-4352>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يزيد\". وينظر الفتح ٨/ ٣٥٥ وتهذيب الكمال ٤/ ٥٠.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أمهل\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الظالم\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يفلت\".\n(^٥) أخرجه الترمذى (٣١١٠)، والبزار (٣١٨٣)، وأبو يعلى (٧٣٢٢)، والروياني في مسنده (٤٧٠) عن أبى كريب به، وأخرجه البخارى (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣)، وابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٤٨)، والنسائي في الكبرى (١١٢٤٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٨٣، والبغوي في تفسيره ٤/ ١٩٩، من طرق عن أبي معاوية به.\n(^٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٩ إلى المصنف.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"إذا\".\n(^٨) ينظر البحر المحيط ٥/ ٢٦١، وعنه أيضا: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذ أَخَذَ الْقُرَى﴾. ينظر تفسير القرطبي ٩/ ٩٥.","vol":"12","page":572},{"text":"يقولُ ﷿: إن فى أخْذِنا مَن أخَذْنا مِن أهلِ القرى التي قصَصْنا خبرَها عليكم أيُّها الناسُ ﴿لَآيَةً﴾، يقول: لعِبرةً وعِظَةً لمن خاف عقابَ اللهِ وعذابَه في الآخرةِ من عبادِه، وحجةً عليه لربِّه، وزاجِرًا يَزْجُرُه عن أن يَعْصِيَ اللهَ ويُخالِفَه فيما أمَره ونهاه. وقيل: بل معنى ذلك: إن فيه عبرةً لمن خاف عذابَ الآخرةِ؛ إنّ اللهَ سيَفِى له بوَعْدِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾: إنا سوف نَفِي لهم بما وعَدْناهم في الآخرةِ، كما وفَّيْنا للأنبياءِ أنا نَنْصُرُهم (^١).\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾. يقولُ ﷿: هذا اليومُ، يعنى يومَ القيامةِ، ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾، يقولُ: يَحْشُرُ اللهُ له الناسَ مِن قبورِهم، فيَجْمَعُهم فيه للجزاءِ والثوابِ والعقابِ، ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾. يقولُ: وهو يومٌ تَشْهَدُه الخلائقُ، لا يَتَخَلَّفُ عنه منهم أحدٌ، فيُنْتَقَمُ حينَئذٍ ممن عصَى اللهَ، وخالَف أمرَه، وكذَّب رسلَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن أبى بشرٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾. قال: يومُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٨٣ من طريق آخر عن ابن زيد به.","vol":"12","page":573},{"text":"القيامةِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن أبي بشرٍ، عن عكرمةَ، مثلَه.\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسُفَ المَكِّيِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الشاهدُ محمدٌ ﷺ، والمشهودُ يومُ القيامةِ. ثم قرَأ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ (^٢)\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاج بن المنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عليِّ بنِ زيدٍ عن ابنِ عباسٍ، قال: الشاهدُ محمدٌ، والمشهودُ يومُ القيامةِ. ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾.\nحُدِّثْتُ عن المسيبِ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾. قال: ذاك يومُ القيامةِ، يَجْتَمِعُ فيه الخلقُ كلُّهم، ويَشْهَدُه أهلُ السماءِ وأهلُ الأَرضِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1577\"></span><span data-type='title' id=toc-4353>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: وما نُؤَخِّرُ يومَ القيامةِ عنكم؛ أن نَجيئَكم به إلّا [لأنّ اللهَ قضَى] (^٤) له أجلًا، فعدَّه وأحصاه، فلا يَأْتى به إلا لأجلِه ذلك، لا يَتَقَدَّمُ مجيئُه قبلَ\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"يقول: وهو يوم يشهده الخلائق لا يتخلف منهم أحد\"، والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٤٩ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٧٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٨٤ من طريق وكيع به، وأخرجه البزار (٢٢٨٣ - كشف) من طريق عكرمة عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٩ إلى أبي الشيخ، وينظر ما يأتي في تفسيره سورة البروج.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٩ إلى المصنف.\n(^٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"لآن يقضى، فقضى\".","vol":"12","page":574},{"text":"ذلك، ولا يَتَأَخَّرُ عنه.\n\n<span id=\"aya-1578\"></span><span data-type='title' id=toc-4354>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ (^١) لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: يومَ يأتى يومُ القيامةِ أيُّها الناسُ، وتقومُ الساعةُ، لا تتكَلَّمُ (^٢) نفسٌ إلا بإذنِ ربِّها.\nواخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ، بإثباتِ الياءِ فيها (يومَ يَأْتى لا تَكَلَّمُ نفسٌ) (^٣).\nوقرأ ذلك بعضُ أهلِ البصرةِ وبعضُ الكوفيين، بإثباتِ الياءِ فيها في الوَصْلِ، وحذفِها في الوقفِ (^٤).\nوقرَأ ذلك جماعةٌ من أهل الكوفةِ بحذف الياءِ فى الوصلِ والوقفِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (^٥).\nوالصوابُ مِن القراءةِ عندى فى ذلك: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ بحذفِ الياءِ في الوصلِ والوقفِ؛ اتِّباعًا لخطِّ المصحفِ (^٦)، وأنها لغةٌ معروفةٌ لهذيلٍ، تقولُ: ما أَدْرِ ما تقولُ.\n_________\n(^١) فى ص: \"يأتى\" يإثبات الياء، وسيأتى ذكر من قرأها كذلك.\n(^٢) فى م، ت ٢، ف: \"تكلم\" كنص الآية، وفي ت ١: \"يتكلم\".\n(^٣) هي قراءة ابن كثير. ينظر السبعة ص ٣٣٨، والحجة ص ٣٤٨، والكشف ١/ ٥٤٠.\n(^٤) هي قراءة نافع، وأبى عمرو، والكسائي. تنظر المصادر السابقة.\n(^٥) هي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة. تنظر المصادر السابقة.\n(^٦) القراءات المذكورة كلها صواب ومتواترة.","vol":"12","page":575},{"text":"ومنه قولُ الشاعرِ (^١):\nكَفَّاكَ كَفٌّ ما تُلِيقُ درهمَا … جُودًا وأخرى (^٢) تُعْطِ بالسيفِ الدَّمَا\nوقيل: ﴿لَا تَكَلَّمُ﴾. وإنما هو: لا تَتَكَلَّمُ. فحُذِفت إحدى التاءين؛ اجْتِزاءً بدلالةِ الباقيةِ (^٢) منهما عليها.\nوقولُه: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾. [يقولُ: فمِن هذه النفوسِ التي لا تتكَلَّمُ يومَ القيامة إلا بإذن ربِّها، شقيٌّ وسعيدٌ] (^٣)، وعاد (^٤) على النفسِ، وهى فى ذِكْرِ (^٥) واحدةٍ، بذكرِ الجميعِ في قولِه: ﴿فَمِنْهُمْ﴾؛ [لأن النفسَ وإن كانت في لفظِ واحدةٍ، فإنها بمعنى الجميعِ، فلذلك قيل: ﴿فَمِنْهُمْ] (^٦) شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-1579\"></span>يقول تعالى ذكرُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ [من هذه النفوسِ] (^٦)، ﴿فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ (^٧) وهو أولُ نُهاقِ الحمارِ وشِبْهِه، ﴿وَشَهِيقٌ﴾. وهو آخرُ نَهِيقِه إذا ردَّده فى الجوفِ عندَ فراغِه مِن نُهاقِه، كما قال رُؤْبةُ بنُ العَجَّاجِ (^٨):\nحشْرَج (^٩) في الجوفِ سحِيلًا أو شَهَقْ\n_________\n(^١) البيت في معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٧، واللسان (ل ى ق)، بدون نسبة، وقوله: \"ما تليق درهما\" أي: ما تحبسه. كما في اللسان.\n(^٢) في ت ٢: \"الثانية\".\n(^٣) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٤) في س: \"دعا\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"لفظ\"، وفى م: \"اللفظ\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٧) بعده فى م: \"لهم\".\n(^٨) ديوانه ص ١٠٦.\n(^٩) الحشرجة: تردد صوت النَّفَس، وهو الغرغرة فى الصدر. اللسان (ح ش ر ج)، والسحيل: الصوت الذي يدور فى صدر الحمار، وهو أيضا السُّحال. اللسان (س ح ل).","vol":"12","page":576},{"text":"حتى يُقالَ ناهِقٌ وما نهَقْ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾. يقولُ: صوتٌ (^١) شديدٌ، وصوتٌ ضعيفٌ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، [عن الربيعِ] (^٣)، عن أبي العاليةِ فى قولِه: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾. قال: الزفيرُ في الحَلْقِ، والشهيقُ في الصدرِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ ابن أنسٍ، عن أبى العاليةِ بنحوِه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: صوتُ الكافرِ فى النارِ صوتُ الحمارِ، أولُه زَفيرٌ، وآخرُه شَهِيقٌ (^٤).\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ ومحمدُ بنُ مَعْمَرٍ البَحْرانيُّ ومحمدُ بن المُثَنَّى ومحمدُ ابنُ بَشَّارٍ، قالوا: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ سفيانَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ضرب\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٨٥، والبيهقى فى البعث (٦٥٥) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٣/ ٣٥٠ إلى أبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٩.","vol":"12","page":577},{"text":"دينارٍ، عن ابنِ عمرَ، [عن عمرَ] (^١)، قال: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾. سأَلْتُ النبيَّ ﷺ، فقلتُ: يا نبيَّ اللهِ، فعلامَ عَمَلُنا؟ على شيءٍ قد فُرِغ منه أم على شيءٍ لم يُفْرَغْ منه؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"على شيءٍ قد فُرِغ منه يا عمرُ، وجرَت به الأقلامُ، ولكنْ كلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق له\" (^٢). اللفظُ لحديثِ ابنِ مَعْمَرٍ.\n\n<span id=\"aya-1580\"></span>وقولُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. يعني بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: لابِثين فيها. ويعنِى بقولِه: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾: أبدًا. وذلك أن العربَ إذا أرادت أن تَصِفَ الشيءَ بالدوامِ أبدًا، قالت: هذا دائمٌ دَوامَ السماواتِ والأرضِ. بمعنى أنه دائمٌ أبدًا، وكذلك يقولون: هو باقٍ ما اخْتَلَف الليلُ والنهارُ، وما سَمَر ابْنَا (^٣) سَمِيرٍ، وما لأْلأَتِ [العُفْرُ بأذنابِها] (^٤). يعنُون بذلك كلِّه: أبدًا. فخاطَبَهم جلَّ ثناؤُه بما يتعارفونه (^٥) بينَهم، فقال: خالِدِينَ [في النارِ] (^٦) ما دامَتِ السَّمَاوَاتُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف. وفى م: \"عنهما\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٧٠)، والبزار (١٦٨) وابن عدى ٣/ ١١٢١ من طريق محمد بن المثنى به، وأخرجه الترمذى (٣١١١) عن محمد بن بشار به، وأخرجه عبد بن حميد (٢٠ - منتخب) وأبو يعلى -كما في تفسير ابن كثير ٤/ ٢٨٠ - وابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٨٤ من طريق أبي عامر به، وأخرجه ابن أبي عاصم (١٨١) من طريق سليمان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٤٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه، وسليمان بن سفيان ضعيف، وينظر مسند الطيالسي (١١).\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"اتنا\"، وفى م: \"لنا\". وقوله \"سمر ابنا سمير\" قيل: هم الناس يسمرون بالليل، وقيل: هو الدهر، وابناه الليل والنهار. اللسان (س م ر). وينظر المستقصى في أمثال العرب ٢/ ٢٤٩.\n(^٤) في ص، ت ٢، ف: \"العقربات بأنها\" وفى ت ١، س: \"العقوبات\". والَّلأْلأة: التحريك، والعُفر: الظباء. ينظر مجمع الأمثال للميداني ٣/ ١٧٤.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يتعارفون به\".\n(^٦) في م، ت ٢: \"فيها\" كنص الآية.","vol":"12","page":578},{"text":"والأرْضُ. والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدًا.\nوكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك بنحوٍ مما قلنا فيه.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾. قال: ما دامَت الأرضُ أرضًا، والسماءُ سماءً (^١).\nثم قال جلّ ثناؤُه: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. واختَلَف أهلُ العلمِ والتأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: هذا استثناءٌ استثْناه اللهُ في أهلِ التوحيدِ [أنه يُخْرِجُهم] (^٢) من النار إذا شاء بعدَ أن أدْخَلَهم النارَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. قال: اللهُ أعلمُ بثُنْياه (^٣). وقد ذُكِر لنا أن ناسًا يُصِيبُهم سَفْعٌ (^٤) من النارِ بذنوبٍ أصابوها، ثم يُدْخِلُهم الجنةَ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ﴾: واللهُ أعلمُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٨١.\n(^٢) في ت ٢: \"أنهم يخرجون\".\n(^٣) الثُّنيا والثنية: ما استثنى. اللسان (ث ن ي).\n(^٤) سفع: علامة تغير ألوانهم. يقال: سفعت الشيء، إذا جعلت عليه علامة، يريد أثرا من النار. النهاية ٢/ ٣٧٤.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٢ وينظر مسند أحمد ٢٠/ ١٠٠ (١٢٦٦٢).","vol":"12","page":579},{"text":"بثَنِيَّتِه (^١). ذُكِر لنا أن ناسًا يُصِيبُهم سَفْعٌ مِن النارِ بذنوبٍ أصابوها (^٢)، ثم يُدْخِلُهم اللهُ الجنةَ بفضلِ رحمتِه، يقالُ لهم: الجَهَنَّمِيُّون (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا شيبانُ بنُ فَرُّوحَ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ، وتلا هذه الآيةَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾. إلى قولِه: ﴿لِمَا يُرِيدُ﴾. فقال عندَ ذلك: ثنا أنسُ بنُ مالكٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"يَخْرُجُ قومٌ مِن النارِ\". قال قتادةُ: ولا نقولُ ما يقولُ أهلُ حَرُوراءَ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن أبي مالكٍ -يعنى ثعلبةَ- عن أبي سِنانٍ فى قولِه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ قال: [استثنى به] (^٥) أهلَ التوحيدِ (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الضحاكِ بنِ مُزاحِمٍ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾. إلى قولِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. قال: يخرجُ قومٌ مِن النارِ، فيدخلون الجنةَ، فهم الذين استُثْنِى لهم (^٧).\n_________\n(^١) الثُّنيا والثنية: ما استثنى. اللسان (ث ن ى).\n(^٢) في ص، ف: \"أصابهم\"، وفى م، ت ١، ت ٢: \"أصابتهم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٨٧ من طريق سعيد به بلفظ: الله أعلم بتثنيته على ما وقعت به.\n(^٤) أخرجه الطحاوى فى المشكل ١٤/ ٣٤٧ من طريق شيبان به، وأخرجه الطحاوى أيضا ١٤/ ٣٤٦، والبيهقي في البعث -كما في الفتح ١١/ ٤٢٦ - من طريق أبي هلال به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٥٠ إلى أبى الشيخ وابن مردويه، وأخرجه أحمد ٢١/ ٣٣٤ (١٣٨٣٩) والبخاري (٦٥٥٩) وغيرهما من طريق قتادة به، وينظر مسند الطيالسي (٢١٢٢).\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"استثنى فى\"، وفى م، س: \"استثناء في\".\n(^٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٥٠ إلى أبى الشيخ.\n(^٧) سيأتى تخريجه في ص ٥٨٥.","vol":"12","page":580},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عامرِ بنِ جَشِيبٍ (^١)، عن خالدِ بن مَعْدانَ في قولِه: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾. [النبأ: ٢٣] وقولِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ - ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾: إنهما فى أهلِ التوحيدِ (^٢).\nوقال آخرون: الاستثناءُ فى هذه الآيةِ فى أهلِ التوحيدِ. إلا أنهم قالوا: معنى قولِه: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. إلا أن يَشَاءَ رَبُّك أن يَتَجاوَزَ عنهم فلا يُدْخِلَهم النارَ. ووجَّهوا الاستثناءَ إلى أنه من قولِه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ - ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ لا مِن الخلودِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: ثنا ابنُ التَّيْميِّ، عن أبيه، عن أبي نَضْرةَ، عن جابرٍ، أو عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أو عن رجلٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ فى قولِه: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. قال: هذه الآيةُ تَأْتِى على القرآنِ كلِّه، يقولُ: حيث كان في القرآنِ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. تَأْتِى عليه. قال: وسمِعْتُ أبا مِجْلَزٍ يقولُ: هو جزاؤُه، فإن شاء اللهُ تجاوَز عن عذابِه (^٣).\n_________\n(^١) فى م: \"جشب\"، وفي ت ١، ت ٢، س: \"حبيب\"، وفى ف: \"خبيب\"، وغير منقوطة في ص، وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ١٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٨٧ من طريق عبد الله بن صالح به دون آية سورة النبأ، وسيأتي في سورة النبأ.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٣، وأخرجه إسحاق بن راهويه -كما في شفاء العليل ص ٥٥٣ وحادى الأرواح ص ٢٦٥ - والبيهقي في الأسماء والصفات (٣٣٧) من طريق معتمر بن سليمان التيمي به، وأخرجه ابن الضريس وابن المنذر والطبراني -كما في الدر المنثور ٣/ ٣٥٠ - من طريق أبي نضرة به، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٩٨، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٣٣٦) وفي الاعتقاد ص ٨٤ من طريق الجريري، عن أبي نضرة من قوله. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٥٠ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.","vol":"12","page":581},{"text":"وقال آخرون: عُنِى بذلك أهلُ النارِ، وكلُّ مَن دخَلَها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثتُ عن المسيبِ، عمَّن ذكَره، عن ابنِ عباسٍ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾: لا يَموتون، ولا هم منها يُخْرَجون، ما دامت السماواتُ والأرضُ، ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. قال: استثنَى (^١) اللهُ، قال: يَأْمُرُ النارَ أَن تَأْكُلَهم. قال: وقال ابنُ مسعودٍ: لَيَأْتِيَنَّ على جهنم زمانٌ تَخْفِقُ أبوابُها ليس فيها أحدٌ، وذلك بعد ما يَلْبَثون فيها أحقابًا (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن بَيانٍ، عن الشعبيِّ، قال: جهنمُ أسرعُ الدارين عُمْرانًا، وأسرعُهما خَرابًا (^٣).\nوقال آخرون: أَخْبَرنا اللهُ بمشيئتِه لأهلِ الجنةِ، فعرَّفَنا معنى ثُنْياه بقولِه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. أنها فى الزيادةِ على مقدارِ مدةِ السماواتِ والأرضِ. قالوا: ولم يُخْبِرْنا بمشيئتِه فى أهلِ النارِ، وجائزٌ أن تكونَ مشيئتُه فى الزيادةِ، وجائزٌ أن تكونَ في النقصانِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. فقرَأ حتى بلَغ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"استثناء\".\n(^٢) ذكره ابن القيم في شفاء العليل ص ٥٥٦، وحادي الأرواح ص ٢٦٥. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٥٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ عن إبراهيم عن ابن مسعود.\n(^٣) ذكره ابن القيم في شفاء العليل ص ٥٥٦، وحادى الأرواح ص ٢٦٦ عن المصنف.","vol":"12","page":582},{"text":"﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. قال: فأخبَرنا الذي يَشاءُ لأهلِ الجنةِ، فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. ولم يُخْبِرْنا بالذى يَشاءُ لأهلِ النارِ (^١).\nوأولى هذه الأقوالِ في تأويلِ هذه الآية بالصوابِ القولُ الذي ذكَرْناه عن قتادةَ والضحاكِ، من أن ذلك استثناءٌ فى أهلِ التوحيدِ من أهلِ الكبائرِ أنه مُدْخِلُهم النارَ، فتاركُهم (^٢) فيها أبدًا، إلا ما شاء من تركِهم فيها أقلَّ من ذلك، ثم يُخْرِجُهم منها فيُدْخِلُهم الجنةَ. كما (^٣) قد بيَّنَّا في غيرِ هذا الموضعِ بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٤).\nوإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ فى ذلك بالصحةِ؛ لأنَّ اللهَ، ﷿، قد أَوْعَد أهلَ الشركِ به الخلودَ في النارِ، وتَظاهَرَت بذلك الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ استثناءً فى أهلِ الشركِ، وأن الأخبارَ قد تَواتَرَت عن رسولِ اللهِ ﷺ أن اللهَ يُدْخِلُ قومًا مِن أهلِ الإيمانِ به بذنوبٍ أصابوها النارَ، ثم يُخْرِجُهم منها فيُدْخِلُهم الجنةَ، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ ذلك استثناءً فى أهلِ التوحيدِ قبلَ دخولِها، مع صحةِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بما ذكَرْنا، وأنّا إن جعَلْناه استثناءً في ذلك، كنا قد دخَلْنا في قولِ مَن يقولُ: لا يَدْخُلُ الجنةَ فاسقٌ، ولا النارَ مؤمنٌ. وذلك خلافُ مذاهبِ (^٥) أهلِ العلمِ، وما جاءت به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ، فإذا فسَد هذانِ القولانِ (^٦)، فلا قولَ قال به القُدْوةُ من أهلِ العلمِ إلا الثالثُ. ولأهلِ العربيةِ في\n_________\n(^١) ذكره ابن القيم فى حادى الأرواح ص ٢٦٦ عن المصنف.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف، وفى م: \"خالدين\".\n(^٣) فى ص، م، ت ١، س، ف: \"كذا\".\n(^٤) ينظر ما تقدم ٧/ ٣٥٠.\n(^٥) في ت ٢: \"يذهب\".\n(^٦) في م: \"الوجهان\".","vol":"12","page":583},{"text":"ذلك مذهبٌ غيرُ ذلك سنَذْكُرُه بعدُ، ونبَيِّنُه إن شاءَ اللهُ تعالى.\nوقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. يقولُ ﷿: إِنَّ رَبَّك يا محمدُ لا يَمْنَعُه مانعٌ عن فعلِ ما أرادَ (^١) فعلَه بمَن عصاه وخالَف أمرَه، مِن الانتقامِ منه، ولكنه يَفْعَلُ ما يَشاءُ، فيَمْضِى فعلُه فيهم وفيمَن شَاءَ مِن خلقِه؛ فعلُه وقضاؤُه.\n\n<span id=\"aya-1581\"></span><span data-type='title' id=toc-4355>[القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾]</span> (^٢).\nاختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأتَه عامةُ قرأةِ المدينةِ والحجازِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: (وأما الذين سَعِدوا) بفتحِ السينِ (^٣).\nوقرَأ ذلك جماعةٌ من قرأةِ الكوفيين ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ بضمِّ السينِ (^٤)، بمعنى: رُزِقوا السعادةَ.\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿سُعِدُوا﴾. فيما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولم يُقَلْ: \"أُسْعِدوا\"، وأنت لا تقولُ في الخبرِ فيما سُمِّى (^٥) فاعلُه: سعَده اللهُ. بل إنما تقولُ:\n_________\n(^١) بعده فى ص، ت ٢، س، ف: \"من\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر. ينظر السبعة ص ٣٣٩، والتيسير ص ١٠٣، والكشف ٥٣٦.\n(^٤) هى قراءة حمزة والكسائى وعاصم فى رواية حفص. ينظر السابق.\n(^٥) في الأصل: \"لم يسمَّ\".","vol":"12","page":584},{"text":"أسْعَده اللهُ؟ قيل: ذلك نظيرُ قولِهم: هو مجنونٌ، محبوبٌ فيما لم يُسَمَّ فاعلُه، فإذا سَمَّوْا فاعلَه، قالوا: أجَنَّه اللهُ وأحَبَّه. والعربُ تفعلُ ذلك كثيرًا. وقد بيَّنا بعضَ ذلك فيما مضَى مِن كتابِنا هذا.\nوتأويلُ ذلك: وأما الذين سُعِدوا برحمةِ اللهِ، فهم (^١) في الجنةِ، خالدين فيها ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾. يقولُ: أبدًا ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، من قدرِ ما مكَثُوا في النارِ، قبلَ دخولِهم الجنةَ، قالوا: وذلك فيمَن أُخْرِج مِن النارِ مِن المؤمنين فأُدْخِل الجنةَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ (^٢)، عن الضحاكِ فى قولِه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. قال: هو أيضًا في الذين يَخْرُجون من النارِ، فيَدْخُلون الجنةَ، يقولُ: خالدين فى الجنةِ ما دامت السماواتُ والأرضُ، ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. يقولُ: إلا ما مكَثُوا فى النارِ حتى أُدْخِلُوا الجنةَ (^٣).\n_________\n(^١) فى ت ٢: \"فيهم\".\n(^٢) بعده في الأصل: \"عن قتادة\". وينظر مصدر التخريج.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٨٧، ٢٠٨٨ عن محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه الثوري في تفسيره ص ١٣٤ عن رجل عن الضحاك نحوه. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٥٠ إلى أبي الشيخ. وينظر حادي الأرواح ص ٢٥٥.","vol":"12","page":585},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ مِن الزيادةِ على قدرِ مدةِ دَوامِ (^١) السماواتِ والأرضِ، قالوا (^١): وذلك هو الخلودُ فيها (^١) أبدًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن أبي مالكٍ -يعنى ثعلبةَ- عن أبي سنانٍ: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. قال: ومشيئتُه خلودُهم فيها، ثم أَتْبَعها فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (^٢).\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ الاستثناءِ فى هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم (^٣): في ذلك معنيان؛ أحدُهما: أن تَجْعَلَه استثناءً يَسْتَثْنِيه ولا (^٤) يَفْعَلُه، كقولِك: واللهِ لأَضْرِبَنَّك، إلا أن أرَى غيرَ ذلك. وعزمُك (^٥) على ضربِه، قال: فكذلك قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. ولا يَشاؤُه.\nقال: والقولُ الآخرُ: أن العرب إذا اسْتَثْنَت شيئًا كثيرًا مع مثلِه، ومع ما هو أكثرُ منه، كان معنى إلا، ومعنى الواو سَوَاءٌ (^٦). فمن ذلك قولُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، سوى ما شاء اللهُ مِن زيادةِ الخلودِ. فَيَجْعَلُ \"إلا\" مكانَ \"سوى\" (^٧) فيَصْلُحُ، وكأنه قال: خالدين فيها ما دامت السماواتُ والأرضُ سوى\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٨٨ من طريق يعقوب به.\n(^٣) معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٨.\n(^٤) سقط من: الأصل، ص، ف، والمثبت موافق لمعاني القرآن.\n(^٥) في معاني القرآن: \"وعزيمتك\".\n(^٦) في م: \"سوى\".\n(^٧) فى ت ١، ت ٢، س: \"سواء\".","vol":"12","page":586},{"text":"ما زادهم من الخلودِ والأبَدِ. ومثلُه فى الكلامِ أن تقول: لى عليك ألفٌ إلا الألفين اللذين قبلَها (^١). قال: وهذا أحبُّ الوجهين إليَّ؛ لأن اللهَ لا خُلْفَ لوعدِه. وقد وصَل الاستثناءَ بقولِه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. فدلَّ على أن الاستثناءَ لهم (^٢) في الخلودِ غيرُ مُنْقَطِعٍ عنهم.\nوقال آخرون (^٣) منهم بنحوِ هذا القولِ، وقالوا: جائزٌ فيه وجهٌ ثالثٌ، وهو أن يكونَ اسْتَثْنَى مِن خلودِهم فى الجنةِ احْتِباسَهم عنها ما بينَ الموتِ والبعثِ؛ وهو البرزخُ، إلى أن يَصِيروا إلى الجنةِ، ثم هو خلودُ الأبدِ (^٤)، يقولُ: فلم يَغِيبوا عن الجنةِ إلا بقدرِ إقامتِهم في البرْزَخِ.\nوقال آخرون (^٥) منهم: جائزٌ أن يكون دَوامُ السماواتِ والأرضِ بمعنى الأبدِ (^٦) على ما تَعْرِفُ العربُ، وتَسْتَعْمِلُ وتَسْتَثْنى المَشيئةَ مِن دَوامِها؛ لأن أهلَ الجنةِ وأهلَ النارِ قد كانوا فى وقتٍ من أوقاتِ دَوامِ السماءِ (^٧) والأرضِ في الدنيا، لا فى الجنةِ، فكأنه قال: خالدين فى الجنةِ وخالدين في النارِ دوامَ السماءِ والأرضِ، إلا ما شاء ربُّك مِن تعميرِهم في الدنيا قبلَ ذلك.\nوأولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ القولُ الذي ذكَرْتُه عن الضحاكِ؛\n_________\n(^١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قبله\"، وفى معانى القرآن للفراء: \"من قبل فلان\". والمثبت من الأصل.\n(^٢) بعده فى م: \"بقوله\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"آخر\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"الآية\".\n(^٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"آخر\".\n(^٦) في ت ٢: \"الآية\".\n(^٧) في م، ت ٢، ف: \"السماوات\".","vol":"12","page":587},{"text":"وهو: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ (^١) إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ مِن قدرِ مُكْثِهم فى النارِ، مِن لَدُنْ دخَلوها (^٢)، إلى أن أُدْخِلوا (^٣) الجنةَ، وتكونُ الآيةُ معناها الخصوصُ؛ لأن الأشهرَ من كلامِ العربِ في \"إلا\" توجيهُها إلى معنى الاستثناءِ، وإخراجُ معنى ما بعدَها مما قبلَها، إلا أن يكونَ معها دَلالةٌ تدُلُّ على خلافِ ذلك، ولا دلالةَ في الكلامِ -أعنى في قولِه: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ - تَدُلُّ على أن معناها غيرُ معنى المفهومِ في (^٤) الكلامِ، فيُوَجَّهَ (^٥) إليه.\nوأما قولُه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. فإنه يعنى عطاءً مِن اللهِ غيرَ مقطوعٍ عنهم، من قولِهم: جذَذْتُ الشيءَ أَجُذُّه جَذًّا: إذا قطَعْتَه. كما قال النابغةُ (^٦):\nتَجُذُّ السَّلُوقيَّ (^٧) المُضَاعَف نَسْجُه … ويُوقِدْنَ بالصُّفَّاحِ (^٨) نارَ الحُبَاحِبِ (^٩)\nيعنى بقولِه: تَجُذُّ: تَقْطَعُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُوَيْبَرٍ، عن الضحاكِ: ﴿عَطَاءً غَيْرَ\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"أبدا\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س: \"دخولها\".\n(^٣) فى ت ١، ت ٢، س، ف: \"دخلوا\".\n(^٤) فى ت ١: \"من\".\n(^٥) في الأصل: \"فيوجهه\".\n(^٦) ديوانه ص ٦١.\n(^٧) السلوقي: الدروع السلوقية نسبة إلى سلوق؛ وهى قرية باليمن. معجم البلدان ٣/ ١٢٥.\n(^٨) في الأصل: \"الصفاج\". والصفاح: حجارة عراض رقاق. التاج (ص ف ح).\n(^٩) نار الحباحب: ما اقتدح من شرر النار فى الهواء، من تصادم الحجارة. اللسان (ح ب ح ب).","vol":"12","page":588},{"text":"مَجْذُوذٍ﴾. يقولُ: غيرَ مقطوعٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. يعنى (^٢): غيرَ مُنْقَطِعٍ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. يقولُ: عطاءً غيرَ مُنْقطعٍ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَجْذُوذٍ﴾. قال: مقطوعٍ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. قال: غيرَ مقطوعٍ (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٦).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ مثلَه (^٧).\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٦/ ٧١.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يقول\".\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٨٨ معلقًا.\n(^٤) في ص، م، ت ٢: \"مقطوع\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره -كما في الإتقان ٢/ ٢٠ - والبيهقي في البعث (٦٦٤) من طريق عبد الله به، وتقدم أوله ص ٥٧٧.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٩١.\n(^٦) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٨٨ من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.","vol":"12","page":589},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، [عن مجاهدٍ] (^١) مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبى العاليةِ قولَه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. قال: أما هذه فقد أمْضاها، يقولُ: عطاءً غيرَ مُنْقَطِعٍ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. يقولُ: غيرَ منزوعٍ منهم.\n\n<span id=\"aya-1582\"></span><span data-type='title' id=toc-4356>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فلا تَكُ في شَكٍّ يا محمدُ مما يَعْبُدُ هؤلاء المشركون من قومك من الآلهةِ والأصنامِ -أنه ضلالٌ وباطلٌ، وأنه باللهِ شركٌ، [﴿مَا يَعْبُدُونَ﴾. يقولُ] (^٢). ما يَعْبُدُ هؤلاء [المشركون ذلك] (^٢)، ﴿إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: إلا كعبادةِ آبائِهم إيَّاها (^٣) مِن قبلِ عبادتِهم لها. يُخْبِرُ تعالى ذكرُه أنهم لم يَعْبُدوا ما عبَدوا مِن الأوثانِ إلا اتِّباعًا منهم مِنْهَاجَ آبائِهم، واقتفاءً منهم آثارَهم في عبادتِهموها، لا عن أمرِ الله إياهم بذلك، ولا لحجةٍ (^٤) تَبَيَّنوها (^٥) تُوجِبُ عليهم عبادتَها.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بحجة\".\n(^٥) فى ت ١، ت ٢: \"يثبتوها\".","vol":"12","page":590},{"text":"ثم أخْبَر جلَّ ثناؤُه نبيَّه ما هو فاعلٌ بهم؛ لعبادتِهم ذلك، فقال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾. يعنى: حظَّهم مما وعَدْتُهم أن أُوَفِّيَهموه، مِن خيرٍ أو شرٍّ، ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾. يقولُ: لا أَنْقُصُهم مما وعَدْتُهم، بل أُتَمِّمُ ذلك لهم على التَّمامِ والكَمالِ.\nكما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾. قال: ما وُعِدوا فيه مِن خيرٍ أو شرٍّ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيمٍ؛ الفضلُ بنُ دكين، قال: ثنا سفيانُ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾. قال: ما قدِّر لهم من خيرٍ أو شرٍّ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ ومحمدُ بنُ بشارٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه، إلا أن أبا كُرَيْبٍ قال في حديثِه: مِن خيرٍ وشرٍّ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا سُوَيْدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾. قال: ما قُدِّر لهم مِن الخيرِ والشرِّ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٨٩ من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٥١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) تفسير سفيان الثوري ص ١٣٤، ١٣٥.","vol":"12","page":591},{"text":"غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾. قال: ما يُصِيبُهم مِن خيرٍ أو شرٍّ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾. قال: نُوَفِّيهم (^٢) نصيبَهم مِن العذابِ [غيرَ منقوصٍ] (^٣).\n\n<span id=\"aya-1583\"></span><span data-type='title' id=toc-4357>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُسَلِّيًا نبيَّه، ﵇، فى تكذيبِ مشرِكي قريشٍ؛ قومِه إيَّاه فيما أتاهم به من عندِ اللهِ بفعْلِ بنى إسرائيلَ بموسَى فيما أتاهم به من عندِ اللهِ، يقولُ له تعالى ذكرُه: ولا يحزُنْك يا محمدُ تكذيبُ هؤلاء المشركين لك، وامضِ لما أمَرك به ربُّك، مِن تبليغِ رسالتِه، فإنَّ الذى يفعَلُ بك هؤلاء؛ من ردِّ ما جئتَهم به عليك من النصيحةِ، من فعلِ ضُرَبائِهم من الأممِ قبلَهم، وسنةٌ من سُننِهم.\nثم أخبَره جلّ ثناؤُه بما فعَل قومُ موسَى به، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾. يعنى: التوراةَ. كما آتيناك الفرقانَ، فاختلَف في ذلك الكتابِ قومُ موسَى، فكذَّب به بعضُهم وصدَّق به بعضُهم، كما قد فعَل قومُك بالفُرْقانِ؛ من تصديقِ بعضٍ به، وتكذيبِ بعضٍ، ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولولا كلمةٌ سبقَتْ يا محمدُ من ربِّك، بأنه لا يُعجِّلُ على خلْقِه بالعذابِ، ولكن يتأنَّى حتى يبلُغَ الكتابُ أجلَه، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: لقضَى بينَ المكذِّبِ منهم به والمصدِّقِ، بإهلاكِ اللهِ المكذِّبَ به منهم،\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٣.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، س، ف. والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٨٩ من طريق آخر عن ابن زيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٥١ إلى أبى الشيخ.","vol":"12","page":592},{"text":"وإنجائِه المصدِّقَ به، ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾. يقولُ: وإن المكذِّبين به منهم لفي شَكٍّ من حقيقَتِه، أنه من عندِ اللهِ، ﴿مُرِيبٍ﴾. يقولُ: يُريبُهم فلا يدْرُونَ أحقٌّ هو أمْ باطلٌ؟ ولكنَّهم فيه مُمتَرونَ.\n\n<span id=\"aya-1584\"></span><span data-type='title' id=toc-4358>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾.</span>\nاختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه جماعةٌ مِن قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿وَإِنَّ﴾ مُشدَّدةً، ﴿كُلًّا لَمَّا﴾ مُشدَّدةً (^١).\nواختلَف أهلُ العربيةِ فى معنى ذلك [إذا قُرِئَ كذلك] (^٢)؛ فقال بعضُ نحويِّى الكُوفيين: معناه -إذا قُرِئَ كذلك-: وإِنَّ كلًّا لَمِمَّا ليوفِيَنَّهم رَبُّك أعمالَهم، ولكن لما اجتَمَعت الميماتُ حُذِفت واحدةٌ، فبَقِيت ثِنتانِ، فأُدْغِمَت واحدةٌ فى الأخرَى، كما قال الشاعرُ (^٣):\nوإني لَمِمَّا (^٤) أُصْدِرُ الأَمْرَ وَجْهَهُ … إذَا هُوَ أعيا بالسَّبيلِ (^٥) مَصَادِرُه\nثم تُخفَّفُ. كما قرَأ بعضُ القرأةِ: ﴿وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ﴾ [النحل: ٩٠]. بحذفِ (^٦) الياءِ مع الياءِ (^٧)، وذكَر أن الكسائيَّ أنشَده (^٣):\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة وابن عامر وحفص. السبعة لابن مجاهد ص ٣٣٩، ٣٤٠، والنشر ٢/ ٢١٨، ٢١٩، والكشف ٢/ ٥٣٦، ٥٣٧، وحجة القراءات ص ٣٥٠.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) البيت فى معانى القرآن للفراء ٢/ ٢٩ غير منسوب.\n(^٤) فى م: \"لما\".\n(^٥) فى م: \"بالنبيل\".\n(^٦) في م: \"يخفف\".\n(^٧) ينظر معانى القرآن ٢/ ٢٩، وهي قراءة شاذة.","vol":"12","page":593},{"text":"وأشْمَتَّ العُدَاةَ (^١) بِنا فَأَضْحَوْا (^٢) … لَدَيَّ تَبَاشَرُونَ (^٣) بِمَا لَقِينا\nوقال: يريدُ: لَدَيَّ يتَباشرون بما لَقِينا، فحذَف ياءً؛ لحركَتهِن واجتماعِهن. قال: ومثلُه (^٤):\nكأنَّ مِنْ آخِرِها إلْقادِمِ … مَخْرِمَ (^٥) نَجْدٍ فارغَ (^٦) المَخارِمِ\nوقال: أراد إلى القادمِ، فحذَف اللامَ عندَ اللامِ.\nوقال آخرون: معنَى ذلك، إذا قُرِئَ كذلك: ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾: شديدًا وحقًّا، ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾. قالوا (^٧): وإنما يُرادُ إذا قُرِئَ ذلك كذلك: (وَإِنَّ كُلًّا لمًّا) بالتَّشديدِ والتنوينِ (^٨)، ولكن قارِئُ ذلك كذلك حذَف منه التنوينَ، فأخرَجه على لفظِ \"فَعْلَى\": \"لَمَّا\"، كما فعَل ذلك في قولِه: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: ٤٤] فقرَأ بعضُهم: (تترًى) بالتنوينِ -كما قرَأ من قرَأ: (لَمًّا) بالتنوينِ (^٩) - وقرأها آخرون بغيرِ تنوينٍ، كما قرَأ: (لَمَّا) مَن قرأه بغيرِ تنوينٍ (^١٠). وقالوا: أصلُه مِن اللَّمَمِ مِن قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩]. يعنى: أكلًا شديدًا.\nوقال آخرون: معنَى ذلك، إذا قُرِئَ كذلك: وإنَّ كُلَّا \"إِلَّا\" لَيُوفيَنَّهم؛ كما\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، س: \"الأعداء\".\n(^٢) في س، ف: \"فأصبحوا\".\n(^٣) في م: \"يتباشرون\".\n(^٤) البيت في معانى القرآن للفراء ٢/ ٢٩، واللسان (ق د م) بغير نسبة.\n(^٥) المخرم: منقطع أنف الجبل، وقيل: الطرق في الجبال وأفواه الفجاج. اللسان (خ ر م).\n(^٦) فى م، ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فارع\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال\".\n(^٨) هي قراءة الزهري، وينظر معانى القرآن ٢/ ٣٠، ومختصر الشواذ ص ٦٦.\n(^٩) سيأتى تخريج هذه القراءة فى سورة المؤمنون ١٧/ ٤٩، ٥٠.\n(^١٠) قراءة (لمّا) بالتشديد هى قراءة عاصم وابن عامر وحمزة، وقراءة التخفيف هي قراءة الباقين وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي. التيسير ص ١٠٣.","vol":"12","page":594},{"text":"يقولُ القائلُ: [باللَّهِ لَمّا] (^١) قُمْتَ عنَّا، وباللهِ إِلَّا قُمْتَ عنَّا. ووجَدْتُ عامةَ أهلِ العلمِ بالعربيةِ يُنْكِرون هذا القولَ، ويأبَون أن يكونَ جائزًا توجِيهُ \"لَمَّا\" إلى معنى \"إلَّا\" إلا (^٢) في اليمينِ خاصةً؛ وقالوا: لو جاز أن يكونَ ذلك بمعنى \"إلا\"، لجاز أن يُقالَ: قامَ القومُ لمَّا (^٣) أخاكَ. بمعنى: إلَّا أخاك، ودُخولُها في كلِّ مَوضِعٍ صلُح دخولُ \"إِلَّا\" فيه.\nوأنا أرَى (^٤) أن ذلك فاسدٌ من وجهٍ هو أبْيَنُ مما قالَه الذين حكَيْنا قولَهم مِن أهلِ العربيةِ [في فساده] (^٥)، وهو أنّ \"إنَّ\" (^٦) إثباتٌ للشيءِ وتحقيقٌ له، وإلَّا أيضًا تحقيقٌ وإيجابٌ (^٧)، وإنما تدخُلُ نقضًا لجحدٍ قد تقدَّمها، فإذا كان ذلك معناها، فواجِبٌ أن تكونَ عندَ متأوِّلِها التأويلَ الذي ذكَرنا عنه، أن تكون \"إنَّ\" (^٨) بمعنى الجحْدِ عندَه، حتى تكونَ \"إلَّا\" نقضًا لها، وذلك، إن قاله قائلٌ، قولٌ لا يخفَى جَهْلُ قائلِه، اللهمَّ إلا أن يُخفِّفَ قارئُ \"إنَّ\" فيجعَلها بمعنى: \"إنْ\" التي تكونُ بمعنى الجحْدِ، وإن فعَل ذلك فسَدت قراءتُه ذلك كذلك أيضًا من وجهٍ آخرَ، وهو أنه يصيرُ حينئذٍ ناصبًا الكُلَّ (^٩) بقولِه: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾. وليس فى العربيةِ أن يَنْصِبَ ما بعدَ \"إِلَّا\" من الفعلِ الاسمَ الذى قبلَها؛ لا تقولُ العربُ: ما زيدًا (^١٠) إِلَّا ضرَبْتُ،\n_________\n(^١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"لقد\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، س، ف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"إلا\".\n(^٤) في س: \"أدرى\".\n(^٥) فى م: \"إن في فساده\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٧) فى ص، م، ت ٢، س، ف: \"أيضًا\"، وفي ت ١: \"له\".\n(^٨) سقط من: م.\n(^٩) في م: \"لكل\".\n(^١٠) فى ت ١، ت ٢، س، ف: \"زيد\".","vol":"12","page":595},{"text":"فيَفْسُدُ ذلك إذا قُرِئَ كذلك مِن هذا الوجهِ، إلا أن يَرْفَعَ رافعٌ الكلَّ، فيُخالِفَ بقراءتِه ذلك كذلك قراءةَ القرأةِ وخطَّ مصاحفِ المسلمين، ولا يَخْرُجَ بذلك مِن العيبِ لخروجِه (^١) مِن معروفِ كلامِ العربِ.\nوقد قرَأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفيين: (وإنْ كلًّا) بتخفيفِ \"إِنَّ\"، ونصبِ: ﴿كُلًّا لَمَّا﴾ مشددةً (^٢).\nوزعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن قارئَ ذلك كذلك أراد \"إنَّ\" الثقيلةَ فخفَّفها. وزُعِم (^٣) عن أبي زيدٍ البصريِّ أنه سمِع: كأَنْ ثَدْيَيْه حُقَّانِ، فنصَب بكأنْ، والنونُ مخففةٌ من كأنَّ، ومنه قولُ الشاعرِ (^٤):\nووجهٍ مشرقِ النَّحْرِ … كأَنْ تَدْيَيْه حُقَّانِ\nوقرَأ ذلك بعضُ المدنيين: بتخفيفِ \"إنَّ\" ونصبِ \"كُلًّا\" وتخفيفِ \"لَمّا\" (^٥).\nوقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ قارئُ ذلك كذلك قصَد المعنى الذى حكَيْناه عن قارئ الكوفةِ، مِن تخفيفِه نونِ \"إنَّ\"، وهو يُريدُ تشديدَها، ويُرِيدُ بـ \"ما\" التي في \"لَمَا\" \"ما \" (^٦) التي تَدْخُلُ في الكلامِ صلةً، وأن يَكونَ قصَد إلى تحميلِ الكلامِ معنَى: وإنْ كلًّا لَيُوَفِّيَنَّهم.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"بخروجه\".\n(^٢) هو عاصم في رواية أبي بكر، ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٣٩، ٣٤٠، والتيسير في القراءات السبع ص ١٠٣، والكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٥٣٦، ٥٣٧، وحجة القراءات ص ٣٥٠.\n(^٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ذكر\".\n(^٤) البيت فى الخزانة ١٠/ ٣٩٨، وسيبويه ٢/ ١٣٥.\n(^٥) هى قراءة نافع وابن كثير. السبعة ص ٣٣٩، والتيسير ص ١٠٣.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":596},{"text":"وقد يجوزُ أن يكونَ معناه، كان في قراءتِه ذلك كذلك: وإِن كُلًّا لَيُوَفِّيَنَّهم؛ أى: ليُوَفِّيَنَّ كُلًّا، فتكونَ نيَّتُه فى نصبِ كلٍّ كانت بقولِه: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾. فإن كان ذلك أراد، ففيه مِن القُبحِ ما ذكَرْتُ مِن خلافِه كلامَ العربِ، وذلك أنها لا تَنْصِبُ بفعلٍ بعدَ لامِ اليمينِ اسمًا قبلَها.\nوقرَأ ذلك بعضُ أهلِ الحجازِ والبصرةِ: (وإنَّ) مشددةً، (كُلًّا لَمَا) مخففةً، ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ (^١). ولهذه القراءةِ وجهان من المعنى؛ أحدُهما: أن يكونَ قارِئُها أراد: وإنَّ كلًّا لَمَن ليُوَفِّيَنَّهم ربُّك أعمالَهم، فيُوجِّهَ \"ما\" التي في \"لَمَا\" إلى معنى \"مَن\"، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]. وإن كان أكثرُ استعمالِ العربِ لها فى غيرِ بنى آدمَ، ويَنْوِى باللامِ التي في \"لَمَا\" اللامَ التى تُتَلَقَّى بها \"إنْ\" جوابًا لها، وباللامِ التى فى قولِه: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ لامَ اليمينِ، دَخَلَت فيما بينَ \"ما\" وصلتِها، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢]. وكما يقالُ: هذا ما لَغَيرُه أَفْضَلُ منه.\nوالوجهُ الآخرُ: أن يَجْعَلَ \"ما\" التى فى \"لَمَا\" بمعنى \"ما\" التي تَدْخُلُ صلةً في الكلامِ، واللامُ التي فيها هى اللامُ التي يُجابُ بها، واللامُ التي في ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ هي أيضًا اللامُ التى يُجابُ بها \"إنَّ\"، كُرِّرَت وأُعِيدَت، إذ كان ذلك موضعَها، وكانت الأُولى مما تُدْخِلُها العربُ في غيرِ موضعِها، ثم تُعِيدُها بعدُ في موضعِها، كما قال الشاعرُ (^٢):\nفلو أنَّ قَوْمِي لم يَكُونوا أَعِزَّةً … لَبَعْدُ لَقَدْ لاقَيْتُ لا بُدَّ مَصْرَعِى (^٣)\n_________\n(^١) هي قراءة أبي عمرو والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٣٣٩.\n(^٢) البيت في معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٠.\n(^٣) في م، ومصدر التخريج: \"مصرعا\".","vol":"12","page":597},{"text":"وقرَأ ذلك الزهريُّ فيما ذُكِر عنه: (وإنَّ كُلًّا لَمًّا). بتشديدِ: إِنَّ\" و\"لَمًّا\" وتنوينِها، بمعنى: شديدًا وحقًّا وجميعًا (^١).\nوأصحُّ هذه القراءاتِ مَخْرَجًا على كلامِ العربِ المُسْتَفِيض فيهم، قراءةُ مَن قرأه: ﴿وَإِنَّ﴾ بتشديدِ نونِها، (كُلًّا لَمَا) بتخفيفِ ما، ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ﴾. بمعنى: وإِنَّ كلَّ هؤلاء الذين قصَصْنا عليك يا محمدُ قَصَصَهم في هذه السورةِ، لَمَن لَيُوَفِّيَنَّهم ربُّك أعمالَهم؛ بالصالحِ منها الجزيلَ (^٢) مِن الثوابِ، وبالطالحِ منها الشديدَ (^٣) مِن العقابِ، فتكونُ \"ما\" بمعنى \"مَن\"، واللامُ التي فيها جوابًا لـ \"إِنَّ\"، واللامُ التي (^٤) في قولِه: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ لامُ قسمٍ.\nوقولُه: ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ ربَّك بما يَعْمَلُ هؤلاء المشركون باللهِ، مِن قومِك يا محمدُ، ﴿خَبِيرٌ﴾ لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن عملِهم، بل يَخْبُرُ ذلك كلَّه، ويَعْلَمُه ويُحِيطُ به، حتى يُجازِيَهم على جميعِ ذلك جزاءَهم.\n\n<span id=\"aya-1585\"></span><span data-type='title' id=toc-4359>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فاسْتَقِمْ أنت يا محمدُ على أمرِ ربِّك، والدينِ الذي ابْتَعَثك به، والدعاءِ إليه، كما أمَرَك ربُّك، ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾. يقولُ: ومَن رجَع معك إلى طاعةِ اللهِ، والعملِ بما أمَرَه به ربُّه مِن بعدِ كفرِه به،\n_________\n(^١) ينظر شواذ القرآن لابن خالويه ص ٦٦، وحجة القراءات ص ٣٥١، والتبيان ٦/ ٧٥.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بالجزيل\".\n(^٣) في م: \"بالشديد\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":598},{"text":"﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾. يقولُ: ولا تَعْدُوا أمرَه إلى ما نهاكم عنه، ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. يقولُ: إن ربَّكم أيُّها الناسُ بما تَعْمَلون مِن الأعمالِ كلِّها؛ طاعتِها ومعصيتِها ﴿بَصِيرٌ﴾: ذو علمٍ بها، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ، وهو لجميعِها مُبصِرٌ. يقولُ تعالى ذكرُه: فاتَّقُوا اللهَ أَيُّها الناسُ، أن يَطَّلِعَ عليكم ربُّكم، وأنتم عامِلون بخلافِ أمرِه، فإنه ذو علمٍ بما تَعْمَلون، وهو لكم بالمِرْصادِ.\nوكان ابنُ عُيَيْنَةَ يقولُ في معنى قولِه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. ما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن سفيانَ في قولِه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. قال: اسْتَقِمْ على القرآنِ (^١).\nحدَّثني يونُسُ (^٢)، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾. قال: الطغيانُ خِلافُ اللهِ، وركوبُ معصيتِه، ذلك الطغيانُ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1586\"></span><span data-type='title' id=toc-4360>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَمِيلوا أيُّها الناسُ إلى قولِ هؤلاء الذين كفَروا باللهِ، فتَقْبَلوا منهم وتَرْضَوْا أعمالَهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ بفعلِكم ذلك، ومالكم مِن دونِ اللهِ مِن ناصرٍ يَنْصُرُكم، وولىٍّ يَلِيكم، ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾. يقولُ: فإنكم إن فعَلْتُم ذلك لم يَنْصُرْكم اللهُ، بل يُخَلِّيكم مِن نُصْرتِه، ويُسَلِّطُ عليكم عدوَّكم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٣٥١ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) في ف: \"المثنى\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٨٩ من طريق آخر عن ابن زيد به.","vol":"12","page":599},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: [﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. يقولُ: ولا تذهبوا (^١).\nوحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمِّي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه] (^٢): ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (^٣). يعنى: الركون إلى الشركِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع، عن أبي العاليةِ: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. يقولُ: لا تَرْضَوْا أعمالَهم (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. قال: لا تَرْضَوْا أعمالَهم. يقولُ: الركونُ الرضا (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ فى قولِه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. قال: لا تَرْضَوْا أعمالَهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٨٩ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٥١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) بعده في م، س، ف: \"فتمسكم النار\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٩٠ عن محمد بن سعد به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٩٠ من طريق ابن يمان به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٩٠ من طريق إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٥١ إلى أبي الشيخ.","vol":"12","page":600},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ: ولا تَمِيلوا إلى الذين ظلَموا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. يقولُ: لا تَلْحَقوا بالشركِ، وهو الذى خرَجْتُم منه (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾. قال: الركونُ الإِدْهانُ. وقرَأ: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. قال: تَرْكَنُ إليهم، ولا تُنْكِرُ (^٣) عليهم الذي قالوا، وقد قالوا العظيمَ مِن كفرِهم باللهِ وكتابِه ورسلِه. قال: وإنما هذا لأهلِ الكفرِ وأهلِ الشركِ، وليس لأهلِ الإسلامِ، أما أهلُ الذنوبِ مِن أهلِ الإسلامِ، فاللهُ أعلمُ بذنوبِهم وأعمالِهم، ما يَنْبَغى لأحدٍ أن يُصالَحَ على شيءٍ مِن معاصى اللهِ، ولا يُرْكَنَ إليه فيها (^٤).\n\n<span id=\"aya-1587\"></span><span data-type='title' id=toc-4361>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ يا محمدُ، يعني: صَلِّ، ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾. يعني: الغداةَ والعشيَّ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى التى عُنِيَت بهذه (^٥) الآيةِ مِن صَلواتِ العَشِيِّ، بعدَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥١ إلى المصنف وابن المنذر. وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٨٤ عن ابن جريج عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٩٠ من طريق سعيد به.\n(^٣) فى ت ١، س، ف: \"تركن\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٩٠ من طريق آخر عن ابن زيد به، دون آخره.\n(^٥) فى ت ١، ت ٢: \"به هذه\".","vol":"12","page":601},{"text":"إجماعِ جميعِهم على أن التي عُنِيَت بها (^١) مِن صلاةِ الغداةِ (^٢) الفجرُ؛ فقال بعضُهم: عُنِيَت بذلك صلاةُ الظهرِ والعصرِ. قالوا: وهما مِن صلاةِ العشىِّ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ. وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾. قال: الفجرَ وصلاتَيِ العَشِيِّ. يعنى: الظهرَ والعصرَ (^٣).\nحدَّثني المُثَنى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾. قال: صلاةَ الفجرِ وصلاةَ العشيِّ (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن أفلحَ بنِ سعيدٍ، قال: سمِعت محمدَ بنَ كعبٍ القُرْظِيَّ يقولُ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾. قال: فطَرَفا النهارِ: الفجرُ والظهرُ والعصرُ (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ٢، س، ف. وفي ت ١: \"به\".\n(^٢) في م: \"الغد\".\n(^٣) تفسير الثوري ص ١٣٥، وذكر ابن المنذر فى الأوسط ٢/ ٣٢٤ عن مجاهد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى أبى الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٩١ من طريق أبي نعيم به.\n(^٥) في ت ٢: \"العشاء\"، وفى مصدر التخريج: \"العصر\". والأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٤.\n(^٦) أخرجه المروزي فى تعظيم قدر الصلاة ١/ ١٤٨ (٨٢) من طريق ابن المبارك به.","vol":"12","page":602},{"text":"حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرْظَيِّ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾. قال: [طرفي النهارِ] (^١): الفجرُ والظهرُ والعصرُ.\n[حدَّثني: المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَغْراءَ (^٢)، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ فى قولِه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾. قال: الفجرُ والظهرُ والعصرُ] (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنِى بها صلاةُ المغربِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾. يقولُ: صلاةُ الغداةِ وصلاةُ المغربِ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾. قال: صلاةُ الفجرُ (^٥) والمغربِ (^٦).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَقِمِ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ف: \"معمر\". وهو عبد الرحمن بن مغراء بن عياض، أبو زهير الكوفي. ينظر تهذيب الكمال ١٧/ ٤١٨.\n(^٣) سقط من: م. والأثر في تفسير ابن كثير ٤/ ٢٨٤ عن الضحاك به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٩١ من طريق أبي صالح به.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"العذاة\".\n(^٦) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥١ إلى أبى الشيخ.","vol":"12","page":603},{"text":"الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: الصبحُ والمغربُ (^١).\nوقال آخرون: عُنِى بها صلاةُ العصرِ (^٢).\nذكرُ مَن قال ذلك\n[حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدَةُ بنُ سليمانَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾. قال: صلاةُ الفجرِ والعصرِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن أفلحَ بنِ سعيدٍ القُبائِيِّ، عن محمدِ بنِ كعبٍ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: الفجرُ والعصرُ] (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾. [قال: صلاةُ] (^٥) الصبحِ وصلاةُ العصرِ (^٦).\nحدَّثني الحسينُ (^٧) بنُ علىٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسنِ، قال: قال اللهُ ﷿ لنبيِّه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾. [قال: طرَفى النهارِ] (^٨): الغَداةُ والعَصرُ (^٩).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٨٤ عن ابن زيد.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"المغرب\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٨٤ عن الضحاك به.\n(^٤) هذان الأثران جاءا في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف قبل الأثر السابق.\n(^٥) فى ت ١، ت ٢، س، ف: \"فالصلاة\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٩١ من طريق آخر عن الحسن.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الحسن\".\n(^٨) ليست في الأصل.\n(^٩) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٨٤.","vol":"12","page":604},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾. يعنى: صلاةَ العصرِ والصبحِ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن مُباركِ بنِ فَضالةَ، عن الحسنِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: الغداةُ والعصرُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسنِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾. قال: الغداةُ والعصرُ (^٣).\nوقال بعضُهم: بل عُنِى بطرَفى النهارِ: الظهرُ والعصرُ، وبقولِه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: المغربُ والعشاءُ والصبحُ.\nوأولى هذه الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: هي صلاةُ المغربِ. [كما ذكَرنا عن ابنِ عباسٍ] (^٤).\nوإنما قلنا: هو أولى بالصوابِ؛ لإجماعِ الجميع على أن صلاةَ أحدِ الطرَفين من ذلك صلاةُ الفجرِ، وهى تُصَلَّى قبلَ طلوعِ (^٥) الشمسِ، فالواجبُ -إذ كان ذلك من جميعِهم إجماعًا- أن تكونَ صلاةُ الطرَفِ الآخرِ المغربَ؛ لأنها تُصَلَّى بعدَ غروبِ الشمسِ، ولو كان واجبًا أن يكونَ مرادًا بصلاةِ أحدِ الطرَفين قبلَ غروبِ الشمسِ، وجَب أن يكونَ مرادًا بصلاةِ الطرَفِ الآخرِ بعدَ طلوعِها، وذلك ما لا نعلَمُ قائلًا قاله، إلا مَن قال: عُنِى بذلك صلاةُ الظهرِ والعصرِ. وذلك قولٌ لا\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٤ عن معمر به.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حباب، عن أفلح بن سعيد، عن محمد بن كعب: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: الفجر والعصر\". وقد تقدم هذا الأثر قريبًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٩١ من طريق قرة به.\n(^٤) في ت ١: \"والعشاء والصبح\".\n(^٥) فى ت ٢: \"دلوك\".","vol":"12","page":605},{"text":"يُخِيلُ (^١) فسادُه؛ لأنهما إلى أن يكونا جميعًا من صلاةِ أحدِ الطرَفين، أقربُ منهما إلى أن يكونا من صلاةِ طرَفي النهارِ، وذلك أن الظهرَ لا شكَّ أنها تُصَلَّى بعد مضىِّ نصفِ النهارِ فى النصفِ الثانى منه، فمحالٌ أن تكونَ من طرَفِ النهارِ الأوّلِ، وهى تُصَلَّى (^٢) في طرَفِه الآخرِ، فإذ (^٣) كان لا قائلَ من أهلِ العلمِ يقولُ: عُنِى بصلاةِ طرف النهارِ الأوّلِ صلاةٌ بعدَ طلوعِ الشمسِ. وجَب أن يكونَ غيرَ جائزٍ أن يقالَ: عُنِى بصلاةِ طرَفِ النهارِ الآخرِ صلاةٌ قبلَ غروبِها. وإذا كان ذلك كذلك، صحَّ ما قلنا في ذلك مِن القولِ، وفسَد ما خالَفه.\nوأما قولُه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾. فإنه يعنى: ساعاتٍ من الليلِ، وهى جمعُ زُلْفةٍ، والزلفةُ: الساعةُ والمنزِلةُ والقُربْةُ. وقيل: إنما سُمِّيت المزدلفةُ وجَمْعٌ من ذلك؛ لأنها منزلٌ بعدَ عرفةَ. وقيل: سُمِّيت بذلك لازدلافِ آدمَ من عَرَفةَ إلى حوّاءَ وهى بها، ومنه قولُ العجّاجِ في صفةِ بعيرٍ (^٤):\nناجٍ طَوَاهُ الأَيْنُ (^٥) ممَّا وَجَفا (^٦)\nطَىَّ اللَّيالي زُلَفًا فَزُلَفَا\n[سماوةَ الهلالِ حتى احْقَوقَفا] (^٧)\n_________\n(^١) في م: \"بخيل\"، وفي ت ١، س، ف: \"يخل\". وأخال الشيء: أشتبه. يقال: هذا الأمر لا يُخيل على أحد. أى لا يشكل. اللسان (خ ى ل).\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في م: \"فإذا\".\n(^٤) ديوانه ص ٤٩٥، ٤٩٦.\n(^٥) الأين: الإعياء والتعب. اللسان (أ ى ن).\n(^٦) وجف البعير والفرس يجف وجفًا وجيفًا: أسرع. اللسان (وج ف).\n(^٧) ليس في: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف. وسماوة الهلال: شخصه إذا ارتفع عن الأفق شيئًا. واحقوقف الهلال: اعوج. اللسان (س م و)، (ح ق ف).","vol":"12","page":606},{"text":"واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والعراقِ: ﴿وَزُلَفًا﴾ بضمِّ الزاى وفتحِ اللامِ، وقرَأه بعضُ أهلِ المدينةِ بضمِّ الزايِ واللامِ (^١)، كأنه وجَّهه إلى أنه واحدٌ، وأنه بمنزلةِ \"الحُلُمِ\"، وقرَأه بعضُ المكيِّين: (وزُلْفًا) بضمِّ الزايِ، وتسكينِ اللامِ (^٢).\nوأعجَبُ القراءةِ فى ذلك إلىّ أن [يُقرأَ بها] (^٣): ﴿وَزُلَفًا﴾. بضمِّ الزايِ وفتحِ اللامِ، على معنى جمعِ زُلْفةٍ، كما تُجمَعُ غرفةٌ غُرَفٌ، وحجرةٌ حُجَرٌ. وإنما اخترتُ قراءةَ ذلك كذلك؛ لأن صلاةَ العشاءِ الآخِرةِ إنما تُصَلَّى بعدَ مضىِّ زُلَفٍ مِن الليلِ، وهي التي عُنِيت عندى بقولِه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.\nوبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾. قال جماعةٌ مِن أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: ساعاتٍ من الليلِ: صلاةَ العَتمةِ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) قراءة ضم اللام هي قراءة أبي جعفر، وقراءة فتح اللام هى قراءة الباقين وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف. ينظر النشر فى القراءات العشر ٢/ ٢١٩، وإتحاف فضلاء البشر ص ١٥٧.\n(^٢) قرأ بذلك الحسن وابن محيصن واليماني. شواذ القرآن لابن خالويه ص ٦٦.\n(^٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أقرأها\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٩١.","vol":"12","page":607},{"text":"مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾. يقولُ: صلاةُ العَتَمةِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: العشاءُ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن سفيانَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أبى يزيدَ، قال: سَمِعتُ (^٣) ابنَ عباسٍ يعجِبُه التأخيرُ بالعشاءِ، ويقرَأُ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: ساعةً من الليلِ؛ صلاةَ العَتَمةِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: العَتَمَةُ، وما سمِعنا أحدًا من فقهائِنا ومشيختِنا (^٥) يقولون (^٦): العشاءُ. ما يقولون إلا: العتمةُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥١ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٨٤.\n(^٣) في م: \"كان\".\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٠٣ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٩١، والبيهقي ١/ ٤٥١ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥١ إلى ابن مردويه.\n(^٥) في ص، م، ت ٢، ف: \"مشايخنا\".\n(^٦) فى م: \"يقول\".","vol":"12","page":608},{"text":"وقال قومٌ: الصلاةُ التى أمَر اللهُ (^١) النبيَّ ﷺ بإقامتِها زُلَفًا من الليلِ (^٢)، صلاةُ المغربِ والعشاءِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وابنُ وكيعٍ -واللفظُ ليعقوبَ- قالا: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: هما زُلْفتان من الليلِ؛ صلاةُ المغربِ وصلاةُ العشاءِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن أشعثَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: المغربُ والعشاءُ.\nحدَّثني الحسينُ (^٤) بنُ علىٍّ - [يعنى الصُّدائيَّ] (^٥) - قال: ثنا أبي، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسنِ، قال: قال اللهُ ﵎ لنبيِّه ﷺ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: زُلَفًا من الليلِ؛ أى المغربُ والعشاءُ، وقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"هُما زُلْفَتَا اللَّيْلِ؛ المَغْرِبُ والعِشاءُ\" (^٦).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: المغربُ والعشاءُ (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٩١ من طريق ابن علية به.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الحسن\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٨٤ عن مبارك به، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥١ إلى أبى الشيخ.\n(^٧) تفسير سفيان الثوري ص ١٣٥.","vol":"12","page":609},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن المباركِ بنِ فَضالةَ، عن الحسنِ، قال: قد ييَّن اللهُ مواقيتَ الصلاةِ في القرآنِ، قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. قال: دُلوكُها: إذا زالَت عن بطنِ السماءِ، وكان لها في الأرضِ فئٌ. وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: الغداةُ والعصرُ، ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: المغربُ والعشاءُ. قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"هُمَا زُلْفَتَا اللَّيْلِ؛ المَغْرِبُ والعِشاءُ\".\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: يعني صلاةَ المغربِ وصلاةُ العشاءِ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن أفلحَ بنِ سعيدٍ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظيَّ يقولُ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: المغربُ والعشاءُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن أفلحَ بنِ سعيدٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ مثلَه.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٤.\n(^٢) أخرجه محمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة ١/ ١٤٧ - ١٤٨ (٨٢) من طريق ابن المبارك به.","vol":"12","page":610},{"text":"حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعشَرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: المغربُ والعشاءُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن عاصمِ بنِ سليمانَ، عن الحسنِ، قال: زُلْفتا الليلِ المغربُ والعشاءُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَغْراءَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ فى قولِه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: المغربُ والعشاءُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ (^٢)، عن عاصمٍ، عن الحسنِ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: المغربُ والعشاءُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدَةُ بنُ سليمانَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: المغربُ والعشاءُ (^٤).\n[حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسنِ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: المغربُ والعشاءُ] (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، عن الحسنِ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: صلاةُ المغربِ والعشاءِ.\nوقولُه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الإنابةَ إلى طاعةِ اللهِ، والعملَ بما يرضيه، تُذهِبُ آثامَ معصيةِ اللهِ، وتُكفِّرُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٨٤ عن الضحاك به.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عن الأعمش\".\n(^٣) تقدم ص ٦٠٩.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ٦٠٤.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":611},{"text":"الذنوبَ.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ فى الحسناتِ التي عناها (^١) اللهُ جلّ ثناؤُه في هذا الموضعِ، اللاتى يُذهِبْن السيئاتِ؛ فقال بعضُهم: هنّ الصلواتُ الخَمْسُ المكتوباتُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن الجُرَيرِيِّ، عن أبي الوردِ بنِ ثُمامةَ، عن أبى محمدٍ الحضرميِّ (^٢)، قال: ثنا كعبٌ في هذا المسجدِ، قال: والذي نفسُ كعبٍ بيدِه، إن الصلواتِ الخمسَ لهنّ الحسناتُ التي يُذهِبْن السيئاتِ، كما يغسِلُ الماءُ الدَّرَنَ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن أفلحَ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظِىَّ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. قال: هنّ الصلواتُ الخمسُ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسلمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. قال: هن الصلواتُ الخمسُ (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ،\n_________\n(^١) فى م: \"عنى\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"ابن الحضرمي\". ينظر تهذيب الكمال ٣٤/ ٢٦٠.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٥/ ٣٨٤ مطولا من طريق الجريري عن أبى الورد بن ثمامة عن كعب بدون ذكر أبي محمد الحضرمي.\n(^٤) أخرجه المروزي فى تعظيم قدر الصلاة ١/ ١٤٧ (٨٢) من طريق ابن المبارك به.\n(^٥) تفسير الثوري ص ١٣٥، وتفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٤، ومن طريقه المروزي فى تعظيم قدر الصلاة ١/ ١٥٧ (٩٨)، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥٢ إلى الفريابي وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"12","page":612},{"text":"عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ﴾: إنّ الصلواتِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ جميعًا، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. قال: الصلواتُ الخمسُ.\nحدَّثني زُريقُ بنُ السَّخْتِ (^٢)، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسلمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. قال: الصلواتُ الخمسُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. قال: الصلواتُ الخمسُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن منصورٍ، عن الحسنِ، قال: الصلواتُ الخمسُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. قال: الصلواتُ الخمسُ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن سعيدٍ الجُرَيريِّ، قال: ثنى أبو عثمانَ، عن سلمانَ، قال: والذي نفسي بيدِه، إن\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٤.\n(^٢) في ص، م: \"الشخب\"، وفى ت ١: \"السحت\"، وفي ت ٢: \"السحب\"، وفي س: \"الشحب\"، وغير منقوطة فى ف، وينظر المؤتلف والمختلف للدارقطنى ٢/ ١٠٢٠، ٣/ ١٣٣٩.\n(^٣) أخرجه المروزي فى تعظيم قدر الصلاة ١/ ١٤٣ (٧٥) من طريق شريك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٥١ إلى ابن مردويه.","vol":"12","page":613},{"text":"الحسناتِ التي يمحو اللهُ بهنّ السيئاتِ كما يغسِلُ الماءُ الدَّرَنَ، الصلواتُ الخمسُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن [عبدِ اللهِ بنِ مسلمٍ] (^٢)، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. قال: الصلواتُ الخمسُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا [عبيدُ اللهِ] (^٤)، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن مزْيَدَةَ (^٥) بنِ زيدٍ، عن مسروقٍ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. قال: الصلواتُ الخمسُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ عياشٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا ضمضمُ بنُ زُرْعَةَ، عن شريحِ بنِ عبيدٍ، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"جُعِلَتِ الصَّلَواتُ كَفَّارَاتٍ لِمَا بَيْنَهُنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ قال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ \" (^٦).\nحدَّثنا ابنُ سنانٍ (^٧) القزازُ، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن علىِّ بنِ زيدٍ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، قال: كنت مع سلمانَ الفارسيِّ تحتَ شجرةٍ، فأخَذ غُصْنًا من أغصانِها يابسًا، فهزَّه حتى تحاتَّ ورقُه، ثم قال:\n_________\n(^١) أخرجه المروزي فى تعظيم قدر الصلاة ١/ ١٩٦ (٩٦) من طريق ابن المبارك به.\n(^٢) في مصدر التخريج: \"محمد بن مسلم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٧٢، وابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٩٢ من طريق حفص به.\n(^٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عبد الله\".\n(^٥) فى ت ١، ت ٢، س: \"بريدة\" ولم نهتد إليه.\n(^٦) أخرجه الطبراني (٣٤٦٠) من طريق محمد بن إسماعيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٥٣ إلى ابن مردويه.\n(^٧) فى ص، م، ت ١، س، ف: \"سيار\".","vol":"12","page":614},{"text":"[ألا تسأَلُنى: لِم أفعَلُ هذا؟ فقلتُ: ولِمَ تَفْعَلُه؟ فقال] (^١): هكذا فعَل رسولُ اللهِ ﷺ؛ كنت معه تحتَ شجرةٍ، فأخَذ غصنًا من أغصانِها يابسًا فهزَّه، حتى تحاتَّ ورقُه، ثم قال: \"ألا تَسْأَلُنِي لِمَ أَفْعَلُ هَذَا يا سَلْمانُ؟ \". فقلت: ولم تفعَلُه؟ فقال: \"إِنَّ المُسْلِمَ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، تَحاتَّتْ خَطاياهُ كما تَحاتَّ هَذَا الوَرَقُ\". ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيةَ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ وعبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ القَطْوانيُّ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ، قال: أخبَرنا حَيْوةُ، قال: أخبَرنا أبو عَقيلٍ زُهْرَةُ بن مَعْبَدٍ القُرَشِيُّ من بنى تَيْمٍ من رهطِ أبى بكرٍ الصديقِ ﵁، أنه سمِع الحارثَ مولى عثمانَ ابنِ عفانَ ﵀ يقولُ: جلَس عثمانُ يومًا وجلَسنا معه، فجاءه المؤذِّنُ، فدعا عثمانُ بماءٍ فى إناءٍ أظُنُّه سيكونُ فيه قدرَ مُدٍّ، فتوضَّأ، ثم قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يتوضَّأُ وضوئى هذا، ثم قال: \"مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئى هَذَا، ثُمَّ قامَ فَصَلَّى صَلاةَ الظُّهْرِ، غُفِرَ لَهُ مَا كانَ بَيْنَهُ وَبينَ صَلاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَهُ وبينَ صَلاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَها (^٣) وبينَ صَلاةِ العَصْرِ، ثُمَّ صَلَّى العِشاءَ غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَها (^٣) وبينَ صَلاةِ المَغْرِبِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ يَبِيتُ [يَتَمَرَّغُ لَيْلَتَه] (^٤)، ثُمَّ إِنْ قامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الصُّبْحَ، غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَها وبيَن صَلاةِ العِشَاءِ، وَهُنَّ الحَسَناتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ\" (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) أخرجه المروزي فى تعظيم قدر الصلاة ١/ ١٥٠ (٨٣) من طريق حجاج به.\n(^٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بينه\".\n(^٤) في م: \"ليلة يتمرغ\".\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٥٣٧ (٥١٣)، والبزار (٤٠٥) من طريق عبد الله بن يزيد به، وأخرجه ابن =","vol":"12","page":615},{"text":"حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبو زُرعةَ، قال: ثنا حَيْوةُ، قال: ثنا أبو عَقيلٍ زُهرةُ بنُ مَعبدٍ، أنه سمِع الحارثَ مولى عثمانَ بنِ عفانَ، قال: جلَس عثمانُ بنُ عفانَ يومًا على المقاعدِ. فذكَر نحوَه عن رسولِ اللهِ ﷺ، إلا أنه قال: \"وَهُنَّ الحَسَناتُ، [إِنَّ الحَسَنَاتِ] (^١) يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ\".\nحدَّثنا ابنُ البَرْقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبَرنا نافعُ بنُ يزيدَ ورِشْدِينُ بنُ سعدٍ، قالا: ثنا زُهرةُ بنُ مَعبدٍ، قال: سمِعتُ الحارثَ مولى عثمانَ بنِ عفانَ يقولُ: جلَس عثمانُ بنُ عفانَ يومًا على المقاعدِ ثم ذكَر نحوَه عن رسولِ اللهِ ﷺ (^٢).\nوقال آخرون: هى (^٣) قولُ: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. قال: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ.\n_________\n=أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٩٢ من طريق حيوة به، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥٣ إلى أبي يعلى وابن المنذر وابن مردويه.\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"إلا أنه قال: \"وهن الحسنات، إن الحسنات يذهبن السيئات\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"هو\".","vol":"12","page":616},{"text":"وأولى التأويلين بالصوابِ فى ذلك قولُ مَن قال في ذلك: هنّ (^١) الصلواتُ الخمسُ؛ لصحةِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ، وتواتُرِها عنه، أنه قال: \"مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ مَثَلُ نَهْرٍ جارٍ على بابِ أحَدِكم، يَغْتَمِسُ (^٢) فيه كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَماذا يُبْقِينَ مِنْ دَرَنهِ؟! (^٣). وأن ذلك فى سياقِ أمرِ اللهِ بإقامةِ الصلواتِ، فالوعدُ على إقامتِها الجزيلَ من الثوابِ عَقيبَها، أولى من الوعدِ على ما لم يجرِ له ذكرٌ من سائرِ صالحاتِ الأعمالِ، إذا خُصَّ بالقصدِ بذلك بعضٌ دونَ بعضٍ.\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. يقولُ ﷿: هذا الذى أوَعدتُ عليه، من الركونِ إلى الظلمِ، وتهدَّدتُ فيه، والذي وعَدتُ فيه إقامةِ الصلواتِ اللواتى يُذهِبْن السيئاتِ، تذكرةٌ ذكَّرتُ بها قومًا يذكُرون وعدَ اللهِ فيرجون ثوابَه، ووعيدَه فيخافون عقابَه، لا مَن قد طُبع على قلبِه، فلا يجيبُ داعيًا، ولا يسمَعُ زاجرًا.\nوذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت بسببِ رجلٍ نال من غيرِ زوجتِه ولا مِلكِ يمينِه بعضَ ما يحرُمُ عليه، فتاب من ذنبِه ذلك.\nذكرُ الروايةِ بذلك\nحدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِىِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ والأسودِ، قالا: قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فقال:\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"من\".\n(^٢) فى ص، م، ف: \"ينغمس\"، وفى ت ٢: \"يلتمس\".\n(^٣) أخرجه أحمد ٢٢/ ١٧٧ (١٤٢٧٥)، ومسلم (٦٦٨)، من حديث جابر، وأخرجه البخاري (٥٢٨)، ومسلم (٦٦٧) من حديث أبي هريرة نحوه.","vol":"12","page":617},{"text":"إنى عالَجتُ (^١) امرأةً فى بعضِ أقطارِ المدينةِ، فأصَبتُ منها ما دونَ أن أمَسَّها، فأنا هذا، فاقضِ فيّ ما شئتَ. فقال عمرُ: لقد ستَرك اللهُ، لو ستَرتَ على نفسِك! قال: ولم يرُدَّ النبيُّ ﷺ شيئًا. قال: فقام الرجلُ، فانطلَق، فأتبَعه النبيُّ ﷺ رجلًا، فدعاه، فلما أتاه قرَأ عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. فقال رجلٌ من القومِ: هذا له يا رسولَ اللهِ خاصةً؟ قال: \"بَلْ للنَّاسِ كافَّةً\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ والأسودِ، عن عبدِ اللهِ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إني لقِيت امرأةً في البستانِ، فضمَمتُها إِليَّ، وباشَرْتُها وقَبَّلتُها، وفعَلتُ بها كلَّ شيءٍ، غيرَ أني لم أجامِعْها. فسكَت عنه النبيُّ ﷺ، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. فدعاه النبيُّ ﷺ، فقرَأها عليه، فقال عمرُ: يا رسولَ اللهِ، ألَه خاصةً، أم للناسِ كافةً؟ قال: لا، بَلْ للنَّاسِ كافَّةً\". ولفظُ الحديثِ لابنِ وكيعٍ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، أنه سمِع إبراهيمَ بنَ يزيدَ (^٤) يُحدِّثُ عن علقمةَ والأسودِ، عن ابنِ\n_________\n(^١) في ف: \"عاجلت\".\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧٦٣/ ٤٢)، وأبو داود (٤٤٦٨)، والترمذى (٣١١٢) من طرق عن أبي الأحوص.\n(^٣) أخرجه أحمد ٧/ ٢٨١ (٤٢٥٠)، وأبو يعلى (٥٣٨٩)، وابن حبان (١٧٣٠)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة ١/ ١٤٠ (٧٠) من طريق وكيع به\n(^٤) فى م: \"زيد\".","vol":"12","page":618},{"text":"مسعودٍ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنى أخَذتُ (^١) امرأةً في بستانٍ، ففعَلتُ بها كلَّ شيءٍ، غيرَ أني لم أجامِعْها؛ قَبَّلتُها ولزِمتُها، ولم أفعَلْ (^٢) غيرَ ذلك، فافعَلْ بي ما شِئْتَ. فلم يقُلْ له رسولُ اللهِ ﷺ شيئًا، فذهَب الرجلُ، فقال عمرُ: لقد ستَر اللهُ عليه (^٣)، لو ستَر على نفسِه! فأتبَعه رسولُ اللهِ ﷺ بصرَه، فقال: \"رُدُّوهُ عَليَّ\". فرَدّوه، فقرَأ عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ قال: فقال معاذُ بنُ جبلٍ: ألَه وحدَه يا نبيَّ اللهِ، أم للناسِ كافةً؟ فقال: \"بَلْ للنَّاسِ كافَّةً\" (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحمّانِيُّ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ والأسودِ، عن عبدِ اللهِ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أخَذتُ امرأةً فى البستانِ، فأصَبتُ منها كلَّ شيءٍ، غيرَ أني لم أنكِحْها، فاصنَعْ بي ما شئتَ. فسكَت النبيُّ ﷺ، فلما ذهَب دعاه، فقرَأ عليه هذه الآيةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو النعمانِ الحكمُ بنُ عبدِ اللهِ العِجْلىُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، قال: سمِعت إبراهيمَ يحدِّثُ عن خالِه (^٦) الأسودِ، عن عبدِ اللهِ، أن رجلًا لقِيَ امرأةً في بعضِ طرقِ المدينةِ،\n_________\n(^١) فى م: \"وجدت\".\n(^٢) بعده في ف: \"بها\".\n(^٣) بعده في ص، ت ١، س، ف: \"و\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٣١٤، وفي مصنفه (١٣٨٢٩)، ومن طريقه أحمد ٧/ ٣١٩ (٤٢٩٠).\n(^٥) سقط من: م. والأثر أخرجه الطيالسي (٢٨٣)، وأحمد ٧/ ٣٢٠ (٤٢٩١)، والنسائي في الكبرى (٧٣٢٣)، وابن حبان (١٧٢٨) من طرق عن أبي عوانة.\n(^٦) فى ص، ت ١، ت ٢، س: \"خالد\".","vol":"12","page":619},{"text":"فأصاب منها ما دونَ الجماعِ، فأتى النبيَّ ﷺ، فذكَر ذلك له، فنزَلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. فقال معاذُ بنُ جبلٍ: يا رسولَ اللهِ، لهذا خاصةً، أو لنا عامَّةً؟ قال: \"بل لكم عامَّةً\" (^١)\nحدَّثنا [ابنُ المُثَنَّى] (^٢)، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أنبَأني سماكٌ، قال: سمِعتُ إبراهيمَ يحدِّثُ عن خالِه (^٣)، عن ابنِ مسعودٍ، أن رجلًا قال للنبيِّ ﷺ: لقِيتُ امرأةً في حُشٍّ (^٤) بالمدينةِ، فأصَبتُ منها ما دونَ الجماعِ. فذكر (^٥) نحوَه.\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو قَطَنٍ عمرُو بنُ الهيثمِ البغداديُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ، عن خالِه (^٦)، عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه (^٧).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: جاء فلانُ بنُ مُعَتِّبٍ؛ رجلٌ مِن الأنصارِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، دخَلَت علىَّ امرأةٌ، فنلتُ منها ما ينالُ الرجلُ من أهلِه، إلا أنى لم أواقِعْها. فلم يدرِ رسولُ اللهِ ﷺ بما يجيبُه، حتى نزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٦٣/ ٤٣)، والنسائي في الكبرى (٧٣٢١) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه النسائي في الكبرى (٧٣١٩) من طريق شعبة به.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أبو المثنى\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"خالد\".\n(^٤) الحش: البستان. التاج (ح ش ش).\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٦) فى ت ١، ت ٢، س، ف: \"خالد\".\n(^٧) أخرجه النسائى فى الكبرى (٧٣٢٠) من طريق عمرو بن الهيثم به.","vol":"12","page":620},{"text":"إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. فدعاه فقرَأها عليه (^١).\nحدَّثني يعقوبُ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، وحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، وحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، جميعًا عن سليمانَ التيميِّ، عن أبي عثمانَ، عن ابنِ مسعودٍ: أن رجلًا أصاب مِن امرأةٍ شيئًا لا أدرى ما بلَغ، غيرَ أنه (^٢) دونَ الزنا، فأتى النبيَّ ﷺ، فذكَر ذلك له، فنزَلَت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. فقال الرجلُ: ألى (^٣) هذه يا رسولَ اللهِ؟ قال: \"لِمَنْ أَخَذَ بِها مِنْ أُمَّتِي، و(^٤) لمن عَمِلَ بِها\" (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا قَبيصةُ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، [عن أبي عثمانَ] (^٦)، قال: كنت مع سلمانَ، فأخَذ غصنَ شجرةٍ يابسةٍ، فحَتَّه ثم (^٧) قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ تَحاتَّتْ خَطاياهُ كما يَتَحاتُّ هَذَا الوَرَقُ\". ثم قرَأ (^٨): \" ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾. إلى آخرِ الآيةِ (^٩).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٨٧ عن المصنف، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥٣ إلى المصنف.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ما\".\n(^٣) في ص: \"أفى\".\n(^٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أو\".\n(^٥) أخرجه ابن ماجه (١٣٩٨) من طريق سفيان بن وكيع به.\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"و\".\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال\".\n(^٩) أخرجه الطيالسي (٦٨٧)، وأحمد ٥/ ٤٣٧ (ميمنية)، والدارمي ١/ ١٨٣، والطبراني (٦١٥٢) من=","vol":"12","page":621},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ وحسينٌ الجُعْفِيُّ، عن زائدةَ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عميرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبى ليلى، عن معاذٍ، قال: أتى رجلٌ النبيَّ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، ما ترَى في رجلٍ لقِيَ امرأةً لا يعرِفُها، فليس يأتِى الرجلُ مِن امرأتِه شيئًا إلا قد أتاه منها، غيرَ أنه لم يجامِعْها؟ فأنزَل اللهُ ﷿ هذه الآيةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: \"تَوَضَّأْ ثُمَّ صَلِّ\". فقال معاذٌ: قلت: يا رسولَ اللهِ، أله خاصةً، أم للمؤمنين عامةً؟ فقال: \"بل للمؤمِنينَ عامَّةً\" (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، أن رجلًا أصاب مِن امرأةٍ ما دونَ الجماعِ، فأتى النبيَّ ﷺ فسألَه (^٢) عن ذلك، فقرَأ رسولُ اللهِ ﷺ أو أُنزِلت -: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. فقال معاذٌ: يا رسولَ اللهِ، ألَه خاصةً، أم للناسِ عامةً؟ فقال: \"هيَ للنَّاس عامَّةً\".\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ، قال: سمِعتُ عبدَ الرحمنِ بنَ أبي ليلى، قال: أتى رجلٌ النبيَّ ﷺ، فذكَر نحوَه.\n_________\n= طرق عن حماد به.\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (١١٠)، والترمذي (٣١١٣)، من طريق حسين به، وأخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة ١/ ١٤٥ (٧٨)، وأحمد ٥/ ٢٤٤ (الميمنية) من طريق زائدة به.\n(^٢) في م: \"يسأله\".","vol":"12","page":622},{"text":"حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُّويَه، قال: ثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنى عمروُ بنُ الحارثِ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ سالمٍ، عن الزُّبيديِّ، قال: ثنا سليمُ بنُ عامرٍ، أنه سمِع أبا أُمامةَ يقولُ: إن رجلًا أتى رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ: أقِمْ فىَّ حدَّ اللهِ. مرَّةً أو (^١) اثنتين، فأعرَض عنه رسولُ اللهِ ﷺ، ثم أقيمت الصلاةُ، فلما فرَغ رسولُ اللهِ ﷺ من الصلاةِ، قال: \"أين هذا القائِلُ: أقِمْ فِيَّ حَدَّ اللهِ؟ \". قال: أنا ذا. قال: \"هَلْ أَتْمَمْتَ الوُضُوءَ، وَصَلَّيْتَ مَعَنا آنِفًا؟ \"، قالَ: نعم، قالَ: \"فإِنَّكَ مِنْ خَطيئَتِكَ كَمَا وَلَدَتْكَ أُمُّكَ، فلا تَعُدْ\". وأنزَل اللهُ جلَّ ثناؤه حينَئذٍ على رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ إلى قولِه: ﴿لِلذَّاكِرِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثني جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن معاذِ بنِ جبلٍ، أنه كان جالسًا عندَ النبيِّ ﷺ، فجاء رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللهِ، رجلٌ أصاب من امرأةٍ ما لا يحِلُّ له، لم يدَعْ شيئًا يصيبه الرجلُ من امرأتِه إلا أتاه، إلا أنه لم يجامِعْها. قال: \"يَتَوَضَّأُ وُضُوءًا حَسَنًا، ثُمَّ يُصَلِّى\". فأنزَل اللهُ ﷿ هذه الآيةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾. إلى آخرِ الآيةِ، فقال: معاذٌ: هي له يا رسولَ اللهِ خاصةً، أم للمسلمين عامَّةً؟ قال: \"بَلْ للمُسْلِمينَ عامَّةً\" (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ\n_________\n(^١) فى ص، م ت ١، ت ٢، س، ف: \"و\".\n(^٢) أخرجه الطبراني (٧٦٧٥) من طريق إسحاق بن إبراهيم به.\n(^٣) أخرجه الدارقطني ١/ ١٣٤، والحاكم ١/ ١٣٥، والمروزي فى تعظيم قدر الصلاة ١/ ١٤٤ (٧٧) من طرق عن جرير به.","vol":"12","page":623},{"text":"مسلمٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن يحيى بنِ جعدةَ، أن رجلًا من أصحابِ النبيِّ ﷺ، ذكَر امرأةً، وهو جالسٌ مع النبيِّ ﷺ، فاستأذَنه لحاجةٍ، فأذِن له، فذهَب فطلَبها (^١) فلم يجِدْها، فأقبَل الرجلُ يريدُ أن يبشِّرَ النبيَّ ﷺ بالمطرِ، فوجَد المرأةَ جالسةً على غديرٍ، فدفَع في صدرِها، وجلَس بينَ رِجلَيها، فصار ذكَرُه مثلَ الهُدْبَةِ، فقام نادمًا، حتى أتى النبيَّ ﷺ، فأخبَره بما صنَع، فقال له النبيُّ ﷺ: \"اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ، وَصَلِّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ\". قال: وتلا عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الآية (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيعِ، عن عثمانَ بنِ مَوْهَبٍ، عن موسى بنِ طلحةَ، عن أبى اليَسَرِ بنِ عمرٍو الأنصاريِّ، قال: أتَتْنى امرأةٌ تبتاعُ منى بدرهمٍ تمرًا، فقلتُ: إن فى البيتِ تمرًا أجودَ من هذا، فدخَلَت فأهْوَيتُ إليها، فقبَّلتُها، فأتيتُ أبا بكرٍ: فسألتُه، فقال: استُرْ على نفسِك وتُبْ، واستغفِرِ اللهَ. فأتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فسألتُه (^٣)، فقال: \"أخَلَفْتَ رَجُلًا عَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ فِي \"أهْلِهِ بِمِثْل هَذَا؟! \". حتى ظنَنتُ أنى من أهلِ النارِ، حتى تمنَّيتُ أني أسلَمتُ ساعتَئذٍ. قال: فأطرَق رسولُ اللهِ ﷺ ساعةً، فنزَل جبريلُ، فقال: \"أين أبو اليَسَرِ؟ \". فجِئتُ، فقرَأ عَلَىَّ: \" ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ إلى ﴿ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ \". قال إنسانٌ: يا رسولَ اللهِ، له خاصةً أم للناسِ عامَّةً؟ قال: \"للنَّاسِ عامَّةً\" (^٤).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يطلبها\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٥.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) أخرجه الترمذى (٣١١٥)، والمروزي فى تعظيم قدر الصلاة ١/ ١٤٥ (٧٩)، والطبراني ١٩/ ١٦٥ (٣٧١) من طريق قيس به، وأخرجه البزار (٢٣٠٠)، والنسائي فى الكبرى (٧٣٢٧، ١١٢٤٨) من طريق عثمان بن موهب به وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥٢ إلى ابن مردويه.","vol":"12","page":624},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمّانيُّ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيعِ، عن عثمانَ بنِ مَوْهَبٍ، عن موسى بنِ طلحةَ، عن أبى اليَسَرِ، قال: لقِيتُ امرأةً فالتزَمتُها، غيرَ أني لم أنكِحْها، فأتَيتُ عمرَ بنَ الخطابِ فسألتُه، فقال: اتقِ اللهَ واستُرْ على نفسِك، ولا تخبِرَنَّ أحدًا، فلم أصبِرْ حتى أتَيتُ أبا بكرٍ، فسألتُه (^١)، فقال: اتقِ اللهَ واستُرْ على نفسِك، ولا تخبِرَنَّ أحدًا. قال: فلم أصبِرْ حتى أتَيتُ النبيَّ ﷺ فأخبَرتُه، فقال (^٢): \"هل جهَّزتَ غازيًا؟ \". قلتُ: لا. قال: \"فهل خَلَفْتَ غازِيًا في أهلِه؟ \". قلتُ: لا. فقال لى، حتى تمنَّيتُ أنى كنتُ دخَلتُ في الإسلامِ تلك الساعةَ. قال: فلما ولَّيتُ دعانى، فقرَأ علىَّ: \" ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ \". فقال له أصحابُه: ألهذا خاصةً، أم للناسِ عامَّةً؟ فقال: \"بل للنَّاسِ عامَّةً\".\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثني سعيدٌ، عن قتادةَ، أن رجلًا أصاب من امرأةٍ قُبلةً، فأتى النبيَّ ﷺ، فقال: يا نبيَّ اللهِ، هلَكتُ. فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن سليمانَ التَّيمىِّ، قال: ضرَب رجلٌ على كَفَلِ (^٣) امرأةٍ، ثم أتى أبا بكرٍ وعمرَ ﵄، فكلما سأل رجلًا منهما عن كفارةِ ذلك، قال: أمُغْزِيَةٌ (^٤) هي؟ فإذا (^٥) قال: نعم. قال: لا أدرى. ثم أتى النبيَّ ﷺ، فسأله عن ذلك، فقال: \"أمُغْزِيَةٌ هي؟ \". قال: نعم. قال: \"لا أدْرِى\". حتى أنزَل اللهُ ﷿: ﴿وَأَقِمِ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"له\".\n(^٣) الكَفَل، بالتحريك: العجُز. اللسان (ك ف ل).\n(^٤) المغزية: المرأة التي غزا زوجها وبقيت وحدها في البيت.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ٢.","vol":"12","page":625},{"text":"الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ (^٢)، عن قيسِ بنِ سعيدٍ، عن عطاءٍ فى قولِ اللهِ تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾. أن امرأةً دخَلَت على رجلٍ يبيعُ الدقيقَ، فقبَّلها، فأُسْقِط في يدِه، فأتى عمرَ، فذكَر له ذلك، فقال: اتقِ اللهَ، ولا تكُنِ امرأةَ غازٍ. فقال الرجلُ: هي امرأةُ غازٍ. فذهَب إلى أبى بكرٍ، فقال مثلَ ما قال عمرُ، فذهَبوا إلى النبيِّ ﷺ جميعًا، فقال له كذلك، ثم سكَت النبيُّ ﷺ فلم يُجِبْهم، فأنزَل اللهُ ﷿: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ -الصلواتُ المفروضاتُ- إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: حدَّثني عطاءُ بنُ أبي رباحٍ، قال: أقبَلت امرأةٌ حتى جاءت إنسانًا يبيعُ الدقيقَ، لتبتاعَ منه، فدخَل بها البيتَ، فلما خلا بها (^٣) قبَّلها. قال: فسُقِط في يديه، فانطلَق إلى أبى بكرٍ، فذكَر ذلك له، فقال: أبصِرْ، لا تكونَنَّ امرأةَ رجلٍ غازٍ. [فانطلَق إلى عمرَ، فذكَر ذلك له، فقال له مثلَ ذلك، وانطلَق أبو بكرٍ وعمرُ والرجلُ إلى النبيِّ ﷺ فذكَروا ذلك له، فقال: \"أبْصِرْ، لا تكونَنَّ امرأةَ رجلٍ غازٍ] (^٤) \". فبينما هم على ذلك، نزَل فى ذلك: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾. قيل لعطاءٍ: المكتوبةُ هى؟ قال: نعم (^٥). قال ابنُ جريجٍ: وقال عبدُ اللهِ بنُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥٣ إلى المصنف.\n(^٢) بعده في م، ت ١، س، ف: \"عن ابن أبي نجيح\".\n(^٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"له\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"هي المكتوبة\".","vol":"12","page":626},{"text":"كثيرٍ: هي المكتوباتُ.\nقال ابنُ جريجٍ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ: إن رجلًا من بني غَنْمٍ، دخَلَت عليه امرأةٌ فقبَّلها، ووضَع يدَه على دُبُرِها، فجاء إلى أبي بكرٍ ﵁، ثم إلى عمرَ ﵁، ثم أتى (^١) إلى النبيِّ ﷺ، فنزَلت هذه الآيةُ إلى قولِه: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. فلم يزَلِ الرجلُ الذى قبَّل المرأةَ يذكُرُ، فذلك قولُه: ﴿ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1588\"></span><span data-type='title' id=toc-4363>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واصبِرْ يا محمدُ على ما تلقى من مشركي قومِك، من الأذى فى اللهِ والمكروهِ، رجاءَ جزيلِ ثوابِ اللهِ على ذلك، فإن اللهَ لا يضيعُ ثوابَ عملِ مَن أحسَن (^٣) فأطاعَ اللهَ واتَّبَع أمرَه، فيذهَبَ به، بل يوفِّرُه عليه (^٤)، أحوجَ ما يكونُ إليه.\n\n<span id=\"aya-1589\"></span><span data-type='title' id=toc-4362>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فهلَّا كان من القرونِ الذين قصَصتُ عليكم (^٥) نبأَهم في هذه السورةِ، الذين أهلَكتُهم بمعصيتِهم إياى، وكفرِهم برسلى من قبلِكم، ﴿أُولُو\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ص، ف.\n(^٢) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥٣ إلى المصنف.\n(^٣) فى م: \"عمل\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في ص، م ت ١، ت ٢، س، ف: \"عليك\".","vol":"12","page":627},{"text":"بَقِيَّةٍ﴾. يقولُ: ذَوُو (^١) بقيةٍ من الفهمِ والعقلِ، يعتبِرون مواعظَ اللهِ، ويتدبَّرون حججَه، فيعرِفون ما لهم في الإيمانِ باللهِ، وعليهم في الكفرِ به، ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: ينهَون أهلَ المعاصى عن معاصيهم، وأهلَ الكفرِ باللهِ عن كفرِهم به في أرضِه، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾. يقولُ: لم يكُنْ من القرونِ من قبلِكم أولو بقيةٍ ينهَون عن الفسادِ في الأرضِ إلا يسيرًا، فإنهم كانوا ينهَون عن الفسادِ في الأرضِ، فنجّاهم اللهُ من عذابِه حينَ أخَذ مَن كان مقيمًا على الكفرِ باللهِ - عذابُه، وهم تُبَّاعُ الأنبياءِ والرسلِ. ونصَب \"قليلًا\" لأن قولَه: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾. استثناءٌ منقطِعٌ مما قبلَه، كما قال: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونسُ: ٩٨]. وقد بيَّنا ذلك في غيرِ موضعٍ، بما أغنَى عن إعادتِه (^٢).\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: اعتذَر فقال: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ حتى بلَغ: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾. فإذا هم الذين نَجَوا حينَ نزَل عذابُ اللهِ. وقرَأ: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾. قال: يستقِلُّهم اللهُ من كلِّ قومٍ (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ذو\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٢٩١، ٢٩٢.\n(^٣) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥٦ إلى أبى الشيخ.","vol":"12","page":628},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عَدىٍّ، عن داودَ، قال: سألني بلالٌ، عن قولِ الحسنِ في القَدرِ (^١). قال: فقلتُ (^٢): سمِعتُ الحسنَ يقولُ: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود: ٤٨]. قال: بعَث اللهُ هودًا إلى عادٍ، فنجَّي اللهُ هودًا والذين آمَنوا معه، وهلك المتمتِّعون، وبعَث اللهُ صالحًا إلى ثمودَ، فنجَّي اللهُ صالحًا، وهلَك المتمتِّعون. فجعَلتُ أستقريه الأممَ، فقال: ما أراه إلا كان حسنَ القولِ في القَدرِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾. أى: لم يكُنْ من قبلِكم من ينهَى عَنِ الفسادِ فِي الأرضِ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ (^٤).\nوقولُه: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واتَّبَع الذين ظلَموا أنفسَهم وكفروا (^٥) باللهِ ﴿مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾. [فاختلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه أنهم اتَّبَعوا ما أُبطِروا (^٦) فيه] (^٧).\n_________\n(^١) فى ص، م، ت ٢، س، ف: \"العذر\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فقال\".\n(^٣) فى م: \"العذر\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٤١ عن داود عن الحسن بنحوه.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٥٦ إلى المصنف وأبى الشيخ وابن أبي حاتم.\n(^٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فكفروا\".\n(^٦) كذا بالأصل، ولعل صوابها: \"أُنْظِرُوا\" لدلالة ما يأتى بعد.\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":629},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ قال: ما أُنظِروا فيه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾: من دنياهم (^٢).\nوكأنَّ هؤلاء وجَّهوا تأويلَ الكلامِ: واتَّبع الذين ظلَموا الشيءَ الذي أنظَرهم فيه ربُّهم، من نعيمِ الدنيا ولذَّاتِها، إيثارًا له على عملِ الآخرةِ، وما ينجِّيهم من عذابِ اللهِ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: واتَّبَع الذين ظلَموا ما تجبَّروا فيه من الملكِ، وعَتَوْا عن أمرِ اللهِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾. قال: في ملكِهم وتجبُّرِهم، وترَكوا الحقَّ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، [قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ] (^٣) نحوَه، إلا أنه قال: وتركِهم الحقَّ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥٦ إلى المصنف وابن المنذر وأبي الشيخ وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥٦ إلى ابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٩٢، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.","vol":"12","page":630},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو سواءً.\nوأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللهَ ﷿ أخْبَر أن الذين ظلَموا أنفسَهم مِن كلِّ أُمَّةٍ سَلَفَت، فكفَروا باللهِ، اتَّبَعوا ما أُنْظِروا فيه مِن لذاتِ الدنيا (^١)، فاسْتَكْبروا عن أمرِ اللهِ وتجَبَّروا، وصدُّوا عن سبيلِه.\nوذلك أن المُتْرَفَ فى كلامِ العربِ هو المُنَعَّمُ الذي قد غُذِّى باللذاتِ، ومنه قولُ الراجزِ (^٢):\nنُهدِى (^٣) رُءُوسَ المُتْرَفِين الصُّدَّادْ\nإلى أميرِ المؤمنين المُمْتادْ\nوقولُه: ﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: وكانوا مُكْتَسبى الكفرِ باللهِ.\n\n<span id=\"aya-1590\"></span><span data-type='title' id=toc-4364>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما كان ربُّك يا محمدُ لِيُهْلِكَ القرى التي أهْلَكها -التي قَصَّ عليك نبأَها- ظُلمًا وأهلُها مُصْلِحون فى أعمالِهم، غيرُ مُسِيئِين، فيكونَ إهلاكُه إياهم مع إصلاحِهم في أعمالِهم وطاعتِهم ربَّهم ظلمًا، ولكنه أهْلَكها لكُفْرِ (^٤) أهلِها باللهِ، وتَمادِيهم في غَيِّهم، وتكذيبِهم رسلَهم، وركوبِهم السيئاتِ.\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، س، ف: \"فاستكبروا وكفروا بالله واتبعوا ما أنظروا فيه من لذات الدنيا\".\n(^٢) هو رؤبة بن العجاج، كما في ديوانه ص ٤٠. وقد تقدم في ٩/ ١٢٢.\n(^٣) في ص، م: \"يهدى\"، وفى ف: \"تهدى\".\n(^٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بكفر\".","vol":"12","page":631},{"text":"وقد قيل: معنى ذلك: لم يَكُنْ لِيُهْلِكَهم بِشركِهم (^١) باللهِ، وذلك قولُه: ﴿بِظُلْمٍ﴾. يعني: بشركٍ، ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾: فيما بينَهم لا يَتَظَالَمون، ولكنهم يَتَعاطَوْن الحقَّ بينَهم، وإن كانوا مشركين، وإنما يُهْلِكُهم إذا تَظالَموا.\n\n<span id=\"aya-1591\"></span><span data-type='title' id=toc-4365>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولو شاء ربُّك يا محمدُ لجعَل الناسَ كلَّهم جماعةً واحدةً، على ملةٍ واحدةٍ، ودينٍ واحدٍ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. يقولُ: لجعَلهم مسلمين كلَّهم.\n\n<span id=\"aya-1592\"></span>وقولُه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. يقولُ: ولا يزالُ النَّاسُ مختلفين، ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ فى الاختلافِ الذى وصَف اللهُ الناسَ أنهم لا يزالون به؛ فقال بعضُهم: هو الاختلافُ فى الأديانِ، فتأويلُ ذلك على مذهبِ هؤلاء: ولا يزالُ الناسُ مختلِفين على أديانٍ شتَّى؛ من بينِ يهوديٍّ ونصرانيٍّ ومجوسيٍّ، ونحوِ ذلك. وقال قائلو هذه المقالةِ: استثنَى اللهُ من ذلك مَن رحِمهم، وهم (^٢) أهلُ الإيمانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4366>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ: ﴿وَلَا\n_________\n(^١) في الأصل: \"لشركهم\".","vol":"12","page":632},{"text":"يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. قال: اليهودُ والنصارى والمجوسُ، والحنيفيةُ هم الذين رحِم ربُّك (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا قبيصةُ، قال: ثنا سفيانُ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. قال: اليهودُ والنصارى والمجوسُ. ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. قال: يعنى (^٢) الحنيفيةَ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا منصورُ ابنُ عبدِ الرحمنِ، قال: قلت للحسنِ: قولَه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾؟ قال: الناسُ مختلفون على أديانٍ شتَّى، إلا من رحِم ربُّك، فمن رحِم غيرُ مختلِفين (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن حسنِ بنِ صالحٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. قال: أهلُ الباطلِ. ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. قال: أهلُ الحقِّ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. قال: أهلُ الباطلِ. ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. قال: أهلُ الحقِّ.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"هو\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٩٤ من طريق طلحة به، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥٦ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"هم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٩٤ من طريق ابن علية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٥٦ إلى أبي الشيخ.\n(^٤) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥٦ إلى المصنف وأبى الشيخ.","vol":"12","page":633},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مُعَلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، عن منصورِ بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: سُئِل الحسنُ عن هذه الآيةِ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. قال: الناسُ كلُّهم مختلِفون على أديانٍ شتَّى. ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾: فمن رحِم غيرُ مختلِفٍ. فقلت له: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾؟ فقال: خلَق هؤلاء لجنتِه، وهؤلاء لنارِه، وخلَق هؤلاء لرحمتِه، وخلَق هؤلاء لعذابِه (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ (^٢)، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. قال: أهلُ الباطلِ. ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. قال: أهلُ الحقِّ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. قال: أهلُ الحقِّ، وأهلُ الباطلِ. ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. قال: أهلُ الحقِّ.\nحدَّثني المُثّنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، [عن شريكٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. قال: أهلُ الباطلِ] (^٣). ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. قال: أهلُ الحقِّ ليس فيهم اختلافٌ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٩٥ من طريق منصور به.\n(^٢) في الأصل: \"سعيد\". وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدشتكى. ينظر تهذيب الكمال ١٧/ ٢١٠.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"12","page":634},{"text":"حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن ابنِ جريجٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. قال: اليهودُ والنصارى. ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. قال: أهلُ القبلةِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبَرني الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ، [عن ابنِ عباسٍ] (^٢): ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. قال: أهلُ الباطلِ: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. قال: أهلُ الحقِّ (^٣).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. قال: لا يزالون مختلِفين في الهوى (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ (^٥)، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. فأهلُ رحمةِ اللهِ أهلُ جماعةٍ، وإن تفرَّقت دورُهم وأبدانُهم، وأهلُ معصيةِ اللهِ أهلُ فرقةٍ، وإن اجتمَعت دورُهم وأبدانُهم (^٦).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. قال: مَن جعَله على الإسلامِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٩٤ من طريق ابن يمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٥٦ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٩٣، ٢٠٩٤ من طريق آخر عن ابن عباس به.\n(^٤) في ت ٢: \"اليهود\". والأثر أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٠٧ - تفسير) عن أبى الأحوص به.\n(^٥) بعده في الأصل: \"قال حدثنا. . .\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٩٤ من طريق سعيد بن بشير عنه به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٥٦ إلى أبي الشيخ.","vol":"12","page":635},{"text":"حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا الحسنُ عن (^١) واصلٍ، عن الحسنِ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. قال: أهلُ الباطلِ، ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.\nحدَّثنا (^٢) ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. قال: أهلُ الباطلِ: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. قال: أهلُ الحقِّ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يزالون مختلِفين في الرزقِ؛ فهذا فقيرٌ، وهذا غنيٌّ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمِرُ، عن أبيه، أن الحسنَ قال: مختلِفين فى الرزقِ، سخَّر بعضَهم لبعضٍ (^٤).\nوقال آخرون (^٥): مختلِفين فى المغفرةِ والرحمةِ. أو كما قال.\nوأولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ولا يزالُ الناسُ مختلِفين في أديانِهم وأهوائِهم على أديانٍ ومِلَلٍ وأهواءٍ شتَّى، ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، فآمَن باللهِ، وصدَّق رسلَه، فإنهم لا يختلِفون في توحيدِ اللهِ، وتصديقِ\n_________\n(^١) في النسخ: \"بن\". وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٤٠٦، وميزان الاعتدال ١/ ٥٢٨.\n(^٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال: ثنا\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٦٣٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٩٤ من طريق المعتمر به.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بعضهم\".","vol":"12","page":636},{"text":"رسلِه، وما جاءهم من عندِ اللهِ.\nوإنما قلتُ: ذلك أولى بالصوابِ في تأويلِ ذلك؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أتْبَعَ ذلك قولَه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ففى ذلك دليلٌ واضحٌ، أن الذى قبلَه من ذكرِ خبرِه عن اختلافِ الناسِ، إنما هو خبرٌ عن اختلافٍ مذمومٍ يوجِبُ لهم النارَ، ولو كان خبرًا عن اختلافِهم في الرزقِ لم يعقِّبْ ذلك بالخبرِ عن عقابِهم وعذابِهم (^١).\nوأما قولُه ﷿: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: وللاختلافِ خلَقهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن مباركِ بنِ فَضالةَ، عن الحسنِ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. قال: للاختلافِ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا منصورُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: قلت للحسنِ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. فقال: خلَق هؤلاء لجنتِه، وخلَق هؤلاء لنارِه، وخلَق هؤلاء لرحمتِه، وخلَق هؤلاء لعذابِه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن منصورٍ، عن الحسنِ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا المُعَلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيز، عن منصورِ بنِ\n_________\n(^١) في الأصل: \"عن عذابهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٩٦ من طريق ابن المبارك به، وعبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣١٦ من طريق آخر عن الحسن به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٩٥ من طريق ابن علية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٥٦ إلى أبى الشيخ.","vol":"12","page":637},{"text":"عبدِ الرحمنِ، عن الحسنِ بنحوِه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن خالدٍ الحذّاءِ، أن الحسنَ قال فى هذه الآيةِ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. قال: خلَق هؤلاء لهذه، وخلَق هؤلاء لهذه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ بنُ خليفةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ، قال: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. قال: أما أهلُ رحمةِ اللهِ فإنهم لا يختلِفون اختلافًا يضُرُّهم.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. قال: خلَقهم فريقين: فريقًا يُرحَمُ فلا يختلِفُ، وفريقًا لا يُرْحَمُ يختلِفُ، وذلك قولُه: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. قال: يهودُ، ونصارى، ومجوسٌ. ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. قال: من جعَله على الإسلامِ، ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. قال: مؤمنٌ وكافرٌ (^٣).\n[حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. قال: \"مؤمنٌ وكافرٌ\"] (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٩٥ من طريق حماد به بنحوه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٩٥ من طريق أبي صالح به.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٦٣٣.\n(^٤) سقط من: م، والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٩٢ بمعناه عن الأعمش.","vol":"12","page":638},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا أشهبُ (^١)، قال: سُئِل مالكٌ عن قولِ اللهِ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. قال: خلَقهم ليكونوا فريقين: فريقٌ فى الجنةِ، وفريقٌ فى السعيرِ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وللرحمةِ (^٣) خلَقهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن حسنِ بنِ صالحٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. قال: للرحمةِ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. قال: للرحمةِ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن ليثٍ (^٥)، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن شريكٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبَرنا أبو حفصٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: للرحمةِ\n_________\n(^١) في ت ١: \"ابن وهب\".\n(^٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٤/ ٢٠٦ عن مالك به، وذكره ابن كثير ٤/ ٢٩٢ عن ابن وهب عن مالك به.\n(^٣) فى ص، ت ١، س، ف: \"للرحمن\".\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٩٥ عن مجاهد معلقًا.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"خصيف\".","vol":"12","page":639},{"text":"خلَقهم.\n[حدَّثني المُثَنَّى، حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. قال: للرحمةِ] (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. قال: للرحمةِ خلَقهم (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عمَّن ذكَره، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. قال: للرحمةِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، قال: أخبَرني الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. قال: أهلُ الحقِّ ومَن اتبَعه لرحمتِه.\nحدَّثني [سعدُ بنُ عبدِ اللهِ] (^٤)، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ﴾. قال: للرحمةِ ﴿خَلَقَهُمْ﴾، ولم يخلُقْهم للعذابِ (^٥).\nوأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: وللاختلافِ بالشقاءِ والسعادةِ. خلَقهم. لأن اللهَ جلّ ثناؤُه، ذكَر صِنفين من خلقِه؛ أحدُهما: أهلُ اختلافٍ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٦ عن معمر به.\n(^٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٤/ ٢٠٧ عن الضحاك به.\n(^٤) في الأصل: \"عبيد الله بن عبد الحكم\". وينظر الجرح ٤/ ٩٢.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٩١ عن الحكم بن أبان به.","vol":"12","page":640},{"text":"وباطلٍ. والآخرُ: أهلُ حقٍّ. ثم عقَّب ذلك بقولِه: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. فعمَّ بقولِه: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. صفةَ الصِّنفين، فأخبَر عن كلِّ فريقٍ منهما أنه ميسرٌ لما خُلِق له.\nفإن قال قائلٌ: فإن كان تأويلُ ذلك كما ذكَرتَ، فقد ينبَغِي أن يكونَ المختلفون غيرَ ملومين على اختلافِهم، إذ كان لذلك خلَقهم ربُّهم، وأن يكونَ المتمتِّعون هم الملومين؟ قيل: إن معنى ذلك بخلافِ ما إليه ذهَبتَ، وإنما معنى الكلامِ: ولا يزالُ الناسُ مختلِفين بالباطلِ من أديانِهم ومللِهم، ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ فهداه للحقِّ ولعلمِه، وعلى علمِه النافذِ فيهم قبلَ أن يَخلُقَهم -أنه يكونُ فيهم المؤمنُ والكافرُ، والشقىُّ والسعيدُ- خلَقهم، فمعنى \"اللامِ\" في قولِه: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. بمعنى: \"على\". [كقولِك للرجلِ] (^١): أكرَمتُك على برِّك بي (^٢). وأكرَمتُك لبرِّك بي.\nوأما قولُه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾. [يقولُ ﷿: وسبَقت كلمةُ ربِّك يا محمدُ، فوجَبَت: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾] (^٣). لعلمِه السابقِ فيهم أنهم يستوجِبون صِلِيَّها؛ بكفرِهم باللهِ، وخلافِهم إياه (^٤).\nوقولُه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾. قَسَمٌ، كقولِ القائلِ: حَلِفى لأزورَنَّك،\n_________\n(^١) في الأصل: \"كقول الرجل للرجل\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أمره\".","vol":"12","page":641},{"text":"وبدا لي لآتيَنَّك. ولذلك تُلُقِّيَت بلامِ اليمينِ.\nوقولُه: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾: وهى ما اجتنَّ عن أبصارِ بنى آدمَ، ﴿وَالنَّاسِ﴾. يعني: بني آدمَ. وقيل: إنهم سُمُّوا جِنةً؛ لأنهم كانوا على الجنَانِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا [عبيدُ اللهِ] (^١)، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبى مالكٍ: إنما (^٢) سُمُّوا الجِنةَ؛ أنهم كانوا على الجنَانِ، والملائكةُ كلُّهم جِنةٌ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا [عبيدُ اللهِ] (١)، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبى مالكٍ، قال: الجِنَّةُ الملائكةُ.\nوأما معنى قولِ أبي مالكٍ هذا: أن إبليسَ كان من الملائكةِ، والجنَّ ذريَّتُه، وأن الملائكةَ تسمَّى عندَه (^٣) الجنَّ؛ لما قد بيَّنت فيما مضَى قبلُ من كتابِنا هذا (^٤).\n\n<span id=\"aya-1593\"></span><span data-type='title' id=toc-4367>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: [وكُلُّ ذلك] (^٥) ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ يا محمدُ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ الذين كانوا قبلَك، ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، فلا تجزَعْ من تكذيبِ مَن كذَّبك من قومِك، ورَدَّ عليك ما جئتَهم به، ولا يَضِقْ صدرُك، فتترُكَ بعضَ ما\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عبد الله\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وإنما\".\n(^٣) في س: \"عبدة\".\n(^٤) تقدم في ١/ ٥٣٥.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وكلا\".","vol":"12","page":642},{"text":"أنزَلتُ إليك من أجلِ أن قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢]. إذا علِمتَ ما لَقِيَ مَن قبلَك من رسلى من أُمَمِها.\nكما حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾. قال: لتعلمَ ما لقِيَتْ الرسلُ قبلَك من أُمَمِهم (^١).\nواختلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ نصبِ ﴿كُلًّا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: نُصِب على معنى: ونقصُّ عليك من أنباءِ الرسلِ ما نثبِّتُ به فؤادَكَ كُلًّا. كأَنَّ الكلَّ منصوبٌ عندَه على المصدرِ من ﴿نَقُصُّ﴾، بتأويلِ: ونقصُّ عليك ذلك كُلَّ القَصَصِ. وقد أنكَر ذلك من قولِه بعضُ أهلِ العربيةِ، وقال: ذلك غيرُ جائزٍ. وقال: إنما نصَب ﴿كُلًّا﴾ بـ ﴿نَقُصُّ﴾؛ لأن ﴿كُلًّا﴾ بُنِيت على الإضافةِ، كان معها إضافةٌ أو لم يكُنْ. وقال: أراد: كلَّه نقصُّ عليك. وجعَل ﴿مَا نُثَبِّتُ﴾ ردًّا على ﴿كُلًّا﴾. وقد بيَّنتُ الصوابَ من القولِ في ذلك (^٢).\nوأما قولُه: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: وجاءك فى هذه السورةِ الحقُّ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن خُليدِ بنِ جعفرٍ، عن أبي إياسٍ، عن أبي موسى: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: في هذه\n_________\n(^١) في الأصل، ص، س، ف: \"أمنهم\"، والمثبت موافق لما في مصدر التخريج. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٥٦ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) ينظر البحر المحيط ٥/ ٢٧٤.","vol":"12","page":643},{"text":"السورةِ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ: وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن خُليدِ بن جعفرٍ، عن أبى إياسٍ معاويةَ بنِ قُرَّةَ، عن أبي موسى مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن أبى رجاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: في هذه السورةِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن أبي عَوانةَ، عن أبي بشرٍ، عن عمرٍو العنبريِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: في هذه السورةِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، عَن أَبي عَوَانَةَ، عن أبي بشرٍ، عن رجلٍ مِن بنى العنبرِ، قال: خَطَبَنا ابنُ عباسٍ فقال: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: في هذه السورةِ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ قرَأ هذه السورةَ على الناسِ حتى بلَغ: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: في هذه السورةِ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن عوفٍ، عن مروانَ الأصفرِ، عن ابنِ عباسٍ، أنه قرَأ على المنبرِ: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. فقال: في هذه السورةِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥٦ إلى المصنف وابن مردويه وأبى الشيخ.\n(^٢) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥٦ إلى ابن المنذر والفريابي وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٠٨ - تفسير)، وابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٩٦، من طريق أبي عوانة به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٩٦ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣١٦ عن معمر به.","vol":"12","page":644},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: في هذه السورةِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى (^٢)، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: في هذه السورةِ (١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n[حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شريكٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: هذه السورةُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعد (^٥)، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ مثلَه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٩٢.\n(^٢) في الأصل: \"أبو عيسى\".\n(^٣) ليس في الأصل.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٩٦ من طريق عطاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٥٧ إلى أبي الشيخ.\n(^٥) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣، م: \"سعيد\"، وفى ف: \"مسعد\" وقد تقدم مرارًا.","vol":"12","page":645},{"text":"الحسنِ في قولِه: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: في هذه السورةِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، عن شعبةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ بمثلِه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٍ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شعبةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، عن [شعبةَ، عن] (^٢) أبانِ بنِ تغلِبَ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: في هذه السورةِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ البصريَّ يقولُ فى قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: يعنى: فى هذه السورةِ (١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: وجاءك في هذه الدنيا الحقُّ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المُثَنَّى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥٧ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٦ عن معمر به.","vol":"12","page":646},{"text":"ثنا شعبةُ، عن قتادةَ: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: في هذه الدنيا (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ (^٢)، عن قتادةَ [مثلَه (١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ] (^٣): ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: كان الحسنُ يقولُ: في الدنيا (^٤).\nوأولى القولين بالصوابِ في تأويلِ ذلك قولُ مَن قال: وجاءك في هذه السورةِ الحقُّ؛ لإجماعِ الحجةِ من أهلِ التأويلِ على أن ذلك تأويلُه.\nفإن قال لنا قائلٌ: أوَ لم يجِئْ النبىَّ ﷺ الحقُّ من سُوَرِ القرآنِ إلا في هذه السورةِ، فيقالَ: وجاءك فى هذه السورةِ الحقُّ؟ قيل له: بلى، قد جاءه فيها كلِّها.\nفإن قال: فما وجهُ خصوصِه إذنْ فى هذه السورةِ بقولِه: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾؟ قيل: إن معنى الكلامِ: وجاءك في هذه السورةِ الحقُّ، مع ما جاءك في سائرِ سُورِ القرآنِ، أو إلى ما جاءك من الحقِّ فى سائرِ سُوَرِ القرآنِ، لا أن معناه: وجاءَك فى هذه السورةِ الحقُّ، دونَ سائرِ سُوَرِ القرآنِ.\nوقولُه: ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾. يقولُ: وجاءك موعظةٌ تعِظُ الجاهلين باللهِ، وتُبَيِّنُ لهم عِبَرَه ممن كفَر به، وكذَّب رسلَه. ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وتذكِرةٌ تذكَّرُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٩٦، من طريق وكيع عن شعبة به.\n(^٢) فى ص: \"سعيب\"، وفى ت ١، ت ٢، س: \"شعيب\"، وفى ف: \"شيب\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٩٦، من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٥٧ إلى أبى الشيخ.","vol":"12","page":647},{"text":"المؤمنين باللهِ ورسلِه؛ كى لا يغفُلوا عن الواجبِ للهِ عليهم.\n\n<span id=\"aya-1594\"></span><span data-type='title' id=toc-4368>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَقُلْ﴾ يا محمدُ للذين لا يُصَدِّقونك، ولا يُقِرُّونَ بوحدانيةِ اللهِ: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. يقولُ: على هِينتِكم وتمكُّنِكم ما أنتم عامِلوه، فإنا عامِلون ما نحن عاملوه من الأعمالِ التى أمَرنا اللهُ ﷿ بها،\n\n<span id=\"aya-1595\"></span>وانتظِروا ما وعَدكم الشيطانُ، فإنا منتظِرون ما وعَدنا اللهُ من خِزْيِكم (^١) ونصرتِنا عليكم.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾. قال: يقولُ: انتظِروا مواعيدَ الشيطانِ إياكم، على ما يُزيِّنُ لكم؛ إنا منتظِرون (^٢).\n\n<span id=\"aya-1596\"></span><span data-type='title' id=toc-4369>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وللهِ يا محمدُ مُلْكُ كلِّ ما غاب عنك في السماواتِ والأرضِ، فلم تطَّلِعْ عليه، ولم تعلَمْه، كلُّ ذلك بعلمِه وبيدِه، لا يخفَى عليه منه شيءٌ، وهو عالمٌ بما يعمَلُه مشركو قومِك، وما إليه مصيرُ أمرِهم؛ من إقامةٍ على الشركِ، أو إقلاعٍ عنه وتوبةٍ، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾. يقولُ: وإلى اللهِ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"حربكم\".\n(^٢) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥٧ إلى المصنف، وأبي الشيخ.","vol":"12","page":648},{"text":"مَعادُ كلِّ عاملٍ وعملِه، وهو مُجازٍ جميعَهم بأعمالِهم.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾. قال: فيقضِى بينَهم بحكمِه بالعدلِ. يقولُ (^١): ﴿فَاعْبُدْهُ﴾: فاعبُدْ ربَّك يا محمدُ، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: وفوِّضْ أمرَك إليه، وثِقْ به وبكفايتِه، فإنه كافٍ مَن توكَّلَ عليه (^٢).\nوقولُه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: وما ربُّك يا محمدُ بساهٍ عما يعمَلُ هؤلاء المشركون من قومِك، بل هو محيطٌ به، لا يعزُبُ عنه شيءٌ منه، وهو لهم بالمرصادِ، فلا يَحزُنْك إعراضُهم عنك، ولا تكذيبُهم بما جئتَهم به من الحقِّ، وامضِ لأمرِ ربِّك، فإنك بأَعْينِنا.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، عن جعفرِ بنِ سليمانَ، عن أبي عمرانَ الجَوْنيِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ رباحٍ، عن كعبٍ، قال: خاتمةُ التوراةِ خاتمةُ هودٍ (^٣) (*).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ هودٍ، والحمدُ للهِ وحدَه.\nيتلوه تفسيرُ السورةِ التي يُذكَرُ فيها يوسفُ. وهو آخرُ المجلدِ الثاني عشرَ. والحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصلَّى اللهُ على محمدٍ وآلِه وصحبِه وسلَّم.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ٢، ف.\n(^٢) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ٣/ ٣٥٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٩٣ عن المصنف، وأخرجه الدارمي ٢/ ٤٥٣، وابن الضريس في فضائل القرآن (١٩٩)، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ٣٧٨، من طريق أبي عمران به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٥٧ إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وأبى الشيخ.\n(*) بعده في الأصل: \"تم السفر بحمد الله\". وبذلك ينتهى الجزء الثالث والثلاثون من مخطوطة خزانة القرويين (الأصل).","vol":"12","page":649},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-4370>تفسيُر السورةِ التى يُذكَرُ فيها يوسفُ ﷺ</span>-\n\n<span id=\"aya-1597\"></span><span data-type='title' id=toc-4371>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ </span>(١)﴾.\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحمةُ اللهِ عليه: قد ذكَرنا اختلافَ أهلِ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ (^١)، والقولَ الذي نختارُه في تأويلِ ذلك فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه هاهنا (^٢).\nوأما قولُه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: تلك آياتُ الكتابِ [المُبين؛ بيَّن] (^٣) حلالَه وحرامَه، ورُشْدَه وهُدَاه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا الوليدُ بنُ سَلَمَةَ الفِلَسطينيُّ، قال: أخبرَني عبدُ الوهابِ بنُ مجاهدٍ، عن أبيه فى قولِ اللهِ تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ قال: بَيَّن (^٤) حلالَه وحرامَه (^٥).\n_________\n(^١) بعده في م: \"المبين\".\n(^٢) تقدم في ١٢/ ١٠٥، ١٠٦.\n(^٣) زيادة من: م.\n(^٤) في ف: يبين.\n(^٥) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ٤/ ٣ إلى المصنف.","vol":"13","page":5},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: إى واللهِ، لمبينٌ بركتَه (^١)، هُدَاه ورُشْدَه (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. قال بَيَّنَ اللهُ رُشْدَه وهُدَاهُ (^٣).\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا الوليدُ بنُ سَلَمةَ، قال: ثني ثورُ بنُ يزيدَ، عن خالدِ بنِ مَعْدانَ، عن معاذٍ أنه قال في قولِ اللهِ ﷿: ﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. قال: بَيَّن الحروفَ التي سقَطت عن ألسنِ الأعاجمِ، وهى ستةُ أحرفٍ (^٤).\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يقالَ: معناه: هذه آياتُ الكتابِ المبينِ، لمَن تَلَاه، وتَدَبَّرَ ما فيه، مِن حلالِه وحرامِه ونهيِه، وسائرِ ما حَواه مِن صنوفِ معانيه؛ لأن اللهَ، جل ثناؤُه، أخبرَ أنه مبينٌ، ولم يخصَّ إبانتَه (^٥) عن بعضِ ما فيه دونَ جميعِه، فذلك على جميعِه، إذ كان جميعُه مبينًا عما فيه.\n\n<span id=\"aya-1598\"></span><span data-type='title' id=toc-4372>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ </span>(٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: إنا أنزلنا هذا الكتاب المبين قرآنًا عربيًّا على العربِ؛ لأن لسانَهم وكلامَهم عربيٌّ، فأنْزلنا هذا الكتاب بلسانِهم، ليَعْقِلوه ويفْقَهوا منه، وذلك\n_________\n(^١) فى م: \"تركيبه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٠٩٩، ٨/ ٢٧٤٨ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣ إلى ابن المنذر.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٧.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣ إلى المصنف.\n(^٥) فى ت ١، ت ٢، س، ف: \"آياته\".","vol":"13","page":6},{"text":"قولُه ﷿: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1599\"></span><span data-type='title' id=toc-4373>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ </span>(٣)﴾.\nيقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾، يا محمدُ، ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، بوَحْيِنا إليك هذا القرآنَ، فنُخْبِرُك فيه عن الأخبارِ الماضيةِ، وأنباءِ الأمم السالفةِ، والكُتُبِ التي أنزَلناها في العصورِ الخاليةِ، ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن كنتَ يا محمدُ، مِن قبلِ أن نوحيَه إليك، ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ عن ذلك لا تعلمُه ولا شيئًا منه، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، من الكتبِ الماضيةِ، وأمورِ اللهِ السالفةِ في الأممِ، ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (^١).\nوذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ، لمسألةِ أصحابِه إياه أن يقصَّ عليهم.\nذكرُ [الروايةِ بذلك] (^٢)\nحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ، قال: ثنا حَكَّامٌ الرازيُّ، عن أيوبَ، عن عمرٍو المُلائيِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قالوا: يا رسولَ اللهِ، لو قصصتَ علينا؟ قال: فنزَلت ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٠٠ (١١٣٢٦) من طريق سعيد به.\n(^٢) في ص: \"من قال الرواية بذلك\"، وفى ت ٢: \"من قال ذلك\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٩٥ عن المصنف.","vol":"13","page":7},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أيوبَ بنِ سيّارٍ أبي عبدِ الرحمنِ، عن عمرِو بنِ قيسٍ، قال: قالوا: يا نبيَّ اللهِ، فذكَر مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن المسعوديِّ، عن عونِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: مَلَّ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ، مَلَّةً، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، حَدِّثنا. فأنزَل اللهُ ﷿: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، ثم مَلُّوا مَلَّةً أخرى، فقالوا: يا رسول اللهِ حدِّثْنا فوقَ الحديثِ، و[دونَ القرآنِ. يعنون القصصَ] (^١)، فأنزَل اللهُ: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾. فأرادوا الحديثَ، فدلَّهم على أحسنِ الحديثِ، وأرادوا القصصَ، فدلَّهم على أحسنِ القصصِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سعيدٍ العطارُ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: أخبرَنا خلَّادٌ الصَّفَّارُ، عن عمرِو بنِ قيسٍ، [عن عمرِو بنِ مرةَ] (^٣)، عن مصعبِ بنِ سعدٍ، عن سعدٍ، قال: أُنزِل على النبيِّ ﷺ القرآنُ. قال: فتَلَاه عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، لو قَصَصْتَ علينا؟ فأنزَل اللهُ: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ إلى قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الآية. قال: ثم تَلَاه عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسولَ اللهِ لو حدَّثْتَنا؟ فأنزَل اللهُ تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"دون القصص. يعنون القصص\". وفى الحلية: \"دون القصص قال وكيع: يعنون القرآن\". وينظر فضائل القرآن، وجامع بيان العلم وفضله.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٤/ ٢٤٨ من طريق وكيع به، وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٢ من طريق المسعودى به. وينظر جامع بيان العلم وفضله (١٩١٤).\n(^٣) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٢٣٢.","vol":"13","page":8},{"text":"قال خَلَّادٌ: [وزَاد فيه رجلٌ] (^١) آخرُ: قالوا: يا رسولَ اللهِ لو (^٢). . . .؟ -قال أبو يحيى: ذَهَبَت مِن كتابي كلمةٌ- فأنزل اللهُ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ (^٣) [الحديد: ١٦].\n\n<span id=\"aya-1600\"></span><span data-type='title' id=toc-4374>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ </span>(٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وإن كنتَ، يا محمدُ (^٤)، لمِن الغافِلين عن نبأ يوسفَ بنِ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، إذ قال لأبيه يعقوبَ بنِ إسحاقَ: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾. يقولُ: إني رأيتُ في مَنامي أحدَ عَشَرَ كوكبًا.\nوقيل: إن رؤيا الأنبياءِ كانت وحيًا.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ\n_________\n(^١) فى م: \"زادوا فيه رجلا\".\n(^٢) في النسخ: \"أو\". وواضح أنه تصحيف. وهذه النقاط التي بعدها إشارة إلى مكان الكلمة التي قال أبو يحيى محمد بن سعيد العطار أنها ذاهبة من كتابه، وهذه الكلمة -كما فى المطالب وعند ابن حبان وأبى يعلى- هي: \"ذكرتنا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢٠٩٩ (١١٣٢٣) من طريق محمد بن سعيد العطار به، وأخرجه إسحاق بن راهويه -كما في المطالب (٤٠١٣) - ومن طريقه ابن حبان (٦٢٠٩)، والحاكم ٢/ ٣٤٥، والواحدى فى أسباب النزول ص ٢٠٣ وابن مردويه -كما في المطالب (٤٠١٤) - وأبو يعلى (٧٤٠)، والبزار (١١٥٢، ١١٥٣) من طريق عمرو بن محمد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) بعده في س: \"من قبله\".","vol":"13","page":9},{"text":"وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾. قال: كانت رؤيا الأنبياءِ وحيًا (^١).\nوحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن سفيانَ، عن سِماكٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾. قال: كانت الرؤيا فيهم وحيًا.\nوذُكِرَ أن الأحدَ العشَرَ الكوكبَ التي رآها فى منامه ساجدةً مع الشمسِ والقمرِ، ما حدَّثنى عليُّ بن سعيدٍ الكنديُّ، قال: ثنا الحكمُ بنُ ظُهَيرٍ، عن السديِّ، عن عبد الرحمنِ بنِ سابطٍ، عن جابرٍ، قال: أتَى النبيَّ ﷺ رجلٌ من يهودَ يقالُ له: بستانةُ اليهوديُّ، فقال له: يا محمدُ، أخبِرْني عن الكواكبِ التي رآها يوسفُ ساجدةً له، ما أسماؤُها؟ قال: فسَكَت رسولُ اللهِ ﷺ، فلم يُجِبْه بشيءٍ، ونَزَل عليه جبريلُ، وأخبَره بأسمائِها، قال: فبَعَثَ رسولُ اللهِ ﷺ إليه: فقال: \"هَلْ أَنْتَ مؤمنٌ إن أخبَرتُك بأسمائها؟ \" قال: نعم. فقال: \"حرثانُ (^٢)، والطارقُ، والذيالُ، وذو الكنفانِ (^٣) وقابسٌ، ووثابٌ (^٤) وعمودان، والفيلقُ (^٥)، والمصبحُ، والصروحُ (^٦)، وذو الفرعِ، والضياءُ، والنُّورُ (^٧) \". فقال اليهوديُّ: واللهِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٤٦٣)، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٠١ (١١٣٢٨) من طريق أبي أحمد به: وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٣١، والطبراني (١٢٣٠٢) من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) في م، وتفسير ابن أبي حاتم: \"جربان\". ووقع اختلاف كبير في بعض أسماء هذه الكواكب فيما رجعنا إليه من مصادر، وأثبتنا ما تواترت عليه نسخنا.\n(^٣) في م، وتفسير ابن أبي حاتم: \"الكتفين\". وفى غالب مصادر التخريج: \"الكنفات\". وورد في بعضها: \"الكفقان\" و\"الكتفان\". وينظر المستدرك ٤/ ٣٩٦.\n(^٤) في ص، س: \"وبان\"، وفى ت ١، ف: \"وبان\"، وفي ت ٢: \"ويان\".\n(^٥) فى م: \"الفليق\". وأما مصادر التخريج فبعضها فيه: \"الفيلق\"، وبعضها فيه: \"الفليق\".\n(^٦) فى م، والدلائل: \"الضروح\".\n(^٧) بعده عند العقيلي: \"يعنى أباه وأمه\". يريد الضياء والنور؛ الشمس والقمر.","vol":"13","page":10},{"text":"إنها لأسماؤها (^١).\nوقولُه: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾. يقولُ: والشمسَ والقمرَ رأيتُهم فى منامى سجودًا.\nوقال: ﴿سَاجِدِينَ﴾ والكواكبُ والشمسُ والقمرُ، إنما يُخْبَرُ عنها بـ \"فاعلةٍ\" و\"فاعلاتٍ\" لا بالواوِ والنونِ؛ إنما هي (^٢) علامةُ جمعِ أسماءِ ذكورِ بنى آدمَ، أو الجنِّ أو الملائكةِ. وإنما قيل ذلك كذلك؛ لأن السجودَ مِن أفعالِ مَن يُجمعُ أسماءُ ذكورِهم بالياءِ والنونِ، أو الواوِ والنونِ، فأخرَج جمعَ أسمائِها مخرجَ جمعِ أسماءِ مَن يفعلُ ذلك، كما قيل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨].\nوقال: ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾. وقد قيل: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾. فكَرَّر الفعلَ، وذلك على لغةِ مَن قال: كَلَّمتُ أخاك كَلَّمتُه. توكيدًا للفعلِ بالتكريرِ.\nوقد قيل: إن الكواكبَ الأحدَ عشَرَ كانت إخوتَه، والشمسَ والقمرَ أبويه.\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٢٢٢٠ - كشف) من طريق على بن سعيد به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١١١ - تفسير) - ومن طريقه العقيلى ١/ ٢٥٩، والبيهقى فى الدلائل ٦/ ٢٧٧، وابن الجوزي في الموضوعات ١/ ١٤٥، ١٤٦، وأبو يعلى (كما في المطالب ٨/ ٥٩٨)، وابن حبان في المجروحين ١/ ٢٥٠، ٢٥١ - وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٠١ (١١٣٣٢) من طريق الحكم بن ظهير به. والحكم متروك، وقد تفرد بهذا الحديث، وأما رواية الحاكم لهذا الحديث ٤/ ٣٩٦ من طريق عمرو بن حماد عن أسباط عن السدى، فينظر تعليق العلامة المعلمى على الفوائد المجموعة ص ٤٦٤.\nوقد أخرجه السهمى فى تاريخ جرجان ص ٢٠٢، ٢٥٧ من طريق إبراهيم بن الحكم بن ظهير عن السدى به. وليس بشيء أيضا، فإبراهيم كذاب.\n(^٢) أى الواو والنون.","vol":"13","page":11},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾: إخوتَه أحدَ عَشَرَ كوكبًا، ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، يعنى بذلك أبويه (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن السديِّ في قولِه: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ الآية. قال: رأى أبويه (^٢) وإخوتَه سجودًا له. فإذا قيل له: عمن؟ قال: إن كان حقًّا، فإن ابنَ عباسٍ فسَّره (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾. قال: الكواكبُ إخوتُه، والشمسُ والقمرُ أبواه (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾: إخوتَه، والشَّمسُ أمُّه، والقمرُ أبوه (^٥).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: قال سفيانُ: كان أبويه وإخوتَه (^٦).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٩٨.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"أبواه\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٤ إلى المصنف.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"أبويه\". والأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤ إلى أبى الشيخ.\n(^٥) ذكره البغوى فى تفسيره ٤/ ٢١٣.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٩٨. وهو في تفسير سفيان ص ١٣٧ عقب قول مجاهد: أبوه وإخوته وخالته. قال سفيان: وكان غيره يقول: أبوه وإخوته وخالته.","vol":"13","page":12},{"text":"سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ في (^١) قولِه: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾: هم إخوةُ يوسفَ، ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: هما أبواه (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ الآية. قال: أبَواه وإخوتُه. قال: فبغاه (^٣) إخوتُه، وكانوا أنبياءَ. فقالوا: ما رَضِيَ أن يَسْجُدَ له إخوتُه حتى سجَد له أبواه، حينَ بلَغَهم (^٤).\nورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنه قال: الكواكبُ إخوتُه، والشمسُ والقمرُ أبوه وخالتُه، من وجهٍ غيرِ محمودٍ، فكرِهتُ ذكرَه.\n\n<span id=\"aya-1601\"></span><span data-type='title' id=toc-4375>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾.</span>\nيقولُ جلّ ذكره: ﴿قَالَ﴾ يعقوبُ لابنه يوسفَ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾ هذه ﴿عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ فيَحْسُدوك ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾. يقولُ: فيَبْغوك (^٥) الغَوائلَ، ويُناصِبوك (^٦) العداوةَ، ويُطِيعوا فيك الشيطانَ، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. يقولُ: إن الشيطانَ لآدمَ وبَنِيه عدوٌّ، قد أبان لهم عداوتَه وأظهرَها. يقولُ: فاحذرِ الشيطانَ أن يُغْرِىَ إخوتَك بك، بالحسدِ منهم لك، إن أنت قَصَصتَ عليهم رؤياك. وإنما قال يعقوبُ ذلك له (^٧)؛ لأنه قد كان تبيَّن من\n_________\n(^١) ليست في م، ت ٢، ص، س، ف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٢٩٨.\n(^٣) في ص: \"ىىعاه\"، وفى س، م: \"فنعاه\". وبدون نقط فى ت ١، ف. وينظر مصدر التخريج.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١٠١ (١١٣٣٠) من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٥) فى ت ١، ت ٢: \"فيبغون\".\n(^٦) فى ت ١، ت ٢: \"يناصبون\".\n(^٧) سقط من: م.","vol":"13","page":13},{"text":"إخوتِه له قبلَ ذلك حسدًا (^١).\nكما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدِ العَنْقَزِيُّ، عن أسباطَ، عن السديِّ، قال: نزَل يعقوبُ الشامَ، فكان همُّه يوسفَ وأخاه (^٢)، فحسَدَه إخوتُه لمَّا رَأَوا حبَّ أبيه له، ورأى يوسفُ فى المنامِ كأن أحدَ عشَرَ كوكبًا والشمسَ والقمرَ رآهم (^٣) له ساجدين، فحدَّث أباه بها، فقال: ﴿يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ الآية (^٤).\nواختَلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ دخولِ \"اللامِ\" في قولِه: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾.\nفقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معناه: فيَتَّخِذوا لك كيدًا، وليست مثل ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]، تلك أراد (^٥) أن يوصَلَ الفعلُ إليها باللامِ، كما يوصلُ بالباءِ (^٦)، كما تقولُ: قَدَّمتُ له طعامًا. تريدُ: قَدَّمتُ إليه. وقال: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ [يوسف: ٤٨]. ومثلُه قولُه: ﴿قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥]. قال: وإن شئتَ كان ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ في معنى: فيَكِيدوك (^٧)، وتَجعَلُ \"اللامَ\" مثلَ ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]. وقد قال:\n_________\n(^١) في م: \"حسده\".\n(^٢) في ت ١: \"أخواه\".\n(^٣) فى ت ٢: \"رأيتهم لى\"، وفى س: \"يراهم\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٢١ عن الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي عن أبيه به، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٠٢ (١١٣٣٣) من طريق أسباط به، كلاهما ضمن أثر طويل.\n(^٥) في ص، م: \"أرادوا\".\n(^٦) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"بالياء\".\n(^٧) في ت ١، ت ٢: \"فيكيدون\".","vol":"13","page":14},{"text":"﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾. إنما هو بمكان: ربَّهم يَرْهَبون.\nوقال بعضُهم: أدخلت \"اللامُ\" فى ذلك، كما تدخلُ في قولِهم: حَمِدتُ لك، وحَمِدتُك وشَكَرتُ لك، وشَكَرتُك. وقال: هذه \"لامٌ\" جلبها (^١) الفعلُ، فكذلك قولُه: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ تقولُ: فيَكِيدوك، ويَكيدوا لك، فيَقْصِدوك، ويَقْصِدوا لك. قال: وكيدًا توكيدٌ.\n\n<span id=\"aya-1602\"></span><span data-type='title' id=toc-4376>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ يعقوبَ لابنِه يوسفَ، لمَّا قصَّ عليه رؤياه: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾: وهكذا يَجْتَبِيك ربُّك. يقولُ: كما أراك ربُّك الكواكبَ والشمسَ والقمرَ لك سجودًا، فكذلك يَصْطَفِيك ربُّك، كما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو العَنْقَزِيُّ، عن أبى بكرٍ الهُذَليِّ، عن عكرمةَ: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾. قال: يَصْطَفِيك.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: فاجْتَباه واصْطَفاه وعَلَّمه مِن عِبَرِ الأحاديثِ، وهو تأويلُ الأحاديثِ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. يقولُ: ويُعَلِّمُك ربُّكَ مِن علمِ ما يَئولُ إليه أحاديثُ الناسِ، عما يَرَونه فى منامِهم، وذلك تعبيرُ الرؤيا.\n_________\n(^١) فى النسخ: \"عليها\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١٠٣ (١١٣٣٧) من طريق سعيد به نحوه.","vol":"13","page":15},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. قال: عبارةُ الرؤيا (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. قال: تأويلُ الكلامِ؛ العلمُ والحُكْمُ (^٢)، وكان يوسفُ أعبرَ الناسِ. وقرأ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (^٣) [يوسف: ٢٢].\nوقولُه: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾: باجْتبائِه إياك واختيارِه وتعليمِه إياك تأويلَ الأحاديثِ، ﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾. يقولُ: وعلى أهلِ دينِ يعقوبَ وملتِه، من ذريتِه وغيرِهم، ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ باتخاذِه هذا خليلًا وتَنْجيتِه مِن النارِ، وفديتِه هذا بذبحٍ عظيمٍ.\nكالذي حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: أخبرَنا أبو إسحاقَ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾. قال: فنعمتُه على إبراهيمَ أن نجَّاه من النارِ، وعلى إسحاقَ أن نَجَّاه مِن الذَّبْحِ (^٤).\nوقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بمواضعِ الفضلِ، ومَن هو أهلٌ للاجتباءِ والنعمةِ، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيرِه خلقَه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٨٢، وابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١٠٣ (١١٣٣٩) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٤ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: الكلام، وفى م، والدر المنثور: \"الحلم\". وأثبتناه كما في مصدر التخريج، وهو مقتضى السياق بعده.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١٠٣ (١١٣٤١) من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٤ إلى المصنف وقال أكثر المفسرين: الذبيح هو إسماعيل، والقول بأنه إسحاق، قول مرجوح. وينظر ما سيأتى فى سورة الصافات الآية ١٠٧.","vol":"13","page":16},{"text":"<span id=\"aya-1603\"></span><span data-type='title' id=toc-4377>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ الأحَدَ عشَرَ ﴿آيَاتٌ﴾. يعني: عِبَرٌ وذِكْرٌ ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾. يعنى: السائلين عن أخبارِهم وقصصِهم. وإنما أرادَ جلّ ثناؤُه بذلك نبيَّه محمدًا ﷺ؛ وذلك أنه يقالُ: إن اللهَ ﵎ إنما أنزَل هذه السورةَ على نبيِّه، يُعْلِمُه فيها ما لقى يوسفُ مِن أدانيه (^١) وإخوتِه من الحسدِ، مع تكرمةِ اللهِ إياه، تسليةً له بذلك مما يَلْقَى مِن أدانيه (^١) وأقاربِه من مشركي قريشٍ. كذلك كان ابنُ إسحاقَ يقولُ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: إِنما قَصَّ اللهُ ﵎ على محمدٍ خبرَ يوسفَ، وبَغْىِ إخوتِه عليه وحسدِهم إياه، حينَ ذَكَرَ رؤْياه، لِمَا رأى رسولُ اللهِ ﷺ مِن بَغْيِ قومِه وحسدِه، حينَ أكرَمه اللهُ ﷿ بنبوّتِه؛ ليأْتَسىَ به (^٢).\nواختَلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ (^٣)؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ ﴿آيَاتٌ﴾، على الجِماعِ.\nورُوِى عن مجاهدٍ وابنِ كثيرٍ أنهما قرآ ذلك على التوحيدِ.\nوالذى هو أولى القراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن قرأ ذلك على الجماعِ (^٤)،\n_________\n(^١) فى م، س: \"إذايته\"، وفى ف: \"إذايه\". والأدانى: الأقارب. وبينهما دناوة أى قرابة. والدناوة القرابة والقربى. يقال: ما تزداد منا إلا قربًا ودناوة. اللسان (د ن و).\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٤ إلى المصنف.\n(^٣) قرأ بالجمع نافع وعاصم وحمزة وأبو عمرو وابن عامر والكسائي، وقرأ بالإفراد شبل وأهل مكة. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٤٤، والبحر المحيط ٥/ ٢٨٢.\n(^٤) قراءة ابن كثير متواترة، فالقراءتان -الجمع والتوحيد- كلتاهما صواب.","vol":"13","page":17},{"text":"لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه.\n\n<span id=\"aya-1604\"></span><span data-type='title' id=toc-4378>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لقد كان فى يوسفَ وإخوتِه آياتٌ لمن سأل عن شأنِهم، حينَ قال (^١) إخوةُ يوسفَ: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ مِن أُمِّه ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾. يقولون: ونحن جماعةٌ ذوو عددٍ، أحدَ عشَرَ رجلًا.\nوالعصبةُ مِن الناسِ، هم عشرةٌ فصاعدًا، قيل: إلى خمسةَ عشرَ (^٢)، ليس لها واحدٌ مِن لفظِها، كالنَّفَرِ والرهطِ.\n﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يعنون: إن أبانا يعقوبَ لفي خطإٍ مِن فعلِه، في إيثارِه يوسفَ وأخاه من أمِّه علينا بالمحبةِ. ويعنى بالمبينِ: أنه خطأٌ يُبِينُ عن نفسِه أنه خطأٌ لمن تأمَّله ونَظَر إليه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ العَنْقَزِيُّ، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾. قال: يعنون بنيامينَ. قال: وكانوا عشرةً (^٣).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قالوا\".\n(^٢) بعده فى م: \"فصاعدا عشر\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١٠٤، ٢١٠٥ (١١٣٤٨، ١١٣٥١) مفرقًا من طريق أسباط به.","vol":"13","page":18},{"text":"قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسباط، [عن السديِّ] (^١): ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. قال: في ضلالٍ مِن أمرِنا (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ، في قولِه: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾. قال: العصبةُ الجماعةُ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1605\"></span><span data-type='title' id=toc-4379>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)﴾.</span>\nيقولُ جلّ ثناؤُه: قال إخوةُ يوسفَ بعضُهم لبعضٍ: اقتُلوا يوسفَ أو اطرَحوه في أرضٍ مِن الأرضِ -يعنون مكانًا من الأرضِ- ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾. يعنون: يَخْلُ لكم وجهُ أبيكم مِن شغلِه بيوسفَ، فإنه قد شغَله عنا، [وصرَف وجهَه عنا] (^٤) إليه، ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾. يعنون أنهم يتوبون من قتلِهم يوسفَ، وذنبِهم الذى يَرْكَبونه فيه، فيكونون بتوبتِهم مِن قتلِه، مِن بعدِ هلاكِ يوسفَ، قومًا صالحين.\nوبنحوِ الذي قلنا ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٠٥ (١١٣٥٥) من طريق أسباط به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٠٥ (١١٣٥٤) من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد.\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"13","page":19},{"text":"صَالِحِينَ (٩)﴾، قال: تَتوبون مما صَنَعتم. أو: من صنيعِكم (^١).\n\n<span id=\"aya-1606\"></span><span data-type='title' id=toc-4380>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال قائلٌ مِن إخوةِ يوسفَ: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾.\nوقيل: إن قائلَ ذلك روبيلُ، كان ابنَ خالةِ يوسفَ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾: ذُكِرَ لنا أنه روبيلُ، كان أكبرَ القومِ، وهو ابنُ خالةِ يوسفَ، فنَهاهم عن قتلِه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾. قال: ذُكِرَ لى -واللهُ أعلمُ- أن الذي قال ذلك منهم روبيلُ الأكبرُ، مِن بنى يعقوبَ، وكان أقصدَهم فيه رأيًا (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾. قال: كان أكبرَ إخوتِه، وكان ابنَ خالةِ يوسفَ، فنَهاهم عن قتلِه (^٤).\nوقيل: كان قائلُ ذلك منهم شمعونَ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٠٥ (١١٣٥٦) من طريق أسباط به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٠٦ (١١٣٥٧) من طريق سعيد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١٠٦ (١١٣٦٠) من طريق سلمة به مطولًا.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٨ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"13","page":20},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن سفيانَ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، في قولِه: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾. قال: هو شمعونُ (^١).\nوقولُه: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾. يقولُ: وأَلْقُوه في قعرِ الجبِّ، حيث يغيبُ خبرُه.\nواختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ (غيَاباتِ الجُبّ)، على الجماعِ (^٢)، وقرأ ذلك عامةُ قرأة سائرِ الأمصارِ ﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾، بتوحيدِ الغَيابةِ. وقراءةُ ذلك بالتوحيدِ أحبُّ إليَّ، والجُبُّ بئرٌ.\nوقيل: إنه اسمُ بئر ببيتِ المقدسِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾. قال: بئرٌ ببيتِ المقدسِ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٠٦ (١١٣٥٩) من طريق سفيان عن رجل عن مجاهد. قال ابن أبي حاتم: قال أبي: وفى كتاب غيرى: عن ابن جريج عن مجاهد\n(^٢) وهى قراءة نافع، وقرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو وابن عامر والكسائي وابن كثير بالإفراد. التيسير ص ١٠٤.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٠٧ (١١٣٦٣) من طريق محمد بن عبد الأعلى به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٨ إلى أبي الشيخ.","vol":"13","page":21},{"text":"ءقتادةَ في قولِه: ﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾. قال: بئرٌ ببيتِ المقدسِ (^١).\nوالغَيابةُ: كلُّ شيءٍ غَيَّبَ شيئًا فهو غَيابةٌ، والجُبُّ البئرُ غيرُ المطويةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾: في بعضِ نواحِيها، في أسفلِها (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾. يقولُ: فى بعضِ نواحيها (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾. قال: قالها كبيرُهم الذي تخلَّفَ. قال: والجُبُّ بئرٌ بالشامِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾. يعنى الرَّكِيَّةَ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١٠٧ (١١٣٦٢) من طريق سعيد به.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٨ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١٠٦ (١١٣٦١) عن محمد بن سعد به.","vol":"13","page":22},{"text":"سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ: الجُبُّ البئرُ.\nوقولُه: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾. يقولُ: يأخُذْه بعضُ مارَّةِ الطريقِ من المسافرين، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم فاعلين ما أقولُ لكم. فذُكِر أنه التقَطَه بعضُ الأعرابِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾. قال: التقطه ناسٌ مِن الأعرابِ.\nوذُكِرَ عن الحسنِ البصريِّ أنه قرأ (تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) بالتاءِ (^١)، حدَّثنى بذلك (^٢) أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن هارونَ، عن مطرٍ الورَّاقِ، عن الحسنِ (^٣).\nوكأن الحسنَ ذهَب فى تأنيثِه ﴿بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ إلى أن فعلَ بعضِها فعلُها. والعربُ تفعلُ ذلك في خبرٍ كان عن مضافٍ (^٤) إلى مؤنثٍ، يكونُ الخبرُ عن بعضِه خبرًا عن جميعِه. وذلك كقولِ الشاعرِ (^٥):\nأَرَى مَرَّ السِّنِينَ أَخَذْنَ مِنِّي … كما أخَذ السِّرارُ مِن الهلالِ\nفقال: أَخَذْنَ منى، وقد ابتدأ الخبرَ عن المرِّ (^٦)، إذ كان الخبرُ عن المَرِّ خبرًا عن السنينَ، وكما قال الآخرُ (^٧):\n_________\n(^١) قرأ الحسن ومجاهد وقتادة وأبو رجاء: (تلتقطه) بتاء التأنيث، أنَّث على المعنى. البحر المحيط ٥/ ٢٨٤.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٩ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) فى م: \"المضاف\".\n(^٥) تقدم تخريجه في ٥/ ٦٥٨.\n(^٦) فى م: \"المراد\".\n(^٧) معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٧.","vol":"13","page":23},{"text":"إذا ماتَ منهم سيدٌ قامَ سَيِّدٌ … فَدَانَت له أهلُ القُرَى والكنائِسِ\nفقال: دانَت له، والخبرُ عن أهلِ القرى؛ لأن الخبرَ عنهم كالخبرِ عن القرى، ومَن قال ذلك لم يقلْ: فَدَانت له غلامُ هندٍ. لأن الغلامَ لو أُلْقِى من الكلامِ، لم تدلَّ هندٌ عليه، كما يدلُّ الخبرُ عن القريةِ على أهلِها، وذلك أنه لو قيل: فَدَانت له القرى. كان معلومًا أنه خبرٌ عن أهلِها، وكذلك ﴿بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾، لو أُلْقِى البعضُ، فقيل: تَلْتَقِطْه (^١) السيارةُ. عُلِمَ أنه خبرٌ عن البعضِ أو الكلِّ، [ودلَّ] (^٢) عليه الخبرُ عن السيارةِ.\n\n<span id=\"aya-1607\"></span><span data-type='title' id=toc-4381>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال إخوةُ يوسفَ إذ تآمَروا بينَهم، وأجمَعوا على الفُرْقَةِ بينَه وبينَ والدِه يعقوبَ لوالدِهم يعقوبَ: ﴿يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ فتتركَه معنا إذا نحن خَرَجْنا خارجَ المدينةِ إلى الصحراءِ؟! ونَحْنُ لَه نَاصِحُونَ، نحوطُه ونكلؤُه.\n\n<span id=\"aya-1608\"></span><span data-type='title' id=toc-4382><span data-type='title' id=toc-4383>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا [يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ] (^٣) وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢)﴾.</span></span>\nواختَلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ (يَرْتَعِ ويَلْعَبْ) بكسرِ العينِ مِن (يرتعِ)، وبالياءِ في (يَرْتَعِ ويَلْعَبْ) (^٤)، على معنى:\n_________\n(^١) فى ت ١، ت ٢، س، ف: \"يلتقطه\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"فدل\".\n(^٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س: \"نرتع ونلعب\".\n(^٤) وهى قراءة نافع. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٤٥.","vol":"13","page":24},{"text":"يفتعلُ، من الرعى: ارتعيتُ فأنا أرتَعِى، كأنهم وَجَّهوا معنى الكلامِ إلى: أرسِلْه معنا غدًا يرتعِ الإبلَ ويلعبْ، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.\nوقرأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾. بالياءِ في الحرفين جميعًا، وتسكينِ العينِ (^١)، من قولِهم: رتَع فلانٌ في مالِه. إذا لَهَا فيه ونَعِمَ، وأنفَقَه فى شهواتِه. ومن ذلك قولُهم فى مَثَلٍ مِن الأمثالِ: القَيْدُ والرَّتَعَةُ (^٢). ومنه قولُ القطاميِّ (^٣):\nأكفْرًا بعد ردِّ الموتِ عَنِّى … وبعدَ عَطَائِك المائةَ الرِّتَاعَا\nوقرأ بعضُ أهلِ البصرةِ: (نَرْتَعْ)، بالنونِ (وَنَلْعَبْ)، بالنونِ فيهما جميعًا، وسكونِ \"العينِ\" من (نَرْتَعْ) (^٤).\nحدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: كان أبو عمرٍو يقرأُ: (نَرْتَعْ وَنَلْعَبْ) بالنونِ. قال: فقلتُ لأبي عمرٍو: كيف يقولون: (نلعب) وهم أنبياءُ؟ قال: لم يكونوا يومئذٍ أنبياءَ (^٥).\nوأولى القراءاتِ (^٦) فى ذلك عندى بالصواب، قراءةُ مَن قرَأه في الحرفين كليهما بالياء، وبجزمِ العينِ في ﴿يَرْتَعْ﴾ (^٧)؛ لأن القومَ إنما سألوا أباهم إرسالَ يوسفَ معهم، وخَدَعوه بالخبرِ عن مسألتِهم إياه ذلك، عما ليوسفَ في إرسالِه معهم\n_________\n(^١) وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٤٦.\n(^٢) الفاخر للمفضل بن سلمة ص ٢٠٨، ٢٠٩.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١/ ١١٤.\n(^٤) وهى قراءة أبي عمرو وابن عامر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٤٦.\n(^٥) ذكره النحاس في معانى القرآن ٣/ ٤٠١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٩ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٦) في م: \"القراءة\".\n(^٧) القراءات كلها صواب.","vol":"13","page":25},{"text":"من الفرحِ والسرورِ والنشاطِ بخروجِه إلى الصحراءِ وفُسْحتِها ولَعِبه هنالك، لا بالخبرِ عن أنفسِهم، وبذلك أيضًا جاء تأويلُ أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنا عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا [يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ] (^١)﴾. يقولُ: يسعى (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ [﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾] (^٣). قال: يَلْهو ويَنْشَطُ ويسعى (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا [يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ] (^٥)﴾. يقولُ (^٦): [ينشطُ ويلهو] (^٧).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ بنحوِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، س: \"نرتع ونلعب\". وفى ت ١: \"نرتع ويلعب\"، ولم نجد ما يشير إلى أن ابن عباس قرأه بالنون غير ما في الدر المنثور. ينظر الأثر التالى.\n(^٢) فى م: \"يسع\".\n(^٣) في ت ٢: \"نرتع ونلعب\".\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٥) في ص، ت ٢، س: \"نرتع ونلعب\". وذكر أبو حيان فى البحر ٥/ ٢٨٥ أن قتادة ومجاهد وابن محيصن قرءوا \"نرتع\" بنون مضمومة. ولكن سوق المصنف لهذا الأثر ههنا يقتضى أن قتادة قرأ بالنون.\n(^٦) فى م: \"قال\".\n(^٧) فى ص: \"ىىط ونلهو\".","vol":"13","page":26},{"text":"قتادة: [﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾] (^١). قال: يسعى ويلهو (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ قوله: [﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾] (^٣). قال: يتلهَّى ويلعبُ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: [﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾] (^٤). قال: يتلهَّى ويلعبُ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: [﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾] (^٤). قال: ينشطُ ويلعبُ (^٥).\nقال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا [يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ] (^٣)﴾: [هو (^٦).\nقال: ثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن شيباَن، عن قتادةَ: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا [يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ] (^٧)﴾. قال: ينشطُ ويلعبُ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا نعيمُ بنُ ضَمْضَمٍ العامريُّ، قال: سمعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحمٍ فى قولِه: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا [يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ] (٣)﴾ قال: يسعى وينشطُ.\n_________\n(^١) فى ت ٢، ف: \"نرتع ونلعب\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١٠٨ (١١٣٧١) من طريق محمد بن عبد الأعلى.\n(^٣) في ت ٢، س: \"نرتع ونلعب\".\n(^٤) في ت ٢: \"نرتع ونلعب\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٠١.\n(^٦) فى م: \"يلهو\". والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٩ إلى المصنف.\n(^٧) سقط من: ت ١.","vol":"13","page":27},{"text":"وكأن الذين يقرءون ذلك (يَرْتعِ وَيَلْعَبْ) بكسرِ \"العينِ\" مِن ﴿يَرْتَعْ﴾، يتأوَّلونه على الوجهِ الذى حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعِ ويَلْعَبْ). قال: يرعى غنمَه، وينظرُ ويعقلُ، فيعرفُ ما يعرفُ الرجلُ (^١).\nوكان مجاهدٌ يقولُ فى ذلك بما حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: (نَرْتَعِ): يحفظُ بعضُنا بعضًا، نتكالأُ، نتحارسُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: (نَرْتَعِ). قال: يحفظُ بعضُنا بعضًا؛ نتكالأُ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ.\nوحدَّثني المثنى قال: ثنا إسحاقُ، [قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ] (^٣)، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ بنحوِه (^٤).\nفتأويلُ الكلامِ: أرسِلْه معنا غدًا نلهو ونلعبُ [ونَنْعَمُ] (^٥)، وننشطُ في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٠٨ (١١٣٧٢) من طريق أصبغ عن ابن زيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٩٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٩ إلى ابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ت ١.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٠٧ (١١٣٦٩) من طريق عن ابن جريج عن مجاهد.\n(^٥) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"13","page":28},{"text":"الصحراءِ، ونحن حافِظوه من أن ينالَه شيءٌ يكرهُه أو يُؤْذِيه.\n\n<span id=\"aya-1609\"></span><span data-type='title' id=toc-4384>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿قَالَ﴾ يعقوبُ لهم: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ معكم إلى الصحراءِ؛ مخافةً عليه من الذئبِ أن يَأْكُلَه، ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ لا تَشْعُرون به.\n\n<span id=\"aya-1610\"></span><span data-type='title' id=toc-4385>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال إخوةُ يوسفَ لوالدِهم يعقوبَ: لئن أكل يوسُفَ الذئبُ في الصحراءِ، ونحن أحدَ عشَرَ رجلًا معه نَحْفَظُه، وهم العُصْبةُ، ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾. يقول: إنا إذن لعجزةٌ هالكون.\n\n<span id=\"aya-1611\"></span><span data-type='title' id=toc-4386>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾.</span>\nوفى الكلامِ متروكٌ حُذِف ذكرُه اكتفاءً بما ظهَر عما تُرِك، وهو: \"فَأَرْسَلَه معهم\"، ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾. يقولُ: وأُجْمِع رأيُهم، وعزَموا على أن يَجْعَلُوه في غيابةِ الجُبِّ، كما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسباطَ، عن السديِّ قولَه: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ الآية. قال: قال: لن أُرْسِلَه معكم، إنى أَخافُ أن يَأْكُلَه الذئبُ وأنتم عنه غافِلون. ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾. فأَرْسَلَه معهم، فأخْرَجوه وبه عليهم كَرامةٌ؛ فلما برَزوا به إلى البَرِّيَّةِ، أظْهَروا له العَداوةَ، وجعَل أخوه يَضْرِبُه،","vol":"13","page":29},{"text":"فيَسْتَغِيثُ بالآخرِ فيَضْرِبُه، فجعَل لا يَرَى منهم رحيمًا، فضرَبوه حتى كادوا يَقْتُلونه، فجعَل يَصِيحُ ويقول: يا أبتاه، يا يعقوبُ، لو تَعْلَمُ ما صنَع بابنِك بنو الإماءِ. فلما كادوا يَقْتُلونه قال يَهُوذَا: أليس قد أعْطَيْتُمُونِي مَوْثِقًا أَلَّا تَقْتُلوه؟ فانْطَلَقوا به إلى الجُبِّ ليَطْرَحوه، فجعَلوا يُدْلُونه فى البئرِ، فيَتَعَلَّقُ بشَفيرِ البئرِ، فربَطوا يديه، ونزَعوا قميصَه، فقال: يا إخْوتاه، رُدُّوا عليَّ قميصى، أَتَوارَى به في الجُبِّ. فقالوا: ادعُ الشمسَ والقمرَ والأحدَ عشرَ كوكبًا تُؤْنِسْك. قال: إني لم أَرَ شيئًا، فدلَّوْه فى البئرِ، حتى إذا بلَغ نصفَها، ألْقَوْه إرادةَ أن يَموتَ، وكان في البئرِ ماءٌ، فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرةٍ فيها، فقام عليها، قال: فلما أَلْقَوْه في البئرِ جعَل يبكي، فنادَوْه، فظنَّ أنها رحمةٌ أَدْرَكَتهم، فلبَّاهم، فأرادوا أن يَرْضَخوه بصخرةٍ فيَقْتُلوه، فقام يَهُوذَا فمنَعَهم، وقال: قد أعْطَيْتُمونى موْثِقًا ألا تَقْتُلُوه. وكان يَهوذا يَأْتِيه بالطعامِ (^١).\nوقولُه: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾. فأُدْخِلَت الواوُ في الجوابِ، كما قال امرُؤُ القيسِ (^٢):\nفلمَّا أَجَزْنا ساحةَ الحيِّ وانْتَحَى … بنا بَطْنُ [خبْتٍ ذي قفافٍ] (^٣) عَقَنْقَلِ\nفأَدْخَل الواوَ في جوابِ لما، وإنما الكلامُ: فلمَّا أجَزْنا ساحةَ الحَيِّ انْتَحَى بنا، وكذلك: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾. لأن قولَه: ﴿وَأَجْمَعُوا﴾ هو الجوابُ.\n_________\n(^١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٣٣٢ بنفس الإسناد، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٠٨، ٢١٠٩ (١١٣٧٥، ١١٣٧٦) من طريق أسباط به.\n(^٢) ديوانه ص ١٥.\n(^٣) في م: \"خبت ذى حقاف\"، وفى الديوان: \"حقف ذى ركام\". والخبت: ما اطمأن من الأرض واتسع. والقفاف جمع قُف والقُفُّ: ما ارتفع من الأرض وغلظ ولم يبلغ أن يكون جبلا. والعقنقل، كسفرجل: الوادى العظيم المتسع. التاج (خ ب ت، ق ف ف، ع ق ل)","vol":"13","page":30},{"text":"وقولُه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ﴾. يقولُ: وأَوْحَيْنا إلى يوسُفَ: لتُخْبِرَنَّ إخوتَك ﴿بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾. يقولُ: بفعلِهم هذا الذي فعَلوه بك ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: وهم لا يَعْلَمون، ولا يَدْرُون.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى المعنى الذي عناه اللهُ ﷿ بقولِه: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، فقال بعضُهم: عُنِى بذلك: أن اللهَ أَوْحَى إِلى يُوسُفَ أَن يُوسُفَ سَيُنْبِيءُ إخوتَه بفعلِهم به ما فعَلوه، من إلقائِه فى الجبِّ، وبيعِهم إياه، وسائرِ ما صنَعوا به مِن صَنيعِهم، وإخوتُه لا يَشْعُرون بوحْيِ اللهِ إليه بذلك (^١).\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ إلى يوسُفَ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾. قال: أَوْحَيْنَا إلى يوسُفَ لَتُنَبِّئَنَّ إخوتَك (^٣).\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال: أوْحى إلى يوسُفَ وهو فى الجبِّ أنْ سيُنَبِّئُهم بما صنَعوا به (^٤)، وهم لا يَشْعُرون\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"كله\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٠٩ (١١٣٧٧) من طريق أبي عاصم به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٠٩ (١١٣٧٨) من طريق أبي حذيفة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) زيادة من: ت ١.","vol":"13","page":31},{"text":"بذلك الوحيِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾. قال: إلى يوسُفَ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: وأوْحَيْنا إلى يوسُفَ بما إخوتُه صانعون به، وإخوتُه لا يَشْعُرون بإعلامِ اللهِ إِيَّاه بذلك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بما أطْلَع اللهُ عليه يوسُفَ مِن أمرِهم، وهو في البئرِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا (^٢)﴾. قال: أَوْحَى اللهُ إلى يوسُفَ، وهو في الجبِّ أن يُنَبِّئَهم بما صنَعوا به ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بذلك الوحيِ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخْبرَنا ابنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه، إلا أنه قال: أن سيُنبِّئُهم (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أن يوسُفَ سيُنبِّئُهم بصَنيعِهم به، وهم لا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١٠٩ (١١٣٧٩) من طريق سعيد به.\n(^٢) بعده في م: \"وهم لا يشعرون\".\n(^٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٣٣٢، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٣١٨ عن معمر به.\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"ستنبئهم\". والأثر أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩ إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"13","page":32},{"text":"يَشْعُرون أنه يوسُفُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قولَه: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. [يقولُ: وهم لا يَشْعُرون] (^١) أنه يوسُفُ (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا صَدَقةُ بنُ عُبادةَ الأَسَديُّ، عن أبيه، قال: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: لما دخَل إخوةُ يوسفَ، فعرَفهم وهم له مُنْكِرون، قال: جِيء بالصُّوَاعِ، فوضَعه على يدِه، ثم نقَره، فطنَّ، فقال: إنه لَيُخْبِرُني هذا الجامُ أنه كان لكم أخٌ من أبيكم، يقال له: يوسُفُ. يُدْنِيه دونَكم، وأنكم انْطَلَقْتُم به، فأَلْقَيْتُموه في غَيابةِ الجبِّ. قال: ثم نقَره، فطنَّ. فأتَيْتُم أباكم فقلتم: إن الذئبَ أكلَه. وجئتُم على قميصِه بدَمٍ كذِبٍ. قال: فقال بعضُهم لبعضٍ: إن هذا الجامَ لَيُخْبِرُه بخبرِكم. قال ابنُ عباسٍ: فلا نَرَى هذه الآية نزَلَت إلا فيهم ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1612\"></span><span data-type='title' id=toc-4387>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: وجاء إخوةُ يوسُفَ أباهم بعدَما أَلْقَوْا يُوسُفَ فِي غَيابَةِ الجبِّ\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) ذكره المصنف في تاريخه ١/ ٣٣٣ عن ابن جريج بلا إسناد، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٩ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٢ (١١٧٢٩) من طريق صدقة به.","vol":"13","page":33},{"text":"عشاءً يَبْكون.\n\n<span id=\"aya-1613\"></span>وقيل: إن معنى قولِه: ﴿نَسْتَبِقُ﴾: نَنْتَضِلُ مِن السباقِ، كما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: أقْبَلوا إلى أبيهم عِشاءً يَبْكون، فلمَّا سمِع أصواتَهم فزِع، وقال: مالكم يا بَنِيَّ؟ هل أصابكم في غنمِكم شيءٌ؟ قالوا: لا. قال: فما فعَل يوسُفُ؟ ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾. فبكَى الشيخُ، وصاح بأعلى صوتِه، وقال: أين القميصُ؟ فجاءوه بالقميصِ عليه دمٌ كذِبٌ، فأخَذ القميصَ، فطرَحه على وجهِه، ثم بكَى، حتى تخَضَّب وجهُه مِنْ دمِ القميصِ (^١).\nوقولُه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾. يقولون: وما أنت بمُصَدِّقِنا على قِيلِنا: إن يوسُفَ أكَلَه الذئبُ ولو كنا صادقين.\nكما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ قال: بمُصَدِّقٍ لنا.\n[فإن قال لنا قائلٌ: كيف قيل: ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾، وقد علِمتَ أن قولَه: ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾] (^٢) إما خبرٌ عنهم أنهم غيرُ صادقين، فذلك تكذيبٌ منهم أنفسَهم، أو خبرٌ منهم عن أبيهم أنه لا يُصَدِّقُهم لو صدَقوه، فقد علِمْتَ أنهم لو صدَقوا أباهم الخبرَ صدَّقهم؟\nقيل: ليس معنى ذلك بواحدٍ منهما، وإنما معنى ذلك: وما أنت بمصدِّقٍ لنا ولو كنا مِن أهلِ الصدقِ الذين لا يُتَّهَمون، لسوء ظنِّك بنا، وتُهَمَتِك لنا.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١١٠ (١١٣٨٧) من طريق أسباط به.\n(^٢) زيادة يستقيم بها السياق.","vol":"13","page":34},{"text":"<span id=\"aya-1614\"></span><span data-type='title' id=toc-4388>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. وسمَّاه اللهُ كذبًا؛ لأن الذين جاءوا بالقميصِ وهو فيه كذَبوا، فقالوا ليعقوبَ: هو دمُ يوسُفَ، ولم يَكُنْ دمَه، وإنما كان دمَ سَخْلَةٍ فيما قيل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الصَّمَدِ الأنصاريُّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن شبلٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾، قال: دمِ سَخْلَةٍ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: دمِ سَخْلةٍ، شاةٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: دمِ سَخْلةٍ، يعني: شاةً.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: دمِ سَخْلةٍ، شاةٍ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: كان ذلك الدمُ كذبًا، لم يَكُنْ دمَ يوسفَ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٩٣، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ١١١ عقب الأثر (١١٣٩١).","vol":"13","page":35},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: دمِ سَخْلةٍ، شاةٍ.\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: بدمِ سَخْلةٍ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديِّ، قال: ذبحوا جَديًا من الغنم، ثم لطَّخوا القميص بدمه، ثم أقْبَلوا إلى أبيهم، فقال يعقوب: إن كان هذا الذئب لرحيمًا، كيف أكل لحمَه، ولم يَخْرِقْ قميصه؟ يا بُنَيَّ، يا يوسُفَ، ما فعل بك بنو الإماءِ (^٢).\nحدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان الثوريُّ، عن سماك بن حربٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: لو أكله السَّبُع لخَرَّق القميص.\nحدَّثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا أبو خالد، قال: ثنا سفيان بإسنادِه، عن ابن عباسٍ مثلَه، إلا أنه قال: لو أكله الذئبُ لخرَّق القميص.\nحدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن سماكٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: لو كان الذئبُ أكله لخرَّقه (^٣).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٨، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١١١ (١١٣٩١) عن الحسن بن يحيى به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١١١ (١١٣٩٤) من طريق أسباط به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١١١ (١١٣٩٠) من طريق أبى أحمد به، وفيه: السبع بدلًا من الذئب. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٠ إلى الفريابي وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"13","page":36},{"text":"حدَّثني عبيدُ الله بن أبي زِيادٍ، قال: ثنا عثمان بن عمرٍو، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسن، قال: جِيء بقميص يوسُفَ إلى يعقوبَ، فجعَل يَنْظُرُ إِليه، فيَرَى أثر الدم، ولا يَرَى فيه خَرْقًا، قال: يا بَنِيَّ، ما كنتُ أَعْهَدُ الذئبَ حليمًا؟\nحدَّثنا أحمد بن عبد الصمد الأنصارىُّ، قال: ثنا أبو عامرٍ (^١) العَقَدىُّ، عن قُرَّةَ، قال: سمِعْتُ الحسن يقولُ: لما جاءوا بقميص يوسفَ، فلم يَرَ يعقوبُ شَقًّا، قال: يا بَنِيَّ، واللهِ ما عهِدتُ الذئب حليمًا!\nحدَّثنا محمد بن المُثنَّى، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسْعَدةَ، عن عِمْرانَ بنِ مسلمٍ، عن الحسن، قال: لما جاء إخوة يوسف بقميصه إلى أبيهم، قال: جعَل يُقَلِّبُه، فيقولُ: ما عهِدْتُ الذئب حليمًا، أكل ابنى، وأبقى على قميصِه (^٢)!\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: لما أَتَوْا نبيَّ الله يعقوبَ بقميصه، قال: ما أَرَى أَثرَ سَبُعٍ ولا طَعْنٍ ولا خَرْقٍ (^٣).\nحدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾: الدمُ كذبٌ، لم يَكُنْ دمَ يوسُفَ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أَخْبَرنا مُجالِدٌ، عن الشعبيِّ، قال: ذبحوا جَدْيًا، ولطَّخوه مِن دمه، فلمَّا نظَر يعقوبُ إلى القميصِ\n_________\n(^١) في النسخ: \"عاصم\". وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٣٦٤، ٢٣/ ٥٧٧.\n(^٢) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ١٠ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٠ إلى المصنف.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٨ عن معمر به.","vol":"13","page":37},{"text":"صحيحًا، عرف أن القومَ كذبوه، فقال لهم: إن كان هذا الذئب لحليمًا، حيث رحم القميص، ولم يَرْحَم ابنى! فعرف أنهم قد كذبوه (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن سماكٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: لما أُتى يعقوب بقميص يوسُفَ، فلم ير فيه خرقًا، قال: كذَبْتُم، لو أكَلَه السَّبُعُ لخَرَّق قميصه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا إسحاق الأزرقُ ويَعْلَى، عن زكريا، عن سماكٍ، عن عامرٍ، قال: كان فى قميص يوسُفَ ثلاثُ آياتٍ، حين جاءوا على قميصه بدمٍ كذب. قال: وقال يعقوب: لو أكَلَه الذئبُ لخَرَّق قميصه (^٢).\nحدَّثنا [الحسن بن محمدٍ] (^٣)، قال: ثنا محمد، قال: ثنا زكريا، عن سماك، عن عامر أنه كان يقولُ: فى قميص يوسُفَ ثلاث آياتٍ؛ حين أُلْقِي على وجه أبيه فارْتَدَّ بصيرًا، وحين قُدَّ مِن دُبُرٍ، وحين جاءوا على قميصه بدم كذبٍ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عامر، قال: كان في قميص يوسُفَ ثلاث آياتٍ؛ الشَّقُّ، والدمُ، وأَلْقاه على وجه أبيه فارْتَدَّ بصيرًا (^٥).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسن، قال: لما جيء بقميص يوسُفَ إلى يعقوب، فرأى الدم، ولم يَرَ الشَّقَّ، قال: ما عهدتُ الذئب حليمًا!\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٠ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١١١ (١١٣٩٢) من طريق سماك به.\n(^٣) في ت ١: \"الحسين بن يحيى\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٦ (١١٩٥٤) من طريق زكريا به.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٣١٨ عن إسرائيل به.","vol":"13","page":38},{"text":"قال: ثنا حمادُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا قُرةُ، عن الحسن بمثله.\nفإن قال قائلٌ: كيف قيل: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ وقد علِمْتَ أنه كان دمًا لا شكَّ فيه، وإن لم يَكُنْ كان دمَ يوسُفَ؟ قيل: فى ذلك من القول وجهان؛ أحدهما: أن يكون قيل: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾؛ لأنه كُذِب فيه، كما يقالُ: الليلةَ الهلالُ. وكما قيل: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]. وذلك قولٌ كان بعضُ نحويى البصرة يقولُه.\nوالوجه الآخرُ: وهو أن يقال: هو مصدرٌ بمعنى مفعولٍ، وتأويلُه: وجاءوا على قميصه بدمٍ مكذوبٍ، كما يقالُ: ماله عقلٌ ولا معقولٌ، ولا له جَلَدٌ، ولا مجْلودٌ. والعربُ تَفْعَلُ ذلك كثيرًا، تَضَعُ مفعولًا في موضع المصدر، والمصدرَ في موضعِ مفعولٍ، كما قال الراعي (^١):\nحتى إذا لم يَتْرُكوا لعِظامِه … لحمًا ولا لفؤادِه مَعقولا\nوذلك كان يقولُه بعضُ نحويى الكوفة.\nوقولُه: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾. يقول تعالى ذكره: قال يعقوب لبنيه الذين أخْبَروه أن الذئب أكَل يوسُفَ، مكذِّبًا لهم في خبرهم ذلك: ما الأمرُ كما تقولون: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾. يقولُ: بل زيَّنت لكم أنفسكم أمرًا في يوسُفَ وحسَّنَته، ففَعَلْتُموه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾. قال: يقولُ: بل زَيَّنَت لكم أنفسكم أمرًا (^٢).\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢١٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٤ (١١٨٧٠) من طريق سعيد به.","vol":"13","page":39},{"text":"وقولُه: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. يقولُ: فصبرى (^١) على ما فعلتُم بي في أمرِ يوسُفَ صبرٌ جميلٌ، أو فهو صبرٌ جميلٌ.\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. يقول: واللهَ أَسْتَعِينُ على كفايتي شرَّ ما تَصِفون من الكذب.\nوقيل: إن الصبر الجميل هو الصبرُ الذي لا جَزَعَ فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نميرٍ، عن وَرْقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. قال: ليس فيه جَزَعٌ (^٢).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيان، عن مجاهدٍ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: في غيرِ جَزَعٍ.\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nقال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن عبد الرحمن بن يحيى، عن\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فصبر\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٩٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١١٢ (١١٣٩٨).","vol":"13","page":40},{"text":"حِبَّانَ بنِ أَبي جَبَلةَ، قال: سُئل رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، قال: \"صبرٌ لا شَكْوَى فيه\". قال: مَن بَثَّ فلم يَصْبِرْ (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عبد الرحمن ابنُ يحيى، عن حِبَّانَ بن أبي جَبَلَةَ، أن النبىَّ ﷺ سُئل عن قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. قال: \"صبرٌ لا شكوى فيه\".\nقال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: ليس فيه جَزَعٌ.\nحدَّثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. قال: في غيرِ جَزَعٍ (^٢).\nحدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا الثوريُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أَخْبَرنا الثوريُّ، عن بعض أصحابه، قال: يقالُ: ثلاثٌ من الصبر؛ ألَّا تُحَدِّثَ بوجعك ولا بمصيبتِك (^٣). ولا تُزَكِّى نفسَك (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الصبر ٨٣ (١١٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١١٢ (١١٣٩٧) من طريق هشيم به، بدون زيادة: من بث فلم يصبر، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٠ إلى ابن المنذر. وينظر تفسير القرطبي ٩/ ٢٤٧.\n(^٢) تفسير الثورى ص ١٣٨، وعنه عبد الرزاق فى تفسيره ص ١٣٨.\n(^٣) في ت ١: \"بمعصيتك\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣١٩.","vol":"13","page":41},{"text":"قال: أخبرنا الثورىُّ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، أن يعقوب النبيَّ ﷺ كان قد سقط حاجباه، فكان يَرْفَعُهما بخرقةٍ، فقيل له: ما هذا؟ قال: طول الزمانِ، وكثرة الأحزان. فأوحى الله ﵎ إليه: يا يعقوب أتشكُوني؟ قال: يا ربِّ، خطيئةً أخطَأْتُها، فاغْفِرْها لي (^١).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾، أي: على ما تكذبون (^٢).\n\n<span id=\"aya-1615\"></span><span data-type='title' id=toc-4389>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى (^٣) هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وجاءت مارَّةُ الطريقِ مِن المسافرين ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾، وهو الذي يَرِدُ المَنْهَلَ والمَنْزِلَ، ووُرودُه إياه مصيره إليه ودخولُه، ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾. يقولُ: أَرْسَل دَلْوَه فى البئرِ. يقالُ: أَدْلَيْتُ الدلو في البئرِ، إِذا أَرْسَلْتَها فيها (^٤)، فإذا اسْتَقَيْتَ فيها (^٥) قلتَ: دَلَوْتُ أَدْلُو دَلْوًا.\nوفى الكلام محذوفٌ اسْتُغْنى بدَلالة ما ذُكر عليه فتُرِك، وذلك: فأَدْلى دلْوَه، فتعلَّق به يُوسُفُ فخرج، فقال المُدْلى: يا بُشْرَى (^٦) هذا غلامٌ.\n_________\n(^١) سيأتى تخريجه في ص ٣٠٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١١٢ (١١٤٠٠) من طريق سعيد به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"بشراى\"، وهي قراءة، وستأتى.\n(^٤) فى م: \"فيه\".\n(^٥) في ص: \"منها\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"بشراي\".","vol":"13","page":42},{"text":"وبالذي قلنا في ذلك جاءت الأخبارُ عن أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدىِّ: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾: فتعلَّق يوسُفُ بالحبل فخرج، فلمَّا رآه صاحب الحبل نادى رجلًا من أصحابه يقال له: بُشْرَى: ﴿يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ (^١).\nحدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾: فتشَبَّث الغلامُ بالدَّلْوِ، فلمَّا خرج قال: ﴿يَابُشْرَى (^٢) هَذَا غُلَامٌ﴾ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾. يقالُ: أرْسَلوا رسولَهم، فلمَّا أدْلَى دَلْوَه تَشَبَّث بها الغلامُ قال: ﴿يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ (^٤).\nواختلفوا في معنى قوله: ﴿يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾؛ فقال بعضُهم: ذلك تَبْشِيرٌ من المُدلى دلوه أصحابه في إصابته يوسف بأنه أصاب عبدًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿قَالَ يَابُشْرَى (^٥) هَذَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١١٤ (١١٤١٠) من طريق أسباط به.\n(^٢) فى ت ١، ت ٢، س: \"بشراي\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٠ عن معمر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١١٣ (١١٤٠٨) من طريق سعيد به، بالزيادة في الأثر بعده.\n(^٥) فى ت ١، ت ٢، س: \"بشراي\".","vol":"13","page":43},{"text":"غُلَامٌ﴾: تباشروا به حين أخرجوه، وهى بئرٌ بأرض بيت المقدس معلومٌ مكانُها (^١).\nحدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثور، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿يَابُشْرَى (٧) هَذَا غُلَامٌ﴾. قال: بشَّرَهم واردهم حين وجد يوسُفَ (^٢).\nوقال آخرون: بل ذلك اسم رجل من السيَّارة بعينه ناداه المُدْلِى لمَّا خرج يوسُفُ مِن البئرِ مُتَعَلِّقًا بالحبل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن محمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: ﴿يَابُشْرَى (^٣) هَذَا غُلَامٌ﴾. قال: نادَى رجلًا من أصحابه يقال له: بُشْرَى. فقال: ﴿يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ (٢).\nحدَّثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا خلف بن هشام، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن قيس بن الربيع، عن السدىِّ فى قوله: ﴿يَابُشْرَى (^٤) هَذَا غُلَامٌ﴾. قال: كان اسم صاحبِه بُشْرَى (^٥).\nحدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حمادٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ ظُهَيْرٍ، عن السدىِّ فى قوله: ﴿يَابُشْرَى (^٦) هَذَا غُلَامٌ﴾. قال: اسمُ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣٣.\n(^٢) تتمة الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"بشراي\".\n(^٤) في ص، ت ٢، س: \"بشراي\".\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١١٣ (١١٤٠٩) من طريق يحيى بن آدم به.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"بشراي\".","vol":"13","page":44},{"text":"الغلامِ بُشْرَى. قال: يا بُشْرَى. كما تقولُ: يا زيد (^١).\nواخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءة قوله (^٢) ذلك؛ فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة: (يا بُشْرَىَّ) (^٣). بإثباتِ ياءِ الإضافة، غير أنه أدْغَم الألفَ في الياء طلبًا للكسرة التي تَلْزَمُ ما قبل ياء الإضافة من المتكلم فى قولهم: غلامي وجاريتي. في كلِّ حالٍ، وذلك من لغة طيِّىٍ، كما قال أبو ذُؤَيبٍ (^٤):\nسبقوا هَوَىَّ وأَعْنَقوا لَهَواهُمُ … فتُخُرِّموا ولكلِّ جنبٍ مَصْرَعُ (^٥)\nوقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿يابُشْرَى﴾. بإرسال الياء وترك الإضافة (^٦).\nوإذا قُرِئ ذلك كذلك، احْتَمَل وجهين من التأويل: أحدهما: ما قاله السدىُّ، وهو أن يكونَ اسم رجلٍ دعاه المُسْتَقِى باسمه، كما يقال: يا زيد، ويا عمرُو. فيكونُ \"بُشْرَى\" في موضع رفعٍ بالنداء.\nوالآخرُ: أن يكون أراد إضافةَ البُشْرَى إلى نفسه، فحذف الياء وهو يُرِيدُها، فيكونُ مُفْرَدًا وفيه نيَّةُ الإضافة، كما تَفْعَلُ العرب فى النداء فتقولُ: يا نفسُ اصْبِرى،\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣٤.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"بشراى\". وبإثبات ياء الإضافة وإدغام الألف في الياء قرأ أبو الطفيل والحسن وابن أبي إسحاق والجحدري، وهى قراءة شاذة، وبفتح الياء وإثبات الألف -كما في النسخ الأخرى- قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر، ورواية عن ورش، عن نافع، بسكون الياء. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٤٧، والبحر المحيط ٥/ ٢٩٠.\n(^٤) ديوان الهذليين ١/ ٢.\n(^٥) أعنقوا: تبع بعضهم بعضا، فتخرموا: أخذوا واحدا واحدا، ينظر شرح أشعار الهذليين ١/ ٧.\n(^٦) قرأ بها عاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٣٤٧.","vol":"13","page":45},{"text":"ويا نَفْسِ (^١) اصْبرى، ويا بُنيُّ لا تَفْعَلْ، ويا بُنَيِّ لا تَفْعَلْ. فتُفْرِدُ وتَرْفَعُ وفيه نيةُ الإضافة، وتُضِيفُ أحيانًا فتَكْسِرُ، كما تقولُ: يا غلامُ أَقْبِلْ، ويا غلامِ (^٢) أَقْبِلْ.\nوأعْجَبُ القراءاتِ (^٣) فى ذلك إلىَّ قراءة من قرأه بإرسال الياء وتسكينها؛ لأنه إن كان اسم رجلٍ بعينه، كان معروفًا فيهم، كما قال السدىُّ، فذلك هي القراءة الصحيحة لاشكَّ فيها، وإن كان من التبشير فإنه يَحْتَمِلُ ذلك إِذا قُرِئَ كذلك على ما بيَّنتُ.\nوأما التشديد والإضافة فى الياء فقراءةٌ شاذَّةٌ لا أرى القراءة بها، وإن كانت لغةً معروفةً؛ لإجماع الحُجَّة من القرأة على خلافها.\nوأما قوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾. فإن أهل التأويل اخْتَلَفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: وأسَرَّه الواردُ المُسْتَقِى وأصحابُه من التُّجار الذين كانوا معهم، وقالوا لهم: هو بضاعةٌ اسْتَبْضَعْناها بعضَ أهل مصر؛ لأنهم خافوا إن علموا أنهم اشْتَرَوْه بما اشْتَرَوْه به أن يطلبوا منهم (^٤) فيه الشَّركة.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾. قال: صاحبُ الدَّلْوِ ومن معه قالوا لأصحابهم: إنما اسْتَبْضَعْناه. خِيفةَ أن يَشْرَكوهم فيه إن علموا بثمنه، وتبعهم إخوتُه\n_________\n(^١) في م: \"نفسي\".\n(^٢) في م: \"غلامي\".\n(^٣) فى م: \"القراءة\".\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"منه\".","vol":"13","page":46},{"text":"يقولون للمُدْلِى وأصحابه: اسْتوثِقْ منه لا يَأْبَقْ. حتى وقفوه بمصر، فقال: مَن يبْتاعُنى ويُبَشَّرَ؟ فاشتراه الملِك، والملكُ مُسْلِمٌ (^١).\nحدَّثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوه، غير أنه قال: خِيفةَ أن يَسْتَشْرِكوهم إن علموا به، واتَّبَعَهم إخوته يقولون للمُدْلِى وأصحابه: اسْتوثِقوا منه لا يَأْبَق. حتى أوْقَفوه بمصر. وسائر الحديث مثل حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ.\nقال: وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوه، غير أنه قال: خيفة أن يُشاركوهم فيه إن علموا بثمنه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوه، إلا أنه قال: خيفةَ أن يَسْتَشْرِكوهم فيه إن علموا ثمنه. وقال أيضًا: حتى أوْقَفوه بمصر.\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن محمد، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾. قال: لما اشْتَراه الرجلان فَرِقَا مِن الرُّفْقَةِ أَن يقولوا: اشْتَرَيْناه. فيسألونهم (^٣) الشركة، فقالا: إن سألونا: ما هذا؟ قلنا: بضاعةٌ اسْتَبْضَعْناه أهل الماء.\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣٤.\n(^٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٣٣٤، وهو في تفسير مجاهد ص ٣٩٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١١٤، ٢١١٧ (١١٤١١، ١١٤٣٤)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١١ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في م: \"فيسألوهم\".","vol":"13","page":47},{"text":"فذلك قولُه: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ بينَهم (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وأسَرَّه (^٢) التجارُ بعضُهم من بعض.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾. قال: أسرَّه (^٣) التجارُ بعضُهم من بعض (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ الفضلُ، قال: ثنا سفيان، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾. قال: أَسَرَّه (^٥) التجارُ بعضُهم من بعض.\nوقال آخرون: معنى ذلك: وأَسَرُّوا بيعَه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾. قال: أَسَرُّوا بيعَه (^٦).\nحدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا قيسٌ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣٤ عن ابن وكيع، عن عمرو بن حماد، عن أسباط به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١١٤ (١١٤١٥) من طريق عامر بن الفرات، عن أسباط به.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"أسروه\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، س، ف، وتفسير ابن أبي حاتم: \"أسروه\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١١٤ (١١٤١٢) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١ إلى أبي الشيخ.\n(^٥) في ف: \"أسروه\".\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١١ إلى أبي الشيخ.","vol":"13","page":48},{"text":"﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾. قال: قالوا لأهل الماء: إنما هو بضاعةٌ (^١).\nوقال آخرون: إنما عَنى بقوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾. إخوة يوسفَ أنهم أسَرُّوا شأن يوسُفَ أن يكون أخاهم، قالوا: هو عبدٌ لنا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾. يعنى: إخوة يوسُفَ أَسَرُّوا شأنه، وكتموا أن يكون أخاهم، وكتم يوسُفُ شأنه، مخافة أن يَقْتُلَه إخوته، واختار البيع، فذكره إخوته لوارد القوم، فنادى أصحابه، قال: يا بُشْرَى (^٢)، هذا غلامٌ يُباع. فباعه إخوته (^٣).\nوأولى هذه الأقوال بالصواب قولُ مَن قال: وأسرَّ وارد القوم المُدْلِى دلوه ومن معه من أصحابه مِن رُفقته السيَّارةِ، أمْرَ يوسُفَ أنهم اشْتَرَوْه؛ خيفةً منهم أن يَسْتَشْرِكوهم، وقالوا لهم: هو بضاعةٌ أبْضَعها معنا أهلُ الماءِ. وذلك أنه عَقِبَ (^٤) الخبر عنه، فلأن يكونَ ما وليه من الخبر خبرًا عنه، أشبهُ مِن أن يكون خبرًا عمَّن هو بالخبر عنه غيرُ متَّصِل.\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: والله ذو علمٍ بما يَعْمَلُه باعةُ يوسُفَ ومُشْتَروه في أمره، لا يَخْفَى عليه من ذلك شيءٌ، ولكنه ترك تغيير\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١١٤ (١١٤١٣) من طريق جابر، عن مجاهدٍ بلفظ: استبضعوه أهل الماء، وقد باعوه سرا.\n(^٢) فى ت ١، ت ٢، س، ف: \"بشراي\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١١ إلى المصنف.\n(^٤) في م: \"عقيب\".","vol":"13","page":49},{"text":"ذلك ليُمْضِىَ فيه وفيهم حكمه السابق فى علمه، وليُرِيَ إخوة يوسُفَ ويوسُفَ وأباه قدرته فيه.\nوهذا وإن كان خبرًا مِن الله تعالى ذكره عن يوسُفَ نبيِّه ﷺ، فإنه تذكيرٌ من الله نبيَّه محمدًا ﷺ، وتسليةٌ منه له عما كان يَلْقى من أقربائه وأنسبائه المشركين من الأذى فيه، يقولُ له: فاصْبِرْ يا محمد على ما نالك في الله، فإني قادرٌ على تغيير ما ينالُك به هؤلاء المشركون، كما كنتُ قادرًا على تغيير ما لقِى يُوسفُ مِن إخوته (^١) في حال ما كانوا يَفْعَلون به ما فعلوا، ولم يَكُن ترْكى ذلك لهوانٍ بيوسُفَ (^٢) علىَّ، ولكن لماضى (^٣) علمى فيه وفى إخوته. فكذلك تركي تغيير ما يَنالُك به هؤلاء المشركون لغيرِ هَوانٍ بك علىَّ، ولكن لسابق علمى فيك وفيهم، ثم يَصِيرُ أمرك وأمرهم إلى عُلُوِّك عليهم، وإذعانهم لك، كما صار أمر إخوة يوسف إلى الإذعان ليوسُفَ بالسُّؤْدُدِ عليهم، وعلوِّ يوسف عليهم.\n\n<span id=\"aya-1616\"></span><span data-type='title' id=toc-4390>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿وَشَرَوْهُ﴾ (^٤): وباع إخوة يوسُفَ يوسُفَ.\nفأما إذا أراد الخبر عن أنه ابتاعه، قال: اشْتَرَيْتُه. ومنه قولُ ابنِ مُفَرِّغٍ الحميريِّ (^٥).\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"فكذلك\".\n(^٢) في م: \"يوسف\".\n(^٣) في ف: \"لما مضى\".\n(^٤) بعده فى ص، م، ت ٢، س، ف: \"به\".\n(^٥) تقدم تخريج البيت في ٢/ ٢٤٧.","vol":"13","page":50},{"text":"وشرَيْتُ بُرْدًا ليْتَنى … مِن قَبْلِ بُرْدٍ كنتُ هامَهْ\nيقولُ: بِعْتُ بُرْدًا. وهو عبدٌ كان له.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا إبراهيمُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن مغيرةَ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيم أنه كره الشراء والبيع للبدوىِّ، قال: والعربُ تقول: اشْرِ (^١) لى كذا وكذا. أى: بِعْ لى كذا وكذا. وتلا هذه الآية: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. يقولُ: باعوه، وكان بيعُه حرامًا (^٢).\nحدَّثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: إخوة يوسفَ أحد عشر رجلًا، باعوه حينَ أَخْرَجه المُدْلِى بدَلْوه (^٣).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بمثله.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن وَرْقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"اشتر\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١١ إلى المصنف مختصرًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١١٦ (١١٤٢٧) من طريق شبابة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١١ إلى ابن المنذر.","vol":"13","page":51},{"text":"مجاهدٍ مثله.\nقال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَشَرَوْهُ﴾. قال: قال ابن عباس: فبيع بينهم (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ فى قوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. قال: باعوه (^٢).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ مثله.\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: فباعه إخوته بثمنٍ بخسٍ (١).\nوقال آخرون: بل عنَى بقوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. السيَّارَةَ أنهم باعوا يوسُفَ بثمنٍ بخسٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾: وهم السيارةُ الذين باعوه (^٣).\nوأولى القولين فى ذلك بالصواب قولُ من قال: تأويل ذلك: وشرى (^٤) إخوةُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١١ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٠ عن معمر به.\n(^٤) فى م: \"شروا\".","vol":"13","page":52},{"text":"يوسُفَ يوسفَ بثمنٍ بخسٍ. وذلك أن الله ﷿ قد أَخْبَر عن الذين اشْتَرَوه أنهم أسَرُّوا شراءَ يوسُفَ مِن أصحابهم (^١)؛ خيفةَ أن يَسْتَشْرِكوهم (^٢) بادِّعائهم أنه بضاعةٌ، ولم يقولوا ذلك إلا رغبة فيه أن يَخْلُص لهم دونَهم، واستِرْخاصًا لثمنِه الذى ابْتاعوه به؛ لأنهم ابتاعوه كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. ولو كان مُبتاعوه من إخوتِه فيه من الزاهدين، لم يَكُنْ لقيلهم لرفقائهم: هو بضاعةٌ. معنًى، ولا كان لشرائهم إياه. وهم فيه من الزاهدين وجهٌ، إلا أن يكونوا كانوا مغلوبًا على عقولهم؛ لأنه محالٌ أن يَشْتَرِى صحيحُ العقل ما هو فيه زاهد، من غير إكراه مُكْرِهٍ له عليه، ثم يَكْذِبَ فى أمره الناس بأن يقول: هو بضاعةٌ لم أَشْتَرِه. مع زهده فيه، بل هذا القولُ مِن قولِ مَن هو بسلعتِه (^٣) ضَنينٌ؛ لنفاستها عندَه، ولما يَرْجُو مِن نفيسِ الثمنِ لها وفضلِ الربحِ.\nوأما قوله: ﴿بَخْسٍ﴾. فإنه يعنى: نَقْصٍ. وهو مصدر من قول القائل: بخَسْتُ فلانًا حقَّه -إذا ظلمَه (^٤) فنقصه عما يَجِبُ له مِن الوفاءِ- أَبْخَسُه بَخْسًا. ومنه قوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥]. وإنما أُريد: بثمنٍ مَبْخوسٍ مَنْقوصٍ، فوُضِع البخسُ وهو مصدرٌ، مكان \"مفعولٍ\"، كما قيل: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. وإنما هو: بدمٍ مكذوبٍ فيه.\nواخْتَلَف أهل التأويل فى معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: قيل: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. لأنه كان حرامًا عليهم.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"أصحابه\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"يستشركهم\".\n(^٣) في ص، ت ١، س، ف: \"لسلعته\".\n(^٤) فى م: \"ظلمته يعني ظلمه\".","vol":"13","page":53},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاك: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. قال: البخسُ الحرامُ (^١).\nحدَّثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا على بن عاصم، عن [جويبرٍ، عن الضحاك: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. قال: حرامٍ.\nحُدِّثت عن] (^٢) الحسين بن الفرج، قال: سمعْتُ أَبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمان، قال: سمِعْتُ الضحاك يقولُ: كان ثمنه بخسًا حرامًا، لم يَحِلَّ لهم أن يأكُلوه (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاك في قوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. قال: باعوه بثمنٍ بخسٍ. قال: كان بيعُه حرامًا، وشراؤُه حرامًا (^٤).\nحدَّثنى القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أَخْبَرنا جُويبرٌ، عن الضحاك: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. قال: حرام.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. يقولُ: لم يَحِلَّ لهم أن يَأْكلوا ثمنه (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١١٥ (١١٤٢٢) من طريق جويبر به.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١١٧ (١١٤٣٠) من طريق أبي معاذ به نحوه.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١١ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"13","page":54},{"text":"وقال آخرون: معنى البَخْسِ هاهنا الظلمُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. قال: البخسُ هو الظلم، وكان بَيْعُ يوسُفَ (^١) حرامًا عليهم [بيعُه وثمنُه] (^٢).\nحدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال قتادة: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. قال: ظلمٍ (^٣).\nوقال آخرون: عنى بالبخس فى هذا الموضع القليل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن قيسٍ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: البخسُ القليلُ (^٤).\nحدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا قيسٌ، عن جابرٍ، عن عكرمة مثله (^٥).\n_________\n(^١) بعده في م: \"وثمنه\".\n(^٢) سقط من: م.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١١٦ (١١٤٢٣) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٠ عن معمر به.\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"القليلة\".\nوالأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١١ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١١ إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ، وسيأتى تخريجه عند ابن أبي حاتم مختصرًا في ص ٥٩.","vol":"13","page":55},{"text":"وقد بيَّنا الصحيحَ مِن القولِ فى ذلك.\nوأما قولُه: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. فإنه يعنى ﷿ أنهم باعوه بدراهم غير موزونةٍ، ناقصةٍ غيرِ وافيةٍ، لزهدهم كان فيه.\nوقيل: إنما قيل (^١): ﴿مَعْدُودَةٍ﴾. ليُعْلَمَ بذلك أنها كانت أقلَّ من أربعين درهمًا؛ لأنهم كانوا فى ذلك الزمان لا يزنون ما كان وزنُه أقلَّ من أربعين، لأن أقلَّ أوزانِهم وأصغرَها كان الأوقية، وكان وزنُ الأوقية أربعين درهمًا. قالوا: وإنما دلَّ بقوله: ﴿مَعْدُودَةٍ﴾، على قلة الدراهم التي باعوه بها.\nفقال بعضُهم: كان عشرين درهمًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حميدُ بنُ عبد الرحمن، عن زُهَيْرٍ، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: إن ما اشْتُرِى به يوسُفُ عشرون درهمًا (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. قال: عشرون درهمًا.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن نَوفٍ البكالىِّ فى قوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. قال:\n_________\n(^١) في س: \"قال\".\n(^٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٧٢ من طريق زهير به مطولًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١١ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر والطبراني.","vol":"13","page":56},{"text":"عشرون درهمًا (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوفٍ الشاميِّ (^٢): ﴿بَخْسٍ دَرَاهِمَ﴾. قال: كانت عشرين درهمًا.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن أبي إسحاق، عن نوفٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قوله: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. قال: عشرون درهمًا (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السدىِّ: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. قال: كانت عشرين درهمًا (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ذُكِر لنا أنه بِيع بعشرين درهمًا، ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ مثله (^٥).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن ابن (^٦) إدريس، عن عطية،\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١١ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٢) فى م: \"البكالى\". وهما واحد، وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٦٥.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ، وهو عند ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١١٦ (١١٤٢٤) من طريق مجاهد، عن ابن عباس.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٠٥.\n(^٥) جزء من الأثر المتقدم تخريجه في ص ٥٢.\n(^٦) في النسخ: \"أبي\". والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٢٩٣.","vol":"13","page":57},{"text":"قال: كانت الدراهمُ عشرين درهمًا، اقْتَسَموها درهمين درهمين (^١).\nوقال آخرون: بل كان (^٢) عددُها اثنين وعشرين درهمًا (^٣)، أَخَذ كلُّ واحدٍ مِن إخوة يوسُفَ، وهم أحدَ عشَرَ رجلًا، درهمين درهمين منها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، [قال: ثنا شبابةُ] (^٤)، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. قال: اثنين وعشرين درهمًا (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. قال: اثنان وعشرون درهمًا، لإخوة يوسُفَ أحدَ عَشَرَ رجلًا.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾.\nقال: وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عَن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١١٦ (١١٤٢٥) من طريق ابن إدريس به، وعزاه السيوطي في الدر المنشور ٢/ ١١ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"كانت\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف. وفى م: \"قال ثنا أسباط\"، وتقدم هذا الإسناد في ص ٥١، وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٣٤٣.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٩٣، وتقدم تخريجه بتمامه في ص ٥١.","vol":"13","page":58},{"text":"مجاهدٍ بنحوه.\nوقال آخرون: بل كانت أربعين درهمًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا قيسٌ، عن جابرٍ، عن عكرمة: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. قال: أربعين درهمًا (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: باعوه، ولم يَبْلُغْ ثمنُه الذي باعوه به أُوقيةً، وذلك أن الناس كانوا يتبايعون في ذلك الزمانِ بالأَواقىِّ، فما قصَّر عن الأُوقيَّةِ فهو عددٌ، يقولُ اللهُ: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. أى: لم تَبْلُغ (^٢) الأوقية.\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكرُه أخْبرَ أنهم باعوه بدراهمَ معدودةٍ غير موزونةٍ، ولم يَحُدَّ مبلغَ ذلك بوزنٍ ولا عددٍ، ولا وضَع عليه دلالةً في كتاب، ولا خبر من (^٣) الرسول ﷺ، وقد يَحْتَمِلُ أن يكون كان عشرين، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ كان اثنين وعشرين، وأن يكون كان أربعين، وأقلَّ من ذلك وأكثر، وأىُّ ذلك كان، فإنها كانت معدودةً غير موزونةٍ، وليس في العلم بمبلغ وزنِ ذلك فائدةٌ تَقَعُ فى دينٍ، ولا فى الجهل به دخولُ ضُرٍّ فيه، والإيمانُ بظاهر التنزيل فرضٌ، وما عداه فموضوعٌ عنا تكلُّفُ علمِه.\nوقولُه: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكان إخوةُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١١٦ (١١٤٢٦) من طريق جابر به.\n(^٢) في م: \"يبلغ\".\n(^٣) في ت ١: \"عن\".","vol":"13","page":59},{"text":"يوسُفَ في يوسُفَ من الزاهدين، لا يَعْلَمون كرامته على (^١) اللهِ، ولا يَعْرِفون مَنْزِلَتَه عنده، فهم مع ذلك يُحِبُّون أن يَحولوا بينه وبين والدِه ليَخْلُو لهم وجهُه منه، ويَقْطَعوه عن القرب منه؛ لتكونَ المنافعُ التي كانت مصروفةً إلى يوسُفَ دونَهم مصروفةً إليهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أبي روْقٍ (^٢)، عن جويبرٍ، عن الضحاك: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾. قال: لم يَعْلَموا بنبوَّته ومنزلتِه من الله (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمِعْتُ الضحاك فى قوله: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾: فنزَلَت على الجُبِّ ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾، فاسْتَقَى مِن الماءِ، فاسْتَخْرَج يوسُف، فاسْتَبْشَروا بأنهم أصابوا غلامًا، لا يَعْلَمون علمَه ولا منزلتَه من ربِّه، فزهدوا فيه، فباعوه، وكان بيعُه حرامًا، وباعوه بدراهمَ معدودةٍ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى هُشيمٌ، قال: أَخْبَرنا جُويبرٌ، عن\n_________\n(^١) فى م: \"عند\".\n(^٢) فى النسخ: \"مرزوق\". وتقدم على الصواب.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١١٧ (١١٤٣١) من طريق عمرو بن محمد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ١٠ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"13","page":60},{"text":"الضحاك: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾. قال: إخوتُه زهِدوا [فيه، لم] (^١) يَعْلَموا منزلته من الله ونبوتَه ومكانتَه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: إخوتُه زهِدوا فيه، لم يَعْلَموا منزِلتَه مِن اللهِ.\n\n<span id=\"aya-1617\"></span><span data-type='title' id=toc-4391>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: وقال الذى اشْتَرَى يوسُفَ من بائعه بمصر. وذُكر أن اسمَه قُطْفيرُ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: كان اسمُ الذى اشْتَراه قُطْفيرَ (^٤).\nوقيل: إن اسمَه أطفيرُ بنُ روحيبَ، وهو العزيزُ، وكان على خَزائن مصرَ، وكان الملكُ يومَئذٍ الرَّيَّانَ بنَ الوليدِ، رجلٌ مِن العَمالِيقِ.\nكذا (^٥) حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"فلم\".\n(^٢) في ص، م، ف: \"مكانه\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قطيفين\". وينظر الكامل لابن الأثير ١/ ١٤١.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قطيفين\".\nوالأثر أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١١٧ (١١٤٣٣).\n(^٥) في م: \"كذلك\".\n(^٦) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٣٣٥، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١١٧ (١١٤٣٦) =","vol":"13","page":61},{"text":"وقيل: إن الذي باعه (^١) بمصر كان مالك بن دعرَ (^٢) بن تويب (^٣) بن عفقا (^٤) بن مَدْيان بن إبراهيمَ.\nكذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عن محمدِ بنِ السائب، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ (^٥).\n﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ﴾. واسمُها فيما ذكر ابنُ إسحاق راعيلُ [بنتُ رعائيل] (^٦).\nحدَّثنا بذلك ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق (^٧).\n﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾. يقولُ: أَكْرِمى موضع مُقامه، وذلك حيث يثوى ويُقِيمُ فيه، يقالُ: ثوَى فلانٌ بمكان كذا. إذا أقام فيه.\nوبنحو الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n_________\n= من طريق سلمة به.\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢: \"ذعر\".\n(^٣) فى م، ت ١: \"ثويب\"، وفى ت: \"يوبت\"، وغير منقوطة في ص، س، والمثبت موافق لنسخة من تاريخ المصنف، وفى نسخة منه: \"يوبب\"، وفي نسخة: \"بويب\".\n(^٤) فى م: \"عنقاء\"، وفى ت ١، ت ٢، س، ف: \"عققا\"، وفى تاريخ المصنف: \"عفقان\". والمثبت موافق لما في البداية والنهاية ١/ ٤٦٧.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١١ إلى المصنف وابن إسحاق وأبى الشيخ مطولًا.\n(^٦) فى ص: \"ابنة رعاىىل\"، وفى ت ١: \"ابنة زعائيل\"، وفى ت ٢: \"ابنة رغابيل\"، وفى س، ف: \"ابنة زعابيل\".\n(^٧) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣٦. وهو تمام الأثر السابق.","vol":"13","page":62},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾: منزلته، وهى امرأةُ العزيز (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾. قال: منزلته.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال (^٢): اشتراه الملكُ، والملكُ مسلمٌ (^٣).\nوقولُه: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. ذُكِر أَن مُشْتَرِيَ يوسُفَ قال هذا القول لامرأته حين دفعه إليها؛ لأنه لم يكن له ولدٌ، ولم [يكنْ يَأْتي] (^٤) النساء، فقال لها: أكْرِميه عسى أن يَكْفِينا بعض ما نُعانى مِن أمورنا، إذا فهم الأمورَ التي يُكَلَّفُها وعرَفها، ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. يقولُ: أَو نَتَبَنَّاه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان أطفيرُ فيما ذُكر لى رجلًا لا يأتى النساء، وكانت امرأتُه راعيلُ امرأةً حسناءَ ناعمةً طاعِمةً في مُلكٍ ودُنْيا (^٥).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١١٧ (١١٤٣٧) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٤٧.\n(^٤) في م: \"يأت\".\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣٦.","vol":"13","page":63},{"text":"الأحوص، عن عبدِ اللهِ، قال: أَفْرَسُ الناس ثلاثةُ؛ العزيزُ حينَ تفَرَّس فى يوسُفَ، فقال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. وأبو بكرٍ حين تفَرَّس في عمرَ، والتى قالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (^١) [القصص: ٢٦].\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال:، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: انطُلِق بيوسُفَ إلى مصر، فاشْتراه العزيزُ ملكُ مصرَ، فانطَلَق به إلى بيتِه، فقال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: أفرسُ الناس ثلاثةٌ؛ العزيزُ حينَ قال لامرأتِه: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾. والقومُ فيه زاهدون، وأبو بكرٍ حين تفَرَّس في عمر فاسْتَخْلَفه، والمرأةُ التي قالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ ﷿: وكما أنْقَذْنا يوسُفَ مِن أيدى إخوته وقد همُّوا بقتله، وأَخْرَجْناه مِن الجُبِّ بعدَ أن أُلْقِيَ فيه، فصيَّرْناه إلى الكرامة والمنزلة الرفيعة عند عزيز مصر، كذلك مكَّنَّا له في الأرض\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٥٧٥، والحاكم ٢/ ٣٤٥، ٣٤٦، والخلال في السنة (٣٤٠) من طريق وكيع به، وأخرجه الطبراني (٨٨٢٩)، والبيهقي في الاعتقاد ص ٥٠٦ من طريق محمد بن كثير، عن سفيان به، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١١٨ (١١٤٣٨) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود، به، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٣/ ٢٧٣ من طريق الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١١٣ - تفسير) - ومن طريقه الطبراني (٨٨٣٠) - عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن ناس من أصحاب عبد الله، قالوا: قال عبد الله. فذكره، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١١٧ (١١٤٣٥) من طريق أسباط به.\n(^٣) أخرجه البيهقي في الاعتقاد ص ٥٠٦ من طريق إسرائيل به.","vol":"13","page":64},{"text":"فجعَلْناه على خزائنها.\nوقولُه: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكى نُعَلِّمَ يوسُفَ من عبارةِ الرُّؤْيا مكَّنَّا له في الأرضِ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. قال: عبارةِ الرُّؤْيا (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بمثله (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. قال: تعبير الرُّؤْيا.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامة، عن شِبْلٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (^٣): ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. قال: عبارةِ الرُّؤْيا (^٤).\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ مُسْتَوْلٍ على أمرِ يوسُفَ يَسُوسُه ويُدَبِّرُه ويَحوطُه.\nوالهاءُ فى قوله: ﴿عَلَى أَمْرِهِ﴾. عائدةٌ على يوسُفَ.\nورُوى عن سعيد بن جبيرٍ فى معنى: ﴿غَالِبٌ﴾. ما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿وَاللَّهُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٩٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١١٨ (١١٤٤٠).\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٨٢ عن أبي أسامة به.","vol":"13","page":65},{"text":"غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾. قال: فَعَّالٌ (^١).\nوقولُه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكنَّ أكثرَ (^٢)\nالذين زهِدوا في يوسُفَ فباعوه بثمنٍ خَسيسٍ، والذين صار بينَ أظهرِهم مِن أهلِ مصرَ حينَ بِيع فيهم، لا يَعْلَمون ما اللهُ بيوسُفَ صانعٌ، وإليه يوسُفُ مِن أمرِه صائرٌ.\n\n<span id=\"aya-1618\"></span><span data-type='title' id=toc-4392>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾ يوسُفُ ﴿أَشُدَّهُ﴾. يقولُ: ولمَّا بَلَغَ مُنْتَهى شدتِه وقوتِه فى شبابِه وحَدِّه، وذلك فيما بينَ ثمانيَ عشرةَ سنةً إلى ستين سنةً، وقيل: إلى أربعين سنةً.\nيقالُ منه: مضَت أشُدُّ الرجلِ. أى: شدتُه. وهو جمعٌ مثلُ الأضُرِّ والأُشُرِّ (^٣) لم يُسْمَعْ له بواحدٍ مِن لفظِه، ويَجِبُ فى القياسِ أن يكونَ واحدُه \"شَدٌّ\"، كما واحدُ الأضُرِّ ضَرٌّ، وواحدُ [الأشُرِّ شَرٌّ] (^٤)، كما قال الشاعرُ (^٥):\nهل غيرُ أن كثُر الأشُرُّ (^٦) وأَهْلَكَت … حَرْبُ المُلوكِ أكاثِرَ الأموالِ\nوقال حُميدٌ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١١٨ (١١٤٤١) من طريق عبد العزيز به.\n(^٢) بعده في م: \"الناس\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الأشد\"، وفى م: \"الأسر\". والمثبت هو الصواب كما تقدم في ٩/ ٦٦٣.\n(^٤) في النسخ: \"الأسرسر\".\n(^٥) التبيان ٦/ ١١٧.\n(^٦) في م: \"الأشد\".","vol":"13","page":66},{"text":"وقد أتَى لو تُعْتِبُ العَواذِلُ … بعدَ الأَشُدِّ أربعٌ كَوامِلُ\nوقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الذى (^١) عنَى اللهُ به فى هذا الموضعِ مِن مبلغِ \"الأشُدِّ\"؛ فقال بعضُهم: عُنِى به ثلاثٌ وثلاثون سنةً.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ والحسنُ بنُ محمدٍ، قالا: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: ثلاثًا وثلاثين سنةً (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (^٣).\nحُدِّثْتُ عن علىِّ بنِ الهيثمِ، عن بشرِ بنِ المفضلِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عثمانَ بنِ خُثَيْمٍ (^٤)، عن مجاهدٍ، قال: سمعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: بضعًا وثلاثين سنةً (^٥).\nوقال آخرون: بل عُنِى به عشرون سنةً.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"التى\".\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٣٩، وهو في تفسير مجاهد ص ٥٢٥.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"خيثم\". وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٢٧٩.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥١ (١٦٧٤٤) من طريق عبد الله بن إدريس عن عبد الله بن عثمان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٢٢ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وأبى الشيخ والمحاملى فى أماليه، وسيأتي في تفسير سورة القصص.","vol":"13","page":67},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثْتُ عن علىِّ بنِ المسيبِ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: عشرين سنةً (^١).\nورُوِى عن ابنِ عباسٍ مِن وجهٍ غيرِ مَرْضىٍّ أنه قال: ما بينَ ثمانيَ عشْرةَ سنةً إلى ثلاثين.\nوقد بيَّنْتُ معنى \"الأشُدِّ\".\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللهَ ﷿ أخْبَر أنه آتَى يوسُفَ لمَّا بلَغ أشُدَّه حُكْمًا وعلمًا. والأشُدُّ هو انتهاءُ قوتِه وشبابِه، وجائزٌ أن يكونَ آتاه ذلك وهو ابنُ ثمانيَ عشْرةَ سنةً، وجائزٌ أن يكونَ آتاه وهو ابنُ عشرين سنةً، وجائزٌ أن يكونَ آتاه وهو ابنُ ثلاثٍ وثلاثين سنةً، ولا دلالةَ [له في كتابٍ] (^٢) ولا أثرٍ عن الرسولِ ﷺ ولا في إجماعِ الأمةِ، على أىِّ ذلك كان، وإذ لم يَكُنْ ذلك موجودًا مِن الوجهِ الذى ذكَرْتُ، فالصوابُ أن يقالَ فيه كما قال ﷿ حتى تَثْبُتَ حجةٌ بصحةِ ما قيل في ذلك مِن الوجهِ الذى يَجِبُ التسليمُ له، فيُسَلَّمَ لها حينَئذٍ.\nوقولُه: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أعْطَيْناه حينَئذٍ الفهمَ والعلمَ.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. قال: العقلَ والعلمَ قبل النبوةِ (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢ إلى المصنف.\n(^٢) فى م: \"في كتاب الله\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣٦ عن المثنى به، وسيأتى فى سورة القصص من طريق آخر عن ابن أبي نجيح.","vol":"13","page":68},{"text":"وقولُه: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكما جزَيْتُ يوسُفَ فآتَيْتُه بطاعتِه إياى الحكمَ والعلمَ، ومكَّنْتُه فى الأرضِ، واسْتَنْقَذْتُه مِن أيدى إخوتِه الذين أرادوا قتلَه، كذلك نَجْزِى مَن أَحْسَن فى عملِه فأطاعنى فى أمرى، وانْتَهَى عما نهَيْتُه عنه مِن معاصىَّ.\nوهذا وإن كان مخرجُ ظاهرِه على كلِّ محسنٍ، فإن المرادَ به محمدٌ نبيُّ الله ﷺ يقولُ له ﷿: كما فعَلْتُ هذا بيوسُفَ مِن بعدِ ما لقِى مِن إخوتِه ما لقِى وقاسَى مِن البلاءِ ما قاسَى، فمكَّنْتُه في الأرضِ، ووطَّأْتُ له في البلادِ، فكذلك أَفْعَلُ بك، فأُنَجِّيك مِن مشركي قومِك الذين يَقْصِدونك بالعَداوةِ، وأُمَكِّنُ لك في الأرضِ، وأُوتِيك الحكمَ والعلمَ؛ لأن ذلك جَزائي أهل (^١) الإحسانِ في أَمْرِى ونهيي.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: المُهْتدِين (^٢).\n\n<span id=\"aya-1619\"></span><span data-type='title' id=toc-4393>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وراوَدَت امرأةُ العزيزِ، وهى التي كان يوسفُ في بيتِها، عن نفسِه أن يُواقِعَها.\nكما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ولما بلَغ أَشُدَّه،\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢ إلى المصنف.","vol":"13","page":69},{"text":"راوَدَته التي هو في بيتِها عن نفسِه، امرأةُ العزيزِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾. قال: أحَبَّته (^٢).\nقال: ثني أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قالت: تَعالَهْ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾. يقولُ: وغلَّقَت المرأةُ أبوابَ البيوتِ عليها وعلى يوسُفَ، لما أرادت منه وراوَدَته عليه، بابًا بعدَ بابٍ.\nوقولُه: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾. اختَلَفَت القرَأَةُ في ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرَأَةِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بفتحِ الهاءِ والتاءِ (^٤)، بمعنى: هلمَّ لك، وادْنُ وتقَرَّبْ. كما قال الشاعرُ لعلىِّ بنِ أبى طالبٍ رضوانُ الله عليه (^٥):\nأبلِغْ أميرَ المؤمنـ … ــين أخا العِراقِ إذا أتَيْتَا\nأنّ العِراقَ وأهلَه … عُنُقٌ (^٦) إليك فَهَيْتَ هَيْتَا\nيعني: تعالَ واقْرُبُ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك تأوَّله مَن قرَأه كذلك.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٠ (١١٤٥٩) من طريق سلمة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٠ (١١٤٥٩) من طريق أسباط به.\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ فى تفسيره من طريق المصنف كما في الفتح ٨/ ٣٦٤، وعلقه البخاري في كتاب التفسير قبل حديث (٤٦٩٢).\n(^٤) قرأ بها أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي. ينظر السبعة ص ٣٤٧.\n(^٥) مجاز القرآن ١/ ٣٠٥، والمحتسب ١/ ٣٣٧.\n(^٦) أراد أنهم أقبلوا إليك بجماعتهم، وقيل: هم مائلون إليك ومنتظروك. اللسان (ع ن ق) والبيتان فيه.","vol":"13","page":70},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ المُخَرِّمىُّ، قال: ثنا أبو الجَوَّابِ، قال: ثنا عمارُ بنُ رُزَيقٍ (^١)، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. قال: هلُمَّ لك (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. قال: هلمَّ لك (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ [قولَه: ﴿قَالَتْ] (^٤) هَيْتَ لَكَ﴾. تقولُ (^٥): هلمَّ لك (^٦).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن عاصمِ ابنِ بَهْدَلةَ، عن زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ أنه كان يَقْرِأُ هذا الحرفَ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ نصبًا، أيْ: هلُمَّ لك (^٧).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. قال: تقولُ: هَلُمَّ لك.\nحدَّثني أحمدُ بنُ سُهَيْلٍ الواسطىُّ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ عيسى، قال: ثنا النَّضْرُ بنُ عربيٍّ (^٨) الجَزَرىُّ، عن عِكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. قال: هلُمَّ\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"زريق\"، وغير منقوطة فى ص، وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ١٨٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢١ (١١٤٦٠) من طريق الأعمش، عن أصحابه، عن سعيد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١٢١ (١١٤٦١) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٤) في ص، ت ١، س: \"قالت\"، وفى م، ف: \"قال\".\n(^٥) فى ت ٢، س، ف: \"يقول\"، وغير منقوطة في ص، ت ١.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢١ (١١٤٦٢) معلقا من طريق عطية به. وزاد: بالقبطية.\n(^٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢ إلى المصنف.\n(^٨) فى م: (على). وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٣٩٦.","vol":"13","page":71},{"text":"لك. قال: هي بالحَوْرانيةِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾. قال: كان الحسنُ يقولُ: هَلُمَّ لك.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. يقولُ بعضُهم: هلُمَّ لك (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسْباطَ، عن السدىِّ: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾. قال: هلُمَّ لك، وهى بالقِبْطيةِ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ بنُ عطاءٍ، عن عمرٍو، عن الحسنِ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾، قال: كلمةٌ بالسُّرْيانيةِ، أي: عليك (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. قال: هلمَّ لك.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا خلفُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا محبوبٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. قال: هلمَّ لك.\nقال: ثنا عفَّانُ، قال: ثنا حمادٌ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. أى: هلمَّ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٠٧ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١٨/ ٣٢٠ عن معمر به.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢ إلى المصنف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١٢٢ (١١٤٦٧) من طريق عمرو به، عن الحسن بلفظ: يقول: عليك عليك، أي: دونك حاجتك.","vol":"13","page":72},{"text":"حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا الثوريُّ، قال: بلَغَني في قولِه: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. قال: هلمَّ لك (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ يُوسُفَ، قال: ثنا أبو عُبيدٍ، قال: ثنا علىُّ بنُ عاصمٍ، عن خالدٍ الحَذَّاءِ، عن عِكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قرَأ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. وقال: تَدْعُوه إلى نفسِها (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. قال: لغةٌ عربيةٌ (^٣) تَدْعُوه بها.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: لغةٌ بالعربيةِ تَدْعُوه بها إلى نفسِها.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا شَبابةُ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثل حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو سَواءً (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٥).\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ١٣٩، ١٤٠.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢ إلى المصنف وأبى عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس، وينظر ما تقدم في ص ٦٩.\n(^٣) في ص، ف: \"غريبة\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٩٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢١ (١١٤٦٤) من طريق ابن أبى نجيح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢ إلى أبى الشيخ.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٧/ ٢١٢١ (١١٤٦٣) من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢ إلى أبى الشيخ.","vol":"13","page":73},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن يونُسَ، عن الحسنِ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بفتح الهاءِ والتاءِ، وقال: تقولُ (^١): هلمَّ لك.\nحدَّثني الحارثُ، قال (^٢): قال أبو عبيدٍ (^٣): كان الكِسائيُّ يَحْكِيها -يعنى: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ - قال: وقال: وهى لغةٌ لأهلِ حَوْرانَ وقَعَت إلى الحجازِ، معناها: تعالى. قال: وقال أبو عبيدٍ: سأَلْتُ شيخًا عالمًا من أهل حَوْرانَ، فذكَر أنها لغتُهم يَعْرِفُها (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. قال: تَعالَ (^٥).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾. قال: هلمَّ لك إلىَّ (^٥).\nوقرَأ ذلك جماعةٌ مِن المتقدِّمين: (وقالت هِئْتُ لكَ). بكسرِ الهاءِ وضمِّ التاءِ والهمزِ (^٦)، بمعنى: تهَيَّأْتُ لك، من قولِ القائلِ: هِئْتُ للأمرِ أَهِيءُ هَيْئةً.\nوممَّن رُوِى ذلك عنه ابنُ عباسٍ وأبو عبدِ الرحمنِ السُّلَميُّ وجماعةٌ غيرُهما. حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا الحجّاجُ، عن هارونَ، عن أبانٍ العَطَّارِ، عن قتادةَ، أن ابنِ عباسٍ قرَأها كذلك مكسورةَ الهاءِ مضمومةَ\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، س: \"يقول\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في م، ت ٢: \"عبيدة\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٠٧، والسيوطى في الدر المنثور ٤/ ١٢.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٢ (١١٤٦٨) من طريق سلمة به.\n(^٦) هذه القراءة رواية هشام بن عمار بإسناده عن ابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٣٤٧.","vol":"13","page":74},{"text":"التاءِ. قال أحمدُ: قال أبو عُبيدٍ: لا أَعْلَمُها إلا مهموزةً (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، عن أبانٍ العَطَّارِ، عن عاصمٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميُّ: (هِئْتُ لك). أي: تهَيَّأتُ لكَ.\nقال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ مثلَه (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان عكرمةُ يقولُ: تهَيأْتُ لك.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: (هِئْتُ لك). قال عكرمةُ: تهَيَّأتُ لك.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن عاصمِ بن بَهْدَلةَ، قال: كان أبو وائلٍ يقولُ: (هِئْتُ لك). أي: تَهَيَّأْتُ لك. وكان أبو عمرِو بنُ العَلاءِ والكِسائيُّ يُنكِران هذه القراءةَ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن عليّ بن المغيرةِ، قال: قال أبو عُبيدةَ مَعْمَرُ بنُ المثنَّى: شَهِدْتُ أبا عمرٍو، وسأَله أبو أحمدَ، أو أحمدُ، وكان عالمًا (^٤) بالقرآنِ، عن قولِ من قال: (هِئتُ لكَ). بكسرِ الهاءِ وهمزِ الياءِ، فقال أبو عمرٍو: نَبْسِيٌّ (^٥) - أي: باطلٌ -\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢ إلى المصنف وأبي عبيد وابن أبي حاتم، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢١ (١١٤٦٦) من طريق الضحاك عن ابن عباس.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢١ عقب حديث (١١٤٦٦) معلقا.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٠٧ بالشطر الأخير.\n(^٤) بعده في مجاز القرآن: \"وكان لأَلاءً ثم كبر فقعد في بيته فكان يؤخذ عنه القرءان ويكون مع القضاة فسأله\".\n(^٥) في م، ت ٢، ف: \"ينسى\"، وفى ت ١: \"بييسى\"، وغير منقوطة في ص، س، والمثبت كما في مجاز القرآن.","vol":"13","page":75},{"text":"جعَلَها \"فِلْتُ\" (^١) مِن \"تهَيَّأَت\"، فهذا الخَنْدقُ (^٢)، فاسْتَعْرِضِ العربَ حتى تنتهىَ إلى اليمنِ، هل تَعْرِفُ أحدًا يقولُ: هِئْتُ لك (^٣)؟\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: لم يكنِ الكسائيُّ يَحْكِي: (هِئْتُ لك) عن العربِ.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ: (هِيتَ لك). بكسرِ الهاءِ وتسكينِ الياءِ وفتحِ التاءِ (^٤).\nوقرَأه بعضُ المكِّيين: (هَيْتُ لك). بفتحِ الهاءِ وتسكينِ الياءِ وضمِّ التاءِ (^٥).\nوقرَأه بعضُ البصريِّين، وهو عبدُ اللهِ بنُ أبي (^٦) إسحاقَ: (هَيْتِ لكَ). بفتحِ الهاءِ وكسرِ التاءِ (^٧).\nوقد أنْشَد بعضُ الرُّواةِ بيتًا لطَرَفةَ بن العَبدِ في \"هَيْتُ\" بفتحِ الهاءِ وضمِّ التاءِ، وذلك (^٨):\nليس قومى بالأبْعَدِين إذا ما … قال داعٍ مِن العَشِيرةِ هَيْتُ\nوأولى القِراءاتِ (^٩) في ذلك قراءةُ مَن قرَأه: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ (^١٠) بفتحِ الهاءِ\n_________\n(^١) في النسخ: \"فعلت\"، وفى مجاز القرآن: \"قلت\". والمثبت هو الصواب.\n(^٢) الخندق: هو خندق سابور، في برية الكوفة، حفره سابور بينه وبين العرب خوفا من شرهم. معجم البلدان ٢/ ٤٧٦. وينظر كلام أبي عبيد عليه في مجاز القرآن.\n(^٣) مجاز القرآن ١/ ٣٠٥، ٣٠٦.\n(^٤) قرأ بها نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان. السبعة ص ٣٤٧.\n(^٥) قرأ بها ابن كثير. ينظر المصدر السابق.\n(^٦) سقط من: النسخ، وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٣٠٥.\n(^٧) مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٦٧.\n(^٨) ديوان طرفة ص ١٤٣.\n(^٩) في م: \"القراءة\".\n(^١٠) القراءات المذكورة كلها صواب عدا قراء عبد الله بن أبي إسحاق فهي شاذة.","vol":"13","page":76},{"text":"والتاءِ وتسكينِ الياءِ؛ لأنها اللغةُ المعروفةُ في العربِ دونَ غيرِها، وأنها - فيما ذُكر - قراءةُ رسولِ اللهِ ﷺ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخْبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، قال (^١): قال ابن مسعودٍ: قد سمِعْتُ القَرَأَةَ فسمِعْتُهم مُتقارِبِين، فاقْرَءوا كما عُلِّمْتُم، وإياكم والتَّنطُّعَ والاختلافَ، فإنما هو كقولِ أحدِكم: هلمَّ وتعالَ. ثم قرَأ (^٢) عبدُ اللهِ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. قال (١): فقلتُ: يا أبا عبدِ الرحمنِ، إن ناسًا يَقْرَءُونها: (هيتُ لك). فقال عبدُ اللهِ: [إني أَقْرَؤُها] (^٣) كما عُلِّمْتُ، أَحبُّ إليَّ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، قال: سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ يَقْرَأُ هذه الآيةَ: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾. قال: فقالوا له: ما كنا نَقْرَؤُها إلا: (هيتُ لك). فقال عبدُ اللهِ: إنى أَقْرَؤُها كما عُلِّمْتُ أَحَبُّ إليَّ (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، قال: قال عبدِ اللهِ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. فقال له مسْروقٌ: إن ناسًا يَقْرَءُونها: (هيتُ لك)؟ فقال: دَعُوني، فإني أَقْرَأُ كما أُقْرِئْتُ أَحبُّ إليَّ (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في م: \"قال\".\n(^٣) في تفسير عبد الرزاق وابن أبي حاتم: \"إنى أن أقرأها\"، وفى تفسير الثورى: \"أن أقرأها\".\n(^٤) بعده في تفسير عبد الرزاق وابن أبي حاتم: \"إن\".\n(^٥) تفسير الثورى ص ١٣٩، وتفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٠ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢١ (١١٤٦٥) من طريق الحسن بن يحيى به، وأخرجه أبو داود (٤٠٠٤، ٤٠٠٥)، وأخرجه الطبراني في الكبير (٨٦٨٠، ٨٦٨١)، وابن مردويه - كما في الفتح ٨/ ٣٦٤ - من طريق شيبان وزائدة، عن الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢ إلى أبى الشيخ.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٠٨ عن المصنف.","vol":"13","page":77},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن الأعمشِ، عن شَقِيقٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. بنصبِ الهاءِ والتاءِ وبلا همزٍ (^١).\nوذكَر أبو عُبيدةَ مَعْمَرُ بنُ المَثَنَّى أن العربَ لا تُثَنِّي \"هَيْتَ\" ولا تَجْمَعُ ولا تُؤَنِّثُ، وأنها تُصَوِّرُه في كلِّ حالٍ، وإنما يَتَبَيَّنُ العددُ بما بعدُ، وكذلك التأنيثُ والتذكيرُ. وقال: تقولُ للواحدِ: هَيتَ لك. وللاثنين: هيتَ لكما. وللجمعِ: هَيْتَ لكم. وللنساءِ: هَيْتَ لَكُنّ (^٢).\nوقولُه: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال يوسُفُ إذ دَعَتْه المرأةُ إلى نفسِها، وقالت له: هلمَّ إلى: أعْتَصِمُ باللهِ مِن الذي تدعُونِي (^٣) إليه، وأَسْتَجِيرُ به منه.\nوقولُه: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾. يقولُ: إن صاحبَك وزوجَك سيدى.\nكما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي﴾. قال: سيدى.\nقال: ثنا ابن نُمَيْرٍ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (^٤): ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾. قال: سيدى (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٤٦٩٢) من طريق شعبة به.\n(^٢) ينظر مجاز القرآن ١/ ٣٠٥.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"تدعونني\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ٢، س، ف.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٩٤. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"13","page":78},{"text":"نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ (^٢): ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي﴾. قال: سيدى. يعني زوجَ المرأةِ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي﴾: يعنى (^٣) أطفيرَ. يقولُ (^٤): إنه سيدى (^٥).\nوقولُه: ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾. يقولُ: أَحْسَن مَنْزِلَتى وَأَكْرَمَنى، وائتَمَنَنِي فَلا أَخونُه.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾: أمِنَنِى على بيتِه وأهلِه (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾: فلا أَخونُه في أهلِه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٢ (١١٤٦٩) من طريق شبابة به.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"مثله، حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد\". وهو تكرار.\n(^٣) بعده في س: \"إنه\"\n(^٤) في س: \"يعني\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٢ (١١٤٧١) من طريق سلمة به.","vol":"13","page":79},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾. قال: يُرِيدُ يوسُفُ سيدَه زوجَ المرأةِ.\nوقولُه: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. يقولُ: إنه لا يُدْرِكُ البقاءَ ولا يُنْجِحُ مَن ظلَم، ففعَل ما ليس له فعلُه، وهذا الذي تدْعوني (^١) إليه مِن الفُجورِ ظلمٌ وخِيانةٌ لسيدى الذي ائْتَمَنَنى على منزلِه.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. قال: هذا الذي تَدْعُونى (^٢) إليه ظلمٌ، ولا يُفْلِحُ مَن عمِل به (^٣).\n\n<span id=\"aya-1620\"></span><span data-type='title' id=toc-4394>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾.</span>\nذُكِر أن امرأةَ العزيزِ لما هَمَّت بيوسُفَ، وأرادَت مُراودتَه، جعَلَت تَذْكُرُ له محاسنَ نفسِه، وتُشَوِّقُه إلى نفسِها.\nكما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا (^٤) عمرُو بنُ محمدٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. قال: قالت له: يا يوسُفُ، ما أَحْسَنَ شَعَرَك! قال: هو أولُ ما يَنْتَثِرُ من جسدى. قالت: يا يوسُفُ (^٥)، ما أحْسَنَ وجهَك! قال: هو للترابِ يَأْكُلُه. فلم تَزَلْ حتى أَطْمَعَتْه (^٦)، فهمَّت\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"تدعونني\".\n(^٢) تمام الأثر المتقدم في ص ٧٩.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٢ (١١٤٧٢) من طريق سلمة به.\n(^٤) بعده في ت ٢: \"محمد بن\".\n(^٥) بعده في مصدرى التخريج: ما أحسن عينيك قال هما أول ما يسيلان إلى الأرض من جسدى قالت يا يوسف\".\n(^٦) في تاريخ الطبري: \"أطمعها\".","vol":"13","page":80},{"text":"به، وهمَّ بها، فدخَلا البيتَ، وغلَّقَت الأبوابَ، وذهَب ليحُلَّ سَراويلَه، فإذا هو بصورةِ يعقوبَ قائمًا في البيتِ، قد عضَّ على أصبعِه، يقولُ: يا يوسُفُ تُواقِعُها! فإنما مَثَلُك ما لم تُواقِعْها مَثَلُ الطيرِ في جوِّ السماءِ لا يُطاقُ، ومَثَلُك إن واقعْتَها مَثَلُه إذا مات، وقَع (^١) إلى الأرضِ، لا يَسْتَطِيعُ أَن يَدْفَعَ عن نفسِه، ومَثَلُك ما لم تُواقِعْها مَثَلُ الثَّوْرِ الصَّعبِ الذي لا يُعْمَلُ عليه، ومَثَلُك إن واقَعْتَها مَثَلُ الثورِ حينَ يموتُ فيَدْخُلُ النَّمْلُ في أصلِ قرْنَيْه، لا يَسْتَطِيعُ أَن يَدْفَعَ عن نفسِه، فربَط سَراويلَه، وذهَب ليَخْرُجَ يَشْتَدُّ (^٢)، فأَدْرَكَته، فأَخَذَت (^٣) بمؤخَّرِ قميصِه مِن خلفِه، فخرَقَتْه حتى أَخْرَجَته منه، وسقَط، وطرَحه يوسُفُ، واشتدَّ نحوَ البابِ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: أكَبَّت عليه - يعنى المرأةَ - تُطْمِعُه مرةً، وتُخيفه أخرى، وتَدْعُوه إلى لذَّةٍ مِن حاجةِ الرجالِ، في جَمالِها وحُسْنِها ومُلْكِها، وهو شابٌّ مُسْتَقْبِلٌ (^٥)، يَجِدُ مِن شَبَقِ الرجالِ ما يَجِدُ الرجلُ، حتى رَقَّ لها مما يَرَى مِن كَلْفِها به، ولم يَتَخَوَّفُ منها، حتى همَّ بها، وهمَّت به، حتى خَلَوَا في بعض بُيوتِه (^٦).\nومعنى الهمِّ بالشيءِ في كلامِ العربِ حَديثُ المرءِ نفسَه بمواقعتِه، ما لم يُواقِعْ،\n_________\n(^١) في م: \"ووقع\".\n(^٢) الشدُّ: العدو، ويشتد: يعدو. القاموس (ش د د).\n(^٣) في ت ١، ت ٢، س: \"فأجرت\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣٧ بهذا الإسناد، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٣ (١١٤٧٥) من طريق أسباط به.\n(^٥) في مصدر التخريج: \"مقتبل\". وهما بمعنى، يقال: رجل مقتبل الشباب. أي: مستقبل الشباب، إذا لم يُرَ عليه أثر كبر. اللسان (ق ب ل).\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٣ (١١٤٧٦) من طريق سلمة به.","vol":"13","page":81},{"text":"فأما ما كان من همِّ يوسُفَ بالمرأةِ وهمِّها به، فإن أهل العلمِ قالوا في ذلك ما أنا ذاكرُه (^١):\nوذلك ما حدَّثنا أبو كريبٍ وسفيانُ بنُ وكيعٍ وسهلُ بنُ موسى الرازيُّ، قالوا: ثنا ابن عُيينةَ، عن عثمانَ بن أبي سليمانَ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، عن ابن عباسٍ، سُئِل عن همِّ يوسُفَ ما بلَغ؟ قال: حَلَّ الهِمْيانَ، وجلس منها مجلسَ الخاتنِ (^٢) لفظُ الحديثِ لأبي كُريبٍ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابن عُيينةَ، قال: سمِع عبيدُ اللهِ بنُ أَبي يَزِيدَ ابنَ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. قال: جلَس منها مجلسَ الخاتنِ، وحَلَّ الهِمْيانَ (^٤).\nحدَّثنا زيادُ بنُ عبدِ اللهِ الحَسَّانيُّ، وعمرُو بنُ عليٍّ، والحسنُ بنٌ محمدٍ، قالوا: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عبيدِ (^٥) اللهِ بن أبى يزيدَ، قال: سَمِعْتُ ابنَ عباسٍ سُئِل: ما بلَغ مِن هِمِّ يوسُفَ؟ قال: حَلَّ الهِمْيانَ، وجلَس منها مجلسَ الخاتنِ.\nحدَّثني زيادُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي عديٍّ، عن ابن جُريجٍ، عن ابن أبي مُلَيْكةَ، قال: سأَلْتُ ابن عباسٍ: ما بلَغ مِن همِّ يوسُفَ؟ قال:\n_________\n(^١) اختلف المفسرون في تفسير الهم، وقد نسب بعضهم ليوسف ﵇ ما لا يجوز نسبته لآحاد الفساق، وهذه الأقوال قسمان: قسم منها لم يثبت نقله عمن نقل عنه بسند صحيح، وهذا لا إشكال في سقوطه، وقسم ثبت عن بعض من ذكر، ومن ثبت عنهم منهم شيء من ذلك، فالظاهر أنه إنما تلقاه عن الإسرائيليات، وأما أقوال أهل السلف فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك؛ لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضًا مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين فضلًا عن المقطوع لهم بالعصمة، فالذي يصح إذن أن يوسف ﵇ لم يقع منه هم بها ألبته. ينظر البحر المحيط ٥/ ٢٩٥، أضواء البيان ٣/ ٦٨.\n(^٢) في تاريخ المصنف: \"الحائز\". والمثبت موافق لإحدى نسخه.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣٧، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢١، وسعيد بن منصور في في سننه (١١١٦ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢١٢٢ (١١٤٧٣) من طريق ابن عيينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣ إلى الفريابي وابن المنذر وأبى الشيخ والحاكم.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور (١١١٧ - تفسير) من طريق سفيان به.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عبد\". وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ١٧٨.","vol":"13","page":82},{"text":"اسْتَلْقَت له، وجلَس بينَ رِجْلَيْها (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن ابن جُريجٍ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. قال: اسْتَلْقَت له، وحلَّ ثيابَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا قَبيصةُ بنُ عقبةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جريجٍ، عن ابن أبي مُلَيْكةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. ما بلَغ؟ قال: اسْتَلقَت له، وجلَس بينَ رجليها، وحلَّ ثيابَه، أو ثيابَها (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقَ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابن جُريجٍ، عن ابن أبي مُلَيْكةَ، قال: سأَلْتُ ابن عباسٍ: ما بلَغ مِن همِّ يوسُفَ؟ قال: اسْتَلْقَتْ على قَفاها، وقعَد بينَ رجليها ليَنْزِعَ ثيابَه (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن نافعِ (^٣) بن عمرَ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، قال: سُئِل ابن عباسٍ عن قولِه: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. ما بلَغ مِن همِّ يوسُفَ؟ قال: حَلَّ الهِمْيانَ. يعنى السَّراويلَ (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمعتُ الأعمشَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. قال: حلَّ السراويلَ، حتى ثُنَّتَه (^٥)،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٣ (١١٤٧٤) من طريق آخر عن ابن أبي مليكة به.\n(^٢) تفسير سفيان الثورى ص ١٤٠ عن ابن جريج به بنحوه.\n(^٣) بعده في م والنسخ: \"عن\". والمثبت كما في مصدر التخريج. وينظر ما تقدم في ٩/ ١١٧.\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٣٢٣، ٣٢٤ من طريق نافع بن عمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣ إلى أبي الشيخ.\n(^٥) في م: \"التبان\" وفى سنن سعيد بن منصور: الثفن، وفى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الس\". والمثبت من ابن أبي حاتم. والثنة: ما دون السرة فوق العانة. الفائق ١/ ١٧٧.","vol":"13","page":83},{"text":"واسْتَلْقَت له (^١).\nحدَّثني زيادُ بنُ عبدِ اللهِ الحسَّانيُّ، قال: ثنا مالكُ بنُ سُعَيْرٍ (^٢)، قال: ثنا الأعمشُ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. قال: حلَّ سَراويلَه، حتى وقَع على المِيتَنَيْن (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. قال: جلَس منها مجلسَ الرجلِ من امرأتِه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، قال: ثني القاسمُ بنُ أبي بَزَّةَ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. قال: أما همُّها به، فاسْتَلْقَت له، وأما همُّه بها فإنه قعَد بينَ رجليها، ونزَع ثيابَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثني حجاجُ بنُ محمدٍ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني عبدُ اللهِ بنُ أبي مُلَيْكةَ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: ما بلَغ مِن همِّ يوسُفَ؟ قال: اسْتَلْقَت له، وجلَس بينَ رجليها يَنْزِعُ ثيابَه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٣ (١١٤٧٥) من طريق ابن نمير وأبى معاوية عن الأعمش به، وأخرجه سعيد بن منصور (١١٢١ - تفسير) عن أبي المغيرة عن الأعمش به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢١ من طريق معمر عن ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣ إلى عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٢) في ت ١: \"سعد\". وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ١٤٥.\n(^٣) في م: \"التبان\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"اليتنين\". والمثبت موافق للسياق. والميتنان: هي بواطن الأفخاذ. النهاية ٥/ ٢٩٢، واللسان (ي ت ن).","vol":"13","page":84},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: [ثنا الحِمَّانيُّ] (^١)، قال: ثنا يحيى بنُ اليَمانِ، عن سفيانَ، عن عليّ بن بَذِيمةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ وعكرمةَ، قالا: حَلَّ السَّراويلَ، وجلَس منها مجلسَ الخاتنِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ العَنْقَزيُّ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. قال: اسْتَلْقَت، وحلَّ ثيابَه حتى بلَغ الثُّنَّاتِ (^٣).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسٌ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. قال: أَطْلَق تِكَّةَ سَراويلِه (^٤).\nحدَّثني الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عُيينةَ، عن عثمانَ بن أبي سليمانَ، عن ابن أبي مُلَيْكَة، قال: شَهِدْتُ ابنَ عباسٍ سُئِل عن همِّ يوسفَ ما بلَغ؟ قال: حَلَّ الهِمْيانَ، وجلَس منها مجلسَ الخاتنِ (^٥).\nفإن قال قائلٌ: وكيف يَجوزُ أن يُوصَفَ يوسُفُ [بمثلِ هذا] (^٦)، وهو للهِ نبيٌّ؟ قيل: إن أهلَ العلمِ اخْتَلَفوا في ذلك؛ فقال بعضُهم: كان من ابْتُلِى مِن الأنبياءِ بخَطيئةٍ، فإنما ابْتلاه اللهُ بها؛ ليَكونَ مِن اللهِ ﷿ على وَجَلٍ إِذا ذكَرها، فيَجِدُّ في طاعتِه إشفاقًا منها، ولا يَتَّكِلُ على سَعةِ عفوِ اللهِ ورحمتِه.\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٥ (١١٤٨٥) من طريق الحماني به مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣ إلى المصنف وأبى الشيخ وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م: \"التبان\".\n(^٤) تفسير البغوي ٤/ ٢٢٨.\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ٨٣.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"13","page":85},{"text":"وقال آخرون: بل ابْتلاهم اللهُ بذلك، ليُعَرِّفَهم موضعَ نعمتِه عليهم، بصَفْحِه عنهم، وترْكِه عقوبتَهم (^١) عليه في الآخرةِ.\nوقال آخرون: بلِ ابْتَلاهم بذلك؛ ليَجْعَلَهم أئمةً (^٢) لأهل الذنوبِ في رَجاءِ رحمةِ اللهِ، وتركِ الإياسِ من عفوِه عنهم إذا تابوا.\nوأما آخرون، ممَّن خالَف أقوالَ السلفِ، وتأوَّلوا القرآنَ بآرائِهم، فإنهم قالوا في ذلك أقوالًا مختلفةً؛ فقال بعضُهم: معناه: ولقد همَّت المرأةُ بيوسُفَ، وهمَّ بها يوسُفُ أن يَضْرِبَها، أو يَنالَها بمكروهٍ، لهمِّها به مما أرادتْه مِن المكروهِ، لولا أن يوسفَ رأَى برهانَ ربِّه، وكفَّه ذلك عما همَّ به مِن أذاها، لا (^٣) أنها ارْتَدَعَت مِن قِبل نفسِها، قالوا: والشاهدُ على صحةِ ذلك قولُه: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾. قالوا: فالسوءُ (^٤) هو ما كان همَّ به مِن أذاها، وهو غيرُ الفحشاءِ.\nوقال آخرون منهم: معنى الكلامِ: ولقد همَّت به، فتَناهَى الخبرُ عنها، ثم ابْتُدِئ الخبرُ عن يوسُفَ، فقيل: وهمَّ بها يوسُفُ لولا أن رأَى برهانَ ربِّه، كأنهم وجَّهوا معنى الكلامِ إلى أن يوسُفَ لم يَهُمَّ بها، وأن الله إنما أخْبر أن يوسُفَ لولا رؤيتُه برهانَ ربِّه لَهمَّ بها، ولكنه رأَى برهانَ ربِّه فلم يَهُمَّ بها، كما قيل: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣].\nويُفْسِدُ هذين القولين أن العربَ لا تُقَدِّمُ جوابَ \"لولا\" قبلَها، لا تقولُ: لقد قمتُ (^٥) لولا زيدٌ. وهى تريدُ: لولا زيدٌ لقد قمتُ، هذا مع خلافِهما جميعَ أهلِ\n_________\n(^١) في م، ص، ت ٢، س، ف: \"عقوبته\".\n(^٢) في ت ٢: \"آية \".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"إلا\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"افليس\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢، س: \"فهمت\".","vol":"13","page":86},{"text":"العلمِ بتأويلِ القرآنِ، الذين عنهم يُؤْخَذُ تأويلُه.\nوقال آخرون منهم: بل قد همَّت المرأةُ بيوسُفَ، وهمَّ يوسُفُ بالمرأةِ، غيرَ أن همَّهما كان تمثيلًا منهما بين الفعل والتركِ، لا عزمًا ولا إرادةً، قالوا: ولا حرجَ في حديثِ النفسِ، ولا في ذكرِ القلبِ، إذا لم يَكُنْ معهما عزمٌ ولا فعلٌ (^١).\nوأما البرهانُ الذي رآه يوسُفُ، فترَك مِن أجلِه مُواقعةَ الخَطيئةِ، فإن أهلَ العلمِ مختلفون فيه؛ فقال بعضُهم: نُودِى بالنَّهيِ عن مُواقَعةِ الخَطيئةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4395>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن عثمانَ بن أبي سليمانَ، عن ابن أبي مُلَيْكةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قال: نُودِى: يا يوسُفُ أتَزْنِى، فتَكونَ كالطيرِ وقَع ريشُه فذهَب يَطيرُ، فلا ريشَ له (^٢)؟\nقال: ثنا ابن عُيينةَ، عن عثمانَ بن أبي سليمانَ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لم يُعطِ (^٣) على النداءِ حتى رأَى برهانَ ربِّه. قال: تمثالَ صورةِ وجهِ أبيه. قال سفيانُ: عاضًّا على إصبَعِه، فقال له: يا يوسُفُ، تَزْنى فتكونَ كالطيرِ ذهَب\n_________\n(^١) قال أبو حيان: والذي أختاره: أن يوسف ﵇ لم يقع منه هم بها ألبتة، بل هو منفى لوجود رؤية البرهان كما تقول: لقد قارفت لولا أن عصمك الله. ولا نقول: إن جواب \"لولا\" متقدم عليها، وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك، بل صريح أدوات الشرط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها، وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون، ومن أعلام البصريين أبو زيد الأنصارى وأبو العباس المبرد. البحر المحيط ٥/ ٢٩٥، وينظر أضواء البيان ٣/ ٦٠.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٨٢.\n(^٣) في م: \"يتعظ\". والمراد بقوله: لم يعط: لم يطع. كما سيأتي.","vol":"13","page":87},{"text":"ريشُه (^١)؟!\nحدَّثني زيادُ بنُ عبدِ اللهِ الحَسَّانيُّ، قال: ثنى محمدُ بنُ أَبي عَدِيٍّ، عن ابن جريجٍ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، قال: قال ابن عباسٍ: [نُودِى: يا بنَ يعقوبَ، لا تَكُنْ كالطائرِ له ريشٌ، فإذا زنَى ذهَب ريشُه، أو قعَد لا ريشَ له. قال: فلم يُعْطِ (^٢) على النداءِ. فلم يَزِدْ على هذا (^٣). قال ابن جريجٍ: وحدَّثني [غيرُ واحدٍ أنه رأَى أباه عاضًا على إصبَعِه.\nحدَّثنا] (^٢) أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن نافعِ (^٤) بن عمرَ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، قال: قال ابن عباسٍ] (^٥): ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قال: نُودِى فلم [يَسْمَعْ، فقيل له] (^٦): يا بنَ يعقوبَ، تُرِيدُ أَن تَزْنِيَ فتكون كالطيرِ نُتِف فلا ريشَ له (^٧)؟\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن طلحةَ بن (^٨) عمرٍو الحَضْرميِّ، عن ابن أبي مُليكة، قال: بلَغَنى أن يوسُفَ لما جلَس بينَ رِجْلَي المرأةِ [فهو يَحُلُّ] (^٩) هِمْيانَه، نُودِي: يا يوسُفُ بنَ يعقوبَ، لا تَزْنِ، فإن الطيرَ إذا زنَى تَناثَر ريشُه. فأَعْرَض، ثم\n_________\n(^١) سبق تخريجه في ص ٨٣.\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٣ (١١٤٧٤) من طريق آخر عن ابن أبي مليكة به.\n(^٤) بعده في م، ص، ت ١، ف: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٢٨٨.\n(^٥) سقط من: ت ٢، س، ف.\n(^٦) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٧) سبق تخريجه ص ٨٣.\n(^٨) في م: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٤٢٧.\n(^٩) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فهى تحل\".","vol":"13","page":88},{"text":"نُودِى. فأَعْرَض، فتمَثَّل له يعقوبُ عاضًّا على إصبَعِه، فقام.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا قَبيصةُ بنُ عقبةَ (^١)، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جريجٍ، عن ابن أبي مُليكةَ، عن ابن عباسٍ، قال: نُودِى: يا بنَ يعقوبَ، لا تَكُنْ كالطيرِ إذا زنَى ذهَب ريشُه، وبقِى لا ريشَ له، فلم يعطِ (^٢) على النداءِ، فَفُزِّع (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن ابن جريجٍ، قال: أَخْبرَنى عبدُ اللهِ بنُ أبي مُليكةَ، قال: قال ابن عباسٍ: نُودِى: يا بنَ يعقوبَ، لا تكونَنَّ كالطائرِ (^٤) له ريشٌ، فإذا زنَى ذهَب ريشُه. قال: أو قعَد لا ريشَ له. فلم يُعطِ (^٥) على النداءِ شيئًا (^٦)، حتى رأَى (^٧) برهانَ ربِّه، ففرِق ففرَّ (^٨).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا ابن عُيينةَ، عن عثمانَ بن أبي سليمانَ، عن ابن أبي مُليكةَ، قال: قال ابن عباسٍ: نُودِى: يا بنَ يعقوبَ، أتزْنِى فتكونَ كالطيرِ وقَع ريشُه فذهَب يطيرُ، فلا ريشَ له (^٩)؟\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرنا ابن وهبٍ، قال: أخْبرنى نافعُ بْنُ يَزِيدَ، عن همامِ بن يحيى، عن قتادةَ، قال: نُودِى يوسفُ، فقيل: أنت مكتوبٌ في الأنبياءِ، تَعْمَلُ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"عتبة\".\n(^٢) في م: \"يتعظ\". وفى النسخ: \"يطع\". والمثبت من تفسير الثورى ص ١٤٠.\n(^٣) تقدم تخريجه ص ٨٣.\n(^٤) في ف، ت ١: \"كالطير\".\n(^٥) في م، وابن أبي حاتم \"تفسيس\" ٧/ ٢١٢٣: \"يتعظ\".\n(^٦) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف. والمثبت من: ص، ومصدر التخريج.\n(^٧) في ص: \"أرى\". والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٨) تقدم أوله ص ٨٤.\n(^٩) تقدم تخريجه في ص ٨٣.","vol":"13","page":89},{"text":"عملَ الشفهاءِ (^١)؟\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن ابن جريجٍ، عن ابن أبي مليكةَ، قال: نودى: يوسفُ بنَ يعقوبَ، تزنى فتكونَ كالطيرِ نُتِف فلا ريشَ له؟\nوقال آخرون: البرهانُ الذي رأه (^٢) يوسُفُ فكفَّ عن مواقعةِ الخطيئةِ من أجلِه، صورةُ يعقوبَ ﵉ يتَوَعَّدُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4396>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ العَنْقزيُّ، قال: أخْبرنا إسرائيلُ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قال: رأَى صورةَ - أو تمثالَ - وجهِ يعقوبَ عاضًّا على إصبعِه، فخرَجَت شهوتُه من أناملِه (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ العَنْقَزِى، عن إسرائيلَ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قال: مَثَل له يعقوبُ، فضرَب في صدرِه، فخرَجَت شهوتُه مِن أناملِه (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن مِسْعَرٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قال: رأَى تمثالَ وجهِ أبيه قائلًا بكفِّه هكذا، وبسَط كفَّه، فخرَجَت شهوتُه مِن أناملِه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٤ (١١٤٨٣) من طريق خليد وسعيد عن قتادة به.\n(^٢) في م: \"رأى\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٣ (١١٤٧٧)، والحاكم ٢/ ٣٤٦ كلاهما من طريق إسرائيل به.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور (١١١٨ - تفسير) عن سفيان عن مسعر عمن حدثه عن سعيد به.","vol":"13","page":90},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ. وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قال: مَثَل له يعقوبُ عاضًّا على أصابعِه، فضرَب صدرَه، فخرَجَت شهوتُه من أناملِه (^١).\nحدَّثنا يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، قال: أخْبرني ابن جُريجٍ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قال: رأَى صورةَ يعقوبَ واضعًا أَنْمُلتَه على فِيه يَتَوَعَّدُه، ففرَّ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عبَّادٍ، قال: ثنا جريرُ بنُ حازمٍ، قال: سَمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ أبى مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. قال: حينَ رأى يعقوبَ في سقفِ البيتِ، قال: فنُزِعَت شهوتُه التي كان يَجِدُها، [فخرَج يَسْعَى] (^٣) إلى بابِ البيتِ، فتبِعَته المرأةُ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ. وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن قُرَّةَ بن خالدٍ السَّدوسيِّ، عن الحسنِ، قال: زعَموا - واللهُ أعلمُ - أن سقفَ البيتِ انْفَرَج، فرأَى يعقوبَ عاضًّا على أصابعِه (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن يونُسَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قال: رأى تمثالَ يعقوبَ عاضًّا على إصبعِه يقولُ:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢١ عن الثورى به، وسفيان الثوري في تفسيره ١٤١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٤ (١١٤٧٨) من طريق جرير به. وأخرجه أيضًا ٧/ ٢١٢٤ (١١٤٧٩) من طريق آخر عن ابن عباس.\n(^٣) في م: \"حتى خرج يسعى\". وفى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"حتى يرجع\". والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣ إلى ابن أبي شيبة والمصنف وابن المنذر وأبي الشيخ، وينظر الأثر الآتي.","vol":"13","page":91},{"text":"يوسُفُ، يوسُفُ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن يونُسَ، عن الحسنِ نحوَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عمرٌو العَنْقَزيُّ، قال: أخْبرنا سفيانُ الثوريُّ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قال: رأَى تمثالَ وجهِ يعقوبَ، فخرَجَت شهوتُه مِن أناملِه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن عليِّ بن بَذِيمةً، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: رأَى صورةً فيها وجهُ يعقوبَ عاضًّا على أصابعِه، فدفَع في صدرِه، فخرَجت شهوتُه مِن أناملِه، فكلُّ ولدِ يعقوبَ وُلِد له اثنا عشر رجلًا إلا يوسُفَ، فإنه نقَص بتلك الشهوةِ، ولم يُولَدْ له غيرُ أحدَ عَشَرَ (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَني يونُسُ بنُ يزيدَ، عن ابن شِهابٍ، أن حميد بنَ عبدِ الرحمنِ أخبرَه أن البرهانَ الذي رأَى يوسُفُ، يعقوبُ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عيسى بنُ المنذرِ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سُوَيْدٍ، قال: ثنا يونُسُ بنُ يزيدَ الأَيْليُّ، عن الزهريِّ، عن حميدِ بن عبدِ الرحمنِ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٤ (١١٤٨٠) من طريق ابن علية به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٤٢١، وسعيد بن منصور (١١٢٠ - تفسير) كلاهما من طرق عن يونس به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٥ (١١٤٨٥) من طريق يحيى بن يمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور (١١١٥ - تفسير) من طريق آخر عن يونس بن يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٤ إلى المصنف.","vol":"13","page":92},{"text":"بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قال: مَثَل له يعقوبُ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قال: يعقوبَ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ. وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرنا الثوريُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: مثَل له يعقوبُ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: جلَس منها مجلسَ الرجلِ من امرأتِه حتى رأَى صورةَ يعقوبَ في الجُدُرِ (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١١٩ - تفسير) عن جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٤٠، ١٤١ عن ابن أبي نجيح به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ١٢٥ (١١٤٨٦) بسنده عن مجاهد.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢١ عن الثورى به.\n(^٤) في م: \"الجدار\". وهو موافق لإحدى نسخ تفسير عبد الرزاق.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢١ عن معمر به.","vol":"13","page":93},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قال: مَثَل له يعقوبُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، قال: ثنا القاسمُ بنُ أبي بَزَّةَ، قال: نُودِى: يا بنَ يعقوبَ، لا تكونَنَّ كالطيرِ له ريشٌ، فإذا زنَى قعد ليس له ريشٌ. فلم يَعْرِضْ للنداءِ، وقعَد، فرفَع رأسَه فرأَى وجةَ يعقوبَ [عاضًّا على إصبعِه، فقام مرعوبًا اسْتِحياءً مِن اللهِ تعالى ذكرُه، فذلك قولُ اللهِ ﷾: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾؛ وجةَ يعقوبَ] (^١) (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن النضرِ بن عربيٍّ، عن عكرمةَ، قال: مَثَل له يعقوبُ عاضًّا على أصابعهِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ (^٣)، قال (^٤): ثنا وكيعٌ (^٥)، عن نضرِ بن عربيٍّ، عن عكرمةَ مثلَه.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسٌ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: مَثَل له يعقوبُ، فدفَع في صدرِه، فخرَجَت شهوتُه مِن أناملِه (^٦).\nقال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عليٍّ بن بَذِيمةَ، قال: كان يُولَدُ لكلِّ رجلٍ منهم اثنا عشَرَ ابنًا إلا يوسُفَ، وُلِد له أحدَ عَشَرَ، مِن أجلِ ما خرَج مِن\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، س.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٤ إلى المصنف.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"وابن وكيع\".\n(^٤) في ص، ت ٢، ف: \"قالا\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ابن وكيع\".\n(^٦) تقدم تخريجه في ٩١.","vol":"13","page":94},{"text":"شهوتِه (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال أبو شُريحٍ: سمِعْتُ عبيدَ اللهِ بنَ أبي جعفرٍ يقولُ: بلَغ من شهوةِ يوسُفَ أن خرَجَت مِن بَنَانِه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يَعْلَى بْنُ عُبيدٍ، عن محمدٍ الخراسانيِّ، قال: سأَلْتُ محمدَ بنَ سِيرينَ عن قولهِ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قال: مثَل له يعقوبُ عاضًا على أصابعِه يقولُ: يوسُفُ بنَ يعقوبَ بن إسحاقَ بن إبراهيمَ خليلِ اللهِ، اسمُك اسمُ (^٢) الأنبياءِ وتَعْمَلُ عملَ السفهاءِ (^٣)؟!\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن يونُسَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قال: رأَى يعقوبَ عاضًا على إصبعِه يقولُ: يوسفُ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال قتادةُ: رأَى صورةَ يعقوبَ، فقال: يا يوسُفُ، تَعْمَلُ عملَ الفُجَّارِ وأنت مكتوبٌ في الأنبياءِ؟! فاسْتحْيَا منه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. رأَى آيةً من آياتِ ربهِ، حجَزه اللهُ بها عن معصيتِه، ذُكِر لنا أنه مَثَل له يعقوبُ حتى كلَّمه، فعصَمه اللهُ، ونزَع كلَّ شهوةٍ كانت في مَفاصلِه (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٤ إلى المصنف.\n(^٢) في م، ومصدرى التخريج: \"في\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٤ (١١٤٨٤) من طريق يعلى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٤) تقدم تخريجه ص ٩١.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٤ (١١٤٨٣،١١٤٨٢) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي=","vol":"13","page":95},{"text":"قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، أنه مَثَل له يعقوبُ وهو عاضٌّ على إصبعٍ مِن أصابعِه (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبرنا إسماعيلُ بنُ أبي سالمٍ، عن أبي صالحٍ، قال: رأَى صورةَ يعقوبَ في سقفِ البيتِ عاضًا على إصبعِه، يقولُ: يا يوسُفُ يا يوسفُ يعنى قولَه: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبرنا هُشيمٌ، عن منصورٍ، ويونُسُ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قال: رأَى صورةَ يعقوبَ في سقفِ البيتِ عاضًّا على إصبعهِ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشيمُ، عن إسماعيلَ بن سالمٍ، عن أبي صالحٍ مثلَه، وقال: عاضًّا على إصبعِه يقولُ: يوسُفُ، يوسُفُ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، قال: نظَر يوسُفُ إلى صورةِ يعقوبَ عاضًّا على إصبعِه يقولُ: يا يوسُفُ. فذاك حيث كفَّ، وقام فانْدَفَعَ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالمٍ وأبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قال: رأَى صورةً فيها وجهُ\n_________\n= في الدر المنثور ٤/ ١٣ إلى المصنف وأبي الشيخ.\n(^١) تقدم تخريجه ص ٩١.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٤ إلى أبي عبيد والمصنف وابن المنذر.\n(^٣) تقدم ص ٩١.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٤ إلى المصنف.","vol":"13","page":96},{"text":"يعقوبَ عاضًّا على أصابعِه، فدفَع في صدرِه، فخرَجَت شهوتُه مِن بين أناملِه (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قال: رأَى تمثالَ وجهِ أبيهِ، فخرَجَت الشهوةُ مِن أناملِه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا يحيى - يعنى ابنَ عَبَّادٍ - قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن إسماعيلَ بن سالمٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قال: تمثالَ صورةِ يعقوبَ في سقفِ البيتِ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، [قال: ثنا عبدُ الرزاقِ] (^٣)، قال: أخْبرنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن يونُسَ بن عُبيدٍ، عن الحسنِ، قال: رأى يعقوبَ عاضًّا على يدِه (^٤).\nقال: أخْبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرنا الثوريُّ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبير في قولِه: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قال: يعقوبَ، ضرَب بيدِه على صدرِه، فخرَجَت شهوتُه مِن أناملِه (^٥).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخْبرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾؛ آيةً مِن ربِّه يَزْعُمون أنه مَثَل له يعقوبُ فاسْتَحْيَا منه (^٦).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص ٩٠.\n(^٢) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٣) سقط من النسخ. والمثبت من مصدر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٥٢.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢١، وتقدم ص ٩١.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢١، وتقدم ص ٩٢.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٤ إلى المصنف.","vol":"13","page":97},{"text":"وقال آخرون: بل البرهانُ الذي رأَى يوسُفُ، ما أَوْعَد اللهُ ﷿ على الزنى أهله.\n\n<span data-type='title' id=toc-4397>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي مَوْدودٍ، قال: سَمِعْتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرظيَّ، قال: رفع يوسُفُ رأسَه إلى سقفِ البيتِ، فإذا كتابٌ في حائطِ البيتِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (^١) [الإسراء: ٣٢].\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي موْدودٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، قال: رفَع يوسُفُ رأسَه إلى سقفِ البيتِ حينَ همَّ، فرأَى كتابًا في حائطِ البيتِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً (١) وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (^٢).\nقال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. قال: لولا ما رأَى في القرآنِ من تعظيمِ الزنى (^٣).\nحدَّثنا يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: أَخْبَرنى نافعُ بنُ يزيدَ، عن أبي صخرٍ، قال: سمِعْتُ القُرَظيَّ يقولُ في البرهانِ الذي رأَى يوسُفُ: ثلاثُ آياتٍ مِن كتابِ اللهِ: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] الآية. وقولُه: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١] الآية. وقولُه: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (^٤) [الرعد: ٣٣].\n_________\n(^١) بعده في م: \"ومقتا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر ٤/ ١٤ إلى ابن أبي شيبة والمصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٥ (١١٤٨٧) من طريق أبي معشر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٥ (١١٤٨٩) عن يونس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":98},{"text":"قال نافعٌ: سمِعْتُ أبا هلالٍ يقولُ مثلَ قولِ القُرَظيِّ، وزاد آيةً رابعةً: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: أخْبرنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمد بنُ كعبٍ القُرظيِّ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. فقال: ما حرَّم اللهُ عليه مِن الزنى.\nوقال آخرون: بل رأَى تمثالَ الملكِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4398>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. يقولُ: آياتِ ربِّه، أُرِى تمثالَ الملكِ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان بعضُ أهلِ العلمِ فيما بلَغِنى يقولُ: البرهانُ الذي رأَى يوسُفُ، فصرَف عنه السوءَ والفَحْشاء، يعقوبُ عاضًّا على أصبعِه، فلمَّا رآه انْكَشَف هاربًا (^٢).\nو(^٣) يقولُ بعضُهم: إنما هو خَيالُ إطفيرَ سيدِه حينَ دنا مِن البابِ، وذلك أنه لما هرَب منها واتَّبَعَته، ألْفَياه لدَى البابِ.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يُقال: إن الله جَلَّ ثناؤُه أخْبر عن هَمِّ يوسُفَ وامرأةِ العزيزِ، كلَّ واحدٍ منهما بصاحبِه، لولا أن رأَى يوسُفُ برهانَ ربِّه،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٤ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٣ (١١٤٧٦) من طريق سلمة به. وينظر ابن كثير ٤/ ٣٠٩.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"13","page":99},{"text":"وذلك آيةٌ من آياتِ اللهِ، زجَرَته (^١) عن ركوبِ ما همَّ به يوسُفُ (^٢) مَن الفاحشةِ، وجائزٌ أن تكونَ تلك الآيةُ صورةً يعقوبَ، وجائزٌ أن تكونَ صورةَ الملكِ، وجائزٌ أن يكونَ الوعيدَ في الآياتِ التي ذكَرها اللهُ في القرآنِ على الزنا، ولا حجةَ للعذرِ قاطعةً بأيِّ ذلك من أيٍّ.\nوالصوابُ أن يقالَ في ذلك، ما قاله اللهُ ﵎، والإيمانُ به، وتركُ ما عدا ذلك إلى عالمِهِ.\nوقولُه: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كما أَرَيْنا يوسُفَ بُرهاننا على الزجْرِ عما همَّ به مِن الفاحشةِ، كذلك نُسَبِّبُ (^٣) له في كلِّ ما عرَض له مِن هَمٍّ يَهُمُّ به فيما لا يَرْضاه، بما يَزْجُرُه ويَدْفَعُه عنه، كي نَصْرِفَ عنه ركوبَ ما حرَّمْنا عليه، وإتيانَ الزنا، لنُطَهِّرَه مِن دَنَسِ ذلك.\nوقولُه: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾، اخْتَلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأة المدينةِ والكوفةِ: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ بفتحِ اللامِ مِن المخلَصين (^٤)، بتأويلِ: إن يوسُفَ من عبادِنا الذين أخْلَصْناهم لأنفُسِنا، واخْتَرْناهم لنبوّتِنا ورسالَتِنا.\nوقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ البصرةِ: (إنه مِن عبادِنا المُخْلِصِين) بكسرِ اللامِ (^٥).\n_________\n(^١) في ت ١: \"وحجزه\"، وفى ت:٢: \"وحرية\"، وفى س: \"حرنه\"، وفى ف: \"وجريه\". والمثبت من: م، ص.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في ت ٢، س: \"نسب\".\n(^٤) حجة القراءات ص ٣٥٩، والسبعة ٣٤٨\n(^٥) قرأ بها ابن كثير وأبى عمرو وابن عامر. حجة القراءات ٣٥٨، والسبعة ٣٤٨.","vol":"13","page":100},{"text":"بمعنى: إِنَّ يُوسُفَ مِن عبادِنا الذين أخْلَصوا توحيدَنا وعبادتَنا، فلم يُشْرِكوا بنا شيئًا، ولم يَعْبُدوا شيئًا غيرَنا.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: إنهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بهما جميعًا جماعةٌ كثيرةٌ من القرأةِ، وهما متقاربتًا (^١) المعنى، وذلك أن مَن أَخْلَصه اللهُ لنفسِه (^٢) فاخْتاره، فهو مُخْلِصٌ للهِ التوحيدَ والعبادةَ، ومَن أَخْلَص توحيدَ اللهِ وعبادتَه، فلم يُشْرِكْ باللهِ شيئًا، فهو ممَّن أخْلَصه اللهُ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فهو للصوابِ مصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-1621\"></span><span data-type='title' id=toc-4399>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: واسْتَبَق يوسُفُ وامرأةُ العزيزِ بابَ البيتِ؛ أما يوسُفُ ففِرارًا مِن ركوبِ الفاحشةِ، لمَّا رأَى برهانَ ربِّه، فزجَره عنها. وأما المرأةُ تطلُّبَها ليوسُفَ لتَقْضِي حاجتَها منه التي راوَدَته عليها، فأدْرَكَته، فتعلَّقَت بقميصِه، فجذَبَته إليها مانعةً له مِن الخروجِ مِن البابِ، فقدَّته من دُبُرٍ، يعني: شقَّتْه مِن خَلْفٍ، لا مِن قُدَّامٍ؛ لأن يوسُفَ كان هو الهاربَ، وكانت هي الطالبةَ.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾. قال: اسْتَبَق هو والمرأةُ البابَ: ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ\n_________\n(^١) في م: \"متفقتا\".\n(^٢) في ت ١: \"لنبوته\"، وفى ت ٢، س، ف: \"لبنيه\". والمثبت من: م، ص.","vol":"13","page":101},{"text":"دُبُرٍ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لمَّا رأَى برهانَ ربِّه، انْكَشَف عنها هاربًا، واتَّبَعَتْه، فأَخَذَت قميصَه مِن دُبُرٍ فشقَّتْه عليه (^٢).\nوقولُه: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وصادَفا سيدَها، وهو زوجُ المرأةِ ﴿لَدَى الْبَابِ﴾ يعنى: عندَ البابِ.\nكالذي حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا الثوريُّ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾. قال: سيدُها زوجُها، ﴿لَدَى الْبَابِ﴾. قال: عندَ البابِ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن أشعثَ، عن الحسنِ، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: السيدُ الزوجُ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾. أي: عندَ البابِ (١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ (^٥) محمدٍ، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾. قال: جالسًا عندَ البابِ، وابنُ عمِّها معه، فلمَّا رأَتْه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٦ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٢) تقدم تخريجه ص ٩٩.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٧ (١١٤٩٧، ١١٤٩٨) من طريق أبي أحمد الزبيرى عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٤ إلى المصنف وأبى الشيخ وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٤ إلى المصنف.\n(^٥) في ص، ت ١، س: \"عن\".","vol":"13","page":102},{"text":"﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ إنه راوَدَني عن نفسي، فدفَعْتُه عن نفسي، فشقَقْتُ قميصَه. قال يوسُفُ: بل هي راوَدَتْني عن نفسي، وفَرَرْتُ منها فأَدْرَكَتْني، فشقَّت قميصي. فقال ابن عمِّها: تِبْيانُ هذا في القميصِ، فإن كان القميصُ قُدَّ مِن قُبُل، فصدَقَت وهو مِن الكاذبين، وإن كان القميصُ (^١) قُدَّ مِن دبرٍ، فكذَبَت وهو مِن الصادقين. فأُتِى بالقميصِ، فوجَدَه قُدَّ مِن دبرٍ، ﴿قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ (^٢).\nحدّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾: إطفيرَ قائمًا على بابِ البيتِ، فقالت وهابَتْه: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ولطَخَته مكانَها بالسيئةِ، فَرَقًا مِن أن يَتَّهِمَها صاحبُها على القبيحِ، فقال هو، وصدَقه الحديثَ: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾.\nوقولُه: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ الآية. يقولُ تعالى ذكرُه: قالت امرأةُ العزيزِ لزوجِها لمَّا ألْفَياه عند البابِ، فخافت أن يَتَّهِمَها بالفُجورِ: ما ثوابُ رجلٍ أراد بامرأتِك الزنى ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾ في السجنِ، أو إلا ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: مُوجِعٌ.\nوإنما قال: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ لأن قولَه: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾. بمعنى: إلا السجنُ، فعَطف العذابَ عليه، وذلك أن \"أنْ\" وما عمِلَت فيه بمنزلةِ الاسمِ.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قميصه\". والمثبت من: ص.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣٨.","vol":"13","page":103},{"text":"<span id=\"aya-1622\"></span><span data-type='title' id=toc-4401>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال يوسفُ لَمَّا قذَفَتْه (^١) امرأةُ العزيزِ بما قذَفَتْه (^١)، من إرادتِه الفاحشةَ منها؛ مكذَّبًا لها فيما قذَفَتْه (^١) به، ودفعًا (^٢) لما نُسِب إليه: ما أنا راودتُها [عن نفسها] (^٣)، بل هي راودَتْني عن نفسي.\nوقد قيل: إن يوسفَ لم يُرِدْ ذكرَ ذلك، لو لم تَقْذِفْه (^٤) عندَ سيِّدِها بما قذَفَتْه (^١) به.\n\n<span data-type='title' id=toc-4400>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أَخبَرنا شَيْبانُ، عن أبي إسحاقَ، عن نَوْفٍ الشَّامِيِّ (^٥)، قال: ما كان يوسفُ يريدُ أن يذكُرَه حتى قالت: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ الآية. قال: فغضِب، فقال: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ (^٦).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قرفته\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ودفعها عن نفسه\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"تقرفه\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الشيباني\". وهو تحريف. ينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٦٥.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٧ (١١٤٩٩) من طريق شيبان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٤ إلى أبى الشيخ.","vol":"13","page":104},{"text":"وأما قولُه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ فإن أهلَ العلمِ اختلفوا في صفةِ الشاهدِ؛ فقال بعضُهم: كان صبيًّا في المهدِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4402>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا العلاءُ بنُ عبدِ الجبارِ، عن حمادِ بن سلَمةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: تكلم أربعةٌ في المهدِ وهم صغارٌ؛ ابن ماشطةِ بنتِ فرعونَ، وشاهدُ يوسفَ، وصاحبُ جُريجٍ، وعيسى ابن مريمَ ﵇ (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ قال: ثنا وكيعٌ عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، عن شَهرِ بن حَوْشبٍ، عن أبي هريرةَ، قال: عيسى، وصاحبُ يوسفَ، وصاحبُ جُريجٍ. يعنى تكلَّموا في المهدِ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا زائدةُ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: صبيٌّ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بنُ جبيرٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. . قال: كان في المهدِ صبيًّا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٣٠ - ٣٣ (٢٨٢١، ٢٨٢٣، ٢٨٢٤)، والطبراني (١٢٢٧٩، ١٢٢٨٠)، وابن حبان (٢٩٠٣، ٢٩٠٤)، وأبو يعلى (٢٠١٧)، والبيهقي في دلائل النبوة ٢/ ٣٨٩ من طرق عن حماد به، وسيأتي في الصفحة التالية.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٥ إلى المصنف، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٩٥ من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة، بلفظ: \"لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وابن ماشطة بنت فرعون\" مرفوعًا، وينظر الضعيفة (٨٨٠).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٨ عقب حديث (١١٥٠٣) معلقا، والفراء في معاني القرآن =","vol":"13","page":105},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المُحاربيُّ، قال: ثنا أيوبُ بنُ جابرٍ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: صبيٌّ.\nحدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، عن أبي حِصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثلَه.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كان صبيًّا في مهدِه (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن حُصينٍ، عن هلالِ بن يِسافٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: صبيٌّ في المهدِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أبي مرزوقٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: صبيٌّ أَنْطَقه اللهُ. ويقالُ: ذو رأْي برأيِه (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: أخبرنا عفَّانُ، قال: ثنا حمادٌ، قال: أخبرني عطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بنُ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبي ﷺ، قال: \"تكلَّم أربعةُ وهم صِغارٌ\". فذكَر فيهم شاهدَ يوسفَ (^٤).\n_________\n= ٢/ ٤١ عن قيس بن الربيع عن أبي حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٥ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^١) تقدم في الصفحة السابقة.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٤/ ٣١٠.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٨. عقب الحديث (١١٥٠٣) معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٥، إلى أبى الشيخ.\n(^٤) أخرجه أحمد ٥/ ٣٢ (٢٨٢٢)، والبزار (٥٤ - كشف)، والحاكم ٢/ ٤٩٦، ٤٩٧، والبيهقي في دلائل النبوة ٢/ ٣٨٩ من طرق عن عفان به.","vol":"13","page":106},{"text":"حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾: يزعُمون أنه كان صبيًّا في الدارِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنٍ عباسٍ قولِه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: كان صبيًّا في المهدِ (^١).\n\nوقال آخرون: كان رجلًا ذا لحيةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4403>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٍ، [وحدَّثنا ابن وكيعٍ] (^٢)، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان ذا لحيةٍ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن ابن أبي مُليكةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: كان من خاصَّةِ الملكِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٨ (١١٥٠٣) من طريق آخر عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٤، ١٥ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٢، عن إسرائيل به، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٨ (١١٥٠٤). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٥ إلى الفريابي وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٤) تفسير الثورى ص ١٤١، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٩ (١١٥٠٩)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٥، إلى الفريابي وأبي الشيخ.","vol":"13","page":107},{"text":"وبه قال: حدَّثنا أبى، عن عِمرانَ بن حُديرٍ (^١)، سمِع عكرمةَ يقولُ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: ما كان بصبيٍّ، ولكن كان رجلًا حكيمًا (^٢).\nحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ الصَّبَّاحِ، قال: ثنا عِمْرانُ بنُ حدُيرٍ، عن عكرمةَ، وذُكِر عندَه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. فقالوا: كان صبيًّا. فقال: إنه ليس بصبيٍّ، ولكنه رجلٌ حكيمٌ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدُّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: كان رجلًا (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: رجلٌ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: رجلٌ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: رجلٌ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: أخبرَنا إسرائيلُ، عن\n_________\n(^١) في ت ٢، س: \"جرير\"، وفى ف: \"جريج\". وهو تصحيف. ينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٣١٤، ٣١٥.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٩ عقب الأثر (١١٥٠٧) معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٥ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) تفسير الثورى ص ١٤١، وأخرجه الفراء في معاني القرآن ٢/ ٤١ عن قيس بن الربيع، عن رجل، عن مجاهد، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٨ عقب حديث (١١٥٠٤) معلقا.","vol":"13","page":108},{"text":"سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: ذو لحيةٍ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: ابن عمِّها، كان الشاهدُ من أهلِها (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن سِمَاكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: ذو لحية (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو غسَّانَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان ذا لحيةٍ (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قَيْسٌ، عن جابرٍ، عن ابن أبي مُلَيكةَ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: كان من خاصَّةِ الملكِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: رجلٌ حكيمٌ كان من أهلِها (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: رجلٌ حكيمٌ من أهلِها (^٤).\n_________\n(^١) تقدم في ص ١٠٧ من طريق وكيع عن إسرائيل به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣١٠.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣١٠.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٩ (١١٥٠٧) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة به. وعبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٢ عن معمر عن قتادة بلفظه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٥ إلى أبى الشيخ.","vol":"13","page":109},{"text":"حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: كان رجلًا.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن بعضِ أصحابِه، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: رجلٌ له رأىٌ أشار برأيِه (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: يقالُ: إنما كان الشاهدُ مشيرًا، رجلًا من أهلِ إطْفيرَ، وكان يستعينُ برأيِه، إلا أنه قال: أشهدُ إن كان قميصُه قُدَّ من قُبُلٍ (^٢) لقد صدَقَتْ وهو مِن الكاذبين (^٣).\nوقيل: معنى قولِه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾: حكَم حاكمٌ.\nحدَّثت بذلك عن الفرَّاءِ، عن مُعَلَّى بن هلالٍ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ (^٤).\nوقال آخرون: إنما عُنِى بالشاهدِ: القميصُ المقدودُ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-4404>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: قميصُه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٩ (١١٥٠٨)، من طريق يونس عن الحسن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٥ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"دبر\". والمثبت من م هو الصواب.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٩، ٢١٣٠ (١١٥١٣) من طريق سلمة به.\n(^٤) معاني القرآن ٢/ ٤١ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٤ إلى المصنف.\n(^٥) بعده في ص: \"وقده\".","vol":"13","page":110},{"text":"مشقوقٌ من دُبُرٍ، فتلك الشهادةُ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾: قميصُه مشقوقٌ من دُبُرٍ، فتلك الشهادةُ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾: لم يكنْ من الإنسِ (^٣).\nقال: ثنا حفصٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: كان من أمرِ اللهِ، ولم يكنْ إنسيًّا (^٤).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك قولُ مَن قال: كان صبيًّا في المهدِ. للخبرِ الذي ذكَرناه عن رسولِ اللهِ ﷺ، أنه ذكَر من تكلَّم في المهدِ، فذكَر أن أحدَهم صاحبُ يوسفَ. فأما ما قاله مجاهدٌ من أنه القميصُ المقدودُ فما لا معنى له؛ لأن الله تعالى ذكرُه أَخْبَر عن الشاهدِ الذي شهِد بذلك أنه من أهلِ المرأةِ، فقال: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾، ولا يقالُ للقميصِ: هو من أهلِ الرجلِ ولا المرأةِ.\n\n<span id=\"aya-1623\"></span>وقولُه: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾؛ لأن المطلوبَ إذا كان هاربًا، فإنما يُؤْتَى من قِبَلِ دُبُرِه، فكان معلومًا أن الشَّقَّ لو كان\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣٩ عن محمد بن عمرو به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٥ إلى ابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٥٠.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٨ (١١٥٠٥) من طريق المحاربي به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٨ (١١٥٠٦) من طريق حفص به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٥ إلى أبى الشيخ.","vol":"13","page":111},{"text":"من قُبُل لم يكنْ هاربًا مطلوبًا، ولكن كان يكونُ طالبًا ممنوعًا (^١) مَدْفوعًا، وكان يكونُ ذلك شهادةً على كَذِبه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قال: أَشْهَدُ إن كان قميصُه قُدَّ من قُبُلٍ لقد صدَقتْ وهو مِن الكاذبين؛ وذلك أن الرجلَ إنما يريدُ المرأةَ مُقْبِلًا، وإن كان قميصُه قُدَّ من دُبُرٍ فكذَبتْ وهو من الصادقين؛ وذلك أن الرجلَ لا يأتى المرأةَ من دُبُرٍ. و(^٢) قال: إنه لا ينبغى أن يكونَ في الحقِّ إلا ذاك. فلما رأى إطفيرُ قميصَه قُدَّ من دُبُرٍ، عرَف أنه من كيدِها، فقال: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال - يعني الشاهدَ من أهلِها -: القميصُ يقضى بينهما؛ ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ (^٤).\nوإنما حُذِفت \"أنَّ\" التي تُتَلَقى بها الشهادةُ؛ لأنه ذهُب بالشهادةِ إلى معنى القولِ، كأنه قال: وقال قائلٌ من أهلِها: إن كان قميصُه. كما قيل: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]؛ لأنه ذهَب بالوصيةِ إلى القولِ.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) بعده في ت ١، ت ٢، س: \"أو\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٩، ٢١٣٠ (١١٥١٣، ١١٥١٥) من طريق سلمة به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٩ (١١٥١٢)، من طريق سعيد بن أبي عروبة به.","vol":"13","page":112},{"text":"<span id=\"aya-1624\"></span>وقولُه: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾. خبرٌ عن زوجِ المرأةِ، وهو القائلُ لها: إن هذا الفعلَ من كيدِكنَّ: أي صنيعِكنَّ، يعنى من صنيعِ النساءِ، ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾. وقيل: إنه خبرٌ عن الشاهدِ أنه القائلُ ذلك.\n\n<span id=\"aya-1625\"></span><span data-type='title' id=toc-4405>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾.</span>\nوهذا فيما ذُكر عن ابن عباسٍ خبرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه عن قيلِ الشاهدِ أنه قال للمرأةِ وليوسفَ.\nيعنى بقولِه: ﴿يُوسُفُ﴾: يا يوسفُ ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾. يقولُ: أَعرِضْ عن ذكرِ ما كان منها إليك فيما راودتْكَ عليه، فلا تذكُرْه لأحدٍ.\nكما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾. قال: لا تذكُرْه (^١).\n﴿وَاسْتَغْفِرِي﴾ أنت زوجَكِ. يقولُ: سَلِيه أن لا يعاقبَكِ على ذنبكِ الذي أذنبتِ، وأن يصفَحَ عنه، فيستُرَه عليكِ، ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾. يقولُ: إنكِ كنتِ من المذنبين في مراودةِ يوسفَ عن نفسِه. يقالُ منه: خطِئ في الخطيئةِ يَخْطَأُ خَطَأً وخِطْأً. كما قال جلَّ ثناؤُه إنَّهُ (^٢): ﴿كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١]. والخَطَأُ في الأمرِ.\nوحُكِى في الصوابِ أيضًا الصَّوَبُ والصَّوْبُ، كما قال الشاعرُ (^٣):\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٠ (١١٥١٧) بإسناده عن ابن زيد.\n(^٢) كذا في النسخ. ولعله وهم من الناسخ سبق به قلمه.\n(^٣) البيت لأوس بن غلفاء، كما في النوادر ص ٤٦، وطبقات فحول الشعراء ١/ ١٦٧، ومجاز القرآن ١/ ٢٤١.","vol":"13","page":113},{"text":"لَعَمْرُكِ (^١) إِنما خَطَئِي وصَوْبي (^٢) … عليَّ [وإنَّ ما] (^٣) أَهْلَكتُ مالُ\nويُنْشَدُ بيتُ أُميَّةَ (^٤).\nعبادُك يَخْطأُون وأنتَ رَبٌّ … بكفَّيْكَ المَنَايا والحُتُومُ (^٥)\nمن خَطِئ الرجلُ.\nوقيل: ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾. و(^٦) لم يُقلْ: من الخاطئاتِ؛ لأنه لم يقصِدْ بذلك قصدَ الخبرِ عن النساءِ، وإنما قصَد به الخبرَ عمن يَفْعَلُ ذلك فيَخْطَأُ.\n\n<span id=\"aya-1626\"></span><span data-type='title' id=toc-4406>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وتحدَّث النساءُ بأمرِ يوسفَ وأمرِ امرأةِ العزيزِ في مدينةِ مصرَ، وشاع من أمرِهما فيها ما كان، فلم يَنْكَتمْ، وقُلْن: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾: عبدَها ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: وشاع الحديثُ في القريةِ، وتحدَّث النساءُ بأمرِه وأمرِها، وقُلْن: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا\n_________\n(^١) في النوادر، والطبقات: \"ذرينى\"، وفى المجاز: \"دعينى\".\n(^٢) صوبى؛ أي: صوابى. ينظر اللسان (ص وب).\n(^٣) قال صاحب اللسان: \"وإن ما\" كذا منفصلة. قوله: \"مالُ\"، بالرفع؛ أي: وإن الذي أهلكت إنما هو مال. اللسان (ص وب).\n(^٤) ديوانه ص ٥٣\n(^٥) الحتومُ: جمع حتم، والحتم: القضاء، وقال ابن سيده: الحتم: إيجابُ القضاءِ. وفي التنزيل العزيز: ﴿كان على ربك حتما مقضيا﴾. اللسان (ح ت م).\n(^٦) سقط من: م.","vol":"13","page":114},{"text":"عَنْ نَفْسِهِ﴾. أي: عبدَها (^١).\nوأما العزيزُ فإنه الملكُ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ أبي داودَ (^٢):\nدُرَّةٌ غاص عَلَيْها تاجرٌ … جُلِيتْ عندَ عزيزٍ يَوْمَ طَلُّ (^٣)\nيعنى بالعزيزِ: الملكَ، وهو من العِزَّةِ.\nوقولُه: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. يقولُ: قد وصَل حبُّ يوسفَ إلى شَغَافِ قلبِها، فدخَل تحتَه حتى غلَب على قلبِها. وشَغَافُ القلبِ: حِجابُه وغِلافُه الذي هو فيه. وإيَّاه عنى النابغةُ الذُّبْيانى بقولِه (^٤):\nوقَدْ حال همٌّ دونَ ذلك داخلٌ … دخولَ شَغَافٍ (^٥) تَبْتَغِيه (^٦) الأصابعُ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4407>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجَّاجُ بنُ محمدٍ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني عمرُو بنُ دينارٍ أنه سمِع عكرمةَ يقولُ في قولِه: ﴿شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: دخَل حبُّه تحتَ الشَّغَافِ (^٧).\n_________\n(^١) جه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣١ (١١٥٢١) من طريق سلمة به.\n(^٢) هو أبو دواد الإيادى، والبيت في التبيان ٦/ ١٢٨.\n(^٣) الغوص: النزول تحت الماء، وقيل: الدخول في الماء. اللسان (غ وص)، وجلا الأمر وجلَّاه وجلَّى عنه: كشفه وأظهره، وجلا الصيقل السيف والمرآة ونحوهما جلوًا وجلاءً صقلهما. اللسان (ج ل و)، والطَّلُّ: المطر الصغارُ القطرِ الدائم. اللسان (ط ل ل).\n(^٤) ديوانه ص ٤٥.\n(^٥) في الديوان: الشغاف.\n(^٦) تبتغيه: تلتمسه. يعنى أصابع المتطببين ينظرون أنزل في الموضع أم لا وإنما ينزل عند البُرء.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦ إلى المصنف وأبى الشيخ.","vol":"13","page":115},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبَابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: دخَل حبُّه في شَغَافِها (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: دخَل حبُّه في شَغَافِها (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: كان حبُّه في شَغافِها (^١).\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثلَ حديثِ الحسنِ بن محمدٍ، عن شَبَابةَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ (^٢)، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. يقولُ: علِقها حبًّا (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن بن عباسٍ قولَه: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: غَلَبها (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ. وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن أيوبَ بن عائذٍ الطائيِّ، عن الشعبيِّ: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: المَشْغُوفُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٩٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"معمر\"، وفى ت ٢، ف: \"عمرو\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣١ (١١٥٢٢) من طريق آخر عن ابن عباس.\n(^٤) في ص: \"عليها\" دون نقط، وفى ت ٢، س: \"عليها\"، وفى ف: \"غليها\".","vol":"13","page":116},{"text":"المُحِبُّ، والمَشْعوفُ (^١) المجنونُ (^٢).\nوبه قال: حدَّثنا أبي، عن أبي (^٣) الأَشْهبِ، عن أبي رَجاءٍ والحسنِ: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال أحدُهما: قد بطَنها حبًّا. وقال الآخرُ: قد صدَقها حبًّا (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: قد بطَنها حبًّا. قال يعقوبُ: قال أبو بشرٍ: أهلُ المدينةِ يقولون: قد بطَنها حبًّا.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ، قال: سمِعته يقولُ في قولِه: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: بطَنها حبًّا، وأهلُ المدينةِ يقولون ذلك.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن قُرَّةَ، عن الحسنِ: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: قد بطَن لها (^٥) حبًّا.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا أبو قَطَنٍ، قال: ثنا أبو الأَشْهَبِ، عن الحسنِ: ﴿قَدْ\n_________\n(^١) في م: \"الشغوف\"، ووردت في ص دون نقط العين، والمشعوفُ: المجنون، ومن أصيب شعفة قلبه بحب أو ذعر أو جنون. ووقع في تفسير ابن أبي حاتم: المشغوف: المجنون، والمشعوف المحب. ينظر القاموس المحيط (ش ع ف). وجاء في اللسان: قرئت بالعين والغين، فمن قرأها بالعين المهملة فمعناه تيمها، ومن قرأها بالغين المعجمة أي أصاب شَغافها. اللسان (ش ع ف).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٢٣ (١١٥٢٥) من طريق ابن وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٥ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف. وهو جعفر بن حيان السعدى، أبو الأشهب العطاردى. تنظر ترجمته في تهذيب الكمال ٥/ ٢٢.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣١ (١١٥٢٤) من طريق ابن علية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٥ إلى ابن أبي شيبة والمصنف وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٥) في م: \"بها\".","vol":"13","page":117},{"text":"شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: بطَنها (^١) حبُّه (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: بطَن بها.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: استبطنها (^٣) حُبُّها إيَّاه (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾، أي: قد علِقها (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: قد علِقها حبًّا (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحَاربيُّ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: هو الحبُّ اللازقُ بالقلبِ (^٦).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحَّاكَ في قولِه: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. يقولُ: هلَكتْ عليه حبًّا، والشَّغافُ: شَغافُ القلبِ (^٧).\n_________\n(^١) في ف: \"بطن بها\".\n(^٢) في ت ١، س: \"حبا\".\n(^٣) في م: \"استبطنا\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٢ عن معمر به، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣١ عقب الأثر (١١٥٢٢) معلقا.\n(^٥) تقدم في ص ١١٦.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٥ إلى ابن أبي شيبة والمصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦ إلى المصنف.","vol":"13","page":118},{"text":"حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدي: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: والشَّغَافُ: جِلْدةٌ على القلبِ، يقالُ لها: لسانُ القلبِ. يقولُ: دخَل الحبُّ الجلدَ حتى أصاب القلبَ (^١).\nوقد اخْتَلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك، فقرأته عامةُ قرأَةِ الأمصارِ بالغين (^٢): ﴿قَدْ شَغَفَهَا﴾. على معنى ما وصَفتُ من التأويلِ. وقرأ ذلك أبو رجاءٍ: (قَدْ شَعَفَها) (^٣) بالعين (^٤).\nحدَّثنا الحسينُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أبو قَطَنٍ، قال: ثنا أبو الأَشْهبِ، عن أبي رجاءٍ: (قَدْ شَعَفَها) (^٥).\nقال: ثنا خلَفٌ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن أبي الأشهبِ، أو عوفٍ، عن أبي رجاءٍ: (قَدْ شَعَفَها حُبًّا) بالعينِ.\nقال: ثنا خَلَفٌ، قال: ثنا محبوبٌ، قال: قرأه عوفٌ: (قد شَعَفَها).\nقال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن هارونَ، عن أَسِيدٍ، عن الأعرجِ: (قَدْ شَعَفَها حُبًّا). وقال: شغَفها (^٦) إذا (^٧) كان هو يُحِبُها.\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٠ بهذا الإسناد، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣١ (١١٥٢٦) من طريق عامر عن أسباط به.\n(^٢) في ص، ف: \"بالعين\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"شغفها\".\n(^٤) سقط من ف، وغير منقوطة في ص. وهى أيضا قراءة على ﵁، والحسن وقتادة ويحيى بن يعمر ومجاهد وابن محيصن وابن السميفع، بخلاف عن بعضهم والقراءة شاذة. ينظر المحتسب ١/ ٣٣٩، والبحر المحيط ٥/ ٣٠١.\n(^٥) في م، ت ٢: \"شغفها\".\n(^٦) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف. وفى ص: \"شعفها\". وهو الموافق للقراءة هنا.\n(^٧) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"إذ\".","vol":"13","page":119},{"text":"ووجَّه هؤلاء معنى الكلامِ إلى أن الحبَّ قد عمَّها (^١).\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من الكوفيين يقولُ: هو من قولِ القائلِ: قد شُعِف (^٢) بها. كأنه ذهب بها كلَّ مذهبٍ من شَعَف (^٣) الجبالِ، وهى رءوسُها.\nورُوِى عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ أنه قال: [الشَّغَفُ شَغَفُ] (^٤) الحبِّ. [والشعَفُ شعَفُ] (^٥) الدابَّةِ حِينَ تُذْعَرُ.\nحدَّثني بذلك الحارثُ، عن القاسمِ أنه قال: يُروى ذلك عن أبي عوانةَ، عن مغيرةَ: عنه (^٦).\nقال الحارثُ: قال القاسمُ: يذهَبُ إبراهيمُ إلى أن أصلَ [الشعفِ هو الذعرُ. قال: وكذلك هو كما قال إبراهيمُ في الأصلِ، إلا أن العربَ ربما استعارت الكلمةَ فوضَعتُها] (^٧) في غيرِ موضعها، قال امرؤٌ القيسِ (^٨):\nأتقتُلُنى (^٩) وقد شعَفْتُ (^١٠) فؤادَها … كما شعَف المهنوءةَ (^١١) الرجلُ الطالِي\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦ إلى المصنف.\n(^٢) في ت ٢ \"شغف\"، وفى ف: \"شغفت\".\n(^٣) في م، ت ٢: \"شغف\".\n(^٤) في ص، ت ١، س: \"الشعف شعف\".\n(^٥) في ت:١: \"والسعف سعف\"، وفى ت ٢: \"والشغف شغف\".\n(^٦) أخرجه سعيد بن منصور (١١٢٢ - تفسير) عن أبي عوانة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٥ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٧) سقط من: ت ٢.\n(^٨) ديوانه ص ٣٣.\n(^٩) في الديوان: \"أيقتلني\".\n(^١٠) في الديوان: \"شغف\".\n(^١١) المهنوءة: المطلية بالقطران، من قولهم: هنأ الإبل إذا طلاها. اللسان (هـ ن أ).","vol":"13","page":120},{"text":"قال: وشعفُ (^١) المرأةِ من الحبِّ، وشعفُ (^١) المهنوءةِ من الذعرِ، فشبَّه لوعةَ الحبِ وجَوَاه بذلك.\nوقال ابن زيدٍ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: إن [الشغفَ والشعفَ] (^٢) مختلفان، والشعفُ في البغضِ، والشغفُ في الحبِ (^٣).\nوهذا الذي قاله ابن زيدٍ لا معنَى له؛ لأن الشعفَ (^٤) في كلامِ العربِ، بمعنى عمومِ الحبِّ، أشهرُ من أن يجهَلَه ذو علمٍ بكلامِهم.\nوالصوابُ في ذلك عندنا من القراءةِ: ﴿قَدْ شَغَفَهَا﴾، بالغينِ (^٥)؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأَةِ عليه.\nوقولُه: ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: قلن: إنا لنرى امرأةَ العزيزِ في مراودتِها فتاها عن نفسِه، وغلبةِ حبِّه عليها، لفى خطأٍ من الفعلِ وجَوْرٍ (^٦) عن قصدِ السبيلِ. ﴿مُبِينٍ﴾ لمن تأمَّله وعلِمه أنه ضلالٌ وخطأٌ غيرُ صوابٍ ولا سدادٍ. وإنما كان قيلُهن ما قلن من ذلك، وتحدُّثُهن بما تحدَّثن به من شأنِها وشأنِ يوسفَ، مكرًا منهن فيما ذُكِر (^٧) لِتُرِيَهُنَّ يوسفَ.\n_________\n(^١) في ت ١: \"سغف\"، وفى ت ٢: \"شغف\".\n(^٢) في ت ١، س، ف: \"الشعف والشغف\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٢ (١١٥٢٩) من طريق آخر عن ابن زيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٥ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) في ت ٢: \"الشغف\"، وفى س: \"السعف\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بالعين\".\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ف: \"جوز\".\n(^٧) في م: \"ذكرا\".","vol":"13","page":121},{"text":"<span id=\"aya-1627\"></span><span data-type='title' id=toc-4408>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلما سمِعت امرأةُ العزيزِ بمكرِ النِّسوةِ اللاتي قلن في المدينةِ ما ذكَره اللهُ ﷿ عنهن.\nوكان مكرُهن ما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾. يقولُ: بقولِهن.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما أَظْهَر النساءُ ذلك من قولِهن: تراودُ عبدَها. مكرًا بها؛ لِتُريَهُنَّ يوسفَ، وكان يُوصفُ لهن بحسنِه وجمالِه، ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾. أي: بحديِثِهن.\n﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنّ﴾. يقولُ: أرسلت إلى النِّسوةِ اللاتي تحدَّثْنَ بشأنِها وشأنِ يوسفَ.\n﴿وَأَعْتَدَتْ﴾. \"أَفْعَلَتْ\" (^٢)، من العَتادِ، وهو العُدَّةُ، ومعناه: أَعدَّتْ لهن متَّكأً. يعني مجلسًا للطعامِ وما يتَّكِئْنَ عليه من النمارقِ و(^٣) الوسائدِ.\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٢٣٧.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"افتعلت\".\n(^٣) بعده في ت ١: \"من\".","vol":"13","page":122},{"text":"وهو \"مُفْتَعَلٌ\"، من قولِ القائلِ: اتكأتُ. يقال: ألقِ له مُتَّكَأً. يعني ما يَتَّكِئُ عليه.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4409>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ اليَمانِ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. قال: طعامًا وشرابًا ومُتَّكَأً (^١).\nقال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسباطَ، عن السُّديِّ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. قال: يَتَّكِئْنَ عليه (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدِ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. قال: مجلسًا (^٣).\nقال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن أبي الأَشْهَبِ، عن الحسنِ أنه كان يقرأُ: (مُتَّكاءً). ويقولُ: هو المجلسُ والطعامُ (^٤).\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ: من قرأ: (مُتَكًا) خفيفةً (^٥)، يعنى طعامًا. ومن قرَأ: ﴿مُتَّكَأً﴾. يعنى: المتكأ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٤ (١١٥٤٤) من طريق عامر بن الفرات، عن أسباط.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٤ (١١٥٤٣) من طريق الضحاك، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٣ (١١٥٣٧) من طريق ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س وهذه القراءة شاذة.","vol":"13","page":123},{"text":"فهذا الذي ذكَرنا (^١) عمن ذكَرنا عنه من تأويلِ هذه الكلمةِ، هو معنى الكلمةِ وتأويلُ المتكأِ، وأنها أعدَّت للنِّسوةِ مجلسًا فيه مُتَّكَأٌ وطعامٌ وشرابٌ وأُتْرُجٌّ (^٢). ثم فسَّر بعضُهم المتكأَ بأنه الطعامُ، على وجهِ الخبرِ عن الذي أُعِدَّ [من أجلِه] (^٣) المتكأُ، وبعضُهم عن الخبرِ عن الأُتْرُجِّ، إذ كان في الكلامِ: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾. لأن السكينَ إنما تُعَدُّ (^٤) للأُتْرُجِّ وما أَشْبَه مما يُقْطَعُ به، وبعضُهم على البَزْماوَرْدِ (^٥).\nحدَّثني هارونُ بنُ حاتمٍ المقرئُ، قال: ثنا إبراهيمُ (^٦) بنُ الزِّبْرِقانِ، عن أبي رَوْقٍ: عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. قال: البَزْماوَرْدُ (^٧) (^٨).\nوقال أبو عُبيدةَ معمرُ بنُ المُثَنَّى (^٩): المتكأُ هو النُّمْرُقُ يُتَّكأُ عليه. وقال: زعَم قومٌ أنه الأُتْرُجُّ. قال: وهذا أبطلُ باطلٍ في الأرضِ، ولكن عسى أن يكونَ مع المتكأِ أُتْرُجٌّ\n_________\n(^١) في ت ١: \"ذكر\".\n(^٢) الأترج: شجر يعلو ناعم الأغصان والورق والثمر، وثمره كالليمون الكبار، وهو ذهبي اللون، داكن الرائحة، حامض الماء، وهو كثير ببلاد العرب، ولا يكون بَرّيًّا. الوسيط (أترج).\n(^٣) في ت ١: \"لأجله\".\n(^٤) في ص: \"تعد\" هكذا حرف المضارعة منقوط من أعلى ومن أسفل بناء على جواز ذلك، وفي ت ٢: \"يعد\".\n(^٥) البزماورد والزُّماورد: طعام من البيض واللحم، معرب. القاموس المحيط (ورد). وقال الشهاب الخفاجي: وهو الرقاق الملفوف باللحم … وفى كتب الأدب: هو طعام يقال له: لقمة القاضي، ولقمة الخليفة. ينظر شفاء الغليل ص ١١٣.\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"هشيم\". وينظر الجرح والتعديل ٢/ ١٠٠.\n(^٧) في ص: \"الرماورد\".\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٣ (١١٥٤١) من طريق أبى روق به، كما أخرجه أيضا ٧/ ٢١٣٣ (١١٥٤٠) من طريق إبراهيم بن الزبرقان، عن أبي سنان، عن الضحاك بلفظ: كنا نقول ونحن غلمان: هو البزماورد.\n(^٩) مجاز القرآن ١/ ٣٠٩.","vol":"13","page":124},{"text":"يأكُلونه.\nوحكى أبو عُبيدٍ (^١) القاسمُ بنُ سلَّامٍ قولَ أبي عُبيدةَ هذا (^٢)، ثم قال: والفقهاءُ أعلمُ بالتأويلِ منه. ثم قال: ولعله (^٣) بعضُ ما ذهب من كلامِ العربِ، فإن الكِسائيَّ كان يقولُ: قد ذهَب من كلامِ العربِ شيءٌ كثيرٌ انْقَرض أهلُه.\nوالقولُ في أن الفقهاءَ أعلمُ بالتأويلِ من أبى عُبيدةَ، كما قال أبو عُبيدٍ (^٤)، لا شكّ فيه، غيرَ أن أبا عبيدةَ لم يَبعُدْ من الصوابِ في هذا القولِ، بل القولُ كما قال، من أن من قال للمتكإِ: هو الأُتْرُجُّ، إنما بيَّن المُعَدَّ في المجلسِ الذي فيه المتكأُ، والذي من أجلِه أُعْطِين السكاكينَ؛ لأن السكاكينَ معلومٌ أنها لا تُعَدُّ للمتكإِ إلا لتخريقِه، ولم يُعطيَن السكاكينَ لذلك. ومما يبيِّنُ صحةَ ذلك القولُ الذي ذكَرناه عن ابن عباسٍ، من أن المتكأَ هو المجلسُ.\nثم روَى (^٥) مجاهدٌ عنه ما حدَّثني به سليمانُ بنُ (^٦) عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بن الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَينَةَ، عن حُصينٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾. قال: أَعْطَتهنَّ أُتُرجًّا، وأَعْطت كلَّ واحدةٍ منهن سكينًا (^٧).\nفبيَّن ابن عباسٍ في روايةِ مجاهدٍ هذه، ما أَعْطَت النِّسوة، وأَعْرض عن ذكرِ\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، س، ف: \"عبيدة\"، وغير واضحة في: ت ١.\n(^٢) سقط من م.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"لعل\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"عبيدة\".\n(^٥) بعده في م: \"عن\".\n(^٦) في س: \"عن\".\n(^٧) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦ إلى ابن مردويه.","vol":"13","page":125},{"text":"بيان معنى (المتكأِ)؛ إذ كان معلومًا معناه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4410>ذكرُ مَن قال في تأويل \"المتكأِ\" ما ذكَرنا</span>\nحدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا فُضيلُ بن عِياضٍ، عن حُصينٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. قال: التُّرُنْجُ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن عوفٍ، قال: حُدِّثتُ عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤُها: (مُتْكًا). مخففةً، ويقولُ: هو الأُتُرْجُّ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. قال: الطعامَ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ والحسنُ بن محمدٍ، قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. قال: طعامًا.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا غُنْدَرٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. قال: طعامًا.\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا وهبُ بن جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ نحوَه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسدد - كما في المطالب العالية ٨/ ٦٠٠ (٤٠١٨) - عن يحيى به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٢ (١١٥٣٤) من طريق فضيل بن عياض به، وهو في تفسير مجاهد ص ٣٩٥ من طريق حصين به. وعزاه السيوطي - كاللفظ الآتى - في الدر المنثور ٤/ ١٦ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٣ (١١٥٣٨) من طريق عبد الله بن إدريس به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٣ (١١٥٣٧) من طريق ابن علية به.\n(^٤) ينظر ما تقدم تخريجه في ص ١٢٣.","vol":"13","page":126},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: من قرَأها (^١): ﴿مُتَّكَأً﴾. فهو الطعامُ، ومن قرأها: (مُتَكًا). فخفَّفها، فهو الأُتْرُجُّ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مُتَّكَأً﴾. قال: طعامًا.\nحدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ، قال: ثنا شَبَابَةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثني المُثَنَّى قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ القُرشيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: من قرأ: (مُتْكًا). خفيفةً، فهو الأُتْرُجُّ (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثنا ابن وكيع قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، قال: سمعتُ بعضهم يقولُ: الأُتْرُجُّ.\n_________\n(^١) في م: \"قرأ\".\n(^٢) تفسير الثوري ص ١٤١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٣ (١١٥٣٩) من طريق ابن مهدي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦ إلى أبي عبيد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٩٠.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"13","page":127},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. أي: طعامًا.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^١).\nقال: ثنا يزيدُ، عن أبي رجاءٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿مُتَّكَأً﴾. قال: طعامًا.\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾: يعنى الأُتْرُجَّ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾: والمتكأُ الطعامُ.\nقال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. قال: الطعامُ.\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. قال: طعامًا.\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مُتَّكَأً﴾: فهو كلُّ شيءٍ يُحَزُّ بالسكينِ (^٢).\nقال الله تعالى ذكرُه مخبرًا عن امرأةِ العزيزِ والنسوةِ اللاتي تحدَّثن بشأنِها في\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٢ عن معمر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٣ عقب الأثر (١١٥٤٢) معلقا عن عبيد بن سليمان وعلى بن الحكم، عن الضحاك.","vol":"13","page":128},{"text":"المدينةِ: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وأعطت كلَّ واحدةٍ من النسوةِ اللاتي حضَرْنها سكِّينًا؛ لتقطَعَ به من الطعامِ ما تَقْطَعُ (^١) به. وذلك ما ذكرتُ أنها آتَتْهن، إما من الأُثْرُجِّ، وإما من البَزْماوَرْدِ (^٢)، أو غيرِ ذلك مما يُقْطَعُ بالسكِّينِ.\nكما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بن محمدٍ، عن أسباطَ، عن السُّديِّ: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾: وأُتْرُجًّا يَأْكُلْنه (^٣).\nحدَّثنا سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن حُصينٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾. قال: أعطتْهن أُتْرُجًّا، وأعطَت كلَّ واحدةٍ منهن سكِّينًا (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾: ليحتزِزن به من طعامِهن.\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾: وأعطتهن تُرُنْجًا وعسلًا، فكُنَّ يَحْزُزْن التُّرُنجَ بالسكِّين، ويأكُلْنَ بالعسلِ (^٥).\nوفي هذه الكلمةِ بيانُ صحةِ ما قلنا وأَخْبَرنا (^٦) في قولِه: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س: \"يقطع\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"الرماورد\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ١٢٣.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ١٢٥.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٤ (١١٥٤٧) من طريق أصبغ، عن ابن زيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦ إلى أبى الشيخ.\n(^٦) في ت ١: \"اخترنا\".","vol":"13","page":129},{"text":"مُتَّكَأً﴾. وذلك أن الله تعالى ذكرُه أَخْبَر عن إيتاءِ امرأةِ العزيز النسوةَ السكاكينَ، وترَك ما له آتتهُنَّ السكاكينَ؛ إذ كان معلومًا أن السكاكينَ لا تُدْفَعُ إلى من دُعى إلى مجلسٍ إلا لقطعِ ما يُؤكلُ إذا قُطِع بها، فاستَغنى بفهمِ السامعِ بذكرِ إيتائِها صواحباتِها السكاكينَ، عن ذكرِ ماله آتتهنَّ ذلك، فكذلك استَغنى بذكرِ اعتدادِها لهن المتكأَ عن ذكرِ ما يُعْتَدُّ له المتكأُ، مما يحضُرُ المجالسَ من الأطعمةِ والأشربةِ والفواكهِ وصنوفِ الإلتهاءِ؛ لفهمِ السامعين بالمرادِ من ذلك، ودلالةِ قولِه: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ عليه. فأما نفسُ المُتَّكأَ، فهو ما وصَفنا خاصةً دونَ غيرِه.\nوقولُه: ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقالت امرأةُ العزيزِ ليوسفَ: اخْرُج عليهنَّ. فخرَج عليهنَّ يوسفُ، ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فلما رأَيْنَ يوسفَ أَعْظَمُنه وأَجْلَلْنه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4411>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبَابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ. عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾: أَعْظَمْنَهُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٩٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦، ١٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.","vol":"13","page":130},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (^١)، قال، وحدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾. أي: أَعْظَمُنه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بن محمدٍ، عن أسباطَ، عن السُّديِّ: ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾: ليوسفَ، ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾: عظَّمْنه (^٢).\nحدَّثنا إسماعيلُ بن سيفٍ العِجْليُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ عابسٍ، قال: سمِعتُ السُّديَّ يقولُ في قولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾. قال: أَعْظَمْنه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾: فخرَج، فلما رَأَيْنَه أَعْظَمْنه وبُهتْنَ (^٣).\nحدَّثنا إسماعيلُ بنُ سيفٍ (^٤)، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عليٍّ الهاشميُّ، عن أبيه، عن جدِّه في قولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾. قال: حِضْنَ (^٥).\nحدَّثنا عليُّ بن داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٥ عقب الأثر (١١٥٥٣) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٥ (١١٥٥٤) من طريق أصبغ، عن ابن زيد، وينظر ما تقدم تخريجه في ص ١٢٩.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يوسف\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٥ (١١٥٥١، ١١٥٥٢) من طريق عبد الصمد بن علي الهاشمي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦ إلى ابن المنذر. وفيهما زيادة بيت الشعر الآتى.","vol":"13","page":131},{"text":"عباسٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾. يقولُ: أَعْظَمْنه (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي زائدةَ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوهذا القولُ - أَعْنى القولَ الذي رُوِى عن عبدِ الصمدِ، عن أبيه، عن جدِّه، في معنى: ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ أنه (^٢) \"حِضْن\" - إن لم يكنْ عنَى به أنهن حِضْنَ من إجلالِهنَّ يوسفَ، وإعظامِهنَّ لما كان اللهُ قسَم له من البهاءِ والجمالِ، ولما يجِدُ (^٣) من مثلِ ذلك النساءُ عندَ معاينِتهنَّ إِيَّاه - فقولٌ لا معنى له (^٤)؛ لأن تأويلَ ذلك: فلما رأَيْن يوسفَ أَكْبَرنه. فالهاءُ التي في ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ من ذكرِ يوسفَ، ولا شكَّ أن من المحالِ أن يَحِضْن يوسفَ. ولكن الخبرَ إن كان صحيحًا عن ابن عباسٍ على ما رُوى، فخليقٌ أن يكونَ كان معناه في ذلك أنهن حِضْنَ لِما أَكْبَرن من حسنِ يوسفَ وجمالهِ في أنفسِهن، ووجَدن ما يجِدُ (^٥) النساءُ من مثلِ ذلك.\nوقد زعَم بعضُ الرواةِ أن بعض الناسِ أَنْشَده في \"أَكْبَرْن\" بمعنى: حِضْن، بيتًا لا أَحْسَبُ أن له أصلًا؛ لأنه ليس بالمعروفِ عند الرواةِ، وذلك (^٦):\nنأتى (^٧) النساءَ على أطهارِهنَّ ولا … نأتى (^٧) النساء إذا أَكْبَرْن إكْبارَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٥ (١١٥٥٣) من طريق الضحاك، عن ابن عباس.\n(^٢) في ت ١: \"أنهن\".\n(^٣) في ت ٢: \"تجد\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ٢، ف.\n(^٥) في ص، ت ١، س، ف: \"يجدن\"، وفي ت ٢: \"تجدن\".\n(^٦) اللسان (ك ب ر) دون نسبة.\n(^٧) في ص غير منقوطة، وفي ت ١، ت ٢، س، ف: \"يأتي\".","vol":"13","page":132},{"text":"وزعَم أن معناه: إذا حِضْن.\nوقوله: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه أنهن حزَزْن بالسكِّينِ في أيديهن، وهن يَحْسَبن أنهنَّ يُقَطِّعْن الأُتْرُجَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4412>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شبَابةُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ له: حزًّا حزًّا بالسكِّينِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾. قال: حزًّا حزًّا بالسكاكين.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال، وحدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾. قال: حزًّا حزًّا بالسكِّينِ.\nحدَّثنا ابن (^٢) وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾. قال: جعَل النسوةُ يحزُزْن أيديَهن، يَحْسَبْن أنهن يقطِّعْنَ الأُتْرُجَّ (^٣).\nحدَّثنا إسماعيلُ بنُ سيفٍ، قال: ثنا عليُّ بن عابسٍ، قال: سمِعتُ السُّديَّ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٩٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٦ (١١٥٥٧)، وينظر ما تقدم تخريجه في ص ١٣٠.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٧ (٩١٥٦٨) من طريق عامر، عن أسباط به نحوه.","vol":"13","page":133},{"text":"يقولُ: كانت في أيديهن سكاكينُ مع الأُتْرُجِّ، فقطَّعن أيديَهن، وسالت الدماءُ، فقلن: نحن نلومُكِ على حبِّ هذا الرجلِ، ونحن قد قطَّعنا أيديَنا، وسالت الدماءُ!\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: جعَلن يحزُزْن أيديَهن بالسكِّين، ولا يحسَبْن إلا أنهن يحزُزْن التُّرُنْجَ، قد ذهَبت عقولُهن مما رأَيْن (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾: وحزَزْن أيديَهن.\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو (^٢) كُدينةَ، عن حُصينٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: جعَلن يقطِّعْنَ أيديَهن وهن يحسَبْن أنهن يقطِّعن الأُتْرُجَّ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾. قال: جعَلن يحزُزْنَ أيديَهن، ولا يشعُرْن بذلك (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قالت ليوسفَ: ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾. فخرَج عليهن، ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾، وغُلِبت (^٥) عقولُهن عجبًا منه (^٦) حينَ رَأَيْنه، فجعَلن يقطَّعْنَ أيديَهن بالسكاكينِ التي معهن، ما يعقِلْن شيئًا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦ إلى المصنف وأبى الشيخ، ومن تمام الأثر المتقدم في ص ١٢٩.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، س: \"ابن\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٩٦.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٢ عن معمر به.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عال\"، وفي تفسير ابن أبي حاتم: \"غارت\".\n(^٦) سقط من: م.","vol":"13","page":134},{"text":"مما يصنَعْن، وقُلْنَ: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أنهن قطَّعن أيديَهن حتى أبَنَّها وهن لا يشْعُرْن.\n\n<span data-type='title' id=toc-4413>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قطَّعن أيديَهن حتى أَلْقَينها (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾. قال: قطَّعن أيديَهن حتى أَلْقَينها (^٣).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إِن اللَّهَ أَخْبَر عنهن أنهن قطَّعن أيديهن وهن لا يشعُرْن؛ لإعظام يوسفَ، وجائزٌ أن يكونَ ذلك كان قطعًا بإبانةٍ، وجائزٌ أن يكونَ كان قطعَ حزٍّ وخَدْشٍ، ولا قولَ في ذلك أصوبُ من التسليمِ لظاهرِ التنزيلِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ، قال: أُعْطِيَ يوسفُ وأمُّه ثُلُثَ الحُسْنِ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٥ (١١٥٥٥) من طريق سلمة به مختصرا.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٢ عن معمر به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٢.\n(^٤) تفسير الثورى ص ١٤٢، ومن طريقه الطبراني (٨٥٥٦)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٦ (١١٥٦١)، والطبراني (٨٥٥٧) من طريق زهير، عن أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧ إلى ابن سعد وأبى الشيخ.","vol":"13","page":135},{"text":"إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ مثلَه. (^١).\nوبه عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ، قال: قُسِم ليوسفَ وأُمِّه ثلثُ الحسنِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ، قال: أُعْطِيَ يوسفُ وأُمُّه ثُلُثَ حُسْنِ الخَلْقِ (^٢).\nحدَّثني أحمد بن ثابتٍ، وعبدُ الله بن محمدٍ الرازيَّان (^٣)، قالا: ثنا عفانُ، قال: أخبَرنا حمادُ بن سلَمةَ، قال: أخبَرنا ثابتٌ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"أُعْطِيَ يوسفُ وأمُّه شَطْرَ الحسنِ\" (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن أبي معاذٍ، عن يونسَ، عن الحسنِ، أن النبيَّ ﷺ قال: \"أُعْطِي يوسفُ وأُمُّه ثُلُثَ حسنِ أهلِ الدنيا، وأُعْطِيَ الناسُ الثُّلُثين\". أو قال: \"أُعْطِىَ يوسفُ وأمُّه الثُّلُثين، وأُعْطِي الناسُ الثُّلُثَ\" (^٥).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ربيعةَ الجُرَشيِّ، قال: قُسِم الحسنُ نصفين؛\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (٨٥٥٥) من طريق شعبة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٩٦، ١١/ ٥٦٥، ٥٦٦ عن وكيع به.\n(^٣) في ت ١: \"الرازي\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣٠، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٩٦، ١١/ ٥٦٥، وأحمد ٢١/ ٤٤١ (١٤٠٥٠)، وابن عدى ٥/ ٢٠٢١، والحاكم ٢/ ٥٧٠ من طرق عن عفان به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٦ (١١٥٥٩) من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت به موقوفا، وأخرجه أبو يعلى (٣٣٧٣)، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٥٣ من طريق شيبان بن فروخ، عن حماد، عن ثابت به موقوفا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧ إلى ابن مردويه.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧ إلى أبى الشيخ.","vol":"13","page":136},{"text":"فأُعْطِىَ يوسفُ وأُمه سارَّةُ نصفَ الحسنِ، والنصفُ الآخرُ بينَ سائرِ الخلقِ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ربيعةَ الجُرَشِيِّ، قال: قُسِم الحسنُ نصفين؛ فقُسِم ليوسفَ وأمِّه النصفُ، والنصفُ لسائرِ الناسِ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حُميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ربيعةَ الجُرَشيِّ، قال: قُسِم الحسنُ نصفين؛ فجُعِل ليوسفَ و(^٢) سارَّةَ النصفُ، وجُعِل لسائرِ الخلقِ النصفُ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عيسى بن يزيدَ، عن الحسنِ: أُعْطِيَ يوسفُ وأمُّه ثُلُثَ حسنِ الدنيا، وأُعْطِىَ الناسُ الثُّلُثين (^٤).\nوقولُه: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾. اخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ بفتحِ الشينِ وحذفِ الياءِ (^٥).\nوقرأه بعضُ البصريِّين بإثباتِ الياءِ: (حَاشَى اللهِ) (^٦). وفيها (^٧) لغاتٌ لم يُقْرَأَ بها: (حاشَى اللهِ). كما قال الشاعرُ (^٨):\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٦ (١١٥٦٠) من طريق أبي نعيم، عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) بعده في ت ١: \"أمه\".\n(^٣) في م: \"نصف\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٦ (١١٥٦٣) من طريق يونس، عن الحسن به، وليس فيه ذكر أم يوسف ﵇، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧ إلى ابن المنذر.\n(^٥) هي قراءة السبعة عدا أبي عمرو البصرى\n(^٦) هي قراءة أبي عمرو، وقرأ الباقون كالقراءة الأولى. حجة القراءات ص ٣٥٩.\n(^٧) في م: \"وفيه\".\n(^٨) هو الجميح الأسدى، منقذ بن الطماح، والبيت في المفضليات ص ٣٦٧، والأصمعيات ص ٢١٨، =","vol":"13","page":137},{"text":"حاشَى أبى (^١) ثَوْبَانَ (^٢) إِنَّ بِهِ (^٣) … ضَنًّا عن المَلْحاةِ (^٤) والشَّتْمِ\nوذُكِر عن ابن مسعودٍ أنه كان يقرأُ بهذه اللغةِ (^٥)، [و(حَشَى اللهِ] (^٦). و(حاشْ اللهِ (^٧». بتسكينِ الشينِ والألفِ، يجمَعُ بين الساكنين (^٨).\nوأما القراءةُ فإنما هي بإحدى اللغتين الأُولَيَين (^٩)، فمن قرَأ: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾. بفتحِ الشينِ وإسقاطِ الياءِ، فإنه أراد لغةَ من قال: حاشَى للهِ. بإثباتِ الياءِ، ولكنه حذف الياء لكثرتِها على ألسنِ العربِ، كما حذَفتِ العربُ الألفَ من قولِهم: لا أبَ لغيرِك، ولا أبَ لشانِيكَ. وهم يعنون: لا أبًا لغيرِك، ولا أبًا لشانِيك.\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلام العرب يزعُمُ أن لقولِهم: حاشَى (^١٠). موضعين في الكلامِ: أحدُهما: التنزيهُ، والآخرُ الاستثناءُ. وهو في هذا الموضعِ عندَنا بمعنى التنزيهِ للهِ، كأنه قيل: معاذَ اللهِ.\n_________\n= ونسب في نسخة من مجاز القرآن ١/ ٣١٠ إلى سبرة بن عمرو الأسدى، والبيت هنا وفي مجاز القرآن مركب من صدر بيت على عجز آخر، ينظران في المفضليات والأصمعيات.\n(^١) في المفضليات: \"أبا\".\n(^٢) في ص، ت ١، س: \"بروان\". وفى ف: \"برقان\"، وكذا في ت ٢ ولكن غير منقوطة.\n(^٣) في ص: \"له\".\n(^٤) الملحاة من: لحا الرجل لحوًا: شتمه. اللسان (ل ح و).\n(^٥) هي قراءة أبيّ أيضا، ينظر مختصر الشواذ ص ٦٨، والمحتسب ١/ ٣٤١.\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) في م: \"لله\". وكما في المطبوعة روى القطعى عن نافع، ورويت عن الحسن بخلاف عنه. ينظر المصدرين السابقين، وأثبتنا ما وافق النسخ الأخرى، وإن لم نجد من قرأ بها لموافقته كلام المصنف قبل ذلك ولقوله بعد: بتسكين الشين والألف.\n(^٨) قراءات ابن مسعود هذه لغة، وهى شاذة، وليس كل ما جاز لغة جاز قراءةً؛ لأن القراءة سنة متبعة، وسيأتي قريبا قول المصنف في ذلك.\n(^٩) في ص: \"الأولتين\".\n(^١٠) بعده في م، ت ٢: \"لله\".","vol":"13","page":138},{"text":"وأما القولُ في قراءة ذلك، فإنه يقالُ: للقارئ الخيارُ في قراءته بأي هاتين (^١) القراءتين شاء، إن شاء بقراءة الكوفيِّين، وإن شاء بقراءةِ البصريِّين، وهو: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾. و: (حاشَى للَّهِ). لأنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان بمعنًى واحد، وما عدا ذلك فلغاتٌ لا تجوزُ القراءةُ بها؛ لأنَّا لا نعلمُ قارئًا قرَأ بها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4414>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾. قال: معاذَ اللهِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ؛ عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾: معاذَ اللهِ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾: معاذَ اللهِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبَابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾: معاذَ اللهِ.\nقال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن عمرٍو، عن الحسنِ: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾: معاذَ اللهِ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يحيى، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ينظر تفسير مجاهد ص ٣٩٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٦ (١١٥٥٨).","vol":"13","page":139},{"text":"وقولُه: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾. يقولُ: قلن: ما هذا ببشرٍ (^١). لأنهن لم يَرَيْنَ في حُسنِ صورته من البشر أحدًا، فقلن: لو كان من البشرِ لكان كبعضِ ما رأينا من صورةِ البشرِ، ولكنه من الملائكةِ لا من البشرِ.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا﴾: ما هكذا تكونُ البشرُ (^٢)\nوبهذه القراءِة قرَأ (^٣) عامَّةُ قرأَةِ (^٤) الأمصارِ.\nوقد حُدِّثت عن يحيى بن زيادٍ الفرَّاءِ، قال: ثنى دِعامةُ بنُ رجاءٍ التَّيْمِيُّ - وكان غرًّا - عن أبي الحُوَيرثِ الحنفيِّ أنه قرَأ: (ما هذا بِشِرًى). أي: ما هذا بمُشْتَرًى (^٥).\nيريدُ بذلك أنهن أَنْكَرن أن يكون مثله مستعبَدًا يُشْتَرى ويُباعُ.\nوهذه قراءةٌ (^٦) لا أستجيزُ القراءةَ بها؛ لإجماعِ قرأةِ الأمصارِ على خلافِها. وقد بيَّنا أن ما أَجْمعت عليه فغيرُ جائزٍ خلافُها فيه.\nوأما نصبُ \"البشرِ\"، فمن لغةِ أهلِ الحجازِ، إذا أَسْقَطوا الباءَ من الخبرِ نصَبوه، فقالوا: ما عمرٌو قائمًا. وأما أهلُ نجدٍ، فإن من لغتِهم رفعَه، يقولون: ما عمرٌو قائمٌ. ومنه قولُ بعضِهم حيث يقولُ (^٧):\n_________\n(^١) في م: \"بشرًا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٣) في ص، ت ٢، س، ف: \"قرأت\".\n(^٤) سقط من: ص، ت، س، ف.\n(^٥) معاني القرآن للفراء ٢/ ٤٤.\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"القراءة\".\n(^٧) معاني القرآن للفراء ٢/ ٤٢، ٤٣، ونسب البيت الثاني في شرح التصريح ١/ ١٨٠ إلى الفرزدق، وليس في ديوانه","vol":"13","page":140},{"text":"لَشَتَانَ ما أَنْوِى ويَنْوِى بنو أبي … جميعًا فما هذانِ مُسْتوِيانِ\nتمنَّوا لىَ الموتَ الذي يشعَبُ (^١) الفتى … وكلُّ فتًى والموتُ يَلْتَقيانِ\nوأما القرآنُ فجاء بالنصبِ في كلِّ ذلك؛ لأنه نزَل بلغةِ أهلِ الحجازِ.\nوقولُه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: قلن: ما هذا إلا ملَكٌ من الملائكةِ.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾. قال: قلن: ملَكٌ من الملائكةِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1628\"></span><span data-type='title' id=toc-4415>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قالت امرأةُ العزيزِ للنسوةِ اللاتي قطَّعن أيديَهن: فهذا الذي أصابكن في رؤيتِكن إياه، وفي نظرةٍ منكن نظَرتُن إليه ما أصابكن من ذهابِ العقلِ، وغروبِ (^٣) الفهمِ ولهًا (^٤) إليه (^٥)، حتى قطَّعتن أيديَكن - هو الذي لمتُنَّني في حبى إياه، وشغفِ فؤادى به، فقلتنَّ: قد شغف امرأةُ العزيز فتاها حبًّا، إنا لنراها في ضلالٍ مبينٍ. ثم أقرَّت لهن بأنها قد راودته عن نفسِه، وأن الذي تحدَّثن به عنها في أمرِه حقٌّ، فقالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ مما راودته عليه من ذلك.\n_________\n(^١) التشعب: التفرق. اللسان (ش ع ب).\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٢، ٣٢٣ عن معمر به، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٧ (١١٥٦٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في ت ١: \"عزوب\".\n(^٤) الوله: ذهاب العقل لفقدان الحبيب. اللسان (ول هـ).\n(^٥) في ص، س، ف: \"إليهن\"، وفى ت ١: \"الهتهن\"، وفي ت ٢: \"الهن\".","vol":"13","page":141},{"text":"كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾: تقولُ: بعدَ ما حلَّ السراويلَ اسْتَعْصَى، لا أَدْرِى ما بدا له (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾. أي: فاسْتَعْصَى (^٢).\nحدَّثنى عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾. يقولُ (^٣): فَامْتَنَع (^٤).\nوقولُه: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾. تقولُ (^٥): ولئن لم يُطاوِعْنى على ما أدعوه إليه من حاجتي إليه، ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾. تقولُ (^٥): ليُحْبَسَنَّ في السَّجْنِ، وليَكونَنْ من أهلِ الصَّغارِ والذِّلةِ، بالحبسِ والسِّجْنِ، ولأُهِينَنَّه.\nوالوقفُ على قولِه: ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ بالنونِ، لأنها مشدَّدةٌ، كما قيل: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢].\nوأما قولُه: هو ﴿وَلَيَكُونًا﴾. فإن الوقفَ عليه بالألفِ؛ لأنها النونُ الخفيفةُ،\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٨ (١١٥٧١) من طريق عامر بن الفرات، عن أسباط به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٧ (١١٥٧٠) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) في ت ١: \"تقول\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٧ (١١٥٦٩) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٥) في ت ٢، س: \"يقول\".","vol":"13","page":142},{"text":"وهي شبيهةُ نونِ الإعرابِ في الأسماءِ في قولِ القائلِ: رأيت رجلًا عندَك. فإذا وُقِف على الرجلِ قيل: رأيت رجلا. فصارت النونُ ألفًا (^١)، فكذلك ذلك في: ﴿وَلَيَكُونًا﴾. ومثلُه قولُه: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ﴾ [العلق: ١٥، ١٦]. الوقفُ عليه بالألفِ؛ لما ذكرت، ومنه قولُ الأعشى (^٢):\nوصَلِّ على حينِ العشيَّاتِ والضُّحَى … ولا تعبُدِ الشيطانِ واللهَ فاعبُدَا\nوإنما هو: فاعبُدَنْ. ولكن إذا وُقِف عليه كان الوقفُ بالألفِ.\n\n<span id=\"aya-1629\"></span><span data-type='title' id=toc-4416>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾.</span>\nوهذا الخبرُ من اللهِ يدلُّ على أن امرأةَ العزيزِ قد كانت (^٣) عاودت يوسفَ في المراودةِ عن نفسِه، وتوعَّدَتْه بالسِّجْنِ والحَبْسِ إن لم يفعَلْ ما دعَتْه إليه، فاختار السِّجْنَ على ما دعته إليه من ذلك؛ لأنها لو لم تكنْ عاودته وتوعَّدته بذلك، كان محالًا أن يقولَ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾. وهو لا يُدْعَى إلى شيءٍ، ولا يخوَّفُ بحبسٍ.\nوالسِّجْنُ هو المَحْبِسُ (^٤) نفسُه، وهو بيتُ الحبسِ. وبكسرِ السِّينِ قرأه قرأَةُ الأمصارِ كلِّها، والعربُ تضعُ الأماكنَ المشتقةَ من الأفعالِ مواضعَ الأفعال، فتقولُ: طلَعت الشمسُ مَطْلِعًا، وغرَبَت مَغْرِبًا. فيجعَلونها وهي أسماءٌ، خَلَفًا من المصادرِ، فكذلك السِّجْنُ، فإذا فتحت السينَ من السِّجْنِ كان مصدرًا\n_________\n(^١) المراد بالنون هنا التنوين. ينظر مصطلحات النحو الكوفي ص ١٣٢، ١٣٣.\n(^٢) ديوانه ص ١٣٧، وروايته:\nوذا النصب المنصوب لا تنسكنه … ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا\nوصلّ على حين العشيّات والضحى … ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"الحبس\".","vol":"13","page":143},{"text":"صحيحًا.\nوقد ذُكِر عن بعضِ المتقدِّمين أنه كان (^١) يَقْرَؤُه: (السَّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ). بفتحِ السينِ (^٢).\nولا أَسْتجِيزُ القراءةَ بذلك؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرَأةِ على خلافِها.\nوتأويلُ الكلامِ: قال يوسُفُ: يا ربِّ، الحبسُ في السِّجنِ أحبُّ إليَّ مما يَدْعُوننى إليه من معصيتك، ويُراوِدْنَني (^٣) عليه مِن الفاحشةِ.\nكما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾: مِن الزنى (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قال يوسُفُ، وأضاف (^٥) إلى ربِّه، واسْتعانه (^٦) على ما نزَل به: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾. أي: السجنُ أحَبُّ إليَّ مِن أن أتِىَ ما تكرَهُ (^٧).\nوقولُه: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾. يقولُ: وإن لم تَدْفَعْ عنى يا ربِّ فعْلَهن الذي يَفْعَلْن بي، في مُراوَدتِهن إياى على أنفسِهن، ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾. يقولُ: أَمِيلُ إليهن، وأُتابِعُهن على ما يُرِدْنَ منى ويَهْوَيْنَ. مِن قولِ القائلِ: صبَا فلانٌ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) هي قراءة يعقوب الحضرمي. النشر ٢/ ٢٢١.\n(^٣) في ت ١ ت ٢، س، ف: \"تراودني\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٨ من طريق عامر، عن أسباط به.\n(^٥) في ص: \"أحاف\"، وفى ت ١، ت ٢، س، ف: \"أخاف\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"استغاثه\"، وفى س: \"استعان به\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٨ (١١٥٧٥) من طريق سلمة به.","vol":"13","page":144},{"text":"إلى كذا. ومنه قولُ الشاعرِ (^١):\nإلى هندٍ صَبَا قلْبي … وهندٌ مِثْلُها يُصْبِى\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4417>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾. يقولُ: أُتابِعُهن (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾. أي: ما أَتَخَوَّفُ منهنّ، ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. قال: إِلا يَكُنْ منك أنت العَوْنُ والمَنَعةُ، لا يَكُنْ منى ولا عندى (^٤).\nوقولُه: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. يقولُ: وأَكُنْ بصَبْوتى إليهن مِن الذين جهِلوا حقَّك، وخالَفوا أمرَك ونهيَك.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَأَكُنْ مِنَ\n_________\n(^١) هو يزيد بن ضبة، والبيت في مجاز القرآن ١/ ٣١١، والأغانى ٧/ ١٠٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٨ (١١٥٧٦) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧، ١٨ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٨ (١١٥٧٦) من طريق سلمة به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٨ من طريق أصبغ، عن ابن زيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧ إلى أبى الشيخ.","vol":"13","page":145},{"text":"الْجَاهِلِينَ﴾. أي: جاهلًا إذا ركِبْتُ معصيتَك (^١).\n\n<span id=\"aya-1630\"></span><span data-type='title' id=toc-4418>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾.</span>\nإن قال قائلٌ: وما وجهُ قولِه: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾. ولا مسألةَ تقدَّمَت مِن يوسُفَ لربِّه، ولا دعا بصَرْفِ كيدِهن عنه، وإنما أَخْبَر ربَّه أن السجنَ أحبُّ إليه مِن معصيتِه؟\nقيل: إن في إخبارِه بذلك شِكايةً منه إلى ربِّه مما لقِى منهن، وفي قولِه: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾. معنى دعاءٍ ومسألةٍ منه ربَّه صرفَ كيدِهن، ولذلك (^٢) قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾. وذلك كقولِ القائلِ لآخر (^٣): إن (^٤) لا تَزُرْنى أُهِنْك. فيجيبه الآخرُ: إذن أَزُورَك. لأن في قولِه: إن (^٤) لا تَزُرْنِي أُهِنْك. معنى الأمرِ بالزيارةِ.\nوتأويلُ الكلامِ: فاسْتَجاب اللهُ ليوسُفَ دعاءَه، فصَرَف عنه ما أرادَت منه امرأةُ العزيزِ وصَواحباتُها من معصية اللهِ.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. أي: نجَّاه مِن أَن يَرْكَبَ المعصيةَ فيهن، وقد نزَل به بعضُ ما حذِر منهن (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٩ من طريق سلمة به.\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"كذلك\".\n(^٣) في س، ف: \"الآخر\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٩ (١١٥٨٠) من طريق سلمة به.","vol":"13","page":146},{"text":"وقولُه: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾. [أي سميعٌ] (^١) دعاءَ يوسُفَ حينَ دعاه بصرفِ كيدِ النِّسوةِ عنه، ودعاءَ كلِّ داعٍ مِن خلقِه، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بمطلبِه وحاجتِه وما يُصْلِحُه، وبحاجةِ جميعِ خلقِه وما يُصْلِحُهم.\n\n<span id=\"aya-1631\"></span><span data-type='title' id=toc-4419>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثم بدا للعزيزِ زوجِ المرأةِ التي راوَدَت يوسُفَ عن نفسِه.\nوقيل: ﴿بَدَا لَهُمْ﴾. وهو واحدٌ؛ لأنه لم يُذْكَرْ باسمِه، ويُقْصَدْ بعينِه، وذلك نظيرُ قولِه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. وقيل: إن قائلَ ذلك كان واحدًا.\nوقيل (^٢): معنى قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾: [ثم بدا لهم] (^٣) في الرأيِ الذي كانوا رأَوْه، مِن تركِ يوسُفَ مطلقًا، ورأَوْا أن يَسْجُنوه ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ ببراءتِه مما قرفته به (^٤) امرأةُ العزيزِ.\nوتلك الآياتُ كانت قدَّ القميصِ مِن دُبُرٍ، وخَمْشًا في الوجهِ، وقَطَّعَ أيديهن، كما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن [نضرِ بن عربيٍّ] (^٥)، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾. قال: كان مِن الآياتِ قَدٌّ في\n_________\n(^١) زيادة من: ت ١.\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٤) في م: \"قذفته\". وقرفته: رمته. ينظر اللسان (ق ر ف).\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، س: \"نصر بن عوف\"، وفى ف: \"نضر بن عوف\". والمثبت هو الصواب وقد تقدم مرارًا.","vol":"13","page":147},{"text":"القميصِ، وخَمْشٌ في الوجهِ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى وابنُ تُميرٍ، عن نضر، عن عكرمة مثله (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾. قال: قدُّ القميصِ مِن دبرٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾. قال: قدُّ القميصِ مِن دبرٍ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ. قال: وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾. قال: الآياتُ: حَزُّهن أيديَهن، وقدُّ القميصِ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قَدُّ القميصِ مِن دبرٍ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٩ (١١٥٨٢) من طريق عكرمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٩ (١١٥٨٣) من طريق النضر بن عربي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٩٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٣ عن معمر به.","vol":"13","page":148},{"text":"حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾: ببراءتِه مما (^١) أتُّهِم به مِن شقَّ قميصِه مِن دبرٍ، ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾. قال: الآياتُ: القميصُ، وقَطْعُ الأيدى (^٣).\nوقولُه: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾. يقولُ: ليسجُنُنَّه إلى الوقت الذي يَرَوْن فيه رأيَهم. وجعَل اللهُ ذلك الحبسَ ليوسُفَ فيما ذُكِر عقوبةً له مِن همِّه بالمرأةِ، أو (^٤) كفارةً لخطيئتِه (^٥).\nحُدِّثْتُ عن يحيى بن أبي زائدةَ، عن إسرائيلَ، عن حُصَيْفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾: عثَر يوسُفُ ﵇ ثلاثَ عَثَراتٍ؛ حينَ همَّ بها فسُجِن، وحينَ قال: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. فَلَبِثَ في السجنِ بضْعَ سنينَ، وأنساه الشيطانُ ذكرَ ربِّه، وقال لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠]. فقالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (^٦) [يوسف: ٧٧].\nوذُكِر أن سببَ حبسِه في السجنِ كان شكوى امرأةِ العزيزِ إلى زوجِها أمرَها\n_________\n(^١) في ت ٢، س: \"بما\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٠ (١١٥٨٦) من طريق سلمة به.\n(^٣) ذكره المصنف في تاريخه ١/ ٣٤١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٣٩ (١١٥٨٤) من طريق أسباط به مطولًا.\n(^٤) في م: \"و\".\n(^٥) في ت ٢، س، ف: \"بخطيئته\".\n(^٦) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٤٦ من طريق إسرائيل به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٠ (١١٥٨٧) من طريق خصيف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"13","page":149},{"text":"وأمرَه، كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾. قال: قالت المرأةُ لزوجِها: إن هذا العبدَ العِبْرانيَّ قد فضَحنى في الناسِ، يَعْتَذِرُ إليهم ويُخْبِرُهم أنى راوَدْتُه عن نفسِه، ولستُ أُطِيقُ أن أَعْتَذِرَ بعُذْري، فإِما أن تَأْذَنَ لِي فَأَخْرُجَ فَأَعْتَذِرَ، وإما أن تَحْبِسَه كما حبَسْتَنى. فذلك قولُ اللهِ: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ (^١).\nوقد اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ هذه اللامِ في: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾؛ فقال بعضُ البصريين: دخَلَت هاهنا؛ لأنه موضعٌ يَقَعُ فيه \"أيٌّ\"، فلمَّا كان حرفُ الاستفهام يَدْخُلُ فيه دخَلَته النونُ؛ لأن النونَ تَكونُ في الاستفهامِ، تقولُ: بدا لهم أيُّهم (^٢) يَأْخُذُنَّ. أي: اسْتَبان لهم.\nوأَنْكَر ذلك بعضُ أهلِ العربيةِ، فقال: هذا يمينٌ، وليس قولُه: هل تَقُومَنَّ؟ بيمينٍ، و: لَتَقومَنَّ. لا يكونُ إلا يمينًا.\nوقال بعضُ نحويى الكوفةِ: ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ بمعنى القولِ. والقولُ يَأْتى بكلِّ الكلامِ بالقسمِ وبالاستفهامِ، فلذلك جاز: بدا لهم قام زيدٌ، وبدا لهم لَيَقومَنَّ.\nوقيل: إن الحينَ (^٣) في هذا الموضعِ معنِيٌّ به سبعُ سِنينَ.\n_________\n(^١) ذكره المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ١٣٩ (١١٥٨٤) من طريق أسباط به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أنهم\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الخبر\".","vol":"13","page":150},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4420>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن داودَ، عن عكرمةَ: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾. قال: سبعَ سنينَ (^١).\n\n<span id=\"aya-1632\"></span><span data-type='title' id=toc-4421>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ودخَل مع يوسُفَ السجنَ فَتَيان، فدَّل بذلك على متروكٍ قد تُرِك مِن الكلامِ، وهو: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾، فسجَنوه وأدْخَلوه السجنَ، ودخَل معه فَتَيان، فاسْتَغْنَى بدليلِ قولِه: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ (^٢)﴾. على إدخالِهم يوسُفَ السجنَ مِن ذكرِه.\nو(^٣) كان الفَتيان فيما ذُكِر غلامين مِن غِلْمَانِ ملكِ مصرَ الأكبرِ؛ أحدُهما صاحبُ شرابِه، والآخرُ صاحبُ طعامِه.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: فطُرِح في السجنِ، يعنى يوسُفَ، ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾: غلامان (^٤) كانا للملكِ الأكبرِ الرَّيَّانِ بن الوليدِ، كان أحدُهما على شرابِه، والآخرُ على بعضِ أمرِه، في\n_________\n(^١) ذكره المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤١ (١١٥٩١) من طريق عاصم عن عكرمة.\n(^٢) سقط من ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) سقط من ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"غلامين\". وينظر مصدر التخريج.","vol":"13","page":151},{"text":"سَخْطةٍ سخِطها عليهما، اسمُ أحدِهما مجلثُ، والآخرُ [نبو، ونبو] (^١) الذي كان على الشرابِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾. قال: كان أحدُهما [خبَّاز الملكِ] (^٣) على طعامِه، وكان الآخرُ ساقِيَه على شرابِه (^٤).\nوكان سببَ حبسِ الملكِ الفتَيَين، فيما ذُكِر، ما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ، قال: [حبَسه الملكُ وغضِب] (^٥) على خبَّازِه؛ بلَغه أنه يُرِيدُ أن يَسُمَّه، فحبَسه وحبَس صاحبَ شرابِه، ظنَّ أنه مالأه على ذلك، فحبَسهما جميعًا، فذلك قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ (^٦).\nوقولُه: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. ذُكِر أن يوسُفَ صلواتُ اللهِ (^٧) عليه لما أُدْخِل السجنَ، قال لمن فيه مِن المُحَبَّسين، وسأَلوه عن عملِه (^٨):\n_________\n(^١) في ت ١، س: \"بنو\". وهو موافق لما في البداية والنهاية. وينظر تاريخ الطبرى ١/ ٣٤٣، والتعريف والإعلام ص ١٤٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٢ (١١٥٩٨) من طريق سلمة به.\n(^٣) في م: \"خبازًا للملك\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤١ (١١٥٩٦) من طريق آخر عن سعيد به.\n(^٥) في م: \"إن الملك غضب\".\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٢، ٢١٤٣ (١١٥٩٧، ١١٦٠٢) من طريق أسباط به.\n(^٧) بعده في م: \"وسلامه\".\n(^٨) بعده في ت ١: \"قال\".","vol":"13","page":152},{"text":"إنى أَعْبُرُ (^١) الرؤيا. فقال أحدُ الفتيَين اللذين أُدْخِلا معه السجنَ لصاحبِه: تعالَ فلْنُجَرِّبْه.\nكما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسْباطَ، عن السديِّ، قال: لما دخَل يوسُفُ السجنَ قال: أنا أَعْبُرُ الأحلامَ، فقال أحدُ الفتيَين لصاحبِه: هَلُمَّ نُجَرِّبْ هذا العبدَ العِبْرانيَّ؛ نتراءى له، فسأَلاه مِن غيرِ أن يكونا رأَيا شيئًا، فقال الخبَّازُ: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾. وقال الآخرُ: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن عُمارةَ بن القَعْقاعِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ، قال: ما رأَى صاحبا يوسُفَ شيئًا، إنما كانا تَحالَما؛ ليُجَرِّبا علمَه (^٣).\nوقال قومٌ (^٤): إنما سأَله الفَتَيان عن رُؤْيَا كانا رأَيَاها على صحةٍ وحقيقةٍ، وعلى تصديقٍ منهما ليوسُفَ؛ لعلمِه بتَعْبيرِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-4422>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما رأَى الفَتَيان يوسُفَ، قالا: واللهِ يا فتى، لقد أحْبَبْناك حينَ رأَيْناك.\n_________\n(^١) عبر الرؤيا يعبُرُها عبرًا وعبارة، وعبّرها: فسّرها وأخبر بما يئول إليه أمرها. اللسان: (ع ب ر).\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٣ (١١٦٠٢) من طريق أسباط به.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣١٤ عن المصنف بلفظ: \"ليجربا عليه\".\n(^٤) بعده في ص: \"بل\".","vol":"13","page":153},{"text":"قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ (^١) بن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، أن يوسُفَ قال لهم حينَ قالا له ذلك: أَنْشُدُكما اللَّهَ أن لا تُحِبَّانى، فواللهِ ما أَحَبَّنى أحدٌ قطُّ، إلا دخل عليَّ مِن حبِّه بلاءٌ، لقد أحَبَّتْنى عمَّتى فدخَل عليَّ مِن حبَّها بلاءٌ، ثم لقد أحَبَّنى أبي، فدخَل عليَّ بحبِّه بلاءٌ، ثم لقد أحَبَّتْني زوجةُ صاحبي هذا، فدخَل عليَّ بحبِّها إياىَ بلاءٌ، فلا تُحِبَّانى بارَك اللهُ فيكما. قال: فأبَيا إلا حبَّه وإلْفَه حيثُ كان، وجعَلا يُعْجِبُهما ما يَرَيان مِن فهمِه وعقلِه، وقد كانا رأيا حينَ أُدْخِلا السجنَ رُؤْيَا، فرأَى مجلثُ: أنه يَحْمِلُ فوقَ رأسِه خبزًا تَأْكُلُ الطيرُ منه، ورأَى نبو (^٢) أنه يَعْصِرُ خمرًا، فاسْتفْتَياه (^٣) فيها، وقالا له: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إِن فَعَلْتَ (^٤).\nوعنَى بقولِه: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. أي: إنى أرَى في نومي أنى أَعْصِرُ عنبًا. وكذلك ذلك في قراءةِ ابن مسعودٍ، فيما ذُكِر عنه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي سلمةَ الصائغِ، عن إبراهيمَ بن بَشيرٍ الأنصاريِّ، عن محمدِ ابن الحَنَفيةِ، قال: في قراءةِ ابن مسعودٍ: (إني أَرَانِي أَعْصِرُ عِنَبًا) (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ف: \"بنو\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فاستفتيا\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٢، ٢١٤٣ (١١٥٩٨، ١١٦٠١، ١١٦٠٤) من طريق سلمة به.\n(^٥) أخرجه البخاري في تاريخه ١/ ٢٧٤، ٢٧٥ تعليقا عن وكيع به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٢ (١١٥٩٩) من طريق آخر عن عبد الله به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩ إلى ابن المنذر وابن الأنبارى، وأبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"13","page":154},{"text":"وذُكِر أن ذلك من لغةِ أهلِ عمانَ، وأنهم يُسَمُّون العنبَ خمرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-4423>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. يقولُ: أَعْصِرُ عِنَبًا، وهو بلغة (^١) أهلِ عمانَ، يُسَمُّون العنبَ خمرًا (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ. وثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحاكِ: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. قال: عنبًا، أرضُ كذا وكذا يَدْعُون العنب خمرًا.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. قال: عنبًا (^٣).\nحُدِّثْتُ عن المسيَّبِ بن شَريكٍ، عن أبي حمزةَ، عن عكرمةَ، قال: أتاه فقال: رأيْتُ فيما يَرَى النائمُ أنى غرَسْتُ حَبَلَةً (^٤) مِن عنبٍ، فنبَتَت، فخرَج فيها (^٥) عَناقيدُ فعصَرْتُهن، ثم سقَيْتَهن الملكَ. فقال: تمْكُثُ في السجنِ ثلاثةَ أَيامٍ، ثم تَخْرُجُ فتَسْقِيه خمرًا.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"لغة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٢ من طريق آخر عن الضحاك به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩ إلى ابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩ إلى المصنف.\n(^٤) الحَبَلةُ والحُبَلةُ: الكرمُ، وقيل: الأصل من أصول الكرم، والحبلةُ: طاقٌ من قضبان الكرم، والحبَلُ: شجر العنب، واحدته حَبَلةٌ. اللسان (ح ب ل).\n(^٥) في ص، م: \"فيه\".","vol":"13","page":155},{"text":"وقوله: ﴿وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الآخرُ مِن الفَتيَين: إني أراني في مَنامي ﴿أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾. يقولُ: أَحْمِلُ على رأسى، فوُضِعَت \"فوقَ\" مكانَ \"على\"، ﴿تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ يعنى مِن الخبزِ.\nوقولُه: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾. يقولُ: أخْبِرْنا بما يَئُولُ إِليه ما أَخْبَرْنَاكَ أَنّا رَأَيْناه في منامِنا، ويَرجِعُ إليه.\nكما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا يزيدُ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾. قال: به.\nقال الحارثُ: قال [أبو عُبيدٍ] (^١): يعنى مجاهدٌ: إن تأويلَ الشيءِ هو الشيءُ. قال: ومنه تأويلُ الرؤيا، إنما هو الشيءُ الذي تَئُولُ إليه.\nوقولُه: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى الإحسانِ الذي وصَف به الفَتَيان يوسُفَ؛ فقال بعضُهم: هو أنه كان يَعودُ مريضَهم، ويُعَزِّي حزينَهم، وإذا احْتاج منهم إنسانٌ جمَع له.\n\n<span data-type='title' id=toc-4424>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا خلفُ بنُ خَليفةَ، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحاكِ بن مُزَاحِمٍ، قال (^٢): كنتُ جالسًا [معه ببَلْخَ (^٣)، فسُئِل عن قولِه: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: قيل\n_________\n(^١) في ت ٢: \"أبو عبيدة\". وأبو عبيد هو القاسم.\n(^٢) هو سلمة بن نبيط. وينظر تفسير ابن أبي حاتم، وشعب البيهقى.\n(^٣) في ت ١: \"مع شيخ\". وفي ت ٢، س، ف: \"مع ببلخ\". وينظر سنن ابن منصور. وبلخ مدينة مشهورة بخراسان. معجم البلدان ٢/ ٧١٣، وينظر مصادر التخريج.","vol":"13","page":156},{"text":"له: ما كان إحسانُ يوسفَ؟ قال: كان إذا مرِض إنسانٌ قام عليه، وإذا احْتاج جمَع له، وإذا ضاق أوْسَع له (^١).\nحدَّثنا إسحاقُ بنُ (^٢) أبي إسرائيلَ، قال: ثنا خلفُ بنُ خليفةَ، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحاكِ، قال: سأَل رجلٌ الضحاكَ عن قولِه: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ما كان إحسانُه؟ قال: كان إذا مرِض إنسانٌ في السجنِ قام عليه، وإذا احْتاج جمَع له، وإذا ضاق عليه المكانُ وسَّع (^٣) له (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: بلَغَنا أن إحْسانَه (^٥) أنه كان يُداوِى مريضَهم، ويُعَزِّي حزينَهم، ويَجْتَهِدُ لربِّه. وقال: لما انْتَهَى يوسُفُ إلى السجنِ، وجَد فيه قومًا قد انْقَطَع رجاؤُهم، واشْتَدَّ بلاؤُهم، فطال حزنُهم، فجعَل يقولُ: أبْشِروا واصْبِروا تُؤْجَروا، إن لهذا أجرًا (^٦)، إن لهذا ثوابًا. فقالوا: يا فتى بارَك اللهُ فيك، ما أَحْسَنَ وجهَك، [وأحسنَ خَلَقَك] (^٧) وأحسنَ خُلُقَك! لقد\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٢٤ - تفسير)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٣ (١١٦٠٥)، والبيهقى في شعب الإيمان (٩٥٧٩) من طريق خلف بن خليفة به، وخلف بن خليفة صدوق، اختلط قبل موته، وادعى أنه رأى عمرو بن حريث الصحابي فأنكر عليه ذلك ابن عيينة، وأحمد، ترجمته في التهذيب ٨/ ٢٨٤، والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في النسخ: \"عن\". وهو إسحاق بن أبى إسرائيل، ترجمته في تهذيب الكمال ٢/ ٣٩٨. وينظر تاريخ المصنف ١/ ٣٤٣ حيث أخرج هذا الأثر، وينظر أيضا تاريخه ٥/ ٥٠١، ٦٢٢. حيث أخرج عنه غير هذا الأثر.\n(^٣) في م: \"أوسع\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٣.\n(^٥) بعده في ص، ت ٢، س: \"كان\".\n(^٦) بعده في س: \"إن لهذا جزاء\".\n(^٧) سقط من: م.","vol":"13","page":157},{"text":"بُورِك لنا في جوارِك، ما نُحِبُّ أنا كنا في غيرِ هذا منذُ حُبِسْنا؛ لما تُخْبِرُنا مِن الأجرِ والكفارةِ والطَّهارةِ، فمَن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسُفُ، ابن صَفِيِّ اللَّهِ يعقوبَ، ابن ذَبيحِ اللهِ إسحاقَ بن إبراهيمَ خليلِ اللهِ. وكانت عليه مَحبَّةٌ، وقال له عاملُ السجنِ: يا فتى، واللهِ لو اسْتَطَعْتُ لَخَلَّيْتَ سبيلَك، ولكن سأُحْسِنُ جوارَك، وأُحْسِنُ إِسارَك، فكُنْ في أيِّ بيوتِ السجنِ شِئْتَ (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن خلفٍ الأشْجَعيِّ، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحاكِ في: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: كان يُوسِّعُ للرجلِ في مجلسِه، ويَتَعاهدُ المرضَى.\nوقال آخرون: معناه: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إِن (^٢) نَبَّأْتَنا بتأويلِ رُؤْيانا هذه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4425>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: اسْتَفْتَياه في رُؤياهما، وقالا له: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إِن فَعَلْتَ.\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ القولُ الذي ذكَرْناه عن الضحاكِ وقتادةَ.\nفإن قال قائلٌ: وما وجهُ الكلامِ إن كان الأمرُ إذن كما قلتَ، وقد علِمْتَ أن مسألتَهما يوسُفَ أن يُنَبِّئَهما بتأويلِ رُؤْياهما ليست مِن الخبرِ عن صفتِه بأنه يَعودُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩ إلى المصنف وأبى الشيخ، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٣ (١١٦٠٦) من طريق آخر عن قتادة.\n(^٢) في م: \"إذ\".","vol":"13","page":158},{"text":"المريضَ، ويَقومُ عليه، ويُحْسِنُ إلى مَن احْتاج في شيءٍ، وإنما يقالُ للرجلِ: نبِّئْنا بتأويلِ هذا، فإنك عالمٌ. وهذا من المواضع التي تَحْسُنُ بالوصفِ بالعلمِ لا بغيرِه؟\nقيل: إن وجهَ ذلك أنهما قالا له: نَبِّئْنا بتأويلِ رُؤْيانا مُحْسِنًا إلينا في إخبارِك إيانا بذلك، كما نراك تُحسِنُ في سائرِ أفعالِك؛ ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1633\"></span><span data-type='title' id=toc-4427>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿قَالَ﴾ يوسفُ للفَتَيَين اللذين اسْتَعْبَرَاه الرُّؤْيا: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا﴾، أيُّها الفتيان، في مَنامِكما ﴿طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ في يَقظَتِكما، ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4426>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ، قال: قال يوسفُ لهما: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ في النومِ ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ في اليقظة (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قال يوسفُ لهما. بنحوِه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٤ (١١٦٠٩) من طريق أسباط به.\n(^٢) في ص، م، س: \"لا يأتيكما طعام ترزقانه. يقول: في نومكما. إلا نبأتكما بتأويله\". وفي ت ٢، ف: \"لا يأتيكما بتأويله\". =","vol":"13","page":159},{"text":"ويعنى بقولِه: ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾: ما يَئولُ إليه ويصيرُ ما رَأيا في منامِهما مِن الطعامِ الذي رَأيا أنه أتاهما فيه.\nوقولُه: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾. يقولُ: هذا الذي أذكُرُ أني أَعْلَمُه مِن تعبيرِ الرؤيا، مما عَلَّمَنى ربِّي فَعَلِمْتُه، ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. وجاءَ الخبرُ مبتدأً، أي: تَرَكتُ ملةَ قومٍ، والمعنى: ما قلْتُ (^١). وإنما ابْتَدأَ بذلك؛ لأن في الابتداءِ الدليلَ على معناه.\nوقولُه: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. يقولُ: إنى [بَرِئْتُ مِنْ] (^٢) ملةِ مَن لا يُصدِّق الله (^٣)، ويُقِرُّ بوحدانيتِه، ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. يقولُ: وهم مع تَرْكِهم الإيمانَ بوحدانيةِ اللهِ لا يُقِرُّون بالمعادِ والبعثِ، ولا بثوابٍ ولا عقابٍ.\nوكُرِّرَت \"هم\" مرَّتين، فقيل: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. لمَّا دَخَل بينَهما قولُه: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾. فصارت (هم) الأولى كالملغاةِ، وصار الاعتمادُ على الثانيةِ، كما قيل: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٣]، وكما قيل: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥].\nفإن قال قائلٌ: و(^٤) ما وَجْهُ هذا الخبرِ ومعناه مِن يوسفَ، وأين جوابُه الفَتَيَين عما سَألاه مِن تعبيرِ رُؤْياهما مِن هذا الكلامِ؟\n_________\n= ينظر ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٤ (١١٦٠٨) من طريق سلمة عن محمد بن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^١) في م: \"ملت\".\n(^٢) في ف: \"تركت\".\n(^٣) في م: \"بالله\".\n(^٤) سقط من: م.","vol":"13","page":160},{"text":"قيل له: إن يوسفَ كَرِه أن يُجيبَهما عن تأويلِ رُؤْياهما؛ لما عَلِم مِن مَكْرُوهِ ذلك على أحدِهما، فأعْرَضَ عن ذكرِه (^١)، وأَخَذ في غيرِه؛ ليُغرِضا عن مسألتِه الجوابَ عمّا (^٢) سألاه مِن ذلك.\nوبنحوِ ذلك قال بعضُ (^٣) أهلِ العلمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4428>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولهِ: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾. قال: فكَرِهَ العبارةَ لهما، وأخبرَهما بشيءٍ لم يَسألاه عنه؛ ليُرِيَهما أن عندَه علمًا، وكان المِلِكُ إذا أرادَ قَتْلَ إنسانٍ، صَنَع له طعامًا معلومًا، فأرسَل به إليه، فقال يوسفُ: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾. فلم يَدَعاه، فعَدَل بهما، وكَرِهَ العبارةَ لهما، فلم يَدَعاه حتى يَعْبُرَ لهما، فعَدَل بهما، وقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ إلى قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ﴾. فلم يَدَعاه حتى عَبَر لهما، فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾. قالا: ما رَأَينا شيئًا، إنما كُنَّا نَلْعَبُ. قال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"ذكر\".\n(^٢) في م: \"بما\".\n(^٣) سقط من: ت ١.\n(^٤) ينظر ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٧ (١١٦٢٩) من طريق آخر عن ابن جريج، قال: زعم محمد بن عباس. فذكر نحوه. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩ إلى أبي عبيد وابن المنذر.","vol":"13","page":161},{"text":"وعلى هذا التأويلِ الذي تأوَّله ابن جريجٍ فقولُه (^١): ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ [إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾. معناه: لا يأتيكما طعامٌ ترزقانه] (^٢) في اليَقَظةِ. لا في النومِ، وإنما أعْلَمُهما - على هذا القولِ - أن عندَه عِلْمَ ما يَئُولُ إليه أمرُ الطعامِ، الذي يَأْتِيهما مَن عندِ الملكِ ومِن عندِ غيرِه؛ لأنه قد عَلِمَ النوعَ الذي إذا أتاهما كان علامةً لقَتْلِ مَن أتاه ذلك منهما، والنوعَ الذي إذا أتاه كان علامةً لغيرِ ذلك، فأخبرَهما أن عندَه علمَ ذلك.\n\n<span id=\"aya-1634\"></span><span data-type='title' id=toc-4429>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾.</span>\nيعني بقولِه: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾: واتَّبَعتُ دينَهم لا دينَ أهلِ الشركِ. ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: ما جازَ لنا أن نجعلَ للهِ شريكًا في عبادتِه وطاعتِه، بل الذي علينا إفرادُه بالألوهةِ والعبادةِ، ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾. يقولُ: اتِّباعى ملَّةَ آبائي إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ على الإسلام، وتَرْكى ﴿مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾، مِن فضلِ اللهِ الذي تفضَّلَ به علينا، فأنْعَم إذ أكْرَمَنا به، ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾. يقولُ: وذلك أيضًا مِن فضلِ اللهِ على الناسِ، إذ أرسَل (^٣) إليهم دُعاةً إلى تَوْحيدِه وطاعتِه، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: ولكنّ مَن يَكْفُرُ باللَّهِ لا يَشْكُرُ ذلك مِن فضلِه عليه؛ لأنه لا يعلمُ مَن أنعَمَ به عليه، ولا يعرِفُ المُتَفضِّلَ به.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"في قوله\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في ص، ت ٢، س: \"أرسلت\"، وفى م: \"أرسلنا\".","vol":"13","page":162},{"text":"وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قالُ أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4430>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾: أَنْ جَعَلَنا أنبياءَ ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾. يقولُ: أن بَعَثَنا إليهم رسلًا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾: ذُكِرَ لنا أن أبا الدرداءِ كان يقولُ: يا رُبَّ شاكرٍ نعمةً غيرِ مُنْعِمٍ عليه لا يَدْرِى، ورُبَّ حاملِ فقهٍ غيرُ فقيهٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1635\"></span><span data-type='title' id=toc-4431>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.</span>\nذُكِرَ أن يوسفَ، صلواتُ اللهِ عليه، قال هذا القولَ للفَتَيَين اللذين دَخَلا معه السجنَ؛ لأن أحدَهما كان مشرِكًا، فَدَعاه بهذا القولِ إلى الإسلامِ، وتَركِ عبادةِ الآلهةِ والأوثانِ، فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾. يعنى: يا مَن هو في السجنِ. وجَعَلهما صاحبَيه؛ لكونِهما فيه، كما قال اللهُ لسكانِ الجنةِ: فـ ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢]. وكذلك قال لأهلِ النارِ، وسَمَّاهم أصحابَها؛ لكونِهم فيها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٥ (١١٦١٤، ١١٦١٥) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٥ (١١٦١٦) من طريق آخر عن قتادة به وفيه زيادة في أوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩، ٢٠ إلى أبي الشيخ.","vol":"13","page":163},{"text":"وقولُه: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. يقولُ: أعبادةُ أربابٍ شَتَّى مُتَفرِّقين وآلهةٍ لا تنفعُ ولا تضرُّ، خيرٌ أم عبادةُ اللهِ (^١) المعبودِ الواحدِ الذي لا ثانيَ له في قدرتِه وسلطانِه، الذي قَهَرَ كلَّ شيءٍ، فَذَلَّلَه وسَخَّرَه، فأطاعَه طَوعًا وكَرْها؟!\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4432>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾. لمَّا عَرَف نبيُّ اللهِ يوسفُ أن أحدَهما مقتولٌ (^٢)، دَعاهما إلى حَظِّهما مِن ربِّهما، وإلى نصيبِهما مِن آخرتِهما (^٣) (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾: يوسفُ يقولُه (^٥).\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، [قال: ثم] (^٦) دَعاهما إلى\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في ص، ت ٢، س، ف: \"مقبول\". وينظر مصدر التخريج.\n(^٣) في ف: \"أجريهما\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٦ (١١٦١٩) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠ إلى أبى الشيخ.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠ إلى المصنف.\n(^٦) سقط من: ت ١.","vol":"13","page":164},{"text":"اللهِ، وإلى الإسلامِ، فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. أي: خيرٌ أن تَعْبُدوا إلهًا واحدًا، أو آلهةً مُتفرِّقةً، لا تُغْنِى عنكم شيئًا؟\n\n<span id=\"aya-1636\"></span><span data-type='title' id=toc-4433>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾.</span>\nيعنى بقولِه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾: ما تَعْبُدون مِن دونِ اللَّهِ.\nوقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾، وقد ابتدَأَ الخطابَ بخطابِ اثنين، فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾؛ لأنه قَصَدَ المُخاطَبَ به، ومَن هو على الشِّرْكِ باللَّهِ مُقيمٌ مِن أهلِ مصرَ، فقال للمخاطَبِ بذلك: ما تَعْبُدُ أنت، ومَن هو على مثلِ ما أنت عليه مِن عبادةِ الأوثانِ. ﴿إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾: وذلك تَسْمِيتُهم أوثانَهم آلهةً أربابًا، شِرْكًا منهم، وتَشْبِيهًا لها في أسمائِها التي سمَّوها بها باللهِ، تعالى عن أن يكونَ له مِثْلٌ أو شَبيهٌ، ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾. يقولُ: سَمَّوها بأسماءٍ لم يأذَنْ لهم بتَسْميتِها بها (^١)، ولا وَضَعَ لهم على أن تلك الأسماءَ أسماؤُها دلالةً ولا حجةً، ولكنها اختلاقٌ منهم لها وافتراءٌ.\nوقولُه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. يقولُ: وهو الذي أَمَر ألا تَعْبدوا أنتم وجميعُ خلقِه إلا الله الذي له الألوهةُ والعبادةُ خالصةً دونَ كلِّ ما سِواه مِن الأشياءِ.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا\n_________\n(^١) سقط من: م.","vol":"13","page":165},{"text":"تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. قال: أُسِّسَ الدينُ على الإخلاصِ للهِ وحدَه لا شريكَ له (^١).\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. يقولُ: هذا الذي دعوتُكما إليه مِن البراءةِ مِن عبادةِ ما سِوي اللَّهِ مِن الأوثانِ، وأن تُخْلِصا العبادةَ للهِ الواحدِ القهارِ - هو الدينُ القويمُ الذي لا اعْوجاجَ فيه، والحقُّ (^٢) لا شكَّ (^٣) فيه. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكنَّ أكثرَ (^٤) أهلِ الشركِ باللَّهِ يَجْهَلُون ذلك، فلا يَعْلَمون حقيقتَه.\n\n<span id=\"aya-1637\"></span><span data-type='title' id=toc-4434>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾.</span>\nيقولُ جل ثناؤُه مخبرًا عن قيلِ يوسفَ للَّذَين دَخلا معه السجنَ: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾. هو الذي رأى أنه يعصِرُ خمرًا، فيَسْقى ربَّه - يعنى سيِّدَه، وهو مَلِكُهم - خمرًا، يقولُ: يكونُ صاحبَ شَرابِه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾. قال: سيِّدَه (^٥).\n﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾ وهو الذي رأى أن على رأسِه خبزًا تأكُلُ الطيرُ منه،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٦ (١١٦٢١) من طريق الربيع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) بعده في م: \"الذي\".\n(^٣) في ت ٢: \"شرك\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠ إلى المصنف.","vol":"13","page":166},{"text":"﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾، فذُكِر أنه لمَّا عَبَر ما أخبَراه [به أنهما رأياه] (^١) في منامِهما، قالا له: ما رَأَينا شيئًا. فقال لهما: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. يقولُ: فُرِغَ مِن الأمرِ الذي فيه اسْتَفْتَيتُما، ووَجَب حكمُ اللَّهِ عليكما بالذي أخبَرتُكما به.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ العلمِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-4435>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمارةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قال اللذان دَخَلا السجنَ على يوسفَ: ما رأَينا شيئًا. فقال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عمارةَ بن القَعْقاعِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. قال: لمَّا قالا ما قالا، أخبَرهما، فقالا: ما رَأَينا شيئًا. فقال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن عمارةَ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ في الفَتَيَين اللَّذين أَتَيا يوسفَ والرؤيا: إنما كانا تَحالَما ليُجَرِّباه،\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) في ت ١، ف: \"التأويل\".\n(^٣) تفسير سفيان ص ١٤٢، ١٤٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٣٤٦ من طريق سفيان به، وزاد في إسناده (الأسود) بين إبراهيم، وابن مسعود.","vol":"13","page":167},{"text":"فلما أَوَّلَ رُؤْياهما قالا: إنما كُنَّا نلعَبُ. قال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عمارةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ، قال: ما رأى صاحبا يوسفَ شيئًا، إنما كانا تَحالما ليُجَرِّبا علمَه، فقال أحدُهما: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا (^٢)﴾. وقال الآخرُ: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾. فلما عَبَر، قالا: ما رَأَينا شيئًا. قال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾: على ما عَبرَ يوسفُ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قال لمجلثَ: أما أنت فتُصْلَبُ فتأكُلُ الطيرُ مِن رأسِك. وقال لنبو: أما أنت فتُردُّ على عملِك، فيَرْضَى عنك صاحبُك، ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. أو كما قال (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: ﴿فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٣، ٣٤٤، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٨ (١١٦٣٢) من طريق محمد بن فضيل به.\n(^٢) في ص، م، س، ف: \"عنبا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٧ (١١٦٢٨). ولكنه قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. فذكره.\n(^٤) كذا في النسخ، والظاهر أن ههنا سقطا من الكلام.","vol":"13","page":168},{"text":"نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. عندَ قولِهما: ما رَأَينا رُؤْيا، إنما كُنَّا نلعبُ. قال: قد وَقَعَت الرؤيا على ما أَوَّلتُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. فَذَكَر مثلَه (^١).\n\n<span id=\"aya-1638\"></span><span data-type='title' id=toc-4436>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال يوسفُ للذى عَلِمَ أنه ناجٍ من صاحبَيه اللَّذين اسْتَعْبَراه الرؤيا: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. يقولُ: اذْكُرْني عندَ سَيِّدِك، وأخْبِرْه بمظْلِمَتى، وأنى محبوسٌ بغيرِ جُرْمٍ.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قال - يعني لنبو -: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. أي: اذكُرُ للمَلِكِ الأعظمِ مَظْلِمتى وحَبْسى في غير شيءٍ. قال: أفعلُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قال: للَّذى نَجَا مِن صاحبى السجنِ؛ يوسفُ يقولُ: اذكُرْني عندَ المَلِكِ (^٢)\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٣٩٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) في ت ٢: \"ربك\". والأثر في تفسير مجاهد ص ٣٩٦، ٣٩٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٨ (١١٦٣٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"13","page":169},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن ابن سابطٍ (^١): ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قال: عندَ مَلِكِ الأرضِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾: يعنى بذلك المَلِكَ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾: الذي نَجا مِن صاحبى السجنِ (^٤)؛ يقولُ يوسفُ له (^٥): اذكُرْنى للملكِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا العَوَّامُ بنُ حوشبٍ، عن إبراهيمَ التَّيميِّ: إنه لمَّا انتُهى (^٦) إلى بابِ السجنِ، قال له [صاحبٌ له: حاجَتَك] (^٧)؛ أوصِني بحاجَتِك. قال: حاجتى أن تَذْكُرَنى عندَ رَبِّك. سِوَى (^٨)\n_________\n(^١) في م: \"أسباط\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠ إلى المصنف.\n(^٤) بعده في م: \"للملك\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) بعده في م، والدر المنثور: \"به\".\n(^٧) في ت ١: \"صاحبه\".\n(^٨) في م، والدر المنثور: \"ينوى\".","vol":"13","page":170},{"text":"الربِّ [الذي ملك] (^١) يوسفَ (^٢).\nوكان قتادةُ يوجِّهُ معنى الظنِّ في هذا الموضعِ، إلى الظَّنِّ الذي هو خلافُ اليقينِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾: وإنما عبارةُ الرؤيا (^٣) بالظَّنِّ، فيُحِقُّ اللَّهُ ما يشاءُ ويُبْطِلُ ما يشاءُ (^٤).\nوهذا الذي قاله قتادةُ؛ مِن أن عبارةَ الرؤيا ظَنٌّ، فإن ذلك كذلك مِن غيرِ الأنبياءِ، فأَمَّا الأنبياءُ فغيرُ جائزٍ منها أن تُخْبِرَ بخبرٍ عن أمرٍ أنه كائنٌ ثم لا يكونُ، أو أنه غيرُ كائنٍ ثم يكونُ، مع شهادتها على حقيقةِ ما أخْبَرَت عنه أنه كائنٌ أو [غيرُ كائنٍ] (^٥)؛ لأن ذلك لو جاز عليها في أخبارِها، [لم يؤمَنْ مثلُ ذلك في كلِّ أخبارِها، وإذا لم يؤمَنْ ذلك في أخبارِها] (^٥)، سَقَطَت حُجَّتُها على مَن أُرسِلت إليه، فإذ كان ذلك كذلك، كان غيرُ جائزٍ عليها أن تُخْبِرَ بخبرٍ إلا وهو حقٌّ وصِدْقٌ؛ فمعلومٌ، إذ كان الأمرُ على ما وصفتُ، أن يوسفَ لم يقطَع الشهادةَ على ما أخبَرَ الفَتَيَين اللذَين اسْتَعْبَراه أنه كائنٌ، فيقولُ لأحدِهما: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾. ثم يؤكِّدُ ذلك بقولِه: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. عندَ قولِهما: لم نَرَ شيئًا. إلا وهو على يقينٍ أن ما أخبَرهما\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال\". وغالب الظن أنها تصحفت عن كلمة \"مالك\"، والمثبت من م موافق لما في الدر المنثور.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠ إلى المصنف.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"ظن فإن ذلك\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٥) سقط من: ت ٢.","vol":"13","page":171},{"text":"بحُدُوثِه وكونِه، أنه كائنٌ لا محالةَ، لا شكَّ فيه، وليَقينِه بكونِ ذلك، قال للناجِي منهما: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. فبَيِّنٌ إذن بذلك فسادُ القولِ الذي قاله قتادةُ في معنى قولِه: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾.\nوقولُه: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾: وهذا خبرٌ مِن الله جل ثناؤُه عن غفلةٍ عَرَضَت ليوسفَ (^١) مِن قِبَل الشيطانِ، نَسِيَ لها ذكرَ ربِّه الذي لو به اسْتَغاثَ لأسْرَعَ بما هو فيه خَلاصُه، ولكنه زَلَّ بها فأطالَ مِن أَجْلِها في السجنِ حَبْسَه، وأوجَعَ لها عقوبتَه.\nكما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ الضُّبَعيُّ، عن بِسْطامِ بن مسلمٍ، عن مالكِ بن دينارٍ، قال: لما قال يوسُفُ للساقي: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قال: قيل: يا يوسُفُ، أَتَّخَذْتَ مِن دونِى وكيلًا! لأُطِيلَن حبسَك (^٢). فبكى يوسُفُ وقال: يا ربِّ أَنْسَى قلبى كثرةُ البَلْوَى، فقلتُ كلمةً، فويلٌ لإخوتى (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عُيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"لولا أنه - يعنى يوسُفَ - قال الكلمةَ التي قال، ما لبِث في السجنِ طولَ ما لبِث\" (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) في ت ٢: \"سجنك\". وبعده في ص: \"قال\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٤، وأخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (١٥٨) من طريق عبد العزيز القرشى به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٩ (١١٦٣٨) من طريق جعفر بن بسطام عن مالك، عن الحسن. وذكره السيوطي أيضا عن الحسن في الدر المنثور ٤/ ٢٠، ٢١ وعزاه إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٣، وفى أوله زيادة ستأتى في الصفحة ٢٠٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠ إلى أبي الشيخ.","vol":"13","page":172},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا يونُسُ، عن الحسنِ، قال: قال نبيُّ اللهِ ﷺ: \"رحِم اللهُ يوسُفَ، لولا كلمتُه ما لبِث في السجنِ طولَ ما لبِث\". يعنى قولَه: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قال: ثم يَبْكِي الحسنُ، فيقولُ: نحن إذا نزَل بنا أمرٌ فزِعْنا إلى الناسِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: \"لولا كلمةُ يوسُفَ ما لبث في السجنِ طولَ ما لبِث\".\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو بنُ محمدٍ، عن إبراهيمَ بن يزيدَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: قال النبيُّ ﷺ: \"لو لم يَقُلْ - [يعنى يوسفَ] (^٢) - الكلمةَ التي قال، ما لبث في السجن طولَ ما لبث (^٣)، حيثُ يَبْتَغِى الفرجَ مِن عندِ غيرِ اللَّهِ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: بَلَغنى أن النبيَّ ﷺ قال: \"لو لم يَسْتَعِنْ يوسُفُ على ربِّه، ما لبِث في السجنِ طولَ ما لبِث\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في الزهد ص ٨٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٤٨ (١١٦٣٥) من طريق إسماعيل ابن علية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ. وينظر البداية والنهاية ١/ ٤٧٨، وتفسير ابن كثير ٤/ ٣١٧.\n(^٢) في م: \"يوسف يعنى\". وفى س: \"يوسف\".\n(^٣) بعده في م: \"يعني\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٤، وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده - ومن طريقه الطبراني (١١٦٤٠) - وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف ٢/ ١٦٧ - وابن أبي الدنيا في العقوبات (١٦٠) من طريق عمرو بن محمد به بنحوه.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠ إلى المصنف وأبى الشيخ، وينظر تفسير ابن كثير ٤/ ٣١٧، والبداية والنهاية ١/ ٤٧٨.","vol":"13","page":173},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن [نبيَّ اللهِ] (^١) كان يقولُ: \"لولا أن يوسُفَ اسْتَشْفَع على ربِّه، ما لبِث في السجنِ طولَ ما لبِث، ولكن إنما عُوقِب باسْتِشْفاعِه على ربِّه\".\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال له: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قال (^٢): فلم يَذْكُره حتى رأَى الملكُ الرؤيا، وذلك أن يوسُفَ أنساه الشيطانُ ذكرَ ربِّه، وأَمَرَه بذكرِ (^٣) الملكِ، وابتغاء الفرجِ مِن عندِه، فلبِث في السجنِ بضعَ سِنينَ، بقولِه: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، غيرَ أنه قال: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾؛ عقوبةً لقولِه: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾.\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَ حديثِ محمدِ بن عمرٍو سواءً.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَ حديثِ المُثَنَّى عن أبي حُذيفةَ (^٤).\nوكان محمدُ بنُ إسحاقَ يقولُ: إنما أَنْسَى الشيطانُ الساقيَ ذكر أمرِ يوسُفَ لملكِهم.\n_________\n(^١) سقط من: ص.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) في ت ٢: \"بذلك\".\n(^٤) تقدم في ص ١٧٠.","vol":"13","page":174},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما خرَج - يعنى الذي ظنَّ أنه ناجٍ منهما (^١) - رُدَّ على ما كان عليه، ورضِى عنه صاحبُه، فأنْساه الشيطانُ ذكْرَ ذلك للملكِ، الذي أمَرَه يوسُفُ أن يَذْكُرَه، فلبِث يوسُفُ بعدَ ذلك في السجنِ بضعَ سنينَ، يقولُ جلَّ ثناؤُه: فلبِث يوسُفُ في السجنِ؛ لقِيلِه (^٢) للناجي مِن صاحبَيِ السجنِ مِن القيلِ: اذْكُرْنى عندَ سيدِك - بضع سنينَ؛ عقوبةً مِن الله له بذلك.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في قدرِ البضْعِ الذي لبِث يوسُفُ في السجنِ؛ فقال بعضُهم: هو سبعُ سِنينَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4437>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا محمدٌ أبو عَثْمةَ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: لبِث يوسُفُ في السجنِ سبعَ سنينَ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾. قال: سبعَ سنينَ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا عِمْرانُ أبو الهُذَيْلِ الصَّنْعانيُّ، قال: سمِعْتُ وهْبًا يقولُ: أصاب أيوبَ البلاءُ سبعَ سنين، وتُرِك يوسفُ في السجنِ سبعَ سنينَ، وعُذِّب بختُنصرَ يَجولُ (^٤) في السِّباعِ سبعَ\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"قال: اذكرنى عند ربك\"، وفى س، ف: \"اذكرني عند ربك\".\n(^٢) في ت ٢: \"بعد قيله\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٣ عن معمر، عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) في تاريخ المصنف: \"محول\"، وفى الدر المنثور: \"خون\".","vol":"13","page":175},{"text":"سنينَ (^١).\nحدَّثنا (^٢) المُثَنَّى، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال زعَموا أنها - يعنى البضعَ - سبعُ (^٣) سِنينَ، كما لبِث يوسُفُ.\nوقال آخرون: البضعُ ما بين الثلاثِ إلى التسعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4438>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: سمِعْتُ أبا قتادةَ يقولُ: البضعُ ما بينَ الثلاثِ إلى التسعِ (^٤).\nحدَّثنا وكيعٌ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن إسرائيلَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾. قال: ما بينَ الثلاثِ إلى التسعِ (^٥).\nوقال آخرون: بل هو ما دونَ العشرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4439>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال ابن عباسٍ: ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾: دونَ العشرةِ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٤ بنفس السند، وهو في تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٣، ومن طريقه أحمد في الزهد ص ٤٢ مقتصرا على ذكر أيوب، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"حدثني\".\n(^٣) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١ إلى المصنف عن قتادة. وفى الدر (قتادة) وليس (أبا قتادة).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٠ (١١٦٤٤) من طريق يحيى بن آدم به بنحوه. والأثر في تفسير مجاهد ص ٣٩٧ من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١ إلى المصنف.","vol":"13","page":176},{"text":"وزعم الفَرَّاءُ أن البضعَ لا يُذْكَرُ إلا مع عشرٍ (^١)، ومع العشرين إلى التسعين، وهو نَيِّفٌ ما بين الثلاثةِ إلى التسعةِ، وقال: كذلك رأيْتُ العربَ تَفْعَلُ، ولا يَقولون: بضعٌ ومائةٌ، ولا بضعٌ وألفٌ، وإذا كانت للذُّكْرانِ قيل: بِضعٌ.\nوالصوابُ في البضعِ: مِن الثلاثِ [إلى التسعِ] (^٢)، إلى العشرِ، ولا يَكونُ دونَ الثلاثِ، وكذلك ما زاد على العَقْدِ إلى المائةِ، وما زاد على المائةِ فلا يكونُ فيه بضعٌ.\n\n<span id=\"aya-1639\"></span><span data-type='title' id=toc-4440>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ذكرُه بقولِه: وقال ملكُ مصرَ: إنى أَرَى في المنامِ ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ﴾ مِن البقرِ ﴿عِجَافٌ﴾. وقال: إنى أَرَى. ولم يَذْكُرْ أنه رأَى في منامِه ولا في غيرِه؛ لتعارُفِ العرب بينَها في كلامِها إذا قال القائلُ منهم: أرَى أنى [أَفْعَلُ كذا وكذا. أنه خبرٌ عن رؤيتِه ذلك في منامِه، وإن لم يَذْكُرِ النومَ (^٣)، وأَخْرَج الخبرَ جلَّ ثناؤُه] (^٤) على ما قد جرَى به استعمالُ العربِ ذلك بينَهم.\n﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾. يقولُ: وأرى سبعَ سُنبلاتٍ خُضْرٍ في منامي، ﴿وَأُخَرَ﴾. يقولُ: وسبعًا أُخَرَ مِن السنبلِ ﴿يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ﴾. يقولُ: يا أيُّها الأشرافُ مِن رجالى وأصحابي، ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ فاعْبُروها ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا﴾ عَبَرَةً.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"عشرة\".\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) في ص، س، ف: \"اليوم\".\n(^٤) سقط من: ت ١.","vol":"13","page":177},{"text":"وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4441>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسْباطَ، عن السديِّ، قال: إن الله أَرَى الملكَ في منامِه رُؤْيَا هالَتْه، فرأى سبع بقراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهن سبعٌ عِجافٌ، وسبعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ، وأُخَرَ يابساتٍ، فجمَع السَّحَرةَ والكَهَنةَ والحُزاةَ (^١) والقَافةَ (^٢)، فقصَّها عليهم، فـ ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثم إن الملكَ الرَّيَّان بنَ الوليدِ، رأَى رُؤْياه التي رأَى (^٤)، فهالَتْه، وعرَف أنها رُؤْيا واقعةٌ، ولم يَدْرِ ما تأويلُها، فقال للمَلأِ حولَه مِن أهلِ مملكتِه: ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾، إلى قولِه: ﴿بِعَالِمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1640\"></span><span data-type='title' id=toc-4442>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال المَلأُ الذين سأَلهم ملكُ مصرَ عن تعبيرِ رُؤْياه: رُؤْياك (^٥)\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س: \"الحراة\". والحُزاةُ: جمع حاز، وهو الذي يحزر الأشياء ويقدرها بظنه. النهاية ١/ ٣٨٠.\n(^٢) القافةُ: جمع قائف، وهو الذي يعرف الأنساب والآثار بفراسته. التاج (ق ى ف)، والتعريفات للجرجاني ص ٧٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٠، ٢١٥١ (١١٦٤٨) من طريق أسباط به نحوه.\n(^٤) في ص، ت ١، س، ف: \"أرى\"، وفي ت ٢: \"أراها\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أو قال\".","vol":"13","page":178},{"text":"هذه ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾. يَعْنُون أَنها أَخْلاطُ رُؤْيا كاذبةٍ، لا حقيقة لها.\nوهي جمعُ ضِغْثٍ، والضِّغْتُ أصلُه الحُزْمةُ مِن الحَشيشِ، تُشَبَّهُ (^١) بها (^٢) الأحلامُ المختلطةُ، التي لا تأويل لها، والأحلامُ جمعُ حُلْمٍ، وهو ما لم يَصْدُقُ مِن الرُّؤْيا. ومِن الأضغاثِ قولُ ابن مقبلٍ (^٣):\nخَوْدٌ (^٤) كأَنَّ فِراشَها وُضِعَت به … أضغاثُ رَيْحَانٍ غَداةَ شَمالِ (^٥)\nومنه قولُ الآخرِ (^٦):\nيَحْمِي (^٧) ذِمارَ (^٨) جَنِينٍ (^٩) قلَّ مانعُه (^١٠) … طاوٍ كضِغْثِ الخَلَا في البطنِ مُكْتَمِنِ\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4443>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾. يقولُ: مُشْتَبِهةٌ (^١١).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ف: \"يشبه\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س: \"به\".\n(^٣) ديوان ابن مقبل ص ٢٦٠.\n(^٤) الخَوْدُ: الفتاة الحسنة الخلق الشابة ما لم تصر نَصَفًا، وقيل: الجارية الناعمة، والجمع: خوداتٌ وخُودٌ. اللسان (خ ود).\n(^٥) الشَّمالُ: الريحُ التي تهب من ناحية القطب. اللسان (ش م ل).\n(^٦) هو ابن مقبل أيضًا، والبيت في ديوانه ص ٣١٠.\n(^٧) في ت ١، س: \"يحيى\".\n(^٨) في ت ١، ت ٢، س: \"دمار\".\n(^٩) الجنين هنا يقصد به ولد الناقة. ينظر الديوان ص ٣١٠.\n(^١٠) في ص: \"مانعةٍ\"، وفى س: \"مايعة\". وفى الديوان: \"ما معه\".\n(^١١) عزاه الشوكاني في فتح القدير ٣/ ٣٢ إلى المصنف.","vol":"13","page":179},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾: كاذبةٌ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: لما قصَّ (^٢) الملكُ رُؤْياه التي رأَى على أصحابِه، قالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾. أي: فعلُ الأحْلامِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾. قال: أخلاطُ أحلامٍ، ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أبي مَرْزُوقٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ، قال (^٤): ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾: كاذبةٌ.\nقال: ثنى المُحارِبيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكٍ: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ﴾. قال: كذبٌ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفَرَجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾: هي الأحلامُ الكاذبةُ (^٥).\nوقولُه: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾. يقولُ: وما نحن بما تَئُولُ إليه\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١ إلى المصنف. لكن بلفظ: قال: من الأحلام الكاذبة.\n(^٢) في ص: \"قضى\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٤ عن معمر به.\n(^٤) في ت ١، س، ف: \"قالوا\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥١ (١١٦٥٠) من طريق أبي معاذ به.","vol":"13","page":180},{"text":"الأحلامُ الكاذبةُ بعالِمين. والباءُ الأولى التي في التأويلِ مِن صلةِ العالمين، والتي في العالمين الباءُ التي تَدْخُلُ في الخبرِ مع ما التي بمعنى الجَحْدِ. ورُفعَ ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾؛ لأن معنى الكلامِ: ليس هذه الرؤيا بشيءٍ، إنما هي أضْغَاتُ أحلامٍ.\n\n<span id=\"aya-1641\"></span><span data-type='title' id=toc-4444>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ (^١) بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال الذي نجا مِن القتلِ من صاحبَيِ السجنِ، اللذين اسْتَعْبَرا يوسُفَ الرؤيا، ﴿وَادَّكَرَ﴾ (^٢). يقولُ: وتذَكَّر ما كان نسِى مِن أمرِ يوسُفَ وذِكْرِ حاجتِه للملكِ، التي (^٣) كان سأَله عندَ تعبيره رُؤْياه أن يَذْكُرَها له بقولِه: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: يعنى بعدَ حينٍ.\nكالذي حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾. قال: بعدَ حِينٍ (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"اذكر\" بذال معجمة، وهى قراءة الحسن البصرى. انظر الإتحاف ص ١٦٠، ومختصر الشواذ لابن خالويه ص ٦١.\n(^٢) في ص: \"واذكر\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"الذي\".\n(^٤) تقدم في ١٢/ ٣٣٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١ إلى الفريابي وأبي الشيخ وابن المنذر.","vol":"13","page":181},{"text":"سفيانَ، عن عاصمٍ، عن (^١) أبى رَزِينٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا الثوريُّ، عن عاصمٍ، عن (^٣) أبى رَزِينٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا (^٤) أبو بكرِ بنُ عياشٍ: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: بعد حِينٍ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: أخْبَرنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ، قال: ﴿وَادَّكَرَ (^٥) بَعْدَ أُمَّةٍ﴾. قال: بعدَ حِينٍ (^٦).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه (^٧).\nقال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾. يقولُ: بعدَ حِينٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَادَّكَرَ (٥) بَعْدَ أُمَّةٍ﴾. قال: ذكَر بعدَ حينٍ.\n_________\n(^١) بعده في ف: \"ابن\".\n(^٢) تقدم في ١٢/ ٣٣٧.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق، ١/ ٣٢٤، وتقدم بلفظ آخر في ١٢/ ٣٣٧.\n(^٤) في ص: \"قال\".\n(^٥) في ص: \"واذكر\".\n(^٦) تفسير سفيان ص ١٤٣.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥١ (١١٦٥٣) من طريق أبي نعيم به، وعبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٤ من طريق سفيان به. وتقدم بلفظ آخر عند المصنف في ١٢/ ٣٣٧.","vol":"13","page":182},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: بعدَ حينٍ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ مثلَه (^٢).\n[حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن الحسنِ مثلَه] (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَادَّكَرَ (^٤) بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: بعدَ حينٍ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن كثيرٍ: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: بعدَ حينٍ. قال ابن جريجٍ: وقال ابن عباسٍ: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ قال: بعدَ سِنينَ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾. قال: بعدَ حينٍ (^١).\n[حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحِمَّانيُّ، قال: حدَّثنا شريكٌ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾. قال (^٥): بعدَ حينٍ] (^٦) (^١).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٤ عن معمر به.\n(^٣) سقط من: ت ١.\n(^٤) في ص، س: \"اذكر\".\n(^٥) سقط من: ت ١.\n(^٦) سقط من: ص، م.","vol":"13","page":183},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: أي: بعدَ حِقْبةٍ (^١) مِن الدهرِ.\nوهذا التأويلُ على قراءةِ مَن قرَأ: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ بضمِّ الألفِ، وتشديدِ الميمِ، وهى قراءةُ القرأةِ في أمصارِ الإسلامِ.\nوقد رُوِى عن جماعةٍ مِن المتقدِّمين أنهم قرَءوا ذلك: (بَعدَ أَمَهٍ) بفتح الألفِ، وتخفيفِ الميمِ وفتحِها، بمعنى: بعدَ نسيانٍ (^٢). وذكَر بعضُهم أن العربَ تقولُ مِن ذلك: أمِه (^٣) الرجلُ يأْمَهُ أَمَهًا، إذا نسِى. وكذلك تأوَّله مَن قرَأ ذلك كذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-4445>ذكرُ مَن قال ذلك </span>(^٤)\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفَّانُ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ أنه كان يَقْرَؤها (^٥): (بعدَ أمهٍ)، ويُفَسِّرُها: بعدَ نسيانٍ (^٦).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا بَهْزُ بنُ أَسَدٍ، عن همامٍ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأ: (بَعْدَ أَمَهٍ). يقولُ: بعد نِسيانٍ.\n_________\n(^١) في ف: \"حين\".\n(^٢) هذه قراءة ابن عباس وزيد بن علي والحسن والضحاك وقتادة وأبو رجاء وشبيل بن عزرة والضبعي وربيعة بن عمرو: (بعد أمه)، بفتح الهمزة وتخفيف الميم مفتوحة وتنوين الهاء مكسورة، وهي شاذة. مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٢٨، والبحر المحيط ٥/ ٣١٤، وإتحاف فضلاء البشر ص ١٦٠.\n(^٣) في ت ٢، س: \"أمة\".\n(^٤) بعده في ص، ت ٢: \"وقرأه\".\n(^٥) في م: \"يقرأ\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٢ (١١٦٥٧، ١١٦٥٨) من طريق همام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢ إلى ابن المنذر.","vol":"13","page":184},{"text":"حدَّثني أبو غَسَّانَ مالكُ بنُ الخليلِ (^١) اليَحْمَدِيُّ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن أبي هارونَ الغنَويِّ، عن عكرمةَ أنه قرَأ: (بعدَ أمهٍ (^٢». والأَمَهُ (^٣) النِّسيانُ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا أبو هارونَ الغَنَويُّ، عن عكرمةَ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: قال هارونُ، وثنى أبو هارونَ الغَنَويُّ، عن عكرمةَ: (بعدَ أمهٍ (٢»: [بعدَ نسيانٍ] (^٥).\n[قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ: (وادَّكَر (^٦) بعدَ أَمَهٍ): بعدَ نسيانٍ] (^٧).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن ابن عباسٍ: أي: بعدَ نسيانٍ (^٨).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا [محمدُ بنُ] (^٩) ثورٍ، عن معمرٍ، عن\n_________\n(^١) في ت ٢: \"الجليل\"\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س: \"أمةٍ\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، س: \"الأمة\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢ إلى المصنف.\n(^٥) في ت:٢ \"النسيان\".\n(^٦) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٧) في ص: \"اذكر\".\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٢ (١١٦٥٨) من طريق همام عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢ إلى ابن المنذر.\n(^٩) في ت ١، س، ف: \"أبو\".","vol":"13","page":185},{"text":"قتادةَ: (وادَّكَر بعدَ أَمَهٍ (^١». قال: مِن بعدِ نسيانِه (^٢) (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو النعمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن (^٤) عبدِ الكريمِ أبى أميةَ المُعَلِّمِ، عن مجاهدٍ أنه قرَأ: (وادَّكَر بعدَ أَمَهٍ (١» (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أبي مرزوقٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: (وادَّكَر بعدَ أمَهٍ (١». قال: بعدَ نسيانٍ (^٦).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (وادَّكَر بعد أَمَهٍ (١». يقولُ: بعدَ نسيانٍ.\nوقد ذُكِر فيها قراءةٌ ثالثةٌ، وهى ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: أخْبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ (^٧) بنُ الزبيرِ، عن سفيانَ، عن حميدٍ، قال: قرَأ مجاهدٌ: (وادَّكَر بعدَ أَمْهٍ (١» مجزومةَ الميمِ مخففةً (^٨).\nوكأن قارئَ ذلك كذلك أراد به المصدرَ، مِن قولِهم: أمِه يَأْمَهُ أمْهًا، وتأويلُ هذه القراءةِ نظيرُ تأويلِ من فتَح الألفَ والميمَ (^٩).\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"أمةٍ\".\n(^٢) في ت ١: \"نسيان\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٤ عن معمر به.\n(^٤) بعده في ف: \"عكرمة\".\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٢٦ - تفسير) من طريق جويبر به، وفى آخره زيادة: أي بعد نسيان.\n(^٦) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٢٦ - تفسير) من طريق جويبر به.\n(^٧) في ت ١، س، ف: \"العزيز\". وعبد الله هو عبد الله بن الزبير الحميدى. ينظر تهذيب الكمال ١١/ ١٨٥.\n(^٨) وهى قراءة شاذة.\n(^٩) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"13","page":186},{"text":"وقولُه: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾. يقولُ: أنا أُخْبِرُكم بتأويلِه، ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾. يقولُ: فأطْلِقونى أَمْضِى لآتِيَكم بتأويلِه مِن عندِ العالمِ به.\nوفى الكلامِ محذوفٌ قد تُرِك ذكرُه استغناءً بما ظهَر عما تُرِك، وذلك: فأرْسَلوه فأتَى يوسُفَ، فقال له: يا يوسُفُ يا أيُّها الصدِّيقُ.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قال الملكُ للملأِ حولَه: ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ الآية. وقالوا له ما قالوا (^١)، سمِع نبو (^٢) مِن ذلك ما سمِع، ومسألتَه عن تأويلِها، ذكَر يوسُفَ، وما كان عبَر له ولصاحبِه، وما جاء مِن ذلك على ما قال مِن قولِه، قال: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾. يقولُ اللهُ تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: أي: حِقْبةٍ مِن الدهرِ، فأتاه فقال: يا يوسُفُ، إن الملكَ قد رأَى كذا وكذا. فقصَّ عليه الرؤيا، فقال فيها يوسُفُ ما ذكَر اللهُ تعالى لنا في الكتابِ، فجاءهم مثلَ فَلَقِ الصبحِ تأويلُها، فخرَج نبو (^٢) مِن عندِ يوسُفَ، بما أفْتاهم به مِن تأويلِ رُؤْيا الملكِ (^٣)، وأخْبَره بما قال.\nوقيل: إن الذي نجا منهما إنما قال: أرْسِلونى؛ لأن السجنَ لم يَكُنْ في المدينةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4446>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسْباطَ، عن السدِّيِّ: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ (^٤) بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾،\n_________\n(^١) في م، ت ٢، س، ف: \"قال\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س: \"بنو\". وينظر تاريخ الطبرى ١/ ٣٤٣،٣٤٥.\n(^٣) بعده في ت ١، ت ٢، س: \"حتى أتى الملك\".\n(^٤) في ص: \"اذّكر\".","vol":"13","page":187},{"text":"قال (^١): قال ابن عباسٍ: لم يَكُنِ السجنُ في المدينةِ، فانْطَلَق الساقى إلى يوسُفَ، فقال: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾. الآياتِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1642\"></span>قولُه: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾، فإن معناه: أفْتِنا في سبعٍ بقراتٍ سِمانٍ رُئِين في المنامِ، يأْكُلُهن سبعٌ منها عَجافٌ، وفى سبعِ سُنْبِلاتٍ خُضْرٍ رُئِين أيضًا، وسبعٍ أُخَر منهن يابساتٍ.\nفأما السَّمانُ مِن البقرِ، فإنها السِّنونُ المُخْصِبةُ.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾. قال: أما السَّمانُ فسِنونَ منها مُخْصِبةٌ. وأما السبعُ العِجافُ فسِنون مُجْدِبةٌ، لا تنبتُ شيئًا (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾: فالسِّمانُ المخَاصِيبُ (^٤)، والبقراتُ العِجافُ هي السِّنون المُحولُ الجُدُوبُ (^٥).\nقولُه: ﴿وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾. أما الخضرُ فهن السِّنون\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٥ بنفس الإسناد، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٢ (١١٦٦١) من طريق أسباط به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ. ويأتى تمامه في ص ١٩٣.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"المخاصب\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٢، ٢١٥٣ (١١٦٦٢ - ١١٦٦٥) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة به نحوه.","vol":"13","page":188},{"text":"المَخَاصِيبُ (^١)، وأما اليابساتُ فهن الجُدُوبُ المُحُولُ.\nوالعِجافُ (^٢) جمعُ عَجِفٍ (^٣)، وهى المَهازِيلُ.\nوقولُه: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: كى أَرْجِعَ إلى الناسِ فأُخْبِرَهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ليَعْلَموا تأويلَ ما سألْتُك عنه مِن الرؤيا.\n\n<span id=\"aya-1643\"></span><span data-type='title' id=toc-4447>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال يوسُفُ لسائلِه (^٤) عن رُؤْيا الملكِ: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾. يقولُ: تَزْرَعون هذه السبعَ السنينَ كما كنتم تَزْرَعون سائرَ السنينَ قبلَها، على عادتِكم فيما مضَى.\nوالدأْبُ العادةُ، ومِن ذلك قولُ امرئِ القيسِ (^٥):\nكدأْبِك مِن أُمِّ الحُوَيْرِثِ قبلَها … وجارتِها أمِّ الرَّبابِ بمأْسَلِ\nيعني: كعادتك منها.\nوقولُه: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾. وهذه (^٦)\n_________\n(^١) في ت ١: \"المخاصب\".\n(^٢) سقط من: ت ١، س.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"عجفة\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"لسائليه\".\n(^٥) تقدم في ٥/ ٢٣٧.\n(^٦) في م، ف: \"هذا\".","vol":"13","page":189},{"text":"مَشورةٌ أشار بها نبيُّ اللهِ ﷺ على القومِ، ورأْىٌ رآه لهم صلاحًا؛ يأمُرهم (^١) باسْتِبْقاء (^٢) طعامِهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال لهم نبيُّ اللهِ يوسُفُ (^٣): ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ الآية: فإنما أراد نبيُّ اللهِ ﷺ البقاءَ (^٤).\n\n<span id=\"aya-1644\"></span><span data-type='title' id=toc-4448>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨)﴾.</span>\nيقولُ: ثم يَجِئُ مِن بعدِ السِّنينَ السبعِ التي تَزْرَعون فيها دأَبًا سِنون ﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾. يقولُ: جُدوبٌ قَحْطةٌ، ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾. يقولُ: يُؤْكَلُ فيهن ما قدَّمتم في إعدادِ ما أعْدَدْتم لهن في السنين السبعةِ الخَصْبةِ، مِن الطعامِ والأقواتِ.\nوقال جلَّ ثناؤُه: ﴿يَأْكُلْنَ﴾. فوصَف السنين بأنهن يَأْكُلْن، وإنما المعنى أن أهلَ تلك (^٥) الناحية (^٦) يَأْكُلون فيهن (^٧)، كما قيل (^٨):\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س: \"بأمرهم\".\n(^٢) في ت ١: \"باستيفاء\".\n(^٣) بعده في ص، ت ١، س: \"و\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٣ (١١٦٧٠) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢ إلى أبى الشيخ.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"البلاد\".\n(^٦) في ت ١: \"الناحية\"، وفى س: \"الناجية\".\n(^٧) في ت ٢: \"فيها\".\n(^٨) البيت في الأخبار الطوال ٣٣١، والدر الفريد ٥/ ١٨٥ (مخطوط) بلا نسبة، ونسبه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٣/ ٣١٤ (مخطوط)، والعاملى في الكشكول ٢/ ٣٨٢ إلى عمر بن عبد العزيز ﵁. وينظر صفة الصفوة ٢/ ١٢٥.","vol":"13","page":190},{"text":"نَهارُك يا مَغرُورُ سَهْوٌ وغَفْلَةٌ … وليلُك نومٌ والرَّدَى لك لازِمُ\nفوصَف النهارَ بالسهوِ والغَفْلةِ، والليلَ بالنومِ، وإنما يُسْهَى في هذا ويُغْفَلُ فيه (^١)، ويُنامُ في هذا؛ لمعرفةِ (^٢) المخاطَبِين بمعناه والمرادِ منه.\n﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾. يقولُ: إلا يَسيرًا (^٣) مما تُحْرِزونه (^٤).\nوالإحصانُ التَّصْييرُ في الحصنِ، وإنما المرادُ منه الإحْرازُ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4449>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾. يقولُ: يَأْكُلْن ما كنتم اتَّخَذْتم فيهن مِن القُوتِ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾، وهن الجُدوبُ المُحُولُ، ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ\n_________\n(^١) في ت ١، س، ف: \"عنه\".\n(^٢) في ص، ت ١، س، ف: \"بمعرفة\".\n(^٣) في ت ١: \"قليلا\".\n(^٤) في ت ٢: \"تخزنونه\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٤ عن معمر به، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٤ (١١٦٧٣) وهو تمام الأثر المتقدم في ص ١٨٨.","vol":"13","page":191},{"text":"سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [وهن الجُدُوبُ] (^١) (^٢)، ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾: مما تَدَّخِرون (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾. يقولُ: تَخْزُنون (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿تُحْصِنُونَ﴾: تُحْرْزون.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾. قال: مما تَرْفَعون.\nوهذه الأقوالُ في قولِه: ﴿تُحْصِنُونَ﴾. وإن اخْتَلَفَت ألفاظُ قائليها فيه، فإن معانيَها مُتقاربةٌ، وأصلُ الكلمةِ وتأويلُها على ما بيَّنْتُ.\n\n<span id=\"aya-1645\"></span><span data-type='title' id=toc-4450>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن يوسُفَ ﵇ للقومِ، عما لم يَكُنْ في رؤيا (^٥) مَلكِهم، ولكنه مِن علمِ (^٦) الغيبِ الذي آتاه اللهُ دلالةً على نبوتِه، وحجةً على صدقِه.\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، س، ف: \"المحول\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٤ (١١٦٧١، ١١٦٧٦) من طريق سعيد به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٤ (١١٦٧٥) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢ إلى ابن المنذر.\n(^٥) في ت ١، س: \"رؤياهم\".\n(^٦) في ت ٢: \"عالم\".","vol":"13","page":192},{"text":"كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: ثم زاده اللهُ علمَ سَنَةٍ لم يَسْأَلوه عنها، فقال: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ (^١).\nويعنى بقولِه: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾: بالمطرِ والغيثِ.\nوبنحوِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4451>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾. [قال: فيه يُغاثون بالمطرِ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ الواسطيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾. قال] (^٣): بالمطرِ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾. قال: أخْبَرَهم بشيءٍ لم يَسْأَلوه عنه، وكان اللهُ قد علَّمه إياه؛ ﴿عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾: بالمطرِ (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) تمام الأثر المتقدم ص ١٨٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ١٥٤ (١١٦٧٨) من طريق سعيد بن بشير بلفظ: \"يغاث الناس بالمطر\".\n(^٣) سقط من: ت ١.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢ إلى المصنف وأبى الشيخ وسيأتي تمامه في ص ١٩٥ حاشية (٣).\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"13","page":193},{"text":"مجاهدٍ: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ بالمطرِ (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا في تأويِله؛ فقال بعضُهم: معناه: وفيه يَعْصِرون العنبَ والسِّمْسِمَ وما أشبَه ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-4452>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. قال: الأعنابَ والدُّهْنَ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ السِّمْسِمَ دُهْنُا، والعنبَ خمرًا، والزيتونَ زيتًا (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. يقولُ: يُصِيبُهم غيثٌ (^٤)، فيَعْصِرون فيه العنبَ، ويَعْصِرون فيه الزيتَ، ويَعْصِرون مِن كلِّ الثَّمراتِ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. قال: يَعْصِرون أعنابَهم (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. قال: العنبَ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٥ (١١٦٧٩) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢ إلى ابن المنذر.\n(^٣) تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٤) في س، ف: \"عنب\".","vol":"13","page":194},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، [قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ الواسطيُّ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ (^١)]. [قال: الزيتَ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، [قال: حدثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾] (^١) (^٣). قال: كانوا يَعْصِرون الأعنابَ والثَّمراتِ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. قال: يَعْضِرون الأعنابَ والزيتونَ والثمارَ مِن الخَصْبِ، هذا علمٌ آتاه اللهُ يوسُفَ لم يُسْأَلْ عنه (^٥) (^٦).\nوقال آخرون: معنى قولِه: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾: وفيه يَحْلِبون.\n\n<span data-type='title' id=toc-4453>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى [فرجُ بنُ فضالةَ] (^٧)، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. قال: فيه يَحْلِبون (^٨).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخْبَرنا إسحاقُ (^٩)، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبى حمادٍ،\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) تمام الأثر المتقدم في ص ١٩٣.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٤ عن معمر به.\n(^٥) سقط من: ت ٢.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٥ (١١٦٨١) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢ إلى أبى الشيخ.\n(^٧) في النسخ: \"فضالة\". والمثبت من مصدرى التخريج وهو الفرج بن فضالة أبو فضالة. ينظر الأثر التالى وتهذيب الكمال ٢٠/ ٤٩١.\n(^٨) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٢٧ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٥ (١١٦٨٢) من طريق فرج بن فضالة به، ولفظ سعيد بن منصور: \"تعصرون\"، و\"تحتلبون\" بالتاء.\n(^٩) في ت ١: \"ابن إسحاق\".","vol":"13","page":195},{"text":"قال: ثنا الفرجُ بنُ فَضالةَ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، قال: كان ابن عباسٍ يَقْرَأُ (^١): (فيه [تَعْصِروا) بالتاءِ] (^٢)، يعنى تَحْتَلِبون (^٣) (^٤).\nواخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرأةٍ أهلِ المدينةِ والبصرةِ والكوفةِ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ بالياءِ (^٥)، بمعنى ما وصَفْتُ مِن قولِ مَن قال: عصرُ الأعنابِ والأدْهانِ.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: (وفيه تَعْصِرون) (^٦) بالتاءِ (^٧)، وقرَأه بعضُهم: (وفيه يُعْصَرون). بمعنى: يُمْطَرون (^٨).\nوهذه قراءةٌ لا أَسْتَجِيرُ (^٩) القراءةَ بها؛ لخلافِها ما عليه قرأةُ الأمصارِ.\nوالصوابُ مِن القراءةِ (^١٠) في ذلك أن لقارئِه الخيارَ في قراءتِه بأيِّ القراءتين الأُخْرَيَينْ شاء؛ إن شاء بالياءِ ردًّا على [الخبرِ به] (^١١) عن الناسِ، على معنى: فيه يُغاثُ الناسُ وفيه يَعْصِرون أعنابَهم وأدهانَهم، وإن شاء بالتاءِ ردًّا على قولِه: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾، وخطابًا به لمن خاطَبه بقولِه: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا\n_________\n(^١) في ت ٢: \"يقول\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يعصرون\" بالياء وقراءة: \"تعصروا\" شاذة.\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"يحلبون\"، وفى ت:٢ \"يجتلبون\"، وفى س: \"يحتلبون\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢ إلى المصنف.\n(^٥) قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٣٤٩.\n(^٦) في ت ٢، س: \"يعصرون\".\n(^٧) قرأ بها حمزة والكسائى، المصدر السابق.\n(^٨) في ت ٢: \"تمطرون\"، وقراءة: \"يُعصَرون\" قرأ بها جعفر بن محمد والأعرج وعيسى البصرى. البحر المحيط ٥/ ٣١٦.\n(^٩) بعده في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"من\".\n(^١٠) في ت ٢: \"القول\".\n(^١١) في ت ١، ت ٢، س: \"الخبرية\".","vol":"13","page":196},{"text":"مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ - لأنهما قراءتان مُسْتَفِيضتان في قرأةِ الأمصارِ باتفاقِ المعنى، وإن اخْتَلَفت الألفاظُ بهما. وذلك أن المخاطَبِين بذلك كان لا شكَّ أنهم إذا (^١) أُغِيثوا وعصَروا، أُغِيث الناسُ الذين كانوا بناحيتِهم وعصَروا، وكذلك كانوا إذا أُغِيث الناسُ بناحيتِهم وعصَروا، أُغِيث المخاطَبون وعصَروا. فهما متفقتا المعنى، وإن اخْتَلَفَت الألفاظُ بقراءةِ ذلك.\nوكان بعضُ مَن لا علمَ له بأقوالِ السلفِ مِن أهلِ التأويلِ، ممن يُفَسِّرُ القرآنَ برأيِه على مذهبِ كلامِ العربِ، يُوَجِّهُ معنى قولِه: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. إلى: وفيه يَنْجُون من الجَدْبِ والقَحْطِ بالغَيْثِ، ويَزْعُمُ أَنه مِن العَصَرِ، والعَصَرُ التي بمعنى المَنْجاةِ، مِن قولِ أبى زُبَيْدٍ الطائيِّ (^٢):\nصادِيًا يَسْتَغِيثُ غيرَ مُغاثٍ … ولقد كان عُصْرةَ المنجودِ (^٣)\nأي: المقهورِ، ومِن (^٤) قولِ لَبيدٍ (^٥):\nفبات [وأسْرَى] (^٦) القومُ آخرَ ليلِهم … وما كان وَفَّافًا بغيرِ مُعَصَّرٍ (^٧)\nوذلك تأويلٌ يَكْفِى (^٨) مِن الشهادةِ على خطئِه (^٩) خلافُه قولَ جميعٍ أهلِ العلمِ مِن الصحابةِ والتابعين.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) البيت في أمالى اليزيدى ص ٨، وجمهرة أشعار العرب ٢/ ٧٣٣، واللسان (ن ج د).\n(^٣) في ص، م: \"الجنود\". المنجود: الهالك والمغلوب. التاج (ن ج د).\n(^٤) في ت ٢: \"منه\".\n(^٥) البيت في شرح ديوان لبيد ص ٤٩، والتاج (ع ص ر)، وشطره الثاني في اللسان (ع ص ر).\n(^٦) في ت ١: \"فأسرى\".\n(^٧) في ت ١، س، ف: \"مصير\".\n(^٨) في ت ١، س: \"يلقى\".\n(^٩) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"خطابه\".","vol":"13","page":197},{"text":"وأما القولُ الذي روَى الفرجُ بنُ فَضَالةَ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، فقولٌ لا معنى له؛ لأنه خلافُ المعروفِ مِن كلامِ العربِ، وخلافُ ما يُعْرَفُ مِن قولِ ابن عباسٍ ﵄.\n\n<span id=\"aya-1646\"></span><span data-type='title' id=toc-4454>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا رجَع الرسولُ الذي أرْسَلوه إلى يوسُفَ - الذي قال: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ - فأخْبَرَهم بتأويلِ رُؤيا الملكِ عن يوسُفَ، علِم الملكُ حقيقةَ ما [أصابه يوسفُ] (^١) مِن تأويلِ رُؤْياه، وصحةَ ذلك، وقال الملكُ: ائْتُونى بالذي عبَر رؤياىَ هذه.\nكالذى حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: فخرَج نبو (^٢) مِن عندِ يوسُفَ بما أفْتاهم به مِن تأويلِ رؤيا الملكِ، حتى أتى الملكَ فأخْبَره بما قال، فلما أخْبَره بما في نفسِه بمثلِ النهارِ، وعرَف أن الذي قال كائنٌ كما قال، قال (^٣): ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ، قال: لما أتَى الملكَ رسولُه قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"أفتاه به\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س: \"بنو\".\n(^٣) سقط من: ت ١، س، ف.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٥ (١١٦٨٤) من طريق أسباط به.","vol":"13","page":198},{"text":"وقولُه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾. يقولُ: فلما جاء (^١) رسولُ الملكِ يَدْعُوه إلى الملكِ، ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾. يقولُ: قال يوسُفُ للرسولِ: ارْجِعْ إلى سيدِك، ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، وأبَى أن يَخْرُجَ مِع الرسولِ، [وإجابةَ] (^٢) الملكِ حتى يَعْرِفَ صحةَ أمرِه عندَه مما كانوا قذَفوه به مِن شأنِ النساءِ، فقال للرسولِ: سَلِ الملكَ ما شأنُ النسوةِ اللاتى قطَّعْن أيديَهن، والمرأةِ التي سُجِنْتُ بسببِها (^٣)؟\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن (^٤) إسحاقَ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، والمرأةِ التي سُجِنْتُ [بسببِ أمرِها] (^٥) عما كان مِن (^٦) ذلك؟\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ، قال: لما أتَى الملكَ رسولُه فأخبَره، قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾. فلما أتاه الرسولُ ودعاه إلى الملكِ، أبَى يوسُفُ الخروجَ معه، وقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ الآية؟ قال السديُّ: قال ابن عباسٍ: لو خرَج يوسُفُ يومَئِذٍ قبلَ أن يَعْلَمَ الملكُ بشأنِه، ما زالت في نفسِ العزيزِ منه حاجةٌ، يقولُ: هذا الذي راوَد\n_________\n(^١) في م: \"جاءه\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فأجابه\".\n(^٣) في ص: \"فيها\"، وفى س، ف: \"منها\".\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) في ت ٢: \"بسببها\".\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"13","page":199},{"text":"امرأتَه (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن رجلٍ، عن أبي الزِّنادِ، [عن الأعرجِ] (^٢)، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"يَرْحَمُ اللهُ يوسُفَ؛ إن (^٣) كان ذا أَناةٍ، لو كنتُ أنا المحبوسَ ثم أُرْسِل إليَّ، لخرَجْتُ سريعًا، إن كان لحَليمًا ذا أَناةٍ\" (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال النبيُّ ﷺ: \"لو لبِثْتُ في السجنِ ما لبِث يوسُفُ، ثم جاءنى الداعى لأَجَبْتُه، إذ جاءه الرسولُ فقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ \" الآية (^٥).\nحدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنى سليمانُ بنُ بلالٍ، عن محمدِ بن عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٥ (١١٦٨٤) من طريق أسباط به دون آخره، وتقدم أوله ص ١٩٨.\n(^٢) سقط من: م، ف. وينظر تهذيب الكمال ١٧/ ٤٦٩.\n(^٣) في ت ٢: \"إذ\"، وفى ف: \"لو\".\n(^٤) ذكره الزيلعى في تخريج الكشاف ٢/ ١٦٨ عن ابن إسحاق به، وعزاه إلى المصنف، وقال: ورواه ابن مردويه من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر عن الزهرى … عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ.\n(^٥) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٢٥٤)، والحاكم ٢/ ٣٤٦، ٣٤٧، وتمام في فوائده (١٤٤٢ - الروض البسام) من طريق محمد بن عمرو به. وينظر ما تقدم في ١٢/ ٥١١، وينظر أيضا البداية والنهاية ١/ ٤٧٨، والسلسلة الصحيحة (١٨٦٧، ١٩٤٥).\n(^٦) تقدم تخريجه في ٤/ ٦٣٣، ٦٣٤.","vol":"13","page":200},{"text":"حدَّثنا زكريا بنُ أبانٍ المصريُّ (^١)، قال: ثنا سعيدُ بنُ تَلِيدٍ (^٢)، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ، قال: ثنى بكرُ بنُ مُضَرَ، عن عمرِو بن الحارثِ، عن يونُسَ بن يزيدَ، عن ابن شِهابٍ، قال: أخبَرنى أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، وسعيدُ بنُ المسيبِ، عن أبي هريرةَ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"لو لبِثْتُ في السجنِ ما لبِث يوسُفُ لأَجَبْتُ الداعىَ\".\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنى يونُسُ، عن ابن شِهابٍ، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ، وسعيدِ بن المسيبِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا حمادٌ، عن محمدِ بن عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ، وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ - قال النبيُّ ﷺ: \"لو كنتُ أنا لأَسْرَعْتُ الإجابةَ، وما ابْتَغَيْتُ (^٣) العُذْرَ\" (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن ثابتٍ، عن النبيِّ ﷺ، ومحمدُ بنُ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ أنه قرَأ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ الآية، فقال\n_________\n(^١) في م: \"المقرئ\". وهو شيخ الطبرى، وتقدم في ٤/ ٦٣٣.\n(^٢) في ص، ف: \"بليد\"، وفى ت ٢: \"لبيد\". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٢٩.\n(^٣) في ت ٢: \"انبعثت\".\n(^٤) أخرجه أحمد ١٤/ ٢٢٨، ١٥/ ٢٥، ٢٦ (٨٥٥٤، ٩٠٦٠) عن عفان به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢١٥٥/ ٧، ٢١٥٦ (١١٦٨٥) من طريق حماد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"13","page":201},{"text":"النبيُّ ﷺ (^١): \"لو [كنت، أنا لو] (^٢) بُعِث إليَّ، لأسْرَعْتُ في الإجابةِ وما ابْتَغَيْتُ العُذْرَ\".\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا ابن عُيينةَ، عن عمرٍو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لقد عجِبْتُ مِن يوسُفَ وصبرِه وكرمِه، واللَّهُ يَغْفِرُ له، حينَ سُئِل عن البَقَراتِ العِجافِ والسِّمانِ، ولو كنتُ مكانَه ما أخبَرْتُهم بشيءٍ حتى أَشْتَرِطَ أن يُخْرِجونى، ولقد عجِبْتُ مِن يوسُفَ وصبرِه وكرمِه، واللَّهُ يَغْفِرُ له حينَ أتاه الرسولُ، ولو كنتُ مكانَه لبادَرْتُهم البابَ، ولكنه أراد أن يكونَ له العُذْرُ\" (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾: أَراد نبيُّ اللهِ ﷺ أن لا يَخْرُجَ حتى يَكونَ له العذرُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾. قال: أراد يوسُفُ العذرَ قبلَ أن يَخْرُجَ مِن السجنِ (^٤).\nوقولُه: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: إن الله تعالى ذكرُه ذو علمٍ\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"أنا\".\n(^٢) سقط من: م، ت ٢.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٣ بزيادة تقدّمت في ص ١٧٢ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٦ (١١٦٨٦) من طريق ابن عيينة به مختصرا.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٣ إلى المصنف وأبى عبيد وابن المنذر بزيادة: قال ابن جريج: وبين هذا وبين ذلك ما بينه. قال: وهذا من تقديم القرآن وتأخيره.","vol":"13","page":202},{"text":"بصَنيعِهن وأفعالِهن التي (^١) فعَلْن بى (^٢) ويَفْعَلْن بغيرى مِن الناسِ، لا يَخْفَى عليه ذلك كلُّه، وهو مِن وَرَاءِ جَزائِهن على ذلك.\nوقيل: إن معنى ذلك: إن سيدى إطفيرَ العزيزَ زوجَ المرأةِ التي راوَدَتْنى عن نفسى، ذو علمٍ ببَراءتى مما قَرَفتنى (^٣) به مِن السوءِ.\n\n<span id=\"aya-1647\"></span><span data-type='title' id=toc-4455>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ (^٤) لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾.</span>\nوفى هذا الكلامِ متروكٌ، قد اسْتُغْنِى بدلالةِ ما ذُكِر عليه عنه (^٥)، وهو: فرجَع الرسولُ إلى الملكِ مِن عندِ يوسُفَ برسالتِه، فدعا الملكُ النِّسْوةَ اللاتى قطَّعْنَ أيديَهن، وامرأةَ العزيزِ، فقال لهن: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾؟\nكالذى حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: فلمَّا جاء الرسولُ الملكَ مِن عندِ يوسُفَ بما أرسَلَه إليه، جمَع (^٦) النِّسوة، وقال: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾.\nويعنى بقولِه: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾: ما كان أمْرُكن، وما كان شأنُكن ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾؟ فأَجَبْنَه فقُلْن: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ت ٢، ف: \"في\".\n(^٣) في م: \"قذفتنى\". وقرفه: أي اتهمه. التاج (ق ر ف).\n(^٤) في ص: \"حاشى\" بالألف، وهى قراءة أبى عمرو وحده. السبعة ص ٣٤٨.\n(^٥) سقط من: ت ٢.\n(^٦) في م: \"جميع\".","vol":"13","page":203},{"text":"﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾. تقولُ: الآنَ تبَيَّن الحقُّ، وانكَشَف فظهَر، ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ (^١)﴾، وإن يوسُفَ لمن الصادقين في قولِه: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦].\nوبمثلِ ما قلْنا في معنى: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ - قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4456>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾. قال: تبَيَّن (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ (^٣) في قولِ اللَّهِ: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾: تبَيَّن (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيْرٍ (^٥)، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبَابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"نفسى\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٦ (١١٦٩٠) من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"مثله\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٩٧.\n(^٥) في ص، ف: \"نمر\".","vol":"13","page":204},{"text":"[حدَّثني المُثَنَّى، [قال: ثنا إسحاقُ] (^١)، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ يقولُ (^٣): الآن تبَيَّن الحقُّ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ (^٦)، عن قتادةَ: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾. قال: تبيَّن (^٧) (^٨).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ [محمدٍ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ] (^٩): ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾. قال: تبيَّن (^١٠).\nحدَّثنا (^١١) ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسباطَ، عن السديِّ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٦ (١١٦٩١) من طريق سعيد به بزيادة.\n(^٥) ينظر ما تقدم ص ٢٠٢.\n(^٦) في ت ٢: \"محمد بن عمرو\".\n(^٧) بعده في م: \"حدثنا القاسم، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله\" وهو تكرار.\n(^٨) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٤.\n(^٩) في م: \"يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة\".\n(^١٠) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٣ إلى المصنف.\n(^١١) بعده في ت ٢: \"الحسن\".","vol":"13","page":205},{"text":"الضحاكِ مثلَه (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قالت راعيلُ امرأَةُ أطفيرَ (^٢) العزيزِ: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾. أي: الآن برَز الحقُّ وتبيَّن، ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيما كان قال يوسُفُ مما ادَّعَت عليه (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ، قال: قال الملكُ: ائْتُونى بهن. فقال: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾؟ ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾، ولكن امرأةُ العزيزِ أخبَرتْنا (^٤) أنها راوَدَتْه عن نفسِه (^٥)، ودخَل معها البيتَ، وحلَّ سراويلَه، ثم شدَّه بعدَ ذلك، فلا تَدْرِى (^٦) ما بدا له، فقالت امرأةُ العزيزِ: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ (^٧).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾: تبيَّن (١).\nوأصلُ حَصْحَص \"حصَّ\". ولكن قيل: حَصْحَص. كما قيل: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ [الشعراء:٩٤] في كُبُّوا. وقيل: كَفْكَف في \"كَفَّ\"، [وذَرْذَر في \"ذَرَّ\"] (^٨). وأصلُ الحَصِّ: اسْتِئْصالُ الشئِ، يقالُ منه: حصَّ شعرَه. إذا اسْتَأْصَله\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٣ إلى المصنف.\n(^٢) في ص، ت ٢: \"أظفير\". وينظر تاريخ الطبرى ١/ ٣٤٦.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٧ (١١٦٩٢، ١١٦٩٤) من طريق سلمة به.\n(^٤) في ص، ت ٢، س، ف: \"أخبرها\". والصواب ما أثبت.\n(^٥) في ص، ت ٢، س، ف: \"نفسها\".\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ف: \"ندرى\"، وفى س: \"يدرى\".\n(^٧) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٦ بنحوه. وينظر ما سيأتي في ص ٢١٤.\n(^٨) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ردرد في رد\".","vol":"13","page":206},{"text":"جَزًّا، وإنما أُرِيد في هذا الموضعِ بقولِه (^١): ﴿حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾: ذهَب الباطلُ والكذبُ فانْقَطَع، وتبَيَّن الحقُّ فظهَر.\n\n<span id=\"aya-1648\"></span><span data-type='title' id=toc-4457>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾.</span>\nيعنى بقولِه: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾: هذا الفعلُ الذي فَعَلْتُه، مِن ردِّى رسولَ الملكِ إليه، وترْكى إجابتَه والخروجَ إليه، ومسألتى إياه أن يَسْأَلَ النِّسوةَ اللاتى قطَّعْن أيديَهن، عن شأنِهن إذ قطَّعْن أيديَهن - إنما فعَلْتُه ليَعْلَمَ أنى لم أَخُنْه في زوجتِه، ﴿بِالْغَيْبِ﴾. يقولُ (^٢): لم أَرْكَبُ منها فاحشةً في حالِ غيبتِه عنى، وإذا لم يَرْكَبْ (^٣) ذلك بمَغيبِه (^٤)، فهو (٢) في حالٍ مَشْهَدِه إياه أُخْرَى أن يَكونَ بعيدًا مِن ركوبِه.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: يقولُ يوسُفُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ إطفيرُ (^٥) سيدُه ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾: أنى لم أَكُنْ لأُخالِفَه إلى أهلِه مِن حيثُ لا يَعْلَمُه (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾؛ يوسُفُ يقولُه (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) من هنا خرم في المخطوطة (س) وينتهى في ص ٣٨٥.\n(^٤) في ت ١: \"في حال غيبته\".\n(^٥) في ت ٢: \"إظفير\"، وفى تفسير ابن أبي حاتم: \"أطيفير\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٧ (١١٦٩٧) من طريق سلمة به.\n(^٧) ينظر الأثر التالى.","vol":"13","page":207},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾؛ يوسُفُ يقولُه: لم أَخُنْ سيدى (^١).\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال: يوسُفُ يقولُه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال: هذا قولُ يوسُفَ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن إسماعيلَ بن سالمٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. [قال: هو يوسفُ، لم يَخُنِ العزيزَ في امرأتِه.\nحدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عبيدٌ (^٣)، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾] (^٤): هو يوسُفُ، يقولُ: لم أَخُنِ الملكَ بالغيبِ (^٥).\nوقولُه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾. يقولُ: فعَلْتُ ذلك ليعلَمَ سيدى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٣ إلى المصنف وأبى عبيد وابن المنذر، وينظر تفسير الثورى ص ١٤٣.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٥ عن معمر به بزيادة. وينظر ما سيأتي في ص ٢١٤.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"بن سليمان\".\n(^٤) سقط من: م، س.\n(^٥) ذكره الطوسى في التبيان ٦/ ١٥٤ عن الضحاك.\nوهذا الرأى الذي ذهب إليه المصنف من أن ذلك من كلام يوسف ﵇ قد ذهب بعض المفسرين إلى غيره؛ فقد استظهره ابن كثير وأبو حيان، اعتمادا على أن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف ﵇ عندهم بل بعد ذلك أحضره الملك. وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام. ينظر البحر المحيط ٥/ ٣١٧، ٣١٨، وتفسير ابن كثير ٤/ ٣٢٠.","vol":"13","page":208},{"text":"أنى لم أَخُنْه بالغيبِ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾. يقولُ: [فقلت ذلك ليعلَمَ سَيِّدى أنى لم أخُنْه بالغيبِ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾. يقولُ] (^١): وأن الله لا يُسَدِّدُ (^٢) صَنيعَ من خان الأماناتِ، ولا يُرْشِدُ فعالَهم في خيانتِهموها.\nواتَّصَل قولُه: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. بقولِ امرأةِ العزيزِ: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. لمعرفةِ السامعين لمعناه، كاتِّصالِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٣٤). بقولِ المرأةِ: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾. وذلك أن قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. خبرٌ مبتدأٌ، وكذلك قولُ فرعونَ لأصحابِه في سورةِ الأعرافِ: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾. وهو متصلٌ بقولِ الملأِ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ [الأعراف: ١١٠].\n\n<span id=\"aya-1649\"></span><span data-type='title' id=toc-4458>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾.</span>\nيقولُ يوسُفُ صلواتُ اللهِ عليه (^٣): ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾. مِن الخطأِ والزَّلَلِ فأُزَكِّيَها، ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾. يقولُ: إن النفوسَ - نفوسَ العبادِ - تَأْمُرُهم بما تَهْواه، وإن كان هواها في غيرِ ما فيه رضا اللهِ، ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾. يقولُ: إلا أن يَرْحَمَ ربِّي مَن شاء مِن خلقِه، فيُنْجِيَه مِن اتِّباعِ هواها، وطاعتِها (^٤) فيما تَأْمُره به مِن السُّوءِ، ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، س.\n(^٢) في ت ٢: \"يُسَيد\".\n(^٣) قد سبق ذكر الخلاف بين العلماء في القائل هل هو يوسف ﵇ أم امرأة العزيز. وتنظر الصفحة السابقة.\n(^٤) في م، ف: \"طاعته\".","vol":"13","page":209},{"text":"و\"ما\" في قولِه: ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾. في موضعٍ نصبٍ، وذلك أنه استثناءٌ مُنْقَطِعٌ عما قبلَه، كقولِه: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ [يس: ٤٣، ٤٤] بمعنى: إلا أن يُرْحَموا، و\"أن\" إذا كانت في معنى المصدرِ تُضارِعُ \"ما\".\nويعنى بقولِه: ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. إِن اللَّهَ ذو صَفْحٍ عن ذنوبٍ مَن تاب مِن ذنوبِه، بتركِه عقوبتَه عليها، وفضيحتَه بها ﴿رَحِيمٌ﴾ به بعدَ توبتِه أن يُعَذِّبَه عليها.\nوذُكِر أن يوسُفَ قال هذا القولَ، مِن أجلِ أن يوسُفَ لما قال: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال مِلَكٌ مِن الملائكةِ: ولا يومَ همَمْتَ بها؟! فقال يوسُفُ حينَئذٍ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾. وقد قيل: إن القائلَ ليوسُفَ: ولا يومَ همَمْتَ بها، فحلَلْتَ سَراويلَك؟! هو امرأةُ العزيزِ، فأجابها يوسُفُ بهذا الجوابِ.\nوقيل: إن يوسُفَ قال ذلك ابتداءً مِن قِبَلِ نفسِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4459>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قال: لما جمَع الملكُ النسوةَ، فسأَلهن: هل راوَدْتُنَّ يوسُفَ عن نفسِه؟ ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ الآيةَ، قال يوسُفُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال: فقال له جِبريلُ: ولا يومَ همَمْتَ بما همَمْتَ؟! فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٦، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٧ (١١٦٩٣) من طريق =","vol":"13","page":210},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قال: لما جمَع الملكُ النِّسْوةَ، قال لهن: أنتن راوَدْتُنَّ يوسُفَ عن نفسِه؟ ثم ذكَر سائرَ الحديثِ، مثلَ حديثِ أبى كُرَيْبٍ، عن وكيعٍ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عمرٌو، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قال: لما جمَع الملكُ (^١) النسوةَ، قال: أنتن راوَدْتُن يوسُفَ عن نفسِه؟ ثم ذكَر نحوَه، غيرَ أنه قال: فغمَزه جِبريلُ، فقال: ولا حينَ همَمْتَ بها؟! فقال يوسُفُ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن مِسْعَرٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: لما قال يوسُفُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال جبريلُ أو مَلَكٌ: ولا يومَ [همَمْتَ بها] (^٣)؟! فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (^٤).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن أبي\n_________\n= سماك به بنحوه. والبيهقى في الشعب (٧٢٩٠)، والزهد (٣٦١) من طريق إسرائيل عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس بنحوه مطولا.\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"فرعون\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٨ (١١٦٩٨) من طريق إسرائيل به بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٣ إلى الفريابى وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"هممت بما هممت به\".\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٨ عقب الأثر (١١٦٩٩) معلقا نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٣ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"13","page":211},{"text":"حَصِينٍ، [عن سعيدِ بن جبيرٍ بنحوِه، إلا أنه قال (^١): قال له المَلَكُ: ولا حينَ همَمْتَ بها (^٢)؟ ولم يَقُلْ: أو جبريلُ. ثم ذكَر سائرَ الحديثِ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ] (^٣)، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ (^٤) وأحمدُ بنُ بَشِيرٍ، عن مِسْعَرٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال: فقال له الملكُ أو جبريلُ: ولا حينَ همَمْتَ بها؟ فقال يوسُفُ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي سِنانٍ، عن ابن أبي الهُذَيْلِ، قال: لما قال يوسُفُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال له جبريلُ: ولا يومَ همَمْتَ [بما همَمْتَ به] (^٥)؟! فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (^٦).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبي (^٧) سِنانٍ، عن ابن (^٨) أبى الهُذَيْلِ بمثلِه.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ف، وبعده في ت ٢: \"له\".\n(^٢) في ص، ف: \"به\".\n(^٣) في ت ١: \"عن أبي وكيع\".\n(^٤) في ت ١: \"بشير\".\n(^٥) في ت ٢: \"بها\".\n(^٦) عزاء السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٣ إلى المصنف.\n(^٧) في ت ٢: \"ابن\". وهو ضرار بن مرة الكوفى أبو سنان الشيبانى الكوفى. وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٣٠٦.\n(^٨) سقط من: ص، ت ١، ن ٢، ف. وهو عبد الله بن أبى الهذيل العنزى أبو المغيرة الكوفى، وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٢٤٤.","vol":"13","page":212},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عمرٌو، قال: أخبرنا مِسْعَرٌ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، مثلَ حديثِ ابن وكيعٍ، عن محمدٍ بن بشرٍ وأحمدَ بن بَشيرٍ، سواءً.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا العَلاءُ (^١) بنُ عبدِ الجبارِ، وزيدُ بنُ حُبابٍ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن ثابتٍ، عن الحسنِ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال له جبريلُ: اذْكُرْ همَّك (^٢). فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عفَّانُ، قال: ثنا حمادٌ، عن ثابتٍ، عن الحسنِ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال جبريلُ: يا يوسُفُ، اذْكُرُ همَّك. قال (^٤): ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن إسماعيلَ بن سالمٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال: هذا قولُ يوسُفَ. قال: فقال له جبريلُ: ولا حينَ حلَلْتَ سَراويلَك؟ قال: فقال يوسُفُ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ الآية.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبرنا هُشيمٌ، عن إسماعيلَ بن سالمٍ، عن أبي صالحٍ بنحوِه.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"المعلا\".\n(^٢) بعده في ت ١: \"بها\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٨ (١١٧٠٣) من طريق مبارك عن الحسن نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٣ إلى ابن المنذر. وأخرجه البيهقى في الزهد (٣١٥) من طريق مؤمل عن حماد عن ثابت عن أنس مرفوعا.\n(^٤) في ف: \"فقال\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٣ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ بزيادة.","vol":"13","page":213},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. ذُكِر لنا أن الملكَ الذي كان مع يوسُفَ قال له: اذْكُرُ ما همَمْتَ به، قال نبيُّ اللَّهِ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: بلَغَنى أن المَلَكَ قال له حينَ قال ما قال: أتَذْكُرُ همَّك؟ فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال الملكُ، وطعَن في جنبِه: يا يوسُفُ، ولا حينَ همَمْتَ؟ قال: فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-4460>ذكرُ مَن قال: قائلُ ذلك له المرأةُ</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ قال: قاله (^٤) يوسُفُ حينَ جِئ به ليُعْلِمَ العزيزَ أنه لم يَخُنْه بالغيبِ في أهلِه، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾. فقالت امرأةُ العزيزِ: يا يوسُفُ، ولا يومَ حلَلْتَ سَراويلَك؟ فقال يوسُفُ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٨ (١١٧٠٢) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٥ عن معمر به. وتقدم أوله في ص ٢٠٨.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٢٠ عن عكرمة.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قاله له\".\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٦ بنحوه، وفى أوله زيادة تقدمت في ص ٢٠٦. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٧، ٢١٥٨ (١١٦٩٦، ١١٧٠١) من طريق أسباط به.","vol":"13","page":214},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4461>ذكرُ مَن قال: قائلُ ذلك يوسُفُ لنفسِه، مِن غيرِ تذكيرِ مذكِّرٍ ذكَّره، ولكنه تذكَّر ما كان سلَف منه في ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾. هو قولُ يوسُفَ لمَليكِه (^١) حينَ أراه اللهُ عُذْرَه، فذكَّره أنه قد همَّ بها وهمَّت به، فقال يوسُفُ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ الآية (^٢).\n\n<span id=\"aya-1650\"></span><span data-type='title' id=toc-4462>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ يعنى ملكَ مصرَ الأكبرَ، وهو فيما ذكَر ابن إسحاقَ [الوليدُ بنُ الريَّانِ] (^٣).\nحدَّثنا بذلك ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ عنه، حينَ تبيَّن عُذْرَ يوسُفَ، وعرَف أمانتَه وعلمَه. قال (^٤) لأصحابِه: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾. يقولُ: أَجْعَلْه من خُلَصائى دونَ غيرى (^٥).\n_________\n(^١) في ت ١، ف: \"للملائكة\"، وفى ت ٢: \"لملائكة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٧ (١١٦٩٥) عن محمد بن سعد به دون آخره. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٣ إلى ابن المنذر، دون آخره أيضًا.\n(^٣) كذا في النسخ، وقد تقدم في ١٢/ ١٧٥ وسيأتي في ١٣/ ٦: \"الريان بن الوليد\". وقد اختلف في اسمه، ففى تاريخ الطبرى ١/ ٣٣٥، ٣٦٣، والبداية والنهاية ١/ ٤٦٧: \"الريان بن الوليد\"، ثم في تاريخ الطبرى ١/ ٣٣٦، ٣٤٣، والبداية والنهاية ١/ ٤٨٤، وتفسير القرطبي ٩/ ١٥٨، ٢١٧، وتفسير الثعالبى ٢/ ٢٣٦، وزاد المسير ٤/ ٢٢٧: \"الوليد بن الريان\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣٥، ٣٨٦. وأخرجه ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٥٩ (١١٧٠٦) من طريق سلمة به.","vol":"13","page":215},{"text":"وقولُه: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾. يقولُ: فلمَّا كلَّم الملِكُ يوسفَ (^١) وعرَف براءتَه، وعِظَمَ أمانتِه، قال له: إنك يا يوسُفُ ﴿لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾. أي: مُتَمَكِّنٌ مما أرَدْتَ وعرَض لك مِن حاجةٍ قِبَلَنا؛ لرفعةِ مكانِك ومنزلتِك لدينا، أمينٌ على ما اؤْتُمِنْتَ عليه مِن شيءٍ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ، قال: لما وجَد الملكُ له عُذْرًا قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾. يقولُ: أَتَّخِذْه لنفسى (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي سِنانٍ، عن ابن (^٣) أبى الهُذَيْلِ، قال (^٤): قال الملِكُ: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾. قال: قال له الملك: إنى أُرِيدُ [أن أُخْلِصَك لنفسى] (^٥)، غيرَ أنى آنَفُ أن تَأْكُلَ معى. فقال يوسُفُ: أنا أحقُّ أن آنَفَ؛ أنا ابن إسحاقَ. أو [قال: ابن] (^٦) إسماعيلَ - شك أبو جعفرٍ - وفى كتابى: ابن إسحاقَ ذبيحِ اللهِ (^٧)، ابن إبراهيمَ خليلِ اللهِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"ليوسف\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٩ (١١٧٠٩) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٥) في ت ١: \"أن أخلك بنفسى\"، وفى ت ٢: \"أخلطك بنفسى\"، وفى ف: \"أن أخاطبك بنفسى\".\n(^٦) في م: \"أنا ابن\"، وفى ت ٢: \"قال\"، وفى ف: \"نال ابن\".\n(^٧) ينظر الخلاف في اسم الذبيح في سورة الصافات الآية (١٠٢).","vol":"13","page":216},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنى أبى، عن سُفيانَ، عن أبي سِنانٍ، عن ابن أبي الهُذَيْلِ بنحوِه، [غيرَ أنه] (^١) قال: أنا ابن إبراهيمَ خليلِ اللَّهِ، ابْنُ إسماعيلَ ذبيحِ اللَّهِ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي سِنانٍ، عن عبدِ اللهِ بن أبى الهُذَيْلِ، قال: قال العزيزُ ليوسُفَ: ما مِن شيءٍ إلا وأنا أُحِبُّ أن تَشْرَكُنى فيه، إلا أنى أحبُّ أن لا تَشْرَكَنى في أهلى وأن لا [يَأْكُل معى عبدى] (^٢). قال: أتَأْنَفُ أن آكُلَ معك؟ فأنا أحَقُّ أن آنَفَ منك، أنا ابن إبراهيمَ خليلِ اللَّهِ، وابنُ إسحاقَ الذبيحِ، وابنُ يعقوبَ الذي ابْيَضَّتْ عيناه مِن الحزنِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عقبةَ، عن حمزةَ الزَّيَّاتِ، عن أبى (^٤) إسحاقَ، عن أبي مَيْسَرةَ، قال: لما رأَى العزيزُ لَبَقَ يوسُفَ وكَيْسَه وظَرْفَه دعاه، فكان يَتَغَدَّى ويتعشَّى معه دونَ غِلمانِه، فلما كان بينَه وبينَ المرأةِ ما كان، قالت له: تُدْنى هذا! مُرْه فلْيَتَغَدَّ الغلمانِ. قال له: اذْهَبْ فتَغَدَّ [معى الغلمانِ] (^٥). فقال له يوسُفُ في وجهِه: تَرْغَبُ أَن تَأْكُلَ معى - أو تَنْكَفَ - أنا والله يوسُفُ بنُ يعقوبَ [نبيِّ اللهِ] (^٦)، ابن إسحاقَ ذبيحِ اللهِ، ابن إبراهيمَ خليلِ\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، وفى ص، ت ١، ف: \"به\".\n(^٢) في ف: \"تأكل معى عندى\".\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٢٩ - تفسير) من طريق أبى سنان به دون ذكر إبراهيم، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٥٩ (١١٧٠٧) من طريق سفيان عن أبي سنان عن ابن أبي الهذيل عن ابن عباس نحوه دون ذكر يعقوب. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى الشيخ عن ابن عباس.\n(^٤) في ص، م، ف: \"ابن\". وهو عمرو بن عبد الله بن عبيد، أبو إسحاق السبيعى. وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ١٠٢.\n(^٥) زيادة من: م.\n(^٦) سقط من: ت ١.","vol":"13","page":217},{"text":"اللهِ (^١).\n\n<span id=\"aya-1651\"></span><span data-type='title' id=toc-4463>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: قال يوسُفُ للملِكِ: اجْعَلْنى على خَزائنِ أَرضِك. وهى جمعُ خِزانةٍ، والألفُ واللامُ دخَلَتا في الأرضِ خَلَفًا مِن الإضافةِ، كما قال الشاعرُ (^٢):\n..................... … ..... والأحلامُ غيرُ عَوازِبٍ\nوهذا مِن يوسُفَ صلواتُ اللهِ عليه مسألةٌ منه للملكِ أن يُوَلِّيَه أمرَ طعامِ بلدِه وخَراجِها، والقيامَ بأسبابِ بلدِه، ففعَل ذلك الملكُ به فيما بلَغَنى.\nكما حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾. قال: كان لفرعونَ خَزائنُ كثيرةٌ غيرُ الطعامٍ، قال: فأسْلَم سلطانَه كلَّه إليه، وجعَل القضاءَ إليه، أمرُه وقضاؤُه نافذٌ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ المختارِ، عن شَيْبَةَ الضَّبِّيِّ في قولِه: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾. قال: على حفظِ الطعامِ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٤/ ٣٣٧.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٧ مطولًا. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٠ (١١٧١٢) من طريق إبراهيم به بلفظ أثر ابن زيد السابق، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ بلفظ: جميع الطعام. وإبراهيم ضعيف.","vol":"13","page":218},{"text":"وقولُه: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إنى حفيظٌ لما اسْتَوْدَعْتَنى، عليمٌ بما ولَّيْتَنى.\n\n<span data-type='title' id=toc-4464>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾: إنى حافظٌ لما اسْتَوْدَعْتَنى، عالمٌ بما ولَّيْتَنى. قال: قد فعَلْتُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: حفيظٌ لما وُلِّيتُ، عليمٌ (^٢) بأمرِه (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ المختارِ، عن شَيْبةَ الضَّبِّيِّ في قولِه: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: إنى حفيظٌ لما اسْتَوْدَعْتَنى، عليمٌ (٢) بِسِنِيِّ المَجاعةِ (^٤).\nوقال آخرون: إنى حافظٌ للحسابِ، عليمٌ (٢) بالألسنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4465>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن الأشْجَعيِّ: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾: حافظٌ للحسابِ، عليمٌ بالألسنِ (^٥).\nوأولى القولين عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: إنى حافظٌ لما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٠، ٢١٦١ (١١٧١٤، ١١٧٢٠) من طريق سلمة به.\n(^٢) في ت ٢: \"عليهم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٠ (١١٧١٣، ١١٧١٦) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة.\n(^٤) في ت ١، ف: \"الجماعة\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤ إلى المصنف وأبى الشيخ. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٠ (١١٧١٥، ١١٧١٨) من طريق عمرو.","vol":"13","page":219},{"text":"اسْتَوْدَعْتَنى، عالمٌ بما أوْلَيْتَنى؛ لأن ذلك عَقِيبُ قولِه: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ ومسألتِه الملكَ اسْتِكْفاءَه خَزائنَ الأرضِ. فكان إعلامُه بأنَّ عندَه خبرةً في ذلك، وكفايتِه إياه، أشبهَ مِن إعلامِه حِفْظَه الحسابَ ومعرفتَه بالألسنِ.\n\n<span id=\"aya-1652\"></span><span data-type='title' id=toc-4466>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وهكذا وطَّأْنا ليوسُفَ في الأرضِ - [يعنى أرضَ مصرَ] (^١) - ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾. يقولُ: يَتَّخِذُ مِن أَرضِ مصرَ مَنْزِلًا حيث يَشاءُ، بعدَ الحبسِ والضِّيقِ، ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ مِن خَلقِنا، كما أصَبْنا يوسُفَ بها، فمكَّنَّا له في الأرضِ بعد العُبودةِ والإسارِ، وبعد الإلقاءِ في الجُبِّ، ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: ولا نُبْطِلُ جزاءَ عملِ مَن أحْسَن، فأطاع ربَّه، وعمِل بما أمَرَه وانْتَهَى عما نهاه عنه، كما لم نُبْطِلْ جزاءَ عملِ يوسُفَ، إذ أحْسَن فأطاع اللَّهَ.\nوكان تَمْكينُ اللهِ ليوسُفَ في الأرضِ، كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما قال يوسُفُ للملك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. قال الملكُ: قد فعَلْتُ. فولَّاه - فيما يَذْكُرون - عملَ إطفيرَ، وعزَل إطفيرَ عما كان عليه، يقولُ اللهُ: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ الآيةَ.\nقال: فذُكِر لى - واللهُ أعلمُ - أن إطفيرَ هلَك في تلك الليالى، وأن الملكَ الريانَ بنَ الوليدِ زوَّج يوسُفَ امرأةَ إطفيرَ راعيلَ، وأنها حينَ دخَلَت عليه، قال: أليس\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"يعنى في أرض ملك مصر\".","vol":"13","page":220},{"text":"هذا خيرًا مما كنتِ تُرِيدين؟ قال: فيَزْعُمون أنها قالت: أيُّها الصِّدِّيقُ، لا تَلُمْنى؛ فإنى كنتُ امرأةً كما تَرَى [حَسْناءَ جَمْلاءَ] (^١)، ناعمةً في مُلْكٍ ودُنْيا، وكان صاحبى لا يَأْتى النساءَ. وكنتَ كما جعَلَك اللهُ في حُسْنِك وهيئتِك، فغلَبَتْنى نفسى على ما رأيْتَ، فيَزْعُمون أنه وجَدها عَذْراءَ. فأصابها، فولَدَت له رجلين؛ أفراييمَ (^٢) بنَ يوسُفَ، ومنشا (^٣) بنَ يوسفَ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾. قال: اسْتَعْمَله الملكُ على مصرَ، وكان صاحبَ أمرِها، وكان يَلِى البيعَ والتجارةَ، وأمْرَها كلَّه، فذلك قولُه: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ (^٥).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾. قال: [ملَّكْناه فيما] (^٦) يَكونُ فيها حيث يشاءُ مِن [تلك الدنيا] (^٧)، يَصْنَعُ فيها ما يَشاءُ؛ [فُوِّضَت إليه] (^٨). قال: ولو شاء أن يَجْعَلَ [فرعونَ مِن] (^٩)\n_________\n(^١) في م: \"حسنا وجمالا\". والجملاء: الجميلة المليحة. اللسان (ج م ل).\n(^٢) في م: \"أفراثيم\"، وفى ت ١: \"أفرايتم\"، وفى ت ٢: \"أفراهيم\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"ميشا\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦١ (١١٧٢٠، ١١٧٢٣) من طريق سلمة به.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٧، ٣٤٨، وأخرجه ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٦١ (١١٧١٩) من طريق أسباط به.\n(^٦) في ص، ت ١: \"ملكناه فيها\"، وفى ت ٢، ف: \"مكناه فيها\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ملك الدنيا\".\n(^٨) في ص، ف: \"فوصفت\"، وفى ت ١، ت ٢: \"فوضعت\".\n(^٩) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"13","page":221},{"text":"تحتِ يديه، ويَجْعَلَه فوقَه، لَفعَل (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرٌو، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، عن أبي إسحاقَ الكُوفيِّ، عن مجاهدٍ، قال: أسْلَم الملكُ الذي كان معه يوسُفُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1653\"></span><span data-type='title' id=toc-4467>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولثَوابُ اللهِ في الآخرةِ: ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: للذين (^٣) صدَّقوا الله ورسولَه مما أَعْطَى يوسُفَ في الدنيا مِن تَمْكينِه له في أرضِ مصرَ ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. يقولُ: وكانوا يَتَّقون اللَّهَ فيَخافون عقابَه في خلافِ أمرِه، واسْتِحلالِ مَحارمِه، فيُطِيعونه في أمرِه ونهيِه.\n\n<span id=\"aya-1654\"></span><span data-type='title' id=toc-4468>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وجاء إخوةُ يوسفَ فدخَلوا عليه، فعرَفهم يوسُفُ، وهم ليوسُفَ مُنكِرون، لا يَعْرِفونه.\nوكان سببُ مَجيئِهم يوسُفَ، فيما ذُكِر لى، كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما اطْمَأَنَّ يوسُفُ في ملكِه، وخرَج مِن البلاءِ الذي كان فيه، وخلَت السِّنون المُخْصِبةُ، التي كان أمَرَهم بالإعدادِ فيها للسنين التي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦١ (١١٧٢١، ١١٧٢٣) من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤ إلى المصنف.\n(^٣) في ت ٢: \"الذين\".","vol":"13","page":222},{"text":"أخْبَرهم بها أنها كائنةٌ (^١)، جُهِد (^٢) الناسُ في كلِّ وجهٍ، وضرِبوا إلى مصرَ يَلْتَمِسون بها المِيرةَ مِن كلِّ بَلْدةٍ، وكان يوسُفُ حينَ رأَى ما أصاب الناسَ مِن الجَهْدِ، قد آسى (^٣) بينَهم، وكان لا يُحَمِّلُ للرجلِ إلا بعيرًا واحدًا، ولا يُحَمِّلُ للرجلِ (^٤) بعيرين؛ تَقْسيطًا بينَ الناسِ، وتَوسيعًا عليهم، فقدِم إخوتُه [فيمَن قَدِم] (^٥) عليه مِن الناسِ يَلْتَمِسون المِيرةَ مِن مصرَ، فعرَفهم، وهم له مُنْكرون، لِما أراد اللَّهُ أَن يَبْلُغَ ليوسُفَ ﵇ فيما (^٦) أراد (^٧).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ، قال: أصاب الناسَ الجوعُ، حتى أصاب بلادَ يعقوبَ التي هو بها، فبعَث بنيه إلى مصرَ، وأمْسَك أخا يوسُفَ بنيامينَ، فلمَّا دخَلوا على يوسُفَ عرَفهم، وهم له مُنْكِرون، [فلمَّا نظَر إليهم] (٥)، قال: أخْبِرونى ما أمْرُكم، فإنى أُنْكِرُ شأنَكم؟ قالوا: نحن قومٌ مِن أرضِ الشامِ، قال: فما جاء بكم؟ قالوا: جئْنا نمتارُ طعامًا. قال: كذَبْتُم، أنتم عُيونٌ، كم أنتم؟ قالوا: عشرةٌ. قال: أنتم عشرةُ آلافٍ، كلُّ رجلٍ منكم أميرُ ألفٍ، فأخْبِرونى خبرَكم. قالوا: إنا إخْوةٌ، بنو رجلٍ صِدِّيقٍ، وإنا كنا اثنى عشَرَ، وكان أبونا يُحِبُّ أخًا لنا، وإنه ذهَب معنا البَرِّيَّةَ، فهلَك منا فيها، وكان أحبَّنا (^٨) إلى أبينا. قال:\n_________\n(^١) في ت ١، ف: \"كانت\".\n(^٢) في ت ٢: \"جهز\". وجهد الناس: أجدبوا. التاج (ج هـ د).\n(^٣) في م: \"أسا\". وآسى بينهم: سوَّى بينهم. اللسان (أ س و).\n(^٤) بعده في م: \"الواحد\".\n(^٥) سقط من: ت ٢.\n(^٦) في م: \"ما\".\n(^٧) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٩، دون أوله.\n(^٨) في ت ٢: \"أخينا\".","vol":"13","page":223},{"text":"فإلى (^١) مَن سكَن (^٢) أبوكم بعدَه؟ قالوا: إلى أخٍ لنا أصغرَ منه. قال: فكيف تُخْبِروننى أن أباكم صِدِّيقٌ، وهو يُحِبُّ الصغيرَ منكم دون الكبيرٍ؟ ائْتُونى بأخيكم هذا، حتى أَنْظُرَ إليه ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾. قالوا: ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ قال: فضعُوا بعضَكم رَهينةً حتى تَرْجِعوا، فوضَعوا شمعونَ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾. قال: لا يَعْرِفونه (^٤).\n\n<span id=\"aya-1655\"></span><span data-type='title' id=toc-4469>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)﴾.</span>\nيقولُ: ولما حمَّل يوسُفُ لإخوتِه أباعرَهم مِن الطعامِ، [فأوْقر لكلِّ] (^٥) رجلٍ منهم بعيرَه، قال لهم: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ كيما أُحَمِّلَ لكم بعيرًا آخرَ، فتَزْدادوا به حِمْلَ بعيرٍ آخرَ، ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ فلا أَبْخَسُه أحَدًا؟ ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾: وأنا خيرُ مَن أنْزَل ضيفًا على نفسِه مِن الناسِ بهذه البَلْدةِ، فأنا أُضِيفُكم.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".\n(^٢) بعده في ت ١: \"إليه\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٨، ٣٤٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٣، ٢١٦٤ (١١٧٣٥، ١١٧٤١) من طريق أسباط به. وقوله: \"قال: فضعوا بعضكم رهينة\". قال ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٢٣: في هذا نظر؛ لأنه أحسن إليهم ورغبهم كثيرا، وهذا لحرصه على رجوعهم.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٥ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٣ (١١٧٣١) - عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥ إلى ابن المنذر.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"فأوقروا كل\". وأوقر فلانٌ الدابة إيقارا: حمَّلها حملا ثقيلا. اللسان (وق ر).","vol":"13","page":224},{"text":"كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾: يوسفُ يقولُه (^١): أنا خيرُ مَن يُضِيفُ بمصرَ (^٢).\nحدَّثني ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما جهَّز يوسُفُ فيمَن جهَّز مِن الناسِ، حمَّل لكلِّ رجلٍ منهم (^٣) بعيرًا بعِدَّتِهم (^٤)، ثم قال لهم (^٣): ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ أَجْعَلْ لكم بعيرًا آخرَ، أو كما قال، ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾. أي: لا أَبْخَسُ الناسَ شيئًا، ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾. أي: خيرٌ لكم مِن غيرى، فإنكم إن أتَيْتُم به، أَكْرَمْتُ منزلتَكم (^٥)، وأحْسَنْتُ إليكم، وازْدَدْتُم به بعيرًا مع عِدَّتِكم، فإنى لا أُعْطِى كلَّ رجلٍ منكم إلا بعيرًا، ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ (^٦): لا تَقْرَبوا بلدى (^٧).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾. يعنى بنيامينَ، [وهو] (^٨) أخو يوسُفَ لأبيه وأمِّه (^٩).\n_________\n(^١) في م: \"يقول\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢.\n(^٥) في ت ٢: \"منزلكم\".\n(^٦) في ص: \"تقربونى\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٣، ٢١٦٤ (١١٧٣٣، ١١٧٣٦، ١١٧٣٩، ١١٧٤٠) من طريق سلمة به.\n(^٨) سقط من: ت ٢.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٣ (١١٧٣٤) من طريق سعيد به.","vol":"13","page":225},{"text":"<span id=\"aya-1656\"></span><span data-type='title' id=toc-4470>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخْبرًا عن قيلِ يوسُفَ لإخوتِه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ﴾ (^١) [بأخيكم مِن أبيكم] (^٢) ﴿فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾. يقولُ: فليس لكم عندى طعامٌ أَكِيلُه لكم فلا تقربون. يقولُ: فلا تَقْرَبوا بلادى.\nوقولُه: ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾. في موضعِ جزمٍ بالنهى، والنونُ في موضعِ نصبٍ، وكُسِرَت لمَّا حُذِفَت ياؤُها، والكلامُ: ولا تَقْرَبونى.\n\n<span id=\"aya-1657\"></span><span data-type='title' id=toc-4471>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ (^٣) اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال إخوةُ يوسُفَ ليوسُفَ، إذ قال لهم: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ (^٤): سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أبَاهُ، ونَسْأَلُه أَن يُخَلِّيَه معنا، حتى نَجِئَ به إليك، ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾. يعنون بذلك: وإنا لَفاعِلون ما قلْنا لك أنَّا نَفْعَلُه، مِن مُراوَدةِ أبينا عن أخينا منه، ولَنَجْتَهدَنَّ (^٥).\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾:\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) في ص، ت ٢: \"لفتيته\". وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر، وعاصم في رواية أبى بكر عنه. وينظر السبعة ص ٣٤٩.\n(^٤) بعده في م: \"قالوا\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لنجهدن\". وهما بمعنى.","vol":"13","page":226},{"text":"لنَجْتَهِدَنَّ (^١) (^٢).\n\n<span id=\"aya-1658\"></span>وقولُه: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: وقال يوسُفُ ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ (^٢) وهم غِلْمانُه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ (^٣)، [أي: لغلمانِه] (^٤) (^٥).\n﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾. يقولُ: اجْعَلوا أثمانَ الطعامِ التي (^٦) أخَذْتُموها منهم، في رحالهم.\nو\"الرِّحالُ\" جمعُ \"رَحْلٍ\"، وذلك جمعُ الكثيرِ، فأما القليلُ مِن الجمعِ منه، فهو \"أرْحُلٌ\"، وذلك جمعُ ما بينَ الثلاثةِ إلى العشرةِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في معنى البضاعةِ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4472>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾. أي: أوراقَهم (^٧).\n_________\n(^١) في ص، ت ١ ف: \"لنجهدن\". وينظر مصدر التخريج.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٤ (١١٧٤٢) من طريق سلمة به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لفتيته\".\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٥ (١١٧٤٣) من طريق سعيد به.\n(^٦) في م: \"الذي\".\n(^٧) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٥ (١١٧٤٤) من طريق سعيد به.","vol":"13","page":227},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثم أمَر ببضاعتِهم التي أعْطاهم بها ما أعطاهم من الطعامِ، [فجُعِلَت في رحالِهم، وهم لا يَعْلَمون (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ (^٢)، قال] (^٣): وقال لفِتْيتِه، وهو يَكِيلُ لهم: اجْعَلوا بضاعتَهم في رحالِهم، لعلَّهم يَعِرفونها إذا انقلَبوا إلى أهلِهم، لعلَّهم يرجِعون إليَّ (^٤).\nفإن قال قائلٌ: ولأيَّةِ علةٍ أمَر يوسُفُ فِتْيانَه أن يَجْعَلوا بضاعةَ إخوتِه في رحالِهم؟\nقيل: يَحْتَمِلُ ذلك أوجهًا:\nأحدُها: أن يَكونَ خشِى ألا يَكونَ عندَ أبيه دراهمُ - إذ كانت السنةُ سنةَ جَدْبٍ وقَحْطٍ - فيَضُرَّ أخْذُه ذلك منهم به، وأحَبَّ أن يَرْجِعوا (^٥) إليه.\nو(^٦) أراد أن يَتَّسِعَ بها أبوه وإخْوتُه، مع حاجتِهم إليه، فردَّه عليهم مِن حيث لا يَعْلَمون سببَ ردِّه؛ تكرُّمًا وتفضُّلًا.\nوالثالثُ: وهو أن يكونَ أراد بذلك ألا يُخْلِفوه الوعدَ في الرجوعِ، إذا وجَدوا في رحالِهم ثمنَ طعامٍ قد قبَضوه، وملَكَه عليهم غيرُهم، عِوَضًا مِن طعامِه (^٧)،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٥ (١١٧٤٦) من طريق سلمة به.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) سقط من: ت ١.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٥ (١١٧٤٥، ١١٧٤٨) من طريق أسباط به.\n(^٥) في ص، م، ت ٢، ف: \"يرجع\".\n(^٦) في م: \"أو\". وقد تأتى الواو بمعنى \"أو\". وينظر مغنى اللبيب ١/ ٣٣.\n(^٧) في م: \"طعامهم\".","vol":"13","page":228},{"text":"ويَتَحَرَّجوا مِن إمساكِهم ثمنَ طعامٍ قد قبضَوه، حتى يُؤَدُّوه (^١) على صاحبِه، فيكونَ ذلك أدْعَى لهم إلى العودِ إليه.\n\n<span id=\"aya-1659\"></span><span data-type='title' id=toc-4474>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا رجَع إخوةُ يوسُفَ [إلى أبيهم] (^٢) قالوا: ﴿يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾.\nيقولُ: مُنِع منا الكيلُ فوقَ الكيلِ الذي كِيل لنا، ولم يُكَلْ لكلِّ رجلٍ منا إلا كيلُ بعيرٍ، فأرسل معنا أخانا بنيامينَ يَكُتَلْ لنفسِه كيلَ بعيرٍ آخرَ، زيادةً على كيلِ أباعِرِنا، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ مِن أن يَنالَه مكروهٌ في سفرِه.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4473>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ: فلمَّا رجَعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا، إن ملكَ مصرَ أكْرَمَنا كرامةً ما (^٣) لو كان رجلٌ مِن ولدِ يعقوبَ ما أكْرَمَنا كرامتَه، وإنه ارْتَهَن شمعونَ، وقال: ائْتُونى بأخيكم هذا الذي عكَف (^٤) عليه أبوكم بعدَ أخيكم الذي [هلَك، فإن لم تَأْتونى به فلا تَقْرَبوا بلادى. قال يعقوبُ: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ] (^٥) مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ\n_________\n(^١) في ت ١: \"يردوه\".\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) في مصدرى التخريج: \"عطف\".\n(^٥) سقط من: ت ٢.","vol":"13","page":229},{"text":"حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (^١). قال: فقال لهم يعقوبُ: إذا أتَيْتُم مَلِكَ مصرَ فأقْرِئوه منى السلامَ، وقولوا له (^٢): إن أبانا يُصَلِّي عليك، ويَدْعُو لك بما أوْلَيْتَنا (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: خرَجوا حتى قدِموا على أبيهم، وكان مَنزِلُهم، فيما ذكَر لى بعضُ أهلِ العلمِ، بالعَرَباتِ (^٤) من أرضِ فِلَسْطِينَ بغَوْرِ الشامِ، وبعضٌ يقولُ: بالأوْلاجِ (^٥) مِن ناحيةِ الشِّعْبِ أسفلَ مِن حِسْمَى (^٦)، وكان صاحبَ باديةٍ، له شاءٌ وإبلٌ، فقالوا: يا أبانا، قدِمْنا على خيرٍ رجلٍ، أنْزَلَنا فأكْرَم مُنزَلَنا، وكال لنا فأوْفانا ولم يَبْخَسْنا، وقد أَمَرَنا أن نأتِيَه بأخٍ لنا مِن أبينا، وقال: إن أنتم لم تَفْعَلوا فلا تَقْرَبُنِّي (^٧)، ولا تَدْخُلُنَّ (^٨) بلدى. فقال لهم يعقوبُ: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا (^٩) وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (^١٠).\nواخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿نَكْتَلْ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"حفظا\". وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبى بكر. ينظر السبعة ص ٣٥٠.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤٩، ٣٥٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٥، ٢١٦٦ (١١٧٤٩) من طريق أسباط به، إلى قوله: \"فلا تقربوا بلادى\".\n(^٤) في ت ٢: \"بالعريات\". وينظر معجم البلدان ٣/ ٦٣٢.\n(^٥) في ت ٢: \"بالألواح\". وينظر معجم البلدان ١/ ٤٠٧.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"حسو\". وحسمى: أرض ببادية الشام. معجم البلدان ٢/ ٢٦٧.\n(^٧) في ت ٢: \"تقربوننى\".\n(^٨) في ت ٢: \"تدخلوا\".\n(^٩) في ت ١، ت ٢: \"حفظا\".\n(^١٠) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٥٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٦ (١١٧٥٠) من طريق سلمة به.","vol":"13","page":230},{"text":"المدينةِ، وبعضُ أهلِ مكةَ والكوفةِ: ﴿نَكْتَلْ﴾ بالنونِ، بمعنى: نَكْتَلْ نحن وهو.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (يَكْتَلْ) بالياءِ، بمعنى يَكْتَلْ هو لنفسه، كما نَكتالُ لأنفسِنا (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، مُتَّفِقتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ (^٢)، وذلك أنهم إنما أخْبَروا أباهم، أنه مُنع منهم زيادةُ الكيلِ على عددِ رءوسِهم، فقالوا: ﴿يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾، ثم سأَلوه أن يُرْسِلَ معهم أخاهم؛ ليَكْتالَ لنفسِه، فهو إذا (^٣) اكْتال لنفسِه، واكْتالوا هم لأنفسِهم فقد دخَل الأخُ في عِدادِهم (^٤)، فسواءٌ كان الخبرُ بذلك عن خاصَّةِ نفسِه، أو عن جميعِهم بلفظِ الجميعِ، إذ كان مفهومًا معنى الكلامِ، وما أُرِيد به.\n\n<span id=\"aya-1660\"></span><span data-type='title' id=toc-4475>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا (^٥) وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال أبوهم يعقوبُ: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ﴾ على أخيكم مِن أبيكم الذي تَسْأَلونى أن أُرْسِلَه معكم، ﴿إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ يوسُفَ، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: مِن قبلِه.\n_________\n(^١) قرأ حمزة والكسائى وخلف بالياء وقرأ الباقون بالنون. النشر ٢/ ٢٢٢.\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) في م: \"إذن\".\n(^٤) في ص، م، ف: \"عددهم\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"حفظًا\".","vol":"13","page":231},{"text":"واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ (^١)؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين والبصريين: (فاللَّهُ خيرٌ حِفْظًا). بمعنى: واللهُ خيرُكم حِفْظًا.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين وبعضُ أهلِ مكةَ: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ بالألفِ، على توجيهِ الحافظِ إلى أنه تفسيرٌ للخيرِ (^٢)، كما يقالُ: هو خيرٌ رجلًا، والمعنى: فاللهُ خيرُكم حافظًا، ثم حُذِفَت الكافُ والميمُ (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان مُتَقارِبتا المعنى، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما أهلُ علمٍ بالقرآنِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، وذلك أن مَن وصَف الله بأنه خيرُهم حفظًا، فقد وصَفه بأنه خيرُهم حافظًا، ومَن وصَفَه بأنه خيرُهم حافظًا فقد وصَفه بأنه خيرُهم حفظًا.\n﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. يقولُ: واللهُ أرحمُ راحمٍ بخلقِه، يَرْحَمُ ضَعْفِى على كِبَرِ سِنِّى، ووَحْدتى بفقدِ ولدى [ولا] (^٤) يُضَيِّعُه، ولكنه يَحْفَظُه، حتى يَرُدَّه عليَّ برحمتِه (^٥).\n\n<span id=\"aya-1661\"></span><span data-type='title' id=toc-4476>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"حفظا\".\n(^٢) في ت ٢: \"الخير\"، وفى ف: \"للخبر\".\n(^٣) قرأ حمزة والكسائى وخلف وحفص: ﴿حافظا﴾ بألف. وقرأ الباقون بغير ألف وكسر الحاء. النشر ٢/ ٢٢٢.\n(^٤) في م: \"فلا\".\n(^٥) في ص، ت ٢: \"لرحمته بى\"، وفى م، ف: \"لرحمته\".","vol":"13","page":232},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ولما فتَح إخوةُ يوسُفَ متاعَهم الذي حمَلوه مِن مصرَ مِن عندِ يوسُفَ ﴿وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾، وذلك ثمنُ الطعامِ الذي اكْتالوه منه، ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾، قالوا: ﴿يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾. يعنى أنهم قالوا لأبيهم: ماذا نَبْغى؟ هذه بضاعتُنا رُدَّت إلينا. تَطْييبًا منهم لنفسِه (^١)، بما صُنِع [بهم في ردِّ] (^٢) بضاعتِهم إليه (^٣).\nوإذا وُجِّه الكلامُ إلى هذا المعنى كانت \"ما\" استفهامًا في موضعِ نصبٍ بقولِه: ﴿نَبْغِي﴾. وإلى هذا التأويلِ كان يُوَجِّهُه قتادةُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا نَبْغِي﴾. يقولُ: ما نَبْغى وراءَ هذا؟ إن بضاعتَنا رُدَّت إلينا، وقد أُوفِى لنا الكيلُ (^٤).\nوقولُه: ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾. يقولُ: ونَطْلُبُ لأهلِنا طعامًا، فنَشْتَرِيه لهم. يقالُ منه: مار فلانٌ أهلَه يَمِيرُهم مَيْرًا. ومنه قولُ الشاعرِ (^٥):\nبعَثْتُك مائِرًا فمَكَثْتَ حولًا … متى يَأْتِى غِياثُك مَن تُغِيثُ\n﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ الذي تُرْسِلُه معنا، ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾. يقولُ: ونَزْدادُ على أحمالِنا الطعامِ حِمْلَ بعيرٍ، يُكالُ لنا ما حمَل بعيرٌ آخرُ مِن إبلِنا، ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾. يقولُ: هذا حِمْلٌ يسيرٌ.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"بنفسه\".\n(^٢) في ت ١: \"برد\".\n(^٣) كذا في النسخ. لعله يريد: إلى يعقوب. أو أنه خطأ والصواب: إليهم.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٦ (١١٧٥٣) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦ إلى أبى الشيخ.\n(^٥) البيت في الدر الفريد ٣/ ٧١ غير منسوب. والبيت قالته عائشة بنت سعد بن أبى وقاص - وكانت قد أرسلت مولى لها يقال له: فند؛ ليقتبس لها نارا فتوجه إلى مصر، فأقام بها سنة، ثم جاءها بنار، وهو يعدو، فعثر فتبدد الجمر، فقال: تعست العجلة. فصارت كلمته مثلًا. ينظر اللسان (غ وث) مجمع الأمثال ١/ ٢٤٣.","vol":"13","page":233},{"text":"كما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِير﴾. قال: كان لكلِّ رجلٍ منهم حِملُ بعيرٍ، فقالوا: أرْسِلْ معنا أخانا نَزْدَدْ (^١) حملَ بعيرٍ. وقال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿كَيْلَ بَعِير﴾: حملَ حمارٍ. قال: وهى لغةٌ. قال القاسمُ: يعنى مجاهدٌ أن الحمارَ يقالُ له في بعضِ اللغاتِ: بعيرٌ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِير﴾. يقولُ: حملَ بعيرٍ (^٣).\n[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِير﴾: نَعُدُّ به بعيرًا مع إبلِنا، ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾] (^٤) (^٥).\n\n<span id=\"aya-1662\"></span><span data-type='title' id=toc-4477>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال يعقوبُ لبنيه: لن أُرْسِلَ أخاكم معكم إلى ملكِ مصرَ ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: حتى تُعْطُونِ مَوْثِقًا مِن اللهِ. بمعنى الميثاقِ،\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"ترداد\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٥٠، ٣٥١ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦ إلى أبى عبيد وابن المنذر وأخرج ابن أبي حاتم قول مجاهد فقط في تفسيره ٧/ ٢١٧٤ (١١٨٠٨) من طريق حجاج به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٦ (١١٧٥٤) من طريق سعيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) سقط من: ت ١.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٧ (١١٧٥٥) من طريق سلمة به بنحوه.","vol":"13","page":234},{"text":"وهو ما يُوثَقُ به مِن يمينٍ وعهدٍ؛ [﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾. يقولُ: لَتَأْتُنَّنِى بأخيكم] (^١)، ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾. يقولُ: إلا أن يُحِيطَ بجميعِكم ما لا تَقْدِرون معه على أن تَأْتُونى به.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4478>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾. قال: عهدَهم.\n[حدَّثني المثنى، قال: أخْبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (^٢) (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾: إلا أن تَهْلِكوا جميعًا (^٤).\n[حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ. قال: وحدَّثنا إسحاقُ، قال: أخبرنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثلَه] (٢) (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"لتأتننى بأخيكم\"، وفى ت ١: \"لتأتننى به\".\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٣٩٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٧ (١١٧٦١).\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٩٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٧ (١١٧٥٨) وعزاه الشوكانى في فتح القدير ٣/ ٤٠ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٣٩٨.","vol":"13","page":235},{"text":"قتادةَ: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾. قال: إلا أن تُغْلَبوا، حتى لا تُطِيقوا ذلك (^١).\n[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ قولَه: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾: إلا أن يُصِيبَكم أمرٌ يَذْهَبُ بكم جميعًا، فيَكونُ ذلك عُذْرًا لكم عندى] (^٢) (^٣).\nوقولُه: ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾. يقولُ: فلمَّا أعْطَوْه عهودَهم وقال يعقوبُ: الله على ما نقولُ أنا وأنتم ﴿وَكِيلٌ﴾. يقولُ: هو شهيدٌ علينا بالوفاءِ بما نقولُ جميعًا.\n\n<span id=\"aya-1663\"></span><span data-type='title' id=toc-4479>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال يعقوبُ لبنيه لما أرادوا الخروجَ مِن عندِه إلى مصرَ ليَمْتاروا الطعامُ: يا بَنِيَّ، لا تَدْخُلوا مصرَ مِن طريقٍ واحدٍ، وادْخُلوها (^٤) مِن أبوابٍ متفرقةٍ.\nوذُكِر أنه قال ذلك لهم؛ لأنهم كانوا رجالًا لهم جَمالٌ وهَيْئةٌ (^٥)، فخاف عليهم العينَ إذا دخَلوا جماعةً (^٦) مِن طريقٍ واحدٍ، وهم ولدُ رجلٍ واحدٍ، فأمَرَهم أن\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٥ ومن طريق ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٧ (١١٧٥٩)، وعزاه الشوكاني في فتح القدير ٣/ ٤٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٧ (١١٧٦٠) من طريق سلمة به.\n(^٤) في م، ف: \"ادخلوا\".\n(^٥) في م، ف: \"هيبة\" وينظر تاريخ المصنف ١/ ٣٥١ وما سيأتي تخريجه عند ابن أبي حاتم.\n(^٦) في ت ١: \"جميعًا\".","vol":"13","page":236},{"text":"يَتَفَرَّقوا (^١) في الدخولِ إليها.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا يزيدُ الواسِطيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾. قال: خاف عليهم العينَ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾: خشِى نبيُّ اللهِ [ﷺ] (^٣) العينَ على بنيه؛ كانوا ذَوِى صُورةٍ وجَمالٍ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾. قال: كانوا قد أُوتُوا صورةً وجمالًا، فخشِى عليهم أنفُسَ الناسٍ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾. قال: خاف (^٦) يعقوبُ ﵇ عليهم العينَ (^٧).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢: \"يفترقوا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٨ (١١٧٦٧) من طريق جويبر به.\n(^٣) في ت ٢: \"يعقوب ﵇\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٩ (١١٧٧١) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٥١، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٥ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٨، ٢١٦٩ (١١٧٧٠) - عن معمر به.\n(^٦) في ص، م، ت ٢، ف: \"رهب\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٨ (١١٧٦٧) عن محمد بن سعد به.","vol":"13","page":237},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾: خشِى يعقوبُ على ولدِه العينَ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، عن أبي مَعْشَرٍ؛ عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾. قال: خشِى عليهم العينَ (^١).\nقال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ، قال: خاف يعقوبُ ﷺ على بنيه العينَ، فقال: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾، فيقالَ: هؤلاء لرجلٍ واحدٍ! ولكن ادْخُلوا مِن أبوابٍ متفرقةٍ (^٢).\n[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما أجْمَعوا الخروجَ - يعنى ولدَ يعقوبَ - قال يعقوبُ: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾. خشِى عليهم أعينَ الناسِ لهيئتِهم (^٣)، وأنهم لرجلٍ واحدٍ] (^٤).\nوقولُه: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: وما أَقْدِرُ أن أَدْفَعَ عنكم مِن قضاءِ اللهِ الذي قد قضَاه عليكم مِن شيءٍ صغيرٍ ولا كبيرٍ؛ لأن قضاءَه نافذٌ في خلقِه، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. يقولُ: ما القضاءُ والحكمُ إلا للهِ، دونَ ما سواه مِن الأشياء، فإنه يَحْكُمُ في خلقه بما يَشاءُ، فيُنْفِذُ فيهم حكمه، ويَقْضِى فيهم ولا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٨ (١١٧٦٨) من طريق أسباط به بنحوه.\n(^٣) في م، ت ١، ف: \"لهيبتهم\".\n(^٤) سقط من: ت ١.","vol":"13","page":238},{"text":"يُرَدُّ قضاؤُه، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾. يقولُ: على اللَّهِ توكَّلْتُ، فوثِقْتُ به فيكم وفى حفظِكم عليَّ، حتى يَرُدُّكم إليَّ وأنتم سالمون مُعافَوْن - لا على دخولِكم مصرَ، إذا دخَلْتُموها، مِن أبوابٍ متفرقةٍ، ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. يقولُ: وإلى اللهِ فلْيُفَوَّضُ أمورَهم المفوِّضون.\n\n<span id=\"aya-1664\"></span><span data-type='title' id=toc-4480>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولما دخَل ولدُ يعقوبَ مِن حيث أمَرهم أبوهم، وذلك دخولُهم مصرَ مِن أبوابٍ متفرقةٍ، ﴿مَا كَانَ يُغْنِي﴾ دخولُهم إياها كذلك ﴿عَنْهُمْ﴾ مِن قضاءِ اللَّهِ الذي قضاه فيهم فحتَمه، ﴿مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾: إلا أنهم قضَوْا وطَرًا ليعقوبَ [بدخولِهموها من طرقٍ متفرقةٍ فبرُّوا صدْرَه (^١) مما كان يَخاف عليهم بدخولِهم] (^٢) مِن طريقٍ واحدٍ (^٣)؛ مِن العينِ عليهم، فاطْمَأنت نفسُه؛ أن يكونوا أُتُوا مِن قِبَلِ ذلك، أو نالهم مِن أجلِه مكروهٌ.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ. قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾: خيفةَ العينِ على بنيه (^٤).\n_________\n(^١) أي طيبوا نفسه. وينظر تفسير الثعالبى ٢/ ٢٤٨.\n(^٢) في م: \"بدخولهم لا\". وفى ت ١، ف: \"بدخولهم\".\n(^٣) بعده في م: \"خوفا\".\n(^٤) تفسير مجاهد ١/ ٣٩٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٩ (١١٧٧٣) من طريق شبابة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"13","page":239},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال: أخْبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُميْرٍ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾. قال: خشيةَ العينِ عليهم.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ قولَه: ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾: ما تخَوَّف على بنيه مِن أعينِ الناسِ، لهيئتِهم (^١) وعِدَّتِهم (^٢).\nوقولُه: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن يعقوبَ لَذو علمٍ لتَعْليمِنا إياه.\nوقيل معناه: وإنه لذو حفظٍ لما اسْتَوْدَعْنا صدرَه مِن العلمِ.\nواختُلِف عن قتادةَ في ذلك؛ فحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾: أي: مما علَّمْناه (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن سفيانَ، عن ابن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾. قال: إِنه لَعاملٌ بما علِم (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"لهيبتهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٩ (١١٧٧٤) من طريق سلمة به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٦٩ (١١٧٧٦) من طريق يزيد به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٠ (١١٧٧٧) من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ بزيادة ما في الأثر التالى.","vol":"13","page":240},{"text":"قال المثنى: قال إسحاقُ: قال عبدُ اللَّهِ: قال سفيانُ: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو [عِلْمٍ﴾: أي عمِلٍ بما] (^١) علَّمْناه، وقال: من لا يَعْمَلُ لا يكونُ عالمًا (^٢).\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولكن كثيرًا مِن الناسِ غيرِ يعقوبَ، لا يعلمون ما يعْلَمُه؛ لأنَّا حرَمْناه ذلك، فلم يَعْلَمُه.\n\n<span id=\"aya-1665\"></span><span data-type='title' id=toc-4481>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولما دخل ولدُ يعقوبَ على يوسُفَ ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾. يقولُ: ضمَّ إليه أخاه لأبيه وأمِّه.\nوكان (^٣) [إيواؤه إياه] (^٤) كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾. قال: عرَف أخاه، فأنْزَلهم منزلًا، وأجْرَى عليهم الطعامَ والشرابَ، فلما كان الليلُ جاءهم بمُثُلٍ (^٥)، فقال: لِيَنمْ كلُّ أخوين منكم على مِثالٍ. فلما بقِى الغلامُ وحدَه قال يوسُفُ: هذا يَنامُ معى على فِراشى. فبات معه، فجعَل يوسُفُ يَشَمُّ ريحَه، ويضُمُّه إليه، حتى أصْبَح، وجعل روبيلُ يقول: ما رأيْنا مثلَ هذا، أرِيحونا (^٦) منه (^٧).\n_________\n(^١) في ص: \"عمل بما\"، وفى م: \"علم مما\"، وفى ت ٢، ف: \"علم بما\".\n(^٢) ذكره الثعالبى في تفسيره ٢/ ٢٤٨ عن سفيان.\n(^٣) في النسخ: \"كل\"، والصواب المثبت، وبه يستقيم الكلام، وينظر تعليق الشيخ شاكر ١٦/ ١٦٩.\n(^٤) في م: \"أخوه لأبيه\".\n(^٥) المثل: جمع مثال، وهو الفراش. اللسان (م ث ل).\n(^٦) كذا في النسخ، وفى تاريخ المصنف: \"إن نجونا\".\n(^٧) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٥١، ٣٥٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٠ (١١٧٧٩) من طريق أسباط به نحوه. وينظر ما سيأتي في ص ٢٤٧.","vol":"13","page":241},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما دخَلوا - [يعنى ولدَ يعقوبَ] (^١) - على يوسُفَ، قالوا: هذا أخونا الذي أمَرْتَنا أن نأْتِيَك به، قد جِئْناك به. فذُكِر لى أنه قال لهم: قد أحْسَنْتُم وأصَبْتُم، وستَجِدون (^١) ذلك عندى. أو كما قال، ثم قال: إنى أراكم رجالًا، وقد أردْتُ أن أُكْرِمَكم. ودعا [صاحبَ ضيافتِه] (^٢)، فقال: أنْزِلْ كلَّ رجلين على حِدةٍ، ثم أكْرِمْهما وأحْسِنْ ضِيافتَهما، ثم قال: إنى أرَى هذا الرجلَ الذي جئْتُم به ليس معه ثانٍ، فسأضُمُّه إليَّ، فيَكونُ منزلُه معى. فأنْزَلهم رجلين رجلين، في منازلَ شتَّى، وأنزَل أخاه معه، فآواه إليه، فلما خلا به، قال: إنى أنا أخوك، أنا يوسُفُ، فلا تبْتِئسُ بشيءٍ فعلوه بنا فيما مضى؛ فإن الله قد أحْسَن إلينا، ولا تُعْلِمْهم شيئًا مما أعْلمْتُك (^٣). يقولُ اللهُ: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾: ضمَّه إليه وأنْزَله، وهو بنيامينُ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، قال: سمِعْتُ وهبَ بنَ منبهٍ، يقولُ: وسُئِل عن قولِ يوسُفَ: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ف.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ضيافته\"، وفى م: \"ضافته\"، والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أعلمنا\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٥٢ وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٠، ٢١٧١ (١١٧٨٠، ١١٧٨٢، ١١٧٨٤) من طريق سلمة به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٠ (١١٧٧٨) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦ إلى أبى الشيخ.","vol":"13","page":242},{"text":"تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. كيف أخافه (^١) حينَ أُخِذ بالصُّوَاعِ، وقد كان أخْبَره أنه (^٢) أخوه، وأنتم تَزْعُمون أنه لم يزَلْ متنكرًا لهم يُكايِدُهم، حتى رجَعوا؟ فقال: إنه لم يعْتَرِفْ له بالنسبةِ (^٣)، ولكنه قال: أنا أخوك مكانَ أخيك الهالِك، ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: لا يَحْزُنْك مكانُه (^٤).\nوقولُه: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾. يقولُ: فلا تسْتَكِنْ ولا تَحزنْ. وهو \"فلا تَفْتَعِلْ\" (^٥) مِن البُؤْسِ، يقالُ منه: ابْتَأَس يَبْتئِسُ ابْتِئاسًا.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4482>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾. يقولُ: فلا تحزَنْ، و(^٦) لا تَيْأَسْ (^٧).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، قال: سمِعْتُ وهبَ بنَ مُنبهٍ يقولُ: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾. يقولُ: [لا يحْزُنْك مكانُه] (^٨).\n_________\n(^١) في النسخ: \"أجابه\". والمثبت موافق لمعنى ما في الدر المنثور.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في مصدر التخريج: \"بالنسب\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ بنحوه.\n(^٥) في ص، ف: \"يفعل\"، وفى ت ١، ت ٢: \"تفعل\".\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٠ (١١٧٨٣) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦ إلى أبى الشيخ.\n(^٨) في ت ٢: \"لا تحزن بمكاتبة\".","vol":"13","page":243},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: لا تَحْزَنْ (^١) [على ما كانوا يَعْمَلون] (^٢).\nفتأويلُ الكلامِ إذن: فلا تَحْزَنْ ولا تَسْتَكِنْ (^٣) لشيءٍ سلَف مِن إخوتِك إليك، في نفسِك وفى أخيك مِن أمِّك، وما كانوا يفْعَلون قبلَ اليومِ بك.\n\n<span id=\"aya-1666\"></span><span data-type='title' id=toc-4483>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)﴾.</span>\nيقولُ: ولما حمَّل يوسُفُ إبلَ إخوتِه ما حمَّلها مِن الميرةِ، وقضَى حاجتَهم، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾. يقولُ: لما قضَى لهم حاجتَهم ووفَّاهم كيلَهم (^٤).\nوقولُه: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾. يقولُ: جعَل الإناءَ الذي يكِيلُ به الطعامَ في رحْلِ أخيه.\nوالسِّقايةُ هي المِشْرَبةُ، وهى الإناءُ الذي كان يشْربُ فيه الملِكُ، ويكِيلُ (^٥) به الطعامَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ت ١، ف: \"يحزنك\".\n(^٢) في ت ١: \"مكانه\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"تسكن\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧١ (١١٧٨٥) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦ إلى أبى الشيخ.\n(^٥) في ف: \"يكال\".","vol":"13","page":244},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4484>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، عن يونُسَ، عن الحسنِ، أنه كان يقولُ: الصُّوَاعُ والسِّقايةُ سواءٌ، هو الإناءُ الذي يُشْربُ فيه (^١).\nقال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: السَّقايةُ والصُّواعُ شيءٌ واحدٌ، كان يَشْربُ فيه يوسُفُ (^٢).\nقال: أخْبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورْقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: السِّقايةُ الصُّواعُ الذي يشْرَبُ فيه يوسُفُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾. قال: مِشْرَبةُ الملِكِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿جَعَلَ (^٤) السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾: وهو إناءُ الملكِ، الذي كان يشْرَبُ فيه (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٥٢، ومسدد في مسنده - كما في المطالب العالية (٤٠٢٠) - من طريق يونس به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٩٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧١ (١١٧٨٨). من طريق شبابة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦ إلى ابن المنذر وابن الأنبارى.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٥ عن معمر به.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧١ (١١٧٨٩) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦ إلى أبى الشيخ.","vol":"13","page":245},{"text":"وهي السِّقايةُ التي كان يشْربُ فيها الملكُ، يعنى مَكُّوكَه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾، وقولَه: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. قال: هما شيءٌ واحدٌ، السقايةُ والصُّواعُ شيءٌ واحدٌ يَشْرَبُ فيه يوسُفُ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، يقولُ: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمانَ قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ (^٣): هو الإناءُ الذي كان يَشْرَبُ فيه الملكُ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾. قال: السِّقاية هو الصُّواعُ، وكان كأسًا مِن ذهبٍ فيما يَذْكُرون (^٤).\nقولُه: ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾. فإنه يعنى: في متاعِ أخيه ابن أمِّه وأبيه، وهو بنيامينُ، وكذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4485>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾. أي: في متاعِ أخيه (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧١، ٢١٧٣ (١١٧٨٧، ١١٨٠٠) من طريق آخر عن ابن عباس بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦ إلى ابن الأنباري في المصاحف.\n(^٢) تقدم تخريجه ص ٢٤٥.\n(^٣) بعده في م: \"في رحل أخيه\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧١ (١١٧٩١) من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٢ (١١٧٩٣) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦ إلى أبى الشيخ.","vol":"13","page":246},{"text":"وقولُه: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾. يقولُ: ثم نادَى مُنادٍ، وقيل: أَعْلَمَ مُعْلِمٌ، ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾. وهى القافلُة فيها الأحمالُ ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾.\nوبنحوِ (^١) ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4486>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾: والأخُ لا يَشْعُرُ، فلمَّا ارْتحلوا أذَّن مؤذِّنٌ قبلَ أن ترْتَحِلَ (^٢) العِيرُ: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثم جهَّزهم بجَهازِهم وأكْرَمهم وأعْطاهم وأوْفاهم، وحمَّل لهم بعيرًا بعيرًا، وحمَّل لأخيه بعيرًا باسمِه، كما حمَّل لهم، ثم أمَر بسِقايةِ الملكِ - وهو الصُّواعُ، وزعَموا أنها كانت مِن فضةٍ - فجُعِلت في رحلِ أخيه بنيامينَ، ثم أمْهلَهم حتى إذا انْطلقوا فأمْعَنوا (^٤) مِن القرية، أمَر فأُدْرِكوا، فاحْتُبِسوا، ثم نادى منادٍ: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾، قِفُوا، وانْتهى إليهم رسولُه، فقال لهم - فيما يَذْكُرون -: ألم نُكْرِمْ ضِيافتَكم، ونُوفِّكم (^٥) كيلَكم، ونُحْسِنُ منزلتَكم، ونَفْعَلْ بكم ما لم نَفْعلْ بغيرِكم، وأَدْخَلْناكم علينا في بيوتِنا ومنازلِنا؟ أو كما قال لهم. قالوا: بلى، وما ذاك؟ قال:\n_________\n(^١) بعده في م، ت ٢: \"الذي قلنا في\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ف: \" يرتحل\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٥٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٢ (١١٧٩٥) من طريق أسباط به.\n(^٤) في م: \"وأمعنوا\"، وفى ت ١: \"فغيبوا\"، وفى ت ٢: \"فامضوا\". وأمعنوا: ابتعدوا. اللسان (م ع ن).\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"نوفيكم\".","vol":"13","page":247},{"text":"سِقايةُ الملكِ فقَدْناها، ولا نَتَّهِمُ عليها غيرَكم. قالوا: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ (^١).\nوقولُه: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾. قد بيَّنا فيما مضى معنى العيرِ، وهو جمعٌ لا واحدَ له مِن لفظِه.\nوحُكِى عن مجاهدٍ أن عِيرَ بني يعقوبَ كانت حميرًا.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾. قال: كانت حَميرًا (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى رجلٌ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾. قال: كانت العِيُر حميرًا (^٣).\n\n<span id=\"aya-1667\"></span><span data-type='title' id=toc-4487>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال بنو يعقوبَ لمَّا نُودُوا: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾. وأقْبلوا على المنادى ومن بحضرتهم يقولون لهم: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾؟ ما الذي تفْقِدون\n\n<span id=\"aya-1668\"></span>﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. يقولُ: فقال لهم (^٤) القومُ: نفْقِدُ مِشْربةَ الملكِ.\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٥٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٣، ٢١٧٣ (١١٧٩٤، ١١٧٩٦، ١١٧٩٨) من طريق سلمة به نحوه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٢، ٢١٨٣ (١١٧٩٧، ١١٨٦٨) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٥٣.\n(^٤) في ص، ت ٢: \"له\".","vol":"13","page":248},{"text":"واخْتَلفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فذُكِر عن أبي هريرةَ أنه قرَأه: (صَاعَ المَلِكِ) بغيرِ واوٍ، كأنه وجَّهه إلى الصاعِ الذي يُكالُ به الطعامُ (^١).\nوروى عن أبي رَجاءٍ، أنه قرأه: (صوْعَ الملكِ) (^٢).\nورُوِى عن يحيى بن يعْمرَ أنه قرأه (صَوْعَ الملك) بالغينِ (^٣)، كأنه وجَّهه إلى أنه مصدرٌ من قولِهم: صاغَ يَصُوغُ صوغًا.\nوأما الذي عليه قرأةُ الأمصارِ: فـ ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. وهى القراءةُ التي لا أَسْتَجِيزُ القراءةَ بخلافها؛ لإجماعِ الحُجَّةِ عليها.\nوالصُّواعُ هو الإناءُ الذي كان يوسُفُ يَكِيلُ به الطعامَ، وكذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4488>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في هذا الحرفِ: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. قال: كهيئةِ المَكُّوكِ. قال: وكان للعباسِ مثلُه في الجاهليةِ، يشْرَبُ فيه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٣٦ - تفسير)، وابن الأنبارى - كما في الدر المنثور ٤/ ٢٧ - عن أبي هريرة، وينظر البحر المحيط ٥/ ٣٣٠.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧ إلى ابن الأنبارى، وينظر البحر المحيط ٥/ ٣٣٠.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ٢١٧٣ (١١٨٠٤) عن يحيى بن يعمر. وفيه \"صواغ\" بدلًا من \"صوغ\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧ إلى أبى الشيخ. وينظر البحر المحيط ٥/ ٣٣٠.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد في تفسيرهما - كما في التغليق ٤/ ٢٢٨، والفتح ٨/ ٣٥٩ - وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٣ (١١٨٠٠)، وابن منده في غرائب شعبة وابن مردويه - كما في التغليق والفتح والحافظ في التغليق من طرق عن شعبة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦ إلى ابن الأنبارى وأبى الشيخ والضياء وقال الحافظ: إسناده صحيح.","vol":"13","page":249},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شعبة، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. قال: كان مِن فضةٍ مثلَ المكُّوكِ، وكان للعباسِ منها واحدٌ في الجاهليةِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ. وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شَريكٍ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. قال: كان مِن فضةٍ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه قرَأ: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. قال: وكان إناءه الذي يَشْرَبُ فيه، وكان إلى الطولِ ما هو (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سُويْدُ بنُ عمرٍو، عن أبي عوانةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. قال: المكُّوكُ الفارسيُّ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. قال: هو الْمَكُّوكُ الفارسيُّ الذي يَلْتَقِى طَرَفاه، كانت تَشْرَبُ فيه الأعاجمُ (^٣)\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بن مَغْراء، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧١ (١١٧٩٠) من طريق شريك به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٣٥) - تفسير)، دون قوله: \"وكان إلى الطول ما هو\"، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٣ (١١٨٠١) من طريق هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧ إلى أبي عبيد وابن المنذر، وفيه يبين القراءة فقط.\n(^٣) أخرجه مسدد في مسنده - كما في التغليق ٤/ ٢٢٨، والمطالب (٤٠١٩) - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٣ (١١٨٠٣) عن أبي عوانة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ. وقال البوصيرى في الإتحاف: إسناده صحيح.","vol":"13","page":250},{"text":"في قولِه: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. قال: إناءُ الملك الذي كان يشْرَبُ فيه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا يحيى - يعنى ابنَ عَبَّادٍ - قال: [ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال:] (^٢) ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ (^٣): مكُّوكٌ من فضةٍ يَشْرَبون فيه، وكان للعباسِ واحدٌ في الجاهليةِ (^٤).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثور، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾: إناءَ الملكِ الذي يَشْرَبُ فيه (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا سعيدٌ بن منصورٍ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. قال: هو المكُّوكُ الفارسيُّ، الذي يَلْتَقِى طرَفاه (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: الصُّواعُ كان يشْرَبُ فيه يوسُفُ (^٧).\nحدَّثنا محمدُ [بنُ مَعْمرٍ] (^٨) البحْرانيُّ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا صدَقةُ بنُ عباد، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. قال: كان\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٣ (١١٨٠٢) من طريق جويبر به\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"يعني\".\n(^٤) ينظر في تخريجه ما تقدم في ص ٢٤٩\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٥ عن معمر به.\n(^٦) سنن سعيد بن منصور (١١٣٤ - تفسير) بزيادة فيه.\n(^٧) تقدم في ص ٢٤٥.\n(^٨) سقط من: ت ٢، وفى ت ١: \"بن جعفر\". وهو محمد بن معمر بن ربعي البحراني. ينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٤٨٥.","vol":"13","page":251},{"text":"مِن نُحاسٍ (^١).\nوقولُه: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِير﴾. يقولُ: [ولمن جاء بالصُّواع حِمْلُ بعيرٍ من الطعامِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾. يقولُ] (^٢): وِقْرُ بعيرٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾. قال: [حِمْلُ حمارٍ طعامًا] (^٤)، وهي لغةٌ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: وحدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورْقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ [قولَه: ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾] (^٥). قال: حمل حمارٍ طعامًا، وهى لغةٌ (^٦).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٣ (١١٨٠٧) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة.\n(^٤) في النسخ وتفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧٣ (١١٨٠٦): \"حمل طعام\"، والمثبت موافق لما في تفسير مجاهد ص ٣٩٩، وتفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧٤ (١١٨٠٨)، وينظر ما تقدم في ص ٢٣٥، وتعليق الشيخ شاكر ١٦/ ١٧٨.\n(^٥) سقط من: ت ٢.\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٣٣٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"13","page":252},{"text":"عن مجاهدٍ [مثله.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ] (^١)، قال: قولُه: ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾. قال: حملُ حمارٍ.\nوقولُه: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. يقولُ: وأنا بأن أُوَفِّيه حملَ بعيرٍ مِن الطعامِ إذا جاءني بصُواع الملكِ كفيلٌ (^٢).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4489>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولُه: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. يقولُ: كفيلٌ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. الزعيمُ: هو المؤذِّنُ الذي قال: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٢١ - من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧ إلى ابن المنذر.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٣٩٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٤ (١١٨١٢) من طريق شبابة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"13","page":253},{"text":"[حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله] (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ (^٢) وأبو خالدٍ الأحمرُ، عن ابن جريجٍ: قال: بلغنى عن مجاهدٍ، ثم ذكر نحوه.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، عن وِقاءِ (^٣) بن إياس، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. قال: كفيلٌ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولُه: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. أي: وأنا به كفيل.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. قال: حميلٌ (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. قال: كفيلٌ (^٦).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرج، قال: سمِعْتُ أَبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ، فذكر مثلَه.\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) في ت ٢: \"بكير\" وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٥٣٠.\n(^٣) في النسخ: \"ورقاء\". وسيأتي على الصواب في النسخة الأصل في ١٦/ ٣٦، وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٤٥٥.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧ إلى المصنف.\n(^٥) في م: \"كفيل\"، وفي ت ٢: \"جميل\". والحميل هو الكفيل. التاج (ح م ل). والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٥ عن معمر به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٤ (١١٨١٠) من طريق جويبر به.","vol":"13","page":254},{"text":"حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. قال: كفيلٌ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: قال لهم الرسولُ: إنه مَن جاءنا به فله حملُ بعيرٍ، وأنا به كفيلٌ بذلك، حتى أُودِّيَه إليه.\nومِن الزعيمِ الذي بمعنى الكفيلِ قولُ الشاعرِ (^١):\nفلسْتُ بآمِرٍ فيها بسِلْمٍ … ولكنى على نفسى زَعيمُ\nوأصلُ الزعيم في كلامِ العربِ: القائمُ بأمرِ القومِ، وكذلك الكفيلُ والحميلُ، ولذلك قيل: رئيسُ القومِ زعيمُهم، ومُدَبِّرُهم، يقال منه: قد زعُم فلانٌ زعامةً وزعامةً، ومنه قولُ ليلى الأخْيَليةِ (^٢):\nحتى [إذا إذا برَز] (^٣) اللِّواءُ رأيْتَه … تحت اللواءِ على الخَميسِ (^٤) زعيمَا\n\n<span id=\"aya-1669\"></span><span data-type='title' id=toc-4490>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال إخوةُ يوسفَ: ﴿تَاللَّهِ﴾. يعنى: واللَّهِ.\nوهذه التاءُ في تاللهِ إنما هي واوٌ قُلِبَت تاءً، كما فُعِل ذلك في التوراةِ، وهي مِن وَرَّيْتُ، والتُّراثِ، وهى مِن ورِثْتُ، والتُّخمةِ، وهى مِن الوَخامة، قُلِبَت الواوُ في\n_________\n(^١) مجاز القرآن ١/ ٣١٥، ونسبه للمؤسى الأزدى.\n(^٢) البيت في الأمالي ١/ ٢٤٨ ضمن أبيات رواها الأصمعي الحميد بن ثور الهلالي، ونسب في شرح الحماسة ٤/ ١٦٩ لليلى الأخيلية كما ههنا. والبيت في ديوان حميد بن ثور ص ١٣١.\n(^٣) الرواية في المصادر: \"إذا رفع\".\n(^٤) في ت ٢: \"الجيش\".","vol":"13","page":255},{"text":"ذلك كلِّه تاءً، والواؤ في هذه الحروفِ كلِّها حرفٌ (^١) من الأسماء، وليست كذلك في ﴿تَاللَّهِ﴾؛ لأنها إنما هي واوُ القسم، وإنما جُعِلَت تاءً لكثرةِ ما جرَى على ألسُنِ العربِ في الأيمانِ في قولِهم: واللهِ. فخُصَّت في هذه الكلمةِ بأن قُلِبت تاءً، ومن قال ذلك في اسمِ اللهِ، فقال: تاللهِ - لم يقُلْ: تالرحمنِ وتالرحيمِ، ولا مع شيءٍ من أسماءِ اللهِ، ولا مع شيءٍ مما يُقسم به، ولا يُقالُ ذلك إلا في ﴿تَاللَّهِ﴾ وحده.\nوقولُه: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: لقد علِمْتُم ما جئْنَا لَنَعْصِيَ الله في أرضِكم.\nكذلك كان يقولُ جماعةٌ من أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4491>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: ما جئنا لنعْصِىَ في الأرضِ (^٢).\nفإن قال قائلٌ: وما كان عِلْمُ (^٣) مَن قيل له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾. بأنهم لم يَجِيئوا لذلك، حتى اسْتَجاز قائلو ذلك أن يقُولوه؟\nقيل: اسْتَجازوا أن يقولوا ذلك؛ لأنهم، فيما ذُكِر، ردُّوا البضاعة التي وجَدوها في رحالهم، فقالوا: لو كنا سُرَّاقًا لم نَرُدَّ عليكم البضاعةَ التي وجَدْناها في\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٤ (١١٨١٣) من طريق ابن أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧ إلى أبي الشيخ.\n(^٣) في م: \"أعلم\".","vol":"13","page":256},{"text":"رحالِنا.\nوقيل: إنهم كانوا قد عُرِفوا في طريقهم ومسيرِهم أنهم لا يظْلِمون أحدًا، ولا يتَناولون ما ليس لهم، فقالوا ذلك حين قيل لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1670\"></span><span data-type='title' id=toc-4493>القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال أصحابُ يوسُف لإخوتِه: فما ثوابُ السَّرَقِ إن كنتم كاذبين في قولكم: ﴿مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1671\"></span>قالُوا: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال (^١) إخوةُ يوسُفَ: ثوابُ السَّرَقِ (^٢) مَن وُجِد في متاعِه السَّرِقُ ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾. يقولُ: فالذي وُجِد ذلك في رحلِه، ثوابُه بأن يُسَلَّمَ بسرِقِته (^٣) إلى مَن سرَق منه حتى يَسْتَرِقَه. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: كذلك نفْعَلُ بمن ظلَم ففعل ما ليس له فعلُه، مِن أخذِه مالَ غيرِه سَرقًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4492>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾، أَي: سُلِّم به. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾، أي: كذلك نَصْنَعُ بمن سرَق منا (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"وقال\".\n(^٢) في ت ١: \"السارق\". والسرَق بمعنى السرقة. النهاية ٢/ ٣٦٢.\n(^٣) في ص: \"بسرقه\"، وفى ت ١: \"في سرقته\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٤، ٢١٧٥ (١١٨١٦، ١١٨١٧) من طريق سلمة به.","vol":"13","page":257},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، قال: بلَغنا في قولِه: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾. أخبروا يوسُفَ بما يُحْكم في بلادِهم مَن سرق أُخِذ عبدًا، فقالوا: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ تأْخُذونه فهو لكم (^٢).\nومعنى الكلامِ قالوا: ثوابُ السَّرَقِ الموجودُ في رحلِه. كأنه قيل: ثوابُه اسْتِرْقاقُ الموجودِ في رحلِه. ثم حُذِف \"اسْتِرقاقُ\"، إذ كان معروفًا معناه، ثم ابْتُدِئ الكلامُ فقيل: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾، ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.\nوقد يَحْتَمِلُ وجهًا آخر أن يكونَ معناه: قالوا: ثوابُ السَّرَقِ الذي يُوجدُ السَّرقُ في رحله، فالسارقُ جزاؤُه. فيكونُ \"جزاؤُه\" الأولُ مرفوعًا بجملةِ الخبرِ بعدَه، ويكونُ مرفوعًا بالعائد من ذكرُه في \"هو\"، و\"هو \"مرافعُ (^٣) \"جزاؤُه\" الثاني.\nويَحْتَمِلُ وجهًا ثالثًا: وهو أن تكونَ \"مَن\" جزاءً (^٤)، وتكون مرفوعةً بالعائدِ مِن ذكرِه في الهاءِ التي في \"رحلِه\"، والجزاءُ الأولُ مرفوعًا بالعائدِ مِن ذكرِه في\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧ إلى ابن المنذر. وستأتي بقيته في ص ٢٦٥.\n(^٢) أخرجه المصنف في التاريخ ١/ ٣٥٣، ٣٥٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٤ (١١٨١٥) من طريق أسباط به.\n(^٣) في م: \"رافع\".\n(^٤) في م: \"جزائية\".","vol":"13","page":258},{"text":"وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: فاسْتَخْرَجها مِن وعاءِ أخيه، قال: كان كلما فتَح متاعًا اسْتغْفَر تائبًا (^٢) مما صنَع، حتى بلغ متاعَ الغلامِ، فقال: ما أظُنُّ هذا أخذ شيئًا، قالوا: بلى، فاستبْرَئْه (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسْباطَ، عن السدِّيِّ، قال: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾: فلمَّا بقِى رحلُ الغلامِ، قال: ما كان هذا الغلامُ لِيَأْخُذَه، قالوا: واللهِ، لا يُتركُ (^٤) حتى تَنْظُرَ في رحله؛ لنذْهبَ وقد طابَت نفسُك، فأدْخَلَ يدَه، فاسْتَخْرَجها مِن رحلِه (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما قال لهم الرسولُ ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]. قالوا: ما نَعْلَمُه فينا ولا معنا، قال: لستم ببارِحِين حتى أُفتِّشَ أمتعتَكم، وأُعْذِرَ في طلبِها منكم، فبدأ بأوعيتِهم وعاءً وعاءً، يُفتِّشُها وينْظُرُ ما فيها، حتى مرَّ على وعاءِ أخيه ففتَّشه، فاسْتخْرجها منه، فأخَذ منه، فأخذ برقبته، فانْصَرَف به إلى يوسُفَ، يقولُ اللَّهُ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٥٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٥ (١١٨١٨) من طريق سعيد بن بشير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في ت ١: \"تأثما\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٥، ٣٢٦ عن معمر به.\n(^٤) في ت ٢ ف: \"نترك\"، وفى ابن أبي حاتم: \"ترك\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٥ (١١٨١٩) من طريق سلمة به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٥ (١١٨٢٠) من طريق سلمة به.","vol":"13","page":259},{"text":"\"وُجد\"، ويكونَ جوابُ الجزاءِ الفاءَ في \"فهو\"، والجزاءُ الثاني مرفوعُ \"فهو\" (^١)، فيكونَ معنى الكلامِ حينَئذٍ: قالوا: جزاءُ السَّرَقِ، من وُجِد السَّرَقُ في رحلِه فهو ثوابُه، يُسْتَرَقُّ ويُسْتَعْبَدُ\n\n<span id=\"aya-1672\"></span><span data-type='title' id=toc-4495>القول في تأويل قولُه: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ففتَّش يوسُفُ أوعيتَهم ورحالَهم؛ طالبًا بذلك صُواعَ الملكِ، فبدَأ في تفتيشِه بأوعيةِ إخوتِه من أبيه، فجعَل يُفتِّشُها وِعاءً وِعاءً، قبل وعاءِ أخيه من أبيه وأمِّه، فإنه أخَّر تفتيشَه، ثم فتَّش آخرَها (^٢) وعاء أخيه، فاسْتخْرج الصُّواعَ مِن وعاءِ أخيه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4494>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولُه: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾: ذُكِر لنا أنه كان لا يَنْظُرُ في وعاءٍ إِلا اسْتَغْفر اللَّهَ؛ تأثُّمًا مما قذَفهم به، حتى بقى أخوه، وكان أصغرَ القومِ، قال: ما أرَى هذا أخذ شيئًا قالوا: بلى فاسْتبْرِئْه (^٣). ألا وقد علِموا حيث وضَعوا سِقايتَهم، ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ\n_________\n(^١) في م: \"بهو\".\n(^٢) في ت ٢: \"آخرا\".\n(^٣) أي: تأكد من براءته.","vol":"13","page":260},{"text":"ذُكِر لنا أنه كان كلما بَحَث متاعَ رجلٍ منهم اسْتَغْفر ربَّه تأَثُّمًا، قد علِم أين (^١) موضعُ الذي يَطْلُبُ، حتى إذا بقِى أخوه، وعلِم أن بُغْيَتَه فيه، قال: لا أَرَى (^٢) هذا الغلامَ أخذه، ولا أُبالى أن لا أبْحث متاعَه. قال إخوتُه: إنه (^٣) أطْيبُ لنفسِك وأنفسِنا أن تَسْتبْرِئَ متاعَه أيضًا، فلمَّا فتَح متاعَه، اسْتَخْرَج بُغْيَتَه منه. قال اللهُ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾.\nواخْتلَف أهلُ العربيةِ في الهاءِ والألفِ اللتين في قولِه ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾. فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: هي مِن ذِكْرِ الصُّواع، قال: وأَنَّث. وقد قال: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾؛ لأنه عنى الصُّواعَ (^٤)، قال: والصُّواعُ مذكَّرٌ، ومنهم من يُؤنِّتُ الصُّواع (^٥)، وعُنى هاهنا السِّقاية، وهى مؤنثةٌ. قال: وهما اسمانِ لواحدٍ، مثلُ الثوب والملِحفةِ، مذكَّرٌ ومُؤنَّتٌ لشيءٍ واحدٍ.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ في قولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾. ذهب إلى تأنيث السرقةِ، قال (^٦): وإن (^٧) يَكنِ الصُّواعُ في معنى الصاعِ، فلعل هذا التأنيثَ مِن ذلك، قال: وإن شئت جعلتَه (^٨) لتأنيثِ السقايةِ. قال: والصُّواعُ: ذَكَرٌ، والصاعُ يُؤَنَّثُ ويُذكَّرُ، فمن أنَّثه قال: ثلاثُ أَصْوُعٍ، مثلُ: ثلاثُ أَدْوُرٍ، ومَن ذكَّرُه قال: أصْواعٌ مثلُ أبوابٌ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"أي\".\n(^٢) في ت ١، ف: \"أدرى\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"إن\".\n(^٤) في ص، ت ١، ف: \"بالصواع\"، وفي ت ٢: \"بالصواب\".\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"قال\".\n(^٦) معاني القرآن ٢/ ٥٢.\n(^٧) بعده في ص: \"لم\".\n(^٨) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"جعلت\".","vol":"13","page":261},{"text":"وقال آخرُ منهم: إنما أُنِّث الصُّواعُ حينَ أُنِّث؛ لأنه أُرِيدَت به السَّقاية، وذُكِّر حين ذُكِّر؛ لأنه أُريد به الصُّواعُ. قال: وذلك مثلُ الخِوان والمائدةِ، وسِنانِ الرمحِ وعاليتِه، وما أشبهَ ذلك من الشيءِ الذي يَجْتمِعُ فيه (^١) اسمان؛ أحدُهما مذكَّرٌ، والآخرُ مُؤَنَّثٌ.\nوقولُه: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾. يقولُ: هكذا صنَعْنا ليوسُفَ، حتى يُخلِّص أخاه لأبيه وأمِّه مِن إخوتِه لأبيه، بإقرارٍ منهم أَنَّ له أَنْ يَأْخُذَه منهم، ويحْتبِسَه في يديه، ويحُول بينه وبينهم، وذلك أنهم قالوا إذ قيل لهم: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٧٤]: جزاءُ مَن سرَق الصُّواعَ أن من وُجد ذلك في رحلِه فهو مُسْتَرَقٌ به. وذلك كان حكمَهم في (^٢) دينِهم، فكاد اللهُ ليوسُفَ كما وصَف لنا، حتى أخَذ أخاه منهم، فصار عندَه بحكمهم وصُنْعِ اللَّهِ له.\nوقولُه: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. يقولُ: ما كان يوسُفُ لِيَأْخُذَ أخاه في حكمِ ملِكِ مصرَ وقضائِه وطاعتِه منهم؛ لأنه لم يَكُنْ من حكمِ ذلك الملكِ وقضائِه أن يُسْترَقَّ أحدٌ بالسَّرَقِ، فلم يكُنْ ليوسُفَ أَخْذُ أخيه في حكمِ مَلك أرضِه، إلا أن يَشاءَ اللهُ بكيدِه الذي كاده له، حتى أسْلم مَن وُجد في وعائِه الصُّواعُ إخوته ورُفقاؤُه، بحكيهم عليه، وطابت أنفسُهم بالتسليمِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4496>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"فيها\".\n(^٢) في ص: \"سه وفى\"، وفي ت ١: \"وفى\"، وفى ت ٢: \"بنيه وفى\"، وفى ف: \"بينه وفي\".","vol":"13","page":262},{"text":"مجاهدٍ، قولُه: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. إلا فَعْلةً (^١) كادها اللهُ له، فاعْتَلَّ بها يوسُفُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ كادها اللهُ له، فكانت عِلَّةً ليوسُفَ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. قال: إلا فَعْلةً كادها اللهُ، فاعْتل بها يوسُفُ.\nقال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قولُه: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ قال: صنَعْنا (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾. يقولُ: صنَعْنا ليوسُفَ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) في تاريخ المصنف: \"علة\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٥٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٦ (١١٨٢٧) من طريق شبابة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"ليوسف\".\n(^٤) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٣٣٢.","vol":"13","page":263},{"text":"صنَعْنا ليوسُفَ (^١).\nواختلف أهلُ التأويلِ في تأويل قولُه: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. فقال بعضُهم: ما كان ليأخُذَ أخاه في سلطانِ الملكِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4497>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قولُه: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. يقولُ: في سلطانِ الملكِ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. يقولُ: في سلطان الملكِ (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: في حكمِه وقضائِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4498>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. يقولُ: ما كان ذلك في قضاءِ الملكِ أن يَسْتَعْبِدَ رجلًا بسرقةٍ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٦ (١١٨٢٢) من طريق أبى روق عن الضحاك، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٦ (١١٨٢٤) عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٦ (١١٨٢٥) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وعزاه =","vol":"13","page":264},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. قال: لم يَكُنْ ذلك في دين الملكِ، قال: حُكمِه (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ محمدُ بنُ ليثٍ المرْوزيُّ، عن رجلٍ قد سمَّاه، عن عبدِ اللَّهِ بن المباركِ، عن أبي مَوْدودٍ المَدِينيِّ، قال: سمِعْتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظيَّ يقولُ (^٢): ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. قال: دينُ الملكِ لا يُؤْخَذُ به مَن سرَق أصلًا، ولكنَّ الله كاد لأخيه، حتى تكَلَّموا ما تكَلَّموا به، فأَخَذَهم بقولِهم، وليس في قضاءِ المَلِكِ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعمرٍ، قال: بلَغه في قولِه: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. قال: كان حكمُ الملكِ أن مَن سرَق ضُوعِف عليه (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. يقولُ: في حكمِ الملكِ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي\n_________\n= السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٦ عن معمرٍ به بنحوه.\n(^٢) بعده في ص، ت ٢: \" قالوا جزاؤه من وجد في رحله كذلك كدنا ليوسف ما كان\"، وبعده في م: قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك كدنا ليوسف ما كان\"، وبعده في ت ١، ف: \"قالوا\". والمثبت كما في الدر المنثور.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧ إلى المصنف.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧ إلى المصنف وابن المنذر. وتقدم أوله في ص ٢٥٨.","vol":"13","page":265},{"text":"دِينِ الْمَلِكِ﴾. أي: بظلم، ولكنَّ اللَّهَ كاد ليوسُفَ ليَضُمَّ إليه أخاه (^١).\nحدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. قال: ليس في دينِ الملكِ أن يُؤْخَذَ (^٢) السارقُ بسرقتِه، قال: وكان الحكمَ عندَ الأنبياءِ يعقوبَ وبنيه أن يُؤْخَذَ السارقُ بسرقتِه عبدًا يُسْتَرقُ (^٣).\nوهذه الأقوال وإن اخْتَلَفَت ألفاظُ قائليها في معنى دينِ الملكِ، فمُتقاربُة (^٤) المعانى؛ لأن (^٥) مَن أخَذه في سلطانِ الملكِ عامَلَه بعملِه، [فيريناه أخذَه إذا لم يغيره] (^٦)، وذلك منه حكمٌ عليه، وحكمُه عليه قضاؤُه.\nوأصلُ الدِّين الطاعةُ، وقد بيَّنْتُ ذلك في غيرِ هذا الموضعِ بشَواهده، بما أغْنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٧).\nوقولُه: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. ولكن صنَعْنا له، بأنهم قالوا: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٦ (١١٨٢٣) من طريق سلمة به.\n(^٢) في ص، ف: \"يأخذ\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٤ (١١٨١٤) من طريق أصبغ عن ابن زيد بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧ إلى المصنف.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"متقارب\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لا\".\n(^٦) كذا في المطبوعة، وفى ص: \"فيربناه أخذه إذا لم يعيره\"، وفى ت ١: \"فريناه أخذه إذا لم يغيره\"، وفى ت ٢: \"فبرفاه أخذه إذا لم يعره\"، وفى ف: \"فبريناه أخذه إذا لم يغبره\".\n(^٧) ينظر ما تقدم في ٣/ ٢٩٢.","vol":"13","page":266},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. إلا بعلَّةٍ كادها اللهُ، فاعْتلَّ بها يوسُفُ (^١).\nوقولُه: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾. اختَلَفَت القرَأَةُ في قراءةِ ذلك، فقرَأه بعضُهم: (نرفع (^٢) دَرجاتِ مَن نَشاءُ). بإضافةِ الدرجاتِ إلى \"مَن\" بمعنى: نَرْفَعُ منازلَ مَن نشاءُ رفْعَ منازله ومَراتبِه في الدنيا، بالعلمِ. على غيرِه، كما رفَعْنا مرتبةَ يوسُفَ في ذلك، ومنزلتَه في الدنيا، على منازلِ إخوتِه ومراتبِهم.\nوقرَأ ذلك آخرون: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بتنوينِ الدرجاتِ (^٣)، بمعنى: نَرْفَعُ من نشاءُ مَراتب ودرجاتٍ في العلمِ على غيرِه، كما رفَعْنا يوسُفَ، فمَن على هذه القراءةِ نَصَبَ، وعلى القراءةِ الأولى خَفَضَ. وقد بيَّنا ذلك في سورةِ الأنعامِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4499>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيج، قولُه: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾. يوسُفُ وإخوتُه أُوتُوا علمًا، فرفَعْنا يوسُفَ فوقَهم (^٤) في العلمِ (^٥).\nوقولُه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وفوقَ كلِّ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢٦٣.\n(^٢) في ت ٢: \"يرفع\". وهى قراءة يعقوب. وينظر النشر ٢/ ٢٢٢، والإتحاف ص ١٦١.\n(^٣) قراءة التنوين هي قراءة عاصم وحمزة والكسائى وخلف، والباقون بإضافة الدرجات إلى \"من\". وينظر المصدرين السابقين.\n(^٤) في ص، ت ٢، ف: \"فوقه\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧، ٢٨ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"13","page":267},{"text":"عالمٍ مَن هو أعْلَمُ منه، حتى يَنْتَهِيَ ذلك إلى اللهِ تعالى. وإنما عنَى بذلك أن يُوسُفَ أعْلَمُ إخوتِه، وأن فوقَ يوسُفَ مَن هو أعلمُ مِن يوسُفَ، حتى ينتهىَ ذلك إلى اللَّهِ تعالى.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4500>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامر العَقَدى، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الأعلى الثعلبيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، أنه حدَّث بحديثٍ، فقال رجلٌ عندَه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. فقال ابن عباسٍ: بئسما قلتَ، إن الله هو عليمٌ، وهو فوق كلِّ عالمٍ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ؛ وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: حدَّث ابن عباسٍ بحديثٍ، فقال رجلٌ عندَه: الحمدُ للهِ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. فقال ابن عباسٍ: العالِمُ اللهُ، وهو فوق كلِّ عالمٍ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريِّ، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كنا عند ابن عباسٍ، فحدَّث حديثًا، فتعَجَّب رجلٌ فقال: الحمدُ للهِ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. فقال ابن عباسٍ: بئْسما قلتَ: الله العليمُ، وهو فوقَ كلِّ عالمٍ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: أخبَرنا\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٦، ٣٢٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٧ (١١٨٢٩) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"13","page":268},{"text":"إسرائيلُ، عن سالمٍ (^١)، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال: يكونُ هذا أعلمَ مِن هذا، وهذا أعلمَ مِن هذا، واللهُ فوقَ كلِّ عالمٍ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا سعيدٌ بن منصورٍ، قال: أخبَرنا أبو الأحوصِ، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. قال: اللهُ الخبيرُ العليمُ فوقَ كلِّ عالمٍ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال: اللَّهُ فوقَ كلِّ عالمٍ (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ؛ وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمد بن كعبٍ، قال: سأَل رجلٌ عليًّا عن مسألةٍ، فقال فيها، فقال الرجلُ: ليس هكذا، ولكن كذا وكذا. قال عليٌّ: أصبتَ وأخطأتُ، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن خالد، عن عكرمةَ، في قولُه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. قال: علم الله فوق كلِّ أحدٍ (^٦).\n_________\n(^١) كذا في النسخ. وفي مصدر التخريج: \"سماك\". ولعله هو الصواب، فإن سماك بن حرب روى عن عكرمة، وروى عنه إسرائيل بن يونس. وليس في الرواة من اسمه سالم يروى عن عكرمة ويروى عنه إسرائيل بن يونس. والله أعلم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٧ (١١٨٣٠) من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦، ٢٨ إلى الفريابي وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) سنن سعيد بن منصور (١١٣٧ - تفسير).\n(^٤) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٢٣٦) من طريق إسرائيل به.\n(^٥) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٨٦٥) من طريق وكيع به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٧ (١١٨٣١)، والبيهقى في الأسماء والصفات (٢٣٧) =","vol":"13","page":269},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن نضرٍ (^١)، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. قال: اللَّهُ ﷿.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يَعْلَى بْنُ عُبيد، عن سفيانَ، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. قال: الله أعلمُ مِن كلِّ أحدٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ابن شُبْرُمةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. قال: [ليس عالمٌ] (^٣) إلا فوقَه عالمٍ، حتى يَنْتَهِيَ العلمُ إلى اللهِ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عاصمٌ، قال: ثنا جُوَيْرِيَةُ، عن بَشِيرٍ الهُجَيْميِّ، قال: سَمِعْتُ الحسن قرَأ هذه الآية يومًا: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. ثم وقَف، فقال: إنه والله ما أمْسَى على ظهرِ الأرضِ عالمٌ إلا فوقَه مَن هو أعلمُ منه، حتى يعودَ العلمُ إلى الذي علَّمه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عليٌّ، عن جَرِيرٍ، عن ابن شُبْرُمةَ، عن الحسنِ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. قال: فوقَ كل عالمٍ عالمٌ، حتى يَنْتهَى العلمُ إلى اللهِ.\n_________\n= من طريق خالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^١) في ص: \"نصر\" غير منقوطة، وفى م: \"نصر\" وهو النضر بن عبد الرحمن، أبو عمر الخزاز. ينظر ترجمته في تهذيب الكمال ٢٩/ ٣٩٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عليم\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨ إلى المصنف وأبى الشيخ.","vol":"13","page":270},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولُه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. حتى يَنْتهىَ العلمُ إلى اللهِ، منه (^١) بُدِئ، وتعَلَّمَت العلماءُ، وإليه يعودُ. [وفى] (^٢) قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وفوق كلِّ عالمٍ عليمٌ) (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: وكيف جاز ليوسُفَ أَن يَجْعَلَ السِّقايةَ في رَحْلِ أخيه، ثم يُسَرِّقَ قومًا أبْرِياءَ مِن السَّرَقِ، ويقول: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾؟ [يوسُفَ: ٧٠].\nقيل: إن قولَه: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾. إنما هو خبرٌ مِن اللَّهِ عن مؤذِّنٍ أذَّن به، لا خبرٌ عن يوسُفَ، وجائزٌ أن يكونَ المؤذِّنُ أذَّن بذلك إذ (^٤) فقَد الصُّواعَ، ولا يَعْلَمُ بصنيع يوسُفَ، وجائزٌ أن يكونَ كان أذَّن المؤذِّنُ بذلك عن أمرِ يوسُفَ، واسْتَجاز الأمرَ بالنداءِ بذلك؛ لعلمِه بهم أنهم قد كانوا سرَقوا سرقةً في بعضِ الأحوالِ، فأمَر المؤذِّنَ أن يُنادِيَهم بوصفِهم بالسَّرَقِ، ويوسُفُ يعني ذلك السَّرَقَ، لا سَرَقَهم الصُّواعَ. وقد قال بعضُ أهلِ التأويلِ: إن ذلك كان خطأً من فعلِ يوسُفَ، فعاقَبه الله بإجابةِ القومِ إياه: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. وقد ذكَرْنا الروايةَ بذلك فيما مضَى.\n\n<span id=\"aya-1673\"></span><span data-type='title' id=toc-4501>القول في تأويل قولُه: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ومنه\".\n(^٢) في م، ف: \"في\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٢٦. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٧ (١١٨٣٢) من طريق سعيد بن بشير به من غير ذكر القراءة، والقراءة شاذة.\n(^٤) في النسخ: \"أن\" وهو تحريف. والمثبت هو الصواب.","vol":"13","page":271},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ﴾ هذا (^١) ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعْنون أخاه لأبيه وأمِّه، وهو يوسُفُ.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. لِيوسفَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: يعنى يوسُفَ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: يوسُفُ.\nوقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في السَّرَقِ الذي وصَفُوا به يوسُفَ؛ فقال بعضُهم: كان صنمًا لجدِّه أبى أمِّه، كسَره وألْقاه على الطريقِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4502>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البَصْرِيُّ، قال: ثنا الفيضُ بنُ الفَضْلِ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ٢.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٣٩٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"13","page":272},{"text":"قَبْلُ﴾. قال: سرَق يوسُفُ صنمًا لجدِّه أبى أمِّه، كسره وأَلْقاه في الطريقِ، فكان إخوتُه يَعِيبُونه بذلك (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. ذُكِر أنه سرَق صنمًا لجدِّه أبي أمِّه، فعيَّروه بذلك (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. أرادوا بذلك عيبَ نبيِّ اللهِ يوسُفَ، وسرقتُه التي عابوه بها صنمٌ كان الجدِّه أبى أمِّه، فأَخَذَه، إنما أراد نبيُّ الله بذلك الخيرَ، فعابوه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: كانت أمُّ يوسفَ أَمَرَت يوسُفَ يَسْرِقُ صنمًا لخالِه يَعْبُدُه، وكانت مسلمةً (^٣).\nوقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمِعْتُ أبي، قال: كان بنو يعقوبَ على طعامٍ [إِذْ نظَر] (^٤) يوسُفُ إلى عَرْقٍ (^٥)، فخَبَّأَه، فعيَّروه بذلك: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٥٤، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٧ (١١٨٣٤) من طريق الفيض به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٦ عن معمر به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٤) في النسخ: اضطر\". وهو خطأ. والمثبت من تاريخ المصنف.\n(^٥) العرق: العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم. اللسان (ع ر ق).\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٥٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٨ (١١٨٣٦) من طريق ابن إدريس عن أبيه عن عطية مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨ إلى المصنف وأبى الشيخ عن عطية بنحوه.","vol":"13","page":273},{"text":"وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ أبى الحجاجِ، قال: كان أولَ ما دخَل على يوسُفَ مِن البلاءِ، فيما بلَغَني، أن عمَّتَه ابنةَ إسحاقَ، وكانت أكبرَ ولدِ إسحاقَ، وكانت إليها (^١) مِنْطقَةُ إسحاقَ، وكانوا يَتَوارَثونها بالكِبَرِ، فكان من اخْتانَها (^٢) ممَّن ولِيَها كان له سَلَمًا لا يُنازَعُ فيه، يَصْنَعُ فيه ما شاء، وكان يعقوبُ حينَ وُلِد له يوسُفُ، كان قد حضَنته عمَّتُه، فكان معها وإليها، فلم يُحِبَّ أحدٌ شيئًا مِن الأشياء حُبَّها إياه، حتى إذا تَرَعْرَع وبلَغ سنواتٍ، وقَعَت نفسُ يعقوبَ عليه، أتاها فقال: يا أُخَيَّةُ، سلِّمى إليَّ يوسفَ، فواللهِ ما أَقْدِرُ على أن يَغِيبَ عنى ساعةً. قالت: واللهِ، ما أنا بتارِكتِه، واللهِ ما أقْدِرُ أن يَغِيبَ عنى ساعةً. قال: فواللهِ، ما أنا بتاركِه. قالت: فدَعْه عندى أيامًا أَنْظُرْ إليه، وأَسْكُن عنه، لعل ذلك يُسَلِّيني عنه. أو كما قالت. فلما خرَج مِن عندِها يعقوبُ عمَدت إلى مِنْطَقة إسحاقَ، فحزَمَتها على يوسُفَ مِن تحتِ ثيابِه. ثم قالت: لقد فقَدْتُ مِنْطقة إسحاقَ، فانْظُروا مَن أخَذَها ومَن أصابها. فالتُمِسَتْ ثم قالت: كَشِّفوا أهلَ البيت، فكشَّفوهم، فوجَدوها مع يوسفَ، فقالت: واللهِ، إنه لى لسَلَمٌ تصْنَعُ فيه ما شئتُ. قال: وأتاها يعقوبُ، فأخْبَرته الخبرَ، فقال لها: أنت وذاكِ إن كان فعَل ذلك فهو سَلَمٌ لك، ما أَسْتَطِيعُ غير ذلك. فأمْسكَته، فما قدَر عليه يعقوبُ حتى ماتَت. قال: فهو الذي يقولُ إخوةُ يوسُفَ حينَ صنَع بأخيه ما صنَع حين أخَذه: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (^٣).\nقال ابن حميدٍ: قال: ابن إسحاق: لما رأى بنو يعقوبَ ما صنعَ أخُو يوسُفَ،\n_________\n(^١) بعده في التاريخ: \"صارت\".\n(^٢) في م: \"اختص بها\". واختانها: سرقها.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٨ (١١٨٣٧) من طريق سلمة به.","vol":"13","page":274},{"text":"ولم يَشُكُّوا أنه سرق، قالوا - أسَفًا عليهم، لِما دخَل عليهم في أنفسِهم تَأْنِيبًا له -: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. فلما سمِعها يوسُفُ قال: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾، سِرًّا في نفسه، ولم يُبْدِها لهم، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ (^١).\nوقولُه: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾. يعنى بقولِه: ﴿فَأَسَرَّهَا﴾: فَأَضْمَرها.\nوقال: ﴿فَأَسَرَّهَا﴾. فأنَّت؛ لأنه عُنِى بها الكلمةُ، وهى ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾، ولو كانت جاءت بالتذكير كان جائزًا، كما قيل: ﴿تِلْكَ (^٢) مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ [هود: ٤٩]، ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾ [هود: ١٠٠].\nوكنى عن الكلمةِ، ولم يَجْرِ لها ذكرٌ مُتَقَدِّمٌ. والعربُ تَفْعَلُ ذلك كثيرًا، إذا كان مفهومًا المعنى المراد عند سامِعِى الكلامِ، وذلك نظيرُ قولِ حاتمٍ الطائيِّ (^٣):\nأَمَاوِيَّ مَا يُغْنِي الثَّراءُ عن الفتى … إذا حشْرَجَت يومًا (^٤) وضاق بها الصَّدْرُ\nيُرِيدُ: وضاق بالنَّفَسِ الصدرُ، فكنَى عنها، ولم يَجْرِ لها ذكرُ، إذ كان في قولِه: إذا حشرَجت يومًا دَلالةٌ لسامعِ كلامِه على مرادِه بقولِه: وضاق بها. ومنه قولُ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠].\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٠ (١١٨٤١) من طريق سلمة عن ابن إسحاق مختصرًا.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ذلك\". وينظر معاني القرآن ٢/ ٥٢.\n(^٣) ديوانه ص ٢١٠، وغيره كثير.\n(^٤) في الديوان: \"نفس\" والمثبت هو المشهور من رواية البيت.","vol":"13","page":275},{"text":"فقال: مِن بعدِها. ولم يجْرِ قبلَ ذلك ذكرٌ لاسمٍ مؤنثٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4503>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾. أما الذي أسَرَّ في نفسِه فقولُه: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾. قال: هذا القولُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾. يقول: أسَرَّ في نفسِه قولَه: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾. يقولُ: واللَّهُ أعلمُ بما تَكْذِبون فيما تَصِفون به أخاه بنيامينَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٦ عن معمر به، وعزاه الشوكانى في فتح القدير ٣/ ٤٧ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٩ (١١٨٣٩) عن محمد بن سعد به.","vol":"13","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4504>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾. يقولون: يوسُفُ يقولُه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾. أي: بما تَكْذِبون (^٢).\nفمعنى الكلامِ إذن: فأسَرَّها يوسُفُ في نفسِه ولم يُبْدِها لهم، قال: أنتم شرٌّ عندَ اللَّهِ مَنْزِلًا ممَّن وصَفْتُموه بأنه سرَق، وأخبثُ مكانًا بما سلَف مِن أفعالِكم، واللَّهُ عالمٌ بكذبِكم، وإن جهِله كثيرٌ ممن حضَر مِن الناسِ.\nوذُكِر أن الصُّواعَ لما وُجِد في رحلِ أخى يوسُفَ تلاوَمَ القومُ بينَهم، كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ، قال: لما اسْتُخْرِجَت السَّرِقةُ مِن رَحلِ الغلامِ انْقَطَعَت ظهورُهم، وقالوا: يا بَنى راحيلَ، ما يَزالُ لنا منكم بلاءٌ، متى (^٣) أخَذْتَ هذا الصُّواعَ؟ فقال بنيامينُ: بل بنو راحيلَ الذين لا يَزالُ لهم منكم\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٠٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٠ (١١٨٤٠، ١١٨٤٢) من طريق شبابة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٠ (١١٨٤٣) من طريق سعيد به.\n(^٣) في م، ف: \"حتى\".","vol":"13","page":277},{"text":"بلاءٌ، ذهَبْتُم بأخى فأهْلكْتُموه في البَرِّيَّةِ، وضَع هذا الصُّواع في رحلى الذي وضَع الدراهمَ في رِحالِكم! فقالوا: لا تَذْكُرِ الدَّراهمَ، فتُؤْخَذَ (^١) بها! فلمَّا دخَلوا على يوسُفَ دعا بالصُّواعِ، فنقَر فيه، ثم أدْناه مِن أذنِه، ثم قال: إن صُواعى هذا لَيُخْبِرُنى أنكم كنتم اثنَىْ عشَرَ رجلًا، وأنكم انْطَلَقْتُم بأخٍ لكم فبِعْتُموه. فلمَّا سمِعها بنيامينُ، قام فسجَد ليوسُفَ، ثم قال: أيُّها الملكُ، سَلْ صُواعَك هذا عن أخى، أحيٌّ هو؟ فنقَره، ثم قال: هو حيٌّ، وسوف تَراه. قال: فاصْنَعْ بى ما شئتَ، فإنه إن علِم بى فسوف يَسْتَنْقِذُنى. قال: فدخَل يوسفُ فبكَى، ثم توضَّأ، ثم خرَج، فقال بنيامينُ: أيُّها الملكُ، إنى أُرِيدُ أن تَضْرِبَ صُواعَك هذا فيُخْبِرَك بالحقِّ، فسَلْه: مَن سرَقه، فجعَلَه في رَحْلى؟ فنقَره فقال: إن صُواعى هذا غضبانُ، وهو يقولُ: كيف تَسْأَلُنى. مَن (^٢) صاحبى؟ وقد رَأيتَ مع مَن كنتُ؟ قال: وكان بنو يعقوبَ إذا غضِبوا لم يُطاقوا. فغضِب رُوبيلُ، وقال: أيُّها المَلِكُ، واللَّهِ لتَتْرُكَنَّا، أو لأَصِيحَنَّ صيحةً لا تَبْقَى بمصرَ امرأةٌ حاملٌ إلا أَلقَتْ ما في بطنِها، وقامت كلُّ شَعرةٍ في جسدِ رُوبيلَ، فخرَجت مِن ثيابِه، فقال يوسُفُ لابنِه: قُمْ إلى جنبِ رُوبيلَ فمَسَّه. وكان بنو يعقوبَ إذا غضِب أحدُهم فمسَّه الآخَرُ ذهَب غضبُه، فمرَّ الغلامُ إلى جنبِه فمَسَّه، فذهَب غضبُه، فقال رُوبيلُ: مَن هذا؟ إن في هذا البلدِ لبَزْرًا مِن بَزْرِ يعقوبَ! فقال يوسُفُ: مَن يعقوبُ؟ فغضِب روبيلُ، فقال: يا أيُّها الملكُ، لا تَذْكُرْ يعقوبَ؛ فإنه سَرِيُّ (^٣) اللَّهِ، ابن ذَبيحِ اللَّهِ، ابن خليلِ اللَّهِ. قال يوسُفُ: أنت إذن إن (^٤)\n_________\n(^١) في م: \"فنؤخذ\"، وفى ت ٢: \"فيؤخذ\".\n(^٢) في م، ف: \"عن\".\n(^٣) في التاريخ: \"إسرائيل\".\n(^٤) سقط من: م.","vol":"13","page":278},{"text":"كنتَ صادقًا (^١).\n\n<span id=\"aya-1674\"></span><span data-type='title' id=toc-4506>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قالت إخوةُ يوسُفَ ليوسُفَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيز﴾: يا أيُّها الملكُ، ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ كَلِفًا بحبِّه، يَعْنون يعقوبَ، ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾. يعنون: فخُذْ أحدًا منا بدَلًا من بِنيامينَ، وخلِّ عنه، ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولون: إنا نراك مِن المحسنينَ في أفعالِك.\nوقال محمدُ بنُ إسحاقَ في ذلك، ما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: إنا نرى ذلك منك إحسانًا إن فعَلْتَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1675\"></span><span data-type='title' id=toc-4505>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال يوسفُ لإخوتِه: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾: أعوذُ باللَّهِ. وكذلك تَفْعَلُ العربُ في كلِّ مصدرٍ وضَعَتْه (^٣) موضعَ \"يَفْعَل\" و\"تفْعَل\"، فإنها تَنْصِبُ؛ كقولِهم: حمدًا للَّهِ وشكرًا له. بمعنى: أَحْمَدُ اللَّهَ وأَشْكُرُه، والعربُ تقولُ في ذلك: معاذَ اللَّهِ، ومعاذَةَ اللَّهِ. فتُدْخِلُ فيه هاءَ التأنيثِ، كما يقولون: ما أحْسَنَ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٥٥، ٣٥٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٩ (١١٨٣٨) من طريق أسباط به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٠ (١١٨٤٥) من طريق سلمة به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"وصفته\".","vol":"13","page":279},{"text":"مَعْناةَ (^١) هذا الكلامِ. وعوذَ اللَّهِ، وعوذةَ اللَّهِ، وعياذَ اللَّهِ. ويقولون: اللهمَّ عائذًا بك. كأنه قيل: أعوذُ بك عائذًا، أو: أدْعوك عائذًا.\n﴿أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾. يقولُ: أَسْتَجِيرُ باللَّهِ مِن أن نَأْخُذَ بريئًا بسقيمٍ.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾. يقولُ: إن أخَذْنا غيرَ الذي وجَدْنا متاعَنا عندَه، إنا إذًا نَفْعَلُ ما ليس لنا فعلُه، ونَجورُ على الناسِ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ يوسفُ: إذا أتَيْتُم أباكم فأقْرِئوه السلامَ، وقولوا له: إن ملِكَ مصرَ يدعو لك أن لا تموتَ حتى تَرَى ابنَك يوسفَ، حتى يَعْلَمَ (^٣) أن في أرضِ مصرَ صِدِّيقِين مثلَه (^٤).\n\n<span id=\"aya-1676\"></span><span data-type='title' id=toc-4507>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾. فلمَّا يَئِسوا منه مِن أن\n_________\n(^١) في م: \"معناه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٠ (١١٨٤٦) من طريق سلمة به نحوه.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"تعلم\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨١ (١١٨٤٨) من طريق أسباط به.","vol":"13","page":280},{"text":"يُخَلِّىَ يوسفُ عن بنيامينَ، ويَأْخُذَ منهم واحدًا مكانَه، وأن يُجِيبَهم إلى ما سأَلوه من ذلك. وقولُه: ﴿اسْتَيْأَسُوا﴾ اسْتَفْعَلوا، مِن يَئِس الرجلُ مِن كذا، يَيْأَسُ.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾: يَئِسوا (^١) منه ورَأَوْا شدَّتَه في أمرِه (^٢).\nوقولُه: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾. يقولُ: بعضُهم لبعضٍ يَتَناجَوْن، لا يَخْتَلِطُ بهم (^٣) غيرُهم. والنَّجِيُّ جماعةُ القومِ المُنْتَجِين، يُسَمَّى به الواحدُ والجماعةُ، كما يُقالُ: رجلٌ عَدْلٌ، ورجالٌ عَدْلٌ، وقومٌ زَورٌ، وفِطْرٌ (^٤). وهو مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: نجَوْتُ فلانًا أَنْجوهُ نَجِيًّا. جُعِل صفةً ونعتًا. ومن الدليلِ على أن ذلك كما ذكَرْنا قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] فوصَف به الواحدَ، وقال في هذا الموضع: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ فوصَف به الجماعةَ. ويُجْمَعُ النَّجِيُّ أَنْجِيةً، كما قال لَبيدٌ (^٥):\nوشهِدْتُ أَنْجِيةَ الأُفاقَةِ عاليًا … كَعْبِى وأْردافُ الملوكِ شهودُ (^٦)\nوقد يُقالُ للجماعةِ مِن الرجالِ: نجوى؛ كما قال جل ثناؤه: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧]. وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧]. وهم القومُ الذين يَتَناجَوْن. وتكونُ النَّجْوَى أيضًا مصدرًا؛ كما قال\n_________\n(^١) في ص: \"أيسوا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨١ (١١٨٤٧) من طريق سلمة به.\n(^٣) في ت ١، ف: \"بعضهم\".\n(^٤) رجل فطر، وقوم فطر: مفطرون. ينظر اللسان (ف ط ر).\n(^٥) شرح ديوان لبيد ص ٣٥.\n(^٦) الأفاقة: موضع. عاليا كعبى: فلجت عليهم. أرداف الملوك: جمع ردف، وهو الذي يكون مع الملك لا يفارقه. المصدر السابق.","vol":"13","page":281},{"text":"اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٠]. يُقالُ (^١) منه: نَجَوْتُ أَنْجو نَجْوَى، فهى في هذا الموضعِ: المناجاةُ نفسُها، ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):\nبُنَىَّ بَدا خِبُّ نَجْوَى الرجالِ … فكُنْ عندَ سرِّك خَبَّ النَّجِى (^٣)\nفالنَّجْوَى والنَّجِيُّ في هذا البيتِ بمعنى واحدٍ، وهو المناجاةُ، وقد جمَع بين اللُّغتيْن (^٤).\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾، قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4508>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾. وأخْلَص لهم شِمْعونُ وقد كان ارْتَهنه، خلَوْا (^٥) بينَهم نجيًّا: يَتَناجَوْن بينَهم.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾: خلَصوا وحدَهم نجيًّا (^٦).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾؛ أي: خلا بعضُهم ببعضٍ، ثم قالوا: ماذا تَرَوْن (^٧)؟\n_________\n(^١) في م: \"تقول\".\n(^٢) هو الصلتان العبدى، كما في شرح الحماسة ٣/ ١٢١٠، وهو في الخزانة ٢/ ١٨٣ غير منسوب.\n(^٣) الخِب بالكسر: الخِداع والخُبث والغِش. والخِب بالفتح والكسر: الخدَّاع والخبيث. اللسان (خ ب ب).\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"البيتين\".\n(^٥) في ت ١: \"خلصوا\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨١ (١١٨٤٩) من طريق سعيد به.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨١ (١١٨٥٠) من طريق سلمة به. دون قوله: ثم قالوا ماذا ترون.","vol":"13","page":282},{"text":"وقولُه: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾. اخْتَلف أهلُ العلمِ في المعنيِّ بذلك، فقال بعضُهم: عُنِى به كبيرُهم في العقلِ والعلمِ، لا في السِّنّ، وهو شِمْعونُ. قالوا: وكان رُوبيلُ أكبرَ منه في الميلادِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4509>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِ اللَّهِ: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾. قال: هو شِمْعونُ الذي تخلَّف، وأكبرُ منه - أو (^١) أكبرُ منهم في الميلادِ - رُوبيلُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ شِمْعونُ الذي تخلَّف، وأكبرُ منه في الميلادِ رُوبيلُ (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: أخْبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن سفيانَ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾. قال: شِمْعونُ الذي تخلَّف، وأكبرُهم في الميلادِ رُوبيلُ.\nوقال آخرون: بل عنَى به كبيرَهم في السِّنِّ، وهو روبيلُ.\n_________\n(^١) في م: \"و\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨١ (١١٨٥١) من طريق شبابة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"13","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4510>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾: وهو روبيلُ أخو يوسفَ، وهو ابن خالتِه، وهو الذي نهاهم عن قتلِه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾. قال: رُوبيلُ، وهو الذي أشار عليهم أن لا يَقْتُلوه (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ في العلمِ (^٣): إن ﴿أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ الآية. فأقام روبيلُ بمصرَ، وقبَل (^٤) التسعةُ إلى يعقوبَ فأخْبَروه الخبرَ، فبكَى وقال: يا بَنِيَّ، ما تذهبون مرَّةً إلا نقَصْتُم واحدًا؟! ذهَبْتُم مرةً فنقَصْتُم يوسفَ، وذهَبْتُم الثانيةَ فنقَصْتُم شِمْعونَ، وذهَبْتُم الآنَ فنقَصْتُم روبيلَ (^٥)!\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾. قال: ماذا تَرَوْن؟ فقال رُوبيلُ - كما ذُكِر لى، وكان كبيرَ القومِ -: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ (^٦) وَمِنْ قَبْلُ مَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨١ (١١٨٥٣) من طريق سعيد بن أبى عروبة به، دون قوله: وهو الذي نهاهم عن قتله. وأخرجه أيضًا (١١٨٥٢) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٧ عن معمر به.\n(^٣) كذا في النسخ، ومقتضى الترجمة أن يكون في السن.\n(^٤) في م: \"أقبل\" وكلاهما بمعنى. ينظر اللسان (ق ب ل).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨١، ٢١٨٢، ٢١٨٤ (١١٨٥٤، ١١٨٥٧، ١١٨٧٢) من طريق أسباط به.\n(^٦) بعده في النسخ: \"لتأتننى به إلا أن يحاط بكم\" وهو وهم من النساخ، أو سبق قلم من المصنف.","vol":"13","page":284},{"text":"فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ الآية (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ قولُ مَن قال: عُنِى بقولِه: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ رُوبيلُ؛ لإجماعِ جميعِهم على أنه كان أكبرَهم سنًّا، ولا تَفْهَمُ العربُ في المخاطَبَةِ - إذا قيل لهم: فلانٌ كبيرُ القومِ. مطلقًا بغيرِ وصلٍ - إلا أحدَ مَعْنَيَيْن؛ إما في الرِّياسةِ عليهم والسؤدَدِ، وإما في السنِّ؛ فأما في العقلِ فإنهم إذا أرادوا ذلك وصَلوه، فقالوا: هو كبيرُهم في العقلِ. فأما إذا أُطْلِق بغيرِ صلتِه بذلك، فلا يُفْهَمُ إلا ما ذكَرْتُ.\nوقد قال أهلُ التأويلِ: لم يكن لشِمْعُونَ - وإن كان قد كان مِن العلمِ والعقلِ بالمكانِ الذي جعَله اللَّهُ به - على إخوتِه رياسةٌ وسُؤْدَدٌ، فيُعْلَمَ بذلك أنه عُنِى بقولِه: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾.\nفإذ (^٢) كان ذلك كذلك، فلم يَبْقَ إلا الوجهُ الآخرُ؛ وهو الكِبَرُ في السنِّ، وقد قال الذين ذكَرْنا جميعًا: رُوبيلُ كان أكبرَ القومِ سنًّا. فصحَّ لذلك (^٣) القولُ الذي اخْتَرْناه.\nوقولُه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: ألم تَعْلَموا أيُّها القومُ أن أباكم يعقوبَ قد أخَذ عليكم عهودَ اللَّهِ ومواثيقَه لنأتِيَنَّه به (^٤) جميعًا، إلا أن يُحاطَ بكم، [﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾] (^٥) ومِن قبلِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨١، ٢١٨٢ (١١٨٥٥) من طريق سلمة به.\n(^٢) في م: \"فإذا\".\n(^٣) في م: \"بذلك\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بهم\".\n(^٥) سقط من النسخ، وسياق الكلام يقتضى هذه الزيادة.","vol":"13","page":285},{"text":"فعلتِكم هذه تفريطُكم في يوسفَ. يقولُ: أو لم تَعْلَموا مِن قبلِ هذا تفريطَكم في يوسفَ؟\nوإذا صُرِف [تأويلُ الكلامِ] (^١) إلى هذا الذي قلناه، كانت \"ما\" حينئذٍ في موضعِ نصبٍ. وقد يجوزُ أن يكونَ قولُه: ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ خبرًا مبتدَأً، ويكونَ قولُه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ خبرًا متناهيًا، فتكونَ \"ما\" حينئذٍ في موضعِ رفعٍ، كأنه قيل: ومِن قبلِ هذا تفريطُكم في يوسفَ، فتكونَ \"ما\" مرفوعةً بـ ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ هذا وقد (^٢) يجوزُ أن تكونَ \"ما\" (^٣) صلةً في الكلامِ، فيكونَ تأويلُ الكلامِ: ومِن قبلُ ما (^٤) تفريطُكم في يوسفَ.\nوقولُه: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ التي أنا بها - وهى مصرُ - فأُفَارِقَها ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ بالخروجِ منها.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ التي أنا بها اليومَ ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ بالخروجِ منها (^٥).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: قال شِمْعونُ: ﴿لَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ\n_________\n(^١) في ت ١: \"الكلام وتأويله\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"التي\"، وبعده في م: \"التي تكون\"، والمثبت مناسب للسياق. ويريد المصنف بالصلة الزيادة.\n(^٤) في م: \"هذا\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٢ (١١٨٥٦) من طريق سلمة به.","vol":"13","page":286},{"text":"خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.\nوقولُه: ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾: أَو يَقْضِىَ لى ربى بالخروجِ منها، وترْكِ أخى بنيامينَ، وإلا فإنى غيرُ خارجٍ، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾. يقولُ: واللَّهُ خيرُ مَن حكَم، وأعدلُ مَن فصَل بينَ الناسِ.\nوكان أبو صالحٍ يقولُ في ذلك بما حدَّثني الحسينُ بنُ يزيدَ السَّبِيعيُّ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾. قال: بالسيفِ (^١).\nوكأن أبا صالحٍ وجَّه تأويلَ قولِه: ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ إلى (^٢): أو يَقْضِىَ اللَّهُ لى بِحربِ مَن منَعنى مِن الانصرافِ بأخى بنيامينَ إلى أبيه يعقوبَ، فأُحارِبَه.\n\n<span id=\"aya-1677\"></span><span data-type='title' id=toc-4511>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ رُوبيلَ لإخوتِه حينَ أخَذ يوسفُ أخاه بالصُّواعِ الذي اسْتُخْرِج من وعائِه: ﴿ارْجِعُوا﴾ إخوتى ﴿إِلَى أَبِيكُمْ﴾ يعقوبَ. فقولوا له: ﴿يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ﴾ بنيامينَ ﴿سَرَقَ﴾.\nوالقَرَأةُ على قراءةِ هذا الحرفِ بفتحِ السينِ والراءِ والتخفيفِ: ﴿إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾.\nورُوِى عن ابن عباسٍ: (إِنَّ ابنَك سُرِّقَ) بضمِّ السينِ وتشديدِ الراءِ. على وجهِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٢ (١١٨٥٨) من طريق عبد السلام به.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.","vol":"13","page":287},{"text":"ما لم يُسَمَّ فاعلُه (^١)، [بمعنى: أنه سُرَّق] (^٢).\n﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، فقال بعضُهم: معناه: وما قلنا: إنه سرَق. إلا بظاهرِ علْمِنا بأن ذلك كذلك؛ لأن صُواعَ الملكِ أُصِيب في وعائِه دونَ أوعيةِ غيرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4512>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ فإنى ما كنتُ راجعًا حتى يَأْتِيَنى أمرُه، ﴿فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾؛ أي: قد وُجِدت السرقةُ (^٣) في رحْلِه ونحن نَنْظُرُ، لا علمَ لنا بالغيبِ ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ (^٤).\nوقال آخَرون: بل معنى ذلك: وما شهِدْنا عندَ يوسفَ بأن السارقَ يُؤْخَذُ بسرقتِه إلا بما علِمْنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-4513>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: قال لهم يعقوبُ ﵇: ما دَرَى (^٥) هذا الرجلُ أن السارقَ يُؤْخَذُ بسرقتِه إلا بقولِكم! فقالوا: ﴿مَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ لم نَشْهَدْ أن السارقَ يُؤْخَذُ بسَرِقتِه إلا وذلك الذي\n_________\n(^١) وقد رويت هذه القراءة أيضًا عن أبي رزين والكسائى في رواية، وهى قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط ٥/ ٣٣٧، والدر ٤/ ٢٩.\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٢، ٢١٨٣ (١١٨٥٩، ١١٨٦١، ١١٨٦٥) من طريق سلمة به نحوه.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"يدرى\".","vol":"13","page":288},{"text":"علِمْناه (^١). قال: وكان الحكمُ عندَ الأنبياءِ يعقوبَ وبنيه أن يُؤْخَذَ السارقُ بسرقتِه عبدًا يُسْتَرَقُّ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾. يقولُ: وما كنا نُرَى أن ابنَك يَسْرِقُ ويصيرُ أمرُنا إلى هذا، وإنما قلنا: ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ [يوسف: ٦٥]. مما لنا إلى حفظِه منه السبيلُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4514>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسينُ بنُ الحُرَيْثِ أبو عمارٍ المَرْوَزيُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن الحسينِ بن واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾. قال: ما كنا نَعْلَمُ أن ابنَك يَسْرِقُ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قولَه: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾: لم نَشْعُرْ أنه سَيَسْرِقُ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾. قال: لم نَشْعُرْ أنه سَيَسْرِقُ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) في م: \"علمنا\".\n(^٢) في م: \"فيسترق\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٢، ٢١٨٣ (١١٨٦٢) من طريق آخر عن ابن زيد دون قول يعقوب.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٣ (١١٨٦٣) من طريق الفضل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٠٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"13","page":289},{"text":"مجاهدٍ: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾. قال: لم نَشْعُرْ أنه سَيَسْرِقُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ. وأبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾. قال: ما كنَّا نَظُنُّ ولا نَشْعُرُ أنه سَيَسْرِقُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾. قال: ما كنا نُرَى أنه سَيَسْرِقُ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾. قال: ما كنا نَظُنُّ أن ابنَك يَسْرِقُ (^٢).\nوأَوْلى التأويلين بالصوابِ عندَنا في قولِه: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ قولُ مَن قال: وما شهِدْنا بأن ابنَك سرَق إلا بما علِمْنا من رؤيتِنا للصُّواعِ في وعائِه. لأنه عَقيبُ قولِه: ﴿إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾، فهو بأن يكونَ خبرًا عن شهادتِهم بذلك أَوْلى مِن أن يكونَ خبرًا عما هو منفصلٌ.\nوذُكر أن الغيبَ في لغةِ حِمْيَر هو الليلُ بعينِه.\n\n<span id=\"aya-1678\"></span><span data-type='title' id=toc-4515>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾.</span>\nيقولُ: وإن كنتَ متَّهِمًا لنا لا تُصَدِّقُنا على ما نقولُ من أن ابنَك سرَق، فاسْألِ ﴿الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾، وهى مصرُ. يقولُ: سَلْ مَن فيها من أهلِها،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٣ (١١٨٦٤) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٧ عن معمر به.","vol":"13","page":290},{"text":"﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ وهى القافلةُ التي كنَّا فيها، التي أقبلنا منها معها (^١)، عن خبرِ ابنِك، وحقيقةِ ما أخْبَرْناك عنه مِن سَرَقِه (^٢)، فإنك تُخْبَرُ مصداقَ ذلك، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما أخْبَرْناك من خبرِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4516>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾: وهى مصرُ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾. قال: يَعْنون مصرَ (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قد عرَف رُوِبيلُ في رجْعِ قولِه لإخوتِه أنهم أهلُ تُهَمةٍ عندَ أبيهم، لِمَا كانوا صنَعوا في يوسفَ. وقولُهم له: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾، فقد علِموا ما علِمْنا، وشهِدوا ما شهِدْنا إن كنتَ لا تُصَدِّقُنا، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (^٥).\n\n<span id=\"aya-1679\"></span><span data-type='title' id=toc-4517>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"معنا\".\n(^٢) في ت ١: \"سرقته\"، وكلاهما بمعنى.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٣ (١١٨٦٧) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) عزاه الشوكانى في فتح القدير ٣/ ٤٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٣ (١١٨٦٩) من طريق سلمة به.","vol":"13","page":291},{"text":"قال أبو جعفرٍ: وفى الكلامِ متروكٌ، وهو: فرجَع إخوةُ بنيامينَ إلى أبيهم، وتخلَّف روبيلُ، فأخْبَروه خبرَه، فلمَّا أخْبَروه أنه سرَق قال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾. يقولُ: بل زيَّنتْ لكم أنفسُكم أمرًا همَمْتُم به وأرَدْتُموه (^١) ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. يقولُ: فصبرى على ما نالنى مِن فقدِ ولدى صبرٌ جميلٌ، لا جزعَ فيه ولا شكايةَ، عسَى اللَّهُ أن يَأْتِيَنى بأولادى جميعًا فيَرُدُّهم عليَّ، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بوَحْدَتى (^٢) بفقدِهم، وحُزْنى عليهم، وصدْقِ ما يقولون مِن كذبِه (^٣)، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيرِه خلقَه.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4518>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. يقولُ: زيَّنت، وقولُه: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾. يقولُ: بيوسفَ وأخيه ورُوبيلَ (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما جاءوا بذلك إلى يعقوبَ - يعنى بقولِ روبيلَ لهم - اتَّهمهم، وظنَّ أن ذلك كفعلتِهم بيوسفَ، ثم قال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾؛ أي بيوسفَ وأخيه ورُوبِيلَ (^٥).\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"بأولادى جميعًا\".\n(^٢) بعده في م: \"و\".\n(^٣) أي: وصدق أو كذب ما يقولون.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٤ (١١٨٧٠) من طريق سعيد به بأوله. و(١١٨٧٣) من طريق سعيد بن بشير بآخره. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩ إلى أبى الشيخ.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٤ (١١٨٧١، ١١٨٧٤) من طريق سلمة به.","vol":"13","page":292},{"text":"<span id=\"aya-1680\"></span><span data-type='title' id=toc-4520>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾: وأعْرَض عنهم يعقوبُ، ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾. يعنى: يا حَزَنَا عليه! يُقالُ: إن الأسفَ هو أشدُّ الحزنِ والتندُّمِ، يُقالُ منه: أسِفْتُ على كذا آسَفُ عليه أسَفًا.\nيقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: وابيضَّتْ عينا يعقوبَ مِن الحزنِ ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. يقول: فهو مكظومٌ على الحزنِ، يعنى أنه مملوءٌ منه ممسِكٌ عليه لا يُبِينُه. صُرِف \"المفعولُ\" منه إلى \"فعيلِ\". ومنه قولُه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. وقد بيَّنا معناه بشواهدِه فيما مضَى (^١).\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4519>ذكرُ مَن قال ما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾: أعْرَض عنهم، وتتامَّ حزنُه، وبلَغ مجهودَه حين لحِق بيوسفَ أخوه، وهُيِّج عليه حزنُه على يوسفَ، فقال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قولَه: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾. يقولُ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٦/ ٥٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٤، ٢١٨٥ (١١٨٧٦) من طريق سلمة به.","vol":"13","page":293},{"text":"يا حَزَنَا على يوسفَ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ؛ وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قولَه: ﴿يَاأَسَفَى﴾: يا حَزَنَا.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾: يا جزَعاه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾: يا جَزَعاه (^٢) حَزَنًا.\nحدَّثني المثنى، قال: أخْبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾. قال: يا جَزَعَا (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: ﴿يَاأَسَفَى﴾؛ أي حَزَناه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾. قال: يا حَزَناه (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ حميدٍ المَعْمَريُّ، عن معمرٍ، عن قتادةَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٥ (١١٨٧٨) من طريق آخر عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"جزعا\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٠٠ ومن طريقه ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٨٥ (١١٨٧٩).\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٧ عن معمر. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"13","page":294},{"text":"نحوَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ (^١).\n[حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ؛ وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبى حُجيرةَ، عن الضحَّاكِ: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾. قال: يا حَزَنا على يوسفَ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أبي مرزوقٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ] (^٣): ﴿يَاأَسَفَى﴾: يا حَزَناه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: ثنى هُشْيمٌ، قال: أخْبَرنا جويبرٌ عن الضحَّاكِ: ﴿يَاأَسَفَى﴾: يا حَزَنا على يوسفَ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ قال: أخْبَرنا الثوريُّ، عن سفيانَ العُصْفُريِّ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: لم يُعْطَ أحدٌ غيرُ هذه الأمةِ الاسترجاعَ؛ ألا تَسْمَعون إلى قولِ يعقوبَ: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ (^٤)؟\nحدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ نحوَه.\n_________\n(^١) كذا بدون ذكر المتن، ولعله سقط من النساخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الهم والحزن (٩٠) من طريق هشيم بلفظ الأثر السابق.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١.\n(^٤) تقدم تخريجه في ٢/ ٧٠٨ من طريق سفيان العصفرى. وهو أيضا في تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٧.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٥ (١١٨٨١)، والبيهقى في الشعب (٩٦٩١) من طريق الثورى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠ إلى ابن المنذر. قال البيهقى: رفعه بعض الضعفاء إلى ابن عباس ثم إلى النبي ﷺ) اهـ. وهو الذي أخرجه الثعلبى في تفسيره - كما في تخريج الكشاف ٢/ ١٧٤، من طريق سفيان العصفرى، عن ابن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا.","vol":"13","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4521>ذكرُ مَن قال ما قلنا في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: كظيمُ الحزنِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: كظيمُ الحزنِ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثني المثنَّى، قال: أخْبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: الحزنُ.\nحدَّثني المثنَّى، قال: أخْبَرنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾: مكمودٌ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: كظيمٌ على الحزنِ.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبَرنا هشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ، في قولِه: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: الكظيمُ الكَمِيدُ (^٢).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٠٠. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٧ (١١٨٨٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠، ٣٠ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الهم والحزن (٨٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٧ (١١٨٨٩) من طريق هشيم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"13","page":296},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: كَميدٌ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخْبَرنا جويبرٌ، عن الضحَّاكِ، قولَه: ﴿كَظِيمٌ﴾. قال: كميدٌ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. يقولُ: يُرَدِّدُ حزنَه في جوفِه ولم يَتَكَلَّمْ بسوءٍ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: كظيمٌ على الحزنِ فلم يَقُلْ بأسًا (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا الحسينُ (^٣) بنُ الحسنِ، قال: ثنا ابن المباركِ، قال: أخْبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: كظيمٌ على الحزنِ فلم يَقُلْ إلا خيرًا (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن يزيدَ بن زُرَيْعٍ (^٥)، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: مكروبٌ (^٦).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿فَهُوَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٧ (١١٨٩٠) من طريق سعيد بن بشير نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٧ عن معمر به، وفيه: فلم يقل شيئًا.\n(^٣) في ت ١، ف: \"الحسن\". وينظر ترجمته في تهذيب الكمال ٦/ ٣٦١.\n(^٤) الزهد لابن المبارك (٤٦٨). ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٧ (١١٨٨٨)، وأخرجه ابن أبى الدنيا في الهم والحزن (٨٩) من طريق آخر عن قتادة.\n(^٥) في ت ١، ف: \"بريع\". وفى ت ٢: \"يزيع\" وقد مضى مرارًا.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"13","page":297},{"text":"كَظِيمٌ﴾. قال: مِن الغيظِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قولِه: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: الكظيمُ: الذي لا يَتَكَلَّمُ، بلَغ به الحزنُ حتى كان لا يُكَلِّمُهم (^١).\n\n<span id=\"aya-1681\"></span><span data-type='title' id=toc-4523>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه: قال ولدُ يعقوبَ الذين انْصَرفوا إليه من مصرَ له حين قال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾: تاللَّهِ لا تَزالُ تَذْكُرُ يوسفَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4522>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَفْتَأُ﴾: تَفْتُرُ من حبِّه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تَفْتَأُ﴾: ما (^٢) تَفْتُرُ مِن حُبِّه.\nهكذا (^٣) قال الحسنُ في حديثِه، وهو غلطٌ، إنما هو: تَفْتُرُ من حُبِّهِ، تَزالُ تَذْكُرُ يوسفَ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في م: \"كذا\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٠٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٧ (١١٨٩٢)، وعزاه =","vol":"13","page":298},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾. قال: لا تَفْتُرُ من حبِّه.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَفْتَأُ﴾: تَفْتُرُ من حبِّه.\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾. قال: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسفَ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾. قال: لا تزالُ تَذْكُرُ يوسفَ. قال: لَا تَفْتُرُ من حبِّه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ قال: لا تزالُ تَذْكُرُ يوسفَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ قال: لا تَزالُ تَذْكُرُ يوسفَ (^٢).\nيُقال منه: ما فتِئْتُ أقولُ ذاك، وما فتَأْتُ لغةٌ، أفْتِئُ وأفْتَأُ فَتْئًا وفُتُوءًا. وحُكِى أيضًا: ما أَفْتَأْتُ به. ومنه قولُ أوسِ بن حَجَرٍ (^٣):\n_________\n=السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٧ (١١٨٩١) من طريق إسرائيل به دون آخره. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ، دون آخره.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٧ عن معمر به. وتكرر هذا الأثر في ص، م ت ٢، ف بسنده ومتنه.\n(^٣) ديوانه ص ٥٩.","vol":"13","page":299},{"text":"فما فَتِئَتْ حتى كأنَّ غُبارَها … سُرادِقُ يومٍ ذى رِياحٍ ترَفَّعُ\nوقولُه (^١) الآخرُ (^٢):\nفما فتِئَتْ خِيلٌ تَثُوبُ وتدَّعِى … ويَلْحَقُ منها لاحقٌ وتَقَطَّعُ\nبمعنى: فما زالت.\nوحُذِفت \"لا\" مِن قولِه: ﴿تَفْتَأُ﴾. وهى مرادةٌ في الكلامِ؛ لأن اليمينَ إذا كان ما بعدَها خبرًا لم يَصْحَبْها الجحدُ، ولم تَسْقُطِ اللامُ التي يُجابُ بها الأيمانُ، وذلك كقولِ القائلِ: واللَّهِ لآتينَّك. وإذا كان ما بعدَها مجحودًا تُلُقِّيتْ بـ \"ما\" أو بـ \"لا\"، فلما عُرِف موقعُها حُذِفت من الكلامِ، لمعرفةِ السامعِ بمعنى الكلامِ، ومنه قولُ امرئَ القَيْس (^٣):\nفقلْتُ يمينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قاعدًا … ولو قَطَّعوا رأسى لديكِ وأوْصالى\nفحُذِفت \"لا\" من قولِه (^٤): أَبْرَحُ قاعدًا؛ لِمَا ذكَرْتُ من العلَّةِ، كما قال الآخرُ (^٥):\nفلا وأبى دَهْماءَ زالت عزيزةً … على قومِها ما فتَّل الزَّنْدَ قادحُ\nيُريدُ: لا زالتْ.\nوقولُه: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾. يقولُ: حتى تكونَ دنِفَ الجسمِ،\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"قول\".\n(^٢) ديوانه ص ٥٨.\n(^٣) تقدم البيت في ٤/ ١٢.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"لا\".\n(^٥) البيت في معاني القرآن للفراء ٢/ ٥٤، وتأويل مشكل القرآن ص ١٧٤، وينظر الكلام عليه في الخزانة ٩/ ٢٣٧ وما بعدها.","vol":"13","page":300},{"text":"مخبولَ العقلِ.\nوأصلُ الحرَضِ الفسادُ في الجسمِ والعقلِ؛ من الحزنِ أو العشقِ، ومنه قولُ العَرْجيِّ (^١):\nإنى امرُؤٌ لجَّ بى حُبٌّ فأحْرَضَنى … حتى بَلِيتُ وحتى شفَّنى السَّقَمُ\nيعنى بقولِه: فأحرضنى: أذابنى فترَكنى مُحْرَضًا. يُقالُ منه: رجلٌ حَرَضٌ، وامرأةٌ حَرَضٌ، وقومٌ حَرَضٌ، ورجلانِ حَرَضٌ. على صورةٍ واحدةٍ للمذكَّرِ والمؤنثِ، وفى التثنيةِ والجمعِ. ومن العربِ مَن يقولُ للذكَرِ: حارضٌ. وللأنثى حارضةٌ. فإذا وصَف بهذا اللفظِ ثنَّى وجمَع، وذكَّر وأنَّث. ووُحِّد \"حَرَضٌ\" بكلِّ حالٍ ولم يَدْخُلْه التأنيثُ؛ لأنه مصدرٌ. فإذا أُخْرِج على \"فاعلٍ\" على تقديرِ الأسماءِ، لزِمه ما يَلْزَمُ الأسماءَ مِن التثنيةِ والجمعِ، والتذكيرِ والتأنيثِ. وذكَر بعضُهم سماعًا: رجلٌ مُحرضٌ. إذا كان وَجِعًا، وأنْشَد في ذلك بيتًا:\nطلَبَتْه الخيلُ يومًا كاملا … ولو الْفَتْه لأَضْحَى مُحْرَضا\nوذُكر أن منه قولَ امرِئَ القيسِ (^٢):\nأرَى المرءَ ذا الأذْوادِ يُصْبِحُ مُحْرَضًا … كإحراضِ بَكْرٍ في الديارِ مرِيضِ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4524>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾: يعنى الجهدَ في\n_________\n(^١) مجاز القرآن لأبى عبيدة ١/ ٣١٧، والأغانى ١/ ٣٨٩.\n(^٢) ديوانه ص ٧٧.","vol":"13","page":301},{"text":"المرضِ، البالىَ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾. قال: دونَ الموتِ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾. قال: الحَرَضُ ما دونَ الموتِ (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٢).\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ،، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾: حتى تَبْلَى أو تَهْرَمَ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٠٠. وينظر ما تقدم في ص ٢٩٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٧ (١١٨٩٤) من طريق ابن فضيل به.","vol":"13","page":302},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾: حتى تكونَ هَرِمًا (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا عمرٌو عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، عن الحسنِ: ﴿حَرَضًا﴾. قال: هَرِمًا (^٢).\nقال: ثنا المحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: الحَرَضُ الشئُ البالى (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبَرنا هشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾. قال: الحَرَضُ الشئُ البالى الفانى.\nقال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبَرنا ابن المباركِ، عن أبي معاذٍ، عن عُبيدِ بن سليمانَ، عن الضحَّاكِ: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾: الحَرَضُ البالى.\nحُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحَّاكِ، يقولُ في قولِه: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾: هو البالى المُدْبرُ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السُّدِّيِّ: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾: باليًا.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لمَّا ذكَر يعقوبُ يوسفَ، قالوا - يعنى ولدَه الذين حضَروه في ذلك الوقتِ، جهلًا وظلمًا -:\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٧ عن معمر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٨ (١١٨٩٦) من طريق أبى بكر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٨ (١١٨٩٨) من طريق جويبر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) في م: \"المندثر\".","vol":"13","page":303},{"text":"﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾. أي: تكونَ فاسدًا لا عقلَ لك، ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. قال: الحَرَضُ الذي قد رُدَّ إلى أرذلِ العمرِ، حتى لا يَعْقِلَ، أو تهلِكَ فتكونَ هالكًا قبلَ ذلك.\nوقولُه: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. يقولُ: أو تكونَ ممن هلَك بالموتِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4525>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. قال: الموتُ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾: من الميِّتين.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. قال: الميِّتين (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمْرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبَرنا هشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ مثلَه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٥، ٢١٨٨ (١١٨٨٠، ١١٨٩٩) من طريق سلمة به.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٨ عقب الأثر (١١٩٠٠) معلقًا.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٨ عقب الأثر (١١٩٠٠) معلقًا، وهو في الدر المنثور من تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.","vol":"13","page":304},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، عن أبي بكرٍ الهُذليِّ، عن الحسنِ: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. قال: الميِّتين (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. قال: أو تموتَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. قال: من الميِّتين (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. قال: من (^٣) الميِّتين (^٤).\n\n<span id=\"aya-1682\"></span><span data-type='title' id=toc-4526>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال يعقوبُ للقائلين له مِن ولدِه: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ لستُ إليكم أشْكُو بثِّي وحُزْنى، وإنما أَشكو ذلك إلى اللَّهِ.\nويعنى بقولِه: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي﴾: ما أَشكو همِّى وحُزنى إلَّا إلى اللهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٨ عقب الأثر (١١٩٠٠) معلقًا.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٧ عن معمر به.\n(^٣) زيادة من: م.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٨، عقب الأثر (١١٩٠٠) من طريق عمرو به.","vol":"13","page":305},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4527>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي﴾. قال ابن عباسٍ: ﴿بَثِّي﴾: همِّي (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قال يعقوب عن علمٍ باللَّهِ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ لِمَا رأَى مِن فَظاظَتِهم وغلظتِهم وسوءِ لفظِهم به: لم أَشْكُ ذلك إليكم ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. قال: حاجتى وحُزْنى إلى اللَّهِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ بنُ خليفةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ مثلَه (^٣).\nوقيل: إن البثَّ أشدُّ الحزنِ. وهو عندى مِن: بثَّ الحديثَ. وإنما يُرادُ منه: إنما أَشْكو خبرى الذي أنا فيه من الهمِّ، وأَبُثُّ حديثى وحُزْنى إلى اللَّهِ.\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي﴾. قال: حُزْني.\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّمَا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٩ (١١٩٠٧) من طريق سلمة به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٩ (١١٩٠٣) من طريق هوذة به.","vol":"13","page":306},{"text":"أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي﴾. قال: حاجتي (^١).\nوأما قولُه: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فإن ابنَ عباسٍ كان يقولُ في ذلك - فيما ذُكِر عنه - ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: أَعْلَمُ أن رُؤْيا يوسفَ صادقةٌ، وأنى سأَسْجُدُ (^٢) له (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السُّديِّ: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: لمَّا أَخْبَروه بدعاءِ المَلِكِ، أحسَّتُ نفسُ يعقوبَ، وقال: ما يكونُ في الأرضِ صِدَّيقٌ إلا نبيٌّ. فطَمِع، قال: لعلَّه يوسفُ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ الآية: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ يعقوبَ لم يَنْزِلْ به بلاءٌ قطُّ إِلا أَتَى حُسْنُ ظنِّه باللَّهِ مِن ورائِه (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عيسى بن يزيدَ، عن الحسنِ، قال: قيل: ما بلَغ وَجْدُ يعقوبَ على ابنِه؟ قال: وَجْدَ سبعيَن ثَكْلَى. قال: فما كان له من الأجرِ؟ قال: أجرُ مائةِ شهيدٍ. قال: وما ساء ظَنُّه باللَّهِ ساعةً مِن ليل ولا نهارٍ (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ف: \"ساجد\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٩ (١١٩٠٨) من طريق محمد بن سعدٍ به.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٢٧٠.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٩ (١١٩٠٦) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢ إلى أبى الشيخ.\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٥٧.","vol":"13","page":307},{"text":"حدَّثنا به ابن حميدٍ مرّةً أخرى، قال: ثنا حكَّامٌ، عن أبي معاذٍ، عن يُونسَ، عن الحسنِ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن المباركِ بن (^٢) مجاهدٍ، عن رجلٍ من الأَزْدِ، عن طلحةَ بن مُصَرِّفٍ الإياميِّ، قال: ثلاثةٌ لا تَذْكُرْهنَّ، وَاجْتَنِبْ ذَكْرَهنَّ؛ لا تَشْكُ مرضَك، ولا تَشْكُ مصيبتَك، ولا تُزَكِّ نفسَك. قال: وأُنْبِئتُ أن يعقوبَ بنَ إسحاقَ دخَل عليه جارٌ له، فقال له: يا يعقوبُ، ما لى أَراك قد انْهَشَمْتَ وفَنِيتَ، ولم تَبْلُغْ مِن السِّنِّ ما بلَغ أبوك؟ قال: هشَمنى وأفنانى ما ابتلاني اللَّهُ به؛ مِن همِّ يوسفَ وذكْرِه. فَأَوْحَى اللَّهُ إليه: يا يعقوبُ، أَتَشْكُوني إلى خَلْقى؟ فقال: يا ربِّي، خطيئةٌ أخْطَأْتُها، فاغْفِرْها لى. قال: فإنِّي قد غفَرْتُ لك. وكان بعدَ ذلك إذا سُئِل، قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنى مُؤَمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، قال: بلَغنى أن يعقوبَ كبِر حتى سقَط حاجباه على وَجْنَتَيْه، فكان يَرْفَعُهما بخِرْقَةٍ، فقال له رجلٌ: ما بلَغ بك ما أَرَى؟ قال: طولُ الزمانِ، وكثرةُ الأحزانِ. فَأَوْحى اللَّهُ إليه: يا يعقوبُ تَشْكوني؟ قال: خطيئةٌ فاغْفِرْها (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا ثورُ بنُ يزيدَ، قال: دخَل\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٥٧.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٣٠٥، ٣٠٦.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٥٧ دون أوله.\n(^٤) أخرجه أحمد في الزهد ص ٨٤ عن مؤمل به، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٩ (١١٩٠٤) من طريق سفيان، عن أسلم، عن حبيب نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢ إلى عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"13","page":308},{"text":"يعقوبُ على فرعونَ وقد سقَط حاجباه على عينيْه، فقال: ما بلَغ بك هذا يا إبراهيمُ؟ فقالوا (^١): إنه يعقوبُ. فقال: ما بلَغ بك هذا يا يعقوبُ؟ قال: طولُ الزمانِ، وكثرةُ الأحزانِ. فقال اللَّهُ: يا يعقوبُ أَتَشْكوني؟ فقال: يا ربِّ، خطيئةٌ أخطأتُها، فاغْفِرْها لي.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: ثنا هشامٌ، عن ليثِ بن أبي سُليمٍ، قال: دخَل جِبْرِيلُ على يوسفَ السجنَ، فعرَفه، فقال: أيُّها الملَكُ الحَسَنُ وجهُه، الطيبُ (^٢) ريحُه، الكريمُ على ربِّه، ألا تُخْبِرُني عن يعقوبَ؛ أحيٌّ هو؟ قال: نعم. قال: أيُّها الملَكُ الحسنُ وجهُه، الطيبُ (^٢) ريحُه، الكريمُ على ربِّه، فما بلَغ مِن حزنِه؟ قال: حُزنَ سبعين مُثْكَلَةٍ. قال: أيُّها الملَكُ الحسنُ وجهُه، الطيبُ (^٢) ريحُه، الكريمُ على ربِّه، فهل في ذلك من أجرٍ؟ قال: أجرُ مائةِ شهيدٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن ليثِ بن أبي سُليمٍ، عن مجاهدٍ، قال: حُدِّثتُ أن جبريلَ أتَى يوسفَ صلَّى اللَّهُ عليهما وهو بمصَر في صورةِ رجلٍ، فلمَّا رآه يوسفُ عرَفه، فقام إليه، فقال: أيُّها الملَكُ الطيبُ ريحُه، الطاهرُ ثيابُه، الكريمُ على ربِّه، هل لك بيعقوبَ مِن علم؟ قال: نعم. قال: أيُّها الملَكُ [الطيبُ ريحُه] (^٤)، الطاهرُ ثيابُه، الكريمُ على ربِّه، [فكيف هو؟ قال: ذهَب بصرُه. قال: أيُّها الملَكُ الطاهرُ ثيابُه، الكريمُ على ربِّه] (^٥)، وما الذي أَذْهَب بصرَه؟\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فقال\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"الطيبة\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ١٨٦ (١١٨٨٤) من طريق الحسنُ بن الحر، عن ليث بنحوه، مختصرًا.\n(^٤) ليست في ص، م، ت ٢، ف.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"13","page":309},{"text":"قال: الحزْنُ عليك. قال: أيُّها المَلَكُ الطيبُ ريحُه، الطاهرُ ثيابُه، الكريمُ على ربِّه، فما أُعْطِي على ذلك؟ قال: أجرَ سبعين شهيدًا (^١).\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال أبو (^٢) شُريحٍ: سَمِعتُ مَن يُحدِّثُ أن يوسفَ سأل جبريلَ: ما بلَغ مِن حزنِ يعقوبَ؟ قال: حزُنَ سبعين ثَكْلَى. قال: فما بلَغ أجرُه؟ قال: أجرَ سبعين شهيدًا.\nقال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخْبَرني نافعُ بنُ يَزِيدَ، عن [عُبيدِ اللَّهِ] (^٣) بن أبي جعفرٍ، قال: دخَل جبريلُ على يوسفَ في البئرِ، أو في السجنِ، فقال له يوسفُ: يا جبريلُ، ما بلَغ حُزْنُ أبي؟ قال: حُزْنَ سبعين ثَكْلَى. قال: فما بلَغ أجرُه من اللَّهِ؟ قال: أجرَ مائةِ شهيدٍ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثني عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، قال: سمِعتُ وهَبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: أَتَى جبريلُ يوسفَ بالبُشْرَى وهو في السجنِ، فقال: هل تَعْرِفُنى أيُّها الصِّدِّيقُ؟ قال: أرَى صورةً طاهرةً، ورُوحًا طيبةً، لا تُشْبِهُ أرواحَ الخاطِئينَ. قال: فإني رسولُ ربِّ العالَمينَ، وأنا الرُّوحُ الأمينُ. قال: فما الذي أدْخَلك عليَّ مُدْخَلَ المُذْنِيين، وأنت أطيبُ الطَّيِّبينَ، ورأسُ المُقرَّبينَ، وأمينُ ربِّ العالَمين؟ قال: ألم تَعْلَمُ يا يوسفُ أنّ اللَّهَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٦ (١١٨٨٦) من طريق محمد بن إسحاق به.\n(^٢) في ت ٢: \"ابن\". وكلاهما صواب؛ فهو عبد الرحمن بن شريح، أبو شريح الإسكندراني: ينظر تهذيب الكمال ١٧/ ١٦٧.\n(^٣) في ت ٢، والدر المنثور: \"عبد الله\". والظاهر أنه عبيد الله بن أبى جعفر المصري أبو بكر الفقيه، ترجمته في تهذيب الكمال ١٩/ ١٨.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠ إلى المصنف.","vol":"13","page":310},{"text":"يطَهِّرُ البيوتَ بطُهْرِ النَّبيِّين، وأن الأرضَ التي تَدْخُلونها (^١) هي أطهرُ الأَرَضِينَ، وأن اللَّهَ قد طهَّر بك السِّجنَ وما حولَه [يا طَهِرَ] (^٢) الطاهرين وابنَ المُطَهَّرين؟ إنما يُتَطَهَّرُ بفضلِ طُهْرِك وطُهرِ آبائِك الصالحين المخلَصين. قال: كيف لي باسمِ الصِّدِّيقينَ، وتَعُدُّنى مِن المخلَصين، وقد أُدْخِلْتُ مُدْخَلَ المذنبينَ، وسُمِّيتُ بالضَّالِّين المُفْسِدينَ؟ قال: لم يَفْتَتِنُ قلبُك، ولم تُطِعْ سيِّدتَك (^٣) في معصيةِ ربِّك، ولذلك سمَّاك اللَّهُ في الصِّدِّيقينَ، وعَدَّك مِن المخلَصين، والْحَقَك بآبائِك الصالحينَ. قال: هل (^٤) لك علمٌ بيعقوبَ أيُّها الرُّوحُ الأمينُ؟ قال: نعم، وهَب اللَّهُ له الصبرَ الجميلَ، وابتلاه بالحزْنِ عليك فهو كظيمٌ. قال: فما قَدْرُ حزنِه؟ قال: حزنُ سبعين ثَكْلَى. قال: فماذا له مِن الأجرِ يا جبريلُ؟ قال: قدرُ مائةِ شهيدٍ (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن ثابتٍ البُنانيِّ، قال: دخَل جبريلُ على يوسفَ في السجنِ، فعرَفه يوسفُ. قال: فأتاه فسلَّم عليه، فقال: أيُّها الملَكُ الطَّيِّبُ ريحُه، الطاهرُ ثيابُه، الكريمُ على ربِّه، هل لك مِن علمٍ بيعقوبَ؟ قال: نعم. قال: أيُّها الملَكُ الطيِّبُ ريحُه، الطاهرُ ثيابُه، الكريمُ على ربِّه، هل تَدْرِى ما فعَل؟ قال: [ابيضَّت عيناه] (^٦). قال: أيُّها الملَكُ الطيِّبُ ريحُه، الطاهِرُ ثيابُه، الكريمُ\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"يدخلونها\".\n(^٢) غير واضحة في ت ٢، وفى ت ٢، ف: \"يا أطهر\"، وطَهِر كطاهرٍ. تاج العروس (ط هـ ر).\n(^٣) في ف: \"سيدك\".\n(^٤) ليست في م، ص، ت ٢، ف.\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٢٦٩، ٢٧٠ بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قد ابيضت عيناه من الحزن عليك\".","vol":"13","page":311},{"text":"على ربِّه، [مم ذاك؟ قال: من الحزنِ عليك. قال: أيُّها الملَكُ الطيِّبُ ريحُه، الطاهرُ ثيابُه، الكريمُ على ربِّه] (^١)، وما بلَغ مِن حزْنِه؟ قال: حُزْنَ سبعين مُثْكَلَةٍ. قال: أيُّها الملَكُ الطَّيِّبُ ريحُه، الطاهرُ ثيابُه، الكريمُ على ربِّه، هل له على ذلك مِن أجرٍ؟ قال: نعم، أجرُ مائةِ شهيدٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السُّديِّ، قال: أتى جبريلُ يوسفَ وهو في السجنِ فسلَّم عليه، وجاءه في صورةِ رجلٍ حسنِ الوجهِ، طيِّبِ الريحِ، نقيِّ الثيابِ، فقال له يوسفُ: أيُّها الملَكُ الحسنُ وجهُه، الكريمُ على ربِّه، الطيِّبُ ريحُه، حَدَّثْنى كيف يعقوبُ؟ قال: حزِن عليك حزنًا شديدًا. قال: فما بلَغ مِن حزنِه؟ قال: حُزنَ سبعين مُثْكَلةٍ. قال: فما بلَغ مِن أجرِه؟ قال: أجرَ سبعين أو مائةِ شهيدٍ. قال يوسفُ: فإلى مَن أوَى بعدى؟ قال: إلى أخيك بنيامينَ. قال: فتُراني ألْقاه أبدًا؟ قال: نعم. فبكَى يوسفُ لما لقِى أبوه بعدَه، ثم قال: ما أُبالي ما لقِيتُ إنِ اللَّهُ أَرانِيه (^٣).\nقال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن إبراهيمَ بن يزيدَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، قال: أتَى جبريلُ يوسفَ وهو في السِّجنِ فسلَّم عليه، فقال له يوسفُ: أيُّها الملَكُ الكريمُ على ربِّه، الطيِّبُ ريحُه، الطاهرُ ثيابُه، هل لك (^٤) مِن علمٍ بيعقوبَ؟ قال: نعم (^٥)، ما أشدَّ حزنَه (^٦)! قال: أيُّها الملَكُ الكريمُ على ربِّه، الطيبُ ريحُه،\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٨٦ (١١٨٨٥) من طريق محمد بن عبد العزيز التيمي، عن السدي.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"قال\".\n(^٦) بعده في ت ١: \"حزنًا شديدًا\".","vol":"13","page":312},{"text":"الطاهرُ ثيابُه، ماذا له من الأجرِ؟ قال: أجرُ سبعين شهيدًا. قال: أفتُراني لاقيه؟ قال: نعم. قال: فطابت نفْسُ يوسفَ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: لَمَّا دخَل يعقوبُ على المَلِكِ وحاجباه قد سقَطا على عينَيْه، قال الملِكُ: ما هذا؟ قال: السِّنونَ والأحزانُ. أو: الهمومُ والأحزانُ. فقال ربُّه: يا يعقوبُ، لمَ تَشْكوني إلى خَلْقى، ألم أَفْعَلْ بك وأَفْعَلْ؟\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا الثوريُّ، عن عبدِ الرحمنِ بن زيادٍ، عن مسلمِ بن يسارٍ رفَعه (^٢) إلى النبيِّ ﷺ، قال: \"مَن بَثَّ فلم (^٣) يَصْبِرُ\". ثم قرَأ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (^٤).\nحدَّثني عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُليُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، قال: كان منذُ خرَج يوسفُ من عندِ يعقوبَ إلى يومِ رجَع ثمانون سنةً، لم يُفارِقِ الحزنُ قلبَه، يَبْكِي حتى ذهَب بصرُه. قال الحسنُ: واللَّهِ، ما على الأرضِ يومئذٍ خَليقةٌ (^٥) أكرمُ على اللَّهِ مِن يعقوبَ ﵇ (^٦).\n\n<span id=\"aya-1683\"></span><span data-type='title' id=toc-4528>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١ إلى المصنف، وعنده: سبعين ثكلى، بدل: سبعين شهيدًا.\n(^٢) في ص، م، ت ٢، ف: \"يرفعه\".\n(^٣) في م: \"لم\". والمثبت من بقية النسخ موافق لما في تفسير عبد الرزاق، وإن غيرها المحقق كما في المطبوعة عندنا.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٧، ٣٢٨.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"خليفة\". والمثبت من م موافق لما في مصدري التخريج القادمين.\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٥٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠ إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وأبي الشيخ.","vol":"13","page":313},{"text":"تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه، حين طمِع يعقوبُ في يوسفَ [قال لبنيه] (^١): ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا﴾ إلى الموضعِ الذي جئْتُم منه، وخلَّفتُم أخويْكم (^٢) به، ﴿فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ﴾. يقولُ: الْتَمِسوا يوسفَ وتَعَرَّفوا مِن خبرِه - وأصلُ التَّحَسُّسِ التفعُّلُ من الحَسِّ - ﴿وَأَخِيهِ﴾. يعنى بنيامينَ، ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ولا تَقْنَطُوا من أن يُرَوِّحَ اللَّهُ عنا ما نحن فيه مِن الحزنِ على يوسفَ وأخيه، بفرَجٍ مِن عندِه، فيُرِيَنِيهما (^٣)، ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. يقولُ: [لا يَقْنَطُ] (^٤) مِن فرَجِه ورحمتِه، ويَقْطَعُ رجاءَه منه، ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾. يعنى: القومُ الذين يَجْحَدون قدرتَه على ما شاء تكْوينَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4529>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السُّديِّ: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾: بمصرَ، ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. قال: مِن فرَجِ اللَّهِ أَن يَرُدَّ يوسفَ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. أي: مِن رحمةِ (^٥) اللَّهِ (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، وفى ص، ف: \"لبنيه\"، وغير واضحة في ت ١.\n(^٢) في ص، ت ٢: \"إخوتكم\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فيرينهما\".\n(^٤) في ت ١، ف: \"يقنط\"، وفى ت ٢: \"لا تقنطوا\".\n(^٥) في ت ٢: \"روحة\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٠ (١١٩١١) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، وعزاه=","vol":"13","page":314},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ نحوَه (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثم إن يعقوبُ قال لبَنيه - وهو على حُسْنِ ظنِّه بربِّه، مع الذي هو فيه من الحزْنِ -: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا﴾ إلى البلادِ التي منها جِئْتُم، ﴿فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. أي: مِن فَرَجِه، ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرَجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخْبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. يقولُ: مِن رحمةِ اللَّهِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. قال: مِن فرَجِ اللَّهِ، يُفَرِّجُ عنكم الغمَّ الذي أنتم فيه (^٤).\n\n<span id=\"aya-1684\"></span><span data-type='title' id=toc-4530>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾.</span>\nوفي هذا (^٥) الكلامِ متروكٌ قد اسْتُغْنِى بذكرِ ما ظهَر عما حُذِف؛ وذلك:\n_________\n= السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٨ عن معمر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٠ (١١٩١٠، ١١٩١٢) من طريق سلمة به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣ إلى المصنف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"13","page":315},{"text":"فخرَجوا راجعينَ إلى مصرَ حتى صاروا إليها، فدخَلوا على يوسفَ، ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾. أي: الشدَّةُ مِن الجَدْبِ والقَحْطِ، ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: وخرَجوا إلى مصرَ راجعينَ إليها ببضاعةٍ مُزْجاةٍ؛ أي قليلةٍ، لا تَبْلُغُ ما كانوا يَتَبايَعون (^١) به، إلا أن يُتَجاوَزَ لهم فيها، وقد رأَوْا ما نزل بأبيهم، [وتتابُعَ] (^٢) البلاءِ عليه في ولدِه وبصرِه، حتى قدِموا على يوسفَ، ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾، رجاةَ (^٣) أن يَرْحَمَهم في شأنِ أخيهم، ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ (^٤).\nوعنَى بقولِه: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾: بدراهمَ، أو ثَمَنٍ (^٥) لا يجوزُ في ثمنِ الطعامِ إلا لمن يَتَجاوَزُ فيها.\nوأصلُ الإزجاءِ السَّوْقُ بالدَّفْعِ. كما قال النابغةُ (^٦) الذُّبْيانيُّ (^٧):\nوهَبَّتِ الرِّيحُ مِن تِلْقَاءِ ذى أُرُلٍ (^٨) … تُزْجِي معَ الليلِ مِن صُرَّادِها (^٩) صِرَمًا (^١٠)\n_________\n(^١) في ت ٢: \"يبتاعون\".\n(^٢) في ت ٢: \"من\".\n(^٣) في م، وتفسير ابن أبي حاتم: \"رجاء\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩١، ٢١٩٢ (١١٩١٧، ١١٩٢٧) من طريق سلمة به ببعضه.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"تمر\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"نابغة\".\n(^٧) ديوانه ص ١٠٧.\n(^٨) في ت ٢: \"أرك\". وأُرُل: جبل بأرض غطفان. معجم البلدان ١/ ٢١٠.\n(^٩) الصُّرَّاد: سحاب بارد تَسْفِرُه الريح. وقيل: سحاب بارد نَدِيٌّ ليس فيه ماء. اللسان (ص رد).\n(^١٠) الصِّرَم، جمع صِرْمَة: وهى القطعة من السحاب. اللسان (ص ر م).","vol":"13","page":316},{"text":"يعنى: تَسُوقُ وتَدْفَعُ. ومنه قولُ أَعْشَى بنى ثَعْلَبَةَ (^١):\nالواهِبُ المائةَ الهِجانَ (^٢) وعَبْدَها … عُوذًا (^٣) تُزَجِّي خلفَها أطفالَها\nوقولُ حاتمٍ (^٤):\nلِيَبْكِ على مِلْحانَ ضَيْفٌ مُدَفَّعٌ … وأَرْمَلَةٌ (^٥) تُزْجِي مَعَ الليلِ أَرْمَلا\nيعنى أنها تَسُوقُه بينَ يَدَيْها، على ضَعفٍ منه عن المشيِ وعجزٍ. ولذلك قيل: ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾؛ لأنها غيرُ نافِقَةٍ، وإنما تُجَوَّزُ تجويزًا على دَفْعٍ (^٦) مِن آخِذِيها.\nوقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ في البيانِ عن تأويل. ذلك، وإن كانت معاني بيانِهم متقاربةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-4531>ذكرُ أقوالِ أهلِ التأويلِ في ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: رَدِيئةٌ زُيُوفٌ، لا تَنْفُقُ حتى يُوضَعَ منها.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ العَنْقَزيُّ، قال: ثنا\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢٩.\n(^٢) الهجان من الإبل: البِيض الكِرام. اللسان (هـ ج ن).\n(^٣) العُوذ؛ جمع عائِذ: وهى حَدِيثة النَّتاج من الإبل والظِّباء والخيل. اللسان (ع وذ).\n(^٤) ديوانه ص ٢٨٢.\n(^٥) رجل أرْمَل وامرأةٌ أرملةٌ: مُحْتاجة.\n(^٦) في النسخ: \"نفع\". والمثبت هو الصواب، وهو متسق مع تفسير المصنف للإزجاء وأنه السوق بالدفع، وقال القرطبي: والمعنى أنها بضاعة تدفع، ولا يقبلها كل أحد. تفسير القرطبي ٩/ ٢٥٣، وينظر البحر المحيط ٥/ ٣٣٩.","vol":"13","page":317},{"text":"إسرائيلُ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ قال: الرَّديئةُ التي لا تَنْفُقُ حتى يُوضَعَ منها (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينَةَ، عن عثمانَ بن أبي سليمانَ، عن ابن أبي مُليكةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: خَلَقُ الغِرارَةِ والحبلِ والشيءِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرنا ابن عُيينةَ، عن عثمانَ بن أبي سليمانَ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ (^٢)، وسُئِل عن قولِه: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: رِثَّةُ المتاعِ؛ الحبلِ والغِرارةِ والشئِ (^٣).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا ابن عُيينةَ، عن عثمانَ بن أبي سليمانَ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: البِضاعةُ الدراهمُ، والمُزْجاةُ غيرُ طائلٍ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبَرنا هُشَيْمٌ، عن ابن أبي زيادٍ، عمَّن حدَّثه، عن ابن عباسٍ، قال: كاسدةٌ غيرُ طائلٍ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، قال: ثنا أبو حَصينٍ، عن سعيدِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩١ (١١٩٢٢) من طريق إسرائيل به.\n(^٢) بعده في ت ١: \"يقول\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٨، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه ٥/ ٤٠٧ (١١٤١ - تفسير) عن ابن عيينة به، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩١ (١١٩١٩) من طريق الحسن بن يحيى به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":318},{"text":"ابن جُبيرٍ وعكرمةَ: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال سعيدٌ: ناقصةٌ. وقال عكرمةُ: دراهمُ فُسُولٌ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ وعكرمةَ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ وعكرمةَ: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال أحدُهما: ناقصةٌ. وقال الآخرُ: رَدِيئةٌ.\nوبه قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن الحارثِ، قال: كان سمنًا وصوفًا.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عليُّ بنُ عاصمٍ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، قال: سأَل رجلٌ عبدَ اللَّهِ بنَ الحارثِ وأنا عنده عن قولِه: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: قليلةٌ؛ متاعُ الأعرابِ، الصوفُ والسمنُ (^٢).\nحدَّثنا إسحاقُ بنُ زيادٍ القطَّانُ أبو يعقوبَ البصريُّ (^٣)، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ البَلْخيُّ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ الفَزاريُّ، عن مروانَ بن عمرٍو\n_________\n(^١) فسول: يقال: أفسل فلان على فلان متاعه، إذا أرذله، وأفسل عليه دراهمه، إذا زيفها. اللسان (ف س ل). والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩١، ٢١٩٢ (١١٩٢٤) من طريق أبي بكر بن عياش به، كما أخرجه أيضا ٧/ ٢١٩٢ (١١٩٣١) من طريق أبى حصين، عن سعيد بن جبير به، وذكره معلقا عن أبي حصين، عن عكرمة عقب الأثر (١١٩٣١)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣ إلى أبي الشيخ.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٤٠ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩١ (١١٩٢٠) من طريق يزيد به.\n(^٣) تقدم شيخ المصنف هذا باختلاف لم نستطع الفصل فيه، فينظر في ٩/ ٦٦١، ١٢/ ٥٣، وينظر تعليق الشيخ شاكر على هذا الإسناد.","vol":"13","page":319},{"text":"العُذْريِّ (^١)، عن أبي إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: الصَّنَوْبَرُ وحَبَّةُ (^٢) الخضراءِ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن يزيدَ بن الوليدِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: قليلةٌ، ألا تَسْمَعُ إلى (^٤) قولِه: (فَأَوْقِرْ رِكابَنا)؟ وهم يَقْرءُون كذلك (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخْبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ أنه قال: ما أُراها إلا القليلةَ؛ لأنها في مصحفِ عبدِ اللَّهِ: (وأَوْقِرْ ركابَنا). يعنى قولَه: ﴿مُزْجَاةٍ﴾.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن القَعْقاعِ بن يزيدَ، عن إبراهيمَ، قال: قليلةٌ، ألم (^٦) تَسْمَعْ إلى قولِه: (وأَوْقِرْ رِكابَنا).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أبي بكرٍ الهُذليِّ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ والحسنِ: ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال سعيدٌ: الرَّدِيئة. وقال الحسنُ: القليلةُ (^٧).\n_________\n(^١) في ص، ف: \"العدري\".\n(^٢) في ت ٢: \"الحبة\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩١ (١١٩٢١) من طريق مروان بن معاوية الفزاري، عن أبي أسماء العدوي، عن مروان بن عمرو العدوي، عن أبي صالح، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣ إلى أبي الشيخ.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٢ معلقا عقب الأثر (١١٩٢٦) بلفظ: قليلة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣ إلى المصنف مقتصرا على قراءة ابن مسعود.\n(^٦) في ت ١: \"ألا\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٢ (١١٩٢٦) من طريق عمرو بن محمد به عن الحسن وحده.","vol":"13","page":320},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن يزيدَ، عن عبدِ اللَّهِ بن الحارثِ، قال: متاعُ الأعرابِ؛ سمنٌ وصوفٌ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ قال: دراهمُ ليست (^١) بطائلٍ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي، نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُزْجَاةٍ﴾. قال: قليلةٌ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُزْجَاةٍ﴾. قال: قليلةٌ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال: ثنا قَبيصةُ بنُ عقبةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن الحارثِ: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: شيءٌ مِن صوفٍ، وشيءٌ مِن سمنٍ.\nقال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبَرنا هُشيمٌ، عن منصورٍ، عن الحسنِ، قال: قليلةٌ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ (^٤)، عن ابن جُريجٍ، عمَّن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ليس\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٢ (١١٩٢٥) من طريق ابن إدريس به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٠٠.\n(^٤) في ت ١: \"عمرو\".","vol":"13","page":321},{"text":"حدَّثه، عن مجاهدٍ: ﴿مُزْجَاةٍ﴾. قال: قليلةٌ.\nحدَّثنا القاسمُ،، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، عن أبي حَصينٍ، عن عكرمةَ، قال: ناقصةٌ. وقال سعيدُ بنُ جُبيرٍ: فُسُولٌ.\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: رَدِيئةٌ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ، قال: كاسدةٌ [لا تَنْفُقُ] (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أَخْبَرنا هُشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: كاسدةٌ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدَةُ، عن جويبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: كاسدةٌ غيرُ طائلٍ.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. يقولُ: كاسدةٌ غيرُ نافِقَةٍ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن\n_________\n(^١) سقط من ت ٢. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"نافعة\".","vol":"13","page":322},{"text":"أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: الناقصةُ. وقال عكرمةُ: فيها تَجَوُّزٌ.\nقال: ثنا إسرائيلُ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: الدراهمُ الرَّدِيئةُ التي لا تَجوزُ إلا بنقصانٍ (^١).\nقال: ثنا إسرائيلُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الدراهمُ الرُّذالُ التي لا تَجوزُ إلا بنقصانٍ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السُّديِّ قال: السُّديِّ قال: دراهمُ فيها جوازٌ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ أي: يسيرةٌ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: المُزْجاةُ: القليلةٌ.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. أي قليلة لا تَبْلُغُ ما كنَّا نَشْتَرِى به منك إلا أن تَتجاوَزَ لنا فيها (^٣).\nوقولُه: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾: بها، وأعْطِنا بها ما كنتَ تُعْطِينا قبلُ بالثمنِ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٣١.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٨ عن معمر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٢ (١١٩٢٧) من طريق سلمة به.","vol":"13","page":323},{"text":"الجيِّدِ، والدراهمِ الجائزةِ الوافيةِ التي لا تُرَدُّ.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾. أي: أعْطِنا ما كنتَ تُعْطِينا قبلُ، فإِن بضاعتَنا مُزْجَاةٌ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾. قال: كما كنتَ تُعْطِينا بالدراهمِ الجيادِ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قالوا: وتَفَضَّلْ علينا بما بينَ سعرِ الجيادِ والرَّدِيئةِ، فلا تَنْقُصْنا مِن سعرِ طعامِك لرَدِيءِ بضاعتِنا. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ يُثِيبُ المتفضِّلينَ على أهلِ الحاجةِ بأموالِهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4532>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾. قال: [بفَضْلِ ما] (^٣) بينَ الجيادِ والرَّدِيئةِ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾: لَا تنْقُصْنا من السعرِ مِن أجْلِ رَدِيءِ دراهمِنا (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٢ (١١٩٣٠) من طريق سلمة به نحوه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٢ (١١٩٢٨) من طريق أسباط به.\n(^٣) في م: \"تفضل بما\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٣ (١١٩٣٣) من طريق عمرو به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٢ (١١٩٣٢) من طريق أبى بكر به نحوه وفيه زيادة عن الحسن.","vol":"13","page":324},{"text":"واخْتَلفوا في الصدقةِ، هل كانت حلالًا للأنبياءِ قبل نبيِّنا محمدٍ ﷺ أو كانت حرامًا؟\nفقال بعضُهم: لم تكن حلالًا لأحدٍ مِن الأنبياءِ ﵈.\n\n<span data-type='title' id=toc-4533>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: ما سأل نبيٌّ قطُّ الصدقةَ، ولكنَّهم قالوا: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾: لا تَنْقُصْنا مِن السعرِ (^١).\nورُوِى عن ابن عُيينةَ ما حدَّثني به الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: يُحْكَى عن سفيانَ بن عُيَيْنَةَ أنه سُئِل: هل حَرُمتِ الصدقةُ على أحدٍ مِن الأنبياءِ قبلَ النبيِّ ﷺ؟ فقال: ألم تَسْمَعْ قولَه: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾. قال الحارثُ: قال القاسمُ: يَذْهَبُ ابن عُيينة إلى أنهم لم يقولوا ذلك إلا والصدقةُ لهم حَلالٌ وهم أنبياءُ؛ فإن الصدقةَ إنما حرُمت على محمدٍ ﷺ و(^٢) عليهم (^٣).\nوقال آخَرون: إنما عنَى بقولِه: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾: وتَصَدَّقْ علينا بردِّ أخينا إلينا.\n\n<span data-type='title' id=toc-4534>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه:\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"من أجل رديء دراهمنا\".\n(^٢) بعده في م: \"لا\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٣١.","vol":"13","page":325},{"text":"﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾. قال: رُدَّ إلينا أخانا (^١).\nوهذا القولُ الذي ذكَرْناه عن ابن جُريجٍ و(^٢) إن كان قولًا له وجهٌ، فليس بالقولِ المختارِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾. لأن الصدقةَ في المتعارَفِ (^٣) إنما هي إعطاءٌ الرجلَ ذا الحاجةِ (^٤) بعضَ أملاكِه؛ ابتغاءَ ثوابِ اللَّهِ عليه، وإن كان كلُّ معروفٍ صدقةً. فتوجيهُ تأويلِ كلامِ اللَّهِ إلى الأغلبِ مِن معناه في كلامِ مَن نزَل القرآنُ بلسانِه أوْلَى وأحْرَى.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال مجاهدٌ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن عثمانَ بن الأسودِ، قال: سمِعتُ مجاهدًا، وسُئل: هل يُكْرَهُ أن يقولَ الرجلُ في دعائه: اللهمَّ تَصَدَّق عليَّ؟ فقال: نعم، إنما الصدقةُ لمن يَبْتَغى (^٥) الثوابَ (^٦).\n\n<span id=\"aya-1685\"></span><span data-type='title' id=toc-4535>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾.</span>\nذُكِر أن يوسفَ صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه، لمَّا قال له إخوتُه: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) في ص: \"متعارف\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"حاجة\".\n(^٥) في ص، م، ت ٢، ف: \"يبغي\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٣٢ عن المصنف، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٤٣ - تفسير) من طريق عثمان به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣ إلى أبي عبيد وابن المنذر. وهذا الكلام مخالف لقوله ﷺ في الحديث الذي أخرجه مسلم (٦٨٦): \"صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته\".","vol":"13","page":326},{"text":"يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾. أدْرَكَتْه الرِّقَّةُ، وباح لهم بما كان يَكْتُمُهم (^١) مِن شأنِه.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ذُكِر لي أنهم لمَّا كلَّموه بهذا الكلامِ غَلَبَتْه نفسُه، فارْفَضَّ دمعُه باكيًا، ثم باح لهم بالذي يَكْتُمُ منهم، فقال: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾. ولم يَعْنِ بذِكْرِ أخيه ما صنَعه هو فيه حين أخَذه، ولكن للتفريقِ بينَه وبين أخيه، إذ صنَعوا بيوسفَ ما صنَعوا (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ الآية. قال: فرحِمهم عند ذلك، فقال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ (^٣).\nفتأويلُ الكلامِ: هل تَذْكُرون ما فعَلْتم بيوسفَ وأخيه إذ فرَّقْتُم بينَهما، وصَنَعْتم ما صنَعْتم، ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾. يعنى في حالِ جهلِكم بعاقبةِ ما تَفْعَلون بيوسفَ، وما إليه صائرٌ أمرُه وأمرُكم؟\n\n<span id=\"aya-1686\"></span><span data-type='title' id=toc-4536>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال إخوةُ يوسفَ له حينَ قال لهم ذلك يوسفُ: ﴿أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ﴾. فقال: نعم ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾، بأن\n_________\n(^١) في ت ١: \"يكتمه\"، وفى ت ٢، ف: \"يتهمهم\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٥٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٣ (١١٩٣٧) من طريق سلمة به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٣ (١١٩٣٦) من طريق أسباط به.","vol":"13","page":327},{"text":"جمَع بينَنا بعدَ ما فرَّقتم بينَنا، ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾. يقولُ: إنه مَن يَتَّقِ اللَّهَ فيُرَاقِبْه بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه، ﴿وَيَصْبِرْ﴾. يقولُ: ويَكُفَّ نفسَه، فيَحْبِسْها عما حرَّم اللَّهُ عليه مِن قولٍ أو عملٍ، عند مصيبةٍ نزَلت به مِن اللَّهِ؛ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: فإن اللَّهَ لا يُبْطِلُ ثوابَ إحسانِه، وجزاءَ طاعتِه إيَّاه، فيما أمَره ونهاه.\nوقد اخْتَلفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأةِ الأمصارِ: ﴿أَإِنَّكَ﴾ على الاستفهامِ (^١). وذُكِر أن ذلك في قراءةِ أُبَيِّ بن كعبٍ: (أَوَ أنت يوسفُ). وُرِوى عن ابن مُحَيْصِنٍ أنه قرَأ: (إِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ) على الخبرِ، لا على الاستفهامِ (^٢).\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك عندنا قراءةُ مَن قرَأه بالاستفهامِ؛ لإجماعِ الحجَّةِ من القَرَأَةِ عليه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لمَّا قال لهم ذلك، يعني قولَه: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾؟ كَشَفَ الغطاءَ فعرَفوه، فقالوا: ﴿أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ﴾ الآية (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى مَن سمِع عبدَ اللَّهِ بنَ إدريسَ يَذْكُرُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾. يقولُ (^٤): يَتَّقِ\n_________\n(^١) قرأ ابن كثير \"إنك\" بهمزة مكسورة على الخبر، والباقون على الاستفهام. السبعة لابن مجاهد ٣٥١، وحجة القراءات ص ٣٦٣، والكشف عن وجوه القراءات ٢/ ١٤، والنشر ٢/ ٢٢٢.\n(^٢) ذكر صاحب البحر المحيط ٥/ ٣٤٢ قراءة أبى وابن محيصن والقراءتان من الشواذ.\n(^٣) أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٤ (١١٩٤٠) من طريق سلمة به.\n(^٤) بعده في م: \"من\".","vol":"13","page":328},{"text":"معصيةَ اللَّهِ ويَصْبِرْ على السَّجْنِ (^١).\n\n<span id=\"aya-1687\"></span><span data-type='title' id=toc-4538>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾.</span>\nيقولُ جلّ ثناؤُه: قال إخوةُ يوسفَ له: تاللَّهِ لقد فضَّلك اللَّهُ علينا، وآثَرَك بالعلمِ والحلمِ والفضلِ، ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾. يقولُ: وما كنا في فعْلِنا الذي فعَلْنا بك - في تفريقِنا بينَك وبينَ أبيك وأخيك، وغيرِ ذلك من صنيعنا الذي صنَعْنا بك - إلا خاطئين: يعنون مُخْطِئين. يُقالُ منه: خطِئَ فلانٌ يَخْطَأُ خَطَأً وخِطْأً. وأَخْطَأَ يُخطِئَ إخطاءً. ومن ذلك قولُ أميةَ بن الأَسْكَرِ (^٢):\nوإنَّ مُهاجِرَيْنِ تكنَّفاهُ … لعَمْرُ اللَّهِ قد خطِئا وحابا (^٣)\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4537>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ، قال: لمَّا قال لهم يوسفُ: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾. اعْتَذَروا إليه، وقالوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾.\n[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ (^٤)، عن ابن إسحاقَ: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾] (^٥). فيما كنا صنَعْنا بك (^٦).\n_________\n(^١) تفسير البغوي ٤/ ٢٧٤.\n(^٢) تقدم في ١/ ٧٢٢.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"خابا\".\n(^٤) بعده في ص، ف: \"قال\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٤ من طريق سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤ =","vol":"13","page":329},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾. وذلك بعدما عرَّفهم أنفسَهم، يقولُ: جعَلك اللَّهُ رجلًا حليمًا (^١).\n\n<span id=\"aya-1688\"></span><span data-type='title' id=toc-4540>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال يوسفُ لإخوتِه: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾. يقولُ: لا تعييرَ (^٢) عليكم ولا إفسادَ لما بينى وبينَكم من الحُرْمَةِ، وحقِّ الأُخُوَّةِ، ولكن لكم عندى الصفحُ والعفوُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4539>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾: لم يُثَرِّبْ عليهم أعمالَهم (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبيرِ قولَه: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾. قال: قال سفيانُ: لا تغييرَ (^٤) عليكم (^٥).\n_________\n=إلى أبى الشيخ.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٤ (١١٩٤٣) من طريق سعيد به بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) في النسخ: \"تغيير\". وهو تصحيف. قال صاحب اللسان: التثريب كالتأنيب والتعيير والاستقصاء في اللوم. لسان العرب (ث ر ب).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٥ (١١٩٤٧) من طريق سعيد به.\n(^٤) في ت ١، ف: \"تغيير\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٥ (١١٩٤٩) من طريق آخر عن سفيان به.","vol":"13","page":330},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾: أي لا تأنيبَ عليكم اليومَ عندى فيما صنَعتم (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ، قال: اعْتَذَروا إلى يوسفَ، فقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾. يقولُ: لا أَذْكُرُ لكم ذنبَكم (^٢).\nوقولُه: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. وهذا دعاءٌ من يوسفَ لإخوتِه بأن يَغْفِرَ اللَّهُ لهم ذنبَهم فيما أتَوْا إليه وركِبوا منه مِن الظلمِ، يقولُ: عفا اللَّهُ لكم عن ذنبِكم وظلمِكم، فستَره عليكم، ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. يقولُ: واللَّهُ أرحمُ الراحمين بمن (^٣) تاب مِن ذنبِه، وأناب إلى طاعتِه، بالتوبةِ مِن معصيتِه.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. حين اعْتَرفوا بذنبِهم (^٤).\n\n<span id=\"aya-1689\"></span><span data-type='title' id=toc-4541>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: ذُكِر أن يوسفَ ﷺ لمَّا عرَّف نفسَه إخوتَه، سأَلهم عن أبيه (^٥)، فقالوا: ذهَب بصرُه من الحزنِ. فعندَ ذلك أعطاهم قميصَه، وقال لهم: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٥ (١١٩٤٨) من طريق سلمة به.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٢٧٤.\n(^٣) في ص، م: \"ممن \"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"فمن \"، وما أثبتناه هو الصواب.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٥، ٢١٩٦ (١١٩٥٣) من طريق سلمة به.\n(^٥) في م: \"أبيهم\".","vol":"13","page":331},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4542>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ، قال: قال لهم يوسفُ: ما فعَل أبى بعدى؟ قالوا: لما فاته بنيامينُ عمِى من الحزنِ. قال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (^١).\nوقولُه: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾. يقولُ: يَعُدْ بصيرًا. ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ: وجِيئوني بجميعِ أهلِكم.\n\n<span id=\"aya-1690\"></span><span data-type='title' id=toc-4544>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: ولمَّا فصَلت عِيرُ بنى يعقوبَ من عند يوسفَ متوجِّهةً إلى يعقوبَ، قال أبوهم يعقوبُ: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. ذُكِر أن الريحَ استأذنت ربَّها في أن تَأْتىَ يعقوبَ بريحِ يوسفَ قبلَ أن يَأْتِيَه البشيرُ، فأذِن لها؛ فأتَتْه بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-4543>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني أبو شُرَيْحٍ، عن أبي أيوبَ الهَوْزَنيِّ، حدَّثه، قال: استأذنتِ الريحُ أن تَأْتىَ يعقوبَ بريحِ يوسفَ - حين بعَث بالقميصِ إلى أبيه - قبلَ أن يَأْتِيَه البشيرُ، ففعَل؛ قال يعقوبُ: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٥٩. كما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٦ (١١٩٥٥) من طريق أسباط به.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٦٠.","vol":"13","page":332},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي سنانٍ، عن ابن أبي الهُذَيْلِ، عن ابن عباس في قولِه: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ (^١) قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. قال: هاجت ريحٌ، فجاءت بريحِ يوسفَ من مسيرةِ ثمانِ ليالٍ، فقال: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي سنانٍ، عن ابن أبي الهذيلِ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾. قال: هاجت ريحٌ، فجاءت بريحِ قميصِ يوسفَ من مسيرةِ ثمانِ ليالٍ.\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن ضِرارٍ، عن ابن أبي الهُذَيْلِ، قال: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: وجَد يعقوبُ ريحَ يوسفَ وهو منه على مسيرةِ ثمانِ ليالٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ والحسنُ بنُ محمدٍ، قالا: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن أبي سِنانٍ، عن ابن أبي الهُذَيْلِ، قال: كنتُ إلى جنبِ ابن عباسٍ، فسُئل: مِن كم وجَد يعقوبُ ريحَ القميصِ؟ قال: مِن مسيرةِ سبعِ ليالٍ أو ثمانِ ليالٍ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن أبي سنانٍ، عن ابن (^٥) أبي الهُذَيْلِ، قال:\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١: \"قال: لما خرجت العير\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٦٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥ إلى الفريابي وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٧ (١١٩٦١) من طريق ابن فضيل به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٧ (١١٩٦٤) من طريق سفيان به بنحوه، لكن قال: ثمانين فرسخا.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"13","page":333},{"text":"قال لي أصحابي: إنك تأتى ابنَ عباسٍ، فسَلْه لنا. قال: فقلتُ: ما أَسْأَلُه عن شيءٍ، ولكنى (٢) أَجْلِسُ خلفَ السَّرِيرِ، فيَأْتِيه الكوفيُّون فيَسْأَلون عن حاجتِهم وحاجتي، فسمِعْتُه يقولُ: وجَد يعقوبُ ريحَ قميصِ يوسفَ من مسيرةِ ثمانِ ليالٍ. قال ابن أبى الهُذَيْلِ: فقلتُ: ذاك كمكانِ البصرةِ من الكوفةِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ عاصمٍ، عن ضِرارِ بن مرةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى الهُذيْلِ، قالَ: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: وجَد يعقوبُ ريحَ قميصِ يوسفَ من مسيرةِ ثمانِ ليالٍ. قال: فقلتُ في نفسي: هذا كمكانِ البصرةِ من الكوفةِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ؛ وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبي سنانٍ، عن ابن أبي الهُذَيْلِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. قال: وجَد ريحَ قميصِ يوسف من مسيرةِ ثمانِ ليالٍ. قال: قلتُ له: ذاك كما بينَ البصرةِ إلى الكوفةِ. واللفظُ لحديثِ أبي كُريبٍ.\nحدَّثنا الحسينُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عاصمٌ وعليٌّ، قالا: أَخْبَرنا شعبةُ، قال: أخْبَرني أبو سنانٍ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ أبى الهُذَيْلِ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. قال: وجَد ريحَه من مسيرةِ ما بينَ البصرةِ إلى الكوفةِ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو سِنانٍ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ أبى الهُذَيْلِ يُحَدِّثُ عن ابن عباسٍ مثلَه.\nقال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، [عن أبي سنانٍ] (^٢)، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى\n_________\n(^١) في م، ف: \"لكن\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ف.","vol":"13","page":334},{"text":"الهُذيلِ، قال: كنَّا عند ابن عباسٍ فقال: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. قال: وجَد ريحَ قميصِه من مسيرةِ ثمانِ ليالٍ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخْبَرنا إسرائيلُ، عن أبي سنانٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى الهُذيلِ، قال: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾. قال: لمَّا خرَجتِ العيرُ هاجت ريحٌ، فجاءت يعقوبَ بريحِ قميصِ يوسفَ، فقال: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: فوجَد ريحَه من مسيرةِ ثمانِ ليالٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ذُكِر لنا أنه كان بينَهما يومَئذٍ ثمانون فَرْسَخًا، يوسفُ بأرضِ مصرَ، ويعقوبُ بأرضِ كَنْعانَ، وقد أتَى لذلك زمانٌ طويلٌ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. قال: بلَغنا أنه كان بينَهم يومَئذٍ ثمانون فَرْسخًا. وقال: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. وكان قد فارقه قبلَ ذلك سبعًا وسبعين سنةً (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي سِنانٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى الهُذَيْلِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. قال: وجَد ريحَ القميصِ من مسيرةِ ثمانيةِ أيامٍ.\nقال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي سنانٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٩.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٦٠.","vol":"13","page":335},{"text":"الهُذَيْلِ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾. قال: فلما خرجتِ العيرُ هبَّتْ ريحٌ، فذهبت بريح قميص يوسف إلى يعقوب، فقال: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. قال: ووجد ريحَ قميصه من مسيرة ثمانية أيام (^١).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما فصلت العير من مصرَ اسْتَرْوَح يعقوب ريحَ يوسف، فقال لمن عندَه مِن ولده: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾.\nوأمَّا قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. فإنه يعنى: لولا أن تُعَنِّفونى، وتُعجِّزوني، وتلوموني، وتُكذِّبوني. ومنه قول الشاعرِ (^٢):\nيا صاحِبَى دَعَا لَوْمِي وتَفْنِيدى … فليس ما فات من أمري (^٣) بمردود\nويُقالُ: أَفْنَد فلانًا الدهرُ. وذلك إذا أفْسَده، ومنه قولُ ابن مُقْبِلٍ (^٤):\nدع الدهرَ يَفْعَلُ ما أراد فإنه .... إذا كُلف الإفنادَ بالناسِ أفندا (^٥)\nواختلف أهل التأويل في معناه، فقال بعضُهم: معناه: لولا أن تُسَفِّهوني.\n\n<span data-type='title' id=toc-4545>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن أبي سنانٍ، عن ابن أبي الهُذَيْلِ، عن ابن عباس: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: تُسَفِّهون.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٧، (١١٩٥٩، ١١٩٦١) من طريق أبي سنان به.\n(^٢) نسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٣١٨ لهانئ بن شكيم العدوى.\n(^٣) في مجاز القرآن: \"أمر\".\n(^٤) ديوانه ص ٦٠.\n(^٥) رواية الديوان:\nدعا الدهر يعمل ما أراد فإنه … إذا كلف الإفساد بالناس أفسدا","vol":"13","page":336},{"text":"حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن إسرائيل، عن أبي سنانٍ، عن ابن أبي الهُذَيْلِ، عن ابن عباس مثله (^١).\nوبه قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن حُصَيْفٍ، عن مجاهد: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال: تُسَفِّهون (^٢).\nحدثني المثنى وعليُّ بن داودَ، قالا: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. يقولُ: تُجَهِّلون (^٣).\nحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي سنانٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى الهُذَيْلِ، عن ابن عباس: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: لولا أن تُسَفِّهون.\nحدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قالا جميعًا: ثنا سفيان، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهد: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: لولا أن تُسَفِّهون.\nحدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شَريكٌ، عن أبي سنانٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وسالم، عن سعيدٍ: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال أحدهما: تُسَفِّهون. وقال الآخرُ: تُكَذِّبون.\nحدثني يعقوب، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٨ (١١٩٦٦) من طريق إسرائيل به.\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٤٦.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٢٧٥. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥ إلى المصنف وأبى الشيخ.","vol":"13","page":337},{"text":"عطاءٍ: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: لولا أن تُكَذِّبون، لولا أن تُسَفِّهون (^١).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن عبد الملك، عن عطاءٍ، قال: تُسَفِّهون.\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. يقولُ: لولا أن تُسَفِّهون (^٢).\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادة: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال (^٣): لولا أن تُسَفِّهون.\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي سنان، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى الهُذَيْلِ، قال: سَمِعْتُ ابن عباس يقولُ: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. يقولُ: تُسَفِّهون (^٤).\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: ذهَب عقله (^٥).\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: قد ذهب عقله.\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد؛ وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابن\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٨ معلقًا.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٣٣.\n(^٣) في م: \"يقول\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٢٩.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٠٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥ إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ.","vol":"13","page":338},{"text":"أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: قد ذهَب عقله.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: لولا أن تقولوا: ذهَب عقلك.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. يقولُ: لولا أن تُضَعِّفونى (^١).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: الذي ليس له عقلٌ ذلك المُفَنَّدُ. يقولُ (^٢): لا يَعْقِلُ (^٣).\nوقال آخرون: معناه: لولا أن تُكَذِّبون.\n\n<span data-type='title' id=toc-4546>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سويدُ بنُ عمرو الكلبى، عن شريك، عن سالم [عن سعيد] (^٤): ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال: تُكَذِّبون (^٥).\nقال: ثنا عمرٌو، عن أسباط، عن السدي، قال: لولا أن تُهَرِّمونِ وتُكَذِّبون.\nقال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جُريجٍ، قال: بلغنى عن مجاهد، قال: تُكَذِّبون.\nقال: ثنا عَبْدة وأبو خالدٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاك، قال: لولا أن\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٤/ ١٩٢.\n(^٢) في م: \"يقولون\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٨ (١١٩٦٩) من طريق آخر عن ابن زيد.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) ذكره صاحب البحر المحيط ٥/ ٣٤٥.","vol":"13","page":339},{"text":"تكذِّبونِ (^١).\nحدثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾: تُكَذِّبون.\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرو، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، عَنْ عبد الملكِ، عن عطاء في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قالَ: تُسفِّهونِ أَوْ تَكذِّبون.\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. يقولُ: تكذِّبون (^٢).\nوقال آخرون: معناه: تُهرِّمون.\n\n<span data-type='title' id=toc-4547>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن [أبي يحيى] (^٣)، عن مجاهد: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: لولا أن تهرِّمون (^٤).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ، عن إسرائيل، عن [أبي يحيى] (^٥)، عن مجاهدٍ مثله.\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قال:\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٦/ ١٩٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٨ (١١٩٦٧) من طريق مجاهد عن ابن عباس به.\n(^٣) في م، ت ١، ف: \"ابن أبي نجيح\". وأبو يحيى هو القتات. انظر ترجمته في تهذيب الكمال ٣٤/ ٤٠١، ٤٠٢. وإسرائيل لم يرو عن عبد الله بن أبي نجيح.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٨ (١١٩٦٨) من طريق إسرائيل به.\n(^٥) في ت ١، ت ٢: \"أبي نجيح\".","vol":"13","page":340},{"text":"تُهرِّمون (^١).\nحدثني يعقوب، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا أبو الأَشْهَبِ، عن الحسن: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: تهرِّمون (^١).\nحدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن أبي الأشهبِ وغيره، عن الحسن مثله (^١).\nوقد بيَّنَّا أن أصل التفنيد الإفساد، وإذ كان ذلك كذلك فالسفاهة (^٢) والهرم والكَذِبُ، وذَهابُ العقل، وكلُّ معاني الإفساد، تدخل في التفنيد؛ لأن أَصْلَ ذلكَ كلِّه الفساد. والفساد في الجسم: الهَرَمُ وذَهابُ العقل والضعفُ. وفى الفعل: الكذبُ واللوم بالباطل، ولذلك قال جرير بن عطية (^٣):\nيا عاذِلَيَّ دَعَا المَلامَ وأَقْصِرَا … طالَ الهَوَى وأطلْتُما التَّفْنِيدا\nيعني الملامة.\nفقد تبيَّن - إذْ كانَ الأمْرُ على ما وصفنا - أَنَّ الأقوال التي قالها من ذكرنا قوله في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾، على اختلافِ عباراتهم عن تأويله، متقاربةُ المعانى، محتملٌ جميعها ظاهرُ التنزيل؛ إذ لم يكن في الآية دليل على أنَّه مَعْنيٌّ به بعض ذلك دون بعضٍ.\n\n<span id=\"aya-1691\"></span><span data-type='title' id=toc-4548>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ١٤٦.\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"فسالق\". وفى م: \"فالضعف\". والمثبت من ت ١ هو الصواب؛ لأن السفاهة والهرم والكذب وذهاب العقل هي تفسير التفنيد في الآثار التي ساقها المصنف.\n(^٣) ديوان جرير ١/ ٣٣٧.","vol":"13","page":341},{"text":"يقول تعالى ذكره: قال الذين قال لهم يعقوبُ مِنْ ولده: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾: تالله أيها الرجلُ إنك منْ حُبِّ يُوسُفَ وذِكْرِه، لَفى خَطائك (^١) [وزَلَلِكَ] (^٢) القديم لا تنساه ولا تتسلَّى عنه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4549>ذكرُ مِن قال ذلك</span>\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾. يقولُ: خَطائك (١) القديم (^٣).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾. أي: من حُبَّ يوسف لا تنساه ولا تسلاه (^٤). قالوا لوالدهم كلمةً غليظةً لم يكن ينبغى لهم أن يقولوها لوالدهم ولا لنبيِّ الله ﷺ (^٥).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسْباطَ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾. قال: في شأن يوسف (^٦).\nحدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: قال سفيان: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾. قال: من حبّك ليوسُفَ (^٧).\n_________\n(^١) في م: \"خطئك\"، والخطأ والخطاء كلاهما بمعنًى.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت، ف: \"في ذلك\"، وفى م: \"وزلك\". والمثبت هو الصواب.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٨ (١١٩٧٠) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في ص، ف \"تتسلاه\"، وفى ت ٢: \"تتسلى عنه\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٨، ٢١٩٩ (١١٩٧٣) من طريق سعيد به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٩ (١١٩٧٤) من طريق أسباط به.\n(^٧) تفسير الثورى ص ١٤٧.","vol":"13","page":342},{"text":"حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن سفيان نحوه.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾. قال: في حبِّك القديم (^١).\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾. أي: إنَّكَ لمن (^٢) ذكر يوسف في الباطل الذي أنتَ عليه (^٣).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾. قال: يَعْنونَ حزنه القديم على يوسف. وفى ﴿ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾: لقى خطائِكَ القديم.\n\n<span id=\"aya-1692\"></span><span data-type='title' id=toc-4551>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: فلما أن جاء يعقوب البشير من عند ابنه يوسف، وهو المبشِّرُ برسالة يوسفَ، وذلك بريدٌ، فيما ذُكر، كان يوسف أبرَدَهُ (^٤) إليه، وكان البريد فيما ذكر والبشير يهوذا بن يعقوب أخا يوسف لأبيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4550>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٦٠.\n(^٢) في ص، ف: \"لغى\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٩ (١١٩٧٦) من طريق سلمة به.\n(^٤) في م: \"يرده\". وبرده وأبرده: أرسله. اللسان (ب رد).","vol":"13","page":343},{"text":"البشير: البريدُ (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾. قال: البريدُ (^٢).\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا محمد بن يزيد الواسطى، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾. قال: البريدُ.\nقال: ثنا شَبَابَةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾. قال: يهوذا بن يعقوب (^٣).\n[حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿الْبَشِيرُ﴾. قال: يهوذا بن يعقوبَ] (^٤).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ، قال: هو (^٥) يهوذا بن يعقوبَ.\n[قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: هو يهوذا بن يعقوب] (^٦).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿فَلَمَّا أَنْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٩ (١١٩٧٧) من طريق محمد بن سعد به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٠٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٩ (١١٩٧٨). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٤) سقط من: ف.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) سقط من: ت ٢.","vol":"13","page":344},{"text":"جَاءَ الْبَشِيرُ﴾. قال: يهوذا بن يعقوبَ كان البشيرَ (^١).\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾. قال: هو يهوذا بن يعقوبَ. قال سفيان: وكان ابن مسعودٍ يقرأ: (وجاء البشيرُ من بين يدي العيرِ) (^٢).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن جويبرٍ، عن الضحاك: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾. قال: البريدُ هو يهوذا بن يعقوبَ.\nقال: ثنا عمرو، عن أسباطَ، عن السديِّ، قال: قال يوسُفُ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال يهوذا: أنا ذهبتُ بالقميص ملطَّخًا بالدم إلى يعقوبَ، فَأَخبَرتُه أَنَّ يُوسُفَ أكله الذئبُ، وأنا أذهب اليوم بالقميص وأخبره أنه حيٌّ، فأُفرِحه كما أحزَنتُه. فهو كان البشير (^٣).\nحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا هشيمٌ، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾. قال: البريد.\nوكانَ بعضُ أهل العربية من أهل الكوفة يقولُ: \"أَنْ\" في قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ وسقوطها بمعنى واحدٍ. وكان يقولُ هذا في \"لما\" و\"حتّى\" خاصةً، يَذْكُرُ أَنَّ العرب تُدْخِلُها فيهما أحيانا وتسقطها أحيانًا، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلَمَّا\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٦٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٩ (١١٩٨٠) من طريق سفيان به، وقراءة ابن مسعود شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٦٠، كما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٩٦ (١١٩٥٥) من طريق أسباط به.","vol":"13","page":345},{"text":"أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ [العنكبوت: ٣٣]. وقال في موضع آخر: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ [هود: ٧٧] وقال: هي صلة لا موضع لها في هذين الموضعين. يُقالُ: حتَّى كان كذا وكذا، وحتى أن كان كذا وكذا.\nوقوله: ﴿أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾. يقولُ: ألقى البشير قميص يوسُفَ على وجه يعقوبَ.\nكما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ ألقى القميص على وجهه.\nوقوله: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾. يقولُ: رجع وعاد مُبصِرًا بعينيه بعدما قد عَمِي، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ ﷿: قال يعقوب لمن كان بحضرته حينئذ من ولده: ألم أَقُلْ لَكُمْ يا بَنيَّ إِنِّي أعلمُ من اللهِ أَنَّهُ سيَرُدُّ عليَّ يوسُفَ، ويجمعُ بينى وبينه؟ وكنتم لا تعلمون أنتم من ذلك ما كنتُ أعلَمُه، لأنَّ رُؤْيا يوسُفَ كانت صادقةً، وكانَ اللهُ قد قضَى أَن أَخِرَّ أنا وأنتم له سُجودًا، فكنتُ موقنًا بقضائه.\n\n<span id=\"aya-1693\"></span><span data-type='title' id=toc-4552>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قال ولد يعقوب الذين كانوا فرَّقوا بينه وبين يوسُفَ: يا أبانا، سَلْ لنا ربَّكَ يَعْفُ عنَّا، ويَسْتُرُ علينا ذنوبنا التي أذنبناها فيك وفي يوسُفَ، فلا يُعاقبنا بها في القيامة ﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾، فيما فعلنا به، فقد اعترفنا بذنوبنا،\n\n<span id=\"aya-1694\"></span>﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال يعقوبُ: سوف أسألُ ربِّي أن يعفو عنكم ذنوبكم التي أذْنَبتُموها فيَّ وفى يوسُفَ.","vol":"13","page":346},{"text":"ثم اختلف أهل التأويل (^١) في الوقت الذي أَخَّرَ الدعاء إليه يعقوب لولده بالاستغفار لهم من ذنبهم، فقال بعضُهم: أَخَّرَ ذلك إلى السَّحَرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4553>ذكر من قال ذلك</span>\nحدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عبد الرحمن بن إسحاق يذكرُ عَنْ مُحارب بن دثارٍ، قال: كان عمٌّ لى يأتى المسجد، فسمع إنسانًا يقولُ: اللهم دعوتَنى فَأَجِبتُ، وأمَرتَنى فَأَطعتُ، وهذا سَحَرٌ، فاغْفِرْ لي. قال: فاستمع الصوت فإذا هو من دارِ عبدِ الله بن مسعودٍ، فسأل عبدَ اللَّهِ عن ذلك، فقال: إنَّ يعقوبَ أَخَّرَ بنيه إلى السحَرِ بقوله: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ (^٢).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن محارب بن دثارٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾. قال: أخَّرهم إلى السحر.\nقالَ: ثنا أبو سفيان الحِمْيَرِيُّ، عن العوَّامِ، عن إبراهيم التيمي في قول يعقوبَ لبنيه: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾. قال: أَخَّرهم إلى السَّحَرِ (^٣).\nقال: ثنا عمرو، عن خَلَّادٍ الصَّفَّارِ، عن عمرو بن قيس: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"العلم\"، وفي ت ١: \"التفسير\".\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور ٥/ ٤١٠ (١١٤٤ - التفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٠. (١١٩٨٣)، والطبراني ٩/ ١٠٨ (٤٥٤٨) من طرق عن عبد الرحمن به. وفيه عبد الرحمن وهو ضعيف، وعم محارب مجهول.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٠ عقب الأثر (١١٩٨٣) معلقا عن إبراهيم، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٣٤.","vol":"13","page":347},{"text":"لَكُمْ رَبِّي﴾. قال: في صلاة الليل (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾. قال: أَخَّرَ ذلكَ إِلى السَّحَرِ (^٢).\nوقال آخرون: أخَّر ذلك إلى ليلة الجمعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-4554>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنى، قال: ثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب الدمشقيُّ، قال: ثنا الوليد، قال: أخبرنا [ابن جريجٍ، عن عطاءٍ وعكرمة، عن] (^٣) ابن عباس، عن رسول الله ﷺ: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾. يقولُ: حتَّى تأتي لَيْلَةُ الجمعة، وهو قول أخى يعقوب لبنيه\" (^٤).\nحدثنا أحمد بن الحسن الترمذيُّ، قال: ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقيُّ، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء وعكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"قَدْ (^٥) قال أَخِي يَعْقُوبُ: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾. يَقُولُ: حتى تأتِيَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٠ (١١٩٨٤) من طريق عمرو به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٧ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٣٤ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٧ عن ابن جريج بمعناه إلى المصنف وأبى عبيد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٦ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٥) سقط من: ص، ت ٢.\n(^٦) أخرجه الترمذى (٣٥٧٠) عن أحمد بن الحسن به. والحاكم ١/ ٣١٦ من طريق سليمان بن عبد الرحمن به، وهو حديث صحيح لولا عنعنة ابن جريج، وهو لم يسمع من عكرمة.","vol":"13","page":348},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. يقولُ: إِنَّ رَبِّي هو الساتر على ذنوب التائبين إليه من ذنوبهم، الرحيمُ بهم أن يعذِّبَهم بعد توبتهم منها.\n\n<span id=\"aya-1695\"></span><span data-type='title' id=toc-4555>القول في تأويل قوله ﷿: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾.</span>\nيقول جل ثناؤه: فلما دخل يعقوب وولده وأهلوهم على يوسُفُ ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾. يقولُ: ضمَّ إليه أبويه، فقال لهم: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قال لهم يوسُفُ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ بعد ما دخلوها، وقد أخبر الله ﷿ عنهم أنَّهم لما دخلوها على يوسُفَ، وضم إليه أبويه، قال لهم هذا القول؟\nقيلَ: قد اختلف أهل التأويل في ذلكَ؛ فقال بعضُهم: إِنَّ يعقوبَ إِنما دخل على يوسف هو وولده، وآوَى يوسُفُ أبويه إليه قبل دخول مصر؛ وذلك أن يوسف تلقَّى أباه - تَكرِمةً له - قبل أن يدخُلَ مصر، فآواه إليه، ثُمَّ قال له ولَمَنْ معه: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ بها. قبل الدخول (^١).\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"إليها\".","vol":"13","page":349},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4556>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباط، عن السدي: فحملوا إليه أهلهم وعيالهم، فلما بلغوا مصر، كلَّم يوسُفُ الملك الذي فوقه، فخرج هو والملوك يتلقَّونهم، فلما بلغوا، مصر، قال: ادْخُلُوا مِصْرَ إن شاءَ اللهُ آمِنِينَ. فَلَمَّا دَخَلُوا على يوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ (^١).\nحدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز. قال: ثنا جعفر بن سليمانَ، عن فَرْقَدٍ السَّبَخيِّ، قال: لما أُلقى القميص على وجهه ارتدَّ بصيرًا، وقال: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣] فحمل يعقوب وإخوة يوسُفَ، فلما دنَا أُخبِر يوسُفُ أنه قد دنا منه، فخرج يتلقاه. قال: وركب معه أهل مصر، وكانوا يعظِّمونَه، فلما دنا أحدهما من صاحبه، وكان يعقوب يمشى وهو يتوكَّأُ على رَجُلٍ من ولده يُقال له: يهوذا. قال: فنظر يعقوب إلى الخيل والناس، فقال: يا يهوذا، هذا فرعون مصر؟ قال: لا، هذا ابنك. قال: فلما دنا كلُّ واحدٍ منهما من صاحبه، فذهب يوسف يبدؤه بالسلام، فمنع من ذلك، وكان يعقوب أحق بذلك منه وأفضل، فقال: السلام عليك يا ذاهب الأحزانِ عنِّى. هكذا قال: يا ذاهب الأحزانِ عنى (^٢).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: قال (^٣) حجاجٌ (^٤): بلغنى أن يُوسُفَ والملك خرجا في أربعة آلاف يستقبلون يعقوب وبنيه.\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٦١. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٠، ٢٢٠١ (١١٩٨٦) من طريق أسباط به.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٦٢. وقوله: يا ذاهب الأحزان. عنى. يريد: يا مذهب الأحزان عنى. وهى هكذا في التاريخ: يا مذهب الأحزان عنى.\n(^٣) في ت ٢: \"ثنى\".\n(^٤) بعده في ت ٢: \"عن ابن جريج\".","vol":"13","page":350},{"text":"قال: وحدَّثنى من سمِع جعفر بن سليمان يحكى عن فرقد السَّبَخيِّ، قال: خرج يوسف يتلقَّى يعقوب، وركب أهل مصر مع يوسفَ. ثم ذكر بقية الحديثِ، نحو حديثِ الحارث، عن عبد العزيز.\nوقال آخرون: بل قوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. استثناء من قول يعقوب لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾. قال: وهو (^١) من المؤخَّرِ الذي معناه التقديم. قالوا: وإنما معنى الكلام: قال: أستغفر لكم ربِّى (^٢) إن شاء الله، إنه هو الغفور الرحيم. فلما دخلوا على يوسف آوَى إليه أبويه وقال: ادخلوا مصر، ورفع أبويه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4557>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج: قال سوف أسْتَغْفِرُ لكم ربي إن شاء الله آمنين. وبين ذلك ما بينه من تقديم القرآنِ (^٣).\nيعنى ابن جريج: وبين ذلك ما بينَه من تقديم القرآن. أنه قد دخل بين قوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾. وبين قوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ من الكلامِ ما قد دخل. وموضعه عنده أن يكونَ عَقِيبَ قوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾.\nوالصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله السُّديُّ، وهو أن يوسف قال ذلك لأبويه ومن معهما من أولادهما وأهاليهم قبل دخولهم مصر حين تلقَّاهم؛ لأن ذلك في ظاهر التنزيل كذلك، فلا دلالة تدلُّ على صحة ما قال ابن جريجٍ، ولا وجهَ لتقديم شيءٍ من كتاب الله عن موضعه أو تأخيره عن مكانه إلا بحجةٍ واضحةٍ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت، ف.\n(^٢) سقط من: ت ١، ف.\n(^٣) ذكره القرطبي ٩/ ٢٦٣ عن ابن جريج.","vol":"13","page":351},{"text":"وقيل: عُنى بقوله: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾: أبوه وخالته. وقال الذين قالوا هذا القولَ: كانت أمُّ يوسف قد ماتت قبلُ، وإنما كانت عند يعقوب يومئذٍ خالته أختُ أمِّه، كان نكحها بعد أمِّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4558>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباط، عن السديِّ: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾. قال: أبوه وخالته (^١).\nوقال آخرون: بل كان أباه وأمَّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4559>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾. قال: أباه وأمَّه (^٢).\nوأولى القولين في ذلك بالصواب ما قاله ابن إسحاق؛ لأن ذلك هو الأغلب في استعمال الناس، والمتعارفُ بينهم في أبوين، إلا أن يصح ما يُقالُ من أن أمَّ يوسف كانت قد ماتت قبل ذلك، بحجة يجب التسليم لها، فيُسَلَّمُ حينئذٍ لها.\nوقوله: ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ مما كنتم فيه في باديتكم من الجدب والقحط.\n\n<span id=\"aya-1696\"></span>وقوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾. يعنى: على السرير.\nكما حدثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا عمرو، عن أسباط، عن السديِّ: ﴿وَرَفَعَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠١ (١١٩٩١) من طريق أسباط به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٣٥ عن ابن إسحاق.","vol":"13","page":352},{"text":"أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال (^١): السريرِ.\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا محمد بن يزيد الواسطيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاك، قال: العرش السرير.\nقال: ثنا شَبَابَةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾. قال: السرير (^٢).\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد مثله.\n[حدثني المثنّى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ.\nوحدثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله] (^٣).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾. قال (^٤): سريره.\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة:\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"على\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٠١.\n(^٣) تكررت هذه الأسانيد في النسخ مرة أخرى فحذفناها.\n(^٤) زيادة من: م.","vol":"13","page":353},{"text":"﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾. قال: على السرير (^١).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾. يقولُ: رفع أبويه على السرير (^٢).\nحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: قال سفيان: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾. قال: على السرير (^٣).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾. قال: مجلسه (^٤).\nحدثني ابن عبدِ الرحيم البرقيُّ، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سألت ابن (^٥) زيد بن أسلم عن قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾. فقلت: أبلغك أنها خالته؟ قال: قال ذلك بعضُ أهل العلم، يقولون: إن أمه ماتت قبل ذلك، وإن هذه خالتُه (^٦).\nوقوله: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾. يقولُ: وخرَّ يعقوب وولده وأمه ليوسف سجدا.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٣٢٨ عن معمر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠١ (١١٩٩٢) من طريق آخر عن ابن عباس به.\n(^٣) تفسير سفيان ١٤٧.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٠٢ (١١٩٩٤) من طريق آخر عن ابن زيد عن أبيه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٨ عن ابن زيد إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) ذكره ابن كثير ٤/ ٣٣٥ عن زيد بن أسلم بنحوه.","vol":"13","page":354},{"text":"حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾. يقولُ: ورفع أبويه على (^١) السرير، وسجدا له، وسجد له إخوته.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: تَحمَّل - يعنى يعقوب - بأهله حتى قدِموا على يوسفَ، فلما اجتمع إلى يعقوب بنوه، دخلوا على يوسف، فلما رأوه وقعوا له سجودًا - وكانت تلك تحية الملوك في ذلك الزمان - أبوه وأمه وإخوته.\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾. وكانت تحية من كان (^٢) قبلكم، كان بها يُحَيِّى بعضُهم بعضًا، فأعطى الله هذه الأمة السلام، تحية أهل الجنة، كرامة من الله ﵎ عَجَّلَها لهم، ونعمةً منه (^٣).\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾. قال: وكانت تحية الناس يومئذٍ أن يسجد بعضُهم لبعضٍ.\nحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو إسحاق، قال: قال سفيان: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾. قال: كانت تحيةً فيهم (^٤).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ (^٥):\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"العرش على\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ٢، ف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٠٢ (١١٩٩٦) من طريق سعيد به.\n(^٤) تفسير سفيان ص ١٤٧.\n(^٥) في ت ٢: \"أبي نجيح\".","vol":"13","page":355},{"text":"﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أبواه وإخوته، كانت تلك تحيتهم، كما تصنَعُ ناسٌ اليوم (^١).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن جويبرٍ، عن الضحاك: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾. قال: تحيةُ بينهم (^٢).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ (^٣): ذلك السجود تشرفةٌ (^٤)، كما سجدتِ الملائكة لآدم تشرفةً، ليْسَ بسجود عبادة (^٥).\nوإنما عَنَى مَنْ ذكر بقوله: إن السجود كان تحيةً (^٦) بينهم. أن ذلك كان منهم على وجه (^٧) الخُلُقِ، لا على وجه العبادة من بعضهم لبعضٍ. ومما يدلُّ على أن ذلك لم يزَلْ من أخلاق الناس قديمًا [قبل الإسلام] (^٨) على غير وجه العبادة من بعضهم لبعضٍ، قولُ أعشى بني ثعلبة (^٩):\nفَلَمَّا أَتانا بُعَيْدَ الكَرَى … سَجَدْنا لَهُ وَرَفَعْنا عَمارَا\nوقوله: ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾. يقول جلَّ ثناؤه: قال يوسف لأبيه: يا أبتِ، هذا السجود الذي سجدتَ أنتَ وأمِّي\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٨ إلى أبى الشيخ وابن المنذر والمصنف.\n(^٢) ذكره القرطبي ٩/ ٢٦٥ عن الضحاك.\n(^٣) بعده في م: \"قال\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لشرفه\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٢ (١١٩٩٧) من طريق آخر عن ابن زيد به.\n(^٦) في ت ١، ت ٢: \"تحيتهم\".\n(^٧) ليست في: ص، م، ت ١، ف.\n(^٨) سقط من: م.\n(^٩) ديوانه ص ٥١.","vol":"13","page":356},{"text":"وإخوتى لي ﴿تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾. يقول: ما آلت إليه رؤياي التي كنتُ رأيتها. وهي رؤياه التي كان رآها قبل صنيع إخوته به ما صنعوا، أن أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر له ساجدون. ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾. يقولُ: قد حقَّقها ربي لمجيء تأويلها على الصحة.\nوقد اختلف أهل العلم في قدر المدّةِ التي كانت بين رؤيا يوسف وبين تأويلها؛ فقال بعضُهم: كانت مدة ذلك أربعين سنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-4560>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: ثنا أبو عثمان، سلمان الفارسيِّ، قال: كان بين رؤيا يوسف إلى أن رأى تأويلها أربعون سنةً (^١).\nحدثني يعقوب بن برهان، ويعقوب بن إبراهيم؛ قالا: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: ثنا سليمان التيميُّ، عن أبي عثمان النهديِّ، قال: قال عثمانُ: كانت بين رؤيا يوسفَ وبين أن رأى تأويله. قال: فذكر أربعين سنةً.\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن التيميِّ، عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: كان بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنةً (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيان، عن أبي سنانٍ، عن\n_________\n(^١) تاريخ الطبرى ١/ ٣٦٣ به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٢، والبيهقي في شعب الإيمان ٤/ ١٩٤ (٤٧٨٠) من طريق سليمان التيمى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٨ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ والحاكم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (١٥٧) من طريق ابن علية به.","vol":"13","page":357},{"text":"عبدِ اللَّهِ بن شدّادٍ، قال: رأَى تأويل رؤياه بعد أربعين عامًا (^١).\nقال: ثنا سفيان، عن سليمان التيمى، عن أبي عثمان، عن سلمان مثله.\nحدثني أبو السائب، قال: ثنا ابنُ فضيلٍ، عن ضرارٍ، عن عبدِ اللهِ بن شدادٍ أنه سمع قومًا يتنازعون في رؤيا رآها بعضُهم وهو يصلِّي، فلما انصرف سألهم عنها، فكتموه. فقال: أما إنه جاء تأويل رؤيا يوسف بعد أربعين عامًا (^١).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسْرائيل، عن ضِرارِ بن مُرَّةَ أبى سِنانٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن شدّادٍ، قال: كان بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة (^١).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابنُ فضيلٍ وجريرٌ، عن أبي سنانٍ، قال: سمع عبد الله بن شدّادٍ قوما يتنازعون في رؤيا، فذكر نحو حديث أبي السائب، عن ابن فُضَيلٍ.\nحدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن سليمان التيميِّ، عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: رأى تأويل رؤياه بعد أربعين عامًا.\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: أخبرنا ابن عُيَيْنةَ، عن أبي سنانٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن شدادٍ، قال: وقعت رؤيا يوسف بعد أربعين سنةً، وإليها تنتهى أقصى (^٢) الرؤيا.\nقال: ثنا معاذُ بن معاذٍ، قال: ثنا سليمانُ التيميُّ، عن أبي عثمان، عن سلمانَ، قال: كان بين رؤيا يوسف وبين أن رأى تأويلها أربعون سنةً.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في شعب الإيمان ٤/ ١٩٥ (٤٧٨١) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٨ إلى ابن أبي شيبة وأبى الشيخ.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"أيضا\".","vol":"13","page":358},{"text":"قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: كان بين رؤيا يوسفَ وبين عبارتها أربعون سنةً.\nقال: حدثنا سعيد بن سليمان، قال: ثنا هُشَيْم، عن سليمان التيمي، عن أبي سلمان، قال: كان بين رؤيا يوسفَ وبين أن رأى تأويلها أربعون سنةً.\nقال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ العَنْقَزَيُّ، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي سنانٍ، عن عبدِ اللهِ بن شدّادٍ، قال: كان بين رؤيا يوسف وبين تعبيرها أربعون سنة.\nوقال آخرون: كانت مدة ذلك ثمانين سنةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-4561>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبد الوهاب الثقفى، قال: ثنا هشام، عن الحسن، قال: كان منذُ فارقَ يوسف يعقوبَ إلى أن التقيا ثمانون سنةً، لم يفارِقِ الحزن قلبه، ودموعُه تجرى على خديه، وما على وجه الأرض يومئذ عبد أحب إلى الله من يعقوب (^١).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن أبي جعفر جَسرِ (^٢) بن فَرْقَدٍ، قال: كان بين أن فقد يعقوب يوسفَ إلى يومَ رُدّ عليه ثمانون سنة (^٣).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حسين (^٤) بن عليٍّ، عن فُضَيْلِ بن عياضٍ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تاريخه ١/ ٢٦٣.\n(^٢) في م: \"حسن\". ينظر الجرح والتعديل ٢/ ٥٣٨ وتبصير المنتبه ١/ ٢٥٦.\n(^٣) ذكره القرطبي ٩/ ٢٦٤ عن جسر بن فرقد به.\n(^٤) في النسخ: \"حسن\"، والصواب المثبت، وهو موافق لما في المستدرك، وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٤٤٩.","vol":"13","page":359},{"text":"سمعت أنه كان بينَ فِراقِ يوسفَ حِجْرَ يعقوبَ إلى أن التقيا ثمانون سنةً (^١).\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا داودُ بنُ مهرانَ، قال: ثنا عبد الواحد بنُ زيادٍ، عن يونُسَ، عن الحسن، قال: ألقى يوسف في الجبِّ وهو ابن سبع عشرة سنةً، وكان بين ذلك وبين لقائه يعقوب ثمانون سنةً، وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنةً، ومات وهو ابن عشرين ومائة سنة (^٢).\nقال: ثنا سعيد بن سليمان، قال: ثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن نحوه، غير أنه قال: ثلاث وثمانون سنة (^٣).\nقال: ثنا داود بن مهران، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن يونس، عن الحسن، قال: أُلقى يوسف في الجبِّ وهو ابن سبع عشرة سنةً، وكان في العبودية وفي السجن وفي المُلْكِ ثمانين سنةً، ثم جمع اللهُ ﷿ شمله، وعاش بعد ذلك ثلاثًا وعشرين سنةً (^٤).\nحدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: أُلقى يوسف في الجب، وهو ابن سبع عشرة سنةً، فغاب عن أبيه ثمانين سنةً، ثم عاش بعد ما جمع الله له شمله ورأى تأويل رؤياه، ثلاثًا وعشرين سنةً، فمات وهو ابن عشرين ومائة سنة (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٧٢ من طريق حسين بن علي الجعفى به، وعزاه السيوطي في الدر ٤/ ٣٨ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ١٩ من طريق عبد الواحد بن زياد به.\n(^٣) أخرجه الطبرى في تاريخه ١/ ٣٦٣ من طريق يونس به، وذكره ابن كثير ٤/ ٣٣٦ - ٣٣٧ عن يونس به، وعزاه السيوطي في الدر ٤/ ٣٨ إلى ابن أبي شيبة والمصنف وابن المنذر وأبى الشيخ والحاكم وابن مردويه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٢ من طريق ابن علية به، وأحمد في الزهد ص ٨٠ - ٨١ من طريق يونس به.\n(^٥) تاريخ الطبرى ١/ ٣٦٣ من طريق مبارك به، وذكره ابن كثير ٤/ ٣٣٦ - ٣٣٧ عن مبارك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٨ إلى ابن أبي شيبة والمصنف وابن المنذر وأبى الشيخ والحاكم وابن مردويه.","vol":"13","page":360},{"text":"حدثنا مجاهدٌ، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا هشيم، عن الحسن، قال: غاب يوسف عن أبيه في الجبِّ [وعند الملكِ] (^١) وفى السجن حتى التقيا ثمانين عامًا، فما جفَّت عينا يعقوب، وما على الأرض أحدٌ أكرمَ على الله من يعقوب (^٢).\nوقال آخرون: كانت مدة ذلك: ثمانِ عشرة سنةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-4562>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ذُكِر لى - والله أعلم - أن غَيبة يوسفَ عن يعقوب كانت ثمانِ عشرة سنة. قال: وأهل الكتاب يزعمون أنها كانت أربعين سنةً أو نحوها، وأن يعقوبَ بقى مع يوسف بعد أن قدم عليه مصر سبع عشرة سنةً، ثم قبضه الله إليه (^٣).\nوقوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه مخبرًا عن قيل يوسفَ: وقد أحسن الله بي في إخراجه إياى من السجن الذي كنتُ فيه محبوسًا، وفى مجيئه بكم من البدو، وذلك أن مسكن يعقوبَ وولده فيما ذُكِر، كان ببادية فلسطين كذلك.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان منزلُ يعقوب وولده فيما ذكر لي بعض أهل العلم بالعَرَباتِ، من أرض فلسطين بغور (^٤) الشام.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ذكره ابن كثير ٤/ ٣٣٦ - ٣٣٧ عن هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٨ إلى ابن أبي شيبة والمصنف وابن المنذر وأبى الشيخ والحاكم وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٦٤.\n(^٤) في م: \"ثغور\".","vol":"13","page":361},{"text":"وبعض يقولُ بالأَوْلَاجِ (^١) من ناحية الشعب، وكان صاحب باديةٍ، له إبلٌ وشاءٌ (^٢).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، قال: أخبرنا شيخٌ لنا أن يعقوبَ كان ببادية فلسطين.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾. وكان يعقوب وبنوه بأرض كنعان، أهل مواشٍ وبريةٍ (^٣).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾. قال: كانوا أهل بادية وماشيةٍ (^٤).\nوالبدو مصدرٌ من قول القائل: بدا فلانٌ: إذا صار بالبادية يبدو بدوًا.\nوذُكِر أن يعقوب دخل مصر هو ومن معه من أولاده وأهاليهم وأبنائهم يومَ دخلوها، وهم أقل من مائة، وخرجوا منها يوم خرجوا منها وهم زيادة على ستمائة ألف.\n\n<span data-type='title' id=toc-4563>ذكرُ الرواية بذلك</span>\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا زيد بن الحبابِ وعمرُو بنُ محمد، عن موسى بن عُبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن شداد، قال: اجتمع آل [يعقوبَ إلى] (^٥) يوسف بمصر وهم ستةٌ وثمانون إنسانًا، صغيرُهم\n_________\n(^١) الأولاج: بنواحي حِسْمَى ببادية الشام. ينظر البلدان ٢/ ٤٠٧، ٢/ ٣١٧.\n(^٢) ذكره ابن كثير ٤/ ٣٣٦.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٣ من طريق سعيد به.\n(^٤) ذكره ابن كثير ٤/ ٣٣٦ عن ابن جريج به.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"13","page":362},{"text":"وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، وخرجوا من مصر يومَ أخرجهم فرعون وهم ستمائة ألفٍ ونيّفٌ (^١).\nقال: ثنا عمرٌو، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: خرج أهلُ يوسفَ من مصر وهم ستمائة ألف وسبعون ألفًا، فقال فرعون: إن هؤلاء لشرذمة قليلون (^٢).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن إسرائيل والمسعودى، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدةَ، عن ابن مسعود، قال: دخل بنو إسرائيل مصر وهم ثلاثة وستون إنسانًا، وخرجوا منها وهم ستمائة ألف. قال إسرائيل في حديثه: ستمائة ألفٍ وسبعون ألفًا (^٢).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسروق، قال: دخل أهلُ يوسفَ مصر وهم ثلاثمائة وتسعون من بين رجل وامرأة (^٣).\nوقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾. يعنى: من بعد أن أفسد ما بينى وبينهم، وحمل (^٤) بعضنا على بعض. يقالُ منه: نزغ الشيطان بين فلانٍ وفلانٍ، ينزَغ وينزِعُ (^٥) نَزْغًا ونزوغًا.\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾. يقولُ: إن ربي ذو لُطف وصنعٍ لما\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير ٤/ ٣٣٧ عن عبد الله بن شداد.\n(^٢) ذكره ابن كثير ٤/ ٣٣٧ عن ابن مسعود.\n(^٣) ذكره ابن كثير ٤/ ٣٣٧ عن مسروق به.\n(^٤) في م: \"جهل\". وفى التاج (ن زغ): نزغ بينهم نزعًا: أفسد وأغرى - وحمل بعضَهم على بعض.\n(^٥) سقط من: م، ف.","vol":"13","page":363},{"text":"يشَاء، ومن لطفه وصنعه أنه أخرجنى من السجن، وجاء بأهلي من البدو، بعد (^١) الذي كان بينى وبينهم من بُعدِ الدارِ، وبَعدَ ما كنت فيه من العبودة والرقِّ والإسار.\nكالذي حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ لَطَف ليوسف (^٢) وصنع له، حتى أخرجه من السجن، وجاء بأهله من البدو، ونزع من قلبه نَزْغَ الشيطان وتحريشه على إخوته (^٣).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بمصالح خلقه وغير ذلك، لا يخفى عليه مبادئ الأمور وعواقبها ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيره.\n\n<span id=\"aya-1697\"></span><span data-type='title' id=toc-4564>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قال يوسف بعد ما جمع الله له أبويه وإخوته، وبسط عليه من الدنيا ما بسط من الكرامة، ومكَّنه في الأرض، متشوقًا إلى لقاء آبائه الصالحين: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾. يعنى: من مُلْكِ مصرَ ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. يعنى من عبارة الرؤيا، تعديدًا لنعم الله عليه، وشكرًا له عليها ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقول: يا فاطر السموات والأرض، يا خالقها وبارئها ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. يقولُ: أنت ولي في دنياي على من عاداني\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يعني\".\n(^٢) في م: \"بيوسف\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٣ من طريق سعيد به.","vol":"13","page":364},{"text":"وأرادني بسوءٍ بنصرك، وتغذُوني فيها بنعمتِك، وتليني في الآخرة بفضلك ورحمتك ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾. يقول: اقبِضْنى إليك مسلمًا، ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾. يقولُ: وألحقنى بصالح آبائي إبراهيم وإسحاق ومن قبلهم من أنبيائك ورسلك.\nوقيل: إنه لم يتمنَّ أحدٌ من الأنبياء الموت قبل يوسف.\n\n<span data-type='title' id=toc-4565>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ الآية. قال: ابن عباس يقولُ: أَوّلُ نبي سأل الله الموت يوسف (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قوله: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ الآية. قال: اشتاق (^٢) إلى لقاء ربه، وأحب أن يلحق به وبآبائه، فدعا الله أن يتوفاه، ويلحقه بهم، ولم يسأل نبيٌّ قَطُّ الموتَ غير يوسف، فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ الآية. قال ابن جريجٍ: في بعض القرآن قد قال من الأنبياء: تَوَفَّنى (^٣).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿تَوَفَّنِي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٤ (١٢٠١٢) من طريق أسباط به، وذكره ابن كثير ٤/ ٣٣٨ عن السدى به.\n(^٢) في ص، ف، ت ١، ت ٢: \"اشتياقًا\".\n(^٣) ذكره ابن كثير ٤/ ٣٣٨ عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر ٤/ ٣٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.","vol":"13","page":365},{"text":"مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾: لما جمع شمله، وأقرّ عينه (^١)، وهو يومئذٍ مغموسٌ في نبتِ (^٢) الدنيا وملكها وغضارتها، فاشتاق إلى الصالحين قبله. وكان ابن عباسٍ يقولُ: ما تمنَّى نبيٌّ قَطُّ الموتَ قبلَ يوسفَ (^٣).\nحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: أخبرنا عبد الله بن الزُّبيرِ، عن سفيان، عن ابن أبي عروبة، عن قتادةَ، قال: لما جُمِع ليوسفَ شملُه، وتكاملت عليه النعمُ، سأل لقاءَ ربِّه، فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾. قال قتادة: ولم يتمنَّ الموتَ أحدٌ قطُّ، نبيٌّ ولا غيرُه، إلا يوسف (^٤).\nحدثني المُثنَّى، قال: ثنا هشامٌ، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنى غيرُ واحدٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، أن يوسف النبيَّ ﷺ لما جمع بينه وبين أبيه وإخوته، وهو يومئذ ملكٌ بمصر، اشتاق إلى الله وإلى آبائه الصالحين إبراهيم وإسحاق، قال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.\nحدثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، عن مسلمِ بن خالدٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. قال:\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣: \"بعينه\".\n(^٢) في م: \"نعيم\"، وفى تفسير ابن أبي حاتم: \"في بيت نعيم من الدنيا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٤ من طريق سعيد به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٤ من طريق ابن أبي عروبة به.","vol":"13","page":366},{"text":"العبارة (^١).\nحدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقولُ: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقولُ في قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾. يقول: توفَّنى على طاعتِك، واغفر لى إذا توفّيتنى (^٢).\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: قال يوسف - حين رأى ما رأى من كرامة الله وفضله عليه وعلى أهل بيته حين جمع الله له شمله، وردَّه على والده، وجمع بينه وبينه فيما هو فيه من المُلْكِ والبهجة -: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. ثم ارعوى يوسفُ، وذكر أن ما هو فيه من الدنيا بائدٌ وذاهبٌ، فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إِلى قوله: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (^٣).\nوذكر أن بني يعقوب الذين فعلوا بيوسفَ ما فعلوا، استغفر لهم أبوهم، فتاب الله عليهم وعفا عنهم، وغفر لهم ذنبهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-4566>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن صالح المريِّ، عن يزِيدَ الرَّقَاشيِّ، عن أنس بن مالك، قال: إن الله ﵎ لما جمع ليعقوبَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٣ (١٢٠٨) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٤ - ٢٢٠٥ من طريق أبي معاذ به، وذكره ابن كثير ٤/ ٣٣٧، وعزاه السيوطي في الدر ٤/ ٣٩ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٤ من طريق سلمة مختصرًا.","vol":"13","page":367},{"text":"شمله، وأقرَّ بعينه، خلا ولده نجيًّا، فقال بعضُهم لبعض: ألستم قد علمتم ما صنعتم، وما لقى منكم الشيخُ، وما لقى منكم يوسفُ؟ قالوا: بلى. قالوا (^١): فيغرُّكم عفوهما عنكم، فكيف لكم بربِّكم؟ فاستقام أمرهم على أن أتوا الشيخ، فجلسوا بين يديه - ويوسف إلى جنب أبيه قاعدٌ - قالوا: يا أبانا أتيناك في أمرٍ لم يَأْتِك مثله قَطُّ، ونزل بنا أمرٌ لم ينزل بنا مثله. حتى حرَّكوه - والأنبياء أرحم البرية - فقال: ما لكم يا بَنِيَّ؟ قالوا: ألستَ قد علمت ما كان منا إليك، وما كان منا إلى أخينا يوسف؟ قال: بلى. قالوا: أفلستما قد عفوتما؟ قالا: بلى. قالوا: فإنَّ عفوَكما لا يُغنى عنا شيئًا إن كان الله لم يعفُ عنا. قال: فما تُرِيدُون يا بني؟ قالوا: نُرِيدُ أن تدعو الله لنا (^٢)، فإذا جاءك الوحيُ من عندِ اللهِ بأنه قد عفا عما صنعنا، قرَّت أعينُنا، واطمأنت قلوبنا، وإلا فلا قرّةَ عينٍ في الدنيا لنا أبدًا. قال: فقام الشيخ، واستقبل القبلة، وقام يوسفُ خلفَ أبيه، وقاموا خلفَهما أذلةً خاشعين. قال: فدعا، وأمَّن يوسفُ، فلم يُجَبْ فيهم عشرين سنةً - قال صالحٌ المُرِّيُّ: يُخيفُهم - قال: حتى إذا كان رأسُ العشرين، نزل جبريل ﵇ على يعقوب ﵇، فقال: إن الله ﵎ بعثني إليك أُبشِّرُك بأنه قد أجاب دعوتك في ولدك. وأنه قد عفا عما صنعوا، وأنه قد اعتقد مواثيقهم من بعدك على النبوّة (^٣).\nحدثني المثنى، قال: ثنا الحارثُ، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمان، عن أبي عمران الجونى، قال: والله لو كان قتل يوسفَ مضَى، لأدخلهم الله النارَ كلَّهم، ولكن الله جلَّ ثناؤُه أمسك نفس يوسفَ، ليبلُغَ فيه أمره\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".\n(^٢) بعده في م: \"في أمر\".\n(^٣) عرائس المجالس للثعالبي ص ١٢٤ عن صالح المرى به، وذكره ابن كثير ٤/ ٣٣٩ - ٣٤٠ نقلًا عن الطبري.","vol":"13","page":368},{"text":"ورحمةً لهم، ثم يقولُ: والله ما قصَّ الله نبأَهم يُعَيِّرُهم بذلك، إنهم لأنبياء من أهل الجنة، ولكن الله قصَّ علينا نبأَهم، لئلا يَقْنَطَ عبده.\nوذُكِر أن يعقوبَ تُوُفِّي قبل يوسفَ، وأوصى إلى يوسف، وأمره أن يدفنه عند قبر أبيه إسحاق.\n\n<span data-type='title' id=toc-4567>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباط، عن السدي، قال: لما حضر الموتُ يعقوبَ، أوصى إلى يوسف أن يدفنه عندَ إبراهيم وإسحاق، فلما مات نُفخ فيه المرُّ، وحُمِل إلى الشام. قال: فلما بلغوا إلى ذلك المكان أقبل عيصا (^١) أخو يعقوب، فقال: غلبني على الدعوة، فواللهِ لا يَغْلِبُنى على القبرِ، فأبَى أَن يَتْرُكَهم (^٢) يَدفنوه، فلما احتبسوا قال هشام بن دانِ (^٣) بن يعقوبَ - وكان هشامٌ أصمَّ - لبعض إخوته: ما لجدِّى لا يُدفَنُ؟ قالوا: هذا عمك يَمْنَعُه، قال: أرُونيه أين هو؟ فلما رآه رفع هشامٌ يدَه، فوجأ بها رأس العيص وجأةً، سقطت عيناه على فخذ يعقوب، فدفنا في قبرٍ واحدٍ (^٤).\n\n<span id=\"aya-1698\"></span><span data-type='title' id=toc-4568>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: هذا الخبر الذي أخبرتك به من خبر يوسف ووالده يعقوب\n_________\n(^١) في م: \"عيص\".\n(^٢) بعده في م: \"أن\".\n(^٣) في م: \"دار\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٥ من طريق أسباط به، وذكره ابن كثير ٤/ ٣٤٠ عن السدى بنحوه.","vol":"13","page":369},{"text":"وإخوته وسائر ما في هذه السورةِ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾. يقولُ: من أخبار الغيب الذي لم تُشَاهِدَه، ولم تُعاينه، ولكنا ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ ونُعَرِّفُكَه، لنثِّبت به فؤادك، ونُشَجِّعَ به قلبك، وتَصْبِرَ على ما نالك من الأذى من قومِك في ذاتِ اللهِ، وتَعْلَمَ أَن من قبلك من رسل الله، إذ صبَروا على ما نالهم فيه، وأخَذوا بالعفو، وأمروا بالعرفِ، وأعرضوا عن الجاهلين - فازوا بالظَّفَرِ، وأُيِّدوا بالنصر، ومُكِّنوا في البلادِ، وغلبوا من قصدوا من أعدائهم وأعداء دين اللهِ، يَقُولُ الله ﵎ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فيهم يا محمد فتأسَّ، وآثارهم فقُصَّ ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾. يقولُ: وما كنت حاضرًا عند إخوة يوسف، إذ أجمعُوا، واتفقت آراؤهم، وصحَّت عزائمُهم، على أن يُلْقُوا يوسفَ في غيابة الجبِّ، وذلك كان مكرهم الذي قال الله ﷿: ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾.\nكما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة. قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾. يعني: محمدًا ﷺ، يقول: ما كنت لديهم وهم يلقونه في غيابة الجبِّ ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾، أي: بيوسفَ (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ الآية. قال: هم بنو يعقوب.\n\n<span id=\"aya-1699\"></span><span data-type='title' id=toc-4569>القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾.</span>\nيقول جلَّ ثناؤه: وما أكثر مشركي قومك يا محمد، ولو حرَصتَ على أن يُؤمنوا بك فيُصدِّقوك، ويَتَّبِعوا ما جئتهم به من عندِ ربِّك، بمصدِّقيك ولا مُتَّبِعيك.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٩ إلى المصنف وابن المنذر وأبي الشيخ.","vol":"13","page":370},{"text":"<span id=\"aya-1700\"></span><span data-type='title' id=toc-4570>القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لمحمدٍ ﷺ: وما تسأل يا محمد هؤلاء الذين يُنكرون نبوَّتَك، ويمتنعون من تصديقك، والإقرار بما جئتهم به من عندِ ربِّك على ما تَدعُوهم إليه من إخلاص العبادة لربِّك، وهجر عبادة الأوثان، وطاعة الرحمن، ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾. يعنى: من ثواب وجزاءٍ منهم، بل إنما ثوابُك وأجرُ عملِك على الله. يقولُ: ما تسألهم على ذلك ثوابًا، فيقولوا لك: إنما تُريدُ بدعائك إيَّانا إلى اتِّباعِك، لتَنْزِلَ لك عن أموالنا إذا سألتنا ذلك، وإذ (^١) كنت لا تسألهم ذلك، فقد كان حقًّا عليهم أن يعلموا أنك إنما تَدعُوهم إلى ما تدعوهم إليه، اتباعًا منك لأمرِ ربِّك، ونصيحةً منك لهم، وأن لا يَسْتغِشُّوك.\nوقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾. يقول تعالى ذكره: ما هذا الذي أرسلك به ربُّك يا محمد من النبوَّة والرسالة، إلا ذكرٌ، يقول: إلا عظة وتذكيرٌ للعالمين، ليتعظوا ويتذكروا به.\n\n<span id=\"aya-1701\"></span><span data-type='title' id=toc-4571>القول في تأويل قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾.</span>\nيقول جلَّ وعزَّ: وكم من آية في السماوات والأرض لله، وعبرةٍ وحُجَّةٍ؛ وذلك كالشمس والقمر والنجوم، ونحو ذلك من آيات السماوات، وكالجبال والبحار والنبات والأشجار، وغير ذلك من آياتِ الأَرضِ. ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾. يقولُ: يُعاينونها، فيمرُّون بها معرضين عنها، لا يعتبرون بها، ولا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"إن\".","vol":"13","page":371},{"text":"يُفكِّرون فيها، وفيما دلَّت عليه من توحيدِ ربِّها، وأن الألوهة لا تنبغى (^١) إلا للواحد القهار، الذي خلقها وخلق كل شيءٍ، فدبَّرها.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4572>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾: وهى في مصحفِ عبدِ اللَّهِ: (يَمْشُون عليها)؛ السماء والأرضُ آيتان عظيمتان (^٢).\n\n<span id=\"aya-1702\"></span><span data-type='title' id=toc-4574>القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وما يُقِرُّ أكثر هؤلاء - الذين وصف ﷿ صفتهم بقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ - بالله أنه خالقه ورازقه وخالقُ كلِّ شيءٍ، إلا وهم به مشركون في عبادتهم الأوثان والأصنام، واتخاذهم من دونه أربابًا، وزعمهم أن له ولدًا، تعالى الله عما يقولون [عُلوًّا كبيرًا] (^٣).\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4573>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمران بنُ عُيَيْنَةَ، عن عطاء بن السائبِ، عن سعيدِ\n_________\n(^١) في م: \"تبتغى\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٧ (١٢٠٣٣)، من طريق سعيد بن بشير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٩، ٤٠ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٣) ليست في م، ص، ت ٢، ف.","vol":"13","page":372},{"text":"ابن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ﴾ الآية. قال: من إيمانهم إذا قيل لهم: مَنْ خلق السماء، ومَنْ خلق الأرض، ومَنْ خلق الجبال؟ قالوا: الله. وهم مشركون (^١).\nحدثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماكٍ، عن عكرمة في قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. قال: تَسأَلهم من خلقهم، ومن خلق السماواتِ والأرضَ؟ فيقولون: الله. فذلك إيمانهم باللهِ، وهم يَعْبُدون غيره (^٢).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامرٍ وعكرمة: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ﴾ الآية. قالا: يعلمون أنه ربُّهم، وأنه خلقهم، وهم مشركون به (^٣).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيل، عن جابرٍ، عن عامر وعكرمة بنحوه.\nقال: ثنا ابن نُمَيْرٍ، عن نصرٍ، عن عكرمة: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. قال: من إيمانهم إذا قيل لهم: من خلق السماواتِ؟ قالوا: الله. وإذا سئلوا: ومَن خلقهم؟ قالوا: الله. وهم يشركون به بعد.\nقال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، عن الفَضْلِ (^٤) بن يزيد الثُّماليِّ، عن عكرمة (^٥)، قال: هو\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٧ (١٢٠٣٤) بإسناد آخر عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٠ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٤١.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٤١ عن عكرمة وعامر.\n(^٤) في النسخ: \"الفضيل\". والمثبت من مصادر ترجمته. وانظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٢٦٠.\n(^٥) بعده في ص: \"عن ابن عباس\".","vol":"13","page":373},{"text":"قولُ اللَّهِ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥، والزمر: ٣٨]. فإذا سئلوا عن الله وعن صفتِه، وصفوه بغير صفته، وجعلوا له ولدًا، وأشركوا به.\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شَبَابَةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. إيمانهم قولهم: الله خالقنا ويَرْزُقُنا ويُميتنا (^١).\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. فإيمانهم قولُهم: الله خالقنا، ويَرْزُقُنا ويُميتنا.\nحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ إيمانهم قولهم: الله خالقنا، ويرزقنا ويميتُنا. فهذا إيمان مع شركِ عبادتِهم غيرَه.\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. قال: إيمانهم قولهم: الله خالقنا، ويرزقنا ويميتنا.\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا هانئ بن سعيدٍ وأبو معاوية، عن حجاجٍ، عن القاسم، عن مجاهد، قال: يقولون: الله ربُّنا، وهو يرزقنا. وهم يشركون به بعد (^٢).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٠١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٧ (١٢٠٣٥)، من طريق حجاج به بنحوه.","vol":"13","page":374},{"text":"حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد، قال: إيمانهم قولهم: الله خالقنا ويرزقُنا ويميتُنا.\nقال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تُميْلَةَ، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد وعامر، أنهم قالوا في هذه الآية: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. قال: ليس أحدٌ إلا وهو يَعلَمُ أن الله خلقه، وخلق السماواتِ والأرضَ، فهذا إيمانهم، ويكفرون بما سوى ذلك (^١).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾: في إيمانهم هذا، إنك لست تلقى أحدًا منهم إلا أنبأك أن اللَّهَ ربُّه، وهو الذي خلقه ورزقه، وهو مشركٌ في عبادتِه (^١).\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ الآية. قال: لا تَسأَلُ أحدًا من المشركين: مَنْ ربُّك؟ إلا قال: ربي الله. وهو يُشْرِكُ في ذلك (^٢).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. يعنى النصارى، يقولُ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. ولئن سألتهم: من يرزُقُكم من السماء والأرض؟ ليقولُنَّ: الله. وهم مع ذلك يُشْرِكُون به، ويعبدون غيره، [ويَسْجُدُون] (^٣) للأنداد دونَه.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٤١.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٨.\n(^٣) في م: \"يسجدون\".","vol":"13","page":375},{"text":"حدثني المثنى، قال: أخبرنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاك، قال: كانوا يُشركون به في تلبيتهم (^١).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن عبد الملكِ، عن عطاء: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ﴾ الآية. قال: يعلمون أن الله ربهم، وهم يشركون به بعد.\nحدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن عبد الملك، عن عطاءٍ في قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. قال: يعلمون أن الله خالقهم ورازقهم، وهم يُشْرِكُونَ به (^٢).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعتُ ابْنَ زِيدٍ يقولُ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ﴾ الآية. قال: ليس أحدٌ يَعْبُدُ مع الله غيره إلا وهو مؤمنٌ باللهِ، ويَعْرِفُ أن الله ربُّه، وأن الله خالقه ورازقه، وهو يُشْرِكُ به، ألا ترى كيف قال إبراهيم: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]. قد عرَف أَنهم يَعْبُدُونَ ربَّ العالمين مع ما يَعْبُدُونَ. قال: فليس أحدٌ يُشْرِكُ به إلا وهو يؤمنُ (^٣) به، ألا تَرَى كيف كانت العرب تُلَبِّى تقولُ: لبيك اللهم لبيك، لبيك (^٤) لا شريك لك، إلا شريكٌ هو لك، تملكه وما مَلَكَ؟ المشركون كانوا يقولون هذا (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٤١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه ٥/ ٤١١ (١١٤٦ - تفسير) من طريق هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في م: \"مؤمن \". والمثبت موافق لما في مصدر التخريج.\n(^٤) سقط من: م، ت ٢.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٨ (١٢٠٣٨) عن عبد الرحمن به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٤١.","vol":"13","page":376},{"text":"<span id=\"aya-1703\"></span><span data-type='title' id=toc-4576>القولُ في تأويل قوله: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧)﴾.</span>\nيقول جل ثناؤه: أفَأَمِن هؤلاء الذين لا يُقرون بأنَّ الله رَبُّهم إلا وهم مشركون في عبادتهم إيَّاه غيره، ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ تغشاهم من عقوبةِ اللهِ وعذابه، على شركهم بالله، أو تأتيهم القيامة فجأةً وهم مقيمون على شركهم وكفرهم بربِّهم، فيُخَلِّدَهم اللهُ ﷿ في ناره، وهم لا يدرون بمجيئها وقيامها (^١).\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4575>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾. قال: تَعْشَاهم.\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾. قال: تغشاهم (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"قيامتها\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٠١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٨ (١٢٠٤١)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"13","page":377},{"text":"مجاهدٍ مثله.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾. أي: عقوبة من عذاب الله (^١).\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾. قال: غاشيةٌ: وقِيعَةٌ (^٢) تَغْشاهم من عذابِ اللهِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1704\"></span><span data-type='title' id=toc-4577>القولُ في تأويل قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: ﴿قُل﴾ يا محمد: ﴿هَذِهِ﴾ الدعوة التي أَدْعُو إليها، والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيدِ اللهِ، وإخلاص العبادة له، دونَ الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته، وترك معصيته - ﴿سَبِيلِي﴾ وطريقتي ودعوتى، ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ وحده لا شريك له ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ بذلك، ويقين علم منى به ﴿أَنَا﴾ ويَدْعُو إليه على بصيرة أيضًا ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ وصدَّقني، وآمن بي، ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾. يقول له تعالى ذكره: وقل: تنزيها لله وتعظيما له من أن يكون له شريكٌ في ملكه، أو معبودٌ سواه في سلطانه،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٩ (١٢٠٤٢)، من طريق سعيد بن أبي عروبة به بنحوه.\n(^٢) في م: \"واقعة\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٩ عن معمر به، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٩ (١٢٠٤٣)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٠ إلى ابن المنذر.","vol":"13","page":378},{"text":"﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. يقول: وأنا برئ من أهل الشرك به، لستُ منهم، ولا هم مني.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4578>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾. يقول: هذه دعوتى (^١).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾. قال: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾: هذا أمرى وسنتى ومنهاجي، ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. قال: [وحقٌّ والله على] (^٢) من اتَّبَعه أن يدعو إلى ما دعا إليه، ويذكِّر بالقرآنِ والموعظة، ويَنْهَى عن معاصي الله (^٣).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع بن أنس قولَه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾: هذه دعوتى.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾. قال: هذه دعوتى.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٠ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٢) في م: \"وحق الله وعلى\"، وفى ت ٢: \"وحق الله على\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٩، ٢٢١٠ (١٢٠٤٨، ١٢٠٥٠) عن ابن زيد به، وذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٢٨٤.","vol":"13","page":379},{"text":"<span id=\"aya-1705\"></span><span data-type='title' id=toc-4579>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي (^١) إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩)</span> (^٢)﴾.\nيقول تعالى ذكره: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ يا محمد ﴿مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ لا نساءً، ولا ملائكةً، ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ آياتنا، بالدعاء إلى طاعتنا، وإفراد العبادة لنا. ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، يعنى: من أهل الأمصار، دون أهل البوادى.\nكما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي (^٣) إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾: لأنهم كانوا أعلم وأحلم (^٤) من أهل العمود (^٥).\nوقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. يقول تعالى ذكره: أفلم يَسِرْ هؤلاء المشركون الذين يُكَذِّبونك يا محمد، ويَجْحَدون نبوَّتك، ويُنكرون ما جئتهم به من توحيد الله، وإخلاص الطاعة والعبادة له في الأرضِ، ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إذ كذَّبوا رسلنا، ألم نُحِلَّ بهم عقوبتنا، فنهلكهم بها، ونُنَجِّ منها رسلنا وأتباعهم (^٦)، فيتفكَّروا في ذلك ويعتبروا؟\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"يوحى\". وهى - بالياء مبنيًا للمفعول - قراءة السبعة غير عاصم في رواية حفص عنه. ينظر السبعة ص ٣٧٣.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"يعقلون\" بالياء، وهى قراءة حمزة وابن كثير وأبى عمرو والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ٣٦٥.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ف: \"يوحى\".\n(^٤) في ص، ف: \"أحكم\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١٠ (١٢٠٥٢) من طريق سعيد به، وأهل العماد: أهل الأخبية؛ وهم الذين لا ينزلون غيرها. ويقال لهم: أهل العمود أيضًا. ينظر تاج العروس (ع م د).\n(^٦) في م: \"وأتباعنا\".","vol":"13","page":380},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4580>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريجٍ قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي (^١) إِلَيْهِمْ﴾. قال: إنهم قالوا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]. قال: وقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾. وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾. وقوله: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ من (^٢) أهلكنا؟ قال: فكلُّ ذلك قال لقريش: أفلم يسيروا في الأرض، فينظروا في آثارهم، فيعتبروا ويتفكروا (^٣)؟\nوقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾. يقول تعالى ذكره: هذا فعلنا في الدنيا بأهل ولايتنا وطاعتنا، أن عقوبتنا إذا نزلت بأهل معاصينا والشرك بنا، أنجيناهم منها، وما في الدار الآخرة لهم خيرٌ.\nوترك ذكر ما ذكرنا اكتفاءً بدلالة قوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾. عليه، وأضيفت الدار إلى الآخرة، وهى الآخرة، لاختلافِ لفظيهما (^٤). كما قيل: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)﴾ [الواقعة: ٩٥]. وكما قيل: أتيتُك عام\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"يوحى\".\n(^٢) في الدر المنثور: \"كم\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٠ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٤) في ص، م، ت ١، س، ف: \"لفظهما\".","vol":"13","page":381},{"text":"الأوّل (^١)، وبارحة الأولى، وليلة الأولى، ويوم الخميس. وكما قال الشاعرُ (^٢):\nأَتَمْدَحُ فَقْعَسًا وتَذُمُّ عَبْسًا … أَلا لِلهِ أُمُّكَ مِنْ هَجِينِ\nولَوْ أَقْوَتْ (^٣) عَلَيْكَ دِيَارُ عَبْسٍ … عَرَفْتَ الذُّلَّ عِرفانَ اليَقِينِ\nيعني عرفانًا به يقينًا.\nفتأويل الكلام: وللدَّارُ الآخرة خير للذين اتقوا الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه.\nوقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (^٤)﴾. يقولُ: أفلا يعقل هؤلاء المشركون باللهِ حقيقةً ما نقول (^٥) لهم، ونُخْبِرُهم (^٦) به من سوء عاقبة الكفر، وغِبِّ ما يَصِيرُ إليه حال أهله، مع ما قد عاينوا ورأوا وسمعوا، مما حلَّ بمن (^٧) قبلهم من الأمم الكافرة المكذِّبةِ رسل ربها.\n\n<span id=\"aya-1706\"></span><span data-type='title' id=toc-4581>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نُوحِى إليهم مِن أَهلِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"الأولى\".\n(^٢) معاني القرآن للفراء ٢/ ٥٦ غير منسوبين.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أقرت\". ويقال: أقوت الدار إقواء: إذا أقفرت وخلت من أهلها. اللسان (ق وي).\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يعقلون\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يقول\".\n(^٦) في ت ١، ت ٢ ف: \"يخبرهم\".\n(^٧) في ص، ت ٢: \"بهم بمن\"، وفى م: \"بما\"، وفى ف: \"بهم عن قيلهم\".","vol":"13","page":382},{"text":"القُرى، فَدعَوْا مَنْ أرسلنا إليهم، فكذَّبوهم، وردُّوا ما أتوا به من عندِ اللَّهِ، ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ الذين أرسلناهم إليهم، منهم أن يُؤْمِنُوا بالله، ويُصَدِّقُوهم فيما أتوهم به من عندِ اللهِ، وظنَّ الذين أرسلناهم إليهم من الأمم المكذبةِ، أن الرسل الذين أرسلناهم، قد كذبوهم، فيما كانوا أخبروهم عن الله، من وعده إياهم نصرهم عليهم، ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾، وذلك قول جماعة من أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4582>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو السائب سَلْمُ بن جُنادَةً، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن ابن عباس في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: لما أيست الرسلُ أن يَسْتَجِيبَ لهم قومهم، وظن [قومهم أن الرسل قد] (^١) كَذَبوهم، جاءهم النصر على ذلك، فننجِّى من نشاء (^٢).\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا أبو معاوية الضرير، قال: ثنا الأعمش، عن مسلم، عن ابن عباس بنحوه. غير أنه قال في حديثه، قال: أيست الرسل. ولم يَقُلْ: لما أيست.\nحدثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ أن يُسلم قومهم، وظنّ قومُ الرسل أن الرسل قد كَذَّبوا - ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الرسل أن قومهم\". ينظر مصدرى التخريج.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٥١ - تفسير) من طريق أبى معاوية به، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١٢ (١٢٠٦٧) من طريق الأعمش به.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٤٨ - تفسير) من طريق عطاء به.","vol":"13","page":383},{"text":"حدثنا ابن بشار قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن ابن عباس مثله (^١).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران بن عيينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من قومهم، وظنّ قومُهم أن الرسل قد كَذَبوا ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (^٢).\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حُصينٍ، عن عمران السُّلَمى، عن ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾: أيس الرسل من قومهم أن يُصَدِّقُوهم، وظنّ قومهم (^٣) أن الرسل قد كذبتهم (^٤).\nحدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن حُصين، عن عِمرانَ بن الحارث السلمي، عن عبدِ اللهِ بن عباس في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾. قال: استيأس الرسل من قومهم أن يَسْتَجِيبُوا لهم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: ظنّ قومُهم أنهم جاءوهم بالكذب (^٥).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت حصينا، عن عِمرانَ بن الحارث، عن ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من أَن يَسْتَجِيبَ لهم\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ١٤٨.\n(^٢) أخرجه الثوري في تفسيره ص ١٤٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١١ (١٢٠٥٩)، عن عطاء به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"قوم\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١١ (١٢٠٥٧) من طريق عبد الرحمن به.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٤٧ - تفسير من طريق حصين به، والأثر في تفسير مجاهد ص ٤٠٢ عن حصين به.","vol":"13","page":384},{"text":"قومُهم، وظنّ قومُهم أن قد كَذَّبوهم، ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾.\nحدثني أبو حَصِينٍ عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حصين، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ (^١). قال: استيأس الرسل من قومهم أن يُؤمنوا، وظنَّ قومهم أن الرسل قد كَذَّبوهم فيما وعدوا، وكذَّبوا - ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾.\nحدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدى، عن شعبةَ، عن حصين، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس، قال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من نصر قومهم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾: ظنَّ قومهم أنهم قد كَذبوهم.\nحدثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا محمد بن الصباح، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حُصَيْنٌ، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾. قال: من قومهم أن يُؤمنوا بهم، وأن يستجيبوا لهم، وظن قومُهم أن الرسل قد كَذبوهم - ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾. يعنى: الرسل.\nحدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن حُصين، عن عمران بن الحارثِ، عن ابن عباس بمثله سواء.\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن هارونَ، عن عباد القُرَشي، عن عبد الرحمن بن معاوية، عن ابن عباس: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾، خفيفةً (^٢)، وتأويلها عندَه: وظنَّ القوم أن الرسل قد كَذبوا (^٣).\n_________\n(^١) إلى هنا ينتهى الخرم بالمخطوطة (س)، والمشار إليه في ص ٢٠٧.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"حقيقة\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٤٨.","vol":"13","page":385},{"text":"حدثنا أبو بكر، قال: ثنا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ، عن زائدة، عن الأعمش، عن مسلم، عن ابن عباس، قال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من قومهم أن يُصدِّقوهم، وظنَّ قومهم أن قد كذبتهم رسلهم - ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (^١).\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. يعنى: أيس الرسل من أن يَتَّبِعَهم قومُهم، وظنَّ قومُهم أن الرسل قد كَذَبوا، فينصرُ اللهُ الرسل، ويبعَثُ العذاب (^٢).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يُطيعوهم ويَتَّبعوهم، وظنَّ قومُهم أن رسلهم كذبوهم - ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيل، عن حُصينٍ، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من قَومِهم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: فما أبطأ عليهم إلا من ظنَّ أنهم قد كذبوا.\nقال: ثنا آدم العسقلاني، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرنا حصين بن عبد الرحمن، عن عمران بن الحارث قال: سمعت ابن عباس يقولُ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. خفيفة (^٣). وقال ابن عباسٍ: ظنَّ القوم أن الرسل قد كَذَبوهم،\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٣٨٣.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٤٨.\n(^٣) في ت ٢، س، ف: \"حقيقة\".","vol":"13","page":386},{"text":"خفيفةً (^١).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [الآية. قال: حتى إذا استيأس الرسل] (^٢) من قومهم، وظنَّ قومُهم أن الرسل قد كَذَّبوهم (^٣).\nقال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن خُصَيفٍ، قال: سألت سعيد بن جبير عن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾: من قومهم، وظن الكفار أنهم هم كُذبوا.\nحدثني يعقوب والحسنُ بنُ محمد، قالا: ثنا إسماعيل ابن عُليَّةَ، قال: ثنا كلثوم بن جبرٍ (^٤): عن سعيد بن جبير قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ [وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: استيأس الرسل] (^٢) من قومهم أن يُؤمنوا، وظنَّ قومُهم أن الرسل قد كَذبتهم.\nحدثني المثنى، قال: ثنا عارمٌ أبو النعمان، قال: ثنا حماد بن زيدٍ، قال: ثنا شعيب، قال: ثنى إبراهيم بن أبى حُرَّة (^٥) الجزَرِيُّ (^٦)، قال: سأل فتى من قريش سعيد بن جبيرٍ، فقال له: يا أبا عبدِ اللهِ، كيف تقرأ هذا الحرف؟ فإنى إذا\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه ٥/ ٤١٦ (١١٤٩ - تفسير) من طريق حصين به.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، س، ف.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٣٨٣ حاشية (٣).\n(^٤) في ص: \"نصر\"، وفى ت ٢: \"جبير\". وانظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٢٠٠.\n(^٥) في م: \"حمزة\". وانظر التاريخ الكبير ١/ ٢٨١، والجرح والتعديل ٢/ ٩٦.\n(^٦) في س، ف: \"الحررى\"، وفى ت ١: \"الخدري\"، وفى ت ٢: \"الحدرى\". وانظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٨٨.","vol":"13","page":387},{"text":"أتيتُ عليه تمنيتُ أن لا أَقرَأَ هذه السورة: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: نعم، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يُصدِّقوهم، وظنَّ المُرسَلُ (^١) إليهم أن الرسلَ كَذَبوا. قال: فقال الضحاك بن مزاحم: ما رأيت كاليومِ قَطُّ رجلًا يُدْعَى إلى علمٍ فيتلكَّأُ، لو رحلتُ في هذه إلى اليمن كان قليلًا (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا ربيعة بن كلثوم، قال: ثنى أبي، أن (^٣) مسلم بن يسار سأل (^٤) سعيد بن جبيرٍ، فقال: يا أبا عبدِ اللَّهِ، آيةٌ بلغت منى كلَّ مبلغ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾، [فهذا الموتُ أن تظن (^٥) الرسل أنهم قد كذبوا] (^٦)، [أو نظنَّ] (^٧) أنهم قد كذبوا - مخففة - قال: فقال سعيد بن جبير: يا أبا عبد الرحمن، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يستجيبوا لهم، وظنَّ قومُهم أن الرسلَ كَذَبتهم - ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾، ﴿فَنُجِّيَ (^٨) مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾. قال: فقام مسلمٌ إلى سعيد فاعتنقه، وقال:\n_________\n(^١) في ت ١، س، ف: \"الرسل\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٤٨ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤١ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س: \"رجل\"، وبعده في ف: \"رجلا\".\n(^٥) في الدر المنثور: \"نظن\".\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٧) في ص، ت، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ويظن\".\n(^٨) في ص، ت ١ ت ٢، س، ف: \"فننجى\"، وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي، وخلف العاشر، بنونين الأولى مضمومة والثانية ساكنة والياء فيها ساكنة أيضا. ينظر السبعة ص ٣٥٢، والنشر ٢/ ٢٢٢.","vol":"13","page":388},{"text":"فرج الله عنك كما فرَّجت عنى (^١).\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا يحيى بن عبّادٍ، قال: ثنا وُهَيبٌ، قال: ثنا أبو المعلى العطارُ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنَّ قومهم أن الرسل قد كَذَبوهم ما كانوا يُخبرونهم ويبلغونهم (^٢).\nقال: ثنا شَبابَةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من أن يُصدِّقهم قومهم، وظنَّ قومهم أن الرسل قد كَذَبوا - جاء الرسل نصرنا (^٣).\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن، عن مجاهد مثله.\n[حدثني المثنَّى، قال: أخبرنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله] (^٤).\nحدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من قومهم، وظنّ قومُهم أن الرسل قد كذبت (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٤٩ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤١ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٣٨٤ حاشية (٢).\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٠٢.\n(^٤) سقط من: م، ت، س، ف.\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ٣٨٣ حاشية (٣).","vol":"13","page":389},{"text":"قال: ثنا حماد، عن كُلْثُومِ بن جَبرٍ، قال: قال لي سعيد بن جبير: سألني سيدٌ من ساداتكم (^١) عن هذه الآية، فقلتُ: استيأس الرسل من قومهم، وظنَّ قومهم أن الرسل قد كذبت.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: استيأس الرسل أن يُؤمِنَ قومهم بهم، وظنّ قومُهم المشركون أن الرسل قد كُذبوا ما وعدهم الله من نصره إياهم عليهم وأُخْلِفُوا. وقرأ: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾. قال: جاء الرسل النصر حينئذٍ. قال: وكان أَبَيٌّ يَقْرَؤُها: (كَذَبوا) (^٢).\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيدٍ، عن أبي المتوكل، عن أيوب بن أبى صفوان، عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ، أنه قال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من إيمانِ قومهم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾: وظنَّ القومُ أنهم قد كذبوهم فيما جاءُوهم به (^٣).\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهَّابِ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: ظنَّ (^٤) قومُهم أن رسلهم قد كذبوهم فيما وعدوهم به (^٥).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن جحش بن زياد الضَّبيِّ، عن تميمِ بن حَذْلَمٍ، قال: سمعت عبد الله بن مسعودٍ يقولُ في هذه\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢ س: \"سادات لهم\"، وفى ف: \"ساداتهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١٢ (١٢٠٦٥) من طريق آخر عن ابن زيد.\n(^٣) ذكره ابن حجر في فتح البارى ٨/ ٣٦٩ عن عبد الله بن الحارث.\n(^٤) بعده في ت ١، ف: \"أن\".\n(^٥) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٣٥٥ عن الضحاك بنحوه.","vol":"13","page":390},{"text":"الآية: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: استيأس الرسل من إيمان قومِهم أن يُؤمنوا بهم، وظنَّ قومهم حين أبطأ الأمرُ، أنهم قد كذبوا (^١)؛ بالتخفيف (^٢).\nحدثنا أبو المثنّى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي المُعَلَّى، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾. قال: استيأس الرسل من نصر قومهم (^٣)، وظنَّ قومُ الرسل أن الرسل قد كذبوهم (^٤).\nحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عمرو بن ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ أن يُصدقوهم (^٥)، وظن قومُهم أن الرسل قد كذبوهم.\nقال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ أَن يُصدِّقَهم قومهم، [وظنَّ قومهم] (^٦) أن الرسل قد كذبوهم (^٧).\nحدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعت الضحاك (^٨) في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾.\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"مخففة\".\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٥٠ - تفسير)، وعبد الرزاق ١/ ٣٢٩، والطبراني في الكبير ٩/ ١٤٨ (٨٦٧٥) من طريق تميم بن حذلم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤١ ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) بعده في ف: \"وظنوا\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ٣٨٧، ٣٨٨.\n(^٥) في ت ٢: \"يصدقهم قومهم\".\n(^٦) سقط من: س، ف.\n(^٧) ينظر ما تقدم في ص ٣٨٤.\n(^٨) بعده في ص، ت ٢: \"يقول\".","vol":"13","page":391},{"text":"يقولُ: استيأسوا من قومهم أن يُجيبوهم ويُؤمنوا بهم، ﴿وَظَنُّوا﴾. يقول: وظنَّ قومُ الرسل أن الرسل قد كذبوهم الموعد.\nوالقراءة على هذا التأويل الذي ذكرنا في قوله: ﴿كُذِبُوا﴾، بضم الكافِ، وتخفيف الذال، وذلك أيضًا قراءة بعض قرأَةِ أهل المدينة، وعامة قرأة أهل الكوفة (^١).\nوإنما اخترنا هذا التأويل وهذه القراءة؛ لأن ذلك عقيب قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي (^٢) إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. فكان ذلك دليلا على أن إياس الرسل كان من إيمان قومهم الذين أُهلكوا، وأن المضمر في قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. إنما هو من ذكرِ الذين من قبلهم من الأمم الهالكة، وزاد ذلك وضوحًا أيضًا إتْبَاعُ اللَّهِ في سياق الخبر عن الرسل وأممهم قوله: ﴿فَنُجِّيَ (^٣) مَنْ نَشَاءُ﴾ إذ الذين أُهلكوا هم الذين ظنُّوا أن الرسل قد كَذبتهم، فكذبوهم ظنًّا منهم أنهم قد كذبوهم.\nوقد ذهب قوم ممن قرأ هذه القراءةَ إلى غير التأويل الذي اخترنا، ووجهوا معناه إلى: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنَّت الرسل أنهم قد كُذبوا فيما وُعِدوا من النصر.\n_________\n(^١) هي قراءة عاصم، وحمزة والكسائي، وأبو جعفر وخلف العاشر، والباقون بتشديد الذال (كُذِّبوا). وينظر السبعة ص ٣٥٠، والنشر ٢/ ٢٢٢، والإتحاف ص ١٦٢.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س: \"يوحى\". وهى قراءة السبعة غير عاصم في رواية حفص عنه. وتقدمت نسبة هذه القراءة في ص ٣٨٠.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فننجي\".","vol":"13","page":392},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4583>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عثمان بن عمر (^١)، قال: ثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، قال: قرأ ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: كانوا بشرًا، ضَعُفوا ويئسوا (^٢).\nقال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قرأ (^٣) ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾، خفيفةً. قال ابن جريجٍ: أَقُولُ كما يَقولُ: أُخْلِفُوا. قال عبد الله: قال (^٤) لى ابن عباسٍ: كانوا بشرًا. وتلا ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. قال ابن جريج: قال ابن أبي مليكة: ذهب بها إلى أنهم ضعفوا، فظنُّوا أنهم (^٥) أُخلفوا.\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا مُؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، عن عبدِ اللهِ أنه قرأ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾، مخففةً. قال عبد الله: هو الذي تكره (^٦).\n_________\n(^١) في ت، س: \"عمرو\". وانظر تهذيب الكمال ١٩/ ٤٦١.\n(^٢) أخرجه البخارى (٤٥٢٤)، والنسائى في الكبرى (١١٢٥٦) من طريق ابن جريج به بنحوه، والطبراني في الكبير ١١/ ١٢٤ (١١٢٤٥) من طريق ابن أبي مليكة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٠ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٣) في ص، ت ٢، س، ف: \"قرأها\".\n(^٤) في ص، س، ف: \"ثم قال\".\n(^٥) بعده في ت ١: \"قد\".\n(^٦) في ت ٢: \"يكره\"، وفى ف: \"نكره\". والأثر في تفسير الثورى ص ١٤٨.","vol":"13","page":393},{"text":"قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن سليمان (^١)، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، أن رجلا سأل عبد الله بن مسعود: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: هو الذي تكره (^٢)، مخففةً.\nقال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بِشْرٍ، عن سعيد بن جُبَيرٍ أنه قال في هذه الآية ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قلت: كذبوا! قال: نعم، ألم (^٣) يكونوا بشرًا؟\nحدثنا الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: كانوا بشرًا، قد ظنُّوا.\nوهذا تأويل، وقولُ غيره من أهل التأويل أولى عندى بالصواب، وخلافه من القول أشبه بصفاتِ الأنبياء والرسل، إن جاز أن يرتابوا بوعدِ اللَّهِ إياهم، ويَشكُوا في حقيقة خبره، مع معاينتهم من حجج الله وأدلته ما لا يعانيه المرسل إليهم، فيُعذَروا في ذلك؛ إِنَّ المرسَلَ إليهم لأولى في ذلك منهم بالعذر (^٤). وذلك قول إن قاله قائل لا يَخْفَى أمرُه، وقد ذكر هذا التأويل الذي ذكرناه أخيرًا عن ابن عباس لعائشة فأنكرته أشدَّ النُّكرةِ فيما ذُكر لنا.\n_________\n(^١) في ت ١: \"سلمان\".\n(^٢) في س: \"يكره\"، وفى ف: \"نكره\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"لم\".\n(^٤) يعنى أنه لا مانع من عروض مثل هذا الظن للكل من الخلق على وجه لا يستقر ولا يستمر عليه ولئن كان هذا الظن يعرض للأنبياء على هذا الوجه الذي لا يستمر، فإن المرسل إليهم لَهُمْ أولى منهم في ذلك عذرا. ينظر تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ٥/ ١٢٧.","vol":"13","page":394},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4584>ذكرُ الرواية بذلك عنها، رضوان الله عليها:</span>\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا ابن جُريجٍ، عن ابن أبي مُلَيْكةً، قال: قرأ ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. فقال: كانوا بشرًا ضَعُفوا ويَئِسُوا. قال ابن أبي مليكة: فذكرت ذلك لعروةَ، فقال: قالت عائشةُ: مَعَاذَ اللَّهِ، ما حدَّث الله رسوله شيئًا قط إلا علم أنه سيكونُ قبل أن يموت، ولكن لم يَزَلِ البلاء بالرسل، حتى ظنَّ الأنبياءُ أن من تبعهم قد كذبوهم، فكانت تقرؤُها (قد كُذِّبوا) تُنقِّلُها.\nقال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني ابن أبي مليكة أن ابن عباس قرأ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾، خفيفةً. قال عبد الله: ثم قال لى ابن عباس: كانوا بشرًا. وتلا ابن عباس: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. قال ابن جُرَيجٍ: قال ابن أبي مليكة: يَذْهَبُ بها إلى أنهم ضَعُفوا؛ فظنُّوا أنهم أُخْلِفُوا. قال ابن جُريجٍ: قال ابن أبى مُليكةَ: وأخبرنى عروة عن عائشةَ، أنها خالفت ذلك وأبته، وقالت: ما وعد الله محمدًا ﷺ من شيء إلا وقد علم أنه سيكونُ، حتى مات، ولكنه لم يَزَلِ البلاء بالرسل، حتى ظنُّوا أن من معهم من المؤمنين قد كَذَبوهم. قال ابن أبي مليكة في حديث عروة: كانت عائشة تقرؤُها: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبوا)، مثقَّلةً للتكذيبِ.\nقال: ثنا سليمان بن داودَ الهاشميُّ، قال: ثنا إبراهيم بن سعدٍ، قال: ثنى صالح بن كيسان، عن ابن شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قال: قلت لها: قولُه: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾؟ قال: قالت عائشة:","vol":"13","page":395},{"text":"لقد استيقنوا أنهم قد كُذِّبوا. قلت: كُذِبوا؟ قالت: مَعاذَ اللهِ، لم تَكُنِ الرسلُ تظنُّ [ذلك بربِّها] (^١)، إنما هم أتباعُ الرسلِ؛ لما استأخَر عنهم الوحيُ واشتدَّ عليهم البلاءُ، ظنَّت الرسلُ أن أتباعَهم قد كَذَّبوهم - ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ (^٣)، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عائشةَ، قالت: حتى إذا استيأَس الرسلُ ممن كذَّبهم من قومِهم أن يُصَدِّقوهم، وظنَّت الرسلُ أن مَن قد آمَن من قومِهم قد كَذَّبوهم، جاءهم نصرُ اللهِ عندَ ذلك.\nفهذا ما رُوِى في ذلك عن عائشةَ، غيرَ أنها كانت تَقرأُ: (كُذِّبُوا) بالتشديدِ وضمِّ الكافِ، بمعنى ما ذكَرنا عنها، من أن الرسلَ ظنَّت بأتباعِها الذين قد آمنوا بهم، أنهم قد كَذَّبوهم، فارتدُّوا عن دينِهم، استبطاء منهم للنصرِ.\nوقد بيَّنا أن الذي نَخْتَارُ من القراءةِ في ذلك والتأويلِ غيرُه في هذا الحرفِ خاصةً (^٤).\nوقال آخرون ممن قرَأ قوله: (كُذِّبُوا) بضمِّ الكافِ وتشديدِ الذالِ: معنى ذلك: حتى إذا استيأَس الرسلُ من قومهم أن يُؤْمِنوا ويُصَدِّقوهم، وظنَّت\n_________\n(^١) في النسخ: \"يوما\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٦٩٥) من طريق إبراهيم به، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١١ (١٢٠٦٠) من طريق الزهرى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٠ إلى أبي عبيد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٣) بعده في ص، س، ف: \"عن قتادة\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ٣٩٢.","vol":"13","page":396},{"text":"الرسلُ - بمعنى: واستيقَنت - أنهم قد كذَّبهم أممُهم، جاءت الرسلُ نُصْرَتُنا.\nوقالوا: الظنُّ في هذا الموضِعِ (^١) بمعنى العلمِ، من قولِ الشاعرِ (^٢):\nفَظَنُّوا بألْقَىْ فَارِسِ مُتَلَبِّبٍ … سَرَاتُهُم في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-4585>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، وهو قولُ قتادةَ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من إيمانِ قومِهم، (وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا)، أي: استيقَنوا أنه لا خيرَ عندَ قومهم ولا إيمانَ - ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾. قال: من قومِهم، (وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا). قال: وعلمِوا أنهم قد كُذِّبوا - ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (^٤).\nوبهذه القراءة كانت تَقْرَأُ عامةُ قرَأَةِ المدينةِ والبصرةِ والشامِ، أعنى بتشديدِ الذالِ من (كُذِّبوا)، وضمِّ كافِها (^٥).\nوهذا التأويلُ الذي ذهَب إليه الحسنُ وقتادةُ في ذلك - إذا قِرئ بتشديدِ الذالِ وضمِّ الكافِ - خلافٌ لما ذكرنا من أقوالِ جميعِ مَنْ حكينا قولَه من الصحابة؛ لأنه\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) هو دريد بن الصمة، وتقدم البيت في ١/ ٦٢٤. وروايته هناك: فقلت لهم ظنوا بألفى مدجج.\n(^٣) في ص، ت ١: \"المشرو\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٢٩ عن معمر به، وذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٢٨٦ عن قتادة بنحوه.\n(^٥) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر ويعقوب. انظر النشر ٢/ ٢٢٢، وإتحاف فضلاء البشر ص ١٦٢. وينظر ما تقدم في ص ٣٩٢.","vol":"13","page":397},{"text":"لم يوجِّهِ (^١) الظنَّ في هذا الموضعِ منهم أحدٌ إلى معنى العلمِ واليقينِ، مع أن الظنَّ إنما استعمَله العربُ في موضعِ العلمِ، فيما كان من علمٍ أُدرِك من جهةِ الخبرِ، أو من غيرِ وجهِ المشاهدةِ والمعاينةِ؛ فأما ما كان من علمٍ أُدْرِك من وجهِ المشاهدةِ والمعاينة، فإنها لا تستعملُ فيه الظنَّ، لا تَكَادُ تَقولُ: أَظُنُّني حَيًّا، وأَظُنُّني إنسانًا، بمعنى: أعلَمُنى إنسانًا، وأعْلَمُنى حيًّا. والرسلُ الذين كذَّبتْهم أممُهم، لا شك أنها كانت لأممِها شاهدةٌ، ولتكذيبِها إياها منها سامعةٌ، فيقال فيها: ظنَّت بأممِها أنها كذَّبتها.\nورُوِى عن مجاهدٍ في ذلك قولٌ هو خلافُ جميعِ ما ذكَرنا من أقوالِ الماضين الذين سمَّينا أسماءَهم وذكَرنا أقوالَهم، وتأويلٌ خلافُ تأويلِهم، وقراءةٌ غيرُ قراءةِ جميعِهم؛ وهو أنه، فيما ذُكِر عنه، كان يَقْرَأُ: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كَذَّبُوا) بفتح الكاف والذّال وتخفيف الذّال.\n\n<span data-type='title' id=toc-4586>ذكرُ الروايةِ عنه بذلك</span>\nحدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا أبو عُبيدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ أنه قرَأها: (كَذَبُوا) بفتحِ الكافِ، بالتخفيفِ (^٢).\nوكان يتأوَّلُه كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: استيأَس الرسلُ أن يعذَّبَ قومُهم، وظنَّ قومُهم أن الرسلَ قد كَذَبَوا - ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾. قال: جاء الرسلَ نصرُنا. قال مجاهدٌ: قال في\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"يوجد\"، وفي ت ١: \"يوحد\".\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٢٨٦، والثعالبي في تفسيره، ٢/ ٣٥٤ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤١ إلى المصنف، وهذه القراءة شاذة لم يقرأ بها أحد من العشرة.","vol":"13","page":398},{"text":"\"المؤمنِ\": ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣]. قال: قولُهم نحن أعلمُ منهم، ولن نُعذَّبَ. وقوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر:٨٣]. قال: حاق بهم ما جاءت به رسلُهم من الحقِّ.\nوهذه قراءةٌ لا أستجيزُ القراءةَ بها، لإجماعِ الحجةِ من قرَأةِ الأمصارِ على خلافِها، ولو جازت القراءةُ بذلك لاحتملَ وجهَا من التأويلِ وهو أحسنُ مما تأوَّله مجاهدٌ، وهو: حتى إذا استيأَس الرسلُ من عذابِ اللهِ قومَها المكذِّبة بها، وظنَّت الرسلُ أن قومَها قد كَذَّبوا وافترَوا على اللَّهِ بكفرِهم بها. ويكونُ الظنُّ حينئذٍ موجَّهًا إلى معنى العلمِ، على ما تأوَّله الحسنُ وقتادةُ.\n\nوأما قولُه: ﴿فَنُجِّيَ (^١) مَنْ نَشَاءُ﴾. فإن القرَأةَ اختلَفت في قراءتِه؛ فقرَأه عامةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ ومكةَ والعراقِ: (فَنُنْجِى) - مُخَفَّفَةً (^٢) - ﴿مَنْ نَشَاءُ﴾ بنونين (^٣)؛ بمعنى: فنُنْجى نحن من نشاء من رسلِنا والمؤمنين بنا، دونَ الكافرين الذين كذَّبوا رسلَنا، إذا جاء الرسلَ نصرُنا. واعتلَّ الذين قَرءوا ذلك كذلك، أنه إنما كُتب في المصحفِ بنونٍ واحدةٍ، وحكمُه أن يَكُونَ بنونين، لأن إحدى النونين حرفٌ من أصلِ الكلمةِ، من أنجى يُنْجِى، والأخرى النونُ التي تأتِي لمعنى (^٤) الدَّلالةِ على الاستقبالِ، من فعلِ جماعةٍ مخبرةٍ عن أنفسِها، لأنهما (^٥) حرفان، أعنى النونين من\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فننجي\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) تقدمت نسبة هذه القراءة في ص ٣٨٨.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، س: \"بمعنى\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"لأنها\".","vol":"13","page":399},{"text":"جنسٍ واحدٍ. يُخْفَى الثاني منهما عن الإظهارِ في الكلامِ، فحُذِفت من الخطِّ، واجتزِئ بالمثْبَتةِ (^١) من المحذوفةِ، كما يُفعل ذلك في الحرفين اللَّذين يُدغمُ أحدُهما في صاحبِه.\nوقرَأ ذلك بعضُ الكوفيِّين على هذا المعنى، غير أنه أدغَم النونَ الثانيةَ وشدَّد الجيمَ.\nوقرَأه [آخرُ منهم] (^٢) بتشديدِ الجيمِ، ونصبِ الياءِ، على معنى: فُعِل ذلك به، من نجَّيتُه أُنَجِّيه.\nوقرَأ ذلك بعضُ المكيين (^٣): (فَنَجا (^٤) مَنْ نَشاءُ) بفتحِ النونِ والتخفيفِ، من: نجا من عذابِ اللَّهِ مَنْ نشاءُ - يَنْجُو (^٥).\nوالصوابُ من القراءة في ذلك عندَنا قراءةُ من قرَأه: (فَنُنْجِي مَنْ نَشَاءُ) بنونين؛ لأن ذلك هو القراءةُ التي عليها القرَأةُ في الأمصارِ، وما خالَفه ممن قرَأ ذلك ببعضِ الوجوهِ التي ذكرناها، فمنفردٌ بقراءته عما عليه الحجةُ مجمعةٌ من القرَأةِ، وغيرُ جائزٍ خلافُ ما كان مستفيضًا بالقراءةِ في قرَأةِ الأمصارِ.\nوتأويلُ الكلامِ: فنُنَجِّي الرسلَ، ومن نشاءُ من عبادِنا المؤمنين، إذا جاء نصرُنا.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني\n_________\n(^١) في ت ٢، س: \"بالمبينة\".\n(^٢) في س: \"آخرون\". وهى قراءة عاصم، وهى أيضا قراءة ابن عامر. السبعة ص ٣٥٢.\n(^٣) في س: \"الكوفيين\".\n(^٤) في ص، ت ١ س، ف: \"فننجى\"، وفي ت ٢: \"فنجي\".\n(^٥) هي قراءة ابن محيصن. انظر الإتحاف ص ١٦٢، القراءة شاذة.","vol":"13","page":400},{"text":"أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: (فَنُنْجى مَنْ نَشاءُ)؛ فننجِّى الرسلَ ومَنْ نشَاءُ، ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ وذلك أن الله ﵎ بعثَ الرسلَ فدعَوا قومَهم، وأخبَروهم أنه من أطاع نجَا، ومن عصَاه عُذِّب وغَوَى (^١).\nوقولُه: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾. يَقُولُ: ولا تُرَدُّ عقوبتُنا وبطشُنا بمن بطَشْنا به من أهلِ الكفرِ بنا، عن القومِ الذين أجرَموا فكَفروا باللهِ، وخالَفوا رسلَه، وما أتَوهم به من عندِه.\n\n<span id=\"aya-1707\"></span><span data-type='title' id=toc-4587>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لقد كان في قصصِ يوسفَ وإخوتِه عِبرةٌ لأهلِ الحِجا والعقولِ، يعتبِرون بها، وموعظةٌ يتعِظون بها، وذلك أن الله جلَّ ثناؤُه بعدَ أن أُلقِى يوسفُ في الجبِّ ليَهْلِكَ، ثم بِيع بَيعَ العبيدِ بالخسيسِ من الثمنِ، وبعدَ الإسارِ والحبسِ الطويلِ ملَّكه، مصرَ، ومكَّن له في الأرضِ، وأعلَاه على مَن بغاه سوءًا من إخوتهِ، وجمَع بينَه وبينَ والديه وإخوتِه بقدرتِه، بعد المدّةِ الطويلةِ، وجاء بهم إليه من الشُّقَّةِ النائيةِ (^٢) البعيدةِ، فقال جلَّ ثناؤُه للمشركين من قريشٍ، من قومِ نبيِّه محمدٍ ﷺ: لقد كان لكم أيُّها القومُ في قَصَصِهم عبرةٌ لو اعتبَرتم به؛ إن الذي فعَل ذلك بيوسفَ وإخوتِه لا يَتَعَذَّرُ عليه أن (^٣) يفعلَ مثلَه بمحمدٍ ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١٢، ٢٢١٣ (١٢٠٦٨، ١٢٠٦٩) من طريق محمد بن سعد به.\n(^٢) في ص: \"الثابتة\".\n(^٣) سقط من: ص، س، ف.","vol":"13","page":401},{"text":"فيُخْرِجَه من بين أظهرِكم، ثم يُظهرَه عليكم، ويُمَكِّنَ له في البلادِ، ويُؤَيِّده بالجندِ والرجالِ، من الأتباعِ والأصحابِ، وإن مرّت به شدائدُ، [وأتَت] (^١) دونَه الأيامُ والليالي [والدهورُ] (^٢) والأزمانُ.\nوكان مجاهدٌ يقولُ: معنى ذلك: لقد كان في قصصِهم عبرةٌ ليوسفَ وإخوتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4588>ذكرُ [الروايةِ بذلك]</span> (^٣)\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ ليوسفَ وإخوتِه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: عبرةٌ ليوسفَ وإخوتِه (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. قال: يوسفُ وإخوتُه.\nوهذا القولُ الذي قاله مجاهدٌ وإن كان له وجهٌ يَحْتَمِلُه التأويلُ، فإن الذي قلنا\n_________\n(^١) في ت ١، س، ف: \"رأيت\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ٢، س، ف.\n(^٣) في ت ٢، س: \"من قال ذلك\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١٣ (١٢٠٧١) من طريق ورقاء به.","vol":"13","page":402},{"text":"في ذلك أولى به؛ لأن ذلك عقيبَ الخبرِ عن نبيِّنا محمدٍ ﷺ، وعن قومِه من المشركين، وعقيبَ تهديدِهم ووعيدِهم، على الكفرِ باللهِ وبرسولِه محمدٍ ﷺ. ومنقطِعٌ عن خبرِ يوسفَ وإخوتِه، ومع ذلك أنه خبرٌ عامٌّ عن جميعِ ذوى الألبابِ أن قصصَهم لهم عبرةٌ، [وغيرُ مخصوصٍ] (^١) بعضٌ به دونَ بعضٍ. فإذا كان الأمرُ على ما وصَفْنا في ذلك، فهو بأن يَكُونَ خبرًا عن أنه عِبرةٌ لغيرِهم (^٢) أشبه (^٣)، والروايةُ التي ذكَرناها عن مجاهدٍ روايةُ ابن جريجٍ أشبهُ به أن تَكُونَ من قولِه؛ لأن ذلك موافقٌ القولَ الذي قلناه في ذلك.\nوقولُه: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما كان هذا القولُ حديثًا يُختلَقُ ويُتَكَذَّبُ ويُتَخَرَّصُ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾. والفِرْيةُ: الكذبُ، ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. يقولُ: ولكنه تصديقُ الذي بينَ يديه من كتبِ اللهِ التي أنزَلها قبلَه على أنبيائِه؛ كالتوراةِ والإنجيلِ والزَّبورِ، ويُصَدِّقُ ذلك كلَّه ويَشْهَدُ عليه، أن جميعَه حقٌّ من عند اللهِ (^٤).\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. والفرقانُ تصديقُ الكتب التي قبلَه، ويشهَدُ عليها.\n_________\n(^١) في ت ١، س: \"من خصوص\"، وفى ت ٢: \"وعبرة من خصوص\".\n(^٢) سقط من: ف، وفى ت ١: بغيرهم\"، وفى س: \"تعبرهم\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١٣ (١٢٠٧٢) من طريق سعيد به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤١ إلى المصنف وأبى الشيخ.","vol":"13","page":403},{"text":"وقولُه: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهو أيضًا تفصيلُ كلِّ ما بالعبادِ إليه حاجةٌ؛ مِن بيانِ أمرِ اللهِ ونَهْيه، وحلالِه وحرامِه، وطاعتِه ومعصيتِه.\nوقولُه: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهو بيانُ أمرِه، ورشادُه (^١) مَن جَهِلَ سبيل الحقِّ فَعَمِى عنه، إذا اتَّبَعه فاهْتَدى به مِن ضلالتِه، ﴿وَرَحْمَةً﴾ لَمَنْ آمَن به وعَمِل بما فيه، يُنْقِذُه مِن سَخَطِ اللَّهِ وأليمِ عذابِه، ويُورِثُه في الآخرةِ جِنانَه والخلودَ في النعيمِ المقيمِ، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: لقومٍ يُصدِّقون بالقرآنِ، وبما فيه مِن وعْدِ اللهِ ووعيدِه، وأمرِه ونَهْيِه، فيَعْمَلون بما فيه من أمرِه، ويَنْتَهون عما فيه مِن نَهْيِه.\nآخِرُ تفسيرِ سورةِ يوسفَ [ﷺ، يتلوه تفسير السورة التي يُذكرُ فيها الرعدُ. وصلَّى اللهُ على محمد وآلِه وسلَّم كثيرًا] (^٢).\n_________\n(^١) في م: \" رشاد\".\n(^٢) سقط من: م.","vol":"13","page":404},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-4589>أولُ تفسيرِ السورةِ التي يُذكرُ فيها الرعدُ</span>\n\n<span id=\"aya-1708\"></span><span data-type='title' id=toc-4591>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ </span>(١)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: قد بَيَّنَّا القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الر﴾ [يوسف: ١]، و﴿المر﴾، ونظائرِها من حروفِ المعجمِ، التي افْتُتِح بها أوائلُ بعضِ سورِ القرآنِ فيما مَضَى، بما فيه الكفايةُ مِن إعادتها، غيرَ أنَّا نذكُرُ من الروايةِ ما جاء خاصًّا به كلَّ سورةٍ افتُتِح أوَّلُها بشيءٍ منها.\nفمما جاءِ من الروايةِ في ذلك في هذه السورةِ عن ابن عباسٍ مِن نَقْلِ أبى الضُّحى مسلمِ بن صُبيحٍ، وسعيدِ بن جبيرٍ عنه، التفريقُ بينَ معنى ما ابْتُدِئَ به أَوَّلُها، مع زيادةِ الميمِ التي فيها، على سائرِ السورِ (^١) ذواتِ الراءِ، ومعنى ما ابُتدِئ به أخواتُها، مع نُقْصانِ ذلك منها عنها.\n\n<span data-type='title' id=toc-4590>ذكرُ الرواية بذلك عنه</span>\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، عن هشيمٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿المر﴾. قال: أنا اللهُ أرى (^٢).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، س، ف: \"سور\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٢ إلى المصنف وأبى الشيخ.","vol":"13","page":405},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شريكٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبي الضُّحَى، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿المر﴾ قال: أنا اللهُ أرى (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ الفضلُ بنُ دُكَينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ: ﴿المر﴾: فواتحُ يَفْتحُ بها كلامَه (^٢).\nوقولُه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تلك التي قَصَصتُ عليك خبرَها، آياتُ الكتابِ الذي أنزلتُه قبلَ هذا الكتابِ الذي أنزلتُه إليك، إلى مَن أنزلتُه إليه مِن رسلي قبلَك.\nوقيل: عَنَى بذلك التوراةَ والإنجيلَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4592>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾: الكتب التي كانت قبلَ القرآنِ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. قال: التوراةُ والإنجيلُ (^٤).\nوقولُه: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ فاعمَلْ بما فيه، واعتصِمْ به.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١٥ (١٢٠٨٠) من طريق شريك به.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١/ ٢٠٥.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٢ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٢ إلى المصنف.","vol":"13","page":406},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4593>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ الفضلُ بنُ دُكَينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾. قال: القرآنُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾. أي: هذا القرآنُ (^١).\nوفى قولِه: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. وَجْهان من الإعرابِ؛ أحدُهما، الرفعُ على أنه كلامٌ مبتدأٌ، فيكونُ مرفوعًا بـ ﴿الْحَقُّ﴾، و﴿الْحَقُّ﴾ به. وعلى هذا الوجهِ تأويلُ مجاهدٍ وقتادةَ، الذي ذَكَرنا قبلُ عنهما.\nوالآخَرُ، الخفضُ على العطفِ به على ﴿الْكِتَابِ﴾، فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: تلك آياتُ التوراةِ والإنجيلِ والقرآنِ. ثم يَبْتَدِئُ ﴿الْحَقُّ﴾. بمعنى: ذلك الحقُّ. فيكونُ رفعه بمضمرٍ مِن الكلامِ قد اسْتُغْنِي بدلالةِ الظاهرِ عليه منه.\nولو قيل: معنى ذلك: تلك آياتُ الكتابِ الذي أُنزِل إليك من ربِّك الحقُّ. وإنما أُدْخِلت الواوُ في ﴿وَالَّذِي﴾، وهو نعتٌ لـ ﴿الْكِتَابِ﴾، كما أَدْخَلها الشاعرُ في قولِه (^٢):\nإلى المَلِكِ القَوْمِ وابنِ الهُمَامِ … ولَيْثِ الكَتِيبة في المُزْدَحَمْ\nفعَطَف بالواوِ، وذلك كلُّه مِن صفةِ واحدٍ - كان مذهبًا من التأويلِ، ولكن ذلك إذا تُؤُوِّل كذلك، فالصوابُ من القراءةِ في: ﴿الْحَقُّ﴾ الخفضُ (^٣)، على أنه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١٥ (١٢٠٨٥) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة.\n(^٢) تقدم البيت في ٣/ ٨٩.\n(^٣) لم يقرأ أحد من العشرة (الحق) بالخفض.","vol":"13","page":407},{"text":"نعتٌ لـ ﴿وَالَّذِي﴾.\nوقولُه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ مِن مشركي قومِك [﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾] (^١): لا يُصدِّقون بالحقِّ الذي أُنزِل إليك مِن ربَّك، ولا يُقِرُّون بهذا القرآنِ وما فيه مِن مُحْكَمِ آيِه.\n\n<span id=\"aya-1709\"></span><span data-type='title' id=toc-4594>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ </span>(٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ يا محمدُ هو الذي رَفَع السماواتِ السبعَ بغيرِ عَمَدٍ تَرَونها، فجَعَلها للأرضِ سَقْفًا مَسْموكًا.\nوالعَمَدُ جمعُ عمودٍ، وهى السَّوارى، وما يُعْمَدُ به البناءُ، كما قال النابغةُ (^٢):\nوَخَيِّسِ (^٣) الجِنِّ إلى قد أذِنْتُ لهم … يَبْنُون تَدْمُرَ بِالصُّفَّاحِ (^٤) والعَمَدِ\nوجمعُ العمودِ عَمَدٌ، كما جمعُ الأديم أَدَمٌ. ولو جُمِع بالضمِّ فقيل: عُمُدٌ. جاز، كما يُجْمَعُ الرسولُ رُسُلٌ، والشَّكورُ شُكُرٌ.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُ ذلك: اللَّهُ الذي رَفَع السماواتِ بِعَمَدٍ (^٥) لا تَرَونها.\n_________\n(^١) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٢) ديوانه ص ١٣.\n(^٣) خيَّس: ذلَّل. اللسان (خ ى س).\n(^٤) الصفاح: جمع صفاحة، وهى الحجارة العراض. اللسان (ص ف ح).\n(^٥) في ت ١: \"بغير عمد\".","vol":"13","page":408},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4595>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا عمرانُ بنُ حُدَيرٍ، عن عكرمةَ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: إن فلانًا يقولُ: إنها على عَمَدٍ. يعنى السماء. قال: فقال: اقرأْها: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، أي: لا تَرَونها. (^١)\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدِ بن الصبَّاحِ، قال: ثنا معاذُ بنُ معاذٍ، عن عمرانَ بن حُدَيرٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا حميدٌ، عن الحسنِ بن مسلمٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال: بِعَمَدٍ لا تَرَونها (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن حميدٍ، عن الحسنِ بن مسلمٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال: هي لا تَرَونها.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةً، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾. يقولُ: عَمَدٍ لا (^٣) تَرَوْنها (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ قولَه:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١٦ (١٢٠٨٩) من طريق معاذ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١٦ (١٢٠٩٠) من طريق حماد به.\n(^٣) سقط من النسخ، والمثبت من تفسير مجاهد وتفسير ابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٠٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١٦ (١٢٠٩١).","vol":"13","page":409},{"text":"﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال قتادةُ: قال ابن عباسٍ: بعَمَدٍ ولكن لا تَرَونها (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريكٌ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال: ما يُدْرِيك، لعلها بعَمَدٍ لا تَرَونها (^٢)؟\nومَن تأوَّلَ ذلك كذلك، قصدَ مذهبَ تقديمِ العربِ الجحدَ مِن آخرِ الكلامِ إلى أوَّلِه، كقولِ الشاعرِ (^٣)؟\nولا أَرَاهَا تَزَالُ ظالمةً … تُحْدِثُ لى نَكْبَةً (^٤) وتَنْكَؤُها (^٥)\nيريدُ: وأَرَاها لا تزالُ ظالمةً. فقَدَّم الجَحْدَ عن موضعِه من \"تزالُ\"، وكما قال الآخرُ (^٦):\nإذا أَعْجَبَتْكَ الدَّهْرَ حَالٌ مِن امْرِيءٍ … فَدَعْه وَوَاكِلْ حاله واللَّيَاليا\nيَجِئْنَ على ما كان مِن صالحٍ به … وإنْ كان فيما لا يَرَى الناسُ الِيَا\nيعني: وإن كان فيما يرى الناسُ لا يَأْلو.\nوقال آخرون: بل هي مرفوعةٌ بغيرِ عَمَدٍ.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٣١.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٢ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) هو ابن هرمة، والبيت في ديوانه ص ٥٦.\n(^٤) في الديوان: \"قرحة\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"تنكارها\". ونكأ القرحة: قشرها قبل أن تبرأ فنديت. اللسان (ن ك أ).\n(^٦) البيتان في معاني القرآن للفراء ٢/ ٥٧، والأضداد ص ٢٦٨.","vol":"13","page":410},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4596>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ خَلَفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: أخبَرنا آدمُ، قال: ثنا حمادٌ بنُ سَلمةَ، عن إياسِ بن معاويةَ في قولِه: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال: السماءُ مُقَبَّبَةٌ على الأرضِ مثلَ القُبَّةِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال: رَفَعها بغيرِ عَمَدٍ (^٢).\nوأَولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ أن يقالَ كما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. فهى مرفوعةٌ بغيرِ عَمَدٍ نَراها، كما قال ربُّنا جلَّ ثناؤُه، ولا خبرَ بغيرِ ذلك، ولا حجةَ يجبُ التسليمُ لها بقولٍ سِواه.\nوأما قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. فإنه يعنى: عَلَا عليه.\nوقد بَيَّنَّا معنى الاستواءِ، واختلافَ المختلفِين فيه، والصحيحَ مِن القولِ فيما قالوا فيه، بشواهده فيما مَضَى، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾. يقولُ: وأجْرَى الشمسَ والقمرَ في السماءِ، فسَخَّرهما فيها (^٤) لمصالحِ خلقِه، وذَلَّلَهما لمنافعِهم، ليَعْلموا بجَرْيِهما فيها عَدَدَ السنين والحسابَ، ويَفْصِلوا به بين الليلِ والنهارِ.\nوقولُه: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: كلُّ ذلك يَجْرِى في السماءِ لأَجَلٍ مُسَمًّى، أي: لوقتٍ معلومٍ، وذلك إلى فَناءِ الدنيا وقيامِ\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٥٤٢) من طريق آدم به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١٦ (١٢٠٩٢) من طريق سعيد به.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٥٤.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"فيهما\".","vol":"13","page":411},{"text":"القيامةِ التي عندَها تُكَوَّرُ الشمسُ، ويُخْسَفُ القمرُ، وتَنْكَدِرُ النجومُ. وحُذِف \"ذلك\" مِن الكلامِ لفَهْمِ السامعِين مِن أهلِ لسانِ مَن نَزَل بلسانِه القرآنُ معناه، وأن ﴿كُلٌّ﴾ (^١) لابدَّ لها مِن إضافةٍ إلى ما تُحيطُ به.\nوبنحوِ الذي قُلنا في [قولِه: ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾] (^٢). قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4597>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: الدنيا (^٣).\nوقولُه: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يَقْضِي اللَّه الذي رَفَع السماواتِ بغيرِ عَمَدٍ تَرَونها أمورَ الدنيا والآخرةِ كلَّها، ويُدبِّرُ ذلك كلَّه وحده بغيرِ شريكٍ ولا ظهيرٍ ولا معينٍ، سُبْحانه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4598>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: يَقْضِيه وحدَه (^٣).\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س: \"الكل\"، وفي ت ٢: \"لكل\".\n(^٢) في ت ٢: \"ذلك\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٢ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١٧ (١٢٠٩٨) من طريق ورقاء به.","vol":"13","page":412},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nوقولُه: ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾. يقولُ: يُفصِّلُ لكم ربُّكم آياتِ كتابِه فيُبَيِّنُها لكم، احْتجَاجًا بها عليكم أيُّها الناسُ، ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾. يقولُ: لتُوقِنوا بلقاءِ اللَّهِ والمعادِ إليه، فتُصَدِّقوا بوَعْدِه ووَعِيدِه، وتَنْزَجروا عن عبادةِ الآلهةِ والأوثانِ، وتُخلِصوا له العبادةَ إذا تَيَقَّنتُم (^١) ذلك.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4599>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾: وأن الله ﵎ إنما أنزَل كتابه وأَرسَل رُسُلَه؛ ليُؤْمَنَ بوَعْدِه، وليُسْتَيْقَنَ بلقائِه (^٢).\n\n<span id=\"aya-1710\"></span><span data-type='title' id=toc-4600>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ </span>(٣)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: والله الذي مَدَّ الأرضَ، فبَسَطَها طولًا وعرضًا.\nوقولُه: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وجَعَل في الأرضِ جبالًا ثابتةً.\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، وفى ص، ت ٢ ف: \"اتقيتم\"، وفى س: \"أيقنتم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١٧ (١٢١٠٠) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٢ إلى أبى الشيخ.","vol":"13","page":413},{"text":"والرَّواسي جمعُ راسيةٍ، وهى الثابتةُ، يقالُ منه: أرسيتُ الوَتِدَ في الأرضِ. إذا أثبَتَّه، كما قال الشاعرُ (^١):\nبهِ (^٢) خاِلداتٌ (^٣) ما يَرِمْنَ (^٤) وهايدٌ (^٥) … وأَشْعَثُ (^٦) أَرْسَتْه الوَلِيدَةُ بالفِهْرِ (^٧)\nيعني: أَثْبَتَتْه.\nوقولُه: ﴿وَأَنْهَارًا﴾. يقولُ: وجَعَل في الأرضِ أنهارًا مِن ماءٍ.\nوقولُه: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. فـ ﴿وَمِنْ﴾ الله في قولِه: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. مِن صلةِ ﴿جَعَلَ﴾ الثاني، لا الأولِ.\nومعنى الكلامِ: وجَعَل فيها زوجَين اثنين من كلِّ الثمراتِ.\nوعنى بـ ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: مِن كلِّ ذَكَر اثنان، ومن كلِّ أنثى اثنان، فذلك أربعةٌ؛ من الذكورِ اثنان، ومِن الإناثِ اثنتان (^٨)، في قولِ بعضِهم.\nوقد بَيَّنَّا فيما مَضَى أن العرب تُسَمِّي الاثنين زوجَين، والواحدَ مِن الذكورِ زوجًا لأُنثاه، وكذلك الأُنثى الواحدةَ زَوْجًا، وزوجةً لذَكَرِها، بما أغنَى عن إعادتِه\n_________\n(^١) هو الأحوص الأنصارى، والبيت في شعر الأحوص ص ٣٧٢.\n(^٢) في شعر الأحوص: \"سوى\".\n(^٣) الخالدات والخوالد: الأثافى في مواضعها. اللسان (خ ل د).\n(^٤) ما يرمن: ما يبرحن. اللسان (ر ي م).\n(^٥) الهامد: الرماد البالى المتلبد بعضه على بعض. اللسان (هـ م د).\n(^٦) الأشعث: الوتد، سمي به لشعث رأسه. اللسان (ش ع ث).\n(^٧) الفهر: الحجر قدر ما يدق به الجوز ونحوه. اللسان (ف هـ ر).\n(^٨) في م: \"اثنان\".","vol":"13","page":414},{"text":"في هذا الموضعِ (^١).\nويزيدُ ذلك إيضاحًا قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [النجم: ٤٥]. فسَمَّى الاثنين الذكر والأنثى زوجَين.\nوإنما عَنَى بقولِه (^٢): ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. نوعَين وضَربَين.\nوقولُه: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾. يقولُ: يجلِّلُ الليلَ النهارَ فيُلْبِسُه ظُلْمتَه، والنهارَ الليلَ بضيائِه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾. أي: يُلْبِسُ الليل النهارَ (^٣).\nوقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن فيما وَصَفتُ وذَكَرتُ من عجائبِ خلقِ اللَّهِ وعظيمِ قدرتِه التي خَلَق بها هذه الأشياءَ - لَدَلالاتٍ وحُجَبًا وعِظاتٍ لقومٍ يتفكَّرون فيها، فيَسْتَدِلُّون ويَعْتَبِرون بها، فيَعْلَمون أن العبادةَ لا تَصْلُحُ ولا تجوزُ إلا لَن خَلَقها ودَبَّرها، دونَ غيرِه مِن الآلهةِ والأصنامِ التي لا تقدِرُ على ضَرٍّ ولا نفعٍ، ولا لشيءٍ غيرها، إلا لمَن أنشأ ذلك فأحْدَثه مِن غيرِ شيءٍ، ﵎، وأن القُدْرةَ التي أبْدَع بها ذلك، هي القدرةُ التي لا يتعذَّرُ عليه إحياءُ مَن هَلَك من خلقِه، وإعادةُ ما فني وابتداعُ ما شاء ابْتِداعَه بها.\n\n<span id=\"aya-1711\"></span>والقولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٤٩.\n(^٢) بعده في النسخ: \"من كل\". وهى الآية ٤٠ من سورة \"هود\"، والمثبت هنا هو الصواب.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١٩ (١٢١٠٩) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٣ إلى أبى الشيخ.","vol":"13","page":415},{"text":"فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾\n[يعنى تعالى ذكرُه بقوله] (^١): ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: وفي الأرضِ قِطَع منها مُتقارباتٌ مُتَدانياتٌ، يَشْرَبُ بعضُها مِن بعضٍ بالجوارِ، وتختلِفُ بالتفاضُلِ مع تَجاورِها وقربِ بعضِها من بعضٍ، فمنها قطعةٌ سَبِخةٌ (^٢) لا تُنْبِتُ شيئًا، في جِوارِ قطعةٍ طيبةٍ تُنْبِتُ وتَنفَعُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4601>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾. قال: السَّبَخةُ والعَذِية (^٣)، والمالحُ والطيبُ (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾. قال: سِباخٌ وعُذُوبةٌ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا سعيدٌ بن سليمانَ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ\n_________\n(^١) في م: \"يقول تعالى ذكره\".\n(^٢) السبخة: أرض ذات ملح ونز. اللسان (س ب خ).\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ص، ف: \"العذبة\". والعذية: الأرض الطيبة التربة البعيدة من المياه والسباخ. اللسان (ع ذ ى).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٣ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٥) تفسير الثورى ص ١٥٠ ولفظه: سباخ وجدول. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١٩ (١٢١١٤) من طريق سفيان به بلفظ: ملح وعذوبة.","vol":"13","page":416},{"text":"سليمانَ، عن أبي سنانٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾. قال: العَذِيَةُ (^١) والسَّبَخَةُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: يعنى الأرضَ السَّبِخةَ والأرضَ العَذِيَة (^١)، يكونان جميعًا مُتجاوراتٍ، يُفضَّلُ (^٢) بعضُها على بعضٍ في الأُكُلِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ (^٤): العَذِيَةُ والسَّبَخةُ، مُتجاوراتٌ جميعًا، تُنْبِتُ هذه، وهذه إلى جَنْبِها لا تُنْبِتُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: طَيِّبُها [وعَذْبُها] (^٥)، وخبيثُها السِّباخُ (^٦).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"العذبة\".\n(^٢) في ص، م، ف: \"نفضل\".\n(^٣) عزاه السيوطي بنحوه في الدر المنثور ٤/ ٤٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ وابن المنذر، وهو عند ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١٩ (١٢١١٢) من طريق عكرمة، عن ابن عباس بنحوه أيضًا.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س تكرار لأثر ابن عباس السابق وصدر هذا الأثر باختلاف يسير.\n(^٥) في م: \"عذيها\".\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٤٠٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٠ (١٢١١٦).","vol":"13","page":417},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: قُرًى قَرُبَت، متجاوراتٌ بعضُها مِن بعضٍ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾. قال: قُرًى متجاوراتٌ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي إسحاقَ الكوفيِّ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾. قال: الأرضُ السَّبِخَةُ، بينها الأرضُ العَذِيَةُ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: يعنى الأرضَ السَّبِخَةَ والأرضَ العَذِيَة (^٣)، متجاوراتٌ، بعضُها عند بعضٍ.\nحدَّثنا الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾. قال: الأرضُ تُنْبِتُ حُلوًا، والأرضُ تُنْبِتُ، حامضًا، وهى متجاورةٌ، تُسقَى بماءٍ واحدٍ (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٣ إلى المصنف وأبى الشيخ، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٠ (١٢١١٨) من طريق سعيد، عن قتادة بلفظ: أي: قريب بعضها من بعض.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٣١ عن معمر به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"العذبة\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٣ إلى المصنف","vol":"13","page":418},{"text":"قال: يكون هذا حُلوًا وهذا حامضًا، وهو يُسْقَى بماءٍ واحدٍ، وهُنَّ مُتجاوراتٌ (^١).\nحدَّثني عبدُ الجبارِ بنُ يحيى الرَّمْليُّ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن ابن شَوْذبٍ في قولِه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾. قال: عَذِيَةٌ (^٢) ومالحةٌ.\nوقولُه: ﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى (^٣) بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وفي الأرضِ مع القطَعِ المختلفاتِ المعانى منها، بالملوحةِ والعذوبةِ، والخبيثِ والطيبِ، مع تجاورِها وتقاربِ بعضِها من بعضٍ، بساتينُ من أعنابٍ، وزرعٌ ونخيلٌ أيضًا، متقاربةٌ في الخِلْقةِ، مختلفةٌ في الطعومِ والألوانِ، مع اجتماعِ جميعِها على شِرْبٍ واحدٍ، فمِن طيِّبٍ طعمُه منها، حَسَنٍ منظرُه، طيبة رائحتُه، ومِن حامضٍ طعمُه، ولا رائحةَ له.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4602>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾. قال: مجتمِعٌ وغيرُ مجتمِعٍ، ﴿يُسْقَى (^٤) بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾. قال: الأرضُ الواحدةُ يكُونُ فيها الخَوْجُ والكمَّثْرى والعنبُ الأبيضُ والأسودُ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١٩ معلقا عن أبي أحمد به مختصرا.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"عذبة\"، وغير منقوطة في ص.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"تسقى\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"تسقى\"، وحرف المضارعة غير منقوط في ص.","vol":"13","page":419},{"text":"بعضُها أكثر حملًا من بعض، وبعضُه حلوٌ وبعضُه حامضٌ، وبعضُه أفضلُ من بعضٍ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: حدَّثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَجَنَّاتٌ﴾. قال: وما معها (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ. قال المثنى: وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أَهلِ المدينةِ والكوفةِ: (وَزَرْعٍ وَنَخِيلٍ). بالخفضِ (^٣)، عطفًا بذلك على \"الأعنابِ\"، بمعنى: وفي الأرضِ قطعٌ متجاوراتٌ، وجنَّاتٌ من أعنابٍ ومن زرعٍ ونخيلٍ.\nوقرَأ ذلك بعضُ (^٤) أهل البصرة: ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾. بالرفعِ (^٥)، عطفًا بذلك على \"الجنَّاتِ\"، بمعنى: وفى الأرضِ قطعٌ متجاوراتٌ وجناتٌ من أعنابٍ، وفيها أيضًا زرعٌ ونخيلٌ.\nوالصوابُ من القول في ذلك أن يُقالَ: إنهما قراءتان متقاربتا المعنى، وقرَأ بكلِّ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٠٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٠ (١٢١١٩)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٣ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) هي قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر. السبعة لابن مجاهد ص ٣٥٦.\n(^٤) بعده في م: \"قراء\".\n(^٥) هي قراءة أبي عمرو البصرى، وقرأ بها أيضًا ابن كثير وعاصم في رواية حفص عنه. السبعة ص ٣٥٦.","vol":"13","page":420},{"text":"واحدةٍ منهما قراءٌ مشهورون، فبأيتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ وذلك أن الزرعَ والنخلَ إذا كانا في البساتينِ، فهما في الأرضِ، وإذا كانا في الأرضِ، فالأرضُ التي هما فيها جنةٌ، فسواءٌ وُصِفا بأنهما في بستانٍ أو في أرضٍ.\nوأما قولُه: ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾. فإن الصِّنْوانَ جمعُ صِنْو، وهى النخَلاتُ يَجْمَعُهن أصلٌ واحدٌ، لا يفرَّق فيه بيَن جميعِه واثْنيه إلا بالإعرابِ في النونِ. وذلك أن تكون نونُه في اثنيه مكسورةً بكلِّ حالٍ، وفي جميعه متصرفةً (^١) في وجوهِ الإعرابِ، ونظيرُه القِنْوانُ، واحدُها قِنْوٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى الصِّنوان قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4603>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ: ﴿صِنْوَانٌ﴾. قال: المُجْتَمِعُ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ المُتفرِّقُ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، قال: ﴿صِنْوَانٌ﴾: هي النخلةُ التي إلى جنبِها نخلاتٌ إلى أصلِها، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: النخلةُ وحدَها (^٣).\nحدَّثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ بن عازبٍ: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾. قال: الصِّنوانُ النَّخْلتان\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"منصرفة\".\n(^٢) تفسير الثورى ص ١٥٠.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٥٣ - تفسير) من طريق أبي إسحاق به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٣ إلى الفريابي وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"13","page":421},{"text":"أصلُهما واحدٌ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: النخلةُ والنخلتان المتفرِّقتان (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ البراءَ يقُولُ في هذه الآيةِ، قال: النخلةُ يكونُ لها النخلاتُ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: النخلُ المتفرقُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عمرُو بن الهيثمِ أبو قَطَنٍ، ويحيى بن عبّادٍ، وعفانُ - واللفظُ لفظُ أبي قَطَنٍ - قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ في قولِه: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾. قال: الصنوانُ النخلة إلى جنبها النخلات، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: المتفرِّقُ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ في قولِه: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾. قال: الصنوانُ النخَلاتُ الثلاثُ والأربعُ والثنتان، أصلُهنَّ واحدٌ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: المتفرِّقُ (^٢):\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ وشريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ في قولِه: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾. قال: النخلتان يكون أصلُهما واحدًا، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: المتفرّقُ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه ﴿صِنْوَانٌ﴾. يقولُ: مجتمعٌ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٠، ٢٢٢١ (١٢١٢٠، ١٢١٢٤) من طريق سفيان به بنحوه.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٠٣ من طريق إسرائيل وشريك به بنحوه.\n(^٣) عزاه السيوطي بنحوه في الدر المنثور ٤/ ٤٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٢٠ (١٢١٢١) من طريق الضحاك، عن ابن عباس بلفظ: الصنوان: النخل المجتمع الأصل.","vol":"13","page":422},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: يعنى بالصنوانِ النخلةَ يَخْرُجُ من أصلها النخَلاتُ، فيَحمِلُ بعضُه، ولا يَحْمِلُ بعضُه، فيكونُ أصلُه واحدًا، ورءوسُه متفرِّقةً.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: النخيلُ في أصلٍ واحدٍ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: النخيلُ المتفرِّقُ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بن جبيرٍ: ﴿وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾. قال: مجتمعٌ، وغيرُ مجتمعٍ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا النُّفَيْليُّ، قال: ثنا زهيرٌ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ، قال: الصنوانُ ما كان أصلُه واحدًا وهو متفرِّقٌ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: الذي نبَت وحدَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿صِنْوَانٌ﴾: النخلتان وأكثرُ في أصلِ واحدٍ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: وحدَها (^٢).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿صِنْوَانٌ﴾: النخلتان أو أكثرُ في أصلٍ واحدٍ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: واحدةٌ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٠٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٤ إلى المصنف وأبي الشيخ.","vol":"13","page":423},{"text":"قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحاكِ: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾. قال: الصنوانُ المجتمِعُ، أصله واحدٌ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: المتفرِّقُ أَصله.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾. قال: الصنوانُ المجتمِعُ، الذي أصلُه واحدٌ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: المتفرِّقُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: أما الصنوانُ فالنخلتان والثلاثُ، أصولُهن واحدةٌ وفروعُهن شتى، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: النخلةُ الواحدةُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾. قال: ﴿صِنْوَانٌ﴾: النخلةُ التي يكونُ في أصلِها نخلتان وثلاثٌ أصلُهنَّ واحدٌ.\nحدَّثني يونس (^١)، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾. قال: الصنوانُ النخلتان أو الثلاثُ يَكُنَّ في أصلٍ واحدٍ، فذلك يَعُدُّه الناسُ صنوانًا.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن مَعمرٍ، قال: حدثني\n_________\n(^١) في ص، ت ١، س، ف: \"يوسف\".","vol":"13","page":424},{"text":"رجلٌ، أنه كان بين (^١) عمرَ بن الخطابِ وبين العباسِ قولٌ، فأسرَع إليه العباسُ، فجاء عمرُ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أَلم تَرَ عباسًا فعَل بي وفعل، فأردتُ أن أُجيبَه، فذكَرتُ مكانَه منك فكفَفْتُ؟ فقال: \"يَرْحَمُكَ اللَّهُ، إِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبيه\" (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿صِنْوَانٌ﴾: الصنوانُ (^٣) النخلةُ التي يَكُونُ في أصلِها نخلتان وثلاثٌ أصلُهن واحدٌ. قال: فكان بينَ عمرِ بن الخطابِ وبينَ العباسِ ﵄ قولٌ (^٤)، فأسرَع إليه العباسُ، فجاء عمرُ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا نبيَّ اللهِ، ألم تَرَ عباسًا فعَل بي وفعَل، فأردتُ أن أجيبَه، فذكَرتُ مكانَه منك، فكفَفْتُ عندَ ذلك؟ فقال: \"يَرْحَمُكَ اللَّهُ، إِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبيه\" (^٥).\nقال: أخبَرنا عبد الرزاق، قال: أخبَرنا ابن عيينةَ، عن داودَ بن شابورَ (^٦)، عن مجاهدٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: \"لا تُؤذُوني في العَبَّاسِ، فَإِنَّه بَقِيَّةُ آبائى، وإِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْو أبيه\" (٥).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حجاجٌ، عن عطاءٍ وابنِ أبى مُليكةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال لعمرَ: \"يا عُمَرُ، أما عَلِمْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يدى\".\n(^٢) قوله ﷺ: \"عم الرجل صنو أبيه\". أخرجه مسلم (٩٨٣) من طريق الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٣١.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"سابور\". وينظر تهذيب الكمال ٨/ ٣٩٩.","vol":"13","page":425},{"text":"أبيه\" (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني القاسمُ بنُ أبي بَزَّةَ (^٢)، عن مجاهدٍ: ﴿صِنْوَانٌ﴾. قال: في أصلٍ واحدٍ ثلاثُ نَخَلاتٍ، كمثلِ ثلاثةِ بنى أمٍّ وأبٍ يَتَفَاضَلُون في العملِ، كما يَتَفَاضَلُ ثمرُ هذه النخلاتِ الثلاثِ في أصلٍ واحدٍ. قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: كمثلِ صالحِ بنى آدمَ وخبيثِهم، أبوهم واحدٌ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني إبراهيمُ بنُ أبي بكرٍ (^٣)، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، عن الحسنِ، قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لقلوبِ بني آدمَ، كانت الأرضُ في يدِ الرحمنِ طينةً واحدةً، فسَطَحها وبطَحَها، فصارت الأرضُ قطعًا متجاورةً (^٤)، فيَنزِلُ عليها الماءُ من السماءِ، فتُخْرِجُ هذه زهرتَها وثمرَها وشجرَها، وتُخْرِجُ نباتَها، وتُحْيِي مَواتَها، وتُخرِجُ هذه سَبَخَها ومِلْحَها وخَبَثَها، وكلتاهما تُسْقَى بماءٍ واحد، فلو كان الماءُ مالِحًا، قيل: إنما استسبَخت هذه من قِبَلِ الماءِ. كذلك الناسُ خُلِقُوا من آدمَ، فيَنزِلُ عليهم من السماءِ تذكرةٌ، فترِقُّ قلوبٌ، فتخشَعُ وتخضَعُ، وتقسُو قلوبٌ، فتلهُو وتسهُو وتجفُو. قال الحسنُ: واللهِ ما جالس القرآنَ أحدٌ إلا قام من عندِه بزيادةٍ أو نقصانٍ، قال اللهُ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٤ إلى المصنف.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: بكر\". وينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٣٣٨.\n(^٣) بعده في م: \"بن عبد الله\". وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٦٣.\n(^٤) في م، ت ١: \"متجاورات\".","vol":"13","page":426},{"text":"وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (^١) [الإسراء:٨٢].\nوقولُه: ﴿يُسْقَى (^٢) بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾. اختلفت القرأَةُ في قولِه: (تُسْقَى)؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والعراقِ من أهل الكوفةِ والبصرةِ: (تُسْقَى). بالتاءِ (^٣)، بمعنى: تُسقَى الجناتُ والزرعُ والنخيلُ. وقد كان بعضُهم يقولُ: إنما قيل: (تُسقى). بالتاءِ لتأنيثِ \"الأعناب\".\nوقرَأ ذلك بعضُ المكيين والكوفيين: ﴿يُسْقَى﴾ بالياءِ (^٤).\nوقد اختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ تذكيرِه إذا قُرِئ كذلك، وإنما ذلك خبرٌ عن الجناتِ والأعنابِ والنخيلِ والزرعِ أنها تُسْقَى بماءٍ واحدٍ، فقال بعضُ نَحْويِّى البصرةِ: إذا قُرِئ ذلك بالتاءِ، فذلك على \"الأعنابِ\"، كما ذَكَّرَ (^٥) \"الأنعامَ\" في قولِه: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦]. وأَنَّث بعدُ فقال: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢، غافر: ٨٠]. فمَنْ قال: ﴿يُسْقَى﴾ بالياءِ جعَل. \"الأعنابَ\" مما يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، مثلَ \"الأنعامِ\".\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (^٦): مَنْ قال: (تُسْقَى). ذهَب إلى تأنيثِ الزرعِ والجناتِ والنخيلِ، ومَن ذكر ذهَب إلى النَّبتِ (^٧): ذلك كلُّه يُسقَى بماءٍ واحدٍ،\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٢٩٥ عن الحسنِ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٤ إلى المصنف.\n(^٢) في ص، ت ١، س، ف: \"تسقى\".\n(^٣) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٣٥٦.\n(^٤) وهى قراءة عاصم وابن عامر. ينظر المصدر السابق.\n(^٥) في النسخ: \"ذكروا\". موافق للسياق.\n(^٦) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٥٩.\n(^٧) في النسخ: \"أن\"، والمثبت من معاني القرآن.","vol":"13","page":427},{"text":"أُكُلُه (^١) مختلِفٌ، حامضٌ وحلوٌ. ففى هذا آيةٌ.\nوأعجبُ القراءتين إليّ أن أقرَأَ بها قراءةُ مَن قرأ ذلك بالتاءِ: (تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ). على أن معناه: تُسقَى الجناتُ والنخلُ والزرعُ بماءٍ واحدٍ؛ لمجيء (تُسْقَى) بعدَ ما قد جرَى ذكرُها، وهى جِمَاعٌ مِن غيرِ بنى آدمَ، وليس الوجهُ الآخرُ بممتنِعٍ على معنى: يُسقى ذلك بماءٍ واحدٍ. أي (^٢): جميعُ ذلك يُسقَى بماءٍ واحدٍ عَذبٍ دونَ المالحِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4604>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: (تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ). ماءُ السماءِ، كمثلِ صالحِ بنى آدمَ وخبيثِهم، أبوهم واحدٌ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: (تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ). قال: ماءُ السماءِ (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) في مصدر التخريج: \"كله\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أن\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٠٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢١ (١٢١٢٦).\n(^٤) تفسير الثورى ص ١٥٠ وفيه زيادة.","vol":"13","page":428},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرٌو، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن أبي إسحاقَ الكوفيِّ (^١)، عن الضحاكِ: (تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ). قال: ماءُ المطرِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، قرَأه ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: (تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ). قال: ماءُ السماءِ، كمثلِ صالحِ بنى آدمَ وخبيثِهم، أبوهم واحدٌ.\nقال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثنا عبدُ الجبار بنُ يحيى الرمليُّ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن ابن شَوْذَبٍ: (تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ). قال: بماءِ السماءِ.\nوقوله: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾. اختلَفت القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه عامةُ قرأَةِ المكيين والمدنيين والبصريين وبعضُ الكوفيين: ﴿وَنُفَضِّلُ﴾. بالنونِ (^٢)، بمعنى: ونُفَضِّلُ نحن بعضَها على بعضٍ في الأُكُلِ.\nوقرَأته عامَّةُ قرأَةِ الكوفيين: (ويُفَضِّلُ). بالياءِ (^٣)، ردًّا على قوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾. ويُفَضِّلُ بعضَها على بعضٍ.\nوهما قراءتان مستفيضتان بمعنًى واحدٍ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غير\n_________\n(^١) في النسخ: \"الصوفى\". وتقدم في ص ٤١٨.\n(^٢) وبها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٣٥٦.\n(^٣) وبها قرأ حمزة والكسائي. ينظر السابق.","vol":"13","page":429},{"text":"أن الياءَ أعجبُهما إليَّ في القراءةِ؛ لأنه في سياقِ كلامٍ ابتداؤُه: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾. فقراءتُه بالياءِ، إذ كان كذلك، أولى.\nومعنى الكلامِ، أن الجناتِ من الأعنابِ والزرعِ والنخيلِ، الصنوانِ وغيرِ الصنوانِ، تُسقَى بماءٍ واحدٍ عذبٍ لا مِلْح، ويُخَالِفُ اللَّهُ بينَ طُعومِ ذلك، فيُفَضَّلُ بعضُها على بعض في الطعمِ، فهذا حلوٌ وهذا حامضٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4605>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾. قال: الفارسيُّ والدَّقَلُ (^١)، والحلوُ والحامضُ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾. قال: الأرضُ الواحدةُ يكونُ فيها الخَوْخُ والكُمَّثْرَى، والعنبُ الأبيضُ والأسودُ، وبعضُها أكثرُ حَمْلًا من بعضٍ، وبعضُه حلوٌ، وبعضُه حامضٌ، وبعضُه أفضلُ من بعضٍ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عارمٌ أبو النعمانِ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾. قال: بَرْنِيٌّ وكذا وكذا، وهذا بعضُه أفضلُ من بعضٍ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءٍ\n_________\n(^١) الدقل: أردأ التمر. اللسان (د ق ل).","vol":"13","page":430},{"text":"السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾. قال: هذا حامضٌ، وهذا حلوٌ، وهذا مُزٌّ (^١).\nحدَّثني محمودُ بنُ خِدَاشٍ، [قال: ثنا سيفُ بنُ محمدٍ ابن أختِ (^٢) سفيانَ الثوريِّ، قال: ثنا الأعمشُ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال] (^٣) النبيُّ ﷺ [في قولِه] (^٤): ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾. قال: \"الدَّقَلُ والفارسيُّ، والحلوُ والحامضُ\" (^٥).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الترمذيُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ عبيدِ (^٦) اللهِ الرَّقِّيُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ عمرٍو (^٧) الرَّقِّيُّ، عن زيدِ بن أَبِي أُنَيْسةً، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾. قال: \"الدَّقَلُ والفارسيُّ، والحلوُ والحامضُ\" (^٨).\nوقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن في مخالفةِ اللهِ ﷿ بينَ هذه القطعِ الأرضِ المتجاوراتِ وثمارِ جناتِها وزروعِها\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"مر\". والمُزّ: بين الحامض والحلو. اللسان (م ز ز).\n(^٢) في ص: \"أحمد\"، وفى م، ت ١، س، ف: \"أحمد عن\". والمثبت هو الصواب، وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٣٢٨.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) زيادة من: م.\n(^٥) أخرجه الترمذى (٣١١٨)، وابن حبان في المجروحين ١/ ٣٤٧، وابن عدي ٣/ ١٢٧٠، والخطيب ٩/ ٢٢٦، وابن الجوزى في العلل المتناهية ٢/ ١٦٩، والمزى في تهذيب الكمال ١٢/ ٣٣١.\n(^٦) في النسخ: \"عبد\". والمثبت من مصدرى التخريج، وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٣٦.\n(^٧) في م: \"عمر\"، وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ١٣٦.\n(^٨) أخرجه ابن عدى في الكامل ٣/ ١٢٧٠ من طريق سليمان بن عبيد الله به، وأشار إليه الترمذي عقب الحديث السابق، وينظر العلل لابن أبي حاتم ٢/ ٨٠.","vol":"13","page":431},{"text":"على ما وصَفنا وبيَّنا، لَدليلًا واضحًا وعبرةً لقوم يعقِلون اختلافَ ذلك، أن الذي خالَف بينَه على هذا النحو الذي خالَف بينَه - هو المخالفُ بين خلقِه فيما قسَم لهم من هدايةٍ وضلالٍ، وتوفيقٍ وخذلانٍ، فوفَّق هذا وخذَل هذا، وهدَى ذا وأضلَّ ذا، ولو شاء لسوَّى بين جميعهم، كما لو شاء سوَّى بينَ جميعِ أُكُل ثمارِ الجنةِ التي تشرَبُ شِرْبًا واحدًا، وتُسقَى سِقيًا واحدًا، وهى متفاضلةٌ في الأُكُل.\n\n<span id=\"aya-1712\"></span><span data-type='title' id=toc-4606>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإن تَعجَبْ يا محمدُ من هؤلاء المشركين المتخذين ما لا يَضُرُّ ولا ينفَعُ آلهةً يَعْبُدُونها من دونى، فَعَجَبٌ قولُهم: أئذا كنا ترابًا وبَلِينا فعُدِمنا، ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: إنا لمجدَّدٌ إنشاؤُنا وإعادتُنا خلقًا جديدًا كما كنا قبلَ وفاتِنا؟ تكذيبًا منهم بقدرةِ اللهِ، وجحودًا للثوابِ والعقابِ، والبعثِ بعد المماتِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ﴾: إن عجِبتَ يا محمدُ فعجبٌ قولُهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. عجب الرحمنُ ﵎ من تكذيبِهم بالبعثِ بعدَ الموتِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا [ابن وهبٍ] (^٤)، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ\n_________\n(^١) ليست في ص، م، ت ٢، س، ف.\n(^٢) في ص، ت ٢، س: \"إنا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢١ (١٢١٢٩) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٤ إلى أبي الشيخ.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، س، ف: \"إبراهيم\".","vol":"13","page":432},{"text":"تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾. قال: إِن تَعْجَبْ من تكذيبِهم، وهم قد رأَوا من قدرةِ اللَّهِ وأمرِه، وما ضرَب لهم من الأمثالِ، فأَراهم من حياةِ الموتى في الأرضِ الميتةِ، إن تَعْجَبْ من هذه، فتَعَجَّبْ من قولِهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. أو لا يَرَوْن أَنَّا خلَقناهم من نطفة، فالخلقُ من نطفةٍ أشدُّ أم الخلقُ من ترابٍ وعظامٍ (^١)؟\nواختلَف في وجهِ تكريرِ الاستفهامِ في قولِه: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. بعد الاستفهامِ الأولِ في قولِه: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ - أهلُ العربيةِ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: الأولُ ظرفٌ، والآخرُ هو الذي وقَع عليه الاستفهامُ، كما تَقُولُ: أيومَ الجمعةِ زيدٌ منطلِقٌ؟ قال: ومَن أوقَع استفهامًا آخرَ على قولِه: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾. جعله ظرفًا لشيءٍ مذكورٍ قبله، كأنهم قيل لهم: تُبعثون. فقالوا: ﴿أَإِذَا (^٢) كُنَّا تُرَابًا﴾؟ ثم جعَل هذا استفهامًا آخرَ. قال: وهذا بعيدٌ. قال: وإن شئتَ لم تجعَلْ في قولِك: ﴿أَإِذَا﴾. استفهامًا، وجعلت الاستفهامَ في اللفظِ على \"أثنا\". كأنك قُلتَ: أيومَ الجمعةِ أعَبدُ اللَّهِ منطلقٌ؟ وأُضْمِرَ نفيُه، فهذا موضعٌ قد ابتدَأت فيه \"أَئذَا\" (^٣)، وليس بكثيرٍ (^٤) في الكلام، لو قُلتَ: اليومَ إِنَّ (^٥) عبدَ اللَّهِ منطلقٌ. لم يَحْسُن. وهو جائزٌ. وقد قالت العربُ: ما علِمتُ إنه لصالحٌ. تُرِيدُ: إنه لصالحٌ ما علِمتُ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢١ (١٢١٣٠) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٤ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) بعده في النسخ: \"متنا و\" والمثبت تلاوة للآية.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بكذا\".\n(^٤) في النسخ: \"بكبير\". والمثبت هو الصواب.\n(^٥) في م: \"أثن\".\n(^٦) ينظر تعليق الشيخ شاكر على كلام المصنف في هذا الموضع.","vol":"13","page":433},{"text":"وقال غيرُه: ﴿أَإِذَا﴾ جزاءٌ وليست بوقتٍ، وما بعدَها جوابٌ لها إذا لم يَكُنْ في الثاني استفهامٌ، والمعنى له؛ لأنه هو المطلوبُ. وقال: ألا تَرَى أنك تَقُولُ: أإن (^١) تَقُمْ يَقُومُ زيدٌ، ويَقُمْ؟ مَنْ جَزَم فلأنه وقَع موقع جوابِ الجزاءِ، ومن رَفَع فلأن الاستفهامَ. له. واستشهَد بقول الشاعرِ (^٢):\nحلَفْتُ له إِن تُدْلِج الليلَ لا يَزَلْ … أمامَك بيتٌ من بُيوتِىَ سائرُ\nفجزَم جوابَ اليمينِ؛ لأنه وقَع موقعِ جوابِ الجزاءِ، والوجهُ الرفعُ. قال: فهكذا هذه الآيةُ. قال: ومَنْ أدخَل الاستفهامَ ثانيةً؛ فلأنه المعتمَدُ عليه، وترَك الجزاءَ الأول.\nوقولُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين أنكَروا البعثَ، وجَحَدوا الثوابَ والعقابَ، وقَالُوا: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. هم الذين جَحَدوا قُدْرةَ ربِّهم، وكَذَّبوا رسولَه، وهم الذين في أعْناقِهم الأغلالُ يومَ القيامةِ في نارِ جهنمَ، فـ ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾. يقولُ: هم سكانُ النارِ يومَ القيامة، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يقولُ: هم فيها ماكثون أبدًا، لا يَمُوتُون فيها، ولا يَخْرُجون منها.\n\n<span id=\"aya-1713\"></span><span data-type='title' id=toc-4607>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويَسْتَعْجِلُونك يا محمدُ مشركو قومِك بالبلاءِ\n_________\n(^١) في النسخ: \"إن\". والمثبت ما يدل عليه السياق.\n(^٢) تقدم في ٦/ ١٠٥.","vol":"13","page":434},{"text":"والعقوبةِ، قبَل الرخاءِ والعافية، فيَقُولُون: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. وهم يَعْلَمُون ما حلَّ بَمَنْ خلَا قبلَهم من الأممِ التي عصَت ربَّها، وكذَّبت رسلَها، من عقوباتِ اللهِ وعظيمِ بلائِه، فمن بين أمةٍ مُسِخت قِرَدةً وأخرى خنازيرَ، ومن بين أمةٍ أُهْلِكت بالرجْفَةِ، وأخرى بالخسفِ، وذلك هو المَثُلاثُ التي قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾.\nوالمَثُلاتُ: العقوباتُ المنكِّلاتُ، والواحدةُ منها مَثُلةٌ، بفتحِ الميمِ وضمِّ الثاءِ. ثم تُجمَعُ: مَثُلاتٍ، كما واحدةُ الصَّدُقاتِ صَدُقَةٌ، ثم تُجمَعُ صَدُقاتٍ. وذُكر أن تَمِيمًا من بين العربِ تَضُمُّ الميم والثاء جميعًا من المُثُلاتِ، فالواحدةُ على لغتهم منها مُثْلةٌ، ثم تُجمَعُ مُثُلاتٍ، مثلُ غُرْفَةٍ وغُرُفاتٍ. والفعلُ منه: مَثَلْتُ به أَمْثلُ مَثلًا، بفتحِ الميمِ وتسكينِ الثاءِ، فإذا أردتَ أنك أقصصتَه من غيرِه، قُلْتَ: أمثُلتَه من صاحبِه أُمثلُه إمثالًا. وذلك إذا أقصَصته منه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4608>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾: وقائعُ اللهِ في الأممِ، فيمَن خَلا قبلكم (^١).\nوقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾. وهم مشركو العرب، اسْتَعْجَلوا بالشرِّ قبلِ الخيرِ، وقالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٣ (١٢١٣٧) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٤ إلى المصنف وابن المنذر وعبد الرزاق.","vol":"13","page":435},{"text":"فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾. قال: بالعقوبةِ قبلَ العافيةِ، ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾. قال: العقوباتُ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْمَثُلَاتُ﴾: الأمثالُ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ؛ وحدَّثني المثنى قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾. قال: المَثُلاتُ: الذي مَثَل الله به الأممَ من العذابِ الذي عذَّبهم، تولَّت المَثُلاثُ من العذابِ، قد خَلَت من قبلهم، وعرَفوا ذلك، وانتهَى إليهم ما مَثَل اللَّهُ بهم، حينَ عَصَوه وعصَوا رسلَه (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سليمٌ، قال: سمعتُ الشَّعْبيَّ يقولُ في قولِه: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾. قال: القِردَةُ والخنازيرُ هي المثلاتُ (^٥).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٣١، ٣٣٢ عن معمر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٣ (١٢٤٢) من طريق شبابة به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٠٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٤ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٣ (١٢١٤٣) من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٤ إلى المصنف.","vol":"13","page":436},{"text":"وقولُه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن ربَّك يا محمدُ لذو سِتْرٍ على ذنوبِ مَنْ تاب من ذنوبِه من الناسِ، فتاركٌ فضيحتَه بها في موقفِ القيامةِ، وصافحٌ له عن عقابِه عليها، عاجلًا وآجلًا، ﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾. يقولُ: على فعلِهم ما فعلَوا من ذلك بغيرِ إذنى لهم بفعلِه. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن هلَك مُصِرًّا على معاصيه في القيامةِ، إن لم يُعَجَّلْ له ذلك في الدنيا، أو يجمَعُهما له في الدنيا والآخرةِ.\nوهذا الكلامُ وإن كان ظاهرُه ظاهرَ خبرٍ، فإنه وعيدٌ من اللهِ، وتهدُّدٌ (^١) للمشركين من قومِ رسولِ اللهِ ﷺ، إن هم لم يُنيبوا ويَتُوبُوا من كفرِهم، قبلَ حلولِ نقمةِ اللهِ بهم.\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: ولكنَّ ربَّك (^٢).\n\n<span id=\"aya-1714\"></span><span data-type='title' id=toc-4609>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يا محمدُ، مِن قومِك: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: هلّا أُنزِل على محمدٍ آيةٌ من ربِّه. يعنون: علامةٌ وحُجةٌ له على نبوَّتِه، وذلك قولُهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود:١٢]. يقولُ الله له: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ لهم، تُنْذِرُهم بأسَ اللَّهِ أَن\n_________\n(^١) في م، ف: \"تهديد\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٤ إلى المصنف بنحوه.","vol":"13","page":437},{"text":"يَحِلَّ بهم على شركِهم، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. يقولُ: ولكلِّ قوم إمام يَأْتُّمون به، وهادٍ يَتَقَدَّمُهم، فيَهْدِيهم إما إلى خيرٍ، وإما إلى شرٍّ، وأصلُه من هادِى الفَرَس: وهو عنقُه التي تَهْدِى سائرَ جسدِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في المعنيِّ بالهادِ في هذا الموضع؛ فقال بعضُهم: هو رسولُ اللهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4610>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: هذا قولُ مشركي العربِ، قال اللهُ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾: لكلّ قوم داعٍ يَدْعُوهم إلى اللهِ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن سفيانَ، عن السُّديِّ، عن عكرمةَ، ومنصورٍ، عن أبي الضُّحى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. قالا: محمدٌ هو المنذِرُ، وهو الهادِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن عكرمةَ مثلَه.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبيه، عن عكرمةَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٣ (١٢١٣٧) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٥ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٢) تفسير الثورى ص ١٥١، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٤ عقب الأثر (١٢١٤٨) عن أبي الضحى به معلقا، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٥٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٥ إلى المصنف.","vol":"13","page":438},{"text":"مثلَه (^١).\nوقال آخرون: عُنى بالهادي في هذا الموضعِ: اللهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4611>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن سفيانَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. [قال: محمدٌ المنذرُ، واللهُ الهادي] (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. قال: محمدٌ المنذرُ، واللهُ الهادى.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٍ﴾. قال: أنت يا محمدُ منذرٌ، واللهُ الهادى.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. قال: المنذرُ النبيُّ ﷺ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. قال: اللهُ هادى كلِّ قومٍ (^٣).\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٢٩٧ عن عكرمة به، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٤ عقب الأثر (١٢١٤٨) عن عكرمة به معلقا وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٥٦ عن عكرمة به.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\nوالأثر ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٢٩٧ عن سعيد به، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٤ عقب الأثر (١٢١٤٨) عن سعيد به معلقا كما أخرجه في ٧/ ٢٢٢٤ - ٢٢٢٥ (١٢١٤٩) من طريق سفيان به.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٤،٢٢٢٥ عقب الأثر (١٢١٤٨) عن مجاهد به، معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٥ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"13","page":439},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. يقولُ: أنت يا محمدُ منذرٌ، وأنا هادى كلِّ قومٍ (^١).\nحُدثت عن الحسينِ، قال: سِمعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ، يقولُ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (^٢): المنذرُ محمدٌ ﷺ، والهادى اللهُ ﷿ (^٣).\nوقال آخرون: الهادى في هذا الموضعِ، معناه: نبيٌّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4612>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: المنذر محمدٌ ﷺ ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. قال: نبيٌّ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبد الرحمنِ، القاسمُ بنُ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. قال: نبيٌّ.\nقال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ. و(^٥) عن عبدِ الملكِ، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٦).\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٥ عقب الأثر (١٢١٤٩) عن العوفي عن ابن عباس به معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٥ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"و\".\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٥ عقب الأثر (١٢١٤٩) عن الضحاك به مختصرًا معلقًا.\n(^٤) تفسير الثورى ص ١٥١.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٥ (١٢١٥٠) من طريق عبد الملك به","vol":"13","page":440},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ، عن عبدِ الملكِ، عن قيسِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. قال: لكلِّ قومٍ نبيٌّ، والمُنْذِرُ محمدٌ ﷺ.\nقال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنى عبدُ الملكِ، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. قال: نبيٌّ.\nقال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. يعنى: لكلِّ قومٍ نبيٌّ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. قال: نبيٌّ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. قال: نبيٌّ يَدْعُوهم إلى اللهِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. قال: لكلِّ قوم نبيٌّ، الهادي النبيُّ ﷺ، والمنذرُ أيضًا النبيُّ ﷺ، وقرَأ: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]. وقال: ﴿نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٦]. قال: نبيٌّ من الأنبياءِ (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنى به: ولكلِّ قومٍ قائدٌ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٠٤.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٣٣٢ من طريق معمر به.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٤ عقب الأثر (١٢١٤٨) عن ابن زيد به معلقًا.","vol":"13","page":441},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4613>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. قال: إنما أنت يا محمدُ منذرٌ، ولكلِّ قومِ قادةٌ (^١).\nقال: ثنا الأشجعيُّ، قال: ثني إسماعيلُ أو سفيانُ، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. قال: لكلِّ قومٍ قادةٌ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. قال: الهادى القائدُ، والقائدُ الإمامُ، والإمامُ العملُ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا محمدٌ - وهو ابن يزيدَ - عن إسماعيلَ، عن يحيى بن رافعٍ في قولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. قال: قائدٌ (^٤).\nوقال آخرون: هو عليٌّ بن أبى طالبٍ، ﵁.\n\n<span data-type='title' id=toc-4614>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ يحيى الصوفيُّ، قال: ثنا الحسنُ بنُ الحسينِ الأنصاريُّ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٦ (١٢١٥٦) من طريق إسماعيل به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٥٦ عن أبي صالح به.\n(^٢) تفسير الثوري ص ١٥١ بنحوه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٥ (١٢١٥٣) من طريق أبي جعفر به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٥٦ عن أبي العالية به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٦ (١٢١٥٧) من طريق محمد به، وذكره ابن كثير ٤/ ٣٥٦ عن يحيى بن رافع به.","vol":"13","page":442},{"text":"ثنا معاذُ بنُ مسلمٍ بيّاعُ (^١) الهرويِّ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نَزَلت: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، وضَع ﷺ يَدَه على صدِره فقال: \"أنا المُنْذِرُ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ\". وأومَأ بيدِه إلى مَنْكِب عليٍّ، فقال: \"أنت الهادى يا عليُّ، بك يهتدى المهتدون بعدى\" (^٢).\nوقال آخرون: معناه: لكلِّ قوم داعٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4615>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. يقولُ: داعٍ (^٣).\nوقد بَيَّنتُ معنى الهدايةِ، وأنه الإمامُ المتَّبِعُ الذي يَقْدُمُ القومَ، فإذ كان ذلك كذلك، فجائزٌ أن يكونَ ذلك هو الله، الذي يَهْدِى خلقَه، ويَتْبعُ خلقُه هدَاه، ويَأْتَمُّون بأمرِه ونهيِه، وجائزٌ أن يكون نبيَّ اللهِ الذي تأتمُّ به أمّتُه، وجائزٌ أن يكونَ إمامًا من الأئمةِ يؤتمُّ به، ويَتَّبِعُ مِنهاجَه وطريقتَه أصحابُه، وجائزٌ أن يكون داعيًا من الدُّعاةِ إلى خيرٍ أو شرٍّ.\nوإذ كان ذلك كذلك، فلا قولَ أولى في ذلك بالصوابِ، من أن يقالَ كما قال جلَّ ثناؤُه: إن محمدًا هو المنذِرُ مَن أُرْسِل إليه بالإنذارِ، وإن لكلِّ قوم هاديًا يَهْدِيهم، فيَتَّبِعُونه ويَأْتمُّون به.\n_________\n(^١) في م: \"ثنا\"، وهو معاذ بن مسلم الهراء النحوى الكوفى. تنظر ترجمته في وفيات الأعيان ٥/ ٢٢١، وإنباه الرواة ٣/ ٢٨٨.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٥٦ نقلًا عن المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٥ (١٢١٥٤) من طريق أبي صالح به.","vol":"13","page":443},{"text":"<span id=\"aya-1715\"></span><span data-type='title' id=toc-4617>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥]. منكرين قدرةَ اللهِ على إعادتِهم خلقًا جديدًا بعدَ فنائهم وبلائِهم، ولا يُنكِرون قدرتَه على ابتدائِهم وتصويرِهم في الأرحامِ، وتدبيرِهم وتصريفِهم فيها حالًا بعد حالٍ، فابتدَأ الخبرَ عن ذلك ابتداءً، والمعنى فيه ما وُصِف، فقال جلَّ ثناؤُه: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾. يقولُ: وما تَنْقُصُ الأرحامُ من حملِها في الأشهرِ التسعةِ، بإرسالِها دمَ المحيض، وما تزدادُ في حملِها على الأشهرِ التسعةِ، لتمامِ ما نقَص من الحملِ في الأشهرِ التسعةِ، بإرسالِها دمَ المحيضِ. ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ لا يُجَاوِزُ شيءٌ من قَدَرِه عن تقديرِه، ولا يَقْصُرُ أمرٌ أراده فدبَّره عن تدبيره، كما لا يَزْدَادُ حملُ أنثى على ما قُدِّر له من الحملِ، ولا يَقْصُرُ عما حُدَّ له من القَدْرِ. والمقدارُ: مِفْعَالٌ من القدرَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4616>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوب بن ماهانَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ مالكٍ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾. قال: ما رأَت المرأة من يومٍ دمًا على حملِها، زاد في الحملٍ يومًا (^١)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٦ (١٢١٦) عن ابن عباس بنحوه، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٥٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٥ إلى ابن المنذر.","vol":"13","page":444},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾. [يعني: السِّقطَ] (^١)، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾. يقولُ: ما زادت الرحمُ في الحمل على ما غاضت، حتى ولَدته تمامًا، وذلك أن منِ النساءِ مَنْ تحملُ عشرةَ أشهرٍ، ومنهنَّ من تحمِلُ تسعةَ أشهرٍ، ومنهنَّ مَنْ تَزِيدُ في الحملِ، ومنهنَّ مَنْ تَنْقُصُ، فذلك الغَيْضُ والزيادةُ التي ذكر اللهُ، وكلُّ ذلك بعلمِه (^٢).\nحدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأُمويُّ، قال: ثنا عبدُ السلامِ، قال: ثنا خُصيفٌ، عن مجاهدٍ أو سعيدِ بن جبيرٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾. قال: غيضتُها (^٣) دونَ التسعةِ، والزيادةُ فوقَ التسعةِ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن مجاهدٍ، أنه قال: الغيضُ: ما رأَت الحاملُ من الدمِ في حَمْلِها، فهو نقصانٌ من الولدِ، والزيادةُ: ما زاد على التسعةِ أشهرِ، فهو تمامٌ للنقصانِ، وهو زيادةٌ (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾. قال: ما تَرَى من الدمِ،\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٥٧ عن العوفي عن ابن عباس به، وأخرج الجزء الأخير منه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٨ (١٢٧١) عن محمد بن سعد به، وذكره ابن عبد البر في الاستذكار ٣/ ٢٠٠ عن ابن عباس بنحوه.\n(^٣) في م: \"غيضها\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٦ (١٢١٦١) من طريق عبد السلام به عن مجاهد أو سعيد وزاد فيه ابن عباس، كما أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٥٦ - تفسير) من طريق خصيف بنحوه.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٥٤) - تفسير) من طريق هشيم به، كما أخرجه سعيد أيضًا (١١٥٥ - تفسير) من طريق أبي بشر به.","vol":"13","page":445},{"text":"وما تَزْدَادُ على تسعةِ أشهرٍ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ، أنه قال: يَعْلَمُ ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾. قال: ما زاد على التسعةِ الأشهرِ، ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾: قال: الدمُ تراه المرأةُ في حَملِها.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ والحجاجُ بنُ المنهالِ، قالا: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾. قال: الغيضُ: الحاملُ ترى الدمَ في حملِها، فهو الغيضُ، وهو نقصانٌ من الولدِ، وما زاد على تسعةِ أشهرٍ، فهو تمامٌ لذلك النقصانِ وهى الزيادةُ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عبدُ السلامِ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾. قال: إذا رأت (^١) دونَ التسعةِ (^٢)، زاد على التسعةِ مثلَ أيامِ الحيضِ.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾. قال: خروجُ الدمِ، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾. قال: استمساكُ الدمِ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾: إراقةُ المرأةِ، حتى يَخِسَّ الولدُ، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾. قال: إذا لم تُهْرِقِ المرأةُ تمَّ الولدُ وعَظُم (^٤).\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س: \"زادت\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س: \"السقطة\".\n(^٣) تفسير الثورى ص ١٥١.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٠٤.","vol":"13","page":446},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا شعبةُ، عن جعفرٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾. قال: المرأةُ تَرَى الدمَ، وتحملُ أكثرَ من تسعةِ أشهرٍ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصبَّاحِ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولهِ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾. قال: هي المرأةُ تَرَى الدمَ في حملِها (^١).\nقال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾: إهراقَةُ الدمِ، حتى يَخسَّ الولدُ، ﴿تَزْدَادُ﴾ إِن لم تُهْرِقِ المرأةُ تمَّ الولُد وعظُم.\nقال: ثنا الحكمُ بنُ موسى، قال: ثنا هِقْلٌ، عن عثمانَ بن الأسود، قال: قلت لمجاهدٍ: امرأتي رأَت دمًا، وأرْجُو أن تَكُونَ حاملًا - قال أبو جعفرٍ: هكذا هو في الكتابِ - فقال مجاهدٌ: ذاك غَيْضُ الأرحامِ، يَعْلَمُ ما تغيضُ الأرحامُ وما تزدادُ وكلُّ شيءٍ عنده عنده بمقدارِ الولدُ لا يَزَالُ يَقَعُ في النقصانِ ما رأت الدمَ، فإذا انقطَع الدمُ وقَع في الزيادةِ، فلا يَزَالُ حتى يتمَّ، فذلك قولهُ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾.\nقال: ثنا محمدُ بنُ الصبَّاحِ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾. قال: الغَيْضُ: الحاملُ تَرَى الدمَ في حملِها، وهو الغَيضُ، وهو نقصانٌ من الولدِ، فما زادت على التسعةِ الأشهر، فهى الزيادة، وهو تمامٌ (^١) للولادة.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٥٨ عن سعيد به.","vol":"13","page":447},{"text":"حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ في هذه الآيةِ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾. قال: كلما غاضت بالدمِ، زاد ذلك في الحملِ.\nقال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ نحوَه.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عبّادُ بنُ العوَّامِ، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾. قال: غيضُ الرحمِ: الدمُ على الحملِ، كلما غاض الرحمُ من الدمِ يومًا، زاد في الحملِ يومًا، حتى تستكملَ وهى طاهرةٌ (^١).\nقال: ثنا عبّادٌ، عن سعيدٍ، عن يَعْلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا الوليد بنُ صالحٍ، قال: ثنا أبو يزيدَ، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ في هذه الآية: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾. قال: هو الحيضُ على الحملِ، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾. قال: فلها بكلِّ يوم حاضت على حملِها، يومٌ تَزْدَادُه في طهِرها، حتى تستكملَ تسعةَ أشهرٍ طاهرًا (^٣).\nقال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا عمران بنُ حُدَيرٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾. قال: ما رأت الدمَ في حملِها، زاد في حملِها.\nحدَّثنا عبد الحميد بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور ٥/ ٤٢٦ (١١٥٧)، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٥٨ عن عكرمة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٥ إلى ابن أبي شيبة والمصنف وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٧ (١٢١٦٩) بسنده عن سعيد بنحوه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٧ (١٢١٦٨) من طريق أبي يزيد بنحوه.","vol":"13","page":448},{"text":"قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾: ما تغيضُ: أقلَّ من تسعةٍ، وما تَزْدَادُ: أكثرَ من تسعةٍ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن الحسنِ بن يحيى، قال: سمِعتُ الضحاكَ يَقُولُ: قد يُولدُ المولودُ لسنتين، قد كان الضحاكُ وُلِد لسنتين، والغَيْضُ: ما دونَ التسعةِ، وما تَزْدَادُ: فوقَ تسعةِ أشهرٍ.\nقال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾. قال: دونَ التسعةِ، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾. قال: فوقَ التسعةِ (^٢).\nقال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: وُلِدتُّ لسنتين.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن الحسنِ بن يحيى، قال: ثنا الضحاكُ أن أمَّه حمَلته سنتين، قال: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾. قال: ما تَنْقُصُ من التسعةِ: ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾. قال: ما فوقَ التسعةِ (^٣).\nقال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾. قال: كلُّ أنثى من خلقِ اللهِ.\nقال: ثنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ ومنصورٍ، عن الحسنِ، قالا:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٧ (١٢١٦٤) من طريق سفيان به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٦ (١٢١٦٢) بسنده عن الضحاك به، وهو في تفسير الثورى ص ١٥١ عن ابن جريج عن الضحاك.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور ٥/ ٤٢٦ (١١٥٨) من طريق ابن المبارك به.","vol":"13","page":449},{"text":"الغَيْضُ ما دونَ التسعةِ الأشهرِ (^١).\nقال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن داودَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن ابن جريجٍ، عن جميلةَ بنتِ سعيدٍ، عن عائشةَ، قالت: لا يَكُونُ الحملُ أكثرَ من سنتين، قدْرَ ما يَتَحَوَّلُ ظَلُّ مِغْزَلٍ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فضيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ العوفيِّ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾. قال: هو الحملُ لتسعةِ أشهرٍ وما دونَ التسعةِ، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾. قال: على التسعةِ (^٣).\nقال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عمرٌو بن ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾. قال: حيضُ المرأة على ولدِها.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾: قال: الغيضُ: السِّقْطُ، وما تزدادُ: فوقَ التسعةِ الأشهرِ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: إذا رأَت المرأة الدمَ على الحملِ، فهو الغيضُ للولدِ. يقولُ: نقصانٌ في غذاءِ الولدِ، وهو زيادةٌ في الحملِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: قتادةَ قولَه: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٥٨ عن الضحاكِ به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٥٨ نقلًا عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٥ إلى المصنف.\n(^٣) ذكره ابن عبد البر في الاستذكار ٣/ ٢٠٠، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٥٨ عن عطية به.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٣٢ عن معمر به","vol":"13","page":450},{"text":"تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾. قال: كان الحسنُ يقولُ: الغيضوضةُ أن تَضَعَ المرأةُ لستةِ أشهرٍ أو سبعةِ (^١) أشهرٍ، أولمِا دونَ الحدِّ. قال قتادةُ: وأما الزيادةُ: فما زاد على تسعةِ أشهرٍ (^٢).\nحدَّثني الحارث، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسٌ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: غَيْضُ الرحم: أن ترى الدمَ على حملِها، فكلُّ شيءٍ رأت فيه الدمَ على حملِها، ازدادت على حملِها مثلَ ذلك.\nقال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن قيسٍ بن سعدٍ، عن مجاهدٍ، قال: إذا رأَت الحاملُ الدمَ كان أعظمَ للولدِ (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سِمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سِمعتُ الضحاكَ يَقُولُ في قولِه: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾: الغيضُ: النقصانُ من الأجلِ، والزيادةُ (^٤): ما زاد على الأجلِ، وذلك أن النساء لا يَلِدْنَ لِعِدَّةٍ واحدةٍ؛ يُولَدُ المولود لستةِ أشهرٍ فيَعِيشُ، ويُولَدُ لسنتين فيَعِيشُ، وفيما بينَ ذلك. قال: وسمِعتُ الضحاكَ يَقُولُ: وُلِدتُ لسنتين، وقد نبَتَت ثناياىَ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾. قال: غَيضُ الأرحامِ: الإهراقةُ التي تَأْخُذُ النساءِ على الحملِ،\n_________\n(^١) في م: \"لسبعة\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٥٨ عن الحسنِ وقتادة بنحوه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٧ (١٢١٦٣) بسنده عن مجاهد به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٥٨ عن مجاهد بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٥، ٤٦ إلى ابن أبي شيبة والمصنف وابن المنذر.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"علي\".\n(^٥) ذكره الطوسى في التبيان ٦/ ٢٢٤ عن الضحاك به.","vol":"13","page":451},{"text":"وإذا جاءت تلك الإهراقةُ، لم يُعتدَّ بها من الحملِ، ونقَص ذلك حملَها حتى يَرْتَفِعَ ذلك؛ وإذا ارتفعَ استقبلت عِدَّةً مستقبلةً تسعةَ أشهرٍ؛ وأما ما دامت تَرَى الدمَ، فإن الأرحامَ تَغِيضُ (^١)، والولدُ يَرِقُّ، فإذا ارتفَع ذلك الدمُ، رَبَا الولدُ، واعتَدَّت حينَ يرتفع عنها ذلك الدمُ، عدَّةَ الحمل تسعةَ أشهرٍ، وما كان قبلَه فلا تَعْتَدُّ به، هو هراقةٌ، يُبْطِلُ ذلك أجمعَ أكتعَ (^٢).\nوقوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾: إى واللهِ، لقد حفِظ عليهم رزقَهم وآجالَهم، وجعَل لهم أجلًا معلومًا (^٣).\n\n<span id=\"aya-1716\"></span><span data-type='title' id=toc-4618>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ عالمُ ما غاب عنكم وعن أبصاركِم فلم تَرَوْه، وما شاهدتموه فعاينتم بأبصارِكم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ؛ لأنهم خَلْقُه وتدبيرُه، ﴿الْكَبِيرُ﴾ الذي كلُّ شيءٍ دونَه، ﴿الْمُتَعَالِ﴾ المستعلى على كلِّ شيءٍ بقدرته، وهو المتفاعلُ من العلوِّ، مثلُ المتقاربِ من القربِ، والمتدانى من الدنوِّ.\n\n<span id=\"aya-1717\"></span><span data-type='title' id=toc-4619>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ</span>\n_________\n(^١) بعده في م: \"وتنقص\".\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ٢٢٤٦، وابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٥٨ عن ابن زيد بنحوه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٨ (١٢١٧٢) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٦ إلى المصنف وأبى الشيخ.","vol":"13","page":452},{"text":"هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: معتدلٌ عندَ اللهِ منكم أيها الناسُ، الذي أسرَّ القولَ والذي جهَر به، والذي ﴿هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ في ظلمتِه بمعصيةِ اللهِ، ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾. يقولُ: وظاهرٌ بالنهارِ في ضوئِه، لا يَخْفَى عليه شيءٌ من ذلك، سواءٌ عنده سِرُّ خلقِه وعلانيتُهم؛ لأنه لا يَسْتَسِرُ عندَه شيءٌ ولا يَخْفَى.\nيُقَالُ منه: سَرَب يَسْرُب سُروبًا. إذا ظهرَ، كما قال قيسُ بنُ الخَطِيمِ (^١):\nأَنَّى سَرَبْتِ (^٢) وكنتِ غيرَ سَروبِ … وتُقَرِّبُ الأَحْلامُ غيرَ قَرِيبٍ (^٣).\nيَقُولُ: كيف سرَبتِ (^٤) بالليل بُعد هذا الطريقِ، ولم تَكُونِى تَبْرُزِين وتَظْهَرِين. وكان بعضُهم يَقُولُ: هو السالكُ في سِرْبِه: أي في مَذهبِه ومكانِه.\nواختلَف أهلُ العلم بكلامِ العربِ في السرْبِ؛ فقال بعضُهم: هو آمنٌ في سَربِه، بفتحِ السينِ، فقال (^٥) بعضُهم: هو آمنٌ في سِربِه، بكسرِ السين.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4620>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ\n_________\n(^١) ديوانه ص ١٥.\n(^٢) في ت ١: \"سريت\" وهى رواية، وينظر الديوان ص ١٥ واللسان (س رب).\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"مريب\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"سرب\" وفى م: \"سريت\". والمثبت هو الصواب.\n(^٥) في ص، ت ٢، س، ف: \"وقال\"، وفي ت ٢: \"قال\".","vol":"13","page":453},{"text":"مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾. يقولُ: هو صاحبُ رِيبةٍ مستخفٍ بالليلٍ، وإذا خرَج بالنهارِ أرى الناس أنه بريءٌ من الإثمِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾. قال: ظاهرٌ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ، عن عوفٍ، عن أبي رجاءٍ في قولِه: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾. قال: إن الله أعلمُ بهم (^٣)، سواءٌ من أسرَّ القولَ، ومن جهَر به، ومن هو مستخفٍ بالليلِ، وساربٌ بالنهارِ.\nحدَّثنا الحسنُ (^٤) بنُ محمدٍ، قال: ثنا عليٌّ بنُ عاصمٍ، عن عوفٍ، عن أبي رجاءٍ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾. قال: من هو مستخفٍ في بيتِه، ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾. ذاهبٌ على وجهه؛ علمُه فيهم واحدٌ (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾. يَقولُ: السرُّ والجهْرُ عندَه سواءٌ، ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ (^٦). أما المستخفى ففى بيتِه، وأما الساربُ: الخارجُ بالنهارِ، حيثما كان المستخفِى غيبُه الذي يَغِيبُ فيه،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٩ (١٢١٨١) عن محمد بن سعد به دون أوله.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٦ إلى المصنف وأبي عبيد وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) في ت ١، س، ف: \"فيهم\".\n(^٤) في ص، ت ١، س: \"الحسين\".\n(^٥) ذكره الطوسى في التبيان ٦/ ٢٢٦ مختصرًا.\n(^٦) بعده في ت ١، ت ٢، س: \"و\".","vol":"13","page":454},{"text":"والخارجُ عندَه سواءٌ.\nقال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن خُصَيفٍ، في قولِه: ﴿مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾. [قال: راكبٌ رأسَه في المعاصى] (^١)، ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾. قال: ظاهرٌ بالنهارِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾: كلُّ ذلك عندَه ﵎ سواءٌ، السرُّ عندَه علانيةٌ، قولَه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾: أي: في ظلمةِ الليلِ، ﴿وَسَارِبٌ﴾: أي ظاهرٌ بالنهارِ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شريكٌ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ: ﴿وَسَارِبٌ﴾. قال: ظاهرٌ بالنهارِ.\nو\"مَن\" في قولِه: ﴿مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾. رفعٌ؛ الأولى منهنّ بقوله سواءٌ، والثانيةُ معطوفةٌ على الأولى، والثالثةُ على الثانيةِ.\n\n<span id=\"aya-1718\"></span><span data-type='title' id=toc-4621>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾.\n_________\n(^١)</span> سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٩ (١٢١٧٨، ١٢١٨٢) من طريق آخر عن خصيف عن مجاهد به. دون أوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٦ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٢٨، ٢٢٢٩ (١٢١٧٦، ١٢١٧٩) من طريق آخر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٦ إلى أبى الشيخ.","vol":"13","page":455},{"text":"اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: للَّهِ تعالى ذكرُه مُعَقِّباتٌ. قالوا: و(^١) الهاءُ في قولِه: ﴿لَهُ﴾ من ذكرِ اسمِ اللَّهِ، والمعقِّباتُ: التي تَتعَقَّبُ (^٢) على العبدِ، وذلك أن ملائكةَ الليلِ إذا صَعِدت بالنهارِ، أعقَبتها ملائكةُ النهارِ، فإذا انقضى النهارُ، صعِدت ملائكةُ النهارِ، ثم أعقَبتها ملائكةُ الليلِ. وقالوا: و(^١) قيل: معقِّباتٌ. والملائكةُ جمعُ مَلَكٍ، مذكرٌ غيرُ مؤنثٍ، وواحدُ الملائكةِ معقِّبٌ، وجماعتُها مُعقِّبةٌ، ثم جُمِع جمعُه، أعنى جمعَ معقِّبٍ بعدَما جُمِع معقبةً، فقيلَ: معقِّباتٌ. كما قيل: أبناواتُ سعدٍ، ورجالاتُ بنى فلانٍ، جمعُ رجالٍ.\nوقولُه: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. [يعنى بقولِه: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾: من قُدَّامِ هذا المستخفى بالليلِ، والساربِ (^٣) بالنهارِ، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾] (^٤): من وراءِ ظهرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4622>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ - يعنى ابنَ زاذانَ -، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. قال: الملائكةُ (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ السلامِ بن صالحٍ القُشَيريُّ، قال: ثنا\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) كذا في النسخ، ولعل الصواب: \"تعتقب\".\n(^٣) في ص، ت ١، س، ف: \"سارب\".\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٧ إلى المصنف.","vol":"13","page":456},{"text":"عليُّ بنُ جريرٍ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عبدِ الحميدِ بن جعفرٍ، عن كنانةَ العدويِّ، قال: دخَل عثمانُ بنُ عفَّانَ على رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أخبِرْنى عن العبدِ كم معه من مَلَكٍ؟ قال: \"مَلَكٌ على يمينِك؛ على حسناتِك، وهو أمينٌ (^١) على الذي على الشِّمالِ، فإذا عمِلْتَ حَسَنَةً كُتِبَتْ عَشْرًا، وإذا عمِلْتَ سيِّئَةً، قال الذي على الشِّمالِ للذى على اليَمينِ: أكْتُبُ؟ قال: لا، لعَلَّه يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ويَتوبُ. فإذا قال ثَلاثًا، قال: نعم، اكْتُبْ، أرَاحَنا اللَّهُ منه، فبئْسَ القَرِينُ، ما أقَلَّ مُرَاقَبَتَه للَّهِ، وأقَلَّ اسْتِحْياءَه منَّا. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. ومَلَكانِ من بين يَديْك ومن خَلْفِك، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. ومَلَكٌ قابِضٌ على ناصيتِكَ، فإذا تَوَاضَعْتَ للَّهِ رفَعك، وإذَا تَجَبَّرْتَ على اللَّهِ قَصَمك، ومَلَكانِ على شَفَتَيْك ليس يَحْفَظان عليك إلا الصَّلاةَ على مُحَمَّدٍ، ومَلَكٌ قائمٌ على فِيك، لا يَدَعُ الحَيَّةَ تَدْخُلُ فِي (^٢) فِيك، ومَلَكانِ على عينيك، فهؤلاء عَشَرَةُ أمْلاكٍ على كُلَّ آدَميٍّ، ينزِلُونَ مَلائِكَةُ [اللَّيْلِ على مَلائِكَةِ] (^٣) النَّهارِ؛ [لأن ملائكةَ الليلِ سوى ملائكةِ النهارِ] (^٤)، فهؤلاء عِشْرُون مَلَكًا على كُلَّ آدَمِىٍّ، وَإبْليِسُ بالنَّهارِ، وولَدُه باللَّيْلِ\" (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ [وَمِنْ خَلْفِهِ﴾] (^٦): الملائكةُ\n_________\n(^١) في م: \"أمير\"، وفى ابن كثير: \"آمر\" وفى بعض طبعات ابن كثير: \"أمير\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف، والمثبت موافق لما في مصدرى التخريج.\n(^٤) سقط من النسخ، والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٨ إلى المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٦٠ عن المصنف. وقال: حديث غريب جدًّا.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"13","page":457},{"text":"﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ﴾. قال: مع كلِّ إنسانٍ حَفَظةٌ يَحفَظونه من أمرِ اللَّهِ.\nقال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: فالمعقباتُ هنَّ (^٢) من أمرِ اللَّهِ، وهى الملائكةُ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِمَاكٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: ملائكةٌ يَحْفَظونه من بين يديه ومن خلفِه، فإذا جاء قَدَرُه خَلَّوا عنه (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾، فإذا جاء القدَرُ خَلَّوا عنه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في هذه الآيةِ،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٠٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٧ إلى المصنف.\n(^٢) في ت ٢، س، ف: \"هو\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٣٢ (١٢١٩٨) من طريق أبى صالح به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٣٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٣٢ (١٢١٩٦) من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٧ إلى الفريابى وابن المنذر.","vol":"13","page":458},{"text":"قال: الحفَظَةُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: ملائكةٌ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا يَعْلى، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبى خالدٍ، عن أبى صالحٍ في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾. قال: ملائكةُ الليلِ يَعْقُبون ملائكةَ النهارِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾: هذه ملائكةُ الليلِ يَتَعَاقَبُون فيكم بالليلِ والنهارِ، وذُكِر لنا أنهم يَجْتَمِعُون عندَ صلاةِ العصرِ وصلاةِ الصبحِ.\nوفى قراءةِ أبيِّ بن كعبٍ: (له معقِّباتٌ من بين يديه، ورقيبٌ من خلفِه، يَحْفَظُونه من أمرِ اللَّهِ) (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾. قال: ملائكةٌ يَتَعَاقَبونه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. قال: الملائكةُ. قال ابن جريجٍ: معقِّباتٌ، قال: الملائكةُ تَعَاقبُ الليلَ والنهارَ، وبلَغنا أن النبيَّ ﷺ قال: \"يَجْتَمِعُون (^٣) فيكم عندَ صلاةِ العصرِ وصلاةِ الصبحِ\". وقولُه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال ابن جريجٍ: مثلُ قولِه: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]. قال:\n_________\n(^١) هي قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف، ينظر البحر المحيط ٥/ ٣٧٢.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٣٢ عن معمر به، وسيأتي تمامه في ص ٤٦٤.\n(^٣) في ت ١، س، ف: \"يجتمعن\"، وبياض في ت ٢.","vol":"13","page":459},{"text":"الحسناتُ من بين يدَيْه، والسيئاتُ من خلفِه؛ الذي عن يمينِه يكتُبُ الحسناتِ، والذي عن شمالِه يكتُبُ السيئاتِ.\nحدَّثنا سَوّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ ليثًا يحدِّثُ عن مجاهدٍ، أنه قال: ما من عبدٍ إلا له (^١) ملَكٌ مُوَكَّلٌ بِحفظِه في نومِه ويقظتِه، من الجنِّ والإنسِ والهوامِّ، فما منها شيءٌ يأتيه يُريدُه إلا قال: وراءَك. إلا شيئًا يَأْذَنُ اللَّهُ فيه، فيُصِيبُه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. قال: يعنى: الملائكةُ.\nوقال آخرون: بل عنَى بالمعقِّباتِ في هذا الموضعِ: الحرسَ الذي يتعاقبُ على الأميرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4623>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفَاعيُّ، قال: ثنا ابن يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبِ بن أبى ثابتٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. قال: [ذكَر مَلِكًا] (^٣) من ملوكِ الدنيا له حرسٌ، من دونِه حرسٌ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. يعنى: وليُّ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"به\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٧ إلى المصنف.\n(^٣) في م: \"ذلك ملك\".","vol":"13","page":460},{"text":"السُّلطانِ (^١) يَكُونُ عليه الحرسُ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن شَرَقيٍّ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. قال: هؤلاء الأمراءُ (^٣).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عمرُ (^٤) بنُ نافعٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. قال: المواكبُ من بين يدَيْه ومن خلفِه (^٥).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: [ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ] (^٦) في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: هو السلطانُ [المحترسُ من أمرِ اللَّهِ] (^٧)، وهم أهلُ الشركِ (^٨).\nوأولى التأويلين في ذلك بالصوابِ قولُ مَنْ قال: الهاءُ في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾. من ذِكرِ \"مَنْ\" التي في قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾. وأن\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢ س، ف: \"شيطان\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٧ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه أبو داود في كتاب القدر، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٣٠ (١٢١٩٠) من طريق شعبة به.\n(^٤) في م: \"عمرو\". وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٥١٤.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٦٠.\n(^٦) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٧) في م: \"المحروس من أمر الله\"، وفى ت ١، س، ف: \"المحترس من الله\"، وفى ت ٢: \"المحرس من الله\".\n(^٨) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٦٠.","vol":"13","page":461},{"text":"المعقِّباتِ من بين يديه ومن خلفِه، هي حَرَسُه وجَلاوِزَتُه (^١) كما قال ذلك من ذكَرنا قولَه.\nوإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصوابِ؛ لأن قولَه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾. أقربُ إلى قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾. منه إلى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾؛ فهى لقربِها منه أولى بأن تكُونَ من ذكْرِه، وأن يكُونَ المعنيُّ بذلك هذا، مع دَلالةِ قولِ اللَّهِ: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾. على أنهم المعنِيُّون بذلك، وذلك أنه جلَّ ثناؤُه ذكَر قومًا أهلَ معصيةٍ له وأهلَ رِيبةٍ، يَسْتَخْفُون بالليلِ، ويَظْهَرُون بالنهارِ، ويَمْتَنِعُون عندَ أنفسِهم بحرسٍ يَحْرُسُهم، ومَنَعَةٍ تَمْنَعُهم من أهلِ طاعتِه، أن يَحُولوا بينَهم وبينَ ما يَأْتُون من معصيةِ اللَّهِ، ثم أخبَر أن اللَّهَ تعالى ذكرُه إذا أراد بهم سوءًا لم يَنْفَعْهم حرسُهم، ولا يَدْفَعُ عنهم حِفْظُهم.\nوقولُه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ هذا الحرفِ على نحوِ اختلافِهم في تأويلِ قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾. فمَنْ قال: المعقباتُ هي الملائكةُ. قال: الذين يَحْفَظُونه من أمرِ اللَّهِ هم أيضًا الملائكةُ. ومَنْ قال: المعقباتُ هي الحرسُ والجلاوزةُ من بنى آدمَ، قال: الذين يَحْفَظُونه من أمرِ اللَّهِ هم أولئك الحرسُ.\nواختلَفوا أيضًا في معنى قولِه: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. فقال بعضُهم: حِفْظُهم إياه: من أمرِه. وقال بعضُهم: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: بأمرِ اللَّهِ.\n_________\n(^١) الجِلْواز: الشرطى والجمع جَلاوِزة. اللسان (ج ل ز).","vol":"13","page":462},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4624>ذكرُ مَن قال: الذين يَحْفَظُونه هم الملائكةُ. ووَجَّه قولَه: بأمرِ اللَّهِ. إلى معنى: أن حفظَها إياه من أمرِ اللَّهِ</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. يقولُ: بإذنِ اللَّهِ، فالمعقِّباتُ: هي (^١) من أمرِ اللَّهِ، وهى الملائكةُ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: الملائكةُ الحَفَظةُ، وحِفْظُهم إياه من أمرِ اللَّهِ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، قال: ثنى عبدُ الملكِ، عن ابن عبيدِ اللَّهِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: الحَفَظَةُ هم من أمرِ اللَّهِ.\nقال: ثنا عليٌّ - يعنى ابنَ عبدِ اللَّهِ بن جعفرٍ - قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن ابن عباسٍ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ رقباءُ (^٤)، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. من أمرِ اللَّهِ ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ (^٥).\nقال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الجارودِ، عن ابن عباسٍ:\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"هو\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٣٢ (١٢١٩٨) من طريق أبى صالح به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٧ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٥٩ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٣٠ (١٢١٩١) من طريق سفيان، عن عمرو، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: (له معقبات من بين يديه ورقباء من خلفه)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٧ إلى ابن المنذر.","vol":"13","page":463},{"text":"﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾. رقيبٌ، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: الملائكةُ من أمرِ اللَّهِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: الملائكةُ من أمرِ اللَّهِ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: الحَفَظةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4625>ذكرُ مَن قال: عُنِى بذلك: يَحْفَظُونه بأمرِ (^٢) اللَّهِ</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: أي بأمرِ اللَّهِ (^٣).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: وفى بعضِ القراءةِ (^٤): (بأمرِ اللَّهِ) (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن عبدِ الملكِ،\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٦٠ - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٣٠ (١٢١٩٢) من طريق عبد الله بن الجارود عن أبيه به مطولًا.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"من أمر\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٤٥٩.\n(^٤) في م: \"القراءات\".\n(^٥) هي قراءة على بن أبى طالب وابن عباس وعكرمة وزيد بن علي وجعفر بن محمد، وهى قراءة شاذة. المحتسب ١/ ٣٥٥، والبحر المحيط. ٥/ ٣٧٢. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٧ إلى المصنف.","vol":"13","page":464},{"text":"عن قيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. قال: مع كلِّ إنسانٍ حفظةٌ يَحْفَظُونه من أمرِ اللَّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4626>ذكرُ مَنْ قال: تَحْفَظُه الحرسُ من بنى آدمَ من أمرِ اللَّهِ</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. يعنى: وليُّ السلطانِ (^١) يَكُونُ عليه الحرسُ، يحفَظُونه من بين يديه ومن خلفِه، يَقُولُ اللَّهُ ﷿: يَحْفَظُونَه من أمرِى، فإنى إذا أردتُ بقومٍ سوءًا فلا مردَّ له، وما لهم من دونِه من والٍ (^٢).\nحدَّثني أبو هريرةَ الضُّبَعيُّ، قال: ثنا أبو قتيبةَ، قال: ثنا شعبةُ (^٣)، عن شَرَقيٍّ، عن عكرمةَ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: الجلاوزةُ (^٤).\nوقال آخرون: معنى ذلك: يَحْفَظُونه من أمرِ اللَّهِ، وأمرُ اللَّهِ: الجنُّ ومَنْ يَبْغِى أذاه ومكروهَه قبلَ مجئِ قضاءِ اللَّهِ، فإذا جاء قضاؤُه خَلَّوا بينَه وبينَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4627>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو هريرةَ الضُّبَعيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا ورقاءُ، عن منصورٍ، طلحةَ، عن إبراهيمَ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: من الجنِّ (^٥).\nحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا المعتمِرُ، قال: سمِعتُ ليثًا يُحَدِّثُ عن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الشيطان\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٤٦١.\n(^٣) في النسخ: \"سعيد\". والمثبت هو الصواب. وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٤٣٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٣٠ (١٢١٨٩) من طريق آخر عن عكرمة به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٣٢ (١٢١٩٩) من طريق أبى هريرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٧ إلى أبى الشيخ.","vol":"13","page":465},{"text":"مجاهدٍ أنه قال: ما من عبدٍ إلا له (^١) ملَكٌ مُوَكَّلٌ بحفظِه في نومِه ويقظتِه من الجنِّ والإنسِ والهوامِّ، فما منهم شيءٌ يأتيه يُرِيدُه، إلا قال: وراءَك. إلا شيئًا يَأْذَنُ اللَّهُ فيه (^٢) فيُصِيبُه (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عياشٍ، عن محمدِ بن زيادٍ الأَلْهَانيِّ، عن يزيدَ بن شُرَيحٍ، عن كعبِ الأحبارِ، قال: لو تجلَّى لابنِ آدمَ كلُّ سهلٍ وحَزْنٍ، لرأَى على (^٤) كلِّ شيءٍ من ذلك شياطينَ (^٥)، لولا أن اللَّهَ وكَّلَ بكم ملائكةً يَذُبُّون عنكم في مطعمِكم ومشربِكم وعوراتِكم، إذنْ لتُخُطِّفتم (^٦).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: ثنا عُمارةُ بنُ أبى حفصةَ، عن أبي مِجْلَزٍ، قال: جاء رجلٌ مِن مُرادٍ إلى عليٍّ ﵁ وهو يصلِّي، فقال: احترِسْ، فإن ناسًا من مُرادٍ يُرِيدُون قتلَك. فقال: إن مع كلِّ رجلٍ مَلَكين يَحْفَظَانه مما لم يُقَدَّرْ، فإذا جاء القدَرُ خَلَّيا بينَه وبينَه، وإن الأجلَ جُنَّةٌ حصينةٌ (^٦).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن الحسنِ بن ذَكوانَ، عن أبى غالبٍ، عن أبي أُمامةَ، قال: ما من آدميٍّ إلا ومعه مَلَكٌ (^٧) يَذُودُ عنه، حتى يُسْلِمَه للذى قُدِّر له (^٦).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"به\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٤٦٠.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"شيئًا بعينه\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٧ إلى المصنف.\n(^٧) بعده في م: \"موكل\".","vol":"13","page":466},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك: يَحْفَظُون (^١) عليه من (^٢) اللَّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4628>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: يَحْفَظُون عليه من اللَّهِ.\nقال أبو جعفرٍ: يعنى ابن جريجٍ بقولِه: يحفَظُون عليه. الملائكةَ الموكَّلةَ بابنِ آدمَ؛ بحفظِ حسناتِه وسيئاتِه، وهى المعقِّباتُ عندَنا، تَحْفَظُ على ابن آدمَ حسناتِه وسيئاتِه من أمرِ اللَّهِ. وعلى هذا القولِ يَجِبُ أن يَكُون معنى قولِه: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: أن الحَفَظَةَ من أمرِ اللَّهِ، أو تحفَظُ بأمرِ اللَّهِ، ويجِبُ أن تكونَ الهاءُ التي في قولِه: ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾. وُحِّدت وذُكِّرت. وهى مرادٌ بها الحسناتُ والسيئاتُ؛ لأنها كنايةٌ عن ذِكْرِ \"من\" الذي هو مستخفٍ بالليلِ، وساربٌ بالنهارِ، وأن يَكُونَ المستخفى بالليلِ، أُقيم ذكرُه مُقامَ الخبرِ عن سيئاتِه وحسناتِه، كما قيل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢].\nوكان عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ يقُولُ في ذلك خلافَ هذه الأقوالِ كلِّها.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَار﴾. قال: أتى عامرُ بنُ الطفيلِ، وأرْبَدُ بنُ رَبيعةَ (^٣) إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال عامرٌ: ما تَجْعَلُ لى إنْ أنا اتبَعتُك؟ قال: \"أنتَ فارِسٌ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"يحفظونه\".\n(^٢) بعده في ت ١، ت ٢: \"أمر\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"زمعة\". وهو أربد بن قيس بن مالك بن جعفر، أخو لبيد بن ربيعة لأمه. وينظر تاريخ الطبرى ٣/ ١٤٤، ١٤٥.","vol":"13","page":467},{"text":"أُعْطِيك أعِنَّةَ الخَيْلِ\" قال: فقط (^١)! قال: \"فما تَبْغى؟ \" قال: لى الشرقُ ولك الغربُ. قال: \"لا\". قال: فلى الوَبَرُ، ولك المدَرُ. قال: \"لا\". قال: لأَمْلأَنَّها عليك إذنْ خَيلًا ورجالًا. قال: \"يَمْنَعُكَ اللَّهُ ذَاكَ، [وابنا قَيْلةَ] (^٢). يريدُ الأوسَ والخزرجَ، قال: فخرَجا، فقال عامرٌ لأرْبَدَ: إن كان الرجلُ لنا لمُمَكَّنًا (^٣)، لو قتلناه ما انتطحت فيه عنزان، ولَرضُوا بأن نَعْقِلَه لهم، [وأحبوا السِّلمَ] (^٤)، وكَرِهوا الحربَ إذا رأَوا أمرًا قد وقَع. فقال الآخرُ: إن شئتَ. فتشاورا، وقال: ارجِعْ وأنا أَشْغَلُه عنك بالمجادلةِ، وكن وراءَه، فاضرِبْه بالسيفِ ضربةً واحدةً. فكانا كذلك، واحدٌ وراءَ النبيِّ ﷺ، والآخرُ قال: افصُصْ علينا (^٥) قَصصَك. قال: \"ما [تَقُولُ؟ \" قال: قرآنُك] (^٦). فجعَل يجادِلُه ويَسْتَبْطِئُه، حتى قال له: ما لك حُشِمتَ (^٧)؟ قال: وضَعتُ يدى على قائمِ سيفى فيبِست (^٨)، فما قَدَرْتُ على أن أُحْلِىَ ولا أُمِرَّ (^٩) ولا أحرِّكَها. قال: فخرَجا؛ فلما كانا بالحرَّةِ سمِع بذلك سعدُ بنُ مُعاذٍ وأُسيدُ بنُ حُضَيرٍ، فخرَجا إليهما (^١٠)، على كلِّ واحدٍ منهما لأْمَتُه، ورمُحه بيدِه، وهو متقلِّدٌ سيفَه، فقالا لعامرِ بن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أقط\"، وفى م: \"لا\"، والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٢) في م: \"أبناء قيلة\"، وفى ت ١، ت ٢، س: \"ابن قيلة\"، وفى الدر: \"وأتيا قبيلة\".\n(^٣) في ت ١: \"لمهلكنا\"، وفى ت ٢، س، ف: \"لمملكنا\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٥) في الدر المنثور: \"علَيّ\".\n(^٦) في م: \"ما يقول قرآنك\".\n(^٧) في م: \"أحشمت\". والحشمة: الحياء والانقباض، وقال الأصمعى: في يديه حشوم، أي انقباض.\nينظر اللسان (ح ش م).\n(^٨) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٩) ما أُمِرُّ وما أُحلى، أي: ما آتى بكلمة ولا فَعْلة مرة ولا حلوة. اللسان (م ر ر).\n(^١٠) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"إليه\".","vol":"13","page":468},{"text":"الطفيلِ: يا أعورُ جئتنا (^١) يا أبلَخُ (^٢)، أنت الذي تشرُطُ على رسولِ اللَّهِ ﷺ؟! لولا أنك في أمانٍ من رسولِ اللَّهِ ﷺ، ما رِمْتَ (^٣) المنزلَ حتى نضرِبَ (^٤) عنقَك، ولكن لا تُسْتبقَيَنَّ. وكان أشدَّ الرجلين عليه أُسيدُ بنُ حُضَيرٍ، فقال: لو كان أبوه حيًّا لم يَفْعَلْ بى هذا. ثم قال لأربدَ: اخرُجْ أنت يا أربدُ إلى ناحيةِ عَدَنةَ (^٥)، وأَخْرُجُ أنا إلى نجدٍ، فنجمَعُ الرجالَ، فنلتقِى عليه. فخرَج أربدُ حتى إذا كان بالرَّقَمِ (^٦) بعَث اللَّهُ سحابةً من الصيفِ فيها صاعقةٌ فأحرَقته. قال: وخرَج عامرٌ، حتى إذا كان بوادٍ يقالُ له: الجُرَيرُ (^٧). أرسَل اللَّهُ عليه الطاعونَ، فجعَل يَصِيحُ: يا آلَ عامرٍ، أغُدَّةٌ كغُدَّةِ البَكْرِ (^٨) تَقْتُلُنى؟ [يا آلَ] (^٩) عامرٍ، أَغُدَّةٌ كغُدةِ البَكْرِ تَقْتُلُنى، وموتٌ أيضًا في بيتِ سَلُوليةٍ، وهى امرأةٌ من قيسٍ. فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ فقرَأ (^١٠) حتى بلَغ: ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾. تلك المعقِّباتُ من أمرِ اللَّهِ، هذا مقدَّمٌ ومؤخرٌ؛ لرسولِ اللَّهِ ﷺ لا معقباتٌ يَحْفَظُونه من بين يديه ومن خلفِه، تلك المعقباتُ من أمرِ اللَّهِ، وقال لهذين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ فقرأ حتى\n_________\n(^١) في م: \"يا خبيث\".\n(^٢) في م: \"أملخ\"، والأبلخ: العظيم في نفسه، الجرئ على ما أتى من الفجور. اللسان (ب ل خ).\n(^٣) رام، يريم: إذا برح، ومارمت المكان وما رمت منه: أي ما برحته. ينظر اللسان (ر وم).\n(^٤) في م: \"ضربت\".\n(^٥) في ص: \"عدية\" غير منقوطة، وفى م: \"عذية\"، وفى ت ٢ س، ف: \"عدية\". وعَدَنة: موضع بنجد في جهة الشمال من الشربة. معجم البلدان ٣/ ٦٢٣.\n(^٦) الرَّقَم، بفتح أوله وثانيه: موضع بالحجاز، قريب من وادى القرى. معجم ما استعجم ٢/ ٦٦٦.\n(^٧) الجُرَير: موضع بنجد. معجم ما استعجم ٢/ ٣٨٠.\n(^٨) في ص، ت ٢، س، ف: \"البكير\"، وفى ت ١: \"البعير\". والبَكر: ولد الناقة. اللسان (ب ك ر).\n(^٩) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"قال\".\n(^١٠) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"13","page":469},{"text":"بلَغ: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٣، ١٤]. قال: وقال لَبيدٌ في أخيه أربَدَ، وهو يَبْكِيه (^١):\nأخشَى على أربدَ الحُتُوفَ (^٢) ولا … أرهبُ نَوْءَ السِّمَاكِ (^٣) والأَسَدِ\nفجَّعنى الرعدُ والصواعقُ (^٤) بالـ … ـفارسِ يومَ الكريهةِ النجُدِ (^٥)\nقال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الذي قاله ابن زيدٍ في تأويلِ هذه الآيةِ، قولٌ بعيدٌ من تأويلِ الآيةِ، مع خلافِه أقوالَ من ذكَرنا قولَه من أهلِ التأويلِ، وذلك أنه جعَل الهاءَ في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾. من ذكرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، ولم يَجرِ له في الآيةِ التي قبلَها، ولا في التي قبلَ الأخرى ذكرٌ، إلا أن يَكُونَ أراد أن يردُّها على قولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾. فإن كان أراد (^٦) ذلك، فذلك بعيدٌ لما بينَهما من الآياتِ، بغيرِ ذكرِ الخبرِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ. وإذا كان كذلك، فكونُها عائدةً على \"مَن\" التي في (^٧) قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾. أقربُ؛ لأنه قبلَها، والخبرُ بعدَها عنه، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ\n_________\n(^١) شرح ديوان لبيد ص ١٥٨.\n(^٢) الحتف: الموت، وجمعه حتوف. اللسان (ح ت ف).\n(^٣) السماك نجم معروف، والنوء النجم إذا مال للمغيب، وكانوا في الجاهلية يقولون: مطرنا بنوء الثريا والدبران والسماك. فنهوا عن ذلك. اللسان (ن وأ)، (س م ك).\n(^٤) الصاعقة: نار تسقط من السماء في رعد شديد. اللسان (ص ع ق). وينظر ما تقدم في معناها ١/ ٦٩٠، ٦٩١.\n(^٥) النجدة: الشدة، ورجل نَجُد ونَجِد: شديد البأس، والنَّجَد: العرق من عمل أو كرب. اللسان (ن ج د). والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٨، ٤٩ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٦) سقط من: ت ١، ت ٢، س.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"و\".","vol":"13","page":470},{"text":"الكلامِ: سواءٌ منكم أيها الناسُ من أسرَّ القولَ ومن جَهَر به عند ربِّكم، ومن هو مستخفٍ بفسقِه وريبتِه (^١) في ظلمةِ الليلِ، وساربٌ يَذْهَبُ ويَجِئُ في ضوءِ النهار، ممتنعًا بجندِه وحَرَسِه الذين يَتَعَقَّبُونه من أهلِ طاعةِ اللَّهِ، أن يَحُولُوا بينَه وبينَ ما يأتى من ذلك، وأن يُقِيموا حدَّ اللَّهِ عليه، وذلك قولُه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بقومٍ من عافيةٍ ونعمةٍ، فيُزِيلُ ذلك عنهم ويُهْلِكُهم، حتى يُغَيِّرُوا ما بأنفسِهم من ذلك، بظلمِ بعضِهم بعضًا، واعتداءِ بعضِهم على بعضٍ، فيُحِلَّ (^٢) بهم حينئذٍ عقوبتَه وتغييرَه.\nوقولُه: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾. يقولُ: وإذا أراد اللَّهُ بهؤلاء الذين يسْتَخْفُون بالليلِ، ويَسْرُبون (^٣) بالنهارِ، لهم [جندٌ و] (^٤) مَنَعَةٌ من بين أيديهم ومن خلفِهم، يَحْفَظُونهم من أمرِ اللَّهِ، - هلاكًا وخزيًا (^٥) في عاجلِ الدنيا، ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾. يقولُ: فلا يَقْدِرُ على ردِّ ذلك عنهم أحدٌ غيرُ اللَّهِ. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾. يقولُ: وما لهؤلاء القومِ - والهاءُ والميمُ في \"لهم\" من ذكرِ (^٦) القومِ الذين في قولِه: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ - من دونِ اللَّهِ من والٍ (^٧) يَليهم، ويَلِى أمرَهم وعقوبتَهم.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"زينته\".\n(^٢) في م: \"فتحل\"، وفى ف: \"فيحيل\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يستربون\".\n(^٤) في ت ١، س: \"حذر\"، وفى ت ٢، ف: \"حدر\".\n(^٥) في ص، ت ٢، س، ف: \"حزنا\".\n(^٦) بعده في ت ١، ت ٢، س، ف: \"الله\".\n(^٧) بعده في م: \"يعنى من وال\".","vol":"13","page":471},{"text":"وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ يقولُ: السُّوءُ الهَّلكةُ. ويقولُ: كلُّ جُذامٍ وبرصٍ وعَمًى وبلاءٍ عظيمٍ فهو \"سُوءٌ\" مضمومُ الأوّلِ، وإذا فُتِح أولُه فهو مصدرُ \"سُؤْت\"، ومنه قولُهم: رجلُ سَوْءٍ.\nواختلَف أهلُ العربيةِ في معنى قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ: معنى قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾: ومن هو ظاهرٌ بالليلِ، من قولِهم: خَفَيْتُ الشئَ، إذا أظهرتَه، وكما قال امرؤُ القيسِ (^١):\nفإن تَكْتُمُوا الداءَ لا نَخْفِه … وإن تَبْعَثُوا الحربَ لا نَقْعُدِ\nوقال: وقد قُرِئ: (أكادُ أَخْفِيها) (^٢) [طه: ١٥]. بمعنى: أُظْهِرُها. وقال في قولِه: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾: الساربُ هو المتوارِى. كأنه وجَّهَه إلى أنه صار في السَّرَبِ بالنهارِ مستخفيًا.\nوقال بعضُ نحويِّى البصرةِ والكوفةِ: إنما معنى ذلك ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾، أي مستَتِرٌ بالليلِ، من الاستخفاءِ، ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾، وذاهبٌ بالنهارِ، من قولِهم: سَرَبَت الإبلُ إلى الرَّعْى. وذلك ذهابُها إلى المراعى، وخروجُها إليها وقيل: إن السُّروبَ بالعشيِّ، والسُّروحَ بالغداةِ.\nواختلَفوا أيضًا في تأنيثِ \"معقِّبات\"، وهى صفةٌ لغيرِ الإناثِ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: إنما أُنِّثَتْ لكثرةِ ذلك منها، نحوَ نَسَّابةٍ وعلّامةٍ، ثم ذُكِّر؛ لأن المعنى مذكرٌ، فقال: يَحْفَظُونه.\n_________\n(^١) ديوانه ص ١٨٦.\n(^٢) القراءة شاذة، ينظر البحر المحيط ٦/ ٢٣٢.","vol":"13","page":472},{"text":"وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: إنما هي ملائكةٌ مُعَقِّبةٌ، ثم جُمِعت معقباتٍ، فهو جمعُ جمعٍ، ثم قيل: يَحْفَظُونه؛ لأنه للملائكةِ.\nوقد تقدَّم قولُنا في معنى المستخفى بالليلِ والساربِ بالنهارِ.\nوأما الذي ذكرناه عن نحويِّى البصريين في ذلك فقولٌ - وإن كان له في كلامِ العربِ وجهٌ - خلافٌ لقولِ أهلِ التأويلِ، وحَسْبُه (^١) من الدلالةِ على فسادِه خروجُه عن قولِ جميعِهم.\nوأما المعقباتُ، فإن التعقيبَ في كلامِ العربِ العَودُ بعدَ البدءِ، والرجوعُ إلى الشئِ بعدَ الانصرافِ عنه، من قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: ١٠]، أي: لم يَرْجِعْ، وكما قال سَلَامةُ بنُ جَنْدلٍ (^٢):\nوكَرُّنا الخيلَ في آثارِها رُجُعًا … كُسَّ السَّنابِكِ من بدءٍ وتَعقيبِ\nيعنى: في غزوٍ ثانٍ عَقَّبوا؛ وكما قال طَرَفَةُ (^٣):\nولقد كنتُ عليكم عاتِبًا … فعَقَبْتُم بِذَنُوبٍ غيرِ مُرّْ\nيعنى بقولِه: عَقَبتم: رجَعْتم.\nوأتاها التأنيثُ عندَنا، وهى من صفةِ الحَرَسِ الذين يحرُسُون المستخفىَ بالليلِ والساربَ بالنهارِ؛ لأنه عُنِى بها حَرَسٌ معقِّبةٌ، ثم جُمِعت المعقبةُ، فقيل: معقباتٌ. فذلك جمعُ جمعِ المعقِّبِ، والمعقبُ: واحدُ المعقبةِ، كما قال لبيدٌ (^٤):\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"حسب\".\n(^٢) المفضليات ص ١٢١ وشرح المفضليات ص ٢٢٧. الكس: جمع أكس، وهو الحافر المدقوق دقًّا شديدًا، والسُّنبك: طرف الحافر وجانباه من قُدُم. اللسان (ك س س)، (س ن ب ك).\n(^٣) ديوانه ص ٧٢.\n(^٤) ديوانه ص ١٢٨.","vol":"13","page":473},{"text":"حتى تهَجَّرَ في الرَّواحِ وهَاجَهُ … طَلَبَ المُعَقِّبِ حَقَّه المظلومُ\nوالمعقباتُ جمعُها، ثم قال: ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾. فردَّ الخبرَ إلى تذكيرِ الحرسِ والجندِ.\nوأما قولُه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. فإن أهلَ العربيةِ اختلَفوا في معناه؛ فقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: معناه: له معقباتٌ من أمرِ اللَّهِ يَحْفَظُونه، وليس من أمرِه، إنما هو تقديمٌ وتأخيرٌ. قال: ويَكُونُ يَحْفَظونه ذلك الحفظَ مِن أمرِ اللَّهِ وبإذنِه، كما تقولُ للرجلِ: أجَبتُك مِن دعائِك إياى، وبدعائِك إياى.\nوقال بعضُ نحويِّى البصريين: معنى ذلك: يَحْفَظونه عن أمرِ اللَّهِ، كما قالوا: أطعَمنى مِن جوعٍ وعن جوعٍ، وكسانى من عُرْىٍ وعن عُرْىٍ.\nوقد دلَّلنا فيما مضَى على أن أولى القولِ بتأويلِ ذلك: أن يكونَ قولُه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ مِن صفةِ حَرَسِ هذا المسْتَخفِى بالليلِ، وهى تَحْرُسُه ظنًّا منها أنها تَدْفَعُ عنه أمرَ اللَّهِ، فأخبَر تعالى ذكرُه، أن حَرَسَه تلك لا تُغْنِى عنه شيئًا إذا جاءه أمرُه، فقال: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-1719\"></span><span data-type='title' id=toc-4629>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾: يعنى أن الربَّ هو الذي يُرِى عبادَه البَرقَ. وقولُه: ﴿هُوَ﴾ كنايةُ اسمِه جلَّ ثناؤُه. وقد بيَّنا معنى البرقِ فيما مضَى، وذكَرنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيه، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا","vol":"13","page":474},{"text":"الموضعِ (^١). وقولُه: ﴿خَوْفًا﴾. يقولُ: خوفًا للمسافرِ مِن أذاه.\nوذلك أن البرقَ الماءُ في هذا الموضعِ، كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، قال: أخبرَنا موسى بنُ سالمٍ أبو جهضَمٍ، مولى ابن عباسٍ، قال: كتَب ابن عباسٍ إلى أبى الجَلْدِ يسألُه عن البرقِ، فقال: البرقُ الماءُ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَطَمَعًا﴾. يقولُ: وطمَعًا للمُقيمِ أن يُمْطَرَ فَيَنْتَفِعَ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾. يقولُ: خوفًا للمسافرِ في أسفارِه؛ يَخافُ أذاه ومشقتَه، وطَمَعًا للمقيمِ؛ يَرْجُو بَرَكتَه ومنفعتَه، ويَطْمعُ في رزقِ اللَّهِ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾: خوفًا للمسافرِ، وطمعًا للمقيمِ (^٤).\nوقولُه: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾: ويثيرُ السحابَ الثَّقالَ بالمطرِ، ويُبْدِئُه، يقالُ منه: أنشَأ اللَّهُ السحابَ، إذا أبدَأه، ونشَأ السحابُ: إذا بدَأ. يَنْشَأُ نَشْئًا، والسحابُ في هذا الموضعِ وإن كان في لفظٍ واحدٍ، فإنها جمعٌ، واحدتُها سحابةٌ، ولذلك (^٥) قال: ﴿الثِّقَالَ﴾، فنعَتها بنعتِ الجمعِ، ولو كان جاء: السحابَ الثقيلَ. كان جائزًا، وكان توحيدًا للَفظِ السحابِ، كما قيل: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ [يس: ٨٠].\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٣٦٢ - ٣٨٠.\n(^٢) تقدم في ١/ ٣٦٤ من طريق آخر عن ابن عباس.\n(^٣) عزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٩ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٣٣، عن معمر به.\n(^٥) في ص، ت ٢، س، ف: \"كذلك\".","vol":"13","page":475},{"text":"وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4630>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾. قال: الذي فيه الماءُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا (^٢) عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾. قال: الذي فيه الماءُ.\nوقولُه: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾. قال أبو جعفرٍ: وقد بيَّنا معنى الرعدِ فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\nوذُكِرَ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كان إذا سمِع صوتَ الرعدِ، قال كما حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا كثيرُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا جعفرٌ، قال: بلَغنا أن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٠٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٠ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٢) بعده في س، ف: \"شبل عن ابن\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٣٥٦ - ٣٦٢.","vol":"13","page":476},{"text":"النبيَّ ﷺ كان إذا سمِع صوتَ الرعدِ الشديدَ، قال: \"اللَّهُمَّ لَا تَقْتلْنا بغضَبِك، ولَا تُهْلِكُنا بعذَابِك، وعافِنا قبلَ ذلك\" (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبيه، عن رجلٍ، عن أبي هريرةَ، رفَع الحديثَ: \"أنه كان إذا سمِع الرعدَ قال: \"سُبحانَ مَن يُسَبِّحُ الرعدُ بحمدِه\" (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا مَسْعَدةُ بنُ اليَسَعِ الباهليُّ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ، ﵁، كان إذا سمِع صوتَ الرعدِ، قال: سبحانَ مَن سَبَّحْتَ لهُ (^٣).\nقال: ثنا إسماعيلُ ابن عُليَّةَ، عن الحكَمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أنه كان إذا سمِع الرعدَ، قال: سبحانَ الذي سَبَّحْتَ له (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا يَعْلَى بنُ الحارثِ، قال: سمِعتُ أبا صخرةَ يُحَدِّثُ عن الأسودِ بن يزيدَ، أنه كان إذا سمِع الرعدَ، قال: سبحانَ مَن سَبَّحْتَ له. أو: سبحانَ الذي يُسَبِّحُ الرعدُ بحمدِه، والملائكةُ مِن خِيفتِه (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٢١٤، ٢١٦ من طريقين عن جعفر بن برقان به مرسلًا. وأخرجه أحمد ١٠/ ٤٧، ٤٨ (٥٧٦٣)، والبخارى في الأدب المفرد (٧٢١)، والترمذى (٣٤٥٠)، والنسائى في الكبرى (١٠٧٦٣، ١٠٧٦٤)، وغيرهم من حديث ابن عمر مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه ابن مردويه في تفسيره - كما في تخريج الكشاف للزيلعى ٢/ ١٨٤ - من طريق عتاب بن زياد عن رجل، عن أبي هريرة مرفوعا.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٠ إلى ابن أبي الدنيا في كتاب المطر وابن المنذر والخرائطى في مكارم الأخلاق.\n(^٤) أخرجه البخارى في الأدب المفرد (٧٢٢)، من طريق الحكم بن أبان به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٠ إلى ابن أبي الدنيا في كتاب المطر.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٢١٦، والطبرانى في الدعاء (٩٨٤) من طريق يعلى بن الحارث به.","vol":"13","page":477},{"text":"قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، وعبدِ الكريمِ، عن طاوسٍ، أنه كان إذا سمِع الرعدَ، قال: سبحانَ مَن سبحتَ له (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن (^٢) ميسرةَ، عن الأوزاعيِّ، قال: كان ابن أبى زكريا يقولُ: مَن قال حينَ يَسْمَعُ الرعدَ: سبحانَ اللَّهِ وبحمدِه، لم تُصِبْه صاعقةٌ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1720\"></span>ومعنى قولِه: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾: ويُعَظِّمُ اللَّهَ الرعدُ ويُمَجِّدُه، فيُثْنِى عليه بصفاتِه، ويُنَزِّهُه مما أضاف إليه أهلُ الشركِ به، ومما وصَفوه به، مِن اتخاذِ الصاحبةِ والولدِ، تعالى ربُّنا وتَقَدَّس.\nوقولُه: ﴿مِنْ خِيفَتِهِ﴾. يقولُ: وتُسَبِّحُ الملائكةُ مِن خيفةِ اللَّهِ ورَهْبَتِه.\nوأما قولُه: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾، فقد بيَّنا معنى الصاعقةِ فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه، بما فيه الكفايةُ مِن الشواهدِ، وذكَرْنا ما فيها مِن الروايةِ (^٤).\nوقد اخْتُلف فيمَن أُنْزِلت هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزَلت في كافرٍ مِن الكفارِ، ذكَر اللَّهَ تعالى وتَقَدَّس، بغيرِ ما يَنْبَغى ذكرُه (^٥)، فأرسَل عليه صاعقةً أهْلَكَتْه.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٠٠٠٥)، وابن أبي شيبة ١٠/ ٢١٥، من طريق ابن طاووس به.\n(^٢) سقط من: ص. وفى ت ١، ت ٢، س، ف: \"ابن\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٢١٥، من طريق آخر عن ابن أبي زكريا به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥١ إلى أبى الشيخ.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٩٠، ٦٩١.\n(^٥) بعده في ص، ت ٢، س، ف: \"به\".","vol":"13","page":478},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4631>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا أبانُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا أبو عمرانَ الجَوْنيُّ، عن عبدِ الرحمنِ بن صُحارٍ (^١) العبديِّ، أنه بلَغه أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ بعَث إلى جبَّارٍ (^٢) يَدْعوه، فقال: أرأيتم ربَّكم، أذَهَبٌ هو، أم فِضةٌ [هو، أم لُؤْلُؤٌ] (^٣) هو؟ قال: فبينا هو يُجادِلُهم، إذ بعَث اللَّهُ سحابةً فرعَدت، فأرسَل اللَّهُ (^٤) عليه صاعقةً، فذهَبت بقِحْفِ (^٥) رأسِه، فأنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (^٦).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال (^٧): ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن أبي بكرِ بن عياشٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: جاء يهوديٌّ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: أخبِرْنى عن ربِّك، مِن أيِّ شيءٍ هو؟ مِن لؤلؤٍ أو من ياقوتٍ؟ فجاءت صاعقةٌ فأخَذته، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (^٨).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن ليثٍ، عن\n_________\n(^١) في ص: \"صجار\". وينظر الجرح والتعديل ٥/ ٢٤٥.\n(^٢) في ت ١: \"أحبار\"، وفى ت ٢، س: \"حبار\".\n(^٣) في ص: \"هو ألؤلؤ\"، وفى ت ١: \"أو لؤلؤ\"، وفى ت ٢، ف: \"هو\".\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، س.\n(^٥) القِحفُ: العظمُ الذي فوق الدماغ من الجمجمة، والجمجمة التي فيها الدماغ، وقيل: قحف الرجل: ما انفلق من جمجمته، فبان، ولا يدعى قحفا حتى يبين. لسان العرب (ق ح ف).\n(^٦) أخرجه الخرائطى في مكارم الأخلاق - كما في المنتقى منه لأبى طاهر السلفى ص ٢٣٤ (٥٦٨) - من طريق أبان بن يزيد به.\n(^٧) بعده في ص، ت ١، س، ف: \"ثنا إسحاق قال\".\n(^٨) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٢، إلى الحكيم الترمذى وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":479},{"text":"مجاهدٍ مثلَه.\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ، قال: ثنا سيفٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا محمدُ، حدَّثْنى، مَن هذا الذي تَدْعو إليه؟ أيَاقوتٌ هو، أذهَبٌ هو، أم ما هو؟ قال: فنزَلت على السائلِ الصاعقةُ فأحْرَقَته، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ مرزوقٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ الوهابِ، قال: ثنى عليُّ بنُ أبى سارةَ الشَّيْبَانيُّ، قال: ثنا ثابتٌ البُنانيُّ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: بعَث النبيُّ ﷺ مرَّةً رجلًا إلى رجلٍ من فراعنةِ العربِ: أنِ: \"ادْعُهُ لى\". فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنه أعتَى مِن ذلك. قال: \"اذْهَبْ إليه فادْعُه\". قال: فأتاه، فقال: رسولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعوك. فقال: مَن رسولُ اللَّهِ؟ وما اللَّهُ؟ أمِن ذَهَبٍ هو، أم مِن فضةٍ، أم مِن نُحاسٍ؟ قال: فأتى الرجلُ النبيَّ ﷺ فأخبرَه، فقال: \"ارْجِعْ إَليه فادْعُه\". قال: فأتاه فأعاد عليه، وردَّ عليه مثلَ الجوابِ الأوّلِ، فأتى النبيَّ ﷺ فأخبَره، فقال: \"ارْجِعْ إليه فادْعُه\". قال: فرجَع إليه، فبينما هما يتراجَعان الكلامَ بينَهما، إذ بعَث اللَّهُ سحابةً بحيالِ رأسِه، فرعَدت، فوقَعت منها صاعقةً، فذهَبت بقِحْفِ رأسِه، فأنزَل الله: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (^٢).\nوقال آخرون: نزَلت في رجلٍ مِن الكفارِ أنكَر القرآنَ، وكذَّب النبيَّ ﷺ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٢، إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٢٥٩)، والطبرانى في الأوسط (٢٦٠٢)، والعقيلى في الضعفاء (٣/ ٢٣٢)، والواحدى في أسباب النزول ص ٢٠٤، من طريق عبد الله بن عبد الوهاب به.","vol":"13","page":480},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4632>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن رجلًا أنكَر القرآنَ، وكذَّب النبيَّ ﷺ، فأرسَل اللَّهُ عليه صاعقةً فأهلَكته، فأنزل اللَّهُ ﷿ فيه: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (^١).\nوقال آخرون: نزَلت في أَرْبَدَ أخى لَبيدِ بن ربيعةَ، وكان هَمَّ بقتلِ رسولِ اللَّهِ ﷺ هو وعامرُ بنُ الطفيلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4633>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: نزَلت، يَعْنى قولَه: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ في أرْبَدَ أخى لبيدِ بن ربيعةَ؛ لأنه قَدِم أرْبَدُ وعامرُ بنُ الطفيلِ بن مالكِ بن جعفرٍ على النبيِّ ﷺ، فقال عامرٌ: يا محمدُ، أَأُسْلِمُ وأكونُ الخليفةَ من بعدِك؟ قال: [\"لا\". قال] (^٢): فأكونُ على أهلِ الوَبَرِ وأنتَ على أهلِ المَدَرِ؟ قال: \"لا\". قال: فما ذاك؟ قال: \"أُعْطِيك أعِنَّةَ الخيلِ تُقاتِلُ عليها، فإنك رجلٌ فارسٌ\". قال: أو ليستْ أعنَّةُ الخيلِ بيَدِى، أما واللَّهِ لأَمْلأنَّها عليك خيلًا ورجالًا (^٣) مِن بنى عامرٍ. و(^٤) قال لأربَدَ: إما أن تَكْفِيَنيه وأضربَه بالسيفِ، وإما أن أكْفِيكَه وتضربَه بالسيفِ. قال أربدُ: اكْفِنيهِ (^٥) وأضربُه. فقال الطفيلُ: يا محمدُ، إن لى إليك حاجةً. قال: \"ادْنُ\". فلم يَزَلْ يَدْنُو،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٢، إلى المصنف والخرائطى.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) سقط من: ص، ت ٢، س.\n(^٥) في النسخ: \"أكفيكه\"، والمثبت ما يقتضيه السياق.","vol":"13","page":481},{"text":"ويقولُ النبيُّ ﷺ: \"ادْنُ\". حتى وضَع يَدَيه على ركبتيْه، وحنَى عليه، واستلَّ أرْبَدُ السيفَ، فاسْتَلَّ منه قليلًا؛ فلما رأى النبيُّ ﷺ بَرِيقَه، تعوَّذ بآيةٍ كان يَتَعَوَّذُ بها، فيَبِسَت يدُ أربدَ على السيفِ، فبعَث اللَّهُ عليه صاعقةً فأحْرَقَتْه (^١)، فذلك قولُ أخيه (^٢):\nأخشى على أرْبَدَ الحتوفَ ولا … أرْهَبُ نَوْءَ السماكِ والأسَدِ\nفجَّعَنى البرقُ (^٣) والصواعقُ بالـ … فارسِ يومَ الكَريهةِ النَّجُدِ (^٤)\nوقد ذكَرتُ قبلُ خبرَ عبدِ الرحمنِ بن زيدٍ بنحوِ هذه القصةِ (^٥).\nوقولُه: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾. يقولُ: وهؤلاء الذين أصابهم اللَّهُ بالصواعقِ، أصابهم بها (^٦) في حالِ خُصومتِهم في اللَّهِ ﷿ لرسولِه ﷺ.\nوقولُه: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ شديدةٌ مُماحلتُه في عقوبةِ مَن طغَى عليه وعَتَا، وتمادى في كفرِه. والمِحالُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: ما حَلتُ فلانًا. فأنا أُماحِلُه مُماحلةً ومِحالًا، وفَعَلْتُ منه: مَحَلتُ أَمْحَلُ محْلًا: إذا عرَّض رجلٌ رجلًا لما يُهْلِكُه؛ ومنه قولُه: (^٧): \"وماحلٌ مُصَدَّقٌ\" (^٨)؛ ومنه قولُ أعشى\n_________\n(^١) في ص: \"فاحترق\".\n(^٢) البيتان للبيد بن ربيعة وقد تقدما في ص ٤٧٠.\n(^٣) في الديوان، وفيما تقدم الموضع السابق: \"الرعد\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٢ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٥) انظر ما تقدم في ص ٣٧٩.\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) أي: قول النبي ﷺ.\n(^٨) هذا جزء من حديث أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٢٤ - إحسان) من حديث جابر بلفظ: \"القرآن مشفع، وماحل مصدق … \".","vol":"13","page":482},{"text":"بنى ثعلبةَ (^١):\nفَرْعُ نَبْعٍ يَهْتَزُّ في غُصُنِ المجـ … ـدِ غزيرُ النَّدى شديدُ المِحالِ (^٢)\nهكذا كان يُنشِدُه مَعْمرُ بنُ المثنَّى، فيما حُدِّثتُ عن (^٣) عليِّ بن المغيرةِ عنه، وأما الرواةُ بعد فإنهم يُنشِدُونه:\nفرعُ فرعٍ يَهْتَزُّ (^٤) في غُصُنِ المجـ … ـدِ كثيرُ (^٥) النَّدى عظيمُ المِحَالِ\nوفسَّر ذلك مَعمرُ بنُ المثنى، وزعَم أنه عَنَى به العقوبةَ والمكرَ والنكالَ؛ ومنه قولُ الآخرِ (^٦):\nولبَّس بينَ أقوامٍ فكلٌّ … أعدَّ له الشَّعَازِبَ (^٧) والمِحالا\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4634>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ، قال: ثنا سيفٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ ﵁: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾، قال: شديدُ الأخذِ (^٨).\n_________\n(^١) هو ميمون بن قيس الملقب بالأعشى الكبير، والبيت في ديوانه ص ٧. ومجاز القرآن ١/ ٣٢٥، واللسان (م ح ل).\n(^٢) النبعُ: شجر صلب تتخذ منه القِسيُّ ومن أغصانه السهام، ينبت في قُلة الجبل: أي أعلاه. والندى: الكرم، والمحال: العقوبة والمكر. ديوان الأعشى الكبير ص ٧، والوسيط (ق ل ل).\n(^٣) في م: \"على\".\n(^٤) في ص: \"اهتزّ\".\n(^٥) في ت ٢: \"كبير\".\n(^٦) هو ذو الرمة، والبيت في ديوانه ٣/ ١٥٤٤.\n(^٧) الشغازب: الكيد والخصومة. ديوان ذى الرمة ٣/ ١٥٤٤.\n(^٨) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٣، إلى المصنف.","vol":"13","page":483},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. قال: شديدُ القوَّةِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. أي: القوَّةِ والحيلةِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ يعنى الهلاكَ، قال: إذا محَل فهو شديدٌ. وقال قتادةُ: شديدُ الحيلةِ (^٣).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا رجلٌ، عن عكرمةَ: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. قال (^٤): جدالُ أربَدَ، ﴿هُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. قال: ما أصاب أربدَ مِن الصاعقةِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. قال: قال ابن عباسٍ: شديدُ الحَوْلِ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. قال: شديدُ القُوَّةِ، المِحالُ: القوَّةُ.\nوالقولُ الذي ذكَرناه عن قتادةَ في تأويلِ المِحالِ أنه الحيلةُ، والقولُ الذي ذكَره\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٣ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٣، إلى عبد الرزاق وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٣٣، عن معمر به. ووقع في تفسير عبد الرزاق: \"قتادة\" بدل \"الحسن\"، وهو خطأ. وإسناد معمر عن الحسن من الأسانيد الدوارة.\n(^٤) بعده في م: \"المحال\". وهو مقحم في الكلام.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٣ إلى المصنف.","vol":"13","page":484},{"text":"ابن جريجٍ عن ابن عباسٍ يَدُلان على أنهما كانا يقرأان: (وهُوَ شَدِيدُ المحَالِ) بفتح الميمِ؛ لأن الحيلةَ لا يأتى مصدرُها مِحالًا بكسرِ الميمِ، ولكن قد يأتى على تقديرِ المَفْعَلةِ منها، فيكونُ مَحالةً، ومن ذلك قولُهم: المرءُ يَعْجِزُ لا مَحالةَ. والمَحالةُ في هذا الموضعِ المفْعَلةُ من الحيلةِ. فأما بكسرِ الميمِ، فلا تكونُ إلا مصدرًا من: ماحَلتُ فلانًا أُماحِلُه مِحالًا. والمماحلةُ بعيدةُ المعنى مِن الحيلةِ، ولا أعلمُ أحدًا قرَأه بفتحِ الميمِ.\nفإذ كان ذلك كذلك، فالذى هو أولى بتأويلِ ذلك ما قلنا مِن القولِ.\n\n<span id=\"aya-1721\"></span><span data-type='title' id=toc-4636>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ (^١) مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: للَّهِ مِن خلقِه الدعوةُ الحقُّ. والدعوةُ هي الحقُّ، كما أُضِيفت الدارُ إلى الآخرةِ في قولِه: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾. وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى (^٢). وإنما عنَى بالدعوةِ الحقِّ توحيدَ اللَّهِ، وشهادةَ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ.\nوبنحوِ الذي قلنا تأوَّله أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4635>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ (^٣).\n_________\n(^١) في ت ٢، س: \"تدعون\" وهذه قراءة اليزيدى عن أبي عمرو بن العلاء. ينظر البحر المحيط ٥/ ٣٧٦.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٣٨١، ٣٨٢.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٣٤، والطبرانى في الدعاء (١٥٨٠)، والبيهقى في الأسماء =","vol":"13","page":485},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾. قال: شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ (^١).\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ، قال: ثنا سيفٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ ﵁: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾. قال: التوحيدُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾: لا إلهَ إلا اللَّهُ، ليست تَنْبَغى لأحدٍ غيرِه، لا يَنْبَغى أن يقالَ: فلانٌ إلهُ بنى (^٣) فلانٍ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والآلهةُ التي يَدْعونها المشركون أربابًا وآلهةً. وقولُه: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾. يقولُ: مِن دونِ اللَّهِ. وإنما عنَى بقولِه: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ الآلهةَ، أنها مقصِّرةٌ عنه، وأنها لا تكونُ إلهًا، ولا يجوزُ أن يكونَ إلهًا إلا اللَّهُ الواحدُ القهارُ، ومنه قولُ الشاعرِ (^٤):\n_________\n= والصفات (٢٠٤) من طريق إسرائيل به، والطبرانى في الدعاء (١٥٨١) من طريق آخر عن سماك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٣ إلى الفريابى وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^١) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥٨٢) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٣ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"اين\" وهو خطأ.\n(^٤) هو جرير بن عطية الخطفى والبيت في ديوانه ١/ ٤٢٩، ومجاز القرآن ١/ ٣٢٦.","vol":"13","page":486},{"text":"أتُوعدُنى وراءَ بنى رِياحٍ … كذَبتَ لتَقْصُرَنَّ يدَاك دُونى\nيعنى: لتَقْصُرنَّ يَداك عنِّي.\nوقولُه: ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾. يقولُ: لا تُجيبُ هذه الآلهةُ التي يَدْعُوها هؤلاء المشركون آلهةً، بشيءٍ يُريدونه، مِن نفعٍ أو دفعِ ضُرٍّ (^١)، ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾. يقولُ: لا يَنْفَعُ داعىَ الآلهةِ دعاؤه إيَّاها، إلا كما يَنْفَعُ باسطَ كفَّيه إلى الماءِ بسطُه إياهما (^٢) إليه مِن غيرِ أن يَرْفعَه إليه في إناءٍ (^٣)، ولكن ليرتفِعَ إليه (^٤) بدعائِه إياه (^٥)، وإشارتِه (^٦) إليه، وقبضِه (^٧) عليه، والعربُ تَضْرِبُ لمن سعَى فيما لا يُدْرِكُه مثلًا بالقابضِ على الماءِ، كما قال بعضُهم (^٨):\nفإنى وإياكم وشَوْقًا إليكُمُ … كقابضِ ماءٍ لم تَسِقُه (^٩) أنامِلُه\nيَعْنى بذلك: أنه ليس في يدِه مِن ذلك، إلا كما في يدِ القابضِ على الماءِ؛ لأن القابضَ على الماءِ لا شيءَ في يدِه. وقال آخَرُ (^١٠):\n_________\n(^١) ينظر مجاز القرآن ١/ ٣٢٦.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"إياها\".\n(^٣) بعده في ص، ت ٢، س: \"أو\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الله\".\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"إليه\".\n(^٦) في ص، ت ٢، س، ف: \"وأشار به\".\n(^٧) سقط من: ص، ف.\n(^٨) هو ضابئُ بنُ الحارث البُرْجُمى، والبيت في مجاز القرآن ١/ ٣٢٧، والخزانة ٩/ ٣٢٣ وفى الخزانة \"تُطِعْه\" مكان \"تَسقْه\".\n(^٩) تَسِقْه من الوسق، والوسق مصدر وسقت الشئ: جمعته وحملته.\n(^١٠) هو أبو دَهْبَل الجُمحى، والبيت في ديوانه ص ١١٥ والأغانى ٧/ ١٣٩، والدر الفريد ٤/ ١٢٩، الزهرة ١/ ١٨٣ ونسب فيه للأحوص ولا يصح.","vol":"13","page":487},{"text":"فأصبَحتُ ممَّا كان بينى وبينَها … [مِن الوُدِّ مثلَ القابضِ] (^١) الماءَ باليدِ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4637>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا سيفٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ ﵁ في قولِه: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾. قال: كالرجلِ العطشانِ يَمُدُّ يدَه إلى البئرِ ليَرتَفِعَ الماءُ إليه، وما هو ببالغِه (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبَابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه. ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾: يدعو الماءَ بلسانِه، ويشيرُ إليه بيدِه، ولا يأتيه أبدًا (^٣).\nقال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرَنى الأعرجُ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾: يَدْعوه ليأتيَه، وما هو بآتيه، كذلك لا (^٤) يَستجيبُ مَن هو دونَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾: يَدْعو الماءَ بلسانِه، ويُشِيرُ إليه بيدِه، فلا يأتيه أبدًا.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) في مصادر التخريج: \"سوى ذكرها كالقابض\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٣ إلى المصنف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٠٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"13","page":488},{"text":"مجاهدٍ؛ قال: وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، مثلَ حديثِ الحسنِ، عن حجاجٍ.\nقال ابن جريجٍ: وقال الأعرجُ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾. قال: يَدْعوه لأنْ يأتيَه، وما هو بآتيه، فكذلك لا يَسْتَجيبُ مَن (^١) دونَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾. وليس ببالغِه حتى يَتَمَزَّعَ عنقُه، ويَهْلِكَ عَطَشًا. قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾. هذا مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ؛ أي هذا الذي يَدْعو مِن دونِ اللَّهِ هذا الوَثَنَ وهذا الحَجَرَ، لا يَستَجيبُ له بشيءٍ أبدًا، ولا يَسُوقُ إليه خيرًا، ولا يَدْفَعُ عنه سوءًا، حتى يأتيَه الموتُ، كمثَلِ هذا الذي بسَط ذراعَيْه إلى الماءِ ليَبْلُغَ فاه، ولا يَبْلُغُ فاه، ولا يَصِلُ ذلك إليه، حتى يموتَ عَطَشًا (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: والذين يَدْعون مِن دونِه لا يَسْتَجِيبون لهم بشيءٍ، إلا كباسطِ كفَّيْه إلى الماءِ؛ ليتناولَ خيالَه فيه، وما هو ببالغِ ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-4638>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾. فقال: هذا مَثَلُ\n_________\n(^١) بعده في م: \"هو\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٣ إلى المصنف وأبى الشيخ.","vol":"13","page":489},{"text":"المشركِ مع اللَّهِ غيرَه، فمثَلُه كمثَلِ الرجلِ العطشانِ الذي يَنْظُرُ إلى خيالِه في الماءِ مِن بعيدٍ، فهو يريدُ أن يَتَناولَه ولا يَقْدِرُ عليه (^١).\nوقال آخرون في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ إلى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾. يقولُ: مَثَلُ الأوثانِ الذين يُعْبَدُون مِن دونِ اللَّهِ، كمثلِ رجلٍ قد بلَغه العَطَشُ، حتى كرَبه الموتُ، وكفَّاه في الماءِ قد وضَعهما لا يَبْلغان فاه. يقولُ اللَّهُ: لا تَسْتجيبُ له (^٢) الآلهةُ، ولا تَنْفَعُ الذين يَعْبُدونها، حتى يَبْلُغَ كفَّا هذا فاه، وما هما ببالغتَين فاه أبدًا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾. قال: لا يَنْفعونهم بشيءٍ إلا كما يَنْفَعُ هذا بكفَّيه، يعنى بَسْطَهما إلى ما لا يُنالُ أبدًا.\nوقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ وليس الماءُ ببالغٍ فاه ما قام (^٣) باسطًا كفَّيْه لا يَقْبِضُهما، ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾. قال: هذا مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ لمن اتخَذ مِن دونِ اللَّهِ إلهًا أنه غيرُ نافعِه، ولا يَدْفَعُ عنه سوءًا، حتى يموتَ على ذلك (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٣٠ - من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) سقط من: ص، م.\n(^٣) كذا في النسخ، وفى تفسير عبد الرزاق: \"ما دام\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٣٤، عن معمر به.","vol":"13","page":490},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾. يقولُ: وما دعاءُ مَن كفَر باللَّهِ ما يَدْعو مِن الأوثانِ والآلهةِ، ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾. يقولُ: إلا في غيرِ استقامةٍ ولا هُدًى؛ لأنه يُشْرِكُ باللَّهِ.\n\n<span id=\"aya-1722\"></span><span data-type='title' id=toc-4639>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فإن امتنَع هؤلاء الذين يَدْعون مِن دونِ اللَّهِ الأوثانَ والأصنامَ للَّهِ شركاءَ؛ من إفرادِ الطاعةِ وإخلاصِ العبادةِ له، فللهِ يَسْجُدُ مَن في السماواتِ مِن الملائكةِ الكرامِ، ومَن في الأرضِ مِن المؤمنين به طوعًا، فأما الكافرون به، فإنهم يَسْجُدون له كَرْها حينَ يُكْرَهون على السجودِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾. فأما المؤمنُ فيَسْجُدُ طائعًا، وأما الكافرُ فيَسْجُدُ كارِهًا (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرَنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، قال: كان ربيعُ بنُ خُثَيمٍ إذا تلا هذه الآيةَ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾. قال: بلى يا ربّاه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾. قال: مَن دخَل طائعًا هذا طوعًا، وكَرْهًا مَن لم يَدخُلْ إلا بالسيفِ (^٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٤ إلى المصنف.","vol":"13","page":491},{"text":"وقوله: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. يقولُ: ويَسْجُدُ أيضًا ظلالُ كلِّ مَن سجَد للَّهِ طوعًا وكَرْهًا، بالغَدَواتِ والعَشَايا، وذلك أن ظِلَّ كلِّ شخصٍ فإنه يَفئُ بالعشيِّ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨].\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4640>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. يَعْنى: حينَ يَفِئُ ظلُّ أحدِهم عن يمينِه أو شمالِه (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن سفيانَ، قال في تفسيرِ مجاهدٍ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. قال: ظِلُّ المؤمنِ يَسْجُدُ طوعًا وهو طائعٌ، وظِلُّ الكافرِ يَسْجُدُ طوعًا (^٢) وهو كارِهٌ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. قال: ذُكِر أن ظلالَ الأشياءِ كلِّها تسجدُ له، وقرَأ: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨]. قال: تلك الظلالُ تَسْجُدُ للَّهِ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ١٥٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) في مصدرى التخريج: \"كرها\".\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ٩/ ٣٠٢ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٣، ٥٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":492},{"text":"والآصالُ جمعُ أُصُلٍ، والأُصُلُ: جمعُ أصيلٍ، والأصيلُ: هو العَشِيُّ، وهو ما بينَ العصرِ إلى مغربِ الشمسِ؛ قال أبو ذؤَيبٍ (^١).\nلعَمرِى لأنتَ البيتُ أُكرِمُ أهْلَه … وأقْعُدُ (^٢) في أفيائِه (^٣) بالأصائلِ\n\n<span id=\"aya-1723\"></span><span data-type='title' id=toc-4641>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ لهؤلاء المشركين باللَّهِ: مَنْ ربُّ السماواتِ والأرضِ ومدبرُها، فإنهم سيقولون: اللَّهُ. وأمَر اللَّهُ نبيَّه ﷺ أن يقولَ: اللَّهُ. فقال له: قلْ يا محمدُ: ربُّها الذي خلَقَها وأنشأَها، هو الذي لا تَصْلُحُ العبادةُ إلا له، وهو اللَّهُ. ثم قال: فإذا أجابوك بذلك، فقُلْ لهم: أفَاتَّخَذْتم مِن دونِ ربِّ السماواتِ والأرضِ أولياءَ لا تَمْلِكُ لأنفسِها نفعًا تَجْلِبُه إلى نفسِها، ولا ضَرًّا تَدْفَعُه عنها، وهى إذ لم تَمْلِكْ ذلك لأنفسِها، فمِنْ مِلكِهِ لغيرِها أبعدُ (^٤)، فعبَدتُموها وترَكتُم عبادةَ مَن بيدِه النفعُ والضَّرُّ، والحياةُ والموتُ، وتدبيرُ (^٥) الأشياءِ كلِّها! ثم ضرَب لهم جلَّ ثناؤُه مثلًا فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِير﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-4642>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) ديوان الهذليين ١/ ١٤١، وشرح الديوان ١/ ١٤٢.\n(^٢) في الديوان: \"أجلس\".\n(^٣) أفيائه: جمع فئ؛ وهو ما كان شمسًا فنسخه الظل. اللسان (ف ى أ).\n(^٤) في ص، ت ٢، س: \"بعد\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"يدبر\".","vol":"13","page":493},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ لهؤلاء المشركين الذين عبَدوا مِن دونِ اللَّهِ الذي بيدِه نفعُهم وضَرُّهم، ما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ: هل يَسْتَوى الأعمى الذي لا يُبْصِرُ شيئًا، ولا يَهْتدى لمحَجَّةٍ يَسْلُكُها، إلا بأن يُهْدَى، والبصيرُ الذي يَهدى الأعمى لمحجَّةِ الطريقِ الذي لا يُبْصِرُه، إنهما لا شكَّ لَغَيرُ مستوِيَين، يقولُ: فكذلك لا يَسْتَوى المؤمنُ الذي يُبْصِرُ الحقَّ فيَتْبَعُه، ويَعْرِفُ الهُدَى فيَسْلُكُه؛ وأنتم أيها المشركون، الذين لا تَعْرِفون حقًّا، ولا تُبْصِرون رُشدًا.\nوقولُه: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهل تَسْتَوى الظُّلُماتُ التي لا تُرَى فيها المَحَجَّةُ فتُسْلَكَ، ولا يُرَى فيها السبيلُ فيُركَبَ، والنورُ الذي تُبصَرُ به الأشياءُ، ويَجلو ضوءُه الظلامَ؟ يقولُ: إنَّ هذين لا شكَّ لَغَيرُ مستوِيَين، فكذلك الكفرُ باللَّهِ إنما صاحبُه منه في حَيْرةٍ، يَضْرِبُ أبدًا في غَمْرةٍ لا يَرْجِعُ منه إلى حقيقةٍ، والإيمانُ باللَّهِ صاحبُه منه في ضياءٍ، يَعمَلُ على علمٍ بربِّه، ومعرفةٍ منه بأنَّ له مُثيبًا يُثيِبُه على إحسانِه، ومعاقِبًا يُعاقبُه على إساءتِه، ورازقًا يَرْزُقُه، ونافعًا يَنْفَعُه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4643>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾: أما الأعمى والبصيرُ، فالكافرُ والمؤمنُ، وأما الظلماتُ والنورُ، فالهُدى والضلالُة (^١).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٤ إلى المصنف.","vol":"13","page":494},{"text":"وقولُه: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ لهؤلاءِ المشركين: أخلَق أوثانُكم التي اتَّخَذْتُموها أولياءَ مِن دونِ اللَّهِ خلْقًا كخلقِ اللَّهِ، فاشْتَبه عليكم أمرُها فيما خلَقتْ وخلقَ اللَّهُ، فجعَلتُموها له شركاءَ مِن أجلِ ذلك، أم إنما بكم الجهلُ والذَّهابُ عن الصوابِ؟ فإنه لا يُشْكِلُ على ذى عقلٍ أن عبادةَ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ مِن الفعلِ جهلٌ، وأن العبادةَ إنما تَصْلُحُ للذى يُرْجَى نَفْعُه، ويُخْشَى ضَرُّه، كما أن ذلك غيرُ مُشكِلٍ خطؤُه وجهلُ فاعلِه، كذلك لا يُشْكِلُ جهلُ مَن أشرَك في عبادةِ مَن يَرْزُقُه ويَكْفُلُه ويَمُونُه، عبادةَ مَن لا يَقْدِرُ له على ضَرٍّ ولا نفعٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4644>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾: حمَلهم ذلك على أن شَكُّوا في الأوثانِ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ خلقوا كخلقِه\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٠٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٤ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.","vol":"13","page":495},{"text":"فحمَلهم ذلك على أن شكُّوا في الأوثانِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن كثيرٍ: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾: ضُرِبَت مثلًا.\nوقولُه: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. يَقُولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ لهؤلاءِ المشركين إذا أقَرُّوا لك أن أوثانَهم التي أشرَكوها في عبادةِ اللَّهِ لا تَخْلُقُ شيئًا: فاللَّهُ خالِقُكم وخالِقُ أوثانِكم، وخلَق كلَّ شيءٍ، فما وجهُ إشراكِكم ما لا تَخْلُقُ ولا تَضُرُّه (^١)؟\nوقولُه: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. يقولُ: وهو الفردُ الذي لا ثانىَ له، القهارُ الذي يَسْتَحقُّ الأُلوهةَ والعبادةَ، لا الأصنامُ والأوثانُ، التي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.\n\n<span id=\"aya-1724\"></span><span data-type='title' id=toc-4645>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: وهذا مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ للحقِّ والباطلِ، والإيمانِ به والكفرِ. يقولُ تعالى ذكرُه: مَثَلُ الحقِّ في ثباتِه والباطلِ في اضْمِحْلالِه مَثَلُ ماءٍ أنزَلَه اللَّهُ مِن السماءِ إلى الأرضِ، ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾. يَقُولُ: فاحتَمَلتُه الأوديةُ بمِلْئِها؛ الكبيرُ بكبرِه، والصغيرُ بصِغَرِه، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾. يقولُ: فاحتمَل السيلُ\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"ولا ينفع\".","vol":"13","page":496},{"text":"الذي حدَث عن ذلك الماءِ الذي أنزَله اللَّهُ مِن السماءِ زَبدًا عاليًا فوقَ السيلِ. فهذا أحدُ مَثَلَى الحقِّ والباطلِ، فالحقُّ هو الماءُ الباقى الذي أنزَله اللَّهُ مِن السماءِ، والزَّبَدُ الذي لا يُنتفَعُ به هو الباطلُ.\nوالمَثلُ الآخرُ: (وَمِمَّا تُوقُدونَ (^١) عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ). يقولُ جلَّ ثناؤُه: ومثلٌ آخرُ للحقِّ والباطلِ، مَثَلُ فضةٍ أو ذهَبٍ يُوقِدُ عليها الناسُ في النارِ؛ طَلَبَ حليةٍ يَتَّخِذُونها، أو متاعٍ، وذلك مِن النُّحاس والرَّصاصِ والحديدِ، يُوقَدُ عليه ليُتَّخَذَ منه متاعٌ يُنْتَفَعُ به، ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومما توقِدون عليه مِن هذه الأشياءِ زَبَدٌ مثلُه، بمعنى: مثلُ زَبَدِ السيلِ، لا يُنْتَفَعُ به ويَذْهَبُ باطلًا، كما لا يُنْتَفَعُ بزَبَدِ السيلِ ويَذْهَبُ باطلًا.\nورُفِع الزبدُ بقولِه: (وَمِمَّا تُوقُدونَ (^١) عَلَيْهِ فِي النَّارِ). ومعنى الكلامِ: ومما تُوقِدون عليه في النارِ زبدٌ مثلُ زبَدِ السيلِ في بُطولِ زبَدِه، وبقاءِ خالصِ الذهبِ والفضةِ.\nيقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾. يقولُ: كما مَثّل اللَّهُ (^٢) الإيمانَ والكفرَ في بطولِ الكفرِ وخيبةِ صاحبِه عندَ مجازاةِ اللَّهِ، بالباقى النافعِ مِن ماءِ السيلِ وخالصِ الذهبِ والفضةِ، كذلك يُمَثِّلُ اللَّهُ الحقَّ والباطلَ. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾. يَقُولُ: فأما الزَّبَدُ الذي علا السيلَ والذهبَ والفضةَ والنُّحاسَ والرَّصاصَ عندَ الوقودِ عليها، فيَذْهَبُ بدفعِ الرياحِ، وقذفِ الماءِ به،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"توقدون\" وكذا في المواضع الآتية، وسنثبتها بالياء دون إشارة وبالتاء هي قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبى بكر. وبالياء قرأ حمزة والكسائى وحفص عن عاصم. وهى رواية عن أبي عمرو السبعة لابن مجاهد ص ٣٥٨،٣٥٩.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"مثل\".","vol":"13","page":497},{"text":"وتَعَلُّقِه بالأشجارِ وجوانبِ الوادى، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ مِن الماءِ والذهبِ والفضةِ والرَّصاصِ والنُّحاسِ، فالماءُ يَمْكُثُ في الأرضِ فتشربُه، والذهبُ والفضةُ تَمْكُثُ للناسِ، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾، يَقُولُ: كما مثَّل هذا المثلَ للإيمانِ والكفرِ، كذلك يُمَثِّلُ الأمثالَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4646>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾: فهذا مثلٌ ضرَبه اللَّهُ، احتَملت منه القلوبُ على قَدْرِ يقينِها وشكِّها، فأما الشكُّ فلا يَنْفَعُ معه العملُ، وأما اليقينُ فينْفَعُ اللَّهُ به أهلَه؛ وهو قولُه: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾، وهو الشكُّ، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، وهو اليقينُ، كما يُجْعَلُ الحُلِيُّ في النارِ، فيؤخذُ خالصُه ويُتْرَكُ خَبَثُه في النارِ، فكذلك يَقْبلُ اللَّهُ اليقينَ ويَتْرُكُ الشكَّ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾. يقولُ: احتمَل السيلُ ما في الوادى مِن عُودٍ ودِمْنةٍ، ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾، فهو الذهبُ والفضةُ والحِليةُ، \"والمتاعُ\" النُّحاسُ (^٢) والحديدُ،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٦٩، ٣٧٠ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٢) في م: \"والنحاس\".","vol":"13","page":498},{"text":"وللنُّحاسِ والحديدِ خَبَثٌ، فجعَل اللَّهُ مثَلَ خبَثهِ كزبدِ الماءِ، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾، فالذهبُ والفضةُ، وأما ما يَنْفَعُ الأرضَ فما شرِبتْ مِن الماءِ فأنْبَتَت، فجعَل ذلك مَثَل العملِ الصالحِ يَبْقَى لأهلِه، والعملِ السيئَ يَضْمَحِلُّ عن أهلِه، كما يَذْهَبُ هذا الزَّبَدُ، فكذلك الهُدَى والحقُّ جاء مِن عندِ اللَّهِ، فمن عمِل بالحقِّ كان له، وبقِى كما يَبْقَى ما يَنْفَعُ الناسَ في الأرضِ، وكذلك الحديدُ لا يُسْتَطاعُ أن يُجْعَلَ منه سِكِّينٌ ولا سيفٌ حتى يُدخَلَ في النارِ، فتأكُلَ خَبَثَه، فيَخْرُجَ جَيِّدُه، فيُنْتَفَعَ به، فكذلك يَضْمَحِلُّ الباطلُ إذا كان يومُ القيامةِ، وأُقيم الناسُ، وعُرِضَت الأعمالُ، فيَزيغُ (^١) الباطلُ ويَهْلِكُ، ويَنْتَفِعُ أهلُ الحقِّ بالحقِّ، ثم قال: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ (^٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ إلى ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ فقال: ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾: الذهبِ [والفضةِ] (^٣)، ﴿أَوْ مَتَاعٍ﴾: الصُّفْرِ (^٤) والحديدِ. قال: كما أُوقِدَ على الذهبِ والفضةِ والصُّفْرِ والحديدِ، فخلَص خالِصُه، قال: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، كذلك بقاءُ الحقِّ لأهلِه فانْتَفَعوا به (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ الزَّعفرانيُّ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، قال: قال ابن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فيرفع\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٧٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"أو الفضة\".\n(^٤) الصفر: النحاس الأصفر. الوسيط \"ص ف ر\".\n(^٥) سقط من: م. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.","vol":"13","page":499},{"text":"جريجٍ: أخبرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾. قال: ما أطاقت مِلْأَها، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾. قال: انْقَضَى الكلامُ، ثم اسْتَقْبَل فقال: (وَمِمَّا تُوقُدونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ). قال: المتاعُ الحديدُ والنُّحاسُ والرَّصاصُ وأشباهُه. ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾. قال: خَبَثُ ذلك مثلُ زبدِ السيلِ. قال: وأمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ، وأمَّا الزَّبَدُ فيذهبُ جُفاءً. قال: فذلك مَثَلُ الحقِّ والباطلِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن كثيرِ، عن مجاهدٍ أنه سمِعه يقولُ. فذكَر نحوَه، وزاد فيه: قال: قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: قولَه: هو ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾. قال: جُمودًا في الأرضِ، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾: يَعْنى الماءَ وهما مَثَلان؛ مَثَلُ الحقِّ والباطلِ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾: السيلُ (^٢) مِثْلُه (^٣) خَبَثُ الحديدِ والحلِيةِ، ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾: جمودًا في الأرضِ، (وَمِمَّا تُوقُدونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ). الحديدُ والنُّحاسُ والرَّصاصُ وأشباهُه، وقولُه: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، إنما هما مَثَلان للحقِّ والباطلِ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ. قال: وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٠٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٥ إلى المصنف وأبى عبيد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٢) كذا في النسخ. ولعله: \"الزبد\".\n(^٣) في م: \"مثل\".","vol":"13","page":500},{"text":"مجاهدٍ - يزيدُ أحدُهما على صاحبِه - في قولِه: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾. قال: بملئِها. ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾. قال: الزَّبَدُ السيلُ. ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾. قال: خَبَثُ الحديدِ والحليةِ. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾. قال: جمودًا في الأرضِ. ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: الماءُ، وهما مثَلان للحقِّ والباطلِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الصغيرُ بصِغَرِه، والكبيرُ بكِبَرِه، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾: أي عاليًا، ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾، والجُفاء ما يَتَعَلَّقُ بالشجرِ، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. هذه ثلاثةُ أمثالٍ، ضرَبها اللَّهُ في مَثَلٍ واحدٍ. يقولُ: كما اضْمَحَلَّ هذا الزبدُ، فصار جُفاءً لا يُنْتَفَعُ به ولا تُرْجَى (^١) بَرَكتُه، كذلك يَضْمَحِلُّ الباطلُ عن أهلِه كما اضْمَحَلَّ هذا الزبدُ، وكما مكَث هذا الماءُ في الأرضِ، فأمْرَعت هذه الأرضُ وأخرَجت نباتَها، كذلك يَبْقَى الحقُّ لأهلِه كما بَقِى هذا الماءُ في الأرضِ، فأخرَج اللَّهُ به ما أخرَج مِن النباتِ. قولُه: (وَمِمَّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ) الآيةُ، كما يَبْقَى خالصُ الذهبِ والفضةِ حينَ أُدْخِل النارَ وذهَب خَبَثُه، كذلك يَبْقَى الحقُّ لأهلِه. قولُه: ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾، يقولُ: هذا الحديدُ والصُّفْرُ الذي يُنْتَفَعُ به فيه منافعُ، يقولُ: كما يَبقى خالصُ هذا الحديدِ وهذا الصُّفْرِ حينَ أُدْخِل النارَ وذهَب خبثُه، كذلك يَبْقَى الحقُّ لأهلِه، كما بَقِى خالصُهما (^٢).\n_________\n(^١) في ت ٢، س، ف: \"يرجى\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.","vol":"13","page":501},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال ثنا: محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الكبيرُ بقدْرِه، والصغيرُ بقدْرِه، ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾. قال: رَبَا فوقَ الماءِ الزَّبَدُ، (وَمِمَّا تُوقُدونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ). قال: هو الذهبُ إذا أُدْخِل النارَ بَقِى صَفْوُه، ونُفِى ما كان مِن كَدَرِه، وهذا مثلٌ ضرَبه اللَّهُ للحقِّ والباطلِ، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ يتعلق بالشجرِ فلا يكونُ شيئًا، هذا (^١) مَثَلُ الباطلِ، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، وهذا يُخرِجُ النباتَ، وهو مثلُ الحقَّ، ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾. قال: المتاعُ الصُّفْرُ والحديدُ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا هَوْدَةُ بنُ خليفةَ، قال: ثنا عوفٌ، قال: بلَغنى في قولِه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾. قال: إنما هو مَثلٌ ضرَبه اللَّهُ للحقِّ والباطلِ، ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾: الصغيرُ على قَدْرِه، والكبيرُ على قَدْرِه، وما بينَهما على قَدْرِه، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾. يقولُ: عظيمًا، وحيثُ استقرَّ الماءُ يَذْهَبُ الزَّبَدُ جُفاءً، فتَطِيرُ به الريحُ، فلا يَكُونُ شَيئًا، ويَبقَى صريحُ الماءِ الذي يَنْفَعُ الناسَ؛ منه شرابُهم ونباتُهم ومَنْفَعتُهم، ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾، ومِثْلُ الزَّبَدِ كلُّ شيءٍ يُوقَدُ عليه في النارِ؛ الذهبُ والفضةُ والنُّحاسُ والحديدُ، فيَذْهَبُ خَبَثُه، ويَبْقَى ما يَنْفَعُ في أيديهم، والخَبَثُ والزَّبَدُ مَثَلُ الباطلِ، والذي يَنْفَعُ الناسَ مما تحصَّل في أيديهم مما يَنْفَعُهم المالُ الذي في أيديهم.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾. قال: هذا مَثَلٌ ضَرَبه اللَّهُ للحقِّ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٣٤، ٣٣٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":502},{"text":"والباطلِ. فقرَأ: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾، هذا الزَّبَدُ لا يَنْفَعُ، ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ هذا (^١) لا يَنْفَعُ أيضًا، قال: وبَقِى الماءُ في الأرضِ فنفَع الناسَ، وبَقى الحُلِيُّ الذي صلَح مِن هذا، فانْتَفَع الناسُ به، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾. وقال: هذا مثلٌ ضرَبه اللَّهُ للحقِّ والباطلِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾. قال: الصغيرُ بصِغَرِه، والكبيرُ بكِبَرِه (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا طلحةُ بنُ عمرٍو، عن عطاءٍ: ضرَب اللَّهُ مثلًا للحقِّ والباطلِ، فضرَب مَثَلَ الحقَّ كمَثَلِ السيلِ الذي يَمْكُثُ في الأرضِ، وضرَب مَثَلَ الباطلِ كمَثَلِ الزَّبَدِ الذي لا يَنْفَعُ الناسَ (^٣).\nوعنَى بقولِه: ﴿رَابِيًا﴾: عاليًا مُنْتَفِخًا، مِن قولِهم: ربَا الشئُ يَرْبُو رُبُوًّا فهو رابٍ. ومنه قيل للنَّشَزِ مِن الأرضِ كهيئةِ الأكَمَةِ: رابيةٌ. ومنه قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥]، [فصلت: ٣٩].\nوقيل للنُّحاسِ والرَّصاصِ والحديدِ في هذا الموضعِ: المتاعُ. لأنه يُسْتَمْتَعُ به، وكلُّ ما يَتمتَّعُ به الناسُ فهو متاعٌ؛ كما قال الشاعرُ (^٤):\nتَمَتَّعْ يا مُشَعَّثُ إنَّ شيئًا … سَبَقْتَ به المماتَ هو المتاعُ\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الماء\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٥ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٤) البيت للمشعث العامرى، وهو في الأصمعيات ص ١٤٨، ومعجم الشعراء ص ٤٤٧، ومجاز القرآن ١/ ٣٢٨، واللسان (م ت ع).","vol":"13","page":503},{"text":"وأما الجُفاءُ، فإنى حُدِّثت عن أبي عُبيدةَ مَعْمَرِ بن المثنى قال: قال أبو عمرِو بنُ العلاءِ، يقالُ: قد أجْفَأَتِ القِدرُ؛ وذلك إذا غَلَتْ فانْصَبَّ زَبَدُها، أو سكَنت فلا يَبْقَى منه شيءٌ (^١).\nوقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ أن معنى قولِه: ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾: تَنْشَفُه الأرضُ. وقال: يُقالُ: جَفا الوادى وأجْفَى في معنى نَشِف، وانْجَفَى الوادى: إذا جاء بذلك الغُثاءِ، وغَثى الوادى، فهو يَغْنِى غَثْيًا وغَثَيانا. وذَكَر عن العربِ أنها تَقُولُ: جَفَأْتُ القِدْرَ أجْفَؤُها: إذا أخرَجتَ جُفاءَها، وهو الزَّبَدُ الذي يَعْلُوها، وأجْفَأْتُها إِجْفَاءً، لغةٌ. قال: وقالوا: جَفَأتُ الرجلَ جَفْئًا: صرَعتُه.\nوقيل: ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ بمعنى جَفْئًا؛ لأنه مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: جَفَأً الوادى غُثَاءَه جُفاءً (^٢). فخَرَج مخرَجَ الاسمِ وهو مصدرٌ. كذلك تفعَلُ العربُ في مصدرِ كلَّ ما كان مِن فعلِ شيءٍ اجْتَمع بعضُه إلى بعضٍ كالقُماشِ (^٣) والدُّقاقِ والحُطامِ والغُثاءِ. تُخْرِجُه على مذهبِ الاسمِ، كما فعَلت ذلك في قولِهم: أعْطَيتُه عطاءً، بمعنى الإعْطاءِ. ولو أُريد مِن القُماشِ المصدرُ على الصحةِ لقيل: قد قَمَشْتُه قَمْشًا.\n\n<span id=\"aya-1725\"></span><span data-type='title' id=toc-4647>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أما الذين استجابوا للَّهِ فآمَنوا به حينَ دعاهم إلى الإيمانِ به\n_________\n(^١) مجاز القرآن ١/ ٣٢٩.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) القماش: ما يكون على وجه الأرض من فُتات الأشياء. الوسيط (ق م ش).","vol":"13","page":504},{"text":"وأطاعوه، فاتَّبعوا رسولَه وصدَّقوه فيما جاءهم به مِن عندِ اللَّهِ، فإن لهم الحسنَى؛ وهى الجنةُ.\nكذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾: وهى الجنةُ.\nوقولُه: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأما الذين لم يَسْتَجِيبوا له حينَ دعاهم إلى توحيدِه والإقرارِ برُبوبيتِه، ولم يُطِيعوه فيما أمَرهم به، ولم يَتَّبِعوا رسولَه فيُصَدِّقوه فيما جاءهم به من عندِ ربِّهم، فلو أنَّ لهم ما في الأرضِ جميعًا من شيءٍ ومثلَه معه مِلْكًا لهم ثم قُبِلَ (^١) مِثْلُ ذلك، وقُبِل ذلك منهم بدلًا مِن العذابِ الذي أعدَّه اللَّهُ لهم (^٢) في نارِ جهنمَ وعِوضًا، لافْتَدَوْا به أنفسَهم منه.\nيَقُولُ اللَّهُ: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين لم يَسْتَجِيبوا للَّهِ ﴿لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾. يقولُ: لهم عندَ اللَّهِ أن يَأْخُذَهم بذُنوبِهم كلِّها، فلا يَغْفِرَ لهم منها شيئًا، ولكن يُعَذِّبُهم على جميعِها.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا يونسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عونٌ، عن فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، قال: قال لنا شهرُ بنُ حَوْشَبٍ: ﴿سُوءُ الْحِسَابِ﴾ أن لا يَتَجاوزَ له (^٣) عن شيءٍ (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: س. وفى ص، ت ٢، ف: \"له\".\n(^٣) في م: \"لهم\".\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٦٦ - تفسير) عن عون بن موسى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":505},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنى الحجاجُ بنُ أبى عثمانَ، قال: ثنى فَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ، قال: قال إبراهيمُ النَّخَعيُّ: يا فرقدُ، أتدرى ما سوءُ الحسابِ؟ قلتُ: لا. قال: هو أن يُحاسَبَ الرجلُ بذنبِه كلِّه، لا يُغفَرُ له منه شيءٌ (^١).\nوقولُه: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ: ومَسْكنُهم الذي يَسْكُنُونه يومَ القيامةِ جهنمُ. ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. يقولُ: وبئسَ الفِراشُ والوِطاءُ جهنمُ التي هي مأواهم يومَ القيامةِ.\n\n<span id=\"aya-1726\"></span><span data-type='title' id=toc-4649>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أهذا الذي يَعْلمُ أن الذي أنزَله اللَّهُ عليك يا محمدُ حقٌّ، فيؤمنُ به ويصدِّقُ ويعملُ بما فيه، كالذى هو أعْمَى، فلا يَعْرِفُ مَوْقِعَ حُجَةِ اللَّهِ عليه به، ولا يَعْلَمُ ما ألزَمه (^٢) اللَّهُ مِن فرائضِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4648>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾. قال: هؤلاء قومٌ انْتَفَعوا بما سمِعوا مِن كتابِ اللَّهِ، وعقَلوه ووَعَوْه. قال اللَّهُ: ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾. قال: عن الخيرِ فلا يُبْصِرُه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٦٧ - تفسير) من طريق آخر عن إبراهيم بمعناه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٦ إلى أبى الشيخ.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أكرمه\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.","vol":"13","page":506},{"text":"وقولُه: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. يقولُ: إنما يَتَّعِظُ بآياتِ اللَّهِ ويَعْتَبِرُ بها ذوو العقولِ؛ وهى الألبابُ، واحدُها: لُبٌّ.\n\n<span id=\"aya-1727\"></span><span data-type='title' id=toc-4651>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إنما يَتَّعِظُ ويَعْتَبِرُ بآياتِ اللَّهِ أولو الألبابِ، الذين يُوفون بوصيةِ اللَّهِ التي أوصاهم بها (^١)، ﴿وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾: ولا يُخالفِون العهدَ الذي عاهَدوا اللَّهَ عليه إلى خِلافِه، فيَعْمَلوا بغيرِ ما أمَرهم به، ويخالِفوا إلى ما نهَى عنه.\nوقد بيَّنا معنى العهْدِ والميثاقِ فيما مضَى بشواهدِه، فأغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4650>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، فبيَّن مَن هم، فقال: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾، فعليكم بوفاءِ العهدِ، ولا تَنْقُضُوا هذا الميثاقَ، فإن اللَّهَ تعالى قد نهَى وقدَّم فيه أشدَّ التقدِمةِ، فذكَره في بضعٍ وعشرين موضعًا، نصيحةً لكم، وتَقْدِمةً إليكم، وحُجَّةً عليكم، وإنما [تَعْظُمُ الأمورُ] (^٣) بما عظَّمه اللَّهُ به عندَ أهلِ الفَهْمِ والعقلِ، فعظِّموا ما عظَّم اللَّهُ. قال قتادةُ: وذُكِر لنا أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) تقدم في ١/ ٤٣٥.\n(^٣) في م: \"يعظم الأمر\".","vol":"13","page":507},{"text":"في خُطبتِه: \"لا إيمانَ لمن لا أمانةَ (^١) له، ولا دِينَ لمن لا عهدَ له\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-1728\"></span>وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين يَصِلُون الرَّحِمَ التي أمَرهم اللَّهُ بوصلِها، فلا يَقْطَعُونها. ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾. يقولُ: ويخافون اللَّهَ في قطعِها أن يَقْطَعوها، فيعاقِبَهم على قطعِها، وعلى خلافِهم أمرَه فيها.\nوقولُه: ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾. يقولُ: ويحذَرون مناقشةَ اللَّهِ إياهم في الحسابِ، ثم لا يَصْفَحُ لهم عن ذنبٍ، فهم لرهبتِهم ذلك جادُّون في طاعتِه، محافظون على حدودِه.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفَّانُ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن عمرِو بن مالكٍ، عن أبي الجوزاءِ (^٣) في قولِه: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾. قال: المناقشةُ (^٤) بالأعمالِ (^٥).\nقال: ثنا عفانُ، قال: ثنا حمادٌ، عن فَرْقَدٍ، عن إبراهيمَ، قال: ﴿سُوءَ الْحِسَابِ﴾ أن يُحاسَبَ مَن لا يُغفَرُ له.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"أمان\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ، والحديث المرفوع أخرجه أحمد. ١٩/ ٣٧٥، ٢٠/ ٣٢، ٣٣، ٤٢٣ (١٢٣٨٣، ١٢٥٦٧، ١٣١٩٩) وغيره من طرق عن قتادة عن أنس.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الحفنا\" وهو أوس بن عبد الله الرَّبَعى. وينظر ترجمته في تهذيب الكمال ٣/ ٣٩٢.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"المقايسة\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٣٥، وابن أبي شيبة ١٤/ ٤٤ من طريق جعفر بن سليمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.","vol":"13","page":508},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾. قال: فقال: وما سوءُ الحسابِ؟ قال: الذي لا جوازَ فيه.\nحدَّثني ابن سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن الحجاجِ، عن فَرْقَدٍ، قال: قال لى إبراهيمُ: تَدرِى ما سوءُ الحسابِ؟ قلتُ: لا أدرِى. قال: يُحاسَبُ العبدُ بذنبِه كلِّه لا يُغْفَرُ له منه شيءٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-1729\"></span><span data-type='title' id=toc-4652>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الوفاءِ بعهدِ اللَّهِ، وترْكِ نَقْضِ الميثاقِ، وصلةِ الرحمِ؛ ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِم﴾. ويعنى بقولِه: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِم﴾: طَلَبَ تعظيمِ اللَّهِ، وتنزيهًا له أن يُخالَفَ في أمرِه، أو يأتىَ أمرًا كَرِه إتيانَه فيَعْصِيَه به، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾. يقولُ: وأدَّوا الصلاةَ المفروضةَ بحدودِها في أوقاتِها، ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾. يقولُ: وأدَّوا مِن أموالِهم زكاتَها المفروضةَ، وأنْفَقوا منها في السُّبلِ التي أمَرهم اللَّهُ بالنفقةِ فيها، سِرًّا في خفاءٍ، وعلانيةً في الظاهرِ.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾. يعنى: الصلواتِ الخمسَ، ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾. يقولُ: الزكاةُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الصبرُ الإقامةُ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٠٦.","vol":"13","page":509},{"text":"قال: وقال: الصبرُ في هاتين؛ فصبرٌ للَّهِ على ما أحبَّ وإن ثَقُل على الأنفسِ والأبدانِ، وصبرٌ عما يَكْرَهُ وإن نازَعت إليه الأهواءُ، فمَن كان هكذا فهو مِن الصابرين. وقرَأ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾.\nوقولُه: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾. يقولُ: ويَدْفَعون إساءةَ مَن أساء إليهم مِن الناسِ بالإحسانِ إليهم.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾. قال: يَدْفَعون الشرَّ بالخيرِ، لا يُكافِئون الشرَّ بالشرِّ، ولكن يَدْفَعونه بالخيرِ (^١).\nوقولُه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾. يَقُولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين وصَفنا صِفتَهم هم الذين لهم عُقبى الدارِ، يَقُولُ: هم الذين أعْقَبهم اللَّهُ دارَ الجنانِ مِن دارِهم التي لو لم يَكُونوا مؤمنين كانت لهم في النارِ، فأعقَبهم اللَّهُ مِن تلك هذه. وقد قيل: معنى ذلك: أولئك الذين لهم عَقِيبَ طاعتِهم ربَّهم في الدنيا دارُ الجنانِ.\n\n<span id=\"aya-1730\"></span><span data-type='title' id=toc-4653>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾؛ ترجمةٌ عن ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٢]. كما يقالُ: نِعْمَ الرجلُ عبدُ اللَّهِ. فعبدُ اللَّهِ هو الرجلُ المقولُ له: نِعْمَ الرجلُ. وتأويلُ الكلامِ: أولئك لهم عَقِيبَ طاعتِهم ربَّهم الدارُ التي هي جناتُ عدْنٍ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٧ إلى المصنف.","vol":"13","page":510},{"text":"وقد بيَّنا معنى قولِه: ﴿عَدْنٍ﴾، وأنه بمعنى الإقامةِ التي لا ظَعْنَ معها (^١).\nوقولُه: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِم﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: جناتُ عدنٍ يَدْخُلُها هؤلاء الذين وَصَفْتُ صفتَّهم، وهم الذين يُوفُون بعهدِ اللَّهِ، والذين يَصِلون ما أمَر اللَّهُ به أن يُوصَلَ، ويَخْشَون ربَّهم، والذين صبَروا ابتغاءَ وجهِ ربِّهم، وأقاموا الصلاةَ، وفعَلوا الأفعالَ التي ذكَرها جلَّ ثناؤُه في هذه الآياتِ الثلاثِ، ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ﴾، وهى نساؤُهم وأهلوهم وذرِّياتُهم.\nوصلاحُهم إيمانُهم باللَّهِ، واتباعُهم أمرَه وأمرَ رسولِه ﵊.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾. قال: مَنْ آمَن في الدنيا (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وثنا إسحاق قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾. قال: مَن آمَن مِن آبائِهم وأزواجِهم وذرِّياتِهم.\n\n<span id=\"aya-1731\"></span>وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وتَدْخُلُ الملائكةُ على هؤلاء الذين وصَف جلَّ ثناؤُه صفتَهم في هذه الآياتِ الثلاثِ، في جناتِ عَدْنٍ، مِن كلِّ بابٍ منها، يقولون لهم: ﴿سَلَامٌ\n_________\n(^١) تقدم في ١١/ ٥٥٩.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٧ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.","vol":"13","page":511},{"text":"عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ على طاعةِ ربِّكم في الدنيا، ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.\nوذُكر أن لجناتِ عَدْنٍ خمسةَ آلافِ بابٍ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عليُّ بنُ جريرٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن يعلى بن عطاءٍ، عن نافعِ بن عاصمٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو، قال: إن في الجنةِ قصرًا يقالُ له: عَدْنٌ، حولَه البُروجُ والمُروجُ، فيه خمسةُ آلافِ بابٍ، على كلِّ بابٍ خمسةُ آلافِ حِبَرةٍ، لا يَدْخُلُه إلا نبيٌّ أو صدِّيقٌ أو شهيدٌ (^١).\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَغْراءَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾. قال: مدينةُ الجنةِ، فيها الرسلُ والأنبياءُ والشهداءُ وأئمةُ الهدى، والناسُ حولَهم [بعدُ، والجناتُ] (^٢) حولَها (^٣).\nوحُذِف من قولِه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ \"يقولون\" اكتفاءً بدَلالةِ الكلامِ عليه، كما حُذِف ذلك مِن قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ [السجدة: ١٢].\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن بقيةَ بن الوليدِ، قال: ثنى أرطاةُ بنُ المنذرِ، قال: سمِعتُ رجلًا مِن مشيخةِ الجندِ يقال له: أبو الحجاجِ. يقولُ: جلَستُ إلى أبى أُمامةَ، فقال: إن المؤمنَ ليكونُ متكئًا على أَرِيكتِه إذا دخَل الجنةَ، وعندَه سِماطان (^٤) مِن خدَمٍ، وعندَ طَرَفِ السِّماطَين [بابٌ مبوبٌ] (^٥)،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١١/ ٥٦٣.\n(^٢) في م: \"بعدد الجنات\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ١١/ ٥٦٤.\n(^٤) السماط: الصف. التاج (س م ط).\n(^٥) في م: \"سور\"، وفى ت ١، ت ٢، س، ف: \"مبوب\".","vol":"13","page":512},{"text":"فيُقبِلُ المَلَكُ يَسْتَأذِنُ، فيقولُ [أقصى الخدمِ] (^١) للذى (^٢) يليه: ملَكٌ يَسْتَأذِنُ (^٣). ويقولُ الذي يليه للذى يَليه: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ. حتى يَبْلُغَ المؤمنَ، فيقولُ: ائذَنوا. فيقولُ أقربُهم إلى المؤمنِ: ائذَنوا. ويقولُ الذي يلِيه للذى يلِيه: ائذَنُوا. فكذلك حتى يَبْلُغَ أقصاهم الذي عندَ البابِ، فيَفتحَ له، فيدخلَ فيُسَلِّمَ ثم يَنْصَرِفَ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن إبراهيمَ بن محمدٍ، عن سهيلِ (^٥) بن أبى صالحٍ، عن محمدِ بن إبراهيمَ، قال: كان النبيُّ ﷺ يأتى قبورَ الشهداءِ على رأسِ كلِّ حولٍ فيقولُ: \"السلامُ عليكم بما صَبَرْتم، فنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ\". وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ (^٦).\nوأما قولُه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾. فإن أهلَ التأويلِ قالوا في ذلك نحوَ قولِنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4654>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن جعفرِ بن سليمانَ، عن أبي عمرانَ الجَوْنيِّ أنه تلا هذه الآيةَ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾. قال: على دينِكم (^٧).\n_________\n(^١) سقط من النسخ، وكذلك سقط من تفسير ابن كثير، وأثبتناه من الدر المنثور.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"الذي\".\n(^٣) بعده في م: \"ويقول الذي يليه للذى يليه\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٧٤ عن ابن المبارك به، وعزاه إلى المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير - من طريق أرطاة به.\n(^٥) في م: \"سهل\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٦٧١٦) من طريق سهيل بن أبى صالح به. وأخرجه البيهقى في دلائل النبوة ٣/ ٣٠٦ من طريق آخر موصولًا فقال: عن عباد بن أبى صالح عن أبيه عن أبي هريرة بنحوه.\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٣٥، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الصبر (٢٣)، وأبو نعيم في الحلية ٢/ ٣١٠ من طريق جعفر بن سليمان به نحوه.","vol":"13","page":513},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾. قال: حينَ صبَرو للَّهِ بما [يحبُّه اللَّهُ] (^١) فقدَّموه. وقرَأ: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ حتى بلَغ: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ١٢ - ٢٢]. وصبَروا عما كرِه اللَّهُ وحرَّم عليهم، وصبَروا على ما ثَقُل عليهم وأحَبَّه اللَّهُ، فسلَّم عليهم بذلك. وقرَأ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.\nوأما قولُه: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار﴾. فإن معناه إن شاء اللَّهُ كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال ثنا عبدُ الرزاقِ، عن جعفرٍ، عن أبي عِمْرانَ الجَوْنيِّ في قولِه: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار﴾. قال: الجنةُ مِن (^٢) النارِ.\n\n<span id=\"aya-1732\"></span><span data-type='title' id=toc-4655>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأمَّا: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾. ونَقْضُهم ذلك خِلافُهم أمرَ اللَّهِ، وعَمَلُهم بَمَعْصِيتِه، ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾. يقولُ: مِن بعدِ ما وَثَّقوا على أنفسِهم للَّهِ أن يَعْمَلوا بما عهِد إليهم، ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾. يقولُ: ويَقْطَعون الرحمَ التي أمَرَهم اللَّهُ بَوصْلِها، ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. وإفسادُهم فيها عملُهم فيها (^٣) بمعاصى اللَّهِ، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾. يقولُ: فهؤلاء لهم اللعنةُ، وهى البُعدُ مِن رحمتِه، والإقصاءُ مِن جَنابِه (^٤)، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"يحبون\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، س، ف: \"و\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"جنانه\"، وفى ت ١، ت ٢: \"جناته\"، وفى ف: \"حياته\"، وغير منقوطة في ص.","vol":"13","page":514},{"text":"يقولُ: ولهم ما يسوءُهم في (^١) الدارِ الآخرةِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: أكبرُ الكبائرِ الإشراكُ باللَّهِ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: ٣١]، ونقضُ العهدِ، وقطيعةُ الرحمِ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾. يعنى: سوءُ العاقبةِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ في قولِه: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾. قال: بلَغنا أن النبيَّ ﷺ قال: \"إذا لم تَمْشِ إلى ذى رَحمِك برِجْلِكَ، ولم تُعْطِه مِن مالِكَ، فقد قَطَعْتَه\" (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن مُرَّةَ (^٤)، عن مُصْعبِ بن سعدٍ، قال: سأَلتُ أبى عن هذه الآيةِ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤]. أَهُمْ الحَرُوريَّةُ؟ قال: لا. ولكنَّ الحَرُوريَّةَ ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾. فكان سعدٌ يُسَمِّيهم الفاسقين (^٥).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، قال:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"من\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٢١ - والطبرانى في الكبير (١٣٠٢٣) من طريق عبد الله بن صالح به مطولا وقال الهيثمى في المجمع ٧/ ١١٦: إسناده حسن.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٦ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"ضمرة\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٢٣٢.\n(^٥) سيأتي تخريجه في سورة الكهف.","vol":"13","page":515},{"text":"سمِعتُ مُصْعبَ بنَ سعدٍ، قال: كنتُ أمْسِكُ على سعدٍ المصحفَ، فأتى على هذه الآيةِ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ محمدِ بن جعفرٍ.\n\n<span id=\"aya-1733\"></span><span data-type='title' id=toc-4656>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: اللَّهُ يُوَسِّعُ على مَن يشاءُ مِن خلقِه في رزقِه، فيَنْسُطُ له منه؛ لأن منهم مَن لا يُصْلِحُه إلا ذلك، ﴿وَيَقْدِرُ﴾. يقولُ: ويُقَتِّرُ على مَن يشاءُ منهم في رزقِه وعَيْشِه، فيُضَيِّقُه عليه؛ لأنه لا يُصْلِحُه إلا الإقتارُ.\n﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وفرِح هؤلاء الذين بُسِط لهم في الدنيا مِن الرزقِ على كفرِهم باللَّهِ ومَعْصِيتهم إياه، بما بُسِط لهم فيها، وجهِلوا ما عندَ اللَّهِ لأهلِ طاعتِه والإيمانِ به في الآخرةِ من الكرامةِ والنعيمِ.\nثم أخبَر جلَّ ثناؤُه عن قَدْرِ ذلك في الدنيا، فيما لأهلِ الإيمانِ به عندَه في الآخرةِ، وأعلَم عبادَه قِلَّتَه فقال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾. يقولُ: وما جميعُ ما أُعْطِى هؤلاء في الدنيا مِن السعةِ، وبُسِط لهم فيها مِن الرزقِ وَرَغَدِ العيشِ، فيما (^١) عندَ اللَّهِ لأهلِ طاعتِه في الآخرةِ، إلا متاعٌ قليلٌ، وشيءٌ حقيرٌ ذاهبٌ.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا مَتَاعٌ﴾. قال: قليلٌ ذاهبٌ (^٢).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، س، ف: \"فيها\"، وغير واضحة في ت ١.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٠٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.","vol":"13","page":516},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾. قال: قليلٌ ذاهبٌ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن بُكَيرِ بن الأَخْنَسِ، عن عبدِ الرحمنِ بن سابطٍ في قولِه: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾. قال: كزادِ الراعى، يُزَوِّدُه أهلُه الكفَّ مِن التمرِ، أو الشيءَ مِن الدقيقِ، أو الشيءَ يُشْرَبُ عليه اللبنُ (^١).\n\n<span id=\"aya-1734\"></span><span data-type='title' id=toc-4657>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويقولُ لك يا محمدُ مشركو قومِك: هلَّا أُنْزِل عليك آيةٌ مِن ربِّك؛ إما مَلَكٌ يكونُ معك نذيرًا، أو يُلْقى إليك كَنْرٌ. فقلْ (^٢): إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مِنكم مَن يشاءُ أَيُّها القومُ، فيَخْذُلُه عن تصديقي والإيمانِ بما جئتُه به مِن عندِ ربي، ويَهْدِى إليه من أناب فرجَع إلى التوبةِ مِن كفرِه، والإيمانِ به، فيوفِّقُه لاتِّباعي وتصديقي (^٣) على ما جئتُه به مِن عندِ ربِّه، وليس ضلالُ مَن يَضِلُّ منكم بأن لم يُنزَلْ عليَّ آيةٌ مِن ربي، ولا هدايةُ مَن يهتدى مِنكم بأنها أُنْزِلت عليَّ - بيدى (^٤)، وإنما ذلك بيدِ اللَّهِ، يُوفِّق من يشاءُ منكم للإيمانِ، ويَخْذُلُ مَن يشاءُ منكم فلا يؤمنُ.\nوقد بيَّنتُ معنى الإنابةِ في غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا بشواهدِه، بما أغنَى عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٢) في ص: \"فقال لهم\"، وفى ت ١، ت ٢، س، ف: \"فقال\".\n(^٣) بعده في م: \"به\".\n(^٤) ليست في ص، م، ت ٢، س، ف.","vol":"13","page":517},{"text":"إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾. أي: مَن تاب وأقبَل (^٢).\n\n<span id=\"aya-1735\"></span><span data-type='title' id=toc-4658>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويَهْدِى إليه مَن أناب بالتوبةِ الذين آمنوا. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في موضعِ نصبٍ، ردٌّ (^٣) على ﴿مَنْ﴾؛ لأن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هم ﴿مَنْ أَنَابَ﴾، تُرجِم بها عنها.\nوقولُه: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾. يقولُ: وتَسْكُنُ قلوبُهم وتَسْتَأْنِسُ بذكرِ اللَّهِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾. يقولُ: سكَنت (^٤) إلى ذكرِ اللَّهِ واسْتَأْنَستْ به (٢).\nوقولُه: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. يقولُ: ألا بذكرِ اللَّهِ تَسْكُنُ وتَسْتَأْنِسُ قلوبُ المؤمنين. وقيل: إنه عنَى بذلك قلوبَ المؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٢/ ٤٩٣، ٥٤٨ وما بعدها، وليس فيما تقدم شاهد على معنى الإنابة، وينظر أيضًا ما سيأتي في مواضعه من التفسير.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٣) بعده في ص: \"نصبا\".\n(^٤) في ص، ف: \"مست\"، وفي ت ١: \"هشت\".","vol":"13","page":518},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4659>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾: لمحمدٍ وأصحابِه (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. قال: لمحمدٍ وأصحابِه.\nقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أحمدُ بنُ يونسَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ في قولِه: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال: هم أصحابُ محمدٍ ﷺ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1736\"></span>وقولُه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: الصالحات مِن الأعمالِ، وذلك العملُ بما أمَرهم ربُّهم، ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. و﴿طُوبَى﴾ في موضعِ رَفْعٍ بـ ﴿لَهُمْ﴾. وكان بعضُ أهلِ البصرةِ والكوفةِ يقولُ: ذلك رفعٌ، كما يقالُ في الكلامِ: ويلٌ لعمرٍو. وإنما أُوثِر الرفعُ في ﴿طُوبَى﴾ لحُسْنِ (^٣) الإضافةِ فيه بغيرِ لامٍ، وذلك أنه يقالُ فيه: طوباك. كما يقالُ: ويلَك ووَيْبَك. ولولا حسنُ الإضافةِ فيه بغيرِ لامٍ، لكان النصبُ فيه أحسنَ وأفصحَ، كما النصبُ في قولِهم: تَعْسًا لزيدٍ، وبُعْدًا له، وسُحْقًا. أحسنُ، إذ كانت الإضافةُ فيها بغيرِ لامٍ لا تَحْسُنُ.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. فقال بعضُهم: معناه: نِعمَ ما لهم.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٠٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٦٩ - تفسير)، عن سفيان.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"بحسن\".","vol":"13","page":519},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4660>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني جعفرُ بنُ محمدٍ البُزُورِيُّ مِن أهلِ الكوفةِ، قال: ثنا أبو زكريا الكلبيُّ، عن عمرِو بن نافعٍ، قال: سُئل عكرمةُ عن: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. قال: نعمَ ما لهم (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عمرُو بنُ نافعٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. قال: نِعْمَ ما لهم.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثني عمرُو بنُ نافعٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ في قولِه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. قال: نِعْمَ ما لهم.\nوقال آخرون: معناه: غِبْطةٌ لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-4661>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. قال: غِبْطَةٌ لهم (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَغْراءَ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ مثلَه، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ مثلَه.\nوقال آخرون: معناه: فَرَحٌ وقُرَّةُ عينٍ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٨ إلى المصنف وابن أبي شيبة وهناد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٨ إلى المصنف وأبي الشيخ.","vol":"13","page":520},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4662>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ بنُ داودَ والمثنى بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. يقولُ: فَرَحٌ وقرَّةُ عينٍ (^١).\nوقال آخرون: معناه: حُسْنَى لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-4663>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. يقولُ: حُسْنَى لهم، وهى كَلِمَةٌ مِن كلامِ العربِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: هذه كلِمةٌ عربيةٌ، يقولُ الرجلُ: طُوبَى لك؛ أي: أصبتَ خيرًا (^٣).\nوقال آخرون: معناه: خيرٌ لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-4664>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: خيرٌ لهم (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿طُوبَى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق عبد الله بن صالح به - كما في الإتقان ٢/ ٢٢ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٨ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٨، إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٣٥، عن معمر به.\n(^٤) تفسير الثورى ص ١٥٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٧٦، إلى أبي الشيخ.","vol":"13","page":521},{"text":"لَهُمْ﴾. قال: الخيرُ والكرامةُ التي أعطاهم اللَّهُ (^١).\nوقال آخرون: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: اسمٌ مِن أسماءِ الجنةِ. ومعنى الكلامِ: الجنةُ لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-4665>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. قال: اسمُ (^٢) الجنةِ بالحَبَشيَّةِ.\n[حدَّثنا أبو هشام، قال: حدَّثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. قال: اسمُ أرضِ الجنةِ بالحبشيةِ] (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن مَسْجوحٍ (^٤) في قولِه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. قال: طوبى اسمُ الجنةِ بالهنديَّةِ (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا داودُ بنُ مهرانَ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرِ بن أبي المُغيرةِ، عن سعيدِ بن مَسْجوحٍ، قال: اسمُ الجنةِ بالهنديةِ طوبى.\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٣١ من طريق جرير به.\n(^٢) بعده في س: \"أرض\".\n(^٣) سقط من: م، س. والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٧٦ عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\n(^٤) سقط من: ت ١، وفى م: \"مشجوع\"، وفى ت ٢، س: \"مسحوح\"، وفى ف: \"مشحوح\". والمثبت من ص موافق لما في تفسير ابن كثير والدر المنثور، وينظر تهذيب الكمال ٥/ ١١٣.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٧٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٩ إلى المصنف وأبى الشيخ.","vol":"13","page":522},{"text":"حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن عكرمةَ: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. قال: الجنةُ (^١).\nقال: ثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. قال: الجنةُ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾. قال: لما خلَق اللَّهُ الجنةَ وفرَغ منها، قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾. وذلك حينَ أعْجَبتْه (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. قال: الجنةُ.\nوقال آخرون: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: شجرةٌ في الجنةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4666>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٩ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٠٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٩ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٧٧ عن العوفي عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٩ إلى المصنف.","vol":"13","page":523},{"text":"موسى بن سالمٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: شجرةٌ في الجنةِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الأشعثِ بن عبدِ اللَّهِ، عن شهرِ بن حَوْشبٍ، عن أبي هريرةَ: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: شجرةٌ في الجنةِ يقولُ لها: تَفَتَّقى لعبدى عمَّا شاء. فتَتَفَتَّقُ (^٢) له عن الخيلِ بسرُوجِها ولُجُمِها، وعن الإبلِ بأزِمَّتِها، وعمَّا شاء مِن الكِسوةِ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن شهرِ بن حَوْشبٍ، قال طوبى شجرةٌ في الجنةِ، كلُّ شجرِ الجنةِ منها، أغْصَانُها مِن وراِء سورِ الجنةِ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن الأشعثِ بن عبدِ اللَّهِ، عن شهرِ بن حَوْشبٍ، عن أبي هريرةَ، قال: في الجنةِ شجرةٌ يقالُ لها: طوبى. يقولُ اللَّهُ لها: تَفَتَّقى. فذكَر نحوَ حديثِ ابن عبدِ الأعلى، عن ابن (^٥) ثورٍ (^٦).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الجبارِ، قال: ثنا مرْوانُ، قال: أخبَرنا العلاءُ، عن شِمْرِ بن عطيةَ في قولِه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. قال: هي شجرةٌ في الجنةِ يقالُ لها: طوبى.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٩ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"فتفتق\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٦٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٧٧ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٠ إلى أبى الشيخ.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، س، ف: \"أبو\".\n(^٦) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٦٥ - زوائد نعيم)، ومن طريقه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٥٥)، وعبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٣٦ عن معمر به.","vol":"13","page":524},{"text":"منصورٍ، عن حسانَ بن (^١) أبى الأشْرِسِ، عن مُغيثِ بن سُمَىٍّ، قال: طوبى شجرةٌ في الجنةِ، ليس في الجنةِ دارٌ إلا فيها غُصْنٌ، منها، فيجيءُ الطائرُ فيقعُ، فيدْعوه فيأكلُ مِن أحدِ جنْبَيْه قَدِيدًا (^٢)، ومِن الآخرِ شِواءً، ثم يقولُ: طِرْ. فيطيرُ (^٣).\nقال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن بعضِ أهلِ الشامِ، قال: إن ربَّك أخَذ لُؤلُوةً فوضَعها على راحتَيْه، ثم دَمْلَجها بينَ كفَّيْه، ثم غرَسها وَسْطَ أهلِ الجنةِ، ثم قال لها: امتدِّي حتَّى تَبْلغى مرضاتى. ففعَلتْ، فلما اسْتوتْ تَفَجَّرت مِن أصولِها أنهارُ الجنةِ، وهى طوبى (^٤).\nحدَّثنا الفضلُ بنُ الصَّبَّاحِ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ الصنعانيُّ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ أنه سمِع وهبًا يقولُ: إن في الجنةِ شجرةً يقالُ لها: طوبى. يَسيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يَقْطَعُها؛ زَهْرُها رِياطٌ (^٥)، ووَرَقُها بُرُودٌ، وقُضبانُها عَنْبرٌ، وبَطْحاؤُها ياقوتٌ، وتُرابُها كافورٌ، ووَحْلُها مِسْكٌ، يَخْرُجُ مِن أصلِها أنهارُ الخمرِ واللبنِ والعسلِ، وهى مجلِسٌ لأهلِ الجنةِ، فبيْنا هم في مجلِسِهم إذ أتَتْهم ملائكةٌ مِن ربِّهم، يَقُودون نُجُبًا مَزمومةً بسلاسلَ مِن ذهَبٍ، وُجوهُها كالمصابيحِ مِن حُسْنِها، ووَبَرُها كَخَزِّ المِرْعِزَّى (^٦) مِن لينِه، عليها رِحالٌ ألواحُها مِن ياقوتٍ، ودُفوفُها من ذهبٍ،\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف. وينظر تهذيب الكمال ٦/ ١٢ وسيأتي على الصواب في ٥٢٧ من هذا الجزء.\n(^٢) القديد: اللحم المملوح المجفف في الشمس. اللسان (ق د د).\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٦٨ - زوائد نعيم) وابن أبي شيبة في المصنف ١٣/ ١٣٩، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٦٨، من طريق سفيان به، وسعيد بن منصور في سننه (١١٧٠ - تفسير)، من طريق حسان به.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢، إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٧ فقال: وذكر بعضهم فذكر نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٩ إلى ابن أبي حاتم وأبى الشيخ عن أبي جعفر، رجل من أهل الشام.\n(^٥) رياط: ثياب لينة رقيقة. القاموس المحيط (ر ى ط).\n(^٦) المرعزى: الزغب الذي تحت شعر العنز. القاموس المحيط (ر ع ز).","vol":"13","page":525},{"text":"وثيابُها مِن سندسٍ وإِسْتَبْرَقٍ، فيُنيخُونَها ويَقولون: إِنَّ رَبَّنا أرسلَنا إليكم لتَزورُوه وتسلِّموا عليه. قال: فيرْكَبونها - قال: فهى أسرعُ مِن الطائرِ، وأوطأُ مِن الفِراشِ - نُجُبًا من غيرِ مَهَنةٍ (^١)، يَسيرُ الرجلُ إلى جنبِ أخيه وهو يُكَلِّمُه ويُناجيه، لا تصيبُ أُذُنُ راحلةٍ منها أُذُنَ صاحبتِها، ولا بَرْكُ راحلةٍ بَرْكَ صاحبتِها، حتى إن الشجرةَ لتَتَنحَّى عن طُرُقِهم لئلا تفرِّقَ بينَ الرجلِ وأخيه، قال: فيأتون إلى الرحمنِ الرحيمِ، فيُسْفِرُ لهم عن وجهِه الكريمِ حتى يَنْظُروا إليه، فإذا رأَوْه قالوا: اللهمَّ أنتَ السلامُ ومنكَ السلامُ، وحُقَّ لك الجلالُ والإكرامُ. قال: فيقولُ ﵎ عندَ ذلك: أنا السلامُ ومنى السلامُ، وعليكم حَقَّتْ رحمتى ومَحَبَّتي، مرحبًا بعبادى الذين خَشَوْني بغيبٍ وأطاعوا أمرى. قال: فيقولون: ربَّنا إنا لَم نَعْبُدُك حقَّ عبادتِك، ولم نُقَدِّرْكَ حَقَّ قَدْرِكَ، فأْذَنْ لنا بالسجودِ قُدَّامَك. قال: فيقولُ اللَّهُ: إنها ليستْ بدارِ نَصَبٍ ولا عِبادةٍ، ولكنها دارُ مُلْكٍ ونعيمٍ، وإنى قد رفَعتُ عنكم نَصَبَ العبادةِ، فَسَلُونى ما شئتُم، فإِنَّ لِكُلِّ رجلٍ مِنكم أَمنيَّتَه، فيَسْأَلونه، حتى إنَّ أقصرَهم أمنيةً لَيقولُ: ربِّ تنافَس أهلُ الدنيا في دنياهم، فتضايَقوا فيها، ربِّ فآتِنى كلَّ شيءٍ كانوا فيه مِن يومِ خَلَقْتَها إلى أن انْتهت الدنيا. فيقولُ اللَّهُ: لقد قَصَّرَتْ بك اليومَ أمنيتُك، ولقد سأَلْتَ دونَ منزلتِك، هذا لك منى، وسأُتْحِفُك بمنزِلتي؛ لأنه ليس في عطائى نَكَدٌ ولا تَصْرِيدٌ (^٢). قال: ثم يقولُ: اعرِضوا على عبادى ما لم تَبْلُغْ أمانيُّهم، ولم يَخْطُرْ لهم على بالٍ. قال: فيَعْرِضون عليهم حتى يَقْضُوهم أمانيَّهم التي في أنفسِهم، فيكونُ فيما يَعْرِضون عليهم بَرَاذِينُ مُقَرَّنَةٌ؛ على كلِّ أربعةٍ منها سريرٌ مِن ياقوتةٍ واحدةٍ، على كلِّ سريرٍ منها قبَّةٌ مِن ذَهَبٍ مُفْرَغةٌ، في كلِّ قبةٍ منها فُرُشٌ مِن فُرُشِ الجنةِ مُظَاهِرَةٌ، في كلِّ قبةٍ منها جاريتان من الحُورِ العِينِ، على كلِّ جاريةٍ مِنهن ثوبان مِن ثيابِ الجنةِ، ليس في الجنةِ لونٌ إلا وهو\n_________\n(^١) المهنة بفتحتين: الخدمة والعمل. القاموس المحيط (م هـ ن).\n(^٢) التصريد: التقليل. اللسان (ص ر د).","vol":"13","page":526},{"text":"فيهما، ولا رِيحٌ طَيِّبةٌ إلا قد عَبِقتَا (^١) به، يَنْفُذُ ضَوْءُ وجوهِهما غِلَظَ القبةِ، حتى يَظُنُّ مَن يَراهما أنهما مِن دونِ القبةِ، يرَى مُخَّهما مِن فوقِ سُوقِهما كالسلكِ الأبيضِ مِن ياقوتةٍ حمراءَ، يَرَيان له مِن الفضلِ على صَحابتِه كفضلِ الشمسِ على الحجارةِ أو أفضلَ، ويَرى هو لهما مثلَ ذلك، ثم يَدْخُلُ إليهما فيُحيِّيانه ويُقَبِّلانه ويُعانِقانِه، ويَقولانِ له: واللَّهِ ما ظننَّا أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ مثلَك. ثم يَأْمرُ اللَّهُ الملائكةَ فيَسيرون بهم صفًّا في الجنةِ، حتى يَنْتَهىَ كلُّ رجلٍ منهم إلى منزلتِه التي أُعِدَّتْ له (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عليُّ بنُ جريرٍ، عن حمادٍ، قال: شجرةٌ في الجنةِ، في (^٣) دارِ كلِّ مؤمنٍ غُصْنٌ منها.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن حسانِ بن أبى الأشرسِ، عن مُغيثِ بن سُمَىٍّ، قال: طوبى شجرةٌ في الجنةِ، لو أن رجلًا ركِب قلُوصًا؛ جَذَعًا أو جَذَعةً ثم دار بها، لم يَبْلُغِ المكانَ الذي ارتَحَل منه، حتى يَمُوتَ هَرَمًا، وما مِن أهلِ الجنةِ مَنْزلٌ إلا فيه (^٤) غصنٌ مِن أغصانِ تلك الشجرةِ، متدلٍّ عليهم، فإذا أرادوا أن يأكُلوا مِن الثمرةِ تَدَلَّى إليهم، فيأكُلون منه ما شاءوا، ويجِيءُ الطيرُ فيأكُلون منه قدِيدًا وشِواءً ما شاءوا، ثم يَطيرُ (^٤).\nوقد رُوِى عن رسولِ اللَّهِ ﷺ خبرٌ بنحوِ ما قال مَن قال: هي شجرةٌ.\n_________\n(^١) عبقت الرائحة في الشيء: بقيت. اللسان (ع ب ق).\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٧٨ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٠ إلى المصنف وأبى الشيخ. وينظر حادى الأرواح ص ٢٠٢.\n(^٣) في ت: \"في كل\"، وفي ت ٢: \"قال في\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.","vol":"13","page":527},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4667>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثني سليمانُ بنُ داودَ القُومَسيُّ، قال: ثنا أبو توبةَ الربيعُ بنُ نافعٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ سلَّامٍ، عن زيدٍ، أنه سمِع أبا سلَّامٍ، قال: ثنا عامرُ بنُ زيدٍ البِكَاليُّ، أنه سمِع عُتْبةَ بنَ عبدٍ السلميَّ (^١) يقولُ: جاء أعرابيٌّ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إن في الجنةِ فاكهةً؟ قال: \"نعم، فيها شجرةٌ تُدْعى طوبى، هي تطابقُ الفِردوسَ\". قال: أيَّ شجرِ أرضِنا تُشْبِهُ؟ قال: \"ليستْ تُشْبِهُ شيئًا مِن شجرِ أرضِك، ولكن أتَيْتَ الشامَ؟ \". فقال: لا يا رسولَ اللَّهِ. فقال: \"فإنها تُشْبِهُ شجرةً تُدْعَى الجَوْزةَ، تَنْبُتُ على ساقٍ واحدةٍ، ثم يَنْتَشِرُ أعلاها\". قال: ما عِظَمُ أصلِها؟ قال: \"لو ارْتَحَلَتْ جَذَعةٌ مِن إبلِ أهلِك ما أحاطتْ بأصلِها حتى تَنْكَسِرَ تُرْقُوَتاها هَرَمًا\" (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ شبيبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيادٍ الجَريرِيُّ، عن فُراتِ بن أبى الفُراتِ، عن معاويةَ بن قُرَّةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \" ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾: شجرةٌ غرَسَها اللَّهُ بيدِه، ونفَخ فيها مِن رُوحِه، تَنْبُتُ (^٣) بالحُلِيِّ والحُلَلِ، وإن أغصانَها لتُرى مِن وراءِ سُورِ الجنةِ\" (^٤).\n_________\n(^١) في النسخ: \"السلام\". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٣١٤.\n(^٢) أخرجه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ٢/ ٣٤١ - وعنه ابن أبي عاصم في السنة (٧١٥) - والطبراني في الكبير ١٧/ ١٢٦، وفى الأوسط (٤٠٢)، والبيهقي في البعث والنشور (٣٠٠، ٣٠١)، من طريق أبي توبة به، وابن حبان (٦٤٥٠) من طريق معاوية بن سلام، وأحمد ٢٩/ ١٩١ (١٧٦٤٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٧١٦)، والطبراني في الكبير ١٧/ ١٢٨، وابن عبد البر في التمهيد ٣/ ٣٢٠، من طريق يحيى بن كثير عن عامر بن زيد به - ووقع عندهم جميعا - عدا أحمد - عمرو بن زيد بدل: عامر. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٩ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، س، ف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٩ إلى المصنف.","vol":"13","page":528},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، أن درَّاجًا حدَّثه، أن أبا الهيثمِ حدَّثه، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، أن رجلًا قال له: يا رسولَ اللَّهِ، ما طوبى؟ قال: \"شجرةٌ في الجنةِ مسيرةُ مائةِ سنةٍ، ثيابُ أهلِ الجنةِ تَخْرُجُ مِن أكمامِها\" (^١).\nفعلى هذا التأويلِ الذي ذكَرنا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ الروايةَ به، يَجِبُ أن يَكونَ القولُ في رفعِ قولِه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. خلافَ القولُ الذي حكيْناه عن أهلِ العربيةِ فيه، وذلك أن الخبرَ عن رسولِ ﷺ من أن طُوبى اسمُ شجرةٍ في الجنةِ، فإذ كان (^٢) كذلك فهو اسمٌ لمعرفةٍ، كزيدٍ وعمرٍو، وإذ كان (^٣) كذلك، لم يكنْ في قولِه: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾. إلا الرفعُ عطفًا به على ﴿طُوبَى﴾.\nوأما قولُه: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾. فإنه يقولُ: وحُسْنُ منقلَبٍ.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾. قال: حُسْنُ مُنْقَلَبٍ (^٤).\n\n<span id=\"aya-1737\"></span><span data-type='title' id=toc-4668>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي داود في البعث (٦٧)، وابن حبان (٧٤١٣)، والآجرى في الشريعة (٦٢٤)، من طريق ابن وهب به. وأخرجه أحمد (١١٦٧٣)، وأبو يعلى (١٣٧٤)، والخطيب في تاريخه ٤/ ٩٠، من طريق دراج به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٥٩ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه. وينظر السلسلة الصحيحة (١٩٨٥).\n(^٢) بعده في ف: \"ذلك\".\n(^٣) بعده في م: \"ذلك\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٢ إلى المصنف.","vol":"13","page":529},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: هكذا (^١) أرسَلْناك يا محمدُ في جماعةٍ مِن الناسِ، يَعْنى: إلى جماعةٍ قد خلَتْ مِن قبلِها جماعاتٌ على مثلِ الذي هم عليه، فمضَت - ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. يقولُ: لتبلِّغَهم ما أرسلتُكَ به إليهم مِن وَحْيِى الذي أوحيتُه إليك، ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾. يقولُ: وهم يَجْحَدُون وحدانيةَ اللَّهِ ويكذِّبون بها، ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي﴾. يقولُ: إِن كَفَر هؤلاء الذين أرسلتُكَ إليهم يا محمدُ بالرحمنِ، فقُلْ أنت: اللَّهُ ربي لا إلهَ إلا هو عليه توكَّلْتُ، ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾. يقولُ: وإليه مرجعى وأَوْبَتَى. وهو مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: تُبتُ مَتَابًا وتَوبةً.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4669>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ زمنَ الحديبيةِ حين صالَح قريشًا كتَب: هذا ما صالَح عليه محمدٌ رسولُ اللَّهِ ﷺ. فقال مشركو قريشٍ: لئن كُنتَ رسولَ اللَّهِ ثم قاتَلْناك لقد ظلَمْناك، ولكنِ اكْتُبْ: هذا ما صالَح عليه محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ. فقال أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ: دَعْنا يا رسولَ اللَّهِ نُقاتِلُهم. فقال: \"لا، ولكنِ اكْتُبوا [كما يُريدون] (^٢)؛ إنى محمدُ (^٣) بنُ عبدِ اللَّهِ\"، فلما كتب الكاتبُ (^٤): بسمِ اللَّهِ\n_________\n= وإلى هنا ينتهى الجزء الثاني من النسخة \"س\"، وهو آخر الموجود منها لدينا.\n(^١) في ت ١: \"كذلك\".\n(^٢) في ف: \"ما تريدون\".\n(^٣) في ص: \"لمحمد\".\n(^٤) في ت ١: \"في الكتاب\"، وفى ت ٢، ف: \"الكتاب\".","vol":"13","page":530},{"text":"الرحمنِ الرحيمِ. قالت قريشٌ: أما الرحمنُ فلا نَعْرِفُه. وكان أهلُ الجاهليةِ يَكْتُبون: باسمِك اللهمَّ. فقال أصحابُه: يا رسولَ اللَّهِ، دَعْنا نُقاتِلْهم. قال: \"لا، ولكن اكتُبوا [كما يُريدون] (^١) \" (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قولُه: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ﴾ الآية. قال: هذا لما كاتَب رسولُ اللَّهِ ﷺ قريشًا في الحديبيةِ، كتَب: بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ. قالوا: لا تَكْتُبِ الرحمنَ، وما ندرى ما الرحمنُ؟ ولا نَكْتُبُ (^٣) إلا: باسمِك اللهمَّ. قال اللَّهُ: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. الآية.\n\n<span id=\"aya-1738\"></span><span data-type='title' id=toc-4671>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وهم يَكْفُرون بالرحمنِ ولو أنّ قرآنًا سُيِّرت به الجبالُ. أي: يَكْفُرون باللَّهِ ولو سَيَّر لهم الجبالَ بهذا القرآنِ. وقالوا: هو مِن المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، وجعَلوا جوابَ \"لو\" مقدَّمًا قبلَها. وذلك أن الكلامَ على معنى قبلِهم: ولو أنَّ هذا القرآنَ [سُيِّرت به] (^٤) الجبالُ أو قُطِّعت به الأرضُ لكفَروا بالرحمنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4670>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي،، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) في ف: \"ما تريدون\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٣) في ت ١، ف: \"تكتب\"، وغير منقوطة في ص.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"سيرته\".","vol":"13","page":531},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾. قال: هم المشركون مِن قريشٍ، قالوا لرسولِ اللَّهِ ﷺ: لو وسَّعتَ لنا أوديةَ مكةَ، وسيَّرتَ جبالَها، فاحترَثْناها، وأحيَيْتَ مَن مات منا، أو (^١) قَطِّعْ به الأرضَ، أو (^١) كَلِّمْ به الموتى. فقال اللَّهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾: قولُ كفارِ قريشٍ لمحمدٍ: سَيِّرْ جبالَنا تَتَّسِعْ لنا أرضُنا، فإنها ضيقةٌ، أو قرِّبْ لنا الشامَ، فإنا نَتَّجِرَ إليها، أو (^١) أخْرِجْ لنا آباءَنا مِن القبورِ نُكلِّمْهم. فقال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، [وحدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ] (^٤) بنحوِه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه. قال ابن جريجٍ: وقال عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ (^٥): قالوا: لو فَسَحْتَ عنا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"و\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٢ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٠٧.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".","vol":"13","page":532},{"text":"الجبالَ، أو أجْرَيتَ لنا الأنهارَ، أو كلَّمتَ به الموتى. فنزَل ذلك. قال ابن جريجٍ: وقال ابن عباسٍ: قالوا: سَيِّرْ بالقرآنِ الجبالَ، قَطِّعْ بالقرآنِ الأرضَ، أخرِجْ به موتانا (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن كثيرٍ: قالوا: لو فَسَحْتَ عنا الجبالَ، أو أجْرَيتَ لنا الأنهارَ، أو كلَّمتَ به الموتى. فنزَل: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.\nوقال آخرون: بل قولُه (^٢): ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾. كلامٌ مبتدأٌ، مُنْقَطِعٌ عن قولِه: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾. قال: وجوابُ \"لو\" محذوفٌ، استُغْنِى بمعرفةِ السامعين المرادَ مِن الكلامِ عن (^٣) ذكرِ جوابِها. قالوا: والعربُ تَفْعلُ ذلك كثيرًا، ومنه قولُ امرئ القيسِ (^٤):\nفلو أنها نَفْسٌ تموتُ سريحةً (^٥) … ولكنها نَفْسٌ تَقَطَّعُ (^٦) أَنْفُسًا\nوهو آخرُ بيتٍ في القصيدةِ (^٧)، فتُرِك الجوابُ اكتفاءً بمعرفةِ سامعِه مرادَه.\nوكما قال الآخرُ (^٨):\nفأُقسمُ لو شيءٌ أتانا رسولُه … سواك ولكن لم نَجِدْ لك مَدْفَعا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٣ إلى المصنف وأبى الشيخ من قول ابن عباس وحده.\n(^٢) في م: \"معناه\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"من\".\n(^٤) ديوانه ص ١٠٧.\n(^٥) في الديوان: \"جميعة\". والسريحة: السهلة. اللسان (س ر ح).\n(^٦) في الديوان: \"تساقط\".\n(^٧) ليس البيت - في ديوانه الذي بين أيدينا - آخر بيت في القصيدة، وإنما بعده ثلاثة أبيات.\n(^٨) هو امرؤ القيس أيضا، وتقدم البيت في ٢/ ٣٦٢، ينظر تخريجه والتعليق عليه هناك.","vol":"13","page":533},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4672>ذكرُ مَن قال نحوَ معنى ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾: ذُكِر لنا أن قريشًا قالوا: إنْ سَرَّكَ يا محمدُ اتباعُك، أو أن (^١) نَتَّبِعَك، فسَيِّرْ لنا جبالَ تِهامةَ، أو زِدْ لنا في حَرَمِنا، حتى نَتَّخِذَ قطائعَ نَخْتَرِفُ (^٢) فيها، أو أحْيِ لنا فلانًا وفلانًا - ناسًا ماتوا في الجاهليةِ - فأنزَل اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾. يقولُ: لو فُعِل هذا بقرآنٍ قبلَ قرآنِكم، لفُعِل بقرآنِكم.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ أن كفارَ قريشِ قالوا للنبيِّ ﷺ: أذهِبْ عنا جبالَ تِهامةَ حتى نَتَّخِذَها زرعًا فتكونَ لنا أرَضين، أو أحْيِ لنا فلانًا وفلانًا يُخْبِروننا: حقٌّ ما تقولُ؟ فقال اللَّهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾. يقولُ: لو كان فُعِل [ذلك بشيءٍ مِن الكتبِ] (^٣) فيما مضَى كان ذلك (^٤).\nحُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتْ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية. قال: قال كفارُ قريشٍ لمحمدٍ ﷺ: سَيِّرْ لنا الجبالَ كما سُخِّرت لداودَ، أو قَطِّعْ لنا الأرضَ كما قُطِّعت لسليمانَ، فاغْتَدَى (^٥) بها شهرًا وراح بها\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) نحترف: نجتنى. اللسان (خ ر ف).\n(^٣) في ت ١: \"شيء من ذلك بالكتاب\"، وفى ت ٢، ف: \"ذلك بشيء من الكتاب\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٣٦ عن معمر به.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فاغد\".","vol":"13","page":534},{"text":"شهرًا، أو كَلِّمْ لنا الموتى كما كان عيسى يُكَلِّمُهم. يقولُ: لم أُنزِلْ بهذا كتابًا، ولكن كان شيئًا أعطيتُه أنبيائي ورسلي (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية. قال: قالوا للنبيِّ ﷺ: إن كنت صادقًا فسيَّرْ عنا هذه الجبالَ واجعلْها حُروثًا كهيئةِ أرضِ الشامِ ومصرَ والبلدانِ، أو ابْعَثْ موتانا فأخبِرْهم، فإنهم قد ماتوا على الذي نحن عليه. فقال اللَّهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾. لم يُصْنَعْ ذلك بقرآنٍ قَطُّ ولا كتابٍ فيُصْنَعَ ذلك بهذا القرآنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4673>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾.</span>\nاختلَف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ في معنى قولِه: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾؛ فكان بعضُ أهلِ البصرةِ يَزْعُمُ أَن معناه: ألم يَعْلَمُ ويَتَبَيَّنْ؟ ويَسْتَشْهِدُ لقيلِه ذلك ببيتِ سُحَيمِ بن وَثِيلٍ الرياحيِّ (^٢):\nأقولُ لهم بالشِّعْبِ إذ يَأْسِيرونَنى … أَلم تَيْأْسُوا أَنِي ابْنُ فَارِسِ زَهْدمِ (^٣)\nويُروى: يَيْسِرونني. فمَن رواه: يَيْسُرِوننى. فإنه أراد: يَقْتسِمونني (^٤). مِن الميسرِ، كما يُقْسَمُ الجَزورُ. ومَن رواه: يَأْسرونني، فإنه أراد الأسْرَ. وقال: عنَى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٣ إلى المصنف.\n(^٢) مجاز القرآن ١/ ٣٣٢، واللسان (ى س ر، ى أ س، ز هـ د م). وفى الموضعين الأخيرين: وذكر بعض العلماء أنه لولده جابر بن سحيم. وينظر تعليق ابن منظور (ى أ س).\n(^٣) زهدم: فرس سحيم بن وثيل.\n(^٤) في م: \"يقسموني\".","vol":"13","page":535},{"text":"بقولِه: ألم تَيْأَسُوا: ألم تَعْلَموا. وأنشَدوا أيضًا في ذلك (^١):\nألم يَيْأسِ الأقوامُ أني أنا ابنُه … وإن كنت عن أرضِ العشيرةِ نائيا\nوفسَّروا معنى (^٢) قولِه: ألم يَيْأَسُ: ألم يَعْلَمُ ويَتَبَيَّنْ. وذُكِر عن ابن الكلبيِّ أن ذلك لغةٌ لحيٍّ من النجَعِ يقالُ لهم: وَهْبيلٌ، تقولُ: ألم تَيْأسْ كذا. بمعنى: ألم تَعْلَمُه. وذُكر عن القاسمِ بن معنٍ أنها لغةُ هوازنَ، وأنهم يقولون: يَئِستُ كذا: علمتُ.\nوأما بعضُ الكوفيين فكان يُنْكِرُ ذلك، ويَزْعُمُ أنه لم يَسْمَعْ أحدًا مِن العربِ يقولُ: يَئِسْت. بمعنى: علِمتُ. ويقولُ: هو في المعنى وإن لم يَكُنْ مسموعًا \"يَئِستُ\" بمعنى \"علِمتُ\". يَتَوجَّهُ إلى ذلك أن اللَّهَ قد أوقع إلى المؤمنين أنه لو شاء لهدَى الناسَ جميعًا، فقال: ألم (^٣) يَيْأَسوا علمًا. يقولُ: يُؤيسُهم العلمُ. فكان فيه العلمُ مضمرًا، كما يقالُ: قد (^٤) يَئِستُ منك ألا تُفْلِحَ علمًا. كأنه قيل: علِمتُه علمًا. قال: وقولُ الشاعرِ (^٥):\nحتى إذا يَئِسَ الرماةُ وأرْسَلُوا … غُضْفًا دَواجِنَ قافِلًا أَعْصامُها (^٦)\nمعناه: حتى إذا يئِسوا من كلِّ شيءٍ مما يمكنُ إلا (^٧) الذي ظهَر لهم، أرسَلوا.\n_________\n(^١) مسائل نافع ص ٧٠ منسوبا لمالك بن عوف، وتفسير القرطبي ٩/ ٣٢٠ منسوبا لرباح بن عدى، وغير منسوب في أساس البلاغة (ى أ س).\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"أفلم\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"في\".\n(^٥) هو لبيد بن ربيعة، والبيت في شرح ديوانه ص ٣١١.\n(^٦) الغضف: المسترخية الآذان، والدواجن: المعودة للصيد، وقافل يابس، وأعصامها: قلائدها. ينظر شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات ص ٥٦٨.\n(^٧) في ص، ف: \"لا\".","vol":"13","page":536},{"text":"فهو في معنى: حتى إذا علِموا أَنْ ليس وجهٌ إلا الذي رأَوْا، وانتهى عِلْمُهم، فكان ما سواه يأسًا.\nوأما أهلُ التأويلِ، فإنهم تأوّلوا ذلك بمعنى: أفلم يعلَمْ ويتبيَّنْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4674>ذكرُ مَن قال ذلك منهم</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي (^١) إسحاقُ الكوفيِّ، عن مولًى يُخبرُ (^٢) أن عليًّا ﵁ كان يَقْرَأُ (^٣): (أفلم يَتَبَيَّنِ الذين آمَنوا) (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن هارونَ، عن حنظلةَ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾. يقولُ: أفلم يَتَبَيَّنْ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا يزيدُ، عن جريرِ بن حازمٍ، عن الزبيرِ بن الخِرِّيتِ (^٥)، أو يَعْلى بن حكيمٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أنه كان يَقْرَؤُها: (أَفَلَمْ يَتَبَيَّنِ الَّذِينَ آمَنُوا). قال: كتَب الكاتبُ الأخرى وهو ناعسٌ (^٦).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن ابن جريجٍ، قال:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ابن\"، وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ١٩٦.\n(^٢) في ت ١: \"بجير\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"يقول\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٣ إلى المصنف.\n(^٥) في م: \"الحارث\"، وفى ت ١، ف: \"الحريث\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٣٠١.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٣ إلى المصنف وابن الأنباري في المصاحف.\nوقال الزمخشري في الكشاف ٢/ ٣٦٠: وهذا ونحوه مما لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكيف يخفى مثل هذا حتى يبقى ثابتا بين دفتي الكتاب وكان متقلبا في أيدى أولئك الأعلام المحتاطين في دين الله … هذه واللَّه فرية ما فيها مرية. وقال القرطبي في تفسيره ٩/ ٣٢٠: وهو باطل عن ابن عباس؛ لأن مجاهدا وسعيد بن جبير حكيا الحرف عن ابن عباس على ما هو في المصحف.","vol":"13","page":537},{"text":"في القراءةِ الأولى - زعَم ابن كثيرٍ وغيرُه: (أفلم يَتَبَيَّنْ).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: ألم يَتَبَيَّنْ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: يَعْلَمُ (^١).\nحدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا ليثٌ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: أفلم يَتَبَيَّنُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: ألم يَتَبَيَّنِ الذين آمَنوا.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: ألم يَعْلَمِ الذين آمَنوا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: ألم يَعْلمِ الذين آمَنوا.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قالَه أهلُ التأويلِ: إن تأويلَ ذلك: أفلم يَتَبَيَّنْ ويَعْلَمْ؟ لإجماعِ أهلِ التأويلِ على ذلك، والأبياتِ التي أنشَدناها فيه.\nفتأويلُ الكلامِ إذَنْ: ولو أنّ قرآنًا سوى هذا القرآنِ كان سُيِّرت به الجبالُ، لسُيِّر بهذا القرآنِ، أو قُطِّعت به الأرضُ، لقُطِّعت بهذا، أو كُلِّم به الموتى، لَكُلِّم بهذا،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٢٢ - من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٣ إلى ابن المنذر.","vol":"13","page":538},{"text":"ولم (^١) يُفعلْ ذلك (^٢) بقرآنٍ قبلَ هذا القرآنِ فيُفعلَ (^٣) بهذا. ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾. يقولُ: ذلك كلُّه إليه وبيدِه، يَهْدِى مَن يشاءُ إلى الإيمانِ فيُوَفِّقُه له، ويُضِلُّ مَن يشاءُ فيَخْذُلُه، أفلم يَتَبَيَّنِ الذين آمنوا باللَّهِ ورسولِه إذ طمِعوا في إجابتي مَن سأَل نبيَّهم مِن تسييرِ الجبالِ عنهم، وتقريبِ أرضِ الشامِ عليهم، وإحياءِ موتاهم، أن لو يشاءُ اللَّهُ لهدَى الناسَ جميعًا إلى الإيمانِ به، من غيرِ إيجادِ آيةٍ، ولا إحداثِ شيءٍ مما (^٤) سأَلوا إحداثَه؟ يقولُ تعالى ذكرُه: فما معنى محبتِهم ذلك، مع علمِهم بأن الهدايةَ والإهلاكَ إليَّ ويبدِى، أنْزَلتُ آيةً أو لم أُنْزِلْهَا، أَهْدِى مَن أشاءُ بغيرِ إِنزالِ آيةٍ، وأُضِلُّ مَن أرَدتُ مع إنزالِها؟\n\n<span data-type='title' id=toc-4675>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا يَزَالُ﴾ يا محمدُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن قومِك ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا﴾ مِن كفرِهم باللَّهِ، وتكذيبِهم إياك، وإخراجِهم لك مِن بين أظْهُرِهم، ﴿قَارِعَةٌ﴾. وهى ما يَقْرَعُهم مِن البلاءِ والعذابِ والنِّقَم، بالقتلِ أحيانًا، وبالجدوبِ (^٥) والقَحْطِ أحيانًا، ﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ أنت يا محمدُ. يقولُ: أو تَنْزِلُ أنت ﴿قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ بجيشِك وأصحابِك ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ الذي وعدَك فيهم. وذلك ظهورُك عليهم، وفتحُك أرضَهم، وقهرُك إياهم بالسيفِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ منجزُك يا محمدُ ما وعَدك مِن الظهورِ عليهم؛\n_________\n(^١) في م: \"لو\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في م: \"لفعل\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بما\".\n(^٥) في م: \"بالحروب أحيانا\".","vol":"13","page":539},{"text":"لأنه لا يُخْلِفُ وعدَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4676>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو داودَ (^١)، قال: ثنا المسعوديُّ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. قال: سَرِيَّةٌ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾. قال: محمدٌ، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾. قال: فتحُ مكةَ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن المسعوديِّ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ بنحوِه، غيرَ أنه لم يَذْكُرْ سَرِيةً.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أبو قَطَنٍ، قال: ثنا المسعوديُّ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه (^٣) تلا هذه الآيةَ: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. قال: القارعةُ السَّرِيةُ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾. قال: هو محمدٌ ﷺ، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ قال: فتحُ مكةَ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو غسانَ، قال: ثنا زهيرٌ، أن خُصَيفًا حدَّثهم، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾. قال: نزَلت بالمدينةِ في سرايا النبيِّ ﷺ، ﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ أنت يا محمدُ\n_________\n(^١) كذا في النسخ، وسقط منه شيخ المصنف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٠٨، عن المسعودي به، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٤/ ١٦٨ من طريق المسعودي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٣ إلى الطيالسي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٣) زيادة: م.","vol":"13","page":540},{"text":"﴿قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن النضرِ بن عربيٍّ، عن عكرمةَ: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. قال: سَرِيةٌ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾. قال: أنت يا محمدُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. يقولُ: عذابٌ مِن السماءِ يَنْزِلُ عليهم، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾: يعنى نزولَ رسولِ اللَّهِ ﷺ بهم وقتالَه إياهم (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾: تُصابُ منهم سَرِيةٌ، أو تُصابُ منهم مصيبةٌ، أو يحُلُّ محمدٌ قريبًا من دارِهم. وقولَه ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾. قال: الفتحُ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى نَجيحٍ: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾: يعنى النبىَّ ﷺ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَ حديثِ الحسنِ، عن شبابةَ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٤ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٤، إلى المصنف وابن مردويه، وينظر تفسير ابن كثير ٤/ ٣٨٣.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٠٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٤ إلى ابن المنذر وابن أبي شيبة وأبى الشيخ.","vol":"13","page":541},{"text":"حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسٌ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿قَارِعَةٌ﴾. قال: السرايا (^١).\nقال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عبدُ الغفارِ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَارِعَةٌ﴾. قال: مصيبةٌ مِن محمدٍ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾. قال: أنت يا محمدُ، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾. قال: الفتحُ (^٢).\nقال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَارِعَةٌ﴾. قال: كتيبةٌ.\nقال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عمرُو بنُ ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. قال: سريةٌ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾. قال: أنت يا محمدُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ أي: بأعمالِهم أعمالِ السوءِ. و(^٣) قولَه: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ أنت يا محمدُ، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾: ووعدُ اللَّهِ فتحُ مكةَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَارِعَةٌ﴾. قال: وقيعةٌ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾. قال: يعنى النبيَّ ﷺ، يقولُ: أو تَحُلُّ أنت قريبًا من دارِهم.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا محمدُ بنُ طلحةَ، عن طلحةَ، عن مجاهدٍ: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. قال: سريةٌ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٣ إلى المصنف والفريابي وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الدلائل ٤/ ١٦٨ من طريق شريك، عن منصور، عن مجاهد نحو حديث الحسن بن محمد، عن شبابة.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"13","page":542},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. قال: السرايا، كان يَبْعثُهم النبيُّ ﷺ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ أنت يا محمدُ، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾. قال: فتحُ مكةَ (^١).\nقال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن بعضِ أصحابِه، عن مجاهدٍ: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. قال: كتيبةٌ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. قال: قارعةٌ مِن العذابِ.\nوقال آخرون: معنى قولِه: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾: تحُلُّ (^٢) القارعةُ قريبًا مِن دارِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-4677>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾. قال: أو تَحُلُّ القارعةُ قريبًا مِن دارِهم (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾. قال: أو تَحُلُّ القارعةُ.\nوقال آخرون في قولِه: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾: هو يومُ القيامةِ.\n_________\n(^١) تفسير الثوري ص ١٥٤.\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"على\"، وفى ت ١: \"قال\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٣٧ من طريق معمر به.","vol":"13","page":543},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4678>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مُعَلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ حكيمٍ، عن رجلٍ قد سمّاه، عن الحسنِ في قولِه: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾. قال: يومُ القيامةِ.\n\n<span id=\"aya-1739\"></span><span data-type='title' id=toc-4679>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ، إن يَسْتَهزِئُ هؤلاء المشركون مِن قومِك، ويَطْلُبوا منك الآياتِ، تكذيبًا منهم ما جئتَهم به، فاصبِرْ على أذاهم لك، وامضِ لأمرِ ربِّك في إنذارِهم (^١) والإعذارِ إليهم، فلقد استهزَأت أممٌ مِن قبلِك قد خلَت فمضَت - برسلٍ، فأطَلْتُ لهم في المَهَلِ، ومدَدتُ لهم في الأجلِ، ثم أحلَلتُ بهم عذابي ونِقْمتى حين تمادَوا في غيِّهم وضلالِهم، فانْظُرْ كيف كان عقابي إياهم حين عاقبتُهم، ألم أُذِقْهم أليمَ العذابِ، وأجعلْهم عبرةً لأولى الألبابِ؟\nوالإملاءُ في كلامِ العربِ الإطالةُ، يقالُ منه: أَمْلَيْتُ لفلانٍ. إذا أطَلتَ له في المَهَلَ. ومنه المُلاوةُ مِن الدهرِ، ومنه قولُهم: تملَّيْتَ حبيبًا (^٢)، ولذلك قيل لليلِ والنهارِ: الملَوان. لطولِهما، كما قال ابن مُقْبِلٍ (^٣):\nألا يا ديارَ الحيِّ بالسَّبُعانِ … ألحَّ عليها بالبِلَى الملَوانِ\nوقيل للخَرْقِ الواسِعِ مِن الأرضِ: مَلًا. كما قال الشاعرُ (^٤):\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"إعذارهم\".\n(^٢) في م: \"حينا\". وينظر ما تقدم في ٦/ ٢٦٠.\n(^٣) تقدم البيت وتخريجه في ٦/ ٢٦٠.\n(^٤) هو الطرماح بن حكيم، والبيت في ديوانه ص ٤٧٧.","vol":"13","page":544},{"text":"فأَخْضَلَ (^١) منها كلُّ بالٍ وعيِّنِ (^٢) … وَجيفُ (^٣) الرَّوايا بالمَلا المتباطنِ\nلطولِ ما بين طرَفيه وامتدادِه.\n\n<span id=\"aya-1740\"></span><span data-type='title' id=toc-4680>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أفالربُّ الذي هو دائمٌ لا يَبِيدُ ولا يَهْلِكُ، قائمٌ بحفظِ (^٤) أرزاقِ جميعِ الخلقِ، مُتَضَمِّنٌ لها، عالمٌ بهم وبما يَكْسِبونه مِن الأعمالِ، رقيبٌ عليهم، لا يَعْزُبُ عنه منه (^٥) شيءٌ أينما كانوا، كمن هو هالكٌ بائدٌ، لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يَفْهَمُ شيئًا، ولا يَدْفَعُ عن نفسِه ولا عمن يَعْبُدُه ضَرًّا، ولا يَجْلِبُ إليهما نفعًا، كلاهما سواءٌ؟! وحذَف الجوابَ في ذلك، فلم يَقُلْ - وقد قيل: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ -: ككذا وكذا. اكتفاءً بعلمِ السامعِ بما ذكَر (^٦) عما ترَك ذكرَه، وذلك أنه لما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ عُلِم أن معني الكلامِ: كشركائِهم التي اتخَذوها آلهةً. كما قال الشاعرُ (^٧):\nتَخَيَّري خُيِّرتِ [أمَّ عالِ] (^٨)\n_________\n(^١) في مطبوع الديوان: \"فأخلق\". والمثبت موافق لما في مخطوط الديوان.\n(^٢) العين: الجديد، طائية. اللسان (ع ى ن).\n(^٣) في م: \"وجف\". وهى رواية للبيت والوجيف: سرعة السير. ينظر اللسان (وج ف).\n(^٤) في ت ٢، ف: \"يحفظ\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ذكرنا\".\n(^٧) هو القتال الكلابي، والبيت في ديوانه ص ٩٣.\n(^٨) في الديوان: \"في الرجال\". وأم عال هي عالية، امرأة كان ينسب بها في أشعاره. ينظر الأغانى ٢٧/ ١٨٩.","vol":"13","page":545},{"text":"بينَ قصيرٍ شَبرُه (^١) تِنبالِ (^٢)\nأذاك أم مُنْخرِقُ السربالِ (^٣)\nولا يزالُ آخرَ الليالي\nمتلفَ مالٍ ومُفِيدَ مالِ\nولم يَقُلْ - وقد قال: شَبْرُه تنبالِ -: وبين كذا وكذا. اكتفاء منه بقوله: أذاك أم مُنْخَرِقُ السِّربال. ودلالة الخبر عن المنخرق السربال على (^٤) مرادِه في ذلك.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4681>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر بن معاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾: ذلكم ربُّكم ﵎، قائمٌ على بنى آدمَ بأرزاقهم وآجالهم، وحفِظ عليهم - والله - أعمالهم.\nحدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾. [قال: الله قائمٌ على كلِّ نفس] (^٥).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) في الديوان: \"باعه\". والشبر: القامة. اللسان (ش ب ر).\n(^٢) التنبال: القصير. التاج (تنبل).\n(^٣) السربال: القميص، ومنخرق السربال: كناية عن كثرة السفر، يقال: رجل منخرق السربال، إذا طال سفره فتشققت ثيابه. ينظر التاج (خ ر ق).\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عن\".\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"13","page":546},{"text":"أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾: يعني بذلك نفسَه. يقول: هو معكم أينما كنتم، فلا يَعْمَلُ عاملٌ إلا والله (^١) حاضره (^٢).\nويقال: هم الملائكةُ الذين وُكِّلوا ببنى آدمَ (^٣).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾: و(^٤) على رزقهم، وعلى طعامهم، فأنا على ذلك قائم (^٥)، وهم عبيدى، ثم جعلوا لي شركاءَ (^٦).\nحدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾: فهو الله، قائمٌ على كل نفس؛ بَرٍّ وفاجرٍ، يرزقهم ويَكْلؤُهم، ثم يُشرك به منهم من أشرك (^٧).\nوقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمَ بِظَاهِرِ مَّنَ الْقَوْلِ﴾. يقول تعالى ذكره: أنا القائمُ بأرزاقِ هؤلاء المشركين، والمدبِّرُ أمورهم، والحافظ عليهم أعمالَهم، وجعلوا لي شركاءَ من خلقى يَعْبُدونها دونى، قل يا محمد لهم: سَمُّوا هؤلاء الذين أشرَكْتموهم في عبادة الله. فإنهم إن قالوا: آلهةٌ. فقد كذَبوا؛ لأنَّه لا إله إلا الواحد القهَّارُ، لا شريك له. ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا\n_________\n(^١) في م: \"هو\".\n(^٢) في م: \"حاضر\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٤ إلى المصنف وابن مردويه مقتصرًا على قوله: يعنى بذلك نفسه.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٤ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.","vol":"13","page":547},{"text":"يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ يقولُ: أَتُخْبِرونه بأنَّ في الأرضِ إلهًا، ولا إله غيرُه في الأرضِ ولا في السماءِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4682>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثت عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾: ولو سمَّوْهم آلهةً لكذَبوا، وقالوا في ذلك غيرَ الحقِّ؛ لأنَّ اللَّهَ واحدٌ ليس له شريكٌ، قال الله: ﴿[أَمْ تُنَبَّئُونَهُ] (^١) بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمَ بِظَاهِرِ مِّنَ الْقَوْلِ﴾، يقول: لا يَعْلَمُ اللَّهُ في الأرضِ إلها غيرَه (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾: واللَّهُ خلَقهم.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُوهُمْ﴾: ولو سَمَّوهم كذَبوا، وقالوا في ذلك ما لا يَعْلَمُ الله، ما (^٣) من إلهٍ غيرُ اللَّهِ، فذلك (^٤) قوله: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ] (^٢).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أتنبئونه\".\n(^٢) تمام الأثر المتقدم في ص ٥٤٧.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) في ص، ت ١، ت،٢، ف: \"بذلك\".","vol":"13","page":548},{"text":"[وقولُه]: ﴿أَم بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَولِ﴾. [يقولُ تعالى ذكره: أم تُنَبِّئُونه بظاهرٍ من القولِ] (^١) مسموعٍ، وهو في الحقيقة باطلٌ لا صحة له.\nوبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل، غير أنهم قالوا: ﴿أَم بِظَاهِرٍ﴾. معناه: أم بباطلٍ. فأتَوا بالمعنى الذي تدلُّ عليه الكلمة دون البيان عن حقيقة تأويلها.\n\n<span data-type='title' id=toc-4683>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بِظَاهِرِ مِّنَ الْقَوْلِ﴾: بظَنٍّ (^٢).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد مثله.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن قتادةَ قوله: ﴿أَم بِظَاهِرِ مِّنَ الْقَوْلِ﴾: والظاهرُ من القول هو الباطلُ (^٣).\nحدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿أَم بِظَاهِرِ مَّنَ الْقَوْلِ﴾: يقولُ: أم بباطلٍ من القولِ وكذبٍ، ولو قالوا (^٤)، قالوا الباطل والكذبَ (^٥).\nوقوله: ﴿بَلْ زُيَّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ما للَّهِ مِن\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٠٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٤ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٤ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.","vol":"13","page":549},{"text":"شريكٍ في السماواتِ ولا في الأرضِ، ولكن زُيِّن للمشركين الذين يدعون من دونه إلهًا، مكرهم، وذلك افتراؤُهم وكذبُهم على الله.\nوكان مجاهدٌ يقولُ: معنى المكرِ هاهنا: القولُ. كأنه قال (^١): يعنى: قولهم بالشرك بالله.\nحدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد قوله: ﴿بَلْ زُيَّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾. قال: قولُهم (^٢).\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.\nوأما قوله: ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيل﴾. فإن القرَأةَ اختلفت في قراءته؛ فقرأته عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ بضم الصادِ (^٣)، بمعنى: وصدَّهم الله عن سبيلِه لكفرهم به. ثم جُعِلتِ الصادُ مضمومةً إذ لم يُسَمَّ فاعله.\nوأما عامة قرأة الحجاز والبصرة، فقرَءوه بفتح الصادِ (^٤)، على معنى أن المشركين هم الذين صَدُّوا الناسَ عن سبيل الله.\nوالصوابُ مِن القول في ذلك عندى أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرَأ بكلِّ واحدة منهما أئمة من القرأة، متقاربتا المعنى، وذلك أن المشركين بالله كانوا مصدودين عن الإيمان به، وهم مع ذلك كانوا يَصُدُّون غيرهم، كما\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٤ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٣) هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٣٥٩.\n(^٤) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر. السابق.","vol":"13","page":550},{"text":"وصَفهم الله به بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٦].\nوقوله: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ومَن أضَلَّهُ اللَّهُ عن إصابة الحقِّ والهدى، بخذلانه إياه، فما له أحدٌ يهديه لإصابتهما (^١)؛ لأن ذلك لا يُنالُ إلا بتوفيقِ الله ومعونيه، وذلك بيد الله وإليه، دونَ كلِّ أحدٍ سواه.\n\n<span id=\"aya-1741\"></span><span data-type='title' id=toc-4684>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: لهؤلاء الكفار الذين وصف صفتهم في هذه السورة، عذابٌ في الحياة الدنيا؛ بالقتل والإسار والآفاتِ التي يُصيبهم الله بها، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾. يقولُ: ولتعذيبُ اللهِ إياهم في الدار الآخرة أشدُّ من تعذيبه إياهم في الدنيا. و﴿أَشَقُّ﴾. إنما هو \"أفعلُ\" مِن المشقة.\nوقوله: ﴿وَمَا لَهُم مِنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾. يقول تعالى ذكره: وما لهؤلاء الكفَّارِ من أحدٍ يقيهم من عذابِ اللَّهِ إذا عذَّبهم؛ لا حميم [ولا صديقٌ] (^٢) ولا وليٌّ ولا نصيرٌ؛ لأنَّه ﷻ لا يُعادُّه (^٣) أحدٌ فيقهره فيَتَخَلَّصه (^٤) من عذابه بالقهرِ، ولا يَشْفَعُ عنده أحدٌ إلا بإذنِه (^٥)، وليس يَأذَنُ لأحدٍ (^٦) في الشفاعة لمن كفر به فمات على كفره قبل التوبة منه.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"لإصابتها\".\n(^٢) ليست في ص، م، ت ٢، ف.\n(^٣) عادّه: ناهضه في الحرب. الوسيط (ع د د).\n(^٤) في م: \"فيخلصه\" وينظر اللسان (خ ل ص).\n(^٥) بعده في ت ١: \"وليس يأذن أحد إلا بإذنه\".\n(^٦) في ص، ت ١: \"أحد\"، وفي ت ٢، ف: \"آخر\".","vol":"13","page":551},{"text":"<span id=\"aya-1742\"></span><span data-type='title' id=toc-4685>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥)﴾.</span>\nاختلف أهل العلم بكلام العرب في مُرافِعِ (^١) \"المثَلِ\"؛ فقال بعضُ نحويِّي الكوفيين (^٢): الرافع للمثلِ قولُه: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ في المعنى، وقال: هو كما تقولُ: حِلْيةُ فلانٍ أسمرُ و(^٣) كذا وكذا. فليس الأسمرُ بمرفوعٍ بالحلية، إنما هو ابتداءٌ، أي: هو أسمرُ، هو كذا. قال: ولو دخَل \"أنَّ\" في مثل هذا كان صوابًا. قال: ومثله في الكلام: مثلُك أنك كذا، وأنك كذا. وقوله: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا﴾ (^٤). [عبس: ٢٤، ٢٥] من وجهِ: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا﴾ [محمد: ١٥]. ومن قال: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ﴾. أظهَر الاسمَ؛ لأنَّه مردود على الطعام بالخفضِ، ومستأنف، أي: طعامه أنا صبَننا، ثم فعلنا. وقال: معنى قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾: صفاتُ الجنةِ.\nوقال بعضُ نحويى البصريين: معنى ذلك: صفة الجنة. قال: ومنه قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧]. معناه: ولله الصفةُ العُليا. قال: فمعنى الكلام في قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِى مِن تَحْتهَا الْأَنْهَارُ﴾. أو: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾. كأنه قال: وَصْفُ الجنةِ صفةٌ تجرى من تحتها الأنهار، أو صفةٌ فيها أنهارٌ. والله أعلم.\n_________\n(^١) في م: \"رافع\".\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٦٥.\n(^٣) سقط من النسخ، والمثبت من معاني القرآن.\n(^٤) القراءة بكسر الهمزة هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر، وقرأ حمزة وعاصم والكسائي بفتح الهمزة. السبعة لابن مجاهد ص ٦٧٢.","vol":"13","page":552},{"text":"قال: ووجه آخرُ، كأنه إذا قيل: مثلُ الجنة. قيل: الجنةُ التي وُعِد المتقون. قال: وكذلك قوله: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]، كأنه قال: بالله الرحمن الرحيم. والله أعلم.\nقال: وقوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]: في ذاتِ اللَّهِ، كأنه عندنا قيل (^١): في اللهِ. قال: وكذلك قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. إنما المعنى: ليس كشيءٍ، وليس مثله شيءٌ؛ لأنَّه لا مثل له. قال: وليس هذا كقولك للرجل: ليس كمثلك أحدٌ. لأنَّه يجوز أن يكون له مثل، والله لا يجوز ذلك عليه. قال: ومثلُه قول لبيدٍ (^٢):\n* إلى الحولِ ثم اسمُ السلامِ عليكما *\nقال: وفُسِّر لنا أنه أراد: السلام عليكما. قال (^٣): [وقال] (^٤) أوسُ بنُ حَجَرٍ (^٥):\nوقتلَى كرامٍ كمِثْلِ الجُذُوعِ … تَغَشَّاهُمُ سَبَلٌ (^٦) مُنْهمرْ\nقال: والمعنى عندنا: كالجذوعِ؛ لأنَّه لم يُرِدْ أَن يَجْعَلَ للجذوعِ مِثْلا ثم يُشبِّهَ القتلى به. قال: ومثله قولُ أُمَيَّةَ (^٧):\nرجُلٌ (^٨) وثَوْرٌ تحت رِجْلِ يمينه … والنَّسرُ للأُخرى ولَيْثٌ مُرْصَدُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قليل\".\n(^٢) تقدم في ١/ ١١٧.\n(^٣) في ف: \"وقال\".\n(^٤) سقط من: م، ف.\n(^٥) ديوانه ص ٣٠.\n(^٦) السَّبَل: المطر. الصحاح (س ب ل).\n(^٧) تقدم في ١/ ٣٦٥.\n(^٨) في م: \"زحل\". وهى رواية للديوان.","vol":"13","page":553},{"text":"قال: فقال: تحتَ رجلِ يمينِه. كأنه قال: تحت رجله. أو: تحتَ رجلِه اليمنى. قال: وقولُ لبيدٍ (^١):\nأضلَّ صوارَه (^٢) وتَضَيَّفَتْه … نَطوفٌ (^٣) أمرها بيدِ الشَّمالِ\nكأنه قال: أمرُها بالشَّمالِ، وإلى الشَّمالِ. وقولُ لبيد أيضًا (^٤):\n* حتى إذا ألْقَت يدًا في كافرٍ (^٥) *\nفكأنه قال: حتى وقَعت في كافرٍ.\nوقال آخر منهم (^٦): هو من المكفوفِ عن خبرِه. قال: والعربُ تَفْعَلُ ذلك. قال: وله معنًى آخرُ: للذين استجابوا لربِّهم الحسنى مَثَلُ الجنةِ، موصولٌ، صفةٌ لها على الكلام الأوّل.\nقال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: ذكر المثلَ فقال: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ﴾. والمراد الجنةُ، ثم وُصفت الجنةُ بصفتها، وذلك أن مَثَلَها إنما هو صفتها، وليست صفتها شيئًا غيرَها. وإذ كان ذلك كذلك، ثم ذكر المثل، فقيل: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾، ومَثَلُها صفتها وصفة الجنة، فكان وصفها كوصف المثلِ، وكان كأن الكلام جرى بذكر الجنة، فقيل: الجنةُ تجرى من تحتها الأنهارُ. كما قال الشاعرُ (^٧):\n_________\n(^١) شرح ديوانه ص ٧٧.\n(^٢) الصوار: القطيع من البقر. اللسان (ص ور).\n(^٣) النطوف: القطور، وليلة نطوف: تمطر حتى الصباح. اللسان (ن ط ف).\n(^٤) شرح ديوانه ص ٣١٦.\n(^٥) كافر: ليل مظلم؛ لأنَّه ستر كل شيء بظلمته. الصحاح (ك ف ر).\n(^٦) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٣٣٣، ٣٣٤.\n(^٧) هو جرير بن عطية، وتقدم البيت في ٥/ ٦٥٨.","vol":"13","page":554},{"text":"أرى مرَّ السنينَ أخَذن منى … كما أخَذ السِّرارُ مِن الهلالِ\nفذكَر \"المرَّ\"، ورجع في الخبر إلى \"السنينَ\".\nوقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾. يعنى: ما يُؤكَلُ (^١) فيها. يقولُ: هو دائمٌ لأهلها، لا يَنْقَطِعُ عنهم، ولا يزول، ولا يَبيدُ، ولكنه ثابتٌ إلى غير نهايةٍ. ﴿وَظِلُّهَا﴾. يقولُ: وظلُّها أيضًا دائمٌ؛ لأنَّه لا شمسَ فيها. ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا﴾. يقولُ: هذه الجنةُ التي وصف جلَّ ثناؤُه عاقبةُ الذين اتَّقَوْا اللَّهَ، فاجتنبوا معاصيَه وأدَّوا فرائضَه.\nوقوله: ﴿وَعُقْبَى الكَافِرِينَ النَّارُ﴾. يقولُ: وعاقبة الكافرين باللَّهِ النارُ.\n\n<span id=\"aya-1743\"></span><span data-type='title' id=toc-4686>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: والذين أنزَلنا إليهم الكتابَ ممن آمن بك واتَّبعك يا محمدُ، يَفْرَحون بما أُنزِل إليك منه، ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾. يَقولُ: ومِن أهلِ الملل المتحزِّبين عليك، وهم أهلُ أديانٍ شتَّى، مَن يُنْكِرُ بعضَ ما أُنزِل إليك، فقل لهم: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾ أيها القومُ، ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ وحدَه دونَ ما سواه، ﴿وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾: [وأجعلَ] (^٢) له شريكًا في عبادتي، فأعبد معه الآلهة والأصنامَ، بل أُخْلِصُ له الدين حنيفًا مسلمًا، ﴿إلَيْهِ أَدْعُوا﴾. يقول: إلى طاعته وإخلاص العبادة له أدعو الناسَ، ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابٍ﴾. يقولُ: وإليه مَصِيرى. وهو \"مَفْعَلٌ\"، من\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ٢: \"ما\".\n(^٢) في م: \"فأجعل\".","vol":"13","page":555},{"text":"قولِ القائلِ: آب يَئُوبُ أَوْبًا وَمآبًا.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4687>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَهُمُ الكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾: أولئك أصحاب محمد ﷺ، فرحوا بكتابِ الله وبرسوله وصدَّقوا به. قوله: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾: يعني اليهود والنصارى (^١).\nحدثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾. قال: مِن أهل الكتابِ.\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهد قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾: من أهل الكتاب، والأحزاب أهلُ الكُتُبِ، [تَفَرُّقُهم تحزُّبُهم] (^٢). قوله: ﴿وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ [الأحزاب: ٢٠]. قال: لتحزُّبِهم على النبي ﷺ. قال ابن جريجٍ: وقال غيرُ (^٣) مجاهد: ﴿يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾. قال: بعض القرآنِ.\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٢) في م: \"تفريقهم لحزبهم\".\n(^٣) في م: \"عن\".","vol":"13","page":556},{"text":"﴿وَإِلَيْهِ مَئَابِ﴾. قال (^١): إليه مصيرُ كلِّ عبدٍ (^٢).\nحدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. قال: هذا مَنْ آمَن برسولِ اللهِ ﷺ من أهل الكتاب، فيَفْرَحون بذلك. وقرَأ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠]. وفى قوله: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾. قال: الأحزاب الأمم؛ اليهود والنصارى والمجوسُ، منهم من آمن به، ومنهم من أنكره (^٣).\n\n<span id=\"aya-1744\"></span><span data-type='title' id=toc-4688>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وكما أنزلنا عليك الكتابَ يا محمد فأنكره بعضُ الأحزابِ، كذلك أيضًا أنزَلنا الحكم والدين حكمًا عربيًّا. وجعَل ذلك عربيًّا ووصَفه به؛ لأنَّه أُنزل على محمد ﷺ وهو عربيٌّ، فنُسب الدين إليه، إذ كان عليه أُنْزِل، فكذَّب به الأحزابُ. ثم نهاه جلَّ ثناؤه عن تَرْكِ ما أنزل إليه، واتباعِ الأحزاب، وتَهَدَّده على ذلك إن فعله فقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ يا محمدُ ﴿أَهْوَاءَهُم﴾: أهواء هؤلاء الأحزابِ ورضاهم ومحبتهم، وانتقلت من دينك إلى دينهم، ما لك مَن يَقِيك عذابَ اللَّهِ إِن عذَّبَك على اتباعك أهواءهم، وما لك ناصر يَنْصُرُك، فيَسْتَنْقِذَك من الله إن هو عاقبك. يقولُ: فاحْذَرْ أَن تَتَّبِعَ\n_________\n(^١) في م: \"و\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٣٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٥ إلى المصنف وأبى الشيخ.","vol":"13","page":557},{"text":"أهواءَهم.\n\n<span id=\"aya-1745\"></span><span data-type='title' id=toc-4690>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا يا محمد رُسُلًا مِن قَبْلِكَ إِلى أَم قد خَلَتْ مِن قبل أُمَّتِك، فجعلناهم بشرًا مثلك؛ لهم أزواجٌ يَنْكِحُون، وذرِّيَّةٌ (^١) أَنْسَلوهم، ولم نَجْعَلْهم ملائكةً لا يَأْكُلون ولا يَشْرَبون ولا ينكحون، فنَجْعَلَ الرسول إلى قومك من الملائكة مثلهم (^٢)، ولكن أرسَلْنا إليهم بشرًا مِثلَهم، كما أرسَلْنا إلى من قبلهم من سائر الأمم بشرًا مثلَهم، ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يَقولُ تعالى ذكرُه: وما يَقْدِرُ رسولٌ أَرسَلَه الله إلى خلقِه أن يَأْتي أمته بآية وعلامةٍ؛ من تسييرِ الجبال، ونقل بلدة من مكانٍ إلى مكان آخر، وإحياءِ الموتى، ونحوها من الآياتِ ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يقول: إلا بأمرِ اللهِ الجبال بالسير، والأرضَ بالانتقال، والميِّت بأن يَحْيَا، ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. يقولُ: لكلِّ أَجَلِ أَمْرٍ قضاه اللَّهُ كتاب قد كتبه فهو عنده.\nوقد قيل معناه: لكل كتاب أنزله اللهُ مِن السماء أجلٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4689>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ بن يوسفَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. يقولُ: لكلِّ كتابٍ يَنْزِلُ مِن السماءِ أَجلٌ، فيَمْحو\n_________\n(^١) زيادة من: م.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قبلهم\".","vol":"13","page":558},{"text":"الله ذلك ما يشاءُ ويُنْبِتُ، وعنده أم الكتاب (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وهذا، على هذا القول، نظيرُ قول الله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩]. وكان أبو بكر ﵁ يقرؤُه (^٢): (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بالمَوْتِ) (^٣)؛ وذلك أن سكرةَ الموتِ تأتى بالحقِّ، والحق يأتى بها، فكذلك الأجَلُ له كتاب، وللكتاب أجل.\n\n<span id=\"aya-1746\"></span><span data-type='title' id=toc-4692>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾.</span>\nاختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: يَمْحو الله ما يشاءُ مِن أمورِ عبادِه فيُغَيِّرُه، إلا الشقاء والسعادةَ، فإنهما لا يُغَيَّران.\n\n<span data-type='title' id=toc-4691>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى (^٤) بن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾. قال: يُدبِّرُ اللَّهُ أمر العبادِ، فيَمْحُو ما يشاء، إلا الشقاء والسعادة والموت [والحياة] (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٥ إلى المصنف وأبى الشيخ.\n(^٢) في م، ف: \"يقول\".\n(^٣) هذه قراءة أبيّ أيضًا، وهى قراءة شاذة. ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٤٥.\n(^٤) في النسخ: \"بحر\". وهو تحريف. والمثبت هو الصواب. ينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٤٨٩، وما سيأتي في تفسير الآية ٣٣ من سورة الحج.\n(^٥) سقط من النسخ، والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٦) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١١٢٩)، والبيهقى في الشعب (٣٦٦٦) من طريق ابن أبي ليلى به.","vol":"13","page":559},{"text":"حدثنا [ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي ليلى] (^١)، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾. قال: كلَّ شيءٍ غير السعادة والشقاءِ، فإنهما قد فرغ منهما.\nحدثني عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا يزيد، وحدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، عن سفيانَ، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، يقولُ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾. قال: إلا الشقاءَ والسعادةَ، والحياة والموت (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعيم الفضل بن دكينٍ وقَبِيصة، قالا: ثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾. قال: قال ابن عباسٍ: إلا الحياةَ والموتَ، والشقاء والسعادةَ (^٣).\nحدثني المثنَّى، قال: ثنا عمرو بن عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن ابن أبي ليلى، عن المنهالِ بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. قال: يُقَدِّرُ اللَّهُ أَمَرَ السَّنةِ في ليلةِ القَدْرِ إِلا الشقاء والسعادة، والموت والحياة.\n_________\n(^١) كذا في النسخ، وقد سقطت الواسطة بين ابن بشار وابن أبي ليلى.\n(^٢) تفسير الثورى ص ١٥٤، وعنه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٣٨.\n(^٣) أخرجه ابن المقرئ في معجمه (٥٧٦) من طريق عمرو به، وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٨٩٧) من طريق وكيع به.","vol":"13","page":560},{"text":"حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾. قال: إلا الحياة والموت، والسعادة والشقاوة، فإنهما لا يَتَغَيَّران (^١).\nحدثنا عمرٌو، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا معاذ (^٢) بن عقبةَ، عن منصور، عن مجاهد مثله.\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد مثله.\nقال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيانُ، عن منصور، قال: قلتُ لمجاهد: إن كنتَ كتَبْتَنى سعيدًا فأنبتنى، وإن كنتَ كتَبْتَنى شَقِيًّا فَامْحُنى. قال: الشقاء والسعادةُ قد فُرِغ منهما.\nحدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيانُ، عن منصور، عن مجاهدٍ ح قال: ثنا سعيد بن سليمان، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾. قال: اللَّهُ يُنْزِلُ كُلَّ شيءٍ في السنة في ليلة القدرِ، فيَمْحُو ما يشاءُ مِن الآجال والأرزاقِ والمقاديرِ، إلا الشقاء والسعادة، فإنهما ثابتان (^٣).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، قال: سألتُ مجاهدا فقلت: أرأيتَ دعاءَ أحدِنا يقولُ: اللهم إن كان اسمى في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) كذا في النسخ، ولعل صوابه: \"مصاد\". ينظر الجرح والتعديل ٨/ ٤٤٠.\n(^٣) أخرجه اللالكائى في شرح اعتقاد أهل السنة (٩٧٥) من طريق شريك، عن عطاء، عن مجاهد به.","vol":"13","page":561},{"text":"في الأشقياءِ فامْحُه منهم واجْعَلْه في السعداءِ. فقال: حَسَنٌ. ثم أتيتُه بعد ذلك بحَوْلٍ أو أكثر من ذلك، فسألته عن ذلك فقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (٢) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [سورة الدخان: ٣، ٤]. قال: يُقضى في ليلة القدر ما يكونُ في السنةِ مِن رزقٍ أو مصيبةٍ، ثم يُقَدِّمُ ما يشاءُ، ويُؤخِّرُ ما يشاءُ، فأما كتاب الشقاء والسعادة فهو ثابت لا يُغَيَّرُ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: أن الله يمحو ما يشاءُ ويُثبتُ مِن كتاب سوى أمِّ الكتاب الذي لا يُغَيَّرُ منه شيء.\n\n<span data-type='title' id=toc-4693>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثَنَّى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حمادٌ، عن سليمان التيمي، عن عكرمةَ، عن ابن عباس: أنه قال في هذه الآية: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾. قال: كتابان؛ كتابٌ يَمْحو منه ما يَشاءُ ويُثْبِتُ، وعنده أمُّ الكتابِ (^٢).\nحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا سهل بن يوسفَ، قال: ثنا سليمان التيميُّ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾. قال: الكتاب كتابان؛ كتابٌ (^٣) يَمْحو الله منه ما يشاءُ ويُثْبِتُ، وعنده أم الكتاب.\nقال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا حماد بن سلمةَ، عن سليمان التيميِّ، عن عكرمة، عن ابن عباس بمثله.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٧ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٣٤٩ من طريق حماد به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٥ إلى محمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: ص، ف.","vol":"13","page":562},{"text":"حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمان، عن أبيه، عن عكرمة، قال: الكتاب كتابان ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (^١). وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه يمحو كل ما يشاء، ويُثْبت كل ما أراد.\n\n<span data-type='title' id=toc-4694>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا عَثَّام، عن الأعمش، عن شقيق أنه كان يَقُولُ: اللهم إن كنتَ كتَبْتَنا أشقياء فامْحُنا واكتبنا سعداءَ، وإن كنتَ كتبتنا سعداء فأثْبِتْنا، فإنك تُمْحو ما تشاءُ وتُثْبِتُ، وعندَك أم الكتابِ (^٢).\nحدثنا عمرو، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا الأعمش، عن أبي وائلٍ، قال: كان مما يكثرُ أن يَدْعُوَ بهؤلاء الكلمات: اللهمَّ إن كنتَ كتَبْتَنا أشقياء فامْحُنا واكتُبْنا سعداءَ، وإن كنتَ كتَبْتَنا سعداء فأثْبِتْنا، فإنك تَمْحو ما تشاءُ وتُثْبِتُ، وعندك أمُّ الكتاب.\nقال: ثنا معاذ بن هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي حكيمة، عن أبي عثمان النهديِّ، أن عمر بن الخطاب قال وهو يَطوفُ بالبيت ويبْكى: اللهم إن كنتَ كَتَبْتَ عليَّ شِقْوَةً أو ذنبًا فامْحُه، فإنك تَمحو ما تشاءُ وتُثْبِتُ، وعندك أم الكتاب، فاجْعَلْه سعادةً ومغفرةً.\nقال: ثنا معتمرٌ، عن أبيه، عن أبي حَكيمةَ، عن أبي عثمانَ، قال: وأحسَبُني\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٣٨ عن المعتمر بن سليمان به.\n(^٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ص ٣٥٨، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية ٤/ ١٠٤، من طريق عثام به.","vol":"13","page":563},{"text":"قد سمعتُه مِن أبي عثمان مثله.\nقال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قُرَّةُ بن خالد، عن عِصْمة [أبي حكيمةَ] (^١)، عن أبي عثمان النهدي، عن عمر ﵁ مثله مثلَه (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا أبو حكيمةَ، قال: سمِعت أبا عثمان النهديَّ، قال: سمعت عمرَ بن الخطاب ﵁ يقولُ وهو يَطوفُ بالكعبة: اللهم إن كنتَ كتَبْتَنى في أهل السعادة فأثْبِتنى فيها، وإن كنت كتَبْتَ عليَّ الذنب والشِّقرة فامْحُنى وأثْبِتنى في أهل السعادة، فإنك تَمحو ما تشاءُ وتُثْبتُ، وعندك أم الكتابِ.\nقال: ثنا الحجاج بن المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن خالد الحذّاءِ، عن أبي قلابةَ، عن ابن مسعود، أنه كان يقولُ: اللهم إن كنتَ كتَبْتَني في أهلِ (^٣) الشقاءِ فامْحُنى، وأثْبِتنى في أهل السعادة (^٤).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. يقولُ: هو الرجلُ يعملُ الزمانَ بطاعةِ اللهِ، ثم يَعُودُ لمعصية الله، فيَموتُ (^٥) على\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بن حكيمة\"، وفى م: \"بن أبي حكيمة\". والمثبت هو الصواب كما في الأثر التالي ومصادر التخريج، وينظر الجرح والتعديل ٧/ ٢٠، والثقات ٧/ ٢٩٨.\n(^٢) أخرجه البخارى في التاريخ الكبير ٧/ ٦٣ من طريق أبي عامر به، وأخرجه الدولابي في الكنى ١/ ١٥٥ من طريق قرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) زيادة من: م.\n(^٤) أخرجه الطبراني (٨٨٤٧) من طريق الحجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فيعود\".","vol":"13","page":564},{"text":"ضلالِه، فهو الذي يَمْحُو. والذي يُثْبِتُ؛ الرجلُ يَعْمَلُ بطاعة (^١) الله، وقد (^٢) سبَق له خيرٌ حتى يموت وهو في طاعةِ اللهِ، فهو الذي يُثْبِتُ (^٣).\nحدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن هلالِ بن حُمَيدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عُكَيمٍ (^٤)، عن عبد الله، أنه كان يقولُ: اللهم إن كنت كتَبْتَني في السعداءِ فأثْبِتنى في السعداء، فإنك تَمحو ما تشاءُ وتُثبتُ، وعندك أم الكتابِ (^٥).\nحدثني المثنَّى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، عن أبي حمزةَ، عن إبراهيم، أن كعبًا قال لعمر ﵁: يا أمير المؤمنين، لولا آيةٌ في كتابِ اللَّهِ لأنْبَأْتُك ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة. قال: وما هي؟ قال: قولُ اللَّهِ: ﴿يَمْحُوا الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾ (^٦).\nحدثت عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاكَ يَقُولُ في قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] الآية. يقولُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. يقولُ: أَنْسَخُ ما شِئْتُ، وأَصْنعُ مِن الأفعالِ ما شِئْتُ، إن شِئْتُ زِدْتُ فيها، وإن شِئْتُ نَقَصْتُ (^٧).\nحدَّثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا عفّانُ، قال: ثنا همامٌ، قال: ثنا الكلبيُّ\n_________\n(^١) في م، وتفسير ابن كثير، والدر المنثور: \"بمعصية\".\n(^٢) بعده في م، وتفسير ابن كثير: \"كان\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٩٠ عن العوفي عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٥ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) في م: \"حكيم\". وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٣١٧.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٠/ ٣٣١ من طريق آخر عن عبد الله بن مسعود ضمن أثر مطول بمعناه.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٩٠ عن المصنف.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٧ إلى المصنف.","vol":"13","page":565},{"text":"قال: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾. قال: يَمْحَى مِن الرزق ويزيدُ فيه، ويَمْحَى من الأجل ويزيدُ فيه. قلت: من حدَّثك؟ قال: أبو صالح، عن جابر بن عبدِ اللهِ بن رئابٍ الأنصاريِّ، عن النبي ﷺ. فقدم الكلبي بعد، فسئل عن هذه الآية: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾. قال: يَكْتُبُ القول كلَّه، حتى إذا كان يومُ الخميسِ، طرح منه كلَّ شيءٍ ليس فيه ثوابٌ ولا عليه عقابٌ، مثل قولك: أكلتُ، شَرِبتُ، دخَلتُ، خرجتُ، ونحو ذلك من الكلام وهو صادق، ويُثْبِتُ ما كان فيه الثواب وعليه العقاب (^١).\nحدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الوهابِ، قال: سمعتُ الكلبيَّ، عن أبي صالحٍ نحوه، ولم يجاوز أبا صالح (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أن اللَّهَ يَنْسَخُ ما يشاءُ مِن أحكام كتابه، ويُثْبِتُ ما يشَاءُ منها فلا يَنْسَخُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4695>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس: ﴿يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ﴾، قال: من القرآنِ. يقولُ: يُبَدِّلُ الله ما يشاءُ فيَنْسَحُه، ويُنْبِتُ ما يشاءُ فلا يُبَدِّلُه، ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب: الناسخ والمنسوخُ، وما يُبَدِّلُ وما يُثْبِتُ، كلُّ ذلك\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٣/ ٥٧٤ عن عفان به، وأخرجه الحارث في مسنده - كما في المطالب (٤٠٢٤) - وابن علي ٦/ ٢١٣١ من طريق همام به، وعزاه الحافظ في الإصابة ١/ ٤٣٤ إلى ابن شاهين وابن مردويه.\n(^٢) ذكر الحافظ في الفتح ١١/ ٣٠٩ نحوه عن أبي صالح، ثم قال: لكنه ضعيف من رواية الكلبي، وهو ضعيف جدًّا.","vol":"13","page":566},{"text":"في كتاب (^١).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾: هي مثل قوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [سورة البقرة: ١٠٦]. وقوله: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. أي جملة الكتاب وأصله (^٢).\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ (^٣) ويُثْبِتُ ما يشاءُ، وهو الحكيمُ، وَعِنْدَهُ أُمُّ الكتاب وأصله.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: بما ينزِّل على الأنبياءِ، وَيُثْبِتُ ما يشاء مما يُنَزِّلُ على الأنبياء. قال: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: لا يُغَيَّرُ ولا يُبَدَّلُ (^٤).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. قال: يَنْسَخُ. قال: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. قال: الذِّكْرُ (^٥).\nوقال آخرون: معنى ذلك أنه يَمْحُو من قد حان أجلُه، ويُثبِتُ مَن لم يَجِئْ أجلُه إلى أجلِه.\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٥، وابن الجوزى في النواسخ ص ٨٥، من طريق عبد الله بن صالح به، وقد أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق ٥/ ٣٨٠، وفتح البارى ١٣/ ٥٢٣ - من طريق عبد الله بن صالح به، لكن بلفظ مختلف كما سبق هنا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٧ إلى ابن المنذر والبيهقي في المدخل.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٧ إلى المصنف.\n(^٣) بعده في ص: \"قال: ينسى الله نبيه ما يشاء وينسخ ما يشاء ويثبت ما يشاء\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٧ إلى المصنف.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٥ إلى المصنف.","vol":"13","page":567},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4696>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسن في قوله: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. قال: يَمْحُو مَن جاء أجلُه فذهَب، والمثبتُ الذي هو حيٌّ يجرى إلى أجلِه (^١).\nحدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا عوف، قال: سمعتُ الحسن يقولُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. قال: مَن جاء أجلُه، ﴿وَيُثْبِتُ﴾. قال: مَن لم يَجِئْ أجلُه إلى أجله.\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسن نحوَ حديث ابن بشار.\nقال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا سعيدٌ، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. قال: آجالُ بني آدم في كتابٍ، ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ مِن أجله ﴿وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.\nقال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد قولَ اللهِ: ﴿يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾: قالت قريشٌ حين أُنْزِل: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣٨]: ما نراك يا محمد تَمْلِكُ مِن شيءٍ، ولقد فرغ من الأمر. فأنزلت هذه الآية تخويفا ووعيدًا لهم، إنّا إن شِئْنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ونُحْدِثُ في كلِّ رمضانَ، فنَمْحو ونُثْبِتُ ما نشاءُ من أرزاق الناسِ ومصائبهم، وما نُعطيهم، وما نَقْسِمُ لهم (^٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٠٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٥ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":568},{"text":"حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد نحوه.\nوقال آخرون: معنى ذلك: ويَغْفِرُ ما يشاءُ من ذنوب عباده، ويترك ما يشاءُ فلا يَغْفِرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4697>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرو، عن عطاءٍ، عن سعيد في قوله: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾. قال: يُثبِتُ في البطن الشقاء والسعادة وكلَّ شيء [هو كائن] (^١)، فيَغْفِرُ منه ما يشاءُ، ويُؤَخِّرُ ما يشاءُ (^٢).\nوأولى الأقوال التي ذَكَرتُ في ذلك بتأويلِ الآية وأشبهها بالصواب، القولُ الذي ذكرناه عن الحسن ومجاهد، وذلك أن الله تعالى ذكرُه توعد المشركين الذين سأَلوا رسول الله ﷺ الآيات بالعقوبةِ، وتهددّهم بها، وقال لهم: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. يُعْلِمُهم بذلك أن لقضائه فيهم أجلًا مُثبَتًا في كتابٍ، هم مؤخَّرون إلى وقتِ مجئِ ذلك الأجل، ثم قال لهم: فإذا جاء ذلك الأجلُ، [مَحى الله ما شاء] (^٣)، ممن قد دنا أجله، وانقَطع رزقه، أو حان (^٤) هلاكه، أو اتضاعُه من رفعةٍ، أو هلاك مالٍ، فيَقْضِى ذلك في خلقِه، فذلك\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٨ إلى المصنف.\n(^٣) في م: \"يجئ الله بما\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"جاز\".","vol":"13","page":569},{"text":"مَحْوُه، ويُثبت ما شاء ممن بقى أجله، وأُكُلُه ورزقه، فيَتْرُكُه على ما هو عليه، فلا يَمْحُوه.\nوبهذا المعنى جاء الأثرُ عن رسول الله ﷺ، وذلك ما حدثني محمد بن سهل بن عسكرٍ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: ثنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن زيادةَ بن محمد، عن محمد بن كعبٍ القرظيِّ، عن فَضالةَ بن عُبيدٍ، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله يَفْتَحُ الذِّكر في ثلاثِ ساعاتٍ يَبْقَيْنَ مِن الليل؛ في الساعة الأولى منهن يَنْظُرُ في الكتاب الذي لا يَنْظُرُ فيه أحدٌ غيرُه، فيَمْحُو ما يشاءُ ويُثْبِتُ\". ثم ذكر ما في الساعتين الآخرتين (^١).\nحدثنا موسى بن سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا آدم، قال: ثنا الليث، قال: ثنا زيادة بن محمد، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"إن الله يَنزِلُ في ثلاث ساعاتٍ يَبْقَين من الليل؛ يَفْتَحُ الذِّكرَ في الساعةِ الأولى الذي لم يَرَهُ أحدٌ غيرُه، يَمحو ما يشاء ويُثبِتُ ما يشاء\" (^٢).\nحدثني محمد بن سهل بن عسكرٍ، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: إن للَّهِ لَوْحًا مَحْفُوظًا، مسيرة خمسمائة عامٍ، من دُرّةٍ بيضاءَ، لها دفَّتان من ياقوت، والدفتان لوحان الله، كل يوم ثلاثمائة\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٩٠، ٥/ ١٠٠ عن المصنف، وأخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص ٣٢، وابن خزيمة في التوحيد ص ٩٨ من طريق ابن أبي مريم به، وأخرجه البزار (٣٥١٦ - كشف)، وابن أبى شيبة في العرش ص ٨٦، وابن خزيمة ص ٩٠، والعقيلى ٢/ ٩٣، والطبري في الأوسط (٨٦٣٥) وفى الدعاء (١٣٥)، والدارقطني في المؤتلف ٣/ ١١٥١، ١١٥٢، وابن الجوزى في العلل المتناهية ١/ ٢٥ من طريق الليث به، وقال ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٠٠ تفرد به زيادة، وقال الهيثمي: وفيه زيادة بن محمد الأنصاري، وهو منكر الحديث.\n(^٢) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٢/ ٨٠ عن المصنف، وأخرجه ابن مردويه - كما في تخريج الكشاف - من طريق آدم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٥ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"13","page":570},{"text":"وستون لحظةً، يَمْحُو ما يشاءُ ويُثْبِتُ، وعنده أم الكتاب.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: ثنى رجلٌ، عن أبيه، عن قيس بن عبّادٍ، أنه قال: العاشر من رجبٍ هو يومُ يمحو الله فيه ما يشاءُ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-4700>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.</span>\nاختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه وعنده الحلال والحرام.\n\n<span data-type='title' id=toc-4698>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيمَ، قال: ثنا محمد بن عقبة، قال: ثنا مالك بن دينارٍ، قال: سألت الحسن، قلت: ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾؟ قال: الحلال والحرام. قال: قلت له: فما ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؟ قال: هذه أمُّ القرآنِ. وقال آخرون: معناه: وعنده جملة الكتاب وأصله.\n\n<span data-type='title' id=toc-4699>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. قال: جملة الكتاب وأصلُه.\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثله (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٣٧٤١) من طريق المعتمر به، وأخرجه أيضًا (٣٧٤٢) من طريق قيس به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢/ ١٩٤، وأبو داود في ناسخه - ومن طريقه ابن حجر في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٨ - من طريق معمر به.","vol":"13","page":571},{"text":"حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عُبَيدٌ، قال: سمعت الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. قال: كتاب عند ربِّ العالمين (^١).\nحدثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاق بن يوسفَ، عن جويبرٍ، عن الضحاك: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. قال: جملة الكتاب وعلمُه، يعنى بذلك ما يَنْسَخُ منه وما يُثْبِتَ (^٢).\nحدثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. يقولُ: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب؛ الناسخ والمنسوخُ، وما يبدِّلُ وما يُثْبِتُ، كل ذلك في كتاب.\nوقال آخرون في ذلك ما حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمان، عن أبيه، عن سيارٍ (^٣)، عن ابن عباس، أنه سأل كعبًا عن أمِّ الكتابِ فقال: عِلم الله ما هو خالق وما خلقُه عاملون، فقال لعِلْمِه: كن كتابًا. فكان كتابا (^٤).\nوقال آخرون: هو الذكرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4701>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ - قال أبو جعفرٍ: لا أدرى فيه ابن جريجٍ أم لا - قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. قال:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٩٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٧ إلى المصنف.\n(^٣) في النسخ: \"شيبان\"، والمثبت من تفسير ابن كثير، وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٣١٧.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٦٢ عن الحسين بن داود؛ سنيد به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٣٨ عن معتمر عن أبيه عن ابن عباس، ليس فيه ذكر سيار.","vol":"13","page":572},{"text":"الذكر (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: وعنده أصل الكتاب وجملته، وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه يَمْحُو ما يشاءُ ويُثبتُ ما يشاء، ثم عقَّب ذلك بقوله: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. فكان بيِّنًا أن معناه: وعنده أصلُ المثبت منه والمَمْحُو، وجملته في كتاب لديه.\nواختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿وَيُثْبِتُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ (^٢) المدينة والكوفةِ: (ويُثَبِّتُ) بتشديد الباءِ (^٣)، بمعنى: ويَتْرُكُه ويُقرُّه على حالِه، فلا يَمْحُوه. وقرَأه بعضُ المكيين وبعضُ البصريين وبعض الكوفيين: ﴿وَيُثْبِتُ﴾ بالتخفيف (^٤)، بمعنى: يَكْتُبُ.\nوقد بيَّنَّا قبل أن معنى ذلك عندنَا: إقراره مكتوبًا وترْكُ مَحْوِه، على ما قد بَيَّنَّا، فإذا كان ذلك كذلك، فالتثبيتُ به أولى، والتشديد أصوبُ من التخفيف، وإن كان التخفيفُ قد يَحْتَمِلُ توجيهَه في المعنى إلى التشديد، والتشديد إلى التخفيف، لتقارب معنيَيْهِما.\nوأما المحْوُ، فإن للعرب فيه لُغتيْن؛ فأما مُضَرُ فإنها تقولُ: مَحَوتُ الكتاب أمْحُوه مَحْوًا، وبه التنزيل، ومَحَوتُه (^٥) أمحاه محوًا. وذُكِر عن بعض قبائلِ ربيعة أنها\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٨ إلى المصنف، وينظر تفسير ابن كثير ٤/ ٣٩٢.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) هي قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٣٥٩، وحجة القراءات ص ٣٧٤، والتيسير ص ١٠٩.\n(^٤) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم. المصادر السابقة.\n(^٥) في ص، ف: \"محوت\".","vol":"13","page":573},{"text":"تقولُ: مَحَيْتُ أمْحِي.\n\n<span id=\"aya-1747\"></span><span data-type='title' id=toc-4703>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: وإما نُرِيَنَّك يا محمد في حياتك بعضَ الذي نَعِدُ هؤلاء المشركين بالله من العقاب على كفرهم، أو نَتوفَّينَّك قبل أن نُرِيَك ذلك، فإنما عليك أن تَنتهى إلى طاعة ربِّك فيما أمرك به من تبليغهم رسالته، لا طلبُ صلاحِهم ولا فسادِهم، وعلينا محاسبتهم، فمجازاتهم بأعمالهم؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌّ.\n\n<span id=\"aya-1748\"></span><span data-type='title' id=toc-4704>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)﴾.</span>\nاختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معناه أو لم يرَ هؤلاء المشركون من أهل مكةَ، الذين يَسْأَلُون محمدًا الآياتِ، أَنا نَأْتِي الأَرضَ، فنَفْتَحُها له أرضًا بعد أرضٍ، حوالَيّ أرضِهم؟ أفلا يخافون أن نَفْتَح له أرضهم، كما فتحنا له غيرها؟\n\n<span data-type='title' id=toc-4702>ذكر من قال ذلك</span>\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا محمد بن الصبّاح، قال: ثنا هشيم، عن حصينٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال: أو لم يَرَوا أنا نَفْتَحُ لمحمد الأرض بعد الأرض (^١)؟\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٨ إلى المصنف.","vol":"13","page":574},{"text":"حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. يَعْنى بذلك ما فتَح الله على محمدٍ. يقولُ: فذلك نُقصانُها (^١).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن سلمة بن نُبَيطٍ، عن الضحاك، قال: ما تَغَلَّبَ (^٢) عليه من أرض العدوِّ (^٣).\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، قال: كان الحسنُ يقولُ في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: هو (^٤) ظهور المسلمين على المشركين (^٥).\nحدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيد بن سليمانَ، قال: سمعت الضحاك [يقولُ في] (^٦) قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِن أَطْرَافِهَا﴾: يعنى أن نبيَّ الله ﷺ كان يُنْتَقَصُ له ما حولَه مِن الأَرْضِين، يَنْظُرون إلى ذلك فلا يَعْتَبِرون، قال الله في سورةِ \"الأنبياءِ\": ﴿نَأْتِي الْأَرْضَ تَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤]: بل نبيُّ الله ﷺ وأصحابه هم الغالبون (^٧).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٨ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) في م: \"تغلبت\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٨ إلى عبد بن حميد بنحوه.\n(^٤) في م: \"فهو\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٣٩ عن معمر به.\n(^٦) سقط من: ص، ف.\n(^٧) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٧٥ - تفسير) من طريق آخر عن الضحاك، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":575},{"text":"وقال آخرون: بل معناه: أولم يَروا أنا نأتى الأرضَ فنُخرِبُها؟ أوَلا يخافون أن نَفْعَلَ بهم وبأرضهم مثل ذلك، فنُهْلِكهم ونُخْرِبَ أَرضَهم؟\n\n<span data-type='title' id=toc-4705>ذكر من قال ذلك</span>\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عليُّ بن عاصم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عكرمةَ، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال: أو (^١) لم يَرَوْا إلى القريةِ تَخْرَبُ حتى يكونَ العُمْرانُ في ناحية (^٢)؟\nقال: ثنا حجاج بن (^٣) محمدٍ، عن ابن جريجٍ، عن الأعرج، أنه سمع مجاهدًا يقولُ: ﴿نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. . قال: خرابُها (^٤).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن الأعرج، عن مجاهد مثله.\nقال: وقال ابن جريجٍ: خرائها وهلاك الناس.\nحدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي جعفر الفراء، عن عكرمة قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال: نُخْرِبُ (^٥) مِن أطرافها.\nوقال آخرون: بل معناه: نَنْقُصُ مِن بَرَكَتِها وثمرتِها وأهلها بالموت.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٨ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، ف: \"عن\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) في ف: \"تخرب\".","vol":"13","page":576},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4706>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. يقولُ: نقصانُ أهلها وبَرَكتِها (^١).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن ليث، عن مجاهد في قوله: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال: في الأنفسِ وفى الثمرات وفى خراب الأرضِ.\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن طلحةَ القَنادِ، عمن سمع الشعبيَّ، قال: لو كانت الأرضُ تَنْقُصُ، لضاق عليك حُشُّك (^٢)، ولكن تَنْقُصُ الأنفسُ (^٣) والثمرات (^٤).\nوقال آخرون: معناه: أنا نأتى الأرضَ نَنْقُصُها من أهلها، فنَتَطرَّفُهم بأخذِهم بالموت.\n\n<span data-type='title' id=toc-4707>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال: موتُ أهلها (^٥).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال: الموتُ (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٨ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) الحش: موضعُ قضاء الحاجة. اللسان (ح ش ش).\n(^٣) في ص، ف: \"الأرض\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٨ إلى ابن أبي شيبة والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٠٩.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٣٩، وابن أبي شيبة ١٣/ ٥٦٦ من طريق سفيان به.","vol":"13","page":577},{"text":"حدثني المثنَّى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هارون النحويُّ، قال: ثنا الزبير بن الحارث، عن عكرمة في قوله: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال: هو الموتُ. ثم قال: لو كانت الأرضُ تَنْقُصُ، لم نجد مكانًا نَجلس فيه (^١).\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال: كان عكرمة يقولُ: هو قَبْضُ الناسِ (^٢).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: سُئِل عكرمةُ عن نقص الأرضِ، قال: قَبْضُ الناسِ.\nحدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا جرير بن حازمٍ، عن يَعْلَى بَنِ حكيم، عن عكرمة في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال: لو كان كما يقولون لما وجد أحدكم جُبًّا يَخْرَأُ فيه.\nحدثنا الفضل بن الصباح، قال: [ثنا إسماعيل ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاء، قال] (^٣): سُئل عكرمة وأنا أسمع عن هذه الآية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال: الموتُ.\nوقال آخرون: نَنْقُصُها من أطرافها بذَهَابِ فقهائها وخيارِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-4708>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا طلحة بن عمرو، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٨ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٣٩ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٨ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.","vol":"13","page":578},{"text":"عطاء، عن ابن عباس، قال: ذهابُ علمائها وفقهائها وخيار أهلها (^١).\nقال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبد الوهاب، عن مجاهد، قال: موتُ العلماء (^٢).\nوأوْلَى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قولُ مَن قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بظهور المسلمين من أصحاب محمد ﷺ عليها، وقهرهم أهلها، أفلا يَعْتَبرون بذلك، فيخافون ظهورهم على أرضهم، وقهرهم إياهم؟ وذلك أن الله توعد الذين سأَلوا رسولَه الآيات من مشركي قومه بقوله: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾. ثم وبَّخَهُم تعالى ذكره بسوء اعتبارهم بما يُعاينون مِن فعلِ اللَّهِ بضُرَبائِهم من الكفار، وهم مع ذلك يسألون الآياتِ، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بقهر أهلها والغَلَبة عليها من أطرافها وجوانبها، وهم لا يعتبرون بما يرون مِن ذلك!\nوأما قوله: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾. يقولُ: والله هو الذي يَحْكُمُ فيَنْفُذُ حكمه، ويَقْضِى فيَمْضِى قضاؤُه، وإذا جاء هؤلاء المشركين باللَّهِ مِن أهل مكةَ حكم الله وقضاؤُه، لم يستطيعوا ردَّه.\nويعنى بقولِه: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾: [لا رادَّ لحكمهِ] (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه نعيم بن حماد في الفتن ١/ ٢٤٣ (٦٩٠)، والحاكم ٢/ ٣٥٠، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١٥٤، ١٥٥) من طريق طلحة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٨ إلى عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٣٩ من طريق آخر عن مجاهد بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٨ إلى ابن أبي شيبة والمصنف.\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.","vol":"13","page":579},{"text":"والمعقِّب في كلام العرب هو الذي يَكُرُّ على الشيء.\nوقوله: ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. يقولُ: والله سريعُ الحسابِ، يُحْصى أعمال هؤلاء المشركين، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منها (^١)، وهو من وراء جزائهم عليها.\n\n<span id=\"aya-1749\"></span><span data-type='title' id=toc-4709>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قد مكَر الذين من قبل هؤلاء المشركين من قريش من الأممِ التي سلَفت، بأنبياء الله ورسله، ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾. يقولُ: فلله أسباب المكرِ جميعًا، وبيده وإليه، لا يَضُرُّ مكرُ مَن مَكَر منهم أحدًا، إلا مَن أراد اللَّهُ ضُرَّه به. يقولُ: فلم يَضُرَّ الماكرون بمكرهم إلا من شاء الله أن يَضُرَّه ذلك، وإنما ضَرُّوا به أنفسهم؛ لأنهم أسْخَطوا ربَّهم بذلك على أنفسهم، حتى أهلَكهم ونجَّى رسله. يقولُ: فكذلك هؤلاء المشركون من قريش يَمكرون بك يا محمد، والله مُنجِّيك من مكرهم، ومُلْحِقٌ ضُرَّ مكرهم بهم دونَك.\nوقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾. يقولُ: يَعْلَمُ ربُّك يا محمد ما يعمَلُ هؤلاء المشركون من قومك، وما يَسْعَون (^٢) فيه من المكرِ بك، ويَعْلَمُ (^٣) جميعَ أعمال الخلق كلهم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منها، ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾. يقول: وسيَعْلَمون إذا قدموا على ربِّهم يوم القيامة لمن عاقبة الدار الآخرة، حينَ يَدْخُلون النار ويَدْخُلُ المؤمنون بالله ورسوله الجنة.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ص، ت ٢: \"يسمعون\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت،٢ ف: \"سيعلم\".","vol":"13","page":580},{"text":"واختَلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته قرأةُ المدينة وبعضُ أهل البصرةِ: (وَسَيَعْلَمُ الكافرُ). على التوحيد (^١). وأما قرأة الكوفة فإنهم قرءوه: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾. على الجمع (^٢).\nوالصواب من القراءة في ذلك (^٣) القراءةُ على الجمع: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾؛ لأن الخبر جرى قبل ذلك عن جماعتهم، وأُتْبِع بعده الخبر عنهم، وذلك قوله: ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾. وبعده قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾.\nوقد ذُكر أنها في قراءةِ ابن مسعودٍ: (وَسَيَعْلَم الكافِرُون) (^٤)، وفي قراءةِ أُبيٍّ: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (^٥). وذلك كلُّه دليلٌ على صحة ما اخترنا من القراءة في ذلك.\n\n<span id=\"aya-1750\"></span><span data-type='title' id=toc-4710>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِاللَّهِ مِن قومك يا محمد: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾؛ تكذيبًا منهم لك، وجحودا لنبوّتك، فقلْ لهم إذا قالوا ذلك: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾. يقولُ: قُلْ حسبيَ اللَّهُ، ﴿شَهِيدًا﴾. يعني شاهدًا، ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: عليَّ وعليكم، بصدقى وكذبِكم، ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾\n_________\n(^١) قرأ بذلك ابن كثير ونافع وأبو عمرو السبعة لابن مجاهد ص ٣٥٩، وحجة القراءات ص ٣٧٥، والتيسير ص ١٠٩.\n(^٢) قرأ بذلك عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. تنظر المصادر السابقة.\n(^٣) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٤) المصاحف لابن أبي داود ص ٦٣.\n(^٥) ينظر البحر المحيط ٥/ ٤٠١، وهى قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.","vol":"13","page":581},{"text":"فـ ﴿مَنْ﴾ إذا قُرئ كذلك في موضعِ خفضٍ، عطفًا به على اسم الله، وكذلك قرأ به قرأة الأمصار، بمعنى: والذين عندهم علمُ الكُتُبِ (^١) التي نزلت قبلَ القرآنِ كالتوراة والإنجيل، وعلى هذه القراءة فسَّر ذلك المفسرون.\n\n<span data-type='title' id=toc-4711>ذكرُ الرواية بذلك</span>\nحدثني عليُّ بن سعيدٍ الكنديُّ، قال: ثنا أبو مُحَيَّاةَ؛ يحيى بن يعلى، عن عبد الملكِ بن عميرٍ، عن ابن أخى عبدِ اللهِ بن سلام، قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ: نزلت فيَّ: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (^٢).\nحدثنا الحسين بن عليٍّ الصُّدَائيُّ، قال: ثنا أبو داود الطيالسي، قال: ثنا شعيبُ بن صفوان، قال: ثنا عبد الملكِ بن عميرٍ، أن محمد بن يوسفَ بن عبدِ اللَّهِ بن سلامٍ، قال: قال عبد الله بن سلَامٍ: أُنزِل فيَّ: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (^٣).\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: فالذين عندهم علم الكتاب هم أهل الكتاب، من اليهود والنصارى (^٤).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد:\n_________\n(^١) سقط من: ت ١ ت ٢ ف.\n(^٢) أخرجه الترمذى (٣٢٥٦)، (٣٨٠٣)، والآجرى في الشريعة (١٤٤٢) من طريق على بن سعيد الكندى به مطولا.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٩ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٩ إلى المصنف.","vol":"13","page":582},{"text":"﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾. قال: هو عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ (^١).\nحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن أبي صالح في قوله: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ﴾. قال: رجلٌ مِن الإنسِ. ولم يُسمِّه.\nحدثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ (^٢).\nقال: ثنا يحيى بن عبّادٍ، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾.\nحدثنا بشر، [قال: ثنا يزيد] (^٣)، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾. قال: قول مشركي قريشٍ، ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: أناسٌ مِن أهل الكتاب كانوا يَشْهَدون بالحقِّ ويُقِرُّون به، ويَعْلَمون أن محمدا رسولُ اللهِ، كنَّا (^٤) نُحَدَّثُ أن منهم عبدَ اللَّهِ بنَ سَلَامٍ (^٥).\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، [عن معمر] (^٦)، عن\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ١٥٥ وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٢/ ٣٥٣، ومن طريقه ابن عساكر ٢٩/ ١٣١ عن الفضل بن دكين عن سفيان عن رجل ثقة به، وأخرجه أيضًا ابن عساكر ٢٩/ ١٣١ من طريق حميد الأعرج عن مجاهد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٩ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٠٩.\n(^٣) سقط من: ص، ف.\n(^٤) في النسخ: \"كما\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٩ إلى المصنف وعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) سقط من النسخ، وهو سند دائر عند المصنف.","vol":"13","page":583},{"text":"قتادةَ: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾. قال كان منهم عبد الله بن سلام وسلمان الفارسيُّ وتميمٌ الداريُّ (^١).\nحدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الوهاب، عن سعيدٍ، عن قتادة: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾. قال: هو عبد الله بن سلامٍ.\nوقد ذكر عن جماعةٍ من المتقدِّمين أنهم كانوا يَقْرَءونه: (وَمِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتَابِ) (^٢). بمعنى: مِن عندِ اللَّهِ عِلْمُ الكتاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-4712>ذكرُ مَن ذُكِر ذلك عنه</span>\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهابِ بن عطاء، عن هارونَ، عن جعفر بن (^٣) أبي وَحْشِيَّةَ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (ومن عندِه عِلْمُ الكِتَابِ). يقولُ: مِن عندِ اللهِ عِلْمُ الكتابِ (^٤).\nحدثني محمد بن المثنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، عن شعبة، عن الحَكَمِ، عن مجاهد: (وَمِنْ عِنْدِه عِلْمُ الكِتَابِ). قال: مِن عندِ اللهِ (^٥).\nقال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن شعبة، عن الحَكَمِ، عن مجاهد: (وَمِنْ عِندِه عِلْمُ الكِتَابِ). قال: مِن عندِ اللَّهِ عِلْمُ الكتاب (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٣٩ عن معمر به.\n(^٢) هي قراءة على وأبيّ وابن عباس وعكرمة وابن جبير وعبد الرحمن بن أبى بكرة والضحاك وسالم بن عبد الله بن عمر وابن أبي إسحاق ومجاهد والحكم والأعمش. ينظر البحر المحيط ٥/ ٤٠٢، مختصر شواذ القراءات ص ٧٢.\n(^٣) في ص، ف، ت ٢: \"عن\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٩ إلى المصنف وأبي عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":584},{"text":"وقد حدَّثنا هذا الحديث الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مجاهد: (وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ). قال: هو الله، هكذا قرَأ الحسنُ (^١): (وَمِنْ عِندِه عُلِمَ الكِتَابُ).\nقال: ثنا شعبة، عن منصور بن زَادَانَ، عن الحسنِ مثلَه (^٢).\nقال: ثنا عليٌّ، يعنى ابنَ الجَعْدِ، قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسنِ: (وَمِنْ عِنْدِه عُلِمَ الكِتَابُ). قال: اللَّهُ. قال شعبةُ: فذكرت ذلك للحَكَم، فقال: قال مجاهدٌ مثلَه.\nحدثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، قال: سمعتُ منصورَ بنَ زَاذَانَ يُحَدِّثُ عن الحسنِ أنه قال في هذه الآية: (ومِن عنده عُلِمَ الكتابُ). قال: مِن عندِ اللهِ.\nقال: ثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ: (وَمِنْ عِندِه عُلِمَ الكتابُ). قال: مِن عندِ اللهِ عُلم الكتابُ.\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمر، عن الحسنِ: (وَمِنْ عِندِهِ عُلِمَ الكِتَابُ). قال: من عندِ اللهِ عُلِمَ الكتابُ، هكذا قال ابن عبد الأعلى.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: كان الحسن يَقْرَؤُها: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَمِنْ عِندِهِ عُلِمَ الْكِتَابُ). يَقُولُ: مِن\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بن محمد\" وهو خطأ، فالمقصود البصرى، لا الحسن بن محمد شيخ المصنف، وهذه القراءة قرأ بها مع الحسن على ﵁ وابن السميقع وهي شاذة. ينظر البحر المحيط ٥/ ٤٠٢ ومختصر شواذ القراءات ص ٧٢.\n(^٢) ينظر تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٣٩.","vol":"13","page":585},{"text":"عندِ اللَّهِ عُلِمَ الكتاب وجملتُه.\nهكذا حدَّثنا به بشرٌ: (عُلِمَ الكتابُ). وأنا أحْسَبُه وَهِم فيه، وأنَّه (ومن عندِه عِلْمُ الكتابِ)؛ لأن قوله: وجملتُه. اسمٌ، لا يُعْطَفُ باسم على فعلٍ ماضٍ.\nحدَّثنا الحسن، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن هارونَ: (ومن عندِه عِلْمُ الكتابِ). يقُولُ: مِن عندِ اللَّهِ عِلْمُ الكِتابِ.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا الحجاج بن المنهالِ، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشرٍ، قال: قلتُ لسعيد بن جبير: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: أهو عبدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ قال: هذه السورة مكيةٌ، فكيف يكونُ عبد الله بنَ سلَام؟! قال: وكان يَقْرَؤُها (ومن عنده عِلْمُ الكتاب). يقول: مِن عندِ اللَّهِ (^١).\nحدثنا الحسن، قال: ثنا سعيد بن منصورٍ، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشرٍ، قال: سأَلتُ سعيد بن جبير عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾. أهو عبدُ اللَّهِ بنُ سلامٍ؟ قال: فكيف وهذه السورة مكيةٌ؟! وكان سعيدٌ يَقْرَؤُها (ومِن عندِه عِلْمُ الكتاب)] (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى عبّادٌ، عن عوفٍ، عن الحسن، وجويبرٍ عن الضحاكِ بن مزاحِمٍ قالا: (ومن عنده عِلْمُ الكتاب). قال: مِن عندِ الله.\nوقد روى عن رسول الله ﷺ خبرٌ بتصحيحِ هذه القراءة وهذا التأويل، غيرَ أن في إسنادِه نظرًا، وذلك ما حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى عبّادُ بنُ\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور (١١٧٧ - تفسير) والنحاس في ناسخه ص ٥٣٦ من طريق أبي عوانة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٩ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وهي قراءة شاذة.","vol":"13","page":586},{"text":"العوّامِ، عن هارونَ الأعور، عن الزهري، عن سالم بن عبدِ اللَّهِ، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه قرأ: (ومن عنده عِلْمُ الكتاب): عندَ اللهِ عِلْمُ الكتاب (^١).\nوهذا خبر ليس له أصل عندَ الثقاتِ مِن أصحاب الزهري، فإذا كان ذلك كذلك، وكانت قرأةُ الأمصارِ مِن أهل الحجاز والشام والعراق على القراءة الأخرى، وهى: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ كان التأويل الذي على المعنى الذي عليه قرأة الأمصار أولى بالصواب مما (^٢) خالفه، إذ كانت القراءة بما هم عليه مجمعون أحق بالصواب.\nآخر تفسير سورة الرعد، والحمد لله صادق الوعدِ\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٥٥٧٤) من طريق الزهرى به، وابن علي ٦/ ٢٢٧٨ من طريق ابن عمر عن عمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٩ إلى ابن مردويه.\n(^٢) في م: \"ممن\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"من\".","vol":"13","page":587},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-4713>تفسيرُ سورةِ إبراهيمَ ﵇</span>\n\n<span id=\"aya-1751\"></span><span data-type='title' id=toc-4714>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ </span>(^١)﴾.\nقال أبو جعفر الطبريُّ: قد تقدَّم منا البيانُ عن معنى قوله: ﴿الر﴾ فيما مضَى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضعِ (^١).\nوأما قوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ﴾. فإن معناه: هذا كتابٌ أنزلناه إليك يا محمدُ، يعنى القرآن. ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، يقول: لتَهْدِيَهم به مِن ظلماتِ الضلالة والكفر إلى نور الإيمان وضيائه، وتُبَصِّرَ به أهل الجهل والعَمَى سُبُلَ الرشادِ والهُدَى.\nوقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾. يعنى: بتوفيق ربِّهم لهم بذلك، ولطفه بهم، ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. يعنى: إلى طريق الله المستقيم، وهو دينه الذي ارْتَضَاه وشرعه لخلقه.\nو\"الحميدُ\" فعيلٌ، صُرِف مِن مفعول إلى فعيلٍ، ومعناه: المحمود بآلائه، وأضاف تعالى ذكره إخراج الناسِ من الظلمات إلى النور بإذن ربِّهم لهم بذلك، إلى نبيِّه ﷺ، وهو الهادى خلقَه، والموفِّقُ مَن أحبَّ منهم للإيمان؛ إذ كان منه دعاؤُهم إليه، وتعريفُهم ما لهم فيه وعليهم، فبيِّنٌ بذلك صحة قول أهل الإثبات الذين\n_________\n(^١) انظر ما تقدم في ١/ ٢٠٤.","vol":"13","page":588},{"text":"أضافوا أفعالَ العباد إليهم كسبًا، وإلى الله جل ثناؤُه إنشاءً وتدبيرًا، وفساد قولِ أهلِ القَدَرِ الذين أنكروا أن يكونَ للَّه في ذلك صنعٌ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4715>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ في قوله: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: أي من الضلالة إلى الهُدَى (^١).\n\n<span id=\"aya-1752\"></span><span data-type='title' id=toc-4716>القول في تأويل قوله عزّ ذكرُه: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ </span>(٢)﴾.\nاختلفت القرأةُ في قراءة ذلك (^٢)، فقرأته عامة قرأةِ المدينة والشامِ: (اللَّهُ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ). برفعِ اسمِ الله على الابتداء، وتصييرِ قولِه: ﴿الَّذِى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ خبرَه.\nوقرأته عامَّةُ قرأة أهل العراقِ والكوفةِ والبصرة: ﴿اللَّهِ الَّذِى﴾. بخفض اسم الله، على إتباع ذلك ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، وهما خفضٌ.\nوقد اختلَف أهلُ العربية في تأويله إذا قُرِئ كذلك، فذُكر عن أبي عمرِو بن العلاء، أنه كان يَقْرَؤُه بالخفضِ، ويَقُولُ: معناه: بإذن ربهم إلى صراط الله (^٣) العزيز الحميدِ، الذي له ما في السماواتِ، ويَقُولُ: هو مِن المؤخَّرِ الذي معناه\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) قرأ برفع اسم \"الله\" نافع وابن عامر، وقرأ بالخفض ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي. ينظر السبعة ص ٣٦٢، والكشف ٢/ ٢٥، والتيسير ص ١٠٩.\n(^٣) سقط من النسخ، وأثبته ليستقيم به الكلام.","vol":"13","page":589},{"text":"التقديم. ويُمثِّله بقول القائل: مَرَرْتُ بالظريف عبد الله. والكلام الذي يوضع مكان الاسم النعتُ، ثم يُجْعَلُ الاسم مكان النعتِ، فيَتْبَعُ إعرابه إعراب النعتِ الذي وُضِع موضع الاسم، كما قال بعض الشعراء:\nلو كنتُ ذا نَبْلٍ وذا شَرِيبٍ (^١) … ما خِفْتُ شَدَّات (^٢) الخبيث الذيبِ\nوأما الكسائي فإنه كان يقولُ، فيما ذُكر عنه: مَن حَفَض أراد أن يَجْعَلَه كلاما واحدًا، وأتبع الخفض الخفض. وبالخفضِ كان يَقْرَأُ.\nوالصوابُ مِن القول في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما أئمةٌ مِن القرأة، معناهما واحدٌ، فبأيتِهما قرأ القارئ فمصيبٌ، وقد يجوزُ أن يكون الذي قرأه بالرفعِ، أراد معنى من خفض في إتباع الكلام بعضه بعضا، ولكنه رفع لانفصالِه من الآية التي قبلَه، كما قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالِهُم﴾ إلى آخر الآية، ثم قال: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١١، ١١٢].\nومعنى قوله: ﴿اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: الله الذي يملكُ جميعَ ما في السماوات وما في الأرضِ، يقول لنبيه محمد ﷺ: أنزلنا إليك هذا الكتابَ، لتَدْعُوَ عبادى إلى عبادة من هذه صفتُه، ويدعوا عبادةَ مَن لا يَمْلك لهم ولا لنفسه ضَرًّا ولا نفعًا من الآلهة والأوثانِ. ثم توعد جلَّ ثناؤُه مَن كَفَر به ولم يَسْتَجِبْ لدعاءِ رسوله إلى ما دعاه إليه من إخلاص التوحيد له، فقال: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. يقولُ: الوادى الذي يَسيلُ من صديد\n_________\n(^١) الشزيب: القوس ليست بجديد ولا خَلَق. القاموس المحيط (ش ز ب).\n(^٢) جمع شَدَّة: وهي الحملة الواحدة، ومنه: شدَّ على القوم في القتال: حَمل عليهم. اللسان (ش د د).","vol":"13","page":590},{"text":"أهلِ جهنم لمن جحد وحدانيته، وعبد معه غيرَه، مِن عذابِ اللَّهِ الشديدِ.\n\n<span id=\"aya-1753\"></span><span data-type='title' id=toc-4717>القول في تأويل قوله عزّ ذكرُه: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ </span>(٣)﴾.\nيعنى جلّ ثناؤُه بقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾: الذين يختارون الحياةَ الدنيا ومتاعها ومعاصىَ الله فيها، على طاعة الله. وما يُقَرِّبُهم إلى رضاه من الأعمال النافعة في الآخرةِ. ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ويَمْنعون من أراد الإيمان بالله واتباع رسوله، على ما جاء به من عندِ الله، من الإيمان به واتباعه. ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾. يقولُ: ويَلْتَمِسون سبيل الله، وهى دينُه الذي ابتَعَث به رسوله، ﴿عِوَجًا﴾: تحريفا وتبديلا بالكذب والزور، و\"العِوَج\"، بكسرِ العَيْنِ وفتحِ الواوِ: في الدين والأرضِ وكلِّ ما لم يَكُنْ قائمًا، فأما في كلِّ ما كان قائما كالحائطِ والرُّمْحِ والسِّنِّ، فإنه يقالُ بفتح العين والواوِ جميعًا؛ \"عَوَج\". يقولُ اللَّهُ عزَّ ذكرُه: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالِ بَعِيدٍ﴾ يعنى هؤلاء الكافرين الذين يَسْتَحِبُّون الحياة الدنيا على الآخرةِ. يقولُ: هم في ذَهاب عن الحقِّ بعيدٍ، وأخذٍ على غير هدًى، وجَوْرٍ عن قصد السبيل.\nوقد اختلف أهلُ العربية في وجهِ دُخول \"على\" في قوله: ﴿عَلَى الْآخِرَةِ﴾، فكان بعضُ نحويِّي البصرة يقولُ: أوصَل الفعلَ بـ (على)، كما قيل (^١): ضربوه في السيفِ. يريدُ بالسيفِ، وذلك أن هذه الحروفَ يُوصَلُ بها كلِّها وتحذفُ، نحو قولِ العربِ: نزَلتُ زيدًا، ومررتُ زيدا، يريدون: مررتُ به، ونزلتُ عليه.\nوقال بعضُهم: إنما أدخل ذلك؛ لأن الفعل يؤدِّى عن معناه من الأفعال (^٢)،\n_________\n(^١) بعده في م: \"في\".\n(^٢) هذا هو المعروف عند النحاة بالتضمين.","vol":"13","page":591},{"text":"ففى قوله: ﴿يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [معناه: يؤثرون بالحياة الدنيا] (^١) على الآخِرَةِ. ولذلك أُدخلت \"على\". وقد بيَّنتُ هذا ونظائره في غير موضعٍ مِن الكتابِ بما أغنى عن الإعادة (^٢).\n\n<span id=\"aya-1754\"></span><span data-type='title' id=toc-4718>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ </span>(٤)﴾.\nيقول تعالى ذكره: وما أرسلنا إلى أمةٍ من الأمم يا محمد من قبلك، ومن قبل قومك، رسولا إلا بلسان الأمة التي أرسلناه إليها ولغتهم، ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾. يقولُ: ليُفْهِمَهم ما أرسله الله به إليهم من أمره ونهيِه، ليُثْبِتَ حجة الله عليهم، ثم التوفيق والخِذلان بيدِ اللَّهِ، فيُخَذِّلُ عن قبول ما أتاه به رسوله من عنده من شاء منهم، ويُوفِّقُ لقبوله من شاء؛ ولذلك رفع ﴿فَيُضِلُّ﴾؛ لأنَّه أُريد به الابتداء لا العطف على ما قبلَه، كما قيل: ﴿لِنُبَيَّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: ٥]. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: الذي لا يَمتنِعُ مما أراده من ضلال أو هدايةٍ مَن أراد ذلك به، و﴿الْحَكِيمُ﴾ (^٣) في توفيقه للإيمانِ مَن وفَّقه له، وهدايته له من هداه إليه، وفى إضلالِه مَن أضلَّ عنه، وفي غير ذلك من تدبيره.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ينظر مثلًا ١/ ٥٢١، ٥٣٠.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الحكم\".","vol":"13","page":592},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4719>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾: أي بلغة قومه ما كانت، قال الله ﷿: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ الذي أُرسل إليهم، ليتخذَ بذلك الحجةَ، قال اللَّهُ ﷿: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-1755\"></span><span data-type='title' id=toc-4720>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا موسى بأدلتنا وحججِنا من قبلك يا محمدُ، كما أرسلناك إلى قومك بمثلها من الأدلة والحُجَجِ، كما حدَّثنا محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ ح وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ الأشيبُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد ح وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾. قال: بالبينات (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾. قال: التسعِ الآيات؛ الطوفانِ وما معه (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤١٠.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٠ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":593},{"text":"حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا [عبد اللهِ، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح] (^١)، عن مجاهد: ﴿أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾. قال: التسع البينات.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.\nوقوله: ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: كما أنزَلنا إليك يا محمدُ هذا الكتابَ، لتُخْرِجَ الناسَ مِن الظلماتِ إلى النورِ بإِذْنِ رَبِّهم. ويعنى بقوله: ﴿أَن أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: أَنِ ادعُهم من الضلالة إلى الهُدى، ومن الكفرِ إلى الإيمان، كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّور﴾. يقولُ: من الضلالة إلى الهدى (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة مثله (^٣).\nوقوله: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. يقولُ ﷿: وعظهم بما سلَف من يعمى عليهم في الأيامِ التي خلَت. فاجتُزئَ بذكر الأيام من ذكر النعم التي عناها؛ لأنها أيامٌ كانت معلومةً عندَهم، أنعم الله عليهم فيها نعمًا جليلةً؛ أنقذهم فيها من آل فرعون، بعد ما كانوا فيما كانوا من العذاب المهين، وغرَّق عدوهم فرعونَ وقومَه، وأَوْرَثَهم أرضَهم وديارهم وأموالهم.\n_________\n(^١) في م: \"قال ثنا الحسين، قال ثنى حجاج، عن ابن جريج، وهو انتقال نظر للإسناد الذي بعده.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٥٨٩.","vol":"13","page":594},{"text":"وكان بعضُ أهل العربية يقولُ: معناه خوِّفهم بما نزل بعاد وثمود وأشباههم مِن العذابِ، وبالعفو عن الآخرين. قال: وهو في المعنى كقولك: خُذهم بالشدَّةِ واللين.\nوقال آخرون منهم (^١): قد وجَدنا لتسمية النعم بالأيام شاهدًا في كلامهم. ثم اسْتَشْهَد لذلك بقول عمرو بن كلثوم (^٢).\nوأيام لنا غُرٍّ طِوَالٍ … عصَينا المَلْكَ فيها أن نَدِينا\nوقال: فقد يكون إنما جعَلها غرًّا طوالًا؛ لإنعامهم على الناس فيها. قال: فهذا شاهد لمن قال: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ بنِعَمِ اللهِ، ثم قال: وقد يكون تسميتها غرًّا، لعُلُوِّهم على الملِكِ وامتناعهم فأيامهم غرٌّ لهم، وطوالٌ على أعدائهم.\nقال أبو جعفر: وليس للذى قال هذا القائلُ (^٣)؛ مِن أن في هذا البيت دليلا على أن الأيامَ معناها النعم - وجهٌ؛ لأن عمرو بن كلثوم إنما وصف ما وصف مِن الأيام بأنها غرٌّ، لعزِّ عشيرته فيها، وامتناعهم على الملكِ من الإذعانِ له بالطاعة، وذلك كقول الناس: ما كان لفلانٍ قطُّ يومٌ أبيضُ. يعنون بذلك أنه لم يَكُنْ له يوم مذكورٌ بخير، وأما وصفه إياها بالطُّولِ، فإنها لا توصف بالطول إلا في حال شدَّةٍ، كما قال النابغة (^٤):\nكِلِيني لهمٍّ يا أُميمَةَ ناصب … وليلٍ أُقاسيه بطيءِ الكواكبِ\nفإنما وصَفها عمرٌو بالطولِ لشدةِ مكروهها على أعداء قومه، ولا وجه لذلك\n_________\n(^١) نقل هذا القول أبو بكر الأنبارى عن أبي عبيدة، في شرح القصائد السبع ص ٣٨٩.\n(^٢) شرح القصائد السبع لأبي بكر الأنبارى ص ٣٨٨.\n(^٣) في م: \"القول\".\n(^٤) ديوانه ص ٥٤.","vol":"13","page":595},{"text":"غير ما قلت.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4721>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يحيى بن طلحة اليربوعيُّ، قال: ثنا فضيل بن عياضٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: بأنعُمِ الله.\nحدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيدِ، قال: ثنا يحيى بن يمانٍ، عن سفيانَ، عن عبيد المكتب، عن مجاهدٍ: ﴿وَذَكِرْهُم بِأَيَّام اللَّهِ﴾. قال: بنعمِ الله (^١).\nحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عبيد المكتب، عن مجاهد مثله.\nحدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبثرٌ، عن حصين، عن حصين، عن مجاهد مثله.\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ح وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن (^٢)، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: بنعم الله (^٣).\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤١ من طريق سفيان به، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٩٤، من طريق عبيد به.\n(^٢) في م: \"الحسين\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤١٠.","vol":"13","page":596},{"text":"عن مجاهد مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.\nحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: بالنعم التي أنعم بها عليهم؛ أنجاهم من آل فرعونَ، وفلق لهم البحرَ، وظلَّل عليهم الغمامَ، وأنزَل عليهم المنَّ والسلوى (^١).\nحدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا حبيب بن حسان، عن سعيدِ بن جبير: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: بنِعَمِ اللَّهِ (^٢).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة (^٣): ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ذكِّرْهم بنعَمِ الله عليهم.\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: بِنِعَمِ اللَّهِ (^٤).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِ اللَّهِ: ﴿وَذَكَّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: أيامه التي انتقم فيها من أهل معاصيه من الأمم، خوِّفْهم بها، وحذِّرهم إياها، وذكِّرهم أن يُصيبهم ما أصاب الذين من قبلهم.\nحدثني المثنَّى، قال: ثنا الحمانيُّ، قال: ثنا محمد بن أبانٍ، عن أبي\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٠ إلى المصنف.\n(^٢) ينظر التبيان ٦/ ٢٧٤.\n(^٣) في ص، ف: \"عبادة\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤١ عن معمر به.","vol":"13","page":597},{"text":"إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ، عن أبيٍّ، عن النبي ﷺ: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: نعم الله (^١).\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، عن الثوري، عن عبيد الله أو غيره، عن مجاهدٍ: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: بنعم الله. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. يقولُ: إن في الأيامِ التي سلفت بنِعَمى عليهم - يعنى على قوم موسى - ﴿لَآيَاتٍ﴾ يعنى: لعِبَرًا ومواعظَ ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، يقول: لكلِّ ذى صبر على طاعة الله، وشكر له على ما أنعم عليه مِن نِعَمِه.\nحدثني المثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.\nقال: نِعْمَ العبد عبد، إِذا ابْتُلى صبَر، وإذا أُعْطِى شكَر (^٢).\n\n<span id=\"aya-1756\"></span><span data-type='title' id=toc-4722>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: واذكر يا محمد إذ قال موسى بن عمران\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (١٦٨ - منتخب) عن الحمانى به، وأخرجه أحمد ٥/ ١٢٢ (٢١١٦٦ - ميمنية) وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٤/ ٣٦٨ - وأبو الفضل الزهري في حديثه (١٠٦) والبيهقى في الشعب (٨/ ٤٤) من طرق عن محمد بن أبان به، وأخرجه النَّسَائِي في الكبرى (١١٢٦٠) من طرق عن أبي إسحاق به، وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ١٢٢ (٢١١٦٧) من طريق محمد بن أبان به موقوفًا. قال ابن كثير: وهو أشبه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٠ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":598},{"text":"لقومه من بني إسرائيل ﴿اذْكُرُوا﴾ [أيُّها القومُ] (^١) ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، التي أنعَم بها عليكم؛ ﴿إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، يقولُ: حين أنجاكم من أهل دينِ فرعونَ وطاعتِه، ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾. أي (^٢) يُذيقونكم شديد العذابِ، ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [مع إذاقتهم إيَّاكم شديدَ العذاب يذبِّحون (^٣) أبناءَكم] (^٤). وأدخلت الواو في هذا الموضع لأنَّه أريد بقوله: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾: الخبرُ عن أنَّ آلَ فرعون كانوا يُعَذِّبون بني إسرائيل بأنواعٍ من العذاب غير التذبيح، وبالتذبيحِ. وأما في موضع آخر من القرآن، فإنه جاء بغير الواو: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] في موضعٍ، وفى موضعٍ: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٤١]. ولم تدخلِ الواوُ في المواضع التي لم تَدْخلْ فيها؛ لأنَّه أريد بقوله: ﴿يُذبِّحُونَ﴾ وبقوله: ﴿ويُقَتِّلُونَ﴾ تبيينه صفاتِ العذابِ الذي كانوا يسُومونهم، وكذلك العمل في كل جملةٍ أُريد تفصيلها، فبغير الواوِ تفصيلها، وإذا أُريدَ العطفُ عليها بغيرها وغير تفصيلها فبالواو (^٥).\nحدثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبيرِ، عن ابن عيينة في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. أيادىَ اللَّهِ عندكم وأيامه (^٦).\nوقوله: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾. يقولُ: ويبقون نساءكم، فيَتْرُكون\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) سقط من: النسخ، وأثبتناها لأن السياق يقتضيها.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) في م: \"فالواو\".\n(^٦) تقدم تخريجه في ٨/ ٢٧٨.","vol":"13","page":599},{"text":"قتلَهنّ، وذلك استحياؤهم كان إياهنَّ. وقد بيّنا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (^١)، ومعناه: ويَتْرُكونهم والحياةَ (^٢). ومنه الخبر الذي روى عن رسولِ الله ﷺ، أنه قال: \"اقْتُلُوا شيوخَ المشركين، واسْتَحْيُوا شَرْخَهم (^٣) \" (^٤) بمعنى: اسْتَبْقوهم فلا تَقْتُلوهم.\n﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. يقول تعالى: وفيما يَصْنَعُ بكم آل فرعونَ من أنواع العذابِ بلاء لكم من ربِّكم ﴿عَظِيمٌ﴾ يقول (^٥): أي ابتلاءٌ واختبارٌ لكم من ربِّكم عظيمٌ. وقد يكون البلاء في هذا الموضعِ نعماء [ويكونُ من البلاء الذي يصيب الناسَ من الشدائد] (^٦).\n\n<span id=\"aya-1757\"></span><span data-type='title' id=toc-4723>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾.</span>\nيقولُ جلّ ثناؤه: واذكروا أيضًا حين اذنكم ربُّكم. و\"تأذَّن\" تفعّل من \"آذن\"، والعربُ ربما وضَعت تفعَّل موضع أفعل، كما قالوا: أَوْعَدتُه، وتَوَعَّدتُه. بمعنًى واحدٍ، وآذن: أعلَم، كما قال الحارثُ بن حِلِّزةَ (^٧):\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ٦٥٠.\n(^٢) بعده في م: \"هي الترك\" تفسيرا للحياة.\n(^٣) الشرح: الصغار الذين لم يدركوا، وقيل: أراد بهم الشباب أهل الجلد الذين ينتفع بهم في الخدمة. النهاية ٢/ ٤٥٧.\n(^٤) أخرجه أحمد ٥/ ١٢، ٢٠ (ميمنية)، وأبو داود (٢٦٧٠)، والترمذى (١٥٨٣) من حديث سمرة بن جندب.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) في م: \"وقد يكون معناه من البلاء الذي قد يصيب الناس في الشدائد وغيرها\".\n(^٧) شرح القصائد السبع ص ٤٣٣.","vol":"13","page":600},{"text":"آذَنَتْنا ببَيْنِها أسماءُ … رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ منه الثَّواءُ\nيعنى بقوله: آذَنَتنا، أعلَمتنا.\nوذكر عن ابن مسعودٍ ﵁، أنه كان يقرَأُ ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكُمْ) (^١).\nحدثني بذلك الحارثُ، قال: ثنى عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش عنه.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾. قال: وإذ قال ربُّكم، ذلك التَّأذُّنُ.\nوقوله: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾. يقولُ: لئن شكَرتم ربَّكم بطاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم. ﴿لأَزِيدَنَّكُمْ﴾: في أياديه عندَكم، ونعمه عليكم، على ما قد أعطاكم مِن النجاةِ مِن آلِ فرعونَ، والخلاص من عذابهم (^٢).\nوقيل في ذلك قولٌ غيرُه، وهو ما حدثنا الحسنُ بن محمدٍ، قال: ثنا الحسين بن الحسن، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: سمعتُ عليَّ بنَ صالح، يقولُ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾. قال: أي من طاعتى (^٣).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا ابن المباركِ، قال: سمعت عليَّ ابن صالح. فذكر نحوه.\nحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان: ﴿لَئِن\n_________\n(^١) وهى قراءة شاذة ينظر البحر المحيط ٥/ ٤٠٧.\n(^٢) في ت ١، ت: \"أعدائهم\".\n(^٣) أخرجه البيهقي في الشعب (٤٥٣٠) من طريق ابن المبارك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧١ إلى ابن المبارك وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":601},{"text":"شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾. قال: مِن طاعتى (^١).\nحدثني الحارثُ، قال: ثنا عبد العزيزِ، قال: ثنا مالك بنُ مِغْوَلٍ، عن أَبانِ بن أبي عياشٍ، عن الحسن في قوله: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾. قال: مِن طاعتي (^٢).\nولا وجه لهذا القولِ يُفْهَمُ؛ لأنَّه لم يَجْر للطاعةِ في هذا الموضعِ ذكرٌ فيقالَ: إن شكَرتمونى عليها زدتكم منها. وإنما جرَى ذكرُ الخبر عن إنعام الله على قومِ موسى بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. ثم أخبرَهم أن الله أعلَمهم إن شكَروه على هذه النعمة زادهم. فالواجب في المفهوم أن يكون معنى الكلامِ: زادَهم من نعمِه. لا مما لم يَجْرِ له ذكرٌ من الطاعةِ، إلا أن يكونَ أُريد به: لئن شكَرتم فأطَعْتمونى بالشكرِ، لأزيدنَّكم من أسباب الشكرِ ما يُعينُكم عليه. فيكونَ ذلك وجهًا.\nوقوله: ﴿وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. يقولُ: ولئن كفرتم أيها القومُ نعمةَ الله فجحَدتموها بترك شكره عليها، وخلافِه في أمره ونهيِه، وركوبكم معاصيَه ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾، أعذِّبُكم كما أُعذِّبُ مَن كَفَر بي مِن خلقى.\nوكان بعضُ البصريين يقولُ في معنى قوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾: وتأذَّن ربُّكم. ويقولُ: \"إذ\" من حروفِ الزوائدِ، وقد دلَّلنا على فسادِ ذلك فيما مضى قبل (^٣).\n\n<span id=\"aya-1758\"></span><span data-type='title' id=toc-4724>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧١ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١ إلى المصنف.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٦٧ وما بعدها.","vol":"13","page":602},{"text":"فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.\nيقول تعالى ذكره: ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لقومه ﴿إِن تَكْفُرُوا﴾ أيُّها القوم، فتجحَدوا نعمة الله التي أنعمها عليكم ﴿أَنتُمْ﴾، ويَفْعَلُ في ذلك مثل فعلِكم ﴿مَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ عنكم وعنهم مِن جميعِ خلقِه، لا حاجةَ به إلى شكرِكم إياه على نعمه عند جميعكم ﴿حَمِيدٌ﴾ ذو حَمْدِ إلى خلقه بما أنعَم به عليهم.\nكما حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سيفٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوب، عن عليٍّ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾. قال: غنيٌّ عن خلقه. ﴿حَمِيدٌ﴾. قال: مُسْتَحْمِدٌ إليهم.\n\n<span id=\"aya-1759\"></span><span data-type='title' id=toc-4725>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره مخبرًا عن قيلِ موسى لقومِه: يا قومِ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. يقولُ: خبرُ الذين من قبلكم من الأممِ التي مضَت قبلكم، ﴿قَومِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾. و\"قومِ نوحٍ (^١) \"، فبُيِّن بهم عن \"الذين\"، و\"عادٍ\" معطوفٌ بها على \"قومِ نوحٍ\"، ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. يعنى: مِن بعدِ قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ، ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾. يقولُ: لا يُحصى عددَهم، ولا يَعْلَمُ مبلغهم إلا الله.\n_________\n(^١) في النسخ: \"عاد\".","vol":"13","page":603},{"text":"كما حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاقَ، عن عمرو بن ميمونٍ: ﴿وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم لَا يَعْلَمُهُم إِلَّا اللَّهُ﴾. قال: كذَب النسَّابون (^١).\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعودٍ بمثل ذلك.\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاقَ، عن عمرو بن ميمون، قال: ثنا ابن مسعودٍ أنه كان يَقْرَؤُها: (وعادًا وَثَمُودَ وَالَّذِين منْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ). ثم يقولُ: كذَب النسابون (^٢).\nحدثني ابن المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عيسى بن جعفر، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبدِ اللَّهِ مثله.\nوقوله: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيَّنَاتِ﴾. يقولُ: جاءت هؤلاء الأمم رسلهم الذين أرسلهم الله إليهم، بدعائهم إلى إخلاص العبادة له، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾. [يقولُ: بحُجَجٍ ودَلالاتٍ، على حقيقةِ ما دعَوهم إليه، معجزاتٍ] (^٣).\nوقوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فعضُّوا على أصابعهم، تغيُّظًا عليهم في دعائهم إياهم إلى ما دعَوهم إليه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧١، ٧٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م: \"يعنى بالحجج الواضحات، والدلالات الظاهرات على حقيقة ما دعوهم إليه من معجزات\".","vol":"13","page":604},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4726>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنَّى، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوص، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: عضُّوا عليها تَغَيُّظًا.\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبد الله في قوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: غيظًا، هكذا. وعضَّ يدَه (^١).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: عَضُّوها (^٢).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن رجاءٍ البصريُّ، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوص، عن عبدِ اللهِ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: عَضُّوا على أصابعهم (^٣).\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاق، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: عَضُّوا على أطراف أصابعهم.\nحدثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن أبي\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤١، ومن طريقه الحاكم ٢/ ٣٥١ وأخرجه الطبراني في الكبير (٩١١٩) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٢ إلى الفريابي وأبي عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٩١١٨) من طريق أبي نعيم به\n(^٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٥٠ من طريق إسرائيل به.","vol":"13","page":605},{"text":"إسحاق، عن هبيرة، عن هبيرة، عن عبدِ اللَّهِ، أنه قال في هذه الآية: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: أن يَجْعَلَ إصبعه في فيه.\nحدثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا أبو قَطَنٍ، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن هبيرةَ، عن عبدِ الله في قول الله جلّ وعزّ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. ووضع شعبة أطراف أنامله اليسرى على فيه.\nحدثنا الحسن، قال: ثنا يحيى بن عبَّادٍ، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرنا أبو إسحاق، عن هبيرة، قال: قال عبد اللهِ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: هكذا. وأدخل أصابعه في فيه.\nحدثنا الحسن، قال: وحدثناه عفان، قال: ثنا شعبة، قال أبو إسحاق: أنبأنا عن هبيرةَ، عن عبدِ اللهِ أنه قال في هذه الآية: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال أبو عليٍّ: وأرانا عفان، وأدخل أطراف أصابع كفِّه مبسوطةً في فيه، وذكر أن شعبةَ أراه كذلك.\nحدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوص، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: عَضُّوا على أناملهم. وقال سفيانُ: عَضُّوا غيظًا (^١).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. فقرأ: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] قال: هذا (^٢): ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال:\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٤/ ٤٠١.\n(^٢) في م: \"ومعنى\".","vol":"13","page":606},{"text":"أدخَلوا أصابعَهم في أفواهِهم. وقال: إذا اغتاظَ الإنسانُ عضَّ يدَه (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم لما سمعوا كتابَ اللَّهِ عجبوا منه، ووضَعوا أيديهم على أفواههم.\n\n<span data-type='title' id=toc-4727>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: لما سمعوا كتاب الله عجبوا، ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم كذبوهم بأفواههم.\n\n<span data-type='title' id=toc-4728>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، ح وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللَّهِ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: ردُّوا عليهم قولهم وكذَّبوهم (^٣).\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد مثله.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤١٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٢ إلى أبي عبيد وابن المنذر.","vol":"13","page":607},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيَّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. يقولُ: قومُهم كذَّبوا رُسُلَهم، وردُّوا عليهم ما جاءوا به من البينات، وردُّوا عليهم بأفواههم، وقالوا: ﴿إِنَّا لَفِي شَكّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ في قوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: ردُّوا على الرسل ما جاءت به (^١).\nوكأن مجاهدا وجَّه قولَه: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. إلى معنى: ردُّوا أياديَ الله التي لو قبلوها كانت أيادى ونعمًا له عندهم، فلم يقبلوها. ووجَّه قولَه: ﴿فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ إلى معنى: بأفواههم، يعني: بألسنتهم التي في أفواههم. وقد ذُكِر عن بعض العرب سماعا: أدخلك الله بالجنة. يَعْنون: في الجنة. ويُنْشَدُ هذا البيتُ (^٢):\nوأَرْغَبُ فيها عن لَقِيطٍ ورَهْطِه … ولكننى عن سِنْبِسٍ لستُ أرْغَبُ (^٣)\nيريدُ: وأرغب فيها، يعنى [بابنةٍ له] (^٣)، عن لقيطٍ، ولا أَرْغَبُ بها عن قبيلتي.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم كانوا يَضَعون أيديهم على أفواه الرسل، ردا عليهم قولهم وتكذيبًا لهم.\nوقال آخرون: هذا مَثَلٌ، وإنما أُريد أنهم كفُّوا عما أُمروا بقبوله من الحقِّ، ولم يؤمنوا به ولم يسلموا، وقال: يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب فلم يُجِبْ: ردَّ يده\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤١ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) البيت في معاني القرآن ٢/ ٧٠، ٢٢٣، واللسان (ذ ر أ).\n(^٣) في م: \"أرغب بها\".","vol":"13","page":608},{"text":"في فمه.\nوذكر بعضُهم أن العرب تقولُ: كلَّمتُ فلانًا في حاجةٍ، فرد يده في فيه. إذا سكت عنه فلم يُجِبْ، وهذا أيضًا قول لا وجه له؛ لأن الله عزَّ ذكرُه، قد أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ﴾، فقد أجابوا بالتكذيب.\nوأشبه هذه الأقوال عندى بالصواب في تأويل هذه الآية، القولُ الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود؛ أنهم ردُّوا أيديهم في أفواههم، فعضوا عليها غيظًا على الرسل، كما وصف الله ﷿ به إخوانهم من المنافقين، فقال: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]. فهذا هو الكلام المعروف، والمعنى المفهوم من ردِّ اليدِ إلى الفم.\nوقوله: ﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ﴾. يقول ﷿: وقالوا لرُسُلِهم: إنا كفَرنا بما أَرْسَلَكم به مَن أَرْسَلَكم، من الدعاء إلى تركِ عبادة الأوثان والأصنام، ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ﴾ من حقيقة ما تَدْعوننا إليه، من توحيدِ اللهِ، ﴿مُرِيبٍ﴾. يقولُ: يُرِيبنا ذلك الشك، أي يُوجِبُ لنا الرِّيبة والتهمة فيه، يقال منه: أراب الرجلُ: إذا أتى بريبةٍ، يُرِيب إرابةً.\n\n<span id=\"aya-1760\"></span><span data-type='title' id=toc-4729>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قالت رسلُ الأمم التي انتها رسلها: ﴿أَفِي اللَّهِ﴾ أنه المستحقُّ عليكم أيها الناسُ الألوهة والعبادةَ، دون جميع خلقه، ﴿شَكٌّ﴾؟","vol":"13","page":609},{"text":"وقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: خالق السماوات والأرضِ. ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مَّن ذُنُوبِكُمْ﴾. يقولُ: يَدْعُوكم إلى توحيده وطاعته، ﴿لِيَغْفِرَ لَكُم مَّن ذُنُوبِكُمْ﴾. يقولُ: فيستر عليكم بعض ذنوبكم بالعفو عنها، فلا يُعاقبكم عليها، ﴿ويُؤَخِّرَكُمْ﴾. يقول: ويُنسى في آجالكم، فلا يُعاقبكم في العاجل فيُهلككم، ولكن يؤخرُكم إلى الوقت الذي كتب في أم الكتاب أنه يَقْبِضُكم فيه. وهو الأجلُ الذي سمَّى لكم، فقالت الأممُ لهم: ﴿إِنْ أَنتُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ في الصورة والهيئةِ، ولستم ملائكةً، وإنما تُريدون بقولكم هذا الذي تقُولون لنا ﴿أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾. يقولُ: إنما تُريدون أن تَصْرِفونا بقولكم عن عبادة ما كان يعبده من الأوثانِ آباؤنا، ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: فَأْتُونا بحجةٍ على ما تقولون، تُبَيِّنُ لنا حقيقتَه وصحته، فنَعْلَمَ أنكم فيما تقولون مُحِقُّون.\n\n<span id=\"aya-1761\"></span><span data-type='title' id=toc-4730>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: [قالت الرسلُ التي أتتهم لهم] (^١): ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، صدَقتم في قولكم: ﴿إنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠]. فما: نحن إلا بشرٌ مِن بنى آدم، إنسٌ مثلُكم، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. يقولُ: ولكنّ اللَّهَ يتفَضَّلُ على من يشاءُ من خلقه، فيهدِيه ويوفِّقُه\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"قالت الأمم التي أتتهم الرسل رسلهم\"، وفى م: \"قال الأمم التي أتتهم الرسل لرسلهم\".","vol":"13","page":610},{"text":"للحقِّ، ويفضِّله على كثير من خلقه، ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ﴾. يقولُ: وما كان لنا أن نأتيكم بحجة وبرهان على ما ندعوكم إليه، ﴿إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يقولُ: إلا بأمر الله لنا بذلك، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: وبالله فلْيثِقْ به مَن آمن به وأطاعه، فإنا به نثِقُ، وعليه نتوكلُ.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد قولَه: ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. قال: السلطان المبينُ: البرهان والبيِّنةُ، وقوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: ١٥١]. قال: بينةً وبرهانًا (^١).\n\n<span id=\"aya-1762\"></span><span data-type='title' id=toc-4731>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره مخبرًا عن قيل الرسل لأممِها: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾، فنثقَ به وبكفايته ودفاعه إياكم عنا، ﴿وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾. يقولُ: وقد بصَّرنا طريق النجاة من عذابِه، فبيَّن لنا، ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ في، الله، وعلى ما نلقَى منكم من المكروه فيه، بسبب دعائنا إليكم إلى ما ندعوكم إليه، من البراءة من الأوثان والأصنام، وإخلاص العبادة له، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. يقولُ: وعلى الله فليتوكلْ من كان به واثقًا من خلقه، فأما من كان به كافرًا، فإنّ وليَّه الشيطانُ.\n\n<span id=\"aya-1763\"></span><span data-type='title' id=toc-4732>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ</span>\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ٧/ ٦١٩.","vol":"13","page":611},{"text":"الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤)﴾.\nيقولُ عزّ ذكرُه: وقال الذين كفروا باللَّهِ لرسلهم الذين أرسلوا إليهم، حين دعَوْهم إلى توحيدِ اللَّهِ، وإخلاص العبادة له، وفراق عبادة الآلهة والأوثان: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُم مَّنْ أَرْضِنَا﴾ يعنون: من بلادنا، فنطرُدَكم عنها، ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ يعنُون: إلا أن تعُودوا في ديننا الذي نحن عليه من عبادة الأصنام.\nوأُدخِلت في قوله: ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ لامٌ، وهو في معنى شرطٍ، كأنه جوابٌ لليمين، وإنما معنى الكلام: لنخرجنَّكم من أرضِنا، أو تعودون (^١) في ملتنا.\nومعنى \"أو\" هاهنا معني \"إلا\" أو معنى \"حتى\"، كما يقال في الكلام: لأضرِبنك أو تُقِرَّ لي. فمن العربِ مَن يجعَلُ ما بعد \"أو\" في مثلِ هذا الموضع عطفًا على ما قبله؛ إن كان ما قبله جزمًا جزمُوه، وإن كان نصبًا نصبوه، وإن كان فيه لامٌ جعلوا فيه لامًا؛ إذ كانت \"أو\" حرفَ نسْقٍ، ومنهم مَن ينصِبُ ما بعد \"أو\" بكلِّ حالٍ، ليُعلم بنصبه أنه عن الأوَّلِ منقطع عما قبلَه، كما قال امرؤ القيس (^٢):\nبَكَى صاحبي لما رأى الدَّرْبَ دُونَهُ … وأَيْقَنَ أَنَّا لاحقانِ بِقَيْصَرَا\nفَقُلْتُ لَه: لا تَبْكِ عَيْنُكَ إِنَّمَا … نحاوِلُ مُلْكا أو نَمُوتَ فَنُعْذَرَا\nفنصب \"نموتَ فنعذرا\"، وقد رفع \"نحاول\"؛ لأنَّه أراد معنى: إلا أن نموتَ، أو حتى نموتَ، ومنه قولُ الآخر (^٣):\nلا أَسْتَطِيعُ نُزُوعًا عَنْ مَوَدَّتِها … أو يَصْنَعَ الحَبُّ بِي غيرَ الَّذِي صَنَعا\n_________\n(^١) في م: \"تعودن\".\n(^٢) ديوانه ص ٦٥، ٦٦.\n(^٣) هو الأحوص الأنصارى، والبيت في ديوانه ص ١٥٣، وينسب أيضًا للمجنون وهو في ديوانه ص ٢٠٠.","vol":"13","page":612},{"text":"وقولُه: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكُنَّ الظَّالِمِينَ﴾. الذين ظلموا أنفسهم، فأوجبوا لها عقابَ الله يكفرهم، وقد يجوز أن يكون قيل لهم: الظالمون. لعبادتهم مَنْ لا تجوز عبادته من الأوثان والآلهةِ، فيكون بوضعهم العبادة في غير موضعها، إذ كان ظلمًا، سُمُّوا بذلك (^١).\n\n<span id=\"aya-1764\"></span>وقوله: ﴿وَلَنَسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. هذا وعدٌ مِن اللَّهِ مَن وَعَد من أنبيائِه النصرَ على الكفرة به من قومِه. يقولُ: لما تمادت أُمم الرسل في الكفرِ، وتوعَّدوا رسلَهم بالوقوعِ بهم، أوحى الله إليهم بإهلاكِ مَن كفَر بهم من أممهم، ووعدهم النصر، وكلُّ ذلك كان من الله وعيدًا وتهديدًا لمشركي قوم نبيِّنا محمد ﷺ، على كفرهم به، وجراءتهم على نبيِّه، وتثبيتًا لمحمد ﷺ، وأمرًا له بالصبر على ما لَقِى من المكروه فيه، من مشركي قومه، كما صبَر مَن كان قبله من أولى العزم من رسله، ومعرَّفَهُ أن عاقبةَ أمرِ مَن كفر به الهلاكُ، وعاقبته النصرُ عليهم؛ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٦٢].\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَنَسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِم﴾. قال: وعدَهم النصرَ في الدنيا، والجنة في الآخرة (^٢).\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾. يقول جل ثناؤه: هكذا فعلى بمَن (^٣) خاف مَقَامَهُ بين يديَّ، وخاف وعيدى، فاتَّقانى بطاعتِه، وتجنَّب سُخْطِي، أنصُرُه على من أراد به سوءًا، وبغاه مكروها من أعدائى، أُهلِك عدوه وأخزيه، وأورثه أرضه ودياره. وقال: ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾. ومعناه ما\n_________\n(^١) بعده في م: \"ظالمين\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م: \"لمن \".","vol":"13","page":613},{"text":"قلتُ، من أنه: لمن خاف مقامه بين يدى، بحيث أُقيمه هنالك للحساب. كما قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]. معناه: وتجعلون رزقي إيَّاكم أنكم تكذبون. وذلك أن العرب تُضِيفُ أفعالَها إلى أنفسها، وإلى ما أوقعت عليه، فتقولُ: قد سُرِرتُ برؤيتك، وبرؤيتي إيَّاك. فكذلك ذلك.\n\n<span id=\"aya-1765\"></span><span data-type='title' id=toc-4734>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: واستفتَحت الرسلُ على قومها. أي استنصرت الله عليها، ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾. يقولُ: هَلَك كل متكبر جائرٍ عن الإقرار بتوحيدِ اللهِ، وإخلاص العبادة له. والعنيد والعاندُ والعَنُودُ، بمعنى واحد، ومن الجبار تقولُ: هو جبارٌ بَيْنُ الجَبَريَّةِ والجَبْريَّةِ (^١) والجَبَرُوَّةِ [والجَبْرُوَّةِ] (^٢) والجَبَرُوتِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4733>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾. قال: الرسل كلُّها. يقول: استنصروا. ﴿عَنِيدٍ﴾. قال: معاند للحقِّ، مجانِبِه] (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) رسمت في ص، ت ١، ت ٢، ف هكذا: \"حبرسه\" غير منقوطة، وفى م: \"الجبروتية\". وقد عدَّله صاحب التاج ثمانية عشر مصدرا. التاج (ج ب ر).\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٣) في م: \"على أعدائهم ومعانديهم، أي على من عاند عن اتباع الحق وتجنبه\". وينظر مصدرى التخريج.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤١٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":614},{"text":"حدَّثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ح وحدثني الحارث، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾. قال: الرسلُ كلُّها استنصروا، ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنيدٍ﴾. قال: معاند للحقِّ مجانبِه.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله. وقال ابن جريج: استفتحوا على قومهم (٥).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾، قال: كانت الرسل والمؤمنون يستضعفهم قومهم، ويَقْهَرونهم ويكذبونهم ويدْعُونهم إلى أن يعودوا في ملَّتِهم، فأبى الله ﷿ لرسله وللمؤمنين أن يعودوا في ملَّةِ الكفر، وأمرَهم أن يتوكَّلوا على الله، وأمرهم أن يستفتحوا على الجبابرة، ووعدهم أن يُسْكنهم الأرضَ من بعدهم، فأنجَز الله لهم ما وعدهم، ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ كما أمرهم الله أن يستفتحوا، ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (^١).\nحدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا أبو عوانةَ، عن المغيرة، عن إبراهيم في قوله: ﴿عَنِيدٍ﴾. قال: هو الناكبُ عن الحقِّ (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا مطرفٌ، عن (^٣) بشرٍ، عن هشيمٍ،\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٦/ ٢٨٢.\n(^٢) بعده في م: \"أي الحائد عن اتباع طريق الحق\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٣ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، ف: \"بن\".","vol":"13","page":615},{"text":"عن مغيرةَ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال: الناكبُ عن الحقِّ.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾. يقول: استنصرت الرسلُ على قومها. قوله: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: والجبارُ العنيد: الذي أتى أن يقول: لا إله إلا الله.\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾. قال: استنصرت الرسل على قومها. ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾. يقولُ: عنيد (^١) عن الحقِّ، مُعرِض عنه.\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة مثلَه، وزاد فيه: معرض عنه، أبَى أن يقولَ: لا إلهَ إلا الله (^٢).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال: العنيد عن الحقِّ، الذي يعيد عن الطريقِ. قال: والعربُ تقولُ: شرُّ الإبل (^٣) العنيدُ، الذي يخرجُ عن الطريقِ.\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: [﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال: الجبارُ هو المتجبِّرُ (^٤).\nوكان ابن زيد يقولُ في معنى قوله: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ خلافَ قول هؤلاء،\n_________\n(^١) في م: \"بعيد\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: الأهل وينظر تفسير القرطبي ٩/ ٣٥٠.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"13","page":616},{"text":"ويقولُ: إنما استفتحت الأممُ فأجيبت.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾. قال: استفتاحُهم بالبلاء، قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا﴾ الذي أتى به محمدٌ ﴿هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مَّنَ السَّمَاءِ﴾ كما أمطرتَها على قوم لوطٍ، ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. قال: كان استفتاحهم بالبلاء، كما استفتح قومُ هودٍ: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠]. قال: فالاستفتاحُ: العذاب. قال: قيل لهم: إن لهذا أجلًا. حين سألوا اللَّهَ أَن يُنزِلَ عليهم، فقال: بل نؤخرهم [إلى يوم القيامة] (^١). فقالوا: لا نريد أن نؤخَّرَ إلى يوم القيامةِ؛ ﴿رَبَّنا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ عذابنا ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦]. وقرأ: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمَّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ حتى بلغ ﴿وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (^٢) [العنكبوت: ٥٣ - ٥٥].\n\n<span id=\"aya-1766\"></span><span data-type='title' id=toc-4735>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾.</span>\nيقولُ عزّ ذكره: ﴿من وَرَائِهِ﴾ من أمامِ كلِّ جبارٍ ﴿جَهَنَّمُ﴾ يَرِدُونها. و\"وراء\" في هذا الموضع، بمعنى \"أمام\"، كما يقال: إن الموتَ من ورائك: أي قُدَّامَك، وكما قال الشاعرُ (^٣):\n_________\n(^١) في م: \"ليوم تشخص فيه الأبصار\".\n(^٢) ينظر التبيان ٦/ ٢٨٢، وتفسير ابن كثير ٤/ ٤٠٣.\n(^٣) هو جرير، والبيت في ديوانه ص ٤٢٩.","vol":"13","page":617},{"text":"أتُوعِدُنِي وَرَاءَ بَنِي رِياحٍ … كَذَبْتَ لَتَقْصُرَنَّ يَداكَ (^١) دُونِي\nيعني: وراء بنى رياحٍ: قدام بنى رياحٍ وأمامَهم.\nوكان بعضُ نحويِّى أهل البصرة يقولُ: إنما: ﴿من وَرَائِهِ﴾. بمعنى: مِن أمامِه؛ لأنَّه وراء ما هو فيه، كما يقول لك: وكلُّ هذا من ورائك. أي: سيأتي عليك، وهو من وراءِ ما أنت فيه؛ لأن ما أنت فيه قد كان قبل ذلك، وهو من ورائه. وقال: ﴿وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ الكهف: ٧٩]. من هذا المعنى، أي: كان وراء ما هم فيه، أمامهم.\nوكان بعضُ نحويِّى أهل الكوفة يقولُ: أكثر ما يجوز هذا، في الأوقاتِ؛ لأن الوقت يمرُّ عليك، فيصيرُ خلفَك إذا جُزْتَه، وكذلك ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ لأنهم يجوزُونه، فيصيرُ وراءهم.\nوكان بعضُهم يقولُ: هو من حروف الأضداد، يعنى \"وراء\" يكون قداما وخلفًا.\nوقوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾. يقولُ: ويُسقى من ماءٍ. ثم بين ذلك الماءَ جلّ ثناؤه، وما هو، فقال: هو صديدٌ. ولذلك ردَّ الصديد في إعرابه على الماء؛ لأنَّه بيان عنه، والصديدُ: هو القَيْحُ والدَّمُ. وكذلك تأوّلَه أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4736>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، ح وحدَّثنا الحسنُ بنُ محمد، قال:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بذاك\".","vol":"13","page":618},{"text":"شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ﴾. قال: قيحٌ ودمٌ (^١).\nحدثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد مثله.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ﴾. والصديدُ: ما يسيلُ من (^٢) لحمِه وجلدِه (^٣).\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ﴾. قال: ما يسيلُ من بين لحمِه وجلده (^٤).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشام، عمن ذكره، عن الضحاك: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ﴾. قال: يعنى بالصديد ما يخرج من جوف الكافرِ، قد خالط القيح والدم.\n\n<span id=\"aya-1767\"></span>وقوله: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾: يتحسَّاه، ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾. يقولُ: ولا يكادُ يزدَرِدُه من شدَّةِ كراهيه، وهو مُسِيغُه (^٥).\nوالعرب تجعل \"لا يكاد\" فيما قد فُعِل، وفيما لم يُفْعَل. فأما ما قد فعل، فمنه\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤١٠، ومن طريقه البيهقي في البعث والنشور (٦٠٧).\n(^٢) بعده في م: \"دمه و\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (٨٧) من طريق سعيد به.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) في م: \"يسيغه من شدة العطش\".","vol":"13","page":619},{"text":"هذا؛ لأن الله جلّ ثناؤه جعَل لهم ذلك شرابًا؛ وأمّا ما لم يُفعلْ، وقد دخلت فيه \"كاد\"، فقولُه: ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]. فهو لا يراها.\nوبنحو ما قلنا من أن معنى قوله: ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾: وهو يسيغه - جاء الخبرُ عن رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4737>ذكرُ الرواية بذلك</span>\nحدثني محمد بن المُثَنَّى، قال: ثنا إبراهيم أبو إسحاق الطالَقانيُّ، قال: ثنا ابن المبارك، عن صفوانَ بن عمرو، عن عبيدِ اللَّهِ بن بُسرٍ (^١)، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِن مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾: \"فَإِذا شَرِبَهُ قَطَّعَ له أمْعَاءَهُ، حتى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِه، يقولُ الله ﷿: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾: [محمد: ١٥]، ويقولُ: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ \" (^٢) [الكهف: ٢٩].\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا معمر، عن ابن المبارك، قال: ثنا صفوان بن عمرو، عن عبيدِ اللهِ بن بُسْرٍ، عن أبي أمامةَ، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِن مَاءٍ صَدِيدٍ﴾. فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾.\nحدثني محمد بن خلفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الحِمْصِيُّ، قال:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بشر\"، وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ١٣.\n(^٢) الزهد لابن المبارك (٣١٤ - زوائد نعيم)، ومن طريقه أحمد ٥/ ٢٦٥ (٢٢٣٣٩ - ميمنية)، وفي الزهد ص ٢٠، والترمذى (٢٥٨٣)، والنسائى في الكبرى (١١٢٦٣)، وابن أبي الدنيا في صفة النار (٧٣)، والطبراني في الكبير (٧٤٦٠)، والحاكم ٢/ ٣٥١، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ١٨٢، والبيهقي في البعث (٦٠٢)، والبغوى في تفسيره ٤/ ٣٤٢ وفي شرح السنة (٤٤٠٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٣ إلى أبي يعلى وابن المنذر وابن مردويه.","vol":"13","page":620},{"text":"ثنا بقيةُ، عن صفوان بن عمرو، قال: ثنى عبيدُ الله بن بسرٍ، عن أبي أمامةَ، عن النبيِّ ﷺ مثله سواءً (^١).\nوقوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيَّتٍ﴾. فإنه يقولُ: ويأتيه الموتُ من بين يديه، ومن خلفِه، وعن يمينه وشماله، ومن كل موضع من أعضاء جسده، ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾؛ لأنَّه لا تخرج نفسه فيموت فيستريح، ولا يحيا؛ لتعلُّق نفسه بالحناجر، فلا ترجع إلى مكانها.\nكما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾. قال: تَعْلَقُ نفسُه عند حنجرته، فلا تخرج من فيه فيموتَ، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه، فيجد لذلك راحةً، فتنفعه الحياة (^٢).\nحدثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: ثنا العوّامُ بنُ حوشبٍ، عن إبراهيم التيمى قولَه: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾. قال: مِن تحتِ كلِّ شعرة في جسده (^٣).\nوقوله: ﴿وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾. يقولُ: ومن وراء ما هو فيه من العذاب - يعنى: أمامه وقدَّامَه - عذابٌ غليظٌ.\n\n<span id=\"aya-1768\"></span><span data-type='title' id=toc-4738>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبَّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٤/ ٤٠٥ - من طريق بقية به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٤ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٤٣٢، والبيهقى في البعث والنشور (٦١١) من طريق يزيد بن هارون به، وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (١٢٦) وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٢١٢ من طريق العوام بن حوشب به.","vol":"13","page":621},{"text":"اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾.\nاختلف أهل العربية في رافع ﴿مَثَلُ﴾؛ فقال بعض نحويِّى البصرة: إنما هو كأنه قال: ومما نقُصُّ عليكم مثلُ الذين كفروا. ثم أقبل (^١) يفسَّرُ، كما قال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥]، وهذا كثيرٌ.\nوقال بعض نحويِّي الكوفيين: إنما المثلُ للأعمال، ولكن العرب تقدِّمُ الأسماء؛ لأنها أَعْرَفُ، ثم تأتى بالخبرِ الذي تخبرُ عنه مع صاحبه، ومعنى الكلام: مثلُ أعمال الذين كفروا بربهم كرمادٍ، كما قيل: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]. ومعنى الكلام: ويوم القيامة ترى وجوة الذين كذبوا على الله مسودةً. قال: ولو خفض \"الأعمال\" [جاز، كما قال: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧]. وقوله] (^٢): ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَار﴾ [الرعد: ٣٥]. قال: فـ \"تجرى\" هو في موضع الخبرِ، كأنه قال: أن تجرى، وأن يكون كذا وكذا. فلو أَدْخل \"أن\" جاز. قال: ومنه قول الشاعر (^٣):\nذَرِينى إن أمرَكِ لن يُطَاعَا … وما أَلْفَيْتِنِي حِلْمِي مُضَاعًا\nقال: فالحلمُ منصوبٌ بـ \"ألفيتِ\" على التكرير. قال: ولو رفعه كان صوابا. قال: وهذا مثَلٌ ضرَبه الله لأعمال الكفارِ، فقال: مثلُ أعمال الذين كفروا يومَ القيامةِ، التي كانوا يعملونها في الدنيا، يزعمون أنهم يريدون الله بها، مثل رمادٍ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"قيل\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) هو عدي بن زيد العبادي، والبيت في معاني القرآن ٧٣٢، وخزانة الأدب ٥/ ١٩١.","vol":"13","page":622},{"text":"عصَفت الريحُ عليه في يوم ريح عاصف فنسفته، وذهبت به، فكذلك أعمالُ أهلِ\nالكفرِ به يومَ القيامة، لا يجدون منها شيئًا ينفَعُهم عندَ اللهِ، فينجيهم من عذابه؛\nلأنهم لم يكونوا يعملونها لله خالصًا، بل كانوا يشركون فيها الأوثان والأصنامَ.\nيقولُ اللهُ ﷿: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾. يعنى: أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا، التي يشركون فيها مع الله شركاء، هي أعمالٌ عُمِلت على غيرِ هُدًى واستقامة، بل على جَوْرٍ عن الهدى بعيد، وأخذ على غير استقامة شديد.\nوقيل: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾. فوصف بالعُصوف اليوم (^١)، وهو من صفةِ الريحِ؛ لأن الريح تكون فيه، كما يقال: يومٌ باردٌ، ويوم حارٌّ. لأن البرد والحرارةَ يكونان فيه، وكما قال الشاعرُ (^٢):\n* يَومَينِ غَيْمَينِ ويومًا شَمْسَا *\nفوصَف اليومين بالغيمين، وإنما يكونُ الغَيْمُ فيهما.\nوقد يجوز أن يكونَ أُريد به في يوم عاصف الريح، فحذفت الريح؛ لأنها قد ذُكرت قبل ذلك، فيكون ذلك نظيرَ قول الشاعرِ (^٣):\n* إذا جاء يوم مُظْلِمُ الشمس كاسفُ *\nيريدُ: كاسفُ الشمسِ.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) البيت في معاني القرآن ٢/ ٧٣، وخزانة الأدب ٥/ ٩٢.\n(^٣) هو مسكين الدارمي ديوانه ص ٥٣، وهذا عجز بيت صدره:\n* وتضحك عرفان الدروع جلودنا *","vol":"13","page":623},{"text":"و(^١) قيل: هو من نعتِ الريح خاصةً، غير أنه لما جاء بعد اليوم أُتْبع إعرابَه، وذلك أن العرب تُتْبِعُ الخفض الخفضَ في النعوتِ، كما قال الشاعر (^٢):\nتُرِيكَ سُنَّةَ وَجْهٍ غيرِ مُقْرِفَةٍ … ملساءَ ليس بها خَالٌ ولا نَدَبُ\nفخفَض \"غير\" إتباعًا لإعراب الوجه، وإنما هي من نعتِ السُّنَّةِ، والمعنى: سُنَّةَ وجهٍ غيرَ مُقْرِفَةٍ. وكما قالوا: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ.\n[وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4739>ذكرُ مَن قال ذلك]</span> (^٣)\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج في ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾. قال: حملته الريحُ في يوم عاصف (^٤).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾. يقولُ: الذين كفروا بربِّهم، وعبدوا غيره، فأعمالهم يومَ القيامة كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، لا يقدرون على شيءٍ من أعمالهم ينفَعُهم، كما لا يُقْدَرُ على الرمادِ إِذا أُرسل (^٥) في\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لو\".\n(^٢) هو ذو الرمة، والبيت في ديوانه ١/ ٢٩.\nوالسُّنَّة: الصورة، وقوله: غير مقرفة أي: ليست بهجينة، هي عتيقة كريمة، والنَّدَب: آثار الجراح. من شرح أبي نصر الباهلي للديوان ص ٢٩، ٣٠.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) بعده في م: \"عليه الريح\".","vol":"13","page":624},{"text":"يوم عاصفٍ. [وقولُه: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾. أي: الخطأُ البيِّنُ، البعيدُ عن طريق الحقِّ] (^١).\n\n<span id=\"aya-1769\"></span><span data-type='title' id=toc-4740>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾.</span>\nيقول عز ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: ألم تَرَ يا محمدُ بعين قلبك، فتعلم أن الله أنشأ السماوات والأرض بالحقِّ، منفردًا بإنشائها، بغيرِ ظَهِيرٍ ولا معينٍ. ﴿إن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. يقولُ: إن الذي تفرَّد بخلق ذلك وإنشائه، من غير معين ولا شريك، إن هو شاء أن يُذهبكم فيفنيكم، أذهَبكم وأفناكم ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ﴾ آخر سواكم مكانكم، فيجدِّدُ خلقهم،\n\n<span id=\"aya-1770\"></span>﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. يقولُ: وما إذهابُكم وإفناؤكم وإنشاء خلقٍ آخر سواكم مكانكم، على اللَّهِ بممتنِعٍ ولا متعذِّرٍ؛ لأنَّه القادر على ما يشاء.\nواختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله خَلَقَ﴾. فقرأ ذلك عامَّةُ قَرأةِ أهل المدينة والبصرة وبعضُ الكوفيين: ﴿خَلَقَ﴾ على \"فعَل\".\nوقرأته عامَّةُ قرأة أهل الكوفة: (خالق)، على \"فاعِل\"، وهما قراءتان مستفيضتان، قد قرأ بكلِّ واحدة منهما أئمةٌ من القرّاء، متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قَرَأ القارئُ فمصيبٌ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1771\"></span><span data-type='title' id=toc-4741>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: ﴿خلق﴾ على \"فعل\"، وقرأ حمزة والكسائي: (خالق) على \"فاعل\". السبعة ص ٣٦٢ والتيسير ص ١٠٩، وحجة القراءات ص ٣٧٧.","vol":"13","page":625},{"text":"إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾.\nيَعْنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾: وظهر هؤلاء الذين كفروا به - يوم القيامة - من قبورهم، فصاروا بالبَرَازِ مِن الأَرضِ، ﴿جَمِيعًا﴾. يَعْنى: كلَّهم، ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾. يقولُ: فقال التُّبَّاعُ (^١) منهم للمَتبوعين، وهم الذين كانوا يَسْتَكْبِرون في الدنيا عن إخلاص العبادة لله، واتِّباعِ الرسل الذين أُرسلوا إليهم: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ في الدنيا.\nوالتَّبَعُ جمعُ تابعٍ. كما الغَيب جمعُ غائبٍ، وإنما عَنَوا بقولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾. أنهم كانوا أتباعَهم في الدنيا، يَأْتَمِرُونَ لِمَا يَأْمُرُونهم به؛ مِن عبادة الأوثانِ، والكفرِ بالله، وينتَهُون عما نَهَوْهم عنه؛ مِن اتِّبَاعِ رسلِ اللَّهِ. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. يَعْنُون: فهل أنتم دافعون عنا اليوم من عذابِ الله من شيءٍ؟ وكان ابن جريجٍ يقولُ نحو ذلك.\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ﴾. قال: الأتباعُ. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾. قال: للقادةِ (^٢).\nوقوله: ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَكُمْ﴾. يقول عز ذكره: قالت القادةُ على الكفرِ باللَّهِ لتُبَّاعِها: ﴿لَوْ هَدَننَا اللَّهُ﴾ - يَعْنُون: لو بَينَ اللَّهُ لنا شيئًا نَدْفَعُ به عذابَه عنا اليومَ - ﴿لَهَدَيْنَاكُمْ﴾، لبيَّنا ذلك لكم، حتى تدفعوا به العذاب عن أنفسكم، ولكنَّا قد جزِعْنا من العذابِ، فلم يَنْفَعْنا جَزَعُنا منه، وصَبْرُنا عليه. ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا\n_________\n(^١) في ت ٢، ف: \"أتباع\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٤ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"13","page":626},{"text":"أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾. يَعْنُون: ما لهم (^١) مِن [مَرَاغٍ يَرُوغُون] (^٢). عنه يقالُ منه: حاص عن كذا. إذا راغ (^٣) عنه. يَحِيصُ حَيْصًا وحُيُوصًا وحَيَصَانًا.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سويد بن نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن الحكمِ، عن عمر (^٤) بن أبي ليلى، أحد بني عامرٍ، قال: سمعتُ محمد بن كعبٍ القُرَظِيَّ يقولُ: بلغنى، أو ذُكِر لي، أنَّ أهل النارِ قال بعضهم لبعضٍ: يا هؤلاء، إنه قد نزل بكم من العذابِ والبلاء ما قد تَرَوْن، فهلمَّ فلنصبرُ، فلعل الصبرَ يَنْفَعُنا، كما صبر أهلُ الدنيا على طاعة الله فنفعهم الصبرُ إذ صبروا فأَجْمَعوا (^٥) رأيَهم على الصبر. قال: فتَصَبَّروا (^٦). فطال صبرهم، ثم جزعوا فنادَوْا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾، أي منجًى (^٧).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾. قال: إن أهل النار قال بعضُهم لبعضٍ: تعالَوْا، فإنما أدرك أهل الجنة الجنةَ ببكائهم وتضرعهم إلى اللهِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بهم\".\n(^٢) في م: \"مزاغ يزوغون\". والحَيص: الرَّواغ والتخلفُ. والمَحيص: المحيد والمعدل والمميل والمهرب. وراغ: مال وحاد عن الشيء. ينظر لسان العرب وتاج العروس (ح ي ص)، (ر وغ).\n(^٣) في م: \"زاغ\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"عمرو\". ترجمته في التاريخ الكبير ٦/ ١٩٠، والجرح والتعديل ٦/ ١٣١.\n(^٥) في م: \"قال فيجمعون\".\n(^٦) في ص، ت ١، ف: \"تصبروا\"، وفى م: \"فصبروا\"، وفى ت ٢: \"يصبروا\"، والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٧) في صفة النار: \"ملجأ\". والأثر أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (٢٥١) مطولًا بنحوه من طريق ابن المبارك به.","vol":"13","page":627},{"text":"فتعالَوْا (^١) نَبْكي: ونتضرَّعُ (^٢) إلى اللهِ، قال: فبَكَوا، فلمَّا رَأَوْا ذلك لا ينفعهم قالوا: تعالَوا، فإِنَّما أدرك أهل الجنة الجنةَ بالصبر، [تعالَوا نصبِرْ] (^٣)، فصبروا صبرًا لم يُرَ مثلُه، فلم ينفعهم ذلك، فعند ذلك قالوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ (^٤).\n\n<span id=\"aya-1772\"></span><span data-type='title' id=toc-4742>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وقال إبليسُ لمَّا قُضِى الأمرُ؛ يعنى لَمَّا أُدخِل أهل الجنة الجنةَ، وأهل النار النارَ، واستقر بكلِّ فريق منهم قَرارُهم: إِنَّ اللَّهَ وعَدَكم - أيُّها الأتباعُ - النار، ووعدتكم النُّصْرةَ، فأَخْلَفْتُكم وعدى، ووفَّى الله لكم بوعده. ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾. يقولُ: وما كان لي عليكم فيما وعدتكم (^٥) من النُّصرة، من حُجَّةٍ تَثْبُتُ لي عليكم بصدق قولى. ﴿إِلَّا أَن دَعَوْتُكُم﴾. وهذا هذا من الاستثناء المنقطع عن الأوّل، كما تقولُ: ما ضربته إلا أنه أحمقُ. ومعناه: ولكن دعوتُكم [﴿فَاسْتَجَبْتُم لِي﴾. يقول: إلا أن دعوتكم إلى طاعتي ومعصية الله] (^٦)، فاستجبتُم لدعائى [فَلَا تَلُومُونِي﴾ على إجابتكم إِيَّايَ.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"فقالوا\".\n(^٢) في ص، ت ٢: \"نضرع\".\n(^٣) ليس في: ت ١، والدر المنثور.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٤ إلى المصنف بنحوه.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"دعوتكم\".\n(^٦) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.","vol":"13","page":628},{"text":"﴿وَلُومُوا أَنفُسَكُم﴾ عليها. ﴿ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾. يقولُ: ما أنا بمُغِيثِكم. ﴿وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيِّ﴾، ولا أنتم بمُغِيثيَّ من عذابِ اللَّهِ فَمُنْجِيَّ منه. ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾. يقولُ: إنى جَحَدتُ أن أكون شريكًا للهِ فيما أشركتموني فيه من عبادتِكم ﴿مِن قَبْلُ﴾ في الدنيا. ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: إِنَّ الكافرين باللَّهِ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ من اللَّهِ، مُوجِعٌ.\nيقالُ: أَصْرَخْتُ الرجلَ. إذا أَغَثْتَه. إصْرَاخًا. وقد صرخ الصارحُ يَصْرُخُ، ويَصْرَخُ قليلةً، وهو الصَّرِيخُ والصُّرَاخُ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4743>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر في هذه الآية: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: خَطِيبانِ يَقُومَان يومَ القيامةِ؛ إبليس، وعيسى ابن مريم؛ فأما إبليس فيقوم في حزبه، فيقولُ هذا القول؛ وأما عيسى ﵇ فيقولُ: ﴿مَا قُلْتُ لَهَم إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾ [المائدة: ١١٧] (^١).\nحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن داود، عن الشَّعْبيِّ، قال: يقومُ خطيبان يوم القيامةِ؛ أحدهما عيسى، والآخرُ إبليس؛ فأما إبليس فيقومُ في حزبه فيقولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقَّ﴾. فتلا داود حتى بلغ: ﴿بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾. فلا أدرى أتم الآية أم لا؛ وأما عيسى ﵇ فيقال له:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٥ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"13","page":629},{"text":"﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، فتلا حتى بَلَغَ: ﴿فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٨].\nحدثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا على بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن عامر، قال: يقومُ خَطيبان يومَ القيامة على رءوسِ الناسِ، يقولُ اللهُ ﷿: يا عيسى ابن مريمَ ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٩]. قال: ويقوم إبليس فيقولُ: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مَّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ﴾ أنا بمغيثكم، وما أنتم بمُغيثِيَّ.\nحدثنا الحسين، قال: ثنا سعيد بن منصورٍ، قال: ثني خالدٌ، عن داود، عن الشعبيِّ في قوله: ﴿ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ﴾. قال: خَطيبان يقومانِ يوم القيامةِ؛ فأما إبليس فيقولُ هذا، وأما عيسى فيقولُ: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة: ١١٧].\nحدثنا المثَنى، قال: ثنا سويد بن نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن رشدين بن سعد، قال: أخبرني عبد الرحمن بن زيادٍ، عن دُخَينٍ الحَجْريِّ، عن عقبةَ بن عامرٍ، عن رسول الله ﷺ، ذكر الحديثَ، قال: \"يقولُ عيسى: ذلكُمُ النبيُّ الأُمِّيُّ. فيَأْتُونَنى، فيَأْذَنُ الله لي أن أقومَ، فيثُور (^١) مجلسى مِن أطيب ريح شمها أحدٌ، حتى أتى رَبِّي، فيُشَفْعَنى ويَجْعَلَ لي نورًا إلى نورٍ، من شعر رأسى إلى ظُفْرِ\n_________\n(^١) في م، وتفسير البغوي: \"فيثور من\"، وفى تاريخ دمشق: \"فيفور\". والمثبت موافق لسائر المصادر.","vol":"13","page":630},{"text":"قَدمي، ثم يقولُ الكافِرُ (^١): قَدْ وجَد المؤمنونَ مَن يَشْفَعُ لهم، فقُمْ أنت فاشْفَعْ لنا؛ فإنك أنت أضْلَلْتَنا. فيقومُ، [فيَتُورُ مَجْلِسَه] (^٢) أنتَنُ ريح شمها أحدٌ، ثم [يعظمُ لجَهَنَّمَ] (^٣)، ويقولُ عند ذلكَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ الآية (^٤).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجلٍ، عن الحسن في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مَّن سُلْطَانٍ﴾. قال: إذا كان يوم القيامة. قام إبليس خطيبًا على منبرٍ من نارٍ، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ﴾. قال: بناصِرِيَّ ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾. قال: بطاعتكم إِيَّايَ في الدنيا (^٥).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ عمَّن ذكره، قال: سمعت محمد بن كعبٍ القُرَظيَّ، قال في قوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾. قال: قام إبليس يخطبهم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقَّ﴾، إلى قوله: ﴿ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾. يقولُ: بمُغْنٍ عنكم شيئًا ﴿وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾. قال: فلمَّا سمعوا مقالته مَقتُوا أنفسهم،\n_________\n(^١) كذا في: ص، ت ٢، ف، والزهد وسنن الدارمي. وفى م وأغلب المصادر: \"الكافرون\". وجاء في بعضها بمعناه ولكن بلفظ \"الكفار\".\n(^٢) في م، والزهد، وتفسير البغوي: \"فيثور من مجلسه\". وفى خلق أفعال العباد، والدر المنثور: \"فيثور مجلسه من\". وفى تاريخ دمشق: \"فيفور مجلسه من\".\n(^٣) في م: \"يعظم نحيبهم\".\n(^٤) الزهد لابن المبارك (زوائد نعيم: ٣٧٤) نحوه، ومن طريق ابن المبارك أخرجه البغوي في تفسيره ٤/ ٣٤٥، ٣٤٦ بنحوه. وأخرجه البخارى في خلق أفعال العباد (٤٦٩)، والدارمي (٢/ ٣٢٧)، والطبراني في الكبير ١٧/ ٣٢٠، ٣٢١، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٧/ ٤٥٣ من طريق عبد الرحمن بن زياد به بنحوه. وضعفه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٤، ٧٥ وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن المنذر.","vol":"13","page":631},{"text":"قال: فنُودوا: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ الآية [غافر: ١١٠] (^١).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ﴾، يقولُ: ما أنا بمُغيثِكم، وما أنتم بمغيثيَّ (^٢).\nوقوله: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾. يقولُ: عصيتُ اللَّهَ قبلكم.\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِغِنَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾. قال: هذا قولُ إبليس يوم القيامة، يقولُ: ما أنتم بنافِعيَّ، وما أنا بنافِعِكم ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾. قال: شَرِكَتُه عبادتُه (^٣).\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا ورقاء جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله جلَّ وعزَّ: ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ قال: بمُغيثيَّ.\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شَبَابَةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد مثله.\nحدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.\n_________\n(^١) جزء من أثر طويل تقدم تخريجه في صفحة ٦٢٧ من طريق ابن المبارك به، والمصنف يذكره هنا مفرقًا، وهو في صفة النار (٢٥١) مطولًا.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤١ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٥ إلى ابن المنذر، وعند عبد الرزاق والسيوطى بلفظ: \" ﴿ما أنا بمصرخكم﴾ قال: ما أنا بمغيثكم\" دون الشطر الأخير.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٥ لابن أبي حاتم.","vol":"13","page":632},{"text":"حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنسٍ، قال: ما أنا بمنجيكم، وما أنتم بمنجيَّ.\nحدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد: قال خطيبُ السوء [الصادقُ إبليسُ] (^١) - أفرأيتم صادقًا لم ينفعه صدقه؟ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقَّ وَوَعَدتُكُمْ فَأَخْلَفَتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُم مَّن سُلْطَانٍ﴾ أَقْهَرُكم به. ﴿إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُم لِي﴾. قال: أطعتُموني. ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُمْ﴾ حين أطعتُمونى. ﴿ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾، ما أنا بناصركم ولا مغيثكم. ﴿وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ﴾، وما أنتم بناصريَّ ولا مغيثيَّ لما يي. ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nحدثني المثنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: ثنا ابن المبارك، عن الحكم، عن عمرَ (^٢) ابن أبي ليلى، أحد بني عامرٍ، قال: سمعتُ محمد بن كعبٍ القُرَظيَّ يقولُ: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾. قال: قام إبليسُ عند ذلك - يعنى: حين قال أهلُ جَهَنَّمَ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ - فَخَطَبهم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقَّ وَوَعَدتُكُمْ فَأَخْلَفَتُكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾. يقولُ: بمعن عنكم شيئًا ﴿وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾. قال: فلمَّا سمعوا مقالَته مَقَتوا أنفسهم، قال: فنُودوا:\n_________\n(^١) في م: \"إبليس الصادق\".\n(^٢) في م، ف: \"عمرو\". وفى ت ٢ غير واضحة. وينظر ما تقدم في صفحة ٦٢٧ حاشية (٧).","vol":"13","page":633},{"text":"﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ الآية (^١).\n\n<span id=\"aya-1773\"></span><span data-type='title' id=toc-4744>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾.</span>\nيقول عز ذكره: وأُدْخِل الذين صدقوا الله ورسوله، فأَقَرُّوا بوحدانية اللهِ، وبرسالة رسله، وأنَّ ما جاءت به من عند الله حقٌّ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: وعملوا بطاعة الله، فانتهوا إلى أمر الله ونهيه. ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارِ﴾: بساتين تجرى من تحتها الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. [يقولُ: ماكِثين فيها أبدًا. ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾. يقول:] (^٢) أُدْخِلُوها بأمرِ الله لهم بالدخول، ﴿تَحِيَّتُهُم فِيهَا سَلَامٌ﴾، وذلك إن شاء الله كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال: قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾. قال: الملائكة يُسلمون عليهم في الجنة (^٣).\n\n<span id=\"aya-1774\"></span>وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾.\nيقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ألم تر يا محمد بعين قلبِكَ، فتَعْلَمَ كيف مثل الله مَثَلًا، وشبَّه شَبَهَا. ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ ويعنى بالطيبةِ: الإيمان به جل ثناؤه. كشجرةٍ طيبة الثمرة. وترك ذكر الثمرة استغناءً بمعرفة السامعين عن ذكرها بذكرِ الشجرةِ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في صفحة ٦٢٧.\n(^٢) في م: \"يأذن ربهم. يقول\"، وفى ت ١، ف: \"يقول\". وغير واضح في ت ٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٥ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"13","page":634},{"text":"وقولُه: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾. يقولُ عزّ ذِكرُه: أصل هذه الشجرةِ ثابتٌ في الأرضِ. ﴿وَفَرْعُهَا﴾ وهو أعلاها ﴿في السَّمَاءِ﴾ يقولُ: مُرتفعٌ عُلُوًّا نحو السماءِ.\n\n<span id=\"aya-1775\"></span>وقوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾. يقولُ: تُطْعِمُ ما يُؤكَلُ منها من ثمرها، كُلَّ حينٍ بأمرِ ربِّها. ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ يَقولُ: ويُمثِّلُ اللَّهُ الأمثال للناس، ويُشبِّه لهم الأشباهَ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَقولُ: لِيَتَذَكَّروا حُجَّةَ الله عليهم، فيعتبروا بها ويتَّعِظوا، فيَنْزَجروا عما هم عليه من الكفر به إلى الإيمان. وقد اختلف أهل التأويل في المعنى بالكلمة الطيبة؛ فقال بعضُهم: عَنَى بها إيمان المؤمن.\n\n<span data-type='title' id=toc-4745>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾: شهادة أنْ لا إلهَ إلا الله. ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾: وهو المؤمنُ، ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ يقولُ: لا إله إلا الله ثابت في قلبِ المؤمن، ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ يقولُ: يُرفَعُ بها عملُ المؤمن إلى السماءِ (^١).\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾، قال: هذا مَثَلُ الإيمانِ؛ فالإيمانُ: الشجرة الطيبة، وأصله الثابتُ الذي لا يزولُ: الإخلاصُ للهِ. وفرعُه في السماءِ، فرعُه: خشيةُ اللَّهِ.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥٩٨)، والبيهقى في الأسماء والصفات ١/ ٢٧٢، ٢٧٣ (٢٠٦)، من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":635},{"text":"مجاهدٌ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قال: كنخلة.\nقال ابن جريجٍ: وقال آخرون: الكلمة الطيبة أصلها ثابتٌ؛ هي (^١) ذات أصلٍ في القلب، ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ تَعْرُجُ فلا تُحْجَبُ، حتى تَنْتَهِيَ إلى اللَّهِ.\nوقال آخرون: بل عَنَى بها المؤمن نفسَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4746>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾. يَعنِي بالشجرة الطيبة: المؤمنَ. ويعنى بالأصلِ الثابت في الأرضِ وبالفرع في السماءِ: يكون المؤمن يعمل في الأرضِ ويَتَكَلَّمُ، فيَبْلُغُ عمله وقوله السماءَ وهو في الأرضِ (^٢).\nحدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا فُضيل بن مرزوقٍ، عن عطية العَوْفيِّ في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾. قال: ذلك مَثَلُ المؤمن، لا يزالُ يَخرُجُ منه كلامٌ طيبٌ، وعملٌ صالح يَصْعَدُ إليه (^٣).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع بن أنسٍ، قال: (أصلُها ثابتٌ في الأرضِ). وكذلك كان يقرؤها. قال: ذلك المؤمنُ ضُرِب مَثَلُه. قال: الإخلاصُ لله وحده وعبادته، لا شريك له. قال:\n_________\n(^١) في م: \"في\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٦ إلى المصنف.","vol":"13","page":636},{"text":"﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾. قال: أصلُ عمله ثابت في الأرضِ. ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾. قال: ذكرُه في السماءِ (^١).\nواختلَفوا في هذه الشجرة التي جُعِلتْ للكلمة الطيبة مَثَلًا؛ فقال بعضُهم: هي النخلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-4747>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن معاويةَ بن قُرَّةَ، قال: سمعتُ أنس بن مالك في هذا الحرفِ ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾. قال: هي النخلة (^٢).\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا أبو قَطَنٍ، قال: ثنا شعبة، عن معاوية بن قُرَّةَ، عن أنس مثله.\nحدثنا الحسن، قال: ثنا شَبَابَةُ، قال: ثنا شعبة، عن معاويةَ بن قُرَّةَ، قال: سمِعتُ أنس بن مالكٍ يقولُ (^٣): ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾. قال: النخلُ.\nحدثني يعقوب والحسن بن محمدٍ، قالا: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا شعيبٌ، قال: خرجتُ مع أبى العالية، نريد أنس بن مالك. قال: فأتيناه، فدعا لنا بقِنْعٍ (^٤) عليه\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٥ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه البغوي في الجعديات ١/ ٣٢٤ (١١١) من طريق شعبة به.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"مثل\".\n(^٤) في م: \"بقنو\". والقنع والقناع: الطَّبق من عُسب النخل يوضع فيه الطعام، وقيل: هو الذي يجعل فيه الفاكهة. وقيل: القنع؛ الطبق الذي تؤكل فيه الفاكهة وغيرها. وحكى ابن بري عن ابن خالويه: القناع طبق الرطب خاصة. والقنو: العذق بما فيه من الرُّطب. والعذق: العرجون بما فيه من الشماريخ. ينظر لسان العرب (ق ن ع)، (ق ن و)، (ع ز ق).","vol":"13","page":637},{"text":"رُطَبٌ، فقال: كلُوا مِن هذه الشجرة، التي قال الله ﷿: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾. وقال الحسن في حديثه: بقناعٍ (^١).\nحدثنا خَلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: أخبرنا النَّضْرُ بنُ شُميلٍ، قال: أخبرنا حمادُ بنُ سَلَمَةَ، قال: أخبرنا شعيب بن الحَبْحَابِ (^٢)، عن أنسٍ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ أُتى بقناعِ بُسْرٍ، فقال: \"مَثَلُ كلمةٍ طَيِّبةٍ كَشَجَرَةٍ طَيِّبةٍ\". قال: \"هي النخلة\" (^٣).\nحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن شعيبِ بن الحَبْحابٍ، عن أنسٍ، أن رسول الله ﷺ أتِى بقناعٍ فيه بُسرٌ، فقال: \"مَثَلُ كلمةٍ طيِّبة كشجرة طيبة\". قال: \"هي النخلةُ\". قال شعيب: فأخبرتُ بذلك أبا العالية، فقال: كذلك كانوا يقولون (^٤).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حماد بن سلمةَ، عن شعيب بن الحَبْحابِ، قال: كنا عند أنسٍ، فأُتينا بطبقٍ أو قمعٍ عليه رُطَبٌ، فقال: كل يا أبا العاليةِ، فإنّ هذا من الشجرةِ التي ذكر الله ﷿ في كتابه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا مَهْديُّ بن ميمونٍ، عن شعيبِ بن الحَبَّحابِ، قال: كان أبو العالية يأتينى، فأتاني يومًا في منزلي بعدما\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى ٥/ ٢٧٥، ٢٧٦ عقيب الحديث (٣١١٩) من طريق شعيب به.\n(^٢) في ف: \"الحنجاب\"، وفى السنن الكبرى للنسائي: \"الحباب\". وهو أبو صالح البصرى شعيب بن الحبحاب الأزدى المعوليّ. ترجمته في تهذيب الكمال ١٢/ ٥٠٩.\n(^٣) أخرجه النَّسَائِي في الكبرى (١١٢٦٢) من طريق النضر به.\n(^٤) أخرجه الترمذى (٣١١٩)، وأبو يعلى (٤١٦٥)، وابن حبان (٤٧٥) من طريق حماد به نحوه، وأخرجه الرامهرمزي في أمثال الحديث ص ٧٢ من طريق شعيب به نحوه.","vol":"13","page":638},{"text":"صلَّيتُ الفجرَ، فانطلقتُ معَه إلى أنسِ بن مالكٍ، فدَخَلْنا معه إلى أنس بن مالكٍ، فجِيءَ بطبقٍ عليه رُطَبٌ، فقال أنس لأبي العاليةِ: كُلْ يا أبا العالية، فإنَّ هذه مِن الشجرةِ التي قال الله في كتابه: (ألم تَرَ كيفَ ضَرَبَ الله مثلا كلمةً طيبةً كشجرة طيبةٍ [ثابتٌ أصْلُها﴾ (^١). قال: هكذا قرأها يومئذٍ أنس (^٢).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طَلْقٌ، قال: ثنا شريكٌ، عن السُّدِّي، عن مرةً، عن عبد الله مثله (^٣).\nحدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا عبد الغفار بن القاسم، عن جامع بن أبي راشدٍ، عن مُرَّةَ بن شَراحِيلَ الهَمْدانيِّ، عن مسروقٍ: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيَّبَةٍ﴾. قال: النخلة.\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، ح وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، [قال: حدَّثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح عن مجاهدٍ في قوله: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾. قال: كنخلةٍ (^٤).\nحدثنا الحسن] (^٥)، قال: ثنا شَبَابَةُ، قال: ثنا ورقاءُ، ح وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"أصلها ثابت\"، وفى ف: \"أصلها\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٦ إلى عبد الرزاق والترمذى وابن المنذر وابن أبي حاتم والرامهرمزي في الأمثال.\n(^٣) أخرجه الخطيب البغدادى في موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٤٦٠، ٤٦١ من طريق السدى به نحوه.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٧ إلى المصنف، بزيادة: ﴿كشجرة خبيثة﴾ قال: هي الحنظلة.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) أخرجه الرامهرمزى في أمثال الحديث ص ٧٢ من طريق أبي حذيفة به، بلفظ: \"الشجرة الطيبة النخلة، والخبيثة الحنظلة، مثل المؤمن والكافر\".","vol":"13","page":639},{"text":"حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن السدي، عن مُرَّةَ، عن عبد الله مثله.\nحدثني المثنى، قال: ثنا مُعَلَّى بن أسدٍ، قال: ثنا خالدٌ، قال: أخبرنا حُصَيْنٌ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾. قال: هي النخلةُ، لا تَزَالُ فيها منفعةٌ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الرحمن بنُ مَغْراءَ، عن جويبرٍ، عن الضحاك في قوله: ﴿كَشَجَرَة طَيِّبَةٍ﴾. قال: ضرب الله مثل المؤمن كمثلِ النخلة؛ ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿مَثَلًا (^٢) كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾. كنا نُحَدَّثُ أنها النخلةُ.\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾. قال: يَزعمون أنها النخلة (^٣).\nحدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾. قال: هي النخلةُ.\nحدَّثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيد، قال: ثنا الْأَعْمَشُ، عن المنهالِ بن عمرو، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء﴾. قال: النخلة (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الرامهرمزى في أمثال الحديث ص ٧١، ٧٢ من طريق حصين به نحوه، مطولًا.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"مثل\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٢ عن معمرٍ به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"النخل\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٦، ٧٧ إلى سعيد بن منصور والفريابي.","vol":"13","page":640},{"text":"قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا سعيد بن منصورٍ، قال: ثنا خالد، عن الشَّيْبانيِّ، عن عكرمةَ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ قال: هي النخلةُ.\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، قال: قال شعيبُ بنُ الحَبْحابِ، عن أنس بن مالكٍ: الشجرة الطيبة: النخلة (^١).\nوقال آخرون: بل هي شجرةٌ في الجنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-4748>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، قال: ثنا قابوسُ بن أَبي ظَبْيانَ، عن أبيه، عن ابن عباس في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾. قال: هي شجرةٌ في الجنة.\nوأولى القولين بالصواب في ذلك قول من قال: هي النخلة، لصحة الخبرِ عن رسول الله ﷺ بما:\nحدثنا به الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا سفيان بن عيينةَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: صحبت ابن عمرَ إلى المدينة، فلم أسمَعْهُ يُحدِّثُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ إلا حديثًا واحدًا، قال: كنا عند النبيِّ ﷺ، فأتى بجُمَّارٍ (^٢)، فقال: \"مِن [الشجَرِ شجرة] (^٣) مَثَلُها مَثَلُ الرَّجُلِ المسلمِ\". فأردتُ أن أقول: هي النخلة. فإذا أنا أصغرُ القومِ،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٢ عن معمر به، بزيادة \"والشجرة الخبيثة الحنظلة\".\n(^٢) الجُمَّار: هو جمع جُمَّارة. والجمارة: قلب النخلة وشحمتها. النهاية ١/ ٢٩٤.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الشجرة\".","vol":"13","page":641},{"text":"فسكَتُّ (^١).\nحدثنا الحسن، قال: ثنا يزيد بن هارونَ، قال: أخبرنا سليمان، عن يوسف بن سَرْحٍ، عن رجلٍ، عن ابن عمرَ، أنَّ رسول الله ﷺ قال: \"هل تدرون ما الشجرة الطيبةُ؟ \". قال ابن عمر: فأردتُ أن أقول: هي النخلة. فمنَعني مكان عمرَ، فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ: \"هي النخلة\" (^٢).\nحدثنا الحسن، قال: ثنا يحيى بن حمادٍ، قال: ثنا عبد العزيزِ، قال: ثنا عبد الله بن دينارٍ، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ يوما لأصحابه: \"إِنَّ شجرةً من الشَّجَرِ لا يُطْرَحُ وَرَقُها، مَثَلُ المؤمنِ\". قال: فوقع الناس في شجَرِ البَدْوِ، ووقع في قلبي أنها النخلةُ، فاسْتَحْيَيْتُ حتى قال رسولُ الله ﷺ: \"هي النخلةُ\" (^٣).\nحدثنا الحسن، قال: ثنا عاصمُ بن عليٍّ، قال: ثنا عبد العزيز بن مسلم القَسْمَليُّ، قال: ثنا عبد الله بن دينارٍ، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: \"إِنَّ مِن الشجر شجرةً لا يَسْقُطُ وَرَقُها، وهى مَثَلُ المؤمن، فحَدِّثُونى ما هي\". فذكر نحوه.\nحدثنا الحسن، قال: ثنا عليٌّ، قال: ثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ\n_________\n(^١) أخرجه الحميدى في مسنده ٢/ ٢٩٨ (٦٧٦)، وأحمد ٨/ ٢٠٤، ٢٠٥ (٤٥٩٩)، والبخاري (٧٢)، ومسلم (٦٤/ ٢٨١١)، من طريق سفيان به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٦ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد ١٠/ ٢٣٧، ٢٣٨ (٦٠٥٢) من طريق عبد العزيز به، بزيادة: \"قال: فذكرت ذلك لعمر، فقال: يا بنى، ما منعك أن تتكلم؟ فوالله لأن تكون قلت ذلك أحب إليَّ من أن يكون لي كذا وكذا\".\nوأخرجه أيضًا الإمام أحمد ٩/ ٢٠ (٥٢٧٤)، ١٠/ ٤٩٠، ٤٩١ (٦٤٦٨)، وعبد بن حميد (٧٩٠) والبخارى (٦١، ٦٢، ١٣١)، ومسلم (٦٣/ ٢٨١١)، والنسائى في الكبرى (١١٢٦١) من طرق عن ابن دينار به، وفى بعض المواضع بزيادة مثل التي ذكرناها عند أحمد.","vol":"13","page":642},{"text":"قال: ثنى نافعٌ، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أَخْبِرُونِي بشجرةٍ كَمَثَلِ الرجل المسلمِ، تُؤتى أُكُلَها كُلَّ حِينٍ، لا يَتَحاتُّ (^١) وَرَقُها\". قال: فوقع في نفسى أنها النخلةُ، فكرهتُ أن أتكلَّمَ، وثَمَّ أبو بكرٍ وعمرُ، فَلَمَّا لم يتكلموا قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"هي النخلة\" (^٢).\nحدثنا الحسنُ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّبَّاح، قال: ثنا إسماعيل، عن عبيد الله، عن نافع نافع، عن ابن عمرَ، عن النبي ﷺ نحوه.\nواختلف أهل التأويل في معنى الحينِ الذي ذكره اللَّهُ ﷿ في هذا الموضعِ، فقال: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: تؤتى أُكُلَها كُلَّ غَدَاةٍ وعَشِيَّةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4749>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا أبو معاوية، قال: ثنا الأعمش، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابن عباس، قال: الحِين قد يكونُ غُدْوةً وعَشِيَّةً (^٣).\nحدثنا الحسنُ بن محمد، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، قال: ثنا الأعمش، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾. قال:\n_________\n(^١) يتحاتُّ: الحت والانحتات والتَّحات والتَّحتحُتُ: سقوط الورق عن الغصن وغيره. تاج العروس (ح ت ت).\n(^٢) أخرجه البخارى (٦١٤٤)، وفي الأدب المفرد (٣٦٠) - وجاء نحوه مطولًا فيهما، وبلفظ: \"تحت\" - ومحمد بن نصر المروزيُّ في تعظيم قدر الصلاة (٧٧٠) نحوه مطولًا، والرامهرمزي في الأمثال ص ٦٩ بنحوه، وابن منده في الإيمان (١٨٧) مطولًا، من طريق يحيى به. وأخرجه البخارى (٤٦٩٨)، ومسلم (٦٤/ ٢٨١١) من طريق عبيد الله به نحوه مطولًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٤٧ (القسم الأول من الجزء الرابع)، وابن حزم في المحلى ٨/ ٤٣٠، والبيهقي ١٠/ ٦١ من طريق أبي معاوية به.","vol":"13","page":643},{"text":"غُدْوةً وعَشِيَّةً.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابن عباس مثلَه.\nحدثنا محمد بن المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن أبي ظبيان، عن [ابن عباس] (^١) بمثله.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طَلْقٌ، عن زائدةَ، عن الأعمش، عن أبي ظَبْيانَ. عن ابن عباسٍ مثله.\nحدثنا الحسنُ، قال: ثنا علي بن الجعدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ]. قال: بُكرةً وعشيًّا (^٢).\nحدَّثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾. قال: بكرةً وعشيةً.\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبَّهَا﴾. قال: يُذْكَرُ اللَّهُ كلَّ ساعةٍ من الليلِ والنهارِ (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"سليمان\".\n(^٢) أخرجه الضياء في المختارة ١٠/ ١٤ من طريق على بن الجعد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٦، ٧٧ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم. وعزاه ٤/ ٧٧ إلى ابن أبي حاتم بلفظ: \"كل ساعة بالليل والنهار والشتاء والصيف، وذلك مثل المؤمن يطيع ربه بالليل والنهار والشتاء والصيف\".","vol":"13","page":644},{"text":"حدثنا الحسن، قال: ثنا عفان، قال: ثنا أبو كُدينةَ، قال: ثنا قابوسُ، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾. قال: غدوةً وعشيَّةً.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الرحمن بنُ مَغْراءَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾. قال: المؤمنُ يُطيعُ اللَّهَ بالليل والنهار، وفي كل حينٍ.\nحدثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع بن أنسٍ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾. يَصْعَدُ عملُه أَوَّلَ النهار وآخره (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع ابن أنسٍ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾. قال: يَصْعَدُ عمله غُدْوةً وعشية (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عُبيد بن سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾. قال: تُخْرِجُ ثمرتَها كلَّ حينٍ، وهذا مثَلُ المؤمن يعمل كلَّ حينٍ؛ كلَّ ساعةٍ مِن النهارِ، وكلَّ ساعة من الليل، وبالشتاء والصيفِ، بطاعةِ اللَّهِ (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: تؤتى أُكُلَها كلَّ ستةِ أشهرٍ، من بين صرامها (^٤) إلى حَمْلها.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٥، ٧٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم مطولًا.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٣٤٧ مطولًا، وأبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٤٢٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٦ إلى المصنف بنحوه مطولًا.\n(^٤) صرام النَّخل، وصَرامه: أوان إدراكه. لسان العرب (ص ر م).","vol":"13","page":645},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4750>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: الحِينُ ستة أشهرٍ (^١).\nحدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: أخبرنا أيوب، قال: قال عكرمة: سُئلتُ عن رجلٍ حلَف أن لا يصنعَ كذا وكذا إلى حينٍ، فقلتُ: إِنَّ مِن الحين حينًا يُدرَكُ، ومن الحين حينًا لا يُدرك، فالحِينُ الذي لا يُدرك قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]. والحِينُ الذي يُدْرَكُ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾. قال: وذلك من حين تُصْرَمُ النخلةُ إلى حين تَطلُعُ، وذلك ستة أشهرٍ (^٢).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن الأصبهانيِّ، عن عكرمة، قال: الحين ستة أشهر (^٣).\nحدثنا الحسن، قال: ثنا سعيدُ بن منصورٍ، قال: ثنا خالد، عن الشَّيْبانيِّ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾. قال: هي النخلةُ، والحين ستة أشهرٍ.\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا كَثيرُ بن هشامٍ، قال: ثنا جعفرٌ، قال: ثنا عكرمة:\n_________\n(^١) أخرجه ابن حزم في المحلى ٨/ ٤٢٩ من طريق يحيى به.\n(^٢) أخرجه ابن حزم في المحلى ٨/ ٤٣٠ من طريق هشام بن حسان عن عكرمة به نحوه، وفيه ذكر عمر بن عبد العزيز كما سيأتي في صفحة ٦٤٨، وعنده ﴿ومتعناهم إلى حين﴾ بدل ﴿ولتعلمن نبأه …﴾، و\"فأراه من حين تثمر إلى حين تصرم … \". وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٧ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١٣٢٥) عن سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٤٧ من طريقى: داود عن عكرمة، وإبراهيم بن مهاجر عن عكرمة. وأخرجه البيهقي ١٠/ ٦٢ من طريق إبراهيم بن المنهال، عن عكرمة.","vol":"13","page":646},{"text":"﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بإذنِ رَبِّهَا﴾. قال: هو ما بينَ حَمْلِ النخلةِ إلى أن تُجْزَرَ (^١).\nحدثني المثنَّى، قال: ثنا قبيصة بن عقبةَ، قال: ثنا سفيان، قال: قال عكرمة: الحين ستة أشهر.\nحدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحد، قال: ثنا قيس، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه سئل عن رجل حلَف أن لا يكلِّم أخان حينًا، قال: الحين ستة أشهر. ثم ذكر النخلة ما بينَ حَمْلِها إلى صِرامِها ستةُ أشهر (^٢).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن طارقٍ، عن سعيد بن جبير: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بإذنِ رَبِّهَا﴾. قال: ستة أشهر (^٣).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قال: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾. والحينُ ما بين السبعة والستةِ، وهى تُؤكَلُ شتاءً وصيفًا (^٤).\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ: ما بين الستة الأشهر والسبعة، يعنى الحين (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"تحرر\". غير منقوطة. وفى م: \"تحرز\". وحزر الشيءَ يجزُرُه ويجزِرُه جَزرًا: قطعه. اللسان (ج ز ر).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٧ إلى المصنف بلفظه، وعزاه أيضا ٤/ ٧٧ إلى المصنف والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم بلفظ: \"تطعم في كل ستة أشهر\"، وعزاه أيضا ٤/ ٧٧ إلى ابن أبي حاتم بلفظ: \"جذاذ النخل\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٤٧ عن وكيع به، والأثر في تفسير مجاهد ص ٤١١ من طريق عطاء بن السائب عن سعيد، وفي تفسير الثورى ص ١٥٦ بلفظ: \"الحين السنة\".\n(^٤) أخرجه البيهقي ١٠/ ٦٢ من طريق سعيد به نحوه مطولًا - وفى أوله زيادة - بلفظ: \"كل سبعة أشهر\".\n(^٥) أخرجه ابن حزم في المحلى ٨/ ٤٢٩ من طريق محمد بن ثور به بلفظ: \"ما بين ستة أشهر إلى تسعة\"، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٢ عن معمر به.","vol":"13","page":647},{"text":"حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن عبدِ الرحمنِ بن الأصبهاني، عن عكرمة، قال: الحينُ ستة أشهر (^١).\nوقال آخرون: بل الحين هاهنا سَنَةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4751>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي مكين، عن عكرمة أنه (^٢) نَذَر أن يقطَعَ يد غلامِه أو يحبسَه حِينًا. قال: فسألني عمرُ بنُ عبد العزيز. قال (^٣): فقلت: لا تُقطَعُ (^٤) يدُه، ويَحْبِسُه سنةً، والحِين سنةٌ. ثم قرأ: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥]. وقرأ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾.\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، قال: وزاد أبو بكرٍ الهذليُّ، عن عكرمة، قال: قال ابن عباسٍ: الحينُ حينانِ: حينٌ يُعرَفُ، وحين لا يُعرَفُ؛ فأما الحين الذي لا يُعرَفُ: ﴿وَلَنَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]. وأما الحينُ الذي يُعرَفُ فقولُه: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ (^٥).\nحدثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، قال: سألتُ حمادًا والحكَمَ، عن رجلٍ حلف ألَّا يُكلِّم رجلًا إلى حِينٍ، قالا: الحِينُ سنةٌ (^٦).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٦٤٦ حاشية (٢) من طريق آخر عن سفيان به.\n(^٢) في م: \"إن\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ص، ت ١، ف: \"يقطع\"، وفى ت ٢: \"ـقطع\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٤٧ عن محمد بن جعفر به، وعنده: \"فقال\" بدل \"قالا\".","vol":"13","page":648},{"text":"حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، ح وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، ح وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنى ورقاءُ، ح وحدثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿كُلَّ حِينٍ﴾. قال: كلَّ سنةٍ (^١).\nحدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾. قال: كلَّ سنةٍ (^٢).\nحدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سلَّامٌ، عن عطاء بن السائب، عن رجلٍ منهم، أنه سأل ابن عباسٍ، فقال: حلَفتُ أَلَّا أُكلِّم رجلًا حِينًا. فقرأ ابن عباسٍ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾. فالحِينُ سنةٌ (^٣).\nحدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا ابن غَسِيلٍ (^٤)، عن عكرمةَ، قال: أرسَل إليَّ عمرُ بن عبد العزيزِ، فقال: يا مولى ابن عباسٍ، إنى حلفتُ أن لا أفعل كذا وكذا حِينًا، فما الحين الذي تَعْرِفُ (^٥) به؟ فقلتُ: إنَّ من الحين حينا لا يُدرك، ومن الحينِ حين يُدرَكُ؛ فأما الحين الذي لا يُدرك فقولُ اللهِ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤١١، وبعده في ص: \"يتلوه إن شاء الله تعالى: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾. قال: كل سنة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله. وصحبه وسلم. بسم الله الرحمن الرحيم، رب يسر، قال أبو جعفر\"، ومثله في ت ٢ عدا قوله: \"رب يسر\" وبزيادة \"﵀\" في آخر الكلام. وبعده أيضا في ت ١: \"والله أعلم. قال أبو جعفر\" ثم بياض يتلوه كلام غير واضح. وبعده أيضا في ف: \"قال أبو جعفر ﵀\".\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٦/ ٢٩١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٤٧، وسحنون في المدونة ٢/ ١١٧ من طريق أبي الأحوص سلامٍ به، وعزاه الشوكاني في فتح القدير ٣/ ١٠٨ إلى أبي عبيد وابن المنذر.\n(^٤) في ص، م، ت ٢، ف: \"عسيل\". وينظر تهذيب الكمال ١٧/ ١٥٤.\n(^٥) في م، والدر المنثور: \"يعرف\".","vol":"13","page":649},{"text":"الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مذكورًا﴾ [الإنسان: ١]. والله ما يُدرَى (^١) كم أتى له إلى أن خُلِقَ، وأما الذي يُدرك فقوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾. فهو ما بينَ العام إلى العام المقبل. فقال: أصبتَ يا مولى ابن عباسٍ، ما أحسن ما قلتَ (^٢)!\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاء، قال: أتى رجل ابن عباس، فقال: إنى نذَرتُ ألَّا أكلِّمَ رجلًا حِينًا. فقال ابن عباس: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾: فالحِين سنةٌ.\nوقال آخرون: بل الحينُ في هذا الموضع شهران.\n\n<span data-type='title' id=toc-4752>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا محمد بن مسلمٍ الطائفيُّ، عن إبراهيم بن ميسرةً، قال: جاء رجل إلى سعيد بن المسيَّبِ، فقال: إنى حلَفتُ أَلَّا أَكلِّمَ فلانًا حِينًا. [فقال: قال الله تعالى: ﴿تُوتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (^٣). قال: هي النخلةُ، لا يكون منها أُكُلُها إلا شهرين، فالحين شهران (^٤).\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنى بالحينِ في هذا\n_________\n(^١) في الدر المنثور: \"ندرى\".\n(^٢) أخرجه البيهقي ١٠/ ٦٢ من طريق ابن الغسيل به مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٧ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٤٧ (القسم الأول من الجزء الرابع)، وابن حزم في المحلى ٨/ ٤٣٠، والبيهقى ١٠/ ٦٢ من طريق محمد بن مسلم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":650},{"text":"الموضع غُدوةٌ وعَشيةٌ، وكلُّ ساعةٍ؛ لأن الله تعالى ذكره ضرَب ما تُؤْتى هذه الشجرةُ كلَّ حينٍ من الأكل لعمل المؤمن وكلامه مثلا، ولا شكّ أن المؤمنَ يرتفعُ له إلى اللَّهِ في كلِّ يومٍ صالحٌ من العمل والقولِ، لا في كل سنة، أو في كل ستة أشهرٍ، أو في كل شهرين. فإذ كان ذلك كذلك؛ فلا شك أن المثَل لا يكونُ خِلافًا للمُمَثَّل به في المعنى، وإذا كان ذلك كذلك؛ كان بيِّنًا صحةُ ما قلنا.\nفإن قال قائلٌ: فأيُّ نخلةٍ تُؤتى في كلِّ وقتِ أُكُلًا صيفًا وشتاءً؟\nقيل: أما في الشتاء فإن الطَّلْعَ من أُكُلِها، وأما في الصيف فالبلحُ والبسْرُ والرُّطَب والتمرُ، وذلك كله من أكُلها.\nوقوله: ﴿تُوتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾. فإنه كما حدثنا به محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بإِذْنِ رَبِّهَا﴾. قال: يُؤكَلُ ثمرُها في الشتاء والصيف (^١).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾. قال: هي تُؤكَلُ شتاءً وصيفًا.\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنسٍ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾: يصعَدُ عمله، يعني: عمل المؤمنِ، أوّلَ النهار وآخره (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن حزم في المحلى ٨/ ٤٢٩، من طريق محمد بن ثور به، وعبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٢ معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٣٤٧ مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٥، ٧٦، إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":651},{"text":"<span id=\"aya-1776\"></span><span data-type='title' id=toc-4754>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ومَثَلُ الشركِ باللَّهِ - وهى الكلمة الخبيثة - كشجرة خبيثة.\nاختلف أهل التأويل فيها؛ أيُّ شجرةٍ هي؟ فقال أكثرهم: هي الحنظلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4753>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن المُثَنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبةُ، عن معاويةَ بن قُرَّةَ، قال: سَمِعتُ أنس بن مالك، قال في هذا الحرفِ ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾. قال: الشِّرْيانُ (^١). فقلت: وما الشِّرْيانُ؟ قال رجلٌ عنده: الحنظلُ. فأقر به معاوية (^٢).\nحدثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: أخبرنا شعبةُ، عن معاويةَ بن قرةَ، قال: سمعتُ أنس بن مالك يقولُ: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾. قال: الحنظلُ (^٣).\nحدثنا الحسنُ، قال: ثنا عمرُو بنُ الهَيثم، قال: ثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالكٍ، قال: الشِّريان. يعنى الحنظل.\nحدثنا أحمد بن منصور، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن ابن جريج، عن الأعمشِ: عن حِبَّانَ بن شعبة، عن أنس بن مالكٍ في قوله:\n_________\n(^١) قال في اللسان: (شرين): هو شجر صُلب تتخذ منه القِسِيّ، واحدته شريانة.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٧ إلى ابن مردويه. وانظر تفسير ابن كثير ٤/ ٤١٣.\n(^٣) أخرجه البغوي في الجعديات ١/ ٥٣٧، (١١٤٢) من طريق شعبة به.","vol":"13","page":652},{"text":"﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾. قال: الشِّريان. قلتُ لأنسٍ: ما الشِّريانُ؟ قال: الحنظل (^١).\nحدثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا شعيبٌ، قال: خرجتُ مع أبي العالية نريد أنس بن مالك، فأتيناه، فقال: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾: تِلْكُم الحنظلُ.\nحدثنا الحسن، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن شعيب بن الحَبْحابِ، عن أنس مثله.\nحدثنا المثَنَّى، قال: ثنا آدم العسقلانيُّ، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو إياسٍ، عن أنسِ بن مالك، قال: الشجرة الخبيثةُ الشِّريان. فقلتُ: وما الشِّريان؟ قال: الحنظل.\nحدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، عن شعيبٍ، عن أنسٍ، قال: تِلْكُم الحنظل (^٢).\nحدثني المثنَّى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا مهديُّ بن ميمونٍ، عن شعيبٍ، قال: قال أنسٌ: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ الآية. قال: تِلْكُمُ الحنظلُ، ألم ترَوْا إلى الرياح كيف تُصَفِّقُها (^٣) يمينًا وشمالًا؟\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في تاريخه ٤/ ٢١٦، ٢١٧، من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٧ إلى ابن مردويه.\n(^٢) أخرجه الترمذى (٣١١٩) من طريق حماد بن سلمة عن شعبة به، والرامهرمزي في أمثال الحديث ص ٧٢ من طريق حماد بن زيد عن شعيب به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٢ من طريق شعيب به.\n(^٣) صفَّقَت الريح الشيء: إذا قلبته يمينًا وشمالًا وردته. اللسان (ص ف ق).","vol":"13","page":653},{"text":"مجاهد: ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾: الحنظلة (^١).\nوقال آخرون: هذه الشجرة لم تُخْلَق على الأرض.\n\n<span data-type='title' id=toc-4755>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا الحسن بن محمد الزعفرانيُّ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، قال: ثنا قابوسُ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ أجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾. قال: هذا مثَلٌ ضربه الله، ولم تُخلق هذه الشجرةُ على وجه الأرض (^٢).\nوقد روى عن رسول الله ﷺ - بتصحيحِ قولِ مَن قال: هي الحنظلة - خبرٌ، فإن صحَّ فلا قولَ يجوز أن يقال غيره، وإلا فإنها شجرةٌ بالصفة التي وصَفها الله بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-4756>ذكرُ الخبر الذي ذكَرناه عن رسول الله ﷺ </span>-\nحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا حماد بن سلمةَ، عن شعيبِ بن الحَبْحَابِ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن رسول الله ﷺ قال: \" ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ أجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ \". قال: \"هي الحنظلة\". قال شعيبٌ: وأَخبَرتُ بذلك أبا العاليةِ، فقال: كذلك كانوا يقولون (^٣).\nوقوله: ﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ﴾. يقول: استؤصلت. يقال منه: اجتتَثتُ الشيءَ أجتَثُّه اجتثاثًا. إذا استأصَلتَه.\n_________\n(^١) أخرجه الرامهرمزى في الأمثال ص ٧٢ من طريق أبي حذيفة به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣١١٩)، وابن حبان (٤٧٥)، وأبو يعلى (٤١٦٥) والحاكم (٤١٦٥) من طرق عن حماد به.","vol":"13","page":654},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4757>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ﴾. قال: استؤصلتْ من فوق الأرضِ (^١).\n﴿مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾. يقولُ: ما لهذه الشجرة من قَرارٍ، ولا أصلٍ في الأرضِ تَثْبُتُ عليه وتقومُ، وإنما ضُربت هذه الشجرةُ، التي وصفها الله بهذه الصفة لكفْرِ الكافر وشركه به، مثلًا، يقولُ: ليس لكفر الكافرِ وعمله الذي هو معصيةُ الله في الأرضِ ثباتٌ، ولا له في السماءِ مَصْعَدٌ؛ لأنَّه لا يَصْعَدُ إِلى اللَّهِ منه شيءٌ.\nوبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4758>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾: ضرَب الله مثل الشجرة الخبيثة كمثل الكافر، يقولُ: إن الشجرةَ الخبيثة اجتُثتْ من فوق الأرضِ، ﴿مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾. يقولُ: الكافرُ لا يُقبل عمله، ولا يَصْعَدُ إلى الله، فليس له أصلٌ ثابتٌ في الأرضِ، ولا فرعٌ في السماءِ. يقول: ليس له عملٌ صالحٌ في الدنيا ولا في الآخرة.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":655},{"text":"خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾. قال قتادة: إِن رجلًا لقِى رجلًا من أهل العلم، فقال: ما تقولُ في الكلمة الخبيثةِ؟ فقال: ما أعلمُ لها في الأرضِ مُسْتقَرًّا، ولا في السماءِ مَصْعَدًا، إلا أن تلزم عنق صاحبها، حتى يوافيَ بها القيامة (^١).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن أبي العالية، أن رجلا خالَجت الريحُ رداءَه، فلعنها، فقال رسول الله ﷺ: \"لا تلعنْها؛ فإنها مأمورةٌ، وإنَّه من لعن شيئًا ليس له بأهلٍ، رجعت اللعنة على صاحبها\" (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾. قال: هذا الكافرُ، ليس له عملٌ في الأرض، ولا ذِكْرٌ في السماءِ، ﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قرارٍ﴾. قال: لا يَصْعَدُ عمله إلى السماءِ، ولا يقوم على الأرضِ. فقيل: فأين تكونُ أعمالهم؟ قال: يَحْمِلون أوزارهم على ظهورهم (^٢).\nحدثنا أحمد بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا فُضَيلُ بن مرزوقٍ، عن عطية العوفيِّ: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ أُجْتُنَّتْ مِن فَوقِ الْأَرْضِ﴾. قال: مَثَلُ الكافر، لا يَضعدُ له قولٌ طيِّبٌ، ولا عملٌ صالحٌ (^٣).\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾. وهى الشركُ، ﴿كَشَجَرَةٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٨ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٥، ٧٦ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٦ إلى المصنف.","vol":"13","page":656},{"text":"خَبِيثَةٍ﴾. يعنى الكافر، قال: ﴿اخْتُنَّتْ مِن فَوقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾. يقولُ: الشركُ ليس له أصل يأخذُ به الكافرُ ولا برهانٌ، ولا يقبلُ الله مع الشركِ عملًا (^١).\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾. قال: مَثَلُ الشجرة الخبيثة مَثَلُ الكافرِ، ليس لقولِه ولا لعمله أصلٌ ولا فرعٌ، ولا قوله ولا عمله يستقر على الأرضِ، ولا يَصْعَدُ إلى السماء (^٢).\nحُدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ. يقولُ: أخبرنا عبيد بن سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ: ضرَب الله مثل الكافرِ: ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾. يقولُ: ليس لها أصلٌ ولا فرعٌ، وليست لها ثمرةٌ، وليست فيها منفعةٌ، كذلك الكافر ليس يعمل خيرًا ولا يقوله، ولم يجعلِ الله فيه بركةً ولا منفعةً (^٣).\n\n<span id=\"aya-1777\"></span><span data-type='title' id=toc-4759>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكره بقوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: يحقِّقُ الله أعمالهم وإيمانهم ﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾. يقولُ: بالقول الحقِّ، وهو فيما قيل: شهادة ألَّا إلهَ إلا الله، وأن محمدًا رسولُ اللَّهِ.\nوأما قوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. فإن أهل التأويلِ اختلفوا فيه. فقال بعضُهم: عُنِى بذلك أن اللَّهَ يُثَبِّتُهم في قبورهم قبلَ قيامِ الساعةِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن المنذر. وينظر البحر المحيط ٤/ ٤٢٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٥ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٦ إلى المصنف.","vol":"13","page":657},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4760>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جُنادةَ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن سعدِ (^١) بن عبيدةَ، عن البَرَاءِ بن عازبٍ في قوله: ﴿يُثَبَّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: التثبيتُ في الحياة الدنيا، إذا أتاه الملكان في القبرِ فقالا له: مَن ربُّك؟ فقال: ربىَ الله. فقالا له: ما دينك؟ قال: ديني الإسلام. فقالا له: مَن نبيُّك؟ قال: نبي محمد ﷺ. فذلك التثبيتُ في الحياة الدنيا (^٢).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، عن الأعمشِ، عن سعدِ (^١) بن عبيدةَ، عن البراء بن عازب بنحوٍ منه في المعنى.\nحدثني عبد الله بن إسحاق الناقد الواسطى، قال: ثنا وهب بن جريرٍ، قال: ثنا شعبة، عن علقمةَ بن مَرْثَدٍ، عن سعد بن عبيدةَ، عن البراء قال: ذكر النبي ﷺ المؤمنَ والكافرَ، فقال: \"إنَّ المؤمن إذا سُئل في قبره قال: ربىَ الله. فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ \" (^٣).\nحدثنا محمد بن المثنَّى، قال: ثنا هشام بن عبد الملك، قال: ثنا شعبة (^٤)، قال: أخبَرنى علقمة بن مرثدٍ، قال: سمعتُ سعد بن عبيدةَ، عن البراء بن عازبٍ، أن رسول\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"سعيد\"، وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٢٩٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٧٧، ١٣/ ٣٦٧، ٣٦٨، والمروزى في زوائد الزهد (١٣٥٦)، والآجرى في الشريعة (٨٦٧)، والبيهقى في عذاب القبر (٥) من طريق أبى معاوية به، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٣٦٦٤) من طريق الأعمش به.\n(^٣) أخرجه الطيالسي (٧٨١)، والبخارى (١٣٦٩)، ومسلم (٢٨٧١)، والنسائي (٢٠٥٦)، وابن ماجه (٤٢٦٩) وغيرهم من طرق عن شعبة به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"سعيد\". وينظر مصادر التخريج.","vol":"13","page":658},{"text":"اللهِ ﷺ قال: \"إنَّ المسلم إذا سُئل فِي القبرِ يشهد أن لا إلهَ إلا الله، وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ\". قال: \"فذلك قوله: ﴿يُثَبَّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ \" (^١).\nحدثني الحسينُ (^٢) بن سلمة بن أبى كبشة، ومحمد بن معمر البحرانيُّ، واللفظ لحديث ابن أبي كبشة، قالا: ثنا أبو عامرٍ عبد الملكِ بن عمرٍو، قال: ثنا عبادُ بنُ راشدٍ، عن داود بن أبى هند، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سعيدٍ، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فقال: \"يا أيُّها الناسُ، إن هذه الأمةَ تُبتلى في قبورها، فإذا الإنسانُ دُفن وتفرَّق عنه أصحابُه، جاءه مَلَكٌ بيدِه مِطْرَاقٌ فأقعده، فقال: ما تقولُ في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنًا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. فيقول له: صدَقتَ. فيُفْتَح له باب إلى النار، فيقال: هذا كان منزِلَك لو كفَرتَ بربِّك، فأما إذْ آمَنْتَ به، فإِن اللَّهَ أَبْدَلَك به هذا. ثم يُفْتَحُ له بابٌ إلى الجنةِ، فيريدُ أن ينهضَ له، فيقال له: اسكنْ. ثم يُفْسَحُ له في قبره، وأما الكافر أو المنافقُ، فيقال له: ما تقولُ في هذا الرجل؟ فيقول: ما أدرى. فيقال له: لا دَرَيْتَ ولا تَليْتَ (^٣) ولا اهْتَدَيْتَ. ثم يُفْتَحُ له بابٌ إلى الجنةِ، فيقال له: هذا كان منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفَرْتَ، فإن اللَّهَ أَبْدَلَك هذا. ثم يُفْتَحُ له باب إلى النارِ، ثم يَقْمَعُه الملك بالمِطْرَاقِ قَمْعَةً يَسمعُه خلقُ اللهِ كلُّهم إلا الثقلين\". قال بعضُ أصحابِه:\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٤٦٩٩)، وأبو داود (٤٧٥٠)، وابن منده في الإيمان (١٠٦٢)، والبيهقي في عذاب القبر (٣، ٤)، والبغوى في شرح السنة (١٥٢٠) من طريق هشام بن عبد الملك به.\n(^٢) في النسخ: \"الحسن\". وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٣٨٠.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"تدريت\". وقوله: \"ولا تليت\". قيل: معناه: ولا تلوت، أي لا قرأت ولا درست، من تلا يتلو، فقالوا: تليت. بالياء ليعاقب بها الياء في دريت، وقال يونس: إنما هو: ولا أتليت في كلام العرب معناه: أن لا تُتلى إبله، أي لا يكون لها أولاد تتلوها. وقال غيره: إنما هو: لا دريت ولا اتَّليت، على افتعلت من ألوت أي أطقت واستطعت. وقال ابن الأثير: والصواب، ولا ائتليت. ينظر النهاية ١٤/ ١٩٥، واللسان (ت ل و).","vol":"13","page":659},{"text":"يا رسول الله، ما منا أحدٌ يقومُ على رأسه ملك بيده مطراقٌ، إلا هيل عند ذلك! فقال رسول الله ﷺ: \" ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ \" (^١).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكر بن عياشٍ، عن الأعمش، عن المنهال، عن زاذانَ، عن البَرَاءِ، أن رسول الله ﷺ قال، وذكر قَبْضَ رُوحِ المؤمنِ: \"فَتُعَادُ روحه في جسدِه، ويأتيه مَلَكان فيُجلسانه في قبره، فيقولان: من ربُّك؟ فيقولُ: ربى الله. فيَقُولان: ما دينك؟ فيقولُ: دينى الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجلُ الذي بُعِث فيكم؟ فيقولُ: هو رسولُ اللَّهِ. فيقولان: ما يُدريك؟ فيقولُ: قرأتُ كتاب اللهِ، فآمنتُ به، وصدَّقتُ. فَيُنادى مُنادٍ من السماءِ: أن صدَق عبدى. قال: فذلك قول الله ﷿: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ \" (^٢).\nحدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، قال: ثنا الأعمش، عن المنهال، عن واذان، عن البراء، عن النبي ﷺ بنحوه (^٣).\nحدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن الأعمش، عن المنهال، عن زاذان، عن البراء، عن النبي ﷺ بنحوه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٨٧٢ - كشف) عن الحسين ومحمد بن معمر البحراني به، وابن أبي عاصم في السنة (٨٦٥) عن الحسين به، وأحمد ١٧/ ٣٢ - ٣٤ (١١٠٠٠) من طريق أبي عامر العقدى به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٦٣٢٤)، وأحمد ٣٠/ ٥٠٦، ٥٨٨ (١٨٥١٦، ١٨٦٢٥)، والحاكم ١/ ٣٨، ٣٩، والبيهقى في عذاب القبر (٣٥)، والبغوى في شرح السنة (١٥١٨) من طرق عن الأعمش به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٣١٠، ٣٧٤، ٣٨٠، والمروزى في زوائد الزهد (١٢١٩)، وأحمد ٣٠/ ٤٩٩ (١٨٥٣٤)، وأبو داود (٤٧٥٣) وغيرهم من طريق أبي معاوية به.\n(^٤) أخرجه أبو داود (٣٢١٢، ٤٧٥٣)، والبيهقى في عذاب القبر (٢٩) من طريق جرير به.","vol":"13","page":660},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نميرٍ، قال: ثنا الأعمش، قال: ثنا المنهالُ بنُ عمرٍو، عن زاذان، عن البراءِ، عن النبي ﷺ بنحوه (^١).\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكم بن بشيرٍ، قال: ثنا عمرو بن قيسٍ، عن يونسَ بن خَبَّابٍ، عن المنهالِ، عن زاذانَ، عن البراء بن عازب، عن النبي ﷺ نحوه (^٢).\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمر، وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا مهدى بن ميمون، جميعًا عن يونسَ بن خبابٍ، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله ﷺ، وذكر قبض روح المؤمنِ، قال: \"فيأتيه آت في قبره، فيقولُ من ربُّك؟ وما دينُك؟ ومن نبيك؟ فيقولُ: ربى الله، وديني الإسلام، ونبيِّىَ محمد ﷺ، فينتهرُه، فيقولُ: مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ فهى آخر فتنةٍ تُعْرَضُ على المؤمن، فذلك حينَ يقولُ الله ﷿: ﴿يُثَبَّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فيَقُولُ: ربى الله، ودينيَ الإسلام، ونبيِّىَ محمدٌ ﷺ. فيقال له: صدقتَ\" (^٣).\nواللفظ لحديث ابن عبد الأعلى.\nحدثنا محمدُ بنُ خَلَفٍ العسقلاني. قال: ثنا آدم، قال: ثنا حماد بن سلمة،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٧٤، ٣٨٢، وأحمد ٣٠/ ٥٠٦ (١٨٥٣٥)، وأبو داود (٤٧٥٤)، وابن منده (١٠٦٤)، والحاكم ١/ ٣٧، والبيهقى في عذاب القبر (٣٣، ٣٤) من طرق عن ابن نمير به.\n(^٢) أخرجه النَّسَائِي (٢٠٠٠)، وابن ماجه (١٥٤٩) من طريق عمرو بن قيس به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٦٧٣٧)، وأحمد ٣٠/ ٥٧٦ (١٨٦١٤)، والحاكم ١/ ٣٩ من طريق معمر به، وأخرجه الحاكم أيضًا ١/ ٣٩ من طريق مهدى بن ميمون به.","vol":"13","page":661},{"text":"عن محمد بن عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: تلا رسول الله ﷺ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قالَ: ذاك إذا قيل في القبرِ: مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ فيقولُ: ربى الله، وديني الإسلامُ، ونبيِّى محمد ﷺ، جاء بالبيِّنات من عندِ اللَّهِ، فَآمَنتُ به وصدَّقتُ. فيقال له: صدَقتَ، على هذا عِشْتَ، وعليه مِتَّ، وعليه تبعثُ\" (^١).\nحدثنا مجاهد بن موسى، والحسن بن محمدٍ، قالا: ثنا يزيد، قال: أخبرنا محمدُ بنُ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرة، قال: إن الميتَ لَيسمعُ خَفْقَ نعالِهم حينَ يولُّون عنه مدبرين، فإذا كان مؤمنًا، كانت الصَّلاةُ عند رأسه، والزكاة عن يمينه، وكان الصيام عن يسَارِه، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروفِ والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيُؤتَى من عند رأسه، فتقولُ الصلاة: ما قبلى مدخل. فيُؤتَى عن يمينه، فتقولُ الزكاةُ: ما قِبَلى مدخَلٌ. فيُؤْتَى عن يساره، فيقولُ الصيامُ: ما قبلى مَدْخَلٌ. فَيُؤْتَى مِنْ عِندِ رجليه، فيقولُ فَعلُ الخيراتِ من الصدقةِ والصلة والمعروف والإحسان إلى الناسِ: ما قِبَلى مدخل. فيُقالُ له: اجلسْ. فيجلسُ، قد مُثِّلتْ (^٢) له الشمس قد دَنَت للغروبِ، فيُقالُ له: أخبرنا عما نسألُك. فيقولُ: دعُونى حتى أُصلِّىَ. فيقال (^٣): إنك ستفعل، فأخبرنا عما نسألك عنه. فيقولُ: وعم تسألون؟ فيقالُ: أرأيتَ هذا الرجل الذي كان فيكم، ماذا تقولُ فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقولُ: أمحمد؟ فيقال له: نعم. فيقولُ: أشهد أنه رسولُ اللَّهِ، وأنَّه جاء بالبينات من عندِ اللَّهِ فصدَّقناه. فيقال له: على ذلك حييتَ، وعلى\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في عذاب القبر (٨) من طريق آدم به، وأخرجه أحمد ١٤/ ٢٣٤ (٨٥٦٣)، والطبراني في الأوسط (٢٦٣٠)، والحاكم ١/ ٣٨٠، ٣٨١ من طرق عن حماد به.\n(^٢) في ص، ف: \"تمثلت\".\n(^٣) في م: \"فيقول\".","vol":"13","page":662},{"text":"ذلك مِتَّ، وعلى ذلك تُبعثُ إن شاء اللَّهُ. ثم يُفسَحُ له في قبره سبعون ذراعًا، ويُنَوَّر له فيه، ثم يُفتَحُ له بابٌ إلى الجنةِ، فيُقالُ له: انظُرْ إلى ما أعد الله لك فيها. فيزدادُ غِبْطَةً وسرورًا، ثم يُفتَحُ له باب إلى النارِ، فيُقالُ له: انظرْ ما صرَف الله عنك لو عصيته. فيزدادُ غِبْطَةً وسرورًا، ثم يُجعلُ نَسمُه في النَّسَم الطيِّبِ، وهى طيرٌ خضرٌ تَعلَّقُ بشجرِ الجنة، ويُعاد جسده إلى ما بُدئ منه من الترابِ، وذلك قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ \" (^١).\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا أبو قَطَنٍ، قال: ثنا المسعودى، عن عبد الله بن مخارق، عن أبيه، عن عبدِ اللَّهِ، قال: إن المؤمنَ إذا مات أُجلس في قبره، فيقالُ له: مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ ومَن نبيُّك؟ فيُثبِّتُه اللَّهُ، فيقولُ: ربى الله وديني الإسلام، ونبيِّيَ محمدٌ. قال: فقرأ عبدُ اللَّهِ ﴿يُثَبَّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (^٢).\nحدثنا الحسن، قال: ثنا أبو خالد القرشى، عن سفيان، عن أبيه، وحدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن خيثمة، عن البراء في قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: عذابُ القبرِ (^٣).\nحدثنا الحسن، قال: ثنا عفان، قال: ثنا شعبة، عن علقمة بن مَرثَدٍ، عن سعدِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٨٣ عن يزيد - هو ابن هارون - به، وعبد الرزاق في المصنف (٦٧٠٣) من طريق محمد بن عمرو به.\n(^٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١٤٢٩)، والطبراني (٩١٤٥)، والبيهقي في عذاب القبر (٩) من طريق المسعودى به.\n(^٣) أخرجه مسلم (٧٤/ ٢٨٧١)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١٤٣٠)، والنسائي (٢٠٥٥)، وابن منده في الإيمان (١٠٦٣)، والبيهقى في عذاب القبر (١٣) من طريق سفيان به.","vol":"13","page":663},{"text":"ابن عبيدةَ، عن البراءِ، عن النبيِّ ﷺ في قول الله تعالى: ﴿يُثَبَّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال شعبة شيئًا لم أحفظْه، قال: في القبرِ (^١).\nحدَّثني محمد بن سعدِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يُثَبَّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾. إلى قوله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾. قال: إن المؤمن إذا حضره الموتُ شهدته الملائكةُ، فسلَّموا عليه، وبشَّروه بالجنةِ، فإذا مات مشوا في جنازته، ثم صَلُّوا عليه مع الناس، فإذا دُفن أُجلِس في قبره، فيقال له: مَن ربُّك؟ فيقولُ: ربى اللَّهُ. ويقالُ له: مَن رسولُك؟ فيقول: محمد. فيقال له: ما شهادتك؟ فيقولُ: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ اللَّهِ. فيُوسَّعُ له في قبرِه مَدَّ بصره (^٢).\nحدثنا الحسنُ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: قال ابن جريج: سمعتُ ابن طاوسٍ يخبرُ عن أبيه، قال: لا أعلمه إلا قال: هي في فتنة القبرِ. في قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ (^٣).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن العلاء بن المسيَّبِ، عن أبيه، أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾: هي في صاحبِ القبرِ.\nحدثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن العوامِ، عن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣٠/ ٤٣٥ (١٨٤٨٢) عن عفان به، وقد تقدم تخريجه ص ٦٥٨ حاشية (٢)، ص ٦٥٩ حاشية (١).\n(^٢) أخرجه البيهقي في عذاب القبر (٢٥٦) من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨١ إلى المصنف.","vol":"13","page":664},{"text":"المسيَّبِ بن رافعٍ: ﴿يُثَبَّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾. قال: نزلت في صاحبِ القبرِ (^١).\nحدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عباد بن العوامِ، عن العلاء بن المسيَّبِ، عن أبيه المسيَّبِ بن رافع نحوَه (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعدٍ، قال: أخبَرنا أبو جعفر الرازيُّ، عن الربيع في قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾. قال: بلغنا أن هذه الأمةَ تُسْألُ في قبورها، فيثبِّتُ الله المؤمنَ في قبره حين يُسْأَلُ.\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو ربيعةً فهدٌ، قال: ثنا أبو عوانةَ، عن الأعمش، عن المنهالِ بن عمرو، عن زاذانَ، عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله ﷺ، وذكَر قبضَ روح المؤمنِ، قال: فترجع روحه في جسدِه، ويبعث الله إليه ملَكَين شدِيدَى الانتهارِ، فيُجلسانه وينتهرانه، يقولان: من ربُّك؟ \". قال: \"فيقولُ: اللَّهُ. وما دينك؟ قال: الإسلام\". قال: \"فيقولان لَه: ما هذا الرجل أو النبيُّ الذي بُعِث فيكم؟ فيقولُ: محمدٌ رسولُ اللَّهِ\". قال: \"فيقولان له: وما يُدريك؟ قال: \"فيقولُ: قرأتُ كتابَ اللَّهِ، فَآمَنْتُ به وصَدَّقْتُ. فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ \" (^٣).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿يُثَبَّتُ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١٤٣١) من طريق هشيم به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٣٠، ١٠/ ٤٣٤ عن عباد به.\n(^٣) أخرجه الطيالسي (٧٨٩)، وأبو نعيم في الحلية ٩/ ٥٦، والبيهقى في عذاب القبر (٢٧) من طريق أبي عوانة به.","vol":"13","page":665},{"text":"اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال: نزَلت في الميِّتِ الذي يُسألُ في قبرِه عن النبيِّ ﷺ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال: بلَغَنا أن هذه الأمةَ تُسألُ في قبورِها، فيثبِّتُ اللهُ المؤمنَ حيث يُسألُ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شريكٌ، عن إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: هذا في القبرِ مخاطبتُه، وفى الآخِرَةِ مثلُ ذلك (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: يثبِّتُ اللهُ الذين آمنوا بالإيمانِ في الحياةِ الدنيا:\nوهو القولُ الثابتُ، وفي الآخرةِ: المسألةُ في القبرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4761>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾: المسألةُ في القبرِ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨١ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٢ عن معمر به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨١ إلى المصنف.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٢، وأخرجه الطبراني في الدعاء (١٦٢٦) من طريق عبد الرزاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":666},{"text":"الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. أما الحياةُ الدنيا، فيثبتُهم بالخيرِ والعملِ الصالحِ، وقولُه: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾: أي في القبرِ (^١).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك ما ثبَت به الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ في ذلكِ، وهو أن معناه: يثبِّتُ اللهُ الذين آمنوا بالقولِ الثابتِ في الحياةِ الدنيا، وذلك تثبيتُه إياهم في الحياة الدنيا بالإيمانِ باللهِ وبرسولِه محمدٍ ﷺ، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ بمثلِ الذي ثبَّتهم به في الحياةِ الدنيا، وذلك في قبورِهم حين يُسأَلون عن الذي هم عليه من التوحيدِ والإيمانِ برسولِه ﷺ.\nوأما قولُه: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾. فإنه يعني أن الله لا يوفِّقُ المنافقَ والكافرَ في الحياةِ الدنيا، وفي الآخرةِ عند المسألةِ في القبرِ، لِما هدَى له المؤمنَ من الإيمانِ باللهِ ورسولِه ﷺ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4762>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: أما الكافرُ فتنزلُ (^٢) الملائكةُ إذا حضَره الموتُ، فيبسُطون أيديَهم - والبسطُ هو الضربُ - يضربون وجوهَهم وأدبارَهم عند الموتِ، فإذا أُدخِل قبرَه أُقعِد، فقيل له: مَنْ ربُّك؟ فلم يُرْجِعْ إليهم شيئًا، وأنساه اللهُ ذكرَ ذلك، وإذا قيل له: مَن الرسولُ الذي بُعِث إليك؟ لم يهتدِ له، ولم يُرجِعْ إليهم (^٣) شيئًا، يقولُ اللهُ:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"فتقول\". وفي ت ٢: \"فيقول\".\n(^٣) في النسخ: \"إليه\". والمثبت من مصدرى التخريج.","vol":"13","page":667},{"text":"﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا فهدُ بنُ عوفٍ أبو ربيعةَ، قال: ثنا أبو عوانةَ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن زاذانَ، عن البراءِ، قال: قال رسولُ اللهُ ﷺ، وذكَر الكافرَ حين تُقبضُ روحُه، قال: \"فتُعادُ روحُه في جسدِه\". قال: \"فيأتيه ملكان شَدِيدَا الانتهارِ، فيُجْلِسانِه فينتهرانِه، فيقُولان له من ربُّك؟ فيقولُ: لا أدرى\". قال: \"فيَقولان له: ما دينُكَ؟ فيقولُ: لا أدرى\". قال: \"فيقالُ له: ما هذا النبيُّ الذي بُعثِ فيكم؟ \". قال: \"فيقولُ: سمعتُ الناسَ يقولُون ذلك، لا أدْرى\". قال: \"فيقولان: لا دَرَيْتَ! \". قالَ: \"وذلك قولُ اللهِ: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (^١) \".\nوقولُه: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: وبيدِ اللهِ الهدايةُ والإضلالُ، فلا تنكِروا أيها الناسُ قُدرتَه، ولا اهتداءَ مَن كان منكم ضالًّا، ولا ضلالَ من كان منكم مهتديًا، فإن بيدِه تصريفَ خلقِه، وتقليبَ قلوبِهم، يفعلُ فيهم ما يشاءُ.\n\n<span id=\"aya-1778\"></span><span data-type='title' id=toc-4763>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ألم تنظُرْ يا محمدُ إلى الذين ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾. يقولُ: غيَّروا ما أنعَم اللهُ به عليهم مِن نعمةٍ (^٢)، فجعَلوها كُفْرًا به، وكان تبديلُهم نعمةَ اللهِ كفرًا في نبيِّ اللهِ محمدٍ ﷺ؛ أنعم اللهُ به على قريشٍ فأخرَجه منهم،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٦٦٥.\n(^٢) في م: \"نعمه\".","vol":"13","page":668},{"text":"وابتعَثه فيهم رسولًا؛ رحمةً لهم، ونعمةً منه عليهم، فكفَروا به وكذَّبوه، فبدَّلوا نعمةَ اللهِ عليهم به كفرًا.\nوقولُه: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. يقولُ: وأنزَلوا قومَهم من مُشركي قريشٍ دارَ البَوارِ؛ وهى دارُ الهلاكِ. يقالُ منه: بار الشيءُ يبورُ بَوْرًا، إذا هلَك وبطَل. ومنه قولُ ابن الزِّبَعْرَى، وقد قيل: إنه لأبي سفيانَ بن الحارثِ بن عبدِ المطلبِ (^١):\nيا رسولَ المَلِيكِ إِنَّ لِسانِي … رَائِقٌ (^٢) ما فَتَقْتُ إذ أنا بُورُ\n\n<span id=\"aya-1779\"></span>ثم تُرْجِم عن دارِ البوارِ وما هي، فقيل: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾. يقولُ: وبئس المستقرُّ هي جهنمُ لَمَن صلَاها.\nوقيل: إن الذين بدَّلوا نعمةَ اللهِ كفرًا بنو أميةَ وبنو مخزومٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4764>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ وأحمدُ بنُ إسحاقَ، قالا: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عليّ بن زيدٍ، عن يوسفَ بن سعدٍ، عن عمرَ بن الخطابِ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ﴾. قال: هما الأفجرانِ من قريشٍ، بنو المغيرةِ وبنو أميةَ؛ فأما بنو المغيرةِ فكفِيتُموهم يومَ بدرٍ، وأما بنو أميةَ فمُتِّعوا إلى حينٍ (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"الملك\".\nوالبيت في سيرة ابن هشام ٢/ ٤١٩، وتاريخ المصنف ٣/ ٦٤ منسوبا إلى ابن الزبعرى.\n(^٢) الرائق: الساد، تقول: رتقت الشيء إذا سددته. شرح غريب السيرة ٣/ ٨١.\n(^٣) أخرجه البخارى في تاريخه ٨/ ٣٧٣ من طريق سفيان به مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٤ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"13","page":669},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ الفضلُ بنُ دُكَينٍ، قال: أخبَرنا حمزةُ الزياتُ، عن عمرِو بن مُرّةَ، قال: قال ابن عباسٍ لعمرَ ﵄: يا أميرَ المؤمنين، هذه الآيةُ: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: هم الأفجرانِ من قريشٍ، أخوالى وأعمامُك؛ فأما أخوالى فاستأْصلهم اللهُ يومَ بدرٍ، وأما أعمامُك فأملَى اللهُ لهم إلى حينٍ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرٍو [ذى مُرٍّ] (^٢)، عن عليٍّ: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: الأفجران من قريشٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرو ذى مُرٍّ، عن عليٍّ مثلَه.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ وشريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرٍو ذى مُرٍّ، عن عليٍّ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: بنو المغيرةِ وبنو أميةَ؛ فأما بنو المغيرةِ فقطَع اللهُ دابرَهم يومَ بدرٍ، وأما بنو أميةَ فمُتِّعوا إلى حينٍ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٢٨ عن حمزة الزيات به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٤ إلى ابن مردويه.\n(^٢) في ت ١، وتفسير ابن كثير نقلا عن تفسير ابن أبي حاتم: \"بن مرة\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٣٠٢.\n(^٣) تفسير سفيان ص ١٥٧، ومن طريقه الحاكم ٢/ ٣٥٢، وقال: صحيح الإسناد، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٤/ ٤٢٧ - من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمر بن مرة، وقال ابن كثير عقبه: ورواه أبو إسحاق، عن عمرو ذي مر، عن علي نحوه، وروى من غير وجه عنه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٤ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"13","page":670},{"text":"إسحاقَ، قال: سمِعتُ عمرًا ذا مُرٍّ، قال: سمِعتُ عليًّا يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: الأفجرانِ من بني أسدٍ وبني مخزومٍ.\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن أبي الطفيلِ، عن عليٍّ، قال: هم كفارُ قريشٍ. يعنى في قولِه: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن أبي الطفيلِ، أنه سمِع عليَّ بنَ أبي طالبٍ، وسأَله ابن الكوّاءِ عن هذه الآيةِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: هم كفارُ قريشٍ يومَ بدرٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو النضرِ هاشمُ بنُ القاسمِ، عن شعبةَ، عن القاسمِ بن أبي بَزّةَ، قال: سمِعتُ أبا الطفيلِ، قال: سمِعت عليًّا. فذكر نحوَه.\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيْعٍ، عن مسلمٍ البطينِ، عن أبي أرطاةَ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾. قال: هم كفَّارُ قريشٍ. هكذا قال أبو السائبِ: مسلمٌ البطينُ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٤/ ٤٢٧ - من طريق شعبة به، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ٩٥، من طريق أبي الطفيل، عن علي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٤ إلى ابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٢٦٧) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٢ من طريق أبي الطفيل، عن علي بلفظ آخر. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٥ إلى ابن المنذر والحاكم في الكنى.","vol":"13","page":671},{"text":"عن أبي أرطاةَ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ الزعفرانيُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ الضريرُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ سُميْعٍ، عن مسلمٍ، عن (^١) أرطاةَ، عن عليٍّ في قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾. قال: كفارُ قريشٍ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا شعبةُ، عن القاسمِ بن أبي بَزةَ، عن أبي الطفيلِ، عن عليٍّ، قال في قولِ اللهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: هم كفارُ قريشٍ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا شعبةُ، عن القاسمِ بن أبى بَزةَ، قال: سمِعتُ أبا الطفيلِ يحدِّثُ، قال: سمِعتُ عليًّا يقول في هذه الآيةِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: كفارُ قريشٍ يومَ بدرٍ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا الفضلُ بنُ دُكَيْنٍ، قال: ثنا بسامٌ (^٣) الصَّيرفيُّ، قال: ثنا أبو الطفيلِ عامرُ بنُ واثلةَ، ذكَر أن عليًّا قام على المنبرِ، فقال: سلونى قبلَ ألَّا تسألونى، ولن تسألوا بعدى مثلى. فقام ابن الكوّاءِ فقال: ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: منافقو قريشٍ (^٤).\n_________\n(^١) في النسخ: \"بن\". والصواب ما أثبتناه، ومسلم المذكور هو البطين المتقدم في الإسناد قبله، وانظره في تهذيب الكمال ٢٧/ ٥٢٦.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٥ إلى ابن مردويه بلفظ: الناس منها برآء غير قريش.\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"يسار\" وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٥٨.\n(^٤) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٥٢ من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين به، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٤/ ٤٢٧ - من طريق بسام به، وقال الحاكم: حديث صحيح عال.","vol":"13","page":672},{"text":"حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا بسامٌ، عن رجلٍ قد سماه الطَّنَافِسِيُّ، قال: جاء رجلٌ إلى عليٍّ فقال: يا أميرَ المؤمنين، ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: في قريشٍ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا بسامٌ الصيرفيُّ، عن أبي الطفيلِ، عن عليٍّ أنه سُئلِ عن هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾. قال: منافقو قريشٍ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا عمرُو بنُ دينارٍ، أن ابنَ عباسٍ قال في قولِ اللهِ: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: هم المشركون من أهلُ بدرٍ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الجبارِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، قال: سمِعتُ عطاءً يقولُ: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: هم واللهِ أهلُ مكةَ ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا صالحُ بنُ عمرَ، عن مُطَرِّفِ بن طَرِيفٍ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ عمرًا ذا مُرٍّ يقولُ: سمِعتُ عليًّا يقولُ على المنبرِ، وتلَا هذه الآيةَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: هما الأفجرانِ من قريشٍ؛ فأما أحدُهما فقطَع اللهُ دابرَهم يومَ بدرٍ، وأما الآخرُ فمُتِّعوا إلى حينٍ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البغوي في الجعديات (٣٣٧١) من طريق حماد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٥ إلى ابن مردويه.\n(^٢) أخرجه البخارى (٣٩٧٧، ٤٧٠٠) - ومن طريقه البغوي في تفسيره ٤/ ٣٥٢ - والبيهقي في الدلائل ٣/ ٩٥ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٤ إلى سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧٧٦) من طريق صالح بن عمر به.","vol":"13","page":673},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدِ قولِه: ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾. قال: كفارُ قريشٍ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن مجاهدٍ، قال: كفارُ قريشٍ.\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾: كفارُ قريشٍ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابن عيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عطاءٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: هم واللهِ ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قريشٌ. أو قال: أهلُ مكةَ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا غُنْدَرٌ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآية: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: قتلَى يومِ بدرٍ.\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤١٢.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٢، ٣٤٣.","vol":"13","page":674},{"text":"هم كفارُ قريشٍ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بن المُثَنَّى، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا هشيمٌ، عن حُصَينٍ، عن أبي مالكٍ وسعيدِ بن جبيرٍ، قالا: هم قتلى بدرٍ من المشركين.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عيينةَ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ في: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: هم واللهِ أهلُ مكةَ. قال أبو كريبٍ: قال سفيانُ: يعني كفارَهم (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: هم المشركون من أهلِ بدرٍ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي إسحاقَ، عن بعض أصحابِ عليٍّ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾. قال: هم الأفجرانِ من قريشٍ، من بني مخزومٍ وبني أميةَ؛ أما بنو مخزومٍ فإن الله قطَع دابرَهم يومَ بدرٍ، وأما بنو أميةَ فمُتِّعوا إلى حينٍ.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا مُعَلَّى بنُ أسدٍ، قال: أخبرَنا خالدٌ، عن حصينٍ، عن أبي مالكٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾. قال: هم القادةُ من المشركين يومَ بدرٍ.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن حصينٍ،\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٢٦٨) من طريق ابن عيينة به.","vol":"13","page":675},{"text":"عن أبي مالكٍ وسعيد بن جبيرٍ، قالا: هم كفارُ قريشٍ، مَن قُتِل ببدرٍ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: هم كفارُ قريشٍ، مَن قُتِل ببدرٍ.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ الآية. قال: هم مشركو أهلِ مكةَ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: أخبرَني محمدُ بنُ إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءِ بن يسارٍ، قال: نزَلت هذه الآيةُ في الذين قُتِلوا من قريشٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾: كنا نُحَدَّثُ أنهم أهلُ مكةَ؛ أبو جهلٍ وأصحابُه الذين قتَلهم (^٢) اللهُ يومَ بدرٍ، قال اللهُ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: هم قادةُ المشركين يومَ بدرٍ، أحلُّوا قومَهم دارَ البوارِ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٥ إلى المصنف وفيه زيادة.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قتل\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٣ عن معمر به.","vol":"13","page":676},{"text":"حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: هؤلاء المشركون من أهلِ بدرٍ.\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، [عن أبيه] (^١)، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾: فهو جَبَلةُ بنُ الأيهمِ، والذين اتبَعوه من العربِ فلحِقوا بالرومِ (^٢).\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4765>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: أحلُّوا مَن أطاعهم من قومِهم.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن ابن: عباسٍ: ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: الهلاكِ. قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: أصحابُ بدرٍ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿دَارَ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٢٧ عن العوفي، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٥ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"13","page":677},{"text":"الْبَوَارِ﴾: النار. قال: وقد بَيَّنَ اللهُ ذلك وأخبَركَ (^١) به، فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾: هي دارُهم في الآخرةِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1780\"></span><span data-type='title' id=toc-4766>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالَى ذكرُه: وجعَل هؤلاء الذين بدَّلوا نعمةَ اللهِ كفرًا لربَّهم أندادًا. وهي جماعُ نِدٍّ.\nوقد بيَّنتُ معنى \"الندِّ\" فيما مَضَى بشواهدِه بما أغنَى عن إعادتِه (^٤). وإنما أراد أنهم جعَلوا للهِ شركاءَ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾: والأندادُ الشركُ (^٥).\nوقولُه: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾. اختلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿لِيُضِلُّوا﴾ (^٦). بمعنى: كي يُضِلُّوا الناسَ عن\n_________\n(^١) في ف: \"أخبر\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٥ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٣٩٠، ٣٩١.\n(^٥) في م: \"الشركاء\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر بلفظ: أشركوا بالله.\n(^٦) وهى قراءة نافع وابن عامر والكسائي وحمزة وعاصم. حجة القراءات ص ٣٧٨.","vol":"13","page":678},{"text":"سبيلِ اللهِ بما فعلوا من ذلك.\nوقرأته عامةُ قرأةِ أهلِ البصرةِ: (ليَضِلُّوا) (^١). بمعنى: كي يَضِلَّ جاعِلو الأندادِ للهِ عن سبيلِ اللهِ.\nوقولُه: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّهِ محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهم: تمتَّعوا في الحياةِ الدنيا، وعيدًا من اللهِ لهم لا إباحةً لهم التمتعَ بها، ولا أمرًا على وجهِ العبادةِ، ولكنْ توبيخًا وتهدُّدًا ووعيدًا، وقد بيَّن ذلك بقولِه: ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾. يقولُ: استمتِعوا في الحياةِ الدنيا، فإنها سريعةُ الزوالِ عنكم، وإلى النارِ تصيرون عن قريبٍ، فتعلَمون هنالك غِبَّ تمتُّعِكم في الدنيا بمعاصي اللهِ، وكفرِكم فيها به.\n\n<span id=\"aya-1781\"></span><span data-type='title' id=toc-4767>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّهِ محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ لعبادىَ الذين آمَنوا بك، وصدّقوا أن ما جئتهم به من عندِي ﴿يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. يقولُ: قُلْ لهم: فلْيُقيموا الصلواتِ (^٢) الخمسَ المفروضةَ عليهم بحدودِها، ولْيُنْفِقوا مما رزَقناهم فخوّلْناهم من فضلِنا، ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾: فليُؤدّوا ما أوجبتُ عليهم من الحقوقِ فيها سرًّا وإعلانًا، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾. يقولُ: لا يُقبلُ فيه فديةٌ وعوضٌ من نفسٍ وجَب عليها عقابُ اللهِ، بما كان منها من معصيةِ ربِّها في الدنيا، فيقبلَ منها الفديةُ. وتُتركَ فلا تُعاقبَ. فسمَّى اللهُ جلّ ثناؤه الفديةَ عوضًا؛ إذ كان أَخْذَ عِوَضٍ (^٣) من\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو. ينظر حجة القراءات ص ٣٧٨.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الصلاة\".\n(^٣) في ص: \"عوضا\".","vol":"13","page":679},{"text":"معتاضٍ منه.\nوقولُه: ﴿وَلَا خِلَالٌ﴾. يقولُ: وليس هنالك مُخالَّةٌ خليلٍ، فيصفَحُ عمَّن استوجبَ العقوبةَ عن العقابِ لمخالَّتِه، بل هنالك العدلُ والقسطُ. فـ \"الخلالُ\"، مصدرٌ من قولِ القائلِ: خاللتُ فلانًا، فأنا أُخالِلُه (^١) مخالةً وخلالًا، ومنه قولُ امرئ القيسِ (^٢):\nصرَفْتُ الهَوَى عَنْهُنَّ مِن خَشْيَةِ الرَّدَى … ولستُ بِمَقْليِّ الخِلالِ ولا قالِ\nوجزْمُ قولِه: ﴿يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. بتأويلِ الجزاءِ، ومعناه الأمرُ، يُرادُ: قلْ لهم: ليقيموا الصلاةَ.\nحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. يعنى الصلواتِ الخمسَ، ﴿وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾. يقولُ: زكاةً أموالِهم (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾. قال قتادةُ: إِنَّ الله ﵎ قد علِمَ أنَّ في الدنيا بيوعًا وخِلالًا يتخالُّون بها في الدنيا، فينظرُ (^٤) رجلٌ من يخالُّ (^٥)، وعلامَ يصاحبُ؟ فإن كان لله فليداومْ، وإن كان لغيرِ اللهِ، فإنها ستنقطعُ عنه (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) في م: \"أخاله\".\n(^٢) ديوانه ص ٣٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٥٦ من طريق أبي صالح به.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ف: \"فنظر\".\n(^٥) في م: \"يخالل\".\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":680},{"text":"<span id=\"aya-1782\"></span><span data-type='title' id=toc-4768>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ الذي أنشَأ السماواتِ والأرضَ مِن غيرِ شيءٍ، أَيُّها الناسُ، وأنْزَل مِن السماءِ غَيْثًا أحْيا به الشجرَ والزرعَ، فأَثْمَرَت رزقًا لكم تأْكُلونه ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ وهى السفنُ، ﴿لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ لكم، تَرْكَبونها وتَحْمِلون فيها أمتعتَكم مِن بلدٍ إلى بلدٍ، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾؛ ماؤُها شرابٌ لكم. يقولُ تعالى ذكرُه: الذي يَسْتَحِقُّ عليكم العبادةَ وإخلاصَ الطاعةِ له، مَن هذه صفتُه، لا مَن لا يَقْدِرُ على ضُرٍّ ولا نفعٍ، لنفسِه ولا لغيرِه، مِن أوثانِكم، أيُّها المشركون، وآلهتِكم.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، يعنى الزَّعْفَرانيَّ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، وحدَّثنى المُثَنَّى قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾. قال: بكلِّ بَلْدةٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-1783\"></span><span data-type='title' id=toc-4769>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ الذي خلَق السماواتِ والأَرضَ، وفعل الأفعالَ التي\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤١٢ من طريق ورقاء به، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٥ عن مجاهد به، وعزاه إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":681},{"text":"وصَف، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَتَعاقَبان عليكم، أيُّها الناسُ، بالليلِ والنهارِ؛ لصلاحِ أنفسِكم ومعَاشِكم، دائبين في اختلافِهما عليكم.\nوقيل: معناه أنهما دائِبان في طاعةِ اللهِ.\nحدَّثنا خلفُ بنُ واصلٍ، عن رجلٍ، عن مُقاتِلِ بن حَيَّانَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾. قال: دُءُوبُهما في طاعةِ اللهِ (^١).\nوقولُه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: يَخْتَلِفان عليكم باعْتِقابٍ، إذا ذهَب هذا جاء هذا، [وإذا ذهَب هذا جاء هذا] (^٢)، بمنافعِكم وصلاحِ أسبابِكم، فهذا لكم لتصرُّفِكم فيه لمعَاشِكم، وهذا لكم للسَّكَنِ، تَسْكُنون فيه، ورحمةٌ منه بكم.\n\n<span id=\"aya-1784\"></span><span data-type='title' id=toc-4770>القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأعْطاكم - مع إنعامه عليكم بما أنْعَم به عليكم؛ مِن تسخيرِ هذه الأشياءِ التي سخَّرها لكم، والرزقِ الذي رزقَكم من نباتِ الأرضِ وغروسِها - من كلِّ شيءٍ سَأَلْتُموه ورغِبْتُم إليه شيئًا. وحذَف الشيءَ الثانيَ اكْتِفاءً بـ \"ما\" التي أُضِيفَت إليها \"كلِّ\"، وإنما جاز حذفُه؛ لأن \"مِنَ\" تُبَعِّضُ ما بعدَها، فكفَتْ بدَلالِتها على التبعيضِ من المفعولِ، فلذلك جاز حذفُه، ومثلُه قولُه تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]. يعنى به: وأُوتِيَت من كلِّ شيءٍ في زمانِها شيئًا.\n_________\n(^١) ذكره البغوي ٤/ ٣٥٣ عن ابن عباس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٥ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"13","page":682},{"text":"وقد قيل: إن ذلك إنما قيل على التكثير، نحوَ قولِ القائلِ: فلانٌ يَعْلَمُ كُلَّ شيءٍ، وأتاه كلُّ الناسِ. وهو يعنى بعضَهم، وكذلك قولُه: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤].\nوقيل أيضًا: إنه ليس شيءُ إلا وقد سأَله بعضُ الناسِ، فقيل: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾. أي: قد أتَى بعضَكم منه شيئًا، وآتى آخر شيئًا مما قد سأَله. وهذا قولُ بعضِ نحويى أهلِ البصرةِ.\nوكان بعضُ نحويى أهلِ الكوفةِ يقولُ: معناه: وآتاكم مِن كلِّ ما سأَلْتُموه لو سأَلْتُموه، كأنه قيل: وآتاكم مِن كلِّ سُؤْلِكم (^١)، وقال: ألا تَرَى أنك تَقولُ للرجلِ لم يَسْأَلْك شيئًا: واللهِ لأُعْطِيَنَّك سُؤْلَك ما بلَغَتْ مسألتُك وإن لم تَسْأَلْ.\nفأما أهلُ التأويلِ، فإنهم اخْتَلَفوا في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وآتاكم مِن كلِّ ما رغِبْتُم إليه فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4771>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنى الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: من كلِّ ما سألْتُموه ورغِبْتُم إليه فيه (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثنى المُثَنَّى، [قال: ثنا إسحاقُ] (^٣)، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن\n_________\n(^١) في معاني الفراء ٢/ ٧٨: \"وآتاكم كل سؤلكم\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤١٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٥ إلى ابن المنذر.\n(^٣) سقط من: م، وفى ت ١: \"قال ثنا أبو إسحاق\".","vol":"13","page":683},{"text":"ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، مثلَه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾. قال: مِن كلِّ الذي سأَلْتُموه.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وآتاكم مِن كلِّ الذي سأَلْتُموه والذي لم تَسْأَلُوه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4772>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا خلفٌ، يعني ابنَ هشامٍ، قال: ثنا مَحْبوبٌ، عن داودَ بن أبي هِنْدٍ، [عن رُكانةَ بن هاشمٍ] (^٢): ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾. قال: ما سأَلْتُموه وما لم تَسْأَلُوه.\nوقرَأ ذلك آخرون: (وآتاكم مِن كلِّ ما سأَلْتُموه) (^٣) بتنوينِ \"كل\"، وتركِ إضافتِها إلى \"ما\"، بمعنى: وآتاكم مِن كلِّ شيءٍ لم تَسْأَلُوه ولم تَطْلُبوه منه؛ وذلك أن العبادَ لم يَسْأَلُوه الشمسَ والقمرَ والليلَ والنهارَ، وخلَق ذلك لهم مِن غيرِ أن يَسْأَلُوه.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٣ عن معمر به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٥ إلى المصنف.\n(^٢) في ص \"عن ركان بن هاشم\"، وسقط من: ت ١، وفى ت ٢: \"عن ابن هشام\"، وفى ف: \"عن ابن هاشم\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٢٢١.\n(^٣) القراءة شاذة، وهى قراءة ابن عباس والضحاك والحسن ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وعمرو بن قائد وقتادة وسلام ويعقوب ونافع في رواية. البحر المحيط ٥/ ٤٢٨، ونسبت للحسن والأعمش في إتحاف فضلاء البشر ص ١٦٥.","vol":"13","page":684},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4773>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو حَصِينٍ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن يُونُسَ، قال: ثنا بَزِيعٌ (^١)، عن الضحاكِ بن مزاحِمٍ في هذه الآيةِ: (وآتاكم من كلٍّ ما سأَلْتُموه). قال: ما لم تَسْأَلُوه (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ، أنه كان يَقْرَأُ: (من كلٍّ ما سأَلْتموه)، ويُفَسِّرُه: أعطاكم أشياءَ ما سأَلْتُموها ولم تَلْتَمِسوها، ولكن أعْطَيْتُكم برحمتى وسَعَتى. قال الضحاكُ: فكم مِن شيءٍ أعطانا اللهُ ما سأَلْناه ولا طلَبْناه (^٢).\nحُدِّثْتْ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ (^٣)، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (وآتاكم من كلٍّ ما سأَلْتُموه). يقولُ: أعطاكم أشياءَ ما طلَبْتُموها ولا سأَلْتُموها، صدَق اللهُ، كم مِن شيءٍ أعْطاناه اللهُ ما سأَلْناه إياه، ولا خطَر لنا على بالٍ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: (وآتاكم من كلٍّ ما سأَلْتُموه). قال: لم تَسْأَلُوه من كلِّ الذي آتاكم (^٤).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا: القراءةُ التي عليها قَرَأَةُ الأمصارِ؛ وذلك إضافةُ \"كلِّ\" إلى \"ما\"، بمعنى: وآتاكم من (^٥) سُؤْلِكم شيئًا، على ما قد بيَّنا قبلُ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرَأةِ عليها، ورفضِهم القراءةَ الأخرى.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"وكيع بن بزيع\". وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٢٩٢.\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر ٥/ ٤٢٨ عن الضحاك به.\n(^٣) بعده في م: \"بن عبيد\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٣٤٣ من طريق معمر به.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"13","page":685},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4774>القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإن تَعُدُّوا، أيها الناسُ، نعمةَ اللهِ التي أَنْعَمَها عليكم، لا تُطِيقوا إحصاءَ عددِها، والقيامَ بشكرِها، إلا بعونِ اللهِ لكم عليها، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. يقولُ: إن الإنسانَ الذي بدَّل نعمةَ اللهِ كفرًا ﴿لَظَلُومٌ﴾. يقولُ: لشاكرٌ غيرَ مَن أَنْعَم عليه، فهو بذلك - من فعله -، واضعٌ الشكرَ في غيرِ موضعِه، وذلك أن الله هو الذي أنْعَم عليه بما أَنْعَم، واسْتَحَقَّ عليه إخلاصَ العبادةِ له، فعبَد غيرَه، وجعَل له أندادًا ليُضِلَّ عن سبيلِه، وذلك هو ظلمُه.\nوقولُه: ﴿كَفَّارٌ﴾. يقولُ: هو جَحودٌ نعمةَ اللهِ التي أنْعَم بها عليه؛ لصرفِه العبادةَ إلى غيرِ مَن أَنْعَم عليه، وتركِه طاعةَ مَن أَنْعَم عليه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن سعدِ بن إبراهيمَ، عن طَلْقِ بن حَبيبٍ، قال: إن حقَّ اللهِ أَثقلُ مِن أَن يَقومَ به العبادُ، وإِنَّ نعمَ اللهِ أكثرُ مِن أن يُحْصِيَها العبادُ، ولكن أَصْبِحوا تَوَّابِين، وأمْسُوا توابين (^١).\n\n<span id=\"aya-1785\"></span><span data-type='title' id=toc-4775>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واذْكُرْ يا محمدُ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾: يعنى الحرمَ، بلدًا آمنًا أهلُه وسكانُه، ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الشعب (٤٥٢٢) من طريق يزيد بن هارون به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٥ إلى ابن أبي شيبة.","vol":"13","page":686},{"text":"الْأَصْنَامَ﴾. يقالُ منه: جنَبْتُه الشرَّ، فأنا أَجْنُبُه جَنْبًا، وجنَّبْتُه الشرَّ، فأنا أُجَنِّبُه تَجْنيبًا، وأجْنَبتُه ذلك، فأنا أُجْنِبُه إجنابًا، ومِن \"جنَبْتُ\" قولُ الشاعرِ (^١):\nوتنفضُ مهدَه شفَقًا عليه … وتَجْنُبُه قلائصَنا الصِّعابَا\nومعنى ذلك: أبْعِدْنى وبَنيَّ من عبادةِ الأصنامِ. والأصنامُ جمعُ صنمٍ، والصنمُ هو التمثالُ المصوَّرُ، كما قال رُؤْبةُ بنُ العَجَّاجِ في صفةِ امرأةٍ (^٢):\nوَهْنانةٌ كالزُّونِ (^٣) يُجْلَى صَنَمُهْ … تَضْحَكُ عن أَشْنَبَ عَذْبٍ مَلْثَمُهْ\nوكذلك كان مجاهدٌ يقولُ.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾. قال: فاسْتَجاب اللهُ لإبراهيمَ دعوتَه في ولدِه، قال: فلم يَعْبُدْ أحدٌ مِن ولدِه صنمًا بعدَ دعوتِه - والصنمُ: التمثالُ المُصَوَّرُ، ما لم يَكُنْ صنمًا (^٤) فهو وَثَنٌ - قال: واسْتجاب اللهُ له، وجعَل هذا البلدَ آمنًا، ورزَق أهلَه مِن الثمراتِ، وجعَله إمامًا، وجعَل من ذريتِه مَن يُقِيمُ الصلاةَ، وتقبَّل دعاءَه، فأراه مناسِكَه، وتاب عليه (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، قال: كان إبراهيمُ التيميُّ\n_________\n(^١) البيت في مجاز القرآن ١/ ٣٤٢ بدون نسبة.\n(^٢) ديوانه ص ١٥٠.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"كالزور\". والزُّون: الصنم، وكل ما يعبد من دون الله، وهو موضع تجمع فيه الأنصاب. ينظر اللسان (ز ون).\n(^٤) كذا في النسخ، ولعل الصواب: \"مصوَّرا\"، فقد جاء في لسان العرب (ص ن م): الصنم ما كان له جسم أو صورة، فإن لم يكن له جسم أو صورة فهو وثن.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٦ إلى المصنف.","vol":"13","page":687},{"text":"يَقُصُّ، ويقولُ في قَصصِه: مَن يَأْمَنُ (^١) البلاءَ بعدَ خليلِ اللهِ إبراهيمَ حين يقولُ: رَبّ\nاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنامَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1786\"></span>وقولُه: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾. يقولُ (^٣): يا ربِّ، إن الأصنامَ ﴿أَضْلَلْنَ﴾، يقولُ: أَضْلَلْنَ (^٤) كثيرًا من الناسِ عن طريقِ الهُدَى وسبيلِ الحقِّ، حتى عبَدوهن، وكفَروا بك.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾. يعنى: الأوثانَ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ، عم قتادةَ: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾. قال: الأصنامُ.\nوقولُه: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾. يقولُ: فمَن تَبِعنى على ما أنا عليه مِن الإيمانِ بك، وإخلاصِ العبادةِ لك، وفراقِ عبادة الأوثانِ، ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾. يقولُ: فإنه مُشتَنٌّ بسُنَّتى، وعاملٌ بمثلِ عملى، ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: ومَن خالَف أمرى، فلم يَقْبَلْ منى ما دعَوْتُه إليه، وأَشْرَك بك، فإنك غفورٌ لذنوبِ المُذْنبين الخَطَّائين بفضلِك، رحيمٌ بعبادِك، تَعْفو عمن تَشاءُ منهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: اسْمَعُوا إلى قولِ خليلِ اللهِ إبراهيمَ، لا واللهِ، ما كانوا طعَّانين ولا لعَّانين، وكان يقالُ: إِن مِن أَشْرِّ عِبادِ اللهِ كُلَّ طَعَانٍ\n_________\n(^١) بعده في م: \"من\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ت ٢: \"يعنى الأوثان حدثني المثنى قال\".\n(^٤) في م: \"أزلن\".","vol":"13","page":688},{"text":"لعان، قال نبيُّ اللهِ ابن مريمَ ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (^١) [المائدة: ١١٨].\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أصبغُ بنُ الفرجِ، قال: أخبَرني ابن وهبٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ الحارثِ، أن بكرَ بنَ سَوَادةَ حدَّثه، عن عبدِ الرحمنِ بن جبيرٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو بن العاصِ، أن رسولَ اللهِ ﷺ تلا قولَ إبراهيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقالَ (^٢) عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]. فرفَع يديه، ثم قال قال: \"اللهم أمَّتى، اللهم أمَّتى\". وبكَى، فقال اللهُ ﵎: يا جبريلُ، اذْهَبْ إلى محمدٍ - وربُّك أعلمُ - فاسْأَله ما يُبْكِيه (^٣)؟ فأتاه جبريلُ فسأله، فأخْبرَه رسولُ اللهِ ﷺ ما (^٤) قال. قال: فقال اللهُ: يا جبريلُ، اذْهَبْ إلى محمدِ فقلْ له: إنا سنُرْضِيك في أمتِك ولا نَسُوءُك (^٥).\n\n<span id=\"aya-1787\"></span><span data-type='title' id=toc-4776>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾.</span>\nوقال إبراهيمٌ خليلُ الرحمنِ هذا القولَ، حينَ أسْكن إسماعيلَ وأُمَّه هاجَرَ -\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٦ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) قال النووى: هكذا هو في الأصول: \"وقال عيسى\"، قال القاضي عياض: قال بعضهم: قوله: \"قال\" هو اسم للقول لا فعل، يقال: قال قولًا وقالًا وقيلًا، كأنه قال: وتلا قول عيسى. صحيح مسلم بشرح النووى ٣/ ٧٨.\n(^٣) في ت ١، وصحيح مسلم: \"يبكيك\".\n(^٤) في صحيح مسلم: \"بما\".\n(^٥) صحيح مسلم (٣٤٦/ ٢٠٢) من طريق ابن وهب به.","vol":"13","page":689},{"text":"فيما ذُكِر - مكةَ.\nكما حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ والحسنُ بنُ محمدٍ، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن أيوبَ، قال: نُبِّئتُ عن سعيدِ بن جبيرٍ، أنه حدَّث عن ابن عباسٍ، قال: إن أولَ من سعَى بينَ الصفا والمروةِ لأمُّ إسماعيلَ، وإن أولَ ما أَحْدَث نساءُ العربِ جَرَّ الذُّيولِ لِمن (^١) أمِّ إسماعيلَ (^٢). قال: لما فرَّت مِن سارةَ أَرْخَت مِن ذيلِها؛ لتُعَفِّىَ أثرَها، فجاء بها إبراهيمُ ومعها إسماعيلُ، حتى انْتَهى بهما إلى موضعِ البيتِ، فوضَعَهما ثم رجَع، فاتَّبَعَته فقالت: إلى إيشْ (^٣) تَكِلُنا؟ إلى طعامٍ تَكِلُنا؟ إلى شرابٍ تَكِلُنا؟ فجعَل لا يَرُدُّ عليها شيئًا، فقالت: آللهُ أمَرَك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يُضَيِّعَنا. قال: فرجَعَت، ومضَى حتى إذا اسْتَوى على ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ، أَقْبَل على الوادى، فدعا فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. قال: ومع الإنسانةِ شَنَّةٌ فيها ماءٌ، فنفد الماءُ، فعطِشَت وانْقَطَع لبنُها، فعطِش الصبيُّ، فنظَرَت: أيُّ الجبالِ أَدْنَى مِن الأَرضِ؟ فصعِدَت بالصفا، فتسَمَّعَت هل تَسْمَعُ صوتًا، أو تَرَى أنيسًا؟ فلم تَسْمَعْ، فانْحَدَرت، فلمَّا أتَت على الوادى سعَت، وما تُرِيدُ السعيَ، كالإنسانِ المجهودِ الذي يَسْعَى، وما يُرِيدُ السعيَ، فنظَرَت: أيُّ الجبالِ أدنى من الأرضِ؟ فصعِدَت المروةَ، فتسمَّعَت هل تَسْمَعُ صوتًا، أو تَرَى أَنيسًا؟ فسمِعَت صوتًا، فقالت كالإنسانِ الذي يُكَذِّبُ سمعَه: صَهٍ. حتى اسْتَيْقَنَت، فقالت: قد أَسْمَعْتَنى صوتَك فأغِثْنى،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لهن\".\n(^٢) سياق العبارة في التاريخ: \"وإن أول من أحدث من نساء العرب جرّ الذيول لأم إسماعيل\".\n(^٣) في م، وتاريخ الطبري: \"أي شيء\".","vol":"13","page":690},{"text":"فقد هلَكْتُ وهلَك مَن معى. فجاء الملَكُ، فجاء بها، حتى انْتَهَى بها إلى موضعِ زمزمَ، فضربَ بقدمِه ففارَت عينًا، فعجِلتْ الإنسانةُ، فجعَلتْ تُفْرِعُ (^١) في شَنِّها، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"رحم اللهُ أمَّ إسماعيلَ، لولا أنها عجِلَت لَكانت زمزمُ عينًا مَعِينًا\". وقال لها الملَكُ: لا تَخافى الظَّمَأَ على أهلِ هذا البلدِ، فإنما هي عينٌ لشربٍ ضِيفانِ اللهِ. وقال: إن أبا هذا الغلامِ سيَجِيءُ، فيَبْنيان للهِ بيتًا هذا موضعُه. قال: ومرَّت رُفْقةٌ مِن جُرْهُمَ تُرِيدُ الشامَ، فرأَوُا الطيرَ على الجبلِ، فقالوا: إن هذا الطيرَ لعائفٌ على ماءٍ، فهل علِمْتُم بهذا الوادى من ماءٍ؟ فقالوا: لا. فأشْرَفوا، فإذا هم بالإنسانةِ، فأتَوْها فطلَبوا إليها أن يَنْزِلوا معها، فأذِنَت لهم. قال: وأتَى عليها ما يأتى على هؤلاء الناسِ مِن الموتِ، فماتتْ، وتزوَّج إسماعيلُ امرأةً منهم، فجاء إبراهيمُ، فسأَل عن منزلِ إسماعيلَ حتى دُلَّ عليه، فلم يَجِدْه ووجَد امرأةً له فَظَّةً غليظةً، فقال لها: إذا جاء زوجُك فقولي له: جاء هاهنا شيخٌ مِن صفتِه كذا وكذا، وإنه يقولُ لك: إنى لا أَرْضَى لك عَتَبَةَ بابِك فحوِّلْها. وانْطَلَق، فلمَّا جاء إسماعيلُ أَخْبَرَتْه فقال: ذاك أبي، وأنتِ عَتَبَةُ بابى. فطلَّقها وتزوَّج امرأةً أخرى منهم، وجاء إبراهيمُ حتى انْتَهَى إلى منزلِ إسماعيلَ، فلم يَجِدْه ووجَد امرأةً له سهلةً طَليقةً، فقال لها: أين انْطَلَق زوجُك؟ فقالت: انْطَلَق إلى الصيدِ. قال: فما طعامُكم؟ قالت: اللحمُ والماءُ. قال: اللهم بارِكْ لهم في لحمِهم ومائهم، اللهم بارِكْ لهم في لحمِهم ومائِهم. ثلاثًا، وقال لها: إذا جاء زوجُك فأخْبِرِيه، قُولى: جاء هاهنا شيخٌ مِن صفتِه كذا وكذا، وإنه يقولُ لك: قد رضِيتُ لك عَتَبةَ بابِك فأثْبِتْها. فلما جاء إسماعيلُ أخْبَرَته. قال: ثم جاء الثالثةَ، فرفَعا القواعدَ مِن البيتِ (^٢).\n_________\n(^١) سقط من النسخ، أثبتناها من التاريخ.\n(^٢) أخرجه الطبرى في تاريخه ١/ ٢٥٥، ٢٥٧، والبغوي في تفسيره ٤/ ٣٥٥، ٣٥٦ من طريق سعيد به بنحوه.","vol":"13","page":691},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثني يحيى بنُ عبَّادٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: جاء إبراهيمُ نبيُّ اللهِ بإسماعيلَ وهاجَرَ، فوضَعَهما بمكةَ في موضعِ زمزمَ، فلما مضَى نادَته هاجَرُ: يا إبراهيمُ، إنما أَسْأَلُك - ثلاثَ مراتٍ - من أمرَك أن تَضَعَنى بأرضٍ ليس فيها زرعٌ، ولا ضرعٌ، ولا أنيسٌ ولا ماءٌ، ولا زادٌ؟ قال: ربى أمرَنى. قالت: فإنه لن يُضَيِّعنا. قال: فلما قفَّا إبراهيمُ قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾. يعنى من الحزنِ، ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، فلما ظمِئ إسماعيلُ جعَل يَدْحَضُ (^١) الأَرضَ بِعَقِبِه، فذهَبَت هَاجَرُ حتى علَت الصفا، والوادى يومَئذٍ لاخٍ، يعني: عميقٌ، فصعِدَت الصفا، فأشْرَفَت لتَنْظُرَ هل تَرَى شيئًا؟ فلم تَرَ شيئًا، فانْحَدَرَت فَبَلَغَت الواديَ فسَعَت فيه، حتى خَرَجَت منه، فأتَت المروةَ، فصعِدَت، فاسْتَشْرَفَت هل تَرَى شيئًا؟ فلم تَرَ شيئًا، ففعَلَت ذلك سبعَ مراتٍ، ثم جاءت من المروةِ إلى إسماعيلَ وهو يَدْحَضُ الأَرضَ بعقبِه، وقد نبعَت العينُ وهى، زمزمُ، فجعَلَت تَفْحَصُ الأرضَ بيدِها عن الماءِ، فكلما اجتَمع ماءٌ أخَذَته بقَدَحِها، وأَفْرَغَته في سِقائِها. قال: فقال النبيُّ ﷺ: \"يَرْحَمُها اللهُ لو ترَكَتْها لكانت عينًا سائحةً تَجْرِى إلى يومِ القيامةِ\". قال: وكانت جُرْهُم يومَئذٍ بوادٍ قريبٍ من مكةَ. قال: ولزِمت الطيرُ الواديَ حينَ رأَت الماءَ، فلمَّا رأَت جُرْهُمُ الطيرَ لزِمَت الواديَ. قالوا: ما لزِمَته إلا وفيه ماءٌ. فجاءوا إلى هاجَرَ فقالوا: إن شئتِ كنا معكِ وآنَسْناكِ، والماءُ ماؤُكِ. قالت: نعم. فكانوا معها حتى شبَّ إسماعيلُ، وماتت هاجَرُ، فتزَوَّج إسماعيلُ امرأةً منهم، قال: فاسْتَأْذن إبراهيمُ سارَةً أن يأتِيَ هَاجَرَ، فأذِنَت له، وشرَطت عليه ألا يَنْزِلَ، فقدم إبراهيمُ، وقد ماتت\n_________\n(^١) في التاريخ: \"يدحص\"، وكلاهما بمعنى يفحص ويبحث ويحرك التراب. ينظر التاج (د ح ض، د ح ص).","vol":"13","page":692},{"text":"هاجَرُ، فذهَب إلى بيتِ إسماعيلَ، فقال لامرأتِه: أين صاحبُكِ؟ قالت: ليس هاهنا، ذهَب يَتَصَيَّدُ. وكان إسماعيلُ يَخْرُجُ مِن الحرمِ فيَتَصَيَّدُ ثم يَرْجِعُ، فقال إبراهيمُ: هل عندَك ضِيافةٌ؟ هل عندَك طعامٌ أو شرابٌ؟ قالت: ليس عندى، وما عندى أحدٌ. فقال إبراهيمُ: إذا جاء زوجُك فأقْرِئيه السلامَ، وقُولى له: فلْيُغَيِّرْ عتبةَ بابِه. وذهَب إبراهيمُ، وجاء إسماعيلُ، فوجَد رِيحَ أبيه، فقال لامرأتِه: هل جاءك أحدٌ؟ فقالت: جاءنى شيخٌ، كذا وكذا - كالمُسْتَخِفَّة بشأنِه - قال: فما قال لكِ؟ قالت: قال لى: أقْرِئى زوجَك السلامَ، وقُولى له: فلْيُغَيِّرْ عتبةَ بابِه. فطلَّقها وتزَوَّج أخرى، فلبِث إبراهيمٌ ما شاء اللهُ أن يَلْبَثَ، ثم اسْتَأْذَن سارَةَ أَن يَزُورَ إسماعيلَ، فأذِنَت له، وشرَطَت عليه ألا يَنْزِلَ، فجاء إبراهيمُ حتى انْتَهَى إلى بابِ إسماعيلَ، فقال لامرأتِه: أين صاحبُكِ؟ قالت: ذهَب يَتصَيَّدُ، وهو يَجِيءُ الآن إن شاء اللهُ، فانْزِلْ يَرْحَمُك اللهُ. قال لها: هل عندَك ضِيافةٌ؟ قالت: نعم. قال: هل عندَك خبزٌ أو بُرٌّ أو تمرٌ أو شعيرٌ؟ قالت: لا. فجاءت باللبنِ واللحمِ، فدعا لهما بالبركةِ، فلو جاءت يومَئذٍ بخبزٍ أو بُرٌّ أو شعيرٍ أو تمرٍ، لكانت أكثرَ أَرضِ اللهِ بُرًّا وشعيرًا وتمرًا، فقالت له: انْزِلْ انْزِلْ حتى أَغْسِلَ رأسَك. فلم يَنْزِلْ، فجاءته بالمقَامِ فوضَعَته عن شقِّه الأيمنِ، فوضَع قدمَه عليه، فبقِى أثرُ قدمِه عليه، فعَسَلَت شِقَّ رأسِه الأيمنَ، ثم حوَّلت المَقامَ إلى شقِّه الأيسرِ، فغسَلَت شقَّه الأيسرَ، فقال لها: إذا جاء زوجُك فأقْرِئيه السلامَ، وقُولى له: قد اسْتَقامَت عَتَبةُ بابِك. فلما جاء إسماعيلُ وجَد رِيحَ أبيه، فقال لامرأتِه: هل جاءك أحدٌ؟ فقالت: نعم، شيخٌ أحسنُ الناسِ وجهًا، وأطيبُه رِيحًا، فقال لى: كذا وكذا، وقلتُ له: كذا وكذا، وغسَلْتُ رأسَه، وهذا موضعُ قدمَيْه (^١) على المَقامِ. قال: وما قال لكِ؟ قالت: قال لي: إذا\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"قدمه\".","vol":"13","page":693},{"text":"جاء زوجُك فأقْرِئيه السلامَ، وقُولى له: قد اسْتَقامت عتبةُ بابِك. قال: ذاك إبراهيمُ. فلبِث ما شاء اللهُ أن يَلْبَثَ، وأمَره اللهُ ببناءِ البيتِ، فبناه هو وإسماعيلُ، فلمَّا بَنَياه قيل: ﴿أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]. فجعَل لا يَمُرُّ بقومٍ إلا قال: أيُّها الناسُ، إنه قد بُنِى لكم بيتٌ فحُجُّوه، فجعَل لا يَسْمَعُه أحدٌ؛ صخرةٌ، ولا شجرةٌ (^١)، ولا شيءٌ، إلا قال: لبْيك اللهم لبْيك. قال: وكان بينَ قوله: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾. وبينَ قولِه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩]. كذا وكذا عامًا. لم يَحْفَظْ عطاءٌ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾. وإنه بيتٌ طَهَّرِهِ اللهُ مِن السُّوءِ، وجعَله قبلةً، وجعَله حَرَمَه، اخْتارَه نبيُّ اللهِ إبراهيمُ لولدِه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾. قال: مكةَ، لم يَكُنْ بها زرعٌ يومَئذٍ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني ابن كثيرٍ - قال القاسمُ في حديثِه: قال أخبرني عمرُو بنُ كثيرٍ - قال أبو جعفرٍ: فغيَّرْتُه أنا فجَعَلْتُه: قال: أخبرني ابن كثيرٍ، وأَسْقَطْتُ عمرًا؛ لأنى لا أَعْرِفُ إنسانًا يقالُ له: عمرُو بنُ كثيرٍ حدَّث عنه ابن جريجٍ، وقد حدَّث به معمرٌ عن كثيرِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"شجر\".\n(^٢) تاريخ الطبرى ١/ ٢٥٧ - ٢٥٨.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٧ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٣ عن معمر به.","vol":"13","page":694},{"text":"ابن كثيرِ بن المطلبِ بن أبى وَدَاعةَ، وأخْشَى أن يكونَ حديثُ ابن جريجٍ أيضًا عن كثيرِ بن كثيرٍ - قال: كنتُ أنا وعثمانُ بنُ أبي سليمانَ في أُناسٍ مع سعيدِ بن جبيرٍ ليلًا، فقال سعيدُ بنُ جبيرٍ للقوم: سَلُونى قبل ألَّا تَسْأَلُونى (^١). فسأَله القومُ فَأَكْثَرُوا، وكان فيما سُئِل عنه أن قِيل له: أحقُّ ما سمِعْنا في المقامِ؟ فقال سعيدٌ: ماذا سمِعْتُم؟ قالوا: سمِعْنا أن إبراهيمَ رسولَ اللهِ حينَ جاء مِن الشامِ، كان حلَف لامرأتِه ألا يَنْزِلَ مكةَ حتى يَرْجِعَ، فقُرِّب له المَقامُ، فنزَل عليه، فقال سعيدٌ: ليس كذاك، حدَّثنا ابن عباسٍ، ولكنه حدَّثنا حينَ كان بينَ أمِّ إسماعيلَ وسارَةَ ما كان، أقْبَل بإسماعيلَ، ثم ذكَر مثلَ حديثِ أيوبَ، غير أنه زاد في حديثِه، قال: قال أبو القاسمِ ﷺ: \"ولذلك طاف الناسُ بين الصفا والمروةِ\". ثم حدَّث، وقال: قال أبو القاسمِ ﷺ: \"طلَبوا النزولَ معها وقد أحَبَّت أمُّ إسماعيلَ الأُنْسَ، فنزَلُوا وبعَثوا إلى أهلِهم فقدِموا، وطعامُهم الصيدُ، يَخْرُجون من الحرمِ، ويَخْرُجُ إسماعيلُ معهم يَتَصَيَّدُ، فلمَّا بلَغ أنْكَحوه، وقد تُوُفِّيَت أمُّه قبلَ ذلك\". قال: وقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لما دعا لها (^٢) أن يُبارَكَ لهم في اللحمِ والماءِ، قال لها: هل من حَبٍّ أو غيرِه مِن الطعامِ؟ قالت: لا. ولو وجَد يومَئذٍ لها حبًّا لدعا لها بالبركةِ فيه\". قال ابن عباسٍ: ثم لبِث ما شاء اللهُ أن يَلْبَثَ، ثم جاء فوجَد إسماعيلَ قاعدًا تحتَ دَوْحةٍ إلى ناحيةِ البئرِ، يَيْرِى نَبْلًا له، فسلَّم عليه، ونزَل إليه، فقعَد معه، وقال: يا إسماعيلُ، إن الله قد أمرَنى بأمرٍ. قال إسماعيلُ: فأطِعْ ربَّك فيما أمرَك. قال إبراهيمُ: أمَرني أن أبْنيَ له بيتًا. قال إسماعيلُ: أيْنَ؟ قال ابن عباسٍ: فأشار له إبراهيمُ إلى أكمةٍ بينَ يديه مرتفعةٍ على ما حولَها، يَأْتِيها السيلُ مِن نَواحِيها ولا يَرْكَبُها. قال: فقاما يحْفِران عن القواعدِ،\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) في م، ف: \"لهما\".","vol":"13","page":695},{"text":"يَرْفَعانها، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، ربَّنا تقَبَّلْ منا إنك سميعُ الدعاءِ. وإسماعيلُ يَحْمِلُ الحجارةَ على رقبتِه، والشيخُ إبراهيمُ يَبْنِى، فلمَّا ارْتَفع البنيانُ، وشقَّ على الشيخِ تناوُلُه، قرَّب إليه إسماعيلُ هذا الحجرَ، فجعَل يقومُ عليه ويَبْنى، ويُحَوِّلُه في نواحى البيتِ حتى انْتَهَى. يقولُ ابن عباسٍ: فذلك مَقامُ إبراهيمَ وقيامُه عليه (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شَريكٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾. قال: أسْكَن إسماعيلَ وأمَّه مكةَ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ قال: حينَ وَضَع إسماعيلَ (^٣).\nقال أبو جعفر ﵀: فتأويلُ الكلامِ إذن: ربَّنا إني أَسْكَنْتُ بعضَ ولدى بوادٍ غيرِ ذي زرعٍ، وفي قولِه ﷺ هذا دليل على أنه لم يَكُنْ هنالك يومَئذٍ ماءٌ؛ لأنه لو كان هنالك ماءٌ، لم يَصِفْه بأنه غيرُ ذى زرعٍ، عندَ بيتِك الذي حرَّمتَه على جميعِ خلقِك أن يَسْتَحِلُّوه.\nوكان تحريمُه إياه فيما ذُكِر، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن عمرَ بنَ الخطابِ قال في خطبتِه: إن هذا البيتَ أولُ مَن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٥/ ١٠٥ (٩١٠٧) من طريق كثير بن كثير به، وتاريخ الطبرى ١/ ٢٥٩ - ٢٣٠ من طريق كثير به مختصرا.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٧ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":696},{"text":"وليه أُناسٌ مِن طَسْمٍ، فعصَوْا رَبَّهم، واسْتَحَلُّوا حُرْمتَه، واسْتَخَفُّوا بحقِّه، فأهْلَكهم اللهُ، ثم ولِيَه أُناسٌ مِن جُرْهُمَ، فعصَوْا رَبَّهم، واسْتَحَلُّوا حُرْمتَه، واسْتَخَفُّوا بحقِّه، فأهلَكَهم اللهُ، ثم ولِيتُموه معاشرَ قريشٍ، فلا تَعْصُوا ربَّه، ولا تَسْتَحِلُّوا حرمتَه، ولا تَسْتَخِفُّوا بحقِّه، فواللهِ لصَلاةٌ فيه أحبُّ إليَّ من مائةِ صلاةٍ بغيرِه، واعْلَموا أن المعاصيَ فيه على نحوٍ من ذلك (^١).\nوقال: ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ ولم يَأْتِ بما وقَع عليه الفعلُ، وذلك أن حظَّ الكلامِ أن يُقالَ: إنى أسْكَنْتُ مِن ذريتى جماعةً، أو رجلًا، أو قومًا. وذلك غيرُ جائزٍ مع \"مِن\"، لدلالتِها على المرادِ مِن الكلامِ، والعربُ تَفْعَلُ ذلك معها كثيرًا، فتقولُ: قتَلْنا مِن بنى فلانٍ، وطعِمْنا مِن الكلإِ، وشرِبنا مِن الماءِ. ومنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠].\nفإن قال قائلٌ: وكيف قال إبراهيمُ حينَ أسْكَن ابنَه مكةَ: ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾. وقد روَيْتَ في الأخبار التي ذكرْتَها أن إبراهيمَ بنَى البيتَ بعدَ ذلك بمدةٍ؟\nقيل: قد قيل في ذلك أقوالٌ، قد ذكَرْتُها في سورةِ \"البقرةِ\" (^٢)، منها أن معناه: عندَ بيتِك المحرمِ، الذي كان قبلَ أن تَرْفَعَه مِن الأرضِ، حينَ رفَعْتَه أَيامَ الطُّوفانِ، ومنها: عندَ بيتِك المحرمِ الذي قد مضَى في سابقِ علمِك أنه يَحْدُثُ في هذا البلدِ.\nوقولُه: ﴿الْمُحَرَّمِ﴾ على ما قاله قتادةُ، معناه: المُحَرَّمُ مِن استحلالِ حُرُماتِ اللهِ فيه، والاسْتِخْفافِ بحقِّه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) تقدم في ٢/ ٥٤٠ - ٥٤٣.","vol":"13","page":697},{"text":"وقولُه: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. يقولُ: فَعَلْتُ ذلك يا ربَّنا؛ كي تُؤَدَّى فرائضُك، مِن الصلاة التي أوْجَبْتَها عليهم في بيتِك المحرمِ.\nوقولُه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. يُخْبِرُ بذلك تعالى ذكرُه عن خليلِه إبراهيمَ، أنه سأَله في دعائِه أن يَجْعَلَ قلوبَ بعضِ خلقِهِ تَنْزِعُ إِلى مساكنِ ذريتِه، الذين أسْكَنهم بوادٍ غيرِ ذي زرعٍ، عندَ بيتِه المحرمِ، وذلك منه دعاءٌ لهم بأن يَرْزُقَهم حجَّ بيتِه الحرامِ.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن عمرِو بن أبي قيسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾: ولو قال: أفئدةَ الناسِ تَهْوِى إليهم، لحجَّت اليهودُ والنصارى والمجوسُ، ولكنه قال: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ فهم المسلمون (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. قال: لو كانت (^٢): أفئدةَ الناسِ، لَازْدَحَمَت عليه فارسُ والرومُ، ولكنه: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. قال: لو قال: أفئدةَ الناسِ تَهْوِى إليهم، لَازْدَحَمت عليهم (^٤) فارسُ والرومُ (^٥).\n_________\n(^١) تفسير البغوي ٤/ ٣٥٧ عن سعيد بن جبير به.\n(^٢) في ت ١: \"قال\".\n(^٣) تفسير سفيان ص ١٥٧.\n(^٤) في ص، ت ٢: \"عليه\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١١٢ عن جرير به، تفسير البغوي ٤/ ٣٥٧، وتفسير ابن كثير ٤/ ٤٣٢ عن مجاهد به.","vol":"13","page":698},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عليٌّ، يعني ابنَ الجَعْدِ، قال: أخبرنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: سأَلْتُ عكرمةَ عن هذه الآيةِ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. فقال: قلوبُهم تَهْوِى إلى البيتِ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن عكرمةَ وعطاءٍ وطاوسٍ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾: البيتُ تَهْوِى إليه قلوبُهم؛ يأْتُونه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عبَّادٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن الحكمِ، قال: سأَلْتُ عطاءً وطاوسًا وعكرمةَ عن قولِه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. قالوا: الحجُّ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا شَبَابَةُ وعليُّ بنُ الجَعْدِ، قالا: أخبرنا شعبة (^٢)، عن الحكمِ، عن عطاءٍ وطاوسٍ وعكرمةَ في قولِه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. قالوا: هواهم إلى مكةَ أن يَحُجُّوا (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: سألتُ طاوسًا وعكرمةَ وعطاء بنَ أبي رَباحٍ عن قولِه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. فقالوا: اجْعَلْ هواهم الحجَّ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا يحيى بنُ عبادٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عطاءِ بن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع ٤/ ١١١، عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٧ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم.\n(^٢) في النسخ: \"سعيد\". والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٣) أخرجه البغوي في الجعديات (٢٤٩) عن علي بن الجعد عن شعبة به.","vol":"13","page":699},{"text":"السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لو كان إبراهيمُ قال: فاجْعَلْ أفئدةَ الناسِ تَهْوِى إليهم. لحَجَّه اليهودُ والنصارى والناسُ كلُّهم، ولكنه قال: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. قال: تَنْزِعُ إليهم (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ بنُ عطاءٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٣).\nوقال آخرون: إنما دعا لهم أن يَهْوَوُا السُّكْنى بمكَةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4777>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. قال: إن إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ سأَل الله أن يَجْعَلَ أُناسًا من الناسِ يَهْوَوْن سُكْنَى - أو سَكَنَ - مكةَ (^٤).\nوقولُه: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وارْزُقُهم من ثمراتِ النباتِ والأشجارِ ما رزَقْتَ سكانَ الأرْيافِ والقرى، التي هي ذواتُ المياهِ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤١٢ من طريق عطاء به، والبيهقى في الشعب ٣/ ٤٣٨ (٣٩٩٦) من طريق عطاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٣ به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"13","page":700},{"text":"والأنهارِ، وإن كنتَ أسْكَنْتَهم واديًا غيرَ ذى زرعٍ، ولا ماءٍ. فرزَقَهم جلَّ ثناؤُه ذلك.\nكما حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، قال: قرَأْتُ على محمدِ بن مسلمٍ الطائفيِّ أن إبراهيمَ لما دعا للحرمِ: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦]. نقَل اللهُ الطائفَ مِن فِلَسْطِينَ (^١).\nوقولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: ليَشْكُروك على ما رزَقْتَهم، وتُنْعِمُ به عليهم.\n\n<span id=\"aya-1788\"></span><span data-type='title' id=toc-4778>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن استشهادِ خليلِه إبراهيمَ إياه على ما نوَى وقصَد بدعائِه وقيلِه: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ الآية، وأنه إنما قصَد بذلك رضا اللهِ عنه (^٢)، في محبتِه أن يكونَ ولدُه مِن أهلِ (^٢) الطاعةِ للهِ تعالى، وإخلاصِ العبادةِ له، على مثلِ الذي هو له، فقال: ربَّنا إنك تَعْلَمُ ما تُخْفِى قلوبُنا عندَ مسألتِنا ما نَسْأَلُك، وفى غير ذلك [مِن أحوالِنا، وما نُعْلِنُ مِن دعائِنا، فنَجْهَرُ به، وغيرَ ذلك] (^٣) من أعمالِنا، وما يَخْفَى عليك يا ربَّنا مِن شيءٍ، يكونُ في الأرضِ، ولا في السماءِ؛ لأن ذلك كلّه ظاهرٌ لك، مُتَجَلٍّ بادٍ؛ لأنك مُدَبِّرُه وخالقُه، فكيف يَخْفى عليك؟!\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.","vol":"13","page":701},{"text":"<span id=\"aya-1789\"></span><span data-type='title' id=toc-4780>القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾.</span>\nيقولُ: الحمدُ للهِ الذي رزَقَنى على كِبَرِ مِن السنِّ ولدًا؛ إسماعيلَ وإسحاقَ. ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، يقولُ: إن ربي لَسميعٌ دعائى الذي أَدْعُوه به، وقوله: ﴿اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، وغيرَ ذلك من دعائى ودعاءِ غيرى، وجميعَ ما نطَق به ناطقٌ، لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن ضرار بن مُرَّةً، قال: سمعتُ شيخًا يُحَدِّثُ سعيدَ بنَ جبيرٍ، قال: بُشِّر إبراهيمُ بعدَ سبعَ عشْرةَ ومائةِ سنةٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-1790\"></span><span data-type='title' id=toc-4781>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠)﴾.</span>\nيقولُ: ربِّ اجْعَلْنى مُؤَدِّيًا ما أَلْزَمْتَنى من فريضتِك التي فرَضْتَها عليَّ مِن الصلاةِ، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، يقولُ: واجْعَلْ أيضًا مِن ذريتى مُقِيمى الصلاةِ لك. ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ يقولُ: ربَّنا وتَقَبَّلْ عملى الذي أَعْمَلُه لك، وعبادتي إياك. وهذا نظيرُ الخبرِ الذي رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"إِنَّ الدعاءَ هو العبادةُ\". ثم قرَأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ \" (^٢) [غافر: ٦٠].\n\n<span id=\"aya-1791\"></span><span data-type='title' id=toc-4779>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٧ إلى المصنف.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٣/ ٢٢٢.","vol":"13","page":702},{"text":"الْحِسَابُ (٤١)﴾.\nوهذا دعاءٌ من إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه لوالديه بالمغفرةِ، واستغفارٌ منه لهما، وقد أخْبَر اللهُ عزَّ ذكرُه أنه لم يَكُن ﴿اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤].\nوقد بيّنا وقتَ تبَرُّئِه منه فيما مضَى، بما أَغْنَى عن إعادتِه (^١).\nوقولُه: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وللمؤمنين بك، ممن تبِعَنى على الدينِ الذي أنا عليه، فأطاعك في أمرِك ونهيِك.\nوقولُه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾. يعنى: يقومُ الناسُ للحسابِ، فاكْتَفَى بذكرِ الحسابِ مِن ذكرِ الناسِ، إذ كان مفهومًا معناه.\n\n<span id=\"aya-1792\"></span><span data-type='title' id=toc-4782>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولا تَحْسَبَنَّ الله يا محمدُ ﴿غَافِلًا﴾، ساهيًا عما يَعْمَلُ هؤلاء المشركون من قومِك، بل هو عالمٌ بهم وبأعمالِهم، مُحْصِيها عليهم، ليَجْزِيَهم جزاءَهم في الحينِ (^٢) الذي قد سبَق في علمِه أنه يَجْزِيهم فيه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عليُّ بنُ ثابتٍ، عن جعفرِ بن بُرْقَانَ، عن ميمونِ بن مِهْرانَ في قولِه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٢/ ٢٩.\n(^٢) في ص: \"الحبر\" وفى ف: \"الخبر\".","vol":"13","page":703},{"text":"الظَّالِمُونَ﴾. قال: هي وعيدٌ للظالمِ، وتعزيةٌ للمظلومِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-4784>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إنما يُؤَخِّرُ رَبُّك يا محمدُ هؤلاء الظالمين الذين يُكَذِّبونك، ويَجْحَدون نبوتَك، ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾. يقول: إنما يُؤَخِّرُ عقابَهم، وإنزال العذابِ بهم، إلى يومٍ تَشْخَصُ فيه أبصارُ الخلقِ؛ وذلك يومُ القيامةِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾: شَخَصَت فيه، واللهِ، أبصارُهم فلا تَرْتَدُّ إليهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-1793\"></span>وأما قولُه: ﴿مُهْطِعِينَ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا في معناه؛ فقال بعضُهم: معناه: مُسْرِعين.\n\n<span data-type='title' id=toc-4783>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، عن أبي سعيدٍ المؤدِّبِ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾. قال: النَّسَلانُ، وهو الخَبَبُ، أو ما دونَ الخَبَبِ - شكّ أبو سعيدٍ - يَخُبُّون وهم يَنْظُرون (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:\n_________\n(^١) أخرجه الخرائطى في مساوئ الأخلاق (٦٣٦)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٨٣، ٨٤ من طريق آخر عن ميمون بن مهران به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"13","page":704},{"text":"﴿مُهْطِعِينَ﴾ قال: مُسْرِعين (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ يقولُ: مُنْطَلِقين عامِدِين إلى الداعى (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: مُدِيمى النظرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4785>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مُهْطِعِينَ﴾، يعنى بالإهْطاعِ النظرَ من غيرِ أن يَطْرِفَ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدثنا أبي، عن أبيه، عن سعيدِ بن مسروقٍ، عن أبي الضُّحَى: ﴿مُهْطِعِينَ﴾. قال: الإِهطاعُ التَّحْمِيجُ (^٤) الدائمُ الذي لا يَطْرِفُ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، عن مغيرةَ، عن أبى الخيرِ بن تَميمِ بن حَذْلَمٍ، عن أبيه في قولِه: ﴿مُهْطِعِينَ﴾. قال: الإِهطاعُ التَّحْميجُ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم مطولًا وستأتي بقيته في ص ٧٠٨ وما بعدها.\n(^٤) التحميج: فتح العين وتحديد النظر كأنه مبهوت. اللسان (ح م ج).\n(^٥) تفسير الثورى ص ١٥٧ عن أبيه سعيد بن مسروق، وسيأتي هذا الأثر في تفسير الآية الثامنة من سورة القمر.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٨، ٦/ ١٣٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن الأنبارى وسيأتي من طريق آخر عن تميم بن حذلم في تفسير الآية الثامنة من سورة القمر.","vol":"13","page":705},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربِيُّ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾. قال: شدةُ النظرِ الذي لا يَطْرِفُ.\nحدَّثني المثنى، قال: أخبرنا عمرٌو، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿مُهْطِعِينَ﴾. قال: شدةُ النظرِ في غيرِ طَرْفٍ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: الإِهطاعُ شدةُ النظرِ في غيرِ طَرْفٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ. وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ. وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾. قال: مُدِيمى النظرِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخرون: معنى ذلك: لا يَرْفَعُ رأسَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4786>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مُهْطِعِينَ﴾. قال: المُهْطِعُ الذي لا يَرْفَعُ رأسَه (^٢).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤١٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ٩/ ٣٧٦ عن ابن زيد.","vol":"13","page":706},{"text":"والإهطاعُ في كلامِ العربِ بمعنى الإِسراعِ أشهرُ منه بمعنى إدامةِ النظرِ.\nومن الإهطاعِ بمعنى الإسراعِ قولُ الشاعرِ (^١):\nوبمُهْطِعٍ سُرُحٍ كأن زِمامَهُ … في رأسِ جِذْعٍ مِن أَوَالَ مُشَذَّبِ (^٢)\nوقولُ الآخرِ (^٣):\nبمُسْتَهْطِعٍ رَسْلٍ كأَن جَدِيلَهُ … بقَيْدومٍ رَعْنٍ مِن صَوَامٍ مُمَنَّعِ\nوقولُه: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾. يعني: رافعي رءوسِهم. وإقناعُ الرأسِ رفعُه، ومنه قولُ الشَّمَّاخِ (^٤):\nيُباكِرْنَ العِضاهَ بمُقْنَعَاتٍ … نَواجِذُهن كالحَدَإِ الوَقيعِ (^٥)\nيعنى: أنهن يُباكِرْنَ العِضاهَ برءوسِهن مرفوعاتٍ إليها لتَتَناول منها.\nومنه أيضًا قولُ الراجزِ (^٦):\n_________\n(^١) البيت في مجاز القرآن ١/ ٣٤٢، وفى اللسان (أول)، ونسبه في اللسان إلى أنيف بن جبلة.\n(^٢) رواية اللسان:\nأما إذا استقبلته فكأنه … للعين جذع من أوال مشذب\nوالسرح: يقال: خيل سرح وناقة سرح يعنى سريعة. وأوال: قرية، وقيل: اسم موضع مما يلى الشام. مشذب: جذع مشذب أي مقشر اللسان (س ر ح، أ ول، ش ذ ب).\n(^٣) البيت في مجاز القرآن ١/ ٣٤٣، واللسان (ص وم، ق د م)، وأساس البلاغة ص ١٠٦٢. والرسل: يقال: جمل رسل: سهل السير. والجديل: حبل مفتول من أدم أو شعر يكون في عنق البعير أو الناقة. والقيدوم: قيدوم كل شيء: مقدمه وصدره والرعن: الأنف العظيم من الجبل تراه متقدما.\nوالصوام: اسم جبل. اللسان (ر س ل، ج د ل، ق د م، ر ع ن، ص وم).\n(^٤) ديوانه ص ٢٢٠.\n(^٥) العضاه: كل شجر ذى شوك يعظم، والحدأ جمع الحَدأة الفأس لها رأسان، الوقيع: المرققه المحددة. شبه أضراسها بفئوس محددة، اهـ من حاشية الديوان ص ٢٢١ بتصرف.\n(^٦) مجاز القرآن ١/ ٣٤٤، وتفسير القرطبي ٩/ ٣٧٧.","vol":"13","page":707},{"text":"أنْغَضَ (^١) نحوى رأسه وأقْنَعا … كأنَّما أبْصَرَ شَيئًا أَطْمَعَا\nوينحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4787>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾. قال: الإقناعُ رفعُ رءوسِهم (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثني الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبَابَةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ. و[حدَّثني الحارثُ] (^٣) قال: حدَّثنا (^٤) الحسنُ قال: ثنا وَرْقاءُ. وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾. قال: رافعيها (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن أبي سعدٍ، قال: قال الحسنُ: وجوهُ الناسِ يومَ القيامةِ إلى السماءِ، لا يَنْظُرُ أحدٌ إلى أحدٍ (^٦).\n_________\n(^١) أنغض رأسه: حركه كالمتعجب من الشيء. اللسان (ن غ ض).\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٧٠٥.\n(^٣) سقط من النسخ. والمثبت هو الصواب، فهو من الأسانيد الدائرة.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤١٣.\n(^٦) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٣٥٩ عن الحسن.","vol":"13","page":708},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن عثمانَ بن الأسودِ، أنه سمِع مُجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾. قال: رافعٌ (^١) رأسَه - هكذا - لا يَرْتَدُّ إليهم طَرْفُهم (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾. قال: رافعي رءوسِهم (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾. قال: الإقناعُ رفعُ رءوسِهم.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾. قال: المُقْنِعُ الذي يَرْفَعُ رَأْسَه، شاخصًا بصرَه، لا يَطْرِفُ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخْبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾. قال: رافعيها.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾. قال: المُقْنِعُ الذي يَرْفَعُ رأسَه (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿مُقْنِعِي\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"رافعي\". وبعده في ت ٢: \"رءوسهم\" وضرب عليها. وقوله: \"هكذا\"، لعلها من الناسخ، لأن حق العبارة أن تكون: \"رافعي رءوسهم\".\n(^٢) زهد ابن المبارك (٣٥٧ - زوائد نعيم بن حماد).\n(^٣) ذكره الطوسى في التبيان ٦/ ٣٠٣ عن الضحاك.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٣ عن معمر به.\n(^٥) ذكره الطوسى في التبيان ٦/ ٣٠٣ عن ابن زيد.","vol":"13","page":709},{"text":"رُءُوسِهِمْ﴾. قال: رافعي رءوسِهم.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، عن أبي سعيدٍ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾. قال: رافعي رءوسِهم (^١).\nوقولُه: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾. يقول: لا تَرْجِعُ إليهم - لشدةِ النظرِ - أبصارُهم.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾، قال: شاخصةٌ أبصارُهم (^٢).\nوقولُه: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه، فقال بعضُهم: معناه: مُنْخَرقَةٌ، لا تَعِي من الخيرِ شيئًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-4788>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن مُرَّةً في قولِه: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾. قال: مُنْخَرِفةٌ لا تَعِى شيئًا.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن أبي إسحاقَ، عن مُرَّةَ بمثلِ ذلك.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن مُرَّةَ مثلَه (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٧٠٥.\n(^٣) الأثر في تفسير مجاهد ص ٤١٣ من طريق إسرائيل به. وفيه: \"منحرقة\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":710},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا سهلٌ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكٌ وإسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن مُرَّةَ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن مُرَّةَ: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾. قال: مُنْخَرِقةٌ، لا تَعِى شيئًا مِن الخيرِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا يحيى بن عبادٍ، قال: ثنا مالكٌ - يعنى ابنَ مِغْوَلٍ - قال: سمِعْتُ أبا إسحاقَ، عن مُرَّةَ، إلا أنه قال: لا تَعِى شيئًا. ولم يَقُلْ: من الخيرِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبَابةُ، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن مُرَّةَ مثلَه.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ وإسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن مُرَّةَ: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾. قال أحدُهما: خَرِبةٌ. وقال الآخرُ: مُنْخَرِقَةٌ، لا تَعِى شيئًا.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾. قال: ليس فيها شيءٌ من الخيرِ، فهى كالخَرِبةِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ليس من الخيرِ شيءٌ في أفئدِتهم، كقولِك للبيتِ الذي ليس فيه شيءٌ: إنما هو هواءٌ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٣/ ٤٠٨ عن وكيع به.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٧٠٥.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ٩/ ٣٧٧ عن مجاهد.","vol":"13","page":711},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال: ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾. قال: الأفئدةُ: القلوبُ، هواءٌ كما قال اللهُ، ليس فيها عقلٌ ولا مَنْفعةٌ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، [عمن ذكَره] (^٢)، عن أبي صالحٍ: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾. قال: ليس فيها شيءٌ مِن الخيرِ.\nوقال آخرون: إنها لا تَسْتَقِرُّ في مكانٍ، تَرَدَّدُ في أجوافِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-4789>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ وأحمدُ بنُ إسحاقَ، قالا: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾. قال: تَمورُ في أجوافِهم، ليس لها مكانٌ تَسْتَقِرُّ فيه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، عن أبي سعيدٍ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ بنحوِه.\nوقال آخرون: معنى ذلك: أنها خرَجَت مِن أماكِنها، فنَشِبَت بالحُلُوقِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4790>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ وأحمدُ بنُ إسحاق وأحمدُ بنُ إسحاقَ، قالا: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، عن إسرائيلَ، عن سعيدِ بن مسروقٍ، عن أبي الضُّحَى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾. قال: قد بلَغَت حناجرَهم.\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ٩/ ٣٧٧ عن ابن زيد.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عن بكرة\"، وفى م: \"عن أبي بكرة\" وهو تحريف فاحش. وهذا إسناد دائر. تقدم في ١١/ ٤٧١ وسيأتي في تفسير سورة الحج آية ٢٥، والأحزاب آية ٢٥، والجاثية آية ١٤.","vol":"13","page":712},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾. قال: هواءٌ ليس فيها شيء، خرَجَت من صدورِهم، فنشِبَت في حلوقِهم (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾. انْتُزِعَت حتى صارت في حناجرِهم، لا تَخْرُجُ مِن أفواهِهم، ولا تَعودُ إلى أمكنتِها (^٢).\nوأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ في تأويلِ ذلك قولُ مَن قال: معناه أنَّها خاليةٌ، ليس فيها شيءٌ من الخيرِ، ولا تعقلُ شيئًا. وذلك أنَّ العربَ تُسمِّى كلَّ أجوفَ خاوٍ هواءً، ومنه قولُ حسانَ بن ثابتٍ (^٣):\nألا أَبْلِغْ أبا سفيانَ عنى … فأنت مُجَوَّفٌ نَخِبٌ (^٤) هَوَاءُ\nومنه قولُ الآخَرِ (^٥):\nولا تَكُ مِن أَخْدانِ كُلِّ يَراعةٍ … هَواءً كَسَقْبِ البانِ جُوفٍ مَكَاسِرُهْ (^٦)\n\n<span id=\"aya-1794\"></span><span data-type='title' id=toc-4791>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (٢٩٧) من طريق سعيد به.\n(^٣) ديوانه ص ٧٥.\n(^٤) نخب: جبان كأنه منتزع الفؤاد، أي: لا فؤاد. اللسان (ن خ ب).\n(^٥) نسبه في اللسان (ع ى ر، هـ وا) إلى كعب الأمثال وهو أيضًا في مجاز القرآن ١/ ٣٤٤ غير منسوب.\n(^٦) اليراعة: الجبان الذي لا عقل له ولا رأى مشتق من القصب سقب البان: السقب: عمود الخباء، والبان: شجر يسمو ويطول في استواء. جوف: جمع أجوف. مكاسره: جمع مَكْسِر: وهو موضع الكسر اللسان (ي ر ع، س ق ب، ب ي ن، ك س ر).","vol":"13","page":713},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: وأَنْذِرْ يا محمدُ الناسَ الذين أرْسَلْتُك إليهم داعيًا إلى الإسلامِ، ما هو نازلٌ بهم يومَ يَأْتِيهم عذابُ اللهِ في القيامةِ، ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. يقولُ: فيقولُ الذين كفَروا بربِّهم، فظلَموا بذلك أنفسَهم: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا﴾، أي: أخِّرْ عنا عذابَك، وأمْهِلْنا ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ الحقَّ، فنُؤمِنْ بك، ولا نُشْرِك بك شيئًا ﴿وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾. يقولون: ونُصَدِّقُ رسلَك، فنَتَّبِعْهم على ما دَعوْتَنا إليه مِن طاعتِك واتباعِ أمرِك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4792>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾. قال: يومَ القيامةِ، ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾. قال: مدَّةٍ يَعْمَلون فيها من الدنيا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾. يقولُ: أَنْذِرُهم في الدنيا قبل أن يَأْتِيَهم العذابُ (^٢).\nوقولُه: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ رُفِع عطفًا على قولِه: ﴿يَأْتِيهِمُ﴾ في قولِه: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾. وليس بجوابٍ للأمرِ، ولو كان جوابًا لقولِه: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ﴾ جاز فيه الرفعُ والنصبُ؛ أما النصبُ فكما قال الشاعرُ (^٣):\nيا ناقُ سِيرِي عَنَقًا فَسِيحَا … إلى سليمانَ فنَسْتَرِيحا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٨ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) هو أبو النجم العجلى. والبيت تقدم في ١٢/ ٢٦٩.","vol":"13","page":714},{"text":"والرفعُ على الاستئنافِ. وذُكِر عن العَلاءِ بن سَيَابةَ أنه كان يُنْكِرُ النصبَ في جوابِ الأمرِ بالفاءِ، قال الفَرَّاءُ (^١): وكان العَلاءُ هو الذي علَّم مُعاذًا وأصحابَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4793>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾.</span>\nوهذا تَقْريعٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه للمشركين مِن قريشٍ، بعدَ أن دخَلوا النارَ؛ بإنكارِهم في الدنيا البعثَ بعدَ الموتِ، يقولُ لهم إذ سأَلوه رفعَ العذابِ عنهم، وتأخيرَهم؛ ليُنِيبُوا ويَتُوبوا: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا﴾. في الدنيا ﴿أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾. يقولُ: ما لكم مِن انتقالٍ مِن الدنيا إلى الآخرةِ، وإنكم إنما تَموتون، ثم لا تُبْعَثون.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾. كقولِه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨]. ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾. قال: الانتقالُ من الدنيا إلى الآخرةِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبَابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ (^٢)، وحدَّثني المثنى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾. قال: لا تموتون؛\n_________\n(^١) معاني القرآن ٢/ ٧٩.\n(^٢) في النسخ: \"سلمة\". وهو إسناد دائر.","vol":"13","page":715},{"text":"لقريشٍ (^١).\nحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن الحكَمِ، عن عُمرَ (^٢) بن أبي ليلى أحد بني عامرٍ، قال: سمِعت محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظيَّ يقولُ: بلَغني - أو ذُكِر لى - أن أهلَ النارِ ينادُون: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾. فردَّ عليهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1795\"></span><span data-type='title' id=toc-4794>القولُ في تأويلِ قولِه تعالَى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالَى ذكرُه: ﴿وَسَكَنْتُمْ﴾ في الدنيا، ﴿فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ﴾ كفروا باللهِ - فظلموا بذلك ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ - من الأممِ التي كانت قبلَكم، ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾. يقولُ: وعلِمتم كيف أهلَكناهم حين عَتَوا على ربِّهم، وتمادَوا في طغيانِهم وكفرِهم. ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾. يقولُ: ومثَّلنا كم فيما كنتم عليه من الشركِ باللهِ مقيمين الأشباهَ، فلم تُنيبوا ولم تَتوبوا من كفرِكم، فالآن تسأَلون التأخيرَ للتوبةِ، حين نزَل بكم ما قد نزَل بكم من العذابِ، إن ذلك لغيرُ كائنٍ.\nوبنحوِ (^٤) ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤١٣.\n(^٢) في م ف: \"عمرو\"، وينظر التاريخ الكبير ٦/ ١٩٠، والجرح والتعديل ٦/ ١٣١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (٢٥١) من طريق ابن المبارك به مطولًا. وسيأتي بتمامه في تفسير آية ١٠٥، ١٠٦ من سورة المؤمنون.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"معنى\".","vol":"13","page":716},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4795>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. يقولُ: سكَن الناسُ في مساكنِ قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ، وقرونٍ بين ذلك كثيرةٍ ممن هلَك من الأممِ، ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾. قد واللهِ بعَث رسلَه، وأنزَل كتبَه (^١)، وضرَب لكم الأمثالَ، فلا يَصِمُّ فيها إلا أصمُّ، ولا يخيبُ فيها إلا الخائبُ، فاعقِلوا عن اللهِ أَمرَه (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾. قال: سكَنوا في قُراهم مَدْينَ والحِجْرِ والقرى التي عذَّب اللهُ أهلَها، وتبيَّن لكم كيف فعَل اللهُ بهم، وضرَب لهم الأمثالَ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْأَمْثَالَ﴾. قال: الأشباهُ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n\n<span id=\"aya-1796\"></span><span data-type='title' id=toc-4796>القولُ في تأويلِ قولِه تعالَى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"كتابه\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٨، ٨٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٩ إلى المصنف.","vol":"13","page":717},{"text":"يقولُ تعالَى ذكرُه: و(^١) قد مكَر هؤلاء الذين ظلموا أنفسَهم - فسكَنتم من بعدِهم في مساكنِهم - مكرَهم.\nوكان مكرُهم الذي مكَروا ما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بن أُذُنانٍ (^٢)، قال: سمِعت عليًّا يقرأُ: (وَإنْ كاد (^٣) مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجبِالُ). قال: كان ملكٌ فَرِهٌ (^٤) أخذ فروخَ النسورِ، فعلَفها اللحمَ حتى شبَّت واستعلَجت (^٥) واستغلَظت، فقعَد هو وصاحبُه في التابوتِ، وربَطوا التابوتَ بأرجلِ النسورِ، وعلَّقوا اللحمَ فوقَ التابوتِ، فكانت كلما نظَرت إلى اللحمِ، صعِدت وصَعِدت، فقال لصاحبِه: ما ترَى؟ قال: أرَى الجبالَ مثلَ الدخانِ. قال: ما ترَى؟ قال: ما أرَى شيئًا. قال: ويحك صَوِّبْ (^٦) صوِّبْ. قال: فذلك قولُه: (وَإِنْ كادَ (^٣) مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ) (^٧).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بن أُذنانٍ (^٨)، عن عليّ بن أبي طالبٍ، مثلَ حديثِ يحيى\n_________\n(^١) زيادة من: ص، ف.\n(^٢) في ص، م، ف: \"أبان\" وهو على الصواب في تفسير ابن كثير ٤/ ٤٣٥، وينظر التاريخ الكبير ٥/ ٢٥٥، والجرح والتعديل ٥/ ٢١٠، والثقات ٥/ ٨٧.\n(^٣) في النسخ: \"كان\"، والمثبت من البحر المحيط. وكان يقرأ بإبدال النون دالا أيضًا عمر وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو إسحاق السبيعى وزيد بن علي. ينظر البحر المحيط ٥/ ٤٣٧، ومختصر الشواذ ص ٧٤.\n(^٤) فره: أشر بطر. القاموس المحيط (ف ر هـ).\n(^٥) في ص، ف: \"استعجلت\". واستعلج جلده: غلظ. ينظر القاموس المحيط (ع ل ج).\n(^٦) صوب: أي اخفض. اللسان (ص وب).\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنبارى.\n(^٨) في ص، ف: \"وائل\"، وفى م، ت ١، ت ٢، س: \"واصل\".","vol":"13","page":718},{"text":"ابن سعيدٍ. وزاد فيه: وكان عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ يقرَؤُها: (وَإِنْ كَادَ (^١) مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن أبي إسحاقَ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بن أُذنانٍ، أن عليًّا قال في هذه الآيةِ: (وَإِنْ كادَ (^١) مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ). قال: أخَذ ذلك الذي حاجّ إبراهيمَ في ربِّه نَسْرين صغيرين، فربَّاهما، ثم استغلَظا واستعلَجا وشبَّا. قال: فأوثَقِ رِجْلَ كلِّ واحدٍ منهما بوَتِدٍ إلى تابوتٍ، وجوّعهما، وقعَد هو ورَجَلٌ آخرُ في التابوتِ. قال: ورفَع في التابوتِ عصًا على رأسِه اللحمُ. قال: فطارا، وجعل يقولُ لصاحبِه: انظُرْ ماذا ترَى؟ قال: أرَى كذا وكذا. حتى قال: أرَى الدنيا كأنها ذُبابٌ. فقال: صوِّبْ العصا. فصوّبها فهبَطا. قال: فهو قولُ اللهِ تعالى: (وَإنْ كادَ (^١) مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ). قال أبو إسحاقَ: وكذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (وَإِنْ كاد (^١) مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ) (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: (وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجبالُ): مكرُ فارسَ. وزعَم أن بُخْتَنَصَّرَ خرَج بنُسورٍ، وجعَل له تابوتًا يدخُلُه، وجعَل رماحًا في أطرافِها، واللحمَ فوقَها، أُرَاه قال: فَعَلَت تذْهَبُ نحوَ اللحمِ، حتى انقطَع بصرُه من الأرضِ وأهِلها، فنُودِى: أيها الطاغيةُ أين تريدُ؟ ففرِق، ثم سمِع الصوتَ فوقَه، فصوَّب الرماحَ، فتصوَّبت النسورُ، ففزِعت (^٣) الجبالُ من هدَّتِها، وكادت الجبالُ أن تزولَ منه من حسِّ ذلك، فذلك قولُه: (وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ\n_________\n(^١) في النسخ: \"كان\"، وينظر التعليق المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٣٥.\n(^٣) في ف: \"فقرعت\".","vol":"13","page":719},{"text":"الجِبالُ) (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ، قال مجاهدٌ: (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ) كذا قرَأَها مجاهدٌ: (كان (^٢) مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ). وقال: إن بعضَ من مَضَى جوَّع نسورًا، ثم جعَل عليها تابوتًا فدخَله، ثم جعَل رماحًا في أطرافِها لحمٌ، فجعَلت تَرَى اللحمَ فتذهَبُ، حتى انتهى بصرُه، فنُودِى: أيها الطاغيةُ، أين تريدُ؟ فصوَّب الرِّماحَ، فتصوَّبت النسورُ، ففزِعت الجبالُ، وظنَّت أن الساعةَ قد قامت، فكادت أن تزولَ، فذلك قولُه تعالَى: (وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبَالُ).\nقال ابن جريجٍ: أخبَرني عمرُو بنُ دينارٍ، عن عكرمةَ، عن عمرَ بن الخطابِ، أنه كان يقرَأُ، (وَإِنْ كادَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجبالُ) (^٣).\nحدَّثني هذا الحديثَ أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ أنه كان يقرَأُ على نحوِ: (لَتَزُولُ) بفتحِ اللامِ الأولى، ورفعِ الثانيةِ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بن أُذنانٍ قال: سمعت عليًّا يقولُ: (وَإِنْ كَادَ (^٥) مَكْرُهُمْ لَتَزولُ مِنْهُ الجبالُ) (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٩ إلى المصنف وابن المنذر، وينظر تفسير ابن كثير ٤/ ٤٣٥.\n(^٢) في النسخ: \"كاد\". ونسبت القراءة بالنون: \"كان\"، و\"ولتزول\" بفتح اللام الأولى ورفع الثانية - إلى مجاهد، وإلى ابن عباس وابن وثاب والكسائي. ينظر البحر المحيط.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٩ إلى ابن الأنبارى في المصاحف. ونسب هذه القراءة إلى عمر أبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٤٣٧.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٣٥ عن ابن جريج به.\n(^٥) في النسخ \"كان\". والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٦) أخرجه أحمد في العلل ١/ ١١٥ (٤٩٤) عن وكيع به.","vol":"13","page":720},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بن دانيلَ (^١)، قال: سمِعت عليًّا يقولُ: (وَإِن كَادَ (^٢) مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبَالُ). قال: ثم أنشَأ عليٌّ يحدِّثُ فقال: نزَلت في جبَّارٍ من الجبابرةِ، قال: لا أنتهى حتى أعلَمَ ما في السماءِ. ثم اتخَذ نسورًا، فجعَل يُطعِمُها اللحمَ، حتى غلُظت واستعلَجت واشتدَّت. وذكَر مثلَ حديثِ شعبةَ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو داودَ الحَفَرِيُّ (^٤)، عن يعقوبَ، عن حفصِ بن حميدٍ أو جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: (وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجبالُ). قال: نُمْرُودُ صاحبُ النسورِ، أمَر بتابوتٍ فجُعِل، وجعَل معه رجُلًا، ثم أمَر بالنسورِ فاحتُمِل، فلما صعِد قال لصاحبِه: أَيَّ شيءٍ ترَى؟ قال: أرَى الماءَ وجزيرةً. يعنى الدنيا، ثم صعِد فقال لصاحبِه: أيَّ شيءٍ ترَى؟ قال: ما نزدادُ من السماءِ إلا بُعْدًا، قال: اهبطْ. وقال غيره: نُودِى: أيُّها الطاغيةُ أين تريدُ؟ قال: فسمِعت الجبالُ حفيفَ النسورِ، فكانت ترَى أنها أمرٌ من السماءِ، فكادت تزولُ، فهو قولُه: (وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبال) (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، أن أنسًا كان يقرأُ: (وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبال).\n_________\n(^١) في ف: \"وائل\". وعبد الرحمن بن دانيل هو نفسه ابن أذنان، فهذا مما قيل في اسم أبيه، وينظر التعليق المتقدم في ص ٧١٨.\n(^٢) في النسخ \"كان\". وينظر التعليق المتقدم في ص ٧١٨.\n(^٣) أخرجه أحمد في العلل ١/ ١١٥ (٤٩٤) عن وكيع به، وأخرجه ابن الأعرابي في معجمة (١٢٨٧) من طريق إسرائيل به.\n(^٤) في م: \"الحضرمي\". وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٣٦٠.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٠ إلى المصنف.","vol":"13","page":721},{"text":"وقال آخرون: كان مكرُهم شركَهم باللهِ، وافتراءَهم عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4797>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: (وإن كان مَكْرُهُمْ لَتَزُلُ مِنه الجبالُ). يقولُ: شركُهم، كقولِه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ (^١) [مريم: ٩٠].\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ (^٢) [مريم: ٨٨ - ٩٠].\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ﴾. ثم ذكَر مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن الحسنَ كان يقولُ: كان أهونَ على اللهِ، وأصغرَ من أن تزولَ منه الجبالُ، يصِفُهم بذلك. قال قتادةُ: وفي مصحفِ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ: (وَإِنْ كادَ (^٣) مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ). وكان قتادةُ يقولُ عندَ ذلك: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠]؛ أي: لكلامِهم ذلك (^٤).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسير ٤/ ٤٣٦ عن علي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٩ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٩ إلى المصنف.\n(^٣) في ف: \"كان\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٩ إلى المصنف.","vol":"13","page":722},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، في قولِه: (وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجبالُ): قال ذلك حِينَ دَعَوْا للهِ وَلَدًا، وقال في آيةٍ أخرى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ (^١) [مريم: ٩٠، ٩١].\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾: في حرفِ ابن مسعودٍ: (وإنْ كادَ (^٢) مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجبال)، هو مثلُ قولِه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الحجازِ والمدينةِ والعراقِ ما خلا الكسِائيَّ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾، بكسرِ اللامِ الأولى وفتحِ الثانيةِ (^٣). بمعنى: وما كان مكرُهم لِتَزُولَ منه الجبالُ. وقرَأه الكسائيُّ: (وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجبالُ) بفتحِ اللامِ الأولى ورفعِ الثانيةِ، على تأويلِ قراءةِ مَن قرَأ ذلك: (وإنْ كادَ (٢) مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجبال) من المتقدمين الذين ذكرتُ أقوالَهم، بمعنى: اشتدَّ مكرُهم حتى زالت منه الجبالُ، أو كادت تزولُ منه، وكان الكسائيُّ يُحدِّثُ عن حمزةَ، عن شبلٍ، عن مجاهدٍ، أنه كان يقرَأُ ذلك على مثل قراءتِه (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ) برفعِ \"تزولُ\".\nحدَّثني بذلك الحارثُ، عن القاسمِ، عنه.\nوالصوابُ من القراءةِ عندَنا قراءةُ مَن قرَأه: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٣ عن معمر به.\n(^٢) في ص، ف: \"كان\". وينظر ما تقدم في ص ٧١٨.\n(^٣) ينظر السبعة ص ٣٦٣، وحجة القراءات ص ٣٧٩.","vol":"13","page":723},{"text":"مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ بكسرِ اللامِ الأولى وفتحِ الثانيةِ (^١)، بمعنى: وما كان مكرهم لِتَزُولَ منه الجبالُ.\nوإنما قلنا ذلك هو الصوابُ؛ لأن اللام الأولى إذا فُتِحت، فمعنى الكلامِ: وقد كان مكرُهم تزولُ منه الجبالُ، ولو كانت زالت لم تكن ثابتةً، وفي ثبوتِها على حالتها ما يُبين عن أنها لم تزل. وأخرى: إجماعُ الحجةِ من القرأَةِ على ذلك، وفى ذلك كفايةٌ عن الاستشهادِ على صحتِها وفسادِ غيرِها بغيرِه.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن ذلك ليس بإجماعٍ من الحجةِ، إذ كان من الصحابةِ والتابعينَ مَن قرَأ ذلك كذلك، فإن الأمرَ بخلافِ ما ظنَّ في ذلك، وذلك أن الذين قرَءوا ذلك بفتحِ اللامِ الأولى ورفعِ الثانيةِ، قرَءوا: (وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ) بالدالِ، وهى إذا قُرِئت كذلك، فالصحيحُ (^٢) من القراءةِ مع: (وَإنْ كادَ (^٣» فتحُ اللامِ الأولى ورفعُ الثانيةِ على ما قرَءوا، وغيرُ جائزٍ عندَنا القراءةُ كذلك؛ لأن مصاحفَنا بخلافِ ذلك، وإنما خَطُّ مصاحفِنا: ﴿وَإِنْ كَانَ﴾ الله بالنونِ لا بالدالِ، وإذ كانت كذلك، فغير جائزٍ لأحدٍ تغييرُ رسمِ مصاحفِ المسلمينِ، وإذا لم يجُزْ ذلك، لم يكن الصَّحاحُ من القراءةِ إلا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، دونَ مَن شَذَّ بقراءتِه عنهم.\nوبنحوِ ما قلنا في معنى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ﴾. قال: جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4798>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) القراءتان كلتاهما صواب، وليست إحداهما بأولى من الأخرى.\n(^٢) في ص، ف: \"بالصحة\".\n(^٣) في ص، ف: \"كان\".","vol":"13","page":724},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾. يقولُ: ما كان مكرُهم لتزولَ منه الجبالُ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾: ما كان مكرُهم لتزول منه الجبالُ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: ما كان مكرُهم لتزولَ منه الجبالُ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن يونسَ وعمرٍو، عن الحسنِ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾. قالا: وكان الحسنُ يقولُ: وإن كان مكرُهم لأوهنَ وأضعفَ من أن تزولَ منه الجبالُ.\nقال: قال هارونُ: وأخبَرنى يونسُ، عن الحسنِ، قال: أربعٌ في القرآنِ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ ما كان مكرُهم لتزولَ منه الجبالُ، وقولُه: ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧]. ما كنا فاعلين، وقولُه: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]. ما كان للرحمن ولدٌ، وقولُه: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦]. ما مكَّناكم فيه (^٣).\nقال هارونُ: وحدَّثني بهنّ عمرٌو (^٤)، عن الحسن، وزاد فيهنَّ واحدةً: ﴿فَإِنْ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٣٥ عن العوفي عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٤ عن معمر به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٩ إلى المصنف وابن الأنباري في المصاحف.\n(^٤) بعده في ص، ف: \"أسباط\"، وبعده في م: \"بن أسباط\".","vol":"13","page":725},{"text":"كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾: ما كنتَ في شَكٍّ: ﴿مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤].\nفالأَولَى من القولِ بالصوابِ في تأويلِ الآيةِ، إذ كانت القراءةُ التي ذكرتُ هي الصوابُ؛ لما بيَّنا من الدلالةِ في قولِه: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾. وقد أشرَك الذين ظلَموا أنفسَهم بربِّهم، وافْتَرَوْا عليه فِرْيتَهم عليه، وعندَ اللهِ علمُ شركِهم به وافترائِهم عليه، وهو مُعاقِبُهم على ذلك عقوبتَهم التي هم أهلُها، وما كان شركُهم وفِرْيتُهم على اللَّهِ لتزولَ منه الجبالُ، بل ما ضرُّوا بذلك إلا أنفسَهم، ولا عادت مغبَّة (^١) مكروهِه إلا عليهم.\nحدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ، قال: ثنا وكيعُ بنُ الجراحِ، قال: ثنا الأعمشُ، عن شِمْرٍ، عن عليٍّ، قال: الغدرُ مكرٌ، والمكرُ كفرٌ.\n\n<span id=\"aya-1797\"></span><span data-type='title' id=toc-4799>القولُ في تأويلِ قولِه تعالَى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالَى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ [يا محمدُ] (^٢) مُخْلِفَ وَعْدِهِ الذي وعَدهم؛ [مِن عقوبةِ] (^٣) مَنْ كَذَّبهم وجحَد ما أتَوْهم به من عندِه. وإنما قال ذلك تعالَى ذكرُه لنبيِّه؛ تثبيتًا وتشديدًا لعزيمتِه، ومعرفةَ أنه منزِلٌ من سُخْطِه بمن كذَّبه، وجحَد نبوَّتَه، وردَّ عليه ما أتاه به من عندِ اللَّهِ، مثالَ ما أنزَل بمَن سلَكوا سبيلَهم من الأممِ الذين كانوا قبلَهم على مثلِ منهاجِهم؛ من تكذيبِ رُسُلِهم، وجحودِ نبوَّتِهم، وردَّ ما جاءُوهم به من عندِ اللَّهِ عليهم.\n_________\n(^١) في م: \"بغية\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: م، ف.","vol":"13","page":726},{"text":"وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾. يعنى بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: لا يمتنعُ منه شيءٌ أراد عقوبتَه، قادرٌ على كلِّ مَن طلَبه، لا يفوتُه بالهَرَبِ منه. ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ ممن كفَر برسلِه وكذَّبهم، وجحَد نبوَّتَهم، وأشرَك به، واتَّخَذ معه إلهًا غيرَه.\nوأُضِيف قولُه: ﴿مُخْلِفَ﴾ إلى الوعدِ وهو مصدرٌ؛ لأنه وقَع موقعَ الاسمِ، ونُصِب قولُه: ﴿رُسُلَهُ﴾ بالمعنى، وذلك أن المعنى: فلا تحسبنَّ الله مُخلِفَ رسلِه وعدَه. فالوعدُ وإن كان مخفوضًا بإضافةِ ﴿مُخْلِفَ﴾ إليه، ففى معنى النصبِ، وذلك أن الإخلافَ يقعُ على منصوبين مختلفين، كقولِ القائلِ: كسَوتُ عبدَ اللَّهِ ثوبًا، وأدخلتُه دارًا وإذا كان الفعلُ كذلك يقعُ على منصوبين مختلفين، جاز تقديمُ أيِّهما قُدِّم، وخَفْضُ ما وَلِىَ الفعلَ الذي هو في صورةِ الأسماءِ، ونصبُ الثاني، فيقالُ: أنا مدخِلُ عبدِ اللَّهِ الدارَ، وأنا مدخِلُ الدارِ عبدَ اللَّهِ. إن قدَّمتَ \"الدارَ\" إلى \"المُدْخِلِ\"، وأَخَّرْتَ \"عبدَ اللَّهِ\"، خفَضَتَ \"الدار\"، إذ أُضيف \"مُدخلٌ\" إليها، ونُصِب \"عبدُ اللَّهِ\"، وإن قُدَّم \"عبدُ اللَّهِ\" إليه، وأخِّرتْ \"الدارُ\"، خُفِض \"عبدُ اللهِ\" بإضافةِ \"مُدْخلٍ\" إليه، ونُصِب \"الدارُ\"؛ وإنما فُعِل ذلك كذلك لأن الفعلَ - أعنى \"مُدْخل\" - يعملُ في كلِّ واحدٍ منهما نصبًا، نحوَ عملِه في الآخرِ؛ ومنه قولُ الشاعرِ (^١):\nتَرَى الثَّوْرَ فيها مُدْخِلَ الظِّلِّ رأسَهُ … وسائِرُهُ بادٍ إِلى الشَّمْسِ أَجْمَعُ\nأضاف \"مُدْخلَ\" إلى \"الظلِّ\"، ونَصَب \"الرأسَ\"؛ وإنما معنى الكلامِ: مُدْخلٌ رأسَه الظلَّ.\n_________\n(^١) البيت مجهول القائل، وينظر في معاني القرآن ٢/ ٨٠، وتأويل مشكل القرآن ص ١٤٨، والهمع ٢/ ١٢٣ برواية: \"أكتع\"، وكذا في الدرر اللوامع ٢/ ١٥٦.","vol":"13","page":727},{"text":"ومنه قولُ الآخرِ (^١):\nفَرِشْنِى بِخَيْرٍ لَا أَكُونَ وَمِدْحَتِى … كناحِتِ يَوْمٍ صَخْرَةً بعَسِيلٍ\nوالعَسِيلُ الريشةُ جُمِع بها الطِّيبُ. وإنما معنى الكلامِ: كناحِتِ صخرةٍ يومًا بعسيلٍ.\nوكذلك قولُ الآخرِ (^٢):\n* رُبَّ ابن عمٍّ لسُلَيْمَى مُشْمَعِلْ (^٣) *\n* طبّاخِ ساعاتِ الكَرَى زَادَ (^٤) الكَسِلْ (^٥) *\nوإنما معنى الكلامِ: طباخُ زادِ (^٦) الكَسِلِ ساعاتِ الكَرَى.\nفأما من قرَأ ذلك: (فَلا تَحْسَبنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدَهُ رُسُلِه). فقد بيَّنا وجهَ بُعْدِه من الصحةِ في كلامِ العربِ في سورةِ \"الأنعامِ\" عندَ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٧).\n\n<span id=\"aya-1798\"></span><span data-type='title' id=toc-4800>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا</span>\n_________\n(^١) الشاهد بلا نسبة في معاني القرآن ٢/ ٨٠، والدرر اللوامع ٢/ ٦٦ واللسان (ع س ل).\n(^٢) البيتان نسبا للشماخ في سيبويه ١/ ١٧٧، والكامل ١/ ١٩٩. ونسب الأول منها مع أبيات أخر في أراجيز العرب للبكرى ص ١٣٣ للجميح بن أخى الشماخ، وفى ديوان الشماخ ص ٣٨٩ نسب لجبار بن جزء، وفي التاج (رفل) نسب لجندل بن حرى، وهو تصحيف عن جبار بن جزء. وينظر الخلاف فيها في الخزانة ٤/ ٢٣٧.\n(^٣) المشمعل: السريع الماضي. النهاية ٢/ ٥١٠.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"دار\".\n(^٥) الكَسِل: الكسلان. اللسان (ك س ل).\n(^٦) في ص، ف: \"دار\".\n(^٧) ينظر ما تقدم في ٩/ ٥٧٦، ٥٧٧.","vol":"13","page":728},{"text":"لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن الله ذو انتقامٍ - يومَ تُبَدَّلُ الأَرضُ غيرَ الأَرضِ والسماواتُ (^١) - مِن مشركي قومِك يا محمدُ من قريشٍ، وسائرِ مَن كفَر باللهِ، وجحَد نبوَّتَك ونبوَّةَ رسلِه من قبلِك، فـ ﴿يَوْمَ﴾ مِن صلةِ الانتقامِ.\nواختُلِف في معنى قولِه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: يومَ تُبدَّلُ الأرضُ التي عليها الناسُ اليومَ في دارِ الدنيا غيرَ هذه الأرضِ، فتصيرُ أرضًا بيضاءَ كالفِضةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4801>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ ميمونِ يُحدِّثُ، عن عبدِ اللَّهِ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ (^٢). قال: أرضٌ كالفضةِ نقيةٌ، لم يَسِلْ فيها دمٌ، ولم يُعْمَلْ فيها خطيئةٌ، يُسمِعُهم الداعى، ويَنفُذُهم البصرُ (^٣)، حُفاةً عُراةً قيامًا - أحسبُ قال: كما خُلِقوا - حتى يُلْجِمَهم العرقُ قيامًا وَحْدَه.\nقال شعبةُ: ثم سمِعتُه يقولُ: سمِعتُ عمرَو بنَ ميمونٍ. ولم يَذْكُرْ عبدَ اللَّهِ، ثم عاودتُه فيه، قال: حدَّثنيه هبيرةُ، عن عبدِ اللهِ (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) بعده في م: \"والسموات\".\n(^٣) قال ابن الأثير: يقال: نفذنى بصره. إذا بلغنى وجاوزنى، وقيل: المراد به ينفذهم بصر الرحمن حتى يأتى عليهم كلهم. وقيل: أراد ينفذهم بصر الناظر؛ لاستواء الصعيد. النهاية ٥/ ٩١.\n(^٤) أخرجه أحمد في العلل ٢/ ١٧٦ (١٢١٥) عن محمد بن جعفر به، وأخرجه الحاكم ٤/ ٥٧٠ من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن هبيرة بن يريم عن عبد الله، وصحح إسناده. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٠ إلى عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث. =","vol":"13","page":729},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عبادٍ، قال: أخبَرنا شعبةُ، قال: أخبَرنا أبو إسحاقَ، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ ميمونٍ، وربما قال: قال عبدُ اللَّهِ. وربما لم يَقُلْ، فقلتُ له: عن عبدِ اللهِ؟ قال: سمِعتُ عمرَو بنَ ميمونٍ يقولُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾. قال: أرضٌ كالفضةِ بيضاءُ نقيةٌ، لم يُسْفَكْ (^١) فيها دمٌ، ولم يُعْمَلْ فيها خطيئةٌ، فيَنْفُذُهم البصرُ، ويُسْمِعُهم الداعى، حُفاةً عُراةً كما خُلِقوا - قال: أُرَاه قال: قيامًا - حتى يُلْجمهم العرقُ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، عن ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾. قال: تُبدَّلُ أرضًا بيضاء نقيةً كأنها فضةٌ، لم يُسفَكْ فيها دمٌ حرامٌ، ولم يُعملْ فيها خطيئةٌ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرٍو بن ميمونٍ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾. قال: أرضُ الجنةِ بيضاءُ نقيةٌ، لم يُعمَل فيها خطيئةٌ، يُسْمِعُهم الداعى، ويَنفُذُهم البصرُ، حُفاةً عُراةً قيامًا، يُلْجِمُهم العرقُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن\n_________\n= وقد روى عن عبد الله مرفوعا؛ أخرجه البزار (١٨٥٩)، والطبراني في الكبير (١٠٣٢٣)، وفى الأوسط (٧١٦٧)، وابن عدى ٢/ ٥٤٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٠، إلى ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في البعث، وقال البيهقي: الموقوف أصح.\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"يسل\"، والمثبت موافق لما في مصدر التخريج.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٣٨ عن شعبة به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (٦٧)، وأبو الشيخ في العظمة (٦٠٠)، والحاكم ٤/ ٥٧٠، من طريق إسرائيل به. وصحح الحاكم إسناده، وسقط أول إسناد ابن أبي الدنيا.","vol":"13","page":730},{"text":"أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾. قال: أرضٌ بيضاءُ كالفضةِ، لم يُسْفكْ فيها دمٌ حرامٌ، ولم (^١) يُعمَلْ فيها خطيئةٌ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عبادٍ، قال: ثنا حمادُ بن زيدٍ، قال: أخبَرَنا عاصمُ بن بَهْدلةَ، عن زِرِّ بن حُبيشٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ: أنه تلا هذه الآيةَ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. قال: يُجاءُ بأرضٍ بيضاءَ كأنها سبيكةُ فضةٍ، لم يُسْفكْ فيها دمٌ، ولم يُعمَلْ عليها خطيئةٌ. قال: فأوّلُ ما يُحكَمُ بينَ الناسِ فيه في الدماءِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن شيبانَ (^٤)، عن جابرٍ الجُعْفيِّ، عن أبي جَبيرةَ، عن زيدٍ، قال: أرسَل رسولُ اللهِ ﷺ إلى اليهودِ، فقال: \"هلْ تَدْرون لِمَ أَرْسَلْتُ إليهم\"؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: \"فإنى أرْسَلْتُ إليهم أسأَلُهم عن قولِ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ إِنَّهَا تَكُونُ يومَئِذٍ بَيْضَاءَ مثْلَ الفِضَّةِ\". فلما جاءوا سأَلهم، فقالوا: تكونُ بيضاءَ مثلَ النَّقِيِّ (^٥).\nحدَّثنا أبو إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني ابن لَهِيعةَ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن سنانِ (^٦) بن سعدٍ، عن أنس بن مالك، أنه (^٧) تلَا هذه الآيةَ:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لا\".\n(^٢) تفسير الثورى ص ١٥٨، وعنه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٤.\n(^٣) أخرجه الطبراني (٩٠٠١) من طريق حماد بن زيد به.\n(^٤) في م، ت ٢، وتفسير ابن كثير: \"سنان\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٥٩٢.\n(^٥) النقى: يعنى به الخبز الحُوَّارَى. النهاية ٥/ ١١٢.\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٣٨ عن المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٠ إلى ابن مردويه.\n(^٦) في ص، ت ١، ف: \"شيبان\". وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٢٦٥، والجرح والتعديل ٤/ ٢٥١.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قال و\".","vol":"13","page":731},{"text":"﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾. قال: يُبدِّلُها اللَّهُ يومَ القيامةِ بأرضٍ من فضةٍ، لم يُعمَل عليها الخطايا، يَنزِلُها الجبَّارُ ﵎ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾. قال: أرضٌ كأنها الفضةُ. زاد الحسنُ في حديثِه عن شبابةَ: والسماواتُ كذلك أيضًا كأنها الفضةُ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ قال: أرضٌ كأنها الفضةُ، والسماواتُ كذلك أيضًا.\nحدَّثنا ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا ابن أبى مريمَ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنى أبو حازمٍ، قال: سِمعتُ سهلَ بنَ سعدٍ يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ \"يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القيامةِ على أرضٍ بَيْضاءَ عَفراءَ كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ\". قال سهلٌ أو غيرُه: ليس فيها مَعْلمٌ لأحدٍ (^٣).\nوقال آخرون: تُبدَّلُ نارًا.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩١ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤١٤. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في النسخ: \"لغيره\". والأثر أخرجه البخاري (٦٥٢١)، والروياني في مسنده (١٠٦٩)، والطبراني (٥٨٣١)، والبغوى في شرح السنة (٤٣٠٥) من طريق ابن أبي مريم به، ومسلم (٢٧٩٠)، والبغوى في تفسيره ٤/ ٣٦١ من طريق محمد بن جعفر به. والطبراني (٥٩٠٨) من طريق أبي حازم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩١ إلى ابن مردويه.","vol":"13","page":732},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4802>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن قيس بن السَّكن، قال: قال عبدُ اللهِ: الأرضُ كلُّها نارٌ يومَ القيامةِ، والجنةُ مِن ورائِها، تُرَى أكوابُها وكواعبُها، والذي نفسُ عبدِ اللهِ بيدِه، إن الرجلَ ليَفِيضُ عرقًا حتى يرشَحَ (^١) في الأرضِ قدمُه، ثم يرتفعُ حتى يَبْلُغَ أَنفَه، وما مسَّه الحسابُ.\nفقالوا: مِمَّ ذاك يا أبا عبدِ الرحمنِ؟ قال: مما يَرَى الناسُ و(^٢) يَلْقَون (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ (^٤)، عن الأعمشِ، عن خَيْثَمةَ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: الأرضُ كلُّها يومَ القيامةِ نارٌ، والجنةُ من ورائِها، تُرَى كواعبُها وأكوابُها، ويُلْجِمُ الناسَ العرقُ، أو يَبلُغُ منهم العرقُ، ولم يَبلُغوا الحسابَ (^٥).\nوقال آخرون: بل تُبدَّلُ الأرضُ أرضًا من فضةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4803>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ المغيرةَ بنَ مالكٍ، يُحدِّثُ عن المُجَاشِعِ أو المُجَاشِعيِّ - شكَّ أبو موسى - عمَّن سمِع عليًّا يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾. قال: الأرضُ من فضةٍ، [والجنةُ] (^٦) من ذهبٍ.\n_________\n(^١) في ت ١، وتفسير ابن كثير: \"ترسخ\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف، وابن كثير.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٣٩ عن الأعمش به.\n(^٤) في النسخ: \"أبو سفيان\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٧٦، ١٧/ ٤٣٠.\n(^٥) أخرجه الطبراني (٨٧٧١) من طريق الأعمش به.\n(^٦) كذا في النسخ، وصفة الجنة والأهوال لابن أبي الدنيا، والذي في تفسير ابن كثير ٤/ ٤٣٩، والبداية والنهاية ١٩/ ٤٠٠ نقلا عن الأهوال: \"والسموات\"، وفى الدر المنثور ٤/ ٩١: \"والسماء\".","vol":"13","page":733},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن شعبةَ، عن المغيرةِ بن مالكٍ، قال: ثنى رجلٌ من بنى مُجاشِعٍ، يقالُ له: عبدُ الكريمِ، أو أبو (^١) عبدِ الكريمِ، قال: ثنى هذا الرجلُ أَرَاه بسَمَرْقَنْدَ. أنه سمِع عليَّ بنَ أبي طالبٍ قرأ هذه الآيةَ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾. قال: الأرضُ من فضةٍ، [والجنةُ] (^٢) من ذهبٍ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شعبةَ، عن مغيرةَ بن مالكٍ، عن رجلٍ من بنى مُجاشعٍ، يقالُ له: عبد الكريمِ، أو (^٣) يكنى أبا عبدِ الكريمِ، قال: أقامني على رجلٍ بخُراسانَ، فقال: حدَّثني هذا أنه سمِع عليَّ بنَ أبي طالبٍ، فذكَر نحوَه (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ الآية. فزعَم أنها تكونُ فضةً (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني ابن لَهِيعةَ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن سنانِ (^٦) بن سعدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: يُبدِّلُها اللَّهُ يومَ القيامةِ بأرضٍ من فضةٍ.\nوقال آخرون: يُبدِّلُها خُبْزةً.\n_________\n(^١) في النسخ: \"ابن\"، وينظر الأثر التالي ومصادر التخريج فيه.\n(^٢) ينظر التعليق على الأثر السابق.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"و\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٦٢)، وفى الأهوال (٦٨) من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩١ إلى المصنف.\n(^٦) في ص، ت ١، ف: \"شيبان\"، وينظر ما تقدم في ص ٧٣١.","vol":"13","page":734},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4804>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو سعدٍ سعيدُ بن دلٍّ من صَغانيانَ (^١)، قال: ثنا الجارودُ بن معاذٍ الترمذِيُّ، قال: ثنا وكيعُ بنُ الجراحِ، عن عمرَ (^٢) بن بشير (^٣) الهَمْدانيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾. قال: تُبدَّلُ خُبزةً بيضاءَ، يأكلُ المؤمنُ من تحت قدميه (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي معشرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرظَيِّ، أو عن محمدِ بن قيسٍ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾. قال: خُبْزَةً يأكُلُ منها المؤمنون من تحت أقدامِهم.\nوقال آخرون: تُبدَّلُ الأَرضُ غير الأرضِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4805>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن كعبٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾. قال: تَصِيرُ السماواتُ جِنانًا، ويَصِيرُ مكانَ البحرِ النارُ. قال: وتُبدَّلُ الأرضُ غيرَها (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحاربيُّ، عن إسماعيلَ\n_________\n(^١) ولاية عظيمة بما وراء النهر، متصلة الأعمال بترمذ. ينظر البلدان ٣/ ٣٩٣.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ف: \"عمرو\".\n(^٣) في م، ف: \"بشر\". وينظر الجرح والتعديل ٦/ ١٠٠.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٣٩ عن وكيع به.\n(^٥) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٥/ ٣٧٠ من طريق أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩١ إلى ابن أبي حاتم. ووقع في الدر \"أبي بن كعب\" بدلا من \"كعب\".","vol":"13","page":735},{"text":"ابن رافعٍ المدنيِّ، عن يزيدَ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن محمدِ بن كعبٍ القرظيِّ عن رجلٍ من الأنصارِ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \" [يُبَدِّلُ اللهُ] (^١) الأَرْضَ غيرَ الأَرْضِ والسَّمَاوَاتِ، فَيبسطُها ويَسْطَحُها ويَمُدُّها مَدَّ الأديمِ العُكاظِيِّ، لا تَرَى فيها عِوَجًا ولا أمْتًا، ثُمَّ يَزْجرُ اللهُ الخَلْقَ زَجْرَةً، فإذا هم في هذه المُبَدَّلَةِ في مِثْلِ مَواضِعِهم من الأُولى؛ ما كانَ في بَطْنِها [ففي بَطْنِها] (^٢)، وما كانَ على ظَهْرِها كانَ على ظَهْرِها، وذلك حينَ يَطْوِى السماوَاتِ كَطَيِّ السِّجِلِّ للكِتَابِ، ثُمَّ يَدْحُو بهما، ثُمَّ تُبَدَّلُ الأرضُ غيرَ الأَرْضِ والسَّمَاوَاتُ\" (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ الأَوْدِيِّ، قال: يُجْمَعُ الناسُ يومَ القيامةِ في أرضٍ بيضاءَ، لم يُعْمَلْ فيها خطيئةٌ، مقدارَ أربعين سنةً، يُلْجمُهم العرقُ.\nوقالت عائشةُ في ذلك ما حدَّثنا ابن أبى الشواربِ وحميدُ بنُ مسعدةَ وابنُ بَزِيعٍ، قالوا: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن داودَ، عن عامرٍ، عن عائشةَ، قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إذا بُدِّلَت الأرضُ غيرَ الأرضِ، وبَرَزُوا للهِ الواحدِ القهَّارِ، أين الناسُ يومئذٍ؟ قال: \"على الصِّرَاطِ\" (^٤).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ وابنُ بَزِيعٍ، قالا: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"تبدل\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) جزء من حديث الصور الطويل. وينظر ما تقدم في ٣/ ٥٩٧.\n(^٤) أخرجه أحمد ٦/ ١٣٤، ٢١٨ (الميمنية) من طريق داود به.\n(^٥) في ص: \"مثله\".","vol":"13","page":736},{"text":"حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن داودَ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، قال: قلت لعائشةَ: يا أمَّ المؤمنين، أرَأيتِ قولَ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾: أين الناسُ يومئذٍ؟ فقالت: سأَلتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك فقال: \"عَلى الصِّرَاطِ\" (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا الحسنُ بنُ عنبسةَ الورَّاقُ، قال: ثنا [عبدُ الرحيمِ] (^٢) - يعنى ابنَ سليمانَ الرازيَّ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: سأَلتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن قولِ اللهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾. قلت: يا رسولَ اللهِ، إِذا بُدِّلت الأرضُ غيرَ الأرضِ، أين يكونُ الناسُ؟ قال: \"على الصِّرَاطِ\".\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عاصمُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ زكريا، عن داودَ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ بنحوِه.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن عائشةَ أمِّ المؤمنين، قالت: أنا أولُ الناسِ سأَل رسولَ اللهِ ﷺ عن هذه الآيةِ. ثم ذكَر نحوَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا رِبْعِيُّ بنُ إبراهيمَ الأَسَديُّ، أخو إسماعيلَ بن إبراهيمَ (^٣)، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن عامرٍ، قال: قالت عائشةُ: يا رسولَ اللَّهِ، أرأيتَ إذا بُدِّلت الأرضُ غيرَ الأرضِ، أين الناسُ يومَئذٍ؟ قال: \"على الصِّراطِ\".\n_________\n(^١) أخرجه الدارمي ٢/ ٣٢٨، ٣٢٩ من طريق خالد به، وأخرجه الحميدى (٢٧٤)، وأحمد ٦/ ٣٥ (الميمنية)، ومسلم (٢٧٩١)، والترمذي (٣١٢١)، وابن ماجه (٤٢٧٩)، وابن حبان (٣٣١، ٧٣٨٠)، وأبو الفضل الزهرى في حديثه (٣٥٦)، والحاكم ٢/ ٣٥٢، والبغوى في تفسيره ٤/ ٣٦٢ من طريق داود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٠ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) في ص، ف: \"عبد الرحمن\". وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٣٦.\n(^٣) في ص، ف: \"هشيم\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٥٢.","vol":"13","page":737},{"text":"حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عليُّ بنُ الجَعْدِ، قال: أخبَرنى القاسمُ، قال: سمِعتُ الحسنَ، قال: قالت عائشةُ: يا رسولَ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾: فأين الناسُ يومئذٍ؟ قال: \"إن هذا لشيءٌ (^١) ما سأَلَني عنه أحدٌ\". قال: \"على الصراطِ يا عائشةُ\" (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ إبراهيمَ، قال: ثني الوليدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن حسانَ بن بلالٍ المزنيِّ، عن عائشةَ، أنها سأَلتْ رسولَ اللهِ ﷺ عن قولِ اللهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾. قال: قالتْ: يا رسولَ اللهِ، فأين الناسُ يومئذٍ؟ قال: \"لقد سألتِني عن شيءٍ ما سألنِي عنه أحدٌ مِن أمَّتي، ذاك إذا الناسُ على جِسْرِ جهنمَ\".\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾: ذُكِر لنا أن عائشةَ قالت: يا نبيَّ (^٣) اللهِ، فأين الناسُ يومَئذٍ؟ فقال: \"لقد سألتِني عن شيءٍ ما سأَلني عنه أحدٌ مِن أمتى قبلَكِ\". قال: \"هم يومَئِذٍ على جِسْرِ جَهَنَّمَ\".\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أن عائشةَ سأَلت رسولَ اللهِ ﷺ، فذكَر نحوَه، إلا أنه قال: \"على الصراطِ\" (^٤).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن يحيى بن أبى كثيرٍ،\n_________\n(^١) في م: \"الشيء\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (٦٩) عن علي بن الجعد به، وأخرجه أحمد ٦/ ١٠١ (الميمنية) من طريق القاسم به.\n(^٣) في م: \"رسول\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٤ عن معمر به.","vol":"13","page":738},{"text":"عن أبي (^١) أسماءَ، عن ثوبانَ، قال: سأل حَبْرٌ من اليهودِ رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: أين الناسُ يومَ تُبدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ؟ قال: \"هم في الظُّلْمَةِ دونَ الجِسْرِ\" (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ (^٣)، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ ثَوْبَانَ الكَلاعيُّ، عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، قال: أتى النبيَّ ﷺ حَبرٌ من اليهودِ، وقال: أرأيتَ إذ يقولُ اللهُ في كتابِه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾: فأين الخلقُ عندَ ذلك؟ قال: \"أَضْيافُ اللَّهِ، فلن يُعجِزَهم ما لديه\" (^٤).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: يومَ تُبدَّلُ الأرضُ التي نحن عليها اليومَ، يومَ القيامةِ غيرَها، وكذلك السماواتُ اليومَ تُبدَّلُ غيرَها، كما قال جلَّ ثناؤُه، وجائزٌ أن تكونَ المبدَّلةُ أرضًا أُخرى من فضةٍ، وجائزٌ أن تكونَ نارًا، وجائزٌ أن تكونَ خُبزًا، وجائزٌ أن تكونَ غيرَ ذلك، ولا خبرَ في ذلك عندَنا من الوجهِ الذي يَجِبُ التسليمُ له أيُّ ذلك يكونُ، فلا قولَ في ذلك يَصِحُّ إلا ما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ.\nوبنحوِ ما قلنا في معنى قولِه: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) سقط من النسخ. وينظر مصادر التخريج، وتهذيب الكمال ٢٢/ ٢٢٣.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢٠٨٨٤) عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن ثوبان مطولًا، وأخرجه مسلم (٣١٥)، والنسائى في الكبرى (٩٠٧٣)، وابن خزيمة (٢٣٢)، وأبو عوانة ١/ ٢٩٣، والطبراني (١٤١٤)، والحاكم ٣/ ٤٨١، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٥١، والبيهقي في سننه ١/ ١٦٩، وفي الدلائل ٦/ ٢٦٣ من طريق أبي سلام عن أبي أسماء به مطولًا.\n(^٣) في النسخ: \"عون\". والمثبت موافق لما في تفسير ابن كثير ٤/ ٤٣٨ نقلًا عن المصنف، وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٢٣٦.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٤/ ٤٣٨ - من طريق أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩١ إلى أحمد وأبي نعيم في الدلائل، وينظر فتح البارى ١١/ ٣٧٥.","vol":"13","page":739},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4806>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾. قال: أرضًا كأنها الفضةُ، والسماواتُ كذلك أيضًا (^١).\nوقولُه: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. يقولُ: وظهَروا للهِ المنفردِ بالربوبيةِ - الذي يَقْهَرُ كُلَّ شيءٍ فيَغِلبُه، ويَصرِفُه لما يشاءُ، كيف يشاءُ، فَيُحْيِي خَلْقَه إِذا شاء، ويُمِيتُهم إذا شاء، لا يَغلِبُه شيءٌ ولا يَقهَرُه - من قبورِهم أحياءً الموقفِ القيامةِ.\n\n<span id=\"aya-1799\"></span><span data-type='title' id=toc-4807>القولُ في تأويلِ قولِه تعالَى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وتُعايِنُ الذين كفَروا باللهِ، فاجتَرموا في الدنيا الشركَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾. يعنى: يومَ تُبدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ والسماواتُ: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. يقولُ: مقرنةً أيديهم وأرجلُهم إلى رقابِهم بالأصفادِ، وهى الوَثاقُ من غُلٍّ وسلسلةٍ، واحدُها صَفَدٌ، يُقالُ منه: صَفَدْتُه في الصَّفَدِ صَفْدًا وصِفادًا، والصَّفَادُ: القيدُ، ومنه قولُ عمرِو بن كُلثومٍ (^٢).\nفَآبُوا بالنِّهابِ وبالسَّبابا … وأُبْنا بالمُلُوكِ مُصَفَّدِينا\nومن جعَل الواحدَ من ذلك صِفادًا، جمَعه صُفُدًا لا أصفادًا. وأما من العطاءِ، فإنه يقالُ منه: أصفدتُه إصفادًا، كما قال الأعشى (^٣):\n_________\n(^١) تقدم في ص ٧٣٢.\n(^٢) البيت في شرح القصائد السبع ٤١٢، وشرح القصائد التسع لابن النحاس ٢/ ٨٢٠.\n(^٣) ديوانه ص ٦٥.","vol":"13","page":740},{"text":"تَضَيَّفْتُه (^١) يَوْمًا [فَأَكْرَمَ مَجْلِسِى] (^٢) … وأَصْفَدَنِي عندَ (^٣) الزَّمانَةِ قائِدًا\nوقد قيل في العطاءِ أيضًا: صفَدنى صَفْدًا، كما قال النابغةُ الذبيانيُّ (^٤):\nهذا الثَّناءُ فَإِنْ تَسْمَعْ لقائلِه … [فما عَرَضْتُ] (^٥) أَبَيْتَ اللَّعْنَ بالصَّفَدِ\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4808>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. يقولُ: في وَثَاقٍ (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عيسى الدامَغانيُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: الأصفادُ السلاسلُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. قال: مقرّنين في القيودِ والأغلالِ (^٧).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عليُّ بنُ هاشمِ بن البريدِ، قال: سمعتُ الأعمَشَ يقولُ: الصَّفَدُ القيدُ (^٨).\n_________\n(^١) في ص: \"نصصه\"، وفى ت ١: \"بتضيفته\"، وفى ت ٢: \"مصعفه\"، وفى ف: \"تنصفته\".\n(^٢) في الديوان: \"فقرب مقعدي\".\n(^٣) في الديوان: \"على\".\n(^٤) ديوانه ص ٢٤.\n(^٥) في الديوان: \"فلم أعرض\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٤ عن معمر به.\n(^٨) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٤٠.","vol":"13","page":741},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. قال: صُفِدت فيها أيديهم وأرجلُهم ورقابُهم، والأصفادُ الأغلالُ (^١).\n\n<span id=\"aya-1800\"></span>وقولُه: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾. يقولُ: قُمُصُهم التي يَلْبَسونها، واحدُها سِرْبالٌ، كما قال امرؤ القيسِ (^٢):\n* لَعُوبٍ تُنَسِّينِى إِذَا قُمْتُ سِرْبالي *\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾. قال: السرابيلُ القُمْصُ (^٣).\nوقولُه: ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾. يقولُ: من القطِرانِ الذي يُهْنأُ (^٤) به الإبلُ، وفيه لغاتٌ ثلاثٌ؛ يقالُ: \"قَطِران\" و\"قَطْران\" بفتح القافِ وتسكينِ الطاءِ منه. وقيل: إن عيسى بنَ عمرَ (^٥) كان يقرَأُ: (مِنْ قِطْرَانٍ) بكسرِ القافِ وتسكينِ الطاءِ (^٦). ومنه قولُ أبي النَّجمِ (^٧):\n* جَوْنٌ كَأَنَّ العَرَقَ المَنتُوحَا *\n* لَبَّسَهُ القِطْرَانَ والمُسُوحَا *\nبكسرِ القافِ، وقال أيضًا:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٤٠.\n(^٢) ديوانه ص ٣٠.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩١ إلى المصنف.\n(^٤) هنا الإبل يَهنَؤُها ويهنئها ويَهنُؤُها مثلثة النون؛ طلاها بالهِنَاءِ وهو القطران. التاج (هـ ن أ).\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"كذلك\".\n(^٦) وهي قراءة شاذة.\n(^٧) ديوانه ص ٨٣.","vol":"13","page":742},{"text":"كأنَّ قِطْرَانًا إِذًا تَلاهَا\nتَرْمى بِهِ الرِّيحُ إِلى مَجْرَاها\nبالكسر.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك يقولُ مَن قرَأ ذلك كذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-4809>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾. يعني: الخَضْحَاضُ، هِنَاءُ الإبلِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾. قال: قَطِرانُ الإبلِ (^١).\nوقال بعضُهم: القَطِرانُ النُّحاسُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4810>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿قَطِرَانٍ﴾: نُحاسٍ. قال ابن جريجٍ: قال ابن عباسٍ: ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾: نُحاسٍ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٤/ ٣٤٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أثر مجاهد ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٤٠ عنه، وأثر ابن عباس سيأتي في ص ٧٤٥.","vol":"13","page":743},{"text":"﴿مِن قَطِرَانٍ﴾. قال: مِن (^١) نُحاسٍ (^٢).\nوبهذه القراءةِ - أعنى: بفتحِ القافِ وكسرِ الطاءِ، وتصيِيرِ ذلك كلِّه كلمةً واحدةً - قرَأ ذلك جميعُ قرأةِ الأمصارِ، وبها نقرَأُ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه.\nوقد رُوِى عن بعضِ المتقدمين أنه كان يقرَأُ ذلك: (مِنْ قَطْرٍ آنٍ) (^٣) بفتحِ القافِ وتسكينِ الطاءِ وتنوينِ الراءِ وتصيِيرِ \"آنٍ\" من نعتِه، وتوجيهِ معنى \"القَطْرِ\" إلى أنه النُّحاسُ، ومعنى \"الآنِ\" إلى أنه الذي قد انتهى حرُّه في الشدَّةِ.\nوممن كان يقرأُ ذلك كذلك - فيما ذُكِر لنا - عكرمةُ مولي ابن عباسٍ، حدَّثني بذلك أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ عنه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-4811>ذكرُ مَن تأوَّل ذلك على هذه القراءةِ التأويلَ الذي ذكرتُ فيه</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: (سرابيلُهم من قطرٍ آنٍ). قال: صفرٌ (^٥)، والآنُ الذي قد انتهى حرُّه (^٦).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا داودُ بنُ مِهْرانَ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ نحوَه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن\n_________\n(^١) في النسخ: \"هي\". والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٤ عن معمر به.\n(^٣) وهي قراءة شاذة.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٢ إلى المصنف وأبي عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر مطولًا.\n(^٥) في النسخ: \"قطر\". والصواب المثبت، وهو موافق لما في مصدر التخريج.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٢ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"13","page":744},{"text":"جعفرٍ، عن سعيدٍ بنحوِه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حمادٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ، أنه كان يقرَأُ: (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطْرٍ آنٍ).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا المباركُ بنُ فَضَالةَ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: كانت العرب تقولُ للشيءِ إذا انتهى حرُّه: قد أَنَى حرُّ هذا، قد أُوقِدتْ عليه جهنمُ منذ خُلِقتْ، فَأَنَى حرُّها (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: (سَرَابِيلُهُمْ من قَطْرٍ آنٍ). قال: القَطْرُ النُّحاسُ. والآنُ: يقولُ: قد أَنى حرُّه، وذلك أنه يقولُ: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤].\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا ثابتُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا هلالُ بنُ خَبَّابٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطْرٍ آنٍ). قال: من نُحاسٍ. قال: آنٍ: أنى لهم أن يُعَذَّبُوا به (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن حصينٍ، عن عكرمة في قولِه: (مِنْ قَطْرٍ آنٍ). قال: الآنُ (^٣) الذي قد انتهَى حرُّه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٥/ ٤٤٠.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"الآني\".","vol":"13","page":745},{"text":"ابن عباسِ قولَه: (مِنْ قَطْرٍ آنٍ). قال: هو النحاسُ المذابُ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ بنُ عطاءٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: (مِنْ قَطْرٍ آنٍ). يعنى: الصُّفْرُ المذابُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، [عن مَعْمَرٍ] (^٢)، عن قتادةَ: (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطْرٍ آنٍ). قال: من نُحاسٍ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، قال: ثنا أبو حفصٍ، عن هارونَ، عن قتادةَ أنه كان يقرأُ: (مِنْ قَطْرٍ آنٍ). قال: من صُفْرٍ قد انتهَى حرُّه. وكان الحسنُ يَقرؤُها: (مِنْ قَطْرٍ آنٍ).\n\n<span id=\"aya-1801\"></span>وقولُه: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾. يقولُ: وتَلْفَحُ وجوهَهم النارُ، فتحرقُها؛ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾. يقولُ: فعَل اللهُ ذلك بهم؛ جزاءً لهم بما كسَبوا من الآثامِ في الدنيا، كيما يُثيبَ كلَّ نفسٍ بما كسَبت من خيرٍ وشرٍّ، فيَجْزِيَ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. يقولُ: إن الله عالمٌ بعملِ كلِّ عاملٍ، فلا يحتاجُ في إحصاءِ أعمالِهم إلى عَقْدِ كفٍّ ولا معاناةٍ، وهو سريعٌ حسابُه لأعمالِهم، قد أحاط بها عِلْمًا، لا يَعْزُبُ عنه منها شيءٌ، وهو مجازيهم على جميعِ ذلك صغيرِه وكبيرِه.\n\n<span id=\"aya-1802\"></span><span data-type='title' id=toc-4812>القولُ في تأويلِ قولِه تعالَى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالَى ذكرُه: هذا القرآنُ بلاغٌ للناسِ، أبلَغَ الله به إليهم، في الحجةِ عليهم وأعذَرَ إليهم، بما أنزَل فيه من مواعظِه وعبرِه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٢٢ - من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩١، ٩٢ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سقط من النسخ، وهو إسناد دائر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٤ عن معمر به.","vol":"13","page":746},{"text":"﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾. يقولُ: وليُنذَروا عقابَ اللَّهِ، ويحذَروا به نقمَاتِه، أَنزَله إلى نبيِّه ﷺ.\n﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. يقولُ: وليعلَمُوا بما احْتَجَّ به عليهم من الحُججِ فيه، أنما هو إله واحدٌ، لا آلهةٌ شتَّى، كما يقولُه المشركون باللهِ، وألَّا إلهَ إلا هو، الذي له ما في السماواتِ وما في الأرضِ، الذي سخَّر لهم الشمسَ والقمرَ، والليلَ والنهارَ، وأنزَل من السماءِ ماءً، فأخرَج به من الثمراتِ رزقًا لهم، وسخَّر لهم الفُلكَ لتجرى في البحرِ بأمرِه، وسخَّر لهم الأنهارَ.\n﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. يقول: وليتذكَّرَ فيتعظَ بما احتجَّ اللهُ به عليه، من حُجَجِه التي في هذا القرآنِ، فينزجرَ عن أن يجعَلَ معه إلهًا غيرَه، ويُشْرِكَ (^١) في عبادتِه شيئًا سواه - أهلُ الحِجَى والعقولِ، فإنهم أهلُ الإعتبارِ والادِّكارِ، دونَ الذين لا عقولَ لهم ولا أفهام، فإنهم كالأنعامِ، بل هم أضلُّ سبيلًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4813>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾. قال: القرآنُ. ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾. قال: بالقرآنِ. ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (^٢).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ إبراهيمَ ﵌،\nيتلوه تفسيرُ سورةِ الحجرِ، وصلَّى اللهُ على محمدٍ النبيِّ وآلِه وسلَّم.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يشركه\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":747},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-4814>تفسيرُ سورةِ الحِجْرِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-1803\"></span><span data-type='title' id=toc-4815>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ </span>(١)﴾.\nأما قولُه جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿الر﴾. فقد تَقَدَّم بيانُنا (^١) فيما مضَى قبلُ (^٢).\nوأما قولُه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. فإنه يَعْنى: هذه الآيات آياتُ الكُتُبِ التي كانت قبل القرآنِ، كالتوراةِ والإنجيلِ، ﴿وَقُرْآنٍ﴾. يقولُ: وآياتُ قرآنٍ ﴿مُبِينٍ﴾. يقولُ: يَبِينُ لَمَنْ (^٣) تأَمَّله وتَدَبَّره رُشْدُه وهُداه.\nكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾، قال: يَبِينُ واللَّهِ هداه ورُشْدُه وخيرُه (^٤).\nحدَّثنا المُثنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ: ﴿الر﴾: فواتحُ يَفْتَتِحُ اللهُ (^٥) بها كلامَه، ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. قال: التوراةُ\n_________\n(^١) في م: \"بيانها\".\n(^٢) تقدم في ١/ ٢٠٤ وما بعدها.\n(^٣) في م: \"من\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) ليست في: ص، م، ت ٢، ف.","vol":"14","page":5},{"text":"والإنجيلُ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. قال: الكتُبُ التي كانت قبل القرآن (^٢).\n\n<span id=\"aya-1804\"></span><span data-type='title' id=toc-4816>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ </span>(٢)﴾.\nاختلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿رُبَمَا﴾؛ فقرَأت ذلك عامةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿رُبَمَا﴾. بتخفيفِ الباءِ. وقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ بتشديدِها (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان، بمعنًى واحدٍ، قد قرَأ بكلِّ واحدةِ منهما أئمةٌ مِن القرأَةِ، فبأيتِهما قرَأ القارى فهو مُصِيبٌ.\nواختلَف أهلُ العربيةِ في معنى \"ما\" التي مع \"رُبَّ\"؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: أُدْخِلَ مع \"ربَّ\" \"ما\"؛ ليتَكَلَّمَ بالفعلِ بعدها، وإن شِئْتَ جعَلت \"ما\" بمنزلةِ شيءٍ، فكأنَّك قلتَ: ربَّ شيءٍ يَوَدُّ. أي: ربَّ وُدٍّ يَوَدُّه الذين كفَروا.\nوقد أنكَر ذلك مِن قولِه بعضُ نحويِّى الكوفةِ، وقال: المصدرُ لا يحتاجُ إلى عائدٍ، و\"الوُدُّ\" قد وقع على \"لو\": ربما يَوَدُّون لو كانوا؛ أن يَكُونوا. وقال: وإذا\n_________\n(^١) أخرج أوله ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٢١، ٧/ ٢٠٩٨ (١١٣١٦) من طريق ابن جريج، عن مجاهد، وينظر ما تقدم في ١/ ٢٠٥.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٢/ ١٠٥، وهو تمام الأثر المتقدم قبله.\n(^٣) بالتخفيف قرأ عاصم ونافع، وبالتشديد قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر التيسير ص ١١٠، وحجة القراءات ص ٣٨٠.","vol":"14","page":6},{"text":"أُضْمِر الهاءُ في \"لو\" ليس (^١) بمفعولٍ، وهو موضعُ المفعولِ، ولا يَنْبَغى أن يُتَرْجَمَ المصدرُ بشيءٍ، وقد ترجمَه بشيءٍ، ثم جعَله وُدًّا، ثم أعاد عليه عائدًا، فكان الكسائي والفرَّاءُ (^٢) يقولان: لا تكادُ العربُ تُوقِعُ \"رُبَّ\" على مستقبَلٍ، وإنما يُوقِعونها على الماضي مِن الفعلِ، كقولِهم: ربَّما فعَلتُ كذا. و: ربما جاءني أخوك. قالا: وجاء في القرآنِ مع المستقبلِ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ﴾. وإنما جاز ذلك؛ لأن ما كان في القرآنِ مِن وعدٍ ووعيدٍ وما فيه، فهو حقٌّ، كأنه عِيانٌ، فجرَى الكلامَ فيما لم يَكُنْ بعدُ منه مجراه فيما كان، كما قيل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]. وقولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ [سبأ: ٥١]. كأنه ماضٍ وهو منتظَرٌ؛ لصدقِه في المعنى - وأنه لا مكذِّبَ له - وإن القائل ليقولُ إذا نَهَى أو أمَر فعصاه المأمورُ: أما واللهِ لرُبَّ ندامةٍ لك تَذْكُرُ قولى فيها. لعلمِه بأنه سيَنْدَمُ ويقولُ، واللهُ ووعدُه أصدقُ مِن قولِ المخلوقين.\nوقد يجوزُ أن يَصْحَبَ \"ربَّما\" الدائمُ (^٣)، وإن كان في لفظ \"يَفْعَلُ\"، يقالُ: ربَّما يموتُ الرجلُ فلا يُوجَدُ له كفنٌ. وإن أُوليتِ الأسماءَ، كان معَها ضميرٌ \"كان\"، كما قال أبو (^٤) دواد (^٥):\nربَّما الجاملُ (^٦) المؤبَّلُ (^٧) فيهم … وعَناجِيجُ (^٨) بينَهن المِهارُ\n_________\n(^١) في م: \"فليس\".\n(^٢) معاني القرآن ٢/ ٨٢.\n(^٣) المراد بالدائم عند الكوفيين اسم الفاعل. مصطلحات النحو الكوفي ص ٥٠.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ابن\".\n(^٥) ديوانه (دراسات في الأدب العربي) ص ٣١٦.\n(^٦) الجامل: جماعة من الإبل تقع على الذكور والإناث، لا واحد لها من لفظها. ينظر اللسان (ج م ل).\n(^٧) المؤبلة: الإبل إذا كانت للقنية. الصحاح (أ ب ل).\n(^٨) العناجيج، واحدها عنوج: النجيب من الإبل، وقيل: هو الطويل العنق من الإبل والخيل. اللسان (ع ن ج).","vol":"14","page":7},{"text":"فتأويلُ الكلامِ: ربما يودُّ الذين كفَروا باللهِ، فجحَدوا وحدانيتَه، لو كانوا في دار الدنيا مسلمين.\nكما حدَّثنا عليُّ بنُ سعيدِ بن مسروقٍ الكنديُّ، قال: ثنا خالدُ بنُ نافعٍ الأشعريُّ، عن سعيدِ بن أبي بُرْدةَ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى، قال: بلَغنا أنه إذا كان يومُ القيامةِ، واجتَمع أهلُ النارِ في النارِ، ومعهم مَن شَاء اللَّهُ مِن أهلِ القبلةِ، قال الكفارُ لمن في النارِ مِن أهل القبلةِ: ألستم مسلمين؟ قالوا: بلى. قالوا: فما أغنى عنكم إسلامُكم، وقد صِرْتم معَنا في النارِ؟ قالوا: كانت لنا ذُنوبٌ فأُخِذنا بها. فسمِع اللهُ ما قالوا، فأمَر بكلِّ مَن كان مِن أهلِ القبلةِ في النارِ فَأُخْرِجوا، فقال مَن في النارِ مِن الكفارِ: يا ليتَنا كنا مسلمين. ثم قرَأ رسولُ اللهِ: \" ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ \" (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ الهيثمِ أبو قَطَنٍ القُطَعِيُّ ورَوْحُ بنُ عبادةَ القَيْسيُّ وعفانُ بنُ مسلمٍ - واللفظُ لأبي قَطَنٍ - قالوا: ثنا القاسمُ بنُ الفضلِ، [عن عبيدِ] (^٢) اللهِ بن أبى جَرُوةَ، قال: كان ابن عباسٍ وأنسُ بن مالكٍ يتأوَّلان هذه الآيةَ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. قالا: ذاك يومَ يَجْمَعُ اللَّهُ أهلَ الخطايا مِن المسلمين والمشركين في النارِ. وقال عفان: حين يُحْبَسُ أهلُ الخطايا مِن المسلمين والمشركين - فيقولُ المشركون: ما أغْنَى عنكم ما كنتم تَعْبُدون - زاد أبو قَطَنٍ: قد جُمِعنا وإياكم - وقال أبو قَطَنٍ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٨٤٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٤/ ٤٤٣ - والطبراني - كما في تفسير ابن كثير ٤/ ٤٤٣، والبداية والنهاية، ٢٠/ ١٨٠، والحاكم ٢/ ٢٤٢، والبيهقي في البعث والنشور (٨٥) من طريق خالد بن نافع الأشعرى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٢ إلى ابن مردويه.\n(^٢) في النسخ: \"بن عبد\". والمثبت من مصدرى التخريج، وينظر الجرح والتعديل ٥/ ٣١٤.","vol":"14","page":8},{"text":"وعفانُ: فيَغْضَبُ الله لهم بفضلِ رحمتِه. ولم يَقُلْه روحُ بنُ عُبادةَ. وقالوا جميعًا: فيُخْرِجُهم اللهُ، وذلك حينَ يقولُ اللهُ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، قال: ثنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. قال: يُدْخِلُ الجنةَ ويَرْحَمُ، حتى يقولَ في آخرِ ذلك: مَن كان مسلمًا فلْيَدْخلِ الجنةَ. قال: فذلك قولُه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: ذلك يومَ القيامةِ، يَتَمَنَّى الذين كفَروا لو كانوا موحِّدين (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بن كُهَيلٍ، عن أبي الزعراءِ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. قال: هذا في الجَهَنَّمِيين إذ رأَوْهم يَخْرُجون مِن النارِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في البعث والنشور (٨٢) من طريق روح، عن القاسم به، وأخرجه الحسين في زوائده على زهد ابن المبارك (١٦٠٢) من طريق القاسم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه البيهقى في البعث والنشور (٨١) من طريق أبي عوانة به، وأخرجه هناد في الزهد (١٩٠) من طريق عطاء به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٢ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه اليبهقى في البعث والنشور (٨٠) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٨٦) من طريق سلمة بن كهيل به.","vol":"14","page":9},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا ابن أبى جَرْوةَ (^١) العبديُّ، أن ابنَ عباسٍ وأنسَ بنَ مالكٍ كانا يتأوَّلان هذه الآيةَ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. يتأوّلانها: يومَ يَحْبِسُ اللهُ أهلَ الخطايا مِن المسلمين مع المشركين في النارِ. قال: فيقولُ لهم المشركون: ما أغْنَى عنكم ما كنتُم تَعْبُدون في الدنيا؟ قال: فيَغْضَبُ اللهُ لهم بفضلِ رحمتِه فيُخْرِجُهم، فذلك حين يقولُ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ما يَزالُ اللَّهُ يُدْخِلُ الجنة ويَرْحَمُ ويُشَفِّعُ، حتى يقولَ: مَن كان مِن المسلمين فلْيَدْخُلِ الجنةَ. فذلك قولُه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن هشامٍ الدَّسْتوائيِّ، قال: ثنا حمادٌ، قال: سألْتُ إبراهيمَ عن هذه الآيةِ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. قال: حُدِّثت أن المشركين قالوا لمن دخَل النارَ مِن المسلمين: ما أَغْنَى عنكم ما كنتم تَعْبُدون؟ قال: فيَغْضَبُ اللَّهُ لهم، فيقولُ للملائكةِ والنبيين: اشْفَعوا. فيَشْفَعُون، فيَخْرُجون مِن النارِ، حتى إن إبليسَ ليَتَطاولُ رجاءَ أَن يَخْرُجَ معهم، قال: فعندَ ذلك ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (^٤).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن إبراهيمَ أنه قال في قولِ\n_________\n(^١) في النسخ، وتفسير ابن كثير: \"فروة\". وتقدم على الصواب.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٤٢ عن المصنف.\n(^٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٥٣ - وعنه البيهقى في البعث والنشور (٨١) - من طريق جرير به.\n(^٤) أخرجه الحسين في زوائده على زهد ابن المبارك (١٢٧٠) عن ابن علية به.","vol":"14","page":10},{"text":"اللهِ ﷿: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. قال: يقولُ مَن في النارِ مِن المشركين للمسلمين: ما أغْنَت عنكم: لا إلهَ إلا اللَّهُ؟ قال: فيَغْضَبُ اللَّهُ لهم، فيقولُ: مَن كان مسلمًا فَلْيَخْرُجُ مِن النارِ. قال: فعندَ ذلك: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا معمرٌ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾، قال: إن أهلَ النارِ يَقُولون: كنا أهلَ شِرْكِ وكُفْرٍ، فما شأنُ هؤلاء الموحِّدين، ما أَغْنَى عنهم عبادتُهم إياه؟ قال: فيُخْرِجُ مِن النارِ مَن كان فيها مِن المسلمين. قال: فعندَ ذلك ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، و(^٢) عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ، قالا (^٣): يقولُ أهلُ النارِ للموحِّدين: ما أَغْنَى عنكم إيمانُكم؟ قال: فإذا قالوا ذلك، قال: أَخْرِجوا مَن كان في قلبِه مِثقالُ ذرّةٍ. فعندَ ذلك [قولُه: ﴿رُبَمَا] (^٤) يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلمٌ، قال: ثنا هشامٌ، عن حمادٍ، قال: سأَلْتُ إبراهيمَ عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: قال الكفارُ يُعَيِّرون أهلَ التوحيدِ: ما أغْنَى عنكم: لا إلهَ إلا اللَّهُ؟ فيَغْضَبُ اللَّهُ لهم،\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٥.\n(^٢) سقط من النسخ، والمثبت من تفسير عبد الرزاق. وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٢٣٣، ٨/ ٢٥٧.\n(^٣) في م: \"قال\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٥. وأخرجه هناد في الزهد (٢٠٩) من طريق الثورى، عن خصيف، عن مجاهد.","vol":"14","page":11},{"text":"فيَأْمُرُ النبيِّين والملائكةَ فيَشْفَعون، فيَخْرُجُ أهلُ التوحيدِ [مِن النارِ] (^١)، حتى إن إبليس ليَتَطاولُ رجاءَ أن يَخْرُجَ. فذلك قولُه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.\nحدَّثنا أحمدُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عبدُ السلامِ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ، قال: هذا في الجَهَنَّمِيين إذا رأَوهم يَخْرُجون مِن النارِ: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن مجاهدٍ، قال: إذا فرَغ اللهُ مِن القضاءِ بينَ خلقِه، قال: مَن كان مسلمًا فلْيَدخُلِ الجنةَ. فعندَ ذلك: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى الحسنُ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. قال: يومَ القيامةِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ بنُ عطاءٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) أخرجه البيهقى في البعث والنشور (٨٣) من طريق عبد الكريم، عن مجاهد بنحوه.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤١٥.","vol":"14","page":12},{"text":"قال: فيها وجهان اثنان؛ يقولون: إذا حضر الكافر الموتُ ودَّ لو كان مسلمًا. ويقولُ آخرون: بل يُعَذِّبُ اللَّهُ ناسًا مِن أهل التوحيدِ في النارِ بذُنوبهم، فيَعْرِفُهم المشركون فيقولون: ما أغنت عنكم عبادة ربِّكم وقد ألقاكم في النارِ؟ فيَغْضَبُ لهم، فيُخْرِجُهم، فيقولُ: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيعِ، عن أبي العالية في قوله: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. قال: نزَلت في الذين يخرجون من النار.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: وذلك والله يوم القيامةِ، وَدُّوا لو كانوا في الدنيا مسلمين.\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن مجاهد، عن ابن عباسٍ، قال: ما يَزَالُ اللهُ يُدْخِلُ الجنةَ ويُشَفِّعُ، حتى يقول: مَن كان مِن المسلمين فلْيَدْخُلِ الجنةَ. فذلك حين يقولُ: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1805\"></span><span data-type='title' id=toc-4817>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: ذَرْ يا محمدُ هؤلاء المشركين يَأْكلوا في هذه الدنيا ما هم آكِلوه، ويَتَمَتَّعوا من لذاتها وشهواتهم (^١) فيها، إلى أجَلِهم الذي\n_________\n(^١) في ت ٢، ف: \"شهواتها\".","vol":"14","page":13},{"text":"أجَّلْتُ لهم، ويُلهِهِمُ الأملُ عن الأخذ بحظِّهم من طاعة الله فيها، وتزودهم لمعادِهم منها بما يقرِّبُهم مِن ربِّهم، فسوف يعلمون غدًا إذا وردوا عليه وقد هلكوا على كُفْرِهم بالله وشركهم، حين يُعاينون عذابَ اللهِ، أنهم كانوا مِن تَمَتَّعِهم بما كانوا يَتَمَتَّعون فيها من اللذاتِ و(^١) الشهوات، كانوا في خَسارٍ وتبابٍ.\n\n<span id=\"aya-1806\"></span><span data-type='title' id=toc-4819>القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: وما أهلكْنا يا محمدُ ﴿مِن﴾ أهل قرية من أهل القرى التي أهْلَكْنا أهلها فيما مضَى، ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾. يقولُ: إلا ولها أجلٌ مؤقَّتٌ، ومدةٌ معروفةٌ، لا نُهْلِكُهم حتى يبلغوها، فإذا بلغوها أهلكناهم عند ذلك. فيقول (^٢) لنبيِّه محمد ﷺ: فكذلك أهل قريتك التي أنت منها، وهى مكة، لا نُهْلكٌ (^٣) مشركي أهلِها إلا بعد بلوغ كتابهم أجلَه؛ لأن من قضائى أَلَّا أُهْلِكَ أَهلَ قريةٍ إلا بعد بلوغ كتابهم أجلَه.\n\n<span id=\"aya-1807\"></span><span data-type='title' id=toc-4818>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ما يَتَقَدَّمُ هلاكُ أمةٍ قبل أجلها الذي جعله الله أجلًا لهلاكها، ولا يَسْتَأْخِرُ هلاكها عن الأجلِ الذي جعل لها أجلًا.\nكما حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريِّ في قوله: ﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَئْخِرُونَ﴾. قال: نَرَى (^٤)\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"من\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فقوله\".\n(^٣) في ص، ت ٢: \"يهلك\".\n(^٤) في ت ٢، ف: \"يرى\".","vol":"14","page":14},{"text":"أنه إذا حضَر أجلُه، فإنه لا يُؤَخَّرُ ساعةً ولا يُقَدَّمُ، وأما ما لم يَحْضُرُ أجله (^١)، فإن الله يُؤَخِّرُ ما شاء، ويُقَدِّمُ ما شاء (^٢).\n\n<span id=\"aya-1808\"></span><span data-type='title' id=toc-4820>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون لك، من قومِك، يا محمد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾؛ وهو القرآنُ الذي ذكَّر الله بما (^٣) فيه [من المواعظ] (^٤) خلقَه، ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ في دعائك إيانا إلى أن نتبعَك ونَذَرَ آلهتنا، ﴿لَو مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾. قالوا: هَلَّا تَأْتِينا بالملائكة شاهدةً لك على صدق ما تقول، ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. يَعْنى: إن كنت صادقا في أن الله بعثك إلينا رسولًا، وأنزل عليك كتابًا، فإنَّ الربَّ الذي فعل ما تَقُولُ بك، لا يَتَعَذَّرُ عليه إرسال ملك من ملائكته معك، حجةً لك علينا، وآيةً لك على نبوَّتِك وصدقِ مقالتك.\n\n<span id=\"aya-1809\"></span>والعربُ تَضَعُ موضِعَ \"لوما\" \"لولا\"، وموضعَ \"لولا\" \"لوما\"، و(^٥) من ذلك قول ابن مُقْبِلٍ (^٦):\nلَوْما الحياءُ ولَوْما الدينُ عِبْتُكما … ببعضِ ما فيكما إذ عِبْتُما عَوَرِى\nيُريدُ: لولا الحياء.\n_________\n(^١) في ت ٢، ف: \"آجالا\".\n(^٢) جامع معمر (٢٠٣٨٦)، وفيه زيادة من قول ابن المسيب.\n(^٣) سقط من: م، وفى ص، ت ٢، ف: \"بها\"، وفى ت ١: \"به\". وهو تصحيف عما أثبتناه.\n(^٤) في م: \"مواعظ\".\n(^٥) ليست في: ص، م، ت ٢، ف.\n(^٦) ديوانه ص ٧٦. وفيه: \"لولا\". في الموضعين، والبيت كما استشهد به المصنف في مجاز القرآن ١/ ٣٤٦.","vol":"14","page":15},{"text":"وبنحو الذي قلنا في معنى \"الذكرِ\" قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4821>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾. قال: القرآنُ (^١).\n\n<span id=\"aya-1810\"></span><span data-type='title' id=toc-4822>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ (^٢) الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾.</span>\nاختلفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ (^٣) الْمَلَائِكَةَ﴾. فقرأ ذلك عامةُ قرأة المدينة والبصرةِ: (ما تَنَزَّلُ الملائِكَةُ). بالتاءِ مِن \"تَنَزَّلُ\"، وفتحِها، ورَفْعِ (^٤) \"الملائكة\" (^٥). بمعنى: ما تَنَزَّلُ الملائكةُ، على أن الفعل للملائكة.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأة أهل الكوفةِ: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ﴾. بالنون في \"نُنَزِّلُ\"، وتشديدِ الزاي، ونَصْبِ \"الملائكة\" (^٦)، بمعنى: ما نُنَزِّلُها نحن. و\"الملائكةُ\" حينئذ منصوبٌ بوقوع \"نُنَزِّلُ\" عليها.\nوقرَأه بعضُ قرأةِ أهل الكوفة: (ما تُنَزَّلُ الملائكةُ). برَفعِ \"الملائكة\"، والتاء في \"تُنَزَّلُ\" وضَمِّها، على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه (^٧).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٤ إلى المصنف.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"تنزل\". قراءة كما سيأتي.\n(^٣) في ت ١، ٢، ف: \"تنزل\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فتح\".\n(^٥) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٣٦٦.\n(^٦) وهى قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. السابق.\n(^٧) وهى قراءة عاصم في رواية أبى بكر. السابق.","vol":"14","page":16},{"text":"قال أبو جعفرٍ: وكلُّ هذه القراءات الثلاث متقارباتُ المعانى، وذلك أن الملائكةَ إذا نَزَّلها الله على (^١) رسولٍ من رسلِه، تَنزَّلَت إليه، وإذا تنزلت إليه، فإنما تَنْزِلُ بإنزالِ اللَّهِ إياها إليه. فبأيِّ هذه القراءات الثلاثِ قرأ ذلك القارئُ، فمصيبٌ الصواب في ذلك، وإن كنتُ أُحِبُّ لقارئِه ألا يَعْدُو في قراءته إحدى القراءتين اللتين ذكَرت من قراءة أهل المدينة، والأخرى التي عليها جمهور قرأة الكوفيين؛ لأن ذلك هو القراءةُ المعروفة في العامة؛ والأُخرى - أعنى قراءة من قرَأ ذلك: (ما تُنَزَّلُ). بضمِّ التاءِ مِن \"تُنَزَّلُ\" ورفعِ \"الملائكةِ\" - شاذّةٌ (^٢)، قليلٌ من قرَأ بها (^٣).\nفتأويل الكلام: ما نُنَزِّلُ ملائكتَنا إلا بالحقِّ. يعنى بالرسالة إلى رُسُلنا، أو بالعذاب لمن أردنا تعذيبَه، ولو أرسلنا إلى هؤلاء المشركين على ما يَسْأَلون إرسالهم معَك آيةً فكفَروا، لم يُنظروا فيؤخَّروا بالعذابِ، بل عُوجِلوا به، كما فعلنا ذلك بمَن قبلهم من الأمم حين سألوا الآياتِ، فكفَروا حين أتتهم الآيات، فعاجلناهم بالعقوبة.\nوبنحو الذي قُلْنا في تأويل قوله: ﴿مَا نُنَزَّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4823>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿مَا نُنَزَّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. قال:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"إلى\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢ ف: \"شاذ\".\n(^٣) القراءة بذلك ليست شاذة، بل متواترة.","vol":"14","page":17},{"text":"بالرسالة والعذاب (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.\n\n<span id=\"aya-1811\"></span><span data-type='title' id=toc-4825>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِكْرَ﴾ وهو القرآنُ، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. قال: وإنا للقرآن لحافظون، من أن يزادَ فيه باطلٌ ما ليس منه، أو يُنْقَصَ منه ما هو منه؛ من أحكامه وحدوده وفرائضه.\nوالهاء في قوله: ﴿لَهُ﴾. من ذكر \"الذكرِ\".\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4824>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، وحدَّثني الحسنُ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. قال: عندنا (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤١٥. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٤ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":18},{"text":"الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾: و(^١) قال في آيةٍ أُخرى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ﴾ - والباطلُ إبليسُ - ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]. فأَنزَله الله ثم حفظه، فلا يَسْتَطيعُ إبليس أن يَزيدَ فيه باطِلًا، ولا يَنْتَقِصَ منه حقًّا، حفظه اللهُ مِن ذلك (^٢).\nحدثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. قال: حفظه الله من أن يزيد فيه الشيطان باطلًا، أو يَنْقُصُ منه حقًّا (^٣). وقيل: إن (^٤) الهاء في قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. مِن ذكرِ محمد ﷺ، بمعنى: وإنا لمحمدٍ حافظون ممن أراده بسوءٍ مِن أعدائه.\n\n<span id=\"aya-1812\"></span><span data-type='title' id=toc-4826>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ولقد أرسلنا يا محمد من قبلك في الأممِ الأوَّلين رسلًا. وترَك ذِكْرَ الرسل اكتفاءً بدلالة قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾ عليه.\nوعَنَى به ﴿شيع الْأَوَّلِينَ﴾ أمم الأوَّلين، واحدتُها شِيعَةٌ، ويقال أيضًا لأولياء الرجل: شيعته.\nوبنحو الذي قُلْنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) ليست في: ص، م، ت ٢، ف.\n(^٢) أخرجه ابن الضريس في فضائله (١٢٢) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وفى ٥/ ٣٦٧ إلى عبد بن حميد، وينظر ما سيأتي في ٢٠/ ٤٤٤.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٥ عن معمر به، وأخرجه ابن الضريس في فضائله (١٢٣) من طريق عقبة بن زياد، عن قتادة.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"14","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4827>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: أممِ الأَوَّلين (^١).\nحدثني المُثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيدٍ، عن قتادة في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: في الأممِ.\n\n<span id=\"aya-1813\"></span>وقوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مَّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾. يقولُ: وما يأتى شِيعَ الأوَّلين من رسول من اللهِ يُرْسِلُه إليهم بالدعاء إلى توحيده والإذعان بطاعته، ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾، يقول: إلا كانوا يَسْخَرون بالرسولِ الذي يُرْسِلُه اللَّهُ إليهم، عُتوًّا منهم وتمرُّدًا على ربِّهم.\n\n<span id=\"aya-1814\"></span><span data-type='title' id=toc-4828>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: كما سلَكنا الكفر في قلوبِ شِيَع الأوَّلين؛ الاستهزاء (^٢) بالرسلِ، كذلك نَفْعَلُ ذلك في قلوب مشركي قومك، الذين أجرَموا الكفر (^٣) باللهِ. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. يقولُ: لا يُصَدِّقون بالذكرِ الذي أنزلتُه (^٤) إليك.\nوالهاء في قوله: ﴿نَسْلُكُهُ﴾. من ذكر الاستهزاء بالرسل والتكذيب بهم.\nكما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م، ف: \"بالاستهزاء\".\n(^٣) في م: \"بالكفر\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"أنزل\".","vol":"14","page":20},{"text":"﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾. قال: التكذيبَ.\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. قال: إذا كذَّبوا سلَك الله في قلوبهم ألا يُؤْمِنوا به (^١).\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن حميدٍ، عن الحسن في قوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾. قال: الشرك (^٢).\nحدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهالِ، قال: ثنا حماد بن سلمةَ، عن حميدٍ، قال: قرأتُ القرآنَ كلَّه على الحسن في بيت أبي خليفةَ، ففسَّره أجمعَ على الإثبات، فسألته عن قوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾. قال: أعمالٌ سيعملونها (^٣) لم يعمَلوها (^٤).\nحدثني المثنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن حماد بن سلمةَ، عن حميد الطويل، قال: قرأت القرآن كلَّه على الحسن، فما كان يُفَسِّره إلا على الإثباتِ، قال: وقَفْتُه على: ﴿نَسْلُكُهُ﴾. قال: الشركَ. قال ابن المبارك: سمعت سفيان يقولُ في قوله: ﴿نَسْلُكُهُ﴾، قال: نَجْعَلُه.\n\n<span id=\"aya-1815\"></span>حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. قال: هم كما قال الله، هو\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٥ عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٢٢ (١٥٩٩٣) من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٥، ٣٤٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٤ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في ت ١: \"ستعلمونها\".\n(^٤) في م: \"يعملونها\"، وفى ت ١: \"تعملوها\". وينظر ما سيأتي في ١٧/ ٦٤٩.","vol":"14","page":21},{"text":"أضلَّهم ومنعهم الإيمانَ (^١).\nيقال منه: سلَكه يَسْلُكُه سَلكًا وسلوكًا، وأسلكه يُسلِكُه إسلاكًا. ومِن السلوكِ قولُ عديِّ بن زيدٍ (^٢):\nوكنت لزازَ خَصْمِك لم أُعَرَّدْ … وقد سلَكوك في يومٍ عصيبِ\nمن الإسلاكِ قولُ الآخرِ (^٣):\nحتى إذا أسلكوهم في قُتائِدَةٍ … شلًّا كما تَطْرُدُ الجَمالةُ الشُّرُدَا\nوقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقول تعالى ذكره: لا يُؤْمِنُ بهذا القرآنِ قومك الذين سلكت في قلوبهم التكذيب، حتى يَرَوُا العذاب الأليم، أخذًا منهم سُنةَ أسلافِهم من المشركين قبلهم، من قوم عاد وثمود وضُربائهم من الأمم التي كذَّبت رُسُلَها فلم تُؤْمِنْ بما جاءها من عندِ اللهِ، حتى حلَّ بها سَخَطُ اللَّهِ فهلكت.\nما قُلْنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4829>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿كَذَلِك نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾: وقائعُ اللَّهِ في مَن خلا قبلكم من الأممِ (^٤).\n\n<span id=\"aya-1816\"></span><span data-type='title' id=toc-4830>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مَّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٢٢ (١٥٩٩٥) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٢) تقدم في ١٢/ ٤٩٧.\n(^٣) تقدم في ١/ ٤٦٧.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٤، ٩٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":22},{"text":"يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾.\nاختلَف أهلُ التأويل في المعْنِيِّين بقولِه: ﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى الكلام: ولو فتَحْنا على هؤلاء القائلين لك يا محمدُ: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾. بابًا مِن السماء، فظلَّت الملائكةُ تَعْرُجُ فيه، وهم يَرَوْنهم عيانًا، لقالوا: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-4831>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مَّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يعْرُجُونَ﴾. يقول: لو فتحنا عليهم بابًا من السماءِ فظَلَّت الملائكةُ تَعْرُجُ فيه (^١)، لقال أهل الشرك: إنما أخذ أبصارنا، وشَبَّه علينا، وإنما سَحَرَنا. فذلك قولهم: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (^٢).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن ابن عباس: ﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾: فظلَّت الملائكةُ يَعْرُجون فيه، يراهم بنو آدم عيانًا، لقالوا: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)﴾. قال: ما بينَ ذلك إلى قوله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤)﴾. قال: رجع إلى قوله: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ ما بينَ\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"منه\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٤٦ عن معمر عن قتادة عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":23},{"text":"ذلك. قال ابن جريجٍ: قال ابن عباسٍ: فظلَّت الملائكةُ تَعْرُجُ، فنظروا إليهم، لقالوا: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. قال: قريشٌ تقوله (^١).\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مَّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾. قال: قال ابن عباسٍ: لو فتَح الله عليهم من السماءِ بابًا، فظلَّت الملائكةُ تَعْرُجُ فيه. يقولُ: يَخْتَلِفون فيه جائين وذاهبين، لقالوا: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ (^٢).\nحدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيد بن سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مَّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾: يعنى الملائكةَ. يقولُ: لو فتحتُ على المشركين بابا من السماءِ فنظروا إلى الملائكةِ تَعْرُج بين السماءِ والأرضِ، لقال المشركون: ﴿نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾: سُحِرنا، وليس هذا بالحق، ألا ترى أنهم قالوا قبل هذه الآية: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾؟\nحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرَ (^٣)، عن نصر، عن الضحاك في قوله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾.\nقال: لو أني فتَحت بابًا من السماءِ تَعْرُجُ فيه الملائكة بين السماء والأرض، لقال المشركون: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾. ألا ترى أنهم قالوا: ﴿لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾؟\nوقال آخرون: إنما عُنِى بذلك بنو آدمَ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٥ إلى المصنف وابن المنذر، وعزاه في ٤/ ٩٤ إلى المصنف وأبي عبيد وابن المنذر مقتصرًا على قول ابن جريج بلفظ آخر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ت ٢: \"عمرو\". وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٥٢٠.","vol":"14","page":24},{"text":"ومعنى الكلام عندهم: ولو فَتَحْنا على هؤلاء المشركين من قومك يا محمدُ بابًا من السماءِ، فظلُّوا هم فيه يَعْرُجُون، لقالوا: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-4832>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مَّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾. قال قتادة: كان الحسن يقولُ: لو فُعِل هذا ببنى آدمَ، ﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾. أي: يَخْتَلِفون، لقالوا: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾.\nوأما قوله: ﴿يَعْرُجُونَ﴾. فإن معناه: يَرْقَوْن فيه ويَصْعَدُون، يقال منه: عَرَج يَعْرُجُ عُرُوجًا. إذا رَقِى وصعد، وواحدة المعارِجِ مَعْرَجٌ ومِعْرَاجٌ؛ ومنه قولُ كُثيرٍ:\nإلى حَسَبٍ عَوْدٍ (^١) بَنا (^٢) المرء قبله … أبوه له فيه مَعارِجُ سُلَّمِ\nوقد حكى \"عَرَجٌ يَعْرِجُ\" بكسر الراء في الاستقبالِ.\n\n<span id=\"aya-1817\"></span>وقوله: ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. يقولُ: لقال هؤلاء المشركون الذين وصف جلَّ ثناؤه صفتهم: ما هذا بحقٍّ، إنما سُكِّرت أبصارنا.\nواختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿سُكِّرَتْ﴾؛ فقرأ أهل المدينة والعراقِ: ﴿سُكِّرَتْ﴾. بتشديد الكافِ (^٣). بمعنى: غُشِّيت وغطِّيت. هكذا كان يقول أبو عمرو بن العلاء فيما ذُكر لي عنه.\n_________\n(^١) حسب عود: قديم. ينظر اللسان (ع ود).\n(^٢) بنا يبنو لأنَّه من العلو في الشرف. ينظر اللسان (ب ن و).\n(^٣) وهى قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٦٦.","vol":"14","page":25},{"text":"وذكر عن مجاهدٍ أنه كان يقرأُ: (لقالوا إنما سُكِرَت) (^١).\nحدثني بذلك الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: سمعت الكسائيَّ، يحدِّث عن حمزةَ، عن شبلٍ، عن مجاهد أنه قرأها: (سُكِرَتْ أبْصَارُنا). خفيفة (^٢).\nوذهَب مجاهدٌ في قراءةِ ذلك كذلك إلى: حُبست أبصارنا عن الرؤية والنظر. من سُكُورِ (^٣) الريحِ، وذلك سُكونُها ورُكودُها، يقال منه: سَكَرت الريحُ. إذا سَكَنتْ وركَدت.\nوقد حُكِى عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقولُ: هو مأخوذٌ مِن سُكْرِ الشرابِ، وأن معناه: قد غَشَّى أبصارَنا السُّكرُ.\nوأما أهل التأويل فإنَّهم اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معنى ﴿سُكِّرَتْ﴾: سُدَّت.\n\n<span data-type='title' id=toc-4833>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، وحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدثني المثنَّى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. قال: سُدَّت (^٤).\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير من السبعة. السابق.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٥ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"سكون\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":26},{"text":"حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا حجاج، يعني ابن محمد، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني ابن كثير، قال: سُدَّت.\nحدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾: يَعْنى: سُدَّت.\nفكأنَّ مجاهدًا ذهب في قوله وتأويله ذلك بمعنى \"سُدَّت\"، إلى أنه بمعنى: مُنعت النظرَ. كما يُسْكَرُ الماءُ فيُمْنَعُ (^١) مِن الجَرْيِ، بحَبْسِه في مكان بالسِّكْرِ الذي يُسْكَرُ به.\nوقال آخرون: معنى (^٢) ﴿سَكِّرَتْ﴾: أُخِذَت.\n\n<span data-type='title' id=toc-4834>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ، عن ابن عباس: ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. يقولُ: أُخِذت أبصارُنا (^٣).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: إنما أخَذ أبصارَنا، وشَبَّه علينا، وإنما سَحَرَنا (^٤).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادة:\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"فيمتنع\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ذلك\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٢٤.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٢٣.","vol":"14","page":27},{"text":"﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. يقولُ: سُحِرَت أبصارنا. يقولُ: أُخِذت أبصارنا.\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حمادٍ، قال: ثنا شيبان، عن قتادة، قال: من قرأ: ﴿سُكِّرَتْ﴾. مُثقَّلةً (^١)، يعنى: سُدَّت، ومَن قرأ (سُكِرَتْ). مخففةً، فإنه يعنى: سُجِرت (^٢).\nوكأن هؤلاء وجَّهوا معنى قوله: ﴿سُكِّرَتْ﴾. إلى أن أبصارَهم سُحِرت، فشُبِّه عليهم ما يُبْصِرون، فلا يُمَيزون بين الصحيحِ مما يرَون وغيره، من قول العرب: سُكِّر على فلان رأيُه. إذا اختلط عليه رأيه فيما يريد، فلم يَدْرِ (^٣) الصواب فيه مِن غيره. فإذا عزَم على الرأي قالوا: ذهَب عنه التَّسْكِيرُ.\nوقال آخرون: هو مأخوذٌ من السُّكْر، ومعناه: غُشِّى على أبصارِنا فلا تُبْصِرُ، كما يَفْعَلُ السُّكرُ بصاحبِه، فذلك إذا دِيرَ به وغُشِّى بَصَرُه، كالسَّماديرِ (^٤)، فلم يُبْصِرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4835>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. قال: سُكِّرت، السكرانُ (^٥) الذي لا يَعْقِلُ (^٦).\nوقال آخرون: معنى ذلك: عُمِّيَت.\n_________\n(^١) في م: \"مشددة\". والتثقيل هو التشديد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٥ إلى المصنف.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ما\".\n(^٤) سدر بصره واسمدرَّ: إذا تحير فلم يحسن الإدراك، وفى بصره سدر وسمادير. أساس البلاغة (س د ر).\n(^٥) في ت ١: \"كالسكران\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٤٦.","vol":"14","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4836>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاءٍ، عن الكلبي: ﴿سُكِّرَتْ﴾. قال: عمِّيت.\nوأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: معنى ذلك: أُخِذت أبصارُنا وسُحِرت، فلا تُبْصِرُ الشيءَ على ما هو به، وذهَب (^١) حدُّ (^٢) إبصارِها (^٣)، وانطَفأ نورُه (^٤). كما يقالُ للشيءِ الحارِّ إذا ذهَبت فَوْرَتُه وسَكَن حَدُّ حَرِّه: قد [سكَر يَسْكُرُ] (^٥)، كما (^٦) قال [المُثَنَّى بنُ جَنْدَلٍ] (^٧) الطُّهَوِيُّ (^٨):\nجاء الشتاءُ واجْثَأَلَّ القُبَّرُ (^٩)\nواسْتَخْفَت الأفعى وكانت تَظْهَرُ\nوجَعَلَت عينُ الحرُورِ تَسْكُرُ\nأي: تَسْكُنُ (^١٠) وتَذْهَبُ وتَنْطَفئُ. وقال ذو الرمةِ (^١١):\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ذهبت\".\n(^٢) في ت ١: \"حدة\".\n(^٣) في ت ١، ف: \"أبصارنا\".\n(^٤) في ت ١: \"نورها\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"سكن يسكن\".\n(^٦) سقط من م، ت ١، ف.\n(^٧) كذا في النسخ، وصوابه جندل بن المثنى، وينظر تعليقنا عليه في ٩/ ٤١٢.\n(^٨) الرجز في مجاز القرآن ١/ ٣٤٨، واللسان (س ك ر، ق ب ر، ج ث ل).\n(^٩) في مجاز القرآن، والموضع الثاني من اللسان: \"القنبر\"، واجثأل: اجتمع وتقبض، والقبر: جنس من الطيور من فصيلة القبريات، ورتبة الجواثم المخروطية المناقير، سمر في في أعلاها، ضاربة إلى بياض في أسفلها، وعلى صدرها بقعة سوداء، ينظر اللسان (س ك ر)، والوسيط (ق ب ر).\n(^١٠) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لتسكن\".\n(^١١) ديوانه ١/ ٣١٦.","vol":"14","page":29},{"text":"قبلَ انْصِداعِ الفجرِ والتَّهَجُّرُ\nوخَوْضُهن الليل حينَ يَسْكُرُ\nيعني: حينَ تَسْكُنُ فَوْرَتُه.\nوذُكِر عن قيسٍ أنها تقولُ: سكرت الريحُ تَسْكُرُ سُكُورًا. بمعنى: سكَنت. وإن كان ذلك عنها صحيحًا، فإن معنى \"سُكِرَت\" و\"سُكِّرَت\" - بالتخفيفِ والتشديدِ - متقاربان، غير أن القراءةَ التي لا أستجيزُ غيرها في القرآن: ﴿سُكِّرَتْ﴾. بالتشديدِ؛ لإجماع الحجة من القرأةِ عليها، وغير جائزٍ خلافها فيما جاءت به مجمعةً عليه (^١).\n\n<span id=\"aya-1818\"></span><span data-type='title' id=toc-4838>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ولقد جعلنا في السماءِ الدنيا منازلَ للشمس والقمرِ، وهى كواكب يَنزِلُها الشمس والقمرُ، ﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾، يقولُ: وزيّنا السماء بالكواكب لمن نظَر إليها وأبصرها.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4837>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنَّى، قال: أخبرنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ،\n_________\n(^١) تقدم أن القراءة بالتخفيف قراءة ابن كثير، وهو من السبعة، فهي متواترة.","vol":"14","page":30},{"text":"وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد اللهِ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾. قال: كواكبَ (^١).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾: وبُروجها نجومها (^٢).\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿بُرُوجًا﴾، قال: الكواكب (^٣).\n\n<span id=\"aya-1819\"></span><span data-type='title' id=toc-4839>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وحفظنا السماء الدنيا من كلِّ شيطانٍ لعينٍ، قد رجَمَه اللَّهُ ولعَنه، ﴿إلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾، يقولُ: لكن قد يَسْتَرِقُ من الشياطين السمع مما يَحْدُثُ في السماءِ بعضُها، فيَتْبَعُه شهابٌ مِن النارِ مبينٌ، يَبِينُ أثرُه فيه، إما بإخبالِه وإفساده، أو بإحراقه.\n\n<span id=\"aya-1820\"></span>وكان بعضُ نحويِّي أهل البصرة يقولُ في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾: هو استثناءٌ خارجٌ، كما قال: ما أشْتَكى إلا خيرًا. يريدُ: لَكِن (^٤) أذكُرُ خيرًا.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤١٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٥ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) في ص: \"سحرمها\"، وفى ت ١: \" .. منها\"، وفى ت ٢، ف: \"ط منها\". إشارة من النساخ إلى أن هنا خطأ.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٩٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم، ويُنظر ما سيأتي تخريجه في ١٧/ ٤٨٤.\n(^٤) سقط من النسخ، وزادها ناشرو المطبوعة، ولا بد منها لاستقامة السياق.","vol":"14","page":31},{"text":"وكان يُنكِرُ ذلك من قبله بعضُهم، ويقول: إذا كانت \"إلَّا\" بمعنى \"لكن\"، عمِلت عملَ \"لَكِنْ\"، ولا يحتاج إلى إضمار \"أذْكُرُ\". ويقولُ: لو احتاج والأمرُ كذلك إلى إضمار \"أذْكُرُ\"، احتاج قول القائل: قام زيد لا عمرٌو. إلى إضمارِ \"أذكرُ\".\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4840><span data-type='title' id=toc-4841>ذكرُ مَن قال ذلك</span></span>\nحدَّثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عفان بن مسلمٍ، قال: ثنا عبد الواحدِ بنُ زيادٍ، قال ثنا الأعمش عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: تصعد الشياطين أفواجًا تَسْتَرِقُ السَّمْعَ. قال: فيَنْفَرِدُ الماردُ منها فيعلو، فيُرمى بالشهاب، فيُصِيبُ جبهتَه أو جَنبه، أو حيث شاء الله منه، فيلتهب، فيَأْتى أصحابه وهو يَلْتَهبُ، فيقولُ: إنه كان من الأمر كذا وكذا (^١). قال: فيَذْهَبُ أولئك إلى إخوانهم من الكهنةِ، فيزيدون عليه أضعافَه من الكذبِ، فيُخبرونهم به، فإذا رأوا شيئًا (^٢) مما قالوا قد كان، صدَّقوهم بما جاءوهم به من الكذبِ (^٣).\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾. قال: أراد أن يَخْطِفَ السمعَ، وهو كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ (^٤) [الصافات: ١٠].\n_________\n(^١) بعده في ص: \"وكذا\".\n(^٢) في ص، ف: \"أشياء\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"كذب\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":32},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾: وهو نحو قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾. قال: خَطِفَ الخَطْفةَ.\nحدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعت الضحاك يقولُ في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾: هو كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾. كان (^١) ابن عباس يقولُ: إن الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولكن تَحرِقُ وتُخَبِّلُ وتَجرَحُ، مِن غير أن تَقْتُلَ (^٢).\nحدثني الحارث، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿مِن كُلَّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾. قال: الرجيم الملعون. قال: وقال القاسمُ، عن الكسائيِّ، أنه قال: الرجمُ في جميع القرآنِ الشَّتْمُ.\n\n<span id=\"aya-1821\"></span><span data-type='title' id=toc-4842>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩)﴾.</span>\nيَعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾: والأَرضَ دَحَوْناها فبَسَطناها، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾، يقولُ: وألقَيْنا في ظهورِها رَواسيَ، يَعْنى جبالًا ثابتةً.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾: وقال في آية أخرى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠].\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":33},{"text":"وذُكِر لنا أن أمَّ القرى مكةَ منها دُجيت الأرضُ. قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾: رواسيها جبالُها (^١).\nوقد بينّا معنى الرُّسُوِّ فيما مضى بشواهده المُغْنِيَةِ عن إعادته (^٢).\nوقوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩)﴾. يقولُ: وأنبتنا في الأرضِ ﴿مِن كُلَّ شَيْءٍ﴾، يقولُ: مِن كُلِّ شيءٍ بقدرٍ (^٣) مقدَّرٍ، وبحدٍّ معلومٍ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4843>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا المثنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. يقولُ: معلومٍ (^٤).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبى، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. يقولُ: معلومٍ.\nحدثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، أو عن أبي مالك في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. قال: بقدرٍ.\nحدثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بن عونٍ، قال: أخبرنا هشيم، عن إسماعيلَ بن أبي خالد، عن أبي صالح، أو عن أبي مالك مثله.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن خُصَيفٍ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تقدم في ١٣/ ٤١٤.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٥ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"14","page":34},{"text":"عكرمةَ: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. قال: بقدرٍ.\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عليٌّ - يعني ابن الجعد - قال: أخبرنا شَرِيك، عن خُصيفٍ، عن عكرمة: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. قال: بقدرٍ.\nحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن خُصَيفٍ، عن عكرمة، قال: بقدرٍ (^١).\nحدثنا أحمد، [قال: حدَّثنا أبو أحمدَ] (^٢)، قال: ثنا سفيان، عن حُصينٍ، عن سعيد بن جبير: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. قال: معلوم.\nحدثنا مجاهدُ بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا عبد الله بن يونس، قال: سمعتُ الحكم بن عُتَيْبةَ، وسأَله أبو مخزومٍ عن قوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. قال: من كلِّ شيءٍ مَقْدورٍ.\nحدَّثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: أخبرنا عبدُ اللَّهِ بنُ يونسَ، قال: سمعت الحكَمَ، وسأَله أبو عُرْوةَ عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوزُونٍ﴾. قال: من كلِّ شيءٍ مقدورٍ. هكذا قال الحسن: وسأله أبو عُروةَ.\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. قال: مقدورٍ\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ١٥٩.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"14","page":35},{"text":"بقدرٍ (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. قال: مقدور بقدرٍ.\nحدثني المثنى، قال: ثنا عليُّ بن الهيثمِ، قال: ثنا يحيى بن زكريا، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: مقدورٍ بقدرٍ.\nحدثنا المثنى، قال: ثنا عليُّ بن الهيثمِ، قال: ثنا يحيى بن زكريا، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. قال: بقدرٍ.\nحدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩)﴾. يقولُ: معلوم.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ مثلَه (^٢).\nحدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. يقولُ: معلومٍ.\nوكان بعضهم يقولُ: معنى ذلك: وأنبتنا في الجبال من كلِّ شيءٍ موزون، يعنى: من الذهب والفضة والنُّحاس والرصاصِ ونحو ذلك من الأشياء التي تُوزنُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4844>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَأَنْبَتَنَا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤١٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٦ عن معمر به.","vol":"14","page":36},{"text":"فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. قال: الأشياء التي تُوزنُ (^١).\nوأولَى القولين عندنا بالصوابِ القول الأوَّلُ؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه.\n\n<span id=\"aya-1822\"></span><span data-type='title' id=toc-4846>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وجعلنا لكم (^٢) أيها الناسُ في الأرضِ معايشَ، وهي جمعُ معيشةٍ، ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾.\nاختلف أهل التأويل في المعني بقوله (^٣): ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنَى به الدوابَّ والأنعامَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4845>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ (^٤)، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، جميعًا عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾: الدواب والأنعام (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) بعده في ت ١: \"فيها\".\n(^٣) في ص، م، ت ٢، ف: \"في قوله\".\n(^٤) في النسخ: \"الحسين\". وهو إسناد دائر.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤١٦. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":37},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخرون: عنى بذلك الوَحْشَ خاصةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-4847>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصورٍ في هذه الآية: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾. قال: الوَحْشُ (^١).\nفتأويل ﴿وَمَن﴾ في: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾. على هذا التأويل بمعنى (^٢) \"ما\"، وذلك قليل في كلام العرب.\nوأولى ذلك بالصواب وأحسنُ أن يقال: عنى بقوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾. من العبيد والإماء والدوابِّ والأنعامِ. فمعنى ذلك: وجعلنا لكم فيها معايش والعبيد والإماء والدواب والأنعام. وإذا كان ذلك كذلك، حسن أن تُوضَعَ حينئذ مكان العبيد والإماءِ والدوابِّ (^٣) \"مَنْ\"؛ وذلك أن العرب تفعلُ ذلك إذا أرادت الخبر عن البهائمِ معها بنو آدمَ. وهذا التأويلُ على ما قلناه وصرفنا (^٤) إليه معنى الكلام، إذا كانت ﴿وَمَن﴾ في موضع نصبٍ، عطفًا به على ﴿مَعَايِشَ﴾ بمعنى: جعلنا لكم فيها معايشَ، وجعَلْنا لكم فيها (^٥) مَن لستم له برازقين.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"معني\".\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"و\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"صرفناه\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، وبعده في ت ٢: \"معايش و\".","vol":"14","page":38},{"text":"وقد قيل: إِنَّ ﴿وَمَن﴾ في موضعِ خفضٍ عطفًا به على الكاف والميم في (^١) قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ﴾. بمعنى: وجعلنا لكم فيها معايش ولمن (^٢) لستم له برازقين.\nوأحْسَبُ أن منصورًا في قوله: هو الوحشُ. قصد هذا المعنى، وإياه أراد. وذلك وإن كان له وجهٌ في كلام العربِ، فبعيدٌ قليلٌ؛ لأنها لا تكادُ تُظاهِرُ على معنًى في حالِ الخفض، وربما جاء في شعرِ بعضهم في حال الضرورة، كما قال بعضُهم (^٣):\nهلَّا سأَلتَ بذى الجماجم عنهم … وأبي نُعَيم ذى اللِّواءِ المُحْرَقِ (^٤)\nفردَّ \"أبا نُعَيْمٍ\" على الهاء والميم في \"عنهم\". وقد بيَّنتُ قبحَ ذلك في كلامهم (^٥).\n\n<span id=\"aya-1823\"></span><span data-type='title' id=toc-4849>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وما من شيءٍ مِن الأمطار إلا عندَنا خزائنُه، وما نُنَزِّلُه إلا بقدَرٍ لكل أرض، معلوم عندنا حده ومبلغه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4848>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبرنا يزيد بن أبي زيادٍ، عن\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"على\".\n(^٢) في م، ت ١، ف: \"من\".\n(^٣) معاني القرآن للفراء ٢/ ٨٦.\n(^٤) في م: \"المخرق\".\n(^٥) تقدم في ٦/ ٣٤٦.","vol":"14","page":39},{"text":"رجلٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: ما مِن أرضٍ أمطرَ مِن أَرضٍ، ولكنَّ اللَّهَ يَقْدُرُه في الأرضِ. ثم قرَأ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن أبي جُحَيفةَ، عن عبد الله، قال: ما مِن عامٍ بأمطرَ من عامٍ، ولكنَّ اللَّهَ يَصْرِفُه عمن يشاءُ. ثم قرَأ (^١): ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ (^٢).\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا إبراهيم بن مهدى المصيصيُّ، قال: ثنا عليُّ ابن مُسْهِرٍ، عن يزيد بن أبي زيادٍ، عن أبي جُحَيفةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعود: ما مِن عامٍ بأمطرَ من عامٍ، ولكنَّ اللَّهَ يَقْسِمُه حيثُ يشاءُ (^٣)، عاما هاهنا، وعاما هاهنا. ثم قرأ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ (^٤).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾. قال: المطرُ خاصةً (٩).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الحكم بن عتيبة في قوله: ﴿وَمَا نُنَزَّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾. قال: ما مِن عام بأكثر مطرًا من عام ولا أقلَّ، ولكنه يُمطَرُ قومٌ ويُحْرَمُ آخرون، وربما كان في البحر. قال: وبلغنا أنه يَنْزِلُ مع المطرِ [مِن الملائكةِ] (^٥) أكثر من عددٍ ولد إبليسَ وولد\n_________\n(^١) في م: \"قال\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٤٧ عن يزيد بن أبي زياد به، وأخرجه البيهقي ٣/ ٣٦٣ من طريق آخر، عن ابن مسعود مختصرًا.\n(^٣) في م: \"شاء\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٥ إلى المصنف.\n(^٥) في ت ١: \"ملائكة\".","vol":"14","page":40},{"text":"آدمَ، يُحْصُون كلَّ قطرةٍ حيثُ تَقَعُ وما تُنْبِتُ (^١).\n\n<span id=\"aya-1824\"></span><span data-type='title' id=toc-4850>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾.</span>\nاختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة القرأةِ: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾.\nوقرأه بعضُ قرَأةِ أهل الكوفةِ: (وأَرْسَلْنَا الرِّيحَ لَوَاقِحَ) (^٢). فوحد الريحَ وهى موصوفةٌ بالجمعِ، أعنى بقولِه: ﴿لَوَاقِحَ﴾. وينبغى أن يكون معنى ذلك أن الريحَ وإن كان لفظها واحدًا (^٣) فمعناها الجمع؛ لأنَّه يقال: جاءت الريحُ مِن كلِّ وجهٍ، وهبَّت من كلِّ مكانٍ. فقيل: ﴿لَوَاقِحَ﴾. لذلك، فيكون معنى جمعهم نَعْتها وهى في اللفظ واحدةٌ (^٤) معنى قولهم: أرضٌ سباسبُ (^٥)، وأرضُ أغفالٌ (^٦)، وثوبٌ أخلاقٌ، كما قال الشاعر (^٧):\nجاء الشتاءُ وقميصى أخلاقْ\nشراذِمٌ (^٨) يَضْحَكُ منه التَّواقُ (^٩)\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٤٨ عن المصنف، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤٩٥) من طريق هشيم به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) وهى قراءة حمزة، وقرأ الباقون بالجمع كالقراءة الأولى. ينظر حجة القراءات ص ٣٨٢.\n(^٣) في ص، ف: \"حد\"، وفى ت ١، ت ٢: \"موحد\".\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"و\".\n(^٥) السباسبُ جمع سبسب، والسبسب: المفازة. اللسان (سبسب).\n(^٦) الأغفال: الأرض المجهولة التي ليس فيها أثر يعرف. اللسان (غ ف ل).\n(^٧) معاني القرآن للفراء ٢/ ٨٧، وتهذيب اللغة ٧/ ٣٠، ٩/ ٢٥٦، والأزهية ص ١٣، ونسبه أبو حنيفة الدينوري في كتاب النبات - كما في الخزانة ١/ ٢٣٤ - إلى بعض الأعراب.\n(^٨) ثوب شراذم: قطع. اللسان (شرذم).\n(^٩) التواق، قيل: إنه اسم ابنه. اللسان (ت وق).","vol":"14","page":41},{"text":"وكذلك تَفْعَلُ العربُ في كلِّ شيءٍ اتسَع.\nواختلَف أهلُ العربية في وجهِ وصف الرياح باللَّقَحِ، وإنما هي مُلْقِحةٌ لا لاقحةٌ، وذلك أنها تُلقِحُ السحاب والشجرَ، وإنما تُوصَفُ باللَّقَحِ الملقوحة لا الملقِحُ، كما يقالُ: ناقةٌ لاقحٌ. وكان بعضُ نحويِّى البصرة يقولُ: قيل: ﴿الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. فجعلها على لاقحٍ، كأن الرياحَ لَقِحَت؛ لأن فيها خيرًا، فقد لقحت بخيرٍ. قال: وقال بعضُهم: الرياحُ تُلْقِحُ السحابَ. فهذا يدلُّ على ذلك المعنى؛ لأنها إذا أنشأته وفيها خيرٌ وصل ذلك إليه.\nوكان بعضُ نحويِّى الكوفة يقولُ (^١): في ذلك معنيان؛ أحدهما، أن يَجْعَلَ الريحَ هي التي تَلْقَحُ بمرورها على التراب والماء فيكون فيها اللقاح. فيقال: ريحٌ لاقحٌ. كما يقالُ: ناقة لاقحٌ. قال: ويَشْهَدُ على ذلك أنه وصف ريحَ العذابِ فقال: ﴿عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]. فجعلها عقيمًا إذ (^٢) لم تَلْقَحْ. قال: والوجه الآخرُ، أن يكونَ وصَفَها باللَّقَحِ وإن كانت تُلْقِحُ، كما قيل: ليلٌ نائمٌ، والنوم فيه، وسرٌّ كاتمٌ. وكما قيل:\n* المبروزُ والمختومُ (^٣) *\nفجعله (^٤) مبروزًا، ولم يَقُلْ: مُبْرَزًا. بناه (^٥) على غيرِ فعلٍ (^٦)، أي أن ذلك من\n_________\n(^١) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٨٧.\n(^٢) في النسخ: \"إذا\". والمثبت هو الصواب، وكذلك هو في معاني القرآن.\n(^٣) عجز بيت للبيد، وتمامه:\nأو مُذْهَبٌ جَدَدٌ على ألواحـ … هنَّ الناطق المبروزُ والمختومُ.\nشرح ديوان لبيد ص ١١٩.\n(^٤) في النسخ: \"فجعل\"، والمثبت من معاني القرآن.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"بناء\".\n(^٦) في م: \"فعله\".","vol":"14","page":42},{"text":"صفاته، فجاز \"مفعولٌ\" لـ \"مُفْعَلٍ\"، كما جاز \"فاعل\" لـ \"مفعول\"، إذ (^١) لم يُرِدِ (^٢) البناء على الفعل، كما قيل: ماء دافقٌ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن الرياح لواقع كما وصفها به جلَّ ثناؤه من صفتها، وإن كانت قد تُلْقِحُ (^٣) السحابَ والأشجارَ، فهى لاقحةٌ مُلْقِحةٌ، ولَقْحُها حملها الماءَ، وإلقاحُها السحابَ والشجر عملُها فيه، وذلك كما قال عبد الله بن مسعودٍ.\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن سكنٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. قال: يُرْسِلُ الله الرياح فتَحْمِلُ الماءَ، فتُجرى السحابَ، فَتَدِرُّ كما تَدِرُ اللِّقْحَةُ، ثم تُمْطِرُ (^٤).\nحدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن قيس بن سكنٍ، عن عبدِ اللهِ: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. قال: يَبْعَثُ اللهُ الريحَ فَتُلْقِحُ السحابَ، ثم تَمرِيه (^٥)، فتدِرُّ كما تَدِرُ اللِّقْحَةُ، ثم تُمْطِرُ.\nحدَّثنا الحسنُ بن محمد، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ، عن الأعمشِ، عن المنهال بن عمرو عن قيس بن السَّكن، عن عبدِ اللهِ بن مسعود في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. قال: يُرْسِلُ الرياح فتَحْمِلُ الماءَ مِن السماءِ، ثم\n_________\n(^١) في النسخ: \"إذا\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ترى\".\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"و\".\n(^٤) أخرجه الطبراني (٩٠٨٠)، والبيهقى ٣/ ٣٦٤ من طرق عن الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والخرائطي في مكارم الأخلاق.\n(^٥) مرت الريح السحاب: إذا أنزلت منه المطر. اللسان (م ر ى).","vol":"14","page":43},{"text":"تَمرِى السحابَ، فتدِرُّ كما تَدِرُ اللِّقْحَةُ.\nفقد بينَّ عبد الله بقوله: يُرسل الرياح فتَحْمِلُ الماء. أنها هي اللاقحةُ بحَمْلِها الماءَ، وإن كانت مُلقِحَةً بإلقاحها السحابَ والشجرَ.\nوأما جماعةٌ أُخَرُ مِن أهل التأويل، فإنهم وجَّهوا وصفَ الله تعالى ذكره إياها بأنها لواقِحُ، إلى أنه بمعنى مُلْقِحةٍ، وأن اللواقحَ وُضِعَت موضعَ مَلاقِحَ، كما قال نَهْشَلُ بنُ حَرِّيٍّ (^١):\nليُبْكَ يزيدُ بائسٌ لضراعةٍ … وأَشْعثُ ممن طوَّحَتْه الطَّوائحُ (^٢)\nيريدُ المَطاوِحَ. وكما قال النابغةُ (^٣):\nكِلِيني لهمٍّ يا أميمةَ ناصبِ … وليلٍ أُقاسيه بطئِ الكواكبِ\nبمعنى: مُنْصِب.\n\n<span data-type='title' id=toc-4851>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن إبراهيم في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. قال: تُلْقِحُ السحابَ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن إبراهيمَ\n_________\n(^١) مجاز القرآن ١/ ٣٤٨، ونسبه في الكتاب ١/ ٢٨٨ إلى الحارث بن نهيك، وصواب نسبته كما هنا وينظر الخزانة ١/ ٣٠٣ - ٣١٣.\n(^٢) طوحته الطوائح: قذفته القواذف. اللسان (ط وح).\n(^٣) تقدم البيت في ١٣/ ٥٩٥.\n(^٤) تفسير الثورى ص ١٥٩ ومن طريقه أبو الشيخ في العظمة (٨٥٥).","vol":"14","page":44},{"text":"مثلَه.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن أبي رجاء، عن الحسن قولَه ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. قال: لواقحُ للشجرِ. [قلت: أو] (^١) للسحابِ. قال: وللسحابِ، تَمريه حتى يُمْطِر (^٢)\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن أبي سنانٍ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن عُبَيدِ بن عميرٍ، قال: يَبْعَثُ اللهُ المبشِّرةَ فتَقُمُّ الأَرضَ قَمًّا، ثم يَبْعَثُ اللهُ المثيرة فتُثير السحابَ، ثم يَبْعَثُ اللهُ المؤلِّفةَ فَتُؤَلِّفُ السحابَ، ثم يَبْعَثُ اللهُ اللواقحَ فتُلْقِحُ الشجرَ. ثم تلا عبيد: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (^٣).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. يقولُ: لواقحُ للسحابِ، وإن من الريحِ عذابًا، وإن منها رحمةً (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَوَاقِحَ﴾. قال: تُلقِحُ الماءَ في السحابِ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن ابن\n_________\n(^١) في ت ٢: \"قلنا و\".\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ (٨٥٦) من طريق ابن علية به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٦ إلى أبي عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧١٩) من طريق إسحاق بن سليمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٨٣٢) من طريق سعيد به.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٦.","vol":"14","page":45},{"text":"عباسٍ: ﴿لَوَاقِحَ﴾. قال: تُلْقِحُ الشجرَ وتَمرِى السحابَ (^١)\nحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقول في قولِه: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾: الرياحُ يَبْعَثُها الله على السحابِ فتُلْقِحُه، فيَمْتَلئُ ماءً (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أحمدُ بنُ يونسَ، قال: ثنا عُبَيسُ (^٣) بنُ ميمونٍ، قال: ثنا أبو المهزَّم، عن أبي هريرة، قال: سمِعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"الريحُ الجَنوبُ من الجنةِ، وهى الريحُ اللواقحُ، وهى التي ذكر اللهُ في كتابِه، وفيها مَنافِعُ للنَّاس\" (^٤).\nحدَّثني أبو الجُماهر الحمصيُّ أو الحضرميُّ (^٥) محمد بن عبد الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ العزيز بنُ موسى، قال: ثنا عُبَيسُ (٣) بن ميمونٍ أبو عبيدةَ، عن أبي المهزَّمِ، عن أبي هريرةَ، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ. فذكر مثله سواء.\nوقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾. يقول تعالى ذكره: فأنزلنا من السماء مطرًا فأسقَيناكم ذلك المطرَ لشُرْب أرضِكم ومواشِيكم. ولو كان معناه: أنزلناه لتشربوه. لقيل: فسقيناكموه. وذلك أن العرب تقول إذا سقَت الرجلَ ماءً\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٦ إلى المصنف وأبي عبيد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عيسى\" ينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٢٧٦.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٤٩ عن المصنف، وأخرجه أبو الشيخ (٨٠٤، ٨٠٥) من طرق عن عُبَيس بن ميمون به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦ إلى ابن أبي الدنيا في كتاب السحاب، وابن مردويه والديلمي في مسند الفردوس.\n(^٥) في ت ١، ت ٢: \"الحصرمي\"، وفى ف: \"الحرمضى\".","vol":"14","page":46},{"text":"يشرَبُه (^١)، أو لبنًا أو غيرَه: سقَيتُه. بغير ألفٍ، إذا كان لسَقيِه، وإذا جعَلوا (^٢) له ماءً لشُرْبِ أرضه أو ماشيتِه، قالوا: أسْقَيْتُه، وأسْقَيْتُ أرضه وماشيتَه. وكذلك (^٣) إذا استَسْقَت له، قالوا: أَسْقَيْتُه، واسْتَسْقَيْتُه (^٤). كما قال ذو الرُّمَّةِ (^٥):\nوقفتُ على رسمٍ لميَّةَ ناقتِي … فما زِلْتُ أَبكى عنده وأُخاطبه\nوأُسقِيه حتى كاد مما أبُثُّه … تُكَلِّمُنى أحجارُه ومَلاعبُه\nوكذلك إذا وهَبَت لرجل إهابًا (^٦) ليَجْعَلَه سِقاءً، قالت: أَسْقَيتُه إياه.\nوقولُه: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾، يقولُ: ولستم بخازني الماء الذي أنزَلنا من السماء فأسقَيناكموه، فتَمْنَعوه مَن أُسْقِيه؛ لأن ذلك بيديَّ وإليَّ، أُسقيه مَن أَشَاءُ، وأَمْنَعُه مَن أَشاء.\nكما حدَّثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: قال سفيان: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾. قال: بمانعين (^٧).\n\n<span id=\"aya-1825\"></span><span data-type='title' id=toc-4852>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي﴾ من كان ميِّتًا إذا أردنا، ﴿وَنُمِيتُ﴾ من كان حيًّا إذا شئنا، ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾. يقولُ: ونحن نرِثُ الأَرضَ ومَن عليها،\n_________\n(^١) في م: \"شربه\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"جعلوه\".\n(^٣) في ت ١: \"وكذا\".\n(^٤) في ص ت ١، ت ٢، ف: \"فاستسقت له\".\n(^٥) ديوانه ٢/ ٨٢١.\n(^٦) الإهابُ: الجلد من البقر والغنم والوحش ما لم يُدبغ. اللسان (أهـ ب).\n(^٧) تفسير الثورى ص ١٥٩ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":47},{"text":"بأن نُميت جميعهم، فلا يبقى حيٍّ سوانا، إذا جاء ذلك الأجلُ.\n\n<span id=\"aya-1826\"></span>وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ولقد علمنا من مضى من الأممِ فتقدم هلاكهم قد خُلق وهو حيٌّ، ومن لم يُخْلَقُ بعد ممن سيُخْلَقُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4853>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. قال: المستقدمون من قد خُلق ومن خلا من الأمم، والمستأخرون (^١) من لم يُخلق.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم، قال: ثنا عمرو بن قيس، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. قال: هم خَلْقُ الله كلهم، قد علم مَن خَلَق منهم إلى اليوم، وقد علم من هو خالقه بعد اليوم.\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن التيمي، عن أبيه، عن عكرمة، قال: إن الله خلق الخلق ففرغ منهم، فالمستقدمون من خرج من الخلقِ، والمستأخرون مَن بَقى في أصلابِ الرجالِ لم يَخْرُجُ (^٢).\nحدثني محمد بن أبي معشر، قال: أخبرني أبي (^٣) أبو معشر، قال: سمعتُ عونَ بن عبدِ اللَّهِ بن عتبةَ بن مسعودٍ يُذاكر محمد بن كعب في قولِ اللهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. فقال عونُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عتبة بن مسعود:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"المستأخرين\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٨.\n(^٣) ليست في: م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"14","page":48},{"text":"خيرُ صفوفِ الرجال المقدَّمُ، وشرُّ صفوفِ الرجالِ المؤخَّرُ، وخيرُ صفوف النساءِ المؤخَّرُ، وشر صفوفِ النساءِ المقدّمُ. فقال محمدُ بنُ كعب: ليس هكذا، ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾: الميت والمقتول، و﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: مَن يَلْحَقُ بهِم مِن بعدُ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. فقال عونُ بنُ عبدِ اللَّهِ: وفقك اللَّهُ، وجزاك خيرًا (^١).\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا [المعتمرُ، عن أبيه] (^٢)، قال: قال قتادة: ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾: مَن مضى، ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: من بقى في أصلاب الرجال.\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا أبو الأحوص، قال: ثنا سعيد بن مسروق، عن عكرمة، وخُصَيف، عن مجاهد في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. قالا: مَن مات ومَن بقى (^٣).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾. قال: كان ابن عباس يقولُ: آدم صلى الله عليه، ومَن مضَى (^٤) من ذريته، ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: مَن بَقى في أصلاب (^٥) الرجال.\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾. قال: المستقدمون آدم ومَن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٥٠ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ١: \"محمد بن ثور عن معمر\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٨ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^٤) في م: \"منى\"، وفى ف: \"معنا\".\n(^٥) في ص: \"صلبه\".","vol":"14","page":49},{"text":"بعده حتى نزلت هذه الآية، والمستأخرون، قال: كلُّ مَن كان من ذريته (^١).\nقال أبو جعفر: أظنُّه أنا قال (^٢): لم يُخلَق، وما هو مخلوقٌ.\nحدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، قال: المستقدمون ما خرج من أصلاب الرجال، والمستأخرون ما لم يَخْرُجُ، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (^٣).\nوقال آخرون: عنى بالمستقدمين الذين قد هلكوا، والمستأخرين الأحياء الذين لم يهلكوا.\n\n<span data-type='title' id=toc-4854>ذكر من قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾: يعنى بالمُسْتَقدِمين من مات، ويَعْنى بالمُسْتَأخرين مَن هو حيٌّ لم يمت.\nحدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾: يعنى الأموات منكم، ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: بقيَّتهم، وهم الأحياء. يقولُ: علمنا من مات ومَن بقي.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. قال: المستقدمون منكم الذين\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٨.\n(^٢) بعده في م: \"ما\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":50},{"text":"مضوا في أوّل الأمم، والمستأخرون الباقون.\nوقال آخرون: بل معناه: ولقد علمنا المستقدمين في أوّل الخلقِ، والمستأخرين في آخرهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-4855>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾. قال: أول الخلقِ وآخره.\nحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدى، عن داودَ، عن الشعبي في قولِ اللهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. قال (^١): ما اسْتَقْدَم في أول الخلقِ، وما اسْتَأْخَر في آخرِ الخلقِ.\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا على بن عاصم، عن داود بن أبى هند، عن عامر في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾. قال: في العصر (^٢)، والمستأخرين منكم في أصلاب الرجال وأرحام النساء.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد علمنا المستقدمين من الأمم، والمستأخرين من أمة محمد ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4856>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا\n_________\n(^١) ليست في: ص، م، ت ١، ف.\n(^٢) العصر: الدهر. اللسان (ع ص ر).","vol":"14","page":51},{"text":"شبابةُ، قال: أخبرنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾. قال: القرونَ الأول، و﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: أمةَ محمدٍ ﷺ (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيد، قال: ثنى عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. قال: المستقدمون ما مضى من الأمم، والمستأخرون أمة محمد ﷺ.\nحدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد بنحوه.\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن عبد الملك، عن مجاهد بنحوه، ولم يَذْكُر قيسًا (^٢).\nوقال آخرون: بل معناه: ولقد علمنا المستقدمين منكم في الخير [والمستأخرين عنه] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-4857>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. قال: كان الحسن يقولُ: المستقدمون في\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤١٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٨ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٨.\n(^٣) في ت ٢: \"والمتأخرين\".","vol":"14","page":52},{"text":"طاعةِ اللهِ، والمستأخرون في معصية الله (^١).\nحدثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عون، قال: أخبرنا هشيم، عن عبّادِ بن راشد، عن الحسن، قال: ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾ (^٢) في الخير، و﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. يقول: المبطئين عنه (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد علمنا المستقدمين منكم في الصفوف في الصلاة، والمستأخرين فيها، بسبب النساء.\n\n<span data-type='title' id=toc-4858>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن رجل، أخبرنا عن مروان بن الحكم أنه قال: كان أناسٌ يَسْتَأْخِرون في الصفوفِ مِن أجل النساء. قال: فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ (^٤).\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا جعفرُ بنُ سليمان، قال: أخبرني عمرُو بنُ مالك، قال: سمعت أبا الجَوْزاءِ يقولُ في قول الله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. قال: المستقدمين منكم في الصفوف في الصلاة والمستأخرين (^٥).\nحدثني محمد بن موسى الحَرَشيُّ (^٦)، قال: ثنا نوح بن قيس، قال: ثنا عمرُو بنُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"المستقدمون\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٥٠ عن المصنف.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٨.\n(^٦) في م: \"الحَرَسيُّ\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٥٢٨.","vol":"14","page":53},{"text":"مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، قال: كانت تُصلى خلف رسولِ اللهِ ﷺ -: امرأة - قال ابن عباس: لا والله ما إن رأيتُ مثلَها قَطُّ - فكان بعض المسلمين إذا صَلَّوْا اسْتَقْدَمُوا، وبعضُ يَسْتَأْخِرون، فإذا سجدوا نظَروا إليها من تحتِ أيديهم، فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾.\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا نوحُ بنُ قيس، وحدثنا أبو كريب، قال ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا نوح بن قيسٍ، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباسٍ، قال: كانت تُصَلِّى خلفَ رسول الله ﷺ امرأة حسناء من أحسن الناس، فكان بعضُ الناسِ يَسْتَقْدِمُ في الصف الأول لئلا يراها، ويَسْتَأْخِرُ بعضُهم حتى يكون في الصف المؤخَّرِ، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه في الصف، فأنزل الله في شأنها: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ (^١).\nقال أبو جعفر: وأولى الأقوال عندى في ذلك بالصحة قولُ مَن قال: معنى ذلك: ولقد علمنا الأموات منكم يا بنى آدمَ فتقدّم موته، ولقد علمنا المستأخرين الذين استأخر موتهم ممن هو حيٌّ، ومن هو حادث منكم ممن لم يَحْدُثُ بعد. لدلالة ما قبله من الكلام، وهو قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾. وما بعده، وهو قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾. على أن ذلك كذلك؛ إذ كان بين\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٢٨٣٥)، وأحمد (٢٧٨٣)، والترمذى (٣١٢٢)، والنسائي (٨٦٩)، وفي الكبرى (١١٢٧٣)، وابن ماجه (١٠٤٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٤/ ٤٥٠ -، وابن خزيمة (١٦٩٦، ١٦٩٧)، وابن حبان (٤٠١)، والطبراني (١٢٧٩٦)، والحاكم ٢/ ٣٥٣، والبيهقى ٣/ ٩٨ من طرق عن نوح بن قيس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٦، ٩٧ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه. وقال ابن كثير: وهذا الحديث فيه نكارة شديدة. إلى أن قال: فالظاهر أنه من كلام أبى الجوزاء فقط، ليس فيه لابن عباس ذكر.","vol":"14","page":54},{"text":"هذين الخبرين، ولم يَجْرِ قبل ذلك من الكلام ما يَدلُّ على خلافه، ولا جاء بعده (^١)، وجائزٌ أن تكون نزلت في شأن المستقدمين في الصف لشأن النساء، والمستأخرين فيه لذلك، ثم يكونُ اللَّهُ ﷿ عمَّ بالمعنى المراد منه جميع الخلق، فقال جل ثناؤه لهم: قد علمنا ما مضى من الخلقِ وأَحْصَيْناهم وما كانوا يَعْمَلُون، ومَن هو حى منكم، ومَن هو حادث بعدكم أيها الناسُ، وأعمال جميعكم؛ خيرها وشرَّها، وأحْصَيْنا جميعَ ذلك، ونحن نَحْشُرُ (^٢) جميعهم، فنجازى كلًّا بأعماله، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرا فشرًا. فيكون ذلك تهديدًا ووعيدًا للمستأخرين في الصفوف لشأنِ النساء، ولكلِّ مَن تعدَّى حد الله وعمل بغير ما أذن [له به] (^٣)، ووعدا لمن تقدَّم في الصفوف لسبب النساءِ، وسارع إلى محبة الله ورضوانه في أفعاله كلها.\n\n<span id=\"aya-1827\"></span>وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾. يعنى بذلك جل ثناؤه: وإن ربك يا محمد هو يَجْمَعُ جميعَ الأَوَّلين والآخرين عندَه يومَ القيامة، أهل الطاعة منهم والمعصية، وكلَّ أحد من خلقه، المستقدمين منهم والمستأخرين.\nوبنحو ما (^٤) قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4859>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾. قال: أي: الأول والآخر (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"بعد\".\n(^٢) في ت ٢: \"نحشرهم\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) في ف: \"الذي\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":55},{"text":"حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا أبو خالد القرشي، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة في قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾. قال: هذا من ههنا، وهذا من ههنا.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾. قال: وكلهم ميت، ثم يحشُرُهم ربُّهم.\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا على بن عاصم، عن داود بن أبى هند، عن عامرٍ: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾. قال: يَجْمَعُهم اللَّهُ يومَ القيامةِ جميعًا (^١).\nقال الحسنُ: قال على: قال داود: و(^٢) سمعت عامرًا [ويُفَسِّرُه.\nوقوله] (^٣): ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: إن ربك حكيم في تدبيره خلقه، في (^٤) إحيائهم إذا أحياهم، وفى إماتتهم إذا أماتهم، عليم بعددهم وأعمالهم، وبالحى منهم والميت، والمستقدم منهم والمستأخر.\nكما حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة، قال: كلُّ أولئك قد علمهم الله. يَعْنى المستقدمين والمستأخرين (^٥).\n\n<span id=\"aya-1828\"></span><span data-type='title' id=toc-4860>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٨ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"يفسر قوله\".\n(^٤) في ت ١: \"من\".\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ٥٠.","vol":"14","page":56},{"text":"يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا آدم - وهو الإنسانُ - مِن صَلْصَالٍ.\nواختلف أهل التأويل في معنى الصلصال؛ فقال بعضُهم: هو الطين اليابس لم تُصِبْه نارٌ، فإذا نقَرتَه صَلَّ، فسمعت له صلصلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-4861>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خُلق آدم من صلصال و(^١) من حمأٍ ومِن طينٍ لازب، وأما اللازب فالجيد، وأما الحَمةُ فالحمأة، وأما الصَّلصال فالتراب المدقَّق (^٢)، وإنما سُمِّيَ إنسانًا؛ لأنه عُهد إليه فنسي (^٣).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾. قال: والصلصال التراب اليابس الذي يُسْمَعُ له صَلْصَلةٌ.\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. قال: الصلصال الطين اليابس، يُسْمَعُ له صَلْصَلَةٌ (^٤).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن (^٥)، عن الحسن بن صالح،\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) في م: \"المرقق\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٩٢ سندًا ومتنًا، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٠١٦) من طريق يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٨ إلى ابن المنذر.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٨، ٣٤٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) بعده في ص، ت ٢: \"قال\".","vol":"14","page":57},{"text":"عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾. قال: الصلصال الماءُ يَقَعُ على الأرض الطيبة، ثم يَحْسُرُ عنها، فتشَقَّقُ، ثم تَصِيرُ مثل الخزف الرقاقِ (^١).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خُلق الإنسانُ مِن ثلاثة؛ مِن طين لازب، وصلصال، وحمأ مسنون، والطين اللازبُ: اللازقُ الجيد، والصلصال المَدْقُوقُ (^٢) الذي يُصْنَعُ منه الفَخَّارُ، والمسنون: الطين فيه الحمأة.\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾. قال: هو التراب اليابس الذي يُبَل بعد يُبْسِه (^٣).\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاء، عن مسلم، عن مجاهد، قال: الصلصالُ الذي يُصَلْصِلُ مثل الحَزَفِ مِن الطين الطيب (^٤).\nحدثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ: الصلصال طينٌ صُلْب يخالطه الكَثِيبُ.\nحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾. قال: التراب اليابس.\nوقال آخرون: الصلصال المنتنُ. وكأنهم وجَّهوا ذلك إلى أنه من قولهم: صَلَّ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) في م: \"المرقق\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٨ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤١٦ بنحوه.","vol":"14","page":58},{"text":"اللحمُ وأَصَلَّ. إذا أنتن، يقال في (^١) ذلك باللغتين كليهما (^٢)؛ بـ \"فَعَلَ\" و\"أَفْعَلَ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-4862>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾: الصلصال المنتنُ.\nوالذي هو أولى بتأويل الآية أن يكونَ الصَّلصال في هذا الموضع الذي له (^٣) صوتٌ من الصَّلصَلَةِ، وذلك أن الله تعالى وصفه في موضع آخر، فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]. فشبهه [تعالى ذكره] (^٤) بأنه كان كالفخَّارِ في يُبسه، ولو كان معناه في ذلك المُنْتِنَ، لم يُشَبِّهه بالفخّارِ؛ لأن الفخّار ليس بمنتنٍ فيُشَبَّهَ به في النَّتْنِ (^٥) غيرُه.\nوأما قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. فإن الحمأ جمعُ حَمْأَة، وهو الطين المتغيرُ إلى السواد.\nوقوله: ﴿مَسْنُونٍ﴾. يعنى المتغير.\nواختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى قوله: ﴿مَسْنُونٍ﴾؛ فكان بعضُ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"كلتيهما\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"هو\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"فقال ذكر\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"المنتن\".","vol":"14","page":59},{"text":"نحويي البصريين يقولُ: عُنى به حَمَأٌ [مصوَّرٌ تامٌّ] (^١). وذكر عن العرب أنهم قالوا: سُنَّ، على مثالِ (^٢) سُنَّةِ الوجهِ، أي: صورته. قال: وكأن سنةَ الشيء ذلك، أي: مثاله الذي وُضِع عليه. قال: وليس من الآسن المتغير؛ لأنه من \"سنن\" مضاعفٌ.\nوقال آخر (^٣) منهم: هو الحَمأُ المصبوب. قال: [والمسنونُ المصبوب] (^٤). قال (^٥): وهو من قولهم: سنَنْتُ الماء على الوجه وغيره. إذا صببته.\nوكان بعضُ أهل الكوفة يقولُ (^٦): هو المتغيرُ. قال: كأَنه أُخِذ من: سنَنْتُ الحجر على الحجر. وذلك أن يُحَكَّ أحدهما بالآخر، يقال منه (^٧): سنَنتُه أسنُّه سنًّا، فهو مسنونٌ. قال: ويُقالُ للذى يَخْرُجُ مِن بينهما: سَنينٌ. و(^٨) يكون ذلك مُنْتِنًا. وقال: منه سُمّى المسَنَّ؛ لأن الحديدَ يُسَنُّ عليه.\nوأما أهل التأويل فإنهم قالوا في ذلك نحو ما قلنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-4863>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا عبيد (^٩) الله بن يوسفَ الجُبَيْرِيُّ، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: ثنا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"منصوب قائم\".\n(^٢) بعده في ص، ف: \"مثل\".\n(^٣) في ت ٢: \"آخرون\".\n(^٤) في م: \"المصبوب المسنون\"، وفى ت ٢: \"المنصوب المسنون\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٨٨.\n(^٧) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قد\".\n(^٨) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لا\".\n(^٩) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عبد\". ينظر تهذيب الكمال ١٩/ ١٧٩.","vol":"14","page":60},{"text":"مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. قال: الحمأُ النتنة (^١).\nحدثني يحيى بن إبراهيم المسعودى، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. قال: الذي قد أنتَن.\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارة، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. قال: مُنْتِن (^٢).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. قال: هو التراب المبتل المنتِنُ، فَجُعِل صَلصالًا كالفَخَّارِ.\nحدثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى (^٣)، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. قال: مُنْتِن (^٤).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾:\n_________\n(^١) في م: \"المنتنة\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٨ إلى المصنف والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"الحسن\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤١٦.","vol":"14","page":61},{"text":"والحَمأُ المسنونُ الذي قد تغيَّر وأنتن.\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر [، عن قتادة] (^١) ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (^٢). قال: قد أسِنَ (^٣). قال: منتنة (^٤).\nحدثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جويبر، عن الضحاكِ في قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. قال: من طين لازبٍ، وهو اللازقُ من الكثيب، وهو الرمل.\nحدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾: هو (^٥) الحَمأُ المنتن.\nوقال آخرون منهم في ذلك: هو الطينُ الرَّطْبُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4864>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. يقولُ: مِن طين رَطْبٍ (^٦).\n\n<span id=\"aya-1829\"></span><span data-type='title' id=toc-4865>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ﴿وَالْجَانَّ﴾. وقد بينا فيما مضى معنى الجانّ (^٧)، ولم قيل\n_________\n(^١) سقط من النسخ، والمثبت مما تقدم في ص ٢٧، فهذا تمام الأثر المتقدم، وهو أيضًا إسناد دائر.\n(^٢) بعده في ت ٢: \"والحمأ المسنون\".\n(^٣) في م، ت ٢: \"أنتن\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٥٧.\n(^٥) في م: \"قال\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٨ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٧) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٣٥ وما بعدها.","vol":"14","page":62},{"text":"له: جانٌّ. وعنى بالجان ههنا. إبليس أبا الجنّ، يقولُ تعالى ذكره: وإبليس خلقناه من قبل الإنسان من نارِ السَّموم.\nكما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ﴾: وهو إبليس خُلق قبل آدمَ، وإنما خُلق آدم آخرَ الخَلقِ، فحسَده عدو اللَّهِ إبليس على ما أعطاه الله من الكرامة، فقال: أنا نارى، وهذا طيني. فكانت السجدة لآدم والطاعة لله تعالى ذكره، فقال: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ (^١) [الحجر: ٣٤، ص: ٧٧].\nواختلف أهل التأويل في معنى: ﴿نَارِ السَّمُومِ﴾؛ فقال بعضُهم: هي السَّموم الحارة التي تَقْتُلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4866>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾. قال: السموم الحارة (^٢) التي تَقْتُلُ (^٣).\nحدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شَرِيكَ، عن أبي إسحاق، عن (^٤) التميمي، عن ابن عباس: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾. قال: هي السموم التي تَقْتُلُ، ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٦]. قال: هي السَّموم التي تَقْتُلُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"الحار\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٨ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"14","page":63},{"text":"وقال آخرون: يعنى بذلك: من لهب نارٍ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-4867>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَغْراء، عن جويبرٍ، عن الضحاك في قوله: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾. قال: من لَهَبٍ من نار السموم.\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن (^٢) سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباس، قال: كان إبليس من حيِّ من أحياء الملائكة يقال لهم: الجن. خُلقوا من نار السموم من بين الملائكة. قال: وخُلقت الجن الذين ذكروا في القرآنِ مِن مارج من نار (^٣).\nحدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: دخَلْتُ على عمرو بن الأصمِّ أَعُودُه، فقال: ألا أُحَدِّثُك حديثا سمعته من عبد الله؟ سمعتُ عبد الله يقولُ: هذه السَّموم جزء من سبعين جزءا من السموم التي خرج منها الجان. قال: وتلا: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ (^٤).\nوكان بعضُ أهل العربية يقولُ: السَّمومُ بالليل والنهار. وقال بعضُهم: الحرورُ\n_________\n(^١) في م: \"النار\".\n(^٢) في النسخ: \"عن\". وهو إسناد دائر.\n(^٣) تقدم تخريجه بتمامه في ١/ ٤٨٥.\n(^٤) أخرجه الطيالسي - كما في تفسير ابن كثير ٤/ ٤٥١ - من طريق شعبة به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٧٤ من طريق أبي إسحاق به، وأخرجه الطبراني (٩٠٥٧) من طريق سفيان، عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود، وأخرجه معمر في جامعه (٢٠٣٥٧) عن أبي إسحاق، عن عمرو بن عاصم، عن ابن مسعود.\nوعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٩٨ إلى الفريابي وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب.","vol":"14","page":64},{"text":"بالنهار، والسموم بالليل، يقال: سَمَّ يومنا يَسُمُّ سَمومًا.\nحدثني المثنى، قال: ثنا محمد بن سهل بن عَسْكَرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريم، قال: ثنى عبد الصمد بنُ مَعْقِلٍ، قال: سمعتُ وهَبَ بنَ مُنَبِّهٍ، وسُئِل عن الجنِّ ما هم، وهل يأكلون أو يشربون أو يموتون أو يتناكحون؟ قال: هم أجناسٌ، فأما خالص الجنِّ، فهم ريحٌ لا يأكلون ولا يَشْرَبون ولا يموتون ولا يَتَوالدون، ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويَتَناكَحون ويموتون، وهى هذه التي منها السَّعالى (^١) والغُولُ (^٢) وأشباه ذلك (^٣).\n\n<span id=\"aya-1830\"></span>\n\n<span id=\"aya-1831\"></span><span data-type='title' id=toc-4868>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: واذكر يا محمدُ ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾. يقولُ: فإذا صوّرته فعدَّلتُ صورته، ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾. فصار بشرًا حيًّا، ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ سجود تحية وتكرمة، لا سجود عبادة.\nوقد حدثني جعفر بن مكرم، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا شَبيبُ بنُ بشرٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لما خلق الله الملائكة قال: إني خالق بشرًا مِن طين، فإذا أنا خلَقتُه فاسجدوا له. فقالوا: لا نَفْعَلُ. فأرسل عليهم نارًا فأحرقتهم،\n_________\n(^١) السعالى، جمع سعلاة: وهم سحرة الجن. النهاية ٢/ ٣٦٩.\n(^٢) الغول: جنس من الجن والشياطين، كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تتراءى للناس فتتغول تغولا، أي: تتلون تلونا في صور شتى. النهاية ٣/ ٣٩٦.\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٠٩٥) من طريق إسماعيل به.","vol":"14","page":65},{"text":"وخلق ملائكةً أُخرَى، فقال: إني خالق بشرًا من طين، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له. فأبوا، قال: فأرسل عليهم نارًا فأحرقتهم. ثم خلق ملائكة أُخرى، فقال: إني خالق بشرًا مِن طين، فإذا أنا خلَقتُه فاسْجُدوا له. فأبوا. قال (^١): فأرسل عليهم نارًا فأحرقتهم، ثم خلق ملائكةٌ، فقال: إني خالق بشرًا مِن طين، فإذا أنا خلَقتُه فاسْجُدوا له. فأبوا. قال (^١): فأرسل عليهم نارًا فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة، فقال: إني خالق بشرًا من طين، فإذا أنا خلَقتُه فاسْجُدوا له. فقالوا: سمعنا وأطعنا. إلا إبليس كان من الكافرين الأولين (^٢).\n\n<span id=\"aya-1832\"></span>\n\n<span id=\"aya-1833\"></span><span data-type='title' id=toc-4869>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فلما خلق الله ذلك البشر، ونفخ فيه الروح بعد أن سوّاه، سجد (^٣) الملائكةُ كلُّهم جميعًا (^٤)، إلا إبليس، فإنه أبى أن يكون مع الساجدين في سجودِهم لآدم حين سجدوا له (^١)، فلم يَسْجُد له معهم تكبرا وحسَدًا وبغيًّا.\n\n<span id=\"aya-1834\"></span>فقال الله تعالى ذكره: ﴿يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾. يقولُ: ما منعك مِن أن تَكونَ مع الساجدين. فـ \"أن\" في قول بعض نحويى الكوفة خَفْضٌ، وفى قول بعض أهل البصرةِ نَصْبٌ بفَقْدِ الخافض.\n\n<span id=\"aya-1835\"></span><span data-type='title' id=toc-4870>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ</span>\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٠٣٩) من طريق أبي عاصم به، وينظر ما تقدم في ١/ ٥٤١.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"وسجد\".\n(^٤) بعده في ت ١، ت ٢، ف: \"أجمعون\".","vol":"14","page":66},{"text":"الدِّينِ (٣٥)﴾.\nيقول تعالى ذكره: قال إبليس: لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأٍ مسنون، وهو من طينٍ وأنا من نارٍ، والنارُ تأكلُ الطين.\n\n<span id=\"aya-1836\"></span>وقوله: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾. يقولُ: قال (^١) الله تعالى ذكره لإبليس: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾.\nوالرجيم المرجوم، صُرِف مِن \"مفعولٍ\" إلى \"فعيلٍ\"، وهو المشتوم. كذلك\nقال جماعة من أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4871>ذكر بعض (^١) من قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله (^٢): ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾: والرجيم الملعون (^٣).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾. قال: ملعون، والرجم في القرآنِ الشَّتْمُ.\n\n<span id=\"aya-1837\"></span>وقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾. يقولُ: وإِنَّ عَضَبَ اللَّهِ عليك بإخراجه إياك من السماواتِ وطَرْدِك عنها إلى يوم المجازاة، وذلك يوم القيامة.\nوقد بينا معنى اللعنة في غير موضع بما أغنى عن إعادته ههنا (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ليست في: ص، م، ت ١، ف.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٧٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وعزاه أيضًا في ٥/ ٣٢١ إلى المصنف، وسيأتي في ٢٠/ ١٤٧.\n(^٤) تقدم في ٢/ ٢٣١، ٢٣٢.","vol":"14","page":67},{"text":"<span id=\"aya-1838\"></span><span data-type='title' id=toc-4872>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قال إبليس: ربِّ فإذ أخرجتنى مِن السماواتِ ولعَنتنى، فأَخِّرْنى إلى يومِ تَبْعَثُ خلقَك مِن قبورهم، فتَحْشُرُهم لموقف القيامة.\n\n<span id=\"aya-1839\"></span>\n\n<span id=\"aya-1840\"></span>قال الله له: فإنك ممن أُخر هلاكه إلى يوم الوقت المعلوم لهلاك جميع خلقى، وذلك حين لا يبقى على الأرضِ مِن بنى آدمَ دَيَّارٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-1841\"></span><span data-type='title' id=toc-4873>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قال إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾؛ باغوائِكَ، ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. وكأن قوله: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾. خرج مخرَجَ القَسَمِ، كما يقال: بالله، أو بعزة الله، لأُغوِيَنَّهم.\nوعنى بقوله: ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: لأُحَسِّنن لهم معاصيك، ولأُحبِّبنَّها إليهم في الأرضِ، ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ: ولأَضِلَّنَّهم عن سبيل الرشادِ.\n\n<span id=\"aya-1842\"></span>﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾. يقولُ: إلا من أخلصته بتوفيقك فهديته، فإن ذلك ممن لا سلطان لى عليه ولا طاقة لى به.\nوقد قُرِئَ: (إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ المُخلِصِينَ) (^٢). فمَن قرأ ذلك كذلك، فإنه يَعْنى به: إلا مَن أخلَص طاعتك، فإنه لا سبيل لى عليه.\n_________\n(^١) ديار: أحد، ولا يستعمل إلا في النفي. اللسان (دور).\n(^٢) هي قراءة ابن كثير وأبى عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٣٤٨.","vol":"14","page":68},{"text":"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4874>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾: يعنى المؤمنين (^١).\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشام، قال: ثنا عمرو، عن سعيد، عن قتادة: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال قتادة: هذه ثنيَّةُ (^٢) الله تعالى ذكره (١).\n\n<span id=\"aya-1843\"></span><span data-type='title' id=toc-4875>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾.</span>\nاختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾؛ فقرأه عامة قرأة الحجاز والمدينة والكوفة والبصرة: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾. بمعنى: هذا طريق إلى مستقيم.\nفكان معنى الكلام: هذا طريق مرجعه إليَّ، فأُجازى كُلًّا بأعمالهم. كما قال الله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ١٤]. وذلك نظير قول القائل لمن يتوعده ويَتَهدَّدُه: طريقك عليَّ، وأنا على طريقك. فكذلك قوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ﴾. معناه: هذا طريقٌ عليَّ، وهذا طريقٌ إليَّ. وكذلك تأوَّل مَن قرأ ذلك كذلك.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٩ إلى المصنف.\n(^٢) بعده في ت ١: \"من\".","vol":"14","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4876>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابه، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد قوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾. قال: الحَقُّ يَرْجِعُ إلى الله، وعليه طريقه، لا يُعَرِّجُ على شيءٍ (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بنحوه.\nحدثنا أحمد بن يوسفَ، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ شُجاعٍ، عن خصيفٍ، عن زياد بن أبى مريم وعبدِ اللهِ بن كثير أنهما قرأها: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾. وقالا: عليَّ هي \"إليَّ\" وبمنزلتها (^٢).\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، وسعيد، عن قتادة، عن الحسنِ: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾. يقولُ: إليَّ مستقيمٌ (^٣).\nوقرأ ذلك قيس بن عُبَادٍ وابن سيرين وقتادة فيما ذُكِر عنهم: (هَذَا صِرَاطٌ عَلِيٌّ مُسْتَقِيمٌ) برفع \"عليٌّ\"، على أنه نعت للصراط، بمعنى: رفيعٌ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤١٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٩ إلى المصنف وأبي عبيد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٩ إلى المصنف.","vol":"14","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4877>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي حماد، قال: ثني جعفر البصرى، عن ابن سيرين أنه كان يَقْرَأُ: (هذا صراط عليٌّ مستقيمٌ) يعني: رفيعٌ (^١).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: (هذا صِراطٌ عليٌّ مستقيمٌ). أي: رفيع مُستقيم. قال بشرٌ: قال يزيد: قال سعيد: هكذا نقرَؤُها نحن وقتادة (^٢).\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب، عن هارون، عن أبي العوَّامِ، عن قتادة، عن قيس بن عُبَادٍ: (هذا صِراطٌ عليٌّ مستقيمٌ). يقولُ: رفيعٌ (^٣).\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندنا قراءةُ مَن قرأَ: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾. على التأويل الذي ذكرناه عن مجاهد والحسن البصرى ومَن وافقهما عليه؛ لإجماع الحجةِ من القرأة عليها، وشذوذ ما خالفها.\n\n<span id=\"aya-1844\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. يقول تعالى ذكره: إن عبادى ليس لك عليهم حجةٌ، إلا مَن اتَّبَعك على ما دعوته إليه من الضلالة، ممن غوى وهلك.\nحدثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن عبيد الله بن مَوْهَبٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ قُسَيط، قال: كانت الأنبياء لهم مساجد خارجةٌ مِن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٩ إلى المصنف وأبي عبيد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٩ إلى المصنف.","vol":"14","page":71},{"text":"قراهم (^١)، فإذا أراد النبيُّ أن يَسْتَنْبِئ رَبَّه عن شيءٍ، خرج إلى مسجده فصلَّى ما كتب الله له، ثم سأل ما بداله، [فبينما نبيٌّ] (^٢) في مسجدِه، إذ جاء عدو الله حتى جلس (^٣) بينه وبين القبلة، فقال النبي: أعوذُ باللهِ مِنَ الشيطان الرجيم. فقال عدو الله أرأيتَ الذي تَعَوَّذُ منه فهو هو. فقال النبي (^٤): أعوذُ باللهِ من الشيطان الرجيم. فردَّد ذلك ثلاثَ مراتٍ، فقال عدو الله: أخبرني بأى شيءٍ تنجو منى. فقال النبي (^٥): بل (^٦) أخبِرْنى بأَيِّ شيءٍ تَغْلِبُ ابن آدمَ. مرتين، فأَخَذ كلُّ واحدٍ منهما على صاحبه، فقال النبي (^٤): إن الله تعالى ذكره يقولُ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. قال عدو الله: قد سمِعتُ هذا قبل أن تُولَدَ. قال النبيُّ (^٤): ويقولُ الله تعالى ذكره: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. وإني والله ما أحْسَنتُ بك قط إلا اسْتَعَدتُ بالله منك.\nفقال عدو الله: صدقت، بهذا تَنْجُو منى. فقال النبي (^٤): فأخبرني بأي شيءٍ تَغْلِبُ ابنَ آدَمَ؟ قال: آخُذُه عند الغضَبِ وعند (^٧) الهوَى (^٨).\n\n<span id=\"aya-1845\"></span><span data-type='title' id=toc-4878>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لإبليس: وإن جهنم لموعد من تبعك أجمعين،\n\n<span id=\"aya-1846\"></span>﴿لَهَا سَبْعَةُ\n_________\n(^١) في ص، ف: \"قرارهم\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فبينا هو\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"حاس\".\n(^٤) بعده في النسخ: \"ﷺ\".\n(^٥) سقط من: ص، وبعده في م، ت ١، ت ٢: \"ﷺ\"، وفى ف: \"رسول الله ﷺ\".\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"على\".\n(^٨) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٥٤ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٩ إلى المصنف.","vol":"14","page":72},{"text":"أَبْوَابٍ﴾ يقولُ: لجهنم سبعة أطباقٍ، لكلِّ طبقٍ منهم - يَعْنى مِن تُبَّاعِ (^١) إبليس - ﴿جُزْءٌ﴾. يعنى: قسمًا ونصيبًا مقسومًا.\nوذُكِر أن أبواب جهنم طبقاتٌ (^٢) بعضُها فوق بعضٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4879>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ أبا هارونَ الغَنَويَّ، قال: سمعتُ حِطَّانَ، قال: سمعتُ عليًّا وهو يَخْطُبُ، قال: إن أبواب جهنم هكذا. ووضع شُعبةُ إحدى يديه على الأُخرى.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي هارونَ الغَنَويِّ، عن حطان بن عبد الله، قال: قال عليٌّ: تَدْرون كيف أبواب النار؟ قلنا: نعم، كنحو هذه الأبواب. فقال: لا، ولكنها هكذا. فوصف أبو هارونَ أطباقًا بعضُها فوق بعضٍ، وفعل ذلك أبو بشرٍ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم، عن أبي هارونَ الغَنَويِّ، عن حِطَّانَ بن عبدِ اللَّهِ، عن عليٍّ، قال: هل تدرون كيف أبوابُ النارِ؟ قالوا: كنحو هذه الأبواب. قال: لا، ولكن هكذا. ووصف بعضها فوق بعض (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"أتباع\".\n(^٢) في ت ١: \"طباق\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٥٤ عن ابن علية به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد ص ٨٥ (٢٩٤ - زوائد نعيم)، وأحمد في الزهد ص ١٣١، والبيهقى في البعث والمنشور (٥٠٧) من طريق أبي هارون الغنوى به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في التخويف من النار لابن رجب ص ٨٣ - من طريق حطان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"14","page":73},{"text":"حدَّثنا هارونُ بن إسحاق، قال: ثنا مصعبُ بنُ المقدام، قال: أخبرنا إسرائيلُ، قال: ثنا أبو إسحاق، عن هُبَيرةَ، عن عليٍّ، قال: أبوابُ جهنم سبعةٌ، بعضُها فوق بعضٍ، فيَمْتَلئُ الأولُ، ثم الثاني، ثم الثالثُ، ثم تَمتَلئُ كلُّها (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن هبيرة، عن عليٍّ، قال: أبوابُ جهنم سبعةٌ، بعضُها فوق بعضٍ. وأشار بأصابعه على الأولِ، ثم الثاني، ثم الثالث، حتى تُملأ كلُّها.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونسُ بن أبى إسحاق، عن أبيه، عن هُبيرة بن يريم (^٢)، قال: سمعتُ عليًّا يقولُ: إن أبواب جهنم بعضُها فوق بعضٍ، فيُمْلأُ، فيُمْلأُ الأولُ ثم الذي يليه إلى آخرها (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عليٌّ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ يزيد الواسطيُّ، عن جَهْضَمٍ، قال: سمعتُ عكرمة يقولُ في قوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾. قال: لها سبعةُ أطباقٍ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾. قال: أولها جهنمُ، ثم لَظًى، ثم الحُطمةُ، ثم السعيرُ، ثم سَقَرُ، ثم الجحيمُ، ثم الهاويةُ، والجحيمُ فيها أبو جهلٍ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٥٤، والبيهقى في البعث والنشور (٥٠٦) من طريق أبى إسحاق به.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"مريم\". وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ١٥٠.\n(^٣) أخرجه هناد في الزهد (٢٤٧) من طريق يونس بن أبى إسحاق به، وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (٧) من طريق أبى إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي.\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (١٠) عن علي بن الجعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٠ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (٨) من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٠ إلى ابن المنذر.","vol":"14","page":74},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾: وهى واللَّهِ منازلُ بأعمالهم (^١).\n\n<span id=\"aya-1847\"></span>\n\n<span id=\"aya-1848\"></span><span data-type='title' id=toc-4881>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: إن الذين اتقوُا الله بطاعته وخافوه، فتَجنَّبوا معاصيه في جناتٍ وعُيونٍ، يقالُ لهم:\nادْخُلوها بسلام آمنين من عقاب الله، أو أن تُسلبوا نعمةً أنعمها الله عليكم، وكرامةً أكرمكم بها.\n\n<span id=\"aya-1849\"></span>وقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾. يقولُ: وأخرجنا ما في صدورِ هؤلاء المتقين الذين وصف صفتهم، مِن حقدٍ وضغينةٍ، من (^٢) بعضهم لبعضٍ.\nثم (^٣) اختلف أهلُ التأويلِ في الحالِ التي يَنْزِعُ اللَّهُ ذلك من صدورهم؛ فقال بعضُهم: يَنْزِعُ ذلك بعد دخولهم الجنةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4880>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو غَسّانَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن بشرٍ البصريِّ، عن القاسم بن عبدِ الرحمنِ، عن أبي أُمامة، قال: يَدْخُلُ أهل الجنةِ الجنةَ على ما في صدورهم في الدنيا مِن الشَّحْناءِ والضَّغائن، حتى إذا تَوافُوا وتَقابَلُوا نزَعَ اللَّهُ ما في صدورهم في الدنيا مِن غِلٍّ. ثم قرأ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (١١) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"و\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠١ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"14","page":75},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو فَضالةَ، عن لقمانَ، عن أبي أمامة، قال: لا يَدْخُلُ مؤمنٌ الجنةَ حتى يَنْزِعَ اللَّهُ ما في صدورهم مِن غلٍّ، ثم يُنْزَعُ منه مثل (^١) السَّبُعِ الضارى (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهال، قال: ثنا سفيانُ بن عيينة، عن إسرائيل (^٣) أبى موسى، سمِع الحسن البصريَّ يقولُ: قال عليٌّ: فينا والله أهل بدرٍ نزلت الآيةُ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبيرِ، عن ابن عيينة: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾. قال: من عداوةٍ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا محمد بن يزيد الواسطيُّ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاك: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾. قال: العداوةُ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيل، عن عطاء بن السائب، عن [رجلٍ، عن عليٍّ] (^٥): ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾. قال: العداوةُ (^٦).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن منصورٍ، عن إبراهيم، قال: جاء ابن جُرموزٍ قاتلُ الزبيرِ يَسْتَأْذِنُ على عليٍّ، فحجَبه طويلًا ثم أذن له، فقال له: أما أهلُ البلاء فتَجْفوهم. قال عليٌّ: بفِيكَ الترابُ؛ إنى لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه سنيد في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٤/ ٤٥٦ - عن ابن فضالة أبى فضالة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠١ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^٣) بعده في النسخ: \"عن\"، وهو خطأ؛ فإسرائيل هو ابن موسى ويكنى أبا موسى، وقد تقدم على الصواب في ١٠/ ١٩٨، وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٥١٤.\n(^٤) تقدم تخريجه في ١٠/ ١٩٨.\n(^٥) في ت ١: \"الضحاك\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠١ إلى المصنف.","vol":"14","page":76},{"text":"مُتَقَابِلِينَ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن جعفرٍ، عن عليٍّ نحوَه (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبانِ بن عبدِ اللَّهِ البجليِّ، عن نعيم بن أبى هندٍ، عن ربعيِّ بن حِراشٍ بنحوه، وزاد فيه: قال: فقام إلى عليٍّ رجلٌ من هَمْدان فقال: الله أعدَلُ من ذلك يا أمير المؤمنين. قال: فصاح عليٌّ صيحةً ظننتُ أن القصر تَدَهْدَه لها، ثم قال: إذا لم نكن نحن، فمن هم (^٣)؟\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أبو معاوية الضريرُ، قال: ثنا أبو مالكٍ الأشجعيُّ، عن أبي حبيبة مولًى لطلحةَ، قال: دخل عمرانُ بن طلحة على عليٍّ بعدما فرغ من أصحاب الجمل، فرحَّب به وقال: إنى لأرجو أن يَجْعَلَنى الله وأباك (^٤) من الذين قال الله: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. ورجلان جالسان على ناحية البساطِ، فقالا: الله أعدلُ من ذلك، تَقْتُلُهم بالأمس، وتكونون إخوانًا؟ فقال عليٌّ: قُومَا أبعد أرضٍ وأَسْحَقَها، فمن هو (^٥) إذن إن لم أكن أنا وطلحة. وذكر لنا أبو معاوية الحديثَ بطوله (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (١٢٩٩) من طريق وكيع به، وأخرجه ابن سعد ٣/ ١١٣ من طريق سفيان به، وأخرجه أحمد أيضًا في الفضائل (١٢٩١) من طريق منصور به، وينظر ما تقدم في ١٠/ ١٩٩.\n(^٢) أخرجه أحمد في الفضائل (١٢٩٩) عن وكيع به، وأخرجه ابن سعد ٣/ ١١٣، والبيهقى في الاعتقاد ص ٥٢٨ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠١ إلى سعيد بن منصور وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه وكيع وابن أبي شيبة في مصنفه ١٥/ ٢٨١، ٢٨٢، وأحمد في الفضائل (١٣٠٠)، والبيهقى ٨/ ١٧٣ من طريق وكيع به، وأخرجه ابن سعد ٣/ ٢٢٥، والحاكم ٢/ ٣٥٣ من طريق أبان بن عبد الله البجلى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠١ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ف: \"إياك\".\n(^٥) في م: \"هم\".\n(^٦) أخرجه أحمد في الفضائل (١٢٩٨)، والبيهقى ٨/ ١٧٣ من طريق أبى معاوية به، وأخرجه ابن سعد ٣/ ٢٢٤، والحاكم ٣/ ٣٧٦ من طريق أبى مالك به.","vol":"14","page":77},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال (^١): ثنا عفانُ، قال: ثنا عبدُ الواحد، قال: ثنا أبو مالكٍ، قال: ثنا أبو حبيبة، قال: قال عليٌّ لابن طلحةَ: إني لأرجو أن يَجْعَلَنى اللَّهُ وأباك (^٢) من الذين نزع ما في صدورهم من غلٍّ، ويَجْعَلَنا إخوانًا على سرُرٍ متقابلين (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ، قال: ثنا حمادُ بن خالدٍ الخياطُ، عن أبي الجُوَيْرِيةِ، قال: ثنا معاويةُ بنُ إسحاق، عن عمران بن طلحةَ، قال: لما [نظر إليّ] (^٤) عليٌّ قال: مرحبًا بابن أخى. فذكر نحوه.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن محمدٍ، قال: استأذن الأشترُ على عليٍّ وعنده ابنٌ لطلحةَ، فحبَسه، ثم أذن له، فلما دخل قال: إنى لأراك إنما حبستنى لهذا. قال: أجَلْ. قال: إني لأراه (^٥) لو كان عندك ابنٌ لعثمانَ لحبستنى. قال: أجل، إني لأرجو أن أكون أنا وعثمانُ ممن قال اللهُ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (^٦).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا إسحاق الأزرقُ، قال: أخبرنا عوفٌ، عن ابن سيرين بنحوه.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرميُّ، قال: ثنا السَّكَنُ بنُ المغيرة، قال: ثنا معاويةُ بن راشدٍ، قال: قال عليٌّ: إنى لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"و\".\n(^٢) في ت ١، ف: \"إياك\".\n(^٣) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (١٢٩٥) من طريق أبى حبيبة به.\n(^٤) في م: \"نظرنى\". وفى ت ١، ت ٢، ف: \"نظر لى\".\n(^٥) في ص، ت ٢، ف: \"لا أراه\".\n(^٦) أخرجه نعيم بن حماد في كتاب الفتن (٣٧٤) من طريق محمد بن سيرين به.","vol":"14","page":78},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ثنا أبو (^١) المتوكِّل الناجيُّ، أن أبا سعيدٍ الخدريَّ حدَّثهم، أن رسول الله ﷺ قال: \"يَخْلُصُ المؤمنون مِن النارِ، فيُحْبَسون على قنطرةٍ بين الجنةِ، والنارِ، فيُقْتَصُّ لبعضهم مِن بعضٍ مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا، أُذِن لهم في دُخول الجنة (^٢)، فوالذى نفسُ محمدٍ بيده، لأحَدُهم أهدَى بمنزله في الجنة منه بمنزله الذي كان في الدنيا\". وقال بعضُهم: ما يُشَبَّهُ بهم إلا أهلُ جُمُعةٍ حين (^٣) انصرَفوا مِن جمعهم (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ بن مسلمٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبى عروبة في هذه الآية: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. قال: ثنا قتادة، أن أبا المتوكل الناجيَّ حدَّثهم، أن أبا سعيدٍ الخدريَّ حدَّثهم، قال: قال رسول الله ﷺ. فذكر نحوه إلى قوله: \"وأُذن لهم في دخول الجنةِ\". ثم جعل سائر الكلام عن قتادة، قال: وقال قتادةُ: فوالذى نفسى بيده لأحدهم أهدى بمنزله، ثم ذكر باقى الحديثِ نحو حديثِ بشرٍ، غير أن الكلام إلى آخره عن قتادة، سوى أنه قال في حديثه: قال قتادةُ: وقال بعضُهم: ما يشبَّهُ بهم إلا أهلُ الجُمعة إذا انصرفوا من الجمعة.\n_________\n(^١) في النسخ: \"ابن\" وسيأتي على الصواب كما في الإسناد بعده. وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٢٥.\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"جمعتهم\".\nوالحديث أخرجه أحمد ١٨/ ٢٣٥، (٦٥٣٥)، والبخارى (٦٥٣٥)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٥٨)، وابن منده في كتاب الإيمان (٨٣٧)، والبيهقى في الشعب (٣٤٥) من طريق يزيد بن زريع به. وأخرجه أحمد ١٨/ ١٤٦ (١١٦٠٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره وابن مردويه - كما في الفتح ١١/ ٣٩٨ - من طريق سعيد به. وأخرجه أحمد (١٧/ ١٦٢ (١١٠٩٨)، وعبد بن حميد (٩٣٥)، والبخارى (٢٤٤٠) وفى الأدب المفرد (٤٨٦)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٥٧)، وأبو يعلى (١١٨٦)، وابن حبان (٧٤٣٤)، وابن منده (٨٣٨)، والحاكم ٢/ ٣٥٤ من طريق قتادة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠١ إلى ابن المنذر.","vol":"14","page":79},{"text":"حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْدِيُّ، قال: ثنا عمر بن زُرعةَ، عن محمدِ بن إسماعيل الزُّبيديِّ، عن كَثِيرٍ النّوّاءِ، قال: سمعته يقولُ: دخلتُ على أبى جعفرٍ محمدِ بن عليٍّ، فقلتُ: وليِّى وليُّكم، وسلمى سِلْمُكم، وعدوِّي عدوُّكم، وحربى حربُكم، إنى أسألُكَ بالله، أتبرأُ من أبى بكرٍ وعمر؟ فقال: قد ضَلَلْتُ إذن وما أنا من المهتدين، تولَّهما يا كثيرُ، فما أدْرَكك فهو في رقبتى. ثم تلا هذه الآية: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (^١).\n[وقوله: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (^٢). يقولُ: إخوانا يقابل بعضُهم وجه بعضٍ، لا يَسْتديره فينظر في قفاه. وكذلك تأوَّله أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4882>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا حُصينٌ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. قال: لا يَنْظُرُ أحدُهم في قفا صاحبه (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ ومؤملٌ، قالوا: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nوالسُّرر جمعُ سريرٍ، كما الجُدُدُ جمعُ جديدٍ. وجُمع سُرَرًا (^٤)، وأُظْهِر التضعيفُ فيها، والراءان متحرِّكتان؛ لخفة الأسماءِ، ولا يُفعَلُ ذلك في الأفعال؛\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٥/ ٧٠٦، ٧٠٧ (مخطوط) من طرق عن كثير النواء به نحوه، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٥٧ عن كثير النواء به وزاد بعد الآية: قال.\n(^٢) سقط من النسخ، وأثبتنا ما يستقيم به السياق.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٣٤) - زوائد نعيم، وابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٨، وهناد في الزهد (٨٠) طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢ ف: \"سرر\".","vol":"14","page":80},{"text":"لثقل الأفعال، ولكنهم يُدْغِمون في الفعل (^١) أحد الحرفين فيخفُّ (^٢)، فإذا دخل على الفعل ما يُسَكِّن الثاني، أظهروا حينئذٍ التضعيف.\n\n<span id=\"aya-1850\"></span><span data-type='title' id=toc-4883>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: لا يَمَسُّ هؤلاء المتقين الذين وصف صفتهم في الجناتِ ﴿نَصَبٌ﴾ يعنى: تَعَبٌ، ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾. يقولُ: وما هم من الجنة ونعيمها وما أعطاهم الله فيها بمخرجين، بل ذلك دائمٌ أبدًا.\n\n<span id=\"aya-1851\"></span>وقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ أخبِرْ عبادى يا محمد، أنى أنا الذي أَسْتُرُ على ذنوبهم إذا تابوا منها وأنابوا، بترك فضيحتهم بها، وعقوبتهم عليها، الرحيم بهم أن أعذِّبَهم بعد توبتهم منها عليها .\n\n<span id=\"aya-1852\"></span>﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ يقولُ: وأخبرهم أيضًا أن عذابى لمن أصرَّ على معاصيَّ، وأقام عليها، ولم يَتُبْ منها، هو العذابُ الموجعُ الذي لا يُشبهه عذابٌ. هذا من الله تحذيرٌ لخلقه التقدمَ على معاصيه، وأمرٌ لهم بالإنابة والتوبة.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾. قال: بلغنا أن نبيَّ الله ﷺ قال: \"لو يَعْلَمُ العبدُ قدر عفو الله لما تورَّع من حرامٍ، ولو يَعْلَمُ قدر عذابه\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ف: \"ليسكن\"، ومضروب عليها في: ص.\n(^٢) في م: \"فيخفف\".","vol":"14","page":81},{"text":"لبَخَعَ (^١) نفسه\" (^٢).\nحدَّثنا المثنى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: أخبرنا ابن المكيِّ، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا مصعبُ بن ثابتٍ، قال: ثنا عاصم بن عبيدِ (^٣) اللَّهِ، عن ابن أبي رباحٍ، عن رجلٍ من أصحاب النبيِّ ﷺ، قال: اطَّلع (^٤) علينا (^٥) رسولُ اللهِ ﷺ مِن الباب الذي يَدْخُلُ منه بنو شَيْبةَ، فقال: \"ألا أراكم تضحَكُون؟ \" ثم أدْبَر، حتى إذا كان عند الحجرِ رجع إلينا القَهْقَرَى، فقال: \"إنى لما خرجتُ جاء جبريل ﵇، فقال: يا محمدُ، إن الله يقولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عبادِي؟ نبِّئ عبادي أنى أنا الغفور الرحيم، وأن عذابى هو العذابُ الأليم\" (^٦).\n\n<span id=\"aya-1853\"></span>\n\n<span id=\"aya-1854\"></span><span data-type='title' id=toc-4884>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وأَخْبِرْ عبادى يا محمد عن ﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾. يعنى الملائكة الذين دخلوا على إبراهيم خليل الرحمن، حين أرسلهم ربُّهم إلى قوم لوط ليُهْلِكوهم، ﴿فَقَالُوا سَلَامًا﴾. يقولُ: فقال الضيفُ لإبراهيم: سلامًا.\n﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾. يقولُ: قال إبراهيم: إنا منكم خائفون.\n_________\n(^١) بخع نفسه: قتلها غيظًا أو غمًا. اللسان (ب خ ع).\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٥٨ عن سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في النسخ: \"عبد\". والمثبت من الزهد وتفسير ابن كثير، وإن كان ورد في الزهد: عبيد الليثى. وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٥٠٠.\n(^٤) في م: \"طلع\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"إلينا\".\n(^٦) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٨٩٢) عن مصعب بن ثابت به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٥٨ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٢ إلى المصنف وابن مردويه.","vol":"14","page":82},{"text":"وقد بيَّنا وجه النصب في قوله: ﴿سَلَامًا﴾. وسببَ وَجَلِ إبراهيمَ مِن ضيفه، واختلاف المختلفين، ودلَّلنا على الصحيح من القول فيه فىما مضى قبلُ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (^١).\nوأما قولُه: ﴿فَقَالُوا سَلَامًا﴾. وهو يعنى به الضيف، فجمع الخبرُ عنهم (^٢) وهم في لفظ واحدٍ، فإن الضيف اسمٌ للواحد والاثنين والجمع، مثلَ الوَزْنِ والقَطْرِ والعَدْلِ، فلذلك جُمِع خبرُه، وهو في لفظ واحدٍ.\n\n<span id=\"aya-1855\"></span>وقوله: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾. يقولُ: قال الضيفُ لإبراهيمَ: لا تَوْجَلْ؛ لا تَخَفْ ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-1856\"></span><span data-type='title' id=toc-4885>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قال إبراهيم للملائكة الذين بشَّرُوه بغلامٍ عليم: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾. يقولُ: فبأَيِّ شيءٍ تُبَشِّرُونَ؟\nوكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءٌ، وحدَّثنى [المثنى، [قال: ثنا إسحاق] (^٣)، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾. قال: عجب مِن] (^٤)\n_________\n(^١) تقدم في ١٢/ ٤٦٦، ٤٧٠، ٤٧١ وما بعدهما.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عليهم\".\n(^٣) سقط من النسخ، وهو إسناد دائر.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"14","page":83},{"text":"[كبره وكبر امرأته (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ] (^٢)، عن مجاهدٍ مثله.\nوقال: ﴿عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾. ومعناه: لأن مسَّنى الكبرُ، وبأن مَسَّنِى الكبَرُ. وهو نحوُ قوله: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥]. بمعنى: بأن (^٣) لا أقول. ويمثِّلهُ في الكلام: أتيتُك أنك تُعْطِى، فلم أجدك تُعطى.\n\n<span id=\"aya-1857\"></span><span data-type='title' id=toc-4886>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: قال ضيفُ إبراهيم له (^٤): بشَّرناك بحقٍّ يقينٍ، وعِلْمٍ منَّا بأنَّ الله قد وهَب لك غلامًا عليمًا، فلا تكن من الذين يَقْنَطُون من فضل الله، فيأْيَسُون (^٥) منه، ولكن أبشر بما بشَّرناك به، واقْبَلِ البُشْرَى.\nواختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿مِنَ الْقَانِطِينَ﴾؛ فقرأته عامة قرأة الأمصار: ﴿مِنَ الْقَانِطِينَ﴾. بالألف. وذُكر عن يحيى بن وثّابٍ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (القَنِطِينَ) (^٦).\nوالصوابُ من القراءة في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصار؛ لإجماع الحجة على\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤١٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٢ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في ص، ت ١ ت ٢: \"ما\".\n(^٤) بعده في ت: \"ميسرا\"، ولعل صوابها: \"مبشرا\".\n(^٥) في م: \"فييأسون\".\n(^٦) وقرأ بها طلحة والأعمش ورويت عن أبي عمرو. ينظر البحر المحيط ٥/ ٤٥٩.","vol":"14","page":84},{"text":"ذلك، وشذوذ ما خالفه.\n\n<span id=\"aya-1858\"></span>وقولُه: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال إبراهيم للضيف: ومَن يأيسُ (^١) من رحمةِ اللَّهِ إلا القومُ الذين قد أخطئوا سبيل الصواب، وتركوا قَصْدَ السبيل في تركهم رجاءَ اللهِ، ولا يَخِيبُ مَن رَجاه، فضَلُّوا بذلك عن دينِ اللَّهِ.\nواختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ﴾؛ فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والكوفة: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ﴾. بفتح النون، إلا الأعمش والكسائيَّ، فإنهما كسرا النونَ مِن: (يَقْنِطُ) (^٢).\nفأما الذين فتحوا النونَ منه ممن ذكرنا، فإنهم قرءوا: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨]. بفَتْحِ القافِ والنون. وأما الأعمش فكان يَقْرَأُ ذلك: (من بعدِ ما قنطوا)، بكسر النون. وكان الكسائيُّ يَقْرؤُه بفتح النون. وكان أبو عمرو بنُ العلاء يَقْرَأُ الحرفىن جميعًا على النحو الذي ذكرنا من قراءة الكسائيِّ.\nوأولى القراءاتِ في ذلك بالصواب قراءةُ من قرأه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾. بفتح النون، (وَمَن يَقْنِطُ). بكسر النون، لإجماع الحجة من القرأة على فتحها في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾. فكسْرُها (^٣) في: (وَمَنْ يَقْنِطُ). أولى، إذ كان مجمعًا على فتحها في \"قنط\"؛ لأن \"فَعَل\" إذا كانت عينُ الفعل منها مفتوحةً، ولم تكن من الحروف الستة التي هي حروفُ الحلق، فإنها تكونُ في \"يفعل\" مكسورةً أو\n_________\n(^١) في م: \"ييأس\".\n(^٢) وبفتح النون قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة، وبكسر النون قرأ أيضًا أبو عمرو. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٦٧، والبحر المحيط ٥/ ٤٥٩.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بكسرها\".","vol":"14","page":85},{"text":"مضمومةٌ، فأما الفَتْحُ فلا يُعرَفُ [أتى ذلك في] (^١) كلام العرب.\n\n<span id=\"aya-1859\"></span><span data-type='title' id=toc-4887>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: قال إبراهيمُ للملائكة: فما شأنُكم، ما أمْرُكم أيُّها المرسلون؟\n\n<span id=\"aya-1860\"></span>قالت الملائكةُ له: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: إلى قومٍ قد اكتسبوا الكفر باللَّهِ،\n\n<span id=\"aya-1861\"></span>\n\n<span id=\"aya-1862\"></span>﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾. يقولُ: إلا تُبّاع لوطٍ على ما هو عليه من الدَّينِ، فإنا لن نُهْلِكَهم، بل نُنَجِّيهم من العذاب الذي أمرنا أن نُعذّبَ به (^٢) قومَ لوطٍ، سوى امرأة لوطٍ، ﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾. يقولُ: قضَى اللَّهُ فيها إنها لمن الباقين، ثم هي مُهْلَكةٌ بعدُ.\nوقد بيَّنا معنى (^٣) الغابرِ فىما مضى بشواهده (^٤).\n\n<span id=\"aya-1863\"></span>\n\n<span id=\"aya-1864\"></span><span data-type='title' id=toc-4888>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فلما أتى رسلُ اللَّهِ آلَ لوط، أنكرهم لوطٌ فلم يَعْرِفُهم، وقال لهم: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾. أي: نُنكِرُكم لا نَعْرِفُكم.\n\n<span id=\"aya-1865\"></span>فقالت له الرسلُ: بل نحن رسلُ الله، جئناك بما كان فيه قومُك يَشُكّون أنه نازلٌ بهم من عذابِ اللهِ على كفرهم به.\n_________\n(^١) في م: \"ذلك في\"، وفى ت ١ ت ٢: \"في ذلك من\"، وفى ف: \"في ذلك\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"من\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) تقدم في ١٠/ ٣٠٨.","vol":"14","page":86},{"text":"حدَّثني محمد بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾. قال: أنكرهم لوطٌ. وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾. قال: بعذاب قومِ لوطٍ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\n\n<span id=\"aya-1866\"></span><span data-type='title' id=toc-4889>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قالت الرسلُ للوطٍ: وجئناك بالحقِّ اليقين من عند الله، وذلك الحقُّ هو العذاب الذي عذَّب الله به قوم لوطٍ. وقد ذكرتُ خبَرَهم وقصصهم في سورة \"هودٍ\" وغيرها، حين بعث الله رسلَه ليُعَذِّبَهم به (^٢).\nوقولهم: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. يقولون: إنا لصادقون فيما أخبرناك به يا لوطُ، من أن اللَّهَ مُهْلِكُ قومِك،\n\n<span id=\"aya-1867\"></span>﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾. يقولُ تعالى ذكره مخبرًا عن رسله أنهم قالوا للوط: فأسْرِ بأهلك ببقية من الليل، واتَّبِعْ يا لوط أدبار أهلك الذين تَسْرِى بهم؛ كنْ (^٣) مِن ورائهم، وسِر خلفهم وهم أمامك، ولا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤١٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) تقدم في ١٢/ ٤٩٤ وما بعدها.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ف: \"تكن\".","vol":"14","page":87},{"text":"يَلْتَفِتْ منكم وراءه أحدٌ، وامضوا حيثُ يأمُرُكم الله.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4890>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، عن ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾: لا يَلْتَفِتْ وراءه أحدٌ، ولا يُعرِّج.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدُ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾: لا يَنظُرُ وراءه أحدٌ (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾. قال: أُمر أن يكون خلفَ أهْلِهِ، يَتَّبِعُ أدبارهم في آخرِهم إذا مشوا (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: بعض الليلِ، ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾: أدبار أهلِه.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤١٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٦٦.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٩ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":88},{"text":"<span id=\"aya-1868\"></span><span data-type='title' id=toc-4892>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وفرغنا إلى لوطٍ من ذلك الأمر، وأوحينا، ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ (^١). يقولُ: إن آخرَ قومك وأولهم مجذودٌ مُسْتَأْصَلٌ صباح ليلتهم.\nو﴿أَنَّ﴾ من قوله: ﴿أَنَّ دَابِر﴾. في موضع نصبٍ، ردًّا على الأمرِ بوقوع القضاء عليها، وقد يجوزُ أن تكون في موضع نصب بفقد الخافض، ويكونَ معناه: وقضينا إليه ذلك الأمر بأن دابر هؤلاء مقطوعٌ مُصبحين. وذُكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وقلنا إنَّ دابر هؤلاء مقطوعٌ مصبحين) (^٢).\nوغُنى بقوله: ﴿مُصْبِحِينَ﴾: إذا أصبحوا، أو: حين يُصبحون.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4891>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾: يَعْنى استئصال هلاكهم مصبحين (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قوله:\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"يقول إن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين\".\n(^٢) ينظر البحر المحيط ٥/ ٤٦١.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٣ إلى المصنف.","vol":"14","page":89},{"text":"﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾. قال: أوحينا إليه (^١).\n\n<span id=\"aya-1869\"></span>وقوله: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. يقولُ: وجاء أهلُ مدينة سَدُومَ، وهم قومُ لوطٍ، لما سمعوا أن ضيفًا قد ضاف لوطًا، مستبشرين بنزولهم مدينتهم؛ طمعًا منهم في ركوب الفاحشة.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾: استَبْشَروا بأضياف نبيِّ الله لوطٍ صلى الله عليه، حين نزلوا، لما أرادوا أن يأتُوا إليهم من المنكرِ (^١).\n\n<span id=\"aya-1870\"></span><span data-type='title' id=toc-4893>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال لوطٌ لقومه: إن هؤلاء الذين جئتُموهم تريدون منهم الفاحشةً ضَيْفى، وحقٌّ على الرجل إكرامُ ضيفه، فلا تَفْضَحونِ أَيُّها القومُ في ضيفى، وأكرمون في تركِكم التعرُّضَ لهم بالمكروه.\n\n<span id=\"aya-1871\"></span>وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: وخافوا الله فيَّ وفى أنفسكم، أن يَحِلَّ بكم عقابه، ﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾. يقولُ: ولا تُذِلُّون، ولا تُهينون فىهم، بالتعرُّض لهم بالمكروه،\n\n<span id=\"aya-1872\"></span>﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: قال للوطٍ قومُه: أو لم نَنْهَك أن تُضِيفَ أحدًا من العالمين.\n\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. قال: ألم ننهك أن تُضِيفَ أحدًا (^٢)؟\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":90},{"text":"<span id=\"aya-1873\"></span><span data-type='title' id=toc-4895>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال لوطٌ لقومه: تزوَّجوا النساء فائْتُوهن (^١)، ولا تَفْعَلُوا ما قد حرَّم الله عليكم مِن إتيانِ الرجالِ، إن كنتم فاعلين ما آمركم به، ومُنْتَهين إلى أمرى.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾: أمرهم نبيُّ الله لوطٌ أن يتزوَّجوا النساء، وأراد أن يقى أضيافه ببناته (^٢).\n\n<span id=\"aya-1874\"></span>وقولُه: ﴿لَعَمْرُكَ﴾. يقولُ تعالى لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وحياتك يا محمدُ، إن قومك من قريشٍ ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. يقول: لفى ضلالتهم وجهلهم يَتَرَدَّدون.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4894>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلم بنُ إبراهيم، قال: ثنا سعيدُ بن زيدٍ، قال: ثنا عمرُو بن مالكٍ، عن أبي الجوزاء (^٣)، عن ابن عباسٍ، قال: ما خلق الله وما ذرًا وما برأ نفسًا أكرم على الله من محمدٍ ﷺ، وما سمعتُ الله أقسم بحياة أحدٍ غيره، قال الله\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فائتوهم\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٢/ ٥٠٣.\n(^٣) بعده في ت ١: \"عن أبي مالك\".","vol":"14","page":91},{"text":"تعالى ذكره: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إسحاق الحضرميُّ، قال: ثنا الحسنُ بن أبى جعفرٍ، قال: ثنا عمرُو بن مالكٍ، عن أبي الجوزاءِ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. قال: ما حلَف الله تعالى بحياة أحدٍ إلا بحياة محمدٍ ﷺ، قال: وحياتك يا محمدُ وعَمْرِك وبقائك في الدنيا، ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: [وهى كلمةٌ من كلام العرب، ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾] (^٢) أي: في ضلالتهم، ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أَي: يَلْعَبون (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، قال: سأَلْتُ الأعمش عن قوله: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. قال: لفى غَفْلَتِهِم يَتَردَّدون (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾. قال: في ضلالتهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾. قال: يَلْعبون (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الحارث بن أبى أسامة في مسنده - كما في المطالب (٤٠٢٦) - وأبو نعيم في الدلائل (٢١)، والبيهقى في الدلائل ٥/ ٤٨٨ من طريق سعيد بن زيد به.\nوأخرجه أبو يعلى (٢٧٥٤)، وأبو نعيم في الدلائل (٢٢) من طريق عمرو بن مالك به مقتصرين على قوله: \"بحياتك\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٣ إلى ابن أبي شيبة والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٩ عن معمر به.","vol":"14","page":92},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿يَعْمَهُونَ﴾. قال: يَتَردَّدون (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾. يقولُ: لَعَيْشُك، ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. قال: يَتَمادَوْن (^٢).\nحدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يَكْرَهون أن يقول الرجلُ: لعَمْرِى. يرونه كقوله: وحياتى.\n\n<span id=\"aya-1875\"></span>وقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾. يقول تعالى ذكره: فأخذتهم صاعقةُ العذاب، وهي الصيحةُ. ﴿مُشْرِقِينَ﴾، يقول: إذ أشرقوا، ومعناه: إذ أشرقت الشمسُ. ونَصْبُ ﴿مُشْرِقِينَ﴾ و﴿مُصْبِحِينَ﴾ على الحال، بمعنى: إذ أصبحوا، وإذ أشْرَقوا، يقالُ منه: صيح بهم. إذا أهلكوا.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4896>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ (^٣): ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾. قال: حين أشرقت الشمسُ، ذلك ﴿مُشْرِقِينَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١/ ٣٢٤.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١/ ٣٢٣.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"عن مجاهد\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٣ إلى المصنف.","vol":"14","page":93},{"text":"<span id=\"aya-1876\"></span><span data-type='title' id=toc-4898>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: فجَعَلْنا عالى أرضهم سافلها، وأمطرنا عليهم حجارةً من طينٍ (^١).\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن عكرمة: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ أي: من طينٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1877\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. يقول: إن في الذي فعلنا بقوم لوطٍ من إهلاكهم، وأحلَلْنا بهم من العذاب، لعلاماتٍ ودَلالاتٍ للمُتَفَرِّسين المعتبرين بعلاماتِ اللهِ وعِبره، على عواقب أمور أهل معاصيه والكفر به. وإنما يعنى تعالى ذكره بذلك قوم نبيِّ الله ﷺ من قريشٍ، يقولُ: فلقومك يا محمدُ في قوم لوطٍ، وما حلَّ بهم من عذابِ اللَّهِ حين كذَّبوا رسولَهم، وتَمادَوا في غيِّهم وضلالهم - مُعتَبرٌ.\nوبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4897>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا يَعْلى بنُ عبيدٍ، قال: ثنا عبدُ الملك بنُ أبى سليمان، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. قال: للمُتَفَرِّسين.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن عبد الملك، وحدَّثنا الحسنُ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"سجيل\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٢/ ٥٢٦.","vol":"14","page":94},{"text":"الزَّعْفَرانيُّ، قال: ثنى محمدُ بنُ عُبَيدٍ، قال: ثنى عبدُ الملك، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. قال: للمُتَفَرِّسين.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ، قال: المتوسِّمين المتفرِّسين. قال: توسَّمتُ فيك الخيرَ نافلةً.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن عبد الملك بن أبى سليمان، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. قال: للمتَفَرِّسين (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةٌ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. يقولُ: للناظرين (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بن يزيدَ، عن جويبرٍ، عن الضحاك: لِلْمُتَوَسَمِينَ﴾. قال: للناظرين (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤١٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٣ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"المتفرسين\"، والأثر في تفسير سفيان ص ١٦٠.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٦١.","vol":"14","page":95},{"text":"لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أي: للمُعْتَبِرين (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قوله: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. قال: للمُعْتَبِرين (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنى حسنُ بنُ مالكٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، عن عمرو بن قيسٍ، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"اتَّقُوا فراسة المؤمنِ، فإنه يَنْظُرُ بنور الله\". ثم قال النبيُّ ﷺ: \" ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ (^٣) \".\nحدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ مولى بنى هاشمٍ، قال: ثنا عمرُو بن قيسٍ المُلائِيُّ، عن عطية، عن أبي سعيدٍ، عن رسول الله ﷺ بمثله.\nحدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطوسيُّ، قال: ثنا الحسنُ (^٤) بن محمدٍ، قال: ثنا الفُراتُ بنُ السائبِ، قال: ثنا ميمونُ بن مهران، عن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"اتَّقُوا فِرَاسةً المؤمن، فإن المؤمنَ يَنظُرُ بنور الله\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٥٠) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٩ عن معمر به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٤/ ٤٦١ - والطبرانى في الأوسط (٧٨٤٣)، والعقيلى في الضعفاء ٤/ ١٢٩، والخطيب في تاريخه ٣/ ١٩١، ٧/ ٢٤٢ من طريق محمد بن كثير به، وأخرجه البخارى في تاريخه ٧/ ٣٥٤، والترمذى (٣١٢٧) من طريق عمرو بن قيس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٣ إلى ابن مردويه وابن السنى وابن أبي نعيم، كلاهما في الطب.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الحسين\".\n(^٥) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٤/ ٩٤ من طريق فرات بن السائب، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٦١ عن المصنف.","vol":"14","page":96},{"text":"حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنى سعيدٌ بنُ محمدٍ الجرميُّ (^١)، قال: ثنا عبدُ الواحد بنُ واصلٍ، قال: ثنا أبو بشرٍ المُزلَّقُ، عن ثابت البنانيٍّ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"إِنَّ للهِ عبادًا يَعْرِفون الناسَ بالتَّوَسُّم\" (^٢).\nحدَّثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. قال: المتفكِّرون والمعتبِرون الذين يَتَوَسَّمون الأشياءَ، ويَتَفَكرون فيها ويَعْتَبِرون.\nحدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. يقول: للناظرين.\nحدَّثني أبو شرحبيلٍ الحمصيُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ سلمة، قال: ثنا المؤملُ بنُ سعيد بن يوسف الرحبيُّ، قال: ثنا أبو المعلَّى أسدُ بنُ وداعة الطائيُّ، قال: ثنا وهبُ بن منبِّهٍ، عن طاوس بن كيسان، عن ثَوْبانَ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"احْذَروا فِراسةَ المؤمن، فإنه يَنْظُرُ بنورِ اللَّهِ، ويَنْطِقُ (^٣) بتوفيقِ اللَّهِ\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-1878\"></span><span data-type='title' id=toc-4899>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وإن هذه المدينة - مدينةَ سَدُومَ - لبطريقٍ واضحٍ مقيمٍ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الجوينى\". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٤٥.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢٩٣٥) من طريق سعيد بن محمد الجرمى به، والبزار (٣٦٣٢) - كشف) من طريق سعيد، عن أبي بشر، بدون ذكر عبد الواحد بن واصل، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٦١ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٣ إلى الحكيم الترمذي وابن السنى وأبى نعيم. وينظر ميزان الاعتدال ١/ ٣٤٤.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ينظر\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٦١ عن المصنف.","vol":"14","page":97},{"text":"يراها المجتازُ بها، لا خَفَاءَ بها، ولا يَبْرَحُ (^١) مكانُها، فيَجْهَلَ ذو لُبٍّ أَمرَها، وغبَّ معصية الله والكفر به.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4900>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نميرٍ، عن ورقاء، وحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المُثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، وحدَّثنى محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾. قال: لبطريقٍ مَعْلَمٍ (^٢).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾. يقولُ: بطريقٍ واضحٍ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾. قال: طريق، السبيلُ الطريقُ.\nحدِّثت عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعت الضحاك يقولُ في قوله: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾. يقولُ: بطريقٍ مَعْلَمٍ (^٣).\n_________\n(^١) في ص: \"نترح\"، وفى ت ١: \"تبرح\"، وغير منقوطة في ت ٢.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤١٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٣ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٦٢.","vol":"14","page":98},{"text":"<span id=\"aya-1879\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن في صنيعِنا بقوم لوطٍ ما صنعنا بهم، لعلامةً ودَلالةً بينةً لمن آمن باللَّهِ، على انتقامِه مِن أهل الكفر به، وإنقاذه من عذابه - إذا نزل بقومٍ - أهل الإيمان به منهم.\nكما حدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن سماكٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: ﴿إِنّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾. قال: هو كالرجل يقول لأهله: علامةُ ما بينى وبينكم أن أُرسل إليكم خاتمى، أو آيةً كذا وكذا.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن سماكٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾. قال: أما تَرَى الرجل يُرْسِلُ بخاتمه إلى أهله فىقولُ: هاتوا كذا (^١)، هاتوا كذا (^٢). فإذا رأوه علموا أنه حقٌّ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1880\"></span><span data-type='title' id=toc-4901>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وقد كان أصحابُ الغَيْضَةِ ظالمين. يقولُ: كانوا باللَّهِ كافرين. والأيكةُ الشجرُ الملتفُّ المجتمعُ، كما قال أميةُ (^٤):\nكبُكا الحمام على فُرو … ع الأيْكِ في الغُصُنِ (^٥) الجوانح (^٦)\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) في ص: \"حدنى\"، وفى م ف: \"خذى\"، وفى ت:١ \"مديى\"، وفى ت ٢: \"خدنى\". والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٢) سقط من: ت ١، وفى م ف: \"خذى\"، وغير منقوطة في ص، ت ٢، والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٥٤ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٣ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٤) البيت في سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠ وليس في ديوانه.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الطين\".\n(^٦) الجوانح: الموائل. يقال: جنح. إذا مال. شرح غريب السيرة ٢/ ٧٧.","vol":"14","page":99},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4902>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيدِ، قال: ثنا عتّاب بنُ بشيرٍ، عن خُصيفٍ، قال في قوله: ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾. قال: الشجرُ (^١)، وكانوا يأكُلون في الصيف الفاكهة الرطبة، وفى الشتاء اليابسة (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾: ذُكر لنا أنهم كانوا أهلَ غَيْضةٍ، وكان عامَّةَ شجرهم هذا الدَّوْمُ (^٣)، وكان رسولهم فيما بلغنا شُعيبٌ ﷺ، أُرسِل إليهم وإلى أهل مدينَ، أُرسل إلى أمتين من الناس، وعُذِّبتا بعذابين شتَّى؛ أما أهلُ مدينَ، فأَخَذتْهم الصيحةُ، وأما أصحابُ الأيكة، فكانوا أهل (^٤) شجرٍ مُتَكاوس (^٥)، ذكر لنا أنه سُلِّط عليهم الحرُّ سبعةَ أيامٍ، لا يُظلُّهم منه ظلٌّ، ولا يمنعُهم منه شيءٌ، فبعث الله عليهم سحابةً، [فحلُّوا تحتها] (^٦) يَلْتَمِسون الرَّوحَ فيها، فجعلها الله عليهم عذابًا، بعث عليهم نارًا، فاضْطَرمت عليهم، فأكلتهم، فذلك عذابُ يوم الظلة، إنه كان عذاب يومٍ عظيمٍ (^٧).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"الشجرة\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٣ إلى المصنف.\n(^٣) الدوم: شجر عظام من الفصيلة النخيلية، يكثر في صعيد مصر وفى بلاد العرب، ويعرف بالمقل والأبلم، وثمرته في غلظ التفاحة ذات قشر صلب، أحمر وله نواة ضخمة ذات لب إسفنجى. الوسيط (د وم).\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أصحاب\".\n(^٥) متكاوس: ملتف متراكب. اللسان (ك) و(س).\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ف: \"فجعلوا\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وهو في تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨١١ (١٥٩٠٢) من طريق سعيد به إلى قوله: شجر متكاوس. وأخرجه أيضًا في ٩/ ٢٨١٥ (١٥٩٣١) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة وفيه زيادة.\nوقال ابن كثير في تفسيره ٦/ ١٦٨: والصحيح أنهم أمة واحدة، وُصفوا في كل مقام بشئ، ولهذا وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء الكيل والميزان، كما في قصة مدين سواء بسواء، فدل ذلك على أنهم أمة واحدة. وينظر البداية والنهاية ١/ ٤٣٨، ١٣٩.","vol":"14","page":100},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بن أبى حمادٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيدٍ بن جبيرٍ، قال: أصحابُ الأيكة أصحابُ غَيْضَةٍ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾. قال: قومٌ شعيبٍ. قال ابن عباسٍ: الأيكة ذاتُ آجامٍ وشجرٍ كانوا فيها (^٢).\nحُدِّثت عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾. قال: هم قومُ شعيبٍ، والأيكةُ الغَيْضَةُ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن سعيدٍ بن أبى هلالٍ، عن عمرو بن عبدِ اللهِ، عن قتادةَ أنه قال: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾: والأيكةُ الشجرُ الملتفُّ (^٤).\n\n<span id=\"aya-1881\"></span>وقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذكره: فانتَقَمنا من ظلمة أصحاب الأيكة.\nوقولُه: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: وإن مدينة أصحاب الأيكة، ومدينةَ\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨١٠ عقب الأثر (١٥٨٩٩) معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٤ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٣ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨١٠ (١٥٨٩٦) من طريق جويبر، عن الضحاك مقتصرًا على أوله.\n(^٤) سقط من النسخ، وأثبتنا نص الآية ليستقيم السياق.","vol":"14","page":101},{"text":"قوم لوط. والهاءُ والميمُ في قوله: ﴿وَإِنَّهُمَا﴾ مِن ذِكْرِ المدينتين. ﴿لَبِإِمَامٍ﴾. يقولُ: لبطريقٍ يَأْتُّمون به في سفرهم، ويَهْتَدون به، ﴿مُبِينٍ﴾. يقولُ: يَبين لمن ائتمَّ به استقامتُه. وإنما جُعل الطريق إمامًا؛ لأنه يُؤَمُّ ويُتَّبَعُ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-4903>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثنى معاوية، عن علي بن أبى طلحةً، عن ابن عباس قوله: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: على الطريق (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: طريقٍ ظاهرٍ (^٢).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله، عن وَرقاءَ، وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾. قال: بطريقٍ مَعْلَمٍ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٤ إلى المصنف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤١٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٤ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":102},{"text":"﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾. قال: طريقٍ واضحٍ (^١).\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾: بطريقٍ مُستبينٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1882\"></span><span data-type='title' id=toc-4904>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد كذَّب سكانُ الحجرِ. وجُعِلوا - لشُكْناهم فيها ومُقامِهم بها - أصحابَها، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤]. فجعَلهم أصحابَها؛ لسُكناهم فيها ومُقامِهم بها. والحِجْرُ: مدينةُ ثمودَ.\nوكان قتادةُ يقولُ في معنى الحِجْرِ ما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾. قال: أصحابُ الوادى (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونسُ، عن ابن شهابٍ وهو يَذْكُرُ الحِجْرَ مساكنَ ثمودَ، قال: قال سالمُ بنُ عبدِ اللهِ: إن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ قال: مرَرنا مع النبيِّ ﷺ على الحِجْرِ، فقال لنا رسولُ اللهِ ﷺ: \"لا تَدْخُلوا مساكنَ الذين ظلَموا أنفسَهم إلا أن تكونوا باكين، حَذَرًا أن يُصِيبَكم مثلُ ما\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٩ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٠ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":103},{"text":"أصابَهم\". ثم زجَر (^١) فأسْرَع حتى خلَّفَها (^٢).\nحدَّثنا زكريا بنُ يَحيى بن أبانٍ المصريُّ، قال: ثنا أبو يوسفَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ بن أبي عبادٍ المكيُّ، قال: ثنا داودُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن عبدِ اللهِ بن عثمانَ بن خثيمٍ، عن ابن سابطٍ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال وهو بالحِجْرِ: \"هؤلاء قومُ صالحٍ أهلَكهم اللهُ إلا رجلًا كان في حرَمِ اللَّهِ، منَعه حرَمُ اللَّهِ مِن عذابِ اللَّهِ\". قيل: يا رسولَ اللَّهِ مَن هو؟ قال: \"أبو رِغالٍ\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-1883\"></span>وقولُه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾. يقولُ: وأريناهم أدلتَنا وحُجَجَنا على حقيقةِ ما بعَثْنا به إليهم رسولَنا صالحًا، فكانوا عن آياتِنا التي آتيناهموها مُعْرِضين، لا يَعْتَبرون بها ولا يَتَّعِظون.\n\n<span id=\"aya-1884\"></span><span data-type='title' id=toc-4905>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وكان أصحابُ الحجرِ، وهم (^٤) ثمودُ قومُ صالحٍ، يَنْحِتون من الجبالِ بُيوتًا آمنين مِن عذابِ اللهِ، وقيل: آمنين مِن الخرابِ، أن تَخْرَب بيوتُهم التي نحَتوها مِن الجبالِ. وقيل: آمنين (^٥) مِن الموتِ.\n_________\n(^١) أي زجر البعير.\n(^٢) أخرجه الطحاوى في المشكل (٣٧٤٢) عن يونس به، وأخرجه مسلم (٣٩/ ٢٩٨٠)، وابن حبان (٦١٩٩) من طريق ابن وهب به، وأخرجه أحمد (٥٧٠٥)، والبخارى (٣٣٨١) من طريق يونس بن يزيد به، وأخرجه عبد الرزاق (١٦٢٤)، وأحمد (٥٣٤٢)، والبخارى (٣٣٨٠، ٤٤١٩)، والبغوى في تفسيره ٣/ ١٥٦، وفى شرح السنة (٤١٦٥)، والبيهقى في الدلائل ٢/ ٤٥١ من طريق معمر، عن الزهرى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٠/ ٢٩٦، ٢٩٧.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"هو\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ليس\".","vol":"14","page":104},{"text":"<span id=\"aya-1885\"></span>وقولُه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾. يقول: فأَخَذَتْهم صيحةُ الهلاكِ حين أصبَحوا. من اليومِ الرابعِ من اليومِ الذي وُعِدُوا العذابَ، وقيل لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥].\n\n<span id=\"aya-1886\"></span>وقولُه: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. يقولُ: فما دفَع (^١) عنهم عذابَ اللهِ ما كانوا يجترِحون من الأعمالِ الخبيثةِ قبلَ ذلك.\n\n<span id=\"aya-1887\"></span><span data-type='title' id=toc-4906>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِي (٨٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما خلَقنا الخلائقَ كلَّها، سماءَها وأرضَها، ما فيهما وما بينَهما. يعنى بقولِه: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: [وما بينَهما] (^٢) مما في أطباقِ ذلك. ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: إلا بالعدلِ والإنصافِ، لا بالظلمِ والجَوْرِ.\nوإنما يَعْنى تعالى ذكرُه بذلك أنه لم يَظْلِمُ أحدًا مِن الأممِ التي اقتَصَّ قَصَصَها في هذه السورةِ، وقَصَصَ إهلاكِه إياها، بما فعَل به مِن تعجيلِ النقمةِ له، على كفرِه به، فيعدِّ بَه ويُهْلِكَه بغيرِ استحقاقٍ؛ لأنه لم يَخْلُقِ السماواتِ والأرضَ وما بينَهما بالظلمِ والجَوْرِ، ولكنه خلَق ذلك بالحقِّ والعدلِ.\nوقولُه: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وإن الساعةَ، وهى الساعةُ التي تقومُ فيها القيامةُ، لجَائيةٌ، فارْضَ بها لمشركى (^٣) قومِك الذين كذَّبوك، وردُّوا عليك ما جئتَهم به من الحقِّ.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"رفع\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"بمشركى\".","vol":"14","page":105},{"text":"﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾. يقولُ: فأعرِضْ عنهم إعراضًا جميلًا، واعفُ عنهم عفوًا حسنًا.\n\n<span id=\"aya-1888\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّك هو الذي خلَقهم وخلَق كلَّ شيءٍ، وهو عالمٌ بهم وبتدبيرِهم، وما يَأْتون مِن الأفعالِ.\nوكان جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ تقولُ: هذه الآيةُ منسوخةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4907>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾: ثم نُسِخ ذلك بعدُ، فأمَره اللهُ تعالى ذكرُه بقتالِهم حتى يَشْهَدوا ألا إلهَ إلا اللهُ، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، لا يَقْبَلُ منهم غيرَه (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابن المباركِ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾، ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩]، و﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦]، و﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤]: وهذا النحوُ كلُّه في القرآنِ، أَمَرَ اللهُ به نبيَّه ﷺ أن يكونَ ذلك منه، حتى أمَره بالقتالِ، فنُسِخ ذلك كلُّه، فقال: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ (^١) [التوبة: ٥].\nحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾. قال: هذا قبلَ القتالِ (^٢).\n_________\n(^١) ذكره الطوسى في التبيان ٦/ ٣٥٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٤ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"14","page":106},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ، عن سفيانَ بن عيينةَ في قولِه: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾. وقولِه: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. قال: كان هذا قبلَ أن يَنْزِلَ الجهادُ، فلما أمِر بالجهادِ قاتَلهم، فقال: \"أنا نبيُّ الرحمةِ، ونبيُّ الملحمةِ، وبُعِثتُ بالحصادِ، ولم أُبْعَثْ بالزراعةِ\" (^١).\n\n<span id=\"aya-1889\"></span><span data-type='title' id=toc-4909>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في معنى السَّبْعِ الذي آتى اللهُ نبيَّه ﷺ مِن المثانى [وما هنَّ؟ وفى معنى المثانى] (^٢)؛ فقال بعضُهم: عَنَى بالسبعِ السبعَ السورِ مِن أوَّلِ القرآنِ اللواتى يُعْرَفن بالطُّوَلِ. وقائلو هذه المقالةِ مختلِفون في المثانى؛ فكان بعضُهم يقولُ: المثانى هي (^٣) هذه السبعُ، وإنما سُمِّين بذلك لأنهنَّ ثُنِّى فيهن الأمثالُ والخبرُ والعِبَرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4908>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن يونسَ، عن ابن سيرينَ، عن ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾. قال: السبعُ الطُّوَلُ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن سعيدٍ الجُرَيْريِّ، عن رجلٍ، عن ابن عمرَ، قال: السبعُ الطُّوَلُ (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ،\n_________\n(^١) أخرج نحو المرفوع منه ابن سعد ١/ ١٠٥ من طريق أبى حصين، عن مجاهد.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٥ إلى المصنف.\n(^٥) في ف: \"الطوال\". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٦٤.","vol":"14","page":107},{"text":"عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾. قال: السَّبْعُ الطُّوَلُ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبرَنا هُشيمٌ، عن الحجَّاجِ، عن الوليدِ بن العَيْزارِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: هنَّ السَّبْعُ الطُّوَلُ، ولم يُعْطَهن أحدٌ إلا النبيَّ ﷺ، وأُعطِىَ موسى منهن اثْنَتَيْن (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ البَطِينِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: أوتى النبيُّ ﷺ سبعًا مِن المثانى الطُّوَلِ، وأُوتى موسى ستًّا، فلما ألْقَى الألواحَ رُفِعت اثنتان وبَقيت أربعٌ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنَ محمدٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ عبدِ اللهِ بن جعفرٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ البطينِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن مسلمٍ البطينِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾. قال: البقرةُ، وآلُ عمرانَ، والنساءُ، والمائدةُ، والأنعامُ، والأعرافُ. قال إسرائيلُ: وذكَر السابعةَ فنَسِيتُها (^٤).\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ١٦١، ومن طريقه الطحاوى في المشكل ٣/ ٢٤٦، والطبرانى في الكبير (١١٠٣٨).\n(^٢) أخرجه البيهقى في الشعب (٢٣٥٧) من طريق عمرو بن عون به، وأخرجه أيضًا في (٢٤٢٣) من طريق يحيى بن عبد الحميد، عن هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٥ إلى الفريابى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٤٥٩)، والنسائى (٩١٤)، والطحاوى في المشكل ٣/ ٢٤٦، والحاكم ٢/ ٣٥٤، والبيهقى في الشعب (٢٤١٦) من طريق جرير به.\n(^٤) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٢٧٦)، والحاكم ٢/ ٣٥٥، والبيهقى في الشعب (٢٤١٧) من طريق إسرائيل به، وأخرجه الطحاوى في المشكل ٣/ ٢٤٧، والنسائى (٩١٥) من طريق أبى إسحاق به.","vol":"14","page":108},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾. قال: هي السبعُ (^١) الطُّوَلُ؛ البقرةُ، وآلُ عمرانَ، والنساءُ، والمائدةُ، والأنعامُ، والأعرافُ، ويونسُ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾. قال: البقرةُ، وآلُ عِمرانَ، والنساءُ، والمائدةُ، والأنعامُ، والأعرافُ، ويونسُ، فيهنَّ الفرائضُ والحدودُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ بنحوِه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن ابن أبي خالدٍ، عن خوَّاتٍ، عن سعيدِ بن جبيرِ، قال: السبعُ الطُّوَلُ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال أبو بشرٍ، أخبَرنا عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: هنَّ السبعُ الطُّوَلُ. قال: وقال مجاهدٌ: هن السَّبْعُ الطُّوَلُ. قال: ويقالُ: هنَّ القرآنُ العظيمُ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾. قال: البقرةُ، وآلُ عِمرانَ، والنساءُ،\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في الفضائل ص ١١٨، والبيهقى في الشعب (٢٤١٨) من طريق هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٥ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابن الضريس في فضائله (١٨١) من طريق جعفر أبى بشر به، بزيادة: عن ابن عباس في أوله.","vol":"14","page":109},{"text":"والمائدةُ، والأنعامُ، والأعرافُ، ويونسُ، تُثْنَى فيها الأحكامُ والفرائضُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدِ (^١) بن الصبَّاحِ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: هن السَّبْعُ الطُّوَلُ.\nحدثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾. قال: البقرةُ، وآلُ عِمرانَ، والنساءُ، والمائدةُ، والأنعامُ، والأعرافُ، ويونسُ. قال: قلت له (^٢): ما المثانى؟ قال: يُثْنَى فيهنَّ القضاءُ والقَصَصُ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن مسلمٍ البَطينِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾. قال: البقرةُ، وآلُ عِمرانَ، والنساءُ، والمائدةُ، والأنعامُ، والأعرافُ، [ويونسُ] (^٣).\nحدثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بن عثمانَ بن خُثَيمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: السَّبْعُ الطُّوَلُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ القرشيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بن عثمانَ بن خُثَيمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\n_________\n(^١) بعده في ص: \"قال حدثنا محمد\". وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٣١٠.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: ص.","vol":"14","page":110},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ البطينِ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعت لَيْثًا، عن مجاهدٍ، قال: هي السَّبْعُ الطُّوَلُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، [قال: حدَّثنا محمدُ] (^١) بنُ عبيدٍ (^٢)، قال: ثنا عبدُ الملكِ، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾. قال: هي السَّبْعُ الطُّوَلُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾. قال: مِن القرآنِ السَّبْعُ الطُّوَلُ، السبْعُ الأُوَلُ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ وابنُ نُمَيرٍ، عن عبدِ الملكِ، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ، قال: هنَّ السَّبْعُ الطُّوَلُ.\nحدَّثنا محمد بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن مَعمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: السَّبْعُ الطُّوَلُ.\n_________\n(^١) سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٣١٠، ١٨/ ٣٢٤.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"عبيد الله\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٥٤.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤١٨، ومن طريقه البيهقى في الشعب (٢٤١٩)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٥ إلى آدم بن أبى إياس وابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"14","page":111},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ بن عثمانَ بن خُثَيمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: هي الأمثالُ والخبَرُ والعِبَرُ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نميرٍ، عن إسماعيلَ، عن خوَّاتٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: هي السَّبْعُ الطُّوَلُ، أُعْطِى موسى ستًّا، وأُعْطِى محمدٌ ﷺ سبعًا.\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾: يعنى السَّبْعَ الطُّوَلَ (^٢).\nوقال آخرون: عنَى بذلك سبعَ آياتٍ، وقالوا: هن آياتُ فاتحةِ الكتابِ؛ لأنهنَّ سبعُ آياتٍ.\nوهم أيضًا مختلِفون في معنى المثانى؛ فقال بعضُهم: إنما سُمَّين مثانَى؛ لأنهنَّ يُثْنَيْنَ في كلِّ ركعةٍ مِن الصلاةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4910>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبَرنا ابن عُلَيةَ، عن سعيدٍ الجُرَيْريِّ، عن أبي نَضْرةَ، قال: قال رجلٌ منا يقالُ له: جابرٌ أو جُوَيبرٌ: طلَبتُ إلى عمرَ حاجةً في خلافتِه، فقَدِمتُ المدينةَ ليلًا، فمثَلْتُ بينَ أن أتَّخِذَ منزلًا وبينَ المسجدِ، فاخْتَرتُ المسجدَ منزلًا. فأرِقْتُ (^٣) نَشْوًا (^٤) مِن آخرِ الليلِ، فإذا إلى جنبى رجلٌ يُصَلِّي، يَقْرَأُ بأمِّ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الشعب (٢٤٢٢) من طريق محمد بن العلاء أبى كريب، عن يحيى بن يمان، عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٥ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٦٤.\n(^٣) في ص: \"فورقت\"، وفى ت ٢: \"فدرقت\"، وفى ف: \"فررقت\".\n(^٤) في ت ١: \"نسوا\".","vol":"14","page":112},{"text":"الكتابِ، ثم يُسَبِّحُ قدرَ السورةِ، ثم يَرْكَعُ ولا يَقْرَأُ. فلم أعرِفْه حتى جهَر، فإذا هو عُمرُ، فكانت في نفسى، فغدَوت عليه، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، حاجةٌ مع حاجةٍ. قال: هاتِ حاجتَك. قلت: إنى قدِمت ليلًا فَمَثَلْتُ بينَ أن أتخِذَ منزلًا وبينَ المسجدِ، فاخْتَرتُ المسجدَ، فأَرِقْتُ (^١) نَشْوًا (^٢) مِن آخِرِ الليلِ، فإذا إلى جنبى رجلٌ يَقْرَأُ بأمِّ الكتابِ، ثم يُسَبِّحُ قَدرَ السورةِ، ثم يَرْكَعُ ولا يَقْرَأُ، فلم أعرِفه حتى جهَر، فإذا هو أنت، وليس كذلك نَفْعَلُ قِبَلَنا. قال: وكيف تَفْعَلون؟ قال: يَقْرَأُ أَحدُنا أُمَّ الكتابِ، ثم يَفْتَتِحُ السورةَ فيَقْرَؤها. قال: ما لهم يعلَمون ولا يعمَلون، ما لهم يعلَمون ولا يعمَلون، ما لهم يعلَمون ولا يعمَلون؟ وما تَبْغِى عن السبعِ المثانى وعن التسبيحِ صلاةِ الخلقِ (^٣).\nحدَّثني طَليقُ (^٤) بنُ محمدٍ الواسطيُّ، قال: أخبَرنا يزيدُ، عن الجُرَيْريِّ، عن أبي نَضرةَ، عن جابرٍ أو جُويْبرٍ، عن عُمَرَ بنحوِه، إلا أنه قال: فقال: يَقْرَأُ القرآنَ ما تيسَّر أحيانًا، ويُسَبِّحُ أحيانًا - مالهم رغبةٌ عن فاتحةِ الكتابِ، وما يُبْتَغَى بعدَ المثانى، وصلاةُ الخلقِ التسبيحُ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يَحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّديِّ، عن عبدِ خيرٍ: عن عليٍّ، قال: السبعُ المثانى فاتحةُ الكتابِ (^٥).\nحدَّثنا نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، عن الحسنِ بن صالحٍ وسفيانَ، عن السديِّ، عن عبدِ خيرٍ، عن عليٍّ مثلَه.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فورقت\".\n(^٢) في ص: \"نسرا\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"نشرا\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في مسند الفاروق مختصرا بدون القصة ٢/ ٥٩٤ من طريق أبى نضرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٤ إلى المصنف وابن المنذر، وليس عندهما ذكر القصة.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"طلق\". وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٤٦٤.\n(^٥) تفسير سفيان ص ١٦١، ومن طريقه الطحاوى في المشكل ٣/ ٢٤٧، والبيهقى في الشعب (٢٣٥٣)، وأخرجه ابن الضريس في فضائله (١٥٤)، والدارقطنى، ١/ ٣١٣، والبيهقى ٢/ ٤٥ من طريق السدى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٤ إلى الفريابى وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"14","page":113},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن عبدِ خيرٍ، عن عليٍّ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، جميعًا عن سفيانَ، عن السديِّ، عن عبدِ خيرٍ، عن عليٍّ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا هشامٌ، عن ابن سيرينَ، قال: سُئل ابن مسعودٍ عن سبعٍ مِن المثانى، قال: فاتحةُ الكتابِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: أخبَرنا يونسُ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾. قال: فاتحةُ الكتابِ. قال: وقال ابن سيرينَ، عن ابن مسعودٍ: هي فاتحةُ الكتابِ (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن يونسَ، عن ابن سيرينَ، عن ابن مسعودٍ: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾. قال: فاتحةُ الكتابِ.\nحدَّثني سعيدُ بنُ يَحيى الأُمويُّ، قال: ثنى أبى، قال: ثنا ابن جريجٍ، قال: أخبرنا أبى، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه قال في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾. قال: هي فاتحةُ الكتابِ. فقرَأها عليَّ ستًّا، ثم قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الآيةُ السابعةُ. قال سعيدٌ: وقرَأها ابن عباسٍ عليَّ كما قرَأتُها (^٣) عليك، ثم قال: الآيةُ السابعةُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (١٥٣) من طريق ابن سيرين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٤ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٥ إلى المصنف.\n(^٣) في النسخ: \"قرأها\" والمثبت من مصادر التخريج.","vol":"14","page":114},{"text":"الرَّحِيمِ﴾. فقال ابن عباسٍ: قد أخرَجها اللهُ لكم، وما أخرَجها لأحدٍ قبلكم (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنى ابن جُريجٍ، أن أباه حدَّثه، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال لى ابن عباسٍ فاستَفتَح بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ثم قرَأ فاتحةَ الكتابِ، ثم قال: تَدْرى ما هؤلاء (^٢)؟ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾. يقولُ: السبعُ آياتٍ (^٣): ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ والقرآنُ العظيمُ. ويقالُ: هنَّ السبعُ الطُّوَلُ، وهن المِئون.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جريجٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: فاتحةُ الكتابِ.\nحدَّثني عِمْرانُ بنُ موسى القزازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُوَيدٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ وعن أبي فاختةَ في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾. قالا: هي أمُّ الكتابِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الشافعي (٢٢٢)، وعبد الرزاق في المصنف (٢٦٠٩) وفى تفسيره ١/ ٣٥٠، وأبو عبيد في الفضائل ص ١١٨، وابن المنذر في الأوسط (١٣٥١)، والطحاوى في المشكل (١٢١٠)، والحاكم ٢/ ٢٥٧، والبيهقى ٢/ ٤٤، ٤٧،٤٥، ٤٨، وفى الشعب (٢٣٢١)، وفى المعرفة (٦٩٩)، وابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ٢١٢ من طريق ابن جريج به، وأخرجه الطبراني في الكبير (١١٧٠٠) من طريق عكرمة عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٤، ١٠٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) في م: \"هذا\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه ابن الضريس في فضائله (١٤٧) من طريق عبد الوارث به.","vol":"14","page":115},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن السديِّ، عمَّن سمِع عليًّا يقولُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: هي السبعُ المثانى.\nحدَّثنا ابن (^١) المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ العلاءَ بنَ عبدِ الرحمنِ، يحدِّثُ عن أبيه، عن أبيِّ بن كعبٍ أنه قال: السبعُ المثانى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾. قال: فاتحةُ الكتابِ سبعُ آياتٍ. قلتُ للربيعِ: إنهم يقولون: السبعُ الطُّوَلُ. فقال: لقد أُنْزِلت هذه وما نزَل (^٣) من الطُّوَلِ شيءٌ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: فاتحةُ الكتابِ. قال: وإنما سمِّيت المثانىَ لأنه يُثْنَى بها، كلما قرَأ القرآنَ قرَأها. فقيل لأبى العاليةِ: إن الضحاكَ بنَ مُزاحِمٍ يقولُ: هي السبعُ الطُّوَلُ. فقال: لقد نزَلت هذه السورة ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ وما أنزِل شيءٌ من الطُّوَلِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبيه، عن سعيدٍ بن جبيرٍ، قال: فاتحةُ الكتابِ (^٥).\n_________\n(^١) في النسخ: \"أبو\". وهو إسناد دائر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٥ إلى المصنف.\n(^٣) في م: \"أنزل\".\n(^٤) أخرجه البيهقى في الشعب (٢٤٢٠) من طريق أبى جعفر الرازى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٥ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه ابن الضريس في فضائله (١٥٩) من طريق ابن جريج، عن أبيه، عن سعيد به.","vol":"14","page":116},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، و(^١) حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، جميعًا عن سفيانَ، عن الحسنِ [عبيدِ اللهِ] (^٢)، عن إبراهيمَ، قال: فاتحةُ الكتابِ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الحسنِ بن عبيدِ اللهِ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمَانٍ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، جميعًا عن هارونَ بن أبى إبراهيمَ البربريِّ، عن عبدِ اللهِ بن عُبيدِ بن عُميرٍ، قال: السبعُ مِن المثانى: فاتحةُ الكتابِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن ابن جريجٍ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾. قال: فاتحةُ الكتابِ. قال: وذِكْرُ فاتحةِ الكتابِ لنبيِّكم ﷺ، لم تُذْكَرْ لنبيٍّ قبلَه (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن لَيْثٍ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾. قال: فاتحةُ الكتابِ (^٥).\nحدَّثني [محمودُ بنُ خِداشٍ] (^٦)، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، قال: ثنا هارونُ البَرْبرِيُّ، عن عبدِ اللهِ بن عبيدِ بن عميرٍ الليثيِّ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾. قال: هي ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n_________\n(^١) في ص، ف: \"قال\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عبد\". وينظر تهذيب الكمال ٦/ ١٩٩.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٦٥.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٦٥.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٦٥.\n(^٦) في ص، ف: \"محمد بن حداس\"، وفى م: محمد بن أبى خداش\". والمثبت كما تقدم في ١/ ١٧٤. وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٢٩٨.","vol":"14","page":117},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سأَلتُ الحسنَ عن قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾. قال: هي فاتحةُ الكتابِ. ثم سُئل عنها وأنا أسمَع، فقرَأها ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حتى أتى على آخِرِها، فقال: تُثْنَى في كلِّ قراءةٍ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: فاتحةُ الكتابِ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: فاتحةُ الكتابِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾: ذُكِر لنا أنهن فاتحةُ الكتابِ، وأنهن يُثْنَين في كلِّ قراءةٍ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾. قال: فاتحةُ الكتابِ تُثْنَى في كلِّ ركعةٍ مكتوبةٍ وتطوُّعٍ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ وحجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبَرنى أبى، عن سعيدِ بن جبيرٍ، أنه أخبَره أنه سأَل ابنَ عباسٍ عن السبعِ المثانى، فقال: أمُّ القرآنِ. قال سعيدٌ: ثم قرَأها، وقرَأ منها: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال أبى: قرَأها سعيدٌ كما قرَأها ابن عباسٍ، وقرَأ فيها:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٥ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن الضريس في فضائله (١٥٥) من طريق منصور، عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه ابن الضريس في فضائله (١٥١) من طريق يزيد به.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٤٩، ٣٥٠ عن معمر به.","vol":"14","page":118},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال سعيدٌ: قلتُ لابنِ عباسٍ: فما المثانى؟ قال: هي أمُّ القرآنِ، استَثْناها اللهُ لمحمدٍ ﷺ، فرفَعها في أمِّ الكتابِ، فدَخَرها (^١) لهم حتى أخرَجها لهم، ولم يُعْطَها أحدٌ (^٢) قبلَه. قال: قلتُ لأبى: أخبَرك سعيدٌ أن ابنَ عباسٍ قال له: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيةٌ مِن القرآنِ؟ قال: نعم. قال ابن جريجٍ: قال (^٣) عطاءٌ: فاتحةُ الكتابِ، وهى سبعٌ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والمثانى القرآنُ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ أنه قال: السبعُ المثانى أمُّ القرآنِ (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنى يحيى بنُ واضِحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ العَتَكيُّ، عن خالدٍ الحنَفيِّ قاضى مَرْوَ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾. قال: فاتحةُ الكتابِ.\nوقال آخرون: عنَى بالسبعِ المثانى معانِىَ القرآنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4911>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن حبيبِ بن (^٦) الشهيدِ الشَّهيديُّ، قال: ثنا عتَّابُ بن بَشيرٍ، عن خُصَيفٍ، عن زيادِ بن أبى مريمَ في قولِه: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾. قال:\n_________\n(^١) في م: \"فذخرها\".\n(^٢) في م: \"لأحد\".\n(^٣) في ص، ف: \"وقال\".\n(^٤) أخرجه الضياء المقدسى في الأحاديث المختارة ١٠/ ٢٢٦ من طريق حماد بن زيد وحجاج به، وينظر ما تقدم في ص ١١٤، ١١٥.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٠ عن ابن جريج، عن عطاء.\n(^٦) سقط من: م.","vol":"14","page":119},{"text":"أعْطَيْتُك سبعةَ أجزاءٍ؛ مُرْ، وأنْهَ، وبَشِّرْ، وأنْذِرُ، وأضْرِبِ الأمثالَ، واعْدُدِ النعمَ، وآتَيْتك نَبَأَ القرآنِ (^١).\nوقال آخرون مِن الذين قالوا: عنَى بالسبعِ المثانى فاتحةَ الكتابِ: المثانى هو القرآنُ العظيمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4912>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عِمرانُ بنُ عيينةَ، عن حُصَينٍ، عن أبي مالكٍ، قال: القرآنُ كلُّه مثانى (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حُصَينٍ، عن أبي مالكٍ، قال: القرآنُ كلُّه مثانى.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عُبَيدٌ أبو زيدٍ، عن حُصَينٍ، عن أبي مالكٍ، قال: القرآنُ مثانى. وعَدَّ البقرةَ، وآلَ عمرانَ، والنساءَ، والمائدةَ، والأنعامَ، والأعرافَ، وبراءةَ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، وعن ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: القرآنُ كلُّه يُثْنَى (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: المثانى ما ثُنِى مِن القرآنِ، ألم تَسْمَعْ لقولِ (^٤) اللهِ تعالى\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الشعب (٢٤٢١) من طريق عتاب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٥ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٥ إلى المصنف وابن أبي شيبة، وابن المنذر.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٠ فيه معمر عن ابن أبي نجيح.\n(^٤) في ص، ف: \"بقول\".","vol":"14","page":120},{"text":"ذكرُه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (^١) [الزمر: ٢٣].\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ: المثانى القرآنُ، يَذْكُرُ اللهُ القصةَ الواحدةَ مِرارًا، وهو قولُه: ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (^٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عنَى بالسبعِ المثانى (^٣) السبعَ اللواتى هنَّ آياتُ أمِّ الكتابِ؛ لصحةِ الخبرِ بذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ الذي حدَّثنيه يزيدُ بنُ مَخْلَدِ بن خِدَاشٍ الواسطيُّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن عبدِ الرحمنِ بن إسحاقَ، عن العلاءِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أمُّ القرآنِ السبعُ المثانى التي أُعْطِيتُها\" (^٤).\nحدَّثني أحمدُ بنُ المِقدامِ العِجْليُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ القاسمِ، [عن العلاءِ] (^٥)، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال لأُبَيٍّ: \"إنى أُحِبُّ أَن أُعَلِّمَك سورةً لم ينزِلْ في التوراةِ، ولا في الإنجيلِ، ولا في الزبورِ، ولا في الفرقانِ مثلُها\". قال: نعم يا رسولَ اللهِ. قال: إنى لأرْجُو ألا تَخْرُجَ مِن هذا البابِ حتى تَعْلَمَها. ثم أخَذ رسولُ اللهِ ﷺ بيدى يُحَدِّثُنى، فجعَلتُ أتَباطَأُ (^٦) مخافةَ أن يَبْلُغَ البابَ قبلَ أن يَنْقضىَ الحديثُ، فلما دنَوتُ قلْتُ: يا رسولَ اللهِ، ما السورةُ التي وعَدْتَنى؟ قال: \"ما تَقْرَأُ في الصلاةِ؟ \". فقرَأتُ عليه أمَّ القرآنِ، فقال: \"والذي\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٥ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٥ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"الآيات\".\n(^٤) أخرجه أبو يعلى (٦٥٣١) من طريق خالد بن عبد الله الواسطى به.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٦) في ص، ف: \"أتباطأه\".","vol":"14","page":121},{"text":"نفسى بيَدِه ما أُنْزِل في التوراةِ، ولا في الإنجيلِ، ولا في الزَّبورِ، ولا في الفرقانِ مثلُها، إنها السَّبْعُ مِن المثانى والقرآنُ العظيمُ الذي أُعْطِيتُه\" (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ العُكْليُّ، قال: ثنا مالكُ بنُ أنسٍ، قال: أخبرني العلاءُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن يعقوبَ مولَى الحُرَقةِ (^٢)، عن أبي سعيدٍ مولى عامرِ بن فلانٍ، أو ابن فلانٍ، عن أبيِّ بن كعبٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال له: \"إذا افتَتحتَ الصلاةَ بم تَفْتَتِحُ؟ \". قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. حتى ختَمها، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"هي السبعُ المثانى، والقرآنُ العظيمُ الذي أُعطِيتُ\" (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عبدِ الحميدِ بن جعفرٍ، عن العلاءِ بن عبدِ الرحمنِ بن يعقوبَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن أُبَيٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ألا أُعَلِّمُك سورةً ما أُنْزِل في التوراةِ، ولا في الإنجيلِ، ولا في الزَّبورِ، ولا في القرآنِ (^٤) \"مثلُها\". قلتُ: بلى. قال: \"إنى لأرْجُو ألا تَخْرُجَ مِن ذلك البابِ حتى تَعْلَمَها\". فقام رسولُ اللهِ ﷺ وقمْتُ معه، فجعَل يُحَدِّثُنى ويدى في يدِه، فجعَلتُ أتباطَأُ كراهيةَ أن يَخْرُجَ قبلَ أن يُخبِرَنى بها، فلما قَرُب مِن البابِ قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، السورةَ التي وعَدْتَنى. قال: \"كيف تَقْرَأُ إِذا افتَتَحْتَ الصلاةَ؟ \". قال: فقرَأتُ (^٥) فاتحةَ الكتابِ. قال: \"هي هي، وهى السَّبْعُ المثانى التي قال اللهُ تعالى:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١١/ ١٠٦.\n(^٢) في م: \"لعروة\". وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ١٨.\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٨٣، ومن طريقه أبو عبيد في الفضائل ص ١١٧، والحاكم ١/ ٥٥٧، والبيهقى في القراءة خلف الإمام (١٠٧).\n(^٤) في م: \"الفرقان\".\n(^٥) في ص، م: \"فقرأ\".","vol":"14","page":122},{"text":"﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ والقرآنُ العظيم الذي أُوتِيتُ\" (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن إبراهيمَ بن الفضلِ المدنِّى، عن سعيدٍ المَقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"الركعتان اللتان لا يُقْرَأُ فيهما كالخِدَاجِ لم يَتِمَّا\" (^٢). قال رجلٌ: أرَأَيتَ إن لم يكنْ معى إلا أمُّ القرآنِ؟ قال: \"هي حَسْبُك، هي أمُّ القُرآنِ، هي السبعُ المثانى\".\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن نميرٍ، عن إبراهيمَ بن الفضلِ، عن المَقْبُريِّ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"الركعةُ التي لا يُقْرَأُ فيها كالخِداجِ\". قلتُ لأبى هريرةَ: فإنْ لم يَكُنْ معى إلا أمُّ القرآنِ؟ قال: هي حسبُك، هي أمُّ الكتابِ، وأمُّ القرآنِ، والسبعُ المثانى.\nحدَّثني أبو كريبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، عن محمدِ بن جعفرٍ، عن العلاءِ بن عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"والذي نفسى بيدِه، ما أُنْزِل (^٣) في التوراةِ، ولا في الإنجيلِ، ولا في الزَّبورِ، ولا في القرآنِ (^٤) مثلُها\" يعنى أمَّ القرآنِ \"وإنها لهى السبعُ المثانى التي (^٥) آتانى اللهُ تعالى\" (^٦).\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَنى ابن أبى\n_________\n(^١) أخرجه الدارمى ٢/ ٤٤٦، والحاكم ١/ ٥٥٧، والبيهقى في الشعب (٢٣٤٨)، وفى القراءة خلف الإمام (١٠٣)، وابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ٢١٩ من طرق عن أبي أسامة به، وأخرجه أحمد (٨٦٨٢)، والترمذى (٣١٢٥)، وأبو يعلى (٦٤٨٢)، والطحاوى في المشكل (١٢٠٩)، والبغوى في شرح السنة (١١٨٦) من طرق عن إسماعيل بن جعفر به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يتم\".\n(^٣) بعده في م: \"الله\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢: \"الفرقان\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الذي\".\n(^٦) تقدم تخريجه في ١١/ ١٠٧.","vol":"14","page":123},{"text":"ذئبٍ، عن سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ، قال: \"هي أمُّ القرآنِ، وهى فاتحةُ الكتابِ، وهى السبعُ المثانى\" (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ وشبابةُ، قالا: أخبرَنا ابن أبى ذئبٍ، عن المَقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ في فاتحةِ الكتابِ، قال: \"هي فاتحةُ الكتابِ، وهى السَّبْعُ المثانى، والقرآنُ العظيمُ\" (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا العلاءُ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: مَرَّ رسولُ اللهِ ﷺ على أُبيِّ بن كعبٍ فقال: \"أتُحِبُّ أن أعَلِّمَك سورةً لم يَنْزِلَ في التوراةِ، ولا في الإنجيلِ، ولا في الزَّبورِ، ولا في الفرقانِ مثلُها؟ \" قلتُ: نعم يا رسولَ اللَّهِ. قال: \"فكيف تَقرأُ في الصلاةِ؟ \". فقرَأتُ عليه أمَّ الكتابِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"والذي نفسى بيدِه ما أُنزلت سورةٌ في التوراةِ، ولا في الإنجيلِ، ولا في الزَّبورِ، ولا في الفرقانِ (^٣) مثلُها، وإنها السبعُ المثانى والقرآنُ العظيمُ\" (^٤).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا [شعبةُ، عن خُبَيبٍ] (^٥)، عن حفصِ بن عاصمٍ، عن أبي سعيدِ بن المعلَّى، أن النبيَّ ﷺ دعاه وهو يُصَلِّى، فصلَّى ثم أتاه فقال: \"ما منَعك أن تُجيبَنى؟ \" قال: إنى كنتُ أصلِّى. قال: \"ألم يَقُلِ اللَّهُ:\n_________\n(^١) أخرجه الدارمى ٢/ ٤٤٦، وأحمد (٩٧٨٨، ٩٧٩٠)، والبخارى (٤٧٠٤)، وأبو داود (١٤٥٧)، والترمذى (٣١٢٤)، والطحاوى في المشكل (١٢١٠)، والبيهقى ٢/ ٣٧٦، والبغوى في شرح السنة (١١٨٧) من طرق عن ابن أبي ذئب به.\n(^٢) أخرجه أحمد (٩٧٨٨) عن يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب به.\n(^٣) في ص، ف: \"القرآن\".\n(^٤) أخرجه أحمد (٩٣٤٥) عن عفان به.\n(^٥) في ص: \"سعد بن حبيب\"، وفى م، ف: \"سعيد بن حبيب\". والمثبت من مصادر التخريج.","vol":"14","page":124},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ \" [الأنفال: ٢٤]. قال: ثم قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لأُعَلِّمَنَّك أعظمَ سورةٍ في القرآنِ\". فكأنه بيَّنَها أو نسِىَ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، الذي قلتَ؟ قال: \" ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبعُ المثانى، والقرآنُ العظيمُ الذي أوتِيتُه\" (^١).\nفإذ كان الصحيحُ مِن التأويلِ في ذلك ما قلنا، للذى به استَشْهَدنا، فالواجبُ أن تكونَ المثانى مرادًا بها القرآنُ كلُّه، فيكونُ معنى الكلامِ: ولقد آتَيْناك سبعَ آياتٍ، مما يَثْنِى بعضُ آيِه بعضًا. وإذا كان ذلك كذلك، كانت المثانى جمعَ مَثْناةٍ، وتكونُ آىُ القرآنِ موصوفةً بذلك؛ لأن بعضَها يَثْنِى بعضًا، وبعضَها يَتْلو بعضًا (^٢)، بفصولٍ تَفْصِلُ بينَها، فيُعْرَفُ انقضاءُ الآيةِ وابتداءُ التي تليها، كما وصَفها به تعالى ذكرُه فقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣].\nوقد يجوزُ أن يكونَ معناها كما قال ابن عباسٍ والضحاكُ ومن قال ذلك، أن القرآنَ إنما قيل له: مَثَانى. لأن القَصَصَ والأخبارَ كُرِّرت فيه مرَّةً بعدَ أُخرى. وقد ذكَرنا قولَ الحسنِ البصريِّ قبلُ (^٣)، أنها إنما سمِّيت مَثانَى؛ لأنها تُثْنَى في كلِّ قراءةٍ. وقولَ ابن عباس: إنها إنما سمِّيت مَثانَى؛ لأن الله تعالى ذكرُه استثْناها لمحمدٍ ﷺ دونَ سائرِ الأنبياءِ غيرِه، فدخَرها (^٤) له.\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوى في المشكل (١٢٠٧) من طريق وهب بن جرير به.\nوأخرجه الطيالسى (١٣٦٢)، وأحمد (١٥٧٣٠، ١٧٨٥١)، والبخارى (٤٤٧٤، ٤٦٤٧، ٤٧٠٣، ٥٠٠٦)، وأبو داود (١٤٥٨)، والنسائى (٩١٢)، وابن ماجه (٣٧٨٥)، وابن حبان (٧٧٧)، وغيرهم من طرق عن شعبة به.\n(^٢) في ف: \"بعضها\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"فادخرها\".","vol":"14","page":125},{"text":"وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يَزْعُمُ أنها سمِّيت مَثانَى؛ لأن فيها ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مرَّتين، وأنها تُثْنَى في كلِّ سورةٍ، يعنى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nوأما القولُ الذي اخْتَرناه في تأويلِ ذلك، فهو أحدُ أقوالِ ابن عباسٍ، وهو قولُ طاوسٍ، ومجاهدٍ، وأبى (^١) مالكٍ، وقد ذكَرنا ذلك قبلُ.\nوأما قولُه: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾. فإن \"القرآنَ\" معطوفٌ على \"السبعِ\"، بمعنى: ولقد آتَيْناك سبعَ آياتٍ مِن القرآنِ، وغيرَ ذلك مِن سائرِ القرآنِ. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾. قال: سائرَه (^٢). يعنى سائرَ القرآنِ، مع السبعِ مِن المثانى.\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾: يعنى الكتابَ كلَّه.\n\n<span id=\"aya-1890\"></span><span data-type='title' id=toc-4913>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه (^٣) ﷺ: لا تَتَمَنَّينَّ يا محمدُ ما جعَلنا مِن زينةِ هذه الدنيا متاعًا للأغنياءِ مِن قومِك الذين لا يُؤْمِنون باللهِ واليومِ الآخرِ، يَتَمَتَّعون فيها، فإن مِنْ ورائِهم عذابًا غليظًا، ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: ولا تَحْزَنْ على ما مُتِّعوا به،\n_________\n(^١) في ص، ف: \"ابن\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤١٨.\n(^٣) بعده في م: \"محمد\".","vol":"14","page":126},{"text":"فعُجِّل لهم، فإن لك في الآخرةِ ما هو خيرٌ منه، مع الذي قد عَجَّلنا لك في الدنيا مِن الكرامةِ، بإعطائِناك (^١) السبعَ من (^٢) المثانى، والقرآنَ العظيمَ. يقالُ منه: مَدَّ فلانٌ عينَه إلى مالِ فلانٍ. إذا اشتَهاه وتمنَّاه وأراده.\nوذُكِر لى (^٢) عن ابن عُيَيْنةَ أنه كان يَتَأَوَّلُ هذه الآيةَ قولَ النبيِّ ﷺ: \"ليس منَّا مَن لم يَتَغَنَّ بالقرآنِ\" (^٣). أي: مَن لم يَسْتَغْنِ به (^٤). ويقولُ: ألا تراه يقولُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾. فأمَره بالاستغناءِ بالقرآنِ عن المالِ. قال: ومنه قولُه (^٥) الآخرُ: \"مَن أُوتى القرآنَ فرأى أنَّ أحدًا أُعْطِىَ أفضل مما أُعْطِىَ، فقد عظَّم صغيرًا، وصغَّر عظيمًا (^٦) \".\nوبنحوِ الذي قلْنا في قولِه: ﴿أَزْوَاجًا﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4914>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا\n_________\n(^١) في م: \"بإعطائنا\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه الحميدى (٧٦)، وعبد الرزاق ٢/ ٤٨٣، وابن أبي شيبة ١٠/ ٤٦٤، وأحمد (١٥٤٩)، والدارمى ١/ ٣٤٩، وأبو داود (١٤٧٠)، والبزار (١٢٣٤)، وأبو يعلى (٧٤٨)، والحاكم ١/ ٥٦٩، والبيهقى ١٠/ ٢٣٠، من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن أبى نهيك، عن سعد بن أبى وقاص. وينظر مسند الطيالسى (١٩٨).\n(^٤) قال ابن كثير في تفسيره: وهو تفسير صحيح، ولكن ليس هو المقصود من الحديث. وينظر الفتح ٨/ ٦٨ وما بعدها.\n(^٥) في النسخ: \"قول\". والمثبت صواب السياق.\n(^٦) أخرجه ابن نصر في قيام الليل ص ٧٢، والطبرانى - كما في المجمع ٧/ ١٥٩ - من حديث عبد الله بن عمرو، مرفوعا وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٧٩٩) من حديث ابن عمرو، موقوفا. وأخرجه الخطيب ٩/ ٣٩٦ من حديث ابن عمر مرفوعًا. وعندهم إسماعيل بن رافع، وهو ضعيف. وينظر فضائل القرآن لأبى عبيد ص ٥٣، ومعالم السنن ١/ ٢٩٢.","vol":"14","page":127},{"text":"مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾: الأغنياءَ، الأمثالُ: الأشباهُ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾. قال: نُهِى الرجلُ أن يَتَمَنَّى مالَ صاحبِه (^٢).\nوقولُه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وألِنْ لمن آمَن بك، واتَّبعك، واتَّبع كلامَك، وقَرَّبْهم منك، ولا تَحِدَّ (^٣) بهم، ولا تغلُظْ عليهم. يأمرُه تعالى ذكرُه بالرفْقِ بالمؤمنين. والجناحان مِن بنى آدمَ جنباه، والجناحان الناحيتان، ومنه قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه: ٢٢]. قيل: إن (^٤) معناه: إلى ناحيتِك وجَنْبِك.\n\n<span id=\"aya-1891\"></span>\n\n<span id=\"aya-1892\"></span>\n\n<span id=\"aya-1893\"></span><span data-type='title' id=toc-4915>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وقُلْ يا محمدُ للمشركين: إنى أنا النذيرُ الذي قد أبان إنذارَه لكم مِن البلاءِ والعقابِ، أن يَنْزِلَ بكم مِن اللهِ، على تماديكم في غيِّكم، ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾. يقولُ: مثلَ الذي أَنْزَل اللهُ تعالى مِن البلاءِ والعقابِ، على الذين اقْتَسَموا القرآنَ فجعَلوه عِضِين.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤١٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م: \"تجف\". وحدَّ يحِدّ حددًا: غضب. اللسان (ح د د).\n(^٤) سقط من: م.","vol":"14","page":128},{"text":"ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بقولهِ: ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى به اليهودُ والنصارى. وقال: كان اقتسامُهم أنهم اقْتَسَموا القرآنَ وعَضَّوه، فآمَنوا ببعضِه وكفَروا ببعضِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4916>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عيسى بنُ عثمانَ الرمليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن أبى ظَبْيانَ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى، آمَنوا ببعضٍ وكفَروا ببعضٍ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ، جزَّءوه، فجعَلوه أعضاءً أعضاءً، فآمَنوا ببعضِه وكفَروا ببعضِه (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبى ظَيْبانَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾. قال: الذين آمَنوا ببعضٍ وكفَروا ببعضٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٤٧٠٦)، والحاكم (٢/ ٣٥٥) من طريق الأعمش به.\n(^٢) أخرجه البخارى (٤٧٠٥) عن يعقوب بن إبراهيم - وحده - به، وأخرجه أيضًا (٣٩٤٥) من طريق هشيم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٦ إلى سعيد بن منصور والفريابى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) تفسير سفيان ص ١٦١.","vol":"14","page":129},{"text":"ظَبْيانَ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾: أهلُ الكتابِ، ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾. قال: يُؤمِنون ببعضٍ ويَكْفُرون ببعضٍ.\nحدَّثني مطرُ بنُ محمدٍ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه قال في قولِه: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، أنه قال في هذه الآية: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ، آمَنوا ببعضِه وكفَروا ببعضِه.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ، جزَّءوه، فجعَلوه أعضاءً، فآمَنوا ببعضِه وكفَروا ببعضِه (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: جزَّءوه، فجعَلوه أعضاءً كأعضاءِ الجَزُورِ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن منصورٍ، عن الحسنِ، قال: هم أهلُ الكتابِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارَى من أهلِ الكتابِ، قَسَّموا الكتابَ فجعَلوه أعضاءً. يقولُ: أحزابًا، فآمَنوا ببعضٍ وكفَروا ببعضٍ.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٤/ ٤٦٧ - معلقا.","vol":"14","page":130},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾: آمَنوا ببعضٍ وكفَروا ببعضٍ، وفرَّقوا الكتابَ.\nوقال آخرون: المقتسمون أهلُ الكتابِ، ولكنهم سُمُّوا المقتسمين؛ لأن بعضَهم قال استهزاءً بالقرآنِ: هذه السورةُ لى. وقال بعضُهم: هذه لى.\n\n<span data-type='title' id=toc-4917>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾. قال: كانوا يَسْتَهزئون؛ يقولُ هذا لى سورةُ \"البقرةِ\". ويقولُ هذا: لى سورةُ \"آلِ عمرانَ\".\nوقال آخرون: هم أهلُ الكتابِ، ولكنهم قيل لهم: المقتسمون؛ لاقتسامِهم كتُبَهم، وتفريقِهم ذلك بإيمانِ بعضِهم ببعضِها، وكفرٍ (^١) ببعضٍ، وكفرِ آخرين بما آمَن به غيرُهم، وإيمانِهم بما كفَر به الآخرون.\n\n<span data-type='title' id=toc-4918>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى، قسَّموا كتابَهم، ففرَّقوه وجعَلوه أعضاءً.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنى الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ،\n_________\n(^١) في م: \"كفره\".","vol":"14","page":131},{"text":"قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾. قال: أهلُ الكتابِ، فرَّقوه وبدَّدوه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾. قال: أهلُ الكتابِ.\nوقال آخرون: عُنِى بذلك رهطٌ مِن كفارِ قريشٍ بأعيانِهم.\n<span data-type='title' id=toc-4919>[ذكرُ مَن قال ذلك]</span> (^٢)\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾: رهطٌ خمسةٌ من قريشٍ، عَضَّوا (^٣) كتابَ اللهِ (^٤).\nوقال آخرون: عُنِى بذلك رهطٌ (^٥) من قومِ صالحٍ، الذين تَقَاسموا على تبييتِ صالحٍ وأهلِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4920>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾. قال: الذين تقاسَموا بصالحٍ. وقرَأ قولَ اللهِ تعالى:\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"بدلوه\".\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٤١٩.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص، م، ت ٢، ف: \"عضهوا\".\n(^٤) ذكره الطوسى في التبيان ٦/ ٣٥٤.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"14","page":132},{"text":"﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا (^١) تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النمل: ٤٨، ٤٩]. [حتى بلَغ] (^٢) الآيةَ.\nوقال بعضُهم: هم قومٌ اقتَسَموا طُرُقَ مكةَ أيامَ قدومِ الحاجِّ عليهم، كان أهلُها بعَثوهم في عِقابِها (^٣)، وتقدَّموا إلى بعضِهم أن يُشِيعَ في الناحيةِ التي توجَّه إليها لمن قد (^٤) سأَله عن نبيَّ اللَّهِ ﷺ مِن القادمين عليهم، أن يقولَ: هو مجنونٌ. وإلى آخرَ: إنه شاعرٌ. وإلى بعضِهم: إنه ساحرٌ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يُقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه أمَر نبيَّه ﷺ أن يُعْلِمَ قومَه الذين عَضَّوُا القرآنَ ففرَّقوه، أنه نذيرٌ لهم مِن سَخَطِ اللَّهِ تعالى وعُقوبتِه؛ أن يَحُلَّ بهم على كفرِهم ربَّهم، وتكذيبِهم نبيَّهم، ما حلَّ بالمُقْتَسِمين مِن قبلِهم ومنهم.\nوجائزٌ أن يكونَ عُنِى بالمُقْتَسِمين أهلُ الكتابين؛ التوراةِ والإنجيلِ؛ لأنهم اقْتَسَموا كتابَ اللَّهِ، فأقرَّت اليهودُ ببعضِ التوراةِ، وكذَّبت ببعضِها، وكذَّبت بالإنجيلِ والفرقانِ، وأقرَّت النصارى ببعضِ الإنجيلِ، وكذَّبت ببعضِه وبالفرقانِ.\nوجائزٌ أن يكونَ عُنِىَ بذلك المشركون مِن قريشٍ؛ لأنهم اقْتَسموا القرآنَ، فسمَاه بعضُهم شعرًا، وبعضٌ كَهانةً، وبعضٌ أساطيرَ الأوّلين.\nوجائزٌ أن يكونَ عُنِى به الفريقان.\nوممكنٌ أن يَكُونَ عُنِىَ به المُقْتَسِمون على صالحٍ مِن قومِه.\n_________\n(^١) في م: \"قال\".\n(^٢) في ت ١: \"لنبيتنه وأهله\". ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٦٧.\n(^٣) العقَبة: طريق في الجبل وعرٌ، والجمع: عَقَب وعِقاب. اللسان (ع ق ب).\n(^٤) سقط من: م، وفى ص، ت ٢، ف: \"عر\".","vol":"14","page":133},{"text":"فإذ لم يكنْ في التنزيلِ دلالةٌ على أنه عُنِى به أحدُ الفرقِ الثلاثةِ دون الآخرَين، ولا في خبرٍ عن الرسولِ ﷺ، ولا في فطرةِ عقلٍ، وكان ظاهرُ الآيةِ مُحْتَمِلًا ما وصفْتُ - وجَب أن يكونَ مَقْضِيًّا بأنّ كلَّ مَن اقْتَسم [كتابًا للَّهِ] (^١)، بتكذيبِ بعضٍ وتصديقِ بعضٍ، واقْتَسَم على معصيةٍ للَّهِ (^٢)، ممن حلَّ به عاجلُ نقمةِ اللَّهِ في الدارِ الدنيا قبل (^٣) نزولِ هذه الآيةِ، فداخلٌ في ذلك؛ لأنهم لأشكالِهم مِن أهلِ الكفرِ باللَّهِ كانوا عِبْرةً، وللمتعظين بهم منهم عِظَةً.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: الذين جعَلوا القرآنَ فِرَقًا مُفْتَرِقةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-4921>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾. قال: فرَقًا (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: جزَّءوه فجعَلوه أعضاءً، فآمنوا ببعضِه وكفروا ببعضِه (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن\n_________\n(^١) في ت ٢: \"كتاب اللَّهُ\".\n(^٢) في م: \"اللَّهُ\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"مثل\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٦ إلى المصنف.\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ١٢٩.","vol":"14","page":134},{"text":"الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: جزَّءوه فجعَلوه أعضاءً كأعضاءِ (^١) الجزورِ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا طلحةُ، عن عطاءٍ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾. قال: المشركون مِن قريشٍ، عَضَّوُا القرآن فجعَلوه أجزاءً، فقال بعضُهم: ساحرٌ. [وقال بعضُهم: شاعرٌ] (^٣). وقال بعضُهم: مجنونٌ. فذلك العِضُون (^٤).\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾: جعلوا كتابَهم أعضاءً كأعضاءِ الجزورِ، وذلك أنهم تقَطَّعوه (^٥) زُبُرًا، كلُّ حزبٍ بما لديهم فَرِحون، وهو قولُه: ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الروم: ٣٢].\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾: عضَهُوا كتاب اللَّهِ؛ زعَم بعضُهم أنه سِحْرٌ، وزعَم بعضُهم أنه شِعْرٌ، وزعم بعضُهم أنه كاهنٌ - قال أبو جعفرٍ: هكذا قال: كاهنٌ. وإنما هو: كهانةٌ - وزعَم بعضُهم أنه أساطيرُ الأوَّلين.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي ظبيانَ، عن ابن عباسٍ: ﴿الَّذِينَ (^٦) جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾. قال: آمَنوا ببعضٍ وكفَروا ببعضٍ (^٧).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"كأجزاء\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ١٣٠.\n(^٣) سقط من: ص، ت، ت ١، ف.\n(^٤) ذكرُه ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٦٧.\n(^٥) في ص: \"تقطعوهن\"، وفى ت ١، ت ٢: \"يقطعوهن\".\n(^٦) في النسخ: \"الذي\"، وصواب القراءة ما أثبتنا.\n(^٧) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٥٥ من طريق جرير به. وينظر ما تقدم في ص ١٢٩.","vol":"14","page":135},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قال: جعَلوه أعضاءً، كما تُعَضَّى الشاةُ؛ قال بعضُهم: كَهانةٌ. وقال بعضُهم: هو سحرٌ. وقال بعضُهم: هو (^١) شِعْرٌ. وقال بعضُهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ الآية [الفرقان: ٥]. جعَلوه أعضاءً كما تُعَضَّى الشاةُ.\nفوجَّه قائلو هذه المقالةِ قولَه: ﴿عِضِينَ﴾. إلى أن واحدَها عُضْوٌ، وأن عِضِينَ جمعُه، وأنه مأخوذٌ مِن قولِهم: عَضَّيتُ الشيءَ تَعْضِيةً، إذا فرَّقتَه. كما قال رُؤْبةُ (^٢):\nوليس دينُ اللَّهِ بالمعَضَّى\nيعني: بالمفرَّقِ. وكما قال الآخَرُ:\nوعضَّى بنى عَوْفٍ فَأَمَّا عَدُوَّهُمْ … فأرْضى وأمَا العزَّ منهمْ فغبَّرا (^٣)\nيعنى بقولِه: وعضَّى: سبَّاهم وقطَّعاهم بألسنتِهما (^٤).\nوقال آخرون: بل هي جمعُ عِضَةٍ، جُمِعت (^٥) عِضِين كما جُمِعت البُرَةُ بُرِين، والعِزَةُ عِزِين. فإذا وُجِّه ذلك إلى هذا التأويلِ، كان أصلُ الكلمةِ (^٦) عِضَهَةً، ذهَبت هاؤُها الأصليةُ (^٧)، كما نقَصُوا الهاءَ مِن الشَّفَةِ وأصلُها شَفَهَةٌ، ومِن الشاةِ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ديوانه ص ٨١.\n(^٣) في م: \"فغيرا\"، وعزّ أغبر: ذاهب دارس. اللسان (غ ب ر).\n(^٤) كذا في النسخ بالإسناد إلى المثنى، وعضَّى وأرضى مسندان إلى المفرد، ولعل سبب ذلك الألف في \"فغبرا\" وهي لإطلاق القافية.\n(^٥) في ص، ف: \"جمع\".\n(^٦) في م: \"الكلام\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الأصل\".","vol":"14","page":136},{"text":"وأصلُها شاهةٌ. يَدُلُّ على أنَّ ذلك الأصلَ تصغيرُهم الشَّفَةَ شُفَيْهَةً، والشاةَ شُوَيْهةً، فيَرُدُّون الهاءَ التي تَسْقُطُ في غيرِ حالِ التصغيرِ إليها في حالِ التصغيرِ، يقالُ منه: عَضَهْتُ الرجلَ أعْضَهُه عَنْهًا. إذا بَهَتَّه، وقَذَفْتَه ببُهتانٍ.\nوكأن تأويلَ مَن تأوَّل ذلك كذلك: الذين عَضَهُوا القرآنَ، فقالوا: هو سِحْرٌ، أو هو شعرٌ. نحوَ (^١) القولِ الذي ذكَرناه عن قتادةَ.\nوقد قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ: إنه إنما عَنَى بالعَضْهِ في هذا الموضعِ نسبتَهم إياه إلى أنه سِحْرٌ خاصةً، دونَ غيرِه مِن معاني الذمَّ، كما قال الشاعرُ (^٢):\nللماء مِن عِضاتِهن زمْزَمَهْ (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-4922>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا ابن عيينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾. قال: سحرًا (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿عِضِينَ﴾. قال: عَضَهُوه وبَهَتُوه (^٥).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: كان عكرمةُ يقولُ: العَضْهُ السحرُ بلسانِ قريشٍ، تقولُ للساحرةِ: إنها (^٦)\n_________\n(^١) في ص: \"عر\"، وفى ت ١: \"بخبر\"، وفى ت ٢: \"فخبر\"، وفى ف: \"يخبر\".\n(^٢) التبيان ٦/ ٣٥٤.\n(^٣) الزمزمة: صوت خفى لا يكاد يفهم. اللسان (ز م م).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٦ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٠، ٣٥١ عن معمر به.\n(^٦) في ف: \"أيها\".","vol":"14","page":137},{"text":"العاضِهَةُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾. قال: سِحْرًا، أعضاءً، الكتبَ كلَّها، وقريشٌ فرَّقوا القرآنَ، قالوا: هو سحرٌ (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه أمَر نبيَّه ﷺ أن يُعْلِمَ قومًا عَضَهُوا القرآنَ، أنه لهم نذيرٌ مِن عقوبةٍ تَنْزِلُ بهم بعَضْهِهم (^٣) إياه، مثلِ ما أَنْزَلَ بالمقتسمين، وكان عَضُهُهم إياه قذفَهُمُوه بالباطلِ، وقيلَهم: إنه شعرٌ وسحرٌ. وما أشبَه ذلك.\nوإنما قلنا: إن ذلك أولى التأويلاتِ به. لدَلالةِ ما قبلَه مِن ابتداءِ السورةِ وما بعدَه، وذلك قولُه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. على صحةِ ما قلنا، وأنه إنما عَنَى بقولِه: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾. مشرِكى قومِه. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه لم يكنْ في مُشرِكى قومِه مَن يُؤْمِنُ ببعضِ القرآنِ ويَكْفُرُ ببعضٍ، بل إنما كان قومُه في أمْرِه على أحدِ معنيين؛ إما مؤمِنٌ بجميعِه، وإما كافرٌ بجميعِه. وإذ كان ذلك كذلك، فالصحيحُ مِن القولِ في معنى قولِه: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾. قولُ الذين زعَموا أنهم عَضَهُوه؛ فقال بعضُهم: هو سحرٌ. وقال بعضُهم: هو شعرٌ. وقال بعضُهم: هو كَهانةٌ. وما أشبَه ذلك مِن القولِ، أو عَضَّوْه،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٦ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ١٣٢ وهو في تفسير مجاهد: فقالوا: هذا سحر وشعر.\n(^٣) في ص، ف: \"بعضهم\".","vol":"14","page":138},{"text":"ففرَّقوه بنحوِ ذلك مِن القولِ. وإذا كان ذلك (^١) معناه، احْتَمَل قولُه: ﴿عِضِينَ﴾. أن يكون جمعَ عِضَةٍ، واحْتَمل أن يكونَ جمعَ عُضْوٍ؛ لأن معنى التَّعْضِيةِ (^٢) التفريقُ، كما تُعَضَّى الجزُورُ والشاةُ، فتُفَرَّقُ أعضاءً، والعَضَهُ البَهْتُ، ورميُه بالباطلِ مِن القولِ، فهما مُتَقارِبان (^٣) في المعنى.\n\n<span id=\"aya-1894\"></span><span data-type='title' id=toc-4924>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فوربِّك يا محمدُ لنسألنَّ هؤلاء الذين جعَلوا القرآنَ في الدنيا عِضِين، في الآخرةِ، عما كانوا يَعْمَلون في الدنيا، فيما أمَرناهم به، وفيما بَعثناك به (^٤) إليهم مِن أيِ كتابى الذي أنْزَلتُه إليهم، وفيما دعَوناهم إليه مِن الإقرارِ به (^٥) مِن توحيدى والبراءةِ مِن الأندادِ والأوثانِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4923>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ ليثًا، عن بشيرٍ (^٦)، عن أنسٍ في قولِه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال: عن شهادةِ ألا إلهَ إلا اللَّهُ (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ف: \"العضة\".\n(^٣) في ص، ف: \"يتقاربان\"، وفى ت ٢: \"مقاربان\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) بعده في م: \"و\".\n(^٦) في م: \"بشر\". وينظر ما سيأتي في تخريجه.\n(^٧) أخرجه البخاري في الكبير ٢/ ٨٦ من طريق ابن إدريس به. وأخرجه الترمذي عقب الحديث (٣١٢٦) =","vol":"14","page":139},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شريكٌ، عن ليثٍ، عن بشيرِ (^١) بن نَهِيكٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال: \"عن لا إلهَ إلا اللَّهُ\" (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن (^٣) بشير، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ (^٥).\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شريكٌ، عن هلالٍ، عن (^٦) عبدِ اللَّهِ [بن عُكَيمٍ] (^٧)، قال: قال عبدُ اللَّهِ: والذي لا إلهَ غيرُه، ما منكم مِن أحدٍ إلا سيَخْلو اللَّهُ به يومَ القيامةِ، كما يَخْلُو أحدُكم بالقمرِ ليلةَ البدرِ، فيقولُ: ابنَ آدمَ، ماذا غرَّك منى بى؟ ابنَ آدمَ، ماذا عمِلتَ فيما علِمْتَ؟ ابنَ آدمَ، ماذا (^٨)\n_________\n= من طريق ابن إدريس به، وفيه: بشر. وينظر التاريخ الكبير ٨/ ١٣٣، وتفسير ابن كثير ٤/ ٤٦٨. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٦٥، والبخاري في الكبير ٢/ ٨٦ من طريق حفص بن غياث عن ليثٍ.\n(^١) في ت ٢، ف: \"بشر\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره كما في تفسير ابن كثير ٤/ ٤٦٨ من طريق شريك به، وأخرجه الترمذي (٣١٢٦) من طريق معتمر بن سليمان، عن ليثٍ، عن بشر، عن أنسٍ مرفوعا.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"ابن\".\n(^٤) أخرجه أبو يعلى (٤٠٥٨) من طريق جرير، عن ليث، عن بشر، عن أنس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق، ١/ ٣٥١، وهو في تفسير الثوري ص ١٦٢ عن أبيه، عن مجاهد.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بن\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عن عليم\".\n(^٨) في ص، ت ١، ت ٢: \"ما\".","vol":"14","page":140},{"text":"أجْبَتَ المرسلين (^١)؟\n\n<span id=\"aya-1895\"></span>حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال: يُسأَلُ العبادُ كلُّهم عن خَلَّتين يومَ القيامةِ؛ عما كانوا يَعْبُدون، وعما أجابوا المُرْسَلين (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا الحسينُ الجُعْفِيُّ، عن فضيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ العَوفيِّ، عن ابن عمرَ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال: عن لا إلهَ إلا اللَّهُ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ثم قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]. قال: لا يَسْأَلُهم: هل عمِلتم كذا وكذا؛ لأنه أعْلَمُ بذلك منهم، ولكنْ يَقُولُ لهم: لِمَ عمِلتم كذا وكذا (^٤)؟\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يونسُ بن بُكَيرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: أنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾. فإنه أمرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٦٨ عن المصنف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٦٨ عن أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٢٨ عن الحسين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٦ إلى ابن المنذر.\n(^٤) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (١٥٧، ١٥٨) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٦ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"14","page":141},{"text":"نبيَّه ﷺ، بتَبْلِيغِ رسالتِه قومَه وجميعَ مَن أُرْسِل إليه (^١).\n\n<span id=\"aya-1896\"></span>ويعنى بقولِه: ﴿فَاصْدَعْ [بِمَا تُؤْمَرُ] (^٢)﴾: فامضِ وافْرُقْ. كما قال أبو ذُؤَيبٍ (^٣):\nوكأنهنَّ رِبابةٌ وكأنَّه … يَسَرٌ يُفيضُ على القِداحِ ويَصْدَعُ (^٤)\nيعني بقولِه: يَصْدَعُ: يُفَرِّقُ بالقداحِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4925>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾. يقولُ: فامْضِه (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾. يقولُ: افْعَلْ ما تؤمرُ (^٦).\nحدَّثنا الحسينُ بنُ يزيدَ الطحانُ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾. قال: بالقرآنِ.\nحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْدِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ إبراهيمَ، عن سفيان،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٦ إلى المصنف وابن إسحاق.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) ديوان الهذليين ١/ ٦.\n(^٤) الرَّبابةُ هاهنا الجماعة من القداح، وأصل الرّبابة الجلدة التي تجعل فيها القداح، واليسرُ: صاحب الميسر الذي يضرب بالقداح. شرح ديوان الهذليين ١/ ١٨.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٦ إلى ابن المنذر.","vol":"14","page":142},{"text":"عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾. قال: هو القرآنُ (^١).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾. قال: بالقرآنِ.\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾. قال: الجهرُ بالقرآنِ في الصلاةِ.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾. قال: بالقرآنِ في الصلاةِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾. قال: الجهْرُ بالقرآنِ في الصلاةِ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثنا موسى بنُ عبيدةَ (^٣)، عن أخيه (^٤) عبدِ اللَّهِ بن عبيدةَ (^٣)، قال: ما زال النبيُّ ﷺ مُسْتَخْفِيًا (^٥). نزلت (^٦): ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. فخرَج هو وأصحابه (^٧).\n_________\n(^١) تفسير الثوري ص ١٦٢، ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٥١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٦ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤١٩.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عبدة\".\n(^٤) بعده في ف: \"عن\".\n(^٥) في ص، ف: \"متخفيا\"، وفى ت: \"مخفيا\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"نزل\".\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٦٩ عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٦ إلى المصنف عن أبي عبيدة، أن عبد الله بن مسعود قال.","vol":"14","page":143},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾. قال: بالقرآنِ الذي يُوحَى إليه أن يُبَلِّغَهم إياه (^١).\nوقال تعالى ذكرُه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾. ولم يَقُلْ: بما تُؤمَرُ به. والأمرُ يَقْتَضى الباءَ؛ لأن معنى الكلامِ: فاصْدَعْ بأمرِنا، فقد أمَرناك أَن تَدْعُوَ إلى ما (^٢) بَعَثناك به مِن الدينِ خَلْقِي، وأذِنَّا لك في إظهارِه.\nومعنى \"ما\" التي في قولِه: ﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ معنى المصدرِ، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢]. معناه: افْعَلِ الأمرَ الذي تُؤْمَرُ به.\nوكان بعضُ نحويِّي أهلِ الكوفةِ يقولُ في ذلك: حُذِفت الباءُ التي يُوصَلُ بها ﴿تُؤْمَرُ﴾ من قولِه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾. على لغةِ الذين يَقُولون: أَمَرْتُك أمرًا. وكان يقولُ: للعربِ في ذلك لغتان؛ إحداهما: أمرتُك أمرًا. والأُخرى: أمرتُك بأمرٍ. فكان يقولُ: إدخالُ (^٣) الباءِ في ذلك وإسقاطُها سواءٌ. واستَشْهَد لقولِه (^٤) ذلك بقولِ حُضَيْنِ (^٥) بن المنذرِ الرَّقاشيِّ ليزيدَ بن المهلبِ (^٦):\nأمَرتُك أمرًا حازمًا (^٧) فَعَصَيْتَني … فأصبَحتَ مَسْلوبَ الإمارةِ نادمًا\nفقال: أمَرتُك أمرًا. ولم يَقُلْ: أمَرتُك بأمرٍ. وذلك كما قال تعالى ذكرُه:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٦ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: ص، ت ٢.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بقوله\".\n(^٥) في النسخ: \"حصين\"، والمثبت من مصادر البيت، وينظر الإكمال ٢/ ٤٨١.\n(^٦) تاريخ الطبري ٦/ ٣٩٦، والكامل ٤/ ٥٠٤.\n(^٧) في م: \"جازما\".","vol":"14","page":144},{"text":"﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ [هود: ٦٠]. ولم يَقُلْ: بربِّهم. وكما قالوا: مدَدْتُ الزِّمامَ، ومدَدْتُ بالزِّمامِ. وما أشْبَهَ ذلك مِن الكلامِ.\nوأما قولُه: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: بَلِّغْ قومَك ما أُرْسِلتَ به، واكْفُفْ عن حربِ المشركين باللَّهِ وقتالِهم. وذلك قبلَ أن يُفْرَضَ عليه جهادُهم، ثم نسَخ ذلك بقولِه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾: وهو مِن المنسوخِ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤]: وهذا النحوُ كلُّه في القرآنِ، أمَر اللَّهُ تعالى ذكرُه نبيَّه ﷺ أن يكونَ ذلك منه، ثم (^٢) أمَره بالقتالِ، فنسَخ ذلك كلَّه، فقال: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ (^٣) الآية [النساء: ٨٩].\n\n<span id=\"aya-1897\"></span><span data-type='title' id=toc-4926>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إنا كفَيْناك المستهزئين يا محمدُ، الذين يَسْتَهْزِئون بك، ويَسْخرون منك، فاصْدَعْ بأمرِ اللَّهِ، ولا تَخَفْ شيئًا سوى اللَّهِ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٦ إلى ابن أبي حاتم وأبي داود في ناسخه.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"في\".\n(^٣) تقدم في ص ١٠٦.","vol":"14","page":145},{"text":"فإن اللَّهَ كافيك مَن ناصَبك وآذاك، كما كفاك المستهزِئين. وكان رؤساءُ المستهزِئين قومًا مِن قريشٍ معروفين.\n\n<span data-type='title' id=toc-4927>ذكرُ أسمائِهم</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنى محمدٌ، قال: كان عظماءُ المستهزِئين، كما حدَّثني يزيدُ بنُ رومانَ، عن عروةَ بن الزُّبيرِ، خمسةَ نفرٍ من قومِه، وكانوا ذوِى أسنانٍ (^١) وشرفٍ في قومِهم؛ مِن بني أسدِ بن عبدِ العُزَّى بن قُصَيٍّ: الأسودُ بنُ المطلبِ أبو زمْعَةَ - وكان رسولُ اللَّهُ ﷺ فيما بلَغني قد دعا عليه؛ لِما كان يَبْلُغُه مِن أذاه واستهزائِه، فقال: \"اللهمَّ أعْمِ بصرَه، وأثْكِلْه ولدَه\" - ومن بني زُهرةَ: الأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ بن وهَبِ بن عبدِ منافِ بن زُهرةَ، ومِن بني مخزومٍ: الوليدُ بنُ المغيرةِ بن عبدِ اللَّهِ [بن عمرَ] (^٢) بن مخزومٍ، ومن بني سَهمِ بن عمرِو بن هُصَيصِ بن كعبِ بن لؤىٍّ: العاصُ بنُ وائلِ بن هشامِ بن سُعَيدِ (^٣) بن سَهْمٍ، ومن خُزَاعةَ: الحارثُ بنُ الطُّلاطِلة بن عمرِو بن الحارثِ بن عبدِ (^٤) عمرِو بن مَلْكان، فلما تمادَوْا في الشرِّ، وأكثَروا برسولِ اللَّهِ ﷺ الاستهزاءَ، أنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. إلى قولِه: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. قال محمدُ بنُ إسحاقَ: فحدَّثني يزيدُ بن رُومانَ، عن عُرُوةَ بن الزبيرِ، أو غيرِه مِن العلماءِ، أن جبريلَ أتى رسولَ اللَّهِ ﷺ وهم يَطُوفون بالبيتِ، فقام وقام رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى جنبِه، فمرَّ به الأسودُ بنُ المطلبِ، فرمَى في وجهِه بورقةٍ خضراءَ فعَمِى ومرَّ به الأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ، فأشَار إلى بطنِه، فاسْتَسْقَى\n_________\n(^١) ذوو الأسنان: الأكابر والأشراف. ينظر النهاية ٢/ ٤١٣.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) بعده في النسخ: \"بن سعد\". والمثبت موافق لما في سيرة ابن هشام، وينظر جمهرة أنساب العرب ص ١٦٣.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، وفى ص، ت ٢، ف: \"عبد بن\". والمثبت من سيرة ابن هشام.","vol":"14","page":146},{"text":"بطنُه، فمات منه حَبَنًا. ومرَّ به الوليدُ بنُ المُغيرةِ، فأشار إلى أثرِ جُرْحٍ بأسفلِ كعبِ رجلِه كان أصابه قبلَ ذلك بسنين (^١)، وهو يَجُرُّ سَبَلَه - يَعْنى إزارَه - وذلك أنه مرَّ برجلٍ مِن خزاعةً يَرِيشُ نَبْلًا له، فتَعَلَّق سهمٌ (^٢) مِن نَبْلِه بإزارِه، فخدَش رجلَه ذلك الخدشَ، وليس بشيءٍ، فانْتَقَض به فقتَله. ومرَّ به العاصُ بنُ وائلٍ السَّهْمِيُّ، فأشار إلى أَخْمَصِ (^٣) رجلِه، فخرَج على حمارٍ له يُريدُ الطائفَ، فربَض (^٤) على شِبْرِقةٍ، فدخَل في أخْمَصِ رجلِه منها (^٥) شوكةٌ، فقتلَته - قال أبو جعفرٍ: الشِّبرقةُ: المعروفُ بالحَسَكِ (^٦). منه حَبَنًا، والحَبَنُ: الماءُ الأصفرُ - ومرَّ به الحارثُ بنُ الطُّلاطِلةِ، فأشار إلى رأسِه، فامتَخَط قَيْحًا فقتَله (^٧).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي محمدٍ القرشيِّ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رأسُهم الوليدَ بنَ المُغيرةِ، وهو الذي جمَعهم (^٨).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن زيادٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. قال: كان المستهزئين الوليدُ بنُ المغيرةِ، والعاصُ بنُ وائلٍ، وأبو زَمْعةَ، والأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ، والحارثُ بنُ غَيْطلةَ (^٩)،\n_________\n(^١) في م: \"بسنتين\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"نبلة\".\n(^٣) الأخمصُ: باطن القدم وما رقَّ من أسفلها وتجافى عن الأرض، اللسان (خ م ص).\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢: \"فوقص\"، وفى ف: \"فرقص\".\n(^٥) في ص، ت ٢، ف: \"فيها\".\n(^٦) الحسك: نبات من الفصيلة الرطريطية، له ثمرة خشنة تتعلق بأصواف الغنم وأوبار الإبل. الوسيط (ح س ك).\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٧٠ عن ابن إسحاق به.\n(^٨) سيرة ابن هشام ١/ ٤٠٨، وأخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (٢٠١، ٢٠٢) من طريق ابن إسحاق به.\n(^٩) في النسخ: \"عيطلة\". وينظر سيرة ابن هشام ١/ ٢٠٨، ٢٠٩، وجمهرة أنساب العرب ص ١٦٥.","vol":"14","page":147},{"text":"فأتاه جبريلُ فأومَأ بإصبَعِه إلى رأسِ الوليدِ، فقال: \"ما صَنَعتَ شيئًا\". قال: كُفِيت. وأَوْمَأ بيدِه إلى أخْمَصِ العاصِ، فقال النبيُّ ﷺ: \"مَا صَنَعت شيئًا\". فقال: كُفِيت. وأومأ بيدِه إلى عينِ أبي زمعةَ، فقال النبيُّ ﷺ: \"ما صنَعْتَ شيئًا\". فقال: كُفِيت. [وأوْمَأ بإصبَعِه إلى رأسِ الأسودِ، فقال النبيُّ ﷺ: \"ودَع لي خالي\". فقال: كُفِيت] (^١). وأومَأ بإصبعِه إلى بطنِ الحارثِ، فقال النبيُّ ﷺ: \"ما صَنَعْت شيئًا\". فقال كُفِيت. قال: فمرَّ الوليدُ على قَيْنٍ (^٢) لخُزاعةَ وهو يَجُرُّ ثيابَه، فتَعَلَّقت بثوبِه بَرْوةٌ (^٣) أو شَرَرَةٌ، وبين يدَيه نساءٌ، فجعَل يَسْتَحْيِي أَن يَطَأْمَنَ (^٤) يَنْتَزِعُها، وجعَلت تَضْرِبُ ساقَه، فخَدَشَتْه، فلم يَزَلْ مريضًا حتى مات، وركِب العاصُ بنُ وائلٍ بغلةً له بيضاءَ، إلى حاجةٍ له بأسفلِ مكةَ، فذهَب يَنْزِلُ، فوضَع أَخْمَصَ قدمِه على شِبْرِقةٍ، فحكَّت رجلَه، فلم يزَلْ يَحُكُّها حتى مات، وعَمِى أبو زمعةَ، وأخَذت (^٥) الأكِلَةُ (^٦) في رأسِ الأسودِ، وأخَذ الحارثَ الماءُ في بطنِه (^٧).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. قال: هم خمسةُ رهطٍ مِن قريشٍ؛ الوليدُ بنُ المغيرةِ، والعاصُ بنُ وائلٍ، وأبو زمعةَ، والحارثُ بن غَيْطلةَ (^٨)، والأسودُ بنُ قيسٍ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) القَيْنُ: الحداد. اللسان (ق ي ن).\n(^٣) البروة لغة في البُرَة، وهى الحلقة في أنف البعير.\n(^٤) طأمن وطمأن بمعنى. اللسان (ط م ن).\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أخذ\".\n(^٦) الأكِلَةُ: داء يقع في العضو فيأتكل منه. اللسان (أ ك ل).\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٧١ عن سعيد بن جبير.\n(^٨) في النسخ: \"عيطلة\".","vol":"14","page":148},{"text":"سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. قال: الوليدُ بنُ المغيرةِ، والعاصُ بنُ وائلٍ السَّهْمِيُّ، والأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ، والأسودُ بنُ المُطَّلِبِ، والحارثُ بن غَيْطلةَ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرّزاقِ، قال: أخبربا ابن عيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. قال: هم خمسةٌ، كلُّهم هلَك قبل بَدْرٍ؛ العاصُ بنُ وائلٍ، والوليدُ بنُ المغيرةِ، وأبو زمعةَ بنُ عبدِ الأسودِ، والحارثُ بنُ قيسٍ، والأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عيينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. قال: الوليدُ بنُ المغيرةِ، والعاصُ بنُ وائلٍ، والأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ، والحارثُ بن غَيْطَلةَ (١).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبربا هُشَيمٌ، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، قال: قلتُ للزُّهريِّ: إن سعيدَ بنَ جبيرٍ وعكرمةَ اختَلَفا في رجلٍ مِن المستهزئين، فقال سعيدٌ: هو الحارثُ بن غَيْطلةَ (١). وقال عكرمةُ: هو الحارثُ بنُ قيسٍ. فقال: صدَقا، كانت أمُّه تسمى غَيْطلةَ (١)، وأبوه قيسٌ (^٣).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبربا هُشَيمٌ، عن حُصَيْنٍ، عن الشعبيِّ، قال: المستهزئين سبعةٌ. وسَمَّى (^٤) منهم أربعةً (^٥).\n_________\n(^١) في النسخ: \"عيطلة\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٨ إلى المصنف وأبي نعيم.\n(^٤) في ص، ت ١: \"يسمى\"، وفى ت ٢: \"تسمى\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٨ إلى المصنف وسعيد بن منصور وأبي نعيم.","vol":"14","page":149},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. قال: كانوا مِن قريشٍ خمسةُ نفرٍ؛ العاصُ بنُ وائلٍ السَّهْمِيُّ، كُفِى بصُداعٍ أخَذه (^١) في رأسِه، فسال دماغُه حتى كان يَتَكَلَّمُ مِن أنفِه، والوليدُ بنُ المغيرةِ المخزوميُّ، كُفِى برجلٍ من خُزاعةَ أصلَح سهمًا له، فندَرَت (^٢) منه شَظِيَّةٌ، فَوَطِئَ عليها فمات، وهَبّارُ بنُ الأسودِ، وعبدُ يَغُوثَ بنُ وهبٍ، والحارثُ بن غَيْطلةَ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. قال: كلُّهم مِن قريشٍ؛ العاصُ بنُ وائلٍ، فكُفِى بأنه أصابه صُداعٌ في رأسِه، فسال دماغُه حتى لا (^٤) يَتَكَلَّمَ إلا مِن تحتِ أنفِه، والحارثُ بن غَيْطلةَ (^٣) بصَفَرٍ في بطنِه، وابنُ الأسودِ فكُفِى بالجُدَريِّ، والوليدُ بأن رجلًا ذهَب ليُصْلِحَ سهمًا له، فوقَعت شَظِيَّةٌ، فوَطِئَ عليها، وعبدُ يَغُوثَ فَكُفِي بالعَمَى، ذهَب بصرُه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، وعن مِقْسمٍ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. قال: هم الوليدُ بنُ المغيرةِ، والعاصُ بنُ وائلٍ، وعَدِيُّ بنُ قيسٍ، والأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ، والأسودُ بنُ المطلبِ، مرُّوا رجلًا رجلًا على النبيِّ ﷺ ومعه جبريلُ، فإذا مرَّ به رجلٌ منهم قال جبريلُ: كيف تَجدُ هذا؟ فيقولُ: \"بئسَ عدوُّ اللَّهِ\". فيقولُ جبريلُ: كفاكَه. فأما الوليدُ بنُ المغيرةِ، فتردَّى، فتعلَّق سهمٌ بردائِه، فذهَب يَجْلِسُ، فقُطِع أكْحَلُه (^٥)، فنُزِف فمات، وأما\n_________\n(^١) في ص: \"فأخذه\"، وفى ت ٢، ف: \"وأخذه\".\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"فبدرت\".\n(^٣) في النسخ: \"عيطلة\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ما\".\n(^٥) الأكحل: عرق في وسط الذراع يكثر فصده. النهاية ٤/ ١٥٤.","vol":"14","page":150},{"text":"الأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ، فأُتِى بغُصْنٍ فيه شَوْكٌ، فضُرِب به وجهُه، فسالت حدَقتاه على وجهِه، فكان يقولُ: دعَوتُ على محمدٍ دعوةً، ودعا عليَّ دعوةً، فاسْتُجيب لى، واسْتُجِيب له؛ دعا عليَّ أن أعْمَى، فَعَمِيتُ، ودعَوتُ عليه أن يكونَ وحيدًا فريدًا في أهلِ يَثْرِبَ، فكان كذلك. وأما العاصُ بنُ وائلٍ، فوَطِئَ على شَوْكةٍ فتساقَط لحمُه عن عِظامِه حتى هلَك. وأما الأسودُ بنُ المطلبِ، وعديُّ بنُ قيسٍ، فإن أحدَهما قام مِن الليلِ وهو ظمآنُ، فشرِب ماءً مِن جَرَّةٍ، فلم يَزَلْ يَشْرَبُ حتى انْفَتَق بَطنُه فمات، وأما الآخرُ فَلَدَغته حيةٌ فمات.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبربا عبدُ الرَزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ وعثمانَ، عن مِقْسمٍ مولى ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن عبدِ الأعلى، عن ابن ثورٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾: هم رهطٌ خمسةٌ مِن قريشٍ، عَضَهوا القرآنَ؛ زعَم بعضُهم أنه سحرٌ، وزعَم بعضُهم أنه شعرٌ، وزعم بعضُهم أنه أساطيرُ الأوَّلين؛ أما أحدُهم فالأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ، أَتى على نبيِّ اللَّهِ ﷺ وهو عندَ البيتِ، فقال له الملَكُ: كيف تَجِدُ هذا؟ قال: \"بئسَ عبدُ اللَّهِ على أنه خالي\". قال: كفَيناك. ثم أتَى عليه الوليدُ بنُ المغيرةِ، فقال له الملَكُ: كيف تَجِدُ هذا؟ قال: \"بئسَ عبدُ اللَّهِ\". قال: كفَيناك. ثمَّ أتى عليه عديُّ بنُ قيسٍ أخو بني، سهمٍ، فقال له (^٢) الملَكُ: كيف تَجِدُ هذا؟ قال: \"بئسَ عبدُ اللَّهِ\". قال: كفَيناك. ثم أتَى عليه الأسودُ بنُ (^٣) المطلبِ، فقال له الملَكُ: كيف تَجِدُ هذا؟ قال: \"بِئسَ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥١، ٣٥٢ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٨، ١٠٩ إلى ابن المنذر وأبي نعيم.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عبد\".","vol":"14","page":151},{"text":"عبدُ اللَّهِ\". قال: كفَيناك. ثمَّ أتى عليه العاصُ بنُ وائلٍ، فقال له الملَكُ: كيف تَجِدُ هذا. قال: \"بئس عبدُ اللَّهِ\". قال: كفَيناك. فأما الأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ، فَأُتِي بِغُصْنٍ مِن شَوْكٍ، فضُرِب به وجهُه، حتى سالَت حدَقتاه على وجهِه، فكان بعد ذلك يقولُ: دعا عليَّ محمدٌ بدعوةٍ، ودعَوتُ عليه بأخرى، فاستجاب اللَّهُ له فىَّ، واستجاب اللَّهُ لى فيه، دعا عليَّ أن أَثْكَلَ وأن أعْمَى، [وكان] (^١) كذلك، ودعَوتُ عليه أن يَصِيرَ شَرِيدًا طريدًا، فطرَدناه مع يهودِ يَثْربَ وسُرَاقِ الحجيجِ، وكان كذلك. وأما الوليدُ بنُ المغيرةِ، فذهَب يَرْتَدِى، فتعَلَّق برِدائِه سهمُ غَرْبٍ (^٢)، فأصاب أَكْحَلَه أَو أَبْجَلَه (^٣)، فأُتِيَ في كلِّ ذلك، فمات. وأما العاصُ بنُ وائلٍ، فَوَطِئَ على شَوْكَةٍ، فأُتي في ذلك؛ جعَل يَتَساقَطُ لحمُه عُضْوًا عُضْوًا، فمات وهو كذلك. وأما الأسودُ بنُ المطَّلِبِ، وعديُّ بنُ قيسٍ، فلا أدرى ما أصابَهما. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ يومَ بَدْرٍ نهَى أصحابَه عن قتلِ أبي البَخْتَريِّ، وقال: \"خُذُوه أخْذًا، فإنه قد كان له بلاءٌ\". فقال له أصحابُ النبيَّ ﷺ: يا أبا البَخْتَريَّ، إنا قد نُهينا عن قتلِك، فهلُمَّ إلى الأمَنةِ والأمانِ. فقال أبو البَخْتَريِّ: وابنُ أخى معى. فقالوا: لم تُؤْمَرُ إلا بك. فراوَدوه (^٤) ثلاثَ مراتٍ، فأبى إلا وابنُ أخيه معه، قال: فأغلَظ للنبيِّ (^٥) ﷺ الكلامَ، فحمَل عليه رجلٌ مِن القومِ فطعَنه فقتَله، فجاء قاتلُه وكأنما على ظهرِه جبَلٌ (^٦) أو ثِقْلٌ، مخافةَ أن يَلُومَه النبيُّ ﷺ، فلما أُخْبِر بقولِه،\n_________\n(^١) في م: \"فكان\".\n(^٢) سَهْمُ غَربٍ وغَرَبٍ: إذا كان لا يدرى من رماه. اللسان (غ ر ب).\n(^٣) الأَبْجَلُ: عرق غليظ في الرجل، وقيل: هو عرق في باطن مفصل الساق في المأبض، وقيل: هو في اليد إزاء الأكحل. اللسان (ب ج ل).\n(^٤) في ص، ت ١: \"فرادوه\"، وفي ت ٢: \"فزادوه\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"النبي\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"حمل\".","vol":"14","page":152},{"text":"قال النبيُّ ﷺ: \"أبْعَدَه اللَّهُ وأَسْحَقَه\". وهم المستهزِئون الَّذين قال اللَّهُ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. وهم الخمسةُ الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾: استهزَءوا بكتابِ اللَّهِ ونبيِّه ﷺ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾: هم مِن قريشٍ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ: وزعَم ابن أبي بَزَّة أنهم (^١): العاصُ بنُ وائلٍ السهميُّ، والوليدُ بنُ المغيرةِ الوحيدُ، والحارثُ بنُ عديِّ بن سهمِ، ابن الغَيْطِلةِ (^٢)، والأسودُ بنُ المطَّلبِ بن أسدِ بن (^٣) عبدِ العُزَّى بن قُصَيٍّ وهو أبو زمعةَ، والأسودُ بنُ عبدِ يغوثَ، وهو ابن خالِ (^٤) رسولِ اللَّهِ ﷺ.\nحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني عمرُو بنُ دينارٍ، عن ابن عباسٍ، نحوَ حديثِ محمدِ بن عبدِ الأعلى، عن محمدِ بن ثورٍ، غيرَ أنه قال: كانوا ثمانيةً. ثم عدَّهم وقال: كلُّهم مات قبلَ بدرٍ (^٥).\n\n<span id=\"aya-1898\"></span>وقولُه: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. وعيدٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه، وتهديدٌ (^٦) للمُسْتَهزِئين الذين أخبَر نبيَّه ﷺ أنه قد كفَاه أمرَهم. يقولُ (^٧) تعالى ذكرُه: إنا كفَيناك يا محمدُ الساخرين منك، الجاعلين مع اللَّهِ شريكًا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أنه\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"العياطلة\"، وفى م: \"العيطلة\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"و\".\n(^٤) في، ت ١، ت ٢: \"خالة\". وتقدم أنه خال رسول الله ﷺ. ينظر جمهرة أنساب العرب: ص ١٢٩، ٤٤١، وفهارس سيرة ابن هشام.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٧ إلى المصنف والطبراني وابن مردويه.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"تهددا\".\n(^٧) في م، ف: \"بقوله\".","vol":"14","page":153},{"text":"في عبادتِه، فسوف يَعْلَمون ما يَلْقَون مِن عذابِ اللَّهِ عندَ مصيرِهم إليه في القيامةِ، وما يَحُلُّ بهم مِن البلاءِ.\n\n<span id=\"aya-1899\"></span><span data-type='title' id=toc-4929>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولقد نَعْلَمُ يا محمدُ أنك يَضِيقُ صدرُك بما يقولُ هؤلاء المشركون مِن قومِك؛ مِن تَكْذيبِهم إياك، واستهزائِهم بك، وبما جْئْتَهم به، وأن ذلك يحزنُك (^١)،\n\n<span id=\"aya-1900\"></span>﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾. يقولُ: فافْزَعُ فيما نابَك مِن أمرٍ تَكْرَهُه منهم إلى الشكرِ للَّهِ والثناءِ عليه والصلاةِ، يَكْفِك اللَّهُ مِن ذلك ما أَهَمَّك (^٢). وهذا نحوُ الخبرِ الذي رُوِى عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، أنه كان إذا حَزَبه أمرٌ فَزِع إلى الصلاةِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1901\"></span><span data-type='title' id=toc-4930>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: واعبُدْ ربَّك حتى يأتِيَك (^٤) الموتُ، الذي هو مُوقَنٌ به. وقيل: يَقِينٌ. وهو مُوقَنٌ به، كما قيل: خمرٌ عتيقٌ، وهي مُعَتَّقةٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4928>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، قال: ثني طارقُ\n_________\n(^١) في ص، م: \"يحرجك\"، وفى ت ٢، ف: \"يخرجك\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"همك\".\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٣٨٨، (٢٣٣٤٧ - الميمنية)، وأبو داود (١٣١٩) من حديث حذيفة ﵁.\n(^٤) بعده في ف: \"اليقين\".","vol":"14","page":154},{"text":"ابن عبدِ الرحمنِ، عن سالم بن عبدِ اللَّهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. قال: الموتُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني عباسُ (^٣) بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: أخبَرني ابن كثيرٍ، أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. قال: الموتُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. قال: يعنى الموتَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. قال: اليقينُ الموتُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبربا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (١٢٤٣) من طريق عقيل، عن ابن شهاب به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢٠٤٢٢)، وأحمد ٦/ ٤٣٦ (٢٧٤٩٧ - الميمنية)، والبخاري (٧٠١٨)، وعبد بن حميد (١٥٩١) من طريق معمر عن الزهرى به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٩ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ف: \"عياش\". وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٢٤٥.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٢.","vol":"14","page":155},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبربا ابن المباركِ، عن مباركِ بن فضالةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. قال: الموتُ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن طارقٍ، عن سالمٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبربا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. قال: الموتُ، إذا جاءه الموتُ، جاءه تصديقُ ما قال اللَّهُ له وحدَّثه مِن أمرِ الآخرةِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبربا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيدَ، عن ابن شهابٍ، أن خارجةَ بنَ زيدِ بن ثابتٍ أخبرَه، عن أمِّ العلاءِ - امرأةٍ مِن الأنصارِ قد بايعَت رسولَ اللَّهِ ﷺ أخبرَته أنهم اقتَسَموا المهاجرين قُرْعةً، قالت: وطار لنا عثمانُ (٢) بنُ مَظْعونٍ، فأنزَلناه في أبياتِنا، فوَجِع وجَعَه الذي مات فيه، فلما تُوُفِّي وغُسِّل وكُفِّن في أثوابِه، دخَل رسولُ اللَّهِ ﷺ، فقلْت: يا عثمانُ بنَ مظعونٍ، رحمةُ اللَّهِ عليك أبا السائبِ، فشهادَتي عليك، لقد أكرَمك اللَّهُ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"وما يُدْرِيكِ أن اللَّهَ أكْرَمه؟ \". قالت: يا رسولَ اللَّهِ فمَن؟ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أما هو فقد جاءَه اليقينُ، وواللَّهِ إنى لأرْجُو له الخيْرَ\".\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا إسماعيلُ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، قال: ثنا ابن شهابٍ، عن خارجةَ بن زيدٍ، عن أمِّ العلاءِ، امرأةٍ مِن\n_________\n(^١) الزهد لابن المبارك (١٩).\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف. والأثر في تفسير سفيان ص ١٦٢، ومن طريقه ابن أبي شيبة. ١٣/ ٥٢١، وابن أبي الدنيا في اليقين (١٩).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٩ إلى المصنف.","vol":"14","page":156},{"text":"نسائِهم، عن النبيّ ﷺ بنحوِه (^١).\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: أخبربا إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ، عن محمدِ بن شهابٍ، أن خارجةَ بنَ زيدٍ حدَّثه، عن أمِّ العلاءِ، امرأةٍ منهم، عن النبيِّ ﷺ، بنحوِه، إلا أنه قال في حديثِه: فقال النبيُّ ﷺ: \"أما هو فقد عايَن اليقينَ\".\nآخرُ تفسيرِ سورةِ الحجرِ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٤٣٦ (٢٧٤٩٧ - الميمنية) والبخاري (٣٩٢٩)، والطبراني ٢٥/ ١٤٠ (٣٣٨) من طريق إبراهيم بن سعد به.","vol":"14","page":157},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-4931>تفسيرُ سورةِ النحلِ</span>\n\n<span id=\"aya-1902\"></span><span data-type='title' id=toc-4934>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ </span>(١)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: أتى أمرُ اللَّهِ، فقرُب منكم أيُّها الناسُ ودَنَا، فلا تَسْتَعْجِلُوا وُقوعَه.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ في الأمرِ الذي أعلَم اللَّهُ عبادَه مجيئَه وقُرْبَه منهم ما هو، وأيُّ شيءٍ هو؛ فقال بعضُهم: هو فرائضُه وأحكامُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-4932>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، في قولِه: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. قال: الأحكامُ والحدودُ والفرائضُ (^١).\nوقال آخرون: بل ذلك وعيدٌ مِن اللَّهِ لأهلِ الشركِ به، أخبَرهم أن الساعةَ قد قَرُبت، وأن عذابَهم قد حضَر أجَلُه، فدَنَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-4933>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: [حدَّثنا الحسينُ، قال] (^٢): ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٠ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"14","page":158},{"text":"قال: لما نزَلت هذه الآيةُ، يعنى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. قَالَ رَجْلٌ (^١) مِن المنافقين بعضُهم لبعضٍ: إن هذا يَزْعُمُ أن أمرَ اللَّهِ قد (^٢) أتى، فأمْسِكوا عن بعضِ ما كنتم تعمَلون، حتى تَنْظُروا ما هو كائنٌ. فلما رأَوا أنه لا يَنْزِل شيءٌ، قالوا: ما نراه نزَل شيءٌ. فنزَلت: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]. فقالوا: إن هذا يَزْعُم مثلَها أيضًا. فلما رأَوْا أَنه لا يَنْزِلُ شيءٌ، قالوا: ما نرَاه نزَل شيءٌ. فنزَلت: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (^٣) [هود: ٨].\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ، عن أبي بكرِ بن حَفْصٍ، قال: لما نزَلت: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾. رفَعوا رُءوسَهم، فنزَلت: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ شعيبٍ، قال: سمِعتُ أبا صادقٍ (^٥) يَقرَأُ: (يا عِبادِى أتَى أمرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوه).\nوأولى القولَين في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: هو تهديدٌ مِن اللَّهِ أهلَ الكفرِ به وبرسولِه، وإعلامٌ منه لهم قربَ العذابِ منهم والهلاكِ؛ وذلك أنه عَقَّب\n_________\n(^١) في م: \"رجال\". ورجل بفتح الراء وسكون الجيم اسم للجمع وقيل جمع. تاج العروس (ر ج ل).\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٠ إلى المصنف وابن المنذر عن ابن جريج به.\n(^٤) أخرجه الخطيب في الموضح ٢/ ٤٢٢ من طريق يحيى بن يمان به بزيادة: \"سيجاء به\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٩ إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم.\n(^٥) هو أبو صادق الأزدي الكوفي، من أزد شنوءة، روى عنه أبو بكر بن شعيب. ترجمته في تهذيب الكمال ٣٣/ ٤١٢، وينظر أيضًا ٩٦/ ٣٣.","vol":"14","page":159},{"text":"ذلك بقولِه: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فدلَّ بذلك على تَقْريعِه المشركين به (^١)، ووعيدِه (^٢) لهم. وبعدُ، فإنه لم يَبْلُغَنا أن أحدًا مِن أصحابِ رسولِ اللَّهُ ﷺ استَعْجَل فرائضَ قبل أن تُفْرَضَ عليهم؛ فيقالَ لهم مِن أجلِ ذلك: قد جاءَتكم فرائضُ اللَّهِ فلا تَسْتَعْجِلوها. وأما مُسْتَعْجِلو العذابِ مِن المشركين، فقد كانوا كثيرًا.\nوقولُه: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تنزيهًا للَّهِ وعلوًّا له عن الشركِ الذي كانت قريشٌ ومَن كان مِن العربِ على مثلِ ما هم عليه يَدين به.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه تعالى: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ فقرَأ ذلك أهلُ المدينةِ وبعضُ البصريين والكوفيين: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. بالياءِ (^٣) على الخبرِ عن أهلِ الكفرِ باللَّهِ، وتوجيهٍ للخطابِ بالاستعجالِ إلى أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، وكذلك قرَءوا الثانيةَ بالياءِ. وقرأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ بالتاءِ على توجيهِ الخطابِ بقولِه: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ إلى أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، وبقولِه تعالى: (عَمَّا تُشْرِكُونَ (^٤» إلى المشركين (^٥). والقراءةُ بالتاءِ في الحرفين جميعًا على وجهِ الخطابِ للمشركين أولى بالصوابِ، لما بيَّنتُ مِن التأويلِ أن ذلك إنما هو وعيدٌ مِن اللَّهِ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ووعيد\".\n(^٣) في ف: \"بالتاء\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يشركون\". ومقتضى قراءة القوم ما أثبتناه.\n(^٥) قرأ حمزة والكسائي: \"تشركون\". بالتاء، وقرأ الباقون بالياء على الابتداء. ينظر حجة القراءات ص ٣٨٤.","vol":"14","page":160},{"text":"للمشركين، ابتدَأ أوَّلَ الآيةِ بتهديدِهم، وختَم آخرَها بنكيرِ (^١) فعلِهم، واستعظامِ كفرِهم، على وجهِ الخطابِ لهم.\n\n<span id=\"aya-1903\"></span><span data-type='title' id=toc-4935>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ </span>(٢)﴾.\nاختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾، بالياءِ، وتشديدِ الزايِ، ونَصْبِ الملائكةِ، بمعنى: يُنَزِّلُ اللَّهُ الملائكةَ بالرُّوحِ (^٢). وقرَأ ذلك بعضُ البصريين وبعضُ المكيين: (يُنزِلُ المَلائِكَةَ) بالياءِ وتخفيفِ الزايِ، ونصبِ الملائكةِ (^٣). وحُكِى عن بعضِ الكوفيين أنه كان يَقْرَؤُه: (تُنَزَّلُ المَلائِكَةُ) بالتاءِ وتشديدِ الزايِ، والملائكةُ بالرفعِ (^٤)، على اختلافٍ عنه في ذلك، وقد رُوِى عنه موافقةُ سائرِ قرأةِ بلدِه.\nوأولى القراءاتِ (^٥) بالصوابِ في ذلك عندى قراءةُ مَن قرَأ: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾. بمعنى: يُنَزِّلُ اللَّهُ ملائكةً. وإنما اختَرت ذلك، لأن اللَّهَ هو المنزِّلُ ملائكتَه بوحيِه إلى رسلِه، فإضافةُ فعلِ ذلك إليه، أولى وأحقُّ. واختَرت \"يُنَزِّلُ\" بالتشديدِ على التخفيفِ، لأنه تعالى ذكرُه كان يُنَزِّلُ مِن الوحيِ على مَن نزَّله، شيئًا بعدَ شيءٍ، والتشديدُ به، إذ كان ذلك معناه، أولى مِن التخفيفِ.\n[فتأويلُ الكلامِ: يُنَزِّل اللَّهُ ملائكتَه بما يحيا] (^٦) به الحقُّ، ويَضْمَحِلُّ به\n_________\n(^١) في ت ١: \"بتكبير\"، وفى ت ٢، ف: \"بتكثير\".\n(^٢) وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة. السبعة لابن مجاهد ص ٣٧٠.\n(^٣) وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو. الموضع السابق.\n(^٤) وهى قراءة عاصم في رواية أبي بكر عنه. السبعة لابن مجاهد ص ٣٧٠.\n(^٥) في ت ١: \"القراءتين\".\n(^٦) سقط من ت ١، ت ٢، ف.","vol":"14","page":161},{"text":"الباطلُ، ﴿مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. يَعْنى: على مَن يشاءُ مِن رسلِه، ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾. فـ \"أن\" الأولى (^١) في موضعِ خفضٍ، ردًّا على الروحِ، والثانيةُ في موضعِ نَصْبٍ بـ \"أنذروا\". ومعنى الكلامِ: يُنزِّلُ الملائكةَ بالروحِ مِن أمرِه على مَن يشاءُ مِن عبادِه، بأن أنذِروا عبادى سطْوَتى على كُفرِهم بي، وإشراكِهم في اتخاذِهم معىَ الآلهةَ والأوثانَ، فإنه ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾. يَقولُ: لا تَنْبَغى الأُلوهةُ إلَّا لي، ولا يَصْلُحُ أَن يُعْبَدَ شَيءٌ سواى، ﴿فَاتَّقُونِ﴾. يقولُ: فاحذَروني؛ بأداءِ فرائضِى، وإفرادِ العبادةِ، وإخلاصِ الربوبيةِ لى، فإن ذلك نجاتُكم مِن الهَلَكَةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4936>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾. يقولُ: بالوحيِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. يقولُ: يُنَزِّلُ الملائكةَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِ اللَّهِ: ﴿بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾: إنه لا\n_________\n(^١) غير واضحة في ت ١، وفى ص، ت ٢، ف: \"الأول\".\n(^٢) عزاء السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":162},{"text":"يَنْزِل ملَكٌ إلا ومعه رُوحٌ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ قولَه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾. قال: لا يَنْزِلُ ملَكٌ إلا معه رُوحٌ. ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. قال: بالنُّبوةِ. قال ابن جريجٍ: وسمِعت الرُّوحَ خَلْقٌ مِن الملائكةِ، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (^٢) [الإسراء: ٨٥].\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾. قال: كلُّ كَلِمٍ (^٣) تَكلم به ربنا فهو رُوح منه، قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾. إلى قولِه: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (^٤) [الشورى: ٥٣،٥٢].\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولهَ: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾. [يقولُ: يُنَزِّلُ بالرحمةِ والوحْيِ مِن أمرِه] (^٥) ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ فيَصْطَفى منهم رسلًا.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٢٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٠ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤٢٦) من طريق ابن جريج به. مقتصرا على أوله.\n(^٣) في ت ٢، ف: \"تكلم\".\n(^٤) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤٢٨) من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٠ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.","vol":"14","page":163},{"text":"﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ [مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ] (^١)﴾. قال: بالوحيِ والرحمةِ (^٢).\nوأما قولُه: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾. فقد بيَّنا معناه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4937>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ إنما بعَث الله المرسلين أن يُوَحَّدَ (^٣) اللهُ وحدَه، ويُطاعَ أمرُه، ويُجتنَبَ سخَطُه.\n\n<span id=\"aya-1904\"></span><span data-type='title' id=toc-4938>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ </span>(٣)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه معرِّفًا خلقَه حجتَه عليهم في توحيدِه، وأنه لا تَصْلُحُ الأُلوهةُ إلا له: خلَق ربُّكم، أيُّها الناسُ، السماواتِ والأرضَ بالعدلِ، وهو الحقُّ، منفردًا بخلِقها، لم يَشْرَكْه في إنشائِها وإحداثِها شريكٌ، ولم يُعِنْه (^٤) مُعِينٌ، فأَنَّى يكونُ له شريكٌ؟ ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: علا (^٥) ربُّكم، أيُّها القومُ، عن شِرْكِكم ودعواكم إلهًا دونَه، فارتَفع عن أن يَكُونَ له مِثْلٌ (^٦) أو شريكٌ أو ظَهِيرٌ،\n_________\n(^١) سقط من: ص.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٥٣ من طريق معمر عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٠ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، ف: \"يوحدوا\".\n(^٤) بعده في ص، ت ٢، ف: \"عين\". وبعده في م: \"عليه\".\n(^٥) في ت ١: \"تعالى\".\n(^٦) بعده في ت ٢: \"أو ند\".","vol":"14","page":164},{"text":"لأنه لا يَكُونُ إلهًا إلا مَن يَخْلُقُ ويُنْشِئُ بقدرتِه مثل السماواتِ والأرضِ، ويَبْتَدِعُ الأجسامَ فيُحْدِثُها مِن غيرِ شيءٍ، وليس ذلك في قُدرةِ أحدٍ سوى اللهِ الواحدِ القهارِ، الذي لا تَنْبَغى العبادةُ [إِلَّا له] (^١)، ولا تَصْلُحُ الأُلوهةُ لشيءٍ سواه.\n\n<span id=\"aya-1905\"></span><span data-type='title' id=toc-4939>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومِن حُجَجِه عليكم أيضًا، أيُّها الناسُ، أنه خلَق الإنسانُ من نطفةٍ، فأحدَث مِن ماءٍ مَهينٍ خلقًا عجيبًا، قَلَبه تاراتٍ خَلْقًا بعد خلقٍ، في ظلماتٍ ثلاثٍ، ثم أخرَجه إلى ضياءِ الدنيا، بعدَما تمَّ خلقُه، ونفَخ فيه الروحَ، فغذّاه ورزَقه القوتَ، ونمَّاه، حتى إذا استوى على سُوقِه، كفَر بنعمةِ ربِّه، وجحَد مدبرَه، وعبَد مَن لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وخاصَم إلهَه، فقال: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]. ونَسِى الذي خلَقه، فسوَّاه خلقًا سَوِيًّا مِن ماءٍ مَهِينٍ. ويَعْنى بالمُبينِ: أنه يُبينُ عن خصومتِه بمنطقِه، ويجادِلُ بلسانِه، فذلك إبانتُه، وعُنِى بالإنسانِ: جميعُ الناسِ، أُخْرِج بلفظِ الواحدِ، وهو في معنى الجميعِ.\n\n<span id=\"aya-1906\"></span><span data-type='title' id=toc-4940>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومِن حُجَجِه عليكم أيُّها الناسُ ما خلَق لكم مِن الأنعامِ، فسخَّرها لكم، وجعَل لكم من أصوافِها وأوبارِها وأشعارِها ملابسَ تَدْفَئُون بها، ومنافعَ من ألبانِها، وظهورَها تَرْكَبُون (^٢)، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. يقولُ: ومِن\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) في م: \"تركبونها\".","vol":"14","page":165},{"text":"الأنعامِ ما تَأْكُلون لحمَه؛ كالإبلِ والبقرِ والغنمِ وسائرِ ما يُؤكَلُ لحمُه. وحُذِفت \"ما\" من الكلامِ، لدِلالة \"مِن\" عليها.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ\n\n<span data-type='title' id=toc-4941>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى وعليُّ بنُ داودَ، قال المُثَنَّى: أخبرنا. وقال ابن داودَ: ثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾. يقولُ: الثيابُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: يَعْنى بالدفءِ الثيابَ، والمنافعِ ما تَنْتَفِعون به مِن الأطعمةِ والأشربةِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِ اللهِ تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾. قال: لباسٌ يُنْسَجُ، ومنها مَرْكَبٌ ولبنٌ ولحمٌ (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾: لباسٌ يُنْسَجُ، ﴿وَمَنَافِعُ﴾: مَرْكَبٌ ولحمٌ ولبنٌ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٠ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٢٠ من طريق ورقاء به.","vol":"14","page":166},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾. قال: نَسْلُ كلِّ دابةٍ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ بإسنادِه، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾. يقولُ: لكم فيها لباسٌ ومنفعةٌ وبُلْغةٌ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. قال: هو منافعُ ومآكلُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قولِه: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾. قال: دفءُ اللُّحُفِ التي جعَلها اللهُ منها.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابن جريجٍ، قال: بلَغني عن مجاهدٍ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾. قال: نِتاجُها\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٠ إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٧٦ عن قتادة.","vol":"14","page":167},{"text":"ورُكوبُها وألبانُها ولحومُها.\n\n<span id=\"aya-1907\"></span><span data-type='title' id=toc-4942>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولكم في هذه الأنعام والمواشي التي خَلَقها اللهُ لكم ﴿جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ﴾. يعني: تَرُدُّونَها بالعشيِّ من مسارحِها إلى مُراحِها ومنازلِها (^١) التي تأوِى إليها، ولذلك سُمِّى المكانُ المُراحَ، لأنها تُراحُ إليه عشاءً (^٢)، فتأوى إليه، يقالُ منه: أراح فلانٌ ماشيتَه، فهو يُريحُها إراحةً. وقولُه: ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾. يقولُ: وفى وقتِ إخراجِكموها غُدوةً مِن مُراحِها إلى مسارحِها، يقالُ منه: سَرَّح فلانٌ ماشيتَه يُسَرِّحُها تَسريحًا [وشروحا] (^٣)، إذا أخرَجها للمرعى (^٤) غُدْوةً، وسرَحت الماشيةُ: إذا خرَجت للمرعى، تَسْرَح سرْحًا [وسُرُوحا] (^٥) فالسَّرْحُ بالغداةِ، والإراحةُ بالعشيِّ، ومنه قولُ الشاعرِ (^٦):\nكأنَّ بقايا الأثرِ (^٧) فوق مُتُونِه … مَدَبُّ الدَّبَى (^٨) فوقَ النّقا (^٩) وَهْوَ سارحُ\n_________\n(^١) في ص: \"مباركها\".\n(^٢) في م: \"عشيا\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ص، ت ٢، م: \"للرعى\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف\n(^٦) البيت أورده الفراء غير منسوب. معاني القرآن ٣/ ٢١٠.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الأثن\"، وفى م: \"الأتن\" والصواب المثبت، وهو موافق لما في معاني القرآن، وما سيأتي في تفسير الآية (١٠) من سورة القيامة.\n(^٨) في ت ١: \"الذي\"، والدبى: الجراد قبل أن يطير، وقيل: الدبى أصغر ما يكون من الجراد والنمل. وقيل: الجراد أول ما يكون سِرْوٌ، وهو أبيض، فإذا تحرك واسْوَدَّ فهو دَبى قبل أن تنبت أجنحته. اللسان (د ب ى).\n(^٩) النقا: كثيب الرمل. اللسان (ن ق ى).","vol":"14","page":168},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4943>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾: وذلك أعجبُ ما يكونُ، إذا راحت عظامًا ضُروعُها، طِوالًا، أسنِمتُها، ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾: إذا سرَحت لرِعْيَتِها (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ﴾ (^٢). قال: إذا راحت كأعظمِ ما تَكونُ (^٢) أسنمةً وأحسنِ ما تكونُ (^٣) ضُروعًا (^٤).\n\n<span id=\"aya-1908\"></span>وقولُه: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾.\nيقولُ: وتَحْمِلُ هذه الأنعامُ أثقالكم (^٥) إلى بلدٍ آخرَ، لم تَكُونوا بالغِيه (^٦) إلا بجَهْدٍ من أنفسِكم شديدٍ، ومشقةٍ عظيمةٍ، كما حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شريكٌ، عن جابرٍ، عن عكرمةٍ: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾. قال: لو تُكَلَّفونه لم تَبْلُغوه إلا بجَهْدِ شديدٍ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شريكٍ، عن سِماكٍ، عن\n_________\n(^١) في م: \"لرعيها\". والرِّعية: ما ينبته الله من المرعى. الوسيط (ر ع ى).\n(^٢) بعده في م: \"وحين تسرحون\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ف: \"يكون\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٥٣ من طريق معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) في ت ٢: \"إياكم\"\n(^٦) بعده في ص، ف: \"بها\".","vol":"14","page":169},{"text":"عكرمةَ: ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾. قال: لو كُلِّفْتُموه لم تَبْلغوه إلا بشِقِّ الأنفسِ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾. قال: البلدُ مكةُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرَنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِ اللهِ: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾. قال: مشقةٍ عليكم (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾، يقول: بِجَهْدِ الأنفسِ.\nحدَّثنا محمدُ [بنُ عبدِ الأعلى] (^٤)، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١١ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن المنذر، متضمنًا الأثر الآتى، عن ابن عباس لا عن عكرمة.\n(^٢) أخرجه البغوي في تفسيره ٥/ ٩ بسنده عن عكرمة.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٢٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١١ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٥٣ عن معمر به.","vol":"14","page":170},{"text":"واختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ بكسرِ الشينِ: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾. سوى أبي جعفر القارئِ (^١)، فإن المثنى حدَّثني، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حمادٍ، قال: ثني أبو سعيدٍ الرازيُّ، عن أبي جعفرٍ قارئِ المدينةِ أنه كان يَقْرَأُ: ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾، بفتحِ الشينِ، وكان يقولُ: إنما الشَّقُّ: شَقُّ النفسِ. وقال ابن أبي حمادٍ: وكان معاذٌ الهرَّاءُ يقولُ: هي لغةٌ، تقولُ العربُ: بشَقٍّ وبشِقٍّ، وبرَقٍّ وبرِقٍّ.\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وهى كسرُ الشينِ، لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، وشذوذِ ما خالَفه، وقد يُنْشَدُ هذا البيتُ بكسرِ الشينِ وفتحِها، وذلك قولُ الشاعرِ (^٢):\nوذى إبلٍ يَسْعَى ويَحْسِبُها له … أخي نَصَبٍ مِن شِقِّها ودُءوبِ\nو\"مِن شَقِّها\"، أيضًا، بالكسرِ والفتحِ؛ وكذلك قولُ العجّاجِ (^٣):\nأصبَح مَسْحولٌ (^٤) يوازى شَقًا\nو\"شَقًّا\"، بالفتحِ والكسرِ، يَعْنى بقولِه: \"يوازى شِقًّا\": يُقاسي مشقةً. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يَذْهَبُ بالفتحِ إلى المصدرِ مِن: شَقَقْتُ عليه أَشُقُّ شَقًّا. وبالكسرِ إلى الاسمِ. وقد يَجُوزُ أن يكونَ الذين قرَءوا بالكسرِ، أرادوا إلا ينقصٍ مِن القوَّةِ، وذَهَابِ شيءٍ منها، حتى لا يَبْلُغَه إلا بعدَ نَقْصِها، فيكونَ معناه عندَ ذلك: لم\n_________\n(^١) النشر في القراءات العشر ٢/ ٢٢٧، وإتحاف فضلاء البشر ص ١٦٨.\n(^٢) البيت للنمر بن تولب. ديوانه ص ٤٠، وقد نسب البيت لأبي حزام العكلي في شرح القصائد السبع الجاهليات ص ١٣٨، ونسب أيضًا لحاتم الطائى في المجاز من شعر بشار للخالديين ص ١٣٤.\n(^٣) ديوانه ص ٧٢.\n(^٤) مسحول: اسم جَمَلِه. ديوان العجاج شرح الأصمعي ص ٧٢.","vol":"14","page":171},{"text":"تكونوا بالغيه إلا بشقِّ قُوَى أنفسِكم، وذَهَابِ شِقِّها الآخرِ. ويُحْكَى عن العربِ: خُذْ هذا الشِّقَّ. لشِقَّةِ الشاةِ، بالكسرِ. فأما في: شَقَقْتُ (^١) عليك شَقًّا، فلم يُحْكَ فيه إلا النصبُ (^٢).\nوقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّكم أيُّها الناسُ ذو رأفةٍ (^٣) ورحمةٍ، ومن رحمتِه بكم خلَق لكم الأنعامَ لمنافِعِيكم ومصالحِكم، وخلَق السماواتِ والأرضَ أدلةً لكم على وحدانيةِ ربِّكم، ومعرفةِ إلهِكم، لتَشْكُروه على نِعَمِه عليكم، فيزيدَكم مِن فضلهِ.\n\n<span id=\"aya-1909\"></span><span data-type='title' id=toc-4944>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وخلَق الخيلَ والبغالَ والحَميرَ لكم أيضًا لتركَبوها، ﴿وَزِينَةً﴾. يقولُ: وجعَلها لكم زينةً، تَتَزَينون بها، مع المنافعِ التي فيها لكم للركوبِ وغيرِ ذلك، ونُصِبَ الخيلُ والبغالُ، عطفًا على الهاءِ والألفِ في قولِه: ﴿خَلَقَهَا﴾. ونُصِبَ الزينةُ بفعل مضمرٍ على ما بَيَّنتُ، ولو لم يَكُنْ معها (^٤)، واوٌ، وكان الكلامُ: لتركَبوها زينةً. كانت منصوبةً بالفعلِ الذي قبلَها، الذي هي به متصلةٌ، ولكنَّ دخولَ الواوِ آذَنَت بأن معها ضميرَ فعلٍ، وبانقطاعِها عن الفعلِ الذي قبلَها.\n_________\n(^١) في م: \"شقت\".\n(^٢) معاني القرآن ٢/ ٩٧\n(^٣) بعده في ص، م: \"بكم\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"معهما\".","vol":"14","page":172},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4945>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾. قال: جعَلها لتَرْكَبوها، وجعَلها زينةً لكم (^١).\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ يرى أن في هذه الآيةِ دلالةً على تحريمِ أكلِ لُحومِ الخيلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4946>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدِ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ (^٢)، عن أبي (^٣) إسحاقَ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾. قال: هذه للرُّكوبِ. ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾. قال: هذه للأكلِ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: ثنا (^٤) هشامٌ الدَّستوائيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي كثيرٍ، عن مولى (^٥) نافعِ بن عَلْقمةَ، أن ابنَ عباسٍ كان يَكْرَهُ لحومَ الخيلِ والبغالِ والحميرِ، وكان يقولُ: قال اللهُ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. فهذه للأكلِ، ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٥٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في النسخ: \"ضمرة\"، والمثبت هو الصواب، وهو محمد بن ميمون المروزى أبو حمزة السكرى.\nتهذيب الكمال ٢٦/ ٥٤٤ وينظر أيضًا تهذيب الكمال ٣٢/ ٢٣.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"ابن\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٥٤٤.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ابن\".\n(^٥) بعده في ت ٢: \"عن\".","vol":"14","page":173},{"text":"لِتَرْكَبُوهَا﴾؛ فهذه للرُّكوبِ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابن (^٢) أبي ليلى، [عن المنهالِ] (^٣)، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ، أنه سُئِل عن لُحومِ الخيلِ، فكرِهها، وتلا هذه الآية: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ الآية (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيعِ، عن ابن أبي ليلى، عن المنهالِ بنُ عمرٍو، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه سُئِل عن لُحومِ الخيلِ، فقال: اقْرَأ التي قبلَها: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ … ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾، فجعَل هذه للأكلِ، وهذه للرُّكوبِ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عبدِ الملكِ بنُ أبي غَنِيَّة (^٥)، عن أبيه، عن الحَكَمِ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: فجعَل منه الأكلَ. ثم قرَأ حتى بلَغ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾. قال: لم يَجْعَلْ لكم فيها أكلًا. قال: وكان الحَكَمُ يقولُ: الخيلُ والبغالُ والحميرُ حرامٌ في كتابِ اللهِ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٧١ عن ابن علية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١١ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت، ف.\n(^٣) سقط من: ت ١، ت، ف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٧٠ عن وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٥) في ص: \"عسه\" بدون نقط، وفى ت ١: \"عبينة\"، وفى ت ٢: \"عيينة\"، وفى ف: \"عينية\". وهو يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية الخزاعي. تهذيب الكمال ٣١/ ٤٤٦.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١١ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"14","page":174},{"text":"حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا ابن أَبي غَنِيَّةً (^١)، عن الحَكَمِ، قال لُحومُ الخيلِ حرامٌ في كتابِ اللهِ. ثم قرَأ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ إلى قولِه: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾.\nوكان جماعةٌ غيرُهم مِن أهلِ العلمِ يُخالِفونهم في هذا التأويلِ، ويَرَوْن أن ذلك غيرُ دالٍّ على تحريمِ شيءٍ، وأن الله جلَّ ثناؤُه إنما عرَّف عبادَه بهذه الآيةِ، وسائرِ ما في أوائلِ هذه السورةِ، نِعَمَه عليهم، ونبَّههم به على حُجَجِه عليهم، وأدلتِه على وحدانيتِه، وخَطَأَ فعلِ مَن يُشْرِكُ به مِن أهلِ الشركِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4947>ذكرُ بعضِ مَن كان لا يَرَى بأسًا بأكلِ لحمِ الفَرَسِ</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شعبةَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، أنه أكَل لحمَ فَرَسٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شعبةَ، عن الحَكَمِ، عن إبراهيمَ، عن الأسود بنحوِه.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: نحَر أصحابُنا فَرَسًا في النَّجْعِ (^٣)، وأكَلوا منه، ولم يرَوا به بأسًا (^٤).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا ما قاله أهلُ القولِ الثاني، [وذلك] (^٥) أنه لو\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"عيينة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٦٩ من طريق مغيرة به.\n(^٣) النَّجع: مكان انتجاع القبيلة، يطلق على مواضيع النجعة، والنُّجعة: طلب الكلأ في موضعه. التاج (ن ج ع).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٧٣٢)، وابن أبي شيبة ٨/ ٦٩ من طريق سفيان به بنحوه.\n(^٥) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.","vol":"14","page":175},{"text":"كان في قولِه تعالى ذكرُه: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾. دِلالةٌ على أنها لا تَصْلُحُ - إذ كانت للركوبِ - للأكلِ، لكان في قولِه: ﴿فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. دلالةٌ على أنها لا تَصْلُحُ - إذ كانت [للأكلِ والدِّفْءِ - للركوبِ، وفي إجماعِ الجميعِ على أن ركوبَ (^١) ما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. جائزٌ حلالٌ غيرُ حرامٍ، دليل] (^٢) واضحٌ على أن أكلَ ما قال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾. جائزٌ حلالٌ غيرُ حرامٍ، إلا بما نَصَّ على تحريمِه، أو وضَع على تحريمِه دلالةً؛ مِن كتابٍ، أو وحيٍ إلى رسولهِ ﷺ. فأما بهذه الآيةِ، فلا يُحَرَّمُ أَكلُ شيءٍ. وقد وضَع الدَّلالةَ على تحريمِ لُحومِ الحُمُرِ الأهليةِ بوحيِه إلى رسولِه، وعلى البغالِ بما قد بيَّنا في كتابِنا، كتابِ الأطعمةِ، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ، إذ لم يَكُنْ هذا الموضعُ من مواضعِ البيانِ عن تحريمِ ذلك، وإنما ذكَرنا ما ذكَرنا، ليَدُلَّ على ألَّا وجهَ لقولِ (^٣) مَن اسْتَدَلَّ بهذه الآيةِ على تحريمِ لُحومِ (^٤) الفرسِ.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عبدِ الكريمِ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ، قال: كنا نأكُلُ لحمَ الخيلِ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ قلت: فالبغالُ؟ قال: أما البغالُ فلا (^٥).\nوقولُه: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويَخْلُق ربُّكم مع خلقِه هذه الأشياءَ التي ذكَرها لكم، ما لا تَعْلَمون، مما أعَدَّ في الجنةِ لأهلِها، وفي\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يكون\".\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بقول\".\n(^٤) في م: \"لحم\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٧٣٣)، وابن أبي شيبة ٨/ ٧١، والنسائى (٤٣٤٢، ٤٣٤٥)، وابن ماجه (٣١٩٧) من طريق عبد الكريم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٢ إلى ابن مردويه.","vol":"14","page":176},{"text":"النارِ لأهلِها، مما لم تَرَهُ عَينٌ، ولا سمِعته أذنٌ، ولا خطَر على قلبِ بشرٍ.\n\n<span id=\"aya-1910\"></span><span data-type='title' id=toc-4949>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وعلى اللهِ، أَيُّها الناسُ، بيانُ طريقِ الحقِّ لكم، فمن اهْتَدى فلنفسِه، ومَن ضلَّ فإنما يَضِلُّ عليها. والسبيلُ هي الطريقُ، والقصدُ مِن الطرقِ (^١): المستقيمُ الذي لا اعوجاجَ فيه، كما قال الراجزُ (^٢):\nفصَدَّ عن نَهْج الطريقِ القاصدِ\nوقولُه: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾. يَعْنى تعالى ذكرُه: ومن السبيلِ جائزٌ عن الاستقامةِ مُعْوَجٌّ، فالقاصدُ من السُّبُلِ الإسلامُ، والجائرُ منها اليهوديةُ والنصرانيةُ وغيرُ ذلك مِن مِلَلِ الكفرِ، كلُّها جائرٌ عن سواءِ السبيلِ وقصدِها، سوى الحنيفيةِ المسلمةِ، وقيل: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾. لأن السبيلَ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، فأُنثتْ في هذا الموضعِ. وقد كان بعضُهم يقولُ: إنما قيل: ﴿وَمِنْهَا﴾، لأنَّ السبيلَ وإن كان لفظُها لفظَ واحدٍ، فمعناها الجمعُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4948>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾. يقولُ: البيانُ (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"الطريق\".\n(^٢) تقدم في ١/ ١٧١.\n(^٣) في ت ١: \"علي الله البيان\"، والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٧٩ عن علي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":177},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾، يقولُ: على اللهِ البيانُ؛ أن يُبَيِّن الهدى والضلالةَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرَنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾. قال: طريقُ الحقِّ على اللهِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، [قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾. يقولُ: على اللهِ البيانُ؛ بيانُ (^٤) حلالِه وحرامِه، وطاعتِه ومعصيتِه (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾. قال: [السبيلُ طريقً الهدى] (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٧٩ عن العوفي عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٢٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ت ١: \"عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ قال: طريق الحق\".\n(^٤) في ص، ت ٢، ف: \"تبيان\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) في ص، ت ٢، ف: \"السبيل الأرض الطريق الهدى\"، وفى ت ١: \"السبيل الطريق الهدى\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٢ إلى المصنف.","vol":"14","page":178},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾. قال: إنارتُها.\nحدَّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾، يقولُ: على اللهِ البيانُ، يُبَيِّنُ الهدى مِن الضلالةِ، ويُبَيِّنُ السبيلُ التي تَفَرَّقت عن سُبُلِه، ومنها جائرٌ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾: أي من السُّبُل (^٢)، سُبُلُ (^٣) الشيطانِ. وفى قراءةِ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ: (وَمِنْكُمْ جائِرٌ، وَلَوِ شَاءَ (^٤) لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ).\nحدَّثنا محمدُ بن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾. قال: في حرفِ ابن مسعود: (وَمِنْكُمْ جائِرٌ) (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، [عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾. يعنى: السبلُ المتفرِّقةُ (^٦).\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ] (^٧)، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٧٩ عن الضحاك به.\n(^٢) في ت ٢: \"السبيل\".\n(^٣) في ت ٢: \"سبيل\".\n(^٤) بعده في م: \"الله\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٥٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٧) سقط من: ت ١.","vol":"14","page":179},{"text":"ابن عباسٍ، في قولِه: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾. يقولُ: الأهواءُ المختلفةُ (^١).\nحدَّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾. يعنى: السبلُ التي تَفَرَّقت عن سبيلِه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ السبلُ المتَفَرقةُ عن سبيلِه.\nحدَّثنا يونسُ، [قال: أخبَرنا ابن وهبٍ] (^٢)، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾. قال: من السُّبُلِ جائرٌ عن الحقِّ. قال: وقال اللهُ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (^٣) [الأنعام: ١٥٣].\nوقولُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ: ولو شاء اللهُ للَطَفَ بجميعِكم، أيُّها الناسُ، بتَوْفِيقِه، فكنتم تَهْتَدون، وتَلْزَمون قصدَ السبيلِ، ولا تَجُورون عنه، فتَتَفرَّقون في سبلٍ عن الحقِّ جائرةٍ.\nكما حدّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال: لو شاء لهداكم أجمعين لقَصْدِ السبيلِ الذي هو الحقُّ. وقرَأ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ الآية [يونس: ٩٩)، وقرَأ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ الآية [السجدة: ١٣].\n\n<span id=\"aya-1911\"></span><span data-type='title' id=toc-4950>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٢ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ١: \"القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٢ إلى المصنف.","vol":"14","page":180},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: والذي أنعَم عليكم هذه النِّعَمَ، وخلَق لكم الأنعامَ والخيلَ وسائرَ البهائمِ لمنافعِكم ومصالحِكم، هو الربُّ الذي أنزَل من السماءِ ﴿مَاءً﴾، يعني: مطرًا، ﴿لَّكُمْ﴾، مِن ذلك الماءِ ﴿شَرَابٌ﴾ تَشْرَبونه، ﴿وَمِنْهُ﴾ شرابُ أشجارِكم وحياةُ غُروسِكم ونباتُها. ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. يقولُ: في الشجرِ الذي يَنْبُتُ مِن الماءِ الذي أُنْزِل مِن السماءِ تُسِيِمون، يعنى تُرْعُون، يقالُ منه: أسام فلانٌ إبِلَه يُسِيمُها إسامةً، إذا أرْعاها، وسوَّمها أيضًا يُسوِّمُها، وسامَت هي، إذا رعَت، فهي تَسُومُ، وهى إبلٌ سائمةٌ، ومن ذلك قيل للمواشِي المُطْلَقَةِ في الفلاةِ وغيرها للرَّعْيِ: سائمةٌ. وقد وجَّه بعضُهم معنى السَّوْمِ في البيعِ، إلى أنه مِن هذا، وأنه ذَهابُ كلِّ واحدٍ من المتَبايِعَيْن، فيما يَنْبَغى له مِن زيادةِ ثمنٍ ونقصانٍ (^١) كما تَذْهَبُ سوائمُ المواشى حيثُ شاءَت مِن مراعيها، ومنه قولُ الأعشى (^٢):\nومشَى القومُ بالعِمَادِ إلى الرَّزْ … حَى (^٣) وأعيا المُسيمَ أين المساقُ\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4951>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن النَّضْرِ بن عربيٍّ، عن عكرمةَ: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. قال: تُرْعُونَ (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ سهيلٍ الواسطيُّ، قال: ثنا قرةُ بنُ عيسى، عن النضرِ بن عربيٍّ،\n_________\n(^١) في م: \"نقصانه\".\n(^٢) ديوانه ص ٢١٣.\n(^٣) في م: \"المرعى\". والرزحى: جمع الرازح، وهو الشديد الهزال من الإبل. اللسان (ر ز ح).\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٧٩ عن عكرمة به.","vol":"14","page":181},{"text":"عن عكرمةَ، في قولِه: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. قال: تُرْعُون (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: تُرْعُون.\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. يقولُ: شَجَرٌ يُرْعُون فيه أنعامَهم وشاءَهم.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. قال: تُرْعُون.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ وأبو خالدٍ، عن جُوَييرٍ، عن الضحاكِ: فيه تُرْعُون (^٢).\nحدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ، في قولِه: ﴿تُسِيمُونَ﴾. يقول: تُرْعُون أنعامَكم\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن طلحةَ بن أبي طلحةَ القَنّادِ، قال: سمِعت عبدِ اللهِ بنَ عبدِ الرحمنِ بن أَبزَى، قال: فيه تُرْعُون.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. يقولُ: تُرْعُون.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٢ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٧٩ عن الضحاك به.","vol":"14","page":182},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: تُرْعُون (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ: ﴿شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. قال: تُرْعُون.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. قال: تُوْعُونَ (^٢).\nقال: الإسامةُ الرِّعْيَةُ، وقال الشاعرُ (^٣):\nمثلِ ابن بَزْعَةَ أَو كَآخَر مِثْلِهِ … أَوْلَى لك ابنَ مُسِيمةِ الأجْمالِ\nقال: يا بنَ راعيةِ الأجْمالِ.\n\n<span id=\"aya-1912\"></span><span data-type='title' id=toc-4952>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يُنْبِتُ لكم ربُّكم بالماءِ الذي أنزَل لكم مِن السماءِ، زَرْعَكم وزَيْتونَكم ونَخِيلَكم وأعنابَكم، ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾، يعنى مِن كلِّ الفواكهِ غيرِ ذلك، أرزاقًا لكم وأقواتًا وإدامًا وفاكهةً، نعمةً منه عليكم بذلك وتَفْضُّلًا، وحُجَّةً على مَن كفَر به منكم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: إن في إخراجِ اللهِ بما يُنْزِلُ مِن السماءِ مِن ماءٍ، ما وصَف لكم ﴿لَآيَةً﴾. يقول: لدلالةً واضحةً، وعلامةً بيِّنةً ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. يقولُ: لقومٍ يَعْتَبرون مواعظَ اللهِ، ويَتَفَكَّرون في حُجَجِه، فيَتَذَكَّرون ويُنيبون.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٥٤ عن معمر به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٧٩ عن ابن زيد به.\n(^٣) هو الأخطل، وتقدم في ٥/ ٢٦٦.","vol":"14","page":183},{"text":"<span id=\"aya-1913\"></span><span data-type='title' id=toc-4953>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿(١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومِن نِعَمِه عليكم أيُّها الناسُ، مع التي ذكَرها قبلُ، أن سخَّر لكم الليلَ والنهارَ يَتَعاقَبان عليكم، هذا لتَصَرُّفِكم في معاشِكم، وهذا لسكَنِكم فيه، ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ لمعرفةِ أوقاتِ أزمنتِكم وشهورِكم وسنينِكم، وصلاحِ معايِشكم، ﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ﴾ لكم بأمرِ الله، تَجْرى في فَلَكِها، لتَهْتَدُوا بها في ظُلُماتِ البرِ والبحرِ. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن في تَسْخيرِ اللهِ ذلك على ما سخَّره، لدِلالاتٍ واضحاتٍ، لقومٍ يَعْقِلُون حُجَجَ اللهِ ويَفْهَمون عنه تنبيهَه إياهم.\n\n<span id=\"aya-1914\"></span><span data-type='title' id=toc-4954>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ﴾: وسخَّر لكم ما ذرَأ لكم، أي ما خلَق لكم في الأرضِ ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ مِن الدوابِّ والثمارِ.\nكما حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٍ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. يقول: وما خلَق لكم ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ من الدوابِّ، ومن الشجرِ والثمارِ، نِعَمٌ مِن الله مُتظاهِرةٌ، فاشْكُروها للهِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":184},{"text":"قتادةَ، قال: مِن الدوابِّ والأشجارِ والثمارِ (^١).\nونُصِب قولُه: ﴿مُخْتَلِفًا﴾ لأن قولَه ﴿وَمَا﴾ في موضعِ نصبٍ بالمعنى الذي وصَفت. وإذا كان ذلك كذلك، وجَب أن يكونَ ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾، حالًامِن \"ما\"، والخبرُ دونَه تامٌّ (^٢)، ولو لم تَكُنْ \"ما\" في موضعِ نصبٍ، وكان الكلامُ مبتدأً مِن قولِه: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ﴾ لم يَكُنْ في \"مختلفٍ\" إلا الرفعُ؛ لأنه كان يصيرُ مُرافَعَ \"ما\" حينَئذٍ.\n\n<span id=\"aya-1915\"></span><span data-type='title' id=toc-4955>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: والذي فعَل هذه الأفعالَ بكم وأنعَم عليكم، أيُّها الناسُ، هذه النِّعَمَ، هو الذي سخَّر لكم البحرَ، وهو كلُّ نَهَرٍ، مِلْحًا كان ماؤه أو عَذْبًا ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾، وهو السمكُ الذي يُصْطادُ منه ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾، وهى اللُّؤلُؤُ والمَرجانُ.\nكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾. قال: منهما (^٣) جميعًا. ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾، قال: هذا اللُّؤْلُوُ (^٤).\n_________\n(^١) عبد الرزاق ١/ ٣٥٣ - ٣٥٤ من طريق معمر به.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"منها\" ومنهما، أي: من البحرين المالح والعذب جميعًا.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر ٤/ ١١٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":185},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾، يعني: حِيتانَ البحرِ.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا [خلَّادُ بنُ] (^١) يحيى، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: جاء رجلٌ إلى أبى جعفرٍ، فقال: هل في حُلْيِ النساءِ صَدَقَةٌ؟ قال: لا، هي كما قال اللهُ ﷿: ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ (^٢).\n﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾، يعنى: السُّفْنَ ﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾، وهى جمعُ ماخِرةٍ.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿مَوَاخِرَ﴾؛ فقال بعضُهم: المواخرُ المواقِرُ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-4956>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عمرٍو بنُ موسى القزّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾. قال: المواقِرُ (^٤).\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا به عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، عن أبي بكرٍ الأصمِّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾، قال: ما أُخِذ عن يمينِ السفينةِ وعن يَسارِها مِن الماءِ، فهو المواخرُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي مَكِينٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾. قال: هي السفينةُ تقولُ بالماءِ هكَذا. يَعْنى:\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"حماد عن\". وينظر تهذيب الكمال ٨/ ٣٥٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٥٥ من طريق إسماعيل به\n(^٣) المواقر: ذوات الأحمال الثقيلة. ينظر اللسان (وق ر).\n(^٤) ذكره القرطبي ١٠/ ٨٩ عن الحسن به.","vol":"14","page":186},{"text":"تَشْقُّه (^١).\nوقال آخرون فيه: بما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيه﴾. قال: تَجْرى فيه مُتَعَرِّضةً.\nوقال آخرون فيه بما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيه﴾. قال: تَمْخُرُ السفينةُ الرياحَ، ولا تَمْخُرُ الريحُ من السُّفُنِ، إلا الفُلْكَ العظيمَ (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا: إسحاقُ، قال: ثنا عبد اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه، غيرَ أن الحارثَ قال في حديثِه: ولا تَمْخُرُ الرياحُ مِن السفنِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَوَاخِرَ﴾. قال: تَمْخُرُ الريحَ.\nوقال آخرون فيه ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٣ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"العظام\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٢٠.","vol":"14","page":187},{"text":"﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾: تَجْرِى بريحٍ واحدةٍ، مُقبلةً ومُدبِرةً (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: تجرى مُقْبِلةً ومُدْبِرةً، بريحٍ واحدةٍ (^٢).\nحدَّثنا المُثَنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن يزيدَ بنُ إبراهيمَ، قال: سمِعت الحسنَ: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾. قال: مقبلةً ومدبرةً، بريحٍ واحدةٍ (^٣).\nوالمخْرُ في كلامِ العربِ صوتُ هبوبِ الريحِ إذا اشتدَّ هبوبُها، وهو في هذا الموضعِ صوتُ جريِ السفينةِ بالريحِ إذا عصَفَت، وشَقِّها الماءَ حينَئِذٍ بصدرِها. يُقالُ: منه: مخَرَت السفينةُ تَمْخُرُ مَخْرًا ومُخورًا، وهى ماخرةٌ. ويقالُ: امْتَخَرْتُ الريحَ وتَمَخَّرْتُها. إذا نظَرْتَ مِن أين هُبوبُها، وتَسَمَّعْتَ صوتَ هُبوبِها. ومنه قولُ واصلٍ مولى أبي (^٤) عُيَيْنةَ: كان يُقالُ: إذا أراد أحدُكم البولَ فلْيَتَمَخَّرِ الريحَ. يريدُ بذلك: ليَنْظُرْ مِن أينَ مَجراها وهبوبُها؛ ليَسْتَدْبِرَها، فلا تُرجِعَ عليه البولَ وتردَّه عليه (^٥).\nوقولُه: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولتَتصَرَّفوا في طلبِ معايِشِكم بالتجارةِ (^٦)، كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال: تجارةُ البرِّ والبحرِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣ إلى المصنف، كما ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ١٢ عن قتادة.\n(^٢) عبد الرزاق ١/ ٣٥٤ عن معمر به.\n(^٣) في م: \"واحد\". والأثر ذكره الطوسى في التبيان ٦/ ٣٦٧ عن الحسن به\n(^٤) في م، ص، ف: \"ابن\"، وينظر مصدر التخريج.\n(^٥) ينظر تلخيص الحبير لابن حجر ١/ ١٠٧.\n(^٦) بعده في النسخ: \"سخر لكم\"، وهو انتقال نظر. والمثبت ما يقتضيه السياق.","vol":"14","page":188},{"text":"وقولُه: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: ولتَشْكُروا ربَّكم على ما أنعَم به عليكم، من ذلك [ما سخَّر لكم] (^١) مِن هذه الأشياءِ، التي عدَّدها في هذه الآياتِ.\n\n<span id=\"aya-1916\"></span><span data-type='title' id=toc-4957>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومِن نِعَمِه عليكم أيُّها الناسُ أيضًا، أن ألْقَى في الأرضِ رواسِيَ، وهى جمعُ راسيةٍ، وهى الثوابتُ في الأرضِ مِن الجبالِ.\nوقولُه: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ يعنى: أن لا تميدَ بكم، وذلك كقولِه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦). والمعنى: أن لا تَضِلوا. وذلك أنه جلَّ ثناؤُه أرْسَى الأرضَ بالجبالِ، لئلا تَمِيدَ خلقَه الذي على ظهرِها، وقد كانت مائدةً قبل أن تُرْسَى بها.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن قيسِ بن عُبَادٍ، أن الله ﵎ لما خلَق الأرضَ جَعَلت تمورُ، قالت الملائكةُ: ما هذه بمُقِرَّةٍ على ظهرِها أحدًا، فأصبَحت صُبحًا وفيها رواسيها (^٢).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن عبدِ اللهِ بن حبيبٍ، عن عليّ بن أبى طالبٍ، قال: لما خلّق اللهُ الأَرضَ قمَصت (^٣)، وقالت: أي ربِّ، أَتَجْعَلُ عليَّ بنى آدمَ، يَعْمَلُون عليَّ الخطايا، ويَجْعَلُون\n_________\n(^١) في النسخ: \"سخر لكم ما سخر\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٨١، كما عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٣ إلى المصنف وابن المنذر وعبد بن حميد.\n(^٣) قمصت: اضطربت.","vol":"14","page":189},{"text":"عليَّ الخَبَثَ؟ قال: فأَرْسَى اللهُ عليها مِن الجبالِ ما تَرَوْن وما لا تَرَوْنَ، فكان إقرارُها كاللحمِ يَتَرَجْرَجُ (^١).\nوالمَيْدُ هو الاضْطرابُ والتكفِّى (^٢)، يُقال: مادت السفينةُ تمِيدُ مَيْدًا. إذا تَكَفَّأتْ بأهلِها، ومالَت، ومنه المَيْدُ الذي يَعْتَرى راكبَ البحرِ: وهو الدُّوَارُ (^٣).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4958>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾: أن تُكْفَأَ بكم.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾. قال: الجبالَ، ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾. قال قتادةُ: سمعتُ الحسنَ يقولُ: لما خُلِقت الأَرضُ كادَت تَميدُ، فقالوا: ما هذه بمُقِرَّةٍ على ظهرِها أحدًا. فأصبَحوا وقد خُلِقت الجبالُ، فلم تَدْرِ الملائكةُ ثمَّ (^٤) خُلِقت الجبالُ (^٥)؟\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٨١، ٤٨٢ نقلا عن الطيرى.\n(^٢) في م: \"التكفر\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٢٠ من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في ت ٢: \"ثم\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٤ عن معمر به.","vol":"14","page":190},{"text":"وقولُه: ﴿وَأَنْهَارًا﴾. يقولُ: وجعَل فيها أنهارًا، فعطَف بالأنهارِ على الرواسِي، وأعملَ فيها ما أعملَ في الرواسِي، إذ كان مفهومًا معنى الكلامِ والمرادُ منه، وذلك نظيرُ قول الراجزِ (^١):\nتَسْمَعُ في أجوافِهن صَوْرا … وفي اليَدَيْنِ حَشَّةً وبَوْرَا\nوالحشَّةُ: اليُبْسُ، فعَطَف بالحَشَّةِ على الصوتِ، والحَشَّةُ لا تُسْمَعُ، إذ كان مفهومًا المرادُ منه، وأن معناه: وتَرَى في اليدين حَشَّةً.\nوقوله: ﴿وَسُبُلًا﴾، وهي جمعُ سبيلٍ، كما الطُّرُقُ جمعُ طريقٍ. ومعنى الكلامِ: وجعَل لكم أيُّها الناسُ في الأرضِ سُبُلًا وفجاجًا تَسْلُكونها، وتَسيرون فيها في حوائجِكم، وطَلَبِ معايشِكم؛ رحمةً بكم ونعمةً منه بذلك عليكم، ولو عمّاها عليكم لهلَكتم ضلالًا وحَيْرةً.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4959>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَسُبُلًا﴾، أي: طُرُقًا (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَسُبُلًا﴾. قال: طُرُقًا (^٣).\nوقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، يقولُ: لكي تَهْتَدوا بهذه السُّبُلِ التي جعَلها\n_________\n(^١) البيتان في التبيان للطوسي ٦/ ٣٦٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر ٤/ ١١٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والخطيب في كتابه النجوم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٣٥٤ عن معمر به.","vol":"14","page":191},{"text":"لكم في الأرضِ، إلى الأماكن التي تَقْصِدون، والمواضعِ التي تُرِيدون، فلا تَضِلُّوا وتَتَحَيَّروا.\n\n<span id=\"aya-1917\"></span><span data-type='title' id=toc-4962>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾.</span>\nاختَلف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالعلاماتِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها معالمُ الطرقِ بالنهارِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4960>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. يعنى بالعلاماتِ: معالمَ الطُّرُقِ بالنهارِ، ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ بالليل (^١).\nوقال آخرون: عُنِى بها النجومُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4961>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. قال: منها ما يكونُ علاماتٍ، ومنها ما يَهتَدُون به.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. قال: منها ما يكونُ علامةً، ومنها ما يُهْتَدى به (^٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر ٤/ ١١٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر ٤/ ١١٤ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"14","page":192},{"text":"حدَّثنا المُثَنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه. قال المُثَنَّى: قال (^٢) إسحاقُ: خالَف قَبيصةُ وكيعًا في الإسنادِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ والعلاماتُ النجومُ، وإن الله ﵎ إنما خلَق هذه النجومَ لثلاثِ خَصَلات؛ جعَلها زينةً للسماءِ، وجعَلها يُهتَدى بها، وجعَلها رُجومًا للشياطين، فمن تعَاطى فيها غيرَ ذلك، فقد رأيَه، وأخطَأ حظَّه، وأضاع نصيبَه، وتكلَّف ما لا علمَ له به.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾. قال: النجومُ (^٣).\nوقال آخرون: عُنِى بها الجبالُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4963>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ عن الكلبيِّ: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾. قال: الجبالُ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٤ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) بعده في م: \"ثنا\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٣٥٤ عن معمر به.\n(^٤) تفسير البغوي ٥/ ١١٣ عن الكلبي به، وعبد الرزاق ١/ ٣٥٤ عن معمر به، كما عزاه السيوطي في الدر ٤/ ١١٣ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"14","page":193},{"text":"وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه عدَّد على عبادِه مِن نِعَمِه إنعامَه عليهم بما جعَل لهم مِن العلاماتِ التي يهْتدون بها في مسالِكهم وطُرُقِهم التي يَسيرونها، ولم يَخْصُصْ بذلك بعضَ العلاماتِ دونَ بعضٍ، فكلُّ علامةٍ اسْتَدلَّ بها الناسُ على طُرُقِهم وفِجاجِ سُبُلِهم، فداخلٌ في قولِه: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾، والطُّرُقُ المسْبُولةُ الموطوءةُ علامةٌ للناحيةِ المقصودةِ، والجبالُ علامات يُهْتَدى بهنَّ إلى قَصْدِ السبيل، وكذلك النجومُ بالليلِ، غير أن الذي هو أولى بتأويلِ الآيةِ أن تَكُونَ العلاماتُ من أدلةِ النهارِ إذ كان اللهُ قد فصَل منها أدلةَ الليل بقولِه: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾؛ وإذ كان ذلك أشبهَ وأولى بتأويلِ الآيةِ، فالواجبُ أن يَكُون القولُ في ذلك ما قاله ابن عباسٍ في الخبرِ الذي رُوِّيناه عن عطيةَ عنه، وهو أن العلاماتِ معالمُ الطُّرُقِ وأماراتُها التي يُهْتدى بها إلى المستقيمِ منها نهارًا، وأن يكون النَّجمِ الذي يُهْتدى به ليلًا هو الجَدْىُ والفَرْقدانِ، لأنَّبها اهتداءَ السفرِ، دونَ غيرِها مِن النجومِ.\nفتأويلُ الكلامِ إذن: وجعَل لكم أيُّها الناسُ علاماتٍ تسْتَدِلُّون بها نهارًا على طُرُقِكم في أسفارِكم، ونجومًا تهتَدون بها ليلًا في سُبُلكم.\n\n<span id=\"aya-1918\"></span><span data-type='title' id=toc-4964>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لعَبَدةِ الأوثانِ والأصنامِ: أفمن يخلقُ هذه الخلائقَ العجيبةَ، التي عدَّدناها عليكم، ويُنْعِمُ عليكم هذه النِّعَمَ العظيمةَ، كمن لا يخلقُ شيئًا، ولا يُنْعِمُ عليكم نعمةً صغيرةً ولا كبيرةً. يقول: أتُشْرِكون هذا في عبادةِ هذا؟ يُعَرِّفُهم بذلك عِظمَ جهلِهم، وسوءَ نظرِهم لأنفسِهم، وقلَّةَ شُكْرِهم لمن أَنْعَم عليهم بالنِّعمِ التي عدَّدها عليهم، التي لا يُحْصِيها أحدٌ غيرُه. قال لهم جلَّ ثناؤُه مُوَبِّخَهم:","vol":"14","page":194},{"text":"﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أَيُّها الناسُ. يقولُ: أفلا تَذكَّرون نِعمَ اللهِ عليكم، وعظيمَ سُلطانِه وقُدرتِه على ما شاء، وعجزَ أوثانِكم وضعْفَها وَمَهانتَها، وأنها لا تَجْلُّبُ إلى نفسِها نفعًا، ولا تَدْفَعُ عنها ضُرًّا، فتَعْرِفوا بذلك خَطَأَ ما أنتم عليه مُقيمون، من عبادِتكُموها، وإقرارِكم (^١) لها بالأُلُوهَةِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. واللهُ هو الخالقُ الرازقُ، وهذه الأوثانُ التي تُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ تُخْلَقُ، ولا تَخْلُقُ شيئًا، ولا تَمْلِك لأهلِها ضَرًّا ولا نفعًا. قال اللهُ: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (^٢).\nوقيل: ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [ومن لا يَخْلُقُ] (^٣) هو الوَثَنُ والصَّنَمُ، و\"مَن\" لذَوِى التمييزِ خاصةً، فجُعِل في هذا الموضعِ لغيرِهم التمييزُ، إذ وقَع تَفْصِيلًا بينَ مَن يَخْلُقُ ومَن لا يَخْلُقُ. ومَحْكيٌّ عن العربِ: اشْتَبه عليَّ الراكبُ وحملُه (^٤)، فما أَدْرِى مَن ذا مِن (^٥) ذا. حيثُ جُمِعًا وأحدُهما إنسانٌ، حَسُنت \"من\" فيهما جميعًا. ومنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥].\n\n<span id=\"aya-1919\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾: لا تُطِيقوا أداءَ شُكْرِها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقول جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ﴾ لما كان منكم من تقصيرٍ في شكرِ بعضِ ذلك، إذا تُبتُم وأنَبْتُم إلى طاعتِه، واتباعِ مَرْضاتِه،\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"إفرادكم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٤ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) في م: \"جملة\". وينظر معاني القرآن ٢/ ٩٨.\n(^٥) في م: \"ومن\".","vol":"14","page":195},{"text":"﴿رَحِيمُ﴾ بكم أن يُعَذِّبَكم عليه بعدَ الإنابةِ إليه والتوبةِ.\n\n<span id=\"aya-1920\"></span><span data-type='title' id=toc-4965>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ (^١) الذي هو إلهُكم أيها الناسُ، يَعْلَمُ مَا تُسِرُّون في أنفسِكم من ضمائرِكم، فتُخْفُونه عن غيرِكم فَمَا (^٢) تُبْدُونه (^٣) بألسنتِكم وجوارحِكم، وما تُعْلِنونه بألسنتِكم وجوارحِكم من (^٤) أفعالِكم، وهو مُحْصِ ذلك كلَّه عليكم، حتى يُجَازِيَكم به يومَ القيامةِ؛ المحسنَ منكم بإحسانِه، والمسيءَ منكم بإساءتِه، ومُسائِلُكم عما كان منكم مِن الشكرِ في الدنيا على نِعَمِه التي أنعَمها عليكم، منها (^٥) التي أحْصَيتم والتي لم تُحْصُوا.\n\n<span id=\"aya-1921\"></span>وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأوثانُكم الذين تَدْعون مِن دونِ اللهِ، أَيُّها الناسُ، آلهةً لا تَخْلُقُ شيئًا وهى تُخْلَقُ - فكيف يَكُونُ إلهًا ما كان مصنوعًا مُدَبَّرًا؟ لا تَمْلِك لأنفسِها نفعًا ولا ضَرًّا؟.\n\n<span id=\"aya-1922\"></span><span data-type='title' id=toc-4966>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء المشركين مِن قريشٍ: والذين تَدْعُون مِن دونِ اللهِ، أيُّها الناسُ، ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. وجعَلها جلَّ ثناؤُه\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) في ت ٢، ف: \"مما\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"تبدوه\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"و\".\n(^٥) في م: \"فيها\".","vol":"14","page":196},{"text":"أمواتًا غيرَ أحياءٍ؛ إذ كانَت لا أرواحَ فيها، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾: وهى هذه الأوثانُ التي تُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ، أمواتٌ لا أرواحَ فيها، ولا تَمْلِكُ لأهلِها ضَرًّا ولا نَفْعًا.\nوفي رفْعِ الأمواتِ وجهان؛ أحدُهما: أن يَكُونَ خبرًا للذين. والآخرُ على الاستئنافِ.\nوقولُه: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: وما تَدْرِى أصنامُكم التي تَدْعونَ مِن دونِ اللهِ متى تُبْعَثُ. وقيل: إنما عُنِى بذلك الكفارُ، أنهم لا يَدْرون متى يُبعَثون.\n\n<span id=\"aya-1923\"></span><span data-type='title' id=toc-4967>القولُ في تأويلَ قولِه ﷿: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: معبودُكم الذي يَسْتَحِقُّ عليكم العبادةَ وإفرادَ الطاعةَ له، دونَ سائرِ الأشياءِ - معبودٌ واحدٌ؛ لأنه لا تَصْلُحُ العبادةُ إلا له، فأَفْرِدوا له الطاعةَ، وأخْلِصوا له العبادةَ، ولا تَجْعَلُوا معه شريكًا سواه. ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مستنكرةٌ لما نَقُصُّ عليهم مِن قدرةِ اللهِ وعظمتِه، وجميلِ نِعَمِه عليهم، وأن العبادةَ لا تَصْلُحُ إلا له، والأُلوهةَ ليست لشيءٍ غيرِه (^١)، ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. [يقولُ: وهم مستكبرون] (^٢) عن إفرادِ اللهِ بالأُلوهةِ، والإقرارِ له بالوحدانيةِ، اتباعًا منهم لما مضَى عليه من الشركِ باللهِ أسلافُهم، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ لهذا الحديثِ الذي قضَى (^٣)، ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ عنه\n_________\n(^١) بعده في م: \"يقول\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"مضى\".","vol":"14","page":197},{"text":"<span id=\"aya-1924\"></span><span data-type='title' id=toc-4968>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿لَا جَرَمَ﴾: حقًّا (^١) أن الله يَعْلَمُ ما يسرُّ هؤلاء المشركون، من إنكارِهم ما ذكَرنا من الأنباءِ في هذه السورةِ، واعتقادِهم نكيرَ (^٢) [قولِنا لهم] (^٣): إلهُكم إلهٌ واحدٌ، واستكبارِهم (^٤) على اللهِ وما يُعْلِنون من كفرِهم باللهِ وفِرْيتِهم عليه، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾. يقولُ: إن الله لا يُحِبُّ المستكبرين عليه أنْ يُوَحِّدوه، ويَخْلَعوا ما دونَه مِن الآلهةِ والأندادِ، كما حدَّثنا محمدُ بنُ [عُمرَ بنُ عليٍّ] (^٥)، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن رجلٍ، أن الحسنَ بنُ عليٍّ كان يَجْلِسُ إلى المساكينِ، ثم يقولُ: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1925\"></span><span data-type='title' id=toc-4969>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قيل لهؤلاء الذين لا يُؤمِنون بالآخرةِ من المشركين: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ أي شيءٍ أَنزَل ربُّكم؟ قالوا: الذي أنزَل ما سطَّره الأوَّلون مِن قَبْلِنا [من الأباطيلِ] (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) في ف: \"نكر\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قولهم لنا\".\n(^٤) في ف: \"واستنكارهم\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عمرو بن علي\". وفى م: \"عمرو\". وهو محمد بن عمر بن علي بن عطاء، المقدمي، شيخ الطبرى، ترجمته في تهذيب الكمال ٢٦/ ١٧٤.\n(^٦) سقط من: ت ١، ف.","vol":"14","page":198},{"text":"وكان ذلك كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: أحاديثُ الأوَّلين وباطِلُهم، قال ذلك قومٌ مِن مشركي العربِ كانوا يَقْعُدون بطريقِ مَن أَتَى النبيَّ (^١) ﷺ، فإذا مرَّ بهم أحدٌ من المؤمنين (^٢) يريدُ نبيَّ اللهِ ﷺ، قالوا (^٣) لهم: أساطيرُ الأوّلين. يُريدُ: أحاديثُ الأوَّلين وباطِلُهم.\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدِ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: أحاديثُ الأوَّلين (^٤).\n\n<span id=\"aya-1926\"></span><span data-type='title' id=toc-4970>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يقولُ هؤلاء المشركون لمن سأَلهم: ماذا أنزَل ربُّكم؟: الذي أنزَل ربُّنا - فيما يَزْعُم محمدٌ - عليه أساطيرُ الأوَّلين. لتَكُونَ لهم ذنوبُهم التي هم عليها مُقِيمون، مِن تكذيبِهم باللهِ (^٥)، وكفرِهم بما أنْزَل على رسولِه ﷺ، ومِن ذُنوبِ الذين يَصُدُّونهم عن الإيمانِ باللهِ - يُضِلُّون: يَفْتِنون منهم - بغير علمٍ.\nوقولُه: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾. يقولُ: ألا ساء الإثمُ الذي يَأْثَمون، والثِّقَلُ ﴿الذي يَتَحَمَّلون] (^٦).\nوبنحوَ الذي قلنا في تأويلِ (^٧) ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في م، ف: \"نبي الله\".\n(^٢) في ت ٢: \"الأولين\".\n(^٣) في ف، ت ٢: \"قال\".\n(^٤) ذكره الطوسى في التبيان ٦/ ٣٧٢ عن ابن عباس.\n(^٥) في م: \"الله\".\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٧) سقط من: م، ت ٢.","vol":"14","page":199},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4971>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن [أبى نجيحٍ] (^١)، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، ومِن أوزارِ مَن أضَلوا؛ احتمالُهم (^٢) ذنوبَ أنفسِهم، وذنوبَ مَن أَطاعَهم، [ولا يُخَفِّفُ ذلك عمن أطاعَهم] (^٣) مِن العذابِ شيئًا (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه، إلا أنه قال: ومن أوزارِ الذين يُضِلونهم: حملُهم ذُنوبَ أنفسِهم. وسائرُ الحديثِ مثلُه (^٥).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدِ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾. قال: حملُهم ذُنوبَ أنفسِهم وذنوبَ مَن أطاعَهم، ولا يُخَفِّفُ ذلك عمن أطاعَهم من العذابِ شيئًا.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\n_________\n(^١) في ت ١: \"جريج\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أعمالهم\".\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢ ف.\n(^٤) ذكره ابن كثير ٤/ ٤٨٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٧ إلى ابن أبي شيبة والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٢١.","vol":"14","page":200},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي ذنوبَهم وذنوبَ الذين يُضِلُّونهم بغيرِ علمِ، ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [يقولُ: يَحْمِلُون ذُنوبَهم، وذلك مِثْلُ قولِه: ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]. يقولُ: يَحْمِلُون مع ذُنوبِهم ذُنوبَ الذين يُضِلُّونهم بغيرِ علمٍ] (^١) (^٢).\nحدَّثني المثنى، قالَ: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾. قال: قال النبيُّ ﷺ: \"أيُّما داعٍ دعَا إلى ضلالةٍ فاتُّبِع، فإن عليه مِثْلَ أوزارِ مَن اتَّبَعَه مِن غيرِ أن يَنْقُصَ مِن أوزارِهم شيءٌ؛ وأيُّما داعٍ دعا إلى هُدًى فاتُّبِع، فله مثلُ أجورِهم مِن غيرِ أن يَنْقُصَ مِن أجورِهم شيءٌ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: أخبَرنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن رجلٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسلَمَ أنه بلَغه أنه يَتَمَثَّلُ للكافرِ عملُه في صورةِ أقبَح ما خلَق اللهُ وجهًا، وأنتَنِه ريحًا، فيَجْلِسُ إلى جَنْبِه كلَّما أفزَعه شيءٌ زادَه (^٤)، وكلَّما تخوَّف شيئا (^٥) زادَه\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) ذكره ابن كثير ٤/ ٤٨٤ عن العوفى عن ابن عباس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم، وأصله في مسلم (٢٦٧٤).\n(^٤) بعده في م: \"فزعا\".\n(^٥) في ت ٢: \"شيء\".","vol":"14","page":201},{"text":"خوفًا. فيقولُ: بئس الصاحبُ أنت، ومن أنت؟ فيقولُ: وما تَعْرِفُني؟ فيقولُ: لا. فيقولُ: أنا عمَلُك، كان قبيحًا، فلذلك تَرَانى قبيحًا، وكان مُنتِنًا، فلذلك تَرَانى مُنْتِنًا، طَاطِئْ إليَّ (^١) أرْكَبْك، فطالَما ركِبتنى في الدنيا. فيَرْكَبُه، وهو قولُه: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1927\"></span><span data-type='title' id=toc-4973>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قد مكَر الذين من قبلِ هؤلاء المشركين، الذين يَصُدُّون عن سبيلِ اللهِ من أراد اتباعَ دينِ اللهِ، فرامُوا (^٣) مغالبةَ اللهِ ببناءٍ بَنَوْه، يُريدون بزعمِهم الارتفاعَ إلى السماءِ لحربِ مَن فيها. وكان الذي رام ذلك - فيما ذُكر لنا - جبارًا من جبابرةِ النَّبَطِ، فقال بعضُهم: هو نُمرودُ بنُ كَنْعانَ. وقال بعضُهم: هو بُخْتُنَصَّرَ. وقد ذكَرتُ بعضَ أخبارِهما في سورة \"إبراهيم\" (^٤). وقيل: إن الذي ذُكِر في هذا الموضعِ هو الذي ذكَره اللهُ في سورةِ \"إبراهيمَ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-4972>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: أمر الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه بإبراهيمَ فأُخْرج - يعنى: من مدينتِه - قال (^٥):\n_________\n(^١) في ص: \"لى\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٧ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: ف.\n(^٤) ينظر ١٣/ ٧١٨ وما بعدها.\n(^٥) سقط من: ت ١.","vol":"14","page":202},{"text":"فأُخرِج (^١) فلقِى لوطًا على بابِ المدينةِ، وهو ابن أخيه، فدعاه، فآمَن به، وقال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وحلَف نُمرودُ أن (^٢) يطلبَ إلهَ إبراهيمَ، فأخذ (^٣) أربعةَ أفراخٍ (^٤) من أفراخِ (^٥) النُّسورِ، فرباهنَّ باللحمِ والخبزِ (^٦)، حتى كَبِرْنَ وغَلُظْنَ واستعلَجنَ (^٧)، فربطهنَّ في تابوتٍ، وقعَد في ذلك التابوتِ، ثم رفع رجْلًا من لحمٍ لهنَّ فطِرْنَ، حتى إذا ذهَبنَ في السماءِ، أشرَف يَنظُرُ إلى (^٨) الأرضِ، فرأَى الجبالَ تَدِبُّ كدبيبِ النملِ، ثم رفَع لهنَّ اللحمَ، ثم نظرَ فرأى الأرضَ يُحيطُ (^٩) بها بحرٌ، كأنها فَلَكةٌ (^١٠) في ماءٍ، ثم رفَع طويلًا فوقَع في ظلمةٍ، فلم يَرَ ما فوقَه [ولم يرَ] (^١١) ما تحتَه، ففزِع، فألقى اللحمَ، فاتَّبِعْنَه مُنقَضَّاتٍ؛ فلمَّا نظَرت الجبالُ إليهنَّ، وقد أَقْبَلْنَ مُنقضَّاتٍ، وسمِعنَ (^١٢) حفيفَهنَّ، فزِعَت الجبالُ، وكادت أن تزولَ من أمكنتِها، ولم يفعلنَ، وذلك قولُ اللهِ: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦]. وهي في قراءةِ ابن مسعودٍ: (وَإنْ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"أحد\".\n(^٤) في ص، ت ٢، ف: \"أفرخ\".\n(^٥) في ص، ت ٢، ف: \"فراخ\".\n(^٦) في ص، ف: \"الحمر\". وفى ت ٢: \"الخمر\".\n(^٧) في م: \"واستعجلن\".\n(^٨) في ف: \"ليرين\".\n(^٩) في م: \"محيطا\". وفي ت ١: \"محيط\".\n(^١٠) الفَلَكُ: قطع من الأرض تستدير وترتفع عما حولها، الواحدة فَلكة، بفتح اللام، وقيل: بتسكينها. اللسان (ف ل ك).\n(^١١) ليست في: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^١٢) في م: \"سمعت\".","vol":"14","page":203},{"text":"كادَ (^١) مَكْرُهُمْ). فكان طَيْرُورَتُهن (^٢) به من بيتِ المقدسِ ووقوعُهن به في جبلِ الدخانِ، فلمَّا رأَى أنه لا يُطِيقُ شيئًا، أخَذ في بُنيانِ الصرحِ، فبَنى حتى إذا أسنَده (^٣) إلى السماءِ ارتقَى فوقَه يَنْظُرُ (^٤)، يَزعْمُ، إلى إلهِ إبراهيمَ، فأحدَث، ولم يكن يُحدِثُ، وأخَذَ اللهُ بُنْيانَهُ مِنَ القَوَاعد، ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾، يقولُ: من مأمنِهم. وأخَذهم من أساسِ (^٥) الصَّرْحِ، فتَنَقَّضَ بهم، يسقُط (^٦)، فتَبلْبلَتْ ألسنُ الناسِ يومئذٍ من الفزعِ، فتكلَّموا بثلاثةٍ وسبعين لسانًا، فلذلك سُمَّيَتْ بابلَ. و[إنما كان لسانُ الناسِ من] (^٧) قبلِ ذلك بالسُّريْانيةِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾. قال: هو نُمرودُ حينَ بنى الصرحَ (^٨).\nحدَّثني المثنى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن زيدِ ابن أسلمَ: إن أوّلَ جبارٍ كان في الأرضِ نُمرودُ، فبعَث اللهُ عليه بَعوضةً، فدخَلت في مَنخَرِه، فمكث أربعَمائةِ سنةٍ يُضْرَبُ رأسُه بالمطارقِ، أرحمُ الناسِ به من جمعَ يديه\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"كان\". وينظر ما تقدم في ١٣/ ٧١٨.\n(^٢) في ت ٢: \"طيروروهن\". يقال: طار يطير طيرًا وطيرورةً.\n(^٣) في م، ف: \"شيده\".\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) في ت ١: \"يناس\"، وفي ت ٢: \"أيناس\".\n(^٦) في م: \"فسقط\".\n(^٧) سقط من: ت ١، ت ٢.\n(^٨) ذكره ابن كثير ٤/ ٤٨٥ عن العوفى عن ابن عباس به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٧ إلى المصنف، وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":204},{"text":"فضَرَب بهما رأسَه، وكان جبارًا أربعَمائةِ سنةٍ، فعذَّبه اللهُ أربعَمائةِ سنةٍ كمُلْكِه، ثم أماته اللهُ؛ وهو الذي كان بني صَرْحًا إلى السماءِ، وهو الذي قال اللهُ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾.\nوأما قولُه: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ فإن معناه: هدَم اللهُ بنيانَهم من أصلِه. والقواعدُ جمعُ قاعدةٍ، وهى الأساسُ، فكان (^١) بعضُهم يقولُ: هذا مثَلٌ للاستئصالِ، وإنما معناه أن الله استأصَلهم. وقال: العربُ تقولُ ذلك إذا استُؤْصِل الشيءُ.\nوقولُه: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾. اختَلف أهل التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم (^٢): فخرَّ عليهم السقفُ من فوقِهم: أعالى بيوتِهم من فوقِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-4974>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾: [إى واللهِ، لأَتاها] (^٣) أمرُ الله من أصلِها] (^٤)، ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾. والسقفُ أعالى البيوتِ. فَائْتفَكتْ (^٥) بهم بيوتُهم، فأهلَكهم اللهُ ودمَّرهم، ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"وكان\".\n(^٢) بعده في ص، م، ت ٢، ف: \"معناه\".\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"لأتاهم\". وينظر مصدر التخريج.\n(^٤) سقط من: ت ١.\n(^٥) ائتفكت: انقلبت. اللسان (أ ف ك).\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":205},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾. قال: أتَى اللهُ بنيانَهم من أصولِه، فخرَّ عليهم السقفُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: أخبَرنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ؛ وحدَّثني المثنى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾. قال: مَكْرُ نُمرودَ بن كَنْعانَ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخرون: عنَى بقولِه: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾. أن العذابَ أتاهم من السماءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4975>ذُكر من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾. يقولُ: عذابٌ من السماءِ، لمَّا رأَوْه استسلَموا وذَلُّوا.\nوأولى القولين بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: تساقَطت عليهم سقوفُ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٥٥ من طريق معمر به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٢١ من طريق ورقاء به. وذكره ابن كثير ٤/ ٤٨٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٧ إلى ابن أبي شيبة والمصنف وابن المنذر.","vol":"14","page":206},{"text":"بيوتِهم، إذ أتَى أصولَها وقواعدَها أمرُ اللهِ، فائْتَفَكتْ بهم منازلُهم؛ لأن ذلك هو الكلامُ المعروفُ من قواعدِ البنيانِ وخَرَّ السقفِ، وتوجيهُ معاني كلامِ اللهِ إلى الأشهرِ الأعرفِ منهما (^١) أولى من توجيهِها (^٢) إلى غيرِ ذلك ما وُجِد إليه سبيلٌ.\n﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأتى هؤلاء الذين مكَرُوا من قبلِ مشركي قريشٍ، عذابُ (^٣) اللهِ من حيثُ لا يدرُون أنه أتاهم منه.\n\n<span id=\"aya-1928\"></span><span data-type='title' id=toc-4976>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالَى ذكرُه: فعَل اللهُ بهؤلاء الذين مكَروا، الذين وصَف اللهُ جلَّ ثناؤُه أمرَهم، ما فعَل بهم في الدنيا من تعجيلِ العذابِ لهم والانتقامِ، بكفرِهم وجحودِهم وحدانيتَه، ثم هو مع ذلك يومَ القيامةِ مُخزِيهم فمذلُّهم بعذابٍ أليمٍ، وقائلٌ لهم عندَ ورودِهم عليه: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ أصلُه من شاققتُ فلانًا، فهو يُشاقُّنى، وذلك إذا فعَل كلُّ واحدٍ منهما بصاحبِه ما (^٤) يَشُقُّ عليه. يقولُ تعالى ذكرُه يومَ القيامةِ، تقريعًا (^٥) للمشركين بعبادتِهم الأصنامَ: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾. يقولُ: أين الذين كنتم\n_________\n(^١) في م: \"منها\".\n(^٢) في ص: \"توجيههما\". وفى ت ١، ت ٢: \"توجيهه\".\n(^٣) بعده في ت ١: \"من\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ف: \"لما\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"تعريفًا\".","vol":"14","page":207},{"text":"تزعُمون في الدنيا أنهم [شركاءُ فيَّ] (^١) اليومَ، ما لهم لا يحضُرونكم، فيدفعُوا عنكم ما أنا مُحِلٌّ بكم من العذابِ، فقد كنتم تعبُدونهم في الدنيا، وتتولَّونهم، والوليُّ يَنْصُرُ وليَّه. وكانت مشاقَّتُهم الله في أوثانِهم مخالفتَهم إياه في عبادتِهم.\nكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾. يقولُ: تخالفِونى (^٢).\nوقولُه: ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. يعنى: الذِّلَّةَ (^٣) والسوءَ. يعنى: عذابَ اللهِ على الكافرين.\n\n<span id=\"aya-1929\"></span><span data-type='title' id=toc-4977>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال الذين أوتوا العلمَ: إن الخزىَ اليومَ والسوءَ على مَن كَفَر باللهِ، فجَحَد وحدانيتَه، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. يقولُ: الذين تقْبِضُ أرواحَهم الملائكةُ، ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. يعني: وهم على كفرِهم وشركِهم باللهِ.\nوقيل: إنه عنَى بذلك من قُتِل من قريشٍ ببدرٍ، وقد أُخرِج إليها كَرْهًا. حدَّثني المثنى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ محمدٍ الزُّهريُّ، قال: ثني سفيانُ بن عيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، قال: كان ناسٌ بمكةَ أَقَرُّوا بالإسلامِ (^٤) ولم يهاجِرُوا، فأُخرِج بهم كَرْهًا إلى بدرٍ، فقُتِل بعضُهم، فأَنزَلَ اللهُ\n_________\n(^١) في م: \"شركائى\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) بعده في م: \"والهوان\".\n(^٤) سقط من: ص.","vol":"14","page":208},{"text":"فيهم: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾.\nوقولُه: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾. يقولُ: فاستسلَموا لأمرِه، وانقادُوا له حينَ عاينُوا الموتَ قد نزَل بهم؛ ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾. وفي الكلامِ محذوفٌ استُغنِى بفَهْمِ سامعيه ما (^١) دلّ عليه الكلامُ عن ذكرِه، وهو: قالوا (^٢): ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾، يُخْبِرُ (^٣) عنهم بذلك أنهم كذَبوا وقالوا: ما كنا نعصِى الله. اعتصامًا (^٤) منهم بالباطلِ، رجاءَ أن ينجُوا بذلك، فكذَّبهم اللهُ، فقال: بل قد (^٥) كنتم تعمَلون السوءَ، وتصدُّون عن سبيلِ اللهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إن اللهِ ذو علمٍ بما كنتم تعمَلون في الدنيا من معاصيه، وتأتُون فيها ما يُسخِطُهُ.\n\n<span id=\"aya-1930\"></span><span data-type='title' id=toc-4978>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يُقالُ (^٦) لهؤلاء الظلمةِ أنفسِهم حينَ يقولون لربِّهم: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾. يعني: طبقاتِ جهنمَ. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يعنى: ماكثين فيها. ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. يقولُ: فلبئس منزلُ مَن تكبَّر على اللهِ، ولم يُقِرَّ بربوبيتِه، ويصدِّق بوحدانيتِه - جهنمُ.\n\n<span id=\"aya-1931\"></span><span data-type='title' id=toc-4979>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"بما\".\n(^٢) في ت ١: \"قوله\".\n(^٣) في ت ١، ف: \"مخبر\".\n(^٤) في ت ١: \"استعصاما\".\n(^٥) سقط من: م، ت ١.\n(^٦) في م، ف: \"يقول\".","vol":"14","page":209},{"text":"الْمُتَّقِينَ (٣٠)﴾.\nيقولُ تعالَى ذكرُه: وقيل للفريقِ الآخَرِ (^١)، الذين هم أهلُ إيمانٍ وتقوَى للهِ: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾؟ قالوا: ﴿خَيْرًا﴾. يقولُ: قالوا: أنزَل خيرًا.\nوكان بعضُ أهل العربيةِ من الكوفيين يقولُ: إنما اختَلف الإعرابُ في قولِه: ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]. وقولِه: ﴿خَيْرًا﴾. والمسألةُ قبلَ الجوابين كليهما واحدةٌ، وهى قولُه: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾. لأن الكفارَ جحَدوا التنزيلَ، فقالوا حين سمِعوه: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. أي: هذا الذي جِئْتَ به أساطيرُ الأوَّلين: ولم يُنزِل اللهُ منه شيئًا. وأما المؤمنون فصدَّقوا التنزيلَ، فقالوا: ﴿خَيْرًا﴾. بمعنى أنه أنزَل خيرًا. فانتصَب بوقوعِ الفعلِ من اللهِ على الخيرِ، فلهذا افترقا. ثم ابتدَأ الخبرَ، فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾. وقد بيَّنا القولَ في ذلك فيما مَضَى قبلُ، بما أغنَى عن إعادتِه (^٢).\nوقولُه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: للذين آمَنوا باللهِ في هذه الدنيا ورسولِه، وأطاعوه فيها، ودعَوا عبادَ اللَّهِ إلى الإيمانِ والعملِ بما أمَر اللهُ به، ﴿حَسَنَةٌ﴾. يقولُ: كرامةٌ من اللهِ.\n﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾. يقولُ: ولدارُ الآخرِة خيرٌ لهم من دارِ الدنيا، وكرامةُ اللهِ التي أعدَّها لهم فيها أعظمُ من كرامتِه التي عجَّلها لهم في الدنيا.\n﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: ولنعم دارُ الذين خافوا الله في الدنيا فاتَّقَوْا عقابَه بأداءِ فرائضِه، وتجنَّب معاصيه، دارُ الآخرةِ.\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ١٩٨.","vol":"14","page":210},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4980>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً قولَه: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ وهؤلاء مؤمنون، فيقالُ (^١) لهم: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ فيقولون: ﴿خَيْرًا﴾. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾. أي: آمَنُوا باللهِ، وأمَروا بطاعةِ اللهِ، وحَثُوا أهلَ (^٢) طاعةِ اللهِ على الخيرِ ودعَوْهم إليه (^٣).\n\n<span id=\"aya-1932\"></span><span data-type='title' id=toc-4981>القول في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿جَنَّات عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)﴾.</span>\nيعنى تعالَى ذكرُه بقولِه: ﴿جَنَّات عَدْنٍ﴾: بساتينُ للمُقام (^٤). وقد بيَّنا اختلافَ أهلِ التأويلِ في معنى \"عَدْنٍ\" فيما مَضَى، بما أغنَى عن إعادتِهُ (^٥).\n﴿يَدْخُلُونَهَا﴾. يقولُ: يدخُلون جناتِ عدنٍ. وفى رفعِ \"جنات\" أوجهٌ ثلاثةٌ: أحدُها أن يكونَ مرفوعًا على الابتداءِ، والآخرُ بالعائدِ من الذكرِ في قولِه: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾. والثالثُ على أن يكون خبرًا لـ \"نعم\"، فيكونُ المعنى إذا جُعِلَتْ خبرًا لـ \"نعم\": ولنعمَ دارُ المتقين جنَّاتُ عَدْنٍ. ويكونُ ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ في موضعِ حالٍ، كما يُقالُ: نعم الدارُ دارٌ تسكنُها أنتَ. وقد يجوزُ أن يكونَ - إذا كان الكلامُ بهذا\n_________\n(^١) في ص، ف: \"فقال\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في ص، ت ٢، ف: \"المقام\".\n(^٥) تقدم في ١١/ ٥٥٩ - ٥٦٤.","vol":"14","page":211},{"text":"التأويلِ - ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ من صلةِ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾.\nوقولُه: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.\nيقولُ: تجرِى مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ، ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾. يقولُ: للذين أحسَنوا في هذه الدنيا في جناتِ عدنٍ ما يشاءون، مما تَشْتَهِي أنفسُهم، وتَلَذُّ أعينُهم، ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: كما يَجْزِى اللهُ هؤلاء الذين أحسَنوا في هذه الدنيا، بما وصَف (^١) لكم أيها الناسُ أنه جَزَاهم به في الدنيا والآخرةِ، كذلك يجزِى الذين اتقَوه بأداءِ فرائضِه واجتنابِ مَعاصِيه.\n\n<span id=\"aya-1933\"></span><span data-type='title' id=toc-4982>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: كذلك يجزِى اللهُ المتقين الذين تَقْبِضُ أرواحَهم ملائكةُ اللهِ، وهم طَيِّبون بتَطْيِيبِ اللهِ إيَّاهم (^٢) بنَظافةِ الإيمانِ وطُهْرِ الإسلامِ، في حالِ حياتِهم وحالِ مماتِهم.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المثنى، قال: أخبرَنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (^٣) في قولِه: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾. قال: أحياءً وأمواتًا، قدَّر\n_________\n(^١) في ت ٢، ف: \"وصفت\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"إياها\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"14","page":212},{"text":"اللهُ ذلك لهم (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقولُه: ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه أن الملائكةَ تَقْبِضُ أرواحَ هؤلاء المتقين وهى تقولُ لهم: سلامٌ عليكم، صِيروا إلى الجنةِ. بشارةً مِن اللهِ، تُبَشِّرُهم بها الملائكةُ.\nكما حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَني أبو صَخْرٍ، أنه سمِع محمدَ بنُ كعبٍ القُرَظيَّ يقولُ: إِذا اسْتَنْقَعَتْ (^٢) نفسُ العبدِ المؤمنِ، جاءه مَلَكٌ فقال: السلامُ عليك وليَّ اللهِ، اللهُ يقرأُ عليك السلامَ. ثم نزَع (^٣) بهذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١].\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٢١ من طريق ورقاء به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٧ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص: \"اسنبفت\"، وفى ت ٢: \"استيفعت\"، وفى الحلية: \"انتزعت\"، وفى الشعب: \"استنفقت\"، وفى الدر المنثور: \"استفاقت\". واستنقعت نفس المؤمن: إذا اجتمعت في فيه تريد الخروج، كما يَسْتَنْقِع الماءُ في قراره، وأراد بالنَّفْس الرُّوح. لسان العرب (ن ق ع).\n(^٣) نزع: تَمَثَّل أو استنبط، ففى تاج العروس (ن ز ع): انتزع بالآية والشعر: تَمَثَّل. ويقال للرجل إذا استنبط معنى آية: قد انتزع معنًى جيدًا، وهو مجاز.\n(^٤) أخرجه أبو الشيخ في العظمة ص ١٥٧، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢١٧، من طريق أبي صخر به. والبيهقى في شعب الإيمان (٤٠٢) من طريق يزيد بن أبي زياد عن محمد بن كعب. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن منده في كتاب الأحوال.","vol":"14","page":213},{"text":"قال: الملائكةُ يَأْتُونه (^١) بالسلامِ مِن قِبَلِ اللهِ، وتُخبِرَه أنه من أصحابِ اليمينِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا الأشْيَبُ (^٣) أبو عليٍّ، عن أبي رجاءٍ، عن محمدِ بن مالكٍ، عن البَرَاءِ، قال: قولُه: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]. قال: يُسلِّمُ عليه عندَ الموتِ (^٤).\nوقولُه: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: بما كنتم تُصِيبون في الدنيا - أيامَ حياتِكم فيها - طاعةَ اللهِ، وطَلَبَ مرضاتِه.\n\n<span id=\"aya-1934\"></span><span data-type='title' id=toc-4983>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هل يَنتظِرُ هؤلاء المشركون إلا أن تأتِيَهم الملائكةُ لقبضِ أرواحِهم، أو يأتىَ أمرُ ربِّك بحشرِهم لموقفِ القيامةِ، ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يقول جلَّ ثناؤُه: كما يَفعَلُ هؤلاء مِن انتظارِهم ملائكةَ اللهِ لقبضِ أرواحِهم، أو إتيانِ أمرِ اللهِ، فَعَلَ أسلافُهم مِن الكفرةِ باللهِ؛ لأن ذلك في كلِّ مشركٍ باللهِ، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وما ظلَمهم اللهُ بإحلالِ سُخْطِه بهم، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمعصيتِهم ربَّهم وكفرِهم به، حتى اسْتَحَقُوا عقابَه، فعُجِّل لهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يأتونهم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"الأشب\". وفى ف غير واضحة. وهو الحسن بن موسى الأشيب أبو على البغدادى. ترجمته في تاريخ بغداد ٧/ ٤٢٦، والأنساب ١/ ١٧٣، وتهذيب الكمال ٦/ ٣٢٨.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٦، ٢٦٧ إلى المصنف.","vol":"14","page":214},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4984>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. قال (^١): بالموتِ. وقال في آيةٍ أُخرَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنفال: ٥٠]: وهو مَلَكُ الموتِ، وله رُسُلٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾. و(^٢) ذاكم يومَ القيامةِ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: أخبرَنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. يقولُ: عندَ الموتِ حين تَتَوَفَّاهم. ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾: ذلك يومَ القيامةِ (^٤).\n\n<span id=\"aya-1935\"></span><span data-type='title' id=toc-4985>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فأصاب هؤلاء الذين فعَلوا مِن الأممِ الماضيةِ فِعْلَ هؤلاء المشركين مِن قريشٍ، ﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾. يعني: عقوباتُ ذنوبِهم، ونِقَمُ مَعاصِيه التي اكْتَسَبوها، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يقولُ: وحلَّ بهم مِن عذابِ اللهِ، ما كانوا به (^٥) يستهزِئون منه، ويَسْخَرون عندَ إِنذَارِهم ذلك رُسُلُ اللهِ، ونزَل ذلك بهم دونَ غيرِهم من أهلِ الإيمانِ باللهِ.\n\n<span id=\"aya-1936\"></span><span data-type='title' id=toc-4986>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٧ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٧ إلى المصنف.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"14","page":215},{"text":"عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال الذين أشرَكوا بالله، فعبَدوا الأوثانَ والأصنامَ مِن دونِ الله: ما نَعْبُدُ هذه الأصنامَ إلا لأنَّ الله قد رضِي عبادَتَناها (^١)، ولا نُحَرِّمُ ما حَرَّمْنا من البَحَائِر والسَّوائبِ، إلا أنَّ الله شاء منا ومِن آبائِنا تَحْرِيمَنَاها ورَضِيَه، لولا ذلك لقد غَيَّر ذلك ببعضِ عقوباتِه، أو بهدايتِه إيَّانا إلى غيرِه من الأفعالِ.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مِن الأممِ المشركةِ الذين اسْتَنَّ هؤلاء سُنَّتَهم، فقالوا مثلَ قولِهم، وسلَكوا سبيلَهم في تكذيبِ رسلِ الله، واتباعِ أفعالِ آبائِهم الضُلَّالِ.\nوقولَه: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ يقولُ جلَّ ثناؤُه: فهل أيُّها القائلون: لو شاء اللهُ ما أشرَكنا ولا آباؤُنا. على رسلِنا الذين نُرْسِلُهم لإنذارِكم عقوبتَنا على كفرِكم - ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ: إِلا أَن تُبَلِّغَكم ما أَرْسَلنا إليكم مِن الرسالةِ. ويعنى بقولِه: ﴿الْمُبِينُ﴾. الذي يُبِينُ عن معناه لِمَنْ أَبْلَغَه، ويُفْهِمُه مَن أُرْسِل إليه.\n\n<span id=\"aya-1937\"></span><span data-type='title' id=toc-4987>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد بَعَثْنا أيها الناسُ في كلِّ أمةٍ سلَفَتْ قبلَكم رسولًا، كما بعَثنا فيكم، بأن اعبدوا الله وحدَه لا شريكَ له، وأفْرِدوا له الطاعةَ، وأخْلِصوا له\n_________\n(^١) في م: \"عبادتنا هؤلاء\".","vol":"14","page":216},{"text":"العبادةَ، ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. يقولُ: وابْعُدُوا مِن الشيطانِ، واحْذَروه (^١) أن يُغْوِيَكم، ويَصُدَّكم عن سبيلِ اللهِ، فتَضِلُّوا، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾. يقولُ: فمِمَّن بعَثْنا فيهم رسلَنا مَن هدَى اللهُ، فوَفَّقه لتصديقِ رسلِه والقَبُولِ منها، والإيمانِ بالله، والعملِ بطاعتِه، ففاز وأفْلَح، ونجا مِن عذابِ الله. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾] (٣). يقولُ: وممن بَعَثْنا رسلَنا إليه مِن الأممِ، آخرون حقت عليهم الضلالة فجاروا عن قَصْدِ السبيلِ، فكفَروا بالله، وكذَّبوا رسلَه، واتَّبَعوا الطاغوتَ، فأهلَكهم اللهُ بعقابهِ، وأنزَل بهم (^٢) بأسَه الذي لا يُرَدُّ عن القومِ المجرمين. ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لمشركي قريشٍ: إن كنتم أيها الناسُ غيرَ مصدِّقى رسولِنا فيما يُخبِرُكم به عن هؤلاء الأممِ، الذين حلَّ بهم ما حلَّ مِن بأسِنا، بكفرِهم بالله وتكذيبِهم رسولَه، فسيروا في الأرضِ التي كانوا يَسْكُنونها، والبلادِ التي كانوا يَعْمُرُونها، فانظروا إلى آثارِ الله فيهم، وآثارِ سُخُطِه النازلِ بهم، كيف أعْقَبَهم تكذيبُهم رسلَ الله ما أعْقَبَهم، فإنكم تَرَوْن حقيقةَ ذلك، وتعلمون به صحةَ الخبرِ الذي يُخبِرُكم به محمدٌ ﷺ.\n\n<span id=\"aya-1938\"></span><span data-type='title' id=toc-4988>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إن تحرصْ يا محمدُ على هُدَى هؤلاء المشركين إلى الإيمانِ باللهِ واتباعِ الحقِّ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾.\nاخْتَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي\n_________\n(^١) في م: \"احذروا\".\n(^٢) في م: \"عليهم\".","vol":"14","page":217},{"text":"مَنْ يُضِلُّ﴾ بفتحِ الياءِ مِن ﴿يَهْدِي﴾، وضمِّها من ﴿يُضِلُّ﴾ (^١). وقد اخْتَلَف في معنى ذلك قارِئوه كذلك؛ فكان بعضُ نَحْويى الكوفةِ يَزْعُمُ أن معناه: فإن الله مَن أَضَلَّه لا يَهْتَدِى. وقال: العربُ تقولُ: قد هَدَى الرجلُ. يريدون: قد اهْتَدَى. [وهَدَى] (^٢) واهْتَدَى بمعنًى واحدٍ (^٣). وكان آخرون منهم يَزْعُمون أن معناه: فإن الله لا يهدِى مَن أَضلَّه. بمعنى أن مَن أَضلَّه اللهُ، فإن الله لا يَهْديه (^٤). وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والشامِ والبصرةِ: (فَإِنَّ الله لا يُهْدَى) بضمِّ الياءِ مِن (يُهْدَى) ومِن (يُضِلُّ) وفتحِ الدالِ مِن (يُهدَى) (^٥). بمعنى: مَن أَضلَّه اللهُ فلا هاديَ له.\nوهذه القراءةُ أولى القراءتين عندى بالصوابِ؛ لأن يَهْدِى بمعنى يَهْتَدِى (^٦) قليلٌ في كلامِ العربِ غيرُ مُسْتَفيضٍ، وأنه لا فائدةَ في قولِ قائلِ: مَن أَضلَّه اللهُ فلا يَهْدِيه. لأن ذلك مما لا يَجْهَلُه كثيرُ (^٧) أَحَدٍ. وإذ كان ذلك كذلك، فالقراءةُ بما كان مستفيضًا في كلامِ العربِ من اللغةِ بما فيه الفائدةُ العظيمةُ، أَوْلَى وأخرَى.\nفتأويلُ الكلامِ - لو كان الأمرُ على ما وَصَفْنا - إن تَحرِصْ يا محمدُ على هُداهم، فإن مَن أضلَّه اللهُ منهم (^٧) فلا هاديَ له، فلا تُجْهِدْ نفسَك في أمرِه، وبَلِّغْه ما أُرْسِلْتَ به لتَتِمَّ عليه الحُجَّةُ.\n_________\n(^١) هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي. ينظر السبعة ص ٣٧٢ والتيسير في القراءات السبع ص ١١٢.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) ينظر معاني القرآن ٢/ ٩٩، وتفسير القرطبي ١٠/ ١٠٤.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يهدى\".\n(^٥) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ونافع وابن عامر. ينظر المصدرين السابقين\n(^٦) في ص، ت ٢، ف: \"يهدى\". وفى ت ١ غير واضحة.\n(^٧) سقط من: م.","vol":"14","page":218},{"text":"﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. يقولُ: وما لهم مِن ناصرٍ يَنْصُرُهم مِن اللهِ إِذا أراد عقوبتهم، فيَحُولُ بينَ اللهِ وبينَ ما أراد مِن عقوبتِهم.\nوفي قولِه: ﴿إِنْ تَحْرِصْ﴾. لغتان؛ فمِن العربِ مَن يقولُ: حرَص يَحْرِصُ. بفتحِ الراءِ في فَعَل وكسرِها في يَفْعِل. و: حَرِص يَحْرَصُ، بكسرِ الراءِ في فَعِل، وفتحِها في يَفْعَل. والقراءةُ على الفتحِ في الماضي، والكسرِ في المُسْتَقْبَل (^١)، وهى لغةُ أهلِ الحجازِ.\n\n<span id=\"aya-1939\"></span><span data-type='title' id=toc-4990>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وحلَف هؤلاء المشركون مِن قريشٍ ﴿بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ حَلِفَهم: ﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾. بعدَ مماتِه، وكذَبوا وبَطَلُوا (^٢) في أيمانِهم التي حَلَفوا بها كذلك، بل سيَبْعَثُه اللهُ بعد مماتِه ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ﴾ أن يَبْعَثَهم؛ وَعْدَ عبادِه، واللهُ لا يُخلِفُ الميعادَ. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكن أكثرَ قريشٍ لا يعلمون وَعْدَ اللهِ عبادَه، أنه باعثُهم يومَ القيامةِ بعد مماتِهم أحياءً.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4989>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:\n_________\n(^١) يعنى أن القراءة عند القرأة في قوله تعالى: ﴿إن تحرص﴾ على فتح الراء في الفعل الماضي \"حرص\"، وكسرها في المضارع \"يَحْرِص\".\n(^٢) في م: \"أبطلوا\". وبطَل الشيء يبطُل بُطْلا وبُطْولا وبُطْلانا ذهب ضياعًا وخسرا فهو باطل. وأبطَل: جاء بالباطل. لسان العرب (ب ط ل).","vol":"14","page":219},{"text":"﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾: تكذيبًا [بأمرِ اللهِ - أو: بأمرِنا - فإن] (^١) الناسَ صاروا في البعثِ فريقين (^٢)؛ مُكَذِّبٌ ومُصَدِّقٌ، ذُكِر لنا أن رجلًا قال لابنِ عباسٍ: إن ناسًا بهذا العراقِ يَزْعُمون أن عليًّا مبعوثٌ قبلَ يومِ القيامةِ، ويَتَأَوَّلون هذه الآيةَ. فقال ابن عباسٍ: كذَب أولئك، إنما هذه الآيةُ للناسِ عامَّةً، ولَعَمْرِى لو كان عليٌّ مبعوثًا قبلَ يوم القيامة، ما أنْكَحْنا نساءَه، ولا قَسَمْنا ميراثَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال ابن عباسٍ: إن رجالًا يقولون: إن عليًّا مبعوثٌ قبلَ يومِ القيامةِ، ويتأوَّلون: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال: لو كُنَّا نَعْلَمُ أن عليًّا مبعوثٌ، ما تَزوَّجْنا نساءَه، ولا قَسَمْنا ميراثَه، ولكنْ هذه للناسِ عامَّةً (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾. قال: حلَف رجلٌ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ عند رجلٍ من المُكَذِّبين، فقال: والذي يرسِلُ الرُّوحَ مِن بعدِ الموتِ. فقال: وإنك لتزعُمُ أنك مبعوثٌ من بعدِ الموتِ. وأقسَم باللهِ جهدَ يمينِه: لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يموتُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الرَّبِيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: كان لرجلٍ من المسلمين على رجلٍ من المشركين دَيْنٌ، فأتاه يَتَقاضاه، فكان فيما تَكَلَّم به: والذي أرجوه بعدَ الموتِ إنه لكذا. فقال\n_________\n(^١) في ص: \"بأمر فإن\"، وفى ت ١: \"فإن\"، وفى ت ٢: \"بأمن فإن\"، وفى ف: \"يأمن فإن\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فرقتين\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٥٥ عن معمر به.","vol":"14","page":220},{"text":"المشركُ: إنك (^١) تَزْعُمُ أَنك تُبْعَثُ بعدَ الموتِ. فَأَقْسَم باللهِ جهدَ يمينِه: لا يَبْعَثُ اللهُ مَن يموتُ. فأنزل اللهُ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن عطاءِ بن أبى رباحٍ، أنه أخبَره أنه سمِع أبا هريرةَ يقولُ: قال اللهُ: سبَّنى ابن آدمَ ولم يكنْ ينْبَغي له أن يَسُبَّنى، وكذَّبنى ولم يكن يَنْبغى له أن يُكَذِّبَنى، فأما تكذيبُه إيَّايَ، فقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾. قال: قلتُ: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾. وأما سَبُّه إِيَّاى، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. وقلتُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (^٣) [الإخلاص: ١ - ٤].\n\n<span id=\"aya-1940\"></span><span data-type='title' id=toc-4991>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: بل لَيَبْعَثَنَّ اللهُ مَن يموتُ، وعدًا عليه حقًّا؛ ليُبيِّنَ لهؤلاء الذين يَزْعُمون أن الله لا يَبْعَثُ مَن يموتُ، ولغيرِهم الذي يختلفون فيه؛ مِن إحياءِ اللهِ خَلْقَه بعدَ فنائِهم، وليعلمَ الذين جحَدوا صحةَ ذلك، وأنكَروا حقيقتَه، أنهم كانوا كاذبين في قِيلِهم: لا يَبْعَثُ اللهُ مَن يموتُ.\n_________\n(^١) في ص: \"وإنك\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، كما في تفسير ابن كثير ٤/ ٤٩١، من طريق حجاج عن ابن جريج عن عطاء وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٨ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\nكما أخرجه أحمد ١٣/ ٥٣١، ٥٣٢ (٨٢٢٠)، والبخارى (٤٩٧٥)، من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة مرفوعًا، والبخاري في (٣١٩٣، ٤٩٧٤) من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"14","page":221},{"text":"كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. قال: للناسِ عامَّةً (^١).\n\n<span id=\"aya-1941\"></span><span data-type='title' id=toc-4992>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّا إِذا أَرَدْنا أَن نَبْعَثَ مَن يموتُ، فلا تَعَبَ علينا ولا نَصَبَ في إحيائِناهم، ولا في غيرِ ذلك مما [نَخلُقُ ونُكَوِّنُ ونُحْدِثُ] (^٢)؛ لأَنَّا إِذا أَرَدْنَا خَلْقَه وإنشاءَه، فإنما نقولُ له: كُنْ. فيكونُ، لا معاناةَ فيه، ولا كُلْفَةَ علينا.\nواخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: \"يكونُ\"، فقرَأَه أكثرُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ على الابتداءِ (^٣)، وعلى أن قولَه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ﴾. كلامٌ تامٌّ مُكْتَفٍ بنفسِه عما بعدِه، ثم يُبْتَدَأُ فيُقالُ: ﴿فَيَكُونُ﴾. كما قال الشاعرُ (^٤):\n* يُريدُ أَنْ يُعْرِبَهُ فيُعْجِمُهُ *\nوقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ الشامِ، وبعضُ المتأخرين من قرأةِ الكوفيين: (فَيَكونَ) نصبًا، عطفًا على قولِه: ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ﴾. وكأنَّ معنى الكلامِ على\n_________\n(^١) تقدم تخريجه من طريق معمر عن قتادة مطولا.\n(^٢) في ص، ت ٢ ف: \"يخلق ويكون ويحدث\"، وفى ت ١: \"نخلق ونكون ويحدث\".\n(^٣) هي قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبي عمرو وحمزة، كما في السبعة ص ٣٧٣، والتيسير ص ١١٢.\n(^٤) البيت في الملحق بديوان رؤبة ص ١٨٦ وفى كتاب سيبويه ٣/ ٥٢،٥٣ منسوبا لرؤبة أيضًا، والعقد الفريد ٢/ ٤٨٠ غير منسوب، والأغانى ٢/ ١٩٦، والعمدة لابن رشيق ١/ ٧٤ منسوبا عندهما للحطيئة، ونسبه في اللسان (ع ج م) لرؤبة.","vol":"14","page":222},{"text":"مذهبِهم: ما قولُنا لشيءٍ إذا أرَدْناه إلا أن نقولَ له: كُنْ. فيكونَ. وقد حُكِى عن العربِ سَماعًا: أُريدُ أن آتِيَك، فيَمْنَعَنِى المطرُ. عطفًا بـ \"يَمْنَعَنى\" على \"أن آتيَك\".\n\n<span id=\"aya-1942\"></span>وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين فارَقوا قومَهم ودُورَهم وأوطانَهم؛ عداوةً لهم في اللهِ على كفرِهم، إلى آخرين غيرِهم. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾. يقولُ: مِن بعدِ نِيلَ منهم في أنفسِهم بالمَكَارهِ (^١) في ذاتِ اللهِ. ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾. يقولُ: لَنُسْكِنَنَّهم في الدنيا مَسْكَنًا يَرْضَوْنه صالحًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4993>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾. قال: هؤلاء أصحابُ محمدٍ، ظلَمهم أهلُ مكةَ، فأخْرَجوهم مِن ديارِهم، حتى لَحِق طوائفُ منهم بالحَبَشَةِ، ثم بَوَّأَهمُ اللَّهُ المدينةَ بعدَ ذلك، فجَعَلها لهم دارَ هجرةٍ، وجعَل لهم أنصارًا من المؤمنين (^٢).\nحُدِّثتُ عن القاسمِ بن سَلَّامٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن الشَّعْبيِّ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾. قال: المدينةَ (^٣).\n_________\n(^١) في ص: \"بالمكابرة\"، وفى ت ١: \"بالمكابرة\"، وفى ت ٢: \"بالمكابرة\". وفى ف \"بالمكاثرة\".\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٢٠، وابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٩١ بلفظ المدينة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٩١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٨ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"14","page":223},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾. قال: هم قومٌ هاجَروا إلى رسولِ اللهِ ﷺ من أهلِ مكةَ، بعدَ ظُلمِهم؛ وظَلَمَهمُ المشركون (^١).\nوقال آخرون: عنَى بقولِه: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: لَنَرْزُقَنَّهم في الدنيا رزقًا حسنًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-4994>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾: لَتَرْزُقَنَّهم في الدنيا [رزقًا حسنًا] (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن العَوَّامِ، عمَّن حدَّثه، أن عمرَ بنَ الخطابِ كان إذا أعطَى الرجلَ من المهاجرين عطاءَه يقولُ: خُذْ، بارَك اللهُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الشرك\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٨ إلى المصنف وابن أبى حاتم وابن مردويه، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٩١.\n(^٢) سقط من: ص، ف. والأثر في تفسير مجاهد ص ٤٢١، من طريق ورقاء به. وذكره ابن كثير في تفسره ٤/ ٤٩١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٨ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم.","vol":"14","page":224},{"text":"لك فيه، هذا ما وعَدك اللهُ في الدنيا، وما ذَخَره (^١) لك في الآخرةِ أفضلُ. ثم تَلَا هذه الآيةَ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢).\nوأوْلَى القولَيْن في ذلك بالصوابِ، قولُ مَن قال: معنى ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾: لَنُحِلَّنَّهم ولَنُسْكِنَنَّهم؛ لأن التَّبَوُّءَ في كلامِ العربِ الحلولُ بالمكانِ والنزولُ به. ومنه قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣].\nوقيل: إن هذه الآيةَ نزَلت في أبى جَنْدَلِ بن سُهَيْلٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4995>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرَنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن داودَ بن أبى هندٍ، قال: نزَلت: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾، إلى قولِه: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ في أبى جَنْدلِ بن سُهَيْلٍ.\nوقولُه: ﴿وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولثوابُ اللَّهِ إيَّاهم - على هجرتِهم فيه - في الآخرةِ، أكبرُ؛ لأن ثوابَه إيَّاهم هنالك الجنةُ، التي ويدُومُ نعيمُها ولا يَبِيدُ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4996>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال اللهُ:\n_________\n(^١) في ص غير منقوطة، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"دخر\"، وفى مصادر التخريج: \"ادخر\" وادَّخر وذخر بمعنى، ينظر النهاية ٢/ ١٥٥، ١٥٦، وتاج العروس (ذ خ ر).\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٢٠، وابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٩١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٨ إلى ابن المنذر.","vol":"14","page":225},{"text":"﴿وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾؛ أي: واللهِ لَمَا يُثِيبُهم اللهُ عليه (^١) مِن جنتِه أكبرُ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1943\"></span><span data-type='title' id=toc-4997>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين وَصَفْنا صِفَتَهم، وآتيناهم الثوابَ الذي [ذَكَرْنا، هم] (^٣) ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ في اللهِ على ما نابهم في الدنيا. ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. يقولُ: وباللَّهِ يَثِقُون في أمورِهم، وإليه يَسْتَنِدون في نوائبِ الأمورِ التي تنوبُهم.\n\n<span id=\"aya-1944\"></span><span data-type='title' id=toc-4998>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي (^٤) إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمدُ إلى أُمَّةٍ من الأممِ، للدعاءِ إلى توحيدِنا، والانتهاءِ إلى أمرِنا ونَهْينا ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ مِن بَنى آدمَ ﴿نُوحِي (^٥) إِلَيْهِمْ﴾ وَحْيَنا - لا ملائكةً. يقولُ: فلم نُرْسِلْ إلى قومِك إلا مثلَ الذي كُنَّا نُرْسِلُ إلى مَن قَبْلَهم مِن الأممِ؛ مِن جنسِهم، وعلى مِنهاجِهم. ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾. يقولُ المشركى قريشٍ: وإن كنتم لا تَعْلَمون أن الذين كُنَّا نَرْسِلُ إلى مَن قبلَكم مِن الأممِ، رجالٌ مِن بنى آدمَ مثلُ محمدٍ ﷺ، وقلتُم: هم ملائكةٌ. أو (^٦)\n_________\n(^١) زيادة من: م، والدر المنثور.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م: \"ذكرناه\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يوحى\" بالياء. وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة. وقرأ عاصم في رواية حفص \"نوحى \"ينظر السبعة ص ٣٧٣، والتيسير في القراءات السبع ص ١٠٦.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يوحى\".\n(^٦) في م: \"أي\". ولا يتجه بها المعنى.","vol":"14","page":226},{"text":"ظَنَنْتُم أن اللَّهَ كلَّمهم قِبَلًا (^١) ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ وهم الذين قد قَرءُوا الكتبَ مِن قبلِهم؛ التوراةَ والإنجيلَ، وغيرَ ذلك مِن كتبِ اللهِ التي أنزَلها على عبادِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-4999>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ قال: أهل التوراة (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعِ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن سفيانَ، قال: سأَلتُ الأعمشَ عن قولِه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾. قال: سمِعْنا أنه مَن أسلَم من أهلِ التوراةِ والإنجيلِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي (^٤) إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ (^٥).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: قال\n_________\n(^١) رأيتُه قَبَلًا وقُبُلًا وقُبَلًا وقِبَلًا وقَبَليًّا وقَبِيلًا. أي مُقابَلَةً وعِيانًا. لسان العرب، وتاج العروس (ق ب ل).\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٤٩٣، بلفظ: \"اليهود. والذكر: التوراة\".\n(^٣) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٤٩٣.\n(^٤) هنا، وفيما يأتى عند ذكر الآية ومن كلام المصنف على تفسير الآية، في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يوحى\".\n(^٥) ذكره الطوسى في التبيان ٦/ ٣٨٤ وأبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٤٩٣ بلفظ \"اليهود والنصارى\"، وابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٩٢.","vol":"14","page":227},{"text":"لمشركي قريشٍ: إن محمدًا في التوراةِ والإنجيلِ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بن عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ عن ابن عباسٍ، قال: لما بعَث اللهُ محمدًا رسولًا، أنكَرتِ العربُ ذلك، أو مَن أنكَر منهم، وقالوا: اللهُ أعظمُ من أن يكونَ رسولُه بشرًا مثلَ محمدٍ. قال: فأنزَل اللهُ: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يونس:٢]. وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾. فاسألوا أهلَ الذكرِ؛ يعنى أهلَ الكتبِ الماضيةِ: أبشرًا كانت الرسلُ التي أتَتْكُم أم ملائكةً؟ فإن كانوا ملائكةً أنكَرْتم (^٢)، وإن كانوا بشرًا فلا تُنكِروا أن يكونَ محمدٌ (^٣) رسولًا. قال: ثم قال: ﴿أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]. أي ليسوا من أهلِ السماءِ كما قلتُم (^٤).\nوقال آخرون في ذلك ما:\nحدَّثنا به ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن يَمَانٍ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: نحن أهلُ الذكرِ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَاسْأَلُوا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٩ للمصنف والفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أتتكم\".\n(^٣) زيادة من: م.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٩٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٥) ذكره الطوسى في التبيان ٦/ ٣٨٤، وأبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٤٩٣، بلفظ: \"أهل القرآن\"، وابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٩٢.","vol":"14","page":228},{"text":"أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: الذكرُ القرآنُ (^١). وقرأ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقرَأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ الآية [فصلت: ٤١].\n\n<span id=\"aya-1945\"></span><span data-type='title' id=toc-5000>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أرسلنا بالبيناتِ والزُّبُرِ رجالًا نُوحِى (^٢) إليهم.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾؟ وما الجالبُ لهذه الباءِ في قولِه: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فإن قُلتَ (^٣): جالِبُها قولُه: ﴿أَرْسَلْنَا﴾. وهى مِن صلتِه. فهل يجوزُ أن تكون صلةُ ﴿وَمَا﴾ قبلَ ﴿إِلَّا﴾، بعدَها؟؛ وإن قلتَ: جالبُها غيرُ ذلك. فما هو، وأين الفعلُ الذي جلَبها؟\nقيل: قد اختلَف أهلُ العربيةِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: الباءُ التي في قولِه: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ من صلة ﴿أَرْسَلْنَا﴾. قال (^٤): ﴿إِلَّا﴾ في هذا الموضعِ، ومع الجحدِ والاستفهامِ في كلِّ موضعٍ، بمعنى \"غَيْر\". وقال: معنى الكلامِ: وما أرسلنا من قبلِك بالبيناتِ والزُّبُرِ غيرَ رجالٍ نُوحِى إليهم. ويقولُ على ذلك: ما ضَرَب إلا أخوك زيدًا. وهل كلَّم إلا أخوك عَمْرًا؟ بمعنى: ما ضَرَب زيدًا غيرُ أخيك. وهل كلَّم عَمْرًا إلا أخوك. ويَحْتجُّ في ذلك بقولِ أَوْسِ بن حَجَرٍ (^٥):\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٤٩٣ بلفظ: \"أهل القرآن\"، وابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٩٢، والزيادة الآتية من بقية الأثر ليست عندهما.\n(^٢) في ص: \"يوحى\" غير منقوطة، وفى ت ١ غير واضحة، وفى ت ٢، ف: \"يوحى\".\n(^٣) ينظر ما سيذكره المصنف هنا وفى الصفحة القادمة، ومعاني القرآن ٢/ ١٠٠، ١٠١.\n(^٤) في م: \"وقال\".\n(^٥) ديوانه ص ٢١، وينظر معاني القرآن ٢/ ١٠١.","vol":"14","page":229},{"text":"أبَنى لُبَيْنَى لَسْتُمُ بيدٍ … إلا يدٍ ليْسَت لها عَضُدُ\nويقولُ: لو كانت \"إلا\" بغيرِ مَعْنَى \"غَيْر\" (^١) \"؛ لَفَسَد الكلامُ؛ لأن الذي خفَض الباءُ قبلَ \"إلا\" لا يَقْدِرُ على إعادتِه بعدَ \"إلا\" لخفضِ اليدِ الثانيةِ (^٢)، ولكنْ مَعْنَى \"إِلَّا\" معنَى \"غير\" ويَسْتَشْهدُ أيضًا بقولِ اللَّهِ ﷿: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الأنبياء:٢٢]،: \"إلا\" بمعنَى \"غَيْر\" في هذا الموضعِ.\nوكان غيره يقولُ: إنما هذا على كلامين؛ يُريدُ: وما أَرْسَلْنا من قبلِك إلا رجالًا، أرْسَلْنا بالبيناتِ والزُّبُرِ. قال: وكذلك قولُ القائلِ: ما ضرَب إلا أخوك زيدًا. معناه: ما ضرَب إلا أخوك. ثم يَبْتَدِئُ: ضرَب زيدًا. وكذلك ما مَرَّ إلا أخوك بزيدٍ. ما مرَّ إلا أخوك. ثم يقولُ: مرَّ يزيدٍ. ويَسْتَشْهدُ على ذلك ببيتِ الأعْشَى (^٣):\nوليس مُجِيرًا إِن أَتَى الحيَّ خائفٌ … ولا قائلًا (^٤) إلا هو المُتَعَيَّبَا\nويقولُ: لو كان ذلك على كلمةٍ لكان خطأً؛ لأن المُتَعَيَّبَا من صلةِ القائلِ (^٥)، ولكن جاز ذلك على كلامين (^٦). وكذلك قولُ الآخرِ (^٧):\nنُبِّئْتُهم عذَّبوا بالنارِ جارَهم … وهل يُعَذِّبُ إِلا اللَّهُ بالنارِ\nفتأويلُ الكلامِ إذن: وما أرْسَلنا من قبلِك إلا رجالًا نُوحِي إليهم، أرْسَلْناهم بالبيناتِ والزُّبُرِ، وأنْزَلْنا إليك الذكرَ. والبيناتُ هي الأدلةُ والحُجَجُ\n_________\n(^١) يعنى باليد الثانية: \"يد\" التي جاءت بعد قوله: \"إلا\" التي بمعنى غير أول الشطر الثاني للبيت.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) ديوانه ص ١١٣، وينظر معاني القرآن ٢/ ١٠١.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قائل\".\n(^٥) يعنى بـ: \"القائل\" لفظة\" قائلا\" في البيت.\n(^٦) يعني: لا قائلًا إلا هو. قائلًا - أو قال -: المتعيبا.\n(^٧) معاني القرآن ٢/ ١٠١، وشرح التصريح ١/ ٢٨٤. وعند الأول\" جارتهم\" بدل \"جارهم\".","vol":"14","page":230},{"text":"التي [أعْطاها اللهُ رسلَه؛ أدلةً] (^١) على نبوتِهم، شاهدةً لهم على حقيقةِ ما أَتَوْا به إليهم مِن عنِد اللهِ.\nوالزُّبُرُ الكتبُ. وهى جمعُ زَبُورٍ. مِن زَبَرْتُ الكتابَ وذَبَرْتُه. إذا كتَبْتَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5001>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾. قال: الزُّبُرُ الكتبُ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾. قال: الآياتِ. ﴿وَالزُّبُرِ﴾ قال (^٣): الكتبِ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قال: الزُّبُرُ الكتبُ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالزُّبُرِ﴾ (^٥) يَعْنى: بالكتبِ (^٦).\n_________\n(^١) في ص: \"أعطى الله رسله أدلته\"، وفى ت ١: \"أعطاها الله رسوله أدلة\"، وفى ت ٢، ف: \"أعطاها الله رسوله أدلته\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٩٣.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٩٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٩ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) في النسخ: \"وبالزبر\". والمثبت هو صواب القراءة.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٩٣.","vol":"14","page":231},{"text":"وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْر﴾. يقولُ: وأَنزَلْنا إليك يا محمدُ هذا القرآنَ؛ تذكيرًا للناسِ، وعِظَةً (^١) لهم. ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: لتُعَرِّفَهم ما نُزِّل (^٢) إليهم من ذلك. ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. يقولُ: ولِيَتَذَكَّروا فيه، ويَعْتَبِروا بما (^٣) أنْزَلْنا إليك.\nوقد حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: ثنا الثوريُّ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. قال: يُطِيعون (^٤).\n\n<span id=\"aya-1946\"></span><span data-type='title' id=toc-5002>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أفأمِن الذين ظلَموا المؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، فراموا أن يَفْتِنوهم عن دينِهم، مِن مشركى قريشٍ - الذين قالوا، إذ قيل لهم: ماذا أنْزَل ربُّكم؟ قالوا (^٥): أساطيُر الأوَّلين. صدًّا منهم، لمن أراد الإيمانَ باللهِ، عن قصدِ السبيلِ - أن يَخْسِفَ اللهُ بهم الأرضَ، على كفرِهم وشركِهم، أو يَأْتِيَهم عذابُ اللهِ من مكانٍ لا يُشْعَرُ به، ولا يُدرَى مِن أين يأتيه؟ وكان مجاهدٌ يقولُ: عَنى بذلك نُمُرودَ بنَ كَنْعَانَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ،\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"عطية\"، وفى ف: \"غطية\".\n(^٢) في م: \"أنزل\".\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"به\"، وفى م: \"به أي بما\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٩ إلى المصنف.\n(^٥) سقط من: م","vol":"14","page":232},{"text":"قال: ثنا عبد اللهِ، عن وَرْقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾. قال: هو نُمرُودُ بنُ كَنْعانَ وقومُه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوإنما اخْتَرْنا القولَ الذي قُلْناه في تأويلِ ذلك؛ لأن ذلك تهديدٌ مِن اللَّهِ أَهلَ الشركِ به، وهو عَقِيبُ قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فكان تهديدُ مَن لم يُقِرَّ بِحُجّةِ اللَّهِ، الذي جرَى الكلامُ بخطابِه قبلَ ذلك، أحْرَى مِن الخبرِ عمَّن انْقَطَع ذكرُه عنه.\nوكان قتادةُ يقولُ في معنى السيئاتِ في هذا الموضعِ، ما حدَّثنا به بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾. أي: الشركَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1947\"></span><span data-type='title' id=toc-5003>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ أو يُهْلِكَهم في تصرفِهم في البلادِ، وتردُّدِهم في أسفارِهم. ﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فإنهم لا يُعجِزون الله مِن ذلك، إن أراد أخْذَهم كذلك. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٢١، ٤٢٢ من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٩ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":233},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5004>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى وعليُّ بن داودَ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾. يقولُ: في اختلافِهم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. قال: إن شئتَ أَخَذْتَه في سفرِه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾: في أسفارِهم (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه.\nوقال ابن جريجٍ في ذلك ما: حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾. قال: التَّقَلُّبُ أَن يَأْخُذَهم بالليل والنهارِ (^٤).\n\n<span id=\"aya-1948\"></span>وأما قولُه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾. فإنه يعنى: أو يُهْلِكَهم بتخوُّفٍ، وذلك بنقصٍ من أطرافِهم (^٥) ونَواحيهم، الشىَء بعدَ الشئِ، حتى يُهْلِكَ جميعَهم،\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٢١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"سفر\". والأثر ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٤٩٥ بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٩ للمصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٤٩٥.\n(^٥) في ص، ت ١: \"أصوافهم\" وفى ت ٢: \"أصوابهم\"، وفى ف: \"أصواتهم\".","vol":"14","page":234},{"text":"يقالُ. منه: تخَوَّف مالَ فلانٍ الإنفاقُ. إذا انْتَقَصَه. ونحوُ تخَوُّفِه - مِن التَّخوُّفِ - بمعنى التنقُّصِ، قولُ الشاعرِ (^١):\nتخَوَّف السيرُ منها تامِكًا قَرِدًا … كما تخوَّف عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ (^٢)\n[يعنى بقولهِ: تخَوَّف السيرُ. تنَقَّص سَنامَها. وقد ذكَرْنا عن الهيثمِ بن عديٍّ (^٣) أنه كان يقولُ: هي لغةٌ لأَزْدِ شَنُوءةَ، معروفةٌ لهم.\nومنه قولُ آخَرَ (^٤):\nتخوُّفُ غَدْرِهم (^٥) مالى وأُهدِى … سَلاسلَ في الحُلُوقِ لها صَلِيلُ] (^٦)\nوكان الفرَّاءُ يقولُ (^٧): العرب تقول: [تحَوَّفْتُه - أي: تنَقَّصْتُه - تحَوُّفًا] (^٨).\nأي: أخَذْتُه مِن حافاتِه وأطرافِه. قال: فهذا الذي سمِعْتُه (^٩)، وقد أتَى التفسيرُ\n_________\n(^١) البيت لابن مقبل كما في ديوانه ص ١٠٤، ولسان العرب (خ) و(ف). ونسبه صاحب سمط اللآلئ ٢/ ٧٣٨ لقعنب ابن أم صاحب، ونسبه الزمخشرى في أساس البلاغة (خ وف) لزهير وليس في ديوانه، ونسبه القرطبي في تفسيره ١٠/ ١١٠، والشيخ زاده في حاشيته على تفسير البيضاوى ٣/ ١٧٩ لأبي كبير الهذلي وليس في ديوان الهذليين، ونسبه ابن منظور في اللسان (س ف ن) لذى الرمة وليس في ديوانه.\n(^٢) تامكا: التامك: السَّنام ما كان. وقيل: هو السنام المرتفع وناقة تامك: عظيمة السنام. قَرَدا: القَرَد: ما تمعط من الوبر والصوف وتلبَّد. وقرد الشعرُ والصوفُ - بالكسر - يقرَد قَرَدا فهو قرِد، وتقرَّد: تجعَّد وانْعَقَدَت أطرافُه. النَّبعة: النَّبْع شجر من أشجار الجبال تُتَّخذ منه القِسى. والسفَن: الحديدة التي تُبرد بها القِسيّ. لسان العرب (ت م ك، ق، ر د، ن ب ع، س ف ن).\n(^٣) ينظر تفسير القرطبي ١٠/ ١١٠، والبحر المحيط ٤/ ٤٩٥.\n(^٤) البيت في مجاز القرآن ١/ ٣٦٠، والتبيان ٦/ ٣٨٦، وتفسير القرطبي ١٠/ ١١٠، وفتح القدير ٣/ ١٦٥.\n(^٥) في م، ص، والتبيان، وفتح القدير: \"عدوهم\". والمثبت من مجاز القرآن وتفسير القرطبي؛ فيه يستقيم السياق.\n(^٦) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٧) معاني القرآن ٢/ ١٠١، ١٠٢.\n(^٨) في ت ١، ف: \"تخوفته أي تنقصته تخوفا\".\n(^٩) في ص، ت ١، ف: \"سمعه\".","vol":"14","page":235},{"text":"بالخاءِ (^١)، وهو (^٢) بمعنى. قال (^٣): ومثلُه ما قُرِئ بوجهيْن؛ قوله: إن لك في النهارِ سَبْحًا وسَبْخًا (^٤).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5005>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن المسعوديِّ، عن إبراهيمَ بن عامرِ بن مسعودٍ، عن رجلٍ، عن عمرَ، أنه سألهم عن هذه الآيةِ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾: ما نَرَى إلا أنه عندَ تنقُّصِ (^٥) ما نُردِّدُه (^٦) مِن الآياتِ. فقال عمرُ: ما أَرَى (^٧) إلا أنه على ما تَنْتَقِصون مِن معاصى اللَّهِ. قال: فخرَج رجلٌ ممن كان عندَ عمرَ، فَلَقِى أعرابيًّا، فقال: يا فلانُ، ما فعَل ربُّك (^٨)؟ قال: قد تخَيَّفْتُه؛ يعنى تنَقَّصْتُه (^٩). قال: فرجَع إلى عمرَ فأَخْبَرَه، فقال: قدَّر اللهُ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"بالحاء\".\n(^٢) في م: \"هما\".\n(^٣) أي الفراء.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ف: \"سبحا\". وهى الآية السابعة من سورة المزمل. والقراءة بالخاء من القراءات الشاذة، وهي قراءة أبى وائل وعكرمة ويحيى بن يعمر وابن أبي عبلة، كما في مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٦٤، ينظر القرطبي ١٩/ ٤٢، والبحر المحيط ٨/ ٣٦٣، والسبخ: السعة، والسبح نحوه. ينظر معاني القرآن ٢/ ١٠٢.\n(^٥) سقط من: ت ١. وفى ص، ت ٢، ف: \"نقص\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ف \"يردده\" وفى ص غير منقوطة، والمثبت موافق لما في الدر المنثور.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أدرى\".\n(^٨) كذا في النسخ والدر المنثور، وفى تفسير القرطبي: \"دَيْنُك\". والمعنى متوجِّه على \"ربك\" فهو السيد والمَوْلى، كما هو معروف من معانيه.\n(^٩) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"انتقصته\".","vol":"14","page":236},{"text":"ذلك (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾. يقولُ: إِنْ شَئتُ أَخَذْتُه على أثرِ موتِ صاحبِه، نُخَوِّفُ (^٢) بذلك (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريج، عن عطاءٍ الُخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾. قال: التنقُّصِ والتَّقْريعِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾: على تنقُّصٍ (^٥).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ (^٦)، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) أشار الحافظ في الفتح ٨/ ٣٨٦ إلى رواية المصنِّف، وذكره القرطبي مطولًا ببعض اختلاف في تفسيره ١٠/ ١١٠، ١١١، وعنده: \"قال سعيد بن المسيب: بينما عمر على المنبر قال … \" وفيه أن مفسِّر التخوف شيخ من بنى هذيل، وفيه ذكر بيت الشعر\" .... تامكًا قردًا … \" ونسبته لأبى كبير الهذلى. ووقع في الدر المنثور ٤/ ١١٩ ذِكْر المتن، لكن سقط ذِكْر العزو فدخل ذلك مع عزو الأثر الثالث هنا للمصنِّف، من طريق عطاء الخراسانى عن ابن عباس.\n(^٢) في م، والدر المنثور: \"تخوف\"، وفى ت ١ غير واضحة، وفى ف: \"يخوف\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٩٤، وعنده: \"تخوفه\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) في م: \"التفزيع\"، وفى ص، ت ٢: غير منقوطة.\nوالأثر ذكره الطوسى في التبيان ٦/ ٣٨٦ بلفظ: \"التفزيع\". والقرطبى في تفسيره ١٠/ ١٠٩ - ١١١، والبحر المحيط ٥/ ٤٩٥، والشوكانى في فتح القدير ٣/ ١٦٥ بلفظ: \"على تقريع بما قدموه من ذنوبهم\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٩ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر، بلفظ: \"يأخذهم بنقص بعضهم\".\n(^٦) في ص، ت ١، ف: \"الحسين\". والحسن هو ابن موسى الأشيب، ينظر ترجمته في تهذيب الكمال ٦/ ٣٢٨، ٣٢٩.","vol":"14","page":237},{"text":"مُجاهدٍ: ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾. قال: تنقُّصٍ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾، فيُعاقِبَ أو يَتَجاوزَ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾. قال: كان يقالُ: التخوُّفُ التنقُّصُ؛ يَنْتَقِصُهم مِن البُلدانِ مِن الأطرافِ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾. يعنى: يَأْخُذُ العَذَابُ طائفةً، ويَتْرُكُ أخرى، و(^٣) يُعَذِّبُ القريةَ ويُهْلِكُها، ويَتْرُكُ أخرى إلى جَنْبِها (^٤).\nوقولُه: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: فإن ربَّكم إن لم يَأْخُذْ هؤلاء الذين مكَروا السيئاتِ بعذابٍ مُعَجَّلٍ لهم، وأخَذَهم بالموتِ (^٥) وتنقُّصِ بعضِهم في أثرِ بعضٍ، لَرءوفٌ بخلقِه، رحيمٌ بهم، ومِن رأفتِه ورحمتِه بهم لم يَخْسِفُ بهم الأرضَ، ولم يُعَجِّلْ لهم العذابَ، ولكن يُخَوِّفُهم ويُنَقِّصُهم بموتٍ.\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٠/ ١١١، وأبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٤٩٥، والشوكانى في فتح القدير ٣/ ١٦٥.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) زيادة من: م.\n(^٤) أخرجه الثورى في تفسيره ص ١٦٥، بإسناده عن الضحاك، وذكره القرطبي في تفسيره ١٠/ ١١٠، وأبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٤٩٥.\n(^٥) في م: \"بموت\".","vol":"14","page":238},{"text":"<span id=\"aya-1949\"></span><span data-type='title' id=toc-5006>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨)﴾.</span>\nاخْتَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرَأةِ الحجازِ والمدينةِ والبصرةِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ بالياءِ على الخبرِ عن الذين مكَروا السيئاتِ. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفيين: (أَوَ لَمْ تَرَوا) بالتاءِ على الخطابِ (^١).\nوأولى القراءتين عندى بالصوابِ قراءةُ مَن قَرَأ بالياءِ، على وجهِ الخبرِ عن الذين مكَروا السيئاتِ؛ لأن ذلك في سياقِ قَصَصِهم والخبرِ عنهم، ثم عَقِبَ ذلك الخبرُ [عن ذَهابهم] (^٢) عن حجةِ اللهِ عليهم، وترْكِهم النظرَ في أدلتِه، والاعتبارَ بها.\nفتأويلُ الكلامِ إذن: أولم يَرَ هؤلاء الذين مكَروا السيئاتِ، إلى ما خلَق اللهُ مِن جسم قائمٍ؛ شجرٍ أو جبلٍ أو غيرِ ذلك. ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾. يقولُ: يَرْجِعُ مِن موضعٍ إلى موضعٍ، فهو في أولِ النهارِ على حالٍ، ثم يَتَقَلَّصُ، ثم يَعودُ إلى حالٍ أُخرى في آخرِ النهارِ.\nوكان جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ يقولون في اليمينِ والشَّمائلِ ما:\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾. أما اليمينُ فأولُ النهارِ، وأما الشمائلُ (^٣) فآخرُ النهارِ (^٤).\n_________\n(^١) قرأ حمزة والكسائى: (أولم تروا إلى ما) بالتاء، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم ﴿أو لم يروا﴾ بالياء. وقرأ أبو عمرو: (تتفيأ) بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. السبعة ص ٣٧٣، ٣٧٤، والتيسير في القراءات السبع ص ١١٢.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في م: \"الشمال\". وهو لفظ رواية البغوي.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٦ عن معمر عن قتادة، وذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٢٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٩ بنحوه، إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":239},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾. قال: الغُدُوِّ والآصالِ، إذا فاءَت الظِّلالُ - ظلالُ كلِّ شيءٍ - بالغدوِّ سجَدَت للهِ، وإذا فاءَت بالعَشِيِّ سَجَدَت للهِ (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾. يعنى: بالغدوِّ والآصالِ، تَسْجُدُ الظِّلالُ اللهِ عُدْوةً، إلى أن يَفِئَ الظلُّ، ثم تَسْجُدُ للهِ إلى الليلِ. يعنى ظلَّ كلِّ شيءٍ.\nوكان ابن عباسٍ يقولُ في قولِه: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ ما:\nحدَّثنا المثنى، قال: أخبَرنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قولَه: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾. يقولُ: تَتَمَيَّلُ (^٢).\nواخْتُلِف في معنى قولِه: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾. فقال بعضُهم: ظلُّ كلِّ شيءٍ سجودُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5007>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾. قال: ظلُّ كلِّ شيءٍ سجودُه (^٣).\n_________\n(^١) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٠ لكن من قول مجاهدٍ، وعزاه إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) عزاه الشوكاني في فتح القدير ٣/ ١٦٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":240},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ الرازيُّ، عن أبي سِنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾. قال: سجد ظلُّ المؤمنِ طَوْعًا، وظَلُّ الكَافِرِ كَرْهًا.\nوقال آخرون: بل عنَى بقولِه: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾: كلًّا عن اليمينِ والشَّمائلِ في حالِ سجودِها. قالوا: وسجودُ الأشياءِ غيرُ ظلالِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5008>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، وحدَّثنى نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْديُّ، قالا: ثنا حَكَّامٌ، عن أبي سنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ، في قولِ اللَّهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾. قال: إذا فاء الفيءُ توَجَّه كلُّ شيءٍ ساجدًا قِبَلَ القبلِة؛ مِن نَبْتٍ أو شجرٍ. قال: فكانوا يَسْتَحِبُّون الصلاةَ عند ذلك (^١).\nحدَّثني المثنى، قال: أخبرَنا الِحمَّانيُّ، قال: ثنا يحيى بن يَمانٍ، قال: ثنا شَريكٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾. قال: إذا زالت الشمسُ سجَد كلُّ شيءٍ للهِ (^٢).\nوقال آخرون: بل الذي وصَف اللهُ بالسجودِ في هذه الآيةِ، ظلالُ الأُشياءِ، فإنما يَسْجُدُ ظلالُها دونَ التي لها الظِّلالُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5009>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾. قال: هو\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٤٩٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٢٢، وأبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٤٩٨، وابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٩٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٠ إلى المصنف.","vol":"14","page":241},{"text":"سجودُ الظِّلالِ؛ ظلالِ (^١) كلِّ شيءٍ؛ ما في السماواتِ وما في الأرضِ مِن دَابَّةٍ (^٢)؛ سجودُ ظِلالِ الدَّوابِّ، وظلالِ كلِّ شيءٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾. ما خلَق مِن (^٤) شيءٍ، عن يمينِه وشَمائلِه (^٥) - فلفظُ ﴿مَا﴾: لفظٌ عن اليمينِ والشَّمائلِ - قال: ألم تَرَ أنك إذا صلَّيْتَ الفجرَ، كان ما بيَن مَطْلِع الشمسِ إلى مَغْرِبها ظلًّا، ثم بَعث اللهُ عليه الشمسَ دليلًا (^٦)، وقبَض اللهُ الظلَّ (^٧).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللَّهَ أَخْبَر في هذه الآيةِ، أن ظلالَ الأشياءِ هي التي تَسْجُدُ. وسجودُها مَيَلانُها ودَوَرانُها مِن جانبٍ إلى جانبٍ، وناحيةٍ إلى ناحيةٍ، كما قال ابن عباسٍ. يقالُ ذلك: سجَدَت النخلةُ. إذا مالت. وسجَد البعيرُ. وأسْجَدَ إِذا مَيَّل (^٨) للركوبِ. وقد بيَّنا معنى السجودِ في غيرِ هذا الموضعِ بما أغْنَى عن إعادتِه.\nوقولُه: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾. يعنى: وهم صاغرون. يقال منه: دخَر فلانٌ للهِ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \" إلى ظل\".\n(^٢) بعده في م: \"قال\".\n(^٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٠ بلفظ: \"فئُ كل شيءٍ ظلّه، وسجود كل شيء فيه سجود الخيال فيها، وعزاه إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) بعده في م: \"كل\".\n(^٥) في ت ٢: \"شماله\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قليلا\".\n(^٧) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٤٩٧ عن ابن عباس من قوله: إذا صليت ....\n(^٨) في م: \"أميل\". وأسْجَدَ البعيرُ: إذا طأطأ رأسه وانحنى ليُركب. كتاب الأفعال للسرقسطى ٣/ ٥٠٤، وتاج العروس (س ج د).","vol":"14","page":242},{"text":"يَدْخَرُ دَخَرًا ودُخُورًا. إذا ذلَّ له وخضَع. ومنه قولُ ذى الرُّمَّةِ (^١):\nفلم يَبْقَ إِلا داخِرُ في مُخَيَّسٍ (^٢) … ومُنْجَحِرٌ في غيرِ أَرضِك في جُحْرِ (^٣)\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5010>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ صاغرون (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾. أي: صاغِرون (^٥).\nحدَّثنا ابن عبدٍ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه.\nوأما توحيدُ اليمينِ (^٦) في قولِه: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾. فَجَمَعَها؛ فإن ذلك إنما جاء كذلك لأن معنى الكلامِ: أولم يَرَوْا إلى ما خلَق اللهُ مِن شيءٍ، يَتَفَيَّأُ\n_________\n(^١) ديوان ذي الرمة شرح أبى نصر الباهلى ٢/ ٩٧٩، والبيت في اللسان أيضا (خ ى س).\n(^٢) المخيَّس: الحَبْس. وخيَّس الرجُلَ والدابةَ تَخْييسًا وخاسَهما: ذللَّهما. والمخيَّس: السجن. المصدران السابقان.\n(^٣) في ت ٢، ف: \"حجر\". وهو لفظ بعض نسخ ديوان ذى الرمة كما ذكر ذلك محقق الديوان.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٠ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٥٦ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٠ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٦) ينظر معاني القرآن ٢/ ١٠٢.","vol":"14","page":243},{"text":"ظلالُ ما خلَق مِن شيءٍ عن يمينِه - أي: ما خلَق (^١) - وشمائِله. فلفظُ ﴿مَا﴾ لفظٌ واحدٌ ومعناه معنى الجمعِ، فقال: ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾. بمعنى: عن يمينِ ما خلَق. ثم رجَع إلى معناه في الشَّمائلِ.\nوكان بعضُ أهل العربيةِ يقولُ (^٢): إنما تَفْعَلُ العربُ ذلك؛ لأن أكثرَ الكلامِ مُواجَهةُ الواحدِ الواحدَ، فيُقالُ للرجلِ: خُذْ عن يمينكِ. قال: فكأنه إذا وحَد ذهَب إلى واحدٍ من القومِ، وإذا جمَع فهو الذي لا مَسْأَلَةَ (^٣) فيه. واسْتُشْهِد لفعلِ (^٤) العربِ ذلك، بقولِ الشاعرِ (^٥):\nبِفي الشامِتينَ الصَّخْرُ إن كان هَدَّنى (^٦) … رَزِيَّةُ شِبْلَىْ مُخْدِرٍ في الضَّراغِمِ (^٧)\nفقال: بفِى الشامِتينِ، ولم يَقُلْ: بأفْواهِ.\nوقولِ الآخرِ (^٨):\n[الواردون [وتَيْمٌ] (^٩) في ذرا] (^١٠) سبأ … قد عَضَّ أَعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ\nولم يَقُلْ: جلودُ.\n_________\n(^١) يعني: عن يمين \"ما خلق\". فهى توضيح لقوله: \"عن يمينه\".\n(^٢) معاني القرآن ٢/ ١٠٢.\n(^٣) في م: \"مساءلة\". والمثبت موافق لما في معاني القرآن.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بفعل\".\n(^٥) هو الفرزدق. والبيت في شرح ديوان الفرزدق ص ٧٦٤.\n(^٦) في الديوان: \"مسنى\".\n(^٧) شِبْلَىْ: مثنى شِبْل؛ ولد الأسد إذا أدرك الصيد. وخِدْر الأسد: أجَمَتُه. وأسدٌ خادر ومُخدِر: مقيم في عرينه داخل في الخِدر. والضراغم: الأسود؛ جمع. والواحد: ضرغم وضرغامة وضرغام. ينظر لسان العرب (ش ب ل)، (خ د ر)، (ضرغم).\n(^٨) هو جرير. والبيت في شرح ديوانه ص ٣٢٥.\n(^٩) في ت ١، ت ٢، ف: \"وهم\".\n(^١٠) في شرح الديوان: \"تدعوك تيم وتيم في قرى\".","vol":"14","page":244},{"text":"<span id=\"aya-1950\"></span><span data-type='title' id=toc-5011>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وللهِ يَخْضَعُ [ويَخْشَعُ] (^١) ويَسْتَسْلِمُ لأمرِه ما في السماواتِ وما في الأرضِ مِن دابَّةٍ تَدِبُّ عليها، والملائكةُ التي (^٢) في السماواتِ، وهم لا يَسْتَكْبِرون عن التذلُّلِ له بالطاعةِ، والذين لا يُؤمِنون بالآخرةِ، قلوبُهم مُنْكِرةٌ، وهم مُسْتَكْبِرون، وظِلالُهم تَتَفَيَّأُ عن اليمينِ والشَّمائلِ سُجَّدًا للهِ، وهم داخرون.\nوكان بعضُ نحويى أهلِ البصرةِ يقولُ: اجْتُزِئ بذكرِ الواحدِ مِن الدوابِّ عن ذكرِ الجميعِ، وإنما معنى الكلامِ وللهِ يَسْجُدُ ما في السماواتِ وما في الأرضِ مِن الدوابِّ والملائكةِ، كما يقالُ: ما أتانى مِن رجلٍ. بمعنى: ما أتاني مِن الرجالِ.\nوكان بعضُ نحويى الكوفةِ يقولُ (^٣): إنما قيل: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾. لأن \"ما\" وإن كانت قد (^٤) تكونُ على مذهبِ \"الذي\" فإنها غيرُ مُؤَقَّتَةٍ، فَإِذَا أُبْهِمَت غَيرَ مؤقتةٍ أشْبَهَت الجزاءَ، والجزاءُ يَدْخُلُ \"مِن\" فيما جاء مِن اسمٍ بعدَه من النكرةِ، فيقالُ: مَن ضرَبه من رجلٍ فاضْربِوه. ولا تَسْقُطُ \"مِن\" من هذا الموضعِ؛ كراهيةَ أن تُشْبِهَ أن تكونَ حالًا لـ \"مَن\" و\"ما\"، فجعَلوه بـ \"مِن\" بـ (مِن) ليَدُلُّ على أنه تفسيرٌ لـ \"ما\" و\"من\"؛ لأنهما غيرُ مُؤَقَّتَتَينِ (^٥)، فكان دخولُ \"مِن\" فيما بعدَهما تفسيرًا لمعناها، وكان دخولُ \"مِن\" أَدَلُّ على ما لم يُوَقَّتْ مِن \"مَن\" و\"ما\"، فلذلك لم تُلْقَيا (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ت ١: \"الذين\".\n(^٣) معاني القرآن ٢/ ١٠٣.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"مؤقتين\".\n(^٦) في ص، ت ٢: \"بليعنا\" وفى ت ١، ف: \"يلتقيا\"، وفى م: \"يلغيا\". وينظر معاني القرآن ٢/ ١٠٣.","vol":"14","page":245},{"text":"<span id=\"aya-1951\"></span><span data-type='title' id=toc-5013>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يَخافُ هؤلاء الملائكةُ التي في السماواتِ، وما في الأرضِ من دابَّةٍ، ربَّهم مِن فوقِهم، أن يُعَذِّبَهم إن عَصَوْا أَمرَه، ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. يقولُ: ويَفْعَلون ما أمَرَهم اللهُ به، فيُؤَدُّون حقوقَه، ويَجْتَنِبون سَخَطَه.\n\n<span id=\"aya-1952\"></span><span data-type='title' id=toc-5014>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال اللهُ لعبادِه: لا تَتَّخِذوا لى شريكًا، أيُّها الناسُ، ولا تَعْبُدوا معبودَيْن؛ فإنكم إذا عبَدْتُم معىَ غيرى، جعَلْتُم لى شريكًا ولا شريكَ لى، إنما هو إله واحد، ومعبودٌ واحدٌ، وأنا ذلك، ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. يقولُ: فإياىَ فاتَّقوا، وخافوا عقابى بمعصيتِكم إياىَ إن عصَيْتُمونى وعبَدْتُم غيرى، أو أشْرَكْتُم في عبادتِكم لي شريكًا.\n\n<span id=\"aya-1953\"></span><span data-type='title' id=toc-5012>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وللَّهِ ملكُ ما في السماواتِ والأرضِ مِن شيءٍ، لا شريكَ له في شيءٍ من ذلك، هو الذي خلَقَهم، وهو الذي يَرْزُقُهم، وبيدِه حياتُهم وموتُهم.\nوقولُه: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وله الطاعةُ والإخلاصُ دائمًا ثابتًا واجبًا. يقالُ منه: وصَب الدِّينُ يَصِبُ وُصُوبًا ووَصَبًا، كما قال الدِّيليُّ (^١).\n_________\n(^١) نفائس المخطوطات ص ٤٥. الجزء المجموع من أشعار أبى الأسود.","vol":"14","page":246},{"text":"لا أبْتَغِى (^١) الحمدَ القليلَ بقاؤُه … يومًا بذَمِّ الدهرِ أَجْمَعَ واصِبَا\nومنه قولُ اللهِ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩].\nوقولُ حسَّان (^٢):\nغيَّرَتْه الريحُ تَسْفِى به … وهَزِيمٌ رَعْدُه واصِبُ\nفأما مِن الألم، فإنما يقالُ: وصِب الرجلُ يَوْصَبُ وَصَبًا، وذلك إذا أَعْيَا ومَلَّ، ومنه قولُ الشاعرِ (^٣):\nلا يَغْمِزُ السَّاقَ مِن أَيْنٍ ولا وَصَبٍ … ولا يَعَضُّ على شُرْسُوفِه الصَّفَرُ\nوقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ الواصبِ: فقال بعضُهم: معناه ما قلنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5015>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن قيسٍ، عن الأغَرِّ بن الصَّبَّاحِ، عن خليفةَ بن حُصَيْنٍ، عن أبي نَضْرةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. قال: دائمًا (^٤).\nحدَّثني إسماعيلُ بنُ موسى، قال: أخبَرنا شَريكٌ، عن أبي حَصِينٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. قال: دائمًا (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن قيسٍ، عن يَعْلَى بن النُّعمانِ، عن\n_________\n(^١) في الديوان: \"أشترى\".\n(^٢) ديوانه ص ٢٨١.\n(^٣) البيت لأعشى باهلة، وهو في الكامل ٤/ ٦٥، وفى جمهرة أشعار العرب ٢/ ٧١٨، ٧١٩ تبادل شطر البيت في بيتين وينظر اللسان (ص ف ر، أرى). ديوان المفضليات ص ٥٢٠.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٠ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٩٥.","vol":"14","page":247},{"text":"عكرمةَ، قال: دائمًا.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائمًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. قال: دائمًا.\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة وأبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك: وَلَهُ الدَّينُ وَاصِبا له. قال: دائما.\nحدَّثني المثنى، قال: أخبرَنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هُشَيْمٌ، عن جويبرٍ، الضحاكِ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَة: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. أي: دائمًا، فإن (^٢) الله ﵎ لم يَدْعُ شيئًا مِن خلقِه إلا عبَدَه (^٣)، طائعًا أو كارهًا.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَاصِبًا﴾. قال: دائمًا، ألا تَرَى أنه يقولُ: ﴿عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩].\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٢٢، ومن طريقه ورقاء به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٠ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".\n(^٣) في ص، ت ٢: \"عده\".","vol":"14","page":248},{"text":"أي: دائمٌ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. قال: دائمًا، والواصبُ الدائمُ (^٢).\nوقال آخرون: الواصبُ في هذا الموضعِ الواجبُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5016>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، عن قيسٍ، عن يَعْلَى بن النعمانِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. قال: واجبًا (^٣).\nوكان مجاهدٌ يقولُ: معنى الدِّينِ في هذا الموضعِ الإخلاصُ. وقد ذكَرْنا معنى الدينِ في غيرِ هذا الموضعِ، بما أغْنَى عن إعادتِه (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ جميعًا (^٥)، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. قال: الإخلاصُ (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٥٧ عن معمر به.\n(^٢) ينظر التبيان ٦/ ٣٩٠.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٠ إلى المصنف والفريابى.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٣/ ٣٠٠، ٣٠١، ٥/ ٢٨٠، ٢٨١.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٦) تفسير مجاهد، من طريق ورقاء به، ص ٤٢٢.","vol":"14","page":249},{"text":"مجاهدٍ، قال: الدينُ الإخلاصُ.\nوقولُه: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفغيرَ اللَّهِ أَيُّها الناسُ ﴿تَتَّقُونَ﴾. أي: تَرْهَبون وتَحْذَرون أن يَسْلُبَكم نعمة اللهِ عليكم، بإخلاصِكم العبادةَ لربِّكم، وإفرادِكم الطاعةَ له، وما لكم نافعٌ سواه.\n\n<span id=\"aya-1954\"></span><span data-type='title' id=toc-5017>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ الفاءِ في قولِه: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾؛ فقال بعضُ البَصْرِيين: دخَلَتِ الفاءُ، لأن (ما) بمنزلةِ \"مَن\" فجعل الخبرَ بالفاءِ.\nوقال بعضُ الكُوفيين (^١): \"ما\" في معنى جزاءٍ، ولها فعلٌ مُضْمَرٌ، كأنك قلتَ: ما يَكُنْ بكم مِن نعمةٍ فمن اللهِ؛ لأن الجزاءَ لا بدَّ له مِن فعل مجزومٍ، إن ظهرَ فهو جزمٌ، وإن لم يَظْهَرْ فهو مُضْمَرٌ، كما قال الشاعرُ:\nإِنِ العَقْلُ في أموالِنا لا نَضِقُ به … ذِراعًا وإن صبرًا فنَعْرِفُ للصبرِ\nوقال: أراد إن يَكُنِ العقلُ، فأَضْمَره، قال: وإن جعَلْتَ \"ما بكم\" في معنى \"الذي\" جاز، وجعَلْتَ صِلَتَه \"بكم\" و\"ما\" في موضع رفعٍ بقولِه: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾. وأدْخَل الفاءَ، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]. وكلُّ اسمٍ وُصِل مثلَ \"مَن\" و\"ما\" و\"الذي\" فقد يَجوزُ دخولُ الفاءِ في خبرِه؛ لأنه مضارعٌ للجزاءِ، والجزاءُ قد يُجابُ بالفاءِ، ولا يَجوزُ: أخوك فهو قائمٌ؛ لأنه اسمٌ غير موصولٍ، وكذلك تقولُ: ما لَك لى. فإن قلت: ما لَك. جاز أن تقولَ: ما لك فهو لى. وإن أَلْقَيْتَ الفاءَ فصوابٌ.\n_________\n(^١) الفراء في معاني القرآن ص ١٠٤، ١٠٥ والبيت فيه.","vol":"14","page":250},{"text":"وتأويلُ الكلامِ: ما يكَنْ بكم في أبدانِكم، أيُّها الناسُ، مِن عافيةٍ وصحةٍ وسلامةٍ، وفي أموالِكم مِن نَماءٍ [فمِن اللهِ، هو] (^١) المُنعِمُ بذلك عليكم لا غيرُه؛ لأن ذلك إليه وبيدِه، ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرّ﴾. يقولُ: إذا أصابكم في أبدانِكم سَقَمٌ ومرضٌ، وعلةٌ عارضةٌ، وشدَّةٌ مِن عيشٍ، ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾. يقولُ: فإلى اللَّهِ تَصْرُخون بالدعاءِ، وتَسْتَغِيثون به؛ ليَكْشِفَ ذلك عنكم. وأصلُه: مِن جُؤَارِ الثورِ، يقال منه: جأَر الثورُ يَجْأَرُ جُؤَارًا. وذلك إذا رفَع صوتًا شديدًا، مِن جُوعٍ أو غيرِه، منه قولُ الأَعْشَى (^٢):\nوما أَيْبُلِيٌّ (^٣) على هَيْكلٍ (^٤) … بناه وصَلَّب فيه وصارا\nيُراوِحُ مِن صَلواتِ المَلِيـ … ـكِ طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤَارَا.\nيعنى بالجُوَارِ: الصياحَ؛ إما بالدعاءِ، وإما بالقراءةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5018>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ] (^٥)، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِه: ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾.\n_________\n(^١) في م: \"فالله\"، وفى ت ١، ف: \"هو الله\"، وفى ت ٢: \"فهو الله\".\n(^٢) ديوانه ص ٥٣.\n(^٣) الأيبلى: صاحب الناقوس الذي ينقس النصارى بناقوسه يدعوهم به إلى الصلاة. اللسان (أ ب ل).\n(^٤) هيكل: بيت للنصارى فيه صنم على خلقة مريم فيما يزعمون. اللسان (هـ ك ل).\n(^٥) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.","vol":"14","page":251},{"text":"قال: تَضْرَعون دُعاءً (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني المثنى، قال: أخبَرنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، ﵄، قال: الضُّرُّ السَّقَمُ.\n\n<span id=\"aya-1955\"></span><span data-type='title' id=toc-5019>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثم إذا وهَب لكم ربُّكم العافيةَ، ورفَع عنكم ما أصابكم مِن المرضِ في أبدانِكم، ومن الشدةِ في معاشِكم، وفرَّج البلاءَ عنكم، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: إذا جماعةٌ منكم يَجْعَلُون للَّهِ شريكًا في عبادتهِم، فيَعْبُدون الأوثانَ، ويَذْبَحون (^٢) لها الذبائحَ؛ شكرًا لغيرِ من أنعَم عليهم بالفرجِ مما كانوا فيه مِن الضُّرِّ\n\n<span id=\"aya-1956\"></span>﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾. يقولُ: ليَجْحَدوا الله نعمتَه، فيما آتاهم مِن كشفِ الضرِّ عنهم، ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، وهذا مِن اللَّهِ وعِيدٌ لهؤلاء الذين وصَف صفتَهم في هذه الآياتِ، وتهديدٌ لهم، يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: تمتَّعوا في هذه الحياةِ الدنيا إلى أن تُوافِيَكم آجالُكم، وتَبْلُغوا الميقاتَ الذي وقَّته لحياتِكم (^٣) وتمتُّعِكم فيها، فإنكم مِن ذلك ستَصِيرون إلى ربِّكم، فتَعْلَمون بلقائِه\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٢٢. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٠ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"فيذبحون\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ف: \"لكم\".","vol":"14","page":252},{"text":"وَبالَ ما كسَبَت أيديكم، وتَعْرِفون سوءَ [مَغَبَّةِ أمرِكم] (^١)، وتَنْدَمون [حينَ لا يَنْفَعُكم النَّدمُ] (^٢).\n\n<span id=\"aya-1957\"></span><span data-type='title' id=toc-5020>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويَجْعَلُ هؤلاء المشركون مِن عَبَدةِ الأوثانِ، لما لا يَعْلَمون منه ضَرًّا ولا نفعًا، ﴿نَصِيبًا﴾. يقولُ: حظًّا وجزءًا (^٣) ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ مِن الأموالِ؛ إشراكًا (^٤) منهم له بالذي يَعْلَمون أنه خلَقَهم، وهو الذي يَنْفَعُهم ويَضُرُّهم دونَ غيرِه، كالذى حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾. قال: يَعْلَمون أن الله خلَقَهم، ويَضُرُّهم ويَنْفَعُهم، ثم يَجْعَلون لما لا يَعْلَمون أنه يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم، نصيبًا مما رزَقْناهم (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾. وهم مُشْرِكو العربِ. جعَلوا لأوثانِهم نصيبًا مما رزَقْناهم (^٦)، وجزءًا مِن أموالِهم يَجْعَلونه لأوثانِهم (^٧).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَيَجْعَلُونَ\n_________\n(^١) في ت ١: \"فعلكم\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، وغير واضحة في ف.\n(^٣) في م، ت ١: \"جزاء\".\n(^٤) في ص، ت ١، ف: \"اشركا\"، وفى ت ١: \"شركا\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٠ إلى المصنف.\n(^٦) في ص: \"رزقتهم\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٠، ١٢١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":253},{"text":"لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾. قال: جعَلوا لآلهتِهم التي ليس لها نصيبٌ ولا شيءٌ، جعَلوا لها نصيبًا مما قال اللهُ مِن الحرثِ والأنعامِ، يُسَمُّون عليها أسماءَها، ويَذْبَحون لها.\nوقولُه: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهِ أَيُّها المشركون الجاعِلون للآلهةِ والأندادِ نصيبًا مما (^١) رزَقْناكم، شركًا باللهِ وكفرًا، ليَسْأَلنَّكم اللهُ يومَ القيامةِ عما كنتم في الدنيا ﴿تَفْتَرُونَ﴾. يعنى: تَخْتَلقون مِن الباطلِ والإفْكِ على اللهِ، بدَعْواكم له شريكًا، وتصْييركِم لأوثانِكم فيما رزَقكم نصيبًا، ثم لَيُعاقِبَنَّكم (^٢) عُقوبةً تكونُ جزاءً لكفرِكم نعمَه، وافترائِكم عليه.\n\n<span id=\"aya-1958\"></span><span data-type='title' id=toc-5021>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومِن جَهْلِ هؤلاء المشركين باللهِ (^٣) وخُبْثِ فعلِهم، وقبحِ فرْيتِهم على ربِّهم، أنهم يَجْعَلون لمن خلَقَهم ودبَّرهم وأنْعَم عليهم، فاسْتَوْجَب بنعمِه عليهم الشكرَ، واسْتَحَق عليهم الحمدَ - البناتِ. ولا يَنْبَغِى أن يكونَ للَّهِ ولدٌ ذكرٌ ولا أنثى، ﴿سُبْحَانَهُ﴾. يُنَزِّهُ (^٤) ﷻ بذلك نفسَه، عما أضافوا إليه ونسَبوه مِن البناتِ، فلم يَرْضَوْا بجهلِهم إذ أضافوا إليه ما لا يَنْبَغى إضافتُه إليه، ولا يَنْبَغى أن يكونَ له مِن الولدِ، أن يُضِيفوا إليه ما يَشْتَهونه لأنفسِهم، ويُحِبُّونه لها، ولكنهم أضافوا إليه ما يَكْرَهونه لأنفسِهم، ولا يَرْضَوْنه لها من البناتِ، ما يَقْتُلُونها إذا\n_________\n(^١) في ص، م: \"فيما\".\n(^٢) بعده في ص، ت ٢، ف: \"على\".\n(^٣) ليس في: م.\n(^٤) في م: \"نزه\"، وفى ت ١، ت ٢: \" تنزه\" وفى ف: \"ننزه\".","vol":"14","page":254},{"text":"كانت لهم. وفي \"ما\" التي في قولِه: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾. وجهان مِن العربيةِ؛ النصبُ عطفًا بها (^١) على البناتِ، فيكونُ معنى الكلامِ، إذا أريد ذلك (^٢): ويَجْعَلون للهِ البناتِ، ولهم البنينَ الذين يَشْتَهونهم (^٣)، فتكونُ ﴿مَا﴾ للبنين. والرفعُ، على أن الكلامَ مبتدأٌ من قولِه: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾، فيكونُ معنى الكلامِ: يَجْعَلُون للهِ البناتِ، ولهم البنونَ (^٤).\n\n<span id=\"aya-1959\"></span>وقولُه: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾. يقولُ: وإذا بُشِّر أحدُ هؤلاء الذين جعَلوا للَّهِ البناتِ، بولادةِ ما يُضِيفُه إليه من ذلك له، ظلَّ وجهُه مسْودًّا، مِن كراهتِه له، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. يقولُ: قد كظَم الحزنَ، وامْتَلأ غَمًّا بولادتِه له، فهو لا يُظْهِرُ ذلك.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5022>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾، ثم قال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، يقولُ: يَجْعَلُون للَّهِ البناتِ، تَرْضَوْنهن (^٥) لى، ولا تَرْضَوْنهن (^٦) لأنفسِكم، وذلك أنهم كانوا في الجاهليةِ إذا وُلِد للرجلِ منهم جاريةٌ، أمسَكها على هُونٍ، أو دسَّها في الترابِ، وهى\n_________\n(^١) في م: \"لها\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بذلك\".\n(^٣) في م: \"يشتهون\".\n(^٤) ينظر معاني القرآن ٢/ ١٠٥، ١٠٦.\n(^٥) في ص، ت ١: \"ترضونهم\"، وفى ت ٢: \"يرضونهم\"، وفى ف: \"يرضونهم\".\n(^٦) في ص، ف: \"ترضونهم\" وفى ت ١، ت ٢: \"يرضونهم\".","vol":"14","page":255},{"text":"حيَّةٌ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. وهذا صَنيعُ مشركي العرب، أخبَرهم اللهُ بخُبْثِ صنيعِهم، فأما المؤمنُ فهو حَقيقُ أَن يَرْضَى بما قسَم اللهُ له، وقضاءُ اللهِ خيرٌ مِن قضاءِ المرءِ (^٢) لنفسِه، ولعَمْرِى ما يَدْرِى أنه خيرٌ؛ لرُبَّ جاريةٍ خيرٌ لأهلِها مِن غلامٍ. وإنما أخْبَركم الله بصنيعِهم؛ لتَجْتَنِبوه (^٣) وتَنْتَهوا عنه، وكان أحدُهم يَغْذُو كلبَه، ويَئِدُ ابنتَه (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال: ابن عباسٍ: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: حزينٌ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هُشَيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: الكَظيمُ الكَمِيدُ (^٦).\nوقد بينَّا ذلك بشواهِده في غيرِ هذا الموضعِ (^٧).\n\n<span id=\"aya-1960\"></span><span data-type='title' id=toc-5023>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿يَتَوَارَى﴾ هذا المُبَشَّرُ بولادةِ الأنثى مِن الولدِ له ﴿مِنَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢١ إلى المصنف وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ف: \"الخير\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لتجتنبوا\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠ إلى المصنف.\n(^٦) تقدم تخريجه في ١٣/ ٢٩٦.\n(^٧) بعده في ت ١: \"بما أغنى عن إعادته\" وينظر ما تقدم في ٦/ ٥٧، ٥٨، ١٣/ ٢٩٣.","vol":"14","page":256},{"text":"الْقَوْمِ﴾ فَيَغِيبُ عن أبصارِهم، ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ يعنى: مِن مَساءتِه إياه، مُمَيِّلًا (^١) بين أن يُمْسِكَه ﴿عَلَى هُونٍ﴾ أي: على هَوانٍ. وكذلك ذلك في لُغةِ قريشٍ، فيما ذُكِر لى، يقولون للهَوانِ: الهُونَ. ومنه قولُ الُحطَيْئةِ (^٢):\nفلمَّا خَشِيتُ الهُونَ والعَيْرُ (^٣) مُمْسِكٌ … على رَغْمِه ما أَثْبَتَ الحَبْلَ حافِرُهْ (^٤)\nوبعضُ بنى تَمِيمٍ جعَل الهُونَ مصدرًا للشيءِ الهَيِّنِ؛ ذكَر الكِسائيُّ أنه سمِعهم يقولون: إن كنتَ لَقليلَ هَوْنِ المُؤنةِ منذُ اليومِ. قال: وسمِعْتُ الهَوانَ في مثلِ هذا المعنى، سمِعْتُ منهم قائلًا يقولُ لبعيرٍ له: ما به بأسٌ غيرُ هَوانِه. يعني: خفيفَ الثمنِ. فإذا قالوا: هو يَمْشِى على هَوْنِه. لم يقولوه إلا بفتح الهاءِ، كما قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (^٥) [الفرقان: ٦٣].\n﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾. يقولُ: يَدْفِنُه حيَّا في الترابِ، فيَئِدُه، كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾. يقولُ (^٦): يَئِدُ ابنتَه (^٧).\nوقولُه: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. يقولُ: ألا ساء الحكمُ الذي يَحْكُمُ هؤلاء المشركون، وذلك أن جعَلوا للهِ ما لا يَرْضَوْن لأنفسِهم، وجعَلوا لما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم شِرْكًا فيما رزَقَهم اللهُ، وعبَدوا غيرَ مَن خَلَقَهم، وأَنْعَم عليهم.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف \"ممتلا\". وبدون نقط في ص، ومميِّلا: متردِّدًا. ينظر الوسيط (م ى ل).\n(^٢) ديوانه ص ١٨٣.\n(^٣) العير: الحمار. تاج العروس (ع ى ر).\n(^٤) في ت ١ ت ٢: \"حاجره\"، وفى ف: \"حاحره\".\n(^٥) ينظر معاني القرآن ٢/ ١٠٦، ١٠٧.\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢١ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"14","page":257},{"text":"<span id=\"aya-1961\"></span><span data-type='title' id=toc-5025>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾.</span>\nوهذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه أن قولَه: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. والآيةَ التي بعدَها مثلٌ ضرَبه (^١) لهؤلاء المشركين الذين جَعلوا للهِ البناتِ، فبيَّن بقولِه: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أَنه مَثَلٌ، وعَنَى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: للذين لا يصدِّقون بالمَعادِ والثوابِ والعقابِ من المشركين و﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾. وهو القبيحُ من المثلِ، وما يسوءُ (^٢) مَن ضُرب له ذلك (^٣) المثلُ، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾. يقولُ: وللهِ المثلُ الأعلى، وهو الأفضلُ والأطيبُ، والأحسنُ والأجملُ، وذلك التوحيدُ والإذعانُ له بأنه لا إلهَ غيرُه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5024>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾. قال: شهادةُ ألا إلهَ إلا اللهُ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: الإخلاصُ والتوحيدُ.\n_________\n(^١) بعده في م: \"الله\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ف: \"بشر\"، وغير منقوطة في ص.\n(^٣) في ت ١: \"هذا\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٧ عن معمر به.","vol":"14","page":258},{"text":"وقولُه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والله (^١) ذو العزةِ التي لا يمتنِعُ عليه معها عقوبةُ هؤلاء المشركين الذين وصَف صفتَهم في هذه الآياتِ، ولا عقوبةُ من أراد عقوبتَه على معصيتِه إيَّاه، ولا يتعذَّرُ عليه شيءٌ أراده وشاءه؛ لأن الخلقَ خلقُه، والأمرَ أمرُه، الحكيمُ في تدبيرِه، فلا يدخُلُ تدبيرَه خَلَلٌ ولا خطأٌ.\n\n<span id=\"aya-1962\"></span><span data-type='title' id=toc-5027>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ولو يُؤاخِذُ اللهُ عصاةَ بنى آدمَ بمعاصيهم ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾. يعنى: على الأرضِ، ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ تدِبُّ عليها، ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾. يقولُ: ولكنَّه بحلمِه يؤخِّرُ هؤلاء الظلمةَ، فلا يعاجِلُهم بالعقوبةِ، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: إلى وقتِهم الذي وَقَّت لهم، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾. يقولُ: فإذا جاء الوقتُ الذي وَقَّت لهلاكِهم، ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن الهلاكِ ﴿سَاعَةً﴾ الله فيُمْهَلون، ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ قبلَه (^٢) حتى يستوفُوا آجالَهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5026>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، قال: كاد الجُعَلُ (^٣) أن يُعذِّبَ بذنبِ بنى آدمَ. وقرأ:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لله\".\n(^٢) في م: \"له\".\n(^٣) الجعل: حيوان كالخنفساء. النهاية ١/ ٢٧٧.","vol":"14","page":259},{"text":"﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ حكيمٍ الخزاعيُّ، قال: ثنا محمدُ بن جابرٍ الحنفيُّ (^٢)، عن يحيى بن أبى كثيرٍ، عن أبي سلَمة، قال: سمِع أبو هريرةَ رجلًا وهو يقولُ: إن الظالمَ لا يضرُّ إلا نفسَه. قال: فالتفتَ إليه فقال: بلى، واللهِ إن الحُبارى (^٣) لتموتُ في وَكْرِها هَزْلًا (^٤) بظلمِ الظالمِ (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا أبو عُبيدة الحدَّادُ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ السَّدُوسيُّ، عن الزُّبيرِ بن عديٍّ، قال: قال ابن مسعودٍ: خطيئةُ ابن آدمَ قتَلت الجُعَلَ (^٦).\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، قال: قال عبدُ اللهِ، كاد الجُعَلُ أن يهلِكَ في جُحْرِه بخطيئةِ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٩٧ عن سفيان به. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٠٠ من طريق سفيان به بزيادة ابن مسعود، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٢٨، والبيهقى في الشعب (٧٤٧٨) من طريق أبي إسحاق به بزيادة ابن مسعود، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢١ عن ابن مسعود وعزاه إلى ابن المنذر.\n(^٢) في النسخ: \"الجعفى\". والمثبت من الشعب وتفسير ابن كثير، وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٥٦٤.\n(^٣) الحبارى: طائر معروف، وهو على شكل الإوزة، برأسه وبطنه غبرة، ولون ظهره وجناحيه كلون السُّمَانَى غالبا. المصباح المنير (ح ب ر).\nوقال ابن الأثير في النهاية: ١/ ٣٢٨: يعنى أن الله يحبس عنها القطر بعقوبة ذنوبهم، وإنما نصها بالذكر، لأنها أبعد الطير نجعة، فربما تذبح بالبصرة ويوجد في حوصلتها الحبة الخضراء، وبين البصرة وبين منابتها مسيرة أيام.\n(^٤) في م: \"هزالا\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٩٧ عن المصنف، وأخرجه البيهقى في الشعب (٧٤٧٩) من طريق إسماعيل بن حكيم به، وأخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٦٩) من طريق يحيى ابن أبي كثير به بدون ذكر أبي سلمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢١ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٧٠) من طريق قرة بن خالد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢١ إلى الإمام أحمد في الزهد.","vol":"14","page":260},{"text":"ابن آدمَ (^١).\nحدَّثني المُثنى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، عن معمرٍ، عن الزُّهْريِّ: قال اللهُ: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. قال: نرى أنه إذا حضَر أجلُه فلا يُؤخَّرُ ساعةً ولا يقدَّمُ، وما لم يحضُرْ أجله، فإن الله يؤخَّرُ ما شاء، ويقدَّمُ ما شاء (^٢).\n\n<span id=\"aya-1963\"></span><span data-type='title' id=toc-5028>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويجعَلُ هؤلاء المشركون للهِ ما يكرَهونه لأنفسِهم [مِن البناتِ] (^٣)، ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾. يقولُ: وتقولُ ألسنتُهم الكذبَ وتفتريه؛ ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾. و﴿أَنَّ﴾ في موضعِ نصبٍ؛ لأنها ترجمةٌ عن الكذبِ. وتأويلُ الكلامِ: ويجعَلون للهِ ما يكرهونه لأنفسِهم، ويزعُمون أن لهم الحسنى، الذي يكرهونه لأنفسِهم البناتُ يجعَلونهن للهِ تعالى، وزعَموا أن الملائكةَ بناتُ اللهِ. وأما ﴿الْحُسْنَى﴾ التي جعَلوها لأنفسِهم، فالذكورُ من الأولادِ، وذلك أنهم كانوا يَئِدون الإناثَ من أولادِهم، ويستبْقون الذكورَ منهم، ويقولون: لنا الذكورُ وللهِ البناتُ. وهو نحوُ قولِه (^٤): ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧].\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات (٢٧٣) من طريق أبي معاوية به.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ١٥.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قولهم\".","vol":"14","page":261},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5029>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدثنة المثنى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ قال: قولُ قريشٍ: لنا البنونَ، وللهِ البناتُ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن [ابن جريجٍ] (^٢)، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: قولُ كفارِ قريشٍ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾. أي: يتكلَّمون بأن لهم الُحسنى. أي: الغِلْمانَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾. قال: الغِلمانَ (^٣).\nوقولُه: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: حقًّا واجبًا أن لهؤلاء القائلين: للهِ البناتُ. الجاعلين له ما يكرَهونه لأنفسِهم، ولأنفسِهم الحسنى - عندَ اللهِ يومَ القيامةِ النارَ.\nوقد بيَّنَّا تأويلَ قولِ اللهِ: ﴿لَا جَرَم﴾. في غيرِ موضعٍ من كتابِنا هذا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٢٢. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢١ إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص: \"أبى نجيح\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٧. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":262},{"text":"بشواهِده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضعِ (^١).\nورُوى، عن ابن عباس في ذلك ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا جَرَم﴾. يقولُ: بلى (^٢).\nوقولُه: ﴿لَا جَرَم﴾. كان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: لم تُنصَبْ ﴿جَرَمَ﴾ بـ ﴿لَا﴾، كما نُصِبتِ الميمُ من قولِه: لا غلامَ لك. قال: ولكنها نُصِبت لأنها فعلٌ ماضٍ، مثلُ قولِ القائلِ: قعَد فلانٌ وجلَس. والكلامُ: ﴿لَا﴾ [ردٌّ لكلامِهم، أي] (^٣): ليس الأمرُ هكذا ﴿جَرَمَ﴾ الله: كسَب، مثلُ قولِه: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [القيامة: ١]. ونحوُ ذلك.\nوكان بعضُهم يقولُ: نصبُ ﴿جَرَمَ﴾ بـ ﴿لَا﴾، وإنما هو بمعنى: لابدَّ، ولا محالةَ. ولكنها كثُرت في الكلامِ حتى صارت بمنزلِة \"حقًّا\".\nوقولُه: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنهم مُخَلَّفون متروكون في النارِ، مَنْسِيُّون فيها.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال أكثرُهم بنحوِ ما قلنا في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-5030>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٢/ ٣٧٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٩ من طريق أبى صالح به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بد لكلام\".","vol":"14","page":263},{"text":"مُفْرَطُونَ﴾. قال: مَنسيُّون مُضَيَّعون (^١).\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، قال: أخبرنا سعيدٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حمُيدٍ، قال: ثنا بَهْرُ بنُ أسدٍ، عن شعبةَ، قال: أخبرني أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبير مثلَه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: متْروكون في النارِ، مَنسيُّون فيها.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال حصينٌ: أخبَرنا عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثِله.\nحدَّثني المثنى، قال: أخبرنا الحجَّاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا هشيمٌ، عن حُصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثلِه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: مَنسيُّون.\nحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ (^٢)، قال: ثنا ورقاءُ، وحدثنى المثنى، قال: أخبَرنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدثنى المثنى، قال: أخبرَنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢١ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الحسين\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٢٢. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢١ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"14","page":264},{"text":"حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا عَبْدةُ وأبو معاويةَ وأبو خالدٍ، عن جويبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: متروكون (^١) في النارِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن القاسمِ، عن، عن مجاهدٍ: ﴿مُفْرَطُونَ﴾. قال: مَنْسِيُّون.\nحدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنى أبى، عن الحسينِ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. يقولُ: مضاعون.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا بَدَلٌ، قال: ثنا عبَّادُ بنُ راشدٍ، قال: سمعتُ داودَ ابنَ أبى هندٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: منسيُّون في النارِ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: أنهم مُعَجَّلون إلى النارِ، مقدَّمون إليها. وذهَبوا في ذلك إلى قولِ العربِ: أَفْرَطْنَا فلانًا في طلبِ الماءِ. إذا قدَّموه لإصلاحِ الدِّلاءِ والأرْشِيَةِ (^٢)، وتسويةِ ما يحتاجون إليه عندَ ورودِهم عليه، فهو مُفْرَطٌ. فأما المتقدَّمُ نفسُه فهو فارِطٌ، يقالُ: قد فرَط فلانٌ أصحابَه يَفْرُطُهم فَرْطًا وفُروطًا. إذا تقدَّمهم. وجمعُ فارطٍ فُرَّاطٌ، ومنه قولُ القُطَاميِّ (^٣).\nواسْتَعْجَلونا وكانوا مِن صحابتِنا … كما تَعَجَّل فُرَّاطٌ لوُرَّادِ (^٤)\nومنه قولُ النبيِّ ﷺ: \"أنا فرَطُكم على الحوضِ\" - أي: متقدِّمُكم إليه وسابقُكم - \"حتى ترِدوه\" (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"متركون\".\n(^٢) الأرشية جمع الرشاء، وهو الحبل. اللسان (ر ش ى).\n(^٣) ديوانه ص ٩٠.\n(^٤) في ص، ت ١، ف \"لوارد\"، وفى ت ٢: \"الوارد\"، ورواية الديوان: \"لرواد\".\n(^٥) البخارى (٦٥٧٦، ٦٥٧٦، ٧٠٤٩)، ومسلم (٣٩/ ٢٤٩، ١٠/ ١٨٢٢، ٢٥/ ٢٢٨٩، ٢٩/ ٢٢٩٠، ٣٢/ ٢٢٩٧، ٢٣٠٥/ ٤٤،٤٥).","vol":"14","page":265},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5031>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ يقولُ: مُعَجَّلون إلى النارِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: قد أُفرِطوا في النارِ. أي: مُعجِّلون (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: مُبْعَدون في النارِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5032>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن أشْعَثَ السَّمَّانِ، عن الربيعِ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: مُخْسَئون مُبْعَدون (^٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ القولُ الذي اخترناه؛ وذلك أن الإفراطَ الذي هو بمعنى التقديمِ، إنما يقالُ في من (^٣) قُدِّم مُقَدَّمًا لإصلاحِ ما يُقَدَّمُ إليه، إلى وقتِ ورودِ من قَدَّمه عليه، وليس بمُقَدَّمٍ من قُدِّم إلى النارِ مِن أهلِها، لإصلاحِ شيءٍ فيها، لواردٍ يردُ عليها فيها، فيوافِقَه مُصْلَحًا، وإنما يُقَدَّمَ مَن قُدِّم إليها لعذابٍ يعجَّلُ له. فإذ كان [ذلك معنى] (^٤) الإفراطِ، الذي هو تأويلُ التعجيلِ، ففسَد أن يكونَ له وجهٌ في الصحةِ صحَّ المعنى الآخرُ، وهو الإفراطُ الذي بمعنى التخليفِ والتركِ. وذلك أنه يُحْكَى عن العربِ: ما أفْرَطتُ ورائى أحدًا. أي: ما خلَّفتُه، وما فرَّطتُه. أي: لم أُخَلِّفْه.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٧ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٢٧، والقرطبى في تفسيره ١٠/ ١٢١.\n(^٣) ف ت ٢: \"ممن\".\n(^٤) في م، ت ١: \"معنى ذلك\".","vol":"14","page":266},{"text":"واختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الِمصْرين الكوفِة والبصرةِ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ بتخفيفِ الراءِ وفتحِها، على معنى ما لم يُسَمَّ فاعلُه (^١)، من: أفْرَط فهو مُفْرَطٌ. وقد بيَّنتُ اختلافَ قرأةِ (^٢) ذلك كذلك في التأويلِ.\nوقرَأه أبو جعفرٍ القارئُ: (وأنهم مُفَرِّطون). بكسرِ الراءِ وتشديدِها (^٣)، بتأويلِ: أنهم مفرِّطون في أداءِ الواجبِ كان للهِ عليهم في الدنيا، من طاعتِه (^٤) وحقوقِه، مضيِّعو ذلك، من قولِ اللهِ تعالى: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦].\nوقرأ نافعُ بنُ أبى نُعيمٍ: (وأنهم مُفْرِطون). بكسرِ الراءِ وتخفيفِها (^٥).\nحدَّثني بذلك يونس، عن ورْشٍ، عنه. بتأويلِ: أنهم مُفْرِطون في الذنوبِ والمعاصى، مُسْرِفون على أنفسِهم، مُكْثِرون منها (^٦). من قولِهم: أفْرَط فلانٌ في القولِ. إذا تجاوَز حدَّه وأسْرَف فيه.\nوالذي هو أولى القراءاتِ في ذلك بالصوابِ قراءةُ الذي ذكَرنا قراءتَهم من أهلِ العراقِ، لموافقتِها تأويلَ أهلِ التأويلِ الذي ذكَرنا قبلُ، وخروجِ القراءاتِ الأُخَرِ عن تأويلِهم (^٧).\n\n<span id=\"aya-1964\"></span><span data-type='title' id=toc-5033>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ</span>\n_________\n(^١) هذه قراءة حمزة وعاصم والكسائى وأبى عمرو وابن كثير وابن عامر. ينظر السبعة ص ٣٧٤.\n(^٢) في م: \"قراءة\".\n(^٣) ينظر النشر ٢/ ٢٢٨.\n(^٤) في ص، ت ٢: \"طاعاته\".\n(^٥) السبعة ص ٣٧٤.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"منه\".\n(^٧) والقراءات الأخر التي ذكرها المصنِّف متواترة.","vol":"14","page":267},{"text":"الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه مُقْسِمًا بنفسِه ﷿، لنبيِّه محمدٍ ﷺ: والله يا محمدُ، لقد أرْسلنا رسلًا من قبلِك إلى أمِمها، بمثلِ ما أرْسَلناك إلى أمتِك، من الدعاءِ إلى التوحيدِ للهِ، وإخلاصِ العبادةِ له، والإذعانِ له بالطاعةِ، وخلعِ الأندادِ والآلهةِ، ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. يقولُ: فحسَّن لهم الشيطانُ ما كانوا عليه (^١) من الكفرِ باللهِ وعبادةِ الأوثانِ، مُقِيمين، حتى كذَّبوا رسلَهم، وردُّوا عليهم ما جاءوهم به من عندِ ربِّهم، ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾. يقولُ: فالشيطانُ ناصرُهم اليومَ في الدنيا، وبئس الناصرُ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرةِ عندَ ورودِهم على ربِّهم، فلا ينفَعُهم حينَئذٍ ولايةُ الشيطانِ، ولا هي نفَعتهم في الدنيا، بل ضرَّتهم فيها، وهى لهم في الآخرةِ أضرُّ.\n\n<span id=\"aya-1965\"></span><span data-type='title' id=toc-5034>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وما أَنْزَلنا يا محمدُ عليك كتابَنا، وبعَثناك رسولًا إلى خلقِنا، إلا لتُبيِّنَ لهم ما اخْتَلفوا فيه من دينِ اللَّهِ، فتعرِّفَهم الصوابَ منه، والحقَّ من الباطلِ، وتقيمَ عليهم بالصوابِ منه حجةَ اللَّهِ التي (^١) بعَثك بها.\nوقولُه: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. [يقولُ: ﴿وَهُدًى﴾] (^٢)، بيانًا من الضلالةِ، يعنى بذلك الكتابَ، ورحمةً لقومٍ يؤمنون به، فيصدِّقون بما فيه،\n_________\n(^١) في م: \"الذي\".\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"وقوله و\"، وفى ت ١: \"يقول و\".","vol":"14","page":268},{"text":"ويُقِرُّون بما تضمَّن من أمرِ اللهِ ونهِيه، ويعمَلون به.\nوعطَف [بـ \"الهدى\"] (^١) على موضعِ ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ (^٢)؛ لأن موضعَها نصبٌ. وإنما معنى الكلامِ: وما أَنْزَلنا عليك الكتابَ إلا بيانًا للناسِ فيما اخْتَلفوا فيه، و(^٣) هدًى ورحمةً.\n\n<span id=\"aya-1966\"></span><span data-type='title' id=toc-5035>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُنبِّهَ خَلْقِه على حُججِه عليهم في توحيدِه، وأنه لا تَنْبِغى الألوهةُ إلا له، ولا تصلُحُ العبادةُ لشيءٍ سواه: أيُّها الناسُ، و(^٤) معبودُكم الذي له العبادةُ دونَ كلِّ شيءٍ، ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾. يعنى: مطرًا. يقولُ: فَأَنْبَت بما أَنْزَل من ذلك الماءِ من السماءِ الأرضَ (^٥) الميتةَ التي لا زرعَ بها (^٦) ولا عُشْبَ، ولا تُنبتُ (^٧)، ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: بعدَما هي ميتةٌ لا شيءَ فيها، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن في إحيائِنا الأرضَ بعدَ موتِها، بما أنزلنا من السماءِ من ماءٍ، لدليلًا واضحًا، وحجةً قاطعةً عُذْرَ من فكَّر فيه، ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. يقولُ: لقومٍ يسمَعون هذا القولَ فيتدبَّرونه ويعقِلونه، ويطيعون الله بما دلّهم عليه.\n\n<span id=\"aya-1967\"></span><span data-type='title' id=toc-5036>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ</span>\n_________\n(^١) في ت ٢: \"الهدى\".\n(^٢) في النسخ: \"ليبين\"، وليست بقراءة.\n(^٣) سقط من: م، ف.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) سقط من: ص، ت ٢، ف.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لها\".\n(^٧) في م: \"نبت\"، وفى ت ٢: \"نبتت\".","vol":"14","page":269},{"text":"بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإن لكم أيُّها الناسُ لعظةً في الأنعامِ التي نُسْقيكم (^١) مما في بطونِه.\nواختلفتِ القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾؛ فقرَأته عامةُ (^٢) أهلِ مكةَ والعراقِ والكوفةِ والبصرةِ - سوى عاصمٍ - ومِن أهلِ المدينةِ أبو جعفرٍ: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ بضمِّ النونِ (^٣)، بمعنى أنه أسقاهم شرابًا دائمًا. وكان الكِسائيُّ يقولُ: العربُ تقولُ: أَسقيناهم نهرًا (^٤)، وأسقيناهم لبنًا. إذا [جعَله له] (^٥) شُرْبًا دائمًا، فإذا أرادوا أنهم أَعْطَوْه شَرْبَةً قالوا: سقيناهم (^٦)، فنحن نَسْقِيهم (^٧). بغير ألفٍ.\nوقرأ ذلك عامةُ قَرَأةِ أهلِ المدينةِ - سوى أبى جعفرٍ - ومِن أهلِ العراقِ عاصمٌ: (نَسقيكم). بفتح النونِ (^٨)، من: سقاه اللهُ، فهو يَسْقِيه. والعربُ قد تُدْخِلُ الأَلفَ فيما كان من السقى غيرَ دائمٍ، وتَنْزِعُها فيما كان دائمًا، وإن كان أشهرُ الكلامَين عندَها ما قال الكِسائيُّ. يَدلُّ على ما قلنا من ذلك قولُ لَبِيدٍ في صفةِ سحابٍ (^٩):\n_________\n(^١) في ت ٢: \"يسقيكم\".\n(^٢) بعده في ت ١: \"قراء\".\n(^٣) وهذه قراءة ابن كثير وأبى عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص. السبعة لابن مجاهد ص ٣٧٤.\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"هذا\".\n(^٥) في م: \"جعلته\".\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ف: \"سقيناكم\".\n(^٧) في ف: \"نسقيكم\".\n(^٨) وهذه قراءة نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبى بكر، ويعقوب، وأما أبو جعفر فقد قرأ بالتاء مفتوحة. ينظر السبعة ص ٣٧٤، النشر ٢/ ٢٢٨.\n(^٩) شرح ديوان لبيد ص ٩٣.","vol":"14","page":270},{"text":"سَقَى قَوْمِى (^١) بنى مَجْدٍ وأَسْقَى … نُميْرًا والقبائلَ من هِلالِ\nفجمَع اللغتين كلتيهما في معنًى واحدٍ.\nفإذ كان ذلك كذلك، فبأيةِ القراءتين قرأ القارئُ فمصيبٌ، غيَر أن (^٢) أعجبَ القراءتين إليَّ قراءةُ ضمِّ النونِ؛ لِمَا ذكَرْتُ من أن أكثرَ الكلامَين عندَ العربِ فيما كان دائمًا من السقى: أسقى، بالألفِ، فهو يُسْقِى. و[أن ما] (^٣) أسقى اللهُ عبادَه من بطونِ الأنعامِ، فدائمٌ لهم غيرُ منقطِعٍ عنهم.\nوأما قولُه: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾. وقد ذكَر الأنعامَ قبلَ ذلك، وهى جمعٌ، والهاءُ في البطونِ مُوحدةٌ، فإن لأهل العربيةِ في ذلك أقوالًا؛ فكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ يقولُ (^٤): النَّعَمُ والأنعامُ شيءٌ واحدٌ؛ لأنهما جميعًا جمعان، فردَّ الكلامَ في قولِه: ﴿مِمَّا فِي [بُطُونِهِ﴾ إلى] (^٥) التذكيرِ، مرادًا به معنى النَّعَم، إذ كان يؤدِّى عن الأنعامِ. ويَستشهِدُ (^٦) لقولِه (^٧) ذلك برجزِ بعضِ الأعرابِ (^٨):\nإذا رأيْتَ أَنْجُمًا مِنَ الأَسَدُ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"قوم\".\n(^٢) في ص، ت ٢: \"أنه\".\n(^٣) في م: \"ما\".\n(^٤) معاني القرآن للفراء ١/ ١٢٩، ٢/ ١٠٨.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"التي\".\n(^٦) في ت ١ ت:٢: \"يستشهدون\".\n(^٧) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٨) معاني القرآن للفراء ١/ ١٢٩، ٢/ ١٠٨، وتهذيب اللغة ٦/ ٦٥، واللسان (خ ر ت، ك ت د)، والثلاثة الأبيات الأولى منه في تهذيب اللغة ٦/ ٦٦، واللسان (ج ب هـ).","vol":"14","page":271},{"text":"جَبْهَتَهُ (^١) أَوِ الخَرَاتَ (^٢) والكَتَدْ (^٣)\nبال سُهَيْلٌ فِي الفَضِيخُ (^٤) فَفَسَدْ\nوطابَ الْبَانُ اللِّقاحِ فَبَرَدْ\nويقولُ: رجَع بقولِه: فبَرد. إلى معنى اللبنِ؛ لأن اللبنَ والألبانَ يكونُ (^٥) في معنَى واحدٍ.\nوفي تذكيرِ النَّعَمِ قولُ الآخرِ (^٦):\nأكُلَّ عامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهُ\nيُلْقحُهُ قَوْمٌ وتَنْتِجُونَهُ\nفذكَّر النَّعَمَ.\nوكان غيُره منهم يقولُ (^٧): إنما قال: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾. لأنه أراد: مما في بطونِ ما ذكَرْنا. ويُنشِدُ في ذلك رَجزًا لبعضِهم (^٨):\n_________\n(^١) الجبهة: النجم الذي يقال له: جبهة الأسد. تهذيب اللغة ٦/ ٦٥.\n(^٢) والخرات مفرد، ومثناه: الخراتان: من كواكب الأسد، وهما كوكبان بينهما قدر سوط، وهما كتفا الأسد. تهذيب اللغة ٧/ ٢٩٦.\n(^٣) الكتد: نجم. ينظر اللسان (ك ت د).\n(^٤) الفضيخ: عصير العنب، وهو أيضا: شراب يتخذ من البسر المفضوح وحده - وهو المشدوخ - من غير أن تمسه النار، والمعنى: لما طلع سهيل ذهب زمن البسر وأرطب، فكأنه بال فيه. ينظر اللسان (ف ض خ).\n(^٥) في م، ف: \"تكون\".\n(^٦) الكتاب ١/ ١٢٩، ومجاز القرآن ١/ ٣٦٢، ونسبهما في الخزانة ١/ ٤١٢ إلى قيس بن حصين بن يزيد الحارثى، ونسبهما ابن الأثير في الكامل ١/ ٦٢٤ إلى قيس بن عاصم المنقرى.\n(^٧) هو الكسائى، كما في معاني القرآن للفراء ٢/ ١٠٩.\n(^٨) معاني القرآن للفراء ٢/ ١٠٩، والمحتسب ٢/ ١٥٣.","vol":"14","page":272},{"text":"مِثْلُ الفِراخِ نتَقَتْ (^١) حَوَاصِلُهُ\nوقولَ الأسودِ بن يَعْفُرَ (^٢):\nإنَّ المَنِيَّةَ والحُتُوفَ كلاهِما … يُوفى المَخَارِمَ (^٣) يَرْقُبَانِ (^٤) سَوَادِى\nفقال: كلاهما. ولم يقلْ: كلتاهما. وقولَ الصَّلَتَانِ العَبْدِيِّ (^٥):\nإِنَّ السَّمَاحَةَ والمُرُوءَةَ ضُمَّنَا … قَبْرًا بمَرْوَ على الطَّرِيقِ الوَاضِحِ\nوقولَ الآخرِ (^٦):\nوعَفْرَاءُ أَدْنَى (^٧) النَّاسِ مِنِّي مَوَدَّةً … وعَفْرَاءُ عَنِّي المُعْرِضُ المُتَوَانِى\nولم يقل: المعرضةُ المتوانيةُ. وقولَ الآخرِ (^٨):\nإذِ (^٩) النَّاسُ ناسٌ والبِلادُ بغِبْطَةٍ (^١٠) … وَإِذْ أُمُّ عَمَّارٍ صَدِيقٌ مُساعِفُ (^١١)\nويقولُ: كلُّ ذلك على معنى: هذا الشئُ، وهذا الشخصُ، والسوادُ. وما\n_________\n(^١) في م: \"نتفت\". ونتقت: سمنت. اللسان (ن ت ق).\n(^٢) البيت في المفضليات ص ٢١٦، والأغانى ١٣/ ١٦.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"المحارم\". والمخارم: الطرق في الجبال وأفواه الفجاج، وهو منقطع أنف الجبل. اللسان (خ ر م).\n(^٤) في الأغانى: \"يرميان\".\n(^٥) البيت في أمالى اليزيدى ص ١، أمالي المرتضى ٢/ ١٩٩. وهو في الشعر والشعراء ١/ ٤٣١، وسمط اللآلى ٢/ ٩٢١، والأغانى ١٥/ ٣٨١، وأمالى المرتضى ١/ ٧٢ منسوبا لزياد الأعجم.\n(^٦) البيت لعروة بن حزام، وهو في الأغانى ١٦٢/ ٢٤، والنوادر للبكرى ص ١٥٨.\n(^٧) في الأغانى: \"أرجى\"، وفى النوادر: \"أحظى\".\n(^٨) البيت لأوس بن حجر، وهو في ديوانه ص ٧٤.\n(^٩) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"إذا\".\n(^١٠) في الديوان: \"بعزة\".\n(^١١) المساعف: المساعد، والقريب المواتى. ينظر اللسان (س ع ف).","vol":"14","page":273},{"text":"أشبه ذلك، ويقولُ: من ذلك قولُ اللهِ تعالى ذكْرُه: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨]. بمعنى: هذا الشيءٌ الطالعُ. وقولُه: ﴿[كَلَّا إِنَّهَا] (^١) تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١١، ١٢]. ولم يقلْ: ذَكَرها؛ لأن معناه: فمن شاء ذكر هذا الشئَ. وقولُه: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٣٥،٣٦]، ولم يقلْ: جاءت.\nوكان بعضُ البصريين يقولُ: قيل: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾. لأن المعنى: نُسقيكم من أيِّ الأنعامِ كان في بطونِه اللبنُ (^٢). ويقولُ: \"فيه اللبنُ\" مضمَرٌ. يعنى: أنه يُسقى من أيِّها كان ذا لبنٍ؛ وذلك لأنه ليس لكُلِّها لبنٌ، وإنما يُسقى من ذواتِ اللبن.\nوالقولان الأوّلان أصحُّ مخرجًا على كلامِ العربِ من هذا القولِ الثالثِ.\nوقولُه: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾. يقولُ: نُسقيكم لبنًا نُخرجُه لكم من بين فَرْثٍ ودمٍ ﴿خَالِصًا﴾. يقولُ: خلَص من مخالطةِ الدمِ والفَرْثِ فلم يختلِطا به، ﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾. يقولُ: يَسوعُ لمن شرِبه، فلا يَغُصُّ به كما يَغَصُّ الغاصُّ ببعضِ ما يأكلُه من الأطعمةِ. وقيل: إنه لم يَغَصَّ أحدٌ باللبنِ قَطُّ.\n\n<span id=\"aya-1968\"></span><span data-type='title' id=toc-5037>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولكم أيضًا أيها الناسُ عِبرةٌ فيما نُسقيكم من ثمراتِ النخيلِ والأعنابِ، ما (^٣) تتِخذون منه سَكَرًا ورزقًا حسنًا، مع ما نُسقيكم من بطونِ\n_________\n(^١) في النسخ: \"إن هذه\". والمثبت صواب استشهاد المصنف.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ف: \"مما\".","vol":"14","page":274},{"text":"الأنعامِ من (^١) اللبنِ الخارجِ من بين الفرثِ والدمِ.\nوحُذف من قولِه: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ الاسمُ، والمعنى ما وصفتُ، وهو: ومن ثمراتِ النخيلِ والأعنابِ ما تتخذون منه. لدلالةِ \"مِنْ\" عليه؛ لأن \"مِنْ\" تدخلُ في الكلام مُبَعِّضةً، فاستُغنى بدَلالتِها ومعرفةِ السامعين، بما تَقتضى (^٢) من ذكْرِ الاسمِ معها.\nوكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ (^٣): معنى الكلامِ: ومن ثمراتِ النخيلِ والأعنابِ شيءٌ تتخذون منه سَكَرًا. ويقولُ: إنما ذُكِّرت الهاءُ في قولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ﴾. لأنه أُريد بها الشئُ.\nوهو عندنا عائدٌ على المتروكِ، وهو \"ما\".\nوقولُه: ﴿تَتَّخِذُونَ﴾. من صِفَة \"ما\" المتروكةِ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾؛ فقال بعضهم: عنَى بالسَّكَرِ الخمرَ، وبالرزقِ الحسنِ التمرَ والزبيبَ.\nوقال: إنما نزلت هذه الآيةُ قبل تحريمِ الخمرِ، ثم حُرَّمت بعدُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5038>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أيوبُ بن جابرٍ الحنفيُّ (^٤)، عن الأسودِ، عن عمرِو بن سفيانَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ٢، ف: \"بين\".\n(^٢) في ت ٢: \"مضى\".\n(^٣) بعده في م، ف: \"في\".\n(^٤) في م \"السحيمى\". وهو أيوب بن جابر بن سيار بن طلق الحنفى السحيمى. ينظر تهذيب الكمال ٣/ ٤٦٤.","vol":"14","page":275},{"text":"حَسَنًا﴾. قال: السَّكَرُ ما حُرَّم من شرابِه، والرزقُ الحسنُ ما أُحِلَّ من ثمرتِه (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ وسعيدُ (^٢) بنُ الربيعِ الرازيُّ، قالا: ثنا ابن عُيينةَ، عن الأسودِ بن قيسٍ، عن عمرِو بن سفيانَ، عن ابن عباسٍ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾، قال: الرزقُ الحسنُ ما أُحلّ من ثمرتِها، والسَّكَرُ ما حُرِّم من ثمرتِها.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن الأسودِ، عن عمرِو بن سفيانَ، عن ابن عباسٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن الأسودِ بن قيسٍ، عن عمرِو بن سفيان، عن ابن عباسٍ بنحوِه (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيمٍ الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأسود بن قيسٍ، عن عمرِو بن سفيانَ، عن ابن عباسٍ بنحوِه.\nحدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الأسودِ بن قيسٍ، قال: سِمعت رجلًا يحدِّثُ عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ قال: السَّكَرُ ما حُرَّم من ثمرتَيهما، والرزقُ الحسنُ ما أُحلّ من ثمرتيهما.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا الحسنُ بنُ صالحٍ، عن\n_________\n(^١) ذكره البخارى معلقا ٦/ ١٠٣ في تفسير سورة النحل، من كتاب التفسير.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"سعد\".\n(^٣) في ت ١: \"بنحوه\". تفسير الثورى ص ١٦٥، ومن طريقه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٦٦، ٣٦٧، والحاكم ٢/ ٣٥٥، والبيهقى ٨/ ٢٩٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٢ إلى سعيد بن منصور والفريابى وأبى داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٧، ومن طريقه أخرجه النحاس في ناسخه ص ٤٥٢.","vol":"14","page":276},{"text":"الأسودِ بن قيسٍ، عن عمرِو بن سفيانَ، عن ابن عباسٍ بنحوِه.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو غسانَ، قال: ثنا زهيرُ (^١) بنُ معاويةَ، قال: ثنا الأسودُ بن قيسٍ، قال: ثني عمرُو بنُ سفيانَ، قال: سمِعت ابنَ عباسٍ يقولُ - وذُكِرتْ عنده هذه الآيةُ: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ - قال: السَّكَرُ ما حُرِّم منهما، والرزقُ الحسنُ ما أُحل منهما.\nحدثني يونسُ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن الأسودِ بن قيسٍ، عن عمرِو بن سفيانَ البصريِّ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: فأما الرزقُ الحسنُ فما أُحِلَّ من ثمرتِهما (^٢)، وأما السَّكَرُ فما حُرِّم من ثمرتِهما (^٢).\nحدَّثني المثنى، قال: أخبرنا الحمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن الأسودِ، عن عمرِو بن سفيانَ، عن ابن عباسٍ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: السَّكَرُ حَرامُه، والرزقُ الحسنُ حَلَالُه.\nحدَّثني المثنَّى، قال: أخبرنا العباسُ بنُ أبى (^٣) طالبٍ، قال: ثنا أبو عوانة، عن الأسودِ، عن عمرِو بن سفيانَ، عن ابن عباسٍ، قال: السَّكَرُ ما حرُم من ثمرتِهما، والرزقُ الحسنُ ما حلَّ [من ثمرتِهما] (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي حُصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: الرزقُ الحسنُ الحلال، والسَّكَرُ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"عن\".\n(^٢) في ت ٢: \"ثمرتها\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٤) في ت ١: \"منهما\".","vol":"14","page":277},{"text":"الحرامُ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حُصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: ما حُرِّم من ثمرتَيْهما، وما أُحِلَّ من ثمرتَيْهما.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: السَّكَرُ خمرٌ، والرزقُ الحسنُ الحلالُ (^١).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن مِسْعَرٍ وسفيانَ، عن أبي حُصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: الرزقُ الحسنُ الحلالُ، والسَّكَرُ الحرامُ.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حُصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بنحوِه (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾.\nقال: السَّكر الحرامُ، والرزقُ الحسنُ الحلالُ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: نزَل هذا وهم يشربَون الحمرَ، فكان هذا قبل أن ينزلَ تحريمُ الخمرِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الكبرى (٦٧٩٠، ٦٧٩٢)، والبغوى في الجعديات (٢٢١٢) عن سعيد مقتصرا على أوله.\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٦٥، ومن طريقه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٦٦، والنسائي في الكبرى (٦٧٨٩).","vol":"14","page":278},{"text":"المغيرةِ، عن إبراهيمَ والشعبِّى وأبى رزينٍ، قالوا: هي منسوخةٌ. في هذه الآيةِ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عَرَفةَ، قال: ثنا أبو قَطَنٍ، عن سعيدٍ، عن الُمغيرةِ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ وأبي رزينٍ بمثلِه.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: هي منسوخةٌ، نسخَهَا تحريُم الخمرِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْدَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: ذكَر اللهُ نعمتَه في السَّكَرِ قبل تحريمِ الخمرِ.\nحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن منصورٍ وعوفٍ، عن الحسنِ، قال: السَّكَرُ ما حرَّم اللهُ منه، والرزقُ الحسنُ (^٣) ما أحَلَّ الله منه (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن الحسنِ، قال: الرزقُ الحسنُ الحلالُ، والسَّكَرُ الحرامُ.\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٦٤ من طريق عبد الرحمن بن مهدى به، وأخرجه البيهقى ٨/ ٢٩٧ من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٢ إلى ابن الأنبارى.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٦٠ من طريق هشيم به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ٢.\n(^٤) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٦٦ من طريق هشيم عن منصور - وحده - به. وعزاه السيوطي في الدر ٤/ ١٢٢ إلى ابن المنذر.","vol":"14","page":279},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سلَمةَ، عن الضحاكِ، قال: الرزقُ الحسنُ الحلالُ، والسَّكَرُ الحرامُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي كُدينةً يحيى بن المهلَّبِ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: السَّكَرُ الخمرُ، والرزقُ الحسنُ الرُّطَبُ (^١) والأعنابُ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾. قال: هي الحمرُ قبل أن تُحرَّمَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾. قال: الخمرَ قبلَ تحريِمها، ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: طعامًا (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾: أما السَّكَرُ فخمورُ هذه الأعاجمِ، وأما الرزقُ الحسنُ فما تنتبِذون وما تُخَلِّلون وما تأكُلُون، ونزَلت هذه الآيةُ و[لم تُحرَّمِ] (^٣) الخمرُ يومَئِذٍ، وإنما جاء تحريُمها بعد ذلك في سورةِ \"المائدةِ\".\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عَبدةُ بن سليمانَ، قال: قرأتُ على ابن أبي\n_________\n(^١) في ص: \"الزبيب\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٢٣، ومن طريقه البيهقى ٨/ ٢٩٧.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لن يحرم\".","vol":"14","page":280},{"text":"عروبةَ (^١)، قال: هكذا سمِعتُ قتادةَ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. ثم ذكَر نحوَ حديثِ بشرٍ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿سَكَرًا﴾. قال: هي خمورُ الأعاجم، ونُسخت في سورةِ \"المائدة\"، والرزقُ الحسنُ؛ قال (^٢): ما تَنتبِذون وتُخلِّلون وتأكُلُون (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾: وذلك أن الناسَ كانوا يُسمُّون الخمرَ سَكَرًا، وكانوا يشربونها. قال ابن عباسٍ: مرَّ رجالٌ بوادى السكرانِ الذي كانت قريشٌ تجتمعُ (^٤) فيه [إِذا تَلَقَّوْا مسافريهم] (^٥)، إذا جاءوا من الشامِ، وانطلَقوا معهم يُشيِّعونهم حتى يبلُغوا وادىَ السكرانِ ثم يرجِعوا منه - ثم سمّاها الله بعد ذلك الخمرَ حين حرِّمت. وقد كان ابن عباسٍ يزعُمُ أنها الخمرُ، وكان يزعمُ أن الحبشةَ يُسمُّون الخلَّ السَّكَرَ. قولُه: ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾: يعنى بذلك الحلالَ؛ التمرَ والزبيبَ، وما كان حلالًا لا يُسْكِرُ (^٦).\nوقال آخرون: السَّكَر بمنزلةِ الخمرِ في التحريمِ، وليس بخمرٍ. وقالوا: هو نَقيعُ (^٧) التمرِ والزبيبِ إذا اشتدَّ وصار يُسكِرُ شاربَه.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"عروة\"، وفى م: \"عذرة\"، وفى ت ١، ف: \"عريره\". والمثبت هو الصواب، وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٥.\n(^٢) في ت ١: \"له\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٧ عن معمر به.\n(^٤) في ص، ت ١، ف: \"يجتمعون\"، وفى ت ٢: \"مجمعون\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٢ للمصنف وابن مردويه مختصرا.\n(^٧) في ص، ت ١، ف: \"نقع\"، وفى ت ٢: \"بقع\".","vol":"14","page":281},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5039>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثَّنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو في قولِه: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال ابن عَباسٍ: كان هذا قبل أن ينزِلَ تحريمُ الحمرِ، والسَّكَرُ حرامٌ مثلُ الخمرِ، وأما الحلالُ منه، فالزبيبُ والتمرُ والخلُّ ونحوُه.\nحدَّثني المثنَّى وعليُّ بن داودَ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾: فحرَّم اللهُ بعد ذلك - لا يعنى: بعدَ ما أنزَل في سورةِ \"البقرةِ\" من ذكْرِ الخمرِ والميسرِ والأنصابِ والأزلامِ - السَّكَرَ مع تحريمِ (^١) الخمرِ؛ لأنه منه، قال: \"وَرِزْقًا حَسَنًا\". فهو الحلالُ من الخلِّ والنبيذِ وأشباهِ ذلك، فأقرَّه اللهُ وجعَله حلالًا للمسلمين (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن موسى، قال: سألت مُرَّةَ عن السَّكَرِ فقال: قال عبدُ اللَّهِ: هو خمرٌ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي فروةَ، عن (^٤) عبد الرحمنِ بن أبى ليلى، قال: السَّكرُ خمرٌ (^٥).\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الهيثمِ، عن\n_________\n(^١) في ص، ف: \"التحريم\".\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٦٥، ٣٦٦، والبيهقى ٨/ ٢٩٧ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٢ إلى المصنف والفريابى وابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٤) بعده في م: \"أبى\".\n(^٥) أخرجه البغوي في الجعديات (٢٢١٣) من طريق أبى فروة به.","vol":"14","page":282},{"text":"إبراهيم، قال: السَّكَر خمرٌ.\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا حسنُ بنُ صالحٍ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ وأبى رزينٍ، قالا: الشُّكَرُ خمرٌ (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾: يعنى ما أسكَر من العنبِ والتمرِ، ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾: يعنى ثمرتَها.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: الحلالُ ما كان على وجهِ الحلالِ، حتى غيَّروها فجعَلوا منها سَكَرًا.\nوقال آخرون: السَّكَرُ هو كلُّ (^٢) ما كان حلالًا شربه؛ كالنبيذِ الحلالِ، والخلِّ، والرُّبِّ (^٣)، والرزقُ الحسنُ التمرُ والزبيبُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5040>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني داودُ الواسطيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: أبو رَوْقٍ ثنى قال: قلتُ للشعبيِّ: أرأيتَ (^٤) قولَه تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾. أهو هذا السُّكَرُ الذي الله تصنعُه النَّبَطُ؟ قال: لا، هذا خمرٌ، إنما السَّكَرُ الذي قال اللهُ تعالى ذِكرُه؛ النبيذُ والخلُّ، والرزقُ الحسنُ التمرُ والزبيبُ.\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٦٧ من طريق هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم والشعبي وأبي رزين، وأخرجه النسائي في الكبرى (٦٧٩١) من طريق شريك، عن مغيرة، عن إبراهيم والشعبي.\n(^٢) بعده في ف: \"شيء\".\n(^٣) في م: \"الرطب\"، وبعده في ص، ت ٢، ف: \"والخل\". والرب: ما يطبخ من التمر. التاج (رب ب).\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.","vol":"14","page":283},{"text":"حدَّثني يحيى بنُ داودَ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: وذكَر مجالدٌ، عن عامرٍ نحوَه.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مَندلٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: ما كانوا يتخِذون من النخلِ؛ النَّبيذُ، والرزقُ الحسنُ ما كانوا يصنَعون من الزبيبِ والتمرِ.\nحدَّثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مَنْدَلٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الشعبيِّ، قال: قلتُ له: ما تتخِذون منه سَكَرًا؟ قال: كانوا يصنَعون من النبيذِ والخلِّ. قلت: والرزقُ الحسنُ؟ قال: كانوا يصنَعون من التمرِ والزبيبِ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ وأحمدُ بنُ بشيرٍ، عن مجالدٍ، عن الشعبيِّ، قال: السَّكَرُ النبيذُ، والرزقُ الحسنُ التمرُ الذي كان يؤكَلُ.\nوعلى هذا التأويلِ، الآية غيرُ منسوخةٍ، بل حكمُها ثابتٌ.\nوهذا التأويلُ عندى هو أولى الأقوالِ بتأويلِ هذه الآيةِ، وذلك أن السَّكَرَ في كلامِ العربِ على أحدِ أوجهٍ أربعةٍ؛ أحدها: ما أسكَر من الشرابِ. والثاني: ما طُعِم (^١) من الطعام. كما قال الشاعرُ (^٢):\nجَعَلْتَ غَيْبَ الأكْرَمِينَ سَكَرًا\nأي طعمًا.\nوالثالثُ: السُّكُونُ، من قولِ الشاعرِ (^٣):\nوجَعَلَتْ عينُ الحَرُورِ تَسْكُرُ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"نهم\".\n(^٢) مجاز القرآن ١/ ٣٦٣ منسوبا إلى جندل.\n(^٣) تقدم في ص ٢٩.","vol":"14","page":284},{"text":"وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى (^١).\nوالرابعُ: المصدرُ من قولِهم: سكر فلان يسكرُ سُكْرًا وسَكْرًا وسَكَرًا.\nفإذ كان ذلك كذلك، وكان ما يُشْكِرُ من الشرابِ حرامًا، بما قد دلَّلْنا عليه في كتابِنا المسمى: \"لطيفُ القول في أحكامِ شرائعِ الإسلامِ\"، وكان غيرَ جائزٍ لنا أن نقولَ: هو منسوخٌ؛ إذ كان المنسوخُ هو ما نفَى حكمه الناسخُ، وما لا يجوزُ اجتماعُ الحكمِ به وناسخهِ، ولم يكنْ في حكمِ اللهِ تعالى ذكرُه بتحريمِ الخمرِ دليلٌ على أن السَّكَرَ الذي هو غيرُ الخمر وغيرُ ما يُسكِرُ من الشرابِ - حرامٌ، إذ كان السَّكَرُ أحدُ معانيه عندَ العربِ ومن نزل بلسانِه القرآنُ، هو كلُّ ما طُعم، ولم يكنْ مع ذلك، إذ لم يكنْ في نفسِ التنزيلِ دليلٌ على أنه منسوخٌ، أو (^٢) ورد بأنه منسوخٌ خبرٌ من الرسولِ، ولا أجمعت عليه الأمةُ، فوجَب (^٣) القولُ بما قلنا، من أن معنى السَّكَرِ (^٤) في هذا الموضع هو كلُّ ما حلَّ شربه، مما يُتَّخذُ من ثمرِ النخلِ والكَرْمِ، إذ (^٥) فسد أن يكون معناه الخمرُ أو ما يُسكرُ من الشرابِ، وخرَج من أن يكونَ معناه السَّكَرُ نفسه - إذ كان السَّكَرُ ليس مما يُتخذُ من النَّخْلِ والكَرْمِ (^٦) - ومن أن يكونَ بمعنى السُّكونِ.\nوقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: [إن فيما] (^٧) وصفْنا لكم من\n_________\n(^١) تقدم في ص ٢٩، ٣٠.\n(^٢) سقط من ص.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ووجب\".\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"ولا\".\n(^٥) في م: \"و\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"إذا\".\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ف: \"الكروم\".\n(^٧) في م: \"فيما إن\".","vol":"14","page":285},{"text":"نَعَمِنا التي أتيناكم أيها الناسُ من الأنعامِ والنخلِ والكرمِ، لدلالةً واضحةً وآيةً بيِّنةً لقومٍ يعقِلون عن اللهِ تعالى حُججَه، ويفهمون عنه مواعظَه، فيتعظون بها.\n\n<span id=\"aya-1969\"></span><span data-type='title' id=toc-5042>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكْرُه: وألهَم ربُّك يا محمدُ النحل إيحاءً إليها؛ ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾، يعنى: مما يَبْنُون من السقوفِ فرفَعوها بالبناءِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5041>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مروانُ، عن إسحاقَ التميميِّ، وهو ابن أبى الصباحِ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾. قال: ألهَمها إلهامًا (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: بلَغنى في قولِه: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾. قال: قذَف في أنفسِها (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن أصحابِه قولَه: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾. قال: قذف في أَنفُسِها، ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٧.","vol":"14","page":286},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ الآية. قال: أمَرها أن تأكلَ من الثمراتِ، وأمَرها أن تتبعَ سبلَ ربِّها ذُلُلًا (^١).\nوقد بيَّنا معنى الإيحاءِ، واختلافِ المختلفين فيه، فيما مضَى بشواهدِه، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ، وكذلك معنى قولِه: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ (^٢).\nوكان ابن زيدٍ يقولُ في معنى ﴿يَعْرِشُونَ﴾. ما حدَّثني به (^٣) يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَعْرِشُونَ﴾. قال: الكَرْمُ (^٤).\n\n<span id=\"aya-1970\"></span><span data-type='title' id=toc-5044>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ثُمَّ كُلِي﴾ أيتُها النحلُ ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾. يقولُ: فاسلُكى طُرُقَ رَبِّك ﴿ذُلُلًا﴾. يقولُ: مُذَلَّلةً لكِ. والذُّلُلُ: جمعُ ذَلُولٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ\n\n<span data-type='title' id=toc-5043>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٤/ ٥٨٥، ٥/ ٤٠١ وما بعدها.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت، ف.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٢٩.","vol":"14","page":287},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾. قال: لا يَتوعَّرُ عليها مكانٌ سَلكَتْه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾. قال: طُرُقًا ذُلُلًا. قال: لا يتوعَّرُ عليها مكانٌ سلكتْه.\nوعلى هذا التأويلِ الذي تأوَّله مجاهدٌ، \"الذُّلُلُ\" من نعتِ \"السُّبل\".\nفالتأويلُ على قولِه: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾: الذُّلُلَ لكِ، لا يتوعَّرُ عليكِ سبيلٌ سلَكتِه. ثم أُسقِطت الألفُ واللامُ، فنُصِب (^٢) على الحالِ.\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾. أي: مطيعةً.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ذُلُلًا﴾. قال: مطيعةً (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾. قال: الذُّلولُ الذي يُقادُ ويُذهَبُ به حيث أراد صاحبُه. قال: فهم يَخرُجون بالنحلِ يَنتجِعون بها ويذهبون، وهى تَتبعُهم. وقرأ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٢٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"نصبت\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٢ إلى ابن المنذر.","vol":"14","page":288},{"text":"خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُم﴾ (^١) الآية [يس:٧١، ٧٢].\nفعلى هذا القولِ، الذُّلُل من نعتِ \"النحل\". وكلا القولين غيرُ بعيدٍ من الصوابِ في الصحةِ وجهان مُخرَّجان، غيرَ أنّا اخترنا أن يكونَ نعتًا (^٢) لـ \"السُّبُل\"؛ لأنها إليها أقربُ.\nوقولُه: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يخرُجُ من بطونِ النحلِ شرابٌ، وهو العسلُ، مختلفٌ ألوانه؛ لأن فيه أبيضَ وأحمرَ وأسحرَ (^٣)، وغير ذلك من الألوانِ.\nقال أبو جعفرٍ: أسحرُ: ألوانٌ مختلفةٌ، مثل: أبيضُ يَضرِبُ إلى الحمرةِ.\nوقولُه: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ فيما عادت عليه الهاءُ التي في قولِه: ﴿فِيهِ﴾؛ فقال بعضهم: عادت على القرآنِ، وهو المرادُ بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5045>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا نصرُ بنُ عبدِ الرحمن، قال: ثنا المحاربيُّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾. قال: في القرآنِ شفاءٌ (^٤).\nوقال آخرون: بل أُريد بها العسلُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ٢: \"نعتها\".\n(^٣) في ت ١: أشجر\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٨٦ عن المحاربي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٢ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"14","page":289},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5046>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾: ففيه شفاءٌ - كما قال اللهُ تعالى - من الأدواءِ، وقد كان يُنَهى عن تغْريقِ (^١) النحلِ وعن قتلِها.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فذكَر أن أخاه اشتكَى بطنه، فقال النبيُّ ﷺ: \"اذْهَبْ فَاسْقِ أَخَاكَ عَسَلًا\". ثم جاءه فقال: ما زاده إلا شدةً. فقال النبيُّ ﷺ: \"اذْهَبْ فَاسْقِ أَخَاكَ عَسَلًا، فَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ\". فسقاه، فكأنّما نَشِط من عقالٍ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾. قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ. فذكر نحوَه (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ، قال: شفاءان؛ العسلُ شفاءٌ من كلِّ داءٍ، والقرآنُ شفاءٌ لما في الصدورِ (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"تفريق\"\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٨٥، وعبد بن حميد (٩٣٨)، وأحمد (١١١٤٦)، والبخارى (٥٦٨٤، ٥٧١٦)، ومسلم (٢٢١٧/ ٩١)، والترمذى (٢٠٨٢)، والنسائى في الكبرى (٦٧٠٥، ٧٥٦٠، ٧٥٦١)، وأبو يعلى (١٢٦١) من طرق عن قتادةَ، عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدرى. وأخرجه أحمد (١١١٤٧)، والنسائى في الكبرى (٦٧٠٦) من طريق قتادة، عن أبي الصديق، عن أبي سعيد.\n(^٣) جامع معمر (٢٠١٧٣)، وعنه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٥٧، ٣٥٨ وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٠/ ٤٨٥ عن وكيع به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٢ إلى المصنف.","vol":"14","page":290},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾: يعنى العسلَ.\nوهذا القولُ - أعنى قول قتادة - أولى بتأويل الآيِة؛ لأن قولَه: ﴿فِيهِ﴾. في سياقِ الخبرِ عن العسلِ، فأن تكونَ الهاءُ من ذكرِ العسلِ، إذ كانت في سياقِ الخبرِ عنه، أولى من غيرِه.\nوقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن في إخراجِ اللهِ من بطونِ هذه النحلِ الشرابَ المختلفَ، الذي هو شفاءٌ للناسِ لدلالةً وحجةً واضحةً على مَن سخَّر النحلَ، وهداها لأكلِ الثمراتِ التي تأكُلُ، واتخاذِها البيوتَ التي تُنْحتُ من الجبالِ والشجرِ والعروشِ، وأخرَج من بطونِها ما أخرَج من الشفاءِ للناسِ، أنه الواحدُ الذي ليس كمثلِه شيءٌ، وأنه لا ينبغي أن يكونَ له شريكٌ، ولا تَصِحُّ الألوهةُ إِلَّا له.\n\n<span id=\"aya-1971\"></span><span data-type='title' id=toc-5047>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ خلَقكم أيها الناسُ وأوجَدكم ولم تكونوا شيئًا، لا الآلهةُ التي تعبُدون من دونه، فاعبدوا الذي خلَقكم دونَ غيره، ﴿ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾. يقولُ: ثم يقبضُكم، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾. يقولُ: ومنكم مَن يَهْرَمُ، فيصيرُ إلى أرذل العمرِ. وهو أردوه، يقالُ منه: رَذُل الرجلُ وفَسُل، يرذُلُ رَذَالةً ورُذُولةً (^١)، ورَذَلْتُه أنا. وقيل: إنه يصيرُ كذلك في خمسٍ وسبعين سنةً.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"رذولا\".","vol":"14","page":291},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الضِّراريُّ (^١)، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنا أسدُ بنُ عمرانَ (^٢)، عن سعد بن طريف، عن الأصبغِ بن (^٣) نُباتةَ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾. قال: خمسٌ وسبعون سنةً (^٤).\nوقولُه ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ يقولُ: إنما نردُّه إلى أرذلِ العمرِ ليعودَ جاهلًا (^٥) كما كان في حالِ طفولتِه وصباه، ﴿بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. يقولُ: لئلا يَعلَم شيئًا بعدَ علمٍ كان يعلَمُه في شبابِه، فذهَب ذلك بالكبرِ ونَسِي، فلا يَعلَمُ منه شيئًا، وانسلَخ مِن عقلِه، فصار من بعدِ عقلٍ كان له، لا يعقِلُ شيئًا ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. يقولُ: إن الله الذي (^٦) لا ينسى، ولا يتغيرُ علمُه، عليم بكلِّ ما كان ويكونَ، قديرٌ على ما شاء، لا يجهَلُ شيئًا، ولا يُعجزه شيءٌ أراده.\n\n<span id=\"aya-1972\"></span><span data-type='title' id=toc-5048>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ أيها الناسُ فضَّل بعضَكم على بعضٍ في الرزقِ الذي رزَقكم في الدنيا، فما الذين فضَّلهم اللهُ على غيرِهم بما رزَقهم ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى\n_________\n(^١) في النسخ: \"الفزارى\"، والمثبت هو الصواب، وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٤٨٢.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: حمران\". وسيأتي هذا الإسناد نفسه وتفسير الآية ٣٦ من سورة فاطر\"، وفيه: أسد بن حميد.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ٣/ ٣٠٨.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٣ إلى المصنف.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"جاهله\".\n(^٦) سقط من: م.","vol":"14","page":292},{"text":"مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾. يقولُ: بمشركى مماليكهم فيما رزقهم من المالِ (^١).\nوالأزواج، ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾. يقولُ: حتى يستووا (^٢) هم في ذلك وعبيدُهم. يقولُ تعالى ذكرُه: فهم لا يرضَون بأن يكونوا هم ومماليكُهم فيما رزَقتُهم سواءً، وقد جعَلوا عبيدى شركائى في مُلكى وسلطاني.\nوهذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ تعالى ذكرُه للمشركين باللهِ. وقيل: إنما عنَى بذلك الذين قالوا: إن المسيحَ ابن اللهِ. من النصارى.\nوقولُه: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفبنِعْمةِ اللهِ التي أنعَمها على هؤلاء المشركين من الرزقِ الذي رزَقهم في الدنيا، يَجْحَدون بإشراكِهم غيرَ اللَّهِ مِن خلقِه في سلطانِه ومُلْكِه؟\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5049>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾. يقولُ: لم يكونوا يُشْرِكون عبيدَهم في أموالِهم ونسائهم، فكيف يُشرِكون عبيدى معى في سلطاني؟ فذلك قوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"الأموال\".\n(^٢) في ص، ف: \"تسووا\"، وفي ت ١: \"يسووهم\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٠٥ عن العوفي، عن ابن عباسٍ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٤ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"14","page":293},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: هذه الآيةِ في شأنِ عيسى ابن مريمَ. يعنى بذلك نفسَه، إنما عيسى عبدٌ، فيقولُ الله: والله ما تُشركون عبيدَكم (^١) في الذي لكم، فتكونوا أنتم وهم سواءً، فكيف تَرضَون لى ما (^٢) لا تَرضَون لأنفسكم؟ (^٣)\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ (^٤)، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾. قال: مثَلُ آلهةِ الباطلِ مع اللهِ تعالى ذكرُه (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُون﴾: وهذا مثلٌ ضرَبه اللهُ، فهل مِنكم من أحدٍ شارَك مملوكه في زوجتِه وفى فراشِه، فتَعدِلون (^٦) باللَّهِ خَلْقَه وعباده؟ فإن لم ترضَ لنفسِك هذا، فاللَّهُ أحقُّ أن يُنزَّهَ منه من نفسك، ولا تَعدِلَ (^٦) باللَّهِ أحدًا مِن عبادِه وخلقِه (^٧).\n_________\n(^١) في ت ١: \"عبدكم\"، وفي ت ٢: \"عندكم\".\n(^٢) في م: \"بما\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٠٥ مختصرا.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: عن ابن أبي نجيح عن مجاهد\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٢٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) في ت ١: \"يعدل\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":294},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾. قال: هذا الذي فُضِّل [في المالِ] (^١) والولدِ، لا يُشْرِكُ عبدَه في مالِه وزوجتِه، يقولُ: قد رضيتُ بذلك للهِ. ولم ترضَ (^٢) به لنفسِك، فجعَلْتَ اللَّهِ شريكًا في مُلْكِه وخلقِه (^٣).\n\n<span id=\"aya-1973\"></span><span data-type='title' id=toc-5050>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي جعَل لكم أيها الناسُ من أنفسِكم أزواجا. يعنى أنه خلَق مِن آدمَ زوجتَه (^٤) حواءَ، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾. أي: واللهُ خلق آدمَ، ثم خلَق زوجته منه، ثم جعَل لكم بنينَ وحفَدةً (^٥).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ (^٦) بالحفَدَةِ؛ فقال بعضُهم: هم الأَحْتانُ، أَحْتانُ الرجلِ على بناتِه.\n_________\n(^١) في ت ١: \"بالمال\".\n(^٢) في ف: \"ترضه\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٨ عن معمر به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"وزوجته\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) في م: \"المعينين\".","vol":"14","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5051>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا أبو معاويةَ (^١)، قال: ثنا أبانُ بنُ تَغلِبَ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن ابن حُبيشٍ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: الأَختانُ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ (^٣)، عن عاصمٍ، عن [زِرٍّ، قال] (^٤): سألتُ عبد الله: ما تقولُ في الحفَدَةِ؟ هم حَشَمُ الرجلِ يا أبا عبد الرحمنِ؟ قال: لا، ولكنهم الأَختانُ (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، وحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قالا جميعًا: ثنا سفيان، عن عاصمِ بن بَهْدَلَةَ، عن زِرِّ بن حُبَيشٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: الحَفَدةُ الأَخْتانُ (^٦).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ بإسنادِه، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.\nحدَّثنا ابن بشارٍ وأحمدُ بنُ الوليدِ القرشُّي وابنُ وكيعٍ وسَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ العنبريُّ ومحمدُ بنُ خالدِ (^٧) بن خِداشٍ (^٨) والحسنُ بن خلفٍ الواسطيُّ، قالوا: ثنا يحيى بنُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١ ت ٢ ف: \"معمر\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ١٢٣.\n(^٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٥٥، والطبراني (٩٠٨٨) من طريق أبى معاوية به، وأخرجه البخاري في التاريخ ٦/ ١٥٤ من طريق مسروق عن عبد الله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) في ت ٢: \"وكيع\". وينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ١٢٩.\n(^٤) في النسخ: \"ورقاء\". والمثبت موافق لما في مصدر التخريج، وسيأتي على الصواب في الصفحة التالية.\n(^٥) أخرجه الطبراني (٩٠٩٠) من طريق أبي بكر بن عياش به\n(^٦) أخرجه الفريابي - كما في الدر المنثور ٤/ ١٢٤ - ومن طريقه الطبراني (٩٠٩٣) عن سفيان به، وأخرجه أبو عبيد في غريب الحديث ٣/ ٣٧٤ عن عبد الرحمن بن مهدي به.\n(^٧) في النسخ: \"خلف\". وتقدم في ٢/ ٥٤، ٣/ ١٧٨، ٥/ ٢٣٦.\n(^٨) في ص، م، ت ٢: \"خراش\"، وفى ت ١ ف: \"حراش\".","vol":"14","page":296},{"text":"سعيدٍ القطانُ (^١)، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، قال: الحفَدةُ الأَختانُ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا هشيمٌ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: الحَفَدَةُ الأَخْتانُ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن حُبيرٍ: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: الحَفَدَةُ الأَخْتانُ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: الحَفَدَةُ الخَتَنُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الأَختانُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن أشعثَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: الأَختانُ (^٢).\nوحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿وَحَفَدَةً﴾. قال: الأصهارُ (^٣).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حمادٌ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن ابن (^٤) مسعودٍ، قال: الحفَدةُ الأَختانُ (^٥)\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"العطار\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٠٦ عن عكرمة، عن ابن عباس.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٠٦ عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أبي\".\n(^٥) أخرجه الطبراني (٩٠٩٢) من طريق حماد به.","vol":"14","page":297},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عيينةَ، عن عاصمٍ بن أبى النَّجُودِ، عن زِرِّ بن حُبيشٍ، قال: قال لى عبدُ اللهِ بن مسعودٍ: ما الحفَدةُ يا زِرُّ؟ قال: قلتُ: هم حُفّادُ (^١) الرجلِ، من ولدِه وولدِ ولدِه. قال: لا، هم الأصهارُ (^٢).\nوقال آخرون: هم أعوانُ الرجل وخَدَمُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5052>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن خالد بن خِدَاشٍ، قال: ثنى سَلْم بن قتيبة، عن وهبِ بن حبيبٍ الأَسَديِّ، عن أبي حمزةَ، عن ابن عباسٍ، سُئل عن قولِه: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: من أعانك فقد حَفَدك، أما سمِعتَ قول الشاعرِ:\nحَفَدَ الوَلائِدُ [حَوْلَهُنَّ وَأُسْلِمَتْ] (^٣) … بِأَكُفِّهِنَّ أَزِمَّةُ الأَجْمَالِ (^٤)\nحدَّثنا هَنَّادٌ (^٥)، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: الحَفَدةَ الخُدّامُ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"أحفاد\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٨، وأخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور ٤/ ١٢٤ - ومن طريقه الطبراني (٩٠٩١) عن ابن عيينة به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف \"حولها واستسلمت\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٤ إلى المصنف، وينظر مسائل نافع بن الأزرق ص ٣٩، والطبراني (١٠٥٩٧) وفيهما أن البيت لأمية بن أبى الصلت، ونسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٣٦٤ إلى جميل، ونسبه أبو عبيد في غريب الحديث ٣/ ٣٧٤ إلى الأخطل، ونسبه ابن دريد في الجمهرة ٢/ ١٢٣ إلى الفرزدق، ونسبه القرطبي في تفسيره ١٠/ ١٤٤ إلى كُثير، وليس في ديوان أيٍّ منهم، والأصح أنه لأمية ففي الطبراني: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمد ﷺ.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"مختار\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":298},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بن خِداشٍ، قال: ثنى سَلْمُ بنُ قُتيبةَ، عن حازمِ بن إبراهيمّ البَجَليِّ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، قال: قال: الحَفَدَةُ الخُدّام.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرانُ بنُ عيينةَ، عن حُصينٍ، عن عكرمةَ، قال: الذين يُعينون الرجلَ من ولدِه وخدَمِه.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحكمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَحَفَدَةً﴾. قال: الحَفدةُ من خدَمك من ولدِك.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن سلَّامِ بن سليمٍ وقيسٍ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، قال: هم الخدمُ.\nحدَّثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سلَّامٌ أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ مثله.\nحدَّثني محمدُ بنُ خالدٍ، قال: ثنى سَلْمٌ (^١)، عن أبي هلالٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: البنينَ وبنى (^٢) البنين؛ مَن أعانك من أهلٍ أو (^٣) خادمٍ فقد حفَدك (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن منصورٍ، عن الحسنِ، قال: هم الخَدَمُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ خالدٍ وابنُ وكيعٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالوا: ثنا إسماعيلُ بن عُلَيةَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الحَفَدَةُ الخَدَمُ.\n_________\n(^١) في النسخ: \"سلمة\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بنو\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"و\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٤ إلى المصنف.","vol":"14","page":299},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، وحدثنا ابن وكيعٍ، قال: قال: ثنا أبي، وحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، جميعا عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: ابنُه وخادمُه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ: قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: أنصارًا وأعوانًا وخدمًا (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا زَمْعةُ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: الحفدةُ الخَدَمُ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ مرةً أُخرى، قال: ابنُه و(^٤) خادمه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾: مَهَنَةً يَمهَنونك ويخدُمونك من ولدِك، كرامةً أكرَمكم اللهُ بها.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عُبيدُ (^٥) اللهِ، عن إسرائيل، عن السُّديِّ، عن أبي مالكٍ: الحفَدةُ، قال: الأعوانُ (^٦).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٠٦.\n(^٢) في م: \"خداما\". والأثر في تفسير مجاهد ص ٤٢٣.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٠٦.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) في م: \"عبد\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٤ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":300},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حُصينٍ، عن عكرمةَ، قال: الذين يُعينونه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحكَمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: الحفدةُ من خدَمك من ولدِك وولدِ ولدِك (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن التيميِّ، عن أبيه، عن الحسنِ، قال: الحَفَدَةُ الخَدَمُ (^١).\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن حُصينٍ، عن عكرمةَ: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: ولدُه الذين يُعِينونه.\nوقال آخرون: هم ولدُ الرجلِ وولدُ ولدِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5053>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَحَفَدَةً﴾. قال: هم الولدُ وولدُ الولدِ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ وسعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: الحَفدَةُ البنون (^٣).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٨.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٠٥ عن شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٣١ عن مجاهد وسعيد بن جبير بلفظ: ولد الولد.","vol":"14","page":301},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا غُنْدَرٌ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ مثله.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: بنوك حين يَحفِدونك ويَرفِدونك ويُعِينونك ويَخدُمونك، قال جميلٌ (^١):\nحفَد الوَلائِدُ حَوْلَهُنَّ وَأُسْلِمَتْ … بِأَكُفِّهِنَّ أُزِمَّةُ الأَجْمَالِ (^٢)\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال: الحفَدةُ (^٣) الخدمُ من ولدِ الرجلِ، هم ولدُه، وهم يخدُمونه، قال: وليس يَكونُ العبيدُ من الأزواجِ، كيف يكونُ من زوجِى عبدٌ؟ إنما الحفدةُ ولدِ الرجلِ وخَدَمُه.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفَرَجِ، قال: سِمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾: يعنى ولدَ الرجلِ يحفِدونه ويخدُمُونه، وكانت العربُ إنما تخدُمُهم أولادُهم الذكورُ (^٤).\nوقال آخرون: هم بنو امرأةِ الرجلِ من غيرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5054>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) في م: \"حميد\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٠٦ عن الحسين بن داود - سنيد - به. وينظر ما تقدم في ص ٢٩٨.\n(^٣) في ص: \"الحَفَد\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٠٦.","vol":"14","page":302},{"text":"بنو امرأةِ الرجل ليسوا منه وقال (^١): الحفدَةُ الرجلُ (^٢) يعمَلُ بينَ يديِ الرجلِ، يقولُ (^٣): فلانٌ يحفِدُ لنا. ويزعُمُ رجالٌ أن الحفَدةَ أَخْتانُ الرجلِ (^٤).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخبَر عبادَه مُعرَّفَهم نِعمَه عليهم فيما جعَل لهم من الأزواجِ والبنين، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾، فأعلَمهم أنه جعَل لهم من أزواجِهم بنيَن وحفدةً، والحفَدةُ في كلامِ العربِ جمعُ حافدٍ، كما الكَذَبَةُ جمعُ كاذبٍ، والفَسَقةُ جمعُ فاسقٍ. والحافدُ في كلامِهم (^٥) هو المتخفِّفُ في الخدمةِ والعملِ. والحَفْدُ خفةُ الرجلِ (^٦) العملَ. يقالُ: مرَّ البعيرُ يَحفِدُ حَفَدَانًا. إذا مرَّ يُسرِعُ في سَيْرِه، ومنه قولُهم: إليك نسعى ونحفِدُ (^٧). أي: نُسرِعُ إلى العملِ بطاعتِك. يقالُ منه: حَفَد له يَحفِدُ حَفْدًا وحُفودًا وحَفَدَانًا. ومنه قول الراعى (^٨):\nكَلَّفْتُ مَجْهُولَهَا نُوقًا يَمَانِيَةً … إذا الحُدَاةُ على أَكْسَائِها (^٩) حَفَدُوا\nوإذ كان معني الحفَدةِ ما ذكرنا، من أنهم المسرِعون في خدمةِ الرجلِ،\n_________\n(^١) في م: \"يقال\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"للرجل\".\n(^٣) في تفسير ابن كثير: يقال\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٠٦ عن العوفي، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم مقتصرا على قوله: بنو امرأة الرجل ليسوا منه.\n(^٥) في ت ١: \"كلام العرب\".\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) ينظر ما أخرجه عبد الرزاق (٤٩٦٨، ٤٩٦٩، ٤٩٧٠، ٤٩٧٨، ٤٩٨٢، ٤٩٨٩، ٤٩٩٧)، وابن أبي شيبة، ٢/ ٣٠١، وابن سعد ٦/ ٢٤١، وأبو داود في المراسيل (٨٨)، وابن خزيمة ٢/ ١٥٥، والطحاوى في شرح معاني الآثار ١/ ٢٤٩، والبيهقى ٢/ ٢١١.\n(^٨) ديوانه ص ٨٤.\n(^٩) في ص: \"أكسابها\". والأكساء جمع كُسْى، وهو مؤخر العجز. وقيل: مؤخر كل شيء. اللسان (ك س ى).","vol":"14","page":303},{"text":"المتخفِّفون فيها، وكان اللهُ تعالى ذكرُه أخبَرنا أن مما أنعَم به علينا أن جعَل لنا حَفَدَةً تحفِدُ لنا، وكان أولادنا وأزواجُنا الذين يَصلُحون للخدمةِ منا ومن غيرِنا، وأختانُنا الذين هم أزواجُ بناتِنا من أزواجِنا، وخَدَمُنا من مَماليكِنا، إذا كانوا يُحفِدوننا، فيَستحِقُّون اسم حَفَدَةٍ، ولم يكنِ اللهُ تعالى ذكرُه دلَّ بظاهرِ تنزيلِه، ولا على لسانِ رسولِه ﷺ، ولا بحُجِة عقلٍ، على أنه عنَى بذلك نوعًا من الحفَدةِ (^١) دونَ نوعٍ منهم، وكان قد أنعم بكلِّ ذلك علينا، لم يكنْ لنا أن نوجِّهَ ذلك إلى خاصٍّ من الحفَدةِ دون عامٍّ، إلا ما أجمَعتِ (^٢) الأمةُ عليه أنه غيرُ داخلٍ فيهم.\nوإذا كان ذلك كذلك، فلكلِّ الأقوالِ التي ذكرْنا عمَّن ذكرْنا وجهٌ في الصحةِ، ومخرجٌ [في التأويلِ] (^٣). وإن كان (^٤) أولى بالصوابِ من القولِ ما اخترنا؛ لما بيَّنا من الدليلِ.\nوقولُه: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾. يقولُ: ورزَقكم من حلالِ المعاشِ والأرزاقِ والأقواتِ. ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: يُحرِّم عليهم أولياءُ الشيطانِ، من البحائرِ والسوائبِ والوصائلِ، فيُصَدِّقُ (^٥) هؤلاء المشركون باللهِ، ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: وبما أحلَّ اللهُ لهم من ذلك، وأنعَم عليهم بإحلالِه ﴿يَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: يُنكرون تحليلَه، ويَجحَدون أن يكونَ اللهُ أحلَّه.\n\n<span id=\"aya-1974\"></span><span data-type='title' id=toc-5055>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ</span>\n_________\n(^١) في ص: \"الخدم\".\n(^٢) في م، ص، ت ٢، ف: \"اجتمعت\".\n(^٣) في ف: \"بالتأويل\".\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"هو\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يصدق\".","vol":"14","page":304},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويعبُدُ هؤلاء المشركون باللهِ من دونه أوثانًا لا تملكُ لهم رزقًا من السماواتِ؛ لأنها لا تَقدِرُ على إنزالِ قَطْرٍ منها لإحياءِ مَوَتَانِ الأَرَضِينَ، ﴿وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: ولا تملكُ لهم أيضًا رزقًا من الأرضِ؛ لأنها لا تَقْدِرُ على إخراجِ شيءٍ من نباتِها وثمارِها لهم، ولا شيئًا مما عدَّد تعالى ذكرُه في هذه الآيةِ أنه أنعَم بها عليهم، ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. يقولُ: ولا تملكُ أوثانهم شيئًا من السماواتِ والأرضِ، بل هي وجميعُ ما في السماواتِ والأَرضِ اللَّهِ مِلْكُ، ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. يقولُ: ولا تقدرُ على شيءٍ.\n\n<span id=\"aya-1975\"></span>وقولُه: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾. يقولُ: فلا تُمثِّلوا للَّهِ الأمثالَ، ولا تُشَبِّهوا له الأشباهَ، فإنه لا مِثْلَ له ولا شِبْهَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5056>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: الأمثالُ الأشباهُ (^١).\nوحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾: يعنى اتخاذَهم الأصنامَ، يقولُ: لا تجعَلوا معى إلهًا غيرِى، فإنه لا إلهَ غيرِى (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٣/ ٧١٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":305},{"text":"دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. قال: هذه الأوثانُ التي تُعبَدُ من دونِ اللهِ، لا تملكُ لمن يعبدُها رزقًا، ولا ضرًّا ولا نفعًا، ولا حياةً ولا نشورًا. وقولَه: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾. فإنه أَحَدٌ صَمَدٌ، لم يَلِدْ، ولم يُولَدْ، ولم يكن له كُفُوًا أحدٌ، ﴿إِنَّ (^١) اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٢).\n[وقولُه: ﴿[إِنَّ اللَّهَ] (^٣) يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾] (^٤). يقولُ: واللَّهُ أيها الناسُ يعلمُ خطأَ ما تمثِّلون وتضرِبون من الأمثالِ، وصوابَه، وغيرَ ذلك من سائرِ الأشياءِ، وأنتم لا تعلَمون صوابَ ذلك من خطئِه.\nواختلَف أهلُ العربيةِ في الناصِبِ قولَه: ﴿شَيْئًا﴾؛ فقال بعضُ البصريين: هو منصوبٌ على البدلِ من \"الرزقِ\"، وهو في معنى: لا يملِكون رزقًا قليلًا ولا كثيرًا.\nوقال بعضُ الكوفيين (^٥): نصَب ﴿شَيْئًا﴾ بوقوعِ \"الرزق\" عليه، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦]. أي: تَكْفِتُ (^٦) الأحياءَ والأمواتَ. ومثلُه قولُه تعالى ذكرُه: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ (^٧) فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤ - ١٦]. قال: ولو كان الرزقُ مع الشيءِ لجاز خفضُه: لا يملكُ لهم (^٨) رزقَ شيءٍ من السماواتِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"و\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، ت ١، ت:٢ \"والله\". والمثبت صواب التلاوة.\n(^٤) سقط من: م، ف.\n(^٥) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ١١٠.\n(^٦) كفت: ضم وقبض. اللسان (ك ف ت).\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢: \"أطعم\". وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي، والقراءة الأخرى قراءة ابن عامر ونافع وعاصم وحمزة. السبعة لابن مجاهد ص ٦٨٦.\n(^٨) في م: \"لكم\".","vol":"14","page":306},{"text":"ومثلُه: (فجزاءُ مثل (^١) ما قتل من النَّعَمِ) [المائدة: ٩٥].\n\n<span id=\"aya-1976\"></span><span data-type='title' id=toc-5058>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وشَبَّه لكم (^٢) شبهًا أيُّها الناسُ؛ للكافرِ من عبيدِه، والمؤمنِ به منهم. فأمّا مثَلُ الكافِرِ، فإنه لا يَعمَلُ بطاعةِ اللهِ، ولا يأتى خيرًا، ولا يُنفِقُ في شيءٍ من سبيلِ اللَّهِ ماله، لغلبةِ خِذلانِ اللَّهِ عليه، كالعبدِ المملوكِ الذي لا يقدِرُ على شيءٍ فيُنفقه. وأما المؤمنُ باللَّهِ، فإنه يعملُ بطاعتِه (^٣)، وينفقُ في سبيلِه ماله، كالحرِّ الذي آتاه الله مالًا، ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾. يقولُ: بِعِلْمٍ من الناسِ وغيرِ علمٍ، ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾. يقولُ: هل يستوى العبدُ الذي لا يملكُ شيئًا ولا يقدرُ عليه، وهذا الحرُّ الذي قد رزَقه الله رزقًا حسنًا، فهو يُنفقُ كما وصف؟ فكذلك لا يستوى الكافرُ العاملُ بمعاصى اللَّهِ، المخالفُ أمرَه، والمؤمنُ العاملُ بطاعتِه\nوبنحوِ ما (^٤) قلنا في ذلك [كان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ] (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-5057>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا\n_________\n(^١) كذا بإضافة: \"الجزاء\" إلى \"المثل\"، وهى قراءة كما تقدم في ٨/ ٦٨١.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الله لهم\".\n(^٣) في م: \"بطاعة الله.\n(^٤) في ف: \"الذي\".\n(^٥) في ت ١: \"قال أهل العلم\"، وفى ت ٢: \"قال أهل التأويل، وفى ف: \"كان بعض أهل التأويل يقول\".","vol":"14","page":307},{"text":"عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾: هذا مثلٌ ضربه اللهُ للكافِرِ، رزَقه اللهُ (^١) مالًا، فلم يقدِّم فيه خيرًا، ولم يعملْ فيه بطاعةِ اللهِ، قال اللهُ تعالى ذكْرُه: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾. فهذا المؤمنُ، أعطاه اللهُ، مالًا، فعمِل (^٢) فيه بطاعةِ اللهِ، وأَخَذ بالشكرِ، ومعرفةِ حقِّ (^٣) اللهِ، فأثابه اللهُ على ما رزَقه الرزقَ المقيمَ الدائمَ لأهلِه في (^٤) الجنةِ، قال الله تعالى ذكرُه: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [هود: ٢٤]؟ واللهِ ما يستويان، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٥).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾. قال: هو الكافرُ (^٦) لا يعملُ بطاعةِ اللهِ، ولا يُنفقُ خيرًا، ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾. قال: المؤمنُ يطيعُ الله في نفسِه وماِله (^٧).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾: يعنى الكافرَ، أنه لا يستطيعُ أن يُنفقَ نفقةً في سبيلِ اللَّهِ، ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾: يعنى المؤمنَ، وهذا المثلُ في النفقةِ (^٨).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ف: \"يعمل\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) في ص، ت ٢: \"وفي\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٦) في ص، ت ١: \"للكافر\".\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٩ عن معمر به.\n(^٨) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":308},{"text":"وقولُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. يقولُ: الحمدُ الكاملُ للهِ خالصًا، دون ما تَدْعُون أيها القومُ من دونِه من الأوثانِ، فإياه فاحْمَدُوا دونها.\nوقولُه: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ما الأمرُ كما تفعلون، ولا القولُ كما تقولون، ما للأوثانِ عندهم من يد ولا معروفٍ فتُحمَدَ عليه، إنما الحمدُ للهِ، ولكنَّ أكثرَ هؤلاء الكفرة الذين يعبدونها، لا يعلَمون أن ذلك كذلك، فهم بجهلِهم بما يأتون ويَذَرون، يجعَلونها للهِ شركاءَ في العبادةِ والحمدِ.\nوكان مجاهدٌ يقولُ: ضرب اللهُ هذا المثلَ، والمثلَ الآخرَ الذي (^١) بعدَه لنفسِه وللآلهةِ التي تُعبدُ من دونِه (^٢).\n\n<span id=\"aya-1977\"></span><span data-type='title' id=toc-5059>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾.</span>\nوهذا مثلٌ ضرَبه اللهُ تعالى ذكرُه لنفسِه وللآلهةِ التي تُعبدُ من دونِه، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾. يعنى بذلك الصنمَ، أنه لا يسمعُ شيئًا، ولا ينطق، لأنه إما خشبٌ منحوتٌ، وإما نُحاسٌ مصنوعٌ، لا يقدرُ على نفعٍ لمن خدَمه، ولا دفع ضُرٍّ عنه، ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾. يقولُ: وهو عِيالٌ على ابن عمِّه وحُلفائِه وأهلِ ولايتِه، فكذلك الصنمُ كُلٌّ على من يعبدُه، يحتاجُ أن يحملَه، ويضعهَ، ويخدُمه، كالأبكمِ من الناسِ الذي لا يقدرُ على شيءٍ، فهو كُلٌّ على أوليائه من بنى أعمامِه\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سيأتي تخريجه في ص ٣١١.","vol":"14","page":309},{"text":"وغيرِهم، ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾. يقولُ: حيثما يوجِّهُه لا يأتِ بخير؛ لأنه لا يفهمُ ما يُقال له، ولا يقدرُ أن يُعبِّرُ عن نفسِه ما يريدُ، فهو لا يَفهمُ، ولا يُفْهَمُ عنه، فكذلك الصنمُ، لا يعقِلُ ما يقالُ له، فيأتمرَ لأمرِ مَن أمرَه، ولا ينطِقُ فيأمرَ (^١) وينهي.\nيقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾. يعنى: هل يستوى هذا الأبكمُ الكَلُّ على مولاه، الذي لا يأتي بخيرٍ حيث تَوجَّه، ومن هو ناطقٌ متكلمٌ، يأمرُ بالحقِّ ويدعو إليه، وهو اللهُ الواحدُ القهارُ، الذي يدعو عبادَه إلى توحيدِه وطاعته؟ يقولُ: لا يستوى هو تعالى ذكرُه والصنمُ الذي صفتُه ما وصَف.\nوقولُه: ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: وهو مع أمرِه بالعدلِ، على طريقٍ من الحقِّ في دعائه إلى العدلِ وأمرِه به مستقيمٍ، لا يَعْوَجُّ (^٢) عن الحقِّ ولا يزولُ عنه.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في المضروبِ له هذا المثلُ؛ فقال بعضُهم في ذلك بنحوِ الذي قلنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5060>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾. قال: هو الوثَنُ، ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾. قال: اللهُ يأمرُ بالعدلِ ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) في ف: \"فيما يأمر\".\n(^٢) في ف: \"يعرج\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٩ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٥ إلى ابن المنذر.","vol":"14","page":310},{"text":"وكذلك كان مجاهدٌ يقولُ، إلا أنه كان يقولُ: المثلُ الأوّلُ أيضًا ضرَبه اللهُ لنفسه وللوثَنِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ. قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾، و﴿رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾، و﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ قال: كلُّ هذا مَثَلُ إله الحقِّ، وما يُدعَى من دونِه من الباطلِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاوية، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾. قال: إنما هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ.\nوقال آخرون: بل كلا المَثَلين للمؤمنِ والكافرِ. وذلك قولٌ يُروى عن ابن عباسٍ، وقد ذكرْنا الروايةَ عنه في المثلِ الأوّلِ في موضعِه.\nوأما في المثلِ الآخرِ، فحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ: يعني بالأبكمِ الذي هو كَلٌّ على مولاه: الكافرَ، وبقولِه: ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٥ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":311},{"text":"بِالْعَدْلِ﴾: المؤمن. وهذا المثلُ في الأعمالِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ الصَبّاحِ البزارُ، قال: ثنا يحيى بنُ إسحاقَ السَّيْلَحِينى، قال: ثنا حمادٌ، عن عبدِ اللَّهِ بن عثمانَ بن خُثَيْمٍ (^٢)، عن إبراهيمَ بن (^٣) عكرمةَ بن (^٤) يَعْلى (^٥) بن أميةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾. قال: نزَلت في رجلٍ من قريشٍ وعبدِه. وفي قولِه: ﴿مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾. إلى قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قال: هو عثمانُ بنُ عفانَ. قال: والأبكمُ الذي أينما يُوَجَّهُ (^٦) لا يأْتِ بخيرٍ، ذاك مولى عثمانَ بن عفَّانَ، كان عثمانُ ينفقُ عليه ويكفُلُه، ويَكفِيه المئونةَ (^٧)، وكان الآخَرُ يكرهُ الإسلامَ ويأباه، وينهاه عن الصدقةِ والمعروفِ، فنزَلت فيهما (^٨)\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص: \"حيثم\".\n(^٣) في ص، م: \"عن\". وينظر التاريخ الكبير ١/ ٣٠٦.\n(^٤) في ص، م: \"عن\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ف: \"يحيى\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يوجهه\".\n(^٧) في ف: \"المؤنة\".\n(^٨) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٥٠٨ عن المصنف، وأخرجه ابن سعد ٣/ ٦٠ وفيهما: إبراهيم، عن عكرمة، والبخارى في التاريخ الكبير ١/ ٣٠٦، وابن عساكر في تاريخه ٤٦/ ٢١٠، ٢١١ (طبعة مجمع اللغة بدمشق) من طرق عن حماد بن سلمة به.\nوأخرجه ابن عساكر ٤٦/ ٢١٢ من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم به ببعضه. ووقع في سند ابن عساكر: \"إبراهيم عن عكرمة\". وقد جاء على الصواب في المخطوط ١١/ ٢٥٨. وأخرجه البخارى ١/ ٣٠٧، ومن طريقه ابن عساكر ٤٦/ ٢١١ من طريق عبد الله بن خثيم عن إبراهيم بن عكرمة، عن عكرمة، عن ابن عباس ببعضه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٥ إلى ابن المنذر وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وابن مردويه، والضياء في المختارة - عن ابن عباس مفرقا.","vol":"14","page":312},{"text":"وإنما اختَرنا القولَ الذي اخترناه في المَثَلِ الأوّلِ؛ لأنه تعالى ذكرُه مثَّل مثَلَ الكافر بالعبدِ الذي وصف صفته، ومَثَّل مَثَلَ المؤمن بالذي (^١) رزقه رزقا حسنًا، فهو يُنفقُ مما رزَقه سرًّا وجهرًا، فلم يجز أن يكونَ ذلك (^٢) لله مثلًا، إذ كان اللهُ إنما مثَّل الكافرَ الذي [حرَمَه التوفيقَ فخذله عن طاعتِه، بالعبدِ الذي] (^٣) لا يقدرُ على شيءٍ، بأنه لم يرزقْه رزقًا ينفقُ منه سرًّا، ومثَّل المؤمنَ الذي وفَّقهُ (^٤) لطاعتِه فهداه لرشدِه، فهو يعملُ بما يرضاه اللهُ، كالحرِّ الذي بسَط له في الرزقِ، فهو ينفقُ منه سرًّا وجهرًا، واللَّهُ تعالى ذكْرُه هو الرازقُ غيرُ المرزوقِ، فغيرُ جائزٍ أن يُمَثَّلَ إفضالُه وجُودُه، بإنفاقِ المرزوقِ الرزقَ الحسنَ.\nوأما المثَلُ الثاني، فإنه تمثيلٌ منه تعالى ذكرُه مَنْ مثَلُه الأبكَمُ الذي لا يقدرُ على شيءٍ، والكفارُ لا شكَّ أن منهم من له الأموالُ الكثيرةُ، ومن يضُرُّ أحيانًا الضرَّ العظيمَ بفسادِه (^٥)، فغيرُ كائنٍ ما لا يقدرُ على شيءٍ، كما قال تعالى ذكْرُه، مثلًا لَمن يقدرُ على أشياءَ كثيرةٍ. فإذ كان ذلك كذلك كان أولى المعانى به تمثيلَ ما لا يقدِرُ على شيءٍ، كما قال تعالى ذكرُه، بمثلِه (^٦) مما (^٧) لا يقدِرُ على شيءٍ، وذلك الوثنُ الذي لا يقدِرُ على شيءٍ، بالأبكمِ الكَلِّ على مولاه الذي لا يقدرُ على شيءٍ، كما قال ووصَف.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الذي\".\n(^٢) في ت ١: \"هذا\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) بعده في م، ت ٢، ف: \"الله\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"ففساده\".\n(^٦) في ت ١: \"يمثله\".\n(^٧) في م، ف: \"ما\"، وفى ت ١، ت ٢: \"بما\".","vol":"14","page":313},{"text":"<span id=\"aya-1978\"></span><span data-type='title' id=toc-5061>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وللهِ أيها الناسُ مِلْكُ ما غاب عن أبصارِكم في السماواتِ والأرضِ، دونَ آلهتِكم التي تَدْعون من دونِه، ودونَ كلِّ ما سواه، لا يملكُ ذلك أحدٌ سواه، ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾. يقولُ: وما أمْرُ قيامِ القيامةِ والساعةِ التي يُنشرُ فيها الخلقُ للوقوفِ في موقفِ القيامةِ، إلا كنظرةٍ من البصرِ؛ لأن ذلك إنما هو أن يقالَ له كنْ فيكونُ.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾: والساعةُ كلمحِ البصرِ أو أقربُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾. قال: هو أن يقولَ: كُنْ. فهو كلمحِ البصرِ، فأمرُ الساعةِ كلمحِ البصرِ أو أقربُ (^١).\nو[يعنى بقولِه] (^٢): ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾: [أو هو أقرب] (^٣) مِن لمحِ البصرِ.\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ: إن الله على إقامةِ الساعةِ في أقربَ من لمحِ البصرِ قادرٌ، و(^٤) على ما يَشَاءُ مِن الأَشياء كلِّها، لا يَمتَنِعُ عليه شيءٌ أراده.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٥، ١٢٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(^٢) في م، ت ١ ت ٢ ف: \"يعنى يقول\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، وفى ف: \"أو أقرب\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"14","page":314},{"text":"<span id=\"aya-1979\"></span><span data-type='title' id=toc-5062>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ أعْلَمَكم ما لم تكونوا تَعْلَمُون مِن بعدِ ما أَخْرَجَكُم مِن بطونِ أمهاتِكم لا تَعْقِلون شيئًا ولا تَعْلَمون، فرزَقَكم عقولًا تَفْقَهون بها، وتُمَيِّزُون بها الخيرَ من الشرِّ، وبصَّركم [بها ما] (^١) لم تكونوا تُبْصِرون (^٢)، وجعَل لكم السمعَ الذي تَسْمَعون به الأصواتَ، فيَفْقَهُ بعضُكم عن بعضٍ ما تَتَحاوَرون به بينَكم، والأبْصارَ التي تُبْصِرون بها الأشخاصَ، فتَتَعارَفون بها، وتُمَيِّزون بها بعضًا من بعضٍ ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾. يقولُ: والقلوبَ التي تَعْرِفون بها الأشياءَ فتَحْفَظونها، وتُفَكِّرون فتَفْقَهون بها، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: فعَلْنا ذلك بكم، فاشْكُرُوا اللَّهَ على ما أنعم به عليكم من ذلك، دونَ الآلهة والأنداد، فجَعَلْتُم له شُركاء (^٣) في الشكرِ، ولم يَكُنْ له فيما أنْعَم به عليكم مِن نعمةٍ شريكٌ.\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾. كلامٌ مُتَناهٍ، ثم ابْتُدِئ (^٤) الخبرُ، فقيل: وجعَل اللهُ لكم السمعَ والأبصارَ والأفئدةَ. وإنما قلنا: ذلك كذلك؛ لأن الله تعالى ذكرُه جعَل لعبادِه (^٥) السمعَ والأبصارَ والأفئدةَ قبلَ أن يُخْرِجَهم مِن بطونِ أمهاتِهم، وإنما أعطاهم العلمَ والعقلَ بعدَ ما أخْرَجَهم مِن بطونِ أمهاتِهم.\n\n<span id=\"aya-1980\"></span><span data-type='title' id=toc-5063>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي</span>\n_________\n(^١) في ت ١: \"بما\"، وفى ت ٢: \"بها\".\n(^٢) بعده في ص: \"بها\".\n(^٣) في ت ٢: \"شريكا\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ابتدأ\".\n(^٥) في م: \"العبادة و\".","vol":"14","page":315},{"text":"جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾\nيقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء المشركين: ألم تَرَوْا (^١) أَيُّها المشركون باللَّهِ ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾. يعنى: في هَواءِ السماءِ، بينَها وبينَ الأرضِ. كما قال إبراهيمُ بنُ عِمْرانَ الأنصاريُّ (^٢):\nوَيْلُمِّها (^٣) مِن هَواءِ الجَوِّ طالِبَةً … ولا كهذا الذي في الأرضِ مَطْلوبُ\nيعني: في هَواء السماءِ.\n﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾. يقولُ: ما طَيَرانُها في الجوِّ إلا باللهِ، وبتسخيره إياها لذلك (^٤)، ولو سلَبها ما أعطاها مِن الطيرانِ، لم تَقْدِرْ على النهوضِ ارتفاعًا.\nوقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: إن في تسخيرِ اللهِ الطيرَ، وتَمْكِينهِ لها الطيرانَ في جوِّ السماءِ، لَعلاماتٍ ودَلالاتٍ، على أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنْ (^٥) لا حظَّ للأصنامِ والأوثانِ في الألوهةِ، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يعنى: لقومٍ يُقِرُّون بِوجْدانِ ما تُعايِنُه أبصارُهم، وتُحِسُّه حَواسُّهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5064>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مُسَخَّرَاتٍ فِي\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"يروا\".\n(^٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٣٦٥ منسوب في نسخة منه كما هنا، وفى نسخة بلا نسبة، ونسبه سيبويه في الكتاب ٢/ ٢٩٤ إلى امرئ القيس وهو في ديوانه ص ٢٧ - والقصيدة ضمن زيادات نسخة الطوسي من الصحيح القديم المنحول - ونسبه في ٤/ ١٤٧ إلى النعمان بن بشير الأنصاري.\n(^٣) ويلمها: هذا في صورة الدعاء على الشيء، والمراد به التعجب. الخزانة ٤/ ٩٠.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"بذلك\".\n(^٥) في م، ف: \"أنه\".","vol":"14","page":316},{"text":"جَوِّ السَّمَاءِ﴾. أي: في كَبِدِ السماءِ (^١).\n\n<span id=\"aya-1981\"></span><span data-type='title' id=toc-5066>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ أيُّها الناسُ، ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ التي هي مِن الحَجَرِ والمَدَرِ، ﴿سَكَنًا﴾ تَسْكُنون أيامَ مُقامِكم في دُورِكم وبلادِكم، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ وهى البيوتُ مِن الأنْطاعِ (^٢)، والفَساطِيطِ (^٣) من الشَّعَرِ والصوفِ والوَبَرِ، ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾. يقولُ: تَسْتَخِفُّون حمْلَها ونقْلَها ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ من بلادِكم وأمصارِكم [لأسفارِكم، ﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ في بلادِكم وأمصارِكم] (^٤)، ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا﴾.\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى السكنِ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5065>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ جميعًا، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾. قال: تَسْكُنون فيه (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) الأنطاع واحدها نطع - بالكسر والفتح وبالتحريك - وهو البساط من الأديم. القاموس المحيط (ن ط ع).\n(^٣) الفساطيط جمع فسطاط، وهو ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق. تاج العروس (ف س ط).\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٢٣، من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٦ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":317},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوأما الأشعارُ فجمعُ شَعَرٍ، تُثَقَّلُ عينُه وتُخَفَّفُ، وواحدُ الشَّعَرِ شَعَرَةٌ.\nوأما الأثاثُ فإنه متاعُ البيتِ، لم يُسْمَعْ له بواحدٍ، وهو في أنه لا واحدَ له مثلُ المتاعِ. وقد حُكِى عن بعضِ النحويِّين أنه كان يقولُ: واحدُ الأثاثِ أثاثةٌ. ولم أَرَ أهلَ العلمِ بكلامِ العربِ يَعْرِفون ذلك، ومِن الدليلِ على أن الأثاثَ هو المتاعُ قولُ الشاعرِ (^١):\nأهاجَتْك (^٢) الظَّعائنُ (^٣) يومَ بانُوا … بذِى الرِّئْيِ (^٤) الجميلِ مِن الأثاثِ\nويُرْوَى: بذى الزِّيِّ، وأنا أَرَى أن (^٥) أصلَ الأثاثِ اجتماعُ (^٦) بعضِ المتاعِ إلى بعضٍ، حتى يَكْثُرَ، كالشَّعَرِ الأثِيثِ، وهو الكثيرُ المُلْتَفُّ، يقالُ منه: أَثَّ شَعَرُ فلانٍ يَئِثُّ أثًّا. إذا كثُر والْتَفَّ واجْتَمع.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5067>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) هو محمد بن نمير الثقفى. والبيت في مجاز القرآن ١/ ٣٦٥، واللسان (رأى)، والكامل ٢/ ٢٣٩.\n(^٢) في الكامل، واللسان: \"أشاقتك\".\n(^٣) في ص: \"الصغائن\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"الضعائن\".\n(^٤) في ف، والكامل: \"الزى\". وهو ما سيشير إليه المصنف عقب البيت.\n(^٥) سقط من: م، ت ١.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢: \"إجماع\".","vol":"14","page":318},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَثَاثًا﴾. قال (^١): يعنى بالأثاثِ المالَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: أخبَرنا إسحاقُ قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَثَاثًا﴾. قال: متاعًا (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن (^٤) ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَثَاثًا﴾. قال: هو المالُ (^٥).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ حربٍ الرازيُّ، قال: أخبرَنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن حميدِ بن عبدِ الرحمنِ في قولِه: ﴿أَثَاثًا﴾. قال: الثيابُ.\nوقولُه: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾، فإنه يعنى: أنه جعَل ذلك لهم بلاغًا، يَتَبَلَّغون (^٦) ويَكْتَفُون به إلى حينِ آجالِهم للموتِ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾، فإنه يعنى: زينةً، يقولُ: يَنْتَفِعون به إلى حينٍ (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٦ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٢٣ من طريق ورقاء به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أبو\". وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٠٣.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٥٩ عن معمر به.\n(^٦) في ت ٢: \"يبلغون\".\n(^٧) عزا السيوطي شطره الأخير في الدر المنثور ٤/ ١٢٦ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"14","page":319},{"text":"حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾. قال: إلى الموتِ (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن (^٢) ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾: إلى أجَلٍ وبُلْغةٍ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1982\"></span><span data-type='title' id=toc-5069>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومن نعمةِ اللهِ عليكم، أيُّها الناسُ، أن جعَل لكم مما خلَق مِن الأشجارِ وغيرِها ظِلالًا، تَسْتَظِلُّون بها مِن شدةِ الحرِّ، وهى جمعُ ظِلٍّ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5068>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مِمَّا خَلَقَ﴾. قال: الشجرُ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾ إِى واللهِ، مِن الشجرِ ومِن غيرِها (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١/ ٥٧٨، بمعناه.\n(^٢) في ت ١: \"أبو\". وهو خطأ.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٥٩ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٦ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٦ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":320},{"text":"وقولُه: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾. يقولُ: وجعَل لكم مِن الجبالِ مواضعَ تَسْكُنون (^١) فيها، وهي جمعُ كِنٍّ (^٢).\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾. يقولُ: غِيرانًا (^٣) مِن الجبالِ يُسْكَنُ فيها. [وقولُه] (^٤): ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾. يعني: ثيابَ القطنِ والكَتَّانِ والصوفِ وقُمُصَها (^٥).\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ مِن القطنِ والكَتَّانِ والصوفِ (^٥).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن (^٦) ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾. قال: القطنُ والكَتَّانُ (^٧).\nوقولُه: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾. يقولُ: ودُروعًا تَقِيكم بأسَكم، والبأسُ هو الحربُ، والمعنى: تَقِيكم في بأسِكم السلاحَ أن يَصِلَ إليكم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ مِن هذا الحديدِ (^٨).\n_________\n(^١) في ص، ف: \"تستكنون\".\n(^٢) الكن: وقاء كل شيء وستره. لسان العرب (ك ن ن)\n(^٣) الغيران، جمع الغار وهو مثل البيت المنقور في الجبل. الوسيط (غ ور).\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٦ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) في ص، ت، ت ٢، ف: \"أبو\".\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٥٩ عن معمر به.\n(^٨) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٦ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":321},{"text":"حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾. قال: هي سرابيلُ مِن حديدٍ (^١).\nوقولُه: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كما أعْطاكم ربُّكم هذه الأشياءَ التي وصَفَها في هذه الآياتِ؛ نعمةً منه بذلك عليكم، فكذا يُتِمُّ نعمتَه عليكم، ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾. يقولُ: لتَخْضَعوا للهِ بالطاعةِ، وتَذِلَّ منكم بتوحيدِه النفوسُ، وتُخْلِصوا له العبادةَ.\nوقد رُوى عن ابن عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ: (لَعَلَّكُم تَسْلَمون) بفتحِ التاءِ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبى حمادٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن حَنْظلةَ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، قال: كان ابن عباس يقولُ: (لَعَلَّكُم تَسْلَمون). قال: يعنى: مِن الجراحِ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عن حَنْظَلَةَ السَّدُوسِيُّ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن ابن عباسٍ، أنه قرَأَها: (لَعَلَّكُمْ تَسلَمون). قال (^٢): مِن الجِراحاتِ (^٣). قال أحمدُ بنُ يُوسُفَ: قال أبو (^٤) عبيدٍ: يعنى بفتحِ التاءِ واللامِ.\nفتأويلُ الكلامِ على قراءةِ ابن عباسٍ هذه: كذلك يُتِمُّ نعمتَه عليكم، بما جعَل لكم من السَّرابيلِ التي تَقِيكم بأسَكم؛ لِتَسْلَموا مِن السلاحِ في حروبِكم.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٥٩ عن معمر به.\n(^٢) سقط من: م، ف.\n(^٣) أخرجه أبو عبيد - كما في تفسير ابن كثير ٤/ ٥١٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٦ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"بن\". وهو خطأ.","vol":"14","page":322},{"text":"والقراءةُ التي لا أَسْتَجِيزُ القراءةَ بخلافِها بضمِّ التاءِ مِن قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾. وكسرِ اللامِ مِن أَسْلَمْت تُسْلِمُ يا هذا؛ لإجماعِ الحُجةِ مِن قرَأةِ الأمصارِ عليها.\nفإنْ قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ فخصَّ بالذكرِ الحرَّ دونَ البردِ، وهى تَقِى الحرَّ والبردَ؟ أم كيف قيل: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾، وترَك ذكرَ ما جعَل لهم مِن السهلِ؟\nقيل له: قد اخْتُلِف في السببِ الذي مِن أجلِه جاء التنزيلُ كذلك، وسنَذْكُرُ ما قيل في ذلك، ثم نَدُلُّ على أولَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ.\nفرُوِى عن عطاءٍ الخُراسانيِّ في ذلك ما حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، عن عثمانَ بن عطاءٍ، عن أبيه قال: إنما نزل القرآنُ على قدرِ معرفتِهم، ألا تَرَى إلى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾، وما جعَل لهم مِن السهولِ أعظمُ وأكثرُ، ولكنهم كانوا أصحابَ جبالٍ، ألا تَرَى إلى قولِه: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨١]، وما جعَل لهم مِن غيرِ ذلك أعظمُ منه وأكثرُ، ولكنهم كانوا أصحابَ وَبَرٍ وشَعَرٍ، ألا تَرَى إلى قولِه: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣]؛ يُعَجِّبُهم مِن ذلك، وما أنزل من الثلج أعظمُ وأكثرُ، ولكنهم كانوا لا يَعرِفون به، ألا تَرَى إِلى قولِه: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾، وما تَقِى من البردِ أكثرُ وأعظمُ، ولكنهم كانوا أصحابَ حرٍّ (^١).\nفالسببُ الذي مِن أجلِه خصَّ اللهُ تعالى ذكرُه السرابيلَ بأنها تَقِى الحرَّ دونَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٦ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"14","page":323},{"text":"البردِ - على هذا القولِ - هو أن المخاطَبِين بذلك كانوا أصحابَ حرٍّ، [فذكر اللهُ] (^١) تعالى ذكرُه بذلك (^٢) نعمتَه عليهم، بما يَقِيهم مكروهَ ما به عرَفوا مكروهَه، دونَ ما لم يَعْرِفوا مبلغَ مَكْروهِه، وكذلك ذلك في سائرِ الأحرفِ الأُخَرِ.\nوقال آخرون: ذكَر ذلك خاصةً اكتفاءً بذكرِ أحدِهما مِن ذكرِ الآخرِ؛ إذ كان معلومًا عندَ المخاطبينِ به معناه، وأن السرابيلَ التي تَقِى الحرَّ تَقِى أيضًا البردَ. وقالوا: ذلك موجودٌ في كلامِ العربِ مستعملٌ، واسْتَشْهَدوا لقولِهم بقولِ الشاعرِ (^٣):\nوما أَدْرِى إِذا يَمَّمْتُ وَجْهًا … أُرِيدُ الخيرَ أيُّهما يَلِيني\nفقال: أيُّهما يَلِينى. يُرِيدُ الخيرَ [أو الشرَّ، وإنما ذكَر الخيرَ؛ لأنه إذا أراد الخيرَ] (^٤)، فهو يَتَّقِى الشرَّ.\nوأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: إن القومَ خُوطِبوا على قدرِ معرفتهم، وإن كان في ذكر بعض ذلك (^٥) دَلالةٌ على ما تُرِك ذكرُه، لمن عرَف المذكورَ والمتروكَ، وذلك أن الله تعالى ذكرُه إنما عدَّد نعمَه التي أَنْعَمها على الذين قُصِدوا بالذكرِ في هذه السورةِ دونَ غيرِهم، فذكَر أياديَه عندَهم.\n\n<span id=\"aya-1983\"></span><span data-type='title' id=toc-5070>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فإن أدْبَر هؤلاء المشركون يا محمدُ عما\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"فذكرهم\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) وهو المثقب العبدى والبيت في ديوانه ص ٢١٢.\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.","vol":"14","page":324},{"text":"أَرْسَلْتُك به إليهم مِن الحقِّ، فلم يَسْتَجيبوا لك، وأعْرَضوا عنه، فما عليك مِن لَومٍ ولا عَذَلٍ؛ لأنك قد أدَّيْتَ ما عليك في ذلك، إنه ليس عليك إلا بلاغُهم ما أُرْسِلْتَ به.\nويعنى بقولِه: ﴿الْمُبِينُ﴾. الذي يُبَيِّنُ لمن سمِعه حتى يَفْهَمَه.\n\n<span id=\"aya-1984\"></span>وأما قولُه: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾، فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفُوا في المَعْنيِّ بالنعمةِ التي أخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه عن هؤلاء المشركين أنهم يُنْكِرونها مع معرفتِهم بها؛ فقال بعضُهم: هو النبيُّ ﷺ، عرَفوا نبوتَه، ثم جحَدوها وكذَّبوه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5071>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾. قال: محمدٌ ﷺ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن السديِّ مثلَه.\nوقال آخرون: بل معني ذلك: أنهم يَعْرِفون أن ما عدَّد اللهُ تعالى ذكرُه في هذه السورةِ من النعمِ مِن عندِ اللهِ، وأن الله هو المُنْعِمُ بذلك عليهم، ولكنهم يُنْكِرون ذلك، فيَزْعُمون أنهم وَرِثوه عن آبائِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-5072>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنا المثنى، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللِه، عن وَرْقاءَ جميعًا، عن\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ١٦٦، وأخرجه أحمد في علله ١/ ٤٠٩ (٢٦٦٥)، من طريق سفيان به، ومن طريقه أخرجه الخلال في السنة (٢١٢) من طريق وكيع عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٧ إلى ابن أبي شيبة والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":325},{"text":"ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾. قال: هي المساكنُ والأنعامُ، وما يُرْزَقون منها، والسرابيلُ مِن الحديدِ والثيابِ، تَعْرفُ هذا كفارُ قريشٍ، ثم تُنْكِرُه، بأن تقولَ: هذا كان لآبائِنا، [فروِّحونا إياه] (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: فورَّثونا إياها.\nوزاد في الحديثِ عن ابن جريجٍ، قال ابن جريجٍ: قال عبدُ الله بن كثير: يَعْلَمون أن الله خلقهم، وأعطاهم ما أعطاهم، فهو معرفتهم نعمته، ثم إنكارُهم إيَّاها كفرُهم بعدُ (^٢).\nوقال آخرون في ذلك، ما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عمرٍو، عن أبي إسحاقَ الفَزَارِيِّ، عن ليثٍ، عن عونِ بن عبدِ اللهِ بن عتبةَ: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾، قال: إنكارُهم إياها، أن يقول الرجلُ: لولا فلان ما كان كذا وكذا، ولولا فلانُ ما أَصَبْتُ كذا وكذا (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك أن الكفارَ إذا قيل لهم: مَن رزَقَكم؟ أقَرُّوا بأن الله هو الذي رزَقَهم، ثم يُنْكرون ذلك بقولهم: رُزِقْنا ذلك بشفاعةِ آلهتِنا.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ، وأشْبهُها بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: عُنِى بالنعمةِ التي ذكَرها اللهُ في قوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾. النعمةُ عليهم بإرسالِ محمدٍ ﷺ إليهم، داعيًا إلى ما بعَثَه بدعائِهم إليه، وذلك أن هذه الآيةَ بينَ آيتين،\n_________\n(^١) في ت ١: \"فزوجونا إياه\" وفى ف: \"قد وحدنا إياها\"، والأثر في تفسير مجاهد ص ٤٢٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٦ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٧ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٧ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":326},{"text":"كلتاهما خبرٌ عن رسولِ اللهِ، وعما بُعِث به، فأولى ما بينَهما أن يكونَ في معنى ما قبلَه وما بعدَه، إذ لم يكنْ معنًى يَدُلُّ على انصرافِه عما قبلَه وعما بعدَه، فالذى قبلَ هذه الآيةِ قولُه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾، وما بعدَه ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾، وهو رسولُها. فإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الآيةِ: يَعْرِفُ هؤلاء المشركون باللهِ نعمةَ اللهِ عليهم يا محمدُ بك، ثم يُنكِرونك، ويَجْحَدون نبوّتك، ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾. يقولُ: وأكثرُ قومِك الجاحِدون نبوّتَك، لا (^١) المُقِرُّون بها.\n\n<span id=\"aya-1985\"></span><span data-type='title' id=toc-5074>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يَعْرِفون نعمةَ اللهِ ثم يُنْكِرونها اليومَ، ويَسْتنكِرون ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾، وهو الشاهدُ عليها بما أجابَت داعيَ اللهِ، وهو رسولُهم الذي أُرْسِل إليهم، ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: ثم لا يُؤْذَنُ للذين كفَروا في الاعتذارِ، فيَعْتَذِروا مما كانوا باللهِ وبرسولِه يَكفُرون، ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ فيُترَكوا [والرجوعَ] (^٢) إلى الدنيا، فيُنِيبوا ويَتُوبوا، وذلك كما قال تعالى ذكرُه: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦].\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5073>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾، وشاهدُها نبيُّها، على أنه قد بلَّغ رسالاتِ ربِّه، قال اللهُ تعالى:\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"الرجوع\".","vol":"14","page":327},{"text":"﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ (^١) [النحل: ٨٩]\n\n<span id=\"aya-1986\"></span><span data-type='title' id=toc-5076>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا عايَن الذين كذَّبوك يا محمدُ، وجحَدوا نُبوَّتَك، والأممُ الذين كانوا على منهاجِ مُشْركي قومِك - عذابَ اللهِ، فلا يُنْجِيهم مِن عذابِ اللهِ شيءٌ؛ لأنهم لا يُؤْذَنُ لهم فيَعْتَذِرون، فيُخَفَّفُ (^٢) عنهم العذابُ، بالعذرِ الذي يَدَّعُونه، ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. يقولُ: ولا يُرْجَئون للعقابِ (^٣)؛ لأن وقتَ التوبةِ والإنابةِ قد فات، فليس ذلك وقتًا لهما، وإنما هو وقتٌ للجزاءِ على الأعمالِ، فلا يُنْظُرُ بالعِتابِ ليُعْتَبَ بالتوبةِ.\n\n<span id=\"aya-1987\"></span><span data-type='title' id=toc-5075>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا رأى المشركون باللهِ يومَ القيامةِ ما كانوا يَعْبُدون مِن دونِ اللهِ؛ من الآلهةِ والأوثانِ وغيرِ ذلك، قالوا: ربَّنا هؤلاء شركاؤُنا في الكفرِ بك، والشركاءُ الذين كنا نَدْعُوهم آلهةً مِن دونِك، قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَأَلْقَوْا﴾. يعنى شركاءَهم الذين كانوا يَعْبُدونهم مِن دونِ اللهِ ﴿الْقَوْلَ﴾ يقولُ: قالوا لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أَيُّها المشركون، ما كنا نَدْعوكم إلى عبادتِنا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ٢: \"فيخف\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"بالعقاب\".","vol":"14","page":328},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5077>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾. قال: حدَّثوهم (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (^٢)، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n\n<span id=\"aya-1988\"></span><span data-type='title' id=toc-5078>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وألْقَى المشركون إلى اللهِ يومَئذٍ ﴿السَّلَمَ﴾. يقولُ: اسْتَسْلَموا يومَئذٍ، وذلُّوا لحُكْمِه فيهم، ولم تُغْنِ عنهم آلهتُهم - التي كانوا يَدْعُون في الدنيا مِن دونِ اللهِ، وتبَرَّأت منهم - ولا (^٣) قومُهم، ولا عَشائرُهم الذين كانوا في الدنيا يُدافِعون عنهم. والعربُ تقولُ: أَلْقَيْتُ إليه كذا. تعنى بذلك: قلتُ له.\nوقولُه: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. يقولُ: وأَخْطَأَهُم مِن آلِهتِهم ما كانوا يَأْمُلُون مِن الشفاعةِ عندَ اللهِ بالنجاةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٢٤، من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"الحسن\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ١٦١.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.","vol":"14","page":329},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5079>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾. يقولُ: ذَلُّوا واسْتَسْلَموا يومَئِذٍ، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-1989\"></span><span data-type='title' id=toc-5081>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: الذين جحَدوا يا محمدُ نبوَّتَك، وكذَّبوك فيما جئتَهم به مِن عندِ ربِّك، وصَدُّوا عن الإيمانِ باللهِ وبرسولِه من (^٢) أراده - زِدْناهم عذابًا يومَ القيامةِ في جَهَنَّمَ، فوقَ العذابِ الذي هم فيه قبلَ أن يُزادُوه. وقيل: تلك الزيادةُ التي وعَدَهم اللهُ أن يَزِيدَهموها عَقاربُ وحَيَّاتٌ. [وقد قال مثلَ ذلك أهلُ التأويلِ] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-5080>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾. قال: عقاربَ لها أنيابٌ كالنَّخْلِ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في م، ت ١ ف: \"ومن\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ٢، ف.\n(^٤) تفسير سفيان ص ١٦٦، بلفظ: \"عقارب كأمثال النخل الطوال\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٧ إلى الفريابي وسعيد بن منصور، وأبي يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":330},{"text":"مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ مثلَه (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ وابنُ عيينةَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾. قال: زيدوا عقاربَ لها أنيابٌ كالنخلِ الطِّوالِ (^٢).\nحدَّثنا إبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوزْجانيُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: أخبرنا الأعمشُ، عن عبدِ اللهِ بن مرةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن سليمانَ، عن عبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ نحوَه.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن السديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ قال: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾. قال: أَفَاعِىَ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبد اللهِ قال: أفاعِيَ في النارِ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ مثلَة (^٥).\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى والفضلُ بنُ الصَّبَّاحِ، قالا: ثنا جعفرُ بنُ عَونٍ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه هناد في الزهد (٢٦٠) عن وكيع به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٦٢، والطبراني في الكبير (٩١٠٥)، والحاكم ٢/ ٣٥٥، ٣٥٦ عن ابن عيينة به. وابن أبي شيبة ١٣/ ١٥٨، وهناد في الزهد (٢٦٠) عن أبي معاوية به.\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (٢٦٥٩)، وابن أبي الدنيا في صفة النار (٩٣)، والطبراني في الكبير (٩١٠٤)، والحاكم ٤/ ٥٩٣، ٥٩٤، والبيهقي في البعث (٦١٥) من طرق عن الأعمش به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (٩٤) من طريق السدى به.\n(^٥) أخرجه هناد في الزهد (٢٦١) عن وكيع به.","vol":"14","page":331},{"text":"أخبَرنا الأعمشُ، عن مجاهدٍ، عن عبيدِ بنِ عُميرٍ، قال: إن لجهنمَ [جِبابًا فيها] (^١) حيَّاتٌ أمثالُ البُخْتِ (^٢)، وعقاربُ أمثالُ البِغالِ الدُّهْمِ (^٣)، يَسْتَغِيثُ أهلُ النارِ [إلى تلك الجِبابِ أو] (^٤) الساحلِ، فتَثِبُ إليهم: فتَأْخُذُ بشِفاهِهم (^٥) وشِفارِهم إلى أقدامِهم، فيَسْتَغِيثون منها إلى النارِ، فيقولون (^٦): النارَ النارَ. فتَتْبَعُهم حتى تَجِدَ (^٧) حرَّها فتَرْجِعُ. قال: وهى فى أسرابٍ (^٨).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني حُيَىُّ بنُ عبدِ اللهِ، عن أبي عبد الرحمنِ الحُبُلىِّ (^٩)، عن عبدِ الله بنِ عمرٍو، قال: إن لجهنمَ سواحلَ فيها حياتٌ وعَقارِبُ، أعناقُها كأعناقِ البُخْتِ (^١٠).\nوقولُه: ﴿بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾. يقولُ: زِدْناهم ذلك العذابَ على ما بهم مِن العذابِ، بما كانوا يُفْسِدون، بما كانوا في الدنيا يَعْصُون اللهَ، ويَأْمُرون عبادَه بمعصيتِه، فذلك كان إفسادَهم، [اللهم إنا نَسْأَلُك (^١١) العافية، يا مالكَ الدنيا والآخرةِ الباقيةِ] (^١٢).\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"جنابا فيه\". والجباب جمع الجب، وهو البئر الواسعة. الوسيط (ج ب ب).\n(^٢) البخت: الإبل الخراسانية. القاموس المحيط (ب خ ت).\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لم\".\n(^٤) فى ت ٢، ف: \"إلى ذلك الجناب\"، وفى الدر المنثور: \"من تلك الجباب إلى\".\n(^٥) فى ت ٢: \"شفاههم\".\n(^٦) في ص: \"فيقول\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"فتقول\".\n(^٧) في ت ١: \"يجدوا\".\n(^٨) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٩) فى ت ١: \"الجيلى\"، وفى ف: \"الجبلى\". وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٣٥٧.\n(^١٠) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢٧ إلى المصنف.\n(^١١) بعده فى ت ١، ت ٢، ف: \"العفو و\".\n(^١٢) سقط من: ص.","vol":"14","page":332},{"text":"<span id=\"aya-1990\"></span><span data-type='title' id=toc-5082>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾. يقولُ: نَسْأَلُ نبيَّهم الذي بَعثْناه إليهم، للدعاءِ إلى طاعتِنا، وقال: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ لأنه تعالى ذكرُه، كان يَبْعَثُ إلى الأُممِ (^١) أنبياءَها منها، ماذا أجابوكم، وما ردُّوا عليكم؟ ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾. يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وجِئْنا بك يا محمدُ شاهدًا على قومِك وأمتِك الذين أرْسَلْتُك إليهم، بِمَ أجابوك؟ وماذا عمِلوا فيما أَرْسَلْتُك به إليهم؟\nوقولُه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: نُزِّل عليك يا محمدُ هذا القرآنُ بيانًا لكلِّ ما بالناسِ إليه الحاجةُ، مِن معرفةِ الحلالِ والحرامِ، والثوابِ والعقابِ، ﴿وَهُدًى﴾ مِن الضلالةِ، ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن صدَّق به، وعمِل بما فيه مِن حدودِ اللهِ، وأمرِه ونهيِه، فأحلَّ حلالَه، وحرَّم حرامَه.\n﴿وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: وبشارةً لمن أطاع اللهَ، وخضَع له بالتوحيدِ. وأذْعَن له بالطاعةِ، يُبَشِّرُه بجِزيلِ ثوابِه في الآخرةِ، وعظيمِ كرامتِه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن ابنِ عُيَيْنَةَ، قال: ثنا أبانُ بنُ تَغْلِبَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: مما\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أمم\".","vol":"14","page":333},{"text":"أحَلَّ وحرَّم.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ عُيَينةَ، عن أبانِ بنِ تَغْلِبَ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: مما أحَلَّ لهم، وحرَّم عليهم (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: ما أمَر به، وما نهَى عنه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ في قولِه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: ما أُمِروا به، ونُهُوا عنه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ، عن أشعثَ، عن رجلٍ، قال: قال ابنُ مسعودٍ: أُنْزِل في هذا القرآنِ كلُّ علمٍ، وكلُّ شيءٍ قد بُيِّن لنا في القرآنِ، ثم تلا هذه الآيةَ (^٣).\n\n<span id=\"aya-1991\"></span><span data-type='title' id=toc-5083>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن الله يأْمُرُ فى هذا الكتابِ الذي أنزَله إليك يا محمدُ ﴿بِالْعَدْلِ﴾، وهو الإنصافُ، ومن الإنصافِ الإقرارُ بمَن أنْعم علينا بنعمتِه، والشكرُ له على أفضالِه، ونُولِى الحمدَ أهلَه. وإذا كان ذلك هو العدلَ، [ولم] (^٤) يَكُنْ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٦٢.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢٨ إلى ابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"لم\".","vol":"14","page":334},{"text":"للأوثانِ والأصنامِ عندنا يدٌ (^١) تَسْتَحِقُّ الحمدَ عليها - كان جهلًا بنا حمدُها وعبادتُها، وهى لا تُنْعِمُ فتُشْكَرَ، ولا تَنْفَعُ فتُعْبَدَ، فلزِمَنا أن نَشْهَدَ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، ولذلك قال مَن قال: العدلُ في هذا الموضعِ شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللهُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى وعلىُّ بنُ داودَ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. قال: شهادةُ أن لا إلهَ إلا الله (^٢).\nوقولُه: ﴿وَالْإِحْسَانِ﴾. فإن الإحسانَ الذى أمَر به تعالى ذكرُه -مع العدلِ الذى وصَفْنا صفتَه- الصبرُ للهِ على طاعتِه فيما أمَر ونهَى، في الشدةِ والرخاءِ، والمَكْرَه والمَنْشَطِ، وذلك هو أداءُ فرائضِه.\nكما حدَّثني المثنى وعلىُّ بنُ داودَ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالْإِحْسَانِ﴾. يقولُ: أداءِ الفرائضِ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾. يقولُ: وإعطاءِ ذى القربى الحقَّ الذي أوْجَبه اللهُ عليك، بسببِ القرابةِ والرحمِ.\nكما حدَّثني المثنى وعلىٌّ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾. يقولُ: الأرحامِ (^٣).\n_________\n(^١) فى ت ١: \"ما\"، وفى ت ٢، ف: \"بل\".\n(^٢) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات ١/ ٢٧٢ (٢٠٦) من طريق عبد اللهِ بن صالح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ١٢٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥٨٣) من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"14","page":335},{"text":"وقولُه: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾: الفحشاءُ (^١) في هذا الموضعِ الزنى.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى وعلىُّ بنُ داودَ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾. يقولُ: الزنى (^٢).\nوقد بيَّنا معنى الفحشاءِ بشواهدِه فيما مضَى قبلُ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَالْبَغْيِ﴾ قيل: عُنِى بالبَغْيِ في هذا الموضعِ الكِبْرُ والظلمُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى وعلىُّ بنُ داودَ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالْبَغْيِ﴾. يقولُ: الكِبْرِ والظلمِ (٢).\nوأصلُ البغيِ التَّعَدِّى، ومجاوزةُ القَدْرِ والحدِّ مِن كلِّ شيءٍ. وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى قبلُ (^٤).\nوقولُه: ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: يُذَكِّرُكم، أَيُّهَا الناسُ، ربُّكم؛ لتَذَّكَّروا فتُنِيبوا إلى أمرِه ونهِيه، وتَعْرِفوا الحقَّ لأهلِه.\nكما حدَّثني المثنى وعلىُّ بنُ داودَ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ: عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَعِظُكُمْ﴾. يقولُ: يُوصِيكم. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٢).\nوقد ذُكِر عن ابنِ عُيينةَ أنه كان يقولُ في تأويلِ ذلك: إن معنى العدلِ في هذا الموضعِ استواءُ السَّريرةِ والعَلانيةِ، من كلِّ عاملٍ للهِ عملًا، وإن معنى الإحسانِ أن\n_________\n(^١) سقط من ت ٢، وفى ص، م: \"قال الفحشاء\"، وفى ت ١: \"والفحشاء\".\n(^٢) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة حاشية (٢).\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٣/ ٤٠.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١٠/ ١٦٣.","vol":"14","page":336},{"text":"تكونَ سريرتُه أحسنَ مِن علانيتِه، وإن الفحشاءَ والمنكرَ أن تكونَ علانيتُه أحسنَ مِن سريرتِه.\nوذُكِر عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ، ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا مُعتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ منصورَ بنَ المُعتمرِ (^١)، عن عامرٍ، عن شُتَيْرِ بنِ شَكَلٍ، قال: سَمِعْتُ عبدَ اللهِ يقولُ: إن أجمعَ آيةٍ في القرآنِ في سورةِ النحلِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ إِلى آخرِ الآيةِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الشعبيِّ، عن شُتَيْرِ بنِ شَكَلٍ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللهِ يقولُ: إن أجمعَ آيةٍ في القرآنِ لخيرٍ أو لشرٍّ آيةٌ في سورةِ النحلِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: هو ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ الآية، إنه (^٣) ليس مِن خُلُقٍ حسنٍ كان أهلُ الجاهليةِ يعملون به [ويَسْتَحْسِنونه] (^٤)، إلا أمَر اللهُ به، وليس مِن خُلُقٍ سيِّءٍ كانوا يَتَعايَرونه بينهم، إلا نهَى اللهُ عنه، وقدَّم فيه، وإنما نهَى عن سَفاسِفِ (^٥) الأخلاقِ\n_________\n(^١) في النسخ: \"النعمان\". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٥٤٦، ٥٥٦.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٨٦٥٨) من طريق الحجاج بن المنهال به، والحاكم ٢/ ٣٥٦، والبيهقي في الشعب (٢٤٤٠) من طريق معتمر بن سليمان به، كما أخرجه الطبرانى فى الكبير (٨٦٥٩، ٨٦٦٠) من طرق عن عامر الشعبى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢٨ إلى سعيد بن منصور ومحمد بن نصر في الصلاة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"وإنه\".\n(^٤) في مصدر التخريج: \"ويعظمونه ويخشونه\".\n(^٥) في ص، ت ١: \"سفاسفة\"، وفي ت ٢: \"سفه\".","vol":"14","page":337},{"text":"ومَذامِّها (^١).\n\n<span id=\"aya-1992\"></span><span data-type='title' id=toc-5084>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأَوْفُوا بميثاقِ اللهِ إذا واثَقْتُموه، وعقدِه إذا عاقَدْتُموه، فَأَوْجَبْتُم به على أنفسِكم حقًّا لمن عاقَدْتُموه به، وواثقْتُموه (^٢) عليه، ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾. يقولُ: ولا تُخالِفوا الأمرَ الذي تَعاقَدْتُم فيه الأيمانَ، يعنى بعدَ ما شدَدْتُم الأيمانَ على أنفسِكم، فتَحْنَثُوا في أيمانِكم، وتَكْذِبوا فيها، وتَنْقُضوها بعدَ إبرامِها، يقالُ منه: وكَّد فلانٌ يمينَه يُوَكِّدُها توكيدًا. إذا شدَّدها، وهى لغةُ أهلِ الحجازِ، وأما أهلُ نجدٍ، فإنهم يقولون: أكَّدْتُها أُؤَكِّدُها تأكيدًا.\nوقولُه: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾. يقولُ: وقد جَعَلْتُم اللهَ بالوفاءِ بما تعاقَدْتُم عليه على أنفسِكم راعيًا، يَرْعَى المُوَفِّيَ منكم بعهدِ اللهِ الذي عاهَد على الوفاءِ به والناقضَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ على اختلافٍ بينَهم فيمَن عُنِى بهذه الآيةِ، وفيما أُنْزِلَت؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها الذين بايَعوا (^٣) رسول الله ﷺ على الإسلامِ، وفيهم أُنْزِلَت.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارة الأسَدىُّ، قال: ثنا عبيدُ (^٤) اللهِ بنُ موسى، قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢٨، ١٢٩ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أوثقتموه\".\n(^٣) فى ت ٢: \"تابعوا\".\n(^٤) في النسخ: \"عبد\". وهو خطأ، والمثبت من مصادر ترجمته وقد تقدم مرارا. وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ١٦٤.","vol":"14","page":338},{"text":"أخبَرنا [ابنُ أبي ليلى، عن مَزِيدةَ] (^١) قولَه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ قال: أُنْزِلَت هذه الآيةُ في بيعةِ النبيِّ ﷺ، كان مَن أَسْلَم بايَع على الإسلامِ، فقال (^٢): ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ هذه البيعةِ التي بايعْتُم على الإسلامِ، ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ البيعةَ، فلا يَحْمِلُكم قلةُ محمدٍ ﷺ وأصحابِه، وكثرةُ المشركين أن تَنْقُضوا البيعةَ التى بايعْتُم على الإسلامِ، وإن كان فيهم قلةٌ، والمشركين فيهم كثرةٌ (^٣).\nوقال آخرون: نزَلت فى الحِلْفِ الذى كان أهلُ الشركِ تحالَفوا في الجاهليةِ، فأَمَرَهم اللهُ ﷿ فى الإسلامِ أن يُوفُوا به، ولا يَنْقُضوه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾. قال: تغليظِها في الحِلْفِ (^٤).\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاء جميعًا، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثلَه.\n_________\n(^١) في النسخ: \"أبو ليلى، عن بريدة\". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٤٢١.\n(^٢) فى م: \"فقالوا\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥١٧ نقلا عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢٩ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٢٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢٩ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":339},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾. يقولُ: بعد تشديدِها وتغليظِها (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: هؤلاء قومٌ كانوا حُلفاءَ لقومٍ (^٢) تَحالَفوا، وأعْطَى بعضُهم العهدَ، فجاءهم قومٌ فقالوا: نحن أكثرُ وأعزُّ وأَمْنعُ، فانْقُضوا عهدَ هؤلاء وارْجِعوا إلينا، ففعَلوا، فذلك قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ - ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢]. هى أربَى: أكثرُ، مِن أجلِ أن كان هؤلاء أكثرَ مِن أولئك، نقَضْتُم العهدَ فيما بينَكم وبينَ هؤلاء، فكان هذا في هذا.\nحدَّثنى ابنُ البَرْقىِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبَرَنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: سألْتُ يحيى بنَ سعيدٍ، عن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾. قال: العهودَ.\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكْرُه أمَر في هذه الآيةِ عبادَه بالوفاءِ بعهودِه، التى يَجْعَلونها على أنفسِهم، ونهاهم عن نقضِ الأيمانِ بعدَ توكيدِها على أنفسِهم لآخرين، بعقودٍ تكونُ بينَهم بحقٍّ، مما لا يَكْرَهُه اللهُ.\nوجائزٌ أن تكونَ نزَلَت فى الذين بايَعوا (^٣) رسولَ اللهِ ﷺ بنهيِهم عن نقضِ بَيْعتِهم؛ حذرًا مِن قلةِ عددِ المسلمين، وكثرةِ عددِ المشركين، وأن تكونَ نزَلَت في الذين أرادوا الانتقالَ بحِلْفِهم عن حلفائِهم؛ لقلةِ عددِهم، في آخرين لكثرةِ عددِهم.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) بعده في ص: \"قد\".\n(^٣) في ت ٢: \"تابعوا\".","vol":"14","page":340},{"text":"وجائزٌ أن تكونَ في غيرِ ذلك، ولا خبرَ تَثْبُتُ به الحجةُ أنها نزَلَت في شيءٍ، ولا دَلالة في كتابٍ، ولا حجةَ عقْل، أىُّ ذلك عُنِى بها، ولا قولَ في ذلك أولى بالحقِّ مما (^١) قلنا؛ لدلالةِ ظاهرِه عليه، وأن الآيةَ كانت قد تَنْزِلُ (^٢) لسببٍ مِن الأسبابِ، ويكونُ الحكمُ بها عامًّا فى كلِّ ما كان بمعنى السبب الذي نزلَت فيه.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾. قال: وكيلًا (^٣).\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللهَ، أيُّها الناسُ، يَعْلَمُ ما تَفْعَلون فى العهودِ التي تُعاهِدون اللهَ مِن الوفاءِ بها، والأحلافِ والأيمانِ التي تُؤَكِّدونها على أنفسِكم؛ أتَبرُّون فيها (^٤) أم تَنْقُضونها، وغيرَ ذلك مِن أفعالِكم، مُحْصٍ ذلك كلَّه عليكم، وهو مُسائِلُكم عنها وعما عمِلْتُم فيها، يقولُ (^٥): فاحْذَروا اللهَ أن تَلْقَوه، وقد خَالَفْتُم فيها أمرَه ونهيَه، فتَسْتَوْجِبوا بذلك منه ما لا قِبَلَ لكم به من أليمِ عقابِه.\n\n<span id=\"aya-1993\"></span><span data-type='title' id=toc-5085>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه - ناهيًا عبادَه عن نقضِ الأيمانِ بعدَ توكيدِها، وآمِرًا بوفاءِ\n_________\n(^١) في ص: \"كما\".\n(^٢) فى م، ف: \"نزلت\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢٩ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) سقط من: ت ١.","vol":"14","page":341},{"text":"العهودِ، ومُمثِّلًا ناقضَ ذلك بناقضةِ غَزْلِها مِن بعدِ إبرامِه، وناكِثتِه مِن بعدِ إحكامِه -: ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾ أيُّها الناسُ في نقضِكم أيمانَكَم بعدَ توكيدِها، وإِعطائِكم اللهَ بالوفاءِ بذلك العهودَ والمواثيقَ، ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾، يعنى: مِن بعدِ إبرامٍ.\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: القوةُ ما غُزِل على طاقةٍ واحدةٍ ولم يُثَنَّ.\nوقيل: إن التي كانت تَفْعَلُ ذلك امرأةٌ حمقاءُ معروفةٌ بمكةَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبرنى عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾، قال: خَرْقاءُ كانت بمكةَ، تَنْقُضُه بعد ما تُبْرِمُه (^١).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بن الزبيرِ، عن ابنِ عُيَيْنَةَ، عن صَدَقةَ، عن السدىِّ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾. قال: هي خَرْقاءُ بمكةَ، كانت إذا أبْرَمَت غزلَها نقَضَته (^٢).\nوقال آخرون: إنما هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لمن نقَض العهدَ، فشبَّهه بامرأةٍ تَفْعَلُ هذا الفعلَ، وقالوا: فى معنى: ﴿نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾، نحوًا مما قلنا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ. قولَه: ﴿وَلَا تَكُونُوا\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢٩ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ١٢٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٣٧ - عن سفيان بن عيينة به.","vol":"14","page":342},{"text":"كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾: فلو سمِعْتُم بامرأةٍ نقَضَت غزلَها مِن بعدِ إبرامِه لَقَلْتُم: ما أحْمقَ هذه! وهذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لمن نكَث عهدَه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾، قال: غزلُها: حبلُها، تَنْقُضُه بعد إبرامِها إياه، ولا تَنْتَفِعُ به بعدُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾. قال: نقَضَت حبلَها مِن بعدِ إبرامِ قوةٍ.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾. قال: هذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ لمن نقَض العهد الذي يُعْطِيه، ضرَب اللهُ هذا له مثلًا بمثلِ التي عَزَلَت ثم نقَضَت غزلَها، فقد أعطاهم، ثم رجَع، فنكَث العهدَ الذى أعطاهم (^٣).\nوقولُه: ﴿أَنْكَاثًا﴾. يعنى: أنْقاضًا، وكلُّ شيءٍ نُقِض بعدَ الفتلِ فهو أنْكاثٌ، واحدُها نِكْثٌ، حبلًا كان ذلك أو غزلًا، يقال منه: نَكَثَ فلانٌ هذا الحبلَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢٩ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٢٤ وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥١٨.","vol":"14","page":343},{"text":"فهو يَنْكُثُه نَكْثًا، والحبلُ مُنْتَكِثٌ إذا انْتَقَضَت قُواه. وإنما عُنِى به في هذا الموضع نَكْثُ العهدِ والعقدِ.\nوقولُه: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تَجْعَلون أيمانَكم التي تَحْلِفون بها على أنكم مُوفُون بالعهدِ لمن عاقَدْتُموه؛ ﴿دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾. يقولُ: خَديعةً وغُرورًا؛ ليَطْمَئِنُّوا إليكم، وأنتم مُضْمِرون لهم الغدرَ، وتركَ الوفاءِ بالعهدِ، والنُّقْلة عنهم إلى غيرِهم مِن أجلِ أن غيرَهم أكثرُ عددًا منهم.\nوالدَّخَلُ فى كلامِ العربِ كلُّ أمرٍ لم يَكُنْ صحيحًا، يقالُ منه: أنا أعلمُ دَخَلَ فلانٍ ودُخْلُلَه ودُخْلَلَه، وداخلةَ أمرِه ودَخْلَتَه ودَخِيلتَه (^١).\nوأما قولُه: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾. فإن قولَه: ﴿أَرْبَى﴾. أفْعَلُ مِن الرِّبا، يقال: هذا أرْبَى من هذا، وأرْبَأُ (^٢) منه، إذا كان أكثرَ منه، ومنه قولُ الشاعرِ (^٣):\nوأَسْمَرَ خَطَّيٍّ (^٤) كأَنَّ كُعوبَه … نَوَى القَسْبِ (^٥) قد أَرْبَى (^٦) ذِراعًا على العَشْرِ\nوإنما قيل (^٧): أرْبَى فلانٌ مِن هذا. وذلك للزيادةِ التي يَزِيدُها على غريمِه، على\n_________\n(^١) فى ت ١، ت ٢، ف: \"دخلته\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أربى\".\n(^٣) البيت لحاتم الطائي، وهو في ديوانه ص ٢٥٣، ونسبه ابن منظور في اللسان (ر د ى) إلى أوس بن حجر، وليس في ديوانه. وينظر اللسان (ق س ب). والوساطة ص ٢٤١، ٢٤٢.\n(^٤) كذا في النسخ، ورواية المصادر: \"خطيا\".\n(^٥) القسب: التمر اليابس يتفتت فى الفم. ينظر اللسان (ق س ب).\n(^٦) فى الديوان: \"أرمى\"، وفى اللسان (ر د ى): \"أردى\". وكلها بمعنى.\n(^٧) في م: \"يقال\".","vol":"14","page":344},{"text":"رأسِ مالِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى وعليُّ بن داودَ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾. يقولُ: أكثرَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾. يقولُ: نَاسٌ أكثرُ من ناسٍ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾. قال: كانوا يُحالِفون الحُلفاءَ، فيَجِدون أكثرَ وأعزَّ، فيَنْقُضون حِلْفَ هؤلاء، ويُحالِفون هؤلاء الذين هم أعزُّ منهم، فنُهُوا عن ذلك (^٣).\nحدَّثنا المثنى (^٤)، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ٤/ ٥١٩.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٢٤، ٤٢٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) فى م: \"ابن المثنى\".","vol":"14","page":345},{"text":"أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ.\nوحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾. يقولُ: خيانةً وغدرًا بينكم. ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾: أن يكونَ قومٌ أعزَّ وأكثرَ مِن قومٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا أبو ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾. قال: خيانةً بينكم (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾: يَغُرُّ (^٣) بها؛ يُعْطِيه العهدَ يُؤَمِّنُه، ويُنْزِلُه مِن مَأْمَنِه، فتَزِلُّ قدمُه، وهو فى مَأْمَنٍ، ثم يَغرُّه (^٤) يُرِيدُ الغدرَ. قال: فأولُ بُدُوِّ هذا قومٌ كانوا حُلفاء لقومٍ قد تحالَفوا، وأعْطَى بعضُهم بعضًا العهدَ، فجاءهم قومٌ قالوا: نحن أكثرُ وأعزُّ وأَمْنَعُ، فانْقُضوا عهد هؤلاء، وارجعوا إلينا، ففعلوا، وذلك قولُ اللهِ تعالى ذكْرُه: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ - ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾: هي أربى: أكثرُ من أجلِ أن كانوا هؤلاء أكثر من أولئك نقَضتم العهد فيما بينَكم وبينَ هؤلاء، فكان هذا\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢٩ إلى المصنف مطولًا، وينظر تفسير ابن كثير ٤/ ٥١٩.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٥٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٢٩ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م: \"يعود\".\n(^٤) فى ص: \"يعره\"، وفى ت ١: \"تغره\"، وفى ت ٢: \"بعده\"، وفى ف: \"يعزه\".","vol":"14","page":346},{"text":"في هذا، وكان الأمرُ الآخر في الذي يُعاهِدُه، فيُنْزِلُه مِن حصنِه، ثم يَنْكُثُ عليه. الآيةُ الأولى في هؤلاء القومِ، وهي مبدؤُه، والأخرى في هذا.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾. يقولُ: أكثرَ. يقولُ: فعليكم بوفاءِ العهدِ (^١).\nوقولُه: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنما يَخْتَبِرُكم اللهُ بأمرِه إياكم بالوفاءِ بعهدِ اللهِ إذا عاهَدْتُم؛ ليتبيَّنَ المُطِيعَ منكم المُنْتَهِىَ إلى أمرِه ونهيِه، من العاصى له (^٢) المخالفِ أمرَه ونهيَه، ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وليُبَيِّنَنَّ لكم، أيُّها الناسُ، ربُّكم يومَ القيامةِ إذا ورَدْتُم عليه، بمُجازاةِ كلِّ فريقٍ منكم على عملِه في الدنيا؛ المحسنِ منكم بإحسانِه، والمسيءِ بإساءتِه، ﴿مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾، والذي كانوا فيه يَخْتَلِفون في الدنيا أن المؤمنَ باللهِ كان يُقِرُّ بوحدانيةِ الله ونبوةِ نبيِّه، ويُصَدِّقُ بما ابْتَعَث به أنبياءَه، وكان يُكَذِّبُ بذلك كلِّه الكافرُ، فذلك كان اختلافَهم في الدنيا الذي وعد اللهُ تعالى ذكرُه عبادَه أن يُبَيِّنَه لهم عندَ ورودِهم عليه، بما وصَفْنا من البيانِ.\n\n<span id=\"aya-1994\"></span><span data-type='title' id=toc-5086>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولو شاء ربُّكم، أيُّها الناسُ، للَطَف بكم بتوفيقٍ مِن عندِه، فصِرْتُم جميعًا جماعةً واحدةً، وأهلَ ملةٍ واحدةٍ، لا تَخْتَلِفون ولا تَفْتَرِقون، ولكنه\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥١٩.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"14","page":347},{"text":"تعالى ذكرُه خالَف بينَكم، فجعَلَكم أهلَ مللٍ شتَّى، بأن وفَّق هؤلاء للإيمانِ به، والعملِ بطاعتِه، فكانوا مؤمنين، وخذَل هؤلاء، فحرَمَهم توفيقَه، فكانوا كافرين، وليَسْأَلَنَّكم اللهُ يوم القيامةِ جميعًا عما كنتم تَعْمَلون في الدنيا، فيما أمَرَكم ونهاكم، ثم لَيُجازِينَّكم جزاءَكم؛ المطيعَ منكم بطاعتِه، والعاصيَ له بمعصيتِه.\n\n<span id=\"aya-1995\"></span><span data-type='title' id=toc-5087>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَتَّخِذوا أيمانَكم بينَكم دَخَلًا وخديعةً بينَكم، تَغُرُّون بها الناسَ، ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾. يقولُ: فتَهْلِكوا بعد أن كنتم مِن الهلاكِ آمنين، وإنما هذَا مَثَلٌ لكلِّ مُبْتَلًى بعد عافيةٍ، أو ساقطٍ في وَرْطةٍ بعد سلامةٍ، وما أشْبَهَ ذلك، زلَّت قدمُه، كما قال الشاعرُ (^١):\nسيُمْنَعُ منك السَّبْقُ إن كنتَ سابقًا … وتُلْطَعُ (^٢) إِن زَلَّت بك النَّعْلانِ\nوقولُه: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾. يقولُ: وتَذُوقوا أنتم السوءَ، وذلك السوءُ هو عذابُ اللهِ الذى يُعَذِّبُ به أهلَ معاصِيه فى الدنيا، وذلك بعضُ ما عذَّب به أهلَ الكفرِ به، ﴿بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: بما فتَنْتُم مَن أراد الإيمانَ باللهِ ورسولِه عن الإيمانِ، ﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخرةِ، وذلك نارُ جهنمَ.\nوهذه الآيةُ تَدُلُّ على أن تأويلَ بُرَيْدَةَ الذى ذكَرْنا عنه في قولِه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ والآياتِ التي بعدَها، أنه عُنِى بذلك الذين بايَعوا رسولَ اللهِ ﷺ على الإسلامِ، عن مفارقةِ الإسلامِ لقلةِ أهلِه، وكثرةِ أهلِ الشركِ -هو\n_________\n(^١) البيت في تفسير القرطبي ١٠/ ١٧١.\n(^٢) اللطع: أن تضرب مؤخر الإنسان برجلك. اللسان (ل ط ع).","vol":"14","page":348},{"text":"الصوابُ، دونَ الذى قال مجاهدٌ أنهم عُنُوا به؛ لأنه ليس في انتقالِ قومٍ بحِلْفٍ (^١) عن حلفائِهم إلى آخرين غيرِهم، صدٌّ عن سبيلِ اللهِ، ولا ضلالٌ عن الهدى، وقد وصَف تعالى ذكرُه في هذه الآيةِ فاعِلِى ذلك، أنهم باتخاذِهم الأيمانَ دَخَلًا بينَهم، ونقضِهم الأيمانَ بعدَ توكيدِها، صادُّون عن سبيلِ اللهِ، وأنهم أهلُ ضلالٍ فى التي قبلَها، وهذه صفةُ أهلِ الكفرِ باللهِ، لا صفةُ أهلِ النُّقْلةِ بالحِلْفِ عن قومٍ إلى قومٍ.\n\n<span id=\"aya-1996\"></span><span data-type='title' id=toc-5088>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ (^٢) الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَنْقُضوا عهودَكم، أيُّها الناسُ، وعقودَكم التي عاقدْتُموها مَن عاقَدْتُم، مُؤَكِّديها بأيْمانِكم، تَطْلُبون بنقضِكم ذلك عَرَضًا مِن الدنيا قليلًا، ولكن أوْفُوا بعهدِ الله الذى أمَرَكم بالوفاءِ به، يُثِبْكم اللهُ على الوفاءِ به، فإن ما عندَ اللهِ مِن الثوابِ لكم على الوفاءِ بذلك، هو خيرٌ لكم إن كنتم تَعْلَمون فضْلَ ما بينَ العِوَضَين اللذين أحدُهما الثمنُ القليلُ الذي تَشْتَرون بنقضِ عهدِ اللهِ في الدنيا، والآخَرُ الثوابُ الجزيلُ في الآخرةِ على الوفاءِ به.\n\n<span id=\"aya-1997\"></span>ثم بيَّن تعالى ذكرُه فرْقَ ما بينَ العِوَضَيْن، وفضْلَ ما بينَ الثوابين، فقال: ما عندَكم، أيُّها الناسُ، مما تتَمَلَّكونه في الدنيا، وإن كثُر، فنافدٌ فانٍ، وما عندَ اللهِ لمن أوْفَى بعهدِه وأطاعه من الخيراتِ باقٍ غيرُ فانٍ، فلِمَا عندَه فاعْمَلُوا، وعلى الباقي الذي لا يَفْنَى فاحْرِصوا.\n_________\n(^١) في م: \"تحالفوا\".\n(^٢) في ص، ف: \"ليجزين\" بالياء، وهى قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر السبعة ص ٣٧٥.","vol":"14","page":349},{"text":"وقولُه: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ (^١) الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولَيُثِيبَنَّ اللهُ الذين صبَروا على طاعتِهم إيَّاه في السراءِ والضراءِ، ثوابَهم يومَ القيامةِ على صبرِهم عليها، ومسارعتِهم في رضاه، بأحسنِ ما كانوا يعملُون من الأعمالِ دونَ أسوئِها، وليغفِرنَّ (^٢) اللهُ لهم سيِّئَها بفضلِه (^٣).\n\n<span id=\"aya-1998\"></span><span data-type='title' id=toc-5089>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالَى ذكرُه: مَن عمِل بطاعةِ اللهِ، وأوفى بعهودِ اللهِ إذا عاهد، ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ من بني آدمَ، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. يقولُ: وهو مصدِّقٌ بثوابِ اللهِ الذى وعَد أهلَ طاعتِه على الطاعةِ، وبوعيدِ أهلِ معصيتِه على المعصيةِ، ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾.\nواختلَف أهلُ التأويلِ فى الذى عنَى اللهُ بالحياةِ الطيبةِ التي وعَد هؤلاء القومَ أن يُحْيِيَهُموها؛ فقال بعضهم: عنَى أنه يُحْيِيهم فى الدنيا ما عاشوا فيها بالرزقِ الحلالِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بنِ سُمَيعٍ، عن أبى مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. قال: الحياةُ الطيبةُ الرزقُ الحلالُ في الدنيا.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيعٍ، عن أبي مالكٍ\n_________\n(^١) فى ت ١، ف: \"ليجزين\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢: \"ليعفون\".\n(^٣) بعده فى ص: \"يتلوه القول في تأويل قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ والحمد لله وحده وصلى الله على محمد النبى وعلى آله وسلم كذا، رب يسر وأعن\".","vol":"14","page":350},{"text":"وأبي الربيعِ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بن سُمَيعٍ، عن أبي الربيعِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. قال: الرزقُ الحسنُ في الدنيا (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بنِ سُمَيعٍ، عن أبى الربيعِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. قال: الرزقُ الطيبُ في الدنيا.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ سُمَيعٍ، عن أبي الربيعِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. قال: الرزقُ الطيبُ في الدنيا.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾: يعني في الدنيا.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عيينةَ، عن مُطَرِّفٍ، عن الضحاكِ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. قال: الرزقُ الطيبُ الحلالُ (^٢).\nحدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا عونُ بنُ سلامٍ القرشيُّ، قال: أخبرَنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ فى قولِه: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ١٦٦، وعنه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٣٦٠، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ١/ ١٣٠ إلى الفريابي وسعيد وابن المنذر وابن أبي حاتم، مطولًا.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٠ إلى المصنف.","vol":"14","page":351},{"text":"طَيِّبَةً﴾. قال: يأكلُ حلالًا، ويلبَسُ حلالًا (^١).\nوقال آخرون: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، بأن نَرْزُقَه القناعةَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن المنهالِ بنِ خليفةَ، عن أبي خُزَيمةَ سليمانَ التمَّارِ، عمَّن ذكَره، عن عليٍّ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. قال: القنُوعُ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو عصامٍ، عن أبي سعيدٍ، عن الحسنِ البصريِّ، قال: الحياةُ الطيبةُ القناعةُ (^٣).\nوقال آخرون: بل يعنى بالحياة الطيبةِ الحياةَ مؤمنًا باللهِ، عاملًا بطاعتِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. يقولُ: من عمِل عملًا صالحًا وهو مؤمنٌ، في فاقةٍ أو ميسرةٍ، فحياتُه طيبةٌ، ومَن أعرَض عن ذكرِ اللهِ فلم يُؤمنْ ولم يَعمَلْ صالحًا، فعيشتُه ضَنْكٌ (^٤) لا خيرَ فيها (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٠ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٢١.\n(^٣) ينظر تفسير البغوى ٥/ ٤٢.\n(^٤) في النسخ: \"ضنكة\". والصواب ما أثبت.\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ١٠/ ١٧٤.","vol":"14","page":352},{"text":"وقال آخرون: الحياةُ الطيبةُ السعادةُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى وعليُّ بن داودَ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. قال: السعادةُ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: الحياةُ في الجنةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. قال: لا تَطِيبُ لأحدٍ حياةٌ دونَ الجنةِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. قال: ما تَطِيبُ الحياةُ لأحدٍ إلا في الجنةِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، فإن اللهَ لا يشاءُ عملًا إلا في إخلاصٍ، ويُوجِبُ لمن (^٣) عمِل ذلك في إيمانٍ، قال اللهُ تعالى ذكْرُه: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، وهى الجنةُ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٠ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم. وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٢١.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٠ إلى ابن أبي شيبة والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في النسخ: \"من\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٤) ينظر تفسير القرطبي ١٠/ ١٧٤.","vol":"14","page":353},{"text":"مجاهدٍ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. قال: الآخرةُ، يُحْيِيهم حياةً طيبةً في الآخرةِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. قال: الحياةُ الطيبةُ الآخرةُ فى الجنةِ، تلك الحياةُ الطيبةُ. قال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال: ألا تراه يقولُ: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤]. قال: هذه آخرتُه. وقرأ أيضًا: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. قال: الآخرةُ دارُ حياةٍ لأهلِ النارِ وأهلِ الجنةِ، ليس فيها موتٌ لأحدٍ من الفريقين.\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. قال: الإيمانُ الإخلاصُ للهِ وحدَه، فبيَّنَ أَنه لا يَقْبَلُ عملًا إلا بالإخلاصِ له (^١).\nوأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: تأويلُ ذلك: فَلَنُحْيِيَنَّه (^٢) حياةً طيبةً بالقناعةِ؛ وذلك أن من قَنَّعه اللهُ بما قَسَم له من رزقٍ، لم يَكْثُرْ [في الدنيا] (^٣) تعبُه، ولم يَعْظُمْ فيها نَصَبُه، ولم يتكدَّرْ فيها عيشُه، بإتباعِه نفسَه (^٤) ما فاته منها، وحرصِه على ما لعلَّه لا يُدْرِكُه فيها.\nوإنما قلت: ذلك أولى التأويلاتِ فى ذلك بالآية؛ لأن اللهَ تعالَى ذكرُه\n_________\n(^١) ينظر تفسير القرطبي ١٠/ ١٧٤.\n(^٢) بعده في ص: \"في الدنيا\".\n(^٣) في ص، م، ت ٢، ف: \"للدنيا\".\n(^٤) في م: \"بغية\".","vol":"14","page":354},{"text":"أوعَد قومًا قبلَها على معصيتِهم إياه إن عَصَوْه أذاقهم السوءَ في الدنيا، والعذابَ العظيمَ في الآخرةِ، فقال تعالَى ذكرُه: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فهذا لهم في الدنيا، ﴿وَلَكُمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، فهذا لهم في الآخرةِ. ثم أتْبَع ذلك ما لمَنْ أوفى بعهدِ اللهِ وأطاعه، فقال تعالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ﴾ فى الدنيا ﴿يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾، فالذي بيَّن (^١) هذه السيئةَ بحكمتِه، أراد (^٢) أن يُعْقِبَ ذلك الوعدَ لأهلِ طاعتِه بالإحسانِ (^٣) فى الدنيا والغفرانِ في الآخرةِ، وكذلك فعَلَ تعالَى ذكرُه.\nوأما القولُ الذى رُوِى عن ابنِ عباسٍ أنه الرزقُ الحلالُ، فإنه محتَمِلٌ أن يكونَ معناه الذي قلنا في ذلك، من أنه تعالى ذكْرُه يُقَنِّعُه في الدنيا بالذي يَرْزُقُه من الحلالِ -وإن قلَّ- فلا تَدْعُوه نفسُه إلى الكثيرِ منه من غيرِ حِلِّه، لا أنه يَرْزُقُه الكثيرَ منه من الحلالِ، وذلك أن أكثرَ العاملين للهِ تعالَى ذكْرُه بما يَرضاه من الأعمالِ، لم نرهم رُزِقوا الرزقَ الكثيرَ من الحلالِ فى الدنيا، ووجَدْنا ضيقَ العيشِ عليهم أغلبَ من السَّعةِ.\nوقولُه: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فذلك لا شَكَّ أنه في الآخرةِ، وكذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيعٍ، عن أبى\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ٢، ف.\n(^٢) زيادة يستقيم بها السياق.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الإحسان\".","vol":"14","page":355},{"text":"مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال: إذا صاروا إلى اللهِ جزاهم أجرَهم بأحسنِ ما كانوا يعمَلون (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بنِ سُمَيعٍ، عن أبي مالكٍ، وأبي الربيعِ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بنِ سُمَيعٍ، عن أبي الربيعِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾. قال: في الآخرةِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بن سُمَيعٍ، عن أبي الربيعِ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: يَجْزِيهم أجرَهم فى الآخرةِ بأحسنِ ما كانوا يعمَلون.\nوقيل: إن هذه الآيةَ نزلت بسببِ قومٍ من أهلِ مِلَلٍ شَتَّى تفاخَروا، فقال أهلُ كلِّ مِلَّةٍ منها: نحن أفضلُ. فبيَّنَ اللهُ لهم أفضلَ أهلِ المللِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يعلى بنُ عُبيدٍ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ، قال: جلَس ناسٌ من أهلِ الأوثانِ وأهلِ التوراةِ وأهلِ الإنجيلِ، فقال هؤلاء: نحن أفضلُ. وقال هؤلاء: نحن أفضلُ. فأنزَل اللهُ تعالَى ذكْرُه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٣٥٠.\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٦٦، ١٦٧، وينظر ما تقدم في ص ٣٥٠.","vol":"14","page":356},{"text":"أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1999\"></span><span data-type='title' id=toc-5090>القولُ في تأويلِ قولِه تعالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالَى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وإذا كنتَ يا محمدُ قارِئًا القرآنَ. ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ يزعُمُ أنه من المؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ. وكأنَّ معنى الكلام عندَه: وإذا استعذتَ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ، فاقرَأَ القرآنَ. ولا وجهَ لِمَا قال من ذلك؛ لأنَّ ذلك لو كان كذلك لكان متى استعاذَ مستعيذٌ من الشيطانِ الرجيمِ، لزمَه أن يقرَأَ القرآنَ، ولكن معناه ما وصَفنا.\n\nوليس قولُه: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ بالأمرِ اللازمِ، وإنما هو إعلامٌ وندبٌ، وذلك أنه لا خلافَ بين الجميعِ أن مَن قرَأ القرآنَ ولم يستعذْ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ قبلَ قراءتِه أو بعدَها، أنه لم يُضَيِّعْ فرضًا واجبًا. وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك نحوَ الذي قلنا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. قال: فهذا دليلٌ من اللهِ تعالَى ذكرُه دَلَّ عبادَه عليه (^١).\n\n<span id=\"aya-2000\"></span>وأما قولُه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. فإنه يعنى بذلك: إن الشيطانَ ليستْ له حجةٌ على الذين آمنوا باللهِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":357},{"text":"ورسولِه، وعمِلوا بما أمَر اللهُ به، وانتَهَوْا (^١) عما نهاهم اللهُ عنه، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. يقولُ: وعلى ربِّهم يتوكلون، فيما نابهم من مُهماتِ أمورِهم، ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾. يقولُ: إنما حجتُه على الذين يعبُدونه، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: والذين هم باللهِ مشركون.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكر من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ (^٢)، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾. قال: حجَّتُه (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾. قال: يُطيعونه (^٤).\nواختلَف أهلَ التأويلِ فى المعنى الذى من أجله لم يُسَلَّطْ فيه الشيطانُ على المؤمنِ؛ فقال بعضهم بما حُدِّثتُ عن زافِرِ (^٥) بنِ سليمانَ، عن سفيانَ في قولِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. قال: ليس له سلطانٌ\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فانتهوا\".\n(^٢) في النسخ: \"الحسين\". والصواب ما أثبت، وهو إسناد دائر.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٢٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٠ إلى ابن أبي شيبة والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ٤/ ٥٢٢.\n(^٥) فى النسخ: \"واقد\". والمثبت من مصدر التخريج، وهو زافر بن سليمان الإيادي. تنظر ترجمته في تهذيب الكمال ٩/ ٢٦٧.","vol":"14","page":358},{"text":"على أن يحمِلَهم على ذنبٍ لا يُغْفَرُ (^١).\nوقال آخرون: هو الاستعاذةُ، فإنه إذا استعاذ باللهِ مُنِع منه، ولم يُسَلَّطْ عليه. واستشهَدوا لصحةِ قولهم ذلك بقولِ اللهِ تعالى ذكْرُه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك في سورةِ \"الحِجْرِ\" (^٢).\nوقال آخرون في ذلك، بما حدَّثني به المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. قال: إن عدوَّ اللهِ إبليسَ قال: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣] فهؤلاء الذين لم يُجعَلْ للشيطانِ عليهم سبيلٌ، وإنما سلطانُه على قومٍ اتخذوه وليًّا، وأشرَكوه في أعمالِهم (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. يقولُ: السلطانُ على من تولَّى الشيطانَ وعمِل بمعصيةِ اللهِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-2001\"></span>حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾. يقولُ: الذين يُطيعونه ويعبُدونه.\nوأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: إنه ليس له سلطانٌ على\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل (٢٥) من طريق زافر بن سليمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) تقدم في ص ٧١، ٧٢.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":359},{"text":"الذين آمنوا، فاستعاذوا باللهِ منه؛ بما ندَب اللهُ تعالى ذكرُه من الاستعاذةِ، وعلى ربِّهم يتوكلون على ما عرَض لهم من خَطَراتِه (^١) ووساوسِه.\nوإنما قلنا: ذلك أولى التأويلاتِ بالآيةِ؛ لأن اللهَ تعالَى ذكرُه أتْبَع هذا القولَ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. وقال في موضعٍ آخر: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. فكان بيِّنًا بذلك أنه إنما ندَب عبادَه إلى الاستعاذةِ منه في هذه الأحوالِ، ليُعيذَهم من سلطانِه.\nوأما قولُه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم فيه بما قلنا: إن معناه: والذين هم باللهِ مشركون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. قال: يعدلِون بربِّ العالمين (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. قال: يعدِلون باللهِ.\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"خطواته\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٢٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٠ إلى ابن أبي شيبة والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":360},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. قال: عدَلوا إبليسَ بربِّهم، فإنهم باللهِ مشركون (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: والذين هم به مشركو الشيطانِ في أعمالِهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾: أشركوه فى أعمالِهم (^٢).\nوالقولُ الأولُ -أعنى قولَ مجاهدٍ- أولى القولين في ذلك بالصوابِ، وذلك أن الذين يتولَّون الشيطانَ إنما يُشرِكونه باللهِ فى عبادتِهم وذبائِحهم ومطاعمِهم ومشارِبهم، لا أنهم يُشرِكون بالشيطانِ. ولو كان معنى الكلامِ ما قاله الربيعُ، لكان التنزيلُ: الذين هم مشركوه. ولم يَكُنْ فى الكلامِ \"به\"، فكان يَكونُ لو كان التنزيلُ كذلك: والذين هم مشركوه في أعمالِهم. إلا أن يُوجِّهَ موجِّهٌ معنى الكلامِ إلى أن القومَ كانوا يَدِينون بأُلوهةِ الشيطانِ ويُشرِكون اللهَ (^٣) به في عبادتِهم إياه، فيصحَّ حينئذٍ معنى الكلامِ، ويخرجَ عما جاء التنزيلُ به في سائرِ القرآنِ؛ وذلك أن اللهَ تعالَى ذكْرُه وصَف المشركين في سائرِ سُورِ القرآنِ أنهم أشرَكوا باللهِ ما لم ينزِّلْ به عليهم سلطانًا، وقال في كلِّ موضعٍ تقدَّم إليهم بالزجرِ عن ذلك: لا تُشركوا بالله شيئًا. ولم نجدْ في شيءٍ من التنزيلِ: لا تُشرِكوا اللهَ بشيءٍ. ولا في شيءٍ من القرآنِ\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٦/ ٤٢٥.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣٥٩.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بالله\".","vol":"14","page":361},{"text":"خبرًا من اللهِ عنهم أنهم أشرَكوا اللهَ (^١) بشيءٍ، فيجوزَ لنا توجيهُ معنى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ إلى: والذين هم بالشيطانِ مشركو اللهِ. فبيِّنٌ إذنْ إذ كان ذلك كذلك، أن الهاءَ فى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ﴾ عائدةٌ على الربِّ في قولِه: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2002\"></span><span data-type='title' id=toc-5091>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾.</span>\nيقولُ تعالَى ذكرُه: وإذا نَسَخْنا حكمَ آيةٍ، فَأَبْدَلْنَا مَكانَه حكمَ أُخْرَى، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾. يقولُ: واللهُ أعلمُ بالذى هو أصْلَحُ لخَلْقِه فيما يبدِّلُ ويغيِّرُ من أحكامِه، ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾. يقولُ: قال المشركون باللهِ المكذِّبو رسولِه، لرسولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ يا محمدُ ﴿مُفْتَرٍ﴾، أَي: مُكْذَبٌ، تَتَخَرَّصُ بِتَقَوُّلِ الباطلِ على اللهِ. يقولُ اللهُ تعالَى ذِكْرُه: بل أكثرُ هؤلاء القائلين لك يا محمدُ: إنما أنتَ مفترٍ. جُهَّالٌ بأن الذى تأتِيهم به من عندِ اللهِ، ناسخِه ومنسوخِه، لا يعلَمون حقيقةَ صحتِه.\nوبنحوِ الذي قلنا فى تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾، قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا إسحاقٌ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بالله\".","vol":"14","page":362},{"text":"ورقاءَ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾: رفَعناها فأنزَلنا غيرَها (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾. قال: نسَخناها؛ بدَّلناها: رَفَعْناها، وأَثْبَتْنا غيرَها.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾: هو كقولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا (^٢)﴾. [البقرة: ١٠٦]\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾. قالوا: إنما أنت مُفترٍ، تأتى بشيءٍ وتَنْقُضُه، فتأتى بغيرِه. قال: وهذا التبديلُ (^٣) ناسخٌ، ولا تُبَدَّلُ آيةٌ مكانَ آيةٍ إلا بنسخٍ.\n\n<span id=\"aya-2003\"></span><span data-type='title' id=toc-5092>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالَى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ للقائلين لك: إنما أنتَ مفترٍ. فيما تَتْلو عليهم مِن آيِ كتابِنا: ﴿نَزَّلَهُ (^٤) رُوحُ الْقُدُسِ﴾. يقولُ: قُلْ جاء به جبريلُ مِن عندِ ربي بالحقِّ. وقد بيَّنتُ فى غيرِ هذا الموضعِ معنى \"رُوحِ القُدُسِ\" بما أغنَى عن إعادتِه (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٢٥، من طريق ورقاء به. وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٢٢.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"ننساها\". وهي قراءة، ينظر ما تقدم في ٢/ ٣٩٤.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"التأويل\".\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ف: \"أنزله\".\n(^٥) تقدم في ٢/ ٢٢١ وما بعدها.","vol":"14","page":363},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عَوْنٍ العَمْرِيُّ، عن موسى بنِ عُبيدةَ الرَّبَذيِّ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، قال: ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾: جبريلُ.\nوقولُه: ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قلْ نزَّل هذا القرآنَ -ناسخَه ومنسوخَه- رُوحُ القدسِ عليَّ مِن ربى؛ تثبيتًا للمؤمنين، وتقويةً لإيمانِهم؛ ليَزْدادوا بتصديقِهم لناسخِه ومنسوخِه إيمانًا إلى إيمانِهم، وهدًى لهم من الضلالِة، وبُشْرَى للمسلمين الذين استسلَموا لأمرِ اللهِ، وانقادوا لأمرِه ونهيِه، وما أنْزَله فى آيِ كتابِه، فأقرُّوا بكلِّ ذلك، وصدَّقوا به قولًا وعملًا.\n\n<span id=\"aya-2004\"></span><span data-type='title' id=toc-5093>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد نعلَمُ أن هؤلاء المشركين يقولون، جهلًا منهم: إنما يُعلِّمُ محمدًا هذا الذى يتْلوه بشرٌ مِن بنى آدمَ، وما هو من عندِ اللهِ. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه مكذِّبَهم فى قيلِهم ذلك: أَلَا تَعْلَمون كذِبَ ما تقولون. إن لسانَ الذى تُلْحِدون إليه. يقولُ: تميلون إليه بأنه يُعَلِّمُ محمدًا، أَعْجَمِيٌّ. وذلك أنهم، فيما ذُكِر، كانوا يزعُمون أن الذى يُعلِّمُ محمدًا هذا القرآن عبدٌ روميٌّ؛ فلذلك قال تعالَى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. يقولُ: وهذا القرآنُ لسانٌ عربيٌّ مبينٌ.","vol":"14","page":364},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في اسمِ الذي كان المشركون يزعُمون أنه يُعَلِّمُ محمدًا هذا القرآنَ من البشرِ؛ فقال بعضُهم: كان اسمَه بَلْعامُ، وكان قَيْنًا (^١) بمكةَ نصرانيًّا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطَّوسِيُّ، قال: ثنا أبو عامرٍ (^٢)، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ، عن مسلمِ بن عبدِ اللهِ المُلائيِّ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُعلِّمُ قَيْنًا بمكةَ، وكان أعجميَّ اللسانِ، وكان اسمَه بَلْعامُ، فكان المشركون يروْن رسولَ اللهِ ﷺ حينَ يدخُلُ عليه، وحينَ يَخرُجُ مِن عندِه، فقالوا: إنما يُعَلِّمُه بَلْعامُ. فأنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (^٣).\nوقال آخرون: اسمُه يعيشُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حَبيبٍ، عن عكرمةَ، قال: كان النبيُّ ﷺ يُقْرِئُ غلامًا لبنى المُغيرةِ أعجميًّا. قال سفيانُ: أُراه يُقالُ له: يَعيشُ. قال: فذلك قولُه: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ\n_________\n(^١) القَيْن: العَبْد، والحَدَّاد. القاموس المحيط (ق ى ن).\n(^٢) في النسخ: \"عاصم\". والمثبت من تفسير ابن كثير. وينظر الجرح والتعديل ٢/ ١٠٧، وتهذيب الكمال ٢/ ١٠٨.\n(^٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٥/ ٤٤، ونقله ابن كثير عن المصنف في تفسيره ٤/ ٥٢٣، كما عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣١ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"14","page":365},{"text":"عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾. وقد قالت قريشٌ: إنما يُعلِّمُه بشرٌ؛ عبدٌ لبنى الحَضْرميِّ يقالُ له: يعيشُ. قال اللهُ تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. وكان يعيشُ يقرَأُ الكُتُبَ (^٢)\nوقال آخرون: بل كان اسمَه جَبْرٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ -فيما بَلَغَنى- كثيرًا ما يجلِسُ عندَ المَرْوَةِ إلى (^٣) غلامٍ نَصْرانِيٍّ يُقالُ له: جَبْرٌ. عبدٌ [لبعضِ بني الحَضْرميِّ] (^٤)، فكانوا يقولون: واللهِ ما يُعلِّمُ محمدًا كثيرًا مما يأتى به إلا جبرٌ النصرانيُّ غلامُ (^٥) الحضْرميِّ. فأنزَل اللهُ تعالى فى قولِهم: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ١٦٧ عن حبيب به، وعنده: \"غلام لبنى عامر بن لؤى أظنه يقال له: يعيش. أو من أهل الكتاب\"، وأخرجه المستغفرى فى الصحابة -كما في الإصابة ٦/ ٦٨٩ - من طريق وكيع به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣١ إلى المصنف، وعنده \"مقيس\".\n(^٢) عزاه السيوطى ٤/ ١٣١ إلى ابن أبي حاتم، وعنده \"مقيس\".\n(^٣) بعده في مصدرى التخريج: \"مبيعة\".\n(^٤) في النسخ: \"عبد لبنى بياضة الحضرمي\"، وفي سيرة ابن هشام: \"بني الحضرمي\". والمثبت من تفسير ابن كثير.\n(^٥) بعده في السيرة: \"بني\".\n(^٦) سيرة ابن هشام ١/ ٣٩٣، كما ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٢٣.","vol":"14","page":366},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: كانوا يقولون: إنما يُعلِّمُه نصرانيٌّ على المَرْوةِ، ويُعَلِّمُ محمدًا رُوميٌّ، يقولون: اسمُه جَبْرٌ. وكان صاحبَ كُتُبٍ، عبدٌ لابنِ الحضرميِّ. قال اللهُ تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾. قال: وهذا قولُ قريشٍ: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾. قال اللهُ تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (^١).\nوقال آخرون: بل كانا غلامين؛ اسمُ أحدِهما يسارٌ، والآخرِ جَبْرٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، عن حُصَينٍ، عن عبدِ اللهِ (^٢) بنِ مسلمٍ الحَضْرَميِّ، أنه كان لهم عَبْدان مِن أهلِ [عينِ التَّمْرِ] (^٣)، وكانا صَيْقَلَيْنِ (^٤)، وكان يُقالُ لأحدِهما: يسارٌ. والآخرِ: جبرٌ. فكانا يَقْرآن التوراةَ، وكان رسولُ اللهِ ﷺ ربما جلَس إليهما، فقال كفارُ قريشٍ: إنما يجلِسُ إليهما يتعلَّمُ منهما. فأنزَل اللهُ تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٤/ ٥٢٣.\n(^٢) في تفسير مجاهد: \"عبيد\"، وفى الشعب: \"عبيد الله\". وقد اختلف فى اسمه، وينظر الجرح والتعديل ٥/ ٣٣٢، وتهذيب الكمال ١٩/ ١٥٧.\n(^٣) في النسخ: \"عير اليمن\". وهو تحريف. والمثبت من تفسير مجاهد، والشعب. وعين التمر: بلدة قريبة من الأنبار غربى الكوفة. معجم البلدان ٣/ ٧٥٩.\n(^٤) فى م: \"طفلين\"، وفي تفسير مجاهد: \"صقليين\"، وفى الإصابة: \"صيقليين\". والصَّيْقَل: شحَّاذ السيوف وجَلَّاؤها. اللسان (ص ق ل).\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٢٥، ٤٢٦ - ومن طريقه البيهقى فى الشعب (١٣٨) - من طريق ورقاء عن =","vol":"14","page":367},{"text":"حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مُعَلَّى (^١) بنُ أسدٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن حُصينٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسلمٍ الحضرميِّ نحوَه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ فُضيلٍ، عن حُصينٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسلمٍ، قال: كان لنا غلامان وكانا يَقْرآن كتابًا لهما بلسانِهما، فكان النبيُّ ﷺ يَمُرُّ عليهما، فيقومُ يَسْتَمِعُ منهما، فقال المشركون: يتعلَّمُ منهما. فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه ما كذَّبهم به، فقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (^٣).\nوقال آخرون: بل كان ذلك سَلْمَانَ الفارسيَّ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾. كانوا يقولون: إنما يُعَلِّمُه سَلْمانُ الفارسيُّ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن\n_________\n= حصين به. كما أخرجه عبد بن حميد، وابن أبي حاتم فى تفسيره، كما في الإصابة ١/ ٤٥٣ من طريق حصين به.\n(^١) فى م، ف: \"معن\". وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٨٢.\n(^٢) أخرجه بحشل فى تاريخ واسط ص ٥٥، ٥٦، ١٠٩، ١١٠ من طريق خالد به.\n(^٣) أخرجه البغوى في \"الصحابة\" -كما في الإصابة ٤/ ٤١٩ - من طريق ابن فضيل به، وعنده \"عبيد الله ابن مسلم\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٢٤ وضعف القول لأن الآية مكية وسلمان إنما أسلم بالمدينة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":368},{"text":"ورقاءَ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾. قال: قولُ كفارِ قريشٍ: إنما يُعَلِّمُ محمدًا عبدُ ابنِ الحَضْرَميِّ، وهو صاحبُ كتابٍ. يقولُ اللهُ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (^١).\nوقيل: إن الذى قال ذلك: رجلٌ كاتِبٌ لرسولِ اللهِ ﷺ ارْتَدَّ عن الإسلامِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرنى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيبِ أن الذى ذكَر اللهُ: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ إنما افْتَتَن (^٢)؛ أنه كان يَكْتُبُ الوَحْيَ، فكان يُمْلِى عليه رسولُ اللهِ ﷺ: \"سميعٌ عليمٌ\" أو \"عزيزٌ حكيمٌ\"، وغيرَ ذلك مِن خواتِمِ الآيِ، ثم يَشْتَغِلُ عنه رسولُ اللهِ ﷺ وهو على الوَحْيِ، فيَسْتَفْهِمُ رسولَ اللهِ ﷺ، فيقولُ: \"عزيزٌ حكيمٌ\" أو \"سميعٌ عليمٌ\" أو \"عزيزٌ عليمٌ\"؟ فيقولُ رسولُ اللهِ ﷺ: \"أيَّ ذلك كَتَبْتَ فهو كذلك\". ففَتَنَه ذلك، فقال: إن محمدًا يَكِلُ ذلك إليَّ، فأكْتُبُ ما شئتُ. وهو الذي ذكَر لي سعيدُ ابنُ المسيبِ مِن الحروفِ السبعةِ (^٣).\nواخْتَلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾؛ فقرأتْه عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ بضمِ الياءِ (^٤)، من: أَلْحَد يُلْحِدُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٢٦ من طريق ورقاء به، وأخرجه البيهقى فى شعب الإيمان ١/ ١٥٩ (١٣٦) من طريق ورقاء به.\n(^٢) قال ابن شميل: يقال: افْتَتَنَ الرجلُ وافْتُتِنَ، لغتان. وهذا صحيح. تهذيب اللغة (ف ت ن).\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣١ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم وابن عامر. السبعة في القراءات ص ٣٧٥.","vol":"14","page":369},{"text":"إلْحادًا. بمعنى: يَعْتَرِضون، ويَعدِلون إليه، ويُعَرِّجون إليه، مِن قولِ الشاعرِ (^١):\nقَدْنِيَ (^٢) مِن نصرِ الخُبَيْبَيْنِ (^٣) قَدِى\nليس أَميرى بالشَّحِيحِ المُلْحِدِ\nوقرأ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (لسانُ الذي يَلْحَدُونَ إليه) بفتحِ الياءِ (^٤)، يعنى: يَميلون إليه، من لحَد فلانٌ إلى هذا الأمرِ، يَلْحَد لحدًا ولُحُودًا. وهما عندى لغتان بمعنًى واحدٍ، فبأَيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ فيهما الصوابَ.\nوقيل: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. يعنى القرآنَ، كما تقولُ العربُ لقصيدةٍ من الشعرِ [لسِن فيها] (^٥) الشاعرُ: هذا لسانُ فلانٍ. تُرِيدُ قصيدتَه، كما قال الشاعرُ (^٦):\nلِسانُ السُّوءِ تُهْديها إلينا … [وحِنْتَ وما حَسِبْتُك أن تَحِينا] (^٧)\nيعني باللسانِ: القصيدةَ والكلمةَ.\n\n<span id=\"aya-2005\"></span><span data-type='title' id=toc-5094>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ</span>\n_________\n(^١) كتاب سيبويه ٢/ ٣٧١ غير منسوبين، وشرح المفصل ٣/ ١٢٤ منسوبين فيه لأبي بحدلة، وخزانة الأدب ٥/ ٣٨٢ منسوبين لحميد الأرقط، وكذا نسبهما في اللسان (ق د د)، (خ ب ب)، أما في (ل د ن) فلم ينسبهما، وفى (ل ح د) نسبهما لحميد بن ثور ولم نجدهما في ديوانه.\n(^٢) قدني وقدى: حَسْبِي.\n(^٣) أراد بالخبيبين عبد الله بن الزبير وأخاه مصعبًا، وقيل: الخبيبان عبد الله بن الزبير وابنه. اللسان (خ ب ب)، (ق د د).\n(^٤) هي قراءة حمزة والكسائي. السبعة فى القراءات ص ٣٧٥.\n(^٥) فى م: \"يعرضها\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"ليس فيها\".\n(^٦) مغنى اللبيب ١/ ١٥٦، الدرر اللوامع ١/ ٥١، ١٣٨، غير منسوب فيهما.\n(^٧) في ت ١، والدرر اللوامع: \"وجئت وما حسبتك أن تجينا\". والمثبت موافق لما فى مغني اللبيب. وكل شيء لم يُوَفَّق للرشاد فقد حان. يقال: حان يَحِين حَيْنًا. اللسان (ح ى ن).","vol":"14","page":370},{"text":"وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بحُجَجِ اللهِ وأدلتِه، فيصدِّقون بما دلَّت عليه، ﴿لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾. يقولُ: لا يُوَفِّقُهم الله لإصابةِ الحقِّ، ولا يُسَدِّدُهم (^١) لسبيلِ الرُّشدِ في الدنيا، ولهم في الآخرةِ وعيدُ (^٢) اللهِ إِذا ورَدوا عليه يومَ القيامةِ عذابٌ مؤلمٌ موجعٌ.\n\n<span id=\"aya-2006\"></span>ثم أخبَر تعالى ذكرُه المشركين الذين قالوا للنبيِّ ﷺ: إنما أنت مُفْتَرٍ. أنهم هم أهلُ الفِرْيةِ والكَذِبِ، لا نبيُّ اللهِ ﷺ والمؤمنون به، وبرَّأَ من ذلك نبيَّه ﷺ وأصحابَه، فقال: إنما يَتَخَرَّصُ الكَذِبَ، ويَتقوَّلُ الباطلَ الذين لا يُصدِّقون بحُجَجِ اللهِ وإعلامِه؛ لأنهم لا يَرْجُون على الصدقِ ثوابًا، ولا يخافون على الكذبِ عقابًا، فهم أهلُ الإفْكِ وافتراءِ الكذبِ، لا مَن كان راجيًا مِن اللهِ على الصدقِ الثوابَ الجزيلَ، وخائفًا على الكذبِ العقابَ الأليمَ.\nوقولُه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾. يقولُ: والذين لا يؤمنون بآياتِ اللهِ هم أهلُ الكذبِ، لا المؤمنون.\n\n<span id=\"aya-2007\"></span><span data-type='title' id=toc-5095>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى العاملِ فى \"مَنْ\" مِن قولِه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾، ومِن قولِه: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾؛ فقال بعضُ نَحْوِيِّى البصرةِ: صار\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ف: \"يهديهم\".\n(^٢) في م: \"عند\".","vol":"14","page":371},{"text":"قولُه: ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾ خبرًا لقولِه: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ وقولِه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾، فأخبَرهم (^١) بخبرٍ واحدٍ، وكان ذلك يدُلُّ على المعنى.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: إنما هذان جَزاءانِ اجْتَمَعا، أحدُهما منعَقِدٌ بالآخرِ، فجوابُهما واحدٌ، كقولِ القائلِ: مَن يَأْتِنَا، فَمَنْ يُحْسِنْ نُكْرِمْه. بمعنى: مَن يُحْسِنْ مِمَّنْ يَأْتِنا نُكْرِمْه. قال: وكذلك كلُّ جَزَاءَيْن اجْتَمَعا، الثاني مُنْعَقِدٌ بالأوَّلِ، فالجوابُ لهما واحدٌ.\nوقال آخرُ مِن أهلِ البصرةِ: بل (^٢) قولُه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ مرفوعٌ بالرَّدِّ (^٣) على \"الَّذِين\" (^٤) فى قولِه: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. ومعنى الكلامِ عندَه: إنما يَفْتَرِى الكذبَ مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بعدِ إِيمَانِهِ، إِلا مَن أُكرِه مِن هؤلاء وقلبُه مُطْمَئِنٌّ بالإيمانِ. وهذا قولٌ لا وجهَ له؛ وذلك أن معنى الكلامِ لو كان كما قال قائلُ هذا القولِ، لكان اللهُ تعالى ذكرُه قد أخرَج مِمَّن (^٥) افترَى الكذبَ في هذه الآيةِ، الذين وُلِدوا على الكفرِ وأقاموا عليه، ولم يؤمنوا قَطُّ، وخصَّ به الذين قد كانوا آمنوا فى حالٍ، ثم راجَعوا الكفرَ بعد الإيمانِ. والتنزيلُ يدُلُّ على أنه لم يُخَصِّصْ بذلك هؤلاء دونَ سائرِ المشركين الذين كانوا على الشركِ مُقيمين؛ وذلك أنه تعالى ذكرُه أخبر خبرَ قومٍ منهم أضافوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ افتراءَ الكذبِ، فقال: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا\n_________\n(^١) في م: \"فأخبر لهم\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"من\".\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"بالدال\"، وفى ت ١: \"للدال\".\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الذى\".\n(^٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"من\".","vol":"14","page":372},{"text":"أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وكذَّب جميعَ المشركين بافترائِهم على اللهِ، وأخبَر أنهم أحقُّ بهذه الصفةِ من رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾. ولو كان الذين عُنُوا بهذه الآيةِ هم الذين كفَروا باللهِ من بعدِ إيمانِهم، وجَب أن يكونَ القائلون لرسولِ اللهِ ﷺ: إنما أنت مُفترٍ. حينَ بدَّل (^١) اللهُ آيةً مكانَ آيةٍ، كانوا هم الذين كفروا باللهِ بعد الإيمانِ خاصةً، دونَ غيرِهم من سائرِ المشركين؛ لأن هذه في سياقِ الخبرِ عنهم، وذلك قولٌ إن قاله قائلٌ، فبيِّنٌ فسادُه، مع خروجِه عن (^٢) تأويلِ جميعِ أهلِ العلمِ بالتأويلِ.\nوالصوابُ من القولِ فى ذلك عندى: أن الرافعَ (^٣) لـ \"مَن\" الأولى والثانيةِ، قولُه: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾، والعربُ تفْعَلُ ذلك في حروفِ الجزاءِ، إذا اسْتَأْنَفَتْ أحدَهما على الآخرِ.\nوذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت في عمارِ بنِ ياسرٍ، وقومٍ كانوا أسلَموا، ففَتَنَهم المشركون عن دينِهم، فثبت على الإسلامِ بعضُهم، وافْتَتَنَ بعضٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، وذلك أن المشركين أصابوا عمارَ بنَ ياسرٍ\n_________\n(^١) فى ت ١، ت ٢، ف: \"نزل\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ف: \"الرفع\".","vol":"14","page":373},{"text":"فعذَّبوه، ثم ترَكُوه فرجَع إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فحدَّثه بالذى لَقِى مِن قريشٍ والذى قال، فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه عُذْرَه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. قال: ذُكِر لنا أنَّها نزَلت في عمارِ بنِ ياسرٍ، أخَذه بنو المغيرةِ، فغَطُّوه في بئرِ ميمونٍ (^٢)، وقالوا: اكفُرْ بمحمدٍ. فتابَعَهم على ذلك وقلبُه كارهٌ، فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِلَّا﴾؛ أي: مَن أتَى الكفرَ على اختيارٍ واسْتِحبابٍ، ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن [عبدِ الكريمِ] (^٤) الجَزَرِيِّ، عن أبى عُبيدةَ بنِ محمدِ بنِ (^٥) عمارِ بنِ ياسرٍ، قال: أخَذ المشركون عمارَ بنَ ياسرٍ، فعذَّبوه حتى باراهم (^٦) في بعضِ ما أرادوا، فشكَا ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فقال النبيُّ ﷺ: \"كيف تجِدُ قلبَك؟ \". قال: مطمئنًّا بالإيمانِ. قال النبيُّ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٢٥، والحافظ في الفتح ١٢/ ٣١٢.\n(^٢) بئر ميمون: بئر بمكة. ينظر معجم البلدان ٤/ ٧١٩.\n(^٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٥/ ٤٦ مطولا، وينظر تفسير ابن كثير ٤/ ٥٢٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣٢ إلى ابن عساكر.\n(^٤) في ف: \"عبد الله\". وعبد الكريم هو ابن مالك الجزرى أبو سعيد الحراني مولى عثمان بن عفان. ينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٢٥٢.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عن\". وهو خطأ وينظر مصادر التخريج الآتية.\n(^٦) في ص: \"باريهم\"، وفى ت ١: \"بارهم\"، وفى ت ٢: \"باربهم\"، وفى ف: \"باريهم\"، وفى تفسير عبد الرزاق وتفسير ابن كثير وفتح البارى: \"قاربهم\"، وعند إسحاق بن راهويه -كما في المطالب العالية-: \"قاربوه\"، وهما يتباريان: إذا صنع كلُّ واحدٍ مثل ما صنع صاحبه. اللسان (ب ر ى).","vol":"14","page":374},{"text":"ﷺ: \"فإن عادوا فعُدْ\" (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. قال: نزَلَتْ في عمارِ بنِ ياسرٍ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: لما عُذِّب الأعْبُدُ أعْطَوْهم ما سأَلُوا إلا خَبَّابَ بنَ الأَرَتِّ، كانوا يُضْجِعونه على الرَّضْفِ (^٣)، فلم يَسْتَقِلُّوا (^٤) منه شيئًا (^٥).\nفتأويلُ الكلامِ إذن: مَن كفَر باللهِ مِن بعدِ إيمانِه، إلا مَن أُكْرِه على الكفرِ فنطَق بكلمةِ الكفرِ بلسانهِ وقلبُه مطمئنٌّ بالإيمانِ، موقِنٌ بحقيقتِه، صحيحٌ عليه عزمُه، غيرُ مَفْسوحِ الصدرِ بالكفرِ، لكنْ مَن شرَح بالكفرِ صدرًا فاخْتاره وآثرَه على الإيمانِ، وباح به طائعًا، فعليهم غضبٌ مِن اللهِ، ولهم عذابٌ عظيمٌ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٣٦٠، وعنه إسحاق بن راهويه كما في المطالب العالية (٣١٨٩) -وعبد بن حميد- كما في الفتح ١٢/ ٣١٢ - عن معمر به. وأخرجه ابن سعد ٣/ ٢٤٩، والحاكم ٢/ ٣٥٧، وأبو نعيم في الحلية ١/ ١٤٠ من طريق عبد الكريم به وقال الحافظ في الفتح: مرسل، رجاله ثقات. وأخرجه البيهقى ٨/ ٢٠٨، ٢٠٩ من طريق عبد الكريم عن أبي عبيدة عن أبيه. قال الحافظ: وهو مرسل أيضًا.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٢ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن المنذر. وينظر تفسير ابن كثير ٤/ ٥٢٥.\n(^٣) الرضف: الحجارة التي حَمِيَتْ بالشمس أو النار، واحدتُها رَضْفَة. اللسان (ر ض ف).\n(^٤) في حلية الأولياء: \"يسبعنوا\" كذا بغير نقط. ولم يستقلوا: أى لم يبلغوا منه أقلَّ شيء من مرادهم. ينظر اللسان (ق ل ل).\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٤٩ عن جرير به نحوه، وأخرجه الطبراني في الكبير (٣٦٩٤)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ١٤٤ من طريق مغيرة به.","vol":"14","page":375},{"text":"وبنحوِ الذى قلنا في ذلك وَرَد الخبرُ عن ابنِ عباسٍ.\nحدَّثنى عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. فَأَخبَر اللهُ سبحانه أنه مَن كفَر من بعدِ إيمانِه، فعليه غضبٌ مِن اللهِ، وله عذابٌ عظيمٌ، فأما مَن أُكْرِه فتكلَّمَ به بلسانِه (^١)، وخالَفَه قلبُه بالإيمانِ؛ لينجوَ بذلك مِن عدوِّه، فلا حرجَ عليه؛ لأن اللهَ سبحانه إنما يأخُذُ العبادَ بما عَقَدتْ عليه قلوبُهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-2008\"></span><span data-type='title' id=toc-5096>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: حَلَّ بهؤلاء المشركين غضبُ اللهِ، ووجَبَ لهم العذابُ العظيمُ؛ مِن أجلِ أنهم اخْتاروا زينةَ الحياةِ الدنيا على نعيمِ الآخرةِ؛ ولأن اللهَ لا يُوَفِّقُ القومَ الذين يَجْحَدون آياته مع إصرارِهم على جحودِها.\n\n<span id=\"aya-2009\"></span><span data-type='title' id=toc-5097>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء المشركون الذين وصفتُ لكم صِفتَهم في هذه الآياتِ، أيها الناسُ، هم القومُ الذين طبَع اللهُ على قلوبِهم، فختَم عليها بطابَعِه، فلا يؤمنون ولا يَهْتدون، وأصَمَّ أسماعَهم، فلا يَسْمعون داعيَ اللهِ إلى الهُدَى،\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ف: \"لسانه\".\n(^٢) أخرجه البيهقى ٨/ ٢٠٩ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":376},{"text":"وأعْمَى أبصارَهم، فلا يُبْصِرون بها حُججَ اللهِ إبصارَ مُعْتَبِرٍ ومُتَّعِظٍ، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. يقولُ: وهؤلاء الذين جعَل اللهُ فيهم هذه الأفعالَ هم الساهون عما أعدَّ اللهُ لأمثالِهم من أهل الكفرِ، وعما يُرادُ بهم.\n\n<span id=\"aya-2010\"></span>وقولُه: [﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: الهالكون] (^١)، الذين غَبَنُوا أنفسهم حُظُوظَها من كرامةِ اللهِ تعالى ذكرُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5098>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثم إن ربَّك يا محمدُ للذين هاجَروا مِن (^٢) ديارِهم ومساكنِهم وعشائرِهم من المشركين وانْتَقَلوا عنهم إلى ديارِ أهلِ الإسلامِ ومساكنِهم وأهلِ وَلايتِهم، مِن بعدِ ما فَتَنَهم المشركون الذين كانوا بينَ أظْهُرِهم -قبلَ هجرتِهم- عن دينِهم، ثم جاهدوا المشركين بعدَ ذلك بأيديهم بالسيفِ، وبألسنتِهم بالبراءةِ منهم، ومما يَعْبُدون مِن دونِ اللهِ، وصبَروا على جهادِهم. ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: إن ربَّكَ مِن بعدِ فِعْلَتِهم هذه لهم ﴿لَغَفُورٌ﴾. يقولُ: لذو سَتْرٍ على ما كان منهم مِن إعطاءِ المشركين ما أرادوا منهم؛ مِن كلمةِ الكفرِ بألسنتِهم، وهم لغيرِها مُضْمِرون، وللإيمانِ مُعْتَقِدون. ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم أن يُعاقِبهم عليها مع إنابتِهم إلى اللهِ وتوبتِهم.\nوذُكِر عن بعضِ أهلِ التأويلِ أن هذه الآيةَ نزَلتْ في قومٍ مِن أصحابِ\n_________\n(^١) فى ص: \"لا جرم لابد أنهم فى الآخرة هم الهالكون\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"14","page":377},{"text":"رسولِ اللهِ ﷺ، كانوا تَخَلَّفُوا (^١) بمكةَ بعدَ هجرةِ النبيِّ ﷺ، فاشْتَدَّ المشركون عليهم، حتى فتَنوهم عن دينِهم، فأَيِسوا مِن التوبةِ، فأنزَل اللهُ فيهم هذه الآية، فهاجَروا ولَحِقوا برسولِ اللهِ ﷺ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. قال: ناسٌ مِن أهلِ مكةَ آمنوا، فكتَب إليهم بعضُ أصحابِ النبيِّ ﷺ بالمدينةِ: أن هاجِروا، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا. فخرَجوا يريدون المدينةَ، فأدرَكَتْهم قريشٌ بالطريقِ ففتَنوهم، وكفَروا مُكْرَهين، ففيهم نزَلت هذه الآيةُ (^٢).\nحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\n\n<span id=\"aya-2011\"></span>قال ابنُ جريجٍ: قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾، ثم نسَخ واسْتَثْنَى فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"خلفوا\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٢٦ من طريق ورقاء به، وذكره البغوى في تفسيره ٥/ ٤٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":378},{"text":"﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ذُكِر لنا أنه لما أَنْزَل اللهُ أن أهلَ مكةَ لا يُقبَلُ منهم إسلامٌ حتى يُهاجروا، كتَب بها أهلُ المدينةِ إلى أصحابِهم مِن أهلِ مكةَ، فلما جاءَهم ذلك تبايعوا بينَهم على أن يَخْرُجوا، فإن لَحِق بهم المشركون مِن أهلِ مكةَ، قاتَلوهم حتى يَنْجُوا أو يَلْحَقوا باللهِ، فخرَجوا فأدرَكهم المشركون، فقاتَلوهم؛ فمنهم مَن قُتِل، ومنهم مَن نَجا، فأَنْزَل اللهُ تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ شريكٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان قومٌ مِن أهلِ مكةَ أسلَموا، وكانوا يَسْتَخْفُون بالإسلامِ، فأَخْرَجهم المشركون يومَ بدرٍ معهم، فأُصيب بعضُهم، وقُتِل بعضٌ، فقال المسلمون: كان أصحابُنا هؤلاء مسلمين، وأُكرِهوا، فاسْتَغْفِروا لهم. فنزَلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخر الآيةِ [النساء: ٩٧]. قال: وكُتِب إلى مَن بَقِى بمكةَ من المسلمين هذه الآيةُ؛ لا عذرَ لهم. قال: فخرَجوا فلَحِقَهم المشركون، فأعْطَوْهم الفتنةَ، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية [العنكبوت: ١٠]. فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرَجوا وأَيِسوا مِن كلِّ خيرٍ، ثم نزَلت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فكتَبوا إليهم بذلك: إن اللهَ قد جعَل لكم مَخْرَجًا. فخرَجوا،\n_________\n(^١) ذكره الواحدى فى أسباب النزول ص ٢١٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"14","page":379},{"text":"فأدرَكهم المشركون فقاتَلوهم، حتى (^١) نَجا من نَجا، وقُتِل مَن قُتِل (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: نزَلت هذه الآيةُ في عمَّار بنِ ياسرٍ، وعَيَّاشِ بنِ أبي ربيعةَ، [والوليدِ بن أبي رَبيعةَ] (^٣)، والوليدِ بنِ الوليدِ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ (^٤).\nوقال آخرون: بل نزلت هذه الآيةُ في شأنِ ابنِ أبى سَرْحٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا في سورةِ النحلِ: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، ثم نسَخ واسْتَثْنَى مِن ذلك فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: وهو عبدُ اللهِ [بنُ سعدِ] (^٥) بن أبي سَرْحٍ، الذى كان يكتُبُ لرسولِ اللهِ ﷺ، فأزَلَّه (^٦) الشيطانُ، فلَحِق بالكفارِ،\n_________\n(^١) فى م: \"ثم\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ٧/ ٣٨١، ٣٨٢.\n(^٣) سقط من: ص، م.\n(^٤) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٥٤٠، دون ذكر الوليد بن أبي ربيعة، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣٣، وعزاه إلى المصنف، وتحرف عنده \"ابن إسحاق\" إلى \"أبي إسحاق\".\n(^٥) ليس فى: م، ت ١، ت ٢، ف. وينظر أسد الغابة ٣/ ٢٥٩، والإصابة ٤/ ١٠٩.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فزله\". وأزله: حمله على الزلل. ينظر اللسان (ز ل ل).","vol":"14","page":380},{"text":"فأمَر به النبيُّ ﷺ أن يُقتَلَ يومَ فتحِ مكةَ، فاستجار له أبو عَمرٍو (^١)، فأجاره النبيُّ ﷺ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2012\"></span><span data-type='title' id=toc-5099>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ تُخاصِمُ عن نفسِها وتَحْتَجُّ عنها، بما أَسْلَفَتْ في الدُّنيا مِن خيرٍ أو شرٍّ، أو إيمانٍ أو كفرٍ، ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ في الدنيا مِن طاعةٍ ومعصيةٍ، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. يقولُ: وهم لا يُفْعَلُ بهم إلا ما يَسْتَحِقُونه ويَسْتَوْجِبونه، بما قَدَّموه من خيرٍ أو شرٍّ، فلا يُجزَى المحسنُ إلا بالإحسانِ، ولا المسئُ إلا بالذى أسْلَف مِن الإساءةِ، لا يُعاقَبُ محسنٌ، ولا يُبخَسُ جزاءَ إحسانِه، ولا يُثابُ مسيءٌ إلا ثوابَ عملِه.\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى السببِ الذى من أجلِه قيل: ﴿تُجَادِلُ﴾، فَأَنَّث الكُلَّ.\nفقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: قيل ذلك لأن معني ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾: كلُّ\n_________\n(^١) هو عثمان بن عفان، كما في ترجمته فى الاستيعاب ٣/ ١٠٣٧، وأسد الغابة ٣/ ٥٨٤.\n(^٢) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ١٣٢، ١٣٣ إلى المصنف، ووقع في مطبوعة الدر: \"فاستجار له أبو بكر وعمر وعثمان بن عفان\" وقد جاء على الصواب فى مخطوطة مكتبة المحمودية بالمملكة العربية السعودية. وهو تحريف من \"أبو عمرو عثمان بن عفان\" إلى ما ذكرناه، وجاء ذلك في الأثر الذى رواه أبو داود (٢٦٨٣، ٤٣٥٩)، والنسائى (٤٠٧٨) وغيرهما، من طريق مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، في قصة من أمر ﷺ بقتلهم يوم فتح مكة، وأيضا فيما رواه أبو داود (٤٣٥٨)، والنسائي (٤٠٨٠) من طريق يزيد النحوى عن عكرمة عن ابن عباس بنحو أثر المصنف هنا، وما ذكره ابن حجر في ترجمة ابن أبي سرح في الإصابة ٤/ ١٠٩، ١١٠.","vol":"14","page":381},{"text":"إنسانٍ. وأنَّث لأن النفسَ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، يُقالُ: ما جاءَنى نفسٌ واحدٌ وواحدةٌ. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يرَى هذا القولَ من قائلِه غلطًا، ويقولُ: \"كلُّ\" إذا أُضِيفَتْ إلى نكرةٍ واحدةٍ خرَج الفعلُ على قَدْرِ النكرة؛ كلُّ امرأةٍ قائمةٌ، وكلُّ رجلٍ قائمٌ، وكلُّ امرأتَيْن قائمتانِ، وكلُّ رجلَيْن قائمان، وكلُّ نساءٍ قائماتٌ، وكلُّ رجالٍ قائمون. فيَخْرُجُ على عددِ النكرةِ وتأنيثِها وتذكيرِها، ولا حاجةَ به إلى تأنيثِ النَّفْسِ وتذكيرِها.\n\n<span id=\"aya-2013\"></span><span data-type='title' id=toc-5100>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾.</span>\nيقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: ومثَّل اللهُ مثَلًا لمكةَ التي سُكَّانُها أهلُ الشركِ باللهِ، هى القريةُ التى كانت آمنةً مطمئنةً، وكان أمْنُها أن العربَ كانت تَتَعادَى، ويَقْتُلُ بعضُها بعضًا، ويَسْبِى بعضُها بعضًا، وأهلُ مكةَ لا يُغَارُ عليهم، ولا يُحارَبون في بلدِهم، فذلك كان أمْنُها. وقولُه: ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾. يَعْنى قارَّةً بأهلِها، لا يَحْتاجُ أهلُها إلى النُّجَعِ (^١)، كما كان سكانُ البوادِى يَحتاجون إليها، ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا﴾. يقولُ: تأتى أهلَها معايشُهم واسعةً كثيرةً. وقولُه: ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾. يعنى: من كلِّ فَجٍّ من فِجاجِ هذه القريةِ، ومن كلِّ ناحيةٍ فيها.\nوبنحوِ الذي قلنا في أن القريةَ التي ذُكِرت في هذا الموضعِ، أُرِيد بها مكةُ، قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) النُّجَع: جمع النُّجعة. والنجعة عند العرب: المَذْهب في طلب الكلأ في موضعه. ينظر اللسان وتاج العروس (ن ج ع).","vol":"14","page":382},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾: يعنى مكةَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عنِ ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾. قال: مكةَ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾. قال: ذُكِر لنا أنها مكةُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً﴾. قال: هي مكةُ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: هذه مكةُ (^٤).\nوقال آخرون: بل القريةُ التي ذكَر اللهُ فى هذا الموضعِ: مدينةُ الرسولِ ﷺ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٣ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٢٦ من طريق ورقاء به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٣ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٣٦٠ عن معمر به.\n(^٤) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٥٤٢، وابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٢٨.","vol":"14","page":383},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني [ابنُ عبدِ الرحيمِ] (^١) البَرْقيُّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبرَنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ شُرَيْحٍ، أن عبدَ الكريمِ بنَ الحارثِ الحَضْرَميَّ، حدَّثه (^٢) أنه سمِع مِشْرَحَ بن هاعانَ (^٣) يقولُ: سمعتُ [سُلَيْمَ بنَ عِتْرٍ] (^٤) يَقولُ: صَدَرْنا من الحجِّ مع حفصةَ زوجِ النبيِّ ﷺ وعثمانُ محصورٌ بالمدينةِ، فكانت تسألُ عنه: ما فعَل؟ حتى رأتْ راكِبَيْن، فأرسَلَتْ إليهما تسأَلُهما، فقالا: قُتِل. فقالت حفصةُ: والذي نفسي بيدِه إنها القريةُ -تعنى المدينةَ- التى قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾. قرَأها، قال أبو شُريحٍ (^٥): [وأخبرَني] (^٦) [عُبيدُ اللهِ] (^٧) بنُ\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"أبو عبد الرحيم\"، وفى ت ١: \"أبو عبد الرحمن\". وهو محمد بن عبد الله ابن عبد الرحيم المصرى أبو عبد الله ابن البرقى. ينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٥٠٣، ٢٦/ ٨.\n(^٢) في م، ت ١، ف: \"حدث\"، وفى ت ٢: \"حدثنا\". والمثبت من ص موافق لما في تفسير ابن كثير.\n(^٣) في م: \"عاهان\". وهو مشرح بن هاعان المَعَافرى أبو المُصْعَب المصرى. ترجمته في تهذيب الكمال ٢٨/ ٧.\n(^٤) فى م: \"سليم بن نمير\"، وهو تحريف وفى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"سليمان بن عتر\" وهو خطأ. والمثبت من تفسير ابن كثير، وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٧، وتبصير المنتبه ٣/ ٩٧٥.\n(^٥) أبو شريح هو عبد الرحمن بن شريح الراوى عن عبد الكريم الحارث. ينظر تهذيب الكمال ١٧/ ١٦٧.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٧) فى النسخ: \"عبد الله\". والمثبت من تفسير ابن كثير، وهو الصواب، كما في تهذيب الكمال ١٧/ ١٦٨، ١٩/ ١٦١. وقال الحافظ المزى ضِمْن ترجمة عبيد الله هذا وبعد أن ساق بإسناده حديثا من طريق \"عبيد الله\". ولكن وقع فيه \"عبد الله\": كذا وقع في هذه الرواية، عن عبد الله بن المغيرة، والمحفوظ: عن عبيد الله بن المغيرة. انتهى. تهذيب الكمال ١٩/ ١٦٢، ١٦٣.","vol":"14","page":384},{"text":"المغيرةِ عمن حدَّثه، أنه كان يقولُ: إنها المدينةُ (^١).\nوقولُه: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾. يقولُ: فكفَر أهلُ هذه القريةِ بأنْعُمِ اللهِ التي أنْعَم عليها.\nواختلَف أهلُ العربيةِ في واحدِ \"الأَنْعُمِ\". فقال بعضُ نَحويِّى البصرةِ: جمعُ النِّعْمَةِ على أَنْعُمٍ، كما قال اللهُ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأحقاف: ١٥]. فزعَم أنه جمعُ الشِّدَّةِ. وقال آخرُ منهم: الواحدُ نُعْمٌ. وقال: يقالُ: أيامُ طُعْمٍ ونُعْمٍ. أى: نعيمٍ. قال: فيجوزُ أن يكونَ معناها: فكفَرَتْ بنعيمِ اللهِ لها (^٢). واستشهَد على ذلك بقولِ الشاعرِ (^٣):\nوعندى قُرُوضُ (^٤) الخيرِ والشَّرِّ كلِّه … فبُؤْسٌ [بذى بُؤْسٍ] (^٥) ونُعْمٌ (^٦) بِأَنْعُمِ\nوكان بعضُ أهلِ الكوفةِ يقولُ: \"أَنْعُم\" جمعُ نَعْماءَ، مثلُ بَأْسَاءَ وأَبْؤُسٍ، وضَرَّاءَ وأَضُرٍّ. فأما الأشُدُّ فإنه زعَم أنه جمعُ شَدٍّ.\nوقولُه: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأذاق اللهُ أهلَ هذه القريةِ لباسَ الجوعِ، وذلك جوعٌ خالَط أذاه أجسامَهم، فجعَل اللهُ تعالى ذكرُه ذلك لمخالطتِه أجسامَهم بمنزلةِ اللباسِ لها؛ وذلك أنهم سُلِّط عليهم\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٥٤٢ مختصرا بلفظ: \"وعن حفصة أنها المدينة\"، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٢٨ نقلا عن المصنف، وذكره السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٣، ١٣٤ بنحوه وعزاه إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) ينظر مجاز القرآن ١/ ٣٦٩، والتبيان ٦/ ٤٣٢، ٤٣٣.\n(^٣) البيت في التبيان ٦/ ٤٣٣ غير منسوب.\n(^٤) فى ت ١، ت ٢، ف: \"فروض\".\n(^٥) فى م: \"لذى بؤس\"، وفى ت ٢: \"لدى بؤس\"، وفى التبيان: \"لدى بؤسى\".\n(^٦) في التبيان: \"نعمي\".","vol":"14","page":385},{"text":"الجوعُ سنينَ متواليةً، بدعاءِ رسولِ اللهِ ﷺ، حتى أكلَوا العِلْهِزَ والجيَفَ.\nقال أبو جعفرٍ: والعِلْهِزُ: الوَبَرُ يُعْجَنُ بالدمِ والقُرادِ يَأْكُلونه. وأما الخوفُ فإن ذلك كان (^١) خوفَهم مِن سَرايا رسولِ اللهِ ﷺ التى كانت تُطِيفُ (^٢) بهم.\nوقولُه: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. يقولُ: بما كانوا يَصْنَعون من الكفرِ بأَنعُمِ اللهِ، ويَجْحَدون آياتِه، ويُكَذِّبون رسولَه. وقال: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، وقد جرَى الكلامُ مِن ابتداءِ الآيةِ إلى هذا الموضعِ على (^٣) وجهِ الخبرِ عن القرية؛ لأن الخبرَ وإن كان جرَى في الكلامِ عن القريةِ اسْتِغْناءً بذكرِها عن ذكرِ أهلِها؛ لمعرفةِ السامعين بالمرادِ منها، فإن المرادَ أهلُها، فلذلك قيل: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. فردَّ الخبرَ إلى أهلِ القريةِ، وذلك نظيرُ قولِه: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤]. ولم يَقُلْ: \"قائلة\". وقد قال قبلَه: ﴿فَإِذَا هُوَ﴾؛ لأنه رجَع بالخبرِ إلى الإخبارِ عن أهلِ القريةِ. ونظائرُ ذلك في القرآنِ كثيرةٌ.\n\n<span id=\"aya-2014\"></span><span data-type='title' id=toc-5101>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد جاء أهلَ هذه القريةِ التي وصَف اللهُ صِفتَها في هذه الآيةِ التي قبلَ هذه الآيةِ، ﴿رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: رسولُ اللهِ ﷺ. يقولُ: مِن أَنْفُسِهم يَعْرِفونه، ويعرِفون نسبَه وصدْقَ لَهْجَتِه، يدعُوهم إلى الحقِّ، وإلى طريقِ مستقيمٍ، ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ ولم يَقْبَلوا منه ما جاءَهم به مِن عندِ اللهِ ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾. وذلك لباسُ الجوعِ والخوفِ، مكانَ الأمنِ والطُّمَأْنِينةِ والرزقِ الواسعِ\n_________\n(^١) ليست في: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) أطاف فلان بالأمر: إذا أحاط به وعليه. اللسان (ط وف).\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"14","page":386},{"text":"الذي كان قبلَ ذلك يُرْزَقُونه، وقتلٌ بالسيفِ، ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾. يقولُ: وهم مشركون. وذلك أنه قُتِل عظماؤُهم يومَ بدرٍ بالسيفِ على الشركِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾: إى واللهِ، يَعرِفون نسبَه وأمرَه، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾. فَأَخَذهم اللهُ بالجوعِ والخوفِ والقتلِ (^١).\n\n<span id=\"aya-2015\"></span><span data-type='title' id=toc-5102>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَكُلُوا﴾ أيها الناسُ ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾؛ مِن بهائمِ الأنعامِ التى أحلَّها لكم ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ مُذكَّاةً غيرَ محرَّمةٍ عليكم. ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾. يقولُ: واشكُروا اللهَ على نعَمِه التي أنعَم بها عليكم في تحليلِه ما أحلَّ لكم من ذلك، وعلى غيرِ ذلك من نعمِه، ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. يقولُ: إن كنتم تَعْبُدون اللهَ، فتُطيعونه فيما يأمُرُكم وينهاكم.\nوكان بعضُهم يقولُ: إنما عَنَى بقولِه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾: طعامًا كان بعَث به رسولُ اللهِ ﷺ إلى المشركين مِن قومِه في سِنِي الجَدْبِ والقَحْطِ رِقَّةً عليهم، فقال اللهُ تعالى للمشركين: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾: من هذا الذى بعَث به إليكم، ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾. وذلك تأويلٌ بعيدٌ مما يدُلُّ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":387},{"text":"عليه ظاهرُ التنزيلِ؛ وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه: قد أَتْبَعَ ذلك بقولِه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ الآية والتى بعدَها، فبيَّن بذلك أن قولَه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾. إعلامٌ مِن اللهِ عبادَه أن ما كان المشركون يُحرِّمونه من البَحَائِرِ والسَّوَائِبِ والوَصائِلِ وغيرِ ذلك -مما قد بيَّنا قبلُ فيما مضَى- لا معنى له؛ إذ كان ذلك مِن خُطُواتِ الشيطانِ، فإن كلَّ ذلك حلالٌ، لم يُحَرِّم اللهُ منه شيئًا (^١).\n\n<span id=\"aya-2016\"></span><span data-type='title' id=toc-5103>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مكذِّبًا المشركين الذين كانوا يُحَرِّمون [ما ذَكَرْنا] (^٢) مِن البَحَائِرِ وغيرِ ذلك: ما حرَّم اللهُ عليكم، أيها الناسُ، إلا الميتةَ والدمَ ولحمَ الخنزيرِ. وما ذُبِح للأَنْصابِ فسُمِّيَ عليه غيرُ اللهِ؛ لأن ذلك مِن ذبائحِ مَن لا يَحِلُّ أَكْلُ ذبيحتِه، فمن اضْطُرَّ إلى ذلك أو إلى شيءٍ منه، لمجاعةٍ حلَّت، فأكَله ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: ذو سَتْرٍ عليه أن يُؤاخِذَه بأكْلِه ذلك في حالِ الضرورةِ، رحيمٌ به أن يُعاقبَه عليه.\nوقد بيَّنَّا اختلافَ المُخْتَلِفِين في قولِه: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. والصوابَ عندَنا مِن القولِ فى ذلك، بشواهدِه فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ\n_________\n(^١) تقدم في ٩/ ٣١ - ٣٩.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) تقدم فى ٣/ ٥٨ - ٦٣.","vol":"14","page":388},{"text":"عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ الآية. قال (^١): وإن الإسلامَ دينٌ مُطَهِّرُهُ اللهُ مِن كلِّ سُوءٍ، وجعَل لك فيه يا بنَ آدمَ سَعَةً إِذا اضْطُرِرْتَ إلى شيءٍ من ذلك. قولُه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: غيرَ باغٍ فى أكلِه، ولا عادٍ أن يَتَعَدَّى حلالًا إلى حرامٍ، وهو يجِدُ عنه مَنْدُوحَةً (^٢).\n\n<span id=\"aya-2017\"></span><span data-type='title' id=toc-5104>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾.</span>\nاختلفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾. فيكونُ \"تصفُ الكذبَ\" بمعنى: ولا تقولوا لوصْفِ ألسنتِكم الكَذِبَ. فيكونُ \"ما\" بمعنى المصدرِ.\nوذُكِر عن الحسنِ البصريِّ أنه قرَأ: (ولَا تقولُوا لما تصِفُ ألْسِنَتُكم الكَذِبِ هذا). بخفضِ \"الكذبِ\" (^٣)، بمعنى: ولا تقولوا للكذبِ الذى تَصِفُه ألسنتُكم: هَذَا حَلالٌ وهذَا حَرَامٌ. فيجعَلُ \"الكذبَ\" ترجمةً عن \"ما\" التي في ﴿لِمَا﴾ فيَخْفِضُه بما يَخْفِضُ به \"ما\".\nوقد حُكِى عن بعضِهم: (لِمَا تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكُذُبُ). برفعِ \"الكُذُبِ\" (^٤)، فيجعَلُ \"الكُذُبَ\" من صفةِ الألسنةِ، ويُخَرَّجُ (^٥) على \"فُعُلٍ\"،\n_________\n(^١) زيادة من: م والدر المنثور.\n(^٢) تقدم تخريج قوله: ﴿فمن اضطر. . .﴾ فى ٣/ ٦١. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) وهي قراءة الأعرج وابن يعمر وابن أبي إسحاق وعمرو ونعيم بن ميسرة. المحتسب ٢/ ١٢.\n(^٤) وهي قراءة مسلمة بن محارب. المصدر السابق.\n(^٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يخرجوا\".","vol":"14","page":389},{"text":"على أنه جمعٌ؛ كَذُوبٌ وكُذُبٌ، مثلُ شَكُورٍ وشُكُرٍ.\nوالصوابُ عندى من القراءةِ فى ذلك نصبُ \"الكَذِبِ\"؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ عليه. فتأويلُ الكلامِ إذ كان ذلك كذلك لما ذكَرنا: ولا تقولوا لوصْفِ ألسنتِكم الكذبَ فيما رزَقَ اللهُ عبادَه من المطاعمِ: هذا حلالٌ وهذا حرامٌ؛ كى تفتَروا على اللهِ بقيلِكم ذلك الكذبَ، فإن اللهَ لم يُحَرِّمْ من ذلك ما تُحَرِّمون، ولا أَحَلَّ كثيرًا مما تُحِلُّون.\nثم تقدَّم إليهم بالوعيدِ على كذبِهم عليه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. يقولُ: إن الذين يَتخرَّصون على اللهِ الكذبَ ويَخْتَلِقُونه، لا يُخَلَّدون فى الدنيا، ولا يَبقَون فيها، إنما يَتَمَتَّعون فيها قليلًا.\n\n<span id=\"aya-2018\"></span>وقال: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾. فرفَع؛ لأن المعنَى: الذي هم فيه من هذه الدنيا متاعٌ قليلٌ: أو: لهم متاعٌ قليلٌ في الدنيا.\nوقولُه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: ثم إلينا مرجعُهم ومعادُهم، ولهم على كذبِهم وافترائِهم على اللهِ بما كانوا يفتَرون، عذابٌ عندَ مصيرِهم إليه، أليمٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾: في","vol":"14","page":390},{"text":"البَحيرةِ والسائبةِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: البحائرُ السُّيَّبُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2019\"></span><span data-type='title' id=toc-5105>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وحرَّمنا من قبلك يا محمدُ على اليهودِ ما أَنْبَأْناك به من قبلُ في سورةِ \"الأنعامِ\"؛ وذاك ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ (^٣) [الأنعام: ١٤٦].\n﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بتحريمِنا ذلك عليهم، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. فجزَيناهم ذلك ببغيِهم على ربِّهم، وظلمِهم أنفسَهم بمعصيتِهم (^٤) اللهَ، فأورَثهم ذلك عقوبةَ اللهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٢٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٤ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) فى م: \"السوائب\".\n(^٣) تقدم في ٩/ ٦٣٨.\n(^٤) فى م: \"بمعصية\".","vol":"14","page":391},{"text":"﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: فى سورةِ \"الأنعامِ\" (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: في سورةِ \"الأنعامِ\".\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: ما قصَّ اللهُ تعالى في سورةِ \"الأنعامِ\" حيثُ يقولُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية (^١).\n\n<span id=\"aya-2020\"></span><span data-type='title' id=toc-5106>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّك [يا محمدُ] (^٢) للذين عَصُوا اللهَ، فجهِلوا بركوبِهم ما ركِبوا من معصيةِ اللهِ، وسَفِهوا بذلك، ثم راجَعوا طاعةَ اللهِ والندمَ عليها، والاستغفارَ والتوبةَ منها، من بعدِ ما سلف منهم ما سلَف من ركوبِ المعصيةِ، وأصلَح فعمِل بما يحبُّ اللهُ ويرضاه، ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾. يقولُ: إن ربَّك يا محمدُ من بعدِ توبتِهم لهم (^٣) ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-2021\"></span><span data-type='title' id=toc-5107>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن إبراهيمَ خليلَ اللهِ كان مُعَلِّمَ خَيْرٍ، يأتمُّ به أهلُ الهُدَى، ﴿قَانِتًا﴾. يقولُ: مُطيعًا للهِ، ﴿حَنِيفًا﴾. يقول: مستقيمًا على دينِ الإسلامِ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في م: \"له\".","vol":"14","page":392},{"text":"﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: [ولم يكنْ يُشْرِكُ] (^١) بِاللهِ شيئًا فيكونَ من أولياءِ أهلِ الشركِ به.\nوهذا إعلامٌ من اللهِ تعالى أهلَ الشركِ به من قريشٍ أن إبراهيمَ منهم برئٌ، وأنهم منه بُرآءُ.\n\n<span id=\"aya-2022\"></span>﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾. يقولُ: كان يُخْلِصُ الشكرَ للهِ فيما أنعَم عليه، ولا يَجْعَلُ معه في شكرِه فى نعمِه عليه شريكًا من الآلهةِ والأندادِ وغير ذلك، كما يَفْعَلُ مشركو قريشٍ، ﴿اجْتَبَاهُ﴾. يقولُ: اصطَفاه واختَاره لخُلَّتِه، ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: وأرشَده إلى الطريقِ المستقيمِ، وذلك دينُ (^١) الإسلامِ، لا اليهوديةُ ولا النصرانيةُ.\nوينحوِ الذي قلنا في معنى ﴿أُمَّةً قَانِتًا﴾ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني زكريا بنُ يحيى، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الأعمشِ، عن الحكمِ، عن يحيى بنِ الجزَّارِ، عن أبى العُبَيْدَيْنِ، أنه جاء إلى عبدِ اللهِ، فقال: من نسأَلُ إذا لم نَسْأَلُكَ؟ فكأَنَّ ابن مسعودٍ رقَّ له، فقال: أخبِرْني عن الأُمَّةِ. قال: الذي يُعلِّمُ الناسَ الخيرَ (^٢). (^٣)\n\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلَمةَ بنِ كُهَيلٍ، عن مسلمٍ البَطينِ، عن أبى العُبَيدينِ، أنه سأل عبدَ اللهِ بنَ\n_________\n(^١) فى م: \"ولم يك يشرك\"، وفى ف: \"وما أشرك\".\n(^٢) فى ت ٢: \"خير\"، وفي ص: \"حبر\".\n(^٣) أخرجه الطبراني (٩٠٠٧)، والحاكم ٤/ ٣٦١ من طريق الأعمش به مطولًا - وسقط من الطبراني: يحيى بن الجزار.","vol":"14","page":393},{"text":"مسعودٍ عن الأُمَّةِ القانتِ. قال: الأمَّةُ مُعلِّمُ الخيْرِ، والقانتُ المطيعُ للهِ ورسولِه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن منصورٍ -يعني ابن عبدِ الرحمنِ- عن الشَّعْبِيِّ، قال: ثنى فَرْوةُ بنُ نَوْفلٍ الأشجعيُّ، قال: قال ابنُ مسعودٍ: إن مُعاذًا كان أُمَّةٌ قانتًا للهِ حنيفًا. فقلتُ في نفسي: غلِط أبو عبدِ الرحمنِ، إنما قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ (^١)﴾. فقال: تدرى ما الأُمَّةُ، وما القانتُ؟ قلتُ: اللهُ أَعلمُ. قال: الأُمَّةُ الذي يُعلِّمُ الخيرَ، والقانتُ المطيعُ للهِ ولرسولِه، وكذلك كان معاذُ بنُ جَبَلٍ، كان (^٢) يُعلِّمُ الخيرَ، وكان مطيعًا للهِ ولرسولِه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ فِراسًا يُحدِّثُ عن الشَّعْبيِّ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أنه قال: إن معاذًا كان أُمَّةً قانتًا للهِ. قال: فقال رجلٌ من أشجعَ يُقالُ له: فَرْوةُ بنُ نوفلٍ: نَسِيَ، إنما ذاك إبراهيمُ. قال: فقال عبدُ اللهِ: مَن نَسِيَ؟ إنما كنا نُشَبِّهُه بإبراهيمَ. قال: وسُئِل عبدُ اللهِ عن الأمَّةِ، فقال: معلِّمُ الخيرِ، والقانتُ المطيعُ للهِ ورسولِه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن فِراسٍ، عن الشَّعْبيِّ، عن مسروقٍ، قال: قرأتُ عند عبدِ اللهِ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾. فقال: كان معاذٌ أُمَّةً قانتًا. قال: هل تدْرِى ما الأمةُ؟ الأُمةُ الذى يُعلِّمُ الناسَ الخيرَ، والقانتُ الذى يُطيعُ اللهَ ورسولَه (^٥).\n_________\n(^١) بعده فى م: \"كان أمة قانتا لله\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١.\n(^٣) أخرجه الطبراني (٩٩٤٧)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٣٠ من طريق ابن علية به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣٤ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤) أخرجه الطبراني (٩٩٤٤) من طريق شعبة به، وأخرجه أيضًا (٩٩٤٦) من طريق شعبة، عن مجالد وبيان أو أحدهما، عن الشعبي به.\n(^٥) أخرجه الطبراني (٩٩٤٣) من طريق الثورى به.","vol":"14","page":394},{"text":"حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ، قال: ثنا بَيَانُ بنُ بِشْرٍ البَجَليُّ، الشَّعْبيِّ، قال: قال عبدُ اللهِ: إن معاذًا كان أمةً قانتًا للهِ حنيفًا ولم يكُ من المشركين. فقال له رجلٌ: نسيتَ؟ قال: لا، ولكنَّه شبيهُ (^١) إبراهيمَ (^٢). والأُمَّةُ معلِّمُ الخيرِ، والقانتُ المطيعُ.\nحدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ الكِنْديُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن ابنِ عونٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾. قال: مطيعًا.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: إن معاذًا كان أمةً قانتًا معلِّمَ الخيرِ (^٣). وذكِر فى الأمَّةِ أشياءُ مختلَفٌ فيها، قال: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]. يعني: بعد حينٍ. ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن سعيدِ بنِ سابقٍ، عن ليثٍ، عن شَهْرِ ابن حَوْشَبٍ، قال: لم تَبْقَ الأرضُ إلا وفيها أربعةَ عشَرَ يَدْفَعُ اللهُ بهم عن أهلِ الأرضِ، وتُخْرِجُ بركتَها، إلا زمنَ إبراهيمَ، فإنه كان وحدَه (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: أخبَرنا هُشَيمٌ، قال: أَخبَرنا سَيَّارٌ، عن الشعبيِّ، قال: وأخبَرنا زكريا ومُجالِدٌ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن ابنِ مسعودٍ نحوَ حديثِ يعقوبَ، عن ابنِ عُلَيةَ، وزاد فيه: الأُمَّةُ الذي يُعلِّمُ الخيرَ، ويُؤْتَمُّ به،\n_________\n(^١) في ت ٢: \"تشبيه\".\n(^٢) في ت ١: \"بإبراهيم\".\n(^٣) أخرجه الطبراني (٩٩٥٠) من طريق أبى بكر بن عياش وحماد بن شعيب، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود به.\n(^٤) عزاء السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٤ إلى المصنف.","vol":"14","page":395},{"text":"ويُقْتَدَى به، والقانتُ المطيعُ للهِ وللرسولِ. قال له أبو فَرْوةَ الكنديُّ: إنك أَوْهَمْتَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾: [على حِدَةٍ] (^٢)، ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾. قال: مُطيعًا (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: مُطيعًا للهِ في الدنيا.\nقال ابنُ جريجٍ: وأخبَرنى ابنُ (^٤) عُوَيْمرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه قال: ﴿قَانِتًا﴾ مُطِيعًا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾. قال: كان إمامَ هُدًى مُطِيعًا لله، تُتَّبَعُ سنتُه وملتُه (^٥).\nحدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أن ابنَ مسعودٍ قال: إن معاذًا كان أمةً قانتًا. قال غيرُ قتادةَ: قال ابنُ مسعودٍ: هل تَدْرُون ما الأُمَّةُ؟ الذي يُعَلِّمُ الخيرَ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن\n_________\n(^١) في م: \"وهمت\". والأثر أخرجه الطبراني (٩٩٤٥، ٩٩٤٩)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٢٣٠ من طريق هشيم، عن سيار به.\n(^٢) في ت ١: \"وحده\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٢٦.\n(^٤) سقط من: م، وتقدم هذا الإسناد فى ٥/ ٣٠٩، وينظر الثقات ٧/ ٦٢٧.\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":396},{"text":"فراسٍ: عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، قال: قُرِئَتْ (^١) عندَ عبدِ اللهِ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾. فقال: إن مُعاذًا كان أمةً قانتًا. قال: فأعادوا، فأعاد عليهم، ثم قال: أَتَدْرُون ما الأُمَّةُ؟ الذى يُعَلِّمُ الناسَ الخيرَ، والقانتُ الذي يُطِيعُ اللهَ (^٢).\nوقد بيَّنا معنى الأمةِ (^٣) ووجوهَها (^٤)، ومعنى القانتِ، باختلافِ المختلِفين فيه، فى غيرِ هذا الموضعِ مِن كتابِنا بشواهدِه، فأغْنَى بذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ.\n\n<span id=\"aya-2023\"></span><span data-type='title' id=toc-5108>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وآتيْنا إبرهيمَ -على قنوتِه للهِ، وشكرِه له على نعمِه، وإخلاصِه العبادةَ له- فى هذه الدنيا ذكرًا حسنًا، وثناءً جميلًا باقيًا على الأيامِ، ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. يقولُ: وإنه فى الدارِ الآخرةِ يومَ القيامةِ لَممَّن صلَح أمرُه وشأنُه عندَ اللهِ، وحسُنَت منه (^٥) منزلتُه وكرامتُه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) في م: \"قرأت\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق، ١/ ٣٦٠، ٣٦١، ومن طريقه الحاكم ٢/ ٣٥٨.\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"الآية\".\n(^٤) تقدم في ١/ ٢٢٤، ٢/ ٥٨٨.\n(^٥) فى م: \"فيها\".","vol":"14","page":397},{"text":"﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾. قال: لسانَ صدقٍ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: فليس مِن أهلِ دينٍ إلا يَتَوَلَّاه ويَرْضاه (^٢).\n\n<span id=\"aya-2024\"></span><span data-type='title' id=toc-5109>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ثم أوْحَيْنا إليك يا محمدُ، وقلْنا لك: اتَّبِعْ ملةَ إبراهيمَ الحنيفيةَ المسلمةَ، ﴿حَنِيفًا﴾. يقولُ: مسلمًا على الدينِ الذي كان عليه إبراهيمُ، بريئًا من الأوثانِ والأندادِ التي يَعْبُدُها قومُك، كما كان إبراهيمُ تبرَّأ منها.\n\n<span id=\"aya-2025\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما فرَض اللهُ أيُّها الناسُ تعظيمَ يومِ السبتِ إلا على الذين اخْتَلَفوا فيه؛ فقال بعضُهم: هو أعظمُ الأيامِ؛ لأن اللهَ تعالى فرَغ مِن خلقِ الأشياءِ يومَ الجمعةِ، ثم سبَت يومَ السبتِ. وقال آخرون: بل أعظمُ الأيامِ يومُ الأحدِ؛ لأنه اليومُ الذى ابْتَدَأ اللهُ فيه فى (^٣)\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٢٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٤ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"14","page":398},{"text":"خلقِ الأشياءِ. [فاخْتارُوا تعظيمَه وترَكوا] (^١) تعظيمَ يومِ الجُمُعةِ الذى فرَض اللهُ عليهم تعظيمَه، واسْتَحَلُّوه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: اتَّبَعوه وترَكوا الجُمُعةَ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾. قال: أرادوا الجُمعة فأخْطَئوا، فأخَذُوا السبتَ مكانَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: اسْتَحَلَّه بعضُهم، وحرَّمه بعضُهم.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ وسعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. قال: باستحلالِهم يومَ السبتِ (^٣).\n_________\n(^١) فى ص، ت ٢، ف: \"فاختاروه\"، وفى م: \"فاختاروه وتركوا\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٢٧، وهو في تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٦٢، عن معمر، عمن سمع مجاهدًا، عن مجاهد بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ١٣٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":399},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. قال: كانوا يَطْلُبون يومَ الجمعةِ فأَخْطَئوه، وأخَذوا يومَ السبتِ، فجعَله عليهم.\nوقولُه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّك يا محمدُ لَيَحْكُمُ بين هؤلاء المختلِفِين بينَهم في استحلالِ السبتِ وتحريمِه، عندَ مصيرِهم إليه يومَ القيامةِ، فيَقْضِي بينَهم في ذلك وفى غيرِه مما كانوا فيه يَخْتَلِفون فى الدنيا بالحقِّ، ويَفْصِلُ بالعدلِ، بمُجازاةِ المُصيبِ فيه جزاءَه، والمُخطئِ فيه منهم ما هو أهلُه.\n\n<span id=\"aya-2026\"></span><span data-type='title' id=toc-5110>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ادْعُ يا محمدُ من أرْسَلك إليه ربُّك بالدعاءِ إلى طاعتِه، ﴿إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾. يقولُ: إلى شريعةِ ربِّك التي شرَعَها لخلقِه، وهو الإسلامُ، ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾. يقولُ: بوحيِ اللهِ الذى يُوحِيه إليك، وكتابِه الذي يُنْزِلُه عليك، ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. يقولُ: وبالعِبَرِ الجميلةِ التي جعَلها اللهُ حُجَّةً عليهم في كتابِه، وذكَّرهم بها في تنزيلِه، كالتي عدَّد عليهم في هذه السورةِ مِن حُجَجِه، وذكَّرهم فيها ما ذكَّرهم مِن آلائِه، ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. يقولُ: وخاصِمْهم بالخصومةِ التي هي أحسنُ من غيرِها؛ أن تَصْفَحَ عما نالوا به عِرْضَك من الأذى، ولا تَعْصِه في القيامِ بالواجبِ عليك مِن تبليغِهم رسالةَ ربِّك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.","vol":"14","page":400},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثني عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: أَعْرِضْ عن أذاهم إياك (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إن ربَّك يا محمدُ هو أعلمُ بمَن جار (^٢) عن قصد السبيلِ مِن المختلِفين في السبتِ وغيرِه من خلقِه، وحادَّ (^٣) اللهَ، وهو أعلمُ بمن كان منهم سالكًا قصدَ السبيل، ومحَجَّةَ الحقِّ، وهو مُجازٍ جميعَهم جزاءَهم عندَ ورودِهم عليه.\n\n<span id=\"aya-2027\"></span><span data-type='title' id=toc-5111>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه للمؤمنين: وإن عاقَبْتُم أيُّها المؤمنون مَن ظَلَمَكم واعْتَدَى عليكم، فعاقِبوه بمثلِ الذى نالَكم به ظالمُكم من العقوبةِ، ولئن صبَرْتُم عن عقوبتِه، واحْتَسَبْتُم عندَ اللهِ ما نالكم به مِن الظلمِ، ووكَلْتُم أمرَه إليه، حتى يكونَ هو المتولِّىَ عقوبتَه، ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. يقولُ: لَلصَّبرُ عن عقوبتِه، لذلك (^٤) خيرٌ لأهلِ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٢٧، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ١٣٥ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) فى ت ١، ت ٢: \"حاد\".\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"عاد\".\n(^٤) في م: \"بذلك\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"كذلك\".","vol":"14","page":401},{"text":"الصبرِ احتسابًا وابتغاءَ ثوابِ اللهِ؛ لأن اللهَ يُعَوِّضُه مِن الذى أراد أن يَنالَه، بانتقامِه من ظالمِه على ظلمِه إياه، من لذةِ الانتصارِ.\nو\"هو\" مِن قولِه: ﴿لَهُوَ﴾ كنايةٌ عن الصبر، وحسُن ذلك، وإن لم يَكُنْ ذكَر قبلَ ذلك الصبرَ؛ لدَلالةِ قولِه: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾. عليه.\nوقد اخْتلَف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذي مِن أجلِه نزَلَت هذه الآيةُ. وقيل: هي منسوخةٌ أو مُحْكَمةٌ؛ فقال بعضُهم: نزلَت من أجلِ أن رسولَ اللهِ ﷺ وأصحابَه أَقْسَموا حينَ فعَل المشركون يومَ أُحُدٍ ما فعَلوا بقَتْلَى المسلمين، من التمثيلِ بهم، أن يُجاوِزوا فعلَهم فى المُثْلةِ بهم، إن رُزِقوا الظَّفَرَ عليهم يومًا، فنهاهم اللهُ عن ذلك بهذه الآية، وأمَرَهم أن يَقْتَصِروا في التمثيلِ بهم، إن هم ظفِروا (^١)، على مثلِ الذى كان منهم، ثم أمرَهم بعدَ ذلك بتركِ التمثيلِ، وإيثارِ الصبرِ عنه بقولِه: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. فنسَخ بذلك عندَهم ما كان أذِن لهم فيه مِن المُثْلَةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعْتُ داودَ، عن (^٢) عامرٍ، أن المسلمين قالوا لمَّا مثَّل (^٣) المشركون بقَتْلاهم يومَ أُحُدٍ: لَئِن ظَهَرْنا عليهم لنَفْعَلَنَّ ولَنَفْعَلَنَّ. فأنْزَل اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. قالوا: بل نَصْبِرُ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ،\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"بهم\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ابن\".\n(^٣) فى م: \"فعل\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"قتل\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٨٩ من طريق داود به.","vol":"14","page":402},{"text":"قال: لمَّا رأَى المسلمون ما فعَل المشركون بقَتْلاهم يومَ أُحُدٍ، مِن تَبْقيرِ البُطونِ، وقطعِ المذَاكيرِ، والمُثْلَةِ السيئةِ، قالوا: لئِن أظْفَرَنا اللهُ بهم، لَنَفْعَلَنَّ ولَنَفْعَلَنَّ. فأنْزَل اللهُ فيهم: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، قال: نزَلَت سورةُ \"النحلِ\" كلُّها بمكةَ، وهى مكيةٌ، إلا ثلاثَ آياتٍ فى آخرِها نزَلَت بالمدينةِ (^١) بعدَ أُحُدٍ، حيثُ قُتِل حمزةُ ومُثِّل به، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لئن ظهَرْنا عليهم، لنُمَتِّلَنَّ بثلاثين رجلًا منهم\". فلمَّا سمِع المسلمون بذلك، قالوا: واللهِ لئن ظهَرْنا عليهم لنَمُثِّلَنَّ بهم مُثْلةً لم يُمَثِّلْها أحدٌ مِن العربِ بأحدٍ قطُّ. فأنزَل اللهُ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ إلى آخر السورةِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾. قال: [مُثِّلَ بالمسلمينَ] (^٣) يومَ أحدٍ، فقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾. إلى قولِه: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. ثم قال بعدُ: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: لما أُصِيب فى أهلِ أحدٍ المَثْلُ، فقال المسلمون: لئن أصَبْناهم لنُمثِّلَنَّ بهم. فقال اللهُ:\n_________\n(^١) فى م: \"في المدينة\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٥ إلى المصنف وابن إسحاق.\n(^٣) فى ص، ت ٢، ف: \"المسلمين\"، وفى م: \"المسلمون\". والمثبت من تفسير عبد الرزاق.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٦١ عن معمر به.","vol":"14","page":403},{"text":"﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾، [فلم تُعاقِبوا] (^١)، ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. ثم عزَم وأخبرَ فلا يُمثَّلُ (^٢)، فنهَى عن المَثْلِ. قال: مثَّل الكفارُ بقتلَى أُحدٍ، إلا حنظلةَ بنَ الراهبِ، كان الراهبُ أبو عامرٍ مع أبي سفيانَ، فترَكوا حنظلةَ لذلك.\nوقال آخرون: نُسِخ ذلك بقولِه فى \"براءةَ\": ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. قالوا: وإنما قال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾. [حينَ أمَر المؤمنين] (^٣) ألّا يبتدِئوهم (^٤) بقتالٍ حتى يبتدِئوهم (^٤) به، فقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠].\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾. قال: هذا [حين أمَر] (^٥) اللهُ نبيَّه أن يُقاتلَ مَن قاتَله. قال: ثم نزَلت \"براءةُ\" وانسلاخُ الأشهرِ الحُرُمِ. قال: فهذا مِن المنسوخِ (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) فى ت ١: \"تمثل\"، وفى ت ٢: \"تمثيل\".\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"خبرا من المؤمنين\"، وفي ت ٢: \"خيرا من المؤمنين\"، وفى م: \"خبر من الله للمؤمنين\". وينظر ما سيأتي.\n(^٤) في م: \"يبدءوهم\".\n(^٥) في ص، ف: \"خبرا من\"، وفى م، ت ١: \"خبر من\"، وفي ت ٢: \"خيرا من\". والمثبت كما في الدر المنثور.\n(^٦) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ١٣٥ إلى المصنف وابن مردويه.","vol":"14","page":404},{"text":"وقال آخرون: بل عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. نبيَّ اللهِ خاصّةً، دون سائرِ أصحابِه، فكان الأمرُ بالصبرِ له عزيمةً من اللهِ دونَهم.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾. قال: أمَرَهم اللهُ أن يَعفُوا عن المشركين، فأسلَم رجالٌ لهم مَنَعةٌ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، لو أذِن اللهُ لنا لانتصَرنا مِن هؤلاء الكلابِ. فنزل القرآنُ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. واصبِرْ أنتَ يا محمدُ، ولا تكنْ (^١) ممَّن ينتصِرُ، وما صبرُك إلا باللهِ. قال: ثم نسَخ هذا، وأمَره بجهادِهم، فهذا كلُّه منسوخٌ (^٢).\nوقال آخرون: لم يُعْنَ بهاتين الآيتين شيءٌ مما ذكَر هؤلاءِ، وإنما عُنِى بهما أنّ من ظُلِم بظُلامةٍ، فلا يحِلُّ له أن ينالَ [ممن ظلَمه] (^٣) أكثرَ ممّا نال الظالمُ منه. وقالوا: الآيةُ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن خالدٍ، عن ابنِ سيرينَ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) بعده في م: \"في ضيق\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) فى ص، ت ٢، ف: \"من ظلمه\"، وفي ت ١: \"من ظالمه\".","vol":"14","page":405},{"text":"إن أخَذ منك رجلٌ شيئًا، فخُذْ منه مثلَه (^١)\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: إن أخَذ منك شيئًا فخُذْ منه مثلَه. قال الحسنُ: قال عبدُ الرزاقِ: قال سفيانُ: ويقولون: إن أخذ منك دينارًا، فلا تأخُذْ منه إلا دينارًا، وإن أخَذ منك شيئًا، فلا تأخُذْ منه إلا مثلَ ذلك الشيءِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾: لا تعتَدُوا (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذِكرُه أمَر من عُوقِب مِن المؤمنين بعقوبةٍ، أن يعاقِبَ مَن عاقَبه بمثلِ الذى عُوقِب به، إن اختار عقوبتَه، وأعلَمه أن الصبرَ على تركِ عقوبتِه، على ما كان منه إليه، خيرٌ، وعزَم على نبيِّه ﷺ أن يصبرَ، وذلك أن ذلك هو ظاهرُ التنزيلِ، والتأويلاتُ التي ذكَرناها عمّن ذكَروها عنه، محتمِلتُها الآيةُ كلَّها. فإذ كان ذلك كذلك، ولم يكنْ في الآيةِ دلالةٌ على أيِّ (^٤) ذلك عُنِى بها من خبرٍ ولا عقلٍ، كان الواجبُ علينا الحكمَ بها، إلى\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٦١، وأخرجه ابن أبى شيبة ٧/ ٢٢٥ من طريق خالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٦١.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٢٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٥ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أن\".","vol":"14","page":406},{"text":"باطنٍ (^١) لا دَلالةَ عليه، وأن يقالَ: هي آيةٌ محكمةٌ، أمَر اللهُ تعالى ذِكرُه عبادَه أَلَّا يتجاوَزُوا فيما وجَب لهم قبلَ غيرهم من حقٍّ، من مالٍ أو نفسٍ -الحقَّ الذي جعَله اللهُ لهم (^٢) إلى غيره. وأنها غيرُ منسوخةٍ، إذ كان لا دَلالةَ على نسخِها، وأن للقولِ (^٣) بأنها محكمةٌ، وجهًا صحيحًا مفهومًا.\n\n<span id=\"aya-2028\"></span><span data-type='title' id=toc-5112>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واصبِرْ يا محمدُ على ما أصابَك مِن أذًى فى اللهِ، ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. يقولُ: وما صبرُك إن صبَرتَ إلا بمعونةِ اللهِ وتوفيقِه إياك لذلك، ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: ولا تحزَنْ على هؤلاءِ المشركين الذين يُكذِّبونك، ويُنكِرون ما جئتَهم به في آنِ ولَّوا عنك وأعرَضوا عمّا أتيتَهم به من النصيحةِ، ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾. يقولُ: ولا يَضِيقُ (^٤) صدُرك بما يقولون من الجهلِ، ونسبتِهم ما جئتَهم به إلى أنه سحرٌ أو شِعرٌ أو كهانةٌ، ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾: مما يحتالون بالخدعِ في الصدِّ عن سبيلِ اللهِ مَن أراد الإيمانَ بك، والتصديقَ بما أنزَل اللهُ إليك.\nواختلَفت القرأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامَّةُ قرأةِ العراقِ: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾. بفتحِ الضَّادِ من (^٥) \"الضَّيقِ\"، على المعنى الذى وصفتُ من\n_________\n(^١) فى م: \"ناطق\". ولعل صواب السياق: كان الواجب علينا الحكم بها، لا أن نحيل الحكم بها إلى باطن لا دلالة عليه. أو نحو هذا.\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"له\".\n(^٣) فى ت ١، ت ٢، ف: \"القول\".\n(^٤) فى م: \"يضق\".\n(^٥) في م: \"في\".","vol":"14","page":407},{"text":"تأويلِه.\nوقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (ولا تكُ فى ضِيقٍ)، بكسرِ الضادِ (^١).\nوأولى القراءتين بالصوابِ فى ذلك عندَنا قراءةُ مَن قرَأه: ﴿فِي ضَيْقٍ﴾. بفتحِ الضادِ؛ لأنَّ الله تعالى إنما نهَى نبيَّه ﷺ أن يَضيقَ صدرُه مما يَلقَى مِن أذى المشركين، على تبليغِه إياهم وحيَ اللهِ وتنزيلَه، فقال له: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ [الأعراف: ٢]. وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢]. وإذ كان ذلك هو الذى نهاه تعالى ذِكرُه، ففَتْحُ الضادِ هو الكلامُ المعروفُ من كلامِ العربِ فى ذلك المعنى، تقولُ العربُ: فى صدرى مِن (^٢) هذا الأمرِ ضَيقٌ. وإنما تُكسرُ الضادُ في الشيءِ الذى يتَّسِعُ أحيانًا ويضيقُ؛ من قلَّةِ المعاشِ، وضيقِ المسكنِ، ونحوِ ذلك، فإن وقَع الضَّيقُ، بفتحِ الضادِ، فى موقعِ (^٣) الضِّيقِ بالكسرِ، كان على أحدِ وجهين؛ إما على جميعِ (^٤) الضِّيقةِ (^٥)، كما قال أعشى بنى ثعلبةَ (^٦):\nفَلَئنْ رَبُّكَ مِن رحمتِه … كشَف الضِّيقةَ عنّا وفسَحْ\nوالآخرُ على تخفيفِ الشيءِ الضَّيِّقِ، كما يخفَّفْ الهيِّنُ الليِّنُ، فيقالُ: هو\n_________\n(^١) بفتح الضاد قرأ نافع وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وبكسر الضاد قرأ ابن كثير، ينظر حجة القراءات ص ٣٩٥، والقراءتان متواترتان، لا تفاضل بينهما.\n(^٢) في ص، ف: \"عن\".\n(^٣) فى م: \"موضع\".\n(^٤) فى م: \"جمع\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الصفة\".\n(^٦) ديوانه ص ٢٣٧.","vol":"14","page":408},{"text":"هَيْنٌ لَيْنٌ.\n\n<span id=\"aya-2029\"></span><span data-type='title' id=toc-5113>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: و(^١) إن الله يا محمدُ ﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ اللهَ في محارمِه فاجتنَبوها، وخافوا عقابَه عليها، فأحجَموا عن التقدُّمِ عليها، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. يقولُ: وهو مع الذين يُحسِنون رعايةَ فرائضِه، والقيامَ بحقوقِه، ولزومَ طاعتِه فيما أمَرهم به ونهاهم عنه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. قال: اتَّقَوُا اللهَ فيما حرَّم عليهم، وأحسَنوا فيما افترَض عليهم.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ (^٢)، عن رجلٍ، عمر الحسنِ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكر لنا أن هَرِمَ ابنَ حَيَّانَ العَبْديَّ لما حضَره الموتُ، قيل له: أوصِ. قال: ما أدرى ما أُوصِى، ولكنْ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) كذا فى النسخ، وفى تفسير عبد الرزاق: \"الثورى\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٦٤ عن الثورى، عن رجل، عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣٥ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":409},{"text":"بِيعُوا دِرْعِي، فاقْضُوا عَنِّى دَيْنِي، فإن لم يَفِ (^١)، فبيعوا فَرَسى، فإن لم تَفِ (^٢) فبيعوا غُلامِي، وأُوصيكم بخواتيمِ سورةِ \"النحلِ\": ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ لمّا نزَلت هذه الآيةُ قال: \"بَلْ نَصْبِرُ\" (^٣).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"النحلِ\"\n_________\n(^١) في م: \"تف\".\n(^٢) فى م: \"يف\".\n(^٣) أخرجه ابن سعد ٧/ ١٣٢ من طريق سعيد بن أبي عروبة به، وأخرجه أحمد في الزهد ص ٢٣١، وأبو نعيم في الحلية ٢/ ١٢١ من طريق شيبان عن قتادة به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٦٢، ٥٦٣، وهناد في الزهد ١/ ٢٩٢ (٥١٢)، وأحمد في الزهد ص ٢٣٣ من طرق عن هرم بن حيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣٥، ١٣٦ إلى سعيد بن منصور وأبن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":410},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5114>تفسيرُ سورةِ بنى إسرائيلَ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-2030\"></span><span data-type='title' id=toc-5115>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ </span>(١)﴾.\nقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ الطبريُّ: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾: تنزيهًا للذى أسرَى بعبدِه وتَبْرئةً له مما يقولُ فيه المشركون مِن أنَّ له مِن خلقِه شريكًا، وأن له صاحبةً، وولدًا، وعلوًّا له وتعظيمًا عما أضافوه إليه، ونسَبوه من جهالاتِهم وخطأِ أقوالِهم.\nوقد بيَّنتُ فيما مضَى قبلُ أن قولَه: ﴿سُبْحَانَ﴾. اسمٌ وُضِع موضعَ المصدرِ، فنُصِب لوُقوعِه موقعَه، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nوقد كان بعضُهم يقولُ: نُصِب لأنه غيرُ موصوفٍ.\nوللعربِ في التسبيحِ أماكنُ تَسْتَعْمِلُه فيها؛ فمنها الصلاةُ، كان كثيرٌ من أهلِ التأويلِ يتأوَّلُون قولَ اللهِ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣]: فلولا أنه كان مِن المصلِّين.\nومنها الاستثناءُ، كان بعضُهم يتأَوَّلُ قولَ اللهِ تعالى: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ٥٢٨.","vol":"14","page":411},{"text":"تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨]: لولا تَسْتَثْنون. ويَزْعُمُ أن ذلك لغةٌ لبعضِ أهلِ اليمنِ، ويَسْتَشْهِدُ لصحةِ تأويلِه ذلك بقولِه: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٧، ١٨]. قال: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ فذكَّرهم تركَهم الاستثناءَ.\nومنها النورُ، وكان بعضُهم يتأوّلُ في الخبرِ الذي رُوِى عن النبيِّ ﷺ: \"لولا ذلك لأحْرَقَت سُبُحاتُ وجهِه ما أدرَكَت مِن شيءٍ\" (^١). أنه عنَى بقولِه: \"سُبُحاتُ وجهِه\": نورُ وجهِه.\nوبنحو الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن عثمانَ بنِ مَوْهَبٍ، عن موسى بن طلحةَ، عن النبيِّ ﷺ، أنه سُئِلَ عن التسبيحِ أن يقولَ الإنسانُ: سبحانَ اللهِ. قال: \"إنزاهُ (^٢) اللهِ عن السُّوءِ\" (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبدةُ بنُ سليمانَ، عن الحسنِ بنِ صالحٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: سبحان اللهِ. قال: إنكافُ اللهِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٤٩٣)، وأحمد ٤/ ٣٩٥، ٤٠١، ٤٠٥ - الميمنية، ومسلم (١٧٩). وينظر تخريجه في مسند الطيالسي.\n(^٢) في ص، ت ٢: \"ابراه\"، وفى ت ١: \"ابراء\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٢/ ١٢٧.\n(^٤) إنكاف الله: أى تنزيهه وتقديسه. النهاية ٥/ ١١٦.\nوالأثر أخرجه الطبرانى فى الدعاء (١٧٦٣) من طريق الحسن بن صالح به.","vol":"14","page":412},{"text":"وقد ذكَرنا من الآثارِ في ذلك ما فيه الكفايةُ فيما مضَى من كتابِنا هذا قبلُ (^١).\nوالإسراءُ والسُّرَى: سيرُ الليلِ. فمن قال: أسرَى. قال: يُسْرى إسراءً. ومن قال: سَرَى. قال: يَسْرِى سُرًى. كما قال الشاعرُ (^٢):\nوليلةٍ ذاتِ دُجًى سرَيتُ\nولم يَلِتْني عن سُراها لَيْتُ\nويُروى: ذاتِ ندًى سرَيتُ.\nويَعْنى بقولِه: ﴿لَيْلًا﴾: من الليلِ. وكذلك كان حُذيفةُ بنُ اليمانِ يَقْرَؤُها.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: سمِعتُ أبا بكرِ بنَ عياشٍ، ورجلٌ يُحدِّثُ عندَه (^٣) بحديثِ حينَ أُسرى بالنبيِّ ﷺ، فقال له: لا تَجِيءُ بمثلِ عاصمٍ ولا زِرٍّ، قال: قرَأ حذيفةُ: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ مِن اللَّيْلِ مِن المسجِدِ الْحَرَامِ إِلى المَسْجِدِ الأقْصَى). وكذا قرَأ عبدُ اللهِ (^٤).\nوأمَّا قولُه: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. فإنه اختُلِف فيه وفي معناه؛ فقال بعضُهم: يَعْنى مِن الحَرَمِ. وقال: الحرمُ كلُّه مسجدٌ. وقد بَيَّنَّا ذلك في غيرِ موضعٍ من كتابِنا هذا (^٥). وقال: ذُكِر (^٦) أن النبيَّ ﷺ كان ليلةَ أُسْرِى به إلى المسجدِ الأقصَى كان نائمًا فى بيتِ أمِّ هانئٍ ابنةِ أبي طالبٍ.\n_________\n(^١) تقدم في ١٢/ ١٢٧، ١٢٨.\n(^٢) البيتان في اللسان (ل ي ت)، (ح ن ن) منسوبين في الموضع الثاني لأبي محمد الفقعسى.\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"عنه\".\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ١٣٦ إلى المصنف، ولم يذكر قراءة ابن مسعود، وقراءة ابن مسعود في البحر المحيط ٦/ ٥. وسيأتى مطولا في ص ٤٤٤، ٤٤٥.\n(^٥) تقدم في ٣/ ٤٣٨ - ٤٤٢.\n(^٦) فى م: \"وقد ذكر لنا\".","vol":"14","page":413},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةَ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثني محمدُ بنُ السائبِ، عن أبي صالحٍ باذانَ (^١)، عن أمِّ هانئٍ بنتِ أبي طالبٍ، في مَسْرَى النبيِّ ﷺ أنها كانت تقولُ: ما أُسرِى برسولِ اللهِ ﷺ إلا وهو في بيتي نائمٌ عندى تلك الليلةَ، فصلى العشاءَ الآخرةَ، ثم نام ونِمنا، فلما كان قُبَيلُ الفجرِ، أهبَّنا (^٢) رسولُ اللهِ ﷺ، فلما صلَّى الصبحَ وصلَّينا معه قال: \"يا أمَّ هانئٍ، لقد صلَّيتُ معكم العشاءَ الآخرةَ كما رأيتِ بِهذا الوادى، ثم جئتُ بيتَ المقدسِ فصلَّيتُ فيه، ثم صلَّيتُ صلاةَ الغداةِ معكم الآنَ كما تَرَيْن\" (^٣).\nوقال آخرون: بل أُسرى به من المسجدِ، وفيه كان حينَ أُسرِى به.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ [وابنُ أبى] (^٤) عديٍّ، عن سعيدِ ابنِ أبي عروبةَ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن [مالكِ بنِ] (^٥) صَعْصَعةَ (^٦) رجلٍ مِن\n_________\n(^١) فى م: \"بن باذام\".\n(^٢) أهبنا: أيقظنا. ينظر اللسان (هـ ب ب).\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٤٠٢ قال ابن إسحاق: وكان فيما بلغنى عن أم هانئ. وعزاه الحافظ في الإصابة ٨/ ١٣٨ إلى أبي موسى فى الذيل من طريق الكلبى به. وأخرجه أبو يعلى -كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٣٩ - من طريق يحيى بن أبي عمرو الشَّيباني، عن أبي صالح، عن أم هانئ، بأبسط من هذا السياق.\nوقال الحافظ: وهذا أصح من رواية الكلبي؛ فإن في روايته من المنكر، أنه صلى العشاء الآخرة والصبح معهم وإنما فرضت الصلاة ليلة المعراج، وكذا نومه الليلة فى بيت أم هانئ، وإنما نام فى المسجد.\n(^٤) في م: \"بن\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٦) بعده في م: \"وهو\".","vol":"14","page":414},{"text":"قومِه، قال: قال نبيُّ اللهِ ﷺ: \"بينا (^١) أنا عندَ البيتِ بينَ النائمِ واليقظانِ، إذ سمِعتُ قائلًا يقولُ: أحدُ الثلاثةِ. فأُتيتُ بطَستٍ مِن ذهَبٍ فيها من ماءِ زمزمَ، فشرَح صدرى إلى كذا وكذا\". قال قتادةُ: قلتُ: ما يعني به؟ قال: إلى أسفلِ بطنِه. قال: \"فاستُخرِج قلبي، فغُسِل بماءِ زمزمَ، ثم أُعيد مكانَه، ثم (^٢) حُشِى إيمانًا وحكمةً، ثم أُتيتُ بدابةٍ أبيضَ (^٣) يُقالُ له: البراقُ. فوقَ الحمارِ ودونَ البغلِ، يَقَعُ خَطْوُه أقصى (^٤) طرْفِه، فحُمِلتُ عليه، ثم انطلَقنا حتى أتَيْنا (^٥) السماءَ الدنيا\"، ثم ذكَر الحديثَ (^٦).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، [عن مالكٍ، يعنى] (^٧) ابن صعصعةَ، رجلٍ مِن قومِه، عن النبيِّ ﷺ نحوَه.\nحدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صعصعةَ، رجلٍ من قومِه، قال: قال نبيُّ اللهِ ﷺ. ثم ذكَر نحوَه (^٨).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال محمدُ بنُ إسحاقَ: ثني عمرُو (^٩)\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) فى ت ١، ت ٢، ف: \"حتى\".\n(^٣) بعده فى م: \"وفى رواية أخرى: بدابة بيضاء\".\n(^٤) في م: \"منتهى\".\n(^٥) بعده فى م: \"إلى بيت المقدس فصليت فيه بالنبيين والمرسلين إماما، ثم عرج بي إلى\".\n(^٦) أخرجه الترمذى (٣٣٤٦)، وابن خزيمة (٣٠١) من طريق محمد بن بشار به، وأخرجه أحمد ٢٩/ ٣٨١ (١٧٨٣٧)، والبخارى (٣٢٠٧)، والنسائى فى الكبرى (٣١٣) من طريق سعيد به. وأخرجه أحمد ٢٩/ ٣٧٠، ٣٧٣ (١٧٨٣٣، ١٧٨٣٤)، والبخارى (٣٨٨٧)، ومسلم (١٦٤/ ٢٦٥) من طريق قتادة به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٤٠ إلى ابن مردويه.\n(^٧) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٨) أخرجه مسلم (٢٦٤)، وأبو عوانة ١/ ١٢٠ من طريق ابن المثنى به.\n(^٩) في ف: \"محمد\".","vol":"14","page":415},{"text":"ابنُ عبيدٍ (^١)، عن الحسنِ بنِ أبي الحسنِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"بينا أنا نائمٌ في الحِجْرِ جاءَنى جبريلُ، فهمَزنى بقدَمِه (^٢)، فجلَستُ فلم أرَ شيئًا، فَعُدْتُ لمَضْجَعي، فجاءَني الثانيةَ، فهمَزنى بقدمِه، فجلَستُ فلم أرَ شيئًا، فَعُدْتُ لمَضْجَعي، فجاءَنِي الثالثةَ (^٣)، فهمَزنى بقدَمِه، فجلَستُ، فَأَخَذَ بعَضُدى فقُمْتُ معه، فخرَج بي (^٣) إلى بابِ المسجدِ، فإذا دابةٌ أبيضُ (^٤) بينَ الحمارِ والبغلِ، له في فَخِذَيه جناحان يَحْفِرُ (^٥) بهما رجلَيه، يَضَعُ يدَه في منتهى طرْفِه، فحمَلني عليه ثم خرَج معى (٣) لا يفوتُنى ولا أفوتُه\" (^٦).\nحدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، عن سليمانَ (^٧) بنِ بلالٍ، عن شَريكِ بنِ أبى نمرٍ، قال: سمِعتُ أنسًا يُحَدِّثُنا عن ليلةِ المَسْرَى برسولِ اللهِ ﷺ من مسجدِ الكعبةِ، أنه جاءه ثلاثةُ نفرٍ قبلَ أن يُوحَى إليه، وهو نائمٌ في المسجدِ الحرامِ، فقال أوّلُهم: أيُّهم هو؟ قال أوسطُهم: هو خيرُهم. فقال أحدُهم: خُذُوا خيرَهم. فكانت تلك الليلةَ، فلم يَرَهم حتى جاءوا ليلةً أخرى فيما يرَى قلبُه (^٨)، والنبيُّ ﷺ تنامُ عيناه ولا ينامُ قلبُه، وكذلك الأنبياءُ تنامُ أعينُهم ولا تنامُ قلوبُهم. فلم يُكَلِّموه حتى احتَمَلوه فوضَعوه عند بئرِ زمزمَ، فتولاه منهم جبريلُ عليه\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"عبد\"، وفى م: \"عبد الرحمن\"، وبعده في ت ٢، ف: بياض.\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"برجله\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) فى م: \"بيضاء\".\n(^٥) يحفز: يدفع. اللسان (ح ف ز).\n(^٦) سيرة ابن هشام ١/ ٣٩٧ عن ابن إسحاق قال: حدثت عن الحسن. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٥٧ إلى ابن المنذر.\n(^٧) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"سلمان\". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٣٧٢.\n(^٨) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ثلاثة\".","vol":"14","page":416},{"text":"السلامُ، فشقَّ ما بينَ نحرِه إلى لَبَّتِهِ، حتى فرَغ من صدرِه وجوفِه، فغسَله مِن ماءِ زمزمَ حتى أنقَى جوفَه، ثم أتى بطَستٍ مِن ذهبٍ فيه تَوْرٌ (^١) محشوًّا (^٢) إيمانًا وحكمةً، فحشا به جوفَه وصدرَه ولغادِيدَه (^٣)، ثم أطبَقه (^٤) ثم عرَج به إلى السماءِ الدنيا، فضرَب بابًا مِن أبوابِها، فناداه أهلُ السماءِ: مَن هذا؟ قال: هذا جبريلُ. قيل: مَن معك؟ قال: محمدٌ. قال (^٥): أو قد بُعِث إليه؟ قال: نعم. قالوا (^٦): فمرحبًا به وأهلًا. فيَسْتَبشِرُ به أهلُ السماءِ، لا يَعْلَمُ أهلُ السماءِ بما يريدُ اللهُ في (^٧) الأرضِ حتى يُعْلِمَهم، فوجَد في السماءِ الدنيا آدمَ، فقال له جبريلُ: هذا أبوك. فسلَّم عليه، فردَّ عليه، فقال: مرحبًا بك وأهلًا بابنى، فنعم الابنُ أنت. [ثم مضَى به إلى السماءِ الثانيةِ، فإذا هو فى السماءِ الثانيةِ] (^٨) بنهرَين يَطَّرِدان (^٩)، فقال: ما هذان النهران يا جبريلُ؟ قال: هذا النيلُ والفراتُ عنصرُهما (^١٠). ثم مضى (^١١) به إلى السماءِ الثالثةِ (^١٢)، فإذا هو\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف. والتور: إناء.\n(^٢) قال الحافظ في الفتح ١٣/ ٤٨١: \"كذا وقع بالنصب، وأعرب بأنه حال من الضمير الجار والمجرور، والتقدير: بطست كائن من ذهب. فنقل الضمير من اسم الفاعل إلى الجار والمجرور\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"وعاديده\". واللغاديد: عروق الحلق، كما في رواية البخارى.\n(^٤) بعده فى م: \"ثم ركب البراق فسار حتى أتى به إلى بيت المقدس فصلى فيه بالنبيين والمرسلين إمامًا\".\n(^٥) في م: \"قيل\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".\n(^٧) في م: \"بأهل\".\n(^٨) في م: \"ثم مضى به إلى السماء الثانية، فاستفتح جبرئيل بابا من أبوابها، فقيل: من هذا؟ فقال: جبرئيل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم قد أرسل إليه، فقيل مرحبا به وأهلا، ففتح لهما، فلما صعد فيها، فإذا هو\".\n(^٩) في م: \"يجريان\".\n(^١٠) العنصر، بضم العين وفتح الصاد: الأصل، وقد تضم الصاد. النهاية ٣/ ٣٠٩.\n(^١١) فى م: \"عرج\".\n(^١٢) بعده في م: فاستفتح جبرئيل بابا من أبوابها، فقيل: من هذا؟ قال: جبرئيل، قيل: ومن معك؟ =","vol":"14","page":417},{"text":"بنهرٍ [آخرَ عليه قصرٌ] (^١) من لؤلؤٍ وزَبَرْجدٍ (^٢)، [فذهَب يشُمُّ ترابَه] (^٣)، فإذا هو مسكٌ (^٤)، فقال: يا جبريلُ، ما هذا النهرُ؟ قال: هذا الكوثرُ الذي خبَأ لك ربُّك (^٥). [ثم عرَج به إلى السماءِ الثالثةِ، فقالت له الملائكةُ مثل ما قالت له فى الأولى [من هذا معك، محمدٌ؟ قال: نعم. قالوا: وقد بُعث إليه؟ قال: قد بُعِث إليه] (^٦). قالوا: فمرحبًا به وأهلًا. ثم عرَج به إلى الرابعةِ، فقالوا له مثلَ ذلك، ثم عرَج به إلى الخامسةِ، فقالوا له مثلَ ذلك، ثم عرَج به إلى السادسةِ، فقالوا له مثلَ ذلك، ثم عرَج به إلى السابعةِ، فقالوا له مثلَ ذلك، وكلُّ سماءٍ فيها أنبياءُ قد سماهم أنسٌ، فوعَيت منهم إدريسَ في الثانيةِ، وهارونَ في الرابعةِ، وآخرَ فى الخامسةِ لم أحفظِ اسمَه، وإبراهيمَ في السادسةِ، وموسى في السابعةِ بتفضيلِ كلامِه اللهَ (^٧)، فقال موسى: ربِّ (^٨)، لم أظنَّ أَن يُرْفَعَ عليَّ أحدٌ. ثم علا به [فوق ذلك] (^٩) بما لا يَعْلَمُه إلا اللهُ، حتى جاء سدرةَ المنتهى، ودنا (^١٠) الجبَّارُ ربُّ العزّةِ، فتَدَلَّى، فكان قابَ قوسَين أو أدنى، فأوحى [إلى عبدِه] (^١١)\n_________\n= قال: محمد، قيل: أو قد بعث إليه؟ قال: نعم قد بعث إليه، قيل: مرحبا به وأهلا، ففتح له\".\n(^١) فى م: \"عليه قباب وقصور\".\n(^٢) بعده فى م: \"وياقوت، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله\".\n(^٣) في صحيح البخاري: \"فضرب يده\".\n(^٤) بعده فى م، ونسخ من البخارى: \"أذفر\".\n(^٥) في م: \"في الآخرة\".\n(^٦) في صحيح البخاري: \"قال جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ. وقد بعث إليه؟ قال: نعم\".\n(^٧) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٨) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٩) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^١٠) بعده فى م: \"باب\".\n(^١١) في ت ٢، ف: \"إليه\".","vol":"14","page":418},{"text":"ما شاء، وأوحى اللهُ إليه (^١) فيما أوحى خمسين صلاةً على أمتِه كلَّ يومٍ وليلةٍ، ثم هبَط حتى بلَغ موسى فاحتبسَه، فقال: يا محمدُ، ماذا عهِد إليك ربُّك؟ قال: \"عهِد إليَّ خمسين صلاةً على أمتى كلَّ يومٍ وليلةٍ\" قال: إن أمتَك لا تَسْتطيعُ ذلك (^٢)، فارْجِعْ فليُخَفِّفْ عنك وعنهم. فالتفتَ إلى جبريلَ كأنه يَسْتَشِيرُه في ذلك، فأشار إليه أن نعَم، فعاد به جبريلُ حتى أتى (^٣) الجبَّارَ ﷿ وهو مكانَه، فقال: \"يا ربِّ خفِّفْ عنا، فإن أُمتى لا تستطيعُ هذا\". فوضَع عنه عشرَ صلواتٍ، ثم رجَع إلى موسى ﵇، فاحتَبسه، فلم يَزَلْ يردِّدُه موسى إلى ربِّه حتى صارَت إلى خمسِ صلواتٍ، ثم احتبَسه عند الخمسِ، فقال: يا محمدُ قد واللهِ راودتُ بني إسرائيلَ على أدنى مِن هذه الخمسِ، فضعُفوا (^٤) وترَكوه، فأمتُّك أضعفُ أجسادًا وقلوبًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجعْ فليخفِّفْ عنك ربُّك. كلَّ ذلك يلتفتُ إلى جبريلَ ليُشيرَ عليه، ولا يكرهُ ذلك جبريلُ، فرفَعه عند الخمسِ، فقال: \"يا ربِّ، إن أمَّتى ضعافٌ أجسادُهم وقلوبُهم، وأسماعُهم (^٥)، فخفِّفْ عنا\". قال الجبَّارُ ﷻ (^٦): يا محمدُ. قال (^٧): \"لبَّيكَ وسعدَيكَ\"، فقال: إنى لا يُبدَّلُ القولُ لديَّ (^٨)، كما كتَبتُ عليك في أمِّ الكتابِ، ولك بكلِّ حسنةٍ عشرُ أمثالِها، وهى خمسون فى أمِّ الكتابِ، وهي خمسٌ عليك. فرجَع إلى موسى، فقال: كيف فعلتَ؟ فقال: \"خفَّف؛ أعطانا بكلِّ حسنةٍ عشرَ أمثالِها\". قال: قد واللهِ راودتُ بنى إسرائيلَ على أدنى من هذا فترَكوه، فارجعْ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"إلى\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فضيعوه\".\n(^٥) بعده في م: \"وأبصارهم\".\n(^٦) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"إن كان قاله\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فقال\".\n(^٨) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"هى\".","vol":"14","page":419},{"text":"فليخفِّفْ عنك أيضًا، قال: \"يا موسى قد واللهِ استحيَيْتُ مِن ربِّي مما اختَلَفْتُ (^١) إليه\". قال: فاهبِطْ باسمِ اللهِ. فاستيقَظ وهو في المسجدِ الحرامِ (^٢).\nوأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن اللهَ ﷿ أخبَر أنه أَسْرى بعبدِه من المسجد الحرامِ، والمسجدُ الحرامُ هو الذى يتعارَفُه الناسُ بينهم إذا ذكَروه.\nوقولُه: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ يعنى: إلى مسجدِ (^٣) بيتِ المقدسِ. وقِيل له: الأقْصَى؛ لأنه أبعدُ المساجدِ التي تُزارُ، ويُبتَغى فى زيارتِه الفضلُ بعد (^٤) المسجدِ الحرامِ.\nفتأويلُ الكلامِ: تنزيهًا للهِ، وتبرئةً له مما نحَله المشركونَ من الأشراكِ والأولادِ (^٥) والصاحبةِ، وما يجلُّ عنه ﷻ، الذي سار بعبدِه ليلًا من بيتِه الحرامِ إلى بيتِه الأَقْصى.\nثم اختلَف أهلُ العلمِ فى صفةِ إسراءِ اللهِ ﵎ بنبِيِّه ﷺ من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأَقْصى؛ فقال بعضُهم: أَسْرى اللهُ بجسدِه، فسار به ليلًا على البُراقِ من بيتِه الحرامِ إلى بيتِه الأَقْصى حتى أَتَاهُ، فَأَراهُ ما شاء أن يُرِيَه من عجائبِ أمرِه وعبرِه وعظيمِ سُلطانِه، فجُمعِتْ له به الأنبياءُ، فصلَّى بهم هُنالِكَ،\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١ ت ٢، ونسخة من البخاري: \"اختلف\".\n(^٢) أخرجه أبو عوانة ١/ ١٢٥، ١٣٥ عن الربيع به، وأخرجه مسلم (٢٦٢) من طريق ابن وهب به، وأخرجه البخارى (٧٥١٧) من طريق سليمان به. وقال عبد الحق في \"الجمع بين الصحيحين\" -كما في فتح البارى ١٣/ ٤٨٤ -: زاد فيه -يعنى شريكا- زيادة مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى الإسراء جماعة من الحفاظ، فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عن\".\n(^٥) في م: \"الأنداد\".","vol":"14","page":420},{"text":"وعُرج به إلى السماءِ حتى صُعِد به فوق السَّماواتِ السبعِ، وأَوْحى إليه هنالِك ما شاء أن يُوحِيَ، ثم رَجَع إلى المسجدِ الحرامِ من ليلتِهِ، فصلَّى به صلاةَ الصبحِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5116>ذكرُ مَن قال ذلك، وذكرُ بعضِ الرواياتِ التي رُوِيَتْ عن رسولِ اللهِ ﷺ بتصحيحِه</span>\nحدَّثَنَا يونُسُ بنُ عبدِ الأَعْلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونُسُ بنُ يزيدَ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبرَنى ابنُ المسيَّبِ وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن رسولَ الله ﷺ أُسرى به على البُراقِ، وهى دابَّةُ إبراهيمَ التي كان يَزورُ عليها البيتَ الحرامَ، يَقَعُ حافرُها مَوضِعَ طرْفِها، قال: فمرّتْ بعِيرٍ من عيراتِ قريشٍ بوادٍ من تلك الأوديةِ، فنفَرتِ العِيرُ، وفيها بَعيرٌ عليه غرارَتانِ؛ سوداءُ، وزرقاءُ، حتى أتى رسولُ اللهِ ﷺ إيلياءَ، فأُتى بقدحين؛ قدحِ خمرٍ، وقدحِ لبنٍ، فأخذَ رسولُ اللهِ ﷺ قدحَ اللبنِ، فقال له جبريلُ: هُديتَ إلى الفطرةِ، لو أخذتَ قدحَ الخَمرِ غَوَتْ أمتُك؟ قال ابنُ شهابٍ: فأخبرنى ابنُ المسيَّبِ أن رسولَ اللهِ ﷺ لَقِيَ هناك إبراهيمَ وموسى وعيسى، فنعَتَهم رسولُ اللهِ ﷺ، فقال: \"فأمَّا مُوسى فَضَرْبٌ رَجِلُ الرأسِ كأنه مِن رجالِ شَنُوءَةَ، وأما عيسى فرجلٌ أحمرُ كأنَّما خرَج مِن ديماسٍ (^١)، فأشبهُ مَن رأيتُ به عروةُ بنُ مسعودٍ الثقفيُّ، وأما إبراهيمُ فأنا أشبَهُ ولدِه بهِ\". فلما رجَع رسولُ اللهِ ﷺ حدَّث قريشًا أنه أُسرى به، قال عبدُ اللهِ: فارتدَّ ناسٌ كثيرٌ بعد ما أسلَموا (^٢).\n_________\n(^١) الديماس، بفتح الدال وكسرها، والمراد به هنا الحمام. النهاية ٢/ ١٣٣.\n(^٢) أخرجه البخارى (٤٧٠٩، ٥٦٠٣)، والبيهقى فى الدلائل ٢/ ٣٥٧ من طريق يونس بن يزيد عن الزهرى، عن ابن المسيب، عن أبى هريرة. وأخرجه البخاري (٣٣٩٤، ٣٤٣٧، ٥٥٧٦)، ومسلم (٢٧٢)، والترمذى (٣١٣٠)، وأبو عوانة، ١/ ١٢٩، ١٣٠ من طريق الزهرى عن ابن المسيب، عن أبي هريرة. دون وصف البراق وقصة البعير.","vol":"14","page":421},{"text":"قال أبو سلمةَ: فأُتى أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، فقيل له: هل لك في صاحبِك، يزعُمُ أنه أُسرى به إلى بيتِ المقدسِ، ثم رجَع في ليلةٍ واحدةٍ! قال أبو بكرٍ: أَوَ قال ذلك؟ قالوا (^١): نعم. قال: فأَشهدُ إن كان قال ذلك لقد صدَق. قالوا: أفتشهدُ أنه جاء الشامَ في ليلةٍ واحدةٍ؟ قال: إني أُصدِّقُه بأبعدَ من ذلك، أُصدِّقُه بخبرِ السماءِ (^٢).\nقال أبو سلمةَ: سمِعتُ جابرَ بن عبدِ اللهِ يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ: يقولُ: \"لما كذَّبتْني قريشٌ قُمتُ، فمثَّل اللهُ لى بيتَ المقدسِ، فَطَفِقتُ أُخبِرُهم عن آياتِه وأنا أنظرُ إليه\" (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمنِ الزهريُّ، عن أبيهِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ هاشمِ بنِ عتبةَ بن أبي وقاصٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: لما جاء جبريلُ ﵇ بالبراقِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فكأنها [صرَّت أذنيها] (^٥)، فقال لها جبريلُ: مهْ يا براقُ، فواللهِ (^٦) إن ركِبكِ مثلُه. فسار\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".\n(^٢) أخرجه البيهقى فى الدلائل ٢/ ٣٦٠ من طريق الزهرى به.\n(^٣) أخرجه أبو عوانة ١/ ١٢٥، والطحاوى فى المشكل (٤٨٥٢) عن يونس بن عبد الأعلى به، وأخرجه البخارى (٤٧١٠)، وابن حبان (٥٥) من طريق ابن وهب به، وأخرجه أحمد ٢٣/ ٢٨١ (١٥٠٣٤، ١٥٠٣٥)، والبخارى (٣٨٨٦)، ومسلم (٢٧٦)، والترمذى (٣١٣٣)، والنسائي (١١٢٨٢)، والطحاوى فى المشكل (٤٨٥٣)، وابن منده فى الإيمان (٧٣٩)، والبيهقى فى الدلائل ٢/ ٣٥٩ من طريق الزهرى به.\n(^٤) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".\n(^٥) فى م: \"ضربت بذنبها\"، وفى تاريخ دمشق: \"ضربت أذنيها\"، وفي الدلائل، وتفسير ابن كثير: \"أمرت ذنبها\". وفى مختصر تاريخ دمشق ٢/ ١١٧ كالمثبت، وصرت أذنيها: سوَّتْها ونصبتها للاستماع. ينظر اللسان (ص ر ر).\n(^٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"والله\".","vol":"14","page":422},{"text":"رسولُ اللهِ ﷺ، فإذا هو بعجوزٍ تانئٍ (^١) على جنبِ الطريقِ -قال أبو جعفرٍ: ينبغى أن [تكونَ: تانئةٍ] (^٢). ولكن أُسقِطَ منها التأنيثُ - فقال: \"ما هذه يا جبريلُ؟ \" قال: سِرْ يا محمدُ. قال (^٣): فسار ما شاء اللهُ أن يسيرَ، فإذا شيءٌ يدعوه، [مُتَنحيًّا عن الطريقِ يقولُ] (^٤): هلُمَّ يا محمدُ. قال جبريلُ: سرْ يا محمدُ. فسار ما شاء اللهُ أن يسيرَ، قال: ثم لقيَه خلقٌ مِن الخلقِ (^٥)، فقال أحدُهم: السلامُ عليك يا أوَّلُ، والسلامُ عليك يا آخرُ، والسلامُ عليك يا حاشرُ. فقال له جبريلُ: ارْدُدِ السلامَ يا محمدُ. قال: فردّ السلامَ، ثم لقيَه الثانى، فقال له مثلَ مقالةِ [الأولِ، ثم لقيه الثالثُ فقال له مثلَ مقالةِ] (^٦) الأوَّلين، حتى انتهى إلى بيتِ المقدسِ، فعرَض عليه الماءَ واللبنَ والخمرَ، فتناول رسولُ الله ﷺ اللبنَ، فقال له جبريلُ: أصبتَ يا محمدُ الفطرةَ، ولو شرِبتَ الماءَ لغَرِقتَ وغَرِقتْ أمتُك، ولو شرِبتَ الخمرَ لغوَيتَ وغَوَتْ أمتُك. ثم بُعِث له آدمُ فمَن دونه مِن الأنبياء، فأمَّهم رسولُ اللهِ ﷺ تلكَ الليلةَ، ثم قال له جبريلُ: أما العجوزُ التي رأيتَ (^٧) على جانبِ الطريقِ، فلم يبقَ من الدنيا إلا (^٨) ما بقىَ مِن (^٩) تلك العجوزِ، وأما الذى أراد أن تميلَ إليه، فذاك عدوُّ اللهِ إبليسُ، أراد أن تميلَ إليه وأما الذين سلَّموا عليك، فذاك إبراهيمُ ومُوسى وعِيسى (^١٠).\n_________\n(^١) فى م: \"ناء عن الطريق: أى\". وتنأ بالمكان: أقام وقطن، فهو تانئ. ينظر اللسان (ت ن أ).\n(^٢) فى م: \"تكون نائية\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فتنحى عن الطريق\".\n(^٥) فى م: \"الخلائق\".\n(^٦) سقط من النسخ، والمثبت من تاريخ دمشق، ونحوه فى بقية المصادر.\n(^٧) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"من\".\n(^٨) بعده في م: \"بقدر\".\n(^٩) بعده في م: \"عمر\".\n(^١٠) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٣/ ٥٠١، وأبو عبد الله المقدسى فى المختارة ٦/ ٢٥٨ من طريق يونس =","vol":"14","page":423},{"text":"حدَّثنى عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ الرِّيَاحِيِّ، عن أبي هريرةَ أو غيرِه -شكَّ أبو جعفرٍ- فى قولِ اللهِ ﷿: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قال: جاء جبريلُ إلى النبيِّ ﷺ ومعه ميكائيلُ، فقال جبريلُ لميكائيلَ: ائتني بطَستٍ مِن ماءِ زمزمَ كيما أطهرَ قلبَه، وأشرحَ له صدرَه. قال: فشقّ عنه (^١) بطنَه، فغسَله ثلاثَ مرّاتٍ، واختلَف إليه ميكائيلُ بثلاثِ طِساسٍ (^٢) من ماءِ زمزمَ، فشرَح صدرَه، ونزَع ما كان فيه من غلٍّ، ومَلأه حلمًا (^٣) وعلمًا وإيمانًا ويقينًا وإسلامًا، وختَم بين كتفَيه بخاتمِ النبوةِ، ثم أتاه بفرسٍ فحُمِل عليه، كلُّ خطوةٍ منه منتهى بصرِه (^٤)، أو (^٥) أقصى بصرِه. قال: فسار وسار معه جبريلُ ﵇، فأتى على قومٍ يزرَعون في يومٍ ويحصُدون في يومٍ، كلما حصَدوا عاد كما كان، فقال النبيُّ ﷺ: \"يا جبريلُ ما هذا؟ \" قال: هؤلاء المجاهدون في سبيلِ اللهِ، تُضاعَفُ لهم الحسنةُ بسبعِمائةِ ضعفٍ، وما أنفَقوا من شيءٍ فهو يُخلِفُه، وهو خيرُ الرازقينَ.\nثم أتى على قومٍ تُرضَخُ رءوسُهم بالصخرِ، كلما رُضِخَتْ عادتْ كما كانت، ولا يُفتَّرُ عنهم من ذلكَ شيءٌ، فقال: \"ما هؤلاءِ يا جبريلُ؟ قال:\n_________\n= به. وأخرجه البيهقى فى الدلائل ٢/ ٣٦١، ٣٦٢ من طريق ابن وهب به. وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ١٣٩ إلى ابن مردويه. وأورده ابن كثير في تفسيره ٥/ ٩، عن المصنف، وقال: وهكذا رواه الحافظ البيهقى فى دلائل النبوة\" من حديث ابن وهب، وفى بعض ألفاظه نكارة وغرابة.\n(^١) في م: \"عن\".\n(^٢) في م: \"طسات\".\n(^٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"حكما\".\n(^٤) فى م: \"طرفه\".\n(^٥) فى م، ت ١، ت ٢، ف: \"و\".","vol":"14","page":424},{"text":"هؤلاء الذين تتثاقلُ رءوسُهم عن الصلاةِ المكتوبةِ.\nثم أتى على قومٍ على أقبالِهم رِقاعٌ، وعلى أدبارِهم رِقاعٌ، يَسرَحونَ كما تسرحُ الإبلُ والغنمُ، ويأكلون الضريعَ والزقُّومَ ورَضْفَ جهنمَ وحجارتَها، قال: \"ما هؤلاء يا جبرِيلُ؟ \" قال: هؤلاء الذين لا يؤدُّون صدقاتِ أموالِهم، وما ظلَمهم اللهُ شيئًا، وما اللهُ بظلامٍ للعبيدِ.\nثم أتى على قومٍ بينَ أيديهم لحمٌ نضيجٌ [في قدورٍ، و] (^١) لحمٌ آخرُ [نِيءٌ قذرٌ] (^٢) خبيثٌ، فجعَلوا يأكلونَ من النِّيءِ (^٣) الخبيثِ (^٤) ويدَعونَ النضيجَ الطَّيبَ، فقال: \"ما هؤلاءِ يا جبريلُ؟ \" قال: هذا الرجلُ مِن أمَّتِك، تكونُ عندَه المرأةُ الحلالُ الطَّيبُ، فيأتى امرأةً خبيثةً فيبيتُ عندَها حتى يُصبحَ، والمرأةُ تقومُ من عندِ زوجِها حلالًا طيبًا، فتأتى رجلًا خبيثًا فتبيتُ معه حتى تُصبحَ.\nقال: ثم أتى على خشبةٍ على (^٥) الطريقِ لا يمرُّ بها ثوبٌ إلا شقَّتْه، ولا شيءٌ إلا خرَقتْه، قال: \"ما هَذَا يا جبريلُ؟ \" قال: هذا مثَلُ أقوامٍ مِن أُمَّتِك يقعُدونَ على الطريقِ فيقطَعونه. ثم تلا (^٦): ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٦].\nثم أتى على رجلٍ قد جمَع حُزْمةً (^٧) عظيمةً لا يستطيعُ حمْلَها، وهو يزيدُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"وفي قدور\".\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"في قدر\".\n(^٣) في ت ١: \"القذر\".\n(^٤) سقط من: م، ت ٢، ف.\n(^٥) فى م: \"في\".\n(^٦) في م: \"قرأ\".\n(^٧) بعده في م: \"حطب\".","vol":"14","page":425},{"text":"عليها، فقال: \"ما هذا يا جبريلُ؟ \" قال: هذا الرجلُ من أُمَّتِك تكونُ عليه (^١) أماناتُ الناسِ لا يقدِرُ على أدائِها، وهو (^٢) يريدُ أن [يحملَ عليها] (^٣).\nثم أتى على قومٍ تُقْرَضُ ألسنتُهم وشفاهُهم بمقاريضَ مِن حديدٍ، كلما قُرِضتْ عادتْ كما كانتْ، لا يُفَتَّرُ عنهم مِن ذلك شيءٌ، قال: \"ما هؤلاء يا جبريلُ؟ \" قال: هؤلاء (^٤) خطباءُ الفتنةِ (^٥).\nثم أتى على جُحْرٍ صغيرٍ يخرُجُ منه ثورٌ عظيمٌ، فجعَل الثورُ يريدُ أن يَرجِعَ مِن حيثُ خرَج فلا يستطيعُ، فقال: \"ما هَذَا يا جبريلُ؟ \" قال: هذا الرجلُ يتكلَّمُ بالكلمةِ العظيمةِ، ثم يَنْدَمُ عليها، فلا يَسْتطيعُ أَن يَرُدَّها.\nثم أتى على وادٍ، فوجد ريحًا طيبةً باردةً، و(^٦) ريحَ المسكِ، وسمِع صوتًا، فقال: \"يا جبريلُ، ما هذه الريحُ الطيبةُ الباردةُ ريحُ (^٧) المسكِ؟ وما هذا الصوتُ؟ \" قال: هذا صوتُ الجنةِ تقولُ: يا ربِّ، آتِنى ما وعدْتَني، فقد كَثُرَتْ غُرَفى، وإستبرقى وحَريرى، وسُندسى وعَبقريِّى، ولُؤلؤى ومَرجَاني، وفِضَّتي وذهبي، وأكوابِي وصِحافي وأَباريقى، وفَواكهى ونَخلى ورُمّاني، ولَبنى وخَمرى، فآتِني ما وعدْتَنى. فقال: لكِ كلُّ مسلمٍ ومسلمةٍ، ومؤمنٍ ومؤمنةٍ، ومَن آمَن بي وبرسلي، وعمِل صالحًا ولم يُشركْ بي، ولم يتخذْ من دونى أندادًا، ومَن خشيَنى فهو آمنٌ،\n_________\n(^١) في م: \"عنده\".\n(^٢) بعده فى م: \"يزيد عليها و\".\n(^٣) فى م: \"يحملها فلا يستطيع ذلك\".\n(^٤) بعده فى م: \"خطباء أمتك\".\n(^٥) بعده فى م: \"يقولون ما لا يفعلون\".\n(^٦) بعده في م: \"فيه\".\n(^٧) فى م: \"وهذه الرائحة التي كريح\".","vol":"14","page":426},{"text":"ومَن سأَلني أعطيتُه، ومَن أقرَضنى جزَيْتُه، ومَن توكَّل عليَّ كفيتُه، إنى أنا اللهُ لا إلهَ إلا أنا، لا أُخلفُ الميعادَ، وقد أفلَح المؤمنونَ، وتبارَك اللهُ أحسنُ الخالقينَ. قالتْ: قد رضيتُ.\nثم أتى على وادٍ فسمِع صوتًا منكَرًا، ووجَد ريحًا منتنةً، فقال: \"ما هذه الريحُ يا جبريلُ؟ وما هذا الصوتُ؟ \" قال: هذا صوتُ جهنمَ، تقولُ: يا ربِّ، آتنِى ما وعدْتَني، فقد كثُرتْ سلاسلي وأغْلالى، وسَعيرى وجَحِيمي، وضَريعي وغَسَّاقي، وعذابي وعِقابي، وقد بَعُدَ قَعْرى، واشتدَّ حرِّى، فآتِني ما وعدتنى. قال: لكِ كلُّ مشركٍ ومشركةٍ، وكافرٍ وكافرةٍ، وكلُّ خبيثٍ وخبيثةٍ، وكلُّ جَبَّارٍ لا يؤمنُ بيومِ الحسابِ. قالت: قد رضِيتُ.\nقال: ثم سَار حتى أتى بيتَ المقدسِ، فنزل فربَط فرسَه إلى صخرةٍ، ثم دخَل فصلَّى مع الملائكةِ، فلما قُضِيَتِ الصلاةُ، قالوا: يا جبريلُ، مَن هذا معكَ؟ قال: محمدٌ. فقالوا: أَوَ قد أُرْسِل محمدٌ (^١)؟ قال: نعم. قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ ومِن خليفةٍ، فنعم الأخُ، ونعم الخليفةُ، ونعم المَجِيءُ جاء. قال: ثم لَقِيَ أرواحَ الأنبياءِ فأثنَوا على ربِّهم، فقال إبراهيمُ: الحمدُ للهِ الذى اتخذني خليلًا، وأعطاني مُلكًا عظيمًا، وجعلنى أمَّةً قانتًا للهِ يُؤتمُّ بى، وأنقَذنى من النارِ، وجعلَها عليَّ بردًا وسلامًا. ثم إن مُوسى أثنى على ربِّه، فقال: الحمدُ للهِ الذى كلَّمني تكليمًا، وجعَل هلاكَ آلِ فرعونَ ونجاةَ بني إسرائيلَ على يديَّ، وجعَل من أمَّتِى قومًا يَهدُون بالحقِّ (^٢) وبه يعدِلون (^٣). ثم إن داودَ ﵇ أثنى على ربِّه، فقال: الحمدُ للهِ الذي جعَل لى\n_________\n(^١) فى م: \"إليه\".\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"للحق\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يعملون\".","vol":"14","page":427},{"text":"ملكًا عظيمًا، وعلَّمنى الزّبورَ، وألان لىَ الحديدَ، وسخَّر ليَ الجبالَ يسبِّحنَ والطيرَ، وأعطانى الحكمةَ وفَصْلَ الخطابِ. ثم إن سليمانَ أثنى على ربِّه، فقال: الحمدُ للهِ الذي سخَّر ليَ الرياحَ، وسخَّر لى الشياطينَ يعملونَ (^١) ما شئتُ مِن محاريبَ وتماثيلَ وجفانٍ كالجوابِ وقدورٍ راسياتٍ، وعلَّمنى منطقَ الطيرِ، وأتاني مِن كلِّ شيءٍ فضلًا، وسخَّر لى جنودَ الشياطينِ والإنسَ والطيرَ، وفضَّلني على كثيرٍ مِن عبادِه المؤمنينَ، وآتاني ملكًا عظيمًا لا ينبغي لأحدٍ مِن بعدى، وجعَل ملكى ملكًا طيبًا ليس عليَّ فيهِ حسابٌ. ثم إن عيسى ﵇ أثنى على ربِّه، فقال: الحمدُ للهِ الذى جعَلني كلمتَه، وجعَل مَثَلِى مَثَلَ آدمَ خَلَقه مِن ترابٍ، ثم قال له: كنْ. فيكونُ، وعلَّمنى الكتابَ والحكمةَ والتوراةَ والإنجيلَ، وجعَلنى أخلُقُ مِن الطينِ كهيئةِ الطيرِ فأنفُخُ فيه فيكونُ طيرًا بإذنِ اللهِ، وجعَلنى أبرئُ الأكمهَ والأبرصَ وأُحيى الموتى بإذنِ اللهِ، ورفَعنى وطهَّرنى، وأعاذَنى وأُمِّى مِن الشيطانِ الرجيمِ، فلم يكنْ للشيطانِ علينا سبيلٌ. قال: ثم إن محمدًا ﷺ أثنى على ربِّه، فقال: \"كلُّكم (^٢) أَثْنَى على ربِّه، وأنا مُثنٍ علَى ربِّي\". فقال: \"الحمدُ للهِ الذى أرسلَنى رحمةً للعالمينَ، وكافةً للناسِ بشيرًا ونَذيرًا، وأنزَل عليَّ الفرقانَ فيه تبيانُ كُلِّ (^٣) شَيءٍ، وجعَل أمَّتى خيرَ أمةٍ أُخرِجتْ للناسِ، وجعَل أمَّتى أمةً (^٤) وسطًا، وجعلَ أمَّتى همُ الأولين وهم الآخرين، وشرَح لي صدرِي، ووضَع عنى وِزْرِى، ورفَع لى ذكرِى، وجعَلنى فاتحًا خاتِمًا\". قال إبراهيمُ: بهذا فضَلكم محمدٌ. قال أبو جعفرٍ، وهو الرازيُّ: خاتمُ النبوّةِ، وفاتحٌ بالشفاعةِ يومَ القيامةِ.\n_________\n(^١) بعده في م: \"لى\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ف: \"كل\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لكل\".\n(^٤) سقط من: م.","vol":"14","page":428},{"text":"ثم أُتى (^١) بآنيةٍ ثلاثةٍ مغطاةٍ أفواهُها، فأُتى بإناءٍ منها فيه ماءٌ، فقيل: اشرَبْ. فشرِب منه يسيرًا، ثم دُفِع إليه إناءٌ آخرُ فيه لبنٌ، فقيل له: اشرَبْ. فشرِب منه حتى رَوِيَ، ثم دُفع إليه إناءٌ آخرُ فيه خمرٌ، فقِيل له: اشربْ. فقال: \"لا أريدُه، قد رَوِيتُ\". فقال له جبريلُ ﷺ: أما إنها ستُحرَّم على أُمَّتِك، ولو شرِبتَ منها لم يتبعْكَ مِن أُمَّتِكَ إِلَّا قليلٌ (^٢).\nثم صعِد (^٣) به إلى السماءِ (^٤)، فاستفتَح (^٥)، فقِيل: مَن هذا [يا جبريلُ] (^٦)؟ فقال: محمدٌ. قالوا: وقد أُرسِل إليه؟ قال: نَعَمْ. قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ ومِن خليفةٍ، فنِعْمَ الأخُ، ونِعْمَ الخليفةُ، ونِعْمَ المَجيءُ جاء. فدخَل فإذا هو برجلٍ تامِّ الخَلْقِ لم يَنقُصْ مِن خَلْقِه شيءٌ، كما يَنْقُصُ مِن خلقِ الناسِ، على يَمينِه بابٌ يَخْرُجُ منه ريحٌ طيِّبةٌ، وعن شمالِه بابٌ يَخرُجُ منه ريحٌ خبيثةٌ، إذا نظَر إلى البابِ الذي عن يمينِه ضحِك واستبشَر، وإذا نظَر إلى البابِ الذى عن شمالِه بكَى وحزِن، فقلتُ: \"يا جبريلُ، مَن هذا الشيخُ التامُّ الخلقِ الذى لم يَنقُصْ مِن خلقِه شيءٌ، وما هذانِ البابانِ؟ \" قال: هذا أبوكَ آدمُ، وهذا البابُ الذى عن يمينِه بابُ الجنةِ، إذا نظَر إلى مَن يَدخُلُه مِن ذُرِّيَّتِه ضحِك واستبشَر، والبابُ الذى عن شِمالِه بَابُ جَهَنَّمَ، إِذا نظَر إلى من يدخُلُه مِن ذرِّيَّتِه بكَى وحزِن.\nثم صعِد به جبريلُ ﷺ إلى السَّماءِ الثَّانيةِ، فاستفتَح، فقِيل: مَن هذا (^٧)\n_________\n(^١) بعده في م: \"إليه\".\n(^٢) فى م: \"القليل\".\n(^٣) في م: \"عرج\".\n(^٤) فى م: \"سماء الدنيا\".\n(^٥) بعده فى م: \"جبرئيل بابا من أبوابها\".\n(^٦) فى م: \"قال جبرئيل، قيل: ومن معك؟ \".\n(^٧) بعده فى م: \"قال: جبرئيل، قيل: ومن\".","vol":"14","page":429},{"text":"معَك؟ قال: محمدٌ رسولُ اللهِ. فقالوا: وقد أُرسِل محمدٌ (^١)؟ قال: نعم. قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ ومِن خليفةٍ، فنِعْمَ الأخُ، ونِعْمَ الخليفةُ، ونِعمَ المَجيءُ جاء. قال: فإذا هو بشابَّينِ، فقال: \"يا جبريلُ، مَن هذان الشابَّانِ؟ \" قال: هذا عيسى ابنُ مريمَ، ويحيى بنُ زكريا، ابنا الخالةِ.\nقال: فصَعِد به إلى السَّماءِ الثَّالثة، فاستفتَح، فقالوا: مَن هذا؟ قال: جبريلُ. قالوا: ومَن معَك؟ قال: محمدٌ. قالوا: أَوَ (^٢) قد أُرسِل (^٣)؟ قال: نَعَمْ. قالوا: حيَّاه اللهُ من أخٍ ومِن خليفةٍ، فنعم الأخُ، ونعم الخليفةُ، ونعم المَجيءُ جاء. قال: فدخَل فإذا هو برجلٍ قد فُضِّل على الناسِ كلِّهم في الحُسْنِ، كما فُضِّل القمرُ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ، قال: \"مَن هذا يا جبريلُ الذي فُضِّل على النَّاسِ في الحُسْنِ؟ \" قال: هذا أخوكَ يوسُفُ.\nثم صعِد به إلى السماءِ الرابعةِ، فاستفتَح، فقِيل: مَن هذا؟ قال: جبريلُ. قالوا: ومَن معك؟ قال: محمدٌ. قالوا: أوَ (^٢) قد أُرسِل (^٣)؟ قال: نَعَمْ. قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ ومِن خليفةٍ، فنِعْمَ الأخُ، ونِعْمَ الخليفةُ، ونِعْمَ المَجيءُ جاء. قال: فدخَل فإذا هو برجلٍ، قال: \"مَن هذا يا جبريلُ\"؟ قال: هذا إدريسُ رفَعه اللهُ مكانًا عليًّا.\nثم صعِد به إلى السَّماءِ الخامسةِ، فاستفتَح (^٤)، فقالوا: مَن هذا؟ فقال: جبريلُ. قالوا: [ومَن] (^٥) معَكَ؟ قال: محمدٌ. قالوا: أوَ (^٢) قد أُرسِل (^٣)؟ قال: نعم.\n_________\n(^١) فى م: \"إليه\"، وفى ت ١: \"إلى محمد\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"و\".\n(^٣) بعده فى م، ت ١: \"إليه\".\n(^٤) بعده فى م: \"جبرئيل\".\n(^٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"من\".","vol":"14","page":430},{"text":"قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ ومِن خليفةٍ، فنِعْمَ الأخُ، ونِعمَ الخليفةُ، ونِعْمَ المَجيءُ جاء. ثم دخَل، فإذا هو برجلٍ جالسٍ، وحوله قومٌ يقُصُّ عليهم، قال: \"مَن هذا يا جبريلُ، ومَن هؤلاءِ الذين حولَه؟ \" قال: هذا هارونُ المُحبَّبُ في قومِه، وهؤلاءِ بنو إسرائيلَ.\nثم صَعِد به إلى السماءِ السادسةِ، فاستفتَح (^١)، فقِيل له: مَن هذا؟ قال: جبريلُ. قالوا: ومَن معك؟ قال: محمدٌ. قالوا: أوَ (^٢) قد أُرسِل (^٣)؟ قال: نعم. قالوا: حيَّاه اللهُ من أخٍ ومِن خليفةٍ، فنِعْمَ الأخُ، ونِعْمَ الخليفةُ، ونعم المَجيءُ جاء. فإذا هو برجلٍ جالسٍ، فجاوَزه، فبكَى الرجلُ، فقال: \"يا جبريلُ مَن هذا؟ \" قال: موسى. قال: \" [فما بالُه] (^٤) يبكي؟ \" قال: تَزَعُمُ بنو إسرائيلَ أنى أَكْرَمُ بني آدمَ على اللهِ، وهذا رجلٌ مِن بني آدمَ قد خلَفني في دنيا، وأنا في أُخرَى، فلو أنه بنفسِه لم أبالِ، ولكن مع كلِّ نبيٍّ أُمَّتُه.\nقال: ثم صَعِد به إلى السماءِ السابعةِ، فاستفتَح (^٥)، فقِيل له (^٦): مَن هذا؟ قال: جبريلُ. قيل (^٧): ومَن معك؟ قال: محمدٌ. قالوا: أو (٢) قد أُرسل (٣)؟ قال: نعم. قالوا: حيَّاه اللهُ من أخٍ ومِن خليفةٍ، فنِعْمَ الأخُ، ونِعْمَ الخليفةُ، ونِعْمَ المَجئُ جاء. قال: فدخَل فإذا هو برجلٍ أشمطَ (^٨) جالسٍ عند بابِ الجنةِ على كرسيٍّ،\n_________\n(^١) بعده في م: \"جبرئيل\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"و\".\n(^٣) بعده في م، ت ١: \"إليه\".\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فماله\".\n(^٥) بعده فى م: \"جبرئيل\".\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) فى م: \"قالوا\".\n(^٨) الشَّمَطُ فى الشعر: اختلافُه بلونين من سواد وبياض. اللسان (ش م ط).","vol":"14","page":431},{"text":"وعندَه قومٌ جلوسٌ بيضُ الوجوهِ، أمثالُ القراطيسِ، وقومٌ في ألوانِهم شيءٌ، فقام هؤلاء الذين في ألوانِهم شيءٌ، فدخَلُوا نهرًا فاغتسَلوا فيه، فخرَجُوا وقد خلَص مِن ألوانِهم شيءٌ، ثُم دخَلوا نهرًا آخرَ، فاغتسَلوا فيه، فخرَجوا وقد خلَص من ألوانِهم شيءٌ، ثم دخلوا نهرًا آخرَ فاغتسَلوا فيه، فخرَجوا وقد خلَص مِن ألوانِهم (^١)، فصارتْ مثلَ ألوانِ أصحابِهم، فجاءوا فجلَسوا إلى أصحابِهم، فقال: \"يا جبريلُ، من هذا الأشطُ؟ ثم من هؤلاءِ البيضُ وجوهُهم؟ ومَن هؤلاءِ الذين في ألوانهم شيءٌ؟ وما هذه الأنهارُ التي دخَلوا فجَاءوا وقد صفَتْ ألوانُهم؟ \" قال: هذا أبوكَ إبراهيمُ، أوَّلُ مَن شَمِط على الأرضِ، وأما هؤلاءِ البيضُ الوجوهِ فقومٌ لم يَلْبِسُوا إيمانَهم بظلمٍ، وأما هؤلاءِ الذين في ألوانِهم شيءٌ، فقومٌ خلَطوا عملًا صالحًا وآخرَ سيئًا فتابوا، فتاب اللهُ عليهم، وأما الأنهارُ فأوَّلُها رحمةُ اللهِ، وثانيها نعمةُ اللهِ، والثالثُ: سقاهم ربُّهم شرابًا طهورًا.\nقال: ثم انتهَى إلى السِّدرةِ، فقِيل له: هذه السدرةُ يَنتهِى إليها كلُّ أحدٍ خلا مِن أُمَّتِك على سُنَّتِك. فإذا هي شجرةٌ يَخرُجُ مِن أصلِها أنهارٌ من ماءٍ غيرِ آسنٍ، وأنهارٌ من لبنٍ لم يتغيَّرْ طعمُه، وأنهارٌ من خمرٍ لذةٍ للشاربين، وأنهارٌ من عسلٍ مُصفًّى. وهى شجرةٌ يسيرُ الراكبُ في ظلِّها سبعينَ عامًا لا يقطَعُها، والورقةُ منها مُغَطِّيةٌ للأمةِ (^٢) كلِّها. قال: فغشِيها نورُ الخَلاقِ ﷿، وغشِيتْها الملائكةُ أمثالُ الغربانِ حينَ يقعنَ على الشجرِ (^٣). قال: فكلَّمه عندَ ذلك، فقال له: سلْ. فقال: \"اتخذتَ إبراهيمَ خليلًا، وأعطيتَه مُلكًا عظيمًا، وكلَّمتَ موسى تكليمًا، وأعطَيتَ\n_________\n(^١) بعده في م: \"شيء\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الأمة\".\n(^٣) في م: \"الشجرة\".","vol":"14","page":432},{"text":"داودَ مُلكًا عظيمًا، وألنت له الحديدَ، وسخَّرت له الجبالَ، وأعطَيتَ سليمان مُلكًا عظيمًا، وسخَّرت له الجنَّ والإنسَ والشياطينَ، وسخَّرتَ له الرياحَ، وأعطَيتَه ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وعلَّمتَ عيسى التَّوراة والإنجيلَ، وجعلته يُبرِئُ الأكمة والأبرصَ ويُحيى الموتى بإذن الله، وأعذْتَه وأمَّه من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان عليهما سبيلٌ\". فقال له ربُّه: قد اتخذتُك (^١) خليلًا - وهو مكتوبٌ (^٢) في التوراة: حبيبُ الرحمن (^٣) - وأرسلتُك إلى الناس كافَّةً بشيرًا ونذيرًا، وشرَحتُ لك صدرَك، ووضَعتُ عنك وزرَك، ورفعتُ لك ذكرك، فلا أُذكَرُ إلا ذُكِرتَ معى، وجعلتُ أمَّتَك أمةً وَسَطًا، وجعلتُ أمَّتَك هم الأوّلين وهم الآخرين، وجعلتُ أمَّتَك لا تجوزُ لهم خُطبةٌ، حتى يشهدوا أنك عبدى ورسولى، وجَعَلْتُ مِن أُمَّتِك أقوامًا قلوبُهم أناجيلُهم، وجعلتُك أوَّلَ النَّبيينَ خَلْقًا، وآخرهم بَعْثًا، وأَوَّلَهم (^٤) يُقْضَى له، وأعطَيتُك سبعًا من المثاني لم يُعطَها نبيٌّ قبلك، وأعطيتُك الكوثر، وأعطيتُك ثمانيةَ أسهمٍ؛ الإسلامَ، والهجرة والجهاد، والصدقةَ، والصلاةَ، وصومَ رمضانَ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجعلتُك فاتحًا وخاتمًا. فقال النبيُّ ﷺ: \"فَضَّلَنِي رَبِّي بسِتٍّ؛ أَعْطَانِى فَوَاتحَ الكَلِم وَخَواتِيمَه، وَجَوامِعَ الحَدِيثِ، وَأَرْسَلَنِي إلى النَّاسِ كَافَّةً بَشِيرًا ونَذِيرًا، وقَذَفَ فِي قُلُوبِ عَدُوِّي الرُّعْبَ مِن مَسِيرِةِ شَهْرٍ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائمُ ولَمْ تُحَلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ كُلُّها طَهُورًا ومَسْجِدًا\".\n_________\n(^١) بعده في م: \"حبيبا و\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"مكتوبك\".\n(^٣) في م: \"الله\".\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"من\".","vol":"14","page":433},{"text":"قال: \"وفَرَضَ عَلَيَّ (^١) خَمْسِينَ صَلاةً\". فلما رجع إلى موسى، قال: بِمَ أُمِرْتَ يا محمد؟ قال: \"بخمسين صلاةً\". قال: ارجعْ إلى ربِّك فاسأَله التَّخفيف؛ فإن أمَّتَك أَضْعَفُ الأُمم، فقد لَقِيتُ مِن بَنى إسرائيل شِدَّةً، قال: فرجع النبيُّ ﷺ إلى ربِّه فسأله التَّخفيف، فوضَع عنه عَشْرًا، ثم رجع إلى موسى، فقال: بكم أُمِرتَ؟ قال: \"بأربعين\". قال: ارجِعْ إلى ربِّك فاسألْه التَّخفيف، فإن أمَّتَك أضعفُ الأمم، وقد لقيتُ من بني إسرائيل شِدَّةً. قال: فرجع إلى ربِّه، فسأله التَّخفيف، فوضَع عنه عشرًا، فرجَع إلى موسى، فقال: بكم أُمِرتَ؟ قال (^٢): \"أُمِرْتُ بثلاثِينَ\". فقال له موسى: ارجعْ إلى ربِّك فاسأَلْه التَّخفيف، فإن أمَّتَك أضعفُ الأمم، وقد لَقِيتُ مِن بني إسرائيلَ شِدَّةً. قال: فرجع إلى ربِّه فسَأَله التَّخفيف؛ فوضَع عنه عشرًا، فرجع إلى موسى فقال: بكم أُمرت؟ قال: \"أُمِرتُ (^٣) بعشرينَ\". قال: ارجع إلى ربِّك فاسأَلْه التَّخفيفَ، فإن أمَّتَك أضعفُ الأمم، وقد لَقِيتُ من بني إسرائيل شِدَّة. قال: فرجع إلى ربِّهِ فسأَله التَّخفيفَ فوضَع عنه عشرًا. فرجع إلى موسى، فقال: بكم أمرتَ؟ قال: \"بعشرٍ\". قال ارجعْ إلى ربِّك فاسألْه التَّخْفِيفَ؛ فإن أمَّتَك أضعفُ الأمم، وقد لَقِيتُ مِن بنى إسرائيلَ شِدَّةً. قال: فرجَع على حياء إلى ربِّه فسأله التخفيف، فوضع عنه خمسًا، فرجع إلى موسى، فقال: بكم أُمِرتَ؟ قال: \"بخمس\". قال: ارجعْ إلى ربِّك فاسألْه التَّخفيفَ، فإن أمَّتَك أضعفُ الأمم، وقد لَقِيتُ من بني إسرائيل شِدَّةً. قال: قد رجعتُ إلى ربَّي حتى استَحْيَيْتُ فما أنا راجعٌ إليه. فقيل له: أمَّا إِنك كما صبَرتَ نفسَك على خَمْسِ\n_________\n(^١) في تفسير ابن كثير: \"عليه\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"14","page":434},{"text":"صَلَواتِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْزِينَ عنكَ خمسين صلاةً، فإن كلَّ حسنةٍ بعشرِ أمثالها. قال: فرضِي محمدٌ ﷺ كُلَّ الرِّضا. قال (^١): فكان موسى أشدَّهم عليه حين مرّ به، وخيرَهم له حِينَ رجَع إليه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبيد الله، قال: أخبرنا أبو النَّضْرِ هاشمُ بنُ القاسم، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيع بن أنسٍ، عن أبي العالية أو غيره - شكٍّ أبو جعفرٍ -، - عن أبي هريرة في قوله ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾. إلى قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قال: جاء جبريلُ إلى النبيِّ ﷺ، فذكر نحو حديثِ عليّ بن سَهْلٍ، عن حجَّاجٍ، إلا أنه قال: جاء جبريلُ (^٣) معه ميكائيلُ، وقال (^٤): كما تروحُ (^٥) الأنعام [إلى الضَّرِيعِ] (^٦)، وقال في كلِّ موضعٍ: قال عليٌّ: \"ما هؤلاء\": \"من هؤلاءِ (^٧) \"، وقال في موضع: تُقرَضُ ألسنتُهم: تُقَصُّ ألسنتُهم. وقال أيضًا في موضعٍ قال عليٌّ فيه: ونِعْمَ الخليفةُ: [ونعم الخليفةُ] (^٨). وقال في ذكرِ الخمرِ، فقال:\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣١ عن المصنف، وأخرجه البيهقى في الدلائل ٢/ ٣٩٦، ٣٩٧ من طريق على بن سهل به. وأخرجه البزار (٥٥ - كشف)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٣٦، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٣٩٧ من طريق أبي جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٤٤ إلى أبي يعلى، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة، وابن مردويه. وقال ابن كثير في تفسيره: وهذا الحديث في بعض ألفاظه غرابة ونكارة شديدة، وفيه شيء من حديث المنام من رواية سمرة بن جندب في المنام الطويل عند البخارى، ويشبه أن يكون مجموعا من أحاديث شتى، أو منام وقصة أخرى غير الإسراء.\n(^٣) بعده في م: \"و\".\n(^٤) بعده في م: \"فيه: وإذا بقوم يسرحون\".\n(^٥) في م: \"تسرح\".\n(^٦) في م: \"يأكلون الضريع والزقوم\".\n(^٧) بعده في م: \"يا جبرئيل\".\n(^٨) سقط من: م.","vol":"14","page":435},{"text":"\"لا أُرِيدُه، قد رَويتُ\". قال: جبريلُ: [قد أصبتَ الفطرة يا محمدُ، إنها ستُحَرَّمُ] (^١) على أُمَّتِك. وقال في سدرة (^٢) المُنتهى أيضًا: هذه السَّدْرَةُ المنتهى، إليها يَنتَهى كلُّ أحدٍ خلا على سبيلك مِن أُمَّتِك. وقال أيضًا في الورقة منها تُظِلُّ الخلقَ كلَّهم: تَغْشَاها الملائكةُ مثل الغِرْبانِ حينَ يَقَعْنَ على الشجرة، من حُبِّ اللهِ. وسائرُ الحديثِ نحوُ (^٣) حديث عليٍّ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبي هارونَ العَبْدِيِّ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، وحدَّثنى الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: ثنا مَعْمَرٌ، قال: أخبَرنا أبو هارونَ العَبْدِيُّ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ - واللَّفْظُ لحديث الحسنِ بن يَحيى - في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾. قال: ثنا النبيُّ ﷺ عن ليلة أُسرى به، فقال نبيُّ الله: \"أُتِيتُ بدايَّةٍ هي أشبهُ الدوابِّ بالبغل، له أُذنان مضْطَربتانِ، وهو البُراقُ، وهو الذي كان تركبُه الأنبياءُ قَبْلِي، فركبتُه، فانطلق بي يَضَعُ يدَه عندَ مُنتَهى بَصَرِه، فسمِعتُ نِداء عن يَمينى: [يا محمدُ] (^٥)، علَى رِسْلِك أسألْك. فمضَيْتُ ولم أُعرِّجْ عليه، ثم سمعتُ نداءً عن شمالي: يا محمدُ، على رسْلِك أسألْك. فمضَيتُ ولم أَعرِّجْ عليه، ثم استقبلت امرأةً (^٦) عليها من كلِّ زينة (^٧)\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أصبت، أما أنه سيحرم\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"السدرة\".\n(^٣) في م: \"مثل\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٦ عن المصنف ولم يذكر لفظه.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٦) بعده في م: \"في الطريق فرأيت\".\n(^٧) بعده في م: \"من زينة\".","vol":"14","page":436},{"text":"الدُّنيا رافعةً يدها، تقولُ (^١): على رسْلِك أسألْك. فمضَيتُ ولَمْ أَعَرِّجْ عَلَيْها، ثُمَّ أَتيتُ بيتَ المقدس - أو قال: المسجدَ الأقْصَى - فنزَلتُ عن الدَّابَّةِ فأوثَقتُها بالحلقة التي كانت الأنبياءُ تُوثِقُ بها، ثم دخَلتُ المسجدَ فصلَّيتُ فيه، فقال لي جبريلُ: ماذا رأيت في وجهك. فقُلتُ: سمِعتُ نِداءً عن يَمينى، أن يا محمدُ، على رِسْلِك أسألكَ. فمضَيتُ ولم أُعرِّج عليه\". قال: ذاك داعِى اليهودِ، أَمَا إِنك لو وقَفتَ عليهِ تهوَّدَتْ أُمَّتُكَ. قال: ثم سمِعتُ نداءً عن يسارى، أنْ يا محمدُ، على رِسْلِك أسألك، فمَضَيتُ ولم أُعرِّجْ عليه. قال: ذاك داعى النَّصارى، أما إنك لو وقَفتَ عليه لتَنصَّرتْ أمَّتُك. قلتُ: ثم استقْبَلَتنى امرأةٌ عليها من كلِّ زينة (^٢) الدُّنيا رافعةً يدَها، تقولُ: على رسْلك أسألْك. فمضَيتْ ولم أُعرِّجْ عليها. قال: تلك الدُّنيا تزيَّنَتْ لكَ، أَمَا إِنَّك لو وقفت عليها [لاختارت أمَّتُك] (^٣) الدُّنيا على الآخرة. ثم أُتِيتُ بإناءين أحدُهما فيه لبنٌ، والآخرُ فيه خمرٌ، فقيل لي: اشرَبْ أيَّهُما شئت. فأخذتُ اللبن فشربتُه. قال: أصبتَ الفِطرة - أو قال: أخَذْتَ الفِطرة - \".\nقال معمرٌ: وأخبرني الزُّهريُّ، عن ابن المسيَّبِ، أنه قيل له: أمَّا إِنَّك لو أخَذتَ الخمرَ غُوتْ أُمَّتُك.\nقال أبو هارون في حديث أبي سعيد: \"ثم جيء بالمعراج الذي تَعرُجُ فيه أرواحُ بنى آدمَ، فإذا أحسَنُ ما رأيتُ، ألم تر إلى المَيِّتِ كيف يَحُدُّ بصره إليه! فعُرج بنا فيه حتى انتَهَينا إلى باب السماءِ الدُّنيا، فاستفتح جبريلُ، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريلُ. قيل (^٤): ومَن معك؟ قال: محمدٌ. قيل: أو قد أُرسل إليه؟ قال: نعم.\n_________\n(^١) بعده في م: \"يا محمد\".\n(^٢) بعده في م: \"من زينة\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"اخترت\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".","vol":"14","page":437},{"text":"ففتحوا وسلَّموا عليَّ، وإذا ملَكٌ مُوَكَّلٌ يَحرُسُ السماءَ يقالُ له: إسماعيلُ. معه سبعُون ألف ملكٍ، معَ كلِّ ملَكٍ منهم مائةُ ألفٍ، ثم قرأ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، وإذا أنا برجل كهيئتِهِ يومَ خلقه الله لم يَتَغيَّرُ منهُ شيءٌ، فإذا هو تُعرَضُ عليه أرواحُ ذُرِّيَّته، فإذا كان رُوحَ مُؤمنٍ قال: رُوحٌ طيِّبٌ، وريحٌ طيِّبةٌ، اجعَلوا كتابَه في علِّيِّينَ. وإذا كان رُوحَ كافرٍ قال: روحٌ خبيثةٌ، ورِيحٌ خبيثةٌ، اجعَلوا كتابه في سِجِّينٍ (^١). فقلتُ: يا جبريلُ من هذا؟ قال: أبوك آدمُ. فسلَّم عليَّ ورحَّب بى (^٢)، وقال: مرحبًا بالنبيِّ الصَّالح [والولد الصَّالح] (^٣). ثُمَّ نظَرتُ فإذا أنا بقوم لهم مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الإبل، وقد وُكِّل بهم مَن يَأْخُذُ بمَشَافِرِهم، ثم يَجْعَلُ فِي أَفواههم صَخْرًا مِن نارٍ يَخرُجُ مِن أسافِلِهم، قلتُ: يا جبريلُ مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكُلون أموال اليَتامَى ظُلْمًا. ثم نظَرتُ فإذا أنا بقوم يُحذَى (^٤) مِن جُلُودِهم ويُرَدُّ في أفواههم، ثم يُقالُ: كُلُوا كما أكَلْتُم. فإذا أكرَهُ ما خلق الله لهم ذلك. قلتُ: مَن هؤلاء يا جبريلُ؟ قال: هؤلاء الهمَّازُونَ اللمَّازونَ الذين يأكُلُونَ (^٥) لحومَ النَّاسِ (^٦). ثم نَظَرتُ فإذا أنا بقومٍ على مائدةٍ عليها لحمٌ مشويٌّ كأحسن ما رأيتَ مِن اللَّحم، وإذا حولهم جيفٌ، فجعَلُوا يَميلُونَ على الجيف يأكُلونَ مِنها ويَدَعُونَ ذلكَ اللَّحمَ. قلتُ: من هؤلاءِ يا جبريلُ؟ قال: هؤلاءِ الزُّناةُ عَمَدوا إلى مَا حَرَّم الله عليهم، وتركوا ما أحلَّ الله لهم. ثُمَّ نظَرتُ فإذا أنا بقومٍ لهم بُطونٌ كأنها البُيوتُ وهى على\n_________\n(^١) في مصادر التخريج: \"سجين\". وسجيل في معنى سجين. اللسان (س ج ل).\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف. وبعده في م: \"ودعا لى بخير\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) يحذى: يقطع. ينظر النهاية ١/ ٣٥٧.\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"من\".\n(^٦) بعده في م: \"ويقعون في أعراضهم بالسب\".","vol":"14","page":438},{"text":"سابِلة آل فرعونَ، فإذا مرَّ بهم آلُ فرعونَ ثارُوا (^١)، فيَمِيلُ بأحدهم بطنُه فيَقَعُ، فيَتَوطَّؤُهم آلُ فرعون بأرجُلِهم، وهم يُعرضونَ على النَّارِ غُدوًّا وعَشِيًّا. قلتُ: مَن هؤلاء يا جبريلُ؟ قال: هؤلاء أكلَةُ الرِّبَا، ربًا في بُطُونِهم، فمثلُهُم كمثل الذي يَتَخبَّطُه الشَّيطانُ من المسِّ. ثُمَّ نظَرتُ فإذا أنا بنساءٍ مُعلَّقاتٍ بثُدِيِّهِنَّ، ونساءٍ مُنَكَّساتٍ بأَرْجُلِهِنَّ. قلتُ: مَن هؤلاء يا جبريلُ؟ قال: هنَّ اللاتى يَزْنِينَ ويَقتُلنَ أولادَهنَ\".\nقال: \"ثُمَّ صعدنا إلى السَّماءِ الثَّانية، فإذا أنا بيوسفَ وحوله تَبَعٌ مِن أُمَّتِه، ووجهُه كالقمر ليلة البدر، فسلَّم عليَّ ورحَّب بي، ثُمَّ مضَينا إلى السَّماءِ الثَّالثة، فإذا أنا بابنى الخالَةِ؛ يَحيى وعِيسى، يُشْبِهُ أحدُهما صاحبَه؛ ثِيابَهما وشَعَرَهما، فسلَّما عليَّ ورحَّبَا بي. ثُمَّ مضَينا إلى السَّماءِ الرَّابعةِ، فإذا أنا بإدريسَ، فسلَّم عليَّ ورحَّب، وقد قال الله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]. ثم مضينا إلى السماءِ الخامسة، فإذا أنا بهارونَ المحبَّبِ في قومه، و(^٢) حولَه تَبَعٌ كثيرٌ مِن أُمَّتِه - فوصفه النبيُّ ﷺ - طويلُ اللِّحيةِ، تَكَادُ لحيَتُه تَمَسُّ سُرَّتَه، فسلَّم عليَّ ورحَّب، ثم مضَينا إلى السَّماءِ السَّادسة، فإذا أنا بموسى بن عِمْرانَ - فوصَفه النبيُّ ﷺ فقال: كثيرُ الشَّعَرِ، لو كان عليه قَمِيصانِ خرَج شَعَرُه منهما. قال موسى: تَزِعُمُ النَّاسُ أَنى أكرمُ الخَلْقِ على الله، فهذا أكرمُ على الله منِّى، ولو كان وحدَه لم أكُنْ أُبَالى، ولكنْ كلُّ نبيٍّ ومن تبعه مِن أُمَّتِه. ثم مضينا إلى السَّماءِ السَّابعة، فإذا أنا بإبراهيم وهو جالسٌ مُسنِدٌ ظهرَه إِلى البيت المعمور، فسلَّم عليَّ وقال: مرحبًا بالنبيِّ الصَّالحِ [والولد الصَّالحِ] (^٣). فقيل: هذا مكانُكَ ومكانُ أُمَّتِك، ثُمَّ تَلا: ﴿إنَّ\n_________\n(^١) في ص، ت،١ ف: \"باوا\". وبعده في ت ٢: \"ياووا\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"14","page":439},{"text":"أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]. ثم دخلتُ البيتَ المعمورَ فصلَّيتُ فيه، وإذا هو يدخلُه كلَّ يومٍ سبْعُونَ أَلفَ ملَكِ، لا يَعودُون إلى يوم القيامةِ، ثم نظَرتُ فإذا أنا بشجرةٍ، إن كانت الورقةُ منها لمُغَطِّيةً هذه الأُمَّةَ، فإذا في أصلها عينٌ تَجرِى فانشعبتْ شُعْبَتين. فقلتُ: ما هذا يا جبريلُ؟ قال: أمَّا هذا فهو نَهرُ الرَّحمةِ، وأمَّا هذا فهو الكَوثَرُ الذي أعطَاكَهُ الله. فاعْتَسَلتُ في نهر الرَّحمةِ فغُفِر لى ما تقدَّم من ذنبي وما تأخَّر، ثم أخَذتُ على الكوثر حتى دخلتُ الجنَّةَ؛ فإذا فيها مَا لا عَينٌ رَأَتْ، ولا أُذنٌ سمعتْ، ولا خطَر على قلب بشرٍ، وإذا فيها رُمَّانٌ كأنه جلودُ الإبل المُقَتَّبة، وإذا فيها طيرٌ كأنها البُخْتُ\". فقال أبو بكرٍ: إن تلك الطير لناعمةٌ. قال: \"آكِلُها (^١) أَنعَمُ مِنها يا أبا بكر، وإني لأرجو أن تأكل منها، ورأيتُ فيها جاريةً، فسألتُها: لمن أنتِ؟ فقالت: لزيد بن حارثةَ\". فبشَّر بها رسولُ الله ﷺ زيدًا. قال: \"ثم إن الله أمَرنى بأمرِه، وفرَض عليَّ خمسين صلاةً. فمَررتُ عَلَى موسى، فقال: بمَ أمَرك ربُّك؟ قلتُ: فرض عليَّ خمسين صَلاةً. قال: ارجعْ إلى ربِّك فاسْأَله التخفيفَ؛ فإن أمتك لن يَقُوموا بهذا. فرجعتُ إلى ربى فسأَلْتُه (^٢) فوضَع عنى عشرًا، ثم رجعتُ إلى موسى، فلم أزَلْ أرجعُ إلى ربى إذا مررتُ بموسى حتى فرَض عليَّ خمسَ صلواتٍ، فقال موسى: ارْجِعْ إلى ربِّك فاسألْه التخفيف. فقلتُ: قد رجَعتُ إلى ربى حتى استحييْتُ - أو قال: قلتُ: ما أنا براجعٍ - فقيل لى: إن لك بهذه الخمس صلواتٍ خمسين صلاةً، الحسنةُ (^٣) بعشر أمثالها، ومَن همَّ بحسنةٍ فلم يَعْمَلْها كُتِبت (^٤)\n_________\n(^١) في م: \"أكلتها\".\n(^٢) بعده في ت ١: \"التخفيف\".\n(^٣) في تفسير عبد الرزاق: \"الخمسة\".\n(^٤) بعده في م: \"له\".","vol":"14","page":440},{"text":"حسنةً، ومَن عملها كُتبت (^١) عشرًا، ومَن هَمَّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلُها لم تُكْتَبْ شيئًا، فإن عملها كُتبت واحدةً\" (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمد بن إسحاق، قال: ثنى رَوْحُ بنُ القاسم، عن أبي هارون عُمارة بن جُوين العبديِّ، عن أبي سعيد الخدريِّ، وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: وثنى أبو جعفرٍ، عن أبي هارونَ، عن أبي سعيدٍ، قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: \"لما فرَغتُ مما كان في بيت المقدس، أتى بالمعراج، ولم أرَ شيئًا قطُّ أحسنَ منه، وهو الذي يَمُدُّ إليه ميِّتُكم عينيه إذا حضَر، فأصعَدني صاحبي فيه، حتى انتهى إلى بابٍ مِن الأبواب يقالُ له: بابُ الحَفَظةِ، عليه ملَكٌ يقالُ له: إسماعيلُ. تحتَ يديه اثنا عشر ألفَ ملَكٍ، تحتَ يدَى كلِّ ملَكٍ منهم اثنا عشَرَ ألْفَ ملَكٍ\". فقال رسولُ الله ﷺ حين حدَّث هذا الحديث: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]. ثم ذكر نحوَ حديثِ معمرٍ، عن أبي هارون، إلا أنه قال في حديثه: قال: \"ثم دخَل بي الجنةَ فرأيتُ فيها جاريةً لعساء (^٣)، فسألتُها لمن أنتِ؟ وقد أعجَبَتنى حين رأيتُها، فقالت: لزيد بن حارثة\". فبشَّر بها رسولُ اللهِ ﷺ زيدَ بنَ حارثةَ. ثم انتهى حديثُ ابن حميدٍ، عن سلمة إلى ههنا (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن\n_________\n(^١) بعده في م: \"له\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٦٥. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٢٣ - والبيهقي في الدلائل ٢/ ٣٩٠، وابن عساكر في تاريخه ٣/ ٥٠٩، والقزوينى في التدوين ١/ ٤٣٦ من طريق أبي هارون به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٤٢ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف. وجارية لعساء: إذا كان في لونها أدنى سواد فيه شربة حمرة ليست بالناصعة. تهذيب اللغة ٢/ ٩٧.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٤٠٣.","vol":"14","page":441},{"text":"الزهريِّ، عن ابن المسيِّبِ، عن أبي هريرة، أن رسولَ اللهِ ﷺ وصف لأصحابه ليلةَ أُسرى به إبراهيمَ وموسى وعيسى، فقال: \"أما إبراهيمُ فلم أرَ رجلًا أشبه بصاحبكم منه، وأما موسى فرجلٌ آدمُ طُوَالٌ جعدٌ أَقْنى (^١)؛ كأنه من رجالٍ شَنُوءَةَ، وأما عيسى فرجلٌ أحمرُ بين القصير والطويل، سَبْطُ الشَّعَرِ، كثيرُ خيلان (^٢) الوجه، كأنه خرج من ديماسٍ، كأن رأسَه يَقْطرُ ماءً، وما به ماءٌ، أشبَهُ مَن رأيتُ به عروةُ بنُ مسعودٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، عن رسول الله ﷺ بنحوه، ولم يقل: عن أبي هريرة (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ، عن أنسٍ، أن النبيَّ ﷺ أُتى بالبُراقِ ليلةَ أُسرِى به مُسرَجًا ملجمًا ليركبَه، فاستصعَب عليه، فقال له جبريلُ: ما يَحمِلُك على هذا، فوالله ما ركبك أحدٌ قطُّ أكرمُ على اللهِ مِنه. فقال: فارفَضَّ عرقًا (^٥).\n_________\n(^١) القنا في الأنف: طوله ورِقَّة أرنبته مع حَدَب في وسطه. النهاية ٤/ ١١٦.\n(^٢) الخيلان، جمع خال: وهو الشامة. ينظر النهاية ٢/ ٩٤.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٧١، وهو في مصنفه ٥/ ٣٢٩ (٩٧١٩)، ومن طريقه أحمد ١٣/ ١٩٩، ٢٠٠ (٧٧٨٩)، والبخارى (٣٤٣٧)، ومسلم (٢٧٢)، والترمذى (٣١٣٠)، وأبو عوانة ١/ ١٢٩، ٥/ ٣٢٤، وابن حبان (٥١)، وابن منده في الإيمان (٧٢٨)، والبيهقى في الدلائل ٢/ ٣٨٧.\nوأخرجه البخارى (٣٣٩٤، ٣٤٣٧) من طريق هشام بن يوسف، عن معمر به. وأخرجه البخاري (٤٧٠٩، ٥٥٧٦، ٥٦٠٣)، ومسلم (١٦٨/ ٩٢ - كتاب الأشربة)، والنسائي (٥٦٧٣)، وأبو عوانة ٥/ ٣٢٣ - ٣٢٥، وابن حبان (٥٢)، والبيهقى ٨/ ٢٨٦، وفى الدلائل ٢/ ٣٥٧ من طريق الزهرى به.\n(^٤) أخرجه أبو عوانة ٥/ ٣٢٥، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٣٥٩، ٣٦٠ من طريق الزهرى به.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٧٢ ومن طريقه أحمد ٢٠/ ١٠٧ (١٢٦٧٢)، وعبد بن حميد (١١٨٣)، والترمذى (٣١٣١)، وأبو يعلى (٣١٨٤)، وابن حبان (٤٦)، والآجرى في الشريعة ص ٤٨٨، وأبو نعيم في الحلية ٩/ ٢٢٨، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٣٦٢، والخطيب في تاريخ بغداد ١١/ ٢٥٨، والضياء المقدسي في المختارة (٢٤٠٤، ٢٤٠٥)، وفى فضائل بيت المقدس (٤٩). =","vol":"14","page":442},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾: أُسْرِى بنبيِّ اللهِ عشاءً مِن مكة إلى بيت المقدس، فصلَّى نبيُّ اللهِ فيه، وأَرَاه اللهُ مِن آياته وأمَره ما شاء ليلةَ أُسرِى به، ثم أصبح بمكة. ذكر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: \"حُملتُ على دابَّةٍ يُقال لها: البُراقُ. فوقَ الحمار ودون البغل، [يَقَعُ خَطوُه عندَ أَقصَى طَرْفِه] (^١) \". فحدَّث نبيُّ اللهِ بذلك أهل مكة، فكذَّب به المشركونَ وأنكَروه، وقالوا: يا محمدُ تُخبِرُنا أنك أتَيتَ بيتَ المقدس، وأقبَلتَ من ليلتك، ثم أصبَحتَ عندنا بمكة، فما كنتَ تجيئُنا [وتأتى به قبل] (^٢) اليوم مع هذا! فصدَّقه أبو بكرٍ، فسُمِّى أبو بكر الصديق من أجل ذلك.\nحدَّثنا ابن أبي الشَّوارب، قال: ثنا عبدُ الواحد بنُ زيادٍ، قال: ثنا سليمانُ الشَّيبانيُّ، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادٍ، قال: لما كان ليلةُ أُسرِى برسول الله ﷺ أتى بدابَّةٍ يُقالُ لها: البُراقُ. دونَ البغل وفوق الحمار، تَضَعُ حافرها عند منتهى طرفها (^٣)، فلما أتَى بيت المقدس أتى بإناءين؛ إناءٍ من لبنٍ، وإناءٍ مِن خمرٍ. قال (^٤): فشَرِب اللبن، قال: فقال له جبريلُ: هُدِيتَ وهُدِيتْ أَمَّتُك (^٥).\nوقال آخرون ممن قال: أسرى بالنبيِّ ﷺ إلى المسجد الأقصى بنفسه وجسمه:\n_________\n= وأخرجه أبو بكر البغدادى في جزء الألف دينار (٢٩٦)، والضياء المقدسى في المختارة (٢٤٠٦) من طريق قتادة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن مردويه.\n(^١) في م: \"يضع حافره عند منتهى\".\n(^٢) في م: \"به وتأتى به قبل هذا\".\n(^٣) في م: \"ظفرها\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٨/ ١٩٧، ١٩٨، ١١/ ٤٦١، ١٤/ ٣٠٨ من طريق سليمان الشيباني به.","vol":"14","page":443},{"text":"أُسرِى به ﵇، غير أنه لم يدخُلْ بيت المقدس، ولم يُصَلِّ فيه، ولم يَنزِلْ عن البُراقِ حتى رجع إلى مكةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5117>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطَّانُ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى عاصمُ بنُ بَهْدَلةَ، عن زِرَّ بن حُبيشٍ، عن حذيفة بن اليمان، أنه قال في هذه الآية: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾. قال: لم يُصَلِّ فيه رسولُ الله ﷺ، ولو صلَّى فيه لكُتِب عليكم الصلاةُ فيه كما كُتب عليكم الصلاةُ عند الكعبة (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: سمعتُ أبا بكر بنَ عَيَّاشٍ، ورجلٌ يُحدِّثُ عندَه بحديث حينَ أُسرى بالنبيِّ ﷺ، فقال له: لا تَجيءُ بمثل عاصمٍ ولا زِرٍّ. قال: قال حذيفةُ لزرِّ بن حُبيشٍ - قال: وكان زِرٌّ رجلًا شريفًا مِن أشرافِ العرب - قال: قرأ حذيفةُ: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [مِنَ اللَّيْلِ] (^٢) مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بارَكنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) - وكذا قرأ عبدُ اللهِ - قال: وهذا كما يقولون: إنه دخل المسجد فصلَّى فيه، ثم دخل فربَط دابتَه. قال: قلتُ: والله قد دخَله. قال: من أنت؟ فإنى أعرِفُ وجهَك ولا أدرى ما اسمُك. قال: قلتُ: زِرُ بنُ حُبيشٍ. قال: ما [علمُك بهذا] (^٣)؟ قال: قلتُ: مِن قِبَلِ القرآن. قال: من أخذ بالقرآن أفلَح. قال: فقلتُ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٢٨٠) عن محمد بن بشار به. وأخرجه أحمد ٥/ ٣٩٠ (الميمنية) من طريق سفيان به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ليلًا\". وينظر ما تقدم في ص ٤١٣.\n(^٣) في م: \"عملك هذا\".","vol":"14","page":444},{"text":"الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. قال: فنظر إلى، فقال: يا أصلعُ (^١)، هل تُرى دَخَلَه؟ قال: قلتُ: لا والله. قال حذيفةُ: أجَلْ، والله الذي لا إله إلا هو ما دخله، ولو دخَله لوجَبتْ عليكم صلاةٌ فيه، لا والله ما نزل عن البُراق حتى رأى الجنة والنار، وما أعدَّ الله في الآخرةِ أجمع. وقال: تدرى ما البُراق؟ قال: دابةٌ دونَ البغل وفوقَ الحمار، خطوُه مدُّ البصر (^٢).\nوقال آخرون: بل أُسرِى برُوحِه ولم يُسْرَ بجسدِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5118>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني يعقوبُ بن عُتبةَ بن المغيرة بن الأخنسِ، أن معاوية بن أبي سفيان كان إذا سُئل عن مسرى رسول الله ﷺ قال: كانت رُؤيا مِن اللهِ صادقةً (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدٍ، قال: ثنى بعضُ آل أبي بكرٍ، أن عائشةَ كانت تقولُ: ما فُقد جسدُ رسول الله ﷺ، ولكنَّ الله أسرى برُوحه (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"صلع\".\n(^٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٥٩ من طريق أبي بكر بن عياش به. وأخرجه الطيالسي (٤١١)، وعبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٢، والحميدى (٨٤٤)، وابن أبي شيبة ١٤/ ٣٠٦، وأحمد ٥/ ٣٨٧، ٣٩٢، ٣٩٤ (الميمنية)، والترمذى (٣١٤٧)، والبزار (٢٩١٥)، وابن حبان (٤٥)، والبيهقى في الدلائل ٥/ ٣٦٤ من طرق عن عاصم به. وقال ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٠: وهذا الذي قاله حذيفة ﵁ نفى، وما أثبته غيره عن رسول الله ﷺ من ربط الدابة بالحلقة، ومن الصلاة بالبيت المقدس … مقدم على قوله، والله أعلم بالصواب.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٤٠٠.\n(^٤) سيرة ابن إسحاق ص ٢٧٥ (٤٦٢)، وهو في سيرة ابن هشام ١/ ٣٩٩.","vol":"14","page":445},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال ابن إسحاق: فلم يُنكرْ ذلك [من قولهما؛ لقول] (^١) الحسن: إن هذه الآية نزلت [في ذلك] (^٢): ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]. ولقولِ اللهِ في الخبر عن إبراهيم إذ قال لابنِه: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢]. ثم مضَى على ذلك، فعرَفتُ أن الوحى يأتى الأنبياء مِن اللهِ أيقاظًا ونيامًا. وكان (^٣) رسولُ الله ﷺ يقولُ: \"تنامُ عَيني وقلبى يقظانُ\". فاللَّهُ أعلمُ أيُّ ذلك كان قد جاءه، وعايَن فيه مِن أمرِ اللهِ ما عايَن، على أيِّ حالاتِه كان، نائمًا أو يقظانَ، كلُّ ذلك حقٌّ وصدقٌ (^٤).\nوالصوابُ مِن القول في ذلك عندنا أن يُقالَ: إن الله أسرَى بعبده محمدٍ ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، كما أخبر الله عباده، وكما تظاهرتْ به الأخبارُ عن رسول الله ﷺ، أن الله حمله على البراق حين أتاه به، وصلَّى هنالك بمَن صلَّى من الأنبياء والرُّسل، فأراه ما أراه من الآيات، ولا معنى لقولِ مَن قال: أُسرِى برُوحه دون جسده؛ لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن في ذلك ما يُوجِبُ أن يكونَ ذلك كان (^٥) دليلًا على نُبُوَّتِه، ولا حُجَّةً له على رسالته، ولا كان الذين أنكَروا حقيقةً ذلك من أهل الشرك، كانوا يَدْفَعون به عن صدقِه فيه، إذ لم يكن مُنكَرًا عندهم، ولا عند أحدٍ من ذوى الفطرة الصحيحة من بني آدم،\n_________\n(^١) في النسخ: \"قولها\". والمثبت من سيرة ابن هشام ١/ ٣٩٩.\n(^٢) سقط من النسخ. والمثبت من سيرة ابن هشام.\n(^٣) هذا من قول ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٤٠٠. وقوله ﷺ: \"تنام عيني وقلبى يقظان\". أخرجه البخاري (٣٥٦٩)، ومسلم (٧٣٨) من حديث عائشة.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"14","page":446},{"text":"أن يرى الرائِي منهم في المنام ما على مسيرة سنةٍ، فكيف ما هو على مسيرة شهرٍ أو أقلَّ؟\nوبعدُ، فإن الله إنما أخبرَ في كتابه أنه أسرى بعبده، ولم يخبِرْنا أنه أسرى برُوحِ عبدِه، وليس جائزًا لأحدٍ أن يتعدَّى ما قال الله إلى غيره.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن ذلك جائزٌ، إذ كانت العربُ تَفْعَلُ ذلك في كلامها، كما قال قائِلُهم (^١):\nحَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتي عَناقًا … وما هي وَيْبَ غيرك بالعَناقِ\nيعني: حسبتَ بُغَامَ راحلَتى صوتَ عَنَاقٍ. فحذَف \"الصوت\" واكتفى منه بـ \"العَناقِ\"، فإن العرب تَفْعَلُ ذلك فيما كان مفهومًا مرادُ المتكلِّم منهم به من الكلام، فأما فيما لا دلالة عليه إلا بظهوره، ولا يُوصَلُ إلى معرفة مرادِ المتكلِّم إلا ببيانِه، فإنها لا تَحذِفُ ذلك، ولا دَلالَةَ تَدلُّ على أن مراد الله من قوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، أسرَى برُوح عبده. بل الأدلةُ الواضحةُ والأخبارُ المتتابعةُ عن نبيِّ الله ﷺ أن الله أسرَى به على دابَّةٍ يُقالُ لها: البراقُ. ولو كان الإسراءُ برُوحِه لم تكن الرُّوحُ محمولةً على البراقِ، إذ كانت الدوابُّ لا تحملُ إلا الأجسام، إلا أن يقول قائل: إنَّما معنى قولنا: أُسرِى برُوحه: رأى في المنام أنه أُسرى بجسده على البراق، فيُكذِّبَ حينئذٍ بمعنى الأخبار التي رُويتْ عن رسول الله ﷺ أن جبريل حمله على البراق؛ لأن ذلك إذا كان منامًا على قولِ قائلِ هذا القولِ، ولم تكنِ الروحُ عندَه مما تَركَبُ الدَّوابَّ، ولم يُحمل على البراق جسمُ النبيِّ ﷺ، لم يَكُن النبيُّ ﷺ، على قوله، حُمل على البراق؛ لا جسمُه ولا شيءٌ منه، وصار الأمرُ عندَه كبعض أحلام\n_________\n(^١) تقدم في ٢/ ٢٦٥.","vol":"14","page":447},{"text":"النائمين، وذلك دفعٌ لظاهرِ التنزيل، وما تتابَعت به الأخبارُ عن رسول الله ﷺ، وجاءت به الآثارُ (^١) عن الأئمةِ من الصحابةِ والتابعين.\nوقولُه: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الذي جعَلنا حولَه البركةَ لسكانِه في معايشِهم وأقواتِهم وحروثِهم وغروسِهم.\nوقوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كي نُرِيَ عبدنا محمدًا ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾. يقولُ: مِن عِبَرنا وأدِلَّتِنا وحُجَجنا. وذلك هو ما قد ذكرتُ في الأخبار التي رؤيتُها أنفًا، أن رسول الله ﷺ أُريَه في طريقه إلى بيت المقدس، وبعد مصيره إليه من عجائب العبر والمواعظ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾: ما أَراه الله من الآيات والعبر في طريق بيت المقدس.\nوقولُه: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذي أسرى بعبدِه هو السميعُ لما يقولُ هؤلاء المشركون من أهل مكةَ في مسرى محمدٍ ﷺ من مكةَ إلى بيت المقدسِ، ولغير ذلك من قولِهم وقولِ غيرِهم، البصيرُ بما يَعْمَلون من الأعمالِ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ من ذلك، ولا يَعزُبُ عنه علمُ شيءٍ منه، بل هو محيطٌ بجميعه علمًا، ومُحصِيه عددًا، وهو لهم بالمرصاد، ليَجزِى جميعهم بما هم أهلُه.\nوكان بعضُ البَصريين يقولُ: كُسِرت ﴿إنَّهُ﴾ من قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾؛ لأن معنى الكلام: قلْ يا محمدُ: سُبْحانَ الذي أسرَى بعبدِه، وقل: إنه هو السَّميعُ البصيرُ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ص، ف: \"الأخبار\".","vol":"14","page":448},{"text":"<span id=\"aya-2031\"></span><span data-type='title' id=toc-5119>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا (^١) مِنْ دُونِي وَكِيلًا </span>(٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: سبحانَ الذي أسرَى بعبده ليلًا وآتى موسى الكتابَ. ورَدَّ الكلام إلى: ﴿وَآتَيْنَا﴾. وقد ابتدَأه بقوله: ﴿أَسْرَى﴾. لما قد ذكرنا قبلُ فيما مضَى مِن فعل العرب في نظائر ذلك من ابتداء الخبر بالخبر عن الغائب، ثم الرجوع إلى الخطاب وأشباهه (^٢).\nوعنَى بالكتاب الذي أُوتى موسى، التوراة. ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يقولُ: وجعلنا الكتاب - الذي هو التوراةُ - بيانًا للحقِّ، ودليلًا لهم على محجَّةِ الصواب فيما افترَض الله عليهم، وأمرَهم به، ونهاهم عنه.\nوقولُه: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾. اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأة المدينة والكوفة: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا﴾ بالتاء (^٣) بمعنى: وآتينا موسى الكتاب بألا [تَتَّخِذوا يابني] (^٤) إسرائيل. من دوني وكيلًا.\nوقرأ ذلك بعضُ قرأةِ البصرة: (أَلَّا يَتَّخِذُوا) بالياء (^٥)، على الخبر عن بني إسرائيل، بمعنى: وجعَلْناه هدًى لبنى إسرائيل، ألا يتخذ بنو إسرائيل من دوني وكيلًا.\nوهما قراءتان صحيحَتا المعنى، متَّفقَتانِ غيرُ مختلفتين، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"يتخذوا\". وهما قراءتان كما سيأتي.\n(^٢) تقدم في ١/ ١٥٥.\n(^٣) وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي ونافع وابن كثير وابن عامر. التيسير ص ١١٣.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يتخذ بنو\".\n(^٥) وهى قراءة أبي عمرو. المصدر السابق.","vol":"14","page":449},{"text":"فمصيبٌ (^١)، غير أنِّى أُوثِرُ القراءة بالتاء (^٢)؛ لأنَّها أشهرُ في القراءة وأشدُّ استفاضةً فيهم من القراءة بالياء. ومعنى الكلام: وآتيْنا موسى الكتاب (^٣) هدى لبنى إسرائيل ألَّا تَتَّخذوا حفيظًا لكم سواى.\nوقد بيَّنا معنى \"الوكيل\" فيما مضَى (^٤).\nوكان مجاهدٌ يقولُ: معناه في هذا الموضع: الشريكُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾. قال: شريكًا (^٥).\nوكأنَّ مجاهدًا جعَل إقامة من أقامَ شيئًا سوى الله مقامَه شريكًا منه له، ووكيلًا للذي أقامَه مُقامَ اللهِ.\nوبنحو الذي قلنا في تأويل هذه الآية قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5120>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: جعَله الله لهم هدًى، يُخرجُهم من الظلمات إلى النور، وجعَله رحمةً لهم (^٦).\n_________\n(^١) بعده في م: \"الصواب\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢ ف: \"بالياء\".\n(^٣) بعده في م: \"وجعلناه\".\n(^٤) تقدم في ٧/ ٢٥٠.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٢٨. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٢ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":450},{"text":"<span id=\"aya-2032\"></span><span data-type='title' id=toc-5122>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا </span>(٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: سبحانَ الذي أسرَى بعبدِه ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وآتى (^١) موسى الكتاب (^٢) هدًى لبنى إسرائيل، يا (^٣) ذرية من حمَلنا مع نوحٍ.\nوعنَى بالذريةِ جميعَ مَن احتَجَّ عليه جلَّ ثناؤُه بهذا القرآنِ مِن أجناسِ الأممِ، عربِهم وعجمِهم، من بنى إسرائيلَ وغيرهم، وذلك أَنَّ كلَّ مَن على الأَرضِ مِن بنى آدمَ، فهم من ذرية من حمَله الله مع نوحٍ في السفينة.\nوبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5121>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: والناسُ كلُّهم ذريةُ من أنجى الله في تلك السفينة. ذُكر لنا أنَّه ما نَجا فيها يومئذٍ غيرُ نوحٍ وثلاثةِ بنينَ له، وامرأته وثلاثِ نسوةٍ؛ وبنوه (^٤) سامٌ، وحامٌ، ويافثُ؛ فأما سامٌ فأبو العرب، وأما حامٌ فأبو الحبَش، وأما يافثُ فأبو الروم.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾. قال: بنوه ثلاثةٌ ونساؤُهم، ونوحٌ وامرأتُه (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"آتينا\".\n(^٢) بعده في م: \"وجعلناه\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"هم\"، وفي ت ١، ف: \"هو\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٧٣ عن معمر به.","vol":"14","page":451},{"text":"حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال مجاهدٌ: بنوه ونساؤُهم ونوحٌ، ولم تكنْ معهم (^١) امرأتُه (^٢).\nوقد بيَّنا هذا (^٣) في غير هذا الموضع فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه (^٤).\nوقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. يعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّهُ﴾: إنَّ نوحًا - والهاءُ من ذكر نوحٍ - كان عبدًا شكورًا لله على نعمه.\nوقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي سمَّاه اللهُ مِن أجله شكورًا؛ فقال بعضُهم: سمَّاه الله بذلك لأنَّه كان يَحمَدُ الله على طعامِه إِذا طَعِمَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5123>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، قالا: ثنا سفيانُ، عن التيميِّ، عن أبي عثمان، عن سلمانَ، قال: كان نوحٌ إذا لبس ثوبًا أو أكل طعامًا حمد الله، فسُمِّى عبدًا شكورًا (^٥)\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمن، قالا: ثنا سفيانُ، عن أبي حصينٍ، عن عبدِ اللهِ بن سنانٍ، عن سعدِ (^٦) بن مسعودٍ بمثله (^٧).\n_________\n(^١) سقط من النسخ، وانظر مصدر التخريج.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٧٣ عن معمر، عن يونس بن حيان، عن مجاهدٍ.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) تقدم في ١٢/ ٤٢٥، ٤٣٣.\n(^٥) تفسير سفيان ص ١٦٨. ومن طريقه الحاكم ٢/ ٣٦٠، والبيهقى في شعب الإيمان (٤٤٧١)، وابن عساكر في تاريخه ١٧/ ٦٦٧ (مخطوط). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٢ إلى الفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"سعيد\". وينظر التاريخ الكبير ٤/ ٥.\n(^٧) تفسير سفيان ص ١٦٨. ومن طريقه البخارى في التاريخ الكبير ٤/ ٥٠، والطبراني (٥٤٢٠)، =","vol":"14","page":452},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن عبدِ اللهِ بن سنانٍ، عن سعد بن مسعودٍ، قال: ما ليس نوحٌ جديدًا قطُّ، ولا أكَل طعامًا قطُّ، إلا حمد الله، فلذلك قال الله: ﴿عَبْدًا شَكُورًا﴾ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعتمرُ بنُ سليمان، قال: ثني سفيانُ الثوريُّ، قال: ثنى أبوك (^٢)، عن أبي عثمانَ النهديِّ، عن سلمانَ، قال: إنما سُمِّى نوحٌ عبدًا شكورًا، أنَّه كان إذا لبس ثوبًا حمد الله، وإذا أكل طعامًا حمد الله (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: من بني إسرائيلَ وغيرهم، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. قال: إنَّه لم يُجَدِّدُ ثوبًا قطُّ إِلَّا حمد الله، ولم يُبْلِ ثوبًا قطُّ إلَّا حمد الله، وإذا شرِب شَرْبةً حمد الله، قال: الحمدُ لله الذي سقانيها على شهوةٍ ولذةٍ وصحةٍ. وليس في تفسيرها، وإذا شرب شَرْبةً قال هذا، ولكنْ بلغني ذا.\nحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو فَضَالةَ، عن النضر بن شُفَيٍّ، عن عِمْرانَ بن سُلَيمٍ، قال: إِنَّما سُمِّى نوحٌ عبدًا شكورًا؛ أنَّه كان إذا أكل الطعام قال: الحمد لله الذي أطعَمنى، ولو شاءَ أجاعنى. وإذا شرب قال: الحمدُ لله الذي سقاني، ولو شاء أَظمَأَنى. وإذا لبس ثوبًا قال: الحمدُ لله الذي كساني، ولو شاء أَعْرَاني. وإذا لبس نعلًا قال: الحمدُ لله الذي حذَاني، ولو شاءَ أَحْفَاني. وإذا قضَى\n_________\n= وفي الدعاء (٣٩٧، ٩٠٢). وينظر علل ابن أبي حاتم (٢٠٣٠). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٧/ ٦٦٧ (مخطوط) من طريق أبي بكر به.\n(^٢) في النسخ: \"أيوب\". والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٣) أخرجه المحاملي في أماليه (٦٨) من طريق المعتمر به.","vol":"14","page":453},{"text":"حاجةً قال: الحمدُ لله الذي أخرَج عنى أَذَاه، ولو شاءَ حبَسه (^١).\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى عبدُ الجبار بنُ عمرَ، أَنَّ ابن أبي مريم حدثه، قال: إِنَّما سَمَّى اللهُ نوحًا عبدًا شكورًا؛ أنه كان إذا خرَج البَرازُ منه قال: الحمدُ للهِ الذي سوَّغَنيك طيِّبًا، وأخرَج عنى أذاك، وأبْقَى منفعَتَكَ.\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: قال الله لنوح: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾: ذُكِرَ لنا أنَّه لم يَسْتَجِدَّ ثوبًا قطُّ إلا حمد الله، وكان يَأْمرُ (^٢) إذا استجَدَّ الرجلُ ثوبًا أن يقولَ: الحمدُ لله الذي كسانى ما أتجمَّلُ به، وأوارى به عورتي.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. قال: كان إذا لبس ثوبًا قال: الحمدُ للهِ. وإذا أخلقه قال: الحمدُ للهِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-2033\"></span><span data-type='title' id=toc-5124>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾.</span>\nوقد بيَّنا فيما مضَى قبلُ أنَّ معنى القضاء الفراغُ مِن الشيء، ثم يُستعمَلُ في كلِّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٧/ ٦٦٨ (مخطوط) من طريق معاوية بن صالح، عن عمران بن سليم.\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"يؤمر\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٧٣، ٣٧٤ عن معمر به. ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ١٧/ ٦٦٧، ٦٦٨ (مخطوط).","vol":"14","page":454},{"text":"مفروغٍ منه (^١).\nفتأويلُ الكلام في هذا الموضع: وفرَغ ربُّك إلى بني إسرائيل فيما أنزل من كتابه على موسى صلواتُ الله عليه، بإعلامه إياهم وإخباره لهم، ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾. يقولُ: لَتَعْصُنَّ الله يا معشر بنى إسرائيل، ولتخالفُنَّ أمره في بلاده مرتين، ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. يقولُ: ولَتستَكبِرُنَّ على الله باجترائكم عليه استكبارًا شديدًا.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5125>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: أعلَمناهم.\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، في قوله ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يَقُولُ: أعلَمناهم (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: وقضَينا على بني إسرائيل في أمِّ الكتاب، وسابقِ علمِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5126>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: هو قضاءٌ قضى\n_________\n(^١) تقدم في ٢/ ٤٦٦، ٤٦٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٣ إلى المصنف، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":455},{"text":"عليهم (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: قضاءٌ قضَاه على القوم كما تسمَعون.\nوقال آخرون: معنى ذلك: أخبَرْنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5127>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾. قال: أخبَرْنا بني إسرائيل.\nوكلُّ هذه الأقوالِ (^٢) تعُودُ معانيها إلى ما قلتُ في معنى قوله: ﴿وَقَضَيْنَا﴾. وإن كان الذي اختَرنا من التأويل فيه أشبهَ بالصواب؛ لإجماع القرأة على قراءة قوله: ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾. بالتاء دون الياء، ولو كان معنى الكلام: وقضَينا عليهم في الكتاب. لكانت القراءةُ بالياء أولى منها بالتاء، ولكن معناه لما كان: أعلمناهم وأخبَرْناهم، وقلنا لهم، كانت التاءُ أشبهَ وأولى للمخاطبة.\nوكان إفسادُ بني إسرائيلَ في الأرضِ المرَّةَ الأولى ما حدَّثني به [موسى بنُ] (^٣) هارون، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي صالحٍ، وعن أبي مالكٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مرّةَ، عن عبدِ اللهِ، أن الله عهد إلى بني إسرائيل في التوراة لتُفْسِدُنَّ في الأرض مرتين؛ فكان أول الفسادين قتلُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الأحوال\".\n(^٣) سقط من النسخ. وهو إسناد دائر.","vol":"14","page":456},{"text":"زكريا، فبعث الله عليهم ملِكَ النَّبطِ (^١) يُدعى صنحابين (^٢)، فبعَث الجنودَ، وكانت أساورتُه (^٣) من أهل فارسَ، فهم أولو بأسٍ شديدٍ، فتحصَّنت بنو إسرائيل، وخرَج فيهم بختُنَصَّرَ يتيمًا مِسكينًا، إنما خرج يستَطْعِمُ، وتَلَطَّف حتى دخل المدينة فأتى مجالسَهم، فسمِعهم يقولون: لو يَعلمُ عدوُّنا ما قُذف في قلوبنا من الرعب بذنوبنا ما أرادوا قتالنا. فخرَج بختُنَصَّرَ حين سمع ذلك منهم، واشتد القيامُ على الجيش، فرجَعوا، وذلك قولُ اللهِ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾. ثم إن بني إسرائيلَ تَجَهَّزُوا، فغزَوُا النبطَ، فأصابوا منهم واستنقَذوا ما في أيديهم، فذلك قولُ اللهِ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦]. يقولُ: عددًا (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: كان إفسادُهم الذي يُفْسِدُون في الأرض مرتين - قتل زكريا ويحيى بن زكريا، سلَّط الله عليهم سابور ذا الأكتافِ ملكًا مِن ملوك فارس؛ من قِبَلِ (^٥) زكريا، وسلط عليهم بُخْتَنَصَّرَ؛ من قِبَلِ يحيى (^٦).\nحدَّثني عصامُ بن روَّادِ بن الجراحِ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ\n_________\n(^١) بعده في م: \"وكان\".\n(^٢) في م، ت ١، ف: \"صحايين\" وفى نسخة من تاريخ المصنف: \"صيحائين\"، وفى نسخة منه: \"صنحابي\"، والمثبت موافق لنسخة من تاريخ المصنف، ينظر تاريخ المصنف ١/ ٥٤٧، ٥٨٨، ٥٨٩.\n(^٣) الأسوار والإسوار: قائد الفرس. اللسان (س ور).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٣ إلى المصنف من قول ابن مسعود.\n(^٥) في م: \"قتل\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٥ إلى المصنف.","vol":"14","page":457},{"text":"الثوريُّ، قال: ثنا منصورُ بنُ المعتمر، عن ربعيِّ بن حراشٍ، قال: سمعتُ حذيفة بنَ اليمان يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ: \"إن بني إسرائيل لما اعتدوا [في السبتِ] (^١) وعلوا، وقتلوا الأنبياء، بعث الله عليهم ملِك فارسَ بختَنَصَّرَ، وكان الله ملَّكه سبعَمائة سنةٍ، فسار إليهم حتى [دخل بيت] (^٢) المقدس فحاصَرها وفتحها، وقتل على دم زكريا سبعينَ ألفًا، ثم سبَى أهلَها [وبني الأنبياء] (^٣)، وسلب حُليَّ بيتِ المقدس، واستخرَج منها سبعينَ ألفًا ومِائة ألفِ عجَلةٍ مِن حُليٍّ حتى أورده بابل\". قال حذيفةُ: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، لقد كان بيتُ المقدس عظيمًا عند اللهِ؟ قال: \"أجل، بناه سليمانُ بنُ داودَ من ذهبٍ ودرٍّ وياقوتٍ وزبرجدٍ، وكان بَلاطَةً ذهبًا وبَلاطةً فضةً، وعُمُدُه ذهبًا، أعطاه الله ذلك، وسخَّر له الشَّياطين يأتُونه بهذه الأشياء في طرفة عينٍ، فسار بختُنَصَّرَ بهذه الأشياء حتى نزل بها بابلَ، فأقام بنو إسرائيل في يديه مائة سنةٍ تُعذِّبُهم المجوسُ وأبناءُ المجوس، فيهم الأنبياءُ وأبناءُ الأنبياء، ثم إن الله رحمهم، فأوحى إلى ملِكِ مِن ملوكِ فارس، يُقالُ له: كورس. وكان مؤمنًا، أن سر إلى بقايا بني إسرائيلَ حتى تستَنقِذَهم. فسار كورس ببني إسرائيل وحُلِيِّ بيت المقدس حتى ردَّه إليه، فأقام بنو إسرائيل مطيعين لله مائة سنةٍ، ثم إنهم عادوا في المعاصى، فسلَّط الله عليهم إبطنانحوسَ (^٤)، فغزَا بأبناءِ مَن غزا مع بختِنصَّرَ، فغزَا بنى إسرائيلَ، حتى أتاهم بيت المقدس، فسبَى أهلها، وأحرَق بيتَ المقدسِ، وقال لهم: يابني إسرائيل إن عدتُم في المعاصى عُدْنا عليكم بالسِّباءِ. فعادُوا في المعاصى، فسيَّر الله عليهم السِّباءَ الثالث ملِك روميَّةً، يُقال له: قاقسُ بنُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"حل ببيت\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"والأبناء\".\n(^٤) في م: \"أبطيانوس\".","vol":"14","page":458},{"text":"إسبايوس (^١). فغزاهم في البرِّ والبحر، فسباهم، وسيَّر (^٢) حُلِيَّ بيت المقدس، وأحرق بيتَ المقدس بالنيران، فقال رسولُ الله ﷺ: \"هذا من صفة حُلِيِّ بيت المقدس، ويَردُّه المهديُّ إلى بيت المقدس، وهو ألفُ سفينةٍ وسبعُمائة سفينةٍ، يُرسَى بها على يافا حتى تُنقَلَ إلى بيت المقدس، وبها يَجْمَعُ الله (^٣) الأولين والآخرين\" (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاق، قال: كان مما أنزل الله على موسى في خبره عن بني إسرائيل وفي إحداثهم ما هم فاعلون (^٥) بعده، فقال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. إلى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾: فكانت بنو إسرائيل وفيهم الأحداثُ والذنوبُ، وكان الله في ذلك مُتجاوزًا عنهم، مُتعطِّفًا عليهم، محسنًا إليهم، فكان مما أَنزَل بهم في ذنوبهم ما كان قدَّم إليهم في الخبر على لسانِ، موسى، مما أنزَل بهم في ذُنوبهم فكان أول ما أَنزَل بهم من تلك الوقائع، أن ملكًا منهم كان يُدعى صديقة، وكان الله إذا ملَّك الملك عليهم، بعث (^٦) نبيًّا يُسدَّدُه ويُرشدُه، ويكونُ فيما بينه وبين الله، ويُحدِثُ إليه في أمرِهم، لا يُنزِلُ عليهم الكتب، إنما يُؤمرون باتِّباع التوراة والأحكام التي فيها، ويَنهونَهم عن المعصية،\n_________\n(^١) في ص: \"اسيناتوس\"، وفى ت ١: \"اسيتانوس\".\n(^٢) في م: \"سبى\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢ ف: \"إليه\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٥ إلى المصنف. وقال ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٤: وهو حديث موضوع لا محالة، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث، والعجب كل العجب، كيف راج عليه - أي على المصنف - مع إمامته وجلالة قدره، وقد صرح شيخنا الحافظ العلامة أبو الحجاج المزى، ﵀، بأنه موضوع مكذوب، وكتب ذلك على حاشية الكتاب.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فاعلين\".\n(^٦) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بعثا\".","vol":"14","page":459},{"text":"ويدعُونَهم إلى ما تركوا من الطاعة. فلما ملَك ذلك الملكُ، بعث الله معه شعيا بنَ أمصيا، وذلك قبلَ مبعثِ زكريا ويحيى وعيسى، وشعيا الذي بشَّر بعيسى ومحمدٍ، فملَك ذلك الملكُ بنى إسرائيلَ وبيتَ المقدسِ زمانًا، فلما انقضَى ملكُه عظُمت فيهم الأحداثُ وشعيا معه، بعث الله عليهم سنحاريبَ ملك بابلَ، ومعه ستُّمائةِ ألفِ رايةٍ، فأقبلَ سائرًا حتى نزل نحو بيت المقدس - والملكُ مريضٌ؛ في ساقه قُرْحةٌ - فجاء النبيُّ شعيا، فقال له: يا ملك بني إسرائيل، إن سنحاريب ملِكَ بابل، قد نزَل بك هو وجنودُه (^١) ستُّمائةِ ألفِ رايةٍ، وقد هابَهم الناسُ وفرقوا منهم. فكبُر ذلك على الملِكِ، فقال: يا نبيَّ الله، هل أتاك وحىٌ مِن الله فيما حدَث فتُخبِرَنا به كيف يَفعَلُ اللهُ بنا وبسنحاريبَ وجنودِه؟ فقال له النبيُّ ﵇: لم يَأتِنى وحىٌ أحدث (^٢) إلى في شأنك. فبينا هم على ذلك، أوحى الله إلى شعيا النبيِّ، أن ائتِ ملك بني إسرائيل، فمرْه أن يُوصى وصيَّتَه، ويَستَخلِفَ على مُلكِه مَن شَاء مِن أهل بيته. فأتى النبيُّ شعيا ملك بني إسرائيلَ صديقة، فقال له: إن ربَّك قد أوحَى إلى أن أمرَك أن تُوصِيَ وصيتَك، وتَستَخلِفَ مَن شئتَ على مُلكك من أهل بيتِك، فإنك ميِّتٌ. فلما قال ذلك شعيا لصديقة، أقبل على القبلة، فصلَّى وسبَّح ودعَا وبكَى، فقال وهو يَبْكى ويتضرَّعُ إلى الله بقلبٍ مخلصٍ، وتوكلٍ وصبرٍ (^٣)، وظنٍّ صادقٍ: اللهمَّ ربَّ الأرباب، وإله الآلهة، قدُّوسَ المتقدِّسين، يا رحمنُ يا رحيمُ، المترحمُ الرَّءوفُ، الذي لا تأخذُه سنةٌ ولا نومٌ، اذكُرْنى بعملى وفعلى وحُسنِ قضائي على بنى إسرائيل، وذلك كلُّه كان منك، فأنت أعلمُ به من نفسي، سرِّى وعلانيتي لك. وإن الرحمن استَجَاب له، وكان عبدًا صالحًا، فأوحَى الله إلى شعيا أن يُخبِرَ\n_________\n(^١) بعده في تاريخ المصنف: \"في\".\n(^٢) في ت ١: \"حدث\".\n(^٣) بعده في م: \"وصدق\".","vol":"14","page":460},{"text":"صديقة الملك أن ربَّه قد استجاب له وقبل منه ورحمه، وقد رأى بكاءَه، وقد أخَّر أجلَه خمسَ عشرة سنة، وأنجاه من عدوِّه سنحاريبَ ملك بابلَ وجنوده، فأتى شعيا النبيُّ [إلى ذلك الملك] (^١) فأخبره بذلك، فلما قال له ذلك ذهَب عنه الوجعُ، وانقطع عنه الشرُّ والحُزنُ، وخرَّ ساجدًا وقال: يا إلهي وإله آبائي، لك سجَدتُ وسبَّحتُ، وكرَّمتُ وعظَّمتُ، أنت الذي تُعْطى المُلْكَ مَن تَشَاءُ، وتَنزِعُه من تَشاءُ، [وتُعِزُّ مَن تشاءُ] (^٢)، وتُذِلُّ مَن تَشاءُ، عالمُ الغيب والشَّهادة، أنت الأولُ والآخرُ، والظاهرُ والباطنُ، وأنت تَرْحَمُ وتستَجِيبُ دعوة المضْطَرين، أنت الذي أجبْتَ دَعوَتى ورحِمتَ تضرُّعى. فلما رفَع رأسَه، أوحى الله إلى شعيا أن قُلْ للمَلِكِ صديقة فيأمرَ عبدًا من عبيده بالتينة، فيأتيَه بماء التين فيَجْعَلَه على قُرحَتِه فيُشْفَى، ويُصبح وقد بَرِئَ. ففعل ذلك فشُفى. وقال الملكُ لشعيا النبيِّ: سلْ ربَّك أن يجعَلَ لنا علمًا بما هو صانعٌ بعدوِّنا هذا. قال: فقال الله لشعيا النبيِّ: قلْ له: إني قد كفَيتُك عدوَّك، وأنجيتُك منه، وإنهم سيُصبحون موتى كلُّهم إلا سنحاريب وخمسةً من كُتَّابه. فلما أصبَحوا جاءهم صارخُ يُنَبِّئُهم، فصرَخ على باب المدينة: يا ملك بنى إسرائيل، إن الله قد كفاك عدوَّك فاخرُج، فإن سنحاريب ومن معه قد هلَكوا. فلما خرَج الملكُ التمَس سنحاريبَ فلم يُوجَدْ في الموتى، فبعث الملِكُ في طلبه، فأدركه الطَّلبُ في مغارةٍ وخمسةٌ مِن كُتَّابه، أحدُهم بختُنصَّرَ، فجعلوهم في الجوامع (^٣)، ثم أتوا بهم ملك بنى إسرائيلَ، فلما رآهم خرَّ ساجدًا من حين طلعتِ الشمسُ حتى [كانت العصر] (^٤)، ثم قال لسنحاريب: كيف ترى فِعْلَ رَبِّنا بكم؟ ألم يَقْتُلُكم\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) الجوامع جمع الجامعة: وهى الغل؛ لأنها تجمع اليدين إلى العنق. الصحاح (ج م ع).\n(^٤) في ت ١: \"كان وقت\".","vol":"14","page":461},{"text":"بحوله وقوَّتِه، ونحن وأنتم غافلون؟ فقال سنحاريبُ له: قد أتاني خبرُ ربِّكم، ونصرُه إيَّاكم، ورحمتُه التي رحِمكم بها قبل أن أَخرُجَ مِن بلادى، فلم أُطِعْ مُرشِدًا، ولم يُلْقِنى في الشِّقوة إلا قلَّةُ عقلى (^١)، ولو سمعتُ أو عقَلتُ ما غزَوتُكم، ولكن الشِّقوة غلبَتْ عليّ وعلى من معى. فقال ملِكُ بني إسرائيل: الحمدُ للهِ ربِّ العزَّةِ الذي كفَانَاكم بما شاء، إن ربَّنا لم يُبقِك ومن معك لكرامةٍ بك عليه، ولكنه إنما أبقَاك ومَن معك لما هو شرٌّ لك، لتَزدَادوا شِقوةً في الدنيا، وعذابًا في الآخرة، ولتُخبروا من وراءكم بما لقيتُم مِن فعل ربِّنا، ولتُنذروا من بعدَكم، ولولا ذلك ما أبقَاكم، فلَدمُك ودمُ مَن معك أهونُ على اللهِ مِن دم قُرادٍ (^٢) لو قتَلتُه. ثم إن ملِكَ بني إسرائيل أمر أمير حرسه فقذف في رقابهم الجوامعَ، وطاف بهم سبعين يومًا حولَ بيت المقدس إيليا، وكان يرْزُقُهم في كلِّ يومٍ خُبْزَتين من شعيرٍ لكلِّ رجلٍ منهم، فقال سنحاريبُ لملك بني إسرائيل: القتلُ خيرٌ مما تَفْعَلُ بنا، فافعلْ ما أُمِرت. فأمَر (^٣) بهم الملكُ إلى سجن القتل، فأوحى الله إلى شعيا النبيِّ أن قُلْ لملكِ بني إسرائيل يُرْسِلْ سنحاريبَ ومَن معه ليُنْذروا من وراءَهم، وليُكْرمْهم ويَحْمِلُهم حتى يَبْلُغوا بلادهم. فبلَّغ النبيُّ شعيا الملك ذلك، ففعَل، فخرَج سنحاريبُ ومَن معه حتى قدِموا بابلَ، فلما قَدِموا جمع الناسَ فأخبَرهم كيف فعل الله بجنوده، فقال له كهَّانُه وسَحَرتُه: يا ملكَ بابلَ، قد كنا نَقُصُّ عليك خبرَ ربِّهم وخبر نبيِّهم، ووَحْيَ اللهِ إلى نبيِّهم، فلم تُطِعْنا، وهى أمَّةٌ لا يَسْتَطيعُها أحدٌ من (^٤) ربِّهم. فكان أمرُ سنحاريبَ مما خُوِّفوا، ثم\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"غفلتي\".\n(^٢) القراد: دويبة متطفلة من المفصليات، ذات أربعة أزواج من الأرجل، تعيش على الدواب والطيور وتمتص دمها، ومنها أجناس، الواحدة قرادة. الوسيط (ق ر د).\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"ففعل\"، وفى م: \"فنقل\"، وفى ت ١: \"قال: فأمر\". والمثبت من تاريخ المصنف.\n(^٤) في م: \"مع\".","vol":"14","page":462},{"text":"كفاهم الله إياه (^١)؛ تذكرةً وعبرةً، ثم لبِث سنحاريبُ بعد ذلك سبعَ سنين، ثم مات (^٢).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما مات سنحاريبُ اسْتُخْلِف بختُنصَّرَ ابن ابنه على ما كان عليه جدُّه يَعْمَلُ بِعَمَلِه، ويَقْضِى بقضائه، فلبث سبعَ عشرةَ سنةً، ثم قبض الله ملك بني إسرائيل صديقة، فمرَج أمرُ بنى إسرائيل وتنافَسوا المُلك، حتى قتَل بعضُهم بعضًا عليه، ونبيُّهم شعيا معهم لا يُذْعِنون (^٣) إليه، ولا يَقْبَلون منه. فلما فعلوا ذلك، قال الله - فيما بلَغنا - لشعيا: قُمْ في قومك أُوحِ على لسانك. فلما قام النبيُّ أنطق الله لسانَه بالوحي، فقال: يا سماءُ اسْتَمِعى، ويا أرضُ أنْصِتى، فإن الله يُرِيدُ أن يَقُصَّ شأنَ بني إسرائيل الذين ربّاهم بنعمتِه، واصْطَفاهم لنفسه، وخصَّهم بكرامته، وفضَّلهم على عباده، وفضَّلهم بالكرامة، وهم كالغنم الضائعة التي لا راعى لها، فآوَى شاردَتَها، وجمَع ضالتَها، وجبر كسِيرتَها، وداوَى مريضَتَها، وأسمَن مهزولتَها، وحفِظ سمينتَها، فلما فعَل ذلك بطِرت، فتناطَحت كِباشُها فقتل بعضُها بعضًا، حتى لم يَبْقَ منها عَظْمٌ صحيحٌ يُجْبَرُ إليه آخرُ كسيرٌ، فويلٌ لهذه الأمة الخاطئة، وويلٌ لهؤلاء القوم الخاطئين الذين لا يَدْرُون أَنَّى (^٤) جاءهم الحَيَّنُ، إن البعير مما (^٥) يذكُرُ وطنَه فينتابُه، وإن الحمار مما (^٥) يذكُرُ الآريَّ (^٦) الذي شبع عليه فيراجعُه، وإن الثور مما (٥) يذكُرُ المَرْجَ (^٧) الذي سمن\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٣٢ - ٥٣٥.\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"يدعون\"، وفى تاريخ المصنف: \"يرجعون\".\n(^٤) في م: \"أين\".\n(^٥) في م: \"ربما\".\n(^٦) الآرى: مكان الدابة الذي تحبس فيه. ينظر اللسان (أرى).\n(^٧) المرج: أرض واسعة فيها نبت كثير تمرج فيها الدواب. تهذيب اللغة ١١/ ٧١.","vol":"14","page":463},{"text":"فيه فينتابُه، وإن هؤلاء القومَ لا يَدْرون مِن حيثُ جاءهم الحيْنُ، وهم أولو الألباب والعقول، ليسوا ببقرٍ ولا حميرٍ، وإنى ضاربٌ لهم مثلًا فلْيَسْمعوه: قل لهم: كيف تَرَون في أرضٍ كانت خواءً زمانًا، خَرِبةً مواتًا لا عُمران فيها، وكان لها ربٌّ حكيمٌ قويٌّ، فأقبل عليها بالعمارة، وكره أن تَخْرَبَ أرضُه وهو قويٌّ، أو يُقالَ: ضيَّع وهو حكيمٌ. فأحاط عليها جدارًا، وشيَّدَ فيها قصرًا، وأنْبَط فيها نهرًا، وصفَّ فيها غراسًا من الزيتون والرُّمان والنخيل والأعناب، وألوان الثمار كلِّها، ووَلَّى ذلك واسْتَحْفَظه قيِّمًا ذا رأي وهمّةٍ، حفيظًا قويًا أمينًا، وتأنّى طَلْعَها وانْتَظَرها، فلما أطلعت جاء طَلْعُها خَرُوبًا (^١)، قالوا: بئْست الأرضُ هذه، نرى أن يُهْدَمَ جدرانُها وقصرُها، ويُدْفَنَ نهرُها، ويُقْبَضَ قيِّمُها، ويُحَرَّقَ غراسُها، حتى تصير كما كانت أوّلَ مرَّةٍ، خَرِبةً مواتًا لا عُمران فيها. قال الله لهم: فإن الجدار ذمتي، وإن القصر شريعتي، وإن النهرَ كتابي، وإن القَيَّمَ نبيِّى، وإن الغراسَ هم، وإن الخَرُّوبَ الذي أطْلَع الغراسُ أعمالُهم الخبيثةُ، وإني قد قضَيتُ عليهم قضاءَهم على أنفسهم، وإنه مَثَلٌ ضربه الله لهم، يتَقَرَّبون إليّ بذبح البقر والغنم، وليس ينالُنى اللحمُ ولا أكُلُه، ويَدَعُون أن يَتَقَرَّبوا بالتقوى والكفِّ عن ذبح الأنفس التي حرَّمتُها، فأيديهم مخضوبةٌ منها، وثيابُهم مُتَزمِّلةٌ بدمائها، يُشَيِّدون لى البُيوتَ مساجدَ ويُطَهِّرون أجوافَها، ويُنَجِّسُون قلوبَهم وأجسامَهم ويُدَنِّسونها، ويُزَوِّقون لى البيوت والمساجد ويُزَيِّنونها، ويُخْرِبون عُقولهم وأحلامَهم ويُفْسِدونها، فأيُّ حاجةٍ لى إلى تشييدِ البيوتِ ولستُ (^٢) أسكنُها! وأيُّ حاجةٍ إلى تزويق المساجد ولَسْتُ أَدْخُلُها! إنما\n_________\n(^١) الخروب: نبت معروف، بري وشامي، البرى منه شَوِكٌ وبشع، لا يؤكل إلا في الجهد. ينظر التاج (خ ر ب).\n(^٢) في ص، ف: \"ليست\".","vol":"14","page":464},{"text":"أَمَرتُ برَفْعِها لأُذْكَرَ فيها وأُسبِّحَ فيها، ولتَكُونَ مَعْلَمًا لمن أراد أن يُصَلِّيَ فيها، يَقُولون: لو كان اللهُ يَقْدِرُ على أن يَجْمَعَ الفَتَنا لجمعها، ولو كان اللهُ يَقْدِرُ على أن يُفَقِّهَ قلوبَنا لأفْقَهَها. فاعمد إلى عودَين يابِسَين، ثم ائتِ بهما ناديهم (^١) في أجمَعِ ما يَكُونون، فقُلْ للعودين: إن الله يَأْمُرُ كما أن تَكُونا عودًا واحدًا. فلما قال لهما ذلك، اختَلَطا فصارا واحدًا، فقال الله: قل لهم: إني قدَرتُ على أُلْفَةِ العيدانِ اليابسة وعلى أن أُولِّفَ بينها، فكيف لا أقْدرُ على أن أجمَعَ أُلْفَتَهم إن شئْتُ، أم كيف لا أقْدِرُ على أن أُفَقِّهَ قلوبَهم وأنا الذي صوَّرتُها! يقولون: صُمْنا فلم يُرْفَعْ صيامُنا، وصلَّينا فلم تُنَوَّرْ صلاتُنا، وتَصَدَّقنا فلم تَزْكُ صدقاتُنا، ودعَونا بمثل حَنينِ الحمام، وبَكَينا بمثل عُواء الذئب، في كلِّ ذلك لا نُسْمَعُ ولا يُسْتجابُ لنا. قال الله: فسَلْهُم ما الذي يَمْنَعُنى أن أستجيبَ لهم؟ ألستُ أسْمَعَ السامعين، وأبْصَرَ الناظرين، وأقْرَبَ المجيبين، وأرْحَمَ الراحمين! ألأنَّ ذاتَ يدى قلَّت! فكيف ويداى مبسوطَتان بالخير أُنْفِقُ كيف أشاءُ، ومفاتيحُ الخزائن عندى لا يَفْتَحُها ولا يُغْلِقُها غيرى، ألا وإن رحمتي وسعت كلَّ شيءٍ، إنما يَتَراحَمُ المتراحمون بفضلها، أو لأَنَّ البخلَ يَعْتَرِينَى، أو لستُ أكْرَمَ الأكرمين والفتاحَ بالخيراتِ، أَجْوَدَ مَن أَعطَى، وأَكْرَمَ مَن سُئل! لَو أَنَّ هؤلاء القومَ نظَروا لأنفسهم بالحكمة التي نوّرتُ في قلوبهم فنبَذوها، واشتروا بها الدنيا، إذَنْ لأبْصَروا من حيثُ أُتُوا، وإذن لأيْقَنوا أنَّ أنفسهم هي أعدَى العُداةِ لهم، فكيف أرْفَعُ صيامَهم وهم يُلبسونه بقولِ الزُّورِ، ويَتَقَوَّون عليه بطُعْمَةِ الحرام، وكيف أنوِّرُ صلاتهم وقلوبُهم صاغيةٌ إلى من يحاربُنى (^٢) ويُحادُّنى ويَنْتَهِكُ محارمى! أم كيف تَزْكُو عندى صَدَقاتُهم وهم يتَصَدَّقون بأموال غيرهم، إنما أجُرُ (^٣) عليها أهلها\n_________\n(^١) في م: \"ناديهما\".\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"حاربني\"، وفي ت ١: \"محاربتي\".\n(^٣) في م: \"أوجر\".","vol":"14","page":465},{"text":"المغصوبين! أم كيف أستجيبُ لهم دعاءَهم، إنما هو قولٌ بألسنتهم والفعلُ من ذلك بعيدٌ وإنما أستجيبُ للوادع (^١) اللَّينِ، وإنما أَسْمَعُ مِن قول [المُستعفُّ المُستكين] (^٢)، وإِنَّ من علامة رضاى رضا المساكين، فلو رحموا المساكينَ، وقرَّبوا الضُّعفاءَ، وأنصَفوا المظلومَ، ونصَروا المغصوبَ، وعدَلوا للغائب، وأدَّوا إلى الأرملة واليتيم والمسكين، وكلِّ ذي حقٍّ حقَّه، ثم (^٣) كان يَنبَغِي أن أُكَلِّمَ (^٤) البشَّرَ إِذَنْ لكلَّمتُهم، وإذن لكنتُ نورَ أبصارهم، وسَمْعَ آذانِهم، ومعقولَ قلوبهم، وإذن لدعمتُ أركانهم، فكنتُ قوّةَ أيديهم وأرجلهم، وإذن لثبَّتُ ألسنتَهم وعُقولَهم، يقولون لما سمعوا كلامي، وبلَغتهم رسالاتي، بأنها أقاويلُ منقولةٌ، وأحاديثُ متوارثةٌ، وتأليفُ مما تُؤَلِّفُ السحرةُ والكهنةُ، وزعَموا أنهم لو شاءوا أن يأتُوا بحديث مثلِه فعَلوا، وأن يَطَّلعوا على الغيبِ بما تُوحِى إليهم الشياطينُ اطلعوا، وكلُّهم يَستخفى بالذي يقولُ ويُسِرُّ، وهم يَعْلَمُون أنى أعْلَمُ غيبَ السماوات والأرض، وأعلمُ ما يُبدون وما يَكْتُمون، وإني قد قضَيتُ يوم خلقتُ السماواتِ والأرضَ قضاءً أثبتُّه على نفسى، وجعَلتُ دونَه أجلًا مؤجَّلًا، لابد أنه واقعٌ، فإن صدَقوا بما يَنتَحِلون من علمِ الغيبِ، فليُخبرُوك متى أُنفِذُه، أو في أيِّ زمانٍ يكونُ، وإن كانوا يَقدرون على أن يأتوا بما يشَاءون، فليأتوا بمثل القدرة التي بها أُمْضى (^٥)، فإني مُظْهِرُه على الدين كلِّه ولو كره المشركون، وإن كانوا يقدرون على أن يقولوا ما يشَاءون فليُؤَلِّفوا مِثلَ الحكمة التي أُدبِّرُ بها أمرَ ذلك القضاء إن كانوا صادقين، فإنى قد قضَيتُ يومَ خَلَقتُ السماواتِ\n_________\n(^١) في م: \"للداعي\".\n(^٢) في م: \"المستضعف المستكين\"، وفى تفسير البغوي: \"المستعفف المسكين\".\n(^٣) بعده في م: \"لو\".\n(^٤) في ص، ت ٢: \"أكل\"، وفى ف: \"أكمل\".\n(^٥) في م: \"أمضيت\".","vol":"14","page":466},{"text":"والأرضَ أن أجعل النبوَّةَ في الأُجَراءِ، وأن أُحوِّلَ المُلكَ فِي الرِّعاءِ، والعزَّ فِي الأَذِلَّاءِ، والقوَّةَ في الضعفاء، والغنى في الفقراء، والثروة في الأقلَّاء، والمدائنَ في الفَلَواتِ، والآجامَ في المفاوز، والبَرْدِيَّ (^١) في الغِيطانِ، والعلمَ في الجهلَة، والحُكم في الأميين، فسلْهم متى هذا؟ ومَن القائمُ بهذا؟ وعلى يَدَىْ مَن أَسبِّبُه (^٢)؟ ومَن أعوانُ هذا الأمر وأنصارُه إن كانوا يعلمون؟ فإنى باعثٌ لذلك نبيًّا أُمَّيًّا (^٣)، أعمى مِن عُمْيانٍ (^٤)، ضالًا من ضالِّين (^٥)، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ، ولا بصخَّابٍ في الأسواق، ولا مُتَزيِّنٍ (^٦) بالفُحشِ، ولا قوالٍ للحنا، أُسدِّدُه لكلِّ جميلٍ، أَهَبُ له كلَّ خُلقٍ كريمٍ، أَجعَلُ السكينة لباسَه، والبرَّ شِعارَه، والتَّقوى ضميره، والحكمة معقوله، والصدقَ والوفاءَ طبيعتَه، والعفوَ والعِرْفَ (^٧) خُلُقه، والعدل والمعروف سيرتَه، والحقَّ شريعتَه، والهدى، إمامَه، والإسلامَ ملَّتَه، وأحمدَ اسمَه، أَهدِى به بعد الضَّلالة، وأُعَلِّمُ به بعد الجهالة، وأرفعُ به بعدَ الحمالة، وأُشْهِرُ به بعد النُّكرة، وأكثِرُ به بعد القِلَّةِ، وأُغنى به بعد العيلَةِ، وأَجمعُ به بعدَ الفُرقة، وأُؤَلِّفُ به قلوبًا مختلِفةً، وأهواءً مشتَّتةً، وأممًا متفرِّقةً، وأجْعَلُ أمَّته خيرَ أُمَّةٍ أخرجت للنَّاسِ، تأمُرُ بالمعروفِ، وتَنْهَى عن المنكرِ، توحيدًا لى، وإيمانًا وإخلاصًا بي، يُصَلُّون لى قيامًا\n_________\n(^١) البردى: نبات مائى من الفصيلة السعدية، تسمو ساقه الهوائية إلى متر أو أكثر، ينمو بكثرة في منطقة المستنقعات بأعالى النيل، وصنع منه المصريون القدماء ورق البردى المعروف. الوسيط (ب ر د).\n(^٢) في م: \"أسنه\"، وفى ت ١: \"أنشئه\".\n(^٣) بعده في م: \"ليس\".\n(^٤) بعده في م: \"ولا\".\n(^٥) وهذا المعنى كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]. قال ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٤٨: كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. وينظر البحر المحيط ٨/ ٤٨٦.\n(^٦) في ف: \"متدين\"، وغير منقوطة في ص.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"المعروف\". والعرف: الصبر. التاج (ع ر ف).","vol":"14","page":467},{"text":"وقعودًا، وركَّعًا وسجودًا، يُقاتلون في سبيلى صفوفًا وزحوفًا، ويَخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاءَ رضوانى، أُلهمُهم التكبير والتوحيدَ، والتسبيحَ والحمدَ والمِدْحَةَ، والتمجيد (^١) لى في مساجدهم ومجالسهم، ومضاجعهم ومُتَقَلَّبهم ومثوَاهم، يُكبِّرون ويهلِّلون، ويقدِّسون على رءوس الأسواق، ويُطهِّرون لى الوجوةَ والأطرافَ، ويعقِدُون الثيابَ في الأنصاف، قربانُهم دماؤُهم، وأناجيلُهم صدورُهم، رهبانٌ بالليل، لُيُوثٌ بالنهار، ذلك فضلى أُوتِيه مَن أَشاءُ، وأنا ذو الفضل العظيم. فلما فرَغ نبيُّهم شعيا إليهم من مقالته، عدوا عليه - فيما بلَغَني - ليقتُلُوه، فهرب منهم، فلقيَتْه شجرةٌ، فانفلَقتْ فدخَل فيها، وأدركه الشيطانُ فأَخَذ بهُدْبَةٍ مِن ثوبه فأرَاهم إياها، فوضَعوا المنشارَ في وسَطها فنشَرُوها حتى قطعُوها، وقطَعوه في وسَطِها (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: فعلى القول الذي ذكَرنا عن ابن عباسٍ من رواية السُّديِّ، وقول ابن زيدٍ، كان إفسادُ بني إسرائيل في الأرضِ المرةَ الأولى قَتْلَهم زكريا نبيَّ الله، مع ما كان سلَف مِنهم قبلَ ذلك وبعدَه، إلى أن بَعث الله عليهم من أحلَّ على يده بهم نقمتَه من معاصى الله، وعتوِّهم على ربِّهم. وأما على قول ابن إسحاق الذي روَينا عنه، فكان إفسادُهم المرّة الأولى ما وُصف مع (^٣) قتلهم شعيا بنَ أمصيا نبيَّ الله.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"التحميد\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٣٦، ٥٣٧ مختصرًا، وذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٦٩ وما بعدها بأطول مما هنا، وقال ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٤ عن هذه الآثار وغيرها: وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية … منها ما هو موضوع، من وضع زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحا، ونحن في غنية عنها، ولله الحمد، وفيما قص الله تعالى علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم.\n(^٣) في م، ت ٢، ف: \"من\".","vol":"14","page":468},{"text":"وذكر ابن (^١) إسحاقَ أن بعضَ أهل العلم أخبَره أن زكريا مات موتًا ولم يُقتلْ، وأن المقتولَ إنما هو شعيا، وأن بختَنصرَ هو الذي سُلِّط على بني إسرائيلَ في المرّةِ الأولى بعد قتلهم شعيا.\nحدَّثنا بذلك ابن حميدٍ، عن سلمة عنه (^٢).\nوأما إفسادُهم في الأرضِ المرة الآخرة، فلا اختلافَ بينَ أهل العلم أنه كان قتلَهم يحيى بنَ زكريا.\nوقد اختلَفوا في الذي سلَّطه الله عليهم مُنتقمًا به منهم عند ذلك، وأنا ذاكرٌ اختلافَهم في ذلك إن شاء الله.\nوأما قولُه: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. فقد ذكرنا قول من قال: يعنى به استكبارَهم على الله بالجراءة عليه، وخلافِهم أمرَه.\nوكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. قال: ولَتَعلُنَّ (^٣) الناسَ علوًّا كبيرًا.\nحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\n\n<span id=\"aya-2034\"></span>وأما قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾. يعنى: فإذا جاء وعدُ أُولى المرَّتين اللتين\n_________\n(^١) ليس في: ص، ت ١، ت ٢، ف: وينظر ما سيأتي في التخريج.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٠/ ٢١٦، وأبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٩ عن ابن إسحاق. وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٩/ ٥٦ من طريق إسحاق بن بشر، عن إدريس، عن وهب.\n(^٣) في ص: \"لتضلن\".","vol":"14","page":469},{"text":"يُفسدُون بهما في الأرض.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾. قال: إذا جَاء وعدُ أُولى تينك المرَّتين اللتين (^١)، قضَينا إلى بنى إسرائيل: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾.\nوقولُه: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾. يعني تعالى ذكرُه بقوله: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ (^٢)﴾: وجَّهنا إليكم، وأرسلنا عليكم، ﴿عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. يقولُ: ذوى بطشٍ في الحروب شديدٍ.\nوقولُه: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾. يقولُ: فتردَّدُوا بين الدُّور والمساكن، وذهَبوا وجاءوا. يُقالُ فيه: جَاس القومُ بين الديار وحاسُوا - بمعنًى واحدٍ - وجُسْتُ أنا أَجُوسُ جَوْسًا وَجَوَسَانًا.\nوبنحو الذي قُلنا في ذلك رُوى الخبرُ عن ابن عباسٍ.\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾. قال: مشَوا (^٣).\nوكان بعضُ أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقولُ: معنى ﴿فَجَاسُوا﴾: قتلوا. ويُستَشهدُ لقوله ذلك ببيتِ حسان (^٤):\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"التي\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"إليكم\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٥ إلى المصنف، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(^٤) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٣٧٠. والبيت ليس فيه.","vol":"14","page":470},{"text":"ومنا الذي لاقى بسيف محمدٍ … فجَاس به الأعداءُ عُرضَ العساكر\nوجائزٌ أن يكونَ معناه: فجاسوا خلال الديار فقتَلوهم ذاهبين وجائين. فيَصِحَّ التأويلان (^١) جميعًا.\nويعنى: بقوله: ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾: وكان جَوْسُ القومِ الذين نَبعَثُ عليهم خلال ديارهم، وعدًا من الله لهم مفعولًا ذلك لا محالة؛ لأنه لا يُخلِفُ الميعادَ.\nثم اختلَف أهلُ التأويل في الذين عنى الله بقوله: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ وفيما كان من فعلهم في المرّة الأولى في بني إسرائيل حين بُعثوا عليهم، ومَن الذين بَعَث عليهم في المرّة الآخرة، وما كان من صنيعهم بهم؛ فقال بعضُهم: كان الذي بعَث الله عليهم في المرّة الأولى جالوت، وهو من أهل الجزيرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-5128>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾. قال: بعث الله عليهم جالوتَ، فجَاس خلال ديارهم، وضرب عليهم الخَراجَ والذُّلَّ، فسألوا الله أن يبعثَ لهم ملكًا يُقاتلون في سبيل الله، فبعث الله طالوت، فقَاتَلوا جالوتَ، فنصَر الله بني إسرائيل، وقُتِل جالوتُ بيدَى داودَ، ورجع الله إلى بني إسرائيل مُلكهم (^٢).\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"التلاوتان\" وغير منقوطة في: ص.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":471},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾: قضاءً قضَى الله على القوم كما تَسمَعون، فبعَث عليهم في الأُولى جالوتَ الجزريَّ، فسبَى وقتل، وجاسُوا خلالَ الديار كما قال الله، ثم رجَع القومُ على دَخَنِ فيهم.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ، قال: أما المرةُ الأُولى فسلَّط الله عليهم جالوتَ، حتى بعَث طالوتَ ومعه داودَ، فقتَله داودُ (^١).\nوقال آخرون: بل بعَث عليهم في المرّة الأولى سنحاريب. وقد ذكرنا بعض قائلى ذلك فيما مضَى، ونَذكُرُ ما حضَرَنا ذكرُه ممَّن لم نذكرْه قبلُ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي المعلَّى، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ في قوله: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. قال: بعث الله ﵎ عليهم في المرّة الأولى سنحاريبَ مِن أهل أَثُورَ ونِينَوى. فسألتُ سعيدًا عنها، فزَعَم أنها الموصلُ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: ثنى يعلى بنُ مسلمٍ، عن (^٣) سعيد بن جبيرٍ أنه سمِعه يقولُ: كان رجلٌ من بني إسرائيلَ يقرأُ حتى إذا بلغ: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. بكى وفاضَتْ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٧٣ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٤٤.\n(^٣) في م: \"بن\".","vol":"14","page":472},{"text":"عيناه، و(^١) طبَّق المصحفَ، فقال (^٢): ذلك ما شاء الله من الزمان. ثم قال: أي ربِّ، أرنى هذا الرجل الذي جعلتَ هلاكَ بني إسرائيلَ على يدَيه. فأُرى في المنام مسكينًا ببابلَ، يُقالُ له: بختُنصَّرَ. فانطلق بمالٍ وأعْبُدٍ له - وكان رجلًا مُوسِرًا - فقيل له: أين تُريدُ؟ قال: أُريدُ التِّجارةَ. حتى نزَل دارًا ببابلَ، فاستكراهَا ليس فيها أحدٌ غيرُه، فجعَل يَدْعُو المساكين ويَلْطُفُ بهم حتى [لا يَأْتيه] (^٣) أحدٌ (^٤)، فقال: هل بقى مسكينٌ غيرُكم؟ قالوا: نعم. مسكينٌ بفجِّ آل فلانٍ مريضٌ، يُقالُ له: بختُنصر. فقال لغِلْميه: انطَلِقوا (^٥). حتى أتاه، فقال: ما اسمُك؟ قال: بختُنصرَ. فقال لغلْمَتِه: احتمِلُوه. فنقَله إليه ومرَّضه حتى بَرَأ، فكَساه وأعطَاه نفقةً. ثم أَذَّن الإسرائيليُّ بالرحيل، فبكَى بختُنصرَ، فقال الإسرائيليُّ: ما يُبكيك؟ قال: أبكي أنك فعَلتَ بي ما فعَلتَ، ولا أجدُ شيئًا أجزِيكَ. قال: بلى، شيئًا يسيرًا، إن ملكت أطعتَنى. فجعَل الآخرُ يَتْبَعُه، ويقولُ: تَستَهزِئُ بى! ولا يَمنَعُه أَن يُعطيه ما سأله إلا أنه يَرَى أنه يستهزئُ به، فبكى الإسرائيليُّ، وقال: لقد علمت ما يمنعُك أن تُعطيَني ما سألتُك إلا أن الله يُريدُ أن يُنْفِذَ ما قد قضاه - وكتب في كتابه. [وضرَب الدهرُ من ضَرْبه] (^٦)، فقال [يومًا صيحونُ] (^٧) وهو ملكُ فارسَ ببابلَ: لو أنا بعثنا طليعةً إلى الشام؟\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بما\"، وفى تاريخ المصنف: \"ثم\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يقال\".\n(^٣) سقط من: ت ٢، وفى م: \"لم يبق\"، وفى ت ١: \"لم يبقى\"، وفى ف: \"لم\" وبعدها بياض بمقدار كلمة.\n(^٤) بعده في تاريخ المصنف: \"إلا أعطاه\". والمثبت بدونها مستقيم أيضًا\n(^٥) بعده في تاريخ المصنف: \"بنا. فانطلق\"، وفى نسخة منه: \"بنا. فانطلقوا\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ضرب الدهر ضربة\". قال ابن الأثير في النهاية ٣/ ٨٠: فضرب الدهر من ضَرَبانه. ويروى: من ضَرْبه. أي: مرّ من مروره وذهب بعضه.\n(^٧) في ص، ت ٢، ف: \"صحور\"، وكذا ورد اسمه في نسخة من تاريخ المصنف.","vol":"14","page":473},{"text":"قالوا: وما ضرَّك لو فعلت؟ قال: فمن تَرَون؟ قالوا: فلانٌ. فبعَث رجلًا وأعطَاه مائةَ ألفٍ، وخرَج بختُنصَّرَ في مَطبَخه، لا يَخْرُجُ إلا ليأكل في مطبخه، فلما قدم الشامَ رأى صاحبُ الطليعة أكثر أرض الله فرسًا ورجلًا جلدًا، فكسر ذلك في ذرعه (^١)، فلم يسألْ. قال: فجعَل بختُنصَّرَ يَجلِسُ مجالس أهل الشام، فيقولُ: ما يمنعُكم أن تَغْرُوا بابلَ، فلو غزَوتُموها ما دونَ بيت مالها شيءٌ؟ قالوا: لا نُحسنُ القتال. [قال: فلو (^٢) غَزَوتُم؟ قالوا: إنا لا نُحسنُ القتال] (^٣) ولا نُقَاتِلُ. حتى أنفذ (^٤) مجالس أهل الشام، ثم رجعوا فأخبَر الطليعةَ ملِكَهم بما رأى، وجعَل بختُنصرَ يقولُ لفوارس (^٥) الملكِ: لو دعانى الملكُ لأخبَرتُه غيرَ ما أخبرَه فلانٌ. فرُفِع ذلك إليه، فدعَاه فأخبره الخبرَ، وقال: إن فلانًا لما رأى أكثر أرض اللهِ كُراعًا (^٦) ورجلًا جلدًا، [كسر ذلك في ذرعه] (^٧)، ولم يَسْألهم عن شيءٍ، وإنى لم أدَعْ مجلسًا بالشام إلا جالستُ أهلَه، فقلتُ لهم كذا وكذا، فقالوا لي كذا وكذا - الذي ذكر سعيدُ بنُ جبيرٍ أنه قال لهم - قال الطليعةُ لبختنصَّرَ: فضَحتَنى، لك مائةُ ألفٍ وتنزِعُ عما قلتَ؟ قال: لو أعطَيتني بيتَ مال بابلَ ما نزعتُ. و(^٨) ضرَب الدهرُ مِن ضَربه، فقال الملكُ: لو بعثنا\n_________\n(^١) أي: ثبطه عما أراد. ينظر النهاية ٢/ ١٥٨.\n(^٢) بعده في م: \"أنكم\".\n(^٣) هذه الجملة ليست في تاريخ المصنف.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ف: \"انتقد\". وغير منقوطة في ص، وأنفذ القوم: إذا خرقهم ومشى في وسطهم. التاج (ن ف ذ).\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لفارس\".\n(^٦) في م: \"فرسا\".\n(^٧) في م: \"كبر ذلك في روعه\".\n(^٨) من تاريخ المصنف.","vol":"14","page":474},{"text":"جريدة خيلٍ (^١) إلى الشام، فإن وجدوا مساغًا ساغوا، وإلا امتشُّوا (^٢) ما قدروا عليه. قالوا: ما ضرَّك لو فعلت؟ قال: فمَن ترونَ؟ قالوا: فلانٌ. قال: بل الرجلُ الذي أخبرني ما أخبرني. فدعا بختُنصرَ وأرسله، وانتخب معه أربعة آلاف من فرسانهم، فانطلقوا فجاسوا خلال الديار، فسبَوا ما شاء الله، ولم يخرِّبوا ولم يقتلوا، [ورُمى في جنازة] (^٣) صيحونَ (^٤). قالوا: اسْتَخْلِفوا رجلًا. قالوا: على رسلِكم حتى يأتى أصحابكم فإنهم فرسانكم؛ [أن يُنغِّصوا] (^٥) عليكم شيئًا. فأمهلوا (^٦) جاء بختُنصرَ بالسَّبي وما معه، فقسَّمه في الناس، فقالوا: ما رأينا أحدًا أحقَّ بالملكِ مِن هذا. فملَّكوه (^٧).\nحدَّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقولُ: ظهر بختُنصرَ على الشام، فخرَّب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشقَ، فوجد بها دمًا يغلى على كِبًا (^٨). فسألهم: ما هذا الدمُ؟ قالوا: أدركنا آباءنا على هذا، وكلَّما ظهر عليه الكِبَا ظهر. قال: فقتل على ذلك الدم سبعين ألفًا مِن المسلمين وغيرهم، فسكن (^٩).\n_________\n(^١) خيل جريدة: لا رَجّالة فيها. اللسان (ج ر د).\n(^٢) في م: \"انثنوا\". وامتشُّوا: انتزعوا، يقال: امتشى الثوب: انتزعه. ينظر اللسان (م ش ش).\n(^٣) في م: \"ومات\". ورمى في جنازته: أي مات. والعرب تقولها إذا أخبرت عن موت إنسان؛ لأن الجنازة تصير مرميًّا فيها. النهاية ١/ ٣٠٦.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"صحور\". وبعده في م: \"الملك\".\n(^٥) في م: \"لن ينقضوا\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أمهلوا\"، وفى م: \"أمهلوا فأمهلوا\".\n(^٧) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٤٥، ٥٤٦.\n(^٨) بعده في م: \"أي كناسة\"، ولعله تفسير من الناسخ.\n(^٩) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٤ عن المصنف، وقال: وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب، وهذا هو المشهور.","vol":"14","page":475},{"text":"وقال آخرون: يعنى بذلك قومًا من أهل فارس. قالوا: ولم يَكُنْ في المرة الأولى قتالٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5129>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾. قال: من جاءهم من فارس يَتَحَسَّسون (^١) أخبارهم، ويَسْمَعون حديثَهم، معهم بختُنصَّرَ، فوعى أحاديثَهم من بين أصحابه، ثم رجعت فارسُ ولم يَكنْ قتالٌ، ونُصرت عليهم بنو إسرائيل، فهذا وعد الأولى.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: جندٌ جاءهم من فارس يَتَحَسَّسون (^١) أخبارهم. ثم ذكر نحوَه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. قال: ذلك، أي من جاءهم من فارس، ثم ذكر نحوه.\n\n<span id=\"aya-2035\"></span><span data-type='title' id=toc-5130>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثم أدلْناكم يا بني إسرائيل على هؤلاء القوم الذين وصفهم\n_________\n(^١) في م: \"يتجسسون\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٢٨. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٥ إلى المصنف، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":476},{"text":"جلَّ ثناؤُه أنه يَبْعَثُهم عليهم. وكانت تلك الإدالةُ والكرّةُ لهم عليهم، فيما ذكر السديُّ في خبره، أن بني إسرائيل غزَوْهم، وأصابوا منهم، واستَنْقَذوا ما في أيديهم منهم (^١). وفى قول آخرين، إطلاقُ الملكِ الذي غزاهم ما في يديه من أسراهم (^٢). وردُّ ما كان أصاب من أموالهم عليهم من غير قتالٍ. وفي قول ابن عباسٍ الذي رواه عطيةُ عنه، هي إدالهُ الله إياهم من عدوِّهم جالوتَ حتى قتَلوه (^٣)، وقد ذكرنا كلَّ ذلك بأسانيده فيما مضى.\n﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾. يقولُ: وزدنا (^٤) فيما أعطيناكم من الأموال والبنين.\nوقولُه: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾. يقولُ: وصيَّرناكم أكثر عدد نافرٍ منهم.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5131>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾. أي: عددًا، وذلك في زمن داود (^٥).\n\n<span id=\"aya-2036\"></span><span data-type='title' id=toc-5132>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا</span>\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٤٥٦، ٤٥٧.\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"أشرافهم\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٤٧١.\n(^٤) في ت ١، ف: \"ردنا\".\n(^٥) تقدم أوله في ص ٢٨.","vol":"14","page":477},{"text":"فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا (^١) وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه لبنى إسرائيل فيما قضَى إليهم في التوراة: إن أحسنتم يابني إسرائيلَ، فأطَعتم الله وأصلَحتم أمرَكم، ولزمتم أمرَه ونهيَه أحسَنتم وفعلتم ما فعَلتم من ذلك لأنفسكم؛ لأنَّكم إنما تنفعون بفعلِكم (^٢) ما تفعَلون من ذلك أنفسكم في الدنيا والآخرة؛ أما في الدنيا فإن الله يدفَعُ عنكم من بغَاكم سوءًا، ويُنمِّى لكم أموالَكم، ويَزيدُكم إلى قوَّتِكم قوَّةً، وأما في الآخرة فإن الله ﵎ يُثيبُكم به جنانه. ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ﴾. يقولُ: وإن عصيتُم الله وركبتم ما نهاكم عنه حينئذٍ، فإلى أنفسكم تُسيئون؛ لأنكم تُسخِطون بذلك على أنفسكم ربَّكم، فيُسلِّطُ عليكم في الدنيا عدوَّكم، ويُمكِّنُ مِنكم مَن بغاكم سوءًا، ويُخلِّدُكم في الآخرة في العذاب المهين. وقال جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾. والمعنى: فإليها. كما قال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة: ٥] والمعنى: أَوْحَى إليها.\nوقولُه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾. يقولُ: فإذا جاء وعدُ المرّة الآخرة من مَرَّتَيْ إفسادِكم يابني إسرائيلَ في الأرض، (لِيَسُوءَ (١) وُجُوهَكُمْ). يقولُ: ليسوء مجئُ ذلك الوعد للمرة الآخرة وجوهَكم فيُقبِّحَها.\nوقد اختلَفت القرأةُ في قراءة قوله: (ليَسُوءُ (١) وُجُوهَكُمْ). فقرأ ذلك عامَّةُ قرأة أهل المدينة والبصرة: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾. بمعنى: ليسوءَ العبادُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"ليسوء\". ويبدو أن هذه القراءة هي اختيار الطبرى كما سيظهر ذلك من تأويله للآية. وهذه القراءة هي قراءة ابن عامر وحمزة وخلف وعاصم في رواية أبي بكر. ينظر السبعة ص ٣٧٨، والنشر ٢/ ٢٢٩.\n(^٢) في م: \"بفعلتكم\".","vol":"14","page":478},{"text":"الأُلو (^١) البأس الشديد الذين يبعَثُهم الله عليكم وجوهَكم (^٢). واستشهد قارئو ذلك لصحة قراءتهم كذلك بقوله: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾. وقالوا: ذلك خبرٌ عن الجميع، فكذلك الواجبُ أن يكونَ قولُه: ﴿لِيَسُوءُوا﴾. وقرأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ الكوفة: (ليَسُّوءَ وُجُوهَكُمْ). على التوحيد وبالياء، وقد يحتملُ ذلك وجهين من التأويل؛ أحدُهما ما قد ذكَرتُ، والآخرُ منهما: ليسوء الله وجوهكم. فمَن وجَّه تأويل ذلك إلى: ليسوءَ مجئُ الوعدِ وجوهَكم. جعَل جوابَ قوله: ﴿فَإِذَا﴾ محذوفًا، قد استُغْنِىَ (^٣) بما ظهَر عنه، وذلك المحذوفُ: \"جاء\". فيكونُ الكلامُ تأويلُه: فإذا جاء وعدُ الآخرة ليسوءَ وجوهَكم جاء. ومَن وجَّه تأويلَه إلى: ليسوءَ الله وجوهَكم. كان أيضًا في الكلام محذوفٌ (^٤)، غير أنه (^٥) سوى \"جاء\"، فيكونُ معنى الكلام حينئذٍ: فإذا جاء وعدُ الآخرة بعَثناهم ليسوء الله وجوهَكم. فيكونُ المُضمَرُ \"بعثناهم\"، وذلك جوابُ \"إذا\" حينَئذٍ. وقرَأ ذلك بعضُ أهل العربية من الكوفيين: (لِنَسُوءَ وُجُوهَكُمْ) على وجه الخبر من الله ﵎ اسمُه عن نفسه (^٦).\nوكان مجيءُ وعدِ المرَّة الآخرة عند قتلهم يحيى.\n\n<span data-type='title' id=toc-5133>ذِكرُ الرواية بذلك.</span>\nوالخبرُ عمّا جاءهم من عند الله حينئذٍ كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو،\n_________\n(^١) في م: \"أولو\".\n(^٢) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وحفص عن عاصم. السبعة ص ٣٧٨.\n(^٣) في م: \"المستغنى\".\n(^٤) بعده في م: \"قد استغنى هنا عنه بما قد ظهر منه\".\n(^٥) في م: \"أن ذلك المحذوف\".\n(^٦) قرأه الكسائي. ينظر السبعة ص ٣٧٨ والنشر ص ٢٢٩.","vol":"14","page":479},{"text":"قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في الحديث الذي ذكَرنا إسناده قبلُ؛ أن رجلًا من بنى إسرائيلَ رأى في النوم أن خرابَ بيت المقدسِ وهلاك بني إسرائيل على يَدَىْ غلامٍ يتيمٍ ابن أرملةٍ من أهل بابل، يُدْعَى بُخْتُنصَّر، وكانوا يَصدُقون فتَصدُقُ رؤياهم، فأقبَل فسأَل عنه حتى نزل على أمِّه وهو يَحتطبُ، فلما جاء وعلى رأسه حزمةٌ من حطبٍ ألقاها، ثم قعَد في جانب البيت، فضمَّه، ثم أعطاه ثلاثةَ دراهمَ، فقال: اشترِ بهذا (^١) طعامًا وشرابًا. فاشترى بدرهم لحمًا وبدرهمٍ خبزًا وبدرهمٍ خمرًا، فأكلوا وشربوا حتى إذا كان اليومُ الثاني فعَل به ذلك، حتى إذا كان اليومُ الثالثُ فعل ذلك، ثم قال له: إني أُحِبُّ أن تكتبَ لى أمانًا إن أنت ملَكتَ يومًا من الدهرِ. فقال: تسخَرُ بي؟ فقال: إني لا أسخَرُ بك، ولكن ما عليك أن تتخذ بها عندى يدًا! فكلَّمته أمُّه، فقالت: وما عليك إن كان (^٢)، وإلا لم يَنقُصْك شيئًا! فكتب له أمانًا، فقال (^٣): أرأيتَ إن جئتُ والناسُ حولَك قد حالوا بينى وبينك، فاجعَلْ لى آيةً تعرِفُنى بها. قال: ترفَعُ صحيفتَك على قَصَبةٍ فأعرِفُك بها. فكسَاه وأَعْطَاه، ثم إن ملك بني إسرائيلَ كان يُكرِمُ يحيى بن زكريا، ويُدْنِى مجلسَه، ويستشيرُه في أمرِه، ولا يقطَعُ أمرًا دونَه، وإنه هوىَ أن يتزوَّجَ ابنة امرأةٍ له، فسأل يحيى عن ذلك، فنهاه عن نكاحِها، وقال: لستُ أَرْضاها لك، فبلَغ ذلك أمَّها فحقَدت على يحيى حينَ نهاه أن يتزوَّجَ ابنتَها، فعمَدت أمُّ الجارية حينَ جلَس الملكُ على شرابه، فألبَستْها ثيابًا رقاقًا حُمْرًا، وطيَّبْتها وألبَسْتها من الحَلْي، و(^٤) ألبَستها فوق ذلك كساءً أسودَ، وأرسَلتْها\n_________\n(^١) في م: \"لنا بها\". وفى تاريخ المصنف - كما سيأتي تخريجه -: \"بهذه\".\n(^٢) بعده في م: \"ذلك\".\n(^٣) بعده في م: \"له\".\n(^٤) بعده في م: \"قيل: إنها\". وينظر مصدر التخريج.","vol":"14","page":480},{"text":"إلى الملكِ، وأمرتْها أن تَسقِيَه، وأن تَعرِضَ (^١) له (^٢)، فإن أرادها على نفسِها أبَت عليه حتى يُعطيَها ما سأَلتْه، فإذا أعطاها ذلك سألتْه أن يأتيَ برأس يحيى بن زكريا في طَسْتٍ، ففعَلتْ، فجعَلتْ تَسقِيه وتَعرِضُ (^١) له (^٢)، فلما أخَذ فيه الشرابُ أرادها على نفسِها، فقالت: لا أفعَلُ حتى تُعطِينَى ما أسألُك. قال: ما (^٣) تَسْأَليني؟ قالت: أسألُك أن تبعَثَ إلى يحيى بن زكريا، فأُوتَى (^٤) برأسه في هذا الطَّسْتِ. فقال: ويحَك سَلِينى غيرَ هذا. فقالت له: ما أريدُ أن أسألك إلا هذا. قال: فلما أبَتْ (^٥) عليه بعَث إليه، فأُتى برأسه، والرأسُ يتكلَّمُ حتى وُضِع بين يديه وهو يقولُ: لا يَحِلُّ لك (^٦). فلما أصبَح إذا دمُه يَغلى، فأمَر بترابٍ فأُلقى عليه، فرقى الدمُ فوق الترابِ يغلى، فأُلقى عليه الترابُ (^٧) أيضًا، فارتفع الدمُ فوقه، فلم يزَلْ يُلقَى عليه الترابُ حتى بلَغ سورَ المدينة وهو [في ذلك] (^٨) يغلى وبلَغ صَيْحائينَ (^٩)، فثار في الناس، وأراد أن يبعَثَ عليهم جيشًا، ويُؤمِّرَ عليهم رجلًا، فأتاه بختُنصَّرَ وكلَّمه وقال: إن الذي كنتَ أرسَلتَ تلك المرَّةَ ضعيفٌ، وإنى قد دخلتُ المدينة وسمعتُ كلام أهلها، فابعَثْني. فبعَثه، فسار بختُنصَّرَ حتى إذا بلغوا ذلك المكانَ تَحصَّنوا منه في مدائنهم،\n_________\n(^١) في ت ١: \"تتعرض\".\n(^٢) بعده في م: \"نفسها\".\n(^٣) بعده في م: \"الذي\".\n(^٤) في ت ١: \"فتأتي\".\n(^٥) في م: \"ألحت\". وفي ت ١، ف: \"أنفت\".\n(^٦) بعده في م: \"ذلك\".\n(^٧) سقط من ص، ت ١، ت ٢، ف. وينظر مصدر التخريج.\n(^٨) سقط من: م، ت ١. وفى ت ٢، ف: \"في\".\n(^٩) في ص، ت ١، ف: \"صحابين\". وفى م: \"صيحابين\". وفي ت ٢: \"صحابين\". وأثبتناه كما في: تاريخ المصنف.","vol":"14","page":481},{"text":"فلم يُطِقهم (^١)، فلما اشتدَّ عليهم المُقامُ وجاع أصحابُه، أرادوا الرجوعَ، فخرَجت إليهم عجوزٌ من عجائز بنى إسرائيلَ، فقالت: أين أميرُ الجندِ؟ فأُتى بها إليه، فقالت له: إنه بلَغنى أنك تريدُ أن تَرجِعَ بجندِك قبل أن تَفتحَ هذه المدينةَ. قال: نعم، قد طال مُقامي، وجاع أصحابي، فلستُ أستطيعُ المقامَ فوقَ الذي كان منى. فقالت: أرأيتَك إن فتحتُ لك المدينةَ أتُعطينى ما أسألُك، فتقتلُ مَن أمَرتُك بقتله، وتَكُفُ إذا أَمَرتُكَ أَن تَكُفَّ؟ قال: نعم. قالت: إذا أصبَحت فاقسِمْ جندَك أربعة أرباعٍ، ثم أَقِمْ على كلِّ زاويةٍ ربعًا، ثم ارفَعوا بأيديكم إلى السماء فنادُوا: إِنا نستفتِحُك يا الله بدمِ يحيى بن زكريا. فإنها سوف تسَّاقَطُ. ففعَلوا، فتساقَطت المدينةُ، ودخَلوا مِن جوانبها، فقالت له: [كُفَّ يدَك] (^٢)، اقتُلْ على هذا الدم حتى يَسكُن. وانطلَقتْ به إلى دم يحيى، وهو على ترابٍ كثيرٍ، فقتَل عليه، حتى سكن، سبعين ألفًا وامرأةً، فلما سكَن الدمُ قالت له: كُفَّ يدك، فإن الله ﵎ إذا قُتِل نبيٌّ لم يرضَ، حتى يُقتَلَ مَن قتَله، ومَن رضِي قتلَه. وأتاه صاحبُ الصحيفة بصحيفته، فكفَّ عنه وعن أهل بيته، وخرَّب بيتَ المقدس، وأمَر به أن تُطرَحَ فيه الجيَفُ، وقال: مَن طرح فيه جيفةً فله جزيتُه تلك السنة، وأعانه على خرابِه الرومُ من أجل أنَّ بني إسرائيل قتلوا يحيى، فلما خرَّبه بختُنصَّرَ ذهَب معه بوجوه بنى إسرائيل وسراتِهم (^٣)، وذهب بدانيالَ وعَلْيا وعَزَرْيَا (^٤) وميشائيلَ، هؤلاء كلُّهم من أولاد الأنبياء وذهَب معه برأس الجالوت (^٥)، فلما قدِم أرضَ بابلَ وجَد صَيْحائينَ قد مات، فملَك مكانَه، وكان\n_________\n(^١) في ت ٢: \"يطلعهم\". وفي ف: \"يطلقهم\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"أشرافهم\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"عزوريا\". وفي م: \"عزاريا\". ينظر التاريخ.\n(^٥) في م: \"جالوت\".","vol":"14","page":482},{"text":"أكرم الناس عليه دانيالُ وأصحابُه، فحسَدهم المجوسُ (^١)، فوشَوا بهم إليه، وقالوا: إن دانيالَ وأصحابَه لا يعبُدون إلهَك، ولا يأكُلون من ذبيحتِك، فدعاهم فسَألهم، فقالوا: أَجَلْ، إن لنا ربًّا نعبُدُه، ولسنا نأكُلُ مِن ذبيحتكم. فأمر بخدٍّ فخُدَّ لهم، فأُلقوا فيه، وهم ستةٌ، وأُلقى معهم [سَبُعٌ ضارٍ] (^٢) ليأكُلَهم، فقال: انطلقوا فلنأكُلْ ولْنشرَبْ. فذهَبوا فأكَلوا وشربوا، ثم راحوا فوجَدوهم جلوسًا والسَّبُعُ مفترشٌ ذراعيه بينَهم، ولم يَخدِشْ منهم أحدًا، ولم يَنْكَأه (^٣) شيئًا، ووجَدوا معهم رجلًا، فعدُّوهم فوجَدوهم سبعةً، فقالوا: ما بالُ هذا السابع؟ إنما كانوا ستةً! فخرج إليهم السابعُ. وكان مَلَكًا من الملائكة، فلطمه لطمةً فصار في الوحش، فكان فيهم سبعَ سنينَ، لا يراه وحشيٌّ إلا أتاه حتى يَنكِحَه، يقتصُّ منه ما كان يصنَعُ بالرجال، ثم إنه رجَع ورَدَّ الله عليه مُلكَه، فكانوا أكرم خلق الله عليه، ثم إن المجوس وشَوا (^٤) به ثانيةً، فألقوا له أسدًا في بئرٍ قد ضَرِى، فكانوا يُلقُون له الصخرة فيلتقِمُها (^٥)، فألقوا له دانيالَ، فقام الأسدُ في جانبٍ، ودانيالُ في جانبٍ لا يمَسُّه، فأخرَجوه، وقد كان قبل ذلك خَدَّ لهم خَدًا، فأوقَد فيه نارًا، حتى إذا أَجَّجها قذَفهم فيها، فأَطفَأَهَا اللهُ عليهم ولم يَنكَأُهم (^٦) منها شيءٌ، ثم إن بختُنصرَ رأى بعد ذلك في منامه صنمًا رأسُه من ذهبٍ، وعنقُه مِن شَبَهٍ (^٧)، وصدرُه من حديدٍ، وبطنُه أخلاطُ ذهبٍ وفضةٍ وقواريرَ، ورجلاه من فخَّارٍ، فبينا هو قائم ينظُرُ، إذ جاءت صخرةٌ من السماء من قبل\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ٢، ف: \"ذلك\". وفي م: \"على ذلك\".\n(^٢) في م: \"سبعًا ضاريًا\".\n(^٣) أي: لم يصبه ولم يجرحه. ونكأ القرحة: قشرها. ينظر التاج (ن ك أ).\n(^٤) في ص، ت ٢: \"نووا\".\n(^٥) في ص، ت ٢، ف: \"فيأخذها\".\n(^٦) في م: \"ينلهم\".\n(^٧) الشبه: النحاس الأصفر. وقيل: هو النحاس يلقى عليه دواء فيصفر. التاج (ش ب هـ).","vol":"14","page":483},{"text":"القبلة، فكسَرت الصنمَ فجعَلتْه هشيمًا، فاستيقظ فزِعًا وأُنسيها، فدعا السحرةَ والكهنةَ، فسأَلهم، فقال: أخبرونى ما رأيتُ. قالوا: لا، بل أنتَ أخبرْنا ما رأيت فتعبُرَه لك. قال: لا أدرى. قالوا: فهؤلاء الفتيةُ الذين تُكرِّمُهم، فادعُهم فاسأَلْهم، فإن هم لم يُخْبروك بما رأيتَ فاقتُلْهم (^١). فأرسل إلى دانيالَ وأصحابه، فدعاهم، فقال: أخبروني ماذا رأيتُ؟ فقال له دانيالُ: أخبرْنا ما رأيتَ فنَعبُرَه لك. قال: [لا أدرى] (^٢) قد نَسيتُها. فقال له دانيالُ: كيف نعلَمُ رؤيا لم تُخبرْنا بها؟ فأمر البواب أن يقتُلَهم، فقال دانيالُ للبوَّاب: إن الملك إنما أمر بقتلنا من أجل رؤياه: فأخِّرْنا ثلاثةَ أيامٍ، فإن نحن أخبَرْنا الملكَ برؤياه وإلا فاضرِبْ أعناقَنا. فأجَّلهم فدعَوُا الله، فلمّا كان اليومُ الثالثُ أبصَر كلُّ رجلٍ مِنهم رؤيا بختُنصرَ على حدةٍ، فأتوا البوَّابَ فأخبَروه، فدخل على الملك فأخبَره، فقال: أدخِلْهم عليَّ. وكان بختُنصرَ لا يعرِفُ من رؤياه شيئًا، إلا شيئًا يذكُرونه، فقالوا له: رأيتَ كذا وكذا. فقَصُّوها عليه، فقال: صدَقتم. قالوا: نحن نَعبُرُها لك. أما الصنمُ الذي رأيتَ رأسَه مِن ذهبٍ، فإنه مُلكُك (^٣)، حسنٌ مثلَ الذهب - وكان قد ملك الأرض كلَّها - وأما العنقُ مِن الشَّبَه، فهو مُلْكُ ابنك بعدَك (^٤)، يملكُ فيكونُ مُلكُه حسنًا، ولا يكونُ مثل الذهبِ. وأما صدرُه (^٥) من حديدٍ فهو مُلْكُ أهل فارسَ، يملكون بعد (^٦) ابنك، فيكونُ مُلكُهم شديدًا مثل الحديد، وأما بطنُه الأخلاطُ، فإنه يذهَبُ\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"فما تصنع بهم؟ فاقتلهم\". وفى م: \"فما تصنع بهم؟ قال أقتلهم\".\n(^٢) في ت ١: \"ما أدرى ما رأيت\".\n(^٣) في م: \"ملك\".\n(^٤) في م: \"بعد\".\n(^٥) بعده في م: \"الذي\".\n(^٦) في م: \"بعدك\".","vol":"14","page":484},{"text":"ملكُ أهل فارسَ، ويتنازعُ الناسُ الملُك في كلِّ قريةٍ، حتى يكون الملِكُ يملكُ اليوم واليومين، والشهرَ والشهرين، [ثم يُقتَلُ] (^١)، فلا يكونُ للناسِ قوامٌ على ذلك، كما لم يكن للصنم قوامٌ على رجلين من فخّارِ؛ فبينما هم كذلك، إذ بعث الله تعالى نبيًّا من أرض العرب، فأظهَره على بقية مُلكِ أهل فارس، وبقية مُلكِ ابنك ومُلكك، فدمَّره وأهلكه (^٢) حتى لا يَبقَى منه شيءٌ، كما جاءت الصخرةُ فهدَمت الصنمَ. فعطَف عليهم بختُنصرَ فأحَبَّهم، ثم إن المجوس وشوا (^٣) بدانيالَ، فقالوا: إن دانيالَ إذا شرب الخمرَ لم يَمْلِكُ نفسَه أن يبولَ. وكان ذلك فيهم عارًا، فجعل لهم بختُنصّرَ طعامًا، فأكَلوا وشربوا، وقال للبوّاب: انظر أوّلَ مَن يخرُجُ عليك يبولُ، فاضربه بالطَّبَرْزِينِ (^٤)، وإن قال: أنا بختُنصّرَ. فقل: كذَبتَ، بختُنصرَ أَمَرنى. فحبَس اللهُ عن دانيال البولَ، وكان أوّلَ مَن قام من القوم يريدُ البول بختُنصّرَ، فقام مُدلًّا، وكان ذلك ليلًا، يسحَبُ ثيابَه، فلما رآه البوّابُ شدَّ عليه، فقال: أنا بختُنصرَ. فقال: كذبتَ، بختُنصرَ أمرنى أن أقتُلَ أوّلَ مَن يخرُجُ. فضربه فقتله.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي المُعَلَّى، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ، قال: بعث الله عليهم في المرّة الأولى سنحاريب. قال: فردَّ اللهُ لهم الكرَّةَ عليهم، كما قال. قال: ثم عصَوا ربَّهم وعادوا لما نُهوا عنه، فبعَث عليهم في المرّة الآخرةِ بحُتَنصَّرَ، فقتل المُقاتِلةَ، وسبَى الذُّرِّيَّةَ، وأَخَذ ما وجد مِن الأموال، ودخَلوا بيتَ المقدسِ، كما قال الله ﷿: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ\n_________\n(^١) سقط من ت ٢.\n(^٢) في ت ٢: \"أهله\".\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"يروا\".\n(^٤) في ت ١: \"بالطربزين\". والطبرزين فارسي، وتفسيره: فأس السَّرْج. لأن فرسان العجم تحمله معها يقاتلون به. قال: وقد تكلمت به العرب. المعرب ص ٢٧٦.","vol":"14","page":485},{"text":"أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. دخلوه فتبَّروه وخرَّبوه، وألقَوا فيه ما استطاعوا مِن العَذِرَةِ والحيض والجيَفِ والقَذَرِ، فقال الله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾. فرجمهم فردَّ إليهم مُلْكَهم، وخلَّص من كان في أيديهم مِن ذُرِّيَّةِ بنى إسرائيل، وقال لهم: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾. قال أبو المُعلَّى: ولا أعلَمُ ذلك إلا من هذا الحديثِ، ولم يَعِدْهم الرجعةَ إلى مُلكِهم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾. قال: بعث (^٢) مَلكُ فارس ببابلَ جيشًا، وأمَّر عليهم بختُنصّرَ، فأتوا بنى إسرائيلَ، فدمَّروهم، فكانت هذه الآخرة ووعدَها (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: ثنى يَعْلَى بْنُ مُسلمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: لما ضرَب لبُختِنصَرَ المُلْكُ بجرانِه (^٤)، قال: ثلاثةً، فمَن استأخّر منكم بعدَها فلْيَمش إلى خشبته (^٥). فغزا الشام، فذلك حينَ\n_________\n(^١) تقدم في ص ٤٧٢. وينظر التبيان ٦/ ٤٤٨.\n(^٢) بعده في م: \"الله\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٢٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٥ إلى المصنف، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(^٤) ضرَب الشيءُ بجرانه: ثبت واستقر. وهو من المجاز المنقول من الكناية، من قولهم: ضرب البعيرُ بجرانه، وألقى جرانه. إذا برك. أساس البلاغة (ج ر ن).\n(^٥) في ص: \"حسه\". وفي ت ١: \"حبسه\". وفي ت ٢: \"حسنه\". وقوله: فليمش إلى خشبته. كناية عن أنه سيميته. كما مر قريبًا.","vol":"14","page":486},{"text":"قتَّل وأخرَب (^١) بيتَ المقدسِ، ونزَع حِلْيتَه، فجعَلها آنيةً ليشرب فيها الخمورَ، وخُونًا (^٢) يأكُلُ عليها (^٣) الخنازير، وحمل التوراة (^٤) معه، ثم ألقاها في النار، وقدم فيما قدم به بمائة وصيفٍ منهم دانيالُ وعَزَرْيا وحَنَنْيا ومشائيلُ، فقال (^٥): أصلحْ لى أجسامَ هؤلاء لعلِّى أختارُ منهم أربعةً يخدُموننى. فقال دانيالُ لأصحابه: إنما نُصروا عليكم بما غيَّرتم من دين آبائكم، لا تأكُلوا لحمَ الخنزير، ولا تشرَبوا الخمرَ. فقالوا للذى يُصْلِحُ أجسامَهم: هل لك أن تُطعِمَنا طعامًا، هو أهونُ عليك في المئونة مما تُطعِمُ أصحابنا؟ فإن لم نَسمَنْ قبلَهم رأيتَ رأيك! قال: ماذا؟ قال: خبزُ الشعيرِ والكُرَّاثُ. ففعل فسمِنوا قبلَ أصحابهم، فأَخَذهم بُخْتُنصَّرَ يَخدُمونه، [بَيْنا ذلك، رأى] (^٦) بختُنصرَ رؤيا، فجلس فنسيها، فعاد فرقَد فرآها، فقام فنسيها، ثم عاد فرقَد فرآها، فخرَج إلى الحجرة فنسيها، فلما أصبَح دعا العلماء والكهَّانَ، فقال: أخبروني بما رأيتُ البارحة، وأوِّلوا لي رؤياى، وإلا فلْيَمش كلُّ رجلٍ منكم إلى خشبته، موعدُكم ثالثةٌ. فقالوا: هذا لو أخبَرنا برؤياه. وذكر كلامًا لم أحفَظْه، قال: وجعَل دانيالُ كلَّما مرَّ به أحدٌ من قرابته يقولُ: لو دعانى الملكُ لأخبَرْتُه برؤياه، ولأوَّلتُها له. قال: فجعَلوا يقولون: ما أحمقَ هذا الغلامَ الإسرائيليَّ. إلى أن مرَّ به كهلٌ. فقال له ذلك، فرجَع إليه فأخبرَه، فدعاه فقال: ماذا رأيتُ؟ قال: رأيتَ تمثالًا. قال: إيه. قال: ورأسُه من ذهبٍ. قال: إيه. قال: وعنقُه من فضةٍ. قال: إيه. قال: وصدرُه من حديدٍ. قال: إيه. قال:\n_________\n(^١) في م: \"أخرج\".\n(^٢) في م: \"خوانا\". والخون جماع الخوان.\n(^٣) في م: \"عليه\".\n(^٤) في ت ١: \"السراة\". وفى ت ٢، ف: \"الشراة\".\n(^٥) بعده في م: \"لإنسان\".\n(^٦) في م: \"فبينما هم كذلك إذ رأى\".","vol":"14","page":487},{"text":"وبطنُه من صُفْرٍ (^١). قال: إيه. قال: ورجلاه من آنُكٍ (^٢). قال: إيه. قال: وقدماه من فخارٍ. قال: هذا الذي رأيتَ؟ قال: إيه. قال: فجاءت حصاةٌ فوقَعت في رأسه، ثم في عنقِه، ثم في صدرِه، ثم في بطنِه، ثم في رجليه، ثم في قدميه. قال: فأهلَكتْه. قال: فما هذا؟ قال: أما الذهبُ فمُلْكُك، وأما الفضةُ فمُلكُ ابنك من بعدك، ثم مُلكُ ابن ابنك. قال: وأما الفخّارُ فملُكُ النساء. فكساه جبةً [من حرير] (^٣)، وسوَّره وطاف به في القرية، وأجاز خاتَمه، فلما رأت ذلك فارسُ، قالوا: ما الأمرُ إلا أمر هذا الإسرائيليِّ. فقالوا: ائتوه من نحو الفتية (^٤)، ولا تذكُروا له دانيالَ، فإنه لا يصدِّقُكم عليه. فأتَوه. فقالوا: إن هؤلاء الفتيةَ الثلاثة ليسوا على دينك، وآية ذلك أنك إن قرَّبتَ إليهم لحم الخنزير والخمر لم يأكُلوا ولم يَشرَبوا. فأمر بحطبٍ كثيرٍ فوُضع، ثم [أَرْقَاهم عليه] (^٥)، ثم أوقَد فيه نارًا، ثم خرَج من آخر الليل يبولُ، فإذا هم يتحدَّثون، وإذا معهم رابعٌ يُروِّحُ عنهم (^٦) يُصلِّى، قال: من هذا يا دانيالُ؟ قال: هذا جبريلُ، إنك ظلَمتَهم. قال: ظلمتُهم (^٧)! فأمر بهم فأُنزلوا، قال: ومسَخ اللهُ تعالى بختَنصَّرَ مِن الدوابِّ كلِّها، فجُعِل من كلِّ صِنفٍ من الدوابِّ؛ رأسًا (^٨) من السباع الأسد، ومن الطير النَّسْرِ، وملك ابنُه فرأى كفًّا خرَجتْ بين لَوْحَين، ثم كتَبتْ سطرين، فدعا الكهانَ والعلماء فلم [يجد فيه] (^٩) علمًا، فقالت له أمُّه: إنك لو أعدتَ إلى دانيالَ مَنزِلته\n_________\n(^١) الصفر من النحاس: الجيد. وقيل: هو ضرب من النحاس. وقيل: هو ما صفر منه. التاج (ص ف ر).\n(^٢) الآنك: الأُسْرُبُّ، وهو الرَّصاص القَلْعِيُّ. وقيل: هو الرصاص الأبيض. وقيل: الأسود. وقيل: الخالص منه. اللسان (أ ن ك).\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"نوب\"، وفى م: \"ترثون\".\n(^٤) بعده في م: \"الثلاثة\".\n(^٥) سقط من: ت ١، وفى ص، ت ٢، ف: \"أرما عليه\".\n(^٦) في م، ت ٢: \"عليهم\".\n(^٧) بعده في م: \"مر بهم ينزلوا\".\n(^٨) في م: \"رأسه رأس سبع\".\n(^٩) في م: \"يجدوا لهم في ذلك\".","vol":"14","page":488},{"text":"التي كانت له مِن أبيك أخبَركَ. وكان قد جفاه، فدعاه، فقال: إني معيدٌ إليك منزلتَك من أبي، فأخبرْني ما هذان السطران؟ قال: أما أن تُعيد إليَّ منزلتي من أبيك، فلا حاجةَ لى بذاك، وأما هذان السطران فإنك تُقتَلُ الليلةَ. فأخرج من في القصرِ أجمعين، وأمر بقفله، فأُقفِلت الأبوابُ عليه، وأدخَل معَه أمنَ أهل القرية في نفسه معه سيفٌ، فقال: من جاءك من خلق الله فاقتُلْه، وإن قال: أنا فلانٌ. وبعَث الله عليه البطنَ فجعَل يمشِى حتى كان شطرُ الليل، فرقَد ورقَد صاحبُه، ثم نبَّهه البطنُ، فذهَب يمشى والآخرُ نائمٌ، فرجَع فاستيقَظ به، فقال له: أنا فلانٌ. فضرَبه بالسيف فقتله (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾، آخر العقوبتين، ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، كما دخله عدوُّهم قبل ذلك، ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾، فبعث الله عليهم في الآخرة بُختَنصرَ البابليَّ المجوسيَّ، أبغضَ خلقِ اللهِ إِليه، فسبَى وقتل وحَرَّب بيت المقدسِ، وسامهم سوءَ العذاب.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ، قال: ثم (^٢) جاء وعدُ الآخرة من المرتين، ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾. قال: ليُقبِّحوا وجوهَكم. ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. قال: يُدمِّروا ما علَوا تدميرًا. قال: هو بختُنصرَ، بعَثه الله عليهم في المرّة الآخرة (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٤ إلى المصنف.\n(^٢) في م: \"فإذا\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٥ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"14","page":489},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: فلما أفسَدوا بعَث الله عليهم في المرّة الآخرة بختَنصرَ، فخرَّب المساجد وتبَّر ما علوا تتبيرًا (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاق، قال: فيما بلغني؛ استخلَف الله على بني إسرائيلَ بعد ذلك - يعنى بعدَ قتلِهم شعياءَ - رجلًا منهم يقالُ له: [ياشيةُ بنُ آموص] (^٢). فبعث اللهُ الخَضِرَ نبيًّا - كان رسولُ اللهِ ﷺ، فيما بلغنى، يقولُ: \"إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ خَضِرًا؛ لأنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَقَامَ عَنْهَا وَهِيَ تَهْتَزُّ خَضْرَاءَ\" - قال: واسمُ الخضرِ، فيما كان وهبُ بنُ منبهٍ يزعم عن بني إسرائيل: إِرْمِيَا بْنُ حَلْقِيَا، وكان مِن سبطِ هارونَ بن عمران (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سهلِ بن عسكرٍ، ومحمدُ بنُ عبد الملك بن زنجُويه، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ عبد الكريم، قال: ثنا عبدُ الصمد بنُ معقلٍ، عن وهبِ بن منبهٍ، وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمّن لا يُتَّهمُ، عن وهب بن منبهٍ اليمانيِّ، واللفظُ لحديث ابن حميدٍ، أنه كان يقولُ: قال الله ﵎ لإرْمِيَا حين بعَثه نبيًّا إلى بنى إسرائيلَ: يا إرميا، من قبل أن أخلُقَكَ اخترتُكَ، ومن قبل أن أُصوِّرَك في بطن أمِّك قدَّستُك، ومن قبل أن أُخْرِجَك من بطن أمِّك\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص: \"ناشبة بن اموص\". وفى م: \"ناشة بن أموص\". وفى ت ٢: \"ناشبة بن موص\".\nوفي ت ٢: \"ياشبه بن مرض\". وفى ف: \"ناشية بن موص\". وأثبتناه كما في التاريخ، وسيأتي تخريجه.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٤٧ دون قوله: كان رسول الله ﷺ فيما بلغنى يقول: \" … خضراء\".\nوقوله ﷺ: \"إنما سمى الخضر … \" صح مرفوعًا من حديث أبي هريرة عند البخاري (٣٤٠٢).","vol":"14","page":490},{"text":"طهَّرتُك، ومن قبل أن تبلُغَ السعى نبَّيتُك (^١)، ومن قبل أن تبلُغَ الأشدَّ اختبَرتُك (^٢)، ولأمر عظيم اجتبيتُك (^٣). فبعث الله إرميا إلى ذلك الملكِ من بني إسرائيل يسدِّدُه ويُرْشِدُه، ويأتيه بالخبر من الله فيما بينه وبين الله. قال: ثم عظُمت الأحداثُ في بني إسرائيلَ، وركبوا المعاصيَ، واستحلُّوا المحارم، ونَسُوا ما كان الله تعالى صنَع بهم، وما نجاهم من عدوِّهم سنحاريبَ وجنوده. فأوحَى الله إلى إرمياءَ أن ائتِ قومَك من بنى إسرائيل، واقصُصْ عليهم ما أمرُك به، وذكِّرْهم نعمتى عليهم، وعرِّفْهم أحداثَهم. فقال إرمياءُ: إني ضعيفٌ إن لم تُقوِّنى، عاجزٌ إن لم تُبلِّغْني، مخطئ إن لم تُسدِّدْني، مخذولٌ إن لم تَنصُرْني، ذليلٌ إن لم تُعِزَّنى. قال الله ﵎: أوَلم تعلَمْ أن الأمورَ كلَّها تصدُرُ عن مَشيئتى، وأن القلوب كلَّها والألسنةَ بيدى، أُقلِّبُها كيف شئتُ، فتُطيعُني، وإنى أنا الله الذي لا شيء مثلى، قامت السماوات والأرضُ وما فيهنَّ بكلمتى، وأنا كلَّمتُ البحار، ففهمت قولى، وأمَرتُها فعقلتُ أمرى، وحدَّدتُ عليها بالبطحاء فلا تعدَّى حدِّى، تأتى بأمواج [أمثال الجبال] (^٤)، حتى إذا بلَغت حدِّى ألبستُها مذلَّةَ طاعتى خوفًا واعترافًا لأمرى، إنِّي معك، ولن يصل إليك شيءٌ معي، وإني بعثتُك إلى خَلْقٍ عظيمٍ مِن خَلقِى؛ لتُبلِّغَهم رسالاتي ولتستحقَّ بذلك مثل أجرِ مَن اتّبَعك منهم لا يَنْقُصُ ذلك من أجورهم شيئًا، وإن تُقصِّرْ عنها [تستحقَّ بذلك] (^٥) مثل وزرِ مَن ترَكتَ (^٦) في عماه لا ينقصُ ذلك من أوزارهم شيئًا، انطلِقْ إلى\n_________\n(^١) في م: \"نبأتك\".\n(^٢) في م: \"اخترتك\".\n(^٣) في م: \"اختبأتك\".\n(^٤) في م والتاريخ: \"كالجبال\".\n(^٥) في م: \"فلك\".\n(^٦) في ص: \"بركب\". وفى م: \"تركب\". وفى ت ١، ت ٢، ف: \"يركب\". وأثبتناه كما في التاريخ.","vol":"14","page":491},{"text":"قومك فقل: إن الله ذكر بكم (^١) صلاح آبائكم، فحمله ذلك على أن يَسْتَتيبَكم يا معشرَ الأبناء. وسَلْهم كيف وجد آباؤهم مغبَّةً طاعتى، وكيف وجَدوا هم مغبَّةَ معصيتى، وهل علموا أن أحدًا قبلَهم أطاعنى فشَقِى بطاعتى، أو عصاني فسعد بمعصيتى، فإن الدوابَّ مما تذكُرُ أوطانَها الصالحةَ، فتنتابُها، وإن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهَلكة؛ أما أحبارُهم ورهبانُهم فاتخَذوا عبادى حَوَلًا ليعبدوهم دونى وتحكَّموا فيهم بغير كتابي حتى أجهَلوهم أمرى، وأنسَوْهم ذكرى، وغرُّوهم منى؛ أما أمراؤهم وقادتُهم فبطروا نعمتى، وأمنوا مكرى، ونَبَذُوا كتابي، ونسُوا عهدى، وغيَّروا سنَّتى، فادّان لهم عبادى بالطاعة التي لا تنبغى إلا لى، فهم يُطيعونهم في معصيتى، ويُتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني جرأةً عليَّ وغِرّةً، وفِرْيَةً عليَّ وعلى رسلي، فسبحان جلالي وعلوِّ مكاني، وعظمة (^٢) شأني، فهل يَنبِغى لبشرٍ أن يُطاعَ في معصيتى، وهل ينبغى لى أن أخلُقَ عبادًا (^٣) أَجعَلُهم أربابًا من دوني؟! وأما قراؤهم وفقهاؤهم فيتعبَّدون في المساجد، ويتزيَّنون بعمارتها لغيرى؛ لطلب الدنيا بالدين، ويتفقَّهون فيها لغير العلم، ويتعلَّمون فيها لغير العمل؛ وأما أولادُ الأنبياء، فمَكْثُورون (^٤) مقهورون مُغيِّرون (^٥)، يخوضون مع الخائضين، ويتمنَّون عليَّ مثلَ نُصرة آبائهم والكرامة التي أكرَمتُهم بها، ويزعُمون أن لا أحد أولي بذلك منهم منى، بغيرِ صدقٍ ولا تفكُّرٍ ولا تدبُّرٍ، ولا يذكرون كيف كان نصرُ (^٦) آبائهم لى، وكيف كان جدُّهم في أمرى حينَ غيَّر المُغيِّرون، وكيف بذَلوا أنفسَهم ودماءَهم،\n_________\n(^١) في م: \"لكم\".\n(^٢) في م: \"عظم\".\n(^٣) في ت ١: \"عبادًا\".\n(^٤) في م: \"فمكثروه\". والمكثور: المغلوب. وهو الذي تكاثر عليه الناس فقهروه. التاج (ك ث ر).\n(^٥) في ص، ت ٢، ف: \"معبرون\". وفى م، ت ١: \"مغيرون\". وأثبتناه كما في التاريخ.\n(^٦) في م: \"صبر\".","vol":"14","page":492},{"text":"فصبَروا وصدَقوا حتى عزَّ أمرى، وظهَر دينى، فتأنَّيتُ بهؤلاء القومِ لعلَّهم يستجيبون فأطْوَلتُ لهم، وصفَحتُ عنهم، لعلَّهم يَرجِعون، فأكثَرتُ ومدَدتُ لهم في العمرِ لعلّهم يتذكَّرون، فأعذرتُ في كلِّ ذلك، أُمطِرُ عليهم السماءَ، وأُنبِتُ لهم الأرضَ، وأُلبِسُهم العافيةَ، وأظهِرُهم على العدوِّ، فلا يزدادون إلا طغيانًا وبُعدًا منى، فحتى متى هذا؟! أبى يتمرَّسون؟ أم إيَّاىَ يُخادعون؟ وإنى أحلِفُ بعزَّتى لأُقيِّضنَّ لهم فتنةً يتحيّرُ فيها الحليمُ، ويَضِلُّ فيها رأىُ ذى الرأى، وحكمةُ الحكيمِ، ثم لأُسلِّطنَّ عليهم جبّارًا قاسيًا عاتيًا، أُلبِسُه الهيبةَ، وأنتزِعُ مِن صدرِه الرأفةَ والرحمةَ واللِّيانَ (^١)، يتبَعُه عددٌ وسوادٌ مثلُ سوادِ الليلِ المظلمِ، له عساكرُ مثلُ قِطَعِ السحابِ، ومراكبُ أمثالُ العَجَاجِ، كأن حفيفَ (^٢) راياتِه طيرانُ النسورِ، وإن حَمْلةَ فُرسانِه كريرُ (^٣) العِقبانِ.\nثم أوحَى اللَّهُ إلى إرميا: إنى مُهلكٌ بني إسرائيلَ بيافثَ - ويافثُ أهلُ بابلَ، وهم من ولدِ يافثِ بن نوحٍ - فلمّا سمع إرميا وحىَ ربَّه صاح وبكَى وشقَّ ثيابَه، ونبَذ الرمادَ على رأسِه فقال: ملعونٌ يومٌ وُلدتُ فيه، ويومُ لُقِّيتُ التوراةَ، ومن شرِّ أيامى يومٌ ولدتُ فيه، فما أُبقيتُ آخرَ الأنبياءِ إلا لما هو شرٌّ عليَّ، لو أراد بى خيرًا ما جعَلنى آخرَ الأنبياءِ من بنى إسرائيلَ، فمِن أجلى تُصيبُهم الشِّقوةُ والهلاكُ، فلما سمِع اللَّهُ تضرُّعَ الخَضِرِ وبكاءَه، وكيف يقولُ، ناداه: يا إرميا، أشَقَّ عليك ما أوحيتُ لك؟ قال: نعمْ، يا ربِّ أهلِكْنى قبلَ أن أرى في بنى إسرائيلَ ما لا أُسَرُّ به. فقال اللَّهُ: وعزَّتى العزيزةِ، لا أُهلِكُ بيتَ المقدسِ وبنى إسرائيلَ حتى يكونَ الأمرُ مِن قِبَلِكَ في ذلك. ففرِح عندَ ذلك إرميا لِمَا قال له ربُّه، وطابت نفسُه، وقال: لا، والذي بعَث\n_________\n(^١) في النسخ: \"البيان\". والمثبت كما في التاريخ. والليان: الملاينة. اللسان (ل ى ن)\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"حفيق\". وفى م، ت،١، وفى التاريخ: \"خفيق\". وينظر البداية والنهاية ٢/ ٣٦٦.\n(^٣) في: \"كوبر\". والكرير: صوت في الصدر مثل الحشرجة وليس بها، وكذلك هو من الخيل في صدورها، وقيل: هو صوت كصوت المختنق أو المجهود. التاج (ك ر ر).","vol":"14","page":493},{"text":"موسى وأنبياءه بالحقِّ لا أمُرُ ربى بهلاكِ بني إسرائيلَ أبدًا. ثم أتى مَلِكَ بنى إسرائيلَ فأخبَره ما أوحى اللَّهُ إليه، فاستبشَر وفرِح، وقال: إن يعذِّبْنا ربُّنا فبذنوبٍ كثيرةٍ قدَّمناها لأنفسِنا، وإن عفا عنا فبقُدرتِه.\nثم إنهم لبِثوا بعدَ هذا الوحى ثلاثَ سنيَن لم يزدادوا إلا معصيةً وتماديًا في الشرِّ، وذلك حيَن اقترَب هلاكُهم، فقلَّ الوحيُ حيَن لم يكونوا يتذكّرون الآخرةَ، وأمسَك عنهم حيَن أَلْهتهم الدنيا وشأنُها، فقال لهم ملكُهم: يا بنى إسرائيلَ، انتهُوا عما أنتم عليه قبلَ أن يَمَسَّكم بأسُ اللَّهِ، وقبلَ أن يُبْعَثَ عليكم قومٌ لا رحمةَ لهم بكم، وإن ربَّكم قريبُ التوبةِ، مبسوطُ اليدين بالخيرِ، رحيمٌ بمن تاب إليه. فأبَوا عليه أن يَنزِعوا عن شيءٍ مما هم عليه، وإن اللَّهَ ألقى في قلبِ بختنصَّرَ بن نَبُوزَرادانَ (^١) بن سنحاريبَ بن دارْياسَ بن نُمرودَ بن فالَخِ بن عابَرِ بن نُمرودَ صاحبِ إبراهيمَ الذي حاجَّه في ربِّه، أن يسيرَ إلى بيتِ المقدسِ، ثم يفعلَ فيه ما كان جدُّه سنحاريبُ أراد أن يفعَلَ، فخرَج في ستِّمائةِ ألفِ رايةٍ يريدُ أهلَ بيتِ المقدسِ، فلمّا فصَل سائرًا أتى ملكَ بنى إسرائيلَ الخبرُ أن بختَنصّرَ قد أقبَل هو وجنودُه يُريدُكم، فأرسَل الملكُ إلى إرميا، فجاءه فقال: يا إرميا، أين ما زعَمتَ لنا أن ربَّك أوحَى إليك أن لا يُهلكَ أهلَ بيتِ المقدسِ، حتى يكونَ منك الأمرُ في ذلك؟! فقال إرميا للملك: إن ربى لا يُخلِفُ الميعادَ وأنا به واثِقٌ.\nفلما اقترَب الأجلُ ودنا انقطاعُ مُلكِهم وعزَم اللَّهُ على هلاكِهم، بعَث اللَّهُ مَلَكًا مِن عندِه، فقال له: اذهَبْ إلى إرميا فاستفتِه. وأمَره بالذي يَستفتِى فيه، فأقبَل المَلَكُ إلى إرمياءَ، وقد تمثَّل له رجلًا مِن بنى إسرائيلَ، فقال له إرميا: مَن أنت؟\n_________\n(^١) في م: \"نجورزاذان\". ينظر ما تقدم في ٤/ ٥٨٩.","vol":"14","page":494},{"text":"قال: أنا (^١) رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ أستفتيك في بعضِ أمرى. فأذِن له، فقال له المَلَكُ: يا نبيَّ اللَّهِ، أتيتُك أستفتيك في أهلِ رَحِمى، وصَلتُ أرحامَهم بما أمَرنى اللَّهُ به، لم آتِ إليهم إلا حسنًا، ولم آلُهم كرامةً، فلا تَزيدُهم كرامتى إيّاهم إلا إسخاطًا لى، فأفتِنِى فيهم يا نبيَّ اللَّهَ. فقال له: أحسِنُ فيما بينَك وبيَن اللَّهِ، وصِل ما أمَرك اللَّهُ أن تَصِلَ، وأبشِرْ بخيرٍ. وانصرَف عنه، فمكَث أيامًا، ثم أقبَل إليه في صورةِ ذلك الرجلِ (^١) الذي كان (^١) جاءه، فقعَد بيَن يديه، فقال له إرميا: مَن أنت؟ قال: أنا الرجلُ الذي أتيتُك أستفتيك في شأنِ أهلى. فقال له نبيُّ اللَّهِ: أَوَ ما طهُرت (^٢) لك أخلاقُهم بعدُ، ولم ترَ منهم الذي تُحِبُّ؟ فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، والذي بعثَك بالحقِّ ما أعلَمُ كرامةً يأتيها أحدٌ مِن الناسِ لأهلِ رحِمِه إلا قد أتيتُها إليهم وأفضلَ مِن ذلك. فقال النبيُّ: ارجِعْ إلى أهلِك فأحسِنْ إليهم. أسألُ (^٣) اللَّهَ الذي يُصلِحُ عبادَه الصالحين أن يُصلحَ ذاتَ بينِكم، وأن يجمعَكم على مرضاتِه، ويُجنِّبَكم سُخْطَه. فقام المَلَكُ مِن عندِه، فلبِث أيامًا وقد نزَل بختُنصّرَ وجنودُه حولَ بيتِ المقدسِ، بأكثرَ من (^٤) الجرادِ، ففزِع مِنهم بنو إسرائيلَ فزعًا شديدًا، وشقّ ذلك على مَلِكِ بنى إسرائيلَ، فدعا إرميا، فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، أين ما وعَدك اللَّهُ؟ فقال: إنى بربى واثقٌ. ثم إن الملَكَ أقبَل إلى إرميا وهو قاعدٌ على جدارِ بيتِ المقدسِ يضحكُ ويستبشِرُ بنصرِ ربِّه الذي وعَده، فقعَد بيَن يديه، فقال له إرميا: مَن أنت؟ قال: أنا الذي كنتُ أتيتُك في شأنِ أهلى مرَّتين. فقال له النبيُّ: أوَ لم يأنِ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"ظهرت\".\n(^٣) في التاريخ: \"واسأل\". وينظر ما تقدم في ٤/ ٥٩٠.\n(^٤) في م: \"ومعه خلائق من قومه كأمثال\".","vol":"14","page":495},{"text":"لهم أن [يُفيقوا مِن الذي] (^١) هم فيه (^٢)؟ فقال له الملَكُ: يا نبيَّ اللَّهِ، كلُّ شيءٍ كان يصيبُنى مِنهم قبلَ اليومِ كنتُ أصبِرُ عليه، وأعلَمُ [أن ما بِهم] (^٣) في ذلك سُخْطِى؛ فلما أتيتُهم اليومَ رأيتُهم في عملٍ لا يُرضِى اللَّهَ ولا يُحِبُّه اللَّهُ. فقال له نبيُّ اللَّهِ: على أيِّ عملٍ رأيتَهم؟ قال: يا نبيَّ اللَّهِ، رأيتُهم على عملٍ عظيمٍ من سُخطِ اللَّهِ، فلو كانوا على مثلِ ما كانوا عليه قبلَ اليومِ لم يشتدَّ عليهم غضبى، وصبَرتُ لهم ورجَوتُهم، ولكن غضِبتُ اليومَ للَّهِ ولك، فأتيتُك لأخبِرَكَ خبرَهم، وإنى أسألُك باللَّهِ الذي بعَثك بالحقِّ إلَّا ما دعوتَ عليهم ربَّك أن يُهلِكَهم. فقال إرميا: يا مَلِكَ السماواتِ والأرضِ، إن كانوا على حقٍّ وصوابٍ فأَبقِهم، وإن كانوا على سُخْطِك وعملٍ لا ترضاه فأَهلِكْهم. فلمّا (^٤) خرَجت الكلمةُ من فِي إرميا (^٥) أرسَل اللَّهُ صاعقةً مِن السماءِ في بيتِ المقدسِ، فالتهَب مكانُ القربانِ، وخُسِف بسبعةِ أبوابٍ مِن أبوابِها، فلما رأى ذلك إرميا صاح وشقَّ ثيابَه، ونبَذ الرمادَ على رأسِه، فقال: يا ملكَ السماء، ويا (^٦) أرحم الراحمين، أين ميعادُك الذي وعَدتَنِى؟ فنودى: إرميا، إنهم لم يُصِبْهم الذي أصابهم إلا بفتياك التي أفتيتَ بها رسولَنا. فاستيقَن النبيُّ ﷺ أنها فُتياه التي أفتَى بها ثلاثَ مرَّاتٍ، وأنه رسولُ ربِّه، وطار إرميا حتى خالَط الوحشَ، ودخَل بختُنصرَ وجنودُه بيتَ المقدسِ، فوطِئ الشامَ، وقتَل بنى إسرائيلَ حتى أفناهم، وخرَّب بيتَ المقدسِ، ثم أمَر جنودَه أن يملأَ كلُّ رجلٍ منهم تُرسَه ترابًا\n_________\n(^١) في م: \"يمتنعوا من الذي\". وفى ت ١: \"يرجعوا عن ما\". وفى ت ٢، ف: \" … (بياض) .. من الذي\". والمثبت من ص موافق لما في التاريخ.\n(^٢) بعده في م: \"مقيمون عليه\".\n(^٣) في م: \"أن مأربهم\". وفى ت ١، ف: \"إيمانهم\". وفى ت: \"أنماهم\". وينظر ما تقدم في ٤/ ٥٩٠.\n(^٤) في م: \"فما\".\n(^٥) بعده في م: \"حتى\".\n(^٦) في م: \"السماوات والأرض، بيدك ملكوت كل شيء وأنت\".","vol":"14","page":496},{"text":"ثم يقذِفَه في بيتِ المقدسِ، فقذَفوا فيه الترابَ حتى ملَئوه، ثم انصرَف راجعًا إلى أرضِ بابلَ، واحتمَل معه سبايا بنى إسرائيلَ، وأمَرهم أن يجمَعوا مَن كان في بيتِ المقدسِ كلَّهم، فاجتمَع عندَه كلُّ صغيرٍ وكبيرٍ من بني إسرائيلَ، فاختار منهم سبعيَن ألفَ صبيٍّ، فلما خرَجت غنائمُ جندِه، وأراد أن يَقسِمَهم (^١) فيهم، قالت له الملوكُ الذين كانوا معه: أيُّها الملكُ، لك غنائمُنا كلُّها، واقسِمْ بينَنا هؤلاء الصبيانَ الذين اخترتَهم من بنى إسرائيلَ. ففعَل، وأصاب كلُّ رجلٍ منهم أربعةَ غِلْمَةٍ، وكان مِن أولئك الغلمانِ دانيالُ وحَنَانْيَا وعَزَارْيَا وميشائيلُ وسبعةُ آلافٍ من أهلِ بيتِ داودَ، وأحدَ عَشَرَ ألفًا مِن سبطِ يوسفَ بن يعقوبَ، وأخيه بنياميَن، وثمانيةُ آلافٍ من سبطِ أشرِ بن يعقوبَ، وأربعةَ عشرَ ألفًا من سبطِ زبالونَ بن يعقوبَ ونَفْثَالى بن يعقوبَ، وأربعةُ آلافٍ من سبطِ يهوذا بن يعقوبَ، وأربعةُ آلافٍ من سبطِ روبيلَ ولاوِى ابنى يعقوبَ، ومَن بقِى مِن بنى إسرائيلَ، وجعَلهم بختُنصرَ ثلاثَ فرقٍ؛ فثلثًا أقرَّ بالشامِ، وثلثًا سبَى، وثلثًا قتَل، وذهَب بآنيةِ بيتِ المقدسِ حتى أقدَمها بابلَ، وذهَب بالصبيانِ السبعين الألفِ حتى أقدَمهم بابلَ، فكانت هذه الوقعةَ الأولى التي أنزَل اللَّهُ ببنى إسرائيلَ بإحداثِهم وظُلْمِهم، فلما ولَّى بختُنصرَ عنهم راجعًا إلى بابلَ بمن معه مِن سبايا بني إسرائيلَ، أقبَل إرميا على حمارٍ له معه عصيرٌ. ثم ذكَر قصتَه حيَن أماته اللَّهُ مائةَ عامٍ، ثم بعَثه، ثم خبرَ رؤيا بختِنصرَ وأمرَ دانيالَ، وهلاكَ بُختِنصرَ، ورجوعَ مَن بقى مِن بنى إسرائيلَ في أيدى أصحابِ بختنصرَ بعدَ هلاكِه إلى الشامِ، وعمارةَ بيتِ المقدسِ، وأمرَ عُزيرٍ وكيف ردَّ اللَّهُ عليه التوراةَ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثم عمَدتْ بنو\n_________\n(^١) في م: \"يقسمها\".\n(^٢) تقدم في ٤/ ٥٨٧ - ٥٩٣.","vol":"14","page":497},{"text":"إسرائيلَ بعدَ ذلك يُحدِثون الأحداثَ، يعنى بعدَ مَهلِكِ عُزيرٍ، ويعودُ اللَّهُ عليهم، ويبعَثُ فيهم الرسلَ، ففريقًا يكذِّبون، وفريقًا يقتُلون، حتى كان آخرُ مَن بعَث اللَّهُ فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى بنَ زكريا وعيسى ابنَ مريم، وكانوا من بيتِ آلِ داودَ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عمرَ بن عبدِ اللَّهِ بن عروةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ أنه قال، وهو يحدِّثُ عن قتلِ يحيى بن زكريا، قال: [ما قُتل يحيى بنُ زكريا إلا [بامرأةٍ تبغِى مِن بغايا] (^٢) بنى إسرائيلَ؛ كان فيهم مَلِكٌ، وكان] (^٣) يحيى بنُ زكريا تحتَ يَدَىْ ذلك الملكِ، فهمَّت ابنةُ ذلك الملكِ بأبيها، فقالت: لو أنى تزوَّجتُ بأبى فاجتمَع لى سلطانُه دونَ النساءِ! فقالت له: يا أبتِ، تزوَّجْنى. فدعَته إلى نفسِها، فقال لها: يا بنيةُ، إن يحيى بنَ زكريا لا يُحِلُّ لنا هذا. فقالت: من لى بيحيى بن زكريا! ضيَّق عليَّ، وحال بينى وبيَن أن أتزوَّج بأبى، فأغلِبَ على مُلكِه ودنياه دونَ النساءِ. قال: فأمَرت اللعّابين ومَحَلَتْ (^٤) بذلك لقتلِ (^٥) يحيى بن زكريا، فقالت: ادخُلوا عليه فألعِبوه (^٦)، حتى إذا فرَغتم فإنه سيُحَكِّمُكم، فقولوا: دمَ يحيى بن زكريا. فلا تقبَلوا غيرَه. وكان اسمُ الملكِ روادَ (^٧)، واسمُ ابنتِه البغيَّ، وكان الملكُ فيهم إذا حدَّث فكذَب، أو وعَد فأخلَف، خُلع فاستُبدِل به غيرُه، فلما ألعَبوه وكثُر عجبُه منهم، قال: سلُونى أُعطِكم. قالوا: دمَ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٩٠ عن ابن حميد به.\n(^٢) في م: \"بسبب امرأة بغى من بغايا\"، وفى ت ١: \"بأمرها تبقى من بقايا\"، وفى ت ٢: \"يأمره ببقا من بقايا\"، وفى ف: \"مرأة تبقى من بقايا\".\n(^٣) في مصدر التخريج: \"فأقبل يحيى بن زكريا إلى من بقى من بقايا بني إسرائيل فكان\".\n(^٤) المَحْلُ: المكر والكيد. ومحل به - مثلثة الحاء - كاده بسعاية إلى السلطان. ينظر اللسان (م ح ل).\n(^٥) في م: \"لأجل قتل\".\n(^٦) في م، ومصدر التخريج: \"فالعبوا\".\n(^٧) في ت ٢: \"داود\".","vol":"14","page":498},{"text":"يحيى بن زكريا، أَعطِناه. قال: ويحَكم سلُونى غيرَ هذا، فقالوا: لا نسألُك غيرَه. فخاف على مُلكِه إن هو أخلَفهم أن يُستحَلَّ بذلك خَلْعُه، فبعَث إلى يحيى بن زكريا وهو جالسُ في محرابِهِ يُصلِّى، فذبَحوه في طَسْتٍ ثم حزُّوا رأسَه، فاحتمَله رجلٌ في يدَيه والدمُ يُحمَلُ في الطَّسْتِ معه، قال: فطلَع برأسِه يحمِلُه حتى وقَف به على الملكِ ورأسُه يقولُ في يَدَي الذي يحمِلُه: لا يَحِلُّ لك (^١). فقال رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ: أيُّها الملكُ، لو أنك وهَبتَ لى هذا الدمَ؟ فقال: وما تصنَعُ به؟ قال: أُطهِّرُ منه الأرضَ، فإنه قد كان ضيَّقها علينا. فقال: أعطُوه إياه. فأخَذه فجعَله في قُلّةٍ، ثم عمّد به إلى بيتٍ في المذبحِ، فوضَع القُلةَ فيه، ثم أغلَق عليه، ففار في القُلَّةِ حتى خرَج منها مِن تحتِ البابِ مِن البيتِ الذي هو فيه، فلما رأَى ذلك الرجلُ، فظِع (^٢) به، فأخرَجه فجعَله في فلاةٍ من الأرضِ، فجعَل يفورُ، وعظُمت فيهم الأحداثُ، ومنهم مَن يقولُ: أَقرَّ مكانَه [في القربانِ] (^٣) ولم يُحوَّلْ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: فلما رفَع اللَّهُ عيسى من بين أظهرِهم وقتَلوا يحيى بنَ زكريا - وبعضُ الناسِ يقولُ: وقتَلوا زكريا - ابتعَث اللَّهُ عليهم مَلِكًا من ملوكِ بابلَ يقالُ له: خردوسُ. فسار إليهم بأهلِ بابلَ حتى دخَل عليهم الشامَ، فلما ظهَر عليهم أمَر رأسًا مِن رءوسِ جنودِه (^٥) يُدعَى نَبُوزَرادانَ صاحبَ القتلِ. فقال له: إنى قد كنتُ حلَفتُ بإلهى لئن أنا ظهَرْتُ (^٦) على أهلِ بيتِ\n_________\n(^١) بعده في م: \"ذلك\".\n(^٢) فظِع بالأمر يفظَع: إذا هاله وغلبه فلم يثق بأن يطيقه. ينظر اللسان (ف ظ ع).\n(^٣) سقط من: ت ١.\n(^٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٨/ ١٠٣، ١٠٤ - مخطوط - من طريق ابن إسحاق قال: حدثني من لا أتهم عن عبد الله بن الزبير.\n(^٥) في م: \"جنده\".\n(^٦) في م: \"أظهرنا\".","vol":"14","page":499},{"text":"المقدسِ لأقتُلنَّهم حتى تسيلَ دماؤهم في وسطِ عسكرى، إلّا أن لا أجدَ أحدًا أقتُلُه. فأمَر أن يقتُلَهم حتى يبلُغَ ذلك مِنهم نَبُوزُرادانَ، فدخَل بيتَ المقدسِ، فقام في البقعةِ التي كانوا يُقرِّبون فيها قربانَهم، فوجَد فيها دمًا يغلى، فسأَلهم فقال: يا بنى إسرائيلَ، ما شأنُ هذا الدمِ الذي يَغلِى، أخبِرونى خبرَه، ولا تكتُمونى شيئًا من أمره. فقالوا: هذا دمُ قربانٍ كان لنا كنّا قرَّبناه فلم يُتَقَبَّلْ منا، فلذلك (^١) هو يَغلِى كما تراه، ولقد قرَّبنا منذُ ثمانِمائةِ سنةٍ القربانَ فتُقبِّلَ منا إلا هذا القربانُ. قال: ما صدَقتُمُونى الخبرَ. قالوا له: لو كان كأوَّلِ زمانِنا لقُبل مِنّا، ولكنه قد انقطَع منا المُلكُ والنُّبوَّةُ والوحيُ، فلذلك لم يُقبَلْ منا. فذبَح منهم نَبُوزُرادانَ على ذلك الدمِ سبعَمائةٍ وسبعين روحًا مِن رءوسِهم فلم يهدَأْ، فأمَر بسبعِمائةِ غلامٍ مِن غِلمانِهم فذُبحوا على الدمِ فلم يهدَأْ، فأمَر بسبعةِ آلافٍ مِن شِيَعهم وأزواجِهم، فذبَحهم على الدمِ فلم يَبرُدْ ولم يهدَأْ، فلما رأَى نبوزُرادان أن الدمَ لا يهدَأُ قال لهم: ويْلَكم يا بنى إسرائيلَ، اصدُقونى واصبِروا على أمرِ ربِّكم، فقد طال ما مُلِّكتم في الأرضِ، تفعَلون فيها ما شِئتم، قبلَ أن لا أتركَ مِنكم نافخَ نارٍ؛ أنثى ولا ذكرًا إلا قتَلتُه. فلما رأَوُا الجهدَ وشدَّةَ القتلِ صدَقوه الخبرَ، فقالوا له: إن هذا دمُ نبيٍّ مِنّا كان ينهانا عن أمورٍ كثيرةٍ مِن سُخْطِ اللَّهِ، فلو أطَعناه فيها لكان أرشدَ لنا، وكان يُخبِرُنا بأمرِكم، فلم نُصدِّقْه، فقتَلناه، فهذا دمُه. فقال لهم نَبُوزُرادانَ: ما كان اسمُه؟ قالوا: يحيى بنَ زكريا. فقال: الآنَ صدَقتمونى، بمثلِ هذا ينتقِمُ ربُّكم مِنكم. فلما رأى نَبُوزُرادانَ أنهم صدَقوه خرَّ ساجدًا وقال لمن حولَه: غلِّقوا أبوابَ المدينةِ، وأخرِجوا مَن كان ههنا من جيشِ خردوسَ. وخلا في بنى إسرائيلَ، ثم قال: يا يحيى بنَ زكريا، قد علم ربي وربُّك ما قد أصاب قومَك مِن أجْلِك، وما قُتل مِنهم مِن أجلِك، فاهدأْ بإذنِ اللَّهِ قبلَ أن لا أُبقىَ من قومِك أحدًا. فهدَأ دمُ يحيى بن زكريا بإذنِ اللَّهِ، ورفَع نَبُوزُرادانَ عنهم القتلَ، وقال: آمَنتُ بما آمَنَت به بنو إسرائيلَ، وصدَّقتُ وأيقَنتُ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"فكذلك\".","vol":"14","page":500},{"text":"أنه لا ربَّ غيرُه، ولو كان معَه آخرُ لم يصلُحْ، ولو كان له شريكٌ لم تَستمسِكِ السماواتُ والأرضُ، ولو كان له ولدٌ لم يصلُحْ، فتبارَك وتقدَّس، وتسبَّح وتكبَّر وتعظَّم، ملكُ الملوكِ الذي [يَملِكُ السماواتِ السبعَ، بعلمٍ وحكمٍ وجبروتٍ وعزَّةٍ] (^١)، الذي بسَط الأرضَ وألقَى فيها رواسىَ ألَّا (^٢) تزولَ، فكذلك يَنبغِى لربى أن يكونَ ويكونَ مُلكُه. فأُوحِى (^٣) إلى رأسٍ مِن رءوسِ بقيةِ الأنبياءِ أن نَبُوزَرادانَ حَبُورٌ صدوقٌ - والحبورُ بالعِبرانيةِ: حديثُ الإيمانِ - وإن نبوزَرادانَ قال لبني إسرائيلَ: إن عدوَّ اللَّهِ خردوسَ أمَرنى أن أقتلَ منكم حتى تسيلَ دماؤكم وسطَ عسكرِه، وإنى لستُ أستطيعُ أن أعصيَه. قالوا له: افعلْ ما أُمِرتَ به. فأمَرهم فحفَروا خندقًا وأمَر بأموالِهم من الخيلِ والبغالِ والحميرِ والبقرِ والغنمِ والإبلِ، فذبَحها حتى سال الدمُ في العسكرِ، وأمَر بالقتلى الذين كانوا قبلَ ذلك، فطُرِحوا على ما قُتِل مِن مواشيهم حتى كانوا فوقَهم، فلم يظُنَّ خردوسُ إلا أنَّ ما كان في الخندقِ مِن بنى إسرائيلَ، فلما بلَغ الدمُ عسكرَه، أرسَل إلى نبوزَرادانَ أن ارفَعْ عنهم، فقد بلَغتنى دماؤهم، وقد انتقَمتُ منهم بما فعَلوا. ثم انصرَف عنهم إلى أرضِ بابلَ، وقد أفنَى بنى إسرائيلَ أو كاد، وهى الوقعةُ الآخرةُ التي أنزَل اللَّهُ ببنى إسرائيلَ، يقولُ اللَّهُ عزَّ ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾ [الإسراء: ٤، ٨] و\"عسى\" من اللَّهِ حقٌّ، فكانت الوقعةُ الأولى بختنصّرَ وجنودَه، ثم ردَّ اللَّهُ لكم الكرَّةَ عليهم، وكانت الوقعةُ الآخرةُ خردوسَ وجنودَه، وهي كانت أعظمَ الوقعتين، فيها كان خرابُ بلادِهم، وقتلُ رجالِهم،\n_________\n(^١) في م: \"له ملك السماوات السبع والأرض وما فيهن وما بينهما وهو على كل شيء قدير، فله الحلم والعلم والعزة والجبروت، وهو\".\n(^٢) في م: \"لئلا\". وفي التاريخ: \"لا\".\n(^٣) بعده في م: \"الله\".","vol":"14","page":501},{"text":"وسبىُ ذَراريِّهم ونسائهم، يقولُ اللَّهُ ﵎: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. ثم عاد اللَّهُ عليهم، فأكثَر عددَهم، ونشَرهم في بلادِهم، ثم بَدَّلوا وأحدَثوا الأحداثَ، واستبدَلوا بكتابِهم غيرَه، وركِبوا المعاصىَ، واستحَلُّوا المحارمَ، وضيَّعوا الحدودَ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن أبي عَتَّابٍ - رجلٌ مِن تَغلِبَ كان نصرانيًّا عُمرًا مِن دهرِه، ثم أسلَم بعدُ، فقرَأ القرآنَ، وفَقِه في الدينِ، وكان، فيما ذكِر له (^٢)، نصرانيًا أربعين سنةً، ثم عُمِّر في الإسلامِ أربعين سنةً - قال: كان آخرُ أنبياءِ بنى إسرائيلَ نبيًّا بعَثه اللَّهُ إليهم، فقال لهم: يا بنى إسرائيلَ، إن اللَّهَ يقولُ لكم: إنى قد سبَبتُ (^٣) أصواتَكم، وأبغَضتُكم بكثرةِ أحداثِكم. فهَمُّوا به (^٤)، فقال اللَّهُ ﵎ له: ائتِهم واضرِبْ لى ولهم مثلًا، فقل لهم: إن اللَّهَ ﵎ يقولُ لكم: اقضُوا بينى وبيَن كَرْمِى، ألم أخترْ له البلادَ، وطيَّبتُ له المَدَرَةَ، وحظَرتُه بالسياجِ، وعرَّشتُه السويقَ والشوكَ والسياجَ والعَوْسَجَ (^٥)، وأحطتُه برِدائي، ومنَعْتُه مِن العالمِ وفضَّلتُه؟ فلقِينى بالشوكِ والجذوعِ، وكلِّ شجرةٍ لا تُؤكَلُ، ما لهذا اخترتُ البلدةَ، ولا طيَّبتُ المَدَرَةَ، ولا حظَرتُه بالسِّياجِ، ولا عرَّشتُه السويقَ، ولا حُطْتُه برِدائى، ولا منَعتُه مِن العالمِ، فضَّلتُكم وأتمَمتُ عليكم نعمتى، ثم استقبَلتمونى بكلٍّ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٩١ - ٥٩٣ سندًا ومتنًا.\n(^٢) في م: \"أنه كان\".\n(^٣) في م: \"سلبت\". وفى ت:١ \"شيت\". ولست أدرى وجه الصواب في كل ذلك، فقد يكون من السبِّ، وهو اللعن، كما أثبتناه من بقية النسخ، وقد يكون من الشين (شينت)، وهو العيب، ويراد به هنا التبغيض. واللَّه أعلم.\n(^٤) بعده في م: \"ليقتلوه\".\n(^٥) العوسج: شجر من شجر الشوك، وله ثمر أحمر مدوّر كأنه خرز العقيق وهو شجر كثير الشوك. التاج (ع س ج).","vol":"14","page":502},{"text":"ما أكرَهُ من معصيتى وخلافِ أمرى، لِمَهْ؟! إن الحمارَ ليعرِفُ مِزودَه، لَمِهُ؟! إن البقرةَ لتعرِفُ سيدَها (^١). حلَفتُ بعزَّتى العزيزةِ، وبذراعِيَ الشديدِ، لآخُذَنَّ ردائى، ولأمرُجَنَّ (^٢) الحائطَ، ولأجعَلنّكم تحتَ أرجلِ العالمِ. قال: فوثَبوا على نبيِّهم فقتَلوه، فضرَب اللَّهُ عليهم الذلَّ، ونزَع منهم المُلكَ، فليسوا في أمةٍ مِن الأممِ إلا وعليهم ذلٌّ وصغارٌ وجِزيةٌ يُؤدُّونها، والملكُ في غيرِهم من الناسِ، فلن يزالوا كذلك أبدًا، ما كانوا على ما هم عليه.\nقال (^٣): قال: فهذا ما انتهَى إلينا (^٤) من جماعِ أحاديثِ بني إسرائيلَ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. قال (^٣): كانت الآخرةُ أشدَّ مِن الأولى بكثيرٍ، فإن الأولى كانت هزيمةً فقط، والآخرةَ كان التدميرُ، وأحرَق بختُنصرَ التوراةَ حتى لم يترُك فيها حرفًا (^٥)، وخرَّب المسجدَ (^٦).\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المنهال، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: بعَث عيسى ابن مريم يحيى بنَ زكريا في اثنى عشَرَ مِن الحواريِّين يعلِّمون الناسَ. قال: فكان فيما نهاهم عنه، نكاحُ ابنةِ الأخِ. قال: وكانت لملكِهم ابنةُ أخٍ تُعجِبُه يريدُ أن يتزوَّجَها، وكانت لها كلَّ يومٍ حاجةٌ يَقضيها،\n_________\n(^١) بعده في م: \"وقد\".\n(^٢) مرَج أمره يَمُرجه: ضيَّعه. التاج (م ر ج).\n(^٣) سقط من: ت ١.\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) في م: \"لم يبق منها حرف واحد\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٥ إلى المصنف.","vol":"14","page":503},{"text":"فلما بلَغ ذلك أمَّها، قالت لها: إذا دخَلتِ على الملكِ فسأَلكِ حاجتَك، فقوله: حاجتى أن تذبحَ لى يحيى بنَ زكريا. فلما دخَلت عليه سأَلها حاجتَها، فقالت: حاجتي أن تذبحَ يحيى بنَ زكريا. فقال: سلى غيرَ هذا. فقالت: ما أسألُكَ إلا هذا. قال: فلما أبَت عليه دعا يحيى ودعا بطَستٍ فذبَحه، فبدَرت قطرةٌ من دمِه على الأرضِ، فلم تزَلْ تَغلِى حتى بعَث اللَّهُ بختنصرَ عليهم، فجاءته عجوزٌ مِن بنى إسرائيلَ، فدلَّته على ذلك الدمِ. قال: فألقى اللَّهُ في نفسِه أن يقتلَ على ذلك الدمِ منهم حتى يَسكُنَ، فقتل سبعين ألفًا مِنهم مِن سنٍّ واحدٍ، فسكَن (^١).\nوقولُه: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. يقولُ: ولِيَدخُلَ عدوُّكم الذي أبعَثُه عليكم مسجدَ بيتِ المقدسِ قهرًا منهم لكم وغلبةً، كما دخَلوه أوَّلَ مرَّةٍ حينَ أفسَدتم الفسادَ الأوَّلَ في الأرضِ.\nوأما قولُه: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. فإنه يقولُ: وليُدمِّروا ما غلَبوا عليه من بلادِكم تدميرًا. يقالُ منه: دمَّرتُ البلدَ: إذا خرَّبتَه وأَهَلَكتَه (^٢). وتبِر تَبْرًا وتَبَارًا، وتَبَّرتُه أتبِّرُه تتبيرًا. ومنه قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨]. يعني: هلاكًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٨٦ سندًا ومتنًا. وأخرجه ابن عساكر ١٨/ ١٠١ - مخطوط - من طريق أبى معاوية به، وفيه أنها كانت ابنة أخته، وأنهم نهوا عن نكاح ابنة الأخت.\nقال ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٥: وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها. ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه، لجاز كتابته وروايته، والله أعلم.\n(^٢) في م: \"أهلكت أهله\".","vol":"14","page":504},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5134>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. قال: تدميرًا (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. قال: يُدَمِّروا ما علوا تدميرًا (^٢).\n\n<span id=\"aya-2037\"></span><span data-type='title' id=toc-5136>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لعلّ ربَّكم يا بني إسرائيلَ أن يرحَمَكم بعدَ انتقامه منكم بالقومِ الذين يبعَثُهم اللَّهُ عليكم، ليسوءَ مبعثُه عليكم وجوهَكم، وليدخُلوا المسجدَ كما دخَلوه أوّلَ مرّةٍ، فيستنقِذَكم من أيديهم، وينتشِلَكم من الذلِّ الذي يُحِلُّه بكم، ويرفَعَكم من الخمولةِ التي تصيرون إليها، فيُعِزَّكم بعدَ ذلك. و\"عسى\" من اللَّهِ واجبٌ، وفعَل اللَّهُ ذلك بهم، فكثَّر عددَهم بعدَ ذلك، ورفَع خسَاستَهم، وجعل منهم الملوكَ والأنبياءَ، فقال جلّ ثناؤُه لهم: وإن عُدْتم يا معشرَ بني إسرائيلَ لمعصيتى وخلافِ أمرى، وقتلِ رسلى، عُدْنا عليكم بالقتلِ والسِّباءِ، وإحلالِ الذلِّ والصَّغارِ بكم. فعادوا، فعاد اللَّهُ عليهم بعقابِه وإحلالِ سُخطِه بهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5135>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، عن عُمَر بن ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيدِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٥ إلى المصنف.\n(^٢) تقدم في ص ٤٨٩.","vol":"14","page":505},{"text":"ابن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾. قال: عادوا فعاد، ثم عادوا فعاد (^١)،. قال: فسلَّط اللَّهُ عليهم ثلاثةَ ملوكٍ من ملوكِ فارسَ؛ سندَبادانَ، وشهرَبادانَ، وآخرَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: قال اللَّهُ ﵎ بعدَ الأولى والآخرةِ: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾. قال: فعادوا فسلَّط اللَّهُ عليهم المؤمنين (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾، فعاد اللَّهُ عليهم بعائدتِه (^٣) ورحمتِه، ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾. قال: عاد القومُ بشرِّ ما يحضُرُهم، فبعَث اللَّهُ عليهم ما شاء أن يبعَثَ من نقمتِه وعقوبتِه، ثم كان ختامَ ذلك أن بعَث اللَّهُ عليهم هذا الحيَّ مِن العربِ، فهم في عذابٍ منهم إلى يومِ القيامةِ؛ قال اللَّهُ ﷿ في آيةٍ أخرى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٧]. الآية، فبعَث اللَّهُ عليهم هذا الحيَّ مِن العربِ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾، فعادوا، فبعَث اللَّهُ عليهم محمدًا ﷺ، فهم يُعطُون الجزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) العائدة: المعروف والصلة والعطف والمنفعة أو هي اسم لما عاد به عليك المُفِضلُ من صلة أو فضل. التاج (ع ور).\n(^٤) تقدم طرف منه بهذا السند في ١٠/ ٥٣١. وينظر ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في ١٠/ ٥٣٢.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٣، وفي مصنفه (٩٨٨٢)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":506},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾. قال: بعدَ هذا. ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ لما صنَعتم، لمثلِ هذا لقتلِ (^١) الأنبياءِ ﴿عُدْنَا﴾ لكم (^٢) بمثلِ هذا.\nوقولُه: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾.\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وجعَلنا جهنمَ للكافرين سِجنًا يُسجَنون فيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5137>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن أبي عمرانَ: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾. قال: سِجنًا (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾. يقولُ: جعَل اللَّهُ مأواهم فيها (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾. قال: مَحْبِسًا حَصُورًا (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ\n_________\n(^١) في م: \"من قتل يحيى وغيره من\".\n(^٢) في م: \"إليكم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (٤٣)، وأبو نعيم في الحلية ٢/ ٣١١، ٦/ ٢٩٠ من طريق جعفر بن سليمان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٥، ١٦٦ إلى ابن النجار في تاريخه.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٤ عن معمر عن قتادة.","vol":"14","page":507},{"text":"لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾. يقولُ: سِجنًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ (^٢)، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿حَصِيرًا﴾. قال: يُحصَرون فيها (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾. قال: يُحصَرون فيها.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾: سِجنًا يُسجَنون فيها؛ حُصِروا فيها (١).\nحدَّثنا عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾. يقولُ: سِجنًا (^٤).\nوقال آخرون: معناه: وجعَلنا جهنَّمَ للكافرين فراشًا ومِهادًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5138>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ: الحصيرُ: فِراشٌ ومهادٌ (^٥).\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٦/ ٤٥٢.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ف: \"الحسين\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٢٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الفتح ٨/ ٣٩٣ - من طريق على بن أبى طلحة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":508},{"text":"وذهَب الحسنُ بقولِه هذا إلى أن الحصيرَ في هذا الموضعِ عُنِى به الحصيرُ الذي يُبْسَطُ ويُفتَرَشُ؛ وذلك أن العربَ تسمى البساطَ الصغيرَ حصيرًا، فوجَّه الحسنُ معنى الكلامِ إلى أن اللَّهَ تعالى جعَل جهنمَ للكافرين به بساطًا ومِهادًا، كما قال: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]. وفوجَّه الحسنُ وتأويلٌ صحيحٌ، وأما الآخرون، فوجَّهوه إلى أنه فَعِيلٌ مِن الحَصْرِ الذي هو الحبسُ. وقد بيَّنتُ ذلك بشواهدِه في سورةِ البقرةِ (^١)، وقد تسمِّى العربُ الَمِلكَ حصيرًا بمعنى أنه محصورٌ، أي: محجوبٌ عن الناسِ. كما قال لبيدٌ (^٢):\nوَمَقامَةٍ (^٣) غُلْبِ (^٤) الرِّقابِ كَأَنَّهُمْ … جِنٌّ لَدَى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ\nيعنى بالحصيرِ: المَلِكَ. ويقالُ للبخيلِ: حصورٌ وحَصِرٌ؛ لمنعِه ما لديه مِن المالِ عن أهلِ الحاجةِ، وحبسِه إياه عن النفقةِ، كما قال الأخطلُ (^٥):\nوَشَارِبٍ مُربحٍ بالكأْسِ نَادَمَنِى … لا بالحَصُورِ وَلا فيها بِسَوَّارِ\nويُروى: بسّآرِ. ومنه الحَصِرُ في المنطقِ؛ لامتناعِ ذلك عليه، واحتباسِه إذا أراده، ومنه أيضًا الحَصورُ عن النساءِ؛ لتعذُّرِ ذلك عليه، وامتناعِه من الجماعِ. وكذلك الحَصَرُ في الغائطِ: احتباسُه عن الخروجِ. وأصلُ ذلك كلِّه واحدٌ وإن اختلَفت ألفاظُه. فأما الحَصِيران: فالجَنْبان، كما قال الطَّرِمَّاحُ (^٦):\n_________\n(^١) تقدم في ٣/ ٣٤٢ وما بعدها.\n(^٢) ديوانه ص ٢٩٠، والرواية فيه: لدى طرف الحصير. والبيت في مجاز القرآن ١/ ٣٧١، واللسان (ق وم). والرواية فيهما كما عند المصنف.\n(^٣) المقامة: المجلس، ويقال للجماعة يجتمعون في مجلس: مقامة. اللسان (ق وم).\n(^٤) جمع أغلب وهو الغليظ الرقبة. التاج (غ ل ب).\n(^٥) تقدم في ٥/ ٣٧٦، ٣٧٧.\n(^٦) ديوانه ص ٤٨٠.","vol":"14","page":509},{"text":"قَلِيلًا تُتَلِّى حاجَةً ثُمَّ عُولِيَتْ … عَلى كُلِّ مَعْرُوشِ (^١) الْحَصِيرَيْنِ بِادِنِ\nيعنى بالحَصِيرَين: الجَنْبَين.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: معنى ذلك: وجعَلنا جَهَنَّمَ للكافرين فراشًا ومهادًا لا يُزايِلُه. من الحصيرِ الذي هو بمعنى البساطِ؛ لأن ذلك إذا كان كذلك كان جامِعًا معنى الحبسِ والامتهادِ، مع أن الحصيرَ بمعنى البساطِ في كلامِ العربِ أشهرُ منه بمعنى الحبسِ، وأنها إذا أرادت أن تصف شيئًا بمعنى حبسِ شيءٍ، فإنما تقولُ: هو له حاصرٌ أو مُحْصِرٌ. فأما الحصيرُ فغيرُ موجودٍ في كلامِهم، إلا إذا وصَفَته بأنه مفعولٌ به، فيكونُ في لفظِ فعيلٍ ومعناه مفعولٌ به، ألا ترَى بيتَ لبيدٍ: \"لدى بابِ الحصيرِ\". فقال: لدى بابِ الحصيرِ. لأنه أراد: لدى بابِ المحصورِ، فصرَف مفعولًا إلى فعيلٍ، فأما فعيلٌ في الحصرِ بمعنى وصفِه بأنه الحاصرُ، فذلك ما لا نجِدُه في كلامِ العربِ؛ فلذلك قلتُ: قولُ الحسنِ أولى بالصوابِ في ذلك. وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ أن ذلك جائزٌ، ولا أعلمُ لما قال وجهًا يصِحُّ إلا بعيدًا، وهو أن يُقالَ: جاء حصيرٌ. بمعنى: حاصرٌ، كما قيل: عليمٌ. بمعنى: عالمٌ، و: شهيدٌ. بمعنى: شاهدٌ. ولم يُسمَعْ ذلك مستعملًا في الحاصرِ كما سمِعنا في عالمٍ وشاهدٍ.\n\n<span id=\"aya-2038\"></span><span data-type='title' id=toc-5139>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا القرآنَ الذي أنزَلناه على نبيِّنا محمدٍ ﷺ يرشِدُ ويسدِّدُ من اهتدَى به ﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. يقولُ: للسبيلِ التي هي أقومُ مِن غيرِها\n_________\n(^١) في م: \"مفروش\".","vol":"14","page":510},{"text":"مِن السُّبلِ، وذلك دينُ اللَّهِ الذي بعَث بهِ أنبياءَه وهو الإسلامُ، يقولُ جلَّ ثناؤُه: فهذا القرآنُ يهدِى عبادَ اللَّهِ المهتدِين بهِ إلى قصدِ السبيلِ التي ضلَّ عنها سائرُ أهلِ الملِلِ المكذِّبيَن به.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. قال: للتى هي أصوبُ: هو الصوابُ وهو الحقُّ. قال: والمخالفُ هو الباطلُ. وقرَأ قولَ اللَّهِ تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣]. قال: فيها الحقُّ ليس فيها عِوَجٌ. وقرَأ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١، ٢]. قالَ: قيِّمًا: مستقيمًا (^١).\nوقولُه: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: ويُبشِّرُ أيضًا مع هدايتِه مَن اهتدَى بهِ للسبيلِ الأقصدِ، الذين يؤمنون باللَّهِ ورسولِه، ويعمَلون في دنياهم بما أمَرهم اللَّهُ بهِ، وينتهون عمَّا نهاهُم عنه، بأنَّ ﴿لَهُمْ أَجْرًا﴾ مِنِ اللَّهِ على إيمانِهم وعملِهِمِ (^٢) الصالحاتِ، ﴿كَبِيرًا﴾. يعنى: ثوابًا عظيمًا، وجزاءً جزيلًا، وذلك هو الجنةُ التي أعدَّها اللَّهُ لمن رضِى عملَه.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾. قال: الجنةُ، وكلُّ شيءٍ في القرآنِ: \"أجرٌ كبيرٌ\"، \"أجرٌ كريمٌ\"، و\"رزقٌ كريمٌ\" فهو الجنةُ (^٣).\nو\"أنَّ\" في قولِه: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ نصبٌ بوقوعِ البشارةِ عليها، و\"أنَّ\" الثانيةَ معطوفةٌ عليها.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر ٤/ ١٦٦ إلى المصنف.\n(^٢) في ت ١: \"أعمالهم\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر ٤/ ١٦٦ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"14","page":511},{"text":"<span id=\"aya-2039\"></span>وقولُه: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وأنَّ الذين لا يُصدِّقون بالمعادِ إلى اللَّهِ، ولا يُقرُّون بالثوابِ والعقابِ في الدنيا - فهم لذلك لا يتحاشُون من ركوبِ معاصى اللَّهِ - ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾. يقولُ: أعدَدْنا لهم، لقدومِهم (^١) على ربِّهم يومَ القيامةِ: ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يعنى: موجِعًا. وذلك عذابُ جهنمَ.\n\n<span id=\"aya-2040\"></span><span data-type='title' id=toc-5141>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه مذكِّرًا عبادَه أياديَهُ عندَهم: ويدعو الإنسانُ على نفسِه أو (^٢) ولدِه ومالِه بالشرِّ، فيقولُ: اللهمَّ أهلِكْه والْعنْهُ. عندَ ضجَرِه و(^٣) غضبِه، كدعائِه بالخيرِ. يقولُ: كدعائِه ربَّه بأن يهَبَ له العافيةَ، ويرزُقَه السلامةَ في نفسِه ومالِه وولِده. يقولُ: فلو استُجيبَ له في دعائِه على نفسِه ومالِه وولدِه بالشرِّ كما يُستجابُ له في الخيرِ هلَك، ولكنَّ اللَّهَ بفضِله لا يستجيبُ له في ذلك.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5140>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾. يعنى قولَ الإنسانِ: اللهمَّ الْعنْهُ واغضَبْ عليه. فلو يُعَجَّلُ له ذلك كما يُعجَّلُ له الخيرُ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"لتقدمهم\"، وفى ف: \"تتقدمهم\".\n(^٢) في م: \"و\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"أو\".","vol":"14","page":512},{"text":"لهلَك. قال: ويُقالُ: هو ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس: ١٢] أن يُكشَفَ ما به من ضُرٍّ. يقولُ اللَّهُ ﵎: لو أنَّه ذكَرنى وأطاعنى، واتَّبَع أمرِى عندَ الخيرِ، كما يدعُونى عندَ البلاءِ، كان خيرًا له (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾: يدعو على مالِه، فيلعَنُ مالَه وولدَه، ولو استجابَ اللَّهُ له (^٢) لأهلَكَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾. قال: يدعو على نفسِه بما لو استُجِيب له هَلَك، وعلى خادمِه، أو على مالِه (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾. قال: ذلك دعاءُ الإنسانِ بالشَّرَّ على ولدِه وعلى امرأتِه، يَعجَلُ (^٤) فيدعو عليه، ولا يُحبُّ أن يُصيبَه (^٥).\nواختُلِف في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾؛ فقال مجاهدٌ ومن ذكَرْتُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٦ إلى المصنف، وينظر التبيان ٦/ ٤٥٣.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٤ عن معمر به، وينظر ما تقدم في ١٢/ ١٣١.\n(^٤) في م: \"فيعجل\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر ٤/ ١٦٦ إلى المصنف، وينظر ما تقدم في ١٢/ ١٣١.","vol":"14","page":513},{"text":"قولَه: معناهُ: وكان الإنسانُ عَجِلًا (^١) بالدعاء على ما يَكْرهُ أن يُستجابَ له فيهِ.\nوقال آخرون: عنَى بذلك آدمَ؛ أنَّه عجِل حينَ نُفِخ فيه الروحُ قبلَ أن تجرىَ في جميعِ جسدِه، فرَام النهوضَ، فوصَف ولدَه بالاستعجالِ؛ لِما كان من استعجالِ أبيهم آدمَ القيامَ، قبلَ أن يَتمَّ خلقُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5142>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن إبراهيمَ، أنَّ سلمانَ الفارسيَّ، قال: أَوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ من آدمَ رأسُه، فجعَل ينظُرُ وهو يُخلَقُ. قال: وبقِيتْ رجلاه، فلمَّا كان بعدَ العصرِ قال: ياربِّ عَجِّلْ قبلَ الليلِ. فذلك قولُه: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: لما نفَخ اللَّهُ في آدمَ من روحِه أتتْ النفخةُ من قِبلِ رأسِه، فجعَل لا يجرِى شيءٌ منها في جسدَه، إلا صارَ لحمًا ودمًا، فلما انتهَتْ النفخةُ إِلى سُرَّتِه، نظَر إلى جسدِه، فأعجَبه ما رأى من جسدِه فذهَب لينهَضَ فلم يقدِرُ، فهو قولُ اللَّهِ ﵎: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾. قال: ضَجِرًا لا صبر له على سرَّاءَ، ولا ضرَّاءَ (^٣).\n\n<span id=\"aya-2041\"></span><span data-type='title' id=toc-5143>القول في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ</span>\n_________\n(^١) في م: \"عجولا\".\n(^٢) أخرجه ابن عساكر ٧/ ٣٨٤ من طريق محمد بن المثنى به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ١١٠، ١١١ عن محمد بن جعفر (غندر) به، وعزاه السيوطي في الدر ٤/ ١٦٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٩٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٦ إلى المصنف مختصرًا.","vol":"14","page":514},{"text":"وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذِكرُه: ومِن نعمِه (^١) عليكم أيُّها الناسُ، مخالفتُه بيَن علامةِ الليلِ وعلامةِ النهارِ، بإظلامِه علامةَ الليلِ (^٢)، وإضاءتِه علامةَ النهارِ؛ لتسكُنوا في هذا، وتتصرَّفوا في ابتغاءِ رزقِ اللَّهِ الذي قدَّره لكم بفضلِه في هذا، ولتعلموا باختلافِهما عددَ السنيَن وانقضاءَها، وابتداءَ دخولِها، وحسابَ ساعاتِ النهارِ والليلِ وأوقاتَها. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾. يقولُ: وكلَّ شيءٍ بيَّناه بيانًا شافيًا لكم أيُّها الناسُ؛ لتشكروا اللَّهَ على ما أنعَم به عليكم من نعمِه، وتُخلِصوا له العبادةَ دونَ الآلهةِ والأوثانِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5144>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ العزيزِ بن رُفيعٍ، عن أبي الطُفيلِ قال: قال ابن الكَوَّاءِ لعليٍّ: يا أميرَ المؤمنين، ما هذه اللَّطْخةُ التي في القمرِ؟ فقال: ويْحَك! أما تقرأُ القرآن؟ ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾، فهذه محوُه (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طلْقٌ، عن زائدةَ، عن عاصمٍ، عن عليّ بن ربيعةَ، قال: سأل ابن الكوّاءِ عليًّا فقال: ما هذا السوادُ في القمرِ؟ فقال عليٌّ: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ هو المحوُ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ،\n_________\n(^١) في م: \"نعمته\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٧٥.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٧٦.","vol":"14","page":515},{"text":"عن عبيدِ بن عُميرٍ (^١)، قال: كنتُ عندَ عليٍّ، فسأله ابن الكَوّاءِ عن السوادِ الذي في القمرِ، فقال: ذاك آيةُ الليلِ مُحِيتْ (^٢).\nحدَّثنا ابن أبى الشواربِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا عمرانُ بنُ حُديرٍ، عن رُفيعٍ أبى كثيرةَ (^٣)، قال: قال عليٌّ بنُ أبى طالبٍ، رضوانُ اللَّهِ عليه: سَلُوا عما شِئتم. فقام ابن الكوّاءِ فقال: ما السوادُ الذي في القمرِ؟ فقال: قاتلكَ اللَّهُ، هلا سألتَ عن أمرِ دينِك وآخرتِك؟ قال: ذلك مَحْوُ الليلِ (^٤).\nحدَّثني زكريَّا بنُ يحيى بنُ أبانٍ المصريُّ، قال: ثنا ابن عُفَيرٍ، قال: ثنا ابن لَهيعةَ، عن حُيَيِّ بن عبدِ اللَّهِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ الحُبليِّ (^٥)، عن عبدِ اللَّهِ بن عمروِ بن العاصِ، أن رجلًا قال لعليٍّ: ما السوادُ الذي في القمرِ؟ قال: إِنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾. قال: هو السوادُ بالليلِ (^٧).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال\n_________\n(^١) في م: عبد الله بن عمر، وفى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عبد بن عمرو \"وهو خطأ صوابه: \"عبيد ابن عمير\" كما في تاريخ المصنف وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٢٢٤.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٧٦.\n(^٣) وقع في النسخ: \"رفيع بن أبى كثير\". والصواب ما أثبتنا. ينظر الجرح ٣/ ٥١٠، والتاريخ ٣/ ٣٢٧.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٧٦.\n(^٥) في ت ١: \"الجيلى\".\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٧٦.\n(^٧) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٧٦، عزاه السيوطي في الدر ٤/ ١٦٦ إلى المصنف.","vol":"14","page":516},{"text":"ابن عباسٍ: كان القمرُ يضئُ كما تُضئُ الشمسُ، والقمرُ آيةُ الليلِ، والشمسُ آيةُ النهارِ، ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾: السوادُ الذي في القمرِ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، قال: ذكَر ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾. قال: الشمسُ آيةُ النهارِ، والقمرُ آيةُ الليلِ، ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾. قال: السوادُ الذي في القمرِ، وكذلك خلَقه اللَّهُ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾. قال: ليلًا ونهارًا، كذلك خلَقَهما اللَّهُ. قال ابن جريجٍ: وأخبَرنا عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، قال: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾. قال: ظلمةُ الليلِ وسَدْفَةُ (^٣) النهارِ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾. أي منيرةً، وخلَق الشمسَ أنورَ من القمرِ وأعظمَ (٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [قال: ثنا عيسى] (^٥)، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٧٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٦ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٧٧.\n(^٣) السدفة، بالفتح، ويضم الظلمة. وهي أيضا: الضوء. قيل: ضدٌّ. وقيل: بل لغتان؛ الأولى تميمية، والثانية قيسية. والسَّدَف: الصبح. التاج (س د ف).\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٧٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) سقط من: م، وينظر مصدر التخريج.","vol":"14","page":517},{"text":"﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾. قال: ليلًا ونهارًا، كذلك جعَلهما اللَّهُ (^١).\nواختلَف أهلُ العربيةِ في معنى قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾. فقال: بعضُ نحْويِّى الكوفةِ معناها: مضيئةً، وكذلك قولُه: لو ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]. معناه: مضيئًا. كأنه ذهَبَ إلى أنَّه قيل: مُبصِرًا. لإضاءتِه للناسِ البصرَ.\nوقال آخرون: بل هو مِن: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾. إذا صارَ الناسُ يُبصِرونَ فيه، فهو مبصرٌ، كقولِهم: رجلٌ مُجبِنٌ. إذا كان أهلُه وأصحابُه جبناءَ، و: رجلٌ مضعِفٌ. إذا كانت رُواتُه ضعفاءَ، فكذلك ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ إذا كان أهلُه بصراءَ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: جعَل لكم سبحًا طويلًا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾: أي بيَّناه تبيينًا.\n\n<span id=\"aya-2042\"></span><span data-type='title' id=toc-5145>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: وكلَّ إنسانٍ ألزمناه ما قُضِى له أنَّه عامِلُه وما (^٢) هو صائرٌ إليه، من شقاءٍ أو سعادةٍ بعملِه في عُنقِه لا يفارقُه. وإنما قولُه: في ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾. مَثَلٌ لما كانتِ العربُ تتفاءلُ به أو تتشاءمُ من سوانحِ الطيرِ (^٣) وبوارِحِها (^٤)، فأعلَمهم\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٧٧.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الطوائر\".\n(^٤) السوانح: جمع، سانح، وهو ما ولاك ميامنه. والبوارح: جمع بارح، وهو ما ولاك مياسره. والسانح يتبرك به، والبارح يتشاءم به. التاج (ب ر ح، س ن ح).","vol":"14","page":518},{"text":"جلَّ ثناؤه أن كلَّ إنسانٍ منهم قد ألزمَه ربُّه طائرَه في عُنُقِه، نحسًا كان ذلك الذي ألزَمه من الطائرِ، وشقاءً يُورِدُه سعيرًا، أو كان سعْدًا يُورِدُه جناتِ عَدْنٍ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5146>ذِكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبى، عن قتادةَ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال: \"لا عَدوَى ولا طيرةَ، ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ \" (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. قال: الطائرُ: عملُه. قال: والطائرُ في أشياءَ كثيرةٍ، فمنه التشاؤمُ الذي يَتشاءمُ به الناسُ بعضُهم من بعضٍ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني عطاءٌ الخراسانيُّ عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. قال: عملُه وما قُدِّر عليه، فهو ملازِمُه أينَما كان، [وزائلٌ] (^٣) معَه أينما زالَ، قال ابن جريجٍ: وقال: طائرُه: عملُه. قال ابن جريجٍ: وأخبرنى عبدُ اللَّهِ بنُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٨ عن قتادة به، وعزاه إلى المصنف.\nوأخرجه أحمد ٢٣/ ٤٣، ٨٦، ١٦١ (١٤٦٩١، ١٤٧٦٥، ١٤٨٧٨)، وعبد بن حميد (١٠٥٣ - منتخب) من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٧ إلى المصنف ابن أبي حاتم. وينظر التبيان ٦/ ٤٥٥.\n(^٣) في م: \"فزائل\".","vol":"14","page":519},{"text":"كثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: عملُه وما كتَب اللَّهُ له (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: طائرُه: عملُه (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، جميعًا عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. قال: عملَه (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن فضيلٍ، عن الحسنِ بن عمرٍو الفُقيمِيِّ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. قال: ما من مولودٍ يولدُ إلا و(^٤) في عُنُقِه ورقةٌ مكتوبٌ فيها شقيُّ أو سعيدٌ. قال: وسمعتُه يقولُ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ٣٧]، قال: هو ما سبَق (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾: إى واللَّهِ بسعادتِه وشقائِه بعملِه.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:\n_________\n(^١) أخرجه البغوي في تفسيره ٥/ ٨٢ بسنده عن ابن عباس.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٢٩.\n(^٣) تفسير سفيان الثوري ١٦٩، تفسير مجاهد ٤٢٩، وأخرجه البيهقى في الشعب (٢١٦١) من طريق عبد الرحمن بن مهدى به.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، وينظر مصدر التخريج.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٧ إلى أبى داود في كتاب القدر والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":520},{"text":"﴿طَائِرَهُ﴾: عملَه (^١).\nفإن قال قائلٌ: وكيفَ قال: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. إن كان الأمرُ على ما وصفْتَ، ولم يقُلْ: الزمناه في يديهِ ورجليهِ أو غيرِ ذلك من أعضاءِ الجسدِ؟ قيل: لأنَّ العُنُقَ هو موضعُ السِّماتِ، وموضعُ القلائدِ والأطوِقَةِ، وغيرِ ذلك مما يَزينُ أو يَشينُ، فجرى كلامُ العربِ بنسبةِ الأشياءِ اللازمةِ بنى آدمَ وغيرَهم من ذلك إلى أعناقِهم وكثُر استعمالُهم ذلك حتى أضافُوا الأشياءَ اللازمةَ سائرَ الأبدانِ إلى الأعناقِ، كما أضافوا جناياتِ أعضاءِ الأبدانِ إلى اليدِ، فقالُوا: ذلك بما كسبتْ يداه. وإن كان الذي جرَّ عليه لسانُه أو فرجُه، فكذلك قولُه: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾.\nواختلفتْ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾؛ فقرَأه بعضُ أهلِ المدينةِ ومكةَ، وهو نافعٌ وابنُ كثيرٍ وعامةُ قرأةِ العراقِ (^٢): ﴿وَنُخْرِجُ﴾ بالنونِ ﴿لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ بفتحِ الياءِ من ﴿يَلْقَاهُ﴾ وتخفيفِ القافِ منه، بمعنى: ونُخرِجُ له نحنُ يومَ القيامةِ. ردًّا على قولِه: ﴿أَلْزَمْنَاهُ﴾: ونحنُ نُخرِجُ له يومَ القيامةِ كتابَ عملِه منشورًا. وكان بعضُ قرَأَةِ أهلِ الشامِ (^٣) يوافقُ هؤلاءِ على قراءةِ قولِه: ﴿وَنُخْرِجُ﴾. ويخالِفُهم في قولِه: ﴿يَلْقَاهُ﴾. فيقرؤه (يُلَقَّاهُ) بضَمِّ الياءِ وتشديدِ القافِ، بمعنى: ونُخرج له نحنُ يومَ القيامة كتابًا يلقاهُ. ثم بردِّه إلى ما لمْ يُسمَّ فاعلُه، فيقولُ: يلقى الإنسانُ ذلك الكتابَ منشورًا.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٤ عن معمر به.\n(^٢) ينظر السبعة ٣٧٨، والكشف ٢/ ٤٣.\n(^٣) هو ابن عامر وحده. ينظر المصادر السابقة.","vol":"14","page":521},{"text":"وذُكِر عن مجاهدٍ ما حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا يزيدُ، عن جريرِ بن حازمٍ، عن حُميدٍ، عن مجاهدٍ أنَّه قرأها: (ويَخرُجُ لهُ يومَ القيامةِ كتابًا). قال يزيدُ: يعنى: يخرجُ الطائرُ كتابًا (^١).\nهكذا أحسَبُه قرَأها بفتحِ الياءِ، وهى قراءةُ الحسنِ البصريِّ وابنِ مُحيصنٍ (^٢)؛ وكأنَّ من قرَأ هذه القراءةَ وجَّه تأويلَ الكلامِ إلى: ويَخرُجُ له الطائرُ الذي ألزمناه عُنُقَ الإنسانِ يومَ القيامةِ، فيصيرُ كتابًا يقرؤه منشورًا. وقرأ ذلك بعضُ أهلِ المدينةِ (^٣): (ويُخرَجُ لَهُ). بضمِّ الياءِ على مذهبِ ما لم يُسمَّ فاعلُه، وكأنَّه وجَّه معنى الكلام إلى: ويُخرَجُ له الطائرُ يومَ القيامةِ كتابًا. يريدُ: ويُخرِجُ اللَّهُ له ذلك الطائرَ قد صيَّره كتابًا، غير أنَّه قال: (يُخرجُ) (^٤). لأنَّه (^٥) نحَّاه نحوَ ما لم يُسمَّ فاعلُه.\nوأولى القراءاتِ في ذلك بالصوابِ، قراءةُ من قرأَه: ﴿وَنُخْرِجُ﴾. بالنونِ وضمِّها، ﴿لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾، بفتحِ الياءِ وتخفيفِ القافِ؛ لأنَّ الخبرَ جرَى قبلَ ذلك عن اللَّهِ تعالى ذِكرُه أنَّه الذي ألزَم خلقَه ما ألزَم من ذلك؛ فالصوابُ أن يكونَ الذي يليه خبرًا عنه أنَّه هو الذي يُخرِجُه لهم يومَ القيامةِ، و(^٦) أن يكونَ بالنونِ كما كان الخبرُ الذي قبلَه بالنونِ. وأما قولُه: ﴿يَلْقَاه﴾. فإنَّ في إجماعِ الحجةِ من القرأةِ على تصويبِ ما اخترنا من القراءةِ في ذلك، وشذوذِ ما خالفه، الحجةَ الكافيةَ لنا على تقاربِ معنى القراءتين، أعنى ضمَّ الياءِ وفتحَها في\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٨ إلى المصنف.\n(^٢) وهى أيضًا قراءة يعقوب. ينظر الإتحاف ١٧١.\n(^٣) هي قراءة أبى جعفر. ينظر الإتحاف ١٧١.\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) في م: \"إلا أنه\".\n(^٦) سقط من: م.","vol":"14","page":522},{"text":"ذلك، وتشديدَ القافِ وتخفيفَها فيه؛ فإذا كان الصوابُ في القراءةِ هو ما اخترنا بالذي عليه دَلَّلْنا، فتأويلُ الكلام: وكلَّ إنسانٍ منكم يا معشرَ بني آدمَ، ألزمناه نحسَه وسعدَه، وشقاءَه وسعادتَه، بما سبَق له في علمِنا أنه صائرٌ إليه، وعاملٌ من الخيرِ والشرِّ - في عُنُقِه، فلا يجاوِزُ في شيءٍ من أعمالِه ما قضَينا عليه أنه عاملُه، وما كتَبنا له أنَّه صائرٌ إليه، ونحنُ نُخرجُ له إذا وافانا كتابًا يُصادِفُه منشورًا بأعمالِه التي عملَها في الدنيا، وبطائرِه الذي كتَبنا له، وألزَمناه إيَّاه في عُنُقِه، قد أحصَى عليه ربُّه فيه كلَّ ما سلَف في الدنيا.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5147>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾. قال: هو عملُه الذي عمِل، أُحصىَ عليه، فأُخرج له يومَ القيامةِ ما كُتب (^١) عليه من العملِ يقرؤه (^٢) منشورًا (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ له. أي: عملُه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. قال: عمله. ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ﴾. قال: يَخرُجُ ذلك\n_________\n(^١) في ت ١: \"أحصى\".\n(^٢) في م: \"يلقاه\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":523},{"text":"العملُ ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾. قال معمرٌ: وتلا الحسنُ ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]. يا ابن آدمَ بُسِطَتْ لك صحيفتُك، ووكِّل بك ملَكانِ كريمانِ؛ أحدُهما عن يمينِك، والآخرُ عن يسارِك. فأمَّا الذي عن يمينِك فيحفَظُ حسناتِك وأما الذي عن شِمالكِ فيحفظُ سيِّئاتِك، فأمْلِلْ (^١) ما شئتَ، أَقْلِلْ أو أَكثِرْ، حتى إذا متَّ طُويَتْ صحيفتُك، فجُعلت في عنقِك معك في قبرِك (^٢)، حتى تخرُجَ يومَ القيامةِ كتابًا تلقاه منشورًا، ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾، قد عدل واللَّهِ عليك مَن جعَلك حسيبَ نفسِك (^٣).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿طَائِرَهُ﴾: عمله، [ويَخرُج له ذلك] (^٤) العملُ كتابًا يلقاه منشورًا.\nوقد كان بعضُ أهل العربية يتأوَّلُ قولَه: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾: حظَّه (^٥). من قولهم: طارَ سَهَمُ فلانٍ بكذا. إذا خرَج سهمُه على نصيبٍ من الأنصِباءِ، وذلك وإن كان قولًا له وجهٌ، فإنَّ تأويلَ أهلِ التأويلِ على ما قد بيَّنتُ، وغير جائزٍ أن يُتجاوزَ في تأويلِ القرآنِ ما قالوه إلى غيرِه، على (^٦) أنَّ ما قاله هذا القائلُ، إن كان عنَى بقولِه حظَّه من العملِ والشقاءِ والسعادةِ فلم يُبعِدْ، فمعنى (^٧) قولِه من معنى قولِهم.\n_________\n(^١) في م: \"فاعمل\".\n(^٢) في ف: \"حجرك\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٨ إلى المصنف.\n(^٤) في م: \"ونخرج له بذلك\".\n(^٥) يعنى أبا عبيدة، ينظر المجاز ١/ ٣٧٢.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢: \"غير\".\n(^٧) في م: \"معني\".","vol":"14","page":524},{"text":"<span id=\"aya-2043\"></span><span data-type='title' id=toc-5148>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكره: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ فنقولُ (^١) له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ فترَك ذكرَ قولِه: فنقولُ له. اكتفاءً بدلالةِ الكلامِ عليه. وعنَى بقولِه: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾: اقرأ كتابَ عملِك الذي عمِلْتَه في الدنيا، الذي كان كاتبانا (^٢) يكتُبانِه، ونُحصيه عليكم، ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. يقولُ: حسبُك اليومَ بنفسِك عليك حاسبًا يحسِبُ عليك أعمالَك، فيُحصيها عليك، لا نبتغى عليك شاهدًا غيرَها، ولا نطلبُ عليك محصيًا سواها.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾: سيقرأُ يومئذٍ من لم يكن قارئًا في الدنيا (^٣).\n\n<span id=\"aya-2044\"></span><span data-type='title' id=toc-5149>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: من استقامَ على طريقِ الحقِّ فاتَّبَعَه، وذلك دينُ اللَّهِ الذي ابتعَث بهِ نبيَّه محمدًا ﷺ ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾. يقولُ: فليس ينفَعُ بلزومِه الاستقامةَ، وإيمانِه باللَّهِ ورسولِه غيرَ نفسِه، ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾. يقولُ: ومن جار عن قصدِ السبيلِ، فأخَذ على غيرِ هدًى، وكفَر باللَّهِ وبمحمدٍ ﷺ وبما جاءَ بهِ من عندِ اللَّهِ منَ الحقِّ - فليس يضُرُّ بضلالِه وجَوْره عن الهُدَى غير نفسِه؛ لأنَّه يُوجِبُ لها بذلك غضَب اللَّهِ وأليمَ عذابِه. وإنما عنَى بقولِه: هو ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾: فإنَّما\n_________\n(^١) في م: \"فيقال\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت،٢ ف: \"كتابنا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":525},{"text":"يكسِبُ إثمَ ضلالِه عليها لا على غيرِها. وقولُه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. يعنى تعالى ذِكرُه: ولا تحمِلُ حاملةٌ حِملَ أخرى غيرِها من الآثامِ. وقال: ﴿وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. لأنَّ معناه: ولا تزِرُ نفسٌ وازرةٌ وزِرَ نفسٍ أُخرى. يُقالُ منه: وزِرْتُ كذا أَزِرُه وِزْرًا. والوِزرُ هو الإثمُ، يُجمعُ أوزارًا، كما قال تعالى ذِكرُه: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ [طه: ٨٧]. وكأنَّ معنى الكلامِ: ولا تأثَمُ آثمةٌ إثمَ أخرى، ولكن على كلِّ نفسٍ إثمُها دونَ إثمِ غيرِها مِن الأنفسِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: واللَّهِ ما يحمِلُ اللَّهُ على عبدٍ ذنبَ غيرِه، ولا يُؤاخَذُ إلا بعملِه (^١).\nوقولُه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وما كنا مُهلِكى قومٍ إلا بعدَ الإعذارِ إليهم بالرسلِ، وإقامةِ الحجةِ عليهم (^٢) بالآياتِ التي تقطَعُ عُذرَهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾: إنَّ اللَّهَ ﵎ ليس يُعذِّبُ أحدًا حتى يسبِقَ إليه من اللَّهِ خبرٌ (^٣)، أو يأتيَه من اللَّهِ بيِّنةٌ، وليس معذِّبًا أحدًا إلا بذنبِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، [عن قتادةَ] (^٤)، عن أبي هريرةَ، قال: إذا كان يومُ القيامةِ، جمَع اللَّهُ ﵎ النسَمَ (^٥)\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) في م: \"خبرا\".\n(^٤) سقط من: ت ١.\n(^٥) في م: \"نسم\".","vol":"14","page":526},{"text":"الذين ماتُوا في الفَتْرةِ والمعتوهَ والأصمَّ والأبكمَ، والشيوخَ الذين جاء الإسلامُ وقد خرِفوا، ثم أرسَل رسولًا أن ادخُلوا النارَ، فيقولون: كيف ولم يأتِنا رسولٌ! وايمُ اللَّهِ لو دخلُوها لكانتْ عليهم بردًا وسلامًا، ثم يُرسلُ (^١) إليهم، فيُطيعُه من كان يريدُ أن يُطيعَه قبلُ. قال أبو هريرةَ: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن همامٍ، عن أبي هريرةَ نحوَه.\n\n<span id=\"aya-2045\"></span><span data-type='title' id=toc-5151>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾.</span>\nاختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾. فقرأَت ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: ﴿أَمَرْنَا﴾. بقصرِ الألفِ غيرِ (^٣) مدِّها وتخفيفِ الميمِ وفتحِها. وإذا قُرئ ذلك كذلك، فإنَّ الأغلبَ من تأويلِه: أمَرْنا مُترفيها بالطاعةِ، ففسقوا فيها بمعصيتِهم اللَّهَ، وخلافِهم أمرَه. كذلك تأوَّله كثيرٌ ممن قرَأه كذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-5150>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾. قال: بطاعةِ اللَّهِ، فعصَوا (^٤).\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"الله\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٤ عن معمر عن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة، وأخرجه أحمد ٢٦/ ٢٣٠ (١٦٣٠٢) من طريق معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة مرفوعًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٨ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م، ف: \"وغير\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٩ إلى المصنف.","vol":"14","page":527},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنا شَريكٌ، عن سلَمةَ أو غيرِه، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: أَمَرْنا بالطاعةِ فعصَوا (^١).\nوقد يَحتمِلُ أيضًا إذا قُرئ كذلك أن يكونَ معناه: جعلناهم أمراءَ ففسقوا فيها؛ لأنَّ العربَ تقولُ: هو أميرٌ غيرُ مأمورٍ.\nوقد كان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ (^٢) يقولُ: قد يتوجَّه معناه إذا قُرئ كذلك إلى معنى أكثرْنا مُترفيها، ويحتجُّ لتصحيحِ قولِه ذلك بالخبرِ الذي رُوى عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: \"خَيْرُ المَالِ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ أَوْ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ (^٣) \" (^٤). ويقولُ: معنى قولِه: مأمورةٌ: كثيرةُ النسلِ. وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من الكوفيينِ (^٥) يُنكرُ ذلك من قِيلِه، ولا يُجيزُ (أَمِرْنا) (^٦)، بمعنى أكثَرْنا إلا بمَدِّ الألفِ من (آمَرْنا). ويقولُ في قولِه: \"مُهرةٌ مأمورةٌ\": إنما قيلَ ذلك على الإتباعِ لمجيء \"مأبورةٍ\" بعدها، كما قيل: \"ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غيرَ مَأْجُورَاتٍ\" (^٧). فهَمَزَ مأزوراتٍ لهمزِ مأجوراتٍ، وهى من وَزَرْتُ إتباعًا لبعضِ الكلامِ بعضًا.\nوقرَأ ذلك أبو عثمانَ (^٨): (أمَّرْنا)، بتشديدِ الميمِ، بمعنى: الإمارةِ. حدَّثنا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) هو قول أبى عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٣٧٢، ٣٧٣.\n(^٣) السِّكة: الطريقة المصطفّة من النخل. والمأبورة: الملقحة. النهاية ٢/ ٣٨٤.\n(^٤) أخرجه أحمد ٢٥/ ١٧٣ (١٥٨٤٥) من حديث سويد بن هبيرة ﵁ وإسناده ضعيف.\n(^٥) يعنى الفراء، معاني القرآن ٢/ ١١٩.\n(^٦) قرأ بها الحسن ويحيى بن يعمر وعكرمة (أمرنا) بكسر الميم. البحر المحيط ٦/ ٢٠.\n(^٧) أخرجه ابن ماجه (١٥٧٨) من حديث على ﵁.\n(^٨) ينظر البحر المحيط ٦/ ٦٠.","vol":"14","page":528},{"text":"أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عوفٍ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، أنه قرَأ: (أَمَّرْنَا)، مشددةً من الإمارةِ (^١).\nوقد تأوَّل هذا الكلامَ على هذا التأويلِ جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5152>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: (أَمَّرْنا مُتَرَفِيها). يقولُ: سلَّطنا أشرارَها فعصَوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكتُهم بالعذابِ، وهو قولُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ (^٢) [الأنعام: ١٢٣].\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: سمعتُ الكسائيَّ يُحدِّث عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، أنَّه قَرَأها: (أَمَّرْنا). وقال: سلَّطنا (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ (^٤)، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: (أَمَّرْنا) مُثقَّلةً: جعَلنا عليها و﴿مُتْرَفِيهَا﴾: مستكبرِيها (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنى عيسى؛ وحدَّثنى الحارثُ قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في\n_________\n(^١) تفسير البحر المحيط ٦/ ٢٠.\n(^٢) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٣٢٣) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير ابن كثير ٥/ ٥٨.\n(^٤) في النسخ: \"حفص\"، والمثبت هو الصواب، وهو إسناد دائر.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم، وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٥٨.","vol":"14","page":529},{"text":"قولِ اللَّهِ ﵎: (أمَّرْنا مُترَفيها) قال: بعَثْنا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوذُكِر عن الحسنِ البصريِّ أنه قرَأ ذلك: (آمَرْنا) (^٢) بمَدِّ الألفِ من \"أمرنا\"، بمعنى: أكثرنا فَسَقَتَها. وقد وجَّه تأويلَ هذا الحرفِ إلى هذا التأويلِ جماعةٌ من أهلِ التأويلِ، إلا أنَّ الذين حدَّثونا لم يميِّزوا لنا اختلافَ القراءاتِ في ذلك، وكيف قَرَأ ذلك المتأوِّلون، إلا القليلُ منهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-5153>ذكرُ مَن تأوَّل ذلك كذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: (وإذا أَرَدنا أن نُّهْلِكَ قَريةً آمَرنا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فيها). يقولُ: أكثَرنا عددَهم (^٣).\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ قولَه: (آمَرنا مُتْرفيهَا). قال: أكثَرناهم (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: (آمَرنا مُتْرفِيهَا). قال: أكثَرناهم (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ٤٣٠.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٥٨، والبحر المحيط ٦/ ٢٠.\n(^٣) تفسير ابن كثير ٥/ ٥٨ عن العوفي عن ابن عباس.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦٩، ١٧٠ إلى سعيد بن منصور والمصنف وابن المنذر، وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٥٨.\n(^٥) تفسير ابن كثير ٥/ ٥٨.","vol":"14","page":530},{"text":"حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (آمَرنا مُتَرفِيهَا). يقولُ: أكثَرنا مترفيها؛ أي: كبراءَها (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: (وإذا أَرَدنَا أن نُّهلِكَ قَريةً آمَرنا مُترفِيهَا فَفَسَقُوا فيها فَحَقَّ عَلَيْها القَولُ). يقولُ: أكثَرنا مترفيها؛ أي: جبابرتَها، ففسَقُوا فيها وعمِلوا بمعصيةِ اللَّهِ، ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. وكان يُقالُ: إذا أراد اللَّهُ بقومٍ صلاحًا بعَث عليهم مُصْلِحًا، وإذا أراد بهم فسادًا بعَث عليهم مُفْسِدًا، وإذا أراد أن يُهلِكَها أكثَر مترفيها (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: (آمَرْنا مُتْرَفِيها). قال: أكثَرناهم (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: دخَل رسولُ اللَّهِ ﷺ يومًا على زينبَ وهو يقولُ: \"لا إلهَ إلا اللَّهُ! ويلٌ للعربِ من شرٍّ قد اقترَب. فُتِح اليومَ (^٣) من رَدْمِ يأجوجَ ومأجوجَ مثلُ هذا\". وحلَّق بيَن إبهامِه والتي تليها، قالت: يا رسولَ اللَّهِ أَنهِلكُ وفينا الصالحون؟ قال: \" نعم إذا كثُر الخَبَثُ\" (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وإذا أَرَدنا أن نُّهْلِكَ قَريةً آمَرنا مُترَفِيهَا فَفَسَقُوا فيها). قال: ذكَر بعضُ أهلِ العلمِ أن \"آمرنا\":\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ٥/ ٥٨.\n(^٢) ينظر تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٧٥، وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٥٨.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ف: \"الله\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٥ موصولًا عن معمر عن الزهرى عن عروة عن زينب بنت أبى سلمة عن زينب بنت جحش.","vol":"14","page":531},{"text":"أكثَرنا. قال: والعربُ تقولُ للشئِ الكثيرِ: أَمِرَ؛ لكثرتِه. فأما إذا وُصِف القومُ بأنهم كثُروا، فإنه يُقالُ: أَمِرَ بنو فلانٍ، وأَمِرَ القومُ يَأْمَرُون أَمْرًا، وذلك إذا كَثرُوا وعظُم أمرُهم، كما قال لبيدٌ (^١):\nإِنْ يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا وَإِنْ أَمِرُوا … يَوْما يَصِيرُوا للقُلِّ والنَّفَدِ\nوالأَمْرُ المصدرُ، والاسمُ الإمرُ، كما قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)﴾ [الكهف: ٧١]. قال: عظيمًا، وحُكى في مَثَلٍ: شرٌّ إمْرٌ، أي: كثيرٌ.\nوأولَى القراءاتِ في ذلك عندِى بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه: هو ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ بقصرِ الألفِ من ﴿أَمَرْنَا﴾. وتخفيفِ الميمِ منها؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ على تصويبِها دونَ غيرِها.\nوإذا كان ذلك هو الأولى بالصوابِ بالقراءةِ، فأولى التأويلاتِ به تأويلُ مَن تأوَّله: أَمَرْنا أهلَها بالطاعةِ فعصَوْا وفَسَقُوا فيها، فحقَّ عليهم القولُ؛ لأن الأغلبَ من معنى ﴿أَمَرْنَا﴾: الأَمْرُ، الذي هو خلافُ النهى دونَ غيرِه. وتوجيهُ معاني كلامِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه إلى الأشهرِ الأعرفِ من معانيه أولى، ما وُجِد إليه سبيلٌ من غيرِه.\nومعنى قولِه: ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾: فخالفوا أمرَ اللَّهِ فيها، وخرَجُوا عن طاعتِه. ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾: يقولُ: فوجَب عليها بمعصيتِهم اللَّهَ وفسوقِهم فيها، وعيدُ اللَّهِ الذي أوعَد مَن كفَر به وخالَف رسلَه، من الهلاكِ بعدَ الإعذارِ والإنذارِ بالرسلِ والحُججِ. ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾: يقولُ: فخرَّبناها عندَ ذلك تخريبًا، وأهلَكنا مَن (^٢)\n_________\n(^١) شرح ديوان لبيد ١٦٠.\n(^٢) بعده في ف، م: \"كان\".","vol":"14","page":532},{"text":"فيها من أهلِها إهلاكًا، كما قال الفرزدقُ (^١):\nوكانَ لَهُمْ كِبَكْرِ ثَمُودَ لَمَّا … رَغَا ظُهْرًا فَدمَّرَهُمْ دَمارا\n\n<span id=\"aya-2046\"></span><span data-type='title' id=toc-5154>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾.</span>\nوهذا وعيدٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه مكذِّبي رسولِه محمدٍ ﷺ من مشركى قريشٍ، وتهديدٌ لهم بالعقابِ، وإعلامٌ منه لهم أنهم إن لم يَنتَهُوا عما هم عليه مقيمون من تكذيبِهم رسولَه ﵊ أنه مُحِلٌّ بهم سُخْطَه، ومنزِّلٌ بهم من عقابِه ما أنزَل بمَن قبلَهم من الأممِ الذين سلَكوا في الكفرِ باللَّهِ، وتكذيبِ رُسلِه سبيلَهم. يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه: وقد أهلَكنا أيها القومُ من قبلِكم من بعدِ نوحٍ إلى زمانِكم قرونًا كثيرةً كانوا من جحودِ آياتِ اللَّهِ والكفرِ به وتكذيبِ رسلِه، على مثلِ الذي أنتم عليه؛ ولستمُ بأكرمَ على اللَّهِ تعالى منهم؛ لأنه لا مناسبةَ بيَن أحدٍ وبينَ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه، فيُعذِّبُ قومًا بما لا يُعذِّبُ به آخرين، أو يَعفُو عن ذنوبِ ناسٍ فيعاقبُ عليها آخرين. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فأَنِيبُوا إلى طاعةِ اللَّهِ ربَّكم، فقد بعَثنا إليكم رسولًا يُنَبِّهُكم على حُجَجِنا عليكم ويُوقِظُكم من غفلتِكم، ولم نَكُنْ لنعذِّبَ قومًا حتى نبعَثَ إليهم رسولًا مُنَبِّهًا لهم على حججِ اللَّهِ، وأنتم على فُسُوقِكم مقيمون. ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ يا محمدُ ﴿بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾. يقولُ: وحَسْبُك يا محمدُ باللَّهِ خابرًا بذنوبِ خلقِه عالمًا، فإنه لا يَخْفَى عليه شيءٌ من أفعالِ مشركى قومِك هؤلاء ولا أفعالِ غيرِهم من خلقِه، هو بجميعِ ذلك عالمٌ خابرٌ. ﴿بَصِيرًا﴾. يقولُ: يُبصِرُ ذلك كلَّه فلا يَغِيبُ عنه منه شيءٌ، ولا يَعْزُبُ عنه مثقالُ ذرَّةٍ في الأرضِ ولا في السماءِ، ولا أصغرُ من ذلك ولا أكبرُ.\n_________\n(^١) شرح ديوان الفرزدق ص ٤٤٣.","vol":"14","page":533},{"text":"وقد اختُلِف في مبلغِ مدةِ القَرْنِ، فحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرَنا: حمادُ بنُ سلمةَ، عن أبي محمدٍ عن (^١) [زرارةَ بن أوفى] (^٢)، قال: القَرْنُ عشرون ومائة سنةٍ، فبُعِث رسولُ اللَّهِ ﷺ في أولِ قرنٍ كان، وآخرُهم يزيدُ بنُ معاويةَ (^٣).\nوقال آخرون: بل هو مائةُ سنةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5155>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا حسانُ بنُ محمدِ بن عبدِ الرحمنِ الحِمْصِيُّ أبو الصَّلْتِ الطائيُّ، قال: ثنا سلامةُ بنُ جَوَّاسٍ (^٤)، عن محمدِ بن القاسمِ، عن عبدِ اللَّهِ بن بُسْرِ المازنيِّ، قال: وضَع النبيُّ ﷺ يدَه على رأسِه وقال: \"سيعيشُ هذا الغلامُ قَرْنًا\". قلتُ: كم القرنُ؟ قال: \"مائةُ سنةٍ\" (^٥).\nحدَّثنا حسانُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا سلامةُ بنُ جَوَّاسٍ، عن محمدِ بن القاسمِ، قال: ما زِلْنا نَعُدُّ له حتى، تمَّت مائةُ سنةٍ ثم مات. قال أبو الصلتِ: أخبرَني سلامةُ\n_________\n(^١) في م: \"بن\".\n(^٢) في النسخ: \"عبد الله بن أبى أوفى \"وهو خطأ. والمثبت من مصادر التخريج، وينظر الاستيعاب ١/ ١٢ فقد أخرجه أيضًا ابن عبد البر من طريق حماد بن سلمة عن أبي محمد عن زرارة بن أوفى.\n(^٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات ١/ ١٩١ وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٩٦ (١٥١٧٨) من طريق حماد بن سلمة عن أبي محمد عن زرارة بن أوفى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧١ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زرارة بن أوفى.\n(^٤) في م، ص، ت ٢، ف: \"حواس\"، وفى ت ١: \"خواس\". والمثبت من الجرح والتعديل ٤/ ٣٠٢.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٩٥ (١٥١٧٧) من طريق سلامة به، وأخرجه البزار في مسنده (٣٥٠٢)، والحاكم ٤/ ٥٠٠ من طرق عن محمد بن القاسم عنه به، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٢٣٦، والحاكم ٢/ ٥٤٩، ٤/ ٥٠٠، والحارث بن أبى أسامة في مسنده (١٠٣٦ - بغية) من طرق عن عبد الله بن بسر.","vol":"14","page":534},{"text":"أنَّ محمدَ بنَ القاسمِ هذا كان ختَنَ عبدِ اللَّهِ بن بُسرٍ (^١).\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى الفَزَارِيُّ، قال: أخبرَنا عمرُ بن شاكرٍ، عن ابن سيرينَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"القرنُ أربعونَ سنَةً\" (^٢).\nوقولُه: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾. أُدْخِلت الباءُ في قولِه: ﴿بِرَبِّكَ﴾. وهو في محلِّ رفعٍ؛ لأن معنى الكلامِ: وكفاك ربُّك، وحَسْبُك ربُّك، بذنوبِ عبادِه خبيرًا. دَلالةً على المدحِ، وكذلك تَفْعَلُ العربُ في كلِّ كلامٍ كان بمعنى المدحِ أو الذمِّ، تُدْخِلُ في الاسمِ الباءَ، والاسمُ المُدْخَلَةُ عليه الباءُ في موضعِ رفعٍ، لتَدلَّ بدخولِها على المدحِ أو الذمِّ، كقولِهم: أكرِمْ به رجلًا، وناهيك به، رجلًا، وجاد بثوبِك ثوبًا، وطاب بطعامِكم طعامًا. وما أشبَه ذلك من الكلامِ، ولو أُسْقِطَت الباءُ مما دخَلَت فيه من هذه الأسماءِ رُفِعَتْ؛ لأنها في محلِّ رفعٍ، كما قال الشاعرُ (^٣):\nويُخْبرُنِى عَن غائبِ المَرْءِ هَدْيُهُ … كَفَى الهَدَىُ عَمَّا غَيَّبَ المَرَّءُ مُخْبِرًا فأما إذا لم يَكُنْ في الكلامِ مدحٌ أو ذمٌّ فلا يُدْخِلُون في الاسمِ الباءَ، لا يجوزُ أن يُقالَ: قام بأخيك. وأنت تُرِيدُ: قام أخوك. إلا أن تُرِيدَ: قام رجلٌ آخرُ به. وذلك معنًى غيرُ المعنى الأوّل.\n\n<span id=\"aya-2047\"></span><span data-type='title' id=toc-5156>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: مَن كان طلُبه الدنيا العاجلةَ، ولها يَعمَلُ ويَسْعَى، وإِيَّاها\n_________\n(^١) في ت ١، ف: \"بشير\"، وفي ت ٢: \"بشر\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٢ إلى المصنف.\n(^٣) معاني القرآن للفراء ١/ ١١٩، واللسان (غ ى ب)، ونسبه في اللسان (هـ د ى) إلى زيادة بن زياد العدوى.","vol":"14","page":535},{"text":"يَبْتَغِى، لا يُوقِنُ بمعادٍ، ولا يَرْجُو ثوابًا ولا عقابًا من ربِّه على عملِه، ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾. يقولُ: يُعَجِّلُ اللَّهُ له في الدنيا ما يشاءُ؛ من بسطِ الدنيا عليه أو تقتيرِها لمن أراد اللَّهُ أن يَفْعَلَ ذلك به، أو إهلاكِه بما يشاءُ من عقوباتِه، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا﴾. يقولُ: ثم أصلَيْناه عندَ مَقْدِمِه علينا في الآخرةِ جهَنَّمَ، ﴿مَذْمُومًا﴾ على قلةِ شكرِه إيانا، و(^١) سوءِ صنيعِه فيما سلَف من أيادينا عندَه في الدنيا، ﴿مَدْحُورًا﴾. يقولُ: مُبْعَدًا مُقْصًى في النارِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5157>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾. يقولُ: مَن كانتِ الدنيا همَّه وسَدَمَه (^٢) طَلِبتَه ونيَّتَه، عجَّل اللَّهُ له فيها ما يشاءُ، ثم اضْطَرَّه إلى جهنمَ، قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾: مذمومًا في نعمةِ اللَّهِ، مدحورًا في نقمةِ (^٣) اللَّهِ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى أبو طَيبةَ، شيخٌ من أهلِ المِصِّيصَةِ، أنه سمِع أبا إسحاقَ الفَزَاريَّ يقولُ: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾. قال: لمَن نُرِيدُ هلَكتَه.\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَذْمُومًا﴾. يقولُ: ملومًا.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) السدم: اللهج والولوع بالشيء. النهاية ٢/ ٣٥٥.\n(^٣) في ص: \"نعمة\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":536},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾. قال: العاجلةُ الدنيا.\n\n<span id=\"aya-2048\"></span><span data-type='title' id=toc-5158>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: مَن أراد الآخرةَ، وإيَّاها طلَب، ولها عمِلَ عملَها، الذي هو طاعةُ اللَّهِ وما يُرْضِيه عنه. وأضاف \"السعىَ\" إلى الهاءِ والألفِ، وهى كنايةٌ عن \"الآخرةِ\"، فقال: وسعَى للآخرةِ سعىَ الآخرةِ. ومعناه: وعمِل لها عملَها؛ لمعرفةِ السامعين بمعنى ذلك، وأن معناه: وسعَى لها سعيَه لها. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. يقولُ: هو مؤمنٌ مُصَدِّقٌ بثوابِ اللَّهِ وعظيمِ جزائِه على سعيِه لها، غيرُ مكذِّبٍ به تكذيبَ مَن أراد العاجلةَ. يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأُولَئِكَ﴾. يعنى: فمَن فعَل ذلك، ﴿كَانَ سَعْيُهُمْ﴾. يعنى: عملُهم بطاعةِ اللَّهِ، ﴿مَشْكُورًا﴾. وشكرُ اللَّهِ إيَّاهم على سعيِهم ذلك حُسْنُ جزائِه لهم على أعمالِهم الصالحةِ، وتجاوزُه لهم عن سيئِها برحمتِه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾: شَكَرَ اللَّهُ لهم حسناتِهم، وتجاوَز عن سيئاتِهم (^١).\n\n<span id=\"aya-2049\"></span><span data-type='title' id=toc-5159>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يُمدُّ يا محمدُ ربُّك كلا الفريقين من مُريدِ [العاجلةِ، ومريدِ] (^٢)\n_________\n(^١) تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٢) في م، ف: \"مريدى\".","vol":"14","page":537},{"text":"الآخرةِ الساعى لها سعيَها وهو مؤمنٌ، في هذه الدنيا من عطائِه، فيرزُقُهما جميعًا من رزقِه إلى بلوغِهما الأَمَدَ، واستيفائِهما الأجلَ ما كتَب لهما، ثم تختلِفُ بهما الأحوالُ بعدَ المماتِ، وتَفترِقُ بهما بعدَ الوُرودِ المصادرُ، ففريقُ مريدى العاجلةِ إلى جهَنَّمَ مَصْدَرُهم، وفريقُ مريدى الآخرةِ إلى الجنةِ مآبُهم، ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. يقولُ: وما كان عطاءُ ربِّك الذي يُؤْتِيه مَن يشاءُ من خلقِه في الدنيا ممنوعًا عمَّن بسَطه عليه، لا يَقْدِرُ أَحدٌ من خلقِه منعَه (^١) ذلك وقد آتاه اللَّهُ إياه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5160>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. أي: منقوصًا، وإن اللَّهَ تباركَ اسمُه قَسَم الدنيا بينَ البَرِّ والفاجرِ، والآخرةُ خصوصًا عندَ ربِّك للمتقين (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. قال: منقوصًا (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُخَرِّميُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سهلُ بنُ أبي الصلتِ السَّرَّاجُ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾. قال: [كُلًّا نُعطِى] (^٤) من الدنيا البَرَّ والفاجرَ (^٥).\n_________\n(^١) بعده في م: \"من\".\n(^٢) تمام الأثر المتقدم في ص ٥٣٦.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٧٦ عن معمر به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"كلٌّ يعطى\".\n(^٥) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٩/ ٣٢ من طريق عبد الرحمن بن مهدى به، وعزاه السيوطي في الدر =","vol":"14","page":538},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ الآية، ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾ (^١). ثم قال: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾. قال ابن عباسٍ: فيَرْزُقُ مَن أراد الدنيا، ويَرْزُقُ مَن أراد الآخرة. قال ابن جريجٍ: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. قال: ممنوعًا (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾: أهلَ الدنيا وأهلَ الآخرةِ، ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. قال: ممنوعًا (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾ أهلَ الدنيا وأهلَ الآخرةِ (^٤) من بَرٍّ و(^٥) فاجرٍ. قال: والمحظورُ الممنوعُ. وقرَأ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾.\n\n<span id=\"aya-2050\"></span><span data-type='title' id=toc-5161>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿انْظُرْ﴾ يا محمدُ بعينِ قلبِك إلى هذين\n_________\n= المنثور ٤/ ١٧٠ إلى ابن أبي حاتم.\n(^١) في ص، ت ١، ت،٢ ف: \"من أراد الآخرة ومن كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء الآية\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٠ إلى المصنف وابن المنذر دون قول ابن جريج.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر ٤/ ١٧٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) بعده في م: \"من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا\".\n(^٥) بعده في م: \"لا\".","vol":"14","page":539},{"text":"الفريقَين اللذَين همُّ أحدِهما الدارُ العاجلةُ، وإياها يَطلُبُ، ولها يَعمَلُ، والآخرِ الذي يُرِيدُ الدارَ الآخرةَ، ولها يَسْعَى، مُوقِنًا بثوابِ اللَّهِ على سعيِه، ﴿كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^١): كيف فضَّلنا أحدَ الفريقين على الآخرِ، بأنْ بَصَّرنا هذا رُشْدَه، وهَدَيْناه للسبيلِ التي هي أقومُ، وهديناه (^٢) للذى هو أهدَى وأرشدُ، وخذَلْنا هذا الآخرَ، فأَضْلَلناه عن طريقِ الحقِّ، وأَغْشَيْنَا بصرَه عن سبيلِ الرشدِ، ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾. يقولُ: وفريقُ مريدِى الآخرةِ أكبرُ في الدارِ (^٣) الآخرةِ درجاتٍ، بعضُهم على بعضٍ؛ لتفاوتِ منازِلهم بأعمالِهم في الجنةِ، ﴿وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ بتفضيلِ اللَّهِ بعضَهم على بعضٍ من هؤلاء الفريقِ الآخرين في الدنيا فيما بَسَطنا لهم فيها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5162>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. أي: في الدنيا، ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ وإن للمؤمنين في الجنةِ منازلَ، وإن لهم فضائلَ بأعمالِهم، وذكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال: \"إن بيَن أعلَى أهلِ الجنِة وأسفلِهم درجةً كالنَّجْمِ يُرَى في مَشارِقِ الأرضِ ومغاربِها\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-2051\"></span><span data-type='title' id=toc-5163>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا</span>\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"يسرناه\".\n(^٣) بعده في ص، ت ٢، ف: \"الدنيا\"، وفي ت ١: \"الدنيا و\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":540},{"text":"مَخْذُولًا (٢٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿لَا تَجْعَلْ﴾ يا محمدُ مع اللَّهِ شريكًا في أُلوهيِه وعبادتِه، ولكن أخْلِصْ له العبادةَ، وأَفْرِدْ له الأُلوهةَ، فإنه لا إلهَ غيرُه، فإنك إنْ تَجْعَلْ معه إلهًا غيرَه، وتعبُدْ معه سواه، ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا﴾. يقولُ: تَصِيرَ ملومًا على ما ضَيَّعْتَ من شكرِ اللَّهِ على ما أنعَم به عليك من نِعَمِه، وتصييرِك الشكرَ لغيرِ مَن أولاك المعروفَ، وفى إشراكِك في الحمدِ مَن لم يَشْرَكْه في النعمةِ عليك غيرُه، ﴿مَخْذُولًا﴾ قد أسلَمك ربُّك لمَن بغاك سوءًا، فإذا أسلَمك ربُّك الذي هو ناصرُ أوليائِه، لم يكن لك من دونِه وليٌّ يَنْصُرُك ويَدْفَعُ عنك.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾. يقولُ: مذمومًا في نعمةِ اللَّهِ (^١).\nوهذا الكلامُ وإن كان خرَج على وجهِ الخطابِ لنبيِّ اللَّهِ ﷺ (^٢) فإنَّه معنيٌّ به جميعُ مَن لَزِمه التكليفُ من عبادِ اللَّهِ جلَّ وعزَّ.\n\n<span id=\"aya-2052\"></span><span data-type='title' id=toc-5164>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾.</span>\nيعنى بذلك تعالى ذكرُه: حكَم ربُّك يا محمدُ بأمرِه إياكم ألا تعبُدُوا إلا اللَّهَ، فإنه لا يَنْبَغِى أن يُعْبَدَ غيرُه.\nوقد اختلَفت ألفاظُ أهلِ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾. وإن كان\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٣٦.\n(^٢) في م: \"فهو\".","vol":"14","page":541},{"text":"معنى جميعِهم في ذلك واحدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5165>ذكرُ ما قالوا في ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. يقولُ: أَمَر (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا زكريا بنُ سلّامٍ، قال: جاء رجلٌ إلى الحسنِ، فقال: إنه طلَّق امرأتَه ثلاثًا. فقال: إنك عَصَيْتَ ربَّك، وبانت منك امرأتُك. فقال الرجلُ: قضَى اللَّهُ ذلك عليَّ. فقال الحسنُ - وكان فصيحًا -: ما قضَى اللَّهُ. أي: ما أمَر اللَّهُ. وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. فقال الناسُ: تكلَّم الحسنُ في القدرِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. أي: أَمَرَ رَبُّك في ألا تَعْبُدُوا إلا إياه، فهذا قضاءُ اللَّهِ العاجلُ. وكان يُقالُ في بعضِ الحكمةِ: مَن أرْضَى والديه أرضَى خالقَه، ومن أسخَط والديه فقد أسخَط ربَّه.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. قال: أمَر ألا تعبُدُوا إلا إياه. وفي حرفِ ابن مسعودٍ: (ووَصَّى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه) (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، قال: ثنا نُصَيْرُ بنُ أَبى الأَشعَثِ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧١ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٠/ ٢٣٨ عن زكريا بن سلام به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٧٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٠ إلى ابن المنذر.","vol":"14","page":542},{"text":"قال: ثنى ابن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن أبيه، قال: أعطانى ابن عباسٍ مصحفًا، فقال: هذا على قراءةِ أُبيِّ بنِ كعبٍ. قال أبو كريبٍ: قال يحيى: رأيتُ المصحفَ عندَ نُصيرٍ فيه: (وَوَصَّى رَبُّكَ). يعني: وقضَى رَبُّكَ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾: وأوصَى ربُّك (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. قال: أمَر ألا تعبُدُوا إلا إياه (^٣).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي إسحاقَ الكوفيِّ، الضحاكِ بن مُزاحِمٍ أنه قرَأها: (ووَصَّى رَبُّك). وقال: إنهم ألصَقُوا الواوَ بالصادِ فصارت قافًا (^٤).\nوقولُه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. يقولُ: وأمَركم بالوالدين إحسانًا أن تُحْسِنُوا إليهما وتَبَرُّوهما. ومعنى الكلامِ: وأمَركم أن تُحْسِنُوا إلى الوالدين. فلمّا حُذِفت \"أن\" تعلَّق القضاءُ بالإحسانِ، كما يقالُ في الكلامِ: آمُرُك به خيرًا، وأُوصِيك به خيرًا. بمعنى: آمُرُك أن تَفْعَلَ به خيرًا. ثم تُحْذَفُ \"أن\" فيتعلَّقُ الأمرُ والوصيةُ بالخيرِ، كما قال الشاعرُ (^٥):\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٠ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٣٠.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٨٥.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٠، ١٧١ إلى المصنف وأبى عبيد وابن المنذر، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٥/ ٣٢، وقال: وهذا خلاف ما انعقد عليه الإجماع فلا يلتفت إليه. وأبو إسحاق الكوفى هو عبد الله بن ميسرة، ضعيف، وهشيم. وإن كان ثقة إلا أنه كثير التدليس، وقد عنعن هنا.\n(^٥) معاني القرآن للفراء ٢/ ١٢٠.","vol":"14","page":543},{"text":"عَجِبْتُ مِنْ دَهْمَاءَ إِذْ تَشْكُونا … ومن أبى دَهْمَاءَ إِذْ يُوصِينا\nخَيْرًا بها كأنَّنا جافُونا\nفأعمَلَ \"يوصِينا\" في الخيرِ.\nواختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ (^١) عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ، وبعضُ قرأةِ الكوفيين: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ﴾ على التوحيدِ (^٢)، على توجيهِ ذلك إلى \"أحدِهما\"؛ لأن \"أحدَهما\" واحدٌ، فوحَّدُوا ﴿يَبْلُغَنَّ﴾ لتوحيدِه، وجعَلوا قولَه: ﴿أَوْ كِلَاهُمَا﴾ معطوفًا على \"الأحدِ\".\nوقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: (إما يَبْلُغَانِّ). على التثنيةِ، وكسرِ النونِ وتشديدِها (^٣). وقالوا: قد ذُكِر الوالدان قَبْلُ، وقولُه: (يَبْلُغانِّ) خبرٌ عنهما بعد ما قد تقدَّم أسماؤُهما. قالوا: والفعلُ إذا جاء بعدَ الاسمِ كان الكلامُ أن يكونَ فيه دليل على أنه خبرٌ عن اثنين أو جماعةٍ. قالوا: والدليلُ على أنه خبرٌ عن اثنين في الفعلِ المُستقبَلِ الألفُ والنونُ. قالوا: وقولُه: ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾. كلامٌ مُستأنَفٌ، كما قيل: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١]. وكقولِه: (﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾. ثم ابتدَأ فقال: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣].\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"يبلغان\".\n(^٢) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وعاصم وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٣٧٩.\n(^٣) وهى قراءة حمزة والكسائى. المصدر السابق.","vol":"14","page":544},{"text":"وأولى القراءتين بالصوابِ عندى في ذلك قراءةُ مَن قرَأه: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ﴾. على التوحيدِ على أنه خبرٌ عن \"\"أحدهما\"؛ لأن الخبرَ عن الأمرِ بالإحسانِ إلى الوالدين قد تناهى عندَ قولِه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. ثم ابتدَأ قولَه: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾.\nوقولُه: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾. يقولُ: فلا تأفَّفُ من شيءٍ (^١) تراه من أحدِهما أو منهما مما يتأذَّى به الناسُ، ولكنِ اصبِرْ على ذلك منهما، واحتسِبِ الأجرَ في صبرِك عليه منهما، كما صبَرَا عليك في صغَرِك.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5166>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مُحَبَّبٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾. قال: إن بلَغا عندَك من الكبرِ ما يَبُولان ويَخْرَأان، فلا تَقُلْ لهما: أُفٍّ؛ تُقَذِّرُهما (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه (^٣): (إما يَبْلُغَانِّ عِنْدَك الكبرَ): فلا تَقُلْ لهما: أُفٍّ. حيَن تَرَى الْأَذَى، وتُمِيطُ عنهما الأذى (^٤) والبولَ، كما كانا يُمِيطَانِه عنك صغيرًا، ولا تُؤْذِهما (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"شر\".\n(^٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٨/ ٥٤٣ من طريق سفيان به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧١ إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر، وهو في تفسير سفيان ص ١٧١ بنحوه من قوله.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ص، م: \"الخلاء\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ف: \"تؤذيهما\".","vol":"14","page":545},{"text":"وقد اختلَف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ في معنى ﴿أُفٍّ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: كلُّ ما غلَظ من الكلامِ وقبُح.\nوقال آخرون: الأُفُّ وسخُ الأظفارِ، والتَّفُّ كلُّ ما رفَعْتَ بيدِك من الأرضِ من شيءٍ حقيرٍ.\nوللعربِ في \"أُفٍّ\" لغاتٌ ستٌّ؛ رفعُها بالتنوينِ، وغيرِ التنوينِ، وخفضُها كذلك، ونصبُها.\nفَمَن حَفَض ذلك بالتنوينِ، وهى قراءةُ عامةِ أهلِ المدينةِ (^١)، شبَّهها بالأصواتِ التي لا معنى لها، كقولِهم في حكايةِ الصوتِ: غاقٍ غاقٍ. فخفَضوا القافَ ونوَّنُوها، وكان حكمُها السكونَ، فإنه لا شيءَ يُعْرِبُها من أجلِ مجيئِها بعدَ حرفٍ ساكنٍ، وهو الألفُ، فكَرِهوا أن يجمَعوا بيَن ساكنين، فحرَّكوا إلى أقربِ الحركاتِ من السكونِ، وذلك الكسرُ؛ لأن المجزومَ إذا حُرِّك فإنما يُحرَّكُ إلى الكسرِ.\nوأما الذين خفَضوا بغيرِ تنوينٍ، وهى قراءةُ عامةِ قرأةِ الكوفيين والبصريين (^٢)، فإنهم قالوا: إنما يُدْخِلُون التنوين فيما جاء من الأصواتِ ناقصًا، كالذى يأتى على حرفين مثلِ: \"مهٍ\"و\"صهٍ\" و\"بخ\"، فيُتَمَّمُ بالنونِ (^٣) لنقصانِه عن أبنيةِ الأسماءِ. قالوا: و\"أُفٍّ\" تامٌّ لا حاجةَ بنا إلى تتمتِه بغيرِه؛ لأنَّه قد جاء على ثلاثةِ أحرفٍ. قالوا: وإنما كسَرنا الفاءَ الثانيةَ لئلا نَجْمَعَ بيَن ساكنين.\nوأما مَن ضَمَّ ونَوَّن، فإنه قال: هو اسمٌ كسائرِ الأسماءِ التي تُعْرَبُ، وليس\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وعاصم في رواية حفص، السبعة لابن مجاهد ص ٣٧٩.\n(^٢) وهى قراءة أبى عمرو، وعاصم في رواية أبى بكر، وحمزة والكسائى. المصدر السابق.\n(^٣) في م: \"بالتنوين\". والمراد بالنون التنوين. ينظر ما تقدم في ١٣/ ١٤٢، ١٤٣.","vol":"14","page":546},{"text":"بصوتٍ، وعُدِل به عن الأصواتِ.\nوأما مَن ضَمَّ ذلك بغيرِ تنوينٍ، فإنه قال: ليس هو باسمٍ متمكنٍ فيُعْرَبَ بإعرابِ الأسماءِ المَتمكِّنةِ. وقالوا: نَضُمُّه كما نَضُمُّ قولَه: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]. وكما نَضُمُّ الاسمَ في النداءِ المفردِ فنقولُ: يا زيدُ.\nومَن نَصَبه بغيرِ تنوينٍ، وهى قراءةُ بعضِ المكيِّين وأهلِ الشامِ (^١)، فإنّه شبَّهه بقولِهم: مُدَّ يا هذا ورُدُّ.\nومَن نصَب بالتنوينِ (^٢)، فإنه أعمَل الفعلَ فيه، وجعَله اسمًا صحيحًا، فيقول: ما قلتُ له أفًّا ولا تُفًّا.\nوكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: قُرِئت: (أُفَّ)، و(أفًّا). لغةٌ، فجعَلوها مثلَ نعتِها. وقرَأ بعضُهم (^٣): (أُفٌّ). وذلك أن بعضَ العرب يقولُ: أُفٍّ لك. على الحكايةِ؛ أي: لا تَقُلْ لهما هذا القولَ. قال: والرفعُ قبيحٌ، لأنه لم يَجِئْ بعدَه بلامٍ. والذين قالوا: أُفِّ. فكسَروا كثيرٌ، وهو أجودُ، وكسَر بعضُهم ونوَّن.\nوقال بعضُهم: أُفِّى. كأنه أضَاف هذا القولَ إلى نفسِه، فقال: أُفِّى هذا لكما، والمكسورُ من هذا منوَّنٌ وغيرُ منوَّنٍ على أنه اسمٌ غيرُ متمكِّنٍ، نحوَ \"أمس\" وما أشبَهه، والمفتوحُ بغيرِ تنوينٍ كذلك.\nوقال بعضُ أهلِ العربيةِ: كلُّ هذه الحركاتِ الستِّ تَدْخُلُ في \"أف\" حكايةً، تُشَبَّهُ بالاسمِ مرةً وبالصوتِ أُخْرَى. قال: وأكثرُ ما تُكْسَرُ الأصواتُ بالتنوينِ إذا\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٣٧٩.\n(^٢) وهى قراءة زيد بن علي. البحر المحيط ٦/ ٢٧.\n(^٣) وهى قراءة محكية عن هارون. المصدر السابق.","vol":"14","page":547},{"text":"كانت على حرفين مثلَ: \"صهٍ\" و\"مهٍ\" و\"بخٍ\"، وإذا كانت على ثلاثةِ أحرفٍ شُبِّهت بالأدواتِ \"أفَّ\" مثلُ: ليتَ ومَدَّ، و\"أُفِّ\" مثلُ: مُدَّ، يُشبَّه بالأدواتِ، وإذا قال أُفٍ مثلُ صهٍ. وقالوا سمِعتُ: مِضِّ يا هذا ومِضُّ.\nوحُكِى عن الكسائيِّ أنه قال: سمِعتُ. ما علَّمَك أهلُك إلا مِضِّ ومِضُّ.\nوهذا كأَفَّ وأفُّ. ومن قال: أُفًّا جعَله مثلَ \"سُحْقًا وبُعدًا\".\nوالذي هو أولَى بالصحةِ عندى في قراءةِ ذلك قراءةُ مَن قرَأه: (فلا تَقُلْ لَهُما أُفِّ). بكسرِ الفاءِ بغيرِ تنوينٍ؛ لعلَّتين: إحداهما، أنها أشهرُ اللغاتِ فيها وأفصحُها عندَ العربِ (^١). والثانيةُ، أن حظَّ كلِّ ما لم يَكُنْ له معربٌ من الكلامِ السكونُ، فلما كان ذلك كذلك وكانت الفاءُ في \"أف\" حظُّها الوقوفُ، ثم لم يكنْ إلى ذلك سبيلٌ لاجتماعِ الساكنين فيه، وكان حكمُ الساكنِ إذا حُرِّك أن يحرَّكَ إلى الكسرِ، حُرِّكت إلى الكسرِ، كما قيل: مُدِّ وشُدِّ ورُدِّ البابَ.\nوقولُه: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولا تَزْجُرْهما.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأَحْمَسِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا واصلٌ الرَّقَاشيُّ، عن عطاءِ بن أبى رَباحٍ في قولِه: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾. قال: لا تَنْفُضْ يدَك على والديك (^٢).\nيقالُ منه: نَهَرَه يَنْهَرُه نَهْرًا، وانتَهَرَه ينتهِرُه انتهارًا.\nوأما قولُه: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. فإنه يقولُ جلَّ ثناؤُه: وقُلْ لهما قولًا جميلًا حسنًا.\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت: \"فيهما\"، وفى ف: \"فيها\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر ٤/ ١٧١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":548},{"text":"كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. قال: أحسنَ ما تَجِدُ مِن القولِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، عن عبدِ اللَّهِ بن المختارِ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عمرَ بن الخطابِ: ﴿قَوْلًا كَرِيمًا﴾. يقولُ: لا تَمْتَنِعْ من شيءٍ يُرِيدانه (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وهذا الحديثُ خطأٌ، أعنى حديثَ هشامِ بن عُروةَ، إنما هو: (^٢) هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه. ليس فيه عمرُ. كذلك (^٣) حُدِّث عن ابن عُليةَ وغيرِه، عن عبدِ اللَّهِ بن المختارِ.\nحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. أي: قولًا ليِّنًا سهلًا (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: ثنى حَرْملةُ بنُ عمرانَ، عن أبي الهَدَّاجِ التُّجِيبيِّ، قال: قلتُ لسعيدِ بن المسيَّبِ: كلُّ ما ذكَر اللَّهُ ﷿ في القرآنِ من برِّ الوالدين، فقد عرَفتُه، فقد عرَفتُه، إلا قولَه: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. ما هذا القولُ الكريمُ؟ فقال ابن المسيَّبِ: قولُ العبدِ المذنبِ للسيِّد الفظِّ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخارى في الأدب المفرد (٩) من طريق سفيان عن هشام به. وعزاه السيوطي في الدر ٤/ ١٧١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عروة، وينظر تفسير البغوي ٥/ ٨٦.\n(^٢) بعده في م: \"عن\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر ٤/ ١٧١ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر ٤/ ١٧١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":549},{"text":"<span id=\"aya-2053\"></span><span data-type='title' id=toc-5168>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وكُنْ لهما ذليلًا، رحمةً منك بهما، تُطليعُهما فيما أمَراك به ما (^١) لم يكنْ للَّهِ معصيةٌ، ولا تُخالفْهما فيما أحبَّا.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5167>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾. قال: لا تمَتنعْ مِن شيءٍ يُحِبَّانه (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا الأشْجَعِيُّ، قال: سمِعتُ هشامَ بنَ عروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾. قال: [هو أن] (^٣) بَليَن لهما حتى لا يَمتَنِعَ مِن شيءٍ أَحبَّاه (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحَكَمِ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سُوَيدٍ، قال: ثنا الثَّوريُّ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ\n_________\n(^١) في م: \"مما\"، وفي ت ٢: \"فيما\".\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٧١، وأخرجه البخارى في الأدب المفرد (٩)، وابن المبارك في البر والصلة (١٢)، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (٢٢٢) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٣٠، وزوائد الحسين المروزى على البر والصلة (١١)، وهناد في الزهد (٩٦٧) من طريق هشام بن عروة به.","vol":"14","page":550},{"text":"الرَّحْمَةِ﴾. قال: لا تَمتنعْ مِن شيءٍ أحَبَّاه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن المُختارِ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾. قال: هو أن لا تَمتنعَ مِن شيءٍ يُريدانِه.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا المُقرئُ أبو عبدِ الرحمنِ، عن حَرملةَ بن عِمرانَ، عن أبي الهدَّاجِ (^١)، قال: قلتُ لسعيدِ بن المُسيَّبِ: ما قولُه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾؟ قال: ألمْ ترَ إلى قولِ العبدِ المُذنِبِ للسيدِ الفظِّ الغليظِ (^٢).\nوالذُّلُّ - بضمِّ الذالِ - والذِّلَّةُ (^٣) مصدران مِن الذليلِ، وذلك أن يَتذلَّلَ (^٤) وليس بذليلٍ في الخِلقةِ، مِن قولِ القائلِ: قد ذَلَلتُ لك (^٥) أَذِلُّ ذِلَّةً وذِلًّا. وذلك نظيرُ القُلِّ والقِلَّةِ، إذا أُسقِطت الهاءُ ضُمت الذالُ من الذُّلِّ، والقافُ من القُلِّ، وإذا أُثْبِتت الهاءُ كُسِرت الذالُ من الذِّلةِ، والقافُ من القِلَّةِ، كما قال الأعشى (^٦):\n* وَمَا كُنْتُ قُلًّا قبلَ ذلكَ أَزْيَبَا*\nيريد: القُلَّةَ. وأما الذِّلُّ بكسرِ الذالِ وإسقاطِ الهاءِ فإنه مصدرٌ من الذَّلولِ مِن قولِهم: دابةٌ ذَلُولٌ: بَيِّنَةُ الذِّلِّ، وذلك إذا كانت لينةً غيرَ صعبةٍ (^٧). ومنه قولُ اللَّهِ جلَّ\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"الهياح\"، وفى ت ١، ف: \"الهياج\". وينظر الإكمال لابن ماكولا ٧/ ٤١٦.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"المذلة\".\n(^٤) في ص: \"يتذلل تذلل\"، وفى ت،١، ت ٢، ف: \"تتذلل تذلل\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٦) ديوانه ص ١١٥، وهو عجز بيت صدره:\n*فأرضَوه أن أعطَوه منى ظُلامةً*\n(^٧) معاني القرآن للفراء ٢/ ١٢٢.","vol":"14","page":551},{"text":"ثناؤُه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥]. يُجمعُ ذلك ذُلُلًا، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ [النحل: ٦٩]. وكان مجاهدٌ يتأوَّلُ ذلك أنه لا يَتوعَّرُ (^١) عليها مكانٌ سلَكتْه.\nواختَلفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك، فقرَأته عامَّةُ قرَأةِ الحجازِ والعراقِ والشامِ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ بضمِّ الذالِ على أنه مصدرٌ من الذَّليلِ. وقرَأ ذلك سعيدُ بنُ جُبيرٍ وعاصمٌ الجَحْدَرِيُّ: (جَناحَ الذُّلِّ) بكسرِ الذالِ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا بَهْزُ بنُ أسدٍ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أنه قرَأ: (وَاخْفِضْ لَهُما جُناحَ الذِّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ). [قال: كُنْ لهما ذَليلًا، ولا تَكنْ لهما ذَلولًا] (^٣).\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: أخبرَنى عمرُ بنُ شَقِيقٍ (^٤)، قال: سمعتُ عاصمًا الجَحْدَرِيَّ يَقْرَأُ: (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذِّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ). قال: كُنْ لهما ذليلًا، ولا تكنْ لهما ذَلولًا (^٥).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ شَقِيقٍ (٤)، عن عاصمٍ مثلَه.\nقال أبو جعفرٍ: وعلى هذا التأويلِ الذي تأوَّله عاصمٌ كان يَنبغى أن تكونَ قراءتُه بضمِّ الذالِ لا بكسرِها. وبكسرِها حدَّثنا نصرٌ وابنُ بشارٍ.\nوحُدِّثتُ عن الفرَّاءِ، قال: ثنى هشيمٌ، عن أبي بِشرٍ جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدِ\n_________\n(^١) توعَّر المكان: صلُب. الوسيط (وع ر).\n(^٢) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ١٢٢.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧١ إلى المصنف.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"سفيان\". وانظر الجرح والتعديل ٦/ ١١٥.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧١ إلى المصنف.","vol":"14","page":552},{"text":"ابن جبيرٍ أنه قرَأ: (وَاخفِضْ لَهُما جنَاحَ الذِّلِّ). قال الفرَّاءُ: وحدَّثنى (^١) الحكمُ بنُ ظُهَيْرٍ، عن عاصمِ بن أبى النَّجودِ، أنه قرَأها: (الذِّلِّ) أيضًا، قال (^٢): فسألتُ أبا بكرٍ فقال: ﴿الذُّلِّ﴾ قرَأها عاصمٌ (^٣).\nوأما قولُه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. فإنه يقولُ: ادعُ اللَّهَ لوالديك بالرحمةِ، وقل: ربِّ ارحمْهما، وتَعَطَّفْ عليهما بمغفرتِك ورحمتِك، كما تَعَطَّفا عليَّ في صِغَري، فرحِماني وربَّياني صغيرًا، حتى اسْتَقْلَلَتُ بنفسي، واسْتَغْنيتُ عنهما.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ هكذا عُلِّمتُم، وبهذا أُمِرْتُم، خذوا تعليمَ اللهِ وأدبَه، ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ خرَج [ذاتَ يومٍ] (^٤) وهو مادٌّ يدَيْه رافعٌ صوتَه يقولُ: \"مَن أَدْرَك والدَيْه أو أحدَهما ثمَّ دخَل النَّارَ بعدَ ذلكَ فَأَبْعَده اللهُ وأَسْحَقَه\". ولكن كانوا يرَوْن أنه من بَرَّ والديْه، وكان فيه أدنى تُقًى، فإن ذلك مُبْلِغُه جَسيمَ الخيرِ (^٥).\nوقال جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ: إِنَّ قولَ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. منسوخٌ بقولِه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ\n_________\n(^١) في م: \"أخبرني\". وينظر معاني القرآن ٢/ ١٢٢.\n(^٢) سقط من: م. والقائل أبو زكريا الفراء.\n(^٣) معاني القرآن ٢/ ١٢٢.\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٤٤ (١٩٠٤٩ - ميمنية) بإسناده عن قتادة يحدث عن زرارة بن أوفى عن أُبى بن مالك.","vol":"14","page":553},{"text":"الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-5169>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. ثم أنزَل اللهُ ﵎ بعدَ هذا: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ واضِحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ [والحسنِ قالا] (^٢): في سورةِ بني إسرائيلَ: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ (^٣) عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ إلى قولِه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾، فنسَختْها الآيةُ التي في براءةَ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ، قال: ابن عباسٍ: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ الآية. قال: نسخَتْها الآيةُ التي في براءةَ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية (^٤).\nوقد تَحتمِلُ هذه الآيةُ أن تكونَ - وإن كان ظاهرُها عامًّا في كلِّ الآباءِ (^٥) -\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧١ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"والحسن قالا قال\"، وفى م: \"قال\".\n(^٣) في م: \"يبلغان\". وهى قراءة متواترة كما تقدم في ص ٥٤٤.\n(^٤) أخرجه البخارى في الأدب المفرد ١/ ٢٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧١ إلى أبي داود والمصنف وابن المنذر.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"الآيات\".","vol":"14","page":554},{"text":"غيرَ (^١) معنى النسخِ، بأن يكونَ تأويلُها على الخُصوصِ، فيكونَ معنى الكلامِ: وقل ربِّ ارحَمْهما [إذا كانا مؤمنَينِ] (^٢)، كما رَبَّياني صغيرًا، فيكونَ مرادًا بها الخُصوصُ على ما قلنا غيرُ منسوخٍ منها شيءٌ.\nوعَنَى بقولِه: ﴿رَبَّيَانِي﴾ نَمَّياني (^٣).\n\n<span id=\"aya-2054\"></span><span data-type='title' id=toc-5170>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿رَبُّكُمْ﴾ أيها الناسُ ﴿أَعْلَمُ﴾ منكم ﴿بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ مِن تعظيمِكم أمرَ آبائِكم وأمهاتِكم، وتَكرِمَتِهم، والبرِّ بهم، وما فيها من اعتقادِ الاستخفافِ بحقوقِهم، والعقوقِ لهم، وغيرِ ذلك مِن ضمائرِ صدورِكم، لا يخفى عليه شيءٌ مِن ذلك، وهو مُجازيكم على حَسَنِ ذلك وسيِّئِه، فاحذروا أن تُضمِروا لهم سوءًا، [وتعقِدوا] (^٤) لهم عقوقًا.\nوقولُه: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾. يقولُ: إن أنتم أصلحْتُم نيَّاتِكم فيهم، وأطعْتُم الله فيما أمَركم من البرِّ بهم، والقيامِ بحقوقِهم عليكم، بعد هفوةٍ كانت منكم، أو [زَلَّةٍ في] (^٥) واجبٍ لهم عليكم مع القيامِ بما ألزَمكم في غيرِ ذلك مِن فرائضِه، ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ﴾ بعدَ الزَّلةِ، والتائبين بعدَ الهَفْوةِ غفورًا لهم.\n_________\n(^١) في م: \"بغير\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"سيأتي\"، وفى ف: \"ستاني\".\n(^٤) سقط من: ف، وفى ص، ت ٢: \"وأن تعتقدوا\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ٢، ف.","vol":"14","page":555},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ (^١) ذلك، قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5171>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ أبي وعمِّى، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾. قال: البادِرَةُ تكونُ مِن الرجلِ إلى أبويْه لا يريدُ بذلك إلا الخيرَ، فقال: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ (^٢).\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبرَني أبي، عن حبيبِ بن أبي ثابت، عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثلِه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحَكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ في قولِه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: هو الرجلُ تكونُ منه البادرةُ إلى أبَويه وفي نيتِه وقلبِه أنه لا يؤاخَذُ به.\nواختلف أهل التأويلِ في تأويل قولِه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾، فقال بعضُهم: هم المُسبِّحون.\n\n<span data-type='title' id=toc-5172>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال (^٣): ثنا أبو\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ٢، ف.\n(^٢) أخرجه الحسين المروزى في الزوائد على البر والصلة (٢٥) من طريق داود بن يزيد - عم ابن إدريس - عن حبيب بن أبي ثابت به بنحوه، وذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٨٨، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٦٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"قالا\".","vol":"14","page":556},{"text":"كُدَيْنَةَ، وحدَّثنى ابن سِنان القَزَّازُ، قال: ثنا الحسينُ بنُ الحسنِ الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدَيْنَةً، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: المُسَبِّحين (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا أبو خَيْثَمَةَ زهيرٌ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ، عن عمرِو بن شُرحْبيلَ، قال: الأَوَّابُ: المسبِّحُ (^٢).\nوقال آخرون: هم المُطيعون المحسنون.\n\n<span data-type='title' id=toc-5173>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني على بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. يقولُ: للمُطِيعين المُحسنين (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: هم المُطيعون وأهلُ الصلاةِ (^٤):\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: للمُطِيعين المُصلين (^٥).\nوقال آخرون: بل هم الذين يُصلُّون بين المغرب والعشاءِ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٦٤.\n(^٢) ينظر روح المعاني ٢٣/ ١٧٣.\n(^٣) ذكره ابن الجوزى في زاد المسير ٥/ ٢٦، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٦٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره ابن الجوزى في زاد المسير ٥/ ٢٦، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٦٤.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٧٦ عن معمر به.","vol":"14","page":557},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5174>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهْبٍ، عن أبي صَخْرٍ حميدِ بن زيادٍ، عن ابن المُنكدرِ، يرفعُه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: \"الصلاةُ بينَ المغربِ والعشاء\" (^١).\nوقال آخرون: هم الذين يُصلُّون الضُّحَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-5175>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عمرو بنُ عليٍّ، قال: ثنا رباح أبو سليمانَ الرَّقاءُ، قال: سمِعتُ عَونًا العُقيْليَّ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: الذين يُصلون صلاةَ الضُّحَى (^٢).\nوقال آخرون: بل هو الراجِعُ من ذنبِه، التائبُ منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5176>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمد بن الوليدِ القُرَشِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ (^٣)، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: الذي يُصيبُ الذنْبَ ثم يتوبُ، ثم يُصِيبُ الذنبَ ثم يَتوبُ (^٤).\n_________\n(^١) ذكره ابن الجوزى في زاد المسير ٥/ ٢٦ قولا لابن المنكدر.\n(^٢) أخرجه الأصبهانى في الترغيب كما في نيل الأوطار ٣/ ٧٦، وذكره القرطبي في تفسيره ١٠/ ٢٤٧، وابن الجوزي في زاد المسير ٥/ ٢٧.\n(^٣) في ص، ت، ت،٢، ف: \"سعيد\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٤٧٩.\n(^٤) أخرجه الحسين المروزى في الزوائد على البر والصلة لابن المبارك (٢٦) من طريق يحيى بن سعيد به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤.","vol":"14","page":558},{"text":"حدَّثنا ابن المثَّنى، قال: ثنا سليمانُ بنُ داودَ، عن شعبةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، [عن سعيدِ] (^١) بن المُسَيَّبِ، قال: هو الذي يُذنِبُ ثم يتوبُ، ثم يُذنبُ ثم يتوبُ، في هذه الآيةِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ سعيدٍ، أنه سمِع سعيدَ بنَ المسيَّبِ يُسألُ عن هذه الآيةِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: هو الذي يُذنبُ ثم يتوبُ، ثم يُذنِبُ ثم يتوبُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: ثني جريرُ بنُ حازمٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ بنحوِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن سعيد بن المُسيَّبِ بنحوِه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: ثني مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المُسيَّبِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: هو العبدُ يُذنِبُ ثم يَتوبُ، ثم يُذنبُ ثم يَتوبُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني الليثُ بنُ سعدٍ، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعْتُ سعيدَ بنَ المُسيَّبِ يَقولُ، فذكَرَ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا الثَّوريُّ ومَعمرٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المُسيَّبِ، قال: الأَوَّابُ: الذي يُذنِبُ ثم يَتوبُ، ثم يُذنِبُ ثم يَتوبُ، ثم يُذنِبُ ثم يتوبُ (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) أخرجه الخطيب البغدادى في تاريخه ٦/ ٢٨٥، من طريق مالك به.\n(^٣) تفسير سفيان ص ١٧١، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٦ عن سفيان به، وأخرجه ابن الأعرابي =","vol":"14","page":559},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبير في هذه الآيةِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: الراجعين إلى الخيرِ (^١).\nحدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ وأبو داودَ وهشامٌ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بنحوِه.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عمرٍو، جميعًا عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن عبيدِ بن عُمَير: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: الذي يَذكُرُ ذنوبه في الخلاء، فيستغفرُ الله منها (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن (^٣). الثوريِّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: الأوَّابُ: الذي يَذكرُ ذنوبَه في الخلاءِ فيستغفرُ اللَّهَ منها (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن عبيدِ بن عُمَيرٍ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: الذي يذكرُ ذنبَه ثم يتوبُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n= في معجمه (١٩٤٣، ١٩٤٤)، والبيهقى ٧/ ١٥٤ من طريق سفيان به.\n(^١) أخرجه البيهقى في الشعب (٧١٩٠) من طريق شعبة به، وزوائد الحسين المروزي على الزهد (١٠٩٣)، وزوائده على البر والصلة (٢٧) عن أبي بشر به.\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٧١، وابن المبارك في الزهد (١٥٤٠) عن سفيان به، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٣/ ٢٦٨ من طريق عبيد بن عمير به.\n(^٣) في م: \"قال: أخبرنا\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٧٦.","vol":"14","page":560},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: الأوَّابون: الراجِعون التَّائبون (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال ابن جريج، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ: الرجلُ يذنِبُ ثم يتوبُ ثلاثًا (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن عُبيدِ بن عُمَيرٍ قولَه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: الذي (^٣) يتذكر ذنوبَه، فيستغفرُ الله لها (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرني حَيْوَةُ (^٥) بنُ شُريحٍ، عن عقبةَ بن مسلمٍ، عن عطاءِ بن يسارٍ، أنه قال في قولِه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾: يُذنبُ العبدُ ثم يتوبُ، فيتوبُ اللهُ عليه، ثم يُذنبُ فيتوبُ، فيتوبُ اللهُ عليه، ثم يُذنبُ الثالثةَ، فإن تاب تاب اللهُ عليه توبةً لا تُمْحَى (^٦).\nوقد رُوى عن عُبيدِ بن عُمَيرٍ غيرُ القولِ الذي ذكَرنا عن مجاهدٍ (^٧)، وهو ما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاق، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ مُسلمٍ،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ٤٣٥، من طريق ورقاء به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٦٤.\n(^٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٧٠٩٥)، من طريق يحيى بن سعيد به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الرجل\".\n(^٤) أخرجه البيهقى في شعب الإيمان (٧١٩٥) معلقًا عن منصور به.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢. وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٤٧٨.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٦٤.\n(^٧) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عنه\".","vol":"14","page":561},{"text":"عن عمرِو بن دينارٍ، عن عُبيدِ بن عُمَيرٍ في قولِه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: كنا نَعُدُّ الأَوَّابَ الحفيظَ، أن يقولَ: اللهمَّ اغفرْ لي ما أَصَبْتُ في مجلِسى هذا (^١).\nوأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الأَوَّابُ هو التائبُ مِن الذَّنْبِ، الراجِعُ مِن مَعصية اللهِ إلى طاعتِه، ومما يكرَهُه إلى ما يرضاه؛ لأنَّ الأوّابَ إنما هو فعَّالٌ، من قولِ القائلِ: آبَ فلانٌ مِن كذا. إِمَّا مِن سَفَرِه إلى منزلِه، أو مِن حالٍ إلى حالٍ، كما قال عَبيدُ بنُ الأبرصِ (^٢):\nوكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ … وغائِبُ المَوْتِ لا يَئُوبُ\nفهو يئوبُ أوْبًا، وهو رجلٌ آئِبٌ مِن سَفرِه، وأَوَّابٌ مِن ذنوبِه.\n\n<span id=\"aya-2055\"></span><span data-type='title' id=toc-5178>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى به قرابةَ المُؤمنِ (^٣) قِبَلَ أبيه وأمِّه، أمَر الله جلَّ ثناؤُه عبادَه بصلتِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5177>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عِمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا حَبيبٌ المُعلِّمُ، قال: سأَل رجلٌ الحسنَ، قال: أُعْطِي قَرَابتي زكاةَ مالي؟ قال: إنَّ لهم\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٧٦.\n(^٢) ديوانه ص ١٣.\n(^٣) في م: \"الميت من\".","vol":"14","page":562},{"text":"في [مالِك حقًّا] (^١) سوى الزكاةِ. ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريْجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾. قال: صلتَه التي تريدُ أن تَصِلَه بها، ما كنتَ تريد أن تَفعلَ إليه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. قال: هو أن تَصِلَ ذا القرابةِ والمسكينَ وتُحسِنَ إلى ابن السبيلِ.\nوقال آخرون: بل عنَى بذلك (^٢) قرابةَ رسولِ اللهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5179>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبانٍ، قال: ثنا الصبَّاحُ بنُ يَحيى المُزَنيُّ (^٣)، عن السديِّ، عن أبي الديلمِ، قال: قال عليُّ بنُ الحسينِ لرجلٍ مِن أهلِ الشامِ: أقَرأتَ القرآنَ؟ قال: نعم. قال: أفما قرَأت في \"بني إسرائيلَ\": ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾؟ قال: وإنكم للقَرَابَةُ الذي (^٤) أمَر اللهُ أن يُؤتَى حقَّه؟ قال: نعم (^٥).\nوأولى التأويلَين عندى بالصوابِ تأويلُ مَن تأوَّل ذلك أنه (^٦) بمعنى وصيةِ اللهِ\n_________\n(^١) في م: \"ذلك لحقا\".\n(^٢) في م: \"به\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"المرى\"، وفى ف: \"المزى\". وينظر الجرح والتعديل ٤/ ٤٤٢.\n(^٤) في م: \"التي\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٦ إلى المصنف.\n(^٦) في م: \"أنها\".","vol":"14","page":563},{"text":"عبادَه بصلةِ قراباتِ أنفسِهم وأرحامِهم من قِبَلِ آبائِهم وأمهاتِهم؛ وذلك أن اللَّهَ ﷿ عَقَّب ذلك عَقيبَ حَضَّه عبادَه على بِرِّ الآباءِ والأمَّهات، فالواجبُ أن يكونَ ذلك حَضًّا على صلةِ أنسابِهم دونَ أنسابِ غيرهم التي لم يجرِ لها ذِكرٌ.\nوإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: وأعطِ يا محمدُ ذا قرابتِك حقَّه من صلتِك إياه، وبرِّك به، والعطفِ عليه.\nوخرَج ذلك مخرج الخطابِ لنبيِّ اللهِ ﷺ، والمراد بحُكمِه جميعُ مَن لزِمَتْه فرائضُ اللهِ، يدلُ على ذلك ابتداؤُه الوصيةَ بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا﴾. فوجَّه (^١) الخطابَ بقولِه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾. إلى نبيِّ اللهِ ﷺ، ثم قال: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. فرجَع بالخطابِ (^٢) به إلى الجميعِ، ثم صرَف الخطابَ بقولِه: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ (^٣) عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾. إلى إفرادِه به، والمعنى بكلِّ ذلك جميعُ مَن لزِمَتْه فرائضُ الله ﷿؛ أفرِد بالخطابِ رسولَ اللهِ وحدَه، أو عُمَّ به هو وجميعُ أمتِه.\nوقولُه: ﴿وَالْمِسْكِينَ﴾. وهو ذو (^٤) الذلَّةِ مِن أهلِ الحاجةِ - وقد دَلَّلنا فيما مضَى على معنى \"المسكينِ\" بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضِعِ (^٥) - ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾: يعنى المسافرَ المُنقطَعَ به. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: وصِلْ قرابتَك، وأعطِه حقَّه من صلتِك إياه، [والمسكينَ] (^٦) ذا الحاجةِ، والمجتازَ بك المُنقَطَعَ به، فأَعِنْه، وقوِّه\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"فوحد\"، وفى ف: \"فوخذ\".\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"الخطاب\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يبلغان\"، وهى قراءة متواترة كما تقدم في ص ٥٤٤.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) بعده في م: \"وقوله\". وينظر ما تقدم في ٢/ ١٩٣.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فالمسكين\".","vol":"14","page":564},{"text":"على قَطْعِ سفرِه.\nوقيل: إنما عنَى بالأمرِ بإيتاءِ (^١) ابن (^٢) السبيل حقَّه أن يُضافَ ثلاثةَ أيامٍ.\nوالقولُ الأوَّل عندى أولَى بالصوابِ؛ لأنَّ الله تعالى لم يَخْصُصْ من حقوقِه شيئًا دونَ شيءٍ في كتابِه، ولا على لسانِ رسولِه، فذلك عامٌّ في كلِّ حقٍّ له أن يُعطاه؛ من [ضيافتِه أو حملِه أو معونتِه] (^٣) على سَفرِه.\nوقولُه: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾. يقولُ: ولا تفرِّقْ يا محمدُ ما أعطاك اللهُ مِن مالٍ في معصيتِه تفريقًا.\nوأصلُ التبذيرِ التفريقُ في السَّرَفِ. ومنه قولُ الشاعرِ (^٤):\nأُناسٌ أجارُونا فَكانَ جِوَارُهُمْ … أعاصِيرَ مِنْ فَسْوِ (^٥) العِرَاقِ المُبَذَّرِ\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5180>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عُبيدٍ المحاربي، قال: ثنا أبو الأخوص، عن أبي إسحاقَ، عن أبي العُبَيْدَينِ، قال: قال عبدُ اللهِ في قولِه: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾. قال: التبذيرُ في غيرِ الحقِّ، وهو الإسرافُ (^٦).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمةَ، عن\n_________\n(^١) في م: \"بإتيان\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في م: \"ضيافة أو حمولة أو معونة\".\n(^٤) هو يزيد بن مفرغ الحميرى. وتقدم البيت في ٤/ ٦٩٠.\n(^٥) في النسخ: \"فسق\". والمثبت مما تقدم.\n(^٦) أخرجه الطبراني (٩٠٠٩)، والبيهقى ٦/ ٦٣ من طريق أبي إسحاق به بنحوه.","vol":"14","page":565},{"text":"مسلمٍ البَطِينِ، عن أبي العُبَيْدَينِ، قال: سُئل عبدُ اللهِ عن [المُبذرين، فقال] (^١): الإنفاقُ في غيرِ حقٍّ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ الجزارِ، يحدِّثُ عن أبي العُبَيْدَينِ - ضريرِ البَصَرِ - أنه سأَل عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ عن هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾. قال: إنفاقُ المالِ في غيرِ حقِّه (^٣).\nحدَّثني زكريا بنُ يَحيى بن أبي زائِدةَ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن الأعمشِ، عن الحكمِ، عن يَحيى بن الجزَّارِ، عن أبي العُبَيْدَينِ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن الحكمِ بن عُتَيْبَةَ، عن يَحيى بن الجزَّارِ، أنّ أبا العُبَيْدَينِ - كان ضريرَ البصرِ - سأَل ابنَ مسعودٍ قال: ما التبذيرُ؟ فقال: إنفاقُ المالِ في غيرِ حقِّه.\n[حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: أنبأنا الحكَمُ، عن يَحيى بن الجَزَّارِ، عن أبي العُبَيْدَين، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا المُحاربيُّ، عن المسعوديِّ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، عن أبي العُبَيْدَينِ، أنه سأَل ابنَ مسعودٍ، فقال: ما التبذيرُ؟ قال: إنفاقُ المالِ في غيرِ حقِّه (^٥)] (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"المبذر فقال\".\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٧٢، ومن طريقه البخارى في الأدب المفرد (٤٤٤)، والطبراني (٩٠٠٨).\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٢/ ٣٥.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٩٥ من طريق ابن إدريس به، وتقدم تخريجه عند الطبراني والحاكم في ص ٣٩٣.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٣٥ من طريق المسعودى به، ومن طريقه البيهقى في الشعب (٦٥٤٦).\n(^٦) سقط من: م.","vol":"14","page":566},{"text":"حدَّثنا خلَّادُ بنُ أسلَمَ، قال: أخبَرنا النَّضْرُ بنُ شُمَيلٍ، قال: أخبَرنا المسعوديُّ، قال: أخبَرنا سلمةُ بن كُهَيْلٍ، عن أبي العُبَيْدَينِ - وكانت به زَمَانةٌ، وكان عبدُ اللَّهِ يعرِفُ له ذلك - فقال: يا أبا عبد الرحمنِ، ما التبذيرُ؟ فذكَر مثلَه.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، قال: ثنا أبو الحَوْأبِ، عن عمارِ بن زُرَيقٍ، عن أبي إسحاقَ، عن حارثةَ بن مُضَرِّبٍ، عن أبي العُبَيْدَينِ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: كنا أصحابَ محمدٍ ﷺ ما نتحدَّثُ أن التَّبذيرَ النفقةُ في غيرِ حقِّه (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ كثيرٍ العَنْبرِيُّ، قال: ثنا شعبةُ، قال: كنتُ أمشى مع أبي إسحاقَ في طريقِ الكوفةِ، فأتَى على دارٍ تُبْنَى بجِصٍّ وآجُرٍّ، فقال: هذا التبذيرُ في قولِ عبدِ اللَّهِ؛ إنفاقُ المالِ في غيرِ حقِّه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾. قال: المبذِّرُ المُنْفِقُ في غيرِ حقٍّ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبَّادٌ، عن حُصَيْنٍ، عن عكرمةً، عن ابن عباسٍ، قال: المبذِّرُ المنفقُ في غيرِ حقِّه (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: لا تُنْفِقْ في الباطلِ، فإِنَّ المُبَذِّرَ هو المسرفُ في غيرِ حقٍّ (^٥). قال ابن جُريجٍ: قال مجاهدٌ: لو أنفَق إنسانٌ مالَه كلَّه فِي الحَقِّ ما كان تبذيرًا،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٧ إلى المصنف. وينظر فتح الباري ٨/ ٣٩٤.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٨٩ عن شعبة به.\n(^٣) في م: \"حقه\".\n(^٤) أخرجه البخارى في الأدب المفرد (٤٤٥)، والبيهقي في الشعب (٦٥٤٧) من طريق حصين به.\n(^٥) ذكره البخارى عقب الحديث (٤٧١٠) معلقا، وذكره الحافظ في تعليق التعليق ٤/ ٢٤١، عن المصنف.","vol":"14","page":567},{"text":"ولو أنفَق مُدًّا في باطلٍ كان تَبذيرًا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾: و(^٢) التبذيرُ النفقةُ في معصيةِ اللهِ، وفى غيرِ الحقِّ، وفي الفسادِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. قال: بدَأ بالوالدين قبلَ هذا، فلما فرَغ من الوالدين وحقِّهما، ذكر هؤلاء، وقال: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾: لا تُعطِ في معاصى اللهِ.\n\n<span id=\"aya-2056\"></span>وأما قولُه: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾. فإنه يعنى: إِنَّ المفرِّقين أموالَهم في معاصى اللهِ، المُنفقيها في غيرِ طاعتِه، أولياءُ الشياطين. وكذلك تقولُ العربُ لكلِّ مُلازمٍ سنةَ قومٍ وتابعٍ أمْرَهم (^٥): هو أخوهم.\n﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾. يقولُ: وكان الشيطانُ لنعمةِ ربِّه التي أنعمها عليه جَحُودًا لا يشكرُه عليها، [ولكنه] (^٦) يكفرُها بتَرْكِه طاعةَ اللَّهِ، وركوبِه معصيتَه، وكذلك إخوانُه من بنى آدم المبذِّرون (^٧) أموالَهم في معاصِى اللهِ، لا يشكُرون الله على نِعَمِه عليهم، ولكنهم يُخالفون أمره ويعصُونه، ويستَنَّون فيما أنعم اللهُ عليهم به مِن الأموالِ التي خوَّلَهموها - سنةَ مَن تَرَكَ الشكرَ عليها\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٨٩ وأبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٣٠، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٦٦.\n(^٢) في م: \"قال\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٦٦.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أمرهم\".\n(^٥) في م: \"أثرهم\".\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"المبذرين\".","vol":"14","page":568},{"text":"وتلقّاها بالكُفران.\nكالذى حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ﴾: إن المُنْفقِين في معاصى اللهِ ﴿كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾.\n\n<span id=\"aya-2057\"></span><span data-type='title' id=toc-5182>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإن تُعرِضْ يا محمدُ عن هؤلاء الذين أمَرْتُك أن تُؤتيَهم حقوقَهم إذا وجَدْتَ إليها السبيلَ، بوجهِكَ عندَ مسألتِهم إياك ما لا تجدُ إليه سبيلًا: حياءً منهم ورحمةً لهم (^١)، ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾. يقولُ: انتظارَ رزقٍ (^٢) تنتظِرُه من عندِ ربِّك، وترجو تَيسيرَ اللَّهِ إياه لك، فلا تُؤَيِّسْهم، ولكن ﴿قُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾. يقولُ: ولكن عِدْهم وَعْدًا جميلًا، بأن تقولَ: سيرزُقُ اللهُ فأُعطِيكم (^٣). وما أشبهَ ذلك مِن القولِ الليِّنِ غيرِ الغليظِ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠].\nوبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5181>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾. قال: انتظارَ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"منك\".\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"فأعطكم\" وفي ت ٢: \"فأعطاكم\".","vol":"14","page":569},{"text":"الرزقِ، فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾. قال: ليِّنًا، تَعِدُهم (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾. قال: رزقٍ، ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (^٢) [الزخرف: ٣٢].\nحدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا عُمارةُ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾. قال: انتظارَ رزقٍ من اللَّهِ يأتِيك.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾. قال: إن سَأَلوك فلم يَجِدُوا عندك ما تُعطيهم، ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ﴾. قال: رزقٍ تَنْتَظِرُه، تَرْجُوه، ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾. قال: عِدهم عِدَةً حسنةً: إذا كان ذلك، إذا جاءنا ذلك فعَلنا، أعطَيْناكم. فهو القولُ الميسورُ (^٣). قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: إن سألوك فلم يكنْ عندَك ما تُعطِيهم، فأعرَضتَ عنهم ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ﴾. قال: رزقٍ تَنتَظِرُهُ (^٤)، ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾.\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في البر والصلة (٢٨٨) عن سفيان به دون آخره.\n(^٢) وذكره البخاري في صحيحه عقب حديث (٤٧١٠) معلقا، وذكره الحافظ في تعليق التعليق ٤/ ٢٤١ عن المصنف.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٦٦.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"14","page":570},{"text":"في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾. قال: انتظارَ رزق الله (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن عبيدة في قوله: ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾. قال: ابتغاءَ الرزقِ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ قال (^٢): رزقٍ تَنتَظِرُه، ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾. قال (^٣): معروفًا.\nحدَّثنا محمدُ بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾. قال: عِدْهم خيرًا. وقال الحسنُ: قُل لهم قولًا (^٤) ليِّنًا سهلًا (^٥).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾. يقولُ: لا تَجِدُ شيئًا تُعْطِيهم، ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾. يقولُ: انتظارَ الرزقِ من ربِّك. نزَلتْ في مَن كان يَسأَلُ النبيَّ ﷺ من المساكينِ (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى حَرَمِيُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثني عُمارةُ، عن عكرمةَ في قولِ اللهِ: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾. قال: الرفقُ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٣٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) بعده في م، ف: \"أي\".\n(^٣) في م: \"أي\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ٢، ف.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٧٧ عن معمر به.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٨ إلى المصنف.","vol":"14","page":571},{"text":"وكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾: عن هؤلاء الذين أَوْصَيْنَاك بهم، ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾: إذا خشِيتَ إن أعطَيتَهم أن يَتَقوَّوا بها على معاصى اللهِ، ويَسْتَعِينوا بها عليها، فرأيتَ أن تَمْنَعَهم خيرًا، فإذا سألوك ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾: قولًا جميلًا: رزَقك اللهُ، بارَك اللهُ فيك (^١).\nوهذا القولُ الذي ذكَرنا عن ابن زيدٍ - مع خِلافِه أقوالَ أهلِ التأويلِ في تأويلِ هذه الآيةِ - بعيدٌ بالمعنى (^٢) مما يدُلُّ عليه ظاهرُها؛ وذلك أن الله تعالى قال لنبيِّه ﷺ: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾. أمَره أن يقولَ إذا كان إعراضُه عن القومِ الذين ذكَرهم انتظارَ رحمةٍ منه يَرجُوها من ربِّه ﴿قَوْلًا مَيْسُورًا﴾. وذلك الإعراضُ ابتغاءَ الرحمةِ لن يَخْلُوَ من أحدِ أمرين: إما أن يكونَ إعراضًا منه ابتغاءَ رحمةٍ من اللهِ يَرجُوها لنفسِه، فيكونَ معنى الكلامِ كما قلناه، وقاله أهلُ التأويلِ الذين ذكَرنا قولَهم وخلافَ قولِه. أو (^٣) يكونَ إعراضًا منه ابتغاءَ رحمةٍ من اللهِ يرجُوها للسائلين الذين أُمِر نبيُّ اللهِ ﷺ بزعمِه أن يَمنَعَهم ما سألوه خشيةً عليهم من أن يُنْفِقوه في معاصى اللهِ، فمعلومٌ أن سَخَطَ اللَّهِ على مَن كان غيرَ مأمونٍ منه (^٤) صَرْفُ ما أُعْطِى من نفقةٍ ليتقوَّى (^٥) بها على طاعةِ اللهِ في معاصيه، أخوفُ من رجاءِ رحمتِه له، وذلك أن رحمةَ اللهِ إنما تُرْجَى لأهلِ طاعتِه، لا لأهلِ معاصيه، إلا أن\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في تفسيره ٦/ ٤٧٠ مختصرًا، وبآخره عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"المعنى\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أن\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فيه\".\n(^٥) في ص: \"لينفقوا\"، وفى ت ١: \"ليتقووا\". وفى ف: \"لينفق\".","vol":"14","page":572},{"text":"يكونَ أراد توجيهَ ذلك إلى أن نبيَّ اللهِ ما أُمر بمنعِهم ما سألوه، ليُنِيبُوا من معاصى الله، ويتوبوا بمنعه إياهم ما سألوه، فيكون ذلك وجها يَحْتَمِلُه (٦) تأويلُ الآيةِ، وإن كان لقولِ أهلِ التأويلِ مُخالِفًا.\n\n<span id=\"aya-2058\"></span><span data-type='title' id=toc-5183>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾.</span>\nوهذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ تعالى للمُمتنعِ من الإنفاقِ في الحقوقِ التي أوجَبها اللهُ في أموالِ ذوى الأموالِ، فجعَله [كالمَشدودةِ يدُه] (^١) إلى عنقِه، الذي لا يَقْدِرُ على الأخذِ بها والإعطاءِ.\nوإنما معنى الكلامِ: ولا تُمْسِك يا محمدُ يدَك بُخْلًا عن النفقةِ في حقوقِ اللَّهِ، فلا تُنْفِقُ فيها شيئًا إمساكَ المغلولةِ يدُه إلى عنقِه الذي لا يَستطِيعُ بسطَها، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾. يقولُ: ولا تَبْسُطْها بالعطيةِ كلَّ البسطِ، فتَبقَى لا شيءَ عندَك، ولا تَجِدُ، إذا سُئلت، شيئًا تُعْطِيه سائلَك، ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾. يقولُ: فتَقْعُدَ يلومُك (^٢) سائلوك إذا لم تُعْطِهم حينَ سأَلوك، وتلومُك نفسُك على الإسراعِ في مالكِ وذَهابِه، ﴿مَحْسُورًا﴾. يقولُ: مُعْيًى (^٣)، قد انقُطِع بك، لا شيءَ عندَك لنفقةٍ.\nوأصلُه - يُرى (^٤) - من قولهم للدابةِ التي قد سِير عليها حتى انقَطَع سيرُها وكلَّتْ ورَزَحتْ من السيرِ -: دابةٌ (^٥) حَسيرٌ. يقالُ منه: حسَرْتُ الدابةَ، فأنا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"كالمشدود\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ملومًا\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"معينا\"، وفى، م، ف: \"معيبا\"، وأثبتنا ما يستقيم مع السياق بعده.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في م: \"بأنه\".","vol":"14","page":573},{"text":"أَحْسِرُها [وأَحْسُرُها] (^١) حَسْرًا. وذلك إذا أَنْضَيْتَه (^٢) بالسيرِ. وحَسَرْتُه بالمسألةِ؛ إذا سألتَه فألحفتَ. وحَسَرَ البصرُ فهو يَحْسِرُ، وذلك إذا بلَغ أقصى المَنظرِ فكَلَّ. ومنه [قولُه ﷿] (١): ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]. وكذلك ذلك في كلِّ شيءٍ كَلَّ وأَزْحَف (^٣) حتى يُنْقَى (^٤)\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5184>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾. قال: لا تجعَلْها مغلولةً عن النفقةِ، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا﴾: تُبَذِّرُ، تُسْرِفْ (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يوسفُ بنُ بَهْزٍ، قال: ثنا حَوشبٌ، قال: كان الحسنُ إذا تلا هذه الآيةُ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾. يقولُ: لا تُطَفِّف (^٦) برزقي عن غيرِ رِضاى، ولا تضعْه في سُخْطى فأسلُبَك ما في يديك، فتكونَ حسيرًا ليس في يديك منه شيءٌ.\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) في ص، ت ١: \"أنصبته\".\n(^٣) أزحف: أعيا. ينظر اللسان (ز ح ف).\n(^٤) في م: \"يضنى\"، وفي ت ٢: \"بيعا\"، وغير منقوطة في ت ١، ومنه حديث الأضحية: \"الكسير التي لا تنقى\". أي التي لا مخ لها، لضعفها وهزالها. النهاية ٥/ ١١١.\n(^٥) في م: \"بسرف\".\n(^٦) في ت ١: \"تضيف\"، وفي ت ٢، ف: \"نظيف\"، وكذا في ص ولكن من غير نقط.","vol":"14","page":574},{"text":"الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾. يقولُ: هذا في النفقةِ، يقولُ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾. يقولُ: لا تبسُطْها بخيرٍ (^١)، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾: يعنى التبذيرَ، ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾. يقولُ: يلومُ نفسَه على ما فات من مالِه، ﴿مَحْسُورًا﴾. يعني: ذهَب مالُه كلُّه فهو محسورٌ (^٢).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾: يعنى بذلك البخلَ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾. أي: لا تُمْسِكْها عن طاعةِ اللهِ، ولا عن حقِّه، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾. يقولُ: لا تُنْفِقْها في معصيةِ اللهِ، و(^٤) فيما لا (^٥) يَصْلُحُ (^٦)، ولا يَنْبَغِى لك، وهو الإسرافُ. قولَه: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾. قال: ملومًا (^٧) في عبادِ اللهِ، محسورًا على ما سلَف من دهرِه وفرَط.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾. قال: في النفقةِ. يقولُ: لا تُمْسِكْ عن النفقةِ (^٨)، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾. يقولُ: لا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾\n_________\n(^١) في م: \"بالخير\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) بعده في م: \"لا\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) بعده في م، ف: \"لك\".\n(^٧) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٨) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".","vol":"14","page":575},{"text":"في عبادِ اللهِ ﴿مَحْسُورًا﴾. يقولُ: نادِمًا على ما فرَط منك (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: لا تُمْسِكْ عن النفقةِ فيما أمرتُك به من الحقِّ، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فيما نهيتُك، ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾. قال: مُذنِبًا (^٢)، ﴿مَحْسُورًا﴾. قال: مُنْقَطَعًا بك.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾. قال: مغلولةً لا تَبْسُطُها بخيرٍ ولا بعطيةٍ (^٣)، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾: في الحقِّ والباطلِ، فينفَدَ ما (^٤) في يديك، فيأتيك مَن يُرِيدُ أن تُعْطِيَه كما أعْطَيْتَ هؤلاء، فلا تجد ما تُعْطيه، فيَحْسِرُك (^٥)، فيلومُك حينَ أعطيتَ هؤلاء ولم تُعْطِهم.\n\n<span id=\"aya-2059\"></span><span data-type='title' id=toc-5185>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إن ربَّك يا محمدُ يَبْسُطُ رزقَهُ لَمَن يَشَاءُ من عبادِه، فيُوسِّعُ عليه، ويقدرُ على من يشاءُ. يقولُ: ويُقَتِّرُ على مَن يَشَاءُ منهم، فيُضَيِّقُ عليه، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا﴾. يقولُ: إن ربَّك ذو خبرةٍ بعبادِه، ومَن الذي تُصْلِحُه السَّعَةُ في الرزقِ وتُفْسِدُه، ومَن الذي يُصْلِحُه الإقتارُ والضَّيقُ ويُهْلِكُه، ﴿بَصِيرًا﴾. يقولُ: هو ذو بَصَرٍ بتدبيرِهم وسياستِهم. يقولُ: فانتهِ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٧٧ عن معمر به.\n(^٢) في ت ١ ف: \"مدينا\"، وغير منقوطة في ص، ت ٢.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ف: \"تعطيه\".\n(^٤) بعده في م: \"ما معك و\".\n(^٥) في م: \"فيحسر بك\".","vol":"14","page":576},{"text":"يا محمدُ إلى أمرِنا فيما أمَرناك ونهيناك، من بسطِ يدِك فيما تَبْسُطُها فيه، وفي مَن تَبْسُطُها له، وفى (^١) كفِّها عمَّن تَكُفُّها عنه، وتَكُفُّها فيه، فنحن أعلمُ بمصالح العبادِ منك ومن جميعِ الخلقِ، وأبصرُ بتدبيرِهم.\nكالذي حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ثم أخبَرنا ﵎ كيفَ يصْنَعُ، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾. قال: يَقْدِرْ: يُقلُّ، وكلُّ شيءٍ في القرآنِ \"يَقْدِرُ\" كذلك. قال: ثم أخبرَ عبادَه أنه لا يرزَؤُه ولا يئُوده أن لو بَسَط عليهم، ولكن نظرًا لهم منه، فقال: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]. قال: والعربُ إذا كان الخِصْبُ وبُسِط عليهم أَشِروا (^٢)، وقتَل بعضُهم بعضًا، وجاء الفسادُ، فإذا كان السَّنَةُ (^٣) شُغِلوا عن ذلك (^٤).\n\n<span id=\"aya-2060\"></span><span data-type='title' id=toc-5186>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقَضَى ربُّك يا محمدُ ألَّا تعبُدوا إلا إياه، وبالوالِدَين إحسانًا، فموضعُ ﴿تَقْتُلُوا﴾ نَصْبٌ (^٥) عطفًا على ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾.\nويعنى بقولِه: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾: خوفَ [افتِقارٍ ونقْصٍ] (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"من\".\n(^٢) الأشر: النشاط للنعمة والفرح بها، ومقابلة النعمة بالتكبر والخيلاء، والفخر بها، وكفرانها بعدم شكرها. التاج (أ ش ر).\n(^٣) السنة: الجدب والقحط. التاج (س ن هـ).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٩ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"نصبًا\".\n(^٦) في م: \"إقتار وفقر\".","vol":"14","page":577},{"text":"وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه فيما مضَى، وذكَرنا الروايةَ فيه (^١).\nوإنما قال جلَّ ثناؤُه ذلك للعربِ؛ لأنهم كانوا يقتُلون الإناثُ من أولادِهم خوفَ العَيْلةِ على أنفسِهم بالإنفاقِ عليهن.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾. أي: خشيةَ الفاقةِ، و(^٢) كان أهلُ الجاهليةِ يقتُلون أولادَهم خشيةَ الفاقةِ، فوعَظهم اللهُ في ذلك، وأخبَرهم أن رزقَهم ورزقَ أولادِهم على اللهِ، فقال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾. قال: كانوا يقتُلون البناتِ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾. قال: الفاقةُ والفقرُ (^٥).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾. يقولُ: الفقرُ (^٦).\nوأما قولُه: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾. فإن القَرأةَ اختلَفت في قراءتِه؛ فقرَأتْه عامةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ والعراقِ: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾\n_________\n(^١) تقدم في ٩/ ٦٥٨، ٦٥٩.\n(^٢) بعده في م: \"قد\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٩ إلى المصنف ابن أبي حاتم، وينظر ما تقدم في ٩/ ٦٥٨.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٧٧ عن معمر به.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٣٦.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":578},{"text":"بكسر الخاءِ من الخَطْأِ وسكونِ الطاءِ (^١). وإذا قُرِئ ذلك كذلك، كان له وجهان من التأويلِ؛ أحدُهما: أن يكونَ اسمًا من قول القائلِ: خَطِئتُ فأنا فأنا أَخْطَأُ خَطْأً (^٢)، بمعنى: أذنبتُ وأثِمْتُ، ويُحكى عن العرب: خَطِئتُ: إذا أذنبتَ عمدًا، وأخطأتُ: إذا وقَع منك الذنب (^٣) على غيرِ عمدٍ منك له. والثاني: أن يكونَ بمعنى \"خَطَأ\" بفتحِ الخاءِ والطاءِ، ثم كُسِرت الخاء وسُكِّنت الطاءُ، كما قيل: قِتْبٌ وقَتَبٌ، وحِذْرٌ وحَذَرٌ، ونِجْسٌ ونَجَسٌ (^٤). والخِطْءُ بالكسرِ اسمٌ، والخَطَأُ بفتح الخاءِ والطاءِ مصدرٌ من قولِهم: خَطِئ الرجلُ. وقد يكونُ اسمًا من قولِهم: أَخْطَأَ. فأما المصدرُ منه فالإخطاءُ. وقد قيل: خَطِئ. بمعنى أخطَأ، كما قال الشاعرُ (^٥):\nيا لَهْفَ هِنْدٍ إِذْ خَطِئْنَ كاهِلا (^٦)\nبمعنى: أخطَأنَ.\nوقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ أهل المدينة: (إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خَطَأً) بفتح الحَاءِ والطاءِ مقصورًا (^٧) على توجيهِه إلى أنه اسمٌ، من قولِهم: أخطَأ فلانٌ خَطَأً.\nوقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ مكةَ: (إنَّ قَتَلَهُمْ كان خَطَاءً) بفتحِ الخاءِ والطاءِ ومدِّ الخَطَاءِ، بنحوِ معنى مَن قرَأه خَطَأً بفتحِ الخاءِ والطاءِ، غيرَ أنه يُخالِفُه في مدِّ\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة ص ٣٨٠، والكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٤٥.\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"أخطئ خطأ\"، وفي ت ٢: \"خطئ خطأ\".\n(^٣) بعده في م: \"خطأ\".\n(^٤) ينظر معاني القرآن ٢/ ١٢٣.\n(^٥) هو امرؤ القيس، والرجز في ديوانه ص ١٣٤.\n(^٦) في ص، ت ١، ت:٢ \"وايلا\"، وفى ف: \"وابلا\".\n(^٧) وهى قراءة أبي جعفر وابن عامر في رواية ابن ذكوان. النشر ٢/ ٢٣٠، والإتحاف ص ١٧٢.","vol":"14","page":579},{"text":"الحرفِ (^١).\nوكان عامةُ (^٢) أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ الكوفة وبعضِ البصريين منهم يرَوْن أن الخِطْءَ والخَطَأَ بمعنًى واحدٍ، إلا أن بعضَهم زعَم أن الخِطْءَ بكسرِ الخاءِ وسكونِ الطاءِ في القراءةِ أكثرُ، وأن الخَطَأَ بفتحِ الخاءِ والطاءِ في كلامِ الناسِ أفشَى (^٣)، وأنه لم يُسْمَعِ الخِطْءُ بكسرِ الخاءِ وسكونِ الطاءِ في شيءٍ من كلامِهم وأشعارِهم، إلا في بيتٍ أنشَده لبعضِ الشعراءِ (^٤):\nالخطْءُ فاحِشَةٌ والبِرُّ نافِلَةٌ (^٥) … كعَجْوَةٍ غُرِسَتْ فِي الْأَرْضِ تُؤْتَبَرُ (^٦)\nوقد ذكَرتُ الفرقَ بيَن الخِطْءِ بكسرِ الخاءِ وسكون الطاءِ وفتحِهما.\nوأولى القراءاتِ في ذلك عندَنا بالصوابِ القراءةُ التي عليها قرَأةُ أهل العراقِ وعامةُ أهلِ الحجازِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ عليها، وشذوذِ ما عداها (^٧). وإن معنى ذلك: كان إثمًا وخطيئةً، لا خَطَأً من الفعلِ؛ لأنهم إنما كانوا يقتلونهم عمدًا لا خطَأً، وعلى عمدِهم ذلك عاتَبهم ربُّهم، وتقدَّم إليهم بالنهى عنه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n_________\n(^١) وكذا بالنسخ هي قراءة الحسن، وانظر المحتسب ٢/ ١٩، ٢٠، والبحر المحيط ٦/ ٣٢، فلعله خطأ تتابعت عليه النسخ، فقراءة أهل مكة بكسر الخاء وفتح الطاء والملد، وهى قراءة ابن كثير، وانظر النشر ٢/ ٢٣٠، والسبعة ص ٣٨٠، والكشف عن وجوه القراءات، ٢/ ٤٥، والإتحاف ص ١٧٢.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ف: \"قرأة\".\n(^٣) ينظر الكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٤٥، ٤٦.\n(^٤) البيت غير منسوب إلى قائل وانظره في التبيان للطوسي ٦/ ٤٧٣.\n(^٥) في التبيان: \"فاضلة\".\n(^٦) أبَرَ النخل والزرع يأبُره ويأبِره أصلحه. تاج العروس (أ ب ر).\n(^٧) ما عداها مما ذكره المصنف هو قراءة متواترة سوى قراءة الحسن.","vol":"14","page":580},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5187>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿خِطْئًا كَبِيرًا﴾. قال (^١): خطيئةً (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾. قال: خطيئةً.\nقال ابن جريجٍ: وقال ابن عباسٍ: ﴿خِطْئًا﴾: خطيئةً (^٣).\n\n<span id=\"aya-2061\"></span><span data-type='title' id=toc-5188>القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقضَى أيضًا ألَّا تَقْرَبُوا أيها الناسُ الزنى ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾. [يقولُ: إن الزِّنى كان فاحشةً] (^٤)، ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. يقولُ: وساءَ طريقُ الزِّنى طريقًا؛ لأنه طريق أهلِ معصيةِ اللهِ، [والمخالفينِ] (^٥) أمرَه، فأَسْوِئ به طريقًا يُورِدُ صاحبَه نارَ جَهَنَّمَ.\n\n<span id=\"aya-2062\"></span><span data-type='title' id=toc-5189>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) بعده في م: \"أي\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٣٦، من طريقه ورقاء به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٩ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"المخالفين\".","vol":"14","page":581},{"text":"يقولُ جلَّ ثناؤُه: وقضَى أيضًا ألَّا تقتُلوا، أيُّها الناسُ، النفسَ التي حرَّم اللهُ قتلَها إلا بالحقِّ. وحقُّها أن لا تُقتَلَ إلا بكفرٍ بعد إسلامٍ، أو زنًى بعد إحصانٍ، أو قودٍ بنفس؛ وإن كانت كافرةً لم يتقدَّمْ كفرَها إسلامٌ، فأن لا يكونَ تقدَّم قَتْلَها لها عهدٌ وأمانٌ.\nكما حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: وإنا والله ما نعلَمُ يَحِلُّ (^١) دمُ امرِئٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ؛ إلا رجلًا قتل متعمِّدًا فعليه القَوَدُ، أو زَنَى بعد إحصانِه فعليه الرجمُ، أو كفَر بعد إسلامِه فعليه القتلُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن الزهريِّ، عن عروةَ - [أو غيره] (^٢) قال: قيل لأبي بكرٍ: أتَقتُلُ مَن يرَى ألَّا يُؤَدَّيَ الزكاةَ؟! قال: لو منَعونى شيئًا مما أَقَرُّوا به لرسولِ اللهِ ﷺ لقاتَلْتُم. فقيل لأبي بكرٍ: أليس قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أُمِرتُ أن أُقاتِل الناسَ حتى يَقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ. فإذا قالوها عصَموا منى دماءَهم [وأموالهم] (^٣) إلا بحقِّها، وحسابُهم على اللَّهِ\"؟ فقال أبو بكرٍ: هذا من حقِّها (^٤).\nحدَّثني موسى بنُ سهلٍ، قال: ثنا عمرُو بن هاشمٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حيانَ عن حميدٍ الطويلِ، عن أنسِ بن مالكٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أُمرتُ أن أُقاتِل الناسَ حتى يَقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ. فإذا قالوها عصَموا منى دماءَهم وأموالَهم إلا بحقِّها، وحسابُهم على اللهِ\". قيل: وما حقُّها؟ قال: \"زنًى بعد إحصانٍ، وكفْرٌ\n_________\n(^١) في م: \"بحل\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) أخرجه العدنى في الإيمان ١/ ٨٧ (٢١) من طريق سفيان عن الزهرى قيل لأبي بكر - الحديث، وينظر السلسلة الصحيحة (٤٠٧).","vol":"14","page":582},{"text":"بعدَ إيمانٍ، وقتْلُ نفس فيُقْتَلُ بها\" (^١).\nوقولُه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾. يقولُ: ومَن قُتِل بغيرِ المعاني التي ذكَرنا أنه إذا قُتِل بها كان قَتْلًا بحقٍّ، ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾. يقولُ: فقد جعَلنا لوليِّ المقتولِ ظُلْمًا سلطانًا على قاتلِ وليِّه، فإن شاء استَقاد منه فقَتَله بوليِّه، وإن شاء عفَا عنه، وإن شاء أخَذ الدِّيَةَ.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى السلطانِ الذي جُعِل لوليِّ المقتولِ؛ فقال بعضُهم في ذلك نحوَ الذي قُلْنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5190>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾. قال: بيِّنةً من اللهِ ﷿ أَنزَلها، يَطْلُبُها وليُّ المقتولِ؛ العَقْلَ (^٢) أو القَوَدَ، وذلك السلطانُ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ بن مُزاحِمٍ في قولِه: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾. قال: إن شاء عفَا، وإن شاء أخَذ الدِّية (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣٢٢١) من طريق عمرو بن هاشم به، وقال الطبراني: لم يرو هذا اللفظ الذي في آخر الحديث عن حميد إلا أبو خالد الأحمر، تفرد به عمرو بن هاشم. وأصل الحديث عند البخارى وأبى داود والنسائى والترمذى وأحمد. انظر المسند الجامع ١/ ١٩٠، ١٩١.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بالقتل\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨١ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٩١، والقرطبي في تفسيره ١٠/ ٢٥٥.","vol":"14","page":583},{"text":"وقال آخرون: بل ذلك السلطانُ هو القتلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5191>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾: وهو القَوَدُ الذي جعَله اللهُ تعالى (^١).\nوأولى التأويلين بالصوابِ في ذلك تأويلُ مَن تأوَّل ذلك: أن السلطانَ الذي ذكَر اللهُ تعالى في هذا الموضعِ ما قاله ابن عباسٍ، من أن لوليِّ القتيلِ القتلَ إن شاء، وإن شاء أخَذ الديةَ، وإن شاء العفوَ؛ لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال يومَ فتحِ مكةَ: \"ألا ومَن قُتِل له قتيلٌ فهو بخيرِ النَّظَرَيْن؛ بين أن يَقتُلَ أو يَأخُذَ الدية\" (^٢). وقد بيَّنا الحكمَ في ذلك في كتابِنا \"كتابِ الجِراحِ\".\nوقولُه: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾. اختلَفتِ القرَأَةُ في قراءةِ ذلك، فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (فَلا تُسْرِفْ) بمعنى الخطابِ لرسولِ اللهِ ﷺ (^٣)، والمرادُ به هو والأئمةُ مِن بعدِه. يقولُ: فلا تَقْتُلْ بالمقتولِ ظُلْمًا غيرَ قاتلِه، وذلك أن أهلَ الجاهليةِ كانوا يفعَلون ذلك؛ إذا قتَل رجلٌ رجلًا عمَد وليُّ القتيلِ إلى الشَّريفِ من قبيلةِ القاتلِ فقتَله بوليِّه وترَك القاتلِ، فنهَى اللهُ ﷿ عن ذلك عبادَه، وقال لرسولِه ﵊: قتلُ غيرِ القاتلِ بالمقتولِ معصيةٌ وسَرَفٌ، فلا تَقْتُلْ به غيرَ قاتلِه، وإن قتَلتَ القاتلَ بالمقتولِ فلا تُمَثِّلْ به. وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿فَلَا\n_________\n(^١) ذكره الثعالبي في تفسيره ٢/ ٣٤٠.\n(^٢) أخرجه البخارى (٢٤٣٤، ٦٨٨٠)، ومسلم (١٣٥٥/ ٤٤٧، ٤٤٨)، والترمذى (١٤٠٥)، والنسائي (٤٧٩٩، ٤٨٠٠) من حديث أبي هريرة.\n(^٣) وهى قراءة حمزة والكسائي. الكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٤٦، والحجة ص ٤٠٢، والتيسير في القراءات ص ١١٤.","vol":"14","page":584},{"text":"يُسْرِفْ﴾ بالياءِ (^١)، بمعنى: فلا يُسْرِفْ وليُّ المقتولِ فيَقْتُلَ غيرَ قاتلِ وليِّه. وقد كم قيل: عنَى به: فلا يُسْرِفِ القاتلُ الأولُ، لا وليُّ المقتولِ.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: إنهما قراءتان متقاربتا المعنى؛ وذلك أن خطابَ اللهِ ﵎ نبيِّه ﷺ بأمرٍ أو نهيٍ في أحكامِ الدينِ، قضاءٌ منه بذلك على جميعِ عبادِه، وكذلك أمرُه ونهيُه بعضَهم أمرٌ منه ونهيُ جميعِهم، إلا فيما دلَّ فيه على أنه مخصوصٌ به بعضٌ دونَ بعضٍ، فإذا كان ذلك كذلك بما قد بيَّنا في كتابِنا كتابِ \"البيانِ عن أصولِ الأحكامِ\"، فمعلومٌ أن خطابَه تعالى بقولِه: (فَلا تُسْرِف (^٢) في القَتْلِ) نبيِّه ﷺ، وإن كان موجَّهًا إليه أنه معنيٌّ به جميعُ عبادِه، فكذلك نهيُه وليَّ المقتولِ أو القاتلَ عن الإسرافِ في القتلِ والتعدِّى فيه، نهىٌ لجميعِهم. فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ صوابَ القراءةِ في ذلك.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِهم ذلك نحوَ اختلافِ القرَأةِ في قراءتِهم إيَّاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5192>ذكرُ مَن تأوَّل (^٣) ذلك بمعنى الخطابِ لرسول اللهِ ﷺ </span>-\nحدَّثنا ابن بشار (^٤)، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن طَلْقٍ بن حَبيبٍ في قولِه: ﴿فَلَا يُسْرِفْ (^٥) فِي الْقَتْلِ﴾. قال: لا تَقْتلْ (^٦) غيرَ قاتلِهِ، ولا\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم. وينظر المصادر السابقة.\n(^٢) في ص، ت ١، ت، ٢، ف: \"يسرف\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".\n(^٤) في ص، ت ١ ت: \"بشر\".\n(^٥) في م: \"تسرف\".\n(^٦) في ت ١، وت ٢: \"يقتل\".","vol":"14","page":585},{"text":"تُمثِّلْ (^١) به (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن طَلْقٍ بن حَبيبٍ بنحوِه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن حُصَيْفٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾. قال: لا تَقْتلِ اثنيْن بواحدٍ (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ قال (^٤): كان هذا بمكةَ ونبيُّ اللهِ ﷺ، وهو أولُ شيءٍ نزَل من القرآنِ في شأنِ القتلِ. كان المشركون [من أهلِ مكةِ] (^٥) يَغتالون أصحابَ النبيِّ ﷺ، فقال اللهُ ﵎: مَن قتَلكم من المشركين، فلا يَحْمِلنَّكم قَتْلُه إياكم على أن تَقْتُلوا له أبًا أو أخًا أو أحدًا من عشيرتِه وإن كانوا مشركين، فلا تَقْتُلوا إلا قاتِلكم. وهذا قبلَ أن تَنزِل \"براءةُ\"، وقبلَ أن يُؤمَروا بقتالِ المشركين، فذلك قولُه: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾. يقولُ: لا تَقتُلْ غير قاتلِك، وهى اليومَ على ذلك الموضعِ من المسلمين، لا يَحِلُّ لهم أن يَقتُلوا إلا قاتلَهم (^٦).\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"يمثل\".\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٧٣، وأخرجه البيهقى ٨/ ٢٥ من طريق عبد الرحمن بن مهدى به، وابن أبي شيبة ٩/ ٤٢٣ من طريق منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٧٧ بنحوه، وتفسير الثورى ص ١٧٣ وأخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٢٣، والبيهقى ٨/ ٢٥ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٠، ١٨١ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"14","page":586},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5193>ذكرُ مَن قال: عُنى به وليُّ المقتولِ</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾. قال: كان الرجلُ يُقتل فيقولُ وليُّه: لا أرضَى حتى أقتُلَ به فلانًا وفلانًا من أشرافِ قبيلتِه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾. قال: لا تَقتُلْ غيرَ قاتلِك، ولا تُمثِّلْ به (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾. [قال: لا] (^٣) يَقتُلْ غيرَ قاتلِه؛ مَن قَتَل بحديدةٍ قُتل بحديدةٍ، ومَن قَتَل بخَشَبةٍ قُتِل بخشبةٍ، ومن قتَل بحَجَرٍ قُتِل بحجرٍ. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: \"إن من أعتَى الناسِ على اللهِ جلَّ ثناؤُه ثلاثةً؛ رجلٌ قتَل غيرَ قاتلِه، أو قتَل بذَحْلِ (^٤) الجاهليةِ، أو قتَل في حرمِ الله\" (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال (^٦): سمِعتُه - يعنى ابنَ زيدٍ - يقولُ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾. قال: إن\n_________\n(^١) ذكره ابن الجوزى في زاد المسير ٥/ ٣٣.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٧ عن معمر به\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فلا\".\n(^٤) في م: \"بدخن\". والذحل: الثأر، أو طلب مكافأة بجناية جنيت عليك، أو عداوة أتيت إليك، أو هو العداوة والحقد. القاموس المحيط (ذ ح ل).\n(^٥) عزا قول قتادة السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨١ إلى المصنف وابن أبي حاتم، والجزء المرفوع أخرجه أحمد (٦٦٨١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بنحوه، كما أخرجه في (١٦٣٧٦، ١٦٣٧٨) والبيهقى في ٨/ ٢٦، من حديث أبي شريح الخزاعي بنحوه.\n(^٦) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".","vol":"14","page":587},{"text":"العربَ كانت إذا قُتِل منهم قتيلٌ، لم يَرْضَوْا أن يَقتُلوا قاتلَ صاحبِهم حتى يَقتُلوا أشرفَ مِن الذي قتَله، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾. يَنصُرُه ويَنْتَصِفُ مِن حقِّه، ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾: يَقْتُلْ بريئًا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-5194>ذكرُ مَن قال: عُنِي به القاتل</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللهِ [بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ] (^٢): ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾. قال: لا يُسْرِفِ القاتلُ في القتلِ (^٣).\nوقد ذكَرنا الصوابَ من القراءةِ في ذلك عندَنا، وإنْ (^٤) كان كِلَا وَجْهى القراءةِ عندَنا صوابًا، فكذلك جميعُ أوجهِ تأويلِه التي ذكَرناها غيرُ خارجٍ وجهٌ منها من الصوابِ؛ لاحتمالِ الكلامِ ذلك، وإِنَّ في نهيِ اللهِ جلَّ ثناؤُه بعضَ خلقِه عن الإسرافِ في القتلِ، نهيًا منه جميعَهم عنه.\nوأما قولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في مَن عُنى بالهاءِ التي في قولِه: ﴿إِنَّهُ﴾. وعلامَ هي عائدةٌ، فقال بعضُهم: هي عائدةٌ على وليِّ المقتولِ، وهو المعنيُّ بها، وهو المنصورُ على القاتلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5195>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ٨/ ٢٥ بنحوه.\n(^٢) سقط من ص، ت ١، ت ٢، ف. وانظر تهذيب الكمال ١٥/ ٤٦٨.\n(^٣) تفسير سفيان ص ١٧٢ بمعناه، وذكره القرطبي في تفسيره ١٠/ ٢٥٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨١ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"إذ\"، وفى م: \"وإذا\".","vol":"14","page":588},{"text":"كَانَ مَنْصُورًا﴾. قال: هو دفعُ الإمامِ إليه - يعنى إلى الوليِّ - فإن شاء قتَل، وإن شاء عفا.\nوقال آخرون: بل عُنى بها المقتولُ. فعلى هذا القولِ هي عائدةٌ على \"مَن\" في قوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-5196>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾: إن المقتولَ كان منصورًا (^١).\nوقال آخرون: عُنى بها دمُ المقتولِ. وقالوا: معنى الكلامِ: إن دمَ القتيلِ كان منصورًا على القاتل.\nوأشبهُ ذلك بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: عُنِى بها (^٢) الوليُّ وعليه عادَتْ؛ لأنه هو المظلومُ ووليُّه المقتولِ، وهى إلى ذكرِه أقربُ (^٣) من ذكرِ المقتولِ، وهو المنصورُ أيضًا؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قضَى في كتابه المنَزَّلِ، أن سلَّطه على قاتلِ وليِّه، وحكَّمَه فيه؛ بأن جعَل إليه قتلَه إن شاء، واستبقاءَه على الديةِ إن أحبَّ، والعفوَ عنه إن رأَى، وكفَى بذلك نُصرةً [له من اللهِ] (^٤)، فلذلك قلنا: هو المعنيُّ بالهاءِ التي في قولِه: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه الصفحة السابقة.\n(^٢) في ص، ت ١ ت ٢، ف: \"به\".\n(^٣) في ص، ت ٢، ت ٢، ف: \"أصوب\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"لدين الله\".","vol":"14","page":589},{"text":"<span id=\"aya-2063\"></span><span data-type='title' id=toc-5197>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقضَى أيضًا أن لا تقرَبُوا مالَ اليتيمِ بأكلٍ، إسرافًا وبدَارًا أن يَكْبَروا، ولكن اقرَبُوه بالفَعْلةِ التي هي أحسنُ، والخَلَّةِ التي هي أجملُ، وذلك أن تَتَصَرَّفوا فيه له بالتثميرِ والإصلاحِ والحَيْطةِ.\nوكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ، اشتدَّ ذلك على أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، فكانوا لا يُخالِطُونهم في طعامٍ أو أكلٍ ولا غيرِه، فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. فكانت هذه لهم فيها رُخصةً (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال: كانوا لا يُخالِطُونهم في مالٍ ولا مأكلٍ ولا مَرْكَبٍ، حتى نزَلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (^٢).\nوقال ابن زيدٍ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال: الأكلُ بالمعروفِ، أن تأكُلَ معه إذا احْتَجتَ إليه. كان أَبيٌّ يقولُ ذلك.\nوقولُه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. يقولُ: حتى يَبْلُغَ وقت اشتدادِه في العقلِ، وتدبيرِ مالِه، وصلاحِ حالِه في دينِه. ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾. يقولُ: وأَوْفُوا بالعَقدِ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٣/ ٧٠٠، كما عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨١ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٨٩، ٣٧٧، ٣٧٨ عن معمر به.","vol":"14","page":590},{"text":"الذي تُعاقِدُون الناسَ في الصلحِ بينَ أهلِ الحربِ والإسلامِ، وفيما بينَكم أيضًا، والبيوعِ والأشربةِ والإجاراتِ، وغيرِ ذلك العقودِ؛ ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ يقولُ: إن الله سائلٌ ناقضَ العهدِ عن نقضِه إيَّاه. يقولُ: فلا تَنْقُضُوا العهودَ الجائزةَ بينَكم وبينَ من عاهَدْتُموه أيها الناسُ فَتَخْفِرُوه، وتَغْدِرُوا بَمَن أعطيتُموه ذلك. وإنما عنَى بذلك أن العهدَ كان مطلوبًا؛ يقال في الكلامِ: ليُسْتَلَنَّ فلانٌ عهدَ فلانٍ.\n\n<span id=\"aya-2064\"></span><span data-type='title' id=toc-5199>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقضَى أن أوفوا الكيلَ للناسِ إذا كلتم لهم حقوقَهم قِبَلَكم، ولا تبخَشُوهم، ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [يقولُ: وقضَى أَن زِنُوا أيضًا إذا وزَنتُم لهم بالميزانِ المستقيمِ] (^١)؛ وهو العدلُ الذي لا اعوجاجَ فيه، ولا دَغَلَ (^٢)، ولا خديعةَ.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى القسطاسِ؛ فقال بعضُهم: هو القَبَّانُ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-5198>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عيسى، قال: ثنا الحسنُ بنُ ذكوانَ، عن الحسنِ: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾. قال: القَبَّانُ (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) الدخل: دَخَلٌ في الأمر مفسد. تاج العروس (د غ ل).\n(^٣) القبّان: الميزان ذو الذراع الطويلة المقسَّمة أقسامًا، ينقل عليها جسم ثقيل يسمى الرُّمانة لتعيِّن وزنَ ما يوزن. الوسيط (ق ب ن).\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٩٢، والثعالبي في تفسيره ٢/ ٣٤١.","vol":"14","page":591},{"text":"وقال آخرون: هو العدلُ بالروميةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5200>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليٌّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: القِسطاسُ: العدلُ بالروميةِ (^١).\nوقال آخرون: هو الميزانُ صَغُر أو كَبُر.\nوفيه لغتان: القِسطاسُ بكسر القافِ، والقُسطاسُ بضمِّها، مثل القِرطاسِ والقُرطاسِ. وبالكسرِ يقرَأُ عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ، وبالضمِّ يقرأُ عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ، وقد قرَأ به أيضًا بعضُ قرأةِ الكوفيين (^٢)، وبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ لأنهما لغتان مشهورتان، وقراءتان مستفيضتان في قرَأةِ الأمصارِ.\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. يقولُ: إيفاؤُكم أيها الناسُ مَن تكِيلون له الكيلَ، ووزنُكم بالعدلِ لمَن تُوفون (^٣) له خيرٌ لكم من بَخْسِكم إيَّاهم ذلك، وظُلمِكموهم فيه.\nوقولُه: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. يقولُ: وأحسنُ مَرْدُودًا عليكم، وأولى إليه فيه فِعْلُكم ذلك؛ لأن اللهُ ﵎ يَرْضَى بذلك عليكم، فيُحْسِنُ لكم عليه الجزاءَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٣٦، وتفسير سفيان ص ١٧٣، عن جابر عن مجاهدٍ، ومن طريق سفيان أخرجه ابن أبي شيبة في ١٠/ ٤٧١، ٤٧٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وينظر تغليق التعليق ٥/ ٣٨٢، ٣٨٣.\n(^٢) القراءة بكسر القاف هي قراءة عاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي، والقراءة بضم القاف هي قراءة، نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر شعبة. السبعة ص ٣٨٠، والتيسير ص ١١٤.\n(^٣) في ت ١: \" توزنون\"، وفي ت ٢: \"توتون\".","vol":"14","page":592},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5201>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: خيرٌ ثوابًا وعاقبةٌ. وأُخْبِرْنَا أن (^١) ابن عباسٍ كان يقولُ: يا معشرَ الموالى، إنكم وَلِيتُم أمرين (^٢) بهما هلَك الناسُ قبلكم؛ هذا المكيالَ، وهذا الميزانَ. قال: وذكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"لا يَقدِرُ رجلٌ على حرامٍ ثم يَدَعُه، ليس به إلا مخافةُ اللهِ، إلا أبدَله اللهُ في عاجلِ الدنيا قبلَ الآخرةِ ما هو خيرٌ له من ذلك\" (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. قال: عاقبةً وثوابًا (^٤).\n\n<span id=\"aya-2065\"></span><span data-type='title' id=toc-5203>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ولا تَقُلْ ما ليس لك به علمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5202>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ بن داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. يقولُ: لا تَقُلْ (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، ف.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قبلكم\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٢ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٨ عن معمر به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم، كما في تعليق التعليق ٤/ ٢٤٢، من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في =","vol":"14","page":593},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾: لا تَقُلْ: رأيتُ (^١) ولم تَرَ (^٢)، و: سمِعتُ ولم تَسمَعْ؛ فإن الله سائلُك عن ذلك كلِّه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. قال: لا تَقُلْ: رأيتُ ولم تَرَ، و: سمِعتُ ولم تَسمعْ، و: علمتُ ولم تَعْلَمْ (^٤).\nحُدِّثتُ عن محمدِ بن ربيعةَ، عن إسماعيلَ الأزرقِ، عن أبي عمرِ البزَّارِ، عن ابن الحَنَفِيَّةِ، قال: شهادةُ الزورِ (^٥).\nوقال آخرون: بل معناه: ولا تَرْمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5204>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. يقولُ: لا تَرْمِ أحدًا بما ليس لك به علمٌ (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى\n_________\n= الدر المنثور ٤/ ١٨٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"رأيته\".\n(^٢) في ص، ت ١ ت ٢، ف: \"تره\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٢ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٨٧ عن معمر به، وذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٩٢.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٢٥٨ من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٢ إلى المصنف.","vol":"14","page":594},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾: ولا تَرْمِ (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوهذان التأويلان متقاربا المعنى؛ لأن القولَ بما لا يَعلَمُه القائلُ يدخُلُ فيه شهادةُ الزورِ، ورمىُ الناسِ بالباطلِ، وادعاءُ سماعِ ما لم يَسْمَعْه ورؤيةِ ما لم يَرَهُ. وأَصلُ القَفْوِ: العَضَهُ والبَهْتُ. ومنه قولُ النبيِّ ﷺ: \"نحن بنو النضرِ بن كنانةَ لا نَقْفُو أُمَّنا، ولا نَنْتَفى من أَبِينا\" (^٢). وكان بعضُ البصريين يُنْشِدُ في ذلك بيتًا (^٣).\nوَمِثْلُ الدُّمَى شُمُّ العَرَانِينِ (^٤) ساكنٌ … بهِنَّ الحَيَاءُ لا يُشِعْنَ التَّقافيا\nيعنى بالتقافي: التقاذفُ.\nويُزعم أن معنى قولِه: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾: لا تَتَّبعْ ما لا تعلَمُ ولا يَعْنِيك. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ الكوفةِ يَزْعُمُ أن أصلَه القيافةُ، وهى اتِّباعُ الأثرِ (^٥)، وإذ (^٦) كان كما ذكَروا وجَب أن تكونَ القراءةُ: (وَلا تَقُفْ) (^٧) بضمِّ القافِ وسكونِ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٣٦.\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢١١، ٢١٢ (ميمنية)، وابن ماجه (٢٦١٢) من حديث الأشعث بن قيس.\n(^٣) هو النابغة الجعدى. والبيت في ديوانه (المجموع) ص ١٨٠.\n(^٤) العرانين: جمع عِرنين؛ وهو أول الأنف حيث يكون فيه الشمم. ويقال: هم شم العرنين: أعزة أباة.\nلسان العرب والوسيط (ع ر ن).\n(^٥) معاني القرآن ٢/ ١٢٤.\n(^٦) في ص، ت،١، ت ٢ ف: \"إذا\".\n(^٧) هي قراءة معاذ القارئ البحر المحيط ٦/ ٣٦.","vol":"14","page":595},{"text":"الفاءِ، مثل: ولا تَقُلْ. قال: والعربُ تقولُ: قفوتُ أَثَرَه، وقُفْتُ (^١) أَثَرَه. فتُقَدِّمُ أحيانًا الواوَ على الفاءِ (^٢)، وتُؤَخِّرُها أحيانًا بعدَها، كما قيل: قاعَ الجملُ الناقةَ - إذا ركبها - وقَعَا. وعاث وعَثى. وأنشَد سماعًا من العربِ (^٣):\nولَوْ أنى [رَمَيْتُكَ مِنْ قَرِيبٍ] (^٤) … لعاقَكَ مِنْ دُعاءِ الذِّئْبِ (^٥) عاقِى (^٦)\nيعني: عائقٌ. ونظائرُ هذا كثيرةٌ في كلامِ العربِ.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: لا تَقُلْ للناسِ وفيهم ما لا علمَ لك به، فتَرْمِيهم بالباطلِ، وتَشْهَدَ عليهم بغيرِ الحقِّ، فذلك هو القَفْوُ. وإنما قلنا ذلك أولى الأقوالِ فيه بالصوابِ؛ لأن ذلك هو الغالبُ من استعمالِ العربِ القفوَ فيه.\nوأما قولُه: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. فإن معناه: إن اللَّهَ سائلٌ هذه الأعضاءَ عما قال صاحبُها؛ من أنه سمِع أو أبصَر أو علِم، تَشْهَدُ عليه جوارحُه عند ذلك بالحقِّ.\nوقال: ﴿أُولَئِكَ﴾. ولم يَقُلْ (^٧): \"تلك\". كما قال الشاعرُ (^٨):\nذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى … والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأَيَّامِ (^٩)\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"قفيت\"، وفي ت ٢: \"قفوت\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"القاف\".\n(^٣) البيت في معاني القرآن ٢/ ١٢٤، ولسان العرب (وى ب، ع ن ق، ع وق، ع ق ا).\n(^٤) في معاني القرآن: \"رأيتك من بعيد\".\n(^٥) في معاني القرآن: \"النيب\".\n(^٦) في النسخ: \"عاق\". والمثبت من معاني القرآن ليستقيم الاستشهاد بالبيت.\n(^٧) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"كل\".\n(^٨) هو جرير، والبيت في شرح ديوانه ص ٥٥١.\n(^٩) في شرح الديوان: \"الأقوام\". وهو ما يشعر بعكس مراد المصنف في الاستشهاد بالبيت، وقد جاء البيت على الصواب في المقتضب ١/ ١٨٥، وشرح شواهد شرح الشافية للبغدادي ٤/ ١٦٧. يقول: قال العيني: =","vol":"14","page":596},{"text":"وإنما قيل: أولئك؛ لأن \"أولئك\" و\"هؤلاء\" للجمعِ القليلِ الذي يَقعُ للتذكيرِ والتأنيثِ، و\"هذه\" و\"تلك\" للجمع الكثير، فالتذكير للقليل [من [بابِ إن] (^١)] (^٢) كان (^٣) التذكيرُ في الأسماءِ قبلَ التأنيثِ (^٤) [لك التذكيرُ للجمع الأوَّلِ] (^٥)، والتأنيتُ للجمعِ الثاني، وهو الجمعُ الكثيرُ؛ لأن العربَ تجعَلُ الجمع على مثالِ الأسماءِ.\n\n<span id=\"aya-2066\"></span><span data-type='title' id=toc-5205>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولا تمشِ في الأرضَ مُخْتَالًا مُسْتَكْبِرًا، ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾. يقولُ: إنك لن تَقطَعَ الأرضَ باخْتيالِك، كما قال رُؤْبة (^٦):\n* وقاتِمِ (^٧) الأعماقِ خاوِى المُخْتَرَقْ *\nيعنى بالمُخْتَرَقِ: المُقَطَّعُ.\n﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾. [يقولُ: ولن تساوىَ الجبالَ طُولًا] (^٨) بفخرِك\n_________\n= ويروى \"الأقوام\" بدل \"الأيام\"، وحينئذ لا شاهد فيه، وزعم ابن عطية أن هذه الرواية هي الصواب وأن الطبري غلط إذ أنشد \"الأيام\"، وأن الزجاج تبعه في هذا الغلط.\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) بياض في: ت ٢، وطمس بقدر سبع كلمات في: ف.\n(^٣) في ت ١: \"و\".\n(^٤) بعده في ف جملة غير واضحة حتى قوله: \"لك التذكير … \".\n(^٥) سقط من: ت ١ ف. وفي ص، ت ٢: \"والتأنيث\".\n(^٦) هو صدر بيت عجزه:\n* مُشتبه الأعلامِ لمّاع الخَفَقْ *\nوهو في ديوانه في مجموعة أشعار العرب ص ١٠٤، وينظر الشعر والشعراء ١/ ٦١.\n(^٧) في ت ١، ف: \"قائم\"، وفي ت: \"قام\".\n(^٨) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"14","page":597},{"text":"وكِبْرِك. وإنما هذا نهيٌ من اللَّهِ عبادَه عن الكِبْرِ والفخرِ والخُيَلاءِ، وتَقدَّم منه إليهم فيه معرِّفُهم بذلك أنهم لا يَنالُون بكبرِهم وفِخَارِهم شيئًا يَقْصُرُ عنه غيرُهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5206>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾. يعنى: بكِبْرِك ومرَحِك.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾. قال: لا تَمْشِ في الأرضِ فَخْرًا وَكِبْرًا، فإِن ذلك لا يَبْلُغُ بك الجبالَ، ولا تَخْرِقِ الأَرضَ بكِبْرِك وفَخْرِك (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾. قال: لا تَفْخَرُ.\nوقيل: ولا تمش مرحًا. ولم يقل: مَرِحًا؛ لأنه لم يُرِدْ بالكلام: لا تَكُنْ مرِحًا. فيَجعَلَه من نعتِ الماشِي، وإنما أُرِيدَ: لا تَمْرَحْ فِي الأَرضِ مَرَحًا، ففسَّر بالمَرَحِ (^٢) المعنى المرادَ من قولِه: ﴿وَلَا تَمْشِ﴾، كما قال الراجزُ (^٣):\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٨ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢.\n(^٣) هو رؤبة بن العجاج وهو من الزيادات على ديوانه. مجموعة أشعار العرب ص ١٧٢.","vol":"14","page":598},{"text":"يُعْجِبُهُ السَّخُونُ (^١) والعَصِيدُ (^٢) … والتَّمْرُ حُبًّا ما لَهُ مَزيدُ\nفقال: حُبًّا؛ لأن في قولِه: يُعْجِبُه. معنى يُحِبُّ. فأخرج قوله: حُبًّا. من معناه دونَ لفظِه.\n\n<span id=\"aya-2067\"></span>وقولُه: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾. فإن القرأةَ اختلَفت فيه، فقرَأه بعضُ قرَأةِ المدينةِ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ على الإضافةِ (^٣) بمعنى: كلُّ هذا الذي ذكَرنا من هذه الأمورِ التي عدَّدْنَا من مُبْتدأِ قولِنا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. إلى قولنا: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾. ﴿كَانَ سَيِّئُهُ﴾. يقولُ: سيئُ ما عدَّدْنا عليك عندَ ربِّك مكروهًا. وقال قارئو هذه القراءةِ: إنما قيل: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ﴾ بالإضافة؛ لأن فيما عدَّدْنا من قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. أمورًا، هي أمرٌ بالجميل، كقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. وقولُه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾. وما أشبَه ذلك. قالوا: فليس كلُّ ما فيه نهيًا عن سيئةٍ، بل فيه نهىٌ عن سيئةٍ، وأمرٌ بحسناتٍ، فلذلك قرَأنا: ﴿سَيِّئُهُ﴾.\nوقرأ عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ: (كُلُّ ذلكَ كانَ سَيِّئَةً) (^٤). وقالوا: إنما عَنى بذلك: كلُّ ما عدَّدْنا من قولِنا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾. ولم يَدخُل فيه ما قبلَ ذلك. قالوا: وكلُّ ما عدَّدْنا من ذلك الموضعِ\n_________\n(^١) السَّخُون من المرق: ما يُسخن. لسان العرب (س خ ن).\n(^٢) العصيدة: دقيق يلت بالسمن ويطبخ. لسان العرب (ع ص د).\n(^٣) هي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة ص ٣٨٠، والكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٤٦، ٤٧، والتيسير ص ١١٤.\n(^٤) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. وانظر المصادر السابقة.","vol":"14","page":599},{"text":"إلى هذا الموضع سيئةٌ لا حسنةَ فيه، فالصوابُ قراءتُه بالتنوينِ. ومن قرَأ هذه القراءةَ، فإنه يَنبغِي أن يكونَ من نيتِه أن يكونَ المكروهُ مقدَّمًا على السيئةِ، وأن يكونَ معنى الكلامِ عندَه: كلُّ ذلك كان مكروهًا سيئةً؛ لأنه إن جعل قوله: \"مكروهًا\" بعدَ (^١) السيئةِ من نعتِ السيئةِ، لزِمه أن تكونَ القراءةُ: (كلُّ ذلك كان سيئةً عندَ ربِّك مكروهةً)، وذلك خلافُ ما في مصاحفِ المسلمين.\nوأولى القراءتين عندى في ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ﴾. على إضافةِ السيئ إلى الهاءِ، بمعنى: كلُّ ذلك الذي عدَّدْنَا من ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ … ﴿كَانَ سَيِّئُهُ﴾؛ لأن في ذلك أمورًا منهيًّا عنها، وأمورًا مأمورًا بها، وابتداءُ الوصيةِ والعهدِ من ذلك الموضعِ دونَ قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾. إنما هو عطفٌ على ما تقدَّم من قولِه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ فإذ (^٢) كان ذلك كذلك فقراءتُه بإضافةِ السيئِ إلى الهاء أولى وأحقُّ من قراءتِه (سيئةً) بالتنوينِ، بمعنى السيئةِ الواحدةِ.\nفتأويلُ الكلام إذنْ: كلُّ هذا الذي ذكَرنا لك من الأمورِ التي عدَّدناها عليك كان سيئُه (^٣) مكروهًا عندَ ربِّك يا محمدُ، يكْرَهُه ويَنْهَى عنه ولا يَرْضَاه، فاتَّقِ مواقعتَه والعَمَلَ به.\n\n<span id=\"aya-2068\"></span><span data-type='title' id=toc-5207>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، م: \"نعد\".\n(^٢) في م: \"فإذا\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ف: \"سيئة\".","vol":"14","page":600},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي بيَّنا لك يا محمدُ من الأخلاقِ (^١) التي أمَرناك بجميلِها، ونهيناك عن قبيحها، ﴿مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾. يقولُ: من الحكمةِ التي أوحَيْناها إليك في كتابِنا هذا.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾. قال: القرآنُ.\nوقد بيَّنا معنى الحكمةِ فيما مضَى من كتابِنا هذا، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\n﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾. يقولُ: ولا تجعَلْ مع اللَّهِ شريكًا في عبادتِك، ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾: تَلُومُك نفسُك وعارفوك من الناسِ، ﴿مَدْحُورًا﴾. يقولُ: مُبْعَدًا مَقْصِيًّا في النار، ولكن أَخْلِص العبادةَ للَّهِ الواحدِ القهارِ، فتنجوَ من عذابِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿مَلُومًا مَدْحُورًا﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5208>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ بن داود، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مَلُومًا مَدْحُورًا﴾. يقولُ: مطرودًا (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ف: \"الجميلة\".\n(^٢) تقدم في ٢/ ٥٧٥ - ٥٧٧.\n(^٣) أخرجه البخارى عقب حديث (٣٢٦٧) معلقًا، وذكره الحافظ في التغليق ٣/ ٥١١ عن المصنف، وينظر فتح الباري ٦/ ٣٤٠.","vol":"14","page":601},{"text":"﴿مَلُومًا مَدْحُورًا﴾. قال: ملومًا في عبادةِ اللَّهِ، مدحورًا في النارِ (^١).\n\n<span id=\"aya-2069\"></span><span data-type='title' id=toc-5209>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للذين قالوا من مُشركي العربِ: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ﴾ أيها الناسُ ﴿رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾. يقولُ: أَفَخَصَّكم ربُّكم بالذكورِ من الأولادِ، ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ وأنتم لا تَرْضَوْنَهُنَّ لأنفسِكم، بل تَئِدُونهن، وتَقتُلونهن، فجعَلتُم للَّهِ ما لا تَرْضَوْنه لأنفسِكم، ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء المشركين الذين قالوا من الفِرْيَةِ على اللَّهِ ما ذكَرنا: إنكم أيها الناسُ لتقولون بقيلِكم: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ، قولًا عظيمًا، وتفترون على اللَّهِ فِريةٌ منكم.\nوكان قتادة يقولُ في ذلك، ما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾. قال: قالت اليهودُ: الملائكةُ بناتُ الجنِّ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2070\"></span><span data-type='title' id=toc-5210>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ لهؤلاء المشركين المفترِين على اللَّهِ ﴿فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ العِبَرَ والآياتِ والحججَ، وضرَبنا لهم فيه الأمثالَ، وحذَّرناهم\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٨ عن معمرٍ به.\n(^٢) في م: \"الله\"، وفي ص، ت ١، ف: \"الخير\"، وفي ت ٢: \"الخبر\". والمثبت من مصدر التخريج.\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٨ عن معمر به.","vol":"14","page":602},{"text":"فيه وأنذرناهم ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾. يقولُ: ليتذكَّروا تلك الحججَ عليهم، فيعقِلوا خطأَ ما هم عليه مُقيمونَ، ويَعْتبروا بالعِبَرِ، فيتَّعظُوا بها، ويُنبيوا من جهالتِهم فما يَعتَبرون بها، ولا يتذكَّرون بما يرِدُ عليهم من الآياتِ والنُّذُرِ، وما يزَيدُهم تذكيرُنا إيَّاهم ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾. يقولُ: إِلا ذَهَابًا عن الحقِّ، وبُعدًا مِنه وهَرَبًا.\nوالنُّفورُ في هذا الموضعِ مصدرٌ من قولِهم: نفَر فلانٌ من هذا الأمرِ ينفِرُ منه نفْرًا ونُفُورًا.\n\n<span id=\"aya-2071\"></span><span data-type='title' id=toc-5211>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّهِ محمدٍ ﷺ: قُل يا محمدُ لهؤلاء المشركينَ الذين جعَلوا مع اللَّهِ إلهًا آخرَ: لو كان الأمرُ كما تقولون، من أنَّ معه آلهةً، وليس ذلك كما تقولون، إذنْ لابتغتْ تلك الآلهةُ القرْبةَ من اللَّهِ ذى العرشِ العظيمِ، والتمسَت الزُّلْفَةَ إليه، والمرتبةَ منه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾. يقولُ: لو كان معه آلهةٌ إذنْ لعرَفُوا له فضلَه ومرتبتَه ومنزلتَه عليهم، فابتغَوا ما يقرِّبُهم إليهِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾. قال: لابتغَوا القُربَ إليه، مع أنَّه ليس كما يقولون (^٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٨ عن معمر به.","vol":"14","page":603},{"text":"<span id=\"aya-2072\"></span><span data-type='title' id=toc-5212>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾.</span>\nوهذا تنزيهٌ منَ اللَّهِ تعالى ذكرُه نفسَه عما وصَفه به المشركون، الجاعِلون معه آلهةً غيرَه، المُضيفون إليه البناتِ، فقال: تنزيهًا للَّهِ وعلوًّا له عما تقولون (^١)، أيُّها القومُ، عليه من الفِريةِ والكذِبِ، فإنَّ ما تُضيفون إليه من هذه الأمورِ ليس من صفتِه، ولا ينبغى أن يكونَ له صفةً.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾: يُسبِّحُ نفسه إذ قيلَ عليه البهتانُ:\nوقال تعالى: ﴿عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا﴾. ولم يقُلْ: تعاليًا، كما قال: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]. كما قال الشاعرُ (^٢):\nأنْتَ الفِداءُ لكَعْبةٍ هَدَّمْتَها … ونَقَرْتَها بِيَدَيْكَ كُلَّ مُنَقَّرِ\nمُنِعَ الحَمامُ مَقيلَهُ مِن سَقفِها … ومِن الحَطيم فَطارَ كُلَّ مُطَيَّرِ\n\n<span id=\"aya-2073\"></span>وقولُه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾. يقولُ: تُنزِّهُ اللَّهَ أَيُّها المشركون عمَّا وصَفْتُموه به إعظامًا له وإجلالًا - السمواتُ السبعُ والأرضُ ومَن فيهنَّ؛ من المؤمنين به من الملائكةِ والإنس والجنِّ، وأنتم مع إنعامِه عليكم وجميلِ أياديه عندَكم تَفتَرون عليه بما تفترون.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"يقولون\".\n(^٢) ذكرهما ابن جنى في المحتسب بدون نسبة؛ الأول في ١/ ٨١، ١٩٤، ٣٠١، وذكر من الثاني عبارة: فطار كل مطير في ١/ ٨٢، ٢/ ٦.","vol":"14","page":604},{"text":"وقولُه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وما مِن شيءٍ مِن خلقِه إلا يُسبحُ بحمدِه.\nكما حدَّثني به نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ يعلَى، عن موسى بن عُبيدةَ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"ألا أُخبِرُكُم بشيءٍ أمَر به نُوحٌ ابنه؟ إِنَّ نُوحًا قال لابنِه: يا بُنَيَّ آمُرُكَ أَنْ تَقَولَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبحمدِه؛ فإنَّها صلاةُ الخلْقِ، وتَسبيحُ الخلْقِ، وبها يُرزَقُ الخلْقُ، قال الله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ \" (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عيسى بنُ عبيدٍ (^٢)، قال: سمِعتُ عكرمةَ، يقولُ: لا يَعِيبنَّ أحدُكم دابَّتَه ولا ثوبَه؛ فَإِنَّ كُلَّ شَيءٍ يُسبِّحُ بحمدِه (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾. قال: الشجرةُ تُسبِّح، والأُسْطوانةُ (^٤) تُسبِّحُ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٢٣٧) من طريق محمد بن يعلى به، وأخرجه عبد بن حميد (١١٤٩)، وابن حبان في المجروحين ٢/ ٢٣٥، وابن عساكر في تاريخه ١٧/ ٦٧٢ (مخطوط) من طريق موسى بن عبيدة به ضمن حديث مطول، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٣ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"حميد\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٦٣٤.\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في الهواتف (١٤٥) من طريق أبي تميلة يحيى بن واضح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٤ إلى سعيد بن منصور وابن أبي حاتم.\n(^٤) الأسطوانة: السارية.\n(^٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في الهواتف (١٤٥) من طريق يحيى بن واضح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٤ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"14","page":605},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ وزيدُ بنُ حبابٍ، قالا: ثنا حُديرٌ (^١) أبو الخطابِ، قال: كنا مع يزيدَ الرَّقاشيِّ ومعه الحسنُ في طعامٍ، فقدّموا الخِوانَ، فقال يزيدُ الرَّقاشيُّ: يا أبا سعيدٍ، يُسبِّحُ هذا الخوانُ؟ فقال: كان يُسبِّحُ مرَّةً (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ، ويونسُ، عن الحسنِ أنَّهما قالا في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾. قالا: كلُّ شيءٍ فيه الروحُ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الكبيرِ بنُ عبدِ المجيدِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: الطعامُ يُسبِّحُ (^٤).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾. قال: كلُّ شيءٍ فيه الروحُ يُسَبِّحُ؛ من شجرةٍ (^٥) أو شيءٍ فيه الروحُ (^٦).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، قتادةَ، عن عبد عبدِ اللَّهِ بن بابي (^٧)، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو: أن الرجلَ إذا قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ. فهي كلمةُ الإخلاصِ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ف ومصدرى التخريج: \"جرير\". وينظر المقتني في سرد الكنى ١/ ٢١٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الهواتف (١٤٣) من طريق أبي تميلة يحيى بن واضح وحده به، وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٧٨.\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٢٢٩) من طريق هشيم به، وليس فيه ذكر الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٥ إلى أبى الشيخ عن الحسنِ وحده، وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٧٨.\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في الهواتف (١٣٧) من طريق عبد الكبير بن عبد المجيد به، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٢٠٧) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) في م: \"شجر\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٩ عن معمرٍ به.\n(^٧) في م، ص، ت ١، ف: \"أبى\"، وفي ت ٢: \"أبى عدى\". وهو تحريف. والمثبت من تهذيب الكمال ١٤/ ٣٢٠.","vol":"14","page":606},{"text":"التي لا يَقْبَلُ اللَّهُ من أحدٍ عملًا حتى يقولَها، فإذا قال: الحمدُ للَّهِ. فهي كلمةُ الشكرِ، التي لم يَشْكُرِ اللَّهَ عبدٌ قطُّ حتى يقولَها، فإذا قال: اللَّهُ أكبرُ. فهى تملأُ ما بينَ السماءِ والأرضِ، فإذا قال: سبحانَ اللَّهِ. فهى صلاةُ الخلائقِ التي لم يَدْعُ اللَّهُ أحدًا من خلقِه إلا قرَّره (^١) بالصلاةِ والتسبيحِ، فإذا قال: لا حولَ ولا قوةَ إلا باللَّه. قال: أسلَم عبدى واستسلَم (^٢).\nوقولُه: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولكن لا تفقَهون تسبيحَ ما عدا تسبيحَ مَن كان يُسبَّحُ بمثلِ ألسنتِكم. ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ يقولُ: إن اللَّهَ كان حليمًا، لا يَعْجَلُ على خلقِه الذين يخالفون أمرَه ويكفُرون به، ولولا ذلك لعاجَل هؤلاء المشركين الذين يدْعُون معه الآلهةَ والأندادَ بالعقوبةِ. ﴿غَفُورًا﴾ يقولُ: ساترًا عليهم ذنوبَهم، إذا هم تابوا منها بالعفو منه لهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾: عن خلقِه، فلا يَعْجَلُ كعجلةِ بعضِهم على بعضٍ، ﴿غَفُورًا﴾ لهم إذا تابوا (^٣).\n\n<span id=\"aya-2074\"></span><span data-type='title' id=toc-5213>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قرأتَ يا محمدُ القرآنَ على هؤلاء المشركين الذين لا\n_________\n(^١) في م: \"نوره\"، وفي ت ١: \"أمره\". وقرره بالصلاة والتسبيح: جعله يُقِرّ بهما ويعترف.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٦٠٢)، والخطيب في الموضح ١/ ٣٠٢ من طريق سعيد به، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٩/ ١٧ من طريق قتادة به، وأخرجه معمر في جامعه (٢٠٥٧٩) عن قتادة أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال … فذكره، كما ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٧٦.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":607},{"text":"يُصَدِّقون بالبعثِ، ولا يُقرِّون بالثوابِ والعقابِ، جعَلنا بينَك وبينَهم حجابًا، يَحجُبُ قلوبهم عن أن يَفْهَموا ما تقرؤُه عليهم؛ فينتفِعوا به، عقوبةً منا لهم على كفرِهم. والحجابُ ههنا هو الساترُ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾: الحجابُ المستورُ أكنَّةٌ على قلوبِهم أن يَفْقَهوه وأن ينتفعوا به، أطاعوا الشيطانَ فاستحوَذ عليهم (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾. قال: هي الأكنَّةُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾. قال: قال أبي: لا يَفقَهونه، وقرأ: [﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ] (^٣) وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. فهم لا يَخْلُصُ ذلك إليهم.\nوكان بعضُ نحوييِّ أهل البصرة يقولُ: معنى قولِه: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾: حِجابًا ساترًا، ولكنه أُخرِج وهو فاعلٌ في لفظِ المفعولِ، كما يقالُ: إنك مشئومٌ علينا وميمونٌ. وإنما هو شائمٌ ويامنٌ؛ لأنه مِن شأَمهم ويَمَنَهم. قال: والحجابُ ههنا هو الساترُ. وقال: ﴿مَسْتُورًا﴾.\nوكان غيرُه من أهلِ العربيةِ يقولُ: معنى ذلك: حجابًا مستورًا عن العبادِ فلا يرونه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٩ عن معمر به.\n(^٣) في النسخ: \"قلوبهم في أكنة\". والصواب ما أثبتناه.","vol":"14","page":608},{"text":"وهذا القولُ الثاني أظهرُ بمعنى الكلامِ، أن يكونَ المستورُ هو الحجابَ، فيكونُ معناه: أنَّ اللَّهَ ستَره عن أبصارِ الناس فلا تُدْرِكُه أبصارُهم. وإن كان للقولِ الأوّلِ وجهٌ مفهومٌ.\n\n<span id=\"aya-2075\"></span><span data-type='title' id=toc-5215>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلنا على قلوب هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرةِ عند قراءتِك عليهم القرآنَ أكنَّةً. وهى جمعُ كَنانٍ، وذلك ما يتغشَّاها من خِذْلانِ اللَّهِ إيَّاها (^١) عن فَهمِ ما يُتْلَى عليهم، ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ يقولُ: وجَعَلنا في آذانِهم وقرًا عن سماعِه، وصممًا، والوَقرُ بالفتحِ، في الأذنِ: الثِّقَلُ، والوِقرُ بالكسرِ من الحِمْلِ.\nوقولُه: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾. يقولُ: وإذا قلتَ: لا إلهَ إلا اللَّهُ في القرآنِ وأنت تتلوه، ﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾. يقولُ: انفضُّوا، فذهَبوا عنك نفورًا من قولِك ذلك، استكبارًا له واستعظامًا من أن تُوحِّدَ اللَّهَ تعالى ذكرُه.\nوبما قلنا في ذلك قال بعضُ أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5214>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا﴾. وإن المسلمين لما قالوا: لا إلهَ إلا اللَّهُ. أنكَر ذلك المشركون وكبُرت عليهم، فضاقَها إبليسُ وجنودُه، فأبَى اللَّهُ إلا أن يُمضِيَها ويَنْصُرَها ويُفْلِجَها\n_________\n(^١) في م: \"إياهم\".","vol":"14","page":609},{"text":"ويُظْهِرَها على من ناوَأَها، إنها كلمةٌ من خاصَم بها فَلَج، ومن قاتَل بها نُصِر، إنما يَعرِفُها أهلُ هذه الجزيرةِ من المسلمين، التي يَقْطَعُها الراكبُ في ليالٍ قلائلَ، ويسيرُ الدهرَ في فِئام من الناسِ لا يَعرِفُونها ولا يُقِرُّون بها (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾. قال: بغضًا لما تكلَّم به، لئلا يسمَعوه، كما كان قومُ نوحٍ يجعَلون أصابعَهم في آذانِهم لئلا يسمَعوا ما يأمرُهم به من الاستغفارِ والتوبةِ، ويَسْتغشُون ثيابَهم. قال: يَلْتَفُّون بثيابِهم، ويجعَلون أصابعَهم في آذانِهم لئلا يسمَعوا ولا يُنظر إليهم (^٢).\nوقال آخرون: إنما عُنِى بقوله: ﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾. الشياطينُ، وإنها تَهرُبُ من قراءةِ القرآنِ وذكرِ اللَّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5216>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحسينُ بنُ محمدٍ الذَّارعُ، قال: ثنا روحُ بنُ المسيبِ أبو رجاءٍ الكُليبيُّ (^٣)، قال: ثنا عمرُو بنُ مالكٍ، عن أبي الجوزاءِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾: هم الشياطينُ (^٤).\nوالقولُ الذي قلنا في ذلك أشبهُ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ، وذلك أن اللَّهَ تعالى\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٨٠ عن قتادة.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) في النسخ: \"الكلبي\". وهو تصحيف. والمثبت من التاريخ الكبير ٣/ ٣٠٩، والجرح والتعديل ٣/ ٤٩٦، والأنساب ٥/ ٩١.\n(^٤) أخرجه الطبراني (١٢٨٠٢) من طريق روح بن المسيب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٧ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه، نقله ابن كثيرٍ في تفسيره ٥/ ٨٠ عن المصنف.","vol":"14","page":610},{"text":"ذكرُه أتْبَع ذلك قولَه: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾. فأن يكونَ ذلك خبرًا عنهم أولى، إذ كان بخبرِهم متصلًا، من أن يكونَ خبرًا عمن لم يَجرِ له ذكرٌ.\nوأما النفورُ، فإنها جمعُ نافرٍ، كما القُعودُ جمعُ قاعدٍ، والجُلُوسُ جمعُ جالسٍ، وجائزٌ أن يكونَ مصدرًا أُخرِج من غيرِ لفظِه؛ إذ كان قولُه: ﴿وَلَّوْا﴾. بمعنى: نفَروا، فيكونَ معنى الكلامِ: نفَروا نُفورًا، كما قال امرؤُ القيسِ (^١):\n* وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أَيَّ إِذْلالِ *\nإذ كان \"رُضْتُ\" بمعنى: أذللْتُ، فَأُخْرِج الإذلالُ من معناه، لا من لفظِه.\n\n<span id=\"aya-2076\"></span><span data-type='title' id=toc-5217>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: نحن أعلمُ يا محمدُ بما يستمِعُ به هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرةِ من مشركي قومِك، إذ يستمعون إليك وأنتَ تقرَأُ كتابَ اللَّهِ، ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾.\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ يقولُ: النجوَى فِعْلُهم، فجعَلهم هم النجوى، كما يقولُ: هم قومٌ رضًا، وإنما رضًا فِعْلُهم.\nوقولُه: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾. يقولُ: حينَ يقولُ المشركون باللَّهِ: ما تَتَّبِعون إلا رجلًا مسحورًا.\nوعُنِى، فيما ذكَر، بالنجوى الذين تَشاوَروا في أمرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ في دارِ النَّدوةِ\n_________\n(^١) ديوانه ص ٣٢، وهو عجز بيت صدره: وصِرْنا إلى الحسنى ورقَّ كلامُنا.","vol":"14","page":611},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5218>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾. قال: هي مِثْلُ قيلِ الوليدِ بن المُغيرةِ ومَن معه في دارِ الندوةِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ﴾ الآية: ونجواهم أن زعَمُوا أنه مجنونٌ، وأنه ساحرٌ، وقالوا: أساطيرُ الأوَّلين (^٢).\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ (^٣) يذهبُ بقولِه: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ له إلى معنى: ما تَتَّبِعُون إلا رجلًا له سَحْرٌ؛ أي له رِئَةٌ، والعربُ تُسَمِّي الرئةَ سَحْرًا، والسَّحْرُ من قولِهم للرجل إذا جبُن: قد انتفَخ سَحْرُه. وكذلك يقالُ: لكلِّ ما أكَل أو شرِب من آدميٍّ وغيره: مسحورٌ، ومُسَحَّرٌ. كما قال لبيدٌ (^٤):\nفإن تَسْأَلِينا فِيمَ نَحْنُ فإنَّنا … عَصَافِيرُ مِنْ هَذَا الأَنامِ المُسَحَّرِ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٣٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٠/ ٢٧٢ عن قتادة.\n(^٣) هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٣٨١.\n(^٤) ديوانه ص ٥٦.","vol":"14","page":612},{"text":"وقال (^١):\n* ونُسْحَرُ بالطعامِ وبالشرابِ *\nأي: نغَذَّى بهما، فكأن معناه عنده كان: إن تَتَّبِعون إلا رجلًا له رِئَةٌ، يأكلُ الطعامَ، ويشرَبُ الشَّراب، لا مَلَكا لا حاجةَ به إلى الطعامِ والشرابِ. والذي قال من ذلك غيرُ بعيدٍ من الصوابِ.\n\n<span id=\"aya-2077\"></span><span data-type='title' id=toc-5219>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: انظُر يا محمدُ بعينِ قلبِك فاعتبِرْ كيفَ مثَّلوا لك الأمثالَ، وشبَّهوا لك الأشباهَ، بقولِهم: هو مسحورٌ، وهو شاعرٌ، وهو مجنونٌ. ﴿فَضَلُّوا﴾. يقولُ: فجاروا عن قصدِ السبيلِ بقيلِهم ما قالوا، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾. يقولُ: فلا يَهْتَدون لطريقِ الحقِّ لضلالِهم عنه وبُعدِهم منه، وأن الله قد خذَلهم عن إصابتِه، فهم لا يَقْدِرون على المَخْرَجِ مما هم فيه من كفرهم بربِّهم (^٢) إلى الإيمانِ به.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾. قال: مخرجًا، الوليدُ بنُ المغيرةِ وأصحابُه أيضًا (^٣).\n_________\n(^١) في النسخ: \"وقال آخرون\"، والمثبت من مجاز القرآن. وهو عجز بيت لامرئ القيس في ديوانه ص ٩٧ وصدره: أرانا موضعين لأمرِ غَيبٍ.\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"موفهم\"، وفى م: \"بتوفقهم\"، وفى ت ١: \"وتوفيقهم\". وكل هذا تحريف والمثبت هو الصواب.\n(^٣) تفسير مجاهد (٤٣٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":613},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾: مخرجًا، الوليدُ بنُ المغيرةِ وأصحابُه.\n\n<span id=\"aya-2078\"></span><span data-type='title' id=toc-5220>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرةِ من مشركي قريشٍ، وقالوا بعنَتِهم (^١): ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾ لم نَتَحَطَّمْ ولم نَتَكَسَّرُ بعدَ مماتنِا وبِلانا، ﴿وَرُفَاتًا﴾. يعنى ترابًا في قُبورِنا.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: يقولُ اللهُ: ﴿وَرُفَاتًا﴾. قال: ترابًا (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني عليٌّ (^٣)، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾. يقولُ: غبارًا (^٤).\n_________\n(^١) العنت هنا: الجور. وينظر التاج \"ع ن ت\".\n(^٢) تفسير مجاهد ٤٣٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) بياض في ص، ت ١، ف، وفى ت ١: \"أبو صالح\". وفى م: \"المثنى\"، والمثبت هو الصواب، وقد رجحنا أنه على بن داود وذلك أن إسناد المثنى وإن كان أكثر دورانا فيما سبق فإنه قد انقطع وصار ابن جرير يروي آثار عبد الله بن صالح عن علي لا المثنى، والله أعلم بالصواب.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٧ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم، وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٨٢.","vol":"14","page":614},{"text":"ولا واحد للرُّفاتِ، وهو بمنزلةِ الدُّقاقِ والحُطَامِ. يقال منه: رُفِتَ يُرْفَتُ رَفْتًا فهو مرفوتٌ؛ إذا صُيِّر كالحُطامِ والرُّضَاضِ.\nوقولُه: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾. قالوا إنكارًا منهم للبعثِ بعدَ الموتِ: إنَّا لمبعوثون بعدَ مصيرِنا في القبورِ عظامًا غيرَ مُنحَطِمَةٍ ورفاتًا مُنْحَطِمَةً، وقد بَلينا فصِرْنا فيها ترابًا - خلقًا مُنْشَأً، كما كُنَّا قبلَ المماتِ، جديدًا؛ نُعادُ كما بُدِئْنَا؟ فأَجَابَهم ﷻ مُعرِّفَهم قُدرتَه على بعثه إياهم بعدَ مماتِهم، وإنشائِه لهم كما كانوا قبلَ بِلاهم خلقًا جديدًا، على أيِّ حالٍ كانوا من الأحوال، عظامًا أو رفاتًا أو حجارةً أو حديدًا، أو غيرَ ذلك مما يَعْظُمُ عندهم أن يُحْدِثَ مِثْلَه خَلْقًا أمثالَهم أحياءً. ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾.\n\n<span id=\"aya-2079\"></span><span data-type='title' id=toc-5221>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ للمكذّبين بالبعثِ بعدَ المماتِ من قومِك القائلين: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾: كونوا - إن عجِبتُم من إنشاءِ اللهِ إياكم، وإعادتِه أجسامَكم، خلقًا جديدًا بعد بِلاكم في الترابِ، ومصيركم رفاتًا، وأنكَرتُم ذلك من قُدرتِه - ﴿حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ إن قدرتُم على ذلك، فإني أُحْيِيكم وأبعَثُكم خلقًا جديدًا بعد مصيرِكم كذلك كما بدأتُكم أولَ مرةٍ.\n\n<span id=\"aya-2080\"></span>واختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقوله: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى به الموتُ، وأُرِيد به: أو كونوا الموتَ، فإنكم إن","vol":"14","page":615},{"text":"كُنْتُموه أَمَتُّكم ثم بَعَثْتُكم بعد ذلك يومَ البعثِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5222>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ، عن ابن عمرَ: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾. قال: الموتُ، قال: لو كنتمُ موتَى لأحْيَيْتُكم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾. يعنى الموتَ. يقولُ: إن كنتُم الموتَ أَحْيَيْتُكم (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربِيُّ، قال: ثنا أبو مالكٍ الجَنْبيُّ، قال: ثنا ابن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾. قال: الموتُ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا سليمانُ أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾. قال: الموتُ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٢٦ عن ابن إدريس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٧ إلى عبد الله ابن أحمد في زوائد الزهد، وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٦٢ من طريق ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس، وهو في سيرة ابن هشام ١/ ٣١٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٧ إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٨٢ عن أبي صالح.\n(^٤) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤٦١) من طريق آخر عن الحسن.","vol":"14","page":616},{"text":"سعيدُ بنُ جبيرٍ في قوله: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾: كونوا الموتَ إن استَطَعْتُم؛ فإن الموتَ سيموتُ. قال: وليس شيءٌ أكبرَ في نفسِ ابن آدمَ من الموتِ (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: بلَغنى عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: هو الموتُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بن عمر، أنه كان يقولُ: يُجاءُ بالموتِ يوم القيامةِ كأنه كبشٌ أملحُ حتى يُجعَلَ بينَ الجنةِ والنارِ، فيُنادى منادى (^٣) يُسْمِعُ أهلَ الجنةِ وأهلَ النارِ، فيقولُ: هذا الموتُ قد جِئْنا به ونحن مهلكوه، فأيْقِنُوا يا أهلَ الجنةِ وأهلَ النارِ أن الموتَ قد هلَك (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بن سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾: يعنى الموتَ، يقولُ: لو كنتُم الموتَ لأمتُّكم (^٥).\nوكان عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بن العاصِ يقولُ: إن الله يَجِيءُ بالموتِ يومَ القيامةِ، وقد صار أهلُ الجنةِ وأهلُ النارِ إلى منازلِهم، كأنه كبشٌ أملحُ، فيقفُ بينَ الجنةِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٧ إلى المصنف وعبد الله بن أحمد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٩ عن معمر قال بلغني عن سعيد بن جبير، وليس فيه ذكر قتادة، وأخرجه البغوي في الجعديات (٢٢٣٠) من طريق سالم عن سعيد بن جبير.\n(^٣) في م، ومصادر التخريج: \"مناد\". والمثبت وجه.\n(^٤) أخرجه أحمد ١٠/ ١٩٨ (٥٩٩٣)، والبخارى (٦٥٤٨)، ومسلم (٢٨٥٠/ ٤٣) وغيرهم من طريق عمر بن محمد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر مرفوعا.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٨٢ عن الضحاك.","vol":"14","page":617},{"text":"والنارِ، فيُنادَى أهلُ الجنةِ وأهلُ النارِ: هذا الموتُ، ونحن ذابحوه، فأَيْقِنُوا بالخلودِ.\nوقال آخرون: عُنى بذلك السماءُ والأرضُ والجبالُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5223>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾. قال: السماءُ والأرضُ والجبالُ (^١).\nوقال آخرون: بل أُرِيد بذلك: كونوا ما شِئْتُم.\n\n<span data-type='title' id=toc-5224>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾. قال: ما شئتُم فكونوا، فَسَيُعِيدُكم اللهُ كما كنتُم (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾. قال: مِن خَلْقِ اللهِ، فإن الله يُميتُكم ثم يَبْعَثُكم يومَ القيامةِ خَلْقًا جديدًا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٩ عن معمر عن مجاهد، وذكره القرطبي في تفسيره ١٠/ ٢٧٤، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٨٢.\n(^٢) تفسير مجاهد ٤٣٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٠/ ٢٧٤ عن قتادة.","vol":"14","page":618},{"text":"وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يُقال: إن الله تعالى ذكرُه قال: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾. وجائزٌ أن يكونَ عَنى به الموتَ؛ لأنه عظيمٌ في صدورِ بني آدمَ، وجائزٌ أن يكونَ أراد به السماءَ والأرضَ، وجائزٌ أن يكونَ أراد به غيرَ ذلك، ولا بيانَ في ذلك أبينُ مما بَيَّنَ جلَّ ثناؤُه، وهو كلُّ ما كَبُر في صدورِ بنى آدمَ مِن خَلْقِه؛ لأنه لم يَخْصُصْ منه شيئًا دونَ شيءٍ.\nوأما قولُه: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾. فإنه يقولُ: فسيقولُ لك يا محمدُ هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرةِ: ﴿مَنْ يُعِيدُنَا﴾ خلقًا جديدًا، إن كُنَّا حجارةً أو حديدًا أو خلقًا مما يَكْبُرُ في صدورِنا؟! فقل لهم: يُعِيدُكم ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. يقولُ: يُعيدُكم كما كنتُم قبلَ أن تَصِيروا حجارةً أو حديدًا إنسًا أحياءً، الذي خلَقكم إنسًا من غيرِ شيءٍ أولَ مرةٍ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. أي: خَلَقَكُم (^١).\n\nوقولُه: (^٢) ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾. يقولُ: فإنك إذا قلتَ لهم ذلك، فسيَهزُّون إليك رءوسَهم برفعٍ وخفضٍ.\nوكذلك النَّغْضُ في كلامِ العربِ، إنما هو حركةٌ بارتفاعٍ ثم انخفاضٍ، أو انخفاضٍ ثم ارتفاعٍ، ولذلك سُمِّيَ الظليمُ نَغْضًا؛ لأنه إذا عَجَّل المشيَ ارتفَع وانخفَض وحرَّك رأسَه، كما قال الشاعرُ (^٣):\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٢/ ٤٤٣.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) هو العجاج بن رؤبة، ديوانه ص ٣٥٠.","vol":"14","page":619},{"text":"أسكَّ (^١) نَغْضًا لا يَنِي مُسْتَهْدِجا (^٢)\nويقال: نَغَضَتْ سِنُّه: إذا تحرَّكتْ وارتفَعتْ من أصلِها، ومنه قولُ الراجزِ (^٣):\nونَغَضَتْ مِنْ هَرَمٍ أَسْنانُها\nوقولُ الآخرِ (^٣):\nلما رأتْنِي أنْغَضَتْ لىَ الرأسا\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5225>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾: أي: يُحرِّكون رءوسَهم تكذيبًا واستهزاءً.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾. قال: يُحرِّكون رءوسَهم (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾. يقولُ: سيُحرِّكونها إليك استهزاءً (^٥).\n_________\n(^١) في الديوان: \"أصك\".\n(^٢) مستهدجا: مستعجلًا.\n(^٣) مجاز القرآن ١/ ٣٨٢. وتفسير القرطبي ١٠/ ٢٧٥.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٩ عن معمر به.\n(^٥) عزاه الحافظ في الفتح ٨/ ٣٨٨ إلى المصنف، كما عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٧ إلى ابن المنذر.","vol":"14","page":620},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾. قال: يُحرِّكون رءوسَهم يَستهزِءُون ويقولون: متى هو؟! (^١)\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾. يقولُ: يَهزُّون (^٢).\nوقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويقولون: متى البعثٌ، وفى أيِّ حالٍ ووقتٍ يُعيدُنا خلقًا جديدًا، كما كنا أوَّلَ مرةٍ؟! قال اللهُ تعالى لنبيِّه: قلْ لهم يا محمدُ إذا قالوا لك: متى هو؟! متى هذا البعثُ الذي تَعِدُنا؟ ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾. وإنما معناه: هو قريبٌ؛ لأنَّ \"عسى\" من اللهِ واجبٌ، ولذلك قال النبيُّ ﷺ: \"بُعِثْتُ أنا والسَّاعَةَ كَهاتين\". وأشارَ بالسَّبابة والوسطى (^٣). لأنَّ الله كان قد أعلمه أنَّه قريبٌ (^٤).\n\n<span id=\"aya-2081\"></span><span data-type='title' id=toc-5226>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢) وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قُل عسى أن يكونَ بعثُكم أيُّها المشركونَ قريبًا، ذلك يومَ يدعوكم ربُّكم بالخروجِ من قبورِكم إلى موقف القيامةِ، فتستجيبون بحمدِه\n_________\n(^١) عزاه الحافظ في الفتح ٨/ ٣٨٨ إلى المصنف.\n(^٢) في م: \"يهزءون\"، والأثر أخرجه ابن أبي حاتم كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٣٨ من طريق عبد الله صالح به.\n(^٣) أخرجه البخارى (٦٥٠٤)، ومسلم (٢٩٥١) من حديث أنس بن مالك.\n(^٤) بعده في النسخ: \"مجيب\". وهو سبق قلم من الناسخ.","vol":"14","page":621},{"text":"واختلفَ أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: فتستجيبون بأمرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5227>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنى عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾. يقولُ: بأمرِه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾. قال: بأمرِه (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: فتستجيبون بمعرفتِه وطاعتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5228>ذكرُ من قال ذلك</span>\nوقال آخرون: معنى ذلك: فتستجيبون بمعرفتِه وطاعتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5229>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾: أي: بمعرفتِه وطاعتِه (^٣).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقال: معناه: فتستجيبون للهِ من قبورِكم بقدرتِه، ودعائِه إيَّاكم، وللهِ الحمدُ في كلِّ حالٍ، كما يقولُ القائلُ: فعلتُ ذلك\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٨٣ عن ابن جريج.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم مطولا وستأتي بقيته في الصفحة القادمة.","vol":"14","page":622},{"text":"الفعلَ بحمدِ اللهِ. يعنى: وللهِ الحمدُ على كلِّ [ما فعلتُه] (^١)، وكما قال الشاعرُ (^٢):\nفإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فَاجِرٍ … لَبِسْتُ وَلا مِن غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ\nبمعنى: فإنِّي والحمدُ للهِ لا ثوبَ فاجرٍ لبِستُ.\n\nوقولُه: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ: وتحسبون عندَ مُوافاتِكم القيامةَ من هَوْلِ ما تُعاينون فيها، ما لبِثتُم في الأرضِ إِلَّا قليلًا، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢، ١١٣].\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5230>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي: في الدنيا، تحاقَرَت الدنيا (^٣) في أنفسِهم وقلَّت حين عاينوا يومَ القيامة (^٤).\n\n<span id=\"aya-2082\"></span>وقولُه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وقُلْ يا محمد لعبادِى يَقُلْ بعضُهم لبعضٍ التي هي أحْسنُ من المحاورةِ والمخاطبةِ.\nكما حدَّثنا خلَّادُ بن أسلم، قال: ثنا النضرُ، قال: أخبَرنا المباركُ، عن الحسنِ\n_________\n(^١) في ص: \"فعليه\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"فعلته\".\n(^٢) نسب في اللسان (ط هـ ر) لغيلان مبهمًا، وليس في ديوان ذى الرمة، غيلان بن عقبة.\n(^٣) في مصدر التخريج: \"الأعمار\".\n(^٤) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ٢، ف.","vol":"14","page":623},{"text":"في هذه الآية: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال: التي هي أحسنُ، لا يقولُ له مثلَ قولِه، بل يقولُ له: يرحَمُك اللهُ، يغفرُ اللهُ لك (^١).\nوقولُه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: إِنَّ الشيطانَ يُسوِّءُ محاورةَ بعضهم بعضًا ﴿يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: يُفْسِدُ بينَهم، ويُهيِّجُ بينَهم الشرَّ. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. يقول: إنَّ الشيطانَ كان لآدمَ وذريَّتِهِ عدوًّا مبينًا؛ قد أبانَ لهم عداوَتَه بما أظهَرَ لآدم من الحسَدِ، وغرورهِ إيَّاه حتى أخرَجَه من الجنةِ.\n\n<span id=\"aya-2083\"></span><span data-type='title' id=toc-5232>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاءِ المشركين من قريشٍ الذين قالوا: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾: ﴿رَبُّكُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ فيتوبُ عليكم برحمتِه، حتى تُنيبوا عمَّا أنتم عليه من الكفرِ به وباليومِ الآخرِ ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ بأنْ يخذلَكُم عن الإيمانِ، فتموتوا على شرِكِكم، فيعذِّبَكم يومَ القيامةِ بكفرِكم به.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5231>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن عبد الملكِ بن جُريجٍ قولَه: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾. قال: فتؤمنوا ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٨ إلى المصنف.","vol":"14","page":624},{"text":"يُعَذِّبْكُمْ﴾: فتموتوا على الشركِ كما أنتم (^١).\nوقولُه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾، يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وما أرسلناكَ يا محمدُ على من أرسلناكَ إليه لتدعُوَه إلى طاعتِنا، ربًّا ولا رقيبًا، إنَّما أرسلناكَ إليهم لتُبلِغَهم رسالاتِنا، وبأيدينا صَرْفُهم وتدبيرُهم، فإن شئنا رحِمناهم، وإن شِئنا عذَّبْناهم.\n\n<span id=\"aya-2084\"></span><span data-type='title' id=toc-5233>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وربُّك يا محمدُ أعلمُ بمن في السماواتِ والأرضِ وما يُصلِحُهم، فإنَّه هو خالقُهم ورازقُهم ومدبِّرُهم، وهو أعلمُ بمن هو أهلٌ للتوبةِ والرحمةِ، ومن هو أهلٌ للعذابِ، أهدِى للحقِّ مَن سبَق له منِّي الرحمةُ والسعادةُ، وأُضَلُّ مَن سبَق له منِّى الشقاءُ والخِذْلانُ. يقولُ: فلا يَكْبُرنَّ ذلك عليك؛ فإنَّ ذلك من فعلى بهم كتفضيلى (^٢) بعضَ النبيين على بعضٍ؛ بإرسالِ بعضِهم إلى بعضِ الخلقِ، وبعضِهم إلى الجميعِ، ورفعِى بعضَهم على بعضٍ درجاتٍ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾: اتَّخَذَ اللهُ إبراهيمَ خليلًا، وكلَّم موسى تكليمًا، وجَعَل اللهُ عيسى كَمَثَلِ آدم خلَقه من ترابٍ، ثم قال له: كُنْ فكانَ (^٣)، وهو عبدُ اللهِ ورسولُه، من كلمةِ اللهِ ورُوحِه، وآتى سليمانَ مُلكًا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) في م، ص، ت ٢، ف: \"لتفضيلي\".\n(^٣) في النسخ: \"فيكون\". والمثبت من مصدر التخريج.","vol":"14","page":625},{"text":"لا يَنبغِي لأحدٍ من بعده، وآتى داودَ زبورًا (^١) - كُنَّا نحدَّثُ أنه (^٢) دعاءٌ عَلَّمه داودَ؛ تحميدٌ وتمجيدٌ، ليس فيه حلالٌ ولا حرامٌ، ولا فرائضُ ولا حدودٌ - وغفر لمحمدٍ ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّرَ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾. قال: كلَّم اللهُ موسى، وأرسل محمدًا إلى الناسِ كافَّةً (^٤).\n\n<span id=\"aya-2085\"></span><span data-type='title' id=toc-5235>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمد لمشركي قومِك الذين يَعْبُدون من دونِ اللهِ مِن خلقِه: ادعُوا أيُّها القومُ الذين زعَمتم أنَّهم أربابٌ وآلهةٌ من دونِه، عندَ ضُرٍّ يَنزِلُ بكم، فانظُروا هل يقدِرون على دفعِ ذلك عنكم، أو تحويلِه عنكم إلى غيِركم، فتدعوهم آلهةً، فإنَّهم لا يقدِرون على ذلك، ولا يملِكُونه، وإنَّما يملِكُه ويقدِرُ عليه خالِقُكم وخالِقُهم.\nوقيل: إنَّ الذين أُمِر النبيُّ ﷺ أن يقولَ لهم هذا القولَ، كانوا يعبُدون الملائكةَ وعُزيرًا والمسيحَ، وبعضُهم كانوا يعبُدون نفرًا من الجنِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5234>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) في ف: \"نورا\".\n(^٢) سقط من النسخ. والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم مفرقًا.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٨ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"14","page":626},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾. قال: كان أهلُ الشركِ يقولون: نعبُدُ الملائكةَ وعُزَيرًا، الذين يَدْعون، يعنى: الملائكةَ والمسيحَ وعُزيرًا (^١).\n\n<span id=\"aya-2086\"></span><span data-type='title' id=toc-5237>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء المشركون أربابًا، ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾. يقولُ: يبتغِى المدعوّون أربابًا إلى ربِّهم القُربةَ والزُّلفةَ، لأنهم أهلُ إيمانٍ به، والمشركون باللهِ يعبُدونهم من دونِ اللهِ، ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾: أَيُّهم بصالحِ عملِه (^٢) واجتهادِه في عبادتِه أقربُ عندَه زُلفةً. ﴿وَيَرْجُونَ﴾ بأفعالِهم تلك ﴿رَحْمَتَهُ﴾، ﴿وَيَخَافُونَ﴾ بخلافهم أَمْرَه ﴿عَذَابَهُ﴾، ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ﴾ يا محمدُ ﴿كَانَ مَحْذُورًا﴾ مُتَّقًى.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قالُ أهلُ التأويلِ، غير أنهم اختلَفوا في المدعوِّين؛ فقال بعضُهم: هم نفرٌ من الجنِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5236>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبد اللهِ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾. قال:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٨٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أعماله\".","vol":"14","page":627},{"text":"كان ناسٌ من الإنسِ يعبدون قومًا من الجنِّ، فأسلَم الجنُّ وبقى الإنسُ على كفرِهم، فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾. يعني: الجنُّ (^١).\nحدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا أبو النعمانِ الحكمُ بنُ عبدِ اللهِ العِجْليُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن سليمانَ، عن إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، قال: قال عبدُ الله في هذه الآيةِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾. قال: قَبِيلٌ من الجنِّ كانوا يُعبَدون فأسلَموا (^٢).\nحدَّثني عبدُ الوارثِ بن عبد الصمدِ، قال: ثنى أبي، قال: ثني الحسينُ، عن قتادةَ، عن معبدِ بن عبدِ اللهِ الزِّمَّانيِّ (^٣)، عن عبدِ اللهِ بن عتبةَ بن مسعودٍ، عن ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: نزَلت في نفرٍ من العربِ كانوا يعبُدون نفرًا من الجنِّ، فأسلَم الجنِّيون، والإنسُ الذين كانوا (^٤) يعبُدونهم لا يَشعُرون بإسلامِهم، فأُنزِلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عبدِ اللهِ بن عتبةَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (٩٠٧٧) من طريق مغيرة عن إبراهيم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبخارى والنسائى والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل. وجملة من أخرجوه إنما أخرجوه من طرق عن ابن مسعود غير هذا الطريق التي أوردها المصنف.\n(^٢) أخرجه البخارى (٤٧١٥)، ومسلم (٣٠٣٠/ ٢٩) كلاهما من طريق شعبة به.\n(^٣) في ت ١، والطبراني: \"الرماني\". وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ١٦٨.\n(^٤) سقط من: ت ١.\n(^٥) أخرجه مسلم (٣٠٣٠/ ٣٠) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث به، والطبراني (٩٧٩٨) من طريق قتادة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٩ إلى ابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل والبيهقي في الدلائل.","vol":"14","page":628},{"text":"ابن مسعودٍ، عن حديثِ عمِّه عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: نزَلت هذه الآيةُ في نفرٍ من العربِ كانوا يعبُدون نفرًا من الجنِّ، فأسلَم الجنِّيُّون، والنفرُ من العربِ لا يشعُرون بذلك (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾: قومٌ عبَدوا الجنَّ فأسلَم أولئك الجنُّ، فقال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، عن عبدِ اللهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: كان نفرٌ من الإنسِ يعبُدون نفرًا من الجنِّ، فأسلَم النفرُ من الجنِّ، واستمسَك الإنسُ بعبادتِهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عيينةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: كان ناسٌ يعبُدون نفرًا من الجنِّ، فأسلَم أولئك الجنِّيُّون، وثبتتِ الإنسُ على عبادتِهم، فقال اللهُ ﵎: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الدلائل (٢٥١) من طريق عبد الله بن عتبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٩ إلى المصنف وابن مردويه والبيهقي في الدلائل.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٩ من طريق معمر به، لكن عن ابن مسعود من قوله.\n(^٣) أخرجه مسلم (٣٠٣٠/ ٢٩) من طريق عبد الرحمن به، كما أخرجه البخارى (٤٧١٤) من طريق سفيان به، وفى (٤٧١٥) من طريق شعبة عن الأعمش به.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٧٩، ٣٨٠.","vol":"14","page":629},{"text":"حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾. قال: كان أناسٌ من أهلُ الجاهليةِ يعبُدون نفرًا من الجنِّ، فلمَّا بُعث النبيُّ ﷺ لا أسلَموا جميعًا، فكانوا يبتغون أيُّهم أقربُ.\nوقال آخرون: بل همُ الملائكةُ.\nحدَّثني الحسينُ بن علي الصُّدَائيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ السكَنِ، قال: أخبَرنا أبو العوَّامِ، قال: أخبَرنا قتادةُ، عن عبدِ اللهِ بن معبدٍ الزِّمَّانيِّ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: كان قبائلُ من العربِ يعبُدون صِنفًا من الملائكةِ يقالُ لهم: الجنُّ. ويقولون: هم بناتُ اللهِ، فأنزل اللهُ ﷿: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ (^١) معشرُ العربِ ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الملائكةُ، تبتغى إلى ربِّها الوسيلةَ، ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ حتى بلَغ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾. قال: وهؤلاء الذين عبَدوا الملائكةَ من المشركين (^٣).\nوقال آخرون: بل هم عزيرٌ وعيسى وأمُّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5238>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يحيى بنُ جعفرٍ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ السكَنِ، قال: أخبَرنا شعبةُ،\n_________\n(^١) بعده في ت، ٢: \"الملائكة\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٩، ١٩٠ إلى المصنف.\n(^٣) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٥١.","vol":"14","page":630},{"text":"عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: عيسى وأمُّه وعُزَيرٌ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو النعمانِ الحكم بنُ عبدِ اللهِ العجليُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، قال: عيسى ابن مريمَ (^٢) وعُزيرٌ في هذه الآيةِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: عيسى ابن مريمَ وعُزيرٌ والملائكةُ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: كان ابن عباسٍ يقولُ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (^٤): هو عُزيرٌ والمسيحُ والشمسُ والقمرُ (^٥).\nوأولى الأقوالِ بتأويل هذه الآية قولُ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ الذي رُوِّيناه، عن أبي\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٣٩٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه، وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٨٦.\n(^٢) بعده في م: \"وأمه\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٣٧، وأخرجه الطحاوى في المشكل ٦/ ١١٧ من طريق ابن أبي نجيح به، وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٨٦.\n(^٤) بعده في م: \"قال\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٠ إلى سعيد بن منصور والمصنف وابن المنذر، وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٨٦.","vol":"14","page":631},{"text":"معمرٍ عنه، وذلك أن الله تعالى ذكرُه أخبَر عن الذين يدعوهم المشرِكون آلهةً أنهم يبتغون إلى ربِّهم الوسيلةَ في عهدِ النبيِّ ﷺ، ومعلومٌ أن عُزيرًا لم يكُنْ موجودًا على عهد نبيِّنا ﷺ، فيبتغِيَ إلى ربِّه الوسيلةَ، وأنَّ عيسى قد كان رُفِع، وإنما يبتغِي إلى ربِّه الوسيلةَ من كان موجودًا حيًّا يعمَلُ بطاعةِ اللهِ، ويتقرَّبُ إليه بالصالحِ من الأعمالِ، فأمَّا من كان لا سبيلَ له إلى العملِ، فبم (^١) يبتغى إلى ربِّه الوسيلةَ؟! فإذ (^٢) كان لا معنى لهذا القولِ، فلا قولَ في ذلك إلا قولُ مَن قال ما اخترَنا فيه مِن التأويلِ، أو قولُ مَن قال: هم الملائكةُ، وهما قولان يحتمِلُهما ظاهرُ التنزيلِ.\nوأما الوسيلةُ فقد بيَّنا أنها القُربةُ والزُّلفةُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5239>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: الوسيلةُ القُربةُ (^٣).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْوَسِيلَةَ﴾. قال: القربةُ والزلفةُ (^٤).\n\n<span id=\"aya-2087\"></span><span data-type='title' id=toc-5240>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ</span>\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"فهم\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"فإذا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٠ إلى عبد بن حميد والفريابي والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم، وينظر فتح البارى ٨/ ٣٩٧.\n(^٤) في ص، ت ٢، ف: \"الزلفا\"، وفى م: \"الزلفى\". والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٩ من طريق معمر به، وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٨٧، والفتح ٨/ ٣٩٨.","vol":"14","page":632},{"text":"الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما من قريةٍ من القُرى إلا نحن مهلِكو أهلِها بالفناءِ، فمُبيدوهم استئصالًا، ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا﴾؛ إما ببلاءٍ من قَتلٍ بالسيفِ، أو غيرِ ذلك من صنوفِ العذابِ، ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا (^١) عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فمُبيدُوها، ﴿أَوْ مُعَذِّبُوهَا﴾ بالقتلِ والبلاءِ. قال: كلُّ قريةٍ في الأرضِ سيصيبُها بعضُ هذا (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. إلا أنه قال: سيصيبُها هذا أو بعضُه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا﴾: قضاءٌ من اللهِ كما تسمَعون ليس منه بدٌّ؛ إما أن يُهلِكَها بموتٍ، وإما أن يهلِكَها بعذابٍ مستأصلٍ؛ إذا تَرَكوا أمرَه، وكذَّبوا رسلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٣٧، ٤٣٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٠ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"14","page":633},{"text":"قال مُبِيدُوها (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن عبدِ اللهِ، قال: إذا ظهَر الزِّنى والرِّبا في أهلُ قريةٍ، أَذِنَ اللهُ في هلاكِها (^٢).\nوقولُه: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾. يعني: في الكتابِ الذي كُتِب فيه كلُّ ما هو كائنٌ؛ وذلك اللوحُ المحفوظُ.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾. قال: في أُمِّ الكتابِ. وقرَأ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨].\nويعنى بقوله: ﴿مَسْطُورًا﴾: مكتوبًا مُبَيَّنًا، ومنه قولُ العجاجِ (^٣):\nواعلَمْ بأنَّ ذا الجلالِ قد قَدَرْ\nفي الكُتُبِ الأولى التي كان سَطَرْ\nأَمْرَك هذا فاحْتفِظْ فيه النَّتَرْ (^٤)\n\n<span id=\"aya-2088\"></span><span data-type='title' id=toc-5241>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا</span>\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ١٧٤.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٠ إلى المصنف، وذكره البغوي في تفسيره ٥/ ١٠١، والسيوطي في صفة الصفوة ١/ ٤٢٠، والقرطبي في تفسيره ١٠/ ٢٨٠ عن ابن مسعود، وينظر علل الأحاديث لابن أبي حاتم ٢/ ٤٢٩.\n(^٣) ديوانه ص ٤٨.\n(^٤) في ص، م: \"النهر\"، وفى ت ١: \"الهبر\" غير منقوطة، وفى ت ٢: \"الهز\"، وفى ف: \"الهتعد\". والمثبت من الديوان، والنَّتَر: الفساد والضياع. وينظر اللسان (ن ت ر).","vol":"14","page":634},{"text":"الْأَوَّلُونَ﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما منَعَنا يا محمدُ أن نرسلَ بالآياتِ التي سألها قومُك، إِلَّا أنَّ مَن كان قبلَهم من الأممِ المكذِّبةِ سألوا ذلك مثلَ سؤالِهم، فلمّا أتاهم ما سألوا منه كذَّبوا رُسُلَهم، فلم يصدِّقوا مع مجيءِ الآياتِ، فعُوجِلوا، فلم نرسِلْ إلى قومِك بالآياتِ؛ لأنَّا لو أرسَلْنا بها إليها، فكذَّبوا بها، [سلَكْنا بهم] (^١) في تعجيلِ العذابِ لهم مسلَك الأممِ قبلَها.\nوبالذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5242>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: سأَل أهلُ مكة النبيَّ ﷺ أن يجعَلَ لهم الصَّفا ذهبًا، وأن يُنَحِّيَ عنهم الجبالَ فيزرعوا، فقيل له: إن شئتَ أن تستأنِىَ (^٢) بهم لعلنا نجتني منهم، وإن شئتَ أن نؤتتهم الذي سأَلُوا، فإن كفَرُوا أُهْلِكُوا كما أُهْلِك من قبلَهم. قال: \"لا (^٣)، بلْ تَسْتأنِى (^٤) بهم\". فأنزل اللهُ: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"سلكتا\"، وفي ت ٢: \"سلكناهم\".\n(^٢) في م: \"نستأنى\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في مصادر التخريج: \"استأنى\".\n(^٥) أخرجه أحمد ٤/ ١٧٣ (٢٣٣٣)، والنسائى في الكبرى (١١٢٩٠) من طريق جرير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٠ إلى المصنف والبزار وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل والضياء في المختارة.","vol":"14","page":635},{"text":"حدَّثني إسحاقُ بنُ وهبٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا مَسْتورُ (^١) بنُ عبادٍ، عن مالكِ بن دينارٍ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾. قال: رحمةً لكم أيتُها الأمةُ؛ إنا لو أرسَلْنا بالآياتِ فكذَّبتم بها، أصابَكم ما أصاب مَن قبلَكم (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال المشركون لمحمدٍ ﷺ: يا محمدُ إنك تزعُمُ أنه كان قبلَك أنبياءُ، فمِنهم مَن سُخِّرت له الريحُ، ومنهم من كان يُحيى الموتَى، فإن سرَّك أن نؤمنَ بك ونصدِّقَك، فادعُ ربَّك أن يكونَ لنا الصَّفا ذهبًا. فأوحَى اللهُ إليه: إني قد سمِعتُ الذي قالوا، فإن شئتَ أن نفعَلَ الذي قالوا، فإن لم يؤمِنوا نزَل العذابُ، فإنه ليس بعدَ نزولِ الآية مناظرةٌ، وإن شئتَ أن تستأني قومَك استَأْنَيْتَ بهم (^٣). قال: \"يا ربِّ، أَسْتَأْنِي\" (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾. قال: قال أهلُ مكةَ لنبيِّ اللهِ ﷺ: إن كان ما تقولُ حقًّا، ويسُرُّك أن نؤمِنَ، فحوِّلْ لنا الصَّفا ذهبًا. فأتاه جبريلُ ﵇، فقال: إن شئتَ كان الذي سأَلك قومك، ولكنه إنْ كان، ثُمَّ لم يؤمِنوا، لم يُنَاظُرُوا، وإن شئتَ استأنيتَ بقومِك. قال: \"بل أسْتَأْنِي بقومِي\". فأنزَل اللهُ: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾. وأنزَل اللهُ ﷿: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"مستورد\". وفى م: \"مسعود\". وهو مستور بن عباد الهنائي. ترجمته في التاريخ الكبير ٨/ ٦٣، والإكمال ٧/ ٢٥٠، وتهذيب الكمال ٢٧/ ٤٣٥، والثقات لابن حبان ٧/ ٥٢٤.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٠ إلى المصنف.\n(^٣) في م: \"بها\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٨٧.","vol":"14","page":636},{"text":"مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (^١) [الأنباء: ٦].\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، أنهم سأَلوا أن يُحوَّل الصفا ذهبًا، قال اللهُ: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾. قال ابن جريجٍ: لم يأتِ قريةً بآيةٍ فيُكَذِّبوا بها إلا عُذِّبوا، فلو جُعِلتْ لهم الصَّفا ذهبًا ثم لم يؤمنوا عُذِّبوا (^٢).\nو\"أن\" الأُولى التي مع ﴿مَنَعَنَا﴾، في موضعِ نصبٍ بوقوعِ \"مَنَعنا\" عليها، و\"أن\" الثانيةُ رفعٌ؛ لأن معنَى الكلامِ: وما منَعَنا إرسالَ الآياتِ إلا تكذيبُ الأوَّلين من الأممِ، فالفعلُ لـ \"أن\" الثانيةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5243>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقد سأَل الآياتِ يا محمدُ مِن قبلِ قومِك ثمودُ، فآتيَناها ما سأَلت، وجعَلنا تلك الآية ناقةً مبصرةً. جعَل الإبصارَ للناقةِ، كما تقولُ للشَّجَّةِ: مُوضِحةٌ (^٣)، و: هذه حجةٌ مبينةٌ. وإنما عنَى بالمبصِرةِ (^٤): المضيئةَ البيِّنةَ التي مَن يراها كانوا أهلَ بصرٍ بها، أنها للهِ حجةٌ، كما قيل: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧].\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾. أي: بيِّنةً.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٠ إلى المصنف، وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٨٧.\n(^٢) ينظر تفسير القرطبي ١٠/ ٢٨١، وابن كثير ٨٧.\n(^٣) الشجة: واحدة شجاج الرأس، والموضحة: التي تبلغ إلى العظم. اللسان (ش ج ج).\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ف: \"بالبصر\".","vol":"14","page":637},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عزَّ ذكرُه: ﴿النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾. قال: آيةً (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقولُه: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾. يقولُ ﷿: فكان بها ظُلْمُهم؛ وذلك أنهم قتَلُوها وعقرُوها، فكان ظُلْمُهم بعقرِها وقتلِها. وقد قيل: معنَى ذلك: فكَفَرُوا بها. ولا وجْهَ لذلك، إلا أنْ يكونَ (^٢) قائلُه أراد: فَكَفَرُوا باللهِ بقتلِها. فيكونَ ذلك وجهًا.\nوأما قولُه: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾. فإنه يقولُ: وما نرسِلُ بالعِبَرِ والذِّكر إلا تخويفًا للعبادِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾: وإِنَّ اللهَ يخوِّفُ الناسَ بما شاء من آياتِه (^٣) لعلَّهم يُعتِبون (^٤)، أو يذَّكَّرون، أو يرجِعون. ذُكِر لنا أن الكوفةَ رَجِفَتْ على عهدِ ابن مسعودٍ، فقال: يأيها الناسُ، إنَّ رَبَّكم يستعتِبُكم فأعتِبوه (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، عن أبي رجاءٍ، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٣٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٠ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"يقول\".\n(^٣) في م: \"آية \".\n(^٤) في م: \"يعتبرون\"، وفى ت ٢: \"يعينون\"، وفى ف: \"يعنون\". والعتبى: الرجوع عن الذنب والإساءة. النهاية ٣/ ١٧٥.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٠ إلى المصنف، وينظر تفسير البغوي ٥/ ١٠٢، وابن كثير ٥/ ٨٩.","vol":"14","page":638},{"text":"الحسنُ: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾. قال: الموتُ الذريعُ (^١).\n\n<span id=\"aya-2089\"></span><span data-type='title' id=toc-5245>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾.</span>\nوهذا حضٌّ (^٢) من اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه (^٣) محمدًا (^٤) ﷺ، على تبلِيغِ رسالتِه، وإعلامٌ منه له (^٥) أنه قد تقدَّم منه إليه القولُ بأنه سيمنَعُه (^٦) كلَّ مَن بغاه سُوءًا وهلاكًا، يقولُ جلَّ ثناؤُه: واذكُرْ يا محمدُ إذ قُلْنا لك: إنَّ ربَّك أحاط بالناسِ قدرةً، فهم في قبضَتِه لا يقدِرون على الخروجِ من مشيئتِه، ونحن مانِعوك منهم، فلا تتهيَّبْ مِنهم أحدًا، وامْضِ لِما أَمَرْناك به من تبليغِ رسالتِنا.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5244>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: ﴿أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾: عصَمك من الناسِ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في الزهد ص ٢٦٧، ٢٦٨ من طريق نوح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"حط\".\n(^٣) في ت ٢: \"لنبيه\"، وفى ف: \"بنبيه\".\n(^٤) في ت ٢، ف: \"محمد\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) بعده في م: من.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٠ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٨٩.","vol":"14","page":639},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الهذليُّ، عن الحسنُ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾. قال: يقولُ: أحطْتُ لك بالعربِ ألَّا يقتُلُوك (^١)، فعرَف أنه لا يُقتَلُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾. قال: فهُم في قبضَتِه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عروةَ بن الزبيرِ قولَه: ﴿أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾. قال: منَعك من الناسِ. قال معمرٌ (^٣): قال قتادةُ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ (^٥): ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾. قال: منَعك من الناسِ (^٦).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾. أي: منعَك من الناسِ حتى تُبلِّغَ رسالةَ ربِّك (^٧).\n_________\n(^١) في ت،٢ ف: \"تقتلوا\"، وفى ت ١: \"يقتلوا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩١ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) بعده في ص: \"و\".\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٨٩.\n(^٥) بعده في م: \"قوله\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٨٠ من طريق معمر به.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩١ إلى المصنف وعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":640},{"text":"وقولُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: هو رؤيا عينٍ، وهى ما رأى [نبي الله] (^١) ﷺ لمَّا أُسرِى به من مكةَ إلى بيتِ المقدسِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5246>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا ابن عيينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في (^٢): ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: هي رؤيا عينٍ أُرِيَها رسولُ اللهِ ﷺ ليلةَ أُسرِى به، وليست برؤيا منام (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، سُئِل عن قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: هي رؤيا عينٍ رآها النبيُّ ﷺ ليلةَ أُسْرِى به.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عيينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ بنحوِه (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن [فراتٍ القزاز] (^٥)، عن\n_________\n(^١) في م: \"النبي\".\n(^٢) بعده في م: \"قوله\".\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ٣٩٦ (١٩١٦)، والبخارى (٤٧١٦، ٦٦١٣، ٣٨٨٨)، والترمذى (٣٤١٣)، والنسائى في الكبرى (١١٢٩٢)، كلهم من طريق ابن عيينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩١ إلى المصنف وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٠.\n(^٥) في ص، ت ١ ت ٢، ف: \"الفرات البزار\" وينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ١٥٠.","vol":"14","page":641},{"text":"سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: كان ذلك ليلةَ أُسْرِى به إلى بيتِ المقدسِ، فرأى ما رأى، فكذَّبه المشركون حينَ أخبَرهم (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: أُسْرِى به عشاءً إلى بيتِ المقدسِ، فصلَّى فيه، وأَراه اللهُ ما أراه الآياتِ، ثم أصبَح بمكةَ، فأخبَرهم أنه أُسْرِى به إلى بيت المقدس، [فقالوا له] (^٢): يا محمد، ما شأنك؟! أمسيت فيه ثم أصبَحتَ فِينا تخبرنا أنَّك أتيتَ بيتَ المقدسِ! فعجِبوا من ذلك حتى ارتدَّ بعضُهم عن الإسلامِ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا هَوذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: قال كفارُ أهلِ مكةَ: أليس من كذبِ ابن أبي كبشةَ أنه يزعَمُ أنه سار مَسيرةَ شهرين في ليلةٍ!\nحدَّثني أبو حَصينٍ، قال: ثنا عبثرٌ، قال: ثنا حُصيَنٌ، عن أبي مالكٍ في هذه الآية: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: مَسيرُه إلى بيتِ المقدسِ (^٤).\nحدَّثني أبو السائبِ ويعقوبُ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن الحسنِ بن عبدِ اللهِ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ١٠٣، والقرطبي ١٠/ ٢٨٢، وابن كثير ٥/ ٨٩.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فقال\".\n(^٣) ذكره الطوسى في التبيان ٦/ ٤٩٤، والبغوى في تفسيره ٥/ ١٠٣، والقرطبي ١٠/ ٢٨٢، وابن كثير ٥/ ٨٩.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩١ إلى سعيد بن منصور، بنحوه.","vol":"14","page":642},{"text":"لِلنَّاسِ﴾. قال: حين أُسْرِى به (^١).\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: ليلةَ أُسْرِى به (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: الرؤيا التي أرَيْناك في بيتِ المقدسِ - حينَ أُسرِى به - فكانت تلك فتنةً للكافرِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: أراه اللهُ من الآياتِ والعِبرِ في مَسيرِه إلى بيتِ المقدسِ. ذُكِر لنا أن ناسًا ارتدّوا بعدَ إسلامِهم حينَ حدَّثهم رسولُ اللهِ ﷺ بمسيرِه، أنكَروا ذلك وكذَّبوا به، وعَجبوا منه، وقالوا: تُحدِّثُنا أنَّك سِرْتَ مسيرةَ شهرين في ليلةٍ واحدةٍ (^٤)!\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: هو ما أُرِى في بيت المقدس ليلةَ أُسْرِى به (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ ﴿وَمَا\n_________\n(^١) تفسير البغوي ٥/ ١٠٣.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ٦/ ٤٩٤، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٨٩.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"الكافر\". والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٨٠ من طريق معمر به، وفيه: \"للكفار\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩١ إلى المصنف.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩١ إلى المصنف وابن مردويه.","vol":"14","page":643},{"text":"جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾. قال: أَراه اللهُ من الآياتِ في طريق بيتِ المقدسِ حين أُسْرِى به؛ نزَلت فريضةُ الصلاةِ ليلةَ أُسْرِى به، [وأُسْرِى به] (^١) قبلَ أن يهاجرَ بسنةٍ ولتسعِ (^٢) سنينَ من العشْرِ التي مكثها بمكةَ، ثم رجع من ليلتِه، فقالت قريشٌ: أتَعشَّى فينا وأصبَح فينا، ثم زعَم أنه جاء الشامَ في ليلةٍ ثم رجَع؟! وايمُ اللهِ إن الحِدَأةَ لتجيئُها شهرين (^٣)؛ شهرًا مقبلةً، وشهرًا مُدبرةً (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: هذا حينَ أُسْرِى به إلى بيتِ المقدسِ، افتُتِن فيها ناسٌ، فقالوا: يذهَبُ إلى بيتِ المقدسِ ويرجِعُ في ليلةٍ! وقال: \"لمَّا أتَانِي جبريلُ ﵇ بالبُراقِ ليحْمِلَني عليها صرَّت بأذنَيها، وانقبضَ بعضُها إلى بعضٍ، فنظَر إليها جبريلُ، فقال: والذي بعثَني بالحقِّ من عنده ما ركِبَك أحدٌ من ولدِ آدم خيرٌ منه\". قال: \"فصرَّت بأذنَيها وارْفَضَّت (^٥) عَرَفًا حتى سال ما تحتَها، وكان مُنتهَى خطوِها (^٦) عندَ مُنتهَى طرفِها\". فلما أتاهم بذلك، قالوا: ما كان محمدٌ لينتهِىَ حتى يأتى بكِذْبةٍ تخرُجُ من أقطارِها. فأَتَوْا أبا بكرٍ ﵁، فقالوا: هذا صاحبُك يقولُ كذا وكذا. فقال: أوَقد قال ذلك؟ قالوا: نعم. فقال: إن كان قد قال ذلك فقد صدَق. فقالوا: تصدِّقُه إن قال ذهَب (^٧) إلى بيتِ المقدسِ ورجَع في ليلةٍ؟! فقال أبو بكرٍ: إى، نزَع اللهُ عقولَكم، أُصدِّقُه بخبرِ السماء، والسماءُ أبعدُ من بيتِ المقدسِ، ولا أصدِّقُه بخبرِ بيتِ المقدسِ؟! قالوا للنبيِّ ﷺ: إنا قد جئنا بيتَ المقدسِ،\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"تسع\".\n(^٣) سقط من: ت ١.\n(^٤) ينظر التبيان ٦/ ٤٩٤.\n(^٥) ارفضَّ عرقًا: أي جرى عرقه وسال. النهاية ٢/ ٢٤٣.\n(^٦) في ف: \"خطوتها\".\n(^٧) في ت ١، ت ٢، ف: \"ذهبت\".","vol":"14","page":644},{"text":"فصِفْه لنا. فلما قالوا ذلك، رفَعه اللهُ ﵎ ومثَّله بينَ عينَيه، فجعَل يقولُ: \"هو كذا، وفيه كذا\". فقال بعضُهم: وأبيكم إنْ أخطَأ منه حرفًا. قال (^١): فقالوا: هذا (^٢) رجلٌ ساحرٌ.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾. يعنى: ليلةَ أُسْرِى به إلى بيتِ المقدسِ، ثم رجَع من ليلتِه، فكانت فتنةً لهم (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ] (^٤)، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ (^٥): ﴿الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾. قال: حينَ أُسْرِى بمحمدٍ ﷺ (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nوقال آخرون: هي [رؤيا نومٍ، وهى] (^٧) رُؤياه التي رأَى أَنَّه يدخُلُ مكةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5247>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال:\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ص: \"هو\".\n(^٣) ينظر التبيان ٦/ ٤٩٤، وتفسير القرطبي ١٠/ ٢٨٢.\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) بعده في م: \"في قوله\".\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٤٣٨، وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٨٩.\n(^٧) سقط من: م.","vol":"14","page":645},{"text":"ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: يقالُ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أرى أنه دخَل مكةَ هو وأصحابُه، وهو يومَئذٍ بالمدينةِ، فجعَل (^١) رسول اللهِ ﷺ السيرَ إلى مكةَ قبلَ الأجَلِ، فرَدَّه المشرِكون، فقالت أناسٌ: قد رُدَّ (^٢) رسولُ الله ﷺ، وقد كان حدَّثنا أنه سيدخُلُها. فكانت رجعَتُه فتنتَهم (^٣).\nوقال آخرون ممن قال هي رؤيا منامٍ: إنما كان رسولُ اللهِ ﷺ رَأَى في منامِه قومًا يَعلُون مِنبَرَه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-5248>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثتُ عن محمدِ بن الحسنِ بن زبالةَ، قال: ثنا عبدُ المهيمنِ بنُ عباسٍ بن سهلِ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، عن جَدِّي، قال: رأَى رسولُ اللهِ ﷺ بنى فلانٍ يَنزُون علي منبرِه نزوَ القِردةِ، فساءه ذلك، فما استَجْمَع ضاحكًا حتى مات. قال: وأنزل اللهُ ﷿ في ذلك: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾. الآية (^٥).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عنَى به رُؤْيا رسولِ اللهِ ﷺ ما\n_________\n(^١) في م: \"فعجل\".\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"ورد\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩١ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"منابره\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩١ إلى المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٩٠ عن سندًا ومتنًا ثم قال: \"وهذا السند ضعيف جدًّا؛ فإن محمد بن الحسنُ بن زبالة متروك، وشيخه أيضًا بالكلية\".","vol":"14","page":646},{"text":"رأى من الآياتِ والعِبرِ في طريقِه إلى بيتِ المقدسِ، وبيتَ (^١) المقدسِ ليلةَ أُسرِى به، وقد ذكَرنا بعضَ ذلك في أوَّلِ هذه السورةِ.\nوإنما قُلنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لإجماعِ الحجَّةِ من أهلِ التأويلِ على أن هذه الآية إنما نزَلت في ذلك، وإيَّاه عنَى اللهُ ﷿ بها.\nفإذ (^٢) كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: وما جعَلنا رؤياك التي أَرَيناك ليلةَ أسْرَينا بك من مكةَ إلى بيتِ المقدسِ، ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: إِلا بَلاءً للناسِ الذين ارتدُّوا عن الإسلامِ لمَّا أُخبِروا بالرُّؤيا التي رآها ﵊، وللمشرِكين من أهلِ مكةَ الذين ازدادوا بسماعِهم ذلك من رسولِ اللهِ ﷺ تماديًا في غيِّهم، وكفرًا إلى كفرِهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (^٣).\nوأما قولُه: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾. فإنَّ أهلُ التأويلِ اختلَفوا فيها؛ فقال بعضُهم: هي شجرةُ الزَّقُومِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5249>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا [ابن عيينة] (^٤)، عن عمرٍو، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾. قال: شجرةُ\n_________\n(^١) في ت ١، ف: \"ببيت\".\n(^٢) في م: \"فإذا\".\n(^٣) ذكر السند فقط اكتفاءً بما تقدم ص ٦٤٣.\n(^٤) في م: \"أبو عبيدة\"، وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٨٧.","vol":"14","page":647},{"text":"الزَّقومِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾. قال: هي شجرةُ الزَّقُّومِ. قال أبو جهلٍ: أيُخوِّفُنى ابن أبى كبشةَ بشجرةِ الزَّقُّومِ؟! ثم دعا بتَمرٍ وزُبدٍ، فجعَل يقولُ: زَقِّمْنى. فأنزل اللهُ تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]. وأَنَزَل: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ (^٢).\nحدَّثني أبو السائبِ ويعقوبُ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن الحسنِ بن عبيدِ اللهِ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾. قال: شجرةُ الزَّقُّومِ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن الحسنِ بن عبيدِ اللهِ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ مثلَه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾: فإنَّ قريشًا كانوا يأكُلون التمرَ والزُّبدَ، ويقولون: تزقَّموا هذا الزَّقومَ. قال أبو رجاءٍ: فحدَّثني عبدُ القدوسِ، عن الحسنِ، قال: فوصَفَها اللهُ لهم في \"الصافاتِ\".\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنُ، قال: قال أبو جهل وكفارُ أهلُ مكةَ: أليس مِن كذِبِ ابن أبي كبشةَ أنَّه يُوعِدُكم بنارٍ تحترقُ فيها الحجارةُ، ويزعُمُ أنه ينبتُ فيها شجرةً. ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾. قال:\n_________\n(^١) ينظر تخريجه ص ٦٥٠ من طريق ابن عيينة عند عبد الرزاق.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩١ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) تفسير ابن كثير ٥/ ٩٠.","vol":"14","page":648},{"text":"هي شجرةُ الزَّقومِ (^١).\nحدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن يونسَ، قال: ثنا عبثرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن أبي مالكٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾. قال: شجرةُ الزَّقومِ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا هشيمٌ، عن حصينٍ، عن أبي مالكٍ، قال [في قوله: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾. قال: هي شجرةُ الزقوم] (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن رجلٍ يقالُ له: بدرٌ، عن عكرمةَ، قال: شجرةُ الزَّقومِ.\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن فُراتٍ القزَّازِ، قال: سُئِل سعيدٌ بنُ جبيرٍ عن الشجرة الملعونةِ، قال: شجرةُ الزَّقومِ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عبدِ الملكِ العَزْرميِّ، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾. قال: شجرةُ الزقومِ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ بمثلِه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾. قال: الزقومُ (^٤).\n_________\n(^١) ذكرُه الطوسي في التبيان ٦/ ٤٩٤.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الشجرة الزقوم\".\n(^٣) ذكرُه الطوسى في التبيان ٦/ ٤٩٤، والقرطبي في تفسيره ١٠/ ٢٨٢.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٣٨، وينظر التبيان ٦/ ٤٩٤، وتفسير القرطبي ١٠/ ٢٨٢.","vol":"14","page":649},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن أبي المُحَجَّلِ، عن أبي معشَرٍ، عن إبراهيمَ، أنه كان يحلِفُ ما يسْتَثْنِى؛ أن الشجرةَ الملعونةَ شجرةُ الزقومِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن فُراتٍ القزَّازِ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ عن: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾. قال: شجرةُ الزَّقُّومِ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عيينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: هي الزَّقُّومُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾. وهي شجرةُ الزَّقومِ، خوَّف اللهُ بها عبادَه، فافتُتِنوا بذلك، حتى قال قائلُهم؛ أبو جهلِ بنُ هشامٍ: زعَم صاحبُكم هذا أنَّ في النارِ شجرةً، والنار تأكلُ الشجرَ، وإنا واللهِ ما نعلمُ الزَّقومَ إلا التمرَ والزُّبدَ، فتزقَّموا. فأنزَل اللهُ ﵎ حين عَجِبوا أن يكونَ في النارِ شجرةٌ: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٤، ٦٥]. إنى خلَقْتُها (^٣) من النارِ، وعذَّبتُ [بها من شِئْتُ من عبادي] (^٤).\n_________\n(^١) التبيان ٦/ ٤٩٤.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨١.\n(^٣) في ت ١، ت،٢، ف: \"خلقت\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ف: \"به\"، والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٧٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، بنحوه.","vol":"14","page":650},{"text":"حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾. قال: الزقومُ؛ وذلك أن المشركين قالوا: يخبِرُنا هذا أنّ في النارِ شجرةً، والنارُ تأكُلُ الشجرَ حتى لا تدعَ منه شيئًا (^١)! وكان (^٢) ذلك فِتنةً (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ قال: شجرةُ الزقومِ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾. الزَّقومُ التي سألوا الله أن يملأَ بيوتَهم منها. وقال: هي الصَّرَفانُ بالزُّبدِ تتزقَّمُه. والصَّرَفانُ صِنْفٌ من التَّمرِ. قال: وقال أبو جهلٍ: هي الصَّرفانُ بالزبدِ. وافتُتِنوا بها (^٥).\nوقال آخرون: هي الكَشُوثُ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-5250>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا محمدُ بن إسماعيلَ بن أبي فُدَيكٍ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن مولًى لبنى هاشمٍ، حدَّثه أنَّ عبدَ اللهِ بنَ الحارثِ بن نوفلٍ أرسَله إلى ابن\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"قال الزقوم\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٨١ من طريق معمر.\n(^٤) ينظر التبيان ٦/ ٤٩٤.\n(^٥) ينظر التبيان ٦/ ٤٩٤.\n(^٦) الكشوث والأكشوث والكشوثي والكشوثاء: نبات مجتث مقطوع الأصل، وقيل: لا أصل له، وهو أصفر يتعلق بأطراف الشوك وغيره. ينظر اللسان (ك ش ث).","vol":"14","page":651},{"text":"عباسٍ، يسألُه عن الشجرةِ الملعونة في القرآنِ، قال: هي هذه الشجرةُ التي تَلْوِى على الشجرةِ، وتُجعَلُ في الماءِ، يعني: الكشُوثا (^١).\nوأولى القولين في ذلك بالصوابِ عندَنا قولُ مَن قال: عنَى بها (^٢) شجرةَ الزقومِ؛ لإجماعِ الحجةِ من أهلِ التأويلِ على ذلك.\nونُصِبت الشجرةُ الملعونةُ عطفًا بها على الرُّؤيا. فتأويلُ الكلامِ إذن: وما جعَلنا الرؤيا التي أرَيناك، والشجرةَ الملعونةَ في القرآنِ، إلا فِتنةً للناسِ. فكانت فتنتُهم في الرؤيا ما ذكرتُ من ارتدادِ مَن ارتدَّ، وتمادِى أهلُ الشركِ في شركِهم، حينَ أخبَرهم رسولُ اللهِ ﷺ بما أَراه اللهُ في مسيرِه إلى بيتِ المقدسِ ليلةَ أُسْرِى به، وكانت فتنتُهم في الشجرةِ الملعونةِ ما ذكَرنا من قولِ أبي جهلٍ والمشرِكين معه: يُخْبِرُنا محمدٌ أنّ في النارِ شجرةً نابتةً، والنارُ تأكُلُ الشجرَ، فكيف تنبتُ فيها؟!\nوقولُه: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾. يقولُ: ونخوِّفُ هؤلاء المشركين بما نتوعَّدُهم به (^٣) من العقوباتِ والنَّكالِ، ﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ تخويفُناهم (^٤)، ﴿إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾. يقول: إلا تماديًا وغيًّا كبيرًا في كفرِهم، وذلك أنَّهم لما خُوِّفوا بالنارِ التي طعامُهم فيها الزَّقومُ دَعَوْا بالتمرِ والزُّبدِ، وقالوا: تزقُّمُوا من هذا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٦/ ٥٥، وتفسير القرطبي ١٠/ ٢٨٦.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"به\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"تخويفنا\".","vol":"14","page":652},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5251>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nوقد تقدَّم ذكرُ بعضِ مَن قال ذلك، ونذكُرُ بعضَ مَن بقِى.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾. قال: طَلْعُها كأنه رءوسُ الشياطينِ، والشياطينُ ملعونون. قال: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾. لمَّا ذكَرها زادهم افتِتانًا وطغيانًا، قال اللهُ ﵎: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾.\n\n<span id=\"aya-2090\"></span><span data-type='title' id=toc-5252>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واذكُرْ يا محمدُ تمادِىَ هؤلاء المشركين في غَيِّهم وارْتِدادِهم، عُتُوًّا على ربِّهم، مخوِّفًا (^١) إياهم تحقيقَهم قولَ عَدُوِّهم وعدوِّ والدِهم - حين أمرَه ربُّه بالسُّجودِ له فعصاه وأبى السجودَ له؛ حَسَدًا واستكبارًا -: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وكيف صَدَّقوا ظَنَّه فيهم (^٢)، وخالَفوا أمرَ ربِّهم وطاعتَه، واتَّبعوا أمرَ عدوِّهم وعدوِّ والدِهم.\nويعنى بقولِه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾: واذكُرْ إذ قلنا للملائكةِ: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾. فإنه اسْتَكبر وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾. يقولُ: لِمَنْ خَلَقْتَه مِن طينٍ. فلمَّا حُذِفَتْ \"مِن\" تَعلَّق به قولُه: ﴿خَلَقْتَ﴾،\n_________\n(^١) في النسخ: \"بتخويفه\". وهو تحريف. والمثبت هو الصواب.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فيه\".","vol":"14","page":653},{"text":"فنُصِب، يفتخِرُ عليه الجاهلُ بأنه خُلِق مِن نارٍ، وخُلِق آدمُ من طينٍ.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: بعَث ربُّ العِزَّةِ ﵎ إبليسَ، فأَخَذ مِن أدِيمِ الأرضِ؛ مِن عَذْبها ومِلْحِها، فخُلِق منه آدمُ، فكلُّ شيءٍ خُلِق من عذبِها، فهو صائِرٌ إلى السعادةِ وإن كان ابنَ كافرين، وكلُّ شيءٍ خَلَقه مِن مِلحِها، فهو صائرٌ إلى الشَّقاوةِ وإن كان ابنَ نبييِّن، ومن ثَمَّ قال إبليسُ: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾. أي هذه الطينةُ أنا جِئتُ بها، ومِن ثَمَّ سُمِّي آدمَ؛ لأنه خُلِق مِن أديمِ الأَرضِ.\n\n<span id=\"aya-2091\"></span>وقولُه: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أرأيتَ هذا الذي كَرَّمْتَه عليَّ، فأَمَرْتَنى بالسجودِ له، ويَعْنى بذلك آدمَ، ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ﴾. أقْسَم عدوُّ اللهِ، فقال لربِّه: لئن أخَّرتَ إهْلاكى إلى يومِ القيامةِ، ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ: لأَستوليَنَّ عليهم، ولأَستأصِلَنَّهم، ولأَستميلَنَّهم. يقالُ منه: احْتَنك فلانٌ ما عندَ فلانٍ مِن مالٍ أو عِلمٍ أو غيرِ ذلك. ومنه قولُ الشاعرِ (^١):\nنَشْكُو إليكَ سَنَةً قد أَجْحَفَتْ … جَهْدًا إلى جَهْدٍ بنا فَأَضْعَفَتْ\nواحْتَنَكَتْ أموالَنا وجَلَّفَتْ (^٢)\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5253>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) الأبيات في مجاز القرآن ١/ ٣٨٤، والتبيان ٦/ ٤٩٧، غير منسوبة فيهما.\n(^٢) المُجَلَّف: الذي أتى عليه الدهر فأذْهَبَ ماله، وقد جَلَّفه واجْتَلَفَه. اللسان (ج ل ف).","vol":"14","page":654},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﵎: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: لأَحْتَوِيَنَّهم (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾، يقولُ: لأَستوليَنَّ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: لأُضِلَّنَّهم (^٣).\nوهذه الألفاظُ وإن اختَلَفَتْ فإنها مُتَقارِباتُ المعنى؛ لأن الاسْتِيلاءَ والاحْتواءَ بمعنًى واحدٍ، وإذا اسْتَوْلَى عليهم فقد أضَلَّهم.\n\n<span id=\"aya-2092\"></span><span data-type='title' id=toc-5254>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ لإبليسَ إذ قال له: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾. اذهَبْ فقد أَخَّرْتُكَ، فَمَن تَبِعَك منهم - يَعْنى مِن ذُرِّيَّةِ آدم، ﵇ فأَطاعَك، فإن جهنم جَزاؤُكَ وجَزاؤُهم. يقولُ: ثوابُك\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٣٨ من طريق ورقاء به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٩١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٢ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكرُه ابن كثير في تفسيره ٥/ ٩٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٢ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكرُه ابن كثير في تفسيره ٥/ ٩١ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":655},{"text":"على دُعائِك إياهم إلى (^١) مَعْصِيَتى، وثوابُهم على اتِّباعِهم إياك وخِلافِهم أمرى. ﴿جَزَاءً مَوْفُورًا﴾. يقولُ: ثَوَابًا مَكْثُورا مُكَمَّلًا.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾. عذابُ جهنمَ جزاؤُهم، ونِقْمَةٌ مِن اللهِ مِن أعدائِه، فلا يُعْدَلُ عنهم من عذابِها شيءٌ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينٌ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾. قال: وافرًا (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَوْفُورًا﴾. قال: وافرًا (^٤).\n\n<span id=\"aya-2093\"></span><span data-type='title' id=toc-5255>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾: واستخفِفْ واستجهِلْ. من\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ف: \"علي\".\n(^٢) ذكرُه ابن كثير في تفسيره ٥/ ٩١ بلفظ: \"موفرا عليكم، لا ينقص لكم منه\".\n(^٣) ذكرُه ابن كثير في تفسيره ٥/ ٩١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٢ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) بعده في ص: \"يتلوه القول في تأويل قوله ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك﴾ وصلى الله على محمد النبي وعلى آله وسلم كثيرا\". والأثر في تفسير مجاهد ص ٤٣٨ وأخرجه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٤٠، ٢٤١ - من طريق ورقاء به.","vol":"14","page":656},{"text":"قولهم: اسْتَفَزَّ فُلانًا كذا وكذا فهو يَسْتَفِرُّه. ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾، اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الصوتِ الذي عَناه جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾، فقال بعضُهم: عَنَى به صوتَ الغناءِ، واللَّعِبَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5256>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾. قال: بِاللَّهْوِ والغناءِ (^١).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ ليثًا يذكُرُ عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾. قال: اللَّعِبُ واللَّهوُ.\nوقال آخرون: عَنَى به واستفزِزْ من استطعتَ منهم بدُعائِك إياه إلى طاعتِك ومعصيةِ اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5257>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾. قال: صوتُه كلُّ داعٍ دَعا إلى معصيةِ اللهِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٩١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٢ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، بنحوه مطولا.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٩١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٢ مطولا إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":657},{"text":"﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾. قال: بدعائِك (^١).\nوأَولَى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ أن يُقالَ: إن الله ﵎ قال لإبليسَ: واسْتَفْزِزْ مِن ذُرِّيَّةِ آدمَ مَن استطعتَ أن تَسْتَفِزَّه بصوتِك. ولم يَخْصُصْ مِن ذلك صوتًا دونَ صوتٍ، فكلُّ صوتٍ كان دُعاءً إليه وإلى عمله وطاعتِه، وخِلافًا للدعاءِ إلى طاعةِ اللهِ، فهو داخلٌ في معنى صوتِه الذي قال اللهُ ﵎ اسمُه له: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾.\nوقوله: (وَأَجلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجْلِك (^٢». يقولُ: واجْمَعْ عليهم مِن رُكْبانِ جُندِك ومُشاتِهم مَن يُجْلِبُ عليهم (^٣) بالدعاءِ إلى طاعتِك والصَّرْفِ عن طاعتى. يُقالُ منه: أَجْلَبَ فلانٌ على فلانٍ إجْلابًا. إذا صاح عليه. والجَلبَةُ: الصوتُ. وربما قيل: ما هذا الجلَبُ؟ كما يقالُ: الغَلَبَةُ والغَلَبُ، والشَّفَقَةُ والشَّفَقُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5258>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى سَلْمُ بنُ جُنادةَ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ ليثًا يَذْكُرُ عن مجاهدٍ في قولِه: (وَأَجَلِبْ عَلَيْهِم بِخَيلِكَ وَرَجْلِك). قال: كلُّ راكبٍ وماشٍ في معاصى اللهِ (^٤).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨١ عن معمر به مطولًا، وذكره البغوي في تفسيره ٥/ ١٠٥ مطولًا، وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٩١.\n(^٢) هكذا اختار هذه القراءة كما سيأتي بيان ذلك في الصفحة التالية حاشية (٧).\n(^٣) في م: \"عليها\".\n(^٤) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"14","page":658},{"text":"(وَأَجلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجْلِك). قال: إن له خَيْلًا ورَجُلًا مِن الجِنِّ والإِنسِ، وهم الذين يُطيعونه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (وَأَجَلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجْلِك): [إِنَّ له خَيْلًا ورِجالًا جنودًا مِن الجِنِّ والإنسِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قوله: (وَرَجْلِك)] (^٢). قال: الرِّجالُ المشاةُ (^٣).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: (وَأَجلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجُلِك). قال: خيلُه كلُّ راكبٍ في معصيةِ اللهِ، ورَجُلُه كلُّ راجلِ في معصيةِ اللهِ (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: (وَأَجلِب بِخَيْلِكَ وَرَجْلِك). قال: ما كان من راكبٍ يُقاتلُ في معصيةِ اللهِ فهو مِن خيلِ إبليسَ، وما كان مِن راجِلٍ يُقاتِلُ (^٥) في معصيةِ اللهِ فهو مِن رجالِ إبليسَ (^٦).\nوالرَّجُلُ جمعُ راجلٍ، كما التَّجْرُ جمع تاجِرٍ، والصَّحْبُ جمعُ صاحِبٍ (^٧).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) ذكرُه الطوسي في التبيان ٦/ ٤٩٩، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٩١، نحوه مطولا.\n(^٤) ذكرُه ابن كثير في تفسيره ٥/ ٩١.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) تقدم تخريجه في الحاشية (١) ص ٦٥٧.\n(^٧) تمثيل المصنف هنا بـ \"الصَّحْب\" و\"التَّجْر\" يدل على أن اختيار ابن جرير في قراءة الآية: (ورَجْلِكَ) بإسكان الجيم، وهو جمع راجل هذا وقد قرأ حفص رجلك بكسر الجيم - وهو صفة بمعنى راجل -، وقرأ الباقون بإسكانها. ينظر الكشف عن وجوه القراءات السبع ٢/ ٤٨، وحجة القراءات ص ٤٠٥، ٤٠٦.","vol":"14","page":659},{"text":"وأما قولُه: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. فإن أهلُ التأويلِ اخْتَلَفوا في المُشارَكَةِ التي عُنِيَتْ بقوله: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾؛ فقال بعضُهم: هو أمْرُه إياهم بإنفاقِ أموالِهم في غيرِ طاعةِ اللهِ، واكْتِسابِهِمُوهَا مِن غيرِ حِلِّها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5259>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سَمِعتُ ليثًا يَذْكُرُ عن مجاهدٍ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾. [قال: الأموالُ] (^١) التي أصَابوا (^٢) مِن غيرِ حِلِّها (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾. قال: ما أُكِل من مالٍ بغيرِ طاعةِ اللهِ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن طلحةَ بن عمرٍو، عن عطاء بن أبي رَباحٍ، قال: الشِّرْكُ في أموالِ الرِّبا (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه:\n_________\n(^١) زيادة من: ص.\n(^٢) في م، وتفسير القرطبي: أصابوها.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٠/ ٢٨٩.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٣٩ من طريق ورقاء به ومن طريق الزنجى عن ابن أبي نجيحٍ به، مطولا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٢ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ١٠٥، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٩٢.","vol":"14","page":660},{"text":"﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. قال: قد واللهِ شارَكَهم في أموالِهم؛ أعْطاهم (^١) اللهُ أموالًا فأَنْفَقُوها في طاعةِ الشيطانِ في غيرِ حقِّ الله تبارَك اسمُه. وهو قولُ قتادةَ.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدٌ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾: أمَرهم (^٢) أن يَكْسِبوها من خبيثٍ، ويُنْفِقُوها في حرامٍ (^٣).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. قال: كلُّ مالٍ في معصيةِ اللهِ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. قال: مشاركتُه إياهم في الأموالِ والأولادِ ما زيَّن لهم فيها مِن معاصى اللهِ حتى ركِبوها.\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾: كلُّ مالٍ (^٥) أنْفَقوا في غيرِ حقِّه (^٦).\nوقال آخرون: بل عنى بذلك كلَّ ما كان مِن تحريمِ المشركين ما كانوا يُحَرِّمون من الأنْعامِ، كالبحَائرِ والسَّوائبِ ونحوِ ذلك.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"وأعطاهم\".\n(^٢) في م: \"من هم\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨١، ٣٨٢ عن معمر به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٩٢.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٩٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٢ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) في م: \"ما\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٩٢ بنحوه.","vol":"14","page":661},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5260>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. قال: الأموالُ ما كانوا يُحَرِّمون مِن أَنعامِهم (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى، عن عمرانَ بن سليمانَ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، قال: مشاركتُه في الأموالِ؛ أن جعَلوا البَحيرةَ والسَّائبةَ والوَصِيلةَ لغيرِ اللهِ (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدٌ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾. فإنه قد فعَل ذلك؛ أما في الأموالِ فأمرَهم أن يَجْعَلوا بَحيرةً وسائبةً ووَصيلةً وحامًا (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: الصوابُ: حامِيًا.\nوقال آخرون: بل عنَى به ما كان المشركون يَذْبَحونه لآلهتِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-5261>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضَّحَّاكَ، يقولُ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾: يَعْنى ما كانوا يَذْبَحون لآلهتِهم (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٢ مطولًا. إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٠/ ٢٨٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٢ مطولًا إلى المصنف وابن مردويه\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٨١ عن معمر به مطولًا وذكره البغوي في تفسيره ٥/ ١٠٥، والقرطبي في تفسيره ١٠/ ٢٨٩.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ١٠٥، والقرطبي في تفسيره ١٠/ ٢٨٩.","vol":"14","page":662},{"text":"وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عنَى بذلك كلَّ مالٍ عُصِيَ اللهُ فيه بإنفاقٍ في حرامٍ، أو اكتسابٍ من حرامٍ، أو ذَبْح للآلهةِ، أو تَسْيِيبٍ أو بَحْرٍ للشيطانِ، وغيرِ ذلك مما كان مَعْصِيًّا به أو فيه، وذلك أَنَّ الله قال: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾، فكلُّ ما أُطِيع الشيطانُ فيه مِن مالٍ وعُصِيَ اللهُ فيه، فقد شارَك فاعلُ ذلك فيه إبليسَ، فلا وجهَ لخصُوصِ بعضِ ذلك دونَ بعضٍ.\nوقولُه: ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ شِرْكَتِه بني آدمَ في أولادِهم؛ فقال بعضُهم: شِرْكتُه إياهم فيهم بزناهم بأُمَّهاتِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-5262>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. قال: أولادُ الزِّنا (^١).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سَمِعتُ ليثًا يذكُرُ عن مجاهدٍ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. قال: أولادُ الزِّنا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. قال: أولادُ الزِّنا (^٣).\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٠/ ٢٨٩، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٩٢.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ١٠٥، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٩٢. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٢ مطولًا إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) تقدم تخريجه في الحاشية (٤) ص ٦٦٠.","vol":"14","page":663},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: أولادُ الزِّنا.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحَاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. قال: أولادُ الزِّنا، يَعْنى بذلك أهلَ الشِّرْكِ (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. قال: الأولادُ أولادُ الزِّنا.\nوقال آخرون: عنَى بذلك وَأَدَهم أَوْلادَهم وقَتْلَهمُوهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-5263>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. قال: ما قتلوا مِن أولادِهم، وأَتَوْا فيهم الحرامَ (^٢).\nوقال آخرون: بل عنَى بذلك صَبْغَهم إياهم في الكفرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5264>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. قال: قد واللهِ شارَكهم في أموالِهم وأولادِهم، فمَجَّسوا وهوَّدوا ونصَّروا، وصبَغوا غيرَ صِبْغَةِ الإسلامِ، وجَزَّءوا مِن\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ١٠٥، والقرطبي في تفسيره ١٠/ ٢٨٩، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٩٢.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٠/ ٢٨٩، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٩٢.","vol":"14","page":664},{"text":"أموالهم جُزْءًا للشيطانِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. قال: قد فعل ذلك؛ أما في الأولاد فإنَّهم هَوَّدُوهم ونَصَّروهم ومَجَّسوهم (^٢).\nوقال آخرون: بل عنَى بذلك تَسْميتَهم أولادَهم عبدَ الحارثِ وعبدَ شمسٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5265>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني عيسى بنُ يونسَ، عن عمرانَ بن سليمانَ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. قال: مشاركتُه إياهم في الأولادِ؛ سَمَّوْا عبدَ الحارثِ وعبدَ شمسٍ وعبد فُلانٍ (^٣).\nوأوْلَى الأقوال في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: كلُّ ولدٍ ولَدَتْه أنثى عُصِيَ اللهُ بتسميتِه ما يَكْرَهُه اللهُ، أو بإدخالِه في غيرِ الدِّينِ الذي ارْتَضاه اللهُ، أو بالزِّنى بأُمِّهِ، أو بقَتْلِه ووَأدِه، أو غيرِ ذلك من الأمورِ التي يُعْصَى اللهُ [بها أو فيها] (^٤)، فقد دَخَل في مشاركةِ إبليسَ فيه مَنْ وُلِدَ ذلك المولودُ له أو منه؛ لأن الله لم يَخْصُصْ بقولِه: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾، مَعْنَى الشِّرْكة فيه بمعنًى دُونَ معنًى، فكلُّ ما عُصِى اللهُ فيه أو به، وأُطِيعَ به الشيطانُ أو فيه، فهو [مشاركةُ مَنْ] (^٥) عصَى الله فيه أو\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٩٢.\n(^٢) تقدم تخريجه في حاشية ٣ ص ٦٦٢.\n(^٣) تقدم تخريجه في حاشية ٢ ص ٦٦٢، وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٩٢.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بفعله به أو فيه\"، وفى م: \"بها بفعله به أو فيه\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"مشاركته ممن\".","vol":"14","page":665},{"text":"به، إبليسَ فيه\nوقولُه: ﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لإبليسَ: وعِدْ أتباعَك من ذُرِّيَّةِ آدمَ النُّصْرةَ على من أرادَهم بسوءٍ. يقولُ اللهُ: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾؛ لأنه لا يُغْنى عنهم مِنْ عقابِ اللهِ إذا نزَل بهم شيئًا، فهم مِن عِداتِه في باطلٍ وخديعةٍ، كما قال لهم عدوُّ اللهِ حِينَ حَصْحَصَ الحَقُّ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢].\n\n<span id=\"aya-2094\"></span><span data-type='title' id=toc-5266>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لإبليسَ: إنَّ عبادى الذين أطاعونى فاتَّبَعوا أمرى، وعَصَوْكَ يا إبليسُ، ليس لك عليهم حُجَّةٌ.\nوقولُه: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وكَفاك يا محمدُ رَبُّك حَفيظًا، وقَيِّمًا بأمرِك، فانْقَدْ لأمرِه، وبَلِّغْ رِسالَتَه هؤلاء المشركين، ولا تَخَفْ أحدًا، فإنه قد تَوَكَّلَ بحِفْظِك ونُصْرَتِك.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾: وعبادُه المؤمنون، وقال اللهُ في آيةٍ أُخْرَى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠].\n\n<span id=\"aya-2095\"></span><span data-type='title' id=toc-5267>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ</span>","vol":"14","page":666},{"text":"لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦)﴾.\nيقول تعالى ذكرُه للمشركين به: ربُّكم أيها القومُ هو الذي يُسَيِّرُ لكم السُّفُنَ في البحرِ، فيحْمِلُكم فيها ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: لتَوصَّلُوا بالرُّكوب فيها إلى أماكِنِ تجاراتِكم ومطَالِبِكم ومَعايِشِكم، وتَلْتَمِسوا مِن رِزْقِه. ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. يقولُ: إن الله كان بكم رحيمًا حينَ أجْرَى لكم الفُلْكَ في البحرِ؛ تَسْهِيلًا منه بذلك عليكم التَّصرُّفَ في طلبِ فضلِه في البلادِ النائيةِ، التي لولا تَسْهيلُه ذلك لكم لصَعُبَ عليكم الوصولُ إليها.\nوبنحوِ ما قلنا في قولِه: ﴿يُزْجِي لَكُمُ﴾. أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5268>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بن داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةٌ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾. يقولُ: يُجْرِى الفُلْكَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾. قال: يُسَيِّرُها في البحرِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾. قال: يُجْرِى.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿رَبُّكُمُ\n_________\n(^١) أخرجه البخارى معلقًا بصيغة الجزم، عن ابن عباسٍ، عقب الحديث (٤٧١٠).\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٢، ١٩٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":667},{"text":"الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾. قال: يُجْرِيها.\n\n<span id=\"aya-2096\"></span><span data-type='title' id=toc-5269>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا نالَتْكم الشِّدَّةُ والجَهْدُ في البحرِ، ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ﴾. يقولُ: فَقَدْتم مَنْ تَدْعون مِن دُونِ اللهِ مِن الأَنْدادِ والآلهةِ، وجارَ (^١) عن طريقِكم فلم يُغِثْكم، ولم تَجِدوا غيرَ اللهِ مُغِيثًا يُغِيثُكم - دعوتموه، فَلَمَّا دعوتموه [وأغاثكم] (^٢) وأجاب دُعاءَكم، ونَجَّاكم مِن هَوْلِ ما كنتم فيه في البحرِ، أعْرَضْتم عمَّا دعاكم إليه ربُّكم مِن خَلْعِ الأندادِ، والبَراءةِ مِن الآلهةِ، وإفرادِه بالألوهةِ؛ كُفرًا منكم بنِعمتِهِ (^٣)، ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾. يقولُ: وكان الإنسانُ ذا جَحْدٍ لنعَمِ ربِّه.\n\n<span id=\"aya-2097\"></span><span data-type='title' id=toc-5270>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ [يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ] (^٤) عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ﴾ أيها الناسُ مِن ربِّكم، وقد كَفَرْتم نعمتَه بتَنْجِيتِه إياكم من هولِ ما كنتم فيه في البحرِ، وعظيمِ ما كنتم قد أشْرَفْتم عليه مِن الهلاكِ، فَلَمَّا نَجاكم وصِرْتم إلى البَرِّ كَفَرْتم به (^٥)، وأَشْرَكْتم في عبادتِه غيرَه، ﴿أَنْ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"حار\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أغائكم\".\n(^٣) في م: \"لنعمته\".\n(^٤) في ف: \"نخسف بكم جانب البر أو نرسل\". وبالنون في \"نخسف\"، \"نرسل\" قرأ ابن كثير وأبو عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ٣٨٣.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"14","page":668},{"text":"يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ يعنى ناحية البَرِّ، ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾. يقولُ: أو يُمطِرَكم حجارةً مِن السماءِ تَقْتُلُكم، كما فَعَل بقومِ لوطٍ، ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾. يقولُ: ثم لا تَجِدوا لكم قَيِّمًا (^١) يقومُ بالمدافَعَةِ عنكم مِن عذابِه، وما يَمْنَعُكم منه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5271>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾. يقولُ: حجارةً مِن السماءِ، ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾: أي مَنَعَةً ولا ناصرًا (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينٌ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ في قولِه: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾. قال: مطرَ الحجارةِ إذا خَرَجْتُم مِن البحرِ.\nوكان بعضُ أهلُ العربيةِ يُوَجِّهُ تأويلَ قولِه: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾. إلى: أو يُرْسِلَ عليكم رِيحًا عاصِفًا تَحصِبُ. ويَسْتَشْهِدُ لقولِه ذلك بقولِ الشاعرِ (^٣):\nمُسْتَقْبِلِين شمالَ الشَّامِ تَضْرِبُنا … بحاصِبٍ كنَدِيفِ القُطْنِ مَنْثُورِ\nوأصلُ الحاصِبِ: الريحُ تَحصِبُ بالحَصْباءِ. والحصباءُ: الأرضُ فيها الرملُ\n_________\n(^١) في م: \"ما\"، وفي ت ١: \"ما ما\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) هو الفرزدق، والبيت في شرح ديوانه ص ٢٦٢. وسيأتي في تفسير سورة العنكبوت آية ٤٠.","vol":"14","page":669},{"text":"والحَصَى الصِّغارُ. يُقالُ (^١) في الكلامِ: حصَب (^٢) فلانٌ فلانًا. إذا رَماه بالحصباءِ.\nوإنما وُصِفَتِ الريحُ بأنها تحصِبُ؛ لرَمْيِها الناسَ بذلك، كما قال الأَخْطَلُ (^٣):\nولقد عَلِمْتِ إِذا العشارُ (^٤) تَرَوَّحَتْ … هَدَجَ الرِّئَالِ (^٥) تَكُبُّهُنَّ شَمَالًا\nتَرمْى العِضاهَ بحاصِبٍ مِن ثَلْجِها … حتى يَبِيتَ على العِضاهِ جُفَالا\n\n<span id=\"aya-2098\"></span><span data-type='title' id=toc-5272>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ (^٦) فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ (^٧) عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ (^٨) بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ﴾، أيها القومُ مِن ربِّكم، وقد كَفَرْتم به بعدَ إنْعامِه عليكم النعمةَ التي قد عَلِمْتم، ﴿أَنْ يُعِيدَكُمْ﴾ في البحرِ ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾. يقولُ: مَرَّةً أُخرى.\nوالهاء التي في قوله: ﴿فِيهِ﴾. مِن ذِكْرِ البحر.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَنْ يُعِيدَكُمْ\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"منه\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"به\". وينظر الأفعال للسرقسطى ١/ ٣٥٦.\n(^٣) شرح ديوان الأخطل ص ٣٨٧.\n(^٤) العشار: الإبل التي مضى على حملها عشرة أشهر. اللسان (ع ش ر).\n(^٥) الهدج: مشى رُوَيْد في ضعف. والرئال، جمع الرأل: ولد النعام. اللسان (هـ د ج، ر أ ل).\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ف: \"نعيدكم\". وقراءة ابن كثير وأبي عمرو (نعيدكم)، (فنرسل)، (فنغرقكم) ثلاثتها بالنون. السبعة لابن مجاهدٍ ص ٣٨٣.\n(^٧) في ت ١، ت ٢، ف: \"فنرسل\".\n(^٨) في ت ١، ت ٢، ف: \"فنغرقكم\".","vol":"14","page":670},{"text":"فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾. أي: في البحرِ مرةً أُخرى (^١).\n﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾. وهى التي تَقْصِفُ مَا مَرَّتْ به فتُحَطِّمُه وتَدُقُّه، من قولِهم: قصَف فلانٌ ظَهْرَ فلانٍ. إذا كسَره، ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾. يقولُ: فيُغْرِقكم اللهُ بهذه الريحِ القاصِفِ ﴿بِمَا كَفَرْتُمْ﴾. يقولُ: بكُفْرِكم به. ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾. يقول: ثم لا تجدوا لكم علينا تابعًا يَتْبَعُنا بما فَعَلْنا بكم، ولا ثائِرًا يَثأَرُنا بإهلاكناكم (^٢). وقيل: ﴿تَبِيعًا﴾ في موضعِ \"التابِعِ\"، كما قيل: \"عليمٌ\" في موضعِ \"عالمٍ\". والعربُ تقولُ لكل طالبٍ بدَمٍ أو دَيْنٍ أو غيرِه: تبيعٌ. ومنه قولُ الشاعرِ:\nعَدَوْا وَعَدَتْ غِزْلانُهم فكأَنها … ضوامِنُ غُرمٍ لَزَّهن تَبِيعُ\nوبنحوِ الذي قلنا في \"القاصفِ\" و\"التَّبيعِ\" قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5273>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةٌ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾. يقولُ: عاصِفًا (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿قَاصِفًا﴾: التي تُغْرِقُ (^٤).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"يا هلاكنا إياكم\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ١٩٣) إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكرُه الحافظ في الفتح ٦/ ٣٠٠ عن ابن جريج به، وعزاه للمصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ١٩٣) إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"14","page":671},{"text":"قولَه: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾. يقولُ: نصيرًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ. قال محمدٌ: ثائِرًا. وقال الحارثُ: نصيرًا ثائرًا (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾. قال: ثائرًا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾. أي: لا نَخافُ أَن تُتْبَعَ بشيءٍ مِن ذلك.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾. يقولُ: لا يَتْبَعُنا أحدٌ بشيءٍ مِن ذلك (^٣).\nوالتارةُ تُجْمَعُ (^٤): تاراتٌ وتِيَرٌ. وأَفْعَلْتُ (^٥) منه: أَتَرْتُ.\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [¬*]\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٣٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في م: \"جمعه\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت،٢، ف: \"فعلت\".\n\n[¬*] (تعليق الشاملة): وقع في المطبوع هنا شيء من التفسير، تكرر بنصه وحواشيه في بداية جـ ١٥، غلطٌ طباعيٌ، فحذفناه","vol":"14","page":672},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n[¬*] (تعليق الشاملة): وقع في المطبوع هنا شيء من التفسير، تكرر بنصه وحواشيه في بداية جـ ١٥، غلطٌ طباعيٌ، فحذفناه","vol":"14","page":673},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-2099\"></span><span data-type='title' id=toc-5274>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾: بِتَسْلِيطِنا إياهم على غيرِهم مِن الخَلْقِ، وتَسْخيرِنا سائرَ الخلقِ لهم، ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ﴾ على ظُهُورِ الدَّوابِّ والمَرَاكِب، وفى ﴿وَالْبَحْرِ﴾ في الفُلْكِ التي سَخَّرْناها لهم، ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾. يقولُ: مِن طَيِّباتِ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، وهى حَلالُها ولَذِيذاتُها، ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. ذُكِرَ لنا (^١) أن ذلك تَمَكُّنُهم مِن العملِ بأَيْدِيهِم (^١)، وأخْذِ الأطعمةِ والأشْرِبَةِ بها، ورَفْعِها بها إلى أفواهِهم، وذلك غيرُ مُتَيَسِّرٍ لغيرِهم من الخَلْقِ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ الآية. قال: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾ في اليَدَيْن يَأْكُلُ بهما، ويَعْمَلُ بهما، وما سوى الإنْسِ يأكُلُ بغيرِ ذلك.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن زيدِ بن أسلمَ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. قال: قالت الملائكةُ: يا ربَّنا، إنك أعْطَيْتَ بني آدمَ الدنيا يَأْكُلون منها، ويَتَنعَّمون، ولم تُعْطِنَا ذلك، فأَعْطِناه في\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"15","page":5},{"text":"الآخرة. فقال: وعِزَّتى لا أَجْعَلُ ذُرِّيَّةَ مَن خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، كَمَنْ قلتُ له: كُنْ. فكان.\n\n<span id=\"aya-2100\"></span><span data-type='title' id=toc-5276>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١)﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"الإمامِ\" الذي ذكَر اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه أَنه يَدْعو كلَّ أُناسٍ به؛ فقال بعضُهم: هو نَبِيُّه ومَن كان يَقْتَدِى به في الدنيا ويَأْتَمُّ به.\n\n<span data-type='title' id=toc-5275>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا فُضيلٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾. قال: بنبيِّهم (^١).\nحدَّثنا ابن حُميد، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾. قال: بنبيِّهم.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾. قال: بنبيِّهم.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾. قال: بنبيِّهم (^٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٢ عن معمر به بلفظ: بأنبيائهم.","vol":"15","page":6},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أنه [يَدْعُو بهم] (^١) بكُتُبِ أعمالِهم التي عَمِلوها في الدنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5277>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾. قال: الإمامُ، ما عَمِل وأَمْلَى، فكُتب عليه، فمن بُعِث مُتَّقِيًا للهِ جُعِل كتابُه بيمينِه، فقَرَأه واسْتَبْشَر، ولم يُظْلَمُ فَتِيلًا، وهو مثلُ قولِه: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]: والإمامُ ما أمْلَى وعَمِل (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾. قال: بأعمالِهم.\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: بكتابِهم الذي فيه أعمالُهم (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبَيدٌ، قال: سَمِعتُ الضَّحَاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾. يقولُ: بكتابِهم (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"يدعوهم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٤ إلى المصنف مختصرا بلفظ: بكتاب أعمالهم.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٢ عن معمر به.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ١٠٩.","vol":"15","page":7},{"text":"الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: بأعمالِهم (^١).\nوقال آخرون: بل مَعْناه: يومَ نَدْعُو كلَّ أُناسٍ بكتابهم الذي أَنْزَلْتُ عليهم بأمرى (^٢) ونَهْيِى.\n\n<span data-type='title' id=toc-5278>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: سَمِعتُ - يَعْنى (^٣) - ابن زيدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾. قال: بكتابِهم الذي أُنزِل عليهم فيه أمرُ الله ونَهْيُه وفَرائِضُه، والذي عليه يُحاسبون. وقَرَأ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. قال: الشِّرْعَةُ الدِّينُ، والمنْهاجُ السُّنَّةُ. وقَرَأ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]. قال: فنوحٌ أَوَّلُهم، وأنت آخِرُهم (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾: بكُتُبِهم (^٥).\nوأَوْلَى هذه الأقوالِ عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: يومَ ندْعو كلَّ أُناس بإمامهم الذي كانوا يَقْتَدون به، ويَأْتَمُّون به في الدنيا؛ لأن الأغْلَبَ مِن استعمالِ العربِ \"الإمامَ\" فيما ائْتُمَّ واقْتُدِىَ به، وتوجيهُ معاني كلامِ اللهِ إلى الأَشْهَرِ أوْلَى، ما لم تَثْبُتْ حُجَّةٌ بخلافِه يَجِبُ التسليمُ لها.\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ١٠٩.\n(^٢) في م: \"فيه أمرى\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"يحيى\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٩٦ عن ابن زيد مقتصرا على أوله.\n(^٥) في م: \"بكتابهم\". والأثر في تفسير مجاهد ص ٤٣٩.","vol":"15","page":8},{"text":"وقولُه: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾. يقولُ: فمَن أُعْطِيَ كتابَ عمله بيمينِه، ﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ ذلك حتى يَعْرِفُوا جميعَ ما فيه، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يَظْلِمُهم اللهُ مِن جزاءِ أعمالِهم ﴿فَتِيلًا﴾ وهو المُنْفَتِلُ الذِي فِي شَقِّ بطنِ النَّوَاةِ.\nوقد مضَى البيانُ عن \"الفَتيلِ\" بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال: الذي في شَقِّ النَّواةِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2101\"></span><span data-type='title' id=toc-5280>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي أُشِيرَ إليه بقوله: ﴿هَذِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: أُشِير بذلك إلى النِّعَمِ التي عَدَّدَها تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾. فقال: ومَن كان في هذه النِّعَمِ (^٣) أَعْمَى فهو في نِعَمِ (^٣) الآخرةِ أَعْمَى وأَضَلُّ سبيلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5279>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن محمدِ بن أبي موسى، قال: سُئِل عن هذه الآية: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ\n_________\n(^١) تقدم في ٧/ ١٢٩ وما بعدها.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٧/ ١٣٢.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"15","page":9},{"text":"أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾. فقال: قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. قال: مَن عَمِيَ عن شُكْرِ هذه النعمِ في الدنيا، فهو في الآخرةِ أعمَى وأَضَلُّ سَبِيلًا.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ومَن كان في هذه الدنيا أعمَى عن قُدْرَةِ اللَّهِ فيها وحُجَجِه، فهو في الآخرةِ أعمَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-5281>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بن داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾. يقولُ: مَن عَمِيَ عن قُدرةِ اللَّهِ فِي الدُّنيا، ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾. قال: الدُّنيا (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾. يقولُ: مَن كان في هذه الدنيا أعمَى عما عايَنَ فيها مِن نعمِ اللهِ وخلقِه وعجائبِه (^٣)، ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾: فيما يَغِيبُ عنه مِن أمرِ الآخرةِ أعمَى.\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٣٩.\n(^٣) في ص: \"عمابيه\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"عمايته\".","vol":"15","page":10},{"text":"هَذِهِ أَعْمَى﴾: في الدنيا فيما أرَاه اللهُ مِن آياتِه، من خلقِ السماواتِ والأرضِ، والجبالِ والنجومِ، ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ﴾ الغائبةِ التي لم يَرَها أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ، وسُئِل عن قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾. فقَرَأ: ﴿إِنَّ فِي (^٢) السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣]. ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]. وقَرَأَ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾. وقرَأ حتى بَلَغ: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٠ - ٢٦]. قال: كلٌّ له مُطيعون إِلَّا ابنَ آدمَ. قال: فمَن كان في هذه الآياتِ التي يَعْرفُ أنها منَّا، ويَشْهَدُ عليها، وهو يَرَى قدرتَنا ونعمتَنا، أعمَى، فهو في الآخرةِ التي لم يَرَها، أعمَى وأَضَلُّ سبيلًا.\nوأَوْلَى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: معني ذلك: ومن كان في هذه الدُّنيا أعمَى عن حُجَجِ اللَّهِ، على أنه المُنْفَرِدُ بخَلْقِها وتدبيرِها، وتصريفِ ما فيها، فهو في أمرِ الآخرةِ التي لم يَرَها ولم يُعايِنْها، وفيما هو كائنٌ فيها ﴿أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾. يقولُ: وأَضَلُّ طريقًا منه في أمر الدنيا التي قد عايَنَها ورَآها.\nوإنما قلنا: ذلك أولى تأويلاتِه بالصوابِ؛ لأنَّ الله تعالى ذكرُه لم يَخْصُص في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ﴾ الدنيا ﴿أَعْمَى﴾، عمَى الكافرِ به عن بعضِ حُجَجِه عليه فيها دونَ بعض، فيُوَجَّهَ ذلك إلى عَماه عن نِعَمِه بما أنْعَم به عليه مِن تكريمِه بنى آدمَ، وحَمْله إياهم في البرِّ والبحرِ، وما عَدَّد في الآيةِ التي ذكَر فيها نِعَمَه عليهم، بل\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٣ عن معمر به.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ف: \"خلق\".","vol":"15","page":11},{"text":"عَمَّ بالخبرِ عن عَماه في الدنيا، فهو (^١) كما عَمَّ تعالى ذكرُه.\nواخْتَلَفَت القَرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾؛ فَكَسَرَتِ (^٢) القَرأَةُ جميعًا الحرفَ الأولَ، أعنِى قولَه: (ومَنْ كان في هذه أَعْمِى) (^٣).\nوأما قوله: (فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى). فإن عامَّةً قَرَأَةِ الكوفيين أمالَتْ أيضًا قولَه: (فهو في الآخِرَةِ أَعْمِى). وأما بعضُ قرأةِ البصرةِ فإنه فتَحه، وتَأَوَّلَه بمَعْنَى: فهو في الآخرةِ أشَدُّ عَمًى. واسْتَشْهَد لصحةِ قراءتِه بقولِه: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾.\nوهذه القراءةُ هي أوْلَى القراءتَيْن في ذلك بالصوابِ؛ للشاهدِ الذي ذكرْنا عن قارِئِه كذلك، وإنما كرِه مَن كرِه قراءتَه كذلك؛ ظَنًّا منه أن ذلك مقصودٌ به قَصْدَ عَمَى العينَيْن الذي لا يُوصَفُ أحدٌ بأنه أعْمَى مِن آخرَ أعمَى؛ إذ كان عمَى البصرِ لا يَتَفاوَتُ فيكونَ أحدُهما أَزْيَدَ عَمًى مِنْ آخَرَ، إلا بِإِدْخال \"أَشَدَّ\" أو \"أبْيَنَ\"، فليس الأمرُ في ذلك كذلك.\nوإنما قلنا: ذلك مِن عَمَى القلبِ الذي يَقَعُ فيه التَّفاوُتُ. فإِنما عنَى به عمَى قلوبِ الكفارِ عن حُجَجِ الله التي عايَنَتْها أبصارُهم، فلذلك جاز ذلك وحَسُن.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5282>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا\n_________\n(^١) في م: \"فهم\".\n(^٢) المراد بقوله: \"كسرت\"، أي: أمالت إمالة شديدة.\n(^٣) ليس الأمر كما ذكر المصنف، فقد قرأ بفتح الميم في الموضعين ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم، وبالكسر فيهما قرأ أبو بكر عن عاصم، وحمزة والكسائي، وبالكسر في الموضع الأول قرأ أبو عمرو، وفتحها في الموضع الثاني. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٨٣.","vol":"15","page":12},{"text":"سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾. قال: أعمَى عن حُجَّتِه في الآخرةِ (^١).\n\n<span id=\"aya-2102\"></span><span data-type='title' id=toc-5284>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣)﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في \"الفتنةِ\" التي كاد المشركون أن يَفْتِنوا رسولَ اللهِ ﷺ بها عن الذي أَوْحَى اللهُ إليه، إلى غيرِه؛ فقال بعضُهم: ذلك الإلمامُ بالآلهةِ؛ لأن المشرِكين دَعَوْه إلى ذلك، فهمَّ به رسولُ اللهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5283>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوب القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يسْتلِمُ الحجرَ الأسودَ، فمنَعَتْه قريشٌ، وقالوا: لا نَدَعُك (^٢) حتى تُلِمَّ (^٣) بآلهتِنا. فحدَّث نفسَه وقال: \"ما عَليَّ أَنْ أُلِمَّ بها بعدَ أَن يَدَعُونِي أَسْتَلِمُ الحَجَرَ، واللهُ يعلمُ أنِّي لها كارِهٌ\". فأبَى اللهُ، فأنزَل اللهُ: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ الآية (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾: ذُكِر لنا أن قريشًا خَلَوْا برسولِ اللهِ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٣.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"ندعه\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"يلم\".\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ١١١ عن سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم، وقال ابن الجوزى في زاد المسير ٥/ ٦٧: وهذا باطل، لا يجوز أن يظن برسول الله ﷺ، ولا ما ذكر عن عطية من أنه هم أن ينظرهم سنة، وكل ذلك محال في حقه وفي حق الصحابة أنهم رووا ذلك.","vol":"15","page":13},{"text":"ﷺ ذاتَ ليلةٍ إلى الصُّبح يُكلِّمونه ويُفخِّمونه ويُسوِّدونه ويُقارِبونَه، وكان في قولِهم أن قالوا: إنَّك تأتى بشيءٍ لا يأتى به أحدٌ من الناسِ، وأنت سيِّدُنا وابنُ سيدِنا. فما زالوا يكلِّمونَه حتى كاد أن يُقارِفَهم (^١)، ثم مَنَعَه اللهُ وعَصَمه مِن ذلك، فقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾. قال: أطافوا به ليلةً، فقالوا: أنت سيِّدُنا وابنُ سيدِنا فأرادوه على بعضِ ما يُريدون، فهَمَّ أن يُقارِبَهم (١) في بعضِ ما يُريدُون، ثم عصَمه اللهُ، فذلك قولُه: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾؛ الذي أرادوا، فهَمَّ أن يُقارِبَهم (^٣) فيهِ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ. قال: قالوا له: ائتِ آلهتَنَا فامْسَسْها. فذلك قولُه: ﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾.\nوقال آخرون: إنما كان ذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ هَمَّ أَن يُنْظِرَ قومًا بإسلامِهم إلى مدةٍ سَأَلوه الإنْظارَ إلَيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5285>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ\n_________\n(^١) في ت ١، وتفسير القرطبي: \"يقاربهم\"، وفى ت ٢، ف: \"يفارقهم\". وقارَفَه: قاربه، ولا تكون المقارفة إلا في الأشياء الدَّنِيَّة. تاج العروس (ق ر ف).\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ٢٩٩ عن قتادة.\n(^٣) في م: \"يقارفهم\"، وفى ت ٢: \"يفارقهم\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٣ عن معمر به.","vol":"15","page":14},{"text":"لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾: وذلك أن ثَقِيفًا كانوا قالوا للنبيِّ ﷺ: يا رسولَ اللهِ، أَجِّلْنا سنةً حتى يُهدَى لآلهتِنا، فإذا قبَضْنا الذي يُهدَى لآلهتِنا أخَذْناه، ثم أسْلَمْنا وكسَّرنا الآلهةَ. فهَمَّ رسولُ اللهِ ﷺ أن يُعطيَهم وأن يُؤجِّلَهم، فقال اللهُ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخبرَ عن نبيِّه ﷺ أن المشركين كادوا أن يَفْتِنوه عمَّا أوحاه اللهُ إليه ليَعْملَ بغيرِه، وذلك هو الافتراءُ على اللهِ. وجائزٌ أن يكونَ ذلك كان ما ذكَر عنهم مَن ذكَر أنَّهم دَعَوْه إلى أن يَمَسَّ آلهتَهم ويُلِمَّ بها. وجائزٌ أن يكونَ كان ذلك ما ذُكِر عن ابن عباسٍ مِن أمرٍ ثَقيفٍ ومسألَتِهم إيَّاه ما سألوه ممَّا ذَكَرْنا. وجائزٌ أن يكونَ غيرَ ذلك. ولا بيانَ في الكتابِ ولا في خبرٍ يَقْطَعُ العذرَ أيُّ ذلك كان، والاختلافُ فيه موجودٌ على ما ذَكَرْنا، فلا شيءَ فيه أصوبُ من الإيمانِ بظاهرِه حتى يأتىَ خبرٌ يجبُ التسليمُ له ببيانِ ما (^٢) عَنى بذلك منه.\nوقولُه: ﴿وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولو فعَلْتَ ما دَعَوْك إليه مِن الفتنةِ عن الذي أوحَيْنا إليك، لَاتَّخَذوكَ إذن لأنفُسِهم خليلًا، وكنتَ لهم وكانوا لك أولياءَ.\n\n<span id=\"aya-2103\"></span><span data-type='title' id=toc-5286>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولولا أن ثبَّتْناك يا محمدُ، بعِصْمَتِناك (^٣) عمَّا دعاك إليه\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٤ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"مما\".\n(^٣) في م، ت ١، ف: \"بعصمتنا إياك\".","vol":"15","page":15},{"text":"هؤلاء المشركون من الفتنة، ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾. يقولُ: لقد كِدتَ تميلُ إليهم وتَطْمَئِنُّ شيئًا قليلًا، وذلك ما كان ﷺ همَّ به مِن أن يَفعَل بعضَ الذي كانوا سَأَلُوه فِعلَه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ فيما ذُكِر، حينَ نزَلت هذه الآيةُ ما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾. فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله: \"لا تَكِلْنِي إلى نَفْسى طَرْفَةَ عينٍ\" (^١).\n\n<span id=\"aya-2104\"></span><span data-type='title' id=toc-5288>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لو رَكَنْتَ إلى هؤلاء المشركين يا محمدُ، شيئًا قليلًا فيما سألوك، إذَنْ لأذَقْناك ضعفَ عذابِ الحياةِ وضعفَ عذابِ المماتِ.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5287>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾: يَعْنى ضعفَ عذابِ الدنيا والآخرةِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ١١٢، وذكره الثعلبي - كما في تخريج أحاديث الكشاف ٢/ ٢٧٩، وأخرجه أحمد ٥/ ٤٢ (٢٠٤٤٦ - الميمنية)، والبخارى في الأدب المفرد (٧٠١)، وأبو داود (٥٠٩٠)، والنسائى في الكبرى (١٠٤٨٧) موصولًا من حديث أبي بكرة.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٤، ١٩٥ إلى المصنف.","vol":"15","page":16},{"text":"نَحِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾. قال: عذابَها، ﴿وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾. قال: عذابَ الآخرةِ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾. أي عذابَ الدنيا والآخرةِ.\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾. قال: عذابَ الدنيا وعذابَ الآخرةِ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرَنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قوله: ﴿ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾: يعنى عذابَ الدنيا وعذابَ الآخرةِ (^٣).\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ يقولُ (^٤) في قولِه: ﴿إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾: مُختَصَرٌ، كقولِك: ضعفَ عذابِ الحياةِ وضعفَ (^٥) المماتِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٤٠.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٣ عن معمر به.\n(^٣) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٦٥.\n(^٤) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٣٨٦.\n(^٥) في مجاز القرآن: \"عذاب\".","vol":"15","page":17},{"text":"فهُما عذابان؛ عذابُ المماتِ به ضُوعِف عذابُ الحياةِ.\nوقولُه: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾، يقولُ: ثم لا تجدُ لك يا محمدُ - إن نحن أذَقْناك لرُكونِك إلى هؤلاء المشركين، لو رَكَنْتَ إليهم، عذابَ الحياةِ وعذابَ المماتِ - علَينا نَصيرًا ينصُرُك علينا، فيَمْنَعُك من عذابِك، ويُنقِذُك ممَّا نالكَ منّا مِن عقوبةٍ.\n\n<span id=\"aya-2105\"></span><span data-type='title' id=toc-5290>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ (^١) إِلَّا قَلِيلًا (٧٦)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: وإن كاد هؤلاء القومُ ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾. يقولُ: لَيَسْتَخِفُّونَك مِن الأرضِ التي أنتَ بها ليُخرجوكَ مِنها، ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ: ولو أخرَجوك منها لم يلْبَثوا بعدَك فيها إلَّا قليلًا حتى أُهلِكَهم بعذابٍ عاجلٍ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في الذين كادوا أن يستفِزُّوا رسولَ اللهِ ﷺ ليُخرِجوه مِن الأرضِ، وفى الأرضِ التي أرادُوا أن يخرِجوه مِنها؛ فقال بعضُهم: الذين كادوا أن يستفزُّوا رسولَ اللهِ ﷺ مِن ذلك اليهودُ، والأرضُ التي أرادوا أن يخرِجُوه منها المدينةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5289>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعْتَمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: زعَم حَضْرَمَيٌّ أَنَّه بلَغه أن بعضَ اليهودِ قال للنبيِّ ﷺ: إن أرضَ الأنبياءِ أرضُ الشامِ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"خلفك\"، وهى قراءة، وسيشير المصنف إليها في ص ٢١.","vol":"15","page":18},{"text":"وإن هذه ليست بأرضِ الأنبياءِ. فأنزَل اللهُ: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ (^١).\nوقال آخرون: بل كان القومُ الذين فعَلوا ذلك قريشًا، والأرضُ مكةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5291>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ (^٢) إِلَّا قَلِيلًا﴾: وقد هَمَّ أهلُ مكةَ بإخراجِ النبيِّ ﷺ من مكةَ، ولو فعَلوا ذلك لَمَا تَوَطَّنوا، ولكنَّ اللَّهَ كفَّهم عن إخراجِه حتى أمَرَه، ولَقلَّما مع ذلك لَبِثُوا بعد خروجِ نبيِّ اللهِ ﷺ من مكةَ، حتى بعَث اللهُ عليهم القتلَ يومَ بدرٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: قد فعَلوا بعدَ ذلك، فأهلكهم اللهُ يومَ بدرٍ، ولم يَلْبَثوا بعدَه إلا قليلًا حتى أهْلَكهم اللهُ يومَ بدرٍ، وكذلك كانت سُنَّةُ اللهِ في الرُّسلِ إذا فعَل بهم قومُهم مثل ذلك (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٥ إلى المصنف.\n(^٢) في ت ١، ت ٢ ف: \"خلفك\".\n(^٣) ينظر تفسير القرطبي ١٠/ ٣٠١.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٣، ٣٨٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":19},{"text":"﴿خِلَافَكَ (^١) إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: لو أخرَجتْ قريشٌ محمدًا لعُذِّبوا بذلك (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوأوْلَى القولين في ذلك عندِى بالصوابِ قولُ قتادةَ ومجاهدٍ؛ وذلك أنَّ قولَه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾. في سياقِ خبرِ اللَّهِ ﷿ عن قريشٍ وذِكْرِه إيَّاهم، ولم يَجْرِ لليهودِ قبلَ ذلك ذكرٌ، فتَوَجَّه (^٣) قولُه: ﴿وَإِنْ كَادُوا﴾. إلى أنَّه خبرٌ عنهم، فهو بأن يكونَ خبرًا عمَّن جَرَى له ذكرٌ أَوْلَى مِن غيرِه.\nوأمَّا القليلُ الذي استثناه اللهُ جلَّ ذكرُه في قولِه: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فإنَّه - فيما قيل - ما بينَ خروجِ رسولِ اللهِ ﷺ مِن مكةَ إلى أنْ قتَل اللهُ مَن قتَل مِن مشركِيهم ببدرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5292>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ (^٤) إِلَّا قَلِيلًا﴾: يَعْنى بالقليلِ يومَ أخذَهم ببدرٍ، فكان ذلك هو القليلَ الذي لبِثوا بعدَه (^٥).\n_________\n(^١) في ف: \"خلفك\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٤٠.\n(^٣) في م: \"فيوجه\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"خلفك\".\n(^٥) في م: \"بعد\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":20},{"text":"حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ (^١) إِلَّا قَلِيلًا﴾: كان القليلُ الذي لبِثوا بعدَ خروجِ النبيِّ ﷺ من بين أظهُرِهم إلى بدرٍ، فأَخَذَهم بالعذابِ يومَ بدرٍ (^٢).\nوعَنَى بقولِه: ﴿خِلَافَكَ﴾: بعدَك. كما قال الشاعرُ (^٣):\nعَقَب الرَّدَاذُ (^٤) خِلافَها فكأَنَّما … بسَط الشَّواطِبُ بينَهنَّ حَصِيرًا\nيعنى بقولِه: خلافَها: بعدَها.\nوقد حُكى عن بعضِهم أنه كان يقرَؤُها: (خَلْفَكَ) (^٥). ومعنَى ذلك ومعنَى الخلافِ في هذا الموضعِ واحدٌ.\n\n<span id=\"aya-2106\"></span><span data-type='title' id=toc-5293>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لو أخرَجوك [مِن مكةَ] (^٦) لم يَلْبَثوا خِلافَك إلا قليلًا، وَلأَهْلكْناهم بعذابٍ مِن عندِنا، سُنَّتَنا في مَن قد أَرْسَلْنا قبلَك من رُسلِنا، فإِنَّا كذلك كنا نفعَلُ بالأمم إِذا أخرَجتْ رُسلَها مِن بين أظهُرِهم.\nونُصِبتِ \"السُّنَّةُ\" على الخروجِ (^٧) مِن معنى قولِه: ﴿لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"خلفك\".\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٦/ ٥٠٨.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١١/ ٦٠٢.\n(^٤) الرذاذ: المطر الضعيف. التاج (ر ذ ذ).\n(^٥) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، وقرأ حفص عن عاصم، وابن عامر وحمزة والكسائي (خِلافك). السبعة لابن مجاهد ص ٣٨٣، ٣٨٤.\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) النصب على الخروج هو النصب على الحال، كما تقدم في ٦/ ٢٣٦.","vol":"15","page":21},{"text":"قَلِيلًا﴾. لأن معنَى ذلك: لَعَذَّبْناهم بعدَ قليلٍ كسُنَّتِنا في أممٍ مَن أَرْسَلْنا قبلَكَ مِن رُسلنا. ولا تجدُ لسُنَّتِنا تحويلًا عمَّا جرَت به.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾. أي: سُنَّةَ الأُممِ والرُّسلِ كانت قبلَك كذلك، إذ كذَّبوا رُسلَهم وأخرَجوهم، لم يُناظَروا أن الله عاجِلٌ (^١) علَيهم عذابَه.\n\n<span id=\"aya-2107\"></span><span data-type='title' id=toc-5295>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أقمِ الصلاةَ يا محمدُ لدُلُوكِ الشمسِ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في الوقتِ الذي عَنَاه اللهُ بدُلوكِ الشمسِ؛ فقال بعضُهم: هو وقتُ غروبِها، والصلاةُ التي أُمِر بإقامتِها حينئذٍ صلاةُ المغربِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5294>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى الأسديُّ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن أبي إسحاقَ - يعنى الشَيْبانيَّ - عن عبدِ الرحمن بن الأسودِ، عن أبيه، أنَّه كان مع عبدِ اللهِ بن مسعودٍ على سطحٍ حينَ غرَبتِ الشمسُ، فقرأ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾. حتى فرَغ من الآيةِ، ثم قال: والذي نفسي بيدِه إن هذا لَحِينَ دَلَكَتِ الشمسُ وأفْطَر الصائمُ ووقتُ الصلاةِ (^٢).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ٢، ف، وفى م: \"أنزل\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٣٥، ٢٣٦ من طريق أبي إسحاق الشيباني به، وأخرجه الطبراني (٩١٣٦) من طريق عبد الرحمن بن الأسود به مختصرًا.","vol":"15","page":22},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن عُقْبَةَ بن عبدِ الغافرِ، أنَّ أبا عُبيدةَ بنَ عبدِ اللهِ كتَب إليه أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ كان إذا غرَبتِ الشمسُ صلَّى المغربَ، ويُفطِرُ عندَها إن كان صائمًا، ويُقسِمُ عليها يمينًا ما يُقسِمُه على شيءٍ من الصلواتِ: باللهِ الذي لا إلهَ إلا هوَ، إن هذه الساعةَ لميقاتُ هذه الصلاةِ. ويقرَأُ فيها تفسيرَها من كتابِ اللهِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾.\nحدَّثنا محمدُ بن المثنَّى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن عاصمٍ، عن أبى وائلٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: هذا دلوكُ الشمسِ، وهذا غَسَقُ الليلِ. وأشار إلى المشْرقِ والمغْربِ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال ابن عباسٍ: دلوكُ الشمسِ غُروبُها. يقولُ: دَلَكتْ بَرَاحِ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن الأسودِ، عن عبدِ اللَّهِ، أَنَّه قال حينَ غرَبتِ الشمسُ: دَلَكتْ بِرَاحٍ (^٣). يعنى بِـ \"رَاحٍ\" مكانًا (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٢/ ٣٢٣، والطبرانى (٩١٣٠) من طريق عاصم به بلفظ: دلوك الشمس غروبها.\n(^٢) سيأتي كلام المصنف على تفسير قوله: براح. في ص ٢٨.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٤.","vol":"15","page":23},{"text":"منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: دُلوكُها غُروبُها (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قد ذُكِر لنا أنَّ ابنَ مسعودٍ كان يُصلِّيها إذا وجَبتْ، وعندَها يُفطِرُ إذا كان صائمًا، ثم يُقسِمُ عليها قسَمًا لا يُقسِمُه على شيءٍ مِن الصلواتِ: باللهِ الذي لا إلهَ إلا هو، إن هذه الساعةَ لِمَيقاتُ هذه الصلاةِ. ثم يقرَأُ ويُصلِّيها. وتَصْدِيقُها مِن كتابِ اللَّهِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾. قال: كان أبي يقولُ: دُلوكُها حينَ تُريدُ الشمسُ تَغْرُبُ إلى أن يَغْسِقَ الليلُ. قال: هي المغربُ حينَ يغسِقُ الليلُ، وتَدْلُكُ الشمسُ للغروبِ.\nحدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، سمِع عمرُو بنُ دينارٍ أبا عُبيدة بنَ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ يقولُ: كان عبدُ اللهِ يُصلِّى المغربَ حينَ يغرُبُ حاجبُ الشمسِ، ويحلِفُ أنَّه الوقتُ الذي قال اللهُ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللهِ حينَ غرَبتِ الشمسُ: هذا، واللهِ الذي لا إلهَ غيرُه، وقتُ هذه الصلاةِ. وقال:\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٤، ٣٨٥، ومن طريقة ابن المنذر في الأوسط ٢/ ٣٢٣.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢٠٩٦) - ومن طريقه الطبراني (٩١٢٧) - عن ابن عيينة به، وأخرجه البيهقي في معرفة السنن (٥٢٤) من طريق ابن عيينة به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢١٦٢) عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار به، وفيه زيادة.","vol":"15","page":24},{"text":"دلوكُها غروبُها (^١).\nوقال آخرون: دلوكُ الشمسِ مَيْلُها للزَّوالِ، والصلاةُ التي أُمِر رسولُ اللهِ ﷺ بإقامتِها عندَ دلوكِها الظهرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5296>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عُمارةَ بن عُميرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: دلوكُها مَيْلُها. يعنى الشمسَ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن مغيرةَ، عن الشَّعْبيِّ، عن ابن عباسٍ، قال في قولِه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾. قال: دُلوكُها زَوالُها (^٣).\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عبدِ الحميدِ بن جعفرٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾. قال: دلوكُها مَيْلُها (^٤).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوى في شرح معاني الآثار ١/ ١٥٥، والطبراني (٩١٣٤، ٩١٣٧)، من طريق المغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله.\n(^٢) أخرج نحوه ابن أبي شيبة ١/ ٣٢٣، وابن المنذر في الأوسط ٢/ ٣٥٩ من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن ابن مسعود، ونحوه أيضا عند عبد الرزاق في مصنفه (٢٠٦١) عن معمر، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود.\n(^٣) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٢/ ٣٢٢، ٣٢٣، والطبرانى في الأوسط (١٣٧١)، من طريق مغيرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٥ إلى سعيد بن منصور.\n(^٤) أخرجه مالك ١/ ١١ (١٩) عن نافع به، وابن أبي شيبة في مصنفه ٢/ ٢٣٦ عن أبي أسامة به، وأخرجه ابن المنذر في الأوسط ٢/ ٣٢٢ من طريق مالك، عن نافع أو عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.","vol":"15","page":25},{"text":"سيَّارِ بن سَلَامةَ، عن أبي بَرْزَةَ الأَسْلَميِّ قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾. قال: إذا زالَت (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ مرَّةً أخرَى، قال: ثنا أبو تُميلةَ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، قال: ثنا سيَّارُ بنُ سلامةَ الرِّياحيُّ، قال: أتيتُ أبا بَرْزَةَ فسأله والدى عن مواقيتِ صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّى الظهرَ إذا زالتِ الشمسُ، ثم تلا: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (^٢).\nحدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسنِ، قال: قال اللهُ ﷿ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾. قال: الظهرُ، دلوكُها إذا زالَتْ عن بطنِ السماءِ وكان لها في الأرضِ فَيْءٌ.\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا يونسُ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾. قال: دُلوكُها زوالُها (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ مثلَ ذلك (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشْعَثَ، عن جعفرٍ، عن أبي جعفرٍ في: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾. قال: لزوالِ الشمسِ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ٥/ ٩٨.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٥ إلى المصنف، وأخرجه أحمد ٤/ ٤٢٥ (الميمنية)، والبخارى (٥٤١، ٥٤٧، ٥٦٨، ٥٩٩، ٧٧١)، ومسلم (٦٤٧)، وأبو داود (٣٩٨)، وأبو عوانة ١/ ٣٤٥، ٣٦٦، وابن المنذر في الأوسط ٢/ ٣٥٨، والبيهقى ١/ ٤٣٦ من طريق سيار أبي المنهال به وليس في المصادر الاستشهاد بالآية.\n(^٣) تفسير البغوي ٥/ ١١٤، وتفسير ابن كثير ٥/ ٩٩.\n(^٤) تفسير ابن كثير ٥/ ٩٩.","vol":"15","page":26},{"text":"حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن ابن عباسٍ، قال: دُلوكُ الشمسِ زَيْغُها بعدَ نصفِ النَّهارِ. يعنى الظهرَ (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: دلوكُ الشمسِ، قال: حينَ تَزِيعُ عن بطنِ السماءِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾. أي: إذا زالَتِ الشمسُ عن بطنِ السماءِ لصلاةِ الظهرِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾. قال: حين تَزِيعُ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: دُلوكُ الشمسِ حين تَزيغُ.\nوأوْلى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عنى بقولِه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾. صلاةَ الظهرِ. وذلك أن الدُّلوكَ في كلامِ العربِ الميْلُ. يُقالُ منه: دلَك فلانٌ إلى كذا. إذا مال إليه. ومنه الخبرُ الذي رُوِى عن الحسنِ أَنَّ رجلًا قال له: أيُدَالِكُ الرجل امرأتَه (^٤)؟ يعنى بذلك: أيَميلُ بها إلى المماطلةِ بحقِّها. ومنه\n_________\n(^١) في النسخ: \"الظل\". والمثبت من مصادر التخريج.\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢٠٥٢)، والتفسير ١/ ٣٨٤، وابن المنذر في الأوسط ٢/ ٣٢٢ من طريق معمر، عن الزهرى، عن سالم، عن ابن عمر من قوله.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٤ عن معمر به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٤٠، ومن طريقه ابن أبي شيبة في مصنفه ٢/ ٢٣٦.\n(^٤) ذكره أبو عبيد في غريب الحديث ٤/ ٤٥٩، وأخرجه السهمى في تاريخ جرجان ص ١٤٧، وثابت السرقسطى في الدلائل بإسنادٍ واهٍ - كما في كشف الخفاء ١/ ٧٠ - أن رجلا سأل النبي ﷺ: أيدا لك الرجل امرأته؟ قال: \"نعم\".","vol":"15","page":27},{"text":"قولُ الراجزِ (^١):\nهذا مَقامُ قَدَمَيْ رَبَاحِ\nغُدْوَةَ (^٢) حتى دَلَكَتْ بِرَاحِ\nويُرْوَى: بَرَاحٍ، بفتحِ الباءِ. فمَنْ روَى ذلك \"بِراحِ\" بكسرِ الباءِ، فإنَّه يعنى أنَّه يَضَعُ الناظرُ كفَّه على حاجِبِه مِن شُعاعِها، ليَنْظُرَ [ما بَقِى من غِيابِها] (^٣). وهذا تفسيرُ أهلِ الغريبِ؛ أبى عُبَيدةَ، والأصمعيِّ، وأبي عمرٍو الشَّيْبانيِّ، وغيرِهم. وقد ذكَرتُ في الخبرِ الذي روَيتُ عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أنَّه قال حينَ غرَبتِ الشمسُ: دَلَكَتْ بِراحٍ (^٤). يعنى بـ \"براحٍ\" مكانًا. ولستُ أدرى هذا التفسيرَ - أعْنِي قولَه: بِراحٍ مكانًا - مِن كلامٍ مَن هوَ مُمَّنْ في الإسنادِ، أَو مِن كلام عبدِ اللهِ؟ فَإِن يَكُنْ مِن كلامِ عبدِ اللهِ، فلا شكَّ أنَّه كان أعلمَ بذلك مِن أهلِ الغريبِ الذين ذكَرتُ قولَهم، وأن الصوابَ في ذلك قولُه دونَ قولِهم. وإن لم (^٥) يكنْ مِن كلامِ عبدِ اللهِ، فإنَّ أهلَ العربيةِ كانوا أعلمَ بذلك منه. ولِمَا قال أهلُ الغريبِ في ذلك شاهدٌ مِن قولِ العَجَّاجِ، وهو قولُه (^٦):\nوالشمسُ قد (^٧) كادتْ تكونُ دَنَفًا (^٨)\n_________\n(^١) معاني القرآن للفراء ٢/ ١٢٩، ومجاز القرآن ١/ ٣٨٧، والنوادر لأبي زيد ص ٨٨.\n(^٢) في معاني القرآن: \"ذبب\".\n(^٣) في النسخ: \"لقى من غبارها\". والمثبت من مجاز القرآن ١/ ٣٨٨.\n(^٤) تقدم في ص ٢٣.\n(^٥) سقط من: ص، ت ٢، ف.\n(^٦) ديوانه ص ٤٩٣، ٤٩٤.\n(^٧) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٨) قال الأصمعي - ديوان العجاج بروايته ص ٤٩٣ -: دنفا: مثل المريض الذي لم يبق منه شيء، =","vol":"15","page":28},{"text":"أدْفَعُها بالرَّاح كي تَزَحْلَفا (^١)\nفأَخبَر أَنه يَدْفَعُ شُعَاعَها لِيَنْظُرَ إِلَى مَغيبها بِرَاحِه.\nومَن روَى ذلك بفتحِ الباءِ، فإنَّه جَعَلَه اسمًا للشَّمسِ، وكَسَر الحاءَ لإخراجِه إيَّاه على تقديرِ: قَطَامِ وحَذَامِ ورَقاشِ.\nفإذا كان معنى الدُّلوكِ في كلامِ العربِ هو الميلُ، فلا شكَّ أن الشمسَ إذا زالَت عن كبِدِ السماءِ فقد مالَتْ للغروبِ، وذلك وقتُ صلاةِ الظهرِ. وبذلك ورَد الخبرُ عن رسولِ الله ﷺ، وإن كان في [إسنادِ بعضه] (^٢) بعضُ النَّظرِ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثني يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنى أبو بكرِ بن عمرِو بن حزمٍ الأنصاريُّ، عن أبي مسعودٍ عُقبةَ بن عمرٍو، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أتاني جبريلُ ﵇ لِدُلُوكِ الشمس، حينَ زالَتِ الشمسُ (^٣)، فصَلَّى بِىَ الظُّهْرَ\" (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، قال: ثنا الحسينُ بن واقدٍ، قال: ثنى سَيَّارُ بنُ سلامةَ الرِّياحيُّ، قال: قال أبو بَرْزةَ: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ لا يُصَلِّي الظهْرَ إِذا\n_________\n= أي: كادت تغيب.\n(^١) قال الأصمعي: يقال للرجل: قد تزحلف قليلا. إذا تباعد.\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"إسناده بعضه\"، وفى ت ١: \"إسناد\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٥ إلى المصنف، وأخرجه البيهقى ١/ ٣٦١، ٣٦٢، وفي معرفة السنن (٥١٧) من طريق يحيى بن سعيد به، وقال: أبو بكر لم يسمعه من أبي مسعود، وإنما هو بلاغ بلغه، وقد رُوى ذلك من حديثٍ آخر مرسل.\nوأخرجه في معرفة السنن (٥١٨) من طريق صالح بن كيسان، عن أبي بكر، بلغه أن أبا مسعود، وأخرجه (٥١٩) من طريق أيوب بن عتبة، عن أبي بكر، عن عروة، عن ابن أبي مسعود، عن أبيه.","vol":"15","page":29},{"text":"زالَتِ الشمسُ. ثم تلا: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشِيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن ابن أبى ليلى، عن رجلٍ، عن جابر بن عبدِ اللَّهِ، قال: دعَوْتُ نبيَّ اللَّهِ ﷺ وَمَن شَاء من أصحابِه، فطَعِموا عندِي، ثم خرَجوا حين زالَت الشمسُ، فخرَج النبيُّ ﷺ فقال: \"اخْرُج يا أبا بكرٍ قد (^٢) دَلَكَتِ الشمسُ\" (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمارٍ (^٤) الرازيُّ، قال: ثنا سهلُ بنُ بَكَّارٍ، قال: ثنا أبو عَوَانَةَ، الأسودِ بن قيسٍ، عن نُبَيْحٍ العَنَزِيِّ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، عن النبيِّ ﷺ نحوَ حديثِ ابن حُميدٍ (^٥).\nفإذ كان صحيحًا ما قلْنا بالذي (^٦) به استَشْهَدْنا، فبَيِّنٌ إذنْ أن معنى قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾. أن صلاةَ الظهرِ والعصرِ بحدودِهما ممَّا أوجبَ اللهُ عليك فيهما؛ لأنهما الصلاتان اللتان فرضَهما اللهُ على نبيِّه من وقتِ دُلوكِ الشمسِ إلى غَسَقِ اللَّيلِ.\nوغسقُ الليلِ هو إقبالُه ودُنُوه بظَلامِه. كما قال الشاعرُ (^٧):\n*آبَ هذا الليلُ إِذ غَسَقَا*\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢٦.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"هذا\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٩٩ عن المصنف.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ف: \"عثمان\"، وفى ت ٢: \"عمران\"، والمثبت مما تقدم في ٩/ ٥٢٢. وينظر الجرح والتعديل ٨/ ٤٣.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٩٩ عن سهل به.\n(^٦) في ص، ت ١، ت،٢، ف: \"فالذي\".\n(^٧) صدر بيت لعبيد الله بن قيس الرقيات، وهو في ديوانه ص ١٨٧، وروايته:\n* إن هذا الليل قد غسق *","vol":"15","page":30},{"text":"وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في الصلاةِ التي أُمِر رسولُ اللهِ ﷺ بإقامتِها عندَه؛ فقال بعضُهم: الصلاةُ التي أُمِر بإقامتِها عندَه صلاةُ المغربِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5297>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾. قال: غسَقُ الليل بُدُوُّ الليلِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ سُئِل عن هذه الآيةِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾. قال: بدوُّ الليلِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: غسَقُ الليلِ غروبُ الشمسِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: صلاةِ المغربِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾:\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ١١٤.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٢٧.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٤ عن معمر، عن قتادة.","vol":"15","page":31},{"text":"بُدُوِّ الليلِ لصلاةِ المغربِ، وقد ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"لا تزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتي على الفِطْرَةِ ما صَلَّوْا صلاةَ المغرب قبلَ أن تَبْدُوَ النُّجومُ\" (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذِ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: يعنى إظْلامَ (^٢) الليلِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد: كان أبى يقولُ: ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: ظُلْمةِ الليلِ.\nوقال آخرون: هي صلاةُ العصرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5298>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يَمَانٍ، عن أشْعَثَ، عن جعفرٍ، عن أبي جعفرٍ في (^٣): ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾. قال: صلاةُ العصرِ.\nوأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: الصلاةُ التي أُمر النبيُّ ﷺ بإقامتِها عندَ غسَقِ الليل هي صلاةُ المغربِ دونَ غيرِها؛ لأن غسقَ الليلِ هو ما وصَفنا من إقبالِ الليلِ وظلامِه، وذلك لا يكونُ إلا بعدَ مَغيبِ الشمسِ. فأمَّا (^٤) صلاةُ العصرِ، [فإنَّها ممَّا تُقامُ] (^٥) بينَ ابتداءِ دلوكِ الشمسِ إلى غسَقِ الليلِ، لا\n_________\n(^١) قول قتادة ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ١١٤. والمرفوع أخرجه بنحوه أحمد ٢٤/ ٤٩٣ (١٥٧١٧)، والطبراني (٦٦٧١)، والبيهقى ١٨/ ٤٤٨، والخطيب ١٤/ ١٤ من حديث السائب بن يزيد، وأخرجه أبو داود (٤١٨)، والحاكم ١/ ١٩٠ من حديث أبى أيوب، وورد عن غيرهما ينظر تخريجه في مسند أحمد.\n(^٢) في م: \"ظلام\".\n(^٣) في م: \"إلى\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فإنها\".\n(^٥) في ص، ت ١: \"وإنها مما تقام ما\"، وفى ت ٢: \"وإنها من مقام ما\"، وفى ف: \"إنها مما يقام ما\".","vol":"15","page":32},{"text":"عندَ غسَقِ الليل.\nوأما قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾. فإن معناه: وأقِمْ قرآنَ الفجرِ. أي: ما تقرَأُ به في صلاة الفجر من القرآنِ. \"والقرآنُ\" معطوفٌ على \"الصلاةِ\" في قولِه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾.\nوكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: نُصِب قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾. على الإغراءِ، كأَنَّه قال: وعلَيك قرآنَ الفجرِ.\n﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. يقولُ: إن ما تقرَأُ به في صلاةِ الفجرِ من القرآنِ كان مشهودًا؛ يشهَدُه، فيما ذُكر، ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ.\nوبالذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت الآثارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5299>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبيدُ بنُ أسباطَ بن محمدٍ القرشيُّ، قال: ثنى أبي، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن ابن مسعودٍ، وعن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ في هذه الآيةِ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال: \"تشهَدُه ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١٦/ ١٢٦ (١٠١٣٣)، وابن ماجه (٦٧٠) من طريق أسباط به، وأخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (٢٥١)، والترمذى (٣١٣٥)، والنسائى في الكبرى (١١٢٩٣)، وفي التفسير (٣١٣)، من طريق أسباط عن الأعمش، عن أبي صالح، عن، عن أبي صالح عن أبي هريرة، وأخرجه الترمذى عقب (٣١٣٥)، وابن خزيمة (١٤٧٤)، والحاكم ١/ ٢١٠، ٢١١، والبيهقى في الشعب (٢٨٣٥) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وأبي سعيد، وعزا السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"15","page":33},{"text":"حدَّثنا موسى (^١) بنُ سهلٍ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا ليثُ بنُ سعدٍ، وحدَّثنا محمدُ بنُ سهلِ بن عَسْكرٍ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: ثنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن زيادةَ بن محمدٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القرظيِّ، عن فَضَالةَ بن عُبيدٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِنَّ اللَّهَ يفتَحُ الذِّكْرَ في ثلاثِ ساعاتٍ يَبْقَين من الليلِ؛ في الساعةِ الأُولى منهن ينظُرُ فِي الكتابِ الذي لا ينظُرُ فيه أحدٌ غيرُه، فيمحو ما يشاءُ ويُثْبِتُ، ثم ينزِلُ في الساعةِ الثانيةِ إلى جنةِ عَدْنٍ، وهى دارُه التي لم ترها عينٌ، ولم (^٢) تخطُرْ على قلبِ بشرٍ، وهى مسكنُه، ولا يسكُنُ معه من بنى آدمَ غيرُ ثلاثةٍ؛ النبيِّينَ والصدِّيقين والشهداءِ، ثم يقولُ: طُوبَى لمن دخَلك. ثم يَنزِلُ في الساعةِ الثالثةِ إلى السماءِ الدنيا بروحِهِ وملائكتِه فتنتفضُ، فيقولُ: قومى بقُوَّتى (^٣). ثم يطَّلِعُ إلى عبادِه، فيقولُ: من يستغفِرْني أغفِرْ له، من يسألْني أُعْطِه، من يدعوني فأستجيبَ له. حتى يطلُعَ الفجرُ\". فذلك حينَ (^٤) يقولُ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال موسى في حديثِه: \"شهِده اللَّهُ وملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ\". وقال ابن عسكرٍ في حديثِه: \"فيشهَدُه اللَّهُ وملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ\" (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن عقبةَ بن عبدِ الغافرِ، قال: قال أبو عبيدةَ بنُ عبدِ اللَّهِ: كان عبدُ اللَّهِ يحدِّثُ أن صلاةَ الفجرِ عندَها يجتمِعُ الحَرَسانِ من ملائكةِ اللَّهِ، ويقرأُ هذه الآيةَ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ\n_________\n(^١) في م: \"محمد\".\n(^٢) في م: \"لا\".\n(^٣) في م: \"بعونى\"، وفى الرد على الجهمية، والتوحيد: \"بعزتي\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) تقدم تخريجه في ١٣/ ٥٧٠. وعزا السيوطي آخره في الدر المنثور ٤/ ١٩٦ إلى الحكيم الترمذي.","vol":"15","page":34},{"text":"إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (^١).\nحدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ صلاةَ الصبحِ، كنَّا نُحدَّثُ أن عندَها يجتمِعُ الحَرَسانِ من ملائكةِ اللَّهِ؛ حَرَسُ الليلِ وحَرَسُ النَّهارِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾: صلاةَ الفجرِ. وأما قولُه: ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ فإنَّه (^٢) يقولُ: ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ يشهَدون تلك الصلاةِ (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن مرَّةَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ أَنَّه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال: تنزِلُ ملائكةُ النَّهارِ وتصعَدُ ملائكةُ الليلِ (^٤).\nحدثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن ضِرارٍ، عن (^٥) عبدِ اللَّهِ بن أبى الهُذَيلِ، عن أبي عُبيدةَ في قولِه: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال: يشهَدُه حرسُ الليلِ وحرسُ النَّهارِ من الملائكةِ في صلاةِ الفجرِ (^٦).\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٦ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر والطبراني، وسيأتي تخريجه عند الطبراني.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٤ عن معمر به.\n(^٤) أخرجه بقى بن مخلد - كما في التمهيد ١٩/ ٥١ - عن محمد بن المثنى به، وأخرجه الطبراني (٩١٣٩) من طريق عمرو بن مرة به.\n(^٥) في النسخ: \"بن\". والمثبت من مصدر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٣٠٦.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة، كما في التمهيد ١٩/ ٥١ من طريق ابن فضيل به.","vol":"15","page":35},{"text":"﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال: كانوا يقولون: تجتمِعُ ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ في صلاةِ الفجرِ فتشهَدُ فيها جميعًا، ثم يصعَدُ هؤلاء ويقيمُ هؤلاء.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. يعنى: صلاةَ الصبحِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾. قال: صلاةَ الصبحِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾. قال: صلاةَ الصبحِ، ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال: تجتمِعُ في صلاةِ الفجرِ ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾: يعنى صلاةَ الغداةِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾. قال: صلاةَ الفجرِ، ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال: مشهودًا من الملائكةِ فيما يذكُرون. قال: وكان عليُّ بنُ أبي طالبٍ وأُبيُّ بنُ كعبٍ يقولان: الصلاةُ الوسطى التي حضَّ اللَّهُ عليها صلاةُ الصبحِ، قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٦ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٤٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٦ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"15","page":36},{"text":"وذلك أن صلاةَ الظهرِ والعصرِ صلاتا النَّهارِ، والمغربَ والعشاءَ صلاتا الليلِ، وهى بينها، وهى صلاةُ نومٍ، ما نعلمُ صلاةً يُغفَلُ عنها مثلَها.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن الجُرَيريِّ، عن أبي الوردِ بن ثُمامةَ، عن أبي محمدٍ الحضرميِّ، قال: ثنا كعبٌ، في هذا المسجدِ، قال: والذي نفسُ كعبٍ بيدِه، إن هذه الآيةَ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. إنها لصلاةُ الفجرِ، إنها لمَشهودةٌ (^١).\nحدَّثني الحسنُ بنُ عليِّ بن عياشٍ (^٢) قال: ثنا بشرُ بنُ شُعيبٍ، قال: أخبرني أبي، عن الزهريِّ، قال ثني سعيدُ بنُ المسيَّبِ وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن أبا هريرةَ قال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: \"تجتمِعُ ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ في صلاة الفجرِ\". ثم يقولُ أبو هريرةَ: اقرَءوا إن شئتُم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال: صلاةَ الفجرِ، يجتمِعُ فيها ملائكةُ اللَّيلِ وملائكةُ النَّهارِ (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٢/ ٦١٢.\n(^٢) في النسخ: \"عباس\"، وينظر تاريخ دمشق ١٣/ ٣١١، وتهذيب الكمال ٢١/ ٨١، ومختصر ابن منظور ٧/ ٥٠.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٤٨)، وفى القراءة خلف الإمام (٢٤٩)، ومسلم (٦٤٩/ ٢٤٦)، والبيهقي في الشعب (٢٨٣٤)، من طريق شعيب. به. وأخرجه البخاري (٤٧١٧) من طريق الزهري به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢٠٠١) - ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط ٢/ ٣٢٣ - من طريق الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٨٠، ومن طريقه مسلم (٦٤٩/ ٢٤٦)، والبيهقى ٣/ ٦٠ - وأحمد ١٢/ ١٠٩ (٧١٨٥)، والنسائي (٤٨٥) من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٦ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤) أخرجه بقى بن مخلد - كما في التمهيد ١٩/ ٥١ - من طريق جرير به.","vol":"15","page":37},{"text":"<span id=\"aya-2108\"></span><span data-type='title' id=toc-5301>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ومن اللَّيلِ فاسهَرْ بعدَ نومَةٍ يا محمدُ، بالقرآنِ، نافِلةً لك خالصةً دونَ أمَّتِك. والتهجُّدُ التيقُّظُ والسّهَرُ بعدَ نومَةٍ من اللَّيلِ، وأمَّا الهجودُ نفسُه فالنومُ. كما قال الشاعرُ (^١):\nألَا طرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجودُ … فباتَت بعُلَّاتِ (^٢) النَّوالِ تجودُ\nوقال الحُطَيئةُ (^٣):\nألا طرَقَت هندُ الهنودِ وصُحْبَتى … بحَوْرانَ حَوْرانِ الجنودِ (^٤) هُجُودُ\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5300>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبي وشُعَيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، عن خالدِ (^٥) بن يزيدَ، عن ابن (^٦) أبي هلالٍ، عن الأعرجِ أنَّه قال: أخبرَني حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، عن رجلٍ من الأنصارِ، أنه كان مع رسولِ اللَّهِ ﷺ في سفرٍ، فقال: لأنظُرنَّ كيف يصلِّي رسولُ اللَّهِ ﷺ. قال: فنام رسولُ اللَّهِ ﷺ ثم\n_________\n(^١) التبيان ١٥/ ٥١١، وتفسير القرطبي ١٠/ ٣٠٨، وفتح القدير ٣/ ٢٥١.\n(^٢) العلالة: ما تعللت به، أي لهوت به. اللسان (ع ل ل).\n(^٣) ديوانه ص ٣٦٢.\n(^٤) قال ابن السكيت: حوران الجنود: بها جنود، وأهل الشام يسمون كل كورة جندا، وهو اثنا عشر ميلا. المصدر السابق.\n(^٥) في ص، ت ١: \"مجالد\"، وفى، م، ف ت ٢: \"مجاهد\". والمثبت من السنن الكبرى. وينظر تهذيب الكمال ٨/ ٢٠٨.\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف. ينظر تهذيب الكمال ١١/ ٩٤.","vol":"15","page":38},{"text":"استيقَظ، فرفَع رأسَه إلى السماءِ، فتلا أربعَ آياتٍ من آخرِ سورةِ \"آل عِمرانَ\": ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]. حتى مرَّ بالأربعِ، ثم أهوَى (^١) إلى القِرْبةِ، فأخَذ (^٢) سواكًا فاستَنَّ به، ثم توضَّأ، ثم صلَّى، ثم نام، ثم استيقَظ فصنَع كصنيعِه أوَّلَ مرَّةٍ (^٣)، ويزعُمون أنَّه التهجُّدُ الذي أمَره اللَّهُ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سعيدٌ، عن أبي إسحاقَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن علقمةَ والأسودِ، أنَّهما قالا: التهجُّدُ بعدَ نومةٍ (^٥).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بن الأسودِ، قال: التهجُّدُ بعدَ نومةٍ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ (^٦)، قال: ثني أبو إسحاقَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ بن يزيدُ، عن علقمةَ و(^٧) الأسودِ بمثلِه.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: التهجُّدُ بعدَ النومِ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا يزيدُ، عن هشامٍ، عن الحسنِ،\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ٢، ف: \"به\"، وفي الكبرى: \"بيده\".\n(^٢) بعده في ص: \"رسول الله\".\n(^٣) بعده في مصدر التخريج: \"ثم نام ثم استيقظ فصنع كصنيعه أول مرة\".\n(^٤) أخرجه النسائي في الكبرى (١٠١٣٩) عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب وحده به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٦ إلى المصنف ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة.\n(^٦) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"حدثني يحيى بن سعيد، عن شعبة قال\".\n(^٧) سقط من: م.","vol":"15","page":39},{"text":"قال: التهجُّدُ ما كان بعد العشاءِ الآخِرةِ (^١).\nحُدِّثتُ عن عبدِ اللَّهِ بن صالحٍ، عن الليثِ، عن جعفرِ بن ربيعةَ، عن الأعرجِ، عن كَثيرِ بن العباسِ، عن الحجاجِ بن عمرٍو، قال: إنما التهجُّدُ بعدَ رقْدةٍ (^٢).\nوأما قولُه: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾. فإنَّه يقولُ: فَضْلًا (^٣) لك عن فرائضِك التي فرَضتُها عليك.\nواخْتُلِف في المعنى الذي من أجلِه خُصَّ بذلك رسولُ اللَّهِ ﷺ، مع كونِ صلاةِ كلِّ مصلٍّ بعدَ هجودِه، إذا كان قبلَ هجودِه قد كان أدَّى فرائضَه، نافلةً فَضْلًا (^٤)، إذ كانت غيرَ واجبةٍ عليه؛ فقال بعضُهم: معنى خصوصِه بذلك: هو أنها كانت فريضةً عليه، وهى لغيرِه تطوُّعٌ، وقيل له: أقِمْها نافلةً لك. أي: فضلًا لك من الفرائضِ التي فرَضتُها عليك عمَّا فرَضتُ على غيرِك.\n\n<span data-type='title' id=toc-5302>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾: يعنى بالنافِلةَ أنها للنبيِّ ﷺ خاصَّةً، أُمِر بقيامِ الليلِ وكُتِب عليه (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٠٠ عن الحسن.\n(^٢) أخرجه ابن قانع في معجمه ١/ ١٩٥ من طريق عبد الله بن صالح به، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٨٦٧٠) من طريق عبد الله بن صالح، عن الليث وابن لهيعة، عن جعفر به، وفى الكبير (٣٢١٦) من طريق ابن لهيعة، عن جعفر به، وأخرجه ابن أبي خيثمة - كما في تلخيص الحبير ٢/ ١٦ - من طريق الأعرج به.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"نقلًا\".\n(^٤) في م: \"نقلًا\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه، وقال الحافظ في الفتح ٣/ ٣: وإسناده ضعيف.","vol":"15","page":40},{"text":"وقال آخرون: بل قيل ذلك له ﵇؛ لأنَّه لم يكنْ فعلُه ذلك يُكفَّرُ به عنه شيءٌ من الذنوبِ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه كان قد غفَر له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر، فكان له نافلةَ فضلٍ، فأمَّا غيرُه فهو له كفارةٌ، وليس له هو نافلةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-5303>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن كَثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: النافلةُ للنبيِّ ﷺ خاصَّةً، من أجلِ أنه قد غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر، فما عمِل مِن عمَلٍ سوى المكتوبةِ فهو نافِلةٌ من أجلِ أنَّه لا يعمَلُ ذلك في كفارةِ الذنوبِ، فهى نوافلُ وزيادةٌ، والناسُ يعمَلون ما سوى المكتوبةِ لذنوبِهم في كفَّارتِها، فليست للناسِ نوافلَ (^١).\nوأولى القولين بالصوابِ في ذلك القولُ الذي ذكَرنا عن ابن عباسٍ؛ وذلك أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كان اللَّهُ تعالى ذكرُه قد خصَّه بما فرَض عليه من قيامِ اللَّيلِ دونَ سائرِ أمَّتِه. فأمَّا ما ذُكِر عن مجاهدٍ في ذلك، فقولٌ لا معنَى له؛ لأن رسولَ اللَّهِ ﷺ كان، فيما ذُكِر عنه، أكثرَ ما كان استغفارًا لذنوبِه بعدَ نزولِ قولِ اللَّهِ ﷿ عليه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢]. وذلك أن هذه السورةَ أُنزِلت عليه بعدَ مُنْصَرَفِه من الحديبيةِ، وأُنزِل عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. عامَ قُبِضَ، وقيل له فيها: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١، ٣] فكان يُعدُّ له ﷺ في المجلسِ الواحدِ استغفارٌ مائةَ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الدلائل ٥/ ٤٨٧ من طريق عبد الله بن كثير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٦ إلى ابن المنذر ومحمد بن نصر، وذكره الحافظ في الفتح ٣/ ٣ وقال: روى معنى ذلك الطبري وابن أبي حاتم عن مجاهد بإسناد حسن.","vol":"15","page":41},{"text":"مرَّةٍ (^١)، ومعلومٌ أن اللَّهَ لم يأمُرْه أن يستغفِرَه إلا لِمَا يغفِرُه له باستغفارِه ذلك، فبَيِّنٌ إذن وجهُ فسادِ ما قاله مجاهدٌ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن شِمْرِ بن (^٢) عطيةَ، عن شهرٍ، عن أبي أُمامةَ، قال: إنما كانت النافلةُ للنبيِّ ﷺ خاصةً (^٣).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾. قال: تطوُّعًا وفضِيلةً لك (^٤).\nوقولُه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. و\"عسى\" من اللَّهِ واجبةٌ، وإِنَّما وجْهُ قولِ أهلِ العلمِ: \"عسى\" من اللَّهِ واجبةٌ؛ لعلمِ المؤمنين أن اللَّهَ لا يدَعُ أن يفعلَ بعبادِه ما أطمَعهم فيه من الجزاءِ على أعمالِهم والعِوضِ على طاعتِهم إيَّاه؛ إذْ (^٥) ليس من صفتِه الغرورُ، ولا شكَّ أنه قد أطمَع من قال ذلك له في نفعِه، إذا هو تعاهَده ولزِمَه، فإن لزِم المقولُ ذلك له وتعاهَدَه ثم لم ينفَعْه، ولا سببَ يحولُ بينَه وبينَ نفعِه إيَّاه، مع الإطماعِ الذي تقدَّم منه لصاحِبِه على تعاهُدِه إيَّاه ولزُومِه، فإنَّه لصاحبِه غارٌّ بما كان من إخلافِه إيَّاه فيما كان أطمَعه فيه بقولِه الذي قال له. وإذ كان ذلك\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٢٩٧، ٢٩٨، وأحمد ٨/ ٣٥٠ (٤٧٢٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٦١٨)، وعبد بن حميد (٧٨٦) وأبو داود (١٥١٦)، وابن ماجه (٣٨١٤)، والترمذي (٣٤٣٤)، وابن حبان (٩٢٧) من حديث ابن عمر.\n(^٢) في النسخ: \"عن\". وتقدم.\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٢٥٦، والطبراني (٧٥٦١) من طريق وكيع به، وأخرجه الطيالسي (١٢٣١)، وأحمد ٥/ ٢٥٥، والبيهقي في الشعب (٢٧٧٩)، والخطيب ٨/ ٤٥٢ من طريق أبى غالب، عن أبي أمامة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن نصر وابن مردويه.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم ومحمد بن نصر.\n(^٥) زيادة يستقيم بها السياق.","vol":"15","page":42},{"text":"كذلك، وكان غيرَ جائزٍ أن يكونَ جلَّ ثناؤُه من صفتِه الغرورُ لعبادِهِ صحَّ ووجَب أن كلَّ ما أطمَعَهم فيه من طمَعٍ على طاعتِه، أو على فعلٍ من الأفعالِ، أو أمرٍ أو نهيٍ، أمَرهم به أو نهاهم عنه، فإنَّه موفٍّ لهم به، وإنه منه كالعِدَةِ التي لا يُخْلفُ الوفاءُ بها، قالوا: \"عسى\" و\"لعلَّ\" من اللَّهِ واجبةٌ.\nوتأويلُ الكلامِ: أقِمِ الصلاةَ المفروضةَ يا محمدُ في هذه الأوقاتِ التي أمَرتُك بإقامتِها فيها، ومن الليلِ فتهجَّدْ فرضًا فرَضتُه عليك، لعلَّ ربَّك أن يبعَثَك يومَ القيامةِ مقامًا تقومُ فيه محمودًا تُحمَدُه، وتُغبطُ فيه.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك المَقامِ المحمودِ؛ فقال أكثرُ أهلِ العلمِ: ذلك هو المَقامُ الذي هو يقومُه ﷺ يومَ القيامةِ للشَّفاعةِ للناسِ ليُريحَهم ربُّهم من عظيمِ ما هم فيه مِن شدَّةِ ذلك اليومِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5304>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن صِلةَ بن زُفَرَ، عن حُذيفةَ، قال: يُجمَعُ الناسُ في صعيدٍ واحدٍ، فيسمِعُهم الدَّاعِى، وينفُذُهم البصرُ، حُفاةً عراةً كما خُلِقوا، قيامًا لا تَكَلَّمُ نفسٌ إِلَّا بإذنِه، ينادَى: يا محمدُ. فيقولُ: \"لبيَّكَ وسعدَيك، والخيرُ في يَديك، والشرُّ ليس إليك، والمَهدِيُّ من هَدَيت، عبدُك بين يدَيْك، وبك وإليك، لا مَلْجَأَ ولا منجا مِنكَ إلا إليك، تبارَكتَ وتعالَيْت، سبحانَك ربَّ البيتِ\". فهذا المقَامُ المحمودُ الذي ذكَره اللَّهُ (^١).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٠١ عن المصنف.","vol":"15","page":43},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن، عن صلةَ بن زُفَرَ، عن حُذيفةَ، قال: يُجْمَعُ الناسُ في صعيدٍ واحدٍ، فلا تَكَلَّمُ نفسٌ، فأوّلُ مَدْعُوٍّ (^١) محمدٌ النبيُّ ﷺ، فيقومُ محمدٌ النبيُّ ﷺ فيقولُ: \"لبَّيك\". ثم ذكَر مثلَه (^٢).\nحدَّثنا سليمانُ بنُ عمرَ (^٣) بن خالدٍ الرَّقيُّ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن رِشْدِينَ بن كريبٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قال: المَقامُ المحمودُ مَقامُ الشفاعةِ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلَمةَ بن كُهَيلٍ، قال: ثنا أبو الزعراءِ، عن عبدِ اللَّهِ، في قصَّةٍ ذكَرها، قال: ثم يَأْمرُ بالصراطِ فيُضرَبُ على جسرٍ جَهنَّمَ، فيمرُّ الناسُ بقَدْرِ أعمالِهم؛ يمرُّ أوَّلُهم كالبرقِ، وكمرِّ الرِّيحَ، وكمرِّ الطيرِ، وكأسرَعِ البهائمِ، ثم كذلك حتى يمرَّ الرجلُ سعْيًا، ثم مشْيًا، حتى يجئَ آخِرُهم يتلبَّطُ (^٥) على بطنِه، فيقولُ: ربِّ لِمَا بطَّأْتَ بي. فيقولُ: إنى لم أُبَطِّئْ بك، إنما أَبْطأ بك عمَلُك. قال: ثم يأذنُ اللَّهُ في الشفاعةِ، فيكونُ أولَ شافعٍ يومَ القيامةِ جبريلُ ﵇، رُوحُ القُدُسِ، ثم إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ، ثم\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"يدعو\".\n(^٢) أخرجه البزار (٢٩٢٦) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الطيالسي (٤١٤) - ومن طريقه أبو نعيم في الحلية ١/ ٢٧٨ - والنسائي في الكبرى (١١٢٩٤)، من طريق شعبة به، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١١/ ٤٨٤، ١٣/ ٣٧٨، والحاكم ٢/ ٣٦٣ من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٩٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث والخطيب في المتفق والمفترق.\n(^٣) في النسخ: \"عمرو\". وتقدم في ٨/ ٧٢٤.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٧ إلى المصنف والطبراني وابن مردويه.\n(^٥) يتلبَّط: يتمرَّغ. ينظر النهاية ٤/ ٢٢٦.","vol":"15","page":44},{"text":"موسى، أو عيسى - قال أبو الزعراءِ: لا أدرى أيُّهما قال - قال: ثم يقومُ نبيُّكم ﵇ رابِعًا، فلا يشفعُ أحدٌ بعدَه فيما يشفَعُ فيه، وهو المَقامُ المحمودُ الذي ذكَر اللَّهُ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قال: المَقامُ المحمودُ مَقامُ الشفاعةِ يومَ القيامةِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قال: شفاعةُ محمدٍ يومَ القيامةِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن أبي عثمانَ، عن سلمانَ، قال: هو الشفاعةُ، يشفِّعُه اللَّهُ في أمَّتِه، فهو المَقامُ المحمودُ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَسَى أَنْ\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٣٨٩)، والنسائي في الكبرى (١١٢٩٦)، وفى تفسيره (٣١٦)، والطبراني (٩٧٦٠) من طريق سلمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٨ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه، وتقدم تخريجه مطولًا في ٣/ ٣٤، وسيأتي في ١٧/ ١٢٢.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ١٠١.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٤١، وأخرجه الخطيب في المتفق والمفترق (١٠٤٦) من طريق أبي عاصم به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١١/ ٣١، ٣٢ - ومن طريقه الطبراني (٦١١٧) - عن أبي معاوية به مطولًا.","vol":"15","page":45},{"text":"يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾: وقد ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ خُيِّر بينَ أن يكونَ عبدًا نبيًّا، أو ملِكًا نبيًّا، فأومأ إليه جبريلُ ﵇: أَن تَواضَعْ. فاختارَ نبيُّ اللَّهِ أن يكونَ عبدًا نبيًّا، فأُعطِى به نبيُّ اللَّهِ [ثِنْتَين؛ أَنه] (^١) أوَّلُ مَن تنشقُّ عنه الأرضُ، وأوّلُ شافعٍ. وكان أهلُ العلمِ يَرَوْن أنَّه المَقامُ المحمودُ الذي قال اللَّهُ ﵎: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾: شفاعة يومِ القيامةِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قال: هي الشفاعةُ، يشفِّعُه اللَّهُ في أُمَّتِه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ والثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن صلةَ بن زُفَرَ، قال: سمِعتُ حُذيفةَ يقولُ في قولِه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قال: يجمَعُ اللَّهُ الناسَ في صعيدٍ واحدٍ حيثُ يُسمِعُهم الدّاعِي، ويَنفُذُهم البصرُ، حُفاةً عُراةً كما خُلِقوا، سُكوتًا لا تكلَّمُ نفسٌ إلا بإذنِه. قال: فينادَى محمدٌ، فيقولُ: \"لبَّيك وسَعْديك، والخيرُ في يدَيك، والشرُّ ليس إليك، والمَهدِيُّ مَن هَدَيت، وعبْدُك بينَ يدَيك، ولك وإليك، لا مَلْجَأَ ولا منجَا مِنك إلا إليكَ، تبارَكْت وتعالَيْت، سبحانَك ربَّ البيتِ\". قال: فذلك المَقامُ المحمودُ الذي ذكر اللَّهُ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبي إسحاقَ، عن صلةَ بن زُفَرَ، قال (^٤): قال حُذيفةُ: يجمَعُ اللَّهُ الناسَ في صعيدٍ واحدٍ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"ثلاثين آية\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٨ إلى المصنف.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٧.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"15","page":46},{"text":"حيثُ يَنفُذُهم البصرُ، ويُسمِعُهم الدَّاعِى، حُفاةً عُراةً كما خُلِقوا أوّلَ مرَّةٍ، ثم يقومُ النبيُّ ﷺ فيقولُ: \"لبَّيك وسعْدَيك\". ثم ذكَر نحوَه، إلا أنَّه قال: هو المقامُ المحمودُ.\nوقال آخرون: بل ذلك المَقامُ المحمودُ الذي وعَد اللَّهُ نبيَّه ﷺ أن يبعَثَهُ إِيَّاه، هو أن يُقعِدَه معه على عرشِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5305>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عبادُ بنُ يعقوبَ الأسديُّ، قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قال: يُجلِسُه معه على عرشِه (^١).\nوأولى القولين في ذلك بالصوابِ ما صحَّ به الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، وذلك ما حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن داودَ بن يزيدُ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. سُئل عنها قال: \"هِيَ الشَّفاعَةُ\" (^٢).\nحدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ، قال: ثنا مَكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا داودُ بنُ يزيدَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١١/ ٤٣٦ - ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد ٧/ ١٥٨ - والخلال في السنة ٢٤١ - ٢٤٤، ٢٤٦، ٢٦٧، ٢٧٩، ٢٨٢، ٢٨٨، ٢٨٦ - ٢٨٨، من طريق ابن فضيل به، وأخرجه الخلال (٢٩٦، ٢٩٨ - ٣٠١) من طريق أبي يحيى القتات وليث عن مجاهد. قال الذهبي في العلو - نقلا عن محقق السنة -: أما قضية قعود نبينا على العرش، فلم يثبت في ذلك نص، بل في الباب حديث واه. وأبطل الواحدى - كما في البحر المحيط ٦/ ٧٣ هذا القول من خمسة أوجه، فانظرها فيه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٤٨٤، وأحمد ١٥/ ٤٥٨، ١٦/ ١٥٤، ١٥٥ (٩٧٣٥، ١٠٢٠٠)، والترمذي (٣١٣٧)، والبيهقي في الشعب (٢٩٩، ٣٠٢)، والخطيب في الموضح ٢/ ٧٨، من طريق وكيع به.","vol":"15","page":47},{"text":"الأوْدِيُّ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قال: \"هو المَقامُ الذي أشفعُ فيهِ لأمَّتِي\" (^١).\nحدَّثنا أبو عُتبةَ الحِمْصِيُّ أحمدُ بنُ الفرَجِ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، عن الزُّبيدِيِّ، عن الزهريِّ، عن عبدِ الرحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ، عن كعبٍ بن مالكٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: \"يُحْشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ، فأكونُ أنا وأمتى على تَلٍّ، فَيَكْسُوني ربي حُلةً خضراءَ، ثم يُؤْذَنُ لى فأقُولُ ما شاء اللَّهُ أن أقولَ، فذلك المَقامُ المحمودُ\" (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا شعيبُ بنُ الليثِ، قال: ثني الليثُ، عن (^٣) عبيدِ اللَّهِ بن أبي جعفرٍ، قال: سمِعتُ حمزةَ بنَ عبدِ اللَّهِ بن عمرَ يقولُ: سمِعتُ عبدَ اللَّهُ بنَ عمرَ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِنَّ الشمسَ لَتَدْنو حتى يَبْلُغَ العرقُ نصفَ الأُذُنِ، فبينما هم كذلك اسْتَغاثوا بآدمَ ﵇، فيقولُ: لستُ صاحبَ ذلك\". ثم بموسى ﵇، فيقولُ كذلك، ثم بمحمدٍ فيَشْفَعُ بينَ الخلقِ، فَيَمْشِى حتى يَأْخُذَ بحَلْقَةِ الجنةِ، فيومَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللهُ مَقامًا مَحُمودًا (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١٥/ ٤٢٧، ٤٢٨، ١٦/ ٤٨٩ (٩٦٨٤، ١٠٨٣٩)، والخطيب في الموضح ٢/ ٧٧ من طريق داود بن يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٧ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ ٥/ ٣٠٩ وابن أبي عاصم في السنة (٧٨٥)، والطبراني ١٩/ ٧٢ (١٤٢)، وفى الأوسط (٨٧٩٧)، وفى مسند الشاميين (١٧٥٩)، من طريق بقية بن الوليد به، وأخرجه الطبراني ١٩/ ٧٢ (١٤٢) من طريق صدقة بن عبد الله، عن الزبيدى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٧ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بن\".\n(^٤) أخرجه ابن منده في الإيمان ٣/ ٨٣٣ من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. وأخرجه البخاري (١٤٧٥)، وابن خزيمة في التوحيد ص ١٩٩، والطبراني في الأوسط (٨٧٢٥)، والبغوى في شرح السنة ٦/ ١١٧، من طريق الليث به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٧ إلى ابن مردويه.","vol":"15","page":48},{"text":"حدَّثني أبو زيدٍ عمرُ بنُ شَبَّةَ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ زيدٍ، عن عليّ بن الحكمِ، قال: ثنى عثمانُ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ وعلقمةَ، عن ابن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إنى لأَقُومُ المَقامُ المحمودَ\". فقال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، وما ذلك المَقامُ المحمودُ؟ قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ذاك إذا جيءَ بكم حُفاةً عُراةً غُرْلًا (^١)، فيَكُونُ أولَ مَن يُكْسَى إبراهيمُ ﵇، فيُؤْتَى بِرَيْطَتَيْنِ (^٢) بَيْضَاوَيْنِ، فَيَلْبَسُهما، ثم يَقْعُدُ مُسْتَقْبِلَ العَرْشِ، ثم أُوتَى بكِسْوتِى فألْبَسُها، فأقومُ عن يمينِه مَقامًا لا يقومُه غيرى، يَغْبِطُنى به (^٣) الأولون والآخرون، ثم يُفْتَحُ نَهَرٌ مِن الكَوْثَرِ إلى الحَوْضِ\" (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عليِّ بن الحسينِ، أن النبيَّ ﷺ قال: \"إذا كان يَوْمُ القِيامَةِ مَدَّ اللَّهُ الأَرْضَ مَدَّ الأدِيمِ حتى لا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَوْضِعُ قَدَمَيهِ - قال النبيُّ ﷺ: فأكُونُ أوَّلَ مَن يُدْعَى وجِبريلُ عن يمينِ الرحمنِ، واللَّهِ ما رآهُ قَبْلَها، فأقولُ: أي ربِّ، إِنَّ هَذَا أَخْبَرَنِي أَنَّكَ أَرْسَلْتَهُ إليَّ. فيقولُ اللَّهُ ﷿: صدَق. ثم أشْفَعُ، قال: فهو المقامُ المَحْمُودُ\".\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عليّ بن الحسينِ، قال: قال النبيُّ ﷺ: \"إذا كان يومُ القيامةِ\". فذكَر\n_________\n(^١) الغزل؛ جمع الأغرل، وهو الأقلف، والغرلة: القلفة. النهاية ٣/ ٣٦٢.\n(^٢) الريطة: كل ملاءة ليست بلفقين، وقيل: كل ثوب رقيق لين. والجمع: رَيْط ورياط. النهاية ٢/ ٢٨٩.\n(^٣) في م: \"فيه\".\n(^٤) أخرجه أحمد ٦/ ٣٢٨ (٣٧٨٧)، والطبراني (١٠٠١٧)، والبزار (٣٤٧٨ - كشف)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٣٨ من طريق سعيد بن زيد به، وليس عند البزار ذكر الأسود، وأخرجه الدارمي ٢/ ٣٢٥، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٣٩ من طريق على بن الحكم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٧ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"15","page":49},{"text":"نحوَه، وزاد فيه: \"ثم أشْفَعُ فأقولُ: يا ربِّ، عبادُك (^١) عبدُوكَ في أطرافِ الأرضِ (^٢). وهو المقامُ المحمودُ\" (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ طهْمانَ، عن آدمَ بن (^٤) عليٍّ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: إن الناسَ يصيرون (^٥) يومَ القيامةِ جُثًا (^٦)، مع كلِّ نبيٍّ أمَّتُه، ثم يجئُ رسولُ اللَّهِ ﷺ في آخرِ الأممِ هو وأمَّتُه، فيَرقَى هو وأمَّتُه على كَوم فوقَ الناسِ، فيقولُ: يا فلانُ اشفَعْ، ويا فلانُ اشْفَعْ، ويا فلانُ اشْفَعْ. فما زال (^٧) يردُّها بعضُهم على بعضٍ حتى (^٨) يرجِعَ ذلك إليه، وهو المَقامُ المحمودُ الذي وعَدَه (^٩) اللَّهُ إيَّاه (^١٠).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) قال ابن كثير في النهاية ١٩/ ٤٢١: أي: وقوف في أطراف الأرض. أي الناس مجتمعون في صعيد واحد، مؤمنهم وكافرهم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٧٨ عن المصنف، والأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٧، ٢/ ٣٥٨، وأخرجه الحاكم ٤/ ٥٧٠ من طريق الزهري به. وأخرجه الحاكم ٤/ ٥٧٠ من طريق الزهري، عن علي بن الحسين، عن جابر مرفوعا، وأخرجه الحارث بن أبي أسامة - كما في المطالب (٥١٥٣) - والبيهقي في الشعب (٣٠٣) من طريق الزهري، عن علي بن الحسين، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في فتح الباري ١١/ ٤٢٧ - من طريق الزهري، عن علي بن الحسين، عن رجال من أهل العلم. وينظر فتح الباري ٨/ ٤٠٠.\n(^٤) في النسخ: \"عن\". والمثبت من مصدرى التخريج. وينظر تهذيب الكمال.\n(^٥) في م: \"يحشرون\".\n(^٦) في النسخ: \"فيجيء\". وقال الحافظ في الفتح ٨/ ٤٠٠: جُثًا. بضم أوله والتنوين، جمع جثوة، كخطوة وخطا، وحكى ابن الأثير أنه روى \"جُثِىً\" بكسر المثلثة وتشديد التحتانية، جمع جاث، وهو الذي يجلس على ركبتيه. وقال ابن الجوزي، عن ابن الخشاب: إنما هو \"جُثًّى\" بفتح المثلثة وتشديدها، جمع جاث، مثل غازٍ وغُزًّى.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢: \"يزال\".\n(^٨) سقط من: م.\n(^٩) في ص، ت ١، ف: \"وعد\".\n(^١٠) أخرجه البخاري (٤٧١٨)، والنسائي في الكبرى (١١٢٩٥)، وفي تفسيره (٣١٥) من طريق آدم بن =","vol":"15","page":50},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا حَيْوةُ وربيعٌ، قالا: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، عن الزُّبَيْدِيِّ، عن الزهريِّ، عن عبدِ الرحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ، عن كعبِ بن مالكٍ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"يُحْشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ، فأكونُ أنا وأمَّتِى على تَلٍّ، \"فيَكْسُونِي ربى ﷿ حُلَّةً خضراءَ، ثم يؤذَنُ لى فأقُولُ ما شاء اللَّهُ أن أقولَ، فذلك المقامُ المحمودُ\" (^١).\nوهذا وإن كان هو الصحيحَ من القولِ في تأويلِ قولِه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. لِمَا ذكَرنا من الروايةِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه والتابِعين، فإنَّ ما قالَه مجاهدٌ مِن أنَّ اللَّهَ يُقعِدُ محمدًا ﷺ على عرشِه، قولٌ غيرُ مدفوعٍ صحَّتُه، لا مِن جهةِ خبرٍ ولا نظَرٍ؛ وذلك لأنَّه لا خبرَ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، ولا عن أحدٍ من أصحابِه، ولا عن التابِعين، بإحالةِ ذلك؛ فأمَّا مِن جهةِ النَّظرِ، فإِن جمِيعَ من ينتَحِلُ الإسلامَ إنَّما اختلَفوا في معنَى ذلك على أوجهٍ ثلاثةٍ؛ فقالت فرقةٌ مِنهم: اللَّهُ ﷿ بائنٌ من خلقِه، كان قبلَ خلْقِه الأشياءَ، ثم خلَق الأشياءَ فلم يماسَّها، وهو كما لم يزَلْ، غيرَ أنَّ الأشياءَ التي خلَقها، إذ لم يكنْ هو لها مُماسًّا، وجَب أن يكونَ لها مُبايِنًا، إذ لا فعَّال للأشياءِ إلا وهو مماسٌّ للأجسامِ أو مُباينٌ لها. قالوا: فإذ كان ذلك كذلك، وكان اللَّهُ ﷿ فاعلَ الأشياءِ، ولم يجُزْ أن يُوصَفَ في قولِهم بأنَّه مماسٌّ للأشياءِ، وجَب بزعمِهم أنَّه لها مباينٌ.\nفعلى مذهبِ هؤلاء سواءٌ أقعَد (^٢) محمدًا ﷺ على عرشِه أو على الأرضِ، إذ\n_________\n= على به مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٧ إلى سعيد بن منصور وابن مردويه.\n(^١) أخرجه أحمد ٢٥/ ٦١ (١٥٧٨٣)، وابن حبان (٦٤٧٩)، والحاكم ٢/ ٣٦٣، من طريق محمد بن حرب به. وينظر ما تقدم في ص ٤٨.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قعد\".","vol":"15","page":51},{"text":"كان من قولِهم إن بيْنونتَه من عرشِه وبيْنونتَه من أرضِه بمعنى واحدٍ في أنَّه بائنٌ مِنهما كلَيهما، غيرُ مماسٍّ لواحدٍ منهما.\nوقالت فرقةٌ أُخرَى: كان اللَّهُ تعالى ذكرُه قبلَ خلْقِه الأشياءَ، لا شيءَ يماسُّه، ولا شيءَ يُباينُه (^١)، ثم خلَق الأشياءَ فأقامَها بقُدرتِه، وهو كما لم يزلْ قبلَ خلقِه الأشياءِ لا شيءَ يماسُّه ولا شيءَ يباينُه.\nفعلَى قولِ هؤلاء أيضًا سواءٌ أقعَد محمدًا ﷺ على عرشِه، أو على أرضِه، إذ كان سواءٌ على قولِهم عرشِه وأرضِه في أنَّه لا مماسَّ ولا مباينَ لهذا، كما أنَّه لا مماسَّ ولا مباينَ لهذه.\nوقالت فرقةٌ أخرَى: كان اللَّهُ عزَّ ذكرُه قبلَ خلْقِه الأشياءَ لا شيءَ يماسُّه، ولا شيءَ يباينُه، ثم أحدثَ الأشياءِ وخلَقَها، فخلَقَ لنفسِه عرشًا اسْتَوى عليه جالسًا (^٢)، وصار له مماسًّا، كما أنَّه قد كان قبلَ خلقِه الأشياءَ لا شيءَ يرزقُه رزقًا، ولا شيءَ يحرمُه ذلك، ثم خلَق الأشياءَ فرزَق هذا وحرَم هذا، وأعطَى هذا، ومنَع هذا. قالوا: فكذلك كان قبلَ خَلْقِه الأشياءَ، لا شيءَ يماسُّه ولا يباينُه، وخلَق الأشياءِ فماسَّ العرشَ بجلوسِه عليه دونَ سائرِ خلْقِه، فهو مماسٌّ ما شاء مِن خلْقِه، ومباينٌ ما شاء مِنه.\nفعلَى مذهبِ هؤلاء أيضًا سواءٌ أقعَد محمدًا على عرشِه، أو أقعَدَه على مِنبَرٍ من نورٍ، إذ كان من قولِهم: إن جلوسَ الربِّ ﷿ على عرشِه ليس بجلوسٍ يشغَلُ جميعَ العرشِ. ولا في إقعادِ محمدٍ ﷺ موجِبًا له صفةَ الرُّبوبيَّةِ، ولا مُخرِجَه من\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ثم يباينه\".\n(^٢) الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، فلا يحل تأويل الاستواء بالجلوس، فهذا تأويل فاسد، وينظر شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٣٧٢ وما بعدها.","vol":"15","page":52},{"text":"صفةِ العُبوديَّةِ لربِّه، كما أن مباينةَ محمدٍ ﷺ ما كان مُباينًا له من الأشياءِ غيرُ موجبةٍ له صفةَ الرُّبوبيَّةِ، ولا مُخرِجتِه (^١) من صفةِ العُبوديَّةِ لربِّه، من أجلِ أنه موصوفٌ بأنَّه له مبايِنٌ، كما أن اللَّهَ ﷿ موصوفٌ على قولِ قائلِ هذه المقالةِ بأنه مبايِنٌ لها، هو له مبايِنٌ. قالوا: فإذا كان معنى مبايِنٌ ومبايِنٍ لا يوجِبُ لمحمدٍ ﷺ الخروجَ من صفةِ العُبودَةِ والدخولَ في معنى الربوبيَّةِ (^٢)، فكذلك لا يوجِبُ له ذلك قعودُه على عرشِ الرحمنِ. فقد تبيَّن إذن بما قُلنا أنه غيرُ محالٍ في قولِ أحدٍ ممَّن ينتَحِلُ الإسلامَ ما قاله مجاهدٌ من أنَّ اللَّهَ ﵎ يُقْعِدُ محمدًا ﷺ على عرشِه.\nفإن قال قائلٌ: فإِنَّا لا نُنكرُ إقعادَ اللَّهِ محمدًا على عرشِه، وإنما تُنكِرُ (^٣) إقعادَه (^٤).\n- حدَّثني عباسُ بنُ عبدِ العظيمِ، قال: ثنا يحيى بنُ كثيرٍ، [عن سلمِ بن جعفرٍ] (^٥)، عن الجُرَيرِيِّ، عن سَيفٍ السَّدُوسيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن سلَامٍ، قال: إن محمدًا ﷺ يومَ القيامةِ على كرسيِّ الربِّ بينَ يدَيِ الربِّ ﵎ (^٦).\n- وإنما تُنْكِرُ إِقْعادَه إِيَّاه معه.\nقيل: أفجائزٌ عندَك أن يقعِدَه علَيه لا مَعه؟ فإن أجاز ذلك صار إلى الإقرارِ بأنَّه إمَّا معه، أو إلى أنَّه يقعِدُه، واللَّهُ للعرشِ مباينٌ، أو لا مماسَّ ولا مباينَ، وبأيِّ ذلك قال\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"مخرجه\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"العبودية\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أنكروا\".\n(^٤) بعده في ت ١: \"إياه معه، وبتأويل ذلك قال أهل التأويل، ذكر من قال ذلك\".\n(^٥) سقط من: النسخ، والمثبت من السنة للخلال، وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٢١٤.\n(^٦) أخرجه الخلال في السنة (٢٣٦، ٢٨٠، ٣٠٧) من طريق عباس بن عبد العظيم به، وأخرجه ٢٣٧، ٢٣٨، ٣٠٨، ٣٠٩) من طريق يحيى بن كثير به.","vol":"15","page":53},{"text":"كان منه دخولًا في بعضِ ما كان يُنْكِرُه. وإن قال: ذلك غيرُ جائزٍ. كان (^١) مِنه خروجًا من قولِ جميعِ الفِرقِ التي حكَيْنا قولَهم، وذلك فِراقٌ لقولِ جميعِ من ينتَحِلُ الإسلامَ، إذ كان لا قولَ في ذلك إلا الأقوالَ الثلاثةَ التي حكَيْناها، وغيرُ محالٍ في قولٍ منها ما قال مجاهدٌ في ذلك.\n\n<span id=\"aya-2109\"></span><span data-type='title' id=toc-5307>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وقلْ يا محمدُ: يا ربِّ أدخِلْني مُدخلَ صدْقٍ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنَى \"مُدْخلِ الصدقِ\" الذي أمَر اللَّهُ نبيَّه ﷺ أن يرغَبَ إليه في أن يدْخِلَه إيَّاه، وفى \"مُخْرجِ الصدقِ\" الذي أمرَه أن يرغَبَ إليه في أن يخرِجَه إيَّاه؛ فقال بعضُهم: عنَى بمُدْخلِ الصِّدقِ مُدْخِلَ رسولِ اللَّهِ ﷺ المدينة حين هاجَر إليها، ومُخرجِ الصدقِ مُخْرجَه من مكةَ حينَ خرَج منها مهاجرًا إلى المدينةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5306>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن قابوسَ بن أبي ظَبْيانَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ، مكةَ، ثم أُمِر بالهجرةِ، فأنزَل اللَّهُ ﵎ اسمُه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ (^٢).\n_________\n(^١) سقط م: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة - كما في الإتحاف (٥٣٦٣) - وأحمد ٣/ ٤١٧ (١٩٤٨)، والترمذي (٣١٣٩)، وابن عدي ٦/ ٢٠٧٢، والحاكم ٣/ ٣، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٥١٦ من طريق جرير به. وأخرجه الطبراني (١٢٦١٨)، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٥١٦، ٥١٧ من طريق قابوس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور=","vol":"15","page":54},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بزيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾. قال: كفارُ أهلِ مكةَ لمَّا ائتمَروا برسولِ اللَّهِ ﷺ ليقتُلُوه أو يطرُدُوه أو يُوثِقُوه، وأراد اللَّهُ قتالَ أَهلِ مكةَ، فأمَره أن يخرُجَ إلى المدينةِ، فهو الذي قال اللَّهُ: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾. قال: المدينةَ، ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾. قال: مكةَ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي\nمُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾: أخرَجه اللَّهُ من مكةَ إلى الهجرةِ بالمدينةِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾. قال: المدينةَ، حين هاجَر إليها، ﴿مُخْرَجَ (^٤) صِدْقٍ﴾: مكةَ، حين خرَج منها مُخرجَ صدقٍ، قال ذلك حين خرَج مهاجرًا (^٥).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وقلْ ربِّ أمِتْنِى إماتةَ صِدْقٍ، وأخرِجْنى بعد المماتِ من قبرِى يومَ القيامةِ مُخرَجَ صدقٍ.\n_________\n= ٤/ ١٩٨ إلى ابن المنذر وأبي نعيم في الدلائل والضياء المقدسي في المختارة وابن مردويه.\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٠٨.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٩ عن معمر به.\n(^٣) أخرجه الحاكم ٣/ ٣ ومن طريقه البيهقى في الدلائل - ٢/ ٥١٧ من طريق شيبان، عن قتادة.\n(^٤) في ص، ت ٢، ف: \"مدخل\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٩ إلى الزبير بن بكار في أخبار المدينة.","vol":"15","page":55},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5308>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية. قال: يعني بالإدخالِ الموتَ، والإخراجِ الحياةَ بعدَ المماتِ (^١).\nوقال آخرون: بل عنَى بذلك: أدخِلْنى في أمْرِك الذي أرسَلْتنى به مِن النبوَّةِ مُدْخلَ صدقٍ، وأخرِجْنى منه مُخْرَجَ صدقٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5309>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا (^٢) عن ابن أبي ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾. قال: فيما أرسَلْتنى به مِن أمْرِك، ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾. قال: كذلك أيضًا (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nوقال آخرون: بل معنَى ذلك: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾: الجنةَ، ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾: من مكةَ إلى المدينةِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٤١.","vol":"15","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5310>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾: الجنةَ، و﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾: من مكةَ إلى المدينةِ (^١).\nوقال آخرون: بل معنَى ذلك: أدخِلْني في الإسلامِ مُدْخلَ صدقٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5311>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا سهلُ بنُ موسى الرازيُّ، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾. قال: أدخِلْني في الإسلامِ مُدْخلَ صدقٍ، وأَخْرِجْنى منه مُخرَجَ صِدْقٍ.\nوقال آخرون: بل معنَى ذلك: أدخِلْنى مكةَ آمنًا، وأخرِجْنى منها آمنًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5312>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ قال في قولِه: ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾: يعنى مكةَ، دخَل فيها (^٢) آمنًا، وخرَج منها آمنًا (^٣).\nوأشبهُ هذه الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ ذلك قولُ مَن قال: معنَى ذلك: وأدخِلْنى المدينةَ مُدخلَ صدقٍ، وأخرِجْني (^٤) من مكةَ مُخرَجَ صدقٍ.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٦ بدون ذكر قتادة.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"منها\".\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ١٢٢.\n(^٤) بعده في ص، ت ٢، ف: \"مخرج\".","vol":"15","page":57},{"text":"وإنما قلنا: ذلك أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لأنّ ذلك عَقِيبَ قولِه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقد دلَّلنا فيما مضَى - على أنَّه عنَى بذلك أهلَ مكةَ (^١). فإذ كان ذلك عَقِيبَ خبرِ اللَّهِ عمَّا كان المشركون أرادوا من استِفْزازِهم رسولَ اللَّهِ ﷺ ليخرِجُوه عن مكةَ، كان بيِّنًا، إذ كان اللَّهُ قد أخرَجَه منها، أن قولَه له (^٢): ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾. أمرٌ منه لَه بالرغبةِ إليه في أن يُخرِجَه من البَلْدَةِ التي هَمَّ المشركون بإخْراجِه منها [وأَخْرَجَه اللَّهُ منها] (^٣) مُخرَجَ صِدقٍ، وأن يدخِلَه البلدةَ التي نقَله (^٤) اللَّهُ إليها مُدخَلَ صِدقٍ.\nوقولُه: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنَى ذلك: واجعلْ لِي مُلْكًا ناصرًا ينصُرُني على من ناوأنى، وعِزًّا أقيمُ به دينَك، وأدفَعُ به عنه مَن أراده بسوءٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5313>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بزيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾: يُوعِدُه لَيَنْزِعَنَّ مُلكَ فارسَ وعِزَّ فارسَ، ولَيجعَلَنَّه له، وعِزَّ الرُّومِ ومُلكَ الرومِ، ولَيَجْعَلَنَّه له (^٥).\n_________\n(^١) تقدم في ص ١٩، ٢٠.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ص، ت ٢، ف: \"قبله\".\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ١٠/ ٣١٣، والبغوى في تفسيره ٥/ ١٢٢، وابن كثير في تفسيره ٥/ ١٠٩.","vol":"15","page":58},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾: وإنَّ نبيَّ اللَّهِ علِم ألا طاقةَ له بهذا الأمرِ إلَّا بسلطانٍ، فسأل سلطانًا نصيرًا لكتابِ اللَّهِ ﷿، ولحُدودِ اللَّهِ، ولفرائضِ اللَّهِ، ولإقامةِ دينِ اللَّهِ، وإنَّ السلطانَ رحمةٌ من اللَّهِ جعَلها بينَ أظهرِ عبادِه، لولا ذلك لأغار بعضُهم على بعضٍ، فأكَل شديدُهم ضعيفَهم (^١).\nوقال آخرون: بل عنَى بذلك حُجةً بينةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-5314>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾. قال: حُجةً بينةً (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوأولَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: ذلك أمرٌ مِن اللَّهِ ﷿ نبيَّه بالرغْبةِ إليه في أن يؤْتيَه سلطانًا ناصِرًا (^٣) له على من بَغاه وكادَه، وحاوَل منْعَه إقامتِه فرائضَ اللَّهِ في نفسِه وعبادِه.\nوإنَّما قلتُ: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنَّ ذلك عَقيبَ خبرِ اللَّهِ عما كان المشركون همُّوا به من إخراجِه من مكةَ، فأعْلَمه اللَّهُ ﷿ أَنَّهم لو فعَلوا ذلك\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤٥، ٤٦.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٥٦.\n(^٣) في م: \"نصيرا\".","vol":"15","page":59},{"text":"عُوجِلوا بالعذابِ عن قريبٍ، ثم أمَره بالرغبةِ إليه في إخراجِه مِن بين أظهرِهم إخراجَ صِدْقٍ يُحاولُه له (^١) عليهم، ويُدْخلُه بلدةً غيرَها بمُدخَلِ صِدقٍ يُحاولُه عليهم ولأهلِها في دخولِه إليها، وأن يجعَلَ له سلطانًا نصيرًا على أهلِ البلدةِ التي أخرَجه أهلُها منها، وعلى كلِّ من كان لهم شبيهًا. وإذا أُوتى ذلك، فقد أُوتى - لا شكَّ - حجةً بينةً.\nوأما قولُه: ﴿نَصِيرًا﴾. فإنَّ ابنَ زيدٍ كان يقولُ فيه نحوَ قولِنا الذي قلنا فيه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾. قال: يَنْصُرُني، وقال لموسى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ [القصص: ٣٥]. هذا مقدَّمٌ ومؤخَّرٌ، إنَّما هو سلطانٌ بآياتِنا فلا يَصِلون إليكما.\n\n<span id=\"aya-2110\"></span><span data-type='title' id=toc-5315>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقلْ يا محمدُ لهؤلاء المشرِكين الذين كادُوا أن يستفِزُّوكَ من الأرضِ لِيُخْرِجوك منها: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"الحقِّ\" الذي أمَر اللَّهُ نبيَّه ﷺ أَن يُعْلِمَ المشرِكين أنه قد جاء، و\"الباطلِ\" الذي [أمَره أن يُعْلِمَهم] (^٢) أنه قد زَهَق؛ فقال بعضُهم: الحقُّ هو القرآنُ في هذا الموضعِ، والباطلُ هو الشيطانُ.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) في ص، ف: \"أمرهم أن يعلمه\".","vol":"15","page":60},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5316>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾. قال: الحقُّ القرآنُ، ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾. قال: القرآنُ، ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾. قال: هلَك الباطلُ، وهو الشيطانُ (^١).\nوقال آخرون: بل عنَى بالحقِّ جهادَ المشركين، وبالباطلِ الشركَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5317>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾. قال: دَنا القتالُ، ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾. قال: الشركُ وما هم فيه (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: دخَل رسولُ اللَّهِ ﷺ مكةَ وحولَ البيتِ ثلاثُمائةٍ وستُّون صنمًا، فجعَل يطعنُها ويقولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (^٣).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٩ عن معمر به.\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٧٤ بمعناه.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٨، ومن طريقه مسلم (١٧٨١)، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٤٨٨، والبخاري (٢٤٧٨، ٤٢٨٧، ٤٧٢٠)، ومسلم (١٧٨١)، والترمذي (٣١٣٨)، والنسائي في الكبرى (١١٢٩٧، ١١٤٢٨)، وفى تفسيره (٣١٧، ٤٤٨)، والبغوى في تفسيره ٥/ ١٢٢، ١٢٣، من طريق ابن أبي نجيح به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٩ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"15","page":61},{"text":"وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: أمَر اللَّهُ ﵎ نبيَّه ﵊ أن يُخبِرَ المشركين أن الحقَّ قد جاء، وهو كلُّ ما كان اللَّهِ فيه رضًا وطاعةٌ، وأن الباطلَ قد زهَق. يقولُ: وذهَب كلُّ ما كان لا رضَا للَّهِ فيه ولا طاعةَ، مما هو له معصيةٌ وللشيطانِ طاعةٌ، وذلك أنَّ الحقَّ هو كلُّ ما خالَف طاعةَ إبليسَ، وأنَّ الباطلَ هو كلُّ ما وافَق طاعتَه، ولم يَخْصُصِ اللَّهُ عزَّ ذكرُه بالخبرِ عن بعضِ طاعاتِه، ولا ذَهابِ بعضِ معاصِيه، بل عمَّ الخبرَ عن مجيءِ جميعِ الحقِّ، وذَهابِ جميعِ الباطلِ، وبذلك جاء القرآنُ والتنزيلُ، وعلى ذلك قاتَل رسولُ اللَّهِ ﷺ أهلَ الشرْكِ باللَّهِ، أعنِى على إقامةِ جميعِ الحقِّ، وإبطالِ جميعِ الباطلَ.\nوأما قولُه ﷿: ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾. فإنَّ معناه: وذهَب الباطلُ. من قولِهم: زَهَقت نفسُه. إذا خرَجت، وأزهقتُها أنا. ومن قولِهم: أزهَق السهمَ، إذا جاوَز الغرَضَ فاستمرَّ على جِهتِه. يقالُ منه: زهَق الباطلُ، يرْهَقُ زُهُوقًا، وأزْهقه اللَّهُ. أي: أذهبَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5318>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. يقولُ: ذاهبًا (^١).\n\n<span id=\"aya-2111\"></span>وقولُه جلّ وعزَ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ونُنزِّلُ عليك يا محمدُ من القرآنِ ما هو شفاءٌ يُسْتشْفَى به من الجهلِ (^٢)؛\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ف: \"به\".","vol":"15","page":62},{"text":"من الضلالةِ، ويُبَصَّرُ به من العَمى - للمؤمنين (^١)، ورحمةٌ لهم دونَ الكافرين به؛ لأنَّ المؤمنين يَعْمَلون بما فيه مِن فرائضِ اللَّهِ، ويُحلُّون حَلالَه، ويُحرِّمون حرامَه، فيُدْخِلُهم بذلك الجنةَ، ويُنْجيهم من عذابِه، فهو لهم رحمةٌ ونعمةٌ من اللَّهِ أنعَم بها عليهم، ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. يقولُ: ولا يزيدُ هذا الذي نُنَزِّلُ عليك من القرآن الكافِرين به ﴿إِلَّا خَسَارًا﴾. يقولُ: إهلاكًا؛ لأنهم كلَّما نزَل فيه أمرٌ من اللَّهِ بشيءٍ، أو نهىٌ عن شيءٍ، كفَروا به، فلم يأتِمروا لأمرِه، ولم ينتهُوا عما نَهاهم عنه، فزادَهم ذلك خَسَارًا إلى ما كانوا فيه قبلَ ذلك من الخَسارِ، ورِجسًا إلى رجسِهم قبلُ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: إذا سمِعه المؤمنُ انتفَع به وحفِظه ووَعاه، ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ (^٢) إِلَّا خَسَارًا﴾، أنَّه لا ينتفِعُ به ولا يَحْفظُه ولا يَعِيه، وإنَّ اللَّهَ جعَل هذا القرآنَ شفاءً ورحمةً للمؤمنين (^٣).\n\n<span id=\"aya-2112\"></span><span data-type='title' id=toc-5319>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣)﴾.</span>\nيقولُ ﵎: وإذا أَنْعَمْنا على الإنسانِ فنجَّيناه من كرْبِ ما هو فيه في البحرِ، وهولِ (^٤) ما قد أشرَف فيه عليه مِن الهلاكِ، بعُصوفِ الريحِ عليه، إلى البرِّ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"المؤمنين\".\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ١: \"به\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٩ إلى المصنف وعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، وتقدم تخريجه عند عبد الرزاق في ص ٦١ من طريق معمر، عن قتادة مختصرا.\n(^٤) في م، ف: \"هو\".","vol":"15","page":63},{"text":"وغير ذلك من نعمِنا، أعرَض عن ذكِرنا، وقد كان بنا مُستغيثًا دونَ كلِّ أحدٍ سوانا في حالِ الشِّدَّةِ التي كان فيها، ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾. يقولُ: وبعُد منا بجانبِه، يعني: بنفسِه، كأنْ لم يَدْعُنا إلى ضرٍّ مَسَّه قبلَ ذلك.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾. قال: تباعَدَ منا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوالقرَأةُ (^٢) على تصييرِ الهمزةِ في: ﴿وَنَأَى﴾ قبلَ الألفِ، وهى اللغةُ الفصيحةُ، وبها نقرَأُ.\nوكان بعضُ أهلِ المدينةِ يقرأُ ذلك: (وَنَاءَ). فيُصِيِّرُ الهمزةَ بعدَ الألفِ (^٣).\nوذلك وإن كان لغةً جائزةً قد جاءت عن العربِ بتقدِيمِهم في نظائرِ ذلك الهمزَ في موضعٍ (^٤) هو فيه مؤخَّرٌ، وتأخيرهموه في موضعٍ هو مقدَّمٌ، كما قال الشاعرُ (^٥):\n[أغلامٌ مُعَلَّلٌ] (^٦) رَاءَ رُؤْيا … فهْوَ يَهْذِى بما رأى فِي المنَامِ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٤١. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٩ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"القراءة\".\n(^٣) قراءة متواترة، قرأ بها أبو جعفر المدنى - من العشرة - وابن ذكوان عن ابن عامر الدمشقي - من السبعة. النشر ٢/ ٢٣١.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) ذكره الطوسى في التبيان ٦/ ٥١٤ قال: وأنشد المبرد حاكيا عن أبي عبيد.\n(^٦) في النسخ: \"أعلام يقلل\". والمثبت من التبيان.","vol":"15","page":64},{"text":"وكما قال: آبارٌ. وهى أبارٌ. فقدَّموا الهمزةَ. فليس ذلك هو اللغةَ الجُودَى، بل الأُخْرى هي الفصيحةُ.\nوقولُه ﷿: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾. يقولُ: وإذا مسَّه الشرُّ والشدَّةُ كان قَنوطًا مِن الفرَجِ والرَّوْحِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في \"اليئوسِ\" قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5320>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليُّ بن داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾. يقولُ: قَنُوطًا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾. يقولُ: إذا مسَّه الشرُّ أَيِس وقَنَط.\n\n<span id=\"aya-2113\"></span><span data-type='title' id=toc-5321>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾.</span>\nيقولُ ﷿ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ للناسِ: كلكم يعملُ ﴿عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾: على ناحيتِه وطريقتِه، ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ﴾ منكم ﴿أَهْدَى سَبِيلًا﴾. يقولُ: وربُّكم أعلمُ بمن هو منكم أهدَى طريقًا إلى الحقِّ من غيرِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قنطا\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":65},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5322>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾. يقولُ: على ناحيتِه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾. قال: على ناحيتِه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾. قال: على طبيعتِه، على حِدَتِه (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾. يقولُ: على ناحيتِه وعلى ما يَنْوى (^٤).\nوقال آخرون: الشاكلةُ الدينُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5323>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾. قال: على دينِه، الشاكلةُ الدينُ (^٥).\n\n<span id=\"aya-2114\"></span><span data-type='title' id=toc-5324>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٤١.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١١١.\n(^٤) ينظر تفسير البغوي ٥/ ١٢٤.\n(^٥) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ١١١.","vol":"15","page":66},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ويسألُك الكفارُ باللَّهِ مِن أهلِ الكتابِ عن الرُّوحِ ما هي؟ قلْ لهم: الرُّوحُ مِن أمرِ ربى، وما أُوتيتُم أنتم وجميعُ الناسِ من العلمِ إلَّا قليلًا.\nوذُكِر أن الذين سألُوا رسولَ اللهِ ﷺ عن الرُّوحِ فنزَلت هذه الآيةُ بمسألتِهم إيّاه عنها كانوا قومًا مِن اليهودِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5325>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ قال: ثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: كنتُ مع النبيِّ ﷺ في حرثٍ (^١) بالمدينةِ، ومعه عَسِيبٌ (^٢) يتوكَّأُ عليه، فمرَّ بقومٍ من اليهودِ، فقال بعضُهم: سَلُوه عن الرُّوحِ. وقال بعضُهم: لا تسْألُوه. فقام متوكِّئًا على عَسيبِه، فقمتُ خلفَه، فظنَنتُ أنه يُوحَى إليه، فقال: \" ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾. فقال بعضُهم لبعضٍ: ألم نقلْ لكم: لا تسألُوه (^٣)؟\n_________\n(^١) في ف: \"حرب\". قال النووى في شرح مسلم ١٧/ ١٣٧: اتفقت نسخ صحيح مسلم على أنه حرث بالثاء المثلثة، وكذا رواه البخاري في مواضع، ورواه في أول الكتاب في باب (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا): خرب. بالباء الموحدة والخاء المعجمة، جمع خراب، قال العلماء: الأول أصوب، وللآخر وجه، ويجوز أن يكون الموضع فيه الوصفان.\n(^٢) عسيب: جريدة من النخل، وهى السعفة مما لا ينبت عليه الخوص. النهاية ٣/ ٢٣٤.\n(^٣) أخرجه أحمد ٦/ ٢١٤ (٣٦٨٨)، والبخاري (٧٤٥٦)، ومسلم (٢٧٩٤/ ٣٣)، وأبو يعلى (٥٣٩٠)، من طريق وكيع به. وأخرجه البخاري (١٢٥، ٤٧٢١، ٧٢٩٧، ٧٤٦٢)، ومسلم (٢٧٩٤/ ٣٢)، والترمذي (٣١٤١)، والنسائي في الكبرى (١١٢٩٩)، وفى تفسيره (٣١٩)، وابن حبان (٩٨)، والواحدي في أسباب النزول ص ٢٢٠ من طرق عن الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٩ إلى ابن المنذر وابن مردويه وأبى نعيم والبيهقي معًا في الدلائل.","vol":"15","page":67},{"text":"حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: بينَا أنا أمشى مع رسولِ اللَّهِ ﷺ في حَرَّةٍ بالمدينةِ، إذ مَرَرْنا على يهودَ، فقال بعضُهم: سَلُوه عن الرُّوحِ. فقالوا: ما أرَبُكم إلى أن تَسْمَعُوا ما تكْرَهون؟ فقاموا إليه فسألُوه، فقام، فعَرَفْتُ أنه يوحَى إليه، فقمتُ مكاني، ثم قرَأ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فقالوا: ألم نَنْهَكم أن تسألُوه؟.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا ابن عبدِ الأعلَى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، قال: سأل أهلُ الكتابِ رسولَ اللَّهِ ﷺ عن الرُّوحِ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. [فقالوا: أَتزْعُمُ أَنَّا لم نُؤْتَ مِن العلمِ إلَّ قليلًا] (^١)، وقد أُوتينا التوراةَ، وهي الحكمةُ، ومن يُؤْتَ الحكمةَ فقد أُوْتىَ خيرًا كثيرًا. قال: فنزَلت: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]. قال: \"ما أُوتيتُم من علمٍ فنجَاكم اللَّهُ به من النارِ، فهو كثيرٌ طيِّبٌ، وهو في علمِ اللَّهِ قليلٌ\" (^٢).\nحدَّثني إسماعيلُ بنُ (^٣) المتوكلِ (^٤) الأشجعيُّ أبو هاشمٍ (^٥) الحِمْصيُّ، قال: ثنا\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١١٢ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٨ إلى المصنف دون آخره، وأخرجه أحمد ٤/ ١٥٤ (٢٣٠٩)، والترمذي (٣١٤٠)، والنسائي في الكبرى (١١٣١٤)، وأبو يعلى (٢٥٠١)، وابن حبان (٩٩)، والحاكم ٢/ ٥٣١، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٢٦٩ من طريق داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٩ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ في العظمة وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل، وفى هذه المصادر الاستشهاد بالآية ١٠٩ من سورة الكهف بدلا من آية سورة لقمان، وليس عندهم الزيادة بعد الآية.\n(^٣) بعده في م: \"أبى\". وتقدم على الصواب في ١٢/ ٤٦٣.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\"، وفى م: \"قال: ثنا\".\n(^٥) في م: \"عاصم\".","vol":"15","page":68},{"text":"إسحاقُ بنُ عيسى أبو يعقوبَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ مَعْنٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: إِنّى لمع النبيِّ ﷺ في حَرْثٍ (^١) بالمدينةِ، إذ أتاه يهوديٌّ، فقال: يا أبا القاسمُ: ما الرُّوحُ؟ فسكَت النبيُّ ﷺ، وأنزَل اللَّهُ ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾: لَقِيَتِ اليهودُ نبيَّ اللَّهِ ﷺ، فتغَشَّوْه وسألُوه، وقالوا: إن كان نبيًّا عُلَّم، فسيَعْلمُ ذلك. فسألُوه عن الرُّوحِ، وعن أصحابِ الكهفِ، وعن ذى القَرْنين، فأنزَل اللَّهُ في كتابِه ذلك كلَّه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾: يعنى اليهودَ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾. قال: يهودُ تسألُ عنه (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾. قال: يهودُ تسألُه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: قل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾. الآية: وذلك (^٥) أنَّ اليهودَ\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"حرب\".\n(^٢) أخرجه الطبراني في الصغير ٢/ ٨٦ عن المصنف به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٤٢، من طريق خليد، عن قتادة.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٩٩ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قوله\".","vol":"15","page":69},{"text":"قالوا للنبيِّ ﷺ: أخبِرْنا ما الرُّوحُ، وكيف تعذَّبُ الرُّوحُ التي في الجسدِ، وإنَّما الرُّوحُ مِن الله ﷿؟ ولم يكنْ نزَل عليه فيه شيءٌ، فلم يُحِرْ إليهم شيئًا، فأتاه جِبريلُ ﵇، فقال له: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فأخبرَهم النبيُّ ﷺ بذلك، قالوا له: مَن جاءَك بهذا؟ فقال لهم النبيُّ: ﷺ[\"جاءنى بِه] (^١) جِبريلُ مِن عندِ اللَّهِ\". فقالوا: واللَّهِ ما قالَه لك إِلَّا عدوٌّ لنا. فأنزَل اللَّهُ تبارَك اسمُه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ الآيةَ (^٢) [البقرة: ٩٧].\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: كنتُ أمشى مع النبيِّ ﷺ ذاتَ يومٍ، فمرَرْنا بأُناسٍ اليهودِ، فقالوا: يا أبا القاسمِ، ما الرُّوحُ (^٣)؟ فأُسْكِتَ، فرأيتُ أنه يُوحَى إليه، قال: فتنحَّيْتُ عنه إلى سُباطَةٍ (^٤)، فنزَلت عليه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية. فقالتِ اليهودُ: هكذا نجْدُه عندَنا.\nواخْتلَف أهلُ التأويلِ في \"الرُّوحِ\" الذي ذُكِر في هذا الموضعِ ما هي؟ فقال: بعضُهم: هي جبريلُ ﵇.\n\n<span data-type='title' id=toc-5326>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"جاء\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١١٢ عن العوفي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٠ إلى ابن مردويه.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ما الروح\".\n(^٤) السباطة: الموضع الذي يرمى فيه التراب والأوساخ وما يكنس من المنازل، وقيل: هي الكناسة نفسها. النهاية ٢/ ٣٣٥.","vol":"15","page":70},{"text":"﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾. قال: هو جبريلُ. قال قتادةُ: وكان ابن عباسٍ يَكْتُمُه (^١).\nوقال آخرون: هي مَلَكٌ من الملائكةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5327>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾. قال: الرُّوحُ ملَكٌ (^٢).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثني أبو هِزَانَ (^٣) يَزيدُ بنُ سَمُرَةَ صاحبُ قَيْسارِيَّةَ، عمن حدَّثه، عن عليٍّ بن أبي طالبٍ أنه قال في قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾. قال: هو ملَكٌ من الملائكةِ له سبعون ألفَ وجهٍ، لكلِّ وجهٍ منها سبعون ألفَ لسانٍ، لكلِّ لسانٍ منها سبعون ألفَ لغةٍ، يُسبِّحُ اللَّهَ ﷿ بتلك اللغاتِ كلَّها، يُخْلَقُ [من كلِّ تسبيحةٍ ملَكٌ] (^٤) يطيرُ مع الملائكةِ إلى يومِ القيامةِ (^٥).\nوقد بيَّنّا معنى \"الرُّوحِ\" في غيرِ هذا الموضعِ من كتابِنا بما أغنَى عن إعادتِه (^٦).\nوأما قولُه: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. فإنه يعنى أنه مِن الأمرِ الذي يعلَمُه اللَّهُ عزَّ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٨ عن معمر عن قتادة والحسن.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٧٨٠) من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) في ص: \"مران\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ف: \"مروان\"، وفى تفسير ابن كثير: \"نمران\". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر التاريخ الكبير ٨/ ٣٣٧، والجرح والتعديل ٩/ ٢٦٨.\n(^٤) في م، ف، وتفسير ابن كثير: \"الله من كل تسبيحة ملكا\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١١٣ عن المصنف، وأخرجه ابن الأنباري في الأضداد ص ٤٢٣ الشيخ في العظمة (٤١٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٧٨١) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٠ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وقال ابن كثير: هذا أثر غريب عجيب.\n(^٦) تقدم في ٢/ ٢٢١ - ٢٢٤.","vol":"15","page":71},{"text":"وجلَّ دونَكم (^١) فلا تعلَمونه، ويعلَمُ ما هو.\nوأما قولُه: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فإنَّ أهلَ التأويلِ اختلَفوا في المعنَّى بقولِه: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك: الذين سأَلُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ عن الرُّوحِ، وجميعَ الناسِ غيرَهم، ولكن لما ضمَّ غيرَ المخاطَبِ إلى المخاطَبِ (^٢) خرَج الكلامُ على المخاطَبةِ؛ لأنَّ العربَ كذلك تفعلُ إذا اجتمَع في الكلامِ مخبَرٌ عنه غائِبٌ ومخاطَبٌ، أخرَجوا الكلامَ خطابًا للجمعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5328>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءِ بن يَسارٍ، قال: نزَلت بمكةَ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فلما هاجرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى المدينةِ أتاه أحبارُ يهودَ، فقالوا: يا محمدُ، ألم يَبْلُغْنا أنك تقولُ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أفعَنَيْتَنا أم قومَك؟ قال: \"كُلًّا قد عَنَيْتُ\". قالوا: فإنَّك تتْلُو أَنَّا أُوتِينا التوراةَ، وفيها تِبيانُ كلِّ شيءٍ؟ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"هي في علمِ اللَّهِ قليلٌ، وقد آتاكم ما إنْ عمِلْتُم (^٣) به انتفَعْتُم\". فأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (^٤)﴾ [لقمان: ٢٨].\n_________\n(^١) في ص، ف: \"وبكم\"، وفى ت ١: \"وأنتم\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"المخاطبة\".\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"علمتم\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"عليم\".\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١١٢ عن ابن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٠ إلى المصنف وابن إسحاق، وعزاه في ٥/ ١٦٧ إلى ابن أبي حاتم، والاستشهاد في هذه المصادر بالآية ٢٧ من سورة لقمان دون الآية بعدها.","vol":"15","page":72},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه ﷿: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: يا محمدُ والناسُ أجمعون (^١).\nوقال آخرون: بل عَنَى بذلك الذين سأَلوا رسولَ اللَّهِ ﷺ عن الرُّوح خاصةً دونَ غيرِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-5329>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾: يعنى اليهودَ (^٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: خرَج الكلامُ (^٣) خطابًا لَمن خُوطِب به، والمرادُ به جميعُ الخلقِ؛ لأنَّ علمَ كلَّ أحدٍ سوى اللَّهِ - وإن كثُر - في علمِ اللَّهِ قليلٌ. وإنما معنى الكلامِ: وما أوتيتُم أيها الناسُ من العلمِ إلا قليلًا من كثيرٍ مما يَعْلَمُ اللَّهُ.\n\n<span id=\"aya-2115\"></span><span data-type='title' id=toc-5330>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولئن شِئْنَا لنَذهَبنَّ بالذي آتَيْنَاك من العلمِ بالذي أَوْحَينا إليك من هذا القرآنِ، لنَذهَبن به فلا تَعْلَمُه، ثم لا تَجِدُ لنفسِك بما نفعَلُ بك من ذلك ﴿وَكِيلًا﴾. يعنى: قيمًا يقومُ لك فيمْنَعَنا من فعلِ ذلك بك، ولا ناصرًا يَنْصُرُك\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٠ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) تقدم تخريجه بتمامه في ص ٦٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٠ إلى المصنف مقتصرا على هذا اللفظ.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بالكلام\".","vol":"15","page":73},{"text":"فيَحُولَ بينَنا وبيَن ما نُرِيدُ بك.\nقال: وكان عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ يتأوَّلُ معنى ذهابِ اللَّهِ ﷿ به رفعَه من صدورِ قارئِيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5331>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن عبدِ العزيزِ بن رُفَيعٍ، عن [شدادِ بن] (^١) مَعْقِلٍ، قال: قلتُ لعبدِ اللَّهِ - وذكَر أنه يُسْرَى على القرآنِ -: كيف وقد أثبَتْناه في صدورِنا ومصاحفِنا؟ قال: يُسْرَى عليه ليلًا، فلا يَبْقَى منه في مصحفٍ ولا في صدرِ رجلٍ. ثم قرَأ عبدُ اللَّهِ: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنا (^٣) إسحاقُ بنُ يحيى، عن المسيَّبِ بن رافعٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، قال: تَطْرُقُ الناسَ رِيحٌ حمراءُ من نحوِ الشامِ، فلا يَبْقَى في مصحفِ رجلٍ ولا قلبِه آيةٌ. قال رجلٌ: يا أبا [عبدِ الرحمنِ] (^٤)، إنى قد جمَعتُ القرآنَ. قال: لا يَبْقَى في صدرِك منه شيءٌ. ثم قرَأ ابن مسعودٍ: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) في النسخ: \"بندار عن\". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٤٠٣.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٥٩٨٠، ٥٩٨١) - ومن طريقه الطبراني (٨٦٩٨، ٨٧٠٠ - ونعيم في الفتن (١٦٦٩)، وابن أبي شيبة ١٠/ ٥٣٤، ١٥/ ١٧٥، ١٧٦، والبخاري في خلق أفعال العباد (٢٨٢)، والحاكم ٤/ ٥٠٤، والبيهقي في الشعب (٢٠٢٧) من طريق عبد العزيز بن رفيع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠١ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) بعده في م: \"وابن\". وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٤٨٩.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عبد اللَّه\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١١٤ دون آخره.","vol":"15","page":74},{"text":"<span id=\"aya-2116\"></span><span data-type='title' id=toc-5332>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: ولئن شئنا لنذهبنَّ يا محمدُ بالذي أوحينا إليك، ولكنه لا يشاءُ ذلك، رحمةً من ربِّك وتفضُّلًا منه عليك، ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ باصطفائِه إياك لرسالتِه، وإنزالِه عليك كتابَه، وسائرِ نعمِه عليك التي لا تُحْصَى.\n\n<span id=\"aya-2117\"></span><span data-type='title' id=toc-5333>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: قل يا محمدُ للذين قالوا لك: إنا نأْتِي بمثلِ هذا القرآنِ: لئن اجتمَعتِ الإنسُ والجنُّ على أن يأتُوا بمثلِه، لا يأتُون أبدًا بمثلِه، ولو كان بعضُهم لبعضٍ عونًا وظهيرًا.\nوذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولَ اللَّهِ ﷺ بسببِ قومٍ من اليهودِ جادَلُوه في القرآنِ، وسأَلُوه أن يَأْتِيَهم بآيةٍ غيرِه (^١) شاهدةٍ له على نبوَّتِه؛ لأن (^٢) مثلَ هذا القرآنِ بهم قدرةٌ على أن يأتُوا به.\nذكرُ الروايةِ بذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولَى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"غيرها\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لا\".","vol":"15","page":75},{"text":"عن ابن عباسٍ، قال: أتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ محمودُ بنُ سَيحانَ ونُعْمانُ (^١) بنُ أضَا (^٢) وبَحْرِيُّ بنُ عمرٍو، وعُزيزُ (^٣) بنُ أبى عُزيزٍ (^٣)، وسلّامُ بنُ مِشْكمٍ، فقالوا: أخبِرْنا يا محمدُ بهذا الذي جئت (^٤) به، حقٌّ من عندِ اللَّهِ ﷿؟ فإنا لا نراه مُتَنَاسِقًا كما تَناسَقُ التوراةُ. فقال لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أما واللَّهِ إنكم لتعرِفون أنه من عندِ اللَّهِ، تَجِدُونه مكتوبًا عندَكم، ولو اجتَمَعَت الإنسُ والجنُّ على أن يأْتُوا بمثلِه ما جاءُوا به\". فقالوا (^٥) عندَ ذلك - وهم جميعًا: فِنْحاصُ، وعبدُ اللَّهِ بنُ صُورِيَا، وكنانةُ بنُ أبي الحُقيقِ، وأَشْيَعُ، وكعبُ بنُ أسدٍ (^٦)، وشمويلُ (^٧) بنُ زيدٍ، وجبلُ بنُ عمرٍو -: يا محمدُ، ما يُعلمك هذا إنسٌ ولا جانٌّ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أما واللَّهِ إنكم لتَعلَمُون أنه من عندِ اللَّهِ، [وأنى رسولُ اللَّهِ] (^٨)، تَجِدُونه مكتوبًا عندَكم في التوراةِ والإنجيلِ\". فقالوا: يا محمدُ، إن اللَّهَ يَصْنَعُ لرسولِه إذا بعثَه ما شاء، ويَقدِرُ منه على ما أراد، فأَنْزِلْ علينا كتابًا نَفْرَؤُه ونَعْرِفُه، وإلا جئناك بمثلِ ما تأتى به. فأنزَل اللَّهُ ﷿ فيهم وفيما قالوا: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (^٩).\n_________\n(^١) في النسخ: \"عمر\". والمثبت من سيرة ابن هشام.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أصان\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ف، وسيرة ابن هشام ١/ ٥٧٠: \"عزير\"، بالراء المهملة آخره، وغير منقوطة في ص، والمثبت موافق لما في سيرة ابن هشام ١/ ٥١٤، والروض الأنف ٤/ ٣٠٦.\n(^٤) في م: \"جئتنا\".\n(^٥) في النسخ: \"فقال\". والمثبت من سيرة ابن هشام.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أسيد\".\n(^٧) في م: \"سموءل\".\n(^٨) سقط من: م.\n(^٩) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم. وقال ابن كثير في تفسيره ٥/ ١١٥: وفى هذا نظر؛ لأن هذه السورة مكية وسياقها كله مع قريش، واليهود إنما اجتمعوا به في المدينةِ، فاللَّهُ أعلم.","vol":"15","page":76},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾. إلى قولِه: ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. قال: مُعِينًا. قال: يقولُ: لو برَزت الجنُّ وأعانَهم الإنسُ، فتظاهَرُوا، لم يأتُوا بمثلِ هذا القرآنِ (^١).\nوقولُه ﷿: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾. رفعٌ، وهو جوابٌ لقولِه: ﴿لَئِنِ﴾؛ لأن العربَ إذا أجابَتْ \"لئن\" بـ \"لا\" رفَعُوا ما بعدَها؛ لأن \"لئن\" كاليمينِ، وجوابُ اليمينِ بـ \"لا\" مرفوعٌ، وربما جُزِم؛ لأن [\" لئن\" (^٢) \"إن\"] (^٣) التي يُجابُ بها، زِيدَتْ عليه لامٌ، كما قال الأعشَى (^٤):\nلئن مُنِيتَ بنا عن غِبِّ مَعركةٍ … لا تُلْفِنا مِن دماءِ القومِ نَنْتَفِلُ (^٥)\n\n<span id=\"aya-2118\"></span><span data-type='title' id=toc-5334>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد بيَّنا للناسِ في هذا القرآنِ من كلِّ مَثَلٍ؛ احتجاجًا بذلك كلِّه عليهم، وتذكيرًا لهم، وتنبيهًا على الحقِّ ليتَّبِعُوه ويَعْمَلُوا به، ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾. يقولُ: فأبَى أكثرُ الناسِ إلا جحودًا للحقِّ، وإنكارًا الحججِ اللَّهِ وأدلتِه.\n\n<span id=\"aya-2119\"></span><span data-type='title' id=toc-5335>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٢ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: النسخ، والمثبت من معاني القرآن للفراء ٢/ ١٣٠.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) ديوانه ص ٦٣.\n(^٥) انتفل من الشيء: انتفى وتبرأ منه. اللسان (ن ف ل).","vol":"15","page":77},{"text":"يَنْبُوعًا (٩٠)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال يا محمدُ المشركون باللَّهِ مِن قومِك لك: لن نُصَدِّقَك حتى تَفْجُرَ لنا من أرضِنا هذه عَيْنًا تَنْبُعُ لنا بالماءِ.\nوقولُه: ﴿يَنْبُوعًا﴾. \"يَفْعُولٌ\"، من قولِ القائلِ: نَبَع الماءُ إذا ظهَر وفار، يَنْبِعُ ويَنْبَعُ، وهو ما نبَع.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾. أي: حتى تَفْجُرَ لنا من الأرضِ عيونًا، أي: ببلدِنا هذا (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾. قال: عيونًا (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَنْبُوعًا﴾. قال: عيونًا (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٩.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٤٢. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٣ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"15","page":78},{"text":"واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿تَفْجُرَ﴾؛ فرُوِى عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ أنه قرَأ: ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا﴾. خفيفةً (^١)، وقولَه: ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾ بالتشديدِ، وكذلك كانت قرأةُ الكوفيين يقرَءُونها (^٢). فكأنهم ذهَبُوا بتخفيفِهم الأولى إلى معنى: حتى تَفْجُرَ لنا من الأرضِ ماءً مرةً واحدةً. وبتشديدِهم الثانيةَ إلى أنها تَفْجيرٌ في أماكنَ شتَّى، مرةً بعد أُخْرَى، إذ كان ذلك تفجيرَ أنهارٍ لا نهرٍ واحدٍ. والتخفيفُ في الأولى والتشديدُ في الثانيةِ على ما ذكَرتُ من قراءةِ الكوفيين أعجبُ إليَّ لما ذكَرتُ من افتراقِ معنييهما، وإن لم تَكُنِ الأُخرى (^٣) مدفوعةً صحتُها.\n\n<span id=\"aya-2120\"></span><span data-type='title' id=toc-5336>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وقال لك يا محمدُ مشركو قومِك: لن نُصَدِّقَك حتى تَسْتَنْبِطَ لنا عينًا من أرضِنا، تَدَفَّقُ بالماءِ أو تَفُورُ، أو يكونَ لك بستانٌ، وهو الجنةُ، من نخيلٍ وعِنَبٍ، فتُفَجِّرَ الأنهارَ (^٤) بأرضِنا هذه التي نحن بها ﴿خِلَالَهَا﴾. يعنى: خلالَ النخيلِ والكرومِ.\nويعنى بقولِه (^٥): ﴿خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾: بينَها في أُصولِها، تفجيرًا بسببِ أُبَنَتِها (^٦).\n\n<span id=\"aya-2121\"></span><span data-type='title' id=toc-5337>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٣ إلى المصنف.\n(^٢) وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٣٨٥.\n(^٣) في م: \"الأولى\". ويقصد بالأخرى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر، فقد قرءوا: (حتى تُفَجِّرَ). بضم التاء وفتح الفاء وتشديد الجيم. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٨٤.\n(^٤) بعده في م، ت ١، ت ٢، ف: \"خلالها تفجيرا\".\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"به\".\n(^٦) في م: \"أبنيتها\"، وفى ت ١، ت ٢: \"أنبتها\". والأُبنة: العقدة في العود أو في العصا، وجمعها أُبَن. اللسان (أ ب ن).","vol":"15","page":79},{"text":"اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿كِسَفًا﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ بسكونِ السينِ (^١). بمعنى: أو تُسْقِطَ السماءَ كما زعَمْتَ علينا كِسْفًا. وذلك أن الكِسْفَ في كلامِ العربِ جمعُ كِسْفَةٍ، وهو جمعُ الكثيرِ من العددِ [وللجنسِ] (^٢)، كما تُجْمَعُ السِّدْرَةُ \"سدْرٌ\"، والتَّمْرَةُ \"تَمْرٌ\"، فحُكِى عن العربِ سماعًا: أعطِني كِسْفَةً من هذا الثوبِ. أي: قطعةً منه. يقالُ منه: جاءنا بثريدٍ كِسْفٍ. أي: قِطَعِ (^٣) خُبْزٍ.\nوقد يَحْتَمِلُ إذا قُرِئَ كذلك: (كِسْفًا). بسكونِ السينِ، أن يكونَ مُرَادًا به المصدرُ من \"كَسَفَ\". فأما \"الكِسَفُ\" بفتحِ السينِ، فإنه جمعُ ما بينَ الثلاثِ إلى العشرِ، يقالُ: كِسْفَةٌ واحدةٌ، وثلاثُ كِسَفٍ. وكذلك إلى العشرِ.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿كِسَفًا﴾. بفتحِ السينِ (^٤)، بمعنى جمعِ الكِسْفَةِ الواحدةِ من الثلاثِ إلى العشرِ، يعنى بذلك قِطَعًا ما بينَ الثلاثِ إلى العشرِ.\nوأولَى القراءتَيْن في ذلك بالصوابِ عندى (^٥) قراءةُ مَن قرَأ بسكونِ السينِ؛ لأن الذين سألُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ ذلك، لم يَقْصِدُوا في مسألِتهم إياه ذلك أن يكونَ بحدٍّ معلومٍ من القِطَعِ، إنما سأَلُوه أن يُسْقِطَ عليهم السماءَ قِطَعًا. وبذلك جاء التأويلُ أيضًا من (^٦) أهلِ التأويلِ.\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٣٨٥.\n(^٢) في م، ف: \"للجنس\"، وفي ت ١، ت ٢: \"والجنس\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قطيع\".\n(^٤) وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٣٨٥.\n(^٥) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٦) في م: \"عن\".","vol":"15","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5338>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كِسَفًا﴾. قال: السماءُ جميعًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال ابن جريجٍ: قال عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾. قال: هذه (^٢) مرةً واحدةً. والتي في \"الروم\" ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ [الروم: ٤٨]. قال: قِطَعًا. قال ابن جريجٍ: كِسَفًا؛ لقولِ اللَّهِ: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩].\nحدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾. قال: أي: قِطَعًا.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿كِسَفًا﴾. قال: قِطعًا (^٣).\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿كِسَفًا﴾. يقولُ: قطعًا (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٤٢.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٩ عن معمر به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٣ إلى المصنف.","vol":"15","page":81},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾. يعني: قطَعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5340>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا (^١) عن قيلِ المشركين لنبيِّ اللَّهِ ﷺ: أو تأتىَ باللَّهِ يا محمدُ والملائكةِ قبيلًا.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"القبيلِ\" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناه: حتى [تأتىَ باللَّهِ] (^٢) والملائكةِ كلَّ قبيلةٍ منا قبيلةً قبيلةً. فيُعايِنُونهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-5339>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾. قال: على حِدَتِنا، كلَّ قبيلةٍ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾. قال: قبائلَ على حِدَتِها كلَّ قبيلةٍ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: أو تأتِىَ باللَّهِ والملائكةِ عِيانًا نُقابِلُهم مقابلةً، فنُعايِنُهم معاينةً.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) في م: \"يأتى الله\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٤٢.","vol":"15","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5341>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾: نُعايِنُهم معاينةً (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾: فنُعايِنَهم (^٢).\nووجَّهه بعضُ أهلِ العربيةِ إلى أنه بمعنى \"الكفيلِ\"، من قولِهم: هو قَبيلُ فلانٍ بما لفلانٍ عليه وزعيمُه.\nوأشبهُ الأقوالِ في ذلك بالصوابِ القولُ الذي قاله قتادةُ من أنه بمعنى المعاينةِ، من قولِهم: قابَلتُ فلانًا مُقابلةً، وفلانٌ قَبيلُ فلانٍ. بمعنى: قُبَالَتُه. كما قال الشاعرُ (^٣):\nنُصالحكُم حتى تَبُوءُوا بمثْلِها … كصَرْخةِ حُبْلَى [يَسَّرَتْها قبيلُها] (^٤)\nيعني: قابِلتُها.\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ يقولُ (^٥): إذا وصَفُوا بتقديرِ \"فَعِيل\" من قولِهم: قابلتُ، ونحوِها، جعَلُوا لفظَ صفةِ الاثنين والجميعِ من المؤنثِ والمذكرِ على لفظٍ واحدٍ، نحوُ قولِهم: هذه قبيلى، وهما قبيلى، وهم\n_________\n(^١) ينظر تفسير البغوي ٥/ ١٣٠، وتفسير القرطبي ١٠/ ٣٣١.\n(^٢) ينظر تفسير القرطبي ١٠/ ٣٣١.\n(^٣) هو الأعشى، والبيت في ديوانه ص ١٧٧.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بشرتها قبيلها\". وهى رواية أبي عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٣٩٠، ورواية الديوان: \"يسرتها قبولها\". ولا شاهد فيها.\n(^٥) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٣٩١.","vol":"15","page":83},{"text":"قبيلي، وهنَّ قبيلي.\n\n<span id=\"aya-2122\"></span><span data-type='title' id=toc-5342>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن المشركين الذين ذكَر (^١) أمرَهم في هذه الآياتِ: أو يكونَ لك يا محمدُ بيتٌ من ذهبٍ. وهو الزُّخْرُفُ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾. يقولُ: بيتٌ من ذهبٍ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْ زُخْرُفٍ﴾: قال: من ذهب (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾: والزخرفُ هذا (^٤) الذهبُ (^٥).\n_________\n(^١) في م، ف: \"ذكرنا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٣ إلى المصنف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٤٢.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"هنا\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٣ إلى عبد بن حميد.","vol":"15","page":84},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾. قال: من ذهبٍ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن رجلٍ، عن الحكمِ، قال: قال مجاهدٌ: كنا لا نَدْرِى ما الزخرفُ، حتى رَأيناه في قراءةِ ابن مسعودٍ: (أوْ يكونَ لك بَيْتٌ مِن ذَهَبٍ) (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، قال: لم أَدْرِ ما الزخرفُ، حتى سمِعنا في قراءةِ عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ: (بيتٌ مِن ذَهَبٍ) (^٢).\nوقولُه: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾. يعنى: أو تَصْعَدَ في دَرَجٍ إلى السماءِ. وإنما قيل: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾. وإنما يُرْقَى إليها لا فيها؛ لأن القومَ قالوا: أو تَرْقَى في سُلَّمٍ إلى السماءِ. فأُدْخِلَتْ \"في\" في الكلامِ لتدُلَّ على معنى الكلامِ، يقالُ: رَقِيتُ في السُّلَّمِ، فأنا أَرْقَى رَقْيًا ورُقيًّا ورُقْيًا، كما قال الشاعرُ (^٣):\nأنتَ الذي (^٤) كَلَّفْتَنِي رَقْيَ الدَّرَجُ … على الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرَجْ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٠، وقراءة ابن مسعود هذه شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في فضائله ص ١٧٥، والبغوى في الجعديات (٢٥٤)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٨٤، من طريق شعبة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف.\n(^٣) البيت في اللسان (ر ق ي) غير منسوب.\n(^٤) في ص، ف: \"التي\".","vol":"15","page":85},{"text":"وقولُه: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾. يقولُ: ولن نصدِّقَك من أجلِ رُقِيِّك إلى السماءِ ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا﴾ منشورًا ﴿نَقْرَؤُهُ﴾ فيه أمرُنا باتباعِك والإيمانِ بك.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾. قال: من ربِّ العالمين إلى فلانٍ (^١)، عندَ كلِّ رجلٍ صحيفةٌ تُصْبِحُ عندَ رأْسِه يَقْرَؤُها (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: كتابًا نَقْرَؤُه من ربِّ العالمين. وقال أيضًا: تُصْبِحُ عندَ رأسِه موضوعةً يقْرَؤُها.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾: أي: كتابًا خاصًّا (^٣) نُؤْمَرُ فيه باتباعِك.\nوقولُه: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين من قومِك، القائلين لك هذه الأقوالَ: تَنْزِيهًا للَّهِ عما (^٤) يَصِفُونه به، وتعظيمًا له من أن يُؤْتَى (^٥) به وبملائكتِه، أو يكونَ لي سبيلٌ إلى شيءٍ مما\n_________\n(^١) بعده في تفسير مجاهد والدر المنثور: \"بن فلان\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٤٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"خاصة\".\n(^٤) في ص: \"مما\"، وفى ف: \"بما\".\n(^٥) في ص، ت ١: \"يأتي\"، وفي ت ١: \"تأتى\".","vol":"15","page":86},{"text":"تسألُونيه، ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾. يقولُ: هل أنا إلا عبدٌ من عبيدِه من بنى آدمَ، فكيف أَقْدِرُ أن أفعَلَ ما سألْتُمونى من هذه الأُمورِ؟ وإنما يَقْدِرُ عليها خالقى وخالِقُكم، وإنما أنا رسولٌ أُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ به إليكم، والذي سأَلْتُموني أن أفعَلَه بيدِ اللَّهِ الذي أنا وأنتم عبيدٌ له، لا يَقْدِرُ على ذلك غيرُه.\nوهذا الكلامُ الذي أخبرَ اللَّهُ أنه كُلِّم به رسولُ اللَّهِ ﷺ فيما ذكَر، كان من ملأ من قريشٍ اجتَمَعُوا لمناظرةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، ومُحاجَّتِه، فكلَّموه بما أخبرَ اللَّهُ عنهم في هذه الآياتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5343>ذكرُ تسميةِ الذين ناظَرُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ بذلك منهم، والسببِ الذي من أجلهِ ناظَرُوه به</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى شيخٌ من أهلِ مصرَ قدِم منذُ بضعٍ وأربعين سنةً، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أن عتبةَ وشيبةَ ابنى ربيعةَ، وأبا سفيانَ بنَ حربٍ، ورجلًا من بنى عبدِ الدارِ، وأبا البَخْتَرِيِّ أخا بني أسدٍ، والأسودَ بنَ المطلبِ بن أسدٍ، وزمعةَ بنَ الأسودِ، والوليدَ بنَ المغيرةِ، وأبا جهلِ بنَ هشامٍ، وعبدَ اللَّهِ بنَ أبي أميةَ، وأميةَ بنَ خلفٍ، والعاصَ بنَ وائلٍ، ونُبَيْهًا ومُنَبِّهًا ابنى الحجاجِ السَّهْمِيين، اجتَمَعُوا، أو مَن اجتَمَع منهم بعدَ غروبِ الشمسِ عندَ ظَهْرِ الكعبةِ، فقال بعضُهم لبعضٍ: ابعثُوا إلى محمدٍ فكلِّموه وخاصِموه حتى تُعْذِرُوا فيه. فبعَثُوا إليه: إن أشرافَ قومِك قد اجتَمعوا إليك لِيُكلِّموك. فجاءهم رسولُ الله ﷺ سريعًا، وهو يظُنُّ أنه بدَا لهم في أمرِه بَدَاءٌ، وكان عليهم حريصًا، يُحِبُّ رُشْدَهم ويَعِزُّ عليه عَنَتُهم، حتى جلَس إليهم، فقالوا: يا محمدُ، إنا قد بعَثنا إليك لنُعْذِرَ فيك، وإنا واللَّهِ ما نعلَمُ رجلًا من العربِ أدخَل على","vol":"15","page":87},{"text":"قومِه ما أدخَلتَ (^١) على قومِك، لقد شتَمتَ الآباءَ، وعِبْتَ الدِّينَ، وسفَّهتَ الأحلامَ، وشتَمتَ الآلهةَ، وفرَّقتَ الجماعةَ، فما بَقِى أمرٌ قبيحٌ إلا وقد جِئْتَه فيما بينَنا وبينَك، فإن كنتَ إنما جئتَ بهذا الحديثِ تَطْلُبُ مالًا، جمَعنا لك من أموالِنا حتى تكونَ أكثرَنا مالًا، وإن كنتَ إنما تطلُبُ الشرفَ فينا، سوَّدْناك علينا، وإن كنتَ تُريدُ به مُلْكًا ملَّكْنَاك علينا، وإن كان هذا الذي يَأْتِيك بما يَأْتِيك به رَئيًّا ترَاه قد (^٢) غلَب عليك - وكانوا يسمُّون التابِعَ من الجنِّ الرئيَّ (^٣) - فربما كان ذلك، بذَلنا أموالَنا في طلبِ الطبِّ لك حتى نُبْرِئَك منه، أو (^٤) نُعْذِرَ فيك. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ما بي ما تقولون، ما جِئْتُكم بما جِئْتُكم به أطلُبُ أموالَكم، ولا الشرفَ فيكم، ولا الملكَ عليكم، ولكنَّ اللَّهَ بعَثني إليكم رسولًا، وأنزَل عليَّ كتابًا، وأمَرني أن أكونَ لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلَّغتُكم رسالةَ ربى، ونصَحت لكم، فإن تقبَلوا منِّى ما جِئْتُكم به فهو حظُّكم في الدُّنيا والآخرةِ، وإن ترُدُّوه عليَّ أصْبِرُ لأمرِ اللَّهِ حتى يَحكُمُ اللَّهُ بينى وبينَكم\". أو كما قال رسولُ اللَّهِ ﷺ. فقالوا: يا محمدُ، فإن كنتَ غيرَ قابلٍ منا ما عرَضنا عليك، فقد علِمتَ أنه ليس مِن الناسِ أحدٌ أضيقَ بلادًا، ولا أقلَّ مالًا، ولا أشدَّ عيشًا منا، فسَلْ ربَّك الذي بعَثك بما بعَثك به، فليُسَيِّرْ عنا هذه الجبالَ التي قد ضيَّقت علينا، ويَبْسُط لنا بلادَنا، وليُفَجِّرْ (^٥) فيها أنهارًا كأنهارِ الشامِ والعراقِ، ولْيَبْعَثْ لنا مَن مضَى من آبائِنا، ولْيكنْ في مَن يَبْعَثُ لنا منهم قُصَيُّ بنُ كلابٍ، فإنه كان شيخًا صدوقًا، فنَسْأَلُهم عما تقولُ، حقٌّ هو أم باطلٌ؟ فإن صنَعتَ ما سأَلْناك،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أدخل\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فقد\".\n(^٣) في ت ٢: \"رئيا\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"و\".\n(^٥) بعده في م: \"لنا\".","vol":"15","page":88},{"text":"وصدَّقُوك، صدَّقْنَاك، وعرَفنا به منزِلتَك عندَ اللَّهِ، وأنه بعَثك بالحقِّ رسولًا كما تقولُ. فقال لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ما بهذا بُعِثتُ، إنما جْئُتكم من اللَّهِ بما بعثني به، فقد بَلَّغْتُكم ما (^١) أُرْسِلْتُ به إليكم، فإن تَقْبَلُوه فهو حظُّكم في الدنيا والآخرةِ، وإن تَرُدُّوه عليَّ أَصْبِرْ لأمرِ اللَّهِ حتى يَحْكُمَ اللَّهُ بينى وبينَكم\". قالوا: فإن لم تَفْعَل لنا هذا، فخُذْ لنفسِك، فسَلْ ربَّك أن يبعَثَ مَلَكًا يُصَدِّقُك بما تقولُ، ويُراجِعُنا عنك، [وتسألُه فيجعلُ] (^٢) لك جِنانًا وكُنوزًا وقُصورًا من ذهبٍ وفضةٍ، ويُغْنِيك بها عما نراك تَبْتَغِي، فإنك تقومُ بالأسواقِ، وتَلْتَمِسُ المعاشَ كما نَلْتَمِسُه، حتى نَعرِفَ فضلَ منزِلتِك من ربِّك إن كنتَ رسولًا كما تَزْعُمُ. فقال لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ما أنا بفاعلٍ، ما أنا بالذي يسألُ ربَّه هذا، وما بُعِثْتُ إليكم بهذا، ولكنَّ اللَّهَ بعَثني بشيرًا ونذيرًا، فإن تَقْبَلُوا ما جئتُكم به فهو حظُّكم في الدنيا والآخرةِ، وإن تَرُدُّوه عليَّ أصبِرْ لأمرِ اللَّهِ حتى يَحكُمَ اللَّهُ بينى وبينكم\". قالوا: فأسقِطِ السماءَ علينا كِسَفًا كما زعمتَ أن ربَّك إن شاء فعَل، فإنا لا نُؤمِنُ لك إلا أن تفعَلَ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ذلك إلى اللَّهِ، إن شاء فعَل بكم ذلك\". فقالوا: يا محمدُ، فمَا عَلِمَ رَبُّكَ أَنَّا سنَجْلِسُ معك، ونسألُك عما سألْنَاك عنه، ونَطلُبُ منك ما نَطلُبُ، فيَتقدَّمَ إليك، ويُعلِّمَك ما تُرَاجِعُنا به، ويُخْبِرَك ما هو صانعٌ في ذلك بنا، إذا لم نَقْبَلْ منك ما جِئْتَنا به، فقد بلَغَنا أنه إنما يُعَلِّمُك هذا رجلٌ باليمامةِ يقالُ له: الرحمنُ. وإنا واللَّهِ ما نُؤْمِنُ بالرحمنِ أبدًا، أَعْذَرْنا إليك يا محمدُ، أما واللَّهِ لا نَتْرُكُك وما بلَغْتَ بنا (^٣) حتى نُهْلِكَك أو تُهْلِكَنا. وقال قائلُهم: نحن نعبدُ الملائكةَ، وهنَّ بناتُ اللَّهِ. وقال قائلُهم: لن نُؤْمِنَ لك حتى تأتيَنا باللَّهِ والملائكةِ قبيلًا. فلما قالوا ذلك قام رسولُ اللَّهِ ﷺ عنهم، وقام معه\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"بما\".\n(^٢) في م: \"واسأله فليجعل\".\n(^٣) في م: \"منا\".","vol":"15","page":89},{"text":"عبدُ اللَّهِ بنُ أبى أميةَ بن المُغيرةِ بن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ (^١) بن مخزومٍ، وهو ابن عمِته، [ابن عاتكةَ ابنةِ] (^٢) عبدِ المطلبِ، فقال له: يا محمدُ عرَض عليك قومُك ما عرَضُوا، فلم تَقْبَلْه منهم، ثم سألُوك لأنفسِهم أمورًا ليَعرِفُوا منزلتَك من اللَّهِ، فلم تَفعَلْ ذلك، ثم سأَلُوك أن تُعَجَّلَ ما تُخَوِّفُهم به من العذابِ، فواللَّهِ لا أُومِنُ لك أبدًا حتى تَتَّخِذَ إلى السماءِ سُلَّمًا تَرْقَى فيه وأنا أَنْظُرُ حتى تأتيَها، وتأتىَ معك بنسخةٍ منشورةٍ، معك أربعةٌ مِن الملائكةِ يشهَدُون لك أنك كما تقولُ، وايمُ اللَّهِ، لو فعَلتَ ذلك لظننتُ ألَّا أُصَدِّقَك. ثم انصرَف عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، وانصرفَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى أهلِه حزينًا أَسِفًا (^٣) لِمَا فاته مما كان يَطمَعُ فيه من قومِه حينَ دَعَوْه، ولِمَا رأى من مُباعدتِهم إياه، فلما قام عنهم رسولُ اللَّهِ ﷺ، قال أبو جهلٍ: يا معشرَ قريشٍ، إن محمدًا قد أَبَى إلا ما تَرَوْنَ من عيبِ دينِنا، وشتمِ آبائِنا، وتسفيهِ أحلامِنا، وسبِّ آلهتِنا، وإني أُعَاهَدُ اللَّهَ لأَجلِسنَّ له غدًا بحجرٍ قدرَ مَا أُطِيقُ حَمْلَه، فإذا سجَد في صلاتِه فضَحْتُ رأسَه به (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، أو عكرمةَ مولى ابن عباسٍ، عن ابن عباسٍ بنحوِه، إلَّا أنَّه قال: وأبا سفيانَ بنَ حربٍ، والنضرَ بنَ الحارثُ أخا (^٥) بني عبدِ الدارِ، وأبا البَختريِّ بنَ هشامٍ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدٍ، قال:\n_________\n(^١) في م، ت ١، ف: \"عمرو\".\n(^٢) في م: \"هو لعاتكة بنت\".\n(^٣) في ص، م، ت ٢، ف: \"أسيفا\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١١٥ - ١١٧ عن المصنف، وهو في سيرة ابن هشام ١/ ٢٩٥ - ٢٩٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) في ص: \"أما\"، وفى م: \"أبناء\"، وفى ت ١: \"ابنا\"، وفى ت ٢: \"أنا\"، وفى ف: \"أن\". والمثبت من مصادر التخريج.","vol":"15","page":90},{"text":"قلتُ له في قولِه تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾. قال: قلتُ له: أنزَلت في عبدِ اللَّهِ بن أبى أميةَ؟ قال: قد زعَمُوا ذلك (^١).\n\n<span id=\"aya-2123\"></span><span data-type='title' id=toc-5344>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما منَع يا محمدُ مشركي قومِك الإيمانَ باللَّهِ وبما جئتَهم به من الحقِّ، ﴿إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾. يقولُ: إذ جاءَهم البيانُ من عندِ اللَّهِ بحقيقةِ ما تَدْعُوهم وصحةِ ما جئتَهم به، إلا قولُهم جهلًا منهم: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾. فـ ﴿أَنْ﴾ الأولى في موضعِ نصبٍ بوقوعِ ﴿مَنَعَ﴾ عليها، والثانيةُ في موضعِ رفعٍ؛ لأن الفعلَ لها.\n\n<span id=\"aya-2124\"></span><span data-type='title' id=toc-5345>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء الذين أَبَوُا الإيمانَ بك وتصديقَك فيما جئتَهم به من عندى؛ استنكارًا لأن يَبْعَثَ اللَّهُ رسولًا من البشرِ: ﴿لَوْ كَانَ﴾ أيُّها الناسُ ﴿فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾؛ لأن الملائكةَ إنما تراهم أمثالُهم من الملائكةِ، أو (^٢) من خصَّه اللَّهُ من بنى آدمَ برؤيتِها، فأما غيرُهم فلا يَقْدِرون على رؤيتِها، فكيف يَبعَثُ إليهم من الملائكةِ الرسلَ، وهم لا يَقْدِرون على رؤيتِهم وهم بهيئاتِهم التي خلَقهم (^٣) بها،\n_________\n(^١) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ٢٢٣ من طريق عبد الملك بن عمير، عن سعيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٣ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"و\".\n(^٣) بعده في م، ف: \"اللَّه\".","vol":"15","page":91},{"text":"وإنما يُرسِلُ إلى البشرِ الرسولَ منهم، كما لو كان في الأرضِ ملائكةٌ يمشُون مُطْمئنِّين، ثم أرسَلْنا إليهم رسولًا، أرسَلْناه منهم مَلَكًا مثلَهم.\n\n<span id=\"aya-2125\"></span><span data-type='title' id=toc-5346>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قُلْ يا محمدُ للقائلين لك: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ -: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. فإنه نِعْمَ الكافي والحاكمُ، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. يقولُ: إن اللَّهَ بعبادِه ذو خبرةٍ وعلمٍ بأمورِهم وأفعالِهم، والمحقَّ منهم والمُبطلِ، والمَهْدِيِّ والضالِّ، ﴿بَصِيرًا﴾ بتدبيرِهم وسياستِهم وتصريفِهم فيما شاء، وكيف شاء وأحَبَّ، لا يخفَى عليه شيءٌ من أُمورِهم، وهو مجازٍ جميعَهم بما قدَّم عندَ ورودِهم عليه.\n\n<span id=\"aya-2126\"></span><span data-type='title' id=toc-5347>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ (^١) وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يَهْدِ اللَّهُ يا محمدُ للإيمانِ به، ولتصديقِك وتصديقِ ما جئتَ به مِن عندِ ربِّك، فوفَّقه لذلك، فهو المُهْتَدِ الرشيدُ المصيبُ الحقَّ، لا مَن هداه غيرُه، فإن الهدايةَ بيدِه، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾. يقولُ: ومَن يُضْلِلْه اللَّهُ عن الحقِّ، فيَخْذُلْه عن إصابتِه، ولم يوفِّقْه للإيمانِ باللَّهِ وتصديقِ رسولِه، فلن تَجِدَ لهم يا محمدُ أولياءَ يَنْصُرُونهم من دونِ اللَّهِ، إذا أرادَ اللَّهُ عقوبتَهم، والاستنقاذَ منهم، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾. يقولُ: ونَجْمَعُهم بموقفِ القيامةِ من بعدِ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"المهتدي\". وبها قرأ نافع وأبو عمرو في الوصل خاصة. حجة القراءات ٢/ ٥٣.","vol":"15","page":92},{"text":"تفرُّقِهم في القبورِ عندَ قيامِ الساعةِ ﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا﴾. وهو جمعُ أَبْكَمَ، ويعنى بالبُكْمِ الخُرْسَ.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَبُكْمًا﴾. قال: الخُرْسُ (^١).\n﴿وَصُمًّا﴾. وهو جمعُ أصمَّ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف وصَف اللَّهُ هؤلاء بأنهم يُحشَرون عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا، وقد قال: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]. فأخبرَهم (^٢) أنهم يَرَوْنَ، وقال: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٢، ١٣]. فأخبرَ أنهم يَسْمَعُونَ ويَنْطِقُون؟\nقيل: جائزٌ أن يكونَ ما وصَفهم اللَّهُ به من العَمَى والبَكَمِ والصَّمَمِ يكونُ صفتَهم في حالِ حشرِهم إلى موقفِ القيامةِ، ثم يُجْعَلُ لهم أسماعٌ وأبصارٌ ومنطقٌ في أحوالٍ أُخرَ غيرِ حالِ الحشرِ، ويجوزُ أن يكونَ ذلك كما رُوِى (^٣) عن ابن عباسٍ في الخبرِ الذي حدَّثَنيه عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾. ثم قال: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا﴾. وقال: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ وقال: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾: أما قولُه: و﴿عُمْيًا﴾. فلا يرَون شيئًا\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٠.\n(^٢) في م: \"فأخبر\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"15","page":93},{"text":"يسرهم (^١)، وقولُه: ﴿بُكْمًا﴾. لا يَنْطِقُون بحجة، وقولُه: ﴿صُمًّا﴾. لا يَسْمَعُون شيئًا يسرُّهم (^٢).\nوقولُه: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: مصيرُهم إلى جهنمَ، وفيها مساكُنهم، وهم وَقُودُها.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: يعنى أنهم وَقُودُها (^٣).\nوقولُه: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا)﴾. يعنى بقوله: ﴿خَبَتْ﴾: لانَتْ وسَكَنَتْ. كما قال عديٌّ بنُ زيدٍ العِبَاديُّ في وصفِ مُزْنَةٍ:\nوَسْطُه كاليَرَاعِ (^٤) أَوْ سُرُج المجْدَل (^٥) … حِينًا يَخْبُو وحينًا يُنيرُ\nيعنى بقولِه: يَحْبو السُّرُجُ. أنها تَلِينُ وتَضْعُفُ أحيانًا، وتَقْوَى فتُنِيرُ أُخْرى. ومنه قولُ القُطَاميِّ (^٦):\n* فيَخْبو ساعَةً ويَهُبُّ (^٧) ساعا *\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ على اختلافٍ منهم في العبارةِ عن تأويلِه.\n_________\n(^١) في ص: \"يسر لهم\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"يستر لهم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٤ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢٠٤/ ٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) اليراع، جمع يراعة: وهى ذباب يطير بالليل كأنه نار، واليراع: فراشة إذا طارت في الليل لم يشك من يعرفها أنها شرارة طارت عن نار. اللسان (ي ر ع).\n(^٥) المجدل: القصر المشرف لوثاقة بنائه، وجمعه مجادل. اللسان (ج د ل).\n(^٦) ديوانه ص ٣٤.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"تشب\".","vol":"15","page":94},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5348>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾. [يقولُ: كلَّما] (^١) سكَنت (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾. يقولُ: كلما أحرَقتهم [تسَّعرُ بهم] (^٣) حَطَبًا، فإذا أحرَقتهم فلم تُبْقِ منهم شيئًا، صارَت جمرًا (^٤) تتوهَّجُ، فذلك خَبْرُها، فإذا بُدِّلُوا خَلْقًا جديدًا عاوَدَتْهم (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن [ابن أبي نجيحٍ] (^٦)، عن مجاهدٍ قولَه (^٧).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) في م: \"قال\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"سعرتهم\".\n(^٤) في ص: \"حمراء\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في الأضداد، وسيأتي تخريجه عند ابن الأنباري في الصفحة التالية.\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) سقط من: م.\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٤٤٢ بلفظ: كلما أطفئت أوقدت. وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (١٠٧) من طريق أبي يحيى، عن مجاهد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٤ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":95},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾. قال: خَبْؤُها أنها تُسَعَرُ بهم حطبًا، فإذا أحرَقتهم فلم يَبْقَ منهم شيءٌ، صارت جمرًا (^١) تتوهَّجُ، فإذا بُدِّلوا خلقًا جديدًا عاوَدَتْهم (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾. يقولُ: كلَّما احترَقت جلودُهم بُدِّلوا جلودًا غيرَها ليَذُوقُوا العذابَ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾. قال: كلما لان منها شيءٌ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن مَرْوَانَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾. قال: سكنت.\nوقولُه: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾. يقولُ: زِدْنا هؤلاء الكفارَ سعيرًا، وذلك إسعارُ النارِ عليهم والتهابُها فيهم وتأجُّجُها بعدَ خَبْوها في أجسامِهم.\n\n<span id=\"aya-2127\"></span><span data-type='title' id=toc-5349>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي وصَفنا من فعلِنا يومَ القيامةِ بهؤلاءِ المشركين، ما\n_________\n(^١) في ص: \"حمراء\".\n(^٢) أخرجه ابن الأنبارى في الأضداد ص ١٧٦ من طريق حجاج به نحوه.\n(^٣) أخرجه ابن الأنبارى في الأضداد ص ١٧٦ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٠.","vol":"15","page":96},{"text":"ذكَرتُ أنَّا نَفعَلُ بهم من حشرهم على وجوهِهم عُميًا وبُكمًا وصُمًّا، وإصلائِناهم (^١) النارَ على ما بَيَّنا من حالِهم فيها - ثوابُهم بكفرِهم في الدنيا ﴿بِآيَاتِنَا﴾. يعنى: بأدلتِه وحججِه، وهم رسلُه الذين دَعَوْهم إلى عبادتِه، وإفرادِهم إياه بالألوهةِ دونَ الأوثانِ والأصنامِ، وبقولِهم إذا أُمِروا بالإيمانِ بالمعادِ، وبثوابِ اللهِ وعقابهِ في الآخرةِ: ﴿أإِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾ باليةً، ﴿وَرُفَاتًا﴾: قد صِرْنا ترابًا ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾. يقولون: تُبْعَثُ بعدَ ذلك خلقًا جديدًا، كما ابتُدِثْنا (^٢) أولَّ مرةٍ في الدنيا. استِنكارًا منهم لذلك، واستِعظامًا له (^٣)، وتعجُّبًا من أن يكونَ ذلك.\n\n<span id=\"aya-2128\"></span><span data-type='title' id=toc-5350>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أوَ (^٤) لم يَنْظُرْ هؤلاء القائلون من المشركين: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ بعيونِ قلوبهم، فيعلَموا ﴿انَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، فابتدَعها من غيرِ شيءٍ، وأقامَها بقُدرتِه، ﴿قَادِرٌ﴾ بتلك القدرةِ ﴿عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾: أشكالَهم وأمثالَهم من الخلقِ بعدَ فنائِهم وقبلَ ذلك، وأن مَن قدَر على ذلك فلا يَمتَنِعُ عليه إعادتَهم خلقا جديدًا، بعدَ أن يَصِيروا عظامًا ورُفاتًا.\nوقولُه: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَل الله\n_________\n(^١) في م: \"إصلائنا إياهم\".\n(^٢) في م: \"ابتدأناه\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"إذ\".","vol":"15","page":97},{"text":"لهؤلاء المشركين أجلًا لهلاكِهم، ووقتًا لعذابهم ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. يقولُ: لا شكَّ فيه أنه آتيهم ذلك الأجلُ، ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾. يقولُ: فأبَى الكافرون إلا جحودًا بحقيقةِ وعيدِه الذي أوعَدهم، وتكذيبًا به.\n\n<span id=\"aya-2129\"></span><span data-type='title' id=toc-5351>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين: لو أنتم أيها الناسُ تَمْلِكُون خزائنَ أملاكِ ربى من الأموالِ - وعَنَى بالرحمةِ في هذا الموضعِ المالَ - ﴿إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾. يقولُ: إذن لَبَخِلْتُم به، فلم تجودُوا بها على غيرِكم، خشية من ﴿الْإِنْفَاقِ﴾ (^١)؛ الإِقْتارِ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾. قال: الفقرِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾. أي: خشيةَ الفاقةِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٣).\nوقولُه: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾. يقولُ: وكان الإنسانُ بخيلًا مُمْسِكًا.\nكما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن\n_________\n(^١) بعده في م: \"و\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٠٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":98},{"text":"عباسٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾. يقولُ: بخيلًا.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجّاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾. قال: بخيلًا.\nحدًّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾. قال: بخيلًا مُمْسِكًا.\nوفى \"القُتورِ\" في كلامِ العربِ لغاتٌ أربعٌ، يقالُ: قَتَر فلانٌ يَقْتُرُ ويَقْتِرُ، وقَتَّر يُقَتِّرُ، وأقْتَر يُقْتِرُ، كما قال أبو دُوادَ (^١):\nلا أعُدُّ الإقْتارَ عُدْمًا ولكنْ … فقدُ مَن قد رُزِيتُه الإِعْدامُ\n\n<span id=\"aya-2130\"></span><span data-type='title' id=toc-5352>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد آتَينا موسى بنَ عِمرانَ ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ تَبِينُ لَمَن رآها أنَّها حُججٌ لموسى شاهدةٌ على صدقِه وحقيقةِ نبوَّتِه.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ فيهنَّ وما هُنَّ؛ فقال بعضُهم في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. قال: التسعُ الآياتِ البينات؛ يدُه، وعَصاه ولسانُه، والبحرُ والطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ، آياتٌ مفصلاتٌ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ\n_________\n(^١) ديوانه (ضمن دراسات في الأدب العربي) ص ٣٣٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٥١ (١٦٦٣) من طريق عمرو بن عطية، عن ابن عباس.","vol":"15","page":99},{"text":"الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: إلقاءُ العصا مرَّتينِ عندَ فرعونَ، ونزْعُ يدِه، والعُقدةُ التي كانت بلسانِه، وخمسُ آياتٍ في \"الأعراف\"؛ الطوفانُ، والجرادُ، والقمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ (^١).\nوقال آخرون نحوًا من هذا القولِ، غيرَ أنَّهم جعَلوا اثنتين (^٢) مِنهنَّ؛ إحدَاهما، الطَّمسَةَ، والأُخرى، الحَجَرَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5353>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بريدةَ بن سفيانَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرظيّ، قال: سألني عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ عن قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. فقلتُ له: هي الطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ، والبحرُ، وعَصاه، والطَّمْسةُ، والحَجَرُ. فقال: وما الطَّمْسةُ؟ فقلتُ: دعا موسى وأمَّن هارونُ، فقال: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩] وقال عمرُ: كيف يكونُ الفقهُ إلا هكَذا! فدعا عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ بخريطةٍ (^٣) كانت لعبدِ العزيزِ بن مرْوانَ أُصِيبت بمصرَ، فإذا فيها الجوزةُ (^٤) منشاةٌ (^٥)، والبيضةُ والعدسةُ ما تُنكَرُ، مُسِخت حجارةً، كانت من أموالِ فرعونَ أُصِيبت بمصرَ (^٦).\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٠/ ٣٣٦.\n(^٢) في م: \"آيتين\".\n(^٣) الخريطة: وعاء من أدم وغيره يُشْرَج على ما فيه. التاج (خ ر ط).\n(^٤) الجوزة: ضرب من العنب ليس بكبير، ولكنه يصفر جدا إذا أينع. التاج (ج وز).\n(^٥) سقط من: م، وفى تاريخ المصنف: \"مقشورة\". والنَّسّ: اليُبْس، نَسّ اللحمُ والخبرُ: يَنُس ويَنِس: إذا يَبِس. ينظر التاج (ن س س).\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤١٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٥١ (١٦١٦٤) من طريق سلمة به مختصرًا، وفيهما: ويده. بدلا من: والحجر.","vol":"15","page":100},{"text":"وقال آخرون نحوًا من ذلك، إلا أنَّهم جعلوا اثنَتَينِ مِنْهنَّ؛ إحَداهما، السنين، والأخْرى، النقصَ من الثمرات.\n\n<span data-type='title' id=toc-5354>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحْويِّ، عن عكرمةَ ومطرٍ الورَّاقِ في قولِه: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ﴾. قالا: الطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ، والعصَا، واليدُ، والسنونَ، ونقصٌ مِن الثمراتِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيّ في قولِه: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. قال: الطوفانِ، والجرادِ، والقُمَّلِ، والضفادعِ، والدمِ، والسنينَ، ونقصٍ من الثمراتِ، وعصاه، ويدِه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، قال: مثل سُئل عطاءُ بنُ أبى رباحٍ عن قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. ما هي؟ قال: الطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدَّمُ، وعصا موسى، ويدُه. قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ مثلَ قولِ عطاءٍ، وزاد: ﴿أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠]. قال: هما التاسعتان، ويقولون: التاسعتان؛ السنين، وذَهَابِ عُجْمةٍ لسانِ موسى (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد بن منيع - كما في المطالب العالية (٤٠٣٣) - من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن عكرمة وأبي صالح.\n(^٢) أخرجه مسدد - كما في المطالب العالية (٤٠٣٢) - عن أبي عوانة، عن مغيرة به.\n(^٣) ينظر التبيان ٦/ ٥٢٧، وتفسير القرطبي ٥/ ١٣٣.","vol":"15","page":101},{"text":"قتادةَ، عن ابن عباس في قولِه: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: وهي متتابعاتٌ، وهي في سورة \"الأعراف\": ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾. قال: ﴿بِالسِّنِينَ﴾ في أهلِ البوادِى، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾، لأهلِ القُري، فهاتان آيتانِ. والطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ، هذه خمسٌ، ويدهُ موسى إذ أخرَجها بيضاءَ للنّاظِرين من غيرِ سوءٍ - البرصُ - وعصاه إذ ألقاها فإذا هيَ ثعبانٌ مبينٌ (^١).\nحدُّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. قال: يدِ موسى، وعصاه، والطوفانِ، والجرادِ، والقُمَّلِ، والضفادِعِ، والدَّمِ، والسنين، ونقصٍ من الثمراتِ.\nوقال آخرون نحوًا من ذلك؛ إلا أنَّهم جعَلوا السنينَ والنقصَ من الثمراتِ آيةً واحدةً، وجعَلوا التاسعةَ تَلَقُّفَ العصا ما يأفِكون.\n\n<span data-type='title' id=toc-5355>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرازقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾. قال: هذه آيةٌ واحدةٌ، والطوفانُ، والجرادُ، والقملُ، والضفادعُ، والدمُ، ويدُ موسى، وعصاه إذ ألْقاها فإذا هي ثعبانٌ مبينٌ، وإذ أَلْقاها فإذا هي تَلْقَفُ ما يأفِكُون (^٢).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٤ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩١.","vol":"15","page":102},{"text":"وقال آخرون في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى محمدُ بنُ جعفر، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن مرَّةَ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ سلِمةَ، يحدِّثُ عن صفوانَ بن عسَّالٍ، قال: قال يهوديٌّ لصاحبهِ: اذهبْ بنا إلى النبيِّ حتى نسألَه عن هذه الآيةِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. قال: لا تقلْ له: نبيٌّ، فإنَّه إن سمِعك صارت له أربعةُ (^١) أعينٍ، قال: فسألا، فقال النبيُّ ﷺ \"لا تُشْرِكوا بالله شَيئًا، ولا تسْرقُوا، ولَا تَزْنُوا ولَا تَقْتُلُوا النَّفسَ التي حرَّمَ اللهُ إلَّا بالحَقِّ، ولَا تَسْحَرُوا، ولا تأْكُلوا الرِّبا، ولا تَمشُوا ببَرِئٍ إلى ذى سُلْطَانٍ ليَقْتُلَه، ولا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً\". أو (^٢) قال: \"لا تَفِرُّوا مِن الزَّحْفِ\" - شعبةُ الشاكُّ - \"وأَنْتُم يا يَهُودُ، علَيكُم خاصَّةً، لا تَعْدُوا في السَّبْتِ\". فقبَّلا يَده ورجلَه، وقالا: نشهَدُ أَنَّك نبيٌّ. قال: \"فما يَمنَعُكما أنْ تُسلِمَا\"؟ قالا: إن داودَ دَعا ألا يزالَ مِن ذرِّيتِه نبيٌّ، وإنا نخشَى أن تقتلَنا يهودُ (^٣).\n_________\n(^١) كذا في النسخ وبعض مصادر التخريج، وقال المبار كفورى في تحفة الأحوذي ٣/ ٣٩٩: \"هكذا وقع في النسخ الموجودة، ووقع في المشكاة: أربع أعين. بغير التاء وهو الظاهر\". ثم فسره بقوله: \"يعنى يسر بقولك: هذا النبي. سرورا يمد الباصرة فيزداد به نورا على نور، كذى عينين أصبح يبصر بأربع، فإن الفرح يمد الباصرة، كما أن الهم والحزن يخل بها، ولذا يقال لمن أحاطت به الهموم: أظلمت عليه الدنيا\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"و\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٢٨٩، وأحمد ٣٠/ ١٢ (١٨٠٩٢)، وابن ماجه (٣٧٠٥) - مختصرا جدا - وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٤٦٦)، والحاكم ١/ ٩ من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الطيالسى (١٢٦٠)، وأحمد ٣٠/ ٢١ (١٨٠٩٦)، والترمذى (٣١٤٤)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٤٦٥)، وفي الجهاد (٢٧٥)، والطحاوى في شرح المعانى ٣/ ٢١٥، وفى المشكل (٦٣، ٦٥)، والعقيلي في الضعفاء ٢/ ٢٦١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٥١ (١٦١٦١)، وابن قانع في معجمه ١١/ ٢، والطبراني (٧٣٩٦)، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ٩٧، والحاكم ١/ ٩، والبيهقي ٨/ ١٦٦، والخطيب في الموضح ١/ ٣٢٨، والبغوى في تفسيره ٥/ ١٣٣ من طرق عن شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٤ إلى سعيد بن منصور وأبي يعلى وابن المنذر وابن مردويه. وقال ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٢٤: وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات=","vol":"15","page":103},{"text":"حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ وأبو داودَ وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهديٍّ، عن شعبةَ (^١)، عن عمرٍو، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ سلِمةَ، يحدِّثُ عن صفوانَ بن عسَّالٍ المُرادِيِّ (^٢)، عن النبيِّ ﷺ بنحوه، إِلَّا أَنَّ ابنَ مهديٍّ قال: \"لَا تمشوا إلى ذى سُلطانٍ\". وقال ابن مَهدِيٍّ: أُراه قال: \"ببَرِئٍ\".\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ إدريسَ وأبو أسامةَ بنحوِه، عن شعبةَ بن الحجاجِ، عن عمرِو بن مَرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بن سلِمةَ، عن صفوانَ بن عسَّالٍ، قال: قال يهوديٌّ لصاحبِه: اذهبْ بنا إلى هذا النبيِّ. فقال صاحبُه: لا تقلْ: نبيٌّ. إِنَّه لو سمعِك كان له أربعُ (^٣) أعينٍ. قال: فأتيا رسولَ الله ﷺ يسألانِه عن ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. فقال: \"هنَّ: ولَا تُشْرِكُوا بالله شَيْئًا، ولَا تَسْرِقُوا، ولَا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا النَّفسَ التي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بالحَقِّ، ولا تَقْذِفُوا المحصنَةَ، ولا تَوَلَّوْا يَوْمَ الزحفِ، وعَلَيكم خاصَّةً يهودُ، أَلَّا تَعْدُوا في السَّبْتِ\". قال: فقبَّلوا يدَيه ورجلَيه، وقالوا: نشهَدُ أَنَّك نبيٌّ. قال: \"فَمَا يمنعكم أن تتَّبِعُونى\"؟. قالوا: إن داودَ دعا ألا يزالَ من ذرِّيِته نبيٌّ، وإنَّا نخافُ إِن اتبَعْناك أنْ تقتُلَنا يهود (^٤).\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا شعبةُ بنُ الحجاجِ، عن عمرِو\n_________\n= بالعشر الكلمات، فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون، والله أعلم. وينظر البداية والنهاية ٩/ ٩٦.\n(^١) في النسخ: \"سعيد\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الرازي\". وينظر الإصابة ٣/ ٤٣٦.\n(^٣) في ف: \"أربعة\".\n(^٤) أخرجه الترمذى (٢٧٣٣) عن أبي كريب به، وأخرجه النسائي (٤٠٨٩)، وفي الكبرى (٣٥٤١، ٨٦٥٦)، والطحاوى في المشكل (٦٤) عن أبي كريب، عن عبد الله بن إدريس وحده به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٢٨٩، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٤٦٦) عن عبد الله بن إدريس وأبي أسامة به.","vol":"15","page":104},{"text":"ابن مرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن سلِمةَ، عن صفوانَ بن عسَّالٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوه (^١).\nوأما قوله: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾. فإن عامَّةَ قرَأَةِ الإسلام على قراءِته على وجْهِ الأمْرِ، بمعنى: فاسألْ يا محمدُ بنى إسرائيلَ إذ جاءَهم موسى.\nورُوِى عن الحسنِ البصريِّ في تأويلِه ما حدَّثني به الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن إسماعيلَ، عن الحسنِ: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: سؤالُك إِيَّاهم نظرُك في القرآنِ (^٢).\nورُوِى عن ابن عباسٍ أنَّه كان يقرأُ ذلك: (فسَألَ). بمعنى: فسألَ موسى فرعونَ بنى إسرائيلَ أنْ يُرسِلَهم معه. على وجْهِ الخبرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5356>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن حنظلةَ السَّدُوسيّ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأها: (فسَأل بنى إسرائيلَ إذْ جاءَهم). يعنى: أنَّ موسى سأل فرعونَ بنى إسرائيلَ أن يُرسِلَهم معه (^٣).\nوالقراءةُ التي لا أستجيزُ أن يُقرَأَ بغيرِها، هي القراءةُ التي عليها قرَأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ على تصويبِها، ورغبتِهم عمَّا خالفها.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣٠/ ١٢ (١٨٠٩٢)، والترمذى (٣١٤٤)، والبيهقى في الدلائل ٦/ ٢٦٨ من طريق يزيد به.\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٨٥ عن الحسن، وذكره الطوسى في التبيان ٦/ ٥٢٧ عن الحسن، عن ابن عباس.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٥ إلى المصنف وسعيد بن منصور وأحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، وقراءة ابن عباس هذه قراءة شاذة.","vol":"15","page":105},{"text":"وقولُه: ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾. يقولُ: فقال لموسى فرعونُ: إني لأظنُّك يا موسى مُعاطًى (^١) علمَ السِّحرِ، فهذه العجائب التي تفعلُها من سحرِك. وقد يجوزُ أن يكونَ مرادًا به: إنّى لأظُنُّك يا موسى ساحرًا. فوُضِع \"مفعولٌ\" موضعَ \"فاعلٍ\"، كما قيل: إنَّك مشئومٌ علينا وميمونٌ. وإنما هو شائمٌ ويامنٌ. وقد تأوَّل بعضُهم ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]. بمعنى: حجابًا ساتِرًا. والعربُ قد تُخرِجُ \"فاعلًا\" بلفظِ \"مفعولٍ\" كثيرًا.\n\n<span id=\"aya-2131\"></span><span data-type='title' id=toc-5357>القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢)﴾.</span>\nاختلَفتِ القرَأَةُ في قراءة قولِه: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾. بفتحِ التاءِ، على وجْهِ الخطابِ مِن موسى لفرعونَ (^٢).\nورُوِى عن عليّ بن أبى طالبٍ رضوانُ الله عليه، في ذلك أنَّه قرَأ: (لَقَدْ عَلِمْتُ). بضمّ التاءِ (^٣)، على وجْهِ الخبرِ من موسى عن نفسِه. ومَن قرَأ ذلك على هذه القراءةِ، فإنَّه ينبغى أن يكونَ على مذهبِه تأويلَ قولِه: ﴿إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾: إنى لأظُنُّك قد سُحِرت، فترَى أنَّك تتكلمُ بصوابٍ وليس بصواب.\nوهذا وجه من التأويلِ، غيرَ أنَّ القراءةَ التي عليها قرَأَةُ الأمصارِ خلافُها، وغيرُ\n_________\n(^١) في م: \"تتعاطى\".\n(^٢) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبى عمرو وحمزة وابن عامر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٨٦.\n(^٣) وبها قرأ الكسائى وهى متواترة. السابق ص ٣٨٥.\nوأثرُ عليٍّ أخرجه الفراء في معاني القرآن ٢/ ١٣٢ بإسناده عن علي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٥ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\nوقال البغوي في تفسيره ٥/ ١٣٤: ولا يثبت عن علي رفع التاء؛ لأنه روى عن رجل من مراد، عن علي، وذلك أن الرجل مجهول. وكذا قال أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٨٦ وسمى الرجل كلثوما.","vol":"15","page":106},{"text":"جائز عندَنا خلافُ الحجةِ فيما جاءت به من القراءةِ مجمِعةً عليه.\nوبعدُ، فإنَّ الله تعالى ذكرُه قد أخبَر عن فرعونَ وقومِه أنهم جحَدوا ما جاءَهم به موسى من الآياتِ التسعِ، مع علمِهم بأنَّها من عندِ اللَّهِ بقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٢ - ١٤]. فأخبرَ جلَّ ثناؤه أنهم قالوا: هي سحرٌ. مع علمِهم واستِيقانِ أنفسِهم بأنَّها من عنِد الله، فكذلك قوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ (^١). إنما هو خبرٌ من موسى لفرعونَ بأنَّه عالمٌ بأَنَّها آياتٌ مِن عند الله.\nوقد ذُكر عن ابن عباسٍ أنَّه احتَجَّ في ذلك بمثل الذي ذكَرْنا من الحُجةِ.\nقال: حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرأُ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾: يا فرعونُ. بالنصب، ﴿مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ثم تلا: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (^٢).\nفإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: قال موسى لفرعونَ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ يا فرعونُ ﴿مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ﴾ الآياتِ التسعَ البيناتِ التي أريتُكها، حجةً لى على (^٣) حقيقةِ ما أدْعُوك إليه، وشاهدةً لى على صدقى (^٤) وصحَّةِ قوله: إنى للهِ رسولٌ (^٥)\n_________\n(^١) ضبطت هذه الكلمة في ص، ت ٢ بضم التاء، وصواب السياق قبله وبعده أن تكون بفتح التاء كما أثبتناه.\n(^٢) أخرجه الفراء في معاني القرآن ٢/ ١٣٢ عن هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"صدق\".\n(^٥) بعده في م: \"ما\"","vol":"15","page":107},{"text":"بَعثني إليك - ﴿إلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ لأن ذلك لا يقدِرُ عليه ولا على أمثالِه أحدٌ سواه، ﴿بَصَائِر﴾ يعنى بـ \"البصائرِ\" الآياتِ أنهنَّ بصائرُ لَمن استبصَر بهنَّ، وهدًى لَمن اهتدَى بهنَّ، يعرِفُ بهنَّ مَن رآهُنَّ أن مَن جاء بهنَّ فَمُحِقٌّ، وأنهنَّ من عندِ اللهِ لا مِن عند غيرِه، إذ كُنَّ معجِزاتٍ لا يقدِرُ عليهنَّ ولا على شيءٍ منهنَّ سوى ربِّ السماواتِ والأرض.\nوهو جمعُ بصيرةٍ.\nوقولُه: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. يقولُ: إني لأظُنُّك يا فرعون ملعونًا ممنوعًا من الخيرِ.\nوالعربُ تقولُ: ما ثَبَرَك عن هذا الأمرِ؟ أي: ما مَنعك منه، وما صَرَفَك (^١) عنه؟ وثَبَرَه الله فهو يَثْبُرُه ويُثْبِرُه. لغتانِ. ورجلٌ مثبورٌ: محبوسٌ عن الخيراتِ هالكٌ. ومنه قولٌ الشاعر (^٢):\nإذ أُجارِي الشَّيطانَ فِي سَنَنِ الغَيِّ … ومَن مالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ\nوبنحوِ الذي قُلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5358>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الله الكِلابيٌّ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، قال: ثنا عمرُ بن عبدِ اللَّهِ، عن المِنْهالِ بن عمرٍو، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. قال: ملعونًا (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"صدك\"، وفى ت ١، ف: \"صدفك\"، وفى ت ٢: \"صدقك\". وينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ١٣٢.\n(^٢) هو عبد الله بن الزِّبعْرَى، والبيت في سيرة ابن هشام ٢/ ٤١٩، وسيأتي في ١٧/ ٤١٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":108},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مرْوانُ بنُ معاويةَ، قال: أخبَرنا عمرُ بنُ عبدِ اللَّهِ الثقفيُّ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. يقولُ: ملْعونًا (^١).\nوقال آخرون: بل معناه: إني لأظنُّك يا فرعونُ مغلوبًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5359>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: قولَه: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. قال: مغلوبًا (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. يقولُ: مغلوبًا (^٢).\nوقال بعضُهم: معنى ذلك: إني لأظنُّك يا فرعون هالِكًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5360>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿مَثْبُورًا﴾. أي: هالكًا] (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٥ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٢٤.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"مثله\".\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٤٤٢ بلفظ: مُهْلكا.","vol":"15","page":109},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، قتادةَ: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. [أي: مُهْلَكًا. قوله: ﴿مَثْبُورًا﴾] (^١). أي: هالِكًا.\n[حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ بنحوِه (^٣).\nوقال آخرون: معناه: إني لأظُنُّك مبدلًا مُغيِّرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5361>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الله بُن موسى، عن عيسى بن موسى، عن عطيةَ: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. قال: مبدِّلًا (^٤).\nوقال آخرون: معناه: مخبولًا لا عقلَ له.\n\n<span data-type='title' id=toc-5362>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنِّي\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) كذا في النسخ، وهو تكرار للإسناد قبل السابق.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩١.\n(^٤) ذكره الطوسى في التبيان ٦/ ٥٢٨.","vol":"15","page":110},{"text":"لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. قال: الإنسانُ إذا لم يكنْ له عقلٌ فما ينفعُه؟ [يعنى: إذا لم يكنْ له عقلٌ] (^١) ينتَفِعُ به في ديِنه ومعاشِه دعَتْه العربُ مَثْبُورًا. قال: أظنُّك ليس لك عقلٌ يا فرعونُ. قال: بَيْنا هو يخافُه: ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ (^٢) لِسَانِي﴾ أن أقولَ هذا الفرعونَ. فلَمَّا شرح الله صدرَه اجتَرأ أن يقولَ له فوقَ ما أمرَه اللهُ (^٣).\nوقد بيّنّا الذي هو أولَى بالصوابِ في ذلك قبلُ (^٤).\n\n<span id=\"aya-2132\"></span><span data-type='title' id=toc-5363>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فأراد فرعونُ أن يسْتفِزَّ موسى وبنى إسرائيلَ مِن الأرضِ، ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ﴾ في البحرِ، ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾ مِن جُندِه، ﴿جَمِيعًا﴾،\n\n<span id=\"aya-2133\"></span>ونجَّيْنا موسى وبنى إسرائيلَ، وقُلْنا لهم مِن بعدِ هلاكِ فرعونَ: ﴿اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾: أرضَ الشامِ، ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. يقولُ: فإذا جاءتِ الساعةُ، وهى وعدُ الآخرةِ، ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. يقولُ: حشَرْناكم مِن قبورِكم إلى موقفِ القيامةِ ﴿لَفِيفًا﴾. أي: مختلِطين، قد التفَّ بعضُكم على بعضٍ، لا تتعارَفون، ولا ينحازُ أحدٌ منكم إلى قبيلتِه وحيّه. من قولِك (^٥): لَفَفْتُ الجيوشَ، إذا ضرَبتَ بعضَها ببعضٍ، فاختَلَطَ الجميعُ. وكذلك كلُّ شيءٍ خُلِط بشيءٍ فقد لُفَ به.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"وعقل\"، وفي ت ١: \"و\".\n(^٢) في م: \"ينطق\".\n(^٣) ينظر التبيان ٦/ ٥٢٨.\n(^٤) تقدم في ص ١٠٨.\n(^٥) في ص: \"قول\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"قوله\".","vol":"15","page":111},{"text":"وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قُلْنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5364>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن (^١) أبي رَزين: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. قال: مِن كلِّ قومٍ.\nوقال آخرون: بل معناه: جِئْنا بكم جميعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5365>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. قال: جميعًا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحَّدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعَا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾: جميعا (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. أي: جميعًا، أوَّلكم وآخِرَكم (^٤).\n_________\n(^١) بعده في م: \"ابن\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٥ إلى المصنف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٤٣، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (٢٩٢) من طريق أبي يحيى، عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (٢٩٣) من طريق سعيد به.","vol":"15","page":112},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. قال: جميعًا (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. يعنى: جميعًا (^٢).\nووحَّد \"اللفيفَ\" وهو خبرٌ عن الجميعِ؛ لأنه بمعنى المصدرِ، كقولِ القائلِ: لَففْتُه لفًّا ولَفيفًا.\n\n<span id=\"aya-2134\"></span><span data-type='title' id=toc-5366>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وبالحقِّ أنزَلْنا هذا القرآنَ. يقولُ: أَنزَلْناه نأمرُ فيه بالعدل والإنصافِ والأخلاقِ الجميلةِ، والأُمورِ المُسْتَحسَنةِ الحميدَةِ، ونَنْهى فيه عن الظُّلِمِ والأُمورِ القبيحةِ، والأخلاقِ الرديةِ، والأفعالِ الذَّميمةِ، ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾. يقولُ: وبذلك نزَل مِن عندِ الله على نبيِّه محمدِ ﷺ.\nوقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وما أرسَلْناك يا محمدُ إلى من أرسَلْناك إليه من عبادِنا، إلا مبشِّرًا بالجنَّة من أطاعَنا، فانتهَى إلى أمْرِنا ونَهْينا، ومنذرًا من عصانا وخالَفَ أَمْرَنا ونَهْيَنا.\n\n<span id=\"aya-2135\"></span>﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ﴾. اختلَفتِ القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمْصارِ: ﴿فَرَقْنَاهُ﴾. بتخفيفِ الراءِ من ﴿فَرَقْنَاهُ﴾. بمعنى: أَحْكَمناه وفصَّلْناه وبيَّناه.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩١.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٢٥.","vol":"15","page":113},{"text":"وذُكر عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤُه بتشديدِ الراءِ: (فَرّقْناه) (^١). بمعنى: نزَّلناه شيئًا بعدَ شيءٍ، آيةً بعدَ آيةٍ، وقصةً بعد قصةٍ.\nوأولى القراءتين بالصواب عندَنا القراءةُ الأولى؛ لأنَّها القراءةُ التي علَيها الحُجَّةُ مُجمِعةٌ، ولا يجوزُ خلافُها فيما كانت عليه (^٢) مجمِعَةً مِن أمرِ الدينِ والقرآنِ.\nفإذ كان ذلك أولى القراءَتَين بالصوابِ، فتأويلُ الكلامِ: وما أرسَلْناك إلا مبشرًا ونذيرًا، وفصَّلْناه قرآنًا (^٣)، وبيَّنّاه وأحْكَمناه لتقرَأه على الناسِ على مكْثٍ.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك مِن التأويلِ قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5367>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾. يقولُ: فصَّلْناه (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن (^٥) الرَّبيع، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بن كعبٍ أنَّه قرَأ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾. مخفَّفًا، يعنى: بيَّناه (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾. قال: فصَّلْناه.\n_________\n(^١) هي قراءة شاذة.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في ص: \"قرأناه\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٥ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) بعده في م: \"أبي\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٥ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"15","page":114},{"text":"حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا بَدَلُ بنُ المُحبَّرِ، قال: ثنا عبادٌ، يعني ابنَ راشدٍ، عن داودَ، عن الحسنِ أنَّه قرَأ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾. خفَّفها: فرَق الله به (^١) بينَ الحقِّ والباطلِ (^٢).\nوأما الذين قرَءوا القراءةَ الأُخرى، فإنَّهم تأوَّلوا ما قد ذكَرتُ من التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5368>ذكرُ مَن قال ما حكَيْتُ من التأويل عن قارئ ذلك كذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع، عن أبي العاليةِ، قال: كان ابن عباسٍ يقرَؤُها: (وَقُرْآنًا فَرَّقْناه). مثقَّلَةً، يقولُ: أُنزِل آيةً آيةً (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا داودُ، عن عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال، قال: أُنزِل القرآنُ جملةً واحدةً إلى السماءِ الدنيا في ليلةِ القدْرِ، ثم أُنزِل بعدَ ذلك في عشرين سنةً، قال: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]. (وقُرْآنا فَرَّقْناه لِتَقْرأه على النَّاسِ على مُكْثٍ ونَزَّلْناه تَنْزِيلًا) (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: (وَقُرْآنًا فَرَّقْناه). [قال: أُنزِل مُفَرَّقًا] (^٥)، لم ينزلْ جميعًا، وكان بينَ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ١٣٥، والقرطبي في تفسيره ١٠/ ٣٣٩.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٥ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه البيهقى في الدلائل ٧/ ١٣١، ١٣٢ من طريق يزيد بن هارون به، وأخرجه النسائي في الكبرى (٧٩٨٩، ٧٩٩٠)، والحاكم ٢/ ٣٦٨ من طرق عن داود بن أبي هند به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٥ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"لتقرأه على الناس\".","vol":"15","page":115},{"text":"أوَّله وآخرِه نحوٌ مِن عشرين سنةً (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وقُرْآنًا فَرَّقْناه). قال: فرَّقه، لم ينزِّلْه جميعًا (^٢). وقرأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾. حتى بلغ: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢، ٣٣]: يَنقُضُ عليهم ما يأتُون به (^٣).\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ الكوفة يقولُ (^٤): نُصِب قولُه: ﴿وَقُرْآنًا﴾. بمعنى: ورحمةً. ويتأوَّلُ ذلك: وما أَرْسَلْناك إلَّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا ورحمةً. ويقولُ: جاز ذلك لأن القرآن رحمةٌ.\nونصْبُه (^٥) على الوجْهِ الذي قُلناه أولى، وذلك كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩].\nوقوله: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾. يقولُ: لتقرَأَه على الناسِ على تُؤَدةٍ، فتُرتِّلَه وتبيِّنَه، ولا تعجَلْ في تلاوتِه فلا يُفْهَمَ عنك.\nوبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5369>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عُبيدٍ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩١.\n(^٢) في م: \"جميعه\".\n(^٣) ينظر التبيان ٦/ ٥٣٠.\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ١٣٢.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"نصب\".","vol":"15","page":116},{"text":"المُكْتِبِ، قال: قلتُ لمجاهدٍ: رجلٌ قرَأ \"البقرةَ\" و\"آلَ (^١) عمرانَ\"، وآخرُ قرَأ \"البقرةَ\"، وركُوعُهما وسجودُهما واحدٌ، أيُّهما أفضَلُ؟ قال: الذي قرَأ \"البقرةَ\". وقرأ:؟ ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ (^٢).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾. يقولُ: على تأييدٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾. قال: على تَرَسُّلٍ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ (^٥) قوله: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾. قال: في تَرَسُّلٍ (^٦).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾. قال: التفسيرُ الذي قال الله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"آخر\"، وفى ف: \"آخر آل\".\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في فضائله ص ٧٥ عن عبد الرحمن به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٢١، ١٠/ ٥٢٦ من طريق سفيان به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٤١٨٨) عن معمر أن رجلا سأل مجاهدا. فذكره بزيادة في آخره وستأتى.\n(^٣) في ت ١: \"تأبد\"، وفى ت:٢ \"تأبيد\"، وفى الدر المنثور: \"بأمد\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٥ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) في م: \"ترتيل\".\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٤٤٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٥ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) بعده في ت ٢: \"عن مجاهد\".\n(^٦) في م: \"ترتيل\".","vol":"15","page":117},{"text":"[المزمل: ٤]: تفسيره.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن عبيدٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾: على تُؤَدةٍ (^١).\nوفى \"المُكْثِ\" للعربِ لغاتٌ: مُكْثٌ، ومَكْثُ، ومِكْثٌ، ومِكِّيثَى مقصورٌ، ومُكْثانًا، والقراءةُ بضمِّ الميم.\nوقوله: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فرَّقنا تنزيلَه، وأنزَلناه شيئًا بعدَ شيءٍ.\nكما حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليه، قال: حُدِّثْنا عن أبي رجاءٍ، قال: تلا الحسن: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾. قال: كان الله ﵎ ينزِّلُ هذا القرآنَ بعضَه قبلَ بعضٍ، لِمَا علِم أنَّه سيكونُ ويحدُثُ في الناسِ، لقد ذُكر لنا أنَّه كان بينَ أوّلِه وآخرِه ثمانىَ عشْرةَ سنةً. قال: فسألتُه يومًا على سُخطةٍ، فقلتُ: يا أبا سعيد: (وقُرآنًا فَرَّقْناه). فثقَّلَها أبو رجاءٍ، فقال الحسنُ: ليس (فَرَّقْناه) ولكن ﴿فَرَقْنَاهُ﴾. فقرَأ الحسنُ مخفَّفةً. قلتُ: مَن يُحدَّثك هذا يا أبا سعيدٍ؟ أصحابُ محمدٍ؟ قال: فمَنْ يُحدِّثُنيه؟! قال: أُنزِل عليه بمكةَ قبلَ أن يُهاجرَ إلى المدينةِ ثمانىَ سنين، وبالمدينةِ عشْرَ سنين.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾: لم ينزَّلْ في ليلةٍ ولا ليلتين، ولا شهرٍ ولا شَهرين، ولا سنةٍ ولا سنتين، ولكنْ كان بين أوَّلِه وآخِرِه عشرون سنةً، وما شاء الله مِن ذلك (^٢).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩١.\n(^٢) أخرجه ابن الضريس في فضائله (١٢٥) من طريق يزيد به.","vol":"15","page":118},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: كان يقولُ (^١): أُنزِل على نبيِّ الله القرآنُ ثمانىَ سنين، وعشرًا بعدَما هاجَر. وكان قتادةُ يقولُ: عشرًا بمكة، وعشرًا بالمدينةِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2136\"></span><span data-type='title' id=toc-5371>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ القائلين لك: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]: آمِنوا بهذا القرآنِ الذي لو اجتمَعت الإنسُ والجنُّ على أن يأْتُوا بمثلِه، لم يأْتُوا به ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظهيرًا، أو لا تؤمِنوا به، فإن إيمانَكم به لن يزيدَ في خزائنِ رحمةِ الله، ولا ترْكَكم الإيمانَ به ينقُصُ ذلك، وإن تكفُروا به، فإن الذين أُوتوا العلمَ بالله وآياتِه مِن قبلِ نزولهِ من مؤمنى أهلِ الكتابين، إذا يُتلَى عليهم هذا القرآنُ يَخِرُّون؛ تعظيمًا له وتكريمًا، وعلمًا منهم بأنَّه مِن عندِ اللَّهِ، لأذقانِهم سُجَّدًا بالأرضِ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في الذي عنَى الله بقولِه: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى به الوجوهَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5370>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) في فضائل ابن الضريس: \"يقال\".\n(^٢) أخرجه ابن الضريس في فضائله (١٢٦) من طريق يزيد به.","vol":"15","page":119},{"text":"قولَه: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾. يقولُ: للوجوهِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾. أي: للوجوهِ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٢).\nوقال آخرون: بل عنَى بذلك اللِّحَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-5372>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: قال الحسنُ في: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾. قال: للِّحَى (^٣).\n\n<span id=\"aya-2137\"></span>وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويقولُ هؤلاءِ الذين أُوتُوا العلمَ مِن قبلِ نزولِ هذا القرآنِ، إذا خرُّوا للأذقانِ سُجودًا عندَ سَماعِهم القرآنَ يُتْلَى عليهم: تنزِيهًا لربِّنا وتَبْرِئةً له مما يُضيفُ إليه المشركون به، ما كان وعدُ ربِّنا من ثوابٍ وعقابٍ، إلا مفعولًا حقًّا يقينًا؛ إيمانٌ بالقرآنِ وتصديقٌ به.\nوالأذقانُ في كلامِ العربِ: جمعُ ذَقَنٍ، وهو مَجمَعُ اللَّحْيَيْنِ. وإذ كان ذلك كذلك، فالذى قال الحسنُ في ذلك أشبهُ بظاهرِ التنزيلِ.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٥ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٢.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٢.","vol":"15","page":120},{"text":"الذين عُنوا بقولِه: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. وفي: ﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-5373>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿خُشُوعًا﴾. قال: هم ناسٌ من أهلِ الكتابِ، حينَ سمِعوا ما أنزَل الله على محمدٍ، قالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبلِ النبيِّ ﷺ ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ ما أُنزِل إليهمِ من عندِ اللَّهِ، ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ (^٢).\nوقال آخرون: عُنِي بقولِه: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: محمدٌ ﷺ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-5374>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: كِتابُهم (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٥ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) يظهر من السياق أن هناك سقطًا كبيرًا؛ فقد أورد الطبرى أثرين في اختلاف أهل التأويل في قوله: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾، لا لاختلافهم في قوله: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هذا ولم يذكر الطبري اختلاف المتأولين في قوله: ﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قال: وقال آخرون: محمد ﷺ\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٥، ٢٠٦ إلى المصنف وابن المنذر عن مجاهد.","vol":"15","page":121},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: ما أُنزِل إليهم مِن عندِ اللَّهِ.\nوإنما قلنا: عنَى بقولِه: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: القرآنَ؛ لأنه في سياقِ ذكرِ القرآنِ، ولم يَجرِ لغيرِه مِن الكتبِ ذكرٌ، فيُصرَفَ الكلامُ إليه، ولذلك جُعلتِ الهاءُ التي في قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾. مِن ذكرِ القرآنِ؛ لأن الكلامَ بذكرِه جرَى قبلَه، وذلك قوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾. وما بعدَه في سياقِ الخبرِ عنه، فلذلك وجَبت صحةُ ما قلنا، إذا لم يأتِ بخلافِ ما قلنا فيه حجةٌ يجِبُ التسليمُ لها.\n\n<span id=\"aya-2138\"></span><span data-type='title' id=toc-5375>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويخِرُّ هؤلاء الذين أُوتوا العلمَ من مؤمنى أهلِ الكتابين من قبلِ نزولِ الفرقانِ، إذا يُتلَى عليهم القرآنُ، لأذقانِهم يبكُون، ويزيدُهم ما في القرآنِ من المواعظِ والعبرِ ﴿خُشُوعًا﴾. يعنى: خضوعًا لأمرِ الله وطاعتِه، واستكانةً له.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، قال: أَخبَرنا مِسْعَرٌ، عن عبدِ الأعلى التّيميّ، أنَّ مَن أُوتِيَ مِن العلم ما لم يُبكِه، لخليقٌ ألَّا يكونَ أُوتِىَ علمًا يَنْفَعُه؛ لأنَّ اللَّهَ نعَت العلماءَ فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ الآيتين.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن مِسْعَرِ بن كِدَامٍ، عن عبدِ الأعلى التيميِّ بنحوِه، إَّلا أنه قال: ﴿إِذَا","vol":"15","page":122},{"text":"يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾. ثم قال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ الآية (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾. قال: هذه جوابٌ وتفسيرٌ للآيةِ التي في \"كهيعص\": ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨].\n\n<span id=\"aya-2139\"></span><span data-type='title' id=toc-5377>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قل يا محمدُ لمشركي قومِك المنكرين دعاءَ الرحمنِ: ﴿ادْعُوا اللَّهَ﴾ أيُّها القومُ، ﴿أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، بأيِّ أسمائِه ﷻ تَدْعُون ربَّكم، فإِنَّما تَدْعُون واحدًا، وله الأسماء الحُسْنى. وإنما قيل ذلك له ﷺ؛ لأنَّ المشركين - فيما ذُكِر - سمِعوا النبي ﷺ يدعُو ربَّه: \"يا ربَّنا الله، ويا ربَّنا الرحمن\" (^٢). فظنُّوا أنه يدعو إلهين، فأنزَل الله على نبيّه ﵇ هذه الآية احتجاجا لنبيِّه عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-5376>ذكرُ الروايِة بما ذكَرنا</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى محمدُ بنُ كثيرٍ، عن عبدِ اللهِ بن واقدٍ، عن أبي الجوزاءِ، عن ابن عباسٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ ساجدًا يدعو: \"يا رحمنُ، يا رحيمُ\". فقال المشركون: هذا يَزْعُمُ أنه يدعو واحدًا، وهو يدعو مثنَى مثنَى. فأنزَل الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ\n_________\n(^١) الزهد لابن المبارك ص ٣٠ (١٢٤)، ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٥/ ٨٨، وابن أبي شيبة ١٣/ ٥٤٢ وأبو نعيم في حلية الأولياء ٥/ ٨٨، من طرق عن مسعر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٦، إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"رحمن\".","vol":"15","page":123},{"text":"الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني عيسى، عن الأوزاعيِّ، عن مكحولٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يتهجَّدُ بمكةَ ذاتَ ليلةٍ، يقولُ في سجودِه: \"يا رحمنُ، يا رحيمُ\". فسمِعه رجلٌ من المشرِكين، فلمَّا أصبَح قال لأصحابِه: انظُروا ما قال ابن أَبي كَبْشَةَ، يدعُو (^٢) الليلةَ الرحمنَ الذي باليمامةِ (^٣). وكان باليمامةِ رجلٌ يقالُ له: رحمنُ. فنزَلت: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾: بشيءٍ مِن أسمائِه (^٥).\nحدَّثني موسى بن سهلٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكارٍ البصريُّ، قال: ثنى حمادُ بنُ عيسى بن عَبيدةَ بن الطُّفيلِ الجُهَنيُّ، قال: ثنا ابن جريجٍ، عن عبدِ العزيز بن عمرَ بن عبدِ العزيزِ، عن مكحولٍ، عن عِراكِ بن مالكٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: \"إنَّ للهِ تسعَةً وتسعين اسمًا كلُّهن في القرآنِ، مَن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٦، إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف، والدر: \"يزعم\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف، والدر: \"اليمن\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٢٦ بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٦ إلى المصنف.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٤٣، من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":124},{"text":"أحصَاهن دخَل الجنَّةَ\" (^١).\nقال أبو جعفرٍ: ولدخولِ ﴿مَا﴾ في قولِه: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾. وجهان؛ أحدُهما: أن تكون صلةً، كما قيل: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠]، والآخرُ: أن تكونَ في معنى أيِّ (^٢)، كُرِّرت لمَّا اختلَف لفظاهما، كما قيل: ما إن رأيتُ كالليلةِ ليلةً.\nوقولُه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.\nاختلَف أهلُ التأويلِ في \"الصلاةِ\"؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك: ولا تجهَرْ بدُعائِك ولا تُخافِتْ به، ولكنْ بينَ ذلك. وقالوا: عنَى بالصلاةِ في هذا الموضعِ الدعاءَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5378>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يحيى بنُ عيسى الدَّامَغانيُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قالت: في الدُّعاءِ (^٣).\nحدَّثنا ابن (^٤) بشارٍ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: نزَلت في الدعاءِ (^٣).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه من طريق آخر عن أبي هريرة في ١٠/ ٥٩٦، كما أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٠٧٠)، من طريق محمد بن بكار عن حماد بن عيسى.\n(^٢) سقط من ص، ت ١، ت ٢، ف، وفى م: \"إن\" والمثبت من معاني القرآن ٢/ ١٣٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٤٠، ١٠/ ٤٠٤، والبخارى (٤٧٢٣، ٦٣٢٧، ٧٥٢٦)، ومسلم (٤٤٧/ ١٤٦)، والبزار (٢٢٢٨ - كشف من طرق عن هشام بن عروة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٧ إلى سعيد بن منصور، وابن نصر، وابن مردويه، وأبي داود في الناسخ.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"15","page":125},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ مثلَه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا عَبّادُ بنُ العوّامِ، عن أشعثَ بن سَوَّارٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: كانوا يَجْهَرون بالدعاءِ، فلمَّا نزَلت هذه الآيةُ أَمِروا أَلّا يَجْهَرُوا، ولا يُخافِتوا (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عمرِو بن مالكٍ النُّكْرِيِّ (^٣)، عن أبي الجَوزاءِ، عن عائشةَ، قالت: نزَلت في الدعاءِ.\nحدَّثني مطرُ بنُ محمدٍ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ داودَ، قال: ثنا شريكٌ، عن زيادِ بن فَيّاضٍ، عن أبي عِياضٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: الدعاءُ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ الهَجَرِيِّ (^٥)، عن أبي عِياضٍ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: نزَلت في الدعاءِ (^٦).\n_________\n(^١) تفسير سفيان الثورى ص ١٧٥.\n(^٢) أخرجه أحمد بن منيع في مسنده - كما في مختصر الإتحاف ٨/ ٣٨٨ (٦٤٧٣)، والمطالب العالية ٨/ ٦٠٦ (٤٠٣٤) - عن عباد بن العوام به وقال البوصيرى: إسناد حسن. كما أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٤١، عن ابن فضيل عن أشعث به.\n(^٣) في ص، م، ت ٢، ف: \"البكرى\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٢١١.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٤٠، ١٠/ ٤٠٤ بسنده عن أبي عياض به.\n(^٥) في ص، ت ٢، ف: \"الجهرى\"، وفي ت ١: \"الحميرى\". وينظر تهذيب الكمال.\n(^٦) تفسير سفيان ص ١٧٦.","vol":"15","page":126},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شريكٌ، عن زيادِ بن فَيَّاضٍ، عن أبي عِياضٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عمن ذكَره، عن عطاءٍ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: نزَلت في الدعاءِ (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: في الدعاءِ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، قال: نزَلت في الدعاءِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾: في الدعاءِ والمسألةِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: نزَلت في الدعاءِ والمسألةِ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير سفيان الثورى ص ١٧٦، عن سالم عن عطاء نحوه. وأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٤٠، ١٠/ ٤٠٤ بسنده عن عطاء.\n(^٢) أخرجه البغوي في الجعديات (٢٦٦)، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٤١ من طريق شعبة به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٤٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٠٥ بسنده عن مجاهد.","vol":"15","page":127},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثني سفيانُ، قال: ثني قيسُ بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: في الدعاءِ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عَيَّاشٍ (^٢) العامريِّ، عن عبدِ اللهِ بن شدَّادٍ، قال: كان أعرابٌ إذا سلَّم النبيُّ ﷺ قالوا: اللهمَّ ارزُقْنا إبلًا وولدًا. قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: في الدعاءِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ الآية. قال: في الدعاءِ والمسألةِ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى عيسى، عن الأوزاعيِّ، عن مكحولٍ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: ذلك في الدعاءِ (^٦).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٢٨، والطوسي في التبيان ٦/ ٥٣٤.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عباس\". وهو تصحيف، وفى م: \"ابن عياش\". والمثبت من مصدر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٥٦٠.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٤١، من طريق سفيان عن عياش العامرى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٧ إلى ابن المنذر.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٣.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٢٨، والطوسي في التبيان ٦/ ٥٣٤.\n(^٦) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ١٣٨، وابن كثير في تفسيره ٥/ ١٢٨.","vol":"15","page":128},{"text":"وقال آخرون: عنَى بذلك الصلاةَ. واختلَف قائلو هذه المقالةِ في المعنَى الذي عنَى بالنهيِ عن الجهرِ به منها؛ فقال بعضُهم: الذي نهَى عن الجهرِ به منها القراءةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5379>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ. عن ابن عباسٍ، قال: نزَلت هذه الآيةُ ورسولُ اللهِ ﷺ متوارٍ: ﴿لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: كان إذا صلَّى بأصحابِه رفَع صوتَه بالقرآنِ، فإذا سمِع ذلك المشركون سبُّوا القرآنَ ومَن أنزَله، ومَن جاء به. قال: فقال اللهُ لنبيِّه ﷺ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فيسمَع المشركونَ، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [عن أصحابِك] (^١)، فلا تُسْمِعَهم القرآنَ حتى يأخُذُوا عنك (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا جهَر بالصلاةِ بالمسلمين بالقرآنِ، شقَّ ذلك على المشركين إذا سمِعوه، فيُؤْذُون رسولَ اللهِ ﷺ بالشتْمِ والعَيبِ به، وذلك بمكةَ، فأنزَل اللهُ: يا محمدُ: ﴿لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾. يقولُ: لا تُعلِنْ بالقراءةِ بالقرآنِ إعلانًا شديدًا يَسمعُه المشرِكون فيُؤْذُونك، ولا تُخافِتْ بالقراءةِ بالقرآنِ. يقولُ: لا تخْفِضْ صوتَك حتى لا تُسْمِعَ أُذنيْك، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. يقولُ: اطلُبْ بينَ الإعلانِ والجهرِ، وبينَ التخافُتِ والخفضِ طريقًا، لا\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ٩٥ (١٥٥) ٣/ ٣٥٢ (١٨٥٣)، والبخارى (٤٧٢٢، ٧٤٩٠، ٧٥٢٥، ٧٥٤٧)، ومسلم (٤٤٦)، والترمذى (٣١٤٦)، والنسائي (١٠١٠)، والبغوى في تفسيره ٥/ ١٣٧، من طرق عن هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٦ إلى سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"15","page":129},{"text":"جهرًا شديدًا، ولا خفضًا لا تُسْمِعُ أُذُنيك، فذلك القَدْرُ، فلما هاجَر رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ سقط هذا كلُّه، يفعَلُ الآنَ أيِّ ذلك شاء (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينُ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ الآية: هذا ورسولُ اللهِ ﷺ بمكةَ، كان إذا صلَّى بأصحابِه فرفَع صوتَه بالقراءةِ أسمع المشركين فآذَوْه، فأمَره اللهُ ألَّا يرفَعَ صوتَه فيُسْمِعَ عدوَّه، ولا يُخافتَ فلا يُسْمِعَ مَن خلفَه من المسلمين، فأمرَه اللهُ أن يبتغيَ بينَ ذلك سبيلًا.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ يرفَعُ صوتَه بالقرآنِ، فكان المشركون إذا سمِعوا صوتَه سبُّوا القرآنَ ومَن جاء به، فكان النبيُّ ﷺ يُخْفِي القرآنَ فما يَسْمَعُه أَصحابُه، فأنزَل اللهُ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بن الحسنِ بن شَقيقٍ، قال: سمِعتُ أبي يقولُ: أخبَرنا أبو حمزةَ، عن الأعمشِ،، عن جعفرٍ بن إياسٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا رفَع صوتَه [وسَمِع] (^٣) المشركون، سبُّوا القرآنَ ومَن جاء به، وإذا خفَض لم يُسْمِعْ أصحابَه، قال اللهُ: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثني\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٧ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه النسائي (١٠١١) من طريق جرير به، والطبراني (١٢٤٥٤) من طريق الأعمش به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"سمع\".","vol":"15","page":130},{"text":"داودُ بنُ الحُصينِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا جهرَ بالقرآنِ وهو يُصلِّى تفرَّقوا وأبَوْا أن يَسْتَمِعوا منه، فكان الرجلُ إذا أراد أن يَسْتمِعَ من رسولِ اللهِ ﷺ بعضَ ما يتلُو وهو يُصلِّى، استرَق السمعُ دونَهم فَرَقًا منهم، فإن رأَى أنَّهم قد عرَفوا أنه يَستمِعُ، ذهَب خشيةَ أذاهم فلم يَسْتَمِعه، فإن خفَض رسولُ اللهِ ﷺ صوته، لم يستمع الذين يستمعون من قراءته شيئًا، فأَنزَلَ اللهُ عليه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فيتفرَّقوا عنك، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا تُسْمِعَ مَن أراد أن يَسمَعَها ممن يسترِقُ ذلك دونَهم، لعلَّه يَرْعَوِى إلى بعضِ ما يَسْمَعُ فيَنْتَفِعَ به، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ يجهَرُ بقراءةِ القرآنِ في المسجدِ الحرامِ، فقالتْ قريشٌ: لا تجهَرْ بالقراءةِ فتُؤْذِيَ آلهتَنا فنهجُو ربَّك. فأنزَل اللهُ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ الآية (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ وهو مُخْتفٍ بمكةَ، فكان إذا صلَّى بأصحابِه رفَع الصوتَ بالقرآنِ، فإذا سمِعه المشرِكون سبُّوا القرآنَ ومَن أنزَله ومَن جاء به، فقال اللهُ لنبيِّه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾. أي: بقراءتِك، فيسمَعَ المشركون فيسُبُّوا القرآنَ، ﴿وَلَا تُخَافِتْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن إسحاق من كتاب المبتدأ والمبعث ص ١٨٦، ومن طريقه أخرجه الطبراني (١١٥٧٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٦، إلى ابن مردويه.\n(^٢) أخرجه الترمذى (٣١٤٥)، من طريق شعبة عن جعفر أبى بشر به، ووقع في سنن الترمذى (عن سعيد عن ابن عباس موصولا) وهو خطأ فالحديث وصل من رواية ابن جبير عن النبي ﷺ؛ كما في تحفة الأحوذي ٤/ ١٣٩، وتحفة الأشراف ٤/ ١٧٩٧ (٥٤٥١).","vol":"15","page":131},{"text":"بِهَا﴾ عن أصحابِك فلا تُسمِعَهم، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: في القراءةِ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: كان النبيُّ ﷺ إذا رفَع صوتَه أعجبَ ذلك أصحابه، وإذا سمِع ذلك المشرِكون سبُّوه، فنزَلت هذه الآيةُ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، سلَمةَ بن (^٤) علقمةَ، عن محمدِ بن سيرينَ، قال: نُبِّئْتُ أن أبا بكرٍ كان إذا صلَّى فقرَأ، خفَض صوتَه، وأَنَّ عمرَ كان يَرْفَعُ صوتَه. قال: فقيل لأبي بكرٍ: لم تَصْنَعُ هذا؟ فقال: أُناجي ربي، وقد علِم حاجتي. قيل: أحْسَنْتَ. وقيل لعمرَ: لم تَصْنَعُ هذا؟ قال: أطرُدُ الشيطانَ، وأُوقِظُ الوَسْنانَ. قيل: أحْسَنْتَ. فلما نزَلت: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. قيل لأبي بكرٍ: ارفَعْ شيئًا. وقيل لعمرَ: اخفِضْ شيئًا (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا حسانُ بنُ إبراهيمَ، عن إبراهيمَ الصائغِ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال:\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (١٠١٠) عن يعقوب بن إبراهيم به، ومن طريقه أخرجه ابن خزيمة (١٥٨٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٤٠ من طريق سفيان عن قيس بن مسلم عن سعيد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٤٠ من طريق أبي بشر به.\n(^٤) في النسخ: \"عن\"، والمثبت من تفسير ابن كثير. وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٢٩٨.\n(^٥) أخرجه البيهقى في الشعب (٢٦١٢) بسنده عن ابن سيرين، وذكره ابن كثير ٥/ ١٢٧ في تفسيره نقلا عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٧، إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.","vol":"15","page":132},{"text":"يقولُ ناسٌ: إنَّها في الصلاةِ. ويقولُ آخرون: إنَّها في الدُّعاءِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾: وكان نبيُّ اللهِ وهو بمكةَ، إذا سمِع المشركون صوتَه رمَوْه بكلِّ خبثٍ، فأمَره اللهُ أن يَغُضَّ مِن صوتِه، وأن يجعَلَ صلاتَه بينَه وبينَ ربَّه، وكان يقالُ: ما سمِعَته أذنُك فليس بمُخافتةٍ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: كان النبيُّ ﷺ يرفَعُ صوتَه بالصلاةِ فيُرْمَى بالخبثِ. فقال: لا تَرْفَعْ صَوْتَك فَتُؤْذَى، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (^٢).\nوقال آخرون: إنما عَنى بذلك: ولا تجهَرْ بالتشهُّدِ (^٣) في صلاتك، ولا تُخافِتْ به.\n\n<span data-type='title' id=toc-5380>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: نزَلت هذه الآيةُ في التشهدِ (^٤): ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (^٥).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم تخريجه ص ١٢٧.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٢.\n(^٣) في ص، ف: \"التشهيد\"، وفي ت ٢: \"التشديد\".\n(^٤) في ص، ف، ت ٢: \"التشهيد\".\n(^٥) أخرجه ابن خزيمة (٧٠٧) عن أبي السائب به، والعمرى - كما في الفتح ٨/ ٤٠٥ - والحاكم ١/ ٢٣٠، من طريق حفص بن غياث به.","vol":"15","page":133},{"text":"حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، عن أشعثَ، عن ابن سيرين مثلَه. وزاد فيه: وكان الأعرابيُّ يَجْهَرُ فيقولُ: التحيَّاتُ اللهِ، والصلواتُ اللهِ. يرفَعُ فيها صوتَه، فنزَلت: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ (^١).\nوقال آخرون: بل كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّى بمكةَ جِهارًا، فأُمِر بإخْفائِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5381>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا: قال في \"بني إسرائيلَ\": ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾: وكان رسولُ اللهِ ﷺ إِذَا صَلَّى يَجْهَرُ بصلاتِه، فآذَى ذلك المشركين بمكةَ، حتى أخفَى صلاتَه هو وأصحابُه، فلذلك قال: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. وقال في \"الأعرافِ\": ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].\nوقال آخرون: معنى ذلك: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾: تُحْسِنُها مِن إتيانِها في العَلانيةِ، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾: تُسِيئُها (^٢) في السريرةِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-5382>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، أنه كان يقولُ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. أي: لا تُراءِ بها علانيةً، ولا تُخْفِها\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٢٨.\n(^٢) في ت ١، ف: \"تحسنها\"، وفي ت ٢: \"تخفيها\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ف: \"الشهرة\".","vol":"15","page":134},{"text":"سرًّا، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: كان الحسنُ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: لا تُحْسِنْ علانيتَها، وتُسِيءَ سريرتَها (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: لا تُراءِ بها في العلانيةِ، ولا تُخْفِها (^٣) في السريرةِ (١).\nحدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ الأزْرَقيُّ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن منصور، عن الحسنِ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: تُحْسِنُ علانيتَها وتُسيءُ سريرتَها (١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: لا تُصَلِّ مُراءاةَ الناسِ، ولا تَدَعْها مخافةً (^٤).\nوقال آخرون في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. قال: السبيلُ بينَ ذلك؛ الذي سنَّ له جبريلُ مِن الصلاةِ التي عليها المسلمون. قال: وكان\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٢٨.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٣.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"تحسنها\".\n(^٤) أخرجه الطبراني (١٣٠٢٩)، من طريق عبد الله به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٧ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"15","page":135},{"text":"أهلُ الكتابِ يُخافِتون، ثم يَجهَرُ أحدُهم بالحرفِ فيَصيحُ به، ويَصيحُون هم به وراءَه، فنهاه أن يَصيحَ كما يَصيحُ هؤلاء، وأن يُخافِتَ كما يُخافتُ القومُ، ثم كان السبيلُ الذي بينَ ذلك، الذي سنَّ له جبريلُ من الصلاةِ (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصِّحة ما ذكَرنا عن ابن عباسٍ في الخبرِ الذي رَواه أبو بشرٍ (^٢)، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ؛ لأنَّ ذلك أصحُّ الأسانيدِ التي رُوِى عن صحابيٍّ فيه قولٌ مخرَّجًا، وأشبهُ الأقوالِ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ، وذلك أنَّ قولَه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، عَقِيبَ قولِه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. وعَقيبَ تَقْريعِ الكفارِ بكُفرِهم بالقرآنِ، وذلك بُعْدُهم منه ومن الإيمانِ. فإذا كان ذلك كذلك، فالذى هو أولى وأشبهُ بقولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. أن يكونَ من سببِ ما هو في سياقِه من الكلامِ، ما لم يأْتِ بمعنًى يُوجِبُ صرفَه عنه، أو يكونَ على انصرافِه عنه دليل يُعلَمُ به الانصرافُ عمَّا هو في سياقِه.\nفإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: قلِ ادعُوا الله أو ادعوا الرحمنَ، أيًّا ما تدعوا فله الأسماءُ الحُسنى، ولا تَجهَرْ يا محمدُ بقراءتِك في صلاتِك ودعائِك فيها ربَّك، ومسألتِك إيَّاه، وذكرِك فيها، فيؤذِيَكَ بجهرِك بذلك المشركون، ولا تُخافِتْ بها فلا تُسمِعَها أصحابُك، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. ولكن التمسْ بينَ الجهرِ والمخافتةِ طريقًا إلى أن تُسمِعَ أصحابَك، ولا تُسمِعَه المشركون فيؤذُوك.\nولولا أن أقوالَ أهلِ التأويلِ مضَتْ بما ذكَرتُ عنهم من التأويلِ - وإنا لا\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٢٨.\n(^٢) في م، ت ٢، ف: \"جعفر\". وأبو بشر هو جعفر بن إياس.","vol":"15","page":136},{"text":"نَستجِيزُ خِلافَهم فيما جاء عنهم - لكان وجهًا يحتمِلُه التأويلُ أن يقالَ: ولا تَجهَرْ بصلاتِك التي أمَرناك بالمُخافَتةِ بها، وهى صلاةُ النهارِ؛ لأَنَّها عَجْمَاءُ لا يُجهَرُ بها، ولا تُخافِتْ بصلاتِك التي أمَرناك بالجهرِ بها، وهى صلاةُ الليلِ، فإِنَّها يُجهَرُ بها، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ بأن تَجْهَرَ بالتي أمَرناك بالجهرِ بها، وتُخافِتَ بالتي أمَرناك بالمُخافتةِ بها، لا تَجَهَرْ بجميعِها، ولا تُخافِتْ بكلِّها - فكان ذلك وجهًا غيرَ بعيدٍ من الصحةِ، ولكنَّا لا نَرى ذلك صحيحًا؛ لإجماعِ الحجةِ من أهلِ التأويلِ على خلافِه.\nفإن قال قائلٌ: فأيةُ قراءةٍ هذه التي بينَ الجهرِ والمخافتةِ؟\nقيل: حدَّثني مطرُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا قتيبةُ ووهبُ بنُ جريرٍ، قالا: ثنا شعبةُ، عن الأشعثِ بن سُليمٍ، عن الأسودِ بن هلالٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: لم يُخافِتْ مَن أَسْمَع أُذُنيْه (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن الأشعثِ، عن الأسود بن هلالٍ، عن عبدِ اللهِ مثلَه.\n\n<span id=\"aya-2140\"></span><span data-type='title' id=toc-5383>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وقل يا محمدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ فيكونَ مربوبًا لا ربًّا؛ لأنَّ ربَّ الأربابِ لا يَنْبَغى أن يكونَ له ولدٌ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ فيكونَ عاجزًا ذا حاجةٍ إلى معونةِ غيرِه ضعيفًا، ولا يكونُ إلهًا من كان محتاجًا إلى مُعينٍ على ما حاول، ولم يكنْ منفردًا بالمُلكِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٤٠، من طريق الأشعث به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٨ إلى المصنف.","vol":"15","page":137},{"text":"والسلطانِ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾. يقولُ: ولم يكنْ له حليفٌ حالَفه مِن الذُّلِّ الذي به؛ لأنَّ مَن كان ذا حاجةٍ إلى نُصرةِ غيرِه، فذليلٌ مَهِينٌ، ولا يكونُ مَن كان ذليلًا مهينًا (^١) يحتاجُ إلى ناصرٍ إلهًا يُطاعُ، ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾. يقولُ: وعظِّمْ ربَّك يا محمدُ بما أمَرناك أن تُعَظِّمَه به من قولٍ وفعلٍ، وأطعْه فيما أمَرك ونَهاك.\nوبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5384>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾. قال: لم يُحالِفْ أحدًا، ولا يَبتَغِى نصرَ أحدٍ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يُعلِّمُ أهلَه هذه الآيةَ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ الصغيرَ مِن أهلِه والكبيرَ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، قال: ثنا أبو الجنيدِ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إنَّ التوراةَ كلَّها في خمسَ عشْرةَ آيةً من \"بني إسرائيلَ\". ثم\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٤٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي عاصم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٨ إلى المصنف.","vol":"15","page":138},{"text":"تلا: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (^١) [الإسراء: ٣٩].\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، عن القرظيِّ، أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية. قال: إِنَّ اليهودَ والنصارى قالوا: اتَّخذ اللهُ ولدًا. وقالت العربُ: لبَّيك لبيك، لا شريكَ لك، إلا شريكًا هو لك. وقال الصابئون والمجوسُ: لولا أولياءُ اللهِ لذلَّ اللهُ. فأنزَل اللهُ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ﴾ أنتَ يا محمدُ على ما يقولون ﴿تَكْبِيرًا﴾.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"بني إسرائيلَ\"، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٨ إلى المصنف.","vol":"15","page":139},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5385>تفسيرُ سورةِ الكهفِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-2141\"></span><span data-type='title' id=toc-5387>القولُ في تأويلِ قوله عزَّ ذكرُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه: الحمدُ للهِ الذي خصَّ برسالتِه محمدًا وانتخَبه لبلاغِها عنه، إلى خلقِه نبيًّا مرسلًا، وأنزَل عليه كتابًا قيِّمًا، ولم يَجْعَلْ له عِوَجًا.\nوعنى بقولِه عزَّ ذكرُه ﴿قَيِّمًا﴾: مُعتدِلًا مُستقيمًا.\nوقيل: عنَى به، أنه قيِّمٌ على سائرِ الكتبِ، يُصدِّقُها ويَحفَظُها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5386>ذكرُ مَن قال: عنَى به: مُعتدِلًا مُستقيمًا</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾. يقولُ: أَنزَل الكتابَ عدْلًا قيِّمًا، ولم يَجعَلْ له عِوَجًا (^١).\nفأخبَر (^٢) ابن عباسٍ بقولِه هذا بيانِه معنى \"القيِّمِ\"، أن \"القيِّمَ\" مؤخَّرٌ بعدَ قولِه: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. ومعناه التقديمُ، بمعنى: أنزلَ الكتابَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) بعده في ص: \"عن\".","vol":"15","page":140},{"text":"على عبدِه قيِّمًا.\nحُدِّثْتُ عن محمدِ محمدِ بن يزيدَ (^١)، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿قَيِّمًا﴾. قال: مستقيمًا (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾. أي: معتدلًا لا اختلافَ فيه (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾. قال: أنزَل اللهُ الكتابَ قيمًا، ولم يَجْعَلْ له عِوَجًا (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾، قال: وفي بعضِ القراءةِ (^٥): (ولكنْ جَعَلَه قيِّمًا) (^٦).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا ما قاله ابن عباسٍ ومن قال بقولِه في ذلك؛ لدلالةِ قولِه: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. فأخبرَ جلَّ ثناؤُه أنه أنزَل الكتابَ الذي أنزَله إلى محمدٍ ﷺ قَيِّمًا مستقيمًا لا اختلافَ فيه ولا تفاوتَ، بل بعضُه يُصَدِّقُ بعضًا، وبعضُه يَشْهَدُ لبعضٍ، لا عِوَجَ فيه، ولا ميلَ عن الحقِّ.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"زيد\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١١ إلى ابن المنذر.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٣٠٢.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٦.\n(^٥) في م: \"القراءات\".\n(^٦) ذكره الطوسي في التبيان ٧/ ٤. وقال أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٩٦: ويحمل ذلك على تفسير المعني، لا أنها قراءة.","vol":"15","page":141},{"text":"وكُسِرتَ العينُ من قولِه: ﴿عِوَجًا﴾؛ لأن العرب كذلك تقولُ في كلِّ اعوِجاجٍ كان في دينٍ، أو فيما لا يُرَى شخصُه قائمًا (^١) فيُدْرَكَ عِيانًا منتصبًا، كالعِوَج (^٢) في الدين، ولذلك كُسِرتِ العينُ في هذا الموضعِ، وكذلك العِوَجُ في الطريقِ؛ لأنه ليس بالشخْصِ المُنْتصِبِ. فأما ما كان من عَوجٍ في الأشخاصِ المنتصبةِ قيامًا، فإن عينَها تُفْتَحُ، كالعَوَجِ في القناةِ والخشبةِ ونحوِها.\nوكان ابن عباسٍ يقولُ في معنى قولِه: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾: ولم يَجْعَلْ له مُلْتَبَسًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5388>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾: ولم يَجْعَلْ له ملتبَسًا (^٣).\nولا اختِلافَ أيضًا بينَ أهلِ العربيةِ في أنَّ معنى قولِه ﴿قَيِّمًا﴾ - وإن كان مؤخرًا - التقديمُ إلى جنبِ ﴿الْكِتَابَ﴾.\nوقيل: إنما افتتَح جلَّ ثناؤُه هذه السورةَ بذكر نفسِه بما هو له أهلٌ، وبالخبرِ عن إنزالِ الكتابِ على رسولِه؛ إخبارًا منه للمشركين من أهلِ مكةَ بأن محمدًا رسولُه ﷺ، وذلك أن المشركين كانوا سأَلوا رسولَ اللهِ ﷺ عن أشياء عَلَّمَهُمُوها اليهودُ من قريظةَ والنضيرِ، وأمَروهم بمسألتِهموها (^٤)، وقالوا: إِنْ أخبرَكم بها فهو نبيٌّ، وإن\n_________\n(^١) بعده في ص: \"فيه\".\n(^٢) في م: \"كالعاج\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ١٤٠.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، م: \"بمسألتهموه عنها\".","vol":"15","page":142},{"text":"لم يُخْبِرُكم بها فهو مُتقوِّلٌ. فوعَدهم رسولُ اللهِ ﷺ الجوابَ عنها موعدًا، فأبطَأ الوحيُ عنه بعضَ الإبطاءِ، وتأخَّر مجيءُ جبريلَ ﵇ عنه عن ميعادِه [القومَ، فتحدَّث] (^١) المشركون بأنه أخلَفهم موعده، وأنه مُتقوِّلٌ، فأنزَل اللهُ هذه السورةَ جوابًا عن مسائِلهم، وافتتَح أولَها بذكرِه، وتكذيبِ المشركين في أُحدوثَتِهم التي قد تحدَّثوها (^٢) بينهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-5389>ذكرُ [الروايةِ بذلك]</span> (^٣)\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثني شيخٌ من أهلِ مصرَ، قدِم منذُ بضعٍ وأربعين سنةً، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ -[قال أبو جعفرٍ: فيما أرَى أنا] (^٤) - قال: بعَثت قريشٌ النضْرَ بنَ الحارثِ وعُقبةَ بنَ أبي مُعَيْطٍ إلى أحبارِ يهودَ بالمدينةِ، فقالوا لهم: سَلُوهم عن محمدٍ، وصِفُوا لهم صِفَتَه، وأخبِرُوهم بقولِه؛ فإنهم أهلُ الكتابِ الأولِ، وعندَهم علمُ ما ليس عندَنا من علمِ الأنبياءِ. فخرَجا حتى قدِما المدينةَ، فسألُوا أحبارَ يهودَ عن رسولِ اللهِ ﷺ، ووصَفُوا لهم أمرَه وبعضَ قولِه، وقالا: إنكم أهلُ التوراةِ، وقد جِئْناكم لتُخْبِرُونا عن صاحبِنا هذا. قال: فقالت لهم أحبارُ يهودَ: سَلُوه عن ثلاثٍ نأمُرُكم بهنَّ، فإن أخبرَكم بهنَّ فهو نبيٌّ مرسَلٌ، وإن لم يَفْعَلْ فالرجلُ متقوِّلٌ، فَرَوْا فيه رأيكم؛ سَلُوه عن فتيةٍ ذهَبُوا في الدهرِ الأولِ، ما كان من أمرهم؟ فإنه قد كان لهم حديثٌ عجيبٌ، وسَلُوه عن رجلٍ طوَّافٍ بلَغ مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، ما كان نبؤُه؟\n_________\n(^١) في ص: \"فتحدث القوم\".\n(^٢) في ص: \"تحدثوا\".\n(^٣) في م: \"من قال ذلك\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"فيما يروى أبو جعفر الطبرى\".","vol":"15","page":143},{"text":"وسَلُوه عن الرُّوحِ ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فإنه نبيٌّ فاتَّبِعُوه، وإن هو لم يُخْبِرْكم فهو رجلٌ متقوِّلٌ، فاصنَعُوا في أمرِه (^١) ما بَدا لكم. فأقبَل النضْرُ وعقبةُ حتى قَدِما مكةَ على قريشٍ، فقالا: يا معشرَ قريشٍ، قد جئْناكم بفصلِ ما بينَكم وبينَ محمدٍ، قد أمرَنا أحبارُ يهودَ أن نسأَلَه عن أمورٍ. فأخبَرُوهم بها، فجاءُوا رسولَ ﷺ فقالوا: يا محمدُ، أخبِرْنا. فسألُوه (^٢) عما أمَرُوهم به، فقال لهم رسولُ اللهِ ﷺ: \"أُخْبِرُكم غدًا بما سأَلْتُم عنه\". ولم يَسْتَثْنِ. فانصَرَفُوا عنه، فمكَث رسولُ اللهِ ﷺ خمسَ عشرة ليلةً لا يُحْدِثُ اللهُ إليه في ذلك وحيًا، ولا يأتِيه جبريلُ ﵇، حتى أرجَف أهلُ مكةَ وقالوا: وعَدنا محمدٌ غدًا، واليومُ خمسَ عشرةَ قد أصبَحنا فيها لا يُخْبِرُنا بشيءٍ مما سأَلناه عنه. وحتى أحزَن رسولَ اللهِ ﷺ مُكْثُ الوحيِ عنه، وشَقَّ عليه ما يَتكلَّمُ به أهلُ مكةَ. ثم جاءَه جبريلُ ﵇ من اللهِ ﷿ بسورةِ أصحابِ الكهفِ، فيها معاتبتُه إياه على حزنِه عليهم، وخبرُ ما سألُوه عنه من أمرِ الفتيةِ، والرجلِ الطوَّافِ، وقولِ اللهِ ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. قال ابن إسحاقَ: فبلَغنى أن رسولَ اللهِ ﷺ افتتح السورةَ فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾. يعني محمدًا، إنك رسولى في تحقيقِ ما سألوا عنه من نبوَّتِه، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾. أي: معتدلًا، لا اختلافَ فيه (^٣).\n\n<span id=\"aya-2142\"></span><span data-type='title' id=toc-5390>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا </span>(٣)﴾.\n_________\n(^١) في ص: \"أمركم\".\n(^٢) في م: \"فسألوهم\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٣٠٢.","vol":"15","page":144},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: أنزَل على عبدِه القرآنَ معتدِلًا مستقيمًا لا عِوَجَ فيه، ليُنذركم أيها الناسُ بأسًا من اللهِ شديدًا. وعنَى بـ \"البأسِ\" العذابَ العاجلَ، والنَّكالَ الحاضرَ، والسطوةَ.\nوقولُه: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾. يعنى: من عندِ اللهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5391>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، عن محمد بن إسحاق: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ (^١): عاجِلَ عقوبةٍ في الدنيا، وعذابًا في الآخرةِ، ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾. أي: من عندِ ربِّك الذي بعثَك رسولًا (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ بنحوِه (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾.\nأي: من عندِه (^٣).\nفإن قال قائلٌ: فأين مفعولُ قولِه: ﴿لِيُنْذِرَ﴾؟ فإنَّ مفعولَه محذوفٌ، اكْتُفِى بدلالةِ ما ظهَر من الكلامِ عليه من ذكرِه، وهو مضمرٌ متصلٌ، بـ ﴿لِيُنْذِرَ﴾ قبلَ \"البأسِ\"، كأنه قال (^٤): ليُنْذِرَكم بأسًا. كما قيل: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. وإنما هو: يخوِّفُكم أولياءَه.\n_________\n(^١) بعده في ص: \"من لدنه شديدا\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٣٠٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١١ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) في ص، ت ١، ف، م: \"قيل\".","vol":"15","page":145},{"text":"وقولُه: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: ويُبشِّرُ المصدِّقين الله ورسولَه، ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾. وهو العملُ بما أمَر اللهُ بالعملِ به، والانتهاءُ عما نهَى اللهُ عنه، ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾. يقولُ: ثوابًا جزيلًا لهم من اللهِ على إيمانِهم باللهِ ورسولِه، وعملِهم في الدنيا الصالحاتِ من الأعمالِ، وذلك الثوابُ هو الجنةُ التي وُعِدها المتقون.\n\n<span id=\"aya-2143\"></span>وقولُه: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾. [يقولُ: لابثين فيه أبدًا] (^١) خالدين، لا ينتقلُون عنه ولا يُنقَلُون.\nونصْبُ ﴿مَاكِثِينَ﴾ على الحالِ من قولِه: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾. في (^٢) هذه الحالِ، في حالِ مُكْثِهم في ذلك الأجرِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5392>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾. أي: في دارِ خُلدٍ لا يموتون فيها، الذين صدَّقوك بما جِئتَ به عن اللهِ، وعمِلوا بما أمَرْتُهم (^٣).\n\n<span id=\"aya-2144\"></span><span data-type='title' id=toc-5393>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا</span>\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ص: \"من\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٣٠٢.","vol":"15","page":146},{"text":"كَذِبًا (٥)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويحذِّرُ (^١) أيضًا محمدٌ القومَ الذين قالوا: اتَخَذَ اللهُ ولدًا من مشرِكي قومِه وغيرِهم، بأسَ اللهِ وعاجلَ نِقمَتِه وآجلَ عذابِه، على قيلِهم ذلك.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقِ: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾: يعنى قريشًا في قولِهم: إنما نعبُدُ الملائكةَ، وهنَّ بناتُ اللهِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2145\"></span>وقولُه: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾. يقولُ: ما لقائلي هذا القولِ - يعنى قولَهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ - ﴿بِهِ﴾ يعني: باللهِ، ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾.\nوالهاءُ في قولِه: ﴿بِهِ﴾. من ذكْرِ اللهِ، وإنما معنَى الكلامِ: ما لهؤلاء القائلين هذا القولَ باللهِ - أنه (^٣) يجوزُ أن يكونَ له ولدٌ - من علمٍ، فلجهلِهم باللهِ وعظمتِه قالوا ذلك.\nوقولُه: ﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾. يقولُ: ولا لأسلافِهم الذين مضَوا قبلَهم على مثلِ الذي هم عليه اليومَ، كان لهم باللهِ وبعظمتِه علمٌ.\nوقولُه: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾. اختلَفتِ القَرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ المدنيين والكوفيين والبصريين: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾. بنصبِ ﴿كَلِمَةً﴾. بمعنى: كبُرَت كلِمتُهم التي قالُوها كلِمةً. على التَّفسيرِ (^٤). كما يُقالُ: نعم رجلًا عمرٌو، ونعمَ الرجلُ رجلًا قام، ونعمَ رجلًا قام.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"يحذركم\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٣٠٢.\n(^٣) بعده في النسخ: \"لا\"، والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٤) يريد بالتفسير هنا: التمييز. وينظر المصطلح النحوى ص ١٦٤.","vol":"15","page":147},{"text":"وكان بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ يقولُ (^١): نُصِبت ﴿كَلِمَةً﴾؛ لأنها في معنَى: أكْبِرْ بها كلمةً. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]. وقال: هي في النَّصبِ مثلُ قولِ الشاعرِ (^٢):\nولقد عَلِمتِ إذا اللقاحُ تروَّحتْ … هَدَجَ الرِّئالِ تكبُّهنَّ شَمالا\nأي: تَكُبُّهنَّ الرياحُ شمالًا. فكأنَّه قال: كبُرَت تلك الكلمةُ.\nوذُكِر عن بعضِ المكِّيِّين أنه كان يقرَأُ ذلك: (كَبُرَتْ كَلِمَةٌ). رفعًا (^٣). كما يُقالُ: عَظُم قولُك، وكَبُر شأنُك. وإذا قُرِئَ ذلك كذلك لم يكنْ في قولِه: (كَبُرَتْ كَلِمَةٌ). مُضمرٌ، وكان صفةً للكلمةِ.\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك عندى قراءةُ مَن قرَأه: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾. نصبًا؛ لإجماعِ الحُجَّةِ القرَأةِ عليها. فتأويلُ الكلامِ: عَظُمت الكلمةُ كلمةً تخرُجُ من أفْواهِ هؤلاء القومِ الذين قالوا: اتَّخَذَ اللهُ ولدًا، والملائكةُ بناتُ اللهِ.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: قولُهم: إن الملائكةَ بناتُ اللهِ (^٤).\nوقولُه: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: ما يقولُ هؤلاء القائِلون: اتَّخَذ اللهُ ولدًا. بقيلِهم ذلك إلا كذبًا وفريةً افتَرَوْها على اللهِ.\n\n<span id=\"aya-2146\"></span><span data-type='title' id=toc-5394>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا</span>\n_________\n(^١) هو أبو عبيدة، كما ذكر أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٩٧.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٤/ ٦٧٠.\n(^٣) القراءة شاذة، وقرأ بها يحيى بن يعمر والحسن وابن محيصن وابن أبي إسحاق والثقفي والأعرج، بخلاف عنه، وعمرو ابن عبيد. المحتسب لابن جنى ٢/ ٢٤. وهى أيضًا قراءة مجاهد. تفسير القرطبي ١٠/ ٣٥٣.\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٣٠٢.","vol":"15","page":148},{"text":"بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾.\nيعني تعالى ذكرُه بذلك: فلعلَّك يا محمدُ قاتلٌ نفسَك ومُهلِكُها على آثارِ قومِك الذين قالوا لك: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]. تمرُّدًا منهم على ربِّهم - إن هم لم يؤمِنوا بهذا الكتابِ الذي أنزَلتُه عليك فيُصدِّقوا بأنَّه من عندِ اللهِ، حزنًا وتلهُّفًا ووجْدًا، بإدبارِهم عنك، وإعراضِهم عمَّا أَتَيْتَهم به، وتَركِهم الإيمانَ بك. يُقالُ منه: بَخَعَ فلانٌ نفسَه يَبخَعُها بَخْعًا وبُخُوعًا. ومنه قولُ ذى الرُّمةِ (^١):\nألا أيُّهذَا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ … لِشَيءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيهِ المَقَادِرُ\nيريدُ: نحَّته. فخَفَّف.\nوبنحو الذي قُلنا في [تأويلِ قولِه: ﴿بَاخِعٌ﴾] (^٢). قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5395>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾. يقولُ: قاتلٌ نفسَك.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٣).\nوأمَّا قولُه: ﴿أَسَفًا﴾. فإنَّ أهلُ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم:\n_________\n(^١) ديوانه ٢/ ١٠٣٧.\n(^٢) في ص: \"ذلك\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":149},{"text":"معناه: فلعلَّك باخِعٌ نفسَك إن لم يؤمِنوا بهذا الحديثِ غضَبًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5396>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾. أي: غَضَبًا.\nوقال آخرون: جَزَعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5397>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَسَفًا﴾. قال: جزَعًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخرون: معناه: حُزْنًا عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-5398>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَسَفًا﴾. قال: حُزْنًا عليهم (^٢).\nوقد بيَّنا معنى \"الأسفِ\" فيما مضَى من كتابِنا هذا بما أغنَى عن إعادتِه في هذا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٤٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١١ إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":150},{"text":"الموضعِ (^١).\nوهذه معاتبةٌ من اللهِ رسولَه (^٢) على وجْدِه بمُباعَدةِ قومِه إيَّاه فيما دَعاهم إليه من الإيمانِ باللهِ، والبراءةِ من الآلهةِ والأندادِ، وكان بهم رحيمًا.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5399>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾: يُعاتبُه على حُزنِه عليهم حينَ فاتَه ما كان يرجُو منهم، أي: لا تفعَلْ (^٣).\n\n<span id=\"aya-2147\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: إنا جعَلنا ما على الأرضِ زينةً للأرضِ، ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. يقولُ: لنختبِرَ عبادَنا أيُّهم أترَكُ لها، وأتبعُ لأمرِنا ونهيِنا، وأعملُ فيها بطاعتِنا.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5400>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) تقدم في ١٣/ ٢٩٣ - ٢٩٥.\n(^٢) في م، ت ٢، ف: \"عز ذكره\"، وفي ت ١: \"جل ثناؤه\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٣٠٢.","vol":"15","page":151},{"text":"﴿مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾. قال: ما عليها مِن شيءٍ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"إِنَّ الدُّنْيا خَضِرَةٌ حُلوةٌ، وإنَّ الله مُسْتَخْلِفُكم فيها، فنَاظِرٌ كيف تَعْمَلُونَ، فاتَّقوا الدُّنيا، واتَّقُوا النِّساءَ\" (^٢).\nوأما قولُه: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. فإنّ أهلَ التأويلِ قالوا في تأويلِه نحوَ قولِنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5401>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو عصامٍ (^٣) العسقلانيُّ، قال: ﴿[لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ] (^٤) أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. قال: أترَكُ لها (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٤٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١١ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) قوله: \"إن الدنيا خضرة حلوة … \" أخرجه أحمد (١١١٨٥)، وعبد بن حميد (٨٦٥)، ومسلم (٢٧٤٢)، والنسائى في الكبرى (٩٢٦٩)، وابن خزيمة (١٦٩٩)، والطحاوى في المشكل (٤٣٢٦)، وابن حبان (٣٢٢١)، والرامهرمزى في الأمثال ص ٤٧، والبيهقى ٧/ ٩١، والبغوى في شرح السنة (٢٢٤٣) من حديث أبي سعيد، وينظر مسند الطيالسي (٢٢٧٠).\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"عاصم\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٢٢٧.\n(^٤) في ص، ف: \"ليبلوكم أيكم\". وهى الآية ١٢ من سورة هود، والآية ٢ من سورة الملك.\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ١٠/ ٣٥٥.","vol":"15","page":152},{"text":"الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: اختبارًا لهم أيُّهم أتبعُ لأمْرِى وأعملُ بطاعتِي (^١).\n\n<span id=\"aya-2148\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾. يقولُ عزَّ ذِكرُه: وإِنَّا لمُخرِّبوها بعدَ عمارتِناها، بما جَعَلْنا عليها من الزِّينةِ، فمُصَيِّرُوها ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾. [يعني بـ \"الصعيدِ\" ظهر الأرضِ، وبقولِه: ﴿جُرُزًا﴾] (^٢) لا نباتَ عليها ولا زرْعَ ولا غرْسَ.\nوقد قيل: إنه أُرِيد بـ \"الصَّعيدِ\"، في هذا الموضعِ، المُستَوِى بوجهِ الأرضِ.\nوذلك هو شبيهٌ بمعنَى قولِنا في ذلك.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك وبمعنَى \"الجُرُزِ\" قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5402>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾. يقولُ: يَهْلِكُ (^٣) كلُّ شيءٍ عليها ويَبيدُ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾. قال: يَلْقَعًا (^٥).\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٣٠٣.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"نهلك\".\n(^٤) في ص، ت ٢، ف: \"نبيد\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١١ إلى المصنف.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٤٥.","vol":"15","page":153},{"text":"حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾: والصَّعيدُ الأرضُ التي ليس فيها شجرٌ ولا نباتٌ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾: يعنى الأرضَ، إن ما عليها لفانٍ وبائدٌ، وإن المرجع لإليَّ، فلا [تأسَ، ولا] (^٢) يحزنك ما تسمعُ وترى فيها (^٣).\nحدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾. قال: الجُرُزُ الأرضُ التي ليس فيها شيءٌ، أَلا ترى أَنَّه يقولُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ [السجدة: ٢٧]. قال: والجُرُزُ لا شيء فيها؛ لا نبات ولا منفعة. والصَّعيدُ المستوى. وقرأ: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٧]. قال: مُسْتوِيةٌ (^٤).\nيقالُ: جُرِزتِ الأرضُ فهى مَجْروزةٌ. وجَرَزَها الجرادُ والنُّعمُ. وأرضون أَجْرازٌ، إذا كانت لا شيء فيها. ويقال للسَّنة المُجدية: جَرَزٌ، وسنونَ أَجْرازٌ. لجدوبها ويُبسها وقلَّة أمطارها. قال الراجز (^٥).\n* قد جَرَفَتْهُنَّ السَّنونَ الأجْراز *\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٣٤، وينظر ما تقدم في ٧/ ٨١.\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٣٠٣.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره، ٥/ ١٣٤، وسيأتي في تفسير سورة السجدة.\n(^٥) مجاز القرآن لأبى عبيدة ١/ ٣٩٤، والصحاح (ج ر ز).","vol":"15","page":154},{"text":"يُقالُ: أجرز القومُ. إذا صارت أرضُهم جُرُزًا، وجَرَزوا هم أرضهم، إذا أكلوا نباتها كلَّه (^١).\n\n<span id=\"aya-2149\"></span><span data-type='title' id=toc-5404>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أم حسبت يا محمد أنَّ أصحاب الكهف والرَّقيم كانوا من آياتِنا عَجَبًا، فإن ما خلَقتُ من السماوات والأرض وما (^٢) فيهنَّ مِن العجائب أعجبُ من أمر أصحاب الكهف، وحُجَّتى بكل ذلك ثابتةٌ (^٣) على هؤلاء المشركين بى (^٤) من قومك وغيرهم من سائر عبادِى.\nوبنحو الذي قلنا [قال بعضُ] (^٥) أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5403>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾. قال محمدُ بن عمرٍو في حديثِه: قال: ليسوا عجبًا بأعجب آياتِنا. وقال الحارثُ في حديثه: بقولهم: أعجبُ آياتنا: ليسوا أعجب آياتِنا (^٦).\n_________\n(^١) في ت ٢، ف: \"كلها\".\n(^٢) ليست في: ص.\n(^٣) في ص: \"باينة\".\n(^٤) ليست في م، ت، ت ٢، ف.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"في ذلك قال\".\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٤٤٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٢ إلى ابن أبي نجيح.","vol":"15","page":155},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾: كانوا يقولون: هم عجبٌ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا [يزيدُ، قال: ثنا] (^١) سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾. يقولُ: قد كان من آياتنا ما هو أعجبُ من ذلك (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾. أي: وما [قد رَأَوْا من قُدْرتى] (^٣) فيما صنَعتُ مِن أمر الخلائقِ، وما وضَعتُ على العبادِ من حُجَجِى ما هو أعظم من ذلك (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أم حسبت يا محمدُ أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتِنا عَجَبًا، فإن الذي آتيتك من العلم والحكمة أفضلُ منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5405>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾. يقولُ: الذي آتَيْتُكَ من العلم والسُّنة والكتاب أفضلُ من شأنِ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) في م: \"قدروا من قدر\".\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٣٠٣.","vol":"15","page":156},{"text":"أصحاب الكهف والرَّقيمِ (^١).\nوإنما قلنا: إنَّ القول الأوَّل أولى بتأويل الآية؛ لأنَّ الله ﷿ أنزل قصة أصحاب الكهف على نبيِّه احتجاجًا بها على المشركين من قومه، على ما ذكرنا في الرواية عن ابن عباسٍ، إذ سألوه عنها اختبارًا منهم له بالجواب عنها صدقه، فكان تقريعُهم بتكذيبهم بما هو أؤكدُ عليهم في الحُجَّةِ مما سألُوا عنه (^٢)، وزعموا أنهم يؤمنون عند الإجابة عنه - أشبة من الخبر عمَّا أنعم الله على رسوله من النِّعم.\nوأمّا \"الكهفُ\"، فإنّه كهفُ الجبل الذي أوى إليه القومُ الذين قصَّ اللَّهُ شأنهم في هذه السورة.\nوأما \"الرَّقيم\"، فإنَّ أهل التأويل اختلفوا في المعنيِّ به؛ فقال بعضُهم: هو اسم (^٣) قريةٍ أو وادٍ. على اختلافٍ بينهم في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-5406>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا [يحيى وعبد الرحمن، قالا] (^٤): ثنا سفيانُ، عن الشَّيبانيِّ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: يزعُمُ كعبٌ أن الرّقيم القريةُ.\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾. قال: الرَّقِيمُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٣٥ عن العوفى، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"عنهم\".\n(^٣) بعده في ص: \"لموضع\".\n(^٤) في ص: \"يحيى بن عبد الأعلى قال\". وفى م: \"يحيى بن عبد الأعلى وعبد الرحمن قالا\".","vol":"15","page":157},{"text":"وادٍ بين عُسفانَ وأَيْلةَ دون فلسطينَ، وهو قريبٌ من أَيْلة (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعتُ أبى، عن عطية، قال: الرَّقيم وادٍ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾: كنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ الرقيم الوادى الذي فيه أصحابُ الكهف (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن سماك بن حربٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿الرَّقِيم﴾. قال: يزعُمُ كعب أنها القرية (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿الرَّقِيمِ﴾. قال: يقولُ بعضُهم: الرَّقيمُ كتاب تبيانهم. ويقولُ بعضُهم: هو الوادى الذي فيه كهفُهم (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ: أما الكهفُ فهو غارُ الوادِى، والرَّقيمُ اسمُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٣٥.\n(^٣) تفسير سفيان ص ١٧٧ وتفسير عبد الرزاق، ١/ ٣٩٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٢ إلى سعيد بن منصور والفريابى وابن المنذر وابن أبي حاتم والزجاجى في أماليه وابن مردويه، وهو في الأمالي ص ٦ من غير إسناد.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر، وهو في تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٦، ٣٩٧ عن معمر، عن ابن أبي نجيح، ليس فيه: عن مجاهد. وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٣٥ عن مجاهد، وفيه: كان بنيانهم. بدلا من: كتاب تبيانهم.","vol":"15","page":158},{"text":"الوادى (^١).\nوقال آخرون: الرَّقيمُ الكتابُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5407>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾. يقولُ: الكتابُ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا أبى، عن ابن قيسٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ، قال: الرَّقيمُ لوحٌ من حجارةٍ كتبوا فىه قصص أصحاب الكهف، ثم وضَعوه على باب الكهف (^٣).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الرَّقيم كتابٌ، ولذلك الكتاب خبرٌ، فلم يُخبر الله عن ذلك الكتاب وعمَّا فيه. وقرأ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٩ - ٢١]. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ (^٤) [المطففين: ٨، ٩].\nوقال آخرون: بل هو اسم جبل أصحاب الكهف.\n\n<span data-type='title' id=toc-5408>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١١ إلى ابن أبي حاتم مقتصرا على أوله، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٣٥ بتمامه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٠/ ٣٥٧، وابن كثير في تفسيره ٥/ ١٣٥.","vol":"15","page":159},{"text":"ابن عباسٍ: الرقيمُ الجبلُ الذي فيه الكهفُ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وقد قيل: إن اسم ذلك الجبل بنجلوسُ.\nحدَّثنا بذلك ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبدِ اللهِ بن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ (^٢).\nوقيل: إن اسمه بناجلوسُ.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني وهبُ بن سليمان، عن شُعَيب الجَبَائيِّ (^٣)، أن اسم جبل الكهف بناجلوس، واسم الكهف حيزمُ، والكلبِ حُمرانُ (^٤).\nوقد رُوِي عن ابن عباس في الرَّقيم ما حدَّثنا به الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: كلُّ القرآن أعلمه إلا حنانًا (^٥)، والأوَّاهَ (^٦)، والرَّقِيمَ (^٧).\nحدَّثنا القاسم،، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني عمرو بن دينارٍ، أنه سمع عكرمة يقولُ: قال ابن عباسٍ: ما أدرى ما الرَّقيمُ، أكتابٌ أم بنيانٌ (^٨)؟\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٢ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٣٥ عن ابن إسحاق به.\n(^٣) في م: \"الجبئى\".\n(^٤) أخرجه أحمد في العلل برواية عبد الله ١/ ١٠٠ (٤٠٥) عن حجاج به.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"حنان\"، ويعنى قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم: ١٣].\n(^٦) يعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ﴾ [هود: ٧٥].\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٧.\n(^٨) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٢ إلى المصنف.","vol":"15","page":160},{"text":"وأولى هذه الأقوال بالصواب في \"الرَّقيم\" أن يكونَ مَعْنِيًّا به لوحٌ أو حجرٌ أو شيءٌ كُتب فىه كتابٌ.\nوقد قال أهلُ الأخبار: إن ذلك لوحٌ كُتِب فيه أسماء أصحاب الكهف وخبرهم حين أووا إلى الكهف. ثم قال بعضُهم: رفع ذلك اللوح في خزانة الملكِ وقال بعضُهم: بل جُعِل على باب كهفهم. وقال بعضُهم: بل كان ذلك (^١) محفوظًا عند بعض (^٢) أهل بلدهم.\nوإنما الرَّقيمُ فَعيلٌ، أصله مرقومٌ، ثم صُرِف إلى فعيلٍ، كما قيل للمجروح: جريحٌ. وللمقتول: قتيلٌ. يقال منه: رقَمْتُ كذا وكذا. إذا كتبته، ومنه قيل للرَّقم في الثوبِ: رَقْمٌ. لأنه الخطُّ الذي يُعرَفُ به ثمنُه. ومن ذلك قيل للحيَّةِ: أَرْقَمُ. لِمَا فيه من الآثار. والعرب تقولُ: عليك بالرَّقْمة، ودع الضَّفَّةَ. بمعنى: عليك برقمة الوادى حيث الماء، ودعِ الضَّفّة الجانبة. والضَّفَّتانِ جانبا الوادى. وأحسبُ أن الذي قال: الرَّقيم الوادِى. ذهَب به إلى هذا، أغنى به إلى رَقْمَةِ الوادِى.\n\n<span id=\"aya-2150\"></span><span data-type='title' id=toc-5409>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾، حينَ أوَى الفِتْيَةُ أصحاب الكهف إلى كهف الجبل، هربًا بدينهم إلى اللهِ، فقالوا إذ أووه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾؛ رغبةً منهم إلى ربِّهم، في أن يرزقهم من عنده رحمةً. وقوله: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) سقط من: ص.","vol":"15","page":161},{"text":"رَشَدًا﴾. يقولُ: وقالوا: يسِّر لنا ممَّا (^١) نَبْتَغى ونَلْتَمِسُ من رضاك، والهرب من الكفر بك، ومن عبادة الأوثان التي يدعونا إليها قومنا، ﴿رَشَدًا﴾. يقولُ: سَدادًا إلى العمل بالذي تحبُّ.\nوقد اختلف أهل العلم في سبب مصير هؤلاء الفتية إلى الكهف الذي ذكره الله في كتابه؛ فقال بعضُهم: كان سبب ذلك، أنَّهم كانوا مسلمين على دين عيسى، وكان لهم ملكٌ عابدُ وَثَنٍ، دَعاهم إلى عبادة الأصنام، فهربوا بدينهم منه خشية أن يَفْتِنَهم عن دينهم، أو يقتُلهم، فاسْتَخْفَوْا منه في الكهف.\n\n<span data-type='title' id=toc-5410>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو (^٢) في قوله: ﴿أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾: كانت الفتيةُ على دين عيسى على الإسلام، وكان ملكهم كافرًا، وقد أخرج لهم صنمًا، فأبَوْا، وقالوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾. قال: فاعْتَزلوا عن قومهم لعبادة اللَّهِ، فقال أحدهم: إنَّه كان لأبى كهفٌ يَأْوِى (^٣): فيه غنمَه، فانطلقوا بنا نَكِنَّ فيه. فدخلوه وفُقدوا في ذلك الزمانِ فطلبوا، فقيل: دخلوا هذا الكهف. فقال قومُهم: لا نريد لهم عقوبةً ولا عذابًا أشدَّ مِن أن نَرْدِمَ عليهم هذا الكهف. فبَنَوْه عليهم ثم رَدَموه، ثم إنَّ اللَّهَ بعث عليهم ملكًا على دين عيسى، ووقع (^٤) ذلك البناء الذي كان رُدِم عليهم، فقال بعضُهم لبعض: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾؟\n_________\n(^١) في م، ت ١، ف: \"بما\".\n(^٢) هو عمرو بن قيس الملائى، كما في تاريخ المصنف ٢/ ٧.\n(^٣) بعده في ص: \"إليه\".\n(^٤) في م: \"رفع\".","vol":"15","page":162},{"text":"فقالُوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، حتى بلغ: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾. وكان وَرِقُ ذلك الزمان كبارًا، فأرسلوا أحدهم يأتيهم بطعامٍ وشرابٍ، فلمَّا ذهب ليَخْرُجَ، ورأى على باب الكهف شيئًا أنكره؛ فأراد أن يرجع، ثم مضى حتى دخل المدينة، فأنكر ما رأى، ثم أخرج درهمًا، فنظروا إليه [فأنكروه، وأنكروا] (^١) الدرهم، وقالوا: من أين لك هذا، هذا مِن وَرِقِ غير هذا الزمانِ؟ واجْتَمَعوا عليه يسألونه، فلم يزالوا به حتى انْطَلَقوا به إلى ملكهم، وكان لقومهم لوحٌ يكتبون فيه ما يكونُ، فنظروا في ذلك اللوح، وسأله الملكُ، فأخبره بأمره، ونظَروا في الكتاب متى فُقدوا (^٢)، فاسْتَبْشَروا به وبأصحابه، وقيل له: انطلق بنا فأَرِنا أصحابك. فانطلق وانطلقوا معه؛ ليريهم، فدخل قبل القوم، فضرب على آذانهم (^٣)، فقال الذين غلبوا على أمرِهم: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، قال: مرج أمرُ أهل الإنجيل وعظمت فيهم الخطايا وطغت (^٥) فيهم الملوكُ، حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطَّواغيت، وفيهم على ذلك بقايا على أمر عيسى ابن مريمَ، مُتمسِّكُون بعبادةِ اللَّهِ وتوحيده، فكان ممن فعل ذلك من ملوكهم، ملكٌ من الرومِ يُقالُ له: دَقْيانوس (^٦). كان قد عبد الأصنام، وذبَح للطَّواغيت، وقتل من خالفه في ذلك ممن أقامَ على دينِ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"فأنكروا وأنكر\".\n(^٢) في م: \"فقد\".\n(^٣) ضرب على آذانهم كناية عن النوم. اللسان (ض ر ب)، والمراد هنا كما يقتضيه السياق الموت.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٧ عن ابن حميد به مختصرا.\n(^٥) في ص: \"طمعت\".\n(^٦) في ص في هذا الموضع: \"دقينوس\" وفى بعض المواضع الآتية: \"دقيانوس\"، وفى ف: \"دقينوش\".\nوالمثبت كما سيأتي في بعض النسخ ومصدرى التخريج وعامة كتب التواريخ ينظر الكامل ١/ ٣٥٥، والمنتظم ٢/ ١٥٢، ١٥٣، والبداية والنهاية ٢/ ٥٦٣.","vol":"15","page":163},{"text":"عيسى ابن مريم؛ كان يَنزِلُ [في قُرى الروم] (^١)، ولا يَترُكُ في قريةٍ يَنزِلُها أحدًا ممَّن يدينُ بدين عيسى ابن مريم إلا قتله (^٢)، حتى يعبُد الأصنام، ويذبَحَ للطَّواغيت (^٣)، حتى نزَلَ دقيانوسُ مدينة الفتية أصحاب الكهفِ (^٤)، فَلَمَّا نزلها دَقْيانوس (^٥) كَبُر ذلك على أهل الإيمان، فاستَخْفُوا منه وهربوا في كلِّ وجهٍ. وكان دَقْيانوسُ قد أَمَرَ حِينَ قدِمَها أَن يُتَّبَعَ أهلُ الإيمان فيُجمعوا له، واتَّخَذ شُرَطًا مِن الكُفَّارِ مِن أهلها، فجعلوا يَتَّبِعون أهل الإيمان في أماكنهم التي يَسْتَخفُون فيها، فىَسْتَخْرِجونهم إلى دقيانوس، فيُقَدِّمُهم إلى المجامع التي يُذبَحُ فيها للطَّواغيت، فيُخَيِّرُهم بين القتل، وبين عبادة الأوثان والذبح للطَّواغيت، فمنهم مَن يرغَبُ في الحياةِ ويَفْظَعُ بالقتل (^٦)؛ فيفْتَتِنُ، ومنهم مَن يَأْبَى أَن يعبد غيرَ اللَّهِ؛ فيُقْتَلُ، فَلَمَّا رأى ذلك أهلُ الصلابة مِن أهل الإيمان بالله، جعلوا يُسْلِمون أنفسهم للعذابِ والقتل، فيقتلون ويُقَطَّعون، ثم يُربط ما قُطِّع مِن أجسادِهم، فيُعلَّق على سور المدينة من نواحيها كلِّها، وعلى كل باب من أبوابها، حتى عظُمَتِ الفتنةُ على أهل الإيمان، فمنهم من كفَر فتُرِك، ومنهم مَن صَلْب (^٧) على دينه فقُتِل. فلَمَّا رأى ذلك الفتيةُ أصحاب الكهف، حزنوا حُزْنًا شديدًا، حتى تغيَّرَتْ ألوانهم، ونَحَلَتْ أجسامُهم، واستعانوا بالصلاة والصيام والصدقة، والتَّحميد والتَّسبيح، والتَّهليل [والتكبير] (^٨)، والبكاء والتَّضرُّع إلى الله. وكانوا فِتْيَةً أَحْداثًا أحرارًا مِن أبناء\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قرى في\"، وفى عرائس المجالس وتفسير البغوي: \"قرى\".\n(^٢) في تفسير البغوي: \"فتنه\".\n(^٣) بعده في تفسير البغوي: \"أو قَتَلَه\".\n(^٤) بعده في عرائس المجالس وتفسير البغوي: \"وهى أفسوس\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢: \"دقينوس\".\n(^٦) يَفْظعُ بالقتل: فظع بالأمر فَظَعًا: ضاق به ذَرْعًا، واشتدَّ عليه وهابه. ينظر تاج العروس (ف ظ ع).\n(^٧) في ت ١: \"بقى\".\n(^٨) ليس في: ص.","vol":"15","page":164},{"text":"أشراف الروم.\nفحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن عبدِ اللهِ بن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: لقد حُدِّثْتُ أنَّه كان على بعضهم مِن حَداثةِ أسْنانِهم (^١) وَضَحُ (^٢) الوَرِقِ (^٣). قال ابن عباس: فكانوا كذلك في عبادة الله ليلهم ونهارهم، يبكونَ إلى اللهِ، ويَسْتَغِيثُونَه (^٤) - وكانوا ثمانية نفَرٍ (^٥): مَكْسَلْمِينا (^٦)، وكان أكبرهم، وهو الذي كلَّم الملك عنهم، ومحسيميلنينا (^٧)، ويمليخا (^٨)، ومَرْطُوسُ (^٩)،\n_________\n(^١) في م: \"أسنانه\".\n(^٢) الوضح، محرَّكَةً: بَيَاضُ الصُّبْح. وقد يُراد به مُطْلَق الضَّوْء والبياض من كل شيءٍ. تاج العروس (وض ح).\n(^٣) أخرجه الطبري في تاريخه ٢/ ٦.\n(^٤) ذكره ابن كثير ٥/ ١٤٤.\n(^٥) هذا قول ابن إسحاق، ينظر عرائس المجالس ص ٣٧٩، وتفسير البغوي ٥/ ١٤٦، وتاريخ الطبرى ٢/ ٦، والكامل ١/ ٣٥٥.\n(^٦) في ص: \"مكسميلينا\"، وفى ت ١، ت،٢، ف: \"مكسيلمنينا\"، وفى تاريخ الطبرى ٢/ ٦: \"مكسملينا\" وفى الكامل لابن الأثير: \"مكسلمينيا\". والذي أثبتناه هو ما ذكر القرطبي في تفسيره ١٠/ ٣٦٠ أن الطبرى ذكره، وهو أيضا ما جاء في تاج العروس (ك هـ ف) وقد ذكر الزبيديُّ هناك الأقوال في ضبط أسمائهم وفى اختلاف حروفها، وذكر هذا الاسم بهذه الحروف وذلك الضبط في الأقوال كلها، وينظر عرائس المجالس ص ٣٧٩، وتفسير البغوي ٥/ ١٤٦.\n(^٧) في ص: \"محسميلينا\"، وفى ت:١ \"محسيلمنينا\"، وفى تاريخ الطبري: \"محسملينا\" وفى الكامل: \"مخسيلمينيا\". وفى تفسير البغوي ٥/ ١٥٤ \"مخشلمينا\"، والمثبت موافق لما ذكره القرطبي، ولم يذكره الزبيدى في التاج.\n(^٨) في ص: \"حليحا\"، وفى ت ١: \"تمليخا\". وسيأتي اسمه فيما بعد في ت ١، ت ٢، ف: \"تمليخا\". والمثبت موافق لما في تاريخ المصنف، وتفسير القرطبي، والكامل وتفسير البغوي، وهو أحد الوجوه التي ذكرها الزبيدى في التاج.\n(^٩) كذا في النسخ، وتاريخ المصنف، والكامل، وتفسير القرطبي، وأحد الوجوه في تاج العروس، وفى عرائس المجالس ص ٣٨٤، وتفسير البغوي: \"مَرَطُونَس\". وهو أحد الوجوه في التاج.","vol":"15","page":165},{"text":"وكشطونسُ (^١)، وبَيْرُونسُ (^٢)، ودَيْنَمُوسُ (^٣)، وبطونس (^٤)، [وقالوش] (^٥)، فلمّا أجمع دقيانوسُ أن يَجْمَعَ أهل القرية لعبادة الأصنام، والذبح للطواغيت، بكوا إلى اللَّهِ وتَضَرَّعوا إليه، وجعلوا يقولون: اللهمَّ ربَّ السموات والأرض، لن نَدْعو مِن دونك إلهًا، ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة، وادفع عنهم البلاء، وأنعِمْ على عبادك الذين آمنوا بك، ومنعوا عبادتك إلا سرًّا، مُستَخْفِين بذلك، حتى يَعْبدوكَ علانيةً. فبينما هم على ذلك، عرفهم عُرَفاؤُهم مِن الكفار، ممَّن كان يَجْمَعُ أهل المدينة لعبادة الأصنام، والذبح للطواغيت، وذكروا أمرهم، وكانوا قد خَلَوْا (^٦) في مُصَلًّى لهم يعبدون فيه الله، ويتضرَّعون إليه، ويتوقَّعون أن يُذْكَروا لدقينوس، فانْطَلق أولئك الكفرة حتى دخلوا عليهم مُصَلَّاهم، فوجدوهم سجودًا على وجوههم، يتضرعون ويبكون ويَرْغَبون إلى اللَّهِ أَن يُنجِّيهم\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢. وفى ص، م: \"كشوطوش\"، وفى تاريخ المصنف: \"كسوطونس\" وفى عرائس المجالس: \"كشطونش\" وفى الكامل: \"كسطومس\"، ولم يذكر في التاج أحد هذه الوجوه وأقرب اسم له: \"كَفَشْطَيوس\".\n(^٢) في ت ١، ف: \"بيدونس\". والمثبت موافق لما عند القرطبي وتاريخ المصنف، وتفسير البغوي، وفى الكامل: \"نيرويس\"، وأقرب اسم له عند الزبيدى هو: \"يَنْيُونِس\".\n(^٣) في ت ١: \"دينومس\". والمثبت موافق لما عند القرطبي وابن الأثير. ولم يذكر هذا الاسم أو قريب منه في تاريخ المصنف وكذا في التاج، وفى عرائس المجالس: \"داسيوس\"، وفى البغوي: \"ديموس\".\n(^٤) في ص: غير منقوطة، وفى م، ت ١، ف، وتفسير القرطبي: \"يطونس\". والمثبت موافق لما في تاريخ المصنف، وفى عرائس المجالس: \"بطيونس\"، وفى تفسير البغوي \"بطيوس\"، وفى التاج: \"بَطَنَيوس\".\n(^٥) في جميع النسخ: \"قالوس\" بدون الواو، وفى تفسير البغوي: \"حالوش\". وبهذا يكون العدد تسعة كما جاء في تفسير البغوي ونص عليه ابن الأثير قال: وهذه تسعة أسماء وهى أتم الروايات والله أعلم وكلبهم قطمير. وأما رواية المصنف فقد ذكر أنهم ثمانية نفر، وزاد في التاريخ: كلبهم تاسعهم؛ فيكون ظاهر روايته هنا وفى تاريخه أن قالوس اسم كلبهم.\nوالذي جاء في تسمية كلبهم: \"حمران\"، و\"قطمير\". فالله أعلم بالصواب.\n(^٦) في ص: \"جاءوا\"، وفى عرائس المجالس وتفسير البغوي: \"دخلوا\".","vol":"15","page":166},{"text":"من دَقينوسَ وفتنته، فلمّا رآهم أولئك الكفرة من عُرفائهم قالوا لهم: ما خَلَّفكم عن أمر الملك؟ انطلقوا إليه. ثم خرجوا من عندهم، فرفعوا أمرهم إلى دقيانوس، وقالوا: تَجمَعُ الناس للذَّبح لآلهتك، وهؤلاء فتيةٌ من أهلِ بيتِكَ يَسْخَرون مِنكَ ويَسْتَهْزِئُون بك، ويعصون أمرك، ويتركون الهتك، يَعْمدون إلى مُصَلًّى لهم ولأصحاب عيسى ابن مريمَ يُصَلُّون فيه، ويتضرَّعون إلى إلههم وإله عيسى وأصحاب عيسى، فلِمَ تَتْرُكُهم يصنعون (^١) هذا وهم بين ظهرانى سلطانك ومُلكِك؟ وهم ثمانيةُ نفرٍ: رأسهم (^٢) مَكْسَلْمِينا، وهم أبناء عظماء المدينة. فلَمَّا قالوا ذلك لدقيانوس، بعث إليهم، فأتى بهم من المُصلَّى الذي كانوا فيه، تفيضُ أعينُهم من الدَّمْعِ (^٣)، مُعفَّرَةً وُجُوهُهم في التراب، فقال لهم: ما منعكم أن تشهدوا الذَّبح لآلهتنا التي تُعبَدُ في الأرض، وأن تجعلوا أنفسكم أُسْوةً لسراة أهلِ مدينتكم، ولمن حضرها (^٤) من الناسِ؟ اختاروا منى: إمَّا أن تَذْبَحوا لآلهتنا كما ذبح الناسُ، وإما (^٥) أن أقتُلكم. فقال: مَكْسَلْمِينا: إن لنا (^٦) إلها نعبُدُه (^٧) ملأ السماوات والأرضَ عَظَمَةً (^٨)، لن ندعُوَ مِن دونِه إلهًا أبدًا، ولن نُقِرَّ بهذا الذي تدعونا إليه أبدًا، ولكنَّا نعبُدُ اللَّهَ ربَّنا، له الحمد والتكبيرُ والتسبيحُ من أنفسنا خالِصًا أبدًا، إياه نعبُدُ، وإياه نسألُ النجاة والخير، فأمَّا الطواغيتُ وعبادتها، فلن نُقِرَّ بها أبدًا، ولسنا بكائنينَ عُبَادًا للشياطين، ولا جاعلى\n_________\n(^١) في ص: \"يفعلون\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ف. وفى م: \"رئيسهم\".\n(^٣) في م: \"الدموع\".\n(^٤) في م، ت ١، ف: \"حضر منا\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بين\".\n(^٦) في ص: \"لها\".\n(^٧) ليست في: ت ١، ت ٢، ف، ومصدرى التخريج.\n(^٨) في م: \"عظمته\".","vol":"15","page":167},{"text":"أنفسنا وأجسادِنا عُبَّادًا لها، بعد إذ هدانا الله له؛ رَهْبَتَك، أو (^١) فَرَقًا مِن عُبُودِتِك، اصنع بنا ما بدا لك. ثم قال أصحابُ مَكْسَلْمِينا لدقيانوس مثل ما قال. قال: فلمَّا قالوا ذلك له، أمر بهم فنُزع عنهم لَبُوسٌ كان عليهم من لبوس عظمائِهم، ثم قال: أما إذ فعلتم ما فعلتم، فإنَّى سأُؤَخِّرُكم أن تكونوا من أهل مملكتى وبطانتى وأهل بلاطى (^٢) وسأفرُغ لكم، فأُنجزُ لكم ما وعدتُكم من العقوبة، وما يمنعُنى أن أُعَجِّلَ ذلك لكم، إلا أنِّي أراكم فتيانًا حديثةً أسنانُكم، ولا أحبُّ أن أُهلِكُكم حتى أَسْتَأْنِى بكم، وأنا جاعل لكم أجلًا تَذَّكَّرون فيه، وتُراجعون عقولكم. ثم أمر بحليةٍ كانت عليهم من ذهبٍ وفضةٍ، فنُزِعت منهم (^٣)، ثم أمر بهم فأُخرجوا من عنده، وانْطَلَق دَقْيانوسُ مكانه إلى مدينةٍ سوى مدينتهم التي هم بها قريبًا منها، لبعض ما يريدُ من أمرِه. فلما رأى الفتيةُ دَقيانوسَ قد خرج من مدينتهم، بادروا قُدومه، وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يُذَكَّر بهم، فأْتَمروا بينهم أن يأخذ كلُّ رجُلٍ (^٤) منهم نفقةً من بيت أبيه، فيتصدَّقوا منها، ويتزوَّدوا بما بقى، ثم ينطلقوا إلى كهف قريبٍ من المدينة، في جبلٍ يُقال له: بنجلوس (^٥). فيمْكُثوا فيه، ويعبدوا الله، حتى إذا رجع دَقْيانوسُ أَتَوْه فقاموا بين يديهِ، فَيَصْنَعُ بهم ما شاء. فَلَمَّا قال ذلك بعضُهم لبعض، عمد كلُّ فتًى منهم، فأخذ من بيت أبيه نفقةً، فتَصَدَّقوا (^٦) منها، وانطلقوا بما بقى معهم من نفقتهم، واتَّبعهم كلبٌ لهم، حتى أتَوْا ذلك الكهف الذي في ذلك الجبل، فلبثوا فيه، ليس\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"و\".\n(^٢) في م: \"بلادى\". والبلاط: وجه الأرض الصُّلب، وقصر الحاكم، وحاشيته. ينظر المعجم الوسيط (ب ل ط).\n(^٣) في م، وعرائس المجالس، وتفسير البغوي: \"عنهم\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"واحد\".\n(^٥) في عرائس المجالس: \"باجلوس\"، وفى تفسير البغوي: \"بخلوس\".\n(^٦) في م، وتفسير البغوي: \"فتصدق\".","vol":"15","page":168},{"text":"لهم عملٌ إلا الصلاة والصيام والتسبيحَ والتكبير والتحميد (^١)، ابتغاء وجه اللع تعالى، والحياة التي لا تَنْقطِعُ، وجعلوا نفقتهم إلى فتًى مِنهم يُقالُ له: يمليخا. فكان على طعامهم، يَبْتاعُ لهم أرزاقهم من المدينة سرًّا من أهلها، وذلك أنه كان من أجملهم (^٢) وأجْلَدِهم، فكان يمليخا يصنعُ ذلك، فإذا دخل المدينة يضَعُ ثيابًا كانت عليه حِسانًا، ويأخُذُ ثيابًا كثياب المساكين الذين يَسْتَطْعِمون فىها، ثم يأخُذُ وَرِقَه فينْطلِقُ إلى المدينة، فيشتَرى لهم طعامًا وشرابًا، ويَتَسَمَّعُ ويتجسَّسُ (^٣) لهم الخبرَ، هل ذُكر هو وأصحابُه بشيءٍ في بَلاطِ (^٤) المدينة، ثم يَرجِعُ إلى أصحابه بطعامهم وشرابهم، ويُخبرهم بما سمع من أخبار الناسِ، فلبثوا كذلك (^٥) ما لبثوا، ثم قدم دَقْيانوسُ الجبَّارُ المدينة التي منها خرج (^٦) إلى مدينته، وهى مدينةُ أُفْسُوسَ (^٧)، فأمر عظماء أهلها، فذبحوا للطَّواغيت، ففزِعَ من ذلك أهلُ الإيمانِ، فَتَخَبَّئوا في كلِّ مَخْبَأ، وكان يَمْليخا بالمدينة يشترى لأصحابه طعامهم وشرابهم ببعض نفقتهم، فرجع إلى أصحابه، وهو يبكى، ومعه طعامٌ قليلٌ، فأخبرهم أن الجبار دقيانوس قد دخل المدينةَ، وأنَّهم قد ذُكروا وافتُقدوا والتُمسوا مع عظماء أهل المدينة\n_________\n(^١) بعده في ص: \"والتهليل\".\n(^٢) في ص: \"أحلمهم\"، وفى ت ١ ت ٢، ف: \"أحكمهم\"، وفى تفسير البغوي: \"أحملهم\".\n(^٣) في ت ١: \"يتحسس\". والتجسس - بالجيم - هو تفحُّص الأخبار والبحث عنها. والتحسس: الاستماع لحديث القوم. وقيل: هو شبه التَّسَمُّع والتَّبَصُّر. ينظر تاج العروس (ج س س)، (ح س س).\n(^٤) في م: \"ملأ\".\n(^٥) في ص، م، ت ٢، ف: \"بذلك\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"خرجوا\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"دقينوس\". وأُفسوس: بلد بثغور طرسوس يقال إنه بلد أصحاب الكهف. معجم البلدان ١/ ٢٣١.\nأما مدينة دقيانوس، فقيل: طليطلة. وقيل: عَمَّان. وقيل. غرناطة: ينظر معجم البلدان ٤/ ٤١، ١٥١، والتدوين في أخبار قزوين ١/ ٣١٨.","vol":"15","page":169},{"text":"ليَذْبَحوا للطواغيت. فلمَّا أخبرهم بذلك فزعوا فزَعًا شديدًا، ووقعوا سجودًا على وجوههم يدعُون الله، ويتضرَّعون إليه، ويتعوَّذون به من الفتنة، ثم إِنَّ يَمليخا قال لهم: يا إخْوَتاه، ارفعوا رءوسكم، فاطْعَموا من هذا الطعام الذي جئتُكم به، وتوكَّلوا على ربِّكم. فرفعوا رءوسهم، وأعينهم تفيضُ مِن الدمعِ؛ حَذَرًا وتخوُّفًا على أنفسهم، فطَعِموا منه، وذلك مع غروب الشمس، ثم جلسوا يتحدَّثون ويَتَدارَسون، ويُذَكِّرُ بعضُهم بعضًا، على حزنٍ منهم، مشفقين ممَّا أَتاهم به صاحبُهم من الخبر، فبينا (^١) هم على ذلك، إذ (^٢) ضرب الله على آذانهم في الكهف (^٣)، وكلبُهم باسِطٌ ذِراعَيْه بباب الكهف، فأصابهم (^٤) ما أصابهم وهم مؤمنون مُوقِنون مُصدِّقون بالوعد، ونفقتُهم موضوعةٌ عندهم، فلمَّا كان الغدُ فقدهم دَقيانوسُ، فالتَمَسَهم فلم يجدهم، فقال لعظماء أهل المدينة: لقد ساءَنى شأن هؤلاء الفتية الذين ذهَبوا، لقد كانوا يَظُنُّون أنَّ بى غضَبًا عليهم فيما صَنَعوا في أوَّلِ شأنهم، لجهلهم ما جهلوا من أمرى، ما كنتُ لأحمل (^٥) عليهم في نفسى، ولا أُؤَاخِذَ أحدًا منهم بشيءٍ إن هم تابوا وعبدوا آلهتى، ولو فعلوا لَتَرَكتُهم، وما عاقبتُهم بشيءٍ سلف منهم. فقال له عظماء أهل المدينة: ما أنت بحقيقٍ أن ترحم قومًا فَجَرَةً مَرَدَةً عُصاةً، مُقيمين على ظُلْمِهم ومعصيتهم، وقد كنتَ أجلتهم أجلًا، وأخَّرتهم عن العقوبة التي أصبتَ بها غيرهم، ولو شاءوا لرجعوا في ذلك الأجَلِ، ولكنَّهم لم يتوبوا ولم يَنْزِعوا ولم يندموا على ما فعلوا، وكانوا منذ انطلَقْتَ يُبذِّرون أموالهم بالمدينةِ، فلمَّا\n_________\n(^١) في ت،١ ت ٢، وعرائس المجالس، وتفسير البغوي: \"فبينما\".\n(^٢) ليس في: ص، ت، ت ٢، ف.\n(^٣) بعده في م: \"سنين عددا\".\n(^٤) في عرائس المجالس، وتفسير البغوي: \"فأصابه\".\n(^٥) في م: \"لأجهل\".","vol":"15","page":170},{"text":"علموا بقدومك فَرُّوا فلم يُرَوْا بعدُ، فإن أحبَبتَ أن تُؤْتَى بهم فأَرْسِلْ إلى آبائهم فامْتَحِنَّهم، واشْدُدْ (^١) عليهم يدُلُّوك عليهم، فإنَّهم مختبئون منك. فلمَّا قالوا ذلك لدقيانوس الجبار، غضِب غضبًا شديدًا، ثم أرسل إلى آبائهم، فأُتى بهم فسألهم عنهم وقال: أخبرُونى عن أبنائكم المردة الذين عصَوْا أمرى، وتركوا آلهتى، ائتُونى بهم، وأنْبِئونى بمكانهم. فقال له آباؤهم: أمَّا نحنُ فلم نعصِ أمرَك ولم نُخالفك، قد عبدنا آلهتك وذبَحْنا لهم، فلِمَ تقتُلُنا في قومٍ مَرَدةٍ، قد ذهَبوا بأموالنا فبَذَّروها وأهلكوها في أسواق المدينة، ثم انطلقوا، فارتَقَوْا في جبل يُدعَى بنجلوس، وبينه وبين المدينة أرضٌ بعيدةٌ، هربًا مِنك؟! فلمَّا قالوا ذلك خلَّى سبيلهم، وجعل يأتمرُ ماذا يصنَعُ بالفتية، فأَلْقَى اللَّهُ ﷿ في نفسه أن يأمُرَ بالكهف فيُسَدَّ عليهم، كَرامةً من الله، أراد أنْ يُكرمهم، ويُكرم أجساد الفتية، فلا يجول، [ولا يطوفُ بها شيءٌ] (^٢)، وأراد أن يُحْييهم، ويجعلهم آيةً لأمةٍ تُستَخْلَفُ مِن بعدهم، وأن يبيِّن لهم أن الساعة آتيةٌ لا ريب فىها، وأَنَّ اللَّهَ يبعَثُ من في القبور، فأمر دَقْيَنوسُ بالكهفِ أن يُسَدَّ عليهم، وقال: دَعُوا هؤلاء الفتية المردة الذين تركوا آلهتى فليموتوا كما هم في الكهف عطشًا وجوعًا، وليكُن كهفُهم الذي اختاروا لأنفسهم قبرًا لهم. ففعل ذلك بهم عدوُّ الله، وهو يظُنُّ أنهم أيقاظٌ يعلمون ما يُصنَعُ بهم، وقد تَوفَّى الله أرواحهم وفاة النوم، وكلبُهم باسطٌ ذراعَيْهِ بباب الكهف، قد غَشَّاه اللهُ ما غَشَّاهم، يُقلَّبون ذات اليمين وذاتَ الشِّمالِ، ثم إن رجُلين مؤمنين كانا في بيت الملكِ دقيانوس يَكْتُمان إيمانهما؛\n_________\n(^١) في ص: \"تشدد\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.","vol":"15","page":171},{"text":"اسمُ أحدهما يندروسُ (^١)، واسمُ الآخرِ روناسُ (^٢)، فَأَتَمرًا (^٣) أن يكتُبا (^٤) شأن الفتية أصحاب الكهف؛ أنسابهم وأسماءَهم وأسماء آبائهم، وقصة خبرِهم في لَوْحَين (^٥) من رصاصٍ، ثم يَصْنَعا لهما (^٦) تابوتًا مِن نُحاسٍ، ثم يجعلا اللَّوْحين فيه، ثم يَكْتُبا عليه في فَمِ الكهف بينَ ظَهْرانَى البُنْيانِ، ويَخْتِما على التابوتِ بخاتمهما، وقالا: لعلَّ اللَّهَ أَن يُظْهِرَ على هؤلاء الفتية قومًا مؤمنين قبل يوم القيامة، فيعلم من فتح عليهم - حين يقرأُ هذا الكتاب - خبرهم، ففعلا ثم بنيا عليه في البُنيانِ، فَبَقِى دَقْيانوس وقرنُه الذين كانوا منهم ما شاء الله أن يَبقوا، ثم هلك دقيانوسُ والقَرْنُ الذين (^٧) كانوا معه، وقرونٌ بعده كثيرةٌ، وخَلَفَتِ الخُلُوفُ بعدَ الخُلُوفِ (^٨).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كَثِيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان أصحاب الكهف أبناءَ عُظَماء مدينتهم، وأهلِ شرفهم (^٩)، فخرجوا فاجتمعوا وراءَ المدينة على غير ميعادٍ، فقال رجلٌ منهم [هو أَسَنُّهم] (^١٠): إنى لأَجِدُ في نفسى شيئًا ما أظنُّ (^١١) أحدًا يَجِدُه.\n_________\n(^١) في ص، م: \"بيدروس\"، وفى عرائس المجالس: \"تندروس\".\n(^٢) في عرائس المجالس: \"روباس\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ف: \"فأتمروا\".\n(^٤) في ص: \"يكتما\".\n(^٥) ليست في: ص، ومكانها إحالة لم تكتب في موضع الإحالة، وفى عرائس المجالس: \"لوح\"، وكذا في تفسير البغوي وفى إحدى نسخه: \"لوحين\".\n(^٦) في النسخ: \"له\". والمثبت أوفق للسياق وينظر تفسير البغوي ٥/ ١٤٨.\n(^٧) في م: \"الذي\".\n(^٨) ذكره الثعلبى في عرائس المجالس ص ٣٧٨ - ٣٨١ بنحوه مطولا، والبغوى في تفسيره ٥/ ١٤٦ - ١٤٨ بنحوه.\n(^٩) في ص: \"سوقهم\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"سوفهم\".\n(^١٠) سقط من: ص. وفى الدر المنثور تحرفت إلى \"أشبههم\".\n(^١١) بعده في م: \"أن\".","vol":"15","page":172},{"text":"قالوا: ماذا تجدُ؟ قال: أجدُ في نفسى أنَّ ربِّي ربُّ السماوات والأرض. [وقالوا: نحن نجدُ] (^١). فقاموا جميعًا فقالوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ] (^٢) لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾، فاجتمعوا أن يدخلوا الكهف، وعلى مدينتهم إذ ذاك جبَّارٌ، يُقال له: دقيانوسُ. فلبثوا في الكهف ثلاثمائةٍ سنين وازدادوا تسعًا، رُقَّدًا (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن عبد العزيز بن أَبِي رَوَّادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عُبيدِ بن عُميرٍ، قال: كان أصحابُ الكهف فتيانًا مُلوكًا مُطَوَّقين مُسَوَّرين، ذوى ذوائب، وكان معهم كلبُ صَيْدِهم، فخرجوا في عيدٍ لهم عظيمٍ في زيٍّ ومَوْكِبٍ (^٤)، وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبُدُون، وقذَف الله في قلوبِ الفِتيةِ الإيمان فآمَنوا، وأخْفَى كلُّ واحدٍ (^٥) منهم الإيمان عن صاحبه، فقالوا في أنفسهم، من غير أن يَظْهَرَ إيمانُ بعضهم لبعضٍ: نخرُجُ مِن بين أظْهُرِ هؤلاء القوم، لا يُصيبُنا عقابٌ بجُرمِهم. فخرَج شابٌّ مِنهم حتى انْتَهَى إلى ظلِّ شجرةٍ، فجلس فيه، ثم خرج آخرُ فرآه جالسًا وحدَه، فرَجا أن يكونَ على مثل أمره من غيرِ أن يظهر ذلك منه، فجاء حتى جلس إليه، ثم خرج الآخرون، فجاءُوا حتى جلسوا إليهما، فاجتمعوا، فقال بعضُهم: ما جمعكم؟ وقال آخرُ: بل ما جمَّعَكم؟ وكلٌّ يكتُمُ إيمانَه من صاحبه مخافةً على نفسه. ثم قالوا: ليَخْرُجُ منكم فَتَيانِ، فيَخْلُوا، فيتَواثَقا أن لا يُفْشِى واحدٌ منهما على صاحبه، ثم يُفْشِى كلُّ واحدٍ منهما لصاحبِه أمره، فإنَّا نرجو أن نكونَ على أمرٍ\n_________\n(^١) ليس في الدر المنثور.\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٤، ٢١٥ بنحوه مطولا، وعزاه للمصنف وابن المنذر.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"مراكب\".\n(^٥) في ص: \"رجل\".","vol":"15","page":173},{"text":"واحدٍ. [فخرج فَتَيانِ منهم فتَواثَقَا، ثم تكلَّما فذكر كلُّ واحدٍ منهما أمره لصاحبه، فأَقبَلا مُستَبشِرَيْن إلى أصحابهما فقالا: قد اتَّفَقْنا (^١) على أمرٍ واحدٍ] (^٢). فإذا هم جميعًا على الإيمان، وإذا كهفٌ في الجبل قريبٌ منهم، فقال بعضُهم لبعض: ائؤُوا (^٣) إلى الكهف ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾، فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيدهم فناموا، فجعله الله عليهم رقْدَةً واحدةً، فناموا ثلاثمائةٍ سنين وازدادوا تسعًا. قال: وفقَدَهم قومُهم فطَلَبوهم وبعثوا البُرُدَ (^٤)، فَعَمَّى الله عليهم آثارهم وكهفهم، فلَمَّا لم يقدروا عليهم كتبوا أسماءهم وأنسابهم في لَوْحٍ: فلانُ بنُ فلان، وفلان بن فلان أبناءُ ملوكنا، فقَدْناهم في عيدِ كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، من (^٥) سنة كذا وكذا، في مملكة فلان بن فلانٍ. ورفعوا اللَّوْحَ في الخِزانة، فمات ذلك الملكُ، وغلب عليهم ملكٌ مسلمٌ مع المسلمين، وجاء قَرْنٌ بعد قرنٍ، فلبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا (^٦).\nوقال آخرون: بل كان مصيرهم إلى الكهف؛ هربًا من طلب سلطانٍ كان طلبهم بسببِ دَعْوى جنايةٍ، ادُّعِىَ على صاحب لهم أنَّه جناها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5411>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، قال:\n_________\n(^١) في ص: \"اتفقتما\"، وفى م: \"اتفقا\"، والمثبت من عرائس المجالس، وهو ما يصح به السياق.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في م: \"ائتوا\".\n(^٤) البُرُد: جمع بَرِيد. وهم الرُّسُل على دوابِّ البريد. ينظر اللسان (ب ر د).\n(^٥) في م، ت، ت ٢، ف: \"في\".\n(^٦) ذكره الثعلبى في عرائس المجالس ص ٣٧٧، والبغوى في تفسيره ٥/ ١٤٨، ١٤٩ بنحوه، وعزاه كلاهما لعبيد بن عمير.","vol":"15","page":174},{"text":"أخبرني إسماعيلُ بن شَرُوسٍ، أنه سمع وهب بن منبِّهٍ يقولُ: جاء حواريُّ عيسى ابن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخُلَها، فقيل له: إن على بابها صنمًا لا يدخُلُها أحدٌ إلا سجد له، فكره أن يَدْخُلَها، فأتَى حَمَّامًا، فكان فيه قريبًا من تلك المدينة، فكان يَعْمَلُ فيه يُواجرُ نفسَه من صاحب الحمَّام، ورأى صاحب الحمَّام في حمَّامِه البركة، ودُرَّ عليه الرزقُ، فجعل يقومُ (^١) عليه (^٢)، وجعَل يَسْترسِلُ إليه (^٣)، وعَلِقَه فتيةٌ من أهل المدينة، وجعَل يخبرُهم خبر السماء والأرضِ وخبر الآخرة، حتى آمنوا به وصدَّقوه، وكانوا على مثل حاله في حُسنِ الهيئة، وكان يَشْتَرِطُ على صاحب الحمَّام أن الليل لي، لا تَحُولُ بينى وبين الصلاةِ إذا حضَرَتْ. فكان على ذلك حتَّى جاء ابن الملكِ بامرأةٍ، فدخل بها الحمَّام، فعيَّرَه الحواريُّ فقال: أنت ابن الملكِ، وتدخُلُ معك هذه الكذا (^٤) فاستحيا، فذهَب فرجع مرًّة أخرى، فقال له مثل ذلك، فسبَّه وانتهره ولم يلتفت، حتى دخل ودخلت معه المرأةُ، فماتا في الحمَّام جميعًا، فأُتِيَ الملكُ فقيل له (^٥): قتل صاحبُ الحمَّامِ ابنَك. فالتُمس، فلم يُقْدَرُ عليه فهرب. قال: من كان يَصْحَبُه؟ فسَمَّوا الفتيةَ، فالتُمسوا، فخرجوا من المدينةِ، فمرّوا بصاحبٍ لهم في زرعٍ له، وهو على مثل أمرهم، فذكروا أنهم التُمسوا، فانطلق معهم [ومعه] (^٦) الكلبُ، حتى أَوَاهم الليلُ إلى الكهف، فدخلوه، فقالوا: نبيتُ هاهنا الليلةَ، ثم نُصْبحُ إن شاء الله فترون رأيَكم. فضُرب على آذانهم، فخرج الملكُ في أصحابه يتبعونهم،\n_________\n(^١) في النسخ وتاريخ الطبرى: \"يعرض\"، وفى تفسير عبد الرزاق، ومصنفه (٩٧٥٢)، وعنه في تفسير الصنعانى ٢/ ٣٩٧: \"ففوض إليه\" بدلا من: \"فجعل يعرض عليه\". والمثبت من عرائس المجالس.\n(^٢) بعده في م، وتاريخ الطبرى: \"الإسلام\"، ولعلها تصرف من محقق المطبوعة، وقد نقل عنه محقق التاريخ.\n(^٣) يسترسل إليه: ينبسط ويستأنس. الوسيط (ر س ل).\n(^٤) في م: \"النكداء\". وفى تفسير عبد الرزاق: \"الكذا\" والكذا\".\n(^٥) ليس في: ص، ت ١، ت ٢، ف، وتفسير عبد الرزاق. والمثبت موافق لعرائس المجالس، وتفسير البغوي.\n(^٦) سقط من: م.","vol":"15","page":175},{"text":"حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف، فكلَّما أراد رجلٌ أَن يَدْخُلَ أُرْعِب، فلم يُطِقْ أَحدٌ أن يَدْخُلَه، فقال قائلٌ: أليس لو كنتَ قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى. قال: فابْنِ عليهم باب الكهف، ودعهم فيه يموتوا عَطَشًا وجوعًا. ففعل (^١).\n\n<span id=\"aya-2151\"></span><span data-type='title' id=toc-5412>القولُ في تأويل قوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾: فضربنا على آذانهم بالنوم في الكهف. أي: ألقينا عليهم النوم، كما يقول القائل لآخر: ضربك الله بالفالج. بمعنى: ابتلاه الله به، وأرسله عليه، وقولُه: ﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾. يعنى: سنين معدودةً، ونُصِب العددُ بقوله: ﴿فَضَرَبْنَا﴾.\n\n<span id=\"aya-2152\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾. يقولُ: ثم بعثنا هؤلاء الفتية الذين أوَوْا إلى الكهف بعد ما ضربنا على آذانهم فيه سنين عددًا من رقْدَتِهم؛ لينظُرَ عبادى فيعْلَموا بالبحث أيُّ الطائفتين اللتين اختَلَفتا في قدْرِ مَبْلَغِ مُكْثِ الفِتية في كهفهم رقودًا ﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا﴾. يقولُ: أصوبُ لقدْرِ لُبثهم فيه، ﴿أَمَدًا﴾، ويَعْنى بالأمد الغاية، كما قال النابغة (^٢):\nإلَّا لمثلك أو مَن أنتَ سابقُهُ … سَبقَ الجَوَادِ إذا استولى على الأمد\nوذكر أن الذين اختلفوا في ذلك في أمورهم قومٌ من قوم الفتية؛ فقال بعضهم: كان الحزبان جميعًا كافرين. وقال بعضُهم: بل كان أحدهما مسلمًا، والآخرُ كافرًا.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٧ - ٣٩٩، وينظر عرائس المجالس ص ٣٧٨، وتفسير البغوي ٥/ ١٤٩.\n(^٢) ديوانه ص ١٤.","vol":"15","page":176},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5413>ذِكرُ مَن قال: كان الحزبان مِن قوم الفتية</span>\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾، من قومِ الفتية (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد بنحوه (^١).\nحدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثله (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادة قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾. يقولُ: ما كان لواحد من الفريقين علمٌ، لا لكفَّارهم ولا لمؤمنيهم (^٢).\nوأما قوله: ﴿أَمَدًا﴾. فإنَّ أهل التأويل اختلفوا في معناه؛ فقال بعضُهم: معناه: بعيدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5414>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾. يقولُ: بعيدًا.\nوقال آخرون: معناه: عددًا.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٤٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٥ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٥ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"15","page":177},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5415>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَمَدًا﴾. قال: عددًا (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله (^١).\nوفى نصب قوله: ﴿أَمَدًا﴾. وجهان؛ أحدُهما: أن يكون منصوبًا على التفسير من قوله: ﴿أَحْصَى﴾ كأَنَّه قِيلَ: أيُّ الحزبين أصوبُ عددًا لقدْرِ لُبثهم.\nوهذا هو أولى الوجهين في ذلك بالصواب؛ لأن تفسير أهل التفسير بذلك جاء.\nوالآخرُ: أن يكون منصوبًا بوقوع قوله: ﴿لَبِثُوا﴾ عليه، كأنَّه قيل (^٢): أيُّ الحزبين أحصَى للُبثهم غايةً.\n\n<span id=\"aya-2153\"></span><span data-type='title' id=toc-5416>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: نحن يا محمد نَقُصُّ عليك خبر هؤلاء\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٤٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٥ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".","vol":"15","page":178},{"text":"الفتية الذين أَوَوْا إلى الكهفِ ﴿بِالْحَقِّ﴾. يعنى: بالصدق واليقين الذي لا شكَّ فيه، ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾. يقولُ: إن الفتية الذين أوَوْا إلى الكهف الذين سألك عن نبئهم الملأُ مِن مُشرِكى قومك، فتيةٌ آمنوا بربِّهم، ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾. يقولُ: وزدناهم إلى إيمانهم بربِّهم إيمانًا وبصيرةً بدينهم، حتى صبروا على هجران دارِ قومِهم، والهرب من بين أظهُرهم بدينهم إلى الله، وفِراقِ ما كانوا فيه من خفض العيش ولينه، إلى خُشونة المُكْثِ في كهف جبلٍ.\n\n<span id=\"aya-2154\"></span>وقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ عزَّ ذِكْرُه: وألهمناهم الصبر، وشدَدْنا قلوبهم بنور الإيمان، حتى عزَفَت أنفسهم عمَّا كانوا فيه (^١) من خفض العَيْشِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ: بالإيمان.\nوقوله: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: حين قاموا بين يدى الجبَّارِ دَقيَنوسَ، فقالوا له إذ عاتبهم (^٢) على تركهم عبادة (^٣) آلهته: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: قالوا: ربُّنا مَلِكُ السماواتِ والأرض وما فيهما من شيءٍ، وآلهتُك مربوبةٌ، وغير جائزٍ لنا (^٣) أن نَتْرُكَ عبادةَ الربِّ ونعبُدَ المربوبَ، ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾. يقولُ: لن نَدْعُوَ من دونِ ربِّ السماواتِ والأرض إلها؛ لأنَّه لا إله غيرُه، وأن كلَّ ما دونه فهو خلقه، ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾. يقول جلَّ ثناؤُه: لكن دعونا إلهًا غير إله السماوات والأرض، لقد قلنا إذن بدعائنا غيره\n_________\n(^١) في م، ت ١، ف: \"عليه\".\n(^٢) في ص: \"عابهم\".\n(^٣) سقط من: ص.","vol":"15","page":179},{"text":"إلهًا، شططًا من القول، يعنى غاليًا من الكذب، مجاوِزًا مقداره في البُطُولِ والغُلوِّ، كما قال الشاعرُ (^١):\nألا يا لَقَوْمى قَدْ أَشَطَّتْ عَوَاذلِى … ويَزعُمْن أَنْ أَوْدَى بِحَقِّي باطِلى\nيُقالُ منه: قد أَشَطَّ فلانٌ في السَّوْمِ. إذا جاوز القدْرَ وارتفع، يَشِطُّ إِشْطَاطًا وشَطَطًا، فأمّا من البعدِ فإِنما يُقالُ: شَطّ منزل فلانٍ، يَشُطُ شُطُوطًا. ومن الطُّولِ: شَطَّتِ الجاريةُ تَشِطُ شَطاطًا وشِطاطًا (^٢)، إذا طالت.\nوبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿شَطَطًا﴾. قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5417>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾. يقولُ: كَذِبًا (^٣).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾. قال: لقد قلنا إذن خطأ. قال: الشَّطَطُ الخطأُ من القول (^٣).\n\n<span id=\"aya-2155\"></span><span data-type='title' id=toc-5418>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥)﴾.</span>\nيقول عزَّ ذكرُه مخبرًا عن قيل الفتية من أصحاب الكهف: هؤلاء قومنا اتَّخذوا من دونِ اللهِ آلهةً يعبُدونَها من دونِه، ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾. يقولُ: هلَّا يأتُون على عبادتهم إيَّاها بحُجَّةٍ بيَّنةٍ.\n_________\n(^١) هو الأحوص بن محمد الأنصارى. والبيت في ديوانه ص ١٧٩.\n(^٢) في ص، م: \"شطاطة\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٦ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"15","page":180},{"text":"وفى الكلامِ محذوفٌ اجتُزِئ بما ظهر عمَّا حُذِف، وذلك في قوله: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾، فالهاءُ والميمُ في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ مِن ذِكْرِ الآلهة، والآلهة لا يُؤتَى عليها بسلطانٍ، ولا يُسأَلُ السلطانُ عليها، وإنما يُسأَلُ عابِدُوها السلطان على عبادتهمُوها، فمعلومٌ إذ كان الأمر كذلك أنّ معنى الكلام: لولا يأتون على عبادتهمُوها، واتخاذهُموها آلهةً من دونِ اللهِ، بسلطانٍ بيِّنٍ.\nوبنحو ما قلنا في معنى السلطان قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5419>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾. يقولُ: بعذرٍ بيِّنٍ.\nوعنى بقوله عزَّ ذِكرُه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. ومَن أَشدُّ اعتداءً وإشراكًا بالله ممَّن اختلق، فتخرَّص على الله كذبًا، وأشرَك مع الله في سلطانه شريكًا يَعْبُدُه دونَه، ويَتَّخِذُه إلهًا.\n\n<span id=\"aya-2156\"></span><span data-type='title' id=toc-5420>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره مخبِرًا عن قيل بعض الفتية لبعضٍ: وإذ (^١) اعتَزَلْتُم أَيُّها الفتيةُ قومكم الذين اتَّخذوا مِن دونِ اللَّهِ آلهة، ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾. يقولُ: وإذ (^٢) اعتزلتم قومَكم و(^٣) الذين يُعْبَدُون مِن الآلهة سوى الله. فـ \"ما\" - إذ كان ذلك\n_________\n(^١) في ص، م، ف: \"إذا\".\n(^٢) في م: \"إذا\".\n(^٣) سقط من: م.","vol":"15","page":181},{"text":"معناه - في موضع نصبٍ، عطفًا لها على الهاء والميم التي في قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5421>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾. وهى في مصحفِ عبدِ اللَّهِ: (ومَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله)، هذا تفسيرها (^١).\nوأما قوله: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾، فإنَّه يعنى به: فصيروا إلى غارِ الجبل الذي يسمى بنجلوسَ، ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. يقولُ: يَبْسُطُ لكم ربُّكم من رحمته، بتيسيره لكم المخرج من الأمر الذي قد رميتم به من الكافر دقينوس، وطلبه إياكم لعَرْضِكم على الفتنة.\nوقوله: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ جوابٌ لـ \"إذ\"، كأنَّ معنى الكلام: وإذ اعتزلتم أيُّها القومُ قومَكم، فأوُوا إلى الكهف. كما يقالُ: إِذ أَذْنَبَتَ فاستغفِرِ الله وتُبْ إِلَيْه.\nوقوله: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾. يقولُ: ويُيسِّر لكم من أمركم الذي أنتم فيه من الغَمِّ والكرب، خوفًا منكم على أنفسكم ودينكم، مرفقًا. ويعنى بالمِرفَقِ: ما تَرْتَفِقون به من شيءٍ. وفى المرفق من اليد وغير اليد لغتان؛ كسرُ الميم وفتح الفاءٍ، وفتح الميم وكسرُ الفاء. وكان الكسائيُّ يُنكرُ في مِرْفَقِ الإنسان الذي في\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":182},{"text":"اليدِ إلا فتح الفاء وكسر الميم. وكان الفرَّاءُ يحكى فيهما - أعنى في مِرفَقِ الأَمْرِ واليد - اللغتين كِلْتَيهما، وكان يُنْشِدُ في ذلك قول الشاعر (^١):\n* بِتُّ أُجَافِى مِرْفَقًا عن مَرْفِقِى*\nويقولُ: كسر الميم فيه أجودُ (^٢).\nوكان بعض نحويِّى أهل البصرة يقولُ في قوله: ﴿مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾. شيئًا تَرتَفِقُون به، مثل المقطع، ومَرْفِقًا جعَله اسمًا كالمسجد، ويكونُ لغةً، يقولون: رفق يَرْفُقُ مَرْفِقًا، وإن شئتَ مَرْفَقًا، تريدُ رفقًا، ولم يُقرأْ.\nوقد اختلفتِ القَرَأَةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأةٍ أهل المدينة: (ويُهَيِّئ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُم مَرْفِقًا) بفتح الميم وكسر الفاء، وقرأته عامة قرأة العراق في المِصْرَينِ: ﴿مِرْفَقًا﴾ بكسر الميم وفتح الفاء (^٣).\nوالصواب من القول في ذلك أن يُقالَ: إنَّهما قراءتان بمعنى واحدٍ، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما قرأةٌ من أهل القرآن، فبأيَّتهما قرأ القارئُ فمُصِيبٌ، غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإنَّ الذي أختارُ في قراءة ذلك: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾. بكسر الميم وفتح الفاء؛ لأن ذلك أفصحُ اللغتين وأشهرُهما في العرب، وكذلك ذلك في كلِّ ما ارتُفِق به من شيءٍ (^٤).\n\n<span id=\"aya-2157\"></span><span data-type='title' id=toc-5422>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ</span>\n_________\n(^١) ينظر اللسان (ر ف ق).\n(^٢) معاني القرآن ٢/ ١٣٦، وليس فيه الشاهد.\n(^٣) قرأ نافع وابن عامر بفتح الميم وكسر الفاء، وقرأ الباقون بكسر الميم وفتح الفاء. ينظر الكشف ٢/ ٥٦، وحجة القراءات ص ٤١٢.\n(^٤) بعده في ت ١، ف: \"والله تعالى الموفق والملهم للصواب بمنه ويمنه\".","vol":"15","page":183},{"text":"عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾ يا محمدُ، ﴿إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾. يعنى بقولِه: ﴿تَزَاوَرُ﴾. تعدِلُ وتميلُ، من الزَّورِ، وهو العِوَجُ والمَيلُ؛ يُقالُ منه: في هذه الأرضِ زَوَرٌ. إذا كان فيها اعوجاجٌ، و: في فلانٍ: عن فلانٍ ازْوِرارٌ. إذا كان فيه عنه إعراضٌ؛ ومنه قولُ بشرِ بن أبي خازمٍ (^١):\nتَؤُمُ بِها الحُدَاةُ مِياهَ نَخْلٍ … وَفِيها عَنْ أَبانَيْنِ (^٢) ازْوِرَارُ\nيعنى: إعراضًا وصدًّا.\nوقد اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ ومكةَ والبصرةِ: (تَزَّاوَرُ) بتشديدِ الزاي (^٣)؛ بمعنى: تتزاورُ، بتاءين، ثم أدغَم إحدى التاءين في الزَّاي، كما قيل: (تظَّاهَرُون عليهم) [البقرة: ٨٥]. وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ [أهلِ الكوفةِ] (^٤): ﴿تَزَاوَرُ﴾ بتخفيفِ التاءِ والزاى (^٥)، كأَنَّه عنَى به: \"تفاعل\" من الزَّوَرِ. وقد رُوى عن بعضِهم: (تَزْوَرُّ)، بتخفيفِ التاءِ وتسكينِ الزّاى وتشديدِ الراءِ (^٦)،\n_________\n(^١) ديوانه ص ٦٢.\n(^٢) أبانَين: مثنى أبان، وهو جبل، ويليه جبل آخر يقال له شَرَوْرَى، فَغَلَّبوا: أبانا عليه فقالوا: أبانان. كما قالوا: العُمران. لأبي بكر وعمر. معجم البلدان ١/ ٧٦.\n(^٣) كذا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٨٨.\n(^٤) في م، ت ٢: \"الكوفيين\".\n(^٥) كذا قرأ عاصم وحمزة والكسائي. السبعة ص ٣٨٨.\n(^٦) كذا قرأ ابن عامر. السبعة ص ٣٨٨.","vol":"15","page":184},{"text":"مثلَ: تَحمَرُّ، وبعضِهم: (تَزْوَارُّ) مثلَ تحمارُّ (^١).\nوالصوابُ من القولِ في قراءةِ ذلك عندَنا أن يُقالَ: إنهما قراءتان - أعنى ﴿تَزَاوَرُ﴾ بتخفيفِ الزَّاي، و(تَزَّاوَرُ) بتشديدِها - معروفتان، مستفيضةٌ القراءةُ بكلِّ واحدةٍ منهما في قرأةِ الأمصارِ، متقاربتا المَعْنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ الصوابَ. وأما القراءتان الأخريان فإنَّهما قراءتان لا أرى القراءةَ بهما، وإن كان لهما في العربيةِ وجهٌ مفهومٌ؛ لشذوذِهما عمَّا عليه قرأةُ الأمصارِ (^٢).\nوبنحو الذي قُلنا في تأويلِ قولِه: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5423>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفْطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾. قال: تميلُ (^٣).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾. يقولُ: تميلُ عنهم (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾. يقولُ: تميلُ عن كهفِهم يمينًا وشمالًا.\n_________\n(^١) كذا قرأ الجحدري وأيوب السختيانى. ينظر مختصر الشواذ ص ٨٢.\n(^٢) قرأ ابن عامر الشامى: (تَزْوَرُّ) بوزن: تَحْمَرّ، متواترة، والشاذة هي: تَزوارُّ؛ بوزن تَحمَارُّ.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٣٩.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٣٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":185},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾. يقولُ: تميلُ ذاتَ اليمينِ، تدَعُهم ذاتَ اليمين.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾. قال: تميلُ عن كهفِهم ذاتَ اليمينِ (^١).\nحُدِّثتُ عن يزيدَ بن هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن يَعلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لو أن الشمسَ تطلُعُ عليهم لأحرَقَتْهم، ولو أنهم لا يُقلَّبون (^٢) لأكَلَتْهم الأرضُ. قال: وذلك قولُه: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ القزّازُ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمِ بن (^٤) أبى الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾. قال (^٥): تميلُ (^٦).\nوقولُه: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا غرَبتِ الشمسُ تتركُهم من ذاتِ شمالِهم. وإنما معنى الكلامِ: وترَى الشمسَ إذا\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٠.\n(^٢) في ص: \"يعلمون\"، وفى ت:٢ \"يقبلون\".\n(^٣) أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق يزيد به مطولًا، كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٤٥.\n(^٤) في ت ١، ف: \"عن\". ينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٤٥٢.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) في ص: \"يمينًا\".","vol":"15","page":186},{"text":"طلَعت تعدِلُ عن كهفِهم، فتطلُعُ عليه (^١) من ذاتِ اليمينِ، لئلَّا تصيبَ الفِتيةَ؛ لأنها لو طلَعت عليهم قُبَالَتَهم لأحرَقتهم وثيابَهم، أو (^٢) أشحَبَتهم. وإذا غرَبت تتركُهم بذاتِ الشمالِ، فلا تصيبُهم؛ يُقالُ منه: قرَضتُ موضِعَ كذا. إذا قطَعتَه فجاوزتَه، وكذلك كان يقولُ بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ. وأما الكوفيّون فإنهم يزعُمون أنه المحاذاةُ، وذكَروا أنَّهم سمِعوا من العربِ: قرَضتُه قُبُلًا ودُبُرًا، وحذوتُه ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشِّمالِ، وقُبُلًا ودُبُرًا. أي كنتُ بحِذائِه. قالوا: والقرْضُ والحَذْوُ بمعنًى واحدٍ. وأصلُ القرْضِ: القَطْعُ. يُقالُ منه: قرَضتُ الثوبَ. إذا قطَعتَه. ومنه قيل للمِقْراضِ مِقراضٌ؛ لأنه يَقْطَعُ. ومنه: قرَض الفأرُ الثوبَ. ومنه قولُ ذي الرُّمَّةِ (^٣):\nإلى ظُعُنٍ يَقرِضُنَ أجْوازَ مُشرِفِ … شِمالًا وعن أيمانهنَّ الفَوارِسُ\nيعنى بقولِه: يَقْرِضَنَ: يَقْطَعْنَ.\nوبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5424>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾. يقولُ: تذَرُهم (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي الوضَّاحِ، عن\n_________\n(^١) في ت ٢: \"عليهم\".\n(^٢) في ت ١: \"أي\"، وفي ت ٢: \"و\".\n(^٣) ديوانه ٢/ ١١٢٠.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":187},{"text":"سالم الأفطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾: تترُكُهم ذاتَ الشِّمالِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾. قال: تترُكُهم (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾. يقولُ: تدَعُهم ذاتَ الشِّمالِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾. قال: تَدَعُهم ذاتَ الشِّمالِ (^٢).\nحدَّثنا ابن سنانٍ القزّازُ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمِ بن أبي الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾. قال: تترُكُهم.\nوقولُه: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾. يقولُ: والفِتيةُ الذين أَوَوْا إليه في متَّسْعٍ منه. يُجمَعُ فَجَوَاتٍ، وفِجَاءً، ممدودًا.\nوبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٤٦، وأخرجه الفريابي عن ورقاء به - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٤٣ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٦ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٠.","vol":"15","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5425>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾. يقولُ: في فضاءٍ من الكهفِ، قال الله: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾. قال: المكانُ الداخلُ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾. قال: المكانُ الذاهبُ (^١).\nحدَّثنا ابن سنانٍ (^٢)، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمٍ أبو سعيدِ بنُ أبي الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾، قال: في مكانٍ داخلٍ (^٣).\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: فِعْلُنا هذا الذي فعَلنا بهؤلاء الفِتيةِ الذين قصَصْنا عليكم أمرَهم من تصيِيرِناهم، إذ أَرَدْنا أَن نَضْرِبَ على آذانِهم بحيثُ تزَاوَرُ الشمسُ عن مضاجِعِهم ذاتَ اليمينِ إذا هي طلَعت، وتقرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ إذا هي غَرَبت، مع كونِهم في المتَّسَع من المكانِ، حيثُ (^٤) لا تَحرِقُهم الشمسُ فتُشْحِبَهم، ولا تَبْلَى على طولِ رقْدَتِهم ثيابُهم، فتعفَنَ على أجسادِهم (^٥) -\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٦ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"بشار\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٦ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) في م، ت ٢: \"بحيث\".\n(^٥) في ص، ت ١، ف: \"أجسامهم\".","vol":"15","page":189},{"text":"من حُجَحِ اللَّهِ وأدلتِه (^١) على خلقِه، والأدلِة التي يستدِلُّ بها أولو الألبابِ على عظيمِ قدرتِه وسلطانِه، وأنه لا يُعجزُه شيءٌ أرادَه.\nوقولُه: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾. يقولُ ﷿: مَن يوفِّقْه الله للاهتداءِ بآياتِه وحُجَجِه إلى الحقِّ الذي (^٢) جعَلها أدلةً عليه ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾. يقولُ: فهو الذي قد أصاب سبيلَ الحقِّ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾. يقولُ: ومَن أضَلَّه الله عن آياتِه وأدلتِه، فلم يوفِّقْه للاستدلالِ بها على سبيلِ الرشادِ، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾. يقولُ: فلن تجِدَ له يا محمدُ خليلًا وحليفًا يُرشدُه لإصابتِها؛ لأن التَّوفيقَ والخذْلانَ بيدِ الله، يوفِّقُ مَن يشاءُ من عبادِه، ويَخذُلُ مَن أرادَ. يقولُ: فلا يَحزُنْك إدبارُ من أدبرَ عنك من قومِك وتكذيبُهم إيَّاكَ (^٣)، فإني لو شئتُ هدَيتُهم فَآمَنوا، وبيدى الهِدايةُ والضَّلالُ (^٤).\n\n<span id=\"aya-2158\"></span><span data-type='title' id=toc-5426>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وتحسَبُ يا محمدُ هؤلاء الفِتيةَ الذين قصَصْنا عليك قصَّتَهم، لو رأيتَهم في حالِ ضَرْبِنا على آذانِهم في كهفِهم الذي أوَوْا إليه - أيقاظًا. والأيقاظُ: جمعُ يَقِظٍ، ومنه قولُ الراجزِ (^٥):\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ف.\n(^٢) في م، ت ٢: \"التي\"، وغير واضحة في: ف.\n(^٣) في ت ٢: \"إياي\".\n(^٤) في ص: \"الضلالة\".\n(^٥) نسبهما أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٣٩٧ لرؤبة، وليسا في الديوان.","vol":"15","page":190},{"text":"ووجَدوا إخْوتَهم أيْقاظا\nوسَيْفَ غَيَّاظٍ لهم غَيَّاظا\nوقولُه: ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾. يقولُ: وهم نِيامٌ. والرُّقودُ: جمعُ راقدٍ، [كما الجُلوسُ] (^١) جمعُ جالسٍ، والقُعودُ جمعُ قاعِدٍ. وقولُه: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ونقلِّبُ هؤلاء الفتيةَ في رقْدَتِهم مرَّةً للجنبِ الأيمنِ، ومرَّةً للجنبِ الأيْسَرِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾: وهذا التَّقلِيبُ في رقْدَتِهم الأُولى (^٢).\nقال: وذُكِر لنا أن أبا عِياضٍ قال: لهم في كلِّ عامٍ تقلِيبَتانِ (^٣).\nحُدِّثتُ عن يزيدَ، قال: أخبَرنا سفيانُ بنُ حسينٍ، عن يَعْلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾. قال: لو أنهم لا يُقلَّبون لأَكَلتْهم الأرضُ (^٤).\nوقولُه: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. اختلَف أهلُ التأويل في الذي عنَى الله بقولِه: ﴿وَكَلْبُهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: هو كلبٌ من كلابِهم كان معهم. وقد ذكَرْنا كثيرًا ممَّن قال ذلك فيما مضَى. وقال بعضُهم: كان إنسانًا (^٥) مِن الناسِ\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"كالجلوس\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٦ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٦ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ١٨٦.\n(^٥) كذا في النسخ، وفى ابن كثير ٥/ ١٤١: \"وقيل كان كلب طباخ الملك، وكان قد وافقهم على الدين، فصحبهم كلبه، فالله أعلم\".","vol":"15","page":191},{"text":"طبَّاخًا لهم تَبِعهم (^١).\nوأما الوصيدُ، فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: هو الفِناءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5427>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾. يقولُ: بالفِناءِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهدِيٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. قال: بالفِناءِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾. قال: بالفِناءِ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾. قال: بالفِناءِ.\nقال ابن جريجٍ: يُمسِكُ بابَ الكهفِ (^٥).\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ف: \"ذكر ذلك ولم يذكر الحديث\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٤٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٤٠.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٤٦.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٦ إلى ابن المنذر.","vol":"15","page":192},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. يقولُ: بفِناءِ الكهفِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾. قال: فناءُ (^٢) الكهف (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾. قال: يعنى بالفِناءِ (^٤).\nوقال آخرون: الوَصِيدُ الصَّعيدُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5428>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. يعني فِناءَهم، ويُقالُ: الوَصيدُ الصَّعيدُ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن هارونَ بن (^٥) عنترةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. قال: بالصَّعِيدِ (^٦).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، عن عمرٍو في قولِه: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. قال: الوَصيدُ الصَّعيدُ؛ التُّرابُ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١٩١.\n(^٢) في م: \"بفناء\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٩ - ٤٠٠.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ١٥٨، وأبو حيان في البحر المحيط ٦/ ١٠٩.\n(^٥) في م: \"عن\". وينظر ترجمة هارون بن عنترة في تهذيب الكمال ٣٠/ ١٠٠.\n(^٦) في م: \"الوصيد الصعيد\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":193},{"text":"وقال آخرون: الوَصيدُ البابُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5429>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبى زائدةَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. قال: بالبابِ، وقالوا: بالفناءِ (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الوَصيدُ البابُ، أو فناءُ البابِ حيثُ يُغلَقُ البابُ. وذلك أن البابَ يُوصَدُ، وإيصادُه إطباقُه وإغْلاقُه، من قولِ الله ﷿: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨]. وفيه لُغَتَانِ: الأَصِيدُ، وهى لغةُ أهل نجدٍ. والوَصيدُ، وهى لغةُ أهلِ تهامةَ. وذُكِر عن أبي عمرِو بن العلاءِ، قال: إنها لغةُ أهلِ اليمنِ. وذلك نَظيرُ قولِهم: ورَّختُ الكتابَ وأَرَّخْتُه، ووكَّدتُ الأمرَ وأكَّدتُه (^٢). فمَن قال: الوَصيدُ. قال: أوصدتُ البابَ، فأنا أُوصِدُه، وهو مُوصَدٌ. ومَن قال: الأَصِيدُ. قال: آصَدتُ البابَ، فهو مُؤْصَدٌ. فكأن معني الكلامِ: وكلبُهم باسطٌ ذراعَيْه بفِناءِ كهفِهم عندَ البابِ، يحفَظُ عليهم بابَه.\nوقولُه: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾. يقولُ: لو اطَّلَعتَ عليهم في رَقْدَتِهم التي رَقَدوها في كهفِهم، لأدْبَرتَ عنهم هارِبًا مِنهم فارًّا، ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾. يقولُ: ولمُلِئَتْ نفسُك اطِّلاعِك عليهم فَرَعًا؛ لِما كان اللَّهُ ألبَسَهم من الهَيْبَةِ؛ [كي لا] (^٣) يصلَ إليهم واصِلٌ، ولا تَلْمِسَهم يدُ لامِسٍ، حتى يبلُغَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٦ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أكدت\".\n(^٣) في ت ٢: \"لئلا\".","vol":"15","page":194},{"text":"الكتابُ فيهم أجله، ويوقظهم من رقدتهم قدرتهُ وسلطانُه في الوقت الذي أراد أن يجعَلَهم عبرةً لمن شاء من خلقه، وآيةٌ لمن أراد الاحتجاج بهم عليه من عباده؛ ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف: ٢١].\nواختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾؛ فقرَأَتُه عامةُ قَرَأَةِ المدينة بتشديد اللام من قوله: (ولَمُلِّئتَ). بمعنى أنه كان يمتَلئُ مرَّةً بعد مرَّةٍ. وقرأ ذلك عامةُ قَرَأةِ العراقِ: ﴿وَلَمُلِئْتَ﴾. بالتخفيف، بمعنى: لمُلِئتَ مرَّةً (^١). وهما عندنا قراءتان مُستفيضتان في القراءةِ، مُتقارِبتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمُصِيبٌ.\n\n<span id=\"aya-2159\"></span><span data-type='title' id=toc-5430>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: كما أرْقَدْنا هؤلاء الفتية في الكهف، فحفظناهم من وُصول واصل إليهم، وعين ناظرٍ أن يَنْظُرَ إليهم، وحفظنا أجسامهم من البلى (^٢) على طُولِ الزمانِ، وثيابهم من العفَنِ على مرِّ الأيام بقُدرتنا، فكذلك بعثناهم من رقدتهم، وأيقظناهم من نومهم (^٣)؛ لنُعرِّفَهم عظيم سُلطاننا، وعجيب فعلنا في\n_________\n(^١) قرأ ابن كثير ونافع: (ولملئت) مشددة، وقرأ عاصم وابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ﴿وَلَمُلِئْتَ﴾ خفيفة. وروى إسماعيل بن مسلم عن ابن كثير: ﴿وَلَمُلِئْتَ﴾ له خفيفة. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٨٩.\n(^٢) في م: \"البلاء\".\n(^٣) في ت ٢: \"نومتهم\".","vol":"15","page":195},{"text":"خلقنا، وليزدادُوا بصيرةً في أمرهم الذي هم عليه؛ من براءتهم من عبادة الآلهة، وإخلاصهم [العبادة لله] (^١) وحده لا شريك له، إذا تبيَّنوا طولَ مَرِّ (^٢) الزمانِ عليهم، وهم بهيئتهم حين رقدوا.\nوقولُه: ﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: ليسأل بعضُهم بعضًا، ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾. يقولُ عزّ ذكرُه: فتساءلوا فقال قائلٌ منهم لأصحابه: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾؟ وذلك أنَّهم استنْكَروا مِن أنفسهم طول رقدتهم، ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. يقولُ: فأجابه الآخرون فقالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. ظنًّا منهم أن ذلك كذلك كان، فقال الآخرون: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾. فسلَّموا العلم إلى اللهِ.\nوقوله: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾. يعنى مدينتهم التي خرجوا منها هرابًا، التي تُسمَّى أُفْسُوس (^٣)، ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾. ذُكر أنَّهم بعثوا (^٤) من رقدتهم جِياعًا، فلذلك طلبوا الطعام.\n\n<span data-type='title' id=toc-5431>ذكرُ مَن قال ذلك، وذكرُ السبب الذي أجلِه ذُكر أنهم بُعثوا من رقدتهم حين بُعثوا منها</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، قال:\n_________\n(^١) في م: \"لعبادة الله\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٣) في ص: \"دقينوس\"، وفى ت ١ ت:٢ \"دفسوس\"، وفى ف: \"دقيانوس\". وينظر معجم البلدان ١/ ٣٣٠.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ف: \"هبوا\".","vol":"15","page":196},{"text":"أخبرني إسماعيلُ بن شَرُوسٍ (^١)، أنه سمع وهب بن مُنبهٍ يقولُ: إنهم عبروا - يعنى الفتية من أصحاب الكهف - بعد ما بُنى عليهم باب الكهف زمانًا بعد زمانٍ، ثم إِنَّ راعيًا أدْرَكه المطرُ عندَ الكهف، فقال: لو فتحتُ هذا الكهف وأدخَلْتُه (^٢) غنمى من المطر. فلم يزَلْ يُعالجُه حتى فتح ما أُدخل (^٣) فيه، ورَدَّ الله (^٤) إليهم أرواحهم في أجسامهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بوَرِقٍ يشترى لهم (^٥) طعامًا، فكلما (^٦) أتى باب مدينتهم، رأى شيئًا يُنكرُه، حتى دخل على رجلٍ فقال: يعنى بهذه الدراهم طعامًا. فقال: ومن أين لك هذه الدراهمُ؟ قال: خرَجْتُ (^٧) وأصحابٌ لى أمسِ، فآوانا الليلُ، ثم أصبحوا فأرسلونى. فقال: هذه الدراهمُ كانت على عهد الملك (^٨). فلانٍ، فأنَّى لك بها؟ فرفعه إلى الملك، وكان ملكًا صالحًا، فقال: من أين لك هذه الوَرِقُ؟ قال: خرَجْتُ أنا وأصحابٌ لى أمس، حتى أدركنا الليلُ في كهف كذا وكذا، ثم أمرونى أن أشترى لهم طعامًا. قال: وأين أصحابك؟ قال: في الكهف. قال: فانطلقوا (^٩) معه حتى أَتَوْا بابَ الكهف، فقال: دعُونى أدخُلْ على أصحابى قبلكم. فلما رأَوه ودنا منهم، ضُرب على أُذنه وآذانهم، فجعلوا كلما دخل رجلٌ أُرْعِب، فلم يَقْدِروا على أن يَدخُلوا إليهم (^١٠)، فبنوا عندهم كنيسةً،\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"بشروس\".\n(^٢) في م، ت ٢: \"أدخلت\".\n(^٣) في م: \"أدخله\".\n(^٤) سقط من النسخ، والمثبت موافق لما في مصادر التخريج.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٦) في م: \"فلما\".\n(^٧) بعده في م، وتفسير عبد الرزاق: \"أنا\".\n(^٨) في ص، م، ت ١ ف: \"ملك\".\n(^٩) في ص، وتفسير عبد الرزاق: \"فانطلق\".\n(^١٠) في ص، م، ت ١، ف: \"عليهم\".","vol":"15","page":197},{"text":"واتَّخذوها مسجِدًا يُصلُّون فيه (^١).\nحدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، عن عكرمة، قال: كان أصحابُ الكهف أبناء ملوك الروم، رزَقهم الله الإسلام، فتعوَّذوا بدينِهم، واعتزلوا قومهم، حتى انتهَوا إلى الكهف، فضرب اللَّهُ على سُمْخانِهم (^٢) فلبثوا دهرًا طويلًا، حتى هلكت أُمتُهم، وجاءت أُمةٌ مسلمةٌ، وكان ملكُهم مسلمًا، فاختلفوا في الروح والجسد؛ فقال قائلٌ: تُبعثُ الروحُ والجسدُ جميعًا.\nوقال قائلٌ: تُبعثُ الروحُ، فأما الجسدُ فتأكلُه الأرضُ فلا يكون شيئًا. فشقَّ على ملكهم اختلافُهم، فانطلق فليس المُسُوحَ، وجلس على الرَّمادِ، ثم دعا الله تعالى فقال: أي ربِّ، قد تَرى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آيةٌ تُبَيِّنْ لهم. فبعث الله أصحاب الكهف، فبعثوا أحدهم يشترى لهم طعامًا، فدخل السوق، فجعل يُنكرُ الوُجوهَ، ويُعرفُ الطُّرق، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهرًا، فانطلق وهو مُستَخْفٍ، حتى أتى رجلًا يشترى منه طعامًا، فلما نظر الرجلُ إلى الوَرِقِ أَنكرها. قال: حسِبتُ أنه قال: كأَنَّها أخفافُ الرُّبَعِ - يعنى الإبل الصِّغار - فقال له الفتى: أليس ملككم فلانٌ (^٣)؟ قال: بل مَلِكُنا فلانٌ. فلم يزَلْ ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملكِ، فسأله، فأخبره الفتى خبر أصحابه، فبعث الملكُ في الناس فجمعهم، فقال: إنَّكم قد اختلَفْتُم في الرُّوح والجسد، وإنَّ الله قد بعث لكم آية؛ فهذا رجلٌ من قوم فلانٍ.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٩٧، ٣٩٩ وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٧ - ٩ مطولًا.\n(^٢) في م: \"سمعهم\"، وفى ت: \"آذانهم\" وفى ت ٢: \"أسماعهم\"، وفى ف: \"سمناهم\"، والسماخ: ثقب الأذن الذي يدخل فيه الصوت، ويقال بالصاد لمكان الخاء. النهاية ٢/ ٣٩٨.\n(^٣) في م: \"فلانا\".","vol":"15","page":198},{"text":"يعنى ملكهم الذي مضى، فقال الفتى: انطلقوا بى إلى أصحابى. فركب الملكُ، وركب معه الناسُ، حتى انتهى (^١) إلى الكهفِ، فقال الفتى: دعونى أدخُلْ إلى أصحابى. فلمّا أبْصَرهم ضرب الله (^٢) على أُذنِه وعلى آذانهم، فلما استبطئوه دخل الملك، ودخل الناس معه، فإذا أجسادٌ لا يُنكرون منها شيئًا، غير أنَّها لا أرواح فيها، فقال الملكُ: هذه آيةٌ بعثها الله لكم. قال قتادة: [وغزا ابن عباسٍ] (^٣) مع حبيب بن مَسلَمةَ، فمرُّوا بالكهفِ، فإذا فيه عظامٌ، فقال رجلٌ: هذه عظامُ أصحاب الكهف. فقال ابن عباسٍ: لقد ذهبت عظامُهم منذ أكثر من ثلاثمائة سنةٍ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق فيما ذكر من حديث أصحاب الكهف، قال: ثم ملك أهل تلك البلادِ رجلٌ صالحٌ، يقال له: تيذوسيسُ (^٥). فلمّا ملك بقى في (^٦) ملكه ثمانيًا وستِّين سنةً، فتحزَّب الناسُ في ملكه، فكانوا أحزابًا، فمنهم من يُؤْمِنُ بالله ويعلَمُ أنَّ الساعةَ حقٌّ، ومنهم من يُكذِّبُ بها (^٦)، فكبُر ذلك على الملك الصالح تيذوسيس، وبكى إلى الله وتضرَّع إليه، وحزن حزنًا شديدًا لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحقِّ ويقولون: لا حياة إلا الحياةُ الدُّنيا، وإنما تُبعثُ النُّفوسُ، ولا تُبعثُ الأجسادُ. ونسُوا ما في الكتاب، فجعل تيذوسيسُ يُرسل إلى من يظُنُّ فيه خيرًا، وأنَّهم أئمةٌ في الحقِّ، فجعلوا يُكَذِّبون (^٧) بالساعة، حتى كادوا أن يُحوِّلوا الناس عن الحقِّ وملة الحواريين، فلمّا رَأى ذلك الملكُ\n_________\n(^١) في م: \"انتهوا\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ف.\n(^٣) في م: \"وعن ابن عباس كان قد غزا\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق، ١/ ٣٩٥، ٣٩٦، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٩، ١٠.\n(^٥) هنا وفيما يأتى في ص: \"تيدوسيس\"، وفى ف: \"بيذوسيس\".\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) بعده في ت ١: \"الناس ويكذبون\".","vol":"15","page":199},{"text":"الصالح تيذوسيسُ، دخل بيته فأغلقه عليه، ولبس مِسْحًا، وجعل تحته رمادًا، ثم جلس عليه، فدأب ذلك ليله ونهاره زمانًا يتضرع إلى الله، ويَبْكى إليه مما يرى فيه الناسَ، ثم إنَّ الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العبادِ، أراد أن يُظْهِرَ على الفتية أصحاب الكهف، ويبيِّن للناس شأنهم، ويجعلهم آيةً لهم، وحُجةً عليهم؛ ليعلموا أن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأن يستجيب لعبده الصالح تيذوسيسَ، ويتمَّ نعمته عليه، فلا يَنْزِعَ منه ملكه، ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يَعْبُدَ اللَّهَ لا يُشْرِكُ به شيئًا، وأن يَجْمَعَ مَن كان تبدَّدَ من المؤمِنين؛ فأَلْقَى اللَّهُ في نفسِ رجلٍ من أهل ذلك البلد الذي به الكهف - وكان الجبل بنجلوس الذي فيه الكهف لذلك الرجل، وكان اسمُ ذلك الرجلِ أولياس - أن يَهْدِمَ البنيان الذي على فم الكهف. فيبني به حظيرةً لغنمه، فاستأجر عامِلَين، فجعَلا يَنزِعان تلك الحجارة، ويبنيان بها تلك الحظيرة، حتى نزعا ما على فم الكهف، حتى فتحا باب الكهف، وحجَبَهم الله من الناس بالرُّعب، فَيَزْعُمون أن أشجَعَ من يُريدُ أن ينظُرَ إليهم [غايةَ ما يُمكنه] (^١) أن يَدْخُلَ من باب الكهف، ثم يتقدَّمَ حتى يرى كلبهم دونَهم إلى بابِ الكهف نائمًا، فلما نزعا الحجارة وفتحا (^٢) بابَ الكهف، أذن الله ذو القدرة والعظمة والسلطان محيى الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهرى الكهف، فجلسوا فرحين، مُسْفِرةً وجوههم، طيِّبةً أنفسهم، فسلم بعضُهم على بعضٍ، حتى كأَنَّما استَيْقَظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون لها إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتُون فيها، ثم قاموا إلى الصلاة فصلوا كالذى كانوا يفعلون، لا يَرون ولا يُرى في وجوههم ولا أبشارهم ولا ألوانهم شيءٌ يُنكرونه، كهيئتهم (^٣) حين رقدوا بعشيٍّ أمسٍ، وهم يرون أن ملِكَهم\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) بعده في م: \"عليهم\".\n(^٣) في ت ٢: \"كهيئاتهم\".","vol":"15","page":200},{"text":"دقينوس الجبار في طلبهم والتماسهم، فلما قضَوْا صلاتهم كما كانوا يفعلون، قالوا ليمليخا (^١) صاحب نفقتهم الذي كان يبتاعُ لهم طعامهم وشرابهم من المدينة، وجاءَهم بالخبر أن دقينوسَ يلْتَمِسُهم ويسأل عنهم: أنبئنا يا أخى، ما الذي قال الناسُ في شأننا عشيَّ أمس عند هذا الجبارِ؟ وهم يظنُّون أنَّهم رقدوا كبعض ما كانوا يَرقُدون، وقد خُيِّل إليهم أنَّهم قد ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي أصبحوا فيها، حتى تساءَلُوا بينهم، فقال بعضُهم لبعضٍ: كم لَبِثْتم نياما؟ قالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. قالوا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾. وكلُّ ذلك في أنفسهم يسيرٌ، فقال لهم يمليخا: افتُقدتُم والتُمِسْتُم بالمدينة، وهو يُريدُ أن يُؤْتَى بكم اليوم، فتذبحون للطواغيت، أو يقتُلكم، فما شاء الله بعد ذلك فعل (^٢). فقال لهم مكسلمينا: يا إخوتاه، اعلموا أنكم ملاقوْن، فلا تكفُروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدو الله (^٣)، ولا تنكروا الحياة التي لا (^٤) تبيدُ بعد إيمانكم بالله، والحياة من بعد الموت. ثم قالوا ليمليخا: انطلق إلى المدينة فتَسمَّع ما يقال لنا بها اليوم، وما الذي [نُذكر به] (^٥) عند دقينوس، وتلطَّف، [ولا تُشعِرَنَّ بنا أحدًا] (^٦)، وابتع (^٧) لنا طعامًا فائتنا به، فإنه قد آن لك، وزدنا على الطعام الذي جئتنا به، فإنه كان قليلًا، فقد أصبحنا جياعًا. ففعل يمليخا كما كان يفعَلُ، ووضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان يتنكَّرُ فيها، وأَخَذَ وَرِقًا من نفقتهم التي كانت معهم، التي ضُرِبت بطابع دقينوس الملكِ، فانطلق يمليخا خارجًا، فلما مر بباب\n_________\n(^١) بعده في م: \"وكان هو\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص وعرائس المجالس: \"غدا\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) في ص: \"يذكرونه\".\n(^٦) في م: \"ولا يشعرن بنا أحد\".\n(^٧) في ت ١، ف: \"ابتغ\".","vol":"15","page":201},{"text":"الكهفِ، رَأى الحجارةَ مَنْزوعةً عن باب الكهف، فعجب منها، ثم مرَّ فلم يُبال بها، حتى أتى المدينة مستخفيًا يصُدُّ عن الطريقِ؛ تخوفًا أن يراه أحدٌ من أهلها فيعرفه، فيذهب به إلى دقينوس، ولا يَشْعُرُ العبد الصالح أن دقينوس وأهل زمانه قد هلكوا قبل ذلك بثلاثمائةٍ وتسع سنين، أو ما شاء الله من ذلك، إذ كان ما بينَ أن نامُوا إلى أَنِ اسْتَيْقظوا ثلاثمائةٍ وتسع سنين، فلما رأى يمليخا باب المدينة رفع بصره، فرأى فوق ظهر الباب علامةً تكونُ لأهل الإيمان إذا كان [أمر أهل الإيمان] (^١) ظاهرًا فىها، فلما رآها عجب وجعل ينظُرُ مستخفيًا إليها، فنظر يمينا وشمالًا، فعجب (^٢) بينه وبين نفسه، ثم ترك ذلك البابَ، فتحوَّل إلى باب آخر من أبوابها، فنظر فرأى مِن ذلك ما يُحيطُ بالمدينة كلِّها، ورأى على كلِّ بابٍ مثل ذلك، فجعل يُخيَّلُ إليه أن المدينة ليست بالمدينة التي كان يَعْرِفُ، ورأى ناسًا كثيرًا (^٣) محدثين لم يكن يراهم قبل ذلك، فجعل يمشى ويعجَبُ، ويُخيَّلُ إليه أنَّه حَيْرانُ، ثم رجع إلى البابِ الذي أتى منه، فجعَل يَعْجَبُ بينه وبين نفسه ويقولُ: يا ليت شعرى، أمَا هذه عشية أمس فكان المسلمون يُخفون هذه العلامةَ ويَسْتَخْفُون بها، وأمّا اليوم فإنَّها ظاهرةٌ، لعلِّى حالمٌ! ثم يرى أنه ليس بنائمٍ، فأخَذ كساءَه فجعله على رأسه، ثم دخل المدينةَ فجعل يمشى بين ظهرَيْ (^٤) سوقها، فيسْمَعُ ناسًا كثيرًا يَحْلِفون باسم عيسى ابن مريم، فزادَه فرقًا، ورأى أنه حَيْرانُ، فقام مُسنِدًا ظهره إلى جدارٍ من جُدرِ المدينة ويقولُ في نفسه: واللَّهِ ما أَدْرِى ما هذا؟ أمّا عشية أمس فليس على الأرضِ إنسانٌ يَذْكُرُ عيسى ابن مريم إلا قُتل، وأما الغداةَ فَأَسْمَعُهم وكلُّ إنسانٍ يَذْكُرُ أَمرَ عيسى لا يخافُ! ثم قال في\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٢) في م، ت ٢: \"فتعجب\".\n(^٣) في م: \"كثيرين\".\n(^٤) في ص، ت ١، ف: \"ظهرانى\".","vol":"15","page":202},{"text":"نفسه: لعلَّ هذه ليست بالمدينة التي أعْرِفُ، أسمع كلام أهلها، ولا أعرفُ أحدًا منهم، والله ما أعلمُ مدينةٌ قُربَ مدينتنا! فقام كالحيران لا يتوجَّهُ وجهًا، ثم لقى فتًى مِن أَهلِ المدينة، فقال له: ما اسم هذه المدينة يا فتى؟ قال: اسمُها أُفْسُوسُ. فقال في نفسه: لعلَّ بى مسًّا، أو بى أمرًا أَذْهَب عقلى، واللَّهِ يحقُّ لى أن أُسرِعَ الخروج منها قبلَ أَن أُخْرَى فيها، أو يصيبنى شرٌّ (^١) فأهلك. هذا الذي يُحدِّثُ به يمليخا أصحابه حين يبيِّن (^٢) لهم ما بهم (^٣)، ثم إنه أفاق فقال: والله لو عجَّلتُ الخروج من المدينة قبل أن يُفْطَنَ (^٤) بى لكان أكيس لى. فدنا من الذين يبيعُون الطعامَ، فأَخْرَج الورق التي كانت معه، فأعطاها رجلًا منهم، فقال: بعنى بهذه الوَرِقِ يا عبدَ اللَّهِ طعامًا. فأخذها الرجلُ، فنظر إلى ضَرْبِ الوَرِقِ ونقشِها، فعجب منها، ثم طرحها إلى رجلٍ من أصحابه فنظر إليها، ثم جعلوا يتطارَحُونها بينهم من رجلٍ إلى رجلٍ، ويتعجَّبُون منها، ثم جعَلُوا يَتَشاورون بينهم ويقولُ بعضُهم لبعضٍ: إنَّ هذا الرجل قد أصاب كنزًا خبيئًا في الأرضِ منذ زمانٍ ودهرٍ طويلٍ. فلما رآهم يَتَشاوَرُون من أجلِه فرق فَرَقًا شديدًا، وجَعَل يَرْتَعِدُ ويَظُنُّ أَنهم قد فطنوا به وعرفوه، وأنَّهم إنما يُريدون أن يَذْهَبوا به إلى ملكهم دقينوس يُسلِّمونه إليه، وجعل ناسٌ آخرون يأتونه فيتعرَّفونه، فقال لهم وهو شديدُ الفَرَقِ منهم: أفضلوا عليَّ، قد (^٥) أخَذْتم وَرقى فأمسكوا، وأما طعامُكم فلا حاجة لى به. فقالوا له: من أنت يا فتى؟ وما شأنُك؟ والله لقد وَجَدْتَ كَنزًا من كُنوز الأوَّلين، وأنت تُريدُ أن تُخْفِيَه منا، انطلق معنا فأرناه، وشاركنا فيه نُخْفِ عليك ما وَجَدْتَ، فإنَّك إن لا تفعَلْ نَأْتِ بك السلطان،\n_________\n(^١) في ت ٢: \"شيء\".\n(^٢) في ص، م، ف: \"تبين\".\n(^٣) في م، ت ٢: \"به\".\n(^٤) في ص، ت ١، ف: \"يظفر\".\n(^٥) في م، ت ٢: \"فقد\".","vol":"15","page":203},{"text":"فتُسلِّمْك إليه فيقْتُلْك. فلمّا سمع قولهم، عجب في نفسه فقال: قد وقعتُ في كلَّ شيءٍ كنتُ أحذَرُ منه. ثم قالوا: يا فتى، إِنَّكَ واللَّهِ ما تَسْتَطِيعُ أَن تَكْتُمَ ما وَجَدْتَ، [ولا تَظُنُّ في] (^١) نفسك أنه سيَخْفَى لك (^٢). فجعل يمليخا لا يَدْرِى ما يقول لهم وما يَرْجِعُ إليهم، وفرق حتى ما يُحِيرُ إليهم جوابًا (^٣)، فلمّا رَأَوْه لا يتكلَّمُ أخَذوا كساءَه فطوَّقوه (^٤) في عُنقِه، ثم جعلوا يقودُونه في سِكَكِ المدينةِ مُلَبَّبًا (^٥). حتى سمع به من فيها، فقيل: أُخِذ رجلٌ عنده كنزٌ. واجتمع عليه أهلُ المدينة صغيرهم وكبيرُهم، فجعلوا ينظرون إليه ويقولُون: والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة (^٦)، وما رأيناه فيها قطُّ، وما نَعْرِفُه. فجعل يمليخا لا يَدْرِى ما يقولُ لهم، مع ما يَسْمَعُ منهم، فلما اجتمع عليه أهلُ المدينة فرق، فسكت فلم يتكلَّم، ولو أنه قال: إنَّه من أهل المدينة، لم يُصدَّق، وكان مستيقنًا أنَّ أباه وإخوته بالمدينة، وأن حَسَبه مِن أهل المدينة من عُظماء أهلها، وأنهم سيأتونه إذا سمعوا، وقد استيقن أنَّه من (^٧) عشية أمس يعرِفُ كثيرًا من أهلها، وأنَّه لا يَعْرِفُ اليومَ مِن أهلها أحدًا، فبينما هو قائمٌ كالحيران ينتظرُ متى يأتيه بعض أهله؛ أبوه أو بعض إخوته، فيخلِّصه من أيديهم، إذ اختطفوه فانطلقوا به إلى رأسى (^٨) المدينة ومدبِّريها اللذين يُدبِّران أمرها، وهما رجلان صالحان، كان اسمُ أحدهما أريوس، واسمُ الآخر أسطيوس، فلما انطلق به\n_________\n(^١) في ص، ف: \"ولا وجدت من\"، وفى ت ١: \"وما وجدت من\".\n(^٢) في م: \"حالك\".\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"شيئًا\".\n(^٤) في ص، ت ٢: \"فطووه\".\n(^٥) لببت الرجل ولبَّبته: إذا جعلت في عنقه ثوبًا أو غيره وجررته به. ينظر النهاية ٤/ ٢٢٣.\n(^٦) في ت ٢: \"القرية\".\n(^٧) سقط من: ص، ت ١، ف.\n(^٨) في م: \"رئيسى\".","vol":"15","page":204},{"text":"إليهما، ظنَّ يمليخا أنه يُنطَلقُ به إلى دقينوس الجبار ملكهم الذي هربوا منه، فجعل يلتفتُ يمينًا وشمالًا، وجعل الناسُ يسخرون منه كما يُسخَرُ من المجنونِ والحيران، فجعل يمليخا يبكى، ثم رفع رأسه إلى السماء وإلى الله، ثم قال: اللهمَّ إله السماوات (^١) والأرض، أولج معى رُوحًا منك اليومَ تُؤيدُنى به عند هذا الجبار. وجعَل يبكى ويقولُ في نفسه: فرَّق بينى وبين إخوتى، يا ليتهم يعلمون ما لقيتُ، وأَنِّي (^٢) يُذهَبُ بى إلى دقينوس الجبار، فلو أنهم يعلمون، فيأتون، فنقومُ جميعًا بينَ يدى دقينوس، فإنا كنا تواثقنا لنكونَنَّ معًا، لا نكفر بالله ولا نشركُ به شيئًا، ولا نعبُدُ الطواغيت من دونِ اللهِ، فرَّق بينى وبينهم، فلن يرونى ولن أراهم أبدًا، وقد كنَّا تواثقنا أن لا نفترق في حياة ولا موت أبدًا، يا ليت شعرى ما هو فاعلٌ بى؟ أقاتلى هو أم لا؟ ذلك الذي يحدِّثُ به يمليخا نفسَه فيما (^٣) أخبر أصحابه حين رجع إليهم.\nحتى (^٤) انتهى به (^٥) إلى الرجلين الصالحين أريوس وأسطيوس، فلما رأى يمليخا أنه لم يُذهب به إلى دقينوس أفاق وسكن عنه البكاءُ، فأخذ أريوسُ وأسطيوسُ الورق فنظرا إليها وعجبا منها، ثم قال أحدهما: أين الكنزُ الذي وجدتَ يا فتى؟ هذا الورقُ يشهدُ عليك أنك قد وجدت كنزًا. فقال لهما يمليخا: ما وجدتُ كنزًا، ولكنَّ هذه الورق ورِقُ آبائى ونقش هذه المدينةِ وضَرْبُها، ولكن والله ما أدرى ما شأنى، وما أدرى ما أقولُ لكم. فقال له أحدُهما: من أنت؟ فقال له يمليخا: [أما ما أرى] (^٦) فكنتُ أرى أنى من أهل هذه القرية. قالوا: فمن أبوك ومن يعرفك بها؟\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"السماء\".\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"أين\".\n(^٣) في ت ٢: \"لما\".\n(^٤) في م: \"لما\"، وفى ت ٢: \"حين\".\n(^٥) سقط من: \"م\".\n(^٦) في م: \"ما أدرى\".","vol":"15","page":205},{"text":"فأنبأهم باسم أبيه، فلم يجدوا أحدًا يعرِفُه ولا أباه، فقال له أحدُهما: أنت رجلٌ كذَّابٌ لا تُنبئُنا بالحقِّ. فلم يدر يمليخا ما يقول لهم، غير أنه نكس بصره إلى الأرض، فقال له بعضُ من حوله: هذا رجلٌ مجنونٌ. فقال بعضُهم: ليس بمجنونٍ، ولكنَّه يُحَمِّقُ نفسَه عمدًا لكي ينفلت منكم. فقال له (^١) أحدُهما، ونظر إليه نظرًا شديدًا: أتظُنُّ أنك إذ تتجانَنُ نُرسِلُك ونُصدِّقُك بأن هذا مالُ أبيك، وضربُ هذه الورق ونقشُها منذ أكثر من ثلاثمائة سنةٍ، وإنما أنت غلامٌ شابٌّ، تظنُّ أنك تأفِكُنا، ونحن شُمْطٌ كما ترى، وحولك سَراة أهل المدينة وولاة أمرها؟ إنى لأظُنُّنى (^٢) سآمُرُ بك فتعذَّبُ عذابًا شديدًا، ثم أُوثِقُك حتى تعترف بهذا الكنز الذي وجدت. فلما قال ذلك قال له (^٣) يمليخا: أنبئونى عن شيءٍ أسألكم عنه، فإن فعلتم صدَقْتُكم عمَّا عندى؛ أرأيتُم دقينوس الملك الذي كان في هذه المدينة عشية أمس ما فعل؟ فقال له الرجلُ: ليس على وجه الأرضِ رجلٌ اسمه دقينوسُ، ولم يكن إلا ملكٌ قد هلك منذ زمانٍ ودهرٍ طويلٍ، وهلكت بعده قرونٌ كثيرةٌ. فقال له يمليخا: فوالله إنى إذًا لحيرانُ، وما هو بمصدِّقى (^٤) أحدٌ من الناس بما أقولُ، والله لقد علمتُ، لقد فَرَرنا من الجبار دقينوس، وإني قد رأيته عشية أمس حين (^٥) دخل مدينة أُفسوس، ولكن لا أدرى، أمدينةُ أُفسوس هذه أم لا؟ فانطلقا معى إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس أُريكم أصحابى. فلما سمع أريوسُ ما يقول يمليخا، قال: يا قوم، لعلَّ هذه آيةٌ من آياتِ اللَّهِ جعلها الله (^٦) لكم على يدى هذا الفتى، فانطلقوا بنا معه يُرنا أصحابه كما\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ف.\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"لأظن\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"بمصدق\".\n(^٥) في ص، ت ١، ف: \"حتى\".\n(^٦) سقط من: م، ت ٢.","vol":"15","page":206},{"text":"قال. فانطلق معه أريوس وأسطيوسُ، وانطلق معهم أهلُ المدينة كبيرُهم وصغيرُهم، نحو أصحاب الكهف لينظُروا إليهم.\nولما رأى الفتية أصحابُ الكهف يمليخا قد احتبس عنهم (^١) بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتى فيه (^٢)، ظنُّوا أنه قد أُخِذ فذُهب به إلى ملكهم دقينوس الذي هربوا منه، فبينما هم يظنُّون ذلك ويتخوَّفونه، إذ سمِعوا الأصوات وجَلْبَةَ الخيلِ مُصعِدَةً نحوَهم، فظنُّوا أَنَّهم رُسُلُ الجبار دقينوس بعث إليهم ليؤتى بهم، فقاموا حين سمعوا ذلك إلى الصلاةِ، وسلَّم بعضُهم على بعضٍ، وأوصى بعضُهم بعضًا، وقالوا: انطلقوا بنا نأت أخانا يمليخا، فإنَّه الآن بين يدي الجبار دقينوس ينتظرُ متى نأتيه. فبينما هم يقولون ذلك، وهم جُلوسٌ بين ظهرَى الكهف (^٣)، فلم يَرَوْا إِلا أريوس وأصحابه وقوفًا على باب الكهف، وقد سبقهم يمليخا، فدخل عليهم وهو يبكى، فلما رَأَوْه يَبكى بكوا معه، ثم سألوه عن شأنه، فأخبرهم خبره، وقصَّ عليهم النبأ كلَّه، فعرَفوا عند ذلك أنَّهم كانوا نيامًا بأمرِ اللَّهِ ذلك الزمانَ كلَّه، وإنما أُوقِظُوا ليكونوا آيةً للناس، وتصديقًا للبعث، وليعلموا أنَّ الساعة آتيةٌ لا ريب فىها، ثم دخل على إثر يمليخا أريوس، فرأى تابوتًا من نُحاس مختومًا بخاتمٍ من فضةٍ، فقام بباب الكهفِ، ثم دعا رجالًا من عُظماء أهل المدينة، ففتح التابوت عندهم، فوجدوا فيه لوحين من رصاصٍ، مكتوبٌ (^٤) فىهما كتابٌ، فقرأهما فوجد فىهما: إن مَكْسَلْمِينا، ومحسلمينا، ويمليخا، ومَرْطُونَس، وكشطونش، ويبورس، ويكرنوس،\n_________\n(^١) في ص، م، ف: \"عليهم\".\n(^٢) في ص، م، ت ٢، ف: \"به\".\n(^٣) في ت ١: \"ظهرانى\".\n(^٤) في م، ت ١، ف: \"مكتوبا\".","vol":"15","page":207},{"text":"ويطبيونس (^١) قالوس (^٢)، كانوا ثمانيةً (^٣) هوبوا من ملكهم دقينوس الجبار؛ مخافة أن يَفْتِنَهم عن دينهم، فدخلوا هذا الكهف، فلما أُخْبِر بمكانهم أمر بالكهف فسُدَّ عليهم بالحجارة، وإنَّا كتبنا شأنهم وقصة خبرهم؛ ليعلمه من بعدهم إن عثَر عليهم. فلما قرءوه، عجبوا وحمدوا الله الذي أراهم آيةً للبعث فيهم، ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه، ثم دخلوا على الفتية الكهف، فوَجَدوهم جُلُوسًا بين ظَهْرَيه، مُشرِقةً وُجوهُهم، لم تَبْلَ ثيابُهم، فخرَّ أريوسُ وأصحابه سجودًا، وحمدوا الله الذي أراهم آيةً من آياته، ثم كلَّم بعضُهم بعضًا، وأنبأهم الفتيةُ عن الذي (^٤) لقُوا من ملكهم دقينوس ذلك الجبار الذي كانوا هربوا منه، ثم إن أريوس وأصحابه بعثوا بريدًا إلى ملكهم الصالح تيذوسيس أن عَجِّلْ، لعلَّك تَنْظُرُ إلى آية من آياتِ اللَّهِ، جَعَلها الله على ملكك، وجعلها آيةً للعالمين؛ لتكونَ (^٥) لهم نورًا وضياءً، وتصديقًا بالبعث، فاعجَلْ على فتية بعَثَهم الله، وقد كان توفاهم منذُ أكثر من ثلاثمائة سنةٍ. فلما أتى الملك تيذوسيس الخبرُ، قام من المُسَنَّدَةِ (^٦) التي كان عليها، ورجع إليه رأيُه وعقلُه، وذهب عنه همُّه، ورجع إلى الله ﷿، فقال: [أَحْمَدُك الله] (^٧) ربَّ السماوات والأرض، أعبدك وأحمدُك، وأُسبِّحُ لك، تطوَّلْتَ عليَّ، ورحمتنى برحمتك، فلم تُطْفِئ النور الذي كنت جعلته لآبائى، وللعبد الصالح قسطيطينوس\n_________\n(^١) بعده في م: \"و\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"قالوش\".\n(^٣) في ص، م: \"فتية\".\n(^٤) في م: \"الذين\".\n(^٥) في ت ٢، ف: \"ليكون\".\n(^٦) المسنَّدة: ضرب من الثياب. التاج (س ن د).\n(^٧) في م: \"أحمدك اللهم\"، وفى ص: \"الحمد لله\".","vol":"15","page":208},{"text":"الملك. فلما نُبِّئ (^١) به أهلُ المدينةِ ركبوا إليه، وسارُوا معه حتى أَتَوْا مدينةً أُفْسُوسَ، فتلقَّاهم أهل المدينة، وسارُوا معه حتى أصعدوا (^٢) نحو الكهف حتى أتوه، فلما رأى الفتية تيذوسيس فرحوا به، وخرُّوا سجودًا على وجوههم، وقام تيذوسيسُ قُدَّامَهم، ثم اعتنقهم وبكى، وهم جُلوس بين يديه على الأرضِ يُسبحون الله ويَحمَدونه، ويقولُ (^٣): والله ما أشبه بكم إلا الحواريون (^٤) حين رأوُا المسيح. وقال: فرَّج الله عنكم، كأنَّكم الذين تُدْعَون فتُحْشَرُون مِن القُبورِ. فقال الفتية لتيذوسيس: إنا نُودِّعُك السلام، والسلام عليك ورحمة الله، حفظك الله، وحفظ لك مُلكَك بالسلام، ونُعيذُك باللَّهِ مِن شر الجنِّ والإنس، فآمن (^٥) بعيشٍ مِن [خُلد وشيكٍ] (^٦)، إن أسوأ ما سلك في بطن الإنسان أن لا يعلم شيئًا، لا (^٧) كرامةً إن أُكرم بها، ولا هوانًا إن أُهين به. فبينما الملكُ قائمٌ، إذ رجعوا إلى مضاجِعِهم فنامُوا، وتوفَّى اللَّهُ أنفسهم بأمره، وقام الملك إليهم فجعل ثيابه (^٨) عليهم، وأمر أن يُجْعَلَ لكلِّ رجلٍ (^٩) منهم تابوتٌ من ذهبٍ، فلما أَمْسَوْا ونام، أتوه في المنام فقالوا: إنا لم نُخْلَقْ مِن ذهبٍ ولا فِضةٍ، ولكنَّا خُلِقْنا من ترابٍ وإلى التراب نصيرُ، فاترُكنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله منه. فأمر الملك حينئذٍ بتابوتٍ من ساجٍ (^١٠) فجعلوهم فيه،\n_________\n(^١) في م: \"نبأ\".\n(^٢) في م: \"صعدوا\". وكلاهما بمعنى.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"يقولون\".\n(^٤) في ص: \"الحراد\"، وفى ت ٢ ف: \"الجراد\".\n(^٥) في م: \"فأمر\".\n(^٦) في م: \"خُلَّر ونشيل\".\n(^٧) في ص، م، ف: \"إلا\".\n(^٨) في ت ١: \"ثيابهم\".\n(^٩) في ت ٢، ف: \"واحد\".\n(^١٠) الساج: ضرب عظيم من الشجر، قال الزمخشرى: الساج خشب أسود رزين، ولا تكاد الأرض تبليه. التاج (س وج).","vol":"15","page":209},{"text":"وحجَبَهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب، فلم يَقْدِرُ أحدٌ منهم (^١) على أن يَدْخُلَ عليهم، وأمر الملكُ فجعَل كهفهم مسجدًا يُصَلَّى فيه، وجعل لهم عيدًا عظيمًا، وأمر أن يُؤْتَى كلَّ سنةٍ. فهذا حديثُ أصحاب الكهف (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةٌ، عن عبد العزيز بن أبى رَوَّادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عُبيدِ بن عُميرٍ، قال: بعثهم اللَّهُ - يعنى الفتية أصحاب الكهف - وقد سُلِّط عليهم ملكٌ مسلمٌ - يعنى على أهل مدينتهم - وسلَّط الله على الفتية الجوع، فقال قائل منهم: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾؟ قالُوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. قال: فردُّوا علم ذلك إلى الله، قالُوا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾. وإذا معهم وَرِقٌ من ضرب الملك الذي كانوا في ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾. أي بطعامٍ، ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾. فخرج أحدهم فرأى المعالم متنكِّرةً، حتى انتهى إلى المدينة، فاستقبله الناسُ لا يَعْرِفُ منهم أحدًا (^٣) ولا يعرفونه، حتى انتهى إلى صاحب طعام، فسامه بطعامه، فقال صاحبُ الطعامِ: هاتِ وَرِقَك. فأخرج إليه الوَرِقَ، فقال: من أين لك هذه (^٤) الوَرِقُ؟ قال: هذه وَرِقُنا ووَرِقُ أهل بلادنا. فقال: هيهات، هذه الوَرِقُ مِن ضَرْبِ فلان بن فلانٍ، منذُ ثلاثمائة سنةٍ (^٥) وتسع سنين، أنت أصبْتَ كنزًا، ولستُ بتاركك حتى أرْفعَك إلى الملكِ. [فرفعه إلى الملكِ] (^٦)، وإذا الملكُ مسلمٌ وأصحابُه مُسلمون، ففرح واستبْشَر،\n_________\n(^١) سقط من: ص، م.\n(^٢) ذكره الثعالبى في عرائس المجالس ٣٧٨ - ٣٨٥، والبغوى ٥/ ١٥٠ - ١٥٥ عن ابن إسحاق.\n(^٣) بعده في ص، م: \"فخرج\".\n(^٤) في م: \"هذا\".\n(^٥) ليست في ت ٢، ف.\n(^٦) سقط من: ت ١، ت ٢.","vol":"15","page":210},{"text":"وأظهر لهم أمره، وأخبرهم خبر أصحابه، فبعثوا إلى اللوح في الخزانة فأتوا به، فوافق ما وصف من أمرهم، فقال المشركون: نحن أحقُّ بهم، هؤلاء أبناء آبائنا (^١). وقال المسلمون: نحن أحقُّ بهم، هم مسلمون منا. فانطلقوا معه إلى الكهف، فلما أتوا باب الكهف قال: دعُونى حتى أدْخُلَ على أصحابى فأبُشِّرَهم (^٢)، فإنَّهم إن رَأوْكم معى أرْعَبْتُموهم. فدخل فبشرهم، وقبض الله أرواحهم. قال: وعمَّى اللَّهُ عليهم مكانَهم فلم يهتدوا، فقال المشركون: نَبنى عليهم بُنْيانًا، فإِنَّهم أبناءُ آبائنا، ونعبُدُ الله فيه (^٣). وقال المسلمون: بل نحن أحقُّ بهم، هم منا، نَبنى عليهم مسجدًا تُصلِّى فيه، ونعبد الله فيه.\nوأولَى الأقوال في ذلك بالصواب عندى قولُ من قال: إِنَّ الله تعالى بعثهم من رَقْدتهم ليتساءَلُوا بينَهم، كما بيَّنَّا قبلُ؛ لأنَّ اللَّهَ عزَّ ذكره كذلك أخبر عباده في كتابه، وإنَّ الله أعثَر عليهم القومَ الذين أعثَرهم عليهم؛ ليتحقَّقَ عندهم ببعث الله هؤلاء الفتية من رقدتهم بعدَ طُولِ مُدَّتِها [بهيئتهم يومَ رقدوا، ولم يَشِيبُوا على مرِّ الأيام والليالى عليهم، ولم يَهْرَموا على كرِّ الدُّهور] (^٤) والأزمانِ فيهم - قدرتُه على بَعْثِ مَن أماته في الدنيا مِن قبره إلى موقف القيامة يوم القيامةِ؛ لأنَّ اللَّهَ عَزَّ ذكره بذلك أخبرنا، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف:٢١].\nواختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾؛\n_________\n(^١) في ت ٢: \"أبناؤنا\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"حتى أبشرهم\".\n(^٣) في ص، م: \"فيها\".\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.","vol":"15","page":211},{"text":"فقرأ ذلك عامَّةُ قرأة أهل المدينة وبعضُ العراقيين: ﴿بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾. بفتح الواو وكسر الراء والقافِ (^١).\nوقرأ عامَّةُ قرأة الكوفة والبصرة: (بوَرْقِكم). بسُكون الراء وكسر القاف (^٢).\nوقرأه بعضُ المكِّيين بكسر الراء وإدغام القافِ في الكافِ (^٣).\nوكلُّ هذه القراءاتِ متَّفقاتُ المعانى وإن اختلفت الألفاظُ منها، وهنَّ لغاتٌ معروفاتٌ من كلام العرب، غير أنَّ الأصل في ذلك فتح الواو وكسرُ الراء والقافِ؛ لأنَّه الوَرِقُ، وما عدا ذلك فإنما هو داخلٌ عليه طَلَبَ التخفيف. وفىه أيضًا لُغَةٌ أُخرى وهو \"الوِرْقُ\"، كما يقالُ للكَبِدِ: كِبْدٌ. فإذ كان ذلك هو الأصل، فالقراءةُ به إليَّ أعجبُ، من غير أن تكونَ الأُخريان مدفوعةً صحَّتُهما.\nوقد ذَكَرْنا الرواية بأن الذي بُعث معه بالوَرِقِ إلى المدينةِ كان اسمُه يَمْلِيخا.\nوقد حدَّثني عبيد الله بن محمدٍ الزُّهْرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن مقاتلٍ: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾: اسمُه يَمليخ (^٤).\nوأما قوله: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾. فإنَّ أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: فلْيَنْظُرْ أي أهل المدينة أكثرُ طعامًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5432>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ، عن\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائى وحفص عن عاصم. التيسير ص ١١٦.\n(^٢) هي قراءة أبى عمرو وحمزة وأبى بكر عن عاصم. المصدر السابق.\n(^٣) القراءة شاذة، وهى قراءة ابن محيصن. ينظر السبعة ٣٨٩، حجة القراءات ٤١٣، إتحاف فضلاء البشر ١٧٦.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"تميخ\"، وفى ف: \"تمليخ\".","vol":"15","page":212},{"text":"عكرمة: ﴿أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ قال: أكثر (^١).\nوحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن أبي حَصينٍ، عن عكرمة مثلَه، إلَّا أنه قال: أَيُّهُ أكْثَرُ (^٢).\nوقال آخرون: بل معناه: أيُّها أحلَّ طعامًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5433>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حصينٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ: ﴿أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾. قال: أحلُّ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن أبى حصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ مثله (^٤).\nوقال آخرون: بل معناه: أيها خيرٌ طعامًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5434>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾. قال: خيرٌ طعامًا (^٤).\nوأولَى الأقوال عندى في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معنى ذلك: أحلُّ وأطهَرُ. وذلك أنَّه لا معنَى في اختيار الأكثر طعامًا للشراء منه، إلا بمعنى إذا كان\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٦/ ١١١.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٠، وتفسير الثورى ص ١٧٧.\n(^٣) تفسير الثورى ص ١٧٧.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٠.","vol":"15","page":213},{"text":"أكثرُهم طعامًا كان خليقًا أن يكونَ الأفضلُ منه عندَه (^١) أوجدَ، وإذا شُرِط على المأمورِ الشراءُ من صاحبِ الأفضلِ، فقد أُمر بشراءِ الجيدِ، كان ما عندَ المشترَى ذلك منه قليلًا الجيدُ أو كثيرًا. وإنَّما وجَّه من وجَّه تأويلَ ﴿أَزْكَى﴾ إلى الأكثرِ؛ لأنَّه وجَد العربَ تقولُ: قد زَكا مالُ فلانٍ. إذا كثرُ. وكما قال الشاعرُ (^٢):\nقَبائلُنا سَبْعٌ وأنتم ثَلاثَةٌ … ولَلسَّبْعُ أَزكَى مِن ثلاثٍ وأطيبُ\nبمعنى: أكثرُ. وذلك وإن كان كذلك، فإنَّ الحلالَ الجيِّدَ، وإن قلَّ، أكثرُ من الحرامِ الخبيثِ وإن كثُر.\nوقيل: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا﴾. فأُضِيف إلى كنايةِ المدينةِ، والمرادُ بها أهلُها؛ لأنَّ تأويلَ الكلام: فلْيَنْظُرْ أيُّ أهلِها أزكَى طعامًا. لمعرفةِ السامع بالمرادِ مِن الكلام.\nوقد يَحْتَمِلُ أن يكونوا عَنَوا بقولِهم: ﴿أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾: أَيُّها أحلُّ؛ من أجل أنَّهم كانوا فارَقوا قومَهم وهم أهلُ أوثانٍ، فلم يَسْتَجِيزوا أكلَ ذبيحتِهم.\nوقولُه: ﴿فَلْيَأْتِكُم برزْقٍ مِنْهُ﴾. يقولُ: فَلْيَأْتِكم بقوتٍ منه تَقْتاتُونه، وطعامٍ تأْكُلونه.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن عبدِ العزيزِ بن أبي رَوَّادٍ، عن عبدِ اللهِ بن عبيدِ بن عُميرٍ: ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾. قال بطعامٍ.\nوقوله: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾. يقولُ: وليترفقْ في شرائه ما يَشْتَرِى، وفي طريقِه ودخولِه المدينةَ، ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾. يقولُ: ولا يُعْلِمَنَّ بكم أحدًا\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) البيت في كتاب سيبويه ٣/ ٥٦٥ للقتال الكلابى، وفى مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٢٣٧، ٣٩٧ غير منسوب، وفيه: \"أكثر\" بدل \"أطيب\".","vol":"15","page":214},{"text":"من الناسِ.\n\n<span id=\"aya-2160\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾. يَعنُون بذلك دقينوسَ وأصحابَه. قالوا: إنَّ دقينوسَ وأصحابَه إن يَظْهَروا عليكم فيَعْلَموا مكانَكم، يَرْجُموكم شتمًا بالقولِ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾. قال: يَشْتُموكم بالقولِ، يُؤْذُوكم (^١).\nوقولُه: ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾. يقولُ: أو يردُّوكم في دينِهم، فتصِيروا كفارًا بعبادةِ الأوثانِ، ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾. يقولُ: ولن تُدْرِكوا (^٢) الفلاحَ، وهو البقاءُ الدائمُ والخلودُ في الجنانِ، ﴿إِذًا﴾. أي: إن أنتم عُدْتم في ملتِهم، ﴿أَبَدًا﴾: أيامَ حياتِكم.\n\n<span id=\"aya-2161\"></span><span data-type='title' id=toc-5435>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وكما بَعَثْناهم بعد طولِ رَقْدَتِهم كهيئتِهم ساعةَ رقَدوا، ليتساءَلوا بينَهم فيزْدادوا بعظيمِ سلطانِ الله بصيرةً، وبحُسنِ دِفاعِ اللَّهِ عن أوليائِه معرفةً، ﴿كَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: كذلك أطلَعْنا عليهم الفريقَ الآخرَ الذين كانوا في شكٍّ من (^٣) قُدرةِ اللهِ على إحياءِ الموتَى، وفي مِرْيَةٍ مِن إنشاءِ أجسامِ\n_________\n(^١) ينظر تفسير البغوي ٥/ ١٦٠.\n(^٢) بعده في ت ٢: \"به\".\n(^٣) في ت ١: \"في\".","vol":"15","page":215},{"text":"خلقِه كهيئتِهم يومَ قبَضهم (^١) بعد البِلَى، فيَعْلَموا أنَّ وَعْدَ اللَّهِ [خلقَه أنَّه باعثُهم من قبورِهم بعد بَلائِهم، ومحييهم بعد فنائِهم، [كما بدَأهم] (^٢) أولَ مرةٍ] (^٣) حقٌّ، ويُوقِنوا أنَّ الساعةَ آتيةٌ لا ريبَ فيها.\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5436>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: أَطْلَعْنا عليهم؛ ليعلَمَ من كذَّب بهذا الحديثِ أَنَّ وعدَ اللَّهِ حقٌّ، وأنَّ الساعةَ آتيةٌ (^٤) لا ريبَ فيها.\nوقولُه: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾. يعنى الذين أُعْثِروا على الفتيِة. يقولُ تعالى: وكذلك أعْثَرْنا هؤلاء المختلِفين في قيامِ الساعةِ وإحياءِ اللَّهِ الموتَى بعدَ مماتِهم من قومِ تيذوسيسَ، حينَ يَتنازَعُون بينهم أمرَهم فيما الله فاعلٌ بمن أفْناه من عبادِه فأبْلاه في قبرِه بعدَ مماتِه، أمُنْشِئُهم (^٥) هو أم غيرُ مُنْشِئِهم.\nوقولُه: ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾. يقولُ: فقال الذين أعْثَرْناهم على أصحابِ الكهفِ: ابْنُوا عليهم بُنيانًا، ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾. يقولُ: رَبُّ الفتيةِ أعلمُ بالفتيةِ وشأنِهم.\n_________\n(^١) في ص: \"قبضتهم\".\n(^٢) في ف: \"كإبدائهم\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) في ص: \"منشئهم\".","vol":"15","page":216},{"text":"وقولُه: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: قال القومُ الذين غلَبوا على أمرٍ أصحابِ الكهفِ: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾.\nوقد اخْتُلِف [في قائلى هذه المقالةِ] (^١)، أهم الرهطُ المسلمون، أم هم الكفارُ (^٢)؟ وقد ذَكَرْنا بعضَ ذلك فيما مضَى (^٣)، وسنذكُرُ إن شاء الله ما لم يَمْضِ منه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾. قال: يعنى عدوَّهم.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن عبدِ العزيزِ بن أبي روَّادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عبيدِ بن عميرٍ، قال: عمَّى الله على الذين أعْثَرهم (^٤) على أصحابِ الكهفِ مكانَهم فلم يَهْتَدوا، فقال المشركون: نَبْنى عليهم بُنيانًا، فإنَّهم أبناءُ آبائِنا، ونعبُدُ اللَّهَ فيها. وقال المسلمون: بل نحن أحقُّ بهم، هم منا، نَبْنى عليهم مسجِدًا نُصلِّى فيه، ونَعْبُدُ الله فيه.\n\n<span id=\"aya-2162\"></span><span data-type='title' id=toc-5437>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ</span>\n_________\n(^١) في ص: \"قائل هذا القول\".\n(^٢) قال ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٤٣: والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر؛ لأن النبي ﷺ قال: \"لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد\". يحذر ما فعلوا. وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق، أمر أن يخفى عن الناس، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده، فيها شيء من الملاحم وغيرها.\n(^٣) تقدم في ص ٢١١.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الله\".","vol":"15","page":217},{"text":"خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: سيقولُ بعضُ الخائِضِين في أمرِ الفتْيةِ مِن أصحابِ الكهفِ: هم ثلاثةٌ رابعُهم كلبُهم. ويقولُ بعضُهم: هم خمسةٌ سادسُهم كلبُهم. ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾. يقولُ: قذفًا بالظنَّ غيرَ يقينِ علمٍ. كما قال الشاعرُ (^١):\n*وأجْعَلَ منى الحقَّ غيبًا مُرجَّمَا*\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5438>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾. أي: قذفًا بالغيب.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾. قال: قذفًا بالظنِّ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾. يقولُ: ويقولُ بعضُهم: هم سبعةٌ وثامنُهم كلبُهم. ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لقائلي هذه الأقوالِ في عددِ الفتيةِ منِ أصحابِ الكهفِ رجمًا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١/ ٦٢٤.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٠ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٧ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"15","page":218},{"text":"منهم بالغيبِ: ربِّي أَعْلَمُ بعِدَّتهم، ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ﴾. يقولُ: ما يعلمُ عددَهم ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ مِن خلقِه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. يقولُ: قليلٌ من الناسِ. وقال آخرون (^١): عنَى بالقليلِ أهلَ الكتابِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5439>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. قال: يعنى أهلَ الكتابِ.\nوكان ابن عباسٍ يقولُ: أنا ممَّن استَثْناه الله. ويقولُ: عدَّتُهم سبعةٌ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ قال: أنا مِن القليلِ، كانوا سبعةً (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ذُكِر لنا أنَّ ابنَ عباسٍ كان يقولُ: أنا مِن أولئك القليلِ الذين استَثْنى الله، كانوا سبعةً وثامنُهم كلبُهم (^٤).\n_________\n(^١) بعده في م، ت ٢: \"بل\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٤٤ عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. ولكن الظاهر - والله أعلم - أن هذا من كلام المصنف - كما فصلناه نحن عن الأثر قبله - سيستشهد له بالآثار بعده.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥ وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٢/ ٣٦٦ من طريق الضحاك عن ابن عباس به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٤٤ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٧ إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥.","vol":"15","page":219},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال ابن عباسٍ: عدَّتُهم سبعةٌ وثامنُهم كلبُهم، وأنا ممن استْثنى الله.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. قال: كان ابن عباسٍ يقولُ: أنا مِن القليلِ، هم سبعةٌ وثامنُهم كلبُهم (^١).\nوقولُه: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾. يقولُ عزّ ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿فَلَا تُمَارِ﴾ يا محمدُ. يقول: لا تُجادِل أهلَ الكتابِ، ﴿فِيهِمْ﴾. يعنى: في عدَّةِ أهلِ الكهفِ. وحُذِفت \"العِدَّةُ\"، اكتفاءً بذكرِ\"هُمْ\" (^٢) منها (^٣) لمعرفةِ السامِعين بالمرادِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5440>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ﴾. قال: لا تُمارِ في عدَّتِهم.\nوقولُه: ﴿إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾. اخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنَى المِراءِ الظاهرِ الذي استثْناه الله ورخَّص فيه لنبيِّه ﷺ؛ فقال بعضُهم: هو ما قصَّ الله عليه (^٤) في كتابِه، أُبيح له أن يَتْلُوَه عليهم، ولا يُماريَهم بغيرِ ذلك.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٠.\n(^٢) أي التي في قوله تعالى: ﴿فِيهِمْ﴾.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"فيها\".\n(^٤) سقط من: م.","vol":"15","page":220},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5441>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾. يقولُ: حسبُك ما قَصَصْتُ عليك فلا تُمارِ فيهم (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾. قال: يقولُ: إلا بما قد أظْهَرْنا لك من أمرهم (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾. أي: حسبُك ما قَصَصْنا عليك من شأنِهم.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ﴾. قال: حسبُك ما قَصَصْنا عليك مِن شأنِهم (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾. يقولُ: حسبُك ما قَصَصْنا عليك (^٤).\nوقال آخرون: المراءُ الظاهرُ هو أن يقولَ: ليس كما تقولون. ونحوَ هذا (^٥) مِن القولِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٧ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) التبيان ٧/ ٢٤.\n(^٥) في ص، ت ١: \"ذلك\".","vol":"15","page":221},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5442>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾. قال: أن يقولَ لهم: ليس كما تقولون، ليس تَعْلَمون عدَّتَهم، إن قالوا: كذا وكذا. فقل (^١): ليس كذلك. فإنَّهم لا يَعْلَمون عدَّتَهم. وقرَأ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ حتى بلَغ: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَسْتَفْتِ في عِدَّةِ (^٣) الفتيةِ مِن أصحابِ الكهفِ، ﴿مِنْهُمْ﴾. يعنى: من أهلِ الكتابِ، ﴿أَحَدًا﴾؛ لأنَّهم لا يَعْلَمون عدتَهم (^٤)، وإنَّما يقولون فيهم رجمًا بالغيبِ، لا يقينًا من القولِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5443>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن سفيانَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"قيل\".\n(^٢) البحر المحيط ٦/ ١١٥.\n(^٣) في ت ١، ف: \"عدد\".\n(^٤) في ت ١، ف: \"عددهم\".\n(^٥) التبيان ٧/ ٢٥.","vol":"15","page":222},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾: من يهودَ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾: من يهودَ. قال: ولا تسألْ يهودَ عن أمرِ أصحابِ الكهفِ إلا ما قد أخبَرْتُك من أمرِهم.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ\nمِنْهُمْ أَحَدًا﴾: مِن أهلِ الكتابِ، كنا نُحدَّث، أنهم كانوا بنى الركنا - والركنا ملوكُ الرومِ - رزَقهم الله الإسلامَ، فتفرَّدُوا بدينِهم (^٢)، واعتزَلوا قومَهم حتى انتهَوْا إلى الكهفِ، فضرَب الله على أصمِخَتِهم (^٣)، فلبِثوا دهرًا طويلًا حتى هلَكت أمَّتُهم وجاءت أمَّةٌ مسلمةٌ بعدَهم، وكان ملِكُهم مسلمًا.\n\n<span id=\"aya-2163\"></span><span data-type='title' id=toc-5444>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ (^٤) رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾</span>\nوهذا تأديبٌ مِن الله عزَّ ذكرُه نبيَّه (^٥) ﷺ، عهِد إليه ألا يَجْزِمَ على ما يَحْدُثُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٤٦.\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"بمدينتهم\".\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"أسمختهم\". والصَّمَاخ: خرق الأذن الباطن الذي يفضي إلى الرأس، والسين لغة، وبعضهم أنكر السين، وضرب الله على أصمختهم: إذا أنامهم. ينظر التاج (س م خ، ص م خ).\n(^٤) في ص، ت ٢: \"يهديني\". وبإثبات الياء في الوصل قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بغير ياء. السبعة لابن مجاهد ص ٣٨٩.\n(^٥) في م: \"لنبيه\".","vol":"15","page":223},{"text":"من الأُمورٍ أنه كائنٌ لا محالةَ، إلا أن يَصِلَه بمشيئةِ الله؛ لأنَّه لا يكونُ شيءٌ إلا بمشيئتِه.\nوإنما قيل ذلك له، فيما بلَغنا، من أجلِ أنَّه وعَد سائليه عن المسائلِ الثلاثِ اللَّوَاتي قد ذَكَرناها فيما مضَى، اللواتى إحداهن المسألةُ (^١) عن أمرِ الفتيةِ مِن أصحابِ الكهفِ، أن يُجيبَهم (^٢) عنهنَّ غدَ يومِهم، ولم يَسْتَثْنِ، فاحْتَبَس الوحيُ عنه، فيما قيل (^٣)، من أجلِ ذلك خمسَ عشْرةَ (^٤)، حتى حزَنه إبطاؤُه، ثم أنزَل الله عليه (^٥) الجوابَ عنهنَّ، وعرَّف نبيَّه سببَ احتباسِ عنه، وعلَّمه ما الذي يَنْبَغى له (^٦) أن يَسْتَعْمِلَ في عِدَاتِه وخبره عما يَحْدُثُ من الأُمورِ التي لم يأتِه مِن اللَّهِ بها (^٧) تنزيلٌ، فقال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ﴾ يا محمدُ لشيءٍ: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾. كما قلتَ لهؤلاء الذين سألُوك عن أمرِ أصحابِ الكهفِ، والمسائلِ التي سألُوك عنها: سأُخْبرُكم عنها غدًا.\n\n<span id=\"aya-2164\"></span>﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. ومعنى الكلام: إلَّا أن تقولَ معه: إن شاء الله. فترَك ذكرَ \"تقولُ\" اكتفاءً بما ذكَر منه، إذا كان في الكلامِ دلالةٌ عليه.\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ (^٨): جائزٌ أن يكونَ معنَى قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يحيبهن\".\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"ذكر\".\n(^٤) بعده في ت ١: \"يوما\".\n(^٥) في ت ٢: \"عليهم\".\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"به\".\n(^٨) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ١٣٨.","vol":"15","page":224},{"text":"اللَّهُ﴾. استثناء من القول لا من الفعل. كأن معناه عنده: لا تقولَنَّ قولا إلَّا أن يشاء الله ذلك القول.\nوهذا وجهٌ بعيدٌ من المفهوم بالظاهر من التنزيل، مع خلافه تأويل أهل التأويل.\nوقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾. اختلف أهل التأويل في معناه؛ فقال بعضُهم: واسْتَثن في يمينك إذا ذكَرْتَ أنك نسيت ذلك في حال اليمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-5445>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمد بن هارون الحربيُّ، قال: ثنا نُعيم بن حمادٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في الرجل يَحْلِفُ، قال: له أن يَسْتثنى ولو إلى سنةٍ. وكان يقولُ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ في ذلك. قيل للأعمش: سمعته من مجاهدٍ؟ فقال: حدَّثني به ليثُ بنُ أبي سُلَيمٍ (^١)، تُرَى (^٢) ذَهَب كِسائى هذا (^٣)؟!\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾. [يقولُ: إِذا نَسِيتَ] (^٤) الاستثناء ثم\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"سليمان\".\n(^٢) في ص، م، ت ١ ف: \"يرى\".\n(^٣) أخرجه الطبراني (١١٠٦٩)، وفى الأوسط (١١٩)، والحاكم ٤/ ٣٠٣ من طريق الأعمش به، وأخرجه البغوي في الجعديات (٨١٣، ٨١٤) من طريق نعيم بن حماد، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش به بلفظ: الاستثناء ولو إلى سنتين. وبلفظ المصنف عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٧، ٢١٨ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\nوقول الأعمش: ترى ذهب كسائى هذا يريد أنه لم ينقصه شيء بإسقاط ليث بن أبى سليم من الإسناد.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"15","page":225},{"text":"ذكرت فاستثنِ (^١).\nحدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه في قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾. قال: بلغنى أن الحسن قال: إذا ذكر أنه لم يقل: إن شاء الله. فليقل: إن شاء الله (^٢).\nوقال آخرون: بل (^٣) معناه: واذْكُرْ رَبَّكَ إِذا غَضِبْتَ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-5446>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا حكّامُ بنُ سَلْمٍ، عن أبي سنانٍ، عن ثابت، عن عكرمة في قولِ اللَّهِ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾. قال: اذكرْ رَبَّك إذا غضبْتَ (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي سنانٍ، عن ثابتٍ، عن عكرمة مثله.\nوأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: واذكر ربَّك إذا ترَكْتَ ذكره؛ لأنَّ أحد معاني النسيان في كلام العرب التركُ. وقد بينّا ذلك فيما مضى قبلُ (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر بنحوه.\n(^٢) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٣٦٦) من طريق معتمر بن سليمان به.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ف: \"عصيت\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ف: \"عصيت\"، والأثر أخرجه البيهقى في الشعب (٨٢٩٦) من طريق حكام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) تقدم في ٥/ ١٥٦، ١٥٧.","vol":"15","page":226},{"text":"فإن قال قائلٌ: أفجائزٌ للرجل أن يستثنى في يمينه إذا كان معنى الكلام ما ذكرت بعدَ مدَّةٍ من حال حلفه (^١)؟\nقيل: بل الصوابُ أن يستثنى ولو بعدَ حِنْثِه في يمينه، فيقول: إن شاء الله. ليَخْرُجَ بقيله ذلك مما ألزمه الله في ذلك بهذه الآية، فيسْقُط عنه الحَرَج بتركه ما أَمَرَه بقيله من ذلك. فأمَّا الكفارةُ، فلا تَسْقُط عنه بحالٍ، إلا أن يكون استثناؤُه موصولًا بيمينه.\nفإن قال: فما وجهُ قول من قال: له ثُنْياه ولو بعد سنةٍ. ومن قال: له ذلك ولو بعد شهرٍ. وقول من قال: ما دام في مجلسه؟\nقيل: إنَّ معناهم في ذلك نحو معنانا في أنَّ ذلك له ولو بعد عشر سنين، وأنه باستثنائه وقيله: إن شاء الله. بعد حينٍ من حالِ حلفه، يَسْقُطُ عنه الحرج الذي لو لم يقله كان له لازمًا، فأما الكفارة فله (^٢) لازمةٌ بالجنثِ بكلِّ حالٍ، إلا أن يكون استثناؤُه كان موصولًا بالحلف، وذلك أنّا لا نَعْلَمُ قائلًا قال ممن قال: له الثُّنْيا بعد حين. يَزْعُمُ أَنَّ ذلك يضَعُ عنه الكفارة إذا حنث، ففى ذلك أوضحُ الدليل على صحة ما قلنا في ذلك، وأنَّ معنى القوم (^٣) فيه كان نحو معنانا فيه.\nوقوله: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ (^٤) رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾. يقولُ عزّ ذكرُه لنبيِّه ﷺ: وقُلْ: لعلَّ اللَّه أن يهدِيَنى فيُسدِّدَنى لأَسَدَّ مما وعَدْتُكم وأخبَرْتُكم أنه سيكون، إن هو شاء.\n_________\n(^١) في ت:١: \"يمينه\".\n(^٢) في ت:١: \"فهى له\".\n(^٣) في م، ت ٢: \"القول\".\n(^٤) في ص، ت ٢: \"يهدينى\". وبإثبات الياء قراءة كما تقدم في ص ٢٢٣.","vol":"15","page":227},{"text":"وقد قيل: إنَّ ذلك مما أمر النبيُّ ﷺ أن يقوله إذا نسى الاستثناء في كلامه الذي هو عنده في أمرٍ مستقبل مع قوله: إن شاء الله. إذا ذكر.\n\n<span data-type='title' id=toc-5447>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن محمدٍ (^١) - رجلٌ مِن أهل الكوفة كان يفسِّرُ القرآنَ، وكان يَجْلِسُ إليه يحيى بنُ عَبَّادٍ - قال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ (^٢) رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾. قال: فقال: وإذا نسى الإنسانُ أن يقول: إن شاء الله. قال: فتوبتُه من ذلك - أو: كفَّارة ذلك - أن يقول: ﴿عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-2165\"></span><span data-type='title' id=toc-5448>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾.</span>\nاختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾؛ فقال بعضهم: ذلك خيرٌ من الله تعالى ذكرُه عن أهل الكتاب أنَّهم يقولون ذلك كذلك. واستشهدوا على صحة قولهم ذلك بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾. وقالوا: لو كان ذلك خبرًا مِن الله عن قدرِ لُبثِهم في الكهف، لم يكن لقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾، مفهوم، وقد أعلم الله خلقه مبلَغَ لُبثِهم فيه وقَدْرَه.\n_________\n(^١) بعده في ص، ف: \"عن\".\n(^٢) في ص، ت:٢ \"يهدينى\". وبإثبات الياء قراءة كما تقدم في ص ٢٢٣.\n(^٣) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٣٦٧) من طريق المعتمر به.","vol":"15","page":228},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5449>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾: هذا قولُ أهل الكتاب، فردَّه الله عليهم فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾. قال: في حرف ابن مسعودٍ: (وقالُوا ولبثُوا). يعنى أنه قاله الناسُ. ألا ترى أنه قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ (^٢)؟\nحدثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن ابن شوذبٍ، عن مطرٍ الورّاق في قول الله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾. قال: إنما هو شيءٌ قالته اليهودُ، فردَّه الله عليهم وقال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ (^٣).\nوقال آخرون: بل ذلك خبرٌ من الله عن مبلغ ما لبثوا في كهفِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-5450>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾. قال: عددُ ما\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\nوقال ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٤٧: وفى هذا الذي زعمه قتادة نظر؛ فإن الذي بأيدى أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة من غير تسع يعنون بالشمسية … ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة، ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور، فلا يحتج بها. والله أعلم.\n(^٣) ينظر البحر المحيط ٦/ ١١٦.","vol":"15","page":229},{"text":"لبثوا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوه، وزاد فيه: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن عبد العزيز بن أَبِي رَوَّادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عُبيد بن عُميرٍ، قال: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾. قال: وتسعَ سنين.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق بنحوه.\nحدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنى الأجلَحُ، عن الضحاك بن مزاحمٍ، قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾. فقالوا (^٢): أيامًا أو أشهرًا أو سنين؟ فأنزل الله ﷿: ﴿سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾. قال: بين جبلين (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٤٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ١، ف: \"فقال\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٤٦.","vol":"15","page":230},{"text":"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال الله عزَّ ذكرُه: ولبث أصحابُ الكهف في كهفهم رُقودًا إلى أن بعثهم الله ليتسَاءَلُوا بينهم، وإلى أنْ أعْثَر عليهم من أعْثَر، ثلاثمائة سنين (^١) وتسع سنين، وذلك أنَّ الله بذلك أخبر في كتابه. وأما الذي ذكر عن ابن مسعودٍ أنه قرأه: (وقَالُوا ولبثوا في كَهْفِهِم). وقولُ من قال: ذلك من قول أهل الكتاب، وقد رَدَّ اللهُ ذلك عليهم. فإنَّ معناهم (^٢) في ذلك، إن إِنَّ شاء الله، كان أن أهل الكتاب قالوا فيما ذُكر، على عهد رسول الله ﷺ: إنَّ للفتية مِن لَدُنْ دخلوا الكهف إلى يومنا ثلاثمائةٍ سنين وتسع سنين. فردَّ اللهُ ذلك عليهم، وأخبر نبيَّه أنَّ ذلك قدر لُبثهم في الكهف من لَدُنْ أوَوْا إليه (^٣) إلى أن بعثهم ليتساءلوا بينهم. ثم قال جلَّ ثناؤُه لنبيِّه ﷺ: قل يا محمدُ: الله أعلمُ بما لبثوا بعد أن قبض أرواحهم، من بعد أن بعثهم من رقْدَتِهم إلى يومهم هذا، لا يعلمُ ذلك (^٤) غيرُ الله، وغيرُ مَن أعلمه الله ذلك.\nفإن قال قائلٌ: وما يدلُّ على أن ذلك كذلك؟\nقيل: الدالُّ على ذلك أنَّه جلَّ ثناؤُه ابتدأ الخبر عن قدر لُبثِهم في كهفهم ابتداءً، فقال: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾. ولم يَضَعْ دليلًا على أنَّ ذلك خبرٌ منه عن قول (^٥) قوم قالوه، وغيرُ جائزٍ أن يُضاف خبرُه عن شيءٍ إلى أنه خبرٌ عن (^٦) غيره بغيرِ بُرهان؛ لأنَّ ذلك لو جاز [في شيء] (^٧)، جاز في\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١.\n(^٢) في م، ت ٢: \"معناه\".\n(^٣) في ت ١، ف: \"إلى الكهف\".\n(^٤) في م: \"بذلك\".\n(^٥) في ص، ت ١، ف: \"قوله\".\n(^٦) في ص، ف: \"من\".\n(^٧) سقط من: ص، م.","vol":"15","page":231},{"text":"كلِّ أخباره، وإذا جاز ذلك في أخباره، جاز في أخبار غيره أن يُضاف إليه أنَّها أخْبارُه، وذلك قلبُ أعيانِ الحقائق وما لا يُخيَّلُ فسادُه.\n\n<span id=\"aya-2166\"></span>فإن ظنَّ ظانٌّ أن قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾. دليلٌ على أنَّ قولَه: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾. خبرٌ منه عن قوم قالوه، فإنَّ ذلك كان يجبُ أن يكونَ كذلك لو كان لا يَحْتَمِلُ مِن التأويل غيره، فأمَّا وهو محتملٌ ما قلنا من أن يكونَ معناه: قل الله أعلمُ بما لبثوا إلى يوم أنزَلْنا هذه السورة. وما أشبه ذلك من المعانى، فغيرُ واجبٍ أن يكونَ ذلك دليلًا على أن قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾. خبرٌ من الله عن قومٍ قالوه، وإذا لم يكن دليلًا على ذلك، ولم يأتِ خبرٌ بأنَّ قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾. خبرٌ من الله عن قوم قالوه، ولا قامت بصحة ذلك حجةٌ يجبُ التسليم لها - صحَّ ما قلنا، وفسد ما خالفه.\nواختلفتِ القرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾؛ فقرأت ذلك عامةُ قرَأةِ المدينة والبصرة وبعضُ الكوفيين: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾. بتنوينِ ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾. بمعنى: ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائةٍ (^١).\nوقرأته عامةُ قرأة أهل الكوفة: (ثَلاثَمائِةِ سِنِينَ). بإضافة (ثلاثمائة) إلى \"السنين\"، [غير منوَّنٍ] (^٢).\nوأولى القراءتين في ذلك عندى بالصواب (^٣) قراءةُ مَن قرأه: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾. بالتنوين، ﴿سِنِينَ﴾. وذلك أن العرب إنما تُضيف المائة إلى ما يفسِّرها إذا جاء تفسيرُها بلفظ الواحد، وذلك كقولهم: عندى (^٤) ثلاثُمائة درهمٍ، وعندى مائةُ\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وعاصم وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٣٨٩.\n(^٢) سقط من: ت ٢، وفى ت ١: \"بغير تنوين\". وهى قراءة حمزة والكسائى. المصدر السابق ص ٣٩٠.\n(^٣) القراءتان كلتاهما صواب، وليست إحداهما أولى من الأخرى.\n(^٤) سقط من: م، ت ٢.","vol":"15","page":232},{"text":"دينارٍ. لأن المائة والألف عددٌ كثيرٌ، والعربُ لا تفسِّر ذلك إلَّا بما كان بمعناه في كثرة العددِ، والواحدُ يُؤدِّى عن الجنسِ، وليس ذلك للقليل (^١) من العددِ، وإن كانت العربُ ربَّما وضعت الجمع القليل موضعَ الكثير، وليس ذلك بالكثير، وأما إذا جاء تفسيرها بلفظ الجميع (^٢)، فإنَّها تنوِّنُ، فتقولُ: عندى ألفٌ دراهم، وعندى مائةٌ دنانير. على ما قد وصفتُ.\nوقوله: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: للَّهِ علمُ غيبِ السماوات والأرض [وملكه] (^٣)، لا يعزُبُ عنه علمُ شيءٍ منه، ولا يَخْفَى عليه شيءٌ. يقولُ: فسلموا له علم مبلغ ما لبثت الفتيةُ في الكهف إلى يومكم هذا، فإنَّ ذلك لا يعلمُه سوى الذي يعلَمُ غيب السماواتِ والأرضِ، وليس ذلك إلا الله الواحدُ القهارُ.\nوقوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾. يقول: أبصر بالله وأسْمِعْ. وذلك بمعنى المبالغة في المدحِ، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه.\nوتأويل الكلام: ما أبصر الله لكلِّ موجودٍ، وأسمعه لكلِّ مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيءٌ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾: فلا أحد أبصرُ من الله، ولا أسمعُ، ﵎ (^٤).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿أَبْصِرْ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"القليل\".\n(^٢) في م، ت ٢، ف: \"الجمع\".\n(^٣) سقط من: م، ت ٢.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٨ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"15","page":233},{"text":"بِهِ وَأَسْمِعْ﴾. قال: يرى أعمالهم، ويسمعُ ذلك منهم، سميعًا بصيرًا (^١).\nوقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه: ما لخلقه دونَ ربَّهم الذي خلقهم وليٌّ يلى أمرهم وتدبيرهم، وصرفهم فيما هم فيه مصرَّفون، ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾. يقولُ: ولا يَجْعَلُ اللَّهُ في قضائه وحكمه في خلقه أحدًا سواه، شريكًا، بل هو المنفرد (^٢) بالحكم والقضاء فىهم، وبتدبيرهم وتصريفهم فىما شاء وأحبَّ.\n\n<span id=\"aya-2167\"></span><span data-type='title' id=toc-5451>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ: واتَّبع يا محمدُ ما أُنزل إليك من كتاب ربِّك هذا، ولا تترُكَنَّ تلاوته واتِّباع ما فيه من أمر الله ونهيه، والعمل بحلاله وحرامه، فتكونَ من الهالكين، وذلك أنَّ مصير مَن خالفه، وترك اتَّباعَه يومَ القيامة إلى جهنم، ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾. يقولُ: لا مغيِّر لما أوعد بكلماته التي أنزَلها عليك، أهلَ معاصيه، والعاملين بخلاف هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك.\nوقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. يقولُ: وإن أنت يا محمدُ لم تَتْلُ ما أُوحى إليك من كتاب ربِّك فتتبعه وتأتمَّ به، فنالك وعيدُ (^٣) الله الذي أوعد فيه المخالفين حُدوده، لن تجد من دونِ اللهِ موئلًا تَئِلُ إليه، ومَعدِلًا تعدلُ عنه إليه؛ لأنَّ قدرة الله محيطةٌ بك وبجميع خلقه، لا يقدِرُ أحدٌ منهم على الهرب من أمرٍ أراده\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٤٧.\n(^٢) في ت ٢: \"المتفرد\".\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"وعد\".","vol":"15","page":234},{"text":"به.\nوبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿مُلْتَحَدًا﴾. قال أهلُ التأويل وإن اختلفت ألفاظُهم في البيان عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5452>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿مُلْتَحَدًا﴾. قال: مَلْجَأً.\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُلْتَحَدًا﴾. قال: ملجأً (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. قال: [ملجأ ولا] (^٢) موئلًا.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿مُلْتَحَدًا﴾. قال: ملجأً (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٤٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٣) بعده في: ص، م، ت ١، ف: \"ولا موئلا\".\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٤٠٢.","vol":"15","page":235},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. قال: لا يجدون ملتحدًا يَلْتحدونه، ولا يجدون من دونه ملجأً ولا أحدًا يمنعُهم.\nو\"الملتحدُ\" إنما هو \"المفتعلُ\" من \"اللحدِ\"، يقالُ منه: لحَدْتُ إلى كذا. إذا ملت إليه. ومنه قيل للَّحد: لحدٌ، لأنَّه في ناحيةٍ من القبر، وليس بالشَّقِّ الذي في وسطه، ومنه الإلحادُ في الدين، وهو المعاندةُ بالعُدول عنه والتَّرْكِ له.\n\n<span id=\"aya-2168\"></span><span data-type='title' id=toc-5453>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَاصْبِرْ﴾ يا محمد ﴿نَفْسَكَ مَعَ﴾ أصحابك ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ بذكرهم إياه بالتسبيح والتحميد والتهليل والدعاء والأعمال الصالحة؛ من الصلوات المفروضة وغيرها، ﴿يُرِيدُونَ﴾ بفعلهم ذلك ﴿وَجْهَهُ﴾ لا يُريدون به (^١) عرضًا من عرض الدنيا.\nوقد ذكرنا اختلاف المختلفين في قوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. في سورة \"الأنعام\"، والصواب من القول في ذلك عندنا، [فأغنى ذلك] (^٢) عن إعادته في هذا الموضع (^٣).\nوالقرأةُ على قراءة ذلك: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. وقد ذُكر عن عبدِ اللَّهِ بن\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ت ٢: \"بما أغنى\".\n(^٣) تقدم في ٩/ ٢٦٣ وما بعدها.","vol":"15","page":236},{"text":"عامرٍ وأبى عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ أنَّهما كانا يقرأانِه: (بالغُدْوةِ والعشيِّ) (^١). وذلك قراءة عند أهل العلم بالعربية مكروهةٌ؛ لأن \"غُدْوةً\" مَعْرِفةٌ، ولا ألفَ ولا لامَ فىها، وإنما يُعرفُ بالألف واللام ما لم يكن معرفةً، فأما المعارفُ فلا تُعرَّفُ بهما.\nوبعدُ، فإِنَّ \"غُدْوَةً\" لا تُضافُ إلى شيءٍ، وامتناعُها من الإضافة دليلٌ واضحٌ على امتناع الألف واللام من الدُّخول عليها؛ لأنَّ ما دخلته الألفُ واللامُ من الأسماءِ صلحت فيه الإضافةُ، وإنما تقولُ العرب: أتيتُك غَداةَ الجمُعةِ. ولا تقولُ: أتيتُك غُدوة الجمعة.\nوالقراءة عندنا في ذلك ما عليه القرأةُ في الأمصار، لا نَسْتجِيزُ غيرَها؛ لإجماعها على ذلك، وللعلة التي بيَّنا من جهة العربية (^٢).\nوقوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾. يقولُ جلُّ ثناؤه لنبيِّه ﷺ: ولا تَصْرِفْ عيناك عن هؤلاء الذين أمَرْتُك يا محمد أن تَصْبِرَ نفسك معهم إلى غيرهم من الكفارِ، ولا تُجاوِزْهم إليهم (^٣).\nوأصلُه من قولهم: عَدَوْتُ ذلك، فأنا أعْدُوه. إذا جاوزته.\nوبنحو الذي قلنا في تأويل (^٤) ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) ينظر في قراءة ابن عامر السبعة لابن مجاهد ص ٣٩٠، وبها قرأ أيضًا مالك بن دينار والحسن ونصر بن عاصم وأبو رجاء العطاردى. البحر المحيط ٤/ ١٣٦.\n(^٢) قراءة ابن عامر قراءة متواترة، ولا يصح رد المصنف لها، وينظر في توجيهها ما ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٤/ ١٣٦.\n(^٣) في م، ف: \"إليه\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ف.","vol":"15","page":237},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5454>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾. قال: لا تُجاوِزهم إلى غيرهم (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنى عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ يقولُ: لا تتعَدَّهم إلى غيرهم.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ الآية. قال: قال القوم للنبى ﷺ: إِنا نَسْتَحْيِى أَن نُجالس فلانًا وفلانًا وفلانًا فجانبهم يا محمد، وجالس أشراف العرب. فنزل القرآنُ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾: ولا تحقرهم، قال: \"قد أمرونى بذلك\". قال: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني أُسامةُ بن زيدٍ، عن أبى حازمٍ، عن عبد الرحمن بن سهل بن حُنيفٍ أنَّ هذه الآيةَ لما نزلت على رسولِ اللَّهِ ﷺ وهو في بعض أبياته: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. فخرج يَلْتَمِسُ، فوجد قومًا يذكرون الله، منهم ثائرُ الرأس، وجافى (^٣) الجلد، وذو الثوب الواحد، فلمّا رآهم جلس معهم، فقال: \"الحمدُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٤٩.\n(^٢) تقدم تخريجه ٩/ ٢٦٣.\n(^٣) في م: \"جاف\".","vol":"15","page":238},{"text":"للَّهِ الذي جَعَل لى في (^١) أُمَّتِى مَن أَمَرنى أن (^٢) أَصْبِرَ نفْسى معه\" (^٣).\nورُفعت \"العينان\" بالفعل، وهو: ﴿وَلَا تَعْدُ﴾.\nوقولُه: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: لا تَعْدُ عيناك عن هؤلاء المؤمنين الذين يدعون ربَّهم، إلى أشراف المُشركين، تبتغى بمجالستهم الشرَفَ والفخر. وذلك أنَّ رسول الله ﷺ أتاه، فيما ذُكر، قومٌ من عُظَماء أهل الشركِ - وقال بعضُهم: بل مِن عُظَماء قبائل العرب ممن لا بصيرة لهم بالإسلام (^٤) - فرأوه جالسًا مع خَبّابٍ وصُهَيْبٍ وبلالٍ، فسألوه أن يُقِيمَهم عنه إذا حضروا. قالوا: فهم رسول الله ﷺ بذلك (^٥)، فأنزل الله عليه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. ثم كان يقومُ إذا أراد القيامَ ويتركُهم قُعودًا، فأنزل الله عليه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية، ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يُريد (^٦) بـ ﴿زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: مجالسته أولئك العُظماء والأشراف.\nوقد ذكَرْتُ الرواية بذلك فيما مضى قبلُ في سورةِ \"الأنعام\" (^٧).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"من\".\n(^٢) سقط من ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) أخرجه الطبراني - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ١٤٩ - من طريق ابن وهب به - وأخرجه ابن منده وأبو نعيم - كما في أسد الغابة ٣/ ٤٥٧ - من طريق أبى حازم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٩ إلى ابن مردويه.\n(^٤) في ت ٢: \"في الإسلام\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٦) في ت:١: \"تريد\"، وفى ت ٢: \"يعنى\".\n(^٧) تقدم في ٩/ ٢٥٨ وما بعدها.","vol":"15","page":239},{"text":"حدَّثني الحسين بن عمرٍو العَنْقَزِيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ بن نصرٍ، عن السدِّيِّ، عن أبي سعيدٍ الأزْدِيِّ - وكان قارئ الأزد - عن أبي الكنود، عن خَبَّابٍ، في قصةٍ ذكرها عن النبيِّ ﷺ، ذكر فيها هذا الكلامَ مُدْرجًا في الخبر: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: تجالسُ الأشراف (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أُخْبِرْتُ أنَّ عُيينةَ بن حِصْنٍ قال للنبيِّ ﷺ قبل أن يُسلم: لقد آذانى ريحُ سلمان الفارسيِّ، فاجْعَلْ لنا مجلسًا منك لا يُجامِعوننا فيه، واجْعَلْ لهم مجلسًا لا نُجامِعُهم فيه. فنزلت الآيةُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أنَّه لما نزلت هذه الآية قال نبيُّ الله ﷺ: \"الحمد لله الذي جَعَل في أُمَّتِى مَن أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نفسي معه\" (^٣).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: تُريدُ أشراف الدنيا.\nحدَّثنا صالحُ بن مسمارٍ، قال: ثنا الوليدُ بن عبد الملكِ، قال: ثنا سليمانُ بنُ عطاءٍ، عن مسلمةَ بن عبدِ اللَّهِ الجُهنيِّ، عن عمِّه أبى مَشْجَعَةَ بن رِبْعِيٍّ، عن سلمان الفارسيِّ، قال: جاءتِ المؤلَّفَةُ قلوبهم إلى رسولِ الله؛ عيينةُ ابن بدرٍ (^٤)،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٩/ ٢٦٠.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٠ إلى ابن المنذر.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠١ عن معمر، عن قتادة.\n(^٤) في م: \"حصن\". وكانت في الأصل عندهم كما أثبتناها، ونسبه في هذه الرواية إلى جده الأعلى، فهو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر. ينظر الإصابة ٤/ ٧٦٧.","vol":"15","page":240},{"text":"والأقرع بن حابس وذووهم، فقالوا: يا نبيَّ الله، إنك لو جلسْتَ في صدر المسجد، ونفَيْتَ عنا هؤلاء وأرْواحَ جِبَابِهم - يَعْنُون سلمان وأبا ذرٍّ وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جِبابُ الصُّوفِ، ولم يكن عليهم غيرُها - جلسنا إليك وحادَثناك، وأخَذْنا عنك. فأنزل الله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. حتى بلغ: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾. يتهدَّدُهم بالنار، فقام نبيُّ الله ﷺ يلتَمسُهم حتى أصابهم في مؤَخَّرِ المسجدِ يَذْكُرون الله، يلْتَمِسُهم فقال: \"الحمد لله الذي لم يُمتنى حتى أمرنى أن أصبر نفسى مع رجالٍ من أُمَّتى، معكمُ المحيا، ومعكم المماتُ\" (^١).\nوقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: ولا تُطِعْ يا محمد من شغَلْنا قلبه من الكفار الذين سألُوك طرْدَ الرهط الذين يدْعُون ربَّهم بالغداة والعشيِّ عنك - عن ذكرنا بالكفر وغلبة الشقاء عليه، واتَّبع هواه، وترك اتِّباعَ أمرِ اللهِ ونهيه، وآثر هوى نفسه على طاعة ربِّه.\nوهم، فيما ذُكِر، عيينةُ بنُ حِصْنٍ (^٢)، والأقرعُ بن حابسٍ وذووهم.\nحدَّثني الحسينُ بن عمرو بن محمدٍ العنقزيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ، عن أبي سعيد (^٣) الأَزْدِيِّ، عن أبي الكَنُودِ، عَن خَبَّابٍ: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾. قال: عُيينةُ والأقرعُ (^٤).\n_________\n(^١) الواحدى في أسباب النزول ٢٢٤ من طريق الوليد بن عبد الملك، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٣٤٥ والبيهقى في الشعب (١٠٤٩٤) من طريق سليمان بن عطاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١٩ إلى ابن مردويه وأبى الشيخ.\n(^٢) في ص، ت ٢: \"حصين\".\n(^٣) في ت ٢: \"سعد\". وينظر ما تقدم في ٩/ ٢٥٩.\n(^٤) تقدم تخريجه في ٩/ ٢٦٠.","vol":"15","page":241},{"text":"وأما قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. فإنَّ أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: وكان أمرُه ضَياعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5455>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. قال ابن عمرٍو في حديثه، قال: ضائعًا. وقال الحارثُ في حديثه: ضَياعًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ضَياعًا.\nوقال آخرون: بل معناه: وكان أمرُه ندمًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5456>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا بَدَلُ بن المحبَّرِ، قال: ثنا عَبَّادُ بن راشدٍ، عن داود: ﴿فُرُطًا﴾. قال: ندامةً.\nوقال آخرون: بل معناه: هلاكًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5457>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحسينُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٤٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٣٥٨ (١٢٧٨١)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٠ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"15","page":242},{"text":"أبى سعيد (^١) الأزديِّ، عن أبي الكُنُودِ، عن خبَّابٍ: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. قال: هلاكًا (^٢).\nوقال آخرون: بل معناه: خلافًا للحقِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5458>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. قال: مخالفًا للحقِّ، ذلك الفُرْطُ (^٣).\nوأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: ضَياعًا وهلاكًا. من قولهم: أفرط فلانٌ في هذا الأمر إفراطًا. إذا أسرف فيه وتجاوز قدره. وكذلك قولُه: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. معناه: وكان أمرُ هذا الذي أغْفَلْنا قلبه عن ذكرنا في البسارِ (^٤) والكبرِ، واحتقار أهل الإيمانِ، سَرَفًا قد تجاوز حدَّه، فضَيَّع بذلك الحقَّ وهلك.\nوقد حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكر بن عيَّاشٍ، قال: قيل له: كيف قرأ عاصمٌ؟ فقال: ﴿كَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. قال أبو كريب: قال أبو بكرٍ: كان عُيينةُ بنُ حصنٍ يفخَرُ، يقولُ: أنا وأنا.\n\n<span id=\"aya-2169\"></span><span data-type='title' id=toc-5459>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ</span>\n_________\n(^١) في ت ٢: \"سعد\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ٩/ ٢٦١.\n(^٣) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ١٢٠.\n(^٤) في م: \"الرياء\"، وفى ت ١: \"البا\"، ومكانها بياض في ت ٢ وفى ف: \"البار\". والبسار ضبطه في النسخة \"ص\" بفتح الباء، ولعله من بسر: أي نظر بكراهة شديدة. اللسان (ب س ر).","vol":"15","page":243},{"text":"فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وقلْ، يا محمدُ لهؤلاء الذين أغْفَلْنا قلوبَهم عن ذكْرِنا واتَّبَعوا أهواءَهم: الحقُّ أيها الناسُ من عندِ ربِّكم، وإليه التوفيقُ والخِذْلانُ، وبيدِه الهدى والضلالُ؛ يهدِى من يشاءُ مِنكم للرَّشادِ فيؤمنُ، ويُضِلُّ مَن يشاءُ عن الهُدَى فيكفرُ، ليس إليَّ من ذلك شيءٌ، ولستُ بطارِدٍ لهواكم مَن كان للحقِّ مُتَّبِعًا، وباللَّهِ وبما أُنزِل عليَّ مؤمنًا، فإن شئتُم فآمِنوا، وإن شئتُم فاكْفُروا، فإنَّكم إن كفَرتُم فقد أعدَّ لكم ربُّكم على كفرِكم به نارًا أحاط بكم سُرَادِقُها، وإن آمنْتُم به وعمِلتُم بطاعتِه، فإنَّ لكم ما وصَف اللَّهُ لأهلِ طاعتِه.\nورُوى عن ابن عباسٍ في ذلك ما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾. يقولُ: من شاء اللَّهُ له الإيمانَ آمَن، ومن شاء اللَّهُ له الكفرَ كفَر. وهو قولُه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١) [التكوير: ٢٩].\nوليس هذا بإطلاقٍ من اللَّهِ الكُفرَ لمَن شاء، والإيمانَ لمَن أراد، وإنَّما هو تهديدٌ ووعيدٌ، وقد بيَّن أن ذلك كذلك قولُه: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾. والآياتُ بعدَها.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن عمرَ بن حبيبٍ، عن داودَ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾. قال:\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٣٧٧) ١/ ٤٥٢ من طريق عبد الله بن صالح به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٠ إلى حنيش في الاستقامة وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه.","vol":"15","page":244},{"text":"وعيدٌ من الله؛ فليس بمُعْجِزى (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾، وقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. قال: هذا كلُّه وعيدٌ (^٢) ليس مُصانَعةً ولا مُراشاةً ولا تَفْويضًا.\nوقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾. يقول عزَّ ذكرُه: إنا أعْدَدنا، وهو من العُدَّةِ، للظَّالِمين؛ الذين كفَروا بربِّهم نارًا (^٣).\nكما حدَّثني يونس، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾. قال: للكافرين.\nوقوله: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾. يقولُ: أحاط سُرادِقُ النارِ التي أعدَّها اللَّهُ للكافرين بربِّهم.\nوذلك فيما قيل: حائطٌ من نارٍ يُطِيفُ بهم كسُرادقِ الفُسْطاطِ، وهى الحجرةُ (^٤) التي تُطِيفُ بالفُسْطاطِ، كما قال رؤبةُ (^٥):\nيا حَكَمَ بنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودُ\n_________\n(^١) في ص، ب ١، ف: \"بمعجز في\"، والمثبت موافق المصادر التخريج.\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٨٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٠ إلى ابن أبي حاتم، وينظر تفسير ابن كثير ٧/ ١٧١.\n(^٢) بعده في ت ١: \"من الله\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٤) في ص، ت ١، ف: \"المجمرة\".\n(^٥) البيتان لرؤبة في ملحق ديوانه ص ١٧٢، وللكذاب الحرمازى في الشعر والشعراء ٢/ ٦٨٥، ولرؤبة وقيل للكذاب في اللسان (سردق) ولرجل من بنى الحرماز في الكتاب لسيبويه ٢/ ٢٠٣.","vol":"15","page":245},{"text":"سُرادِقُ المجدِ (^١) عَلَيْكَ مَمْدُودْ\nوكما قال سلامةُ بنُ جندلٍ (^٢):\nهُوَ المُولِجُ النُّعْمانَ بَيْتًا سَماؤُهُ … صُدُورُ الفُيُول بعدَ بَيْتٍ مُسَرْدَقِ\nيعني: بيتًا له سُرادقٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5460>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾. قال: حائطٌ من نارٍ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عمَّن أخبره، قال: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾. قال: دُخَانٌ يحيطُ بالكفارِ يومَ القيامةِ، وهو الذي قال اللَّهُ: ﴿ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ (^٤) [المرسلات: ٣٠].\nوقد رُوِى عن النبيِّ ﷺ في ذلك خبرٌ يدلُّ على أن معنَى قولِه: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾: أحاط بهم ذلك في الدنيا، وأن ذلك السُّرادِقَ هو البحرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5461>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثني الحسينُ بنُ نصرٍ والعباسُ بنُ محمدٍ، قالا: [ثنا أبو عاصمٍ، عن عبدِ اللَّهِ] (^٥)\n_________\n(^١) في م، ف: \"الفضل\".\n(^٢) بعده في ت ٢: \"مسروق\". والبيت في مجاز القرآن ١/ ٣٩٩، واللسان (سردق).\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسير ٥/ ١٥٠ والطوسي في التبيان ٧/ ٣٢.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٤٠٢ عن معمر عن الكلبي قوله.\n(^٥) سقط من: ت ١، ف.","vol":"15","page":246},{"text":"[ابن أميةَ، قال] (^١): ثنا محمدُ بنُ حُييِّ (^٢) بن يَعْلَى، عن صفوانَ بن يَعْلَى، عن يَعْلى بن أميةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"البَحْرُ هو جَهَنَّمُ\". قال: اللَّهِ فقيل له: [كيف ذلك] (^٣)؟ فتلا هذه الآية، أو قرأ هذه الآية: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾. ثم قال: واللَّهِ لا أدْخُلُها أَبَدًا، أو: ما دُمْتُ حَيًّا، ولا تُصِيبُنى مِنها قَطْرَةٌ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يَعمَرُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، قال: أخبرَنا رِشْدينُ بنُ سعدٍ، قال: ثني عمرُو بنُ الحارثِ، عن أبي السَّمْحِ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ قال: \"سُرَادِقُ النَّارِ أَرْبعَةُ جُدُرٍ، كِثْفُ كُلِّ واحدٍ مِثلُ مَسِيرَةِ أربعينَ سَنةً\" (^٥).\nحدَّثنا يونسُ (^٦)، قال: ثنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ الحارثِ، عن درَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ، عن رسولِ اللَّهِ، أَنَّه قال: \"إِنَّ لِسُرَادِقِ النَّارِ أَربَعَةَ جُدُرٍ، كِثْفُ كُلَّ [جدارٍ منها] (^٧) مَسِيرَةً أَرْبَعِينَ سَنةً\" (^٨) (^٩).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ف.\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"حسين\". وينظر الجرح والتعديل ٧/ ٢٣٩.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) أحمد (١٧٩٦٠)، والمعرفة والتاريخ ١/ ٣٠٨ من طريق عاصم به، والتاريخ الكبير ٨/ ٤١٤، من طريق أبي عاصم به مرسلًا، وصفة النار لابن أبي الدنيا (١٨٥)، والمستدرك ٤/ ٥٩٦، والسنن الكبرى ٤/ ٣٣٤، والبعث والنشور للبيهقى (٤٩٦، ٤٩٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٠ لابن مردويه.\n(^٥) الزهد لابن المبارك (زيادات نعيم بن حماد) (٣١٦) من طريق رشدين بن سعد به، والترمذي (٢٥٨٤) من طريق عبد الله بن المبارك به، وأبو يعلى (١٣٨٩)، والعلل المتناهية ٢/ ٤٥٣، وأحمد (١١٢٣٤)، وصفة النار لابن أبي الدنيا (٦)، كلهم من طريق دراج به.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ف: \"بشر\". وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٥١٣.\n(^٧) في م: \"واحدة مثل\".\n(^٨) أخرجه الحاكم ٤/ ٦٠٠، ٦٠١ من طريق عبد الله بن وهب به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٥٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٠ إلى أبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٩) بعده في ص، م، ت ١، ف: \"حدثنا بشر، قال: ثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو، عن دراج، =","vol":"15","page":247},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: وإن يستغِثْ هؤلاء الظالمون يومَ القيامةِ في النَّارِ من شدَّةِ ما بهم من العطشِ، فيطلُبوا الماءَ، يُغاثوا بماءٍ كالمُهْلِ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في المُهْلِ؛ فقال بعضُهم: هو كلُّ شيءٍ أُذِيب وانْماعَ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-5462>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن ابنَ مسعودٍ أُهدِيَت إليه سِقايةٌ من ذهبٍ وفضةٍ، فأمَر بأخدودٍ فخُدَّ في الأرضِ، ثم قذَف فيه من جَزْلِ حطبٍ (^٢)، ثم قذَف فيه تلك السِّقايةَ، حتى إذا أَزْبَدَت وانماعَت قال لغلامِه: ادعُ مِن يحضُرُنا من أهلِ الكوفةِ فدعا رهطًا، فلمَّا دخَلوا عليه قال: أترَوْنَ هذا؟ قالوا: نعم. قال: ما رأينا في الدنيا شَبِيهًا للمُهْلِ أَدْنَى من هذا الذهبِ والفضةِ، حين أَزْبَدَ وانْماعَ (^٣).\nوقال آخرون: هو الدمُ والقيحُ الأسودُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5463>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ\n_________\n= عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ قال: \"ماء كالمهل، قال: كعكر الزيت، فإذا قربه إليه سقط فروة وجهه فيه\". ولعله سبق قلم من الناسخ حيث سيأتي في ص ٢٥٠ عند تفسير قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا ...........﴾.\n(^١) انماع: ذاب وسال. النهاية ٤/ ٣٨١.\n(^٢) الجزل: الحطب اليابس، وقيل: الغليظ. وقيل: ما عظم من الحطب وييس. لسان العرب (ج ز ل).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٤٠٢ عن معمر عن قتادة، مختصرًا، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٥٠.","vol":"15","page":248},{"text":"عن القاسمِ بن (^١) أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾. قال: القَيحُ والدَّمُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾. قال: القَيحُ والدَّمُ الأسودُ، كعَكَر الزيتِ. قال الحارثُ في حديثه: يعني دُرْدِيَّه (^٢) (^٣).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿كَالْمُهْلِ﴾. قال: يقولُ: أسودُ كهيئةِ الزَّيتِ (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾: ماءُ جهنَّمَ أسودُ، وهي سوداءُ، وشجرُها أسودُ، وأهلُها سودٌ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عَمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾. قال: هو ماءٌ غليظٌ مثلُ دُرْدِيِّ الزيتِ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"عن\" وهو خطأ طباعي.\n(^٢) الدردي: ما يركد في أسفل كل مائع كالأشربة والأدهان. النهاية ٢/ ١١٢.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤١٠، ٤٤٧، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٥٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٥٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢١ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٥٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢١ إلى ابن أبي شيبة وهناد وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":249},{"text":"[حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، [قال: أخبرني عمرٌو] (^١)، عن درَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّه قال: ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾. قال: كعكَرِ الزيتِ، فإذا قرَّبه إليه سقَطتْ فَرُوةُ وجهِه فيه] (^٢) (^٣).\nوقال آخرون: هو الشيءُ الذي قد انتهَى حرُّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5464>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ وهارونَ بن عنترةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: الْمُهلُ هو الذي قد انتهَى حرُّه (^٤).\nوهذه الأقوالُ وإن اختلَفت بها ألفاظُ قائلِيها، فمتقارباتُ المعنَى، وذلك أن كلَّ ما أُذيب من رَصَاصٍ أو ذهبٍ أو فِضةٍ فقد انتهَى حرُّه، وأن ما أُوقِدت عليه من ذلك النارُ حتى صار كدُرْدِيِّ الزَّيتِ، فقد انتهَى أيضًا حرُّه.\nوقد حُدِّثت عن معمرِ بن المثنى، أنه قال: سمِعتُ المُنتَجِعَ (^٥) بنَ نبهانَ يقولُ واللَّهِ لَفلانٌ أبغضُ إليَّ من الطَّلْياءِ والمُهلِ. قال: فقُلنا له: وما هما؟ فقال: الجَرْباءُ (^٦)، والمَلَّةُ (^٧) التي تَنْحَدِرُ عن جوانبِ الخُبزةِ إِذا مُلَّت (^٨) في النارِ مِنَ النارِ،\n_________\n(^١) سقط من ت ٢. والمثبت من باقى النسخ، كما في الموضع السابق في ص ٢٤٧.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٣) ابن حبان (٧٤٧٣) ١٦/ ٥١٤، والمستدرك ٢/ ٥٠١، ٤/ ٦٠٤، والبيهقي في البعث (٦٠٤) ص ٢٩٣، وصفة النار لابن أبي الدنيا (٧٦) ص ٦١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٠، ٢٢١ إلى ابن مردويه وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢١ إلى عبد بن حميد، وينظر التبيان ٧/ ٣٣.\n(^٥) في ص: \"المنتهجع\"، وفى ت ١، ف: \"المتهجع\". وهو المنتجع بن نبهان. ينظر إنباه الرواة ٣/ ٣٢٣.\n(^٦) يعنى بالجرباء: الناقة المطلية بالقطران. ينظر لسان العرب (ط ل ى).\n(^٧) الملة: التراب الحار والرماد أو الجمر يخبز أو يطبخ عليه. الوسيط (م ل ل).\n(^٨) في ت ٢: حلت ومُلت: قُلبت. الوسيط (م ل ل).","vol":"15","page":250},{"text":"كأنها سِهْلةٌ (^١) حمراءُ مدقَّقةٌ، فهي جَمْرَةٌ (^٢).\nفالمُهلُ إذًا هو كلُّ مائعٍ قد أُوقِد عليه حتى بلَغَ غايةَ حرَّه، أو لم يكنْ مائعًا، فانْماعَ بالوَقودِ عليه، وبلَغ أقصَى الغايةِ في شدَّةِ الحرِّ.\nوقوله: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾. يقول جلَّ ثناؤُه: يشْوِي ذلك الماءُ الذي يُغاثُون به وجوهَهم.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا حيوةُ بنُ شريحٍ، قال: ثنا بقيَّةُ، عن صفوانَ بن عمرٍو، عن عبيدِ اللَّهِ بن بُسْرٍ - هكذا قال ابن خلَفٍ - عن أبي أُمامةَ، عن النبيِّ ﷺ في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٦]. قال: \"يُقَرَّبُ إليه فيتكرَّهُه، فإذا قَرُب منه شَوَى وجْهَه، ووقَعت فَرْوة رأسِه، فَإِذَا شَرِب قطَّع أمعاءَه، يقولُ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ \" (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ إسحاقَ الطالَقانيُّ ويَعْمَرُ بنُ بشرٍ، قالا: ثنا ابن المباركِ، عن صفوانَ، عن عبيدِ (^٤) اللَّهِ بن بُسْرٍ (^٥)، عن أبي أُمامةَ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ وهارونَ بن عَنْتَرةَ، عن سعيدِ بن\n_________\n(^١) السهلة: رمل خشن ليس بالدقاق الناعم. لسان العرب (س هـ ل).\n(^٢) في م، ف: \"أحمرة\". والمثبت موافق لما في مجاز القرآن ١/ ٤٠٠.\n(^٣) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد الزهد لابن المبارك ١/ ٨٩، عن صفوان به. وأحمد ٥/ ٢٦٥ (الميمنية)، والترمذي (٢٥٨٣)، وينظر ما تقدم في ١٣/ ٦٢٠، ٦٢١.\n(^٤) م: \"عبد\". ينظر تهذيب الكمال ١٣/ ١٥٨، ١٥٩.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بشر\". وينظر المصدر السابق.","vol":"15","page":251},{"text":"جبيرٍ - قال هارونُ: إذا عام (^١) أهلُ النارِ. وقال جعفرٌ: إذا جاع (^٢) أهلُ النارِ - استغاثُوا بشجرةِ الزقُّومِ، فأكَلوا منها، فاخْتَلَست (^٣) جلودَ وُجوهِهم، فلو أن مارًّا مرَّ بهم يَعرِفُ (^٤) جُلودَ وُجوهِهم فيها، ثم يُصَبُّ عليهم العَطَشُ، فيَسْتَغيثون، فيُغاثُون بماءٍ كالمُهْلِ، وهو الذي قد انتهَى حرُّه، فإذا أدْنَوْهُ مِن أَفْوَاهِهِم انشَوى مِن حرِّه لُحومُ وُجوهِهم التي قد سقَطت عنها الجلودُ (^٥).\nوقوله: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: بئس الشرابُ هذا الماءُ الذي يُغاثُ به هؤلاء الظالمون في جهنَّمَ، الذي صِفتُه ما وصَف في هذه الآيةِ.\nوقولُه: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: وساءتْ هذه النارُ التي أعْتَدْناها لهؤلاء الظالمين مُرْتَفَقًا.\nوالمُرْتَفَقُ في كلامِ العربِ: المتكأُ، يقالُ منه: ارْتفقُتُ. إذا اتَّكأْتَ، كما قال الشاعرُ (^٦).\nقالَتْ له وارْتَفَقَتْ أَلا فَتَى\nيَسُوقُ بالقومِ غَزَالاتِ الضُّحَى\n_________\n(^١) في م: \"جاع\". وعام: اشتدت شهوته إلى اللبن. لسان العرب (ع ى م).\n(^٢) في م: \"جاء\".\n(^٣) اختلست: استلبت لسان العرب (خ ل س).\n(^٤) في ص، م، ت ١، ف: \"يعرفهم لعرف\". والمثبت موافق لما في تفسير ابن كثير.\n(^٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (٦٨)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٤/ ٢٨٥ من طريق ابن حميد به. وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ١٨ - من طريق يعقوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) البيتان في النوادر لأبي زيد ١٢٨، وأمالي القالى ٢/ ٩٦ ولسان العرب (غ ز ل) وفي الأخيرين برواية: ودعوة القوم ألا هل من فتى؛ وفى اللسان أيضًا برواية: دعت سليمى دعوة هل من فتى. وجاء في كل غير منسوب.","vol":"15","page":252},{"text":"أراد: واتَّكأت على مِرْفقِها. وقد ارتَفَق الرجلُ. إذا بات على مِرْفقِه (^١) لا يأتيه نومٌ. وهو مُرْتفِقٌ. كما قال أبو ذُؤيبٍ الهُذَليُّ (^٢):\nنام الخِلَيُّ وبتُّ الليلَ مرتفقًا … كأنَّ عَيْنِيَ فيها الصَّابُ (^٣) مَذْبُوحُ\nوأمَّا مِن الرِّفْقِ فإنَّه يقال: قد ارْتَفَقْتُ بك مُرْتَفَقًا.\nوكان مجاهدٌ يتأوَّلُ قولَه: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ يعنى المجتمَعَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5465>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُرْتَفَقًا﴾. قال: مجتمَعًا (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا معتمرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾. قال: مُجتمعًا.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nولستُ أعرِفُ الارتِفاقَ بمعنى الاجتماعِ في كلامِ العربِ، وإنَّما الارتِفاقُ افتِعالٌ، إما مِن المَرفِقِ، وإما مِن الرِّفْقِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"مرفقيه\".\n(^٢) ديوان الهذليين ١/ ١٠٤ ورواية الديوان: \"مشتجرا\" وعليها لا شاهد فيه. وبلفظ المصنف أورده أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٤٠٠.\n(^٣) الصَّاب: شجر إذا اعتصر خرج منه كهيئة اللَّبن، إذا وقعت منه قطرة في العين كأنها شهاب نار. اللسان (ص وب).\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٤٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":253},{"text":"<span id=\"aya-2170\"></span><span data-type='title' id=toc-5466>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ الذين صدَّقُوا الله ورسولَه، وعمِلوا بطاعةِ اللَّهِ، وانتهَوْا إلى أمرِه ونهيِه، إنا لا نُضِيعُ ثوابَ مَن أحسَنَ عملًا، فأطاع اللَّهَ، واتَّبع أمرَه ونهيَه، بل نُجازيه بطاعتِه وعملِه الحسنِ جناتِ عَدْنٍ تَجْرِى من تحتِها الأنهارُ.\nفإن قال قائلٌ: وأين خَبَرُ ﴿إِنَّ﴾ الأُولَى؟\nقيل: جائزٌ أن يكونَ خبرُها قولَه: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾. فيكونَ معنى الكلامِ: إنّا لا نُضِيعُ أجرَ مَن عمِل صالحًا. فترَك الكلامَ الأوَّلَ، واعتَمَد على الثاني بنيةِ التكريرِ، كما قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. بمعنى: عن قتالٍ فيه على التكريرِ، وكما قال الشاعرُ (^١):\nإِنَّ الخَليفَةَ إِنَّ اللَّهَ سَرْبَلَه … سربالَ مُلْكٍ به تُرْجَى الخواتيمُ\nويُرْوَى: تُرْجَى (^٢).\nوجائزٌ أن يكونَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. جزاءً، فيكون معنى الكلام: إِنَّ من عمل صالحًا فإنَّا لا نُضِيعُ أجرَه. فتُضمَّن (^٣) الفاء في قوله: ﴿إِنَّا﴾.\nوجائزٌ أن يكونَ خبرُها: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾. فيكونَ معنى الكلامِ: إِنَّ الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ أولئك لهم جَناتُ عدنٍ.\n\n<span id=\"aya-2171\"></span><span data-type='title' id=toc-5467>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ</span>\n_________\n(^١) البيت لجرير، وهو في ديوانه ٢٠/ ٦٧٢.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"ترخي\". وينظر معاني القرآن ٢/ ١٤٠.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"فتضمر\". وينظر معاني الفراء ٢/ ١٤٠.","vol":"15","page":254},{"text":"يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: لهؤلاء الذين آمَنُوا وعمِلوا الصالحات جَنّاتُ عدنٍ. يعني: بساتينُ إقامةٍ في الآخرةِ. ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾. يَقولُ: تَجْرِى مِن دونِهم [وبينَ (^١) أيديهم الأنهارُ. وقال جلَّ ثناؤُه: ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ﴾. ومعناه: من دونِهم] (^٢) وبينَ أيديهم.\n﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾. يقولُ: يَلْبَسون فيها من الحُليِّ أساوِرَ من ذهبٍ. والأساوِرُ جمع إسْوارٍ.\nوقوله: ﴿يَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ﴾. والسُّندس جمعٌ، واحدُها سُندُسةٌ، وهى ما رَقَّ من الدبياجِ، والإسْتبرَقُ: ما غلُظ منه وثخُن. وقيل: إنَّ الإستبرَقَ هو الحريرُ. ومنه قولُ المرَقِّشِ (^٣):\nتراهُنَّ يَلْبَسْنَ المَشاعِرَ مَرَّةً … وإستبرقُ الدَّيباج طَوْرًا لباسُها\nيعني: وغليظُ الدِّيباجِ.\nوقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾. يقولُ: مُتَّكئين في جناتِ عدنٍ على الأرائِك. وهى السُّرُرُ في الحِجالِ (^٤)، واحِدَتُها أَرِيكةٌ. ومنه قولُ الشاعرِ (^٥):\n_________\n(^١) في م: \"من\".\n(^٢)\n(^٣) ذكرُه الطوسى في التبيان ٧/ ٣٦، والقرطبي في تفسيره ١٠/ ٣٩٧.\n(^٤) الحجال: مواضع تزين بالثياب والستور والأسرة. التاج (ح ج ل).\n(^٥) البيت لذي الرمة، ديوانه ٣/ ١٧٢٩.","vol":"15","page":255},{"text":"خُدودًا جَفَتْ (^١) في السَّيْرِ حتى كأنَّما … يُباشِرْنَ بالمَعْزاءِ (^٢) مَسَّ الأرائِكِ\nومنه قولُ الأعشَى (^٣):\nبينَ الرُّوَاقِ وجانبٍ مِن سترِها … منها وبينَ أريكةِ الأنْضَادِ (^٤)\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5468>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾. قال: هي الحِجالُ (^٥).\nقال معمرٌ: وقال غيرُه: السُّررُ (^٦) في الحِجالِ (^٧).\nوقوله: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾. يقولُ: نعمَ الثوابُ جناتُ عدنٍ وما وصَف جلّ ثناؤُه أنه جعَل لهؤلاء الذين آمَنوا وعملوا الصالحاتِ، ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾. يقولُ: وحسُنت هذه الأرائكُ في هذه الجنانِ التي وصَف تعالى ذكرُه في هذه الآية مُتَّكَأً.\nوقال ﷿: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾. فأنَّثَ الفعلَ بمعنَى: وحسُنت هذه الأرائكُ مرتَفَقًا. ولو ذَكَّر لتذكيرِ المُرتفقِ كان صوابًا، لأن \"نِعْمَ\" و\"بِئسَ\" إنما\n_________\n(^١) جفت في السير أي لم تطمئنَّ. ديوان ذى الرمة ٣/ ١٧٢٩ بشرح الباهلي.\n(^٢) المعزاء: الأرض الحزنة الغليظة ذات الحجارة. اللسان (م ع ز).\n(^٣) ديوانه ص ١٢٩.\n(^٤) الأنضاد؛ جمع نَضَد: وهو ما نُضِّد من متاع البيت. أي جعل بعضه على بعض. ينظر اللسان (ن ض د).\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٣. ليس فيه ذكر \"معمر\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) في ص، ت ١، ف: \"الستور\".\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٣. عن معمر عن الكلبي.","vol":"15","page":256},{"text":"تُدْخِلُهما العربُ [في الكلامِ لتدُلَّا على المدح والذمِّ لا للفعلِ، فلذلك تذكِّرُهما مع المؤنَّثِ] (^١)، وتوحِّدُهما مع الاثنَين والجماعةِ.\n\n<span id=\"aya-2172\"></span><span data-type='title' id=toc-5469>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واضْرِبْ يا محمدُ لهؤلاء المشرِكين باللَّهِ، الذين سألُوك أن تطرُدَ الذين يدْعُون ربَّهم بالغداةِ والعشيِّ يُريدون وجهَه، ﴿مَثَلًا﴾ مثلَ رجلينِ جعلنا لأحدهمَا (^٢) بستانين (^٣) مِن مِن كُرومٍ (^٤)، ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾. يقولُ: وأطَفْنا هذَين البُستانَين بنخلٍ.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾. يقولُ: وجعَلْنا وسَطَ هذَين البُستانَين زرْعًا.\n\n<span id=\"aya-2173\"></span>وقوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾. يقولُ: كلا البستانين أطْعَم ثمَرَه وما فيه مِن الغُروسِ من النخلِ والكَرْمِ وصُنوفِ الزَّروعِ.\nوقال: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾. ثم قال: ﴿آتَتْ﴾. فوحَّد الخبرَ؛ لأنَّ \"كلتا\" لا تُفْرَدُ واحدتُها، وأصلُه \"كلّ\"، وقد تُفْرِدُ العربُ \"كلتا\" أحيانًا، ويذْهَبون بها وهى مفرَدةٌ إلى التثْنيةِ، قال بعضُ الرُّجّازِ في ذلك (^٥):\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ف.\n(^٢) بعده في م: \"جنتين أي جعلنا له\".\n(^٣) في ص، م، ت ٢، ف: \"بساتين\".\n(^٤) في ص، ت ١: \"كرم\".\n(^٥) البيت في معاني القرآن للفراء ٢/ ١٤٢، واللسان (ك ل ا)، وخزانة الأدب ١/ ١٢٩ وأشار في الخزانة =","vol":"15","page":257},{"text":"في كِلْتِ (^١) رِجْلَيْها سُلامَى (^٢) واحِدَه … كلتاهما مَقْرُونةٌ بزَائِدَه\nيُريدُ بـ \"كلت\" \"كلتا\". وكذلك تفعل بـ \"كلتا\" و\"كِلَا\" و\"كلّ\"؛ إذا أُضِيفَتْ إلى معرفةٍ وجاء الفعلَ بعدَهن (^٣)، يُجْمَعُ ويُوحَّدُ.\nوقوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾. يقولُ: ولم تَنْقُصْ من الأكلِ شيئًا، بل آتت ذلك تامًّا كاملًا، ومنه قولُهم: ظلَم فلانٌ فلانًا حقَّه، إذا بخَسَه ونقَصه. كما قال الشاعرُ (^٤):\nتظلَّمنى مالى كَذا ولَوَى يدِى … لَوَى يدَه اللَّهُ الذي هو غالِبُه\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5470>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾. أي: لم تَنْقُصْ منه شيئًا.\nوقوله: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وسيَّلْنا خلالَ هذَين البُسْتانَينْ نَهَرًا. يعنى: بينَهما وبينَ أشجارِهما نَهَرًا.\n_________\n= إلى أنه بيت مصرع وليس بيتين من الرجز.\n(^١) كسر التاء مذهب الكوفيين على أنها مفرد \"كلتا\". أما البصريون فيذهبون إلى فتح التاء من \"كلت\" على أنها \"كلتا\"، وإنما حذفت الألف للضرورة وبقيت فتحة التاء دلالة عليها.\nهذا، وقد رد البغدادى كلام الكوفيين، وذهب مذهب البصريين. ينظر تفصيل ذلك في الخزانة ١/ ١٢٩ - ١٣٤.\n(^٢) السلامي: عظام الأصابع في اليد والقدم. (اللسان س ل م).\n(^٣) بعده في م: \"و\".\n(^٤) هو فرعان بن الأعرف. وتقدم عجز هذا البيت في ٥/ ٥٢٣.","vol":"15","page":258},{"text":"وقيل: ﴿وَفَجَّرْنَا﴾. فثقَّل الجيمَ منه؛ لأنَّ التفجيرَ في النهَرِ كلِّه، وذلك أنَّه يَمتدُّ (^١) ماءً فيُسيلُ بعضُه بعضًا.\n\n<span id=\"aya-2174\"></span>وقوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾. اختَلَفَتِ القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ الحجازِ والعراقِ: (وكانَ لَهُ ثُمُرٌ). بضمِّ الثاءِ والميمِ (^٢).\nواختلَف قارِئو ذلك كذلك؛ فقال بعضُهم: كان له ذهبٌ وفِضَّةٌ. وقالوا: ذلك هو الثمُرُ؛ لأنّها أموال مثمَّرةٌ، يعني: مكثَّرَةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5471>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: (وكان لَهُ ثُمُرٌ). قال: ذهبٌ وفِضةٌ. وفى قولِ اللَّهِ ﷿: (بثُمُرِهِ). قال: هي أيضًا ذهبٌ وفِضةٌ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: (ثُمُرٌ). قال: ذهبٌ وفضةٌ. قال: وقوله (وأُحيطَ بثُمُرِه): هي هي أيضًا.\nوقال آخرون: بل عَنَى به المالَ الكثيرَ من صُنوفِ الأموالِ.\n_________\n(^١) في ص: \"يميد\". وفى م، ت ١، ف: \"يميد\". وينظر معاني القرآن، ٢/ ١٤٤، والتبيان ٧/ ٣٧، والبحر المحيط ٦/ ١٢٤.\n(^٢) وهى قراءة نافع، وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي. السبعة ص ٣٩٠.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٤٧. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":259},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5472>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثني حجاجٌ، عن هارونَ، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، قال: قرَأها ابن عباسٍ: (وكان لَهُ ثُمُرٌ)، بالضمِّ، وقال: يعنى أنواعَ المالِ (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: (وكان لَهُ ثُمُرٌ) يقولُ: مالٌ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: (وكان لَهُ ثُمُرٌ). يقولُ: من كلِّ المالِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: (وأُحِيطَ بثُمُرِه). قال: الثُّمُرُ مِن المالِ كلِّه، يعنى الثَّمَرَ وغيرَه من المالِ كلِّه (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: الثُّمُرُ المالُ كلُّه. قال: وكلُّ مالٍ إذا اجتَمَع فهو ثُمُرٌ، إذا كان مِن لونِ الثمرةِ وغيرِها من المالِ كلِّه.\nوقال آخرون: بل عنَى به الأصلَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5473>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وكان لَهُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٢ إلى المصنف وأبى عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٤.","vol":"15","page":260},{"text":"ثُمُرٌ): الثُّمُرُ الأصلُ. قال: (وأُحِيطَ بثُمُرِه). قال: بأصلِه (^١).\nوكأنَّ الذين وجَّهُوا معناها إلى أنها أنواعٌ من المالِ أرادوا أنها جمعُ \"ثمارٍ\" جُمِع \"ثُمُرًا\"، كما يُجْمَعُ الكتاب \"كُتُبًا\"، والحمارُ \"حُمُرًا\".\nوقد قرَأ بعضُ مَن وافَق هؤلاء في هذه القراءةِ: (ثُمْرٌ) بضمِّ الثاءِ وسكونِ الميمِ (^٢)، وهو يُرِيدُ الضمَّ فيها، غيرَ أنه سكَّنها طلب التخفيفِ. وقد يَحتمِلُ أن يكونَ أراد بها جمعَ \"ثَمَرِةٍ\"، كما تُجمَعُ الخَشَبَةُ \"حُشْبًا\". وقرأ ذلك بعضُ المدنيّين: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾. بفتحِ الثاءِ والميمِ (^٣)، بمعنى جمعِ \"الثَّمَرِةِ\"، كما تُجمَعُ الخَشَبَةُ \"خَشَبًا\"، والقَصَبَةُ \"قَصَبًا\".\nوأولى القراءاتِ في ذلك عندى بالصوابِ (^٤) قراءةُ مَن قرَأ: (وكان لَهُ ثُمُرٌ). بضمِّ الثاءِ والميمِ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، وأن ذلك (^٥) جمعُ \"ثمارٍ\"، كما الكُتُبُ جمعُ \"كتابٍ\".\nومعنى الكلامِ: وفجَّرنا خلالَهما نهَرًا، وكان له منهما ثُمُرٌ - بمعنى من جنَّتيه (^٦) - أنواعٌ من الثمارِ. وقد بَيَّن ذلك لَمَن وُفِّق لفَهمِه - قولُه: ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾. ثم قال: وكان له من هذه الكُرُومِ والنخل والزرع ثُمُرٌ.\nوقولُه: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾. يقولُ ﷿: فقال هذا الذي جعَلنا له جنَّتين من أعنابٍ، لصاحبِه الذي لا مالَ له وهو يخاطِبُه: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٦/ ١٢٥.\n(^٢) قرأ بها أبو عمرو البصرى في الموضعين. السبعة لابن مجاهد ص ٣٩٠.\n(^٣) هو أبو جعفر، وبه أيضًا قرأ عاصم وروح. النشر ٢/ ٢٣٣.\n(^٤) القراءات الثلاثة متواترة.\n(^٥) في ص، م، ف: \"كانت\".\n(^٦) في ت ٢: \"جنتيهما\".","vol":"15","page":261},{"text":"مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾. يقولُ: وأعزُّ عشيرةً ورَهْطًا. كما قال عُيينةُ والأقرعُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ: نحن ساداتُ العربِ وأربابُ الأموالِ، فنَحِّ عنا سلمانَ وخَبَّابًا وصُهيبًا. احتقارًا لهم، وتكبُّرًا عليهم (^١).\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾: وتلك واللَّهِ أمنيةُ (^٢) الفاجرِ؛ كثرةُ المالِ، وعزَّةُ النفرِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-2175\"></span><span data-type='title' id=toc-5474>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي جعَلنا له جنتين من أعنابٍ ﴿دَخَلَ جَنَّتَهُ﴾، وهى بستانُه، ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾. وظلمُه نفسَه كفرُه بالبعثِ، وشكُّه في قيامِ الساعةِ، ونسيانُه المعادَ إلى الله تعالى، فأوجَب لها بذلك سُخْطَ اللَّهِ وأليمَ عقابِه.\n\n<span id=\"aya-2176\"></span>وقوله: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: قال لما عايَنَ جنتَه، ورآها وما فيها من الأشجارِ والثمارِ والزروعِ والأنهارِ المُطَّرِدَةِ، شكًّا في المعادِ إلى اللَّهِ: ما أظنُّ أن تَبِيدَ هذه الجنةُ أبدًا، ولا تفنَى ولا تَخْرَبَ. وما أظنُّ الساعةَ التي وعَد اللَّهُ خلْقَه الحشرَ فيها تقومُ فتَحدُثُ. ثم تمنَّى أُمنيةً أخرى على شكٍّ منه، فقال: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ فرجَعتُ إليه - وهو غيرُ موقنٍ أنه راجعٌ إليه: ﴿لأَجِدَنَّ\n_________\n(^١) تقدم في ٩/ ٢٥٨ - ٢٦٣ ص ٢٣٩ - ٢٤١ من هذا الجزء.\n(^٢) في ص، ف: \"أمنة\".\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ١٥٣.","vol":"15","page":262},{"text":"خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾. يقولُ: لأجِدنَّ خيرًا من جنتى هذه عندَ اللهِ -إن رُدِدتُ إليه- مرجعًا ومردًّا. يقولُ: لم يُعْطِني هذه الجنةَ في الدنيا إلا ولى عندَه أفضلُ منها في المعادِ إِن رُدِدتُ إليه.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾. قال: شَكَّ. ثم قال: ﴿وَلَئِنْ﴾ كان ذلك ثم ﴿رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾، ما أعطَاني هذه إلا ولى عندَه خيرٌ من ذلك.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾: كفورٌ لنعمِ ربِّه، مكذِّبٌ بلقائِه، متمنٍّ على اللهِ (^١).\n\n<span id=\"aya-2177\"></span><span data-type='title' id=toc-5475>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال لصاحبِ الجنتين صاحبُه الذي هو أقلُّ منه مالًا وولدًا، ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾. يقولُ: وهو يخاطِبُه ويكلِّمُه: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾. يعني: خلَق أباك آدمَ من ترابٍ ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾. يقولُ: ثم أنَشأك من نطفةِ الرجلِ والمرأةِ، ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾. يقولُ: ثم عدَّلك بشرًا سويًّا، رجلًا ذكرًا لا أنثى. يقولُ: أكفَرتَ بمَن فعَل بك هذا أن يُعِيدَك خلْقًا جديدًا بعدَما تَصِيرُ رُفاتًا .\n\n<span id=\"aya-2178\"></span>﴿لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾. يقولُ: أما أنا فلا أكفُرُ بربي، ولكن أنا: هو اللهُ ربِّي. معناه\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٢ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"15","page":263},{"text":"أنه يقولُ: ولكن أنا أقولُ: هو الله ربِّى، ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.\nوفي قراءةِ ذلك وجهان؛ أحدهما: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ بتشديدِ النونِ وحذفِ الألفِ في حالِ الوصلِ، كما يقالُ: أنا قائمٌ. فتُحذَفُ الألفُ من \"أنا\"، وذلك قراءةُ عامةِ قرأةِ أهلِ العراقِ (^١). وأما في الوقفِ فإن القرأةَ كلَّها تُثْبِتُ فيها الألفَ؛ لأن النونَ إنما شُدِّدت لاندغامِ النونِ من \"لَكِنْ\"، وهى ساكنةٌ في النونِ التي من \"أنا\"، إذ سقَطَت الهمزةُ التى في \"أنا\"، فإذا وُقِف عليها ظهَرت الألفُ التي في \"أنا\"، فقيل: لكنَّا؛ لأنه يقالُ في الوقف على \"أنا\" بإثباتِ الألفِ لا بإسقاطِها، وقرَأ ذلك جماعةٌ من أهلِ الحجازِ: ﴿لَكِنَّا﴾ بإثباتِ الألفِ في الوصلِ والوقفِ (^٢)، وذلك وإن كان مما يُنْطَقُ به في ضرورةِ الشعرِ، كما قال الشاعرُ (^٣):\nأنا سيفُ العشيرةِ فاعْرِفوني … حُمَيدًا قد تَذَرَّيْتُ السَّناما\nفأثبَتَ الألفَ في \"أنا\" -فليس ذلك بالفصيحِ من الكلامِ.\nوالقراءةُ التي هي القراءةُ الصحيحةُ عندَنا ما ذكَرنا عن العراقيين، وهو حذفُ الألفِ من ﴿لَكِنَّا﴾ في الوصلِ، وإثباتُها في الوقفِ.\n\n<span id=\"aya-2179\"></span><span data-type='title' id=toc-5476>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩)﴾.</span>\nيقولُ عزَّ ذكرُه: وهلَّا إذ دخَلْتَ بستانَك، فأعجَبك ما رأَيتَ منه، قلتَ: ما شاء اللهُ كان. وفى الكلامِ محذوفٌ استُغْنِى بدلالةِ ما ظهَر عليه منه، وهو جوابُ\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ونافع. التيسير ص ١١٧.\n(^٢) هي قراءة أبي جعفر -وهى متواترة- وابن عامر. النشر ٢/ ٢٣٣.\n(^٣) البيت لحميد بن حريث بن بحدل، وهو في الخزانة ٥/ ٢٤٢.","vol":"15","page":264},{"text":"الجزاءِ، وذلك \"كان\".\nوإذا وُجِّه الكلامُ إلى هذا المعنى الذى قلنا كانت \"ما\" نصبًا بوقوعِ فعلِ اللهِ عليه، وهو \"شاء\"، وجاز طرحُ الجوابِ؛ لأنَّ معنى الكلامِ معروفٌ، كما قيل: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٥]. وترَك الجوابَ، إذ كان مفهومًا معناه، وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: \"ما\" من قولِه: ﴿مَا شَاءَ اللهُ﴾ في موضعِ رفعٍ بإضمارِ \"هو\"، كأنه قيل: قلتَ هو ما شاء اللهُ ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. يقولُ: لا قوّةَ على ما نحاوِلُ من طاعتِه إلا به.\nوقولُه: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾. وهو قولُ المؤمِن الذى لا مالَ له ولا عشيرةَ، مثلَ صاحبِ الجنتين وعشيرته، وهو مثلُ سَلْمَانَ وصُهَيبٍ وخَبابٍ. يقولُ: قال المؤمنُ للكافرِ: إن تَرَنِ أيها الرجلُ أنا أقلَّ منكَ مالًا وولدًا. فإذا جعَلتَ \"أنا\" عمادًا نصبتَ \"أقلَّ\"، وبه القراءة عندَنا؛ لأن عليه قراءةُ الأمصارِ، وإذا جعَلتَه اسمًا رَفعتَ \"أقلُّ\".\n\n<span id=\"aya-2180\"></span><span data-type='title' id=toc-5477>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ المؤمنِ الموقنِ للمعادِ إلى اللهِ، للكافرِ المرتابِ في قيامِ الساعةِ: إن تَرَنِ أيها الرجلُ أنا أقلَّ منك مالًا وولدًا في الدنيا، فعسَى ربي أن يَرْزُقَنى خيرًا من بستانِك هذا ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾. يعني: على جنةِ الكافرِ التي قال لها: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ - ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. يقولُ: عذابًا من السماءِ تُرْمَى به رميًا وتُقْذَفُ، والحُسْبانُ: جمع حُسْبانةٍ. وهى المَرامي.","vol":"15","page":265},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: عذابًا.\nحدِّثتُ عن محمدِ بنِ يزيدَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: عذابًا (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال: عذابًا. قال: الحُسبانُ: قضاءٌ من اللهِ يَقْضِيه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمّى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قال: الحُسبانُ: العذابُ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ، [قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ] (^٣)، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال: عذابًا (^٤).\nوقولُه: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: فتصبحَ جنَّتُك هذه -أيها الرجلُ- أرضًا ملساءَ لا شيءَ فيها، قد ذهَب كلُّ ما فيها من غَرْسٍ ونَبْتٍ، وعادت خرابًا بلاقِعَ ﴿زَلَقًا﴾ لا يثبتُ في أرضِها قدمٌ لامْلِيساسِها (^٥)، ودُروسِ ما كان نابتًا فيها.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٤ إلى ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٤ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٤. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ف: \"لاملساسها\". يقال: مَلُس ملاسة واملاسّ امليساسًا، وهو أملس ومليس. وينظر الصحاح، واللسان (م ل س).","vol":"15","page":266},{"text":"زَلَقًا﴾. أى: قد حُصِد ما فيها فلم يُترَك فيها شيءٌ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾. قال: مثلَ الجُرُزِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾. قال: ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ و﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨]. واحدٌ، ليس فيها شيءٌ من النباتِ.\n\n<span id=\"aya-2181\"></span>وقولُه: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾. يقولُ: أو يصبحَ ماؤُها غائرًا. فوضَع الغورَ، وهو مصدرٌ، مكانَ الغائرِ، كما قال الشاعرُ (^٣):\nتَظَلُّ جِيادُهُ نَوْحًا عَلَيهِ … مُقَلَّدَةً أَعِنَّتَهَا صُفُونا (^٤)\nبمعنى نائحةً؛ وكما قال الآخرُ (^٥):\nهَرِيقى مِنْ دُموعهما سِجاما (^٦) … ضُباعَ (^٧) وجَاوِبِي نَوْحًا قِيامَا\nوالعربُ توحِّدُ الغَورَ مع الجمعِ والاثنين، وتذكِّرُ مع المذكرِ والمؤنثِ، تقولُ: ماءٌ غَورٌ، وماءان غَوْرٌ، ومياهٌ غَورٌ. ويعنى بقوله: ﴿غَوْرًا﴾: ذاهبًا قد غار في الأرضِ فذهَب فلا تلحَقُه الرِّشاءُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٤ إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) هو عمرو بن كلثوم. من معلقته الشهيرة. والبيت في مجاز القرآن ١/ ٤٠٤ كرواية المصنف، وشرح القصائد السبع الطوال الجاهليات للأنبارى ص ٣٨٩، وشرح القصائد التسع المشهورات للنحاس ٢/ ٦٣١. ورواية الشطر الأول فيهما: تركنا الخيل عاكفة عليه.\n(^٤) الصافن من الخيل: الذى قد قلب أحد حوافره وقام على ثلاث قوائم. اللسان (ص ف ن).\n(^٥) البيت في مجاز القرآن ١/ ٤٠٤، وأمالي المرتضى ١/ ٢٠١. غير منسوب.\n(^٦) سجَم العينُ والدمعُ الماءَ يَسجُم سُجومًا وسجامًا: إذا سال وانسجم. اللسان (س ج م).\n(^٧) اسم امرأة، على الترخيم من ضباعة.","vol":"15","page":267},{"text":"كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾. أى: ذاهبًا قد غار في الأرضِ.\nوقولُه: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾. يقولُ: فلن تُطيقَ أن تُدرِكَ الماءَ الذي كان في جنَّتِك بعدَ غَوْرِه، بطلبكَ إِيَّاهُ.\n\n<span id=\"aya-2182\"></span><span data-type='title' id=toc-5478>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأحاط الهلاكُ والجوائحُ بثمرِه، وهى صنوفُ ثمارِ جنَّتِه التي كان يقولُ لها: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾. فأصبَحَ هذا الكافرُ صاحبُ هاتين الجنَّتَين، يقلِّبُ كفَّيْهِ ظهرًا لبطنٍ، تلَهُّفًا وأسفًا على ذَهَابِ نفقته التي أنفَق في جنَّتِه، ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. يقولُ: وهي خاليةٌ على نباتِها وبيوتِها.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾. أى: يُصَفِّقُ كفَّيْهِ ﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ مُتَلهِّفًا على ما فاته وهو يقولُ: ﴿لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.\n﴿وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي﴾. يقولُ: يتمَنَّى هذا الكافرُ، بعد ما أُصِيب بجنَّتِه، أنَّه لم يكنْ كان أشرَك بربِّه أحدًا. يعنى بذلك: هذا الكافرُ إذا هلَك وزالت عنه دنياه وانفرَد بعملِه، ودَّ أنه لم يكنْ كفَر باللهِ ولا أشرَك به شيئًا.\n\n<span id=\"aya-2183\"></span><span data-type='title' id=toc-5479>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾.</span>","vol":"15","page":268},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ولم يكنْ لصاحبِ هاتين الجنَّتَين فِئَةٌ. وهم الجماعةُ، كما قال العَجَّاجُ (^١):\nكما يَحُورُ الفِئَةَ الكَمِيُّ\nوبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن خالف بعضُهم في العبارة عنه عبارتَنا، فإن معناهم نظيرُ معنانا فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى \"ح\"، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾. قال: عشِيرةٌ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾. أي: جندٌ ينصُرونَهُ (^٣).\nوقولُه: ﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ يقولُ: يمنَعونه من عقابِ اللهِ وعذابِه إذا عاقَبه وعذَّبه.\nوقولُه: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾. يقولُ: ولم يكن ممتَنِعا من عذابِ الله إذا عذَّبه.\n_________\n(^١) ديوانه ص ٣٣٢.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٤٧، ٤٤٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٤ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"15","page":269},{"text":"كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾. أي: ممتَنِعًا (^١).\n\n<span id=\"aya-2184\"></span>وقولُه: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: ثَمَّ، وذلك حينَ حلَّ عذابُ الله بصاحبِ الجَنَّتَينِ في القيامةِ.\nواختلَفتِ القرأة في قراءة قوله: ﴿الْوَلَايَةُ﴾؛ فقرَأ بعضُ أهلِ المدينةِ والبصرةِ والكوفةِ: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ﴾، بفتحِ الواوِ من ﴿الْوَلَايَةُ﴾ (^٢) يعْنُون بذلك: هُنالِك المُوالاةُ للَّهِ. كقولِ اللهِ: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وكقولِه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١]. يذهَبون بها إلى الوَلايةِ في الدِّينِ. وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ: (هُنالك الوِلايَةُ). بكسرِ الواوِ (^٣)، من المُلْكِ والسُّلطانِ، من قولِ القائلِ: وَلِيتُ عملَ كذا، أو بلْدةَ كذا أَلِيه وِلايَةً.\nوأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ قراءةُ من قرَأ بكسرِ الواوِ، وذلك أَنَّ اللهَ عقَّبَ ذلك خبرَه عن مُلكِه وسُلطانِه، وأن مَن أحَلَّ به نِقْمَتَه يومَ القيامةِ فلا ناصرَ له يومئذٍ، فإتْباعُ ذلك الخبرَ عن انفرادِه بالمملكةِ والسلطانِ أولى من الخبرِ عن المُوالاةِ التي لم يجرِ لها ذكرٌ، ولا معْنًى لقولِ من قال: لا يُسمَّى سلطانُ اللهِ ولايةً، وإنما يُسمَّى ذلك سلطانُ البشرِ؛ لأنَّ الولايةَ معناها أنَّه يَلى أمرَ خلقِه منفردًا به دونَ جميعِ خَلْقِه، لا أنه يكون أميرًا عليهم.\nواخْتلَفوا أيضًا في قراءةِ قولِه: ﴿الْحَقِّ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ والعراقِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم ونافع وابن عامر. حجة القراءات ص ٤١٨.\n(^٣) وهى قراءة حمزة والكسائي. حجة القراءات ص ٤١٨.","vol":"15","page":270},{"text":"خفضًا (^١)، على توجِيههِ إلى أنَّه من نعتِ اللهِ، وإلى أن معنَى الكلامِ: هُنالِكَ الوَلايةُ للَّهِ الحقِّ ألوهتُه، لا الباطلِ بطولَ [ألوهةِ الآلهةِ] (^٢) التي يَدْعوها المشركون باللهِ آلهةً. وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ البصرةِ وبعضُ متأخِّرِي الكوفيِّين: (للَّهِ الحَقُّ). برفعِ \"الحقُّ\" (^٣) توجيهًا منهما (^٤) إلى أنه من نعتِ الوَلايةِ، ومعناه: هنالك الوَلايةُ الحقُّ لا الباطلُ، للَّهِ وحدَه لا شريك له\nوأولى القراءتين في ذلك عندى بالصوابِ (^٥) قراءةُ مَن قرَأه خفضًا على أنه من نعتِ اللهِ، وأن معناه ما وصَفتُ على قراءةِ مَن قرَأه كذلك.\nوقولُه: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: اللهُ (^٦) خيرٌ للمُنيبين في العاجلِ والآجل ثوابًا، ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾. يقولُ: وخيرُهم عاقبةً في الآجلِ إذا صار إليه المطيعُ له، العاملُ بما أمَره اللهُ، والمنتهى عمَّا نهاه عنه. والعُقْبُ هو العاقبةُ، يُقالُ: عاقبةُ أمرِ كذا وعُقْباه وعُقْبُه. وذلك آخِرُه وما يصيرُ إليه مُنتَهاهُ.\nوقد اختلَف القرأةُ في قراءةِ ذلك فقرَأَتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿عُقْبًا﴾ بضمِّ العينِ وتسكينِ القافِ (^٧).\nوالقولُ في ذلك عندنا، أنهما قراءتان مُستَفيضَتانِ في قرَأةِ الأمصارِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ.\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير وعاصم ونافع وابن عامر وحمزة. حجة القراءات ص ٤١٩.\n(^٢) في م، ت ١، ف: \"ألوهيته\".\n(^٣) وهى قراءة أبي عمرو والكسائي. حجة القراءات ص ٤١٩.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"منها\".\n(^٥) القراءتان متواترتان.\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٧) وهى قراءة عاصم وحمزة. والقراءة الأخرى بضم العين والقاف -لم تُذْكر، لعلها سقطت من =","vol":"15","page":271},{"text":"<span id=\"aya-2185\"></span><span data-type='title' id=toc-5480>القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾.</span>\nيقولُ عزَّ ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واضرِبْ لحياةِ هؤلاء المُستَكبرين -الذين قالوا لك: اطرُدْ عنك هؤلاء الذين يَدْعُون ربَّهم بالغداةِ والعشيِّ، إذا نحن جئناك- الدُّنيا مِنهم مَثَلًا. يقولُ: شَبَهًا. ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾. يقولُ: كمطرٍ أَنزَلْناه من السماءِ [إلى الأرضِ] (^١) ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾. يقولُ: فاختَلَط بالماءِ نباتُ الأرضِ، ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾. يقولُ: فأصبَح نباتُ الأرضِ يابسًا مُتفَتِّتًا، ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾. يقولُ: تُطيِّرُه الرياحُ وتُفرِّقُه، يقال منه: ذَرَته الريحُ تَذْرُوه ذَرْوًا، وذَرَتْه ذَرْيًا، وأَذْرَته تُذْرِيهِ إِذْرَاءً (^٢)، كما قال الشاعرُ (^٣):\nفقُلْتُ لَهُ صَوِّبْ وَلا تُجْهِدَنَّه … فَيُذْرِكَ مِنْ أُخرَى القَطَاةِ فَتُزلَقِ\nيُقال: أَذْرَيتُ الرجلَ عن الدَّابةِ والبعيرِ: إذا أَلْقَيْتُه عنه.\nوقولُه: ﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ يقولُ: وكان اللهُ على تخريبِ جَنَّةِ هذا القائلِ حينَ دخَل جَنَّتَه: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾. وإهلاكِ أموالِ ذى الأموال الباخلين بها عن حقوقها، وإزالةِ دنْيا الكافرين به عنهم، وغيرِ ذلك مما يشاءُ، قادرًا لا يُعجِزُه شيءٌ أرادَه، ولا يُعْييه أمرٌ أرادَه، يقولُ: فلا يَفْخَرْ ذو الأموالِ بكثرةِ أموالِه، ولا يستكبِرْ على غيرِه\n_________\n= الناسخ- هي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبي عمرو والكسائي. السبعة ص ٣٩٢.\n(^١) سقط من: م، ف.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"اذراه\". وينظر اللسان (ذ ر ا).\n(^٣) هو امرؤ القيس. ديوانه ص ١٧٤.","vol":"15","page":272},{"text":"بها، ولا يغترَّنَّ أهلُ الدنيا بدُنْياهم؛ فإنَّما مَثَلُها مَثَلُ هذا النباتِ الذى حسُن اسْتِواؤه بالمطرِ، فلم يكنْ إلا رَيْثَ أن انْقطَع عنه الماءُ، فتناهى نهايتَه، عاد يَبِسًا (^١) تَذْرُوه الرياحُ، فاسدًا، تَنْبُو عنه أعينُ الناظرين، ولكنْ ليعمَلْ للباقى الذى لا يَفْنَى، والدائمِ الذي لا يَبِيدُ ولا يتغيَّرُ.\n\n<span id=\"aya-2186\"></span><span data-type='title' id=toc-5481>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: المالُ والبنونَ، أَيُّها الناسُ، التي يفخَرُ بها عيينةُ والأقرعُ، ويتكبَّران بها على سلمانَ وخبابٍ وصهيبٍ، مما يُتَزيَّنُ به في الحياةِ الدنيا، وليسا من عُدَدِ (^٢) الآخرةِ، ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾. يقولُ: وما يعمَلُ سلمانُ وخبابٌ وصهيبٌ من طاعةِ اللهِ ودعائِهم ربَّهم بالغداةِ والعشيِّ يُريدُون وجهَه، الباقى لهم من الأعمالِ الصالحةِ بعدَ فناءِ الحياةِ الدُّنيا، خيرٌ يا محمدُ عندَ ربِّك ثوابًا من المالِ والبنينَ التى يَفتخِرُ هؤلاء المشرِكون بها، التي تَفْنَى، فلا تَبْقَى لأهلِها، ﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. يقولُ: وما يُؤمِّلُ من ذلك سلمانُ وصهيبٌ وخبابٌ، خيرٌ مما يُؤمِّلُ عيينةُ والأقرعُ من أموالِهما وأولادِهما. وهذه الآياتُ من لَدُنِ قولِه: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٢٧]. إلى هذا الموضعِ، ذُكِر أنها نزَلت في عيينةَ والأقرعِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسينُ بنُ عمرٍو العنقزيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ بنُ نصرٍ، عن السديِّ، عن أبى سعدٍ (^٣) الأزديِّ، وكان قارئَ الأزدِ، عن أبى الكنودِ، عن خبابٍ\n_________\n(^١) في م: \"يابسًا\".\n(^٢) في م: \"عداد\"\n(^٣) في م: \"سعيد\". وكلاهما صواب. ينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ٣٤٤.","vol":"15","page":273},{"text":"فى قولِه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢]. ثم ذكَر القصةَ التي قد ذكَرناها في سورةِ الأنعامِ في قصةِ عيينةَ والأقرعِ، إلى قولِه: [﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾. قال: عيينةُ والأقرعُ] (^١). ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (^٢) [الكهف: ٢٨]. قال: ثم (^٣) ضرَب لهم مثلًا رجلين، ومثلَ الحياةِ الدنيا (^٤).\nواختلَف أهلُ التأويلِ فى المعنيِّ بالباقياتِ الصالحاتِ، اختلافَهم في المعنيِّ بالدعاءِ الذي وصَف جلَّ ثناؤه به الذين (^٥) نَهَى رسول اللهِ ﷺ عن طردِهم، وأمَره (^٦) بالصبرِ معهم؛ فقال بعضُهم: هى الصلواتُ الخمسُ. وقال بعضُهم: هي ذكرُ اللهِ بالتَّسبيحِ والتَّقديسِ والتَّهليلِ، ونحوِ ذلك. وقال بعضُهم: هي العملُ بطاعةِ اللهِ. وقال بعضُهم: الكلامُ الطيِّبُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5482>ذكرُ مَن قال: هي الصلواتُ الخمسُ</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ الأنماطيُّ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ كاسبٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ الأُمويُّ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ يزيدَ بنِ هرمزَ يُحدِّثُ عن عبيدِ اللهِ بنِ عتبةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾: الصلواتُ الخمسُ.\nحدَّثني زُريقُ بنُ السَّختِ (^٧)، قال: ثنا قَبيصَةُ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ف.\n(^٢) بعده فى م، ت ١، ف: \"قال\".\n(^٣) بعده في م: \"قال\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ٩/ ٢٥٩، ٢٦٠.\n(^٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"والذي\".\n(^٦) في ص، ت ٢، ف: \"أمرهم\".\n(^٧) فى م: \"إسحاق\". وينظر الإكمال لابن ماكولا ٤/ ٥٦.","vol":"15","page":274},{"text":"مسلمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾. قال: الصلواتُ الخمسُ (^١).\nحدَّثني يحيى بنُ إبراهيم المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جَدِّهِ، عن الأعمشِ، عن أبي إسحاقَ عن عمرِو بنِ شُرَحبيلَ في هذه الآيةِ: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾. قال: هي الصلواتُ (^٢) المكتوباتُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن عبدِ الله بنِ مسلمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾: الصلواتُ الخمسُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الحسنِ بنِ عبيدِ (^٤) اللهِ، عن إبراهيمَ، قال: ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾: الصلواتُ الخمسُ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميْسرةَ: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾. قال: الصلواتُ الخمسُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5483>ذكرُ مَن قال: هنَّ ذكرُ اللهِ بالتَّسبيحِ والتَّحميدِ ونحوِ ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ وعبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ ومحمدُ بنُ عُمَارة الأسديُّ، قالوا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ، قال: أخبَرنا حَيْوَةُ، قال: أخبَرنا أبو عَقيلٍ زُهرةُ بنُ مَعْبَدٍ القرشيُّ، من بنى تَيْمٍ (^٦) من رَهطِ أبى بكرٍ الصدِّيقِ، أنَّه سمِع الحارثَ مولى عثمانَ بنِ عفانَ،\n_________\n(^١) تفسير سفيان الثوري ص ٥٤١.\n(^٢) بعده في ت ٢: \"الخمس\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٢، وتفسير الثوري ص ١٨٩.\n(^٤) في م: \"عبد\". وينظر تهذيب الكمال ٦/ ١٩٩.\n(^٥) تفسير الثوري ص ١٨٩.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"تميم\".","vol":"15","page":275},{"text":"يقولُ: قيل لعثمانَ: ما الباقياتُ الصالحاتُ؟ قال: هنَّ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وسبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، واللهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ (^١).\nحدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبو زرعةَ، قال: ثنا حَيْوةُ، قال: ثنا أبو عَقيلٍ زهرةُ بنُ معبدٍ، أنه سمِع الحارثَ مولى عثمانَ بنِ عفانَ يقولُ: قيل لعثمانَ بنِ عفانَ: ما الباقياتُ الصالحاتِ؟ قال: هى لا إلهَ إِلَّا اللهُ، وسبحانَ اللهِ وبحمدِه، واللهُ أكبرُ، والحمدُ للهِ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ.\nحدَّثني ابنُ عبدِ الرحيمِ البرْقيُّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: ثنا نافعُ بنُ يزيدَ ورِشْدِينُ بنُ سعدٍ، قالا: ثنا زهرةُ بنُ معبدٍ، قال: سمِعتُ الحارثَ مولى عثمانَ بنِ عفانَ يقولُ: قالوا لعثمانَ: ما الباقياتُ الصالحاتُ؟ فذكَر مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسلمِ بنِ هرمزَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾. قال: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إِلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعت عبدَ المَلِكِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾. قال: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إِلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بن غنَّامٍ، عن زائدةَ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.\n_________\n(^١) هذا الأثر والأثران اللذان بعده تقدم طرف من كل منهما في ١٢/ ٦١٥، ٦١٦. في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. وينظر تخريج هذا الأثر ثم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٤ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"15","page":276},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا مالكٌ، عن عمارةَ بنِ عبدِ اللهِ ابنِ صيَّادٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، قال: ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلَّا الله، واللهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: أخبرَني عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ بنِ خُثَيمٍ، عن نافعِ بنِ سَرْجَسٍ، أنه أخبرَه أنه سأل ابنَ عمرَ عن الباقياتِ الصالحاتِ، قال: لا إلهَ إِلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، وسبحانَ اللهِ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ (^٢).\nقال ابنُ جريجٍ: وقال عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ مثلَ ذلك (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾: سبحانَ الله، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾. قال: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٥٨ عن مالك به.\n(^٢) أخرجه البخارى فى تاريخه ١/ ٧٧ من طريق آخر عن ابن عمر. وزاد فيه: \"والحمد لله\". وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ١٥٨.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ١٥٧، ١٥٨.\n(^٤) تفسير الثوري ص ١٨٩.","vol":"15","page":277},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني أبو صخرٍ: أن عبدَ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ، مولى سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، حدَّثه قال: أرسَلنى سالمٌ إلى (^١) محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، فقال: قل له: القَنِى عندَ زاويةِ القبرِ؛ فإنَّ لى إليكَ حاجةً. قال: فالْتَقَيا، فسَلَّم أحدُهما على الآخرِ، ثم قال سالمٌ: ما تعدُّ الباقياتِ الصالحاتِ؟ فقال: لا إلهَ إِلَّا الله، والحمدُ للهِ، وسبحانَ اللهِ، واللهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ. فقال له سالمٌ: متى جعَلت فيها لا حولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ؟ فقال: ما زلتُ أجعَلُها. قال: فراجَعه مرَّتين أو ثلاثًا فلم ينزِعْ. قال: فأَثْبِتْ. قال سالمٌ: أَجَلْ فأُثْبِتُ؛ فإِنَّ أبا أيوبَ الأنصاريَّ حدَّثني أنه سمِع رسولَ اللهِ ﷺ وهو يقولُ: \"عُرِجَ بِي إلى السَّماءِ فَأُرِيتُ إِبْرَاهِيمَ، فقال: يا جِبرِيلُ، مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ فقال: محمَّدٌ. فرَحَّبَ بي وسَهَّلَ، ثمَّ قال: مُرْ أمتكَ فليُكْثِروا (^٢) من غِراسِ الجَنَّةِ؛ فإن تربتَها طيِّبةٌ، وأَرْضَها واسعةٌ. فقلتُ: وما غِراسُ الجنةِ؟ قال: لا حولَ ولا قوة إلَّا باللهِ\" (^٣).\nوجَدتُ في كتابي عن الحسنِ بنِ الصَّباحِ البزَّارِ، عن أبى نصرٍ التَّمارِ، عن عبدِ العزيزِ بنِ مسلمٍ، عن محمدِ بنِ عَجلانَ، عن سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"سُبْحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلَّا الله، وَاللهُ أكْبرُ، هن الباقياتُ الصالحاتُ\" (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"بن\".\n(^٢) في ص، م، ت ٢: \"فلتكثر\".\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٤١٨ (الميمنية)، وابن حبان (٨٢١) من طريق أبي صخر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٥٣ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه، جميعهم بدون القصة في أوله.\n(^٤) أخرجه النسائي (١٠٦٨٤)، والطبرانى في الأوسط (٤٠٢٧)، وفي الصغير ١/ ١٤٥، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٠٦)، والحاكم ١/ ٥٤١ من طريق عبد العزيز بن مسلم عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبى هريرة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٥ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"15","page":278},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾. قال: لا إله إلَّا الله، واللهُ أكبرُ، والحمدُ للهِ، وسبحانَ اللهِ، هنَّ الباقياتُ الصالحاتُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا عمرُو بنُ الحارثِ، أن دَرَّاجًا أبا السمحِ حدَّثه عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، أن رسول اللهِ ﷺ قال: \"اسْتَكْثِرُوا مِن الباقِياتِ الصَّالحاتِ\". قيل: وما هن يا رسولَ اللهِ؟ قال: \"المِلَّةُ\". قيل: وما هى يا رسولَ اللهِ؟ قال: \"التَّكْبِيرُ، والتَّهْلِيلُ، والتَّسْبِيحُ، والحَمْدُ، ولا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ\" (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني مالكٌ، عن عُمارةَ ابنِ صيادٍ، أنَّه سمِع سعيدَ بنَ المسيَّبِ يقولُ في الباقياتِ الصالحاتِ: إنها قولُ العبدِ: اللهُ أكبرُ، وسبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، [ولا إلهَ إلَّا الله] (^٢)، ولا حولَ ولا قوةَ إلَّا باللهِ.\nحدَّثني ابنُ البَرْقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: ثنى ابنُ عَجْلانَ، عن عُمارةَ بن صيَّادٍ، قال: سأَلنى سعيدُ بن المسيَّبِ، عن الباقياتِ الصالحاتِ، فقلتُ: الصلاةُ والصيامُ. قال: لم تُصِبْ. فقلتُ: الزكاةُ والحجُّ. فقال: لم تُصِبْ، ولكنهنَّ الكلماتُ الخمسُ: لا إلهَ إِلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، وسبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٨٤٠)، والطبرانى في الدعاء (١٦٩٧)، والحاكم ١/ ٥١٢، ٥١٣، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٠٥) من طريق ابن وهبٍ به، وأخرجه أبو يعلى (١٣٨٤)، والطبراني في الدعاء (١٦٩٦)، والبغوي في شرح السنة (١٢٨٢) عن دراج به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٤ إلى سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٥٨ عن محمد بن عجلان.","vol":"15","page":279},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5484>ذكْرُ مَن قال: هي العملُ بطاعةِ اللهِ ﷿</span>\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. قال: الأعمالُ الصالحةُ؛ سبحانَ اللهِ، والحمد للهِ، ولا إله إلَّا الله، واللهُ أكبرُ.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾. قال: هى ذكرُ اللهِ؛ قول: لا إله إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، وسبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، وتبارَكَ اللهُ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، وأستغفرُ اللهَ، وصلَّى اللهُ على رسولِ اللهِ، والصيامُ والصلاةُ والحجُّ والصَّدَقةُ والعتقُ والجهادُ والصلةُ، وجميعُ أعمالِ الحسناتِ، وهنَّ الباقياتُ الصالحاتُ، التي تَبْقَى لأهلِها في الجنةِ ما دامتِ السماواتُ والأرضُ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. قال: الأعمالُ الصالحةُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-5485>ذكرُ مَن قال: هي الكلمُ الطَّيبُ</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾. قال: الكلامُ الطيبُ (^٣).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٦٠ عن على بن أبي طلحة.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٦٠ عن ابن زيد.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٦٠ عن العوفي به.","vol":"15","page":280},{"text":"وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: هنَّ جميعُ أعمالِ الخيرِ. كالذى رُوِى عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ لأن ذلك كلَّه من الصالحاتِ التي تَبْقَى لصاحبِها في الآخرةِ، وعليها يُجازَى ويُثابُ، وأن اللهَ عزَّ ذكرُه لم يخصُصْ من قولِه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾. بعضًا دونَ بعضٍ في كتابٍ، ولا بخبرٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن ذلك مخصوصٌ بالخبرِ الذى روِّيناه عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ، فإن ذلك بخلافِ ما ظَنَّ، وذلك أن الخبرَ عن رسولِ اللهِ ﷺ إنما ورَد بأَنَّ قولَ: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إِلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ. هنَّ مِن الباقياتِ الصالحاتِ، ولم يقلْ: هُنَّ جميعُ الباقياتِ الصالحاتِ، ولا كُلُّ الباقياتِ الصالحاتِ. وجائزٌ أن تكونَ هذه باقياتٍ صالحاتٍ، وغيرُها من أعمالِ البرِّ -أيضًا- باقياتٍ صالحاتٍ.\n\n<span id=\"aya-2187\"></span><span data-type='title' id=toc-5486>القولُ في تأويلِ قوله عزَّ ذكرُه: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ (^١) الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾.</span>\nيقولُ عزَّ ذكرُه: ويوم نُسَيِّرُ (^٢) الجبالَ عن الأرضِ، فنَبُسُّها بَسًّا، ونجعَلُها هباءً مُنبَثًّا، ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾: ظاهرةً. وظهورُها لرَأى أعينِ الناظرين من غيرِ شيءٍ يستُرُها من جبلٍ ولا شجَرٍ، هو بُروزُها. وبنحوِ ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"تسير\". وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. ينظر السبعة ص ٣٩٣، والكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٦٤.\n(^٢) في ت ١، ف: \"تسير\".","vol":"15","page":281},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى \"ح\"، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾. قال: لا خَمَرَ (^١) فيها ولا غيابةَ. يعني (^٢) شجرَ (^٣) فيها (^٤).\nحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾: ليس عليها بناءٌ ولا شجرٌ (^٥).\nوقيل: معنى ذلك: وترَى الأرضَ بارزًا أهلُها الذين كانوا في بطنِها، فصاروا على ظهرِها. وقولُه: [﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾] (^٦). يقولُ: [وجمَعْناهم] (^٧) إلى موقفِ الحسابِ. ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾. يقولُ: فلم نتركْ، ولم نُبقِ مِنهم تحتَ الأرضِ أحدًا. يُقالُ منه: ما غادرتُ من القومِ أحدًا. وما أغدَرتُ مِنهم أحدًا. ومِن أَغدَرتُ قولُ الراجزِ (^٨):\n_________\n(^١) الخمر: كل ما سترك من شجر أو بناء أو غيره. النهاية ٢/ ٧٧.\n(^٢) في م: \"ولا بناء و\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"حجر\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٤٨. وذكره ابن كثير في تفسير ٥/ ١٦١. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٦١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٦ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٦) في ص، ت ١، ف: \"فحشرناهم\".\n(^٧) في ص، ت ١، ف: \"فجمعناهم\"، وفي م: \"جمعناهم\".\n(^٨) الرجز لأبي محمد الفقعسي. وهو في لسان العرب (ق ب ض)، (ع ر ض)، (ع وض)، (هـ ج م)، وليس في هذه المواضع موضع الشاهد","vol":"15","page":282},{"text":"هل لكِ والعارضُ منكِ عائضُ\nفي هَجْمةٍ يغدِرُ منها القابضُ\n\n<span id=\"aya-2188\"></span>وقولُه: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: وعُرِض الخلقُ على ربِّك يا محمدُ صفًّا، ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: يقال لهم إذ عُرضوا على اللهِ: لقد جئتُمونا أيها الناسُ أحياءً كهيئتِكم حينَ خلَقْناكم أوَّلَ مرَّةٍ. وحُذِف \"يُقالُ\" مِنَ الكلامِ؛ لمعرفةِ السامعين بأنَّه مرادٌ في الكلامِ.\nوقولُه: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾. وهذا الكلامُ خرَج مَخْرجَ الخبرِ عن خطابِ اللهِ به الجميعَ، والمرادُ منه الخصوصُ، وذلك أنه قد يَرِدُ القيامة خلقٌ مِن الأنبياءِ والرسلِ، والمؤمنين باللهِ ورسلِه وبالبعثِ، ومعلومٌ أنَّه لا يُقالُ يومَئِذٍ لمَن ورَدها من أهلِ التصديقِ بوعدِ اللهِ في الدنيا، وأهلِ اليقينِ فيها بقيامِ الساعةِ: بل زعَمْتُم أن لن نجعلَ لكم البعثَ بعدَ المماتِ، والحشرَ إلى القيامة موعدًا. وأن ذلك إنما يقالُ لمَن كان في الدنيا مكذِّبًا بالبعثِ وقيامِ الساعةِ.\n\n<span id=\"aya-2189\"></span><span data-type='title' id=toc-5487>القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾.</span>\nيقولُ عزَّ ذكرُه: ووضَع اللهُ يومئذٍ كتابَ أعمالِ عبادِه في أيدِيهم، [فَآخِذٌ بيمينِه، وآخِذٌ] (^١) بشِمالِه، ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾. يقولُ عَزَّ ذكرُه: فتَرَى (^٢) المشركين باللهِ ﴿مُشْفِقِينَ﴾. يقولُ: خائفِين وَجِلِينَ، ﴿مِمَّا فِيهِ﴾\n_________\n(^١) في م: \"فأخذ واحد بيمينه وأخذ واحد\".\n(^٢) بعده في م: \"المجرمين\".","vol":"15","page":283},{"text":"مكتوبٌ من أعمالِهم السيئةِ التي عمِلُوها في الدنيا، أن يؤاخَذوا بها، ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾. يعنى أنَّهم يقولون إذا قرَءُوا كتابَهم، ورأَوْا ما قد كُتِب عليهم فيه من صغائرِ ذنوبِهم وكبائرِها، نادَوا بالويلِ حينَ أيقَنوا بعذابِ اللهِ، وضَجُّوا مما قد عرَفوا من أفعالِهم (^١) الخبيثةِ التي قد أحصاها كتابُهم، ولم يَقْدِروا أن يُنكِرُوا صحَّتَها.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾: اشتكَى القومُ، كما تسمَعون، الإحصاءَ، ولم يشتكِ أحدٌ ظُلمًا، فإيَّاكم والمحقَّراتِ من الذنوبِ؛ فإنها تجتَمِعُ على صاحبِها حتى تُهلِكَه، ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يضْرِبُ لها مثلًا، يقولُ: \"كَمَثَلِ قَوْمٍ انْطلقوا يَسيرُون حتى نَزَلوا بفَلاةٍ من الأرضِ، وحضَر صَنيعُ القومِ، فانطلَق كلُّ رَجُلٍ يحتَطِبُ، فجَعَل الرَّجُلُ يَجِيءُ بالعُودِ، ويَجِيءُ الآخرُ بالعُودِ، حتى جمَعوا سَوادًا كثيرًا وأجَّجُوا نارًا، فإِنَّ الذنبَ الصغيرَ، يَجْتَمِعُ على صَاحبِه حتى يُهلِكَه\" (^٢).\nوقيل: إنَّه عنى بالصغيرة في هذا الموضعِ الضحكَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ داودَ، قال: ثنا محمدُ بنُ موسى، عن الزيَّالِ بنِ عمرٍو، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً﴾\n_________\n(^١) في ت ١: \"أعمالهم\".\n(^٢) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (٤٠٠)، من طريق قتادة موصولًا من حديث عبد الله بن مسعود، وأحمد (٣٨١٨)، وفي الزهد ص ٣١، والبيهقى ١٠/ ١٨٧، ١٨٨، وفي الشعب (٢٨٥) من طريق أبي داود الطيالسي به.","vol":"15","page":284},{"text":"قال: الضَّحكُ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبي، قال: حدَّثَتْني أمِّي حمَّادةُ ابنةُ محمدٍ، قالت: سمِعتُ أبي محمدَ بنَ عبدِ الرحمنِ يقولُ في هذه الآية في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾. قال: الصغيرةُ الضَّحكُ.\nويعنى بقولِه: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾: [ما شأنُ هذا الكتابِ] (^١)، ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾. يقولُ: لا يُبقِى صغيرةً من ذنوبِنا وأعمالنِا ولا كبيرةً مِنها، ﴿إِلَّا أَحْصَاهَا﴾. يقولُ: إلَّا حفِظها. ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا﴾ في الدنيا من عمَلٍ، ﴿حَاضِرًا﴾ في كتابِهم ذلك مكتوبًا مُثْبتًا، فجُوزوا بالسيئةِ مثلَها، وبالحسنةِ ما اللهُ جازِيهم بها، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. يقولُ: ولا يجازِى ربُّك يا محمدُ أحدًا بغيرِ ما هو أهلُه؛ لا يُجازِى بالإحسانِ إلا أهلَ الإحسانِ، ولا بالسيئةِ إلا أهلَ السيئةِ، وذلك هو العدلُ.\n\n<span id=\"aya-2190\"></span><span data-type='title' id=toc-5488>القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مذكِّرًا هؤلاء المشركين حسَدَ إبليسَ أباهم، ومُعْلِمَهم ما كان منه من كِبْرِه واستكبارِه عليه حينَ أمَره بالسجودِ له، وأنه من العَدَاوةِ والحسَدِ لهم على مثلِ الذى كان عليه لأبيهم: ﴿وَ﴾ اذْكُرْ يا محمدُ ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ الذى يُطيعُه هؤلاء المشركون، ويتَّبِعون أمْرَه،\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.","vol":"15","page":285},{"text":"ويخالِفون أمْرَ اللهِ، فإنَّه لم يسجدْ له استكبارًا على اللهِ، وحسدًا لآدم؛ ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾. فقال بعضُهم: إِنَّه كان من قبيلةٍ يقالُ لهم: الجنُّ.\nوقال آخرون: بل كان من خُزَّانِ الجَنَّةِ، فنُسِب إلى الجنَّةِ.\nوقال آخرون: بل قيل: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾؛ لأنه مِنَ الجِنِّ الذين اسْتَجَنُّوا (^١) عن أعينِ بني آدمَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن خلَّادِ بنِ عطاءٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ (^٢) قبلَ أن يركَبَ المعصيةَ [مِن الملائكةِ] (^٣)، اسمُه (^٤) عزازيلُ، وكان من سكانِ الأرضِ، وكان من أشدِّ الملائكةِ اجتهادًا وأكثرِهم علمًا؛ فذلك (^٥) دعاهُ إلى الكِبْرِ، وكان مِن حيٍّ يُسَمَّون (^٦) جِنًّا (^٧).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى، رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ من حيٍّ من أحياءِ الملائكةِ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"استخفوا\".\n(^٢) في م: \"اسمه\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) سقط من: النسخ. والمثبت مما تقدم في ١/ ٥٣٦.\n(^٥) بعده في م: \"هو الذي\".\n(^٦) في م: \"يسمى\".\n(^٧) تقدم تخريجه في ١/ ٥٣٦.","vol":"15","page":286},{"text":"يُقال لهم: الجِنُّ. خُلِقوا من نارِ السَّمومِ من بينِ الملائكةِ. قال (^١): وكان اسمُه الحارثَ. قال: وكان خازِنًا من خُزَّانِ الجَنَّةِ. قال: وخُلِقت الملائكةُ من نورٍ غيرَ هذا الحيِّ. قال: وخُلِقتِ الجِنُّ الذين ذُكِروا في القرآنِ من مارجٍ من نارٍ، وهو لسانُ النارِ الذى يكونُ في طرَفِها إذا التَهَبت (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى شيبانُ، قال: ثنا سلَّامُ بنُ مسكينٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، قال: كان إبليسُ رئيسَ ملائكةِ سماءِ الدنيا (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كان إبليسُ من خُزَّانِ الجَنَّةِ، وكان يدبرُ أمرَ سماءِ الدنيا (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: كان إبليسُ من أشرافِ الملائكةِ وأكرمِهم قبيلةً، وكان خازِنًا على الجِنانِ، وكان له سلطانُ السماءِ الدنيا، وكان له سلطانُ الأرضِ، وكان فيما قضَى اللهُ أنَّه رأى أن له بذلك شرفًا وعظمةً على أهلِ السماءِ، فوقَع من ذلك في قلبِه كبرٌ لا يعلَمُه إلَّا اللهُ؛ فلمَّا كان عندَ السجودِ حينَ أمَره أن يسجُدَ لآدمَ اسْتَخرَجَ اللهُ كِبْرَه عندَ السجودِ، فلعَنَه وأَخَّرَه إلى يومِ الدينِ. قال: قال ابنُ عباسٍ: وقولُه: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾: إِنما سُمِّى بالجَنَّانِ أنه كان خازنًا عليها، كما يُقال للرجلِ: مَكيٌّ،\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١/ ٥٣٥.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١/ ٥٣٨.\n(^٤) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٤٧) من طريق وكيع به، وذكره أبو الشيخ في العظمة (١١٤٢) معلقًا عن وكيع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٠ إلى ابن المنذر.","vol":"15","page":287},{"text":"ومدنيٌّ، وكوفيٌّ، وبصْريٌّ. قاله (^١) ابنُ جريجٍ (^٢).\nوقال آخرون: هم سبطٌ من الملائكةِ قبيلةٌ، وكان اسمُ قبيلتِه الجِنَّ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن صالحٍ مولى التَّوأمةِ وشَريكِ بن أبى نَمِرٍ -أحدُهما أو كلاهما- عن ابنِ عباسٍ، قال: إن من الملائكةِ قبيلةً من الجنِّ، وكان إبليسُ منها، وكان يَسُوسُ ما بينَ السماءِ والأرضِ، فعصَى، فسَخط الله عليه فمسَخه شَيْطَانًا رَجِيمًا، لعَنه اللهُ ممسُوخًا. قال: وإذا كانت خطيئةُ الرجلِ في كبْرٍ فلا تَرْجُه، وإذا كانت خطيئتُه في معصيةٍ فارْجُه، وكانت خطيئةُ آدمَ في معصيةٍ، وخطيئةُ إبليسَ في كِبْرٍ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾: قبيلٌ من الملائكةِ يقال لهم الجِنُّ. وقال ابنُ عباسٍ: لو لم يكنْ من الملائكةِ لم يؤمَرْ بالسجودِ، وكان على خزانةِ السماءِ الدنيا. قال: وكان قتادةُ يقولُ: جَنَّ عن طاعةِ ربِّه (^٤).\nوكان الحسنُ يقولُ: ألجأه اللهُ إلى نَسَبِه (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كان من قبيلٍ مِن الملائكةِ يقالُ لهم: الجِنُّ (^٦).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ١/ ٥٣٧.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١/ ٥٣٧.\n(^٤) تقدم تخريجه في ١/ ٥٣٨.\n(^٥) تقدم تخريجه في ١/ ٥٤٠.\n(^٦) تقدم تخريجه في ١/ ٥٣٨.","vol":"15","page":288},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: ما كان إبليسُ من الملائكةِ طَرْفةَ عينٍ قطُّ، وإنه لأصْلُ الجنِّ كما أن آدمَ أَصْلُ الإِنسِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: كان إبليسُ على السماءِ الدُّنيا، وعلى الأرضِ، وخازنَ الجِنَانِ.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: إن إبليسَ كان من أشرافِ الملائكةِ وأكرمِهم قبيلةً، وكان خازِنًا على الجِنَانِ، وكان له سلطانُ السماءِ الدنيا وسلطانُ الأرضِ، وكان مما سوَّلت له نفسُه من قضاءِ اللهِ أنَّه رأَى أن له بذلك شرفًا على أهلِ السماءِ، فوقَع من ذلك في قلبِه كِبْرٌ لا يعلَمُه إلَّا اللهُ، فاسْتَخْرَج اللهُ ذلك الكِبْرَ منه حينَ أمَره بالسجودِ لآدمَ، فاسْتكبَر وكان من الكافرين، فذلك قولُه للملائكةِ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]. يعنى: ما أسرَّ إبليسُ في نفسِه من الكِبْرِ.\nوقولُه: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾. كان ابنُ عباسٍ يقولُ: قال اللهُ: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾؛ لأنه كان خازِنًا على الجِنانِ، كما يقالُ للرجلِ: مكيٌّ، ومدنيٌّ، وبصريٌّ، وكوفيٌّ (^١).\nوقال آخرون: كان اسمُ قبيلةِ إبليسَ الجنَّ، وهم سبطٌ من الملائكةِ يقالُ لهم: الجنُّ. فلذلك قال اللهُ ﷿: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ فنسَبه إلى قبيلتِه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿كَانَ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١/ ٥٣٧.","vol":"15","page":289},{"text":"مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: من الجَنَّانينَ الذين يعمَلون في الجنانِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو سعيدٍ اليَحمديُّ إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنى سوَّارُ بنُ الجَعِدِ اليَحمديُّ، عن شهر بن حوشبٍ قوله: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كان إبليسُ من الجنِّ الذين طرَدتهمُ الملائكةُ، فأسَرَه بعضُ الملائكةِ، فذهَب به إلى السماءِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ (^٣)﴾. قال: كان خَازِنَ الجنانِ فسمى بالجَنَّانِ (^٤).\nحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوديُّ، قال: ثنا أحمدُ بنُ بشيرٍ، عن سفيانَ، عن (^٥) أبي المِقْدامِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: كان إبليسُ من خَزَنَةِ الجَنَّةِ (^٦).\nوقد بيَّنا القولَ في ذلك فيما مضَى من كتابِنا هذا، وذكَرْنا اختلافَ المُختَلِفين فيه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضِعِ (^٧).\nوقولُه: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾. يقولُ: فخرَج عن أمرِ ربِّه، وعدَل عنه ومال، كما قال رؤبةُ (^٨):\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٤٨) من طريق يعقوب به.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١/ ٥٤٠.\n(^٣) بعده في م: \"ففسق عن أمر ربه\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٧ إلى المصنف.\n(^٥) في م: \"بن\". ينظر تهذيب الكمال ٤/ ٣٨٠.\n(^٦) أخرجه أبو الشيخ في العظمة ص ٤٢٨ من طريق سفيان به.\n(^٧) تقدم في ١/ ٥٣٥ - ٥٤٢.\n(^٨) ديوانه ص ١٩٠.","vol":"15","page":290},{"text":"يَهْوِينَ فِي نَجْدٍ وغَوْرًا غائرَا\nفَوَاسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوَائرَا\nيعنى بالفواسقِ: الإبلَ المنعدلةَ عن قصدِ نجدٍ. وكذلك الفِسْقُ في الدينِ؛ إنَّما هو الانْعِدالُ عن القَصْدِ، والمَيْلُ عن الاستقامةِ. ويُحكَى عن العربِ سماعًا: فسَقتِ الرُّطَبةُ من قِشْرِها؛ إذا خرَجت منه. و: فسَقتِ الفأرةُ؛ إذا خرَجت من جُحرِها.\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ يقولُ: إنما قيل: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾؛ لأنَّه مرادٌ به: ففسَق عن ردِّه أمرَ اللهِ. كما تقولُ العربُ: اتَّخمتُ عن الطَّعامِ. بمعنى: اتَّخمتُ لما أكَلتُه. وقد بيَّنا القولَ في ذلك (^١)، وأن معناه: عدَل وجار عن أمرِ اللهِ، وخرَج عنه.\nوقال بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ: معنى الفسقِ الاتساعُ. وزعَم أن العربَ تقولُ: فسَق في النَّفقةِ. بمعنى اتَّسَعَ فيها. قال: وإنما سُمِّى الفاسقُ فاسقًا، لاتساعِه في محارمِ اللهِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى \"ح\"، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾. قال: في السجودِ لآدمَ (^٢).\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ٤٣٤.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٤٨. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":291},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾. قال: عصَى في السجودِ لآدمَ.\nوقولُه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفَتُوالون يا بنى آدمَ من استكبَرَ على أبيكم [وحسَده (^١)، وكفَر] (^٢) نعْمَتى عليه، وغرَّه حتى أخرَجَه من الجنةِ ونعيمِ عَيْشِه فيها إلى الأرضِ وضِيقِ العيشِ فيها، وتُطيعونَه وذريتَه من دونِ اللهِ مع عداوتِه لكم قديمًا وحديثًا، وتترُكون طاعةَ ربِّكم الذى أنعَم عليكم وأكرَمكم، بأن أسجَد لوالدِكم ملائكتَه، وأسكَنه جَنَّاتِه، وآتاكم من فواضلِ نعَمِه ما لا يُحصَى عددُه. وذرِّيةُ إبليسَ: الشياطينُ الذين يُغوون (^٣) بني آدمَ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾. قال: ذرِّيتُه (^٤) الشياطينُ، وكان يعدُّهم؛ زَلَنْبورُ صاحبُ الأسواقِ ويضَعُ رايتَه في كلِّ سوقٍ ما بينَ السماءِ والأرضِ، ثَبْرٌ صاحبُ المصائبِ، والأعورُ صاحبُ الزِّنا، ومِسْوَطٌ صاحبُ الأخبارِ يأتى بها فيُلْقِيها في أفواهِ الناسِ ولا يجِدُون لها أصْلًا، وداسِمٌ الذي إذا دخَل الرجلُ بيتَه ولم يُسلِّمْ ولم يذكرِ اللهَ بصَّرَه من المتاعِ ما لم يُرْفَعْ، وإذا أكَل ولم يذكرِ اسمَ اللهِ أكَل معه (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"حسدكم\".\n(^٢) في ت ١: \"وحسد\".\n(^٣) في م: \"يغرون\".\n(^٤) بعده في م: \"هم\".\n(^٥) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١١٤٤) من طريق ابن جريج به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٧ إلى ابن أبي الدنيا.","vol":"15","page":292},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، قال: سمِعتُ الأعمشَ يقولُ: إذا دخَلْتُ البيتَ ولم أُسلِّمْ، رأيتُ مطهرةً، فقلتُ: ارْفَعُوا ارْفَعوا. وخاصَمْتُهم، ثم أذكُرُ فأقولُ: داسمٌ داسمٌ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، قال: هم أربعةٌ: ثبرٌ، وداسمٌ، وزلنبورُ، والأعورُ، ومِسْوَطٌ أحدُها (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ [الآية، وهم يتَوالدُون كما يتوالدُ بنو آدمَ] (^٣)، وهم [أكثرُ عددًا] (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾: وهو أبو الجنِّ، كما آدمُ أبو الإنسِ. وقال: قال اللهُ لإبليسَ: إنى لا أذرَأُ لآدمَ ذرِّيَّةً إِلَّا ذرَأتُ لك مثلَها. فليس من ولدِ آدمَ أحدٌ إلَّا له شيطانٌ قد قُرِن به.\nوقولُه: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: بئسَ البدلُ للكافرين باللهِ اتخاذُ إبليسَ وذرِّيتِه أولياءَ من دونِ الله وهم لكم عدوٌّ، مِن تَرْكِهم اتخاذَ الله وليًّا باتِّباعِهم أمرَه ونهيَه، وهو المُنْعِمُ عليهم وعلى أبيهم آدمَ من قبلِهم، المتفضِّلُ عليهم من الفواضلِ ما لا يُحصَى بدلًا.\n_________\n(^١) تفسير البغوى ٥/ ١٧٩.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٧ إلى ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: ص.\n(^٤) في النسخ: \"لكم عدو\". والمثبت من مصدرى التخريج والأثر أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١١٤٨) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٧ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"15","page":293},{"text":"وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾: بئسما استبدَلوا بعبادةِ ربِّهم إذ أطاعوا إبليسَ (^١).\n\n<span id=\"aya-2191\"></span><span data-type='title' id=toc-5489>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾.</span>\nيقولُ عزَّ ذكرُه: ما أشهَدتُ إبليس وذرِّيتَه ﴿خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: ما أحضَرتُهم ذلك فأسْتَعينَ بهم على خلقِها، ﴿وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾. يقولُ: ولا أَشْهَدتُ بعضَهم أيضًا خلقَ بعضٍ مِنهم، فأستعينَ به على خلقِه، بل تفَرَّدتُ بخلقِ جميعِ ذلك بغيرِ مُعينٍ ولا ظَهيرٍ. يقولُ: فكيف اتَّخَذوا عدوَّهم أولياءَ من دُونى، وهم خلقٌ مِن خلقى (^٢) أمثالُهم، وترَكوا عبادتي وأنا المُنعِمُ عليهم وعلى أسلافِهم، وخالقُهم وخالقُ مَن يُوَالونه من دونى منفردًا بذلك من غيرِ مُعينٍ ولا ظَهيرٍ.\nوقولُه: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾. يقولُ: وما كنتُ مُتَّخِذَ مَن لا يهدِى إلى الحقِّ ولكنَّه يُضلُّ فمَن تَبِعَه يجورُ به عن قصدِ السبيلِ، أعوانًا وأنصارًا. وهو من قولِهم: فلانٌ يَعضُدُ فلانًا؛ إذا كان يقوِّيه ويُعينُه.\nوبنحوِ ذلك قال بعضُ أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"خلق\".","vol":"15","page":294},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾. أي: أعوانًا.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^١).\nوإنما يعنى بذلك أن إبليسَ وذرِّيتَه يُضلُّون بنى آدمَ عن الحقِّ، ولا يَهدُونهم للرُّشدِ، وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ عنى بالمُضِلِّين الذين هم أتباعٌ على الضَّلالةِ، وأصحابٌ على غيرِ هُدًى.\n\n<span id=\"aya-2192\"></span><span data-type='title' id=toc-5490>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾.</span>\nيقولُ عزَّ ذكرُه: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ اللهُ للمشرِكين به الآلهةَ والأندادَ: ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾. يقولُ لهم: ادْعُوا الذين كنتم تزعُمون أنَّهم شركائي في العبادةِ لِيَنصرُوكم ويمنعُوكم منِّي. ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾. يقولُ: فاستغاثوا بهم فلم يُغيثوهم، ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾.\nفاختلَف أهلُ التأويلِ في معنَى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وجعَلنا بينَ هؤلاء المشرِكين وما كانوا يدْعُون من دونِ اللهِ شركاءَ في الدنيا يومئذٍ عداوةً.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١٢/ ٤٠٤. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":295},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزيعٍ، قال: ثنا بشرٌ بنُ المفضَّلِ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾. قال: جعَل بينَهم عداوةً يومَ القيامةِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾. قال: عداوةً (^١).\nوقال آخرون: معناه: وجعَلنا فِعْلَهم ذلك لهم مَهْلِكًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾. قال: مَهْلِكًا (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَوْبِقًا﴾. قال: هلاكًا (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾. قال: الموبقُ المَهْلِكُ، الذى أهْلَك بعضُهم بعضًا فيه، أوبَق بعضُهم بعضًا. وقرَأ: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٥٩].\nحُدِّثتُ عن محمدِ بنِ يزيدَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿مَوْبِقًا﴾ قال:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٦٦.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٤.","vol":"15","page":296},{"text":"هلاكًا.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن عَرْفَجةَ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ قال: مهْلِكًا (^١).\nوقال آخرون: هو اسمُ وادٍ في جَهَنَّمَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أبي أيوبَ، عن عمرٍو البِكَاليِّ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾. قال: وادٍ عميقٍ فُصِل به بينَ أهلِ الضَّلالة وأهل الهُدَى، وأهلِ الجنَّةِ وأهلِ النارِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ ذُكِر لنا أن عَمرًا البِكَاليَّ حدَّث عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: هو وادٍ عميقٍ فُرِق به يومَ القيامةِ بينَ أهلِ الهُدَى وأهلِ الضَّلالةِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عبيدٍ، عن حجَّاجِ بنِ أرطاةَ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾. قال: واديًا في النارِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، \"ح\"، وحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾. قال: واديًا في جَهَنَّمَ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في البعث والنشور (٥٢٥)، من طريق جرير به.\n(^٢) أخرجه البيهقى في البعث والنشور (٥٢١) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٨ إلى أحمد في الزهد وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٤٨ من طريق ورقاء به، ومن طريقه البيهقى في البعث والنشور (٥٢٣)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"15","page":297},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ دِرْهمٍ، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾. قال: وادٍ في جَهَنَّمَ من قَيْحٍ ودمٍ (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ، القولُ الذي ذكَرْناه عن ابنِ عباسٍ، ومَن وافَقه في تأويلِ الْمَوْبِقِ: أنه المَهْلِكُ، وذلك أنَّ العربَ تقول في كلامِها: قد أَوْبَقتُ فلانًا. إذا أهْلَكْتَه. ومنه قولُ الله ﷿: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤]. بمعنى: يُهلِكْهنَّ. ويُقالُ للمُهلِكِ نفسَه: قد وَبِق فلانٌ فهو يَوبَقُ وبَقًا. ولغةُ بني (^٢) عامرٍ: يابِقُ، بغيرِ همزٍ. وحُكِى عن تميمٍ أنها تقولُ: ييبِقُ. وقد حُكى وبَقَ يَبِقُ وبُوقًا، حكاها الكسائيُّ. وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ يقولُ: المَوبِقُ المَوْعِدُ، وَيَستشهِدُ لقِيلِه ذلك بقولِ الشاعرِ (^٣):\nوحادَ شَرَوْرَى فالسِّتارَ فلمْ يَدَعْ … تِعارًا له و(^٤) الوَاديَيْنِ بمَوْبِقِ\nويتأوّلُه: بمَوْعِدٍ. وجائزٌ أن يكونَ ذلك المَهْلِكُ الذى جعَل جَلَّ ثناؤُه بينَ هؤلاءِ المشركين، هو الوادى الذي ذُكِر عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو. وجائزٌ أن تكونَ العداوةُ التي قالَها الحسنُ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في الزهد ص ٣١١، ٣١٢، والبيهقى في البعث والنشور (٥٢٠) من طريق عبد الصمد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ٢: \"لبني\".\n(^٣) البيت الخفاف بن ندبة، وهو في ديوانه \"المجموع\" ص ٣٨. وليس فيه الشاهد، وفي مجاز القرآن ص ٤٠٦، ولسان العرب (وب ق)، بلفظه.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"في\".","vol":"15","page":298},{"text":"<span id=\"aya-2193\"></span>وقولُه: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾. يقولُ: وعايَن المشركون النارَ يومَئذٍ: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾. يقولُ: فعَلِموا أَنَّهم داخِلُوها. كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾. قال: عَلِموا (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن درَّاجٍ، عن أبى الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن رسولِ اللهِ ﷺ، أَنَّه قال: \"إِنَّ الكافرَ ليَرَى جَهَنَّمَ فَيَظُنُّ أنَّها مُواقِعَتُه مِن مَسيرَةِ أَرْبَعينَ سَنَة\" (^٢).\nوقولُه: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾. يقولُ: ولم يجِدوا عن النَّارِ التي رأَوا مَعْدِلًا يَعْدِلون عنها إليه، يقولُ: لم يجدوا من مواقعتِها بُدًّا؛ لأنَّ اللهَ قد حتَّم عليهم ذلك.\nومن المَصْرِفِ بمعنى المَعْدِلِ قولُ أبي كبيرٍ (^٣) الهذليِّ:\nأَزُهَيْرُ هلْ عن شَيبَةٍ مِن مَصْرِفٍ … أمْ لا خُلُودَ لباذِلٍ مُتَكَلِّفِ\n\n<span id=\"aya-2194\"></span><span data-type='title' id=toc-5491>القولُ في تأويلِ قوله عزَّ ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾.</span>\nيقولُ عزَّ ذكرُه: ولقد مثَّلْنا في هذا القرآنِ للنَّاسِ مِن كلِّ مثَلٍ، ووعَظْناهم فيه مِن كلِّ عِظَةٍ، واحتَجَجْنا عليهم بكلِّ حُجَّةٍ ليتذكَّروا فيُنِيبُوا، ويَعْتَبِروا فيَتَّعِظوا،\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٤. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه الحاكم ٤/ ٥٩٧ من طريق عمرٍو بن الحارث. وأخرجه أحمد ١٨/ ٢٤٢، ٢٤٣ (١١٧١٤)، وأبو يعلى (١٣٨٥) من طريق دراج به.\n(^٣) في ت ١: \"بكر\"، وفي ت ٢، ف: \"كثير\". والبيت في ديوان الهذليين ٢/ ١٠٤، ومجاز القرآن ١/ ٤٠٧.","vol":"15","page":299},{"text":"وينْزَجِروا عمَّا هم عليه مُقيمون مِن الشركِ باللهِ وعبادةِ الأوثانِ، ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. يقولُ: وكان (^١) الإنسانُ أكثرَ شيءٍ مِراءً وخُصومةً، لا يُنيبُ لحقٍّ، ولا يَنْزجِرُ لموعِظةٍ.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، في قولِه: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. قال: الجدلُ الخصومةُ؛ خصومةُ القومِ لأنبيائِهم، وردُّهم عليهم ما جاءوا به. وقرَأ: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣]. وقرَأ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤]. وقرَأ: ﴿حَتَّى نُؤْتَى﴾. . . الآية [الأنعام: ١٢٤]، ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾. . . الآية [الأنعام: ٧]. وقرَأ: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ قال: هم ليس أنت. ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ (^٢) [الحجر: ١٤، ١٥].\n\n<span id=\"aya-2195\"></span><span data-type='title' id=toc-5492>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥)﴾.</span>\nيقولُ عَزَّ ذكرُه: وما منَع هؤلاء المشركين يا محمدُ الإيمانَ باللهِ إذ جاءهم (^٣) بيانُ اللهِ، وعَلِموا صحَّةَ ما تدعوهم إليه وحقيقتَه، والاستغفارَ مما هم عليه مُقيمون من شِرْكِهم، إلَّا مجيئُهم سُنَّتُنا في أمثالِهم من الأممِ المُكَذِّبةِ رسُلَها قبلَهم، أو إتيانُهم العذابُ قُبُلًا.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، فقال بعضُهم: معناه: أو يأتِيهَم\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٨ إلى ابن أبي حاتم مختصرًا.\n(^٣) بعده في ت ١، ف: \"الهدى\".","vol":"15","page":300},{"text":"العذاب فجأةً.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾. قال: فجأةً (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخرون: معناه: أو يأتِيَهم العذابُ عِيَانًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾. قال: قُبُلًا: مُعاينةً؛ ذلك القُبُلُ.\nوقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته جماعةٌ ذاتُ عددٍ: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾. بضمِّ القافِ والباءِ، بمعنى أنه يأتِيهم مِن العذابِ ألوانٌ وضروبٌ، ووجَّهوا القُبُلَ إلى جمعِ قَبيلٍ، كما يُجمَعُ القَتِيلُ: القُتُلُ، والجديدُ: الجُدُدُ. وقرَأته جماعةٌ أخرى: (أَوْ يَأْتِيَهُمُ العَذَابُ قِبَلًا) بكسرِ القافِ وفتحِ الباءِ، بمعنى: أو يأتِيَهم العذابُ عِيانًا. من قولِهم: كَلَّمتُه قِبَلًا. وقد بيَّنت القولَ في ذلك في سورةِ الأنعامِ بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٤٨. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تقدم في ٩/ ٤٩٤ - ٤٩٦.","vol":"15","page":301},{"text":"<span id=\"aya-2196\"></span><span data-type='title' id=toc-5493>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾.</span>\nيقولُ عزَّ ذكرُه: وما نُرسلُ رسلَنا إلَّا ليبشِّروا أهلَ الإيمانِ والتصديقِ باللهِ بجزيلِ ثوابِه في الآخرةِ، وليُنذِروا أهلَ الكفرِ به والتكذيبِ عظيمَ عقابِه وأليمَ عذابِه، فينتَهوا عن الشركِ باللهِ، ويَنْزجِرُوا عن الكفرِ به ومعاصيهِ. ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾، يقولُ: ويخاصمُ الذين كذَّبوا باللهِ ورسولِه بالباطلِ. وذلك كقولِهم للنبيِّ ﷺ: أخْبِرْنا عن حديثِ فتيةٍ ذهَبوا في أَوَّلِ الدَّهرِ لم يُدرَ ما شأنُهم، وعن الرَّجلِ الذى بلَغ مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، وعن الرُّوحِ. وما أشْبَهَ ذلك ممَّا كانوا يخاصِمُونه به، يبتَغون إسقاطَه، تعنيتًا (^١) له ﷺ، فقال اللهُ لهم: إنا لَسْنا نبعثُ إليكم رسلَنا للجدالِ والخصوماتِ، وإنَّما نبعثُهم مُبَشِّرين أهلَ الإيمانِ بالجنةِ، ومُنذِرين أهلَ الكفرِ بالنارِ، وأنتم تجادلونهم بالباطلِ طلبًا مِنكم بذلك أن تُبِطلوا الحقَّ الذى جاءَكم به رسولى. وعنَى بقولِه: ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾: ليُبطِلوا به الحقَّ ويُزِيلُوه ويذهَبوا به. يُقالُ منه: دَحَض الشيءُ: إذا زال وذهَب. ويُقالُ: هذا مكانٌ دَحْضٌ. أى: مُزِلٌّ مُزلِقٌ لَا يَثْبُتُ فيه خُفٌّ ولا حافرٌ ولا قدمٌ، ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):\nرَدِيتُ (^٣) ونَجَّى اليَشْكُريَّ حِذارُه … وحاد كما حاد البعيرُ عن الدَّحضِ\nويُروَى: ونَحَّى. وأَدْحَضتُه أنا؛ إذا أذهبتَه وأبطلتَه.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"تعنتا\".\n(^٢) البيت لطرفة بن العبد، ديوانه ص ١٧٢.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ودرت\".","vol":"15","page":302},{"text":"وقولُه [﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ يقولُ] (^١): واتَّخذُوا -الكافرين (^٢) باللهِ- حُجَجَه التي احتَجَّ بها عليهم، وكتابَه الذى أنزَله إليهم، والنُّذُرَ التى أنذرَهم بها سِخْرِيًّا يسخَرون بها. يقولون: إنْ هَذَا إِلَّا أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها، فَهِيَ تُمْلَى عليْهِ بُكْرَةً وَأصِيلًا، ولَوْ شِئْنَا لَقُلْنا مِثْلَ هذَا.\n\n<span id=\"aya-2197\"></span><span data-type='title' id=toc-5494>القولُ في تأويلِ قوله عزَّ ذكرُه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾.</span>\nيقولُ عزَّ ذكرُه: وأيُّ الناسِ أوضَعُ للإعراضِ والصدِّ في غيرِ موضِعِهما ممَّن ذكَّره بآياتِه وحُجَجِه فدلَّه بها على سبيلِ الرَّشادِ، وهدَاه بها إلى طريقِ النَّجاة، فأعرَض عن آياتِه وأدلَّتِه التى في استدلالِه بها الوصولُ إلى الخلاصِ مِن الهلاكِ. ﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾. يقولُ: ونسِىَ ما أسلَف من الذنوبِ المُهلِكةِ فلم يتبْ منها (^٣)، ولم يُنِبْ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾. أى: نَسِى ما سلَف من الذنوبِ.\nوقولُه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا جعَلْنا على قلوبِ هؤلاء الذين يُعرضُون عن آياتِ اللهِ إذا ذُكِّروا بها أغطيةً لئلَّا يفقَهُوه. لأن المعنى: أن يفقَهُوا ما ذُكِّروا به.\nوقولُه: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. يقولُ: في آذَانِهِم ثِقَلًا لِئَلَّا يسمَعوه، ﴿وَإِنْ\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ف.\n(^٢) في م: \"الكافرون\".\n(^٣) سقط من: م، ف.","vol":"15","page":303},{"text":"تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وَإِن تَدْعُ يا مُحَمَّدُ هؤلاء المعرضين عن آياتِ اللهِ عندَ التذكيرِ بها، إلى الاستقامةِ على محجَّةِ الحقِّ والإيمانِ باللهِ، وما جئتَهم به مِن عندِ ربِّك - ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾. يقولُ: فلن يستَقيموا إذًا أبدًا على الحقِّ، ولن يؤمِنوا بما دعوتَهم إليه؛ لأن اللهَ قد طبَع على قُلوبِهم، وسمْعِهم وأبْصارِهم.\n\n<span id=\"aya-2198\"></span><span data-type='title' id=toc-5495>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وربُّك يا محمدُ الساترُ على ذنوبِ عبادِه بعفوِه عنهم إذا تابوا منها: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ بهم ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ﴾ هؤلاء المعرضين عن آياتِه إذا ذُكِّروا بها، ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ مِن الذُّنوبِ والآثامِ، ﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ ولكنَّه لرحمتِه بخلقِه غيرُ فاعلٍ ذلك بهم إلى ميقاتِهم وآجالِهم، ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ﴾. يقولُ: لكنْ لهم موعدٌ، وذلك ميقاتُ محِلِّ عذابِهم، وهو يومُ بدرٍ، ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لن يجِدَ هؤلاء المشركون، وإن لم يُعَجِّلْ لَهم العذابُ فى الدنيا، من دونِ المَوْعِدِ الذي جعَلتُه ميقاتًا لعذابِهم، ملْجَأً يلْجَئون إليه، ومَنْجًى يَنْجُون منه. يعنى أنهم لا يَجِدُون مَعقِلًا يعْتقِلون به من عذابِ اللهِ. يُقالُ منه: وأَلْتُ مِن كذا إلى كذا، أيلُ وُءولًا، مثلُ \"وُعولًا\"، ومنه قولُ الشاعرِ (^١):\nلا وأَلتْ (^٢) نفسكَ خلَّيْتَها … للعامرييْنِ ولم تُكْلَمِ\n_________\n(^١) معانى القرآن للفراء ٢/ ١٤٨ غير منسوب.\n(^٢) فى م: \"واءلت\". وهى رواية اللسان (وأ ل).","vol":"15","page":304},{"text":"يقولُ: لا نَجَتْ. وقولُ الأعشى (^١):\nوقد أُخالسُ ربَّ البيتِ غفلَتَهُ … وقد يُحاذِرُ منِّى ثم ما يئِلُ\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿مَوْئِلًا﴾. قال: مَحْرِزًا (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾. يقولُ: مَلْجأً (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾، أي: لن يجِدُوا وليًّا ولا مَلْجأً (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾. قال: ليس من دونِه مَلْجَأً يئلون (^٥) إليه.\n_________\n(^١) ديوانه ص ٥٩.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٤٨، ومن طريقه الفريابي -كما فى تغليق التعليق ٤/ ٢٤٧ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٢٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٥ عن معمر، عن قتادة مختصرًا.\n(^٥) في م: \"يلجئون\".","vol":"15","page":305},{"text":"<span id=\"aya-2199\"></span><span data-type='title' id=toc-5496>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وتلك القرى من عادٍ وثمودَ وأصحابِ الأيْكَةِ أَهْلَكْنا أهلَها لمَّا ظلَموا فكفَروا باللهِ وآياتِه، ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾. يعنى: ميقاتًا وأجلًا، حينَ بلَغوه جاءَهم عذابٌ فأهلَكْناهم به. يقولُ: فكذلك جعَلْنا لهؤلاء المشركين من قومِك يا محمدُ، الذين لا يؤمنون بك أبدًا، موعِدًا، إذا جاءَهم ذلك الموعد أهلَكْناهم، سُنَّتَنا فى الذين خَلَوا من قبلِهم من ضُرَبائِهم.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾. قال: أجلًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثني الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nواختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿لِمَهْلِكِهِمْ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: (لِمُهْلَكِهِم) بضمِّ الميمِ وفتحِ اللامِ، على توجيهِ ذلك إلى أنَّه مصدرٌ من: أُهْلِكُوا إهْلَاكًا (^٢). وقرَأه عاصمٌ: (لِمَهْلَكِهِم). بفتحِ الميمِ واللامِ، على توجيهِه إلى المصدرِ، من: هَلَكُوا هَلاكًا ومَهْلَكًا (^٢).\nوأولى القراءتين بالصوابِ عِندى فى ذلك قراءةُ من قرَأه: (لمُهْلَكِهم) بضمِّ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٤٨، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ٤/ ٢٢٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) روى أبو بكر عن عاصم بفتح الميم واللام التي بعد الهاء، وروى حفص بفتح الميم وكسر اللام، وقرأ الباقون بضم الميم وفتح اللام. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٩٣.","vol":"15","page":306},{"text":"الميمِ وفتحِ اللامِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ عليه، واستِدْلالًا بقولِه: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ﴾. فأن يكونَ المصدرُ من \"أهلَكْنا\"؛ إذ كان قد تقدَّم قبْلَه - أولى.\nوقيل: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾. وقد قال قبلَ ذلكِ: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾؛ لأنَّ الهلاكَ إنَّما حلَّ بأهلِ القُرَى، فعاد إلى المعنى، وأَجْرَى الكلامَ عليه دونَ اللفظِ.\nوقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: قال: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾، يعني أهلَها، كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾. ولم يُجْرِ (^١) بلفظِ \"القُرَى\"، ولكنْ أجْرَى اللفظَ على القومِ، وأجْرَى اللفظَ في \"القريةِ\" عليها إلى قوله: ﴿الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]. وقال: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾. ولم يقلْ: أَهلَكْناها. حمَله على القومِ، كما قال: جاءت تميمٌ. وجعَل الفعلَ لبنى تميمٍ، ولم يجعَلْه لتميمٍ، ولو فعَل ذلك لقال: جاء تميمٌ. وهذا لا يحسُنُ في نحوِ هذا؛ لأنه قد أراد غيرَ تميمٍ فى نحوِ هذا الموضعِ، فجعَله اسمًا، ولم يحتمِلْ إذ اعتلَّ أَن يَحذِفَ ما قبلَه كلَّه معنى التاءِ من \"جاءت\" مع \"بني\" (^٢)، وترَك الفعلَ على ما كان ليُعلِمَ أَنَّه قد حذَف شيئًا قبلَ تميمٍ.\nوقال بعضُهم: إنما جاز أن يُقالَ: ﴿تِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ﴾؛ لأن القريةَ قامَت مَقامَ الأهلِ، فجاز أن تُردَّ على الأهلِ مرَّةً، وعليها مرَّةً، ولا يجوزُ ذلك في تميمٍ؛ لأن القبيلةَ تُعرَفُ به، وليس تميمٌ هو القبيلةَ، وإنما عُرِفتِ القبيلةُ به، ولو كانت القبيلةُ قد سُمِّيت بالرجلِ لجرَت علَيه، كما تقولُ: وقَعتُ في \"هودٍ\". تريدُ في سورةِ \"هودٍ\" وليس هودٌ اسمًا للسورةِ؛ وإنما عُرِفتِ السورةُ به، فلو سمَّيتَ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"يجئ\".\n(^٢) بعده في م: \"تميم\".","vol":"15","page":307},{"text":"السورةَ بهودَ لم تُجْرِ (^١)، فقلتَ: وقَعتُ في هودَ يا هذا. لم تُجْرِ، وكذلك لو سُمِّى بنُو تميمٍ بتميمَ لَقِيل: هذه تميمُ قد أقْبَلت.\nفتأويلُ الكلامِ: وتلك القُرَى أهْلَكْناهم لما ظَلَموا، وجَعَلْنا لإهْلَاكِهم موعدًا.\n\n<span id=\"aya-2200\"></span><span data-type='title' id=toc-5497>القولُ (*) في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واذكُرْ يا محمدُ إذ قال موسى بنُ عمرانَ لفَتاه يُوشَعَ بنِ نُونٍ - [وقيل ليوشعَ: فتى موسى؛ لملازمتِه إياه، وهو يوشعُ بنُ نونِ بنِ إفراييمَ بنِ يوسفَ بنِ يعقوبَ] (^٢) -: ﴿لَا أَبْرَحُ﴾. يقولُ: لا أزالُ أسيرُ ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا أَبْرَحُ﴾. قال: لا أنتَهى (^٣).\nوقيل: عنى بقوله: ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾: اجتماعَ بحرِ فارسَ والرومِ.\nوالمَجمعُ: مصدرٌ من قولِهم: جَمَع يجمَعُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ\n_________\n(^١) الإجراء هو الصرف.\n(*) من هنا تبدأ قطعة من الجزء الرابع والثلاثين من نسخة جامعة القرويين، والمشار إليها بالأصل، وسيجد القارئ أرقام صفحاتها بين معكوفين.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ٤/ ٢٣٥ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"15","page":308},{"text":"الْبَحْرَيْنِ﴾: والبحران: بحرُ الرومِ وبحرُ فارسَ، وبحرُ الرومِ مما يلى المغربَ، وبحرُ فارسَ مما يلى المشرقَ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾. قال: بحرُ فارسَ وبحرُ الرومِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾. قال: بحرُ الروم وبحرُ فارسَ؛ أحدُهما قِبَلَ المشرقِ، والآخرُ قِبَلَ المغربِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ (^٤)﴾.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ الضُّرَيْسِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن محمدِ ابنِ كعبٍ في قولِه: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾. قال: طَنْجَةُ (^٥).\nوقولُه: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾. يقولُ: أَو أسيرَ زمانًا ودهرًا. وهو واحدٌ، ويُجمَعُ كثيرُه وقليلُه: أحْقابٌ. وقد تقولُ العربُ: كنتُ عندَه حِقْبَةً من الدَّهرِ. ويجمَعونها حِقَبًا.\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ يوجِّه تأويلَ قولِه: ﴿لَا أَبْرَحُ﴾. إلى (^٦): لا أزولُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي فى الدر المنثور ٤/ ٢٣٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٥.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٤٩.\n(^٤) بعده في الأصل: \"البحرين\"، ولم يذكر المصنف المتن هنا اجتزاء بما ذكر قبله.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٧٠ عن محمد بن كعب، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ٤/ ٢٣٥ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"أى\".","vol":"15","page":309},{"text":"ويستشهِدُ لقولِه ذلك ببيتِ الفرزدقِ (^١):\nفما برِحُوا حتى تهادَت نساؤُهم … ببَطْحاءِ ذى قارٍ عِيابَ اللَّطائمِ (^٢)\nوذكَر بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ (^٣) أن الحُقُبَ في لغةِ قيسٍ سنةٌ.\nفأما أهلُ التأويلِ فإنهم (^٤) اختلَفُوا فيه؛ فقال بعضُهم: هو ثمانون سنةً.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثتُ عن هشيمٍ، قال: ثنا أبو بَلْجٍ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: الحُقُبُ ثمانون سنةً (^٥).\nوقال آخرون: هو سبعون سنةً.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾. قال: سبعين خريفًا.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) شرح ديوانه ص ٧٧٣.\n(^٢) عياب اللطائم: أوعية المسك، والعياب: جمع عيبة، وعاء من أدم يكون فيه المتاع، واللطائم: جمع لطيمة، وهى المسك. ينظر اللسان (ع ى ب)، (ل ط م).\n(^٣) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ١٥٤.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ف: \"يقولون في ذلك ما أنا ذاكره وهو أنهم\"، وفي م، ت ٢: \"يقولون في ذلك ما إنا ذاكروه وهو أنهم\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٧٠.","vol":"15","page":310},{"text":"مثلَه (^١).\nوقال آخرون في ذلك نحوَ الذي قلنا فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾. قال: دهرًا (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿حُقُبًا﴾. قال: \"الحقب\" زمانًا (^٣).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾. قال: الحقبُ الزمانُ.\n\n<span id=\"aya-2201\"></span><span data-type='title' id=toc-5498>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلما بلَغ موسى وفتاه مجمعَ البحرينِ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾. قال: بينَ البحرينِ (١).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٣٠٦.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسير ٥/ ١٧٠ عن على بن أبي طلحة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٣٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م، ف: \"زمان\".\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٥.","vol":"15","page":311},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقولُه: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾. يعنى بقوله ﴿نَسِيَا﴾: ترَكا.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾. قال: أَضَلَّهما (^١).\nحدَّثنا الحارثُ، قال: حدَّثنا الحسنُ، قال: حدَّثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: أضلَّاه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: أضَلَّهما (^٣).\nوقال بعضُ أهلِ العربيةِ (^٤): إن الحوتَ كان مع يوشعَ، وهو الذى نَسِيه، فأُضيف النسيانُ إليهما، كما قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]. وإنما يخرُجُ من المِلْحِ دونَ العذْبِ (^٥).\nقال أبو جعفرٍ: وإنما جاز عندى أن يقالَ: ﴿نَسْيًا﴾؛ لأنهما كانا جميعًا تَزَوَّداه لسفرِهما، فكان حملُ أحدِهما ذلك مضافًا إلى أنه حَمْلٌ منهما، كما يقالُ: خرَج القومُ من موضعِ كذا، وحمَلُوا معهم كذا من الزادِ. وإنما حمَله أحدُهم، ولكنه لما كان ذلك عن رأيِهم وأمرِهم أُضِيف ذلك إلى جميعهم، فكذلك إذا نَسِيه حاملُه في\n_________\n(^١) في م: \"أضلاه\". وهو لفظ الأثر بعده.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣٠٦.\n(^٣) في م: \"أضلاه\".\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ١٥٤.\n(^٥) في الأصل: \"الملح\".","vol":"15","page":312},{"text":"موضعٍ، قِيلَ: نسِى القومُ زادَهم. فأُضِيف ذلك إلى الجميعِ بنسيانِ حاملِه ذلك، فيجرِى الكلامُ على الجميعِ، والفعلُ من واحدٍ، فكذلك ذلك في قولِه: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾؛ لأن الله جلَّ وعزَّ خاطَب العربَ بلغتِها، وما يتعارَفونه بينَهم من الكلامِ.\nوأما قولُه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾. فإن القولَ في ذلك عندَنا بخلافِ ما قال فيه، وسنبيِّنُه إن شاء اللهُ إذا انتهَيْنَا إليه.\nوأما قولُه: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. فإنه يعنِى أن الحوتَ اتخذَ طريقَه الذي سلَكه في البحرِ سربًا.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. قال: الحوتُ اتخذَ.\nويعنى بالسَّرب المسلكَ والمذهبَ، يَسْرُبُ فيه: يذهَبُ فيه ويسلُكُه.\nثم اختلَف أهلُ العلمِ في صفةِ اتخاذِه سبيلَه في البحرِ سَرَبًا؛ فقال بعضُهم: صار طريقُه الذى سلك فيه كالجُحْرِ (^١).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿سَرَبًا﴾. قال: أَثَرُه كأنه جُحْرٌ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن\n_________\n(^١) في م: \"كالحجر\".\n(^٢) في م: \"حجر\". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٧١ عن ابن جريجٍ به.","vol":"15","page":313},{"text":"عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبيِّ بن كعبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ حينَ ذكَر حديثَ ذلك: \"ما انجاب (^١) ماءٌ منذُ كان الناسُ غيرَه، ثبَت مكانَ الحوتِ الذي فيه، فانْجاب كالكَوَّةِ (^٢) حتَّى رَجَعَ إليه موسى، فرَأى مسلَكَه، فقال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ (^٣) \" (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. قال: جاء فرَأى أثرَ جناحَيْه في الطينِ حينَ وقَع في الماءِ. قال ابنُ عباسٍ: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. وحلَّق بيده (^٥).\nوقال آخرون: بل صار طريقُه في البحرِ ماءً جامدًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: سَرَب؛ من الجُدِّ (^٦) حتى أفضَى إلى البحرِ، ثم سلَك، فجعَلَ لا يسلُكُ فيه طريقًا إلا صار ماءً جامدًا (^٧).\nوقال آخرون: بل صار طريقُه في البحرِ حَجرًا.\n_________\n(^١) انجاب: انشق. اللسان (ج وب).\n(^٢) الكوة: الخَرْق في الجدار ونحوه. اللسان (ك وى).\n(^٣) في م: \"نبغي\". وبإثبات الياء وصلا ووقفًا قرأ ابن كثير، وبإثباتها في الوصل فقط قرأ أبو عمرو ونافع والكسائي، ووصلها عاصم وابن عامر وحمزة بغير ياء. ينظر السبعة لابن مجاهدٍ ص ٤٠٣.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٧١ عن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٣٥ إلى ابن أبى حاتم وابن مردويه.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٣٥ إلى ابن أبي حاتم إلى قوله: في الماء.\n(^٦) في م: \"الجر\". والجد: شاطئ البحر. التاج (ج د د).\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٧١ عن قتادة، وسيأتى تخريجه بتمامه في ص ٣٣١.","vol":"15","page":314},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: جعَل الحوتُ لا يَمَسُّ شيئًا من البحرِ إلا يبِسَ حتى يكونَ صخرةً (^١).\nوقال آخرون: بل إنما اتخَذ سبيلَه سَرَبًا في البرِّ إلى الماءِ حتى وصَل إليه، لا في البحر.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. قال: قال: حُشِر (^٢) الحوتُ في البطحاءِ بعدَ موتِه حيَن أحياه الله، [ثم اتخذ منها سرَبًا حتى وصَل إلى البحرِ. قال: والسَّرَبُ طريقُه حتى وصَل إلى الماء، وهى بطحاءُ يابسةٌ في البرِّ، بعد ما أُكِل منه دهرًا طويلًا. قال: وهو زادُه. قال: ثم أحياه اللهُ] (^٣). قال ابنُ زيدٍ: وأخبرَنى أبو شجاعٍ أنه رآه، قال: أُتِيتُ به فإذا هو شِقَّةُ حوتٍ وعينٌ واحدةٌ، وشِقٌّ آخرُ ليس فيه شيءٌ (^٤).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ كما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: واتخَذ الحوتُ طريقَه في البحرِ سَرَبًا. وجائزٌ أن يكونَ ذلك السرَبُ كان بانجيابِ الماءِ (^٥) عن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٧١ عن العوفي به، وسيأتي تخريجه بتمامه في ص ٣٣٠.\n(^٢) في الأصل: \"حش\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٣٥، ٢٣٦ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ١٤.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"15","page":315},{"text":"الأرضِ، وجائزٌ أن يكونَ كان بجمودِ الماءِ، وجائزٌ أن يكونَ كان بتحوُّلِه حجرًا.\nوأَوْضحُ (^١) الأقوالِ فيه ما رُوِى الخبرُ به عن رسولِ اللهِ ﷺ الذي ذكَرْناه عن أُبيٍّ عنه (^٢).\n\n<span id=\"aya-2202\"></span><span data-type='title' id=toc-5499>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاوز موسى وفتاه مجمعَ البحرين، قال موسى لفتاه يوشعَ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾. يقولُ: جِئْنا بغدائِنا وأَعْطِناه. وقال: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾. كما يقالُ: أتَى الغداءُ وآتَيْتُه. مثلُ ذهَب وأَذْهبتُه.\n﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾. يقولُ: لقد لَقِينا من سفرِنا هذا عناءً وتعبًا. وقال ذلك موسى -فيما ذُكِر- بعدَ ما جاوَز الصخرةَ؛ لأنَّه (^٣) أُلْقِى عليه الجوعُ ليتذكَّرَ الحوتَ، ويرجِعَ إلى موضعِ مَطْلَبِه.\n\n<span id=\"aya-2203\"></span><span data-type='title' id=toc-5500>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال فتَى موسى لموسى حينَ قال له: آتنا غداءَنا لنَطْعَمَ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ هنالك، ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾. يقولُ: وما أنسانى الحوتَ إلا الشيطانُ ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾. فـ \"أن\" في موضعِ نصبٍ ردًّا على الحوتِ؛ لأن معنى الكلامِ: وما أنسَاني أن أذكُرَ الحوتَ إلا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"أصح\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣١٤.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"التي\"، وفى م: \"حين\".","vol":"15","page":316},{"text":"الشيطانُ. فلمَّا (^١) سبَق الحوتُ إلى الفعلِ، ردَّ (^٢) عليه قولَه: ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾.\nوقد ذُكِر أن ذلك في مصحفِ عبدِ اللهِ: (وَمَا أَنْسَانِيهُ أَنْ أُذَكِّرَكَهُ (^٣) إِلَّا الشَّيْطَانُ).\nحدَّثني بذلك بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ (^٤).\nحدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ مَعْقِلٍ، يُحدِّثُ عن أبيه، أن الصخرةَ التى أَوَى إليها موسى هى الصخرةُ التي دونَ نهرِ الزِّيبِ (^٥) على الطريقِ (^٦).\n[وقولُه] (^٧): ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾. [يقولُ: واتَّخذَ موسى طريقَ الحوتِ في البحرِ عجبًا] (^٨) يَعْجَبُ منه.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾. قال: موسى يَعْجَبُ من أَثَرِ الحوتِ في البحرِ،\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) في م: \"ورد\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف، وتفسير القرطبي، والبحر المحيط: \"أذكره\". وقد كان في تفسير ابن كثير كالمثبت هنا إلا أن المحققين استبدلوا به ما في المطبوعة.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ١٤، وأبو حيان في البحر المحيط ٦/ ١٤٧، وابن كثير في تفسيره ٥/ ١٧١.\n(^٥) في ص: \"الديب\"، وفى ت ٢: \"الذنب\"، وفى ف: \"الزبت\"، وفى العرائس، وتفسير البغوي: \"الزيت\". والزيب: بلدة على ساحل بحر الشام قرب عكا. ينظر معجم البلدان ٢/ ٩٦٥.\n(^٦) ذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص ١٩٣، والبغوي في تفسيره ٥/ ١٨٧ عن معقل بن زياد.\n(^٧) سقط من: م.\n(^٨) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"15","page":317},{"text":"ودَوَّارتِه (^١) التى غاب فيها، فوجد عندها خَضِرًا (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾: فكان موسى (^٣) اتخَذ سبيلَه في البحرِ عجبًا، فكان (^٤) يَعْجَبُ من سَرَبِ الحوتِ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾. قال: عَجَبٌ واللهِ، حوتٌ كان يؤكَلُ منه دهرًا، أيُّ شيءٍ أعجبُ من حوتٍ كان دهرًا من الدهورِ يؤكَلُ منه، ثم صار حيًّا حتى حُشِر (^٦) في البحرِ (^٧).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: جعَل الحوتُ لا يَمَسُّ شيئًا من البحرِ إلا يَبِس حتى يكونَ صخرةً، فجعَل نبيُّ اللهِ يَعْجَبُ من ذلك (^٨).\n_________\n(^١) في م: \"دوراته\"، وفي ت ١: \"دواراته\". والدوُّارة: كل ما لم يتحرك ولم يَدُرْ. ينظر التاج (دور).\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٤٩.\n(^٣) بعده في م: \"لما\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٥.\n(^٦) في ص، ت ١، ف: \"حسر\"، وفي الأصل، ت ٢: \"حش\".\n(^٧) ذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص ١٩٤، والبغوي في تفسيره ٥/ ١٨٧. وينظر ما تقدم تخريجه في ص ٣١٥.\n(^٨) ينظر ما تقدم في ص ٣١٥، وما سيأتي في ص ٣٣٠.","vol":"15","page":318},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن بن عباسٍ: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾. قال: [اتخذ موسى سبيلَ الحوتِ عجبًا] (^١).\n\n<span id=\"aya-2204\"></span><span data-type='title' id=toc-5501>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لفتاه: ﴿ذَلِكَ﴾ يعنى بـ ﴿ذَلِكَ﴾: نسيانَك الحوتَ، ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾. يقولُ: الذى كنا نلتمسُ ونطلُبُ؛ لأن موسى كان قِيل له: صاحبُك الذى تُرِيدُهُ حيث تنسَى الحوتَ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾. قال موسى: فذاك حيث (^٢) أُخبِرتُ أَنِّي واجدٌ خَضِرًا حيث يفوتُني الحوتُ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه (^٤)، إلَّا أنه قال: حيث يفارِقُني الحوتُ.\nوقولُه: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾. يقولُ: فرجَعا في الطريقِ الذي كانا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"موسي سبيل الحوت في البحر عجبا\"، وفي م: \"يعني كان سرب الحوت لموسى عجبًا\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"حين\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٤٩.\n(^٤) في م: \"مثله\".","vol":"15","page":319},{"text":"قطَعاه ناكصين على أدبارِهما يَقُصَّان آثارَهما التي كانا سلَكاها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿قَصَصًا﴾. قال: اتَّبَع موسى وفتاه أثرَ الحوتِ، فشقَّا (^١) البحرَ راجعَين (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾. قال: اتِّباعُ موسى وفتاه أثرَ الحوتِ بشقِّ البحرِ، وموسى وفتاه راجعان، وموسى يعجَبُ من أثرِ الحوتِ في البحرِ ودوَّارتِه (^٣) التي غاب فيها.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: رجَعا عودَهما على بدئِهما، ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابن عباسٍ، عن أبيِّ بنِ كعبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \" ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾. أى: يَقُصَّان آثارَهما حتى انتهيا إلى مدخل الحوتِ\" (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١: \"يشق\"، وفي ت ٢: \"بشق\"، وفي ف: \"فشق\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٤٩.\n(^٣) في م: \"دوراته\"، وفي ت ١: \"دواراته\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٣١٤، وينظر ما سيأتى في ص ٣٢٦.","vol":"15","page":320},{"text":"<span id=\"aya-2205\"></span>وقولُه: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾. [يقولُ: فوجَد موسى وفتاه عنَد الصخرةِ حين رجَعا إليها ﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾. ذُكِر أنه الخضِرُ، ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾] (^١). يقولُ: وهَبنا له رحمةً من عندِنا، ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾. يقولُ: وعلَّمناه من عندِنا أيضًا علمًا.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾. أي: من عندِنا علمًا.\nوكان سببَ سفرِ موسى وفتاه، ولقائِه هذا العالِمَ الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ، فيما ذُكِر، أن موسى سُئِل: هل في الأرضِ أحدٌ أعلمُ منك؟ فقال: لا. أو حدَّثته نفسُه بذلك، فكُرِه ذلك له، فأراد اللهُ تعريفَه أن من عبادِه في الأرضِ من هو أعلمُ منه، وأنه لم يكنْ له أن يَحْتِمَ على ما لا علمَ له به، ولكن كان ينبغي له أن يكِلَ ذلك إلى عالِمه.\nوقال آخرون: بل كان سببَ ذلك أنه سأَل اللهَ جَلَّ ثناؤُه أَن يَدُلَّه على عالمٍ يزدادُ من علمِه إلى علمِ نفسِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن هارونَ بنِ عنترةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: سأَل موسى ربَّه، فقال: ربِّ، أيُّ عبادِك أحبُّ إليكَ؟ قال: الذي يذكُرُني ولا ينسَاني. قال: فأيُّ عبادِك أقضَى؟ قال: الذى يقضِى بالحقِّ ولا يَتَّبِعُ الهوى. قال: أى ربِّ، أيُّ عبادِك أعلمُ؟ قال: الذي يبتغِي علم الناسِ إلى\n_________\n(^١) سقط من: م، ف.","vol":"15","page":321},{"text":"علمِه (^١)، عسى أن يُصِيبَ كلمةً تهديه إلى هُدًى، أو تَرُدُّه عن رَدًى. قال: ربِّ، فهل في الأرضِ أحدٌ (^٢)؟ قال: نعم. قال: ربِّ، فمَن هو؟ قال: الخَضِرُ. قال: وأين أطلُبُه؟ قال: على الساحلِ عندَ الصخرةِ التى يَنْفَلِتُ عندَها الحوتُ. قال: فخرَج موسى يطلُبُه، حتى كان ما ذكَر اللهُ، وانتهَى موسى إليه عندَ الصخرةِ، فسلَّم كلُّ واحدٍ منهما على صاحبِه، فقال له موسى: إنى أُرِيدُ أن تَستصحِبَني. قال: إنك لن تُطِيقَ صُحبَتى. قال: بلى. قال: فإن صحِبتَى ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)﴾ إلى قولِه: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. قال: فكان قولُ موسى في الجدارِ لنفسِه، ولطلبِ شيءٍ من الدنيا، وكان قولُه في السفينةِ وفي الغلامِ للَّهِ، ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. فَأَخْبَره بما قال اللهُ: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾، ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ﴾، ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ﴾. قال: فسار به في البحرِ حتى انتهَى إلى مجمعِ البحورِ، وليس في الأرضِ مكانٌ أكثرُ ماءً منه. قال: وبعَث ربُّكَ الخُطَّافَ (^٣) فجعَل يستقِى منه بمِنقارِه. فقال لموسى: كم ترَى هذا الخطافَ رَزَأَ (^٤) من هذا الماءِ؟ قال: ما أقلَّ ما رَزَأ. قال: يا موسى، فإن علمى وعلمَك في علمِ اللهِ كقدْرِ ما استقَى هذا الخطافُ من هذا الماءِ. وكان موسى قد حدَّث نفسَه أنه ليس أحدٌ أعلمَ منه، أو تكلَّم به، فمِن ثَمَّ أُمِرَ أَن يَأْتِيَ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"علم نفسه\".\n(^٢) في م: \"أحدا\"، وبعده في التاريخ: \"قال أبو جعفر أظنه قال: أعلم منى\".\n(^٣) الخطاف: طائر أسود، وهو العصفور الذي تدعوه العامة. عصفور الجنة. التاج (خ ط ف).\n(^٤) رزأ: أصاب. التاج (رزأ).","vol":"15","page":322},{"text":"الخَضِرَ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: خطَب موسى بني إسرائيلَ، فقال: ما أحدٌ أعلمَ باللهِ وبأمرِه منى. [فأُمِر أن يلقَى] (^٢) هذا الرجلَ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ أنه قِيل له: إن آيةَ لُقِيِّك إياه أن تنسَى بعضَ متاعِك. فخرَج هو وفتاه يوشعُ بنُ نونٍ، وتزوَّدوا (^٤) حوتًا مملوحًا، حتى إذا كانا حيث شاء اللهُ، ردَّ اللهُ إلى الحوتِ رُوحَه، فسرَب في البحرِ، فاتخَذ الحوتُ طريقَه سَرَبًا في البحرِ، فَسَرَب فيه، ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ حتى بلَغ قولَه: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾، فكان موسى اتخذ سبيله في البحرِ عجبًا، فكان يَعْجَبُ من سَرَبِ الحَوتِ (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما اقتصَّ موسى أثرَ الحوتِ انتهَى إلى رجلٍ راقدٍ قد سجَّى عليه ثوبَه، فسلَّم عليه موسى، فكشَف الرجلُ عن وجهِه، فردَّ (^٦) عليه¬ السلامَ وقال: مَن أنتَ؟ قال: موسى. قال: صاحبُ بني إسرائيلَ؟ قال: نعم. قال: أوَما كان لك في بنى إسرائيلَ شغلٌ؟ قال: بلى، ولكنى أُمِرتُ أن آتِيكَ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٧١، ٣٧٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٣٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والخطيب.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فأمر أن يأتى\"، وفي م: \"فأوحى الله إليه أن يأتى\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٥.\n(^٤) في الأصل، م: \"تزودا\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٥.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ف: \"الثوب ورد\".","vol":"15","page":323},{"text":"وأَصْحبَك. قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾. كما قصَّ اللهُ، حتى بلَغ (^١): ﴿رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ صاحبُ موسى، ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. يقولُ: نُكْرًا. ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً (^٢) بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: إن نوفًا يزعُمُ أَن الخضِرَ ليس بصاحبِ موسى. فقال: كذَب عدوُّ اللهِ، حدَّثنا أبيُّ بنُ كعبٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: \"إن موسى قام في بني إسرائيلَ خطيبًا، فقيل: أيُّ الناسِ أعلمُ؟ قال: أنا. [فعتَب اللهُ] (^٤) عليه حينَ لم يَرُدَّ العلمَ إليه، فقال: بلى، عبدٌ لي عندَ مجمعِ البحرين. فقال: يا ربِّ، كيف به؟ فقيل: تأخُذُ حوتًا فتجعَله في مِكْتَلٍ، [فحيث تفقِدُه فهو هناك. قال: فأخَذ حوتًا فجعَله في مِكْتلٍ] (^٥). ثم قال لفتاه: إذا فقَدتَ هذا الحوتَ فأخبِرْني. فانطلَقا يمشِيان على ساحلِ البحرِ حتى أتيا صخرةً، فرقَد موسي، فاضطرَب الحوتُ في المِكْتَلِ، فخرَج فوقَع في البحرِ، فأمسَك اللهُ عنه جِرْيَةَ الماءِ، فصار مثلَ الطَّاقِ، فصار للحوتِ سَرَبًا، وكان لهما عجبًا، ثم انطلَقا، فلما كان حين الغَداءِ (^٦)، قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾. قال: ولم يَجِدْ موسى النَّصَبَ حتى جاوَز حيث أمره اللهُ. قال: فقال: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ\n_________\n(^١) بعده في النسخ: \"فلما\". والمثبت صواب التلاوة، وهو كذلك في مصدر التخريج.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"زاكية\". وهما قراءتان كما سيأتي في ص ٣٤٠.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٦.\n(^٤) في الأصل، ت ٢: \"فعِيبَ\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"الغد\".","vol":"15","page":324},{"text":"أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾. قال: فقال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾. قال: يَقُصَّان آثارَهما. قال: فأَتَيا الصخرةَ، فإذا رجلٌ نائمٌ مُسَجًّى بثوبِه، فسلَّم عليه موسى، فقال: وأَنَّى بأرضِنا السلامُ! فقال: أنا موسى. فقال: موسى (^١) بني إسرائيلَ؟ قال: نعم. قال: يا موسى، إنى على علمٍ من علمِ اللهِ، علَّمنيه اللهُ لا تعلَمُه، وأنت (^٢) على علمٍ من علمِه علَّمكه اللهُ (^٣) لا أَعلَمُه. قال: فإني ﴿أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾. قال: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. فانطلَقا يمشِيان على الساحلِ، فعُرِف الخضِرُ، فحُمِل بغيرِ نَوْلٍ، فجاء عصفورٌ، فوقع على حرفِها فنقَر -أو: فنقَد- في الماءِ، فقال الخضِرُ لموسى: ما ينتقصُ (^٤) عِلْمِي وعلمُك من علمِ اللهِ إلا مقدارَ ما نقَر -أو نقَص- هذا العصفورُ من البحر\" -أبو جعفر يشكُّ، وهو في كتابه: نقَر- قال: \"فبينما [هم في السفينةِ] (^٥) إذ لم يُفْجأْ موسى إلا وهو يتِدُ وَتِدًا أو ينزعُ تَخْتًا منها، فقال له موسى: حُمِلْنا بغيرِ نَوْلٍ وتخرِقُها لتُغرِقَ أَهْلَهَا؟ ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾. قال: وكانت الأولى من موسى نِسْيانًا. قال: ثم خرَجَا فانْطَلَقا يَمشِيان، فأبْصَرا غلامًا يلعَبُ مع الغِلْمانِ، فأخَذ برأسِه فقَتَله، فقال له موسى: (أَقَتَلْتَ نفْسًا زَاكِيَةً بغيرِ نَفْسٍ لقد جِئتَ شيئًا نُكْرًا). قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"نبي\".\n(^٢) في الأصل، ص، ت ٢: \"إنك\".\n(^٣) ليس في: ص، م، ت ١، ف.\n(^٤) في م: \"نقص\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"هو\".","vol":"15","page":325},{"text":"سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾. قال: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾. فلم يجدا أحدًا يُطْعِمُهم ولا يَسقِيهم، ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ بيدِه، قال: مسَحَه بيدِه، فقال له موسى: لم يُضَيِّفُونا ولم يُنْزِلُونا، ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ (^١) عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. قال: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ \". قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لَوَدِدتُ أنَّه كان صبَر حتى يَقُصَّ عَلَيْنا قَصَصَهم\" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثني ابنُ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ عُمارةَ، عن الحكمِ بن عُتيبةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: جلستُ عندَ (^٣) ابنِ عباسٍ وعندَه نفرٌ من أهلِ الكتابِ، فقال بعْضُهم: يا أبا العباسِ، إن نوفًا ابنَ امرأةِ كعبٍ يزعُمُ عن كعبٍ، أن موسى النبيَّ الذى طلَب العالمَ إنَّما هو موسى بنُ مَنْسَا (^٤). قال سعيدٌ: قال ابنُ عباسٍ: أنَوْفٌ يقولُ هذا؟ قال سعيدٌ: فقلتُ له نعمْ، أنا سمِعتُ نوفًا يقولُ ذلك. قال: أنتَ سمِعتَه يا سعيدُ؟ قال: قلتُ: نعم. قال: كذَب نوفٌ. ثم قال ابنُ عباسٍ: حدَّثني أبيُّ بن كعبٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ أَنَّ موسى نبيُّ بنى إسرائيلَ سأل ربَّه فقال: أىْ ربِّ، إن كان في عبادِك أحدٌ هو أعلمُ مِنِّى فَادْلُلْنِي عليه. فقال له: نعمْ في عبادِى مَن هو أعلمُ مِنكَ. ثم نعَت له مكانَه، وأذِن له في لُقِيِّه، فخَرَج موسى ومعه فتاه ومعه حوتٌ مليحٌ، قد قيل له: إذا حَيِىَ هذا الحوتُ في مكانٍ فصاحِبُك هنالك، وقد أدرَكْتَ حاجتَك. فخرَج موسى ومعه فتاه، ومعه\n_________\n(^١) في ص: \"لتخذت\". وهما قراءتان وسيذكرهما المصنف في ص ٣٥١، ٣٥٢.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٦٦ - ٣٦٨، وأخرجه البخارى (١٢٢، ٣٢٧٨، ٣٤٠١، ٤٧٢٥، ٦٦٧٢)، ومسلم (٢٣٨٠/ ١٧٠) من طريق سفيان به.\n(^٣) في م: \"فأسند\".\n(^٤) في م، ت ١، ف: \"ميشا\"، وغير منقوطة في: ص، ت ٢، وفي التاريخ: \"منشا\".","vol":"15","page":326},{"text":"ذلك الحوتُ يَحْمِلانِه، فسار حتى جَهَدَه السَّيرُ، وانتهى إلى الصَّخرةِ وإلى ذلك الماءِ، [وذلك الماءُ] (^١) ماءُ الحياةِ، من شرِب منه خُلِّد، ولا يقارِبُه شَيْءٌ مَيِّتٌ إِلا حَيِيَ، فلمَّا نزَلا ومسَّ الحوتُ الماءَ حيِيَ ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. فَانْطَلَقا، فلمَّا جاوَزا بمَنْقَلةٍ (^٢) قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾. قال الفَتَى وذكَر: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾. قال ابن عباسٍ: فظَهر موسى على الصخرةِ حين انْتَهَيا إليها، فإذا رجلٌ مُتَلفِّفٌ في كساءٍ له، فسَلَّم موسى، فردَّ عليه العالمُ، ثم قال له: [ومن أنت؟ فقال: أنا موسى بنُ عمرانَ. قال: صاحبُ بني إسرائيلَ؟ قال: نعم. قال] (^٣): وما جاء بك؟ إن كان لك في قومِك لشغلٌ؟ قال له موسى: جئتُكَ لتُعَلِّمَنى مما عُلِّمتَ رُشْدًا. ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ -وكان رجلًا [يَعْمَلُ على] (^٤) الغَيْبِ قد عُلِّم ذلك -فقال موسى: بلى. قال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾. أى: إنما تعرِفُ ظاهرَ ما ترَى من العَدْلِ، ولم تُحطْ من علمِ الغيبِ بما أعلمُ. ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾. وإن رأيتُ ما يُخالِفُنى. ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ [حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. أى: فلا تسأَلْني عن شيءٍ وإِن أَنْكرتَه ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. أى: خَبرًا] (^٥). فانْطلَقا يمشيان على ساحلِ البحرِ، يتعرَّضان الناسَ، يَلْتمِسان مَن يحمِلُهما، حتى مرَّت بهما سفينةٌ جديدةٌ وثيقةٌ لم يمرَّ بهما من\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"منقلبه\". والمنقلة: المرحلة من مراحل السفر. اللسان (ن ق ل).\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"يعلم علم\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"وإن أنكرته حتى أحدث لك منه ذكرا\".","vol":"15","page":327},{"text":"السفنِ شيءٌ أحسنُ ولا أجملُ ولا أوثقُ منها، فسأَلا أهلَها أن يحمِلوهما، فحمَلوهما، فلما اطمأَنَّا فيها، ولَجَّجَتْ (^١) بهما مع أهلِها، أخرَج مِنْقَارًا له ومِطْرَقةً، ثم عمَد إلى ناحيةٍ منها فضرَب فيها بالمِنْقارِ حتى خرَقها، ثم أخَذ لوحًا فطبَّقه عليها، ثم جلَس عليها يَرْقَعُها. قال له موسى - [ورأَى أمرًا أُفْظِع به] (^٢) -: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾: [حمَلونا وآوَونا إلى سفينتِهم، وليس في البحرِ سفينةٌ مثلُها، فلِمَ خرَقتها لتغرِقَ أهلَها؟ لقد جئتَ شيئًا إمرًا] (^٣)، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾. أى: بما ترَكتُ من عهدِك، ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾. ثم خرَجا من السفينةِ، فانطلَقَا حتى أتَيا أهلَ قريةٍ، فإذا غِلْمَانٌ يلعبون خَلْفَها، فيهم غلامٌ ليس في الغلمانِ غلامٌ أظرفُ ولا أَثْرَى (^٤) ولا أَوْضَأُ منه، فأَخَذ (^٥) بيدِه، وأخَذ حجرًا. قال: فضرَب به رأسَه حتى دمَغه فقتلَه. قال: فرأَى موسى أمرًا فظيعًا لا صبرَ عليه، صبيٌّ صغيرٌ قتَله (^٦) لا ذنبَ له، ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً (^٧)﴾. أى: صغيرةً ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾. أى: قد أُعذِرْتَ في شأني. ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ\n_________\n(^١) في م: \"لجت\". ولَجَّجت السفينة، أي: خاضت اللُّجة. اللسان (ل ج ج).\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ف، ونسخة من تاريخ المصنف: \"ورأى أمرا فظع به\"، وفي نسخ منه: \"فأى أمر أفظع من هذا\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) في الأصل: \"أنزى\"، وفي ف: \"أبرا\"، وفي التاريخ: \"أنزف\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ف: \"فأخذه\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"زاكية\".","vol":"15","page":328},{"text":"يَنْقَضَّ﴾ فهدَمه، ثم قعد يَبْنِيه، فضجر موسى مما رآه يصنَعُ من التكلُّفِ (^١) لما ليس عليه صبرٌ، فقال: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ (^٢) عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. أى: قد استطعَمناهم فلم يُطْعِمُونا، وضِفْناهم فلم يُضيِّفُونا، ثم قعَدتَ تعمَلُ (^٣) فِي غيرِ ضَيْعةٍ (^٤)، ولو شِئْتَ لأُعْطِيتَ عليه أجرًا في عملِه! ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ (^٥) غَصْبًا﴾ - وفي قراءةِ أبيِّ بنِ كعبٍ: (كلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ) (^٦) -وإنما عِبتُها لأَرُدَّه عنها، فسَلِمَتْ منه حينَ رأَى العيبَ الذى صنَعتُ بها، ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾. أى: ما فعلتُه عن نفسى، ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. فكان ابنُ عباسٍ يقولُ: ما كان الكنزُ إلا علمًا (^٧).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثني ابنُ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ عُمارةَ، عن أبيه، عن عكرمةَ، قال: قيل لابنِ عباسٍ: لم نَسمَعْ لفتى موسى بذكرٍ من حديثٍ، وقد كان معه؟ فقال ابنُ عباسٍ -فيما يَذْكُرُ من حديثِ الفتى- قال:\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"التكليف\".\n(^٢) في ص: \"لتخِذت\". وهما قراءتان، وسيذكرهما المصنف في ص ٣٥١.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) في م، ونسخة من التاريخ: \"صنيعة\". والضيعة: الحرفة. اللسان (ض ى ع).\n(^٥) بعده في الأصل: \"صالحة\".\n(^٦) هذه القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٧) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٧٢ - ٣٧٥.","vol":"15","page":329},{"text":"شرِب الفتى من الماءِ فخُلِّد، فأخَذه العالِمُ فطابَق به سفينةً، ثم أرسَله في البحرِ، فإنها لتموجُ به إلى يوم القيامة، وذلك أنه لم يَكُنْ له أن يشرب منه فشرِب (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ الآية. قال: لما ظهَر موسى وقومُه على مصرَ، أَنزَل قومَه مصرَ، فلما استقرت بهم الدارُ أنزل الله عليه، أن ذكِّرْهم بأيَّام اللهِ. فخطب قومه، فذكر ما آتاهم اللهُ من الخيرِ والنعمةِ، وذكَّرَهم إذ أنجاهم اللهُ من آلِ فرعونَ، وذكَّرَهم هلاكَ عدوِّهم، وما استخلَفهم اللهُ في الأرضِ، وقال: كلَّم الله نبيَّكم تكليمًا، واصطفَاني لنفسه، وأنزَل عليَّ محبةً منه، وآتاكم اللهُ من كلِّ ما سأَلتموه، فنبيُّكم أفضلُ أهلِ الأرضِ، وأنتم تقرَءُون التوراةَ. فلم يترُكْ نعمةً أنعمَها اللهُ عليهم إلَّا ذكَرها، وعرَّفها إياهم. فقال له رجلٌ من بني إسرائيلَ: هو كذلك يا نبيَّ اللهِ، قد عرَفنا الذي تقولُ، فهل على الأرضِ أحدٌ أعلمُ منك يا نبيَّ الله؟ فقال: لا. فبعَث اللهُ جبريلَ إلى موسى ﵉، فقال: إن اللهَ يقولُ: وما يُدْرِيكَ أين أَضَعُ عِلْمى؟ بلى، إن على شطَّ البحرِ رجلًا أعلمَ منكَ. فقال ابنُ عباسٍ: هو الخَضِرُ. فسأَل موسى ربَّه أن يُرِيَه إياه، فأوحَى اللهُ إليه أن ائْتِ البحرَ، فإنك تجِدُ على شطَّ البحرِ حُوتًا، فخُذْه فادفَعْه إلى فتَاك، ثم الزَمْ شطَّ البحرِ، فإذا نسِيتَ الحوتَ وهلَك منكَ، فثَمَّ تَجِدُ العبدَ الصالحَ الذى تطلُبُ. فلما طال سفرُ موسى نبيِّ اللهِ ﵇، ونَصِب فيه، سأَل فتاه عن الحوتِ، فقال له فتاه، وهو غلامُه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ لك. قال الفتى: لقد رأَيتُ الحوتَ حينَ اتَّخَذ سبيلَه في البحرِ سَرَبًا. فأعجَب ذلك موسى،\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٧٥.","vol":"15","page":330},{"text":"فرجَع حتى أتَى الصخرةَ، فوجَد الحوتَ، [فجعَل الحوتُ] (^١) يضربُ في البحرِ، ويتْبَعُه موسى، وجعَل موسى يُقدِّمُ عصاه يَفرُجُ بها عنه (^٢) الماءَ يَتْبَعُ الحوتَ، وجعَل الحوتُ لا يمسُّ شيئًا من البحرِ إلا يبِس حتى يكونَ صخرةً، فجعَل نبيُّ اللهِ ﵇ يَعْجَبُ من ذلك حتى انتهَى به الحوتُ إلى جزيرةٍ من جزائرِ البحرِ، فلقِى الخَضِرَ بها فسلَّم عليه، فقال الخضرُ: وعليك السلامُ، وأنى يكونُ هذا السلامَ بهذه الأرضِ! ومَن أنتَ؟ قال: أنا موسى. فقال له الخضرُ: أصاحبُ بني إسرائيلَ؟ قال: نعم. فرحَّب به، وقال: ما جاء بك؟ قال: جئتُكَ على أَن تُعَلِّمَنى مما عُلِّمتَ رُشدًا. قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾. يقولُ: لا تُطِيقُ ذلك. قال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾. قال: فانطلق به وقال له: لا تسأَلْنى عن شيءٍ أصنَعُه حتى أُبَيِّنَ لك شأنَه. فذلك قولُه: ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. فرَكبا في السفينةِ يُرِيدان البرَّ، فقام (^٣) الخضرُ فخرق السفينةَ، فقال له موسى: ﴿خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ موسى صلى الله عليه لما قطَع البحرَ وأنجاه اللهُ من آلِ فرعونَ، جَمَع بني إسرائيلَ، فخطَبهم فقال: أنتم خيرُ أهلِ الأرضِ وأعلمُه، قد أهلَك الله عدوَّكم، وأقطعكم البحر، وأَنْزَل عليكم التوراةَ. قال: فقيل له: إن ههنا رجلًا هو أعلمُ منك. قال: فانطلق هو وفتاه يوشعُ بنُ نونٍ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"عن\".\n(^٣) في ت ٢: \"فقال\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٦٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٣٣ إلى المصنف وابن أبى حاتم.","vol":"15","page":331},{"text":"يطلُبانِه، فتزوَّدوا (^١) مملوحةً في مِكْتَل لهما، وقيل لهما: إذا نسيتما ما معكما لقِيتما رجلًا عالمًا يقال له: الخَضِرُ. فلما أتيا ذلك المكانَ، ردَّ اللهُ إلى الحوتِ روحَه، فسرَب له من الجُدِّ (^٢) حتى أَفْضَى إلى البحر، ثم سلَك، فجعَل لا يسلُكُ فيه طريقًا إلا صار ماءً جامدًا. قال: ومضى موسى وفتاه. يقولُ الله ﷿: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾. ثم تلا إلى قوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾. فلقيا رجلًا عالمًا يقالُ له: الخضرُ، فذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: \"إنما سُمِّي الخَضِرُ خضِرًا؛ لأنه قعَد على فَروةٍ (^٣) بيضاءَ فاهتزَّت به خضراءَ\" (^٤).\nحدثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبرني أبي، قال: حدثنى الأوزاعيُّ، قال: حدثنى الزهريُّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بن عتبةَ بنِ مسعودٍ، عن ابن عباسٍ، أنه تمارَى هو والحُرُّ بنُ قيسِ بنِ حِصْنٍ الفزاريُّ في صاحب موسى، فقال ابنُ عباسٍ: هو خضِرٌ. فمرَّ بهما أبيُّ بنُ كعبٍ، فدعاه ابنُ عباسٍ، فقال: إني تمارَيتُ أنا وصاحبي هذا في صاحبِ موسى الذى سأل السبيلَ إلى لُقِيِّه، فهل (^٥) سمِعتَ رسولَ اللهِ يذكُرُ شأنَه؟ قال: نعم (^٦)، سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"بيْنَا موسى في ملأٍ من بنى إسرائيلَ إذ جاءه رجلٌ فقال: تعلَمُ [مكانَ أحدٍ] (^٧) أعلمَ منك؟ قال موسى: لا.\n_________\n(^١) في ص: \"فتزودوا سمكة\"، وفي م: \"وتزودا سمكة\"، وفي ت ١، ف: \"وتزودوا سمكة\".\n(^٢) في م: \"الجسر\". وتقدم تعريف الجد في ص ٣١٤.\n(^٣) الفروة: الأرض اليابسة، وقيل: الهشيم اليابس من النبات. النهاية ٣/ ٤٤١.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٧٥.\n(^٥) في م: \"فقال\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"إني\".\n(^٧) في الأصل: \"بمكانٍ أحدا\".","vol":"15","page":332},{"text":"فأَوْحَى الله إلى موسى: بلي، عبدُنا (^١) خضِرٌ. فسأل موسى السبيلَ إلى لُقِيِّه، فجعَل اللهُ له الحوتَ آيةً، وقيل له: إذا افتقدتَ (^٢) الحوتَ فارجِعْ فإنك ستلقاه. فكان موسى يتْبعُ أثرَ الحوتِ في البحرِ، فقال فتى موسى لموسى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾. قال موسى: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا﴾ (^٣)، خَضِرًا، وكان من شأنهما ما قصَّ الله في كتابِه\" (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ مرزوقٍ، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا عبد اللهِ بنُ عمرَ النُّميريُّ، عن يونسَ بنِ يزيدَ، قال: سمِعتُ الزهريِّ يحدِّثُ، قال: أخبرني عبيدُ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ بنِ مسعودٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه تمارَى هو والحرُّ بن قيسِ بن حصنٍ الفَزاريُّ في صاحبِ موسى. ثم ذكَر نحوَ حديثِ العباسِ، عن أبيه (^٥).\n\n<span id=\"aya-2206\"></span><span data-type='title' id=toc-5502>القولُ في تأويلِ قوله جلّ ثناؤُه: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ (^٦) مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى للعالمِ: هل أتَّبِعُك على أن تُعلِّمَنى من العلمِ الذى علَّمك اللهُ، ما هو رَشادٌ إلى الحقِّ ودليلٌ على هدًى؟\n\n<span id=\"aya-2207\"></span>قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال العالمُ: إنَّك لن تُطِيقَ الصبرَ معى؛ وذلك أَنِّي\n_________\n(^١) في الأصل: \"عندنا\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"فقدت\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"عبدنا\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٦٨، وأخرجه البخاري (٧٤٧٨)، والنسائي في الكبرى (١١٣٠٩) من طريق الأوزاعي به\n(^٥) في النسخ: \"أبي بن كعب، عن النبي ﷺ \". والمثبت من تاريخ المصنف.\nوالأثر أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٦٩، وأخرجه مسلم ٢٣٨٠/ ١٧٤ من طريق يونس به.\n(^٦) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: \"تعلمنى\". وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وصلًا.=","vol":"15","page":333},{"text":"أعْمَلُ بباطنِ علمٍ علَّمَنيه اللهُ، ولا عِلمَ لك إلَّا بالظاهرِ من الأُمورِ، فلا تَصبِرُ على ما تَرى منِّى (^١) من الأفعالِ. كما ذكَرْنا مِن الخبرِ عن ابنِ عباسٍ قبلُ مِن أنَّه كان رجلًا يعمَلُ على الغيبِ، قد عُلِّم ذلك (^٢).\n\n<span id=\"aya-2208\"></span><span data-type='title' id=toc-5503>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قولِ العالمِ لموسى: وكيف تَصْبِرُ يا موسى على ما تَرى منِّى من الأفعالِ التى لا علْمَ لك بوجوه صوابِها، وتُقيمُ معى عليها، وأنت إنما تحكُمُ على صوابِ المُصيبِ، وخَطأِ المُخْطئِ، بالظاهرِ الذي عندَك، وبمَبْلغِ علمِك، وأفعالى تَقَعُ بغيرِ دليلٍ ظاهرٍ لرأْيِ عينِك على صوابِها؛ لأنَّها تُبتَدَأُ لأسبابٍ تحدُثُ آجلةً غيرَ عاجلةٍ، لا علمَ لك بالحادثِ عنها؛ لأنَّه (^٣) غَيْبٌ، و[لم تُحِطْ] (^٤) بعلمِ الغيبِ ﴿خُبْرًا﴾. يقولُ: علمًا.\n\n<span id=\"aya-2209\"></span>﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا﴾. [يقولُ: قال موسى للعالمِ: ستجِدُني إن شاء اللهُ صابرًا] (^٥) على ما أرَى منك، وإن كان خلافًا لما هو عندِى صوابٌ، ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾. يقولُ: وأنتهِى إلى ما تأْمُرُنى وإن لم يكنْ مُوافِقًا هواىَ.\n\n<span id=\"aya-2210\"></span><span data-type='title' id=toc-5504>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى</span>\n_________\n= ووقفوا بغير ياء، ووصلها الباقون ووقفوا بغير ياء. السبعة لابن مجاهد ص ٤٠٣.\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣٢٩.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"لأنها\".\n(^٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"لا تحيط\"\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"15","page":334},{"text":"أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال العالمُ لموسى: فإنِ اتَّبَعتني الآنَ فلا تَسْألني عن شيءٍ أعْمَلُه مما تَسْتَنكِرُه؛ فإنِّى قد أَعْلَمْتُك أَنِّى أعمَلُ العمل على الغيب الذى لا تُحيطُ به علمًا، ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. يقولُ: حتى أُحْدِثُ أنا لك ذِكْرًا (^١) مما تَرى من الأفعالِ التي أفعلُها التى تَستَنكِرُها، [أذْكُرُه لك، وأُبَيِّنُ لك شأنَه، وأبْتَدئُك بالخبرِ عنه] (^٢).\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾: عن شيءٍ أصنعُه حتى أُبَيِّنَ لك شأنَه (^٣).\n\n<span id=\"aya-2211\"></span><span data-type='title' id=toc-5505>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فانطلَق موسى والعالمُ يَسِيران يطلُبان سَفِينَةً يَرْكَبانِها، حتى إذا أصاباها رَكِبا في السَّفينة، فلمَّا رَكِباها خرَق العالمُ السَّفينةَ، قال له موسى: أَخَرَقْتَها بعدما قد لَجَّجْنا فى البَحرِ؛ لتُغْرِقَ أهلها؟ ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. يقولُ: لقد جئتَ [بشيءٍ عظيمٍ] (^٤)، وفعَلتَ فِعْلًا مُنكَرًا.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: ﴿لَقَدْ\n_________\n(^١) سقط من: م، وفي ت ١: \"منه ذكرا\".\n(^٢) فى م: \"أذكرها لك وأبين لك شأنها وأبتدئك بالخبر عنه\"\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٣١٥.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"شيئًا عظيمًا\".","vol":"15","page":335},{"text":"جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. أى: عَجَبًا (^١)؛ أن قومًا لَجَّجُوا سفينتَهم [في البحرِ فخُرِقَتْ] (^٢) كأَحْوجِ ما يكونون (^٣) إليها! ولكنْ عَلِم مِن ذلك ما لم يعلَمْ نبىُّ اللهِ موسى (^٤) من علمِ اللهِ الذي أتاه، وقد (^٥) قال لنبىِّ اللهِ موسى ﵇: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. يقولُ: نُكْرًا.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. قال: مُنكَرًا (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٧).\nوالإمْرُ في كلامِ العربِ الداهيةُ، ومنه قولُ الراجزِ (^٨):\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في الفتح ٨/ ٤١٩ - من طريق خالد بن قيس، عن قتادة، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٢٣٦ إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد.\n(^٢) في ص: \"فخرقت\"، وفى م، ف: \"فخرقتها\".\n(^٣) فى ص، م، ت ١، ف: \"نكون\"، وفى ت ٢: \"يكون\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ٢، ف: \"ذلك\"\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٤٥٠، وعزاه الحافظ فى الفتح ٨/ ٤١٩ إلى عبد بن حميد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٣٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٧) ذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٤١٩، وقال: هو من رواية ابن جريج عن مجاهد، وقيل: لم يسمع منه.\n(^٨) البيتان في مجاز القرآن، ١/ ٤٠٩، والتبيان ٧/ ٦٥، ١٣٤، وفيه فى الموضع الثاني: \"الأعداء\" بدل \"الأقران\"، واللسان (أ م ر).","vol":"15","page":336},{"text":"قد لَقِيَ الأقرانُ مِنْكَ (^١) نُكْرَا\nداهِيةً دَهياءَ إِدًّا إِمْرَا\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ يقولُ: أَصْلُه كلُّ شيءٍ شديدٍ كثيرٍ. ويقولُ: منه قيل للقومِ: قد أَمِروا. إذا كثُروا واشتدَّ أمْرُهم. قال: والمصدرُ منه: الأمَرُ، والاسمُ: الإمْرُ.\nواختلَفتِ القرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾. فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضِ الكوفيِّين: ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾. بالتاءِ في ﴿لِتُغْرِقَ﴾، ونصْبِ \"الأهلِ\" (^٢)، بمعنى: لتُغرِقَ أنتَ أيُّها الرجلُ أهلَ السَّفينة بالخَرْقِ الذي خرَقْتَ فيها.\nوقرَأه عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (لِيَغْرَقَ) بالياء (أهلُها) بالرفعِ (^٣)، على أن \"الأهلَ\" هم الذين يَغْرَقون.\nوالصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أن يُقالَ: إِنَّهما قراءتان معروفَتان مُسْتفيضَتان في قرَأةِ الأمصارِ، متَّفِقَتا المعنى وإنِ اختَلَفت ألفاظُهما، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوإنما قُلنا: هما متَّفِقتا المعنى؛ لأنه معلومٌ أن إنكارَ موسى على العالِم خَرْقَ السَّفينةِ إنما كان؛ لأنَّه كان عندَه أن ذلك سببٌ لغَرَقِ أَهْلِها إِذا أُحْدِث (^٤) فيها، فلا خفاءَ على أحدٍ معنى ذلك، قُرِئ بالتاءِ ونَصْبِ \"الأهلِ\"، أو بالياءِ ورَفْعِ \"الأهلِ\".\n_________\n(^١) فى م، والمصادر: \"منى\".\n(^٢) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ونافع وابن عامر وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٣٩٥.\n(^٣) وهى قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢: \"مثل ذلك الحدث\".","vol":"15","page":337},{"text":"<span id=\"aya-2212\"></span><span data-type='title' id=toc-5506>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال العالمُ لموسى إذ قال له ما قال: ألم أقلْ: إِنَّكَ لن تُطِيقَ معىَ صبرًا على ما تَرى من أفعالِي؛ لأنَّك تَرى ما لم تُحِطْ به خُبْرًا.\n\n<span id=\"aya-2213\"></span>قال له موسى: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾.\nفاختلَف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: كان هذا الكلامُ من موسى ﵇ للعالمِ معارضةً، لا أنَّه كان نَسِيَ عهدَه، وما كان تقدَّم فيه إليه (^١) حينَ استَصْحَبه بقولِه: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-5507>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثْتُ عن يحيى بنِ زيادٍ، قال: ثني يحيى بنُ المُهَلَّبِ، عن رجلٍ، [عن المِنهالِ] (^٢)، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن أُبيِّ بنُ كعبٍ الأنصاريِّ في قولِه: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾. قال: لم يَنْسَ، ولكنَّها من معارِيضِ الكلامِ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تُؤَاخِذْنى بتَرْكِى عهدَك. ووجَّهَ (^٤) معنى النِّسيانِ إلى (^٥) التَّرْكِ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) سقط من النسخ، والمثبت من معانى القرآن للفراء.\n(^٣) معاني القرآن ٢/ ١٥٥، وقال الحافظ في الفتح ٨/ ٤١٩: وإسناده ضعيف. . . ولو كان هذا ثابتا لاعتذر موسى عن الثالثة وعن الثانية بنحو ذلك.\n(^٤) بعده في م: \"أن\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"15","page":338},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ عُمارة، عن الحكمِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾. أى: بما ترَكتُ من عهدِك (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إنَّ موسى سألَ صاحبَه أَلَّا يُؤاخِذَه بما نَسِى فيه عهده من سؤالِه إيَّاه عن (^٢) وجْهِ ما فعَل وسببِه، لا بما سألَه عنه وهو لعهدِه ذاكرٌ؛ للصحيحِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بأن ذلك معناه، مِن الخبرِ.\nوذلك ما حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: ثنا ابنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾. قال: \"كانت الأُولى مِن موسى نِسْيانًا\" (^٣).\nوقولُه: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾. يقولُ: لا تُغْشِنى ﴿مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾. يقولُ: لا [يَضِيقُ عليك] (^٤) أمْرِى معك، وصُحْبَتى إيَّاك.\n\n<span id=\"aya-2214\"></span><span data-type='title' id=toc-5508>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً (^٥) بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فانطلقا حتى إذا لَقِيا غلامًا قتله العالم، فقال له موسى:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٣٢٩.\n(^٢) فى ص، م، ت ١، ف: \"علي\"\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٣٢٦.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"تضيق على\"\n(^٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"زاكية\". وهما قراءتان كما سيذكر المصنف.","vol":"15","page":339},{"text":"﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾.\nواختلَفتِ القرَأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامَّةُ قرَأةِ الحجازِ والبصرةِ: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً) (^١). وقالوا: معنى ذلك: المُطَهَّرَةُ التي لا ذنبَ لها، ولم تُذيب قطُّ لصِغَرِها.\nوقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ (^٢). بمعنى التائبةِ المغفورِ لها ذنوبُها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾. قال: فالزكيةُ التائبةُ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (قال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زاكيَةً) قال: الزاكيةُ التائبةُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ: (أقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً). قال: قال الحسنُ: تائبةً (^٤).\nهكذا [قرَأ في الحديثِ بشرٌ والحسنُ] (^٥): (زاكيةً).\n_________\n(^١) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ٣٩٥.\n(^٢) وهى قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٣٦ إلى المصنف.\n(^٤) في الأصل: \"التائبة\".\nوالأثر فى تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٦.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"في حديث الحسن وشهر\".","vol":"15","page":340},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: (نَفْسًا زاكيةً (^١»: بمعنى تائبةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5509>ذكرُ مَن قال: معناها: المسلمةُ التى لا ذنبَ لها</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبَرني يَعلَى بنُ مسلمٍ، أنه سمِع سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ: وجَد خَضِرٌ غِلْمَانًا يلعَبون، فأَخَذ غلامًا ظريفًا، فأضْجَعَه ثم ذبَحه بالسكينِ - قال: وأخبَرنى وهبُ بنُ سليمانَ، عن شُعيبٍ الجَبَائيِّ، قال: اسمُ الغلامِ الذي قتله الخَضِرُ جَيْسُورُ (^٢) - (قال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً (^٣». قال: مُسْلِمةً. قال: وقرَأها ابنُ عباسٍ: ﴿زَكِيَّةً﴾. كقولِك: زكِيًّا (^٤).\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهل الكوفة يقولُ: معنى \"الزَّكِيَّةِ\" و\"الزاكية\" واحدٌ، كـ \"القاسِيَةِ\" و\"القَسِيَّةِ\" (^٥). ويقولُ: هى التى لم\n_________\n(^١) في م: \"زكية\".\n(^٢) في الأصل: \"خيسور\"، وفى ت ١، ف: \"حنسور\"، وغير منقوطة فى ص. والمثبت موافق لما في مصادر التخريج، وما فى ت ١، ف، كالنسخة التي ذكرها الحافظ في الفتح ٨/ ٤٢٠ عن المصنف، وفي هذا الاسم أوجه كثيرة استقصاها الحافظ في الفتح، فانظرها فيه.\nوقول شعيب هذا أخرجه أحمد في العلل برواية عبد الله ١/ ١٠١، ١٠٢ (٤١٢، ٤١٦)، والدارقطني في المؤتلف ٢/ ٨٠٦ من طريق حجاج، عن ابن جريجٍ، عن وهب به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٢٣٦ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) في الأصل، ص، ت ٢: \"زكية\".\n(^٤) جزء من حديث طويل أخرجه أحمد ٥/ ١٢٠ (الميمنية)، مختصرًا، والبخاري (٤٧٢٦) كلاهما من طريق ابن جريج عن يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار، عن سعيد به.\n(^٥) يشير بذلك إلى الآية ١٣ من سورة \"المائدة\"، والقراءة الأولى قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبي عمرو وابن عامر، والقراءة الثانية قراءة حمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٣.","vol":"15","page":341},{"text":"تَجْنِ شيئًا.\nوذلك هو الصوابُ عندى؛ لأنى لم أجِدْ فَرْقًا بينهما في شيءٍ من كلام العربِ.\nفإذا كان ذلك كذلك، فبأىِّ القراءتين قرَأ ذلك القارئ فمُصيبٌ؛ لأنَّهما قراءتان مُسْتفيضَتان في قرَأةِ الأمصارِ بمعنًى واحدٍ.\nوقولُه: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ يقولُ: بغيرِ قِصاصٍ بنفسٍ قتلتْ فَلَزِمها القتلُ قَوَدًا بها.\nوقولُه: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (^١)﴾. يقولُ: لقد جئتَ بشيءٍ مُنكَرٍ، وفعلتَ فعلًا غيرَ معروفٍ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (^٢)﴾: والنُّكْرُ أَشدُّ مِن الإمْرِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-2215\"></span><span data-type='title' id=toc-5510>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) في الأصل \"نُكُرا\" بضم الكاف، وهى قراءة عاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر، ونافع وابن ذكوان وشعبة، وبسكون الكاف قرَأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وهشام والكسائي وحفص عن عاصم. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٩٥.\n(^٢) في الأصل: \"نُكُرا\". بضم الكاف.\n(^٣) ذكره الطوسي في تفسيره ٧/ ٦٦، والبغوى في تفسيره ٥/ ١٩١.","vol":"15","page":342},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: قال العالمُ لموسى: ألم أقلْ لك: إنك لن [تُطِيقَ صبرًا معي] (^١) على ما تَرى من أفعالى التى لم تحِطْ بها خُبْرًا؟\n\n<span id=\"aya-2216\"></span>قال موسى له: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾. يقولُ: بعد هذه المرَّةِ، ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾. يقولُ: ففارِقْني، ولا تكنْ لى مُصاحِبًا، ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾. يقولُ: قد بلَغتَ العذرَ في شأني.\nواختلَفتِ القرَأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (مِنْ لَدُنِي عُذرًا). بفتحِ اللامِ وضمِّ الدالِ وتخفيفِ النّونِ (^٢).\nوقرَأه عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ بفتحِ اللامِ وضمِّ الدالِ وتشديدِ النونِ (^٣).\nوقرأه بعضُ قرَأةِ الكوفةِ بإشْمامِ [الدالِ الضَّمَّ وتسكينها] (^٤) وتخفيفِ النونِ (^٥).\nوكأنَّ الذين شدَّدوا النونَ طلبوا للنونِ التى فى \"لَدُنْ\" السلامةَ من الحركةِ، إذ كانت في الأصلِ ساكنةً، ولو لم تشدَّدْ لَتَحَرَّكت، فشَدَّدوها كراهةً منهم تحريكَها، كما فعَلوا ذلك (^٦) فى \"من\" و\"عن\" إذا أضافوهما إلى مكنىِّ المخبِرِ عن نفسِه، فشدَّدوها (^٧)، فقالوا: منِّى، وعنِّى. وأما الذين خفَّفوها، فإنَّهم وجَدوا مكنىَّ المُخبِرِ عن نفسِه فى حالِ الخفضِ ياءً وحدَها لا نونَ معها، فأجْرَوا ذلك مع (^٨)\n_________\n(^١) في ص: \"تستطيع صبرا معى\"، وفى م، ت ١، ف: \"تستطيع معى صبرا\".\n(^٢) وهي قراءة نافع. السبعة لابن مجاهد ص ٣٩٦.\n(^٣) وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. المصدر السابق.\n(^٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"اللام الضم وتسكين الدال\".\n(^٥) وهى رواية عن أبي بكر عن عاصم، وفى رواية عن أبي بكر عن عاصم بسكون الدال مع فتح اللام. المصدر السابق.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٧) في م: \"فشددوهما\".\n(^٨) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"من\".","vol":"15","page":343},{"text":"\"لَدُنْ\" على حسَبِ ما جرَى به كلامُهم فى ذلك مع سائرِ الأشياءِ غيرِها.\nوالصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أنَّهما لُغَتان فَصِيحتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرَأةُ للقرآنِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أن أَعْجَبَ القراءتين إلىَّ فى ذلك قراءةُ مَن فتَحَ اللامَ وضمِّ الدالَ وشدَّد النونَ؛ لعِلَّتين؛ إحداهما أنَّها أشهرُ اللُّغتَينِ، والأُخْرَى أن محمدَ بنَ نافعٍ البصرىِّ حدَّثنا، قال: ثنا أميةُ بن خالدٍ، قال: ثنا أبو الجاريةِ العبديُّ، [عن شعبةَ] (^١)، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أبيٍّ، أن النبيَّ ﷺ قرَأ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ مُثَقَّلةً (^٢).\nحدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن حمزةَ الزياتِ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبيِّ بنُ كعبٍ، عن النبيِّ ﷺ مثله.\nوذُكِر أن رسولَ اللهِ ﷺ تلا هذه الآيةَ، فقال: [اسْتَحْيا نبيُّ] (^٣) اللهِ موسى\".\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا بدَلُ بنُ المَحَبَّرِ، قال: ثنا عبّادُ بنُ رَاشدٍ، قال: ثنا داودُ في قولِ اللهِ: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي\n_________\n(^١) سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٢) أخرجه الترمذى (٢٩٣٣)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان ٣/ ١١١، من طريق أبي بكر محمد ابن نافع البصرى به، وأخرجه أبو داود (٣٩٨٥)، وعبد الله في زوائد المسند ٥/ ١٢١ - ومن طريقه المزي في تهذيبه ٢٤/ ١٨٠ - والطبراني (٥٤٣) من طريق أمية بن خالد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٣٧ إلى البزار وابن المنذر وابن مردويه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأمية بن خالد ثقة، وأبو الجارية العبدى شيخ مجهول، لا أدرى من هو، ولا يعرف اسمه.\n(^٣) في ص، ت ٢: \"استحياني\"، وفى م، ت ١، ف: \"استحيا في\".","vol":"15","page":344},{"text":"عُذْرًا﴾. قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: [اسْتَحْيا نبيُّ] (^١) الله موسى عندَها\".\nحدَّثني عبد الله بن أبى زيادٍ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن حمزةَ الزياتِ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبيِّ بنُ كعبٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ إذا ذكَر أحدًا فدعا له، بدأ بنفسه، فقال ذاتَ يومٍ: \"رَحمَةُ اللهِ علينا وعلى موسى، لو لَبِث مع صاحبِه لأبْصَرَ العَجَبَ، ولكنَّه قال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾. مُثَقَّلَةً (^٢).\n\n<span id=\"aya-2217\"></span><span data-type='title' id=toc-5511>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فانطلَق موسى والعالمُ حتى إذا أتَيَا أهل قريةٍ اسْتَطْعما أهلَها من الطَّعام فلم يُطعموهما، واسْتَضافاهم فأبَوْا أن يُضَيِّفُوهما، ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾. يقولُ: وجَدا في القرية حائطًا يُريدُ أن يسْقُطَ ويقَعَ. يُقال منه: انقَضَّتِ الدارُ. إذا انْهدَمَت وسقَطَت. ومنه انقضاضُ [الكواكبِ، وذلك سُقوطُها وزوالُها عن أماكنِها] (^٣)، ومنه قولُ ذي الرُّمةِ (^٤):\n*فانْقَضَّ كالكَوْكبِ الدُّرّىِّ مُنصَلِتًا*\n_________\n(^١) فى ص، ت ٢: \"استحياني\"، وفى م، ت ١، ف: \"استحيا\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٨٠ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٢١٩، وأبو داود (٣٩٨٤)، والترمذى (٣٣٨٥) مقتصرا على أوله، وابن قانع في معجم الصحابة ١/ ٤، وابن حبان (٩٨٨)، والخطيب ٦/ ٤٠٠، وفي الفقيه والمتفقه (١٠٢٩)، والحاكم ٢/ ٥٧٤ من طريق حمزة الزيات به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"الكوكب وذلك سقوطه وزواله عن مكانه\".\n(^٤) البيت في التبيان ٧/ ٦٨.","vol":"15","page":345},{"text":"وقد روُى عن يحيى بنِ يَعْمَرَ أنه قرَأ ذلك: (يُرِيدُ أَنْ يَنْقَاصَ (^١».\nوقد اختلَف أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ إذا قُرِئ ذلك كذلك، في معناه؛ فقال بعضُ أهلِ البصرةِ (^٢): مجازُ (ينْقاصَ (^٣»: ينقلِعَ (^٤) من أصلِه، ويَتَصدَّعَ (^٥). بمنزلِة قولِهم: قد انْقاصَتِ (^٦) السِّنُّ. أى: انْصَدَعت (^٧) وتصَدَّعَت (^٨) مِن أصْلِها، يقالُ (^٩): فِراقٌ كقَيْصِ (^١٠) السِّنِّ. أى (^١١): لا يجتمِعُ أهلُه.\nوقال بعضُ الكوفيين (^١٢): الانْقِياصُ (^١٣): الشَّقُّ في طولِ الحائط وفى طيِّ البئرِ وفى سنِّ الرجلِ، يُقالُ: قد انقاصَت (^١٤) سنُّه. إذا انشَقَّتْ طولًا.\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢، ف: \"ينقاض\". بالضاد المعجمة، والصواب بالصاد المهملة كما نص على ذلك ابن جني في المحتسب ٢/ ٣١، وأبو حيان في البحر المحيط ٦/ ١٥٢، وهي قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"منهم\". وهذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٤١١.\n(^٣) فى م، ت ١، ت ٢، ف، ومجاز القرآن: \"ينقاض\". وينظر اللسان (ق ي ص، ق ى ض).\n(^٤) في الأصل: \"يتقلع\"، وفى م: \"أى ينقلع\".\n(^٥) في الأصل، ص، ت ٢، ف: \"ينصدع\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ف، ومجاز القرآن: \"انقاضت\".\n(^٧) فى م: \"تصدعت\".\n(^٨) فى مجاز القرآن: \"تقلعت\".\n(^٩) بعض صدر بيت لأبي ذؤيب الهذلى، وهو في ديوان الهذليين ١/ ١٣٨، وتمامه:\nفراق كقيص السن فالصبر إنه … لكل أناس عثرة وجبور\n(^١٠) فى م، ت ١، ت ٢، ف، ومجاز القرآن: \"كقيض\"، وهي رواية للبيت كما فى اللسان (ق ى ض).\n(^١١) سقط من: ت ١، وفي الأصل: \"للذي\".\n(^١٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الكوفيين منهم\"، وفى م: \"أهل الكوفة منهم\". وهذا قول الفراء ٢/ ١٥٧.\n(^١٣) فى م، ت ١، ت ٢، ف، ومعاني القرآن \"الانقياض\".\n(^١٤) فى م، ت ١، ت ٢، ف، ومعانى القرآن: \"انقاضت\".","vol":"15","page":346},{"text":"وقيل: إن القريةَ التى اسْتَطْعم أهلَها موسى وصاحبُه فأبَوْا أن يضَيِّفوهما؛ الأُبُلَّةُ (^١).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني الحسينُ بنُ محمدٍ الذَّارِعُ، قال: ثنا عمرانُ بنُ المعتمرِ صاحبُ الكَرابيسِ (^٢)، قال: ثنا حمادٌ أبو صالحٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: انتابُوا الأُبلَّةَ (١) فإنه قَلَّ مَن يأتيها فيَرْجِعُ منها خائبًا، وهى الأرضُ التي أبَوْا أَن يُضَيِّفوهما، وهى أبعدُ أرضِ اللهِ من السماءِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾. وتَلا إلى قولِه: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. شرُّ القُرَى التي لا تُضَيِّفُ الضَّيفَ، ولا تعرِفُ لابنِ السبيل حقَّه (^٤).\nواختلَف أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ فى معنَى قولِ اللهِ ﷿: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾. فقال بعضُ أهلِ البصرةِ (^٥): ليس للحائطِ إرادةٌ ولا للمواتِ، ولكنَّه إذا كان في هذه الحالِ من رَبِّه (^٦) فهو إرادتُه، وهذا كقولِ العربِ في غيرِه (^٧):\nيُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أَبي (^٨) بَرَاءٍ … ويَرْغَبُ عن دماءِ بنى عَقيلِ\n_________\n(^١) في م: \"الأيلة\". والأبلة: بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى. معجم البلدان ١/ ٩٧.\n(^٢) فى م: \"الكرابيسي\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٣٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ٢٥، والبغوى فى تفسيره ٥/ ١٩٣ مقتصرا على أوله.\n(^٥) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٤١٠.\n(^٦) فى م: \"رثه\".\n(^٧) نسبه فى مجاز القرآن إلى الحارثى، وذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ٢٦، واللسان (رود) ولم ينسباه.\n(^٨) في مجاز القرآن: \"بني\".","vol":"15","page":347},{"text":"وقال آخرُ منهم: إنما كلَّم القومَ بما (^١) يعْقِلون. قال: وذلك لمَّا دنا من الانْقِضاضِ جاز أن يقولَ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾. قال: ومثلُه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ [مريم: ٩٠، والشورى: ٥]. وقولُهم: إني لأكادُ أطيرُ من الفرحِ. وأنت لم تقرَبْ من ذلك ولم تهُمَّ به، ولكن لعظمِ الأمرِ عندَك.\nوقال بعضُ الكوفيِّين منهم (^٢): مِن كلامِ العربِ أن يقولوا: الجدارُ يريدُ أن يسقُطَ. قال: ومثلُه من قولِ العربِ قولُ (^٣) الشاعرِ (^٤):\nإِنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِى بِجُمْلٍ (^٥) … لَزَمَانٌ يَهُمُّ بِالإحْسانِ\nوقولُ الآخرِ (^٦):\nيَشْكو إلىَّ جَمَلِى طُولَ السُّرَى\n[صَبرًا جميلًا] (^٧) فكِلانا مُبتَلَى\nقال: والجملُ لم يَشْكُ، إنَّما تُكُلِّم به على أنَّه لو تكلَّمَ لقال ذلك. قال: وكذلك قولُ عنترةَ (^٨):\nوازْوَرَّ مِن وَقْعِ القَنا بلَبانِه … وشَكا إلىَّ بعَبرَةٍ وتَحْمْحُمِ\n_________\n(^١) في م: \"مما\".\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ١٥٦.\n(^٣) في الأصل: \"قال\".\n(^٤) البيت في دلائل الإعجاز ص ٣٢٠، والمغرب (د هـ ر).\n(^٥) في دلائل الإعجاز: \"بسعدى\".\n(^٦) الكتاب ١/ ٣٢١، شروح سقط الزند ٢/ ٦٢٠، أمالي المرتضى ١/ ١٠٧.\n(^٧) فى الكتاب، وأمالي المرتضى: \"صبر جميل\".\n(^٨) شرح ديوانه ص ١٢٨.","vol":"15","page":348},{"text":"قال: ومثلُه (^١) قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ [الأعراف: ١٥٤]. والغضبُ لا يَسْكُتُ، إنما يَسْكُتُ صاحبُه، وإنَّما معناه: سكَن. وقولُه: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١]. إِنَّما يعزِمُ أهله.\nوقال آخرُ منهم: هذا مِن فَصِيح كلامِ العربِ. وقال: إِنَّما إرادةُ الجدارِ مَيلُه، كما قال النبيُّ ﷺ: \"لا تَرَاءى نَارَاهما\" (^٢). وإنَّما هو أن تكونَ ناران؛ كلُّ واحدةٍ (^٣) منهما (^٤) من صاحبتِها [بالموضع الذي] (^٥) لو قام فيه إنسانٌ رأى الأُخْرَى في القُرْبِ. قال: وهو كقولِ اللهِ ﷿ في الأصنام: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨]. قال: والعرب تقولُ: دارى تَنْظُرُ إلى دارِ فلانٍ. تعنى قُربَ ما بينَهما. واستشهد بقول ذى الرُّمة فى وصِفْه حوضًا أو منزلًا دارِسًا (^٦):\n*قَد بادَ (^٧) أَوْ قَدْ هَمَّ بالبُيودِ*\nقال: فجعله يَهُمُّ، وإِنَّما معناه أنه قد تغَيَّر للبِلَى.\n_________\n(^١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"منه\".\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذى (١٦٠٤)، والطبراني (٢٢٦٤) والبيهقى ٨/ ١٣١، ٩/ ١٤٢ موصولًا من حديث جرير بن عبد الله، وأخرجه سعيد بن منصور (٢٦٦٣)، والنسائي (٤٧٩٤)، والبيهقى ٨/ ١٣١ مرسلا من حديث قيس بن حازم، وصحح الإرسال البخاري، ذكره عنه الترمذي، وأخرجه سعيد ابن منصور (٢٦٦٤) من حديث أبي عثمان النهدى.\n(^٣) في الأصل، ص، ت ٢، ف: \"واحد\".\n(^٤) سقط من: الأصل، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) فى ص، ت ١، ف: \"بالموضع\"، وفى م: \"بموضع\"، وفي ت ٢: \"بالوضع\".\n(^٦) ديوانه ١/ ٣٤٤، ٣٦٣، وروايته:\n*من عطن قدهم بالبيود*\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"كاد\"، وفى ف: \"كان\".","vol":"15","page":349},{"text":"والذى نقولُ به فى ذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه بلطفه جعَل الكلامَ بين خلقِه رحمةً منه بهم، ليُبِينَ بعضُهم لبعضٍ عمَّا في ضمائرِهم مما لا تُحِسُّه أبصارُهم، وقد عَقَلتِ العربُ معنَى القائلِ (^١):\nفي مَهْمَهٍ قَلِقَتْ به هاماتُهَا … قَلَقَ الفُئُوس إذا أَرَدْنَ نُصُولا (^٢)\nوفهِمَت أن الفُئوس لا تُوصَفُ بما تَوصَفُ به بنو آدمَ من ضمائرِ الصدورِ، مع وصْفِها إيَّاها بأنَّها تُريدُ، وعَلِمَت ما يريدُ القائلُ بقولِه:\nكمثْلِ هَيْلِ النَّقا (^٣) طافَ المُشاةُ به … يَنْهالُ حِينًا ويَنْهاه الثَّرَى حِينًا\nوأنَّه (^٤) لم يُرِدْ بأنَّ الثَّرى نطَق، ولكنَّه أراد به أنه تلبَّدَ بالنَّدَى فمنَعه من الانْهيالِ، فكان مَنْعُه إيَّاه من ذلك كالنَّهْي من ذَوى المَنطِقِ فلا ينهالُ. وكذلك قولُه: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾. قد عَقَلَت (^٥) أن معناه: قد قارَب من أن يقَعَ أو يسقُطَ. وإنما خاطَب جلَّ ثناؤُه بالقرآنِ من أُنزِل الوحْيُ بلسانِه، وقد عَقَلوا ما عنَى به، وإِن اسْتَعَجَمَ عن فَهْمِه ذوو البلادةِ والعَمَى، وضلَّ فيه ذوو الجهالةِ والغَبَا.\nوقولُه: ﴿فَأَقَامَهُ﴾. ذُكِر عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال: هدَمه ثم قعَد يبْنيه. حدَّثنا بذلك ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن الحسنِ ابن عُمارة، عن الحكمِ بنِ عُتيبةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ (^٦).\n_________\n(^١) هو الراعى النميرى، والبيت في ديوانه ص ٢٠٢.\n(^٢) النصول: الخروج، يقال: سهم ناصل. إذا خرج منه نصله. اللسان (ن ص ل).\n(^٣) النقا مقصور: الكثيب من الرمل. اللسان (ن ق و).\n(^٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"إنما\".\n(^٥) فى ص، م، ت ١، ف: \"علمت\"، وفي ت ٢: \"علقت\".\n(^٦) تقدم تخريجه في ص ٣٢٩.","vol":"15","page":350},{"text":"وقال آخرون فى ذلك ما (^١) حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾. قال: رفَع (^٢) الجدارَ بيدِه فاسْتَقامَ (^٣). [قال ابنُ جُرَيجٍ: وأخبَرني أن سعيدَ بنَ جبيرٍ قال: مسَحه بيدِه فاستقام] (^٤).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يُقالَ: إِنَّ اللهَ ﷿ أخبَرَ أن صاحبَ موسى وموسى وجَدا جِدارًا يُريدُ أن ينقضَّ فأقامَه صاحبُ موسى. بمعنَى: عَدَّل ميلَه حتى عاد مُسْتَوِيًا. وجائزٌ أن يكون كان ذلك بإصلاحٍ بعدَ هَدْمٍ. وجائزٌ أن يكونَ كان برَفْعٍ (٢) منه له بيدِه، فاسْتَوى بقُدْرَةِ اللهِ، وزال عنه ميلُه بلُطفِه، ولا دلالةَ من كتابٍ ولا خبرٍ للعذرِ قاطعٍ بأىِّ ذلك كان من أىٍّ.\nوقولُه: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. يقولُ: قال موسى لصاحبِه: لو شِئتَ لم تُقِمْ لهؤلاء القوم جدارَهم حتى يُعْطوكَ على إقامتِكه أجرًا.\nفقال بعضُهم (^٥): إنما عَنَى موسى بالأجرِ الذى قال له: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾: القِرَى، أي: حتى يَقْرُونا، فإِنَّهم قد أبَوْا أَن يُضيِّفونا.\nوقال آخرون: بل عنَى بذلك العِوضَ والجزاءَ على إقامتِه الحائطَ المائلَ.\nواختلَفتِ القرَأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامَّةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ\n_________\n(^١) فى ت ١، ف: \"بما\".\n(^٢) في الأصل: \"بدفع\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٣٧ إلى أبي عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف. والأثر تقدم تخريجه في ص ٣٢٦.\n(^٥) كذا في جميع النسخ، والذى جرى عليه السياق أن يكون الكلام: واختلف أهل التأويل فى معنى الأجر الذي عناه الله بقوله: \"قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا\". فقال بعضهم. . .","vol":"15","page":351},{"text":"والكوفةِ ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. على التوجيهِ منهم له إلى أنَّه \"لافْتَعَلْتَ\" من الأخْذِ (^١).\nوقرَأ ذلك بعضُ أهلِ البصرةِ: (لو شِئْتَ لَتَخِذْتَ). بتخفيفِ التاءِ وكسرِ\nالخاءِ (^٢)، وأصلُه \"لافْتَعلتَ\"، غير أنَّهم جعَلوا التاءَ كأنَّها من أصلِ الكلمةِ،\nوكأنَّ (^٣) الكلام عندهم في \"فَعِل\" و\"يَفْعَلُ\" من ذلك: تخِذ فلانٌ كذا يَتْخَذُ من تَخَذًا. وهى لغةٌ فيما ذُكِر لهُذَيلٍ، وقال بعضُ الشعراءِ (^٤):\nوقد تَخِذَتْ رِجْلى لَدَى جَنْبِ غَرْزِها … نَسِيفًا (^٥) كأُفْحُوصِ القَطاةِ (^٦) المُطَرْقِ (^٧)\nوالصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أنهما لُغَتان مَعْروفَتان من لغاتِ العربِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غير أنِّى أختارُ قرَاءتَه بتشديدِ التاءِ على \"لافْتَعَلتَ\"؛ لأنَّها أفصحُ اللُّغَتَين وأشهرُهما، وأكثرُهما على ألْسُنِ العربِ.\n\n<span id=\"aya-2218\"></span><span data-type='title' id=toc-5512>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾.</span>\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي، مع إدغام الذال فى التاء، وروى حفص عن عاصم بغير إدغام. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٣٩٦.\n(^٢) وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وكان أبو عمرو يدغم، وابن كثير يظهر الذال. المصدر السابق.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"لأن\".\n(^٤) هو الممزق العبدى، والبيت فى مجاز القرآن ١/ ٤١١، والأصمعيات ص ١٦٥، والجمهرة ٢/ ٦، ١٦٣، ٣٧٢، ٣/ ٣٩.\n(^٥) النسيف: موضع أثر رجل الراكب من الرحل. الجمهرة ٣/ ٣٩.\n(^٦) أفحوص القطاة: الموضع الذى تبيض فيه. مجاز القرآن ١/ ٤١٢.\n(^٧) المطرق، من: طرقت القطاة تطريقا: إذا عسر عليها بيضها ففحصت الأرض بجؤجؤها -صدرها- ينظر الجمهرة ٢/ ٣٧٢. والمطرَّق: المعدَّل، يقال: طرّق. إذا عدل. شرح الشواهد للعينى ٤/ ٥٩٠.","vol":"15","page":352},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: قال صاحبُ موسى لموسى: هذا القولُ (^١) الذي قلتَه -وهو قولُه: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ - ﴿فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾. يقولُ: فُرْقةُ ما بينى وبينَكَ. أى: مُفَرِّقٌ بينى وبينَك. ﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾. يقولُ: سأُخْبِرُك ﴿بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. يقولُ: بما تَئُولُ إليه عاقبةُ أفْعَالى التى فعَلْتُها فلم تَسْتَطِعْ على تَرْكِ المسألة عنها، وعن النَّكير علىَّ فيها صبرًا.\n\n<span id=\"aya-2219\"></span><span data-type='title' id=toc-5513>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾.</span>\nيقولُ: أما فِعْلِى ما فعَلتُ بالسفينة، فلأنها كانت لقومٍ مساكينَ ﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ بالخَرْقِ الذي خرَقتُها.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾. قال: أُخْرِقَها (^٢).\nحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٥٠. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٣٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":353},{"text":"وقولُه: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾. يقولُ: وكان أمامَهم وقُدّامَهم ملِكٌ.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾. قال قتادةُ: أمامَهم، ألا تَرى أنه يقولُ: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠]. وهى بينَ أيدِيهم (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان في بعضِ (^٢) القراءةِ: (وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ غَصْبًا).\nوقد ذُكِر عن ابنِ عُيَينةَ، عن عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قرَأ ذلك: (وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ) (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وقد جعل بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ (^٤) \"وراءَ\" من حروفِ الأضدادِ، وزعَم أنه يَكُونُ لِمَا هو أمامَه ولِمَا خلفَه، واستَشهَد لصحةِ ذلك بقولِ الشاعرِ (^٥):\nأتَرْجُو (^٦) بَنُو مَرْوَانَ سَمْعى وطاعَتِي … وَقَوْمى تَمِيمٌ والفَلَاةُ وَرَائِيا\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٧.\n(^٢) ليست في: ص، ت ١، ت ٢، ف، م، وهذه القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٣) جزء من حديث طويل أخرجه البخارى (٣٤٠١، ٤٧٢٦)، ومسلم (٢٣٨٠/ ١٧٠) من طريق سفيان ابن عيينة به، وأخرجه عبد الله بن أحمد فى علل أبيه ١/ ١٠٢ من طريق عمرو به.\n(^٤) يريد أبا عبيدة فى مجاز القرآن ١/ ٣٣٧، ٤١٢، ٢/ ٤١، ٦٢، ٢٨٠، وينظر الأضداد ص ٦٨.\n(^٥) اختلف في نسبته؛ فتارة إلى سَوّار بن المُضَرِّب، وتارة إلى مساور بن حمئان، وتارة إلى جرير، وتارة إلى الفرزدق.\nينظر التاج واللسان (ورى)، ومجاز القرآن ١/ ٣٣٧، ٤١٢، ٢/ ١، ٦٢، ٢٨٠، والجمهرة ١/ ١٧٧، ٣/ ٤٩٥، والكامل ٢/ ١٠٢.\n(^٦) في الأصل، ص، م: \"أيرجو\".","vol":"15","page":354},{"text":"بمعنى أمامى. وقد أَغفل وجهَ الصوابِ في ذلك، وإنما قيل لِمَا بينَ يديك (^١): هو ورائى. لأنك مِن ورائِه، فأنتَ مُلاقيه كما هو مُلاقيك، فصار إذ كان مُلاقِيَك كأنه مِن وَرائِك وأنت أمامَه.\nوكان بعضُ أهل العربيةِ من أهلِ الكُوفةِ (^٢) لا يُجِيزُ أن يُقالَ لرجلٍ بينَ يديْك: هو ورائى. ولا إذا كان وراءَك أن يقالَ: هو أمامى. ويقولُ: إِنما يَجُوزُ ذلك في المواقيتِ من الأيامِ والأزمنةِ؛ كقولِ القائلِ: وراءَك بَرْدٌ شديدٌ. وبينَ يديْك حرٌّ شديدٌ؛ لأنك أنت وراءَه، فجاز؛ لأنه شيءٌ يأتى، فكأنه إذا لَحِقَك صار مِن ورائِك، وكأنك إذا بَلَغْتَه صار بين يديك. قال: فلذلك جاز الوجهان.\nوقولُه: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ فيقولُ (^٣) القائلُ: فما أغنى خَرْقُ هذا العالِمَ السفينةَ التي رَكِبها عن أهلِها، إذ الذى (^٤) كان من أجلِه (^٥) خَرَقَها يَأْخُذُ السفنَ كلَّها؛ مَعِيبَها وغيرَ مَعِيبِها؟ وما كان وجهُ اعتلالِه فى خرقِها بأنه خرَقها؛ لأنَّ وراءَهم ملكٌ يأخُذُ كلَّ سفينةٍ غصبًا؟\nقيل: إن معنى ذلك أنه يأخُذُ كلَّ سفينةٍ صحيحةٍ غصبًا، ويَدَعُ منها كلَّ مَعِيبةٍ، لا أنه كان يأخُذُ صِحاحَها وغيرَ صِحاحِها. فإن قال: وما الدليلُ على أن ذلك كذلك؟ قيل: قولُه: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾، فأَبانَ بذلك أنه إنما عابَها لأن المَعِيبةَ منها لا يَعْرضُ لها، فاكتُفِى بذلك من أن يقالَ: وكان وراءهم ملكٌ يأخُذُ كلَّ سفينةٍ صحيحةٍ غصبًا. على أن ذلك فى بعض القراءةِ كذلك (^٦).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ف: \"يديه\".\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ١٥٧.\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"يقولُ\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) في م: \"أجل\".\n(^٦) وهي قراءة شاذة كما سبق.","vol":"15","page":355},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: هي في حرفِ ابنِ مسعودٍ: (وَكَانَ وَرَاءَهُم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالحةٍ غصبًا) (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثني الحسنُ بنُ دينارٍ (^٢)، عن الحكم بنِ عُتَيْبةَ (^٣)، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: في قراءةِ أُبَىٍّ: (وَكَانَ وَرَاءَهُم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا)، وإنما عِبْتُها لأَرُدَّه عنها (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾: فإذا خَلَفوه أَصْلَحوها بِزِفْتٍ فَاسْتَمْتَعوا بها.\nقال ابنُ جريجٍ: أخبرنى وهبُ بنُ سليمانَ، عن شعيبٍ الجَبَائيِّ (^٥)، أن اسمَ الرجلِ الذى كان يأخُذُ كلَّ سفينةٍ غصبًا هُدَدُ بنُ بُدَدَ (^٦).\n\n<span id=\"aya-2220\"></span><span data-type='title' id=toc-5514>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأما الغلامُ فإنه كان كافرًا، وكان أبواه مؤمنين، فعَلِمنا أنه\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٧.\n(^٢) كذا في النسخ. وتقدم هذا الأثر بهذا الإسناد مطولا فى ١٥/ ٢٧٩ وفيه: \"الحسن بن عمارة\" ولعله الصواب فهذا إسناد دائر فى الكتاب. والحسن بن دينار لم نجد له رواية عن الحكم بن عتيبة.\n(^٣) فى م: \"عيينة\". تنظر ترجمته في تهذيب الكمال ٧/ ١١٤.\n(^٤) ينظر البحر المحيط ٦/ ١٥٤.\n(^٥) في م: \"الجبئى\".\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد في العلل (رواية عبد الله) ١/ ١٠١ من طريق حجاج به، عن ابن جريج، عن وهب به.","vol":"15","page":356},{"text":"يُرْهِقُهما. يقولُ: يُغَشِّيهما ﴿طُغْيَانًا﴾ وهو الاستكبارُ على اللهِ، [﴿وَكُفْرًا﴾ به] (^١).\nوقد ذُكر أن ذلك في بعضِ الحروفِ: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا).\n\n<span data-type='title' id=toc-5515>ذكرُ مَن قال ذلك وقال نحوَ الذي قُلنا فيه من التأويلِ</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: (وَأَمَّا الغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا). في حرفِ أُبَىٍّ، وكان أبواه مؤمنَين، (فَأَرَدْنَا أن يُبْدِلَهما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْه زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (وأمَّا الغُلامُ فَكانَ أَبَوَاه مُؤْمِنَيْنِ وَكَانَ كَافِرًا) فى بعضِ القراءةِ، قولُه: ﴿فَخَشِينَا﴾ وهي في مصحفِ عبدِ اللهِ: (فَخافَ رَبُّكَ أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا) (^٣).\nحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا أبو قُتَيْبةً، قال: ثنا عبدُ الجبّارِ بنُ عباسٍ الهَمْدانيُّ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"الغلامُ الذى قَتَله الخَضِرُ طُبِعَ يومَ طُبِعَ كافرًا\" (^٤).\nوالخشيةُ والخوفُ تُوَجِّهُهما العربُ إلى معنى الظنِّ، وتُوَجِّهُ هذه\n_________\n(^١) في ص: \"وكفرانه\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٧. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٣٧ إلى ابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٣٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه الترمذى (٣١٥٠) عن عمرو بن على به. وأخرجه مسلم (٢٣٨٠/ ١٧٢)، وأبو داود (٤٧٠٥، ٤٧٠٦)، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ١١٨ (٢١١٥٦ - ميمنية)، وابن حبان (٦٢٢١ - الإحسان)، والطيالسي (٥٤٠)، وابن أبي عاصم في السنة (١٩٤، ١٩٥)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣١٢٥) وابن عساكر في تاريخه ١٦/ ٤١٣ من طريق أبي إسحاق به.","vol":"15","page":357},{"text":"الحروفَ إلى معنى العلمِ بالشيءِ الذي يُدْرَكُ من غيرِ جهةِ الحِسِّ والعِيانِ. وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه في غيرِ هذا الموضعِ بما أغنى عن إعادتِه (^١).\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البَصْرةِ يقولُ: معنى قولِه: ﴿فَخَشِينَا﴾ في هذا الموضعِ: كَرِهنا؛ لأن اللهَ لا يَخْشَى. قال: وهو في بعضِ القراءاتِ: (فَخَافَ رَبُّكَ). قال: وهو مثلُ: خِفْتُ الرجلين أن يَعُولا (^٢). وهو لا يخافُ من ذلك أكثرَ من أنه يَكْرَهُه لهما.\n\n<span id=\"aya-2221\"></span>وقولُه: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾. اختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه جماعةٌ من قَرَأَةِ المَكِّيين والمَدَنيين والبَصْريين: (فأرَدَنا أَنْ يُبَدِّلَهُمَا رَبُّهُما) (^٣). وكان بعضُهم يَعْتَلُّ لصحة ذلك بأنه وجد ذلك مشدَّدًا فى عامَّةِ القرآنِ؛ كقولِ اللهِ ﷿: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩]، وقولِه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]، فأَلْحَق قوله: (فأردنا أنْ يُبَدِّلَهُما بِهِ). وقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ الكُوفَةِ: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا﴾ بتخفيف الدالِ (^٤). وكان بعضُ مَن قرَأ ذلك كذلك مِن أهلِ العربيةِ يقولُ: أَبْدَل يُبْدِلُ بالتخفيفِ، وبَدَّل يُبَدِّلُ بالتشديدِ بمعنًى واحدٍ.\nوالصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أنهما قراءتان متقارِبَتا المعنى، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما جماعةٌ من القَرَأةِ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقيل: إِن اللهَ ﷿ أَبْدَل أَبَوَيِ الغلامِ الذي قتَله صاحبُ موسى منه بجاريةٍ.\n_________\n(^١) تقدم في ٤/ ١٣٥.\n(^٢) في الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"يقولا\".\n(^٣) وهى قراءة نافع وأبى عمرو. الكشف ٢/ ٧٢، وحجة القراءات ص ٤٢٧.\n(^٤) وهى قراءة باقى السبعة. المصدرين السابقين.","vol":"15","page":358},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، قال: ثنا المباركُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ في قولِه: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾. قال: بلَغنى أنَّها جاريةٌ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: أخبرنى سليمانُ بنُ أُمَيَّةَ، أَنه سَمِع يعقوبَ بنَ عاصمٍ يقولُ: أُبْدِلَا مكانَ الغلامِ جاريةً (^٢).\nقال ابنُ جُرَيْجٍ: وأخبَرَنى عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ بنِ خُثَيْمٍ، أَنه سَمِع سعيدَ بنَ جُبَيْرٍ يقولُ: أُبْدِلا مكانَ الغلامِ جاريةً (^٢).\nوقال آخرون: بل (^٣) أبدَلهما ربُّهما بغلامٍ مسلمٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾. قال: كانت أمُّه حُبْلَى يومَئذٍ بغلامٍ مسلمٍ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أنه ذكَر الغلامَ الذى قتَله الخَضِرُ فقال: قد فَرِح به أبواه حينَ وُلِد، وحَزِنا عليه حينَ قُتِل، ولو بَقِى كان فيه هلاكُهما، فرَضِيَ (^٥) امْرُؤٌ بقضاءِ اللهِ، فإن قضاءَ اللهِ للمؤمنِ\n_________\n(^١) عزاه الحافظ فى الفتح ٨/ ٤٢١ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه الحافظ فى الفتح ٨/ ٤٢٢ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) ذكره البغوى فى تفسيره ٥/ ١٩٥، وابن كثير في تفسيره ٥/ ١٨١، والحافظ في الفتح ٨/ ٤٢٢.\n(^٥) في م: \"فليرض\".","vol":"15","page":359},{"text":"فيما يَكْرَهُ خيرٌ له من قضائِه فيما يُحِبُّ (^١).\nوقولُه: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾. يقولُ: خيرًا من الغلامِ الذي قتَله صلاحًا ودينًا.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قولَه: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾. قال: الإسلامُ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وأقربَ رحمةً بوالدَيْه، وأبرَّ بهما من المقتولِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾: أبرَّ بوالِدَيه (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾، أي: أقربَ خيرًا.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وأقربَ أن يَرْحَمَه أبواه منهما للمقتولِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (٢٠٢١١) -ومن طريقه البيهقى فى الشعب (١٠١٧٢) - من طريق معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٣٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه الحافظ فى الفتح ٨/ ٤٢١، والسيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٣٨ إلى أبي عبيد وابن المنذر.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٧.","vol":"15","page":360},{"text":"﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾: أرحمَ به منهما بالذى قتَل الخَضِرُ (^١).\nوكان بعضُ أهل العربية يَتَأَوَّلُ ذلك (^٢): وأقربَ أَن [يُرْحَما به] (^٣). والرُّحْمُ مصدرُ رَحِمْتُ، يقال: رَحِمتُه رَحْمةً ورُحْمًا.\nوكان بعضُ البَصْرِيين يقولُ (^٤): من الرَّحِم والقرابة. وقال (^٥): يقالُ: رُحْمٌ ورَحْمٌ، مثل: [عُمْرٌ وعَمْرٌ] (^٦)، وهُلْكٌ وهَلْكٌ. واستشَهد لقولِه ذلك ببيتِ العَجّاجِ (^٧):\nولَمْ تَعَوَّجْ رُحْمَ مَن تَعَوَّجا (^٨)\nولا وجهَ للرَّحِمِ فى هذا الموضعِ؛ لأن المقتولَ كان و(^٩) الذي أبدَل اللهُ منه والِدَيه ولدًا لأَبَوَى (^١٠) المقتول، فقرابتُهما من والدَيه وقربُهما منه في الرَّحِم سواءٌ. وإنما معنى ذلك: وأقربَ من المقتولِ أن يَرْحَمَ والديه فيَبَرَّهما، كما قال قتادةُ. وقد يَتَوَجَّهُ الكلامُ إلى أن يكونَ معناه: وأقربَ أن [يُرْحَما به] (^٣). غيرَ أنه\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٨١.\n(^٢) هو قول الفراء فى معاني القرآن ٢/ ١٥٧.\n(^٣) في م: \"يرحماه\".\n(^٤) هو قول أبي عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٤١٣.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"قد\".\n(^٦) في م: \"عُسْر وعُسُر\".\n(^٧) ديوانه ص ٣٨١. وفيه: \"ولم تَعَرَّجُ رُحْم مَن تَعَرَّجا\"، وبحاشية أصل الديوان كما عندنا.\n(^٨) الضمير يعود إلى الحرب، فهى لا تحيد عن من كرهها وحاد عنها بل تمضى على وجهها، أي لم ترحم أحدا. ينظر الديوان ص ٣٨٢.\n(^٩) سقط من: م.\n(^١٠) في الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"لأبي\".","vol":"15","page":361},{"text":"قائلَ من أهل التأويلِ تأوَّله كذلك، فإذ لم يَكُنْ [قال به] (^١) قائلٌ، فالصوابُ فيه ما قلنا؛ لِمَا بَيَّنَّا.\n\n<span id=\"aya-2222\"></span><span data-type='title' id=toc-5516>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قولِ صاحبِ موسى: وأمّا الحائطُ الذي أَقَمْتُه، فإنه كان لغُلامَين يَتِيمَين فى المدينةِ، وكان تحتَه كَنْزٌ لهما.\nاختلَف أهلُ التأويلِ فى ذلك الكَنْزِ؛ فقال بعضُهم: كان صُحُفًا فيها عِلْمٌ مدفونةً.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عَمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه ابنِ عباسٍ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾. قال: كان تحتَه كَنْرُ علمٍ (^٢).\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا حُصَينٌ، عن سعيدِ ابنِ جُبَيْرٍ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾. قال: علمٌ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن أبي حُصَينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾. قال: علمٌ.\n_________\n(^١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"فيه\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٨٢.\n(^٣) تفسير الثورى ص ١٧٨ عن أبي حصين، عن سعيد.","vol":"15","page":362},{"text":"[حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: نا عبد الرحمن، قال: نا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾. قال: علمٌ (^١)] (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهد، قوله: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾. قال: صحفٌ لغلامين فيها علمٌ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: صحفُ علمٍ.\nحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفَارِيُّ، قال: ثنا هَنّادَةُ ابنةُ مالكٍ الشَّيْبانِيةُ، قالت: سَمِعتُ صاحبى حمادَ بنَ الوليدِ الثَّقَفيَّ، يقولُ: سَمِعتُ جعفرَ بنَ محمدٍ، يقولُ في قول الله ﷿: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾. قال: سطران ونصفٌ، لم يَتِمَّ الثالثُ! عَجِبتُ (^٤) للمُوقِنِ بالرزقِ كيف يَتْعَبُ! وعَجِبتُ (^٤) للمُوقِنِ بالحسابِ كيف يَغْفَلُ! وعَجِبتُ (^٤) للمُوقِن بالموتِ كيف يَفْرَحُ! وقد قال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. قالت: وذُكر أنهما حُفظا بصلاحِ أبيهما، ولم يُذْكَر منهما صلاحٌ، وكان بينَهما وبينَ الأبِ الذى حُفِظا به سبعةُ آباءٍ، وكان نَسّاجًا (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا الحسنُ بنُ حبيبِ بنِ نَدَبَةَ، قال: ثنا مَسْلَمةُ (^٦) بنُ\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ١٧٨.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٥٠\n(^٤) في الأصل: \"عجب\".\n(^٥) في الأصل: \"سيّاحا\". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ١٨٣.\n(^٦) فى ص، م، ت ١، ف: \"سلمة\". تنظر ترجمته في تهذيب الكمال ٢٧/ ٥٧٣.","vol":"15","page":363},{"text":"محمدٍ، عن نُعَيْمٍ العَنْبَريِّ، وكان من جُلساءِ الحسنِ، قال: سَمِعتُ الحسنَ يقولُ في قولِه: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾. قال: لوحٌ من ذهبٍ مكتوبٌ فيه: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، عَجَبٌ (^١) لمن يُؤْمِنُ بالقَدَرِ (^٢) كيف يَحْزَنُ! وعَجَبٌ (١) لمن يُوقِنُ بالموتِ كيف يَفْرَحُ! وعَجَبٌ (١) لمن يَعْرِفُ الدنيا وتَقَلُّبَها بأهلِها كيف يَطْمَئنُّ إليها! لا إلهَ إلا اللهُ، محمدٌ رسولُ اللهِ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، عن الحسنِ بن عُمارة، عن الحكمِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ؛ أنه كان يقولُ: ما كان الكَنْرُ إِلا عِلْمًا (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيَيْنَةَ، عن حميدٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾. قال: صُحُفٌ من علمٍ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني عبدُ اللَّهِ بنُ عَيَّاشٍ، عن عمرَ مولى غُفْرةَ، قال: إن الكَنْزَ الذي قال اللهُ في السورةِ التي يُذْكَرُ فيها الكهفُ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾. قال: كان لوحًا من ذهبٍ مُصْمَتٍ، مكتوبٌ فيه: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، عَجَبٌ ممن عرَف الموتَ ثم ضَحِك! عَجَبٌ من أَيْقَنَ بالقدرِ ثم نَصِبَ، عَجَبٌ ممن أَيْقَن بالموتِ ثم أَمِن، أَشْهَدُ أن لا إلهَ إِلا اللَّهُ، وأن\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"عجبت\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف\n(^٣) أخرجه اللالكائي في الاعتقاد (١٢٤٩) من طريق يعقوب به وسقطت منه عبارة: قال: سمعت الحسن.\nوذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٨٢.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٧٥ مطولا.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٧.","vol":"15","page":364},{"text":"محمدًا عبدُه ورسولُه (^١).\nوقال آخرون: بل كان مالًا مكنوزًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5517>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا حُصَيْنٌ، عن عكرمةَ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾. قال: كَنْزُ مالٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حُصَيْنٌ، عن عكرمةَ مثلَه (^٢).\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، عن شعبةَ، قال: أخبرني أبو حُصَيْنٌ، عن عكرمةَ مثلَه. قال شعبةُ: ولم يَسْمَعْه (^٣) منه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾. قال: مالٌ لهما. قال قتادةُ: أُحِلَّ الكَنْزُ لمن كان قَبْلَنا، وحُرَّم علينا [وحُرِّمَت الغنيمةُ على من كان قبلَنا وأُحِلَّت لنا (^٤).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ الآية. فلا يُعْجِبُنى الرجلُ يقولُ: ما شأنُ الكَنْزِ؟ أُحِلَّ لمن كان قبلنا وحُرِّم علينا] (^٥) فإن الله يُحِلُّ من أمرِه ما يشاءُ ويُحَرِّمُ، وهى السننُ والفرائضُ، ويُحِلُّ لأمَّةٍ ويُحَرِّمُ على أخرَى، ولكنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ من أحدٍ مضَى إلا الإخلاصَ والتوحيدَ له.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٨٢.\n(^٢) تفسير الثورى ص ١٧٨.\n(^٣) في م: \"نسمعه\". وقوله: لم يسمعه منه. أي: لم يسمعه أبو حصين من عكرمة.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٧.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ف.","vol":"15","page":365},{"text":"وأَوْلَى التأويلين في ذلك بالصوابِ القولُ الذي قاله عكرمةُ؛ لأن المعروفَ من كلامِ العربِ أن الكَنْزَ اسمٌ لِمَا يُكْنَزُ من مالٍ، وأن (^١) كلَّ ما كُنز فقد وقَع (^٢) عليه اسمُ كَنزٍ، فإن التأويلَ مصروفٌ إلى الأغلبِ من استعمالِ المخاطَبِين بالتنزيلِ، ما لم يَأْتِ دليلٌ يَجِبُ من أجله صرفُه إلى غيرِ ذلك؛ لعللٍ قد بَيَّناها في غيرِ موضعٍ، وقولُه: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾. يقولُ: فأراد ربُّك أن يُدْرِكا ويَبْلُغا قوَّتَهما وشِدَّتهما، ﴿وَيَسْتَخْرِجَا﴾ حينَئذٍ ﴿كَنْزَهُمَا﴾ المكنوزَ تحتَ الجدارِ الذي أَقَمْتُه ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ بهما. يقولُ: فعلتُ فعلى (^٣) هذا بالجدارِ رحمةً من ربِّكَ لليَتِيمَيْن.\nوكان ابن عباسٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به موسى بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن مشعَرِ، عن عبد الملكِ بن مَيْسَرَةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾. قال: حُفِظا بصلاحِ أبيهما، وما ذُكِر منهما صلاحٌ (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيْب، قال: ثنا سفيانُ، عن مِسْعَرٍ، عن عبدِ الملكِ بن مَيْسَرَةً، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ بمثلِه (^٥).\nوقولُه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمرِي﴾. يقولُ: وما فعلتُ يا موسى جميعَ الذي رأيتَني فعَلتُه عن رأيِي ومن تِلْقاءِ نفسى، وإنما فعَلتُه عن أمرِ اللهِ إياىَ به.\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"كان\".\n(^٢) في الأصل، ت ٢: \"يقع\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٣٢) من طريق مسعر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٣٥ إلى أحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه الحميدى في مسنده (٣٧٢)، والحاكم ٢/ ٣٦٩ من طريق سفيان.","vol":"15","page":366},{"text":"كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، كان عبدًا مأمورًا، فمضَى لأمرِ اللَّهِ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، ما رأيتَ أَجْمَعَ ما فعلتُه عن نفسى.\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. يقولُ: هذا الذي ذكَرْتُ لك من الأسبابِ التي من أجلِها فعلتُ الأفعالَ التي استَنكَرْتَها منِّى ﴿تَأْوِيلُ﴾. يقولُ: ما تَقُولُ إليه وتَرْجِعُ الأفعالُ التي لم تَسْتَطِعْ (^٢) على تركِ مسئلتِك إيايَ عنها وإنكارِكها (^٣) صبرًا.\nوهذه القِصصُ التي أخبر اللهُ ﷿ نبيِّه محمدًا ﷺ بها عن موسى وصاحبِه، تأديبٌ منه له، وتَقَدُّمٌ إليه بترك الاستعجالِ بعقوبة المشركين الذين كذبوه واستَهْزَءوا (^٤) بكتابِه، وإعلامٌ منه له أن أفعالَه وإن جرَتْ فيما ترَى الأعينُ بما قد يَجْرِى مثله أحيانًا لأوليائِه، فإن تأويلَه صائرٌ بهم إلى أحوالِ أعدائِه فيها، كما كانت أفعالُ صاحبِ موسى واقعةً بخلافِ الصحةِ في الظاهرِ عند موسى، إذ لم يكنْ عالمًا بعواقبِها، وهى ماضيةٌ على الصحةِ في الحقيقةِ، وآيِلةٌ إلى الصوابِ في العاقبةِ، يُنْبِيءُ عن صحةِ ذلك قولُه: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨]. ثم عَقَّب ذلك بقصةِ موسى وصاحبه؛ يُعْلِمُ نبيَّه أن تَرْكَه ﷻ تَعْجِيلَ العذابِ لهؤلاء\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٣٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"تسطع\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"إنكارك لها\".\n(^٤) بعده في م: \"به و\".","vol":"15","page":367},{"text":"المشركين لغيرِ (^١) نظَرٍ منه لهم، وإن كان ذلك فيما يَحْسِبُ من لا علمَ له بما اللَّهُ مُدَبِّرٌ فيهم نَظَرًا منه لهم؛ لأن تأويلَ ذلك صائرٌ إلى هلاكِهم وَبَوارِهم بالسيفِ في الدنيا، واستحقاقِهم من اللهِ في الآخرةِ الخِزْى الدائمَ.\n\n<span id=\"aya-2223\"></span><span data-type='title' id=toc-5518>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ: ويسأَلُك يا محمدُ هؤلاء المشركون عن ذى القرنَيْن ما كان شأنُه، وما كانت قصتُه، فقُلْ لهم: ﴿سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ من خَبرِه ﴿ذِكْرًا﴾. يقولُ: سأَقُصُّ عليكم منه خبرًا. وقد قيل: إن الذين سأَلُوا رسولَ اللهِ ﷺ عن أمرِ ذى القرنين كانوا قومًا من أهلِ الكتابِ. فأما الخبرُ بأنَّ الذين سأَلُوه عن ذلك كانوا مشركي قومِه فقد ذكَرْناه قبلُ (^٢).\nوأما الخبرُ بأن الذين سأَلُوه كانوا قومًا من أهلِ الكتابِ، فحدَّثنَا به أبو كريبٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن ابن لهيعةَ، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ زيادِ بن أَنْعُمٍ (^٣). عن شيخَيْن من تُجِيبَ (^٤)، قال أحدُهما لصاحبِه: انطلِقْ بنا إلى عقبةَ بن عامرٍ نتحدَّثْ. قالا: فأتَيناه (^٥). فقالا: جِئْنا لتُحَدَّثَنا. فقال: كنتُ يومًا أخدِمُ رَسولَ اللَّهِ، ﷺ فخرَجتُ من عندِه، فلقِينَى قومٌ من أهلِ الكتابِ، فقالوا: نُرِيدُ أن نسأَلَ\n_________\n(^١) في ص، م، ف: \"بغير\".\n(^٢) تقدم في ص ١٤٢ - ١٤٤.\n(^٣) بعده في مصادر التخريج: \"سعد بن مسعود\".\n(^٤) تجيب: اسم قبيلة من كندة، لهم خطة - وهو ما يختطه الإنسان لنفسه من الأرض ونحوها - بمصر سميت بهم. معجم البلدان ١/ ٨٣٧.\n(^٥) في م: \"فآتياه\".","vol":"15","page":368},{"text":"رسولَ اللهِ ﷺ، فاسْتَأْذِنَ لنا عليه. فدخَلت عليه فأخبَرْتُه، فقال: \"ما لي و(^١) لهم، ما لى علمٌ إلا ما عَلَّمَنى اللَّهُ\". ثم قال: \"اسْكُبْ لي ماءً\". فتوضَّأ ثم صلَّى. قال: فما فرَغ حتى عرَفتُ السرورَ في وجهِه، ثم قال: \"أدخِلْهم عليَّ ومَن رأَيتَ من أصحابي\". فدخَلُوا فقاموا بينَ يديْه، فقال: \"إن شِئْتُم سأَلْتُم فأخبَرتُكم عما تجِدُونه في كتابِكم مكتوبًا، وإن شِئْتُم أَخبَرتُكم\". قالوا: بل (^٢) أخْبِرْنا. قال: \"جِئْتُم تسأَلُوني عن ذى القرنين، وما تجِدُونه في كتابِكم؛ كان شابًّا من الرومِ، فجاء فبنَى مدينةَ مصرَ، الإسكندريةَ، فلما فرَغ جاءه مَلَكٌ فعلا به في السماءِ، فقال له: ما ترَى؟ فقال: أرَى مدينَتي (^٣) ومدائنَ. ثم علا به، فقال: ما ترَى؟ فقال: أرَى مدينَتى (^٤). ثم علا به فقال: ما ترَى؟ قال: أرَى الأرضَ. قال: فهذا اليمُّ محيطٌ بالدنيا، إن الله بعثَني إليك تُعلِّمُ الجاهلَ، وتُثَبِّتُ العالِمَ. فأتَى به السدَّ (^٥) وهما (^٦) جبلان ليِّنان يَزْلُقُ عنهما (^٧) كلُّ شيءٍ. ثم مضَى به حتى جاوَزَ يأجوجَ ومأجوجَ، ثم مضَى به إلى أُمَّةٍ أُخرى، وجوهُهم وجوهُ الكلابِ، يُقاتِلُون يأجوجَ ومأجوجَ، ثم مضَى به حتى قطَع به أمةً أُخرى يقاتِلُون هؤلاء الذين وجوهُهم وجوهُ الكلابِ، ثم مضَى حتى قطَع به هؤلاء إلى أمةٍ أخرى قد سمَّاهم (^٨)\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"ما\".\n(^٢) في م، ص، ت ١، ت ٢: \"بلي\".\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: \"مدينتين\".\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: \"مدينة\".\n(^٥) كذا في النسخ، ودلائل النبوة، وتاريخ ابن عساكر، وفي فتوح مصر، والعظمة، والدر المنثور: \"السدين\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"هو\".\n(^٧) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عليهما\".\n(^٨) أخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٣٨، وأبو الشيخ في العظمة (٩٧٥)، والبيهقي في دلائل النبوة ٦/ ٢٩٥، ٢٩٦ ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٧/ ٣٣٨ من طريق عبد الرحمن بن زياد بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤١، ٢٤٢ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"15","page":369},{"text":"واختلَف أهلُ العلمِ في المعنى الذي من أجلِه قيل لذي القرنين: ذو القرنين؛ فقال بعضُهم: قيل ذلك من أجل أنه ضُرِب على قَرْنِه فهلك، ثم أُحْيى فضُرِب على القرن الآخرِ فهلَك.\n\n<span data-type='title' id=toc-5519>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن عُبيدٍ المُكْتِبِ، عن أبي الطُّفَيْلِ، قال: سأل ابن الكوَّاءِ عليَّا عن ذى القرنين، فقال: هو عبدٌ أحبَّ اللَّهَ فأحبَّه، وناصَح اللَّهَ فنصَحه، فأمَرهم بتقوى اللهِ، فضربوه على قرْنِه فقتَلُوه، ثم بعَثه اللَّهُ، فضرَبُوه على قرنِه فمات.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن حبيبِ بن أبى ثابتٍ، عن أبي الطُّفَيْلِ، قال: سُئِل عليٌّ عن ذي القرنين، فقال: كان عبدًا ناصَح الله فناصَحه، فدعَا قومَه إلى اللَّهِ، فضُرب على قرنِه فمات، فأحيَاه اللهُ فدعَا قومه إلى اللهِ، فضربَوه على قرنِه فمات، فسُمِّى ذا القرنين (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن أبي الطفيلِ، قال: سمعتُ عليًّا وسأَلُوه عن ذى القرنين: أنبيًّا كان؟ قال: كان عبًدا صالحًا، أحبَّ اللَّهَ فأحبَّه، وناصح اللَّهَ فنصَحه، فبعَثه اللَّهُ إِلى قومِه، فضرَبوه ضربتين في رأسِه، فسُمَّى ذا القرنين، وفيكم اليومَ مثلُه (^٢).\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به محمدُ بنُ سهلٍ البخاريُّ، قال: ثنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٦٣، من طريق يحيى بن سعيد به، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٣٩، ٤٠ من طريق أبي الطفيل به.\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٧/ ٣٣٤ من طريق القاسم بن أبي بزة به.","vol":"15","page":370},{"text":"إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، قال: قال وهبُ بنُ مُنَبِّهٍ: كان ذو القرنين مَلِكًا. فقيل له: فلِمَ سُمِّى ذا القرنين؟ قال: اختلَف فيه أهلُ الكتابِ؛ فقال بعضُهم: ملَك الرومَ وفارسَ. وقال بعضُهم: كان في رأسِه شبهُ القرْنيْن (^١).\nوقال آخرون: إنما سُمِّي بذلك لأن صَفْحَتى رأسِه كانتا من نُحاسٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5520>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاق، قال: ثنى مَن لا أَتَّهِمُ، عن وهب بن مُنَبِّهٍ اليمانيِّ، قال: إنما سُمِّى ذا القرنين أن صَفْحَتى رأسِه كانتا من نُحاسٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2224\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾. يقولُ: إنا وطَّأْنَا له في الأرضِ، ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾. يقولُ: وآتيناه من كلِّ شيءٍ، يعني: ما يَتَسَبَّب له (^٣) إليه، وهو العلمُ به.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5521>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾. يقولُ: علمًا (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٩٦٢)، من طريق إسماعيل بن عبد الكريم به.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٩٧٢)، من طريق سلمة بن الفضل به مطولًا.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٨٦، وفى البداية والنهاية ٢/ ٥٤٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":371},{"text":"حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾. أي: علمًا (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾. قال: من كلِّ شيءٍ علمًا (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾. قال: عِلْمَ كلِّ شيءٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾: علمًا (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾. يقولُ: علمًا (^٣).\n\n<span id=\"aya-2225\"></span>وقولُه: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (فاتَّبعَ) بوصلِ الألفِ وتشديدِ التاءِ (^٤)، بمعنى: سلَك وسار، من قولِ القائلِ: اتَّبعتُ أثرَ فلانٍ. إذا قفوتَه وسِرْتَ وراءه. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ بهمزِ الألفِ وتخفيفِ التاءِ (^٥)، بمعنى: لَحِقَ.\nوأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ (^٦) قراءةُ من قرَأه: (فاتَّبَعَ) بوصلِ الأُلفِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٧/ ٣٣٩ من طريق سعيد عن قتادة عن الحسن مطولًا.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٨٦، وفى البداية والنهاية ٢/ ٥٤٤.\n(^٤) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو. السبعة ص ٣٩٧، والكشف عن وجوه القراءات السبع ٢/ ٧٢، ٧٣.\n(^٥) وهى قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. السبعة ص ٣٩٨، والكشف عن وجوه القراءات السبع ٢/ ٧٢، ٧٣.\n(^٦) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"15","page":372},{"text":"وتشديدِ التاءِ؛ لأنَّ ذلك خبرٌ من اللهِ عن مسيرِ ذى القرنين في الأرضِ التي مكَّن اللهُ (^١) له فيها، لا عن لِحَاقِه السببَ، وبذلك جاء تأويلُ أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5522>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: (فاتَّبَعَ سَبَبا). يعنى بالسببِ: المَنْزِلَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿سَبَبًا﴾. قال: مَنْزِلًا وطريقًا ما بينَ المشرقِ والمغربِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأَسَديُّ، قال: ثنا عبيدٌ الله بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: (فاتَّبَعَ سَبَبا). قال: طَرَفى (^٤). الأرضِ (^٥).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (فاتَّبَعَ سَبَبا): أي (^٦)\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٨٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤٧ إلى المصنف ابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٥٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في م: \"طريقا\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٨٧، وغيره ناشرو المطبوعة، كما كان في المطبوعة عندنا.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"15","page":373},{"text":"اتَّبَعَ منازلَ الأرضِ ومعالمها (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (فاتَّبَعَ سَبَبا). قال: هذه [الآن سببُ الطرقِ] (^٢)، كما قال فرعونُ: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]. قال: طرقَ السماواتِ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: (فاتَّبَعَ سَبَبا). قال: منازلَ الأَرضِ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: حدَّثنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (فاتَّبَعَ سَبَبا). قال: المنازلَ (^٥).\n\n<span id=\"aya-2226\"></span><span data-type='title' id=toc-5523>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ﴾ ذو القرنين ﴿مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ (^٦)﴾. فاختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾. بمعنى: أنها تغرُبُ في عينِ ماءٍ ذاتِ حَمْأَةٍ (^٧). وقرَأته\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٨٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) كذا في النسخ، وفى الدر المنثور: \"لأن الطريق\"، والأنسب أن تكون: \"لأن السبب الطريق\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٧.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٨٧.\n(^٦) في الأصل: \"حامية\".\n(^٧) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم في رواية حفص. السبعة ص ٣٩٨، والكشف عن وجوه =","vol":"15","page":374},{"text":"جماعةٌ من قرأةِ المدينة، وعامة قرأةِ الكوفةِ: (فِي عَينٍ حَامِيَةٍ). بمعنى: أنها تغرُبُ في عينِ ماءٍ حارَّةٍ (^١).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلهم ذلك على نحوِ اختلافِ القرأةِ في قراءتِه.\nذكرُ مَن قال: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾. قال: في طينٍ أسودَ (^٢).\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرأُ: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾. قال: ذاتِ (^٣) حَمْأَةٍ.\nحدَّثنا الحسنُ (^٤) بنُ الجُنيدِ، قال: ثنا سعيدُ بنُ مَسلمةَ، قال: ثنا إسماعيلُ ابنُ عُليَّة (^٥) عن عثمانَ بن حاضرٍ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بن عباسٍ يقولُ: قرَأ معاويةُ هذه الآيةَ، فقال: (عَيْنٍ حامِيَةٍ). فقال ابن عباسٍ: إنها: ﴿عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾. قال: فجعَلا بينَهما كعبًا، قال: فأرسلا إلى كعبِ الأحبارِ، فسأَلاه، فقال كعبٌ: أما الشمسُ فإنها تغِيبُ في ثَأْطٍ. فكانت على ما قال ابن عباسٍ (^٦). والتَأْطُ: الطينُ.\n_________\n= القراءات السبع ٢/ ٧٣، ٧٤.\n(^١) وهى قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبى بكر. السبعة ص ٣٩٨، والكشف عن وجوه القراءات السبع ٢/ ٧٣، ٧٤.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٦٦، وأبو الشيخ في العظمة (٦٤٧) من طريق عكرمة به مطولًا.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في م: \"الحسين\". وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٣٥٦.\n(^٥) في الأصل: \"أمية\". وينظر تهذيب الكمال ٣/ ٤٥.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٤١١، من طريق إسماعيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤٨ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":375},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى نافعُ بن أبي نُعيمٍ، قال: سمِعتُ عبد الرحمنِ الأعرجَ يقولُ: كان ابن عباسٍ يقولُ: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾. ثم فسَّرها: ذاتِ حَمْأَةٍ. قال: نافعٌ: وسُئِل عنها كعبٌ، فقال: أنتم أعلمُ بالقرآنِ منى، ولكنى أجِدُها في الكتابِ تَغِيبُ في طينةٍ سوداءَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾. قال: هي الحَمْأَةُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿حَمِئَةٍ﴾. قال: ثَأْطٍ.\n[حدَّثني الحارثُ، قال: حدَّثنا الحسنُ، قال: نا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾: طينةٍ سوداءَ ثأطٍ] (^٢) (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾. قال: ثَأطَةٍ.\nقال: وأخبَرني عمرُو بنُ دينارٍ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قرَأتُ: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾، وقرَأ عمرُو بنُ العاصِ: (فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ). فَأَرْسَلْنا إلى كعبٍ، فقال: إنها تغرُبُ في حَمْأَةٍ طينةٍ سوداءَ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٤١١، من طريق آخر عن ابن عباس بمعناه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤٨ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٥٠، من طريق ورقاء به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٤١٢، عن ابن عباس. ووقع فيه: \"ابن عمر\" بدل: \"عمرو بن العاص\". قال الترمذى عقب حديث (٢٩٣٤) ويروى أن ابن عباس وعمرو بن العاص اختلفا في قراءة هذه الآية، وارتفعا إلى كعب الأحبار في ذلك … اهـ. =","vol":"15","page":376},{"text":"حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ والحمِئةُ: الحَمْأةُ السوداءَ.\nحدَّثنا [محمدُ بنُ عبدِ الأعلى] (^١)، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن ورقاءُ، قال: سمِعتُ سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: كان ابن عباسٍ يقرَأُ هذا الحرفَ: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾. ويقولُ: حَمْأَةٌ سوداءُ تغرُبُ فيها الشمسُ (^٢).\nوقال آخرون: بل هي تَغِيبُ في عينٍ حارَّةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5524>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾. يقولُ: عينٍ حارَّةٍ (^٣).\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: (فِي عَينٍ حامِيَةٍ). قال: حارَّةً (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قوله: (في عَيْنٍ حامِيَةٍ). قال: حارَّةٍ. وكذلك قرَأها الحسنُ (^٥).\nوالصوابُ من القول في ذلك عندى أن يقال: إنهما قراءتَان مَعْروفَتان (^٦)\n_________\n= وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤٨ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^١) في الأصل، ت ١، ت ٢: \"عمرو بن عبد الحميد\"، وفى ص، ف: \"عمرو بن عبد الأعلى\"، وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٥٨١.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤٨ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٨٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤٨، إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٨٨.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤١٠.\n(^٦) ليست في: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"15","page":377},{"text":"مُسْتَفيضَتان في قرأةِ الأمصارِ، ولكلِّ واحدةٍ منهما وجهٌ صحيحٌ ومعنًى مفهومٌ، وكلا وجهَيْه غيرُ مُفْسِدٍ أحدهما صاحبَه؛ وذلك أنَّه جائزٌ أن تكونَ الشمسُ تغرُبُ في عينٍ حارَّةٍ ذاتِ حَمْأَةٍ وطينٍ، فيكونُ القارى: (في عَيْنٍ حَامِيَةٍ) واصفَها (^١) بصفَتِها التي هي لها، وهى الحرارةُ؛ ويكونُ القارئُ: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ وَاصِفَها بصفتها التي هي بها، وهى أنها ذاتُ حَمْأَةٍ وطينٍ. وقد رُوِى بكلتى صفتَيْها (^٢) اللتين قلتُ: إنهما من صفتِها (^٣) أخبارٌ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا العوَّامُ، قال: ثنى مولًى لعبدِ اللهِ بن عمرو، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: نظَر رسولُ اللهِ ﷺ إلى الشمسِ حينَ غابت، فقال: \"في نارِ اللهِ الحاميةِ، في نارِ اللهِ الحاميةِ، لولا ما يَزَعُها من أمرِ (^٤) اللَّهِ لأَحْرَقَتْ ما على الأرضِ\" (^٥).\nحدَّثني الفضلُ بنُ داودَ الواسطيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا محمدُ بنُ دينارٍ، عن سعدِ بن أوسٍ، عن مُصْدَعٍ، عن ابن عباسٍ، عن أبيِّ بن كعبٍ، أن النبيَّ ﷺ أقرأه: ﴿حَمِئَةٍ﴾ (^٦).\nوقولُه: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾. ذُكِر أن أولئك القومَ يقالُ لهم: ناسكٌ (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"صيغتيها\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"صفتيها\".\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) أخرجه أحمد ١١/ ٥٢٦ (٦٩٣٤)، وابن أبي شيبة وأحمد بن منيع وأبو يعلى - كما في المطالب العالية (٤٣٨) - من طريق يزيد بن هارون به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤٨ إلى ابن مردويه.\n(^٦) أخرجه أبو داود الطيالسي (٥٣٨)، عن محمد بن دينار به، وأبو داود السجستاني (٣٩٨٦)، والترمذي (٢٩٣٤)، من طريق محمد بن دينار به.\n(^٧) ينظر البحر المحيط ٧/ ١٥٩. وفيه: \"باسك\".","vol":"15","page":378},{"text":"وقولُه: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾. يقولُ: إما أن تَقْتُلَهم إن هم لم يدخُلُوا في الإقرارِ بتوحيدِ اللهِ، ويُذْعِنُوا لك بما تدعوُهم إليه من طاعةِ ربِّهم، ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾. يقولُ: وإما أن تأسِرَهم فتُعَلِّمَهم الهُدَى وتُبَصِّرَهم: الرشادَ.\n\n<span id=\"aya-2227\"></span><span data-type='title' id=toc-5525>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾. يقولُ: أما مَن كفَر فسوف نَقْتُلُه.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾. قال: هو القتلُ (^١).\nوقولُه: ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾. يقولُ: ثم يرجِعُ إِلى اللَّهِ بعدَ قتلِه، فيعذِّبُه عذابًا عظيمًا؛ وهو النُّكْرُ، وذلك عذابُ جهنَّمَ.\n\n<span id=\"aya-2228\"></span><span data-type='title' id=toc-5526>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾.</span>\nيقولُ: وأما مَن صدَّق اللَّهَ منهم ووحَّده، وعمل بطاعتِه، فله عندَ اللهِ الحسنى؛ وهى الجنةُ، ﴿جَزَاءً﴾، يعني: ثوابًا على إيمانِه، وطاعتِه ربَّه.\nوقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ والكوفةِ: (فَلَهُ جَزَاءُ الحُسْنَى) برفعِ الجزاءِ وإضافتِه إلى\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤١٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤٩ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":379},{"text":"الحسنى (^١). وإذا قُرِئَ ذلك كذلك، فله وجهان من التأويلِ؛ أحدُهما: أن يُجْعَلَ الحسنى مرادًا بها إيمانُه وأعمالُه الصالحةُ، فيكونُ معنى الكلامِ إذا أُرِيدَ بها ذلك: وأما مَنْ آمَن وعمل صالحًا فله جزاؤُها. يعنى: جزاءَ هذه الأفعالِ الحسنةِ.\nوالوجهُ الثاني: أن يكونَ معنيًّا بالحسنى الجنةُ، وأُضِيف الجزاءُ إليها، كما قيل: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [يوسف:١٠٩]. والدار هي الآخرةُ، وكما قال: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. والدينُ هو القيمُ.\nوقرَأ آخرون: ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾. بمعنى: فله الجنةُ جزاءً. فيكونُ الجزاءُ منصوبًا على المصدرِ، بمعنى: يُجازيهم جزاءً الجنةَ (^٢).\nوأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندى قراءةُ مَن قرَأه: ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ بنصبِ الجزاءِ وتنوينهِ على المعنى الذي وصَفتُ، من أن لهم الجنةَ جزاءً، فيكونُ الجزاءُ نصبًا على التفسيرِ.\nوقولُه: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾. يقولُ: وسنُعلِّمُه نحن في الدنيا ما تيسَّر لنا تعليمُه مما يقرِّبُه إلى اللَّهِ، ونُلينُ له من القولِ.\nوكان مجاهدٌ يقولُ نحوًا مما قلنا في ذلك.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾. قال: معروفًا (^٣).\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر وابن كثير. ينظر السبعة ص ٣٩٨، ٣٩٩، والكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٧٤، ٧٥.\n(^٢) وهى قراءة حفص وحمزة والكسائي. ينظر المصدران السابقان.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٥١. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤٩ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر=","vol":"15","page":380},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n\n<span id=\"aya-2229\"></span><span data-type='title' id=toc-5527>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثم سار وسلَك ذو القرنين طرقًا ومنازلَ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾. يعنى: منزلًا (^١).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾: منازلَ الأرضِ ومعالِمَها (^٢).\n\n<span id=\"aya-2230\"></span>﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ووجَد ذو القرنين الشمسَ تطلُعُ على قومٍ لم [يجعلِ اللهُ لهم دونَ الشمسِ] (^٣) سترًا. وذلك أن أرضَهم لا جبلَ فيها ولا شجرَ، ولا تحتمِلُ بناءً فيَسكُنُوا البيوتَ، وإنما يَغُورون في المياهِ، (^٤) ويُسرِّبون في الأسرابِ.\nكما حدَّثني إبراهيمُ بن المُستمِرِّ، قال: ثنا سليمانُ بن داودَ (^٥) أبو داودَ، قال:\n_________\n= وابن أبي حاتم.\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٣٧٣.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣٧٤.\n(^٣) في ص، م: \"نجعل لهم من دونها\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"لم نجعل لهم من دون الشمس\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"أو\".\n(^٥) بعده في م: \"و\". وهو خطأ.","vol":"15","page":381},{"text":"ثنا سهلُ بنُ أبي الصَّلْتِ السَّرَّاج، عن الحسنِ: ﴿تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾. قال: كانت أرضًا لا تَحمَّلُ البناءَ، فكانوا إذا طلَعت عليهم الشمسُ تغَوَّروا (^١) في الماءِ، فإذا غرَبت خرَجُوا يتراعَون كما ترعَى البهائمُ (^٢). قال (^٣): ثم قال الحسنُ: هذا حديثُ سمُرةَ (^٤).\n\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾. ذُكِر لنا أنهم كانوا في مكانٍ لا يَستَقِرُّ عليه البناءُ، [وأنهم] (^٥) يكونون في أسرابٍ لهم، حتى إذا زالت عنهم. الشمسُ خرَجوا إلى معايشِهم وحروثِهم.\n\n<span id=\"aya-2231\"></span>قال: ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾. قال: لم يَبْنُوا فيها بناءً قطُّ، ولم يُبْنَ عليهم فيها بناءٌ قطُّ. وكانوا إذا طلَعت (^٧) الشمسُ دخَلوا أسرابًا لهم حتى\n_________\n(^١) في م: \"تغور\".\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٩٧٩)، من طريق سهل به، وذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٢٠٠، ٢٠١، وابن كثير في تفسيره ٥/ ١٩٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤٩ إلى الطيالسي والبزار في أماليه وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) القائل ابن جريج. ينظر المصدرين الآتيين.\n(^٤) أخرج أبو يعلى كما في المطالب العالية (٤٠٣٩)، وأبو الشيخ في العظمة (٩٧٧، ٩٧٨) حديث سمرة مرفوعًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤٩ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"وإنما\".\n(^٦) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٢٠٠، وابن كثير في تفسيره ٥/ ١٩٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤٩ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٧) بعده في م: \"عليهم\".","vol":"15","page":382},{"text":"تزُولَ الشمسُ، أو دخلوا البحرَ، وذلك أن أرضَهم ليس فيها جبلٌ، وجاءهم جيشٌ مرةً، فقال لهم أهلُها: لا تطلُعَنَّ عليكم الشمسُ وأنتم بها. فقالوا: لا تبرَحُ حتى تطلُعَ الشمسُ، ما هذه العظامُ؟ قالوا: هذه جِيَفُ جيشٍ طلَعت عليهم الشمسُ ههنا فماتوا. قال: فذهَبوا هاربين في الأرضِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾. قال: بلغَنا أنهم كانوا في مكانٍ لا يثبُتُ عليه (^٢) بنيانٌ (^٣)، فكانوا يدخُلُون في أسرابٍ لهم إذا طلَعت الشمسُ، حتى تزُولَ عنهم، ثم يخرُجُون إلى معايشِهم (^٤).\nوقال آخرون: هم الزَّنْج.\n\n<span data-type='title' id=toc-5528>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾. قال: يقالُ: هم الزَّنْجُ (^٤).\nوأما قولُه: ﴿كَذَلِكَ﴾. فإن معناه: ثم أَتَبعَ سببًا كذلك، حتى إذا بلَغ مَطَلعَ الشمسِ؛ ﴿كَذَلِكَ﴾ مِن صلةِ ﴿أَتْبَعَ﴾. وإنما معنى الكلامِ: ثم أتْبَعَ سببًا حتى لا بلَغ مطلِع الشمسِ، كما أتبَع سببًا حتى بلَغ مغربَها.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٩٠، والقرطبي في تفسيره ١١/ ٥٤.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"عليهم\"\n(^٣) في م: \"بناء\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤١٢.","vol":"15","page":383},{"text":"وقولُه: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾. يقولُ: وقد أَحَطنا بما عندَ مطلعِ الشمسِ علمًا، لا يخفَى علينا مما هنالك من الخَلقِ وأحوالِهم وأسبابِهم ولا من غيرِهم شيءٌ.\nوبالذي قلنا في معنى الخبرِ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5529>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿خُبْرًا﴾. قال: علمًا.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾. قال: علمًا.\n\n<span id=\"aya-2232\"></span><span data-type='title' id=toc-5530>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾.</span>\n\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثم سار طُرُقًا ومنازل، وسلك سُبُلًا،\n\n<span id=\"aya-2233\"></span>﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ الكُوفيين:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٥ من طريق ورقاءُ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤٩ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":384},{"text":"(حتى إذا بلغَ السَّدينِ) بضمِّ السينِ، وكذلك جميعَ ما في القرآنِ من ذلك بضمِّ السينِ (^١). وكان بعضُ قرأةِ المَكِّيِّين يقرَؤُه بفتحِ ذلك كلِّه (^٢).\nوكان أبو عمرِو بنُ العلاءِ يفتَحُ السينَ في هذه السورةِ، ويضُمُّ السينَ في \"يس\" (^٣)، ويقولُ: السَّدُّ بالفتح هو الحاجزُ بينَك وبينَ الشيءِ، والسُّدُّ بالضمِّ ما كان مِن غِشاوةٍ في العينِ. وأمَّا الكوفيون فإن قراءةَ عامَّتِهم في جميعِ القرآنِ بفتحِ السينِ، غيرَ قوله: (حتى إذا بلغَ بين السُّدينِ) فإنهم ضَمُّوا السينَ في ذلك خاصَّةً (^٤).\nورُوِى عن عكرمةَ في ذلك ما حدَّثنا به أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، قال: ما كان مِن صَنعَةِ بني آدمَ فهو السَّدُّ - يعنى بالفتحِ - وما كان من صُنعِ الله فهو السُّدُّ (^٥).\nوكان الكسائيُّ يقولُ: هما لغتان بمعنًى واحدٍ.\nوالصوابُ من القول في ذلك عندى أن يقال: إنهما قراءَتان مُستَفِيضَتان في قرأةِ الأمصارِ، ولغتان مُتَّفِقَتا المعنى غيرُ مُختلِفَتِه (^٦)، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، ولا معنَى للفَرقِ الذي ذُكِر عن أبي عمرِو بن العلاءِ وعكرمة بينَ السَّدِّ\n_________\n(^١) قرأ بالضم جميع ما في القرآن: نافع، وعاصم في رواية أبى بكر، وابن عامر. ينظر السبعة في القراءات ص ٣٩٩. والكشف عن وجوه القراءات ص ٧٥، ٧٦.\n(^٢) قرأ بالفتح في ذلك كله حفص عن عاصم، وهما كوفيان. المصدران السابقان.\n(^٣) وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩].\n(^٤) هي قراءة حمزة والكسائي. ينظر المصدران السابقان.\n(^٥) ذكره الطوسى في التبيان ٧/ ٧٩، والبغوى في تفسيره ٥/ ٢٠١، والقرطبي في تفسيره ١١/ ٥٩، وأبو حيان في تفسيره ٦/ ١٦٣.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"مختلفة\".","vol":"15","page":385},{"text":"والسُّدِّ، لأنا لم نجِدْ لذلك شاهدًا يُبينُ عن فُرقانِ ما بينَ ذلك، على ما حُكِى عنهما. ومما يُبَيِّنُ [عن أن] (^١) ذلك كذلك (^٢) أن جميعَ أهلُ التأويلِ [الذين رُوِى لنا عنهم] (^٣) في ذلك قولٌ، لم يُحْكَ لنا عن أحدٍ منهم تفصيلٌ بين فتحِ ذلك وضمِّه، ولو كانا مُختَلِفَي المعنَى لنُقِل الفصلُ مع التأويلِ، إن شاء اللهُ، ولكنْ معنَى ذلك كان عندَهم غيرَ مُفتَرِقٍ، ففَسَّروا (^٤) الحرفَ بغيرِ تفصيلٍ منهم بينَ ذلك. وأما ما ذُكِر عن عكرمةَ في ذلك، فإن الذي نقَل ذلك عن أيوبَ هارونُ، وفى نقلِه نظرٌ، ولا نعرِفُ ذلك عن أيوبَ من روايةِ ثقاتِ أصحابِه.\nوالسَّدُّ والسُّدُّ جميعًا: الحاجزُ بينَ الشيئين. وهما ههنا - فيما ذُكِر - جَبَلان سُدَّ ما بينَهما، فردَم ذو القَرنَين حاجزًا بينَ يأجوجَ ومأجوجَ ومَنْ وَراءَه (^٥)؛ ليَقْطَعَ مادَّةَ (^٦) غوائِلهم وعَيْثهم عنهم (^٧).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5531>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾. قال: الجَبَلين،\n_________\n(^١) سقط من: م. وفى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عن\".\n(^٢) ليست في ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الذي روى لنا عنه\"، وفى م: \"الذي روى لنا عنهم\".\n(^٤) في م: \"فيفسر\".\n(^٥) في م: \"وراءهم\".\n(^٦) في م: \"ماد\".\n(^٧) في الأصل: \"عنه\".","vol":"15","page":386},{"text":"الرَّدْمِ الذي بينَ يأجوجِ ومأجوجَ، أُمَّتَين مِن وراءِ رَدمِ ذى القرنين. قال: الجَبَلَين (^١)، أَرمِينِيَّةَ وأَذربِيجَانَ (^٢).\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾، وهما جبلان (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيد، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قوله: ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾. يعني: بينَ جبلين (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾. قال: هما جبلان (^٤).\nوقولُه: ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: وجَد مِن دونِ السَّدَّين قوما لا يكادون يفقَهُون قول قائلٍ سوى كلامِهم.\nوقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿يَفْقَهُونَ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأة أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ بفتحِ القافِ والياءِ (^٥)، مِن: فَقِهَ الرجلُ يَفْقَهُ فِقْهًا. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (يُفْقِهُونَ قَوْلًا) بضمِّ الياءِ وكسرِ القافِ (^٦)، مِن: أَفقَهتُ فلانًا كذا أُفقِهُهُ إفقاهًا. إذا أَفهَمتَه (^٧) ذلك.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"الجبلان\". والمثبت من الأصل موافق لما في مصدرى التخريج الآتيين.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ٥٥ بشطره الأخير، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤٩ إلى ابن المنذر.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٧/ ٧٩.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤١٢، ٤١٣.\n(^٥) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم وابن عامر. ينظر السبعة في القراءات ٣٩٩، والكشف عن وجوه القراءات ص ٧٦.\n(^٦) هي قراءة حمزة والكسائى. ينظر المصدران السابقان.\n(^٧) في م: \"فهمته\".","vol":"15","page":387},{"text":"والصوابُ عندى مِن القولِ في ذلك، أنهما قراءتان مُستَفِيضَتان في قرأةِ الأمصارِ، غيرُ دافعةٍ إحداهما الأخرى؛ وذلك أن القومَ الذين أخبرَ اللهُ عنهم هذا الخبرَ، جائزٌ أن يكونوا كانوا لا يكادون يفقهون قولًا لغيرِهم عنهم، فيكونَ صوابًا القراءةُ بذلك؛ وجائزٌ أن يكونوا - مع كونِهم كذلك - كانوا لا يكادون [يُفقِهون غيرَهم عنهم] (^١) لعِللٍ، إما بألسنتِهم، وإما بمنَطِقِهم، فتكونَ القراءةُ بذلك أيضًا صوابًا.\n\n<span id=\"aya-2234\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. اخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾؛ فقرَأت القرآةُ من أهلِ الحجازِ والعراقِ وغيرِهم: (إنَّ يَاجُوج وماجُوجَ) بغيرِ همزٍ على \"فاعُول\"، مِن: يجَجْتُ ومَجَجْتُ. وجعلوا الألفين فيهما زائدتين، غيرَ عاصمٍ بن أبي النَّجودِ (^٢) والأعرجِ؛ فإنه ذُكِرَ أنهما قرأا ذلك بالهمزِ فيهما جميعًا، وجعَلا الهمزَ فيهما من أصلِ الكلام، وكأنهما جعَلا يَأْجُوجَ: \"يفعُولَ\" من: أَجَجْتُ. ومَأْجُوجَ، مَفْعُول.\nوالقراءةُ التي هي القراءةُ الصحيحةُ عندَنا (^٣) (إن ياجوُجَ وماجُوجَ) بألفٍ بغيرِ همزٍ؛ لإجماع الحجةِ من القرأةِ عليه، وأنه الكلامُ المعروفُ على ألسنِ العربِ؛ ومنه قولُ رُؤبَةَ بن العجَّاجِ (^٤):\nلو أنَّ ياجوجَ وماجُوجَ مَعَا … وعادَ عادٌ (^٥) واستَجاشُوا تُبَّعا\nوهما (^٦) أمَّتان من وراءِ السَّدِّ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"أن يفقهوا غيرهم\".\n(^٢) ينظر السبعة في القراءات ص ٣٩٩.\n(^٣) القراءتان بالهمز وتركه - كلتاهما صواب\n(^٤) ديوانه (مجموعة أشعار العرب) ص ٩٢.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"عادوا\".\n(^٦) في م: \"هم\".","vol":"15","page":388},{"text":"وقولُه: ﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الإفسادِ الذي وصَف الله به هاتين الأمَّتَين؛ فقال بعضُهم: كانوا يَأكُلون الناسَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5532>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ الرَّمليُّ: قال: ثنا إبراهيمُ بنُ أيوبَ الحَوْرَاني (^١)، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: سمِعتُ سعيد بن عبد العزيز يقولُ في قوله: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: كانوا يَأكُلون الناسَ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إن يأجوجَ ومأجوجَ سيُفسِدون في الأرضِ. لا أنَّهم كانوا يومئذٍ يُفسِدون.\n\n<span data-type='title' id=toc-5533>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nوذكرُ صفةِ اتِّباعِ ذى القَرنَينِ الأسبابَ التي ذكَرها الله في هذه الآياتِ (^٣)، وذكرُ سببِ بنائِه الردمَ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى بعضُ مَن يَسوقُ أحاديثَ الأعاجمِ مِن أهلِ الكتابِ، ممَّن قد أَسْلَم، مما تَوارَثُوا مِن علمِ ذى القرنَين، أن ذا القرنين كان رجلًا من أهلِ مصرَ اسمُه مرزبا بنُ مردبه\n_________\n(^١) في الأصل: \"الجوزاني\"، وفى ص، ت ١، ف: \"الحوزاني\"، وفى م: \"الخوزاني\". ينظر الجرح والتعديل ٢/ ٨٨، والإكمال ٣/ ٢٥، والأنساب ٢/ ٢٧٨.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ٥٦، وأبو حيان في البحر المحيط ٦/ ١٦٤، بلفظ: \"إفسادهم أكل بني آدم\".\n(^٣) في م: \"الآية\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"للردم\".","vol":"15","page":389},{"text":"اليونانيُّ، من ولدِ يوثنَ (^١) بن يافثَ بن نوحٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: فحدَّثني (^٣) محمدُ بنُ إسحاقَ، عن ثورِ بن يزيدَ، عن خالدٍ بن مَعدانَ الكَلاعِيِّ، وكان خالدٌ رجلًا قد أدرَك الناسَ: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئل عن ذى القرنَين، فقال: \"مَلَكٌ مسَحَ الأرض مِن تحتِها بالأسبابِ\". قال خالدٌ: وسمِع عمرُ بنُ الخطابِ رجلًا يقولُ: يا ذا القرنَين. فقال: اللهمَّ غَفْرًا، أمَا رَضِيتم أن تَسَمَّوْا بأسماءِ الأنبياءِ، حتى تَسَمَّوا بأسماءِ الملائكةِ؟ فإن كان رسولُ اللهِ ﷺ قال ذلك، فالحقُّ ما قال، والباطلُ ما خالفَه (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: فحدَّثنى مَن لا أتَّهمُ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ اليمانيِّ، وكان له علمٌ بالأحاديثِ الأُولِ، أَنَّه كان يقولُ: ذو القرنين رجلٌ مِن الرُّومِ، ابن عجوزٍ من عَجائزِهم، ليس لها ولدٌ غيرُه، وكان اسمُه الإسكَندَريسَ (^٥) وإنما سُمِّي ذا القرنين أن صَفحَتَى رأسِه كانتا مِن نُحاسٍ؛ فلمَّا بلَغ وكان عبدًا صالحًا، قال اللهُ ﷿: يا ذا القرنين، إني باعِثُك إلى أُمَمِ الأرض، وهى أممٌ مختلفةٌ ألِسنَتُهم، وهم جميعُ أهلِ الأرضِ؛ ومنهم أُمَّتان بينَهما طولُ الأَرضِ كلُّه، ومَنهم أُمَّتان بينَهما عَرْضُ الأرضِ كلُّه، وأُممٌ في وسَطِ الأرضِ؛ منهم الجنُّ والإنسُ، [ويأجوجُ ومأجوجُ] (^٦)؛ فأما (^٧) اللتان بينَهما طولُ\n_________\n(^١) في ص: \"يوتن\"، وفى م، ت ٢ \"يونن\".\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٩٨٤) من طريق سلمة به.\n(^٣) في م، ت ١، ف: \"حدثني\".\n(^٤) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٩٨٥ - ٩٨٧) من طريق سلمة به. وأخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٣٩ من طريق محمد بن إسحاق به.\n(^٥) في م: \"الإسكندر\".\n(^٦) في ص: \"ومأجوج\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"يأجوج\".\n(^٧) بعده في م: \"الأمتان\".","vol":"15","page":390},{"text":"الأرض، فأُمَّةٌ عندَ مَغرب الشمس يُقال لها: ناسكٌ. وأما الأُخرَى، فعندَ مَطلِعِها يُقالُ لها: منسكٌ؛ وأما اللتان بينَهما عرضُ الأرضِ، فأمَّةٌ في قُطِرِ الأَرضِ الأيمن، يقالُ لها: هاويلُ، وأما الأخرَى التي في قُطرِ الأرضِ الأيسرِ، فأُمَّةٌ يُقال لها: تاويلُ. فلمَّا قال اللهُ له ذلك، قال له ذو القرنَين: إلهى، إنَّك قد نَدَبَتَنى لأمرٍ عظيمٍ، لا يَقدِرُ قدرَه إلَّا أَنتَ، فأخْبَرْني عن هذه الأموِ (^١) التي بَعَثتَنِي إليها؛ بأيِّ قُوَّةٍ أُكابِرُهم، وبأيِّ جَمعٍ أُكاثِرُهم، وبأيِّ حِيلَةٍ أُكَايدُهم، وبأيِّ صَبرٍ أُقاسِيهم، وبأيِّ لسانٍ أُناطِقُهم، وكيف لى بأن أفقَهَ لُغاتِهم، وبأيِّ سَمعٍ أَعِى قولَهم، وبأيِّ بصَر أَنْفُذُهم، وبأيِّ حُجَّةٍ أُخاصِمُهم، وبأيِّ قَلبٍ أَعقِلُ عنهم، وبأيِّ حِكمَةٍ أُدبِّرُ أمورَهم (^٢)، وبِأَيِّ قِسطٍ أعدِلُ بينَهم، وبأيِّ حِلمٍ (^٣) أُصابِرُهم، وبأيِّ مَعرِفةٍ أفصِلُ بينَهم، وبأَيِّ علمٍ أُتقِنُ أمورَهم، وبأيِّ يدٍ أسطُو علَيهم، وبأيِّ رجلٍ أطَؤُهم، وبأيِّ طاقةٍ أُحْصيهم (^٤)، وبأيِّ جُندٍ أُقاتلُهم، وبأيِّ رِفقٍ أستألِفُهم، فإنَّه ليس عندى يا إلهي شيءٌ مما ذكَرتُ يَقُومُ لهم، ولا يَقوَى عليهم ولا يُطِيقُهم، وأنتَ الربُّ الرحيمُ، الذي لا تُكلِّفُ نفسًا إلَّا وُسعها، ولا تُحمِّلُها إلا طاقَتَها، ولا تُعنِتُها ولا تَفدَحُها، بل أنتَ تَرْأَفُها (^٥) وتَرحَمُها. قال اللهُ ﷿: إني سأُطوقُكَ ما حمَّلتُك، و(^٦) أشرحُ لك صدرَك، فيَسَعُ (^٧) كلَّ شيءٍ، وأَشْرَحُ لك فَهمَك، فتَفقَهُ كلَّ شيءٍ، وأبسُطُ لك لسانَك، فتَنطِقُ بكلِّ شيءٍ، وأفتَحُ لك\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الأمة\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"أمرهم\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"حكم\".\n(^٤) في م: \"أخصمهم\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"ترفها\"، وفى ف: \"ترزقها\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٧) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فتسمع\".","vol":"15","page":391},{"text":"سَمعَك، فتَعِى كلَّ شيءٍ، وأمُدُّ لك بصَرَك، فتَنفُذُ كلَّ شيءٍ، وأُدبِّرُ لك أمرك، فتُتقِنُ كلَّ شيءٍ، وأُحصِى لك فلا يَفوتُك شيءٌ، وأحفَظُ عليك، فلا يَعزُبُ عنك شيءٌ، وأشدُّ لك ظَهرَك، فلا يَهُدُّك شيءٌ، وأشُدُّ لك رُكنك، فلا يَغلِبُك شيءٌ، وأشُدُّ لك قَلبَك، فلا يَرُوعُك شيءٌ، وأشدُّ لك عقلك، فلا يَهُولُك شيءٌ، وأبسُطُ لك مِن بين يدَيك، فتَسطو فوقَ كلِّ شيءٍ، وأشدُّ لك وَطأتَك، فتَهُدُّ كُلَّ شيءٍ، وأُلبِسُكَ الهَيبَةِ فلا يَرومُك شيءٌ، وأُسخِّرُ لك النُّورَ والظُّلمةَ، فأجعَلُهما جُندًا مِن جنودِكَ، يَهدِيك النورُ مِن أمامِك، وتَحوطُك الظلمةُ مِن وَرائِكَ.\nولمَّا قيل له ذلك، انطَلَق يَؤُمُّ الأُمَّةَ التي عندَ مَغرِبِ الشمس، فلمَّا بَلَغَهم، وجَد جَمعًا وعددًا لا يُحَصِيهِ إلا اللهُ، وقُوَّةً وبأسًا لا يُطيقه إلا الله، وألسنةً مختلفةً، وأهواء مُتشتِّتةً، وقلوبًا مُتفرِّقةً، فلمَّا رأى ذلك كابَرهم (^١) بالظُّلمة، فضرَب حولَهم ثلاثةَ عساكرَ مِنها، فأحاطَتْهم من كلِّ مكانٍ، وحاشَتْهم حتى جَمَعتْهم في مكانٍ واحدٍ، ثم أخَذ عليهم بالنُّورِ، فدَعاهم إلى اللهِ وإلى عبادتِه، فمنهم مَن آمَن له، ومِنهم مَن صَدَّ، فعَمَد إلى الذين تَوَلُّوا عنه فأدخَلَ عليهم الظلمةَ، فَدَخَلتْ في أفواهِهم وأُنُوفِهم وآذانِهم وأجْوافِهم، ودخَلَت في بيوتِهم ودُورِهم، وغَشِيَتهم مِن فوقِهم، ومِن تحتِهم، ومن كلِّ جانبٍ منهم، فماجُوا فيها (^٢) وتَحَيَّرُوا، فلمَّا أشفَقوا أن يَهلِكوا فيها، عَجُّوا (^٣) إليه بصوتٍ واحدٍ، فكشَفَها عنهم وأخَذَهم عَنوَةً، فدخَلوا في دعوتِه، فجَنَّد مِن أهلِ المَغرِبِ أممًا عظيمةً، فجَعَلهم جندًا واحدًا، ثم انطَلَق بهم يقودُهم، والظُّلمةُ تَسوقهم مِن خَلفِهم،\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"كاثرهم\".\n(^٢) في الأصل: \"فيه\".\n(^٣) في ت ١، ف: \"ضجوا\". وضَجَّ: إذا صاح مستغيثًا. وعجَّ: إذا صاح ورفَع صوتَه. وقيده الأزهريُّ بالدعاء والاستغاثة. ينظر تاج العروس (ض ج ج)، (ع ج ج).","vol":"15","page":392},{"text":"وتَحُوشُهم (^١) مِن حولِهم، والنُّورُ أمامَهم [يقودُهم ويدُلُّهم] (^٢)، وهو يسيرُ في ناحيةِ الأرضِ اليُمنَى، وهو يريدُ الأُمةَ التي في قُطرِ الأرضِ الأيمنِ التي يُقالُ لها: هاويلُ. وسخَّر اللهُ له يدَه وقلبَه ورأيَه وعقله ونَظَرَه وائتِمارَه، فلا يُخطئُ إِذا ائتَمرَ (^٣)، وإذا عمِل عملًا أتقَنَه، فانطلَق يقودُ تلك الأممَ وهى تَتبعُه، فإذا انتهَى إلى بحرٍ أو مخاضةٍ، بَنىَ سُفُنًا مِن ألواحِ صغارٍ أمثالَ النِّعالِ، فنظَمَها في ساعةٍ، ثم حمَل (^٤) فيها جميعَ مَن معه مِن تلك الأمم وتلك الجنودِ، فإذا قطَع الأنهارَ والبحارَ فتَقَها، ثم دفَع إلى كلِّ إنسانٍ لوحًا فلا يَكرثُه (^٥) حَملُه، فلم يزلْ ذلك دأبُه حتى انتَهى إلى هاويلَ فعَمِل فيها (^٦) كعَمَلِه في ناسكٍ، فلمَّا فَرَغَ منها مضَى على وجهِه في ناحية الأرضِ اليُمنى، حتى انتهَى إلى منسكٍ عندَ مطلعِ الشمسِ، فعَمِل فيها وجنَّد فيها (^٧) جنودًا، كفِعلِه في الأمَّتين اللتين قبلَها، ثم كرَّ مُقبلًا في ناحيةِ الأرضِ اليُسرَى، وهو يريدُ تاويلَ، وهى الأمَّةُ التي بحِيَالِ هاويلَ، وهما مُتَقابِلَتان بينَهما عرضُ الأرضِ كلُّه؛ فلما بلَغها عمل فيها، [وجنَّد فيها] (^٨) كفِعلِه فيما (^٩) قبلَها، فلمَّا فَرَغ منها عَطَف مِنها إلى الأممِ التي في (^١٠) وسَطِ الأرضِ من الجنِّ وسائرِ الناسِ و(^١١) يأجوجَ\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"تحرسهم\".\n(^٢) في الأصل: \"يقوده ويدله\"، وفى العظمة: \"يقودهم ويدله\".\n(^٣) في الأصل: \"ائتمروا\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"جعل\".\n(^٥) في ت ١: \"يكترثه\". وكَرَثَه الأمرُ والغمُّ، يَكرِثُه ويكرتُه كَرْثًا: ساءه واشتدَّ عليه، وبلَغ منه المشقَّةَ، كأَكْرَثَه. تاج العروس (ك رث).\n(^٦) في الأصل: \"فيه\".\n(^٧) سقط من: ت ١، وفى م، والعظمة: \"منها\".\n(^٨) سقط من: ت ١، وفى م: \"وجند منها\".\n(^٩) سقط من: الأصل.\n(^١٠) سقط من: الأصل، ص، م، ت ٢، ف.\n(^١١) سقط من: الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"15","page":393},{"text":"ومأجوجَ؛ فلمَّا كان في بعضِ الطريقِ مما يَلِى مُنقَطَعَ التُّركِ نحوَ المَشرقِ، قالت له أمَّةٌ من الإنسِ صالحةٌ: يا ذا القرنَين، إن بينَ هذين الجَبلَين خَلقًا مِن خلقِ اللهِ كثيرًا، فيهم مُشَابَهَةٌ مِن الإِنسِ، وهم أشبَاهُ البهائمِ، يَأكُلون العُشبَ، ويَفتَرِسون الدَّوابَّ والوحوشَ كما تَفتَرِسُها السَّباعُ، ويأكُلون خَشاشَ (^١) الأرضِ كلِّها مِن الحَيَّاتِ والعقاربِ، وكلَّ ذى رُوحٍ مما خُلِق في الأرضِ، وليس للهِ خَلَقٌ يَنمِي (^٢) نَماءَهم في العامِ الواحدِ، ولا يَزدادُ كزيادَتِهم، ولا يَكثُرُ ككَثْرتِهم، فإن كانت لهم مُدَّةٌ على ما نَرَى مِن نمائِهم وزيادَتِهم، فلا شكَّ أنّهم سيَملَئون الأرضَ، ويُجلُون أهلَها منها (^٣) ويَظهَرون عليها، فيُفسِدون فيها، وليست تمرُّ بنا سنةٌ منذُ جاوَرناهم إِلَّا ونحنُ نتوقَّعُهم، وننتظِرُ أن يطلُعَ علينا أوائلُهم من بين هذيْن الجبَلَين، ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾، أعِدُّوا لى الصُّخورَ والحديدَ والنُّحاسَ؛ حتى أرتادَ بلادَهم، وأعلمَ عِلمَهم، وأَقِيسَ ما بينَ جبلَيهم. ثم انطلَق يَؤمُّهم حتى دفَعَ إليهم وتَوسَّطَ بلادَهم، فوجَدَهم على مِقدارٍ واحدٍ، ذَكَرَهم وأُنثاهم، يَبلُغُ (^٤) طولُ الواحدِ مِنهم مثلُ نصفِ الرَّجلِ المَربوعِ منَّا (^٥)، لهم مَخَالبُ في موضعِ الأظفارِ من أيدِينا، وأضرَاسٌ وأنيابٌ كأضراسِ السِّباع وأنيابِها، [وأحناكٌ كأحناكِ] (^٦) الإبلِ\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ٢: \"قشات\"، وفى ت ١، ف: \"قشات\". والخشاش: هوام الأرض وحشراتها ودوابها وما أشبهها. اللسان (خ ش ش).\n(^٢) في م: \"ينمو\"، وهما بمعنًى.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"عنها\". وكلاهما صواب.\n(^٤) في م، ت ١: \"مبلغ\".\n(^٥) المربوع: الرجل بين الطُّول والقِصَر. ينظر القاموس المحيط (ر ب ع).\n(^٦) في الأصل: \"وأحناك\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"وأخفاف\".","vol":"15","page":394},{"text":"قُوَّةً، تَسمَعُ لها حركةً إذا أكَلوا كحركةِ الجِرَّةِ (^١) من الإبلِ، أو كقَضمِ البغلِ (^٢) المُسِنِّ، أو الفَرَسِ القَويِّ، وهم هُلْبٌ (^٣)، عليهم مِن الشعرِ في أجسادِهم ما يُوارِيهم، وما يَتَّقون به الحرَّ والبردَ إذا أصابَهم، ولكلِّ واحدٍ مِنهم أُذُنانِ عظيمَتانِ؛ إحدَاهما وَبِرَةٌ ظهرُها وبطنُها، والأُخرَى زَغِبَةٌ (^٤) ظهرُها وبطنُها، تَسَعانِه إذا لَبِسَهما، يَلتَحِفُ إحدَاهما، ويَفترِشُ الأُخرَى، ويَصِيفُ في إحداهما، ويَشتُو (^٥) في الأُخرَى، وليس منهم ذكرٌ ولا أنثى إلا وقد عرَف أجلَه الذي يموتُ فيه، ومَنقَطَعَ عُمُرِه؛ وذلك أنه لا يموتُ ميِّتٌ من ذكُورِهم حتى يَخرُجَ مِن صُلبِه ألفُ ولدٍ، ولا تموتُ الأنثى حتى يخرُجَ مِن رَحمِها ألفُ ولدٍ، فإذا كان ذلك أيقَنَ بالموتِ، وهم يُرزَقُون التِّنِّينَ (^٦) في أيامِ الربيعِ، ويَستَمطِرونَه إذا تَحَيَّنوه كما نَستَمطِرُ الغيثَ لحينِه، فيُقذَفون منه كلَّ سنةٍ بواحدٍ، فيَأكلُونه عامَهم كلَّه إلى مثلِها مِن العامِ القابلِ، فيُغنِيهم على (^٧) كَثرَتِهم ونَمَائِهم، فإذا مُطِروه أخصَبُوا وعاشوا وسَمِنوا عليه، ورُئِيَ أثرُه عليهم، فدَرَّتْ عليهم (^٨) الإناتُ، وشَبِقَتْ منه الرجالُ الذُّكورُ، الرجالُ الذُّكورُ،\n_________\n(^١) الجِرَّة: ما يَفِيض به البعيرُ مِن كَرِشه فيأكُلُه ثانيةً. تاج العروس (ج ر ر).\n(^٢) في م: \"الفحل\".\n(^٣) الهُلْب: كثرة الشعر. تاج العروس (هـ ل ب).\n(^٤) زغِبَةٌ: مِن الزَّغَب. وهو صِغارُ الشَّعَرِ والرِّيشِ ولَيِّنُه. يُنظر تاج العروس (زغ ب).\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"يشتى\". وكلاهما صواب.\n(^٦) التنين: ضَرْبٌ من الحَيَّات من أعْظَمِها كأكبر ما يكون منها، جاء في بعض الأخبار أن السحابة تحمل التنين إلى بلاد يأجوج ومأجوج فتَطْرَحُه فيها، وأنهم يجتمعون على لحمه فيأكلونه. ينظر لسان العرب (ت ن ن).\n(^٧) في ص، ت ١، ف: \"عن\". و\"على\" هنا بمعنى رغم.\n(^٨) في الأصل: \"عليه\".","vol":"15","page":395},{"text":"وإذا أخطَأهم هَزَلوا وأجدَبوا، وجَفَرتِ الذُّكورُ، وحَالتِ الإِناثُ (^١)، وتبَيَّنَ أَثرُ ذلك عليهم، وهم يَتداعَون تَداعِىَ الحَمامِ، ويَعوُون عُوَاءَ الكلابِ (^٢)، ويَتَسافَدون حيث التَقَوْا تَسَافُدَ البهائمِ. ثم لما عايَنَ ذلك منهم ذو القرنين انصَرَف إلى ما بينَ الصَّدَفَين، فقاس ما بينهما وهو في مُنقطَعِ أرضِ التُّركِ ممَّا يَلى مَشرِقَ الشمسِ، فوجَد بُعدَ ما بينَهما مائةَ فَرسَخٍ، فلمَّا أنشَأ في عمَلهِ، حفَر له أُسًّا حتى بلَغَ الماءَ، ثم جعَل عَرضَه خمسين فَرسخًا، وجعَل حَشوَه الصخورَ، وطينَه النُّحاسَ، يُذَابُ ثم يُصبُّ عليه، فصار كأَنَّه عِرقٌ مِن جبلٍ تحتَ الأرضِ، ثم عَلَاهِ وشَرَّفَه بِزُبَرِ الحديدِ والنَّحاسِ المُذابِ، وجعَل خلالَه عِرقًا مِن نُحاسٍ أصفَرَ، فصار كأَنَّه بُردٌ مُحَبَّرٌ؛ مِن صُفرَةِ النُّحاسِ وحُمرَتِه وسَوادِ الحديدِ، فلمَّا فَرَغ منه وأحكَمَه، انطلَق عامِدًا إلى جماعةِ الإنسِ والجنِّ، فبينَا هو يسيرُ، دفَع إلى أُمَّةٍ صالحةٍ يَهدُون بالحقِّ وبه يَعدلون، فوجَد أمَّةً مُقسِطَةً مُقتَصِدَةً، يقسِمُون (^٣) بالسَّويَّةِ، ويَحكُمون بالعَدلِ، ويتآسَون ويَتَراحَمُون، حالُهم واحدةٌ، وكلِمَتُهم واحدةٌ، وأخلاقُهم مُشتَبهَةٌ، وطرِيقَتُهم مُستَقِيمةٌ، وقلوبُهم مُتآلِفَةٌ، وسيرتُهم مستويةٌ (^٤)، وقبورُهم بأبوابِ بُيوتِهم، وليس على بُيوتِهم أبوابُ، وليس عليهم أمراءُ، وليس بينَهم قُضَاةٌ، ولا بينَهم أغنياءُ ولا ملوكُ ولا أشرافٌ، ولا يَتَفاوتُون ولا يتَفاضَلون، ولا يَختلِفون ولا يَتَنازَعُون، ولا يَستَبُّون ولا يَقتَتِلون، ولا يَقحَطون ولا يُجرَدون (^٥)، ولا تُصِيبُهم الآفاتُ\n_________\n(^١) أجفر الرجل وجَفَر وجَفَّر واجْتَفَر: إذا انقطع عن الجِماع. وحالت المرأة: إذا لم تَحْمِل. ينظر اللسان (ج ف ر)، (ح ول).\n(^٢) في الأصل، ت ٢: \"الذئاب\".\n(^٣) في الأصل، ص، ت ٢، ف: \"يقتسمون\".\n(^٤) سقط من: ت ٢. وفى ص، م، ت ١، ف: \"حسنة\".\n(^٥) جُرِدت الأرضُ فهى مجرودة: إذا أكل الجراد نبتها. تاج العروس (ج ر د).","vol":"15","page":396},{"text":"التي تُصيبُ الناسَ، وهم أطولُ الناسِ أعمارًا، وليس فيهم مسكينٌ ولا فقيرٌ، ولا فَظٌّ ولا غَلِيظٌ، فلمَّا رأَى ذلك ذو القرنَين من أمرِهم، عَجِبَ منه وقال: أخبِرُوني أيُّها القومُ خَبرَكم، فإنِّى قد أحصَيتُ الأرضَ كلَّها؛ بَرَّها وبحرَها، وشَرقَها وغَربَها، ونورَها وظُلمَتَها، فلم أجِد مثلَكم، فأخبِرُونى خَبَركم! قالوا: نعم، فسَلنا عمَّا تُريدُ. قال: أخبِرُوني، ما بالُ قبورِ مَوتاكم على أبوابِ بيوتِكم؟ قالوا: عَمدًا فَعَلنا ذلك؛ لِئَلَّا نَنسَى الموتَ، ولا يَخرُجَ ذِكرُه مِن قلوبِنا. قال: فما بال بيوتِكم ليس عليها أبوابٌ؟ قالوا: ليس فِينا مُتَّهمٌ، وليس منا إلَّا أمينٌ مُؤتمَنٌ. قال: فما بالُكم (^١) ليس عليكم أمراءُ؟ قالوا: لا نَتَظالَمُ. قال: فما بالُكم ليس عليكم (^٢) حُكَّامٌ؟ قالوا: لا نَخْتَصِمُ. قال: فما بالُكم ليس فيكم أغنياءُ؟ قالوا: لا نتَكاثَرُ. قال: فما بالُكم ليس فيكم ملوكٌ؟ قالوا: لا نتَكابَرُ. قال فما بالُكم لا تتَنازَعُون ولا تَختَلِفون؟ قالوا: مِن قِبَلِ أُلفَةِ قلوبِنا وصَلاحِ ذاتِ بينِنا. قال: فما بالُكم لا تَستبُّون ولا تَقتَتِلون؟ قالوا: من قِبَلِ أَنَّا غَلَبْنا طبائِعَنا بالعزمِ، وسُسنا أنفُسَنا بالأحلامِ. قال: فما بالُكم كلِمَتُكم واحدةٌ، وطريقَتُكم مُستقيمَةٌ مُستَويةٌ؟ قالوا: مِن قِبَلِ أَنَّا لا نَتكاذبُ، ولا نَتَخادَعُ، ولا يَغتابُ بعضُنا بعضًا. قال: فأَخْبِرُونى مِن أينَ تَشابَهَتْ قلوبُّكم، واعتدَلتْ سِيرَتُكم؟ قالوا: صحَّت صُدُورُنا، فنُزِع بذلك الغِلُّ والحسدُ من قلوبِنا. قال: فما بالُكم ليس فيكم مِسكينٌ ولا فقيرٌ؟ قالوا: مِن قِبَلِ أَنَّا نَقسِمُ (^٣) بالسَّويةِ. قال: فما بالُكم ليس فيكم فظٌّ ولا غَلِيظٌ؟ قالوا: من قِبَلِ الذُّلِّ والتَّواضُعِ. قال: فما بالُكم (^٤) أطولَ الناسِ أعمارًا؟ قالوا: مِن\n_________\n(^١) في م: \"لكم\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"فيكم\".\n(^٣) في الأصل، م: \"نقتسم\".\n(^٤) في الأصل، ص، م، ت ٢ ف: \"جعلكم\". وفى الدر المنثور: \"بالكم جعلتم\".","vol":"15","page":397},{"text":"قِبَل أنا نَتَعاطَى الحقَّ (^١) ونحكُمُ بالعدلِ. قال: فما بالُكم لا تَقحَطون؟ قالوا: لا نَغْفُلُ عن الاستغفارِ. قال: فما بالُكم لا تُجرَدُون؟ قالوا: مِن قِبَلِ أنَّا وَطَّأنا أنفُسَنا للبلاءِ منذ كنا، وأحبَبناه وحَرَصنا (^٢) عليه، فعُرِّينا منه. قال: فما بالُكم لا تُصِيبُكم الآفاتُ كما تُصيبُ الناسَ؟ قالوا: لا نتَوكَّلُ على غيرِ اللهِ، ولا نعملُ بالأنواءِ والنُّجومِ. قال: حدَّثوني، أهَكذا وجَدتُم آباءَ كم يفعَلون؟ قالوا: نعم، وجَدْنا آباءَنا يَرحَمون مساكِينَهم، ويُواسُون فُقَراءَهم، ويَعفون عمَّن ظَلَمَهم، ويُحسِنون إلى مَن أساءَ إليهم، ويَحلُمُون عمَّن جَهِل عليهم، ويستَغفِرون لِمَن سَبَّهم، ويَصِلُون أرحامَهم، ويُؤَدُّون أماناتِهم، ويَحفَظُون وَقتَهم لصلاتِهم، ويُوفُون بعُهودِهم، ويَصدُقون في مواعيدِهم، ولا يَرغَبون عن أكْفَائِهم، ولا يَستَنكِفون عن أقارِبِهم، فأصلَحَ اللهُ لهم بذلك أمرَهم، وحَفِظَهم ما كانوا أحياءً، وكان حقًّا عليه أن يَخلُفَهم (^٣) في تَرِكَتِهم (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرةَ، عن نبيِّ الله ﷺ قال: \"إن يأجوجَ ومأجوجَ يَحفِرونَهُ (^٥) كلَّ يومٍ حتى إذا كادوا يَرَونَ شُعاعَ الشَّمسِ، قال الذي عليهم: ارجِعُوا فتَحفِرُونَه غدًا. فيُعِيدُه اللهُ [كأشَدِّ ما كان، حتى إذا بَلَغَتْ مُدَّتُهم حَفَروا، حتى إذا كادوا يَرَونَ شُعَاعَ الشمسِ قال الذي عليهم: ارجِعُوا فسَتَحفِرُونَه إِن شاء اللهُ غَدًا. فيَعُودُونَ إِليه] (^٦) وهو\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"الحلم\"، وفي ت ٢، ف: \"الحكم\".\n(^٢) في ت ١: \"جرينا\"، وفى ت ٢: \"حرضنا\"، وفى ف: \"جربنا\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"يحفظهم\".\n(^٤) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٩٧٢) من طريق سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤٢ إلى ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والشيرازى في الألقاب وأبى الشيخ.\n(^٥) في ص: \"يحفرون\"، وفى م: \"يحفرون السد\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"15","page":398},{"text":"كهَيئتِه حِينَ (^١) ترَكُوه (^٢)، فيَحفِرُونَه، فيَخرُجونَ على الناسِ، فينشِفُونَ المياةَ، ويتَحَصَّنُ الناسُ في حُصونِهم، فيَرمونَ بسِهامهم [إلى السماء] (^٣) فيَرجِعُ فيها كهَيئَةِ الدِّماءِ، فيقولون: قَهَرْنا أهلَ الأرضِ، وعَلَونا أهلَ السماءِ. فيبعَثُ اللهُ علَيهم نَغَفًا (^٤) في أقفائِهم فتَقتُلُهم (^٥) \". فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"والذي نفسُ محمدٍ بيدِهِ إِنَّ دَوَابَّ الأرضِ لَتَسمَنُ وتَشكَرُ شَكَرًا (^٦) مِن لُحومِهم\" (^٧).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن عاصمِ بن عمرَ بن قتادةَ الأنصاريِّ ثم الظَّفَرِيِّ، عن محمودِ بن لَبيدٍ أخي بني عبدِ الأَشْهَلِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"يُفتَحُ يأجوجُ ومأجوجُ، يَخرُجُون على الناسِ كما قال اللهُ ﷿: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] فيَغْشَونَ الأرضَ، وَينحازُ المسلِمون عنهم إلى مَدَائِنِهم وحُصُونِهم، ويضُمُّون إليهم مَواشِيَهم، فيَشرَبونَ مِياهَ الأَرضِ، حتى إن بعضَهم ليَمرُّ بالنَّهرِ فيَشرَبُونَ ما فيه، حتى يترُكُوه يابِسًا، حتى (^٨) إِن مَنْ بَعدَهم لَيَمُرُّ بذلك النهرِ،\n_________\n(^١) في م، ت ١، ف: \"يوم\".\n(^٢) بعده في م: \"حتى إذا جاء الوقت قال: إن شاء الله\".\n(^٣) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) النغف: دود يكون في أنوف الإبل والغنم، واحدتها نَغَفَة. النهاية ٥/ ٨٧.\n(^٥) في الأصل: \"فيقتلونهم\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف. وتشكر: أي تسمَن وتمتلئ شَحمًا. يقال: شَكِرتِ الشاة تَشكَرُ شَكَرًا إذا سَمِنت وامتلأ ضَرعُها لبنًا. النهاية ٢/ ٤٩٤.\n(^٧) أخرجه أحمد (١٠٦٣٢)، وابن ماجه (٤٠٨٠) من طريق سعيد به. وأخرجه أحمد (١٠٦٣٣)، والترمذي (٣١٥٣)، وابن حبان (٦٨٢٩)، والحاكم ٤/ ٤٨٨، من طريق قتادة به، قال ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٩٤: وهذا إسناد جيد قوى، ولكن في رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية يقتضى أنهم، لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه؛ لإحكام بنائه وصلابته وشدته ولكن هذا قد روى عن كعب الأحبار الأحبار …، ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب، فإنه كثيرًا ما كان يجالسه ويحدثه، فحدث به أبو هريرة، فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع، فرفعه، والله أعلم.\n(^٨) في الأصل، ص، ت ٢، ف: \"وحتى\".","vol":"15","page":399},{"text":"فيقولُ: لقد كان ههنا ماءٌ مرَّةً. حتى إذا (^١) لم يبقَ مِن النَّاسِ أَحدٌ إِلَّا [أَخَذ في] (^٢) حِصنٍ أو مدينةٍ، قال قائلُهم: هؤلاء أهلُ الأرضِ قد فَرَغْنا مِنهم، بَقِيَ أهلُ السماءِ\". قال: \"ثم يَهُزُّ أَحَدُهم حَربَتَه، ثم يَرمى بها إلى السماءِ، فتَرجِعُ إليه مُخَضَّبَةً دَمًا؛ للبلاءِ والفِتْنَةِ، فبَينا هم على ذلكَ، بَعَث اللهُ عليهم دُودًا في أعناقِهم كالنَّغَفِ، فيَخرُجُ في أعناقِهم، فيُصبحون مَوتَى لا يُسمَعُ لهم حِسٌّ، فيقولُ المسلمون: أَلَا رَجُلٌ يَشرِى لنا نَفسَه، فينَظُرَ ما فعَل هذا (^٣) العدوُّ\"؟ قال: \"فيَتَجَرَّدُ رَجُلٌ منهم بذلك مُحتَسِبًا لِنَفسِه، قد وَطَّنَها على أنَّه مَقتولٌ، فيَنزِلُ فيجِدُهم مَوْتَى، بعضُهم على بعضٍ، فيُنادِي: يا معشرَ المسلمِين، ألَا أبشِرُوا، فإنَّ الله قد كَفَاكُم عَدُوَّكم. فيَخرُجونَ مِن مَدَائِنِهم وحُصُونِهم، ويُسَرِّحونَ مَواشِيَهم، فما يكونُ لها رَعَىٌ إِلَّا لُحُومُهم، فتَشكَرُ عنهم أحسَنَ ما شَكِرَتْ عن شيءٍ مِن النَّبَاتِ أَصابَتْ قطُّ\" (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، قال: كان أبو سعيدٍ الخُدريُّ يقولُ: إن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: \"لا يموتُ رجلٌ منهم حتى يُولَدَ لِصُلبِه ألفُ رجلٍ\". قال: وكان عبدُ اللهِ [بن مسعودٍ] (^٥) يَعجَبُ مِن كثرَتِهم، ويقولُ: لا يموتُ من يأجوجَ ومأجوجَ أحدٌ، حتى يُولدَ له ألفُ ذكَرٍ (^٦) من صُلبِه (^٧)!\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"انحاز إلى\".\n(^٣) ليس في: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد (١١٧٣١)، وابن ماجه (٤٠٧٩)، وأبو يعلى (١١٤٤، ١٣٥١)، والحاكم ٤/ ٤٨٩، ٤٩٠، من طريق محمد بن إسحاق به.\n(^٥) ليست في: الأصل.\n(^٦) في م: \"رجل\".\n(^٧) ذكر القرطبي في تفسيره ١١/ ٥٦ الجزء المرفوع. أما الموقوف فأخرجه نعيم بن حماد في الفتن (١٦٥١) من طريق آخر عن عبد الله بن مسعود.","vol":"15","page":400},{"text":"حدَّثني بحرُ بنُ نَصرٍ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني معاويةُ، عن أبي الزَّاهِرِيَّةِ وشُريحِ بن عُبيدٍ: إن يأجوجَ ومأجوجَ ثلاثةُ أصنافٍ؛ صِنفٌ طولُهم كطولِ الأرزِ (^١)، وصِنفٌ طولُه وعَرضُه سواءٌ، وصِنفٌ يفتَرِشُ أحدُهم أُذُنَه، ويَلتَحِفُ الأُخرَى فتُغطِّى سائرَ جَسَدِه (^٢).\nفالخبرُ الذي ذكَرناه عن وهبِ بن مُنبهٍ في قصةِ يأجوجَ ومأجوجَ، يدلُّ على أن الذين قالوا لذي القَرنين: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، إنما أَعْلَمُوه خوفهم ما يحدُثُ مِنهم من الإفسادِ في الأرضِ، لا أنَّهم شَكَوا مِنهم إفسادًا كان مِنهم، فيهم أو في غيرِهم. والأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ [تُخْبِرُ عنهم] (^٣) أنَّهم سيكونُ مِنهم الإفسَادُ في الأرضِ، ولا دَلالةَ فيها أنَّهم قد كان منهم - قبلَ إحداثِ ذِى القَرنَين السَّدَّ الذي أحدَثه بينَهم وبينَ مَن دونَهم مِن الناسِ (^٤) غيرِهم - إفسادٌ.\nفإذْ كان ذلك كذلك بالذي بيَّنا، فالصَّحيحُ مِن تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: إن يأجوجَ ومأجوجَ سَيُفسِدون في الأرضِ.\nوقولُه: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾. اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ (^٥). كأَنَّهم نَحَوا به نحوَ المَصدَرِ مِن \"خَرْجِ الرأسِ\"، وذلك جُعلُه. وقرَأتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفيِّين:\n_________\n(^١) الأَرز، ويُضمّ: شجر الصنوبر. وهو شجر عظيم صُلب، دائم الخُضرة، يعلو كثيرًا. ينظر تاج العروس، والمعجم الوسيط (أ ر ز).\n(^٢) أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (١٦٤٧) عن ابن وهب، عن معاوية، عن يحيى بن جابر وحدير بن كريب - وهو أبو الزاهرية، عن كعب وشريح به.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"في الناس\".\n(^٥) هي قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبي عمرو وابن عامر. ينظر السبعة في القراءات ص ٤٠٠.","vol":"15","page":401},{"text":"(فهل نَجْعَلُ لك خَرَاجًا) بالألفِ (^١)، وكأنَّهم نَحَوا بهِ نَحوَ الاسمِ، وعَنَوا بِهِ: أُجرَةً على بِنائِكَ لنا سدًّا بينَنا وبينَ هؤلاءِ القومِ.\nوأَولَى القراءتَين في ذلك عندَنا بالصوابِ (^٢) قراءةُ مَن قَرأه: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرَاجًا) بالألفِ؛ لأنَّ القومَ، فيما ذُكِر عنهم، إنَّما عرَضُوا على ذِي القَرنَين أن يُعطُوه مِن أمْوالِهم ما يَستَعِينُ به على بناءِ السَّدِّ، وقد بيَّن ذلك قولُه: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾. ولم يَعرِضُوا عليه جزيَةَ رءوسِهم. والخَراجُ عندَ العربِ هو الغلَّةُ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5534>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: (فهل نَجْعَلُ لكَ خَرَاجًا). قال: أجرًا، ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿خَرْجًا (^٤)﴾. قال: أجرًا (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة والكسائي. ينظر السبعة في القراءات ص ٤٠٠.\n(^٢) القراءتان متواترتان.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ١٩٢٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في م، ت ٢: \"خراجًا\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤١٢.","vol":"15","page":402},{"text":"قولَه: (فهل نَجْعَلُ لك خَرَاجًا). قال: أجرًا.\nوقولُه: ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾. يقولُ: قالوا له: هل نجعلُ لك [أجرًا، على] (^١) أن تجعلَ بَيْنَنَا وبينَ يأجوجَ ومأجوجَ حاجِزًا يحجِزُ بينَنا وبينَهم، ويمنَعهم الخروجَ إلينا. وهو السَّدُّ.\n\n<span id=\"aya-2235\"></span><span data-type='title' id=toc-5535>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال ذو القرْنَين: الذي مَكْنَنِي في عمَلِ ما سألتُموني مِن السدِّ بينَكم وبينَ هؤلاء القومِ ربِّي، ووَطَّأَه لِي وقوَّانى عليه، خيرٌ مِن جُعلِكم والأُجرَةِ التي تَعرِضُونَها عليَّ لبِناءِ ذلك، وأكثرُ وأطيبُ، ولكِن ﴿فَأَعِينُونِي﴾ مِنكم ﴿بِقُوَّةٍ﴾. يقولُ (^٢): أَعِينوني بفَعَلَةٍ وصُنَّاعٍ يُحسِنونَ البناءَ والعملَ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: [نا آدمُ بنُ عُيينَةَ، عن أخيه سفيانَ بن عُيينةَ، عن ابن أبي نجيحٍ] (^٣)، عن مجاهدٍ قال: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾. قال: برجالٍ ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾.\nوقال. ﴿مَا مَكَّنِّي﴾ فأدغَمَ إحدَى النُّونَين في الأُخرى، وإِنَّما هو ما مَكَّنَنِي فيه. وقولُه: ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾. يقولُ: أجعَلْ بينَكم وبينَ يأجوجَ\n_________\n(^١) في م: \"خراجا حتى\".\n(^٢) ليست في م، ت ١، ت ٢، ص، ف. وهى من أسلوب المصنِّف الغالب عليه استعماله.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"ثنى حجاج عن ابن جريج\". وفى ت ٢: \"ثني حجاج بن عيينة عن أخيه سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح\". تنظر ترجمة آدم بن عيينة في تاريخ بغداد ١/ ٤١، ولسان الميزان ١/ ٣٣٦.","vol":"15","page":403},{"text":"ومأجوجَ رَدمًا. والرَّدمُ: حاجزٌ كالحائط (^١) والسَّدَّ، إلا أنَّه أمنَعُ منهما (^٢) وأشدُّ، يقالُ منه: قد ردَمَ فلانٌ موضِعَ كذا، يَردِمُه رَدْمًا ورُدَامًا. ويُقال أيضًا: رَدَم ثَوبَه يَردِمُه، وهو ثوبٌ مَردُومٌ (^٣). إذا كان كثيرَ الرِّقاعِ. ومنه قولُ عنترةَ (^٤):\nهل غادَرَ الشُّعَراءُ مِن مُتَرَدَّمِ … أم هل عَرَفتَ الدَّارَ بعدَ تَوَهُّمِ\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5536>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾، قالَ: هو كأشدِّ الحِجَاب (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قال: ذُكِر لنا أنَّ رجلًا قال: يا نبيَّ اللهِ، قد رأيتُ سدَّ يأجوجَ ومأجوجَ. قال: \"انعَته لى\". قال: كالبُرْدِ المُحَبَّرِ؛ طَرِيقةٌ سوداءُ، وطَرِيقةٌ حمراءُ. قال: \"قد رَأيتَه\" (^٦).\n\n<span id=\"aya-2236\"></span><span data-type='title' id=toc-5537>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ</span>\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"الحائط\"\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"منه\".\n(^٣) في م: \"مردم\". وكلاهما بمعنًى.\n(^٤) شرح ديوان عنترة ص ١٢٢. وقوله متردم؛ قال صاحب اللسان (ر د م): معناه: أي مُستصلَح. وقال ابن سيده: أي من كلام يَلصَق بعضُه ببعض ويُلبَّق، أي قد سبقونا إلى القول فلم يدَعوا مقالًا لقائل.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥١ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٦) أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (١٦٣٢) من طريق سعيد بن بشير بنحوه.","vol":"15","page":404},{"text":"يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال ذو القَرنَين للذين سألوه أن يجعلَ بينَهم وبينَ يأجوجَ [ومأجوجَ] (^١) سدًّا: ﴿آتُونِي﴾ أي: جيئوني بزُبَرِ الحديدِ، وهي جمعُ زُبْرةٍ، والزُبْرةُ: القطعةُ مِن الحديدِ.\nكما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿آتُونِي زُبَرَ﴾. يقولُ: قِطَعَ الحديدِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾. قال: قطع الحديدِ.\nحدَّثني إسماعيلُ بنُ سَيفٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾. قال: قِطَعَ الحديدِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارة الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾. قال: قِطعَ الحديدِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ أي: فِلَقَ الحديدِ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ص، ت ٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ينظر التبيان ٧/ ٨٢، وتفسير ابن كثير ٥/ ١٩٢.\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٧/ ٨٢.","vol":"15","page":405},{"text":"قتادةَ في قولِه: ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾. قال: قِطعَ الحديدِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾. قال: قِطعَ الحديدِ.\nوقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فآتَوه زُبَرَ الحديدِ فجعَلها بينَ الصَّدَفَين، حتى إذا ساوَى بينَ الجَبَلينِ بما جعَل بينَهما من زُبَرِ الحديدِ، ويُقال: سوَّى. والصَّدَفان: ما بينَ ناحِيتَى الجَبَلين وأرْؤُسِهما، ومنه قولُ الراجزِ (^٢):\nقد أخَذت ما بينَ عَرْضِ الصَّدَفَينِ\nناحِيَتَيْها وأعالِى الرُّكْنَينِ\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5538>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾. يقولُ: بينَ الجبلين (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾. قال: هو سدٌّ كان بينَ صَدَفين، والصَّدَفان: الجبلان.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤١٢.\n(^٢) مجاز القرآن ١٨/ ٤١٤ بلا نسبة.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":406},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الصَّدَفَيْنِ﴾: رُءوسِ الجبلين (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾: يعنى بين (^٢) الجبلين، وهما من قبل إرمِينِيةَ وأذْرَبِيجَانَ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾: وهما الجبلان.\nحدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: أخبَرنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ أنَّه قرَأها: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ منصوبةَ الصادِ والدالِ، وقال: بينَ الجبلين (^٤).\nوللعرب في \"الصدفين\" لغاتٌ ثلاثٌ، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ مِنها جماعةٌ من القرَأةِ؛ الفتحُ في الصادِ والدالِ، وذلك قراءةُ عامَّةِ قرَأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٥١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥١ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ليست في: الأصل، ص، م، ت ٢.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٣٨٦، ٣٨٧.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥١ إلى سعيد بن منصور.\n(^٥) وهى قراءة نافع وحمزة والكسائي، وعاصم في رواية حفص. السبعة لابن مجاهد ص ٤٠١.","vol":"15","page":407},{"text":"والضمُّ فيهما، وهى قراءةُ [بعضِ قرَأةِ] (^١) أهلِ البصرةِ (^٢). والضمُّ في الصادِ وتسكينِ الدالِ، وذلك قراءةُ بعضِ أهلِ مكةَ والكوفةِ (^٣).\nوالفتحُ في الصادِ والدالِ أشهرُ هذه اللغاتِ، والقراءةُ بها أعجبُ إليَّ، وإن كنتُ مُسْتَجيزا القراءةَ بجميعِها؛ لاتفاقِ معانِيها، وإنما اخترتُ الفتحَ فيهما لما ذكرتُ من العِلَّةِ.\nوقولُه: ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال للفَعَلَةِ: انفُخوا النارَ على هذه الزُّبَرِ من الحديدِ.\nوقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾. وفى الكلامِ متروكٌ، وهو: فنفَخوا حتى إذا جعَلُوا (^٤) ما بينَ الصَّدَفين من الحديدِ نارًا.\n﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾. فاختلَفتِ القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتُه عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿قَالَ آتُونِي﴾ بمدِّ الألفِ من: ﴿آتُونِي﴾. بمعنى: أعْطُونى قِطْرًا أُفْرِغْ عليه (^٥).\nوقرَأه بعضُ قرَأةِ الكوفةِ: (قال ائْتُونِي). بوصلِ الألفِ، بمعنى: جيئونى قِطرًا أُفْرغْ عليه (^٦). كما يُقالُ: أخَذتُ الخِطامَ، وأَخَذتُ بالخِطامِ،\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. المصدر السابق.\n(^٣) وهى قراءة عاصم في رواية أبي بكر. المصدر السابق.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"جعل\".\n(^٥) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية حفص. السبعة لابن مجاهد ص ٤٠١.\n(^٦) وهى قراءة عاصم في رواية أبي بكر. المصدر السابق.","vol":"15","page":408},{"text":"وجئتُك زيدًا، وجئتُك بزيدٍ. وقد يتوجَّهُ معنى ذلك إذا قُرِئ كذلك إلى معنَى: أعْطُونى. فيكونُ كأنَّ قارئَه أراد مدَّ الألفِ من: (ائْتُونى)، فترَك الهمزةَ الأولى من: ﴿آتُونِي﴾، وإذا سقَطَتِ الأُولى همَزَ الثانيةَ.\nوقولُه: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾. يقولُ: أصُبَّ عليه قِطْرًا. والقِطْرُ النُّحاسُ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5539>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾. قال: القِطْرُ النُّحاسُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿قِطْرًا﴾. قال: نُحاسًا] (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾. يعنى: النُّحاسَ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥١ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م، ت ١، ف: \"مثله\". والأثر في تفسير مجاهد ص ٤٥١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥١ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٣) ينظر التبيان ٧/ ٨٣.","vol":"15","page":409},{"text":"قِطْرًا﴾. أي: النُّحاسَ؛ لنُلزمَه (^١) به\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾. قال: نُحاسًا (^٢)\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ يقول (^٣): القِطْرُ الحديدُ المُذابُ. ويستَشْهِدُ لقولِه ذلك بقولِ الشاعرِ (^٤):\nحسامًا كَلَونِ المِلْحِ صَافٍ حَديدُه … جُرازًا (^٥) مِنَ اقْطارِ الحديدِ المُنَعَّتِ\n\n<span id=\"aya-2237\"></span>وقولُه: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فما اسْطَاع (^٦) يأجوجُ ومأجوجُ أن يَعْلُوَا (^٧) الرَّدمَ الذي جعَله ذو القرنين حاجزًا بينَهم وبينَ مَن دونَهم مِنَ الناسِ، فيصيروا فوقَه ويَنْزلوا منه إلى الناسِ.\nيُقالُ منه: ظهَر فلانٌ فوقَ البيتِ. إذا عَلاه. ومنه قولُ الناسِ: ظهَر فلانٌ على فلانٍ. إذا عَلاه وقهَره.\n﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾. يقولُ: ولم يَستَطِيعوا أن يَنْقُبوه مِن أسْفَلِه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5540>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ\n_________\n(^١) في م: \"ليلزمه\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤١٣.\n(^٣) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٤١٥.\n(^٤) البيت للشنفرى الأزدى في المفضليات ١١١ برواية: \"كأقطاع الغدير المنعت\".\n(^٥) الجراز: السيف القاطع، وقيل: الماضي النافذ. التاج (ج ر ز).\n(^٦) في ص، ت ٢: \"استطاع\".\n(^٧) في ص، ت ٢، ف: \"يعملوا\".","vol":"15","page":410},{"text":"يَظْهَرُوهُ﴾: من فوقِه، ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾. أي: من أسفلِه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾. قال: ما استطاعوا أن يَرْتَقُوه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾. قال: أن يَرْتَقُوه، ﴿وَمَا أَسَتَطَعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾. قال: يَعْلُوه، ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾: أن (^٤) يَنْقُبوه من أسفلِه (^٥).\nواختلَف أهلُ العربيةِ في وجْهِ حذفِ التاءِ من قولِه: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾؛ فقال بعضُ نحوِيِّى البصرةِ: فُعِل ذلك؛ لأنَّ لغةً للعربِ (^٦) أن تقولَ: اسْطَاعَ يَسْطيعُ. يريدُون بها: اسْتَطاعَ يَسْتَطيعُ. ولكِنْ حذَفوا التاءَ إذا جُمِعت مع الطاءِ ومخرَجُهما واحدٌ. قال: وقال بعضُهم: اسْتَاع. فحذَف الطاءَ لذلك. وقال بعضُهم: أَسْطَاع يُسْطِيعُ. فجعَلها من القَطْعِ، كأَنَّها: أطاعَ يُطِيعُ. فجعلَ السينَ عِوضًا من إسكانِ الواوِ (^٧).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥١ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في النسخ: \"ينزعوه\". والمثبت من مصدرى التخريج.\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ١/ ٤١٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥١ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) بعده في م: \"حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثني حجاج عن ابن جريج ﴿فما استطاعوا أن يظهروه﴾ قال أن يرتقوه ﴿وما استطاعوا له نقبا﴾ \".\n(^٤) في م: \"أي\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"العرب\".\n(^٧) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢: \"التاء\"، وبياض في: ف. وقال الأزهري في تهذيب اللغة =","vol":"15","page":411},{"text":"وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: هذا حرفٌ اسْتُعمِل فكَثُرَ حتى حُذِف.\n\n<span id=\"aya-2238\"></span><span data-type='title' id=toc-5541>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا رأى ذو القرنين أنَّ يأجوجَ ومأجوجَ لا يَسْتطيعون أن يَظْهَروا ما بنَى من الرَّدم، ولا يَقْدِرون على نَقْبِه، قال: هذا الذي بنَيْتُه وسَوَّيْتُه حاجزًا بين هذة الأمةِ ومَن دونَ الردمِ - رحمةٌ من ربِّي، رحِمَ بها مَنْ دونَ الردمِ مِنَ الناسِ، فأعانني برحمتِه لهم حتى بنَيتُه وسوَّيْتُه؛ ليكفَّ بذلك غائلةَ هذه الأمةِ عنهم.\nوقولُه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾. يقولُ: فإذا جاء وَعْدُ رَبِّي الذي جعَله ميقاتًا لظهورِ هذه الأمةِ وخروجِها من وراءِ هذا الرَّدْمِ لهم، ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾. يقولُ: سوَّاه بالأرضِ فالزَقَه بها. من قولِهم: ناقةٌ دَكَّاءُ، مُسْتَوِيةُ الظَّهِرِ لا سَنامَ لها. وإنما معنى الكلامِ: جعَله مَدْكُوكًا، فقيل: ﴿دَكَّاءَ﴾.\nوكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرُ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾. قال: لا أدْرِى، الجبلين يعنى به، أو ما بينَهما؟ (^١).\nوذُكِر أن ذلك كائنٌ (^٢) كذلك بعدَ قَتْلِ ابن مريمَ الدجالَ.\n_________\n= ٣/ ١٠٤: المعنى: فما أطاعوا فزادوا السين - قال ذلك الخليل وسيبويه - عوضا عن ذهاب حركة الواو؛ لأن الأصل في \"أطاع\"، \"أطوع\".\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥١ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"كان\"، وفى م: \"يكون\".","vol":"15","page":412},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5542>ذكرُ الخبرِ بذلك</span>\nحدَّثني أحمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرقيُّ، قال: ثنا هشيمُ بنُ بشيرٍ، قال: أخبَرنا العوامُ، عن جبلةَ بن سُحَيْمٍ، عن مُؤثِرٍ، وهو ابن عَفَازةَ (^١) العَبْدِيُّ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لَقِيتُ ليلةَ الإسراءِ إبراهيمَ وموسى وعيسى، فتذاكَروا أمرَ الساعةِ، وردُّوا الأمْرَ إلى إبراهيمَ، فقال إبراهيمُ: لا عِلمَ لى بها. فردُّوا الأمْرَ إلى موسى، فقال موسى: لا عِلْمَ لى بها. فردُّوا الأمرَ إلى عيسى، قال عيسى: أمَّا قيامُ الساعةِ [فلا يعلمها] (^٢) إلا اللهُ، ولكِنّ ربِّي قد عَهِد إليَّ بما هو كائنٌ دونَ وجْبتِها (^٣)؛ عَهِد إليَّ أن الدَّجالَ خارِجٌ، وأَنَّه مُهْبِطِى إليه، فذكَر أَنَّ معه قضيبين (^٤)، فإذا رآنى أهلَكَه اللهُ. قال: فيَذُوبُ كما يَذُوبُ الرَّصاصُ، حتى إن الحجرَ والشَّجرَ لَيَقُولُ: يا مسلم هذا كافرٌ فاقْتُلْه. فيُهلِكُهم اللهُ، ويَرْجِعُ الناسُ إلى بلادِهم وأوطانِهم فيَسْتقبِلُهم يأجوجُ ومأجوجُ من كلِّ حَدَبٍ ينسِلُون، لا يأْتُون على شيءٍ إلَّا أهلكوه (^٥)، ولا يمرُّون على ماءٍ إِلَّا شَرِبوه، فيرجِعُ الناسُ إليَّ، فيَشْكُونهم، فأدعو الله عليهم فيُميتُهم، حتى تَجْوَى (^٦) الأَرضُ من نَتْنِ ريحِهم، فيَنْزِلُ المطرُ، فيَجُرُّ أجسْادَهم فيُلقِيهم فِي البَحرِ، ثم تُنْسَفُ الجبالُ حتى تكونَ الأرضُ كالأديمِ، فعَهِد إليَّ ربِّي أن ذلك إذا كان كذلك، فإِنَّ الساعةَ منهم كالحاملِ المُتِمِّ\n_________\n(^١) في الأصل، ت ٢: \"عفان\"، وفى ص، ف: \"عفار\"، وفى م: \"عفارة\"، وفي ت ١: \"غفار\".\nوسيأتي في المطبوعة على الصواب في الإسناد بعده، وفي تفسير الآية ٩٦ من سورة الأنبياء، وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ١٥.\n(^٢) في م: \"لا يعلمه\"، وفى ت ١، ف: \"فلا يعلمه\".\n(^٣) في م: \"وقتها\"، والوجبة: صوت الشيء يسقط فيسمع له كالهدَّة. اللسان (وج ب).\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"قصبتين\".\n(^٥) في م: \"أكلوه\".\n(^٦) في الأصل، ت ٢: \"تنجوى\"، وفى ف: \"تتحرى\"، وغير منقوطة في ص، ت ١. وجوى يجوى: =","vol":"15","page":413},{"text":"التي لا يَدرِى أهلُها متى تَفْجَؤُهم بوِلادها، لَيلًا أو نهارًا\" (^١).\nحدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبَّاريُّ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن أصبغَ بن زيدٍ، عن العوَّامِ بن حَوْشَبٍ، عن جبلةَ بن سُحَيمٍ، عن مُؤْثِرِ بن عَفَازَةَ (^٢)، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: لما أُسْرِى برسولِ اللهِ ﷺ التَقى هو وإبراهيمُ وموسى وعيسى ﵈، فتَذَاكَرُوا أمرَ الساعةِ. فذكَر نحوَ حديثِ [أحمدَ بن] (^٣) إبراهيمَ الدَّورقيِّ، عن هُشيمٍ، وزاد فيه: قال العوّامُ بنُ حَوْشَبٍ: فوجَدتُ تصديقَ ذلك في كتابِ اللهِ تعالى، قال اللهُ ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٦، ٩٧]. [وقال] (^٤): ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) [وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ (^٥).\nوقولُه: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾] (^٦). يقولُ: وكان وعْدُ رَبِّي الذي وعَد خَلْقَه في دكِّ هذا الرَّدمِ، وخروجِ هؤلاء القومِ [على الناسِ] (^٧)، وعَيْتِهم فيهم (^٨)، وغيرِ ذلك\n_________\n= إذا أنتن. ويروى بالهمز. ينظر النهاية ١/ ٢٣٢، ٣١٩.\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ١٩ (٣٥٥٦) عن هشيم به.\n(^٢) في الأصل، ت ٢: \"عفان\"، وفى ص، ف: \"عفار\"، وفي ت ١: \"غفار\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في الأصل: \"قال\":\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ١٥٧، وابن ماجه (٤٠٨١)، وأبو يعلى (٥٢٩٤)، والحاكم ٤/ ٤٨٨، ٤٨٩، ٥٤٥، ٥٤٦، وابن عساكر في تاريخه ٢/ ٢٣٤ من طريق العوام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه والبيهقى في البعث.\n(^٦) سقط من: م، ت ١.\n(^٧) سقط من: الأصل.\n(^٨) في م: \"فيه\".","vol":"15","page":414},{"text":"من وعْدِه - حقًّا؛ لأنَّه لا يخلفُ الميعادَ، فلا يقَعُ غيرُ ما وعَد أنه كائنٌ.\n\n<span id=\"aya-2239\"></span><span data-type='title' id=toc-5543>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وتَرَكْنا عبادَنا يومَ يأتِيهم وعْدُنا الذي وعَدْناهم، بأَنَّا نَدُكُّ الجبالَ ونَنْسِفُها عن الأرضِ نَسْفًا، فنذرُها قاعًا صَفْصَفًا، ﴿بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾. يقولُ: يختلِطُ جِنُّهم بإنسِهم.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن هارونَ بن عنترةَ، عن شيخٍ مِن بنى فزارةَ في قولِه: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾. قال: إذا ماج الجنُّ والإنسُ، قال إبليسُ: فأنا أعلمُ لكم علمَ هذا الأمْرِ. فيظعَنُ إلى المَشْرقِ، فيجِدُ الملائكة قد نطَقُوا (^١) الأرضَ، ثم يظعَنُ إلى المَغْرِبِ، فيجِدُ الملائكةُ قد نطَقُوا الأرضَ، ثم يظعَنُ (^٢) يمينًا وشمالًا إلى أقصَى الأرضِ، فيجدُ الملائكةَ نطَقُوا (^٣) الأرضَ، فيقولُ: ما من مَحِيصٍ. فبينا هو كذلك، إذ عرَض له طريقٌ كالشِّرَاكِ، فأَخَذ عليه هو وذرِّيتُه، فبينما هم عليه إذ هجَموا على النارِ فأخرَج اللهُ خازِنًا من خُزَّان النارِ، فقال: يا إبليسُ، ألم تكُنْ لك المنزلةُ عندَ رَبِّكَ؟ ألم تكُنْ فِي الجِنَانِ؟ فيقولُ: ليس هذا يومَ عتابٍ، لو أن الله فرَض عليَّ فريضةً لَعَبَدتُه فيها عبادةً لم يَعْبُدُه مثلَها أحدٌ مِن خلقِه. فيقولُ: فإنَّ الله قد فرَض عليك فريضةً. فيقولُ: ما هي؟ فيقولُ: يأمُرُك أن تدخُلَ النار. فيَتَلكَّأُ عليه، فيَقُولُ بهِ وبذرِّيتِه بجناحيه، فيقذِفُهم\n_________\n(^١) في م: \"قطعوا\"، وفي تفسير ابن كثير: \"بطنوا\"، والمثبت موافق لما في الدر المنثور، والمراد أن الملائكة أحاطوا بأقطار الأرض كما يحيط النطاق بالوسط.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"يصعد\".\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"تطهر\"، وفى م: \"قطعوا\".","vol":"15","page":415},{"text":"في النارِ، فتَزْفِرُ النارُ زَفْرَةً، فلا يَبْقى مَلَكٌ مقرَّبٌ، ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ إِلا جَثَا لرُكُبَتَيهِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾. قال: هذا أوّلُ يومِ (^٢) القيامةِ، ثم نُفِخ في الصُّورِ على أَثَرِ ذلك فجَمَعْناهم جَمْعًا (^٣)\n﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾. قد ذكَرْنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيما مضَى في الصُّورِ، وما هو، وما عُنِى به؟ [وأخبَرْنا بالصوابِ] (^٤) من القولِ في ذلك بشواهدِه المغنيةِ عن إعادِتها (^٥) في هذا الموضعِ (^٦)، غيرَ أنَّا نذكُرُ في هذا الموضعِ بعضَ ما لم نذكُرْه (^٧) في ذلك الموضعِ من الأخبارِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5544>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: ثنا أَسْلَمُ، عن بشرِ بن شَغَافٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، عن النبيِّ ﷺ، أَنَّ أَعْرابِيًّا سأله عن الصُّورِ، قال: \"قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه\" (^٨).\n_________\n(^١) في ص: \"لركبته\"، وفى ت ١، ت ٢: \"بركبته\"، وفى ف: \"بركبة\". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٩٥ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٣ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) في م، ف: \"واخترنا الصواب\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ف: \"إعادته\".\n(^٦) تقدم في ٩/ ٣٣٩، ٣٤٠.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ف \"نذكر\".\n(^٨) أخرجه أبو داود (٤٧٤٢)، والطحاوى في المشكل (٥٣٤٩) من طريق المعتمر بن سليمان به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٥٩٩)، وعبد الرزاق في تفسيره، ٢/ ١٧٥، وأحمد ١١/ ٥٣، ٤١٠، ٦٥٠٧، ٦٨٠٥، والترمذى (٢٤٣٠) وابن أبي الدنيا في الأهوال (٤٧)، والنسائى في الكبرى (١١٣١٢، =","vol":"15","page":416},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن سفيانَ،، عن سليمانَ التَّيْمِيُّ، عن العجليِّ، عن بشرِ بن شَغَافٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، بنحوِه عن رسولِ اللهِ ﷺ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحارثِ القَنْطَريُّ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى بُكَيرٍ، قال: كنتُ في جِنازةِ عمرَ بن ذرٍّ، فلَقِيت مالكَ بنَ مِغْولٍ، فحدَّثنا عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"كيف أَنعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قد الْتقَم القرنَ (^٢)، وحنَى الجَبْهةَ، وأصْغَى بالأُذُنِ متى يُؤْمَرُ\". فَشَقَّ ذلك على أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: \"قُولُوا: حَسبُنا الله، وعلى اللهِ توكَّلنا. ولو اجتَمَع أهلُ مِنًى ما أقَالُوا ذلك القَرنَ\" كذا قال، وإنما هو: \"ما أقلُّوا\" (^٣).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، عن الحجاجِ، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"كيف أنْعَمُ وصاحِبُ الصورِ (^٤) قد الْتَقَم القَرْنَ، وحنَى ظَهْرَه، وجحَظ بعَيْنِهِ (^٥) \". قالوا: ما نقولُ يا رسولَ اللهِ؟ قال:\n_________\n= ١١٤٥٦)، وابن حبان (٧٣١٢)، والحاكم ٢/ ٤٣٦ - وسقط منه اسم أسلم -، ٢/ ٥٠٦، ٤/ ٥٦٠ وصححه، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ٢٤٣ من طريق سليمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢، ٥/ ٣٣٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في البعث.\n(^١) أخرجه الدارمى ٢/ ٣٢٥ من طريق سفيان به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧٥ والحميدى (٧٥٤)، وأحمد ١٧/ ٨٩، (١١٠٣٩)، ١٨/ ٢٢٨، (١١٦٩٦)، وابن حميد (٨٨٤)، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ١٠٥، ٧/ ١٣٠، ١٣١، ٣١٢، والبغوى في شرح السنة (٤٢٩٩) من طريق عطية العوفى به. وأخرجه ابن حبان (٨٢٣)، والطحاوي في المشكل (٥٣٤٢ - ٥٣٤٨) من طرق عن أبي سعيد.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ف: \"القرن\".\n(^٥) في م: \"بعينيه\".","vol":"15","page":417},{"text":"\"قُولُوا: حسْبُنا اللهُ، تَوَكَّلْنا عَلَى اللهِ\".\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن مُطَرِّفٍ، عن عطيةَ العوفيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"كيف أنعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قد الْتقَم القَرْنَ، وحنَى جبهَتَه، يستَمِعُ متى يُؤمَرُ فَيَنْفُخُ فيه\". فقال أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ: كيف نقولُ؟ قال: \"تقولون: حسْبُنا اللهُ ونعمَ الوكيلُ، توكَّلْنا على اللهِ\" (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ والحسنُ بنُ عرفةَ، قالا: ثنا أسباطُ، عن مُطَرِّفٍ، عن عطيةَ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا شُعَيبُ بنُ حربٍ، قال: ثنا خالدٌ أبو العلاءِ، قال: ثنا عطيةُ العَوْفيُّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"كيف أنعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قد التقَم القَرْنَ، وحنَى الجبْهَة، وأصْغَى بالأذنِ، متى يؤمَرُ أَنْ يَنفُخَ، ولو أنَّ أهلَ مِنًى اجْتَمَعوا على القَرْنِ على أنْ يُقِلُّوه مِنَ الأرضِ، ما قدَروا عليه\" (^٣). فأُبلِس أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ، وشَقَّ عليهم، قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: قولوا: \"حَسْبُنا الله ونِعمَ الوكيلُ (^٤) \".\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (١٢٦٧٠)، والحاكم ٤/ ٥٥٩ من طريق مطرف به، وأخرجه الطحاوى في المشكل (٥٣٤٨)، وابن الأعرابي (٣٥٣، ١٢٩٩)، والطبرانى في الأوسط (٣٦٦٣)، والبيهقي في الشعب (٣٥٢) من طريق عطية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢ إلى البيهقى في البعث.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٣٥٢، وأحمد ٥/ ١٤٥ (٣٠٠٨)، والطحاوى في المشكل (٥٣٤٧)، وابن الأعرابي في معجمه (٥٢٢)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٢٩٠ - والطبراني في الكبير (١٢٦٧١) من طريق أسباط به.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"على الله توكلنا\".\nوالحديث أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٠٩٧)، ومن طريقه الترمذى (٢٤٣١)، والبغوى في شرح السنة (٤٢٩٨) من طريق خالد أبى العلاء به.","vol":"15","page":418},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن إسماعيلَ بن رافعٍ المَدنيِّ، عن يزيدَ بن فلانٍ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن محمدِ بن كعبِ القُرَظيِّ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لمَّا فرَغ اللهُ من خلْقِ السماواتِ والأرْضِ، خَلَقَ الصُّورَ، فأَعْطاهُ إسْرافِيلَ، فهو واضعُه (^١) على فِيه، شاخِصٌ بصَرَه إِلى العَرْشِ، ينتَظِرُ متى يؤمَرُ\". قال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللهِ، وما الصُّورُ؟ قال: \"قرنٌ\". قال: وكيف هو؟ قال: \"قَرْنٌ عظِيمٌ، ينفَخُ فِيهِ ثَلَاثُ نَفَحَاتٍ؛ الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، وَالثَّانِيَةُ نَفْحَةُ الصَّعْقِ، والثَّالثةُ نَفَخَةُ القيامِ لربِّ العالمين\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-2240\"></span>وقولُه: ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾. يقولُ: فجمَعْنا جميعَ الخلقِ حينئذٍ لموقفِ الحسابِ جمعًا (^٣).\nوقولُه: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾. يقولُ: وأبرَزْنا جهنَّم يومَ يُنفَخُ في الصُّورِ، فأظْهَرْناها للكافرين باللهِ، حتى يَرَوْها ويعاينُوها كهَيئةِ السَّراب. ولو جُعِل الفعلُ لها قيل: أعْرَضت [جهنمُ. وذلك] (^٤) إذا اسْتَبانَت، كما قال عمرُو بنُ كُلثومٍ (^٥):\nوأعرَضتِ اليمامةُ واشْمَخَرَّت … كأسيافٍ بأيدى مُصْلِتِينا (^٦)\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في م: \"وضعه\".\n(^٢) جزء من حديث الصور الطويل، وينظر ما تقدم في ٣/ ٦١٣.\n(^٣) في م: \"جميعا\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) شرح القصائد السبع ص ٣٨٣، وجمهرة أشعار العرب ١/ ٣٩٤.\n(^٦) قال أبو زيد في الجمهرة: أعرضت: بدت. واشمخرت: طالت كضوء سيوف. بأيدى مصلتينا: أي =","vol":"15","page":419},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5545>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بن كُهَيلٍ، قال: ثنا أبو الزَّعراءِ، عن عبدِ اللهِ، قال: يقومُ الخَلقُ للهِ إِذا نُفِخ في الصُّورِ قيامَ رجلٍ واحدٍ، ثم يتمثَّلُ اللهُ للخَلْقِ [فيلقاهم، فليس] (^١) أحدٌ من الخلقِ (^٢) كان يعبُدُ من دونِ اللهِ شيئًا إلا وهو مرفوعٌ له يتْبَعُه. قال: فيَلْقَى اليهودَ فيقولُ: مَن تعبُدون (^٣)؟ فيقولون: نعبُدُ عُزَيْرًا. قال: فيقولُ: هل يسُرُّكم الماءُ؟ فيقولون: نعم. فيُرِيهم جَهَنَّمَ وهى كهيئةِ السَّرابِ، ثم قرَأ: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾. ثم يَلْقى النَّصارى فيقولُ: مَن تعبُدون؟ فيقولون: نعبُدُ المسيحَ. فيقولُ: هل يسُرُّكم الماءُ؟ فيقولون: نعم. قال: فيُريهم جَهَنَّمَ وهى كهيئةِ السَّرابِ، ثم كذلك لمَن كان يعبُدُ مِن دونِ اللهِ شيئًا. ثم قرأ عبدُ اللهِ: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ (^٤) [الصافات: ٢٤].\n\n<span id=\"aya-2241\"></span><span data-type='title' id=toc-5546>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وعرَضْنا جَهَنَّمَ يومئذٍ للكافرين (^٥) الذين كانوا لا ينظُرون في آياتِ اللهِ فيتفكَّروا فيها، ولا يتأمَّلون حُجَجَه فيعْتَبِروا بها، فيتذكَّروا ويُنيبوا إلى\n_________\n= قد سلوها فهى مصلتة.\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فيلقاهم\"، وفى م: \"فما يلقاه\".\n(^٢) في ص، م، ت\"، ف: \"الخلائق\".\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ف: \"قال\".\n(^٤) جزء من أثر طويل تقدم تخريجه في ٣/ ٣٣.\n(^٥) بعده في ت\"، ت ٢، ف: \"عرضا\".","vol":"15","page":420},{"text":"توحيدِ اللهِ، ويَنْقادُوا لأمرِه ونهيِه، ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾. يقولُ: وكانوا لا يُطِيقون أن يسمَعوا ذكْرَ اللهِ الذي ذكَّرهم به، وبيانَه الذي بيَّنه لهم في آيِ كتابِه، بخذلانِ اللهِ إيَّاهم، وغلبةِ الشقاءِ عليهم، وشُغْلِهم بالكفرِ باللهِ وطاعةِ الشيطانِ، فيَتَّعِظوا بهِ، ويتدبَّروه، فيعرِفوا الهُدَى من الضَّلالةِ، والكفرَ من الإيمانِ.\nوكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾. قال: لا يَعْقِلُون (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ قال: لا يَعْلَمون.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ الآية. قال: هؤلاء أهلُ الكفرِ.\n\n<span id=\"aya-2242\"></span><span data-type='title' id=toc-5547>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أَفَظَنَّ الذين كفَروا باللهِ من عَبَدَةِ الملائكةِ والمسيحِ، أن يتَّخِذوا عبادِى الذين عبَدُوهم من دونِ اللهِ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ لأنفسِهم (^٢)، يقولُ: [أَظُنُّوا أنهم لهم أولياءُ. يقولُ] (^٣): كلا، بل هُم لهم أعداءٌ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٥١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٣ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"15","page":421},{"text":"وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5548>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾. قال: يعنى من يعبُدُ عيسى (^١) ابنَ مريمَ والملائكةَ، وهم عبادُ اللهِ، ولم يكونوا للكفارِ أولياءَ.\nوبهذه القراءةِ، أعنى بكسرِ السِّينِ من ﴿أَفَحَسِبَ﴾ بمعنى الظَّنِّ، قرَأتْ هذا: الحرفَ قرأةُ الأمصارِ.\nورُوى عن عليِّ بن أبى طالبٍ، وعكرِمةَ ومجاهدٍ أنَّهم قَرءوا ذلك: (أفَحسْبُ الذين كفروا) بتسكينِ السِّينِ، ورفعِ الحرفِ بعدَها (^٢)، بمعنَى: أَفَحَسْبُهم ذلك. أي: أَفَكَفَاهم أن يتَّخِذُوا عبادِى من دونى أولياءَ مِن عِبَادتى (^٣) وموالاتي.\nكما حُدِّثت عن إسحاقَ بن يوسفَ الأزرقِ، عن عِمْرانَ بن حُدَيرِ، عن عِكرمةَ: (أفحسْبُ الذين كَفَرُوا). قال: أَفَحَسْبُهم ذلك (^٤).\nوالقراءةُ التي نَقْرَؤها هي القراءةُ التي عليها قرأةُ الأمصارِ: ﴿أَفَحَسِبَ﴾. بكسرِ السينِ، بمعنى: أفَظَنَّ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ عليها.\nوقولُه: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾. يقولُ: إِنَّا (^٥) أَعْدَدْنا لَمَن كفَر باللهِ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"المسيح\".\n(^٢) زيادة من: م. وينظر في هذه القراءة البحر المحيط ٦/ ١٦٦، ففيه عن غير واحد أيضًا، وهذه قراءة شاذة.\n(^٣) في م: \"عباداتي\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٣ إلى ابن عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ف.","vol":"15","page":422},{"text":"جهَنَّمَ مَنزِلًا.\n\n<span id=\"aya-2243\"></span><span data-type='title' id=toc-5550>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمد، لهؤلاء الذين يَبْغُون عَنَتَك، ويُجادِلونك بالباطِلِ، ويُمَارونك (^١) بالمسائلِ من أهلِ الكتابين؛ اليهودِ والنَّصارى: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾. يعنى بالذين أتْعَبوا أنفسَهم في عملٍ يَبْغُون به رِبْحًا وفضْلًا، فنالوا به عَطَبًا (^٢)، وهلاكًا، ولم يُدْرِكوا [ما طلَبوا] (^٣)، كالمُشتَرِى سلعةً يَرجُو بها فضْلًا وربحًا، فخاب رجاؤه، وخسِر بَيْعُه، ووُكِسَ في الذي رجا فَضْلَه.\nواختلف أهلُ التأويلِ في الذين عُنوا بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِى به الرُّهبانُ والقُسُوسُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5549>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا المُقْرِئُ (^٤)، قال: ثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيحٍ، قال: أخبَرني السَّكنُ بنُ أبى كَريمةَ، أن أمَّه أخبَرتْه، أنها سمِعت أبا خَمِيصةَ عبدَ اللهِ بنَ قيسٍ يقولُ: سمِعتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"يحاورونك\".\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"غضبا\".\n(^٣) في م: \"طلبا\".\n(^٤) في م، ت ١، ف: \"المقبرى\". وهو عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقرئ. ينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٣٢٠.","vol":"15","page":423},{"text":"أَعْمَالًا﴾: هم الرهبانُ الذين حَبَسوا أَنفُسَهم في الصوامِعِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سَمِعتُ حَيْوةَ يقولُ: ثنى السَّكَنُ بنُ أَبي كَرِيمةَ، عن أمه أخبرته، أنها سَمِعت عبدَ اللَّهِ بن قيس يقولُ: سمعتُ على بن أبي طالبٍ يقولُ … فذكر نحوه.\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن مصعب بن سعد، قال: قلتُ لأبي: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾: أهم الحروريَّةُ؟ قال: هم أصحابُ الصَّوامع (^٢).\nحدثنا فَضَالة بن الفضل، قال: قال يَزِيعٌ: سأل رجل الضحاك عن هذه الآية: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾. قال: هم القسِّيسون والرهبان.\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثَّوْرِيُّ، عن منصور، عن هلال بن يَسَافٍ، عن مصعب بن سعد، قال: قال سعد: هم أصحابُ الصَّوامع (^٣).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصورٍ، عن مصعب بن سعدٍ، قال: قلتُ لسعد: يا أَبَتِ: ﴿هَلْ نُنَبَّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا﴾ من أهم الحرورِيَّةُ؟ فقال: لا، ولكنهم أصحابُ الصوامع، ولكنّ الحرورِيَّة قومٌ زاغوا، فَأَزَاغَ اللَّهُ قلوبَهم (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ١٩٥، ١٩٦ من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ به.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير الثورى ص ١٧٩.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤١٣.\n(^٤) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٧٠ من طريق منصور به. وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١٥٣٤) من طريق صعب به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٣ إلى عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه.","vol":"15","page":424},{"text":"وقال آخرون: بل هم جميع أهلِ الكتابين.\n\n<span data-type='title' id=toc-5551>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرَّةَ، عن مصعب بن سعد، قال: سألت أبي عن هذه الآية: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعِيهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا﴾ أهم الحرُورِيَّةُ؟ قال: لا، هم أهل الكتابين (^١)؛ اليهود والنصارى، أما اليهودُ فكَذَّبوا بمحمد، وأما النصارى فكَفَروا بالجنة وقالوا: ليس فيها طعام ولا شراب، ولكنَّ الحَرورِيَّةَ الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقِه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصلَ، ويفسدون في الأرضِ، أولئك هم الفاسقون (^٢). فكان سعدٌ يُسَمِّيهم الفاسقين (^٣).\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن إبراهيمَ بن أبى حُرَّةَ، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاصٍ، عن أبيه في قوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبَّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا﴾. قال: هم اليهود والنصارى (^٤).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، عن أبي حربِ بن أبي الأسود، عن زاذان، عن علي بن أبى طالبٍ، أنه سئل عن قوله: ﴿قُلْ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ف: \"الكتاب\".\n(^٢) في م، ت ١، ف: \"الخاسرون\". وهو صواب التلاوة، ولكن هكذا وقع في رواية النسائي وابن مردويه، ووقع على الصواب في رواية الحاكم، قال الحافظ في الفتح ٨/ ٤٢٦: قوله: وكان سعد يسميهم الفاسقين: لعله هذا السبب في الغلط المذكور، وفى رواية للحاكم: الخوارج قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم، وهذه الآية هي التي آخرها \"الفاسقين\"، فلعل الاختصار اقتضى ذلك الغلط.\n(^٣) أخرجه البخارى (٤٧٢٨) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٣١٣) من طريق شعبة به. وأخرجه الحاكم ٢/ ٣٧٠ من طريق مصعب بن سعد به. وفيه: المجتهدون من النصارى. بدل: أهل الكتاب اليهود والنصارى.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤١٣.","vol":"15","page":425},{"text":"هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾. قال: هم كفرة أهل الكتاب؛ كان أوائلهم على حق، فأشركوا بربهم، وابتدعوا في دينهم، الذين يجتهدون في الباطل، ويحسبون أنهم على حقٍّ، ويجتهدون في الضَّلالةِ، ويَحْسَبون أنهم على هدى، فضَلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يَحْسبون أنهم يحسنون صنعًا. ثم رفع صوته فقال: وما أهلُ النَّهَرِ (^١) منهم ببعيدٍ.\nوقال آخرون: بل هم الخوارجُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5552>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ (^٢)، عن سلمة بن كُهَيلٍ، عن أبي الطُّفَيْلِ، قال: سأَلَ عبد الله بن الكَوَّاءِ عليًّا عن قوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾. قال: أنتم يا أهل حَروراءَ.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني يحيى بن أيوبَ، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجليِّ، عن أبي الصَّهباءِ البَكْريِّ، عن عليّ بن أبي طالبٍ، أن ابنَ الكَوَّاءِ سأَله عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾. فقال عليٌّ: أنت وأصحابك.\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن سلمةَ بن كُهَيلٍ، عن أبي الطُّفَيلِ، قال: قام ابن الكَوَّاء إلى عليٍّ، فقال: مَن ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾\n_________\n(^١) في م: \"النار\". وأهل النهر: الخوارج الذين قاتلهم على ﵁ في موقعه النهروان.\n(^٢) بعده في م: \"بن سلمة\". وهو خطأ. فالذى يروى عن سلمة بن كهيل هو سفيان الثورى. ينظر تهذيب الكمال ١١/ ٣١٤.","vol":"15","page":426},{"text":"قال: وَيْلَك! أهلُ حَرُوراءَ منهم (^١).\nحدثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا محمد بن خالد بن عَثْمةَ، قال: ثنا موسى بنُ يعقوبَ بن عبدِ اللهِ بن وهبٍ، قال: ثني أبو الحُوَيرثِ، عن نافع بن جبيرِ بن مُطْعِمٍ، قال: قال ابن الكوَّاءِ لعليِّ بن أبى طالب: ما الأخسرون (^٢) أعمالًا، الذين ضلَّ سعيُهم في الحياة الدنيا؟ قال: أنتَ وأصحابُك.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يُقالَ: إن الله ﵎ عنَى بقوله: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾. كلَّ عاملٍ عملًا يَحسَبه فيه مصيبا، وأنه لله بفعله ذلك مطيع مُرضٍ، وهو بفعله ذلك لله مسخطٌ، وعن طريق أهل الإيمانِ به جائرٌ؛ كالرَّهابنةِ والشَّمامسةِ وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم، وهم مع ذلك مِن فعلهم واجتهادِهم باللَّهِ كَفَرةٌ، من أي أهل دين كانوا.\nوقد اختلف أهل العربيةِ في وجهِ نَصْبِ قوله: ﴿أَعْمَالًا﴾؛ فكان بعضُ نحويي البصرة يقولُ: نُصِبَ ذلك لأنه لما أُدخل الألفُ واللام والنون في الأخسرين لم يُوصَل إلى الإضافة، وكانت الأعمالُ مِن الأخسرين؛ فلذلك نُصِب.\nوقال غيرُه: هذا الباب (^٣) للأفعل (^٤) والفُعْلى، مثل الأفضل والفُضْلَى، والأخسر والخسرَى، ولا تَدْخُلُ فيه الواو (^٥)، ولا يكون معه (^٦) مُفسِّر؛ لأنه قد\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤١٣. وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١٥١٦)، وابن عساكر في تاريخه ٢٧/ ١٠٠، ١٠١ من طريق أبي الطفيل بنحوه.\n(^٢) في م: \"الأخسرين\".\n(^٣) في م: \"باب\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"الأفعل\".\n(^٥) يعنى الواو التي لجمع الذكور.\n(^٦) في م: \"فيه\"، وفى ف: \"له\".","vol":"15","page":427},{"text":"حَقَّق (^١) [الفضلَ لمن هو بقوله] (^٢): الأفضلُ والفُضْلَى. وإذا جاء معه مفسِّر كان للأوَّلِ والآخِرِ، وقال: ألَا تَرَى أنك تقولُ: مررتُ برجل حَسَنٍ وجهًا. فيكونُ الحُسْنُ للرجل وللوجه (^٣)، وكذلك: كثيرٍ (^٤) عقلا. وما أشبَهه. قال: وإِنما جاز في الأخسَرِينَ؛ لأنه ردَّه إلى الأفعَلِ والأَفْعَلَة. وقال: سمعتُ العرب تقولُ: الأوَّلاتُ دخولًا، والأخراتُ خروجًا. فصار للأوَّلِ والثانى كسائر الباب. قال: وعلى هذا يُقاسُ.\n\n<span id=\"aya-2244\"></span>وقوله: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعَيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: هم الذين لم يكُن عملهم الذي عَمِلوه في حياتهم الدنيا على هدًى واستقامةٍ، بل كان على جَوْرٍ وضلالةٍ، وذلك أنهم عَمِلوا بغير ما أمرهم الله به، بل على كفر منهم به، ﴿وَهُم يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. يقولُ: وهم يَظُنُّون أنهم بفعلهم ذلك للهِ مطيعون، وفيما ندب عبادَه إليه مُجتَهِدون.\nوهذا من أدلُّ الدليل (^٥) على خطأ قولِ مَن زعم أنه لا يَكْفُرُ بِاللَّهِ أَحدٌ إِلَّا مِن حيثُ يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيَّتِه. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية، أن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالًا، وقد كانوا يحسبون أنهم يحسبون (^٦) في ضنعهم لك، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآياتِ ربِّهم؛ ولو كان القولُ كما قال الذين زعَموا أنه لا يكفُرُ باللَّهِ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) في م: \"انفصل بمن هو كقوله\". هو تحريف واضح.\n(^٣) في ص، م، ت ٢، ف: \"الوجه\".\n(^٤) في م: \"كبير\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"الدلائل\".\n(^٦) في ص، م: \"محسنون\".","vol":"15","page":428},{"text":"أحدٌ إلا من حيثُ يَعْلَمُ، لوجَب أن يكون هؤلاء القومُ في عملهم الذي أخبَر اللَّهُ عنهم أنهم كانوا يَحْسَبون فيه أنهم يحسنون صُنعَه، كانوا مثابين مأجورين عليه (^١)، ولكنَّ القول بخلاف ما قالوا، فأخبر جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم باللَّهِ كَفَرةٌ، وأن أعمالهم حابِطةٌ.\nوعنى بقوله: ﴿أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾: عملا. والصُّنعُ والصَّنعةُ والصَّنيعُ واحدٌ، يُقالُ: فرس صنيع. بمعنى مصنوع.\n\n<span id=\"aya-2245\"></span><span data-type='title' id=toc-5554>القول في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصَفنا صفتَهم، الأخسرون أعمالًا، الذين كفروا بحجج ربِّهم وأدلتِه، وأنكروا لقاءه، ﴿فَحِبَطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾. يَقُولُ: فَبَطَلَتْ أعمالهم، فلم يكن لها ثواب يَنْفَعُ أصحابها في الآخرةِ، بل لهم منها عذابٌ وخزىٌ طويلٌ، ﴿فَلَا نُقِيمُ هُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنًا﴾. يقول تعالى ذكره: فلا نجعَلُ لهم ثقلًا. وإنما عنَى بذلك: أنه (^٢) لا تَنْقُلُ بهم موازينهم؛ لأن الموازين إنما تَنْقُلُ بالأعمال الصالحة، وليس لهؤلاء شيءٌ من الأعمال الصالحة فتثقُلَ به موازينهم.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5553>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"عليها\".\n(^٢) في م: \"أنهم\".","vol":"15","page":429},{"text":"الأعمشِ، عن شِمْر، عن أبي يحيى، عن كعب، قال: يُؤتَى يوم القيامة برجل عظيمٍ طويلٍ، فلا يَزِنُ عندَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضةٍ؛ اقرَءُوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنَا﴾ (^١).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن الصَّلْتِ، قال: ثنا ابن أبي الزِّنادِ، عن صالحٍ مولَى التوأمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"يُؤتَى بِالْأَكُولِ الشَّرُوبِ الطَّويل فيُوزَنُ، فلا يَزِنُ جَناحَ بَعوضةٍ\". ثم قرأ: ﴿فَلَا نُقِيمُ هُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2246\"></span><span data-type='title' id=toc-5555>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: أولئك ثوابُهم جهنَّمُ؛ بكُفرهم بالله، واتخاذهم آياتِ كتابِه، وحُجَجَ رسله سخريًّا، واستهزائهم برسله.\n\n<span id=\"aya-2247\"></span><span data-type='title' id=toc-5556>القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: إن الذين صدقوا بالله ورسله (^٣)، وأقروا بتوحيدِ اللهِ وما أنزَل من كتبِه، وعملوا بطاعته، كانت لهم بساتينُ الفردوسِ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٩٩ نقلا عن المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٤ إلى هناد بنحوه عن كعب بن عجرة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ١٩٨ - من طريق ابن أبي الزناد بنحوه. وأخرجه ابن عدى في الكامل ٦/ ٢٣٥ - ومن طريقه البيهقى في الشعب (٥٦٧٠) - من طريق صالح البخارى (٤٧٢٩)، ومسلم (٢٧٨٥) من طريق آخر عن أبي هريرة بنحوه.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"رسوله\".","vol":"15","page":430},{"text":"والفردوسُ: معظم الجنةِ، كما قال أميةُ (^١):\nكانت منازلهم إذ ذاك ظاهِرةً … فيها الفراديسُ والفومانُ والبصل\nواختلَف أهل التأويل في معنى الفردوس؛ فقال بعضُهم: عُنِى به أفضلُ الجنةِ وأوسطها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5557>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبَّاسُ بن الوليد، قال: ثنا يزيد بن زريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادة، قال: الفردوسُ: رَبوةُ الجنة وأوسطها وأفضلُها (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ أَبي سُرَيْحٍ (^٣) الرازيُّ، قال: ثنا الهيثمُ أبو بشرٍ، قال: أخبرنا الفرج بن فضالةَ، عن لقمان بن (^٤) عامر، قال: سُئل أبو أمامة (^٥) عن الفردوس، فقال: هي سُرَّةُ الجنة (^٦).\nحدثنا أحمد بن أبى سُرَيْجٍ (^٣)، قال: ثنا حماد بن عمرو النَّصيبيُّ، عن أبي عليٍّ، عن كعب، قال: ليس في الجنانِ جنةٌ أعلى مِن جنة الفردوسِ، وفيها الآمرون بالمعروفِ، والناهون عن المنكر (^٧).\n_________\n(^١) ديوانه ص ٥٤. وفيه: الفراريس. قال في اللسان (ف وم) ويروى: الفراريس، قال أبو الإصبع: الفراريس البصل. اهـ.\n(^٢) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده - كما في الفتح ٦/ ١٣ - من طريق شيبان عن قتادة، والبيهقي في سننه ٩/ ١٦٧ من طريق آخر عن قتادة.\n(^٣) في ص: \"سريح\"، وفي ت ١، ت ٢، ف: \"شريح\". وهو أحمد بن الصباح - أو ابن عمر - النهشلى الرازي. تنظر ترجمته في تهذيب الكمال ١/ ٣٥٥.\n(^٤) في م: \"عن\". تنظر ترجمته في تهذيب الكمال ٢٤/ ٢٤٦.\n(^٥) في م: \"أبو أسامة\". وينظر مصدر التخريج.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٤٨ (١٥٩٥٧) من طريق الفرج بن فضالة به.\n(^٧) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٥/ ٣٨٠ من طريق آخر عن كعب.","vol":"15","page":431},{"text":"وقال آخرون: هو البستانُ بالرُّوميةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5558>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني عليُّ بن سهل الرملى، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عبدِ اللَّهِ بن كثير، عن مجاهد، قال: الفردوس: بستانُ بالرُّوميةِ (^١).\nحدثنا العباس بن محمد، قال: ثنا حجاج، قال ابن جريجٍ: أخبرني عبد الله، عن مجاهد مثله.\nوقال آخرون: هو البستانُ الذي فيه الأعناب.\n\n<span data-type='title' id=toc-5559>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا عباس بن محمد، قال: ثنا محمد بن عبيدٍ، عن الأعمشِ، عن يزيد بن أبي زيادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن الحارثِ، عن كعبٍ، قال: جنات الفردوس: التي فيها الأعناب (^٢).\nوالصواب من القول في ذلك عندنا (^٣) ما تظاهرت به الأخبار عن رسولِ الله ﷺ، وذلك ما حدثنا به (^٤) أحمد بن أبى سُرَيْجٍ (^٥)، قال: ثنا يزيدُ بنُ هَارُونَ، قال: أخبرنا همامُ بن يحيى، قال: ثنا زيد بن أسلمَ، عن عطاء بن يسارٍ، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: \"الجَنَّةُ مِائَةُ درجةٍ، ما بين كلِّ درَجَةٍ (^٦)\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٤٩، (١٥٩٥٨)، وهناد في الزهد (٥١)، وابن المبارك في الزهد (١٤٦٠) من طريق محمد بن عبيد به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) ليس في: الأصل.\n(^٥) في ص: \"سريح\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"شريح\".\n(^٦) في م، ت ١: \"درجتين\".","vol":"15","page":432},{"text":"مَسِيرَةُ مائة (^١) عامٍ، والفِرْدَوْسُ أعْلاها درجةً، ومنها الأنهارُ الأَرْبَعةُ (^٢)، والفِرْدَوْسُ مِن فَوْقِها، فإذا سألتم الله فسَلُوه (^٣) الفِرْدَوْسَ\" (^٤).\nحدثنا موسى موسى بن سهلٍ، قال: ثنا موسى بن داودَ، قال: ثنا همام بن يحيى، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عُبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: \"الجنة مائةُ درجةٍ، ما بين كلِّ درَجَتَين كما بين السماءِ والأرضِ، أَعْلاها الفِرْدَوْسُ، ومنها تَفَجَّرُ أنهارُ الجَنَّةِ الأربعةُ، فإذا سألتم اللَّهَ فَسَلُوه الفِرْدَوسَ\".\nحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو يحيى بن سليمانَ (^٥)، عن هلال بن أسامة، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي هريرةَ - أو أبي سعيدٍ الخُدْريِّ - عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال: \"إِذَا سَأَلْتُم اللَّهَ فَسَلُوه (^٦) الفِرْدَوسَ، فإنها أوْسَطُ الجنةِ، وأعلى الجنةِ، وفوقها عرش الرحمن، ومِنه تَفَجَّرُ أنهارُ الجنة\" (^٧).\nحدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا فليحٌ، عن هلال، عن\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) الأنهار الأربعة هي أنهار الماء واللبن والخمر والعسل التي ورد ذكرها في سورة محمد. تنظر تحفة الأحوذى ٣/ ٣٢٦.\n(^٣) في ص، م، ت ٢، ف: \"فاسألوه\".\n(^٤) أخرجه أحمد ٥/ ٣٢١، (٢٢٧٩٠ - ميمنية)، والترمذي (٢٥٣١)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٨) من طريق يزيد بن هارون به، وأخرجه أحمد ٥/ ٣١٦، (٢٢٧٤٧ - ميمنية)، وعبد بن حميد في مسنده (١٨٢)، والحاكم ١/ ٨٠، والبيهقى في البعث (٢٤٨) من طريق همام به.\n(^٥) أبو يحيى بن سليمان هو فليح كما في الحديث الآتى. ينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٣١٧.\n(^٦) في م، ت ١، ف: \"فاسألوه\".\n(^٧) أخرجه الحاكم ١/ ٨٠ من طريق ابن وهب به. وفيه: عن أبي هريرة وأبى سعيد. وأخرجه البخارى (٢٧٩٠، ٧٤٢٣)، وأحمد ١٤/ ١٤٤، (٨٤٢٠، ٨٤٢١)، والبغوى في شرح السنة (٢٦١٠)، والحاكم ١/ ٨٠١، والبيهقى في البعث (٢٤٧) من طريق فليح بن سليمان به من حديث أبي هريرة، وأخرجه أحمد ١٣/ ٣٠٠ (٧٩٢٣)، والترمذى (٢٥٢٩) من طريق عطاء مختصرا من حديث أبي هريرة.","vol":"15","page":433},{"text":"عبد الرحمن بن أبي عَمْرةَ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ مثلَه، إلا أنَّه قال: \"وسَطُ الجَنَّةِ\". وقالَ أيضًا: \"ومِنه تَفَجَّرُ أو تُفَجَّرُ (^١) (^٢) \".\nحدثني عمران (^٣) بن بكارٍ الكَلاعِيُّ، قال: ثنا يحيى بن صالحٍ، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، قال: ثنا زيد بن أسلمَ، عن عطاء بن يسار، عن معاذِ بن جبلٍ، أن رسول الله ﷺ قال: \"إنَّ في الجنة مائة درجةٍ، ما بين كلِّ درَجَتَين (^٤) كما بين السماء والأرض، والفِردَوسُ أعْلَى الجنة وأوسطها، وفوقها عَرْشُ الرَّحمن، ومنها تَفَجَّرُ أنهارُ الجنة، فإذا سأَلْتم اللَّهَ فَسَلُوه الفِرْدَوسَ\" (^٥).\nحدثنا أحمد بن منصورٍ، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارثِ، قال: ثنا الحارث بن عُبَيْدٍ (^٦)، [قال: ثنا أبو عمران الجَوْنيُّ، عن أبي بكر بن أبي موسى] (^٧)، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ أَرْبَعَةٌ، ثِنْتَانِ مِن ذَهَبٍ حِلْيَتُهما وآنِيَتُهما وما فيهما من شيءٍ، وثِنْتانِ مِن فِضة حِلْيَتُهما وآنِيَتُهما وما فيهما من شيءٍ\" (^٨).\n_________\n(^١) في م: تتفجر.\n(^٢) أخرجه أحمد ١٤/ ١٤٣ (٨٤١٩)، وابن حبان (٤٦١١، ٧٣٩٠) من طريق أبي عامر به. وأخرجه الحاكم ١/ ٨٠ من طريق فليح به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"عمار\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٣١١.\n(^٤) في الأصل: \"درجة\".\n(^٥) أخرجه أحمد ٥/ ٢٤٠ (٢٢١٤٠ - ميمنية)، والترمذى (٢٥٣٠) من طريق عبد العزيز بن محمد به. وأخرجه ابن ماجه (٤٣٣١)، والطبراني ٢٠/ ١٥٧ (٣٢٧)، والبيهقي في البعث (٢٤٩) من طريق زيد به.\n(^٦) في النسخ: عمير، وهو تحريف. وهو أبو قدامة الحارث بن عبيد الإيادى. تنظر ترجمته في تهذيب الكمال ٥/ ٢٥٨.\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٨) أخرجه أحمد ٤/ ٤١٦ (١٩٧٤٦ - ميمنية) من طريق عبد الصمد.","vol":"15","page":434},{"text":"حدَّثنا أحمد بن أبي سُرَيجٍ (^١)، قال: ثنا أبو نعَيم، قال: ثنا أبو قدامةَ، عن أبي عِمْرانَ الجَونيِّ، عن أبي بكر بن عبدِ اللهِ بن قيسٍ، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: \"جَنَّاتُ الفِرْدَوسِ أَرْبَعٌ: ثِنْتَانِ مِنْ ذَهَبٍ حِلْيَتُهما وآنِيَتُهما وما فيهما، وثنتان من فِضَّةٍ حِلْيَتُهما وآنِيتُهما وما فيهما\" (^٢).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفص، عن شِمْرٍ، قال: خلق اللَّهُ جنةَ الفردوس بيده، فهو يَفْتَحُها في كلِّ يوم خميس، فيقولُ: ازدادى طِيبًا لأوليائى، ازدادى حُسْنًا لأوليائى.\nحدثنا ابن البرقى، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: أخبرنا محمد بن جعفر [وابنُ الدَّراوَرْدِيُّ] (^٣)، قالا: ثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسارٍ، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إِنَّ للجنةِ مِائَةَ درَجَةٍ، كلُّ درجةٍ كما (^٤) بين السماء والأرضِ، أعْلَى دَرَجَةٍ منها الفِرْدَوسُ، [وهو أوسطُ الجنةِ، ومنها تَفَجَّرُ أنهار الجنةِ، وعليها يَكُونُ العرشُ، فإذا سألتم الله فسَلُوه الفِردَوسَ\" (^٥).\nحدثني أحمد بن يحيى الصُّوفيُّ، قال: ثنا أحمدُ بنُ الفرجِ الطائيُّ، قال: ثنا الوليد بن مسلمٍ، عن سعيد بن بَشير، عن قتادة، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ بن\n_________\n(^١) في ص: \"سريح\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"شريح\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٤٨ (١٥٩٥٦)، وعبد بن حميد في مسنده (٥٤٤)، والدارمي ٢/ ٣٣٣، وأبو نعيم في الحلية ٢/ ٣١٦ من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين به. وأخرجه أحمد ٤/ ٤١١ (١٩٦٩٧)، والبخارى (٤٨٧٨، (٧٤٤٤)، ومسلم (١٨٠)، والترمذى (٢٥٢٨)، والنسائي في الكبرى (٧٧٦٥)، وابن ماجه (١٨٦)، والبيهقى في البعث (٢٣٨) من طريق أبي عمران الجونى به.\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: \"وابن دراوردى\"، وهو عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردى. ينظر تهذيب الكمال ١٨/ ١٨٧.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ما\"، وفى م: \"منها كما\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"15","page":435},{"text":"جُنْدُبٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"الفِرْدَوْسُ (^١) رَبُوةُ الجَنَّةِ، هي أَوْسَطُها وأحْسَنُها\" (^٢).\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، قال: أنبأنا إسماعيل بن مسلمٍ، عن الحسن، عن سَمُرَةَ بن جندب، قال: أخبرنا رسولُ اللَّهِ ﷺ أَن الفِرْدَوسَ هي أَعْلَى الجَنَّةِ وأَحْسَنُها وأَرفَعُها.\nحدثني محمدُ بنُ مَرْزُوقٍ البَصْرِيُّ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك أن نبي الله ﷺ قال للرُّبَيِّعِ ابنةِ النَّضْرِ: \"يا أُمَّ حارِثَةَ، إنها جنانٌ، وإنَّ ابنَكِ أصابَ (^٣) الفِرْدَوس الأعْلَى، والفردوس رَبُوةُ الجَنَّةِ وأَوْسَطُها وأفْضَلُها\" (^٤).\nوقوله: ﴿نُزُلًا﴾. يقول: منازل ومساكِنَ. والنُّزُلُ (^٥): من النزول؛ وهو من نزول بعض الناس على بعضٍ. وأمَّا النُّزْلُ: فهو الرَّيْعُ (^٦)، يقال: ما لِطَعامِكم هذا\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"من\".\n(^٢) أخرجه الطبراني ٧/ ٢٥٨ (٦٨٨٦) من طريق سعيد بن بشير. به والبزار (٣٥١٣ - كشف)، والطبراني ٧/ ٢٥٧ (٦٨٨٥) من طريق قتادة به. وأخرجه الطبراني ٧/ ٣٢١ (٧٠٨)، والبزار (٣٥١٤ - كشف) من طريق آخر عن سمرة بن جندب بنحوه.\n(^٣) في الأصل: \"أصابه\".\n(^٤) أخرجه الترمذى (٣١٧٤) من طريق روح به. وأخرجه ابن حبان (٩٥٨)، والطبراني ٢٤/ ٢٦٢ (٦٦٥) من طريق سعيد بن أبي عروبة به. وأخرجه أحمد ٢٠/ ٤٢٣ (١٣٢٠٠)، ٢١/ ٢٨٠، (١٣٧٤١)، ٢١/ ٤١٨، (١٤٠١٥)، والبخارى (٢٨٠٩) من طريق قتادة به. وأخرجه أحمد ١٩/ ٢٧٦، (١٢٢٥٢)، ٢٠/ ٤٥٥ (١٣٢٠٠)، ٢١/ ٣٠٢ (١٣٨٧١)، ٢١/ ٤١٦، (١٤٠١١)، والبخاري (٣٩٨٢، ٦٥٥٠، ٦٥٦٧) من طرق عن أنس به.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ف: \"المنزل\".\n(^٦) في ص، ت ٢، ف: \"الربع\". وفى ت ١: \"الرفع\". والنُّزل والنَّزَل بالتحريك: الريع والفضل.\nوالريع: بركة الزرع وزكاؤه. والجمع أنزال. ينظر اللسان (ن ز ل).","vol":"15","page":436},{"text":"نُزْلٌ. يراد به الرَّيْعُ (^١). وما وجدنا عندكم نُزُلًا: أي نُزولًا.\n\n<span id=\"aya-2248\"></span>وقولُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: لابِثِينَ فيها أبدًا، [لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِولًا﴾. يقول: لا يريدون عنها تحوُّلا. وهو مصدرُ (تحوَّلتُ) أُخْرِج على (^٢) أصْلِه، كما يُقالُ: صَغُرَ يَصْغُرُ صِغَرًا، وعاج يَعُوجُ عِوَجًا.\nوبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5560>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾. قال: مُتَحَوَّلًا (^٣).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد بنحوه.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: سَمِعتُ مَخْلَدَ بنَ الحسين يقولُ، وسئل عنها، فقال: سَمِعتُ بعض أصحاب أنسٍ يقولُ: قال: يقولُ أوَّلُهم دخولًا: إنما أدخَلَنى اللهُ أوَّلَهم لأنَّه ليس أحد أفضلَ مِنِّي. ويقولُ آخِرُهم دُخُولا: إِنما أَخَّرَنى الله لأنَّه ليس أحدٌ أعطاه الله مثل الذي أعْطَاني.\n\n<span id=\"aya-2249\"></span><span data-type='title' id=toc-5561>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"الربع\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"إلى\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٥٢.","vol":"15","page":437},{"text":"يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُل﴾ له يا محمد: لو كان ماءُ (^١) البحر ﴿مدادا﴾ للقلم الذي يَكْتُبُ (^٢) ﴿كَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ﴾ ماء البحر، ﴿قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾. يقولُ: ولو مَدَدْنا البحرَ بمثل ما فيه من الماءِ مَدَدًا. من قول القائل: جِئْتُكَ مَدَدًا لك. وذلك من معنى الزيادة.\nوقد ذُكر عن بعضهم: (ولو جئنا بمثله مِدَادًا (^٣»، كأنَّ قارِئَ ذلك كذلك أراد: لنَفِدَ البحرُ قبل أن تَنْفَدَ كلماتُ ربِّي، ولو زِدْنا مثل (^٤) ما فيه من المدادِ الذي يُكتَبُ به مِدَادًا.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5562>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث قال: الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِّي﴾: للقلم (^٥).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿لَوْ كَانَ الْبَحْرُ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت، ت ٢.\n(^٢) في ت ١: \"تكتب\". وبعده في ص، م، ف: \"به\".\n(^٣) في م، ت ٢، ف: \"مددا\". وقرأها: \"مدادا\" ابن محيصن والمطوعي. إتحاف فضلاء البشر ص ١٨٠.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"بمثل\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٥٢.","vol":"15","page":438},{"text":"مَدادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾. يقولُ: إِذًا لنَفِدَ ماءُ البَحْرِ قبلَ أَن [يَنْفَدَ كلامُ] (^١) اللَّهِ وحكمه (^٢).\n\n<span id=\"aya-2250\"></span><span data-type='title' id=toc-5564>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إنما أنا إنسان (^٣) مثلكم، من بني آدمَ لا عِلمَ لى إلا ما عَلَّمَنى الله، وإن الله يُوحى إليَّ أن معبودكم الذي يجبُ علَيْكم أن تعبدوه ولا تُشركوا به شيئًا، معبود واحدٌ لا ثاني له ولا شَرِيكَ، ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾. يقولُ: فمَنْ كان (^٤) يخافُ ربَّه يوم لقائِه، ويُراقبه على معاصيه، ويرجو ثوابه على طاعته، ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾. يقولُ: فليُخْلِص له العبادةَ، وليفرد له الرُّبوبية.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5563>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن الربيع بن أبى راشد، عن سعيد بن جبير: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾. قال: ثواب ربِّه (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"تنفد كلمات\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٥ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"بشر\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) تفسير سفيان ص ١٧٩، ١٨٠.","vol":"15","page":439},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. يقولُ: ولا يَجعَلْ اللَّهِ (^١) شَريكًا في عبادته إيَّاه، وإنما يكون جاعلا له شريكًا بعبادته إذا راءَى بعمله الذي ظاهِرُه أَنَّه للَّهِ، وهو مريدٌ به غيره.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5565>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عُمَرُ (^٢) بنُ عُبيدٍ، عن عطاء، عن سعيد بن جبيرٍ (^٣): ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. [قال: لا يُرائي بعبادة ربِّه أحدًا] (^٤).\nحدثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. قال: لا يُراثى.\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن عبد الكريم الجَزريِّ، عن طاوس، قال: جاء رجلٌ، فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ الجهاد في سبيل الله، وأُحِبُّ أن يُرَى مَوْطِنى ويُرَى مَكانِي. فأنزَل الله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"له\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"عمرو\". وهو خطأ. تنظر ترجمته، تهذيب الكمال ١/ ٤٥٤.\n(^٣) بعده في م، ت ١، ف: \"عن ابن عباس\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\nوالأثر أخرجه هناد في الزهد ٤٣٥٢، والبيهقي في الشعب (٦٨٥٥) من طريق عمر بن عبيد. وهو في تفسير الثورى ص ٨٠ من طريق آخر عن سعيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤١٤، وأخرجه الحاكم ٤/ ٣٢٩ من طريق معمر، وعزاه السيوطي في =","vol":"15","page":440},{"text":"حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ ومسلمِ بن خالد الزَّنْجيِّ، عن صَدَقَةَ بن يسارٍ، قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ. فذَكَر نحوَه، وزاد فيه: وإنِّي أعملُ العمل وأتصَدَّقُ، وأُحِبُّ أن يرانى (^١) الناسُ. وسائر الحديثِ نحوه.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى عيسى بن يونسَ، عن الأعمشِ، قال: ثنا حمزةُ أبو عُمارة مولى بنى هاشمٍ، عن شَهْرِ بن حَوْشبٍ. قال: جاء رجلٌ إلى عُبادةَ بن الصامت، فسأله فقال: أنْبِئْنى عمَّا أسألُك عنه؛ أرأيتَ رَجُلًا يصلِّى يَبْتَغِي وجه الله ويحبُّ أن يُحمَدَ، ويصومُ (^٢) يَبتَغِى وجهَ اللَّهِ ويحبُّ أن يُحمَدَ، [ويَتَصَدَّقُ ويَبْتَغِى وجهَ اللَّهِ ويُحِبُّ أَن يُحْمَدَ، ويَحُجُّ ويَبْتَغِى وجهَ اللَّهِ ويُحِبُّ أن يُحْمَدَ] (^٣)؟ فقال عُبادةُ: ليس له شيء؛ إن اللَّهَ ﷿ يقولُ: أَنا خَيْرُ شَرِيكٍ، فمَنْ كان له معى شَريكٌ (^٤) فهو له كله، لا حاجةً لى فيه (^٥).\nحدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السَّكُونيُّ، قال: ثنا هشام بنُ عَمَّارٍ، قال: ثنا ابن عيَّاشٍ، قال: ثنا عمرو بن قيس الكِنْدِيُّ، أَنَّه سمع معاوية بن أبي سفيانَ [على المنبرِ] (^٣) تلا هذه الآية: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا\n_________\n= الدر المنثور ٤/ ٢٥٥ إلى ابن أبي الدنيا في الإخلاص وابن أبي حاتم والطبراني، وأخرجه البيهقي في الشعب (٦٨٥٤) من طريق معمر، موصولًا عن ابن عباس.\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"يرى\"، وفى م: \"يراه\".\n(^٢) بعده في م، ت ٢: \"و\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) في الأصل، ت ٢: \"شرك\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٠١ عن الأعمش به.","vol":"15","page":441},{"text":"وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبية أَحَدًا﴾. وقال: إنَّها آخِرُ آيةٍ أُنزِلت مِنَ القرآن (^١).\nآخِرُ تفسيرِ سورةِ الكهفِ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير ١٩/ ٣٩٢ (٩٢١) من طريق هشام بن عمار به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٧ إلى المصنف وابن مردويه.","vol":"15","page":442},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5566>تفسيرُ سورةِ مريمَ ﵍</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-2251\"></span><span data-type='title' id=toc-5568>القولُ في تأويل قوله تعالى ذكرُه: [﴿كهيعص </span>(١)﴾.\nاختلف أهل التأويل في تأويل قولِ اللَّهِ عزَّ ذِكْرُه: كاف من ﴿كهيعص﴾؛ فقال بعضُهم: تأويل ذلك أنَّها حرفٌ من اسمه الذي هو كبيرٌ، دلَّ به عليه، واسْتَغنى بذكره عن ذكرِ باقى الاسم.\n\n<span data-type='title' id=toc-5567>ذكر من قال ذلك</span>\nحدثني أبو حَصِينٍ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بن يونسَ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن إسماعيل بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآيةِ: ﴿كهيعص﴾. قال: كبير (^١). يعنى بالكبير: الكاف من ﴿كهيعص﴾.\nحدثنا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأَحْوَصِ، عن حصين، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبيرٍ مثله (^٢).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حُصَينٌ، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان يقولُ: ﴿كهيعص﴾. قال: كافٌ: كَبيرٌ.\nحدثني أبو السائب، قال: أخبرنا ابن إدريَس، عن حُصَينِ، عن إسماعيلَ بن\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات ١/ ٢٣١ (١٦٥)، والثورى في تفسيره ص ١٨١، والضياء في المختارة ١٠/ ٥٦، من طريق حصين به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٨ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي شيبة.\n(^٢) ذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٤٢٧.","vol":"15","page":443},{"text":"راشدٍ، عن سعيد بن جبير ﴿كهيعص﴾. قال: كاف: كبيرٌ.\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيان، عن حصينٍ، عن إسماعيلَ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه (^١).\n[حدثنا عمرو بن عبدِ الحميد، قال: حدثنا مروان بن معاويةَ، عن العلاء بن المسيِّبِ بن رافعٍ، عن أبيه في قوله: ﴿كهيعص﴾، قال: اسمٌ من أسماء الله، كاف: كبير] (^٢).\nوقال آخرون: بل الكافُ من ذلك حرفٌ من حروف اسمه الذي هو: كافٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5569>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يحيى بن طلحةَ اليربوعيُّ، قال: أخبرنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: كاف: كاف (^٣).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، قال: أخبرنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: كاف: كافٍ.\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسة، عن الكلبيِّ مثله (^٤).\nوقال آخرون: بل هو حرفٌ من حروف اسمه الذي هو: كريمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5570>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكام، عن عمرٍو، عن عطاء، عن سعيد بن جبيرٍ:\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ١٨١.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٣) أخرجه البغوي في الجعديات (٢٢٣٢) من طريق شريك به، والحاكم ٢/ ٣٧٢، وعنه البيهقي في الأسماء والصفات (١٦٦) من طريق شريك عن سالم، عن سعيد عن ابن عباس قوله. وصححه الحاكم.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣، عن معمر عن الكلبي. وينظر الدر المنثور ٤/ ٢٥٨.","vol":"15","page":444},{"text":"﴿كهيعص﴾. قال: كافٌ من كريمٍ (^١).\nوقال الذين فسَّروا ذلك هذا التفسير: الهاء من: ﴿كهيعص﴾ حرفٌ من حروف اسمه الذي هو هادٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5571>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حُصَينٌ (^٢)، [عن إسماعيل بن راشدٍ] (^٣)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ، قال: كان يقولُ في الهاءِ من: ﴿كهيعص﴾: هادٍ (^٤).\nحدثنا أبو حَصِينٍ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن إسماعيل بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.\nحدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحْوَصِ، عن حُصين، عن إسماعيل، عن سعيدٍ مثله.\nحدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن حصينٍ، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير نحوه.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٥٣، والدارمى في الرد على المريسى ص ١١، والحاكم ٢/ ٣٧١، ٣٧٢، وعنه، البيهقي في الأسماء والصفات (١٦٤) من طريق عطاء عن سعيد عن ابن عباس قوله.\n(^٢) في م: \"أبو حصين\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٤) أخرجه سفيان في تفسيره (٥٥١)، والبيهقى في الأسماء والصفات (١٦٥)، والضياء في المختارة ١٠/ ٥٦، من طريق حصين به، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣، وعنه النحاس في معاني القرآن، والدارمي في الرد على المريسى ص ١١، من طريق سعيد بن جبير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى آدم بن أبى إياس: وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.","vol":"15","page":445},{"text":"حدثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حُصينٍ، عن إسماعيلَ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ مثله (^١).\nحدثني يحيى بن طلحة، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: ها: هادٍ (^٢).\n[حدثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال: حدثنا مروان بن معاويةَ، عن العلاء بن المسيب بن رافعٍ، عن أبيه، في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: ها: هادٍ] (^٣).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، قال: أخبرنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: ها: هادٍ.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عنبسة، عن الكلبيِّ مثلَه (^٤).\nواختلفوا في تأويل الياء من ذلك؛ فقال بعضُهم: هو حرفٌ من حروف اسمِه الذي هو يمينٌ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-5572>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني أبو حَصِينٍ، قال: ثنا عَبْر، قال: ثنا حُصين، عن إسماعيل بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ، قال: \"يا\" من:\n_________\n(^١) تفسير الثورى (٥٥١).\n(^٢) أخرجه البغوي في الجعديات (٢٢٣٢) من طريق شريك به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٤٤٤.\n(^٥) قوله: \"اسمه الذي هو يمين\". لم يثبت فيه نص، وأسماء الله توقيفية.\nوقال ابن الأثير: أراد الياء من يمين وهو من قولك: يَمن الله الإنسان يُيَمِّنه فهو ميمون. والله يامن ويمين مثل قادر وقدير. النهاية ٥/ ٣٠٠.","vol":"15","page":446},{"text":"﴿كهيعص﴾. ياءُ: يمين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-5573>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حُصين، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.\nحدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن حُصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبيرٍ مثله.\nحدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن حصَين، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير: ياءُ: يمينٌ.\nحدثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال حدثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن العلاء بن المسيب بن رافع، عن أبيه في قوله ﴿كهيعص﴾. قال: ياء: يمين.\nوقال آخرون: بل هو حرف من حروف اسمه الذي هو حكيمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5574>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبير: ﴿كهيعص﴾. قال: يا: من حَكيمٍ (^٢).\nوقال آخرون: بل هي حرفٌ من قول القائل: يا مَن يُجيرُ.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (١٦٥) من طريق حصين به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣، ومن طريقه النحاس في معاني القرآن ٤/ ٣٠٤، والدارمي في الرد على بشر المريسى ص ١١، والحاكم ٢/ ٣٧١، ٣٧٢، وعنه البيهقي في الأسماء والصفات (١٦٤)، والضياء في المختارة ١٠/ ٣٠٠ من طريق عطاء عن سعيد عن ابن عباس قوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٨ إلى آدم بن أبي إياس وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، من قول ابن عباس.","vol":"15","page":447},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5575>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا إبراهيم بن أبي (^١) الضُّرَيْسِ، قال: سمعتُ الربيع بن أنس في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: يا مَنْ يُجيرُ ولا يُجارُ عَليه (^٢).\nواختَلَف مُتأوِّلو ذلك كذلك في معنى العَينِ؛ فقال بعضُهم: هي حرفٌ من حروف اسمه الذي هو عالم.\n\n<span data-type='title' id=toc-5576>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرو، عن (^٣) عطاءٍ، عن سعيدٍ: ﴿كهيعص﴾ قال: عينٌ من عالم.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكّام، عن عنبسةَ، عن الكلبى مثله (^٤).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حُصين، عن إسماعيلَ بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.\nحدثنا عمرو، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن العلاء بن المسيَّبِ بن رافع، عن أبيه في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: عين من عالم.\nوقال آخرون: بل هي حرفٌ من حروف اسمه الذي هو عزيز.\n_________\n(^١) سقط من النسخ. والمثبت من الجرح والتعديل ٢/ ١٠٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص: \"بن\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٤٤٤.","vol":"15","page":448},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5577>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني أبو حصين، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصين، عن إسماعيلَ بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿كهيعص﴾. عينٌ: عزيزٌ (^١).\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن حُصينٍ، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله (^٢).\nحدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن حصينٍ، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير مثله.\nحدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حُصينٍ، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير مثله.\nحدثني يحيى بن طلحةَ اليَرْبُوعى، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: عينٌ: عزيزٌ (^٣).\nوقال آخرون: بل هي حرف من حروف اسمه الذي هو عَدْلٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5578>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بن نوحٍ، قال: أخبرنا أبو رؤقي، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: عينٌ: عَدْلٌ.\n_________\n(^١) أخرجه سفيان الثوري في تفسيره (٥٥١)، والبيهقى في الأسماء والصفات (١٦٥)، والضياء في المختارة ١٠/ ٥٦ من طريق حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٨، إلى الفريابي وسعيد بن منصور، وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي شيبة.\n(^٢) تفسير الثورى (٥٥١).\n(^٣) أخرجه البغوي في الجعديات (٢٢٣٢) من طريق شريك به.","vol":"15","page":449},{"text":"وقال الذين تأوّلوا ذلك هذا التأويلَ: الصادُ من قوله: ﴿كهيعص﴾ حرفٌ من حروف اسمه الذي هو صادقٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5579>ذكرُ الرّواية بذلك</span>\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبرنا الحصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: كان يقولُ في: ﴿كهيعص﴾. صاد: صادقٌ (^١).\nحدثني أبو حَصِين، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن حُصين، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.\nحدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوصِ، [عن حُصَين] (^٢)، عن إسماعيل بن راشدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثله.\nحدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن حُصينٍ، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير مثله.\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، قال: أخبرنا أبو رؤق، عن الضحاكِ بن مزاحم، قال: صادٌ: صادقٌ.\n_________\n(^١) أخرجه الثورى في تفسير (٥٥١)، والبيهقى في الأسماء والصفات (١٦٥) من طريق حصين به. وعبد الرزاق ٢/ ٣، والدارمى في الرد على بشر المريسى ص ١١، والبغوى في الجعديات (٢٢٣٢)، والبيهقى في الأسماء والصفات (١٦٤، ١٦٦) من طريق سعيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٨ إلى آدم بن أبى إياس وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢.","vol":"15","page":450},{"text":"حدثني يحيى بن طلحةَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالم، عن سعيدٍ، قال: صادقٌ، يعنى الصادَ مِن: ﴿كهيعص﴾ (^١).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكَامٌ (^٢)، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيدٍ: ﴿كهيعص﴾. قال: صادٌ: صادقٌ.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عَنْبَسَةُ، عن الكلبي، قال: صادقٌ (^٣).\n[حدثنا عمرو قال: حدثنا مروان بن معاويةَ، عن العلاء بن المسيب بن أبى رافع، عن أبيه في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: صادٌ: صادق] (^٤).\nوقال آخرون: بل هذه الكلمةُ كلُّها اسم مِن أَسماءِ اللَّهِ تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-5580>ذكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن خالد بن خداش، قال: ثنى سَلْمُ (^٥) بن قُتَيْبَةَ، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، عن عاتِكَةَ، عن فاطمة ابنة عليٍّ قالت: كان عليٌّ يقول: يا ﴿كهيعص﴾ اغْفِرْ لي (^٦).\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس\n_________\n(^١) أخرجه البغوي في الجعديات (٢٢٣٢)، والبيهقى في الأسماء والصفات (١٦٦) من طريق شريك به.\n(^٢) بعده في ت ٢: \"عنبسة عن الكلبي\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٤٤٤.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٥) في، م، ت ١، ت ٢، ف: \"سالم\". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٢٣٢.\n(^٦) أخرجه الدارمي في الرد على بشر المريسى ص ١١ وابن ماجه في تفسيره - كما في تهذيب الكمال ٢٩/ ٢٨٤ - كلاهما من طريق فاطمة به.","vol":"15","page":451},{"text":"في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: فإنَّه قَسَمٌ أقْسَم الله به، وهو مِن أسماءِ اللَّهِ (^١).\nوقال آخرون: كلُّ حرف من ذلك اسمٌ مِن أَسماءِ اللَّهِ ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-5581>ذكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني مطرُ بنُ محمدِ الصَّبيُّ، قال: ثنا عبد الرحمن بنُ مَهدِيٍّ، عن عبدِ العزيز بن مسلم القَسْمَليِّ، عن الربيع بن أنس، أنس، عن أبي العاليةِ، قال: ﴿كهيعص﴾ ليس منها حرفٌ إِلَّا وهو اسمٌ.\nوقال آخرون: هذه الكلمةُ اسم من أسماء القرآن.\n\n<span data-type='title' id=toc-5582>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: اسم من أسماءِ القرآن (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: والقول في ذلك عندَنا نظيرُ القول في ﴿الم﴾، وسائرِ فواتحِ سُورِ القرآن التي افتُتِحَت أوائلها بحروف المعجَم، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى قبلُ، فأغنَى عن إعادته في هذا الموضع (^٣).\n\n<span id=\"aya-2252\"></span><span data-type='title' id=toc-5583>القول في تأويل قوله عزّ ذكرُه: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا </span>(٤)﴾.\n_________\n(^١) أخرجه الدارمي في الرد على بشر المريسى ص ١١، والبيهقى في الأسماء والصفات (١٦٣) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٠٤ - ٢٢٨.","vol":"15","page":452},{"text":"اختلَف أهل العربية في الرافعِ للذِّكْرِ، والناصب للعَبْدِ؛ فقال بعض نحويِّي البصرةِ في معنى ذلك: كأَنَّه قال: ممَّا نَقُصُّ عليك ذكرُ رحمة ربَّكَ عَبْدَه. وانتصَب العبدُ بالرحمة كما تقولُ: ذِكْرُ ضَرْبِ زيدٍ عَمْرًا. وقال بعضُ نحويي الكوفة: رُفِعَتِ الذِّكرُ بـ ﴿كَهيعص﴾، وإن شِئْتَ أَضْمَرْتَ: هذا ذكرُ رَحْمَةِ رَبِّك. قال: والمعنى: ذِكرُ ربِّك عبده برحمته، تقديم وتأخيرٌ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: والقولُ الذي هو الصواب عندي في ذلك أن يُقالَ: الذِّكرُ مرفوعٌ بمضمَرٍ محذوفٍ، وهو \"هذا\" كما فعل ذلك في غيرها من السُّورِ، وذلك كقول الله عزّ ذكرُه: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١]. وقوله: وقوله: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَهَا﴾ [النور: ١]. ونحوِ ذلك. والعبد مَنْصوب بالرَّحْمةِ، وزكريا في موضعِ نصبٍ؛ لأنه بيان عن العَبْدِ. فتأويل الكلام: هذا ذكرُ رحمة ربِّكَ عَبْدَه زكريا.\n\n<span id=\"aya-2253\"></span>وقوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾. يقولُ: حين دعا ربه وسأله بنداءٍ خفيٍّ. يعنى: وهو مُسْتَسِرٌّ بدعائه ومسألَته إيَّاه ما سأل؛ كراهة منه للرِّياءِ.\nكما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾. أي: سِرًّا، وإن الله يعلمُ القلبَ النَّقيَّ، ويسمعُ الصوت الخفي (^٢).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج قولَه: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾. قال: لا يريدُ رياءً (^٣).\n_________\n(^١) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ١٦١.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٠٦ عن قتادة.\n(^٣) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ١٧٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٩ إلى ابن المنذر.","vol":"15","page":453},{"text":"حدثني موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ، قال: رغِبَ زكريا في الولدِ، فقام فصلى، ثم دعا ربَّه سرًّا، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظمُ مِنِّي﴾ إلى ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-2254\"></span>وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾. يقول تعالى ذكره: فكان نداؤُه الخفيُّ - الذي نادى به ربَّه - أن قال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظمُ مِنِّي﴾. يعنى بقولِه: ﴿وَهَنَ﴾: ضعُف ورقَّ من الكِبَرِ.\nكما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظمُ مِنِّي﴾. أي: ضعف العظمُ منى.\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثورى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وَهَنَ الْعَظمُ مِنِّي﴾. قال: نحل العظمُ (^٢).\n[حدثنا الحسنُ، قال: ثنا] (^٣) عبد الرزاق، قال الثوري: وبلغنى أن زكريا كان ابن سبعين سنةً (^٤).\n[وقوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾. يقولُ: وانتشر الشيْبُ في الرأْسِ] (^٥).\nوقد اختلف أهلُ العربية في وجهِ النصب في الشَّيْبِ؛ فقال بعضُ نحويي البصرة: نُصب على المصدر من معنى الكلام، كأَنَّه حين قال: ﴿اشْتَعَلَ﴾، قال: شَابَ. فقال: ﴿شَيْبًا﴾ على المصدرِ. قال: وليس هو في معنى: تَفَقَّأْتُ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٥/ ٣٦٠، ٣٦١.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٥٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٩، ٢٦٠ إلى عبد الرزاق وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"قال\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٠ إلى عبد الرزاق وابن أبي حاتم.\n(^٥) سقط من: ص، م.","vol":"15","page":454},{"text":"شحْمًا، وامتلأتُ ماءً؛ لأن ذلك ليس بمصدرٍ. وقال غيره: نصب الشيب على التفسير. لأنَّه يُقالُ: اشتعَلَ شيب رأسى. واشتعل رأسى شَيْبًا. كما يُقالُ: تَفَقَّأْتُ شحْمًا. وتَفَقَّأَ شحْمِي.\nوقوله: ﴿وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَائكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾. يقولُ: ولم أَشْقَ يا ربِّ بدعائك؛ لأنك لم تُخيِّبْ دعائى قبل إذ كنتُ أدعوك في حاجتي إليك، بل كنت تجيب وتقضى حاجتي قِبَلك.\nكما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾. يقول: قد كنتَ تُعرِّفُني الإجابة فيما مضى.\n\n<span id=\"aya-2255\"></span><span data-type='title' id=toc-5585>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾.</span>\nيقولُ: وإني خِفْتُ بنى عمى وعَصَبَتي ﴿مِنْ وَرَائِي﴾. يقولُ: مِن بعدى أن يَرثونى. وقيل: عنى بقوله: ﴿مِنْ وَرَائِي﴾ مِن قُدَّامي و(^١) بينَ يَدَيَّ وقد بيَّنتُ وجه جوازِ ذلك فيما مضى قبل (^٢).\nوبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5584>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) بعده في م: \"من\".\n(^٢) تقدم في ١٣/ ٦١٧، ٦١٨.","vol":"15","page":455},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ، قوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى﴾. يعنى بالموالى: الكلالة الأولياء؛ أن يَرِثوه، فوهَب الله له يحيى (^١).\nحدثنا يحيى بن داود الواسطيُّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى﴾. قال: العَصَبَةَ (^٢).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، عن إسماعيل، عن أبي صالحٍ في قوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى﴾. قال: خاف موالىَ الكلالة (^٣).\nحدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، بنحوه.\nحدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالحٍ: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى﴾. قال: يعنى الكلالة.\nحدثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال ثنا ورقاءُ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللَّهِ: ﴿خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى﴾. قال: [العَصَبَة.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (^٤).\nحدثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله:\n_________\n(^١) فتح القدير ٣/ ٣٢٥، وتفسير القرطبي ١١/ ٧٨، عن ابن عباس بنحوه.\n(^٢) التبيان ٧/ ٩٣ عن أبي صالح به، وفتح البارى ٨/ ١٢، وعزاه إلى المصنف.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢٠٦، والبحر المحيط ٦/ ١٧٣.\n(^٤) أخرجه الثورى في تفسيره ص ١٨٨ (٥٥٣) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٩ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":456},{"text":"﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى﴾. قال: العَصْبَةُ (^١).\nحدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى﴾: والموالى: هنَّ العَصَبَةُ (^٢).\nوالموالى: جمعُ مَوْلًى، والمولى والوَلِيُّ في كلام العرب واحدٌ.\nوقرأت قرأة الأمصار ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾. بمعنى الخوف الذي هو خلافُ الأمنِ. وروى عن عثمان بن عفان أنه قرأه: (وإنَّي خَفَّتِ المَوَاليَ): بتشديدِ الفاءِ وفتح الخاء من الخفَّةِ (^٣)، كأنه وجه تأويل الكلام: وإني ذهَبَتْ عَصَبَتى ومَن يَرِثُنى، من بنى أعمامي.\nوإذا قُرِئ ذلك كذلك؛ كانت الياءُ من \"الموالى\" مُسَكَّنةً غير متحركةٍ؛ لأنها تكونُ في موضع رفع بـ \"خَفَّت\".\nوقوله: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾. يقولُ: وكانت زوجتى لا تَلِدُ. يُقالُ منه: رجلٌ، عاقرٌ، وامرأةٌ عاقرٌ. بلفظِ واحدٍ، كما قال الشاعر (^٤):\nلَبِئْسَ الفتى إن كُنْتُ أَعُورَ عَاقِرًا … جبانًا فما عُذْرِى لَدَى كلِّ مَحضَرِ\nوقوله: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾. يقولُ: فارْزُقْنى مِن عندك ولدًا وارثًا ومُعينًا.\n\n<span id=\"aya-2256\"></span>وقوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. يقولُ: يَرِثُنى مِن بعدِ وفاتي ماليَ،\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣ عن معمر به، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٩/ ٥١ من طريق عبد الرزاق به.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢٠٦، والتبيان ٧/ ٩٣.\n(^٣) ينظر البحر المحيط ٦/ ١٧٤.\n(^٤) هو عامر بن الطفيل، وقد تقدم البيت في ٥/ ٣٨١، ٣٨٢.","vol":"15","page":457},{"text":"ويَرِثُ من آل يعقوب النبوَّةَ، وذلك أن زكريا كان من ولدِ يعقوبَ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5586>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، عن إسماعيل، عن أبي صالح قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. يقولُ: يَرِثُ مالى، ويَرِثُ مِن آلِ يعقوبَ النبوَّةَ (^١).\nحدثنا مجاهد، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيلُ، عن أبي صالح في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. قال: يَرِثُ مالى، ويَرِثُ من آلِ يعقوبَ النبوَّةَ.\nحدثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالحٍ في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. قال: يَرِثُنى مالى، ويَرِثُ من آلِ يعقوبَ النبوَّة (^٢).\nحدثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. قال: يكون نبيا كما كانت آباؤه أنبياء.\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٠٧ من طريق جابر بن نوح. وينظر التبيان ٧/ ٩٤.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٠٧ عن هشيم به، وينظر التبيان ٧/ ٩٤.","vol":"15","page":458},{"text":"﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. قال: وكان [وراثته علما] (^١)، وكان زكريَّا من ذرية يعقوبَ (^٢).\n[حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان وراثته (^٣) علمًا، وكان زكريَّا من ذرية يعقوبَ] (^٤).\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. قال: [نبوَّتَه وعلمَه] (^٥) (^٦).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، عن مباركٍ، عن الحسنِ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"رحِم الله أخى زكريَّا، ما كان عليه مِنْ وَرَثَةِ ماله حين يقولُ: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ \" (^٧).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. قال: كان الحسنُ يقولُ: يَرثُ نبوّتَه وعلمَه، قال قتادة: ذُكِرَ لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآيةَ، وأتى على: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف، وإحدى نسخ تفسير مجاهد: \"ورثه غلاما\". وفي ت ١: \"ورثه علما\".\nوينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢٠٧، وينظر الأثر الآتي.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٥٣ من طريق ورقاء به، وينظر التبيان ٧/ ٩٤، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢٠٧.\n(^٤) في ت ١: \"وارثه\".\n(^٥) في ت ٢: \"نبوة وعلما\".\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣ عن معمر به، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٩/ ٥١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٩ إلى عبد بن حميد وابن جريج وابن أبي حاتم.\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٠٨ عن المصنف.","vol":"15","page":459},{"text":"قال: \"رحِم الله زكريا ما كان عليه من وَرَثَتِه\".\nحدثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، أن النبي ﷺ، قال: \"يَرْحَمُ اللهُ زَكريا، وما كان عليه مِن وَرَثَتِهِ، ويَرْحَمُ الله لوطًا؛ إن كان لَيَأْوِى إِلى رُكْنٍ شديدٍ\" (^١).\nحدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. قال يَرِثُ نبوَّتى ونبوَّةَ آلِ يعقوبَ (^٢).\nواختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿ويَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾؛ فقرَأت ذلك عامة قرأة المدينة ومكةَ، وجماعةٌ من أهل الكوفة: ﴿يرثني وَيَرِثُ﴾، برفع الحرفين كليهما (^٣)، بمعنى: فهب ليَ الذي يَرِثُنَى وَيَرِثُ من آلِ يعقوبَ، وعلى أَنَّ ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ من صلة (^٤) الوليِّ. وقرَأ ذلك جماعة من قرأة أهل الكوفة والبصرة: (يَرِثْنى ويَرِثُ). بجزمِ الحرفين على الجزاء والشرط (^٥)، بمعنى: فَهبْ لي من لدنك وليًّا؛ فإنه يَرِثُنى إذا وهبْتَه لي. وقال الذين قرءوا ذلك كذلك: إنما حسن ذلك في هذا الموضع؛ لأن ﴿يَرِثُنِي﴾ مِن آية غير التي قبلَها. قالوا: وإنما يحسُن أن يكون مثل هذا صلةً؛ إذا كان غير منقطعٍ عما هو له صلةٌ، كقوله ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤].\nقال أبو جعفرٍ: وأولى القراءتين في ذلك عندى بالصواب (^٦) قراءة من قرَأه برفعِ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣، وآخر الحديث له أصل في الصحيحين: \"يرحم الله لوطًا\" عن أبي هريرة مرفوعًا. البخارى (٣٣٧٥، ٣٣٨٧)، ومسلم (٢٣٧٠، ١٥١، ١٥٣).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٩ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة. السبعة ص ٤٠٧.\n(^٤) في ف: \"صفة\". والصلة هنا يريد بها الصفة. مصطلحات النحو الكوفي ص ٤٥.\n(^٥) قراءة أبي عمرو والكسائي. السبعة ص ٤٠٧.\n(^٦) القراءتان متواترتان.","vol":"15","page":460},{"text":"الحرفين على الصلة للوليِّ؛ لأنّ الوليَّ نِكرةٌ، وأن زكريَّا إنما سأل ربه أن يَهَبُ له وليًّا يكون بهذه الصفة، كما روى عن رسول الله ﷺ، لا أنه سأله وليًّا، ثم أخبر أنه إذا وهِب له ذلك كانت هذه صفته؛ لأنَّ ذلك لو كان كذلك، كان ذلك من زكريَّا دخولًا في علم الغيب الذي قد حجبه الله عن خلقه.\nوقوله: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾. يقولُ: واجعَلْ يا ربِّ الوليَّ الذي تهَبه لي مرضِيًّا ترضاه أنت، ويرضاه عبادُك دينًا وخُلُقًا وخَلْقًا.\nوالرَّضِيُّ \"فَعِيلٌ\" صُرِف مِن \"مفعولٍ\" إليه.\n\n<span id=\"aya-2257\"></span><span data-type='title' id=toc-5588>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فاستجاب له ربُّه، فقال له: يا زكريا إنا نُبَشِّرُك بهبتِنا لك غلامًا اسمه كان قتادةُ يقولُ: إنما سمَّاه الله يحيى لإحيائه إيَّاه بالإيمان.\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾. عبدًا (^١) أحياه الله بالإيمانِ (^٢).\nوقوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: لم تلد مثله عاقرٌ قطُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5587>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس\n_________\n(^١) في م: \"عبد\".\n(^٢) في ص، م، ت ٢، ف: \"للإيمان\". وتقدم هذا الأثر في ٥/ ٣٧٠.","vol":"15","page":461},{"text":"قوله ليحيى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾. يقولُ: لم تلدِ العواقرُ مثله ولدًا (^١).\nوقال آخرون: بل معناه: لم نجعَلْ له من قبله مِثْلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5589>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنى أبو الربيع، قال: ثنا سلمُ (^٢) بن قتيبة، قال: أخبرنا شعبة، عن الحكمِ، عن مجاهد في قوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾. [قال: شِبْهًا] (^٣).\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قوله قوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾. قال: مِثْلًا (^٤).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nوقال آخرون: معنى ذلك، أنه لم يُسَمَّ باسمه أحدٌ قبلَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5590>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ\n_________\n(^١) بعده في م: \"قط\".\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٠٨، والبغوى ٥/ ٢٢٠ عن ابن أبي طلحة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٠ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م، ت ١، ف: \"سالم\"، وفى ت ٢: \"سلام\". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٢٣٢.\n(^٣) سقط من ت ١، ف، وفى م: \"قال شبيها\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٦٢ (١١٩٥٩) من طريق شعبة به.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٥٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٠ إلى أحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":462},{"text":"مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾. لم يُسَمَّ به أحدٌ قبله.\nحدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾. قال: لم يُسَمَّ يحيى أحدٌ قبله (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابنِ جُرَيج مثلَه (^٢).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قول الله: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾. قال: لم يُسَمَّ أحدٌ قبله بهذا الاسم (^٣).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: إِن اللَّهَ يُبشِّرُك بغُلام اسمه يحيى ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾. لم يُسمَّ أحدٌ قبله يحيى (^٤).\nقال أبو جعفر: وهذا القولُ -أعنى قول من قال: لم يكن ليحيى، قبل يحيى، أحدٌ سُمّى باسمه- أشبه بتأويل ذلك، وإنما معنى الكلام: لم نجعل للغلام الذى نَهَبُ لك، الذى اسمه يحيى، من قبله أحدًا مُسمّى باسمه.\nوالسَّمِيُّ. \"فعيلٌ\" صُرِف مِن \"مفعول\" إليه.\n\n<span id=\"aya-2258\"></span><span data-type='title' id=toc-5591>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قال زكريا لمَّا بشَّره الله بيحيى: ربِّ أَنَّى يكونُ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٠٨، والطوسى في التبيان ٧/ ٩٧ عن ابن جريج.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٠٨، والطوسى في التبيان ٧/ ٩٨، وأبو حيان في البحر المحيط ٦/ ١٧٥ عن ابن زيد.\n(^٤) ذكره القرطبي ١١/ ٨٣، والطوسى في التبيان ٧/ ٩٧ عن السدى.","vol":"15","page":463},{"text":"لي غُلامٌ، ومن أيِّ وجهٍ يكون لي ذلك، وامرأتى عاقرٌ لا تَحبَلُ، وقد ضعُفْتُ من الكِبَرِ عن مباضعةِ النساءِ؟! أبأن تُقَوِّيَنى على ما ضعُفْتُ عنه مِن ذلك، وتجعلَ زوجتى ولودًا -فإنك القادرُ على ذلك، وعلى ما تشاءُ- أم بأن أنكِحَ زوجةً غيرَ زوجتى العاقرِ؟ يَسْتَثْبِتُ ربَّهُ الخبرَ عن الوجه الذى يكونُ من قِبَلِه له الولد الذى بشَّره الله به، لا إنكارًا منه ﷺ حقيقةَ كون ما وعده الله من الولدِ، وكيف يكون ذلك منه إنكارًا لأنْ يَرْزقَه الولد الذى بشَّره به، وهو المُبتدِئُ مسئلةَ ربِّه ذلك بقوله: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. بعد قوله: ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾؟!\nوقال السدىُّ في ذلك ما حدَّثنى موسى بن هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: نادى جبريل زكريا: إِنَّ اللهَ يُبشِّرُك بغلام اسمه يحيى لم يَجعَلْ (^١) له مِن قبل سميًّا. فلما سمِع النداءَ جاءَه الشيطان فقال: يا زكريا، إن الصوت الذى سمِعتَ ليس من الله؛ إنما هو من الشيطانِ يَسْخَرُ بك، ولو كان مِن اللهِ أوحاه إليك كما يُوحى إليك غيره من الأمر. فشك مكانه (^٢) وقال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾. يقولُ: من أين يكون ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ﴾ (^٣) [آل عمران: ٤٠]؟!\nوقوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾. يقولُ: وقد عَتَوتُ مِن الكِبَرِ فصرتُ نَحِلَ العظامِ يابسَها.\nيقالُ. منه للعودِ اليابس: عودٌ عاتٍ وعاسٍ. وقد عتَا يَعْتُو عِتِيًّا وعُتُوًّا، وعَسَى\n_________\n(^١) في م: \"نجعل\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ف، وفي ص بياض يسع كلمة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٤ (٣٤٧٣) من طريق عمرو به.","vol":"15","page":464},{"text":"يَعْسُو عُِسِيًّا وعُسُوًّا، وكلُّ متناهٍ إلى غايته في كِبْرٍ أو فسادٍ أو كفرٍ، فهو عاتٍ وعاسٍ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا حُصين، عن عكرمة، عن ابنِ عباسٍ، قال: قد علمتُ السُّنَّةَ كلَّها، غيرَ أنى لا أدرى أكان رسولُ اللهِ ﷺ يَقرأُ في الظهر والعصر أم لا؟ ولا أدرى كيف كان يقرأُ هذا الحرفَ: (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عُتِيًّا) (^١)، أو (عُسِيًّا) (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾. قال: يعنى بالعِتيِّ الكِبَرَ (^٣).\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿عِتِيًّا﴾. قال: نُحولُ العَظْمِ (^٤).\n_________\n(^١) كذا بالضم كما في ص، وكما هو في أصول مسند أحمد، وكما ضبط في اللسان (ع س ا)، وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: ﴿عِتيا﴾ بالكسر. السبعة ص ٤٠٧.\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٢٤٦)، وأبو داود (٨٠٩)، والطحاوى في المعانى ١/ ٢٠٥ من طريق هشيم به. ورواية أبي داود والطحاوى مختصرة. وأخرجه أحمد (٢٣٣٢)، والحاكم ٢/ ٢٤٤، وقال: صحيح على شرط البخارى، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٠ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٠٩.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٥٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"15","page":465},{"text":"حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾. قال: سنًّا، وكان ابن بضعٍ وسبعينَ سنةً (^١).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾. قال: العِتيُّ: الذي قد عتا عن الولد فيما يَرَى في نفسِه لا يُولَدُ له (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾. قال: هو الكِبَرُ.\n\n<span id=\"aya-2259\"></span><span data-type='title' id=toc-5592>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قال الله لزكريا مجيبًا له: ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾. يقولُ: هكذا الأمر كما تقولُ من أنّ امرأتك عاقرٌ، وأنك قد بلغت من الكِبَرِ العتيَّ، ولكنَّ ربَّك يقولُ: خلق ما بشَّرتُك به من الغلام الذى ذكرتُ لك أن اسمَه يحيى عليَّ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم، بلفظ: \"هرمًا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٠ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"15","page":466},{"text":"هينٌ. فهو إذن من قوله: ﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَى هَيِّنٌ﴾. كناية عن الخلقِ.\nوقوله: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾. يقول تعالى ذكرُه: وليس خلْقُ ما وعَدتُك أن أَهَبَه لك من الغلام الذى ذكرتُ لك أمره منك مع كِبَرِ سنِّك، وعُقم زوجتك بأعجبَ مِن خَلْقِيك (^١)، فإني قد خلَقتُك، فأَنشَأْتُك بشرًا سويًّا مِن قبل خَلْقى ما بشَّرتُك بأنى واهبُه لك من الولدِ، ولم تك شيئًا، فكذلك أَخْلُقُ لك الولد الذى بشَّرتُك به من زوجتك العاقر، مع عِتِيِّك ووهَنِ عظامِك، واشتعال شيب رأسك.\n\n<span id=\"aya-2260\"></span>وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي ءَايَةً﴾. يقول تعالى ذكره: قال زكريا: يا ربِّ اجعل لي عَلَمًا ودليلا على ما بشَّرتْنى به ملائكتك من هذا الغلامِ، عن أمرِك ورسالتك، وليطمئنَّ إلى ذلك قلبي.\nكما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً﴾. قال: قال: ربِّ اجعل لي آيةً أنَّ هذا منك.\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: قال: ربِّ، فإن كان هذا الصوتُ منك فاجعَل لي آية، قال الله: ﴿آيَتُكَ﴾ لذلك: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ (^٢).\n[وقوله: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾] (^٣).\nيقول جل ثناؤُه: علامتك لذلك، ودليلُك عليه أن لا تُكَلِّمَ الناسَ ثَلاثَ ليال\n_________\n(^١) في ت ١، ف: \"خلقتك\". وفي ت ٢: \"خلقك\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٥ (٣٤٧٥) من طريق عمرو به.\n(^٣) ليست في النسخ، وزدناها وفقًا لما مضت عليه عادة المصنف في التفسير.","vol":"15","page":467},{"text":"وأنت سوىٌّ صحيحٌ، لا علة بك من خَرَسٍ ولا مَرَضٍ يمنعك من الكلام.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد، عن ابنِ عباس: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾. قال: اعتُقِل لسانه من غير مرض (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾. يقولُ: مِن غَيرِ خَرَسٍ (^٢).\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿ثَلَاثَ لَيَالِ سَوِيًّا﴾. قال: لا يمنعك من الكلام مرضٌ (^٣).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ: ﴿أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾. قال: صحيحًا لا يمنعك من الكلام مرضٌ (^٤).\nحدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾: من غير بأس ولا خَرَسٍ، إنما عُوقب بذلك؛ لأنَّه (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٢٩١ من طريق عطاء به. وقال: صحيح الإسناد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٠ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٥٤ بلفظ الأثر التالى.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) سقط من: ص، ت ٢، ف.","vol":"15","page":468},{"text":"سأَل آيةً بعدما شافَهته الملائكة بذلك (^١) مشافهةً، أُخِذ بلسانه حتى ما (^٢) يُطيقَ (^٣) الكلامَ، إلَّا ما (^٤) أومأ إيماءً (^٥).\nحدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن عكرمة في قوله: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾. قال: سويًّا من غير خرس (^٦).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾: وأنت صحيح. قال: فحُبِس لسانه، فكان لا يستطيع أن يُكلِّم أحدًا، وهو في ذلك يُسَبِّحُ، ويَقرَأُ التوراة ويقرَأُ الإنجيلَ، فإذا أراد كلام الناس لم يَستَطِعْ أن يُكَلِّمهم (^٧).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يَتَّهمُ، عن وهب ابن منَبِّهٍ اليمانيِّ، قال: أخذ الله بلسانه من غيرِ سوءٍ، فجعل لا يُطِيقُ الكلام، وإنما كلامُه قومَه بالإشارة، حتى مضت الثلاثةُ الأيامُ، التي جعلها اللهُ آيَةً لمِصْداقِ ما وعده من هبته له.\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾. يقولُ: مِن غيرِ خَرَسٍ، إلا\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: ت ١، ف. وبعده في م: \"كان\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ىصىص\". وفى م: \"يفيض\". والصواب إن شاء الله ما أثبتناه، وينظر الأثر الآتي عن ابن إسحاق.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٥) أخرج نحوه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٥ (٣٤٧٨) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة.\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٠ إلى ابن أبي حاتم، وينظر التبيان ٧/ ٩٧، والبحر المحيط ٦/ ١٧٦، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢١٠.","vol":"15","page":469},{"text":"رمزًا، فاعتُقِل لسانُه ثلاثة أيام وثلاث ليال (^١).\nوقال آخرون: السوىُّ من صفة الأيام. قالوا: ومعنى الكلام: قال: آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال متتابعاتٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالِ سَوِيًّا﴾. قال: ثلاث ليالٍ متتابعاتٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2261\"></span><span data-type='title' id=toc-5593>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فخرج زكريا على قومِه مِن مُصلَّاه حينَ حُبِس لسانه عن كلام الناسِ؛ آيةً من الله له على حقيقة وعدِه إياه ما وعَد.\nفكان ابن جريج يقولُ في معنى خروجه من محرابه، ما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾. قال: أشرف على قومه من المحرابِ.\nقال أبو جعفر: وقد بيّنا معنى المحراب فيما مضَى قبل بما أَغنَى عن إعادته في هذا الموضع (^٣).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَخَرَجَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٤٥ (٣٤٧٧).\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢١٠ عن العوفى عن ابن عباس.\n(^٣) تقدم في ٥/ ٣٥٨.","vol":"15","page":470},{"text":"عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾. قال: المحرابُ مُصلَّاه. وقرَأ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ (^١) [آل عمران: ٣٩].\nوقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِم﴾. يقولُ: أشار إليهم. وقد تكون تلك الإشارة باليدِ وبالكتاب وبغير ذلك مما يُفهَمُ به عنه ما يريدُ، وللعرب في ذلك لغتان: وحَى، وأَوحَى؛ فمَن قال: وحَى. قال في \"يفعَلُ\": يَحِى. ومَن قال: أَوْحَى. قال: يُوحِى. وكذلك أَوْمَى ووَمَى؛ فمَن قال: ومَى. قال في \"يفعَلُ\": يَمِى. ومَن قال: أَوْمَى. قال: يُومِى.\nواختلف أهل التأويل في المعنى الذى به (^٢) أَوحَى إلى قومه؛ فقال بعضُهم: أَوحَى إليهم إشارةً باليدِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَأَوْحَى﴾: فأشار زكريا (^٣).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهد مثلَه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عمن لا يَتَّهِمُ، عن وهب\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٠ إلى ابن أبي حاتم، وينظر التبيان ٧/ ٩٩.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٥٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٠ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":471},{"text":"ابنِ منبهٍ: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾. قال: الوحى: الإشارةُ (^١).\nحدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهمْ﴾. قال: أَومَى إليهم (^٢).\nوقال آخرون: معنى أَوحَى: كتَب.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمود بن خداش، قال: ثنا عبّادُ بنُ العوّامِ، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. قال: كتب لهم في الأرضِ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن ابن أبي ليلى، عن الحكمِ: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾. قال: كتَب لهم (^٤).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾، فكتَب لهم في كتاب: ﴿أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. وذلك قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ (^٥).\nوقال آخرون: معنى ذلك: أمرهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قوله: ﴿فَأَوْحَى\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢١٠.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢١٠.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٥، وتفسير الثورى ص ١٨٥، وزاد الثورى في سنده إبراهيم النخعي بعد الحكم.\n(^٥) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢١٠.","vol":"15","page":472},{"text":"إلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. قال: ما ندرِى (^١)، كتابا كتبه لهم، أو إشارةً أشارها! والله أعلم. قال: أمرهم أن سَبِّحوا بكرةً وعشيًّا، وهو لا يكلمهم.\nوقوله: ﴿أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. قد بيَّنتُ فيما مضى الوجوهَ التي ينصرفُ فيها التسبيحُ (^٢)، وقد يجوز في هذا الموضع أن يكون عنى به التسبيح الذي هو ذكرُ اللهِ، فيكونَ أمَرهم بالفراغ لذكر الله في طرَفَي النهارِ بالتسبيحِ، ويجوز أن يكونَ عَنَى به الصلاةَ، فيكون أمَرهم بالصلاة في هذين الوقتين.\nوكان قتادة يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ عن قتادة في قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. قال: أومَى إليهم أن صلُّوا بُكرة وعشيًّا (^٣).\n\n<span id=\"aya-2262\"></span><span data-type='title' id=toc-5594>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فوُلِد لزكريا يحيى. فلما وُلِد قال الله له: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. يعنى كتابَ اللهِ الذى أنزله على موسى وهو التوراة، ﴿بِقُوَّةٍ﴾. يقولُ: بجِدٍّ.\nكما حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، في قوله: ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. قال: بجدٍّ (^٤).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) في م: \"أدرى\".\n(^٢) تقدم في ١/ ٥٠٤ وما بعدها.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤، ومن طريقه أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٩/ ٥٢.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٠ (٦٥٨) عن الحسن به.","vol":"15","page":473},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. قال: بجدٍّ (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.\nوقال ابن زيد في ذلك ما حدَّثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ (^٢): أن يعمل بما أمره الله، ويُجانِبَ فيه ما نهاه الله.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وقد بيَّنتُ معنى ذلك بشواهده فيما مضى من كتابِنا هذا في سورةِ \"آل عمران\"، فأغنَى ذلك عن إعادته في هذا الموضع (^٣).\nوقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾. يقول تعالى ذكره: وأعطيناه الفهمَ بكتابِ الله في حال صباه، قبل بلوغِه أسنانَ الرجالِ.\nوقد حدَّثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ، قال: ثنا عبد الله بن المباركِ، قال: أخبرني معمر، ولم يذكره عن أحدٍ في هذه الآية: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾. قال: بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهَبْ بنا نلعب. فقال: ما للَّعب خُلِقتُ. فأنزل الله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٥٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٠ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) بعده في م، ت ٢: \"قال القوة\".\n(^٣) تقدم في ٥/ ٣٧٤ وما بعدها.\n(^٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٨/ ٨٧ (مخطوط) من طريق ابن المبارك به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤ - ومن طريقه أحمد في الزهد ص ٩٠ - عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والخرائطى.","vol":"15","page":474},{"text":"<span id=\"aya-2263\"></span>وقولُه: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا﴾. يقول تعالى ذكره: ورحمة منا به ومحبةً له؛ آتيناه الحكمَ صبيًّا.\nوقد اختلف أهل التأويل في معنى الحنانِ؛ فقال بعضُهم: معناه: الرحمة. ووَجَّهوا الكلامَ إلى نحو المعنى الذى وجَّهناه إليه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاوية، عن علىٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَحَنَانًا مِن لَّدُنَّا﴾ يقولُ: ورحمةً مِن عندنا (^١).\nحدَّثنا محمد بن المثنّى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماكٍ، عن عكرمة، في هذه الآية: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَدُنَّا﴾. قال: رحمةً (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَدُنَّا﴾. قال: رحمةً مِن عندِنا (^٣):\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَا﴾. قال: رحمةً مِن عندنا، لا يملكُ عطاءَها أحدٌ غيرُنا (^٤).\nحُدِّثت عن الحسين بن الفرجِ، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عبيدُ بنُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢١١.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) ينظر التبيان ٧/ ٩٩، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢١١.","vol":"15","page":475},{"text":"سليمانَ، قال: سمعت الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾. يقولُ: رحمةً من عندنا، لا يقدِرُ على أن يعطيَها أحدٌ غيرُنا.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ورحمةً من عندنا لزكريا؛ آتيناه الحكم صبيًّا، وفعلنا به الذي فعلنا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قولَه: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾. يقولُ: ورحمةً من عندنا [رحِم الله بها زكريا] (^١) (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: وتعطفًا من عندنا عليه؛ فعلنا ذلك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾. قال: تعطُّفًا من ربِّه عليه (^٣).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.\nوقال آخرون: بل معنى الحنان المحبة. ووجهوا معنى الكلام إلى: ومحبةً من عندنا عليه (^٤) فعلنا ذلك.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ف. قال ابن كثير: وقد ذكر هذا الأثر عن ابن عباس: \"وزاد قتادة: رُحم بها زكريا\".\n(^٢) ينظر التبيان ٧/ ٩٩، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢١١.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٥٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ف.","vol":"15","page":476},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكام، عن عنبسةَ، عن يحيى بن سعيد، عن عكرمة: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾. قال: محبةً عليه (^١).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَحَنَانًا﴾. قال: أما الحنان فالمحبة (^٢).\nوقال آخرون: معناه: تعظيمًا منَّا له.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تُميْلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عطاء بن أبي رباح: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾. . قال: تعظيمًا مِن لدُنَّا (^٣).\nوقد ذُكر عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا أدرى ما الحنانُ.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لا (^٤) والله ما أدرى ما حنانًا (^٥).\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٧/ ٩٩، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢١١.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢١١.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢١١.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦١ بلفظ: \"لا أدرى ما هو إلا أنى أظنه تعطف الله على خلقه بالرحمة\". إلى عبد الرزاق والفريابي وابن أبى شيبة وعبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم والزجاجى في أماليه وصححه البيهقي في الأسماء والصفات.\nوالذي أخرجه الحاكم ٢/ ٣٧٢ وصححه، والبيهقى في الأسماء والصفات (١٤١) من طريق عكرمة عن ابن عباس إنما فيه: \" ﴿وحنانًا من لدنا﴾. قال: التعطف بالرحمة\".","vol":"15","page":477},{"text":"[حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، قال: سألتُ سعيد بن جبير عن قوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾. قال: سألتُ عنها ابن عباسٍ فلم يُحِرْ فيه شيئًا] (^١).\nوللعرب في \"حَنَانَك\" لغتانِ؛ تقولُ: حَنَانَك يا ربَّنا، وحنانيك. كما قال طَرَفَةُ بنُ العبد في \"حنانيكِ\" (^٢):\nأبا مُنْذِرٍ أَفْنَيْتَ فَاسْتَبْقِ بَعْضَنا … حَنانَيْكَ بعضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِن بعضِ\nوقال امرؤ القيس في اللغة الأخرى (^٣):\nويَمْنَحُها بَنُو شَمَجَى بْنِ جَرْمِ … مَعِيزَهُمُ! حنانَكَ ذَا الحَنانِ\nوقد اختلف أهلُ العربية في \"حنانيك\"؛ فقال بعضُهم: هو تثنية \"حنانٍ\". وقال آخرون: بل هي لغةٌ، وليست بتثنيةٍ؛ قالوا: [وذلك كقولهم] (^٤): حَوَالَيك. وكما قال الشاعرُ (^٥):\nضَرْبًا هَذَاذَيْكَ (^٦) وطَعْنًا وَخْضًا (^٧)\nوقد سوَّى بين جميعِ ذلك الذين قالوا: حنانيك تثنيةٌ. في أن كل ذلك تثنية. وأصل ذلك، أعنى الحنانَ، مِن قول القائل: حنَّ فلانٌ إلى كذا. وذلك إذا ارتاح إليه\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ف. والأثر قد عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦١ إلى المصنف، وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢١١.\n(^٢) ديوان طرفة ص ١٧٢.\n(^٣) ديوانه ص ١٤٣.\n(^٤) في ت ٢: \"وكذلك قولهم\".\n(^٥) البيت للعجاج. ديوانه ص ٩٢.\n(^٦) هذاذيك: أي هذًّا بعد هذٍّ، يعني: قطعا بعد قطع. اللسان (هـ ذ ذ).\n(^٧) الوخض: الطعن غير الجائف. وقيل: الجائف. وهو طعن الأجواف. اللسان (وخ ض)، وينظر الكتاب ١/ ٣٥٠.","vol":"15","page":478},{"text":"واشتاق، ثم يقالُ: تحنَّنَ فلانٌ على فلانٍ. إذا وُصِف بالتعطُّفِ عليه والرقة به والرحمة له، كما قال الشاعر (^١):\nتحَنَّنْ علَيَّ هَدَاكَ المَلِيكُ … فإِنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالا\nبمعنى: تعطَّف عليَّ. فالحنانُ مصدرٌ من قول القائل: حنَّ فلانٌ على فلانٍ. يقال منه: حنَنْتُ عليه، فأنا أحِنُّ عليه حنينا وحنانًا، ومن ذلك قيل لزوجة الرجلِ: حَنَّتُه. لتَحَنُّنِه عليها وتعطُّفِه، كما قال الراجز (^٢):\nولَيْلَةٍ ذَاتِ دُجًى سَرَيْتُ\nولَمْ تَضِرْنِي حَنَّةٌ وَبَيْتُ\nوقوله: ﴿وَزَكَاةً﴾. يقول تعالى ذكرُه: وآتَيْنا يحيى الحكم صبيًّا، ﴿وَزَكَاةً﴾. وهو الطهارة من الذنوبِ، واستعمالُ بدنه في طاعة ربِّه، فالزكاةُ عطفٌ على الحكم من قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَزَكَاةً﴾. قال: الزكاةُ: العمل الصالح (^٣).\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ١٦٧ بغير هذه الرواية، وفيه: \"ولا تعجلنى هداك المليك\". وينظر تخريجه ثمَّ.\n(^٢) تقدم في ١٤/ ٤١٣، ورواية البيت الثانى مختلفة عما هنا قال:\nولم يلتني عن سُراها ليت\nوسيأتى الاستشهاد بهذين البيتين في تفسير \"الحجرات\" آية ١٤ باختلاف يسير، وقد نسبهما المصنف إلى رؤبة وليسا في ديوانه، وهما منسوبان في اللسان (ل ى ت، ح ن ن) إلى أبي محمد الفقعسى.\n(^٣) ينظر التبيان ٧/ ١٠٠، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢١١.","vol":"15","page":479},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿وَزَكَاةً﴾. قال: العمل الصالح الزكيُّ (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَزَكَاةً﴾. يعنى: العمل الصالح الزاكي (^٢).\nوقوله: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾. يقول تعالى ذكره: وكان لله خائفًا، مؤديًا فرائضَه، مجتنبًا محارمه، مسارعًا في طاعتِه.\nكما حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾. قال: طهُرَ فلم يعمَلْ بذنبٍ (^٣).\nحدَّثني يونس قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَزَكَاةً وكان تَقِيًّا﴾. قال: أمَّا الزكاة والتقوى فقد عرفهما الناسُ.\n\n<span id=\"aya-2264\"></span><span data-type='title' id=toc-5595>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وكان برًّا بوالديه، مسارعًا في طاعتهما ومحبتهما، غيرَ عاقٍّ بهما، ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾. يقول جل ثناؤُه: ولم يكُنْ مستكبرًا عن طاعةِ ربِّه وطاعة والديه، [ولكنه كان لله ولوالديه] (^٤) متواضعًا متذلِّلًا، يأتمر لما أُمِر\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٧/ ١٠٠، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢١٢.\n(^٢) ينظر التبيان ٧/ ١٠٠، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢١٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦١ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: ت ١.","vol":"15","page":480},{"text":"به، وينتهى عما نُهِيَ عنه، لا يَعْصِى ربَّه ولا والديه.\nوقوله: ﴿عَصِيًّا﴾. فعيلٌ بمعنى أنه ذو عصيانٍ، من قول القائلِ: عصَى فلانٌ ربَّه فهو يعصِيه (^١).\n\n<span id=\"aya-2265\"></span>وقوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾. يقولُ: وأمانٌ من الله له يومَ وُلِد من أن يناله الشيطانُ من السوء بما ينالُ به بنى آدمَ. وذلك أنه رُوِى عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"كُلُّ بَنِي آدَمَ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ وَلَهُ ذَنْبٌ، إِلَّا ما كانَ مِنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا\".\nحدَّثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيبِ، قال: ثنى ابن العاص، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول ذلك (^٢).\nحدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿جَبَّارًا عَصِيًّا﴾. قال: كان ابن المسيّبِ يذكُرُ قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"ما مِنْ أَحَدٍ يَلْقَى اللهَ يَوْمَ القِيامَةِ إِلَّا ذَا ذَنْبٍ، إِلَّا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا\" (^٣).\nقال: وقال قتادةُ: ما أذنَب، ولا همَّ بامرأةٍ.\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾. يقولُ: وأمانٌ مِن اللهِ تعالى ذكره له مِن فَتَّانَيِ القبرِ، ومن هول المطلع، ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾. يقولُ: وأمانٌ له من عذاب الله يومَ القيامةِ، يوم الفزع الأكبرِ من أن يروعه شيءٌ، أو أن يُفزِعَه ما يُفزِعُ الخَلقَ.\n_________\n(^١) بعده في م: \"عَصْيًا\".\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٣٧٣، وابن عساكر في تاريخه ١٨/ ٨٢ (مخطوط) من طريق ابن إسحاق به. وأخرجه أحمد في الزهد ص ٩٠ من طريق يحيى به موقوفًا.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦، وأخرجه من طريقه ابن عساكر في تاريخه ١٨/ ٨٢ (مخطوط).","vol":"15","page":481},{"text":"وقد ذُكر عن ابن عيينةَ في ذلك ما حدثنى أحمد بن منصورٍ المروزيُّ (^١)، قال: أخبَرني صدقة بن الفضلِ قال: سمعتُ ابن عيينة (^٢) يقولُ: أوحش ما يكونُ الخلق في ثلاثة مواطنَ: يومَ يُولَدُ فيرى نفسَه خارجًا مما كان فيه، ويومَ يَموتُ فيرَى قومًا لم يكن عايَنَهم، ويومَ يُبعَثُ فيرى نفسه في محشرٍ عظيمٍ، قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا، فخصّه بالسَّلامِ عليه، فقال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أن الحسن قال: إن عيسى ويحيى التقَيا. فقال له عيسى: استَغفِرْ لي، أنتَ خيرٌ مِنِّي. فقال له الآخرُ: استَغفِرْ لي، أنتَ خيرٌ مِنِّى. فقال له عيسى: أنتَ خيرٌ مِنِّى؛ سلَّمتُ على نفسى، وسلَّم الله عليك. فعرَف والله فضلَها (^٤).\n\n<span id=\"aya-2266\"></span><span data-type='title' id=toc-5596>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: واذكرْ يا محمد في كتاب الله الذى أنزله عليك بالحقِّ، مريم ابنة عمران حين اعتزلتْ من أهلها، وانفردتْ عنهم. وهو افتعل\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"الفيروزى\". وهو أحمد بن منصور بن راشد الحنظلي أبو صالح المروزي. ترجمته في تهذيب الكمال ١/ ٤٩١، وينظر أيضًا تهذيب الكمال ١٣/ ١٤٤.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"عطية\".\n(^٣) أخرجه ابن عساكر ١٨/ ٨٢ (مخطوط) من طريق أحمد بن منصور المروزي به.\n(^٤) أخرجه أحمد في الزهد ص ٧٦ من طريق سعيد به. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٤ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ١٨/ ٨٣ (مخطوط) - عن معمر عن قتادة به. ومن طريق جرير عن الحسن أخرجه أيضًا ابن عساكر في تاريخه ١٨/ ٨٣ (مخطوط).\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٢ إلى أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":482},{"text":"مِن النَّبذِ. والنَّبذُ: الطَّرحُ. وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى قبلُ (^١).\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ قوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾. أي انفرَدتْ مِن أهلها (^٢).\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبَّارِ (^٣)، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنة، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: [﴿إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾. قال: خرَجتْ مكانًا شرقيًّا.\nحدَّثنا موسى، قال] (^٤): ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ، قال: خرَجتْ مريم إلى جانبِ المحرابِ؛ لحيضٍ أصابها، وهو قوله: فـ ﴿انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾: في شرقيِّ المحرابِ (^٥).\nوقوله: ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ يقولُ: تنجَّتْ (^٦) واعتزلتْ مِن أهلها في موضعٍ قِبَلَ مشرقِ الشَّمس دون مغربِها.\n_________\n(^١) تقدم في ٢/ ٣٠٩.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٤ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ت ٢: \"الغفار\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٢٠.\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) جزء من أثر طويل أخرجه المصنف في تاريخه ١٩/ ٥٩٩ - ٦٠١ بإسناده إلى السدى بسنده المعروف، وفيه: \"فانتبذت\". كما هنا، وصواب التلاوة: ﴿إذ انتبذت﴾. وأخرجه بعضه الحاكم ٢/ ٥٩٣، والبيهقى الأسماء والصفات ٢/ ٢١١، وابن عساكر في تاريخه ١٩/ ٥٢٧ (مخطوط) من طريق عمرو عن أسباط عن السدي بإسناده المعروف.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١. وفى ف م: \"فتنحت\".","vol":"15","page":483},{"text":"كما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادةَ فى قوله: ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾. قال: مِن قِبَلِ المشرقِ (^١).\nحدَّثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودَ، عن عامرٍ، عن ابن عباس، قال: إني لأعلمُ خلْقِ اللهِ لأيِّ شيءٍ اتخذتِ النَّصارى المشرق قبلةً؛ لقولِ الله: فـ ﴿انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقيًّا﴾. فاتَّخذوا ميلادَ عيسى قبلةً (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن ابن عباس مثله.\nحدَّثني سليمان بن عبد الجبار، قال: أخبرنا محمد بن الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: إن أهل الكتاب كُتب عليهم الصلاة إلى البيت، والحجُّ إليه (^٣)، وما صرفهم عنهما (^٤) إلا قِيلُ رَبِّكَ: فـ ﴿انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾. فصلوا قِبلَ مطلعِ الشَّمسِ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾. قال: شاسعًا متنحيًا (^٦).\nوقيل: إنها إنما صارت بمكانٍ يلى مشرقَ الشمس؛ لأن ما يلى المشرقَ عندهم\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦. زاد في آخره: \"منتحيًا\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢١٤ عن المصنف، وتقدم طرف منه فى ١٠/ ٥٤٣. وقد خرجناه ثم.\n(^٣) فى النسخ: \"لله\". والمثبت من مصدر التخريج، وهو ما يقتضيه السياق.\n(^٤) في ت ٢: \"عنها\". وفى مصدر التخريج: \"عنه\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٤، ٢٦٥ إلى ابن أبي حاتم، وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢١٣، والرواية فيهما: \"فانتبذت\".\n(^٦) في ص، ت ١، ف: \"فسيحا\". والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٦٤ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢١٤.","vol":"15","page":484},{"text":"كان خيرًا مما يلى المغربَ، وكذلك ذلك فيما ذُكر عند العرب.\n\n<span id=\"aya-2267\"></span>وقوله: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا﴾. يقولُ: فاتخذتْ من دون أهلها سِتْرًا يَسْتُرُها عنهم وعن الناسِ.\nوذُكر عن ابن عباس أنها صارتْ بمكان يلى المشرق؛ لأن الله أظلَّها بالشمس، وجعَل لها منها حجابًا.\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقيًّا﴾. قال: مكانًا أظلَّتْها (^١) الشمس؛ أن يراها أحدٌ منهم (^٢).\nوقال غيرُه في ذلك ما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا﴾: من الجدرانِ (^٣).\nوقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾. يقول تعالى ذكره: فأرسلنا إليها حينَ انتبَذتْ من أهلها مكانًا شرقيًّا، واتخذتْ من دونهم حجابًا - جبريل.\nوبنحو الذى قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾. قال: أُرسل إليها، فيما ذُكِر لنا، جبريلُ (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"أضلتها\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) تقدم أوله في ص ٤٨٣.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٧ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"15","page":485},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عمَّن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ ابنِ مُنَبِّهٍ، قال: وجَدتْ عندها جبريل قد مثَّله الله بشرًا سويًّا.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيج قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾. قال: جبريل (^١).\nحدَّثني محمد بن سهلٍ، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثنى عبد الصمد بن مَعقلٍ، ابن أخى وهبٍ، قال: سمعتُ وهب بن مُنَبِّهٍ، قال: أرسل اللهُ جبريل إلى مريمَ، فمَثَل (^٢) لها بشرًا سويًّا (^٣).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: فلما طهُرتْ يعني مريمَ - من حيضها، إذا هي برجلٍ معها، وهو قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾. [وهو جبريل] (^٤).\nوقولُه] (^٥): ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾. يقول تعالى ذكره: فتَشَبَّه لها في صورة آدميٍّ سويِّ الخَلْقِ منهم. يعني: في صورة رجلٍ من بنى آدم معتدلِ الخَلْقِ.\n\n<span id=\"aya-2268\"></span><span data-type='title' id=toc-5597>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: فخافتْ مريمُ رسولَنا، إذ تمثَّل لها بشرًا سويًّا، وظنَّته رجلا يُرِيدُها على نفسها.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيج قوله:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢١٤ عن ابن جريج.\n(^٢) في ت ٢: \"فتمثل\".\n(^٣) جزء من أثر مطول أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٩٣ - ٥٩٩.\n(^٤) تقدم أوله في ص ٤٨٣.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ف.","vol":"15","page":486},{"text":"﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾. قال: خَشِيَتْ (^١) أن يكونَ (*) إنما يُرِيدُها على نفسها.\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا﴾: فلمَّا رأته فزِعتْ منه، وقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ (^٢).\n[قال أبو جعفرٍ] (^٣): فقالت: إني أعوذُ، أيها الرجلُ، بالرحمن منك. تقولُ: أستجيرُ بالرحمن منك، أن تنال منى ما حرَّمه عليك، إن كنتَ ذا تقوى له تَتَّقى محارمَه، وتَجتَنِبُ معاصيه. لأن مَن كان لله تقيًّا، فإنه يَجْتَنِبُ ذلك، ولو وُجِّه ذلك إلى أنها عَنَتْ: إنى أعوذُ بالرحمنِ منك؛ إن كنتَ تَتَّقى الله في استجارتي واستعاذتي به منك. كان وجهًا.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عمن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ: ﴿قَالَتْ إنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾: ولا تَرَى إلا أنه رجلٌ من بنى آدم.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن عاصمٍ، قال: قال [أبو وائلٍ] (^٤)، وذكر قَصَصَ مريمَ، فقال: قد علِمتْ أن التقيَّ ذو نُهيةٍ حين قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"حسبت\".\n(*) من هنا يبدأ الجزء الخامس والثلاثون من مخطوط مكتبة جامعة القرويين (الأصل).\n(^٢) تقدم أوله في ص ٤٨٣.\n(^٣) ليست في الأصل، ص، م، ت ١، ف.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ف: \"ابن زيد\".\n(^٥) أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم -كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٧ - من طريق عاصم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٧ إلى ابن المنذر، وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢١٤.","vol":"15","page":487},{"text":"<span id=\"aya-2269\"></span>[وقوله] (^١): ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾. يقول تعالى ذكره: فقال لها رُوحُنا [الذى أرسلناه إليها] (^٢): إنما أنا رسولُ ربِّكِ، يا مريم، أرسلني إليك: ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾.\nواختلَفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأة الحجازِ والعراقِ غيرَ أبى عمرٍو: ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾. بمعنى: إنما أنا رسولُ رَبِّكِ. يقولُ: أرسلني إليكِ ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾. على الحكاية، وقرأ ذلك أبو عمرو بن العلاء: (لِيَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا). بمعنى: إنما أنا رسولُ رَبِّكِ، أَرسَلني إليكِ، ليَهَبَ اللهُ لك غلامًا زكيًّا (^٣).\nوالصوابُ من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وهو: ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾. بالألف دونَ الياء؛ لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمينَ، وعليه قرأةُ قديمِهم وحديثهم، غير أبي عمرٍو، وغير جائزٍ خلافهم فيما أجمعوا عليه، ولا سائغٌ لأحدٍ خلافُ مصاحفهم.\nوالغلامُ الزكيُّ: هو الطاهر من الذنوبِ، وكذلك تقولُ العرب: غلامٌ زاكٍ وزكيٌّ، وعالٍ وعليٌّ.\n\n<span id=\"aya-2270\"></span><span data-type='title' id=toc-5598>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قالتْ مريمُ لجبريلَ: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾: من أيِّ وجهٍ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٣) ينظر السبعة ص ٤٠٨.","vol":"15","page":488},{"text":"يكون لي غلامٌ؟ أَمِنْ قِبَلِ زوجٍ أتزوَّجُ، فَأُرزَقَه منه؟ أم يَبتَدِئُ اللهُ فِيَّ خلقَه ابتداءً؟ ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ من ولدِ آدم بنكاحٍ حلالٍ، ﴿وَلَمْ أَكُ﴾ -إذ لم يَمْسَسْنى منهم أحدٌ على وجه الحلالِ- ﴿بَغِيًّا﴾ بِغَيتُ ففعلتُ ذلك من الوجهِ الحرام، فحملتُ من زنًى.\nكما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾. يقولُ: زانيةً (^١).\n\n<span id=\"aya-2271\"></span>﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾. يقول تعالى ذكره: قال لها جبريلُ: هكذا الأمرُ كما تصفين؛ مِن أنكِ لم يَمْسَسْك بشرٌ، ولم تَكُونى بغيًّا. ولكنَّ ربَّك قال: ﴿هُوَ عَلَى هَيِّنٌ﴾. أي: خَلْقُ الغلام الذي قلتُ إِنِّي (^٢) أَهَبُه لك ﴿عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾: لا يَتَعَذَّرُ على خَلقه وهِبتُه لكِ مِن غيرِ فحلٍ يَفْتَحِلُكِ.\nوقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: وكى نجعل الغلامَ الذي نَهَبُه لك علامةً وحُجَّةً لي على خلقى، أَهَبُه لكِ. ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾. يقولُ: ورحمةً مِنَّا لكِ، ولمن آمن به (^٣) وصدَّقه، أخلُقُه مِنك. ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾. يقولُ: وكان خلْقُه منكِ أمرًا قد قضاه الله، ومضَى في حكمه وسابق علمِه أنه كائنٌ منكِ.\nكما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنى مَن لا أَتَّهِمُ عن وهب بنِ مُنبِّهٍ: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي: إن الله قد عزَم على هذا (^٤)، فليس منه بدٌّ (^٥).\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٤٨٣.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"أن\".\n(^٣) في ت ٢: \"بك\".\n(^٤) في م: \"ذلك\".\n(^٥) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢١٦.","vol":"15","page":489},{"text":"<span id=\"aya-2272\"></span><span data-type='title' id=toc-5599>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾.</span>\nوفى هذا الكلام متروكٌ، تُرك ذكره استغناء بدلالة ما ذكر منه عنه، وهو: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾؛ بغلامٍ ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾. وبذلك جاء تأويل أهل التأويلِ.\nذكرُ الرواية بذلك\nحدَّثني محمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريمِ، قال: ثنى عبد الصمد بنُ مَعقِلٍ، ابنُ أخى وهب بن منبِّهٍ، قال: سمعتُ وهبًا قال: لما أرسَل الله جبريل إلى مريم تمثَّل لها بشرًا سويًّا، فقالت له: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾. ثمَّ نفَخ في جيبِ درعِها حتى وصلتِ النفخةُ إلى الرحم فاشتمَلتْ (^١).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عَمَّن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ ابن منبِّهٍ اليمانيِّ، قال: لما قال ذلك -يَعْنِي لما قال جبريلُ: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾ الآية - استسْلَمتْ لأمر الله، فنفخ في جيبِها ثُمَّ انصرف عنها.\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ، قال: فخرَجتْ (^٢) عليها جلبابُها لما قال جبريلُ ذلك لها، فأخَذ جبريلُ\n_________\n(^١) بعده في مصدر التخريج: \"على عيسى\". وقد تقدم طرف منه في ص ٤٨٦.\n(^٢) في م: \"طرحت\"، وفى ت ٢: \"فرخت\". وينظر مصادر التخريج.","vol":"15","page":490},{"text":"بكُمَّيْها (^١)، فنفخ في جيبِ دِرعِها، وكان مَشقوقًا من قُدَّامِها، فدخَلتِ النفخة صدرها، فحمَلتْ، فأتتها أختها امرأةُ زكريا ليلةً تزورُها، فلما فتحتْ لها الباب التزَمتْها، فقالت امرأة زكريا: يا مريمُ أُشْعِرتُ أنِّى حُبْلَى. قالتْ مريمُ: أُشْعِرتُ أنِّى أيضًا حُبْلَى. قالت امرأةُ زكريا: فإنِّي وجدتُ ما في بطنى يَسْجُدُ لما في بطنِك. فذلك قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ (^٢) [آل عمران: ٣٩].\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريجٍ: يقولون: إنه إنما نفَخ في جيب درعِها [وكمِّها] (^٣).\nوقوله: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾. يقولُ: فاعتزلت بالذي حمَلتْه، وهو عيسى، وتنحَّتْ به عن النَّاسِ، ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾. يقولُ: مكانا نائيًا قاصِيًا عن الناس. يقالُ: هو بمكانٍ قاصٍ، وقَصِيٍّ. بمعنًى واحدٍ، كما قال الراجزُ (^٤):\nلتَقْعُدِنَّ مَقْعَدَ القصِيِّ\nمِنِّىَ ذى القاذُورة المقليِّ\nيُقال منه: قصَا المكان يقْصُو قُصُوًّا. إذا تباعد، و: أقصيتُ الشيءَ. إذا أبعدته وأخَّرتَه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) في ف، ومصادر التخريج عدا تاريخ المصنف: \"بكمها\".\n(^٢) تقدم أوله في ص ٤٨٣.\n(^٣) سقط من: ت ٢. وينظر تفسير القرطبي ٤/ ٩٢.\n(^٤) هو رؤبة بن العجاج، ديوانه (مجموع أشعار العرب) ص ١٨٨.","vol":"15","page":491},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾. قال: مكانًا نائِيًا (^١).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾. قال: قاصِيًا (^٢).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، [عن مجاهدٍ] (^٣) مثله.\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ، قال: لما بلَغ أن تَضَعَ مريم، خرَجتْ إلى جانب المحراب الشرقيِّ منه فأتتْ أقصَاه (^٤).\n\n<span id=\"aya-2273\"></span>وقوله: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. يقول تعالى ذكره: فجاء بها المخاض إلى جذعٍ (^٥). ثم قيل: لما أُسقطت الباء منه: أَجَاءَهَا. كما يُقَالُ: أَتيتُك بزيدٍ. فإذا حُذِفتِ الباء قيل: آتيتُك زيدًا. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦]. والمعنَى: ائتونى بزُبَرِ الحديدِ. ولكنَّ الألفَ مُدَّتْ لمَّا حُذِفتِ الباءُ، وكما قالوا: خرجتُ به وأخرَجتُه، وذهَبتُ به وأذهَبتُه.\n_________\n(^١) في ص: \"بائنا\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٧ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٥٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٧ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) تقدم أوله في ص ٤٨٣.\n(^٥) بعده في م: \"النخلة\".","vol":"15","page":492},{"text":"وإنما هو أفعلُ من المجيءِ، كما يُقالُ: جَاء هو، وأجأتُه أنا. أي: جئتُ به. ومَثَلٌ مِن أمثالِ العربِ: شرٌّ ما أَجَاءَنى إلى مُخَّةِ عُرقُوبٍ وأشاءني (^١). ويُقالُ: شرٌّ ما يُجيئُكَ ويُشيئُكَ إلى ذلك. ومنه قولُ زُهيرٍ (^٢):\nوجارٍ سَار مُعتَمِدًا إليكم … أجَاءَتْه المخافةُ والرَّجاءُ\nيعنى: جاء به وألجأه (^٣) إلينا. وأشاءَك من لغة تميمٍ، وأجاءَك من لغة أهلِ العاليةِ، وإنما تأوَّل مَن تأوَّل ذلك بمعنى: ألجأها (^٤)؛ لأن المخاض لمَّا [جاءَ بها] (^٥) إلى جذع النخلة كان قد ألجأها إليه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾. قال: المخاضُ ألجأَها (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ألجأها المخاضُ.\n_________\n(^١) في م: \"أشاء\". ويضرب للمضطر جدًّا؛ لأن العرقوب لا مخ له. يقول: ما ألجأك إليها إلا شرٌّ. مجمع الأمثال ٢/ ١٥١.\n(^٢) شرح ديوانه ص ٧٧.\n(^٣) في م: \"أجاءه\".\n(^٤) في ص، ت ١، ف: \"أجاءها\".\n(^٥) في م، ت ١، ف: \"جاءها\".\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٤٥٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٧ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":493},{"text":"قال ابن جريج: وقال ابن عباسٍ: ألجأها المخاضُ إلى جذع النخلةِ.\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. [يقولُ: ألجأَها المخاضُ إلى جذع النخلةِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قولَه: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ (^٢). قال: اضْطَرَّها إلى جذع النخلة (^٣).\nواختلفوا في أي المكان الذى انتبذت مريمُ بعيسى لوضعه وأجاءَها (^٤) إليه المخاضُ؛ فقال بعضُهم: كان ذلك في أدانى (^٥) أرض مصر، وآخر أرض الشام، وذلك أنها هربت من قومها لما حمَلتْ، فتوجهت نحو مصر هاربةً مِنهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمد بن سهلٍ، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثنى عبد الصمد بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمع وهبَ بنَ مُنبِّه يقولُ: لما اشتملت مريم على الحملِ كان معها ذو (^٦) قَرَابةٍ لها يُقالُ له: يوسفُ النَّجارُ. وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبلِ صِهْيَوْنَ (^٧)، وكان ذلك المسجد يومئذٍ من أعظم مساجدهم، فكانت مريمُ\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٤٨٣.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) في ت ٢: \"ألجأها\"\n(^٥) في م، ت ٢، ف: \"أدنى\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٧) في الأصل، ت ٢: \"صيهون\". وينظر مصدر التخريج.\nقال في معجم البلدان ٣/ ٤٣٨: \"قال أبو عمرو: صهيون هي الروم. وقيل: البيت المقدس. . . قلت: هو موضع معروف بالبيت المقدس، محلة فيها كنيسة صهيون، وصهيون أيضًا حصن حصين من أعمال سواحل بحر الشام من أعمال حمص\". اهـ:\nفأما صيهون فقد قال في معجم البلدان ٣/ ٤٥٨: \"لا أدرى ما أصله إلا أن العمراني قال: صيهون اسم=","vol":"15","page":494},{"text":"ويوسفُ يَخدُمانِ في ذلك المسجدِ في ذلك الزَّمانِ، وكان لخدمته فضلٌ عظيمٌ، فرَغبَا في ذلك، فكانا يليان معالجتَه بأنفسهما [وتجميرَه] (^١) وكُناسته وطُهُورَه، وكلَّ عملٍ يُعمَلُ فيه، وكان لا يُعلَمُ (^٢) مِن أهل زمانهما أحدٌ أشدُّ اجتهادًا وعبادةً منهما، فكان أوَّلَ مَن أنكَر حَمْلَ مريمَ صاحبها يوسفُ، فلما رأى الذى بها استعظمه (^٣) وعظم عليه، وفَظع به، ولم يدر على ماذا يَضَعُ أَمرَها، فإذا أراد يوسفُ أن يتَّهمَها ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لم تغب عنه ساعةً قط، وإذا أراد أن يُبرئَها رأَى الذى ظهر عليها، فلما اشتدَّ عليه ذلك كلّمها، فكان أوَّلَ كلامه إيَّاها أن قال لها: إنه قد حدث في نفسي من أمرك أمرٌ قد خشِيتُه، وقد حرصت على أن أُمِيتَه وأَكْتُمه في نفسى، فغلبني ذلك، فرأيتُ الكلام فيه أَشْفَى لصدرى، قالت: فقل قولا جميلًا، قال: ما كنتُ لأقول لكِ إلا ذلك، فحدثيني، هل يَنْبُتُ زرع بغير بذرٍ؟ قالت: نعم. قال: فهل تَنبُتُ شجرةٌ مِن غيرِ غيثٍ يُصِيبُها (^٤)؟ قالت: نعم. قال: فهل يكون ولدٌ من غير ذَكَرٍ؟ قالت: نعم. قالت (^٥): ألم تَعلَمُ أن الله ﵎ أَنْبَتَ الزَّرع يومَ خلقه من غير بذرٍ؟ والبذر يومئذ إنما صار من الزرع الذي أَنْبَتَه اللهُ مِن غيرِ بذرٍ، أَوَلم تعلمْ أن الله بقدرته أنبتَ الشجر بغير غيثٍ، وأنَّه جعل بتلك القدرة الغيثَ حياةً للشجر بعد ما خلق كل واحدٍ منهما وحده؟ أوْ (^٦) تقول: لن يَقدِرَ الله على أن يُنبت\n_________\n= جبل وذكره هكذا بتقديم الياء على الهاء. والله أعلم بالصواب\". اهـ.\nقلت: ولعلهما واحد، كما يحدث تقديم وتأخير في حروف غير هذا من الكلمات والمراد واحد. والله أعلم.\n(^١) في ص، ف: \"وتخيره\"، وفى م: \"تحبيره\"، وفى ت ١: \"تحبره\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"يعمل\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"استفظعه\". وينظر مصدر التخريج.\n(^٤) سقط من: ت ١.\n(^٥) سقط من: م، ف.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ف: \"أم\". وينظر مصدر التخريج.","vol":"15","page":495},{"text":"الشجرَ حتى استعان عليه بالماءِ، ولولا ذلك لم يَقدر على إنباته؟! قال يوسف لها: لا أقولُ هذا، ولكنّى أَعلَمُ أن الله ﵎ بقدرته على (^١) ما يشاء، يقولُ لذلك: كنْ. فيكونُ. قالت مريمُ: أوَ لَم تَعْلَمْ أَنَّ الله ﵎ خلق آدمَ وامرأته من غيرِ أُنثى ولا ذَكَرٍ؟! قال: بلى. فلمَّا قالت له ذلك، وقع في نفسِه أن الذى بها شيءٌ مِن الله ﵎، وأنَّه لا يَسعُه أن يسألها عنه، وذلك لما رأى من كتمانها لذلك، ثم تَولَّى يوسُفُ خدمة المسجدِ، وكَفَاهَا كُلَّ عَمَلٍ كانتْ تَعْمَلُ فيه؛ وذلك لما رأى من رقَّةِ جسمِها، واصفرار لونها، وكلف وجهها، ونتوء (^٢) بطنها، وضعف قوَّتِها، ودأب نظرها، ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك؛ فلمَّا دَنا نِفاسُها أَوحَى الله إليها أن اخرُجى من أرض قومك، فإنهم إن ظَفِرُوا بكِ عيَّروكِ وقتَلوا ولدَكِ، فأفضَتْ ذلك إلى أُختِها، وأختها حينئذٍ حُبْلَى، وقد بُشِّرَتْ بيحيى، فلما التقتا وجدتْ أمُّ يحيى ما في بطنها خرَّ لوجهه ساجدًا مُعترِفًا بعيسى (^٣)، فاحتملها يوسف إلى أرضِ مصرَ على حمار له، ليس بينَها حين ركبت الحمار (^٤) وبين الإكافِ شيء، فانطلق يوسف بها حتى إذا كان متاخِمًا لأرضِ مصر في مُنقَطَعِ بلادِ قومها، أدرك مريمَ النِّفَاسُ، فألجأها إلى آرِىِّ حمارٍ -يَعنى مذود الحمارِ- وأصل نخلةٍ، وذلك في زمان [بردٍ أو حرٍّ -الشكُّ مِن أبي جعفرٍ] (^٥) - فاشتدَّ على مريم المخاضُ، فلما وجدتْ منه شدَّة التجأت إلى النخلةِ\n_________\n(^١) في ت ١، ف: \"علم\".\n(^٢) في الأصل: \"بناء\"، وفى ص، ف: \"ىىا\"، وفي ت ١: \"بنا\"، وفي ت ٢: \"نبل\". وينظر مصدر التخريج.\n(^٣) في ص، م، ت ٢: \"لعيسى\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في الأصل: \"برد أو حر، يحسبه أبو جعفر\". وفي ص، ت ١: \"أحسبه برد أو حر\". وفى م: \"أحسبه بردًا أو حرًّا، الشك من أبي جعفر\". وفي مصدر التخريج: \"الشتاء\".","vol":"15","page":496},{"text":"فاحتضَنتْها، واحتوَشتْها الملائكةُ؛ قاموا (^١) صفوفًا مُحدِقينَ بها (^٢).\nوقد رُوى عن وهب بن منبِّهٍ قولٌ آخر غير هذا، وذلك ما حدَّثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاقَ، عمَّن لا يَتَّهِمُ، عن وهب بن منبه، قال: لما حضَر ولادها، يعنى مريمَ، ووجدتْ ما تَجِدُ المرأةُ مِن الطَّلْقِ، خَرَجَتْ مِن المدينةِ مُغَرِّبَةٌ مِن إيلياءَ، حتى تُدرِكَها الولادة إلى قرية من إيلياءَ على ستة أميال يُقال لها: بيت لحمٍ. فأجاءها المخاض إلى أصل نخلة إليها مِذودُ بقرةٍ تحتَها رَبيع من الماء، فوضَعته عندها (^٣).\nوقال آخرون: بل خرجتْ لما حضَر وضعُها ما في بطنها إلى جانب المحرابِ الشَّرقيِّ منه، فأَتَتْ أقصاه فألجأها المخاض إلى جذع النخلةِ. وذلك قول السُّديِّ، وقد ذكرتُ الرواية به قبل (^٤).\nحدَّثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: أخبرني المغيرة بن عثمانَ، قال: سمعتُ ابن عباس يقولُ: ما هي إلا أن حَمَلتْ فوضعت (^٥).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريجٍ، قال: وأخبرني المغيرة بن عثمانَ بنِ عبدِ اللهِ أنه سمع ابن عباسٍ يقولُ: ليس إلا أن حمَلت فولدت.\n_________\n(^١) في الأصل: \"قياما\". وينظر مصدر التخريج.\n(^٢) تقدم أوله في ص ٤٨٦.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢١٧.\n(^٤) تقدم في ص ٤٩٢.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٧ عن الثورى عن رجل عمن سمع ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٦ إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم، وينظر تفسير الثورى ص ١٨٢ وتفسير ابن كثير ٥/ ٢١٦.","vol":"15","page":497},{"text":"وقوله: ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾. ذُكِر أنها قالتْ ذلك في حالِ الطَّلْقِ استحياءً مِن النَّاسِ.\nكما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: قالت وهي تُطلَقُ مِن الحَبَلِ استحياءً من الناس: [﴿يَا لَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ (^١).\n[وقوله: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾] (^٢): تقول] (^٣): يا ليتني متُّ قبلَ هذا الكرب الذي أنا فيه، والحزن بولادتى المولود من غير بعلٍ، ﴿وَكُنتُ نَسْيًا﴾: شيئًا (^٤) نُسِى فَتُرِك طلبه كخِرَقِ الحيضِ التى إذا أُلقيتْ وطُرِحَتْ لم تُطلَبْ ولم تُذْكَرْ، وكذلك كلُّ شيءٍ نُسِى وتُرِك ولم يُطْلَب فهو نَسْيٌ ونِسْيٌ بفتح النونِ وكسرِها، وهما لغتان معروفتانِ مِن لغاتِ العرب بمعنًى واحدٍ، مثلُ الوَتِرِ والوِترِ، والجَسرِ والجِسرِ، وبأيَّتهما قرأ القارئُ [فَمُصِيبٌ عندَنا] (^٥)، وبالكسرِ قرأت عامَّة قرأةِ الحجاز والمدينة والبصرة وبعضُ أهل الكوفة (^٦)، وبالفتح قرأ أكثر قرأة الكوفة (^٧)، ومنه قول الشاعرِ (^٨):\nكأن لها في الأرضِ نِسْيًا تَقُصُّهُ … إذا ما غدَتْ وإِن تُحدِّثْك (^٩) تَبْلَتِ\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٤٨٣.\n(^٢) سقط من ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) سقط من: ت ٢، وفى م: \"منسيا شيئا\".\n(^٥) سقط من ص، ت ١، ف.\n(^٦) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر والكسائي وأبى بكر عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٤٠٨.\n(^٧) هي قراءة حمزة وحفص عن عاصم. ينظر المصدر السابق.\n(^٨) هو الشنفرى الأزدى، والبيت في المفضليات ص ١٠٩، والرواية فيها:\n. . . . . . . . . . . . . . … على أَمها وإن تكلمك تبلت\n(^٩) في ص، ت ١، ت ٢: \"تحدث\".","vol":"15","page":498},{"text":"يَعنى بقولِه: تقُصُّه: تَطلبه؛ لأنها كانت نَسِيتْه حتى ضَاع، ثم ذكرته فطلَبتْه، ويَعْنى بقوله: تَبَلَتِ: تُحسِنُ وتَصْدُقُ، ولو وُجِّه النَّسْيُ إلى المصدرِ مِن النِّسيان كان صوابًا، وذلك أن العربَ، فيما ذُكر عنها، تقولُ: نَسِيتُه نِسيانًا ونَسْيًا. كما قال بعضُهم: مِن طاعةِ الرَّبِّ وعَصْيِ الشَّيطانِ. يَعْنِي: وعصيانِ. وكما تَقُولُ: أَتيتُه إتيانًا وأَتْيًا. كما قال الشاعرُ:\nأَتْىُ الفواحش فيهمُ مَعْروفةٌ … ويَرَوْنَ فِعل المكْرُماتِ حراما\nوقولُه: ﴿مَنْسِيًّا﴾: مفعولٌ مِن نَسِيتُ الشيءَ، كأنها قالتْ: ليتنى كُنتُ الشيء الذي أُلْقِى، فَتُرِك ونُسِيَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبَرني عطاء الخراسانيُّ، عن ابن عباس قوله: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ لم أُخلَق، ولم أكُ شيئًا (^١).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ ﴿وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾، يقولُ: نَسْيًا (^٢)؛ نُسِى ذِكرِى. و﴿مَنْسِيًّا﴾. يقولُ: نُسى أَثرِى، فلا يُرى لي أثرٌ ولا عينٌ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَكُنتُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٧ إلى المصنف وابن المنذر، وينظر فتح البارى ٦/ ٤٧٩.\n(^٢) في الأصل: \"شيئا\".\n(^٣) تقدم أوله في ص ٤٨٣.","vol":"15","page":499},{"text":"نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾: أي شيئًا لا يُعرَفُ ولا يُذكَرُ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾، قال: [لا أُعرَفُ، ولا يُدرَى] (^٢) مَن أنا (^٣).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج (^٤)، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع بن أنسٍ: ﴿نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾. قال: هو السَّقْطُ (^٥).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ لم أكنْ في الأشياء (^٦) قطُّ.\n\n<span id=\"aya-2274\"></span><span data-type='title' id=toc-5600>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾.</span>\nاختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرَأةِ الحجاز والعراقِ ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ بمَعنَى: فناداها جبريلُ مِن بين يَدَيْها. على اختلاف منهم في تأويله؛ فمن متأوِّلٍ منهم إذا قرأه ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ كذلك؛ ومن متأوّلٍ منهم أنه عيسى، وأنَّه ناداها من تحتها بعد ما ولدَتْه (^٧). وقرأ ذلك بعضُ قرَأةِ أهل الكوفة والبصرة (فناداها مَن تحْتَها) بفتح التاءين من (تَحتَ)، بمعنى: فناداها الذي تحتها، على أن الذي تحتها\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في الفتح ٦/ ٤٧٩ عن سعيد عن قتادة وعزاه إلى المصنف.\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"لا يعرف ولا يدرى\"، وفى ت ٢: \"لا أعرف ولا أدرى\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) بعده في: ص، م، ت ١، ف: \"عن ابن جريج\"، والمثبت هو الصواب، وهو إسناد دائر.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٦) في ص، ت ١: \"الأرض شيء\"، وفى م، ف: \"الأرض شيئا\".\n(^٧) هي قراءة نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٤٠٩، والكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٨٦، ٨٧.","vol":"15","page":500},{"text":"عيسى، وأنَّه الذى نادى أمَّه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-5601>ذكرُ مَن قال: الذى نادَاها من تحتِها المَلَكُ</span>\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبد المؤمن، [قال: سمِعتُ أَنَّ] (^٢) ابن عباسٍ قرَأَ: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحتِهَا﴾. يعنى: جبريلُ.\nوحدَّثني (^٣) عبد الله بن (^٤) أحمد بن يونس، قال: أخبرنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن عمرو بن ميمونٍ الأودىِّ، قال: الذي ناداها المَلَكُ (^٥).\nوحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمة، أنه قرأ: (فخاطَبها مَنْ تَحتَها).\n[قال أبو جعفرٍ: والصواب: ﴿مِنْ﴾، ولكن كذا قال ابنُ بَشَّارٍ: \"مَنْ\" هنا] (^٦).\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن الأعمشِ، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأ: (فخاطبها من تحتِها) (^٧).\nوحدَّثنا الرفاعيُّ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن الأعمشِ، عن إبراهيم، عن\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وأبى بكر عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٤٠٨، والكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٨٧.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"قال سمعت\"، وفي ت ٢: \"أن\".\n(^٣) بعده في م: \"أحمد بن\". ينظر الجرح والتعديل ٥/ ٦، والإكمال ٦/ ١٠١.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٧) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٧٦ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":501},{"text":"علقمةَ أنه قرأها كذلك.\n[حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيانُ، عن جويبرٍ، عن الضَّحاكِ: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾. قال: جبريلُ (^١) (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا [أبو عاصمٍ، عن] (^٣) سفيانَ، عن جويبرٍ، عن الضَّحاكِ مثله.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا﴾. أي: من تحتِ النخلة، المَلكُ (^٤).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَنَادَاهَا﴾ جبريلُ (^٥) ﴿مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي﴾ (^٦).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال: الملَكُ (^٧).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ يعنى: جبريلُ كان أسفل منها.\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثنى عمي، قال: ثنى\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢.\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٨٣.\n(^٣) في ت ١: \"أبو عامر قال ثنا أبو عاصم عن\"، وفى ت ٢: \"أبو عاصم عن\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٥) سقط من ت ١، ت ٢.\n(^٦) تقدم تخريجه في ص ٤٨٣، وذكره ابن كثير في تفسيره.\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦.","vol":"15","page":502},{"text":"أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾. قال: ناداها جبريلُ، ولم يتكلَّم عيسى حتى أنت به (^١) قومَها (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-5602>ذكرُ من قال: الذي (^٣) ناداها عيسى</span>\nحدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾، قال: عيسى ابن مريمَ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد مثله.\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾: ابنُها.\n_________\n(^١) سقط: م، ت ١، ف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢١٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٤) تفسير الثورى ص ١٨٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٥٥.","vol":"15","page":503},{"text":"حدَّثنا الحسنُ قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: هو ابنُها (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ ابن منبِّهٍ: ﴿فَنَادَاهَا﴾. عيسى ﴿مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي﴾ (^٢).\nحدَّثني أبو حميدٍ (^٣) أحمدُ بنُ المغيرة الحمصيُّ، قال: ثنا عثمان بن سعيدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مهاجرٍ، عن ثابتِ بنِ عجلانَ، عن سعيد بن جبيرٍ قولَه: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾. قال: عيسى، أما تسمَعُ اللهَ يقولُ: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ (^٤)؟\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال: عيسى ناداها: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (^٥).\nحُدِّثتُ عن عبدِ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العاليةِ الرِّياحي، عن أُبيِّ بن كعبٍ قال: الذى خاطبها هو الذي حملته في جوفها ودخَل من فيها (^٦).\nوأولى القولين بالصواب في ذلك عندنا قول (^٧) من قال: الذى ناداها ابنُها\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ينظر التبيان ٧/ ١٠٥.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ف: \"و\"، وينظر تهذيب الكمال ١/ ٤٧٢.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢١٨.\n(^٥) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢١٨.\n(^٦) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٢٣، ٣٢٤، ٣٧٣ - وعنه البيهقي في الأسماء والصفات (٧٨٥) - من طريق أبي جعفر به ضمن أثر مطول، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٧، ٢٦٨ إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(^٧) سقط من: الأصل.","vol":"15","page":504},{"text":"عيسى؛ وذلك أنه مِن كِنايةِ ذكْرِه أقربُ منه من ذكرِ جبريلَ، فردُّه على الذي هو أقربُ إليه أولى من ردِّه على الذى هو أبعدُ منه ألا ترى أنَّها في سياق قوله: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢)﴾. يعني به: فحمَلتْ عيسى فانتبذت به، ثم قيل: ﴿فَنَادَاهَا﴾ نسقًا على ذلك من ذكر عيسى والخبر عنه. ولعلةٍ أُخرى، وهى قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩]. ولم تُشِرْ إليه، إن شاء الله إلا وقد علِمتْ أنه ناطقٌ في حاله تلك، وللذى كانت قد عرفت ووثقت به منه بمخاطبتِه إياها بقوله لها: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. وما أخبر اللهُ [تعالى ذكرُه] (^١) عنه أنه [قاله لها أشارتْ] (^٢) للقومِ إليه، ولو كان ذلك قولًا من جبريلَ لكان خليقًا أن يكونَ في ظاهرِ الخبرِ مُبيِّنًا أن عيسى سينطقُ، ويحتجُّ عنها للقوم، وأمْرٌ منه لها بأن تُشيرَ إليه للقوم إذا سألوها عن حالها وحاله.\nفإذا كان ذلك الصواب من التأويل للذى بيَّنا، فبيِّنٌ أن كلتا القراءتين، أعنى: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ بالكسر، و: (مَن تحتَها) بالفتح صوابٌ. وذلك أنه إذا قرئ بالكسر، كان في قوله: ﴿فَنَادَاهَا﴾ ذكرٌ من عيسى، وإذا قرئ: (مَن تَحتَها) بالفتح، كان الفعلُ لـ (من). وهو عيسى. فتأويل الكلامِ إذن: فناداها المولود من تحتِها ألَّا تحزنى يا أُمَّهْ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.\nكما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي﴾. قالت: وكيف لا أحزنُ وأنت معى، لا ذاتُ زوجٍ فأقولَ: من زوجٍ. ولا مملوكةٌ فأقولَ: من سيدٍ (^٣). أيُّ شيءٍ عذرِى عند الناس؟ ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾. فقال لها عيسى: أنا\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م، ف: \"قال لها أشيرى\".\n(^٣) في م: \"سيدى\".","vol":"15","page":505},{"text":"أكفِيكِ الكلامَ (^١).\nواختلف أهل التأويل في المعنىِّ بالسَّرِيِّ في هذا الموضع؛ فقال بعضهم: عنى به النهرَ الصغيرَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازبٍ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. قال: الجدْوَلُ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعتُ البراء يقولُ في هذه الآية: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. قال: الجدْولُ (^٣).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. [وهو نهرُ عيسى] (^٤).\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾] (^٥). قال: السَّريُّ: النَّهَرُ\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ١٨٥ عن ابن زيد، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٢٠.\n(^٢) تفسير الثورى ص ١٨٣، ١٨٤، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٦، ٧، والحاكم ٢/ ٣٧٣ من طريق الثورى به، وأخرجه ابن مردويه -كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٨ - وتفسير مجاهد ص ٤٥٥، من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٨ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره الحافظ في الفتح ٦/ ٤٧٩ عن شعبة به، وعزاه إلى المصنف، وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢١٨.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢١٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) سقط من: ت ٢.","vol":"15","page":506},{"text":"الذي كان تحتَ مريم حينَ ولَدته، كان يجرى يسمَّى سَرِيًّا.\nحدَّثني أبو حصينٍ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن عمرو بنِ ميمونٍ الأَوْدِيِّ، قال في هذه الآيةِ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. قال: السَّريُّ: نهرٌ يُشرب منه (^١).\nحدَّثنا يعقوب وأبو كريبٍ، قالا: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن عمرو بن ميمون في قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. قال: هو الجدول (^٢).\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَرِيًّا﴾ قال: نهرًا بالسُّريانيةِ (^٣).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله. قال ابن جريجٍ: نهرًا إلى جنبِها.\nحدَّثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. قال: كان سريًّا. فقال حميد بنُ عبد الرحمن: إن السَّرىَّ الجدولُ. فقال: غلبتنا عليك الأمراءُ (^٤).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو بكر بن عياشٍ، عن أبى\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢١٨.\n(^٢) ذكره الحافظ في الفتح ٦/ ٤٧٩ عن حصين به، وعزاه إلى المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٥٥ من طريق ورقاء به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"15","page":507},{"text":"حُصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾، قال: هو الجدول، النهرُ الصغيرُ، وهو بالنَّبطية: سريًّا (^١).\nحدَّثني أبو حميد الحمصيُّ، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا محمدُ بنُ مهاجرٍ، عن ثابت (^٢) بن عجلانَ، قال: سأَلتُ سعيد بن جبيرٍ عن السريِّ، فقال: نهرٌ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيم، قال: النهرُ الصغير (^٣).\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، أنه قال: هو النهر الصغير. يعنى الجدول، يعنى قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سلمةَ بن نُبيطٍ، عن الضحاكِ، قال: جدولٌ صغيرٌ بالسُّريانيةِ (^٥).\nحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، [قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعتُ الضحاكَ] (^٦) يقولُ في قولِه: ﴿تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. الجدولُ الصغيرُ من الأنهار (^٧).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٨، ٢٦٩ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في الأصل: \"ليث\". وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٣٦٣.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢١٩.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢١٩.\n(^٦) سقط من: ت ٢.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"15","page":508},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. السَّريُّ: هو الجدول، تسميه أهل الحجازِ (^١).\nحدَّثنا الحسن (^٢)، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، [عن قتادة] (^٣) في قوله: ﴿سَرِيًّا﴾. قال: هو الجدولُ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ ابن منبِّهٍ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. يعنى ربيعَ الماءِ (^٥).\nحدَّثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. والسريُّ: هو النهرُ (^٦).\nوقال آخرون: بل (^٧) عني به عيسى ﷺ.\nذكر من قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. والسريُّ: يعني (^٨) عيسى نفسَه (^٩).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢١٩.\n(^٢) في ت ٢: \"الحسين\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢١٩.\n(^٦) تقدم تخريجه في ص ٤٨٣.\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٨) سقط من: م.\n(^٩) ذكره الحافظ في الفتح ٦/ ٤٧٩ عن الحسن، وعزاه إلى المصنف، وقال: وهذا شاذ. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٨ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"15","page":509},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. يعني نفسه. قال: وأَيُّ شيءٍ أسْرى منه؟ قال: والذين يقولون: السريُّ هو النهرُ. ليس كذلك النهرُ، لو كان النهرَ لكان إنما يكون إلى جَنبِها، ولا يكون النهر تحتها (^١).\nوأولى القولين في ذلك عندى بالصوابِ قيلُ مَن قال: عنى به الجدول. وذلك أنه أعلَمها ما قد أعطَاها الله من الماءِ الذى جعله عندها، وقال لها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي﴾ من هذا الرُّطَبِ، ﴿وَاشْرَبِي﴾ من هذا الماءِ، ﴿وَقَرِّى عَيْنًا﴾ بولدِك، والسريُّ معروفٌ من (^٢) كلام العرب أنه النهرُ الصغيرُ، ومنه قولُ لبيد بن ربيعةَ (^٣).\nفتوسَّطا عُرْضَ السَّرِىِّ وصَدَّعا … مَسْجُورةً مُتَجاوِرًا (^٤) قُلَّامُها\nويُروى فبيَّتا (^٥) مسجُورةً، ويُروى أيضًا: فغادَرا (^٦).\n\n<span id=\"aya-2275\"></span>وقوله: ﴿وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. ذُكِر أن الجِذْعَ كان جِذْعًا يابسًا، فأمَرها أن تهزَّه، وذلك في أيام الشتاءِ، وهزُّها (^٧) إياه كان تحريكَه.\nكما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ٢: \"في\".\n(^٣) شرح ديوانه ص ٣٠٧.\n(^٤) في ت ٢، والديوان: \"متجاوزا\". وينظر جمهرة أشعار العرب ١/ ٣٦٢ وشرح القصائد السبع لأبي بكر الأنباري ص ٥٥٢، وشرح القصائد التسع المشهورات ١/ ٣٩٥.\n(^٥) غير منقوطة في ص، م، ف، وفى ت ١: \"قنينا\"، وفى ت ٢: \"حسا\".\n(^٦) في ص، ت ١، ف: \"فعاذرا\".\n(^٧) في م، ف: \"هزه\".","vol":"15","page":510},{"text":"﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. قال: حرِّكيها (^١).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. قال: كان جِذْعًا يابسًا، فقال لها: هُزِّيه، ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمنِ، قال: سمِعتُ أبا نَهيكٍ يقولُ: كانت نخلةً يابسةً.\nحدَّثني محمد بن سهلِ بنِ عَسْكَرٍ، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بن معقلٍ قال: سمعتُ وهب بن منبِّهٍ يقولُ في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾: فكان الرطب يتساقط عليها، وذلك في الشتاء (^٣).\nحدَّثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾: وكان جِذْعًا منها مقطوعا فهزَّته، فإذا هو نخلةٌ، وأُجْرِى لها في المحرابِ نهرٌ، فتساقطتِ النخلةُ رطبًا جنيًّا، فقال لها: ﴿كُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وهزِّى إليك بالنخلةِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٩ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٤٨٩.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٤٨٣.","vol":"15","page":511},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، [قال: قال] (^١) مجاهد في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. قال: النخلةُ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عيسى بن ميمونٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال: العجوة (^٢).\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حُصين، عن عمرو بن ميمونٍ، أنه تلا هذه الآيةَ: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾. قال: فقال عمرٌو: ما من شيءٍ خيرٌ للنفساءِ من التمرِ والرطبِ (^٣).\nوأُدخلت الباء في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. كما يقالُ: زوَّجتُك فلانةَ، وزوَّجتُك بفلانةَ. وكما قال: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. بمعنى: تَنْبُتُ الدهنَ. وإنما تفعلُ العربُ ذلك؛ لأن الأفعال يُكنَى عنها بالباءِ، فيقالُ إذا كنَيتَ عن: ضربتُ عمرًا: فعلتُ به. وكذلك كلُّ فعلٍ؛ فلذلك تَدخُلُ الباء في الأفعالِ وتَخرجُ، فيكونُ دخولها وخروجُها بمعنًى، فمعنى الكلام: وهُزِّى إليك جذعَ النخلةِ\nوقد كان لو أن المفسرين كانوا فسَّروه كذلك: وهزِّى إليك رطبًا بجذع النخلة، بمعنى: على جذعِ النخلةِ - وجهًا صحيحًا، ولكن لستُ أحفظُ عن أحدٍ أنه فسَّره كذلك. ومن الشاهدِ على دخولِ الباءِ في موضعٍ، دخولُها فيه (^٤)\n_________\n(^١) في ف: \"عن عيسى بن ميمون عن\". وهو انتقال نظر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٩ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٧ من طريق حصين به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ف.","vol":"15","page":512},{"text":"وخروجُها منه سواءٌ - قولُ الشاعرِ (^١):\nبوادٍ يمانٍ يُنبِتُ السِّدرَ صدرُه … وأسفلُه بالمَرْخِ والشَّبَهانِ\nواختلفتِ القرأة في قراءة قوله: ﴿تُسَاقِطْ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والبصرة والكوفة: (تَسَّاقَطْ)، بالتاءِ من (تَسَّاقطْ) وتشديد السينِ، بمعنى: تتساقطُ عليك النخلةُ رطبًا جنيًّا، ثم تُدغَمُ إحدى التاءين في الأُخرى فتُشدَّدُ، وكأن الذين قرءوا ذلك كذلك وجَّهوا معنى الكلام إلى: وهزِّى إليك بجذع النخلةِ تَسَّاقط النخلة عليك رطبًا جنيًّا (^٢).\nوقرأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفة: (تَساقَطْ) بالتاء وتخفيف السينِ، ووجَّهوا (^٣) معنى الكلامِ، إلى مثْلِ ما وجَّهه (^٤) إليه مشدِّدوها، غير أنهم خالفوهم في القراءة (^٥).\nورُوى عن البراء بن عازبٍ أنه قرَأ ذلك: (يَسَّاقطْ) بالياءِ (^٦).\nحدَّثني بذلك أحمد بن يوسفَ، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن جرير بن حازمٍ، عن أبي إسحاقَ قال: سمعتُ البراء بن عازبٍ يقرؤه كذلك (^٧).\nوكأنه وجَّه معنى الكلامِ إلى: وهزِّى إليك بجذعِ النخلة (^٨) يتساقَطِ الجذعُ عليك رطبًا جنيًّا.\n_________\n(^١) هو الأحول اليشكرى، كما في لسان (ش ب هـ).\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ٢، ف. وينظر الكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٨٧، ٨٨.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"وجه\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"وجه\".\n(^٥) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي: (تَسَّاقط)، وقرأ حمزة: (تَساقطْ)، واختلف عن عاصم؛ فروى عنه أبو بكر (تَسَّاقطْ)، وروى عنه حفص: \"تُساقِطْ\". ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤٠٩ والكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٨٧.\n(^٦) هي قراءة شاذة.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٦٩ إلى المصنف وعبد بن حميد. وينظر مختصر الشواذ ص ٨٧.\n(^٨) بعده في الأصل: \"إلى\".\n\n[¬*] (تعليق الشاملة): ظبطه في المطبوع هكذا: «ومن الشاهدِ على دخولِ الباءِ في موضعِ دخولِها فيه وخروجِها منه سواءٌ، قولُ الشاعرِ»، ولعل الضبط المثبت هو الصواب، والله أعلم.","vol":"15","page":513},{"text":"ورُوى عن أبي نَهيكٍ أنه كان يقرؤه: (تُسْقِطُ) بضمِّ التاء وإسقاط الألفِ (^١).\nحدَّثنا بذلك ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمِعتُ أبا نَهِيكٍ يقرَؤه كذلك (^٢).\nوكأنه وجَّه معنى الكلام إلى: تُسقِطُ النخلةُ عليكِ رطبًا جنيًّا.\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يقال: إن هذه القراءات الثلاثَ، أعنى: (تَسَّاقَطْ) بالتاءِ وتشديدِ السين، وبالتاءِ وتخفيف السين، وبالياء وتشديدِ السين، قراءاتٌ متقارباتُ المعانى، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهنَّ قرأةٌ (^٣) أهلُ معرفة (^٤) بالقرآنِ، فبأيِّ ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ فيه، وذلك أن الجذع إذا تساقط رطبًا، وهو ثابتٌ غير مقطوعٍ، فقد تساقطتِ النخلة رطبًا، وإذا تساقطت النخلة رطبًا، فقد تساقطتِ النخلةُ بأجمَعِها، جذعُها وغيرُ جذعها، وذلك أن النخلة ما دامت قائمةً على أصلها، فإنما هي جذعٌ وجريدٌ وسعَفٌ، فإذا قُطِعت صارت جذعًا، فالجذعُ الذى أُمرت مريم بهزِّه لم يَذْكُرْ أحدٌ نعلمُه أنه كان جذعًا مقطوعًا، غيرُ السدىِّ، وقد زعم أنه عاد بهزِّها إياه نخلةً، فقد صار معناه ومعنى من قال: كان المتساقط عليها رطبًا نخلةً. واحدًا، فبيِّنةٌ (^٥) بذلك صحة ما قلنا فيه (^٦).\nوقولُه: ﴿جَنِيًّا﴾. يعنى به (^٦): مجنيًّا، وإنما كان أصله مفعولًا (^٧) فصُرِف إلى فعيلٍ، والمَجْنىُّ المأخوذ طريًّا، وكلُّ ما أُخِذ من ثمرةٍ أو بَقْلَةٍ (^٨) مِن موضعه\n_________\n(^١) هي قراءة شاذة.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٦٩ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) بعده في ت ١: \"من\".\n(^٤) في ص، ت ١، ف: \"المعرفة\".\n(^٥) فى م: \"فتبين\"، وفى ت ٢، ف: \"فبين\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٧) في الأصل، ت ٢: \"مفعول\".\n(^٨) في م: \"نقل\".","vol":"15","page":514},{"text":"بطراتِه (^١) فقد اجْتُنِى؛ ولذلك قيل: فلانٌ يجتني الكَمْأَةَ؛ ومنه قولُ ابنِ أختِ جذيمة (^٢):\nهذا جَنايَ وخيارُه فيه … إذْ كُلُّ جانٍ يَدُه إلى فِيهْ\n\n<span id=\"aya-2276\"></span><span data-type='title' id=toc-5603>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: فكُلى من الرُّطَب الذى تساقط (^٣) عليكِ، واشْرَبي من ماء السَّرِيِّ الذى جعَله ربُّك تحتَكِ، و(^٤) لا تَخْشَىْ جُوعًا ولا عطَشًا، ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ يقولُ: وطِيبي نفسًا وافرَحى بولادتِك إِيَّايَ ولا تحزني، ونُصِبتِ العينُ لأنها هي الموصوفةُ بالقَرارِ. وإنَّما معنى الكلام: ولتَقرَرْ عينُكِ بولدِكِ، ثم حُوِّل الفعل عن العين إلى المرأة صاحبة العين، فنُصِبتِ العينُ إذ كان الفعل لها في الأصل على التفسير (^٥)، نظير ما فُعِل بقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤]. وإنما هو: فإن طابت أنفسهن لكم. وقوله: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [هود: ٧٧]. ومنه قولُه: (يَسَّاقِطْ عليكِ رُطبًا جنيًّا). إنما هو يَسَّاقط عليك رطبُ الجذع، فحُوّل الفعل إلى الجذع في قراءة من قرأَه بالياء. وفي قراءةِ مَن قرأه (تسَّاقطْ) بالتاء، معناه: تساقطْ (^٦) عليكِ رُطَبُ النخلة، ثمَّ حُوِّل الفعلُ إلى النخلة (^٧).\n_________\n(^١) فى م: \"بطراوته\"، وطرُوَ الشيء يطرو وطرِىَ طراوةً وطراءً وطراءةً وطراة مثل حصاة، فهو طرىٌّ. اللسان (ط ر و).\n(^٢) عمرو بن عدى اللخمي، ابن أخت جذيمة الأبرش. الأمثال لابن سلام ص ١٧٤.\n(^٣) فى ص، م، ت ١، ف: \"يتساقط\"، وفي ت ٢: \"يساقط\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) التفسير هنا: التمييز. ينظر مصطلحات النحو الكوفى ص ٢٩.\n(^٦) فى م: \"يساقط\".\n(^٧) ينظر معانى القرآن للفراء ٢/ ١٦٦.","vol":"15","page":515},{"text":"وقد اختلفت القرأة فى قراءةِ قوله: ﴿وَقَرِّي﴾؛ فأَمَّا أهل المدينة فقرءوه ﴿وَقَرِّى﴾ بفتح القافِ على لغةِ مَن قال: قَرِرْتُ بالمكان أقرُّ به، وقرِرتُ به (^١) عينًا، أقرُّ به قُرُورًا (^٢). وهي لغة قريش، فيما ذُكر لى، وعليها القرأة (^٣)، وأما أهل نجدٍ، فإنها تقولُ: قَرَرتُ به عينًا أقِرُّ به قرارًا، وقَرَرْتُ بالمكان أقرُّ به. فالقراءةُ على لغتهم: (وقِرِّى عَيْنًا) بكسر القافِ (^٤)، والقراءة عندنا على لغة قريشٍ بفتح القاف.\nوقولُه: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾. يقولُ: فإن رأيتِ من بني آدم أحدًا يُكلّمُكِ أو يسائِلُكِ عن شيءٍ مِن أمرك وأمر ولدِكِ وسبب ولادتِكِه، ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. يقولُ: فقولي له (^٥): إنى أوجبتُ على نفسى للهِ صمتًا (^٦) ألَّا أُكلِّم أحدًا من بنى آدمَ اليومَ ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. وبنحو الذى قُلنا في معنى الصومِ قال أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: سمعتُ أنس بن مالكٍ يقولُ فى هذه الآية: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. قال: صمتًا (^٧).\nحدَّثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: أخبرني المغيرة بن عثمانَ، قال: سمعتُ أنس بن مالك يقولُ:\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"قررا\".\n(^٣) في م: \"القراءة\".\n(^٤) هي قراءة شاذة.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٦) فى ص، ت ١، ف: \"صوما\".\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٢٠.","vol":"15","page":516},{"text":"﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. قال: صمتًا.\nحدَّثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. قال: يعنى بالصومِ الصمت (^١).\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ علية، عن سليمان التيمي، قال: سمعتُ أنسًا قرأ: (إنِّي نَذَرْتُ للرَّحْمَن صَوْمًا وَصَمْتًا) (^٢).\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾: أما قوله: ﴿صَوْمًا﴾. فإنها صامت من الطعام والشراب والكلام (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضَّحاك يقولُ فى قوله: ﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾: [يعنى: صمتًا (^٤).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إني نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾] (^٥). قال: كان من بني إسرائيل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يَصُومُ مِن الطعام، إلا من ذكرِ اللهِ، فقال ذلك لها كذلك (^٦)، فقالت: إنى أَصُومُ من الكلام كما أصومُ من الطعام، إلا من ذكر الله. فلما كلَّموها أشارت إليه، فقالوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ فأجابهم. فقال: ﴿قَالَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٩/ ٥٣٢ (مخطوط) من طريق الضحاك عن ابن عباس، ضمن أثر مطول، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن مردويه ٤/ ٢٦٩.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٧٦ من طريق سليمان التيمي به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٢٦٩ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنبارى في المصاحف وابن مردويه بلفظ: صوما صمتا. وينظر تفسير القرطبي ١١/ ٩٧، ٩٨.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٢٠.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) سقط من: م.","vol":"15","page":517},{"text":"إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾ (^١).\nواختلفُوا فى السبب الذى من أجله أمرها بالصومِ عن كلام البشر؛ فقال بعضُهم: أمرها بذلك؛ لأنه لم يكن لها حُجةٌ عند الناس ظاهرة؛ وذلك أنَّها جاءت، وهى أيِّمٌ بولدٍ، فأُمرت بالكفّ عن الكلام ليكفيها الكلامَ ولدُها (^٢).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا هارون بن إسحاق (^٣)، قال: ثنا مصعب بن المقدام، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن حارثة، قال: كنتُ عند ابن مسعودٍ، فجاء رجلان فسلَّم أحدهما ولم يسلِّم الآخرُ، فقال: ما شأنك؟ فقال أصحابه: حلف أن لا يكلم الناس اليوم. فقال عبدُ اللهِ: كلِّمِ الناسَ وسلِّمْ عليهم، فإنَّ تلك امرأةٌ علمت أنَّ أحدًا لا يصدِّقُها أنَّها حملت من غير زوجٍ. يعنى بذلك مريم (^٤).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد: لما قال عيسى لمريم: لا تحزني، قالت: وكيف لا أحزن وأنت معى، لا ذاتُ زوجٍ ولا مملوكةٌ. أيُّ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٦٩ إلى ابن أبي حاتم مختصرًا.\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"بولدها\".\n(^٣) بعده فى ص، م، ت ١، ف: \"الهمداني\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٢٠ عن أبي إسحاق به، وعزاه إلى المصنف وابن أبي حاتم، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٦٩ إلى ابن أبي حاتم بنحوه.","vol":"15","page":518},{"text":"شيءٍ عُذرى عند الناس ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾. فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلامَ، ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. قال: هذا كلُّه كلام عيسى لأمه (^١).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمَّن لا يَتَّهمُ، عن وهب ابن منبه: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. فإني سأكفيك الكلام (^٢).\nوقال آخرون: إنما كان ذلك آيةً لمريم وابنها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. قال: فى بعض الحروفِ: (صمتًا). و(^٣) إنَّكَ لا [تشأُ أن] (^٤) تلقَى امرأة جاهلة (^٥) تقولُ: نذرتُ كما نذرَت مريم؛ ألَّا تكلَّمَ يومًا إلى الليل. وإنما جعل الله تلك آيةً لمريم ولابنها، ولا يحِلُّ لأحدٍ أن يَنذُرَ صمتَ يومٍ إلى الليل (^٦).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَقُولِي (^٧) إِنِّي نَذَرْتُ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٠٥.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢٢٠.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"وذلك\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٥) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: \"جاهلية\".\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ف: \"فقرأ\".","vol":"15","page":519},{"text":"لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. وكانت تُقرأُ فى الحرف الأوَّلِ: (صمتًا)، وإنما كانت آيةً بعثها الله لمريم وابنها.\nوقال آخرون: بل (^١) كانت صائمةً فى ذلك اليوم، والصائم في ذلك الزمان كان يصوم عن الطعام والشراب وكلام الناس، فأُذِن لمريم في قدر هذا الكلام ذلك اليوم وهي صائمةٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدىِّ: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ يُكَلِّمُكِ، ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. فكان مَن صام فى ذلك الزمان لم يتكلَّمْ حتى يُمسى، فقال (^٢) لها: لا تزيدى على هذا (^٣).\n\n<span id=\"aya-2277\"></span><span data-type='title' id=toc-5604>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: فلما قال عيسى ذلك لأمِّه اطمأنت نفسها، وسلمت لأمرِ الله، وحملته حتى أتت به قومها.\nكما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة عن ابن إسحاقَ، عمَّن لا يَتَّهِمُ، عن وهب بن منبِّهٍ ﵀، قال: أنساها، يعني مريم، كرْبُ البلاء وخوفُ الناس ما\n_________\n(^١) ليس في الأصل.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"فقيل\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٦٠٠، بنفس الإسناد موصولًا عن ابن عباس وابن مسعود، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٢٠.","vol":"15","page":520},{"text":"كانت تسمعُ، [يعني: ما كانت تسمع] (^١) من الملائكة من البشارة بعيسى، حتى إذا كلَّمها، يعنى عيسى، وجاءها مصداق ما كان الله وعدها احتمَلَتْه، ثم أقبلت به إلى قومها.\nوقال السدىُّ في ذلك ما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدىِّ، قال: لما ولدته ذهَب الشيطانُ، فأخبر بنى إسرائيل أنَّ مريم قد ولدت، فأقبلوا يشتدُّون، فدعَوْها، ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ (^٢).\nوقوله: ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾. يقول تعالى ذكرُه: فلما رأَوْا مريمَ، ورَأَوْا معها الولد الذى ولدته، قالوا لها: يا مريم لقد جئت بأمر عجيب، وأحدثْتِ حدَثًا عظيمًا.\nوكلُّ عاملٍ عملًا أجادَه وأحسنه فقد فَرَاه، كما قال الراجزُ (^٣):\nقَدْ أَطْعَمْتِنِي دَقَلًا حَجْرِيًّا\nقدْ كنتِ تَفْرِينَ به الفَرِيَّا\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٦٠٠، بنفس الإسناد موصولًا عن ابن عباس وابن مسعود.\n(^٣) هو زرارة بن صعب، تنظر الأبيات في اللسان (د ود) (س وس)، (ف ر ا).","vol":"15","page":521},{"text":"في قوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَرِيًّا﴾. قال: عظيمًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾. قال: عظيمًا (^٢).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾. يقولُ (^٣): عظيمًا (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتَّهم، عن وهبٍ ابن منبِّهٍ، قال: لما رأَوْها ورأَوْه معها، قالوا: يا مريم ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾: أى الفاحشة غير المقاربة.\n\n<span id=\"aya-2278\"></span><span data-type='title' id=toc-5605>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾.</span>\nاختلف أهل التأويل فى السبب الذى من أجله قيل لها: يا أُخت هارونَ، ومَن كان هارون هذا الذي ذكره الله، وأخبر أنَّهم نسبوا مريم إلى أنَّها أختُه؛ فقال\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٥٥، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٢٧٠ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وينظر فتح البارى ٦/ ٤٧٩.\n(^٢) ذكره الحافظ في الفتح ٦/ ٤٧٩ من طريق سعيد به، وعزاه إلى المصنف، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٢٧٠ إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد.\n(^٣) فى م: \"قال\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٦٠٠، بنفس الإسناد موصولًا عن ابن عباس وابن مسعود، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٢٠.","vol":"15","page":522},{"text":"بعضُهم: قيل لها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾. نسبةً منهم لها إلى الصلاح؛ لأنَّ أهل الصلاح فيهم كانوا يُسمَّوْن هارونَ، وليس بهارون أخى موسى.\nذكر من قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾. قال: كان رجلًا صالحًا في بني إسرائيل يُسمَّى هارون، فشبَّهوها به، فقالوا: يا شبيهة هارون فى الصلاحِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. قال: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح، ولا يعرفون بالفساد، ومن الناس من يُعرفُ (^٢) بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يُعرفون بالفساد ويتوالدون به، وكان هارون مُصْلِحًا محبَّبًا في عشيرته، وليس بهارون أخى موسى، ولكنَّه هارون آخر. قال: وذُكر لنا أنه شيَّع جنازته يوم مات أربعون ألفًا، كلُّهم يُسمَّى (^٣) هارونَ من بنى إسرائيل (^٤).\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمدِ بنِ سيرين، قال: نُبئتُ أنَّ كعبًا قال: إِنَّ قولَه: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾. ليس بهارون أخى موسى. قال: فقالت له عائشةُ: كذبتَ. قال: يا أم المؤمنين، إن كان النبىُّ ﷺ قاله فهو أعلمُ وخيرٌ (^٥)، وإلا فإنّى أجدُ بينهما ستمائة سنة. قال:\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧.\n(^٢) فى م، ت ١: \"يعرفون\".\n(^٣) في م: \"يسمون\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٢٢ نقلًا عن المصنف.\n(^٥) فى م ١، ت ١، ت ٢، ف: \"أخبر\".","vol":"15","page":523},{"text":"فسكتتْ (^١).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾. قال: اسمٌ واطأَ اسمًا، كم بين هارون وبينها (^٢) من الأمم؛ أممٌ كثيرةٌ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ وابن المثنى وسفيان بن (^٣) وكيعٍ وأبو السائب، قالوا: ثنا عبد الله بن إدريس الأودىُّ، قال: سمعتُ أبى يَذْكرُ عن سماك بن حربٍ، عن علقمة بن وائلٍ، عن المغيرة بن شعبةَ، قال: بعثَنى رسولُ الله ﷺ إلى أهل نجران، فقالوا لى: ألستُم تقرءون ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾؟ قلتُ: بلى. وقد علمتُم ما كان بين عيسى وموسى، فرجعتُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فأخبرته، فقال: \"ألا أخْبرتَهم أنهم كانوا يُسمَّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم\" (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكم بن بشيرٍ، قال: ثنا عمرو، عن سماكِ بن حرب، عن علقمة بن وائلٍ، عن المغيرة بن شعبة، قال: أرسلني النبيُّ ﷺ في بعضِ حوائجه إلى أهل نجران، فقالوا: أليس نبيُّك يزعُمُ أن هارون أخو مريم هو أخو موسى؟ فلم أدرِ ما أردُّ عليهم حتى رجعتُ إلى النبىِّ ﷺ فذكرتُ ذلك له، فقال: \"إنهم كانوا يُسمَّون بأسماءِ مَن كان قبلهم\".\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٢٢ نقلا عن المصنف، وقال: وفى هذا التاريخ نظر. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٠ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في م، ت ٢: \"بينهما\".\n(^٣) فى م: \"وابن\"، وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٢٠٠.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢١٣٥)، والترمذى (٣١٥٥) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٥٥١، وأحمد ٣٠/ ١٤١ (١٨٢٠١)، ومسلم (٢١٣٥)، والترمذى (٣١٥٥)، والنسائي في الكبرى (١١٣١٥)، والبغوى في تفسيره ٥/ ٢٢٨، ٢٢٩ من طريق عبد الله بن إدريس به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٢٧٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"15","page":524},{"text":"وقال بعضُهم: عُنى به هارون أخو موسى، ونُسبت مريم إلى أنها أخته؛ لأنَّها من ولده، كما (^١) يقال للتميمي: يا أخا تميم. وللمُضَرِيِّ: يا أخا مُضَرٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾. قال: كانت من بنى هارون أخى موسى، وهو كما يقال (^٢): يا أخا بنى فلان (^٣).\nوقال آخرون: بل كان ذلك رجلا منهم فاسقًا مُعْلِنَ الفسق، فنسبوها إليه.\nوالصوابُ من القولِ فى ذلك ما جاء به الخبر عن رسولِ الله ﷺ الذي ذكرناه، وأنَّها نُسبتْ إلى رجل من قومها [يقال له: هارون] (^٤).\nوقوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾. يقولُ: ما كان أبوك رجل سوءٍ يأتى الفواحش، ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. يقول: وما كانت أمُّك زانيةً.\nكما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدىِّ: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. قال: زانيةً. قال: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. ولم يقُلْ: بغيَّةً؛ لأنَّ ذلك مما يوصَفُ به النساءُ دونَ الرجال، فجرَى مَجْرَى: امرأَةٌ حائضٌ وطالقٌ. وقد كان بعضُهم يُشبِّه ذلك بقولهم: مِلْحَفةٌ جديدٌ (^٥)، وامرأةٌ قتيلٌ.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٢) في م، ت ١: \"تقول\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٦٠٠ بإسناده إلى السدى بإسناده المعروف، وتقدم أوله في ص ٤٨٣.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٥) في م: \"جديدة\".","vol":"15","page":525},{"text":"<span id=\"aya-2279\"></span><span data-type='title' id=toc-5606>القول في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فلما قال قومُها ذلك لها قالت لهم ما أمرها عيسى بقيله لهم، ثم أشارت لهم إلى عيسى أن كلِّموه.\nكما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما قالوا لها: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. قالت لهم ما أمرها اللهُ به، فلما أرادوها بعد ذلك على (^١) الكلام ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾؛ إلى عيسى.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾. [قال: أمرَتْهم بكلامه (^٢).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمَّن لا يتَّهمُ، عن وهب ابنِ منبِّهٍ: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾] (^٣). يقولُ: أشارتْ إليه أن كلِّموه.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ أَن كَلِّموه (^٤).\nوقولُه: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾. يقول تعالى ذكرُه، قال قومها لها: كيف نُكلّمُ من وُجِد فى المهدِ صبيًّا (^٥)؟ و﴿كَانَ﴾ في قولِه: ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ﴾. معناها التمامُ، لا التي تقتضى الخبرَ، وذلك شبيهُ المعنى\n_________\n(^١) في الأصل: \"عن\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٧٠ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٧٠ إلى ابن المنذر.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ف.","vol":"15","page":526},{"text":"بـ \"كان\" التي في قولِه: ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣]. وإنما معنى ذلك: هل أنا إلَّا بشرٌ رسولٌ؟ وهل وُجِدتُ أو (^١) بُعِثتُ؛ وكما قال زهير بن أبى سُلْمَى (^٢):\nزَجَرْتُ عَلَيْهِ حُرَّةً أَرْحَبِيَّةً … وَقَدْ كانَ لَوْنُ اللَّيْلِ مِثْلَ الأَرَنْدَجِ (^٣)\nبمعنى: وقد صار أو وُجد.\nوقيل: إنه عنى بالمهدِ فى هذا الموضع حِجر أمه (^٤).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾. والمهدُ: الحِجْر (^٥).\nوقد بيَّنا معنَى المهدِ فيما مضى بشواهده، فأغنَى ذلك عن إعادته في هذا الموضع (^٦).\n\n<span id=\"aya-2280\"></span><span data-type='title' id=toc-5607>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾.\n_________\n(^١)</span> في ت ١، ف: \"إذ\".\n(^٢) شرح ديوانه ص ٣٢٣.\n(^٣) في الديوان: \"اليرندج\"، وهما بمعنى وهو جلد أسود تصنع منه الأحذية. الوسيط (أرندج).\n(^٤) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ١٦٧.\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٧٠ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٦) تقدم في ٥/ ٤١٢.","vol":"15","page":527},{"text":"يقول تعالى ذكره: فلما قال قوم مريم لها: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾. وظَنُّوا أنَّ ذلك منها استهزاءٌ بهم، قال عيسى لهم متكلِّمًا عن أمه: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾.\nوكانوا حين أشارتْ لهم إلى عيسى فيما ذُكرِ عنهم غضِبوا.\nكما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ، قال: لما أشارَتْ لهم إلى عيسى غضبوا، وقالوا: لسخريتها بنا حينَ تَأمُرُنا أن نُكَلِّمَ هذا الصبيَّ أشدُّ علينا من زناها. . . ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يَتَّهمُ، عن وهب ابنِ منبِّهٍ ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾. فأجابهم عيسى عنها فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ الآية.\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾: فقال لهم: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾. فقرأ حتَّى بلَغ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾. فقالوا: إن هذا لأمرٌ (^٢) عظيمٌ.\nحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾. لم يتكلمْ عيسى إلَّا عند ذلك حينَ ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾.\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٦٠٠، بإسناده إلى السدى بإسناده المعروف، وتقدم أوله في ص ٤٨٣.\n(^٢) في ت ٢: \"الأمر\".","vol":"15","page":528},{"text":"وقولُه: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾. يقول القائل: أو آتاه الكتاب والوحى قبل أن يُخلق أو (^١) في بطن أمه؟ فإنَّ معنى ذلك بخلاف ما يظُنُّ، وإِنما معناه: وقضَى يومَ قضى أمور خلقه لى (^٢) أن يؤتينى الكتابَ.\nكما حدَّثني بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا الضحاك، [يعنى ابنَ مَخْلدٍ] (^٣)، عن سفيان، عن سماكٍ، عن عكرمة قوله: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾. قال: قضَى أن يؤتينى الكتاب فيما قَضَى (^٤).\nحدَّثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا سفيان، عن سماكٍ، عن عكرمة فى قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾. قال: القضاء.\nحدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمة في قولِ اللهِ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾. قال: قضى أن يؤتينى الكتاب (^٥).\nوقولُه: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾. وقد بيَّنت معنى النبيِّ واختلاف المختلفين فيه، والصحيح من القول فيه عندنا بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته (^٦).\nوكان مجاهدٌ يقولُ في معنى النبيِّ وحده ما حدَّثنا به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ\n_________\n(^١) سقط من: م، ف.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"إلى\".\n(^٣) سقط من: ص، ف.\n(^٤) في م، ت ١، ف: \"مضى\". والأثر في تفسير سفيان ص ١٨٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٠ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٩.\n(^٦) تقدم في ٢/ ٣٠، ٣١.","vol":"15","page":529},{"text":"جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، قال: النبيُّ وحده (^١) الذي يُكلَّمُ ويُنزَّلُ عليه الوحى (^٢) ولا يُرسل (^٣).\n\n<span id=\"aya-2281\"></span>وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾. اختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وجعلني نفَّاعًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن حماد الطَّلْحيُّ، قال: ثنا العلاء، عن عائشة امرأة ليثٍ، عن ليث، عن مجاهد: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾. قال: نفَّاعًا (^٤).\nوقال آخرون: كانت بركته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبَّارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ يَزِيدَ بنِ خُنيسٍ المخزوميُّ، قال: سمعتُ وُهيب بن الورد مولى بني مخزومٍ، قال: لَقِيَ عالمٌ عالمًا (^٥) هو فوقه فى العلم، فقال له: يرحمك الله، ما الذي أُعلنُ من عملي (^٦)؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنَّه دينُ اللهِ الذي بَعَثَ بهِ أنبياءه إلى عباده. وقد اجتمع الفقهاء على قولِ اللهِ: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾.\n_________\n(^١) كذا في النسخ. ولعله انتقال نظر من الناسخ الأول.\n(^٢) سقط من: الأصل، ت ١، ت ٢.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٥٦.\n(^٤) أخرجه البيهقي في الشعب (٧٦٦١) - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٤/ ٣٣ (مخطوط) - من طريق ليث به.\n(^٥) بعده في م: \"لما\".\n(^٦) في م: \"علمي\".","vol":"15","page":530},{"text":"وقيل: ما بركته؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: جعلنى معلِّمَ الخيرِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان في قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾. قال: معلِّم الخيرِ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهد قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾. قال: معلِّمًا للخير حيثما كنتُ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾. يقول: وقضى أن يوصينى بالصلاة والزكاة. يعنى: بالمحافظة على حدودِ الصلاة وإقامتها على ما فرضها عليَّ. وفى الزكاةِ معنيان: أحدهما؛ زكاة الأموال أن يؤدِّيَها. والآخرُ: تطهير الجسد من دنس الذنوب؛ فيكون معناه: وأوصانى بترك الذنوب واجتناب المعاصى.\nوقوله: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾. يقولُ: ما كنتُ حيًّا في الدنيا موجودًا، وهذا يُبِينُ عن أن معنى الزكاة في هذا الموضع تطهير البدن من الذنوب؛ لأنَّ الذى يوصف به عيسي صلواتُ الله وسلامه عليه أنه كان لا يدَّخِرُ شيئًا لغدٍ، فتجبَ عليه زكاةُ المالِ، إلَّا أن تكون الزكاة التى كانت فُرضَت عليه الصدقة بكلِّ ما فضل عن قوته، فيكون ذلك وجهًا صحيحًا.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٢٣ نقلا عن المصنف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٢٣.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٧٠، ٢٧١ إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":531},{"text":"<span id=\"aya-2282\"></span><span data-type='title' id=toc-5608>القول في تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: مُخْبِرًا عن قيل عيسى للقوم: وجعلني مباركًا وبَرًّا. [أى جعلني برًّا] (^١) بوالدتى. والبرُّ هو البارُّ، يقال: هو برٌّ بوالده، وبارٌّ به. وبفتح الباء قرأتْ هذا الحرف قرأةُ الأمصار.\nورُوى عن أبي نَهيكٍ [ما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبد المؤمن، عن أبى نَهيكٍ] (^١) أنه قرأ: (وبرًّا بِوَالِدَتي) من قول عيسى، ﵇، قال أبو نَهيكٍ: أوصانى بالصلاة والزكاة، والبرِّ بوالدتي (^٢)، كما أوصاني بذلك (^٣).\nفكأنَّ أبا نَهيكٍ وجَّه تأويل الكلام إلى أنَّ قوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾. من خبر عيسى عن وصيَّةِ اللهِ إيَّاه [به، كما (^٤) قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ مِن خبره عن وصيةِ اللهِ إيَّاه] (^١) بذلك. فعلى هذا القول يجب أن يكون نصب البر بمعنى عمل الوصية فيه؛ لأنَّ الصلاة والزكاة وإن كانتا مخفوضتين في اللفظ (^٥)، فإنهما بمعنى النصب من أجل أنهما (^٦) مفعولٌ بهما.\nوقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾. يقول: ولم يجعلْنى مستكبرًا على\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"بالوالدين\".\n(^٣) ذكره ابن خالويه فى مختصر الشواذ ص ٨٧، وأبو حيان في البحر المحيط ٦/ ١٧٧.\n(^٤) بعده في م: \"أن\".\n(^٥) فى ت ٢: \"اللغة\".\n(^٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"أنه\".","vol":"15","page":532},{"text":"الله فيما أمرنى به ونهانى عنه، شقيًّا، ولكن ذلَّلنى لطاعته، وجعلنى متواضعًا.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أنه -يعنى عيسى- كان يقولُ: سلُوني، فإنَّ قلبي ليِّنٌ، وإني صغيرٌ في نفسي. مما أعطاه الله من التواضع (^١).\nوحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾: ذُكر لنا أنَّ امرأة رأتِ ابن مريم يُحيي الموتى، ويُبرئُ الأكْمَهَ والأبرصَ، في آياتٍ سلَّطه الله عليهنَّ، وأذن له فيهنَّ، فقالت: طوبى للبطن الذى حملك، والثدي الذى أُرضِعتَ به. فقال نبيُّ الله ابنُ مريم يجيبُها: طوبى لمن تلا كتاب الله، واتَّبع ما فيه، ولم يَكُنْ جَبَّارًا شقيًّا (^٢).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن كثيرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ واقدٍ أبى رجاءٍ، عن بعض أهل العلم، قال: لا تجد (^٣) عاقًّا إلا وجدته جبارًا شقيًّا. ثم قرأ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾. قال: ولا تجد (^٤) سيئ الملكة إلا وجدته مختالًا فخورًا، ثم قرأ: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (^٥) [النساء: ٣٦].\n\n<span id=\"aya-2283\"></span>وقولُه: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾. يقولُ: والأَمَنَةُ منَ اللهِ عليَّ من الشيطان وجنده يومَ ولدتُ؛ أن ينالوا منى ما ينالون ممن يُولد\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في الزهد ص ٥٨، ٥٩ بسنده عن قتادة به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٢٤ عن قتادة.\n(^٣) في الأصل، ص: \"تجده\".\n(^٤) فى ص، ف، ت ١: \"تجده\".\n(^٥) تقدم تخريجه في ٧/ ٢١.","vol":"15","page":533},{"text":"عندَ الولادة من الطعن فيه، ويومَ أموتُ من هول المطَّلَعِ، ويومَ أُبعثُ حيًّا يومَ القيامةِ؛ أن ينالني الفرع الذي ينالُ الناس بمعاينتهم أهوال ذلك اليوم.\nكما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمَّن لا يتهم، عن وهب بن منبهٍ ﵀: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾. قال: يُخبرهم فى قصِّهِ خبره عن نفسه، أنَّه لا أب له وأنَّه سيموتُ ثم يُبعث حيًّا، يقولُ ﵎: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2284\"></span><span data-type='title' id=toc-5609>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: هذا الذى [وصفتُ لكم أيُّها الناسُ] (^١) صفته، وأخبرتكم خبره من أمر الغلام الذى حملته مريم، هو عيسى ابن مريم، وهذه الصفة صفته، وهذا الخبر خبره، وهو ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾. يعنى أن هذا الخبر الذى قصصْتُه عليكم (^٢)، والكلام الذى تلوتُه عليكم قولُ اللهِ [وكلامُه] (^٣) وخبره، لا خبر غيره الذي قد يقع فيه الوهم والشك والزيادة والنقصان على ما كان يقول تعالى ذكره، فقولوا في عيسى أيها الناسُ هذا القول الذى أخبركم الله به عنه، لا ما قالته اليهود الذين زعموا أنه لغيرِ رِشْدَةٍ (^٤)، وأنه كان ساحرًا كذَّابًا، ولا ما قالته النصارى من أنه\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"بينت لكم\".\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ف: \"قول الحق\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٤) يقال: هذا ولد رِشدة. إذا كان لنكاح صحيح، ويقال فى ضده: ولد زِنْية، وقال الأزهرى: كلام العرب المعروف: فلان ابن زَنية وابن رَشدة. والفتح أفصح اللغتين. ينظر النهاية ٢/ ٢٢٥.","vol":"15","page":534},{"text":"كان لله ولدًا، فإنَّ (^١) اللهَ لم يتخذ ولدًا، ولا ينبغى ذلك له.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾. قال: الله الحقُّ (^٢).\nحدَّثني يحيى بن إبراهيم المسعودى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يقولون في هذا الحرف في قراءة عبدِ اللهِ: (قالُ اللهِ (^٣) الذى فيه يمتَرُون). قال: كلمةُ اللهِ.\nولو وُجِّه تأويل ذلك إلى: ذلك عيسى ابنُ مريمَ القولُ الحقُّ، بمعنى: ذلك القولُ الحقُّ، ثم حُذفت الألف واللام من القول، وأُضيف إلى الحقِّ، كما قيل: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥]. وكما قيل: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦]. كان تأويلًا صحيحًا.\nوقد اختلفتِ القرأةُ فى قراءة ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأة الحجاز والعراق: (قَوْلُ الحَقِّ) برفعِ القول (^٤) على ما وصفتُ لك (^٥) من المعنى، وجعلوه في إعرابه تابعًا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"وإن\"، وفي ت ٢: \"قال\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٧١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ليس في: ص، م، ت ١، ف. وقراءة عبد الله شاذة، وهى فى معانى القرآن للفراء ٢/ ١٦٧ - وفيه: \"قالُ اللهِ الحقُّ\" - فى المصاحف لابن أبى داود ص ٦٤، ٦٥ - وفيه: \"قال الحق\" - ومختصر الشواذ ص ٧٨. وفيه: \"قال الحق\"، و\"قال الله\".\n(^٤) قرأ بالرفع ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٤٠٩.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"15","page":535},{"text":"لعيسى كالنعت له، وليس الأمرُ في إعرابه عندى على ما قاله الذين زعموا أنه رُفع على النعت لعيسى، إلا أن يكون معنى القول الكلمة؛ على ما ذكرنا عن إبراهيم من تأويله ذلك كذلك، فيصحَّ حينئذٍ أن يكونَ نعتًا لعيسى، وإلا فرفعُه عندى بمضمرٍ، وهو: هذا قولُ الحقِّ. على الابتداء، وذلك أن الخبر قد تناهى عن قصة عيسى وأمِّه عند قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ثم ابتُدئ (^١) الخبرُ بأنّ الحقَّ فيما فيه تمترى الأممُ من أمر عيسى هو هذا القولُ الذى أخبر الله به عنه عباده دون غيره.\nوقرأ ذلك عاصم بن أبى النجودِ وعبد الله بن عامر بالنصب (^٢)، وكأنهما أرادا بذلك المصدر: ذلك عيسى ابن مريم قولًا حقًّا. ثم أُدخلت فيه الألفُ واللام.\nوأما ما ذُكر عن ابن مسعودٍ في قراءته: (ذلك عيسى ابن مريم قالُ الحقِّ (^٣». فإنه بمعنى قول الحقِّ، مثل العابِ والعيب، والذامِ والذَّيْمِ.\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك عندنا الرفع (^٤)؛ لإجماع الحجة من القرأة عليه.\nوأما قوله تعالى ذكرُه: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾. فإنه يعنى: الذي فيه يختصمون ويختلفون، من قولهم: مارَيتُ فلانًا. إذا جادلته وخاصمته.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"ابتدأ\".\n(^٢) السبعة لابن مجاهد ص ٤٠٩.\n(^٣) في الأصل: \"الله\".\n(^٤) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"15","page":536},{"text":"ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾: امترت فيه اليهود والنصارى؛ فأما اليهودُ فزعموا أنه ساحرٌ كذَّابٌ، وأما النصارى فزعموا أنه ابنُ اللهِ، وثالث ثلاثةٍ، وإلهٌ، وكذبوا كلُّهم، ولكنه عبدُ اللهِ ورسوله وكلمته وروحُه (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج قوله: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾. قال: اختلفوا؛ فقالت فرقة: هو عبد الله ونبيُّه، فآمِنوا به. وقالت فرقةٌ: بل هو الله. وقالت فرقةٌ: هو ابن الله: ﵎ عما يقولون علوًّا كبيرًا. قال: فذلك قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: ٣٧]. والتي في \"الزخرف\" (^٢)، قال: دَقْيوسٌ ونُسْطُورُ ومارِ يعقوبَ. قال أحدُهم حينَ رُفع (^٣) عيسى: هو الله. وقال الآخرُ: ابنُ اللهِ. وقال الآخرُ: كلمة الله وعبده. قال المفتريان: إنَّ قولى هو أشبه بقولك، وقولُك بقولى من قول هذا، فهلمَّ فلنقاتلهم. فقاتلوهم وأوطَئوهم [وغلبوهم حتى خرج النبي ﷺ، وهم مسلمة أهل الكتابِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾. قال: اجتمع بنو (^٤) إسرائيل، فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كلُّ قومٍ عالمهم، فامترَوْا في عيسى حين رُفِع؛ فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء. وهم اليعقوبية، فقال الثلاثة: كذبت. ثم قال اثنان\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٢٥.\n(^٢) يشير إلى الآية: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ف: \"الله\".\n(^٤) سقط من: م.","vol":"15","page":537},{"text":"منهم للثالثِ: قُل أنت فيه. قال: هو ابنُ اللهِ. وهم النُّسْطُوريَّةُ، فقال الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه، قال: هو ثالث ثلاثة: الله إلهٌ، وهو إلهٌ، وأمُّه إلهٌ. وهم الإسرائيلية ملوكُ النصارى، قال الرابعُ: كَذَبْت، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته. وهم المسلمون، فكان لكل رجل منهم أتباعٌ على ما قال، فاقتتلوا، فظُهِر على المسلمين، وذلك قول الله جلّ وعزّ: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١]. قال قتادة: وهم الذين قال الله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ [مريم: ٣٧]. اختلفوا فيه فصاروا أحزابًا (^١).\n\n<span id=\"aya-2285\"></span><span data-type='title' id=toc-5610>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: لقد كذب (^٢) الذين قالوا: إن عيسى ابنُ اللهِ، وأعظموا الفِرْية عليه، فما ينبغى لله أن يتخذ ولدًا، ولا يصلُحُ ذلك له ولا يكونُ، بل كلُّ شيءٍ دونَه فخلقُه، وذلك نظير قول عمرو بن أحمر (^٣):\nفى رأسِ خَلْقاءَ (^٤) مِن عَنْقاءَ مُشْرِفَةٍ … [ما يَنْبَغِي] (^٥) دُونهَا سَهْلٌ وَلا جَبَلُ\nو﴿أَنْ﴾ من قوله: ﴿أَنْ يَتَّخِذَ﴾ في موضعِ رفعٍ بـ ﴿كَانَ﴾.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٨، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٢٥، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٢٧١ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ف، م: \"كفرت\".\n(^٣) البيت فى التبيان ٧/ ١٣٦، واللسان (ع ن ق).\n(^٤) خلقاء: الصخرة ليس فيها وصم ولا كسر، ينظر التاج.\n(^٥) فى م، واللسان: \"لا يبتغى\".","vol":"15","page":538},{"text":"وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾. يقولُ: تنزيها لله وتبرئةً له أن يكون له ما أَضاف إليه الكافرون القائلون: عيسى ابنُ اللهِ.\nوقوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. يقول جلَّ ثناؤه: إنما ابتدأ الله خلق عيسى ابتداءً، وأنشأه إنشاءً، من غيرِ فحلٍ افتحل أمَّه، ولكنه قال له: كُنْ. فكان (^١)؛ لأنَّه كذلك يبتدع الأشياء ويخترعُها، إنما يقولُ إذا قضى خلق شيءٍ أو إنشاءه: كُن. فيكونُ، موجودًا حادثًا، لا يعظُمُ عليه خلقه؛ لأنه لا يخلقه بمعاناة وكُلفةٍ، ولا ينشئُه بمعالجة وشدَّةٍ.\n\n<span id=\"aya-2286\"></span>وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾. اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والبصرة (^٢): (وَأَنَّ اللهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ).\nواختلف أهل العربية فى وجه فتح \"أنَّ\" إذا فُتحت؛ فقال بعضُ نحويِّى الكوفة (١): فُتِحت ردًّا على عيسى وعطفًا عليه، بمعنى: ذلك عيسى ابن مريم، وذلك أنَّ الله ربِّى وربُّكم، وإذا كان كذلك كانت \"أن\" رفعًا. قال (^٣): وتكون بتأويل خفض، كما قال: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ [الأنعام: ١٣١]. قال: ولو فُتحت على قوله: ﴿وَأَوْصَانِي﴾ بأنَّ الله، كان وجهًا.\nوكان بعضُ البصريين (^٤) يقول - وذكر ذلك أيضًا عن أبي عمرو بن العلاء، وكان ممن يقرؤه بالفتح -: إنما فُتحت \"أنَّ\" بتأويل: قَضَى أَنَّ اللهَ رَبِّي وربُّكم.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف، م: \"فيكون\".\n(^٢) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤١٠.\n(^٣) هو قول الفراء فى معاني القرآن ٢/ ١٦٨.\n(^٤) حكاه أبو حيان عن أبي عبيدة عن أبي عمرو، ينظر البحر المحيط ٦/ ١٩٠.","vol":"15","page":539},{"text":"وكانت عامة قرأةِ الكوفيين (^١) يقرءونه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ بكسر \"إن\" بمعنى النسَقِ على قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ﴾.\nورُوى عن أُبيِّ بن كعبٍ أنه كان يقرؤُه: (فإنما يقول له كن فيكون إن الله ربى وربكم) بغير واوٍ (^٢).\nوالقراءة التي نختارُ فى ذلك: الكسر على الابتداء. وإذا قُرِئ كذلك لم يكن لها موضعٌ، وقد يجوز أن تكون عطفًا على \"إن\" التى مع قوله: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ - ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾. ولو قال قائلٌ، ممن قرأ ذلك نصبًا: نُصِبَ على العطفِ على \"الكتاب\" بمعنى: أتاني الكتاب، وأتانيَ أنَّ الله ربِّي وربُّكم، كان وجهًا حسنًا.\nومعنى الكلام: وإنى وأنتم أيُّها القومُ جميعًا لله عبيدٌ، فإيَّاه فاعبدوا دونَ غيره.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكرُ من قال ذلك:\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عمن لا يَتَّهِمُ، عن وهب ابن منبِّهٍ، قال: عهد إليهم حين أخبرهم عن نفسه ومولده وموته وبعثه: (أنَّ الله ربى ورَبُّكُم فاعبدُوهُ هذا صراطٌ مستقيم)، أي: إنِّى وإيَّاكم عبيد الله، فاعبُدوه ولا تعبُدُوا غيرَه.\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤١٠.\n(^٢) هي قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط ٦/ ١٨٩.","vol":"15","page":540},{"text":"وقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. يقولُ: هذا الذي أوصيتُكم به، وأخبرتكم أنَّ اللهَ أمرنى به هو الطريق المستقيم، الذي من سلكه نجا، ومن ركبه اهتدى؛ لأنه دينُ اللهِ الذى أمرَ به أنبياءه.\n\n<span id=\"aya-2287\"></span><span data-type='title' id=toc-5611>القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فاختلف المختلفون في عيسى، فصاروا أحزابًا متفرِّقين (^١) من بين قومه.\nكما حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾. قال: أهل الكتابِ (^٢).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله (^٢).\nوحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾: ذُكر لنا أنه لما رُفع ابنُ مريمَ انتخبت بنو إسرائيل أربعةً من فقهائهم، فقالوا للأوَّلِ: ما تقولُ في عيسى؟ قال: هو الله هبط إلى الأرض، فخلق ما خلق، وأحيا ما أحيا، ثم صَعِد إلى السماء. فتابعه على ذلك ناسٌ من الناسِ، فكانت اليعقوبية من النصارى، وقال الثلاثة الآخرون: نشهَدُ أنك كاذبٌ. فقالوا للثاني: ما تقولُ في عيسى؟ قال: هو ابنُ اللهِ. قال: فتابعه على ذلك ناسٌ من\n_________\n(^١) في الأصل: \"مفترقين\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٥٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٧١ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":541},{"text":"الناسِ، فكانت النُّسْطورية من النصارى، وقال الاثنان الآخران: نشهدُ أنَّك كاذبٌ. وقالوا للثالث: ما تقولُ في عيسى؟ قال: هو إلهٌ، وأمُّه إلهٌ، والله إلهٌ. فتابعه على ذلك ناسٌ من الناسِ، فكانت الإسرائيلية من النصارى، فقال الرابع: أشهدُ أنَّك كاذبٌ، ولكنه عبد الله ورسوله، هو كلمة الله وروحه. فاختصم القومُ، فقال المرء المسلم: أنشُدُكم الله هل تعلمون أنَّ عيسى كان يَطْعَمُ الطعام، وأن الله ﵎ لا يَطعَمُ الطعام. قالوا: اللهمَّ نعم. قال: هل تعلمون أنَّ عيسى كان ينام؟ قالوا: اللهمَّ نعم. قال: فخصمهم المسلم. قال: فاقتتل القومُ. قال: فذُكر لنا أن اليعقوبية ظهرت يومئذٍ وأُصيب المسلمون، فأنزل الله في ذلك القرآنَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].\nوحدَّثنا الحسن (^١)، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾: اختلفوا فيه فصاروا أحزابًا (^٢).\nوقولُه: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. يقولُ: فوادى جَهَنَّمَ الذى يُدعى ويلًا للذين كفروا بالله، من الزاعمين أنَّ عيسى لله ولدٌ، وغيرهم من أهل الكفر به، من شهودِهم يومًا عظيمًا شأنُه، وذلك يوم القيامة.\nوكان قتادةُ يقولُ في تأويل ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال الله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: شهدوا هَوْلًا (^٣) إِذًا عظيمًا.\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ف، م: \"قال: أخبرنا إسحاق\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٥٣٨.\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قولًا\".","vol":"15","page":542},{"text":"<span id=\"aya-2288\"></span><span data-type='title' id=toc-5612>القول في تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره مخبرًا عن حال الكافرين به، الجاعلين له أندادًا، والزاعمين أنَّ له ولدًا، يومَ ورودِهم عليه في الآخرة، لئن كانوا في الدنيا عُميًا عن إبصار الحقِّ، والنظر إلى حجج الله التي تدلُّ على وحدانيته صُمًّا عن سماع آي كتابه، وما دعتهم إليه رسل الله فيها من الإقرار بتوحيده، وما بعث به أنبياءه، فما أسمعهم يوم قدومهم على ربِّهم فى الآخرةِ، وأبصَرَهم يومئذٍ حين لا ينفعهم الإبصارُ والسماعُ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكر من قال ذلك:\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾: ذاك والله يوم القيامة، سمِعوا حين لم (^١) ينفعهم السمعُ، وأبصروا حين لم (^٢) ينفعهم البصر (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾. قال: أَسمَعُ قومٍ وأبصرُه (^٤).\nوحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف، م: \"لا\".\n(^٢) في ف، م: \"لا\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٧١ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) في م: \"أبصرهم\".\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ٢/ ٨ مطولًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٧١ إلى ابن المنذر.","vol":"15","page":543},{"text":"قتادةَ، قال: [أسمعُ قومٍ وأبصرُه] (^١)، ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾؛ يوم القيامةِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: ﴿أَسْمِعْ﴾ بحديثهم اليومَ، ﴿وَأَبْصِرْ﴾ كيفَ نَصنعُ بِهِم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾. قال: هذا يومُ القيامةِ، فأمَّا الدنيا فلا، كانت على أبصارِهم غشاوةٌ وفي آذانِهم وقرٌ في الدنيا، فلما كان يومُ القيامةِ أبصَروا وسمِعوا فلم ينتفِعوا، وقرَأ: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ (^٢) [السجدة: ١٢].\nوقولُه: ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: لكنِ الكافرون الذين أضافُوا إليه ما ليس من صفتِه، وافترَوْا عليه الكذبَ ﴿الْيَوْمَ﴾ في الدنيا ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: في ذَهابٍ عن سبيلِ الحقِّ، وأخذٍ على غيرِ استقامةٍ، ﴿مُبِينٍ﴾: أَنَّه جائرٌ عن طريقِ الرشدِ والهُدَى لمن تأمَّله وفكَّر فيه فهُدِيَ لرشدِه.\n\n<span id=\"aya-2289\"></span><span data-type='title' id=toc-5613>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وأنذِر يا محمدُ هؤلاءِ المشركين باللهِ يومَ حسرتِهم وندمِهم، على ما فرَّطوا في جنبِ اللهِ، وأَورثتُ مساكنَهم من الجنةِ أهلَ الإيمانِ باللهِ والطاعةِ له، وأُدْخِلُوا هم مساكنَ أهلِ الإيمانِ باللهِ من النارِ، وأيقَنَ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"أسمع بهم وأبصر\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٢٨ مختصرًا.","vol":"15","page":544},{"text":"الفريقانِ بالخلودِ الدائمِ، والحياةِ التي لا موتَ بعدَها، فيالها حسرةً وندامةً.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيل، قال: ثنا أبو الزَّعْراءِ، عن عبدِ اللهِ في قصةٍ ذكَرها، قال: فليس (^١) نفسٌ إلا وهى تنظرُ إلى بيتٍ فى الجنةِ، وبيتٍ فى النارِ، وهو يومُ الحسرةِ، فيرَى أهلُ النارِ البيتَ الذى [فى الجنةِ] (^٢) فيقالُ لهم: لو عمِلتُم (^٣). فتأخُذُهم الحسرةُ. قال: ويرى أهلُ الجنةِ البيتَ الذى فى النارِ، فيقالُ لهم: لولا أنْ منَّ اللهُ عليكم (^٤).\nوحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"يُجاءُ بالموتِ يومَ القيامة فيُوقَفُ بينَ الجنَّةِ والنَّارِ كأَنَّه كبشٌ أملَحُ. قال: \"فيُقالُ: يا أهلَ الجنَّة هل تعرفون هذا؟ فَيَشْرَئبُّون وينظرون، فيقولُون: نعم، هذا الموتُ\". قال: \"فيقولُ: يا أهلَ النَّارِ هل تعرفون هذا؟ فيشرئبُّون وينظُرون، فيقولون: نعم، هذا الموتُ. ثُمَّ يُؤمرُ به فيُذبحُ\". قال: \"فيقُولُ: يا أهلَ الجنَّةِ خُلُودٌ فلا موتَ، ويا أهلَ النَّارِ خُلُودٌ فلا موتَ\". قال: ثم قرَأ رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وأشارَ بيده فى الدنيا (^٥).\n_________\n(^١) فى م: \"مامن\".\n(^٢) فى م: \"كان قد أعده الله لهم لو آمنوا\".\n(^٣) في م: \"آمنتم وعملتم صالحًا كان لكم هذا الذي ترونه في الجنة\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٢٨ من طريق سفيان به.\n(^٥) أخرجه أحمد ١٧/ ٢٠ (١١٠٦٦)، ومسلم (٢٨٤٩/ ٤٠)، والآجرى في الشريعة (٩٤٢)،=","vol":"15","page":545},{"text":"حدَّثني عبيدُ بنُ أسباطَ بنِ محمدٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ في هذه الآيةِ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾. قال: \"يُنادَى: يا أهلَ الجنَّةِ، فيشرئبُّون، فينظُرون، ثمَّ يُنادَى: يا أهلَ النَّارِ فيشرئبُّون فينظُرُون\". قال: \"فيُقالُ: هل تعرفون الموتَ؟ \" قال: \"فيقُولُون: لا (^١) \". قال: فيُجاءُ بالموتِ في صورةِ كَبْشٍ أملحَ، فيُقالُ: هذا الموتُ. ثُمَّ يُؤخَذُ فيُذبحُ\"، قال: \"ثمَّ يُنادَى يا أهلَ الجنة، خُلُودٌ ولا موتَ، ويا أهلَ النارِ، خُلُودٌ ولا موتَ\". قال: ثم قرَأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثني الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾. قال: يصوِّرُ اللهُ الموتَ [في صورةِ] (^٣) كبشٍ أملحَ، فيُذبحُ. قال: فييأسُ أهلُ النارِ من الموتِ فلا يرجُونه، فتأخذُهم الحسرةُ من أجلِ الخلودِ في النار، وفيها أيضًا الفزعُ الأكبرُ، ويأمنُ أهلُ الجنةِ الموتَ فلا يخشَوْنه، وأمِنُوا الموتَ وهو الفزعُ الأكبرُ؛ لأنَّهم يُخلدون في الجنةِ. قال ابنُ جريجٍ: يُحشرُ أَهلُ النارِ حينَ يُذبح\n_________\n= والبيهقي في البعث (٦٤٠)، وغيرهم من طرق عن أبى معاوية به، وأخرجه البخاري (٤٧٣٠)، والنسائي في الكبرى (١١٣١٦)، والترمذى (٣١٥٦)، وأبو يعلى (١١٢٠، ١١٧٥، ١٢٢٤) أربعتهم من طرق عن الأعمش به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٧١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^١) في مصادر التخريج: \"نعم\".\n(^٢) أخرجه النسائي فى الكبرى (١١٣١٧)، وابن الأعرابي في معجمه (٢٠٧٣) من طريق أسباط عن الأعمش عن أبي صالح به وأخرجه أحمد ١٤/ ٤٨٣، ١٥/ ٢٦٦، ١٦/ ٣٨٤ (٨٩٠٧، ٩٤٤٩، ١٠٦٥٧)، والدارمي ٢/ ٣٢٩، والآجرى فى الشريعة (٩٤١) من طرق عن أبي صالحٍ به، وقال الدارقطني عقبه: والصحيح حديث أبي سعيد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٧٢ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) في الأصل، ت ٢: \"كأنه\".","vol":"15","page":546},{"text":"الموتُ والفريقان ينظرون، فذلك قولُه: ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾. قال: ذَبْحُ الموتِ. ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن أبيه، أنَّه أخبره أنَّه سمِع عبيدَ بنَ عميرٍ في قَصصِه يقولُ: يُؤْتَى بالموتِ كأَنَّه دابةٌ، فيُذبحُ والناسُ ينظرون (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾. قال: يومَ القيامةِ. وقرَأ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ (^٣) [الزمر: ٥٦].\nوحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾: من أسماءِ يومِ القيامةِ؛ عظَّمه اللهُ، وحذَّره عبادَه (^٤).\nوقولُه: ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾. يقولُ: إذ فُرغ من الحكمِ لأهلُ النارِ بالخلودِ فيها، ولأهلِ الجنةِ بمقامِ الأبدِ فيها بذبحِ الموتِ.\nوقولُه: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾. يقولُ: وهؤلاء المشركون في غفلةٍ عما الله فاعلٌ بهم يومَ يأتونَه خارجين إليه من قبورِهم، من تخليده إيَّاهم في جهنمَ، وتوريثِه مساكنَهم من الجنةِ غيرَهم: ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهم لا\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٢٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٧٢ إلى قوله: \"الخلود في النار\" إلى المصنف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٢٨ عن ابن جريج به\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٢٨ عن عبد الرحمن بن زيد به\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٢٨ عن على بن أبي طلحة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٧٢ إلى المصنف.","vol":"15","page":547},{"text":"يُصدِّقون بالقيامةِ والبعثِ، ومجازاةِ اللهِ إيَّاهم على سيِّئ أعمالِهم بما (^١) أخبَر أنَّه مجازيهم به.\n\n<span id=\"aya-2290\"></span><span data-type='title' id=toc-5614>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: لا يحزنْك تكذيبُ هؤلاء المشركين يا محمدُ لك، فيما أتيتَهم به من الحقِّ، فإنَّ إلينا مرجِعَهم ومصيرَهم ومرجعَ (^٢) جميعِ الخلقِ غيرِهم، ونحنُ وارثو الأرضِ ومَن عليها من الناسِ بفَنائهم منها، وبَقائها لا مالكَ لها غيرُنا، ثم علينا جزاءُ كلِّ عاملٍ منهم بعملِه، عند مرجعِه إلينا، المحسنُ منهم بإحسانِه، والمسيءُ منهم بإساءِته.\n\n<span id=\"aya-2291\"></span><span data-type='title' id=toc-5615>القولُ في تأويلِ قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَاذْكُرْ﴾ يا محمدُ في كتابِ اللهِ ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ خليلَ الرحمنِ، فاقصُص على هؤلاء المشركين قصَصَه وقَصصَ أبيهِ، ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾. يقولُ: [إنَّ إبراهيمَ كان ﴿صِدِّيقًا﴾. يقولُ] (^٣): كان من أهلِ الصدقِ في حديثهِ وأخبارِه ومواعيدِه لا يكذبُ. والصدِّيقُ هو الفِعِّيلُ من الصدقِ. وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى قبلُ بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضع (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ما\".\n(^٢) فى م: \"مصير\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) تقدم في ٧/ ٢١١، ٢١٢.","vol":"15","page":548},{"text":"﴿نَبِيًّا﴾ يقولُ: كان اللهُ قد نبَّأه وأوحَى إليه.\n\n<span id=\"aya-2292\"></span>وقولُه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾. يقولُ: اذكرْه حينَ قال لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾. يقولُ: ما تصنعُ بعبادةِ الوَثَنِ الذى ﴿لَا يَسْمَعُ﴾ صوتًا (^١)، ﴿وَلَا يُبْصِرُ﴾ شيئًا، ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾. يقولُ: ولا يدفعُ عنك ضُرَّ شيءٍ، إنما هو صورةٌ مصوَّرةٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ. يقولُ: ما تصنعُ بعبادةِ ما هذه صفتُه، اعبدِ الذي إذا دعوتَه سمِع دعاءَك، وإذا أُحيط بك أبصَرك فنصَرك، وإذا نزَل بك ضرٌّ دفَع عنك.\nواختلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ دخولِ الهاءِ فى قوله: ﴿يَاأَبَتِ﴾. فكان بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ يقولُ: إذا وقفتَ عليها قلتَ: يا أَبَه، وهى هاءٌ زيدت نحوَ قولِك: يا أمَّهْ. ثم يقالُ: يا أمَّ. إذا وصَل، ولكنه لما كان الأبُ على حرفين، كان كأنَّه قد أُخِلَّ به، فصارت الهاءُ لازمةً، وصارت الياءُ كأنَّها بعدَها، فلذلك قالوا: يا أبتِ أقبِلْ، وجَعل التاءَ للتأنيثِ. ويجوزُ الترخيمُ من يا أبُ أقبِلْ؛ لأنَّه يجوزُ أن تدعوَ ما تُضيفه إلى نفسِك فى المعنى مضمومًا، نحوُ قولِ العربِ: يا ربُّ، اغفِر لى، وتقِفُ فى القرآنِ: يا أبتْ، [في الكتابِ] (^٢). وقد يقفُ بعضُ العربِ على الهاءِ بالتاءِ.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: الهاءُ مع \"أبةِ\" و\"أُمَّةِ\" هاءُ وقفٍ، كثُرت في كلامِهم حتى صارت كهاءِ التأنيثِ، وأدخلُوا عليها الإضافةَ، فمَن طلَب الإضافةَ، فهى بالتاءِ لا غيرُ؛ لأنَّك تطلُب بعدها الياءَ، ولا تكونُ الهاءُ حينئذٍ إلا تاءً، كقولك: يا أبتِ. لا غيرُ، ومن قال: يا أبَةُ. فهو الذي يقِفُ بالهاءِ؛ لأنَّه لا\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ف، م.\n(^٢) كذا في النسخ. وفي الصحاح واللسان: \"اتباعًا للكتاب\". والمعنى اتباعًا لرسم المصحف.","vol":"15","page":549},{"text":"يطلبُ بعدها ياءً؛ ومن قال: يا أَبةَ (^١). فإنه يقِفُ عليها بالتاءِ، ويجوزُ بالهاءِ؛ فأمَّا بالتاءِ فلطلبِ ألفِ النُّدبة، فصارتِ الهاءُ تاءً لذلك، والوقفُ بالهاءِ بعيدٌ إلا فيمَن قال:\n*يا أميمةَ ناصِبِ (^٢) *\nفجعَل هذه الفتحةَ من فتحةِ الترخيمِ، وكأنَّ هذا طرَفُ الاسمِ، قال: وهذا بعيدٌ.\n\n<span id=\"aya-2293\"></span><span data-type='title' id=toc-5616>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال إبراهيم لأبيه: يا أبتِ، إِنِّي قد أتانيَ اللهُ من العلم به ما لم يُؤتِك ﴿فَاتَّبِعْنِي﴾. يقولُ: فاقبلْ منِّى نصيحتى ﴿أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾. يقولُ: أُبصِّرْك هدى الطريقِ المستوِى الذى لا تضلُّ فيه إن لزِمتَه، وهو دينُ اللهُ الذى لا اعوجاجَ فيه.\n\n<span id=\"aya-2294\"></span><span data-type='title' id=toc-5617>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يا أبتِ، لا تعبدِ الشيطانَ إنَّ الشيطانَ كان للهِ عصيًّا (^٣)، والعَصِىُّ هو ذو العصيانِ، كما العليمُ ذو العلمِ. وقد قال قومٌ من أهلُ العربيةِ:\n_________\n(^١) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٣٢.\n(^٢) جزء بيت للنابغة الذبياني، وتمامه:\nكليني لهم يا أميمة ناصب … وليل أقاسيه بطيء الكواكب\nوقد تقدم ١٤/ ٤٤.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"عاصيا\".","vol":"15","page":550},{"text":"العصىُّ: هو العاصِي، والعليمُ هو العالمُ، والعريفُ هو العارفُ، واستشهدُوا لقولِهم ذلك بقولِ طَريفِ بن تميمٍ العَنبرىِّ (^١):\nأوَ كُلَّما وَرَدَتْ عُكاظَ قَبِيلَةٌ … بَعَثتْ (^٢) إلىَّ عَرِيفَهُمْ يَتَوَسَّمُ\nوقالوا: قال: عريفَهم. وهو يريدُ: عارفَهم، واللهُ أعلمُ.\n\n<span id=\"aya-2295\"></span><span data-type='title' id=toc-5618>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾.</span>\nيقولُ: يا أبت، إنِّى أعلمُ أنَّك إن متَّ على عبادةِ الشيطانِ أنه يمسُّك عذابٌ من عذابِ اللهِ ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾. يقولُ: تكونُ له وليًّا دونَ اللهِ، ويتبرَّأُ اللهُ منك، فتهلِكَ.\nوالخوفُ فى هذا الموضع بمعنى العِلم، كما الخشيةُ بمعنى العلمِ، في قولِه: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠].\n\n<span id=\"aya-2296\"></span><span data-type='title' id=toc-5619>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال أبو إبراهيمَ لإبراهيمَ حين دعاه إبراهيمُ إلى عبادِة اللهِ وترْكِ عبادةِ الشيطانِ، والبراءةِ من الأوثانِ والأصنامِ: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ﴾ يا إبراهيمُ ﴿عَنْ﴾ عبادةِ ﴿آلِهَتِي﴾ ﴿لَئِنْ﴾ أنتَ ﴿لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن ذكرهِا بسوءٍ ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾. يقولُ: لأرجُمنَّك بالكلامِ. وذلك السبُّ والقولُ القبيحُ.\nوبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ\n_________\n(^١) البيت في اللسان (ضرب) ونسبه لطريف بن مالك العنبرى، وفى (عرف) لطريف بن مالك العنبرى، وقيل: طريف بن عمرو.\n(^٢) فى م، اللسان: \"بعثوا\".","vol":"15","page":551},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ بالشتيمةِ والقولِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ في قولِه: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾. قال: بالقولِ؛ لأشتُمنَّك (^١).\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾. يعني: رجْمَ القولِ (^٢).\nوأمَّا قوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. فإنَّ أهلُ التأويلِ اختلفُوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: واهجُرنى حينًا طويلًا ودهرًا. ووجَّهوا معنى الملىِّ إلى المِلاوةِ من الزمانِ، وهو الطويلُ منه.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ [قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصينٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. قال: دهرًا (^٣).\nوحدَّثنا ابنُ بشارٍ] (^٤)، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى الوضَّاحِ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٣٠، وأبو حيان في البحر المحيط ٦/ ١٩٥.\n(^٢) تفسير البغوى ٥/ ٢٣٤، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٣٠ بنحوه.\n(^٣) تفسير سفيان الثورى ص ١٨٥ (٥٧٣)، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٣٠ عن عكرمة.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ف.","vol":"15","page":552},{"text":"عبد الكريمِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. قال: دهرًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَلِيًّا﴾. قال: حينًا (^٢).\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. قال: طويلًا.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ فى قوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. قال: زمانًا طويلًا (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. يقولُ: دهرًا، والدهرُ المليُّ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. قال: دهرًا (^٥).\nوحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَاهْجُرْنِي\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٣٠ عن مجاهد به، وذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ١١.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٥٦، والبغوى ٥/ ٢٣٤ من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٢٧٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٨.\n(^٤) ذكره ابن كثير ٥/ ٢٣٠ عن ابن إسحاق به.\n(^٥) تفسير البغوى ٥/ ٢٣٤، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٣٠.","vol":"15","page":553},{"text":"مَلِيًّا﴾. قال: أبدًا (^١).\nوقال آخرون: بل معنَى ذلك: واهجُرنى سويًّا سالمًا من عقوبتى إِيَّاك. ووجَّهُوا معنى الملىِّ إلى قول الناسِ: فلانٌ ملىٌّ بهذا الأمرِ: إذا كان مضطَلِعًا به غنيًّا منه (^٢). وكأنَّ معنى الكلامِ كان عندَهم: واهجُرني وعِرضُكَ وافرٌ من عقوبتي، وجسمُك معافًى من أذايَ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنى علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبي طلحةَ عن ابنُ عباسٍ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. يقولُ: اجتنِبنى سَوِيًّا (^٣).\nوحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. قال: اجتَنبني سالمًا قبلَ أن يُصيبَك منِّى عقوبةٌ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. قال: سالمًا.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٣٠ عن السدى به.\n(^٢) فى م: \"فيه\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٣٠.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٧٢ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٧٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"15","page":554},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ كثيرِ بنِ درهمٍ أبو غسَّانَ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ، عن عطية الجَدَلىِّ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. قال: سالمًا (^١).\nوحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾: اجتنِبني سالمًا لا يصيبُك منِّى معرَّةٌ (^٢).\nوأولَى القولينِ (^٣) بتأويلِ الآيةِ عندِى قولُ من قال: معنى ذلك: واهجُرني سويًّا، سليمًا من عقوبتِي؛ لأنَّه عَقيبُ قولِه: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾. وذلك وعيدٌ منه له إن لم ينتهِ عن ذكرِ آلهتِه بالسوءِ، أن يرجُمَه بالقولِ السيِّئ، والذى هو أولَى أن يَتبَعَ ذلك التقدُّمُ إليه بالانتهاءِ عنه قبلَ أن تنَالَه العقوبةُ، فأمَّا الأمرُ بطولِ هجرِه فلا وجهَ له.\n\n<span id=\"aya-2297\"></span><span data-type='title' id=toc-5620>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: قال إبراهيمُ لأبيه حينَ توعَّده على نصيحتِه إيَّاه ودعائِه إلى اللهِ، بالقول السَّيِّئ والعقوبة: سلامٌ عليك يا أبتِ، يقولُ: أَمَنَةٌ منِّى لك أن أُعاودَك فيما كرِهتَ، ولِدُعائك إلى ما توعَّدتني عليه بالعقوبةِ، ولكنِّى ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾. يقولُ: ولكنِّي سأسألُ ربى أن يستُرَ عليك ذنوبَك بعفوِه إيَّاك عن عقوبتِك\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٣٠.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٣٠ به.\n(^٣) في الأصل، ت ٢: \"التأويلين\".","vol":"15","page":555},{"text":"عليها، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾. يقولُ: إِنَّ رَبِّى عهِدته بي (^١) لطيفًا يُجيبُ دعائى إذا دَعَوتُه. يُقال منه: تحفَّى بى فلانٌ. وقد بيَّنتُ ذلك بشواهدِه فيما مضَى، بما أغنى عن إعادتِه ههنا (^٢).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾. يقولُ: لطيفًا (^٣).\nوحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾. قال: إنَّه كان بي لطيفًا، الحفىُّ اللطيفُ.\n\n<span id=\"aya-2298\"></span>وقولُه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. يقولُ: وأجتنِبُكم وعبادةَ ما تدعُون من دونِ اللهِ منَ الأوثانِ والأصنامِ، ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ [يقولُ: وأدعُو ربِّي] (^٤) بإخلاصِ العبادِة له، وإفرادِه بالربوبيةِ؛ ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾. يقولُ: عسَى أن لا أشقَى بدعاءِ ربِّى، ولكن يُجيب دعائى ويُعطيني ما أسألُه.\n\n<span id=\"aya-2299\"></span><span data-type='title' id=toc-5621>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا اعتزَل إبراهيمُ قومَه وعبادةَ ما كانوا يعبُدون من دونِ الله\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ف.\n(^٢) تقدم في ١٠/ ٦١١ - ٦١٤.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٠/ ٦١٤.\n(^٤) سقط من: الأصل.","vol":"15","page":556},{"text":"من الأوثانِ آنَسْنا وحشتَه من فراقِهم، وأبدَلناه منهم مَن (^١) هو خيرٌ منهم وأكرمُ على اللهِ منهم، فوهَبنا له ابنَه إسحاقَ، وابنَ ابنِه يعقوبَ بنَ إسحاقَ، ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾. يقولُ: وجعلناهم كلَّهم -يعنى بالكلِّ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ- أنبياءَ. وقال تعالَى ذكرُه: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾. فوحَّد ولم يقلْ: أنبياءَ. لتوحيدِ لفظ كلٍّ،\n\n<span id=\"aya-2300\"></span>﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: ورزَقنا جميعَهم -يعنى إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ- من رحمتِنا. وكان الذى وهَب لهم من رحمتِه ما بسَط لهم فى عاجلِ الدنيا من سَعةِ رزقه، وأغناهم بفضلِه.\nوقولُه: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ورزَقناهم الثناءَ الحسنَ، والذكرَ الجميلَ من الناسِ.\nكما حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾. يقولُ: الثناءُ الحسنُ (^٢).\nوإنَّما وصَف جلَّ ثناؤه اللسانَ الذى جعَل لهم بالعلوِّ؛ لأنَّ جميعَ أهلِ المللِ تُحسِنُ الثناءَ عليهم، والعربُ تقولُ: قد جاءنى لسانُ فلانٍ. تعنى ثناءَه أو ذمَّه، ومنه قولُ عامرِ بنِ الحارثُ (^٣):\nإنِّي أَتَتْنِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِهَا … مِنْ عَلْوَ لا عَجَبٌ مِنْها وَلا سَخَرُ\nويُروَى: لا كَذِبٌ فيها ولا سَخَرُ.\n_________\n(^١) في الأصل، م: \"بمن\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٧٢ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) البيت الأول فى التعازي والمراثى ص ١٤، وجمهرة أشعار العرب ٢/ ٧١٤، وأمالي المرتضى ٢/ ٢٠، واللسان (ل س ن). وهو في الأصمعيات ص ٨٨، وأمالي اليزيدى ص ١٣ برواية تسقط الاستشهاد به. والثاني في الأصمعيات ص ٨٨، وجمهرة أشعار العرب ٢/ ٧١٤، وأمالي المرتضى ٢/ ٢٠، وأمالي اليزيدي ص ١٤ بروايات مختلفة.","vol":"15","page":557},{"text":"جاءَتْ مُرجَّمةٌ قد كُنْتُ أَحْذَرُها … لَوْ كَانَ يَنْفَعُنِي الإشْفاقُ والحَذَرُ\nمرجمةً: يُظَنُّ بها.\n\n<span id=\"aya-2301\"></span><span data-type='title' id=toc-5622>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واذكرْ يا محمدُ في كتابِنا الذي أنزلْنا إليك، موسى بنَ عمرانَ، واقصُص على قومِك نبأه؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾.\nواختلفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: (إِنَّهُ كانَ مُخْلِصًا). بكسرِ اللامِ من المُخْلِص، بمعنى: إنَّه كان يُخلِص للهِ العبادةَ ويُفرده بالألوهةِ من غيرِ أن يَجعَل له فيها شريكًا، وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ خلا عاصمٍ: ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾. بفتحِ اللامِ من مُخْلَصٍ، بمعنى أنَّ موسى كان اللهُ قد أخلَصه واصطفاهُ لرسالتِه، وجعله نبيًّا مرسلًا (^١).\nوالصوابُ من القولِ فى ذلك عندِى أنَّه كان ﷺ مخلصًا عبادةَ اللهِ، مُخلَصًا للرسالة والنبوّة، فبأيَّتِهما قرَأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ.\n﴿وَكَانَ رَسُولًا﴾. يقولُ: وكان للهِ رسولًا إلى قومِه من بني إسرائيلَ، ومَن أرسَله إليه نبيًّا.\n\n<span id=\"aya-2302\"></span><span data-type='title' id=toc-5623>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ</span>\n_________\n(^١) قرَأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿مُخْلَصًا﴾ بفتح اللام. وقرأ الباقون بكسرها.\nأما قول المصنف: \"خلا عاصم\". ففى كتب القراءات أن عاصمًا قرأ بفتح اللام. وينظر التيسير ص ١٢١، والحجة ص ٤٤٤، ٤٤٥، والنشر ٢/ ٢٢١. على أن ابن مجاهد قد ذكر أن عاصمًا قرأ بكسر اللام في رواية أبي بكر عنه وأنه قرأ بفتحها في رواية حفص عنه. وينظر السبعة ص ٤١٠.","vol":"15","page":558},{"text":"نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾.\nيقولُ تعالى ذِكرُه: ونادينا موسى من ناحيةِ الجبلِ، ويعنى بالأيمنِ يمينَ موسى؛ لأنَّ الجبلَ لا يمينَ له ولا شِمالَ، وإنَّما ذلك كما يقالُ: قام عن يمينِ القبلةِ وعن شمالِها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾. [قال: من جانبِ الجبلِ الأيمنِ] (^١) (^٢).\nوقد بيَّنا معنى الطورِ واختلافَ المختلِفين فيه، ودلَّلنا على الصوابِ من القولِ فيه فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأدنيناه مُناجيًا. كما يقالُ: فلانٌ نديمُ فلانٍ ومنادمُه، وجليسُ فلانٍ ومجالسُه، وذُكر أن اللهَ ﵎ أدناه حتَّى سمِع صريفَ القلمِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾. قال: أُدْنِىَ حتى سمِع صريفَ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ف.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٧٢ لابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) تقدم في ٢/ ٤٨ - ٥١.","vol":"15","page":559},{"text":"القلمِ (^١).\nوحدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطُّوسِىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى بُكيرٍ (^٢)، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، قال: أُراه عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾. قال: بينَ السماءِ الرابعةِ -أو قال: السابعةِ- وبينَ العرشِ سبعون ألفَ حجابٍ؛ حجابُ نورٍ وحجابُ ظلمةٍ وحجابُ نورٍ وحجابُ ظلمةٍ. وقال: فما زال يُقرِّبُ موسى حتى كان بينَه وبينَه حجابٌ، وسمِع صريفَ القلمِ؛ ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (^٣) [الأعراف: ١٤٣].\nحدَّثنا علىُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: قرَّبه منه حتى سمِع صريفَ القلمِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن ميسرة: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾. قال: أُدْنِىَ حتى سمِع صريفَ القلمِ في الألواحِ (^٥). وقال سعيدٌ (^٦): أردَفه جبريلُ ﵇ (^٧).\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ١٨٦ (٥٧٤)، ومن طريقه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٣٣ (١١٨٩٤)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٧٣، وعبد بن حميد في السنة ٢/ ٥٣٢ (١٢٣١)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٣ إلى الفريابي وهناد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) فى ص، م، ت ١، ف: \"بكر\".\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٢٨٢) من طريق يحيى به، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٨٥٥) من طريق شبل به.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٧٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه عبد الله في السنه (٥١٢، ٥٧٢) من طريق عطاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٢، ٢٧٣ إلى ابن أبى شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) فى ص، م، ت ١، ف: \"شعبة\". وينظر مصدر التخريج.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٣ إلى سعيد بن منصور وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":560},{"text":"وقال قتادةُ فى ذلك ما حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾. قال: نجا بصدقه (^١).\n\n<span id=\"aya-2303\"></span>وقولُه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾. يقولُ: ووهبنا لموسى رحمةً منا أخاه هارونَ نبيًّا. يقولُ: أيَّدناه بنبوَّتِه، وأعنَّاه بها.\nكما حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن داودَ، عن عكرمةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾. قال: كان هارونُ أكبرَ من موسى، ولكنْ أراد، وهَبَ له نبوَّتَه (^٢).\n\n<span id=\"aya-2304\"></span><span data-type='title' id=toc-5624>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: واذكُرْ يا محمدُ في هذا الكتابِ إسماعيلَ بنَ إبراهيمَ، فاقصُصْ خبرَه، إنَّه كان لا يكذِبُ وعدَه ولا يُخلِفُ، ولكنَّه كان إذا وعَد ربَّه أو عبدًا من عبادِه وعدًا، وفَّى به.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾. قال: لم يعِدْ ربَّه عِدَةً إلا أنجَزها له (^٣).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا عمرُو بنُ الحارثِ، أَنَّ سهلَ بنَ عقيلٍ، حدَّثه أنَّ إسماعيلَ النبىَّ ﷺ وعَد رجلًا مكانًا أن يأتيَه، فجاء ونسِىَ الرجلُ، فظلَّ بهِ إسماعيلُ، وبات حتى جاء الرجلُ من الغدِ فقال: ما برحتَ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٩، وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢٣٣.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٣٣ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٧٣ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ف. والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٢٧٣ إلى ابن المنذر.","vol":"15","page":561},{"text":"من هاهنا؟ قال: لا. قال: إنِّى نسيتُ. فقال: لم أكنْ لأبرَحَ حتى تأتىَ. فبذلك كان [صادقَ الوعدِ] (^١).\n\n<span id=\"aya-2305\"></span><span data-type='title' id=toc-5625>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وكان يأمُرُ أهلَه بإقامةِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ، وكان عندَ ربِّه مرضيًّا عملُه، محمودًا فيما كلَّفه ربُّه غيرَ مقصِّرٍ في طاعتِه.\n\n<span id=\"aya-2306\"></span><span data-type='title' id=toc-5626>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واذكُرْ يا محمدُ فى كتابِنا هذا إدريسَ، [فاقصُصْ خبَرَه] (^٢)، ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾ لا يقولُ الكذبَ، ﴿نَبِيًّا﴾ نوحِى إليه من أمْرِنا ما نشاءُ\n\n<span id=\"aya-2307\"></span>﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. ذُكِر أنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه رفعَه وهو حىٌّ إلى السماءِ الرابعةِ، فذلك معنى قولِه: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. يعنى به: إلى مكانٍ ذى علوٍّ وارتفاعٍ.\nوقال بعضُهم: رُفِع إلى السماءِ السادسةِ (^٣).\nذكرُ الرواية بذلك\nحدَّثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني جريرُ بنُ حازمٍ، عن سليمانَ الأعمشِ، عن شِمْرِ بنِ عطيةَ، عن هلالِ بنِ يِسافٍ، قال: سأل\n_________\n(^١) فى ص، م، ت ١، ف: \"صادقا\".\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٣٣ عن المصنف.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ف: \"وقال آخرون: الرابعة\".","vol":"15","page":562},{"text":"ابن عباسٍ كعبًا وأنا حاضرُه (^١)، فقال له: ما قولُ اللَّهِ لإدريسَ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. فقال كعبٌ: أمَّا إدريسُ، فإنَّ الله أوحَى إليه: إنِّي أرفعُ (^٢) لك في كلِّ يومٍ مثلَ جميعِ عمل بنى آدمَ فأحَبَّ أنْ يزدادَ عملًا، فأتاه خليلٌ له من الملائكةِ، فقال: إنَّ الله أوحَى إليَّ كذا وكذا، فكلِّمْ لى ملَكَ الموتِ فليؤخِّرْنى حتى أزدادَ عملًا. فحمَله بين جناحَيهِ، ثم صعِد به إلى السماءِ؛ فلما كان في السماءِ الرابعةِ، تلقَّاهم ملَكُ الموتِ منحدِرًا، [فكلَّمه، وكلَّمه] (^٣) ملَكُ الموتِ في الذي كلَّمه فيه إدريسُ؟ فقال: وأينَ إدريسُ. قال: هو ذا هو (^٤) على ظهرِى. قال ملَكُ الموتِ: فالعجبُ، بعِثتُ [وقِيلَ لى] (^٥): اقبضْ رُوحَ إدريسَ في السماءِ الرابعةِ. فجعلتُ أقولُ: كيف أقبضُ رُوحَه في السماءِ الرابعة وهو في الأرضِ؟ فقبَض رُوحَه هناك، فذلك قولُ اللَّهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (^٦).\nوحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. قال: إدريسُ رُفع فلم يَمُتْ، كما رُفع عيسى (^٧).\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن\n_________\n(^١) في م: \"حاضر\".\n(^٢) في م: رافع\".\n(^٣) في م: \"فكلم\".\n(^٤) سقط من: م، ت ٢، ف.\n(^٥) سقط من: م، ت ٢.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٤٩، ٥٥٠ عن عكرمة عن ابن عباس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٧) تفسير مجاهد ص ٤٥٦ من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٤ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":563},{"text":"مجاهدٍ مثلَه، إلَّا أنَّه قال: ولم يَمُتْ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. قال: رفعِ إلى السماءِ السادسةِ، فمات فيها (^١).\nوحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾: إدريسُ أدركَه الموتُ في السماءِ السادسةِ (^٢).\nوحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. قال: السماءَ الرابعةَ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن أبي هارونَ العبديِّ، عن أبي سعيدٍ الخدري ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. قال: في السماءِ الرابعةِ (^٤).\nوحدَّثنا على بنُ سهلٍ (^٥)، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ الرياحيِّ، عن أبي هريرةَ أو غيره - شكَّ أبو جعفرٍ الرازيُّ - قال: لمَّا أُسْرِى بالنبيِّ ﷺ صعِد به جبريلُ إلى السماءِ الرابعةِ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن مردويه كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٢/ ٣٢٨ من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) ينظر تفسير القرطبي ١١/ ١١٧، والبداية والنهاية ١/ ٢٣٦.\n(^٣) تفسير الثورى ص ١٨٦، ومن طريقه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٥٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٥١ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٤ إلى ابن مردويه.\n(^٥) في م: \"سهيل\".","vol":"15","page":564},{"text":"فاستفتحَ فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريلُ. قالوا: ومَن معكَ (^١)؟ قال: محمدٌ. قالوا: وَقَد أُرسل إليه؟ قال: نعم. قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ ومِنْ خليفةٍ، فنعمَ الأخُ ونعمَ الخليفةُ، ونعمَ المجيءُ جاء. قال: فدخَل فإذا هو برجلٍ، قال: هذا إدريسُ، رفَعَه اللهُ مكانًا عليًّا (^٢).\nوحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. قال: حدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ أنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ حدثَّ، أنَّه لما عُرج به إلى السماءِ قال: أتيتُ على إدريس في السماءِ الرابعةِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-2308\"></span><span data-type='title' id=toc-5627>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: هؤلاء الذين اقتصصتُ عليك أنباءَهم في هذه السورةِ يا محمدُ، ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بتوفيقِه، فهداهم لطريقِ الرشدِ من الأنبياء ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾، ومن ذرِّيةِ من حمَلنا مع نوحٍ في الفُلكِ، ومن ذرِّيةِ له إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ، ومن ذرِّيةِ إسرائيلَ، ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾ للإيمانِ باللهِ والعملِ بطاعتهِ ﴿وَاجْتَبَيْنَا﴾. يقولُ: وممن اصطفَينا واخترنا لرسالتِنا ووحيِنا، فالذي عنَى به من ذريَّةِ آدمَ إدريسُ، والذي عنَى به من ذريَّة من حملَنا مع نوحٍ إبراهيمَ، والذي عنَى به من ذريَّةِ إبراهيمَ إسحاقُ ويعقوبُ وإسماعيلُ، والذي عنَى بهِ من ذريَّةِ\n_________\n(^١) في الأصل، ص، م، ت ١، ف: \"معه\".\n(^٢) جزء من أثر طويل تقدم تخريجه في ١٤/ ٤٣٥.\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (٢٩١٤) من طريق يزيد، به، وأخرجه أحمد ٢١/ ٢٧٩، ٢٨٠ (١٣٧٣٩)، والترمذي (٣١٥٧) من طريق آخر عن قتادةَ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٤ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"15","page":565},{"text":"إسرائيلَ موسى وهارونُ وزكريَّا وعيسى وأمُّه مريمُ، ولذلك فرَّق تعالى ذكرُه أنسابَهم وإن كان يجمَعُ جميعَهم آدمُ ﷺ؛ لأنَّ فيهم مَن ليس من ولدِ من كان مع نوحٍ في السفينةِ، وهو إدريسُ، وإدريسُ جدُّ نوحٍ.\nوقولُه تعالى ذكرُه: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ﴾. يقولُ: إذا تُتلى على هؤلاء الذين أنعمَ اللهُ عليهم من النبيين أدلةُ اللهِ تعالى ذكرُه، وحججُه التي أنزَلها اللهُ (^١) عليهم في كتبِه، خرُّوا اللهُ سجدًا، استكانةً له وتذلُّلًا وخضوعًا لأمرِه وانقيادًا له (^١): ﴿وَبُكِيًّا﴾. يقولُ: خرُّوا سجدًا وهم باكون، والبُكِيُّ: جمعُ باكٍ، كما العُتِيُّ جمعُ عاتٍ، والجِثِيُّ: جمعُ جاثٍ، فجُمِع وهو فاعلٌ على فُعولٍ، كما يُجمعُ القاعدُ \"قُعُودٌ\"، والجالسُ جُلُوسٌ، وكان القياسُ أن يكونَ: بُكويًا (^٢) وعُتوًّا، ولكن كُرهتِ الواوُ بعدَ الضمةِ فقُلبت الواوُ (^٣) ياءً، كما قيل في جمعِ دلوٍ: أدلٍ. وفى جمعِ البهوِ: أبه. وأصلُ ذلك أفْعُلٌ؛ أَدْلُو وأَبْهُو، فقلبت الواوُ ياءً لمجيئِها بعد الضمة استثقَالًا، وفى ذلك لغتانِ مستفيضتانِ، قد قرَأ بكلِّ واحدةِ علماءُ من القرأةِ بالقرآنِ (بُكيًّا) و(عُتوًّا) بالضمِّ، (وبِكيًّا) و(عتِيًّا) بالكسرِ (^٤).\nوقد يجوزُ أن يكونَ البُكِيُّ هو البكاءُ بعينه.\nوقد حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٢) في الأصل: \"وبكويا\"، وفى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"وبكوا\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبى بكر، بضم أوائل هذه الحروف، وقرأ حمزة والكسائي بكسر أوائل هذه الحروف كلها وقرأ حفص عن عاصم بكسر أوائل هذه الحروف كلها إلا ﴿وَبُكِيًّا﴾، فإنه يضم أوله. السبعة لابن مجاهد ص ٤٠٧.","vol":"15","page":566},{"text":"الأعمشِ، عن إبراهيمَ، [عن أبي معمرٍ] (^١)، قال: قرَأ عمرُ بنُ الخطابِ ﵀ سورةَ \"مريمَ\" فسجدَ فيها فقال: هذا السجودُ، فأين البُكِيُّ؟ يريد: فأين البكاءُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2309\"></span><span data-type='title' id=toc-5629>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فحدَث من بعدِ هؤلاء الذين ذكرْتُ من الأنبياءِ الذين أنعمتُ عليهم، ووصفتُ صفتَهم في هذه السورةِ، خلْفُ سَوءٍ خلَفوهم في الأرضِ أضاعُوا الصلاةَ.\nثم اختلفَ أهلُ التأويلِ في صفةِ إضاعتِهم الصلاةَ؛ فقال بعضُهم: كانت إضاعتُهموها تأخيرَهم إيَّاها عن مواقيتِها، وتَطْبِيَعهم أوقاتَها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5628>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بن سعيدٍ (^٣) الكنديُّ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن الأوزاعيِّ، عن موسى بن سليمان، عن القاسمِ بن مخيمرةَ في قولِه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾. قال: إنما أضاعوا المواقيتَ، ولو كان تركًا كان كفرًا (^٤).\nحدَّثنا إسحاق بن زيد الخطابي، قال: ثنا الفريابيُّ، عن الأوزاعيِّ، عن القاسمِ\n_________\n(^١) سقط من النسخ، ونص ابن كثير على سقوطه، وينظر مصادر التخريج.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الرقة والبكاء (٤٢٣) ١٢٣، ١٢٤ والبيهقى في شعب الإيمان (٢٠٥٩) من طريق عبد الرحمن بزيادة أبي معمر عن عمر بن الخطاب، وعزاه ابن كثير ٥/ ٢٣٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم من طريق سفيان به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"سعد\". وهو على بن سعيد بن مسروق الكندى. ينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٥٠.\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٨٠، من طريق الأوزاعي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":567},{"text":"ابن مخيمرةَ بنحوِه (^١).\nحدَّثنا عبدُ الكريمِ بنُ أبي عميرٍ، قال: ثنى الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن أبي عمرٍو، عن القاسمِ بن مُخَيمرةَ، قال: أضاعوا المواقيتَ، ولو تركوها لصاروا بتركِها كفارًا.\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن الأوزاعيِّ، عن القاسمِ [بن مخيمرةَ في قولِه: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾. قال: لم يتركوا الصلواتِ، ولو تركوها لصاروا (^٢) كفارًا، ولكنَّهم أضاعوا المواقيتَ وصلَّوا الصلواتِ لغيرِ وقتها (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى، عن الأوزاعيِّ، عن إبراهيمَ بن يزيدَ، أَنَّ عمر بنَ عبدِ العزيزِ بعث رجلًا إلى مصرَ [في أمرِ عجلةٍ] (^٤) للمسلمين، فخرَج إلى حرسِه، وقد كان تقدَّم إليهم أن لا يقوموا إذا رأَوْه، قال: فأوسعُوا له، فَجَلَس بينَهم فقال: أيكم يعرِفُ الرجل الذي بعثناه إلى مصر؟ قالوا: كلُّنا نعرفُه. قال: فليقُمْ أحدَثُكم سنًّا، فليدعُه، فأتاه الرسولُ فقال: لا تعجِّلْني، أشدُّ عليَّ ثيابي. فأتاه فقال له: إنَّ اليومَ الجمُعة، فلا تبرحنَّ حتى تصلىَ، وإنَّا قد بعَثْناك في أمرِ عجِلةٍ للمسلمين، فلا يُعْجِلَنَّك ما بعَثْناك له أن تؤخَّرَ الصلاةَ عن ميقاتِها، فإنَّك مصليها لا محالةَ، ثم قرَأ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. ثم قال: لم يكنْ إضاعتُهم تركَها، ولكن أضاعوا الوقتَ (^٥)\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ١٨٦.\n(^٢) بعده في ت ٢: بتركها\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"نحوه\".\n(^٤) في م: \"لأمر أعجله\".\n(^٥) أخرجه الخطيب في المتفق والمفترق ١/ ١٩٧، ١٩٨ من طريق الأوزاعى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٧ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"15","page":568},{"text":"حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن المسعوديِّ، عن القاسمِ بن عبدِ الرحمنِ والحسنِ بن سعدٍ (^١)، عن ابن مسعودٍ، أنه قيل له: إنَّ اللَّهَ جَلَّ وعزَّ يُكثِرُ ذكرُ الصلاةِ في القرآن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥]. و﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]. و﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤]. فقال ابن مسعودٍ: على مواقيتها. قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على التركِ. قال: ذاك الكفرُ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عمر أبو حفصٍ الأبَّارُ، عن منصورِ بن المعتمر، قال: قال مسروق: لا يحافظ أحدٌ على الصلاةِ الخمس فيُكتب من الغافلين، وفى إفراطهنَّ الهلكة، وإفراطهنَّ إضاعتهنَّ عن وقتِهنَّ (^٣).\nوقال آخرون: بل كانت إضاعتُهموها تركَها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5630>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنا أبو صخرٍ، عن القرظيِّ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾. يقولُ: تركوا الصلاةَ (^٤).\nوأولى التأويلين في ذلك عندِى بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: كانت (^٥) إضاعتُهموها تركَهم إيَّاها لدلالةِ قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه بعدُ على أن ذلك كذلك، وذلك قولُه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. فلو كان الذين وصَفهم بأنَّهم\n_________\n(^١) في م، ت ١ ف: \"مسعود\" وينظر تهذيب الكمال ٦/ ١٦٣.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٢٤١٥، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٣٨.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٣٨.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) سقط من: م، ت ٢.","vol":"15","page":569},{"text":"ضيَّعوها مؤمنين لم يستثنِ منهم من آمنَ، وهم مؤمنون، ولكنَّهم كانوا كفارًا لا يُصلُّون اللهِ، ولا يؤدُّون إليه (^١) فريضةً، فسقةً قد آثروا شهواتِ أنفسِهم على طاعةِ اللهِ.\nوقد قيل: إنَّ الذين وصفهم اللهُ بهذه الصفةِ قومٌ من هذه الأمِة يكونون في آخرِ الزمانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5631>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. قال: عندَ قيامِ الساعةِ، وذَهابِ صالحى أمةِ محمدٍ ﷺ ينزُو بعضُهم على بعضٍ في الأزقَّةِ. قال محمدُ بنُ عمرو: زِنًى. وقال الحارثُ: زُناةً (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، وقال: زنّى كما قال ابن عمرٍو (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ وعطاءِ بن أبي رباحٍ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾. الآية قال: هم أمةُ محمدٍ (^٤).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"له\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٥٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ١٢١، ١٢٢، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٣٩.\n(^٤) تفسير الثورى ص ١٨٦ من طريق جابر عن مجاهد بنحوه، وذكره ابن كثير ٥/ ٢٣٩ عن طريق جابر به.","vol":"15","page":570},{"text":"حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ الأشيبُ، قال: ثنا شريكٌ، عن إبراهيمَ (^١) بن مهاجرٍ، [عن مجاهدٍ] (^٢) في قولِ اللهُ جلَّ وعزَّ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ قال: هم في هذه الأمةِ يتراكَبُون تراكُبَ الأنعامِ (^٣) في الطرقِ، لا يخافون الله في السماءِ، ولا يستحيُون من (^٤) الناسِ في الأرضِ (^٥).\nوأمَّا قولُه: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾؛ فإنَّه يعنى: أنَّ هؤلاء الخلْفَ الذين خلفُوا بعدَ أولئك الذين أنعمَ اللهُ عليهم من النبيين سيدخُلون غيًّا، وهو اسمُ وادٍ من أوديةِ جهنمَ، أو اسمُ بئرٍ من آبارِها.\nكما حدَّثني عباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيادِ بن زبَّارٍ (^٦)، قال: ثنا شرْقيُّ بنُ قُطاميٍّ، عن لقمانَ بن عامرٍ الخزاعيِّ، قال: جئتُ أبا أمامةَ صُدَيَّ بنَ عجلانَ الباهليَّ، فقلتُ: حدَّثنا حديثًا سمِعتَه من رسولِ اللهِ ﷺ، قال: فدعا بطعامٍ، ثم قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لو أنَّ صخرةً زِنةَ عشْرِ عشراواتٍ (^٧) قُذِفَ بها مِن شَفيرِ جهنَّمَ ما بَلَغَتْ قَعْرَها خمسينَ خَرِيفًا، ثمَّ تنتَهى إلى غَيٍّ وأثامٍ\". قال:\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١ ف: \"أبي تميم\". وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٢١١.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١ ف. وينظر مصادر التخريج.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"والحمر\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) تفسير الثورى ص ١٨٦ من طريق إبراهيم عن مجاهد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) في ص، ت ١، ف: \"زبان\"، وفى م: \"رزان\" وفى ت:٢ \"زران\" وينظر المؤتلف والمختلف للدارقطني ٢/ ١٠٨٧.\n(^٧) في م: \"أواقٍ\" والمثبت موافق لما في صفة النار. والعشراوات: جمع عشراء وهى الناقة التي أتي على حملها عشرة أشهر. ينظر النهاية ٣/ ٢٤٠.","vol":"15","page":571},{"text":"قلتُ: وما غَيٌّ وما أثامٌ؟ قال: بئران في أسفل جهنَّمَ يسيلُ فيهما صديدُ أهلِ النَّارِ، وهُما اللَّتانِ ذكَرَ اللهُ في كتابه ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾، وقولُه في \"الفرقان\": ﴿وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، ثنى عمرُو بنُ عاصم قال: ثنا المعتمر بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن قتادةَ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. قال: واديًا في جهنَّمَ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبيدَة، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. قال: واديًا في النارِ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبيدةَ، عن عبدِ اللهِ أنَّه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. قال: نهرٌ في جهنَّمَ حَبيثُ الطعمِ بعيدُ القعرِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبيدةً، عن أبيه في قولِه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٤٠ عن المصنف، وأخرجه الطبراني (٧٧٣١) من طريق العباس بن أبي طالب به، وأخرجه محمد بن نصر في كتاب الصلاة (٣٦)، والبيهقى في البعث (٥٢٢) من طريق محمد بن زياد به، وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (١٧) من طريق شرقى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٨ إلى ابن مردويه.\n(^٢) ذكره في البحر المحيط ٦/ ٢٠١ عن عبد الله بن عمرو.\n(^٣) تفسير الثورى ص ١٨٧، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٩١١٠)، وأخرجه الطبراني (٩١٠٦، ٩١٠٧) من طريق أبي إسحاق به.\n(^٤) أخرجه أبو نعيم. جه أبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٠٦ من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٣٧٤، والطبراني في الكبير (٩١١١)، والبيهقى في البعث (٥١٨) من طريق شعبة به.","vol":"15","page":572},{"text":"الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. قال: الغيُّ: نهرُ جهنمَ في النارِ، يعذَّبُ فيه الذين اتَّبعوا الشهواتِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو الأحوصِ (^٢)، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ (^٣)، عن عبدِ اللَّهِ ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. قال: نهرٌ في النارِ يُقذفُ (^٤) فيه الذين اتبعوا الشهواتِ (^٥).\nوقال آخرون: بل عنَى بالغيِّ في هذا الموضعِ الخسرانَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5632>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. يقولُ: خسرانًا (^٦).\nوقال آخرون: بل عنَى به الشرَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5633>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَسَوْفَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٩١٠٨)، والبيهقى في البعث (٥١٩) من طريق أبى الأحوص به.\nوبعده في ص، م، ت ١، ف: \"حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: الغى نهر جهنم في النار يعذب فيه الذين اتبعوا الشهوات\".\n(^٢) أبو الأحوص: سلام بن سليم ينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ١٦.\n(^٣) في م: \"عبيدة\". وهو أبو الأحوص الجشمى؛ عوف بن مالك. ينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ١٦.\n(^٤) في الأصل: \"يعذب\". والمثبت موافق لما في مصادر التخريج.\n(^٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (٣٨) من طريق أبى الأحوص به.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٤٠ عن علي بن عباس به.","vol":"15","page":573},{"text":"يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. قال: الغيُّ الشرُّ (^١).\nومنه قولُ الشاعرِ (^٢):\nفمَنْ يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النَّاسُ أَمْرَه … ومَن يَغْوَ لا يَعْدَمْ على الغَيِّ لائمَا\nوكلُّ هذه الأقوالِ مُتَقارباتُ المعنى (^٣)، وذلك أن مَن وَرَد البِئرَيْنِ اللَّتَين ذكَرَهما النبيُّ ﷺ، والوادِىَ الذي ذكَرَه ابن مسعودٍ في جَهَنَّمَ، فدخَل ذلك، فقَد لَاقَى خُسْرانًا وشرًّا؛ حَسْبُه به شرًّا.\n\n<span id=\"aya-2310\"></span><span data-type='title' id=toc-5634>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فسوف يَلْقَى هؤلاءِ الخَلَفُ السوءُ الذين وصَف صفتَهم غَيًّا، إلا الذين تابوا منهم (^٤) فراجَعوا أمرَ اللهِ، والإيمانَ بهِ وبرسولِه، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. يقولُ: وأطاع الله فيما أمرَه ونهاه عنه، وأدَّى فرائضَه، واجْتَنَب محارِمَه ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾. يقولُ: فإن أولئك منهم خاصةً يَدْخُلون الجنةَ دونَ مَن هلَك منهم على كُفْرِه، وإضاعتِه الصلاةَ واتباعِه الشَّهواتِ.\nوقولُه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾. يقولُ: ولا يُبْخَسُون من جزاءِ أعمالِهم شيئًا، ولا يُجْمَعُ بينَهم وبينَ الذين هَلَكوا من الخلَفِ السوءِ مِنهم قبلَ توبتِهم مِن ضلالتِهم (^٥)، وقبلَ إنابتِهم إلى طاعةِ ربِّهم في جَهَنَّمَ، ولكِنَّهم يدخُلُون مُدخَلَ أهلِ\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ٥/ ١٢٥، وينظر التبيان ٧/ ١٢١.\n(^٢) البيت للمرقش الأصغر في المفضليات ص ٢٤٧، والأغانى ٦/ ١٣٩، ومعجم الشعراء للمرزبانى ص ٥.\n(^٣) في م: \"المعنى\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٥) في ص، م، ف: \"ضلالهم\".","vol":"15","page":574},{"text":"الإيمانِ.\n\n<span id=\"aya-2311\"></span><span data-type='title' id=toc-5635>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: فأولئك يَدْخُلون الجنةَ (^١) ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾.\nوقولُه: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ نُصِبَ ترجمةً عن الجنةِ. ويعنى بقولِه:\n﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾. بساتينَ إقامَةٍ. وقد بيَّنتُ ذلك فيما مضَى قبلُ بشواهدِه المُغْنيةِ عن إعادتِه (^٢).\nوقولُه: ﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾. يقولُ: هذه الجناتُ هي الجناتُ التي وعَد الرحمنُ عبادَه المؤمنين أن يدخُلُوها بالغَيْبِ؛ لأَنَّهم لم يَرَوْها ولم يُعاينوها، فهى غيبٌ لهم.\nوقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾. يقولُ تعالى ذِكْرُه: إن الله كان وَعَدَه، ووَعْدُه في هذا الموضِعِ مَوْعودُه، وهو الجنةُ، ﴿مَأْتِيًّا﴾ يَأْتِيهِ أولياؤُه وأهلُ طاعتِه الذين يُدْخِلُهمُوها اللهُ.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (^٣): خرَج الخبرُ على أن الوعدَ هو المأتيُّ، ومعناه: أنه هو الذي يأتى، ولم يَقُلْ: وكان وَعْدُه آتِيًا. لأنَّ كلَّ ما أتاك فأنتَ تأتيه، وقال: ألا تَرَى أنَّك تقولُ: أتَيْتُ على خمسين سنةً، وأتَتْ عليَّ خمسون سنةً. وكلُّ ذلك صوابٌ. وقد بيَّنتُ القولَ فيه.\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"ولا يظلمون\".\n(^٢) تقدم في ١١/ ٥٥٩ وما بعدها.\n(^٣) الفراء في معاني القرآن ٢/ ١٧٠.","vol":"15","page":575},{"text":"والهاءُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ﴾. مِن ذِكْرِ الرَّحمنِ.\n\n<span id=\"aya-2312\"></span><span data-type='title' id=toc-5636>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكْرُه: لا يسمعُ هؤلاءِ الذين يدْخُلُون الجَنَّةَ فيها لَغْوًا؛ وهو الهَذْرُ (^١) والباطلُ مِن القولِ والكلامِ، ﴿إِلَّا سَلَامًا﴾. وهذا من الاسْتِثْنَاءِ المُنْقَطِعِ، ومعناه: ولكِنْ يسْمَعون سلامًا. وهو تحيةُ الملائكةِ إيَّاهم.\nوقولُه: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً﴾. يقولُ: ولهم طَعامُهم وما يَشْتَهون من المَطاعِمِ والمشارِبِ في قَدْرِ وقْتِ البُكرةِ مِن (^٢) وَقْتِ العَشِيِّ من نَهَارِ أيامِ الدُّنيا، [وفى قدرِ وقتِ العشيِّ مِن وقتِ البُكْرةِ مِن نهارِ أيامِ الدنيا] (^٣). وإنَّما يعنى أن الذي بينَ غَدائِهم وعَشَائِهم في الجَنَّةِ قَدْرُ ما بينَ غداءِ أحَدِنا في الدُّنيا وعشائِه، وكذلك ما بينَ العَشاءِ والغَداءِ؛ وذلك لأنَّه لا لَيْلَ في الجَنَّةِ ولا نهارَ، وذلك كقولِه: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٨]. و﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]. يعنى به: من أيامِ الدُّنيا (^٤).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سَهْلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: سألتُ زُهَيرَ بنَ محمدٍ عن قولِ اللَّهِ جلَّ وعرَّ: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. قال: ليس في الجَنَّةِ لَيْلٌ، هم في نورٍ أبدًا، ولهم مقدارُ اللَّيلِ والنهارِ، يَعْرِفون مِقْدَارَ الليلِ بإرخاءِ الحُجُبِ وإغلاقِ الأبوابِ، ويَعْرِفون مِقْدارَ النَّهارِ برَفْعِ الحُجُبِ، وفَتْحِ\n_________\n(^١) في م: \"الهدى\".\n(^٢) في م: \"و\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"كما\".","vol":"15","page":576},{"text":"الأبوابِ (^١).\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، عن (^٢) خُلَيدٍ، عن الحسنِ، وذكَرَ أبوابَ الجَنَّةِ، فقال: أبوابٌ (^٣) يُرَى ظاهرُها من باطنِها، فَتَكَلَّمُ وتُكَلَّمُ، فتَفْهَمُهم (^٤): انْفَتِحِى انْغَلِقى. فتفعلُ (^٥).\nحدَّثني ابن حربٍ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا عامرُ بنُ يِسَافٍ، عن يحيى، قال: كانت العربُ في زمانِهم مَن وجَد مِنهم عَشاءً وغَداءً، فذاك النَّاعِمُ في أنفسِهم، فأنزَلَ اللهُ جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾: قدرَ ما بينَ غَدائِكم في الدُّنيا إلى عشائِكم (^٦).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. قال: كانتِ العربُ إذا أصاب أحدُهم الغداءَ والعشاءَ عُجِبَ له، فأخبَرَهم اللهُ أن لهم (^٧) في الجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا قدرَ ذلك الغَداءِ والعَشاءِ (^٨).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ليس بكرةٌ ولا عَشِيٌّ، ولكن يُؤْتَون به على ما كانوا\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٤٢ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٨ إلى المصنف وابن المنذر وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"بن\".\n(^٣) بعده في الأصل: \"الجنة\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ف، وفى م، وتفسير ابن كثير: \"فتهمهم\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٤٢ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٨ إلى المصنف وابن المنذر، وينظر فيض القدير ١/ ٣٧.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٨ إلى ابن المنذر.\n(^٧) بعده في تفسير عبد الرزاق: \"رزقهم\".\n(^٨) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٩.","vol":"15","page":577},{"text":"يَشْتَهون في الدُّنيا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾: فيها ساعتان؛ بُكْرَةٌ وعَشِيٌّ (^٢)، فإن (^٣) ذلك لهم، ليس ثَمَّ ليلٌ، إنما هو ضَوْءٌ ونورٌ (^٤).\n\n<span id=\"aya-2313\"></span><span data-type='title' id=toc-5637>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: هذه الجنةُ التي وصَفْتُ لكم أيُّها الناسُ صِفَتَها، هي الجنةُ التي نُورِثُها. يقولُ: نُورِثُ مساكِنَ أهلِ النارِ فيها من عِبادِنا ﴿مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾. يقولُ: من كان ذا اتِّقاءٍ عقابَ (^٥) اللَّهِ بأداءِ فرائضِه واجتنابِ معاصِيهِ.\n\n<span id=\"aya-2314\"></span><span data-type='title' id=toc-5638>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾.</span>\nذُكِر أن هذه الآية نزَلت مِن أجلِ اسْتِبْطاءِ رسولِ اللهِ ﷺ جبريلَ ﵇ بالوَحْي، وقد ذكَرنا بعضَ الرِّوايةِ بذلك (^٦)، ونَذْكُرُ إن شاء اللهُ باقىَ ما حضَرنا ذِكْرُه ممَّا لم نَذْكُرْه قبلُ.\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ١٨٧، ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩، وهناد في الزهد (٥٩) وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في الأصل: \"عشيا\".\n(^٣) في ت ٢: \"قال\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٤٢ عن قتادة.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ف: \"عذاب\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف. وينظر ما تقدم في ١٥/ ١٤٤.","vol":"15","page":578},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5639>ذِكْرُ [بعضِ الروايةِ بذلك]</span> (^١)\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ (^٢) بنُ أبانٍ العِجليُّ وقبيصةُ ووكيعٌ، وحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، جميعًا، عن عمرَ بن ذرٍّ، قال: سمِعتُ أبى يَذْكُرُ عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، أن محمدًا قال لجبريلَ: \"ما يمنَعُك أن تَزُورَنا أكثَرَ ممَّا تَزُورُنا؟ \". قال (^٣): فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. قال: هذا الجوابُ لمحمدٍ ﷺ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عمرٍو، قال: ثنا عمرُ بنُ ذرٍّ، قال: ثنى أبى، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أن النبيَّ ﷺ قال لجبريلَ: \"ما يمنَعُكَ أن تَزُورَنا أكثَرَ ممَّا تَزُورُنا؟ \". قال (٣): فنزَلت [هذه الآيةُ] (^٥): ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن\n_________\n(^١) في الأصل، ص، م، ت ١، ف: \"من قال ذلك\".\n(^٢) بعده في م: \"قال: ثنا عبد الله\". وينظر الجرح والتعديل ٥/ ١٠.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) أخرجه أحمد ٣/ ٥٠٢ (٢٠٧٨)، والبخارى (٣٢١٨)، والترمذى (٣١٥٨) من طريق وكيع به - دون آخره - وأخرجه أحمد ٥/ ٣٦٣ (٣٣٦٥)، والبخارى (٧٤٥٥) من طريق عمر بن ذر به، وبالزيادة في آخره عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، ودون الزيادة عزاه إلى عبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٦) أخرجه أحمد ٣/ ٤٨١، ٤٨٢ (٢٠١٣)، والبخارى (٣٢١٨، ٤٧٣١)، وفى خلق أفعال العباد (٥٧٤)، والترمذى (٣١٥٨)، والنسائى في الكبرى (١١٣١٩)، والطبرانى (١٢٣٨٥)، والحاكم ٢/ ٦١١، والبيهقى في الأسماء والصفات (٤٦٢٥)، وفى الدلائل ٧/ ٦٠، والواحدى في أسباب النزول ص ٢٠٣، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٩٨، والبغوى في تفسيره ٥/ ٢٤٣ من طرق عن عمر بن ذر به.","vol":"15","page":579},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ إلى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. قال: احتبس جبريلُ عن النبيِّ ﷺ، فوَجَد رسولُ اللهِ ﷺ من ذلك وحَزِن، فأتاه جبريلُ فقال: يا محمدُ ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: لَبِث جبريلُ عن النبيِّ ﷺ، فكأنَّ النبيَّ ﷺ اسْتَبْطَأه، فلمَّا أتاه قال له جبريلُ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾] (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾. قال: هذا قولُ جبريلَ، احتَبس جبريلُ في بعضِ الوحى، فقال نبيُّ اللهِ ﷺ: \"ما جِئْتَ حتى اشْتَقتُ إليك\". فقال له جبريلُ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾. قال: قولُ الملائكةِ حينَ اسْتَراثَهم (^٤) محمدٌ ﷺ، كالتى في \"الضُّحَى\" (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٤٤ عن العوفى به.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"الآية\".\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٠.\n(^٣) ينظر تفسير البغوي ٥/ ٢٤٣.\n(^٤) في تفسير مجاهد: \"استزارهم\". واستراثهم: استبطأهم. ينظر التاج (ر ى ث).\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٥٧.","vol":"15","page":580},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: لَبِث جبريلُ عن محمدٍ اثْنَتَى عشْرةَ ليلةً، ويقولون: قُلِىَ (^١). فلمَّا جاءه قال: \"أي جبريلُ، لقد رِثْتَ عَليَّ؛ حتى (^٢) ظنَّ المشرِكُون كُلَّ ظَنٍّ\". فنزَلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾. إلى قولِه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾: جبريلُ (^٤) احتَبَسَ عن نبيِّ اللهِ ﷺ حتى تكلَّم في ذلك المشركون، واشْتَدَّ ذلك على نبى اللهِ ﷺ فأتاه جبريلُ، فقال: اشْتَدَّ عليك احْتِبَاسُنا عنك، وتَكلَّم في ذلك المشركون، وإنما أنا عبدُ اللهِ ورسولُه، إذا أمرَنى بأمرٍ أطعْتُه: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾. يقولُ: بقولِ ربِّك (^٥).\n[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: استَبطأ النبيُّ جبريلَ، فقال: \"ما حَبَسَك\"؟. فقال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبَّكَ﴾] (^٦) (^٧).\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ فقال بعضُهم: يعنى بقولِه: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: من الدُّنيا، وبقولِه:\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١: \"أقل\"، وفى ت ٢، ف: \"أقلى\".\n(^٢) بعده في م: \"لقد\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٩ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٢٤٣.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ف. وينظر التبيان ٧/ ١٢٤.\n(^٧) ينظر تفسير البغوي ٥/ ٢٤٣.","vol":"15","page":581},{"text":"﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾، الآخِرَةِ، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: النَّفْخَتَين.\n\n<span data-type='title' id=toc-5640>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾. يعنى: الدُّنيا، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: الآخرةَ، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: بينَ (^١) النَّفخَتَين (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: من الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: من أمْرِ (^٣) الآخرةِ، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ما بينَ النَّفْخَتَين (^٤).\nوقال آخرون: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: الآخرة، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: الدُّنيا، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ما بينَ الدنيا والآخِرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5641>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: الآخرةِ، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: من الدُّنيا (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: مِن أَمْرِ الآخرةِ، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: مِن أمْرِ الدُّنيا، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ما\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢٤٥.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) أخرجه هناد في الزهد (٣١٩) من طريق أبى جعفر به مقتصرا على آخره، وعزا آخره أيضًا السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٩ إلى ابن المنذر، وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢٤٥.\n(^٥) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢٤٥.","vol":"15","page":582},{"text":"بينَ الدُّنيا والآخرةِ، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾. [يقولُ: ما بينَ أيدينا] (^١) من الآخرةِ، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: من الدنيا، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ما بينَ النَّفْخَتَين (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: مِن الآخِرَةِ، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: من الدُّنيا (^٣).\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾. قال: ما مضَى أمامَنا من الدُّنيا. ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: ما يكونُ بعدَنا من الدنيا والآخِرةِ. ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾. قال: ما بينَ ما مضَى أمامَهم، وبينَ ما يكونُ بعدَهم.\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ يتأوَّلُ ذلك: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: قبلَ أن نُخْلَقَ، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: بعدَ الفناءِ، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: حينَ كُنَّا.\nوأولَى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ قولُ مَن قال: معناه: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: مِن أمرِ الآخِرةِ؛ لأنَّ ذلك لم يَجِئْ وهو جاءٍ، فهو بينَ أيْدِيهم، [وأنَّ] (^٤) الأغلبَ في استعمالِ الناسِ إذا قالوا: هذا الأمْرُ بينَ يَدَيْكَ. أنَّهم يعنون به ما لم يجِئْ وأنَّه جاءٍ، فلذلك قلنا: ذلك أولى بالصَّوابِ. ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: مِن أمرِ الدُّنيا،\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٠.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢٤٥.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ف: \"فإن\".","vol":"15","page":583},{"text":"وذلك ما قد خَلَّفوه فمضَى، فصار خَلْفَهم بتَخْلِيفِهم إيَّاه. وكذلك تقولُ العربُ لِما قد جاوَزَه المرءُ وخَلَّفَه خلْفَه (^١): هو خَلْفَه ووَراءَه. ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ما بينَ ما لم يمضِ مِن أمرِ الدُّنيا إلى الآخِرةِ؛ لأنَّ ذلك هو الذي بينَ ذَيْنِك الوَقتَين.\nوإنما قُلنا: ذلك أولى التأويلاتِ به؛ لأنَّ ذلك هو الظاهرُ الأغلبُ، وإنما يُحمَلُ تأويلُ القرآنِ على الأغلبِ من معانِيه، ما لم يَمنَعْ من ذلك ما يجبُ التسليمُ له.\nفتأويلُ الكلامِ إذنْ: فلا تَسْتَبطِئْنا يا محمدُ في تَخَلُّفِنا عنك، فإِنَّا (^٢) لا نَتَنَزَّلُ من السماءِ إلى الأرضِ إلا بأمْرِ ربِّك لنا بالنُّزولِ إليها، للهِ ما هو حادثٌ مِنْ أمورِ الآخرةِ التي لم تأتِ وهى آتيةٌ، وما قد مضَى فخَلَّفْناه مِن أمرِ الدُّنيا، وما بينَ وقْتِنا هذا إلى قيامِ الساعةِ، بيدِه ذلك كلُّه، وهو مالكُه ومصرِّفُه، لا يملكُ ذلك غيرُه، فليس لنا أن نُحْدِثَ في سُلْطانِه أمرًا إلا بأمْرِه إيَّانا بهِ، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. يقولُ: ولم يكنْ ربُّك ذا نِسْيانٍ، فيتأخَّرَ نُزولى إليكَ بنِسيانِه إيَّاك، بل هو الذي لا يَعْزُبُ عنه شيءٌ في السماءِ ولا في الأرضِ، ولكنّه أعلمُ بما يُدبِّرُ ويقْضِى في خلْقِه جلَّ ثناؤُه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5642>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. قال: ما نَسِيَكَ ربُّكَ (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٢) في ت ١، ف: \"فإنه\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٤٥ عن مجاهد.","vol":"15","page":584},{"text":"<span id=\"aya-2315\"></span><span data-type='title' id=toc-5644>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكْرُه: لم يكنْ ربُّك يا محمدُ ربُّ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما نَسِيًّا؛ لأنَّه لو كان نَسِيًّا لم يَسْتَقِمْ ذلك، ولَهلَك لولا حِفْظُه إيَّاه.\nفالربُّ مرفوعٌ ردًّا على قولِه (^١): ﴿رَبُّكَ﴾.\nوقولُه: ﴿فَاعْبُدْهُ﴾. يقولُ: فالزمْ طاعتَه، وذِلَّ لأمْرِه ونَهْيِه، ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾. يقولُ: واصبِرْ نَفْسَك على النفوذِ لأمْرِه ونَهْيِه، والعملِ بطاعتِه، تَفُزْ برضاه عنك، فإنَّه الإلهُ الذي لا مِثْلَ له ولا عِدْلَ ولا شبيهَ في جودِه وكَرَمِه وفَضْلِه.\n﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. يقولُ: هل تعلمُ يا محمدُ لربِّك هذا الذي أمَرْناك بعبادَتِه، والصَّبرِ على طاعتِه مِثْلًا في كَرَمِه وجُودِه، فتعبدَه رجاءً فَضْلِه وطَوْلِه دونَه؟ كَلَّا، ما ذلك بموجودٍ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5643>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. يقولُ: هل تعلمُ للربِّ مِثْلًا أو (^٢) شَبَهًا (^٣).\nحدَّثني سعيدُ بنُ عثمانَ التَّنوخِيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ مَهدِيٍّ، عن عبَّادِ بن\n_________\n(^١) في الأصل: \"قولك\".\n(^٢) في ت ٢: \"و\".\n(^٣) أخرجه البيهقى في الشعب (١٢٢) من طريق عبد الله به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٩ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":585},{"text":"عوَّامٍ، عن شُعبةَ، عن الحسنِ بن (^١) عُمارةَ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. قال: شَبَهًا.\nحدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ في هذه الآيةِ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. قال: هل تعلمُ له شبهًا، هل تعلمُ له مِثْلًا (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾: لا سَمِيَّ للهِ ولا عَدْلَ له، كلُّ خَلْقِه [يُقِرُّ له] (^٣)، ويعرِفُ (^٤) أنَّه خالِقُه، ويعرفُ ذلك. ثم يقرَأُ هذه الآيةَ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. يقولُ: لا شريكَ له ولا مِثْلَ.\n\n<span id=\"aya-2316\"></span><span data-type='title' id=toc-5645>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويقولُ الإنسانُ الكافرُ الذي لا يصدِّقُ بالبعثِ بعدَ الموتِ: أُخْرَجُ حَيًّا فأُبْعثُ بعدَ المماتِ وبعدَ البِلَى والفناءِ! إنكارًا منه ذلك، يقولُ اللَّهُ تعالى ذِكرُه: أوَ لا يَذْكُرُ الإنسانُ المتعجِّبُ من ذلك، المنكِرُ قدرةَ اللَّهِ على إحْيائِه بعدَ فَنائِه وإيجادِه بعدَ عَدَمِه في خلقِ نفْسِه، أن الله خلَقه من قبلِ مماتِه، فأنْشَأَه بَشَرًا سَوِيًّا من\n_________\n(^١) في الأصل، ف: \"عن\".\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢٤٥.\n(^٣) في ت ٢، ف: \"يقوله\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ف: \"يعترف\".","vol":"15","page":586},{"text":"غيرِ شيءٍ، ولم يكنْ من قبلِ إنْشَائِه إيَّاه ﴿شَيْئًا﴾ فيَعْتَبِرَ بذلك ويَعْلَمَ أن مَن أنْشَأَه مِن غيرِ شيءٍ لا يَعْجِرُ عن إحيائِه بعدَ مماتِه وإيجادِه بعدَ فنائِه.\n\n<span id=\"aya-2317\"></span>وقد اختلَف القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾. بتخفيفِ الذالِ (^١). وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ والحجازِ: (أوَلا يَذَّكَّرُ الإِنسانُ). بتشديدِ الذالِ والكافِ (^٢)، بمعنى: أو لا يتذكَّرُ. والتَّشديدُ أعجبُ إليَّ وإن كانت الأخرى جائزةً؛ لأن معنى ذلك: أوَ لا يتفكَّرُ فيعْتَبِرَ؟\n\n<span id=\"aya-2318\"></span><span data-type='title' id=toc-5646>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: فوربِّك يا محمدُ لنَحشُرَنَّ هؤلاءِ القائلين: أئذا مِتْنا لَسوف نُخرَجُ أحياءً يومَ القيامةِ من قبورِهم، مُقَرَّنين بأوليائِهم من الشياطينِ، ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ والجثِيُّ جمعُ الجاثى.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾. يعني: القعودَ، وهو مثلُ قولِه: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ (^٣) [الجاثية: ٢٨].\n\n<span id=\"aya-2319\"></span><span data-type='title' id=toc-5647>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٤١٠.\n(^٢) وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائى. المصدر السابق.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٤٦ عن العوفى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٩ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"15","page":587},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ثم لنأخُذنَّ من كلِّ جماعةٍ منهم أشدَّهم على اللَّهِ عُتُوًّا، وتمرُّدًا، فَلَنَبْدأَنَّ بهم.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5648>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عليّ بن الأقْمَرِ، عن أبي الأحوصِ: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾. قال: نبدأُ بالأكابرِ فالأكابرِ جُرْمًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾. يقولُ: أيُّهم (^٢) أشدُّ للرحمنِ (^٣) معصيةً، وهى معصيتُه (^٤) في الشِّركِ (^٥).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾. يقولُ: عِصِيًّا (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ١٨٨، ومن طريقه هناد في الزهد ص ٢٥٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: الأصل، ت ١.\n(^٣) في ت ٢: \"على الرحمن\".\n(^٤) في الأصل، ص: \"معصية\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٩ إلى ابن أبي حاتم مختصرًا.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٩ إلى المصنف.","vol":"15","page":588},{"text":"قولَه: ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾. قال أمةٍ. وقولَه: ﴿عِتِيًّا﴾. قال: كُفرًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، وزادَ فيه: قال ابن جريجٍ: فلَتَبْدَأَنَّ بهم (^٢).\nوالشِّيعَةُ هم الجماعةُ المُتعاونون على الأمرِ مِن الأمورِ، يقالُ مِن ذلك: تَشايعَ القومُ. إذا تَعاونوا، ومنه قولُهم للرجلِ الشجاعِ: إنه لمُشَيَّعٌ. أي: هو (^٣) مُعانٌ.\nفمعنى الكلامِ: ثم لَنَنْزِعَنَّ مِن كلِّ جماعةٍ تَشايعت على الكفرِ باللهِ، أشدَّهم على اللَّهِ عُتُوًّا، فَلَنَبْدَأنَّ بإصْلائِه جهنمَ. والتَّشايُعُ في غيرِ هذا الموضعِ التفرُّقُ، ومنه قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾. [الأنعام: ١٥٩، والروم: ٣٢] يعنى بها (^٤) فِرَقًا. ومنه قولُ ابن مسعودٍ أو سعدٍ (^٥): إنى أكرَهُ أن آتىَ رسولَ اللَّهِ ﷺ فيقولَ: شَيَّعْتَ بينَ أمتى. بمعنى: فَرَّقْتَ.\n\n<span id=\"aya-2320\"></span><span data-type='title' id=toc-5649>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثم لنحن أعلمُ من هؤلاء الذين نَنْزِعُهم مِن كلِّ شيعةٍ أَوْلَاهم بشِدَّةِ العذابِ، وأَحَقَّهم بعظيمِ العقوبةِ.\nوذُكِر عن ابن جريجٍ أنه كان يقولُ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٥٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٠ إلى أبى عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقى.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٠ إلى ابن المنذر.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) سقط من: م، ت ٢، ف.\n(^٥) في ص، ت ١، ف: \"أسعد\".","vol":"15","page":589},{"text":"بِهَا صِلِيًّا﴾. قال: أَوْلَى بالخلودِ في جهنمَ (^١).\nوهذا الذي قاله ابن جريجٍ قولٌ لا معنَى له؛ لأن الله تعالى ذكرُه أخبَر أن الذين ينزعُهم مِن كلِّ شيعةٍ مِن الكَفَرَةِ أشدُّهم كفرًا، ولا شكَّ أنه لا كافرَ باللهِ إلا مُخَلَّدٌ في النارِ، فلا وَجْهَ، وجميعُهم مُخَلَّدون في جهنمَ، لأن يقالَ: ثم لنحن أعلمُ بالذين هم (^٢) أحقُّ بالخلودِ مِن هؤلاء المُخَلَّدين. ولكن المعنى في ذلك ما ذكرنا.\nوقد يحتمِلُ أن يكونَ معناه: ثم لنحن أعلمُ بالذين هم أَوْلَى ببعضِ طبقاتِ جهنمَ صِلِيًّا.\n\"والصِّلِيُّ\" مصدرُ: صَلَيْتَ تَصْلِى صِلِيًّا. و\"الصَّلِيُّ\" فعولٌ، ولكنَّ واوَها انقلبَت ياءً فاندَغمت (^٣) في الياءِ التي بعدَها التي هي لامُ الفعلِ، فصارت ياءً مشدَّدَةً.\n\n<span id=\"aya-2321\"></span><span data-type='title' id=toc-5651>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإن منكم أيُّها الناسُ إلا واردٌ جهنمَ، كان على ربِّك يا محمدُ، إيرادُهموها قضاءً مَقْضِيًّا، قد قَضَى ذلك وأوْجَبَه في أمِّ الكتابِ.\nواختلَفَ أهل العلمِ في معنى \"الورودِ\" الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو الدخولُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5650>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عيينةَ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في م: \"فأدغمت\".","vol":"15","page":590},{"text":"عمرِو بن دينارٍ، قال: أخبرَنى مَن سمِع ابنَ عباسٍ يُخاصِمُ نافعَ بنَ الأزرقِ، قال: فقال ابن عباسٍ: الوُرُودُ الدُّخُولُ. وقال نافعٌ: لا. قال: فقرَأ ابن عباسٍ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. أَوُرُودٌ هو أم لا؟ وقال: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]. أوُرُودٌ هو أم لا؟ أمَّا أنا وأنت فسندخُلُها، فانظُرْ هل نخرُجُ منها أم لا؟ وما أرى اللَّهَ مُخْرِجَك منها بتَكْذيبِك. قال: فضَحِكَ نافعٌ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ بن أبى رباحٍ، قال: قال أبو راشدٍ الحَرُوريُّ: ذكَروا هذا، فقال الحَرُوريُّ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾. [الأنبياء: ١٠٢]. قال ابن عباسٍ: وَيْلَك أمجنونٌ (^٢) أنت؟ أين قولُه: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾؟ [وقولُه] (^٣): ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾؟ قال (^٤): ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ واللهِ؛ إن كان دعاءُ مَن مَضَى: اللهمَّ أخرِجْنى مِن النارِ سالمًا، وأدخِلْنى الجنةَ غانمًا (^٥).\nقال ابن جريجٍ: يقولُ (^٦): الورودُ الذي ذكَره اللَّهُ في القرآنِ الدُّخولُ، لَيَرِدَنَّها\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١١، وأخرجه هناد في الزهد (٢٢٩) من طريق ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس بأخصر من هذا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٠ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقى في البعث عن مجاهد، عن ابن عباس، وتقدم أوله في ١٢/ ٥٦٣.\n(^٢) في الأصل: \"مجنون\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م، ف: \"وقوله\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٤٨ عن ابن جريج به، وذكره ابن عبد البر في التمهيد ٦/ ٣٥٤ عن عطاء به.\n(^٦) في الأصل: \"نقول\".","vol":"15","page":591},{"text":"كلُّ بَرٍّ وفاجرٍ، في القرآنِ أربعةُ أورادٍ: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾، ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾: يعنى البَرَّ والفاجرَ، ألم تسمَعْ إلى قولِ اللَّهِ لفرعونَ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾؟ قال: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾، فسَمَّى الوِرْدَ (^١) في النارِ دُخُولًا، وليس بصادرٍ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن بَكَّارِ بن أبى مروانَ، عن خالدِ بن مَعْدانَ، قال: قال أهلُ الجنةِ بعدَ ما دَخَلوا الجنةَ: ألم يَعِدْنا ربُّنا الورودَ على النارِ؟ قال: قد مَرَرْتُم عليها وهى خامدةٌ (^٣). قال ابن عرفةَ، قال: مروانُ، قال بَكَّارُ بنُ أبى مروانَ، أو قال: جَامدةٌ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا مرحومُ بنُ عبد العزيزِ، قال: ثنى أبو عمرانَ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"الورود\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٤٨ عن العوفى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٠، ٢٨١ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) في الأصل: \"جامدة\".\nوالأثر أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث ٤/ ٣٤٦ - ومن طريقه البيهقى في الشعب عقب الأثر (٣٧٣) - عن مروان بن معاوية به. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٠٧)، وأبو عبيد في ٤/ ٣٤٧، وابن أبى شيبة ١٣/ ٥٦١، وهناد في الزهد (٢٣١)، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ٢١٢ من طريق سفيان، عن ثور - وعند ابن المبارك: رجل - عن خالد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨١ إلى عبد بن حميد والحكيم وابن الأنبارى في المصاحف.\n(^٤) في الأصل: \"خامدة\".","vol":"15","page":592},{"text":"الجَوْنيُّ، عن أبي الجَلْدِ (^١) قال: تكونُ الأرضُ يومًا نارًا، فماذا (^٢) أعددتُم لها؟ قال: فذلك قولُ اللهِ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (^٣).\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن الجُريريِّ، عن أبي السَّلِيلِ، عن غنيمِ (^٤) بن قيسٍ، قال: ذَكَروا ورودَ النارِ، فقال كعبٌ: تُمْسَكُ النارُ للناسِ كأنها متنُ إهالةٍ (^٥)، حتى يستوىَ عليها أقدامُ الخلائقِ، بَرِّهم وفاجرِهم، ثم يُناديها مُنادٍ: أن أمْسِكى أصحابَك، ودَعِى أصحابى. قال: فيُخْسَفُ بكلِّ وليٍّ لها، ولَهِىَ أعلمُ بهم مِن الرجلِ بولدِه، ويخرُجُ المؤمنون نَدِيَّةً ثيابُهم (^٦). قال: وقال كعبٌ: ما بينَ مَنْكِبَى الخازنِ مِن خَزَنتِها مسيرةُ سنةٍ، مع كلِّ واحدٍ منهم عمودٌ [له شُعْبَتان] (^٧)، يَدْفَعُ به الدَّفْعةَ، فيَصرعُ به في النارِ سبعَمائةِ ألفٍ (^٨).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن (^٩) يَمانٍ، عن مالكِ بن مِغْولٍ، عن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"خالد\". وتقدم في ١/ ٣٦٠ وما بعدها.\n(^٢) في الأصل، ص، ت ٢: \"فما\".\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٥٥ من طريق مرحوم بن عبد العزيز به.\n(^٤) في ت ١، ف: \"تميم\". وينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ١٢٠.\n(^٥) الإهالة: كل شيء من الأدهان مما يؤتدم به مثل الزيت ودهن السمسم، وقيل: ما أذيب من الألية والشحم. ومتن الإهالة: ظهرها إذا سكنت في الإناء. ينظر غريب الحديث لأبى عبيد ٤/ ٣٤٦.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ف: \"أبدانهم\".\n(^٧) في الأصل، ت ٢: \"ذو شعبتين\".\n(^٨) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٥/ ٣٦٧ من طريق الجريرى به دون آخره، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٠٥) وأبو عبيد في غريب الحديث ٤/ ٣٤٦، وابن أبي شيبة ١٣/ ١٦٩، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ٣٦٩ من طريق الجريرى، عن أبي السليل، عن غنيم بن قيس، عن أبي العوام به مطولًا ومختصرًا. وذكره السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨١ عن أبي العوام، عن كعب وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٩) في ص، ت ١، ف: \"أبو\".","vol":"15","page":593},{"text":"أبى إسحاقَ، قال: كان أبو مَيْسرةً إذا أَوَى إلى فراشِه، قال: يا ليتَ أمى لم تَلِدْنى. ثم يَبْكى، فقيل: وما يُبْكِيك يا أبا مَيْسرةَ؟ قال: أُخْبِرنا أنَّا واردُوها، ولم نُخْبَرْ (^١) أَنَّا صادرون عنها (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، قال: بَكَى عبدُ اللَّهِ بنُ رواحةَ في مرضِه، فبَكَتِ امرأتُه، فقال لها (^٣): ما يُبْكِيكِ؟ قالت: رأيتُك [تَبْكى فبكيتُ] (^٤). قال ابن رواحةَ: إنى قد علمتُ أنى واردٌ النارَ، فما أدرى أناجٍ منها أنا أم لا (^٥)؟\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو عمرٍو داودُ بنُ الزِّبْرِقانِ، قال: سمِعتُ السُّدِّيَّ يذكُرُ عن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابن مسعودٍ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. قال: داخِلُها (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَ﴾ قال: يَدْخُلُها (^٧).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن ابن عُيينةَ، عن إسماعيلَ\n_________\n(^١) في م، ف: \"يخبرنا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٤١٣ من طريق ابن يمان به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣١٢)، وهناد في الزهد (٢٢٨)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ١٤١، ١٤٢ من طريق مالك بن مغول به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٤) في الأصل، ت ٢: \"بكيت\".\n(^٥) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣١٠)، وابن أبي شيبة ١٣/ ٣٥٧، وهناد في الزهد (٢٢٧)، وأحمد في الزهد ص ٢٠٠، والحاكم ٤/ ٥٨٨، وابن عساكر في تاريخه ٢٨/ ١٠٦ من طريق إسماعيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٢ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبيهقى في الشعب.\n(^٦) أخرجه الحاكم ٤/ ٥٨٧ من طريق مرة به.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧١ إلى البيهقى في البعث.","vol":"15","page":594},{"text":"ابن أبي خالدٍ، عن قيسِ بن أبى حازمٍ، قال: كان عبدُ اللَّهِ بنُ رواحةً واضعًا رأسَه في حجرِ امرأتِه، فبَكَى، فبَكَتِ امرأتُه، فقال: ما يُبْكِيكِ؟ قالت: رأيتُك تَبْكى فبَكَيتُ. قال: إنى ذكرتُ قولَ اللهِ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فلا أَدْرِى أَننجو (^١) منها أم لا (^٢)؟.\nوقال آخرون: بل هو المَمَرُّ (^٣) عليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5652>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾: يعنى جهنمَ، مَرُّ الناسِ عليها.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال: هو المَمرُّ عليها (^٤).\nحدَّثنا خلادُ بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، قال: أخبَرنا أبو إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. قال: الصراطُ على جهنمَ مثلُ حَدِّ السيفِ، فتَمُرُّ الطبقةُ الأولى كالبرقِ، والثانيةُ كالريحِ، والثالثةُ كأجودِ الخيلِ، والرابعةُ كأجْودِ البهائمِ، ثم يَمُرُّون والملائكةُ يقولون: اللهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ (^٥).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"أنجو\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٠.\n(^٣) في ص، م، ت ٢، ف: \"المر\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٠.\n(^٥) أخرجه الطبراني ٩/ ٢٥٤، ٢٦١ مختصرًا، والحاكم ٢/ ٣٧٥ من طريق إسرائيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨١ إلى ابن أبي شيبة وابن حميد وابن المنذر.","vol":"15","page":595},{"text":"وقال آخرون: [بل الورودُ هو] (^١) الدُّخُولُ، [ولكنه عنى] (^٢) الكفارَ دونَ المؤمنين.\n\n<span data-type='title' id=toc-5653>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ السائبِ، عن رجلٍ سَمِع ابنَ عباسٍ يقرؤُها: (وَإِن منهم (^٣) إِلَّا وَارِدُهَا): يعنى الكفارَ. قال: لا يَرِدُها مؤمنٌ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال ثنا عمرُ (^٥) بنُ الوليدِ الشَّنِّيُّ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقرأُ (^٦): (وَإِن منهم (^٧) إلا وَارِدُها): يعنى الكفارَ (^٨).\nوقال آخرون: بل الوُرُودُ عامٌّ لكلِّ (^٩) مؤمنٍ وكافرٍ، غيرَ أن ورودَ المؤمنِ المرورُ، وورودَ الكافرِ الدخولُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5654>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:\n_________\n(^١) في ت ٢: \"الورود من\".\n(^٢) في ت ٢: \"ولكن عنى به\".\n(^٣) في الأصل، م، ت ٢: \"منكم\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٤٨ عن أبي داود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن الأنبارى والبيهقى في البعث وينظر البحر المحيط ٦/ ٢١٠ وقراءة ابن عباس ذكرها ابن خالويه في مختصر الشواذ ص ٨٩.\n(^٥) في م: \"عمرو\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ف: \"يقول\".\n(^٧) في م، ت ٢: \"منكم\".\n(^٨) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٤٨ عن عمر بن الوليد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٢ إلى ابن أبي حاتم، كلاهما بلفظ: الظَّلَمة، بدلا من الكفار، وقراءة عكرمة ذكرها ابن خالويه في مختصر الشواذ ص ٨٩.\n(^٩) بعده في الأصل: \"كافر\".","vol":"15","page":596},{"text":"﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. قال: ورودُ المسلمين المرورُ على الجسرِ بينَ ظَهْرَيْها، وورودُ المشركين أن يَدْخلوها. قال: وقال النبيُّ ﷺ: \"الزَّالُّونَ والزَّالَّاتُ يومَئذٍ كثيرٌ، وقد أحاطَ بالجِسْرِ سِماطانِ مِن الملائكةِ، دَعْواهم (^١) يومَئذٍ: يا أللهُ سَلِّمْ سَلِّمْ\" (^٢).\nوقال آخرون: ورودُ المؤمنِ (^٣) ما يُصِيبُه في الدنيا مِن حُمَّى ومرضٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5655>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن عثمانَ بن الأسْودِ، عن مجاهدٍ، قال: الحُمَّى حَظُّ كلِّ مؤمنٍ مِن النارِ. ثم قرَأ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^٤).\nحدَّثني عمرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلَاعِيُّ، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يزيدَ بن تميمٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبيدِ اللَّهِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ يعودُ رجلًا مِن أصحابِه [وَعِكًا] (^٥) وأنا معه، ثم قال: \"إن الله يقولُ: هي نَارِى أُسَلِّطُها على عبدى المؤمنِ، لتكونَ حَظَّه مِن النارِ في الآخرةِ\" (^٦).\n_________\n(^١) في ت ٢: \"دعاؤهم\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٥١ عن ابن زيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨١ إلى ابن أبي حاتم موقوفًا كله على ابن زيد دون أول المرفوع منه، وينظر في المرفوع ما أخرجه البيهقى في الشعب (٣٦٧) من حديث أنس.\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"المؤمنين\".\n(^٤) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٦/ ٣٥٨، والبيهقى في الشعب (٣٧٤) من طريق ابن يمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٢ إلى ابن المنذر.\n(^٥) في م: \"وبه وعك\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٥٠ عن المصنف، وأخرجه الطبراني في الأوسط (١٠) من طريق أبى المغيرة به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٢٩ - ومن طريق ابن ماجه (٣٤٧٠) - وأحمد ١٥/ ٤٢٢ =","vol":"15","page":597},{"text":"وقال آخرون: يَرِدُها الجميعُ ثم يَصْدُرُ عنها المؤمنون بأعمالِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-5656>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، قال: ثنى السديُّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. قال: يَرِدُونها ثم يَصْدُرون عنها بأعمالِهم (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن السديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنحوِه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أسباطُ، عن عبدِ الملكِ، عن (^٣) عبيدٍ اللهِ، عن مجاهدٍ، قال: كنتُ عندَ ابن عباسٍ، فأتاه رجلٌ يقالُ له: أبو راشدٍ، وهو نافعُ بنُ الأزرقِ، فقال له: يا بنَ عباسٍ، أرأيتَ قولَ اللَّهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ\n_________\n= (٩٦٧٦) - ومن طريق ابن أبي شيبة وأحمد أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٥٦١) - وهناد في الزهد (٣٩١)، والترمذى (٢٠٨٨) وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٨٦، وابن عبد البر في التمهيد ٦/ ٣٥٩ - وسقط منه ذكر أبى صالح - والحاكم ١/ ٣٤٥، والبيهقى في الشعب (٩٨٤٤) من طريق أبى أسامة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن إسماعيل به. قال أبو داود - كما في سؤالات الآجرى (٣٢٧) - عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم: منكر الحديث، حدث عنه أبو أسامة وغلط في اسمه فقال: نا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر السلمى، وكل ما جاء عن أبي أسامة: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد. فهو ابن تميم. وينظر تهذيب الكمال ١٧/ ٤٨٢، ١٨/ ٥.\n(^١) أخرجه الترمذى (٣١٦٠) من طريق يحيى بن سعيد، وأخرجه الحاكم ٤/ ٥٨٧ من طريق شعبة به، وعزاه ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٤٩ إلى ابن أبي حاتم.\nورواه إسرائيل، عن السدى، عن مرة، عن عبد الله مرفوعًا، أخرجه أحمد ٧/ ٢٠٦ (٤١٤١)، وأبو يعلى (٥٢٨٢، ٥٠٨٩)، والدارمى ٣٢٩/ ٢، والترمذى (٣١٥٩)، والحاكم ٢/ ٣٧٥.\n(^٢) أخرجه الحاكم ٤/ ٥٨٧ من طريق ابن المثنى به، وأخرجه أحمد ٧/ ١٩٦ (٤١٢٨)، والترمذى (٣١٦٠) من طريق عبد الرحمن بن مهدى به.\n(^٣) بعده في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أبى\". وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ١٧٨.","vol":"15","page":598},{"text":"إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾؟ فقال: أما أنا وأنت يا أبا راشدٍ فسَنَرِدُها، فانظُرْ هل نَصْدُرُ عنها أم لا (^١)؟!\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ (^٢)، قال: ثنا ابن جريجٍ، قال: أخبرَنى أبو الزبيرِ، أنه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عن الورودِ، فقال: نحن يومَ القيامةِ على [كوى أو كُدًى] (^٣)، فوقَ الناسِ، فتُدْعَى الأممُ بأوْثانِها وما كانت تعبُدُ، الأولُ فالأولُ، فينطلِقُ بهم ويَتَّبِعونه. قال: ويُعْطَى كلُّ إنسانٍ منافقٍ ومؤمنٍ نورًا، وتَغْشَى ظلمةٌ، ثم يَتَّبِعونه، وعلى جِسْرِ جهنمَ [حَسَكٌ و] (^٤) كَلالِيبُ تأخُذُ مَن شاء اللهُ، فيُطْفَأُ نورُ المنافقِ، ويَنْجو المؤمنون، فتَنْجو أولُ زمرةٍ كالقمرِ ليلةَ البدرِ، وسبعون ألفًا لا حسابَ عليهم، ثم الذين يَلُونهم كأضْوَأَ نَجْمٍ في السماءٍ، ثم كذلك، ثم تَحِلُّ الشَّفاعةُ، فيَشْفَعون، ويخرجُ مِن النارِ مَن قال: لا إلهَ إلا اللهُ. ممن في قلبِه وزنُ شَعيرةٍ مِن خيرٍ، ثم يُلْقَون تلقاءَ الجنةِ، ويُهَرِيقُ عليهم أهلُ الجنةِ الماءَ، فيَنْبُتون نباتَ الشئِ في السَّيْلِ، ثم يسألون، فيُجْعَلُ لهم الدنيا وعَشَرَةُ أمثالِها (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٤٨ عن المصنف، وذكره ابن عبد البر في التمهيد ٦/ ٣٥٤ عن مجاهد به، وفيه زيادة.\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عامر\". وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٢٨١.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"كوى أو كرى\"، والذي في مصادر التخريج: كذا - وفى رواية لابن منده: كوا - وكذا - أو كذا - انظر أي ذلك. هذه صورة الحديث في جميع النسخ، وفيه تغيير كثير وتصحيف. قال: وقال القاضي عياض: وصوابه: نجئ يوم القيامة على كوم … فهذا كله يبين ما تغير من الحديث وأنه كان أظلم هذا الحرف على الرواى، أو امحى فعبر عنه بكذا وكذا وفسره بقوله: أي: فوق الناس. وكتب عليه: انظر. تنبيها، فجمع النقلة الكل ونسقوه على أنه من متن الحديث كما تراه. ينظر صحيح مسلم بشرح النووى ٣/ ٤٧.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ف. والحسك جمع حسكة، وهى شوكة صلبة. النهاية ١/ ٣٨٦.\n(^٥) أخرجه أبو عوانة في مسنده ١/ ١٣٩، والطبرانى في السنة - كما في التخويف من النار (ص ٢٥٤) - وابن منده في الإيمان (٨٥١) من طريق أبى عاصم به. وأخرجه أحمد ٢٣/ ٣٢٨ (١٥١١٥)، =","vol":"15","page":599},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن المباركِ (^١)، عن الحسنِ، قال: قال رجلٌ لأخيه: هل أتاك بأنك واردٌ النارَ؟ قال: نعم. قال: فهل أتاك أنك صادرٌ عنها؟ قال: لا. قال: فقِيمَ الضَّحِكُ؟ قال: فما رُئى ضاحكًا حتى لَحِقَ باللهِ (^٢).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنى ابن وهبٍ، قال: أخبرَنى عمرُو بنُ الحارثِ، أن بُكَيرًا حَدَّثه أنه قال لبُسْرِ (^٣) بن سعيدٍ: إن فلانًا يقولُ: إن [ورودَ النارِ] (^٤) القيامُ عليها. قال بُسْرٌ: أمَّا أبو هريرةَ فسمعتُه يقولُ: إذا كان يومُ القيامةِ فيجتمعُ الناسُ، نادَى مُنادٍ: ليلحَقْ كلُّ أناسٍ (^٥) بما كانوا يعبدون. فيقومُ هذا إلى الحَجَرِ، وهذا إلى القوسِ (^٦)، وهذا إلى الخشبةِ، حتى يبقى الذين يعبدون الله، فيأتيهم اللهُ ﵎، فإذا رَأَوه قاموا إليه، فيُذهبُ بهم فيُسْلَكُ بهم على الصَّراطِ، وفيه عُلَّيْقٌ (^٧)، فعندَ ذلك يؤذنُ بالشفاعةِ، فيَمُرُّ الناسُ والنبيون يقولون: اللهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. قال بكيرٌ: فكان ابن عَميرةَ (^٨) يقولُ: فَنَاجٍ\n_________\n= ومسلم ٣١٦/ ١٩١، وعبد الله في السنة (٤٥٧)، وأبو عوانة ١/ ١٣٩، ١٤٠، وابن منده في الإيمان (٨٥٠) من طريق ابن جريج به. وقال الإمام النووى في شرح مسلم ٣/ ٤٨: وهو موقوف على جابر، وليس هذا على شرط مسلم، إذ ليس فيه ذكر النبي ﷺ، وإنما ذكره مسلم وأدخله في المسند لأنه روى مسندا من غير هذا الطريق.\n(^١) في م، ف: \"ابن المبارك\". وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ١٨٠.\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣١١)، وابن أبي شيبة ١٣/ ٥٠٠ من طرق عن الحسن.\n(^٣) في الأصل، ص، ف: \"لبشر\".\n(^٤) في ص، ت ١، ف: \"الورود\".\n(^٥) في الأصل: \"إنسان\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"الفرس\".\n(^٧) العليق: شجر من شجر الشوك لا يعظم، وإذا نشب فيه شيء لم يكد يتخلص من كثرة شوكه، وشوكه حُجَز شداد. اللسان (ع ل ق).\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"عمير\".","vol":"15","page":600},{"text":"مُسَلَّمٌ، ومُكدَّسٌ (^١) في جهنمَ، ومَخْدوشٌ ثم ناجٍ.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: يَرِدُها الجميعُ ثم يصدُرُ عنها المؤمنون فيُنَجِّيهم اللهُ، ويَهْوِى فيها الكفارُ. وورودُهموها هو ما تَظاهرتْ به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ مِن مرورِهم بها (^٢) على الصِّراطِ المنصوبِ على مَتْنِ جهنمَ، فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومُكَدَّسٌ فيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5657>ذكرُ الأخبارِ المَرْوِيَّةِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن أمِّ مبشرٍ امرأةِ زيدِ بن حارثةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ وهو في بيتِ حفصةَ: \"لا يَدْخُلُ النارَ أحدٌ شَهِدَ بَدْرًا والحديبية\". قالت (^٢): فقالت حفصةُ: يا رسولَ اللهِ، أليس اللهُ يقولُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"فمَهْ (^٣) [﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾] (^٤) (^٥) \".\nحدَّثنا الحسنُ بنُ مدركٍ، قال: ثنا يحيى بنُ حمادٍ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن أمِّ مبشرٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بمثلِه (^٦).\n_________\n(^١) في ص: \"فحدس\"، وفى م، ت ٢: \"منكوس\"، وفى ت ١: \"مخدش\"، وفى ف: \"فخدس\". وتكدس الإنسان إذا دفع من ورائه فسقط، ويروى بالشين المعجمة، من الكدش، وهو السوق الشديد، والكدش: الطرد والجرح أيضا. النهاية ٤/ ١٥٥.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٣) سقط من ت.٢. وفى الأصل: \"قال\".\n(^٤) في الأصل، م: \"ينجى الله\".\n(^٥) أخرجه أحمد ٦/ ٣٦٢ \"الميمنية\"، وابن أبي عاصم في السنة (٨٦١)، والطبرانى ٢٥/ ١٠٢ (٢٦٦) من طريق ابن إدريس به. وأخرجه ابن سعد ٢/ ١٠١، ٨/ ٤٥٨ من طريق أبى الزبير، عن جابر. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنبارى وابن مردويه.\n(^٦) أخرجه الطبراني ٢٥/ ١٠٢ (٢٦٥) من طريق يحيى بن حماد به.","vol":"15","page":601},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن أمِّ مبشرٍ، عن حفصةً، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إنى لأَرْجو ألا يَدْخُلَ النارَ [إن شاء اللهُ] (^١) أحدٌ شَهِدَ بدرًا والحُدَيْبِيةَ\". قالت: فقلتُ (^٢): أليس اللهُ يقولُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟ قال: \"فلم تَسْمَعِيه يقولُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (^٣).\nحدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن محمدٍ بن إسحاقَ، قال: ثنى عبيدُ اللهِ بنُ المغيرةِ بن مُعَيْقيبٍ (^٤)، عن سليمانَ بن عمرٍو بن عبدٍ العُتْوارِيِّ، [أحدُ بنى] (^٥) ليثٍ، وكان في حَجْرِ أبى سعيدٍ، قال: سمعتُ أبا سعيدٍ الخدريَّ يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"يُوضَعُ الصِّرَاطُ بينَ ظَهْرَىْ جَهَنَّمَ، عليه حَسَكٌ كَحَسَكِ السَّعْدانِ (^٦)، ثم يَسْتَجِيزُ النَّاسُ، فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَجْروحٌ به، ثم ناجٍ ومُحْتَبَسٌ ومُكَدَّسٌ فيها، حتى إذا فَرَغَ اللَّهُ مِن القضاءٍ بينَ العبادِ (^٧) تَفَقَّدَ المؤمنون رجالًا كانوا معهم في الدنيا؛ يُصَلُّون صلاتَهم، ويُزَكُّون زكاتَهم، ويَصومون صِيامَهم، ويَحُجُّون حَجَّهم، ويَغْزُون غَزْوَهم، فيقولون: أي ربَّنا، عبادٌ مِن عبادِك كانوا معنا في الدنيا؛ يُصَلُّون صلاتَنا، ويُزَكُّون زكاتَنا،\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ف: \"يا رسول الله\".\n(^٣) أخرجه أحمد ٦/ ٢٨٥، وهناد في الزهد (٢٣٠)، وابن ماجه (٤٢٨١)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٦٠)، وأبو يعلى (٧٠٤٤)، والبغوى في تفسيره ٥/ ٢٥٢، وفى السنة ٤/ ١٩٣، والطبرانى ٢٣/ ٣٥٨ من طريق أبى معاوية به.\n(^٤) في م: \"معيقب\".\n(^٥) في ص، ت ١، ف: \"حدثني\".\n(^٦) السعدان: نبت ذو شوك. النهاية ٢/ ٣٦٧.\n(^٧) في ت ١: \"الناس\".","vol":"15","page":602},{"text":"ويَصُومون صِيامَنا، ويَحُجُّون حَجَّنا، ويَغْزُون غَزْوَنا لا نَرَاهم؟! فيقولُ: اذْهَبوا إلى النارِ، فمَن وَجَدْتُم (^١) فيها منهم فأخْرِجوه (^٢). فيَجِدُونهم قد أخَذَتْهم النارُ على قَدْرِ أعمالِهم؛ فمنهم مَن أخَذَتْه النارُ إِلى قَدَمَيْه، ومنهم مَن أَخَذَتْه إِلى نصفِ ساقَيْه، ومنهم مَن أَخَذَتْه إِلى رُكْبَتَيْهِ، [ومنهم من أزَرَتْه] (^٣)، ومِنهم مَن أَخَذَتْه إِلَى ثَدْيَيْهِ (^٤)، ومنهم مَن أخَذَتْه إلى عُنُقِه، ولم تَغْشَ الوُجُوهَ، فيَسْتَخْرِجُونهم منها، فيَطْرَحُونَهم في ماءِ الحياةِ\". قيل: وما ماءُ الحياةِ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: \"غُسْلُ أهلِ الجنةِ\". قال (^٥): \"فيَنْبُتُون كما تَنْبُتُ الزَّرْعَةُ فِي غُثَاءِ السَّيْلِ، ثم تَشْفَعُ الأنبياءُ في كلِّ مَن كان يَشْهَدُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ مُخْلِصًا، فيَسْتَخْرِجونهم منها (^٦)، ثم يَتَحَنَّنُ اللَّهُ برحمتهِ على مَن فيها، فما يَتْرُكُ فيها عبدًا في قلبِه مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِن الإيمانِ إلا أخْرَجَه منها\" (^٧).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبى وشعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، [عن خالدِ بن يزيدَ، عن] (^٨) ابن أبي هلالٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءٍ بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"يُؤْتَى بالجِسْرِ - يعنى يومَ القيامةِ - فَيُجْعَلُ بينَ ظَهْرَىْ جهنمَ\". قلنا: يا رسولَ اللَّهِ، وما الجِسْرُ؟ قال:\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"منهم\".\n(^٢) في الأصل، ت ٢: \"فأخرجوهم\"، وفى ص، ت ١، ف: \"فأخرجونهم\".\n(^٣) سقط من: م، ت ٢، وفى ص، ت ١، ف: \"أردته\".\n(^٤) في الأصل: \"ثديه\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) في م، ف: \"منهم\".\n(^٧) أخرجه الحسين المروزى في زوائد الزهد (١٢٦٨) من طريق يعقوب بن إبراهيم به. وأخرجه أحمد ١٧/ ١٤١ (١١٠٨١)، وابن خزيمة في التوحيد ص ٢١١ من طريق ابن علية به. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٧٦، ١٧٧، وابن ماجه (٤٢٨٠)، والحاكم ٤/ ٥٨٥، ٥٨٦ من طريق محمد بن إسحاق به.\n(^٨) في ص، م، ت ١، ف: \"بن خالد عن يزيد\".","vol":"15","page":603},{"text":"\"مَدْحَضَةٌ مَزَلَّةٌ، عليه خَطاطِيفُ وكَلَالِيبُ، وحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لها شَوْكَةٌ عَقِيفاءُ (^١) تكونُ بِنَجْدٍ، يقالُ لها: السَّعْدانُ. يَمُرُّ المؤمنون عليها كالطَّرْفِ وكالبَرْقِ وكالرِّيحِ، وكأجَاويدِ الخيلِ والرِّكَابِ (^٢)، فَناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَحْدُوشٌ مُسَلَّمٌ، ومَكْدُوسٌ (^٣) في جهنمَ، ثم يَمُرُّ آخِرُهم يُسْحَبُ سَحْبًا، فما أنتم بأشَدَّ مُناشَدَةً لي في الحقِّ، قد تَبَيَّن لكم مِن المؤمنين يومَئذٍ للجبَّارِ ﵎، إذا رَأَوهم قد نَجَوْا وبَقِيَ إخوانُهم\" (^٤).\nحدَّثني أحمدُ بنُ عيسى، قال: ثنا سعيدُ بنُ كثيرِ بن عُفَيرٍ، قال: ثنا ابن لَهِيعةَ، عن أبي الزبيرِ، قال: سألتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ عن الوُرُودِ، فقال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: \"هو الدُّخولُ، يَرِدُون النارَ حتى يَخْرُجوا منها، فَآخِرُ مَن يَبْقَى رجلٌ على الصِّراطِ يَرْحَفُ، فيَرْفَعُ اللَّهُ ﵎ له شَجَرَةً، قال: فيقولُ: أي ربِّ، أدْنِني منها. قال: فيُدْنيه الله، ﵎ منها، قال: ثم يقولُ: أي ربِّ، أَدْخِلْني الجنةَ. قال: [فيُدْخِلُه الجنةَ. قال:] (^٥) فيقولُ: سَلْ. قال: فيسألُ. فيقولُ: ذلك لك وعَشَرَةُ أضْعافِه، أو نحوها. قال: فيقولُ: يا ربِّ، تَسْتَهْزِئُ بي؟ قال: فيَضْحَكُ حتى تَبْدوَ لَهَواتُه وأَضْراسُه\" (^٦).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يحيى بنُ أيوبَ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيدٍ، عن رِشْدينَ، جميعًا عن زَبّانَ (^٧) بن فائدٍ، عن\n_________\n(^١) أي: ملوية كالصنارة. النهاية ٣/ ٢٧٦.\n(^٢) في ت ٢: \"الركبان\".\n(^٣) في ت:٢ مكدوش. وينظر ص ١١٢.\n(^٤) أخرجه البخارى (٧٤٣٩)، ومسلم عقب ح (١٨٣/ ٣٠٢)، وابن خزيمة في التوحيد ص ٢٠١، وأبو عوانة في مسنده ١/ ١٦٩، وابن حبان (٧٣٧٧)، والآجرى في الشريعة (٦٠٠) مختصرًا، وابن منده في الإيمان (٨١٧)، وفى الرد على الجهمية (٢)، والبيهقى في الأسماء والصفات (٧٤٥) جميعًا من طريق الليث به.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٦) أخرجه أبو عوانة ١/ ١٣٩، وابن منده في الإيمان (٨٥٠) من طريق أبي الزبير به.\n(^٧) في: م: \"زياد\". ينظر تهذيب الكمال ٩/ ٢٨١.","vol":"15","page":604},{"text":"سهلِ بن معاذٍ، عن أبيه، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"مَنْ حَرَسَ وراء المسلمين في سبيل اللهِ مُتَطَوِّعًا، لا يأخُذُه سُلطانٌ بحرسٍ، لم يَرَ النار بعَيْنِه إلا تَجلَّةَ القَسَم، فإن الله جلّ وعزّ يقولُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، أخبَرني الزهريُّ، عن ابن المسيبِ، عن أبي هريرةَ، أن النبيَّ ﷺ قال: \"مَنْ ماتَ له ثلاثةٌ لم تَمَسَّه النارُ إلا تَحِلَّةَ القَسَم\". يعنى الوُرُودَ (^٢).\nوأما قولُه: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: كان على ربِّك قضاءً مَقْضِيًّا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5658>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَتْمًا﴾. قال: قضاةً (^٣).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾. قال: قضاءً.\nوقال آخرون: بل معناه: كان على ربِّكَ قَسَمًا واجبًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخارى في الكبير ٣/ ٤٤٣ من طريق ابن وهب، عن يحيى، عن رشدين به، وأخرجه أحمد ٢٤/ ٣٧٩ (١٥٦١٢)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٩٦، وأبو يعلى (١٤٩٠)، والطبراني ٢٠/ ١٨٥ (٤٠٢، ٤٠٣)، وابن عدى ٣، ١٠١٢، من طريق رشدين به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٠. وينظر تخريجه في مسند الطيالسي (٢٤٢٣).\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٥٨. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٣ إلى ابن أبي حاتم وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"15","page":605},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5659>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو عمرٍو داودُ بنُ الزِّبْرِقانِ، قال: سمِعتُ السديِّ يذكُرُ عن مُرَّةَ الهمدانيِّ، عن ابن مسعودٍ: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾. قال: قَسَمًا واجبًا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾. يقولُ: قَسَمًا واجبًا.\nوقد بَيَّنْتُ القولَ في ذلك.\n\n<span id=\"aya-2322\"></span><span data-type='title' id=toc-5661>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثم تنحى مِن النارِ بعدَ ورودِ جميعِهم إياها، ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ فخافوه بأداءِ فرائضِه، واجْتنابِ مَعاصِيه، ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: ونَدَعُ الذين ظَلَموا أنفسَهم، فعَبَدوا غيرَ اللهِ وعَصَوا ربَّهم، وخالَفوا أمْرَه ونَهْيَه في النارِ ﴿جِثِيًّا﴾. يقولُ: بُرُوكًا على رُكَبِهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5660>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ على رُكبهم.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير ٥/ ٢٥١ عن السدى به.","vol":"15","page":606},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. قال: على رُكَبِهم (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. قال: الجِثِيُّ شَرُّ الجلوسِ، لا يجلسُ الرجلُ جاثيًا إلا عندَ كَرْبٍ ينزِلُ به (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾: إن الناسَ ورَدوا جهنمَ وهى سوداءُ مُظلِمَةٌ؛ فأما المؤمنون فأضاءت لهم حسناتُهم، فأُنْجوا منها، وأما الكفارُ فَأَوْبَقَتْهم أعمالُهم، واحْتُبِسوا بذنوبهم.\n\n<span id=\"aya-2323\"></span><span data-type='title' id=toc-5662>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى﴾ على الناسِ ﴿آيَاتُنَا﴾ التي أنزلْناها على رسولِنا محمدٍ ﴿بَيِّنَاتٍ﴾، يعني واضحاتٍ لمَن تأمَّلها وفَكَّر فيها أنها أدلةٌ على ما جَعَلها الله أدلةٌ عليه لعباده، ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ باللهِ وبكتابِه وآياته وهم قريشٌ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. بذلك (^٣) فصَدَّقوا به وهم أصحابُ محمدٍ، ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾. يعني بالمقَامِ: موضعَ إقامتِهم، وهى مساكنُهم ومنازلُهم، ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ وهو المَجْلِسُ. يقالُ منه: نَدَوتُ القومَ أَنْدُوهم نَدْوً إِذا جَمَعتَهم في مجلسٍ.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٣ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"15","page":607},{"text":"يقالُ: هو في نَدِيِّ قومه وفي نادِيهم، بمعنًى واحدٍ، ومِن النَّدِيِّ قولُ حاتمٍ (^١):\nودُعِيتُ في أُولى النَّدِيِّ ولم … يُنْظَرْ إِليَّ بِأَعْيُنٍ خُزْرِ\nوتأويلُ الكلامِ: وإذا تُتْلَى عليهم آياتُنا بيِّناتٍ، قال الذين كَفَروا للذين آمنوا: أيُّ الفريقَين مِنَّا ومنكم أوسَعُ عَيْشًا، وأنعمُ بالًا، وأفضلُ مَسْكَنًا، وأحسنُ مَجْلِسًا، وأجمعُ عددًا وغاشِيةً في المجلسِ، نحن أم أنتم؟\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5663>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبيانَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. قال: المَقَامُ المَنْزِلُ، والنَّدِى المجلسُ (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شُعْبَةَ، عن سليمانَ، عن أبي ظَبيانَ، عن ابن عباسٍ بمثله.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. قال: المقامُ المَسْكَنُ، والنَّديُّ المجلسُ والنعمةُ والبَهْجةُ التي كانوا فيها، وهو كما قال اللهُ لقومِ فرعونَ حينَ أَهْلَكَهم وقَصَّ شأنَهم في القرآنِ قال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥)\n_________\n(^١) ديوانه ص ٥٤.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٥٢ عن الأعمشِ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٣ إلى المصنف والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":608},{"text":"وَزُرُوعٍ (^١) وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٥، ٢٦]. فالمقامُ المسكنُ والنعيمُ، والنَّدِيُّ المجلسُ والمَجْمَعُ الذي كانوا يَجْتَمِعون فيه، وقال اللهُ فيما قَصَّ على رسولِه في أمرِ لوطٍ إذ قال: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. والعرب تُسمِّي المجلس النادِيَ (^٢).\nحدَّثني عليٌّ؛ قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قوله: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾، يقولُ: مجلسًا.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾. قال: قريشٌ تقولُها لأصحابِ محمدٍ ﷺ. ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. قال: مجالسُهم يقولونه أيضًا (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾: رَأَوا أصحابَ محمدٍ ﷺ في عَيْشِهِم خُشُونةً، وفيهم قَشَافةً، فَعَرَّضَ أَهلُ الشركِ بما تَسْمَعون، قوله: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. يقولُ: مجلسًا (^٤).\n_________\n(^١) في النسخ: كنوز. أدخل في هذه الآية آية سورة الشعراء: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٥٢ عن العوفى عن ابن عباس.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٥٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٣ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٥٣ عن قتادة.","vol":"15","page":609},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. [قال: خيرٌ مكانًا وأحسنُ مجلسًا (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾] (^٢). قال: النَّدِيُّ المجلسُ. وقرأ قولَ اللهِ: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧]. قال: مجلسَه.\n\n<span id=\"aya-2324\"></span><span data-type='title' id=toc-5664>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وكم أهلَكنا يا محمدُ قبلَ هؤلاء القائلين مِن أهلِ الكفرِ للمؤمنين، إذا تُتلَى عليهم آياتُ الرحمنِ: أيُّ الفريقين خيرٌ منازلَ (^٣) وأحسنُ (^٤) مجالسَ مِن قرنٍ هم كانوا أكثرَ متاعَ منازلَ مِن هؤلاءِ، وأحسنَ منهم منظرًا وأجملَ صورًا، فأهلكنا أموالَهم، وغيَّرنا صورهم. ومن ذلك قولُ علقمةَ بنَ عَبَدَةَ (^٥):\nكُمَيْتٍ كَلَوْنِ الأُرْجُوَانِ نَشَرْتَهُ … لبَيعِ الرِّدَاءِ (^٦) فِي الصُّوَانِ المُكَعَّبِ\nيعنى بالصوانِ: التختَ الذي تصانُ فيه الثيابُ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١١.\n(^٢) سقط من: م، ت ٢.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"مقاما\".\n(^٤) بعده في: م، ت ١، ف: \"نديا\".\n(^٥) ديوانه ص ٨٨.\n(^٦) في ف: \"الرباء\"، وفى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"الرئى\" والمثبت من الديوان.","vol":"15","page":610},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5665>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبيانَ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾. قال: الرِّئْىُ: المنظرُ، والأثاثُ: المتاعْ (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن أبي ظَبيانَ، عن ابن عباسٍ، قال: الرئىُ المنظرُ.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: قولَه: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا﴾، مالًا، وقولُه: ﴿وَرِئْيًا﴾. يقولُ: منظرًا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾، الأثاث: المالُ، والرِّئىُ: المنظرُ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾. قال: الأثاثُ: أحسنُ المتاعِ، والرِّئىُ. قال: المالُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: يقولُ اللهُ ﵎: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾. أي: أكثر متاعًا وأحسنُ [مَرآة ومنظرًا] (^٣)، فأهلكَ اللهُ أموالَهم، وأفسَد صورَهم عليهم، تبارَك\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ١٨٨ وأخرجه ابن أبي حاتم كما في التغليق ٤/ ٢٤٨ من طريق الأعمش به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٢٥٢٥، عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٣ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والمصنف وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم كما في التغليق ٤/ ٢٤٩ من طريق معاوية وليس فيه تفسير الرئى. وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٥٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٣ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والمصنف وابن المنذر.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"منزلة ومستقرا\".","vol":"15","page":611},{"text":"وتعالى.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾. قال: أحسنُ صورًا، وأكثر أموالًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَثَاثًا﴾. قال: المتاعُ، ﴿وَرِئْيًا﴾. قال: فيما يَرَى الناسُ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، بنحوه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ وبشرُ بنُ معاذٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: الأثاث: المالُ، والرِّئىُ: المنظرُ الحسنُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَرِئْيًا﴾: منظرًا في اللونِ والحُسنِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾. قال: الرئىُ: المنظرُ، والأثاثُ: المتاعُ؛ أحسنُ متاعًا، وأحسنُ منظرًا.\nوحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ [أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ] (^٣) في قولِه: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا﴾. يعنى المالَ، ﴿وَرِئْيًا﴾.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١١.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٥٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ف.","vol":"15","page":612},{"text":"يعني المنظرَ الحسنَ.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (وَرِيًّا) (^١). غيرَ مهموزٍ، وذلك إذا قُرِئ كذلك يتوجِّه لوجهين؛ أحدُهما أن يكونَ قارتُه أراد الهمزةَ، فأبدَل منها ياءً، فاجتمَعَتِ الياءُ المُبدلةُ من الهمزِ والياءُ التي هي لامُ الفعلِ فأُدغِمتا فجُعِلتا ياءً واحدةً مشددةً؛ ليُلْحِقُوا ذلك - إذ كان رأسَ آيةٍ - بنظائِره من سائرِ رءوسِ الآياتِ قبلَه وبعدَه. والآخرُ أن يكونَ مِن: رَوَّيْتُ أُرَوِّي رَوِيَّةً ورِيًّا. وإذا أُريدَ به ذلك كان معنى الكلامِ: وكم أهلَكنا قبلَهم مِن قرنٍ، هم أحسنُ متاعًا، وأحسنُ نظرًا لمالِه، ومعرفةً بتدبيره (^٢). وذلك أن العربَ تقولُ: ما أحسنَ رَوِيَّةَ فلانٍ في هذا الأمرِ. إذا كان حسنَ النظرِ فيه والمعرفةِ به. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ العراقِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿وَرِئْيًا﴾ (^٣). بهمزِها، بمعنى رؤيةِ العينِ، كأنه أراد: أحسنُ متاعًا ومَرآةً. وحُكِى عن بعضِهم أنه قرَأه: (أحسنُ أثاثًا وزِيًّا) (^٤). بالزايِ، كأنه أراد: أحسنُ متاعًا وهيئةً ومنظرًا. وذلك أن الزِّيَّ هو الهيئةُ والمنظرُ، من قولِهم: زيَّيتُ الجاريةَ. بمعنى: زيَّنتُها وهيَّأتُها.\nوأولى القراءاتِ في ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه: ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ (^٥). بالراءِ والهمزِ؛ لإجماعِ الحجةِ من أهلَ التأويلِ على أن معناه المنظرُ، وذلك هو من رؤيةِ العينِ، لا من الرَّوِيَّةِ؛ فلذلك كان الهمزُ به أولى، فإن قرَأ قارىُ ذلك بتركِ الهمزِ وهو\n_________\n(^١) هي قراءة قالون عن نافع وابن ذكوان عن ابن عامر. التيسير ص ١٢١.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"لتدبيره\".\n(^٣) هي قراءة غير قالون وابن ذكوان. المصدر السابق.\n(^٤) هي قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير، ويزيد البربرى وأبى بن كعب والأعسم المكي، وزياد، وهي قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط ٦/ ٢١١، وتفسير القرطبي ١١/ ١٤٣.\n(^٥) القراءتان (رِئيا) و(رِيًّا) كلتاهما متواترتان.","vol":"15","page":613},{"text":"يريدُ هذا المعنى، فغير مخطئٍ في قراءتِه. وأما قراءةُ مَن قرَأ بالزايِ فقراءةٌ خارجةٌ عن قراءةِ القرآةِ، فلا أستجيزُ القراءةَ بها؛ لخلافِها قراءَتَهم، وإن كان لها (^١) في التأويلِ وجهٌ صحيحٌ.\nواختلَف أهلُ العربيةِ في الأثاثِ، أجمعٌ هو أم واحدٌ؟ فكان الأحمر (^٢) فيما ذُكِر لى عنه يقولُ: هو جمعٌ واحدتُها أَثاثةٌ، كما الحمامُ جمعٌ واحدتُها حمامةٌ، والسحابُ جمعٌ واحدتُها سحابةٌ.\nوأما الفراءُ فإنه كان يقولُ: لا واحدَ له، كما أن المتاعَ لا واحدَ له. قال: والعربُ تجمعُ المتاعَ: أمتِعَةٌ، وأماتيعُ، ومُتُعٌ. قال: ولو جمعتَ الأثاثَ لقلتَ: ثلاثةُ آثِّةٍ وأُثُتٍ (^٣).\nوأما الرِّئيُ فإن جمعَه: أَرآءُ.\n\n<span id=\"aya-2325\"></span><span data-type='title' id=toc-5666>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكْرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ المشرِكين بربِّهم، القائِلين إذا تُتْلَى عليهم آياتُنا: أيُّ الفريقين منا ومنكم خيرٌ مقامًا وأحسنُ نديًّا، مَن كان مِنا ومِنكم في الضلالة جائرًا عن الطريقِ الحقِّ، سالِكًا غير سبيلِ الهدى، ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾. يقولُ: فَلْيُطوِّلْ له اللهُ في ضلالتِه، وليُمْلِه فيها إملاءً.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"لهم\".\n(^٢) هو على بن المبارك - وقيل: ابن الحسن - الأحمر النحوى شيخ العربية. توفى سنة أربع وتسعين ومائة. تنظر ترجمته في إنباه الرواة ٢/ ٣١٣، وسير أعلام النبلاء ٩/ ٩٢.\n(^٣) معاني القرآن للفراء ٢/ ١٧١.","vol":"15","page":614},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5667>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾. فليَدَعْهُ اللهُ في طغيانِه (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه\nوقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قل لهم: مَن كان منا ومنكم في الضلالةِ، فليُمْل (^٢) له الرحمنُ في ضلالتِه إلى أن يأتيَهم أمرُ اللهِ؛ إما عذابٌ عاجلٌ، أو يَلقَوا ربَّهم عند قيامِ الساعةِ التي وعَد اللهُ خلْقَه أن يجمعَهم لها، فإنهم إذا أتاهم وعدُ اللهِ بأحدِ هذين الأمْرين ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾، ومسكنًا منكم ومنهم ﴿وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ أهم أم أنتم، ويتبَيَّنون (^٣) حينئذٍ أي الفريقين خيرٌ مقامًا، وأحسنُ نديًا.\n\n<span id=\"aya-2326\"></span><span data-type='title' id=toc-5668>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ</span>\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٥٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٣ إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م، ت ١ ف: \"فليمدد\"، وفى ت ٢: \"فليملل\".\n(^٣) في الأصل، ص، ت ٢: \"تتبينون\".","vol":"15","page":615},{"text":"الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويزيدُ اللهُ مَن سَلَك قصدَ المحجَّةِ، واهتدى لسبيلِ الرشدِ، فآمَن بربِّه، وصدَّق بآياتِه، فعمِلَ بما أمرَه اللهُ به، وانتهى عما نهاه عنه ﴿هُدًى﴾ بما يتجدَّدُ له من الإيمانِ بالفرائضِ التي يَفْرِضُها عليه، [والأعمالِ التي يُوجبها عليه، فيُصدِّقُ بوجوبِها عليه] (^١)، ويُقرُّ بلزومِ فرضِها إياه، ويعملُ بها، فذلك زيادةٌ من اللهِ تعالى ذكرُه في اهتدائِه بآياتِه هدًى على هداه. وذلك نظيرُ قولِه: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]. وقد كان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك: ويزيدُ اللهُ الذين اهتدَوا هدًى بناسخِ القرآنِ ومنسوخِه، فيؤمنُ بالناسخِ، كما آمَن قبلُ بالمنسوخ، فذلك زيادةُ هدىً من اللهِ له على هُداه من قبلُ.\n﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: والأعمالُ التي أمَر الله بها عبادَه ورضِيها منهم، الباقياتُ لهم غيرُ الفانياتِ الصالحاتُ، خيرٌ عندَ ربِّك جزاءً لأهلِها، وخَيْرٌ مَرَدًّا عليهم من مقاماتِ هؤلاءِ المشركين باللهِ، وأندِيتِهم التي يَفْتَخِرون بها على أهلِ الإيمانِ في الدنيا.\nوقد بيَّنا معنى الباقياتِ الصالحاتِ، وذكَرنا اختلافَ المختلِفين في ذلك، ودلَّلْنا على الصوابِ من القول فيه فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضع (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا عمرُ (^٣) بنُ راشدٍ، عن يحيى بن أبى كثيرٍ، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، قال: جلَس\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٢) تقدم في ص ٢٧٤ وما بعدها.\n(^٣) في الأصل: \"عمرو\"، وفى تفسير عبد الرزاق: \"عمير\" ينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٣٤٠.","vol":"15","page":616},{"text":"النبيُّ ﷺ ذات يومٍ، فأخذ عودًا يابسًا، فحَطّ ورقَه ثم قال: \"إِنَّ قَوْلَ: لا إلهَ إلَّا الله، والله أكبرُ، والحمدُ للهِ، وسُبحانَ اللهِ، يَحُطُّ الخطايا، كما تَحُطُّ ورَقَ هذه الشَّجَرَةِ الريحُ، خُذْهُنَّ يا أبا الدَّرْدَاءِ قبل أن يُحال بينك وبينَهُنَّ، هُنَّ الباقياتُ الصالحات، وهُنَّ مِنْ كُنُوزِ الجنَّةِ\". قال أبو سلمةَ: فكان أبو الدرداءِ إذا ذكَر هذا الحديثَ قال: لأُهلِّلنَّ الله، ولأُكبرنَّ الله، ولأُسبحنَّ الله، حتى إذا رآني الجاهلُ حَسب أني مجنونٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-2327\"></span>لقولُ في تأويل قوله جلّ ثناؤُه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أفرأيْتَ يا محمدُ الذِي كَفَرَ بأَدِلَّتِنا (^٢) وحججِنا فلم يصدِّقْ بها، وأنكَر وعيدَنا أهلَ الكفرِ، وقال وهو باللهِ كافرٌ وبرسولِه: لأُوتَينَّ في الآخرةِ مَالًا وَوَلدًا.\nوذُكِر أن هذه الآياتِ أُنزلت في العاصِ بن وائلٍ السَّهْميِّ أبي عمرِو بن العاصِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5669>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثني أبو السائبِ وسعيدُ بنُ يحيى، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، عن خَبّابٍ، قال: كنت رجلًا قَيْنًا (^٣)، وكان لي على العاصِ بن وائلٍ السَّهميِّ دَيْنٌ، فأَتيتُه أتقاضَاه، فقال: واللهِ لا أَقْضِيك حتى تكفرَ بمحمدٍ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٢، وأخرجه ابن ماجه (٣٨١٣)، وابن عدى في الكامل ٥/ ١٦٧٥ من طريق عمر بن راشد بنحوه مختصرا.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"بآياتنا\".\n(^٣) القين: الحداد والصائغ. النهاية ٤/ ١٣٥.","vol":"15","page":617},{"text":"قال: فقلت: واللهِ لا أكفرُ بمحمدٍ حتى تمَوتَ ثم تُبْعَثَ. قال: فقال: فإذا أنا مِتُّ ثم بُعِثتُ (^١)، جئتنى ولِى مالٌ وولدٌ. قال: فأنزَل الله ﵎: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ (^٢).\nحدَّثني به أبو السائبِ، وقرَأ في الحديثِ: وولدًا.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: أن رجالًا من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ كانوا يَطْلُبون العاصَ بنَ وائلٍ السَّهْميَّ بدَيْنٍ، فأتَوه يتقاضَوْنَه، فقال: ألستمْ تَزْعُمون أن في الجنةِ فِضَّةً وذهبًا وحريرًا ومن كلِّ الثمراتِ؟ قالوا: بلى. قال: فإنّ موعدَكم الآخرةُ، فواللهِ لأُوتَينَّ مالًا وولدًا، ولأُوتينَّ مِثْلَ كتابِكم الذي جئتم به. فضرَب الله مثَلَه في القرآنِ، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾. قال العاصُ بنُ وائلٍ يقولُه (^٤).\n_________\n(^١) بعده في م: \"كما تقول\"، وص: \"بعد\".\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧٩٥/ ٣٦)، والترمذى (٣١٢٦)، والنسائي في الكبرى (١١٣٢٢)، وأخرجه البخاري (٢٠٩١، ٢٢٧٥، ٢٤٢٥، ٤٧٣٢، ٤٧٣٣، ٤٧٤، (٤٧)، ومسلم (٢٧٩٥/ ٣٥، ٣٦) والترمذى (٣١٦٢) من طريق الأعمش به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٣ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٥٨ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":618},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد، مثله.\nحدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾، فذُكِر لنا أن رجلًا (^١) من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ما أتى رجلًا من المشركينِ يتقاضَاهِ دَيْنًا له، فقال له: أليس يَزْعُمُ صاحبُكم أن في الجنةِ حريرًا وذهبًا؟ قال: بلى، قال فميعادُكم الجنةُ، فواللهِ لا أُومنُ بكتابِكم الذي جئتم به - استهزاءً بكتابِ اللهِ - ولأُوتَينَّ مالًا وولدًا. يقولُ الله ﷿: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾.\n\n<span id=\"aya-2328\"></span>حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ قال: قال خبابُ بنُ الأَرَتِّ: كنت قَينًا بمكةَ، فكنت أعملُ للعاصِ بن وائلٍ، فاجتَمَعَتْ لى عليه دراهمُ، فجئت لأتقاضَاه، فقال لي: لا أَقْضِيك حتى تكفرَ بمحمدٍ. قال: قلت: لا أكفرُ بمحمدٍ حتى تموتَ ثم تُبْعَثُ. قال: فإذا بُعِثْتُ كان لى مالٌ وولدٌ. قال: فذكَرْتُ ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ، فأنزَل الله تبارَك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ (^٢).\nواختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿وَوَلَدًا﴾. فقرَأته عامَّةُ قرأة المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهل الكوفة: ﴿وَوَلَدًا﴾. بفتحِ الواوِ من الوَلَدِ، في كلِّ القرآنِ (^٣). غيرَ أن أبا عمرِو بن العلاءِ خصَّ التي في سورةِ \"نوحٍ\" بالضمَّ، فقرَأها: (مالُهُ\n_________\n(^١) في م: \"رجالا\". والذي في م فيما سيأتي بعد في هذا الأثر كان بضمير الجمع.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٣.\n(^٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر. السبعة ص ٤١٢.","vol":"15","page":619},{"text":"وَوُلْدُهُ) [نوح: ١٢] (^١). وأما عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ غيرُ عاصمٍ، فإنهم قَرءوا من هذه السورةِ من قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى آخرِ السورةِ، والتي (^٢) في \"الزخرفِ\"، والتي في \"نوحٍ\" بالضمِّ وسكونِ اللامِ (^٣).\nوقد اختلَف أهلُ العربيةِ في معنى ذلك إذا ضُمَّت واوُه، فقال بعضُهم: ضمُّها وفتحُها واحدٌ، وإنما هما لُغتان، مثلُ قولهم: العُدْمُ والعَدَمُ، والحُزْنُ والحَزَنُ. واستشهدوا لقيلهم ذلك بقولِ الشاعر (^٤):\nفليت فُلانًا كان في بطنِ أُمِّهِ … وليت فُلانًا كان وُلدَ حِمارِ\nويقول الحارثُ بنُ حِلِّزةَ (^٥):\nوَلَقَدْ رَأَيْتُ مَعَاشِرًا … قَدْ ثَمَّرُوا مَالًا وَوُلْدًا\nوقولُ رُؤْبةَ (^٦):\nالحمدُ للهِ العَزِيزِ فَرْدَا … لَمْ يَتَّخِذُ مِن وُلْدِ شيءٍ وُلْدَا\nوتقولُ العرب في مثَلِها: وُلْدُكِ مَنْ دَمَّى عَقِبَيْكِ (^٧). قال: وهذا كلُّه واحدٌ، بمعنى الوَلَد. وقد ذُكِر لى (^٨) أن قيسًا تجعلُ الوُلْدَ جمعًا، والوَلَدَ واحدًا. ولعلَّ الذين\n_________\n(^١) وكذا قرأ ابن كثير. المصدر السابق.\n(^٢) في النسخ: \"اللتين\" والمثبت هو الصواب، فذكرُ الولد في سورة الزخرف ورد مرة واحدة، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ [الزخرف: ٨١].\n(^٣) وهى قراءة حمزة والكسائي: ينظر المصدر السابق.\n(^٤) البيت في اللسان (ول د) وفي المحتسب ١/ ٣٦٥ غير منسوب.\n(^٥) البيت في معاني القرآن ٢/ ١٧٣، واللسان (ول د).\n(^٦) البيت ليس في ديوانه. وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٥٥.\n(^٧) له قصة تنظر في مجمع الأمثال ٣/ ٤٢٤.\n(^٨) ليست في الأصل، ص، ت ١.","vol":"15","page":620},{"text":"قرَءوا ذلك بالضمِّ فيما اختاروا فيه الضمَّ، إنما قرَءوه كذلك ليفرُقوا به بين الجمعِ والواحدِ.\nوالذي هو أولى بالصوابِ من القولِ في ذلك عندى أن الفتحَ في الواوِ من الوَلدِ والضمَّ فيها بمعنًى واحدٍ، وهما لغتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ، غيرَ أن الفتحَ أشهرُ اللغتَين فيهما؛ فالقراءةُ به أعجبُ إليَّ لذلك.\nوقولُه: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أَعَلِمَ هذا القائلُ هذا القولَ عِلْمَ الغيبِ، فعَلِم أنَّ له في الآخرةِ مالًا وولدًا باطلاعِه على علمِ ما غاب عنه؟ ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. يقولُ: أَمْ آمَن باللهِ وعمِل بما أمَرهُ به، وانتهَى عما نهاه عنه، فكان له بذلك عند الله عهدًا أن يؤتيه ما يقولُ من المال والولد؟.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. بعملٍ صالحٍ قدَّمه (^١).\n\n<span id=\"aya-2329\"></span><span data-type='title' id=toc-5670>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿كَلَّا﴾ ليس الأمرُ كذلك، ما اطَّلَع الغيبَ، فعَلِم صدقَ ما يقولُ، وحقيقةَ ما يَذْكُرُ، ولا اتخَذ عندَ الرحمنِ عهدًا بالإيمان به وبرسولِه، والعملِ بطاعتِه، بلْ كذَّب وكفَر. ثم قال تعالى ذكْرُه: ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾. يقولُ: سنكتُبُ ما يقولُ هذا الكافرُ بربِّه، القائلُ: لأُوتَينَّ في الآخرةِ مالًا وَوَلَدًا. ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾. يقولُ: ونَزِيدُه من العذابِ في جهنمَ بقيلِه الكذبَ والباطلَ في الدنيا، زيادةً على عذابِه؛ بكفْرِه بالله.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٤ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"15","page":621},{"text":"<span id=\"aya-2330\"></span>وقولُه: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾. يقولُ جل ثناؤه: ونُهلِكُ (^١) هذا القائلَ: - لأوتينَّ في الآخرةِ مالًا وولدًا - ومالَه وولدَه، ويصيرُ لنا مالُه وولدُه دونَه، ﴿وَيَأْتِينَا﴾ هو يومَ القيامةِ ﴿فَرْدًا﴾ وحدَه لا مالَ معه ولا ولدَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5671>ذكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾: مالَه وولدَه، وذلك الذي قال العاصُ بنُ وائلٍ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ لا مالَ له ولا ولدَ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾. قال: ما عنده، وهو قولُه: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾. وفى حرفِ ابن مسعودٍ: (وَنَرِثُه مَا عِنْدَه) (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾. قال: ما جمَع من الدنيا وما عمِل فيها. قال: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾. قال:\n_________\n(^١) في م: \"نسلب\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٥٩.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢٥٦٥، وهذه القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.","vol":"15","page":622},{"text":"فردًا من ذلك، لا يَتْبَعُه قليلٌ ولا كثيرٌ (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾. يقولُ: نرثُه (^١).\n\n<span id=\"aya-2331\"></span><span data-type='title' id=toc-5672>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واتخذ يا محمدُ هؤلاءِ المشركِون من قومِك آلهةً يَعْبُدونها من دونِ اللهِ؛ لتكون هؤلاءِ الآلهةُ لهم عزًّا، يَمْنَعُونهم من عذابِ اللهِ، ويتخِذون عبادَتَهموها عندَ اللهِ زُلْفَى.\n\n<span id=\"aya-2332\"></span>وقولُه: ﴿كَلَّا﴾ يقولُ تعالى ذكْرُه: ليس الأمرُ كما ظنُّوا وأمَّلوا من هذه الآلهةِ التي يَعْبُدُونها من دونِ اللهِ في أنها تُنْقِذُهم (^٢) من عذابِ اللهِ، وتُنْجيهم منه، ومن سوءٍ إنْ أراده بهم ربُّهم. وقوله: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولكن ستكفُرُ الآلهةُ في الآخرةِ بعبادةِ هؤلاءِ المشرِكين يومَ القيامةِ إياها. وكفرُهم بها قيلُهم لربِّهم: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣]، فجحَدوا أن يكونُوا عبَدوهم أو أمَروهم بذلك، وتبرَّءُوا منهم، وذلك كفرُهم بعبادتِهم.\nوأما قولُه: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وتكونُ آلهتُهم عليهم عونًا. قال: الضدُّ: العونُ.\n_________\n(^١) كذا في النسخ، وكذا ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٥٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم بلفظ: ماله وولده.\n(^٢) في ص: \"تبعدهم\"، وفى ت ١، ف: \"تعيذهم\".","vol":"15","page":623},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5673>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. يقولُ: أعوانًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. قال: عونًا عليهم تُخاصِمُهم وتُكذِّبُهم (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. قال: أوثانُهم يومَ القيامةِ في النارِ.\nوقال آخرون: بل عُنِى بالضدِّ في هذا الموضعِ القُرْناءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5674>ذكْرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. يقولُ: ويكونُون عليهم قرناءَ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٥٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٥٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٤ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٥٧.","vol":"15","page":624},{"text":"ضِدًّا﴾: قرناءَ في النارِ؛ يلعَنُ بعضُهم بعضًا، ويتبرأُ بعضُهم من بعضٍ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿ضِدًّا﴾. قال: قرناءَ في النارِ (^٢).\nوقال آخرون: معنى الضدِّ ههنا: العدوُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5675>ذكْرُ من قال ذلك</span>\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. قال: أعداءً (^٣).\nوقال آخرون: معنى الضدِّ في هذا الموضعِ: البلاءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5676>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. قال: يكونُون عليهم بلاءً (^٤).\nالضدُّ: البلاء، والضدُّ في كلامِ العربِ: هو الخلافُ، يقالُ: فلانٌ يضادُّ فلانًا في كذا، إذا كان يخالِفُه في صنيعِه، فيُفسِدُ ما أصلَحه، ويُصلِحُ ما أفسَده. وإذا كان ذلك معناه، وكانت آلهةُ هؤلاء المشرِكين الذين ذكَرَهم الله في هذا الموضعِ يتبرَّءون منهم، ويَنْتَفُون (^٥) يومئذٍ، صاروا لهم أضدادًا، فوُصِفُوا بذلك.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٤ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٥٧.\n(^٥) ينتفون: يبتعدون. الوسيط (ن ف ى).","vol":"15","page":625},{"text":"وقد اختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ توحيدِ الضدِّ، وهو صفةٌ لجماعةٍ؛ فكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: وُحِّد لأنه يكونُ جماعةً وواحدًا، مثلَ الرَّصَدِ والأرصادِ. قال: ويكونُ الرَّصَدُ أيضًا للجماعةِ.\nوقال بعضُ نحويى الكوفة: وُحِّد لأن معناه: عونًا.\nوذُكِر أن أبا نَهِيكٍ كان يقرأُ ذلك، كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمنِ، قال: سمِعتُ أبا نهيكٍ الأزديَّ يقرأُ: (كُلًّا (^١) سَيَكْفُرون). يعنى: الآلهة كلَّها (^٢) أنهم سيكفُرون بعبادتِهم (^٣).\n\n<span id=\"aya-2333\"></span><span data-type='title' id=toc-5678>القولُ في تأويل قوله جلّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ألم ترَ يا محمدُ أنا أرسَلنا الشياطينَ على أهلِ الكفرِ باللهِ ﴿تَؤُزُّهُمْ﴾. يقولُ: تحرِّكُهم بالإغواءِ والإضلالِ، فتُزعِجُهم إلى معاصى اللهِ، وتغريهم بها حتى يُواقِعوها، ﴿أَزًّا﴾: إزعاجًا وإغراءً (^٤).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5677>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ،\n_________\n(^١) في ت ٢: \"كل\".\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢: \"وكلا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٤ إلى ابن أبي حاتم. وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢٥٧.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ف: \"إغواء\".","vol":"15","page":626},{"text":"قوله: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾. يقولُ: تُغرِيهم إغراءً (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: تؤزُّ الكافرين إغراءً في الشركِ: امضِ امضِ في هذا الأمرِ، حتى تُوقِعَهم في النارِ، امضُوا في الغيِّ، امضُوا (^٢).\nحدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾. قال: تُغْرِيهم إغراءً (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾.\nقال: تُزْعِجُهم إزعاجًا في معصيةِ اللهِ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن عَثْمَةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشِيرٍ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ جل وعز: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾. قال: تُزعِجُهم إلى معاصى اللهِ إزعاجًا.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾. قال: تُزعِجُهم إزعاجًا في معاصى اللهِ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾. فقرَأ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]. قال: تؤزهم أنا، قال: تُشليهم إشلاءً (^٥) على معاصى اللهِ ﵎، وتُغريهم عليها، كما يُغرى الإنسانُ الآخرَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ١٥٠.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٤ إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٢.\n(^٥) الإشلاء: الإغراء. اللسان (ش ل ا).","vol":"15","page":627},{"text":"على الشيءِ (^١).\nيقال منه: أَزَزْتُ فلانًا بكذا. إذا أغريتَه به، أؤزُّه أَزًّا وأزيزًا، وسمعتُ أزيزَ القِدْرِ، وهو صوتُ غليانِها على النارِ؛ ومنه حديثُ مطرِّفٍ عن أبيه، أنه انتهى إلى النبيِّ ﷺ وهو يصلِّى، ولجوفِه أزيزٌ كأزيزِ المِرْجَل (^٢).\n\n<span id=\"aya-2334\"></span>وقولُه: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: فلا تَعْجَلْ على هؤلاءِ الكافِرين بطلبِ العذابِ لهم والهلاكِ يا محمدُ، ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾. يقولُ: فإنا إنما نُؤَخِّرُ إهلاكَهم ليزدادُوا إثمًا، ونحن نعدُّ أعمالَهم كلَّها ونُحْصِيها، حتى أنفاسهم؛ لنُجازِيَهم على جميعِها، ولم نَتْرُكْ تعجيلَ هلاكِهم الخيرٍ أردناه بهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5679>ذكْرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾. يقولُ: أنفاسَهم التي يتنفَّسون في الدنيا، فهى معدودةٌ كسِنِّهم وأجالِهم.\n\n<span id=\"aya-2335\"></span><span data-type='title' id=toc-5680>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكْرُه: يومَ نجمعُ الذين اتَّقَوْا الله (^٣) في الدنيا، فخافُوا عقابَه،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٤ إلى ابن أبي حاتم. وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢٥٨.\n(^٢) أخرجه أحمد (١٦٣١٢، ١٦٣١٧، ١٦٣٢٦)، وأبو داود (٩٠٤)، والنسائي (١٢١٣).\n(^٣) سقط من: م.","vol":"15","page":628},{"text":"فاجتنبوا لذلك معاصِيَه، وأدَّوْا فرائضَه - إلى ربِّهم ﴿وَفْدًا﴾، يَعْنى بالوفدِ (^١) الرَّكْبانَ. يقالُ: وَفَدْتُ على فلانٍ. إذا قدمت عليه. وأوْفَدَ القومُ وفدًا على أميرِهم. إذا بعَثُوا مِن قِبلهم بَعْثًا. والوفدُ في هذا الموضعِ بمعنى الجمعِ، ولكنَّه وُحِّد؛ لأنه مصدرٌ، واحدُهم وافدٌ، وقد يُجمَعُ الوفدُ: الوفودَ كما قال بعضُ بني حَنِيفةَ:\nإني لَمُمْتَدِحٌ بما بما (^٢) هو صانِعٌ … رأس الوفودِ مُزاحِمَ بنَ جِسَاسِ\nوقد يكونُ الوفودُ في هذا الموضعِ جمعَ وافدٍ، كما الجلوسُ جمعُ جالسٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5681>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني زكريا [بنُ يحيى] (^٣) بن أبى زائِدَةَ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن إسحاقَ، عن النُّعْمانِ بن سعدٍ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. قال: أمَا واللهِ ما يُحْشَرُ الوفدُ على أَرْجُلِهم، ولا يُساقُون سَوْقًا؛ ولكنَّهم يُؤتَوْن بنُوقٍ لم يَرَ الخلائقُ مثلَها، عليها رِحالُ الذهبِ، وأزِمَّتُها الزَّيَرْجَدُ، فيَرْكَبون عليها حتى يَضْرِبُوا أبوابَ الجنةِ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، عن شُعْبَةَ، عن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"بالوفود\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"فما\".\n(^٣) سقط من: ت ٢. وينظر الجرح والتعديل ٣/ ٥٩٣، ٦٠١، وتهذيب الكمال ٩/ ٣٥٩، وتهذيب التهذيب ٣/ ٣٢٩، ٣٣٥.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١١٩، وعبد الله بن أحمد في زوائده على المسند: المسند ٢/ ٤٤٧ (١٣٣٣)، والحاكم ٤/ ٥٦٥، والبيهقى في شعب الإيمان (٣٥٨)، كلهم من طريق عبد الرحمن بن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٥ لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وغيرهم.","vol":"15","page":629},{"text":"إسماعيلَ، عن رجلٍ، عن أبي هريرةَ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قال: على الإبلِ (^١).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. يقولُ: ركبانًا (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ (^٣)، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائيُّ، قال: إنَّ المؤمنَ إذا خرَج من قبرِه استقبَله أحسنَ صورةً، وأطْيَبَه (^٤) ريحًا، فيقولُ: هل تعرفُنى؟ فيقولُ: لا، إلا أن الله قد (^٥) طيَّب ريحَك، وحسَّن صورتَك. فيقولُ: كذلك كنتَ في الدنيا، أنا عملُك الصالحُ، طالما رَكبْتُّك في الدنيا، فارْكَبْني أنت اليومَ. وتلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ (^٦).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. قال: وفدًا إلى الجنةِ (^٧).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١١٩ من طريق شعبة عن إسماعيل عن أبي هريرة، بدون ذكر \"رجل\" بين إسماعيل وأبى هريرة. وذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٢٥٥، ونقله ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٥٩ بإسناده ولفظه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٤ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن حجر في تغليق التعليق ٣/ ٥٠٩ من طريق عبد الله به، وذكره الطوسي في التبيان ٧/ ١٣٣، والبغوى في تفسيره ٥/ ٢٥٥، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٥٨، وعلقه البيهقى في شعب الإيمان ١/ ٣١٧ عن على بن أبي طلحة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهما.\n(^٣) في ص، ت ١ ف: \"بشر\".\n(^٤) في م: \"أطيبها\". وتقدم على الصواب في ٩/ ٢١٦.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٦) تقدم تخريجه في ٩/ ٢١٧.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣ عن معمر به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٥٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٤، ٢٨٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"15","page":630},{"text":"قولِه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. قال: على النَّجائِبِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: سَمِعتُ سفيانَ التَّوْرِيَّ يقولُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. قال: على الإبلِ النُّوقِ (^١).\nوقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ونَسوقُ الكافرين بالله، الذين أجَرمُوا، إلى جهنمَ عِطَاشًا.\nوالوِرْدُ مصدرٌ، مِن قولِ القائل: وَرَدتُ كذا أرِدُه وِرْدًا. ولذلك لم يُجمَعْ، وقد وُصِف به الجمعُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5682>ذكْرُ مَن قال ذلك</span>\n\n<span id=\"aya-2336\"></span>حدَّثني عليٌّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. قال: عِطَاشًا (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، عن شعبةَ، عن إسماعيلَ، عن رجلٍ، عن أبي هريرةَ: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. قال: عِطاشًا (^٣).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٥٩.\n(^٢) أخرجه البخارى معلقا عن ابن عباس (فتح البارى ٨/ ٤٢٧)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق عبد الله به، كما في تغليق التعليق ٣/ ٥٠٩، وأخرجه الحافظ ابن حجر في التغليق ٣/ ٥٠٩ من طريق عبد الله به، وعلقه البيهقي في شعب الإيمان ١/ ٣١٧ عن علي بن أبي طلحة به.\n(^٣) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٢١٧، والقرطبي في تفسيره ١١/ ١٥٢، ١٥٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٦ إلى ابن المنذر.","vol":"15","page":631},{"text":"حدَّثني يعقوبُ والفضلُ بنُ الصَّبَّاح، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ عُلَيَّةً، عن أبي رجاء، قال: سَمِعتُ الحسن يقولُ في قولِه: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. قال: عِطَاشًا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ (^٢)، عن يونسَ (^٣)، عن الحسنِ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. قال: ظِمَاءً إلى النارِ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾: سِيقوا (^٥) إليها وهم ظِمَاءٌ (^٦) عِطاشٌ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: سمِعتُ سفيانَ يقولُ في قولِه: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. قال: عِطاشًا.\n\n<span id=\"aya-2337\"></span><span data-type='title' id=toc-5683>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكْرُه: لا يملكُ هؤلاءِ الكافرون بربِّهم، يا محمدُ - يومَ يَحشرُ اللهُ المتقينَ إليه وفدًا - الشفاعةَ؛ حينَ يَشْفَعُ أهلُ الإيمان بعضُهم لبعضٍ عندَ اللهِ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٧٢ (١٦٠٢٥)، وهناد في الزهد (٢٨٦، ٢٨٧) من طريقين آخرين عن الحسن.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ف: \"قال: ثنا سعيد\". وسعيد بن أبي عروبة لم يرو عن يونس بن عبيد. ينظر تهذيب الكمال ١١/ ٥، ٣٢/ ١٢٤، ٥١٧.\n(^٣) في ت:١: \"قتادة\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢ ف: \"سوقوا\".\n(^٦) في م: \"ظمء\".","vol":"15","page":632},{"text":"فيشفعُ (^١) بعضُهم لبعضٍ ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ﴾ منهم ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ في الدنيا ﴿عَهْدًا﴾ بالإيمانِ به، وتصديقِ رسولِه، والإقرارِ بما جاء به، والعملِ بما أمَر به.\nكما حدَّثني [عليٌّ، قال: ثنا] (^٢) عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. قال: العهدُ؛ شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، ويَتَبَرَّأُ إلى اللهِ مِن الحَوْلِ والقُوَّةِ، ولا يرجُو إلا الله (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. قال: المؤمنون يومئذٍ بعضُهم لبعضٍ شفعاء: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. قال: عَمَلًا صالحًا (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾: أي بطاعته، وقال في آيةٍ أُخرى: ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]، تَعَلَّمُوا (^٥) أَن الله [مُشَفِّعٌ يومَ القيامةِ] (^٦) المؤمنينَ بعضَهم في بعضٍ؛ ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"إِنَّ في أُمَّتى رجلًا، لَيُدخِلَنَّ الله الجنة بشفاعتِه أكثر من بني تَمِيمٍ\". وكنا\n_________\n(^١) أي فيشفع هؤلاء الكفار بعضهم لبعض، كما يشفع أهل الإيمان بعضهم لبعض.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ف.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الدعاء ٣/ ١٥١٨ (١٥٧٠)، والبيهقى في الأسماء والصفات ١/ ٢٧٢ (٢٠٦)، كلاهما من طريق عبد الله به، وفى الدعاء: \"وهى رأس كل تقوى\" بدل \"ولا يرجو إلا الله\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزا السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٦ شطره الأول إلى ابن المنذر، وذكر الطوسي في التبيان ٧/ ١٣٤، وأبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٢١٧ شطره الأخير.\n(^٥) في م: \"ليعلموا، وفى ت ١، ف: \"يعلمون\"، وفى ت ٢: \"يعلموا\". وتعلَّموا: اعلَمُوا. ينظر اللسان (ع ل م).\n(^٦) في م: \"يوم القيامة يشفع\". وجاءت العبارة في الدر المنثور: يشفع المؤمنين يوم القيامة.","vol":"15","page":633},{"text":"نُحَدَّثُ أن الشهيدَ يُشَفَّعُ في سبعين مِن أهلِ بيتِه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي المِلَيح، عن عَوْفِ بن مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إِن شَفاعَتِى لِمَنْ مات مِن أُمَّتي لا يُشركُ باللهِ شيئًا\" (^٢).\nو\"من\" في قولِه: ﴿إِلَّا مَنِ﴾ في موضعِ نصبٍ على الاستثناءِ، ولا يكونُ خفضًا بضميرِ اللامِ، ولكن قد يكون نصبًا في الكلامِ في غيرِ هذا الموضعِ، وذلك كقولِ القائلِ: أردتُ المرورَ اليومَ إلا العَدُوَّ، فإني لا أمُرُّ به. فيَسْتَثْنِى العدوَّ مِن المعنى. وليس ذلك كذلك في قولِه: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾؛ لأن معنى الكلامِ: لا يَمْلِكُ هؤلاءِ الكفارُ إِلا مَن آمَن باللهِ. فالمؤمنون ليسوا مِن عِدادِ (^٣) الكافِرين. ومَن نصَبه على أن معناه: إِلا لَمَنِ اتَّخَذ عندَ الرحمن عهدًا، فإنه يَنْبَغى أن يجعلَ قولَه: لا يملِكون الشفاعةَ للمتقين. فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: يومَ نَحشرُ المتقينَ إلى الرحمنِ وفدًا، لا يَمْلكون الشفاعةَ، إلا مَن اتَّخَذ عندَ الرحمنِ عهدًا. فيكونُ معناه عندَ ذلك: إلا لمن اتَّخَذ عندَ الرحمنِ\n_________\n(^١) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٥ مطولا، وعزاه إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، وليس عنده قوله: \"أي بطاعته … ورضى له قولا\". وأخرج الطبراني في الكبير ٢٢/ ٧٦ (١٨٨)، وأبو نعيم في الحلية ١٠/ ٣٠٤، ٣٠٥، والخطيب في تاريخ بغداد ٥/ ٢٦ من طريق قتادة عن أبي المليح عن واثلة بن الأسقع مرفوعا، قوله: \"إن في أمتى رجلا\" \"تميم\". أما قول قتادة: وكنا نحدث أن الشهيد أخرج هذا الحديث مرفوعا: أبو داود (٢٥٢٢)، وابن حبان (٤٦٦٠)، والآجرى في الشريعة ٣/ ١٢٤٤، ١٢٤٥ (٨١٣، ٨١٤)، والبيهقى في السنن الكبرى ٩/ ١٦٤، من حديث أبي الدرداء عنه ﵁.\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٢٩، والترمذى (٢٤٤١)، كلاهما من طريق سعيد به، مطولًا بزيادة في أوله عندهما. وأخرجه أحمد ٦/ ٢٨، ٢٩، والترمذى (٢٤٤١) كلاهما من طريق أبي عوانة عن قتادة به، مطولا بزيادة أوله عندهما.\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"عذاب\"، وفى م: \"أعداد\".","vol":"15","page":634},{"text":"عهدًا. فأما إذا جعَل: \"لا يملكون الشفاعةَ\" خبرًا عن المجرمين، فإن \"مَنْ\" تكونُ حينئذٍ نصبًا على أنه استثناءٌ منقطعٌ، فيكونُ معنى الكلامِ: لا يملكون الشفاعةَ، لكنْ مَنْ اتخذ عندَ الرحمنِ عهدًا، يَمْلِكُه.\n\n<span id=\"aya-2338\"></span><span data-type='title' id=toc-5685>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكْرُه: وقال هؤلاء الكافِرون باللهِ: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾.\n\n<span id=\"aya-2339\"></span>﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ يقولُ تعالى ذكْرُه للقائِلين ذلك من خَلْقِه: لقد جئتم أيها الناسُ شيئًا عظيمًا، ومن القولُ مُنَكرًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5684>ذكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿شَيْئًا إِدًّا﴾. يقولُ: قولًا عظيمًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾. يقولُ: لقد جئتم شيئًا عظيمًا، وهو المنكَرُ مِن القولُ (^٢).\n_________\n(^١) علقه البخاري عن ابن عباس (الفتح ٨/ ٤٢٧)، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٤٩ - من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ٧/ ١٣٤ بلفظ \"منكرا عظيما\"، والبغوى في تفسيره ٥/ ٢٥٦ بلفظ \"منكرا\"، والقرطبي في تفسيره ١١/ ١٥٦ بنفى لفظ التبيان.","vol":"15","page":635},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن (^١) ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿شَيْئًا إِدًّا﴾. قال: عظيمًا (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿شَيْئًا إِدًّا﴾. قال: عظيمًا (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾. قال: قد جئتم شيئًا كبيرًا من الأمْرِ، حينَ دعَوْا للرحمنِ ولدًا (^٤).\nوفى \"الإدِّ\" لغاتٌ ثلاثٌ، يقالُ: لقد جئتَ شيئًا إِدًّا. بكسرِ الألفِ. وأدًّا. بفتحِ الألفِ. وآدًّا. بفتحِ الألفِ ومدِّها، على مثالِ مادٍّ؛ فاعِلٍ. وقرَأه قرأةُ الأمصارِ [بكسرِ الألفِ] (^٥)، وبها نقرأُ، وقد ذُكِر عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ أنه قرَأ ذلك بفتحِ الألفِ (^٦)، ولا أَرَى قراءتَه كذلك؛ لخلافِها قراءةَ قرأة الأمصارِ. والعربُ\n_________\n(^١) في ص، م، ف: \"ثنا\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٥٩ من طريق ورقاء به، وأخرجه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٤٩ - عن ورقاء به، وذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٢٥٦، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٦١.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٣ عن معمر به وذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٢٥٦، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٦١.\n(^٤) ذكره الطوسى في التبيان ٧/ ١٣٤ بلفظ \"منكرا عظيما\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) وكذا قراءة: على بن أبى طالب، ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٨٩، وتفسير القرطبي ١١/ ١٥٦، والبحر المحيط ٦/ ٢١٨.","vol":"15","page":636},{"text":"تقولُ لكلِّ أمرٍ عظيمٍ: إدٌّ، وإمْرٌ، ونُكْرٌ. ومنه قولُ الراجزِ (^١):\nقد لَقِيَ الأعداءُ منى نُكْرَا\nداهِيَةً دَهْياءَ إذا إمْرَا\nومنه قولُ الآخرِ (^٢):\n* في لَهَثٍ (^٣) منه وخَتْلٍ (^٤) إِدِّ *\n\n<span id=\"aya-2340\"></span>وقولُه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾. يقولُ تعالى ذكْرُه: تكادُ السماواتُ يَتَشَقَّقْن قِطَعًا مِن قبلِهم: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ ومنه قيل: فَطَر نابُه. إذا انْشَقَّ (^٥).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5686>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾. قال: إن الشِّرْكَ فزِعَت منه السماواتُ والأرضُ والجبالُ وجميعُ الخلائقِ إِلَّا الثَّقَلَيْن، وكادت أن تَزُولَ منه لعَظَمةِ اللهِ، وكما لا ينفَعُ مع الشركِ إحسانُ المشركِ، كذلك نَرْجُو أن يغفرَ اللهُ ذنوبَ الموَحِّدين. وقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لَقِنوا مَوْتاكم شَهادَةَ أن لا إلهَ إِلَّا اللهُ، فمَن قالها عندَ موتِه وجَبَتْ له الجنَّةُ\".\n_________\n(^١) تقدم في ص ٣٣٧، وفيه \"الأقران\" بدلا من \"الأعداء\".\n(^٢) البيت في التبيان ٧/ ١٣٤ غير منسوب.\n(^٣) اللَّهث واللُّهاث: حرُّ العطش في الجوف. اللسان (ل هـ ث).\n(^٤) في ص، م، ت ١، ف: \"حثل\"، وفي التبيان: \"حبل\". والخَتْل: تَخَادُعٌ عن غفلةٍ. اللسان (خ ت ل).\n(^٥) في ص، ت ١: \"شق\". وينظر التبيان ٧/ ١٣٥.","vol":"15","page":637},{"text":"قالوا: يا رسولَ اللهِ، فمَن قالَها في صِحَّتِهِ (^١)؟ قال: \"تلك أَوْجَبُ وأوجبُ\". ثم قال: \"والَّذي نَفْسي بيَدِه لو جِيءَ بالسَّمَاوَاتِ والأرْضِينَ (^٢) وما فيهنَّ، وما بينَهنَّ، وما تحتَهنَّ، فَوُضِعنَ في كِفَّةِ الميزانِ، ووُضِعَت شَهادَةُ أن لا إلهَ إِلَّا الله في الكِفَّةِ الأُخرى؛ لَرَجَحتْ بهِنَّ\" (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾. [قال: الانْفِطارُ هو الانْشِقاقُ (^٤).\nوحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾] (^٥). ذُكِر لنا أنَّ كعبًا كان يقولُ: غَضِبتِ الملائكةُ، واسْتَعَرَتْ جَهَنَّمُ حينَ قالوا ما قالوا (^٦).\nوقولُه: ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾. يقولُ: وتكادُ الأرضُ تنشقُّ، فتَنْصَدِعُ (^٧) مِن ذلك، ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾. يقولُ: وتكادُ الجبالُ يسقُطُ بعضُها على بعضٍ سُقوطًا. والهَدُّ السُّقوطُ. وهو مصدرُ هَدَدتُ، فأنا أهُدُّ هَدًّا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في المعجم الكبير: \"صحة\".\n(^٢) في الأصل، ت ١: \"الأرض\".\n(^٣) نقله ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٦١ بإسناده ولفظه، وأخرج الطبراني في المعجم الكبير ١٢/ ٢٥٤ (١٣٠٢٤) من طريق عبد الله به الجزء المرفوع من ابن عباس للنبي ﷺ، وذكر السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٦ الجزء الموقوف على ابن عباسٍ وعزاه إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٧ وعزاه إلى ابن المنذر.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٦٢ عن كعب.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢: \"فتتصدع\".","vol":"15","page":638},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5687>ذِكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾. يقولُ: هَدْمًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾. قال: الهَدُّ: الانْقِضَاضُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾. قال: غضَبًا للهِ. قال: ولقد دَعا هؤلاءِ الذين جعَلوا للهِ هذا الذي غضبت السماوات والأرضُ والجبالُ من قولهم، لقد اسْتَنابَهم ودعاهم إلى التَّوبةِ، فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. قالوا: هو وصاحبَتُه وابْنُه. جَعَلُوهما (^٢) إلهَيْن [مع اللهِ] (^٣) ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلى قولِه: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٤) [المائدة: ٧٣، ٧٤].\n\n<span id=\"aya-2341\"></span><span data-type='title' id=toc-5688>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾.</span>\nالله يقولُ تعالى ذِكرُه: وتكادُ الجبالُ أن تَخِرَّ انْقِضَاضًا؛ لأَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا؛ فـ\"أن\" في موضع نصب في قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ لاتِّصالِها بالفعلِ، وفي قولِ غيرِه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٥١ - من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٦١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص: \"وجعلوهما\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"معه\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٦١ مختصرا بلفظ \"غضبا لله\".","vol":"15","page":639},{"text":"في موضِعِ خَفْضٍ بضمِيرِ الخافضِ (^١)، وقد بيَّنَّا الصوابَ من القولَ في ذلك في غيرِ موضِعٍ من كتابِنا هذا، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموْضِعِ (^٢).\nوقال: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾. يعنى بقولِه: ﴿أَنْ دَعَوْا﴾: أن جعَلوا له ولدًا. كما قال الشاعرُ (^٣):\nألا رُبَّ مَن تَدعُو نَصِيحًا وإِن تَغِبْ (^٤) … تَحِدُه بِغَيْبِ غَيْرَ مُنتَصِحَ الصَّدرِ\nوقال ابن أحمرَ (^٥):\nهوَى (^٦) لها مِشْقَصًا حَشْرًا فَشَبْرَقَها (^٧) … وكنتُ أدْعُو قَذَاها الإثْمِدَ القَرِدَا (^٨)\n\n<span id=\"aya-2342\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾. يقولُ: وما يَصْلُحُ للهِ أَن يَتَّخِذَ\n_________\n(^١) ينظر معاني القرآن ٢/ ١٧٣.\n(^٢) تقدم في ٧/ ٧٢٦.\n(^٣) البيت في مجاز القرآن ٢/ ١٢، والتبيان ٧/ ١٣٦، والبحر المحيط ٦/ ٢١٩، واللسان (د ع و)، غير منسوب عندهم جميعًا. وجاء في البحر المحيط هكذا:\nألا رب من يُدعى نصيحا وإن يغب … تجده بغيب منك غير نصيح\n(^٤) في الأصل: \"يغب\".\n(^٥) البيت في مجاز القرآن ٢/ ١٣، و\"من اسمه عمرو من الشعراء\" لمحمد بن داود الجراح ص ١٣١ - والشاعر اسمه عمرو بن أحمر، على ما في هذا المصدر ص ١٣٠ - والتبيان ٧/ ١٣٦، واللسان (د ع و)، (هـ وى).\n(^٦) في م، ومصادر التخريج: \"أهوى\". وهوى وأهوى، في هذا السياق: أسرع. ينظر شرح ديوان زهير ص ٢٤٢، واللسان (هـ وى).\n(^٧) المشقص: نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض. وسهمٌ حشرٌ: مستوى قُذَذ الرِّيش - وقدُّ الريش: قطع أطرافه وحَذفُه على نحو الحذو والتدوير والتسوية -. وشَبرقَها: مزَّقها. ينظر اللسان (ش ق ص)، (ح ش ر)، (ق ذ ذ)، \"شبرق\".\n(^٨) القرد: المتجمع الذي يركب بعضُه بعضًا. والمعنى أن عدوه صوب لعينه سهما فمزَّقها، وقد كان الشاعر يعُدُّها للكحل. ينظر اللسان (ق ر د).","vol":"15","page":640},{"text":"ولدًا؛ لأنه ليس كالخلقِ الذين تغْلِبُهم الشَّهواتُ، وتضطرُّهم اللَّذَّاتُ إلى جماعِ الإناثِ، ولا ولدَ يَحدُثُ إِلَّا مِن أُنْثَى، واللهُ يتَعالى عن أن يكونَ كخَلْقِه. وذلك كقولِ ابن أحمرَ (^١):\nفي رأسِ خَلْقاءَ مِن عَنْفَاءَ مُشْرِفَةٍ … ما ينبغى دُونَها سَهْلٌ ولا جَبَلٌ\nيعنى: لا يصْلُحُ ولا يكُونُ.\n\n<span id=\"aya-2343\"></span>﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ يقولُ جَلَّ وعزَّ: ما جميعُ مَن في السماواتِ من الملائكةِ، وفى الأرضِ من البشرِ والإنسِ والجِنِّ ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾. يقولُ: إلا يأتى ربَّه يومَ القيامةِ عبدًا له، ذليلًا خاضِعًا مُقِرًّا له بالعُبُودَة، لا نَسبَ بينه وبينَه. وقولُه: ﴿آتِي الرَّحْمَنِ﴾ إِنما هو فاعلٌ مِن أتيتُه، فأنا آتِيه.\n\n<span id=\"aya-2344\"></span><span data-type='title' id=toc-5689>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لقد أحصَى الرحمنُ خلقَه كلَّهم، وعدَّهم عدًّا فلا يَخفَى عليه مبلَغُ جميعِهم، وعَرف عددَهم فلا يَعْزُبُ عنه مِنهم أحدٌ:\n\n<span id=\"aya-2345\"></span>﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾. يقولُ: وجميعُ خَلْقِه سوفَ يَردُ عليه يوم تقومُ الساعةُ، وحيدًا لا ناصرَ له من اللهِ، ولا دافِعَ عنه؛ فيَقْضِى اللهُ فيه ما هو قاضٍ، ويصنَعُ به ما هو صانعٌ.\n\n<span id=\"aya-2346\"></span><span data-type='title' id=toc-5690>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا</span>\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٣٨. قال في اللسان (ع ن ق): يصف جبلًا، يقول: لا ينبغى أن يكون فوقها سهل ولا جبل أحسن منها. والخلقاء - كما في اللسان (خ ل ق) - هي السماء.","vol":"15","page":641},{"text":"لُدًّا (٩٧)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين آمنوا باللهِ ورُسُلِه، وصدَّقُوا بما جاءهم من عندِ ربِّهم، فعَمِلوا به؛ فأَحَلُّوا حَلالَه، وحرَّموا حرامَه ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ في الدُّنيا، في صدورِ عبادِه المؤمنين.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5691>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يحيى بن طلحةَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن مسلمٍ المُلائيِّ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. قال: محبةً في الناسِ في الدُّنيا (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. قال: حُبًّا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. قال: الودُّ مِن المسلمينِ في الدنيا، والرِّزقُ الحسنُ، واللسانُ الصَّادقُ (^٣).\nحدَّثني يحيى بن طلحةَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن عُبيدٍ المُكْتِبِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. قال: محبةً في المسلمين في الدُّنيا (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٤ من طريق مجاهد به، بلفظ محبة، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٧ للفريابي وعبد بن حميد.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٦٤ عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٦٤ عن العوفي عن ابن عباس.\n(^٤) ذكره الطوسى في التبيان ٧/ ١٣٧ بلفظ في الدنيا.","vol":"15","page":642},{"text":"حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن القاسمِ بن أَبِي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. قال: يُحبُّهم ويُحبِّبُهم إلى خَلْقِه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. قال: يُحبُّهم ويُحبِّبُهم إلى المؤمنين (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني عليُّ بنُ هاشمٍ، عن ابن أبي ليلى، عن الحَكَمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يُحبُّهم ويُحبِّبُهم (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن قتادةَ في قولِه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. قال: ما أَقْبَلَ عبدٌ إلى اللهِ إلا أقْبَل اللهُ بقلوبِ العِبادِ إليه، وزادَه (^٣) من عندِه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾: إي واللهِ في قلوبِ أهلِ الإيمانِ؛ ذُكِر لنا أن هَرِمَ بنَ حَيَّانَ (^٤) كان يقولُ: ما أقْبَلَ عبدٌ بقلبه إلى اللهِ، إلا أقبَل اللهُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٥٩ من طريق ورقاء به، وذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٢٥٧.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٦٤ عن سعيد عن ابن عباسٍ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٧ إلى ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"زاد\".\n(^٤) في ص، ف: \"حسان\". وهو هرم بن حيان العبدى، من صغار الصحابة، ترجمته في أسد الغابة ٥/ ٣٩١.","vol":"15","page":643},{"text":"بقلوبِ المؤمنين إليه، حتى يرزُقَه مودَّتَهم ورحمتَهم (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن عثمانَ بنَ عفانَ كان يقولُ: ما من الناس عبد يعمل خيرا ولا شرًّا إلا كَسَاه الله رداءً عملِه (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا [عبد الرزاقِ، عن الثَّوْرِيِّ، عن [عبدِ اللهِ ابن] (^٣) مسلمٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ] (^٤) وُدًّا﴾ قال: محبةً (^٥).\nوذُكر أن هذه الآيةَ نَزَلَتْ في عبدِ الرحمن بن عوفٍ؛ حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن سعيدٍ الواسطيُّ، قال: أخبَرنا يعقوبُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبد العزيزِ بنُ عِمْرانَ، عن عبدِ اللهِ بن عثمانَ بن أبي سليمانَ بن جبيرِ بن مُطْعِمٍ، عن أبيه، عن أُمَّه أمِّ إبراهيمَ بنتِ أبى عُبيدةَ بن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، عن أبيها، عن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، أنَّه لما هاجَر إلى المدينةِ، وجَد في نفسِه على فِراقِ أصحابِه بمكةَ، مِنهم شَيْبَةُ بنُ رَبيعةَ، وعُتْبَةُ بنُ ربيعةَ، وأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، فَأَنزَلَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (^٦).\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ١٦١، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٩٤ عن قتادة به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٦٤ عن قتادة به.\n(^٣) سقط من: النسخ، وتفسير الثورى. والمثبت من تفسير عبد الرزاق، وقد جاء على الصواب في تفسير الثورى ص ١٣٥ وهو عبد الله بن مسلم بن هرمز المكي، مترجم في تهذيب الكمال ١٦/ ١٣٠.\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) تفسير الثورى ص ١٩٠ ووقع عنده \"عن مسلم\" وبينا ذلك في الحاشية السابقة، وتفسير عبد الرزاق ٢/ ١٤ عن الثورى عن عبد الله بن مسلم به.\n(^٦) ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ١٦١ من قول ابن عباسٍ بنحوه، وذكره أبو حيان في تفسيره ٦/ ٢٢١ بمعناه، لكن بلفظ: قيل نزلت هذه الآية في عبد الرحمن بن عوف .... إلى آخر ما ذكره. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٧ إلى المصنف وابن المنذر وابن مردويه لكن سماه \"عبد الله بن عوف\".","vol":"15","page":644},{"text":"<span id=\"aya-2347\"></span>وقولُه: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإِنَّما يَسَّرْنا يا محمدُ هذا القرآنَ بلسانِك، تَقْرَؤُه، لتُبَشِّرَ به المتقينَ، الذين اتَّقَوْا عقابَ اللهِ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه - بالجنةِ، ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ يقولُ: ولِتُنذِرَ بهذا القرآن عذابَ اللهِ، قومك مِن قريشٍ؛ فإِنَّهم أهلُ لَدَدٍ وجَدَلٍ بالباطلِ، لا يَقْبَلون الحقَّ. واللَّدَدُ: شدَّةُ الخصومةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5692>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لُدًّا﴾. قال: لا يَسْتَقيمون (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾. يقولُ: لِتُنذِرَ به قومًا ظَلَمةً (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٥٩ من طريق ورقاء به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٦٥ عن ابن أبي نجيحٍ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ١، ف: \"لدا\". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٦٥ عن العوفي عن ابن عباسٍ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٨ إلى المصنف. وعند ابن كثير والسيوطي بلفظ: \"فجارًا\".","vol":"15","page":645},{"text":"لُدًّا﴾: أي جَدَلًا (^١) بالباطلِ، ذوى لدَدٍ وخصومةٍ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾. قال: فُجَّارًا (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾. قال: [جدلًا (^٤) بالباطلِ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾. قال] (^٦): [الألَدُّ الظَّلومُ] (^٧). وقرأ قولَ اللهِ: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] (^٨).\nحدَّثنا أبو صالحِ الضِّرارِيُّ، قال: ثنا العلاءُ بنُ عبد الجبارِ، قال: ثنا مهديُّ بنُ ميمونٍ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾. قال: صُمًّا عن الحقِّ (^٩).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"جدالا\".\n(^٢) ينظر تخريج الأثر بعد التالى.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٦٥ عن ليث - وهو ابن أبي سليم - به.\n(^٤) في ص، م، ف: \"جدالا\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٤. وأخرجه عبد بن حميد كما في فتح الباري ١٣/ ١٨١ من طريق معمر به.\n(^٦) سقط من: ت ١.\n(^٧) في ص: \"اللدد الظلوم\"، وفى ت ١: \"اللدد شديد الخصومة\"، وفى ت:٢: \"اللد الظلوم\"، وفي ف: \"اللدد\" ثم كلمة غير واضحة.\n(^٨) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٦٥.\n(^٩) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٢٥٨، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٦٥، والسيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٨، وعزاه إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وجاء ذكره عند الأخيرين مختصرا بلفظ \"صما\".","vol":"15","page":646},{"text":"حدَّثني ابن [سنانٍ القَزَّازُ] (^١)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن هارونَ، عن الحسنِ مثلَه.\nوقد بيَّنَّا معنَى الألَدِّ فيما مضَى بشواهدِه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2348\"></span><span data-type='title' id=toc-5694>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وكثيرًا أهْلَكْنا، يا محمدُ، قبلَ قومِك مِن مُشْرِكى قريشٍ: ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ يعنى: مِن جماعةٍ مِن الناسِ، إذ سَلَكُوا في خِلافي وركوبِ معاصِيَّ مَسْلَكَهم ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾. يقولُ: فهل تُحِسُّ أنت منهم أحدًا، يا محمدُ، فتَراه وتُعايِنَه، ﴿وَكَمْأَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾. يقولُ: أو تسمعُ لهم صوتًا، بل بادُوا وهلَكُوا، وخَلَت مِنهم دُورُهم، وأوْحَشَت منهم منازلُهم، وصاروا إلى دارٍ لا ينفَعُهم فيها إلّا صالحٌ من عملٍ قدَّموه. فكذلك قومُك هؤلاء، صائرون إلى ما صار إليه أولئك، إن لم يُعالجِوا (^٣) التوبةَ قبلَ الهَلاكِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5693>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"بشار\"، وفى م: \"سنان\"، وفى ت ٢: \"سنان القران\". وهو محمد بن سنان القزاز. أما ابن بشار فهو محمد بن بشار المعروف ببندار. وكلاهما يروى عنه المصنف. وينظر الأنساب ٤/ ٤٩١، وترجمة أبي عاصم النبيل في تهذيب الكمال ١٣/ ٢٨١.\n(^٢) تقدم في ٣/ ٥٧٨.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"يعاجلوا\".","vol":"15","page":647},{"text":"قولَه: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾. قال: صوتًا (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾. قال: هل تَرَى عَيْنًا، أو تسمعُ صوتًا (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾. يقولُ: هل تسمعُ مِن صَوْتٍ، أَو تَرَى مِن عينٍ (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾. يعنى: صوتًا (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ قال: رِكْزُ الناسِ: أصواتُهم. قال أبو كريبٍ: قال سفيانُ: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾. قال: أو تسمعُ لهم حِسًّا. قال: والرِّكْرُ: الحِسُّ (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٦٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٤ عن معمر به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٦٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره الطوسى في التبيان ٧/ ١٣٧ بلفظ \"الركز الصوت\"، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٦٥ بلفظه.\n(^٤) ذكره الطوسى في التبيان ٧/ ١٣٧، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٦٥.\n(^٥) ذكره الطوسى في التبيان ٧/ ١٣٧ بلفظ \"هو الحس\"، والقرطبي في تفسيره ١١/ ١٦٢ بلفظ \"حسا\"، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٦٥ بلفظ صوتا.","vol":"15","page":648},{"text":"قال أبو جعفرٍ: والرِّكْزُ في كلامِ العربِ: الصوتُ الخَفيُّ، كما قال الشاعرُ (^١):\nفتَوجَّسَتْ رِكْزَ (^٢) الأنِيسِ فَراعَها … عن ظَهْرِ غَيبٍ والأنِيسُ سَقَامُها\nآخر تفسيرِ سورةِ مريمَ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.\n_________\n(^١) هو لبيد بن ربيعة، ديوانه ص ٣١١. وجاء البيت في التبيان ٧/ ١٣٨، وتفسير القرطبي ١١/ ١٦٢.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"ذكر\"، وفى الديوان: \"رِزّ\". ورزّ وركز بمعنىً. ينظر الوسيط (رزز). وأشار محقق الديوان في تعقيباته على الأبيات أنه يروى أيضا \"ركز\". والمقصود بـ \"الأنيس سقامها\" أنها أحست باقتراب الناس يريدون صيدها، ولذا قال: \"سقامها\".","vol":"15","page":649},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5695>تفسيرُ سورةِ طه</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-2349\"></span><span data-type='title' id=toc-5697>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى </span>(٣)﴾.\nاختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿طه﴾، فقال بعضُهم: معناه: يا رَجُلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5696>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيلَةَ، عن الحسينِ (^١) بن واقدٍ، عن يزيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿طه﴾. قال: بالنَّبَطِيَّةِ: يا رَجُلُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾: فَإِنَّ قومَه قالوا: لقد شَقِى هذا الرجلُ بربِّه. فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿طه﴾. يعني: يا رَجُلُ، ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"الحسن\". وقد تقدم مرارًا.\n(^٢) أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده (٧١٧ - بغية)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٥٠/ ٢٦٦، وتغليق التعليق ٤/ ٢٥٣ - والطبراني (١٢٢٤٩) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٩ إلى ابن مردويه.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٨ إلى المصنف وابن مردويه.","vol":"16","page":5},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبَرنى عبدُ اللهِ بنُ مسلمٍ، أو يَعلَى بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه قال: ﴿طه﴾: يا رَجُلُ، بالسريانيةِ (^١).\nقال ابن جريجٍ: وأخبَرنى زمعةُ بنُ صالحٍ، عن سلَمةَ بن وَهْرامَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ بذلك أيضًا (^٢). قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ ذلك أيضًا (^٣).\nحدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عمارةُ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿طه﴾. قال: يا رجلُ، كلمةٌ بالنَّبَطيَّةِ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا [عبيدُ اللهِ] (^٤)، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿طه﴾. قال: هي بالنَّبَطيَّةِ: يا إنسانُ.\nحدَّثنا [محمدُ بنُ سنانٍ القزازُ] (^٥)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن قرةَ بن خالدٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿طه﴾. قال: يا رجلُ، بالنَّبَطِيَّةِ (^٦).\nوحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حُصَينٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿طه﴾. قال: يا رجلُ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٧٢، والبغوى في الجعديات (٢١٨٧) من طريق سالم الأفطس، عن سعيد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٩ إلى المصنف.\n(^٣) ينظر تفسير البغوي ٥/ ٢٦٢.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"عبد الله\". وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٨١.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"محمد بن بشار\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٣٢٣.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٧٢ من طريق قرة بن خالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٩ إلى عبد بن حميد وفيه قصة.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٥١ - من طريق عبد الرحمن بن مهدي =","vol":"16","page":6},{"text":"وحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿طه﴾. قال: يا رجلُ، وهى بالسريانيةِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ والحسنِ في قولِه: [طه﴾، قالا: يا رجلُ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ -[يَعنى ابنَ سليمانَ] (^٣) - قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿طه﴾. يقولُ: يا رجلُ.\nوقال آخرون: هو اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ، وقَسَمٌ أقسَم اللهُ به.\n\n<span data-type='title' id=toc-5698>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿طه﴾. قال: فإنه قسمٌ [أقسمه اللهُ] (^٤)، وهو اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ (^٥).\nوقال آخرون: هو حروفُ هجاءٍ.\nوقال آخرون: هي (^٦) حروفٌ مُقطَّعةٌ، يَدُلُّ كلُّ حرفٍ منها على معنًى. واختلَفوا في ذلك اختلافَهم في ﴿الم﴾. وقد ذكَرنا ذلك في مواضعِه، وبيَّناه بشواهدِه (^٧)\n_________\n= به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٧٢ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٩ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، وفيه: بلسان الحبشة.\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٢٦٢.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٥.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في م: \"أقسم الله به\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٩ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٦) سقط من: ت ١، وفى ص، م، ت ٢، ت ٣، ف: \"هو\".\n(^٧) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٠٤ - ٢١٣.","vol":"16","page":7},{"text":"والذي هو أولَى بالصوابِ عندى مِن الأقوالِ فيه قولُ مَن قال: معناه: يا رجلُ. لأنها كلمةٌ معروفةٌ في عَكٍّ (^١) فيما بلَغنى، وأن معناه فيهم: يا رجلُ، وأُنشِد لمتممِ بن نُويرةَ (^٢):\nهتفتُ بِطَهَ في القتالِ فلمْ يُجِبْ … فخِفتُ عليهِ أنْ يكونَ مُوائِلَا (^٣)\nوقال آخرُ (^٤):\nإن السَّفاهةَ طَهَ من خلائقِكم … لا بارَك اللهُ في القومِ الملاعينِ\nفإذ كان ذلك معروفًا فيهم على ما ذكَرْنا، فالواجبُ أن يُوجَّهَ تأويلُه إلى المعروفِ فيهم مِن معناه، ولا سِيَّما إذا وافَق ذلك تأويلَ أهلِ العلمِ مِن الصحابةِ والتابعينِ.\n\n<span id=\"aya-2350\"></span>فتأويلُ الكلامِ إذن: يا رجلُ، ما أنْزَلْنا عليك القرآن لتَشْقَى بإنزالِناه (^٥) عليك، فنكلِّفَك ما لا طاقةَ لك به مِن العملِ.\nوذُكِر أنه قيل له ذلك بسببِ ما كان يَلْقَى مِن النَّصَبِ والعَناءِ والسَّهِرِ في قيامِ الليلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5699>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) على: قبيلة يضاف إليها مخلاف باليمن. معجم البلدان ٣/ ٧٠٦.\n(^٢) ديوانه ص ١٣١.\n(^٣) الموائل: الطالب للنجاة. ينظر اللسان (وأ ل)\n(^٤) هو يزيد بن المهلهل، والبيت في التبيان، ٧/ ١٤٠، وتفسير القرطبي ١١/ ١٦٦.\n(^٥) في م: \"ما أنزلناه\".","vol":"16","page":8},{"text":"مجاهدٍ: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾. قال: [في الصلاةِ. قال] (^١): هي مِثلُ قولِه: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]. فكانوا يُعلِّقون الحبالَ بصدُورِهم (^٢) في الصلاةِ (^٣).\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾. قال: في الصلاةِ؛ كقولِه: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾. وكانوا يعلِّقون الحبالَ بصدورِهم في الصلاةِ.\nوحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾: لا واللهِ ما جعَله اللهُ شقاءً (^٤)، ولكن جعَله رحمةً ونورًا، ودليلًا إلى الجنةِ (^٥).\n\n<span id=\"aya-2351\"></span>وقولُه: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾. يقولُ جلَّ ذكرُه: ما أنزَلنا عليك هذا القرآنَ إلا تذكرةً لمن يَخشَى عقابَ اللهِ، فيَتَّقِيه بأداءِ فرائضِ ربِّه واجتنابِ محارمِه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾: وإن الله أَنزَل كتابَه (^٦)، وبعث رسلَه رحمةً رحِم اللهُ بها العبادَ؛ ليتذَكَّر ذاكرٌ، ويَنْتِفِعَ رجلٌ بما سمِع مِن كتابِ اللهِ، وهو ذكرٌ له أنزَله (^٧) اللهُ،\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"في صدورهم\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٦٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ف، والدر المنثور: \"شقيا\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٩ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٦) في م: \"كتبه\".\n(^٧) في م: \"أنزل\".","vol":"16","page":9},{"text":"<span id=\"aya-2352\"></span>فيه حلَالُه وحرامُه، فقال: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ (^١).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾. قال (^٢): أنزَلناه عليك تذكرةً لمَن يَخشَى.\nفمعنَى الكلامِ إذن: يا رجلُ ما أنزَلنا عليك هذا القرآنُ لتشقَى به، ما أنزَلناه إلا تذكرةً لمَن يَخشَى.\nوقد اختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ ﴿تَذْكِرَةً﴾؛ فكان بعضُ نحويِّي البصرة يقولُ (^٣): ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾. بدلًا مِن قولِه: ﴿لِتَشْقَى﴾. فجعَلَه: ما أنزَلنا عليك القرآنَ إلا تذكرةً.\nوكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ (^٤) يقولُ: نُصِبت على قولِه: ما أنزلناه (^٥) إلا تذكرةً.\nوكان بعضُهم يُنكرُ قول القائلِ: نُصبِت بدلًا مِن قولِه: ﴿لِتَشْقَى﴾. ويقولُ: ذلك غيرُ جائزٍ؛ لأن: ﴿لِتَشْقَى﴾. في الجَحْدِ، و: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾. في التحقيقِ، ولكنَّه تكريرٌ.\nوكان بعضُهم يقولُ: معنى الكلامِ: ما أنزَلنا عليك القرآنَ إلا تذكِرةً لمَن يَخْشَى، لا لِتَشْقَى.\n\n<span id=\"aya-2353\"></span><span data-type='title' id=toc-5700>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"الذي\".\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"قال\".\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ١٧٤.\n(^٥) في الأصل: \"أنزلنا\".","vol":"16","page":10},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: هذا القرآنُ تنزيلٌ مِن الرَّبِّ الذي خلَق الأرضَ والسماواتِ العُلى. والعُلَى: جمعُ عُلْيَا.\nواختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ قولِه: ﴿تَنْزِيلًا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: نُصِبَ ذلك بمعْنَى: أنزَل اللهُ ذلك تنزيلًا.\nوقال بعضُ مَن أنكَر ذلك مِن قيلِه: هذا مِن كلامَين، ولكن المعنَى: هو تنزيلٌ.\nثم أَسقَط \"هو\"، واتَّصَل بالكلامِ الذي قبلَه، فخرَج مِنه، ولم يكُنْ مِن لفظِه.\nوالقولانِ جميعًا عندى غيرُ خطأ.\nوقولُه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الرحمنُ على عرشِه ارتفَع وعلَا.\nوقد بيَّنا معنى \"الاستواء\" بشواهده فيما مضَى، وذكَرنا اختلافَ المختلِفين فيه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nوللرفعِ في ﴿الرَّحْمَنُ﴾ وجهانِ؛ أحدُهما، بمعنَى قولِه: ﴿تَنْزِيلًا﴾. فيكونُ معنى الكلامِ: نزَّله من خلَق الأرضَ والسماواتِ، نزَّله الرحمنُ الذي على العرشِ استوى. والآخرُ، بقولِه: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؛ لأن في قولِه: ﴿اسْتَوَى﴾. ذِكرًا مِن \"الرحمنِ\".\n\n<span id=\"aya-2354\"></span><span data-type='title' id=toc-5701>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ مِلْكًا له، وهو مُدبِّرُ ذلك كلِّه، ومُصرِّفُ جميعِه.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٥٤.","vol":"16","page":11},{"text":"ويعنى بالثَّرَى النَّدَى، يُقالُ للترابِ الرَّطبِ المبتلِّ: ثرًى؛ مَنْقوصٌ (^١)، يُقالُ مِنه: ثرِيَتِ الأرضُ تَثرَى ثرًى؛ مَنْقوصٌ، والثَّرَى مصدرٌ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5702>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾: والثَّرَى كلُّ شيءٍ مبتلٌّ (^٢).\nوحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾: ما حُفِر مِن الترابِ مُبتلًّا (^٣).\nوإنما عنَى بذلك: وما تحتَ الأرَضين السبعِ، كالذي حدَّثني محمدُ بن إبراهيمَ السَّلِيميُّ (^٤)، المعروفُ بابنِ صُدْرانَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ رفاعةَ، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾. قال: الثَّرَى سبعُ أرَضِينَ (^٣).\n\n<span id=\"aya-2355\"></span><span data-type='title' id=toc-5703>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإن تَجهَرْ يا محمدُ بالقولِ، أو تُخفِ به، فسواءٌ عندَ ربِّك الذي له ما في السماواتِ وما في الأرضِ؛ ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) يعنى بالمنقوص: الاسم المقصور في مصطلح البصريين. وينظر المصطلح النحوى ص ١٤٤، ١٤٥.\n(^٢) تمام الأثر المتقدم في ص ٩، ١٠.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٨٩ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ف: \"السلمي\". وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٣١٦.","vol":"16","page":12},{"text":"فإنه لا يَخْفَى عليه ما استَسْررتَه في نفسِك، فلم تُبدِه بجوارحِك ولم تتكلَّمْ بلسانِك، ولم تَنطِقْ به، ﴿وَأَخْفَى﴾.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ في المَعْنِيِّ بقولِه: ﴿وَأَخْفَى﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وأخفَى مِن السرِّ. قال: والذي هو أخفَى مِن السرِّ ما حدَّث به المرءُ نفسَه ولم يَعمَلْه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5704>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾. قال: السرُّ ما عَلِمتَه (^١) أنتَ، ﴿وَأَخْفَى﴾. ما قذَف اللهُ في قلبِك مما لم تعلَمْه (^٢).\nوحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عبَّاسٍ قولَه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾. يَعنِي بـ \"أخفَى\"، ما لم يَعمَلْه (^٣) وهو عاملُه، وأما \"السرُّ\"، فيعنى ما أسرَّ في نفسِه.\nوحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عبَّاسٍ قولَه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾. قال: السرُّ ما أسرَّ ابن آدمَ في نفسِه، ﴿وَأَخْفَى﴾. قال: ما أخفَى ابن آدمَ مما هو فاعلُه قبل أن يَعْمَلَه (^٤)، فاللهُ يعلَمُ ذلك، فعلْمُه (^٥) فيما مضَى من ذلك وما بَقِى علمٌ واحدٌ، وجميعُ الخلائقِ عندَه في ذلك كنفسٍ واحدةٍ،\n_________\n(^١) في م، ف: \"عملته\".\n(^٢) في م: \"تعمله\".\nوالأثر أخرجه الحاكم ٢/ ٣٧٨ من طريق عمرو بن أبي قيس به، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٧٢) من طريق عطاء به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يعلمه\".\n(^٤) في ف: \"يعلمه\".\n(^٥) في ت ١: \"فعمله\".","vol":"16","page":13},{"text":"وهو قولُه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (^١) [لقمان: ٢٨].\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: السرُّ ما أسرَّ الإنسانُ في نفسِه، ﴿وَأَخْفَى﴾. ما لم (^٢) يَعْلَمِ الإنسانُ مما هو كائنٌ.\nوحدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ ومحمدُ بنُ عمرٍو، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾. قال: أخفى: الوسوسةُ. زاد ابن عمرٍو والحارثُ في حديثَيْهما: والسِّرُّ: العملُ الذي يُسِرُّونَ مِن الناسِ (^٣).\nوحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَخْفَى﴾. قال: الوسوسةُ.\nحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ قال: أخفى: حدِيثُ نفسِك (^٤).\nحدَّثنا ابن [سنانٍ القزازُ] (^٥)، قال: ثنا الحسينُ بنُ الحسنِ الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿يَعْلَمُ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٧٣) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٠ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"لا\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٦٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ف: \"بشار\".","vol":"16","page":14},{"text":"السِّرَّ وَأَخْفَى﴾. قال: السرُّ: ما يكونُ في نفسِك اليومَ (^١)، وأخفَى: ما يكونُ في غدٍ وبعدَ غدٍ، لا يعلمُه إلا اللهُ.\nوقال آخرون: بل معناه: وأخفَى مِن السرِّ ما لم تُحدِّث به نفسَك.\n\n<span data-type='title' id=toc-5705>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الفضلُ بنُ الصَّباح، قال: ثنا ابن فُضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جبيرٍ في قولِه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾. قال: السرُّ: ما أسرَرتَ في نفسِك، وأخفَى مِن ذلك: ما لم تُحدِّثْ به نفسَك (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتَادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾: كنا نُحدَّثُ أن السرَّ ما حدَّثتَ به نفسَك، وأن أخفَى مِن السرِّ ما هو كائنٌ مما لم تُحدِّثْ به نفسَك.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ (^٣) في قولِ اللهِ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾. قال: يعلمُ ما أسرَرتَ في نفسِك، وأخفَى: ما لم يكنْ وهو كائنٌ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾. قال: أخفَى مِن السرِّ: ما حدَّثتَ به نفسَك، وما لم تُحدِّثْ به نفسَك أيضًا مما هو كائنٌ (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٦٠ من طريق عطاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"أبو قتادة\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"16","page":15},{"text":"وحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾: أمَّا السرُّ: فما أسرَرتَ في نفسِك، وأما أخفَى مِن السرِّ: فما لم تعلَمْه (^١) وأنتَ عاملُه، يعلمُ اللهُ ذلك كلَّه (^٢).\nوقال آخرون: بل معنَى ذلك: إنه يعلمُ سرَّ العبادِ، وأخفَى سرَّ نفسِه، فلم يُطلِعْ عليه أحدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5706>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾. قال: يعلمُ أسرارَ العبادِ، وأخفَى سرَّه فلا يُعلَمُ (^٣).\nوكأن الذين وجَّهوا تأويلِ ذلك إلى أن السِّرَّ هو ما حدَّث به الإنسانُ غيَره سرًّا، وأن أخفَى، معناه ما حدَّث به نفسَه - وجَّهوا تأويلَ \"أخفَى\" إلى الخفيِّ. وقال بعضُهم: قد توضَعُ \"أفعَلُ\" موضِعَ \"الفاعلِ\". واستشهَدوا لقولِهم (^٤) ذلك بقولِ الشاعرِ (^٥):\nتَمَنَّى رِجالٌ أَنْ أَمُوتَ وإِنْ أُمُتْ … فتلك سبيلٌ (^٦) لستُ فيها بأوحدِ\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك قولُ مَن قال: معناه (^٧): يَعلَمُ السِّرَّ وأخفَى مِن\n_________\n(^١) في م: \"تعمله\".\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٩٢ عن أبي داود عن الضحاك، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) التبيان ٧/ ١٤٢.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"لقيلهم\".\n(^٥) نسبه الأخفش في الاختيارين ص ١٦١ إلى مالك بن القين الخزرجي، وهو في ديوان عبيد بن الأبرص ص ٥٦، وفيه: تمنى مُرَىْءُ القيس موتى.\n(^٦) في م: \"طريق\".\n(^٧) ليس في الأصل.","vol":"16","page":16},{"text":"السرِّ؛ لأن ذلك هو الظاهرُ مِن الكلامِ، ولو كان معنَى ذلك على (^١) ما تأوَّله ابن زِيدٍ لكان الكلامُ: وأخفَى اللهُ سرَّه؛ لأن \"أخفَى\" فِعلٌ واقِعٌ مُتعدٍّ، إذا كان بمعنَى \"فعَل\" على ما تأوَّله ابن زيدٍ، وفى انفرادِ \"أخفَى\" مِن مفعولِه والذي يَعمَلُ فيه لو كان بمعنَى \"فعَل\" - الدليلُ الواضحُ على أنه بمعنى \"أفعَلَ\"، وأن تأويلِ الكلامِ: فإنه يَعْلَمُ السرَّ وأخفَى مِنه. فإذ كان ذلك تأويلَه، فالصوابُ مِن القولِ في معنَى أخفَى مِن السرِّ أن يُقالَ: هو ما علِم اللهُ ما خَفِيَ (^٢) عن العبادِ ولم يعلَموه مما هو كائنٌ ولما يكُنْ؛ لأن ما ظهَر وكان، فغيرُ سِرٍّ، وأن ما لم يكنْ وهو غيرُ كائنٍ، فلا شيءَ، وأن ما لم يَكُنْ وهو كائنٌ، فهو أخْفى مِن السِّرِّ، لأن ذلك لا يعلَمُه إلا اللهُ، ثم مَن أَعلَمه ذلك مِن عبادِه.\n\n<span id=\"aya-2356\"></span>وأما قولُه تعالى ذكرُه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. فإنه يعنِى بذلك: المعبودُ الذي لا تَصْلُحُ العبادةُ إلَّا ﴿اللَّهُ﴾ (^٣). يقولُ: فإيَّاه فاعبدُوا أَيُّها النَّاسُ دونَ ما سِواه مِن الآلهةِ والأوثانِ، ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: لمعبودِكم أيُّها الناسُ الأسماءُ الحسْنَى. فقال تعالى ذكرُه: ﴿الْحُسْنَى﴾. فوحَّد، وهو نعتٌ لـ\"الأسماءِ\"، ولم يَقُلْ: الأحاسنُ. لأن الأسماءَ تَقَعُ عليها \"هذه\"، فيُقالُ: هذه أسماءٌ. و\"هذه\" في لفظِ (^٤) واحدَةٍ (^٥). ومنه قولُ الأعشَى (^٦):\nوسوف يُعْقِبُنِيهِ إِنْ ظَفِرْتُ بِه … ربٌّ غفورٌ وبيضٌ ذاتُ أطهارِ\nفوحَّد \"ذات\" وهى (^٧) نعتٌ لـ \"البيضِ\"؛ لأنه يَقَعُ عليها \"هذه\"، كما\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"أخفى\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"لفظة\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"واحد\".\n(^٦) ديوانه ص ١٨١.\n(^٧) في م: \"هو\".","vol":"16","page":17},{"text":"قال: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠]. ومِنه قولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨]. فوحَّدَ ﴿أُخْرَى﴾، وهى نعتٌ لـ ﴿مَآرِبُ﴾، و\"المآربُ\" جمعٌ، واحدتُها مَأْرَبةٌ، ولم يَقُلْ: أُخَرَ. لما وصَفنا، ولو قِيل: أُخرُ. لكان صوابًا.\n\n<span id=\"aya-2357\"></span><span data-type='title' id=toc-5707>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ مُسلِّيَه عما يلقَى فيه (^١) مِن الشِّدَّةِ مِن مشرِكي قومِه، ومُعَرِّفَه ما إليه صائرٌ أمرُه وأمرُهم، وأنه مُعْلِيه عليهم، وموهنُ كيدِ الكافرين، ويَحُثُّه على الجِدِّ في أمرِه، والصَّبرِ على عبادَتِه، وأن يَتَذَكَّرَ فيما يَنوبُه (^٢) فيه مِن أعدائِه من مُشرِكى قومِه وغيرِهم، وفيما يزاولُ مِن الاجتهادِ في طاعتِه - ما نال (^٣) أخاه موسى بنَ عمرانَ ﵇ من عدوِّه فرعونَ (^٤)، ثم مِن قومِه (^٥) مِن بني إسرائيلَ، وما لَقِى فيه (^٦) مِن البلاءِ والشدَّةِ طفلًا صغيرًا، ثم يافعًا مُترَعرِعًا، ثم رجلًا كاملًا، ﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ يا محمدُ ﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾ بن عِمرانَ ﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾.\nذُكِر أن ذلك كان في الشتاءِ ليلًا، وأن موسى كان أضَلَّ الطريقَ، فلمَّا رأى ضوءَ النارِ قال لأهلِه ما قال.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ٢.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"ينويه\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"ناب\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٥) بعده في م: \"و\".\n(^٦) في ص، ت ١: \"منه\".","vol":"16","page":18},{"text":"<span id=\"aya-2358\"></span><span data-type='title' id=toc-5708>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قضَى موسى الأجلَ سار بأهلِه فضَلَّ الطريقَ. قال عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ: كان في الشتاءِ، ورُفِعَتْ لهم نارٌ، فلمَّا رآها ظنَّ أنها نارٌ، وكانتْ مِن نورِ اللهِ، ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقُ، عن وهبِ بن منبِّهٍ اليمانيِّ، قال: لما قضَى موسى الأجلَ، خرَج ومعه غنمٌ له، ومعه زندٌ (^٢) له، وعَصاه في يدِه يَهُشُّ بها على غنمِه نهارًا، فإذا أمسَى اقتدَح بزَنْدِه نارًا، فبات عليها هو وأهلُه وغنمُه، فإذا أصبَح غدَا بغنمِه وأهلِه، يتوكَّأُ (^٣) على عصَاه، فلما كانت الليلةُ التي أراد اللهُ بموسى كرامتَه، وابتداءَه فيها بنبوَّتِه وكلامِه، أخطَأ فيها الطريقَ حتى لا يدرِىَ أينَ يَتَوجَّهُ، فَأَخرَج زَنْدَه ليقتدِحَ نارًا لأهلِه؛ لَيبِيتُوا عليها حتى يُصْبِحَ، ويعلمَ وَجْهَ سبيلِه، فأَصلَد زَنْدُه فلا يُورِى له نارًا، فقدَح حتى إذا (^٤) أعيَاه لاحَت النارُ فرآها فقَالَ لأهلِه: ﴿امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ (^٥).\n_________\n(^١) جزء من أثر طويل أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٠٠ عن السدى بإسناده المعروف. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٤٢، ٢٨٤٣ من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدى، عن ابن عباس.\n(^٢) الزَّنْد والزَّندة: خشبتان يستقدح بهما، فالسفلى زندة، والأعلى زند. اللسان (زن د).\n(^٣) في م: \"فتوكأ\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٠١، ٤٠٢.","vol":"16","page":19},{"text":"[حدَّثني يونسُ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي سعدٍ، عن عكرمةَ، قال: قال ابن عباسٍ: كانوا شاتين، فلما النارَ قال: لعلِّى آتِيكم منها بخبرٍ] (^١).\n\nوعَنَى بقولِه: ﴿آنَسْتُ نَارًا﴾: وجَدتُ. ومِن أمثال العربِ: بعد اطِّلاعٍ إيناسٌ. ويقالُ أيضًا: بعدَ طلوعٍ إيناسٌ (^٢). وهو مأخوذٌ مِن \"الأُنْسِ\".\nوقولُه: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾. يقولُ: لعلِّى أجيئُكم مِن النارِ التي آنستُ بشُعْلةٍ.\nوالقبَسُ هو النارُ في طرَفِ العودِ أو القصَبةِ، يقولُ القائلُ لصاحبِه: أَقبِسْنِي نارًا. فيُعْطيه إيَّاها في طرفِ عودٍ أو قصبَةٍ.\nوإنَّما أراد موسى ﵇ بقولِه لأهلِه: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾: لعلِّى آتيكُم بذلك لتصْطَلُوا به.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن وهبِ بن منبِّهٍ: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾. قال: بقبسٍ تَصطَلُون (^٣).\nوقولُه: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾. [يقولُ: أو أجِدُ على النارِ] (^٤) دلالةً تدُلُّ على الطريقِ الذي أضلَلْناه، إمَّا مِن خبرِ هادٍ يَهدِينا إليه، وإِمَّا مِن بَيانٍ وعَلَمٍ نتبيَّنُه به ونعرِفُه.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٩٧٢ من طريق سفيان به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٧٠ عن الثورى به.\n(^٢) مجمع الأمثال ١/ ١٨٦، وقائله قيس بن زهير، ومعناه: إنما يحصل اليقين بعد النظر.\n(^٣) تقدم أوله في الصفحة السابقة، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٤٣ (١٦١١٩) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ف.","vol":"16","page":20},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5709>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عبَّاسٍ قولَه: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾. يقولُ: مَن يدلُّ على الطريقِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾. قال: هادٍ (^٢) يَهدِيه الطريقَ (^٣).\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾. أي: هداةً يهدُونه الطريقَ.\nوحدَّثني أحمدُ بنُ المقدامِ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعت أبي يحدِّثُ، عن قتادةَ، عن صاحبٍ له، عن حديثِ ابن عباسٍ، أنه زعَم أَنها أَيْلَهُ، ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾. وقال أبي: وزعَم قتادةُ أنه هَدْيُ الطريقِ.\nوحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾. قال: من يَهْدِيني إلى الطريقِ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"هاديا\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٦٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٠ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٠ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":21},{"text":"وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن وهبِ بن منبهٍ: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾. قال: هُدًى عن علَمِ الطريقِ الذي أضلَلنا؛ بنعتٍ من خبرٍ (^١).\nوحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن أبي سعدٍ (^٢)، عن عكرمةَ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾. قال: كانوا ضَلُّوا عن الطريقِ، فقال: لعلني (^٣) أجد من يدلُّني على الطريقِ، أو آتيكم بقبسٍ لعلكم تَصْطَلُون (١).\n\n<span id=\"aya-2359\"></span><span data-type='title' id=toc-5710>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلما أتى النار موسى، ناداه ربُّه: ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: خرَج موسى نحوَها، يعني نحوَ النارِ، فإذا هي في شجرٍ من العُلَّيْقِ (^٤) - وبعضُ أهلُ الكتاب يقولُ: في عَوْسَجَةٍ (^٥) - فلما دنا استأخَرتْ عنه، فلما رأى استئْخارَها رجَع عنها، وأوجَس في نفسِه منها خِيفةً، فلما أرَاد الرَّجْعَةَ، دنتْ منه ثم كُلَّم من الشجرةِ، فلما سمِع الصوتَ استأْنَس، وقال اللهُ ﵎ له: يا مُوسَى ﴿فَاخْلَعْ\n_________\n(^١) تقدم أولهما في ص ٢٠.\n(^٢) في م، ت ٢: \"سعيد\". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٥٢.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"لعلي\".\n(^٤) العليق: شجر من شجر الشوك لا يعظم. اللسان (ع ل ق).\n(^٥) العوسجة: واحد العوسج، وهو شجر من شجر الشوك. اللسان (ع س ج).","vol":"16","page":22},{"text":"نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. فخلَعها فأَلْقاها (^١).\n\n<span id=\"aya-2360\"></span>واختلَف أهلُ العلمِ في السببِ الذي من أجلِه أمرَ اللهُ موسى بخلعٍ نعلَيْه؛ فقال بعضُهم: أمَره بذلك لأنهما كانتا جلدِ حمارٍ ميِّتٍ، فكرِه أن يطأ بهما الوادىَ المقدَّسَ، وأراد أن يَمسَّه من برَكةِ الوادى.\n\n<span data-type='title' id=toc-5711>ذكْرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي قلابةَ، عن كعبٍ، أنه رآهم يَخلَعون نِعالَهم [في الصلاةِ، فقال: كان (^٢) رسولُ اللهِ ﷺ يفعَلُ ذلك؟ فقُرِئ (^٣) عليه] (^٤): ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. فقال: كانتْ من جلدِ حمارٍ ميِّتٍ، فأرَاد اللهُ أَن يَمسَّه القُدْسُ (^٥).\nوحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾. قال: كانتا من جلدِ حمارٍ ميِّتٍ (^٦).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: حُدِّثنا أن نعلَيْه كانتا من جلدِ (^٧) حمارٍ، فخلَعهما ثم أتاه.\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٢٠.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أكان\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فقرأ\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) تفسير سفيان ص ١٩٢، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٥ عن ابن عيينة، عن عاصم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) تفسير سفيان الثوري ص ١٩٣ عن حصين، عن عكرمة.\n(^٧) سقط من: الأصل، ص، ف.","vol":"16","page":23},{"text":"حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾. قال: كانتا من جلدِ حمارٍ، فقيل له: اخلَعْهما (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: وأخبَرني عمرُ بنُ عطاءٍ، عن عكرمةَ، وأبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن جابرٍ الجُعْفِيِّ، عن عليّ بن أبي طالبٍ: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾. قال: كانتا من جلدِ حمارٍ، فقيل له: اخلَعْهما. قال: وقال قَتادةُ مِثْلَ ذلك (^٢).\nوقال آخرون: بل كانتا من جلدِ بقَرٍ، ولكنَّ الله أرَاد أن يطأَ موسى ﵇ الأرضَ بقدمَيْه؛ ليصِلَ إليه من برَكتِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5712>ذكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ، قال الحسنُ: كانتا - يعنى نعلَيْ موسى ﵇ من بقرٍ، ولكنْ إنما أرَاد أن يُباشرَ بقدمَيْه برَكةً الأرضِ وكان قد قُدِّس مرّتين (^٣).\nقال ابن جُرَيْجٍ: وقيل لمجاهدٍ: زعَموا أن نعلَيْه كانتا من جلدِ حمارٍ أو مَيْتَةٍ. قال: لا، ولكنَّه أُمِر أن يُباشرَ بقدمَيْه برَكةَ الأرضِ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: قال أبو بشرٍ - يعنى ابن عُليةَ - سمِعتُ ابنَ أبي نجيحٍ يقولُ في قولِه: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. قال: يقولُ: أَفْضِ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٥.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦ عن معمر، عن جابر، عن عمير بن سعيد، عن علي، وهو في تفسير سفيان ص ١٩٢ عن جابر كإسناد عبد الرزاق، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"16","page":24},{"text":"بقدمَيْك إلى برَكةِ الوادى (^١).\nوأولى القولينِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: أمَره تعالى ذكْرُه بخلعِ نعلَيْه ليباشرَ بقدمَيْه برَكةَ الوادي، إذ كان واديًا مُقدَّسًا.\nوإنما قلْنا: ذلك أولى التأويلين بالصوابِ؛ لأنه لا دَلالةَ في ظاهرِ التنزيلِ على أَنَّه أُمِر بخَلْعِهما من أجلِ أنهما من جلدِ حمارٍ، ولا لنجاستِهما، ولا خبرَ بذلك عمَّن تَلْزمُ بقولِه الحُجَّةُ، وأن في قولِه: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ بعَقبِه، دليلًا واضحًا على أنه إنما أَمَره بخلعِهما لما ذكرنا.\nولو كان الخبرُ الذي حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا خَلَفُ بنُ خليفةَ، عن حميدٍ، عن (^٢) عبدِ اللهِ بن الحارثِ، عن ابن مسعودٍ، عن نبيِّ اللهِ ﷺ، قال: \"يَوْمَ كَلَّمُ اللهُ مُوسى، كانَتْ عَلَيْه جُبَّةٌ صُوفٍ، وكِساءُ صُوفٍ، وسَرَاوِيلُ صُوفٍ، ونَعْلان مِن جِلْدِ حمارٍ غيرِ ذكيٍّ\" (^٣) - صحيحًا لم نَعْدُهُ إلى غيرِه، ولكنَّ في إسنادِه نَظَرًا يَجِبُ التثبُّتُ فيه.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾؛ فقرأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (نُودِيَ يا مُوسَى أَنِّي) بفتحِ الألفِ من \"أَنِّى\" (^٤)، فـ \"أنَّ\" على قراءتِهم\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، م: \"بن\".\n(^٣) في م: \"مذكي\".\nوالحديث أخرجه الترمذى (١٧٣٤)، والحاكم ٢/ ٣٧٩ من طريق خلف بن خليفة به. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح علي شرط البخارى ولم يخرجاه. قال الذهبي معقبًا عليه: بل ليس على شرط البخاري، وإنما غره أن في الإسناد حميد بن قيس. كذا وهو خطأ إنما هو حميد الأعرج الكوفى ابن علي أو ابن عمار أحد المتروكين فظنه المكي الصادق.\n(^٤) هي قراءة ابن كثير وأبى جعفر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤١٧.","vol":"16","page":25},{"text":"في موضعِ رفعٍ بقولِه: ﴿نُودِيَ﴾. كأنَّ (^١) معناه كان عندَهم: نُودِىَ هذا القولُ.\n[وقرأته بعدُ] (^٢): عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ بالكسرِ: ﴿نُودِيَ يَامُوسَى إِنِّي﴾. على الابتداءِ (^٣)، وأنَّ معنى ذلك: قيل يا موسى: إنِّي.\nوالكسرُ أولى القراءتينِ عندَنا بالصوابِ (^٤)، وذلك أن النداءَ قد حال بينَه وبينَ العملِ في \"أنَّ\"، قولُه: ﴿يَامُوسَى﴾. وحظُّ قولِه: ﴿نُودِيَ﴾ أن يعملَ في \"أَنْ\" لو كانت قبلَ قولِه: ﴿يَامُوسَى﴾، وذلك أن يقالَ: نُودِى أنْ (^٥) يا موسى إني أنا ربُّك. ولا حظَّ لها (^٦) في \"إنّ\" التي بعدَ ﴿يَامُوسَى﴾.\nوأما قولُه: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾. فإنه يقولُ: إنك بالوادِى المطَّهرِ المباركِ.\nكما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾. يقولُ: المباركِ (^٧).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ قولَه: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾. قال: قُدِّس، بُورِك مرّتين (^٨).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾. قال: بالوادى المبارَكِ.\n_________\n(^١) في الأصل، ت ٢: \"فإن\".\n(^٢) في ص، ف: \"قرأه بعد\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قرأه بعض\".\n(^٣) هي قراءة عاصم ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٤١٧.\n(^٤) القراءتان متواترتان، وكلتاهما صواب.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ف.\n(^٦) في ت ٢: \"بعدها\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في التغليق ٤/ ٢٥٦ - من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٣ إلى ابن المنذر.\n(^٨) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٢٦٦ عن مجاهد.","vol":"16","page":26},{"text":"واختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿طُوًى﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: إنك بالوادى المقدَّسِ طَوَيْتَه. فعلى هذا القولِ من قولِهم، طُوًى مصدرٌ أُخرِج من غيرِ لفظِه، كأنَّه قيل: طويتُ الوادى المقدَّسَ طُوًى.\n\n<span data-type='title' id=toc-5713>ذكْرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. يعنى: الأرضَ المقدسةَ، وذلك أَنَّه مرّ بوادِيها ليلًا فطَوَاه - يقالُ: طويتُ وادىَ كذا وكذا طُوًى (^١) من الليلِ - وارتفَع إلى أعلى الوادِى، وذلك نبيُّ اللهِ موسى ﵇ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: مرّتين. وقالوا: ناداه ربُّه مرّتين. فعلى قولِ هؤلاءِ، طُوًى مصدرٌ أيضًا من غيرِ لفظِه، وذلك أن معناه عندَهم: نُودِيَ: يا موسى، مرّتين نداءَينِ. وكان بعضُهم يُنشِدُ شاهدًا لقولِه: طُوًى أَنَّه بمعنى مرّتين - قولَ عديِّ بن زيدٍ العِبَاديِّ (^٣):\nأعاذِلَ إِنَّ اللَّوْمَ فِي غَيْرِ كُنْهِه … عليَّ طُوًى مِنْ غَيِّكَ المُتَرَدِّدِ\nوروَى ذلك آخرون: \"عليَّ ثِنًى\". أي: مرّةً بعد مرّةٍ، وقالوا: طُوًى وثِنًى بمعنًى واحدٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5714>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ\n_________\n(^١) ليس في الأصل.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٣ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) معجم البلدان ٣/ ٥٥٣، واللسان (ث ن ي، ط وي).","vol":"16","page":27},{"text":"بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾: كُنا نُحدَّثُ أنه وادٍ قُدِّس مرّتين، وأن اسمه طُوًى (^١).\nوقال آخرون: بل معني ذلك: إنه قُدِّس طُوًى مرّتين.\n\n<span data-type='title' id=toc-5715>ذكْرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُريَجٍ، قال الحسنُ: كان قُدِّس مرَّتين (^٢).\nوقال آخرون: بل ﴿طُوًى﴾: اسمُ الوادى.\n\n<span data-type='title' id=toc-5716>ذكْرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِطُوًى﴾: اسمُ الوادى (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿طُوًى﴾. قال: اسمُ الوادي (^٤).\nوحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. قال: ذاك الوادِى هو طُوًى، حيثُ كان موسى،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٥ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٣ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) تقدم أوله في الصفحة السابقة.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٧٠٣. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٣ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"16","page":28},{"text":"وحيثُ كان إليه (^١) من اللهِ ما كان. قال: وهو نحوَ الطورِ.\nوقال آخرون: بل هو أَمْرٌ من اللهِ لموسى بأنْ يطأَ الواديَ بقدمَيْه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5717>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطوسيُّ، قال: ثنا صالحُ بن إسحاقَ الجِهْبِدُ، عن جعفرِ بن بَرْقانَ، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. قال: طأِ الواديَ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيَى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿طُوًى﴾. قال: طأِ الواديَ.\nوحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿طُوًى﴾. قال: طأِ الأرضَ حافيًا، كما تدخلُ الكعبةَ حافيًا. يقولُ: من بَرَكةِ الوادى (^٣).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿طُوًى﴾: طأِ الأرضَ حافيًا.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ المدينةِ: (طُوَى). بضمِ الطاءِ وتَرْكِ التنوينِ (^٤)، كأَنَّهم جعَلوه اسمَ الأرضِ التي بها الوادي، كما قال الشاعرُ (^٥):\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"المنة\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٣ إلى المصنف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٦٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. ينظر حجة القراءات ص ٤٥١.\n(^٥) هو حسان بن ثابت، وتقدم البيت في ١١/ ٣٨٦.","vol":"16","page":29},{"text":"نَصَرُوا نَبِيَّهُمُ وَشَدُّوا أَزْرَه … بحُنَيْنَ يومَ تَوَاكُلِ الأبْطَالِ\nفلم يُجرِ \"حُنينًا\"؛ لأنه جعلَه اسمًا للبلدةِ لا للوادِى، ولو كان جعَلَه اسمًا للوادِى لأجْراه، كما قرَأتِ القرأةُ ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥]. وكما قال الآخرُ (^١).\nألسْنَا أَكْرَمَ الثَّقَلَيْنِ رَحْلًا … وأَعْظَمَهُ (^٢) بِبَطْنِ حِراءَ نارَا\nفلم يُجرِ \"حِراءَ\"، وهو جبلٌ؛ لأنه جعَلَه اسمًا للبَلْدَةِ، فكذلك (طُوَى) في قراءةِ مِن لم يُجرِه، يجعَلُه اسمًا للأرضِ.\nوقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ ﴿طُوًى﴾ بضمِّ الطاءِ والتنوينِ (^٣). وقارِئُو ذلك كذلك مُخْتلِفون في معناه على ما قد ذكَرتُ من اختلافِ أهلِ التأويلِ؛ فأَمَّا من أراد به المصدرَ مِن \"طَوَيْتُ\"، فلا مَئُونَةَ في تنوينِه؛ وأَمَّا مَن أراد أن يجعَلَه اسمًا للوادِى، فإنه إنما ينوِّنُه لأنَّه اسمُ ذكرٍ لا مؤنثٍ، وأن لامَ الفعلِ منه ياءٌ، فزادَه ذلك خِفَّةً فأَجْراه، كما قال اللهُ ﷿: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾؛ إذ كان \"حنينٌ\" اسمَ وادٍ، والوادِى مُذكَّرٌ.\nوأولى القراءتين عندى بالصوابِ (^٤) قراءةُ مَن قرَأ بضمِّ الطاءِ والتنوين؛ لأنَّه إن يكُنِ اسمًا للوادِى فحظُّه التنوينُ؛ لما ذكرتُ لك قبلُ مِن العلةِ لمن قال ذلك، وإن كان مصدرًا أو مُفَسِّرًا، فكذلك أيضًا حكمه التنوينُ، وهو عندى اسمُ الوادِى. وإذا كان\n_________\n(^١) معاني القرآن للفراء ١/ ٤٢٩، ٢/ ١٧٥، ونسبه سيبويه في الكتاب ٣/ ٢٤٥ إلى جرير باختلاف في الرواية، وليس البيت في ديوان جرير.\n(^٢) في م: \"أعظمهم\".\n(^٣) وهى قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ٤٥١.\n(^٤) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"16","page":30},{"text":"كذلك، فهو في موضِعِ خفضٍ ردًّا على \"الوادِي\".\n\n<span id=\"aya-2361\"></span><span data-type='title' id=toc-5718>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾.</span>\nاختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامَّةُ القرأةِ الذين قرءوا: (وأنَّا) بتشديدِ النونِ، (وأَنَّا) بفتحِ الألفِ من (أَنَّا) ردًّا على ﴿نُودِيَ يَامُوسَى﴾ كأَن معنى الكلامِ عندَهم: نُودِيَ يا موسى إنِّي أنا ربُّك، وأنّا اخترناك (^١). وبهذه القراءةِ قرَأ ذلك عامَّة قرأةِ أهلِ الكوفةِ (^٢).\nوأما عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ فقَرَءوا: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾. بتخفيف النونِ (^٣) على وجهِ الخبرِ من اللهِ عن نفسِه أَنَّه اخْتارَه.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندِى أن يُقالَ: إنهما قراءتان قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما قرأةُ أهلِ العلمِ بالقرآنِ، مع اتِّفاقِ مَعْنَيْيهما، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ فيه. وتأويلُ الكلامِ: ونُودِيَ أَنَّا اخْتَرناكَ فَاجْتَبَيناك لرِسالَتِنا إلى مَن نُرَسلُك إليه.\n\n<span id=\"aya-2362\"></span>﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾. يقولُ: فاسْتَمِعْ لوَحْيِنا الذي نوحِيه إليك وعِه، واعملْ بهِ. ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: إننى أنا المعبودُ الذي لا تصلُحُ العِبادةُ إلَّا له، ﴿إِلَّا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ فلا تعبُدْ غيرِى، فإنَّه لا معبودَ تجوزُ أو تصلُحُ له العبادةُ سِوَايَ، ﴿فَاعْبُدْنِي﴾. يقولُ: فأخْلِصِ العبادةَ لى دونَ كلِّ ما عُبِد مِن دُونِي.\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، م، ف: \"اخترتك\".\n(^٢) هي قراءة حمزة، وقرأ أيضًا: (اخترناك). ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤١٧.\n(^٣) هي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبي عمرو وابن عامر والكسائي. ينظر المصدر السابق.","vol":"16","page":31},{"text":"﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: أقمِ الصلاةَ لي؛ فإِنَّكَ إِذا أَقَمْتَها ذَكَرْتَني.\n\n<span data-type='title' id=toc-5719>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. قال: إذا صلَّى عبدٌ ذكَر ربَّه (^١).\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. قال: إذا صلَّى عَبْدٌ ذكَر ربَّه.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وأقمِ الصلاةِ حين تذكُرُها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5720>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. قال: تُصَلِّيها حينَ تذكُرُها (^٢).\nحدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثني عمى عبدُ اللهِ بنُ وهَبٍ، قال: ثني يونسُ ومالكٌ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبَرني سعيدُ بنُ المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، أن رسول اللهِ ﷺ قال: \"مَنْ نَسِيَ صلاةً (^٣) فَلْيصلِّيها (^٤)\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٦٠، ٤٦١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٣ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٢/ ٦٥ من طريق مغيرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في الأصل: \"الصلاة\".\n(^٤) في م، ومصادر التخريج: \"فليصلها\". والمثبت لغة صحيحة.","vol":"16","page":32},{"text":"إذا ذكَرَها، قال اللهُ ﷿: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. وكان الزهريُّ يقرَؤُها: (أقمِ الصَّلاةَ لِذِكْرَى) (^١). قال أبو جعفر: \"ذِكْرَى\" بمنزلةِ \"فِعْلَى\".\nوأولى التأويلين في ذلك بالصوابِ تأويلُ مَن قال: معناه: أقمِ الصلاةَ لِتَذْكُرَنى فيها؛ لأن ذلك أظهَرُ معْنَيَيْه، ولو كان معناه: حينَ (^٢) تَذْكُرُها. لكان التنزيلُ: أقم الصلاةَ لِذِكْرِكَهَا. وفى قولِه ﴿لِذِكْرِي﴾ دلالةٌ بينةٌ على صحَّةِ ما قال مجاهدٌ في تأويلِ ذلك، ولو كانت القراءةُ التي ذكَرْناها عن الزهريِّ قراءةً مُسْتفيضَةً في قرَأةِ الأمصارِ، كان صحيحًا تأويلُ من تأوَّلَه بمعنى: أقمِ الصلاةَ حينَ تذكُرُها. وذلك أن الزهريَّ وجَّه بقراءتِه: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرَى) بالألفِ لا بالإضافةِ، إلى: أقمِ الصلاةَ لذِكْرَاها. إلا أنّ الهاءَ والألفَ حُذِفَتا وهما مُرَادتان في الكلام؛ ليُوفَّقَ بينَها وبينَ سائرِ رءوسِ الآياتِ؛ إذ كانت بالألفِ والفتحِ.\nولو قال قائلٌ في قراءةِ الزهريِّ هذه التي ذكَرْناها عنه: إنما قصَد الزهريُّ بفَتْحِها وتَصْييرِ باءِ الإضافة ألفًا، التوفيقَ بينَه وبينَ رءوسِ الآياتِ قبلَه وبعدَه، لا أنه خالَف بقراءتِه ذلك كذلك مَن قرَأ بالإضافةِ. وقال: إنما ذلك كقولِ الشاعرِ (^٣):\nأُطَوِّفُ ما أُطَوِّفُ ثُمَّ آوِى … إلى أُمَّا ويُرْوينِي النَّقِيعُ (^٤)\nوهو يريدُ: إلى أُمِّى. وكقولِ العربِ: بأبا وأمَّا. وهى تريدُ: بأبي وأمِّي -\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٨٠/ ٣٠٩)، وأبو داود (٤٣٥)، والنسائى (٦١٨)، وابن ماجه (٦٩٧)، وأبو عوانة ٢/ ٢٥٣، وابن حبان (٢٠٦٩)، والبيهقى ٢/ ٢١٧، وفي الدلائل ٤/ ٢٧٢ من طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهرى به، وأخرجه مالك ص ١٣، ١٤ عن الزهرى، عن سعيد مرسلا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) في الأصل: \"حتى\".\n(^٣) البيت في معاني القرآن للفراء ٢/ ١٧٦، واللسان (نقع)، وروايته: إلى أمى ويكفيني النقيع.\n(^٤) والنقيع: المحض من اللبن يبرد.","vol":"16","page":33},{"text":"كان له بذلك مَقالٌ.\n\n<span id=\"aya-2363\"></span><span data-type='title' id=toc-5722>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن الساعةَ التي فيها يبعَثُ اللهُ الخلائقَ من قبورِهم لموقفِ القيامةِ جائيةٌ أكادُ أُخْفيها.\nفعلَى ضمِّ الألفِ مِن ﴿أُخْفِيهَا﴾ قراءةُ جميعِ قرأةِ أمصارِ الإسلامِ، بمعنى: أكادُ أُخْفيها مِن نَفْسِى؛ لئلا يطلع عليها أحدٌ. وبذلك جاء تأويلُ أكثرِ أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5721>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾. يقولُ: لا أُظْهِرُ عليها أحدًا غيرِى (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾. قال: لا تأتيكُم إلا بَغْتَةً.\nوحدَّثنا ابن بشارٍ قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾. قال: مِن نَفْسِى.\nوحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عزَّ ذكرُه: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾. قال: من نَفْسِى (^٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٦١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٤ إلى عبد بن حميد وابن الأنباري =","vol":"16","page":34},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾. قال: مِن نَفْسِى (^١).\n[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدِ: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾. قال: أَكاد أُخفيها من نفسى] (^٢).\nوحدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ الطَّنافسيُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾. قال: يُخْفِيها مِن نَفْسِه (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾: وهى في بعضِ القراءةِ: (أُخْفِيهَا مِن نَفْسِى). ولَعَمْرِى لَقد أخْفَاها اللهُ من الملائكةِ المقرَّبين، ومن الأنبياءِ المُرْسَلين.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ، قال: في بعضِ الحروفِ: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِى) (^٤).\nوقال آخرون: إنَّما هو: (أكادُ أَخفيها) بفتحِ الألفِ من (أخْفِيها) بمعنى: أُظْهِرُها.\n_________\n= في المصاحف.\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٤ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من ص، م، ت ١، ف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":35},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5723>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ سهلٍ، قال: سأَلني رجلٌ في المسجدِ عن هذا البيتِ (^١):\nدَأْبَ شَهْرَين ثُمَّ شَهْرًا دَمِيكَا … بِأَرِيكَيْن يَحْفِيان غَمِيرَا (^٢)\nفقلتُ: يَظْهَران. فقال وقاءُ (^٣) بنُ إياسٍ وهو خَلْفَى: أَقْرَأَنِيها سعيدُ بنُ جبيرٍ: (أكادُ أَخْفِيها) بنَصْبِ الألفِ (^٤).\nوقد رُوِيَ عن سعيدِ بن جبيرٍ وفَاقٌ لقولِ الآخرين الذين قالوا: معناه: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِى.\n\n<span data-type='title' id=toc-5724>ذكرُ مَن قال الروايةَ عنه بذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، ومنصورٍ، عن مجاهدٍ، قالا: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾. قالا: مِن نَفْسِى.\nحدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّارِيُّ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾. قال: مِن نَفْسِى (^٥).\n_________\n(^١) هو كعب بن زهير شرح ديوان كعب ص ١٤٧.\n(^٢) قوله: دأب شهرين: يقول: يدأب. دميكا يعني: تاما. وقال الأصمعي: قوله: بأريكين: يعنى موضعًا يقال له: أريك. فضم إليه آخر فقال: بأريكين. والغمير: نبت تصيبه السماء فينبت عنه نبت آخر، وربما أصاب الإبل منه داء. شرح ديوان كعب ص ١٧٤.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ورقاء\". وينظر ما تقدم في ١٣/ ٢٥٤.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٢٧٢ - من طريق يحيى بن واضح به، وأخرجه أبو عبيد - كما في تفسير القرطبي ١١/ ١٨٢ - والفراء في معاني القرآن ٢/ ١٧٦ من طريق محمد بن سهل به.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٦١ من طريق عطاء بن السائب به.","vol":"16","page":36},{"text":"والذي هو أولى بتأويلِ ذلك من القول قولُ مَن قال: معناه: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي. لأن تأويلَ أهلِ التأويلِ بذلك جاء.\nوالذي ذُكِر عن سعيدِ بن جبيرٍ من قراءةِ ذلك بفَتْحِ الألفِ قراءةٌ لا أسْتَجيزُ القراءةَ بها؛ لخِلافِها قراءةَ الحُجَّةِ التي لا يجوزُ خِلافُها فيما جاءتْ به نقلًا مُسْتفيضًا.\nفإن قال قائلٌ: ولِمَ وجَّهتَ تأويلَ قولِه: ﴿أُخْفِيهَا﴾ له بضمِّ الألفِ إلى معنى: أكادُ أُخْفيها من نَفْسِى. دونَ تَوْجِيهه إلى معنَى: أكادُ أُظْهِرُها. وقد عَلِمتَ أن للإخفاءِ في كلامِ العربِ وجْهَين؛ أحدُهما الإظهارُ، والآخرُ الكِتْمانُ، وأن الإظهارَ في هذا الموضِعِ أشْبَهُ بمعنى الكلامِ؛ إذ كان الإخفاءُ مِن نَفْسِه يكادُ عندَ السامعين أن يسْتَحيلَ معناه، إذ كان مُحالًا أن يُخفِيَ أحدٌ عن نَفْسِه شيئًا هو به عالمٌ، واللهُ تعالى ذكْرُه لا تَخْفَى عليه خافيةٌ؟\nقيل: إن الأمرَ في ذلك بخلافِ ما ظَنَنتَ، وإنَّما وجَّهْنا معنى: ﴿أُخْفِيهَا﴾ بضمِّ الألفِ إلى معنى: أَسْتُرُها مِن نَفْسِي. لأنَّ المعروفَ مِن معنَى الإخفاءِ في كلامِ العربِ، السَّترُ، يقالُ: قد أَخْفَيتُ الشيءَ. إذا سَتَرْتَه. وأنَّ الذين وجَّهوا معناه إلى الإظهارِ إنما اعْتَمَدوا على بيتٍ لامرئِ القيسِ بن عابسٍ الكِنْدِيِّ.\nحُدِّثتُ عن معمرِ بن المثنى أنَّه قال: أنْشَدَنيه أبو الخَطَّابِ، عن أهْلِه في بلَدِه:\nفإن تَدْفِنُوا الدَّاءَ لا نُخْفِهِ … وإِنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدِ (^١)\nبضمِّ النونِ من: لا نُخْفِه. ومعناه: لا نُظْهِرْه. فكان اعتمادُهم في تَوْجِيه\n_________\n(^١) البيت في مجاز القرآن ٢/ ١٦، ١٧، واللسان وتاج العروس (خ ف ى) منسوب لامرئ القيس بن عابس. وهو في ديوان امرئ القيس بن حجر ص ١٨٦. وامرؤ القيس بن عابس صحابي. ينظر أسد الغابة ١/ ١٣٧.","vol":"16","page":37},{"text":"الإخْفاءِ في هذا الموضِعِ إلى الإِظْهَارِ على ما ذكَروا من سَماعِهم هذا البيتَ، على ما وصَفْتُ مِن ضمِّ النونِ من: نُخْفِه.\nوقد أَنْشَدَنِي الثِّقَةُ عن الفرَّاءِ (^١):\n* فإِنْ تَدْفِنُوا الدَّاءَ لا نَخْفِه *\nبفتحِ النونِ من: نَخْفِه، من: خَفيتُه أَخْفيه. وهو أولى بالصوابِ؛ لأنَّه المعروفُ مِن كلامِ العربِ. فإذ كان ذلك كذلك، وكان الفتحُ في الألفِ مِن \"أَخْفيها\" غيرَ جائزٍ عندَنا؛ لِما ذَكَرْنا، ثَبَتَ وصَحَّ الوَجْهُ الآخرُ، وهو أن معنى ذلك: أكادُ أَسْتُرُها مِن نَفْسِى.\nوأما وَجْهُ صحةِ القولِ في ذلك، فهو أنَّ الله تعالى ذكْرُه خاطَب بالقرآنِ العربَ على ما يَعْرِفُونَه من كلامِهم، وجرَى به خطابُهم بينهم، فلمَّا كان معروفًا في كلامِهم أن يقولَ أحدُهم إذا أراد المبالغةَ في الخبرِ عن إخْفَائِه شيئًا هو له مُسِرٌّ: قد كِدْتُ (^٢) أُخْفِى هذا الأمرَ عن نَفْسِي من شدَّةِ اسْتِسْرارِى به، ولو قدَرتُ أن أُخْفِيَه من نَفْسِى أَخْفَيتُه. خاطَبهم ﷿ على حسَبِ ما قد جرَى به استِعْمالُهم في ذلك من الكلامِ بينَهم، وما قد عرَفوه في مَنطِقِهم. وقد قيل في ذلك أقوالٌ غيرُ ما قُلنا. وإنما اخْتَرْنا هذا القولَ على غيرِه من الأقوالِ لموافقتِه أقوالَ أهلِ العلمِ من الصَّحابةِ والتَّابِعين؛ إذ كُنَّا لا نستَجِيزُ (^٣) الخلافَ علَيهم فيما اسْتَفاضَ القولُ به مِنهم، وجاء عنهم مجيئًا (^٤) يقطَعُ العذرَ. فأما الذين قالوا في ذلك غيرَ ما قلنا ممّن قال فيه على\n_________\n(^١) معاني القرآن ٢/ ١٧٧.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف، م: \"أن\".\n(^٣) في ص، ف: \"نحسن\"، وفي ت ١: \"نجيز\".\n(^٤) في ص، ف، ت ١: \"هنا\".","vol":"16","page":38},{"text":"وجْهِ الانْتِزاعِ من كلامِ العربِ، من غيرِ أن يَعْزوَه إلى إمامٍ من الصحابةِ أو التابعين، وعلى وجْهِ تحميلِ (^١) الكلامِ غيرَ وجْهِه المعروفِ، فإنهم اخْتَلَفوا في معناه بينَهم؛ فقال بعضُهم: معناه: أريدُ أُخْفِيها. قال: وذلك معروفٌ في اللغةِ، وذكَر أنه حُكِى عن العربِ أنَّهم يقولون: أولئك أصحابي الذين أكادُ أُنزِلُ عليهم. وقال: معناه: لا أنزلُ إلَّا علَيهم. قال: وحُكِي: أكادُ أَبْرحُ مَنزِلي، أي: ما أبرحُ مَنْزِلى. واحتجَّ ببيتٍ أنشَدَه لبعضِ الشعراءِ (^٢):\nكادَت وكِدْتُ وتلكَ خَيرُ إرادَةٍ … لو عادَ مِن لهوِ (^٣) الصَّبابَةِ مَا مَضَى\nوقال: يريدُ بـ \"كادَتْ\": أرادَت. قال: فيكونُ المعنى: أُريدُ أُخْفِيها لتُجْزَى كلُّ نفسٍ بما تَسْعَى. قال: ومما يُشْبِهُ ذلك قولُ زيدِ الخَيْلِ (^٤):\nسَريعٌ إلى الهَيْجاءِ شاكٍ سِلاحُهُ … فَمَا إِنْ يَكادُ قِرْنُه يتنَفَّسُ\nوقال: كأنَّه قال: فما يَتَنفَّسُ قِرْنُه. وإِلَّا ضَعُف المعنى. قال: وقال ذو الرُّمَّةِ (^٥):\nإذا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّين لم يَكَدْ … رَسِيسُ الهَوَى مِن حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ\nوقال: ليس المعنى: لم يَكَدْ يبرحٌ. أي: بعدَ بَيْنٍ (^٦) يبرحُ وبعدَ عُسْرٍ. وإنَّما المعْنى: لم يَبْرَحْ. أو: لم يُرِدْ يَبْرَحُ. وإلا ضَعُف المعنى. قال: وكذلك قولُ أبي النَّجْمِ (^٧):\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، م، ف: \"يحتمل\".\n(^٢) البيت في الأضداد ص ٩٧، واللسان (ك ى د) غير منسوب.\n(^٣) في م: \"عهد\".\n(^٤) البيت في الأضداد ص ٩٧، واللسان (ك ي د).\n(^٥) ديوانه ٢/ ١١٩٢.\n(^٦) في الأصل: \"شر\"، وفي م: \"يسر\".\n(^٧) الأضداد ص ٩٧.","vol":"16","page":39},{"text":"وإن أتاكَ نَعِيِّى فَانْدُبَنَّ أَبًا … قَد كادَ يَضْطَلِعُ الأعْداءَ والخُطَبَا\nوقال: يكونُ المعنى: قد اضْطَلَعَ الأعداءَ. وإلا لم يَكُنْ مدْحًا إذا أراد: كاد ولم (^١) يفعَلْ.\nوقال آخرون: بل معنَى ذلك: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ﴾. قال: وانتهَى الخبرُ عندَ قولِه ﴿أَكَادُ﴾. لأنَّ معناه: أكادُ أن آتِىَ (^٢) بها. قال: ثم ابتَدَأ فقال: ولكِنِّي أُخْفِيها لتُجْزَى كلُّ نفسٍ بما تَسْعَى. قال: وذلك نظيرُ قولِ ابن ضابئٍ (^٣):\nهَمَمْتُ ولمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيَتَنِي … ترَكْتُ على عثمانَ تَبْكِي حلائلُهْ (^٤)\nفقال: كِدْتُ. ومعناه: كِدْتُ أَفْعَلُ.\nوقال آخرون: معنى: ﴿أُخْفِيهَا﴾: أُظْهِرُها. وقالوا: الإخفاءُ والإسرارُ قد تُوجِّهُهما العربُ إلى معنى الإظْهارِ. واسْتَشْهَد بعضُهم لِقيلِه ذلك ببيتِ الفرزدقِ (^٥):\nفلَمَّا رأى الحَجَّاجَ جَرَّدَ سَيفَهُ … أسَرَّ الحَرُورِيُّ الَّذِي كَانَ أَضْمَرَا\nوقال: عَنَى بقولِه: أسرَّ: أَظْهَرَ. قال: وقد يجوزُ أن يكونَ معنَى قولِه: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ [سبأ: ٣٣]: وأَظْهَرُوها. قال: وذلك لأنَّهم قالوا: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: ٢٧].\nوقال جميعُ هؤلاءِ الذين حَكَيْنا قولَهم: جائزٌ أن يكونَ قولُ مَن قال: معنى\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ف: \"يرد\".\n(^٢) في ص، ف: \"أراني\".\n(^٣) البيت لضابئ البُرْجُمى وليس لابنه وهو عمير بن ضابئ، كما في طبقات فحول الشعراء ١/ ١٧٤، والكامل للمبرد ١/ ٣٨٢، والأضداد ص ٩٧ وينظر تاريخ المصنف ٦/ ٢٧.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف \"أقاربه\".\n(^٥) الأضداد ص ٤٦، واللسان (س ر ر).","vol":"16","page":40},{"text":"ذلك: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِى. أن يكونَ أراد: أُخْفِيها من قِبَلى ومِن عندِى.\nوكلُّ هذه الأقوالِ التي ذكَرْناها عمَّن ذكَرْنا توجِيهٌ مِنهم للكلامِ إلى غيرِ وَجْهِه المعروفِ، وغيرُ جائزٍ توجِيهُ معاني كلامِ اللهِ جل وعز إلى غيرِ الأغْلَبِ عليه مِن وجوهِهِ عندَ المخاطَبين بهِ، ففى ذلك - مع خِلافِهم تأويلَ أهلِ العلمِ فيه - شاهِدا (^١) عَدْلٍ على خطأِ ما ذهَبوا إليه فيه.\nوقولُه: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾. يقولُ جل ثناؤُه: إن الساعةَ آتيةٌ؛ ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾. يقولُ: لتثابَ كلُّ نفسٍ امْتَحَنها ربُّها بالعبادةِ في الدنيا ﴿بِمَا تَسْعَى﴾. يقولُ: بما تعملُ مِن خيرٍ وشَرٍّ، وطاعةِ ومعصيةٍ.\n\n<span id=\"aya-2364\"></span>وقولُه: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلا يَرُدَّنك يا موسى عن التأهُّبِ للساعةِ ﴿مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا﴾. يعنى: من لا يُقرُّ بقيامِ الساعة، ولا يصدِّقُ بالبعثِ بعدَ المماتِ، ولا يَرجُو ثوابًا، ولا يخافُ عقابًا.\nوقولُه: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾. يقولُ: اتَّبَع هوَى نفسه، وخالَفَ أَمرَ اللهِ ونَهْيَه، ﴿فَتَرْدَى﴾. يقولُ: فتَهْلِكَ إن أنتَ انْصَدَدتَ عن التأهُّبِ للساعةِ، وعن الإيمانِ بها، وبأن الله باعثٌ الخلقَ لقيامِها من قبورِهم بعدَ فَنائِهِم بِصَدِّ مَن كفَر بها.\nوكان بعضُهم يزعُم أن الهاءَ والألفَ من قولِه: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾ كنايةٌ عن ذكْرِ \"الإيمانِ\". قال: وإنما قيل: ﴿عَنْهَا﴾ وهى كنايةٌ عن \"الإيمانِ\"، كما قيل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]. يذهَبُ إلى \"الفِعْلة\".\nولم يَجْرِ للإيمانِ ذكْرٌ في هذا الموضعِ فيُجْعَلَ ذلك من ذِكْرِه، وإِنما جَرَى ذَكْرُ\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"شاهد\".","vol":"16","page":41},{"text":"الساعةِ، فهو بأن يكونَ مِن ذِكْرِها أولى.\n\n<span id=\"aya-2365\"></span><span data-type='title' id=toc-5725>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما هذه التي هي في يمينِكَ يا موسى؟ فالباءُ في قولِه: ﴿بِيَمِينِكَ﴾ من صِلَة ﴿تِلْكَ﴾. والعربُ تَصِلُ \"تلك\" و\"هذه\"، كما تَصِلُ \"الذي\". ومنه قولُ يزيدَ بن مُفَرِّغٍ (^١):\nعدَسْ ما لِعَبَّادٍ عَلَيْكِ إمارَةٌ … أَمِنْت وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ\nكأنه قال: والذي تَحْملِين طَلِيقٌ.\nولعلَّ قائلًا أن يقولَ: وما كان (^٢) وجهُ استخبارِ اللهِ ﷿ موسى عمَّا في يدِه، ألم يكنْ عالمًا بأن الذي في يدِه عصًا؟\nقيل له: إن ذلك على غير الذي ذهبتَ إليه، وإنما قال ذلك تعالى ذكرُه له إذ أراد أن يحوِّلَها حيَّةً تَسْعَى [وهى خشبةٌ، فنبَّهه عليها] (^٣)، وقرَّره بأنها خشبةٌ يتوكَّأُ عليها ويَهُشُّ بها على غنمِه، ليعرِّفَه قُدْرتَه على ما شاء، وعظيمَ سلطانِه، ونفاذ أمرِه فيما أحبَّ، بتحويلِه إيَّاها حيَّةً تَسْعَى إذا أراد ذلك (^٤)؛ ليجعَلَ ذلك لموسى آيةً مع سائر آياتِه إلى فرعونَ وقومِه.\n\n<span id=\"aya-2366\"></span><span data-type='title' id=toc-5726>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن موسى: قال موسى مجيبًا لربِّه: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾. يقولُ: أضرِبُ بها الشجرَ اليابسَ فيسقُطُ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٣/ ٦٤٠.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣.\n(^٣) سقط من: م، ت ٢.\n(^٤) بعده في م، ت ٢: \"به\".","vol":"16","page":42},{"text":"ورقُها فترعاه غنمي.\nيقالُ منه: هشَّ فلانٌ الشجرَ يهُشُّ هَشًّا. إذا اخْتَبط ورقَ أغصانِها فسقَط ورقُها، كما قال الراجزُ (^١):\nأهُشُّ بالعَصا على أَغْنَامي\nمن ناعمِ الأَرَاكِ والْبَشامِ (^٢)\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5727>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادَة في قولِه: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾. قال: [أَخْبِطُ بها الشجرَ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾. قال: كان نبيُّ اللهِ الله موسى ﷺ يهُشُّ على غنمِه ورقَ الشجرِ.\nحدَّثني، موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾. يقولُ: أضرِبُ بها الشجرَ للغنمِ، فيقَعُ الورقُ (^٤).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾. قال] (^٥): يتوكَّأُ عليها حينَ يَمشى مع\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ١١/ ١٨٧.\n(^٢) الأراك والبشام: من شجر السواك. ينظر اللسان (أ ر ك، ب ش م).\n(^٣) بعده في م: \"حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾. قال: أخبط\". والأثر في تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٦ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) تقدم أوله في ص ١٩.\n(^٥) سقط من: ت ٢.","vol":"16","page":43},{"text":"الغنمِ، ويهُشُّ بها؛ يحرِّكُ الشجرَ حتى يسقُطَ الورقُ؛ الحَبلةُ (^١) وغيرُها (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن عكرمةَ: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾. قال: أضرِبُ بها الشجرَ، فيسقُطُ ورقُها عليَّ.\nحدَّثني عبدُ اللهِ بن أحمدَ بن شَبُّويَه، قال: ثنا عليُّ بنُ الحسنِ (^٣)، قال: ثنا حسينٌ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾. قال: أضرِبُ الشجرَ فيتساقطُ الورقُ على غنمى (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعت الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾. [يقولُ: أضرِبُ بها الشجرَ حتى يسقُطَ منه ما تأكُلُ غنمى] (^٥).\n\nوقولُه: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. يقولُ: ولى في عصايَ هذه حوائجُ أُخرى. وهي جمعُ مأْرُبةٍ، وفيها للعربِ لغاتٌ ثلاثٌ؛ مأْرُبةٌ بضمِّ الراءِ، ومأْرَبةٌ بفتحِها، ومأْرِبةٌ بكسرِها، وهى مَفْعُلةٌ، من قولهم: لا أَرَبَ لى في هذا الأمرِ. أي: لا حاجةَ لي فيه.\nوقيل: ﴿أُخْرَى﴾ - وهى (^٦) مآربُ جمعٌ - ولم يقل: أُخَرُ. كما قيل: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]. وقد بيَّنتُ العلةَ في توحيدِ (^٧) ذلك\n_________\n(^١) الحبلة: الكرم، وقيل: الأصل من أصول الكرم، وشجرة العنب. ينظر اللسان (ح ب ل).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) في الأصل: \"الحسين\". وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٤٩٣.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٤ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٥) سقط من ص، ت ١، ف.\n(^٦) في م، ت ٢: \"هن\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ف: \"توجيه\".","vol":"16","page":44},{"text":"هنالك (^١).\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى المآربِ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5728>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضَّبيُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ جُميعٍ، قال: ثنا سِماكُ بنُ حَرْبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. قال: حوائجُ أُخرى قد علِمتَها (^٢).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. يقولُ: حاجةٌ أُخرى (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى (^٤)، [وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. قال: حاجاتٌ؛ منافعُ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. قال: حاجاتٌ] (^٦).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ١٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في التغليق ٣/ ١٤٩ - من طريق أحمد بن عبدة الضبى به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في التغليق ٣/ ١٤٩ - من طرق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٥ إلى ابن المنذر.\n(^٤) بعده في الأصل، ص، ت ٢، ف: \"عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ يقول: حاجات\". وزاد في الأصل: \"أخرى\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٦١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٥ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) سقط من: ت ٢.","vol":"16","page":45},{"text":"حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. يقولُ: حوائجُ أُخرى؛ أحمِلُ عليها المِزْودَ والسِّقاءَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. قال: حوائجُ أُخرى.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. قال حاجاتٌ أُخرى (^٢)؛ منافعُ أُخرى (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن وهبِ بن مُنبِّهٍ: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. أي: منافعُ أُخرى (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. قال: حوائجُ أُخرى سوى ذلك.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعت الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾. قال: حاجاتٌ أُخرى.\n\n<span id=\"aya-2367\"></span><span data-type='title' id=toc-5729>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ لموسى: ألقِ عصاك التي بيمينِك يا موسى.\n_________\n(^١) في ص: \"السعل\"، وفى ت ١: \"الشغل\"، وفى ف: \"السفل\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٥ إلى ابن أبي حاتم، وتقدم أوله في ص ١٩.\n(^٢) سقط من: ص، م، ف.\n(^٣) تقدم أوله تخريجه في ص ٤٣.\n(^٤) تقدم أوله في ص ١٩.","vol":"16","page":46},{"text":"<span id=\"aya-2368\"></span>يقولُ جلَّ ثناؤُه: فألقاها موسى، فجعَلها اللهُ حيَّةٌ تَسْعَى، وكانت قبلَ ذلك خشبةً يابسةً، وعصا يتوكَّأُ عليها موسى، ويهُشُّ بها على غنمِه، فصارت حيةً بأمرِ اللهِ.\nكما حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضبِّيُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ جُميعٍ، قال: ثنا سِماكُ بنُ حربٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قيل لموسى: أَلْقِها يا موسى. ألقاها ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾، ولم تكنْ قبلَ ذلك حيةً. قال: فمرَّت بشجرةٍ فأكَلتها، ومرَّت بصخرةٍ فابتلَعتها. قال: فجعَل موسى يسمَعُ وقعَ الصخرةِ في جوفِها. قال: فولَّى مُدْبِرًا، فنُودِىَ أن يا موسى خُذْها. فلم يأخُذْها، ثم نُودِيَ الثانيةَ: أن ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾. فلم يأخُذْها، فقيل له في الثالثةِ: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١]. فأخَذها (^١).\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: قال له، يعني لموسى، ربُّه: ﴿أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾ يعنى: عصاه. ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. فنُودِيَ: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي (^٢) لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ (^٣) [النمل: ١٠].\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن وهبِ بن مُنبِّهٍ: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾: تهتزُّ، لها أنيابٌ وهيئةٌ كما شاء اللهُ أن تكونَ، فرأى أمرًا فظيعًا، فولَّى مدبرًا ولم يعقِّبْ، فناداه ربُّه: يا موسى أقْبِلْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٢٧٤ - من طريق أحمد بن عبدة به.\n(^٢) في الأصل، ت ٢: \"إنه\".\n(^٣) تقدم أوله في ص ١٩.","vol":"16","page":47},{"text":"ولا تَخَفْ، ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-2369\"></span>وقولُه: ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ لموسى: خُذِ الحيةَ. والهاءُ والألفُ من ذكرِ \"الحيةِ\"، ﴿وَلَا تَخَفْ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تخفْ من هذه الحيةِ، ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾. يقولُ: فإنا سنعيدُها لهيئتِها الأولى التي كانت عليها قبلَ أن نصيِّرَها حيةً، ونردَّها عصًا كما كانت.\nيقال لكلِّ من كان على أمرٍ فترَكه، وتحوَّل عنه ثم راجَعه: عاد فلانٌ سيرتَه الأولى، وعاد لسيرتِه الأولى، وعاد إلى سيرتِه الأولى.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5730>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾. يقولُ: حالَتَها الأُولى (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ [قولَه: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا] (^٣) الْأُولَى﴾. قال: هيئتَها (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ١٩.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٦١. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":48},{"text":"مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾. أي: سنردُّها عصًا كما كانت (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾. قال: إلى هيئتِها الأُولى.\n\n<span id=\"aya-2370\"></span><span data-type='title' id=toc-5732>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واضمُمْ يا موسى يدَك فَضَعْها تحتَ عَضُدِك.\nوالجناحانِ هما اليدانِ. كذلك رُوِىَ الخبرُ عن أبي هريرةَ وكعبِ الأحبارِ.\nوأما أهلُ العربيةِ فإنهم يقولون: هما الجَنْبان. وكان بعضُهم يستشهِدُ لقولِه ذلك بقولِ الراجزِ (^٢):\nأضُمُّهُ للصدرِ والجَنَاحِ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5731>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَى جَنَاحِكَ﴾. قال: كفُّه تحتَ عضُدِه (^٣).\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ١٩.\n(^٢) مجاز القرآن ٢/ ١٨، وتفسير القرطبي ١١/ ١٩١.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٦١. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":49},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقولُه: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾. ذُكِر أن موسى ﵇ كان رجلًا آدمَ، فَأَدْخَل يدَه في جيبِه، ثم أَخْرَجها بيضاءَ من غيرِ سوءٍ؛ من غيرِ بَرَصٍ، مثلَ الثلجِ، ثم ردَّها، فخرَجت كما كانت على لونِه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةَ، عن ابن إسحاقَ، عن وهبِ بن منبهٍ (^١) بذلك.\nحدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى الفَزاريُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، قال: من غيرِ بَرَصٍ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾. قال: من غيرِ برصٍ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ١٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٧٥، ٢٩٧٦، من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٥١ (١٦١٦٠)، من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٥ إلى ابن المنذر.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٤٨.","vol":"16","page":50},{"text":"﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾. قال: من غيرِ برَصٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾.\nقال: من غيرِ بَرَصٍ.\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، قال: [السوءُ البياضُ] (^٢)؛ من غيرِ برَصٍ (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحَّاكِ يقولُ في قولِه: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾: من غيرِ برَصٍ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ: ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾. قال: أخْرَجها اللهُ مِن غيرِ سوءٍ؛ من غيرِ برَصٍ، فعلِم موسى أنه لقِى ربَّه (^٥).\nوقولُه: ﴿آيَةً أُخْرَى﴾. يقولُ: وهذه علامةٌ ودلالةٌ أُخرى غيرُ الآيةِ التي أَرَيْناك قبلَها من تحويلِ العصا حيةً تسعى - على حقيقةِ ما بعَثناك به من الرسالةِ لمن بعَثناك إليه.\nونصبَ ﴿آيَةً﴾ على اتصالِها بالفعلِ، إذ لم يظهَرْ لها ما يُرافِعُها (^٦) من \"هذه\" أو \"هي\".\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٦، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٦١/ ٥١.\n(^٢) سقط من: م، وفى ص، ت ١، ف: \"فالسوء البياض\"، وفى ت ٢: \"سوء البياض\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٥١ من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٥١ معلقا.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٥٠، وابن عساكر في تاريخه ٦١/ ٥١، من طريق قرة بن خالد به.\n(^٦) في م: \"يرفعها\".","vol":"16","page":51},{"text":"<span id=\"aya-2371\"></span>وقولُه: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾. يقولُ: واضمُمْ يدَك يا موسى إلى جَناحِك تخرُجْ بيضاءَ من غيرِ سوءٍ، كى نُريَك من أدلَّتِنا (^١) الكبرى على عظيمِ سلطانِنا وقدرتِنا. وقال: ﴿الْكُبْرَى﴾ فوحَّد، وقد قال: ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾. كما قال: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]. وقد بيَّنا ذلك هنالك (^٢). وكان بعضُ أهلِ البصرةِ يقولُ (^٣): إنما قيل: ﴿الْكُبْرَى﴾؛ لأنه أُرِيد بها التقديمُ، كأن معناها عندَه: لنريَك الكُبرى من آياتِنا.\n\n<span id=\"aya-2372\"></span><span data-type='title' id=toc-5733>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه موسى: اذْهَبْ يا موسى ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾. يقولُ: تجاوَز قدْرَه، وتمرَّد على ربِّه. وقد بيَّنا معنى \"الطغيانِ\" فيما مضى بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٤). وفى الكلامِ محذوفٌ اسْتُغنى بفهمِ السامعِ بما ذُكِر منه، وهو قولُه: اذْهَبْ إلى فرعونَ إِنه طَغَى، فادْعُه إلى توحيدِ اللهِ وطاعتِه، وإرسالِ بنى إسرائيلَ معك.\n\n<span id=\"aya-2373\"></span>﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: قال موسى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾. [يقولُ: اشْرَحْ لى صَدْرى] (^٥) لأعِيَ عنك ما تُودِعُه مِن وحيِك، وأجْترئَ به على خطابِ فرعونَ،\n\n<span id=\"aya-2374\"></span>﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾. يقولُ: وسَهِّلْ لى (^٦)\n_________\n(^١) في ت ١: \"آياتنا\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ١٧.\n(^٣) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ١٨.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٣٢٠، ٣٢١.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) سقط من: ت ٢، وفى ص، م، ت ١، ت ٣، ف: \"على\".","vol":"16","page":52},{"text":"القيامَ بما تُكلِّفُنى من الرسالةِ، وتحمِّلُنى من الطاعةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5734>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾. قال: جرِّئْه (^١) لى.\n\n<span id=\"aya-2375\"></span>وقولُه: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾. يقولُ: وأَطْلِقْ لساني بالمنطقِ. وكانت فيه - فيما ذُكِر - عُجْمةٌ عن الكلامِ للذى (^٢) كان من إلقائِه الجمرةَ إلى فيه يومَ همَّ فرعونُ بقتلِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5735>ذكرُ الروايةِ بذلك عمن قاله</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى عن ابن أبي نجيحٍ، عن [سعيدِ بن جبيرٍ] (^٣) في قولِه: ﴿عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾. قال: عجمةً، الجمرةِ نارٍ أَدْخَلها في فيه عن أمرِ امرأةِ فرعونَ، تردُّ به عنه عقوبةَ فرعونَ، حين أخَذ موسى بلحيتِه وهو لا يعقِلُ، فقال: هذا عدوٌّ لى. فقالت [له: إنه لا يعقِلُ] (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾: لجمرةِ نارٍ أَدْخَلها في فيه عن أمرِ امرأةِ فرعونَ، تدرَأُ به عنه عقوبةَ فرعونَ، حينَ أخَذ موسى بلحيتِه وهو لا يعقِلُ، فقال: هذا\n_________\n(^١) في م: \"جرأة\".\n(^٢) في م: \"الذي\".\n(^٣) في ت ١: \"مجاهد\".\n(^٤) في ص، ت ١، ف: \"لا تفعل\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":53},{"text":"عدوٌّ لي. فقالت له: إنه لا يعقِلُ. هذا قولُ سعيدِ بن جبيرٍ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾. قال: عجمةً، لجمرةِ نارٍ أَدْخَلها في فيه، عن أمرِ امرأةِ فرعونَ، تردُّ به عنه عقوبةَ فرعونَ حينَ أَخَذ بلحيتِه (^١).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: لما تحرَّك الغلامُ - يعنى موسى - أرَته (^٢) أمُّه آسيةُ صبيًّا، فبينما هي ترقِّصُه وتلعبُ به، إذ ناولَته فرعونَ وقالت: خذْه. فلما أخَذه إليه أخَذ موسى بلحيتِه فنتَفها، فقال فرعونُ: عليَّ بالذَّبَّاحين. قالت آسيةُ: لا تَقْتُلُوه، عسى أن يَنْفَعَنا أو نَتَّخِذَه ولدًا، إنما هو صبيٌّ لا يعقِلُ، إنما صنَع هذا من صِباه، وقد علِمتَ أنه ليس في أهلِ مصرَ أَحْلَى منى، أنا أضعُ له حَلْيًا من الياقوتِ، وأضعُ له جمرًا، فإن أخَذ الياقوتَ فهو يعقِلُ فاذبَحْه، وإن أخَذ الجمرَ فإنما هو صبيٍّ. فأَخْرَجت له ياقوتَها ووضعت له طسْتًا من جمرٍ، فجاء جبريلُ فطرَح في يدِه جمرةً، فطرَحها موسى في فيه، فأَحْرَقت لسانَه، فهو الذي يقولُ اللهُ ﷿: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾. فزالَت (^٣) عن موسى من أجلِ ذلك (^٤).\n\n<span id=\"aya-2376\"></span>وقولُه: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يقولُ: يَفْهَموا (^٥) عنى ما أُخاطبُهم وأُراجعُهم به من\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٦٢.\n(^٢) في م: \"أورته\"، وفى ت ٢: \"أوريه\".\n(^٣) في الأصل: \"فتزالت\"، وفى ص، ت ١، ف: \"فتزاللت\".\n(^٤) تقدم أوله في ص ١٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٥، من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"يفقهوا\".","vol":"16","page":54},{"text":"<span id=\"aya-2377\"></span>الكلامِ، ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ يقولُ (^١): واجعَلْ لى عونًا [﴿مِنْ أَهْلِي﴾. يقولُ] (^٢): من أهلِ بيتى\n\n<span id=\"aya-2378\"></span>﴿هَارُونَ أَخِي﴾. وفى نصبِ ﴿هَارُونَ﴾ وجهان؛ أحدُهما، [أن يكونَ منصوبًا بقوله: ﴿وَاجْعَلْ﴾. فيكونَ \"الوزيرُ\" على هذا الوجهِ إذا نُصِب فعلًا لـ ﴿هَارُونَ﴾. والآخرُ] (^٣)، أن يكونَ \"هارونُ\" منصوبًا على الترجمةِ عن \"الوزيرِ\".\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: كان هارونُ أكبرَ من موسى (^٤).\n\n<span id=\"aya-2379\"></span><span data-type='title' id=toc-5737>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن موسى أنه سأل ربَّه أن يشدُدَ أَزْرَه بأخيه هارونَ.\nوإنما يعنى بقولِه: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾: قوِّ به (^٥) ظَهْرى، وأَعِنِّي به. يقالُ منه: قد آزَر فلانٌ فلانًا. إذا أعانه وشدَّ ظهرَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5736>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾. يقولُ: اشدُدْ به ظهرى.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿اشْدُدْ\n_________\n(^١) في الأصل: \"هارون أخى\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٥ إلى ابن المنذر.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"16","page":55},{"text":"بِهِ أَزْرِي﴾. يقولُ: اشْدُدْ به أمرى، وقوِّنى به، فإن لي به قوّةً (^١).\n\n<span id=\"aya-2380\"></span>وقولُه: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾. يقولُ: واجعَلْه نبيًّا مثلَ مَا جَعَلتَنى نبيًّا، وأَرْسِلْه معى إلى فرعونَ\n\n<span id=\"aya-2381\"></span>﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾. يقولُ: كي نعظِّمَك بالتسبيحِ لك كثيرًا،\n\n<span id=\"aya-2382\"></span>﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ فنُمجِّدَك\n\n<span id=\"aya-2383\"></span>﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾. يقولُ: إنك كنت ذا بصَرٍ بنا، لا يخْفى عليك من أفعالِنا شيءٌ.\nوذُكِر عن عبدِ اللهِ بن أبي إسحاقَ أنه كان يقرأُ: (أَشْدُدْ بِهِ أَزْرِى). بفتحِ الألفِ من (أَشْدُدْ)، (وأُشْرِكْهُ في أَمْرِى) بضمِّ الأُلفِ من (أُشْرِكْهُ) (^٢). بمعنى الخبرِ من موسى عن نفسِه أنه يفعَلُ ذلك، لا على وجهِ الدعاءِ، وإذا قُرِئ ذلك كذلك جُزِم \"أَشَدُدْ\" و\"أُشْرِكْ\" على الجزاءِ، أو (^٣) جوابِ الدعاءِ. وذلك قراءةٌ لا أرى القراءةَ بها، وإن كان لها وجهٌ، مفهومٌ، لخلافِها قراءةَ الحجةِ التي لا يجوزُ خلافُها (^٤).\n\n<span id=\"aya-2384\"></span><span data-type='title' id=toc-5738>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ لموسى: قد أُعْطِيتَ ما سألتَ يا موسى ربَّك من شرحه صدرَك، وتيسيرِه لك أمرَك، وحَلِّ عقدةِ لسانِك، وتصييرِ أخيك هارونَ وزيرًا لك، وشَدِّ أَزْرِك به، وإشراكِه في الرسالةِ معك.\n\n<span id=\"aya-2385\"></span>\n\n<span id=\"aya-2386\"></span>﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد تطوَّلنا عليك يا موسى قبلَ هذه المرّةِ مرّةً أخرى، وذلك حينَ أَوْحَينا إلى أمِّك إذ ولَدَتك في العامِ الذي كان فرعونُ يقتُلُ كلَّ مولودٍ ذكَرٍ من قومِك - ما أَوْحَينا إليها،\n\n<span id=\"aya-2387\"></span>ثم فسَّر تعالى ذكرُه ما أَوْحَى إلى أمِّه،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٥ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) وهي قراءة ابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٤١٨.\n(^٣) في الأصل: \"و\".\n(^٤) القراءتان متواترتان.","vol":"16","page":56},{"text":"فقال: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾. فـ ﴿أَنِ﴾ في موضعِ نصبٍ ردًّا على ﴿مَا﴾ التي في قولِه: ﴿مَا يُوحَى﴾. وترجمةً عنها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5739>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد مننَّا عليك يا موسى مرّةً أخرى حينَ أَوْحَينا إلى أمِّك أن اقْذِفى ابنَك موسى - حينَ ولَدَتكَ - في التابوتِ، ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾. يعنى باليَمِّ النيلَ، ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾. يقولُ: فاقْذِفيه في اليَمِّ، يُلْقِه اليمُّ بالساحلِ. وهو جزاءٌ أُخْرِج مُخْرَجَ الأمرِ، كأنَّ اليمَّ هو المأمورُ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾. [العنكبوت: ١٢]. بمعنى: اتبعوا سبيلَنا نحمِلْ عنكم خطاياكم. ففعَلت ذلك أمُّه به فألقاه اليمُّ بمَشْرَعَةِ آلِ فرعونَ.\nكما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما ولَدَت موسى أمُّه أَرْضَعته، حتى إذا أمَر فرعونُ بقتلِ الولدانِ من سنتِه تلك، عمَدت إليه، فصنَعت به ما أمَرها اللهُ ﵎، جعَلته في تابوتٍ صغيرٍ، ومهَّدت له فيه، ثم عمَدت إلى النيلِ فقذَفته فيه، فأصبَح فرعونُ في مجلسٍ له كان يجلِسُه على شفيرِ النيلِ كلَّ غداةٍ، فبينا هو جالسٌ، إذ مرَّ النيلُ بالتابوتِ فقذَف به وآسيةُ ابنةُ مُزاحمٍ امرأتُه جالسةٌ إلى جنبِه، فقال: إن هذا لشيءٌ في البحرِ، فأتونى به. فخرَج إليه أعوانُه حتى جاءوا به، ففتَح التابوتَ فإذا فيه صبيٌّ في مهدِه، فألقى اللهُ عليه محبتَه، وعطَف عليه نفسَه (^١).\nوعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾. فرعونَ، وهو العدوُّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٥، من طريق سلمة به.","vol":"16","page":57},{"text":"كان للهِ ولموسى.\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ في قولِه: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾: وهو البحرُ، وهو النيلُ (^١).\nواختلف أهلُ التأويلِ في معنى \"المحبةِ\" التي قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك أنه حبَّبه إلى عبادِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5740>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصدائيُّ والعباسُ بنُ محمدٍ الدُّوريُّ، قالا: ثنا حسينٌ الجُعْفيُّ، عن موسى بن قيسٍ الحَضْرميِّ، عن سلَمةَ بن كُهيلٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾. قال عباسٌ: حبَّبتك إلى عبادى. وقال الصُّدائيُّ: حبَّبتك إلى خلقى (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أي: حسَّنتُ خَلَقَك.\n\n<span data-type='title' id=toc-5741>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى إبراهيمُ بنُ مَهْدِيٍّ، عن رجلٍ، عن الحكمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾. قال: حُسْنًا وملاحةً (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: والذي هو أولى بالصوابِ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن الله عزّ\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ١٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٢، من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦١/ ٢٣، من طريق عباس الدورى به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٣٢ عن حسين بن علي الجعفى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"16","page":58},{"text":"وجلّ أَلْقَى محبتَه على موسى ﵇، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ فحبَّبه إلى آسيةَ امرأةِ فرعونَ حتى تبنَّته وغدَّته وربَّته، وإلى فرعونَ حتى كفَّ عنه عادِيتَه وشرَّه. وقد قيل: إنما قيل: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾؛ لأنه حبَّبه إلى كلِّ مَن رآه. ومعنى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾: حبَّبْتك إليهم. يقولُ الرجلُ لآخرَ إذا أحبَّه: ألقيتُ عليك رحمتى. أي: محبتى.\n\n<span id=\"aya-2388\"></span><span data-type='title' id=toc-5743>القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠)﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ولتُغَذَّى وتُرَبَّى على محبتى وإرادتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-5742>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾. قال: هو غذاؤُه، ولتُغَذَّى على عينى (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾. قال: جَعَله في بيتِ الملكِ ينعَمُ ويترَفُ، غذاؤُه عندَهم غذاءُ الملكِ، فتلك الصَّنْعةُ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنت بعينى في أحوالك كلِّها.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٧٨ عن ابن زيد.","vol":"16","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5744>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾. قال: أنت بعيني إذ جعَلَتك أمُّك في التابوتِ، ثم في البحرِ، ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ (^١).\nوقرأ ابن نَهيك: (وَلِتَصْنَعَ [على عينى)] (^٢) بفتح التاءِ. وتأوَّله كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمنِ، قال: سمِعتُ أبا نَهيكٍ يقرأُ: (وَلِتَصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) فسألتُه عن ذلك، فقال: ولتَعْمَلَ على عينى (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: والقراءةُ التي لا أستجيزُ القراءةَ بغيرها: ﴿وَلِتُصْنَعَ﴾ بضمِّ التاءِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليها. فإذ كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به التأويلُ الذي تأوَّله قتادةُ، وهو: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾: ولتغَذَّى على عينى ألقيتُ عليك المحبةَ منى.\nوعنى بقولِه: ﴿عَلَى عَيْنِي﴾: بمرأًى منى ومحبةٍ وإرادةٍ.\nوقوله: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: حينَ تمشِى أختُك تبتغيك (^٤) حتى وجَدَتك، ثم تأتى من يطلُبُ المراضعَ لك، فتقولُ: هل أدُلُّكم على مَن يَكْفُلُه؟ وحُذِف من الكلامِ ما ذكرتُ بعد قولِه: ﴿إِذْ تَمْشِي﴾. استغناءً بدلالة الكلامِ عليه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، ف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٦ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) في م، ف: \"تتبعك\".","vol":"16","page":60},{"text":"وإنما قالت أختُ موسى ذلك لهم لِما حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: لما ألقَته أمُّه في اليمِّ وقالت لأختِه: قصِّيه. فلما التقَطه آلُ فرعونَ، وأرادوا له المرضِعاتِ، فلم يأخُذْ من أحدٍ من النساءِ، وجعَل النساءُ يطلُبْنَ ذلك لينزِلْنَ عند فرعونَ في الرَّضاعِ، فأبَى أن يأخُذَ، فقالت أختُه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢]. فأخَذوها وقالوا: بل قد عرفتِ هذا الغلامَ، فدُلِّينا على أهلِه. فقالت: ما أعرِفُه، ولكنى إنما قلتُ: هم للملكِ ناصحون (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قالت - يعنى أمَّ موسى لأختِه -: قُصِّيه فانظُرى ماذا يفعَلون به. فخرَجت في ذلك، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١]. وقد احتاج إلى الرَّضاعِ والتَمس الثديَ، وجمَعوا له المراضعَ حينَ أَلْقَى اللهُ [محبتَهم عليه] (^٢)، فلا يُؤْتَى بامرأةٍ فيقبَلُ ثَدْيَها، فيُرْمِضُهم (^٣) ذلك، فيُؤْتَى بمُرْضِعٍ بعد مُرْضِعٍ، فلا يقبَلُ شيئًا منهن (^٤)، فقالت لهم أختُه حينَ رأت من وَجْدِهم به وحرصِهم عليه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾. أي: لمنزلتِه عندَكم وحرصِكم على مسرَّةِ الملكِ (^٥).\nوعنَى بقولِه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾: هل أدلُّكم على من يضمُّه إليه\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ١٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٩، ٢٩٥٠، من طريق عمرو به.\n(^٢) في ت ٢: \"محبته عليهم\".\n(^٣) أرمضه: أوجعه. ينظر التاج (ر م ض).\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"منهم\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٩، ٢٩٥٠، من طريق سلمة به.","vol":"16","page":61},{"text":"فيحضُنَهُ (^١) ويُرْضِعَه ويربِّيَه.\nوقيل: معنى ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]: ضمَّها.\nوقولُه: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فرَدَدناك إلى أُمِّك بعدَ ما صرتَ في أيدى آلِ فرعونَ، كيما تقرَّ عينُها بسلامتِك ونجاتِك من القتلِ والغرقِ في اليمِّ، وكيلا تحزنَ عليك من الخوفِ من فرعونَ عليك أن يقتُلَك.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما قالت أختُ موسى لهم ما قالت، قالوا: هاتى. فأتت أمَّه فأخبرتْها، فانطلقت معها حتى أتَتهم، فناولوها إيَّاه، فلما وَضعته في حِجْرِها أَخَذ ثديَها، وسُرُّوا بذلك منه، وردَّه اللهُ إلى أمِّه كي تقرَّ عينُها ولا تحزنَ، فبلَغ لطفُ اللهِ لها وله أن ردَّ عليها ولدَها، وعطَف عليها نَفْعَ فرعونَ وأهلِ بيتِه، مع الأمَنةِ من القتلِ الذي يُتَخَوَّفُ على غيرِه، فكأنَّهم كانوا من أهلِ بيتِ فرعونَ في الأمانِ والسَّعَةِ، فكان على فُرُشِ فرعونَ وسُرُرِه (^٢).\nوقولُه: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك قتله القِبْطيَّ الذي قتَله حينَ استغاثه عليه الإسرائيليُّ، فوكَزه موسى.\nوقولُه: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فنجَّيناك من غمِّك بقتلِك النفسَ التي قتلتَ، إذ أرادوا أن يقتُلوك بها فخلَّصناك منهم، حتى هرَبتَ إلى أهلِ مَدْينَ، فلم يَصِلوا إلى قتلِك وقَوَدِك به.\nوكان قتلُه إيَّاه، فيما ذُكِر، خطأً.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"فيحفظه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٠، من طريق سلمة به.","vol":"16","page":62},{"text":"كما حدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن أبيه، عن سالمٍ، عن عبدِ الله بن عمرَ، قال: سمِعت رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"إنما قتَل موسى الذي قتَل من آلِ فرعونَ خطأً، فقال اللهُ له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ (^١).\nحدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ ومحمدُ بنُ عمرٍو، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ (^٢). قال: من قتلِ النفسِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾: النفسِ التي قتَل.\nواختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ابتليناك ابتلاءً، واختَبرناك اختبارًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5745>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾. يقولُ: اختَبرناك اختبارًا (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٠٥/ ٥٠)، وأبو عمرو الدانى في السنن الواردة في الفتنة (٤٥)، والبيهقي في الشعب (٥٣٤٨) من طريق واصل بن عبد الأعلى به، وأخرجه الروياني (١٤١٠)، والخطيب في تاريخه ١٢/ ٤٩٢ من طريق محمد بن فضيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٦ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) بعده في الأصل، ت ٢: \"وفتناك فتونا\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٦٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":63},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾. قال: ابْتُلِيتَ بلاءً (^١).\nحدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ الآمُليُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أَخبَرنا أَصْبَغُ بن زيدٍ الجُهَنيُّ، قال: أخبَرنا القاسمُ بنُ أبي (^٢) أيوبَ، قال: ثني سعيدُ بن جبيرٍ، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بن عباسٍ عن قولِ اللهِ لموسى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾. فسأَلْتُه عن (^٣) الفُتُونِ ما هي؟ فقال لي: استأنفِ النهارَ يا بنَ جُبيرٍ؛ فإن لها حديثًا طويلًا. قال: فلما (^٤) أصبحتُ غدوتُ على ابن عباسٍ لأنتجزَ منه ما وعَدنى. قال: فقال ابن عباسٍ: تذاكَر فرعونُ وجلساؤُه ما وعَد اللهُ إبراهيمَ أن يجعَلَ في ذَرِّيتِه أنبياءَ وملوكًا، فقال بعضُهم: إن بنى إسرائيلَ ينتظرون ذلك وما يشكُّون، ولقد كانوا يظنُّون أنه يوسفُ بن يعقوبَ. فلما هلَك قالوا: ليس هكذا كان اللهُ وعد إبراهيمَ. فقال فرعونُ: فكيف ترَوْن؟ قال: فأْتَمَروا بينَهم، وأَجْمَعوا أمرَهم على أن يبعَثَ رجالًا معهم الشِّفارُ يطوفون في بنى إسرائيلَ، فلا يجِدون مولودًا ذكرًا إلا ذبَحوه، فلما رأَوا أن الكبارَ من بني إسرائيلَ يموتون بآجالِهم، وأن الصغارَ يُذْبَحون، قالوا: تُوشِكُون (^٥) أن تُفْنُوا بنى إسرائيلَ، فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمالِ والخدمةِ التي كانوا يَكْفُونكم، فاقتُلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ، فيَقِلَّ أبناؤُهم، ودَعُوا عامًا لا تقتُلوا منهم أحدًا، فتشُبَّ الصغارُ مكانَ من يموتُ من الكبارِ، فإنهم لن يكثُروا بمن تَسْتَحيون\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ١٩٤ من طريق سعيد، عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٦، إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميدٍ وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٣) في م: \"علي\".\n(^٤) في م: \"فلو\".\n(^٥) في م: \"يوشك\"، وفى ف: \"توشك\".","vol":"16","page":64},{"text":"منهم، فتخافون مُكاثَرتَهم إيَّاكم، ولن يَقِلُّوا بمن تقتُلون. فأَجْمَعوا أمرَهم على ذلك، فحمَلت أمُّ موسى بهارونَ في العامِ المقبلِ الذي لا يُذْبَحُ فيه الغِلمانُ، فولَدته علانيةً آمنةً، حتى إذا كان العامُ المقبلُ حملت بموسى (^١)، فوقَع في قلبِها الهمُّ والحزْنُ، وذلك من الفتونِ يا بنَ جبيرٍ؛ مما دخَل عليه في بطنِ أمِّه مما يرادُ به، فأَوْحَى اللهُ إليها ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]. وأمَرها إذا ولَدته أن تجعَلَه في تابوتٍ، ثم تُلْقِيه في اليمِّ، فلما ولَدته فعلت ما أُمِرت به، حتى إذا تَوارَى عنها ابنُها أَتاها إبليسُ، فقالت في نفسِها: ما صنَعْتُ بابني، لو ذُبِح عندى فوارَيْتُه وكفَّنْتُه كان أحبَّ إليَّ من أن أُلْقِيَه بيدى إلى حيتانِ البحرِ ودوابِّه. فانطلَق به الماءُ حتى أَوْفَى (^٢) به عندَ فُرْضَةِ (^٣) مُسْتَقَى جوارى آلِ فرعونَ، فرأيْنَه فأَخَذْنَه، فهَمَمْنَ أَن يَفْتَحْنَ البابَ، فقال بعضُهن (^٤) لبعضِ: إن في هذا مالًا، وإنا إن فتَحْناه لم تُصَدِّقْنا امرأةُ فرعونَ بما وجَدنا فيه. فحمَلنه كهيئتِه لم يحرِّكْن منه شيئًا، حتى دفَعنه، إليها، فلما فتَحته رأت فيه الغلام، فأُلْقِى عليه منها محبَّةٌ لم يُلْقَ مثلُها (^٥) منها على أحدٍ من الناسِ، ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص: ١٠]. من ذكرِ (^٦) كلِّ شيءٍ إلا من ذكرِ موسى. فلما سمِع الذبَّاحون بأمرِه أقْبَلوا إلى امرأةِ فرعونَ بشِفارِهم يريدون أن يذبَحوه - وذلك من الفتون يا بن جُبَيرٍ - فقالت للذبَّاحين: انصرِفوا عنى. فإن هذا الواحدَ لا يزيدُ في بنى إسرائيلَ، فآتِى فرعونَ فأستوهبُه إياه، فإن وهبَه لى كنتم قد أَحْسَنتُم وأَجمَلتُم، وإن أمَر بذبحِه لم أَلُمْكم. فلما أتَتْ به فرعونَ قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"أم موسى\".\n(^٢) في الأصل، ونسخة من تاريخ المصنف: \"أرفأ\".\n(^٣) وفرضة النهر: ثلمته التي منها يستقى. لسان العرب (ف ر ض).\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"بعضهم\".\n(^٥) في الأصل، ت ٢: \"مثله\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، ف.","vol":"16","page":65},{"text":"لِي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩]. قال فرعونُ: يكونُ لكِ، [فأما أنا فلا حاجةَ لي فيه. فقال [رسولُ اللهِ ﷺ] (^١): \"والذي يُحْلَفُ] (^٢) به، لو أقرَّ فرعونُ أن يكونَ له قرَّةَ عينٍ كما أقرَّت به، لهداه اللهُ به كما هدَى به امرأتَه، ولكنَّ الله حرَمه ذلك\". فأَرْسَلت إلى من حولَها من كلِّ أنثى لها لبنٌ لتختارَ له ظئْرًا، فجعَل كلَّما أَخَذَته امرأةٌ منهن (^٣) لتُرضِعَه لم يَقبَلْ ثديَها، حتى أَشْفَقت امرأةُ فرعونَ أن يَمتنعَ من اللبنِ فيموتَ، فحَزَنَها ذلك، فأمَرت به فأُخْرِج إلى السوقِ مجمَعِ الناسِ ترجو أن تُصيبَ له ظئرًا يأخذُ منها، فلم يقبَلْ من أحدٍ، وأصبحت أمُّ موسى، فقالت لأختِه: قُصِّيه واطلُبيه، هل تسمَعين له ذكرًا، أحيٌّ ابنى، أو قد أكَلتْه دوابُّ البحرِ وحيتانُه؟ ونَسِيتُ الذي كان اللهُ وعَدها، فبَصُرت به أختُه عن جُنُبٍ وهم لا يشعُرون، فقالت من الفرحِ حينَ أعياهم الظُّئوراتُ: أنا أدلُّكم على أهلِ بيتٍ يكفُلونه لكم وهم له ناصحون. فأخَذوها وقالوا: وما يُدْرِيكِ ما نُصْحُهم له، هل يعرفونه، حتى شكُّوا في ذلك - وذلك من الفتونِ يا بنَ جُبيرٍ - فقالت: نُصْحُهم له وشفقَتُهم عليه، رغْبتُهم في ظُئُورةِ الملكِ، ورجاءُ منفعتِه. فترَكوها، فانطلقت إلى أمِّها فأَخْبَرتها الخبرَ، فجاءت، فلما وضَعَتْه في حَجْرِها نزا إلى ثديها حتى امْتَلأ جنباه، فانطلق البُشَراءُ إلى امرأةِ فرعونَ يبشِّرونها أن قد وجَدنا لابنِك ظِئْرًا. فَأَرْسَلت إليها، فأُتِيَت بها وبه. فلما رأت ما يصنَعُ بها قالت: امْكُثى عندى (^٤) تُرْضِعين (^٥) ابنى هذا، فإنى لم أُحِبُّ حبَّه شيئًا قطُّ. قال: فقالت: لا أستطيعُ أن أدَعَ بيتى وولدى فيضيعَ، فإن طابت نفسُكِ أن تُعْطِينِيه، فأذهبَ به إلى بيتى، فيكونَ معى لا آلوه خيرًا، فعلتُ، وإلا فإني غيرُ تاركةٍ بيتى وولدى. وذكرت أمُّ موسى ما كان اللهُ وعَدها، فتعاسَرت على\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٣، ف.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"منهم\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٣، ف: \"حتى\".\n(^٥) في م: \"ترضعي\".","vol":"16","page":66},{"text":"امرأةِ فرعونَ، وأيقنَت أن الله ﷿ منجِزٌ وعدَه، فرجَعت بابنِها إلى بيتِها من يومِها، فأنبَته اللهُ نباتًا حسنًا، وحفِظه لِما قضَى فيه، فلم يزَلْ بنو إسرائيلَ وهم مُجْتمِعون في ناحيةِ المدينةِ يمتنِعون به من الظلمِ والسُّخْرةِ التي كانت فيهم، فلما تَرَعْرعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأمِّ موسى (^١): أَزِيريني (^٢) ابنى. فوعَدَتها يومًا تُزِيرُها (^٣) إيَّاه فيه، فقالت لحواضِنِها (^٤) وظُئورتِها وفهارِمَتِها: لا يبقينَّ أحدٌ منكم إلا استقبلَ ابنى بهديةٍ وكرامةٍ ليرى ذلك، وأنا باعثةٌ أمينةً تُحْصِى كلَّ ما يصنعُ كلُّ إنسانٍ منكم. فلم تَزَلِ الهديةُ والكرامةُ والتُّحَفُ تَسْتَقْبِلُه مِن حينَ خرَج مِن بيتِ أمِّه إلى أن دخَل على امرأةِ فرعونَ، فلما دخَل عليها نحَلَتْه (^٥) وأَكْرَمَته، وفرِحَت به، وأَعْجَبها ما رأت مِن حُسْنِ أثرِها عليه، وقالت: انطلِقن (^٦) به إلى فرعونَ، فليَنْحَلْه (^٧) وليُكْرِمه. فلمَّا دخَلن (^٨) به عليه جعَلْنَه (^٩) في حجره، فتَناوَل موسى لحية فرعونَ حتى مدَّها، فقال عدوٌّ مِن أعداءِ اللهِ: ألا تَرَى ما وعَد اللهُ إبراهيمَ أنه سيَصْرَعُك ويَعْلُوك. فأرْسَل إلى الذَّباحين ليَذْبَحوه، وذلك من الفُتونِ يا بنَ جُبيرٍ، بعد كلِّ بلاءٍ ابْتُلِى به وأُرِيد به. فجاءت امرأةُ فرعونَ تَسْعَى إلى فرعونَ، فقالت: ما بدا لك في هذا الصبيِّ الذي قد وهَبْتَه لى؟ قال: ألا تَرَيْنه يَزْعُمُ أَنه سَيَصْرَعُنى ويَعْلُونى! فقالت: أجْعَلُ بينى وبينَك أمرًا تَعْرِفُ فيه الحقَّ؛ ائْتِ\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"أن\".\n(^٢) في ص، ف: \"أن ترينى\". وفى ت ١: \"لابد أن ترينى\"، وفي مسند أبي يعلى: \"أريد أن ترينى\".\n(^٣) في ص، ف: \"تريها\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ف: \"لخواصتها\"، وفى مصادر التخريج: \"لخزانها\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ف، وتاريخ المصنف، ومسند أبي يعلى: \"بجلته\".\n(^٦) في ص، ت ١، ف: \"انطلقوا\".\n(^٧) سقط من: ص، ف. وفي ت ١: \"فلينظره\".\n(^٨) في ص، م، ت ١، ف: \"دخلوا\".\n(^٩) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"جعلته\". وفى ف: \"حملته\".","vol":"16","page":67},{"text":"بجَمْرَتين ولُؤلؤتَيْن، فقرِّبْهن إليه، فإن بطَش باللؤلؤتين واجْتَنَب الجمْرتَيْن علِمْتَ أنه يَعْقِلُ، وإن تَناوَل الجمرتين ولم يُرِدِ اللؤلؤتين، فاعْلَمْ أَن أحدًا لا يُؤْثِرُ الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يَعْقِلُ. فقرَّب ذلك إليه، فتناول الجمرتين، فنزَعوهما منه مَخافةَ أن تُحْرِقا يدَه، فقالت المرأةُ: أَلا تَرَى! فصرَفه اللهُ عنه بعدَ ما كان (^١) قد همَّ به، وكان اللهُ بالغًا فيه أمرَه.\nفلما بلغ أَشُدَّه وكان مِن الرجالِ، لم يَكُنْ أَحدٌ مِن آلِ فرعونَ يَخْلُصُ إلى أحدٍ من بني إسرائيلَ معه بظلمٍ ولا سُخْرةٍ، حتى امْتَنعوا كلَّ امتناعٍ، فبينما هو يمشى ذاتَ يومٍ في ناحيةِ المدينةِ، إذ هو برجلين يَقْتَتِلان؛ أحدُهما مِن بنى إسرائيلَ، والآخرُ مِن آلِ فرعونَ، فاسْتَغاثه الإسرائيليُّ على الفِرْعَونيِّ، فغضِب موسى واشْتَدَّ غضبُه؛ لأنه تَناوَله وهو يَعْلَمُ منزلةَ موسى من بني إسرائيلَ، وحفِظَه لهم، ولا يَعْلَمُ الناسُ إلا أنما ذلك مِن قِبَل الرَّضاعة غيرَ (^٢) أمِّ موسى، إلا أن يكونَ اللهُ أطْلَعَ موسى موسى من ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليه غيرَه، فوكَز موسى الفرعونيَّ فقتَله، وليس يراهما أحدٌ إلا اللهُ والإسرائيليُّ، فقال موسى حينَ قتل الرجلَ: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾. ثم قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٥، ١٦]. فأصبَح في المدينةِ. خائفًا يَتَرَقَّبُ الأخبارَ، فأُتِى فرعونُ، فقيل له: إن بني إسرائيلَ قد قتَلوا رجلًا من آلِ فرعونَ، فخُذْ لنا بحقِّنا ولا تُرَخِّصْ لهم في ذلك. فقال: ابْغُونى قاتلَه ومَن يَشْهَدُ عليه؛ لأنه لا يَسْتَقِيمُ أَن نَقْضِى بغيرِ بينةٍ ولا ثَبَتٍ. فطلبوا له ذلك، فبينما هم يطوفون لا يَجِدون ثَبَتًا، إذ مرَّ موسى من الغدِ، فرأى ذلك الإسرائيليَّ يُقاتِلُ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ٢.\n(^٢) في الأصل: \"عبر\".","vol":"16","page":68},{"text":"فرعونيًّا، فاسْتَغاثه الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فصادَف موسى وقد ندِم على ما كان منه بالأمسِ، وكرِه الذي رأى، فغضب موسى فمدَّ يدَه وهو يريدُ أن يَبْطِشَ بالفرعونيِّ، فقال للإسرائيليِّ لِما فعَل بالأمسِ واليومَ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]. فنظَر الإسرائيليُّ إلى (^١) موسى بعدَ ما قال [ما قال] (^٢)، فإذا هو غضبانُ كغضبِه بالأمسِ الذي قتَل فيه الفرعونيَّ، فخاف أن يكونَ بعدَ ما قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. أن يكونَ إيَّاه أراد، ولم يَكُنْ أراده (^٣)، إنما أراد الفرعونيَّ، فخاف الإسرائيليُّ، فحاجَز الفرعونيَّ فقال: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص: ١٩]. وإنما قال ذلك مَخافةَ أن يكونَ إياه أراد موسى ليَقْتُلَه، فتَتاركَا، فانْطَلَق الفرعونيُّ إلى قومِه، فأخْبرهم بما سمِع من الإسرائيليِّ من الخيرِ حينَ يقولُ: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾. فأرْسَل فرعونُ إلى الذَّبَّاحين، فسلَك موسى الطريقَ الأعظمَ، فطلَبوه وهم لا يَخافون أن يَفوتَهم، وكان (^٤) رجلٌ مِن شِيعةِ موسى مِن أقصى المدينةِ، فاخْتَصَر طريقًا قريبًا حتى سبَقَهم إلى موسى، فأخْبَره الخبرَ، وذلك من الفتون يابنَ جبيرٍ (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت، ف.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٣) بعده في ص: \"و\".\n(^٤) في م: \"جاء\".\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٩٢، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٣٢٦)، وفي تفسيره (٣٤٦)، وأحمد بن منيع في مسنده - كما في المستزاد من الإتحاف للبوصيرى (٥٣٦٦) - وأبو يعلى (٢٦١٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٢ - ٢٩٤٤، ٢٩٤٨، ٢٩٤٦، ٢٩٥٠، ٢٩٥٣ - ٢٩٥٥، ٢٩٥٧ - ٢٩٦٠ من طريق يزيد بن هارون به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٦ إلى ابن أبي عمر العدني في مسنده وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.","vol":"16","page":69},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ (^١)، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فُتُونًا﴾. قال: بلاءً؛ إلقاؤُه في التابوتِ، ثم في البحرِ، ثم التقاطُ آلِ فرعونَ إياه، ثم خروجُه خائفًا (^٢). قال محمدُ بنُ عمرٍو: قال أبو عاصمٍ: خائفًا أو جائعًا. شكَّ أبو عاصمٍ. وقال الحارثُ [في حديثِه] (^٣): خائفًا يترقَّبُ. ولم يَشُكَّ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، وقال: خائفًا يترقَّبُ. ولم يَشُكَّ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولُه: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾. يقولُ: ابْتَلَيْناك بلاءً (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾: هو (^٥) البلاءُ على إِثْرِ البلاءِ (^٦).\nوقال آخرون: معنى ذلك: أخْلَصْناك.\n\n<span data-type='title' id=toc-5746>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ (^٧)، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) في ص، ف: \"الحسين\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٦٢. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، ف.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ١٩٨.\n(^٥) في الأصل: \"قال\".\n(^٦) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٢٧٣.\n(^٧) في الأصل، ف: \"الحسين\".","vol":"16","page":70},{"text":"مجاهدٍ: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾: أَخْلَصْناك إخلاصًا (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يَعْلَى بن مسلمٍ، قال: سمِعْتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يُفَسِّرُ هذا الحرفَ: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾. قال: أخْلَصْناك إخلاصًا.\nوقد بيَّنا فيما مضَى من كتابِنا هذا معنى \"الفتنةِ\"، وأنها الابتلاءُ والاختبارُ، بالأدلةِ المُغْنيةِ عن الإعادةِ في هذا الموضعِ (^٢).\nوقولُه: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾. وهذا كلامٌ (^٣) قد حُذِف منه بعضُ ما به تمامُه؛ اكتفاءً بدلالةِ ما ذُكِر عما حُذِف. ومعنى الكلامِ: وفتَنَّاك فُتونًا، فخرَجْتَ خائفًا إلى أهلُ مَدْينَ، فلبثْتَ سنينَ فيهم.\nوقولُه: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ثم جئتَ للوقتِ الذي أرَدْنا إرسالَك إلى فرعونَ رسولًا ولمقدارِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5747>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾. يقولُ: لقد جئتَ لميقاتٍ يا موسى (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٩٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٣٥٦، ٣٥٧.\n(^٣) في الأصل، م، ف: \"الكلام\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠١ إلى المصنف.","vol":"16","page":71},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا [عن ابن أبي نجيحٍ] (^١)، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾. قال: موعدٍ (^٢).\n[حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: على ذى موعدٍ] (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾. قال: قدَرِ الرسالةِ والنبوةِ (^٤).\nوالعربُ تقولُ: جاء فلانٌ على قدرٍ. إذا جاء لميقاتِ الحاجةِ إليه، ومنه قولُ الشاعرِ (^٥):\n[نال الخلافةَ أو] (^٦) كانتْ له قَدَرًا … كما أتَى ربَّه موسى على قدَرِ\n\n<span id=\"aya-2389\"></span><span data-type='title' id=toc-5748>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾: أَنْعَمْتُ عليك يا موسى هذه النعمَ، ومنَنْتُ عليك هذه المننَ؛ اجتباءً منى لك، واختيارًا لرسالتي والبلاغِ عنى، والقيامِ بأمرى ونهيى،\n\n<span id=\"aya-2390\"></span>﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ هارونُ، ﴿بِآيَاتِي﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٦٢، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٥٦ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠١ إلى عبد بن حميدٍ وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: ص.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٧. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠١، إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) هو جرير، وتقدم البيت في ١/ ٣٥٥.\n(^٦) في ص، ت ١، ف: \"تلك الخلافة لو\".","vol":"16","page":72},{"text":"بأدِلَّتى وحُجَجِي، اذْهَبا إلى فرعونَ بها، إنه تَمرَّد في ضلالِه وغيِّه، فأبْلِغاه رسالتي، ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾. يقولُ: ولا تَضْعُفا في أن تَذْكُراني فيما أمَرْتُكما ونَهَيْتُكما، فإن ذكْرَكما إياى يُقَوِّى عَزائمَكما، ويُثَبِّتُ أفدتَكما (^١)؛ لأنكما إذا ذكَرْتُماني، ذكَرْتُما منى عليكما نعمًا جَمَّةً، ومِننًا لا تُحْصَى كثرةً.\nيقالُ منه: ونَى فلانٌ في هذا الأمرِ، وعن هذا الأمرِ. إذا ضعُف، وهو يَنِى وَنًى، كما قال العَجَّاجُ (^٢):\nفما ونَى محمدٌ مُذْ أَن غَفَرْ … له الإلهُ ما مَضَى وما غَبَرْ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5749>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَنِيَا﴾. يقولُ: لا تُبْطِئا (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾. يقولُ: ولا تَضْعُفا في ذكرى (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٣، ف: \"أقدامكما\".\n(^٢) ديوانه ص ٨.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":73},{"text":"قولَه: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾. قال: لا تَضْعُفا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَنِيَا﴾: تَضْعُفا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾. يقولُ: لا تَضْعُفا في ذكرى.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، [قال: أخبَرنا] (^٢) معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾. قال: لا تَضْعُفا (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ [يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ] (^٤) يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾. يقولُ: لا تَضْعُفا.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾. قال: الوانى هو الغافلُ المُفَرِّطُ، ذلك الوانى.\n\n<span id=\"aya-2391\"></span>\n\n<span id=\"aya-2392\"></span><span data-type='title' id=toc-5750>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لموسى وهارونَ: فقولا لفرعونَ قولًا ليِّنًا. ذُكِر أن القولَ اللينَ الذي أمَرَهما اللهُ أن يقولاه له، هو أن يُكَنِّياه.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٦٢، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٥٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في الأصل: \"عن\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١.","vol":"16","page":74},{"text":"حدَّثني جعفرُ ابن بنتِ إسحاقَ بن يوسُفَ الأزرقِ (^١)، قال: ثنا سعيدُ بنُ محمدٍ الثقفيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ صالحٍ، عن السديِّ [في قولِه] (^٢): ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾. قال: كَنِّياه (^٣).\nوقولُه: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. اخْتُلِف في معنى قولِه: ﴿لَعَلَّهُ (^٤)﴾. في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناها ههنا الاستفهامُ. كأنهم وجَّهوا معنى الكلامِ إلى (^٥): فقولا له قولًا لينًا، فانْظُرَا هل يَتَذَكَّرُ فيُراجِعَ (^٦)، أَو يَخْشَى الله فَيَرْتَدِعَ عن طغيانِه؟\n\n<span data-type='title' id=toc-5751>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. يقولُ: هل يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى (^٧)؟\nوقال آخرون: معنى \"لعلَّ\" ههنا: كى. ووجَّهوا معنى الكلامِ إلى: اذهبا إلى فرعونَ إنه طغَى فَادْعُواه وعِظاهِ ليَتَذَكَّرَ أو يَخْشَى. كما (^٨) يقولُ القائلُ: اعْمَلْ عملَك لعلك تَأْخُذُ أجرَك. بمعنى: لِتَأْخُذَ أجرَك. وافْرُغْ من عملِك لعلنا نَتَغَدَّى. بمعنى: لنَتَغَدَّى، أو حتى نَتَغَدَّى. ولكلا هذين القولين وجهٌ حسنٌ، ومذهبٌ صحيحٌ.\n_________\n(^١) في ت ١: \"الأددى\"، وفى ف: \"الأزدى\".\n(^٢) ليس في: ص، م، ت ١، ت ٣، ف.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٢٧٤.\n(^٤) في الأصل، ت ٢: \"لعل\".\n(^٥) سقط من: الأصل، ت ٢.\n(^٦) في ص، م، ت ٢، ف: \"ويراجع\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٨) سقط من: ص، ت ١.","vol":"16","page":75},{"text":"<span id=\"aya-2393\"></span>وقولُه: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى وهارونُ: ربَّنا إننا نخافُ فرعونَ إن نحن دعَوْناه إلى ما أمَرْتَنا أَن نَدْعُوه إليه، أن يَعْجَلَ علينا بالعقوبةِ. وهو من قولِهم: فرَط منى إلى فلانٍ أمرٌ. إذا سبَق منه ذلك إليه، ومنه فارِطُ القومِ، وهو المتعجِّلُ المتقدمُ أمامَهم إلى الماءِ أو المنزلِ، كما قال الراجزُ (^١):\nقد فرط العِلْجُ علينا وعجَلْ\nفأما الإفراطُ فهو الإسرافُ والاشتطاطُ والتعَدِّى، يقالُ منه: أَفْرَطَتَ في قولِك. إذا أسْرَف فيه وتعدَّى. وأما التفريطُ فإنه التَّوانى، يقالُ منه: فرَّطْتَ في هذا الأمرِ حتى فات. إذا تَوانَى فيه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5752>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾. قال: عقوبةً منه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّنَا\n_________\n(^١) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/ ٥٤١، وتفسير القرطبي ١١/ ٢٠١.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٦٢، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٥٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":76},{"text":"نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾. قال: نَخَافُ أن يَعْجَلَ علينا إذ (^١) نُبَلِّغُه كلامَك أو أمرَك، يَفْرُطُ (^٢)؛ يعْجَلُ. وقرَأ: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-2394\"></span><span data-type='title' id=toc-5754>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ لموسى وهارونَ: ﴿لَا تَخَافَا﴾ فرعونَ، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ أعِينُكما عليه وأنصُرُكما (^٤)، ﴿أَسْمَعُ﴾ ما يَجْرِى بينَكما وبينَه، فأُنْهِمُكما ما تُحاوِرانِه به، ﴿وَأَرَى﴾ ما تَفْعَلان ويَفْعَلُ، لا يَخْفَى عليَّ مِن ذلك شيءٌ، ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا﴾ له: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5753>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾. [قال ابن جريجٍ: أسمعُ وأرى] (^٥) ما يُحاوِرُكما (^٦)، فأُوحِى إليكما فتُجاوِبانِه (^٧).\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: \"إن\".\n(^٢) بعده في م، ف: \"و\".\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٢٨٩.\n(^٤) في م، ت ٢، ف: \"أبصركما\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٦) في الدر المنثور: \"يجاوبكما\".\n(^٧) في ص، ت ١، ف: \"فتحاورانه\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠١ إلى ابن المنذر.","vol":"16","page":77},{"text":"<span id=\"aya-2395\"></span>وقولُه: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: فأْتيا فرعونَ فقولا: إنا رسولا ربِّك] (^١) [إليك (^٢)، أرْسَلَنا] (^٣) إِليك يَأْمُرُكَ أَن تُرْسِلَ معنا بني إسرائيلَ، فأرْسِلْهم معنا ولا تُعَذِّبُهم بما تُكَلِّفُهم من الأعمالِ الرديئةِ، ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ﴾ مُعْجِزةٍ، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ على أنه أرْسَلَنا إليك بذلك، إن أنت لم تُصَدِّقْنا فيما نقولُ لك أَرَيْناكها، ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾. يقولُ: والسلامةُ لمن اتَّبَع هدى اللهِ. وهو بيانُه. يقالُ: السلامُ على مَن اتَّبع (^٤)، ولمن اتَّبَع. بمعنًى واحدٍ.\n\n<span id=\"aya-2396\"></span><span data-type='title' id=toc-5755>القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لرسوليه (^٥) موسى وهارونَ: قولا لفرعونَ: إنا قد أَوْحَى إلينا ربُّك أن عذابَه الذي لا نفادَ له ولا انقطاعَ، على مَن كَذَّب بما نَدْعوه إليه مِن توحيدِ اللهِ وطاعتِه وإجابةِ رسلِه، ﴿وَتَوَلَّى﴾. يقولُ: وأَدْبَر مُعْرِضًا عما جئْناه به [مِن عندِه] (^٦) مِن الحقِّ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾: كذَّب بكتابِ اللهِ، وتوَلَّى عن طاعةِ اللهِ (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) بعده في م، ف: \"الهدى\".\n* من هنا خرم في نسخة جامعة القرويين، والمشار إليها بـ \"الأصل\"، وينتهى في ص ١١٣، وسيجد القارئ أرقام النسخة ت ١ في مكان هذا الخرم.\n(^٥) في م، ت ١، ف: \"لرسوله\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، ف.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠١، ٣٠٢ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"16","page":78},{"text":"<span id=\"aya-2397\"></span>وقوله: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾. وفى هذا الكلام متروكٌ، تُرك ذكره استغناء بدلالة ما ذُكر عليه عنه، وهو قوله: فأَتَياه فقالا له ما أمرهما به ربُّهما، وأبْلَغاه رسالته، فقال فرعون لهما: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾. فخاطَب موسى وحدَه بقوله: ﴿يَامُوسَى﴾. وقد وجَّه الكلام قبل ذلك إلى موسى وأخيه. وإنما فعل ذلك كذلك؛ لأن المجاوبة إنما تكونُ مِن الواحد - وإن كان الخطاب لجماعةٍ (^١) - لا من الجميع، وذلك نظير قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١]. وكان الذي يَحْمِلُ الحوت واحدًا، وهو فتى موسى. يَدلُّ على ذلك قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣].\n\n<span id=\"aya-2398\"></span>وقوله: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. يقول تعالى ذكره: قال موسى له مجيبًا: ربُّنا الذي أعْطَى كلَّ شيءٍ خلقه. يعني: نظير خلقه في الصورة والهيئة؛ كالذكور من بنى آدمَ أعْطاهم نظير خلقهم مِن الإناث أزواجًا، وكالذكور من البهائم أعطاها نظير خلقها وفي صورتها وهيئتها من الإناث أزواجًا، فلم يُعْطِ الإنسانَ خلاف خلقه فيُزَوِّجَه بالإناث من البهائم، ولا البهائم بالإناث من الإنس، ثم هداهم للمأتَى الذي منه النسل والنَّماء كيف يَأْتيه، ولسائر منافعه من المطاعم والمشارب وغير ذلك.\nوقد اخْتَلَف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم بنحو الذي قلنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5756>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. يقولُ: خلق لكلِّ شيءٍ زوجه (^٢)، ثم\n_________\n(^١) في م: \"بالجماعة\".\n(^٢) في م، ت ١: \"زوجة\".","vol":"16","page":79},{"text":"هداه لمنكَحِه ومَطْعَمِه ومشرَبه ومسكنِه ومولدِه (^١).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ [ثُمَّ هَدَى﴾. يقولُ] (^٢): أعطى كلَّ دابةٍ خلَقَها زوجًا، ثم هدَى للنكاحِ (^٣).\nوقال آخرون: معنى قوله: ﴿ثُمَّ هَدَى﴾. أنه هداهم إلى الأُلفةِ والاجتماعِ والمُناكحة.\n\n<span data-type='title' id=toc-5757>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. يعنى: هَدى بعضهم إلى بعضٍ، ألَّف بين قلوبهم وهداهم للتزويج؛ أن يُزَوِّجَ بعضُهم بعضًا.\nوقال آخرون: بل (^٤) معنى ذلك: أعْطَى كلَّ شيءٍ صورته، وهي خلقه الذي خلقه به، ثم هداه لما يُصْلِحُه مِن الاحتيال للغذاء والمعاش.\n\n<span data-type='title' id=toc-5758>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. قال: أعْطَى كلَّ شيءٍ صورته، ثم\n_________\n(^١) في ت ٢: \"مولوده\".\nوالأثر أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (١٣٩) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢.\n(^٣) تقدم أوله في ص ١٩.\n(^٤) زيادة من: ت ٢.","vol":"16","page":80},{"text":"هدَى كلَّ شيءٍ إلى معيشتِه.\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. قال: سوَّى خلق كلِّ دابةٍ، ثم هداها لما يُصْلِحُها، فعلَّمها إياه (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. قال: سوَّى خلقَ كُلِّ دابةٍ، ثم هداها لما يُصْلِحُها وعلَّمَها إياه، ولم يَجْعَلِ الناس في خلقِ البهائم، ولا خلقَ البهائم في خلقِ الناسِ، ولكن خَلَقَ كلَّ شيءٍ فقدَّره تقديرًا.\nحدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حميد، عن مجاهدٍ: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. قال: هداه إلى حيلته ومعيشته.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أعْطَى كلَّ شيءٍ ما يُصْلِحُه، ثم هداه له.\n\n<span data-type='title' id=toc-5759>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾. قال: أعْطَى كلَّ شيءٍ ما يُصْلِحُه، ثم هداه له (^٢).\nقال أبو جعفر: وإنما اخْتَرْنا القول الذي اخترنا في تأويل ذلك؛ لأنَّه جلَّ ثناؤه\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٦٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٧ عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٢ عن الحسن، وعزاه إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"16","page":81},{"text":"أَخْبَر أَنَّه أَعْطَى كُلَّ شيءٍ خلقه، ولا يُعْطِى المُعْطَى نفسه، بل إنما يُعْطَى ما هو غيرُه؛ لأن العطية تَقْتَضِى المُعْطى والمُعْطَى والعطية، ولا تكون العطية هي المُعْطى، وإذا لم تكن هي هو، وكانت غيره، وكانت صورة كلِّ خلقٍ بعض أجزائه، كان معلومًا أنه إذا قيل: أعْطَى الإنسان صورته (^١). أنما يعنى أنه أعطى بعض المعانى التي (^٢) به مع غيرِه دُعِى إنسانًا، فكأنَّ قائله قال: أعْطَى كلَّ خلقٍ نفسه. وليس ذلك إذا وجِّه إليه الكلام بالمعروفِ مِن معاني العطية، وإن كان قد يَحْتَمِلُه الكلام.\nفإذا كان ذلك كذلك، فالأصوبُ من معانيه أن يكونَ مُوَجَّهًا إلى أن كلُّ شيءٍ أعْطاه ربُّه مثلَ خلقِه، فزوَّجه به، ثم هداه (^٣) لما يشاءُ (^٤). ثم ترك ذكر \"مثل\"، وقيل: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾. كما يقالُ: عبدُ اللهِ مثلُ الأسد. ثم يَحْذِفُ \"مثل\"، فيقولُ: عبدُ اللهِ الأَسدُ.\n\n<span id=\"aya-2399\"></span><span data-type='title' id=toc-5760>القولُ في تأويل قوله عزَّ ذكرُه: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾</span>\nيقول تعالى ذكره: قال فرعون لموسى، إذ وصف موسى ربَّه ﷻ بما وصفه به من عظيم السلطان، وكثرة الإنعام على خلقه والإفضال: فما شأن الأمم الخالية من قبلنا لم تُقِرَّ بما تقولُ، ولم تُصَدِّقْ بما تَدْعُو إليه، ولم تُخلص له العبادة، ولكنها عبدَت الآلهة والأوثانَ مِن دونِه، إن كان الأمر على ما تَصِفُ مِن أن الأشياءَ كلَّها خلقُه، وأنها في نعمِه تَتَقَلَّبُ، وفى مِننِه تَتَصَرَّفُ؟\n\n<span id=\"aya-2400\"></span>فأجابه موسى فقال: علم هذه الأمم التي مضت من قبلنا فيما فعلت ذلك، عند ربي، ﴿فِي\n_________\n(^١) بعده في: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أنه\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"الذي\".\n(^٣) في ت ٢: \"بيناه\".\n(^٤) في م: \"بينا\"، وفى ف: \"شاء\".","vol":"16","page":82},{"text":"كِتَابٍ﴾. يعني: في أمِّ الكتاب، لا علم لى بأمرها، وما كان سبب ضلالِ مَن ضَلَّ منهم، فذهب عن دينِ اللهِ، ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾. يقولُ: لا يُخْطِئُ ربي في تدبيره وأفعاله، فإن كان عذَّب تلك القرون في عاجلٍ، وعجَّل هلاكها، فالصواب ما فعل، وإن كان أخَّر عقابها إلى القيامة، فالحقُّ ما فعَل، هو أعلم بما يَفْعَلُ، لا يُخْطِئُ ربِّى، ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ فيترُك فعل ما فعلُه حكمةٌ وصوابٌ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5761>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾. يقولُ: لا يُخْطِئُ ربى ولا ينسى (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾. يقولُ: فما أعْمَى القرون الأولى؟ فوكَّلها نبيُّ اللهِ مُوَكَّلًا، فقال: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ الآية. يقول: أي (^٢): أعمارُها وآجالها.\nوقال آخرون: معنى قوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ واحدٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5762>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾. قال: هما شيءٌ واحدٌ (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٢ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ٢: \"إلى\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٦٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٢ إلى المصنف وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":83},{"text":"حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: [ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ] (^١)، عن مجاهدٍ مثله.\nوالعرب تقولُ: ضلَّ فلانٌ منزله. إذا أخْطَاء، يَضِلُّه، بغير ألفٍ، وكذلك ذلك في كلِّ ما كان من شيءٍ ثابت لا يَبْرَحُ، فَأَخْطَأه [مُرِيدُه، فإنها تقولُ: [ضلَّه. ولا تقول] (^٢): أضله. فأما إذا ضاع منه ما يَزولُ بنفسه مِن دابةٍ وناقةٍ و] (^٣) ما أشبَه ذلك من الحيوان الذي يَنْفَلِتُ منه فيَذْهَبُ، فإنها تقولُ: أَضَلَّ فلانٌ بعيره. أو: شاته. أو: ناقته. يُضِلُّه، بالألف.\nوقد بيَّنا معنى \"النسيان\" فيما مضى قبل بما أغْنَى عن إعادتِه (^٤).\n\n<span id=\"aya-2401\"></span><span data-type='title' id=toc-5763>القول في تأويل قوله عزَّ ذكرُه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا (^٥) وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣)﴾.</span>\nاخْتَلَف أهل التأويل في قراءة قوله: ﴿مَهْدًا﴾؛ فقرأته عامة قرأة المدينة والبصرة: (الذي جعل لكم الأرضَ مهادًا) بكسر الميم من \"المهادِ\"، والحاقِ ألفٍ فيه بعد الهاءِ (^٦)، وكذلك [فعلُهم (^٧) ذلك في كلِّ القرآن.\nوزعم بعضُ مَن اختار قراءة ذلك كذلك] (^٨) أنه إنما اخْتاره مِن أجلِ أن\n_________\n(^١) في ت ٢: \"ثنا ورقاء جميعًا عن أبي نجيح\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٢/ ٣٩٠ - ٣٩٧.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"مهادا\".\n(^٦) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ٤١٨.\n(^٧) في م: \"عملهم\".\n(^٨) سقط من: ص، ت ١، ف.","vol":"16","page":84},{"text":"المهاد اسم الموضع، وأن المهد الفعل. قال: وهو مثلُ الفَرْشِ والفراش.\nوقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ﴿مَهْدًا﴾ (^١). بمعنى: الذي مهَّدَكم (^٢) الأرضَ مَهْدًا (^٣).\nوالصوابُ من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان [متقاربتا المعنى؛ لأن الأرضَ إذا كان اللهُ قد جعلها مهادًا لخلقه فقد مَهَّدَهُموها، وإن كان قد مَهّدَهُموها فقد جعلها لهم مهادًا، وهما مع ذلك قراءتان] (^٤) مُسْتَفِيضتان في قرأة الأمصار، مشهورتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمُصِيبٌ الصواب فيها.\nوقوله: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾. يقول: وأَنْهَج لكم في الأرضِ طرقًا.\nوالهاء في قوله: ﴿فِيهَا﴾ من ذكرِ الأَرضِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾. أي: طرقًا (^٥).\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾. يقولُ: وأَنْزَلَ مِن السماءِ مطرًا ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾. وهذا خبرٌ مِن الله تعالى ذكره عن إنعامه على خلقه بما يُحْدِثُ لهم من الغيث الذي يُنْزِلُه من سمائه إلى أرضه، بعد تناهي خبره عن جواب موسى فرعون عما سأله عنه، وثنائه على ربِّه بما هو أهله، يقولُ جلَّ ثناؤه: فأَخْرَجْنا\n_________\n(^١) وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٤١٨.\n(^٢) في م: \"مهد لكم\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ف.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٥) تقدم تخريجه في ١٤/ ١٩١.","vol":"16","page":85},{"text":"نحن، أيُّها الناسُ، بما نُنْزِلُ مِن السماءِ مِن ماء - ﴿أَزْوَاجًا﴾. يعنى: ألوانًا ﴿مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾. يعني: مختلفةِ الطُّعومِ والأَراييح والمنظرِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5764>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾. يقولُ: مختلفٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-2402\"></span><span data-type='title' id=toc-5765>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: كُلُوا أيُّها الناسُ من طيِّب ما أُخْرَجْنا لكم بالغيث الذي أنْزَلَناه من السماء إلى الأرض من ثمار ذلك وطعامه، وما هو من أقواتكم وغذائكم، وارْعَوْا فيما هو أزراقُ بهائمكم منه وأقواتُها - أنعامكم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾. يقول: إن فيما وصفتُ في هذه الآية من قدرة ربَّكم، وعظيم سلطانه ﴿لَآيَاتٍ﴾. يعنى: لدلالاتٍ وعلاماتٍ تَدُلُّ على وحدانية ربِّكم، وأن لا إله لكم غيرُه - ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾. يعنى: أهل الحِجَا والعقولِ.\nوالنُّهَى جمعُ نُهْيَةٍ، كما الكُشَى جمع كُشْبَةٍ. والكُشَى شحمةٌ تكون في جوفِ الضَّبِّ، شبيهةٌ بالسُّرَّة.\nوخصَّ تعالى ذكرُه بأن ذلك آياتٌ لأُولى النُّهَى؛ لأنهم أهل التفكُّرِ والاعتبارِ، وأهل التدبر والاتِّعاظ.\n\n<span id=\"aya-2403\"></span><span data-type='title' id=toc-5766>القول في تأويل قوله عزَّ ذكرُه: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٢ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":86},{"text":"نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾.\nيقول تعالى ذكره: من الأرضِ خلقناكم أيُّها الناسُ، فأَنْشَأْناكم أجسامًا ناطقةً، ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾. يقولُ: وفى الأرضِ نُعِيدُكم بعد مَماتِكم، فنُصَيِّرُكم ترابًا، كما كنتم قبل إنشائِناكم (^١) بشرًا سويًّا، ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ﴾. يقولُ: ومن الأرضِ نُخْرِجُكم كما كنتم قبل مماتكم أحياءً، فنُنْشِئُكم منها، كما أَنْشَأْناكم أَوْلَ مرة.\nوقولُه: ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾. يقولُ: مرةً أُخرى.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾. يقولُ: مرةً أُخرى (^٢).\nحدَّثني يونُس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾. قال: مرةً أخرى، الخَلْقِ الآخر.\nقال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذن: من الأرضِ أخْرَجْناكم، ولم تكونوا شيئًا، خلقًا سويًّا، وسنُخْرِجُكم منها بعد مماتكم مرةً أُخرى، كما أخرجناكم منها أول مرةٍ.\n\n<span id=\"aya-2404\"></span><span data-type='title' id=toc-5767>القول في تأويل قوله عزَّ ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ولقد أرينا (^٣) فرعونَ ﴿آيَاتِنَا﴾. يعنى: أدلتَنا وحججَنا\n_________\n(^١) في م: \"إنشائنا لكم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٢ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م: \"رأينا\".","vol":"16","page":87},{"text":"على حقيقة ما أَرْسَلْنا به رسولَيْنا؛ موسى وهارونَ ﴿كُلَّهَا﴾، ﴿فَكَذَّبَ﴾ بها (^١) ﴿وَأَبَى﴾ أن يَقْبَلَ مِن موسى وهارونَ ما جاءاه (^٢) به من عند ربِّهما من الحقِّ استكبارًا وعُتُوًّا.\n\n<span id=\"aya-2405\"></span><span data-type='title' id=toc-5768>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قال فرعونُ لمَّا أرَيناه آياتنا كلَّها لرسولنا موسى: أجئتنا يا موسى لتخرجنا من منازلنا ودورنا بسحرك هذا الذي جئتنا به؟\n\n<span id=\"aya-2406\"></span>﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ نتَّعِدُه (^٣)؛ لنجئَ بسحرٍ مثل الذي جئت به، فننظر أيُّنا يغلب صاحبه، لا نُخلِفُ ذلك الموعد، ﴿نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾. يقولُ: بمكانٍ عَدْلٍ بينَنا وبينك، ونَصَفٍ.\nوقد اختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة الحجاز والبصرة، وبعضُ الكوفيين: (مكانا [سِوًى) بكسر السين (^٤).\nوقرأته عامة قرأة الكوفة: ﴿مَكَانًا] (^٥) سُوًى﴾ بضمِّها (^٦).\nقال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما (^٧) لغتان، أعنى\n_________\n(^١) ليست في: ص، م، ت ١، ت ٣.\n(^٢) في ص، م: \"جاءا\". وفى ت ١، ف: \"جاءه\".\n(^٣) في م، ت ٢: \"لا نتعداه\"، وفي ف: \"نقعده\".\n(^٤) قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي. السبعة ٤١٨.\n(^٥) سقط من: ت ٢.\n(^٦) قرأ بها ابن عامر وعاصم وحمزة. المصدر السابق\n(^٧) بعده في ت ١: \"قراءتان و\".","vol":"16","page":88},{"text":"الكسر والضمِّ في السين [مِن \"سوى\" مشهورتان في العرب، وقد قرأت بكلِّ واحدةٍ منهما علماء من القرأة، مع اتفاق معنييهما] (^١)، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوللعرب في ذلك، إذا كان بمعنى العَدْلِ والنَّصَفِ، لغةٌ هي أشهرُ من الكسرِ والضمِّ، وهو الفتحُ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]. وإذا فُتِحت السينُ منه مُدَّ، وإذا كُسِرت أو ضُمَّت قُصِر، كما قال الشاعر: (^٢):\nفإنَّ (^٣) أبانا كانَ حَلَّ بِبَلْدَةٍ … سِوًى بينَ قَيْسٍ قَيْسِ عَيْلَانَ وَالفِزْرا (^٤)\nونظيرُ ذلك من الأسماء: طُوًى وطوًى، وثُنًى وثِنًى، وعُدًى وعِدًى.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5769>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾. قال: [مَنْصَفًا بينَهم] (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) هو موسى بن جابر الحنفى، كما في الصحاح، واللسان (س وى)، وهو في الأضداد ص ٤٢ غير منسوب.\n(^٣) في الصحاح، واللسان: \"وجدنا\".\n(^٤) في ص: \"القرن\"، وفى ت ١: \"الفرن\"، وفى ف: \"العرن\".\n(^٥) في ص: \"منقصا منهم\"، وفى ت ١: \"منقضا منهم\".\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٤٦٣، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٥٦ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":89},{"text":"حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾. أي: عادلًا بيننا وبينك.\nحدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، عن معمر، عن قتادة قوله: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾. قال: نَصَفًا بيننا وبينك (^١).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قوله: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾. قال: يقولُ: عَدْلًا (^٢).\nوكان ابن زيد يقولُ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾. قال: مكانًا مستويًا يتبيَّنُ الناسُ ما فيه، لا يكونُ صُوَبٌ (^٣) ولا شيءٌ فيغيبَ بعضُ ذلك عن بعضٍ، مستوٍ حتى يُرَى (^٤).\n\n<span id=\"aya-2407\"></span><span data-type='title' id=toc-5770>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قال موسى لفرعونَ حين سأله أن يجعل بينه وبينه موعدًا\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تقدم أوله في ص ١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٣ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٣، ف: \"صوت\". والصُّوبة: الكثبة من تراب أو غيره. اللسان (ص وب).\n(^٤) في ت ٢: \"يرون\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٣ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"16","page":90},{"text":"للاجتماع: ﴿مَوْعِدُكُمْ﴾ للاجتماع ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾. يعنى يوم عيدٍ كان لهم، أو سوقٍ كانوا يتزيَّنون فيه، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾. يقولُ: وأن يُساقَ النَّاسُ مِن كُلِّ فجٍّ وناحيةٍ ﴿ضُحًى﴾، فذلك موعد ما بيني وبينك للاجتماع.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5771>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾: فإنه يوم زينة [يجتمعون إليه، ويُحشر الناس له] (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾. قال: يوم زينةٍ لهم، ويوم عيدٍ لهم، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ إلى عيدهم (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ: ﴿يَوْمُ الزَّينَةِ﴾. قال: يومُ السوقِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمُ الزَّينَةِ﴾: مَوْعِدُهم (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"يجتمع الناس إليه ويحشر الناس له\"، وفى ت ١، ف: \"يجتمعون الناس له ويحشرون إليه\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"عيد لهم\". والأثر ذكره الطوسي في التبيان ٧/ ١٦٠.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٦٣ وفيه: يوم عيد لهم، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٣ إلى عبد بن حميد وفيه: هو عيدهم.","vol":"16","page":91},{"text":"حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: قال موسى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾: وذلك يومُ عيدٍ لهم (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾: يوم عيد كان لهم. وقوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾: يجتمعون لذلك الميعاد الذي وُعِدوه (^٢).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾. قال: يوم العيدِ؛ يومَ يتفرَّغُ الناسُ مِن الأعمال، ويشهدون ويحضرون ويرون (^٣).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾: يوم عيدٍ كان فرعون يخرج له، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾؛ حتى يحضروا أمرى وأمرَك (^٤).\nو\"أنْ\" مِن قولِه: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾. رفعٌ بالعطف على قوله: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾.\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ١٩.\n(^٢) في ت ٢: \"واعده\".\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٣ إلى عبد بن حميد إلى قوله: عيد كان لهم، وعزا آخره إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٣ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) تقدم أوله في ص ١٩ من قول وهب بن منبه، وينظر قول ابن إسحاق في التبيان ٧/ ١٦٠.","vol":"16","page":92},{"text":"وذُكر عن أبي نَهِيكِ في ذلك ما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نَهيك يقرأ (^١): (وأنْ يَحشُرَ النَّاسَ ضُحًى): يعنى فرعون يحشُرُ قومه (^٢).\n\n<span id=\"aya-2408\"></span>وقوله: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾. يقول تعالى ذكره: فأدبر فرعون معرضًا عما أتاه به من الحقِّ، ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾. يقولُ: فجمَع مَكرَه، وذلك جمعُه سَحَرتَه (^٣) بعد أخذه إياهم بتعلُّمه، ﴿ثُمَّ أَتَى﴾. يقول: ثم جاء للموعدِ الذي وعده موسى، وجاء بسَحَرَته.\n\n<span id=\"aya-2409\"></span><span data-type='title' id=toc-5772>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قال موسى للسحرة لما جاء بهم فرعون: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. [يقولُ: لا تختلقُوا على الله كذبًا] (^٤)، ولا تتقوَّلوه، ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾. يقولُ: فيستأصِلَكم بهلاكٍ فيُبيدكم.\nوللعرب فيه لغتان: سَحَت، وأسحَت، وسخت أكثرُ مِن أسحَت، يقالُ منه: سحت الدهرُ والحدَثُ (^٥) مالَ فلانٍ، إذا أهلَكه، فهو يَسحَتُه سَحْتًا، وأَسحَته يُسحِتُه إسحانًا. ومن الإسحاتِ قول الفرزدق (^٦):\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"يقول\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٣ إلى ابن أبي حاتم، وفيه أن قراءته بالتاء، وهما قراءتان عنه، وبالياء والتاء قرأ ابن مسعود والجحدري وأبو عمران الجونى وعمرو بن فائد. البحر المحيط ٦/ ٢٥٤. وهما قراءتان شاذتان.\n(^٣) في ت ٢: \"حرته\".\n(^٤) سقط من: ت ٢٠.\n(^٥) في م، ت ١: \"أسحت\"، وفي ت ٢: \"احدت\".\n(^٦) تقدم تخريجه في ٨/ ٤٣٥.","vol":"16","page":93},{"text":"وعَضٌ زَمانِ يا بْنَ مَرْوَانَ لم يَدَعْ … مِنَ المالِ إِلَّا مُسْحَتًا (^١) أَوْ مُجلَّفُ\nويروى: إلا مسحتٌ (^٢) أو مجلَّفُ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5773>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾. يقولُ: فيُهِلِكَكُم (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾. يقولُ: يستأصِلكم بعذابٍ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾. قال: فيستأصِلَكم بعذابٍ، فيُهلككم (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾. قال: يُهلِكَكم هلاكًا ليس فيه بقيَّةٌ. قال: والذي يُسحَتُ ليس فيه بقيةٌ (^٥).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٣، ف: \"مسحت\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٣، ف: \"مسحتا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ق ٢٨٨ - إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ق ٢٨٨ - إلى عبد بن حميد.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ق ٢٨٨ - إلى ابن أبي حاتم.","vol":"16","page":94},{"text":"بِعَذَابٍ﴾. قال: يهلِكَكم بعذاب (^١).\nواختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأةِ أهل المدينة و[بعضُ أهل] (^٢) البصرة وبعضُ أهل الكوفة: (فَيَسْحَتَكُمْ). [بفتح الياءِ] (^٣) مِن: سحَت يَسحَتُ (^٤).\nوقرَأته عامة قرأة الكوفة: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾، بضمِّ الياء من: أسحَت يُسحِتُ (^٥).\nقال أبو جعفرٍ: والقولُ في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان بمعنًى واحدٍ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غير أن الفتح فيها أعجبُ إليَّ؛ لأنها لغةُ أهل العالية وهى أفصحُ، والأُخرى وهى الضمِّ في نجدٍ.\nوقولُه: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾. يقولُ: ولم يظفّرْ مَن يخلُقُ كذبًا ويقولُه، بكذبه ذلك، بحاجتِه التي طلبها به، ورجا إدراكَها به.\n\n<span id=\"aya-2410\"></span><span data-type='title' id=toc-5774>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ (^٦) لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فتنازَع السحرةُ أمرَهم بينهم.\nوكان تنازُعُهم أمرهم بينهم، فيما ذُكر، أن قال بعضُهم لبعض، ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾: قال السحرةُ بينهم: إن كان هذا ساحرًا فإنا سنغلبُه، وإن كان من\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ١٩.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، ف.\n(^٣) في ت ١، ف: \"بفتح التاء\"، وفى ت ٢: \"بضم الياء\".\n(^٤) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي بكر وأبي عمرو وابن عامر وأبى جعفر وروح. ينظر النشر ٢/ ٢٤٠.\n(^٥) وهى قراءة حمزة والكسائي وخلف وحفص ورويس. المصدر السابق.\n(^٦) في ت ١: \"هذين\". وهى قراءة أبي عمرو، وقرأ: \"إِنَّ\" بتشديد النون. السبعة لابن مجاهد ص ٤١٩.","vol":"16","page":95},{"text":"السماءِ فله أمرٌ (^١).\nوقال آخرون: بل هو أنَّ بعضهم قال لبعضٍ: ما هذا القولُ بقول ساحرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5775>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدِّثت عن وهب بن منبهٍ، قال: جمع كلُّ ساحرٍ حباله وعصيَّه، وخرج موسى معه أخوه، يَتَّكِئُ على عصاه، حتى أتى الجمْعَ (^٢)، وفرعون في مجلسِه معه أشرافُ أهل مملكته، قد استكفَّ (^٣) له الناسُ، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾. فترادَّ السحرةُ بينهم، وقال بعضُهم لبعض: ما هذا [بقول ساحرٍ] (^٤).\nوقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾. يقول تعالى ذكره: وأسرُّوا السحرةُ المناجاة بينهم.\nثم اختلف أهل العلم في \"السِّرار\" الذي أسرُّوه؛ فقال بعضُهم: هو قولُ بعضِهم لبعضٍ: إن كان هذا ساحرًا فإنا سنغلبُه (^٥)، وإن كان من أمر السماء فإنه سيغلبُنا (^٦).\n\n<span id=\"aya-2411\"></span>وقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدِّثت عن وهب بن منبهٍ، قال: أشار بعضهم إلى بعضٍ بتناجٍ: ﴿إِنْ هَذَانِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ق ٢٨٨، ٢٨٩ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"المجمع\".\n(^٣) في ت ١: \"استلف\"، وفي ت ٢: \"أسِد\".\n(^٤) في ت ١: \"يقول الساحر\"، وفى ف: \"بقول الساحر\". والأثر تقدم أوله في ص ١٩.\n(^٥) في ص: \"سنقتله\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٣، ف: \"سيقتلنا\".","vol":"16","page":96},{"text":"لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾ (^١).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾: من دونِ موسى وهارون، فقالوا في نجواهم: ﴿إِنْ هَذَانِ (^٢) لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا [وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ (^٣).\n﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾. يعنُون بقولهم: ﴿إِنْ هَذَانِ﴾: موسى وهارونَ ﴿لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾] (^٤).\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾: يعنون (^٥) موسى وهارونَ صلى الله عليهما.\nوقد اختلفت القرأة في قراءةِ قوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾؛ فقرأته عامة قرأةِ الأمصار: (إِنَّ هَذَانِ). بتشديدِ \"إِنَّ\" وبالألفِ في \"هذان\" (^٦). وقالوا: قرأنا ذلك كذلك [[اتِّباعًا لخطِّ المصحف] (^٧).\nواختلف أهل العربية في وجه ذلك إذا قُرِئَ كذلك] (^٨)؛ فكان بعضُ أهل العربية\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ١٩.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٣، ف: \"هذين\". وما في هذه النسخ قراءة أبي عمرو كما تقدم في ص ٩٥.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٧/ ١٦٢ عن السديِّ.\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٦) وهى قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وأبى بكر عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ٤١٩.\n(^٧) في ت ٢: \"اتبا لخط المصنف\". والمثبت هو الصواب.\n(^٨) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، ف.","vol":"16","page":97},{"text":"من أهل البصرة يقولُ: \"إن\" خفيفةٌ في معنَى ثقيلةٍ، وهي لغةٌ لقومٍ يرفَعون بها، ويُدخِلون اللامَ ليفرِّقُوا بينَها وبينَ التي تكونُ في معنى \"ما\".\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفة (^١): ذلك على وجهين: أحدُهما، على لغة بني الحارثِ بن كعبٍ ومَن جاورهم؛ يجعلون الاثنين في رفعهما ونصبِهما وخفضِهما بالألف (^٢). وقال (^٣): أنشَدنى رجلٌ من الأَسْدِ (^٤) عن بعضِ بني الحارث بن كعبٍ (^٥):\nفَأَطْرَقَ إِطْرَاقَ الشُّجَاعِ وَلَوْ يَرَى (^٦) … مساغًا لناباه (^٧) الشُّجاع لصمَّما (^٨)\nقال: وحكَى عنه أيضًا: هذا خطُّ يدا أخى أعرفُه. قال: وذلك - وإن كان قليلًا - أقيَسُ؛ لأن العربَ قالوا: مسلمون. فجعَلوا الواوَ تابعةً للضمة؛ لأنها لا تُعرَبُ (^٩)، ثم قالوا: رأيتُ المسلمين. فجعَلوا الياءَ تابعةً لكسرةِ الميم. قال: فلما رأوا الياءَ من الاثنينِ لا يمكنُهم كسرُ ما قبلَها وثَبَتَ مفتوحًا، تركوا الألفَ تتبعُه، فقالوا: رجلان. في كلِّ حالٍ. قال: وقد اجتمَعت العربُ على إثباتِ الألف في: كلا الرجلين. في الرفع والنصبِ والخفضِ، وهما اثنان، إلا بني كنانةَ، فإنهم يقولون:\n_________\n(^١) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ١٨٤.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ف: \"واللام\".\n(^٣) في م، ت ٢، ف: \"قد\".\n(^٤) الأسْد: لغةٌ في الأَزْد، وهى بالسين أفصح وبالزاي أكثر. ينظر التاج (أ س د).\n(^٥) هو المتلمس الضبعي، والبيت في ديوانه ص ٣٤.\n(^٦) في م: \"رأى\"، وفى ت ١، ف: \"ترى\".\n(^٧) في الديوان: \"لنابيه\".\n(^٨) الشجاع: الحية الذكر، وقيل: هو ضرب من الحيات. وصمم: عض ونيَّب فلم يرسل ما عض. اللسان (ش ج ع، ص م م)\n(^٩) في ص، ت ١، ت ٣، ف: \"تعرف\"، وفي ت ٢: \"يعرف\".","vol":"16","page":98},{"text":"رأيتُ كِلَي الرجلين، ومررتُ بكلي الرجلين. وهي قبيحةٌ قليلةٌ مُضُوًّا على القياسِ. قال: والوجهُ الآخرُ أن تقول: وُجِدَت الألفُ [من \"هذا\" دعامةً، وليست بلام \"فعل\"، فلما بُنيَت زدتَ عليها نونًا، ثم تُركت الألفُ] (^١) ثابتةً على حالها لا تزولُ [في كلِّ] (^٢) حالٍ، كما قالت العربُ: الذي. ثم زادوا نونًا تدلُّ على الجماع (^٣)، فقالوا: الذين. في رفعِهم ونصبِهم وخفضهم، كما تركوا \"هذان\" في رفعِه ونصبِه وخفضِه. قال: [وكنانةُ يقولون] (^٤): الَّذون.\nوقال آخرُ منهم: ذلك من الجزم المرسل، ولو نُصب لخرَج إلى الانبساطِ (^٥).\nوحُدثت عن أبي عُبيدةَ معمر بن المثنى (^٦)، قال: قال أبو عمروٍ (^٧) وعيسى بنُ عمرَ (^٨) و(^٩) يونسُ: (إِنَّ هذين لساحران) في اللفظ، وكُتب \"هذان\" كما [يزيدون [ويَنْقُصون في] (^١٠) الكتاب، واللفظُ صوابٌ. قال: وزعم أبو الخطاب] (^١١) أنه سمع قومًا من بني كنانةَ وغيرهم يرفَعون الاثنين في موضع الجرِّ والنصب. قال: وقال بشرُ بن هلالٍ: \"إنَّ\" بمعنى الابتداء والإيجاب، ألا ترَى أنها\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ف.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"بكل\".\n(^٣) في م، ت ٢: \"الجمع\".\n(^٤) في م، ت ٢: \"وكان القياس أن يقولوا\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"وكأنه يقول\"، والمثبت من معاني القرآن للفراء ٢/ ١٨٤.\n(^٥) في ت ٢: \"الاستنباط\".\n(^٦) مجاز القرآن ٢/ ٢١، ٢٢.\n(^٧) في ت ١، ف: \"عمر\".\n(^٨) في ص، ف: \"عمرو\".\n(^٩) في ص، ت ١، ف: \"بن\".\n(^١٠) سقط من النسخ، والمثبت من مجاز القرآن.\n(^١١) سقط من: ت ٢.","vol":"16","page":99},{"text":"تعمَلُ فيما يليها، ولا تعملُ فيما (^١) بعد (^٢) الذي بعدَها، فترفعُ الخبرَ، ولا (^٢) تنصِبُه كما تنصِبُ (^٣) الاسم؟ فكان مجازُ (إنَّ هذان لساحران) مجازَ كلامين، مَخْرجُه: إنه، أي: نعم. ثم قلت: هذان ساحران. ألا ترَى أنهم يرفعون المُشرَكَ (^٤) كقول ضابيء (^٥):\nفَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالمَدِينَةِ (^٢) رَحْلُهُ … فإِنِّي وَقَيَّارٌ (^٦) بِهَا لَغَرِيبُ\nوقوله (^٧):\nإنَّ السُّيُوفَ غُدُوُّها وَرَوَاحُها … تَرَكَتْ هَوَازِنَ مِثْلَ قَرْنِ الْأَعْضَبِ\nقال: ويقولُ بعضُهم: (إن الله وملائكتُه يصلُّون على النبيِّ) (^٨). فيرفَعون (^٩) على شركة الابتداء، ولا يُعملون فيهم \"إنَّ\". قال: وقد سمعتُ الفصحاءَ من المُحرمين يقولون: إن الحمدَ والنعمةُ لك والملكُ، لا شريكَ لك. قال: وقرأها قومٌ على تخفيفِ نون \"إن\" وإسكانها (^١٠). قال: وهو يجوزُ؛ لأنهم قد أدخلوا اللام في\n_________\n(^١) في ت ٢: \"فيها\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ف.\n(^٣) في م، ت ٢: \"نصبت\".\n(^٤) في م، ت ٢: \"المشترك\".\n(^٥) نوادر أبي زيد ص ٢٠، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٣١١، ومجالس ثعلب ص ٣١٦، ٥٩٨، والكتاب ١/ ٧٥، والكامل للمبرد ١/ ٣٢٠، وخزانة الأدب ١٠/ ٣١٢، ٣١٣.\n(^٦) قيار: اسم فرسه، وقال أبو زيد: اسم جمله. وقيار يروى بالرفع والنصب.\n(^٧) هو الأخطل، والبيت في شرح ديوانه ص ٣٢٩.\n(^٨) قرأ بها ابن عباس وعبد الوارث عن أبي عمرو. البحر المحيط ٧/ ٢٤٨.\n(^٩) بعده في مجاز القرآن: \"ملائكته\".\n(^١٠) هي قراءة حفص عن عاصم، وقرأ ابن كثير بتخفيف نون \"إن\" وتشديد نون \"هذان\". السبعة لابن مجاهد ص ٤١٩.","vol":"16","page":100},{"text":"الابتداء وهى فضلٌ. قال (^١):\nأُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهُ (^٢)\nقال: وزعم قومٌ أنه لا يجوزُ؛ لأنه إذا خفَّف نونَ \"إن\" فلا بدَّ له من أن يُدخِلَ \"إلا\" فيقولَ: إنْ هذان إلا ساحران.\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القراءة في ذلك عندنا: (إنَّ) بتشديد نونها، (هذان) بالألف؛ لإجماع الحجة من القرأة عليه، وأنه كذلك هو في خطِّ المصحف. ووجهُه إذا قُرِئ كذلك مشابهتُه \"الذين\"، إذ زادوا على \"الذي\" النونَ، وأقرَّ (^٣) في جميع أحوال (^٤) الإعراب على حالةٍ واحدةٍ، فكذلك (إنَّ هَذَانِ). زِيدَت على \"هذا\" نونٌ وأُقِرَّ في جميع أحوال الإعراب على حالةٍ واحدةٍ، وهى لغةُ بَلحرث بن كعبٍ، وخثعمَ، وزُبَيدٍ، ومَن وَليَهم من قبائل اليمن.\nوقولُه: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. يقولُ: ويغلبا على ساداتكم وأشرافكم.\nيقالُ: هو طريقةُ قومِه، ونَظُورَةُ قومه، ونَظيرتُهم. إذا كان سيدهم وشريفهم والمنظور إليه، يقالُ ذلك للواحد والجميع (^٥)، وربما جمَعوا، فقالوا: هؤلاء طرائقُ قومِهم. ومنه قولُ الله ﵎: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١]. وهؤلاء نظائرُ قومِهم.\n_________\n(^١) زيادات ديوان رؤبة ص ١٧٠، ونسبه الصاغانى في العباب - كما في خزانة الأدب ١٠/ ٣٢٦ - (شهرب) إلى عنترة بن عَرْوش. قال العيني: وهو الصحيح.\n(^٢) في ص: \"شهيبره\"، وفى ت ١، ف: \"سهيره\". والشهربة والشهبرة: العجوز الكبيرة. اللسان (شهبر).\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ف.\n(^٤) في م، ت ٢: \"الأحوال\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ف: \"الجمع\".","vol":"16","page":101},{"text":"وأما قولُه: ﴿الْمُثْلَى﴾. فإنها تأنيثُ \"الأمثل\"، يقالُ للمؤنث: خذ المُثلَى منهما. [وفى المذكرِ: خذِ الأمثلَ منهما] (^١). ووُحِّدَت ﴿الْمُثْلَى﴾ وهى صفةٌ ونعتٌ للجماعة، كما قيل: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. وقد يَحتملُ أن يكونَ \"المُثلى\" أنِّثت (^٢) لتأنيث الطريقة.\nوبنحو ما قلنا في معنى قوله: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5776>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. يقولُ: أمثلُكم، وهم بنو إسرائيل (^٣).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. قال: أولى العقل والشرف والأسنان (^٤).\n[حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. قال: أولى العقول والأشراف والأسنان (^٤)] (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ف.\n(^٢) في ت ٢: \"أثبت\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور كما في المخطوطة المحمودية ق ٢٨٩ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في م: \"الأنساب\".\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٤٦٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - مخطوط - إلى عبد بن حميد، وفي ٤/ ٣٠٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ف.","vol":"16","page":102},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: [ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعت إسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. قال: بسَراةِ الناسِ (^١).\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: نا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ مثله.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: نا] (^٢) يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾: [وطريقتُهم المُثلى] (^٣) يومئذٍ كانت بني إسرائيل، وكانوا أكثر القوم عددًا وأموالًا وأولادًا. قال عدُّو الله: إنما يريدان (^٤) أن يذهبا بهم لأنفسِهما.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. قال: ببنى إسرائيل (^٥).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. يقولُ: يذهَبا بأشراف قومكم (^٦).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ويغيِّرا سنتَكم ودينكم الذي أنتم عليه. من قولهم: فلانٌ حسنُ الطريقة.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم ووكيع في الغرور، وفي الدر: \"بأشرافكم\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، ف.\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"يريد\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٨.\n(^٦) تقدم أوله في ص ١٩.","vol":"16","page":103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5777>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. قال: يذهَبا بالذي أنتم عليه بغير (^١) ما أنتم عليه. وقرأ: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ [غافر: ٢٦]. قال: هذا قولُه: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. وقال: يقولُ: طريقتُكم اليوم طريقةٌ حسنةٌ، فإذا غيَّرَ (^٢) ذهبت هذه الطريقةُ (^٣).\nورُوى عن عليٍّ في معنى قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. ما حدَّثنا به القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ إسحاق، عن القاسمِ، عن عليّ بن أبي طالبٍ، قال: يصرفان وجوه الناس إليهما (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الذي قاله ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. وإن كان قولًا له وجهٌ يَحتمِلُه الكلامُ، فإن تأويل أهل التأويل بخلافِه، فلا أستجيزُ لذلك القول به.\n\n<span id=\"aya-2412\"></span><span data-type='title' id=toc-5778>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤)﴾.</span>\nاخْتَلَفَت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأة المدينة والكوفة: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ بهمز الألف من: ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ (^٥). ووجَّهوا معنى\n_________\n(^١) في م: \"يغير\".\n(^٢) في م: \"غيرت\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٣ إلى ابن أبي حاتم مختصرًا.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٦٣، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٢٩٥ - من طريق هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور كما في المخطوطة المحمودية ق ٢٨٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ٤٥٦.","vol":"16","page":104},{"text":"ذلك إلى: فأَحْكموا كيدَكم واعْزموا عليه. من قولهم: أجْمَع فلانٌ الخروجَ، وأجْمَع على الخروج. كما يقالُ: أزْمَع عليه. ومنه قولُ الشاعر (^١):\nيا ليت شِعْرِى والمُنَى لا تَنْفَعُ … هل أَغْدُونْ يومًا وأَمْرِى مُجْمَعُ\nيعنى بقوله: مُجْمَعُ: قد أُحْكم وعُزم عليه. ومنه قولُ النبيِّ ﷺ: \"من لم يُجْمِعْ على الصومِ مِن الليل فلا صومَ له\" (^١).\nوقرأ ذلك بعضُ قرَأة أهل البصرة: (فاجْمَعوا كَيْدَكم). بوصل الألف وترك همزِها (^٢)، من: جمَعْتُ الشيءَ. كأنه وجَّهه إلى معنى: فلا تَدَعوا من كيدكم شيئًا إلا جئْتُم به.\nوكان بعضُ قارئى هذه القراءةِ يَعْتَلُّ فيما ذُكِر لى لقراءته ذلك كذلك بقوله: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾.\nوالصوابُ في قراءة ذلك عندنا همزُ الألفِ مِن \"أَجْمَع\"؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأة عليه، وأن السَّحَرةَ هم الذين [قيل لهم ذلك، ولم يحضُروا ذلك المشهد إلا لما كان عندَهم من السحر الذي] (^٣) كانوا به معروفين، فلا وجه لأن يُقال لهم: اجمعُوا ما دُعيتُم له مما أنتم به عالمون (^٤)؛ لأن المرْءَ إنما يَجْمَعُ ما لم يَكُنْ عنده إلى ما عندَه، ولم يَكُنْ ذلك يومَ (^٥) يَزِيدُ في علمِهم بما كانوا يَعْلمونه (^٦) من السحر، بل كان يومَ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٢/ ٢٣١.\n(^٢) هي قراءة أبي عمرو. حجة القراءات ص ٤٥٦.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، ف.\n(^٤) في ت ٢: \"عاملون\".\n(^٥) في ت ٢: \"يوما\".\n(^٦) في م، ت ٢: \"يعملونه\".","vol":"16","page":105},{"text":"إظهاره، أو ما (^١) كان متفرِّقًا مما هو عندَه، بعضَه إِلى بعضٍ، ولم يكن السحرُ (^٢) متفرِّقًا عندَهم فَجَمَعوه (^٣).\nوأما قولُه: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾. فغيرُ شبيه المعنى بقوله: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾. وذلك أن فرعون كان هو الذي يَجْمَعُ ويَحْتَفِلُ بما (^٤) يَغْلِبُ به موسى مما لم يَكُنْ عندَه مُجْتَمِعًا حاضرًا، فقيل: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾.\nوقولُه: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾. يقولُ: ثم احْضُروا وجيئوا صفًّا. والصفُّ ههنا مصدرٌ، ولذلك وُحِّد، ومعناه: ثم ائْتُوا صُفوفًا.\nوللصفِّ في كلام العرب موضعٌ (^٥) آخرُ، وهو قولُ العرب: أَتَيْتُ الصفَّ اليومَ. يعني به المُصَلَّى الذي يُصَلَّى فيه.\nوقولُه: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾. يقولُ: قد ظفر بحاجته اليوم من علا على صاحبه فقهَره.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حُدِّثْتُ عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: جمَع فرعونُ الناسَ لذلك الجمع، ثم أمر السحرة فقال: ﴿ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾. أي: قد أفْلَح مَن فلَج (^٦) اليوم على صاحبه (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٢) في ت ١، ف: \"السحرة\".\n(^٣) في م، ت ٢: \"فيجمعونه\"، وفى ت ١، ت ٣: \"مجتمعون\"، وفى ف: \"مجتمعوه\".\n(^٤) في ص: \"مما\"، وفى ت ١، ت ٢: \"فيما\".\n(^٥) في ت ٢: \"مواضع\".\n(^٦) في م: \"أفلج\".\n(^٧) تقدم أوله في ص ١٩.","vol":"16","page":106},{"text":"<span id=\"aya-2413\"></span><span data-type='title' id=toc-5781>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فأَجْمَعَت السَّحَرَةُ كيدَهم، ثم أتَوْا صفًّا، فقالوا لموسى: ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾. وتُرك ذكرُ ذلك من الكلام اكتفاءً بدَلالة الكلامِ عليه.\nواخْتُلِف في مبلغ عددِ السَّحَرةِ الذين أَتَوْا يومَئِذٍ صفًّا؛ فقال بعضُهم: كانوا سبعين ألف ساحرٍ، مع كلِّ ساحرٍ منهم حبلٌ وعصًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5779>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن هشامِ الدَّسْتُوَائيِّ، قال: ثنا القاسمُ بنُ أَبي بَزَّةَ، قال: جمع فرعونُ سبعين ألفَ ساحرٍ، فالْقَوْا سبعين ألف حبلٍ، وسبعين ألفَ عصًا، فأَلْقَى موسى عصاه، فإذا هي ثعبانٌ مبينٌ [فاغِرٌ به فاه] (^١)، فابْتَلَع حبالهم وعِصِيَّهم، فأُلْقِي السَّحَرَةُ سُجَّدًا عند ذلك، فما رفعوا رءوسهم حتى رأوُا الجنة والنارَ وثوابَ أهلهما، فعندَ ذلك قالوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ (^٢) [طه: ٧٢].\nوقال آخرون: بل كانوا نَيِّفًا وثلاثين ألفَ رجلٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5780>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: قالوا:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"فاغره\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٠/ ٣٥٨.","vol":"16","page":107},{"text":"﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥]. قال لهم موسى: ألْقُوا. فألْقَوْا حبالهم وعصيَّهم، وكانوا بضعةً وثلاثين ألف رجلٍ، ليس منهم رجلٌ إلا ومعه حبلٌ وعصًا (^١).\nوقال آخرون: بل كانوا خمسة عشرَ ألفًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5782>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: حُدِّثْتُ عن وهب بن مُنَبِّه، قال: صَفٌّ خمسة عشر ألف ساحرٍ، مع كلٍّ ساحرٍ حِباله وعصيُّه (^١).\nوقال آخرون: كانوا تسعمائة.\n\n<span data-type='title' id=toc-5783>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: كان السَّحَرَةُ ثلاثمائة من العريش، وثلاثمائة من الفيُّوم، و[يشكُّون في] (^٢) ثلاثمائةٍ من الإسكندرية، فقالوا لموسى: إما أن تُلْقِيَ ما معك قبلنا، وإما أن نُلْقِيَ ما معنا قبلك. وذلك قوله: ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ (^٣).\nو﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿إِمَّا أَنْ﴾، [﴿إِمَّا أَنْ﴾] (^٤). في موضع نصب، وذلك أن معنى الكلام: اختر يا موسى أحد هذين الأمرين؛ إما أن تُلْقِيَ قبلَنا، وإما\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ١٩.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٠٦ إلى أبي الشيخ، وذكره القرطبي في تفسيره ٧/ ٢٥٨.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"16","page":108},{"text":"أن نكونَ أولَ من ألْقَى.\nولو قال قائلٌ: هو رفعٌ. كان مذهبًا، كأنه وجَّهه إلى أنه خبرٌ، كقول القائل (^١):\nفسِيرا (^٢) فإما حاجةٌ تَقْضِيانِها … وإما مَقِيلٌ صالحٌ وصَدِيقُ\n\n<span id=\"aya-2414\"></span>وقولُه: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى للسَّحَرةِ: بل ألْقُوا أنتم ما معكم قبلى.\nوقولُه: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾. وفى هذا الكلام متروكٌ، وهو: فألْقَوْا ما معهم من الحبالِ والعِضِيِّ فإذا حبالُهم. تُرِك ذكرُه اسْتِغْناءً بدَلالة الكلام الذي ذُكر عليه عنه.\nوذُكر أن السحرةَ سحَروا عينَ موسى وأعينَ الناسِ قبلَ أن يُلْقُوا حبالَهم وعصيَّهم، [ثم ألقَوْا حبالهم وعِصيَّهم] (^٣) فخُيِّل حينئذٍ إلى موسى أنها تَسْعَى.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حُدِّثْتُ عن وهب بن مُنَبِّهٍ، قال: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾: فكان أول ما اخْتَطَفوا بسحرهم بصرُ موسى وبصرُ فرعونَ، ثم أبصارُ الناس بعدُ، ثم ألْقَى كلُّ رجلٍ منهم ما في يده من العصيِّ والحبال، فإذا هي حيَّاتٌ كأمثال الجبال (^٤)، قد مَلأت الواديَ، يَرْكَبُ بعضُها بعضًا (^٥).\nواختَلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾؛ فقرأ ذلك عامة قرأةِ\n_________\n(^١) معاني القرآن للفراء ٢/ ١٨٥.\n(^٢) في ت ٢: \"فسيروا\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٤) في م، ت ٢: \"الحبال\".\n(^٥) تقدم أوله في ص ١٩.","vol":"16","page":109},{"text":"الأمصار: ﴿يُخَيَّلُ﴾ بالياء، بمعنى: يُخَيَّلُ إليهم سعيُها (^١).\nوإذا قُرِئ ذلك كذلك، كانت \"أن\" في موضعِ رفعٍ.\nورُوى عن الحسن البصريِّ أنه كان يَقْرَؤُه: (تُخَيَّلُ) بالتاءِ، بمعنى: تُخَيَّلُ حبالُهم وعصيُّهم بأنها تَسْعَى (^٢).\nومَن قرَأ ذلك كذلك، كانت \"أن\" في موضع نصبٍ لتعَلَّقِ (تُخَيَّلُ) بها.\nوقد ذُكر عن بعضهم أنه كان يَقْرَؤُه: (تَخَيَّلُ إليه). بمعنى: تَتَخَيَّلُ إليه (^٣).\nوإذا قُرِئ ذلك كذلك أيضًا فـ \"أن\" في موضع نصبٍ بمعنى: تتَخَيَّلُ بالسعي لهم.\nوالقراءة التي لا يجوز عندى في ذلك غيرُها: يُخَيَّلُ بالياء؛ لإجماع الحُجَّةِ مِن القرأة عليه (^٤).\n\n<span id=\"aya-2415\"></span><span data-type='title' id=toc-5784>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقوله: [﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾] (^٥): فأَوْجَس في نفسه خوفًا موسى ووجَدَه.\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبى عمرو وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ٤٥٧.\n(^٢) وبها قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر، وروح عن يعقوب. النشر ٢/ ٢٤١، وقراءة الحسن في إتحاف فضلاء البشر ص ١٨٦.\n(^٣) هي قراءة أبي السَّمَّال. البحر المحيط ٦/ ٢٥٩.\n(^٤) القراءتان الأولى والثانية متواترتان.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، ف.","vol":"16","page":110},{"text":"<span id=\"aya-2416\"></span>وقولُه: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قلنا لموسى إذ أحَسَّ (^١) في نفسه خِيفةً: لا تَخَفْ إِنَّك أنت الأعْلَى على هؤلاء السحرة، وعلى فرعونَ وجنده، والقاهرُ لهم، ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾. يقولُ: والْقِ عصاك [التي في يمينك] (^٢) تَبْتَلِعْ حبالَهم وعصيَّهم التي سحَروها حتى خُيِّل إليك (^٣) أنها تَسْعَى.\n\n<span id=\"aya-2417\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾. [اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك (^٤)؛ فقرَأَته عامةُ قرأة المدينة والبصرة وبعضُ قرأة الكوفة: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾] (^٥) برفعِ ﴿كَيْدُ﴾ وبالألف في ﴿سَاحِرٍ﴾. بمعنى: إن الذي صنَعَه هؤلاء السحرةُ كيدُ مَنْ يَسحَرُ (^٦).\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفة: (إنما صنعوا كيدُ سِحْرٍ) برفع \"الكيد\" وبغير الألف في \"السحرِ\". بمعنى: إن الذي صنعوه كيدُ سحرٍ (^٧).\nوالقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان مُتَقاربتا المعنى، وذلك أن الكيدَ هو المكرُ والخُدْعةُ، فالساحرُ مَكْرُه وخُدْعتُه مِن سحرٍ يَسْحَرُه (^٨)، ومكرُ السحرِ وخُدْعتُه تخييلُه (^٩) إلى المسحور على خلاف ما هو به في حقيقتِه، فالساحرُ كائدٌ بالسحر، والسحرُ كائدٌ بالتَّخْييل، فإلى أيِّهما أضَفْتَ الكيد فهو\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٣، ف: \"أوجس\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، ف.\n(^٣) في ت ٢: \"إليه\".\n(^٤) في م: \"قوله\".\n(^٥) سقط من: ت ٢.\n(^٦) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمر وعاصم وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٤٢١.\n(^٧) هي قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٣، ف: \"يسحر\".\n(^٩) في ص، م، ت ١، ت ٣، ف: \"تخيله\".","vol":"16","page":111},{"text":"صوابٌ.\nوقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأ: (كَيْدَ سِحْرٍ) بنصب \"كَيْد\" (^١). ومَن قرأ ذلك كذلك، جعَل ﴿إِنَّمَا﴾ حرفًا واحدًا، وأعْمَل ﴿صَنَعُوا﴾ في ﴿كَيْدُ﴾.\nوهذه قراءةٌ لا أَسْتَجِيزُ القراءة بها؛ لإجماع الحجة من القرأة على خلافها.\n\nوقولُه: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾. يقولُ: ولا يَظْفَرُ الساحرُ بسحرِه بما طلب أين كان.\nوقد ذُكر عن بعضِهم أنه كان يقولُ: معنى ذلك: ذلك: أن الساحرَ يُقْتَلُ حيثُ وُجد.\nوذكر بعضُ نحويى البصرة (^٢) أن ذلك في حرف ابن مسعود: (ولا يُفْلِحُ الساحرُ أين أتى). وقال: العربُ تقولُ: جئْتُك من حيثُ لا تَعْلَمُ، ومِن أينَ لا تَعْلَمُ.\nوقال غيرُه مِن أهل العربية الأُولِ (^٣): جزاءٌ، يُقْتَلُ الساحرُ حيث أتَى وأين أتَى. وقال: وأما قولُ العرب: جئْتُك من حيثُ لا تَعْلَمُ، ومن أين لا تَعْلَمُ. فإنما هو جوابُ مَنْ (^٤) لم يَفْهَمْ فَاسْتَفْهَم، كما قالوا: أين الماءُ والعُشْبُ.\n\n<span id=\"aya-2418\"></span><span data-type='title' id=toc-5785>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)﴾.\n_________\n(^١)</span> هي قراءة مجاهد وحميد وزيد بن علي. البحر المحيط ٦/ ٢٦٠.\n(^٢) هو الأخفش كما في تهذيب اللغة ١٥/ ٥٥٠.\n(^٣) هو أبو العباس ثعلب كما في تهذيب اللغة الموضع السابق.\n(^٤) سقط من النسخ، والمثبت من تهذيب اللغة.","vol":"16","page":112},{"text":"وفي هذا الكلام متروكٌ قد اسْتُغْنِى بدَلالة ما ذُكر (^١) عليه، وهو: فأَلْقَى موسى عصاه فتلقَّفَت ما صنَعوا، فأُلْقى السحرةُ سُجَّدًا قالوا: آمنا بربِّ هارونَ وموسى.\nوذُكر أن موسى لما ألْقَى ما في يدِه تحَوَّل ثعبانًا، فالتهم كلَّ ما كانت السحرةُ ألقَته من الحبال والعصيِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5786>ذكرُ الرواية [عمن قال ذلك]</span> (^٢)\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: لما اجْتَمَعوا وألْقَوْا ما في أيديهم من السحرِ خُيِّل إليه (^٣) من سحرهم أَنها تَسْعَى، ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ فأَلْقَى عصاه، فإذا هي ثعبانٌ مبينٌ، قال: فتَحَت فما لها مثل الدَّحْل (^٤)، ثم وضَعَت مِشْفَرَها على الأرض، ورفَعَت الآخر، ثم استَوْعَبَت كُلَّ شيءٍ الْقَوْه مِن السحرِ، ثم جاء إليها فقبَض عليها، فإذا هي عصًا، فخرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. قال: فكان أول مَن قطع الأيدىَ والأرجلَ من خلافٍ فرعونُ، ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾. قال: فكان أول مَن صلَب في جُذوع النخل فرعونُ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"ترك\".\n* إلى هنا ينتهى الخرم المشار إليه في ص ٧٨، وسيجد القارئ أرقام نسخة جامعة القرويين بين معكوفين داخل صفحات التحقيق.\n(^٢) في ت ٢: \"بذلك\".\n(^٣) في ت ٢: \"إليهم\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الرجل\". والدَّحْل: نقب ضيق فمه ثم يتسع أسفله حتى يُمشى فيه. لسان العرب (د ح ل).\n(^٥) ينظر ما تقدم تخريجه في ١٠/ ٣٦٣.","vol":"16","page":113},{"text":"حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ فأَوْحَى الله إليه: لا تَخَفْ، وأَلْقِ ما في يمينك تَلْقَفْ ما يَأْفِكون. فألْقَى عصاه، فأكَلَت كلَّ حيةٍ لهم، فلمَّا رأَوْا ذلك سجَدوا، وقالوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (^١) [الأعراف: ١٢١، ١٢٢].\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حُدِّثْتُ عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾: لما رأى ما أَلْقَوْا مِن الحبال والعصيِّ، وخُيِّل إليه أنها تَسْعَى، وقال: والله إن كانت لَعِصِيًّا في أيديهم، ولقد عادت حيَّاتٍ، وما تَعْدو عَصاىَ هذه - أو كما حدَّث نفسَه - فأَوْحَى اللهُ إليه أن: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩]. [وفُرِّج عن] (^٢) موسى، فألْقَى عصاه من يدِهِ، فَاسْتَعْرَضَت ما أَلْقَوْا مِن حبالهم وعصيِّهم، وهي حياتٌ في عين فرعون وأعين الناسِ تَسْعَى، فجَعَلَت تَلْقَفُها؛ تَبْتَلِعُها حيةً حيةً، حتى ما يُرى بالوادى قليلٌ ولا كثيرٌ مما أَلْقَوْا، ثم أَخَذَها موسى فإذا هي عصًا في يده كما كانت، ووقع السَّحَرَةُ سُجَّدًا، قالوا: آمنَّا بربِّ هارونَ وموسى، لو كان هذا سحرًا (^٣) ما غلَبَنا (١).\n\n<span id=\"aya-2419\"></span>وقولُه: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وقال فرعونُ للسحرةِ: أصدَّقْتُم وأَقْرَرْتُم لموسى بما دعاكم إليه من قبل أن أُطْلِقَ ذلك لكم، ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾. يقولُ: إن موسى لعظيمُكم الذي علَّمكم السحر.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: حُدِّثْتُ عن\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ١٩.\n(^٢) في م، ت ٢: \"وفرح\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"سحر\".","vol":"16","page":114},{"text":"وهب بن مُنَبِّهٍ، قال: لما قالت السحرةُ: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾. قال لهم فرعونُ، وأسف ورأى الغَلَبةَ البينةَ: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾. أي: لَعظيمُ السُّحَّارِ الذي علَّمَكم (^١).\nوقولُه: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. يقولُ: فَلأُقَطِّعَنَّ أَيديكم وأرجلَكم مُخالفًا بين قطع ذلك؛ وذلك أن يَقْطَعَ يمني اليدين ويسرى الرجلين، أو يسرى اليدين ويمنى الرجلين، فيكونُ ذلك قطعًا من خلافٍ. وكان فيما ذُكِر أول مَن فعَل ذلك فرعونُ، وقد ذكَرْنا الرواية بذلك (^٢).\nوقولُه: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾. يقولُ: ولأُصَلِّبَنَّكم على جُذوع النخل، كما قال الشاعرُ (^٣):\nهُمُ صَلَبوا العَبْدِيَّ في جِذْع نخلةٍ … فلا عطَسَت شَيْبانُ إلا بأجْدَعا\nيعني: على جذع نخلةٍ. وإنما قيل: ﴿فِي جُذُوعِ﴾. لأن المصلوبَ على الخشبة يُرْفَعُ في طولها، ثم يَصِيرُ عليها، فيقالُ: صُلب عليها.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾: لما رأى السحرةُ ما جاء به عرَفوا أنه من الله، فخرُّوا سجَّدًا وآمَنوا، عند ذلك قال عدوُّ الله: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ الآية [الأعراف: ١٢٤].\nحدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال فرعونُ: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾:\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ١٩.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ١١٣.\n(^٣) نسبه في الأزهية ص ٢٧٨، واللسان (ع ب د، ش م س) إلى سويد بن أبي كاهل اليشكري، وكذا نسبه في حاشية نسخة من مجاز القرآن ٢/ ٢٣، ٢٤. ونسبه في الخصائص ٢/ ٣١٣، واللسان (ف ى ى) إلى امرأة من العرب.","vol":"16","page":115},{"text":"[فقتَّلَهم وقطَّعهم] (^١)، كما قال عبد الله بنُ عباسٍ حين قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦]. وقال: كانوا في أول النهار سحرةً، وفى آخر النهارِ شُهداء (^٢).\nوقولُه: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾. يقولُ: ولَتَعْلَمُنَّ أَيُّها السحرةُ أَيُّنا أشدُّ عذابًا لكم وأدْوَمُ، أنا أو موسى.\n\n<span id=\"aya-2420\"></span><span data-type='title' id=toc-5787>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قالتِ السحرةُ لفرعونَ لما توعَّدهم بما توعَّدهم به: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ فنَتَّبِعَك ونُكَذِّبَ مِن أجلك موسى، ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾. يعنى: من الحجج والأدلة على حقيقة ما دعاهم إليه موسى، ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾. يقولُ: قالوا: لن نُؤْثِرَك على الذي جاءنا من البينات وعلى الذي فطَرَنا. ويعنى بقوله: ﴿فَطَرَنَا﴾: خَلَقَنا. فـ ﴿الَّذِى﴾ من قولِه: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾. خفضٌ (^٣) عطفًا (^٤) على قوله: ﴿مَا جَاءَنَا﴾. وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ قوله: ﴿الَّذِي فَطَرَنَا﴾. خفضًا على القسم، فيكونُ معنى الكلام: لن نُؤْثِرَك على ما جاءنا من البيناتِ واللَّهِ.\nوقولُه: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾. [يقولُ: قالوا: فاصْنَعْ ما أنت صانعٌ، واعْمَلْ بنا ما بدا لك، ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾] (^٥). يقولُ: إنما تَقْدرُ أن\n_________\n(^١) في ص: \"وصلبهم وقطعهم\"، وفى ت ١، ف: \"فقتلهم وصلبهم\".\n(^٢) تقدم أوله في ص ١٩.\n(^٣) في ص، ت ١: \"خفضا\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، ف.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٣، ف.","vol":"16","page":116},{"text":"تُعَذِّبَنا في هذه الحياة الدنيا التي تَفْنَى.\nونصبُ ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ على الوقت، وجُعِلَت ﴿إِنَّمَا﴾ حرفًا واحدًا.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5788>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حُدِّثْتُ عن وهب بن منبهٍ: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾. أي: على اللهِ على ما جاءنا من الحجج مع نبيِّه (^١)، ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾. أي: اصْنَع ما بدا لك، ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ التي (^٢) ليس لك سلطانٌ إلا فيها، ثم لا سلطان لك بعدَه (^٣).\n\n<span id=\"aya-2421\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا أَقْرَرْنا بتوحيد ربِّنا، وصدَّقْنا بوعده ووَعيدِه، وأنَّ ما جاء به موسى حقٌّ؛ ﴿لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾. يقولُ: ليَعْفُو لنا عن ذنوبنا فيَسْتُرَها علينا، ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾. يقولُ: ليَغْفِرَ لنا ذنوبَنا وتعلُّمنا ما تعلَّمْناه من السحر، وعمَلَنا (^٤) به الذي أكرهْتنا على تعلُّمه والعمل به.\nوذُكر أن فرعون كان أخَذَهم بتعلُّمِ السحرِ.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"بينة\".\n(^٢) في م: \"أي\".\n(^٣) تقدم أوله في ص ١٩.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"علمنا\".","vol":"16","page":117},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5789>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى بنُ سهلٍ، قال: ثنا نعيمُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينة، عن أبي سعيدٍ (^١)، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قول الله ﵎: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾. قال: غِلْمانُ دفَعَهم فرعونُ إلى السحرةِ تُعَلِّمُهم السحر بالفَرَمَا (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾. قال: أمَرهم بتعلُّم السحر. قال: تركوا كتاب الله، وأمَروا قومَهم بتعلُّم (^٣) السحرِ. ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾. قال: أَمَرْتَنا أن نَتَعَلَّمَه (^٤).\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. يقولُ: والله خيرٌ منك يا فرعونُ جزاءً لمن أطاعه، وأبقى عذابًا لمن عصاه وخالف أمره.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. أي: خيرٌ منك ثوابًا، وأبقى عقابًا (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن [أبي مَعْشَرٍ] (^٦)، عن\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"سعيد\". وينظر ما تقدم في ١/ ٦٤٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٢٩٨ - من طريق نعيم به.\n(^٣) في م، ت ٢: \"بتعليم\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٩٨.\n(^٥) في م، ت ٢: \"عذابا\".\nوالأثر تقدم أوله في ص ١٩.\n(^٦) في ت ٢: \"مسعر\".","vol":"16","page":118},{"text":"محمد بن كعبٍ ومحمدِ بن قيسٍ في قول الله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. قالا: خيرٌ (^١) منك إن أُطيع، وأبقى منك عذابًا إِنْ عُصِى (^٢).\n\n<span id=\"aya-2422\"></span><span data-type='title' id=toc-5790>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل السحرة لفرعونَ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ﴾ مِن خلقه ﴿مُجْرِمًا﴾. يقولُ: مُكتسبًا الكفر به، ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾. يقولُ: فإِنَّ له جهنَّمَ مأوًى ومسكنًا، جزاءً له على كفره، ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ فَتَخْرُجَ نفسُه، ﴿وَلَا يَحْيَى﴾ فتَسْتَقِرَّ نفسُه في مَقَرَّها فَتَطْمَئِنَّ، ولكنها تتعلَّق بالحَناجر منهم،\n\n<span id=\"aya-2423\"></span>﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾. [يقولُ: ومن يقدَم على ربِّه] (^٢) موحِّدًا له لا يُشْرِكُ به، ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: قد عمل بما أمره به ربُّه، وانْتَهى عما نهاه عنه، ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾. يقولُ: فأولئك الذين [تلك صفتُهم] (^٣)، لهم درجاتُ الجنةِ العُلَى.\n\n<span id=\"aya-2424\"></span><span data-type='title' id=toc-5791>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾. ثم بيَّن تلك الدرجاتِ العُلى ما هي، فقال: هن ﴿جَنَّاتُ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"خيرا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، ف.","vol":"16","page":119},{"text":"عَدْنٍ﴾. يعني: جناتُ إقامةٍ لا ظَعْنَ عنها، ولا نفادَ لها ولا فناء، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ: تجرى من تحت أشجارها الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، يقولُ: ماكثين فيها إلى غيرِ غاية محدودةٍ. فـ \"الجناتُ\" مِن قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ مرفوعةٌ بالردِّ على \"الدرجات\".\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قوله: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾. قال: عَدْنٌ.\nوقولُه: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾. [يقولُ: وهذه الدرجاتُ العُلى التي هي جناتُ عَدْنٍ على ما وصف ﷻ ثَوابُ ﴿مَنْ تَزَكَّى﴾] (^١). يعنى: مَن تَطَهَّر مِن الذُّنوب، فأطاع الله فيما أَمَرَه، ولم يُدَنِّسْ نفسَه بمعصيته فيما نهاه عنه.\n\n<span id=\"aya-2425\"></span><span data-type='title' id=toc-5792>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقدْ أَوْحَيْنا إلى نبيِّنا موسى إذ تابَعْنا له الحججَ على فرعونَ، فأبَى أن يَسْتَجِيب لأمر ربِّه، وطغَى وتَمادَى في طُغْيانِه، أن أسْر ليلًا ﴿بِعِبَادِي﴾. يعني: بعبادي من بني إسرائيل، ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾. يقولُ: فاتَّخِذْ لهم في البحر طريقًا يابسًا. واليَبْسُ واليَبْسُ يُجْمَعُ أَيْباسٌ، يقالُ: وقَعُوا في أيْباسِ مِن الأرضِ. واليَبْسُ المُخَفَّفُ يُجْمَعُ يُبُوسٌ.\nوبنحر الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويل.\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.","vol":"16","page":120},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5793>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يَبَسًا﴾. قال: يابسًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nوأما قولُه: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾. فإنه يعنى: لا تَخافُ مِن فرعونَ وجنوده أن يُدركوك من ورائِك، ولا تَخْشَى غرقًا مِن بين يديك ووَحَلًا.\nوبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5794>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا [عبد الله] (^٢)، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾. يقولُ: لا تخافُ مِن آل فرعونَ دَرَكًا، ولا تَخْشَى من البحر غرفًا (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، [ثنا سعيد] (^٤)، عن قتادة: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾. يقولُ: لا تَخافُ أَن يُدْرِكَك فرعونُ مِن بعدك، ولا تَخْشَى الغرقَ أمامَك.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٦٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"أبو صالح\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: ت ٣.","vol":"16","page":121},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال أصحابُ موسى: هذا فرعونُ قد أدْرَكَنا، وهذا البحرُ [قد غَشِيَنَا. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ أصحاب فرعونَ، ﴿وَلَا تَخْشَى﴾] (^١) مِن البحرِ وَحَلًا (^٢).\nحدَّثني أحمدُ بنُ الوليدِ الرَّمْليُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن بعض أصحابه في قوله: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾. قال: الوَحَلَ.\nواختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصار غير الأعمش وحمزة: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ على الاستئناف (^٣) بـ ﴿لَا﴾ كما قال: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه: ١٣٢]. فرفَع، وأكثر ما جاء في (^٤) الأمر الجوابُ مع \"لا\" بالرفع (^٥).\nوقرَأ ذلك الأعمشُ وحمزةُ: (لَا تَخَفْ دَرَكًا) فجزَما \"لا تخف\" (^٦) على الجزاءِ، ورفَعا: ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ على الاستئناف (^٧)، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١]. فاسْتَأْنف بـ ﴿ثُمَّ﴾، ولو نوى بقوله: ﴿وَلَا تَخْشَى﴾. الجزمَ وفيه الياءُ، كان جائزًا، كما قال الراجزُ (^٨):\nهُزِّى إليك الجُذْعَ يجنِيك الجَنَى\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٤ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في ص، ف: \"الاستثناء\". وهي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبي عمرو والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ٤٥٩.\n(^٤) بعده في م: \"هذا\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) في م: \"تخاف\".\n(^٧) في ت ١، ف: \"الاستثناء\". وينظر حجة القراءات ص ٤٥٨.\n(^٨) معاني القرآن للفراء ١/ ١٦١، ٢/ ١٨٧.","vol":"16","page":122},{"text":"وأعجبُ القراءتين إليَّ أن أَقْرَأَ بها: ﴿لَا تَخَافُ﴾ على وجه الرفع؛ لأن ذلك أفصحُ اللغتين، وإن كانت الأُخرى جائزةً.\nوكان بعضُ نحويى البصرة يقولُ (^١): معنى قوله: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾. اضْرِبْ لهم طريقًا لا تَخافُ فيه دَرَكًا. قال: وحذف \"فيه\" كما تقولُ: زيدٌ أكْرَمْتُ. وأنت تُرِيدُ: أَكْرَمْتُه. وكما قال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]. أي: لا تجزى فيه.\nوأما نحويو الكوفة (^٢) فإنهم يُنْكرون حذف \"فيه\" إلا في المواقيت؛ لأنه يَصْلُحُ أن يقال فيها: قمتُ اليومَ، وفى اليوم. ولا يُجيزون ذلك في الأسماء.\n\n<span id=\"aya-2426\"></span><span data-type='title' id=toc-5795>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فأسرى (^٣) موسى ببنى إسرائيلَ إِذ أَوْحَيْنا إليه أَن أَسْرِ بهم، فأتْبَعَهم فرعونُ بجنوده حين قطَعوا البحرَ، فغشي فرعونَ وجنودَه من البحر (^٤) ما غشِيَهم، فغرقوا جميعًا،\n\n<span id=\"aya-2427\"></span>﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وجارَ (^٥) فرعونُ بقومه عن سواء السبيل، وأخَذ بهم على غيرِ استقامةٍ؛ وذلك أنه سلَك بهم طريقَ أهل النار، بأمرهم (^٦) بالكفر بالله، وتكذيبِ\n_________\n(^١) ينظر الكتاب لسيبويه ١/ ٣٨٦.\n(^٢) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٣٢.\n(^٣) في م: \"سري\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ف: \"اليم\".\n(^٥) في م: \"جاوز\".\n(^٦) في ت ١، ف: \"يأمرهم\".","vol":"16","page":123},{"text":"رسولِه (^١).\n﴿وَمَا هَدَى﴾. يقولُ: وما سلَك بهم الطريقَ المستقيمَ، وذلك أنه نهاهم عن اتباع رسول الله موسى، والتصديق به، فأطاعوه، فلم يَهْدِهم بأمره إياهم بذلك، ولم يَهْتَدوا باتِّباعِهم إياه.\n\n<span id=\"aya-2428\"></span><span data-type='title' id=toc-5796>القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلما نجا موسى بقومِه من البحر، وغشِى فرعونَ وقومه من اليم ما عَشِيهم، قلنا لقومِ موسى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ فرعون (^٢)، ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾.\nوقد ذكَرْنا كيف كانت مواعدةُ الله موسى وقومه جانب الطور الأيمنَ (^٢)، وبيَّنا المنَّ والسلوى باختلاف المختلفين فيهما، وذكرْنا الشَّواهدَ على الصواب من القول في ذلك فيما مضَى قبلُ، بما أغْنى عن إعادته في هذا الموضع (^٣).\nواختَلَفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ﴾؛ فكانت عامةُ قرأة المدينة والبصرة يَقْرءونه: ﴿قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ﴾ بالنون والألف، وسائرُ الحروفِ الأُخرِ من كذلك (^٤).\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأة الكوفة: (قد أنْجيْتُكم) بالتاء (^٥)، وكذلك سائرُ الحروف\n_________\n(^١) في م: \"رسله\".\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٦٣ وما بعدها.\n(^٤) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٤٢٢.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٣، ف: \"بالياء\".","vol":"16","page":124},{"text":"الأُخر، إلا قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ فإنهم وانه الآخرين في ذلك، فقرءوه بالنون والألف (^١).\nوالقولُ في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان باتفاق المعنى، فبأيتهما قرأ القارئُ ذلك فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-2429\"></span>وقولُه: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لهم: كُلُوا يا بني إسرائيل مِن شَهِيَّاتِ رزقنا الذي رزَقْناكم، وحلاله الذي طيَّبْناه لكم، ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾. يقولُ: ولا تَعْتَدوا فيه، ولا يَظْلِمُ فيه بعضُكم بعضًا.\nكما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا [عبد الله] (^٢)، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾. يقولُ: ولا تَظْلِموا (^٣).\nوقولُه: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾. يقولُ: فتنزل عليكم عقوبتي.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾. يقولُ: فيَنْزِلَ عليكم غضبى (^٤).\nواختَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأة الحجاز والمدينة والبصرة والكوفة: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ﴾ بكسر الحاء، ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ﴾ بكسر اللام (^٥). ووجَّهوا معناه إلى: فيَجبَ عليكم غضبي.\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٤٢٢.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"أبو صالح\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٤، إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٨ عن معمر، عن قتادة.\n(^٥) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر ونافع وعاصم وحمزة. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤٢٢.","vol":"16","page":125},{"text":"وقرَأ ذلك جماعةٌ من أهل الكوفة: (فيَحُلَّ عليكم) بضمِّ الحاءِ (^١). ووجَّهوا تأويلَه إلى ما ذكَرْنا عن قتادةَ من أنه: فيَقَعَ ويَنْزِلَ عليكم غضبي.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأة، وقد حذَّر الله الذين قيل لهم هذا القولُ مِن بني إسرائيل وقوعَ بأسِه بهم ونزوله بمعصيتهم إياه إن هم عصَوْه، وخوَّفهم وجوبه لهم، فسواءٌ قُرى ذلك بالوقوع أو بالوجوب؛ لأنهم كانوا قد خُوِّفوا المعنيين كليهما.\n\n<span id=\"aya-2430\"></span><span data-type='title' id=toc-5797>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يَجِبْ عليه غضَبى فينزِلْ به، ﴿فَقَدْ هَوَى﴾.\nيقولُ: فقد تردَّى فشَقى.\nكما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَقَدْ هَوَى﴾. يقولُ: فقد شَقِى (^٢).\nوقولُه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾. يقولُ: وإني لذو عفوٍ (^٣) لمن تاب من شركه فرجَعَ منه إلى الإيمان بي (^٤)، ﴿وَآمَنَ﴾. يقولُ: وأَخْلَصَ لى الألُوهةَ ولم يشرِكْ في عبادتِه إِيَّايَ غَيْرِي، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. يقولُ: وأَدَّى فَرائضِى التي افْتَرضتُها\n_________\n(^١) هي قراءة الكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٤٢٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٥٦ - من طريق عبد الله. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٤ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في م، ت ١، ف: \"غفر\".\n(^٤) سقط من: الأصل.","vol":"16","page":126},{"text":"عليه، واجْتَنَب معاصيَّ، ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾. يقولُ: ثم لَزِمَ ذلك فاسْتقام ولم يُضَيِّعْ شيئًا منه.\nوبنحو الذي قُلنا في قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾. قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5798>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾: مِنَ الشِّركِ، ﴿وَآمَنَ﴾. يقولُ: وَحَّدَ الله، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. يقولُ: وأدَّى فرائضى (^١).\nوحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾: مِن [ذَنبِه، ﴿وَآمَنَ﴾ بربِّه، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فيما بينَه وبينَ اللهِ.\nوحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيع: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾: من الشِّركِ] (^٢)، ﴿وَآمَنَ﴾. يقولُ: وأَخْلَصَ لله وعمل في إخْلاصِه.\nواختلَفوا في معنى قوله: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لم يَشْكُك في إيمانه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5799>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ت ٢.","vol":"16","page":127},{"text":"قوله: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾. يقولُ: لم يَشْكُكْ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ثم لَزم الإيمانَ والعملَ الصالح.\n\n<span data-type='title' id=toc-5800>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾.\nيقولُ: ثم لَزم الإسلام حتى يموت علَيْه (^٢).\nوقال آخرون: بل معنَى ذلك: ثم اسْتَقام.\n\n<span data-type='title' id=toc-5801>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفر الرازيِّ، عن الربيع بن أنسٍ: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾. قال: أَخَذ بسُنَّة نبيِّه ﵇ (^٣).\nوقال آخرون: بل معناه: أصاب العملَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5802>[ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾. قال: أصاب العمل] (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: عرف أمرَ مُثيبه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٢٨٨، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٠٢ عن قتادة.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ٢٣١ عن الربيع.\n(^٤) سقط من: ت ٢.\nوالأثر ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ٢٣١ عن ابن زيد.","vol":"16","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5803>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن الكلبيِّ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾: من الذَّنبِ، ﴿وَآمَنَ﴾ من الشِّركِ، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أَدَّى ما افتَرَضتُ عليه، ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ عرَف مُثيبَه إن خيرًا فخيرًا وإن شرًّا فشرًّا (^١).\nوقال آخرون بما حدَّثنا إسماعيلُ بن موسى الفَزارِيُّ، قال: ثنا عمرُ بن شاكرٍ، قال: سمعتُ ثابتًا البُنانيَّ يقولُ في قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾. قال: إلى ولاية أهل بيت النبيِّ ﵇ (^٢).\nقال الطبريُّ: وإنما اخْتَرْنا القول الذي اخْتَرنا في ذلك من أجل أن الاهتداء هو الاستقامةُ على هُدًى، ولا معنى للاستقامة عليه إلا وقد جمَعه الإيمانُ والعملُ الصالحُ والتوبةُ (^٣)، فمَن فعَل ذلك وثبت عليه فلا شَكَّ في اهْتِدَائِه.\n\n<span id=\"aya-2431\"></span><span data-type='title' id=toc-5804>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾: وأَيُّ شيءٍ أَعْجَلَك ﴿عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾ فَتَقَدَّمتهم وخَلَّفْتَهم وراءَكَ ولم تكن معهم؟\n\n<span id=\"aya-2432\"></span>﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾. يقولُ: قومى على أَثَرِى يَلْحَقون بي، ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾. يقولُ: وعَجِلتُ أنا فسَبَقتُهم ربِّ كَيما ترضَى عَنِّي.\nوإنَّما قال الله جلَّ وعزَّ لموسى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾؛ لأنه جلَّ ثناؤُه، فيما بلَغَنا، حين نَجَّاه وبنى إسرائيل من فرعون وقومه وقَطَع بهم البحر،\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٢٨٨، والقرطبي ١١/ ٢٣١ عن الكلبي.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ٢٣١ عن ثابت.\n(^٣) في الأصل: \"التقوى\".","vol":"16","page":129},{"text":"وعَدَهم جانبَ الطور الأيمنَ، فتَعَجَّلَ موسى إلى ربِّه، وأقام هارونُ في بني إسرائيلَ يسيرُ بهم على أَثَرِ موسى.\n[كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاق، قال: وعبد الله موسى حينَ أَهْلَك فرعون وقومَه، ونجَّاه وقومَه، ثلاثين ليلةً، ثم أتَمَّها بعَشْرٍ، فَتَمَّ ميقاتُ ربِّه أربعين ليلةً، تَلَقَّاه فيها بما شاء، فاسْتَخْلَفَ موسى هارون في بني إسرائيل، ومعه السَّامِريُّ، يسيرُ بهم على أَثَرِ موسى ليُلْحِقَهم بهِ، فلمَّا كلَّم اللهُ موسى، قال له: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾؟ قال: ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾] (^١).\nوحدَّثني يونُس، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾. قال: لأرضِيَك.\n\n<span id=\"aya-2433\"></span><span data-type='title' id=toc-5805>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال الله لموسى: فإنَّا يا موسى قد ابتَلَينا قومَك من بعدِك بعبادة العجل. وذلك كان فتنَتَهم من بعدِ موسى.\nويعنى بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِكَ﴾: من بعدِ فِراقِك إيَّاهم. يقولُ اللهُ ﷿: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾. وكان إضلالُ السامريِّ إياهم دعاءه إيَّاهم إلى عبادة العجل.\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.","vol":"16","page":130},{"text":"<span id=\"aya-2434\"></span>وقولُه: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ﴾. يقولُ: فانصرف موسى إلى قومه من بني إسرائيل بعد انقضاء الأربعين الليلة (^١)، ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾. [يعنى بقولِه: ﴿أَسِفًا﴾] (^٢): مُتَغَيِّظًا على قومه، حزينًا لما أحْدَثوا بعده من الكفر بالله.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾. يقولُ: حزينًا. وقال في \"الزخرف\": ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥]. يقولُ: أغْضَبونا. والأسفُ على وجهين: الغضبُ، والحُزْنُ (^٣).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾. يقولُ: حزينًا (^٣).\nوحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠] أي: حزينًا على ما صَنَع قومُه مِن بعده (^٤).\nوحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَسِفًا﴾. قال: جزعًا (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"ليلة\"، وفي ت ٢: \"يوما\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، ف.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٠/ ٤٥٠.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٠٢ عن قتادة.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"حزينًا\".\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٤٦٤.","vol":"16","page":131},{"text":"وقولُه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾. يقولُ: ألم يَعِدْكم ربُّكُم أَنَّه غفَّارٌ لمن تاب وآمَن وعمل صالحًا ثم اهْتَدى؟ ويَعِدْكم جانبَ الطورِ الأيمنَ، ويُنَزِّلْ علَيكم المنَّ والسَّلوى؟ فكان ذلك وعبد الله الحسن بني إسرائيل الذي قال لهم موسى ﵇: ألم يَعِدُكُموه ربُّكم؟\nوقولُه: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: أفطال عليكم العهدُ بي، وبجميل نعم الله عندكم، وأياديه لدَيْكُم؟ ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: أم أردتُم أن يجب عليكُم غضبٌ من ربِّكم فتَسْتَحِقُّوه بعبادتكم العجل وكفركم باللهِ؟ ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾. وكان إخلافُهم موعدَه، عُكوفَهم على العجل، وتَرْكَهم السيرَ على أَثَرِ موسى للمَوعِدِ الذي كان الله ﷿ وعدَهم، وقولَهم لهارون إذ نهاهم عن عبادة العجلِ، ودعاهم إلى السير معه على أثر موسى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩١].\n\n<span id=\"aya-2435\"></span><span data-type='title' id=toc-5806>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ موسى لموسى: ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ﴾. يعنون بموعِدِه عهدَه الذي كان عَهِدَه إِلَيْهم.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿مَوْعِدَكَ﴾. قال: عَهْدِى (^١).\n_________\n(^١) تفسر مجاهد ص ٤٦٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":132},{"text":"وذلك العهدُ والموعدُ هو ما بيَّناه قبلُ (^١).\nوقولُه: ﴿بِمَلْكِنَا﴾. يخبرُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنَّهم أقرُّوا على أنفسهم بالخطأ، وقالوا: إِنَّا لم نُطِقْ حَمْلَ أنفُسِنا على الصواب، ولم تَملِكْ أمرنا حتى وَقَعْنا في الذي وقعنا فيه من الفِتْنَةِ.\nوقد اخْتَلَفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقَرَأته عامَّةُ قرأة المدينة: ﴿بِمَلْكِنَا﴾. بفتح الميم (^٢).\nوقرَأته عامَّةُ قرأة الكوفة: (بِمُلكِنا) بضمِّ الميم (^٣).\nوقرأه بعضُ أهل البصرة: (بِمِلْكنا) بالكسرِ (^٤).\nفأما الفتحُ والضمُّ فهما بمعنًى واحدٍ، وهو قُدْرَتُنا وطاقَتُنا، غير أن أحدهما مصدرٌ، والآخر اسمٌ، وأمَّا الكسرُ فهو بمعنَى مِلكِ الشَّيءِ وكَوْنِه للمالكِ.\nواختلف أهلُ التأويل أيضًا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: ما أخْلَفْنا موعِدَك بأمرنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5807>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾. يقولُ: بأَمْرِنا (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنا\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٦٣ - ٦٦٥.\n(^٢) وهي قراءة نافع وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٤٢٢.\n(^٣) وهى قراءة حمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ٤٢٣.\n(^٤) وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ٤٢٢.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٥٦ - من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"16","page":133},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿بِمَلْكِنَا﴾. قال: [بأمْرٍ ملْكِنا] (^١) (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nوقال آخرون: معناه: بطَاقَتِنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5808>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ أي: بطاقتِنا (^٣).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾. يقولُ: بطاقتِنا (^٤).\nوقال آخرون: معناه: ما أخْلَفْنا موعدَك بهَوَانَا، ولكِنَّا لم نملِكْ أَنفُسَنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5809>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾. قال: يقولُ: بهَوَانَا، قال (^٥): ولكنَّه جاءت ثلاثةٌ. قال: ومعهم\n_________\n(^١) في م، ت ١، ف: \"بأمرنا\"، وفى تفسير مجاهد: \"بأمر نملكه\". والمثبت موافق لما في الدر المنثور.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٦٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٢٣ عن موسى به، عن عكرمة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٦ إلى ابن أبي حاتم من قول السدى.\n(^٥) سقط من: الأصل.","vol":"16","page":134},{"text":"حُليٌّ اسْتَعاروه من آل فرعونَ وثيابٌ (^١).\nوكلُّ هذه الأقوال الثلاثة في ذلك مُتقارِباتُ المعنى؛ لأن من لم يملك نَفْسَه لغَلَبة (^٢) هواه على (^٣) أمرٍ، فإنَّه لا تمتنعُ اللغةُ أن تقولَ: فعَل فلانٌ هذا الأمرَ وهو لا يملكُ نفسه، وفعَلَه وهو لا يَضْبطُها، وفعَلَه وهو لا يُطيقُ تَرْكَه. فإذا كان ذلك كذلك، فسواءٌ بأيِّ القراءات الثلاثِ قرأ ذلك القارئُ، وذلك أن من كسَر الميمَ مِنَ \"المِلْكِ\"، فإنما يوجِّهُ معنى الكلام إلى ما أخْلَفْنا موعدَك ونحنُ نملِكُ الوفاءَ بهِ لغَلَبة أنفسنا إيانا على خِلافِه. وجعَله من قولِ القائل: هذا ملكٌ فلانٍ. لما يَمِلكُه مِنَ المملُوكَاتِ، وأنَّ مَن فتَحها، فإنَّما يوجِّهُ معنى الكلام إلى نحو ذلك، غير أنه يجعَلُه مصدرًا من قول القائل: مَلَكتُ الشيءَ أَمْلِكُه مَلْكًا وَمَلَكةً، كما يُقالُ: غلبتُ فلانًا أَغْلِبُه غَلْبًا وغَلَبَةً، وأَنَّ مَن ضمَّها فإنَّه يوجِّه معناه إلى: ما أَخْلَفْنا موعدَك بسُلْطَانِنا وقُدرتنا. أي ونحنُ نقدر أن نمتنع منه؛ لأن كلَّ مَن قَهَر شيئًا فقد صار له السلطانُ عليه، وقد أنكَر بعضُ الناس قراءةَ مَن قرأَه بالضمِّ، فقال: أيُّ مُلكٍ كان يومئذٍ لبنى إسرائيل، وإنما كانوا بمصرَ مُسْتضعَفين؟! فأغْفَلَ معنَى القوم، وذهَب عن (^٤) مرادِهم ذهابًا بعيدًا، وقارِئو ذلك بالضمِّ لم يَقْصِدوا المعنى الذي ظَنَّه هذا المُنكِرُ عليهم ذلك، وإنَّما قَصَدوا إلى أن معناه: ما أخْلَفنا موعِدَك بسلطانٍ كانت لنا على أنفْسِنا نَقْدِرُ أن نردَّها عما أتت؛ لأنَّ هوانا غلبنا على إخلافِك الموعدَ.\nوقولُه: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾. يقولُ: ولكِنَّا حُمِّلْنا أثقالًا وأحمالًا من زينة القومِ (^٥). يعنُون مِن حُليِّ آل فرعونَ، وذلك أنَّ بني إسرائيل لما أرادَ\n_________\n(^١) ينظر تفسير القرطبي ١١/ ٢٣٤.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ف: \"نفسه\".\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٣، ف: \"ما\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"غير\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.","vol":"16","page":135},{"text":"موسى أن يسيرَ بهم ليلًا من مصرَ بأمر الله إياه بذلك، أمرَهم أن يَسْتَعيروا من أمتعَة آل فرعونَ وحُلِّيهم، وقال: إن الله مُغْنِمُكم ذلك. ففعَلوا، واسْتَعاروا منهم (^١) من حُليِّ نسائِهم وأمتعاتِهم (^٢)، فذلك قولُهم لموسى حينَ قال لهم: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾.\nوبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5810>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾: فهو ما كان مع بني إسرائيل من حُليِّ آل فرِعونَ، يقولُ: [حَظِينا بها] (^٣)، أصَبْنا من حُليِّ عدوِّنا (^٤).\nوحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَوْزَارًا﴾. قال: أثقالًا. قوله: ﴿مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾. قال: وهى الحُليُّ التي اسْتَعارُوا من آل فرعونَ، وهى الأثقالُ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م، ف: \"أمتعتهم\".\n(^٣) في م: \"خطئونا بما\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٥ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٦٤، ومن طريقه الفريابي كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٥٣ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":136},{"text":"مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا﴾. قال: [أثقالًا. ﴿مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾. قال] (^١): حُليتهم (^٢).\nوحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، السديِّ: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾. يقولُ: مِن حُليِّ [القبْط (^٣).\nوحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾. قال: الحُليُّ] (^٤) الذي اسْتَعاروه والثيابُ، لَيْسَت من الذُّنوب في شيءٍ، لو كانت الذُّنوب كانت: حُمَّلْناها نتحمَّلُها (^٥)، فليست من الذُّنوب في شيءٍ (^٦).\nواختَلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأة المدينة وبعضُ المكِّيِّين: ﴿حُمِّلْنَا﴾ بضمِّ الحاءِ وتشديد الميم (^٧)، بمعنى أنَّ موسى حمَّلهم ذلك.\nوقرَأته عامَّةُ قرأة الكوفة والبصرة وبعضُ المكِّيين: (حَمَلْنَا) بتخفيف الحاءِ والميم وفتحهما (^٨)، بمعنى أنهم حمَلوا ذلك من غيرِ أن يكَلِّفَهم حَمْلَه أحدٌ.\nوالقولُ في ذلك عندى أنَّهما قراءتان مَشْهُورتان متقاربتا المعنى؛ فإن\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"حليهم\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ١٣٤.\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) في م: \"نحملها\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"بتحملها\".\n(^٦) ينظر التبيان ٧/ ١٧٥، ١٧٦.\n(^٧) وهى قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وحفص. حجة القراءات ص ٤٦٢.\n(^٨) وهى قراءة أبي عمرو وحمزة وأبى بكر والكسائي. المصدر السابق.","vol":"16","page":137},{"text":"القومَ حَمَلُوا، وأنَّ موسى قد أمرهم بحَمْلِه، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ.\nوقولُه: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾: يقولُ: فأَلْقَيْنا تلك الأوزارَ مِن زينة القومِ في الحُفْرَةِ، ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾. يقولُ: فكما قَذَفْنا نحنُ تلك الأثقالَ، فكذلك ألْقَى السامريُّ ما كان معه من تُرْبَةِ حافرِ فرس جبريلَ ﵇.\nوبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5811>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾. قال: فأَلْقَيْناها، ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾: فكذلك صَنَع (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾. قال: فأَلْقَيناها. ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾: فكذلك صَنَع.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾. أي: فنَبَذْناها.\n\n<span id=\"aya-2436\"></span>وقولُه: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾. يقولُ: فأَخْرَج لهم السامريُّ مما قذَفوه وممَّا أَلْقَاه ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾، ويعنى بالخُوارِ الصوتَ،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١٣٦.","vol":"16","page":138},{"text":"وهو صوت البقر.\nثم اختلف أهل العلم في كيفيَّة إخراجِ السامريِّ العجلَ؛ فقال بعضُهم: صاغه صِياغَةٌ، ثم ألْقَى من تُرابِ حافر فرس جبريل في فيهِ، فَخَارَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5812>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾. قال: كان الله وقَّت لموسى ﵇ ثلاثين ليلةً، ثم أتمَّها بِعَشْرٍ، فلمَّا مضَت الثلاثون قال عدوُّ الله السامريُّ: إنَّما أصابكم ما أصابكم عقوبةً بالحليِّ الذي كان معكم، فهَلُمُّوا. وكانت حُليًّا تَعَوَّروها من آل فرعون، فساروا وهى معهم، فقَذَفوها إليه، فصوَّرها صورةً بقرة، وكان قد صَرَّ في عِمامَتِه أو في ثوبه قَبْضَةً مِن أُثرِ الفرس، فرس جبريل ﵇، فقَذَفها مع الحليِّ والصُّورة، ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾. فَجَعَل يخُورُ خُوارَ البَقَرَةِ، فقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾.\nحدَّثنا الحسن (^١)، قال: حدثنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: لما اسْتَبْطَأ موسى قومه قال لهم السامريُّ: إنما احْتَبَس عنكم من أجل ما عندكم من الحليِّ. وكانوا اسْتَعارُوا حُليًّا من آل فرعونَ، فَجَمَعوه فأعطَوْه السامريَّ، فصاغ منه عِجْلًا، ثم أخذ القَبْضَةَ التي قبض من أَثَرِ الفرس فرس الملك، فنبذها في جوفِه، فإذا هو عجلٌ جَسَدٌ له حُوارٌ، فقال: هذا إلهكم وإله موسى، ولكنَّ موسى نَسِي ربَّه عِندَكم (^٢).\n_________\n(^١) في الأصل: \"الحسين\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٨.","vol":"16","page":139},{"text":"وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ، قال: أخذ السامريُّ مِن تُربةِ الحافر، حافرِ فرس جبريل، فانطلق موسى واسْتَخْلَفَ هارون على بنى إسرائيلَ، وَوَاعَدَهم ثلاثين ليلة، وأتمَّها اللهُ بِعَشْرٍ، فقال لهم هارون: يابني إسرائيل إن الغنيمة لا تحلُّ لكم، وإن حُليَّ القبط إنما هو غنيمةٌ، فاجمعوها جميعًا، فاحْفروا لها حُفْرةً فادفنوها، فإن جاء موسى فأحَلَّها أَخَذْتُموها، وإلا كان شيئًا لم تأكلوه. فجمعوا ذلك الحليَّ في تلك الحفرة، وجاء السامريُّ بتلك القبضة فقَذَفها، فأَخْرَج الله مِن الحُليِّ عِجْلًا جَسَدًا له خوارٌ، وعَدَّت بنو إسرائيل موعِدَ موسى، فعَدُّوا الليلة يومًا، واليومَ يومًا، فلمَّا كان لعشرين (^١) خرَج لهم العجلُ، فلمَّا رَأَوْه قال لهم السامريُّ: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾. فعكفوا عليه يعبُدونه، وكان يخورُ ويمشى. ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾: ذلك حين قال لهم هارونُ: احْفِروا لهذا الحليِّ حُفْرةً واطْرَحوه فيها. فطَرَحوه، فقَذَف السامريُّ تُربَتَه (^٢).\nوقوله: ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾. يقولُ: فقال قوم موسى الذين عَبدوا العجلَ: هذا مَعْبُودُكم ومعبود موسى.\nوقوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ يقولُ: فَضَلَّ وتَرَك.\nثم اختلف أهل التأويل في قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾. من قائلُه، ومَن الذي وُصِف به، وما معناه؟ فقال بعضُهم: هذا خبرٌ من الله عن السامريِّ، والسامريُّ هو الموصوف بهِ. قالوا: ومَعْناه أنَّه ترك الدِّينَ الذي بعث الله به موسى، وهو الإسلام.\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: \"العشرين\". وفى نسخة من تاريخ المصنف: \"العشر\".\n(^٢) تقدم أوله في ص ١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٦ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"16","page":140},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5813>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنى محمد بن إسحاق، عن حكيمِ بن جبيرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يقولُ الله: ﴿فَنَسِيَ﴾. أي: ترك ما كان عليه من الإسلام. يعنى السامريَّ (^١).\nوقال آخرون: بل هذا من خبر الله تعالى ذكرُه عن السامريِّ أنَّه قاله (^٢) لبنى إسرائيل، وأنَّه وصف موسى بأنَّه ذهَب يطلب ربَّه، فأضلَّ موضعه، وهو هذا العجل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5814>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ - يعنى زينة القوم - حين أمرنا السامريُّ لمَّا قبض قبضةً مِن أَثَرِ جبريل، فأَلْقَى القبضة على حُليِّهم، فصار عِجْلًا جسَدًا له خوارٌ ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ الذي انطلق يطلبُه ﴿فَنَسِيَ﴾. يعني: نَسِيَ موسى. يعني (^٣): ضَلَّ عنه فلم يَهْتَدِ له (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَنَسِيَ﴾. يقولُ: طلب هذا موسى فخالَفَه الطريق (^٥).\nوحدَّثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١/ ٦٧٣.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ١٣٦.\n(^٥) ينظر البحر المحيط ٦/ ٢٦٩.","vol":"16","page":141},{"text":"﴿فَنَسِيَ﴾. يقولُ: قال السامريُّ: موسى نَسِيَ ربَّه عِندَكم (^١).\nوحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ موسى. قال: هم يقُولُونَه (^٢)؛، أخطأ الربَّ؛ العِجْلَ (^٣).\n[حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَنَسِيَ﴾. قال: نَسى موسى، أخطأ الربَّ. للعجل] (^٤) (^٥)، قوم موسى يَقُولُونَه.\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿فَنَسِيَ﴾ يقولُ: ترك موسى إلَهَه ههنا وذهَب يطلبه (^٦).\nوحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾. قال: يقولُ: فنَسِيَ حيثُ وعَدَه رَبُّه، هاهنا وعَدَه (^٧)، ولكنَّه نَسِيَ (^٨).\nحُدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾. يقولُ: نَسِيَ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٨.\n(^٢) بعده في الأصل: \"قال\". وفي الدر المنثور: \"قومه\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٦٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"العجل\".\n(^٦) تقدم أوله في ص ١٩.\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، ف.\n(^٨) ينظر التبيان ٧/ ١٧٦.","vol":"16","page":142},{"text":"موسى ربَّه فأخْطَأه، وهذا العجلُ إِلَهُ موسى.\nوالذي هو أولى بتأويل ذلك القولُ الذي ذكرناه عن هؤلاء، وهو أن ذلك خيرٌ من الله جلَّ وعزَّ عن السامريِّ أنَّه وصف موسى بأنَّه نَسِيَ ربَّه، وأَنَّ رَبَّه الذي ذهب (^١) يريده هو العجلُ الذي أخرجه السامريُّ؛ لإجماع الحجَّةِ مِن أهل التأويل عليه، وأنَّه عَقِيبَ ذكر موسى، فهو بأن يكون خبرًا من السامريِّ عنه بذلك أَشْبَهُ مِن غيرِه.\n\n<span id=\"aya-2437\"></span><span data-type='title' id=toc-5815>القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره مُوَبِّخًا عبدة العجل والقائلين له: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾. وعائبَهم بذلك، ومُسَفِّه أحلامهم بما فعلوا وقالوا (^٢) منه: أفلا يَرَوْنَ أن العجل الذي زعموا أنَّه إلههم وإله موسى لا يُكَلِّمُهم، وإن كلَّموه لم يردَّ عليهم جوابًا، ولا يقدر لهم على ضَرٍّ ولا نَفْعٍ، فكيف يكون ما كانت هذه صِفَتُه إلهًا؟.\nكما حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾: العجلُ (^٣).\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"يطلبه\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"نالوا\".\n(^٣) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"16","page":143},{"text":"وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾، قال: العجلُ.\nوحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: قال الله ﷿: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ﴾، ذلك العجلُ الذي اتَّخَذوه، ﴿قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾.\n\n<span id=\"aya-2438\"></span>وقولُه: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾. [يقولُ: ولقد قال لعَبَدَةِ العجل من بني إسرائيل هارونُ من قبل] (^١) رجوع موسى إليهم، وقيله لهم ما قال ممَّا أخبر الله جلَّ ثناؤُه عنه: ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾. يقولُ: إنما اخْتبَر الله إيمانكم ومحافظَتَكم على دينكم بهذا العجل الذي أحْدَث فيه الخُوارَ؛ ليعلمَ به الصحيحَ الإيمانِ مِنكُم من المريض القلب، الشاكِّ في دينِه.\nكما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: قال لهم هارُونُ: ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾. يقولُ: إِنَّما ابْتُليتُم به. يقولُ: بالعجل (^٢).\nوقولُه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾. يقولُ: وإن ربَّكم الرحمنُ الذي تَعُمُّ جميعَ الخلقِ نعمتُه، ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ على ما آمُرُكم بهِ مِن عبادة اللهِ وتَركِ عبادة العجل، ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ فيما آمُرُكم به من طاعةِ اللهِ وإخلاص العبادةِ له.\n\n<span id=\"aya-2439\"></span>وقولُه: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾. يقولُ: قال عَبَدَةُ العجل من قومِ موسى: لن نزالَ على العجلِ مُقِيمِينَ نَعْبُدُه حتى يَرْجع إلينا موسى.\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ف.\n(^٢) تقدم أوله في ص ١٩.","vol":"16","page":144},{"text":"<span id=\"aya-2440\"></span><span data-type='title' id=toc-5817>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ (^١) أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لأخيه هارون لمَّا فرغ من خطاب قومه ومراجَعته إيَّاهم على ما كان من خطأ فِعْلِهم: يا هارونُ أَيُّ شيءٍ منعك إذ رأيتَهم ضَلُّوا عن دينهم، فكَفَروا بالله وعَبَدوا العجل - ألا تَتَّبعَنى.\n\n<span id=\"aya-2441\"></span>واخْتَلَف أهلُ التأويل في المعنى الذي عَذَل (^٢) موسى عليه أخاه من تَرْكِه اتَّباعَه؛ فقال بعضُهم: عَذَلَه على تَرْكه السير بمَن أطاعَه في أثره على ما كان عهد إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5816>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن حكيم بن جبيرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قال القومُ: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ أقام هارونُ في من معه (^٣) من المسلمين ممَّن لم يَفتَتنْ، وأقام مَن يعبُدُ العجل على عبادة العجل، وتخوَّف هارونُ إن سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: فرَّقْتَ بين بنى إسرائيلَ ولم تَرْقُبْ قولى. وكان له هائبًا مُطِيعًا (^٤).\nوحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللهِ عزَّ\n_________\n(^١) في الأصل، ف: \"تتبعنى\". وبإثبات الياء وقفا ووصلًا قرأ ابن كثير، وقرأ بها أبو عمرو في الوصل خاصة، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بغير ياء في وصل ولا وقف، واختلف عن نافع. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤٢٣.\n(^٢) العذْل: الملامة يقال: عذله يعذله: لامه. اللسان (ع ذ ل).\n(^٣) في م: \"تبعه\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ١/ ٦٧٣.","vol":"16","page":145},{"text":"وجلَّ: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾. قال: تَدَعَهم (^١).\nوقال آخرون: بل عَذَلَه على تَرْكِه أن يُصْلِحَ ما كان من فسادِ القومِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5818>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيج قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾. قال: أمر موسى هارون أن يُصلِحَ ولا يَتَّبِعَ سبيلَ المُفسدين، فذلك قولُه: ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ بذلك (^٢).\n\n<span id=\"aya-2442\"></span>وقولُه: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾. وفى هذا الكلام متروكٌ، تُرِك ذكرُه استغناءً بدلالة الكلام عليه، وهو: ثم أخذ موسى بلحْية أخيه هارونَ ورأسه يجرُّه إليه، فقال هارونُ: يابنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيتى ولا برأسي.\nوقولُه: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. فاختَلَف أهلُ العلم في صفة التفريق بينهم الذي خَشِيَه هارونُ؛ فقال بعضُهم: كان هارونُ خاف أن يسيرَ بمن أطاعَه وأقامَ على دينه في أَثَرِ موسى، ويخلُفَ عَبَدَةَ العجلِ، وقد قالوا له: لن نبرحَ عليه عاكفين حتى يرجعَ إلينا موسى. فيقولَ له موسى: فرَّقْتَ بين بني إسرائيلَ بسَيْرِك بطائفةٍ، وتَرْكِكَ منهم طائفةً وراءَك.\n\n<span data-type='title' id=toc-5819>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾. قال: ﴿خَشِيتُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٦ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٦ إلى ابن المنذر.","vol":"16","page":146},{"text":"أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: خَشِيتُ أن يتَّبعَنى بعضُهم ويتخلَّفَ بعضُهم (^١).\nوقال آخرون: بل معني ذلك: خَشِيتُ أن نَقْتَتِلُ فيَقْتُلَ بعضُنا بعضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5820>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: كُنَّا نكونُ فِرقَتَين فيقتُلُ بعضُنا بعضًا حتى نَتَفَانى.\nوأولى القولين في ذلك بالصواب القولُ الذي قاله ابن عباسٍ، من أن موسى عَذَل أخاه هارون على تَرْكه اتباعَ أمْرِه بَمَن اتَّبَعه من أهل الإيمان، فقال له هارونُ: إني خَشِيتُ أن تقولَ: فرَّقت بين جماعتِهم، فتَرَكْتَ بعضَهم وراءَك، وجئتَ ببعضِهم. وذلك بَيِّنٌ في قول هارون للقوم: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾. وفى جواب القومِ له، وقيلهم: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾.\nوقولُه: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. يقولُ: ولم تَنْظُرْ قَوْلى وتحْفَظْه. مِن مراقبة الرجل الشيءَ، وهى مُناظَرتُه لحفظه (^٢).\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. قال: لم تَحفَظْ قَوْلى (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"بحفظه\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٧ إلى ابن المنذر.","vol":"16","page":147},{"text":"<span id=\"aya-2443\"></span><span data-type='title' id=toc-5822>القولُ في تأويل قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقوله: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾: قال موسى للسامريِّ: فما شأنُك يا سامريُّ؟ وما الذي دعاكَ إلى ما فعَلتَ؟\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾ قال: ما أَمْرُك؟ ما شأنُك؟ ما هذا الذي أدْخَلك فيما دخَلتَ فيه؟\nوحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾. قال: ما لَكَ يا سامريُّ (^١).\n\n<span id=\"aya-2444\"></span>وقولُه: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾. يقولُ: قال السامريُّ: علمتُ ما لم يَعْلَموه (^٢). وهو \"فعلتُ\" من البَصيرة، أي: صِرْتُ بما عملتُ بصيرًا عالمًا.\n[وبنحو الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويل] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-5821>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: لما قتل فرعونُ الولدان قالت أمُّ السامريِّ: لو نَحَّيتَه عنِّى حتى لا أراه، ولا أرى (^٤)\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١٤٠.\n(^٢) في الأصل: \"تعلموه\". وهو يتفق مع قراءة من قرأ: (تبصروا). وهما قراءتان كما سيأتي في ص ١٥٠.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) في م: \"أدرى\".","vol":"16","page":148},{"text":"قَتْلَه. فَجَعَلَتْه في غارِ، فأتى جبريلُ، فجعَل كفَّ نَفْسِهِ فِي فِيهِ، فَجَعَل يَرْضَعُ العسل واللبنَ، فلم يزلْ يختَلِفُ إليه حتى عرَفه، فمن ثَمَّ معرفتُه إيَّاه حين قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾.\nوقال آخرون: هو (^١) بمعنى: أبْصَرتُ ما لم يُبْصروه. وقالوا: يقالُ: بَصُرتُ بالشيء وأَبْصَرتُه. كما يقالُ: أسرَعتُ وسَرُعْتُ؛ ماشيتُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-5823>ذكرُ مَن قال: هو بمعنى: أبْصَرتُ</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾. يعني: فرسَ جبريل ﵇.\nوقولُه: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾. يَعْنى (^٣): فقبضتُ قبضةً من أثر حافرِ فرس جبريلَ.\nوبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5824>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثني محمدُ بنُ إسحاقَ، عن حكيم بن جبيرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قذف بنو إسرائيل ما كان معهم من زينة آلِ فرعونَ في النارِ، وتكسَّرت، ورأى السامريُّ أثَرَ فرس جبريل ﵇، فأخذ تُرابًا من أثر حافرِه، ثم أقبل إلى النار فقذَفه فيها، وقال: كُنْ عِجْلًا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"هي\".\n(^٢) في م: \"ما شئت\". وينظر مجاز القرآن ٢/ ٢٦.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"يقول\".","vol":"16","page":149},{"text":"جسَدًا له خُوَارٌ. فكان للبلاء (^١) والفتنة (^٢).\nوحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: قبض قبضةً (^٣) من أثر جبريل، فألْقى القبضةَ على حُليِّهم، فصار عِجْلًا جسَدًا له خُوارٌ، فقال: هذا إِلَهُكم وإلَهُ موسى (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾. قال: من تحت حافرِ فرس جبريل، فنبَذه السامريُّ على حلية بني إسرائيل، فانْسَبك عِجْلًا جَسَدًا له خُوارٌ، حفيفُ الريح فيه فهو خُوارُه (^٥).\nقال أبو جعفر: والعجلُ ولدُ البقرة.\nواختلفت القرأةُ في قراءةِ هذين الحرفين؛ فقرأته عامَّةُ قرأة المدينة والبصرة: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ بالياء (^٦) بمعنى: قال السامريُّ: بَصُرتُ بما لم يَبصُرْ به بنو إسرائيلَ.\nوقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ الكوفة: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ تَبْصُرُوا بِهِ) بالتاءِ (^٧)، على وَجْهِ\n_________\n(^١) في الأصل: \"البلاء\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ١/ ٦٧٣.\n(^٣) بعده في م: \"منه\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ١٣٦.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٦٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٤٢٤.\n(^٧) وهى قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.","vol":"16","page":150},{"text":"المخاطَبَة لموسى وأصحابه، بمعنَى: قال السامريُّ لموسى: بَصُرتُ بما لم تَبْصُرْ بِهِ أَنتَ وأصحابُك.\nوالقولُ في ذلك عِندِى أنَّهما قراءتان مَعْروفتان، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأة، مع صحَّة معنى كلِّ واحدةٍ منهما، وذلك أَنَّه جائزٌ أن يكونَ السامريُّ رأى جبريلَ، فكان عندَه - إما (^١) بأن حَدَّثَته نفسُه بذلك، أو بغير ذلك من الأسباب - أن ترابَ حافرِ فرسه الذي كان عليه يَصْلُحُ لما حُدِّثَ عنه حينَ نَبَذَه في جَوْفِ العجل، ولم يكنْ عِلْمُ ذلك عند موسى، ولا عندَ أصحابه من بني إسرائيل، فلذلك قال لموسى: (بَصُرْتُ بما لم تَبصُروا به). أي: عَلِمْتُ بما لم تَعْلَموا به. وأما إذا قُرِئَ: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ بالياءِ، فلا مؤنةَ فيه؛ لأنه معلومٌ أن بنى إسرائيل لم يَعْلَموا ما الذي يَصْلُحُ له ذلك الترابُ.\nوأما قولُه: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾. فإن قرَأَةَ الأمصار على قراءته بالضادِ، بمعنى: فأخذتُ بكَفِّي كلِّها (^٢) ترابًا من تراب أَثَرِ فرس الرسول.\nورُوِيَ عن الحسن البصريِّ وقتادةَ ما حدَّثنى أحمدُ بن يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عبادٍ و(^٣) عوفٍ، عن الحسن أنه قرأها: (فَقَبَصْتُ قَبْصَةً). بالصادِ.\nوحدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عبادٍ، عن قتادةَ مثلَ ذلك بالصادِ (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"ما كان\"، وفى ت ٢: \"إما كان\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"بن\".\n(^٤) أخرجه البغوي في الجعديات (٣٢٩٢) من طريق المبارك، عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور =","vol":"16","page":151},{"text":"يعنى: أخذتُ بأصابعى مِن ترابٍ أَثَرِ فرس الرسول ﵇، والقَبْضَةُ عند العرب الأخذُ بالكفِّ كلِّها، والقَبْصَةُ الأخْذُ بأطْراف الأصابع.\nوقولُه: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾. يقولُ: فأَلْقَيتُها، ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. يقولُ: وكما فعلتُ من إلقائى القَبْضةَ التي قبضتُ مِن أَثَرِ الرسول (^١) على الحلية التي أُوقدَ عليها حتى انْسَبَك فصار عجلًا جسدًا له حُوَارٌ، ﴿سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. يقولُ: زَيَّنَتْ لى نفسى أنَّه يكونُ ذلك كذلك.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. قال: كذلك حدَّثتْني نفسي.\n\n<span data-type='title' id=toc-5825>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى ﵇ للسَّامِرِيِّ: فاذهب فإن لك في أيام حياتِك أن تقولَ: لا مِسَاسَ. أي: لا أمسُّ ولا أُمَسُّ. وذُكر أن موسى ﵇ أَمَر بني إسرائيلَ ألَّا يُؤاكلوه، ولا يُخالطوه، ولا يُبايعوه، فلذلك قال له: إن لك في الحياةِ أن تقول لا مِسَاسَ. فبَقِى ذلك فيما ذُكِرَ في قبيلته.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: كان والله السَّامِرِيُّ عظيمًا من عُظماء بنى إسرائيلَ، مِن قبيلةٍ يقالُ لها: سَامِرَةُ. ولكنَّ عدوَّ الله\n_________\n= ٤/ ٣٠٧ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^١) في م، ت ١، ف: \"الفرس\".","vol":"16","page":152},{"text":"نافَقَ بعدَ ما قَطَعَ البحرَ مع بني إسرائيلَ، قولَه: ﴿فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾: فبقاياهم اليومَ يقولون: لا مساسَ (^١).\n\n<span id=\"aya-2445\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾. اختلَفت القرَأَةُ في قراءته؛ فقرأته عامةُ قرأَةِ (^٢) المدينة والكوفة: ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ بضَمِّ التاءِ وفَتْحِ اللام (^٣)، بمعنى: وإن لك موعدًا لعذابك وعُقُوبتِك على ما فعلتَ مِن إضْلالك قومى، حتى عبدُوا العجل من دونِ اللهِ، لن يُخْلِفَكه الله، ولكنه يُذِيقَكَه.\nوقرأ ذلك الحسنُ وقتادةُ وأبو نَهيك [وأبو عمرٍو] (^٤): (وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلِفَهُ). بضَمِّ التاءِ وكَسْرِ اللام (^٥)، بمعنى: وإن لك موعدًا لن تُخْلِفَه أنت يا سامريُّ. وتأوَّلوه بمعنى: لن تَغِيبَ عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5826>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمن، قال: سمِعتُ أبا نَهِيكِ يقرأُ: (لَن تُخْلِفَهُ): أنت، يقولُ: لن تَغيبَ عنه (^٦).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ (وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلِفَهُ). يقولُ: لن تَغِيبَ عنه (^٧).\n_________\n(^١) ذكر آخره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٠٧.\n(^٢) بعده في م: \"أهل\".\n(^٣) وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٤٢٤.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٥) وهى قراءة ابن كثير أيضًا. ينظر المصدر السابق.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٠٧.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٧ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":153},{"text":"والقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان مُتقاربتا المعنى؛ لأنه لا شكَّ أن الله مُوفٍ وعدَه لخَلْقِه بحَشْرِهم لموقفِ الحسابِ، وأن الخلقَ مُوافوه (^١) ذلك اليومَ، فلا الله جلَّ وعزَّ مُخْلِفُهم ذلك، ولا هم مُخْلِفُوه بالتَّخَلُّفِ عنه، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمُصيبٌ الصوابَ في ذلك.\nوقولُه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾. يقولُ: وانظرُ إلى معبودِك الذي ظَلْتَ عليه مُقِيمًا تعبُدُه.\nكما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾. يقولُ: الذي أقمتَ عليه (^٢).\nوحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن: أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: فقال له موسى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾. يقولُ: الذي أقمتَ عليه.\nوللعرب في \"ظلْتَ\" لغتان؛ الفتحُ في الظاء، وبها قرأ قرأة الأمصار، والكسرُ فيها، وكأن الذين كَسَروا نَقَلوا حركةَ اللام التي هي عينُ الفعل مِن \"ظَلِلْتُ\" إليها، ومن فَتَحها، أقَرَّ حركتَها التي كانت لها قبلَ أن يُحْذَفَ منها شيءٌ، والعربُ تفعلُ في الحروفِ التي فيها التضعيفُ ذلك، فيقولون في \"مَسِسْتُ\": مِسْتُ ومَسْتُ. وفى \"هَمَمْتُ\" بذلك: هَمْتُ به. وهل أحَسْتَ فلانًا وأحْسَسْتَه؟ كما قال الشاعرُ (^٣):\n_________\n(^١) في ص: \"موافقوه\"، وفى م: \"موافون\"، وفى ت ١: \"موقوفون\"، وفى ف: \"موافتة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٢٨ - من طريق أبي صالح به، وعزاه في الدر المنثور ٤/ ٣٠٧ إلى ابن المنذر.\n(^٣) هو أبو زبيد الطائى، والبيت في ديوانه (مجموع) ص ٩٦، وفيه: حسسن. ورواية المصنف هي رواية أبي عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٢٨.","vol":"16","page":154},{"text":"خَلَا أَنَّ العِتاقَ (^١) من المطايا … أحَسْنَ به فَهُنَّ إِليه شُوسُ (^٢)\nوقولُه: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾. اختلَفت القرَأَةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأَةِ الحجاز والعراق: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾. بضَمِّ النون وتشديد الراء، بمعنى: لنُحَرِّقَنَّه بالنارِ قطعةً قطعةً.\nورُوي عن الحسن البصريِّ أنه كان يقرأُ ذلك: (لَنُحْرِقَنَّهُ). بضَمِّ النون وتخفيف الراءِ (^٣)، بمعنى: لنُحْرِقَنه بالنار إحْراقةً واحدةً.\nوقرَأه أبو جعفر القارئُ: (لَنَحْرُقَنَّهُ). بفتح النون وضمِّ الراء (^٤)، بمعنى: لنَبْرُدَنَّه بالمبارد. مِن: حَرَقْتُه أَحْرُقُه وأَحْرِقُه. كما قال الشاعرُ (^٥).\nبِذِي فَرْقَينِ (^٦) يومَ بنو حَبِيبٍ … نيوبَهُمُ علينا يَحْرُقُونا (^٧)\nوالصوابُ في ذلك عندَنا من القراءةِ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بضمِّ النونِ وتشديدِ الراء، من الإحراق بالنار.\nكما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ يقُولُ: بالنار (^٨).\n_________\n(^١) العتاق: من الخيل ومن الإبل: النجائب منهما. التاج (ع ت ق).\n(^٢) الشوس: جمع أشوس والشَّوَس بالتحريك: النظر بمؤخر العين تكبرا أو تغيظا. اللسان (ش وس).\n(^٣) وهى رواية ابن جماز عن أبي جعفر، وهو من العشرة. النشر ٢/ ٢٤١، وإتحاف فضلاء البشر ص ١٨٨.\n(^٤) وهى رواية ابن وردان عنه، وقراءة على بن أبي طالب والأعمش. المصدران السابقان.\n(^٥) هو عامر بن شقيق الضبي، والبيت في الحماسة لأبي تمام ١/ ٢٩٥.\n(^٦) ذو فرقين: هضبة في بلاد بني أسد من ناحية الفرات. شرح ديوان الحماسة للتبريزى ٢/ ٦٧.\n(^٧) يقال: هو يحرق أنيابه: إذا حك بعضها ببعض تهديدا … ويقال: حرقه بالمبرد إذا برده. المصدر السابق.\n(^٨) تقدم أوله في الصفحة السابقة.","vol":"16","page":155},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾: فَحَرَّقَه ثم ذَرَّاه في اليَمِّ.\nوإنما اخترتُ هذه القراءة لإجماع الحُجَّة من القرَأَة عليها، وأما أبو جعفرٍ، فإنى أحسَبُه ذَهَب إلى ما حدَّثنا به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾: ثم أخَذَه فذَبَحه، ثم حَرَقَه بالمِبْردِ، ثم ذَرَّاه في اليمِّ، فلم يَبْقَ بحرٌ يجرى (^١) يَوْمَئِذٍ إِلا وَقَع فيه شيءٌ منه (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾. قال: وفى بعض القراءةِ: (لَنَذْبَحَنَّهُ ثم لنَحْرُقَنَّه ثم لَنَنْسِفَنَّه في اليَمِّ نَسْفًا) (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ: في حرف ابن مسعودٍ (وانْظُرْ إلى إلهك الذي ظَلْتَ عليه عاكفًا لنَذْبَحَنَّه ثم لَنَحْرُقَنَّه ثم لنَنْسِفَنَّه في اليمِّ نسْفًا) (^٤).\nوقولُه: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾. يقولُ: ثم لنُذَرِّيَّنَّه في البحرِ تذريةٌ. يقال منه: نَسَفَ فلانٌ الطعامَ بالمِنْسَف. إذا ذَراه (^٥) فَطَيَّرَ عنه قُشُورَه وترابَه\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ١٤٠.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٧ إلى ابن أبي حاتم وفيه زيادة.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٨ وسقط منه: ثم لنذبحنه ثم. وهى في مصحف أبي كما في حرف ابن مسعود. ينظر البحر المحيط ٦/ ٢٧٦.\n(^٥) بعده في ت ٢: \"في الهواء\".","vol":"16","page":156},{"text":"باليَد أو بالريح. [يقالُ: ذرا يَذْرُو، وذرَى يَذْرى، وذَرَّى يُذَرِّى، تَذْرِيةً ونسفًا بمعنًى واحدٍ] (^١).\nوبنحو الذي قلنا في تأويل (^٢) ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5827>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾. يقولُ: لَنُذَرِّيَنَّه في البحرِ (^٣).\nوحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه،، عن ابن عباسٍ، قال: ذَرَّاه في اليَمِّ، واليَمُّ البحرُ (^٤).\nوحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ذَرَّاه في اليَمِّ (^٥).\nوحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فِي الْيَمِّ﴾. قال: في البحر.\n\n<span id=\"aya-2446\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: ما لكم أيُّها القومُ معبودٌ إلا الله (^٦) الذي له عبادةُ جميع الخلق، لا تَصْلُحُ العبادةُ لغيره، ولا تَنْبَغى أن تكون إلا له، ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. يقولُ: أحاطَ بِكُلِّ شيءٍ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ١٥٤.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٧ إلى ابن أبي حاتم دون قوله: ذراه في اليم.\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ١٤٠.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"16","page":157},{"text":"علمًا فعَلِمَه، فلا يَخْفَى عليه [منه شيءٌ ولا يَضِيقُ عليه] (^١) علمُ جميع ذلك. يقالُ منه: فلانٌ يَسَعُ لهذا الأمر. إذا أطاقه وقَوىَ عليه، ولا يَسَعُ له. إذا عَجَزَ عنه فلم يُطِقْه ولم يَقْوَ عليه.\nوكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. يقولُ: مَلأَ كلَّ شيءٍ علمًا، ﵎ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2447\"></span><span data-type='title' id=toc-5828>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: كما قَصَصْنا عليك يا محمدُ نَبأ موسى\nوفرعونَ وقومه وأخبار بني إسرائيل مع موسى، ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾. يقولُ: كذلك نخبرُك بأنباء الأشياء التي قد سَبَقَت مِن قَبْلِك ولم تُشاهدها ولم تُعاينْها.\nوقولُه: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لمحمد ﷺ: وقد آتيناك يا محمدُ من عندنا ذِكْرًا يَتَذَكَّرُ به ويَتَّعِظُ (^٣) أهلُ العقل والفَهْم، وهو هذا القرآنُ الذي أنزلَه الله عليه، فجَعَلَه ذِكْرَى للعالمين.\n\n<span id=\"aya-2448\"></span>وقولُه: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مَن وَلَّى عنه فأَدْبَرَ ولم يُصَدَّقْ به ولم يُقرَّ، ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾. يقولُ: فإنه يأتى ربَّه يومَ القيامةِ يحمِلُ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) بعده في م، ت ٢: \"به\".","vol":"16","page":158},{"text":"حملًا ثقيلًا، وذلك الإثمُ العظيمُ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾. قال: إثمًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\n\n<span id=\"aya-2449\"></span><span data-type='title' id=toc-5830>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ (^٢) فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: خالدين في وِزْرِهم. فأخرج الخبرَ جَلَّ ثناؤُه عن هؤلاء المُعْرِضِين عن ذكره في الدنيا أنهم خالدون في أوْزارِهم، والمعنى أنهم خالدون في النارِ بأوْزارهم، ولكن لمَّا كان معلومًا المرادُ من الكلام، اكْتُفي بما ذُكر عما لم يُذْكَرُ.\nوقولُه: ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وساءَ ذلك الحمْلُ والثِّقَلُ من الإثم يومَ القيامةِ حِمْلًا. وحُقَّ لهم أن يَسُوءُهم ذلك، وقد أوردَهم مَهْلَكةً لا مَنْجَا منها.\nوبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5829>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٦٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٧ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ٢، ف: \"ننفخ\". وهما قراءتان كما سيأتي.","vol":"16","page":159},{"text":"قوله: ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾. يقولُ: بئسمَا حَمَلوا (^١).\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾: يعنى بذلك ذنوبهم.\n\n<span id=\"aya-2450\"></span>وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وساء لهم يوم القيامةِ، يوم ينفخُ في الصور. فقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ رَدٌّ على ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.\nوقد بيَّنَّا معنى النَّفْخِ في الصور، وذكرنا اختلاف المختلفين في معنى الصور، والصحيح في ذلك من القول عندنا بشواهده المُغنية عن إعادته في هذا الموضع قبلُ (^٢).\nواختلفت القرَأَةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأَةِ الأمصارِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. بالياءِ وضَمَّها (^٣)، على وجهِ (^٤) ما لم يُسَمَّ فاعلُه، بمعنى: يومَ يَأْمُرُ اللهُ إسرافيلَ فينفخُ في الصور. وكان أبو عمرو بن العلاء يقرأُ ذلك: (يَوْمَ نَنْفُخُ فِي الصُّورِ). بالنون، بمعنى: يومَ ننفخُ نحن في الصور. وكأنَّ الذي دعاه إلى قراءة ذلك كذلك طَلَبُه التوفيق بينه وبين قوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ﴾. إذ كان لا خلاف بين القرأَةِ في ﴿وَنَحْشُرُ﴾ أنها بالنون.\nوالذي أختارُ في ذلك من القراءة: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾. بالياء، على وَجْهِ ما لم يُسمَّ فاعلُه؛ لأن ذلك هو القراءة التي عليها قرأةُ الأمصار، وإن كان للذى قرأ به (^٤) أبو\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١٥٤.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٩/ ٣٣٩ - ٣٤١.\n(^٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي، وقرأ أبو عمرو بالنون كما سيأتي. ينظر حجة القراءات ص ٤٦٣.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ف.","vol":"16","page":160},{"text":"عمرٍو وَجْهٌ غيرُ فاسدٍ.\nوقوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾. يقول تعالى ذكرُه: ونسوقُ أهلَ الكفر باللهِ يومئذٍ إلى موقف القيامةِ زُرْقًا. فقيل: عَنى بالزُّرْقِ في هذا الموضع ما يظهرُ في أعينهم من شدة العَطَشِ الذي يكونُ بهم عند الحشرِ، لِرَأْي العين، مِن الزَّرَقِ. وقيل: أُريدَ بذلك أنهم يُحْشَرون عُمْيًا، كالذى قال الله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ [الإسراء: ٩٧].\nوقوله: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾. يقول تعالى ذكره:\nيتهامسون بينهم، ويُسرُّ بعضُهم إلى بعضٍ: إن لبثتُم في الدنيا. يعنى أنهم يقولُ بعضهم لبعضٍ: ما لبثتُم في الدنيا إلا عَشْرًا.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span id=\"aya-2451\"></span><span data-type='title' id=toc-5831>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: يَتَسَارُّونَ (^١).\nوحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾. أي: يَتَسارُّون (^٢) بينهم: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾.\n\n<span id=\"aya-2452\"></span><span data-type='title' id=toc-5832>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ب، ت ١، ف: \"يتشاورون\"، وفى م: \"يتسارون بينهم\".\nوالأمر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"يتشاورون\".","vol":"16","page":161},{"text":"يقول تعالى ذكره: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ﴾ منهم عندَ إسْرارِهم وتَخافُتِهم بينهم بقيلهم: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ - ﴿بِمَا يَقُولُونَ﴾: لا يخفى علينا مما يتسارُّونه بينَهم شيءٌ، ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: حين يقولُ أوفاهم عقلًا، وأعلمهم فيهم: إن لبِثتُم في الدنيا إلا يومًا.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5833>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد (^١) في قوله: قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾. [يقولُ أعلمُهم في أنفسهم: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريب، قال: حدَّثنا ابن يَمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قوله: ﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾] (^٣). قال: أَوْفاهم عقلًا (^٤).\nوإنما عنى جلَّ ثناؤُه بالخبر عن قيلهم هذا القول يومئذٍ، إعلامَ عباده أن أهل الكفرِ به يَنْسَون - مِن عظيم ما يُعاينون مِن هَوْلِ يوم القيامة، وشدة جَزَعِهم من عظيم ما يردون عليه - ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم واللذَّاتِ، ومبلغ ما عاشوا فيها من الأزمانِ، حتى يُخَيَّلَ إلى أَعْقَلِهم فيهم وأَذْكَرِهم وأَفْهَمِهم، أنهم لم يَعِيشوا فيها إلا يومًا.\n\n<span id=\"aya-2453\"></span><span data-type='title' id=toc-5834>القول في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي</span>\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ف: \"شعبة\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٧ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: م، ف.\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٨٨ من طريق ابن يمان به.","vol":"16","page":162},{"text":"نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾.\nيقول تعالى ذكره: ويسألك يا محمد قومُك عن الجبال، فقُل لهم: يُذَرِّيها ربِّي تَذْرِيةً، ويُطَيِّرُها بقَلْعِها واستئصالها من أُصُولِها، ودَكِّ بعضها على بعض، وتصْييره إياها هَباءً مُنْبثًّا، ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾. يقول تعالى ذكرُه: فيَدَعُ أماكنها من الأرضِ إذا نَسَفَها نَسْفًا - ﴿قَاعًا﴾. يعنى: أرضًا ملساء، ﴿صَفْصَفًا﴾: مُسْتَوِيًا لا نبات فيه ولا نَشَزَ ولا ارتفاع.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span id=\"aya-2454\"></span><span data-type='title' id=toc-5835>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾. يقولُ: مُسْتَوِيًا لا نباتَ فيه (^١).\nوحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾. قال: مُسْتَوِيًا، الصَّفْصَفُ المُسْتَوِى.\nوحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿صَفْصَفًا﴾. قال: مُسْتَوِيًا (^٢).\nوحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nوحدَّثني يونس، قال: أخبرنا عبد الله بن يوسفَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن لهيعةَ،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١٥٤.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٦٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"16","page":163},{"text":"قال: ثنا أبو الأسود، عن عروة، قال: كُنَّا قُعُودًا عند عبد الملك بن مروان حين قال: قال (^١) كعبٌ: إن الصخرة موضعُ قدم الرحمن يوم القيامة. فقال: كَذَبَ كعبٌ، إنما الصخرةُ جبلٌ من الجبال، إن الله يقولُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾. فَسَكَتَ عبد الملكِ.\nوكان بعض أهل العلم بلغات العرب من أهل الكوفة يقولُ (^٢): القاعُ، مستنقَعُ الماءِ، والصَّفْصَفُ، الذي لا نبات فيه.\n\n<span id=\"aya-2455\"></span>وقوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾. يقولُ: لا تَرَى في الأَرضِ عِوَجًا ولا أمتًا.\nواختلف أهل التأويل في معنى \"العِوَج\" و\"الأَمْتِ\"؛ فقال بعضُهم: عَنَى بالعوج في هذا الموضع الأودية، وبالأَمْتِ الرَّوابي والنُّشُوزَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5836>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾. يقولُ: واديًا، ﴿وَلَا أَمْتًا﴾. يقولُ: رابيةً (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ المُخَرِّمِيُّ، قال: ثنا أبو عامر العَقدِيُّ (^٤)، عن عبدِ الواحد بن صفوان مولى عثمان، قال: سمعتُ عكرمة يقولُ: سُئل ابن عباسٍ عن قوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾. قال: هي الأرضُ البيضاء - أو قال:\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ١٩١، وفيه: الصفصف الأملس … .\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ١٥٤.\n(^٤) في ت ١، ف: \"العقيلي\". وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٣٦٤.","vol":"16","page":164},{"text":"المَلْساءُ - التي ليس فيها لَبِنةٌ مرتفعةٌ (^١).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: [﴿عِوَجًا﴾. قال: الانخفاض، ﴿أَمْتًا﴾. قال: ارتفاعًا] (^٢).\n[حدَّثنا القاسم، قال: نا الحسين، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾. قال: ارتفاعًا ولا انخفاضًا] (^٣).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾. قال: ولا تَعادِي، الأَمْتُ التَّعَادِي.\nوقال آخرون (^٤): عَنَى بالعِوَج في هذا الموضع الصُّدُوعَ، وبالأَمْتِ الارتفاع من الآكام وأشباهها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5837>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾. قال: صَدْعًا، ﴿وَلَا أَمْتًا﴾. يقولُ: ولا أَكمةً (^٥).\nوقال آخرون: عَنَى بالعوج الميلَ، وبالأَمْتِ الأَثَرَ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"لا ترى فيها عوجا ولا أمتا\". قال: ارتفاعا ولا انخفاضا\".\nوالأثر تقدم تخريجه في ص ١٦٣.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) بعده في م، ت ٢: \"بل\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"16","page":165},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5838>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾. يقولُ: لا تَرَى فيها ميلًا، والأمْتُ الأَثَرُ مثلُ الشِّرَاكِ (^١).\nوقال آخرون: الأَمْتُ المَحانِي والحدابُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-5839>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: الأمْتُ الحَدَبُ.\nوأَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عَنى بالعوج الميل؛ وذلك أن ذلك هو المعروف في كلام العرب.\nفإن قال قائلٌ: وهل في الأرضِ اليومَ مِن عِوَجٍ فيقال: لا تَرَى فيها يومئذٍ عِوَجًا؟\nقيل: إن معنى ذلك: ليس فيها أوديةٌ وموانع تمنع الناظر أو السائر فيها عن الأخذ على استقامةٍ، كما يحتاج اليومَ مَن أخذ في بعض سُبُلِها إلى الأخذ أحيانًا يمينًا وأحيانًا شمالًا، لما فيها من الجبال والأودية والبحار.\nوأما \"الأمْتُ\" فإنه عند العرب الانْثِناءُ والضَّعْفُ. مسموعٌ منهم: مَدَّ حَبْلَه حتى ما تَرَك فيه أمْتًا. أي: انْثِناءً، ومَلأَ سِقاءَه حتى ما تَرَك فيه أمْتًا. ومنه قولُ الراجزِ (^٣):\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"الأحداب\". وكلاهما جمع الحدب.\n(^٣) هو العجاج، والبيت في اللسان (أ م ت)، (خ م س) وروايته:\nما في انطلاق ركبه من أمت.","vol":"16","page":166},{"text":"* ما في انجذاب سَيْرِه مِن أمْتِ *\nيعنى: مِن وَهْنٍ وضَعْفٍ. فالواجبُ - إذ كان ذلك معنى الأمْتِ عِندَهم - أن يكون أصوبُ الأقوال في تأويله: ولا ارتفاع ولا انخفاض؛ لأن الانخفاض [لن يكون] (^١) إلا عن ارتفاع. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلام: لا تَرَى فيها ميلًا عن الاستواء، ولا ارتفاعًا ولا انخفاضًا، ولكنها مستويةٌ ملساء، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾.\n\n<span id=\"aya-2456\"></span><span data-type='title' id=toc-5840>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: يومَئِذٍ يَتَّبِعُ الناسُ صوت داعى الله الذي يَدْعُوهم إلى موقف القيامة، فيَحْشُرُهم إليه، ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾. يقول: لا عِوَجَ لهم عنه ولا انحراف، ولكنَّهم سراعًا إليه يَنْحَشِرون. وقيل: لا عِوَجَ له. والمعنى: لا عِوَجَ لهم عنه؛ لأن معنى الكلام ما ذكرنا من أنه لا يعوجون له ولا عنه، ولكنَّهم يَؤُمُّونه ويَأْتونه، كما يقال في الكلام: دعانى فلان دعوة لا عِوَجَ لي عنها. أي: لا أعْوج عنها.\nوقوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾. يقول تعالى ذكره: وسَكَنت (^٢) أصواتُ الخلائق للرحمنِ. فوصَفَ الأصوات بالخشوع، والمعنى لأهْلِها أنهم خُضَّعٌ جميعهم لربِّهم، فلا تَسْمَعُ لناطقٍ منهم مَنْطقًا إِلا مَن أَذِنَ له الرحمنُ.\nكما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"لم يكن\".\n(^٢) في الأصل: \"سكتت\".","vol":"16","page":167},{"text":"عباس قولَه: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾. يقولُ: سَكَنَت (^١).\nوقوله: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾. قيل (^٢): إنه وطءُ الأَقْدامِ إلى المَحْشَرِ. وأصله الصوت الخفيُّ، يقال: هَمَسَ فلانٌ إلى فلانٍ بحديثه. إذا أسرَّه إليه وأخفاه، ومنه قول الراجز (^٣):\nوهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسَا\nإِنْ تَصْدُقِ الطيرُ نَنِكْ لَمِيسَا\nيعنى بالهَمْس صوتَ أخْفافِ الإبل في سيْرِها.\nوبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5841>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا عليٌّ بن عابسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾. قال: وَطْءَ الأقدام (^٤).\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾: يعنى هَمْسَ الأَقْدامِ، وهو الوَطْءُ.\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١٥٤.\n(^٢) في م، ت ٢: \"يقول\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ٣/ ٤٥٩.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وأخرجه البغوي في الجعديات (٢٢١٥) من طريق سالم، عن سعيد قوله.","vol":"16","page":168},{"text":"﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾. يقول: الصوت الخفيَّ (^١).\nحدَّثنا إسماعيل بن موسى السُّدِّيُّ، قال: أخبرنا شَرِيكٌ، عن عبد الرحمن بن الأصْبهانيِّ، عن عكرمة: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾. قال: وطعَ الأَقْدامِ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا حمادٌ، عن حميدٍ، عن الحسنِ: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾. قال: هَمْس الأقدام (^٣).\nوحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٍ، عن قتادة: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾. قال قتادةُ: كان الحسنُ يقولُ: وَقْعَ أَقْدامِ القومِ.\nحدَّثني يعقوبُ بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾، قال: تَهافُتًا. أو (^٤) قال: تخافُت الكلام.\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿هَمْسًا﴾. قال: خَفْضَ الصوتِ (^٥).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ، قال: خَفْضَ الصوتِ. قال: وأخبرنى عبد الله بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلام الإنسان، لا تسمعُ تَحَرُّكَ شَفَتَيه ولسانه (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾. يقولُ: لا تسمعُ إلا مَشْيًا. قال: المَشْىُ الهمسُ؛ وطءُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٦٦ من طريق حماد به.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"و\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٦٦.","vol":"16","page":169},{"text":"الأقدام (^١).\n\n<span id=\"aya-2457\"></span><span data-type='title' id=toc-5842>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: يومَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشفاعة إلا شفاعَةَ مَن أذن له الرحمن أن يشْفَعَ ورضى له قوله (^٢) (^٣).\nوأدخل في الكلام ﴿له﴾ دليلًا على إضافة القول إلى كناية ﴿مَنْ﴾. وذلك كقول القائل لآخرَ: رَضِيتُ لك عملك، ورَضِيتُه منك.\nوموضع ﴿مَنْ﴾ مِن قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ نصبٌ؛ لأنه خلاف (^٤) الشفاعة.\n\n<span id=\"aya-2458\"></span>وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكره: يعلمُ ربُّك يا محمد ما بين أيدى هؤلاء الذين يَتَّبِعون الداعى مِن أمرِ القيامة، وما الذي يصيرون إليه من الثواب والعقاب، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: ويعلمُ أَمرَ مَا خَلَّفوه وراءهم مِن أمر الدنيا.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"قولا\".\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٣١٠.\n(^٤) النصب على الخلاف من العوامل المعنوية عند الكوفيين، ومنه استعماله في نصب المستثنى؛ لأنه مخالف للمستثنى منه وليس من جنسه. ينظر مصطلحات النحو الكوفى ص ١٠١ - ١٠٥، والمصطلح النحوى ص ١٨٧ - ١٨٩، وينظر الكتاب ٢/ ٣٣٠.","vol":"16","page":170},{"text":"بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾. [يقولُ: يعلمُ ما بين أيديهم] (^١) مِن أمر الساعةِ، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ (^٢): من أمر الدنيا\n\nوقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾. يقول تعالى ذكرُه: ولا يُحِيطُ خلقُه به علمًا.\nومعنى الكلام أنه محيطٌ بعباده علمًا، ولا يُحِيطُ عباده به علمًا.\nوقد زَعَم بعضُهم (^٣) أن معنى ذلك، أن الله يعلم ما بين أيدى ملائكته وما خَلْفَهم، وأن ملائكته لا يُحيطون علمًا (^٤) بما بين أيدى [أنفسها وما خلفها] (^٥). وقال: إنما أعلم بذلك الذين كانوا يعبدون الملائكة، أن الملائكة كذلك لا تعلمُ ما بين أيديها وما خلفَها، مُوَبِّخَهم بذلك، ومعرِّفهم (^٦) بأن مَن كان كذلك فكيف يُعْبَدُ (^٧)! وأن العبادةَ إنما تصلُحُ لَمَن لا تَخْفَى عليه خافيةٌ في الأرضِ ولا في السماء.\n\n<span id=\"aya-2459\"></span><span data-type='title' id=toc-5843>القول في تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: استأْسرت (^٨) وجوه الخلق واسْتَسْلَمَت للحيِّ الذي لا\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) بعده في ت ٢: \"وراءهم\".\n(^٣) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ١٩٢.\n(^٤) فوقها إحالة في الأصل، وتوجد كلمة غير مقروءة في الحاشية.\n(^٥) في م: \"أنفسهم وما خلفهم\".\n(^٦) في ص: \"مفزعهم\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ف: \"مقرعهم\".\n(^٧) في ت ٢، ت ٣: \"يعبدون\".\n(^٨) في م: \"استسرت\".","vol":"16","page":171},{"text":"يموتُ، القيوم على خَلْقِه بتدبيره إياهم، وتصريفهم لما شاءُوا. وأَصلُ العُنُوِّ الذُّلُّ، يقالُ منه: عَنا وجهه لربِّه يَعْنُو عُنُوًّا. يعنى به (^١): خَضَع له وذَلَّ؛ ولذلك (^٢) قيل للأسير: عانٍ. لذلَّةِ الأسْرِ. وأما قولُهم: أخذتُ الشيءَ عَنْوَةً. فإنه يكونُ وإن كان معناه يَئُولُ إلى هذا أن يكونَ أخذه غَلَبَةً، ويكون أخذه عن تسليمٍ وطاعةٍ، كما قال الشاعر: (^٣).\nهل أنتَ مُطِيعى أَيُّها القلبُ عَنْوة … ولم تُلْحَ نفسٌ (^٤) لم تُلَمْ في احتيالها (^٥)\nوقال آخرُ (^٦):\nفما أَخَذُوها عَنْوةً عن مَودَّةٍ … ولكن بضرب (^٧) المَشْرَفيِّ (^٨) اسْتَقالَها\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5844>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. يقولُ: ذَلَّتْ (^٩).\n_________\n(^١) سقط من: م، وفى ت ٢: \"به يعنى\".\n(^٢) في ص، م، ف: \"كذلك\".\n(^٣) هو كثير عزة، والبيت في ديوانه (مجموع) ص ٩٣.\n(^٤) في الديوان: \"نفسا\".\n(^٥) في م، ت ١: \"اختيالها\".\n(^٦) هو كثير عزة أيضا، والبيت في ديوانه ص ٨٠ وفيه: \"تركوها\" بدل \"أخذوها\"، و\"بحد\" بدل \"بضرب\"، وهو في معاني القرآن للفراء ٢/ ١٩٣ بنفس رواية المصنف.\n(^٧) في م: \"بحد\".\n(^٨) يقال: سيوف مشرفية. نسبة إلى المشارف وهى قرى من أرض اليمن. اللسان (ش ر ف).\n(^٩) تقدم تخريجه في ص ١٥٤.","vol":"16","page":172},{"text":"حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. يعنى: [اسْتَسلَمت إليَّ] (^١).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾. قال: خَشَعَت (^٢).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٍ، عن قتادة قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. أي: ذَلَّتِ الوجوه للحيِّ القيوم.\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾. قال: ذَلَّتِ الوجوه (^٣).\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: قال طلقٌ: إذا سَجَد الرجلُ فقد عَنا وجهه. أو قال: عُنى (^٤).\nحدثني أبو حَصِين عبد الله بن أحمد، قال: ثنا عَبْثرٌ، قال: ثنا حصينٌ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن طَلْقٍ بن حبيب في هذه الآية: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. قال: هو وَضْعُ الرجل رأسه ويديه وأطرافَ قَدَمَيه.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"بعنت استسلموا لى\"، وفي ت ٢: \"بعنت أي استسلموا لى\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٦٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"للحي القيوم\".\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"عنا\".","vol":"16","page":173},{"text":"حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن لَيْثٍ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن طَلْقٍ بن حبيبٍ في قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. قال: هو وَضْعُك جبهتك وكَفَّيك ورُكْبَتَيك وأطراف قدميك في السجودِ.\nحدَّثنا خلاد بن أسلم، قال: ثنا محمدُ بنُ فضيلٍ، عن حُصينٍ، عن عمرو بن مُرَّةَ، عن طَلْقٍ بن حبيب في قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. قال: وَضْعُ الجبهة والأنف على الأرض.\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حُصين، عن عمرو بن مُرَّةَ، عن طَلْقٍ بن حبيبٍ في قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. قال: هو السجودٌ على الجبهة والراحتين (^١) والركبتين والقدمين (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. قال: اسْتأْسَرتِ الوجوه للحيِّ القيوم، صاروا أُسارى كلُّهم له. قال: والعانى الأسير (^٣).\nوقد بَيَّنا معنى \"الحيِّ القيوم\" فيما مَضَى بما أغنى عن إعادتِه هاهنا (^٤).\nوقولُه: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾. يقول تعالى ذكره: ولم يَظْفَرْ بحاجتِه وطَلِبَتِه مَن حَمَل إلى موقف القيامة شركًا بالله، وكفرًا به، وعملًا بمعصيته.\n_________\n(^١) في م: \"الراحة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٦١ عن هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٤/ ٥٢٧ - ٥٣٠.","vol":"16","page":174},{"text":"وبنحو الذي قُلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5845>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾. قال: مَن حَمَل شِركًا (^١).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾. قال: مَن حَمَل شِرْكًا، الظلمُ هاهنا الشِّرْكُ.\n\n<span id=\"aya-2460\"></span><span data-type='title' id=toc-5847>القول في تأويل قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾.</span>\n[يعنى تعالى ذكره بقوله] (^٢): ومَن يَعْمَلْ من صالحات الأعمال، وذلك - فيما قيل - أداء فرائض الله التي فَرَضَها على عباده، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. يقولُ: وهو مُصَدَّقٌ باللَّهِ، وأنه مُجَازٍ أهل طاعته [على طاعته] (^٣)، وأهلَ مَعاصِيه على معاصيهم، ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا﴾. يقولُ: فلا يخافُ مِن الله أن يَظْلِمَه، فيحمل عليه سيئاتِ غيره، فيعاقبه عليها، ﴿وَلَا هَضْمًا﴾. يقولُ: ولا يخافُ أَن يَهْضِمَه حسناتِه، فيَنْقُصه ثوابها.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5846>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١٧٣.\n(^٢) في م، ف: \"يقول تعالى ذكره وتقدست أسماؤه\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ف، وفى ص: \"على طاعته\".","vol":"16","page":175},{"text":"الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: وإنما يَقْبَلُ اللهُ مِن العمل ما كان في إيمانٍ.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قوله ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. قال: زَعموا أنها الفرائضُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5848>ذكرُ مَن قال ما قُلنا في معنى قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ وسليمانُ بن عبد الجبار، قالا: ثنا ابن عطية، عن إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾. قال: ﴿هَضْمًا﴾ غَصْبًا (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾. قال: لا يخافُ ابْنُ آدمَ يومَ القيامة أن يُظْلَم فيزادَ عليه في سيئاتِه، ولا يُظْلَمُ فَيُهْضَمَ من (^٢) حسناتِه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾. يقولُ: أنا قاهِرٌ لكم اليوم، آخُذُكم بقُوَّتى وشِدَّتى، وأنا قادرٌ على قهركم وهَضْمِكم، فإنما بينى وبينكم العدلُ، وذلك يومَ القيامةِ.\nحُدِّثتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾: أما ﴿هَضْمًا﴾ فهو أن يَقْهَرَ الرجلُ الرجلَ بِقُوَّتِه، يقولُ اللَّهُ يومَ القيامة:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٩ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"في\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ١٥٤.","vol":"16","page":176},{"text":"لا آخُذُكم بقوَّتى وشِدَّتى، ولكن العدل بيني وبينكم، ولا ظلم عليكم.\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿هَضْمًا﴾. قال: انتقاص شيءٍ مِن حقٍّ (^١) عَمله (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسروقيُّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن مسعرٍ، قال: سمعتُ حبيب بن أبى ثابتٍ يقولُ في قوله: ﴿وَلَا هَضْمًا﴾. قال: الهَضْمُ الانتقاص.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾. قال: ظُلْمًا أن يُزادَ في سيئاتِه، ولا يُهْضَمَ من حسناته (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾. [أي: لا يخافُ أن يُحمل عليه ذنب غيره، ولا يهضم من حسناته.\nحدَّثني يونسُ: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾] (^٤). قال: لا يخافُ أن يُظْلَمَ فلا يُجْزَى بعمله، ولا يخافُ أن\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"حقه\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ١٧٣.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ف.","vol":"16","page":177},{"text":"يُنْتَقَصَ مِن حَقِّه فلا يوَفَّى عمله (^١).\nحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا سَلَّامُ بنُ مسكينٍ، عن ميمون بن سِيَاهٍ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾. قال: لا يَنْتَقِصُ الله حسناته شيئًا، ولا يحمِلُ عليه ذنب مُسِيءٍ.\nوأصلُ الهَضْمِ النَّقْصُ، يقالُ: هَضَمَنى فلانٌ حَقِّى (^٢). ومنه امرأةٌ هَضِيمُ الكشح (^٣). أي: ضامرةُ البطن. ومنه قولُهم: قد هُضِمَ الطعامُ. إِذا ذَهَبَ، وهَضَمْتُ لك من حقِّك. أي: حَطَطتُك.\n\n<span id=\"aya-2461\"></span><span data-type='title' id=toc-5849>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: كما رغَّبنا أهلَ الإيمان في صالحات الأعمال [بوعدناهم ما وعدنا] (^٤)، كذلك حذَّرْنا بالوعيد أهل الكفر المُقام (^٥) على معاصينا وكفرهم بآياتنا، فأنزلنا هذا القرآن عربيًّا، إذ كانوا عَرَبًا، ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ فبيَّنَّاه. يقولُ: وخوَّفناهم فيه بضروب من الوعيدِ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. يقولُ: كى يتقُونا بتصريفنا ما صرَّفنا فيه من الوعيد، ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾. يقولُ: أو يحدثُ لهم هذا القرآنُ تذكرةً، [فيعتبروا ويتعظوا] (^٦) بفعلنا بالأمم التي كذَّبت الرسل قبلها،\n_________\n(^١) ذكره ابن الجوزى في زاد المسير ٥/ ٣٢٤.\n(^٢) في ت ٢: \"حقه\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٤) في م، ت ٢: \"بوعدناهم ما وعدناهم\"، وفى ت ١: \"توعدناهم ما وعدناهم\"، وفى ف: \"بوعدنا ما وعدناهم\".\n(^٥) في م: \"بالمقام\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"فيعتبرون ويتعظون\".","vol":"16","page":178},{"text":"وينزجروا (^١) عما هم عليه مقيمون من الكفر بالله.\nوبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5850>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: ما حُذِّروا به مِن أمرِ اللَّهِ وعذابه (^٢)، ووقائعه بالأمم قبلهم، ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾: أي جِدًّا وورعًا.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ (^٣) ذِكْرًا﴾. قال: جِدًّا ووَرَعًا (^٤).\nوقد قال بعضهم (^٥) في ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ أن معناه: أو يُحْدِثُ لهم شرفًا بإيمانهم به.\n\n<span id=\"aya-2462\"></span><span data-type='title' id=toc-5851>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فارتفع الذي له العبادةُ مِن جميع خلقه، الملكُ الذي قَهَرَ سلطانه كلَّ مَلِكٍ وجَبَّارٍ، الحقُّ، عما يَصِفُه به المشركون به مِن خلقِه، ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾. يقول جلَّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ ﷺ:\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"ينزجرون\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"عقابه\".\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ف: \"القرآن\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ١٩٣.","vol":"16","page":179},{"text":"ولا تَعْجَلْ يا محمد بالقرآن فتُقْرِتَه أصحابك، أو تَقْرَأَه عليهم، من قبل أن يُوحَى إليك بيانُ معانيه. فعُوتِبَ (^١) على إكتابه وإملائه ما كان اللَّهُ يُنَزِّلُه عليه من كتابه مَنْ كان يُكتبه ذلك من قبل أن يُبيِّن له معانيه، وقيل له: لا تتلُه على أحدٍ، ولا تُمله عليه حتى نبيِّنه لك.\n[وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل] (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-5852>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾. قال: لا تَتْلُه على أحدٍ حتى نبيِّنَه (^٣) لك (^٤).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، [عن مجاهدٍ] (^٥)، قال: يقولُ: لا تُملِه (^٦) على أحد حتى نُتِمَّه لك. هكذا قال القاسمُ: حتى نُتمَّه (^٧).\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ\n_________\n(^١) في ص، ف: \"يقول\".\n(^٢) سقط من: الأصل الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ف: \"نتمه\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٦٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) سقط من: ص، م، ف.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ف: \"تتله\".\n(^٧) في الأصل: \"تتمه\".","vol":"16","page":180},{"text":"وَحْيُهُ﴾. يعنى: لا تعجل حتى نبيِّنه لك (^١).\nوحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾. أي: بيانُه.\nوحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة [في قوله] (^٢): ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾. قال: تبيانُه (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن قتادة: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾. قال: من قبل أن يُبيَّنَ لك بيانُه (^٤).\nوقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. يقول تعالى ذكره: وقل يا محمدُ: ربِّ زدني علمًا إلى ما علَّمتنى. أمره بمسألته (^٥) من فوائد العلم ما لا يعلمُ.\n\n<span id=\"aya-2463\"></span><span data-type='title' id=toc-5853>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وإن يُضَيِّع يا محمد هؤلاء الذين نُصَرِّفُ لهم في هذا القرآن (^٦) الوعيد، عهدى، ويخالفوا أمرى، ويترُكوا طاعتى، ويتَّبعوا أمر عدوِّهم إبليس، ويطيعوه في خلاف أمرى، فقديمًا ما فعل ذلك أبوهم آدم، ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا﴾ إليه. يقولُ: ولقد وصَّينا آدمَ وقلنا له: ﴿إِنّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"ولا تعجل بالقرآن\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه البغوي في الجعديات (١٠٠٧) عن شعبة به.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ف، وفى ت ٢: \"لمسئلته\".\n(^٦) بعده في م، ت ٢: \"من\".","vol":"16","page":181},{"text":"الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]. فوسوس إليه الشيطان فأطاعه، وخالف أمرى، فحلَّ به من عقوبتى ما حلَّ.\nوعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل هؤلاء الذين أخبر أنه صرَّف لهم الوعيد في هذا القرآن.\nوقوله: ﴿فَنَسِيَ﴾. يقولُ: فترَك عهدى.\nكما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾. يقولُ: فترك (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾. قال: ترَك أمرَ ربِّه (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: قال له: ﴿يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾. فقرأ حتى بلغ: ﴿لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾. وقرأ حتى بلغ ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾. قال: فنسى ما عهِد الله إليه في ذلك. قال: وهذا عهد الله إليه. قال: ولو كان له عزمٌ ما أطاع عدوَّه الذي حسَدَه، وأبى أن يَسْجُدَ له مع من سجد له - إبليسَ، وعصى الله الذي كرَّمه وشرَّفه، وأمر ملائكته فسجدوا له (^٣).\nوحدَّثنا ابن المثنى وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبد الرحمن ومؤملٌ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٩/ ٣٠٩ إلى المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢٠.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ٢٥١ عن ابن زيد.","vol":"16","page":182},{"text":"قالوا: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن مسلم البَطين، عن سعيد بن جُبَيْرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إنما سُمِّى الإنسان لأنه عُهد إليه فنسى (^١).\nوقوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. اخْتَلَف أهل التأويل في معنى \"العزمِ\" هاهنا؛ فقال بعضُهم: معناه الصبر.\n\n<span data-type='title' id=toc-5854>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾، أي: صبرًا.\nحدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادة: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: صبرًا (^٢).\nوحدَّثنا إبراهيم بن يعقوب الجُوزجانيُّ، قال: ثنا أبو النَّضْرِ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادة مثله.\nوقال آخرون: بل معناه الحفظُ. قالوا: ومعناه: ولم نجد له حفظًا لما عهدنا إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5855>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٣١٣ - وابن منده في الرد على الجهمية (١٨) من طريق سفيان به، وأخرجه الطبراني في الصغير ٢/ ٥٥ من طريق الأعمش به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٣٨٠، وابن عساكر في تاريخه ٧/ ٣٨٧ من طريق ابن جبير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن منده في التوحيد.\n(^٢) أخرجه البغوي في الجعديات (١٠٠٦) عن شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":183},{"text":"عَزْمًا﴾. قال: حفظًا لما [أمر به] (^١).\nوحدَّثنى يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن الأَشْجَعيِّ، عن سفيان، عن عمرو بن قيس، عن عطية في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: حفظًا.\nوحدَّثنا عباس (^٢) بن محمد، قال: ثنا قَبِيصةُ، عن سفيان، عن عمرو بن قيسٍ، عن عطية في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: حفظًا لما أُمِر به (^٣).\nوحدَّثنى محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. يقول: لم نجد له حفظًا (^٤).\nوحدَّثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: العزم المحافظةُ على [أمر الله] (^٥) ﷿ (^٦) والتمسك به (^٧).\nوحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. يقولُ: لم نَجْعَلْ (^٨) له عزمًا (^٩).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"أمرته\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٠ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"عباد\".\n(^٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٧/ ٤٠١ من طريق قبيصة به، وهو في تفسير سفيان ص ١٩٧ من قوله بلفظ حفظًا.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٩ إلى المصنف وابن منده.\n(^٥) في ص، ف: \"ما أمرنى\" وفى م: \"ما أمره\"، وفى ت ١، ت ٣: \"ما أمر\".\n(^٦) بعده في م: \"بحفظه\".\n(^٧) ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ٢٥٢ عن ابن زيد.\n(^٨) في ف: \"نجد\".\n(^٩) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":184},{"text":"وحدَّثنى القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا الفرج (^١) بن فضالة، عن لقمان بن عامرٍ، عن أبي أمامة، قال: لو أن أحلام بنى آدمَ جُمِعَت منذُ خلق الله تعالى ذكره آدم إلى يوم تقومُ الساعةُ، ووُضعت في كفَّةِ ميزانٍ، ووُضِع حِلْمُ آدمَ في الكِفَّةِ الأُخرى، لرجح حِلْمُه بأحلامهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأصلُ العزم اعتقادُ القلب على الشيءِ، يقال منه: عزم فلانٌ على كذا. إذا اعتقد عليه ونواه، ومن اعتقادِ القلب حفظُ الشئ، ومنه الصبر على الشيء؛ لأنه لا يَجْزَعُ جازعٌ إِلا مِن خَوَرِ قلبه وضعفه.\nفإذ كان ذلك كذلك، فلا معنى لذلك أبلغ مما بينه الله تعالى ذكرُه، وهو قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. فيكون تأويله: ولم نجد له عزم قلبٍ [على الصبر] (^٣) على الوفاءِ لله بعهده، ولا على حفظ ما عهد إليه.\n\n<span id=\"aya-2464\"></span><span data-type='title' id=toc-5856>القول في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه مُعْلِمًا نبيه محمدًا ﷺ ما كان مِن تَضييع آدم عهده، ومُعَرِّفَه بذلك أن ولده لن يَعْدُوا أن يكونوا في ذلك على مِنهاجه، إلا مَن عصمه الله منهم -: واذْكُرْ يا محمد حينَ قُلْنا لملائكتنا: اسجدوا لآدم. فسجدوا\n_________\n(^١) في م: \"الحجاج\". وينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ١٥٦.\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٧/ ٤٤٤ من طريق الفرج بن فضالة أبى فضالة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٩ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، ف.","vol":"16","page":185},{"text":"له إلا إبليس أبى أن يَسْجُدَ له،\n\n<span id=\"aya-2465\"></span>﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾.\nولذلك مِن شأنِه (^١) لم يَسْجُدْ لك، وخالف أمرى في ذلك وعصانى، فلا تُطيعاه فيما يَأْمُرُكما به، فيُخْرِجَكما - بمعصيتكما ربَّكما، وطاعتكما له - من الجنة، ﴿فَتَشْقَى﴾. يقولُ: فيكون عيشُك مِن كَدِّ يدك. فذلك شقاؤُه الذي حذَّره ربُّه.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوب، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: أُهْبِط إلى آدمَ ثَوْرٌ أَحمرُ، فكان يَحْرُثُ عليه، ويَمْسَحُ العرقَ من جبينه (^٢)، فهو الذي قال الله ﷿: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ فكان ذلك شقاؤه (^٣).\nوقال تعالى ذكره: ﴿فَتَشْقَى﴾. ولم يقل: فتَشْقيا. وقد قال: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا﴾. لأن ابتداء الخطابِ مِن اللَّهِ ﷿ كان لآدم ﵇، فكان في إعلامه العقوبة - على معصيته إياه فيما نهاه عنه من أكل الشجرة - الكفايةُ من ذكر المرأة، إذ كان معلومًا أن حكمها في ذلك حكمه، كما قال: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]. اجتزاءً (^٤) بمعرفة السامعين معناه من ذكر (^٥) فعل صاحبه.\n\n<span id=\"aya-2466\"></span><span data-type='title' id=toc-5857>القول في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا</span>\n_________\n(^١) في م: \"شنآنه\".\n(^٢) في م: \"جنينه\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٣٠، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٨٢، وابن عساكر في تاريخه ٧/ ٤١٢ من طريق ابن حميد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في م: \"اجترئ\".\n(^٥) بعده في م: \"من\".","vol":"16","page":186},{"text":"تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾.\nيقولُ تعالى ذكره مُخْبِرًا عن قيله لآدم حين أسكنه الجنةَ: إن لك يا آدم، ﴿أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾. و\"أن\" في قوله: ﴿أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا﴾. في موضع نصبٍ بـ ﴿إِنّ﴾ التي في قوله: ﴿إِنَّ لَكَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2467\"></span>وقوله: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا﴾. اخْتَلَفت القرأة في قراءتها؛ فقرأ ذلك بعضُ قرأة المدينة والكوفة بالكسر: (وإنك) (^١) على العطف على قوله: ﴿إِنَّ لَكَ﴾. وقرأ ذلك بعضُ قرأة المدينة وعامة قرأة الكوفة والبصرة: ﴿وَأَنَّكَ﴾ (^٢) بفتح ألفها عطفًا بها على \"أنْ\" التي في قوله: ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾. ووجَّهوا تأويل ذلك إلى: أن لك هذا وهذا، وهذه القراءة أعجبُ القراءتين إليَّ؛ لأن الله تعالى ذكرُه وعد ذلك آدم ﵇ حينَ أسْكَنه الجنةَ، فكَوْنُ ذلك بأن يكون عطفًا على: ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾ أَوْلى من أن يكون خبرًا مبتدأً، وإن كان الآخرُ غير بعيدٍ من الصواب.\nوعُنِي بقوله: ﴿لَا تَظْمَأُ فِيهَا﴾: لا تَعْطَشُ في الجنة ما دُمْتَ فيها، ﴿وَلَا تَضْحَى﴾. يقولُ: ولا تَظْهَرُ للشمس فيُؤذيك حرُّها. كما قال عمر بن أبى ربيعة (^٣):\nرأَتْ رَجُلًا أَمَّا إذا الشمس عارَضَتْ … فيَضْحَى وأمَّا بالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ (^٤)\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وأبى بكر. حجة القراءات ص ٤٦٤.\n(^٢) وهى قراءة ابن كثير وحفص وأبى عمرو وابن عامر وحمزة والكسائى وأبى جعفر ويعقوب وخلف. النشر ٢/ ٢٤٢.\n(^٣) شرح ديوانه ص ٩٤.\n(^٤) خَصِرَ الرجل: آلمه البرد في أطرافه. اللسان (خ ص ر).","vol":"16","page":187},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5858>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾. يقولُ: لا يُصيبُك فيها عطشٌ ولا حرٌّ (^١).\nوحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾. يقولُ: لا يُصِيبُك فيها حرٌّ ولا أذى (^٢).\nوحدَّثنى أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديُّ، قال: ثنا عبد الرحمن بن شريكٍ، قال: ثنى أبى، عن خُصَيْفٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ قوله: ﴿وَلَا تَضْحَى﴾. قال: لا تُصيبُك الشمسُ.\nوحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَا تَضْحَى﴾. قال: لا تُصيبك الشمسُ.\n\n<span id=\"aya-2468\"></span>وقوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾. يقولُ: فألقى إلى آدمَ الشيطان وحدَّثه، فـ ﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾. يقولُ: قال له: هل أَدُلُّك على شجرةٍ [مَنْ أكل منها خَلَد فلم يمت، ومَلَك] (^٣) ملكًا لا يَنْقَضى فيَبْلَى.\nكما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٠ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٠ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، م: \"إن أكلت منها خلدت فلم تمت وملكت\"، وفى ت ١، ف: \"إن أكلت منها حدوت ولم تمت وملك\".","vol":"16","page":188},{"text":"يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾. [يقولُ: هل أدلُّك على شجرة] (^١) إن أكَلْتَ منها كنتَ ملكًا مثل الله، ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]. فلا تموتان أبدًا (^٢).\n\n<span id=\"aya-2469\"></span><span data-type='title' id=toc-5859>القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فأكل آدمُ وحواءُ من الشجرة التي نُهيا عن الأكل منها، وأطاعا أمر إبليس، وخالفا أمرَ ربِّهما، ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾. يقولُ: فانْكَشَفَت لهما عوراتهما، وكانت مستورةً عن أعينهما.\nكما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ، قال: إنما أراد - يعنى إبليس - بقوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾. ليُبْدِيَ لهما ما تَوارَى عنهما مِن سوآتِهما بهَتْكِ لباسهما، وكان قد علم أن لهما سوأةً؛ لما كان يَقْرَأُ مِن كتب الملائكة، ولم يَكُنْ آدمُ يَعْلَمُ ذلك وكان لباسهما الظُّفُر، فأبى آدم أن يَأْكُلَ منها، فتقَدَّمَت حواءُ فأكلت، ثم قالت: يا آدمُ كُلْ، فإنى قد أكَلْتُ فلم يَضُرَّنى. فلمَّا أكل آدمُ بدَت لهما سواتهما (^٢).\nوقوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا [مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾] (^٣). يقولُ: أَقْبَلَا يَشُدَّان عليهما من ورق الجنة.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، ف.\n(^٢) تقدم أوله في ص ١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: الأصل، ص، ت ٢.","vol":"16","page":189},{"text":"كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾. يقولُ: أَقْبَلا يُغَطِّيان عليهما بورق التِّين (^١).\nوحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: قتادة قوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾. يقولُ: يُوصِلان عليهما من ورق الجنة (^٢).\nوقوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾. يقولُ: وخالف أمرَ ربِّه، فتَعَدَّى إلى ما لم يَكُنْ له أن يَتَعَدَّى إليه من الأكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها.\n\n<span id=\"aya-2470\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾. يقول: ثم اصطفاه ربُّه من بعد معصيته إياه، فرزقه الرجوع إلى ما يَرْضَى عنه، والعمل بطاعته، وذلك هو كانت توبته التي تابها عليه.\nوقوله: ﴿وَهَدَى﴾. يقولُ: وهداه للتوبة، فوفَّقه لها.\n\n<span id=\"aya-2471\"></span><span data-type='title' id=toc-5860>القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قال الله لآدم وحواء: اهْبِطا من الجنة جميعًا إلى الأرضِ، ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. يقول: أنتما عدوَّا (^٣) إبليس وذريته، وإبليس عدوُّكما وعدوُّ ذريتكما.\nوقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾. يقولُ: فإن يَأْتِكم يا آدم وحواء\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٥ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٧٥ إلى ابن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م، ت ١: \"عدو\".","vol":"16","page":190},{"text":"وإبليس، ﴿مِنِّي هُدًى﴾. يقولُ: بيانٌ لسبيلى، وما أختاره لخلقى من دينٍ، ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾. يقولُ: فمَن اتَّبع بيانى ذلك وعمل به، ولم يزغ عنه، ﴿فَلَا يَضِلُّ﴾. يقولُ: فلا يَزولُ عن مَحَجَّةِ الحقِّ، ولكنه يَرْشُدُ في الدنيا ويَهْتَدِى، ﴿وَلَا يَشْقَى﴾. [يقولُ: ولا يَشقَى] (^١) في الآخرة بعقاب الله؛ لأن الله يُدْخِلُه الجنةَ ويُنَجِّيه من عذابه.\nوبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5861>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحُسَينُ بن يزيدَ الطَّحَّانُ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمر، عن عمرو بن قيس الملائيِّ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: تضَمَّن الله لمن قرأ القرآنَ واتَّبع ما فيه ألا يَضِلَّ في الدنيا، ولا يَشْقَى في الآخرةِ. ثم تلا: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (^٢).\nحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْديُّ، قال: ثنا حَكَّامُ الرازيُّ، عن أيوب بن موسى، عن عمرو بن قيسٍ الملائيِّ، عن ابن عباسٍ أنه قال: إن الله قد ضمن. فذكر نحوه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن أيوب بن يسارٍ أبى عبد الرحمن، عن عمرو بن قيسٍ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ بنحوه.\nحدَّثنا عليُّ بن سهل الرَّمْليُّ، قال: ثنا أحمدُ بن محمدٍ النَّسائيُّ، عن أبي\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٧١ عن أبي خالد الأحمر به.","vol":"16","page":191},{"text":"سلمة (^١)، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ: مَن قرأ القرآنَ واتَّبَع ما فيه عصمه الله من الضَّلالة، ووقاه - قال أبو جعفرٍ الطبريُّ: أظنُّه أنا قال (^٢) -: هَوْلَ يوم القيامة، وذلك أنَّه قال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ في الآخرة (^٣).\n\n<span id=\"aya-2472\"></span><span data-type='title' id=toc-5862>القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ومن [أدبر معرضًا] (^٤) عن ذِكْرِى الذي أُذَكِّرُه به، فتَوَلَّى عنه ولم يقبله، ولم يَسْتَجِبْ له، ولم يَتَّعِظُ به، فينزجر عما هو عليه مُقِيمٌ من خلافه أمر ربِّه، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. يقولُ: فإن له معيشةً ضيقةً.\nوالضَّنك من المنازل والأماكن والمعايش، الشديد، يقال: هذا منزلٌ ضَنْكٌ. إذا كان ضيقًا، وعيشٌ ضنكٌ. الذكر والأنثى، والواحدُ والاثنان والجمعُ، بلفظٍ واحدٍ، ومنه قول عنترة (^٥):\n* وإن نزلوا بضَنكٍ أنزل*\n_________\n(^١) بعده في حاشية الأصل: \"المغيرة بن زياد الموصلى\". والموصلى هذا كنيته أبو هشام أو أبو هاشم وليس أبا سلمة، أما أبو سلمة فهو المغيرة بن زياد القسملى، السراج. ينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٥٩، ٣٩٥.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ف: \"من\".\n(^٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٨١، والبيهقى في الشعب (٢٠٢٩) والخطيب في الفقيه والمتفقه (١٩٣) من طريق عطاء به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٦٧ من طريق عطاء، عن أبيه، عن سعيد به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٦٠٣٣) من طريق عطاء، عن ابن عباس.\n(^٤) في م: \"أعرض\".\n(^٥) ديوانه ص ١٠٠ وهو جزء من شطر بيت تمامه:\nإن يُلحقوا أكْرُرْ وإن يُستلحموا … أشدُد وإن يُلفَوا بضنكٍ أنزل","vol":"16","page":192},{"text":"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5863>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. يقولُ: الشقاء (^١).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿ضَنْكًا﴾. قال: ضيقةً (^٢).\nوحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: الضَّنْكُ الضِّيقُ (^٣).\nوحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عنبسة، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. يقولُ: ضيقةً.\nوحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nواختلف أهل التأويل في الموضع الذي جعل الله لهؤلاء المُغرضين عن ذكرِه المعيشةَ الضَّنْكَ، والحال التي جعَلَهم فيها؛ فقال بعضُهم: جعَل ذلك لهم في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في فتح البارى ٨/ ٤٣٣ - من طريق على بن طلحة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٦٧، ومن طريقه البيهقى في عذاب القبر ص ٧٣.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢٠.","vol":"16","page":193},{"text":"الآخرة في جهنم، وذلك أنهم جعل طعامهم فيها الضَّرِيعَ والزَّقُومَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5864>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمر بن عليٍّ المقدَّميُّ، قال: ثنا يحيى بن سعيدٍ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: في جهنم (^١).\nوحدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. فقرأ حتى بلغ: ﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾. قال: هؤلاء أهلُ الكفر. قال: و﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ في النارِ؛ شَوْكٌ مِن نارٍ وزَقُّومٌ وغِسْلينٌ، والضَّريعُ شوكٌ مِن نارٍ، وليس في القبر ولا في الدنيا معيشةٌ، ما المعيشةُ والحياة إلا في الآخرةِ. وقرأ قولَ اللَّهِ ﷿: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤]. قال: لمعيشتى. قال: والغسلين والزقُّومُ شيءٌ لا يَعْرِفُه أهلُ الدنيا (^٢).\nوحدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. يقول: ضنكًا في النار (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنى بذلك: فإن له معيشةً في الدنيا حرامًا. قال: ووصف الله جلَّ ثناؤُه معيشتهم بالضَّنكِ لأن الحرام وإن اتَّسع فهو ضنكٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5865>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمد بن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا الحسين (^٤) بنُ\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٢٨٦ عن الحسن.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ٧/ ١٩٤ عن ابن زيد مختصرًا.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢٠، بلفظ: \"الضنك الضيق، يقال: ضنكا في النار\".\n(^٤) في ص، ت ١، ف: \"الحسن\".","vol":"16","page":194},{"text":"واقدٍ، عن يزيد، عن عكرمة في قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: هي المعيشةُ التي أوسع الله عليه من الحرام (^١).\nحدَّثني داود بن سليمان بن يزيدَ المُكْتِبُ مِن أهل البصرة، قال: ثنا عمرُو بنُ جريرٍ البجليُّ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن قيسٍ بن أبى حازمٍ في قول الله: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: رزقًا في معصية (^٢).\nحدَّثني عبد الأعلى بن واصلٍ، قال: ثنا يعلى بنُ عُبيدٍ، قال: ثنا أبو بسطام، عن الضحاك: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: الكسب الخبيث (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الضّرَاريُّ (^٤)، قال: ثنا محمدُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنا أبو اليقظان عمارُ بنُ محمدٍ، عن هارون بن محمدٍ التَّيميِّ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: العمل الخبيثَ، والرزق السيئ (^٥).\nوقال آخرون ممن قال: عُنى أن لهؤلاء القوم المعيشة الضنك في الدنيا: إنما قيل لها: ضَنكٌ وإن كانت واسعةً؛ لأنهم يُنفقون ما يُنْفِقون من أموالهم على تكذيبٍ بالخَلَفِ مِن اللَّهِ، وإياس من فضلِ اللَّهِ، وسوء ظنٍّ منهم بربِّهم، فتَشْتَدُّ لذلك عليهم معيشتهم وتَضِيقُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5866>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١١ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في م ٢، ت ٢: \"معصيته\". والأثر ذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٤٣٣.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٣٠١.\n(^٤) في ص، ف: \"الصدارى\"، وفى ت ١: \"الصدائى\". وينظر الأنساب ٤/ ١٥.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٢ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم، بلفظ: \"العمل السئ والرزق الخبيث\".","vol":"16","page":195},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. يقولُ: كلُّ مالٍ أعْطَيْتُه عبدًا من عبادى قلَّ أو كثُر، لا يَتَّقِينى فيه، فلا خير فيه، وهو الضَّنْكُ في المعيشة. ويقالُ أيضًا: إن قومًا ضُلَّالًا أَعْرَضوا عن الحقِّ، وكانوا أُولى سَعَةٍ من الدنيا مكثرين، فكانت معيشتهم ضنكًا، وذلك أنهم كانوا يَرَوْن أن اللَّهَ ليس بمُخْلِفٍ لهم معايشهم من سوء ظنِّهم بالله، والتكذيب به، فإذا كان العبدُ يُكَذِّبُ باللَّهِ ويُسئُ الظَّنَّ به، اشْتَدَّت عليه معيشتُه، فذلك الضنكُ (^١).\nوقال آخرون: بل عُنى بذلك: أن ذلك لهم في البَرْزَخ. قالوا: وهو عذابُ القبر.\n\n<span data-type='title' id=toc-5867>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يزيدُ بنُ مَخْلَدٍ الواسطيُّ، قال: ثنا خالد بن عبدِ اللهِ، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي حازم، عن النعمان بن أبى عَيَّاشٍ، عن أبي سعيد الخدريِّ، قال في قولِ اللَّهِ: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: عذابَ القبرِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا بشر بنُ المفضَّل، قال: ثنا عبدُ الرحمن بن إسحاق، عن أبي حازمٍ، عن النعمان بن أبي عيَّاشٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: إن المعيشة الضنك التي قال الله؛ عذابُ القبر.\nحدَّثني حَوْثَرَةُ بنُ محمدِ المِنْقَريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حازمٍ، عن أبي\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣١٦ عن عطية العوفى، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١١ إلى ابن أبي حاتم مقتصرًا على أوله.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٣/ ٣٩٢ من طريق عبد الرحمن بن إسحاق به، وأخرجه الحاكم في ٢/ ٣٨١ من طريق أبى حازم به.","vol":"16","page":196},{"text":"سلمة، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: يَضِيقُ عليه قبره حتى تَخْتَلِفَ أضلاعُه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكم، قال: ثنا أبى وشعيب بنُ الليث، عن الليث، قال: ثنا خالدُ بن زيدٍ، عن ابن أبي هلالٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي سعيدٍ أنه كان يقولُ: المعيشةُ الضنكُ عذابُ القبر، إنه يُسَلَّطُ على الكافر في قبره تسعةٌ وتسعون تِنِّينًا تَنْهَشُه وتَخْدِشُ لحمه حتى يُبْعَثَ. وكان يقالُ: لو أن تنِّينًا منها يَنفُخُ (^٢) الأرضَ لم تُثبت زرعًا (^٣).\nحدَّثنا مجاهدُ بن موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا محمدُ بن عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: يُضَيَّقُ (^٤) على الكافِرِ قبرُه حتى تَخْتَلِفَ فيه أضلاعُه، وهى المعيشة الضنك التي قال الله ﷿: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ والسديِّ في قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قالا (^٦): عذابَ القبرِ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١، وفي مصنفه (٦٧٤١)، والبيهقى في عذاب القبر ص ٧٢ من طريق سفيان به.\n(^٢) في ص: \"نفح بفج\"، وفى م: \"نفخ\"، وفى ت ١، ف: \"نفح يفح\".\n(^٣) أخرجه البيهقى في عذاب القبر (٧٤) من طريق أبى الهيثم، عن أبي سعيد، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٧٥، وأحمد ١٧/ ٤٣٣ (١١٣٣٤)، وعبد بن حميد (٩٢٩)، والدرامى ٢/ ٣٣١، والترمذى (٢٤٦٠)، وابن حبان (٣١٢١)، والآجرى في الشريعة (٨٤١) من طريق أبى الهيثم، عن أبي سعيد مرفوعا.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ف: \"يطبق\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٦٧٠٣)، وهناد (٣٥٤) من طريق محمد بن عمرو به\n(^٦) في م، ت ٢، ف: \"قال\".\n(^٧) أخرجه هناد (٣٥٣)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١٤٥٤، ١٤٥٨) والبيهقى في عذاب القبر (٧٦) من طريق إسماعيل بن أبى خالد عن أبي صالح وحده، وأخرجه البيهقى في عذاب القبر (٧٧) من طريق شعبة، عن السدى.","vol":"16","page":197},{"text":"وحدَّثنا محمد بن إسماعيلَ الأَحْمَسيُّ، قال: ثنا محمدُ بن عبيدٍ، قال: ثنا سفيان الثورى، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن أبي صالحٍ في قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: عذاب القبر (^١).\nوحدَّثنى عبد الرحمن بن الأسود، قال: ثنا محمدُ بن ربيعة، قال: ثنا أبو عُمَيْسٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُخَارِقٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّهِ في قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: عذاب القبر (^٢).\nوحدَّثنا ابن (^٣) عبد الرَّحيم البرقيُّ، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وابن أبي حازم، قالا: ثنا أبو حازمٍ، عن النعمان بن أبي عَيَّاشٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: عذاب القبر (^٤).\nوأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هو عذاب القبر. الذي حدَّثنا به أحمد بن عبد الرحمن بن وهبٍ، قال: ثنا عمى عبد الله بن وهبٍ، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن دَرَّاجٍ، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرةَ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"أتدْرُون فيمَ أَنْزِلَت هذه الآيةُ: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ أتدرون ما المعيشةُ الضنكُ؟ \". قالوا: الله ورسولُه أعلمُ. قال: \"عذاب الكافر في قبره، والذي نفسى بيده، إنه يُسلَّط (^٥) عليه تسعةٌ وتسعون\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في عذاب القبر (٧٦) من طريق سفيان الثورى به.\n(^٢) أخرجه هناد (٣٥٢)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١٤٢٩) من طريق أبى العميس به، وأخرجه الطبراني (٩١٤٣) والبيهقى في عذاب القبر (٧٥) من طريق عبد الله بن المخارق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧١٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط في ص، م، ت ١، ت ٢، ف، ت ٢: \"أحمد\".\n(^٤) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٨١ من طريق أبى حازم به مرفوعا.\n(^٥) في م: \"ليسلط\".","vol":"16","page":198},{"text":"تِنِّينًا، أتَدْرُون ما التِّنِّيُن؟ تسعةٌ وتسعون حيَّةً، لكلِّ حيةٍ سبعةُ أرؤسٍ (^١)، يَنْفُخون في جسمِه ويَلْسَعونه ويَخْدِشونه إلى يومِ القيامةِ\" (^٢)\nوأن الله ﵎ أتْبَع ذلك قولَه: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾. فكان معلومًا بذلك أن المعيشةَ الضنكَ التي جعَلَها اللهُ لهم قبلَ عذابِ الآخرةِ (^٣)؛ لأن ذلك لو كان في الآخرةِ لم يكنْ لقولِه: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾. معنًى مفهومٌ؛ لأن ذلك إن لم يكنْ تقَدَّمه عذابٌ لهم قبلَ الآخرةِ، حتى يكونَ الذي في الآخرةِ أشدَّ منه، بطَل معنى قوله: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾.\nفإذ كان ذلك كذلك، فلا تَخْلو تلك المعيشةُ الضنكُ التي جَعَلَها اللَّهُ لهم مِن أن تكونَ لهم في حياتهم الدنيا، أو في قبورِهم قبلَ البعثِ - إذ كان لا وجهَ لأن تكونَ في الآخرةِ؛ لما قد بيَّنا - فإن كانت لهم في حياتهم الدنيا، فقد يَجِبُ أن يكونَ كلُّ مَن أَعْرَض عن ذكرِ اللَّهِ مِن الكفار، فإن معيشتَه فيها ضنكٌ، وفي وجودِنا كثيرًا منهم أوْسَعَ معيشةً من كثيرٍ من المُقْبِلِين على ذكرِ اللهِ ﵎ القابلين (^٤) له المؤمنين - ما يَدُلُّ على أن ذلك ليس كذلك، فإذ خلا القولُ في ذلك مِن هذين\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"أرس\"، وفى م: \"رءوس\".\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٦٦٤٤) وابن حبان (٣١٢٢) والآجرى في الشريعة ص ١٢٧٣، والبيهقي في عذاب القبر (٨٠) من طريق ابن وهب به، وأخرجه البزار (٢٢٣٣ - كشف) من طريق ابن حجيرة به، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٣١٦ - من طريق دراج به، وقال ابن كثير: رفعه منكر جدا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤١١ إلى ابن أبي الدنيا في ذكر الموت والحكيم الترمذي وابن المنذر وابن مردويه. وعندهم سوى البزار زيادة في أوله: \"المؤمن في قبره في روضة خضراء ويرحب قبره سبعين ذراعا وينور له كالقمر ليلة البدر\". وعند البيهقي: \"تسعة رءوس\" بدل من \"سبعة أرؤس\".\n(^٣) في ت ٢: \"القبر\".\n(^٤) في م: \"القائلين\".","vol":"16","page":199},{"text":"الوجهين، صحَّ الوجهُ الثالثُ، وهو أن ذلك في البَرْزَخ.\nوقولُه: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: ونحشُرُه مِن قبرِه إلى موقفِ القيامةِ يومَ القيامةِ أعمَى (^١).\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ العَمَى الذي ذكَر اللهُ في هذه الآيةِ أنه يَبْعَثُ يومَ القيامةِ هؤلاء الكفارَ به؛ فقال بعضُهم: ذلك عَمًى عن الحجِة، لا عمَى (^٢) البصرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5868>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحْمَسيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٌ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. قال: ليس له حجةٌ (^٣).\nحدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. قال: عن الحجةِ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقيل: يُحْشَرُ أعمى البصرِ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٢) بعده في م: \"عن\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٦٨، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١ من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":200},{"text":"والصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قال اللهُ تعالى ذكرُه، وهو أَنه يَحْشُرُه أعمى عن الحجةِ ورؤيةِ الأشياءِ كما أخْبَر جلَّ ثناؤُه، فعمَّ ولم يَخْصُص.\n\n<span id=\"aya-2473\"></span>وقولُه: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾. [فقال بعضُهم في ذلك ما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾. قال: لا حجةَ لى (^١).\nوقولُه: ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾] (^٢). اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وقد كنتُ بصيرًا بحُجَجى.\n\n<span data-type='title' id=toc-5869>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾. قال: عالمًا بحُجَجى.\nوقال آخرون: بل معناه: وقد كنتُ ذا بصرٍ أُبْصِرُ به الأشياءَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5870>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾: في الدنيا (^٣).\nوحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ١٩٨، ومن طريقه هناد (٢٢٦).\n(^٢) ليست في: ص، م، ف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٦٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":201},{"text":"حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾. قال: كان بعيدَ البصرِ، قصيرَ النظرِ، أعمى عن الحقِّ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه عمَّ بالخبرِ عنه بوصفِه نفسَه بالبصرِ، ولم يَخْصُص منه معنًى دون معنًى، فذلك على ما عمَّه، فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ (^١): قال: ربَّ لمَ حشَرْتَنى أَعْمَى عن حُجَجى ورؤيةِ الأشياءِ، وقد كنتُ في الدنيا ذا بصرٍ بذلك كلِّه.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قال هذا لربِّه: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾. مع مُعاينتِه عظيمَ سلطانِه؟ أجَهِلَ في ذلك الموقفِ أن يكونَ اللهِ ﷿ أن يفعلَ به ما شاء؟ أم ما وجهُ ذلك؟\nقيل له: إن ذلك منه مسألةٌ لربِّه تعريفَه (^٢) الجُرَّمَ الذي اسْتَحَقَّ به ذلك، إذ\nكان قد جهِله، وظنَّ أن لا جُرْمَ له اسْتَحَقَّ ذلك به منه، فقال: ربِّ لأيِّ ذنبٍ، ولأيِّ جُرْمٍ حَشَرْتَنى أعمى، وقد كنتُ بصيرًا مِن قبلُ في الدنيا وأنت لا تُعاقِبُ أحدًا إلا بدونِ ما يَسْتَحِقُّ منك مِن العقابِ.\n\n<span id=\"aya-2474\"></span>وقوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ حينَئذٍ للقائل له: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾: فعَلْتُ ذلك بك، فحشَرْتُك أعمى كما أتَتْك آياتي - وهى حُجَجُه وأدلتُه وبيانُه الذي بيَّنه في كتابه - ﴿فَنَسِيتَهَا﴾. يقولُ: فترَكْتُها وأعْرَضْتَ عنها، ولم تُؤْمِنْ بها، ولم تَعْمَلْ.\nوعنَى بقوله: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ﴾: هكذا أَتتْك.\nوقولُه: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. يقولُ: فكما نسيت آياتِنا في الدنيا فترَكْتَها\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"الآية\".\n(^٢) في م، ت ٢: \"يعرفه\".","vol":"16","page":202},{"text":"وأَعْرَضْتَ عنها، فكذلك اليوم نَنْساك فنَتْرُكُك في النارِ.\nوقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾؛ فقال بعضُهم بمثلِ الذي قلنا في ذلك\n\n<span data-type='title' id=toc-5871>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحْمَسيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. قال: في النارِ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾، قال: فتَرَكْتَها. وَ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾: وكذلك اليومَ تُتْرَكُ في النارِ (^١).\nورُوِى عن قتادةَ في ذلك ما حدثَّني به بِشرٌ، ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. قال: نُسِي (^٢) مِن الخيرِ، ولم يُنْسَ (^٣) مِن الشرِّ (^٤).\nوهذا القولُ الذي قاله قتادةُ قريبُ المعنى مما قاله أبو صالحٍ ومجاهدٌ؛ لأن تركَه إياهم في النارِ من أعظمِ الشرِّ لهم.\n\n<span id=\"aya-2475\"></span><span data-type='title' id=toc-5872>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾.</span>\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٨/ ٣١١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في الأصل: \"تنسى\".\n(^٣) في الأصل: \"تنس\".\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٣٠١.","vol":"16","page":203},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: وهكذا ﴿نَجْزِي﴾. أي: نُثِيبُ مَن أَسرَف، فعصَى رَبَّه ولم يُؤْمِنُ برسله وكتبه، فنَجْعَلُ له معيشةً ضنكًا في البرزخِ، كما قد بيَّنا قبلُ.\n﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولعذابُ اللهِ في الآخرةِ لهم أشدُّ مما [عَذَّبَهم به] (^١) في القبرِ مِن المعيشة الضنكِ، ﴿وَأَبْقَى﴾. يقولُ: وأدومُ منها؛ لأنه إلى غيرِ أَمَدٍ ولا نهايةٍ.\n\n<span id=\"aya-2476\"></span><span data-type='title' id=toc-5874>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أفلم يَهْدِ لقومِك المشركين باللهِ. ومعني ﴿يَهْدِ﴾: يُبَيِّنْ. يقولُ: أفلم يُبَيِّنْ (^٢) لهم كثرةُ ما أَهْلَكْنا قبلَهم مِن الأممِ التي [سلفَت قبلَهم] (^٣)، التي يَمْشون هم (^٤) في مساكنِهم ودُورِهم، ويَرَوْن آثارَ عُقوباتنا التي أحْلَلْناها بهم - سوءَ مَغَبَّة (^٥) ما هم عليه مُقِيمون مِن الكفرِ بآياتِنا، فيَتَّعظوا بهم، ويَعْتَبِروا ويُنيبوا إلى الإذْعانِ، ويُؤْمنوا باللهِ ورسولِه؛ خوفًا أن يُصِيتهم بكفرِهم باللهِ مثلُ ما أصابَهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5873>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا\n_________\n(^١) في ص: \"وعدتهم به\"، وفى م: \"وعدتهم\"، وفى ت ١، ف: \"عذبهم\".\n(^٢) في ص: \"نبين\".\n(^٣) في م: \"سلكت قبلها\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في ت ١، ت ٢: \"معية\".","vol":"16","page":204},{"text":"قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾: [نحوِ عادٍ وثمودَ ومَن هلَك من الأُممِ (^١).\nوقال: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾] (^٢). لأن قريشًا كانت تَتَّجِرُ إلى (^٣) الشامِ، فتَمُرُّ بمساكنِ عادٍ وثمودَ ومَن أَشْبَههم، فتَرَى آثارَ وقائعِ اللهِ تعالى بهم، فلذلك قال لهم: أفلم يُحَذِّرُهم ما يَرَوْن من فعلِنا بهم بكفرِهم بنا نزولَ مثلِه بهم، وهم على مثلِ فعلهم مقيمون.\nوكان الفَرَّاءُ يقولُ (^٤): لا يَجوزُ في ﴿كَمْ﴾ في هذا الموضعِ أن يكونَ إلا نصبًا بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾. وكان يقولُ: وهو وإن لم يكنْ إلا نصبًا، فإن جملة الكلامِ رفعٌ بقولِه: ﴿يَهْدِ لَهُمْ﴾. ويقولُ: ذلك مثلُ قولِ القائلِ: قد تبَيَّن لي أقام عمرٌو أم (^٥) زيدٌ؟ في الاستفهامِ، وكقولِه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣]. ويَزْعُمُ أن فيه شيئًا يَرْفَعُ ﴿سَوَاءٌ﴾ لا يَظْهَرُ مع الاستفهامِ، قال: ولو قلتَ: سواءٌ عليكمَ صمتُكم ودعاؤُكم. تبَيَّن ذلك الرفعُ الذي في الجملةِ.\nوليس الذي قال الفرَّاءُ من ذلك كما قال؛ لأن ﴿كَمْ﴾ وإن كانت مِن حروفِ الاستفهامِ، فإنها لم تُجْعَلْ في هذا الموضعِ للاستفهامِ، بل هي واقعةٌ موقعَ (^٦) الأسماءِ الموصوفةِ.\nومعنى الكلامِ ما قد ذكَرْنا قبلُ، وهو: أفلم يُبَيِّنْ (^٧) لهم كثرةُ إهلاكِنا قبلَهم\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٣ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٣) في الأصل: \"في\".\n(^٤) في معاني القرآن ٢/ ١٩٥.\n(^٥) في الأصل، ص، ت ١، ف: \"أو\".\n(^٦) في الأصل: \"مواقع\".\n(^٧) في الأصل: \"يتبين\".","vol":"16","page":205},{"text":"القرونَ التي يمشون في مساكِنهم. أو أفلم تَهْدِهم القرونُ الهالكةُ.\nوقد ذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (أفلم يَهْدِ (^١) لهم مَن أَهْلَكْنا). فـ ﴿كَمْ﴾ واقعةٌ موقع \"مَن\" في قراءةِ عبدِ اللَّهِ، و(^٢) هي في موضعِ رفعٍ بقولِه: ﴿يَهْدِ لَهُمْ﴾. وهو أظهرُ وُجوهه، وأصحُّ معانيه، وإن كان للذى (^٣) قاله وجهٌ ومذهبٌ على بُعْدٍ.\nوقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن فيما يُعايِنُ هؤلاء، ويَرَوْن مِن آثارِ وقائعِنا بالأم المكذِّبةِ رسلَها قبلَهم، وحُلولٍ مَثُلاتِنا بهم لكفرِهم باللهِ، ﴿لَآيَاتٍ﴾. يقول: لدَلالاتٍ وعِبَرًا وعِظَاتٍ ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾. يعنى: لأهلِ الحِجَا والعقولِ، ومَن ينهاه عقلُه وفهمُه ودينُه عن مُواقعةِ ما يَضُرُّه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5875>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثَّني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾. يقولُ: التُّقَى (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾: أهلِ الوَرَعِ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ف: \"نهد\"، وفي ت ٢: \"يهدى\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"الذي\".\n(^٤) ذكره ابن حجر في تغليق التعليق ٤/ ٢٥٦ عن المصنف.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٠٢ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"16","page":206},{"text":"<span id=\"aya-2477\"></span><span data-type='title' id=toc-5877>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ولولا كلمةٌ سَبَقَت من ربِّك يا محمدُ أن كلَّ مَن قضَى له أجلًا فإنه لا يَخْتَرِمُه قبل بلوغِه أجلَه، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾. يقولُ: ووقتٌ مُسَمًّى عندَ ربِّك سمَّاه لهم في أمِّ الكتابِ، وخطَّه فيه، هم بالغوه ومُسْتَوْفوه - ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾. يقولُ: للازمهم الهلاكُ عاجلًا.\nوهو مصدرٌ من قول القائل: لازم فلانٌ فلانًا يُلازِمُه مُلازمةً ولِزامًا. إذا لم يُفارقه. وقدَّم قولَه: ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾. قبل قوله: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾. [ومعنى الكلامِ: ولولا كلمةٌ سبَقَت من ربِّك وأجلٌ مسمَّى] (^١) لكان لزامًا، فاصبِرْ على ما يقولون.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5876>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾. قال: الأجلُ المسمَّى: الدنيا (^٢).\nحدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ف.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٩/ ١٥٢.","vol":"16","page":207},{"text":"سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ [لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾. وهذه من مَقاديمِ الكلامِ. يقولُ: ولولا كلمةٌ سبَقت من ربِّك] (^١) إلى أجلٍ مسمًّى لكان لزامًا. والأجلُ المسمَّى: الساعةُ؛ لأن اللهُ يقولُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (^٢) [القمر: ٤٦].\nحدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾. قال: هذا مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ: ولولا كلمةٌ سبَقَت من ربِّك وأجلٌ مسمَّى لكان لزامًا.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لكان موتًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5878>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثَّني عليٌّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: لَكَانَ لِزَامًا؟. يقولُ: موتًا (^٣).\nوقال آخرون: بل معناه: لكان قتلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5879>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾: واللِّزامُ القتلُ.\n\n<span id=\"aya-2478\"></span>وقولُه: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﵇:\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٢ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":208},{"text":"فاصْبِرْ يا محمدُ على ما يقولُ هؤلاء المكذِّبون بآياتِ اللهِ مِن قومِك، لك: إنك، ساحرٌ، وإنك [مجنونٌ،] (^١) وشاعرٌ. ونحوَ ذلك مِن القولِ، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾. يقولُ: وصلِّ بثنائِك على ربِّك. وقال: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾. والمعنى: [بحمدِكَ ربَّك] (^٢)، كما تقولُ: أَعْجَبَنِى ضربُ زيدٍ. والمعنى: ضربى زيدًا.\nوقولُه: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾، وذلك صلاةُ الصبحِ، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾، وهي صلاةُ (^٣) العصرِ، ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾، وهى ساعاتُ الليلِ، واحدُها إنْيٌ، على تقديرِ حِمْلٍ، ومنه قولُ المُتَنَخِّلِ (^٤) السعديِّ:\nحُلْوٌ ومُرٌّ كعَطْفِ القِدْح مِرَّته … في (^٥) كلٍّ إِنِّي حَذَاه (^٦) الليلُ يَنْتَعِلُ\nويعنى بقوله: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾. صلاةَ العشاءِ الآخرةِ؛ لأنها تُصَلَّى بعدَ مُضِى آناءٍ مِن الليلِ.\nوقولُه: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾. يعنى صلاةَ الظهرِ والمغربِ.\nوقيل (^٧): ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾. والمرادُ بذلك الصلاتان اللتان ذكَرْنا؛ لأن صلاةَ الظهرِ في آخِرِ طَرَفِ النهارِ الأولِ، وفى أولِ طَرَفِ النهارِ الآخِرِ، فهي في طرفين منه، والطَّرَفُ الثالثُ غروبُ الشمسِ، وعند ذلك تُصَلَّى المغربُ، فلذلك قيل: أطرافٌ.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في م، ت ١، ف: \"بحمد ربك\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٤) في ص، م، ت ٢، ف: \"المنخل\". والبيت تقدم تخريجه في ٥/ ٦٩٥.\n(^٥) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: \"من\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"قضاه\".\n(^٧) بعده في الأصل: \"في\".","vol":"16","page":209},{"text":"وقد يَحْتَمِلُ أن يقالَ: أُرِيد به طرفا النهارِ، فقيل: أطرافٌ. كما قيل: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. فجمَع، والمرادُ قلبان، فيكونُ ذلك أولَ طرفِ النهارِ الآخِرِ، وآخِرَ طرفِه الآخِرِ (^١).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5880>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن [أبى رَزينٍ] (^٢)، عن ابن عباسٍ: فـ ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾. قال: الصلاةُ المكتوبةُ (^٣).\nحدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن قَيسٍ بن أبي حازمٍ، عن جريرِ بن عبدِ اللهِ، قال: كنا جلوسًا عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، فرأى القمرَ ليلةَ البدرِ، فقال: \"إنكم راءُون ربَّكم كما تَرَوْن هذا، لا تُضامُّون في رُؤيتِه، فإن اسْتَطَعْتُم ألا تُغلبوا على (^٤) صلاةٍ قبلَ طلوعِ الشمسِ وقبلَ غروبِها فافْعَلوا\". ثم تلا: فـ ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"الأول\".\n(^٢) في م: \"ابن أبي زيد\". وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٤٧٥.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١، وابن المنذر في الأوسط ٢/ ٣٢٤ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) في الأصل: \"عن\".\n(^٥) أخرجه البخارى في خلق أفعال العباد ص ٢١، وابن خزيمة في التوحيد ص ١١٠ من طريق يزيد بن هارون به، وأخرجه البخارى (٥٥٤، ٥٧٣، ٤٨٥١)، ومسلم (٦٣٣/ ٢١١)، وأحمد ٤/ ٣٦٠ (الميمنية)، وأبو داود (٤٧٢٩)، والترمذى (٢٥٥١)، والنسائى (٧٧٦٢)، وابن ماجه (١٧٧)، وابن حبان (٧٤٤٢، ٧٤٤٣) من طريق إسماعيل بن أبي خالد به.","vol":"16","page":210},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ: فـ ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾. قال ابن جُرَيج: العصر. ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾. قال: المكتوبةُ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه فـ ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾. قال: هي صلاةُ الفجرِ، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾: صلاةُ العصرِ، ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾: صلاةُ المغربِ والعشاءِ، ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾: صلاةُ الظهرِ (^١).\nحدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾. قال: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾: العَتَمةِ. ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾: المغربَ والصبحَ.\nونصَب قولَه: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾. عطفًا على قولِه: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾. لأن معنى ذلك: فسبِّح بحمدِ ربِّك آخِرَ الليلِ وأطرافَ النهارِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى ﴿آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5881>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾. قال: المصلَّى مِن الليلِ كلِّه.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٢ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"16","page":211},{"text":"حدثَّني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رَجاءٍ، قال: سَمِعْتُ الحسنَ قرَأ: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾. قال: مِن أولِه وأوسطِه وآخرِه (^١).\nحدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾. قال: آناءُ الليل جوفُ الليلِ (^٢).\nوقوله: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾. يقولُ: كَى تَرْضَى.\nوقد اختلفَت القرَأَةُ في قراءةِ ذلك، فقرَأَته (^٣) عامةُ قرَأةِ المدينةِ والعراقِ: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ بفتحِ التاءِ (^٤).\nوكان عاصمٌ والكِسائيُّ يَقرآن ذلك: (لعلك تُرْضَى) بضمِّ التاءِ (^٥). ورُوِى ذلك عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ.\nوكأن الذين قرَءوا ذلك بالفتحِ ذهَبوا إلى معنَى: إِن اللَّهَ يُعْطِيك حتى تَرْضَى عطيتَه وثوابَه إياك، وكذلك تأوَّله أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5882>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾. قال: الثواب؛ تَرْضَى مما (^٦) يُثِيبُك اللهُ على ذلك (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٣٩ (٤٠١٣) من طريق عباد بن منصور، عن الحسن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٣٨ (٤٠١٠) من طريق أبي ظبيان، عن ابن عباس.\n(^٣) في الأصل: \"فقرأ به\".\n(^٤) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص وحمزة. السبعة لابن مجاهد ص ٤٢٥.\n(^٥) وهي قراءة الكسائي وعاصم في رواية أبي بكر. المصدر السابق.\n(^٦) في م: \"بما\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٢ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"16","page":212},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾. قال: بما (^١) تُعْطَى.\nوكأن الذين قرَءوا ذلك بالضمِّ وجَّهوا معنى الكلامِ إلى: لعل الله يُرْضِيك مِن عبادتك إياه وطاعتِك له.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرَأةِ، وهما قراءتان مُسْتَفِيضتان في قرَأةِ الأمصارِ، مُتَّفِقَتَا المعنى، غيرُ مُخْتَلِفَتَيْه، وذلك أن الله تعالى ذكرُه إذا (^٢) أرْضاه، فلا شكَّ أنه يَرْضَى، [وأنه] (^٣) إذا رضِى فقد أرْضاه اللهُ، فكلُّ واحدةٍ منهما تَدلُّ على معنى الأُخرى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ.\n\n<span id=\"aya-2479\"></span><span data-type='title' id=toc-5883>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولا تَنظُرْ إلى ما جَعَلْنَا لَضُرَباءِ هؤلاء المُعرِضين عن آياتِ ربِّهم وأشكالِهم، متعةً في حياتِهم الدنيا، يَتَمَتَّعون بها مِن زهرةِ عاجلِ الدنيا ونَضرتِها ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. يقولُ: لنَخْتَبرَهم فيما متَّعْناهم به مِن ذلك ونَبْتليهم، فإن ذلك فانٍ زائلٌ، وغُرورٌ وخُدَعٌ تَضْمَحِلُّ، ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ الذي وعَدك أن يَرْزُقَكه في الآخرةِ حتى تَرْضَى - وهو ثوابُه إياه - ﴿خَيْرٌ﴾ لك مما متَّعْناهم به من زهرة الحياةِ الدنيا ﴿وَأَبْقَى﴾. يقولُ: وأدومُ. لأنه لا انقطاعَ له ولا نفادَ.\n_________\n(^١) في الأصل، ت ٢: \"ما\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ف.\n(^٣) سقط من: ت ١، ف.","vol":"16","page":213},{"text":"وذكر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ من الله مِن أجلِ أن رسولَ اللهِ ﷺ بعَث إلى يهوديٍّ يَسْتَسْلِفُ منه طعامًا، فأبَى أن يُسْلِفَه إلا برَهنٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5884>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن موسى بن عُبيدةَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللَّهِ بن قُسَيْطٍ، عن أبي رافعٍ، قال: أَرْسَلَنى رسولُ اللهِ ﷺ إلى يهودِيٍّ يَسْتَسْلِفُهُ، فَأَبَى أَن يُعْطِيَه إلا برهنٍ، فحزِن رسولُ اللهِ ﷺ، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن واقدٍ، عن يعقوبَ بن يزيدَ، عن أبي رافعٍ، قال: نزَل برسولِ اللهِ ﷺ ضَيفٌ، فأَرْسَلَنى إلى يهوديٍّ بالمدينةِ أَستسلِفُه (^٢)، فأتَيْتُه فقال: لا أُسْلِفُه إلا برهنٍ. فَأَخْبَرْتُه بذلك، فقال: \"إني لأمينٌ في أهلِ السماءِ، وفى أهلِ الأرضِ، فاحْمِلْ دِرْعى إليه\". فنزلَت هذه الآيةُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]. وقوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. إلى قوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾.\n_________\n(^١) أخرجه الروياني (٧١٥) عن سفيان بن وكيع به، وأخرجه إسحاق، وابن أبي شيبة - كما في المطالب العالية (١٦٠٠، ١٦٠١) - وأبو يعلى من طريق ابن أبي شيبة - كما في المطالب العالية (١٦٠٣) - من طريق وكيع به، وأخرجه إسحاق - كما في المطالب (١٦٠٢) - والروياني (٦٩٥)، والبزار (٣٨٦٣)، والطبراني (٩٨٩) من طريق موسى بن عبيدة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٢، ٣١٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والخرائطى في مكارم الأخلاق وأبي نعيم في المعرفة.\n(^٢) في م، ت ٢: \"يستسلفه\".","vol":"16","page":214},{"text":"ويعنى بقوله: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾: [رجالًا منهم] (^١) أشكالًا، وبـ: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: زينةَ الحياةِ الدنيا.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. أي: زينةَ الحياةِ الدنيا (^٢).\nونصَب ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ على الخروجِ من الهاءِ التي في قولِه: ﴿بِهِ﴾. مِن: ﴿مَتَّعْنَا بِهِ﴾. كما يقالُ: مرَرْتُ به الشريفَ الكريمَ. فنصَب الشريفَ الكريمَ على فعلِ: مرَرْتُ. فكذلك قولُه: ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تُنْصَبُ على الفعلِ بمعنى: متَّعْناهم به زهرةً في الحياةِ الدنيا وزينةً لهم فيها. وذكَر الفرَّاءُ أَن بعضَ بني فَقْعَسٍ أَنْشَدَه (^٣):\nأبعْدَ الذي بالسَّفْحِ سَفْحِ كَواكِبٍ … رهينةَ رَمْسٍ من ترابٍ وجَنْدَلِ\nفنصَب \"رهينة\" على الفعلِ مِن قولِه: أبعْدَ الذي بالسَّفْح. وهذا لا شكّ أنه أضعفُ في العملِ نصبًا مِن قوله: ﴿مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾. لأن العاملَ في الاسمِ الذي (^٤) هو \"رهينة\"، حرفٌ خافضٌ لا ناصبٌ\nوبنحوِ الذي قلنا في [معنى قولِه: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ (^٥) وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾] (^٦) قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، وفي ت ٢: \"رجالا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) معاني القرآن ٢/ ١٩٦.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١ ف، وفى م: \"و\".\n(^٥) بعده في ت ٢: \"قال: لنبتليهم فيه\".\n(^٦) في م: \"ذلك\".","vol":"16","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5885>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. قال: لنَبْتَلِيَهم فيه، ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ مما (^١) مُتِّع (^٢) به هؤلاء من هذه الدنيا (^٣).\n\n<span id=\"aya-2480\"></span><span data-type='title' id=toc-5886>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَأْمُرْ﴾ يا محمدُ ﴿أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾. يقولُ: واصْطَبِرْ على القيامِ بها وأدائِها بحدودِها أنت ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾. يقولُ: لا نَسْأَلُك مالًا، بل نُكَلِّفُك عملًا ببدنِك، نُؤْتِيك عليه أجرًا عظيمًا وثوابًا جَزيلًا، ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾. يقولُ: نحن تُعْطِيك المال ونُكْسِبُكَه، ولا نَسْأَلُكَه.\nوقولُه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾. يقولُ: والعاقبةُ الصالحةُ مِن عِمل كلِّ عاملٍ لأهلِ التقوى والخشيةِ مِن اللهِ، دونَ مَن لا يَخافُ له عقابًا، ولا يَرْجو له ثوابًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"ما\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"متعنا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٣ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"16","page":216},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5887>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثَّني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن هشامِ بن عروةَ، قال: كان عروةُ إذا رأَى ما عندَ السلاطينِ دخَل دارَه، فقال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾. ثم يُنادِى: الصلاة الصلاةَ، يَرْحَمُكم الله (^١).\nحدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا عَثَّامٌ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، أنه كان إذا رأى شيئًا مِن الدنيا جاء إلى أهلِه، فقال: الصلاةَ؛ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا العباسُ بنُ عبدِ العظيمِ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عَونٍ، قال: أخبَرنا هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيدِ بن أسلَم، عن أبيه، قال: كان يَبِيتُ عند عمرَ بن الخطابِ مِن غِلمانِه أنا ويَرْفَأُ (^٣)، وكانت له مِن الليلِ ساعةٌ يُصَلِّيها، فإذا قلنا: لا يقومُ مِن الليلِ [كما كان يقومُ. يكونُ أبكرَ ما] (^٤) كان قيامًا، وكان إذا صلَّى مِن الليلِ ثم فرَغ، قرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ الآيةَ (^٥).\nحدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: أخبرَني هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيدِ\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ٢٦٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٣٦ من طريق هشام بن عروة به.\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ف: \"يرفى\"، وفى ت ٢: \"مرمى\". وينظر الإصابة ٦/ ٦٩٦.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في التهجد وقيام الليل (٣٥١) من طريق هشام بن سعد به، وأخرجه مالك ١/ ١١٩ - ومن طريقه عبد الرزاق في مصنفه (٤٧٤٣) عن زيد بن أسلم به.","vol":"16","page":217},{"text":"ابن أَسْلَمَ، [عن أبيه، عن عمرَ] (^١) مثلَه.\n\n<span id=\"aya-2481\"></span><span data-type='title' id=toc-5889>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء المشركون الذين وصَف صفتَهم في الآياتِ قبل: هلَّا يَأْتِينا محمدٌ بآيةٍ من ربِّه، كما أَتَى قومَه صالحٌ بالناقةِ، وعيسى بإحياءِ الموتى وإبراءِ الأكْمهِ والأبرصِ؟ يقولُ اللهُ جَلَّ ثناؤُه: أو لم يَأْتِهم بيانُ ما في الكتبِ التي قبلَ هذا الكتابِ مِن أنباءِ الأممِ من قبلِهم التي أَهْلَكْناهم لمَّا سأَلوا الآياتِ، فكفَروا بها لما أتَتْهم - كيف عجَّلْنا لهم العذابَ، وأنْزَلنا بهم (^٢) بأسَنا بكفرِهم بها. يقولُ: فماذا يُؤْمِنُهم إن أتَتْهم الآيةُ أن يكونَ حالُهم حالَ أولئك.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5888>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾. قال: التوراةِ والإنجيلِ (^٣).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ\n_________\n(^١) سقط من: م، وفى ص، ت:١: \"عن عمر\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٦٨، ومن طريقه ابن أبي شيبة ١٤/ ١٢٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":218},{"text":"مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾: الكتبِ التي خلَت من الأممِ التي يَمْشُون في مساكنِهم.\n\n<span id=\"aya-2482\"></span><span data-type='title' id=toc-5890>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولو أنا أهْلكنا هؤلاء المشركين الذين يُكَذِّبون بهذا القرآنِ مِن قبلِ أن ننزِّلَه عليهم، ومِن قبلِ أن نَبْعَثَ داعيًا يَدْعوهم إلى ما فرَضْنا عليهم فيه، بعذابٍ تُنْزِلُه بهم بكفرِهم باللهِ، لَقالوا يومَ القيامةِ إذا (^١) ورَدُوا علينا، فأَرَدْنا عقابهم: ربَّنا هلَّا أَرْسَلْتَ إلينا رسولًا يَدعونا إلى طاعتِك ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾؟ يقولُ: فتَتَّبِعَ حُجَجَك وأدلَّتَك وما تُنَزِّلُه عليه مِن أمرِك ونهِيك، مِن قبلِ أن نَذِلَّ بتعذيبِك إيانا ونَخْزَى به.\nكما حدَّثني الفضلُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، عن فُضَيْلِ بن مَرْزُوقٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ قال: \"يَحْتَجُّ على اللهِ يومَ القيامةِ ثلاثةٌ؛ الهالكُ في الفَتْرةِ، والمغلوبُ على عقلِه، والصبيُّ الصغيرُ، فيقولُ المغلوبُ على عقلِه: لم تَجْعَل لى عقلًا أَنْتَفِعُ به. ويقولُ الهالكُ في الفترةِ: لم يَأْتِنى رسولٌ ولا نبيٌّ، ولو أتانى لك رسولٌ أو نبيٌّ لَكنتُ أطوعَ خلقِك لك - وقرأ: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ - ويقولُ الصبيُّ الصغيرُ: كنتُ صغيرًا لا أَعقِلُ. قال: فتُرْفَعُ لهم نارٌ، ويقالُ لهم: رِدُوها. قال: فيَرِدُها مَن كان في علمِ الله أنه سعيدٌ، ويَتَلَكَّأُ عنها مَن كان في علمِ اللَّهِ أَنه شَقِيٌّ. فيقولُ: إياى عصَيْتُم، فكيف برسلى لو أتَتْكم؟ \" (^٢)\n_________\n(^١) في م: \"إذ\".\n(^٢) أخرجه البزار (٢١٧٦ - كشف)، ومحمد بن يحيى الذهلي - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٥٢ طريق فضيل بن مرزوق به.","vol":"16","page":219},{"text":"<span id=\"aya-2483\"></span><span data-type='title' id=toc-5891>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ: كلُّكم أيُّها المشركون باللهِ ﴿مُتَرَبِّصٌ﴾. يقولُ: منتظِرٌ لمن يكونُ الفلاحُ، وإلى ما يَئُولُ أمرى وأمرُكم، مُتَوَقِّفٌ يَنْتَظِرُ دوائرَ الزمانِ، ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾. يقولُ: فتَرَقَّبوا وانْتَظِروا، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾. يقولُ: فسيعلَمون مَن] (^١) أهلُ الطريقِ المستقيمِ المعتدلِ الذي لا اعْوِجاجَ فيه إذا جاء أمرُ اللهِ، وقامت القيامةُ، أنحن أم أنتم؟ ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾. يقولُ: وستَعْلَمون حينَئذٍ من المهتدِى الذي هو على سننِ الطريقِ القاصدِ غيرِ الجائرِ عن قصدِه منا ومنكم.\n\nوفى ﴿وَمَنِ﴾ مِن قولِه: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾. والثانيةِ مِن قوله: ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ وجهان؛ الرفعُ، وتركُ إعْمالِ \"تعلمون\" فيهما، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢]. والنصبُ على إعمال \"تعلمون\" فيهما، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠].\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\nإلى هنا ينتهى الجزء الخامس والثلاثون من نسخة جامعة القرويين، والمشار إليه بالأصل، وسيجد القارئ بعد ذلك أرقام النسخة ت ١ بين معكوفين.","vol":"16","page":220},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-5892>تفسيرُ سورةِ الأنبياءِ عليهم الصلاةُ والسلامُ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-2484\"></span><span data-type='title' id=toc-5894>القولُ في تأويلِ قوله عزّ ذكرُه: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ </span>(١)﴾.\nيقولُ تعالى ذِكرُه: دنا حسابُ اللهِ للناسِ على أعمالِهم التي عَمِلوها في دُنياهم، ونِعَمهم التي أنعَمها عليهم فيها؛ في أبْدَانِهم وأجْسامِهم ومَطاعمِهم ومَشاربِهم وملابسِهم، وغيرِ ذلك من نعمِه عندَهم، ومسألتِه إيَّاهم ماذا عمِلوا فيها، وهل أطاعوه فيها، فانْتَهَوا إلى أمْرِه ونَهيِه في جميعِها، أم عَصَوه فخَالَفَوا أَمْرَه فيها؟ ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾. يقولُ: وهم في الدنيا عمَّا اللهُ فاعلٌ بهم من ذلك يومَ القيامةِ، وعن دُنوِّ محاسبته إيَّاهم منهم (^١)، واقْترابِه لهم، في سَهْوٍ وغَفْلَةٍ، وقد أعْرَضوا عن ذلك، فتَرَكوا الفِكْرَ فيه، والاستعدادَ له، والتأهُّبَ؛ جهلًا منهم بما هم لاقُوه عند ذلك من عظيمِ البلاءِ، وشديدِ الأهوالِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في تأويل قوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (^٢) جاء الأثَرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5893>ذِكرُ [الرواية بذلك]</span> (^٣)\nحدَّثنا أبو موسى محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثني أبو معاويةَ،\n_________\n(^١) في ت ٢: \"منه\".\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"قال أهل التأويل و\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"من قال ذلك\".","vol":"16","page":221},{"text":"قال: أخبَرنا الأعمشُ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾. قال: \"في الدُّنيا\" (^١).\n\n<span id=\"aya-2485\"></span><span data-type='title' id=toc-5896>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ </span>(٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذِكرُه: ما يُحْدِثُ الله من تنزيلِ شيءٍ من هذا القرآنِ للناس (^٢)، ويُذَكِّرُهم به ويَعِظُهم، ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾: [لا يَعْتَبرون به، ولا يتفكَّرون في وعدِه ووعيدِه، ولكنَّهم يَسْتمِعونه وهم يلعَبون] (^٣) لاهيةً قلوبُهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5895>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ الآية. يقولُ: ما يُنَزَّلُ عليهم من شيءٍ من القرآنِ إِلا اسْتَمَعوه وهم يَلْعَبون (^٤).\n\n<span id=\"aya-2486\"></span><span data-type='title' id=toc-5897>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ </span>(٣)﴾.\nيعنى (^٥) تعالى ذِكرُه بقولِه (^٦): ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾: غافلةٌ. يقولُ: ما\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٤ إلى ابن مردويه، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٣٣٢) من طريق أبي الوليد به من حديث أبي سعيد، وفي (١١٣٣١) من طريق أبى معاوية به من حديث أبي سعيد أيضًا.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف، وفى م: \"للناس و\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٥٠ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٤ إلى ابن المنذر.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"يقول\".\n(^٦) سقط من: م.","vol":"16","page":222},{"text":"يَسْتَمِعُ هؤلاءِ القوُم الذين وصَف صفتهم، هذا القرآنَ إِلَّا وهم يَلْعَبون، غافلةً عنه قلوبُهم، لا يتَدبَّرون حُكْمَه، ولا يتفَكَّرون فيما أَوْدَعه اللهُ من الحُجَجِ عليهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾. يقولُ: غافلةً قلوبهم (^١).\nوقولُه: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. يقولُ: وأَسَرَّ هؤلاء الناسُ الذين اقْتَرَبتِ الساعةُ مِنهم وهم في غَفْلةٍ معرضون لاهيةً قلوبُهم - النَّجْوى بينَهم. يقولُ: وأظهروا المناجاةَ بينَهم فقالوا: هل هذا الذي يزعُمُ أَنَّه رسولٌ من اللهِ أرسَله إليكم، ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾. يقولون: هل هو إلا إنسانٌ مِثلُكم في صورِكم وخَلْقِكم. يَعْنُون بذلك محمدًا ﷺ.\nوقال: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فوصَفَهم بالظُّلمِ بفِعْلِهم وقِيلِهم الذي أخبرَ به عنهم في هذه الآياتِ أنَّهم يفْعَلون ويقولون؛ من الإعراضِ عن ذكرِ اللهِ، والتكذيبِ برسولِه.\nولـ ﴿الَّذِينَ﴾ من قولِه: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ في الإعرابِ وَجْهان؛ الخفضُ على أنَّه تابع لـ \"الناسِ\" في قولِه: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ والرفعُ على الردِّ (^٢) على الأسماء الذين في قولِه: ﴿وَأَسَرُّوا﴾ من ذِكْرِ \"الناس\"، كما قيل: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١]. وقد يحتمِلُ أن يكونَ رفعًا على الابْتداءِ، ويكونَ معناه: وأسرَّوا النَّجوى. ثم قال: هم الذين ظَلَموا.\nوقولُه: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: وأَظْهَروا (^٣) هذا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) الرد: البدل. ينظر مصطلحات النحو الكوفي ص ٣٦.\n(^٣) في ص، ف: \"وأظهر\".","vol":"16","page":223},{"text":"القولُ بينَهم، وهى النَّجْوى التي أسرُّوها بينهم، فقال بعضُهم لبعضٍ: أتَقْبَلون السِّحرَ، وتُصَدِّقون به وأنتم تعلمون أنَّه سحرٌ؟ يعنُون بذلك القرآنَ.\nكما حدثَّني يونُسُ قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. قال: قاله أهلُ الكفْرِ لنبيِّهم ليما جاء به من عندِ اللهِ، زعَموا أنَّه ساحرٌ، وأن ما جاء به سحرٌ، قالوا: أتأتون السِّحرَ وأنتم تُبْصرون؟\n\n<span id=\"aya-2487\"></span><span data-type='title' id=toc-5898>القولُ في تأويلِ قوله: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ </span>(٤)﴾.\nاختلفَت القرأةُ في قراءةِ قوله: (قُلْ رَبِّي)؛ فقرأ ذلك عامّةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين: (قُلْ رَبِّي). على وجْهِ الأمْرِ (^١). وقرَأَه بعضُ قرَأة مكةَ وعامَّةُ قرَأةِ الكوفةِ: ﴿قَالَ رَبِّي﴾ على وجْهِ الخبر (^٢). وكأنَّ الذين قرءوه على وجْهِ الأمْرِ أرادوا من تأويلِه: قُلْ يا محمدُ للقائلين: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾: ربِّي يعلمُ قول كلِّ قائلٍ في السماءِ والأرضِ، لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لذلك كُلِّه، ولما يقولون من الكَذِبِ، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بصِدْقى وحقيقةِ ما أدْعُوكم إليه، وباطلِ ما تقولون، وغيرِ ذلك من الأشياءِ كلِّها. وكأنَّ الذين قَرَءوه على وجْهِ الخبرِ أرادوا: قال محمدٌ: ﴿رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ﴾. خبرًا مِنَ اللَّهِ عن جوابِ نبيِّه إيَّاهم.\nوالقولُ في ذلك عندى أنَّهما قراءتان مشهورَتان في قَرَأَةِ الأمصار، قد قرَأ بكلِّ\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر. السبعة لابن مجاهد ص ٤٢٨.\n(^٢) وهى قراءة عاصم في رواية حفص، وحمزة والكسائي. المصدر السابق.","vol":"16","page":224},{"text":"واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرَأةِ، وجاء بهما مصاحفُ المسلمين مُتَّفقَتا المعنَى، وذلك أن الله إذا أمر محمدًا بقِيلِ ذلك قالَه، وإذا قالَه فعن أمرٍ مِنَ (^١) اللهِ قالَه، فبأيَّتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ في قراءتِه.\n\n<span id=\"aya-2488\"></span><span data-type='title' id=toc-5899>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكْرُه: ما صَدَّقوا بحِكْمَةِ هذا القرآنِ، ولا أنَّه من عندِ اللهِ، ولا أَقَرُّوا بأنَّه وَحْىٌ أوحاه (^٢) اللهُ إلى محمدٍ ﷺ، بل قال بعضُهم: هو أهاويلُ رُؤيا رآها في النومِ. وقال بعضُهم: هو (^٣) فِرْيةٌ واختلاقٌ افْتَراه واخْتَلَقَه من قِبَلِ نفسِه. وقال بعضُهم: بل محمدٌ شاعرٌ، وهذا الذي جاءكم بِه شعرٌ. ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ﴾. يقولُ: قالوا: فَلْيَجِئِنَا محمدٌ إن كان صادقًا في قولِه: إن الله بعَثَه رسولًا إلينا، وإن هذا الذي يَتْلُوه علينا وحْىٌ مِن اللَّهِ أَوْحَاه إلينا. ﴿بِآيَةٍ﴾. يقولُ: بحجةٍ ودَلالةٍ على حقيقةٍ ما يقولُ ويدَّعى، ﴿كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾. يقولُ: كما جاءت به الرسلُ الأوَّلون من قَبْلِه؛ من إحياءِ المَوْتَى، وإِبْراءِ الأَكْمَةِ والأَبْرَصِ، وكناقةِ صالحٍ، وما أشْبَهَ ذلك من المعجِزاتِ التي لا يقدرُ عليها إِلَّا اللهُ، ولا يأتى بها إلَّا الأنبياء والرُّسلُ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت، ف.\n(^٢) في م: \"أوحى\".\n(^٣) في ت ٢: \"بل\".","vol":"16","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5900>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾. أي: فعلُ حالمٍ، إنما هي رؤيا رآها. ﴿بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾: كلُّ هذا قد كان مِنهم.\nوقوله: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾. يقولُ: كما جاء عيسى بالبيِّنات، وموسى بالبيناتِ، والرُّسل (^١).\nحدثَّني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾. قال: مُشْتَبِهِةٌ (^٢).\nحدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾. قال: أهاوِيلُها (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال تعالى ذكرُه: ﴿بَلِ افْتَرَاهُ﴾. ولا جحدَ (^٤) في الكلامِ ظاهرٌ (^٥) فيُحَقَّقَ بـ \"بل\"؛ لأن الخبرَ عن أهلِ الجحودِ والتكذيبِ، فاجْتُزِيء بمعرفةِ السامعين بما دَلَّ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٣/ ١٧٩.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٦٩.\n(^٤) في ت ٢: \"حجة\".\n(^٥) في ت ٢: \"ظاهرة\".","vol":"16","page":226},{"text":"عليه قولُه: ﴿بَلِ﴾ من ذكرِ الخبر عنهم على ما قد بَيَّنا.\n\n<span id=\"aya-2489\"></span><span data-type='title' id=toc-5902>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: ما آمَن قبلَ هؤلاءِ المُكَذِّبين محمدًا من مُشرِكي قومِه الذين قالوا: فلْيَأْتِنا محمدٌ بآيةٍ كما جاءت به الرسلُ قبلَه - من أهلِ قرية عذَّبْناهم بالهلاكِ في الدُّنيا، إذ جاءهم رسولُنا إليهم بآية مُعْجِزةٍ، ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: أفهؤلاء المكذِّبون محمدًا، السائلوه الآيةَ، يؤمنون به إن جاءَتْهم آيةٌ، ولم تُؤمِنْ قَبْلَهم أسلافُهم من الأممِ الخاليةِ التي أَهْلَكْناها، برُسُلِها مع مَجيئها!\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5901>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾: يُصَدِّقون بذلك (^١)\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾: أي أنَّ (^٢) الرسلَ كانوا إذا جاءوا قومَهم\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٦٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، ف.","vol":"16","page":227},{"text":"بالبيناتِ فلم يؤمنوا، لم يُنظروا (^١).\n\n<span id=\"aya-2490\"></span><span data-type='title' id=toc-5903>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي (^٢) إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه ﷺ: وما أرسلنا يا محمدُ قَبْلَك رسولا إلى أُمَّةٍ من الأممِ التي خَلَت قبلَ أُمَّتِك إلَّا رجالًا مثلهم نُوحِى إليهم ما نريدُ أن نُوحيه إليهم مِن أَمْرِنا ونَهْيِنا، لا ملائكةً، فماذا أنكَروا من إرْسَالِناك إليهم، وأنتَ رجلٌ كسائرِ الرُّسلِ الذين قبلَك إلى أممِهم؟!\nوقولُه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ للقائلين لمحمدٍ في تناجِيهم بينَهم: هل هذا إلا بشرٌ مِثْلُكم. فإن أنكَرْتم وجَهِلْتُم أمرَ الرُّسل الذين كانوا من قبلِ محمدٍ، فلم تعلَموا أيُّها القومُ أمرَهم إنسًا كانوا أم ملائكةً، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾. أي: أهلَ الكُتُبِ من التوراةِ والإنجيلِ ما كانوا يُخبِرُوكم عنهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: فاسألوا أهلَ التوراةِ والإنجيلِ - قال أبو جعفرٍ: أُرَاه أنا قال: يُخبرُوكم - أن الرسلَ كانوا رجالًا يأكُلُون الطعامَ، ويمشُون في الأسواقِ (^٣).\nوقيل: أهلُ الذِّكْرِ أهلُ القرآن.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"يناظروا\".\nوالأثر تقدم أوله في ص ٢٢٦.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ف: \"يوحى\". وهي قراءة نافع وابن كثير وأبى بكر وابن عامر وأبي عمرو وحمزة والكسائي، والمثبت هو قراءة حفص. السبعة لابن مجاهد ص ٤٢٨.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢ عن معمر، عن قتادة بنحوه.","vol":"16","page":228},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5904>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطوسيُّ، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى موسى بنُ عثمانَ، عن جابرٍ الجُعْفيِّ، قال: لما نزَلت: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال [عليٌّ: نحنُ] (^١) أهلُ الذِّكرِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: أهلَ القرآنِ. والذِّكرُ القرآنُ. وقرَأ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (^٣) [الحجر: ٩].\n\n<span id=\"aya-2491\"></span><span data-type='title' id=toc-5905>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكْرُه: وما جعَلنا الرُّسلَ الذين أرسَلْناهم من قَبْلِك يا محمدُ إلى الأممِ الماضيةِ قبلَ أُمَّتِكَ، ﴿جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [يقولُ: لم نجعَلْهم ملائكةً لا يأكُلون الطعامَ] (^٤)، ولكِنْ جعَلْناهم أجسادًا مِثْلَك يأكُلون الطعامَ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [يقولُ: ما جعَلناهم جسَدًا إلَّا ليأْكُلوا الطعامَ] (^٥).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"يقول الحسن على\".\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ٢٧٢، وأبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٢٩٨.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٣١١، والقرطبي في تفسيره ١١/ ٢٧٢.\n(^٤) سقط من: ت ١، ف.\n(^٥) سقط من: ت ٢.","vol":"16","page":229},{"text":"الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾. يقولُ: لم أجْعَلُهم جسَدًا ليس فيها (^١) أرواحٌ لا يأْكُلون الطعامَ، ولكنَّا (^٢) جعَلناهم جسَدًا فيها أرواحٌ يأْكُلون الطعامَ.\nقال أبو جعفرٍ: وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا﴾، فوحَّد \"الجسدَ\" وجعله [وهو مُوَحَّدًا] (^٣) من صفةِ الجمَاعةِ، وإنَّما جاز ذلك لأن الجسدَ بمعنى المصدرِ، كما يقالُ في الكلامِ: ما (^٤) جَعَلْناهم خَلْقًا لا يأْكُلون.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾. يقولُ: ولا كانوا أربابًا لا يموتون ولا يَفْنون، ولكِنَّهم كانوا بشَرًا أجسادًا فماتوا، وذلك أنَّهم قالوا الرسولِ اللهِ ﷺ، كما قد أخبرَ اللهُ عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء:٩٠ - ٩٢]. قال اللهُ ﵎ لهم: ما فعَلْنا ذلك بأحدٍ قَبلَكم فنفعل بكم، وإنَّما كُنَّا نرسلُ إليهم رجالًا نُوحِى إليهم كما أَرْسَلْنا إليكم رسولًا نوحِى إليه أمْرَنا ونَهْيَنا.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5906>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾. أي: لا بُدَّ لهم من الموت أن يموتوا (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"فيهم\".\n(^٢) في م: \"لكن\".\n(^٣) في م: \"موحدا وهو\".\n(^٤) في م: \"وما\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":230},{"text":"<span id=\"aya-2492\"></span><span data-type='title' id=toc-5907>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكْرُه: ثم صَدَقْنا رُسُلَنا الذين كَذَّبَتْهُم أَمَمُهم، وسأَلَتْهم الآياتِ، فأتَيْناهم ما سألوه مِن ذلك، ثم أقاموا على تكْذِيبِهم إيَّاها، وأصَرُّوا على جحودِهم نبوَّتَها بعدَ الذي أتَتْهم به من آياتِ ربِّها - وعْدَنا الذي وعَدْناهم من الهلاكِ (^١) على إقامتِهم على الكفرِ بربِّهم بعدَ مجيءِ [الآياتِ التي سألوها] (^٢)، وذلك كقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]. وكقوله: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤]. ونحوِ ذلك من المواعيدِ التي وعَد الأممَ مع مجيءِ الآياتِ.\nوقولُه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: فأنجَيْنا الرسلَ عندَ إصرارِ أمَمِيها على تَكْذيبِها بعدَ الآيات، ﴿وَمَنْ نَشَاءُ﴾: وهم أتباعُها الذين صدَّقوها وآمنوا بها.\nوقوله: ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وأَهْلَكْنا الذين أسرَفوا على أنفسِهم بكفرِهم بربِّهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:\n﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾: والمُسرِفون هم المُشركِون (^٣).\n\n<span id=\"aya-2493\"></span><span data-type='title' id=toc-5908>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في معنَى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا\n_________\n(^١) في ت ٢: \"العذاب\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"الآية التي سألوا\".\n(^٣) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"16","page":231},{"text":"إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾: فيه حديثُكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-5909>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾. قال: حديثُكم (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾. قال: حديثُكم، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. قال في \"قد أفلَح\": ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٧١].\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا سفيانُ: نزَل القرآنُ بمكارِم الأخلاقِ، ألم تَسْمَعُه يقولُ: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (^٢)؟\nوقال آخرون: بل عنَى بالذِّكرِ في هذا الموضعِ الشرف. وقالوا: معنى الكلامِ: لقد أنزَلْنا إليكم كتابًا فيه شَرَفُكم.\nقال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الثاني أشْبَهُ بمعنى الكلمة، وهو نحوٌ ممَّا قال سفيانُ الذي حكَيْنا عنه، وذلك أنَّه شَرَفٌ لمن اتَّبَعَه وعمِل بما فيه.\n\n<span id=\"aya-2494\"></span><span data-type='title' id=toc-5910>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا</span>\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٦٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٤ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٢٩٩.","vol":"16","page":232},{"text":"بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وكثيرًا قصَمْنا من قريةٍ، والقَصْمُ أصلُه الكَسْرُ، يُقالُ منه: قصَمْتُ ظَهْرَ فلانٍ. إذا كَسَرْتَه، وانْقَصَمتْ سِنُّه. إذا انْكَسرت. وهو هلهُنا معنيٌّ به: أهْلَكْنا، وكذلك تأوَّله أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5911>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾. قال: أهْلَكَنا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾. قال: أهلَكْناها. قال ابن جُرَيجٍ: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾، قال: باليمنِ، قصَمْنا بالسيفِ: أُهلِكُوا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾. قال: قصَمها: أهلَكَها.\nوقولُه: ﴿مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ أُجْرِى الكلامُ على القريةِ، والمرَادُ به (^٢) أهلُها؛ لمعرفةِ السَّامِعين بمعناه، وكأنَّ ظُلمَها كُفْرُها باللهِ، وتكذيبُها رسُلَه.\nوقوله ﴿وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وأحْدَثنا بعدما أهْلَكنا هؤلاء الظَّلَمةَ مِن أهلِ هذه القريةِ التي قَصَمْناها بظُلْمِها، قومًا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٢) في م: \"بها\".","vol":"16","page":233},{"text":"آخرين سِواهم.\n\n<span id=\"aya-2495\"></span>وقوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾. يقولُ: فلمَّا عاينوا عَذابَنا قد حلَّ بهم، ورأَوه [ووجَدوا] (^١) مسَّه.\nيُقالُ منه: قد أحسسْتُ من فلانٍ ضَعْفًا، وأحَسْتُه منه، ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ يقولُ: إذا هم مما أحَسُّوا بأسَنا النازلَ بهم يهرُبون سِرعًا عَجْلَى، يَعْدُون مُنْهَزمين، يُقالُ منه: ركَض فلانٌ فرسَه. إذا كَدَّه بساقَيه (^٢).\n\n<span id=\"aya-2496\"></span><span data-type='title' id=toc-5912>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تَعالى ذِكرُه: لا تهربُوا، ﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾. يقولُ: إلى ما أُنْعِمْتُم فيه من عَيْشِكم ومساكنِكم.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾. يعني من نزل به العذابُ في الدُّنيا ممن كان يَعْصِي اللَّهَ مِن الأممَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لَا تَرْكُضُوا﴾: لا تَفِرُّوا (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"قد وجدوا\".\n(^٢) في ص: \"لسياقه\"، وفى م: \"بسياقته\"، وفى ت ١، ف: \"لساقه\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٢٣٢.","vol":"16","page":234},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَة: ﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾. يقولُ: ارْجعوا إلى دُنياكم التي أُترِفْتُم فيها.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادَة: ﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾. قال: إلى ما أُتْرِفْتُم فيه من دُنياكم (^١).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنَى قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لعلَّكم تَفقَهون وتَفْهَمون بالمسألِة.\n\n<span data-type='title' id=toc-5913>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾. قال: تَفْقَهون (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾. قال: تَفْقَهُون.\nوقال آخرون: بل معناه: لعلَّكم تُسْألون من دُنياكم شيئًا. على وجْهِ السُّخْرِية والاستهزاءِ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٦٩، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٥٨، وهو من تمام الأثر المتقدم في ص ٢٣٢.","vol":"16","page":235},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5914>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَة: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾: استهزاءً بهم.\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادَة: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾: من دُنياكم شيئًا، استهزاءً بهم (^١).\n\n<span id=\"aya-2497\"></span><span data-type='title' id=toc-5916>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: قال هؤلاءِ الذين أحَلَّ اللهُ بهم بأسَه بظُلْمِهم، لمَّا نزَل بهم بأسُ اللهِ: يا ويلَنا إنا كنا ظالمين بكُفْرِنا برَبِّنا، ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾. يقولُ: فلم تزَلْ دَعْواهم حينَ أتاهم بأسُ اللَّهِ بظُلْمِهِم أنفسَهم: ﴿يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2498\"></span>حتى قتَلَهم اللهُ، فحصَدَهم بالسيفِ كما يُحْصَدُ الزرعُ ويُسْتَأْصَلُ قَطْعًا بالمناجلِ.\nوقولُه: ﴿خَامِدِينَ﴾. يقولُ: هالِكين قد انْطَفأت شَرارتُهم، وسكَنت حرَكتُهم، فصاروا هُمُودًا (^٢) كما تَخْمُدُ النارُ فتُطفَأُ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5915>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ قولَه: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٢) بعده في ت ١: \"خمودًا\".","vol":"16","page":236},{"text":"دَعْوَاهُمْ﴾ الآية: فلمَّا رأَوا العذابَ وعايَنُوه لم يكُنْ لَهم هِجِّيرى (^١) إلا قولَهم: ﴿يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. حتى دمَّر اللهُ عليهم وأَهْلَكَهم.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادَة: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾. قال: [فما كان هِجِّيراهم إلا الويلَ] (^٢) ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾. يقولُ: حتى هَلَكُوا (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال ابن عباسٍ: ﴿حَصِيدًا﴾: الحَصَادُ، ﴿خَامِدِينَ﴾: خُمودُ النار إذا طُفِئت (^٤).\nحدَّثنا سعيدٌ بنُ الربيعِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: إنَّهم كانوا أهلَ حصونٍ، وإن الله بعَث عليهم بُخْتَ نَصَّرَ، فبعَث إليهم جيشًا فقتَلَهم بالسيفِ، وقَتَلوا نبيًّا لهم فحُصِدوا بالسَّيفِ، وذلك قولُه: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ بالسيفِ (^٥).\n\n<span id=\"aya-2499\"></span><span data-type='title' id=toc-5917>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما خلَقْنا السماءَ والأرْضَ وما بينَهما إِلَّا حُجَّةً عليكم أيُّها\n_________\n(^١) في ص: \"هجيرًا\"، وفي ت ١، ف: \"هجرًا\"، وفي ت ٢: \"مجير\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٢٣٥.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٥ إلى ابن المنذر.\n(^٥) سقط من: ت ١، ف.\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢ عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٥ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"16","page":237},{"text":"الناسُ، ولتَعْتَبِروا بذلك كلِّه، فتَعلَموا أنَّ الذي خلَقه ودبَّره لا يُشْبِهُه شيءٌ، وأنَّه لا تكونُ الألوهةُ إلَّا له، ولا تَصْلُحُ العبادةُ لشيءٍ غيرِه، ولم يَخْلُقُ ذلك عَبَثًا وَلَعِبًا.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ قولَه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾. يقولُ: ما خَلَقْناهما عَبَثًا ولا باطلًا (^١).\n\n<span id=\"aya-2500\"></span><span data-type='title' id=toc-5919>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: لو أردنا أن نتخِذَ زوجةً وولدًا لاتَّخَذنا ذلك من عندِنا، ولكنَّا لا نفعلُ ذلك، ولا يصلُحُ لنا فعلُه ولا يَنْبَغى؛ لأنه لا يَنْبغى أن يكونَ للهِ ولدٌ ولا صاحبةٌ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5918>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني (^٢) سليمانُ بن عبيدٌ اللهِ الغَيْلانيُّ (^٣)، قال: ثنا أبو قُتَيبةَ، قال: ثنا سلَّامٌ بنُ مِسكينٍ، قال: ثنا عقبةُ بنُ أبى جَسْرَةَ (^٤)، قال: شهِدتُ الحسنَ بمكةَ، قال: وجاءه طاوسٌ وعطاءٌ ومجاهدٌ، فسأَلوه عن قولِ اللهِ تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾. قال الحسنُ: اللهوُ المرأةُ (^٥).\nحدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكُوني، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، عن عليِّ بن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) بعده في م، ت ١، ف: \"محمد بن\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٣٥.\n(^٣) في م: \"الغيداني\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ف: \"حمزة\". وينظر الجرح والتعديل ٦/ ٣٠٩.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"16","page":238},{"text":"هارونَ، عن محمدٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾. قال: زوجةً (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ قولَه: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾. الآية، أي: إن ذلك لا يكونُ ولا يَنْبغى. واللهوُ بلُغةِ أهلِ اليمنِ: المرأةُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادَة: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾. قال: اللهوُ في بعضِ لغةِ أهلِ اليمنِ: المرأةُ. ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ (^٢).\nوقوله: ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثَورٍ، عن معمرٍ، عن قتادَةَ قولَه: ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. يقولُ: ما كُنا فاعلين (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قالوا: مريمُ صاحبتُه، وعيسى ولدُه. فقال ﵎: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ [نساءً وولدًا] (^٤)، ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ [من عندنا، لاتَّخذْنا نساءً ووَلَدًا مِن أهلِ السماءِ، وما اتَّخذْنا نساءً ووَلدًا مِن أهلِ الأرضِ، ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ما كنا نفعلُ.\nقال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: لو أردْنا أن نتخِذَ لهوا ووَلَدًا، ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾] (^٥).\n_________\n(^١) ينظر تفسير القرطبي ١١/ ٢٧٦.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢ عن معمر به.\n(^٤) سقط من: ت ١، ف.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ف: \"إن كنا فاعلين\".","vol":"16","page":239},{"text":"قال: مِن عِندِنا، ولا خلَقْنا جَنةً ولا نارًا، ولا موتًا ولا بَعْثًا ولا حسابًا.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾: مِن عندِنا، وما خَلَقْنَا جَنَّةً ولا نَارًا، ولا موتًا ولا بَعْثًا [ولا حسابًا] (^١).\n\n<span id=\"aya-2501\"></span><span data-type='title' id=toc-5920>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: ولكن نُنَزِّلُ الحقَّ من عندنا، وهو كتابُ اللهِ وتَنْزِيلُه، على الكفرِ بهِ وأهلِه، ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾. يقولُ: فيُهْلِكُه كما يَدْمَغُ الرجلُ الرجلَ؛ بأن يَشُجَّه على رأسه شَجَّةً تبلُغُ الدِّماغَ، وإذا بلغتِ الشَّجَّةُ ذلك من المَشْجُوج لم يكنْ له بعدَها حياةٌ.\nوقولُه: ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. يقولُ: فإذا هو هالِكٌ مُضْمَحِلٌ.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثَورٍ، عن معمرٍ، عن قتادَة: ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. قال: هالكٌ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَة: ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. قال: ذاهب.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٤٧٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣ عن معمر به.","vol":"16","page":240},{"text":"وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5921>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ قولَه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [والحقُّ: كتابُ اللَّهِ القرآنُ، والباطلُ إبليسُ، ﴿فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾] (^١). أي: ذاهبٌ (^٢).\nوقوله: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. يقولُ: ولكم الويلُ مِن وَصْفكم ربَّكم بغيرِ صفَتِه، وقِيلِكم: إنَّه اتَّخَذ زوجةً وولدًا. وفِريتِكم عليه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، إلا أنَّ بعضَهم قال: معنَى ﴿تَصِفُونَ﴾: تَكْذِبون. وقال آخرون: معنَى ذلك: تُشرِكون.\nوذلك وإن اختَلفت به الألفاظُ فمتَّفِقَةٌ معانيه؛ لأنَّ من وصَف الله بأنَّ له صاحبةً فقد كذَب في وصفه إيَّاه بذلك، وأَشْرَك به، ووصَفه بغيرِ صفَتِه، غيرَ أن أوْلى العباراتِ أن يُعَبَّرَ بها عن معاني القرآنِ أقربُها إِلى فَهْمِ سامِعيهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5922>ذكرُ مَن قال ما قُلنا في ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ قولَه: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. أي: تكذبون (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ف.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٨٩، ٢/ ٢٣ عن معمر، عن قتادة بنحوه دون أوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وفيه: هالك. بدلا من: ذاهب.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٩/ ٤٥٥، ١٣/ ٤٢، ٢٧٧.","vol":"16","page":241},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. قال: تُشْرِكون. وقولُه: ﴿عَمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠، الأنبياء: ٢٢، المؤمنون: ٩١، الصافات: ١٥٩، ١٨٠، الزخرف:٨٢]. قال: يُشركون. قال: وقال مجاهدٌ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام:١٣٩]. قال: قولَهْم الكَذِبَ في ذلك (^١).\n\n<span id=\"aya-2502\"></span><span data-type='title' id=toc-5924>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: وكيف يجوزُ أن يتَّخِذَ اللَّهُ (^٢) لهوًا وله مُلْكُ جميعِ مَن في السماواتِ والأرضِ، والذين عِندَه مِن خَلْقِه لا يَستَنْكِفُون عن عبادتِهم إيَّاه، ولا يَعْيَون من طولِ خِدْمتِهم له، وقد عَلِمتُم أنَّه لا يستَعْبِدُ والدٌ ولدَه ولا صاحبتَه، وكلُّ مَن في السماواتِ والأرضِ عبيدُه، فأنَّى يكونُ له صاحبةٌ وولدٌ؟ يقولُ: أفلا تَتفَكَّرون فيما تَفْتَرون مِن الكذبِ على ربِّكم.\nوبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ قولِه: ﴿يَسْتَحْسِرُونَ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5923>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾. يقولُ: لا يَرجِعُون (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ٢٧٧ بنحوه.\n(^٢) بعده في ت ٢: \"ولدًا و\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٥ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"16","page":242},{"text":"قوله: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾: لا يحسُرون (^١)\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ قولَه: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾. يقولُ: لا يَفْتُرون (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ قولَه: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾. قال: لا يُعْيون (^٣).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾. قال: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾: لا يملُّون. وذلك الاسْتِحْسارُ. قال: ﴿لَا يَفْتُرُونَ﴾، و﴿لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]. هذا كلُّه واحدٌ معناه، والكلامُ فيه مُخْتَلِفٌ، وهو من قولِهم: بعيرٌ حَسِيرٌ، إذا أعْيَا وقام (^٤)، ومنه قولُ علقمةَ بن عبدةَ (^٥):\nبها جِيَفُ الحَسْرَى فأمَّا عِظامُها … فَبِيضٌ وأمَّا جِلْدُها فصلِيبُ (^٦)\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٧٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٣، ف: \"يُعْيَون\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢٣.\n(^٤) قام: وقف عن السير. اللسان (ق وم).\n(^٥) ديوانه ص ١٤.\n(^٦) ذكره الطوسي في التبيان ٧/ ٢١٠.","vol":"16","page":243},{"text":"<span id=\"aya-2503\"></span><span data-type='title' id=toc-5925>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: يُسَبِّحُ هؤلاء الذين عندَه من ملائكتِه ربَّهم الليل والنَّهارَ لا يفْتُرون من تَسْبيحِهم إيَّاه.\nكما حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: أخبَرنا حميدٌ، عن إسحاقَ بن عبدِ اللهِ بن الحارثِ، عن أبيه، أن أن ابنَ عباسٍ سأل كعبًا عن قولِه: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ و﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]. فقال: هل يَئودُكَ طَرْفُك؟ هل يَئودُك نَفَسُك؟ قال: لا. قال: فإنَّهم أُلهِموا التسبيحَ كما أُلْهِمتمُ الطَّرْفَ والنَّفَسَ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو معاويةَ، عن أبي إسحاقَ الشَّيبانيِّ، عن حسانَ بن مُخارقٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن الحارثِ، قال: قلتُ لكَعْبِ الأحبارِ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾. أما يشْغَلُهم رسالةٌ أو عملٌ؟ قال: يا بنَ أخى، إنَّه (^٢) جُعِل لهم التسبيحُ كما جُعِل لكم النَّفَسُ، ألستَ تأكلُ وتشْرَبُ، وتقومُ وتَقْعُدُ، وتجيءُ وتذهَبُ، وأنت تَتَنفس؟ قلتُ: بلى. قال: فكذلك جُعِل لهم التسبيحُ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ وأبو داودَ، قالا: ثنا عِمْرانُ القطَّانُ، عن قتادَة، عن سالم بن أبي الجَعْدِ، عن مَعْدانَ بن أبي طلحةَ، عن عمرٍو البِكَاليِّ،\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (١٦٠) من طريق حميد به من غير ذكر ابن عباس.\n(^٢) في م: \"إنهم\".\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٣٢٢)، والبيهقى في الشعب (١٦١) من طريق أبي معاوية به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٣٠ عن أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":244},{"text":"عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو (^١)، قال: إن الله [جزَّأ الخَلَقَ] (^٢) عَشَرَةَ أجزاءٍ، فجعل تسعةَ أجزاءٍ الملائكةَ، وجزءًا سائرَ الخَلْقِ، وجزَّأ الملائكةَ عَشَرة أجزاءٍ، فجعل تسعةَ أجزاءٍ يُسَبِّحون الليل والنهار لا يفترون، وجزءًا لرسالته، وجزَّأ الخلقَ عَشَرةَ أجزاءٍ، فجعَل تسعةَ أجزاءٍ الجنَّ، وجُزْءًا سائرَ بني آدمَ، وجَزَّأ بنى آدمَ عَشَرَةَ أجزاءٍ، فجعَل يأجوجَ ومأجوجَ تسعةَ أجزاءٍ، وجُزْءًا سائرَ بنى آدم آدمَ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ قولَه: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾. يقولُ: إنَّ الملائكة الذين هم عندَ الرحمنِ لا يَسْتَكْبِرُون عن عبادَتِه ولا يَسأمُون فيها. وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ بينَما هو جالسٌ مع أصحابِه إذ قال: \"تَسْمَعون ما أسْمَعُ؟ \" قالوا: ما نَسمَعُ من شيءٍ يا نبيَّ اللهِ. قال: \"إنى لأسمَعُ أطِيطَ السماءِ، وما تُلامُ أن تَئِطَّ وليس فيها مَوْضِعُ راحةٍ إِلَّا وفيه مَلَكٌ سَاجِدٌ أو قائمٌ\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-2504\"></span>وقولُه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أَتَّخَذ هؤلاء المشرِكُون آلهةً مِن الأرضِ هم يُنشرون؟ يعنى بقولِه: ﴿هُمْ﴾. الآلهةَ. يقولُ: أهذه الآلهةُ التي اتَّخَذوها تُنشِرُ الأمواتَ. يقولُ: يُحيون الأمواتَ، ويُنشئون (^٥) الخَلْقَ، فإن الله هو الذي يُحيى ويُميتُ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"عمر\". وينظر ما تقدم في ١٥/ ٢٩٧.\n(^٢) في م: \"خلق\".\n(^٣) ينظر ما سيأتي ص ٤٠١، ٤٠٢.\n(^٤) أخرجه الطبراني (٣١٢٢)، وأبو نعيم ٢/ ٢١٧، والبزار (٣٢٠٨) والطحاوى في مشكل الآثار (١١٣٤) من طريق سعيد به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٢٩ من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن صفوان بن محرز عن حكيم بن حزام مرفوعًا.\n(^٥) في م، ف: \"ينشرون\".","vol":"16","page":245},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يُنْشِرُونَ﴾. قال: يُحيُون (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾. يقولُ: أفى آلهتِهم أحدٌ يُحيى ذلك؛ يُنشرون. وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونسُ: ٣١ - ٣٥].\n\n<span id=\"aya-2505\"></span><span data-type='title' id=toc-5926>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: لو كان في السماواتِ والأرضِ آلهةٌ تصلُحُ لهم العبادةُ سوى اللهِ الذي هو خالقُ الأشياءِ، وله العبادةُ والأُلوهةُ التي لا تصلُحُ إلَّا له ﴿لَفَسَدَتَا﴾. يقولُ: لفسَد أهلُ السماواتِ والأرضِ، ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فتَنزِيهٌ اللهِ وتَبْرِئَةٌ له مما يَفْتَرى به عليه هؤلاءِ المشرِكُون به مِن الكذبِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ قولَه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: يُسَبِّحُ نفسَه إذ قيل عليه البُهتانُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2506\"></span><span data-type='title' id=toc-5927>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٥، ٣١٦ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":246},{"text":"يقولُ تعالى ذِكْرُه: لا سائل يسألُ ربَّ العرشِ عن الذي يَفعَلُ بخْلقِه من تَصْريفِهم فيما شاء (^١) من حياةٍ وموتٍ وإعْزازٍ وإذْلالٍ وغيرِ ذلك من حُكْمِه فيهم؛ لأنَّهم خَلْقُه وعبيدُه، وجميعُهم في مُلكه وسلطانِه، والحكمُ حُكْمُه، والقضاءُ قضاؤُه، لا شيءَ فوقَه يسألُه عمَّا يَفعَلُ، فيقولُ له: لِمَ فَعَلْتَ؟ ولِمَ لم تَفْعَلْ ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وجميعُ مَن في السماواتِ والأرضِ من عبادِه مَسْئولُون عن أفْعالِهم، ومحاسَبون على أعمالِهم، وهو الذي يسألُهم عن ذلك، ويُحاسبُهم عليه؛ لأنّه فوقَهم ومالِكُهم، وهم في سُلطانه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5928>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ قولَه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. يقولُ: لا يُسألُ عما يفعل بعبادِه، وهم يُسألون عن أعمالِهم (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال قوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. قال: لا يُسألُ الخالقُ عن قَضائِه في خَلْقِه، وهو يَسْأَلُ الخلقَ عن عمَلِهم (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. قال: لا يُسأَلُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"بينا\"\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ٢٧٩.","vol":"16","page":247},{"text":"الخالقُ عما يَقْضِى في خلقِه، والخلقُ مسئولون عن أعمَالهم (^١).\n\n<span id=\"aya-2507\"></span><span data-type='title' id=toc-5930>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: أَتَّخَذ هؤلاءِ المشرِكُون من دونِ اللَّهِ آلِهَةٌ تنفَعُ وتضُرُّ، وتَخلقُ وتُحيى وتُميتُ ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهم: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. يعنى: حُجَّتكم. يقولُ: هاتوا، إن كُنتم تزعُمون أنَّكم مُحِقُّون في قِبلكم ذلك، حُجَّةٌ ودليلًا على صِدْقِكم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ قولَه: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. يقولُ: هاتوا بيِّنتكم على ما تَقُولون (^٢).\nوقولُه: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾. يقولُ: هذا الذي جِئتُكم بهِ مِن عندِ اللهِ من القرآنِ والتَّنزيل ﴿ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾. يقولُ: خَبرُ مَن معى بما (^٣) لهم مِن ثوابِ اللَّهِ على إيمانِهم به، وطاعتِهم إيَّاه، وما عليهم مِن عقابِ اللهِ على معصيتِهم إيَّاه وكفرِهم به، ﴿ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾. يقولُ: وخَيرُ مَن قَبْلى من الأممِ التي سلَفت قَبْلى، وما فعَل اللَّهُ بهم في الدُّنيا وما هو فاعلٌ بهم في الآخرةِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5929>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ قولَه: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٦ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاء السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ت ١، م: \"مما\".","vol":"16","page":248},{"text":"مَعِيَ﴾. يقولُ: هذا القرآنُ فيه ذكرُ الحلالِ والحرامِ، ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾. يقولُ: ذكرُ أعمالِ الأممِ السالفةِ وما صنَع اللهُ بهم، وإلى ما صارُوا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾. قال: حديثُ مَن معى، وحديثُ مَن قَبْلى.\nوقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾. يقولُ: بل أكثر هؤلاء المُشركين لا يَعلَمُون الصوابَ فيما يقولون، ولا فيما يأْتُون ويَذَرون، ﴿فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن الحقِّ جَهْلًا منهم به، وقِلَّةَ فَهْمٍ.\nوكان قتادة يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا، سعيدٌ عن قتادَة: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: عن كتابِ اللهِ (^١).\n\n<span id=\"aya-2508\"></span><span data-type='title' id=toc-5931>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي (^٢) إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: وما أرسلنا يا محمدُ من قبلك من رسولٍ إلى أمةٍ من الأممِ إلَّا نُوحى إليه أنَّه لا معبودَ في السماواتِ والأرضِ تَصْلُحُ له العبادةُ سِواى ﴿فَاعْبُدُونِ﴾. يقولُ: فأخْلِصوا لى العبادةَ، وأفْرِدوا لى الأُلوهةَ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف، هنا وفيما يأتي: \"يوحى\" وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وأبي بكر عن عاصم. وقرأ بالنون حمزة والكسائي وحفص عن عاصم، ونسب أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٣٠٧ هذه القراءة إلى المصنف.","vol":"16","page":249},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5932>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ قولَه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾: به (^١) أرسَلتُ الرسلَ؛ بالإخلاصِ والتوحيدِ، لا يُقبلُ منهم - قال أبو جعفرٍ: أَظُنُّه أنا قال - عَمَلٌ حتى يقولوه ويُقِرُّوا به، والشرائعُ مختلفةٌ؛ في التوراةِ شريعةٌ، وفي الإنجيلِ شريعةٌ، وفي القرآنِ شريعةٌ، حلالٌ وحرامٌ، وهذا كلُّه في إخلاصٍ للهِ وتوحيدٍ له (^٢).\n\n<span id=\"aya-2509\"></span><span data-type='title' id=toc-5933>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: وقال هؤلا الكافرون بربِّهم: اتَّخَذَ الرحمنُ ولدًا من ملائكتِه. فقال جلَّ ثناؤُه، استعظامًا لما (^٣) قالوا، وتَبرِّيًا مما وصَفوه به سبحانَه، يقولُ: تَنْزِيها له عن ذلك، ما ذلك من صِفَتِه ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾. يقولُ: ما الملائكةُ كما وصَفهم به هؤلاء الكافرون من بنى آدمَ، ولكنَّهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾. يقولُ: أَكْرَمهم الله.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ قولَه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾. قال: قالت اليهودُ: إن الله ﵎ صاهَر الجنَّ، فكانت مِنهم الملائكةُ، قال اللهُ ﵎ تكذيبًا لهم وردًّا عليهم: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ وإن الملائكةَ ليس (^٤) كما قالوا، إنَّما هم عبادٌ\n_________\n(^١) في م: \"قال\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٢٤٨.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"مما\".\n(^٤) في ت ١: \"ليسوا\".","vol":"16","page":250},{"text":"أكرمهم اللهُ بعبادتِه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادَة، وحدثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادَة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾: قالتِ اليهودُ وطوائف من الناسِ: إن الله ﵎ خاتَن إلى الجِنَّ؛ فالملائكةُ من الجنِّ. قال اللهُ ﵎: ﴿سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [حتى بلَغ: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾] (^٢).\n[قال أبو جعفرٍ: ورفعَ قولَه: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾] (^٣).\n\n<span id=\"aya-2510\"></span>وقوله: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: لا يتكَلَّمون إلا بما يأمرُهم به ربُّهم، ولا يعْمَلون عملًا إلا به\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَة، قال: قال اللهُ: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾: يُثْنى عليهم، ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (١).\n\n<span id=\"aya-2511\"></span><span data-type='title' id=toc-5934>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: م، ت ٢، ف.\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢٣.\n(^٣) سقط من: م، ت ٢، ف. والكلام فيه سقط.\nقال الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٠١: وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾. معناه: بل هم عباد مكرمون. ولو كانت: بل عبادًا مكرمين. مردودة على الولد، أي: لم نتخذهم ولدًا، ولكن اتخذناهم عبادًا مكرمين - كان صوابًا.","vol":"16","page":251},{"text":"يقولُ تعالى ذِكرُه: يعلمُ ما بينَ أيدى ملائكتِه ما لم يَبْلُغوه، ما هو، وما هم فيه قائلُون وعاملُون، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: وما مضَى من قبلِ اليومِ مما خَلَّفوه وراءَهم من الأزمانِ والدُّهورِ ما عمِلوا فيه. قالوا: ذلك كلُّه مُحْصًى لهم وعليهم، لا يَخْفَى عليه من ذلك شيءٌ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5935>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: يعلمُ ما قدَّموا وما أضَاعوا من أعْمالِهم (^١).\n﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾. يقولُ: ولا تَشْفَعُ الملائكةُ إِلَّا لَمَن ﵁\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5936>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾. يقولُ: الذين ارْتَضَى لهم شهادةَ أَلَّا إِلَهَ إلَّا اللهُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٩، ٤٩٠ (٢٥٩٠، ٢٥٩٥) عن محمد بن سعد به.\n(^٢) أخرجه البيهقى في البعث والنشور (٢) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":252},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾. قال: لَمَن رضِي عنه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ قولَه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾: يومَ القيامةِ. ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادَة يقولُ: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ﴾: يومَ القيامةِ (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادَة مثله\nوقولُه: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾. يقولُ: وهم من خوفِ اللهِ وحذارِ عقابِه أن يحُلَّ بهم ﴿مُشْفِقُونَ﴾. يقولُ: حَذِرُون أَن يَعْصوه ويُخالفوا أمْرَه ونهيَه.\n\n<span id=\"aya-2512\"></span><span data-type='title' id=toc-5937>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: ومَن يقل من الملائكة: إنِّي إِلهٌ من دونِ اللَّهِ؛ ﴿فَذَلِكَ﴾ الذي يقولُ ذلك مِنهم ﴿نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾. يقولُ: نُثيبُه على قِيلِه ذلك جَهَنَّمَ، ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: كما نَجْزِى مَن قَالَ مِنَ الملائكةِ: إِنِّي إِلهٌ مِن دونِ اللَّهِ. جَهَنَّمَ، كذلك نَجْزِى ذلك كلَّ مَن ظلَم نفسَه، فكَفر باللهِ وعبَد غيرَه.\nوقيل: عُنِى بهذه الآيةِ إبليسُ. وقال قائلو ذلك: إنَّما قُلنا ذلك لأنَّه لا أحدَ مِن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٧٠، ومن طريقه البيهقى في البعث والنشور (٣)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢٣ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":253},{"text":"الملائكةِ قال: إنِّي إلهٌ مِن دونِ اللهِ. سواه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5938>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ﴾. قال: قال ابن جُرَيج: مَن يَقُلْ مِن الملائكة: إنِّي إلهٌ من دونِه. فلم يَقُلْه إلا إبليسُ دعا إلى عبادةِ نفسِه، فنَزلت هذه في إبليسَ (^١).\nحدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾: وإنَّما كانت هذه الآيةُ خاصةً لعدوِّ اللهِ إبليسِ لمَّا قال ما قال، لعَنه اللهُ وجعَله رجيمًا، فقال: ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادَةَ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾. قال: هي خاصةٌ لإبليسَ (^٣).\n\n<span id=\"aya-2513\"></span><span data-type='title' id=toc-5939>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: أو لم ينظُرْ هؤلاءِ الذين كفَروا باللَّهِ بِأَبْصَارِ قلوبِهم، فيَرَوْا بها، ويعْلَموا ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾. يقولُ: ليس فيهما ثَقْبٌ، بل كانتا مُلْتَصِفَتَين. يقال منه: رَتَق فلانٌ الفَتْقَ، إذا شَدَّه، فهو يَرْتُقُه رَتْقًا ورُتُوقًا. ومن ذلك قيل للمرأةِ التي فرجُها مُلْتَحِمٌ: رَتْقَاءُ، ووَحَّد \"الَّرتقَ\"،\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٨٣.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٨٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٨٣، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣ من طريق معمر به.","vol":"16","page":254},{"text":"وهو مِن صِفةِ السماءِ والأرضِ، وقد جاء بعدَ قولِه: ﴿كَانَتَا﴾؛ لأنَّه مصدرٌ مثلُ (^١) الزورِ والصومِ والفطرِ.\nوقولُه: ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. يقولُ: فصَدَعْناهما وفرَجْناهما.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ في معنَى وصْفِ اللهِ السماواتِ والأرضِ بالرَّتْقِ، وكيف كان الرَّتقُ؟ وبأيِّ معنَى فُتِق؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك أن السماواتِ والأرضَ كانت مُلتَصِقَتَين، ففصل اللهُ بينَهما بالهواءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5940>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾. يقولُ: مُلتَصِقَتَين (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ الآية. يقولُ: كانتا مُلتَصِقَتَين، فرفَع السماءَ ووضع الأرضَ (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. كان ابن عباسٍ يقولُ: كانتا مُلْتَزِقتين، ففَتَقَهما اللهُ (^٤).\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ف: \"قول\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٧ إلى المصنف.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٣١٦.\n(^٤) تفسير سفيان ص ٢٠٠ عن الضحاك.","vol":"16","page":255},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ قولَه: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. قال: كان الحسنُ وقَتادةُ يقولان: كانتا جميعًا، ففصَل الله بينَهما بهذا الهواءِ (^١).\nوقال آخرون: بل معنَى ذلك أن السماواتِ كانت مُرتَتِقَةٌ طبقةً، ففَتَقَها اللهُ، فجعَلها سبعَ سماواتٍ، وكذلك الأرضُ كانت كذلك مُرْتَتِقَةً، فَفَتَقَها، فجعَلها سبعَ أَرَضِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-5941>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله ﵎: ﴿رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾: مِن الأرضِ ستَّ أَرَضِين معها، فتلك سبعُ أرَضِين معها، ومن السماءِ (^٢) سِتَّ سماواتٍ معها، فتلك سبعُ سماواتٍ معها. قال: ولم تكنِ الأرضُ والسماءُ مُتماسَّتَين (^٣).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. قال: فتَقَهُنَّ سبعَ سماواتٍ، بعضُهنَّ فوقَ بعضٍ، وسبعَ أَرَضِين، بعضُهنَّ تحتَ بعضٍ (^٤).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٣٣ عن الحسن وقتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"السماوات\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٧٠، ومن طريقه أبو الشيخ في العظمة (٥٤٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣ عن معمر به.","vol":"16","page":256},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَ حديثِ محمدُ بنُ عمرٍو، عن أبي عاصمٍ.\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، قال: سألتُ أبا صالحٍ عن قوله: ﴿رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. قال: كانت الأرضُ رَتْقًا والسماءُ (^١) رَتْقًا، ففَتَق من السماءِ سبعَ سماواتٍ، ومِن الأَرضِ سبعَ أَرَضِين (^٢).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: كانت سماءً واحدةً ثم فتَقها، فجعَلها سبعَ سماواتٍ في يومين؛ في الخميس والجُمُعَةِ، وإنَّما سُمِّيَ يومَ الجُمُعَةِ لأنَّه جُمِع فيه خلقُ السماواتِ والأرضِ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤، يونسُ: ٣، هود: ٧، الحديد: ٤]. يقولُ: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنى بذلك أن السماواتِ كانت رَتْقًا لا تُمْطِرُ، والأرضَ كذلك رَتْقًا لا تُنْبِتُ، ففَتَقَ السماءَ بالمطرِ، والأرضِ بالنباتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5942>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. قال: كانتا رَتْقًا لا يخرُجُ منهما شيءٌ، ففَتَق السماءَ للمطرِ (^٤)، وفَتَق الأرضَ للنباتِ (^٥). قال: وهو قولُه:\n_________\n(^١) في م: \"السماوات\".\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٥٤٣) من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٥ بإسناد السدى المعروف.\n(^٤) في م: \"بالمطر\".\n(^٥) في م: \"بالنبات\".","vol":"16","page":257},{"text":"﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١١، ١٢].\nحدَّثني الحسين بن علي الصدائي، قال: ثنا أبي، عن الفُضَيلِ بن مَرْزُوقٍ، عن عطيةَ في قولِه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. قال: كانت السماءُ رَتْقًا لا تُمطرُ، والأرضُ رَتْقًا لا تُنْبِتُ، ففَتَق السماءَ بالمطرِ، وفَتَق الأرضَ بالنباتِ، وجعَل من الماءِ كلَّ شيءٍ حيٍّ، أفلا يؤمنون (^١)؟\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. قال: كانت السماءُ (^٢) رَتْقًا لا يَنزِلُ منها مطرٌ، وكانت الأرضُ رَتْقًا لا يخرج منها نباتٌ، ففَتَقَهما اللهُ، فأَنزَلَ مطرَ السماءِ، وشَقَّ الأرضَ فأَخْرَج نباتَها. وقرأ: ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٣).\nوقال آخرون: إنما قيل: ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ لأنَّ الليلَ كان قبلَ النَّهارِ، ففَتَق النهارَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5943>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاق، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن أبيه، عر عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: خَلَق الليلَ قبلَ النهارِ، ثم قال: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (^٤).\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٣١٦، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٣٢.\n(^٢) في م، ف: \"السماوات\".\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ٢٨٤.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٦١، وهو في تفسير سفيان ص ٢٠٠، ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣.","vol":"16","page":258},{"text":"قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: أو لم يرَ الذين كفَروا أن السماواتِ والأرضَ كانتا رَتْقًا من المطرِ والنباتِ، فَفَتَقْنَا السماءَ بالغَيْثِ، والأرضَ بالنباتِ.\nوإنما قُلنا: ذلك أولى بالصوابِ في ذلك؛ لدلالةِ قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ على ذلك، وأنَّه جلَّ ثناؤُه لم يُعْقِبْ ذلك بوصْفِ الماءِ بهذه الصِّفَةِ إلَّا والذي تَقَدَّمه مِن ذكرِ أسبابِه.\nفإن قال قائلٌ: فإن كان ذلك كذلك، فكيفَ قيل: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾. والغيثُ إنَّما ينزلُ من السماءِ الدُّنيا؟\nقيل: إن ذلك مُخْتَلَفٌ فيه، قد قال قومٌ: إنَّما ينزلُ مِن السماءِ السابعةِ. وقال آخرون: من السماءِ الرابعةِ. ولو كان ذلك أيضًا كما ذكَرتَ مِن أنَّه ينزلُ من السماءِ الدُّنيا، لم يكنْ في قولِه: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ دليل على خلافِ ما قُلنا؛ لأنَّه لا يمتَنِعُ أن يُقالَ: السماواتُ. والمراد منها واحدةٌ، فتُجْمعَ؛ لأن كلَّ قطعةٍ منها سماءٌ، كما يُقالُ: ثوبٌ أخْلاقٌ، وقميصٌ أسمالٌ.\nفإن قال قائلٌ: وكيفَ قيل: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾. فالسماواتُ جمعٌ، وحكمُ جمعِ الإناثِ أن يُقالَ في قليلِه: كُنَّ، وفى كثيرِه: كانت؟\nقيل: إنَّما قيل ذلك كذلك؛ لأنَّهما صنفان، فالسماواتُ نوعٌ، والأرضُ آخرُ، وذلك نظيرٌ قولِ الأسودِ بن يَعْفُرَ (^١):\nإن المَنِيَّةَ والحُتُوفَ كِلاهما … تُوفِى المخَارِمَ يَرْقُبانِ سَوَادِي\nفقال: كِلاهما. وقد ذكَر المنيةَ والحتُوفَ؛ لِما وصَفْتُ من أَنَّهُ عنَى النَّوعين.\n_________\n(^١) البيت في المفضليات ص ٢١٦، وسمط اللآلئ ١/ ١٧٤، ٣٦٨.","vol":"16","page":259},{"text":"وقد أُخْبِرتُ عن أبي عبيدةَ معمرِ بن المثنى (^١)، قال: أنشَدني غالبٌ النُّفَيْليُّ للقُطامِيِّ (^٢):\nأَلَمْ يَحْزُنُكِ أن حِبالَ قَيْسٍ … وتَغْلِبَ قد تَبايَنتا انْقِطاعَا\nفجعَل حبالَ قيسٍ وهى جمعٌ، وحبالَ تَغْلِبَ وهى جمعٌ، اثْنَيْن.\nوقولُه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وأَحْيَيْنا بالماءِ الذي نُنَزِّلُه مِن السماءِ كلَّ شيءٍ.\nكما حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾. قال: كلُّ شيءٍ حَيٍّ خُلِقَ مِنَ الماءِ (^٣).\nفإن قال قائلٌ: وكيف خُصَّ كلُّ شيءٍ حيٍّ بأنَّه يجعل مِن الماءِ دونَ سائرِ الأشياءِ غيرِه، فقد عَلِمتَ أنَّه يَحْيا بالماءِ الزروعُ والنباتُ والأشجارُ، وغيرُ ذلك ممَّا لا حياةَ له، ولا يُقالُ له: حيٌّ ولا مَيِّتٌ؟\nقيل: إنه لا شيءَ من ذلك إلَّا وله حياةٌ وموتٌ، وإن خَالفَ معناه في ذلك معنَى ذواتِ الأرواحِ في أنَّه لا أرواحَ فيهنَّ، وأن في ذواتِ الأرواحِ أرواحًا، فلذلك قيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.\nوقولُه: ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: أفلا يُصَدِّقون بذلك، ويُقِرُّونَ بِأُلُوهةِ مَن فعَل ذلك ويُفْرِدُونه بالعبادة!\n_________\n(^١) مجاز القرآن ٢/ ٣٧.\n(^٢) ديوانه ص ٣٢، والرواية فيه: \"تباينت\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣ عن معمر به، وأخرجه أحمد ١٣/ ٣١٤ (٧٩٣٢)، والحاكم ٤/ ١٢٩، ١٦٠ من طريق قتادة، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.","vol":"16","page":260},{"text":"<span id=\"aya-2514\"></span><span data-type='title' id=toc-5944>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: أو لم يرَ هؤلاءِ الكفارُ أيضًا من حُجَجنا عليهم وعلى جميعِ خَلْقِنا، أنَّا جعَلْنا في الأرضِ [جبالًا راسيةً] (^١). والرَّواسِي جمعُ راسيةٍ، وهى الثَّابتةُ.\nكما حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتَادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾. أي: جبالًا (^٢).\nوقولُه: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾. يقولُ: ألَّا تَتَكفَّأَ بهم. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فجعَلْنا في هذه الأرضِ هذه الرَّواسِىَ من الجبالِ، فثَبتَّناها لئلَّا تَتَكفَّأَ بالناسِ، وليقْدِرُوا على الثباتِ على ظهرِها.\nكما حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كانوا على الأرضِ تَمورُ بهم، لا تَسْتقِرُّ، فأصبَحُوا صبحًا (^٣)، وقد جعل الله الجبالَ، وهى الرَّواسي، أوتادًا للأرضِ (^٤).\n﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾. [يقولُ: وسهَّلْنا في الأرضِ التي أسكناهم فيها ﴿فِجَاجًا﴾] (^٥). يعني: مسالِكَ، واحِدُها فَجٌّ.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"رواسي\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١٩ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٣ إلى ابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١١٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٣، ف.","vol":"16","page":261},{"text":"كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا﴾. أي: أَعْلامًا، وقولُه: ﴿سُبُلًا﴾. أي: طُرُقًا، وهى جمعُ السَّبيلِ (^١).\nوكان ابن عباسٍ فيما ذُكِر عنه يقولُ: إنما عنَى بقولِه: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا﴾: وجعلنا في الرَّواسِي، فالهاءُ والألفُ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ من ذِكْرِ الرَّواسي.\nحدَّثنا بذلك القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا﴾. قال: بينَ الجبال (^٢).\nوإنما اخْتَرنا القولَ الآخر في ذلك، وجعَلنا الهاءَ والألفَ من ذِكْرِ \"الأرضِ\"؛ لأنَّها إذا كانت من ذِكْرِها دخَل في ذلك السهلُ والجبلُ، وذلك أن ذلك كلَّه من الأرضِ، وقد جعَل اللهُ لخلْقِه في ذلك كلِّه فجاجا سُبُلًا، ولا دلالةَ تدلُّ على أنَّه عنَى بذلك فِجاجَ بعضِ الأرضِ التي جعَلها لهم سُبُلًا دونَ بعضٍ، فالعمومُ بها أَوْلَى.\nوقولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: جعَلْنا هذه الفجاجَ في الأرضِ ليَهْتَدوا إلى السيرِ فيها.\n\n<span id=\"aya-2515\"></span><span data-type='title' id=toc-5945>القولَ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٨ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"16","page":262},{"text":"يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾.\nيقولُ تعالى ذِكرُه: وجعَلْنا السماءَ سقفًا للأرضِ مَسْمُوكًا.\nوقولُه: ﴿مَحْفُوظًا﴾. يقولُ: حفِظناها مِن كلِّ شيطانٍ رجيمٍ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5946>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾. قال: مرفوعًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾. الآية: سَقْفًا مرفوعًا، ومَوْجًا مَكْفُوفًا (^٢).\nوقوله: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾. يقول: وهؤلاء المشركون عن آيات السماءِ - ويعنى بـ ﴿آيَاتِهَا﴾ شمسَها وقمرَها ونجومَها - ﴿مُعْرِضُونَ﴾. يقولُ: يُعرِضُون عن التَّفَكُّرِ فيها، وتَدبُّرِ ما فيها من حُججِ اللهِ عليهم، ودلالتِها على وَحْدَانيَّة خالِقِها، وأنَّه لا ينبَغى أن تكونَ العبادةُ إلَّا لَمَن دَبَّرَها وسَوَّاها، ولا تَصْلُحُ إِلَّا له.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٧١، ومن طريقه أبو الشيخ في العظمة (٥٥٩)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٨ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سيأتي تخريجه في تفسير الآية \"٣\" من سورة \"الحديد\".","vol":"16","page":263},{"text":"وبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5947>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾. قال: الشمسُ والقمرُ والنجومُ آياتُ السماءِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\n\n<span id=\"aya-2516\"></span>وقولُه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: واللُه الذي خلَق لكم أيُّها الناسُ الليلَ والنهارَ، نعمةً منه علَيكم وحُجَّةً، ودلالةً على عظيمِ سُلطانِه، وأن الأُلوهةَ له دونَ كلِّ ما سِواه، فهما يختَلِفان عليكم لصلاحِ معايشِكم وأُمورِ دُنْياكم وآخرتِكم، وخلَق الشمسَ والقمرَ أيضًا، ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. يقولُ: كلُّ ذلك في فلكٍ يَسْبَحون.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"الفَلَكِ\" الذي ذكَره اللهُ في هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: هو كهيئةِ حديدةِ الرَّحَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-5948>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٧١.","vol":"16","page":264},{"text":"قوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال: فَلَكٌ كهيئةِ حديدةِ الرَّحَى (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال: كنعتِ حديدةِ الرَّحَى.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثني جريرٌ، عن قابوسَ بن أبي ظَبْيان، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال: فَلَكُ السماءِ (^٢).\nوقال آخرون: بل الفَلَكُ الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ سرعةُ جريِ الشمسِ والقمرِ والنجومِ وغيرِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5949>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: الفَلَكُ المَجْرى والسُّرعةُ (^٣).\n[وقال آخرون: الفَلَكُ مَوْجٌ مكْفوفٌ تجْرى الشمسُ والقمرُ والنجومُ فيه] (^٤).\nوقال آخرون: بل هو القطبُ الذي تدورُ به النُّجومُ. وَاسْتَشْهَد قائلُ هذا القولِ لقولِه هذا بقول الراجزِ (^٥):\nباتَتْ تُناصِي (^٦) الفَلَكَ الدَّوَّارَا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٧١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٨ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وينظر فتح البارى ٨/ ٤٣٦.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٨ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١١/ ٢٨٦.\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) البيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/ ٣٨.\n(^٦) في م: \"تناجي\". وتناصى: تجاذب. ينظر اللسان (ن ص ى).","vol":"16","page":265},{"text":"حتى الصَّباحِ تُعمِلُ الأقْتارَا\nوقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولهَ: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. أي: في فَلَكِ السماءِ.\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثور، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال: يَجْرى في فَلَكِ السماءِ كما رأيتَ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال: الفَلَكُ الذي بينَ السماءِ والأرضِ مِن مجارى النُّجومِ والشَّمسِ والقَمرِ. وقرأ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ [الفرقان: ٦١]. وقال: تلك البروجُ بينَ السماءِ والأرضِ، وليست في الأرضِ، ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال: فيما بينَ السماءِ والأرضِ؛ النجومُ والشمسُ والقمرُ (^٢).\nوذُكِر عن الحسنِ أنَّه كان يقولُ: الفَلَكُ طاحونةٌ كهيئةِ فَلَكَةِ المِغْزَلِ (^٣).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يُقالَ كما قال اللهُ ﷿: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. وجائزٌ أن يكونَ ذلك الفَلَكُ كما قال مجاهدٌ كحديدةِ الرَّحَى، وكما ذُكِر عن الحسنِ كطاحُونَةِ الرَّحَى، وجائزٌ أن يكونَ موجًا مَكْفُوفًا، وأن يكونَ قُطْبَ السماءِ، وذلك أن الفَلَكَ في كلامِ العربِ هو كلُّ شيءٍ دائرٍ، فَجَمْعُه أَفْلَاكٌ. وقد ذكَرتُ قولَ الراجزِ:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣، ٢٤ عن معمر، عن قتادة.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم، وينظر تفسير القرطبي ١١/ ٢٨٦.\n(^٣) أخرجه ابن عيينة في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٥٧ عن عمرو، عن الحسن.","vol":"16","page":266},{"text":"باتَتْ تُناصِى (^١) الفَلَكَ الدَّوَّارَا\nوإذا كان كلُّ ما دار في كلامِها فلكًا (^٢)، ولم يكنْ في كتابِ اللهِ، ولا في خبرٍ عن رسول اللهِ ﷺ، ولا عمَّن يَقْطَعُ قولُه العُذْرَ، دليل يدلُّ على أيِّ ذلك هو مِن أيِّ، كان الواجبُ أن نقولَ فيه ما قال، ونَسْكُتَ عمَّا لا علمَ لنا بهِ.\nفإذ كان الصوابُ في ذلك مِن القولِ ما ذكَرْنا، فتأويلُ الكلامِ: والشمسُ والقمرُ، كلُّ ذلك في دائرٍ يَسْبَحون.\nوأما قولُه: ﴿يَسْبَحُونَ﴾. فإن معناه: يَجْرون.\n\n<span data-type='title' id=toc-5950>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال: يَجْرون (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَسْبَحُونَ﴾. قال: يَجْرون (^٤).\nوقيل: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. فأخرَج الخبرَ عن الشمسِ والقمرِ مُخرَجَ\n_________\n(^١) في م: \"تناجي\".\n(^٢) سقط من: م، ف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٧١.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":267},{"text":"الخبرِ عن بني آدمَ بالواوِ والنونِ، ولم يقلْ: يَسْبَحْنَ، أو: تَسْبَحُ. كما قيل: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. لأنَّ السجودَ من أفعالِ بني آدمَ، فلمَّا وُصِفتِ الشَّمسُ والقمرُ بمثلِ أفعالِهم، أُجْرِيَ الخبرُ عنهما مُجْرَى الخبرِ عنهم.\n\n<span id=\"aya-2517\"></span><span data-type='title' id=toc-5951>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكْرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وما خَلَّدْنا أحدًا من بنى آدمَ يا محمدٌ قبلَك في الدُّنيا فنُخَلِّدَك فيها، ولا بُدَّ لك من أن تموتَ كما مات مِن قَبْلِكَ رُسُلُنا، ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾. يقولُ: فهؤلاء المُشرِكون بربِّهم هم الخالِدُون في الدُّنيا بعدَك؟ لا، ما ذلك كذلك، بل هم مَيِّتون بكلِّ حالٍ، عِشْتَ أو مِتَّ. فأُدخِلتِ الفاءُ في \"إن\" وهى جزاءٌ، وفى جوابِه؛ لأنَّ الجزاءَ مُتَّصِلٌ بكلامٍ قَبْلَه، ودخلت أيضًا في قولِه: ﴿فَهُمُ﴾؛ لأنَّه جوابٌ للجزاءِ، ولو لم يكُنْ في قولِه: ﴿فَهُمُ﴾ الفاءُ، جاز على وجْهَين؛ أحدُهما، أن تكونَ محذوفةً وهى مرادةٌ، والآخرُ، أن يكونَ مرادًا تقديمُها إلى الجزاءِ، فكَأَنَّه قال: أَفَهُمُ الخالدون إن مِتَّ؟\n\n<span id=\"aya-2518\"></span>وقولُه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: كلُّ نَفْسٍ مَنْفوسةٍ من خَلْقِه، معالِجَةٌ غُصَصَ الموتِ، ومتجرّعةٌ كأسَها.\nوقولُه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ونَخْتَبِرُكم أيُّها الناسُ ﴿بِالشَّرِّ﴾. وهو الشِّدَّةُ، نَبْتَلِيكم بها، وبـ ﴿وَالْخَيْرِ﴾. وهو الرخاءُ والسَّعةُ والعافيةُ، فنَفْتِنُكم به.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.","vol":"16","page":268},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5952>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. قال: بِالرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ، وكلاهما بلاءٌ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. يقولُ: نَبْلُوكم بالشَّرِّ بلاءً، وبالخيرِ فتنةً، ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. قال: [نَبْلُوهم بما يُحبُّون وبما يَكْرَهون؛ نَخْتَبِرُهم] (^٢) بذلك لنَنظرَ كيف شُكرُهم فيما يُحبُّون، وكيف صبرُهم فيما يَكْرَهون (١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾. يقولُ: نَبْتَلِيكم بالشَّدةِ والرَّخاءِ، [والصِّحةِ] (^٣). والسَّقَمِ، والغِنَى والفَقْرِ، والحلالِ والحرامِ، والطاعةِ والمعصيةِ، والهُدَى والضَّلالةِ (^٤).\nوقولَه: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (^٥). يقولُ: وإلينا [تُردُّون فتُجازَوْن] (^٦) بأعمالِكم (^٧)؛\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٣١١.\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"نبلوكم بما تحبون وما تكرهون نختبركم\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٣، ف.\n(^٤) أخرجه اللالكائى في شرح أصول الاعتقاد (١٠٠٧) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٩ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) في ص، ف: \"يرجعون\". قال أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٣١١: وقرأ الجمهور \"تُرْجعون\" بتاء الخطاب مبنيا للمفعول، وقرأت فرقة بالتاء مفتوحة مبنية للفاعل - وهى قراءة يعقوب، وهو من العشرة - وقرأت فرقة بضم الياء للغيبة مبنيا للمفعول على سبيل الالتفات. وينظر في قراءة يعقوب إتحاف فضلاء البشر ص ١٨٩.\n(^٦) في م: \"يردون فيحازون\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٣، ف: \"بأعمالهم\".","vol":"16","page":269},{"text":"حسنِها وسيِّئِها.\n\n<span id=\"aya-2519\"></span><span data-type='title' id=toc-5953>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكْرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وإذا رآك يا محمدُ الذين كَفَروا باللهِ ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾. يقولُ: ما يَتَّخِذُونك إِلَّا سِخْرِيًّا يقولُ بعضُهم لبعضٍ: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾. يعنى بقولِه: ﴿يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾: يذكرُ آلهتَكم بسوءٍ ويُعيبُها؛ تعجُّبًا مِنهم مِن ذلك، يقولُ اللَّهُ تعالى ذِكرُه: فيَعجَبون مِن ذِكْرِك يا محمدُ آلهتَهم التي لا تضرُّ ولا تَنفَعُ بسوءٍ، وهم يذكْرِ الرحمنِ الذي خلَقهم وأنعَم عليهم، ومنه نَفْعُهم، وبيدِه ضرُّهم، وإليه مَرْجِعُهم، بما هو أهلُه مِنهم أن يَذكُروه به - كافرون.\nوالعربُ تضَعُ الذِّكرَ موضِعَ المدحِ والذمِّ، فيقولون: سمِعْنا فلانًا يَذْكُرُ فلانًا. وهم يُريدُونَ: سَمِعْناه يَذْكُرُه بقبيحٍ ويَعيبُه - ومِن ذلك قولُ عنترةَ (^١):\nلا تَذكُرِى مُهْرِى وما أَطْعَمْتُه … فيكونَ (^٢) جلدُكِ مِثلَ جِلدِ الأَجْرَبِ\nيعنى بذلك: لا تَعِيبى مُهْرِى - وسَمِعْناه يَذْكُرُه بخيرٍ.\n\n<span id=\"aya-2520\"></span><span data-type='title' id=toc-5954>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكْرُه: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ﴾. يعني آدمَ، ﴿مِنْ عَجَلٍ﴾.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: مِن عَجَلٍ في بِنْيَتِه\n_________\n(^١) ديوانه ص ١٩، ونسبه في اللسان (ن ع م) إلى خُزَز بن لَوْذان السدوسي.\n(^٢) في ت ٢: \"فيصير\".","vol":"16","page":270},{"text":"وخَلْقِه (^١)، كان مِن العَجَلَةِ (^٢)، وعلى العجَلَةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5955>ذِكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. قال: لمَّا نُفِخ في آدمَ الروحُ في رُكبتَيْهِ ذَهَب لِينهضَ، فقال اللهُ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ (^٣).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لما نُفِخ فيه، يعني في آدمَ، الروحُ، فدخَل في رأسِه عطَس (^٤)، فقالت الملائكةُ: قُلْ: الحمدُ للهِ. فقال: الحمدُ للهِ. فقال اللهُ له: رحِمكَ ربُّك. فلمَّا دخَل الروحُ في عَيْنَيْه نظَر إلى ثمارِ الجَنَّةِ، فلمَّا دخَل في جوفِه اشْتَهى الطعامَ، فوثَب قبلَ أن تبلغَ الروحُ رجُلَيه عَجْلَانَ إلى ثمارِ الجنةِ، فذلك حينَ يقولُ اللَّهُ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. يقولُ: خُلِق الإنسانُ عَجُولًا (^٥).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن (^٦) ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. قال: خُلِق عَجُولًا (^٧).\nوقال آخرون: معناه ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. أي: من تَعْجِيلٍ فِي خَلْقِ اللَّهِ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"خلقته\".\n(^٢) في ت ٢: \"عجل\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) في ت ٢: \"فعطس\".\n(^٥) تقدم مطولًا في ١/ ٤٨٦ - ٤٨٨.\n(^٦) في ت ٢: \"أبو\".\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٩ إلى ابن المنذر.","vol":"16","page":271},{"text":"إيَّاه ومِن سُرعةٍ فيه وعلى عَجَلٍ. وقالوا: خلَقه اللهُ في آخِرِ النَّهَارِ يومَ الجُمُعةِ قبلَ غُروبِ الشمسِ على عجلٍ في خَلْقِهِ إِيَّاه قبلَ مَغيبِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5956>ذِكْرُ مِن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا (^١) عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. قال: قولُ آدمَ حينَ خُلِق بعدَ كلِّ شيءٍ آخرَ النهارِ مِن يومِ خُلِق الخَلْقُ، فلمَّا أَحْيا الروحُ عَينَيْه ولسانَه ورأسَه، ولم يَبلُغْ أسْفَلَه، قال: يا ربِّ اسْتَعْجِلْ بخَلْقِى قبلَ غروبِ الشمسِ (^٢).\n[حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ مثلَه] (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. قال: آدمُ حينَ خُلِق بعدَ كلِّ شيءٍ. ثم ذكَر نحوَه، غيرَ أنَّه قال في حديثِه: اسْتَعْجِلْ بخَلْقِي فقد غَرَبتِ الشمسُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولهِ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. قال: على عَجَلٍ خُلِق آدمُ آخِرَ ذلك اليومِ من [ذلك اليومِ] (^٤)، يريدُ يومَ الجُمُعةِ، وخَلَقه على عجلٍ، وجعَلَه عَجُولًا (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ٢.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٧١، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ١١٥، وأبو الشيخ في العظمة (١٠٢٦) من طريق ليث عن مجاهد بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) كذا في النسخ، وهو تكرار من الأثر السابق.\n(^٤) في ص، ت ١: \"ذلك اليومين\" في م: \"ذينك اليومين\".\n(^٥) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٣١٣ بنحوه.","vol":"16","page":272},{"text":"وقال بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ (^١) ممَّن قال نحوَ هذه المقالةِ: إنَّما قال: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ وهو يعنى أنه خلَقَه مِن تعجيلٍ من الأمرِ؛ لأنَّه قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]. قال: فهذا العَجَلُ، وقولُه: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [إنِّي ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾] (^٢).\nوعلى قولِ صاحبِ هذه المقالةِ يجبُ أن يكونَ كلُّ خَلْقِ اللهِ خُلِق على عَجَلٍ؛ لأن كلَّ ذلك خُلقِ بأنْ قِيل له: كُنْ. فكان. فإن كان ذلك كذلك، فما وَجْهُ خصوصِ الإنسان إذن بذكرِ أَنَّه خُلِق من عَجَلٍ دونَ الأشياءِ كلِّها، وكُلُّها مخلوقٌ منِ عَجَلٍ، وفي خصوصِ اللهِ تعالى ذِكرُه الإنسانَ بذلك، الدليلُ الواضحُ على أن القولَ في ذلك غيرُ الذي قاله صاحبُ هذه المقالةِ.\nوقال آخرون مِنهم (^٣): هذا من المَقْلوبِ، وإِنَّما هو: خُلِق [العجَلُ مِنْ] (٢) الإنسانِ وخُلِقتِ العَجَلَةُ من الإنسانِ. وقالوا: ذلك مثلُ قولِه: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦] إنَّما هو: لَتَنوءُ العصبةُ بها مُتثاقِلةً. وقالوا: هذا وما أشْبَههُ في كلامِ العربِ كثيرٌ مشهورٌ. قالوا: وإنَّما كُلِّم القومُ بما يَعقلون. قالوا: وذلك مثلُ قولِهم: عرَضْتُ الناقةَ [على الحوضِ. يُريدون: عرضتُ الحوضَ على الناقةِ] (^٤). وكقولِهم: إذا طلعتِ الشِّعرَى واستوى العودُ على الحِرْباءِ. أي: اسْتَوتِ الحِرْباءُ على العودِ. كقولِ الشاعرِ (^٥):\n_________\n(^١) هو الأخفش، كما في البحر المحيط ٦/ ٣١٣.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٣٨، ٣٩.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٣، ف.\n(^٥) هو خداش بن زهير، والبيت في الكامل ٢/ ٦٢، واللسان (ض ط ر)، والشطر الثاني في المخصص ٢/ ٧٧ غير منسوب.","vol":"16","page":273},{"text":"وتَركَبُ خَيلًا لا هَوَادَةَ بينَها … وتَشْقَى الرِّماحُ بالضياطِرَةِ (^١) الحُمْرِ\nوكقولِ ابن مُقْبلٍ (^٢):\nحَسَرْتُ كَفِّى عن السِّربالِ آخُذُه … فَردًا يُجَرُّ علَى أَيْدِى المُفَدِّينا\nيريدُ: حسَرتُ السِّربالَ عن كَفِّى. ونحوُ ذلك مِن المقلوبِ.\nوفي إجماعِ أهلِ التأويلِ على خلافِ هذا القولِ الكفايةُ المغنيةُ عن الاستشهادِ على فسادِه بغيرِه.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: والصوابُ من القولِ في تأويلِ ذلك عِندَنا القولُ الذي ذكَرْناه عمَّن قال: معناه: خُلِق الإنسانُ من عَجَلٍ فِي خَلْقِهِ. أَيْ: على عَجَلٍ وسُرعةٍ في ذلك. وإنما قِيل: ذلك كذلك لأنَّه بُودِر بخلْقِه مغيبُ الشمسِ في آخِرِ ساعةٍ مِن نهارِ يومِ الجُمُعةِ، وفي ذلك الوقتِ نُفِخ فيه الروحُ.\nوإنما قلنا: ذلك (^٣) أولى الأقوال التي ذكرْناها في ذلك بالصواب؛ لدلالةِ قولِه تعالى ذِكرُه: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾. على ذلك.\nوأن أبا كريبٍ حدَّثنا قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إِن في الجُمُعَةِ لَسَاعَةً - يُقَلِّلُها (^٤) - فقال: لا يُوافِقُها عَبْدٌ مسلِمٌ يَسأَلُ الله فيها خيرًا إِلَّا آتاه اللهُ إيَّاه\". فقال عبدُ اللهِ بنُ سلَامٍ: قد علِمتُ أيَّ ساعةٍ هِي؛ هي آخِرُ ساعاتِ النهارِ من يومِ الجُمُعةِ، قال اللهُ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) الضياطرة: الرجال الضخام. اللسان (ض ط ر).\n(^٢) ديوانه ص ٣٢٥.\n(^٣) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٤) أي يقلل يده؛ كما في مصادر التخريج الآتية، ويقللها: كأنه يشير إلى ضيق وقتها. ينظر التمهيد ١٩/ ١٨.\n(^٥) أخرجه البغوي في شرح السنة (١٠٤٦) من طريق محمد بن عمرو به، وينظر الطيالسي (٢٤٨٤) =","vol":"16","page":274},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ وعَبْدةُ بنُ سليمانَ وأسدُ (^١) بنُ عمرو، عن محمدِ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه. وذكَر كلامَ عبدِ اللهِ بن سلامٍ بنحوِه.\nفتأويلُ الكلامِ إذ كان الصوابُ في تأويلِ ذلك ما قُلنا بما بهِ اسْتَشْهَدْنا: خُلِقَ الإنسان مِن تعجيلٍ (^٢)؛ ولذلك يَسْتَعجِلُ ربَّه بالعذابِ، ﴿سَأُرِيكُمْ﴾ (^٣) أيُّها المُستَعجِلون ربَّهم بالآياتِ القائِلُون لنبيِّهم (^٤) محمدٍ ﷺ: ﴿بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] - ﴿آيَاتِي﴾، كما أَرَيْتُها (^٥) مَن قَبْلَكم من الأممِ التي أهْلَكْتُها (^٦) بتكذيبِها الرُّسلَ، إذ أَتَتْهَا الآياتُ، ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾. يقولُ: فلا تَستَعجِلوا ربَّكم، [فإنَّا سنأتِيكُم] (^٧) بها ونُرِيكُمُوها.\nواختَلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. فقرَأَتُه عَامَّةُ قرَأةِ الأمصارِ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ بضمِّ الخاءِ على مذهبِ ما لم يسمَّ فاعلُه. وقرَأه حُميدٌ الأعرجُ: (خَلَقَ) بفَتحِها (^٨). بمعنى: خَلَقَ اللَّهُ الإنسانَ.\nوالقراءةُ التي عليها قرَأةُ الأمصارِ هي القراءةُ التي لا أسْتَجيزُ خِلافَها.\n_________\n= وأخرج المرفوع منه أبو يعلى (٥٩٢٥) من طريق ابن إدريس به مختصرًا، وأخرجه الطيالسي (٢٤٨٣)، وأحمد (١٠٥٤٥) من طرق محمد بن عمرو به.\n(^١) في ص، م: \"أسير\". وتقدم في ٣/ ٣٨٢، وينظر التاريخ الكبير ٢/ ٤٩.\n(^٢) في ص، م: \"عجل\".\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ف: \"آياتي فلا تستعجلون\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٣، ف: \"لنبينا\".\n(^٥) في ت ١: \"توارثتها\".\n(^٦) في ص، م: \"أهلكناها\".\n(^٧) في ت ١، ت ٢، ف: \"بها فإنها سياتيكم\".\n(^٨) وهى قراءة مجاهد وابن مقسم، وهى قراءة شاذة، ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٩٤، والبحر المحيط ٦/ ٣١٣.","vol":"16","page":275},{"text":"<span id=\"aya-2521\"></span>وقولُه: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ويقولُ هؤلاءِ المُستَعِجلون ربَّهم بالآياتِ والعذابِ، لمحمدٍ ﷺ: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾؟ يقولُ: متى يجِيئُنا هذا الذي تَعِدُنا من العذابِ، إن كُنتُم صادقين فيما تَعِدُونَنا به من ذلك؟\nوقيل: ﴿هَذَا الْوَعْدُ﴾ (^١). والمعنَى: الموعودُ. لمعرِفةِ السامِعين معناه. وقيل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. كأنَّهم كانوا قالوا ذلك لرسول اللهِ ﷺ وللمؤمنين بهِ.\nو﴿مَتَى﴾ في موضعِ نصبٍ؛ لأنَّ معناه: أيَّ وقتٍ هذا الوعدُ؟ وأيَّ يومٍ هو؟ فهو نصبٌ على الظرف؛ لأنَّه وقتٌ.\n\n<span id=\"aya-2522\"></span><span data-type='title' id=toc-5957>القولٌ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: لو يعلمُ هؤلاءِ الكفارُ المُستَعجِلون عذابَ ربِّهم ماذا لهم من البلاءِ حينَ تَلفَحُ وجُوهَهم النارُ، وهم فيها كالِحُون، فلا يَكفُّون عن وجوهِهم النارَ التي تَلفَحُها، ولا عن ظُهورِهم فيَدفَعونها عنها بأنفسِهم، ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. يقولُ: ولا لهم ناصرٌ ينصُرُهم، فيَسْتَنقِذُهم حينئذٍ من عذاب اللهِ - لَمَا أقامُوا على ما هُم عليه مُقيمون من الكفرِ باللهِ، ولَسارَعوا (^٢) إلى التوبةِ منه والإيمانِ باللهِ، ولَما اسْتَعجَلوا لأنفسِهم البلاءَ.\n\n<span id=\"aya-2523\"></span><span data-type='title' id=toc-5958>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: لا تأتى هذه النارُ التي تَلْفَحُ وجوهَ هؤلاءِ الكفارِ الذين\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"الوعيد\".\n(^٢) في ت ٢: \"يسارعون\".","vol":"16","page":276},{"text":"وُصِف أمرُهم في هذه السُّورةِ حينَ تأتِيهم - عن علمٍ مِنهم بوْقُتِها؛ ولكنَّها تأتِيهم مفاجأةً لا يَشْعُرون بمجيئِها، ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾. يقولُ: فتَغْشاهم فجأةً، وتلْفحُ وجوهَهم معايَنةً، كالرَّجل يَبْهَتُ الرجلَ في وَجْهِهِ بالشيءِ حتى يَبْقَى المبهوتُ (^١) كالحيرانِ منه، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾. يقولُ: فلا يُطيقون حينَ تَبْغَتُهم فتَبهَتُهم، دفْعَها عن أنفسِهم، ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. يقولُ: ولا هم وإن لم يُطيقوا دَفْعَها عن أنفسِهم يُؤَخَّرون بالعذابِ بها لتوبةٍ يُحدِثونها، وإنابةٍ يُنيبون؛ لأنَّها لَيْست حينَ عملٍ وساعةً توبةٍ وإنابةٍ، بل هي ساعةُ مُجازاةٍ وإثَابَةٍ.\n\n<span id=\"aya-2524\"></span><span data-type='title' id=toc-5959>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إن يَتَّخِذْكَ يا محمدُ هؤلاءِ القائلُون لك: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣]. إذا رَأَوْكَ هُزُوًا، ويَقُولُون: هذا الذي يَذْكُرُ آلهتَكم! كفرًا مِنهم باللهِ، واجْتراءً عليه - فلقد استهُزِئَ بِرُسُلٍ مِن رُسُلِنا الذين أرْسَلْناهم من قبلك إلى أُمِمهم. يقولُ: فوجَب ونزَل بالذين اسْتَهْزءوا بِهم، وسَخِروا مِنهم من أُمَمِهم ما كانوا به يستهزئون (^٢)، من البلاءِ والعذابِ الذي كانت رُسُلُهم تخُوِّفُهم تُزولَه بهم.\n﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فلن يَعْدُوَ هؤلاءِ المُسْتَهْزِئُون بكَ من هؤلاءِ الكَفَرةِ أن يَكُونوا كأَسْلافهم من الأممِ المُكَذِّبةِ رُسُلَها، فينزلَ بهم من عذابِ اللَّهِ وسَخَطِه باسْتِهْزائِهم بكَ، نظيرُ الذي نزَل بِهم.\n\n<span id=\"aya-2525\"></span><span data-type='title' id=toc-5960>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ</span>\n_________\n(^١) في ت ٢: \"كالمبهوت\".\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ف: \"يقول جل ثناؤه: حل بهم الذي كانوا به يستهزئون\".","vol":"16","page":277},{"text":"عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذِكْرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ لهؤلاءِ المُسْتَعجِليكَ (^١) بالعذابِ، القائلين: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: ﴿مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾ أيُّها القومُ. يقولُ: مَن يَحْفَظُكم ويَحرُسُكم بالليلِ إذا نِمْتُم، وبالنهارِ إذا انصرَفتم (^٢) ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾؟ يقولُ: من أمرِ الرحمنِ إن نزل بكم، و(^٣) من عذابِه إن حلّ بكم.\nوترَك ذِكْرَ \"الأمْرِ\"، وقيل: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾؛ اجْتِزاءً بمعرفةِ السامِعين لمعناه من ذِكْرِه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5961>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾. قال: يَحرُسُكُم (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾. قال (^٥): يَحفَظُكم بالليلِ والنهارِ مِن الرحمنِ.\nيُقال منه: كلأتُ القومَ، إذا حَرَسْتَهم، أكْلَؤهم. كما قال ابن هَرْمةَ (^٦):\nإِنَّ سُلَيْمَى واللَّهُ يَكْلَؤُها … ضَنَّتْ بشَيءٍ ما كان يَرْزَؤُها\n_________\n(^١) في ت ١: \"المستهزئون المستعجليك\"، وفى ت ٢: \"المستعجلوك\".\n(^٢) في ص، م: \"تصرفتم\".\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٩ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) في م: \"قل من\".\n(^٦) ديوانه ص ٥٥.","vol":"16","page":278},{"text":"وقوله: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾. وقولُه: ﴿بَلْ﴾ تحقيقٌ لجَحْدٍ (^١) قد عرَفه المُخاطَبون بهذا الكلامِ، وإن لم يكُنْ مذكورًا في هذا الموضِعِ ظاهرًا، ومعنَى الكلامِ: وما لهم ألَّا يعلَموا أنَّه لا كَالِئَ لهم [مِن أَمرِ] (^٢) اللَّهِ إِذا هو حَلَّ بهم ليلًا أو نهارًا! بل هم عن ذكرِ مواعظٍ ربِّهم وحُجَجِه التي احْتَجَّ بها علَيهم مُعْرِضُون، لا يتَدَبَّرون ذلك، ولا يَعْتَبِرُون بهِ؛ جَهْلًا مِنهم وسَفَهًا.\n\n<span id=\"aya-2526\"></span><span data-type='title' id=toc-5963>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: ألِهؤلاء المُسْتَعْجِلى ربِّهم بالعذابِ آلهةٌ تَمنَعُهم - إن نحنُ أحْلَلْنا بهم عذابَنا، وأَنْزَلْنا بهم بأسَنا - من دونِنا. ومعناه: أم لهم آلهةٌ من دونِنا تَمنَعُهم مِنَّا. ثم وصَف جلَّ ثناؤه الآلهةَ بالضَّعْفِ والمَهانَةِ، وما هي بهِ مِن صِفَتِها، فقال: وكيف تَسْتَطيعُ آلهتهم التي يَدْعُونها من دونِنا أن تَمنَعُهم مِنَّا وهي لا تستَطيعُ نَصْرَ أَنفُسِها؟\nوقولُه: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بذلك، وفى معنَى ﴿يُصْحَبُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك الآلهةَ، وأنَّها لا تُصْحَبُ مِن اللهِ بخيرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5962>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾: [يعنى الآلهة] (^٣)،\n_________\n(^١) في ت ٢: \"لحجة\".\n(^٢) في ت ٢: \"إلا\".\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.","vol":"16","page":279},{"text":"﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾. يقولُ: لا يُصْحَبون مِن اللَّهِ بخيرٍ (^١).\nوقال آخرون: بل معنَى ذلك: ولا هم مِنَّا يُنصَرُون.\n\n<span data-type='title' id=toc-5964>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾. قال (^٢): يُنصَرُون (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ إلى قولِه: ﴿يُصْحَبُونَ﴾. قال: يُنصَرُون (^٤). قال: قال مجاهدٌ: ولا هم يُحفَظون.\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾: يُجارُون (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-5965>[ذِكرُ مَن قال ذلك]</span> (^٦)\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾. يقولُ: ولا هم مِنَّا يُجارُون، وهو قولُه: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]. يعني\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) بعده في م: \"لا\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤ عن معمر به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) ينظر تفسير القرطبي ١١/ ٢٩١.\n(^٦) كذا في النسخ، ولم يترجم المصنف لهذا القول، وحق ترجمة هذا القول وهذه الجملة أن يكونا قبل الأثر السابق.","vol":"16","page":280},{"text":"الصَّاحبَ، وهو الإنسانُ يكونُ له خَفِيرٌ (^١) ممَّا يخافُ، فهو قولُه: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال هذا القولَ الذي حَكَيناه عن ابن عباسٍ وأنّ ﴿هُمْ﴾ مِن قولِه: ﴿وَلَا هُمْ﴾. من ذِكْرِ الكُفَّارِ، وأنَّ قولَه: ﴿يُصْحَبُونَ﴾. بمعنى: يُجارُون؛ يُصْحَبون بالجِوارِ؛ لأنَّ العربَ مَحْكِيٌّ عنها: أنا لك جارٌ مِن فلانٍ وصاحبٌ. بمعنَى: أُجِيرُكَ وأَمْنَعُكَ. وهم إذا لم يُصْحَبوا بالجوارِ ولم يكنْ لهم مانِعٌ مِن عذاب اللهِ مع سَخَطِ اللهِ عليهم، فلم يُصْحَبوا بخيرٍ ولم يُنصَرُوا.\n\n<span id=\"aya-2527\"></span><span data-type='title' id=toc-5966>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: ما لهؤلاءِ المُشرِكين مِن آلهةٍ تَمنَعُهُم من دونِنا، ولا جارٌ يُجيرُهم من عذابِنا - إذا نحن أرَدْنا عذابَهم - فاتَّكَلوا على ذلك، وعَصَوا رُسُلَنا؛ اتِّكَالًا على ذلك، ولَكِنَّا متَّعْناهم بهذه الحياةِ الدُّنيا وآباءَهم مِن قَبلِهم حتى طال عليهم العُمُرُ، وهم على كُفْرِهم مُقِيمُون، لا تَأْتِيهم مِنَّا واعظةٌ مِن عذابٍ، ولا زاجرةٌ مِن عقابٍ على كُفْرِهم وخِلافِهم أمْرَنا، وعبادتِهم الأوثانَ والأصنامَ، فنَسُوا عَهدَنا وجَهِلُوا موقِعَ نِعْمَتِنا عليهم، ولم يعْرِفُوا موضِعَ الشُّكرِ.\nوقولُه: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفلا يَرى هؤلاءِ المُشرِكون باللهِ السَّائلُون محمدًا ﷺ الآياتِ\n_________\n(^١) خفير القوم: مجيرهم الذي يكونون في ضمانه ما داموا في بلاده. التاج (خ ف ر).\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٣٨ عن العوفى عن ابن عباس إلى قوله: \"يجارون\".","vol":"16","page":281},{"text":"المُسْتَعجِلوه بالعذابِ - أنَّا نأتى الأرضَ نُخَرِّبُها مِن نواحِيها بقَهْرِنا أَهْلَها، وغَلَبَتِناهم، وإجلائِهم عنها، وقَتْلِهم بالسيوفِ، فيَعْتَبِروا بذلك ويَتَّعِظُوا بهِ، ويَحْذَروا مِنَّا أن نُنْزِلَ من بأسِينا بهم نحوَ الذي قد أَنْزَلْنا بمَن فَعَلْنا ذلك بهِ مِن أهلِ الأطرافِ.\nوقد تقدَّم ذكرُ القائلين بقولِنا هذا ومخالِفيه، بالرِّواياتِ عنهم في سورةِ \"الرَّعدِ\" بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nوقولُه: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. يقولُ ﵎: أفهؤلاء المُشرِكون المُسْتَعجِلون محمدًا بالعذابِ الغَالِبُونا؟ وقد رأوا قَهْرَنَا مَن أَحْلَلَنا بِساحتِه بِأسَنا في أطرافِ الأَرْض، ليس ذلك كذلك، بل نحن الغالِبُون.\nوإنَّما هذا تقريعٌ مِن اللهِ تعالى لهؤلاءِ المُشرِكين بهِ بجهلِهم، يقولُ: أفيظُنُّون أنَّهم يَغْلِبون محمدًا ويَقْهَرُونه، وقد قُهِر مَن ناوأه مِن أهلِ أطرافِ الأرضِ غيرُهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. يقولُ: ليسوا بغَالِبين، ولكِنَّ رسولَ اللهِ ﷺ هو الغالبُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2528\"></span><span data-type='title' id=toc-5967>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (٤٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ القائلين: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥]: إنما أُنذِرُكم أَيُّها القومُ بتَنزِيلِ اللَّهِ الذي يُوحِيه إليَّ مِن عندِه، وأُخَوِّفكم به بأسَه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتَادةَ قولَه: ﴿قُلْ إِنَّمَا\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٣/ ٥٧٤ - ٥٧٩.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":282},{"text":"أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾. أي: بهذا القرآنِ (^١).\nوقولُه: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾ اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامة قرأةِ الأمصارِ: ﴿يَسْمَعُ﴾. بمعنى أنَّه فِعْلٌ لـ\"الصُّمِّ\"، و\"الصُّمُّ\" حينئذٍ مَرْفُوعون.\nورُوِى عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيِّ أَنَّه كان يقرَأُ: (وَلا [يُسْمَعُ) بالياء] (^٢) وضَمِّها، فـ\"الصُّمُّ\" على هذه القراءةِ مَرْفُوعَةٌ؛ لأنَّ قولَه: (وَلَا يُسْمَعُ) (^٣) لم يُسَمَّ فاعلُه، ومعناه على هذه القراءةِ: ولا يُسمِعُ اللهُ الصمَّ الدُّعاءَ.\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القراءةِ عِندَنا في ذلك ما عليه قرَأَةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرَأةِ عليه. ومعنى ذلك: ولا يُصْغِى الكافرُ باللَّهِ بسَمْعِ قلبِه إلى تَذَكُّرِ ما في وَحْيِ اللَّهِ مِنَ المواعظِ والذَّكْرِ، فيتذَكَّرَ به ويَعْتَبَرَ، فيتزجِرَ عمَّا هو عليه مُقيمٌ مِن ضلالِه إذا تُلِى عليه وأُريد به، ولكِنَّه يُعرِضُ عن الإعْتِبارِ به والتَّفكُّرِ فيه، فعلَ الأصمِّ الذي لا يَسْمَعُ ما يُقال له فيعملَ به.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5968>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا يَسْمَعُ\n_________\n(^١) جزء من الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٢) في النسخ: \"تُسمع بالتاء\".\nقال القرطبي في تفسيره ١١/ ٢٩٢: وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى ومحمد بن السميفع: (ولا يُسْمَع) بياء مضمومة وفتح الميم على ما لم يسم فاعله؛ (الصم) رفعًا أي إن الله لا يسمعهم. وقرأ ابن عامر والسلمي أيضًا وأبو حيوة ويحيى بن الحارث: \"تُسمِع\" بتاء مضمومة وكسر الميم؛ (الصُّمَّ) نصبًا، أي: إنك يا محمد لا تسمع الصمَّ الدعاءَ. وينظر البحر المحيط ٦/ ٣١٥، ٣١٦.\n(^٣) في م، ت ١: \"تسمع\". وينظر الحاشية السابقة.","vol":"16","page":283},{"text":"الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾. يقولُ: إن الكافرَ قد صَمَّ عن كتابِ اللَّهِ لا يَسْمَعُه، ولا ينتَفِعُ به ولا يعقِلُه، كما يَسمَعُه المؤمنُ وأهلُ الإيمانِ.\n\n<span id=\"aya-2529\"></span><span data-type='title' id=toc-5969>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: ولئن مسَّت هؤلاءِ المُستَعجِلين بالعذابِ يا محمدُ ﴿نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾. يعنى بالنَّفْحَةِ النَّصيبَ والحظَّ، من قولهم: نفَح فلانٌ لفلانٍ من عطائِه، إذا أعْطاه قِسْمًا أو نصيبًا من المالِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ الآية. يقولُ: لئن أصابَتْهم عقوبةٌ (^١).\nوقولُه: ﴿لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. يقولُ: لئن أصابَتْهم هذه النفحةُ من عقوبةِ ربِّك يا محمدُ بتكذيبِهم بك وكُفْرِهم، ليَعْلَمُنَّ حينئذٍ غِبَّ تَكْذيبِهم بك، وليَعْتَرِفُنَّ على أنفسِهم بنعمةِ اللهِ وإحسانِه إليهم، وكُفْرانِهم أياديَه عِندَهم، ولَيَقُولُنَّ: يا وَيْلنا إنا كُنَّا ظالمين في عبادتِنا الآلهةَ والأندادَ، وتَرْكِنا عبادةَ اللهِ الذي خلَقنا وأنعَم علينا، ووَضْعِنا العبادةَ غيرَ موضعِها.\n\n<span id=\"aya-2530\"></span><span data-type='title' id=toc-5970>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكْرُه: ونضَعُ الموازين [العدلَ، وهو] (^٢) القِسْطُ.\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٢٨٢.\n(^٢) سقط من: ت ٢.","vol":"16","page":284},{"text":"وجعَل \"القِسطَ\"، وهو موحدٌ، من نعتِ \"الموازين\" وهي جمعٌ؛ لأنَّه في مذهبِ عدلٍ ورضًا ونظرٍ.\nوقولُه: ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ: لأهلِ يوم القيامةِ، ومَن ورَد على اللَّهِ في ذلك اليومِ من خَلْقِه.\nوقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ يوجِّهُ معنَى ذلك إلى \"في\"، كأنَّ معناه عندَه: ونضَعُ الموازينَ القسطَ في يومِ القيامةِ\nوقولُه: ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾. يقولُ: فلا يَظْلِمُ اللَّهُ نفسًا ممَّن ورَد عليه منهم شيئًا بأن يعاقبَه بذنبٍ لم يَعْمَلُه، أو يبخسَه ثوابَ عملٍ عمِلَه، أو طاعةٍ أَطاعه بها، ولكِن يُجازِى المحسنَ بإحسانِه، ولا يعاقبُ مسيئًا إلا بإساءتِه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5971>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ: وهو كقولِه: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]. يعنى بـ \"الوزن\" القِسطِ بينَهم\": بالحقِّ (^١) في الأعمالِ، الحَسَناتِ والسَّيئاتِ؛ فمَن أحاطَت حسناتُه بسيئاتِه ثَقُلتْ موازينُه. يقولُ: أَذْهَبَت حسناتُه سيئاتِه، ومن أحاطتْ سيئاتُه بحسناتِه فقد خَفَّتْ موازينُه وأمُّهُ هاويةٌ. يقولُ: أَذْهَبتْ سيئاتُه حسناتِه (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن\n_________\n(^١) ص، ت ١، ف: \"في الحق\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٠ إلى المصنف مقتصرا على أوله.","vol":"16","page":285},{"text":"ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. قال: إنَّما هو مَثَلٌ، كما يجوزُ الوزنُ كذلك يجوزُ الحقُّ، قال الثوريُّ: قال ليثٌ عن مجاهدٍ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾. قال: العدلَ (^١).\nوقولُه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾. يَقولُ: وإن كان الذي له من عمل الحسناتِ، أو عليه من السيئاتِ وزنَ حبةٍ من خَرْدَلٍ ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾. يقولُ: جِئْنا بها فأَحْضَرْناها إِيَّاه.\nكما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾. قال: [كتَبْناها وأحْصَيْناها له وعليه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾. قال] (^٢): يُؤْتَى بها لك أو عليك، ثم يَعْفو إنْ شاء أو يأخُذُ (^٣)، ويَجزِى بما عُمِل له مِن طاعةٍ.\nوكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾. قال: جَازَيْنَا بها (^٤).\nحدَّثنا عمرُو (^٥) بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ أنَّه كان\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢٤.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) في ت ١: \"يؤاخذ\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٠ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) في ت ٢: \"عمر\".","vol":"16","page":286},{"text":"يقولُ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾. قال: جَازَيْنا بها.\nوقال: ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾ فأخرَج قولَه: ﴿بِهَا﴾ مُخرَجَ كنايةِ المؤنثِ، وإن كان الذي تقدَّم ذلك قولَه: ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾؛ لأنَّه عنى بقوله: ﴿بِهَا﴾ الحبةَ دونَ المِثْقالِ، ولو عنى به المثقالَ لَقِيل: \"به\".\nوقد ذُكِر أنَّ مجاهدًا إنَّما تأوَّل قولَه: ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾ على ما ذكَرْنا عنه؛ لأنَّه كان يقرأُ ذلك (آتَيْنا بها) (^١) بمدِّ الألفِ.\nوقوله: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. يقولُ: وحسْبُ مَن شَهِد ذلك الموقفَ بنا حاسبين؛ لأنه لا أحدَ أعلمُ بأعمالِهم، وما سَلَف في الدِّنيا من صالحٍ أو سيِّئً، مِنَّا.\n\n<span id=\"aya-2531\"></span><span data-type='title' id=toc-5973>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: ولقد آتَيْنا موسى بنَ عِمرانَ وأخاه هارونَ ﴿الْفُرْقَانَ﴾. يعنى به الكتابَ الذي يَفْرُقُ بينَ الحقِّ والباطلِ. وذلك هو التوراةُ في قولِ بعضِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-5972>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْفُرْقَانَ﴾. قال: الكتابَ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) وقرأ بها ابن عباس وابن جبير وابن أبي إسحاق والعلاء بن سيابة وجعفر بن محمد وابن محمد الأصبهاني، وهى قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط ٦/ ٣١٦.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٧٢.","vol":"16","page":287},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾: الفرقانُ التوراةُ، حلالُها وحرامُها، وما فرَق اللَّهُ بِينَ الحقِّ والباطل (^١).\nوكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾. قال: الفرقانُ الحقُّ، آتاه اللهُ موسى وهارونَ، فرَق بينَهما وبيَن فِرعونَ، قضَى بينَهم بالحقِّ. وقرَأ: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]. قال: يومَ بدرٍ (^١).\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وهذا القولُ الذي قاله ابن زيدٍ في ذلك أشْبَهُ بظاهرِ التَّنزِيلِ، وذلك لدخولِ الواوِ في \"الضياءِ\"، ولو كان الفرقانُ هو التوراةَ كما قال مَن قال ذلك، لكان التنزيلُ: ولقد آتَيْنا موسى وهارونَ الفرقانَ ضياءً؛ لأن الضياءَ الذي آتَى اللهُ موسى وهارونَ هو التوراةُ التي أضاءت لهما ولمَن اتَّبَعَهما أمرَ دينِهم فبصَّرَهم الحلالَ والحرامَ، ولم يقصِدْ بذلك في هذا الموضعِ ضياءَ الإبْصَارِ. وفى دخولِ الواوِ في ذلك دليل على أن الفرقانَ غيرُ التوراةِ التي هي ضياءٌ.\nفإن قال قائلٌ: وما ينكرُ أن يكونَ \"الضياءُ\" من نعتِ \"الفُرْقانِ\"، وإن كانت فيه واوٌ، فيكونَ معناه: وضياءً آتيْناه ذلك. كما قال: ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا﴾؟ [الصافات: ٦، ٧].\nقيل: إن ذلك وإن كان الكلامُ يحتَمِلُه، فإنَّ الأغلبَ مِن معانيه ما قُلنا، والواجبَ أن تُوجَّهَ معاني كلامِ اللهِ إلى الأغلبِ الأشهرِ من وجوهِها المعروفةِ عندَ العربِ ما لم يكنْ بخلافِ ذلك ما يجبُ التسليمُ له مِن حُجَّةِ خبرٍ أو عقلٍ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٠ إلى المصنف.","vol":"16","page":288},{"text":"وقولُه: ﴿وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: وتَذكِيرًا لمَن اتَّقى الله بطاعتِه وأدَّى فرائضَه، واجتنبَ معاصيه، ذكَّرهم بما آتَى موسى وهارونَ من التوراةِ.\n\n<span id=\"aya-2532\"></span><span data-type='title' id=toc-5974>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: آتينا موسى وهارونَ (^١): الذِّكْرَ الذي آتيناهما للمُتَّقين الذين يخافون ربَّهم ﴿بِالْغَيْبِ﴾: يعنى في الدُّنيا أن يعاقِبَهم في الآخِرةِ إذا قَدِموا عليه بتَضْييعِهم ما ألزَمَهم مِن فرائضِه، فهم من خَشْيَتِه يحافِظُون على حدودِه وفرائضِه، وهم من الساعةِ التي تقوم فيها القيامةُ مُشْفِقُون حَذِرُون أن تقوم علَيهم، فَيرِدُوا على ربِّهم قد فرَّطوا في الواجبِ عليهم للهِ، فيعاقِبَهم من العقوبةِ بما لا قِبَل لهم به.\n\n<span id=\"aya-2533\"></span><span data-type='title' id=toc-5975>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: وهذا القرآنُ الذي أنزَلْناه إلى محمدٍ ﷺ ذِكْرٌ لمَن تذَكَّر به، وعِظَةٌ لمن اتَّعظ به، مباركٌ، أنزَلْناه كما أنزَلْنا التوراةَ إلى موسى وهارونَ ذِكْرًا للمُتّقين - ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكْرُه: أفأنتم أيُّها القومُ لهذا الكتابِ الذي أَنْزَلْناه إلى محمدٍ مُنكِرون وتقولون هو ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥]. وإنَّما الذي آتيناه ذلك ذِكْرٌ للمُتَّقين؛ كالذى آتَيْنا موسى وهارونَ ذكرًا للمُتَّقين.\nوينحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٣، ف: \"الفرقان\".","vol":"16","page":289},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5976>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ إلى قولهِ: ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾. أي: هذا القرآنُ (^١).\n\n<span id=\"aya-2534\"></span><span data-type='title' id=toc-5978>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: ولقد أرشَدْنا إِبْرَاهِيمَ مِن قبلِ موسى وهارونَ، ووفَّقناه للحقِّ، وأنْقَذْناه من بين قومِه وأهلِ بيتِه من عبادةِ (^٢) الأوثانِ، كما فَعَلْنا ذلك بمحمدٍ ﷺ وعلى إبرَاهيمَ - فأَنْقَذَناه من قومِه وعشيرتِه من عبادةِ الأوثانِ، وهَدَيْناه إلى سبيلِ الرَّشادِ توفيقًا مِنَّا له.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5977>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: هَدَيْناه صغيرًا (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٠ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ٢: \"عباد\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٧٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٠ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":290},{"text":"مجاهد: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: هَدَاهُ (^١) صغيرًا.\nحدَّثنا ابن بَشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جريجٍ (^٢)، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: هَداه صغيرًا (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: آتَيْناه هُدَاهُ (^٤)\nوقولُه: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾. يقولُ: وكُنَّا عالمين به أنَّه ذو يَقينٍ وإيمانٍ باللَّهِ وتوحيدٍ له، لا يُشْرِكُ به شيئًا؟\n\n<span id=\"aya-2535\"></span>﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾ ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾. يعني: في وقتِ قِيلِه وحينِ قيلِه لهم: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾. يقولُ: قال لهم: أيُّ شيءٍ هذه الصورُ التي أنتم عليها مُقِيمون؟ وكانت تلك التماثيلُ أصنامَهم التي كانوا يَعْبُدونها.\nكما حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثني عيسى، وحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ﴾. قال: الأصنامُ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) في ف: \"هديناه\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"أبي نجيح\".\n(^٣) تفسير سفيان ص ٢٠١، ٢٠٢.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٠ إلى المصنف.\n(^٥) تفسير مجاهد ٤٧٢، ومن طريقه الفريابي - كما في الفتح ٨/ ٤٣٧ وتغليق التعليق ٤/ ٢٥٩ - وهو من تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.","vol":"16","page":291},{"text":"وقد بيَّنا فيما مضَى من كتابِنا هذا أن العاكفَ على الشيءِ: المُقيمُ عليه، بشواهدِ ذلك، وذكَرْنا الروايةَ عن أهلِ التأويلِ (^١).\n\n<span id=\"aya-2536\"></span><span data-type='title' id=toc-5979>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: قال أبو إبراهيمَ وقومُه لإبراهيمَ: وَجَدْنا آباءَنا لهذه الأوثانِ عابِدين، فنحنُ على مِلةِ آبائِنا نَعبُدُها كما كانوا يَعْبُدون.\n\n<span id=\"aya-2537\"></span>﴿قَالَ﴾ إبراهيمُ: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ بعبادتِكم إياها، ﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: في ذَهابٍ عن سبيلِ الحقِّ، وجَوْرٍ عن قَصْدِ السبيلِ، ﴿مُبِينٍ﴾. يقولُ: بيِّنٌ (^٢) لمَن تأمَّلَه بعقلٍ أنكم كذلك في جَوْرٍ عن الحقِّ.\n\n<span id=\"aya-2538\"></span>﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: قال أبوه وقومُه له: أجئتَنا بالحقِّ فيما تقولُ، أمْ أنت هازِلٌ لاعِبٌ من اللاعِبين.\n\n<span id=\"aya-2539\"></span><span data-type='title' id=toc-5980>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال إبراهيمُ لهم: بل جئتُكم بالحقِّ لا اللَّعِبِ؛ ربُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرضِ الذي خَلَقَهن، ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ﴾، مِن أن ربَّكم هو ربُّ السَّماواتِ والأَرضِ الذي فَطَرَهنَّ، دونَ التماثيلِ التي أنتم لها عاكفون، ودونَ كلِّ أحدٍ سِواه، شاهدٌ ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. يقولُ: فإياه فاعبُدوا، لا هذه التماثيلَ التي هي خَلْقُه، التي لا تضُرُّ ولا تنفعُ.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٥٣٤ - ٥٣٦.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢،: \"تبين\"، وفى ف: \"يبين\".","vol":"16","page":292},{"text":"<span id=\"aya-2540\"></span><span data-type='title' id=toc-5982>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)﴾.</span>\nذُكرِ أن إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه خَلَف بهذه اليمينِ في سِرٍّ مِن قومِه وخفاءٍ، وأنه لم يَسْمَعْ ذلك منه إلا الذي أفشاه عليه حينَ قالوا: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٩]. فقال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-5981>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. قال: قولُ إبراهيمَ حينَ اسْتَتْبَعه قومُه إلى عيدٍ لهم فأبَى وقال: إنى سَقِيمٌ. فسَمِع منه وعيدَ أصنامِهم رجلٌ منهم اسْتأخَرَ، وهو الذي يقولُ: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. قال: نَرَى أنه قال ذلك حيثُ لا يَسْمَعون بعدَ أَن تَوَلُّوا مُدْبِرين (^٢).\n\n<span id=\"aya-2541\"></span>وقولُه: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾. اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى يحيى بن وثَّابٍ والأعمشِ والكسائيِّ:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٧٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢١ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":293},{"text":"﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾. [بمعنى: فجعلهم جذاذًا] (^١)، بمعنى جمعٍ (^٢)، كأنهم أرادُوا به جمعَ جَذِيذٍ وجذاذٍ، كما يُجمَعُ الخَفِيفُ حِفافًا، والكريمُ كِرامًا.\nوأولى القراءتَين في ذلك عندَنا بالصوابِ قراءةُ مَن قرأه: ﴿جُذَاذًا﴾. بضَمِّ الجيمِ؛ لإجماعِ قرأةِ الأمصارِ عليه، وأن ما أجمَعت عليه فهو الصوابُ (^٣)، وهو إذا قُرِئ كذلك مصدرٌ مثلَ الرُّفاتِ والفُتاتِ والدُّقاقِ، لا واحدَ له. وأما مَن كَسَر الجيمَ، فإنه جمعٌ لـ \"جَذيذِ\" والجَذِيذُ هو فَعِيلٌ، صُرِف مِن مَجذوذٍ إليه، مثلَ كَسِيرٍ، وهَشِيمٍ. والمجذوذةُ المكسورةُ قِطَعًا.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5983>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾. يقولُ: حُطامًا (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿جُذَاذًا﴾: كالصَّرِيمِ (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: م، والكلام فيه سقط ظاهر، ويوضحه ما قاله أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٣٢٢: وقرأ الجمهور \"جُذاذًا\". بضم الجيم، والكسائي وابن محيصن وابن مقسم وأبو حيوة وحميد والأعمش في رواية بكسرها، وأبو نهيك وأبو السمال بفتحها … وقال اليزيدي: \"جذاذا\" بالضم جمع \"جُذاذة\"، كزجاج وزجاجة. وقيل: بالكسر جمع \"جَذيذ\" ككَريم وكرام. وقيل: الفتح مصدر كالحصاد بمعنى المحصود، فالمعنى \"مجذوذين\" … وقرأ يحيى بن وثاب: جُذاذًا … كجديد ومجدُد. وقرئ \"جُذاذًا\" …\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٣، ف: \"جذيذ\".\n(^٣) وما قرأ به الكسائي أيضًا فهو صواب؛ لأن قراءته من السبعة المتواترة عن النبي ﷺ.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٧٢.","vol":"16","page":294},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾. أي: قِطَعًا (^١).\nوكان سببَ فعلِ إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه بآلهةِ قومِه ذلك، كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، أن إبراهيمَ قال له أبوه: يا إبراهيمُ، إن لنا عيدًا لو قد خَرَجتَ معنا إليه قد أعجَبَك دِينُنا؟ فلما كان يومُ العيدِ، فخَرجوا إليه، خَرَج معهم إبراهيمُ، فلما كان ببعضِ الطريقِ ألقَى نفسَه وقال: إنى سَقِيمٌ. يقولُ: أَشْتَكى رِجْلى. فتَوطَّئوا (^٢) رِجْلَيه وهو صريعٌ، فلما مَضَوا نادَى في آخِرِهم، وقد بَقِيَ ضَعْفَى الناسِ: ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾. فسَمِعوها منه، ثم رَجَع إبراهيمُ إلى بيتِ الآلهةِ، فإذا هُنَّ في بَهْوٍ عظيمٍ، مُسْتقبِلَ بابِ البَهْوِ صنمٌ عظيمٌ، إلى جَنْبِه أصغرُ منه، بعضُها إلى بعضٍ، كلُّ صنمٍ يليه أصغرُ منه، حتى بَلَغوا بابَ البَهْوِ، وإذا هم قد جَعَلوا طعامًا، فوَضَعوه بينَ يَدَى الآلهةِ، قالوا: إذا كان حينَ نرجِعُ رَجَعْنا، وقد بارَكَتِ الآلهةُ في طعامِنا، فأكَلنا. فلما نَظَر إليهم إبراهيمُ، وإلى ما بينَ أيدِيهم مِن الطعامِ، ﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾. فلما لم تُجِبْه، قال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩١ - ٩٣]. فأخَذَ (^٣) حديدةً، فنَقَرَ كلَّ صنمٍ في حافَتَيه، ثم عَلَّق الفأسَ في عُنُقِ الصنمِ الأكبرِ، ثم خَرَجَ، فلما جاء القومُ إلى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٥٧ - من طريق يزيد بن زريع به.\n(^٢) في م: \"تواطئوا\".\n(^٣) بعده في م: \"فأس\".","vol":"16","page":295},{"text":"طعامِهم نَظَروا إلى آلهتِهم، ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ (^١).\nوقوله: ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾. يقولُ: إلا عظيمًا للآلهةِ؛ فإنَّ إبراهيمَ لم يَكْسِرُه، ولكنَّه فيما ذُكِر عَلَّق الفأسَ في عُنُقِه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5984>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾. قال: قال ابن عباسٍ: إلا عظيمًا لهم، عظيمَ آلهتِهم (^٢).\nقال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: وجَعَل إبراهيمُ الفأسَ التي (^٣) أَهْلَك بها (^٤) أصنامهم مُسْندةً إلى صدرِ (^٥) كبيرِهم الذي تَرَكَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: جَعَل إبراهيمُ الفأسَ التي أهْلَك بها أصنامَهم مُسْندةً إلى صدرِ كبيرِهم الذي تَرَك (^٦).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: أقبَل عليهنَّ كما قال اللهُ ﵎: ﴿ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣]. ثم جَعَل يكسِرُهنَّ بفأسٍ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٣٦ - ٢٣٨ مطولًا بإسناد السدي المعروف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢١ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الذي\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢ ف: \"به\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ظهر\".\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٤٧٣.","vol":"16","page":296},{"text":"في يَدِه، حتى إذا بَقِى أعظمُ صنمٍ منها رَبَط الفأسَ بيدِه، ثم تَرَكهنَّ، فلما رَجَع قومُه رَأَوا ما صُنِع بأصْنامِهم، فَراعَهم ذلك وأعْظَموه وقالوا: مَن فَعَل هذا بآلهتِنا؟ إنه لمِن الظالمين (^١).\nوقولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾. يقولُ: فَعَلَ ذلك إبراهيمُ بآلهتِهم؛ ليَعْتَبِرُوا ويَعْلَموا أنها إذا لم تَدْفَعْ عن نفسِها ما فعل بها إبراهيمُ، فهى مِن أن تدفَعَ عن غيرها مَن أرادَه بسُوءٍ أبعدُ، فيرجِعوا عما هم عليه مُقِيمون مِن عبادتِها إلى ما هو عليه من دينِه وتوحيدِ اللهِ والبراءةِ مِن الأوثانِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5985>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾. قال: كادَهم بذلك لعلهم يَتَذكَّرون أو يُبْصِرون (^٢).\n\n<span id=\"aya-2542\"></span><span data-type='title' id=toc-5986>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ إبراهيمَ لمَّا رَأَوا آلهتَهم قد جُذَّتْ، إلا الذي رَبَط به الفأْسَ إبراهيمُ: مَن فعَل هذا بآلهتِنا؟ إن الذي فعَل هذا بها لمِن الظالمين. أي: لمن الفاعلين بها ما لم يكنْ له فعلُه (^٣).\n\n<span id=\"aya-2543\"></span>﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٣٨.\n(^٢) ينظر التبيان ٧/ ٢٢٨.\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"فعلها\".","vol":"16","page":297},{"text":"يقولُ: قال الذين سَمِعوه يقولُ: ﴿تَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ بِعَيْبٍ، ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾. قال ابن جريجٍ: ﴿يَذْكُرُهُمْ﴾: يَعِيبُهم.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ قولَه: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾: سَمِعناه (^١) يَسُبُّها ويَعِيبُها ويَسْتَهْزِئُ بها، لم نسمَعْ أحدًا يقولُ ذلك غيرُه، وهو الذي نظُنُّ صَنَع هذا بها (^٢).\n\n<span id=\"aya-2544\"></span>وقولُه: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ إبراهيمَ بعضُهم لبعضٍ: فَأْتُوا بالذي فَعَل هذا بآلهتنا، الذي سَمِعتُموه يذكُرُها بعَيْبٍ ويَسُبُّها ويَذُمُّها، على أعيُنِ الناسِ. فقيل: معنى ذلك: على رءوسِ الناسِ (^٣).\n\nوقال بعضُهم: معناه: بأعيُنِ الناسِ ومَرْأَى منهم. وقالوا: إنما أُريدَ بذلك: أظهروا الذي فعل ذلك للناس. كما تقولُ العربُ إذا أُظْهِرَ الأمرُ وشُهِر: كان ذلك على أعيِنُ الناسِ. يرادُ به: كان بأيْدِى الناسِ (^٤).\nواختلَفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لعلَّ الناسَ يَشْهَدون عليه أنه الذي فعَل ذلك، فتكونَ شهادتُهم عليه حُجَّةً لنا عليه. وقالوا: إنما فعَلوا ذلك لأنهم كَرِهوا أن يأخُذوه بغيرِ بَيِّنَةٍ.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"سمعنا\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٣٩.\n(^٣) هو قول الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٠٦.\n(^٤) ينظر مجاز القرآن ٢/ ٤٠.","vol":"16","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5987>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾: عليه أنه فعَل ذلك (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾. [قال: كَرِهوا أن يأخُذوه بغيرِ بَيِّنةٍ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: لعلهم يَشْهَدون] (^٢) ما يُعاقِبونه به، فيُعايِنونه ويَرَونه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5988>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: بَلَغ ما فعلَ إبراهيمُ بآلهةِ قومِه نُمرُودَ وأشرافَ قومِه، فقالوا: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾. أي: ما يُصْنعُ به (^٣).\nوأظهرُ معنى ذلك أنهم قالوا: فَأْتُوا به على أعيُنِ الناسِ لعلهم يَشْهَدون عُقُوبَتَنا إياه؛ لأنه لو أُريد بذلك ليَشْهَدوا عليه بفعلِه كان يقالُ: انظُروا مَن شَهِده يفعلُ ذلك. ولم يقلْ: أحْضِروه بمَجْمعٍ مِن الناسِ.\n\n<span id=\"aya-2545\"></span><span data-type='title' id=toc-5989>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا</span>\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢٩٦.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"16","page":299},{"text":"يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: فَأْتُوا بإبراهيمَ، فلما أَتَوا به قالوا له: أأنتَ فعلتَ هذا الذي بآلهتِنا مِن الكسرِ بها يا إبراهيمُ؟ فأجابَهم إبراهيمُ، فقال: بل فَعَله كبيرُهم هذا وعظيمُهم، فاسْأَلُوا الآلهةَ مَن فَعَل بها ذلك وكَسَرها إن كانت تَنْطِقُ أو تُعَبِّرُ عن نفسِها.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5990>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لمَّا أُتِى به واجتَمع له قومُه عندَ ملكِهم نُمْرُودَ، ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾: غَضِبَ مِن أن تَعْبُدوا معه هذه الصِّغارَ وهو أكبرُ منها، فكَسَرَهن (^١).\n\n<span id=\"aya-2546\"></span>حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ الآية: وهى هذه الخَصلةُ التي كادَهم بها (^٢).\nوقد زَعَم بعضُ مَن لا يُصَدِّقُ بالآثارِ، ولا يقبلُ مِن الأخبارِ إلا ما اسْتفاضَ به النقلُ مِن العَوامِّ، أن معنى قولِه: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾. إنما هو: بل فَعَله كبيرُهم هذا إن كانوا يَنْطِقون، فاسْأَلُوهم. أي: إن كانت الآلهةُ المكسورةُ تَنْطِقُ؛ فإن كبيرَهم هو الذي كَسَرهم.\nوهذا قولٌ خلافُ ما تَظاهَرَت به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ، أن إبراهيمَ لم يكذِبْ إلا ثلاثَ كَذَبَاتٍ كلُّها في اللهِ (^٣)، قولُه: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢٩٨.\n(^٢) تقدم تخريجه ص ٢٩٧.\n(^٣) سيأتي تخريجه في تفسير الآية \"٨٩\" من سورة الصافات.","vol":"16","page":300},{"text":"وقولُه: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]. وقولُه لسارةَ: هي أختى. وغيرُ مستحيلٍ أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه أذِن لخليلِه في ذلك ليُقَرِّعَ قومَه به، ويَحْتَجَّ (^١) به عليهم، ويُعَرِّفَهم موضعَ خَطَئهم وسُوءَ نَظَرِهم لأنفسِهم، كما قال مؤذِّنُ يوسف لإخوتِه: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠]. ولم يكونوا سَرَقوا شيئًا.\n\n<span id=\"aya-2547\"></span><span data-type='title' id=toc-5992>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فذَكَروا حينَ قال لهم إبراهيمُ صلوات الله عليه: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾. في أنفسِهم، ورَجَعوا إلى عُقُولِهم، ونظَر بعضُهم إلى بعضٍ، فقالوا: إنكم معشرَ القومِ الظالمون هذا الرجلَ في مسألتِكم إياه، وقيلِكم له: مَن فعَل هذا بآلهتِنا يا إبراهيمُ؟ وهذه آلهتُكم التي فُعِلَ بها ما فُعِلَ حاضِرتُكم فاسْألوها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5991>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال: ارعَوَوْا ورجَعوا عنه - يعنى: عن إبراهيمَ فيما ادَّعوا عليه مِن كَسْرِهن - إلى أنفسِهم فيما بينَهم، فقالوا: لقد ظَلَمْناه وما نَراه إلا كما قال (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ:\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"يجتمع\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٢٩٧.","vol":"16","page":301},{"text":"﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: نظَر بعضُهم إلى بعضٍ، فقالوا: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (^١).\nوقولُه: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: ثم غُلِبوا في الحُجَّةِ، فاحْتَجُّوا على إبراهيمَ بما هو حُجةٌ لإبراهيمَ عليهم، فقالوا: لقد علمتَ ما هؤلاء الأصنامُ يَنْطِقون.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقٍ، قال: ثم قالوا - يعنى قومَ إبراهيم - وعَرَفوا أنها، يعنى آلهتَهم لا تضُرُّ ولا تنفَعُ ولا تَبْطِشُ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾. أي: لا تتكلَّمُ فتُخْبِرَنا مَن صَنَع هذا بها، وما تَبْطِشُ بالأيدِى فنُصَدِّقَك. يقولُ اللَّهُ: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾. في الحُجَّةِ عليهم لإبراهيم حينَ جادَلهم، فقال عندَ ذلك إبراهيمُ حينَ ظَهَرت الحُجَّةُ عليهم بقولِهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾. أَدْرَكَتِ الناسَ حيرةٌ؛ حيرةُ سَوْءٍ (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ثم نُكِسوا في الفتنةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5993>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\n\n<span id=\"aya-2548\"></span>حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) كذا في النسخ، وسقط منها بقية الأثر، وبقيته كما في تاريخ المصنف: قال: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ وتقدم أوله في ص ٢٩٧.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٤٤، وفي البداية ١/ ٣٣٦.","vol":"16","page":302},{"text":"عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ قال: نُكِسوا في الفتنة على رءوسِهم، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ (^١).\nوقال بعضُ أهلِ العربيةِ (^٢): معنى ذلك: ثم رَجَعوا عما (^٣) عَرَفوا مِن حُجَّةِ إبراهيمَ، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾.\nوإِنَّما اختَرْنا القولَ الذي قُلنا في معنى ذلك؛ لأن نَكْسَ الشيءِ على رأسِه، قَلْبُه على رأسِه، وتصْيِيرُ أعْلاه أسفلَه، ومعلومٌ أن القومَ لم يُقْلَبوا على رءوسِ أنفسِهم، وأنهم إنما نُكِست حُجَّتُهم، فأُقِيمَ الخبرُ عنهم مُقامَ الخبرِ عن حُجَّتِهم. وإذ كان ذلك كذلك، فنَكْسُ الحُجَّةِ - لا شكَّ - إنما هو احتجاجُ المُحْتَجِّ على خَصْمِه بما هو حُجَّةٌ لخَصْمِه.\nوأما قولُ السديِّ: ثم نُكِسوا في الفتنةِ. فإنهم لم يكونوا خَرَجوا مِن الفتنةِ قبلَ ذلك فنُكِسوا فيها.\nوأما قولُ مَن قال مِن أهلِ العربيةِ ما ذكرنا عنه، فقولٌ بعيدٌ مِن المفهومِ؛ لأنهم لو كانوا رَجَعوا عما عَرَفوا مِن حُجَّةِ إبراهيمَ، ما احْتَجُّوا عليه بما هو حُجَّةٌ له، بل كانوا يقولون: لا نَسْأَلُهم، ولكن نَسْأَلُك، فأخبِرْنا مَن فعَل ذلك بها، وقد سَمِعنا أنك فعلتَ ذلك؟ ولكن صَدَقوه القولَ فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾. وليس ذلك رجوعًا عمَّا كانوا عَرَفوا، بل هو إقرارٌ به.\n\n<span data-type='title' id=toc-5994>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: قال إبراهيمُ لقومِه: أفتعبدون أيُّها القومُ ما لا ينفعُكم شيئًا ولا\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٤٤، وفي البداية ١/ ٣٣٦.\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٠٧.\n(^٣) في معاني القرآن: \"عندما\".","vol":"16","page":303},{"text":"يضُرُّكم، وأنتم قد علمتُم أنها لم تمنَعُ نفسَها ممن أرادَها بسُوءٍ، ولا هي تقدِرُ أن تَنْطِقَ إن سُئِلَت عمن يأتِيها بسُوءٍ فَتُخْبِرَ به، أفلا تَسْتَحْيون مِن عبادةِ ما كان هكذا؟.\n\n<span id=\"aya-2549\"></span>كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ الآية: يقولُ يرحمُه اللهُ: ألَا تَرَون أنهم لم يَدْفَعوا عن أنفسِهم الضُّرَّ الذي أصابَهم، وأنهم لا يَنْطِقون فيُخْبِرونكم مَن صنَع ذلك بهم، فكيف يَنْفَعونكم أو يَضُرُّون (^١).\n\n<span id=\"aya-2550\"></span>وقولُه: ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾. يقولُ: قُبْحًا لكم وللآلهةِ التي تَعْبُدون مِن دونِ اللَّهِ. أفلا تَعْقِلُون قُبْحَ ما تَفْعَلون مِن عبادتِكم ما لا يضُرُّ ولا ينفعُ، فتَتْرُكوا عبادتَه، وتَعْبُدوا الله الذي فَطَر السماواتِ والأرضَ، والذي بيدِه النفعُ والضَّرُّ.\n\n<span id=\"aya-2551\"></span><span data-type='title' id=toc-5996>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال بعضُ قوم إبراهيمَ لبعض: حَرِّقوا إبراهيمَ بالنار: ﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم ناصِرِيها، ولم تُرِيدوا تَرْكَ عبادتِها.\nوقيل: إن الذي قال ذلك رجلٌ مِن أكرادِ فارسَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-5995>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢٩٧.","vol":"16","page":304},{"text":"﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾. قال: قالَها رجلٌ مِن أعرابِ (^١) فارسَ، يعنى الأكراد (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قال: أخبَرني وهبُ بنُ سليمانَ، عن شعيبٍ الجَبائيِّ، قال: إن الذي قال: ﴿حَرِّقُوهُ﴾ هيزنُ، فَخَسَف اللهُ به الأرضَ، فهو يَتَجَلْجَلُ فيها إلى يومِ القيامةِ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: أجمعَ نُمْرودُ وقومُه في إبراهيمَ فقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾. أي: لا تَنْصُروها منه إلا بالتَّحْريقِ بالنارِ إِن كُنتُم ناصِرِيها (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن الحسنِ بن دينارٍ، عن ليثِ بن أبى سُلَيمٍ، عن مجاهدٍ، قال: تَلُوتُ هذه الآيةَ على عبدِ اللهِ بن عمرَ، فقال: أتدرى يا مجاهدُ من الذي أشارَ بتحْريقِ إبراهيمَ بالنارِ؟ قال: قلتُ لا. قال: رجلٌ مِن أعرابِ فارسَ. قلتُ: يا أبا عبدِ الرحمنِ، وهَلْ للفُرْسِ أعرابٌ؟ قال: نعم، [الكُرْدُ هم] (^٥) أعرابُ فارسَ؛ فرجلٌ منهم هو الذي أشارَ بتَحْريقِ إبراهيمَ بالنارِ (^٦).\n_________\n(^١) في ت ٢: \"أكراد\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٤٠، ٢٤١.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٤١ وفيه: \"هينون\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٢ إلى ابن أبي حاتم وفيه: \"هبون\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٢٩٧.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الكند هي\".\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٤٠.","vol":"16","page":305},{"text":"<span id=\"aya-2552\"></span>وقولُه: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. وفى الكلامِ متروكٌ اجتُزِئ بدلالةِ ما ذُكِر عليه منه، وهو: فأوْقَدُوا له نارًا ليُحَرِّقوه، ثم أَلْقَوه فيها، فقلنا للنارِ: يا نارُ كوني بردًا وسلامًا على إبراهيمَ.\nوذُكِر أنهم لمَّا أرادوا إحْراقَه بَنَوا له بُنْيانًا، كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧]. قال: فحَبَسُوه في بيتٍ، وجَمَعوا له حَطَبًا، حتى إن كانتِ المرأةُ لتَمْرَضُ فتقولُ: لئن عافانى اللهُ لأجمْعنَّ حَطَبًا لإبراهيمَ. فلما جَمَعوا له، وأكثَروا مِن الحطبِ، حتى إن الطيرَ لتَمُرُّ بها فتحترقُ مِن شِدَّةِ وَهَجِها، فعَمَدوا إليه فرَفَعوه على رأسِ البنيانِ، فرفَع إبراهيمُ ﷺ رأسَه إلى السماءِ، فقالت السماءُ والأرضُ والجبالُ والملائكةُ: ربَّنا، إبراهيمُ يُحْرَقُ فيك. فقال: أنا أعلمُ به، وإنْ دَعاكم فأَغِيثوه. وقال إبراهيمُ حينَ رَفَع رأسه إلى السماءِ: اللهمِّ أنت الواحدُ في السماءِ، وأنا الواحدُ في الأرضِ، ليس في الأرضِ أحدٌ يعبدُك غيرى، حَسْبي اللهُ ونعمَ الوكيلُ. فقَذَفوه في النارِ، فناداها فقال: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. فكان جبريلُ ﵇ هو الذي ناداها - وقال ابن عباسٍ: لو لم يُتبَعْ بَرْدُها \"سلاما\" لماتَ إبراهيمُ مِن شدَّةِ بَرْدِها، فلم يَبْقَ يومَئِذٍ نَارٌ في الأرضِ إِلا طُفِئتْ، ظَنَّتْ أنها هي تُعْنى - فلما طُفِئَتِ النارُ نَظَروا إلى إبراهيمَ، فإذا هو ورجلٌ آخَرُ معه، وإذا رأسُ إبراهيمَ في جُرِه يمسَحُ عن وَجْهِهِ العَرَقَ، وذُكِر أن ذلك الرجلَ هو مَلَكُ الظَّلِّ، وأنزلَ اللهُ نارًا فانتفَعَ بها بنو آدمَ، وأخْرَجوا إبراهيمَ، فأدخَلوه على المَلِكِ، ولم يكنْ قبلَ ذلك دخَل عليه (^١).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٤١، ٢٤٢. وذكره السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٢، مقتصرًا على أن القائل للنار هو جبريل وعزاه إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":306},{"text":"حدَّثني أحمدُ (^١) بنُ المقدامِ أبو الأشْعثِ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمعتُ أبي، قال: ثنا قتادةُ، عن أبي سليمانَ، عن كعبٍ، قال: ما أحْرقَت النارُ مِن إبراهيم إلا وَثاقَه (^٢).\nحدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتَادَة قولَه: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. قال: ذُكِر لنا أن كَعْبًا كان يقولُ: ما انتفَعَ بها يومَئذٍ أحدٌ مِن الناسِ. وكان كعبٌ يقولُ: ما أحرقَت النارُ يومَئِذٍ إلا وَثاقَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن شيخٍ، عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ في قولِه: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ قال: بَرَدَتْ عليه حتى كادت تقتُلُه، حتى قيل: ﴿وَسَلَامًا﴾. قال: لا تَضُرِّيه (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: أخبرَنا إسماعيلُ، عن المِنْهالِ بن عمرٍو، قال: قال إبراهيمُ خليلُ اللهِ: ما كنتُ أيامًا قَطُّ أَنْعَمَ مِنِّي مِن الأيامِ التي كنتُ فيها في النارِ (^٤).\n_________\n(^١) في النسخ: \"إبراهيم\"، وتقدم مرارًا.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٤٣ بدون ذكر كعب. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٣) تفسير الثورى ص ٢٠٢، وأخرجه ابن أبي شيبة، ١١/ ٥١٩، ٥٢٠، وأحمد في الزهد ص ٧٩ من طريق الأعمش - وعند ابن أبي شيبة الشيخ المبهم عبد الله بن مليل، وعند أحمد: عبد الله بن فلفل رجل من آل أبي ليلى. والظاهر أنه تصحيف عن الأول. وينظر التاريخ الكبير ٥/ ١٩٢، والجرح والتعديل ٥/ ١٦٨ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦/ ١٩١ من طريق أبي كريب به، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٣٤٦ -، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٠، وابن عساكر في تاريخه ٦/ ١٩١ من طريق إسماعيل به.","vol":"16","page":307},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: لمَّا أُلْقِى إبراهيمُ خليلُ اللهِ ﷺ في النارِ، قال الملَكُ خازنُ المطرِ: ربِّ، خليلُك إبراهيمُ! رَجا أن يُؤذَنَ له [فيُمطِرَ عليه] (^١)، قال: فكان أمرُ اللهِ أسرعَ مِن ذلك فقال: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. فلم يَبْقَ في الأرضِ نارٌ إلا طُفِئَت (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن الحارثِ، عن أبي زُرْعَةَ، عن أبي هريرةَ، قال: إن أحسنَ شيءٍ قاله أبو إبراهيمَ لمَّا رَفَع عنه الطَّبَقَ وهو في النارِ، وجَدَه يرشَحُ جبينُه، فقال عندَ ذلك: نِعْمَ الربُّ ربُّك يا إبراهيمُ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال أخبرَني وهبُ بن سليمانَ، عن شعيبٍ الجَبَائيِّ، قال: أُلْقِى إبراهيمُ في النارِ وهو ابن ستَّ عَشْرةَ سنةً، وذُبِح إسحاقُ (^٤) وهو ابن سبعِ (^٥) سنينَ، ووَلَدَته سارةُ وهي ابنةُ تسعين سنةً، وكان مذبحُه مِن بيتِ إيلياءَ على ميلَين، ولما عَلِمت سارةُ بما أراد بإسحاقَ بُطِنت يومين، وماتَت اليومَ الثالثَ (^٦).\nقال ابن جريج: قال كعبُ الأحبارِ: ما أحرقَتِ النارُ مِن إبراهيمَ شيئًا غيرَ وَثاقِه الذي أوثَقوه به.\n_________\n(^١) في م، والدر المنثور: \"فيرسل المطر\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٢ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٣ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) الصحيح أن الذبيح هو إسماعيل ﵇، وينظر تعليقنا في تفسير الآية (١٠٧) من سورة الصافات.\n(^٥) في علل أحمد: \"تسع\".\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٤٩، وأخرجه أحمد في العلل - رواية عبد الله - ١/ ١٠١، ١٠٢، وهو في عرائس المجالس ص ٦٨ من قول الشعبي.","vol":"16","page":308},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمانَ التَّيْمِيُّ، عن بعضِ أصحابهِ، قال: جاء جبريلُ إلى إبراهيمَ ﵉ وهو يُوثَقُ، أو يُقَمَّطُ، لِيُلقَى في النارِ، قال: يا إبراهيمُ ألك حاجةٌ؟ قال: أمَّا إليك فلا (^١).\nقال: ثنا معتمرٌ، قال: ثنا ابن كعبٍ، عن أرقمَ، أن إبراهيمَ قال حينَ جَعَلوا يُوثِقونه ليُلْقُوه في النارِ: لا إلهَ إلا أنت سبحانَك ربُّ العالمين، لك الحمدُ، ولك الملكُ لا شريكَ لك (^٢).\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾. قال: السلامُ لا يُؤْذِيه بَرْدُها، ولولا أنه قال: ﴿وَسَلَامًا﴾ لكان البَرْدُ أشدَّ عليه [من الحرِّ] (^٣) (^٢).\nقال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿بَرْدًا﴾. قال: فبَرَدَتْ عليه، ﴿وَسَلَامًا﴾ لا يُؤذيه.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. قال: قال كعبٌ: ما انتفَعَ أحدٌ مِن أهلِ الأرضِ يومَئذٍ بنارٍ، ولا أحرقَتِ النارُ يومَئِذٍ شيئًا إلا وَثاقَ إبراهيمُ.\nوقال قتادةُ: لم تأتِ يومَئِذٍ دابةٌ إلا أطفأتْ عنه النارَ، إِلا الوَزَغَ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٤٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٣ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) الوزغة: سام أبرص، والجمع وزغ. اللسان (وز غ).\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤، ٢٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"16","page":309},{"text":"وقال الزهريُّ: أَمَر النبيُّ ﷺ بقَتْلِه، وسَمَّاه فُوَيسِقًا (^١).\n\n<span id=\"aya-2553\"></span>وقوله: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأرادوا بإبراهيمَ كَيْدًا، ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾. يعنى: الهالِكين.\nوقد حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾. قال: أَلْقَوا شيخًا منهم في النارِ؛ لأَنْ يُصِيبوا نَجاتَه، كما نجَا إبراهيمُ ﵇، فاحْتَرَق (^٢).\n\n<span id=\"aya-2554\"></span><span data-type='title' id=toc-5997>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ونَجَّينا إبراهيمَ ولوطًا مِن أعدائِهما؛ نُمْرودَ وقومِه، مِن أرضِ العراقِ ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ وهى أرضُ الشامِ، فارَق صلواتُ اللهِ عليه قومَه ودينَهم وهاجَر إلى الشامِ.\nوهذه القصةُ التي قَصَّ اللهُ مِن نَبَأِ إبراهيمُ وقومه، تذكيرٌ منه بها قومَ محمدٍ ﷺ مِن قريشٍ أنهم قد سَلَكوا في عبادتِهم الأوثانَ وأَذَاهم محمدًا على نَهْيِه عن عبادتِها (^٣)، ودُعائِهم إلى عبادةِ اللهِ مُخْلِصين له الدينَ - مَسْلكَ [أعداءِ أبيهم إبراهيمَ] (^٤)، ومُخالفتَهم دينَه، وأن محمدًا في (^٥) براءتِه مِن عبادتِها،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥ عن معمر به.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٣ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"عبادته\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أعدائهم\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"من\".","vol":"16","page":310},{"text":"وإخْلاصِه (^١) العبادةَ للهِ، وفى دُعائِهم إلى البراءةِ من الأصنامِ، وفي الصَّبْرِ على ما يَلْقَى منهم في ذلك - سالكٌ مِنْهاجَ أبيه إبراهيمَ، وأنه مُخْرِجُه مِن بين أَظْهُرِهم، كما أخرجَ إبراهيمَ مِن بين أظْهُرِ قومِه، حينَ (^٢) تَمادوا في غَيِّهِم، إِلى مُهَاجَرِهِ مِن أَرضِ الشامِ، ومُسَلٍّ بذلك نبيَّه محمدًا ﷺ عما يَلْقى مِن قومِه من المَكْروهِ والأذَى، ومُعْلِمُه أَنه مُنَجِّيه منهم، كما نَجَّى أباه إِبراهيمَ مِن كَفَرَةِ قومِه.\nوقد اختلفَ أهلُ التأويلِ في الأرضِ التي ذَكَر اللهُ أنه نَجَّى إبراهيمَ ولوطًا إليها، ووَصْفه أنه بارَك فيها للعالمين؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذي قُلنا في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-5998>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسينُ (^٣) بن حُرَيثٍ المَرْوَزِيُّ أبو عمارٍ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن الحسينِ بن واقدٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أُبيِّ بن كعبٍ: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾. قال: الشامُ، وما مِن ماءٍ عَذْبٍ إلا خَرَج مِن تلك الصخرةِ التي ببيتِ المقدسِ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن قُراتِ القَزَّازِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. قال: الشامُ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"إصلاحه\".\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"حتى\".\n(^٣) في ت ١ ت ٢، ف: \"الحسن\". وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٣٥٨.\n(^٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١/ ١٤٠ من طريق أبي عمار به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٣ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) تقدم تخريجه في ١٠/ ٤٠٥.","vol":"16","page":311},{"text":"حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾: كانا بأرضِ العراقِ، فأُنْجِيا إلى أرضِ الشامِ، وكان يقالُ للشامِ: عمادُ (^١) دارِ الهجرةِ، وما نَقَص مِن الأرضِ زِيد في الشامِ، وما نَقَص مِن الشامِ زِيد في فِلَسْطينَ، وكان يقالُ: هي أرضُ المحشرِ والمَنْشَرِ، وبها مَجْمَعُ الناسِ، وبها ينزلُ عيسى ابن مريمَ، وبها يُهْلِكُ اللهُ مسيحَ (^٢) الضلالةِ الكذَّابَ الدَّجَّالَ (^٣).\nوحدثنا أبو قِلَابةَ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"رأيتُ فيما يَرَى النائمُ كأن الملائكةَ حَمَلَت عَمُودَ الكتابِ فوَضَعَته بالشامِ، فأَوَّلْتُه أَن الفِتَنَ إِذا وَقَعَت فإن الإيمانَ بالشامِ\" (^٤).\nوذُكِر لنا أن رسولَ - اللهِ ﷺ قال ذاتَ يومٍ في خُطْبَتِه: \"إِنَّه كائِنٌ بالشامِ جُنْدٌ، وبالعراقِ جُنْدٌ، وباليمنِ جندٌ\". فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، خِرْ لى. فقال: \"عليك بالشامِ، فإنَّ الله قد تَكَفَّلَ لى بالشامِ وأهْلِه، فمَنْ أَتَى فَلْيَلْحَقْ بيمنِه (^٥) وَلْيَسْتَقِ بغُدُرِه (^٦) \".\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أعقاب\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"مسيخ\"، وفي م، ف، والدر المنثور: \"شيخ\".\n(^٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١/ ١٨١ من طريق سعيد وخليد به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١/ ١١٠ من طريق أبي قلابة عن عبد الله بن عمرو به. وأخرجه في ١/ ١٠١ - ١١٣ من طرق عن عبد الله بن عمرو وأبي الدرداء وعمرو بن العاص وعمر بن الخطاب وأبي أمامة وعائشة وعبد الله بن حوالة.\n(^٥) في النسخ: \"بأمنه\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٦) في م: \"بقدره\". والغُدُر جمع غدير، وهو النهر الصغير.\nوالحديث أخرجه الطبراني في الأوسط (٣٨٥١)، وفي مسند الشاميين ١/ ٢٢٨ من حديث عبد الله بن عمر. وأخرجه في الكبير (٢٢/ ٥٥، ١٣٠، ٥٨، ١٣٧، ١٣٨) من حديث واثلة بن الأسقع، وأخرجه في =","vol":"16","page":312},{"text":"وذُكِر لنا أن عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ قال: يا كعبُ، ألا تَتَحوَّلُ إلى المدينةِ؛ فإنها مُهاجَرُ رسولِ اللهِ ﷺ وموضعُ قبرِه؟ فقال له كعبٌ: يا أميرَ المؤمنين، إني أجِدُ في كتاب اللهِ المُنَزَّلِ، أن الشامَ كَنْزُ اللهِ مِن أرضِه، وبها كنزُه مِن عبادِه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قَتَادةَ: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾. قال: هاجَرا جميعًا من كُوثَى (^٢) إلى الشامِ (^٣).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: انطَلَق إبراهيمُ ولوطٌ قِبَلَ الشامِ، فلَقِيَ إبراهيمُ سارةَ، وهى بنتُ ملكِ حَرَّانَ، وقد طَعَنَت على قومها في دينهم، فتَزَوَّجها على أَلَّا يُغَيِّرَها (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: خَرَج إبراهيمُ مُهاجِرًا إلى ربِّه، وخَرَج معه لوطٌ مُهاجِرًا، وتَزوَّج سارَةَ ابنة عمِّه، فخَرج بها يَلْتَمِسُ الفِرارَ بدينِه والأمانَ على عبادةِ ربِّه، حتى نَزَلَ حَرَّانَ، فمكَث فيها ما شاء اللهُ أن يَمْكُثَ، ثم خَرَج منها مُهاجِرًا حتى قَدِمَ مصرَ، ثم خَرَجَ مِن مصر إلى الشامِ، فنَزَل السَّبْعَ مِن أرضِ فِلَسطينَ، وهي بَريَّةُ الشامِ، ونَزل لوطٌ\n_________\n= مسند الشاميين ١/ ٢٩٢، ٥٧٠، ٢/ ١٠٥٤، والحاكم ٤/ ٥١٠ من حديث عبد الله بن حوالة. وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ١/ ٥٦ - ٨٣ من طرق عن عبد الله بن حوالة وعبد الله بن عمر ووائلة بن الأسقع وعبد الله بن الأسقع وأبي الدرداء والعرباض بن سارية.\n(^١) أخرجه. معمر في جامعه (٢٠٤٥٩)، والبغوى في تفسيره ٥/ ٣٢٩ وابن عساكر في تاريخه ١/ ١٢١، ١٢٢ من طرق عن عمر.\n(^٢) كُوثَي: موضع بسواد العراق في أرض بابل. معجم البلدان ٤/ ٣١٧.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٠.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٤٤. وقال ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٤٧: وهو غريب، والمشهور أنها ابنة عمه.","vol":"16","page":313},{"text":"بالمؤتفكةِ، وهى مِن السَّبْعِ على مسيرةِ يومٍ وليلةٍ، أو أقرب من ذلك، فبَعَثَه اللهُ نبيًّا ﷺ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾. قال: نَجَّاه مِن أرضِ العراقِ إلى أرضِ الشامِ.\nقال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾. قال: ليس ماءٌ عذبٌ إلا يَهْبِطُ إلى الصخرةِ التي ببيتِ المقدسِ. قال: ثم يَتَفَرَّقُ في الأرضِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾. قال: إلى الشامِ.\nوقال آخرون: بل يعنى مكةَ، وهى الأرضُ التي قال اللهُ تعالى: ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-5999>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾: يعنى مكةَ، ونُزُولَ إسماعيلَ البيتَ، ألَا تَرى أنه يقولُ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٢٩٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٣ إلى عبد بن حميد.","vol":"16","page":314},{"text":"بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (^١) [آل عمران: ٩٦].\nقال أبو جعفرٍ: وإنما اختَرنا ما اختَرنا مِن القولِ في ذلك لأنه لا خلافَ بينَ جميعِ أهلِ العلمِ أن هجرةَ إبراهيمَ مِن العراقِ كانت إلى الشامِ، وبها كان مُقامه أيامَ حياتِه، وإن كان قد كان قدِم مكةَ، وبَنَى بها البيتَ، وأسْكَنَها إسماعيلَ ابنَه مع أمِّه هاجرَ، غيرَ أنه لم يُقِمْ بها، ولم يَتَّخِذْها وَطَنًا لنفسِه، ولا لوطٌ، واللهُ إنما أخبَر عن إبراهيمَ ولوطٍ أنهما أُنجيا (^٢) إلى الأرضِ التي بارك (^٣) فيها للعالمين.\n\n<span id=\"aya-2555\"></span><span data-type='title' id=toc-6001>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ووَهَبْنا لإبراهيمَ إسحاق ولدًا، ويعقوبَ ولدَ ولدِه، نافلةً له (^٤).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿نَافِلَةً﴾؛ فقال بعضُهم: عَنَى به يعقوبَ خاصةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-6000>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾. يقولُ: وَوَهَبْنا\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٤٧.\n(^٢) في م، ت ١: \"أنجاهما\"، وفى ص، ف: \"أنجاه\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"باركنا\".\n(^٤) في م: \"لك\".","vol":"16","page":315},{"text":"له إسحاقَ ولدًا، ويعقوبَ ابنَ ابنٍ، نافلةً (^١).\nحدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾: والنافلةُ ابن ابنِه يعقوبُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾. قال: سأل واحدًا فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠]. فأعْطاه واحدًا، وزادَه يعقوبَ، ويعقوبُ ولدُ ولدِه.\nوقال آخرون: بل عنَى بذلك إسحاق ويعقوب. قالوا: وإنما معنى النافلةِ: العَطِيَّةُ، وهما جميعًا من عطاءِ اللهِ أعْطاهما إياه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6002>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾. قال: عَطِيَّةً (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾. قال: عطاء (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٣ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٤٨.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٢٠٢.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٧٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٣ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"16","page":316},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وقد بَيَّنا فيما مضَى قبلُ، أن النافلةَ: الفضلُ مِن الشيءِ، يصيرُ إلى الرجلِ مِن أيِّ شيءٍ كان ذلك (^١)، وكِلَا وَلدَيه إسحاقَ ويعقوبَ كان فضلًا مِن اللَّهِ تَفَضَّل به على إبراهيمَ، وهِبةً منه له. وجائزٌ أن يكونَ عنَى به أنه آتاهما إياه جميعًا نافلةً منه له، وأن يكونَ عنَى أنه آتاه نافلةً يعقوبَ. ولا برهانَ يَدُلُّ على أيِّ ذلك المرادُ مِن الكلامِ، فلا شيءَ أَوْلَى أن يقالَ في ذلك مما قال اللهُ: ووَهَب اللهُ لإبراهيمَ إسحاقَ ويعقوبَ نافلةً.\nوقولُه: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾. [يقولُ: وكلُّهم جعَلنا صالحين] (^٢). يعني: عاملين بطاعة الله، مُجْتَنِبين محارمَه.\nوعنَى بقولِه: ﴿وَكُلًّا﴾: إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ.\n\n<span id=\"aya-2556\"></span>وقولُه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلنا إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ أئمةً يُؤتَمُّ بهم في الخيرِ في طاعةِ اللهِ في اتِّباعِ أمْرِه ونَهْيِه، ويُقتدى بهم ويُتَّبَعون عليه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾: جَعَلهم اللهُ أئمةً يُقتدَى بهم في أمرِ اللَّهِ (^٣).\nوقولُه: ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. يقولُ: يَهْدُون الناسَ بأمرِ اللَّهِ إِيَّاهم بذلك، ويَدْعُونهم إلى اللَّهِ وإلى عبادتِه.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١١/ ١٠.\n(^٢) سقط من: م، ف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":317},{"text":"وقولُه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأَوْحَينا فيما أوحَينا: أن افْعَلوا الخيراتِ، وأقِيموا الصلاةَ بأمْرِنا بذلك. ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾. يقولُ: كانوا لنا خاشِعِين، لا يَسْتَكْبِرون عن طاعتِنا وعبادتِنا.\n\n<span id=\"aya-2557\"></span><span data-type='title' id=toc-6003>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وآتَينا لوطًا حُكْمًا، وهو فَضْلُ القضاءِ بينَ الخصومِ. ﴿وَعِلْمًا﴾. يقولُ: وآتَيناه أيضًا عِلْمًا بأمْرِ دينِه، وما يجبُ عليه للَّهِ مِن فرائضِه.\nوفى نَصْبِ \"لوط\" وجهان؛ أن يُنْصَبَ لتعلُّقِ الواوِ بالفعلِ، كما قلنا: وآتَينا لوطًا. والآخرُ، بمضمرٍ بمعنى: واذكُرْ لوطًا.\nوقولُه: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾. يقولُ: ونَجَّيناه مِن عذابِنا الذي أحْلَلْناه بأهلِ القريةِ التي كانت تعملُ الخبائثَ، وهي قريةُ سَدُومَ التي كان لوطٌ بُعِث إلى أهلِها، وكانت الخبائث التي يَعْمَلُونها؛ إتيانَ الذُّكران في أدْبارهم، وحَذْفَهم (^١) الناسَ، وتَضارُطَهم في أنديَتِهم، مع أشياءَ أُخَرَ كانوا يَعْمَلُونَها مِن المُنكرِ، فأخرَجَه اللهُ حينَ أراد إهلاكَهم إلى الشامِ.\nكما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: أخرَجهم اللهُ - يعنى لوطًا وابنتَيه ريثا وزغرتا (^٢) - إلى الشامِ حينَ أرادَ إهلاكَ قومِه (^٣).\nوقولُه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾. مُخالِفين أمرَ اللَّهِ، خارِجين عن طاعتِه وما يَرْضَى من العملِ.\n_________\n(^١) في م: \"خذفهم\".\n(^٢) في م: \"زعرثا\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٢/ ٤٩٧.","vol":"16","page":318},{"text":"<span id=\"aya-2558\"></span><span data-type='title' id=toc-6004>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: وأَدْخَلْنا لوطًا في رحمتِنا بانجائِنا إياه مما أحْلَلْنا بقومِه مِن العذابِ والبلاءِ، وإنقاذِناه ﴿إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. يقولُ: إن لوطًا مِن الذين كانوا يَعْمَلون بطاعتِنا، ويَنْتَهُون إلى أمرِنا ونَهْيِنا، ولا يَعْصُونَنا.\nوكان ابن زيدٍ يقولُ في معنى قولِه: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾ ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾. قال: في الإسلام.\n\n<span id=\"aya-2559\"></span><span data-type='title' id=toc-6005>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واذكُرْ يا محمدُ نوحًا إذ نادَى ربَّه مِن قبلِك، ومِن قبلِ إبراهيمَ ولوطٍ، وسألَنا أن نُهلِكَ قومَه الذين كذَّبوا الله فيما تَوَعَّدَهم به مِن وَعيدِه، وكذَّبوا نوحًا فيما أتاهم به من الحقِّ مِن عندِ ربِّه وقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]. فاسْتَجَبنا له دعاءَه. ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾. يعني بـ \"أهلِه\" أهلَ الإيمانِ به من ولدِه وحَلائلِهم، ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. يعنى بـ\"الكَرْبِ العظيمِ\": العذابَ الذي حَلَّ (^١) بالمكُذِّبين مِن الطوفانِ والغَرَقِ.\nوالكَرْبُ شدَّةُ الغَمِّ، يقالُ منه: قد كَرَبَنى هذا الأمرُ، فهو يَكْرُبُنِي كَرْبًا.\n\n<span id=\"aya-2560\"></span>وقولُه: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: وَنَصَرْنا نوحًا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ف: \"أحل\".","vol":"16","page":319},{"text":"على القومِ الذين كذَّبوا بحُجَجِنا وأدلتِنا، فأنْجَيناه منهم، فأَغْرَقْنَاهم أجمعين ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن قومَ نوحٍ الذين كذَّبوا بآياتِنا كانوا قومَ سَوْءٍ، يُسِيئُون الأعمالَ، فيُعْصُون الله، ويُخالفون أمرَه.\n\n<span id=\"aya-2561\"></span><span data-type='title' id=toc-6007>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واذكُرْ داودَ وسليمانَ يا محمدُ إذ يَحْكُمان في الحرْثِ.\nواختلف أهلُ التأويلِ في ذلك الحرْثِ، ما كان؟ فقال بعضُهم: كان نَبْتًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6006>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، إسحاق، عن [أبي إسحاقَ] (^١) مُرَّةَ في قولِه: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾. قال: كان الحرثُ نَبْتًا (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن غَنَمَ القومِ وَقَعَت في زَرْعٍ لَيْلًا (^٣).\nوقال آخرون: بل كان ذلك الحرْثُ كَرْمًا.\n_________\n(^١) في ص، م: \"ابن إسحاق\". وتقدم مرارًا.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور، وهو في تفسير سفيان ص ٢٠٢ عن أبي إسحاق، عن مرة، عن مسروق قال: الحرث عنب.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٤ إلى المصنف.","vol":"16","page":320},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6008>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن أشعثَ، عن أبي إسحاقَ، عن مرَّةَ، عن ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾. قال: كَرْمٌ قد أنبتَتْ عناقيدُه (^١).\nحدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن شَريكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن مسروقٍ، عن شُريحٍ، قال: كان الحرثُ كَرْمًا (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأولَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ ما قال اللهُ ﵎: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾. والحرْثُ إنما هو حَرْثُ الأرضِ، وجائزٌ أن يكونَ ذلك كان زَرْعًا، وجائزٌ أن يكونَ كان (^٣) غَرْسًا، وغيرُ ضائرٍ الجهلُ بأيِّ ذلك كان.\nوقولُه: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾. يقولُ: حينَ دخلَتْ في هذا الحرْثِ عْنَمُ القومِ الآخرين من غيرِ أهلِ الحرْثِ ليلًا، فرَعَتْه و(^٤) أَفْسَدْته. ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾. يقولُ: وكنا لحكْمِ (^٥) داودَ وسليمانَ والقومِ الذين حكَم بينَهم فيما أفسَدتْ غنَمُ أهلِ الغنَمِ من حرْثٍ أهل الحرثِ - شاهدِين لا يخفَى علينا منه شيءٌ، ولا يغيبُ عنا علْمُه.\n\n<span id=\"aya-2562\"></span>وقولُه: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾. يقولُ: ففهَّمنا القضيةَ في ذلك سُلَيْمانَ دونَ\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٨٨ - ومن طريقه البيهقى ١٠/ ١١٨، وابن عساكر في تاريخه ٢٢/ ٢٣٤ - من طريق المحاربي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٤ إلى ابن مردويه.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٤٦، وينظر ص ٣٢٤.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ص، م، ت ١: \"أو\".\n(^٥) في ت ٢: \"لحكمهم\".","vol":"16","page":321},{"text":"داودَ، ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. يقولُ: وَكلَّهم من داودَ وسليمانَ والرسلِ الذين ذكَرهم في أوّلِ هذه السورةِ ﴿آتَيْنَا حُكْمًا﴾، وهو النبوَّةُ، ﴿وَعِلْمًا﴾. يعنى: وعلْمًا بأحكامِ اللهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6009>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ وهارونُ بنُ إدريسَ الأصمُّ، قالا: ثنا المحاربيُّ، عن أشعثَ، عن أبي إسحاقَ، عن مرَّةَ، عن ابن مسعود في قولِه: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾، قال: كَرْمٌ قد أنبتَت عناقيدُه فأفسَدته. قال: فقضَى داودُ بالغنمِ لصاحبِ الكرْمِ، فقال سليمانُ: غير هذا يا نبيَّ اللهِ. قال: وما ذاكَ؟ قال: يُدفَعُ الكرْمُ إلى صاحبِ الغنمِ، فيقومُ عليه حتى يعودَ كما كان، وتُدفَعُ الغنمُ إلى صاحبِ الكرْمِ فيُصيبُ منها، حتى إذا كان الكرْمُ كما كان، دفَعتَ الكرمَ إلى صاحبِه، ودفَعتَ الغنمَ إلى صاحبِها. فذلك قولُه: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾. يقولُ: كنا لما حكَما شاهدين؛ وذلك أن رجُلين دخَلا على داودَ، أحدُهما صاحبُ حرْثٍ، والآخرُ صاحبُ غنَمٍ، فقال صاحبُ الحرْثِ: إن هذا أرسَل غنَمَه في حَرْثِى، فلم يُبْقِ من حَرْثى شيئًا. فقال له داودُ: اذهَبْ فإن الغنَمَ كلَّها لك. فقضَى بذلك داودُ، ومَرَّ صاحبُ الغنَمِ بسليمانَ فأخبرَه بالذي قضَى به داودُ، فدخلَ سليمانُ على داودَ، فقال: يا نبيَّ اللهِ، إن القضاءَ سِوى الذي قضَيْتَ. فقال: كيف؟ قال سليمانُ: إِن الحَرْثَ لا يَخْفَى\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"16","page":322},{"text":"على صاحبِه ما يخرُجُ منه في كُلِّ عامٍ، فله من صاحبِ الغنَمِ أن يبيعَ (^١) من أولادِها وأصوافِها وأشعارِها حتى يستوفِيَ ثمنَ الحرْثِ، فإن الغنَمَ لَها نَسْلٌ في كلِّ عامٍ. فقال داودُ: قد أَصَبْتَ، القضاءُ كما قضيْتَ. ففهَّمَها اللهُ سليمانَ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عليّ بن زيدٍ، قال: ثنى خليفةُ، عن ابن عباسٍ، قال: قضَي داودُ بالغنَمِ لأصحابِ الحرْثِ، فخرَج الرِّعاءُ (^٣) الكلابُ، فقال سليمانُ: كيف قضَى بينكم (^٤)؟ فأخبرَوه، فقال: لو وافيْتُ أمرَكم (^٥) لقضَيْتُ بغيرِ هذا. فأُخبِر بذلك داودُ، فدعاه فقال: كيف تقضِى بينَهم؟ قال: أَدْفَعُ الغنَمَ إلى أصحابِ الحرْثِ، فيكونُ لهم أولادُها وألبانُها وسِلاؤُها (^٦) ومنافعُها، ويَبذُرُ أصحابُ الغنَمِ لأهلِ الحرْثِ مثلَ حرْثِهم، فإذا بلَغ الحرْثُ الذي كان عليه، أخَذ أصحابُ الحرْثِ الحرْثَ، وردُّوا الغنم إلى أصحابِها (^٧).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسَى، قال: ثنا ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾. قال: أَعْطاهم داودُ رِقابَ الغنمِ بالحرْثِ، وحكَم سليمانُ بجِزَّةِ (^٨) الغنمِ وألبانِها لأهلِ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"يبتع\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٤ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، م، ف: \"الرعاة\".\n(^٤) في ص، ت ١، ف: \"بينهم\"، وفى ت ٢: \"معهم\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"أمرهم\".\n(^٦) السلاء: السمن. تاج العروس (س ل أ).\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٤٩ عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد به.\n(^٨) الجزة: صوف الشاة في سنة. تاج العروس (ج ز ز).","vol":"16","page":323},{"text":"الحرْثِ، وعليهم رِعايتُها على أهلِ الحرْثِ، ويحرُثُ لهم أهلُ الغنمِ حتى يكونَ الحرْثُ كهيئتِه يومَ أُكِلَ، ثم يدفَعونَه إلى أهلِه، ويأْخُذونَ غنمَهم (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنى ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ بنحوِه، إلا أنه قال: وعليهم رَعْيُها (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي (^٣) إسحاقَ، عن مُرَّةَ في قولِه: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾. قال: كان الحرْثُ نبْتًا، فنفَشَتْ فيه ليلًا، فاختَصَموا فيه إلى داودَ، فقضَى بالغنَمِ لأصحابِ الحرْثِ، فمرُّوا على سليمانَ، فذكَروا ذلك له، فقال: لا، تُدفَعُ الغنم فيُصيبونَ منها - يعنى أصحابَ الحرْثِ - ويقومُ هؤلاءِ على حَرْثِهم، فإذا كان كما كان، رَدُّوا عليهم. فنزلَت: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (^٤).\nحدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن شَريكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن مَسروقٍ، عن شُريحٍ في قولِه: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾. قال: كان النفْشُ ليلًا، وكان الحرْثُ كَرْمًا. قال: فجعَل داودُ الغنمَ لصاحبِ الكَرْمِ. قال: فقال سليمانُ: إن صاحبَ الكرْمِ قد بَقِى له أَصْلُ أَرْضِه، وأَصْلُ كَرْمِهِ، فَاجْعَلْ له أصوافَها وألبانَها. قال: فهو قولُ اللهِ: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٨٤٣٥) عن ابن جريج، عن مجاهد.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"رعيتها\".\n(^٣) في ص، م، ت ١: \"ابن\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٤ إلى المصنف.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦، وفى المصنف (١٨٤٣٣) من طريق أبي إسحاق، عن مرة، عن مسروق من قوله، وهو في تفسير مجاهد ص ٤٧٣ من طريق مرة، عن مسروق. وعزاه السيوطي في الدر=","vol":"16","page":324},{"text":"حدَّثنا ابن أبي زيادٍ، قال: ثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ، عن عامرٍ، قال: جاءَ رجُلانِ إلى شُرَيحٍ، فقال أحدُهما: إن شاةَ (^١) هذا قطعتْ غَزْلًا لي. فقال شُريحٌ: نهارًا أم ليلًا (^٢)؟ قال: فإن كان نهارًا فقد برِئ صاحبُ الشاةِ، وإن كان ليلًا فقد ضَمِنَ. ثم قرأ: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾. قال: كان النفْشُ ليلًا (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن عامرٍ، عن شُريحٍ بنحوِه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، عن شُريحٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتَادةَ قولَه: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ الآية: النفْشُ بالليلِ، والهَمَلُ بالنهارِ. وذُكِر لنا أن غنَمَ القومِ وقَعتْ في زَرْعٍ ليلًا، فرُفِع ذلك إلى داودَ، فقضَى بالغنمِ لأصحابِ الزرعِ، فقال سليمانُ: ليس كذلك، ولكن له نَسْلُها ورَسَلُها وعوارضُها (^٤) وجِزاؤُها، حتى إذا كان من العامِ المقبلِ كهيئتِه يومَ أُكِلَ، دُفِعت الغنمُ إِلى رَبِّها، وقبَض صاحبُ الزرعِ زَرْعَه، فقال اللهُ: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (^٥).\n_________\n= المنثور ٤/ ٣٢٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^١) في م: \"شياه\".\n(^٢) بعده في ت ١: \"قال كان نهارًا\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٥٠ عن المصنف، وأخرجه وكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٥٤، ٢٥٩ - ومن طريقه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٣٦ - من طريق إسماعيل به. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٨٤٣٩، ١٨٤٤٠) من طريق الشعبى به. وأخرجه وكيع في ٢/ ٣٢١ من طريق أشعث بن أبي الشعثاء، عن شريح بنحوه.\n(^٤) الرَّسَل: القطيع من كل شيء، ويجمع على أرسال. والعوارض جمع العريض، وهو ما فوق الفطيم ودون الجذع من المعز. وقيل: هو الجدى إذا نزا. وقيل: هو الذي أتي عليه سنة وتناول الشجر والنبت، ويجمع على عرضان وعُرضان. اللسان (ع ر ض، ر س ل).\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٤ إلى المصنف.","vol":"16","page":325},{"text":"حدثَّنا ابن عبدِ الأعلَى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ والزُّهْريِّ: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾. قال: نفشَت غنَمٌ فِي حَرْثِ قومٍ، قال الزُّهْريُّ: والنفْشُ لا يكونُ إلا ليلًا. فقضَى داودُ أن يأخُذَوا الغنمَ، ففهَّمَها اللهُ سليمانَ. قال: فلما أُخبِر بقضاءِ داودَ، قال: لا، ولكن خُذوا الغنَمَ، فلكم ما خرَج مِن رَسَلِها وأولادِها وأصوافِها إلى الحولِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾. قال: في حَرْثِ قومٍ. قال معمرٌ: قال الزُّهْريُّ: النفْشُ لا يكونُ إلا بالليلِ، والهمَلُ بالنهار. قال قَتادةُ: فقضَى أَن يأْخُذوا الغنمَ، ففهَّمها اللهُ سليمانَ. ثم ذكَر باقىَ الحديثِ نحو حديثِ ابن عبدِ الأعلَى (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ الآيتَيْن. قال: انفلَتَتْ غنمُ رجلٍ على حرْثِ رجلٍ فأكلَتْه، فجاءَ إلى داودَ، فقضَى فيها بالغنمِ لصاحبِ الحرْثِ بما أكَلَتْ، وكأنه رأَى أنه وجْهُ ذاك، فمرُّوا بسليمانَ، فقال: ما قضَى بينَكم نبيُّ اللهِ؟ فأخبَروه، فقال: ألا أَقضى بينَكما بقضاءٍ (^٣) عسى أن تَرضيا به؟ فقالا: \". فقال: أما أنتَ يا صاحبَ الحَرْثِ، فخُذْ غنمَ هذا الرجلِ فكنْ فيها كما كان صاحبُها، أَصِبْ من بينها وعارضَتِها وكذا وكذا ما كان يُصيبُ، واحْرُثْ أنت يا صاحبَ الغنمِ حَرْثَ هذا الرجلِ، حتى إذا كان حَرْثُه مثلَه ليلةَ نفَشَت فيه عَنَمُك، فأعطِهْ حَرْثَه، وخُذْ غنَمَك. فذلك قولُ اللهِ ﵎: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٨٤٣٢) عن معمر، عن الزهري.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢٤.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"16","page":326},{"text":"يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾. وقرَأ حتى بلَغ قولَه: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾. قال: رعَتْ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: النفْشُ الرَّعيةُ تحتَ الليلِ.\nقال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن حرامِ بن مُحَيِّصةَ بن مسعودٍ، قال: دخلت ناقةٌ للبراء بن عازبٍ حائطًا لبعضِ الأنصارِ فأفسَدتْه، فرُفِع ذلك إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾. فقضَى على البراءِ بما أفسَدتِ الناقةُ، وقال: \"علَى أصحابِ الماشيةِ حِفْظُ الماشيةِ باللَّيْلِ، وعلى أصحابِ الحوائطِ حِفْظُ حيطانِهم بالنَّهارِ\".\nقال الزهريُّ: وكان قضاءُ داودَ وسليمانَ في ذلك أن رجلًا دخَلت ماشيتُه زَرْعًا لرجلٍ فأفسَدتْه - ولا يكونُ النُّفُوسُ إلا بالليلِ - فارتفَعا إلى داودَ، فقضَى بغنمِ صاحبِ الغنمِ لصاحبِ الزرْعِ، فانصرَفا، فمرّا بسليمانَ، فقال: بماذا قضَى بينَكما نبيُّ اللهِ؟ فقالا: قضَى بالغنمِ لصاحبِ الزرعِ. فقال: إن الحُكمَ لعلى غيرِ هذا، انصَرِفا معى. فأَتى أباه داودَ فقال: يا نبيَّ اللهِ، قضَيْتَ على هذا بغنَمِه لصاحبِ الزرْعِ؟ قال: نعَم. قال: يا نبيَّ اللهِ، إِنَّ الحَكْمَ لعلَى غيرِ هذا. قال: وكيف يا بُنَيَّ؟ قال: تدفَعُ الغنمَ إلى صاحبِ الزرْعِ، فيُصيبُ من ألبانِها\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":327},{"text":"وسمونِها وأصوافِها، وتدفَعُ الزرْعَ إلى صاحبِ الغنمِ يقومُ عليه، فإذا عادَ الزرْعُ إلى حالِه التي أصابتْه الغنمُ عليها، رُدَّتِ الغنمُ على صاحبِ الغنمِ، ورُدَّ الزرْعُ على صاحبِ الزرْعِ. فقال داودُ: لا يقطَعُ اللهُ فَمَكَ. فقضَى بما قضَى سليمانُ. قال الزهريُّ: فذلك قولُه: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إلى قولِه: ﴿حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ وعليُّ بنُ مجاهدٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: فحدَّثني من سمِع الحسنَ يقولُ: كان الحكْمُ بما قضَى به سليمانُ، ولم يُعنِّفِ اللهُ داودَ في حُكْمِه (^٢).\nوقولُه: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾. يقولُ تعالَى ذكرُه: وسخَّرْنا مع داودَ الجبالَ والطيرَ يُسبِّحْنَ معه إذا هو سَبَّح.\nوكان قَتادةُ يقولُ في معنَى قولِه: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ في هذا الموضِعِ ما حدَّثنا به بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾. أي: يُصلِّينَ مع داودَ إِذا صَلَّى (^٣).\nوقولُه: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾. يقولُ: وكنا قد قَضْينا أنَّا فاعِلُو ذلك، ومُسَخِّرو الجبالِ والطيرِ في أُمِّ الكتاب مع داودَ ﵊.\n_________\n(^١) المرفوع أخرجه أحمد ٥/ ٤٣٥، ٤٣٦ (الميمنية)، وأبو داود (٣٥٧٠)، وابن ماجه (٢٣٣٢) من طريق الزهرى به. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٨٤٣٨) - ومن طريقه أحمد ٥/ ٤٣٦ (الميمنية)، وأبو داود (٣٥٦٩) من طريق الزهرى، عن حرام بن محيصة، عن أبيه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٥ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٦ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.","vol":"16","page":328},{"text":"<span id=\"aya-2563\"></span><span data-type='title' id=toc-6011>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ (^١) مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وعلَّمْنا داودَ صنعةَ لبوسٍ لكم.\nواللَّبوسُ عندَ العربِ السِّلاحُ كُلُّه؛ دِرْعًا كان أو جَوْشَنًا (^٢) أَو سَيْفًا أو رُمْحًا.\nيدُلُّ عَلَى ذلك قولُ الهُذَليِّ (^٣):\nومعِي لَبُوسٌ للبَئيسِ (^٤) كأنَّهُ … رَوْقٌ بِجَبْهَةِ ذِي نِعَاجٍ مُجْفِلِ\nوإنما يصِفُ بذلك رُمْحًا. وأما في هذا الموضِعِ فإن أهلَ التأويلِ قالوا: عنَى الدُّرُوعَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6010>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ الآية. قال: كانت قبلَ داود صفائحَ. قال: وكان أوّلَ من صنَع هذا الحلَقَ وسَرَد داودُ.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلَى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾. قال: كانت صفائحَ، فأوّلُ من سَرَدَهَا وحَلَّقها داودُ ﵇ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ليحصنكم\". وهما قراءتان كما سيأتي في الصفحة الآتية.\n(^٢) الجوشن: اسم الحديد الذي يلبس من السلاح. اللسان (ج ش ن).\n(^٣) هو أبو كبير عامر بن الحليس الهذلي، والبيت في ديوان الهذليين ٢/ ٩٨.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"لِلَّبيس\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧ عن معمر به، وهو تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.","vol":"16","page":329},{"text":"واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: (لِيُحْصِنَكُم). فقرأَ ذلك أكثرُ قرأةِ الأمصارِ: (لِيُحْصِنَكُمْ). بالياءِ (^١)، بمعنى: ليُحصِنَكم اللَّبوسُ من بأْسِكم. ذَكَّروه لتذكيرِ \"اللَّبوسِ\". وقرأ ذلك أبو جعفرٍ يزيدُ بنُ القعقاعِ: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ بالتاءِ (^٢)، بمعنَى: لتُحصِنَكم الصنعَةُ. فأَنَّث لتأْنيثِ الصنعَةِ. وقرأ شيبةُ بنُ نِصَاحٍ (^٣) وعاصمُ بنُ أبي النَّجودِ: (لِنُحْصِنَكُمْ) بالنونِ (^٤)، بمعنى: لنُحصِنَكم نحنُ من بأْسِكم.\nقال أبو جعفرٍ: وأولَى القراءاتِ في ذلك بالصوابِ عندى قراءةُ من قرأَه بالياءِ؛ لأنها القراءةُ التي عليها الحجةُ مِن قرأةِ الأمصارِ، وإن كانت القراءاتُ الثلاثُ التي ذكَرناها متقارباتِ المعانى، وذلك أن الصَّنعَةَ هي اللَّبوسُ، واللَّبوسَ هي الصنعةُ، واللهُ هو المحصِنُ به من البأْسِ (^٥)، وهو المحصِنُ بتصييرِ اللهِ إياه كذلك. ومعنَى قولِه (لِيُحْصنَكُمْ): ليُحرِزَكم. وهو من قولِه: قد أحصَن فلانٌ جاريتَه. وقد بيَّنا معنَى ذلك بشواهدِه فيما مضَى قبلُ (^٦).\nوالبأْسُ: القتالُ. وعلَّمنا داودَ صنعةَ سلاحٍ لكم ليُحرِزَكم إذا لَبِستموه، ولقِيتُم فيه أعداءكم من القتلِ.\nوقولُه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾. يقولُ: فهل أنتم أيها الناسُ شاكِرُو اللهِ على\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٤٣٠.\n(^٢) هي قراءة ابن عامر وحفص عن عاصم. المصدر السابق.\n(^٣) في ت ١، ف: \"فصاح\"، وينظر غاية النهاية ١/ ٣٢٩.\n(^٤) هي رواية أبي بكر ورويس عن عاصم. النشر ٢/ ٢٤٣. وتنظر قراءة شيبة في تفسير القرطبي ١١/ ٣٢١، وذكرها في البحر المحيط ٦/ ٣٣٢ بالتاء.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الناس\".\n(^٦) ينظر ما تقدم في ٦/ ٥٧٥.","vol":"16","page":330},{"text":"نِعْمَتِه (^١) عليكم بما علَّمكم من صَنْعةِ اللَّبوسِ المحصِنِ في الحرْبِ، وغيرِ ذلك من نعَمِه عليكم. يقولُ: فاشْكُرونى علَى ذلك.\n\n<span id=\"aya-2564\"></span><span data-type='title' id=toc-6012>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١)﴾.</span>\nيقولُ تعالَى ذكرُه: وسخَّرْنا لسليمانَ بن داودَ ﴿الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾، وعُصوفُها شِدَّة هبوبِها، ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. يقولُ: تجرى الريحُ بأمرِ سليمانَ ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. يعنى: إلى الشامِ، وذلك أنها كانت تجرى بسليمانَ وأصحابِه إلى حيثُ شاءَ سليمانُ، ثم تعودُ به إلى منزلِه بالشامِ، فلذلك قيلَ: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن منبهٍ، قال: كان سليمانُ إذا خرَج إلى مجلسِه عكَفتْ عليه الطيرُ، وقامَ له الجنُّ والإنسُ حتى يجلِسَ إلى سريرِه، وكان امْرأً غزَّاءً، قَلَّما يقعُدُ عن الغزوِ، ولا يسمَعُ في ناحيةٍ من الأرضِ بملِكٍ إلا أتاه حتى يُذِلَّه، وكان فيما يزعُمونَ إذا أرادَ الغزوَ، أمَر بعسْكرِه فضُرِب له بخشَبٍ، ثم نُصِب له على الخشَبِ، ثم حمَل عليه الناسَ والدوابَّ وآلةَ الحربِ كلَّها، حتى إذا حمَل معه ما يريدُ، أمر العاصِفَ من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته، حتى إذا حتى إذا استقَلَّتْ أمَر الرُّخاءَ فمدَّتْه شهرًا في رَوْحتِه وشهرًا في غُدُوتِه إلى حيثُ أرادَ، يقولُ اللهُ جلَّ وعزّ: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦]. وقال: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]. قال: فذُكِر لى أن مَنزِلًا بناحيةِ دجلةَ مكتوبٌ فيه كتابٌ، كتبه بعضُ صحابةِ سليمانَ؛ إمّا من الجنِّ\n_________\n(^١) في ت ١: \"نعمه\".","vol":"16","page":331},{"text":"وإمّا من الإنسِ: نحن نزَلْناه وما بنَيْناه، ومَبْنيًّا وجَدناه، غَدَونا من إصْطَخْرَ فقلناه، ونحن راحِلون منه إن شاءَ اللهُ قائلونَ الشامَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ إلى قولِه: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾. قال: ورَّثَ اللهُ سليمانَ داودَ، فورَّثَه نبوَّتَه ومُلكَه، وزادَه على ذلك أن سخَّر له الريحَ والشياطينَ (^٢).\nحدثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾. قال: عاصفةً شديدةً، ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾. قال: الشامُ.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿الرِّيحَ﴾ (^٣). بالنصبِ على المعنى الذي ذكَرناه. وقرَأ ذلك عبدُ الرحمنِ الأعرجُ: (الريحُ) رفعًا (^٤) باللامِ (^٥) في \"سليمانَ\"، على ابتداءِ الخبرِ عن أن لسليمانَ الريحَ.\nقال أبو جعفرٍ: والقراءةُ التي لا أستجيزُ القراءةَ بغيرِها في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ الإجماعِ الحجَّةِ من القرأةِ عليه.\nوقولُه: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾. يقولُ: وكنا عالمين بأن في (^٦) فعْلِنا ما\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٨٦.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: م، ف.\n(^٤) البحر المحيط ٦/ ٣٣٢.\n(^٥) في م: \"بالكلام\".\n(^٦) سقط من: م.","vol":"16","page":332},{"text":"فعَلنا لسليمانَ من تسخيرِنا له، وإعطائِنا ما أعطَيْناه من الملكِ - صلاحَ (^١) الخَلْقِ، فعلى علْمٍ منا بموضِعِ ما فعَلنا به من ذلك فعَلنا ونحنُ عالمونَ بكلِّ شيءٍ، لا يخفَى علينا منه شيءٌ.\n\n<span id=\"aya-2565\"></span><span data-type='title' id=toc-6013>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وسخَّرنا أيضًا لسليمانَ من الشياطينِ من يَغوصونَ له في البحرِ، ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾؛ من البنيانِ والتماثيلِ والمحاريبِ. ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾. يقولُ: وكنا لأعمالِهم ولأعدادِهم حافظينَ، لا يئودُنا حفظُ ذلك كلِّه.\n\n<span id=\"aya-2566\"></span><span data-type='title' id=toc-6014>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واذكُرْ أيوبَ يا محمدُ إذ نادَى رَبَّه وقد مسَّه الضرُّ والبلاءُ: ربِّ ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2567\"></span>﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاستَجَبنا لأيوبَ دعاءَه إذ نادانا، فكَشَفنا ما كان به مِن ضُرٍّ وبلاءٍ وجَهْدٍ.\nوكان الضُّرُّ الذي أصابَه، والبلاءُ الذي نزَل به، امْتِحانًا من اللهِ له واخْتِبارًا.\nوكان سبَبَ ذلك كما حدَّثني محمدُ بنُ سَهْلِ بن عَسْكَرٍ البخاريُّ، قال: ثنا\n_________\n(^١) في م: \"وصلاح\".","vol":"16","page":333},{"text":"إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ أبو (^١) هشامِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، قال: سمِعتُ وهبَ بنَ منبِّهٍ يقولُ: كان بَدءُ أَمْرِ أيوبَ الصديقِ صلواتُ اللهِ عليه، أنه كان صابرًا، نِعْمَ العبدٌ، قال وهبٌ: إن لجبريلَ بينَ يديِ اللهِ مقامًا ليس لأحدٍ من الملائكةِ في القُرْبةِ من اللهِ والفضيلةِ عندَه، وإن جبريلَ هو الذي يتلَقَّى الكلامَ، فإذا ذكَر اللهُ عبدًا بخيرٍ، تلقَّاه منه جبريلُ، ثم تلقَّاه ميكائيلُ، وحَوْلَه الملائكةُ المقرَّبون حافِّينَ من حولِ العرشِ، وشاعَ ذلك في الملائكةِ المقرَّبينَ، صارتِ الصلاةُ على ذلك العبدِ من أهلِ السماواتِ، فإذا صلَّت عليه ملائكةُ السماواتِ هبطَت عليه بالصلاةِ إلى ملائكةِ الأرضِ، وكان إبليسُ لا (^٢) يُحْجَبُ بشيءٍ من السماواتِ، وكان يقِفُ فيهنَّ [حيثُما أراد] (^٣)، ومن هنالِك وصَل إلى آدمَ حينَ أخرَجه من الجنةِ، فلم يَزَلْ على ذلك يصعَدُ في السماواتِ حتى رفَع اللهُ عيسىَ ابن مريمَ، فَحُجبَ من أربعٍ، وكان يصعَدُ في ثلاثٍ، فلما بعَث اللهُ محمدًا ﷺ حُجِب من الثلاثِ الباقيةِ، فهو محجوبٌ هو وجميعُ جنودِه من جميعِ السماواتِ إلى يومِ القيامةِ، إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فأتْبَعه شهابٌ ثاقبٌ. ولذلك أنكرَت الجنُّ ما كانت تعرِف حينَ قالت: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾، إلى قولِه: ﴿شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٨، ٩].\nقال وهبٌ: فلم يَرُعْ إبليسَ إلا تجاوبُ ملائكتِها بالصلاةِ على أيوبَ، وذلك حينَ ذكَره اللهُ وأثنَى عليه، فلما سمِع إبليسُ صلاةَ الملائكةِ أدْرَكه البغْيُ والحسَدُ، وصعِد سريعًا حتى وقَف من اللهِ مكانًا كان يقِفُه، فقال: يا إلهى، نظَرتُ في أَمْرِ عبدِك أيوبَ، فوجَدتُه عبدًا أنْعَمتَ عليه فشكَركَ، وعافَيتَه فحمِدَك، ثم لم تُجرِّبْه\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"بن\". وينظر تهذيب الكمال ٣/ ١٣٨.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في م: \"حيث شاء ما أرادوا\".","vol":"16","page":334},{"text":"بشدَّةٍ ولم تجرِّبْه ببلاءٍ، وأنا لك زَعيمٌ لئن ضربتَه بالبلاءِ ليكفُرَنَّ بك ولينسَينَّك، وليعبُدَنَّ غيرَك. قال اللهُ ﵎ له: انطلِقْ فقد سلَّطتُك على مالِه، فإنه الأمرُ الذي تزعُمُ أنه من أجلِه يشكُرُنى، ليس لك سلطانٌ على جسدِه، ولا على عقلِه. فانقَضَّ عدوُّ الله حتى وقَع على الأرضِ، ثم جمَع عفاريتَ الشياطينِ وعظماءَهم، وكان لأيوبَ البَثَنِيةُ (^١) من الشامِ كلِّها بما فيها من شرقِها وغربِها، وكان له بها ألفُ شاةٍ برُعاتِها وخمسُمائةِ فدَّانٍ (^٢) يَتْبَعُها خمسُمائةِ عبدٍ، لكلِّ عبدٍ امرأةٌ وولَدٌ ومالٌ، ويحمِلُ آلةَ كلِّ فدانٍ أتانٌ، لكلِّ أتانٍ ولدٌ من اثنين وثلاثةٍ وأربعةٍ وخمسةٍ وفوقَ ذلك. فلما جمعَ إبليسُ الشياطينَ، قال لهم: ماذا عندَكم من القوَّةِ والمعرفةِ، فإنى قد سُلِّطتُ على مالِ أيوبَ، فهى المصيبةُ الفادِحةُ، والفتنةُ التي لا يصبِرُ عليها الرجالُ؟ قال عفريتٌ من الشياطينِ: أُعطيتُ من القوَّةِ ما إذا شئتُ تحوَّلتُ إعصارًا من نارٍ فأحرَقتُ كلَّ شيءٍ أتى عليه. فقال له إبليسُ: فأْتِ الإبلَ ورُعاتَها، فانطلَق يؤمُّ الإبلَ، وذلك حينَ وضَعت رُءُوسَها وثبتَتْ في مراعِيها، فلم يَشعُرِ الناسُ حتى ثار من تحتِ الأرض إعصارٌ من نارٍ تُنفَخُ منها أرواحٌ السَّمومِ، لا يَدْنُو منها أحدٌ إلا احتَرقَ، فلم يزَلْ يَحْرِقُها ورُعاتَها حتى أتَى على آخرِها، فلما فرَغ منها تمثَّل إبليسُ على قعودٍ (^٣) منها براعيها، ثم انطلَق يؤمُّ أيوبَ حتى وجَده قائمًا يُصلِّى، فقال: يا أيوبُ. قال: لبَّيْكَ. قال: هل تدرِى ما الذي صنَع ربُّك (^٤) الذي اختَرْتَ وعَبَدْتَ ووحَّدتَ بإبلِكَ ورُعاتِها؟ قال أيوبُ: إنها مالُه أعارَنيه، وهو أَوْلى به إذا شاءَ نزَعه،\n_________\n(^١) البثنية والبثنة: اسم ناحية من نواحي دمشق، وقيل: هي قرية بين دمشق وأذرعات، كان أيوب ﵇ منها. معجم البلدان ١/ ٤٩٣.\n(^٢) الفدَّان: الذي يحرث به. اللسان (ف د ن).\n(^٣) القعود من الإبل: هو البكر حين يركب، أي: يمكن ظهره من الركوب، وأدنى ذلك أن يأتي عليه سنتان، ولا تكون البكرة قعودا، وإنما تكون قلوصا. اللسان (ق ع د).\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بك\".","vol":"16","page":335},{"text":"وقديمًا ما وطَّنْتُ نفسِي ومالي على الفناءِ. قال إبليسُ: وإن ربَّك أرسَل عليها نارًا من السماءِ فاحتَرقَتْ ورُعاتُها حتى أتَى على آخرِ شيءٍ منها ومن رُعاتِها، فتَرَكْتُ الناسَ مَبهوتينَ وهم وُقوفٌ عليها يتعجَّبون؛ منهم من يقولُ: ما كان أيوبُ يعبُدُ شيئًا، وما كان إلا في غُرورٍ. ومنهم من يقولُ: لو كان إلهُ أيوبَ يقدِرُ على أن يصنَعَ (^١) من ذلك شيئًا لمنَع وَلِيَّه. ومنهم من يقولُ: بل هو فعَل الذي فَعَل ليُشمِتَ (^٢) به عدَّوه، وليُفجِعَ به صديقَه. قال أيوبُ: الحمدُ للهِ حينَ أعْطاني، وحينَ نزَع منى، عُرْيَانًا خرَجتُ من بطنِ أُمِّي، وعُريانًا أعودُ في الترابِ، وعُريانًا أُحشَرُ إلى اللهِ، ليس ينبَغى لك أن تفرَحَ حينَ أعارَك اللهُ، وتجزَعَ حينَ قبَض عاريَتَه، اللهُ أولَى بك وبما أعْطاكَ، ولو علمِ اللهُ فيك أيُّها العبدُ خيرًا لنقَل (^٣) رُوحَك مع ملَكِ (^٤) الأرواحِ، فأجرى (^٥) فيك وصرْتَ شهيدًا، ولكنه علِم منك شرًّا فأخَّرك من أجلِه، فعرَّاك اللهُ من المصيبةِ، وخلَّصَك من البلاءِ كما يُخلَّصُ الزَّوانُ (^٦) من القمحِ الخَلاصِ.\nثم رجَع إبليسُ إلى أصحابِه خاسئًا ذليلًا، فقال لهم: ماذا عندَكم من القوَّةِ، فإني لم أُكلِّمْ قلبَه؟ قال عفريتٌ من عظمائِهم: عندِى من القوَّةِ ما إذا شئتُ صِحتُ صوتًا لا يسمَعُه ذو رُوحٍ إلا خرَجت مهجةُ نفسِه. قال له إبليسُ: فأتِ الغنَمَ ورُعاتَها. فانطلَق يؤمُّ الغنمَ ورُعاتَها، حتى إذا وَسَطها (^٧) صاحَ صوتًا جثَمت أمواتًا\n_________\n(^١) في م: \"يمنع\".\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"وليشمت\"\n(^٣) في ت ١: \"ليتقبل\"، وفى ف: \"ليقبل\".\n(^٤) في ف، وعرائس المجالس: \"تلك\".\n(^٥) في م: \"فأجرني\".\n(^٦) الزوان والزؤان: عشب ينبت بين أعواد الحنطة غالبا، حبه كحبها، إلا أنه أسود وأصفر، وهو يخالط البر، فيكسبه رداءة. الوسيط (زأن، زون).\n(^٧) في ت ١، وعرائس المجالس: \"توسطها\".","vol":"16","page":336},{"text":"من عندِ آخرِها ورعاؤُها. ثم خرَج إبليسُ متمثِّلًا بقَهْرمانِ (^١) الرِّعاءِ، حتى إذا جاءَ أيوبَ وجَده وهو قائمٌ يُصلِّى، فقال له القولَ الأوّلَ، ورَدَّ عليه أيوبُ الردَّ الأَوَّلَ، ثم إن إبليسَ رجَع إلى أصحابِه، فقال لهم: ماذا عندَكم من القوَّةِ، فإني لم أُكلِّمْ قلبَ أيوبَ؟ فقال عفريتٌ من عظمائِهم: عندى من القوَّةِ إذا شئتُ تحوَّلتُ رِيحًا عاصِفًا تنسِفُ كلَّ شيءٍ تأتِى عليه، حتى لا أُبْقيَ شيئًا. فقال له إبليسُ: فأتِ الفدادينَ والحرْثَ. فانطلَق يؤمُّهم، وذلك حين قَرَّبوا الفَدادينَ، وأنشَئوا في الحرْثِ، والأُتُنُ وأولادُها رُتوعٌ، فلم يَشعروا حتى هبَّت ريحٌ عاصفٌ تنسِفُ كلَّ شيءٍ من ذلك، حتى كأنه لم يكُنْ. ثم خرج إبليسُ متمثِّلًا بقهْرمانِ الحَرْثِ حتى جاء أيوبَ وهو قائمٌ يصلِّي، فقال له مثلَ قولِه الأوَّلِ، ورَدَّ عليه أيوبُ مثلَ ردِّه الأوَّلِ.\nفلما رأى إبليسُ أنه قد أفنَى مالَه، ولم يُنْجِحْ منه، صعِد سريعًا حتى وقَف من اللهِ الموقف الذي كان يقِفُه، فقال: يا إلهى، إن أيوبَ يرَى أنك ما متَّعتَه بنفسِه وولَدِه، فأنت مُعْطِيه المالَ، فهل أنت مُسلِّطى على ولَدِه؟ فإنها الفتْنةُ المضلةُ، والمصيبةُ التي لا تقومُ لها قلوبُ الرجالِ، ولا يقوَى عليها صبرُهم. فقال اللهُ تعالى: انْطَلِق، فقد سلَّطتُك على ولدِه، ولا سلطانَ لك على قلبِه ولا جسَدِه، ولا على عَقْلِه. فانقَضَّ عدوُّ اللهِ جوادًا حتى جاءَ بنى أيوبَ وهم في قَصْرِهم، فلم يَزَلْ يُزِلْزِلُ بهم حتى تداعى من قواعدِه، ثم جعَل يناطِحُ جُدُرَ بعضِها ببعضٍ، ويرمِيهم بالخشَبِ والجندَلِ، حتى إذا مَثَّل بهم كلَّ مُثلَةٍ، رفَع بهم القصْرَ، حتى إذا أقلَّه بهم فصاروا فيه مُنَكَّسين، وانطلَق إلى أيوبَ متمثِّلًا بالمعلِّمِ الذي كان يعلِّمُهم الحكمةَ، وهو جريحٌ مشدوخُ الوجهِ، يسيلُ دمُه ودِماغُه، متغيِّرًا لا يكادُ يُعرَفُ من شدَّةِ التغيُّرِ والمُثْلَةِ التي جاء متمثِّلًا فيها، فلما نظَر إليه أيوبُ هالَه، وحزِن ودَمَعت عيناه، وقال\n_________\n(^١) القهرمان: هو المسيطر الحفيظ على من تحت يديه. اللسان (قهرم).","vol":"16","page":337},{"text":"له: يا أيوبُ، لو (^١) رأيتَ كيف أفْلَتُّ من حيثُ أفلتُّ، والذي رمانَا به من فوقِنا ومن تحتِنا! ولو رأيتَ بنيكَ كيف عُذِّبوا وكيف مُثِّل بهم! وكيف قُلبوا فكانوا منكَّسين على رءوسِهم، تسيلُ دماؤُهم ودِماغُهم من أُنوفهم وأجوافِهم، وتقطُرُ من أشفارِهم! ولو رأيتَ كيف شُقَّتْ (^٢) بطونهم فتناثَرَت أمعاؤُهم! ولو رأيتَ كيف قُذِفوا بالخشَبِ والجندَلِ يشدَحُ دِماغَهم! وكيف دقَّ بالخشبِ (^٣) عظامَهم، وخرَق جلودَهم، وقطع عصَبَهم! ولو رأيتَ العَصَبَ عُريانًا ولو رأيتَ العظامَ مُتهَشِّمةً في الأجوافِ! ولو رأيتَ الوجوهَ مَشدوخةً! ولو رأيتَ الجُدُرَ تَناطَحُ عليهم! ولو رأيتَ ما رأيتُ لقُطِّعَ قلبُك. فلم يزَلْ يقولُ هذا ونحوَه، ولم يَزَلْ يرقِّقُه حتى رَقَّ أيوبُ فبكَى، وقبَض قبضةً من ترابٍ فوضَعها على رأسِه، فاغتنَم إبليسُ الفرصةَ منه عندَ ذلك، فصعِد سريعًا بالذي كان من جزَعِ أيوبَ مسرورًا به، ثم لم يلبَثْ أيوبُ أن فاء وأبصَرَ فاستغْفَر، وصَعِد قرناؤه من الملائكةِ بتوبةٍ منه، فبدَروا إبليسَ إلى اللهِ، فوجَدوه قد علِم بالذي رُفِع إليه من توبةِ أيوبَ، فوقَف إبليسُ خازيًا ذليلًا، فقال: يا إلهى، إنما هوَّن على أيوبَ خَطَرُ المالِ والولَدِ أنه يرَى أنك ما متَّعتَه بنفسِه، فأنت تعيدُ له المالَ والولدَ، فهل أنت مسلِّطى على جسَدِه؟ فأنا لك زعيمٌ، لئن ابتليتَه في جَسَدِهِ ليَنسينَّك، وليكْفُرَنَّ بك، وليَجْحَدنَّك نعمتَك. قال اللهُ: انطلِقْ فقد سلَّطتُك على جسَدِه، ولكن ليس لك سلطانٌ على لسانِه، ولا على قلبِه، ولا على عقلِه.\nفانقضَّ عدوُّ اللهِ جوادًا، فوجَد أيوبَ ساجدًا، فعجَّل قبلَ أن يرفَعَ رأسَه، فأتاه من قِبَلِ الأرضِ في موضعِ وَجْهِه، فنفَخ في مِنخَرِه نفخةً اشتَعل منها جسدُه، فترهَّل\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"قد\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"عضت\"، وفى ف: \"عقب\"، وغير منقوطة في ص.\n(^٣) في م: \"الخشب\".","vol":"16","page":338},{"text":"ونبتَت به ثآليلُ (^١) مثلُ ألياتِ الغنَمِ، ووقَعت فيه حِكَةٌ لا يملِكُها، فحَكَّ بِأَظْفارِه حتى سقَطت كلُّها، ثم حَكَّ بالعظامِ، وحَكَّ بالحجارةِ الخَشِنَةِ، وبقطَعِ المُسوحِ الخِشِنَةِ، فلم يزَلْ يحُكُّه حتى نَفِد لحمُه وتقطَّع، ولما نَغِل (^٢) جلدُ أيوبَ وتغيَّر وأنتَنَ، أخرَجه أهلُ القريةِ، فجعَلوه على تَلٍّ وجعَلوا له عَرِيشًا، ورفَضه خلقُ اللهِ غَيرَ امرأتِه، فكانت (^٣) تختَلِفُ إليه بما يُصلِحُه ويلزَمُه، وكان ثلاثةٌ من أصحابِه اتَّبَعوه على دينِه، فلما رأَوا ما ابتلاه اللهُ به رفَضوه من غيرِ أن يترُكوا دينَه واتَّهَموه؛ يُقال لأحدِهم: بلددُ، وأليفرُ، وصافرُ. قال: فانطلَق إليه الثلاثةُ وهو في بلائِه، فبكَتوه، فلما سمِع منهم أقبَل على ربِّه، فقال أيوبٌ ﵇: ربِّ لأيِّ شيءٍ خَلَقتَنى؟ لو كنتَ إذْ كرِهْتني في الخيرِ ترَكتَنى فلم تخلُقْنى، يا لَيتني كنتُ حَيْضةً ألقَتْني أُمِّي، ويا لَيتنى مِتُّ في بطنِها فلم أعرِفْ شيئًا ولم تَعْرِفْنى (^٤)، ما الذنبُ الذي أذنبتُ لم يُذنِبْه أحدٌ غيرِى، وما العمَلُ الذي عمِلتُ فصرَفتَ وجْهَك الكريمَ عنِّي، لو كنتَ أمتَّنِى فألحَقْتَنى بآبائي، فالموتُ كان أجملَ بي، فأُسوةٌ لي بالسلاطينِ الذين صُفَّتْ من دونِهم الجيوشُ يضرِبون عنهم بالسيوفِ بخلًا بهم عن الموتِ، وحرصًا على بقائِهم، أصبَحوا في القبورِ جاثِمينَ، حتى ظنُّوا أنهم سيُخلَّدون، وأُسوةٌ لى بالملوكِ الذين كَنَزوا الكنوزَ، وطَمروا المطاميرَ (^٥)، وجمَعوا الجموعَ، وظنُّوا أنهم سيُخلَّدون، وأُسوةٌ لى بالجبارينَ الذين بنَوا المدائنَ والحصونَ، وعاشُوا فيها المِئين من السنينَ، ثم أصبَحت خرابًا مأوًى للوحوشِ ومَبْتًى (^٦) للشياطينِ.\n_________\n(^١) الثاليل جمع الثُّؤلول، وهو الخُرَاج اللسان (ث أ ل).\n(^٢) نغل: عفن وفسد. التاج (ن غ ل).\n(^٣) في ت ٢: \"فإنها كانت\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ف: \"يعرفنى\".\n(^٥) المطامير جمع المطمورة: وهى الحفيرة تحت الأرض يوسع أسفلها، تخبأ فيها الحبوب. التاج (ط م ر).\n(^٦) في م: \"مثنى\"، وفي ت ١، ت ٢: \"مبنى\"، وفى ف: \"مبتغى\". ومبتى من قولهم: بتا بالمكان بتوا: أقام. اللسان (ب ت و).","vol":"16","page":339},{"text":"قال أليفزُ التيمانيُّ (^١): قد أعيانا أمرُك يا أيوبُ، إن كلَّمْناكَ فما نَرْجُ للكلامِ (^٢) منك موضِعًا، وإن نسْكُتْ عنك مع الذي نرَى فيك من البلاءِ، فذلك علينا، قد كنا نرَى من أعمالِك أعمالًا كنا نَرْجو لك عليها من الثوابِ غيرَ ما رَأَيْنا، فإنما يحصُدُ امرؤٌ ما زرَع، ويُجزَى بما عمِل، أشهَدُ على اللهِ الذي لا يُقدَّرُ قَدْرُ عظمَتِه، ولا يُحصَى عددُ نعَمِه، الذي يُنزِلُ الماءَ من السماءِ، فيُحيى به الميِّتَ، ويرفَعُ به الخافِضَ، ويقوِّى به الضعيفَ، الذي تَضِلُّ حكمةُ الحكماءِ عندَ حكمتِه، وعلْمُ العلماءِ عندَ علْمِه، حتى تراهم من العِيِّ في ظلمةٍ يموجونَ - أن من رَجا معونةَ اللهِ هو القويُّ، وأن من توكَّل عليه هو المكفِيُّ، هو الذي يكسِرُ ويَجبُرُ، ويجرَحُ ويُداوِى.\nقال أيوبُ لذلك سكتُّ فعضَضْتُ على لسانى، ووضَعتُ لسوءِ (^٣) الخدمةِ رأسِى؛ لأنى علِمتُ أن عقوبتَه غيَّرت نورَ وجْهِى، وأن قوتَه نزَعت قوَّةً جَسَدِى، فأنا عبدُه، ما قضَى عليَّ أصابَني، ولا قوَّةَ لى إلا ما حمَل عليَّ، لو كانت عِظامي من حديدٍ، وجسَدِى من نُحاسٍ، وقلبى من حجارةٍ، لم أُطِقْ هذا الأمرَ، ولكن هو ابتلاني به (^٤)، وهو يحمِلُه عنِّى، أتيْتُموني غضابًا، رَهِبتُم قبلَ أَن تُستَرْهَبوا، وبَكَيْتُم من قبلِ أن تُضْرَبوا، كيف بي لو قلتُ لكم: تَصدَّقوا عنى بأموالِكم لعلَّ الله أن يُخلِّصَنى، أو قَرِّبوا عنِّى قربانًا لعلَّ الله أن يتقبَّلَه منى ويرْضَى عنى. إذا استيقَظْتُ تمنَّيْتُ النومَ؛ رجاءَ أن أستريحَ، فإذا نِمْتُ كادَت تجودُ نفسِي، تقطَّعتْ أصابِعِي، فإني لأرفعُ اللُّقمةَ من الطعامِ بيديَّ جميعًا، فما تبلغانِ فَمى إلا على الجهْدِ منى، تساقطَتْ لَهَواتِي، ونُخِر رأسِى، فما بين أُذُنيَّ من سِدادٍ، حتى إن إحداهما لتُرَى\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"اليماني\".\n(^٢) في م: \"للحديث\".\n(^٣) في ص: \"لنبو\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ف.","vol":"16","page":340},{"text":"من الأُخرَى، وإن دِماغى ليسيلُ من فَمِي، تساقَط [شعَرُ عيني] (^١) فكأنَّما حُرِّق بالنارِ وَجْهى، وحدَقتاى هما مُتدلِّيتان على خَدِّى، ورمَ لساني حتى [ملأ في] (^٢)، فما أُدْخِلُ فيه طعامًا إلا غصَّنى، ورِمتْ شفتاى حتى غطَّت العليا أَنْفى، والسُّفْلى ذَقَنِي، تقطَّعت أمعائى في بَطنى، فإني لأُدخِلُ الطعامَ فيخرُجُ كما دخَل، ما أُحِسُّه ولا ينفَعُنى، ذهَبَتْ قوَّةُ رِجلَيَّ فكأنهما قِربَتا ماءٍ مُلئَتا لا أُطيقُ حَمَلَهما، أحمِلُ لحِافي بيديَّ وأسناني، فما أُطيقُ حمْلَه حتى يحمِلَه معى غيرِى، ذهَب المالُ فصِرتُ أسألُ بكفِّي، فيُطعِمُنى من كنتُ أَعولُه اللقمةَ الواحدةَ، فيمُنُّها عليَّ، ويعيِّرُني هُلْكَ بَنيَّ وبناتي، ولو بقِى منهم أحدٌ أعانَني على بلائى ونفعني (^٣)، وليس العذابُ بعذابِ الدُّنيا، إنه يزُولُ عن أهلِها ويموتُونَ عنه، ولكن طُوبَى لمن (^٤) كانت له راحةٌ في الدارِ التي لا يموتُ أهلُها، ولا يتحوَّلون عن منازلِهم، السعيدُ من سعدِ هنالِك، والشقيُّ من شَقِى فيها.\nقال بِلْدَدُ: كيف يقومُ لسانُك بهذا القولِ، وكيف تُفصِحُ به؟ أتقولُ: إن العدْلَ يجورُ؟ أم تقولُ: إن القويَّ يضعُفُ؟ ابْكِ على خطيئتِكَ، وتضرَّعْ إلى رَبِّك، عسَى أن يرحَمَك ويتَجاوزَ عن ذَنْبِك، وعسى إن كنتَ بريئًا أن يجعَلَ هذا لك ذُخْرًا في آخرَتِك، وإن كان قلبُك قد قسَا فإن قولَنا لن ينفَعَك، ولَن (^٥) يأخذَ فيك، هيهاتَ أن تنبُتَ الآجامُ في المفاوِزِ، وهيهاتَ أن ينبُتَ البَرْدِيُّ في الفَلَاةِ، مَن توكَّلَ على الضعيفِ كيف يَرْجُو أن يمنَعَه، ومَن جحَد الحقَّ كيف يَرْجُو أَن يُوَفَّى حقَّه؟\n_________\n(^١) في م: \"شعرى عني\".\n(^٢) في م: \"ملأ فمى\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"مِنكفى\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عنفني\".\n(^٤) في ص، ت ١، ف: \"من\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لكن\".","vol":"16","page":341},{"text":"قال أيوبُ: إنى لأعلَمُ أن هذا هو الحقُّ، لن يَفْلُجَ (^١) العبدُ على رَبِّه، ولا يُطِيقُ أن يخاصِمَه، فأيُّ كلامٍ لى معه، وإن كان إليَّ القوَّةُ؟ هو الذي سمَك السماءَ فأقامَها وحدَه، وهو الذي يكشُطُها إذا شاءَ فتَنْطَوى له، وهو الذي سطَح الأرضَ فدَحَاها وحدَه، ونصَب فيها الجبالَ الراسياتِ، ثم هو الذي يُزَلْزِلُها من أُصولِها، حتى تعودَ أسافِلُها أعالِيَها، وإن كان فيَّ الكلام، فأى كلامٍ لى معه؟ من خَلَقَ عَرْشَه العظيمَ بكلمةٍ واحدةٍ، فحَشاهُ السماواتِ والأرضَ وما فيهما من الخلْقِ، فوسَّعَه في سَعةٍ واسعةٍ، وهو الذي كلَّم البحارَ ففهِمَت قولَه، وأَمَرَها فلم تَعْدُ أَمرَه، وهو الذي يفْقَهُ الحِيتانَ والطيرَ وكلَّ دابَّةٍ، وهو الذي يكلِّمُ الموْتَى فيُحييهم قوله، ويكلِّمُ الحجارةَ فتَفْهَمُه (^٢)، ويأْمُرُها فتُطِيعُه.\nقال أليفزُ: عظيمٌ ما تقولُ يا أيوبُ، إن الجلودَ لتقشَعِرُّ من ذكرِ ما تقولُ، إنما أصابَك ما أصابَك بغيرِ ذنبٍ أذْنَبْتَه، مثلُ هذه الحدَّةِ وهذا القولِ أنزَلَك هذه المنزلةَ، عظُمَت خطيئتُكَ، وكثُر طُلَّابُك، وغَصَبْتَ أهلَ الأموالِ على أموالِهم، فلبِسْتَ وهم عراةٌ، وأكَلْتَ وهم جياعٌ، وحبَسْتَ عن الضعيفِ بابَك، وعن الجائعِ طعامَك، وعن المحتاجِ معروفَك، وأسْرَرتَ ذلك وأخفيتَه في بيتِك، وأظْهَرتَ أعمالًا كنا نَراك تعمَلُها، فظنَنْتُ أن الله لا يَجزِيك إلا على ما ظهَر مِنك، وظنَنْتَ أن الله لا يَطَّلِعُ على ما غيَّبْتَ في بيتِك، وكيف لا يطَّلِعُ على ذلك وهو يعلَمُ ما غيَّبَتِ الأرَضون، وما تحتَ الظلماتِ والهواءِ؟\nقال أيوبُ ﵇: إن تكلَّمتُ لم ينفَعْنى الكلامُ، وإن سكَتُّ لم تَعذِروني، قد وقَع عليَّ كَيْدِى، وأسخَطتُ ربِّي بخطيئتِي، وأشمَتُّ أعدائى،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يفلح\". ويفلج: يظفر. اللسان (ف ل ج).\n(^٢) في م: \"فتفهم قوله\".","vol":"16","page":342},{"text":"وأمكنْتُهم من عُنُقى، وجعَلتنى للبلاءِ غَرَضًا، وجعَلتنى للفتنةِ نُصُبًا، لم تُنْفِسْنى مع ذلك، ولكن أتبَعَنى (^١) ببلاءٍ على إثرِ بلاءٍ، ألم أكُنْ للغريبِ دارًا، وللمسكينِ قرارًا، ولليتيمِ وليًّا، وللأرملةِ قَيِّمًا؟ ما رأيتُ غريبًا إلا كنتُ له دارًا مكانَ دارِه، وقرارًا مكانَ قرارِه، ولا رأيتُ مسكينًا إلا كنتُ له مالًا مكانَ مالِه، وأهلًا مكان أهلِه، وما رأيتُ يتيمًا إلا كنتُ له أَبا مكانَ أَبِيه، وما رأيتُ أَيِّمًا إلا كنتُ لها قَيِّمًا ترضَى قِيامَه، وأنا عبدٌ ذليلٌ، إن أحسَنتُ لم يكُنْ لى كلامٌ بإحسانٍ؛ لأن المَنَّ لرَبِّي وليسَ لي، وإن أَسَأْتُ فبيدِه عُقوبَتي، وقد وقَع عليَّ بلاءٌ لو سلَّطتَه على جبَلٍ ضعُف عن جملِه. فكيف يحمِلُه ضَعْفِي؟\nقال أليفزُ: أَتَحاجُّ الله يا أيوبُ في أمْرِه؟ أم تريدُ أن تُناصِفَه وأنت خاطِئُ؟ أو تُبَرِّئَها وأنت (^٢) غيرُ برئٍ؟ خلَق السماواتِ والأرضَ بالحقِّ، وأحصَى ما فيهما من الخلْقِ، فكيف لا يعلَمُ ما أَسْرَرْتَ؟ وكيف لا يعلَمُ ما عمِلتَ فيجزيَك به؟ وضَع اللهُ ملائكتَه صفوفًا حولَ عرْشِه وعلى أرجاءِ سماواتِه، ثم احتَجَب بالنورِ، فأبصارُهم عنه كليلةٌ، وقوَّتُهم عنه ضَعيفةٌ، وعزُّهم (^٣) عنه ذليلٌ، وأنتَ تزعُمُ أن لو خاصَمَك، وأدْلى إلى الحكْمِ معك! وهل تراه فتُناصِفَه؟ أم هل تسمَعُه فتحاوِرَه؟ قد عرَفنا فيك قضاءَه، إنه مَن أرادَ أن يرتفِعَ وضَعه، ومَن اتَّضَعَ له رفَعه.\nقال أيوبُ: إن أهلَكني فمن ذا الذي يعرضُ له في عبده ويسألُه عن أمرِه؟ لا يرُدُّ غضبَه شيءٌ إلا رحمتُه، ولا ينفَعُ عبدَه إلا التضرُّعُ له، رَبِّ أقبِلْ عليَّ برحمتِك، وأَعلِمْنى ما ذَنْبى الذي أذنبتُ؟ أو لأيِّ شيءٍ صرَفتَ وَجْهَكَ الكريمَ عنى، وجَعَلْتني\n_________\n(^١) في ص: \"أتعبتنى\"، وفى ت ١، ف: \"ألعبتنى\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت، ٢، ف: \"ذوى\".\n(^٣) في م: \"عزيزهم\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"عزرهم\".","vol":"16","page":343},{"text":"لك مثلَ العدوِّ، وقد كنتَ تُكرِمُنى؟ ليس يغيبُ عنك شيءٌ، تُحصِى قَطْرَ الأمطارِ، وورَقَ الأشجارِ، وذرَّ الترابِ، أصبَح جِلدِى كالثوبِ العَفِنِ، بأَيِّهِ أمسَكتُ سقَط في يدِى، فهَبْ لى قُربانًا من عندِك، وفرَجًا من بلائِي، بالقدرَةِ التي تبعَثُ مَوْتَى العبادِ، وتنشُرُ بها مَيْتَ البلادِ، ولا تُهلِكْنى بغيرِ أن تُعلِمَنى ما ذَنْبِي، ولا تُفسِدْ عمَلَ يديْكَ، وإن كنتَ غنيًّا عنِّي، ليس ينْبَغِى في حُكْمِك ظُلْمٌ، ولا في نِقْمَتِكَ عَجَلٌ، وإنما يحتاجُ إلى الظُّلْمِ الضعيفُ، وإنما يعجَلُ مَن يخافُ الفَوْتَ، ولا تُذَكِّرْني خَطَئِى وذُنوبي، اذكرْ كيفَ خَلَقتَنى من طينٍ، فجُعِلتُ مضغةً، ثم خلَقتَ المضغةَ عِظامًا، وكسَوتَ العظام لحمًا وجِلدًا، وجعَلتَ العصَبَ والعروقَ لذلك قوامًا وشدَّةً، ورَبَّيْتَنى صغيرًا، ورَزَقتني كبيرًا، ثم حفِظتُ عهدَك وفعلتُ أمرَك، فإن أخطأتُ فبيِّنْ لى، ولا تُهلِكْنى عَمًّا، وأعلِمْنى ذَنْبِي، فإن لم أُرْضِكَ فَأَنَا أَهْلٌ أن تعذِّبَنِي، وإن كنتُ من بين خلْقِك تُحصِى عليَّ عمَلِى، وأستَغْفِرُك فلا تغفِرُ لى، إن أحسَنتُ لم أرْفَعْ رأسِي، وإن أسأْتُ لم تُبلعْنِى رِيقى، ولم تُقِلْنى عَثرتي، وقد ترَى ضَعْفى تحتَك، وتضرُّعِى لك، فلِمَ خَلَقْتنى؟ أو لِمَ أَخرَجْتَنى من بطنِ أُمِّي؟ لو كنتُ كمن لم يكُنْ لكان خيرًا لي، فليسَتِ الدنيا عندِى بخطَرٍ لغضَبِك، وليس جسَدِى يقومُ بعذابِك، فارْحَمْنى وأَذِقْنى طعْمَ العافيةِ من قبلِ أن أصيرَ إلى ضِيقِ القبرِ وظُلمةِ الأرضِ وغمِّ الموتِ.\nقال صافِرُ (^١): قد تكلَّمتَ يا أيوبُ، وما يُطيقُ أحدٌ أن يحبِسَ فمَك، تزعُمُ أنك برئٌ، فهل ينفَعُك إن كنتَ بريئًا، وعليك مَن يُحصِى عمَلَك؟ وتَزْعُمُ أنك تعلَمُ أن الله يغفِرُ لك ذنوبَك، هل تعلَمُ سُمْكَ السماءِ كم بُعدُه؟ أم هل تعلَمُ عُمْقَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"طافر\"، وفى ف: \"ظافر\".","vol":"16","page":344},{"text":"الهواءِ كم بعدُه؟ أم هل تعلَمُ أيُّ الأرضِ أعْرَضُها؟ أم هل (^١) عندَك لها من مقدارٍ تُقدِّرُها به؟ أم هل (^٢) تعلَمُ أيُّ البحرِ أعمَقُه؟ أم هل تعلَمُ بأيِّ شيءٍ تحبِسُه؟ فإن كنتَ تعلَمُ هذا العلمَ، وإن كنتَ لا تعلَمُه، فإن الله خلَقه وهو يُحصِيه، لو تركْتَ كثرةَ الحديثِ، وطلَبتَ إلى رَبِّكَ، رَجَوْتُ أن يرحمَك، فبذلك تستَخرجُ رحمتَه، وإن كنتَ تقيمُ على خطيئَتِك وترفَعُ إلى اللهِ يدَيْك عندَ الحاجةِ، وأنت مُصِرٌّ على ذنبِك إصرارَ الماءِ الجارِى في صَبَبٍ لا يُستطاعُ إحباسُه، فعندَ طلَبِ الحاجاتِ إلى الرحمنِ تسوَدُّ وجوهُ الأشرارِ، وتُظْلِمُ عيونُهم، وعندَ ذلك يُسَرُّ بنجاحِ حوائجِهم الذين ترَكوا الشهواتِ تزيُّنًا بذلك عند ربِّهم، وتقدَّموا في التضرُّعِ ليستَحِقُّوا بذلك الرحمةَ حين يحتاجونَ إليها، وهم الذين كابَدوا الليلَ، واعتزَلوا الفُرُشَ، وانتظَروا الأسحارَ.\nقال أيوبُ: أنتم قومٌ قد أعجَبتكُم أنفسُكم، وقد كنتُ فيما خَلا والرجالُ يُوَقِّرونَنى، وأنا معروفٌ حَقِّى، مُنتَصِفٌ من خَصْمِي، قاهرٌ لمن هو اليومَ يَقْهَرُني، يسألُني عن علْمِ غيبِ اللهِ لا أعلَمُه ويسألُنى، فَلَعَمْرِي، ما نُصْحُ الأَخِ لأخِيه حينَ نزَل به البلاءُ كذلك، ولكنه يَبكِي معه، وإن كنتَ جادًّا فإن عقلِي يقصُرُ عن الذي تسألُنى عنه، فسَلْ طيرَ السماءِ هل تُخبِرُك؟ وسَلْ وُحوشَ الأرضِ هل تَرْجِعُ إليك؟ وسَلْ سباعَ البَرِّيَّةِ هل تُجيبُك؟ وسَلْ حيتانَ البحر هل تَصِفُ لك كُلَّ ما عدَدتَ؟ تَعَلَّمْ أن الله صنَع هذا بحكمتِه، وهيَّأَه بلُطْفِه.\nأما يعلَمُ ابن آدمَ من الكلامِ ما سمِع بأُذُنيه، وما طعِم بفِيه، وما شَمَّ بأنفِه، وأن العلمَ الذي سألتَ عنه لا يعلَمُه إلا اللهُ الذي خلَقَه، له الحكمةُ والجبروتُ، وله\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) بعده في ت ٢: \"عندك\".","vol":"16","page":345},{"text":"العظمةُ واللُّطفُ، وله الجلالُ والقدرةُ، إن أفسَد فمن ذا الذي يُصلِحُ؟ وإن أعجَم فمن ذا الذي يُفْصِحُ؟ إن نظَر إلى البحارِ يبِسَتْ من خوفِه، وإن أَذِن لها ابتلَعت الأرضَ، فإنما يحمِلُها بقدرَتِه، هو الذي تبْهَتُ الملوكُ عندَ مُلكِه، وتَطِيشُ العلماءُ عندَ علْمِه، وتَعْيا الحكماءُ عندَ حكْمتِه، ويخسَأُ المبطِلُونُ عندَ سلطانِه، هو الذي يُذكِّرُ المنسِيَّ، ويُنسِّى المذكورَ، ويُجرِى الظلماتِ والنورَ، هذا علمِى، وخلقُه أعظَمُ من أن يُحصيَه عَقْلِى، وعظمتُه أَعظَمُ من أَن يَقْدُرَها مِثلى.\nقال بلْدَدُ: إن المنافِقَ يُجزَى بما أَسَرَّ من يُفاقِه، وتَضِلُّ عنه العلانيةُ التي خادَع بها، ويُوكَلُ على الجزاءِ بها على (^١) الذي عمِلها، ويَهلِكُ ذِكرُه من الدنيا، ويُظلِمُ نورُه في الآخرةِ، ويُوحِشُ سبيلُه، وتوقِعُه في الأُحبولَةِ سريرتُه، وينقَطِعُ اسمُه من الأرضِ، فلا ذِكْرَ له (^١) فيها ولا عُمرانَ، لا يرِثُه ولدٌ مُصلِحونَ من بعدِه، ولا يبقَى له أصلٌ يُعْرَفُ به، ويَبْهَتُ من يراهُ، وتقِفُ الأشعارُ عند ذكْرِه.\nقال أيوبُ: إن أكُنْ غَوِيًّا فعلَيَّ غَواى، وإن أَكُنْ بَرِيًّا فَأَيُّ مَنَعَةٍ عَندِي؛ إِن صرَختُ فمن ذا الذي يُصرِخُنى؟ وإن سكَتُّ فمَن ذا الذي يعذِرُني؟ ذهَب رجائي وانقضَتْ أحلامي، وتنكَّرتْ لى معارفي، دعَوْتُ غلامى فلم يُجِبْني، وتضرَّعتُ لأمَتى فلم ترْحَمْنى، وقَع عليَّ البلاءُ فرفَضُونى، أنتم كنتُم أشدَّ عليَّ من مُصِيبتي، انظُروا تَبْهَتُوا (^٢) من العجائبِ التي في جسدِى، أما سمِعتم (^٣) بما أصابَني؟ وما شغَلكم عنى ما رأيتُم بي؟ لو كان عبدٌ يُخاصِمُ رَبَّهِ رَجُوتُ أَن أَتغَلَّبَ عندَ الحكَمِ، ولكنَّ لى رَبًّا جبارًا تعالى فوقَ سماواتِه، وألقَانى ههنا، وهُنْتُ عليه، لا هو عذَرَني\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"وابهتوا\".\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لي\".","vol":"16","page":346},{"text":"بعُذْرِى، ولا هو أَدْنانى فأُخاصِمَ عن نفسِى، يَسمَعُنى ولا أَسْمَعُه، ويرانى ولا أرَاه، وهو محيطٌ بي، ولو تجلَّى لى لذابَتْ كُليَتاى، وصعِق رُوحِي، ولو نَفَّسَنى فأتكلَّمَ بملءِ في، ونزَع الهيبةَ مِني، علِمتُ بأيِّ ذنبٍ عَذَّبني.\nنُودِى فقيل: يا أيوبُ. قال: لبَّيْكَ. قال: أنا هذا قد دَنوتُ مِنك، فقُمْ فاشدُدْ إزارَك، وقُمْ مقامَ جَبَّارٍ، فإنه لا ينبَغى لى أن يُخاصِمَنى إلا جبَّارٌ مِثلى، ولا ينبَغى أن يُخاصِمَنى إلا من يجعَلُ الزِّمامَ (^١) في فَمِ الأسدِ، والسِّخالَ (^٢) في فَمِ العنقاءِ (^٣)، واللجامَ (^٤) في فم التِّنِّينِ، ويكيلُ مكيالًا من النورِ، ويزنُ مثقالًا من الريحِ، ويَصُرُّ صُرَّةً من الشمسِ، ويرُدُّ أمسِ لغدٍ، لقد مَنَّتْك نفسُك أمرًا ما يبلُغُ بمثلِ قوَّتِك، ولو كنتَ إذ مَنَّتْك نفسُك ذلك ودَعَتْك إليه تذكَّرْتَ أيَّ مرامٍ رامَتْ بك، أرَدتَ أن تُخاصِمَنى بِغَيِّك؟ أم أرَدتَ أن تُحاجَّني بخطَئِك؟ أم أردتَ أن تُكاثِرَني بضَعْفِك؟ أين كنتَ (^٥) مِنى يومَ خَلَقتُ الأرضَ فوضعتُها على أساسِها؟ هل علمتَ بأيِّ مقدارٍ قدَّرْتُها؟ أم كنتَ معى تمرُّ بأطرافِها؟ أم تعلَمُ ما بُعدُ زَواياها؟ أم علَى أيِّ شيءٍ وضَعتُ أكنافَها؟ أبطاعتِك حمَل الماءُ الأرضَ؟ أم بحكمتِك كانتَ الأرضُ للماءِ غطاءً؟ أين كُنتَ مِنِّي يومَ رفَعتُ السماءَ سَقفًا في الهواءِ لا بعلائِقَ ثبَتَتْ من فوقِها، ولا يحمِلُها دعائمُ (^٦) من تحتِها؟ هل يبلُغُ من حكمتِك أن تُجرِى نورَها؟ أو\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"الزنار\"، وفي ت ٢: \"الزمان\".\n(^٢) السخال جمع السخلة: ولد الشاة من المعز والضأن، ذكرًا كان أو أنثى. اللسان (س خ ل).\n(^٣) العنقاء: طائر ضخم ليس بالعقاب، وقيل: العنقاء المُغْرِب كلمة لا أصل لها، يقال: إنها طائر عظيم لا ترى إلا في الدهور. اللسان (ع ن ق).\n(^٤) في م، وعرائس المجالس: \"اللحم\".\n(^٥) في ص، ت ٢: \"أنت\".\n(^٦) في ص، ت ٢: \"دعم\".","vol":"16","page":347},{"text":"تُسَيِّر نجومَها، أو يختلِفَ بأمرِك ليلُها ونهارُها؟ أينَ كنتَ (^١) منى يومَ سَجَّرتُ (^٢) البحارَ وأنبَعتُ الأنهارَ؟ أقدرتُك حبَستْ أمواجَ البحارِ على حدودِها؟ أم قدرتُك فتَحَتِ الأرحامَ حينَ بلَغتْ مدتَها؟ أين أنتَ منى يومَ صبَبتُ الماءَ على الترابِ، ونصَبتُ شوامِخَ الجبالِ؟ هل لك من ذِراعٍ تُطيقُ حَمْلَها؟ أم هل تدرِى كم من مثقالٍ فيها؟ أم أينَ الماءُ الذي أُنزِلُ من السماءِ؟ هل تدرِى [أمٌّ تلِدُه أو أبٌ تَوَلَّدَه] (^٣)؟ أَحِكمتُك أحصَتِ القَطْرَ، وقسَمتِ الأرزاقَ؟ أم قدرتُك تُثيرُ السحابَ، وتغشِيه الماءَ؟ هل تدرِى ما أصواتُ الرعودِ؟ أم من أيِّ شيءٍ لهبُ البروقِ؟ هل رأيتَ عُمقَ البحرِ (^٤)؟ أم هل تدرِى ما بُعدُ الهواءِ؟ أم هل خزَنتَ أرواحَ الأمواتِ؟ أم هل تدرِى أينَ خزانةُ الثلجِ، أو أينَ خزائِنُ البَرَدِ؟ أم أين جبالُ البَرَدِ؟ أم هل تدرِى أينَ خِزانةُ الليلِ بالنهارِ، وأين خِزانةُ النهارِ بالليلِ؟ وأين طريقُ النورِ؟ وبأيِّ لغةٍ تتكلَّمُ الأشجارُ؟ وأين خزانةُ الريحِ؟ وكيف تحبِسُه الأغلاقُ؟ ومن جعَل العقولَ في أجوافِ الرجالِ؟ ومن شَقَّ الأسماعَ والأبصارَ؟ ومن ذلَّت الملائكةُ لملكِه؟ وقهرَ الجبارين بجبروتِه؟ وقسَم أرزاقَ الدوابِّ بحكمتِه؟ ومن قسَم للأُسدِ أرزاقَها؟ وعرَّف الطيرَ معايشَها؟ وعطَفها على أفراخِها؟ من أعتقَ الوحشَ من الخدمةِ، وجعَل مساكنَها البرِّيَّةَ، لا تستأنِسُ بالأصواتِ ولا تهابُ السلاطينَ (^٥)؛ أمِن حكمتِك تفرَّعت أفراخُ الطير وأولادُ الدَّوابِّ لأمهاتِها؟ أم مِن حكمتِك عطَفت أمهاتُها عليها حتى أخرَجت لها الطعامَ من بطونِها، وآثرَتْها بالعيشِ على نفوسِها؟ أم\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أنت\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ف: \"سخرت\"، وغير منقوطة في: ص، والمثبت موافق لما في عرائس المجالس.\n(^٣) في عرائس المجالس: \"كم بلدة أهلكتها\".\n(^٤) في م: \"البحور\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ف: \"المسلطين\".","vol":"16","page":348},{"text":"من حكمتِك [يبصِرُ العُقابُ [الصيدَ البصرَ البعيدَ] (^١) فأصبَح في أماكنِ القتلَى] (^٢)؟ أين أنت منى يومَ خلَقتُ بهموتَ مكانَه في منقطعِ الترابِ؟ والوتيان (^٣) يحملانِ الجبالَ والقرَى والعمرانَ، آذانُهما كأنها شجَرُ الصَّنَوْبَرِ الطوالِ، رُءوسُهما كأنها آكامُ (^٤) الجبالِ، وعروقُ أفخاذِهما كأنها أوتادُ الحديدِ، وكأن جلودَهما فِلَقُ الصخورِ، وعظامُهما (^٥) كأنها عُمُدُ النُّحاسِ، هما رأسا خلَقى الذين (^٦) خلَقْتُ للقتالِ، أأنت ملأتَ جلودَهما لحمًا؟ أم أنت ملأتَ رءوسَهما دِماغًا؟ أم هل لك في خلقِهما من شِرْكٍ؟ أم لك بالقوَّةِ التي عمِلَتْهما (^٧) يدانِ؟ أو هل يبلُغُ من قوَّتِك أن تَحْطِمَ على أُنوفِهما؟ أو تضَعَ يدَك على رُءوسِهما؟ أو تقعُدَ لهما على طريقٍ فتحبِسَهما، أو تصُدُّهما عن (^٨) قوَّتِهما؟ أين أنتَ يومَ خلَقتُ التِّنِّينَ؟ رِزقُه في البحرِ ومسكَنُه في السحابِ، عيناهُ تَوَقَّدانِ نارًا، ومِنخراه يثورانِ دُخَانًا، أُذناه مثلُ قوسِ السحابِ، يثورُ منهما لهبٌ كأنه إعصارُ العجاجِ، جَوفُه يَحْتَرِقُ، ونَفَسُه يلتهِبُ، وزبدُه [جَمرٌ أمثالُ] (^٩) الصخورِ، وكأن صريفَ أسنانِه أصواتُ الصواعقِ، وكأن نظرَ عينيهِ لهبُ البرْقِ، أسرارٌ (^١٠) لا تدخُلُه الهمومُ، تمرُّ به الجيوشٌ وهو مُتَّكئٌ لا يُفْزِعُه شيءٌ، ليس فيه مفصَلٌ (^١١)، الحديدُ عندَه مثلُ التبنِ، والنُّحاسُ عندَه مثلُ الخيوطِ، لا\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في عرائس المجالس: \"يبصر العقاب الصيد البعيد واضحا في أماكن الفلا\".\n(^٣) في م: \"الوتينان\"، وفى ت:٢: \"الويتان\"، وفى عرائس المجالس: \"اللوتيا\".\n(^٤) في ص، ت ١، ف: \"كوم\"، وفي ت ٢: \"أكرم\".\n(^٥) في ت ٢: \"أفخاذهما\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الذي\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"علمتها\".\n(^٨) في ص، ت ١، ف: \"من\".\n(^٩) في م: \"كأمثال\".\n(^١٠) في م: \"أسراره\".\n(^١١) بعده في م بين معكوفين: \"زبر\".","vol":"16","page":349},{"text":"يفزَعُ من النُّشَّابِ، ولا يُحِسُّ وقْعَ الصخورِ على جسدِه، ويضحَكُ من النيازِكِ، ويسيرٌ في الهواءِ كأنه عصفورٌ، ويُهلِكُ كلَّ شيءٍ يمرُّ به، ملكُ الوحوشِ، وإياه آثرتُ بالقوَّةِ على خلْقِى، هل أنت آخِذُه بأُحبولَتِك فرابطُه بلسانِه، أو واضِعٌ اللجامَ في شِدقِه؟ أنظنُّه يُوفِى بعهدِك، أو يُسبِّحُ من خوفِك؟ هل تُحصِى عُمُرَه، أم هل تدرِى أجلَه؟ أو تُفوِّتُ رزْقَه؟ أم هل تدرِى ماذا خرّبَ من الأَرضِ؟ أم ماذا يُخرِّبُ فيما بقِى من عُمُرِه؟ أتطيقُ غضبَه حينَ يغضَبُ؟ أم تأمرُه فيُطيعَك (^١)؟ تبارَك اللهُ وتعالَى.\nقال أيوب ﵇: قَصَرْتُ عن هذا الأمرِ الذي تعرِضُ لى، ليتَ الأرضَ انشَقَّت بي، فذهبتُ في بلائى، ولم أتكَلَّمْ بشيءٍ يُسخِطُ رَبِّي، اجتَمَع عليَّ البلاءُ، إلهى جعَلتنى لك مثلَ العدوِّ، وقد كنتَ تُكرِمُنى، وتعرِفُ نُصْحِى، وقد علمتُ أن كلَّ (^٢) الذي ذكرتَ صُنْعُ يديْك، وتدبيرُ حكمتِك، وأعظمُ من هذا ما شئتَ عَمِلتَ، لا يُعجِزُك شيءٌ، ولا تخفى عنك (^٣) خافيةٌ، ولا تغيبُ عنك غائبةٌ، مَنْ هذا الذي يظُنُّ أن يُسِرَّ عنك سرًّا، وأنت تعلَمُ ما يخطُرُ على القلوبِ؟ وقد علمتُ منك في بَلائِى هذا ما لم أكُنْ أَعلَمُ، وَخِفْتُ حينَ بلوتُ أمرَك أكثرَ مما كنتُ أخافُ، إنما كنتُ أسمعُ بسَطوتِك (^٤) سَمعًا، فأَمَّا الآن فهو بصَرُ العين، إنما تكلَّمتُ حينَ تكلمتُ لتعذِرَني، وسكتُّ حينَ سكتُّ لترحَمَنى، كلمةٌ زَلَّتْ فلن أعودَ، قد وضَعتُ يدى على فَمِي، وعَضَضَتُ على لساني، وألصَقتُ\n_________\n(^١) في م: \"فيعطيك\"، وفى ت ٢: \"فتطيعك\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م، ف: \"عليك\".\n(^٤) في ت ٢، ف: \"بصوتك\".","vol":"16","page":350},{"text":"بالترابِ خَدِّي، ودَسَسْتُ (^١) وَجْهِي لصغارِى، وسكتُّ كما أسكَتَنْنى خطيئَتِي، فاغفِرْ لى ما قلتُ، فلن أعودَ لشيءٍ تكرَهُهُ مِنِّى.\nقال اللهُ ﵎: يا أيوبُ نفَذ فيك عِلْمى، وبحِلْمى صرَفتُ عنك غَضَبي إِذ خَطِئْتَ، فقد غَفَرتُ لك وردَدتُ عليك أهلَك ومالَك ومثلَهم معهم، فاغتَسِلْ بهذا الماءِ، فإن فيه شفاءَك، وقرِّبْ عن صحابتِك قُربانًا، واستغفِرْ لهم، فإنهم قد عَصَوْني فيك (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عمَّن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ بن مُنبهٍ اليمانيِّ وغيرِه من أهلِ الكُتبِ الأوَلِ، أنه كان من حديثِ أيوبَ أنه كان رجلًا من الرومِ، وكان اللهُ قد اصطفاه ونبّأَه، وابتَلاهُ في الغِنَى بكثرةِ الولدِ والمالِ، وبسَط عليه من الدنيا، فوسَّع عليه في الرزقِ، وكانت له البَثَنيةُ من أرضِ الشامِ، أعلَاها، وأسفلُها، وسهلُها وجبَلُها، وكان له فيها من أصنافِ المالِ كلِّه؛ من الإبلِ والبقرِ والغنمِ والخيلِ والحميرِ ما لا يكونُ للرجلِ أفضَلُ منه في العِدَّةِ والكثرةِ، وكان اللهُ قد أعطاهُ أهلًا وولدًا من رجالٍ ونساءٍ، وكان بَرًّا تَقيًّا رحيمًا بالمساكين، يُطعِمُ المساكينَ، ويحمِلُ الأراملَ، ويكفُلُ الأيتامَ، ويُكرِمُ الضيفَ، ويُبلِّغُ ابنَ السبيلِ، وكان شاكِرًا لأنعُمِ اللهِ عليه، مؤدِّيًا لحقِّ اللهِ في الغنِي، قد امتَنَع من عدوِّ اللهِ إبليسَ أن يُصيبَ منه ما أصابَ من أهلِ الغِنى مِن العِزَّةِ والغَفْلَةِ، والسهوِ (^٣) والتشاغُلِ عن أمرِ اللهِ بما هو فيه من الدنيا، وكان معه ثلاثةٌ قد آمنوا به\n_________\n(^١) في م: \"دست\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٢٢ مختصرًا جدًّا، وذكره الثعالبى في عرائس المجالس ص ١٣٥ عن وهب وكعب وغيرهما، وذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٣٣٧ عن وهب، وقال ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٥٤: وقد ذكر عن وهب بن منبه في خبره قصة طويلة ساقها ابن جرير وابن أبي حاتم بالسند عنه، وذكرها غير واحد من متأخرى المفسرين، وفيها غرابة، تركناها لحال الطول.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"الشهوة\".","vol":"16","page":351},{"text":"وصدَّقوه، وعرَفوا فضْلَ ما أعطاه اللهُ على مَن سِواه؛ منهم رجلٌ من أهلِ اليمنِ يقالُ له: أليفزُ. ورجلانِ مِن أهلِ بلادِه يقالُ لأحدِهما: صوفرُ. وللآخرِ: بلددُ. وكانوا من بلادِه كُهولًا، وكان لإبليسَ عدوِّ اللهِ مُنزَلٌ من السماءِ السابعةِ يقَعُ به كلَّ سنةٍ مَوقِعًا يسألُ فيه، فصعِد إلى السماءِ في ذلك اليومِ الذي كان يصعَدُ فيه، فقال اللهُ له، أو قيلَ له عن اللهِ: هل قدَرْت من أيوبَ عبدِى على شيءٍ؟ قال: أَيْ رَبِّ، وكيف أقدِرُ منه على شيءٍ و(^١) إنما ابتلَيْتَه بالرخاءِ والنعمَةِ والسَّعةِ والعافيةِ، وأعطيتَه الأهلَ والمالَ والولدَ والغِنى والعافيةَ في جسَدِه وأهلِه ومالِه، فما له لا يشكُرُك ويعبُدُك ويُطيعُك وقد صنَعتَ ذلك به، لو ابتليتَه بنَزْعِ ما أعْطيتَه لحالَ عما كان عليه من شُكْرِك، ولترَك عبادتَك، ولخرَج من طاعتِك إلى غيرِها. أو كما قال عدوُّ اللهِ، فقال: قد سلَّطتُك على أهلِه ومالِه. وكان اللهُ هو أعلَمَ به، ولم يُسلِّطْه عليه إلا رحمةً؛ ليُعظِمَ له الثوابَ بالذي يُصيبُه من البلاءِ، وليجعَلَه عبرةً للصابرين، وذِكرَى للعابدين، في كُلِّ بلاءٍ نزَل بهم، ليأْتَسُوا (^٢) به، وليرْجُوا من عاقبةِ الصبرِ في عَرَضِ الدنيا ثوابَ الآخرةِ، وما صنَع اللهُ بأيوبَ، فانحطَّ عدوُّ اللهِ سريعًا، فجمعَ عفاريتَ الجنِّ ومَرَدةَ الشياطينِ من جنودِه، فقال: إني قد سُلِّطتُ على أهلِ أيوبَ ومالِه، فماذا عليكم؟ فقال قائلٌ منهم: أكونُ إعصارًا فيه نارٌ، فلا أمُرُّ بشيءٍ من مالِه إلا أهلكْتُه، قال: أنت وذاك. فخرَج حتى أتى إبلَه، فأحرَقها ورُعاتَها جميعًا، ثم جاءَ عدوُّ اللهِ إلى أيوبَ في صورةِ قَيِّمِه عليها وهو في مُصلًّى، فقال: يا أيوبُ أقبلَت نارٌ حتى غَشِيت إبلَك فأحرقَتها ومن (^٣) فيها غيرِى، فجئتُك أخبِرُك ذلك (^٤). فعرَفه أيوبُ، فقال: الحمدُ للهِ الذي هو أعطاها، وهو أخَذها، الذي أخرَجك منها كما يُخْرَجُ الزُّؤانُ (^٥) من الحبِّ\n_________\n(^١) في م: \"أو\".\n(^٢) في م: \"ليتأسوا\".\n(^٣) في ت:٢: \"ما\".\n(^٤) في م، ت ٢: \"بذلك\".\n(^٥) في ص، ت ١، ف: \"الزلال\"، وفى ت ٢: \"الدلال\". والزؤان، بهمز وبغيره: حب يخالط البُرِّ فيكسبه رداءة، وهو حب يُسكِر. اللسان (ز أ ن، ز ون).","vol":"16","page":352},{"text":"النقيِّ. ثم انصرَف عنه، فجعَل يُصيبُ ماله مالًا مالًا، حتى مرَّ على آخِرِه، كلَّما انتهى مرَّ هلاكُ مالٍ من مالِه حمِد الله وأحسَن عليه الثناءَ، ورَضِى بالقضاءِ، ووطَّن نفسَه للصبرِ على البلاءِ، حتى إذا لم يبقَ له مالٌ أتَى أهلَه وولَده وهم في قصرٍ لهم، معهم حَظِيَّاتُهم وخدّامُهم، فتمثَّل ريحًا عاصفًا، فاحتَمل القصرَ من نواحِيه، فألقاه على أهلِه ووَلَدِه، فشدَخهم تحتَه، ثم أتاه في صورةِ قَهْرمانِه عليهم، قد شُدِحْ وَجْهُه، فقال: يا أيوبُ، قد أَتَتْ ريحٌ عاصفٌ، فاحتَملَت القصرَ من نواحِيه، ثم ألقَتْه على أهلِك وولدِك فشدَخَهم غيرِى، فجئْتُك أخبِرُك ذلك. فلم يجزَعْ على شيءٍ أصابَه جزَعه على أهلِه وولَدِه، وأخَذ ترابًا فوضَعه على رأسِه، ثم قال: ليتَ أُمِّي لم تلِدْنى، ولم أكُ شيئًا. وسُرَّ بها عدوُّ اللهِ منه، فأصعَد إلى السماءِ جَذِلًا، وراجَع أيوبُ التوبةَ مما قال، فحمدِ الله، فسبَقت توبتُه عدوَّ اللهِ إلى اللهِ، فلما جاءَ وذكَر ما صنَع، قيل له: قد سبَقتْك توبتُه إلى اللهِ ومراجَعتُه. قال: أَيْ رَبِّ، فسلِّطْنى على جسَدِه. قال: قد سلَّطتُك على جسَدِه إلا على لسانِه وقلبِه ونفَسِه وسَمعِه وبَصَرِه. فأقبلَ إليه عدوُّ اللهِ وهو ساجِدٌ، فنفَخ في جسَدِه نفخةً أشعَل ما بينَ قرنِه إلى قدَمِه، كحريقِ النارِ، ثم خرَج في جسدِه ثآليلُ كألياتِ الغنَمِ، فحَكَّ بأظفارِه حتى ذهَبت، ثم بالفَخَّارِ والحجارةِ حتى تساقَطَ لحمُه، فلم يبقَ منه إلا العروقُ والعصَبُ والعظامُ، عيناه تجولانِ في رأسِه للنظرِ، وقلبُه للعقلِ، ولم يخلُصْ إلى شيءٍ من حشوِ البطْنِ؛ لأنه لا بقاءَ للنفسِ إلا بها، فهو يأكُلُ ويشرَبُ على التواءٍ من حُشوتِه، فمكَث كذلك ما شاءَ اللهُ أن يمكُثَ.\nفحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الحسنِ (^١) بن دينارٍ، عن الحسنِ، أنه كان يقولُ: مكَث أيوبُ في ذلك البلاءِ سبعَ سنينَ وستةَ أشهرٍ ملقًى على رمادِ مكنسةٍ في جانبِ القريةِ. قال وهبُ بنُ منبهٍ: ولم يبقَ من أهلِه إلا امرأةٌ واحدةٌ تقومُ عليه وتكسِبُ له، ولا يقدِرُ عدوُّ اللهِ منه على قليلٍ ولا كثيرٍ مما يريدُ.\n_________\n(^١) سقط من: م، وينظر الجرح والتعديل ٢/ ١١.","vol":"16","page":353},{"text":"فلما طالَ البلاءُ عليه وعليها، وسئِمها الناسُ، وكانت تكسِبُ عليه ما تُطعِمُه وتَسقِيه. قال وَهْبُ بنُ منبهٍ: فحُدِّثتُ أنها التَمَست له يومًا من الأيامِ ما تُطعِمُه، فما وجَدَت شيئًا حتى جزَّت قَرْنًا من رأسِها (^١) فباعَته برغيفٍ. فأتَته به (^٢) فعشَّتْه إياه، فلبِث في ذلك البلاءِ تلك السنينَ، حتى إن كان المارُّ ليمُرُّ فيقولُ: لو كان لهذا عندَ اللهِ خيرٌ لأراحَه مما هو فيه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: فحدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: وكان وهبُ بنُ منبهٍ يقولُ: لَبِث في ذلك البلاءِ ثلاثَ سنينَ لم يَزِدْ يومًا واحدًا، فلما غلَبه أيوبُ فلم يستَطِعْ منه شيئًا، [اعترض امرأتَه] (^٣) في هيئةٍ ليست كهيئةِ بني آدمَ في العِظَمِ والجسْمِ والطولِ، على مركبٍ ليس من مراكبِ الناسِ، له عِظَمٌ وبهاءٌ وجمالٌ ليس لها، فقال لها: أنت صاحبةُ أيوبَ هذا الرجل المبتلَى؟ قالت: نعَم. قال: هل تعرِفينَني؟ قالت: لا. قال: فأنا إلَهُ الأرضِ، وأنا الذي صنعتُ بصاحبِك ما صنَعتُ، وذلك أنه عبد إلَهَ السماءِ وترَكنى فأغضَبَنى، ولو سجَد لي سجدةً واحدةً ردَدتُ عليه وعليكِ كلَّ ما كان لكُما من مالٍ، وولَدٍ، فإنه عِندى. ثم أراها إياهم فيما ترَى ببطنِ الوادى الذي لَقيها فيه. قال: وقد سمِعتُ أنه إنما قال: لو أن صاحِبَك أكَل طعامًا ولم يُسَمِّ عليه، لعُوفى مما به من البلاءِ. واللهُ أعلَمُ. وأرادَ عدوُّ اللهِ أن يأتيَه من قِبَلِها، فرجَعت إلى أيوبَ فأخبرَته بما قال لها وما أَراها، قال: أقد (^٤) أتاكِ عدوُّ اللهِ ليفتِنَكِ عن دِينكِ؟ ثم أقسَم إنِ اللهُ عافاه ليضرِبَنَّها مائةَ ضربةٍ.\nفلما طالَ عليه البلاءُ، جاءه أولئك النفَرُ الذين كانوا معه قد آمنوا به وصدَّقوه،\n_________\n(^١) في ت ٢: \"شعرها\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في ص، ف: \"أعرض امرأته\".\n(^٤) في م: \"أو قد\".","vol":"16","page":354},{"text":"معهم فتًى حديثُ السنِّ، قد كان آمن به وصدَّقه، فجلَسُوا إلى أيوبَ ونظَروا إلى ما به من البلاءِ، فأعظَموا ذلك وفَظِعوا به، وبلَغ من أيوبَ صلواتُ اللهِ عليه مجهودُه، وذلك حينَ أرادَ اللهُ أن يُفرِّجَ عنه ما به، فلما رأى أيوبُ ما أعظَموا مما أصابَه، قال: أي رَبِّ، لأيِّ شيءٍ خَلَقتَنى؟ ولو كنتَ إذ قضَيْتَ عليَّ البلاءَ ترَكتَنى فلم تخلُقْنى، ليتَنى كنتُ دَمًا ألقَتْنى أُمِّى. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن عسْكَرٍ، عن إسماعيلَ بن عبدِ الكريمِ، إلى: وكابَدُوا الليلَ، واعتزَلوا الفُرُشَ، وانتظَروا الأسحارَ. ثم زاد فيه: أولئك الآمنون الذين لا يَخافُون، ولا يهتمُّون ولا يحزَنون، فأين عاقبةُ أمرِك يا أيوبُ من عواقبِهم؟ قال فتًى حضَرهم، وسمِع قولَهم (^١)، ولم يفطِنوا له، ولم يأبَهوا (^٢) لمجلِسِه، وإنما قيَّضَه اللهُ لهم؛ لما كان من جَوْرِهم في المنطِقِ وشطَطِهم، فأرادَ اللهُ أن يُصغِرَ به إليهم أنفسَهم، وأن يُسَفِّهَ بصَغَرِه لهم أحلامَهم، فلما تكلَّم تمادَى في الكلامِ فلم يزدَدْ إلا حُكْمًا، وكان القومُ من شأنِهم الاستماعُ والخشوعُ إذا وُعِظوا أو ذُكِّروا، فقال: إنكم تكلَّمتُم قَبْلى أيها الكهولُ، وكُنتُم أحقَّ بالكلامِ وأَوْلى به منى؛ لحقِّ أسنانِكم، ولأنكم قد جرَّبْتُم قَبْلى، ورأيتُم وعلِمتم ما لم أعلَمْ، وعرَفتُم ما لم أعرِفْ، ومع ذلك قد ترَكتُم من القولِ أحسَنَ من الذي قلتُم، ومن الرأيِ أصوبَ من الذي رأيتُم، ومن الأمرِ أجملَ من الذي أتيتُم، ومن الموعظةِ أحكَمَ من الذي وصَفتُم، وقد كان لأيوبَ عليكم من الحقِّ والذِّمامِ أفضلُ من الذي وصَفتم، فهل تدرونَ أيها الكهولُ حقَّ من انتقَصْتم؟ وحُرمةَ مَن انتهَكْتم؟ ومَن الرجلُ الذي عِبْتُم واتَّهَمْتم؟ ألم تعلَموا أيها الكهولُ أن أيوبَ نبيُّ اللهِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قوله\".\n(^٢) في ت ١: \"ينتبهوا\".","vol":"16","page":355},{"text":"وخِيرتُه وصِفوتُه من أهلِ الأرضِ يومَكم هذا؟ اختارَه اللهُ لوحيِه، واصطفاه لنفسِه، وائْتَمنه على نبوَّتِه، ثم لم تعلَموا ولم يُطلِعْكم اللهُ على أنه سخِط شيئًا من أمرِه مذ آتاه ما آتاه إلى يومِكم هذا، ولا على أنه نزَع منه شيئًا من الكرامةِ التي أكرَمه بها مذ آتاه ما آتاه إلى يومكم هذا، ولا أن أيوبَ غَيَّر الحقَّ في طولِ ما صحِبتُموه إلى يومِكم هذا، فإن كان البلاءُ هو الذي أزْرَى به عندَكم، ووضَعه في أنفسِكم، فقد علِمتم أن الله يَبتَلِى النبيِّين والصدِّيقين والشهداءَ والصالحين، ثم ليس بلاؤُه لأولئِك بدليلِ سخْطِه عليهم، ولا لهوانِه لهم، ولكنها كرامةٌ وخِيَرَةٌ لهم، ولو كان أيوبُ ليس من اللهِ بهذه المنزلةِ، ولا في النبوَّةِ ولا في الأَثرةِ ولا في الفضيلةِ ولا في الكرامةِ، إلا أنه أخٌ آخَيْتُموه (^١) على وَجْهِ الصحابةِ، لكان، [وهو] (^٢) لا يجمُلُ بالحكيمِ أن يعذِلَ أخاه عندَ البلاءِ، ولا يُعيِّرَه بالمصيبةِ بما لا يعلَمُ وهو مكروبٌ حزينٌ، ولكن يرحَمُه ويبكِي معه، ويستغفِرُ له، ويحزَنُ لحزنِه، ويدُلُّه على مراشِدِ أمرِه، وليس بحكيمٍ ولا رشيدٍ من جهِل هذا، فاللهَ الله أيها الكهولُ في أنفسِكم.\nقال: ثم أقبَل على (^٣) أيوبَ ﵇ فقال، وقد كان في عَظمةِ اللهِ وجَلالِه، وذكْرِ الموتِ: ما يقطَعُ لسانَك، ويكسِرُ قلبَك، ويُنسيك حُجَجَك، ألم تعلَمْ يا أيوبُ أن للهِ عبادًا أسكتَتْهم خَشْيتُه من غيرِ عِيٍّ (^٤) ولا بَكَمٍ؟ وإنهم لهم الفصحاءُ النُّطَقاءُ النبلاءُ الألبّاءُ العالمون باللهِ وبآياتِه، ولكنهم إذا ذكرُوا عظمةَ اللهِ انقطَعت ألسنتُهم، واقْشَعرَّت جلودُهم، وانكسرَت قلوبُهم، وطاشَت عقولُهم، إعظامًا للهِ، وإعزازًا وإجلالًا، فإذا استَفاقوا من ذلك استَبَقُوا إلى اللهِ بالأعمالِ\n_________\n(^١) في م: \"أجبتموه\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ت ٢: \"إلى\".\n(^٤) في ص، ت ١، ف: \"عمي\".","vol":"16","page":356},{"text":"الزاكيةِ، يَعُدُّونَ أنفسَهم مع الظالمين والخاطئين، وإنهم لأنزاهٌ برآءُ، مع (^١) المقصِّرِين والمفرِّطين، وإنهم لأكياسٌ أقوياءٌ، ولكنهم لا يستكثِرون للهِ الكثيرَ، ولا يَرضَوْن للهِ بالقليلِ، ولا يُدِلُّون عليه بالأعمالِ، فهم مُروَّعون مُفزَّعون مغتَمُّون، خاشِعون وجِلون، مستكِينون معترِفون، متى ما رأيتَهم يا أيوبُ.\nقال أيوبُ: إن الله يزرَعُ الحكمةَ بالرحمةِ في قلبِ الصغيرِ والكبيرِ، فمتى نبتَت في القلبِ يُظهِرُها اللهُ على اللسانِ، وليست تكونُ الحكمةُ من قِبَل السنِّ ولا الشبيبةِ، [ولا] (^٢) طولِ التجرِبةِ، وإذا جعَل اللهُ العبدَ حكيمًا في الصِّبَا (^٣) لم تَسْقُطْ منزلتُه (^٤) عندَ الحكماءِ، وهم يَرَون عليه من اللهِ نورَ الكرامةِ، ولكنكم قد أعجبَتْكُم أنفسُكم، وظنَنْتم (^٥) أنكم عُوفِيتم بإحسانِكم، فهنالِك بغَيتم وتعزَّرْتم، ولو نظَرتم فيما بينَكم وبينَ رَبِّكم، ثم صدَقتم أنفسَكم، لوجَدتم لكم عيوبًا ستَرها اللهُ بالعافيةِ التي ألبَسكم، ولكني قد أصبَحتُ اليومَ وليس لى رأيٌ ولا كلامٌ معكم، قد كنتُ فيما خَلا مسموعًا كلامِي، معروفًا حقِّى، مُنتصِفًا من خَصْمِي، قاهرًا لمن هو اليومَ يقهَرُني، مَهيبًا مكانى، والرجالُ مع ذلك يُنصِتون لى ويوقِّرونى، فأصبَحتُ اليومَ قد انقَطَع رَجائى، ورُفِع حَذَرِى، ومَلَّنى أهلِى، وعَفَّنى أرحامِي، وتنكَّرَت لى معارِفي، ورغِب عنِّى صَديقي، وقطَعنى أصحابي، وكفَرني أهلُ بيتي، وجُحِدَتْ حُقوقي، ونُسِيت صنائِعى، أصرُخُ فلا يُصْرِخونَنى، وأعتذِرُ فلا يُعذِرونني، وإن قضاءَه هو الذي أذلَّنى، وأقمأَنى، وأخسأَنى، وإن سُلطانَه الذي أسقَمنى،\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"ومع\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"إلا\".\n(^٣) في م: \"الصيام\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"منزله\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ظني\".","vol":"16","page":357},{"text":"وأنحَل جِسْمى، ولو أن رَبى نزَع الهيبةَ التي في صَدرِى، وأطلَق لِساني حتى أتكلَّمَ بملءِ فَمِي، ثم كان ينبَغي للعبدِ أن يُحاجَّ عن نفسِه، لرجَوتُ أن يُعافيَني عندَ ذلك مما بي، ولكنه ألقاني وتعالى عنى، فهو يَرانى ولا أَراه، ويسمَعُنى ولا أسمَعُه، لا نظَر إليَّ فرحِمني، ولا دَنا منى ولا أدناني فأُدْلِيَ بعْذرِى، وأتكلَّمَ ببراءَتي، وأُخاصِمَ عن نفسِي.\nلمّا قال ذلك أيوبُ وأصحابُه عندَه، أظَلَّه غمامٌ حتى ظَنَّ أَصحابُه أنه عذابٌ، ثم نُودِيَ منه (^١): يا أيوبُ، إن الله يقولُ: ها أنذا ذا قد دَنوتُ منك، ولم أَزَلْ منك قريبًا، فقُمْ فَأَدْلِ بعُذرِك الذي زَعَمتَ، وتكلَّمْ ببراءتِك، وخاصِمْ عن نفسِك، واشدُدْ إزارَك. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن عسكرٍ، عن إسماعيلَ، إلى آخرِه، وزاد فيه: ورَحمتى سبَقت غضَبي، فاركُضْ برِجلِك هذا مغتَسَلٌ باردٌ وشرابٌ فيه شفاؤُك، وقد وهَبتُ لك أهلَك ومثلَهم معهم، ومالَك ومثلَه معه. وزعَموا: ومثلَه معه لتكونَ لمن خلفَك آيةً، ولتكونَ عبرةً لأهلِ البلاءِ، وعزاءً للصابرين. فركَض برِجْلِه، فانفجَرتْ له عَيْنٌ، فدخَل فيها فاغتَسل، فأذهَب اللهُ عنه كلَّ ما كان به من البلاءِ، ثم خرَج فجلَس، وأقبلَت امرأتُه تلتِمسُه في مضجَعِه، فلم تجِدْه، فقامَتْ كالوالهةِ متلدِّدةً، ثم قالت: يا عبدَ اللهِ، هل لك عِلمٌ بالرجلِ المبتَلى الذي كان ههنا؟ قال: لا. ثم تبَسَّم، فعرَفته بمضحَكِه، فاعتنقَتْه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن منبهٍ، قال: فحدَّثتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ حديثَه، واعتنِاقَها إياه، فقال عبد الله: فوالذى نفسُ عبدِ اللهِ بيدِه، ما فارَقَتْه من عِناقِه حتى مرَّ بهما (^٢)\n_________\n(^١) بعده في م: \"ثم قيل له\".\n(^٢) في م: \"بها\".","vol":"16","page":358},{"text":"كلُّ مالٍ لهما وولدٍ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: وقد سمعتُ بعضَ من يذكُرُ الحديثَ عنه أنه دَعاها حينَ سألتْ عنه، فقال لها: وهل تعرفينَه إذا رأيتِه؟ قالت: نعم، وما لي لا أعرِفُه؟ فتبسَّم، ثم قال: ها أنا هو، وقد فرج اللهُ عني ما كنتُ فيه. فعندَ ذلك اعتنقَتْه.\nقال وهبٌ: فأوحَى اللهُ إليه (^٢) في قسَمِه ليضرِبَنَّها في الذي كلَّمته أن: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]. أي: قد بَرَرَتَ يمينَك. يقولُ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. يقولُ اللهُ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٤٣].\nحدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ عياضٍ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، قال: لقد مكَث أيوبُ مطروحًا على كُناسةٍ سبعَ سنينَ وأشهرًا ما يسأَلُ الله أن يكشِفَ ما به. قال: وما على وَجْهِ الأرضِ خلقٌ أكرَمُ على اللهِ من أيوبَ، فيزعُمون أن بعض الناس قال: لو كان لرَبِّ هذا فيه حاجةٌ ما صنَع به هذا. فعندَ ذلك دَعا (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن يونسَ، عن الحسنِ، قال: بَقِى أيوبُ على كُناسةٍ لبنى إسرائيلَ سبَع سنينَ وأشهرًا تختلِفُ فيه (^٤) الدوابُّ (^٥).\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٣٤٢ عن ابن عباس.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٢٤.\n(^٤) في م: \"عليه\".\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٢٤، ووقع في آخره: اختلف فيها - فيه - الرواة، وهو خطأ.","vol":"16","page":359},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا يحيى بنُ معينٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن عمرٍو، عن وهبِ بن منبهٍ، قال: لم يكُنْ بأيوبَ الأكَلَةُ، إنما كان يخرُجُ به مثلُ ثَدْيِ النساءِ ثم ينقُفُه (^١) (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا مخلدُ بن حسينٍ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، وحجاجٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ - زاد أحدُهما على الآخرِ - قال: إن أيوبَ آتاه اللهُ مالًا، وأوسَع عليه، وله من النساءِ والبقرِ والغنَمِ والإبلِ، وإن عدوَّ اللهِ إبليسَ قيل له: هل تقدِرُ أن تفتِنَ أيوبَ؟ قال: رَبِّ إن أيوبَ أصبَح في دُنيا من مالٍ وولَدٍ، ولا يستطيعُ ألا يشكُرَك، ولكن سلِّطْنى (^٣) على مالِه وولَدِه، فستَرى كيف يُطيعُنى ويَعصِيك. قال: فسلَّطَه (^٣) على مالِه وولَدِه. قال: فكان يأتى بالماشيةِ من مالِه من الغنمِ فيحرِقُها بالنيرانِ، ثم يأتى أيوبَ وهو يُصلِّى متشبِّهًا براعِي الغنمِ، فيقولُ: يا أيوبُ، تُصلِّى لربِّك! ما ترَك اللهُ لك من ماشيتِك شيئًا من الغنمِ إلا أحرَقها بالنيرانِ، وكنتُ ناحيةً فجئتُ لأخبِرَك. قال: فيقولُ أيوبُ: اللهمَّ أنت أعطيتَ، وأنتَ أخذتَ، مهما تُبْقِ نفسِي أَحْمَدْك على حُسْنِ بلائِك. فلا يقْدِرُ منه على شيءٍ مما يريدُ، ثم يأتى ماشيتَه من البقرِ فيحرِقُها بالنيرانِ، ثم يأتى أيوبَ فيقولُ له ذلك، ويرُدُّ عليه أيوبُ مثلَ ذلك. قال: وكذلك فعَل بالإبلِ حتى ما ترَك له (^٤) ماشيةً، حتى هدَم البيتَ على ولَدِه، فقال: يا أيوبُ أرسَل اللهُ على ولَدِك من هدَم عليهم البيوتَ، حتى هلَكوا. فيقول أيوبُ مثلَ ذلك، وقال: رَبِّ هذا حينَ أحسنتَ إليَّ الإحسانَ كلَّه، قد كنتُ قبلَ اليومِ يشغَلُنى حُبُّ المالِ بالنهارِ، ويشغَلُنى حُبُّ الولَدِ بالليلِ شفقةً عليهم، فالآن\n_________\n(^١) النَّقْفُ: كسر الهامة عن الدماغ ونحو ذلك، كما ينقف الظليم الحنظل عن حبه - أي يشقه - ونقف الفرخُ البيضة: نقبها وخرج منها، التاج (ن ق ف).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٨ إلى المصنف.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"عليه و\".\n(^٤) بعده في م، ت ١، ف: \"من\".","vol":"16","page":360},{"text":"أُفْرِغْ سمْعِى لك (^١) وبصَرى، وليلى ونهارِى، بالذكْرِ والحمدِ، والتقديسِ والتهليلِ. فينصرفُ عدوُّ اللهِ من عندِه لم يُصِبْ منه شيئًا مما يريدُ.\nقال: ثم إن الله ﵎ قال: كيف رأيتَ أيوبَ؟ قال إبليسُ: أيوبُ قد علم أنك سترُدُّ عليه مالَه وولده، ولكن سلِّطنى على جسَدِه، فإن أصابَه الضرُّ فيه أطاعَنى وعَصاك. قال: فسُلِّط على جسَدِه، فأتاه فنفَخ فيه نفخةً قَرِح من لَدُن قرنِه إلى قدَمِه. قال: فأصابَه البلاءُ بعدَ البلاءِ، حتى حُمِل فوُضِعَ على مَزْبَلَةِ كُناسةٍ لبنى إسرائيلَ، فلم يبقَ له مالٌ ولا ولَدٌ ولا صديقٌ ولا أحدٌ يَقرَبُه غيرُ زوجَتِه، صبَرت معه، تَصَدَّقُ (^٢) و(^٣) تأتيه بطعامٍ، وتحمَدُ الله معه إذا حمِد، وأيوبُ على ذلك لا يفتُرُ من ذكرِ اللهِ والتحميدِ والثناءِ على اللهِ، والصبرِ على ما ابتلاهُ اللهُ.\nقال الحسنُ: فصرَخ إبليسُ عدوُّ اللهِ صرخةً جمَع فيها جنودَه من أقطارِ الأرضِ جزَعًا من صبرِ أيوبَ، فاجتَمَعوا إليه وقالوا له: اجْتَمَعْنا (^٤)، ما حَزَبَك (^٥)؟ ما أعياكَ؟ قال: أعيانى هذا العبدُ الذي سألتُ رَبِّي أن يُسلِّطَنى على مالِه وولَدِه، فلم أدَعْ له مالًا ولا ولَدًا، فلم يزدَدْ بذلك إلا صبرًا وثناءً على اللهِ وتحميدًا له، ثم سُلِّطتُ على جَسَدِه فترَكتُه قُرْحةً ملقاةً على كُناسةِ بنى إسرائيلَ، لا يقرَبُه إلا امرأتُه، فقد افتضَحْتُ برَبِّي، فاستعَنْتُ بكم، فأَعينونى عليه. قال: فقالوا له: أين مكرُك؟ أين عِلمُك الذي أهلَكْتَ به من مضَى؟ قال: بطَل ذلك كلُّه في أيوبَ، فأشيروا عليَّ. قالوا:\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"بصدق\"، وفى ت ٢: \"فتصدق\". وتصدق هنا بمعنى: تسأل. ينظر اللسان (ص د ق).\n(^٣) بعده في م: \"كانت\".\n(^٤) في م: \"جمعتنا\".\n(^٥) في م، ت ٢: \"خبرك\"، وفى ت ١، ف: \"أحزنك\". وحزبه الأمر: نابه، واشتد عليه، وقيل: ضغطه. اللسان (ح ز ب).","vol":"16","page":361},{"text":"نُشيرُ عليك، أرأيتَ آدمَ حينَ أخرَجْتَه من الجنةِ، من أينَ أتيتَه؟ قال: من قِبَلِ امرأتِه. قالوا: فشأنُك بأيوبَ من قبَلِ امرأتِه، فإنه لا يستطيعُ أن يَعصِيَها، وليس أحدٌ يقرَبُه غيرُها. قال: أصبْتُم. فانطلَق حتى أتى امرأتَه وهى تَصَدَّقُ، فتمثَّل لها في صورةِ رجلٍ، فقال: أينَ بعلُكِ يا أمةَ اللهِ؟ قالت: ها هو ذاك يحُكُّ قروحَه، وتتردَّدُ الدوابُّ في جسَدِه. فلما سمِعها طمِع أن تكونَ كلمةَ جزَعٍ، فوقَع في صَدْرِها، فوسْوَسَ إليها، فذكَّرها ما كانت فيه من النِّعَمِ والمالِ والدوابِّ، وذكَّرها جمالَ أيوبَ وشبابَه، وما هو فيه من الضرِّ، وأن ذلك لا ينقَطِعُ عنهم أبدًا. قال الحسنُ: فصرَخت. فلما صرَخت علِم أن قد صرَخت وجَزِعَتْ، أتاها بسَخْلةٍ، فقال: ليذبَحَ هذا إليَّ أيوبُ ويبرأُ. قال: فجاءت تصرُخُ: يا أيوبُ، يا أيوبُ، حتى متى يعذِّبُكَ رَبُّك؟ ألا يرحَمُك؟ أينَ الماشيةُ؟ أين المالُ؟ أين الولدُ؟ أين الصديقُ؟ أين لونُك الحسَنُ؟ قد تغيَّر وصارَ مثلَ الرمادِ، أين جسمُك الحسَنُ الذي قد بلى وتردَّدَ فيه الدوابُّ؟ اذبَحْ هذه السَّخْلَةَ واسترِحْ. قال أيوبُ: أتاكِ عدوُّ اللهِ فنفَخ فيكِ، فوجَد فيكِ رِفْقًا وأَجَبتِه، ويلَكِ، أرأيتِ ما تبكين عليه مما تذكُرِين مما كنا فيه من المالِ والولَدِ والصحةِ والشبابِ، من أعطانيه؟ قالت: اللهُ. قال: فكم متَّعَنا به؟ قالت: ثمانين سنةً. قال: فمُذْ كم ابتَلانا اللهُ بهذا البلاءِ الذي ابتَلانا به؟ قالت: منذُ سبعِ سنين وأشهرٍ. قال: ويلَكِ! واللهِ ما عدَلتِ ولا أنصَفتِ رَبَّك، ألا صبَرتِ حتى نكونَ في هذا البلاءِ الذي ابتلانا رَبُّنَا به ثمانين سنةً كما كُنا في الرخاءِ ثمانين سنةً؟ واللهِ لئن شفانى اللهُ لأجْلِدنَّكِ مائةَ جلدةٍ، هِيهِ، أمرتِيني أن أذْبَح لغيرِ اللهِ، طعامُك وشرابُك الذي تأتينى به عليَّ حرامٌ، وأن أذُوقَ ما تأتينى به بعدُ، إذ قلتِ لى هذا فاغرُبى عَنِّي، فلا أراكِ. فطردَها فذهَبت، فقال الشيطانُ: هذا قد وطَّن نفسَه ثمانين سنةً على هذا البلاءِ الذي هو فيه، فباء بالغلَبةِ ورفَضه. ونظَر أيوبُ إلى امرأتِه","vol":"16","page":362},{"text":"قد طرَدها، وليس عندَه طعامٌ ولا شرابٌ ولا صَديقٌ. قال الحسنُ: ومرَّ به رجلانِ وهو على تلك الحالِ، ولا واللهِ ما على ظهْرِ الأرضِ يومئذٍ أكرَمُ على اللهِ من أيوبَ، فقال أحدُ الرجلين لصاحبِه: لو كان للهِ في هذا حاجةٌ ما بلَغ به هذا. فلم يسمَعْ أيوبُ شيئًا كان أشدَّ عليه من هذه الكلمةِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن جريرِ بن حازمٍ، عن عبدِ اللهِ بن عُبيدِ بن عُميرٍ، قال: كان لأيوبَ أخوانِ، فقامت من بعيدٍ لا يقدِرانِ أن يدنوَا منه من ريحِه، فقال أحدُهما لصاحبِه: لو كان اللهُ علِم في أيوبَ خيرًا ما ابتَلاه بما أرَى. قال: فما جزِع أيوبُ من شيءٍ أصابه جزَعَه من كلمةِ الرجل، فقال أيوبُ: اللهمَّ إن كنتَ تعلَمُ أنى لم أبِتْ ليلةً شبعانَ قطُّ وأنا أعلَمُ مكانَ جائعٍ فصَدِّقْنى، فصُدِّق وهما يسمعانِ، ثم قال: اللهمَّ إن كنتَ تعلَمُ أني لم أتخِذْ قميصَين قطُّ وأنا أعلَمُ مكان عادٍ فَصَدِّقْنى. فصُدِّق وهما يسمعانِ. قال: ثم خَرَّ ساجدًا (^٢).\nفحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: فحدَّثني مخلدُ بنُ الحسينِ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، قال: فقال: ربِّ ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾. ثم ردَّ ذلك إلى رَبِّه فقال: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن جريرٍ، عن عبدِ اللهِ بن عبيدِ بن عميرٍ، قال: فقيل له: ارفَعْ رأسَك فقد استُجِيب لك.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٨، ٣٢٩ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في البداية والنهاية ١/ ٥١٠ - وابن عساكر في تاريخه ١٠/ ٦٢ من طريق جرير بن حازم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٧ إلى ابن أبي شيبة وأحمد في الوهد وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٠/ ٦٣ من طريق مخلد بن الحسين به.","vol":"16","page":363},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ. ومخلدٌ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، دخَل حديثُ أحدِهما في الآخرِ، قالا: فقيل له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]. فركَض برجلِه فنبعَت عينٌ، فاغتسَل منها، فلم يبقَ عليه من دائِه شيءٌ ظاهرٌ إلا سقَط، فأذهَب اللهُ كلَّ ألمٍ وكلَّ سَقَمٍ، وعاد إليه شبابُه وجمالُه أحسنَ ما كان وأفضلَ ما كان، ثم ضرَب برجلِه، فنبَعت عينٌ أُخرى فشرِب منها، فلم يبقَ في جوفِه داءٌ إلا خرَج، فقام صحيحًا، وكُسِى حُلةً. قال: فجعَل يتلفَّتُ ولا يَرَى شيئًا مما كان له من أهلٍ ومالٍ إلا وقد أضعَفه اللهُ له، حتى واللهِ ذُكِر لنا أن الماءَ الذي اغتسَل به تطايرَ على صدرِه جرادًا من ذهَبٍ. قال: فجعَل يضمُّه بيده، فأوحَى اللهُ إليه: يا أيوبُ ألم أُغنِك؟ قال: بلَى، ولكنها بركَتُك، فمن يشبَعُ منها! قال: فخرَج حتى جلَس على مكانٍ مُشرِفٍ، ثم إن امرأتَه قالت: أرأيتِ إن كان طردَنى إلى مَن أكِلُه؟ أَدَعُه يموتُ جوعًا أو يَضيعُ فتأكُلُه السِّباعُ؟ لأرجِعنَّ إليه. فرجَعتْ، فلا كُناسةَ ترَى، ولا من تلك الحال التي كانت، وإذا الأمورُ قد تغيَّرتْ، فجعَلت تطوفُ حيث كانت الكُناسةُ وتَبْكِي، وذلك بعينِ أيوبَ. قال (^١): وهابَتْ صاحِبَ الحُلَّةِ أن تأتيَه فتسألَه عنه، فأرسَل إليها أيوبُ فدعاها، فقال: ما تُريدين يا أَمَةَ اللهِ؟ فبكَتْ وقالت: أردتُ ذلك المبتَلَى الذي كان مَنْبوذًا على الكُناسةِ، لا أدرِى أضاعَ أم ما فعَل؟ قال لها أيوبُ: ما كان منك؟ فبكَت وقالت: بَعْلى، فهل رأيتَه؟ وهى تبكِي، إنه قد كان ههنا. قال: وهل تعرِفينَه إذا رأَيتِه (^٢)؟ قالت: وهل يَخْفَى على أحدٍ رآه؟ ثم جعَلت تنظُر إليه وهى تهابُه، ثم قالت: أما إنه كان أشبَهَ خلْقِ اللهِ بك إذ كان صحيحًا. قال: فإنى أنا أيوبُ الذي أمرتِينى أن أذبَح للشيطانِ، وإنى أطعْتُ الله وعَصيتُ الشيطانَ، فدعوتُ الله فردَّ عليَّ\n_________\n(^١) في م: \"قالت\".\n(^٢) في م: \"رأيتيه\".","vol":"16","page":364},{"text":"ما تَرَين. قال الحسنُ: ثم إن الله رحِمها بصبرِها معه على البلاءِ، أن أمره تخفيفًا عنها أن يأخُذَ جماعةً من الشجَرِ فيضرِبَها ضربةً واحدةً تخفيفًا عنها بصبرِها معه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ إلى آخرِ الآيتين: فإنه لما مسَّه الشيطانُ بنصْبٍ وعذابٍ، أنساهُ اللهُ الدعاءَ؛ أن يدعُوَه فيكشِفَ ما به من ضُرٍّ، غيرَ أنه كان يذكُرُ الله كثيرًا، ولا يزيدُه البلاءُ في اللهِ إلا رغبةً وحُسْنَ إيمانٍ، فلمَّا انتهى الأجلُ، وقضَى اللهُ أنه كاشِفٌ ما به من ضُرٍّ، أذِن له في الدعاء، ويسَّره له، وكان قبلَ ذلك يقولُ ﵎: لا ينبَغى لعبدِي أيوبَ أن يدعوَنى ثم لا أستجيبَ له. فلمَّا دَعا استجابَ له، وأبدَله بكلِّ شيءٍ ذهَب له ضِعفَين؛ رَدَّ إليه أهلَه ومثلَهم معهم، وأثنى عليه فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (^٢).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في \"الأهْلِ\" الذين (^٣) ذكَر اللهُ في قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. أهُم أهلُه الذين أُوتيهم في الدنيا؟ أم ذلك وَعْدٌ وعَده اللهُ أيوبَ أن يفعلَ به في الآخرةِ؟ فقال بعضُهم: إنما أتى اللهُ أيوبَ في الدنيا مثلَ أهلِه الذين هلَكوا، فإنهم لم يُرَدّوا عليه في الدنيا، وإنما وعَد اللهُ أيوبَ أن يؤتيَه إيَّاهم في الآخرةِ.\nحدَّثني أبو السائبِ سلْمُ بنُ جُنادةَ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ليثٍ، قال: أرسل مجاهدٌ رجلًا، يقالُ له: قاسمٌ، إلى عكرمةَ يسألُه عن قولِ اللهِ لأيوبَ:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٩ إلى المصنف من تمام الأثر المتقدم في ص ٣٦٠ - ٣٦٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٨ إلى المصنف.\n(^٣) في م: \"الذي\".","vol":"16","page":365},{"text":"﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. فقال: قيلَ له: إن أهلَك لك في الآخرةِ، فإن شئْتَ عجَّلناهم لك في الدنيا، وإن شئتَ كانوا لك في الآخرةِ، وآتيناكَ مثلَهم في الدنيا. فقال: يكونون لى في الآخرةِ. وأُوتِى مثلهم في الدنيا. قال: فرجَع إلى مجاهدٍ، فقال: أصابَ (^١).\nوقال آخرون: بل رَدَّهم إليه بأعيانِهم، وأعطاه مثلَهم معَهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-6015>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال (^٢): ثنا حكَّامُ بنُ سلْمٍ، عن أبي سنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ، عن ابن مسعودٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. قال: أهلَه بأعيانِهم (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: لما دَعا أيوبُ استجابَ (^٤) له، وأبدَله بكلِّ شيءٍ ذهَب له ضِعفين، رَدَّ إليه أهلَه ومثلَهم معَهم (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. قال: أحياهُم بأعيانِهم، ورَدَّ إليه مثلَهم (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٨ إلى المصنف.\n(^٢) بعده في ت ١: \"ثنا سلمة قال\".\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير ٩/ ٢٥٤ من طريق أبي سنان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٤) بعده في م: \"الله\".\n(^٥) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٦) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٣٥٧.","vol":"16","page":366},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. قال: قيلَ له: إن شئتَ أحْيَيْناهم لك، وإن شِئْتَ كانوا لك في الآخرةِ، وتُعْطَى مثلَهم في الدنيا. فاخْتارَ أن يكونوا له (^١) في الآخرةِ ومثلَهم في الدنيا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. قال الحسنُ وقتادةُ: أحْيا اللهُ أهلَه بأعيانِهم، وزاده إليهم مثلَهم (^٢).\nوقال آخرون: بل آتاه المثلَ من نسلِ ماله الذي ردَّه عليه وأهلِه، فأما الأهلُ والمالُ فإنه ردَّهما عليه بأعيانِهما (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-6016>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن رجلٍ، عن الحسنِ: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. قال: مِن نسلِهم (^٤).\nوقولُه: ﴿رَحْمَةً﴾. نُصِبَت بمعنى: فعَلْنا ذلك بهم رحمةً منَّا له (^٥).\nوقولُه: ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾. يقولُ: وتذكرةً للعابدين ربَّهم فعَلْنا ذلك به، ليَعْتَبِروا به، ويَعْلَموا أن الله قد يَبْتَلِى أولياءَه ومَن أحَبَّ مِن عبادِه في الدنيا بضُروبٍ مِن البلاءِ، في نفسِه وأهلِه ومالِه، من غيرِ هَوانٍ به عليه، ولكن اختبارًا منه\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٨ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٨ إلى المصنف.\n(^٥) في ت ٢، ف: \"لهم\".","vol":"16","page":367},{"text":"له، ليَبْلُغَ بصبرِه عليه، واحتسابِه إياه، وحسنِ يقينِه - منزلتَه التي أعدَّها له ﵎ مِن الكرامةِ عندَه.\nوقد حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي معشرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِيِّ في قولِه: ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾. [وقولِه: ﴿رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾] (^١) [ص: ٤٣]. قال: أيُّما مؤمنٍ أصابَه بلاءٌ، فذكَر ما أصاب أيوبَ، فَلْيَقُلْ: قد أصاب مَن هو خيرٌ منا؛ نبيًّا مِن الأنبياءِ.\n\n<span id=\"aya-2568\"></span><span data-type='title' id=toc-6018>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بإسماعيلَ: إسماعيلَ بن إبراهيمَ صادقَ الوعدِ، وبإدريسَ: خَنُوخَ (^٢)، وبذى الكِفْلِ: رجلًا تكَفَّل مِن بعضِ الناسِ، إما مِن نبيٍّ وإما مِن ملكٍ مِن صالحي الملوكِ، بعملٍ مِن الأعمالِ، فقام به من بعدِه، فأَثْنَى اللهُ عليه حسنَ وفائِه بما تكَفَّل به، وجعَله من المعدودين في عبادِه، [مع مَن حمِد] (^٣) صبرَه على طاعةِ اللهِ. وبالذي قلنا في أمرِه جاءت الأخبارُ عن سلفِ العلماءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6017>ذكرُ الرواية بذلك عنهم</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ بن عمرٍو، عن عبدِ اللهِ بن الحارثُ، أن نبيًّا من الأنبياءِ، قال: مَن يكْفلُ (^٤) لى\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٢) في ص: \"حنوح\"، وفى م، ت ١، ف: \"أخنوخ\". وهذا الأخير مما قيل فيه. وينظر فتح البارى ٦/ ٣٧٣، والتاج (خ ن خ).\n(^٣) في ت ٢: \"من حسن\".\n(^٤) في م، ت ٢: \"تكفل\".","vol":"16","page":368},{"text":"أن يصومَ النهارَ، ويقومَ الليلَ، ولا يَغْضَبَ؟ فقام شابٌّ فقال: أنا. فقال: اجْلِسْ. ثم عاد فقال: مَن يَكْفُلُ (^١) لى أن يقوم الليلَ، ويصوم النهارَ، ولا يَغْضَبَ؟ فقام ذلك الشابُّ فقال: أنا. فقال: اجْلِسْ. ثم عاد فقال: مَن يَكْفُلُ (^١) لى أن يقومَ الليلَ، ويصومَ النهارَ، ولا يَغْضَبَ؟ فقام ذلك الشابُّ فقال: أنا. فقال: تقومُ الليلَ، وتصومُ النهارَ، ولا تَغْضَبُ؟ فمات ذلك النبيُّ، فجلَس ذلك الشابُّ مكانَه يَقْضِى بينَ الناسِ، فكان لا يَغْضَبُ، فجاءه الشيطانُ في صورةِ إنسانٍ ليُغْضِبَه، وهو صائمٌ يُرِيدُ أن يَقِيلَ (^٢)، فضرَب البابَ ضربًا شديدًا، فقال: مَن هذا؟ فقال: رجلٌ له حاجةٌ. فأَرْسَل. معه رجلًا، فقال: لا أَرْضَى بهذا الرجلِ. فأرْسَل معه آخرَ، فقال: لا أَرْضَى بهذا. فخرَج إليه، فأَخَذ بيدِه، فانْطَلَق معه، حتى إذا كان في السوقِ خلَّاه وذهَب، فسُمِّى ذا الكِفْلِ (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عفانُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا وُهَيْبٌ، قال: ثنا داودُ، عن مجاهدٍ، قال: لما كبِر الْيَسَعُ قال: لو أنى اسْتَخْلَفْتُ رجلًا على الناسِ يَعْمَلُ عليهم في حياتى حتى أَنْظُرَ كيف يَعْمَلُ. قال: فجمَع الناسَ، فقال: مَن يَتَقَبَّلْ (^٤) لى بثلاثٍ أَسْتَخْلِفه؛ يصومُ النهارَ، ويقومُ الليلَ، ولا يَغْضَبُ؟ قال: فقام رجلٌ تَزْدَرِيه العينُ، فقال: أنا. فقال: أنت تصومُ النهارَ، وتقومُ الليلَ، ولا تَغْضَبُ؟ قال: نعم. فردَّهم ذلك اليومَ، وقال مثلَها اليومَ الآخرَ، فسكَت الناسُ، وقام ذلك الرجلُ، فقال: أنا. فاسْتَخْلَفه. قال: فجعَل إبليسُ يقولُ للشياطينِ: عليكم\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"تكفل\".\n(^٢) في ت ١: \"يفتن\".\n(^٣) أخرجه ابن عساكر ١٧/ ٣٧٣ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٢ إلى عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الغضب وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في ف: \"يقبل\"، وفى الدر: \"يتكفل\"، ويتقبل، من قَبَل - بالفتح -: إذا كَفَل، وقَبُل - بالضم - إذا صار قبيلا: أي كفيلا. وينظر النهاية ٤/ ١٠.","vol":"16","page":369},{"text":"بفلانٍ. فأعْياهم، فقال: دَعُونى وإياه. فأتاه في صورةِ شيخٍ كبيرٍ فقيرٍ، فأتاه حينَ أخَذَ مَضْجَعَه للقائلةِ، وكان لا يَنامُ الليلَ والنهارَ إلا تلك النَّوْمةَ، فدقَّ البابَ، فقال: مَن هذا؟ قال: شيخٌ كبيرٌ مظلومٌ. قال: فقام ففتَح البابَ، فجعَل يَقُصُّ عليه، فقال: إن بيني وبينَ قومى خُصومةً، [وإنهم ظلَموني] (^١) وفعَلوا بي وفعَلوا فجعَل يُطَوِّلُ عليه حتى حضَر الرَّوَاحُ، وذَهَبت القائلةُ، وقال: إذا رُحْتُ فأْتِنِي أَخُذْ لك بحقِّك. فانْطَلَق وراح، فكان في مجلسِه، فجعَل يَنْظُرُ هل يَرَى الشيخَ، فلم يَرَه، فجعَل يَبْتَغِيه، فلمَّا كان الغدُ جَعَل يَقْضِى بينَ الناسِ، ويَنْتَظِرُه فلا يَراه، فلمَّا رجَع إلى القائلةِ، فأَخَذَ مَضْجَعَه، أتاه فدقَّ البابَ، فقال: من هذا؟ قال: الشيخُ الكبيرُ المظلومُ. ففتَح له، فقال: ألم أَقُلْ لك: إذا فَعَدْتُ فَأْتِني؟ فقال: إنهم أخبثُ قومٍ إذا عرَفوا أنك قاعدٌ، قالوا: نحن نُعْطِيك حقَّك. وإذا قمْتَ جحَدوني. قال: فانْطَلِقْ فإذا رُحْتُ فأْتِنى. قال: فاتته القائلةُ، فراح فجعَل يَنْظُرُ فلا يراه، فشقَّ عليه النُّعاسُ، فقال لبعضِ أهلِه: لا تَدَعَنَّ أحدًا يَقْرَبُ هذا البابَ حتى أنام، فإني قد شقَّ عليَّ النومُ. فلما كان تلك الساعةُ جاء، فقال له الرجلُ: وراءَك. فقال: إني قد أتَيْتُه (^٢) أمسِ، فذكَرْتُ له أمرى، قال: واللهِ لقد أمَرَنا أن لا نَدَعَ أحدًا يَقْرَبُه. فلمَّا أَعْياه نظر فرأَى كُوَّةً في البيتِ، فتسوَّر منها، فإذا هو في البيتِ، وإذا هو يَدُقُّ البابَ. قال: فاسْتَيْقَظ الرجلُ، فقال: يا فلانُ، ألم آمُرْك؟ قال: أما مِن قِبَلى واللهِ فلم تُؤْتَ، فانْظُرْ مِن أينَ أُتيتَ. قال: فقام إلى البابِ، فإذا هو مُغْلَقٌ كما أغْلَقه، وإذا هو معه في البيتِ، فعرَفه فقال: أعدوُّ اللهِ؟ قال: نعم، أعْيَيْتَنى في كلِّ شيءٍ، فَفَعَلْتُ ما تَرَى لأُغْضِبَك. فسمَّاه اللهُ (^٣) ذا الكِفْلِ؛ لأنه\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"أتيتك\".\n(^٣) سقط من النسخ. واستدركناه من مصدرى التخريج.","vol":"16","page":370},{"text":"تكَفَّل بأمرٍ فوفَّى به (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾. قال: رجلٌ صالحٌ غيرُ نبيٍّ، تكفَّل لنبيِّ قومِه أن يَكْفِيه أمرَ قومِه، [ويُقيمه لهم] (^٢)، ويَقْضِى بينَهم بالعدلِ، ففعَل ذلك، فسُمِّىَ ذا الكِفْلِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: ويَقْضِىَ بينَهم بالحقِّ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن أبي معشرٍ، عن محمدِ بن قيسٍ، قال: كان في بني إسرائيلَ ملكٌ صالحٌ، فكبِر، فجمَع قومَه، فقال: أيُّكم تكفَّل (^٤) لي بملكي هذا، على أن يصوم النهارَ، ويقومَ الليلَ، ويَحْكُمَ بينَ بني إسرائيلَ بما أَنْزَل اللهُ، ولا يَغْضَبَ؟ قال: فلم يَقُمْ أَحدٌ إلا فتًى شابٌّ، فازْدَراه لحَداثةِ سنِّه، فقال: أيُّكم تكَفَّلَ (^٤) لى بملكي هذا، على أن يصومَ النهارَ، ويقومَ الليلَ، ولا يَغْضَبَ، ويَحْكُمَ بينَ بني إسرائيلَ بما أَنْزَلَ اللهُ؟ فلم يَقُمْ إلا ذلك الفتى، فازْدَراه، فلمَّا كانت الثالثةُ قال مثلَ ذلك، فلم يَقُمْ إلا ذلك الفتى، فقال: تَعالَ. فخلَّى بينَه وبينَ ملكِه، فقام الفتى ليلَه (^٥)، فلما أَصْبَحَ جَعَل يَحْكُمُ بَينَ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٥٨ عن المصنف، وعزاه إلى ابن أبي حاتم من طريق زهير، عن داود، عن مجاهد.\n(^٢) في مصدرى التخريج: \"يقيمهم له\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٥٨ عن ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣١ إلى المصنف وابن أبي شيبة وعبد بن حميدٍ وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ف: \"يكفل\".\n(^٥) في م: \"ليلة\".","vol":"16","page":371},{"text":"بنى إسرائيلَ، فلما انْتَصَف النهارُ دخَل ليَقِيلَ، فأتاه الشيطانُ في صورةِ رجلٍ مِن بنى آدمَ، فجذَب ثوبَه، فقال: أتَنامُ والخصومُ ببابِك؟! قال: إذا كان العشيةُ فأْتِني. قال: فانْتَظَره بالعشيِّ فلم يَأْتِه، فلما انْتَصَف النهارُ ودخَل ليَقِيلَ، جذَب ثوبَه، وقال: أتَنامُ والخصومُ ببابِك؟! قال: قلتُ لك: ائْتِنى العشيَّ، فلم تأْتِني، ائْتِنِي العشيةَ. فلما كان بالعشيِّ انْتَظَره فلم يَأْتِ، فلمَّا دخل ليَقِيلَ جذَب ثوبَه، وقال: أتَنامُ والخصومُ ببابِك؟! قال: أخْبِرْنى مَن أنت؟! لو كنتَ مِن الإنسِ سمِعْتَ ما قلتُ! قال: هو الشيطانُ، جئتُ لأَفْتِنَك، فعصَمَك اللهُ منى. فقضَى بينَ بني إسرائيلَ بما أنْزَل اللهُ زمانًا طويلًا، وهو ذو الكِفْلِ، سُمِّيَ ذا الكفلِ؛ لأنه تكفَّل بالمُلْكِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي موسى الأشعريِّ أنه قال وهو يَخْطُبُ الناسَ: إن ذا الكِفْلِ لم يَكُنْ نبيًّا، ولكن كان عبدًا صالحًا، تكَفَّل بعملِ رجلٍ صالحٍ عندَ موتِه، كان يُصَلِّي اللهِ كلَّ يومٍ مائةَ صلاةٍ، فأَحْسَن اللهُ عليه الثناءَ في كَفالتِه إياه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ، قال: ثنا عمرٌو، قال: أمَّا ذو الكِفْلِ، فإنه كان على بنى إسرائيلَ ملِكٌ، فلما حضَره الموتُ قال: مَن يَكْفُلُ لى أن يَكْفِيَنِى بنى إسرائيلَ، ولا يَغْضَبَ، ويُصَلِّي كلَّ يومٍ مائةَ صلاةٍ؟ فقال ذو الكِفْلِ: أنا. فجعَل ذو الكِفْلِ يَقْضِى بينَ الناسِ، فإذا فرَغ صلَّى مائةَ صلاةٍ، فكاده الشيطانُ، فأمْهَله حتى إذا قضَى بينَ الناسِ، وفرَغ مِن صلاتِه، وأخَذ مضجعَه فنام، أتَى الشيطانُ بابه فجعَل يَدُقُّه، فخرَج إليه، فقال: ظُلِمْتُ وصُنِع بي وصُنِع. فأعْطاه خاتَمَه، وقال: اذْهَبْ\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٤/ ٣٥٩.","vol":"16","page":372},{"text":"فأْتِنى بصاحبِك. وانْتَظَرَه، فأبْطَأ عليه الآخرُ، حتى إذا عرَف أنه قد نام، وأخَذ مضجعَه، أتَى البابَ أيضًا كى يُغْضِبَه، فجعَل يَدُقُّه، وخدَش وجهَ نفسِه، فسالَت (^١) الدماءٌ، فخرَج إليه فقال: مالك؟ فقال: لم يَتْبَعْنى وضُربتُ وفعَل. فأخَذه ذو الكِفْلِ، وأنْكَر أمرَه، فقال: أخْبِرْنى مَن أنت؟ وأخَذَه أخْذًا شديدًا، قال: فأخبَره مَن هو.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرني معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾. قال: قال أبو موسى الأشْعَريُّ: لم يَكُنْ ذو الكِفْلِ نبيًّا، ولكنه كفَل بصلاةِ رجلٍ كان يُصَلِّي كلَّ يومٍ مائةَ صلاةٍ فتُوفِّي (^٢)، فكفَل بصلاتِه، فلذلك سُمِّي ذا الكِفْلِ (^٣).\nونصَب ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ﴾ عطفًا على ﴿أَيُّوبَ﴾، ثم استُؤْنِف بقولِه: ﴿كُلٌّ﴾. فقال: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. ومعنى الكلام: كلُّهم مِن أهلِ الصبرِ فيما نابَهم في اللهِ.\n\n<span id=\"aya-2569\"></span>وقولُه: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأَدْخَلْنا إسماعيلَ وإدريسَ وذا الكِفْلِ. والهاءُ والميمُ عائدتان عليهم. ﴿فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. يقولُ: إنهم ممن صلَح، فأطاع الله، وعمِل بما أمرَه.\n\n<span id=\"aya-2570\"></span><span data-type='title' id=toc-6019>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ</span>\n_________\n(^١) في ت ١: \"حتى سالت\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"فوفى\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢٧ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ١٧/ ٣٧٥ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":373},{"text":"عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: واذْكُرْ يا محمدُ ذا النونِ. يعنى: صاحبَ النونِ. والنونُ: الحوتُ، وإنما عَنَى بذى النونِ يونُسَ بنَ مَتَّى. وقد ذكَرْنا قصتَه في سورةِ \"يونُسَ\" بما أغْنَى عن ذكرِه في هذا الموضعِ (^١).\nوقولُه: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾. يقولُ: حينَ ذهَب مُغاضِبًا.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذَهَابِه مُغاضِبًا، وعمَّن كان ذهابُه، وعلى مَن كان غضبُه؛ فقال بعضُهم: كان ذهابُه عن قومِه، وإياهم غاضَب.\n\n<span data-type='title' id=toc-6020>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾، يقولُ: غضِب على قومِه (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾: [أما غضبُه، فكان] (^٣) على قومِه (^٤).\nوقال آخرون: ذهَب عن قومِه مُغاضِبًا لربِّه، إذ كشَف عنهم العذابَ بعدَ ما وعَدهموه.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٢/ ٢٩١ - ٢٩٧.\n(^٢) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (١٠٧٧) من طريق محمد بن سعد به.\n(^٣) في ت ٢: \"يقول غضب\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٣ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":374},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6021>ذكرُ مَن قال ذلك، وذكرُ سبب مُغاضَبتِه ربَّه في قولِهم</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن يزيدَ بن زيادٍ، عن عبدِ اللهِ بن أبي سلمةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ قال: بعَثه اللهُ - يعني يونُسَ - إلى أهلِ قريتِه، فردُّوا عليه ما جاءهم به، وامْتَنَعوا منه، فلمَّا فعَلوا ذلك أَوْحَى اللهُ إليه: إنى مُرْسِلٌ عليهم العذابَ في (^١) يومِ كذا وكذا، فاخْرُجْ مِن بين أظْهُرهم. فأعْلَم قومَه الذي وعَدَهم (^٢) اللهُ مِن عذابِه إياهم، فقالوا: ارْمُقوه، فإن خرَج مِن بين أظهرِكم، فهو واللهِ كائنٌ ما وعَدَكم.\nفلما كانت الليلةُ التي وُعِدوا العذابَ في صبِحها أدْلَج ورآه القومُ، فخرَجوا من القريةِ إلى بَرازٍ (^٣) مِن أرضِهم، وفرَّقوا بينَ كلِّ دابةٍ وولدِها، ثم عَجُّوا إِلى اللهِ، فاسْتَقالوه، فأقالهم، وتنظَّر (^٤) يونُسُ الخبرَ عن القريةِ وأهلِها، حتى مرَّ به مارٌّ فقال: ما فعل أهلُ القريةِ؟ فقال: فعَلوا أن نبيَّهم خرَج من بين أظهرِهم، عرَفوا أنه صدَقهم ما وعَدَهم مِن العذابِ، فخرَجوا مِن قريتِهم إلى بَرازٍ من الأرضِ، ثم فرَّقوا بينَ كلِّ ذاتِ ولدٍ وولدِها، وعَجُّوا إلى اللهِ، وتابوا إليه، فقبِل منهم، وأخَّر عنهم العذابَ. قال: فقال يونُسُ عندَ ذلك، وغضِب: واللهِ لا أَرْجِعُ إليهم كذَّابًا أبدًا، وعَدْتُهم العذابَ في يومٍ، ثم رُدَّ عنهم! ومضَى على وجهِه مُغاضِبًا (^٥).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن سعيدِ بن أبى\n_________\n(^١) بعده في ص، ف: \"كل\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"وعده\".\n(^٣) البراز: المكان الفضاء من الأرض البعيد الواسع. اللسان (ب ر ز).\n(^٤) في ت:٢: \"ينظر\"، وتنظره: انتظره في مهلة. اللسان \"نظر\".\n(^٥) في ت ١، ف: \"مغضبا\".\nوالأثر أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ١٣، وزاد في آخره: \"لربه فاستزله الشيطان\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٣ إلى ابن أبي حاتم بنحوه مطولًا.","vol":"16","page":375},{"text":"الحسنِ، قال: بلَغَنى أن يونُسَ لما أصاب الذنبَ انْطَلَق مُغاضِبًا لربِّه، واسْتَزَلَّه الشيطانُ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا يحيى بنُ زكريا بن أبي زائدةَ، عن [مُجالدٍ بن] (^٢) سعيد، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾. قال: مغاضِبًا لربِّه (^٣).\nحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بن عبدِ الملكِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ. فذكَر نحوَ حديثِ ابن حميدٍ، عن سلمةَ، وزاد فيه: قال: فخرَج يونُسُ يَنْظُرُ العذابَ، فلم يَرَ شيئًا، قال: جرَّبوا عليَّ كذبًا. فذهَب مُغاضِبًا لربِّه حتى أتَى البحرَ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن ربيعةَ بن أبي عبدِ الرحمنِ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ اليَمانيِّ، قال: سَمِعْتُه يقولُ: إِن يُونُسَ بنَ مَتَّى كان عبدًا صالحًا، وكان في خُلُقِه ضِيقٌ، فلما حُمِّلَت عليه أثقالَ النبوةِ - ولها أثقالٌ لا يَحْمِلُها إلا قليلٌ - تفَسَّخ تحتَها تفَسُّخَ الرُّبَعِ تحتَ الحِمْلِ (^٥)، فقذَفها بينَ يديه، وخرَج هاربًا منها، يقولُ اللهُ لنبيِّه ﷺ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. و﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]. أي: لا تُلْقِ أمرى كما ألقاه (^٦).\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في ص ٣٨٠.\n(^٢) في ت ٢: \"مجاهد عن\". وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٢١٩.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٧/ ٢٤٢.\n(^٤) تقدم تخريجه في ١٢/ ٢٩٥.\n(^٥) الرُّبَع: الفصيل، وهو ولد الناقة إذا فُصِل عن أمه، وتَفسَّخ الربع تحت الحمل الثقيل إذا لم يطقه التاج (ف س خ، ر ب ع).\n(^٦) ذكره ابن منظور في تاريخه ٢٨/ ١٠٦ عن وهب بن منبه.","vol":"16","page":376},{"text":"وهذا القولُ - أعنى قولَ مَن قال: ذهَب عن قومِه مُغاضِبًا لربِّه - أشبهُ بتأويلِ الآيةِ، وذلك لدَلالةِ قولِه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. على ذلك. على أن الذين وجَّهوا تأويلَ ذلك إلى أنه ذهَب مُغاضِبًا لقومِه، إنما زعَموا أنهم فعَلوا ذلك استنكارًا منهم أن يُغاضِبَ نبيٌّ مِن الأنبياءِ ربَّه، واستعظامًا له. وهم بقيلِهم: إنه ذَهب مُغاضِبًا لقومِه. قد دخَلوا في أعظمَ مما أنْكَروا، وذلك أن الذين قالوا: ذهَب مُغاضِبًا لربِّه. اخْتَلَفوا في سببِ ذَهابِه كذلك؛ فقال بعضُهم: إنما فعَل ما فعَل من ذلك كراهةَ أن يكونَ بينَ قومٍ قد جرَّبوا عليه الخُلْفَ فيما وعَدَهم، واسْتَحْيا منهم، ولم يَعْلَمِ السببَ الذي دُفِع به عنهم البلاءُ.\nوقال بعضُ مَن قال هذا القولَ: كان من أخلاقِ قومِه الذين فارَقَهم قتلُ مَن جرَّبوا عليه الكذب، عسى أن يَقْتُلوه من أجل أنه وعَدَهم العذابَ، فلم يَنْزِلْ بهم ما وعَدَهم مِن ذلك. وقد ذكَرْنا الروايةَ بذلك في سورةِ \"يونُسَ\"، فكرِهْنا إعادتَها (^١) في هذا الموضعِ.\nوقال آخرون: بل إنما غاضَب ربَّه مِن أجلِ أنه أُمِر بالمصيرِ إلى قومٍ ليُنذِرَهم بأسَه، ويَدْعُوَهم إليه، فسأَل ربَّه أن يُنظِرَه؛ ليَتَأَهَّبَ للشُّخوصِ إليهم، فقيل له: الأمرُ أسرعُ مِن ذلك، ولم يُنظَرْ حتى شاء أن يُنْظَرَ إلى أَن يَأْخُذَ نعلا يَلبَسُها (^٢)، فقيل له نحوُ القولِ الأولِ، وكان رجلًا في خُلُقِهِ ضِيقٌ، فقال: أعْجَلَني ربي أن آخُذَ نعلًا! فذهَب مُغاضِبًا.\nوممن ذُكِر هذا القولُ عنه الحسنُ البصريُّ، حدَّثني بذلك الحارثُ، قال: ثنا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"إعادته\". وينظر ما تقدم في ١٢/ ٢٩٦.\n(^٢) في م: \"ليلبسها\".","vol":"16","page":377},{"text":"الحسنُ بنُ موسى، عن (^١) أبي هلالٍ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ عنه (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وليس في واحدٍ مِن هذين القولين مِن وصفِ نبيِّ اللهِ يونُسَ ﵇ شيء إلا وهو دونَ ما في وصفه بما وَصَفه الذين قالوا: ذهَب مُغاضِبًا لقومِه؛ لأن ذَهابَه عن قومِه مُغاضِبًا لهم، وقد أَمَرَه اللهُ تعالى بالمُقامِ بينَ أظهُرِهم؛ ليُبَلِّغهم رسالتَه، ويُحَذِّرهم بأسَه، وعقوبتَه على تركِهم الإيمانَ به والعملَ بطاعتِه - لا شكَّ أن فيه ما فيه، ولولا أنه قد كان ﵇ أتَى ما قاله الذين وصَفوه بإتيانِ الخطيئةِ، لم يَكُنِ اللهُ تعالى ذِكْرُه لِيُعَاقِبَه العقوبةَ التي ذكَرها في كتابِه، ويَصِفَه بالصفةِ التي وَصَفَه بها، فيقولَ لنبيِّه ﷺ: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨]. ويقول: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٢ - ١٤٤].\nوقولُه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: فظنَّ أن لن نُعاقِبَه بالتَّضيِيقِ عليه. من قولِهم: قدَرْتُ على فلانٍ. إذا ضَيَّقْتَ عليه، كما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-6022>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ (^٣)، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: ظنَّ أن لن يَأْخُذَه العذابُ\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"ابن\". وتقدم في ٣/ ٢٥٣.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ١٢ عن الحارث به. دون ذكر الحسن.\n(^٣) في ت ١، ت:٢: \"صبيح\"، وفى ف: \"صبح\".","vol":"16","page":378},{"text":"الذي أصابه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: ظَنَّ أَن لن نَقْضِيَ عليه عُقوبةً ولا بلاءً فيما صنَع بقومِه في غضبِه إذ غضِب عليهم، وفرارِه، وعقوبتُه أخْذُ النونِ إياه (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. قال: فظَنَّ أَن لَن نُعَاقِبَه بذنبِه (^٣).\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، قال: ثنى شعبةُ، عن مجاهدٍ. ولم يَذْكُرْ فيه الحَكَمَ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. قال: يقولُ: ظَنَّ أَن لن نُعاقِبَه (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ والكلبيِّ: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. قالا: ظنَّ أن لن نَقْضِىَ عليه العقوبةَ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١٠٧٦) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣٧٤.\n(^٣) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (١٠٨٠) من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٣ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (١٠٧٩) من طريق سعيد، عن قتادة، عن الحسن.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٣ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"16","page":379},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: ظَنَّ أَن اللَّهَ لن يَقْضِيَ عليه عُقوبةً ولا بلاءً في غضبه الذي غضِب على قومِه، وفراقه إياهم (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. قال: البلاءُ الذي أصابه.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: فظنَّ أنه يُعْجِزُ ربَّه فلا يَقْدِرُ عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6023>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن سعيدِ بن أبى الحسنِ، قال: بلَغَنى أن يونُسَ لما أصاب الذنبَ، انْطَلَقَ مُغاضِبًا لربِّه، واسْتَزَلَّه الشيطانُ، حتى ظنَّ أن لن نَقْدِرَ عليه. قال: وكان له سلفٌ وعبادةٌ وتسبيحٌ، فأبَى اللَّهُ أن يَدَعَه للشيطانِ، فَأَخَذَه فقذَفَه في بطنِ الحوتِ، فمكَث في بطنِ الحوتِ أربعين، مِن بين ليلةٍ ويومٍ، فأَمْسَك اللَّهُ نفسَه فلم يَقْتُلُه هناك، فتاب إلى ربِّه في بطنِ الحوتِ، وراجَع نفسَه. قال: فقال: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. قال: فاسْتَخْرَجه اللَّهُ مِن بطنِ الحوتِ برحمتِه، بما كان سلَف من العبادةِ والتسبيحِ، فجعَله مِن الصالحين. قال عوفٌ: وبلَغَنى أنه قال في دعائِه: وبنَيْتُ لك مسجدًا في مكانٍ لم يَبْنِه أحدٌ قبلى (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾: وكان له سلفٌ مِن عبادةٍ وتسبيحٍ، فتَدارَكه اللَّهُ بها، فلم يَدَعُه\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٦١ مختصرًا جدًّا - وفيه: سعيد بن الحسن البصري. وهو سعيد بن أبي الحسن البصرى، أخو الحسن البصرى. ينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٣٨٥، والبداية والنهاية ٢/ ٢٠.","vol":"16","page":380},{"text":"للشيطانِ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بن الحارثِ، عن إياسِ بن مُعاويةَ المَدَنيِّ، أنه كان إذا ذُكِر عندَه يُونُسُ وقولُه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. يقولُ إياسٌ: فلِمَ فَرَّ؟\nوقال آخرون: بل ذلك بمعنى الاستفهامِ، وإنما تأويلُه: أفظَنَّ أَن لن نَقْدِرَ عليه؟\n\n<span data-type='title' id=toc-6024>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. قال: هذا استفهامٌ. وفى قوله: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾. قال: استفهامٌ أيضًا (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ في تأويلِ ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى به: فظنَّ يونُسُ أن لن نَحْبسَه ونُضَيِّقَ عليه، عقوبةً له على مُغاضبتِه ربَّه.\nوإنما قلنا: ذلك أولى بتأويلِ الكلمةِ؛ لأنه لا يَجوزُ أَن يُنْسَبَ إلى الكفرِ وقد اخْتارَه لنبوتِه، ووصفُه بأن ظنَّ أن ربَّه يَعْجِزُ عما أراد به، ولا يَقْدِرُ عليه، وصفٌ له بأنه جهِل قدرةَ اللَّهِ، وذلك وصفٌ له بالكفرِ، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ وصفُه بذلك.\nوأما ما قاله ابن زيدٍ، فإنه قولٌ، لو كان في الكلامِ دليلٌ على أنه استفهامٌ - حسنٌ، ولكنه لا دلالةَ فيه على أن ذلك كذلك، والعربُ لا تَحْذِفُ لا تَحْذِفُ مِن الكلامِ شيئًا (^٣) إليه حاجةٌ إلا وقد أبْقَت دليلًا على أنه مرادٌ في الكلامِ، فإذ لم يكنْ في قولِه:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٣ إلى أحمد في الزهد وابن المنذر وعبد بن حميد.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٣٥١.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ف: \"له\"، وبعده في م: \"لهم\".","vol":"16","page":381},{"text":"﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. دلالةٌ على أن المرادَ به الاستفهامُ - كما قال ابن زيدٍ - كان معلومًا أنه ليس به، وإذ فسَد هذان الوجهان، صحَّ الثالثُ وهو ما قلنا.\nوقولُه: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾. اخْتَلَفَ أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بهذه الظلماتِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها ظلمةُ الليلِ، وظلمةُ البحرِ، وظلمةُ بطنِ الحوتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6025>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ (^١)، عن إسرائيلُ، [عن أبي إسحاقَ] (^٢)، عن عمرِو بن ميمونٍ: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾. قال: ظلمةِ بطنِ الحوتِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةِ الليلِ (^٣). وكذلك قال أيضًا ابن جُريجٍ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن يزيدَ بن زيادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي سلمةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نادَى في الظلماتِ؛ ظلمةِ الليلِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةِ بطنِ الحوتِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بن إبراهيم السُّلَميُّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ رِفاعةَ، قال: سمِعْتُ محمدَ بنَ كعبٍ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿فَنَادَى فِي\n_________\n(^١) بعده في ت ١، ت ٢: \"عن ابن جريج\".\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٣ إلى المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١١/ ٥٤١، وابن أبي الدنيا في العقوبات (١٧١)، والمصنف في تاريخه ٢/ ١٥ من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود، مطولًا.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٣ إلى المصنف.","vol":"16","page":382},{"text":"الظُّلُمَاتِ﴾. قال: ظلمةِ الليلِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةِ بطنِ الحوتِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾. قال: ظلمةِ الليلِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةِ بطنِ الحوتِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾. قال: ظلمةِ بطنِ الحوتِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةِ الليلِ (^٢).\nوقال آخرون: إنما عُنِى بذلك أنه نادَى في ظلمةِ جوفِ حوتٍ في جوفِ حوتٍ آخرَ في البحرِ. قالوا: فذلك هو الظلماتُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6026>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن سالمِ بن أبي الجَعْدِ: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾. قال: أَوْحَى اللَّهُ إلى الحوتِ ألا تَضُرَّ له لحمًا ولا عظمًا. ثم ابْتَلَع الحوتَ حوتٌ آخرُ، قال: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾. قال: ظلمةِ الحوتِ (^٣)، ثم حوتٍ، ثم ظلمةِ البحرِ (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إِن اللَّهَ أَخْبَر عن يونُسَ أنه ناداه في الظُلماتِ: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. ولا شكَّ أنه قد عنَى بإحدى الظلماتِ بطنَ الحوتِ، وبالأُخرى ظلمةِ البحرِ، وفي\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٣ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧ عن معمر به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"حوت\".\n(^٤) أخرجه أحمد في الزهد ص ٣٤ من طريق عبد الرحمن به، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١١/ ٥٤٣، ٥٤٤ عن سفيان به.","vol":"16","page":383},{"text":"الثالثةِ اختلافٌ، وجائزٌ أن تكونَ تلك الثالثةُ ظلمةَ الليلِ، وجائزٌ أن تكونَ كونَ الحوتِ في جوفِ حوتٍ آخرَ، ولا دليلَ يَدلُّ على أيِّ ذلك مِن أيٍّ (^١)، فلا قولَ في ذلك أولى بالحقِّ من التسليمِ لظاهرِ التنزيلِ.\nوقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾. يقولُ: نادَى يُونُسُ بهذا القولِ معترفًا بذنبِه، تائبًا من خطيئتِه: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ في معصيتى إياك.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن يزيدَ بن زيادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي سلمةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ قال: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، معترفًا بذنبِه، تائبًا من خطيئتِه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال أبو مَعْشَرٍ: قال محمدُ بنُ قيسٍ قولَه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾: ما صنَعْتُ مِن شيءٍ فلم أَعْبُدُ غيرَك، ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ حينَ عَصَيْتُك.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن عوفٍ الأعرابيِّ، قال: لما صار يونُسُ في بطنِ الحوتِ ظنَّ أَنه قد مات، ثم حرَّك رِجلَيه (^٢)، فلما تحرَّكَت سجَد مكانَه، ثم نادَى: يا ربِّ اتَّخَذْتُ لك مسجدًا في موضعٍ ما اتَّخَذه أحدٌ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، عمَّن حدَّثه، عن\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"قول\".\n(^٢) في م: \"رجله\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٦١ عن عوف، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة ص ١٣، وفى العقوبات (١٧٨) من طريق جعفر بن سليمان، عن عوف، عن سعيد بن أبي الحسن بمعناه.","vol":"16","page":384},{"text":"عبدِ اللَّهِ بن رافعِ مولى أمِّ سلمةَ زوج النبيِّ ﷺ، قال: سمِعْتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"لما أراد اللَّهُ حبْسَ يونُسَ في بطنِ الحوتِ أَوْحَى اللَّهُ إلى الحوتِ أن خُذْه، ولا تَخْدِشْ له لحمًا، ولا تَكْسِرُ عظمًا. فأخَذَه، ثم هوَى به إلى مسكنِه مِن البحر، فلمَّا انتهى به إلى أسفلِ البحرِ، سمِع يونُسُ حِسًّا، فقال في نفسِه: ما هذا؟ قال: فأوْحَى اللَّهُ إليه وهو في بطنِ الحوتِ: إن هذا تسبيحُ دوابِّ البحرِ، قال: فسبِّح وهو في بطنِ الحوتِ، فسمِعَت الملائكةُ تسبيحَه، فقالوا: يا ربَّنا، إنا نَسْمَعُ صوتًا ضعيفًا بأرضٍ غريبةٍ. قال: ذاك عبدى يونُسُ، عصاني فحبَسْتُه في بطنِ الحوتِ في البحرِ. قالوا: العبدُ الصالحُ الذي كان يَصْعَدُ إليك منه في كلِّ يومٍ وليلةٍ عملٌ صالحٌ؟ قال: نعم. قال: فشفَعوا له عندَ ذلك، فأمَر الحوتَ فقذَفه في الساحلِ، كما قال اللَّهُ ﵎: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] \" (^١).\n\n<span id=\"aya-2571\"></span><span data-type='title' id=toc-6027>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فاسْتَجِبْنا ليونُسَ دعاءه إيانا، إذ دَعانا في بطنِ الحوتِ، ونجَّيْناه مِن الغمِّ الذي كان فيه بحَبْسِناه في بطنِ الحوتِ، وغمِّه بخطيئتِه وذنبِه، ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وكما أنْجَيْنا يونُسَ مِن كربِ الحبسِ في بطنِ الحوتِ في البحرِ إذ دعانا، كذلك نُنْجِى المؤمنين مِن كربِهم إذا اسْتَغاثوا بنا ودَعْونا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاء الأثرُ.\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ١٦، وأخرجه البزار في مسنده - كشف (٢٢٥٤) - من طريق محمد بن إسحاق به.","vol":"16","page":385},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6028>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عمرانُ بن بكَّارٍ الكَلَاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ صالحٍ، قال: ثنا أبو يحيى بن عبدِ الرحمنِ، قال: ثنى بشرُ بنُ منصورٍ، عن عليّ بن زيدٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: سمِعْتُ سعدَ بنَ مالكٍ يقولُ: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: \"اسمُ اللَّهِ الذي إذا دُعِى به أجاب، وإذا سُئِل به أعْطَى، دعوة يونُسَ بن مَتَّى\". قال: فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، هي ليونُسَ بن مَتّى خاصةً، أم لجماعةِ المسلمين؟ قال: \"هي ليونُسَ بن مَتَّى خاصةً، وللمؤمنين عامةً إذا دَعَوْا بها، ألم تَسْمَعْ قول اللَّهِ ﵎: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهو شرطُ اللَّهِ لمن دعاه بها\" (^١)\nواخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. فقرَأَت ذلك قرأةُ الأمصار، سوى عاصمٍ، بنونين، الثانيةُ منهما ساكنةٌ مِن: أنْجيناه، فنحن نُنْجِيه. وإنما قرءوا ذلك كذلك، وكتابتُه في المصاحفِ بنونٍ واحدةِ؛ لأنه لو قُرِئَ بنونٍ واحدةٍ وتشديد الجيمِ، بمعنى ما لم يُسَمَّ فاعلُه، كان \"المؤمنون\" رفعًا، وهم في المصاحفِ منصوبون، ولو قُرِئَ بنونٍ واحدةٍ وتخفيفِ الجيمِ، كان الفعلُ للمؤمنين، وكانوا رفعًا، ووجَب مع ذلك أن يكونَ قولُه: \"نجى\". مكتوبًا بالألفِ؛ لأنه مِن ذواتِ الواوِ، وهو في المصاحفِ بالياءِ.\nفإن قال قائلٌ: فكيف كُتب ذلك بنونٍ واحدةٍ، وقد علِمْتَ أن حكمَ ذلك إذا قُرِئَ: ﴿نُنْجِي﴾. أن يُكْتَبَ بنونين؟ قيل: لأن النونَ الثانيةَ لما سُكِّنَت، وكان\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٦٣ عن المصنف.","vol":"16","page":386},{"text":"الساكنُ غيرَ ظاهرٍ على اللسانِ، حُذِفَت كما فعلوا ذلك بـ \"إلا\"، فحذفوا النونَ مِن \"إنْ\" لخفائِها، إذ كانت مندغمةً في اللامِ مِن \"لا\". وقرَأ ذلك عاصمٌ: (نُجِّي المؤمنين). بنونٍ، واحدةٍ، وتثقيلِ الجيمِ، وتسكينِ الياءِ (^١). فإن يكنُ عاصمٌ وجَّه قراءتَه ذلك إلى قولِ العربِ: ضُرِب الضربُ زيدًا. فكنَى عن المصدرِ الذي هو النَّجاءُ، وجعَل الخبرَ - أَعْنى خبر ما لم يُسَمَّ فاعله - المؤمنين، كأنه أراد: وكذلك نجَى النَّجاءُ (^٢) المؤمنين. فكنَى عن النَّجاءِ - فهو وجهٌ، وإن كان غيرُه أصوبَ، وإلا فإن الذي قرَأ مِن ذلك على ما قرأه، لحنٌ؛ لأن \"المؤمنين\" اسمٌ على القراءةِ التي قرَأها ما لم يُسَمَّ فاعلُه، والعربُ تَرْفَعُ ما كان مِن الأسماءِ كذلك، وإنما حمَل عاصمًا على هذه القراءةِ أنه وجَد المصاحفَ بنونٍ واحدةٍ، وكان في قراءتِه إياه على ما عليه قراءةُ القرأَةِ إلحاقُ نونِ أُخرى ليست في المصحفِ، فظنَّ أن ذلك زيادةُ ما ليس في المصحفِ، ولم يَعْرِفْ لحذفِها وجهًا يَصْرِفُه إليه.\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القراءةِ التي لا أَسْتَجِيزُ غيرَها في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، من قراءتِه بنونين، وتخفيفِ الجيمِ؛ لإجماعِ الحجَّةِ مِن القرأةِ عليها، وتخطئتِها خلافَه (^٣).\n\n<span id=\"aya-2572\"></span><span data-type='title' id=toc-6029>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واذكُرْ يا محمدُ زكريا حينَ نادَى ربَّه:\n_________\n(^١) هي قراءة ابن عامر وأبى بكر عن عاصم. النشر ٢/ ٢٤٣.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) القراءتان متواترتان.","vol":"16","page":387},{"text":"ربِّ لا تَذَرْنى وحيدًا فَرْدًا لا ولدَ لى ولا عَقِبَ، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾. يقولُ: فارزُقْنى وارِثًا من آلِ يعقوبَ يَرِثُنى. ثم رَدَّ الأمرَ إلى اللَّهِ فقال: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2573\"></span>يقول الله جلَّ ثناؤُه: ﴿فَاسْتَجَبْنَا﴾ لزكريا دُعاءَه، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾. ولدًا ووارثًا يَرِثُه، ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"الصَّلاحِ\" الذي عناه الله جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾؛ فقال بعضُهم: كانت عَقِيمًا فَأَصْلَحَها بأن جَعَلَها وَلُودًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6030>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عُبيد المُحَاربيُّ، قال: ثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن حُميدِ بن صَخْرٍ، عن عمارٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾. قال: كانت لا تَلِدُ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾. قال: وَهَبْنا له ولدَها (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾: كانت عاقرًا، فَجَعَلَها اللَّهُ وَلُودًا، ووَهَب له منها يحيى (^٣).\nوقال آخرون: كانت سيئةَ الخُلُقِ، فأَصْلَحَها اللَّهُ له، بأن رزَقَهَا حُسنَ الخلقِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٩/ ٥٣ من طريق حاتم بن إسماعيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٥ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٥ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":388},{"text":"قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: إِن اللَّهَ أَصْلَح لزكريا زوجَه، كما أخْبَر تعالى ذكرُه بأَنْ جعَلها وَلودًا حسنةَ الخُلُقِ؛ لأن كلَّ ذلك مِن معاني إصلاحِه إياها، ولم يَخْصُصِ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه بذلك بعضًا دونَ بعضٍ في كتابِه، ولا على لسانِ رسولِه، ولا وضَع على خُصوصِ ذلك دَلالةً، فهو على العُمومِ، ما لم يَأْتِ ما يَجِبُ التسليمُ له بأن ذلك مرادٌ به بعضٌ دونَ بعضٍ.\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾. يقولُ: إن الذين سَمَّيْناهم - يَعْني زكريا وزوجه ويحيى - كانوا يُسارعون (^١) في طاعتِنا، والعملِ بما يُقَرِّبُهم إلينا.\nوقوله: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكانوا يَعْبُدوننا رَغَبًا وَرَهَبًا. وعَنَى بالدعاءِ في هذا الموضعِ العبادةَ، كما قال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨]. ويعنى بقوله: ﴿رَغَبًا﴾. أنهم كانوا يَعْبُدونه رغبةً منهم فيما يَرْجون منه مِن رحمتِه وفضلِه، ﴿وَرَهَبًا﴾. يَعْنى رهبةً منهم مِن عذابِه وعقابِه، بتَرْكِهم عبادتَه، ورُكوبِهم معصيتَه.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6031>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾. قال: رغبًا في\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ف: \"في الخيرات\".","vol":"16","page":389},{"text":"رحمةِ اللَّهِ، ورهبًا مِن عذابِ اللَّهِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾. قال: خوفًا وطمعًا. قال: وليس يَنْبَغي لأحدِهما أن يُفارِقَ الآخرَ (^٢).\nواخْتَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿رَغَبًا وَرَهَبًا﴾. بفتحِ الغينِ والهاءِ، مِن الرَّغْبِ والرَّهْب. واخْتُلِف عن الأعمشِ في ذلك، فرُوِيَت عنه الموافَقَةُ في ذلك للقرأةِ، ورُوِى عنه أنه قرأَها: (رُغْبًا ورُهْبًا). بضمِّ الراءِ في الحرفين، وتسكينِ الغينِ والهاءِ (^٣).\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ وذلك الفتحُ في الحرفَيْن كليهما.\nوقوله: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. يقولُ: وكانوا لنا مُتَواضِعِين مُتَذَلِّلِين، لا يَسْتَكْبِرون عن عبادتِنا ودعائِنا.\n\n<span id=\"aya-2574\"></span><span data-type='title' id=toc-6032>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واذكُرِ التي أحْصَنَت فرجَها. يَعْنى مريمَ بنتَ عِمْرانَ. ويَعْنى بقوله: ﴿أَحْصَنَتْ﴾: حَفِظَتْ ومَنَعَتْ فرجَها مما حَرَّم اللَّهُ عليها إباحتَه فيه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم، وسقط من مطبوعة الدر لفظها الأثر، فانتقل إلى لفظ الأثر التالى.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ص ٢٩٦ (المخطوطة المحمودية) إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكرها القرطبي في تفسيره ١١/ ٣٣٧، وقرأ ابن وثاب والأعمش ورواية عن أبي عمرو بفتح الراء وتسكين الغين والهاء. البحر المحيط ٦/ ٣٣٦.","vol":"16","page":390},{"text":"واختلف في \"الفَرْج\" الذي عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه أنها أحْصَنَتْه؛ فقال بعضُهم: عنى بذلك فرجَ نَفْسِها؛ أنها حَفِظَتْه مِن الفاحشةِ.\nوقال آخرون: عنَى بذلك جَيْبَ دِرْعِها؛ أنها مَنَعَتْ جبريلَ منه قبلَ أن تَعْلَمَ أنه رسولُ ربِّها، وقبل أن تُثْبِتَه مَعْرِفَةً. قالوا: والذي يدُلُّ على ذلك قوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾. ويَعْقُبُ (^١) ذلك قولَه: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾. قالوا: وكان معلومًا بذلك أن معنى الكلامِ: والتي أحصَنَتْ جَيْبَها (^٢) فنَفَخْنا فيها من رُوحِنا.\nقال أبو جعفرٍ: والذي هو أَوْلَى القولَيْن عندَنا بتأويلِ ذلك قولُ مَن قال: أحصنتْ فرجَها مِن الفاحشةِ. لأن ذلك هو الأغْلَبُ مِن مَعْنَيَيْه عليه، والأَظْهَرُ في ظاهرِ الكلامِ.\n﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾. يقولُ: فنفحْنا في جيبِ درعِها مِن رُوحِنا. وقد ذكرْنا اختلافَ المُختلِفِين [في معنى قولِه: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾] (^٣).\nلو في غيرِ هذا الموضعِ، والأَوْلَى بالصوابِ مِن القولِ في ذلك فيما مضَى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٤).\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: وجَعَلْنا مريمَ وابنَها عِبْرَةً لعالَمى زمانِهما؛ يَعْتَبِرون بهما، ويَتَفَكَّرون في أمرِهما، فيَعْلَمون عظيمَ سُلْطانِنا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يعقبه\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فرجها\".\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١٥/ ٤٩٠، ٤٩١، ولم ينص المصنف هناك على اختلاف المختلفين، ولا ذَكَر الأولى بالصواب، فلعلَّ ذلك كان مما فسَّره المصنف ثم اختصره.","vol":"16","page":391},{"text":"وقُدْرتِنا على ما نشاءُ. وقيلَ: ﴿آيَةً﴾. ولم يَقُلْ: \"آيتَين\". وقد ذكَر آيتين؛ لأن معنى الكلامِ: جعلْناهما عَلَمًا لنا وحُجَّةً. فكلُّ واحدةٍ منهما في معنى الدَّلالة على اللَّهِ، وعلى عظيمِ قُدرتِه، يقومُ مَقامَ الآخَرِ؛ إذ (^١) كان أمرُهما في الدَّلالةِ على اللَّهِ واحدًا.\n\n<span id=\"aya-2575\"></span><span data-type='title' id=toc-6034>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن هذه مِلَّتكم مِلَّةً واحدةً، وأنا ربُّكم أيها الناسُ فاعْبُدونِ دونَ الآلهةِ والأَوثانِ وسائرِ ما تَعْبُدونَ مِن دوني.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6033>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. يقولُ: دينُكم دينٌ واحدٌ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال مجاهدٌ في قولِه: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال: دينُكم دينٌ واحدٌ (^٢).\nونُصِبَتِ ﴿أُمَّةً﴾ الثانيةُ على القَطْعِ. وبالنصبِ قرأَه جماعةُ قرأةِ الأمصارِ، وهو الصوابُ عندَنا؛ لأن ﴿أُمَّةً﴾ الثانيةَ نكرةٌ، والأُولَى مَعْرِفةٌ. وإذ كان ذلك\n_________\n(^١) في م، ف: \"إذا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٥ إلى المصنف.","vol":"16","page":392},{"text":"كذلك، وكان الخبرُ قبلَ مجيءِ النكرةِ مُسْتَغْنِيًا عنها، كان وجهُ الكلامِ النصبِ، هذا مع إجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ عليه. وقد ذُكِر عن عبدِ اللَّهِ بن أَبي إسحاقَ رَفْعُ ذلك أنه قرأَه: (أُمَّةٌ واحدةٌ) (^١) بنِيَّةِ تكريرِ الكلامِ، كأنه أراد: إنَّ هذه أمَّتُكم هذه (^٢) أمةٌ واحدةٌ.\n\n<span id=\"aya-2576\"></span><span data-type='title' id=toc-6036>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وتَفَرَّق الناسُ في دينهم الذي أمرَهم اللَّهُ به ودَعاهم إليه، فصاروا فيه أحزابًا، فتَهَوَّدَتِ (^٣) اليهودُ، وتَنَصَّرتِ النصارى، وعُبِدتِ الأوثانُ. ثم أخْبَر جلَّ ثناؤُه عمَّا هم إليه صائرون، وأن مرجعَ جميعِ أهلِ الأديانِ إليه، مُتَوَعِّدًا بذلك أهلَ الزَّيْغِ منهم والضلالِ، ومُعْلِمَهم أنه لهم بالمرصادِ، وأنه مُجازٍ جميعَهم جَزاءَه (^٤)؛ المُحسنَ بإحسانِه، والمُسيءَ بإساءَتِه.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6035>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾. قال: تقطَّعوا؛ اختلَفوا في الدينِ (^٥).\n_________\n(^١) وهى قراءة الحسن والأشهب العقيلي وأبى حيوة وابن أبي عبلة والجعفى وهارون عن أبي عمرو والزعفراني. البحر المحيط ٦/ ٣٣٧.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"فهودت\".\n(^٤) في م: \"جزاء\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٥ إلى المصنف.","vol":"16","page":393},{"text":"<span id=\"aya-2577\"></span><span data-type='title' id=toc-6037>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فمن عمِل مِن هؤلاءِ الذين تفرَّقوا في دينِهم بما أمرَه اللَّهُ به مِن العملِ الصالحِ، وأطاعَه في أمرِه ونهيِه، وهو مُقِرٌّ بوحدانيَّةِ اللَّهِ، مُصدِّقٌ بوعدِه ووعيدِه، مُتَبَرِّئٌ مِن الأندادِ والآلهةِ، ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾. يقولُ: فإن اللَّهَ يَشكُرُ عملَه الذي عمِل له مُطيعًا له، وهو به مؤمنٌ، فيُثِيبُه في الآخرةِ ثوابَه الذي وعَد أهلَ طاعتِه أن يُثِيبَهُموه، ولا يَكْفُرُ ذلك له فيَجْحَدَه ويَحْرِمَه ثوابَه على عملِه الصالحِ، ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾. يقولُ: ونحن نَكتُبُ أعمالَه الصالحةَ كلَّها، فلا نَترُكُ منها شيئًا؛ لنَجْزِيَه على صغير ذلك وكبيرِه، وقليلِه وكثيرِه.\nقال أبو جعفرٍ: والكُفْرانُ مَصْدرٌ مِن قولِ القائلِ: كَفَرْتُ فُلانًا نِعْمَتَه، فأنا أَكْفُرُه كُفْرًا وكُفْرانًا. ومنه قول الشاعرِ (^١):\nمِن الناسِ ناسٌ (^٢) ما تَنامُ خُدودُهمْ … وخَدِّي ولا كُفْرانَ للَّهِ نائِمُ\n\n<span id=\"aya-2578\"></span><span data-type='title' id=toc-6038>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾.</span>\nاخْتَلَفت القرأَةُ في قراءة قوله: ﴿وَحَرَامٌ﴾؛ فقرأتْه عامَّةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (وحِرْمٌ). بكسرِ الحاءِ (^٣).\nوقرَأ ذلك عامَّةُ قرأة أهلِ المدينةِ والبَصْرةِ: ﴿وَحَرَامٌ﴾، بفتحِ الحاءِ والألفِ (^٤).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قِراءَتانِ مَشْهورتانِ مُتَّفِقَتا المَعْنَى، غيرُ\n_________\n(^١) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/ ٤٢ وجمهرة اللغة ٣/ ٤١٥ غير منسوب.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) وهى قراءة حمزة والكسائي وأبى بكر عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٤٣١.\n(^٤) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم. المصدر السابق.","vol":"16","page":394},{"text":"مُخْتَلِفَتَيْه؛ وذلك أن الحِرْمَ هو الحَرامُ، والحَرامَ هو الحِرْمُ، كما الحِلُّ هو الحَلالُ، والحَلالُ هو الحِلُّ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوكان ابن عباس يَقْرَؤُه: (وحِرْمٌ) (^١). بتأويلِ: وعَزمٌ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي المُعَلَّى، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، كان يَقْرَؤُها: (وحِرْمٌ على قريةٍ). قال: فقلتُ لسعيدٍ: أيُّ شيءٍ \"حِرْمٌ\"؟ قال: عَزْمٌ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن أبي المُعلَّى، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، كان يَقرَؤُها: (وحِرْمٌ على قريةٍ). قلتُ لأبي المُعلَّى: ما الحِرْمُ؟ قال: عَزْمٌ (^٣) عليها.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ هذه الآيةَ: (وحِرْمٌ على قريةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهم لا يَرْجِعُون): فلا يَرْجِعُ منهم راجِعٌ، ولا يَتوبٌ منهم تائِبٌ (^٤).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، قال: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. قال: لم يَكُنْ ليَرْجِعَ منهم\n_________\n(^١) ذكر هذه القراءة عن ابن عباس الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢١١، وعن ابن عباس أيضًا (حَرْم)، (حُرُم)، (حَرَم)، (حَرِم). ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٩٥، والمحتسب ٢/ ٦٥، والبحر المحيط ٦/ ٣٢٨.\n(^٢) في ت ١: \"يحرم\"، وفي ت ٢: \"حرم\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٥ إلى المصنف.\n(^٣) في ت ١: \"يحرم\"، وفى ت ٢: \"محرم\".\n(^٤) تفسير سفيان ص ٢٠٥، وأخرجه البيهقى في شعب الإيمان (٧٢٣٣) من طريق داود به مختصرًا بلفظ: لا يتوبون.","vol":"16","page":395},{"text":"راجعٌ؛ حَرامٌ عليهم ذاك (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا عيسى بنُ فَرْقَدٍ، قال: ثنا جابرٌ الجُعْفيُّ، قال: سألتُ أبا جعفرٍ عن الرَّجْعَةِ، فقرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَحَرَامٌ (^٢) عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (^٣).\nفكأن أبا جعفرٍ وجَّه تأويلَ ذلك إلى أنه: وحَرامٌ على أهلِ قريةٍ أَمَتْناهم أن يَرْجِعوا إلى الدنيا.\nوالقولُ الذي قاله عكرمةُ في ذلك أَوْلَى عندى بالصوابِ؛ وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه أَخْبَر عن تفريقِ الناسِ دينَهم الذي بَعَثَ به إليهم الرُّسُلَ، ثم أَخْبَر عن صَنِيعِه بمَن عمِل بما دَعَتْه إليه رسلُه من الإيمانِ به والعملِ بطاعتِه، ثم أتْبَعَ ذلك قولَه: ﴿وَحَرَامٌ (^٤) عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. فلأَن يكونَ ذلك خبرًا عن صنيعِه بمَن أبَى إجابةً رسلِه وعمِل بمعصيتِه وكفَر به، أُحْرَى لِيَكُونَ بَيانًا عن حالِ الفِرْقةِ (^٥) الأُخْرَى التي لم تَعْمَلِ الصالحاتِ وكفَرَتْ به.\nفإذ (^٦) كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: حرامٌ على أهلِ قريةٍ أَهْلَكْناهم (^٧) بطَبْعِنا على قُلوبِهم، وخَتْمِنا على أسماعِهم وأبصارِهم - إذ صَدُّوا عن سبيلِنا،\n_________\n(^١) في م: \"ذلك\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"حرم\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٦٦.\n(^٤) في ص: \"حرم\".\n(^٥) في م: \"القرية\".\n(^٦) في م، ف: \"فإذا\".\n(^٧) في ت ١، ت ٢، ف: \"أهلكناها\".","vol":"16","page":396},{"text":"وكفَروا بآياتِنا - أن يَتوبوا، ويُراجِعوا الإيمانَ بنا، واتِّباع أمْرِنا والعملَ بطاعتِنا. وإذ كان ذلك تأويلَ قولِ اللَّهِ: (وحِرْمٌ): وعَزْمٌ. على ما قال سعيدٌ، لم تَكُنْ \"لا\" في قوله: ﴿أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ صِلَةً (^١)، بل تكونُ بمعنى النَّفْيِ، ويكونُ معنى الكلامِ: وعزمٌ منا على قريةٍ أهْلَكْناها ألا يَرْجِعوا عن كفرِهم. وكذلك إذا كان معنى قوله: (وحِرْمٌ): [ووَجْبَةٌ] (^٢).\nوقد زعَم بعضُهم أنها في هذا الموضعِ صلةٌ، فإن معنى الكلامِ: وحرامٌ على قريةٍ أهْلَكُناها أن يَرجعوا (^٣). وأهلُ التأويلِ الذين ذَكَرْناهم كانوا أعْلَمَ بمعنى ذلك منه.\n\n<span id=\"aya-2579\"></span><span data-type='title' id=toc-6039>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: حتى إذا فُتح عن يأجوجَ ومأجوجَ - وهما أُمَّتان من الأُمَمِ - رَدْمُهما.\nكما حدَّثني عصامُ بنُ رَوَّادِ (^٤) بن الجَرَّاحِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ الثَّوْرِيُّ، قال: ثنا منصورُ بنُ المُعْتَمِرِ، عن رِبْعِيِّ بن حِراشٍ، قال: سَمِعتُ حُذيفةَ بنَ اليَمَانِ، يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ: \"أَوَّلُ الآيَاتِ الدَّجَّالُ، ونُزولُ عيسى، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنِ أَبْيَنَ (^٥)، تَسوقُ الناسَ إلى المَحْشَرِ، تَقِيلُ\n_________\n(^١) صلة هنا بمعنى: زائدة. ينظر مصطلحات النحو الكوفي ص ٣٨، ٣٩.\n(^٢) في م: \"نوجبه\". ووجب الشيء يجب وجوبًا ووجْبًا ووَجْبةً وجِبةً: لزم وثبت. المعجم الوسيط (وج ب).\n(^٣) ينظر المحتسب لابن جنى ٢/ ٦٥.\n(^٤) في النسخ: \"داود\".\n(^٥) عدن أبين: مدينة معروفة باليمن، أضيفت إلى أبين رجل من حمير؛ لأنه عدن بها، أي: أقام. ينظر اللسان (ع د ن).","vol":"16","page":397},{"text":"معهم إذا قالوا، والدُّخانُ، والدَّابَّةُ، ثم يأجوجُ ومأجوجُ\". قال حُذيفةُ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ما يأجوجُ ومأجوجُ؟ قال: \"يأجوجُ ومأجوجُ أُمَمٌ؛ كلُّ أُمَّةٍ أربعمائةِ ألْفٍ، لا يموتُ الرَّجُلُ منهم حتى يَرَى أَلفَ عينٍ تُطْرِقُ (^١) بينَ يَدَيْهِ مِن صُلْبِه، وهم وَلَدُ آدمَ، فيَسيرونَ إلى خَرابِ الدُّنْيا، ويكونُ مُقَدِّمَتُهم بالشام وساقَتُهم بالعراقِ، فيَمُرُّون بأنهارِ الدُّنيا، فيَشْربون الفُراتَ والدِّجْلَةَ وبُحِيرَةَ الطَّبَرِيَّةِ، حتى يَأْتوا بيتَ المَقْدِسِ، فيَقُولُونَ: قد قَتَلْنا أهلَ الدُّنيا، فقاتلوا مَنْ في السماءِ، فيَرْمُون بالنُّشَّابِ إلى السماءِ، فَتَرْجِعُ نُشَّابُهم (^٢) مُخَضَّبَةً بالدَّمِ، فَيَقُولُونَ: قد قَتَلْنا مَن في السماءِ. وعيسى والمسلمون بجَبَلِ طُورِ سِينِينَ، فيُوحِى اللَّهُ جلَّ وعزَّ إلى عيسى: أَن أَحْرِزْ عبادى بالطُّورِ، وما يَلِى أَيْلَةَ (^٣). ثم إن عيسى يَرْفَعُ يَدَيْهِ (^٤) إلى السماءِ، ويُؤَمِّنُ المسلمون، فيَبْعَثُ الله عليهم دابَّةً يُقالُ لها: النَّغَفُ. تَدْخُلُ مِن مَناخِرِهم، فيُصْبِحونَ مَوْتَى، مِن حاقِّ الشامِ إلى حاقِّ العراقِ (^٥)، حتى تُنْتِنَ الأرضُ مِن جِيَفِهم، ويَأْمُرُ اللَّهُ السماءَ فتُمْطِرُ كأفْواهِ القِرَبِ، فتَغْسِلُ الأَرضَ من جِيَفِهم ونَتْنِهم، فعندَ ذلك طُلوعُ الشمسِ مِن مَغْرِبها\" (^٦).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: إن يأجوجَ ومأجوجَ يَزيدون على سائرِ الإنسِ الضَّعْفَ، وإن الجنَّ يزيدون على\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"تطرف\".\n(^٢) النُّشَّاب: السِّهام، واحدته: نُشَّابَة. تاج العروس (ن ش ب).\n(^٣) أَيْلَة: مدينة على ساحل بحر القُلْزُم - البحر الأحمر الآن - مما يلى الشام. وقيل: هي آخر الحجاز وأول الشام. معجم البلدان ١/ ٤٢٢.\n(^٤) في م، ت ٢: \"رأسه\"، وفى ت ١، ف: \"راية\". والمثبت من ص موافق لما في الدر المنثور.\n(^٥) يقال: لَقيتُه عند حاقِّ المسجد، وعند حقِّ بابه. أي بقُربه. ينظر تاج العروس (ح ق ق).\n(^٦) أخرجه أبو عمرو الدانى في السنن الواردة في الفتن (٦٧٦) من طريق ربعي به مختصرًا نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٧ إلى المصنف.","vol":"16","page":398},{"text":"الإنسِ الضِّعفَ، وإن يأجوجَ ومأجوجَ رَجُلانِ اسمُهما يأجوجُ ومأجوجُ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سَمِعتُ وهبَ بن جابرٍ يُحدِّثُ، عن عبد الله بن عمرٍو أنه قال: إن يأجوجَ ومأجوجَ يَمُرُّ أوَّلُهم بنهرٍ مثل دِجْلَةَ، ويمرُّ آخِرُهم فيقولُ: قد كان في هذا مَرَّةً ماءٌ. لا يموتُ رجلٌ منهم إلا ترَك مِن ذُرِّيَّتِه ألفًا فصاعِدًا. وقال: مِن بعدِهم ثلاثُ أُمَمٍ لا يَعْلَمُ عددَهم إلا الله؛ تأويلُ، وتاريسُ، وناسكٌ أو منسكٌ. شَكَّ شعبةُ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن وهبٍ بن جابرٍ الخَيْوَانيِّ، قال: سألتُ عبد اللَّهِ بنَ عمرٍو عن يأجوجَ ومأجوجَ؛ أمِن بني آدم هم؟ قال: نعم، ومن بعدهم ثلاثُ أم لا يعلم عددهم إلا الله؛ تاريسُ، وتاويلُ، ومنسكٌ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا [سهلُ بنُ حَمَّادٍ أبو عَتَّابٍ] (^٣)، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن النُّعمانِ بن سالمٍ، قال: سَمِعتُ نافعَ بنَ جُبيرِ بن مُطْعِمٍ يقولُ: قال عبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو: يأجوجُ ومأجوجُ لهم أنهارٌ يَلغُونَ (^٤) ما شاءُوا، ونساء يُجامِعون ما شاءُوا، وشجرٌ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي بنحوه في الدر المنثور ٤/ ٢٤٩ إلى ابن أبي حاتم، وفى لفظه: \"يزيدون على الإنس الضعفين وإن الجن يزيدون على الإنس الضعفين\".\n(^٢) أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (١٦٥٦) عن محمد بن جعفر به، وأخرجه أبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (٦٨٠)، والحاكم ٤/ ٤٩٠ من طريق شعبة به.\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"سهل بن حاتم أبو عتاب\"، وفى ت ٢: \"إسماعيل بن حاتم أبو أعتات\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ١٧٩.\n(^٤) في م: \"يلقمون\"، وفى ت ١، ت ٢: \"يلقون\"، وفى ف: \"يلعون\".\nوولَغ السَّبُعُ والكلبُ، وكلُّ ذى خَطْم في الإناء وفى الشراب، ومنه، وبه، أي: شرب ما فيه بأطراف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحرَّكه. ينظر تاج العروس (ول غ).","vol":"16","page":399},{"text":"يَلْقَمُون ما شاءُوا، ولا يموتُ رجلٌ (^١) إلا تَرَك مِن ذُرِّيَّتِه ألفًا فصاعدًا (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا [عُبَيدُ اللَّهِ] (^٣) بن موسى، قال: أخْبَرنا زكريا، عن عامرٍ، عن عمرِو بن ميمونٍ، عن عبد اللَّهِ بن سَلَامٍ، قال: ما مات أحدٌ مِن يأجوجَ ومأجوجَ إلا تَرَك ألفَ ذُرَّيٍّ (^٤) فصاعدًا (^٥).\nحدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المَسْعُوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمش، عن عطيةَ، قال: قال أبو سعيدٍ: يَخرُج يأجوجُ ومأجوجُ فلا يَتْرُكون أحدًا إلا قَتَلوه، إلا أهلَ الحُصونِ، فيَمُرُّون على البُحَيرةِ فيَشْرَبونها، فيَمُرُّ المارُّ فيقولُ: كأنَّه كان ههنا ماءٌ. قال: فيَبْعَثُ اللَّهُ عليهم النَّغَفَ حتى يَكْسِرَ أعناقَهم فيَصِيروا خَبالًا، فيقولُ أهلُ الخصونِ: لقد هَلَك أعداءُ اللَّهِ. فَيُدَلُّون رجلًا ليَنْظُرَ، ويَشْتَرِطُ عليهم إن وَجَدهم أحياءَ أن يَرْفَعُوه، فيَجِدُهم قد هَلَكُوا. قال: فيُنْزِلُ اللَّهُ مَاءً مِن السماءِ، [فيَقْذِفُ بهم] (^٦) في البحرِ، فتَطْهُرُ الأرضُ منهم، ويَغْرِسُ الناسُ بعدَهم الشجرَ والنخلَ، وتُخرِجُ الأرضُ، ثمرتَها كما كانت تُخرجُ في زمنِ يأجوجَ ومأجوجَ (^٧).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"منهم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٠ إلى المصنف.\n(^٣) في م، ت ١، ف: \"عبد الله\".\n(^٤) في م: \"ذرء\".\n(^٥) أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (١٦٤٣) من طريق زكريا به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٥٠ إلى ابن أبي شيبة.\n(^٦) في م: \"فيقذفهم\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٧ إلى المصنف.","vol":"16","page":400},{"text":"[عُبيدِ اللَّهِ بن أبي يزيدَ] (^١)، قال: رأى ابن عباسٍ صِبْيانًا يَنْزُو بعضُهم على بعضٍ؛ يَلْعَبون، فقال ابن عباسٍ: هكذا يخرُجُ يأجوجُ ومأجوجُ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، قال: بَلَغَنا أن ملِكًا دونَ الرَّدْمِ يَبْعَثُ خَيْلًا كلَّ يومٍ يَحْرُسون الردمَ، لا يَأْمَنُ يأجوجَ ومأجوجَ أن تَخْرُجَ عليهم. قال: فيَسْمَعون جَلَبَةً وأمرًا شديدًا.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثَورٍ، عن معمرٍ، عن أبي إسحاقَ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو، قال: ما يموتُ الرجلُ مِن يأجوجَ ومأجوجَ حتى يُولَدَ له مِن صُلْبِه ألفُ رَجُلٍ (^٣)، وإِن مِن وَرَائِهِم لَثَلاثَ أُممٍ ما يَعْلَمُ عددَهم إلا اللَّهُ؛ منسكٌ، وتاويلُ، وتاريسُ (^٤).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ، عن عمرٍو البِكاليِّ، قال: إن اللَّهَ جَزَّأ الملائكةَ والإنسَ والجِنَّ عشرةَ أجْزاءٍ؛ فتسعةٌ منهم الكَرُوبِيُّونَ، وهم الملائكةُ الذين يَحْمِلون العرشَ، ثم هم أيضًا الذين يُسَبِّحون الليلَ والنهارَ لا يَفْتُرون. قال: ومَن بَقِيَ مِن الملائكةِ لأَمْرِ اللَّهِ وَوَحْيِه ورِسالتِه. ثم جَزَّأ الإنسَ والجنَّ عشرةَ أجزاءٍ؛ فتسعةٌ منهم الجنُّ، لا يُولَدُ مِن الإنسِ وَلَدٌ، إلا وُلِد مِن الجنِّ تسعةٌ. ثم جزَّأ [الإنس على] (^٥) عشرةِ أجزاءٍ؛ فتسعةٌ منهم يأجوجُ\n_________\n(^١) في ص، ت: \"عبيد الله عن أبي يزيد\"، وفى ت ١، والدر المنثور: \"عبد الله بن أبي يزيد\". وهو عبيد الله بن أبى يزيد المكي. ينظر تهذيب الكمال ١٩/ ١٧٨.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٦٧ عن المصنف.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه معمر في جامعه (٢٠٨١٠) مطولًا، ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٢، ونعيم بن حماد في الفتن (١٦٤٢).\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الجن\".","vol":"16","page":401},{"text":"ومأجوجُ، وسائرُ الناسِ (^١) جُزءٌ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾. قال: أُمَّتان مِن وَرَاءِ رَدْمِ ذى القَرْنينِ (^٣).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثَورٍ، عن معمرٍ، عن غيرِ واحدٍ، عن حُميدِ بن هلالٍ، عن أبي الضَّيْفِ (^٤)، قال: قال كعبٌ (^٥): إذا كان عندَ خروجِ يأجوجَ ومأجوجَ، حفَروا حتى يَسْمَعَ الذين يَلُونَهم قَرْعَ فُئوسِهم، فإذا كان الليلُ قالوا: نَجيءُ غَدًا فنَخْرُجُ. فيُعيدُها اللَّهُ كما كانت، فيَجِيئون مِن الغدِ، [فيَحْفِرون حتى يَسْمَعَ الذين يَلُونَهم قَرْعَ فُئُوسِهم، فإذا كان الليلُ قالوا: نَجِيءُ غدًا فنَخْرُجُ، فَيَجِيئون مِن الغَدِ] (^٦)، فيَجِدونَه قد أعادَه اللَّهُ كما كان، فيَحْفِرونَه حتى يَسمعَ الذين يَلُونهم قَرْعَ فُئوسِهم، فإذا كان الليلُ ألْقَى اللَّهُ على لسانِ رجلٍ منهم يقولُ: نجيءُ غدًا فنَخْرُج إن شاءَ اللَّهُ. فيَجِيئونَ مِن الغدِ فيَجِدونَه كما ترَكوه، فيَحْفِرونَ ثم يَخْرُجُون، فتَمُرُّ الزُّمْرَةُ الأُولَى بالبُحَيرةِ فيَشْرَبون ماءَها، ثم تمرُّ الزُّمْرةُ الثانيةُ فيَلْحَسون طِينَها، ثم تمرُّ الزُّمرةُ الثالثةُ فيَقولون: قد كان ههنا مرةً ماءً. ويَفِرُّ الناسُ منهم، فلا يقوم لهم شيءٌ، يَرْمون بسهامِهم إلى السماءِ، فتَرْجِعُ مُخَضَّبَةً بالدماءِ، فيقولون: غَلَبْنا أهلَ الأرضِ وأهلَ\n_________\n(^١) في م: \"الإنس\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨ عن معمر، عن قتادة، عن عامر البكالى، وأخرجه الحاكم ٤/ ٤٩٠ من طريق معدان بن طلحة عن عمرو البكالي عن عبد الله بن عمرو. نحوه بزيادة في آخره، وكذا عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٤٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عمرو البكالي عن عبد الله بن عمر.\n(^٣) ينظر ما تقدم تخريجه في ١٥/ ٣٨٦، ٣٨٧.\n(^٤) في ص: \"الصف\"، وفى م، ت ٢، وتفسير عبد الرزاق: \"الصيف\". وينظر ترجمته في الكني ص ٤٥، والجرح والتعديل ٩/ ٣٦٩.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"سمعت\"، وهو تحريف واضح.\n(^٦) سقط من: م.","vol":"16","page":402},{"text":"السماءِ. فيَدْعو عليهم عيسى ابن مريمَ، فيقولُ: اللَّهُمَّ لا طاقةَ ولا يَدَيْنِ لنا بهم، فاكْفِناهم بما شِئتَ. فيُسَلِّط الله عليهم دُودًا يُقال له (^١): النَّغَفُ. فتَفْرِسُ (^٢) رقابَهم، ويَبْعَثُ اللَّهُ عليهم طَيْرًا، فتَأْخُذُهم بمَناقيرِها (^٣)، فتُلْقيهم في البحرِ، ويَبْعَثُ اللَّهُ عينًا (^٤) يُقالُ لها: الحياةُ. تُطَهِّرُ الأرضَ منهم وتُنْبِتُها، حتى إن الرُّمَّانَةَ ليَشْبَعُ منها السَّكْنُ. قيل: وما السَّكْنُ يا كعبُ؟ قال: أهلُ البيتِ. قال (^٥): فبَيْنا الناسُ كذلك، إذ أتاهم الصَّرِيخُ أن ذا السُّوَيقَتَين [قد غَزَا البيتَ] (^٦) يُريدُه، فيَبْعَثُ عيسى طَليعةً، سبعمائةٍ أو بينَ السَّبْعِمائة والثمانِمائة، حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعَثَ اللَّهُ رِيحًا يَمَانِيَّةٌ طَيِّبَةً، فَيَقْبِضُ اللَّهُ فيها رُوحَ كلِّ مؤمنٍ، ثم يَبْقَى عَجَاجٌ (^٧) مِن الناسِ يَتَسَافَدُونَ (^٨) كما تَتَسافَدُ البهائمُ، فمَثَلُ الساعةِ كَمَثَلِ رَجُلٍ يُطيفُ حولَ فَرَسِهِ، يَنْتَظِرُها متى تَضَعُ، فَمَنْ تَكَلَّف بعدَ قولى هذا شيئًا، أو على هذا شيئًا، فهو المتُكَلِّفُ (^٩).\nحدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ البَيْروتيُّ، قال: أخبَرني أبي، قال: سَمِعتُ ابنَ جابرٍ، قال: ثنى محمدُ (^١٠) بنُ جابرٍ الطَّائيُّ، ثم الحِمْصِيُّ، ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ جُبيرِ بن نُفيرٍ\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"لها\".\n(^٢) فَرَس فريستَه: دقَّ عُنُقَها. والفَرْس: الكَسْر. وكلُّ قَتْلٍ فَرْسٌ. ينظر تاج العروس (ف ر س).\n(^٣) في م، ت ١، ف: \"بمناقرها\".\n(^٤) العبارة في تفسير عبد الرزاق جاءت هكذا: \"غيثا يقال له: الحياة\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قيل\".\n(^٦) سقط من النسخ، وفى الدر المنثور: \"أتى البيت\" وبمعناه في الفتن لنعيم بن حماد والمثبت من: تفسير عبد الرزاق والسنن الواردة في الفتن.\n(^٧) العَجاج: رَعَاعُ الناس والغَوْعَاءُ والأراذِلُ ومَن لا خير فيه. تاج العروس (ع ج ج).\n(^٨) التَّساقُد يُكْنَى به عن الجماعِ. يُنظر تاج العروس (س ف د).\n(^٩) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨، ٢٩، وأخرجه أبو عمرو الدانى في السنن الواردة في الفتن (٦٧٩) من طريق حميد به، وأخرجه نعيم حماد في الفتن (١٦٤١، ١٦٧٠) عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن أبي الضيف به نحوه.\n(^١٠) كذا في النسخ، والصواب: \"يحيى\"، كما في مصادر التخريج الآتية. وابن جابر الذي يروى عن يحيى بن جابر الطائي، هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي، كما في ترجمته في تهذيب الكمال ٥/ ١٨.","vol":"16","page":403},{"text":"الحَضْرَميُّ، قال: ثنى أبي، أنه سَمِع النَّوَّاسَ بنَ سَمْعَانَ الكِلابيَّ، يقولُ: ذكَر رسولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَالَ، وذكَر أمرَه، وأنَّ عيسى ابنَ مريمَ يَقْتُلُه. ثم قال: \"فبَيْنا (^١) هو كذلك، أَوْحَى اللَّهُ إليه: يا عيسى، إنى قد أخرجتُ عِبادًا لى [لا يَدَ] (^٢) لأحدٍ بقتالِهم، فحَرِّزْ عبادى إلى الطُّورِ. فيَبْعَثُ اللَّهُ يأجوجَ ومأجوجَ، وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلون، فيَمُرُّ أحدُهم على بُحيرةِ طَبَرِيَّةَ، فيَشْرَبون ما فيها، ثم يَنْزِلُ آخِرُهم، فيقولُ (^٣): لقد كان بهذه مَرَّةً ماءٌ. فيُحاصَرُ نبيُّ اللَّهِ عيسى وأصحابُه، حتى يكونَ رأسُ الثورِ يومَئذٍ خيرًا لأحدِهم مِن مائةِ دينارٍ لأحدِكم. فيَرْغَبُ نبيُّ اللَّهِ عيسى وأصحابُه إلى اللَّهِ، فيُرْسِلُ اللَّهُ عليهم النَّغَفَ في رِقابِهم، فيُصْبِحون فَرْسَى (^٤) موتِ نفسٍ واحدةٍ، فيَهْبِطُ نبيُّ اللَّهِ عيسى وأصحابُه، فلا يَجِدُون موضعًا إلا وقد ملأَه زَهَمُهم (^٥) ونَتْنُهم ودِماؤُهم، فيَرْغَبُ نبيُّ الله عيسى وأصحابُه إلى اللَّهِ، فيُرْسِلُ اللَّهُ عليهم طيرًا كأَعْناقِ البُخْتِ (^٦). فتَحْمِلُهم فتَطْرَحُهم حيثُ شاءَ اللَّهُ، ثم يُرسِلُ اللَّهُ مطرًا لا يُكِنُّ منه بيتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ، فيَغْسِلُ الأرضَ حتى يَتْرُكَها كالزَّلْقَةِ (^٧) \".\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"فبينما\". وهو موافق لما في مسلم والترمذي وابن ماجه ومستدرك الحاكم والمثبت من ص، م، ف موافق لما في مسند أحمد.\n(^٢) سقط من: ت ٢، وفى ص، ت ١، ف: \"لا يدى\".\n(^٣) في ص، م، ت ٢، ف: \"ثم يقول\". والمثبت من ت ١ موافق لما في الترمذي، وفي مسلم وابن ماجه والمستدرك: \"فيقولون\".\n(^٤) فَرْسَى: قَتْلَى. جمع فَرِيس. ينظر تاج العروس (ف ر س).\n(^٥) الزَّهَم بالتحريك: مصدر زَهِمت يدُه تَزْهَمُ؛ من رائحة اللحم. والزُّهْمة بالضم: الريح المُنْتِنَةُ. أراد أن الأرض تُنتن من جيفهم. النهاية ٢/ ٣٢٣.\n(^٦) البخت: جمَال طِوَال الأعناق. ينظر النهاية ١/ ١٠١.\n(^٧) في م، ت ١، ومسلم، والترمذى، والمستدرك: \"كالزلفة\". والمثبت من ص، ت ٢، ف موافق لما في مسند أحمد، وابن ماجه. والزلفة بالتحريك، جَمْعُها زَلَفٌ: مصانع الماء. أراد أن المطر يُغدِّر في الأرض - أي يصنع فيها غُدْران ماء. وقيل: الزلفة: المِرْآة. شَبَّهها بها لاستوائها ونظافتها. ويقال بالقاف أيضًا. ينظر النهاية ٢/ ٣٠٩ والحديث أخرجه أحمد ٢٩/ ١٧٢ - ١٧٥ (١٧٦٢٩)، ومسلم (٢٩٣٧)، وأبو داود =","vol":"16","page":404},{"text":"وأمّا قولُه: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا في المعَنِيِّ به؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك بنو آدمَ أنهم يَخْرُجون مِن كلِّ موضعٍ كانوا دُفِنوا فيه مِن الأرضِ، وإنما عُنِى بذلك الحَشْرُ إلى موقف الناس يومَ القيامةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6040>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. قال: جميعُ (^١) الناسِ مِن كلِّ مكانٍ جاءُوا منه يومَ القيامةِ، فهو حَدَبٌ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريج: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. قال ابن جُريجٍ: قال مجاهدٌ: جميعُ (^٣) الناسِ مِن كلِّ حَدَبٍ؛ مِن مكانِ جاءُوا منه يومَ القيامةِ، فهو حَدَبٌ.\nوقال آخرون: بل عَنى بذلك يأجوجَ ومأجوجَ. وقوله: ﴿وَهُمْ﴾ كنايةُ أسمائِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-6041>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ بن\n_________\n= (٤٣٢١)، والترمذي (٢٢٤٠)، والنسائي في الكبرى (٨٠٢٤، ١٠٧٨٣)، والحاكم ٤/ ٤٩٢ - ٤٩٤، من طريق ابن جابر، عن يحيى بن جابر الطائي به، مختصرًا عند أبي داود والنسائي، وأخرجه ابن ماجه (٤٠٧٥) من طريق ابن جابر عن عبد الرحمن بن جبير به، مطولًا، بتمامه.\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"جمع\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٧٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٥، ٣٣٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في م، ت ١: \"جمع\".","vol":"16","page":405},{"text":"كُهيلٍ، قال: ثني أبو الزَّعْراءِ، عن عبدِ اللَّهِ أنه قال: يَخْرُج يأجوجَ ومأجوجُ فيَمْرَحون في الأرض فيُفْسِدون فيها. ثم قرَأ عبدُ اللَّهِ: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. قال: ثم يَبْعَثُ اللَّهُ عليهم دابَّةً مثلَ النَّغَفِ، فتَلِجُ في أسماعِهم ومَناخِرِهم، فيَمُوتون منها، فتُنْتِنُ الأرضُ منهم، فيُرْسِلُ اللَّهُ ﷿ مَاءً فَيُطَهِّرُ الأرضَ منهم (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قاله الذين قالوا: عَنَى بذلك يأجوجَ ومأجوجَ، وإن قولَه: ﴿وَهُمْ﴾. كنايةٌ عن أسمائِهم؛ للخبرِ الذي حدَّثنا به ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن عاصمِ بن عمرَ بن (^٢) قتادةَ الأنْصاريِّ، ثم الظَّفَريِّ، عن محمودِ بن لَبِيدٍ أخى بنى عبدِ الأَشْهَلِ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: \"يُفْتَحُ يأجوجُ ومأجوجُ؛ يَخْرُجون على الناسِ كما قال اللَّهُ: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾، فيَغْشَوْن الأرضَ\" (^٣).\nحدَّثني أحمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمُ بنُ بَشيرٍ، قال: أخبرنا العَوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ، عن جَبَلَةَ بن سُحيمٍ، عن مُؤثِرٍ، وهو ابن عَفَازَةَ العَبْدِيُّ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ فيما يَذْكُرُ فيما يَذْكُرُ عن عيسى ابن مريمَ، قال: \"قال عيسى: عَهِد إليَّ ربِّي أن الدَّجالَ خارِجٌ، وأنه مُهْبِطى إليه. فذكَر أن معه قَضِيبَين، فإذا رآنى أهْلَكَه اللَّهُ. قال: فيَذُوبُ كما يذوبُ الرّصاصُ، حتى إن الشجرَ والحجَرَ لَيَقولُ: يا مسلمُ هذا كافرٌ فاقْتُلْه. فيُهْلِكُهم اللَّهُ ﵎، ويَرْجِعُ الناسُ إلى بلادِهم وأوطانِهم، فيَسْتَقْبِلُهم يأجوجُ ومأجوجُ مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُون، لا يَأْتُونَ\n_________\n(^١) جزء من أثر طويل تقدم تخريجه في ٣/ ٣٤.\n(^٢) في النسخ: \"عن\". والمثبت مما تقدم في ١٥/ ٣٩٩، وترجمة عاصم بن عمر بن قتادة، في تهذيب الكمال ١٣/ ٥٢٨.\n(^٣) جزء من أثر طويل تقدم تخريجه في ١٥/ ٤٠٠.","vol":"16","page":406},{"text":"على شيءٍ إلا أهْلَكوه، ولا يَمُرُّون على ماءٍ إِلا شَرِبوه\" (^١).\nحدَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّاريُّ، قال: ثنا المُحارِبيُّ، عن أَصْبَغَ بن زِيدٍ، عن العَوّامِ بن حَوْشَبٍ، عن جَبَلَةَ بن سُحيمٍ، عن مُؤْثِرِ بن عَفَازَةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، عن رسولِ الله ﷺ بنحوِه (^٢).\nوأما قولُه: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾. فإنه يَعْنى: مِن كُلِّ شَرَفِ ونَشَزٍ وأَكَمَةٍ (^٣).\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6042>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. يقولُ: مِن كُلِّ شَرَفٍ يُقْبِلون (^٤).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. قال: مِن كُلِّ أَكَمَةٍ (^٥)\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. قال: الحَدَبُ الشيءُ المُشْرِفُ.\n_________\n(^١) تقدم في ١٥/ ٤١٣، ٤١٤، بأتمّ من هذا.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٥/ ٤١٤.\n(^٣) الشرف: العُلُوُّ والمكان العالى. والنَّشَز: المكان المرتفع من الأرض، والأكمة: التَّلُّ من القُفِّ؛ والقفُّ ما ارتفع من الأرض وغلُظ ولم يبلُغ أن يكون جَبَلًا. ينظر تاج العروس (ن ش ز، ش ر ف، ق ف ف، أ ك م).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٦ إلى ابن المنذر.","vol":"16","page":407},{"text":"وقال الشاعرُ (^١):\n...................... … على الحِدابِ تَمُورُ (^٢)\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. قال: هذا مبتدأُ يومِ القيامةِ (^٣).\nوأما قوله: ﴿يَنْسِلُونَ﴾. فإنه يَعْنى أنهم يَخْرُجون مُشَاةً مُسْرِعين في مَشْيِهم كنَسلانِ الذِّئبِ، كما قال الشاعرُ (^٤):\nعسَلانَ (^٥) الذِّنْبِ أَمْسَى قارِبًا (^٦) … بَرَدَ الليلُ عليه فَنَسَلْ\n\n<span id=\"aya-2580\"></span><span data-type='title' id=toc-6043>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: حتى إذا فُتِحت يأجوجُ ومأجوجُ واقْتَرب الوَعدُ الحقُّ. وذلك وَعْدُ اللَّهِ الذي وعَد عبادَه أَنَّه يَبْعَثُهم من قبورِهم للجزاءِ والثوابِ والعقابِ، وهو لا شكَّ حقٌّ كما قال جلَّ ثناؤُه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) هو الأخطل. وهو جزء من بيت في ديوانه ص ٤٤٠، وهو بتمامه:\nتضحَكُ الضَّبْعُ مِن دماءِ غنيٍّ … إذ رأتها على الحداب تمورُ\n(^٢) تمور: تتحرَّك وتجرى وتجيء وتذهب. اللسان (م ور).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٦ إلى المصنف.\n(^٤) هو النابغة الجعدى، والبيت في ديوانه (مجموع) ص ٩٠.\n(^٥) عَسَل الذئبُ والثعلبُ: مضى مُسرِعا واضطرب في عَدْوِه وهَزَّ رأسه. ينظر اللسان (ع م ل).\n(^٦) قارب الخطْوَ: داناه، والتقريب: أن يرفع الفَرَس يديه معًا ويضعهما معًا. ينظر اللسان (ق ر ب).","vol":"16","page":408},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6044>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو، يعني ابنَ قيسٍ، قال: ثنا حذيفةُ: لو أن رجلًا افْتَلَى فُلُوًّا (^١) بعدَ خروجِ يأجوجَ ومأجوجَ لم يَرْكَبْه حتى تقومَ القيامةُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾. قال: اقتَرَب يومُ القيامةِ منهم (^٣).\nوالواوُ في قولِه: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾. مُقْحَمةٌ، ومعنى الكلامِ: حتى إذا فُتِحت يأجوجُ ومأجوجُ اقْتَرَب الوعدُ الحقُّ. وذلك نظيرُ قولِه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ﴾ [الصافات: ١٠٣، ١٠٤]. معناه: نادَيْناه. بغيرِ واوٍ، كما قال امْرُؤُ القيسِ (^٤):\nفلمَّا أَجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحَى … بِنا بَطنُ خَبْتٍ دَى حِقافٍ عَقَنْقَلِ (^٥)\nيريدُ: فلمَّا أَجَزْنا ساحةَ الحيِّ انْتَحَى بنا.\nوقولُه: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ففى \"هي\" التي في قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ﴾. وجهان؛ أحدهما: أن تكونَ كنايةً عن الأبصارِ، وتكونَ\n_________\n(^١) فَلَا الصبى والمُهر والجحش وأفلاه وافتلاه: عزله عن الرضاع وفَصَله. والفَلُوُّ والفُلُوُّ والفَلْوُ: الجحش والمُهر إذا فطم.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٣٥٥. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٨ إلى المصنف. كلاهما بلفظ: اقتنى فلوًّا.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) ديوانه ص ١٥.\n(^٥) الخبت: ما اتسع من بطون الأرض. والحقاف جمع حِقْف، والحقف من الرمل: المعوج. والعقنقل: الكثيب العظيم المتداخل الرمل. اللسان (خ ب ت، ح ق ف، ع ق ل).","vol":"16","page":409},{"text":"الأبصارُ الظاهرة بيانًا عنها، كما قال الشاعرُ (^١):\nلَعَمْرُ أبيها لا تَقولُ ظَعِينَتى … ألا فَرَّ عَنِّي مالكُ بنُ أبي كَعب\nفكَنَّى عن الظَّعينةِ في: لَعَمْرُ أبيها. ثم أظْهَرَها. فيكونُ تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: فإذا الأبصارُ شاخصةٌ أبصارُ الذين كَفَروا.\nوالثاني: أن تكونَ عمادًا، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦]. وكقولِ الشاعرِ (^٢):\n* فَهَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ بما هَاهُنا رَاسُ *\nوقوله: ﴿يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾. يقول تعالى ذِكرُه: فإذا أبصارُ الذين كَفَروا قد شَخَصَت عند مَجيءِ الوعيدِ (^٣) الحقِّ بأهوالِه، وقيامِ الساعةِ بحقائقِها، وهم يقولون: ﴿يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا﴾ قبلَ هذا الوقتِ في الدنيا ﴿فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ الذي نَرَى ونُعاينُ، ونزَل بنا من عظيمِ البلاءِ. وفي الكلامِ متروكٌ تُرِك ذِكْرُه استغناءً بدلالةِ ما ذُكِر عليه عنه، وذلك \"يقولون\"، مِن قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقولون: ﴿يَاوَيْلَنَا﴾.\nوقوله: ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. يقولُ مُخبِرًا عن قيل الذين كَفَروا باللَّهِ يومَئِذٍ: ما كُنَّا نعمل لهذا اليوم ما يُنْجِينا من شدائده، بل كُنَّا ظالمين بمعْصِيَتِنا ربَّنا، وطاعَتِنا إبليسَ وجُندَه في عبادةِ غيرِ اللَّهِ ﷿.\n\n<span id=\"aya-2581\"></span><span data-type='title' id=toc-6045>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾.</span>\n_________\n(^١) هو مالك بن أبي كعب، كما في الأغاني ١٦/ ٢٣٤، وهو في معاني القرآن للفراء ٢/ ٢١٢ غير منسوب.\n(^٢) شطر بيت من ثلاثة أبيات تقدمت في ٢/ ٢١٥.\n(^٣) في م: \"الوعد\".","vol":"16","page":410},{"text":"يقولُ تعالى ذكره: إنَّكم أيُّها المُشرِكون باللَّهِ، العابِدُون من دونِه الأوثانَ والأصنامَ، وما تَعْبُدون من دونِ اللهِ مِنَ الآلهةِ.\nكما حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. يعنى: الآلهةَ ومَن يَعْبُدُها (^١).\n﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. وأمَّا حَصَبُ جَهَنَّمَ؛ فقال بعضُهم: معناه: وقودُ جَهَنَّمَ وشَجَرُها.\n\n<span data-type='title' id=toc-6046>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. قال: شَجَرُ جَهَنَّمَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. يقولُ: وقُودُها (^٣).\nوقال آخرون: بل معناه: حَطَبُ جَهَنَّمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6047>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [وحدَّثني الحارثُ، قال: حدَّثني الحسنُ، قال: حدَّثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٩ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ٢، ف.","vol":"16","page":411},{"text":"مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. قال: حَطَبُها (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ. وزاد فيه: وفى بعضِ القراءةِ: (حَطَبُ جَهَنَّمَ). يعنى: في قراءةِ عائشةَ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. قال: حَطَبُ جَهَنَّمَ يُقْذَفون فيها (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن الحُرِّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. قال: حَطَبُ جَهَنَّمَ (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أنَّهم يُرْمَى بهم في جَهَنَّمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6048>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. يقولُ: إن جَهَنَّمَ إنما تُحصَبُ بهم، وهو الرَّميُ. يقولُ: يُرْمَى بهم فيها (٢).\nواختُلِف في قراءةِ ذلك؛ فقَرَأْتُه قَرَأَةُ الأمصارِ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. بالصادِ، وكذلك القِراءةُ عندَنا؛ لإجماعِ الحُجَّةِ عليه.\nورُوِى عن عليٍّ وعائشةَ أنَّهما كانا يَقْرَآن ذلك: (حَطَبُ جَهَنَّمَ). بالطاءِ (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٧٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٩ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٩ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه عنهما الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢١٢، وينظر مختصر الشواذ لابن خالويه.","vol":"16","page":412},{"text":"ورُوِى عن ابن عباسٍ أنَّه قرأَه: (حَضَبُ). بالضادِ.\nحدَّثنا بذلك أحمد بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ، عن عثمانَ بن عبدِ اللَّهِ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ أنَّه قرَأَها كذلك (^١).\nوكأنَّ ابن عباس - إن كان قرَأ ذلك كذلك - أرَاد أنَّهم الذين تُسَجَّرُ بهم، جَهَنَّمُ، ويُوقَدُ بهم فيها النارُ؛ وذلك أنَّ كلَّ ما هُيِّجَت به النارُ وأُوقِدَت به فهو عندَ العربِ حَضَبٌ (^٢) لها.\nفإذا كان الصوابُ من القراءةِ في ذلك ما ذَكَرْنا، وكان المعروفُ من معنى الحَصَبِ عندَ العربِ الرَّمْيَ، مِن قولِهم: حَصَبْتُ الرجلَ. إذا رَمَيْتَه، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ [القمر: ٣٤]. كان الأَوْلَى بتأويلِ ذلك قولُ مَن قال: معناه أنَّهم تُقْذَفُ جَهَنَّمُ بهم، ويُرْمَى بهم فيها.\nوقد ذُكر أنَّ الحَصَبَ في لغةِ أهلِ اليمنِ الحَطَبُ. فإن يَكُنْ ذلك كذلك، فهو أيضًا وجهٌ صحيحٌ. وأمَّا ما قلنا من أن معناه الرَّمْيُ، فإِنَّه في لغةِ أهلِ نجدٍ.\nوأما قولُه: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾. فإنَّ معناه: أنتم عليها أيُّها الناسُ، أو إليها، ﴿وَارِدُونَ﴾. يقولُ: داخِلُون.\nوقد بيَّنتُ معنَى \"الورودِ\" فيما مضَى قبلُ بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-2582\"></span><span data-type='title' id=toc-6049>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه لهؤلاء المشركين الذين وصَف صفتَهم أَنَّهم ﴿مَا يَأْتِيهِم مَّن\n_________\n(^١) أخرجه الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢١٢ بإسناده عن ابن عباس.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"حصب\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١٥/ ٥٩٠ وما بعدها.","vol":"16","page":413},{"text":"ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢]، وهم مشرِكو قريشٍ: أنتم أيُّها المشرِكون وما تَعْبُدون مِن دونِ اللَّهِ وارِدو جَهَنَّمَ، ولو كان ما تَعْبُدون من دونِ اللَّهِ آلهةً ما وَرَدُوها، بل كانت تَمْنَعُ من أراد أن يُورِدَكُمُوها؛ إذ كنتم لها في الدنيا عابدين، ولكنها إذ كانت لا نَفْعَ عندها لأنفُسِها، ولا عندَها دفعُ ضرٍّ عنها، فهى مِن أن يكونَ ذلك عندَها لغيرِها أبعدُ، ومَن كان كذلك كان بَيِّنًا بُعْدُه مِن الأُلوهَةِ، وأنَّ الإلهَ هو الذي يَقْدِرُ على ما يشاء، ولا يَقْدِرُ عليه شيءٌ، فأمَّا من كان مَقْدُورًا عليه، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ إلهًا.\nوقوله: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يعنى الآلهة ومَن عبَدها، أنَّهم ماكِثون في النارِ أبدًا بغير نهايةٍ. وإنَّما معنَى الكلامِ: كلُّكم فيها خالِدُون.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6050>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. قال: الآلهةُ التي عبَد القومُ. قال: العابدُ والمَعْبودُ.\n\n<span id=\"aya-2583\"></span><span data-type='title' id=toc-6051>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذِكرُه بقولِه: ﴿لَهُمْ﴾. المشرِكين وآلهتَهم.\nوالهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿لَهُمْ﴾. من ذِكرِ ﴿وَكُلٌّ﴾ التي في قولِه: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: لِكُلِّهم في جَهَنَّمَ زفيرٌ، ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾. يقولُ: وهم في النارِ لا يَسْمَعون.\nوكان ابن مسعودٍ يتأوَّلُ في قولِه: ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾. ما حدَّثنا","vol":"16","page":414},{"text":"القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن المسعودِيِّ، عن يونسَ بن خَبَّابٍ، قال: قرَأ ابن مسعودٍ هذه الآيةَ: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾. قال: إذا أُلقِىَ في النارِ مَن يُخلَّدُ فيها جُعِلوا في توابيتَ من نارٍ، ثم جُعِلت تلك التوابيتُ في توابيتَ أُخْرى، ثم جُعِلت التوابيتُ في توابيتَ أُخرى فيها مساميرُ من نارٍ، فلا يَرَى أحدٌ منهم أن في النارِ أحدًا يُعذَّبُ غيرَه. ثم قرَأ: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-2584\"></span>وأما قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. فإنَّ أهلَ التأويلِ اختَلَفوا في المعنيِّ به؛ فقال بعضُهم: عنَى به كلَّ مَن سبَقَت له من اللَّهِ السعادةُ مِن خَلْقِه أنَّه عن النارِ مُبعَدٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6052>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن يوسفَ بن سعدٍ وليس بابنِ ماهِكَ، عن محمدِ بن حاطبٍ، قال: سمِعتُ عليًّا يخطُبُ فقرَأ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. قال: عثمانُ ﵁ مِنهم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (١٠٣)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٣٧٢ - وهو في تفسير مجاهد ص ٤٧٥ - ومن طريقه البيهقي في البعث والنشور (٦٥٦) - من طريق المسعودي به.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٩٠٨٧) من طريق يونس بن خباب عمن حدثه، عن ابن مسعود به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٢/ ٥١، ٥٢، وأحمد في فضائل الصحابة (٧٧١)، وابن أبي عاصم في السنة (١٢١٦)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٣٧٣ - وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٦/ ٤٧١ (طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق) من طريق شعبة، عن أبي بشر جعفر بن إياس به. ووقع في تفسير ابن أبي حاتم وتاريخ دمشق: \"يوسف المكي\". وهو يوسف بن ماهك ووقع في المصنف والسنة: \"يوسف بن ماهك\". وكلاهما يوسف بن سعد الجمحي ويوسف بن ماهك المكي من طبقة واحدة. تنظر ترجمتاهما في تهذيب الكمال ٣٢/ ٤٢٦، ٤٥١.","vol":"16","page":415},{"text":"وقال آخرون: بل عنَى مَن عُبِد مِن دونِ اللَّهِ، وهو للَّهِ طائعٌ، ولعبادةِ مَن يَعبُدُه كارِهٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6053>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. قال: عيسى، وعُزَيرٌ، والملائكةُ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال ابن جُرَيج قولَه: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: ثم اسْتَثنى فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا: قال في سورةِ \"الأنبياءِ\": ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾. ثم اسْتَثنى فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. فقد عُبِدت الملائكةُ مِن دونِ اللَّهِ، وعُزَيرٌ، وعيسى، من دونِ اللَّهِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٧٥.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٩ إلى المصنف.","vol":"16","page":416},{"text":"﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. قال: عيسى (^١).\nحدَّثني إسماعيلُ بنُ سَيفٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾. قال: عيسى، وأمُّه، وعُزَيرٌ، والملائكةُ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: جلس رسولُ اللَّهِ ﷺ، فيما بلغنى، يومًا مع الوليدِ بن المُغيرةِ [في المسجد] (^٢)، فجاء النَّضْرُ بن الحارثِ حتى جلَس معهم، وفى المجلسِ غيرُ واحدٍ من رجال قريشٍ، فتَكلَّم رسولُ اللَّهِ ﷺ، فعرَض له النَّضْرُ بنُ الحارثِ، وكلَّمه رسولُ اللَّهِ حتى أفْحَمه (^٣)، ثم تلا عليه وعليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. إلى قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾. ثم قام رسول اللَّهِ ﷺ، وأقبَل عبدُ اللَّهِ بنُ الزِّبَعْرَى بن قيسِ بن عديٍّ السَّهْميُّ، حتى جلَس، فقال الوليدُ بن المغيرةِ لعبدِ اللَّهِ بن الزِّبَعْرَى: واللَّهِ ما قام النَّصْرُ بنُ الحارثِ لابن عبد المطلبِ آنفًا وما قعَد، وقد زعَم أنَّا وما نَعبُدُ من آلهتِنا هذه حصَبُ جَهَنَّمَ. فقال عبدُ اللَّهِ بن الزِّبَعْرَى: أمَا واللَّهِ لو وجَدتُه لخَصَمْتُه، فسلوا محمدًا: أكُلُّ مَن عُبد مِن دونِ اللَّهِ في جَهَنَّمَ مع مَن عَبَدَه؟ فنحن نعبدُ الملائكةَ، واليهودُ تعبدُ عُزَيرًا، والنَّصارى تعبدُ المسيحَ عيسى ابنَ مريمَ. فعجِب الوليدُ بنُ المغيرةِ ومَن كان في المجلِسِ مِن قولِ عبدِ اللَّهِ بن الزِّبَعْرَى، [ورَأَوا أنه قد خاصم واحتَجَّ، فذُكِر ذلك لرسولِ اللَّهِ ﷺ مِن قولِ ابن الزِّبَعْرَى] (^٤)، فقال\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٣٧٤.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ت ٢، ف: \"ألجمه\".\n(^٤) سقط من: م.","vol":"16","page":417},{"text":"رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"نَعَم، كلُّ مَن أَحَبَّ أن يُعبَدَ مِن دونِ اللَّهِ فهو مع مَن عَبَدَه، إنما يَعبُدون الشياطينَ ومَن أَمَرَتْهم (^١) بعبادتِه\". فأنزَل اللَّهُ عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ إلى: ﴿خَالِدُونَ﴾. أي: عيسى ابن مريمَ، وعُزيرٌ، ومَن عُبِدوا من الأحبارِ والرُّهبانِ الذين مَضَوا على طاعةِ اللَّهِ، فاتَّخَذهم مَنْ بعدَهم من أهلِ الضلالةِ أربابًا مِن دونِ اللَّهِ، فأنزَل اللَّهُ فيما ذكَروا أنَّهم يَعْبُدون الملائكةَ، وأنَّها بناتُ اللَّهِ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩] (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ قال: يقولُ ناسٌ مِن الناسِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾: يعنى مِن الناسِ أجمعين. فليس كذلك، إنَّما يعنِي مَن يُعْبَدُ مِن (^٣) الآلهةِ وهو للَّهِ مطيعٌ؛ مثلَ عيسى وأمِّه، وعُزَيْرٍ، والملائكةِ، واسْتَثْنى اللَّهُ هؤلاءِ مِن (^٣) الآلهةِ المعبودةِ التي هي ومَن يَعبُدُها في النارِ (^٤).\nحدَّثنا ابن سِنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا الحسنُ بن الحسينِ الأشْقَرُ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمّا نزَلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾. قال المشركون: فإنَّ عيسى يُعبَدُ، وعُزَيرٌ، والشمسُ، والقمرُ يُعبدون! فأنزل اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا\n_________\n(^١) في م: \"أمرهم\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٣٥٨ - ٣٦٠.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٩ إلى المصنف.","vol":"16","page":418},{"text":"مُبْعَدُونَ﴾؛ لعيسى وغيرِه (^١).\nوأولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عنَى بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ما كان مِن مَعبودٍ كان المشركون يَعبُدُونه، والمعبودُ للَّهِ مطيعٌ، وعابِدُوه بعبادتِهم إياه باللَّهِ كفارٌ؛ لأن قولَه تعالى ذِكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾. ابتداءُ كلامٍ مُحقِّقٍ لأمرٍ كان يُنْكِرُه قومٌ، على نحو الذي ذكَرْنا (^٢) الخبرَ عن ابن عباسٍ، فكأنَّ المشركين قالوا لنبيِّ اللَّهِ ﷺ، إذ قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: ما الأمرُ كما تقولُ؛ لأنَّا نَعْبُدُ الملائكةَ، ويعبدُ آخرون المسيحَ وعُزَيرًا. فقال اللَّهُ جَلَّ وعزَّ رادًّا (^٣) عليهم قولَهم: بل ذلك كذلك، وليس الذين سبَقت لهم مِنَّا الحُسْنى، هم عنها مُبْعَدون؛ لأنَّهم غيرُ مَعْنِيِّين بقولنا: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾.\nفأمَّا قولُ الذين قالوا: ذلك استثناءٌ مِن قولِه: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. فقولٌ لا معنَى له؛ لأنَّ الاستثناءَ إنَّما هو إخراجُ المستَثْنَى مِن المستَثنَى منه، ولا شكَّ أنَّ الذين سبَقت لهم [من اللَّهِ] (^٤) الحُسْنَى إِنَّما هم؛ إمّا ملائكةٌ، وإمّا إنسٌ، أو جانٌّ، وكلُّ هؤلاءِ إذا ذكَرَتْها العربُ فإنَّ أكثَر ما تذكُرُها بـ \"من\"، لا بـ \"ما\"، واللَّهُ تعالى ذِكرُه إنَّما ذكَر المعبودين الذين أخبَر أنَّهم حَصَبُ جَهنم بـ \"ما\" قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ\n_________\n(^١) ذِكرُه ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٧٥ عن أبي كدينة به.\n(^٢) بعده في م: \"في\".\n(^٣) في م: \"رداء\".\n(^٤) في ص، م: \"منا\".","vol":"16","page":419},{"text":"جَهَنَّمَ﴾. إنَّما أُرِيد به ما كانوا يَعْبُدونه من الأصنامِ والآلهةِ مِن الحجارةِ والخشبِ، لا مَن كان مِن الملائكةِ والإنسِ. فإذ (^١) كان ذلك كذلك لِما وصَفْنا، فقولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾. جوابٌ من اللَّهِ للقائلين ما ذكَرْنا مِن المشركين، مبتدأٌ.\nوأما \"الحُسنى\" فإنها الفُعْلَى من الحُسنِ، وإنما عنَى بها السعادةَ السابقةَ مِن اللَّهِ لهم.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾. قال: الحُسنى السعادةُ. وقال: سبَقت السعادةُ لأهلِها مِن اللَّهِ، وسبَق الشَّقاءُ لأهلِه مِنَ اللَّهِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2585\"></span><span data-type='title' id=toc-6054>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: لا يَسْمَعُ هؤلاء الذين سبقت لهم منا الحُسنى حَسِيسَ النارِ. ويعنى بالحَسيسِ: الصوتَ والحِسَّ.\nفإن قال قائلٌ: فكيف لا يسمَعون حسيسَها، وقد علِمتَ ما رُوِى مِن أن جَهَنَّمَ يُؤتَى بها يومَ القيامةِ فَتَزْفِرُ زَفْرَةً، لا يبقى مَلكٌ مقرَّبٌ، ولا نبيٌّ مُرسلٌ إلا جَثا على رُكبتَيه خوفًا مِنها (^٣)؟\nقيل: إن الحالَ التي لا يسمَعون فيها حسيسَها هي غيرُ تلك الحالِ، بل هي\n_________\n(^١) في م: \"فإذا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٩ إلى المصنف وابن مردويه وابن أبي حاتم.\n(^٣) أثر مروى عن كعب الأحبار في مصنف ابن أبي شيبة ١٣/ ١٥١، وصفة النار لابن أبي الدنيا (١٧٥)، والبعث والنشور (٤٧٩)، وحلية الأولياء ٥/ ٣٦٩، ٣٧٣.","vol":"16","page":420},{"text":"الحالُ التي حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾. يقولُ: لا يسمعُ أهلُ الجنةِ حَسيسَ النارِ إذا نزَلوا منزِلَهم مِن الجنةِ (^١).\nوقولَه: ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾. يقولُ: وهم فيما تَشْتَهيه نفوسُهم من نعيمِها ولذَّاتِها ماكِثون فيها، لا يخافون زَوالًا عنها، ولا انْتِقالًا عنها.\n\n<span id=\"aya-2586\"></span><span data-type='title' id=toc-6056>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾.</span>\nاختَلف أهلُ التأويلِ في \"الفَزَعِ الأكبر\"؛ أيُّ الفَزَعِ هو؟ فقال بعضُهم: ذلك النارُ إذا أَطبَقتْ على أهلِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-6055>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾. قال: النارُ إذا أَطبَقتْ على أهلِها (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ قوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾. قال: حينَ تُطْبِقُ (^٣) جَهَنَّمُ. وقال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، ت ٢: \"تنطبق\".","vol":"16","page":421},{"text":"حينَ ذَبْحِ الموتِ (^١).\nوقال آخرون: بل ذلك النفخةُ الآخرةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6057>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾. يعنى النفخةَ الآخِرةَ (^٢).\nوقال آخرون: بل ذلك حينَ يُؤمَرُ بالعَبْدِ إلى النارِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6058>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن رجلٍ، عن الحسنِ: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾. قال: انصرافُ العبدِ حِينَ يُؤْمَرُ به إلى النارِ (^٣).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: ذلك عند النفخةِ الآخرةِ؛ وذلك أن مَن لم يَحْزُنُه ذلك الفزعُ (^٣) وأمِن منه، فهو مما بعدَه أَحْرَى ألا يَفْزَعَ، وأنّ أَنَّ أَحْرَى مَن أَفْزَعه ذلك فغيرُ مأمونٍ عليه الفزعُ مما بعدَه.\nوقوله: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. يقولُ: وتَستقبِلُهم الملائكةُ يُهنِّئونهم يقولون (^٤): ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فيه الكرامةُ مِن اللَّهِ، والحِباءُ (^٥)، والجزيلُ مِن الثوابِ، على ما كنتم تَنْصَبون في الدنيا للَّهِ في طاعتِه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٠ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) بعده في م: \"الأكبر\".\n(^٤) بعده في ص، ت ١: \"لهم\".\n(^٥) الحباء: العطاء. اللسان (ح ب و).","vol":"16","page":422},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال ابن زيدٍ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. قال: هذا قبلَ أن يدخُلوا الجنةَ (^١).\n\n<span id=\"aya-2587\"></span><span data-type='title' id=toc-6060>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ (^٢) كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لا يَحزُنُهم الفزعُ الأكبرُ يومَ نَطوى السماءَ. فـ ﴿يَوْمَ﴾ من صلة ﴿يَحْزُنُهُمُ﴾.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"السجلِّ\" الذي ذِكرُه اللَّهُ في هذا الموضِعِ؛ فقال بعضُهم: هو اسمُ مَلَكِ من الملائكةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6059>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، قال: ثنا أبو الوفاءِ الأشجعيُّ، عن أبيه، عن ابن عمرَ في قولِه: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾. قال: السِّجِلُّ مَلَكٌ، فإذا صُعِد بالاستغفارِ قال: اكْتُبْها نورًا (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمعتُ السديَّ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾. قال: السَّجِلُ مَلَكٌ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٠ إلى المصنف.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"للكتاب\". وهما قراءتان كما سيأتي في ص ٤٢٦، وسنثبتها فيما يأتي كرسم مصحفنا دون إشارة إلى ما في النسخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٣٧٧ - من طريق أبي كريب محمد بن العلاء به.\n(^٤) تفسير سفيان ص ٢٠٦، وأخرجه البخارى في التاريخ الكبير ١/ ٤٣٣ من طريق ابن السدي عن السدي، وعزاه الحافظ في الفتح ٨/ ٤٣٧ إلى ابن المنذر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٠ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"16","page":423},{"text":"وقال آخرون: السِّجِلُّ رجلٌ كان يكتُبُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6061>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ مالكٍ، عن أبي الجوزاءِ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾. قال: كان ابن عباسٍ يقولُ: هو الرجلُ (^١).\nقال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ كعبٍ، عن عمرِو بن مالكٍ، عن أبي الجوزاءِ، عن ابن عباسٍ، قال: السِّجِلُّ كاتبٌ كان (^٢) لرسولِ اللَّهِ ﷺ (^٣).\nوقال آخرون: بل هو الصَّحيفةُ التي يُكتَبُ فيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-6062>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٣٧٧ - وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤/ ٣٣٢ من طريق نصر بن علي به، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٣٣٦) من طريق نوح بن قيس به، وأخرجه ابن مردويه - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٥٩ - من طريق عمرو بن مالك به، وزاد: بلغة الحبش.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ف: \"يكتب\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٣٧٨ - وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤/ ٣٣٢ من طريق نصر بن علي به، وأخرجه أبو داود (٢٩٣٥)، والنسائى في الكبرى (١١٣٣٥)، والبيهقى ١٠/ ١٢٦ من طريق نوح بن قيس به، والعقيلي في الضعفاء ٤/ ٤٢٠، والطبراني (١٢٧٩٠)، وابن عدى في الكامل ٧/ ٢٦٦٢، والبيهقى ١٠/ ١٢٦ من طريق عمرو بن مالك به، وقد ضعفه بعض الحفاظ، وصرح جماعة منهم بوضعه، وخالفهم الحافظ ابن حجر فصححه بمجموع طرقه. ينظر الإصابة ٣/ ٣٣، ٣٤، وتفسير ابن كثير ٥/ ٣٧٨، والبداية والنهاية ٨/ ٣٣٩ - ٣٤٢.","vol":"16","page":424},{"text":"قولَه: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾. يقولُ: كطَيِّ الصحيفةِ على الكتابِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾. يقولُ: كَطَيِّ الصُّحفِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: السِّجِلُّ الصَّحيفةُ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾. قال: السِّجِلُ الصَّحيفةُ.\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: السِّجِلُّ في هذا الموضِعِ الصَّحيفةُ؛ لأنَّ ذلك هو المعروفُ في كلامِ العربِ، ولا نعرفُ (^٤) لنبيِّنا ﷺ كاتبًا (^٥) كان اسمه السِّجِلَّ، ولا في الملائكةِ مَلَكًا (^٦) ذلك اسمُه.\nفإن قال قائلٌ: وكيف تَطوِى (^٧) الصَّحيفةُ الكتابَ (^٨) إن كان السِّجِلُّ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم، وينظر الفتح ٨/ ٤٣٧، والبداية ٨/ ٤٣٧.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٧٨، وفى البداية والنهاية ٨/ ٣٤١ عن العوفي عن ابن عباس.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٧٥، وأخرجه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٥٩ - من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢: \"يعرف\".\n(^٥) في م: \"كاتب\".\n(^٦) في م: \"ملك\".\n(^٧) في م، ف: \"نطوى\".\n(^٨) في م: \"بالكتاب\".","vol":"16","page":425},{"text":"صحيفةً؟ قيل: ليس المعنى [في ذلك] (^١)، وإنما معناه: يومَ نطوِى السماءَ [كما يُطوَى] (^٢) السِّجِلُّ على ما فيه مِن الكتابِ. ثم جُعِل (نطوِى) مصدرًا، فقيل: (كَطَيِّ السِّجِلِّ للكتابِ). واللامُ في قولِه: (للكتابِ). بمعنى: علَى.\nواختَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قرَأةِ الأمصارِ سوى أبى جعفرٍ القارئِ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ بالنونِ. وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ: (يَوْم تُطْوَى (^٣) السَّمَاءُ) بالتاءِ (^٤) وضمِّها على وجْهِ ما لم يُسمَّ فاعلُه (^٥).\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ بالنونِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ عليه، وشذوذِ ما خالَفَه.\nوأما \"السِّجِلُّ\" فإنه في قراءةِ [جميعِهم بتشديدِ اللامِ، وأما \"الكتابُ\"، فإنّ قرأةَ] (^٦) أهلِ المدينةِ وبعضَ أهلِ الكوفةِ والبصرةِ قرَءوه بالتوحيدِ: (كطَيِّ السِّجِلِّ للكتابِ) (^٧). وقرأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿لِلْكُتُبِ﴾ على الجماعِ (^٨).\nوأولى القراءتين عندَنا في ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه على التوحيدِ (للكتاب)؛ لِما ذكَرْنا مِن معناه، فإن المرادَ منه: كطَيِّ السجلِّ على ما فيه مكتوبٌ.\n_________\n(^١) في م، ف: \"كذلك\".\n(^٢) في م: \"كطي\".\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"يطوى\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"بالياء\".\n(^٥) ينظر النشر ٢/ ٢٤٣.\n(^٦) سقط من: ت ٢.\n(^٧) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر. السبعة لابن مجاهد ص ٤٣١.\n(^٨) وهى قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. المصدر السابق.","vol":"16","page":426},{"text":"فلا وجْهَ إذ كان ذلك معناه بجمع (^١) الكُتُبِ إِلَّا وجْهٌ يبعُدُ (^٢) مِن معروفِ كلامِ العرب.\nوعند قوله: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ انقضاءُ الخبرِ عن صلَةِ قولِه: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾. ثم ابتَدَأ الخبرَ عمَّا اللَّهُ فاعلٌ بخَلْقِه يومَئذٍ، وقال تعالى ذِكْرُه: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾. فالكافُ التي في قولِه: ﴿كَمَا﴾ من صلةِ \"نعيد\" (^٣) تقَدَّمت قبلَها. ومعنى الكلامِ: نعيدُ الخلقَ حُفاةً عُراةً غُرْلًا يومَ القيامةِ، كما بدَأْناهم أوّلَ مرَّةٍ في حالِ خَلْقِناهم في بطونِ أمَّهاتِهم. على اختلافٍ من أهلِ التأويلِ في تأويلِ ذلك.\nوبالذي قُلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ، وبه الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ؛ فلذلك اختَرتُ القولَ به على غيرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6063>ذكرُ من قال ذلك والأثرِ الذي جاء فيه</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾. قال: حفاةً عُراةً غُرْلًا (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾. قال: حُفَاةً غُلفًا.\n_________\n(^١) في م: \"لجميع\".\n(^٢) في م: \"نتبعه\"، وفى ت ١: \"نبعه\"، وفى ت ٢: \"بنعمه\".\n(^٣) في م: \"نعيده\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٧٥، ومن طريقه ابن أبى شيبة ١٤/ ١٢٠ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٠ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":427},{"text":"قال ابن جُرَيجٍ: أخبَرني إبراهيمُ بنُ ميسرةَ أنَّه سمِع مجاهدًا يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ لإحدَى نسائِه: \"يأْتُونَه (^١) حُفاةً عُراةً غُلَفًا\". فَاسْتَتَرتْ بكُمِّ دِرْعِها وقالت: وَاسَوأَتاه! قال ابن جُرَيجٍ: أُخبِرتُ أَنَّها عائشةُ، قالت: يا نبيَّ اللَّهِ، [ولا يَحتَشِمُ] (^٢) الناسُ بعضُهم بعضًا! قال: \"لكلِّ امْرئٍ يومئذٍ شأنٌ يُغنِيه\".\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثني المغيرةُ بن النعمانِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: \"يُحشَرُ النَّاسُ حُفاةً عُراةً غُرلًا، فأولُ مَن يُكْسَى إبراهيمُ\". ثم قرَأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ بن النعمانِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قام (^٤) رسولُ اللَّهِ ﷺ بمَوعظةٍ. فذكَر نحوَه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ بن النعمانِ (^٥)، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قام فينا رسولُ اللَّهِ ﷺ. فذكَر نحوَه (^٣).\n_________\n(^١) في ت ١: \"تأتونه\".\n(^٢) في م: \"لا يحتشم\"، وفي ت ١: \"ويحتشم\"، وفي ت ٢: \"ولو يحتشم\"، وفى ف: \"والله لا يحتشم\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٠/ ١٤٧.\n(^٤) بعده في م: \"فينا\".\n(^٥) بعده في م، ف: \"النخعي\".","vol":"16","page":428},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن شعبةَ، قال: ثنا المغيرةُ بنُ النعمانِ النَّخَعيُّ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ نحوَه (^١).\nحدَّثنا عيسى بنُ يوسفَ بن الطَّبَّاعِ أبو يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: سمِعتُ النبيَّ ﷺ يخطُبُ، فقال: \"إنكم مُلاقو اللَّهِ مُشَاةً غُرْلًا\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، عن عائشةَ، [قالت: دخَل علَيَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ وعندى عجوزٌ مِن بني عامرٍ، فقال: \"مَن هذه العجوزُ يا عائشةُ؟ \"] (^٣). فقلتُ: إحْدَى خالاتي. فقالت: ادعُ اللَّهَ أن يُدخِلَني الجنةَ. فقال: \"إِنَّ الجَنَّةَ لا يدخُلُها العُجُرُ (^٤) \". قالت: فأَخَذ العجوزَ ما أَخَذها. فقال: \"إن اللَّهَ يُنْشِئُهِنَّ خَلْقًا غيرَ خَلْقِهِنَّ\". ثم قال: \"تُحْشَرون (^٥) حُفاةً عُرَاةً غُلْفًا\". فقالت: حاشَ للَّهِ مِن ذلك. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: بلى، إنَّ اللَّهَ قال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. فأوَّلُ مَن يُكسَى إبراهيمُ خليلُ اللَّهِ\" (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارة الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥١٧، ١٣/ ٢٤٧، وأحمد ٤/ ٩ (٢٠٩٦)، ومسلم (٢٨٦٠/ ٥٨)، والنسائي ٤/ ١١٧ (٢٠٨٦) من طريق وكيع به.\n(^٢) أخرجه الحميدي (٤٨٣)، وابن أبي شيبة ١٣/ ٢٤٦، وأحمد ٣/ ٣٩٥ (١٩١٣)، والبخاري (٦٥٢٤، ٦٥٢٠)، ومسلم (٥٧/ ٢٨٦٠)، والنسائى ٤/ ١١٤ (٢٠٨٠)، وأبو يعلى (٢٣٩٦) من طريق سفيان بن عيينة به.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) في م: \"العجزة\".\n(^٥) في م، ت ٢، ف: \"يحشرون\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٠ إلى المصنف.","vol":"16","page":429},{"text":"أبي إسحاقَ، عن عطاءٍ (^١)، عن عقبةَ بن عامرٍ الجُهَنيِّ، قال: يُجمَعُ الناسُ في صعيدٍ واحدٍ يَنْفُذُهم البصرُ، ويُسمِعُهم الدَّاعى، حُفاةً عُراةً كما خُلِقوا أَوّلَ يومٍ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى عبّادُ بنُ العَوَّامِ، عن هلالِ بن حبَّابٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يُحشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ حُفاةً عُراةً مُشاةً غُرْلًا. قلتُ: يا أبا عبدِ اللَّهِ، ما الغُرْلُ؟ قال: الغُلْفُ. فقال بعضُ أزواجِه: يا رسولَ اللَّهِ، أينظُرُ بعضُنا إلى بعضٍ؛ إلى عورتِه؟ فقال: \"لكلِّ امْرئٍ منهم يومئذٍ (^٣) ما يشغَلُه عن (^٤) النَّظر إلى عورةِ أخيه\". قال هلالٌ: قال سعيدُ بنُ جبيرٍ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤]. قال: كيومَ ولَدتْه أمُّه، يُرَدُّ (^٥) عليه كلُّ شيءٍ انتُقِص منه مثلَ يومَ وُلِد (^٦).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: كما كُنَّا ولا شيء غيرُنا قبلَ أن نَخُلقَ شيئًا، كذلك نُهْلِكُ الأشياءَ، فنعيدُها فانيةً حتى لا يكونَ شيءٌ (^٧) سوانا.\n_________\n(^١) كذا في النسخ، ولعل صوابها: \"عن ابن عطاء\" لما سيأتي.\n(^٢) في ت ٢: \"مرة\". وهو جزء من حديث طويل أخرجه الحاكم ٢/ ٣٩٨، ٣٩٩، وأبو نعيم في الحلية ٢/ ٩، والبيهقي في الشعب (٣٢٤٦) من طريق أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة مرفوعًا.\nوللحديث قصة مشهورة تنظر في ضعفاء العقيلي ٢/ ١٩٢، والمجروحين لابن حبان ١/ ٢٨، ٢٩، والكامل لابن عدى ٤/ ١٣٥٤، والحلية لأبي نعيم ٧/ ١٤٨.\n(^٣) بعده في ت ١، ف: \"شأن يغنيه\".\n(^٤) سقط من: ف.\n(^٥) في ت ٢: \"يريد\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٤٩ - والنسائى في الكبرى (١١٦٤٧)، والطبراني (١٢٤٣٩)، والحاكم ٢/ ٢٥١، ٢٥٢ من طريق هلال بن خباب به، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه الترمذى (٣٣٣٢) من طريق هلال بن خباب عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا، وقال: حديث حسن صحيح، قد روى من غير وجه عن ابن عباس، رواه سعيد بن جبير أيضًا.\n(^٧) في ت ٢: \"شيئًا\".","vol":"16","page":430},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6064>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ الآية. يقولُ: يُهْلِكُ كُلَّ شيءٍ كما كان أوّلَ مرَّةٍ (^١).\nوقولُه: ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾. يقولُ: وعَدْناكم ذلك وعدًا حقًّا علينا أن نوفِّىَ بما وعَدْنا، إنَّا كُنا فاعِلى (^٢) ما وعَدْناكم من ذلك أيُّها الناسُ؛ لأنه قد سبَقَ في حكمِنا وقضائِنا أن نفعلَه، على يقينٍ بأنَّ ذلك كائنٌ، فاستعِدُّوا (^٣) وتأهَّبوا.\n\n<span id=\"aya-2588\"></span><span data-type='title' id=toc-6066>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بـ \"الزَّبورِ\" و\"الذكرِ\" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بالزَّبورِ كتبُ الأنبياءِ كلُّها التي أنزَلها اللَّهُ عليهم، وعُنِى بالذكرِ أمُّ الكتابِ التي عندَه في السماءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6065>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرمْليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، قال: سألتُ سعيدًا عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾. قال: الذكرِ الذي في السماءِ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٠ إلى المصنف.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ١: \"فاعلوا\".\n(^٣) في ص، م، ف: \"واستعدوا\"، وفي ت ١: \"واسعدوا\".\n(^٤) تفسير سفيان ص ٢٠٦ عن الأعمش به.","vol":"16","page":431},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ (^١). قال: الزّبور التوراةُ والإنجيلُ والقرآنُ، ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْر﴾. قال: الذكرِ الذي في السماءِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني والحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الزَّبُورِ﴾. قال: الكتابِ، ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾. قال: أمِّ الكتابِ عندَ اللَّهِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الزَّبُورِ﴾. قال: الكتبِ (^٤)، ﴿بَعْدِ الذِّكْر﴾. قال: أمِّ الكتابِ عندَ اللَّهِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾. [قال: الزبورُ] (^٥) الكتبُ التي أُنزِلت على الأنبياءِ. والذكرُ أمُّ الكتاب الذي يُكتبُ فيه الأشياءُ قبلَ ذلك (^٦).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ\n_________\n(^١) بعده في ص: \"قال قرأها الأعمش الزبور\"، وفى م: \"قال قرأها الأعمش الزبر\"، وفي ت ١: \"من بعد الذكر قال قرأها الأعمش الزبور\"، وفي ف: \"من بعد الذكر قال قرأها الأعمش الزبر\".\n(^٢) تفسير سفيان ص ٢٠٦ عن الأعمش به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥٥٥، وهناد في الزهد ١/ ١٢٣. (١٦٠) من طريق الأعمش، به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤١ إلى عبد بن حميدٍ.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٧٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤١ إلى عبد بن حميدٍ.\n(^٤) في م، ف: \"الكتاب\".\n(^٥) سقط من: ت ١، ت ٢، ف، وبعده في ت ٢: \"و\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤١ إلى المصنف.","vol":"16","page":432},{"text":"كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾. قال: كتَبنا في القرآنِ من بعدِ التوراةِ.\nوقال آخرون: بل عُنى بالزَّبورِ الكتبُ التي أنزَلها اللَّهُ على مَنْ بعدَ موسى من الأنبياءِ، وبالذكرِ التوراةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6067>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ الآية.\nقال: الذكرُ التوراةُ، والزبورُ الكتبُ (^١).\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ الآية، قال: الذكرُ: التوراةُ، ويعنى بـ: ﴿الزَّبُورِ﴾ من بعدِ التوراةِ الكتبَ (^١).\nوقال آخرون: بل عُنى بالزَّبورِ زَبورُ داودَ، وبالذكرِ تَوراةُ موسى صلى اللَّهُ عليهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-6068>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾. قال: زبورُ داودَ، ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْر﴾: ذكر موسى؛ التوراةِ (^٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤١ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٨٧ من طريق داود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":433},{"text":"حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن داودَ، عن الشعبيِّ أنَّه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْر﴾. قال: في زبورِ داودَ مِن بعدِ ذكرِ موسى (^١).\nوأولى هذه الأقوال عندى بالصوابِ في ذلك ما قاله سعيدُ بن جُبيرٍ ومجاهدٌ، ومَن قال بقولِهما في ذلك من أنَّ معناه: ولقد كتَبنا في الكُتُبِ مِن بعدِ أمِّ الكتابِ الذي كتَب اللَّهُ كلَّ ما هو كائنٌ فيه قبلَ خلقِ السماواتِ والأرضِ. وذلك أن الزبورَ هو الكتابُ، يقالُ منه: زَبَرْتُ الكتابَ، وذَبَرْتُه. إذا كتَبتَه، وأَنَّ كلَّ كتابٍ أَنْزَلَه اللَّهُ إلى نبيٍّ من أنبيائِه فهو ذِكْرٌ. فإذ كان ذلك كذلك، فإن في إدخالِه الألفَ واللامَ في \"الذِّكرِ\" الدَّلالةَ البينةَ أنَّه معْنيٌّ (^٢) به ذكرٌ بعينِه معلومٌ عندَ المخاطَبين بالآيةِ، ولو كان ذلك غيرَ أمِّ الكتابِ التي ذكَرْنا، لم تكُنِ التوراةُ بأَوْلى مِن أن تكونَ المعنيةَ بذلك مِن صُحُفِ إبراهيمَ، فقد كانت (^٣) قبلَ زَبورِ داودَ.\nفتأويلُ الكلامِ إذن، إذ كان ذلك كما وصَفْنا: ولقد قضَيْنا فَأَثْبَتْنا قضاءَنا في الكُتُبِ مِن بعدِ أمِّ الكتابِ، ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. يعني بذلك: أن أرضَ الجنةِ يرِثُها عبادِىَ العامِلُون (^٤) بطاعتِه، المُنتَهون إلى أمرِه ونهيِه مِن عبادِه، دونَ العاملين (^٥) بمعصيتِه منهم، المُؤثِرين طاعةَ الشيطانِ على طاعتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6069>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الهلاليُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: ثنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥٥٥ عن محمد بن أبى عدى به.\n(^٢) في ت ١، ف: \"يعن\".\n(^٣) في م، ت ٢، ف: \"كان\".\n(^٤) في ت ٢: \"العالمون\".\n(^٥) في النسخ: \"العاملون\".","vol":"16","page":434},{"text":"إسرائيلُ، عن أبي يحيى القَتَّاتِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. قال: أَرضَ الجنةِ (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. قال: أخبَر سبحانه في التوراةِ والزَّبورِ وسابقِ عِلْمِه قبلَ أن تكونَ السماواتُ والأرضُ، أن يُورثَ أمةَ محمدٍ ﷺ الأرضَ، ويُدخِلَهم الجنةَ، وهم الصَّالحون (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. قال: كتَبْنا في القرآنِ بعدَ التوراةِ، و\"الأرضُ\" أرضُ الجنةِ (^٣).\nحدَّثني عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. قال: الأرضَ (^٤) الجنةَ (^٥).\nحدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرَّمْليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، قال: سألتُ سعيدًا عن قولِ اللَّهِ: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. قال: أَرضَ الجنةِ (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤١ إلى المصنف والفريابي وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٨٧ من طريق منصور به.\n(^٤) في ف: \"أرض\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤١ إلى المصنف.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٨٠.","vol":"16","page":435},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾. قال: أَرضَ (^١) الجنةِ ﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. قال: الجنةَ. وقرَأ قولَ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤]. قال: فالجنةُ مُبتَدؤُها في الأرضِ، ثم تَذهَبُ دَرَجًا عُلُوًّا (^٣)، والنارُ مُبتَدؤُها في الأرضِ، وبينهما حجابٌ، سورٌ ما يَدْرِى أحدٌ ما (^٤) ذاك السورُ. وقرَأ: ﴿بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ (^٥) الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]. قال: ودَرَجُها تَذْهَبُ (^٦) سَفَالًا في الأرض، ودَرَجُ الجنةِ تَذْهَبُ (^٦) عُلُوًّا في السماواتِ (^٧).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا صفوانُ: سألتُ عامرَ بنَ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٧٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في م: \"درجات\".\n(^٤) بعده في ت ٢: \"مبتدأ\".\n(^٥) في ت ١: \"في\".\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ف: \"يذهب\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤١ إلى المصنف.","vol":"16","page":436},{"text":"عبدِ اللَّهِ أبا اليمانِ: [هل أنفُس] (^١) المؤمنين تَجْتَمِعُ (^٢)؟ قال: فقال: إن الأرضَ التي يقولُ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. قال: هي الأرضُ التي تجتمِعُ إليها أرواحُ المؤمنين حتى يكونَ البعثُ (^٣).\nوقال آخرون: هي الأرضُ يورثها اللَّهُ المؤمنين في الدنيا.\nوقال آخرون: عُنى بذلك بنو إسرائيلَ؛ وذلك أن اللَّهَ وعدهم ذلك فوفَّى (^٤) لهم به. واستشهَد لقولِه ذلك بقولِ اللَّهِ: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧].\nوقد ذكرنا قول من قال: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾: إنها أرضُ الأممِ الكافرةِ ترِثُها أمَّةُ محمدٍ ﷺ. وهو قولُ ابن عباسٍ الذي روَى [عنه عليُّ] (^٥) بن أبي طلحة.\n\n<span id=\"aya-2589\"></span><span data-type='title' id=toc-6070>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذِكرُه: إن في هذا القرآنِ الذي أنزَلْناه على نبيِّنا محمدٍ ﷺ لبلاغًا لمَن عبَد اللَّهَ بما فيه مِن الفرائضِ التي فرَضها اللَّهُ إلى رِضوانِه، وإدراكِ الطَّلِبة عندَه وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"هلا نفس\".\n(^٢) في ص، ت ٢: \"مجتمع\"، وفي ت ١: \"بمجتمع\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤١ إلى المصنف.\n(^٤) في ت ٢: \"يوفى\".\n(^٥) سقط من: ت ٢.","vol":"16","page":437},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6071>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن الجُرَيْرِيِّ، عن أبي الوردِ بن ثُمامةَ، عن أبي محمدٍ الحضرميِّ، قال: ثنا كعبٌ في هذا المسجدِ، قال: والذي نفسُ كعبٍ بيدِه: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾: إنَّهم لأهلُ، أو أصحابُ، الصلواتِ الخمسِ، سمَّاهم الله عابدين (^١).\nحدَّثنا الحسينُ بنُ يزيدَ الطَّحانُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن سعيدِ بن إياسٍ الجُرَيْرِيِّ، عن أبي الوردِ، عن كعبٍ في قولِه: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾. [قال: صومُ شهرِ رمضانَ، وصلاةُ الخمسِ. قال: هي ملءُ اليدَين والنحرِ (^٢) عبادةً (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ الحسينِ، عن الجُرَيْرِيِّ، قال: قال كعبُ الأحبارِ: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾] (^٤): لأمَّةِ محمدٍ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه محمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٣٤٧، ٣٤٨) من طريق الجريري به، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٥/ ٣٨٤ مطولًا من طريق الجريرى عن أبي الورد بن ثمامة، عن كعب بدون ذكر أبي محمد الحضرمي، وأخرجه أيضًا في ٦/ ٣٠ من طريق الجريري عن كعب بدون ذكر أبي الورد وأبي محمد الحضرمي، وينظر ما تقدم في ١٢/ ٦١٢.\n(^٢) في النسخ: \"البحر\"، ولعل الصواب ما أثبت، ينظر تعظيم قدر الصلاة ١/ ٣٤٩،٣٤٨ الأثر (٣٤٩) عن ابن المسيب.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٨٦ من طريق الجريري به مختصرًا، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٣٠ من طريق أبى العلاء، عن كعب بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤١ إلى المصنف مختصرًا.\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤١ إلى المصنف.","vol":"16","page":438},{"text":"حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾. يقول: عالمين (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيجٍ قوله: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾. قال: يقولون: إنَّ (^٢) في هذه السورة لبلاغًا (^٣). ويقولُ آخرون: في القرآنِ تنزيل لفرائض (^٤) الصلوات الخمسِ؛ مَن أدَّاها كان بلاغًا، ﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾. قال: عالمين (^٥).\nحدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾. قال: إن في هذا لمنفعةً وعِلمًا لقومٍ عابدين، ذاك البلاغُ (^٦).\n\n<span id=\"aya-2590\"></span>وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وما أرسلناك يا محمد إلى خَلْقِنا إلا رحمةً لمن أرسلناك إليه مِن خَلْقى.\nثم اختلف أهل التأويل في معنى هذه الآية؛ أجميع العالم الذين (^٧) أُرسل إليهم محمد أريد بها، مؤمنهم وكافرهم؟ أم أُريد بها أهل الإيمان خاصةً دون أهل الكفرِ؟ فقال بعضُهم: عُنى بها جميعُ العالم؛ المؤمنُ والكافرُ.\n_________\n(^١) في م: \"عاملين\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤١ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الفرائض\".\n(^٥) في م: \"عاملين\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤١ إلى المصنف.\n(^٧) في م، ت ٢، ف: \"الذي\".","vol":"16","page":439},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6072>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني إسحاقُ بن شاهينٍ، قال: ثنا إسحاق بن يوسف الأزرقُ، عن المسعودى، عن رجل يقال له: سعيد، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس في قول الله في كتابه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. قال: مَن آمَن بالله واليومِ الآخرِ كُتِب له الرحمة في الدُّنيا والآخرةِ، ومن لم يؤمن بالله ورسوله، عُوفِيَ مما أصاب الأمَم من الخسفِ والقَذْفِ (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن المسعوديِّ، عن أبي سعيد (^٢)، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. قال: تمَّتِ الرحمة لمن آمن به في الدُّنيا والآخرة، ومَن لم يُؤمن به عُوفِىَ مما أصاب الأمَم قبلُ (^٣).\nوقال آخرون: بل أُريدَ بها أهل الإيمانِ دونَ أهل الكفرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6073>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَمَا\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٨٢ عن المصنف، وأخرجه الطبراني (١٢٣٥٨) من طريق المسعودى عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير به، وأخرجه البيهقى في الدلائل ٥/ ٤٨٦ من طريق المسعودى عن سعيد، يعنى ابن أبي سعيد، عن سعيد بن جبير به، وأخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان ٣/ ١٦٠، والضياء في المختارة ١٠/ ٣٩٧ - ٣٩٩ من طريق المسعودى عن أبي سنان، عن سعيد بن جبير به، وصرح الضياء بأن أبا سنان هو ضرار بن مرة الشيباني، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤١/ ٣٤٢ إلى ابن مردويه، وينظر تفسير مجاهد ص ٤٧٦.\n(^٢) كذا في النسخ، ولعل صوابها: \"سعد\"، وهو أبو سعد البقال سعيد بن المرزبان، وينظر مصدر التخريج: وتهذيب الكمال ١١/ ٥٢.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٣٨٢ - من طريق المسعودي عن أبي سعد سعيد بن المرزبان البقال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.","vol":"16","page":440},{"text":"أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. قال: العالَمون من آمن به وصدَّقه. وقال: ﴿وَإِن أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١] قال: [فهو لهؤلاء] (^١) فتنةٌ ولهؤلاء رحمةٌ، وقد جاء الأمرُ مجملًا. ﴿رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. والعالمون هاهُنا: مَن آمَن به وصدقه وأطاعه (^٢).\nوأولى القولين في ذلك بالصوابِ القولُ الذي رُوى عن ابن عباسٍ، وهو أن الله أرسّل نبيَّه محمدا ﷺ رحمة لجميع العالمين (^٣)، مؤمنهم وكافرهم؛ فأَمَّا مؤمنهم فإن الله هداه به وأدخَله بالإيمانِ به وبالعمل بما جاء به (^٤) من عند الله، الجنةَ، وأما كافرهم فإنه دفع عنه به عاجل البلاء الذي كان ينزلُ بالأممِ المكذِّبةِ رسلها من قبلِه.\n\n<span id=\"aya-2591\"></span><span data-type='title' id=toc-6074>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد: ما يُوحِي إلى ربِّي إِلَّا أَنَّه لا إلهَ لكم يجوز أن يُعبد إلَّا إلهٌ واحدٌ، لا تصلح العبادة إلا له، ولا ينبغى ذلك لغيرِه، ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. يقولُ: فهل أنتم مذعنون له أيُّها المشركون العابدون الأوثانَ والأصنام، بالخضوع بذلك (^٥)، ومُتبرَّئون من عبادة ما دونه من آلهتكم؟\n\n<span id=\"aya-2592\"></span><span data-type='title' id=toc-6075>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ت ٢: \"فهؤلاء\".\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٣٥٩ وينظر تفسير القرطبي ١١/ ٣٥٠.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"العالم\".\n(^٤) سقط من: ص، م.\n(^٥) في م، ف: \"لذلك\".","vol":"16","page":441},{"text":"يقول تعالى ذكرُه: فإن أدبَرَ هؤلاء المشركون يا محمد عن الإقرار بالإيمان بأن لا إلهَ لهم إلَّا إلهٌ واحدٌ، فأعْرَضوا عنه وأبَوا الإجابةَ إليه، فقُل لهم: قد ﴿آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾. يقول: أعلمهم أنَّك وهم على علمٍ من أن بعضكم لبعض حربٌ، لا صلحَ بينكم ولا سِلْمَ.\nوإنما عنَى بذلك قوم رسول الله ﷺ مِن قُريش، كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قولَه: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾: فإن تولَّوا: يعنى قريشًا.\nوقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه: قلْ: وما أدرى متى الوقتُ الذي يَحِلُّ بكم عقاب الله الذي وعدكم، فينتقِمَ به منكم؛ أقريبٌ نزوله بكم أم بعيدٌ؟\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6076>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَإِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾. قال: الأجلُ.\n\n<span id=\"aya-2593\"></span><span data-type='title' id=toc-6077>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: قل لهؤلاء المشركين: إن الله يعلم الجهرَ الذي تجهرون به من القولِ، ويعلمُ ما تُخفُونه فلا تجهَرون به، سواء عندَه خَفِيُّه وظاهرُه، وسرُّه وعلانيته، إنَّه لا يخفى عليه منه شيء، فإن أخَّر عنكم عقابَه على ما","vol":"16","page":442},{"text":"تُخفون (^١) مِنَ الشَّركِ به، أو تَجَهَرون به.\n\n<span id=\"aya-2594\"></span>فما أدْرِى ما السبب الذي من أجله يؤخِّرُ ذلك عنكم؟ لعلَّ تأخيره ذلك عنكم مع وَعْدِه إيَّاكم؛ لفتنةٍ يريدها بكم، ولِتَمتَّعوا (^٢) بحياتكم إلى أجل قد جعله لكم تبلغونه، ثم يُنزِلُ بكم حينئذٍ نقمته.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6078>ذكر من قال ذلك</span>\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاءٍ الخراساني، عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. يقول: لعلّ ما [أقرِّبُ لكم] (^٣) من العذابِ والساعة أن يؤخَّرَ عنكم لمدتِكم، ومتاعٌ إلى حينٍ، [فيصيرَ قولى ذلك لكم فتنةً] (^٤).\n\n<span id=\"aya-2595\"></span><span data-type='title' id=toc-6079>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قل يا محمد: يا ربِّ افْصِلْ بينى وبينَ مَن كَذَّبَني مِن مُشرِكى قومى وكفر بك، وعبد غيرك، بإحلالِ عذابك ونقْمِتك بهم. وذلك هو الحقُّ الذي أمر الله تعالى ذكره نبيه أن يسألَ ربَّه الحكم به، وهو نظير قوله جلَّ ثناؤه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ [وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ] (^٥)﴾ [الأعراف: ٨٩].\n_________\n(^١) في ت ١: \"تخفونه\".\n(^٢) في ت ١، ف: \"لتمتعوا\"، وفى ت ٢: \"تتمتعوا\".\n(^٣) في ت ٢: \"اقترب إليكم\"، وفى الدر المنثور: \"أخبركم به\".\n(^٤) سقط من: ت ١.\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم إلى قوله: لمدتكم.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ف.","vol":"16","page":443},{"text":"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6080>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿قَالَ رَبَّ احْكُم بِالْحَقِّ﴾. قال: لا يحكم بالحقِّ إلا الله، ولكن أنَّما استعجَل بذلك في الدُّنيا؛ [يسألُ ربَّه] (^١) على قومه (^٢).\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمرٍ، عن قتادة، أن النبي ﷺ كان إذا شَهِد قتالًا قال: ﴿رَبَّ احْكُم بِالْحَقِّ﴾ (^٣).\nواختلَفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأةِ الأمصار: (قُلْ رَبِّ احْكُمْ) بكسرِ الباء، ووصل الألف؛ ألفِ \"احكُمْ\"، على وجهِ الدعاء والمسألةِ (^٤)، سوى أبي جعفر، فإنَّه ضمَّ الباء من الربِّ على وجه نداء المفردِ، وغير الضحاكِ بن مزاحمٍ، فإنَّه رُوى عنه أنَّه كان يقرأُ ذلك: (رَبِّي أَحْكَمُ) (^٥) على وجه الخبر بأنَّ اللَّهَ أَحْكَمُ بالحقِّ مِن كلِّ حاكمٍ، فيُثبت الياءَ في الربِّ، ويهمرُ الألفَ مِن \"أَحْكَمُ\"، ويرفعُ \"أحْكَمُ\" على أنَّه خبرٌ للرب ﵎.\nوالصوابُ مِن القراءةِ عندَنا في ذلك، وَصْلُ الباءِ مِن الربِّ وكسرها\n_________\n(^١) في ص، ت:١: \"يسأل به\"، وفى ت:٢: \"فسيل به\"، وفى ف: \"نسل به\"، والمثبت موافق لما في الدر المنثور.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٢ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) روى حفص عن عاصم: (قال). وقرأ الباقون (قل). وقرأ أبو جعفر: (ربُّ). وقرأ الباقون: (ربِّ). النشر ٢/ ٢٤٤.\n(^٥) وهى قراءة ابن عباس وعكرمة والجحدري وابن محيصن. البحر المحيط ٦/ ٣٤٥.","vol":"16","page":444},{"text":"بـ \"احْكُمْ\"، وترك قطع الألفِ مِن \"احْكُمْ\"، على ما عليه قرأةُ الأمصار؛ لإجماع الحجَّة من القرأة عليه، وشذوذ ما خالفه. وأما الضحاك فإنَّ في القراءةِ التي ذُكِرت عنه زيادةَ حرفٍ على خطِّ المصاحفِ، ولا ينبغى أن يُزادَ ذلك فيها مع صحة معنى القراءة بتَرك زيادته. وقد زعم بعضُهم أن معنى قوله: ﴿رَبِّ احْكم [بِالحَقِّ﴾: قل: ربِّ احْكُم] (^١) بحكمِكَ الحَقِّ. ثم حذف \"الحكمُ\" الذي \"الحقُّ\" نعت له، وأُقيم \"الحقُّ\" مُقامَه، ولذلك وجهٌ، غير أنَّ الذي قُلناه أوضحُ وأَشْبَهُ بما قاله أهل التأويل؛ فلذلك اخترناه.\nوقوله: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. يقول جل ثناؤه: قل يا محمد: وربُّنا الذي يرحم عبادَه، وتَعُمُّهم نِعَمُه (^٢)، الذي أستَعِينُه (^٣) عليكم فيما تقولون وتصفون، من قولكم لي فيما أتيتُكم به من عندِ اللَّهِ ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السَّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ\" [الأنبياء: ٣]. وقولكم: ﴿افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥]. وفى كذبِكم على الله جل ثناؤه وقيلكم: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [الأنبياء: ٢٦]. فإنَّه هَيِّنٌ عليه تغييرُ (^٤) ذلك، وفصل ما بينى وبينكم بتعجيل العقوبة لكم على ما تصفون من ذلك.\n[آخر تفسير \"سورة الأنبياء\" ﵈] (^٥)\n_________\n(^١) سقط من ت ٢، ف، وفى ص، ت ١: \"قل رب احكم\".\n(^٢) في م: \"بنعمته\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"أنعمه\".\n(^٣) في ص: \"استعنته\".\n(^٤) في ت ٢: \"يعتبر\"، وفى ت ١، ف: \"بغير\".\n(^٥) في ص: \"آخر تفسير سورة الأنبياء صلوات الله عليهم يتلوه تفسير سورة الحج والحمد لله رب العالمين\"، وفى ت ١: \"والله ﷾ أعلم آخر تفسير سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يتلوه تفسير سورة الحج إن شاء الله تعالى والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وحسبنا الله ونعم الوكيل\".","vol":"16","page":445},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6081>تفسيرُ سورة \"الحج\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-2596\"></span><span data-type='title' id=toc-6083>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ </span>(٢)﴾.\nقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيُّها الناسُ احْذَروا عقاب ربِّكم بطاعته، فأَطِيعوه ولا تعصُوه، فإنّ عقابه لمن عاقبه يومَ القيامة شديدٌ. ثم وصف جل ثناؤه هولَ أشراط ذلك اليوم وبُدُوِّه، فقال: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾.\nواختلف أهل العلم في وقتِ كونِ الزلزلةِ التي وصفها جلَّ ثناؤه بالشدَّةِ؛ فقال بعضُهم: هي كائنة [في الدنيا] (^١) قبلَ (^٢) القيامة.\n\n<span data-type='title' id=toc-6082>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمةَ في قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٍ عَظِيمٌ﴾. قال: قبل الساعة (^٣).\n_________\n(^١) في ت ٢: \"بالدنيا\".\n(^٢) بعده في م: \"يوم\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٨٤ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير - من طريق الثوري، عن منصور والأعمش به، وهو في تفسير سفيان ص ٢٠٨ عن منصور وحده، عن إبراهيم به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٤١٠ من طريق منصور، عن إبراهيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"16","page":446},{"text":"حدَّثني سليمانُ بن عبد الجبار، قال: ثنا محمدُ بن الصلت، قال: ثنا أبو كُدَينَةَ، عن عطاءٍ، عن عامرٍ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾. قال: هذا في الدُّنيا قبل يوم (^١) القيامةِ (^٢).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيج في قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ فقال: زَلزَلتُها أشراطها؛ الآياتُ، ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَل كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمَلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارى﴾ (^٣).\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاء، عن عامر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾. قال: هذا في الدنيا من آياتِ الساعة] (^٣).\nوقد روى عن النبي ﷺ بنحو ما قال هؤلاءِ خبرٌ في إسناده نظرٌ، وذلك ما حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربيُّ، عن إسماعيل بن رافعٍ المدنيِّ، عن يزيد بن أبي زيادٍ، عن رجل من الأنصارِ، عن محمد بن كعب القرظيِّ، عن رجل من الأنصارِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما فرَغ اللَّهُ مِن خَلْقِ السماوات والأرضِ خَلَقَ الصُّورَ، فأعطاه إسرافيل، فهو واضِعُه على فِيهِ، شاخصٌ ببصره إلى العرشِ ينتظرُ متى يُؤمرُ\". قال أبو هريرة: يا رسولَ اللهِ، وما الصُّورُ؟ قال: \"قَرْنٌ\". قال: وكيف هو؟ قال: \"قَرْنٌ عظيمٌ يُنفَخُ فِيهِ ثَلاثُ نفَخاتٍ؛ الأُولى نَفْحَةُ الفَزعِ، والثانية نَفْخةُ الصَّعقِ، والثالثةُ نَفْحَةُ القِيامِ لربِّ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٨٤ عن أبي كدينة به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٤ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"16","page":447},{"text":"العالمين؛ يأْمُرُ اللَّهُ ﷿ إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقولُ: انفُخْ نفخة الفزع. فيَفْزَعُ أهل السماوات والأرض إِلَّا مَن شاء الله، ويأْمُرُه اللَّهُ فيُديمها ويطَوِّلُها فَلَا يَفْتُرُ، وهى التي يقولُ الله: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥]. فيُسَيِّرُ اللَّهُ الجبال فتكونُ سَرابًا، وتُرَجُّ الأرْضُ بأَهلِها رجًّا، وهى التي يقولُ الله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النازعات: ٦ - ٨]. فتكون الأرضُ كالسَّفينة المُوبقة (^١) في البحر تَضْرِبُها الأمواج تُكْفَأُ بأهلها، أو كالقِندِيلِ المُعلَّقِ بالعرشِ تُرجِّحه الأرواح، فيَمِيدُ (^٢) الناسُ على ظهرها، فتَذْهَلُ المراضِعُ، وتضَعُ الحوامل، وتَشِيبُ الوِلْدانُ، وتطيرُ الشَّياطين هاربةً حتى تأتىَ الأقطار (^٣)، فتلقَّاها الملائكةُ، فتضرِبُ وجوهَها فتَرْجِعُ، ويُولِّى الناسُ مُدبرين، يُنادى بعضُهم بعضًا، وهو الذي يقولُ اللَّهُ: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٢، ٣٣]. فبينما هم على ذلك، إذ تصَدَّعتِ الأرضُ من قُطْرِ إلى قُطْرٍ، فَرَأَوْا أمرًا عظيمًا، وأخذهم لذلك من الكَرْبِ ما الله أعلمُ به، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمُهلِ، ثم خَسَف شمسها، وخَسَف قمَرُها، وانتَثَرت نُجُومُها، ثم كُشِطَت عنهم\". قال رسول الله ﷺ: \"والأمواتُ لا يعلمون بشيءٍ من ذلك\". فقال أبو هريرةَ: فمن استَثْنى الله حينَ يقولُ: ﴿فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧]؟ قال: \"أولئك الشهداءُ، وإِنَّما يصِلُ الفزعُ إلى الأحياء، أولئك أحياءٌ عند ربِّهم يُرزقون، وقاهمُ اللهُ فَزعَ ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذابُ اللهِ\n_________\n(^١) في ت ١: \"الموثقة\". والموبقة: المحبوسة، أوبقه: حبسه. وقوله تعالى: أو يوبقهن بما كسبوا. أي: يحبسهن، يعني الفلك وركبانها. ينظر اللسان (وب ق).\n(^٢) في ت ١: \"فيميل\"، وفي ت ٢: \"فيمتد\"، وفى ف: \"فتميل\".\n(^٣) الأقطار، جمع قُطر، وهو الناحية والجانب: التاج (ق ط ر).","vol":"16","page":448},{"text":"يبعَثه على شِرارِ خَلقِه، وهو الذي يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾. إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ \" (^١).\nوهذا القولُ الذي ذكرناه عن علقمة والشعبي ومَن ذكرنا ذلك عنه، قولٌ، لولا مجيءُ الصِّحاحِ من الأخبار عن رسول الله ﷺ بخلافِه، ورسول الله ﷺ أعلم بمعانى وَحْي الله وتنزيله.\nوالصواب مِن القولِ في ذلك ما صح به الخبرُ عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6084>ذكرُ الرواية عن رسول الله ﷺ بما ذكَرْنا</span>\nحدثني أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا المعتمر بن سليمانَ، قال: سمعت أبي يحدِّثُ، عن قتادةَ، عن صاحبٍ له حدَّثه، عن عمران بن حصين، قال: بينما رسول الله ﷺ في بعضِ مغازيه، وقد فاوت السَّير بأصحابِه، إذ نادى رسول الله ﷺ بهذه الآية: \" ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ \". قال: فحثُّوا المَطِيَّ حتى كانوا حول رسول الله ﷺ، قال: \"هل تَدْرون أيَّ يوم ذلك؟ \". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"ذلك يومَ يُنادَى آدم؛ يُنادِيه ربُّه: ابعَثْ بَعْثَ النارِ مِن كل ألف تسعمائةٍ وتسعةً وتسعين إلى النار\". قال: فأُبْلِس القومُ، فما وَضَح منهم ضاحكٌ (^٢)، فقال النبي ﷺ: \"ألَا اعْمَلُوا وأبشروا، فإن معكم خَلِيقَتَين ما كانَتا في قَوْمٍ إِلَّا كَثَّرَتاهِ، فَمَن هَلَكَ مِن بنى آدمَ، ومَن هلَك من بنى إبليسَ، ويأجوجَ ومأجوجَ\". ثم قال: \"أبْشِروا، ما أنتم في\n_________\n(^١) جزء من حديث الصور، وتقدم تخريجه في ٣/ ٦١٣.\n(^٢) قال ابن الأثير في النهاية ٥/ ١٩٦ حتى ما أوضحوا بضاحكة: أي: ما طلعوا بضاحكة ولا أبدوها، وهى إحدى ضواحك الأسنان التي تبدو عند الضحك. يقال: من أين أوضحت. أي: طلعت. وينظر أيضًا ٣/ ٧٧.","vol":"16","page":449},{"text":"النَّاسِ إِلَّا كالشَّامةِ (^١) في جَنْبِ البعير، أو كالرَّقمةِ (^٢) في جَناحِ الدَّابة (^٣) \".\nحدثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا هشام بن أبي عبدِ اللَّهِ، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصينٍ، عن النبي ﷺ (^٤).\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا معاذ بن هشامٍ، قال: ثنا أبي، وحدثنا ابن أبي عدى، عن هشام، جميعًا عن قتادةَ، عن الحسن، عن عمران بن حصينٍ، عن النبي ﷺ بمثله (^٥).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا محمدُ بن بشرٍ، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن العلاء بن زياد، عن عمران، عن رسول الله ﷺ بنحوه (^٦).\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسن،\n_________\n(^١) في ت ٢: \"كالشاة\". والشامة: العلامة. اللسان (ش ى م).\n(^٢) الرقمة: الهَنَة الناتئة في ذراع الدابة من داخل، وهما رقمتان في ذراعيها. النهاية ٢/ ٢٥٤.\n(^٣) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار - مسند ابن عباس - (٧٠٦) وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٣ إلى المصنف والترمذي - وسيأتي تخريجه عنده - وابن مردويه.\n(^٤) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار - مسند ابن عباس - (٧٠٧)، والترمذى (٣١٦٩)، والنسائي في الكبرى (١١٣٤٠)، والروياني (٦٩) عن محمد بن بشار به، وأخرجه أحمد ٤/ ٤٣٥ (الميمنية) عن يحيى بن سعيد به، وأخرجه الطيالسي (٨٧٤)، وأحمد ٤/ ٤٣٥ من طريق هشام به، وأخرجه الطبراني ١٨/ ١٤٤، ١٤٥ (٣٠٦ - ٣٠٨) والحاكم ٢/ ٣٨٥ من طرق عن قتادة به، وأخرجه الحميدي (٨٣١)، وأحمد ٤/ ٤٣٢، والترمذى (٣١٦٨)، والطبراني ١٨/ ١٠١، ١٠٠ (٣٢٨، ٣٤٠) من طرق عن الحسن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٣ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٥) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار - مسند ابن عباس - (٧٠٨).\n(^٦) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار - مسند ابن عباس - (٧٠٩)، وأخرجه الطبراني ١٨/ ٢١٨ (٥٤٦) من طريق محمد بن بشر به، وأخرجه هناد في الزهد (١٩٧) من طريق سعيد به، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٣٨٧ - من طريق سعيد، عن قتادة، عن الحسن والعلاء به.","vol":"16","page":450},{"text":"قال: بلغنى أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لمَّا قَفَل من غزوة العُشرة ومعه أصحابه بعد ما شارَف المدينةَ، قرَأ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ الآية. فقال رسول الله ﷺ: \"أتدرون أيَّ يومٍ ذاكم (^١)؟ \". قيل: الله ورسوله أعلم. فذكر نحوَه، إلا أنه زادَ: \"وإنَّه لم يكنْ رسولان إلَّا كان بينهما فَتْرَةٌ مِن (^٢) الجاهليةِ، فهم أهل النارِ، وإنكم بين ظهراني خَليقتين لا يُعادُّهما أحدٌ مِن أهل الأرضِ إِلَّا كَثَّروهم (^٣)، يأجوج ومأجوج وهم أهلُ النارِ، وتُكمَّلُ العِدَّةُ مِن المنافقين (^٤).\nحدثني يحيى بن إبراهيمَ المسعودى، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ، قال: \"يقال لآدم: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. قال: فيقولُ: وما بَعْثُ النَّارِ؟ فيقولُ: مِن كُلِّ أَلْفٍ تسعمائةٍ وتسعةً وتسعين. فعند ذلك يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وتَضَعُ الحامل حملها، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ \". قال: قُلنا: فأينَ النَّاجِى يا رسولَ اللهِ؟ قال: \"أبشِروا، فإنَّ واحدًا منكم وألفًا من يَأْجُوجَ ومأجوج. [ثم قال]: \"إنّى لأطمع أن تَكُونوا رُبعَ أَهلِ الجَنَّةِ\". فَكَبرنا وحمِدْنا الله، [ثم قال] (^٥): \"إنِّي لأطمَع أن تكونوا ثُلُثَ أهل الجنة\". فكبَّرنا وحَمِدْنا الله. ثم قال: \"إِنِّي لأطمَعُ أن تَكُونوا نِصْفَ أهل الجنةِ؛ إِنما مَثَلُكم في\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"وذاكم\".\n(^٢) في تهذيب الآثار: \"في\".\n(^٣) بعده في م: \"وهم\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار - مسند ابن عباس - (٧١٠)، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٨٧ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٣ إلى المصنف.\n(^٥) في ت ٢: \"فقال\".","vol":"16","page":451},{"text":"النَّاسِ كَمَثَلِ الشَّعَرَةِ البيضاءِ في الثور الأسودِ، أو كمَثَلِ الشَّعَرِةِ السَّوداء في الثورِ الأبيض\" (^١).\nحدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقولُ الله لآدمَ يومَ القيامة\". ثم ذكَر نحوَه (^٢).\nحدَّثنى عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرَّمليُّ، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: ذكر رسول الله ﷺ الحشر، قال: \"يقولُ اللهُ يومَ القيامةِ: يا آدَمُ. فيقولُ: لبَّيك وسَعْديك، والخَيرُ بيديك. فيقولُ: ابْعَثْ بَعْثًا إلى النَّارِ\". ثم ذكر نحوه (^٣).\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، عن أنس، قال: نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ (^٤) الآية (^٥). على النبي ﷺ وهو في مَسِيرٍ، فرجع بها صوته حتى ثابَ إليه أصحابه، فقال: \"أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هذا؟ هذا يومُ يقولُ اللَّهُ لآدمَ: يا آدم، قُمْ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار - مسند ابن عباس - (٧١١)، وأخرجه أحمد ١٧/ ٣٨٤ (١١٢٨٤)، وعبد بن حميد (٩١٥)، والبخارى (٣٣٤٨، ٤٧٤١، ٦٥٣٠، ٧٤٨٣)، وفى خلق أفعال العباد ص ٩٢، ومسلم (٢٢٢، ٣٧٩، ٣٨٠)، والنسائى في الكبرى (١١٣٣٩)، وفي التفسير (٣٥٩)، وأبو عوانة ١/ ٨٩، ٩٠، وابن منده في الإيمان (٩٨٨ - ٩٩١)، والبيهقى في الشعب (٣٦١)، وفي الأسماء والصفات (٤٧١)، والبغوى في تفسيره ٥/ ٣٦٤ من طرق عن الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٤ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار - مسند ابن عباس - (٧١٢).\n(^٣) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار - مسند ابن عباس - (٧١٣)\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ف: \"حتى: إن عذاب الله شديد\"، وفى م: \"حتى إلى: عذاب الله شديد\".\n(^٥) ليس في: ص، وفى ت ١: \"لعله: فقرأها\"، وفى حاشية ف: \"لعله: أنزلها\".","vol":"16","page":452},{"text":"فابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ، مِن كلِّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعين\". فكبر ذلك على المسلمين، فقال النبي ﷺ: \"سدِّدوا وقاربوا وأبشروا، فوالذي نفسي بيده، ما أنتم في النَّاسِ إلا كالشَّامَةِ في جَنْبِ البعيرِ، أو كالرّقْمَة في ذراع الدابةِ، وإن معكم لخلِيقَتَين ما كانتا في شيءٍ قطُّ إلَّا كَثَرَتاه، يأجوج ومأجوجُ، ومَن هَلَكَ مِن كَفَرةِ الجِنِّ والإنسِ\" (^١).\nحدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن أبي (^٢) إسحاقَ، عن عمرو بن ميمونٍ، قال: دخَلتُ على ابن مسعودٍ بيت المالِ، فقال: سمعت النبي ﷺ يقولُ: \"أَتَرْضَوْنَ أَن تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجنةِ؟ \". قُلنا: نعم. قال: \"أَتَرضَوْن أن تَكُونوا ثُلُثَ أهل الجنة؟ \". قلنا: نعم. قال: \"فوالذي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأرجو أن تَكُونوا شَطْرَ أهلِ الجنةِ، وسأخبركم عن ذلك، إنَّه لا يدخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مسلمةٌ، وإن قِلةَ المسلمين في الكُفَّارِ يومَ القيامة كالشَّعَرةِ السَّوداء في الثَّورِ الأبيضِ، أو كالشَّعَرةِ البَيضاء في الثُّورِ الأَسْودِ\" (^٣).\nحدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إنَّ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣١ - ومن طريقه عبد بن حميد (١١٨٥) - وقرن أبانًا مع قتادة، وأبو يعلى (٣١٢٢)، وابن منده في الإيمان (٩٩٢) وقرن مع قتادة غيره، والحاكم ١/ ٢٩، ٤/ ٥٦٦، وابن حبان (٧٣٥٤) عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٣٨٧ - من طريق أبي سفيان، عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٤٤٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) سقط من النسخ، والمثبت من تهذيب الآثار وبقية المصادر.\n(^٣) أخرجه المصنف في تهذيب الآثار - مسند ابن عباس - (٧٠٤)، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣١ عن معمر به، وأخرجه الطيالسي (٣٢٢)، وهناد في الزهد (١٩٥)، وأحمد ٦/ ١٧٦ (٣٦٦١)، والبخارى (٦٥٢٨، ٦٦٤٢)، ومسلم (٢٢١، (٣٧٦)، والترمذى (٢٥٤٧)، وابن ماجه (٤٢٨٣)، وأبو عوانة ١/ ٨٧، وأبو يعلى (٥٣٨٦)، والمصنف في تهذيب الآثار (٧٠٥)، والطحاوي في شرح المشكل (٣٦١، ٣٦٢)، وابن حبان (٧٢٤٥) وابن منده في الإيمان (٩٨٥)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ١٥٢، والبيهقي ٣/ ١٨٠ وغيرهم من طرق عن أبي إسحاق به.","vol":"16","page":453},{"text":"زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾. قال: هذا يوم القيامةِ (^١).\nوالزَّلزلة مصدرٌ من قول القائل: زَلْزَلتُ بفلانٍ الأَرضَ، أُزَلْزِلُها (^٢) زَلْزَلَةً وزِلزالًا، بكسر \"الزَّايِ\" من الزِّلْزالِ، كما قال الله: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١]. وكذلك المصدر من كلّ سليمٍ من الأفعال إذا جاءت على فِعْلالٍ، فيكسرِ أَوَّلِه مثلَ: وَسُوسَ وَسْوسةً ووِسْواسًا. فإذا كان اسما كان بفتح أوَّله \"الزَّلزالُ\" و\"الوَسْواس\"، وهو ما وَسْوَس إلى الإنسان، كما قال الشاعر (^٣):\nيَعرِفُ الجَاهِلُ المُضَلَّلُ أَنَّ الـ … ـدَّهرَ فِيهِ النَّكراءُ والزَّلزَالُ\n\n<span id=\"aya-2597\"></span>وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾. يقول جلَّ ثناؤه: يومَ ترَوْن أَيُّها الناسُ زَلْزَلَةَ الساعةِ تَذهَلُ مِن [عِظَم هولِها] (^٤) كلُّ مُرضِعة مولودٍ عَمَّا أرضعت.\nويعنى بقوله: ﴿تَذْهَلُ﴾: تَنسَى وتتركُ من شدَّةٍ كَرْبِها. يقالُ: ذَهَلتُ عن كذا، أَذْهَلُ عنه ذُهُولًا. وذَهَلْتُ أيضًا، وهى قليلةٌ، والفصيح الفتح في الهاءِ، فأما في المستقبل فالهاء مفتوحةٌ في اللُّغَتَين، لم يُسمَعْ غيرُ ذلك، ومنه قول الشاعرِ (^٥):\n* صحَا قَلْبُه يا عَزَّ أو كاد يَذْهَلُ *\nفأما إذا أُريد أن الهولَ أنْسَاه وسَلَّاه، قلتَ: أَذْهَلَه هذا الأمرُ عن كذا، يُذْهِلُه إذْهَالًا.\nوفي إثباتِ الهاءِ في قوله: ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ اختلافٌ بين أهل العربيةِ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٤ إلى المصنف.\n(^٢) في ت ١، ف: \"أزلزله\"، وفى ت ٢: \"أزلزل\".\n(^٣) التبيان ٧/ ٢٥٦.\n(^٤) في م: \"عظمها\".\n(^٥) هو كثير عزة، والبيت في ديوانه ص ٢٥٤.","vol":"16","page":454},{"text":"وكان بعضُ نحويِّى الكوفيين يقولُ (^١): إذا أُثبتتِ الهاء في المرضِعةِ، فإِنما يُرادُ أمُّ الصبيِّ المرضَع، وإذا أُسقطت، فإنَّه يُرادُ المرأة التي معها صبيٌّ تُرضِعه؛ لأنَّه أُرِيدَ الفِعْلُ بها.\nقال (^٢): ولو أُريد بها الصِّفةُ فيما يُرَى (^٣) لقال: مُرْضِعٌ.\nقال (^٤): وكذلك كلُّ \"مُفْعِل\" أو \"فاعلٍ\" يكون (^٥) للأنثى ولا يكونُ للذَّكرِ، فهو بغير هاءٍ، نحوَ مُقْرِب (^٦)، ومُوقرٍ (^٧)، ومُشْدِنٍ (^٨)، وحاملٍ، وحائضٍ.\nقال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ عندى أولى بالصواب في ذلك؛ لأن العرب من شأنها إسقاط هاء (^٩) التأنيثِ من كلِّ \"فاعل\" و\"مُفْعِلٍ\"، إذا وصفوا المؤنَّثَ به، و(^١٠) لم يكن للمذكَّرِ فيه حظٌّ. فإذا أرادوا (^١١) الخبر عنها أنَّها ستفعله ولم تفعله، أثْبَتوا هاء التأنيثِ؛ ليُفَرِّقوا بين الصِّفة والفعلِ، منه قول الأعشى فيما هو واقعٌ ولم\n_________\n(^١) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٢١٤.\n(^٢) في م: \"قالوا\". وهذا قول الأخفش - وهو بصرى - كما في تهذيب اللغة ١/ ٤٧٢.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"ترى\".\n(^٤) وقال الخليل نحوه، كما في تهذيب اللغة ١/ ٤٧٢، وينظر اللسان (ر ض ع).\n(^٥) بعده في ت ٢: \"فاعل\".\n(^٦) أقربت الحامل، وهى مُقْرِب: دنا ولادها، وجمعها مقاريب. اللسان (ق ر ب).\n(^٧) أوقرت النخلة: أي: كثر حملها، يقال: نخلة مُوقِرة وموقر وموقَرَة. الصحاح (وق ر).\n(^٨) ظبية مشدن: ذات شادن يتبعها، والشادن ولدها إذا قوى وطلع قرناه واستغنى عن أمه. ينظر اللسان (ش د ن).\n(^٩) في ص، ت ١، ت ٢ ف: \"هذا\".\n(^١٠) بعده في م: \"لو\".\n(^١١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أنه\".","vol":"16","page":455},{"text":"يكن وَقَع قبل (^١).\nأيا جارَتا بِينِي فإنَّك طالِقَه … كَذاكَ أُمورُ الناس غادٍ وطارِقَهْ\nوأما فيما هو صفةٌ، نحو قول امرئِ القيسِ (^٢):\nفمثلُكِ حُبْلَى قد طَرَقتُ ومُرضِع … فألهَيتُها عن ذِى تمائمَ مُحوِلِ (^٣)\nوربما أثبتوا الهاء في الحالتين، وربَّما أسْقَطوها فيهما، غير أن الفصيحَ من كلامهم ما وصَفتُ.\nفتأويل الكلام إذن: يومَ تَرون أيُّها الناسُ زَلْزَلةَ الساعةِ، تَنسَى وتَتْرُكُ كلُّ والدةِ مولود تُرضع ولدها عما أرضَعَت.\nكما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾. قال: تتركُ ولدها للكربِ الذي نزل بها (^٤).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن الحسنِ: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾. قال: ذَهَلت عن أولادها بغيرِ فطامٍ، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمَلَهَا﴾. قال: ألقَتِ الحوامل ما في بُطونها لغير تَمام (^٥).\n﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمَلَهَا﴾. يقولُ: وتُسقط كلُّ حاملٍ من شدَّةِ\n_________\n(^١) ديوان الأعشى ص ٢٦٣.\n(^٢) ديوانه ص ١٢.\n(^٣) محول: أتى عليه حول.\n(^٤) تمام الأثر المتقدم في ص ٤٥٣، ٤٥٤.\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٣٦٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٤ إلى المصنف.","vol":"16","page":456},{"text":"كربِ ذلك حَمْلَها.\nوقوله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾. قرأت قرَأَةُ الأمصارِ: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾. على وجْهِ الخطاب للواحدِ، كأنَّه قال: وترَى يا محمد الناس حينئذٍ سُكارَى وما هم بسُكارى.\n[ورُوِى] (^١) عن أبي زُرْعةَ بن (^٢) عمرو بن جرير: (وتُرى النَّاسَ). بضم التاء ونصْبِ (الناسَ) (^٣). من قول القائل: رُئِيتَ (^٤)، تُرى، التي تطلب الاسمَ والفعلَ (^٥)، كـ \"ظنَّ\" (^٦) وأخواتِها.\nوالصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرأة الأمصارِ؛ لإجماع الحجَّة من القرأةِ عليه.\nواختلفتِ القرأة في قراءة قوله: ﴿سُكَارَى﴾؛ فقرأ ذلك عامَّةُ قرأة المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهل الكوفةِ: ﴿سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾ (^٧).\nوقرأته عامَّةُ قرأةِ أهل الكوفة: (وتَرَى الناسَ سَكْرَى وما هم بسَكْرَى) (^٨).\nوالصواب من القول في ذلك عندنا (^٩) أنَّهما قراءتان مُستفيضَتان في\n_________\n(^١) في م: \"وقد روى\"، وفى ت: ٢: \"و\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ٣٢٣.\n(^٣) وبها قرأ أبو هريرة وأبو نهيك. ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٩٦، والبحر المحيط ٦/ ٣٥٠.\n(^٤) في م: \"أريت\". وينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٢١٥.\n(^٥) يريد بالفعل هنا الخبر، وينظر ما تقدم في ٩/ ٦٣٦.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"كالظن\".\n(^٧) وهى قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وأبي عمرو السبعة لابن مجاهد ص ٤٣٤.\n(^٨) وهى قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٩) في ص، ف: \"عندي\".","vol":"16","page":457},{"text":"قرَأةِ الأمصارِ، متقاربنا المعنى، فبأيَّتهما قرأ القارئُ فمصيب الصوابَ. ومعنى الكلامِ: وترى الناس يا محمد من عظيم ما نزل بهم من الكَرْبِ وشِدَّتِه، سُكَارَى من الفزع، وما هم بسُكارَى مِن شُرْبِ الخَمرِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6085>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكرٍ، عن الحسنِ: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾: من الخوف، ﴿وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾: مِن الشَّرابِ (^١).\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ قوله: ﴿وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾. قال: ما هم بسُكارَى من الشَّرابِ، ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (^٢).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾. قال: ما شَرِبوا خمرًا، ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾.\n[وقوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾] (^٣).\nيقول تعالى ذِكرُه: ولكنَّهم صاروا شكارى من خوفِ عذابِ اللهِ عندَ معاينتهم ما عاينوا مِن كَرْبِ ذلك وعظيم هَوْلِه، مع عِلْمِهم بشدة عذابِ اللهِ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤٥٦.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"16","page":458},{"text":"<span id=\"aya-2598\"></span><span data-type='title' id=toc-6086>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ </span>(٣)﴾.\nذُكِر أنَّ هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: النضر بن الحارث (^١).\nويعنى بقوله: ﴿مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾: مَن يُخاصمُ في اللهِ، فيَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ غيرُ (^٢) قادرٍ على إحياء من قد بَلِى وصار تُرابًا، ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعلمُه، بل بجهلٍ منه بما يقولُ، ﴿وَيَتَّبِعُ﴾ في قيلِه ذلك وجدالِه في الله بغير علمٍ ﴿كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-2599\"></span><span data-type='title' id=toc-6087>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ </span>(٤)﴾.\nيقول تعالى ذكره: قُضِىَ على الشيطان - فمعنى ﴿كُتِبَ﴾ هاهنا: قُضِى.\nوالهاء التي في قوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ مِن ذِكْرِ الشَّيطانِ.\nكما حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ﴾. قال: كُتِب على الشَّيطانِ (^٣).\nأنَّه مَن اتَّبع (^٤) الشيطانَ مِن خَلْقِ اللَّهِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في ت ٢: \"تولى\".","vol":"16","page":459},{"text":"كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قولِ اللَّهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ﴾. قال: الشيطانِ، اتَّبَعَه (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد: ﴿أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ﴾. قال: اتَّبَعه.\nوقوله: ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾. يقولُ: فإنَّ الشيطانَ يُضِلُّه. يعني: يُضِلُّ مَن تولَّاه. والهاء التي في ﴿يُضِلُّهُ﴾ الله عائدة على ﴿مَن] التي في قوله: ﴿مَن تَوَلَّاهُ﴾. وتأويل الكلامِ: قُضى على الشيطان أنَّه يُضِلُّ أتباعه ولا يَهديهم إلى الحقِّ.\nوقوله: ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. يقولُ: وَيَسُوقُ مَن اتَّبعه إلى عذاب جَهَنَّمَ الموقدة. وسياقه (^٢) إيَّاه إليه بدعائه إيَّاه إلى طاعته ومعصيةِ (^٣) الرحمن، فذلك هدايتُه من تَبِعه إلى عذابِ جَهَنَّمَ.\n\n<span id=\"aya-2600\"></span><span data-type='title' id=toc-6088>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾.</span>\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٧٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٤ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ساقه\".\n(^٣) في ت ٢: \"معصيته\".","vol":"16","page":460},{"text":"وهذا احتجاجٌ من الله على الذي أخبَر الله على الذي أخبر عنه من الناسِ أَنَّه يُجادِلُ في اللَّهِ بغيرِ علمٍ، اتِّباعًا منه للشيطان المريد، وتنبيه له على موضع خطأَ قيلِه، وإنكاره ما أنكر من قدرةِ ربِّه. قال: يأَيُّها الناسُ إن كنتُم في شَكٍّ من قُدرتنا على بعثكم من قبوركم بعد مماتكم وبلاكم، استعظامًا منكم لذلك، فإن في ابتدائنا خَلْقَ أبيكم آدم ﵇ من ترابٍ، ثم إنشائناكُم من نطفة آدم، ثم تَصْرِيفِناكم أحوالا، حالا بعد حالٍ؛ من نطفة إلى علقةٍ، ثم من علقة إلى مُضْغَةٍ لكم معتبرًا ومُتَّعظًا تعتبرون به، فتعلمون أن من قدر على ذلك فغير متعذِّرَةٍ (^١) عليه إعادتكم بعد فنائكم، كما كنتُم أحياءً قبلَ الفناء.\nواختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾؛ فقال بعضُهم: هي من صفة النُّطفةِ. قال: ومعنى ذلك: فإِنَّا خَلَقْناكم من ترابٍ، ثم مِن نطفة مخلقة وغير مخلقة. قالوا: فأمَّا المخلَّقة، فما كان خَلْقًا سَوِيًّا، وأما غيرُ مخلَّقةٍ، فما دفعته الأرحام من النُّطَفِ وألقته قبل أن يكون خلقًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6089>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله، قال: إذا وقعتِ النُّطْفَةُ في الرَّحِمِ، بَعَثَ اللَّهُ ملكًا، فقال: يا ربِّ، مخلقةٌ أو غيرُ مخلقةٍ؟ فإن قال: غير مخلَّقَةٍ مَجَّتها الأرحامُ دمًا، وإن قال: مخلَّقَةٌ. قال: يا ربِّ، فما صفةُ هذه النُّطفةِ؟ أذكرٌ أم أنثى؟ ما رزقُها؟ ما أجلُها؟ أشقِيٌّ أو سعيدٌ؟ قال: فيقال له: انطلق إلى أُمِّ الكتابِ فَاسْتَنسِخُ منه صفةَ هذه النُّطفةِ. قال: فينطلِقُ المَلكُ فيَنْسَخُها، فلا تزالُ معه حتى يأتى على\n_________\n(^١) في م: \"متعذر\".","vol":"16","page":461},{"text":"آخر صِفَتِها (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: تامَّةٍ وغير تامَّةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6090>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة في قول الله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَير مُخَلَّقَةٍ﴾. قال: تامة وغير تامة.\nحدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، [عن معمر] (^٢)، عن قتادة: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. فذكر مثله (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: المضغة مصوَّرةٌ إنسانًا وغير مصوّرة، فإذا صُوِّرت فهى مخَلَّقَةٌ، وإذا لم تصوّر فهي غيرُ مخَلَّقَةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6091>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهد في قوله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ﴾. قال: السِّقطُ؛ مخلَّقةٌ وغيرُ مخلقةٍ.\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٥ إلى المصنف، وذكر ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٩١ نحوه بأطول. وعزاه إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"16","page":462},{"text":"في قولِ اللَّهِ: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. قال: السِّقط؛ مخلوقٌ وغيرُ مخلوقٍ (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد بنحوه.\nحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامر، أنَّه قال في النطفة والمضغةِ: إذا نكست في الخَلْقِ الرابع كانت نَسَمةً مخلقة، وإذا قذَفتها قبلَ ذلك فهى غير مخلقة (^٢).\nقال: ثنا عبد الرحمن بن مهدى، عن حماد بن (^٣) سلمةَ، عن داود بن أبي هندٍ، عن أبي العالية: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. قال: السِّقْطُ] (٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: المخلقة المصورة خلقًا تامًّا، وغيرُ مخلقةٍ السِّقطُ قبلَ تمامِ خَلْقِه؛ لأن المخلَّقةَ وغيرَ المخلقة مِن نعتِ المضغة، والنطفةُ بعد مصيرها مضغةً لم يبق لها حالٌ (^٤) حتى تصير خلقا سويًا، إلا التصوير، وذلك هو المراد بقوله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّفَة﴾ خلقًا سويًا، ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ بأن تُلْقِيه الأم (^٥) مضغةً ولا يُصَوَّرُ ولا يُنفَخُ فيها الروحُ.\nوقوله: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾. يقول تعالى ذكره: جعَلْنا المضغة؛ مِنها المخلقة التّامةُ، ومِنها السِّقطُ غيرُ التَّامِّ؛ لنُبَيِّنَ لكم قدرتنا على ما نشاءُ، ونُعَرِّفكم ابْتِداءَنا خَلْقَكم.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٧٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٥ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) بعده في م: \"أبي\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في ص، ت ٢: \"الأير\". غير منقوطة، وكتب فوقها في ص: \"ط\".","vol":"16","page":463},{"text":"وقوله: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾. يقول تعالى ذِكرُه: ومَن كُنَّا كتَبْنا له بقاءً وحياةً إلى آمد وغايةٍ، فإنَّا نقِرُّه في رحم أمه إلى وَقْتِهِ الذي جَعَلْنا له أن يمكث في رحمها، فلا تُسقطه ولا يَخْرُجُ منها حتى يبلُغَ أَجَلَه، فإذا بلغ وقتَ خروجه من رحِمِها أَذِنَّا له بالخروج منها، فخرَجَ.\nوبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6092>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾. قال: التَّمامُ؟ (^١).\nالقاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: الأجلُ المُسَمَّى إقامته في الرَّحِمِ حتى يخرُجَ (^٢).\nوقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾. يقول تعالى ذكرُه: ثم نُخرِجُكم من أرحامِ أمَّهاتكم إذا بلَغتُم الأجلَ الذي قَدَّرتُه الخروجكم منها طفلا صغارًا. ووحَّده \"الطفل\" وهو صفةٌ للجميعِ؛ لأنه مصدرٌ مثل \"عَدْلٍ\" (^٣) و\"زَورٍ\".\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عدد\".","vol":"16","page":464},{"text":"وقوله: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾. يقولُ: ثم لتبلغوا كمالَ عقولِكم ونهايةَ قُواكم بعُمُرِكم.\nوقد ذكَرتُ اختلاف المختلفين في \"الأشُدِّ\"، والصواب من القول [في ذلك عندى] (^١) بشواهده فيما مضى بما أغْنَى عن إعادته (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-6093>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ومنكم أيها الناسُ من يُتَوفَّى من قبل أن يبلُغَ أَشُدَّه، فيموتُ، ومنكم من يُنسأ في أجَلِهِ فَيُعَمَّرُ حتى يَهرَمَ فيُردُّ مِن بعد انتهاء شبابه وبلوغِه غايةَ أشُدِّه إلى أرذَلِ عُمُرِه، وذلك الهَرَمُ، حتى يعود كهيئته في حالِ صِباهُ، لا يَعْقِلُ مِن بَعدِ عَقْلِهِ الأَوَّلِ شيئًا.\nومعنى الكلام: ومنكم من يُرَدُّ إلى أرذل العُمر بعد بلوغه أشدَّه، ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ﴾ كان يعْلَمُه ﴿شَيْئًا﴾.\nوقوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾. يقول تعالى ذكره: وترى الأرضَ يا محمدُ يابسةً دارسة الآثارِ مِن النبات والزرع. وأصلُ الهُمودِ الدُّروسُ والدُّثور. ويُقالُ منه: هَمَدَتِ الأرضُ تَهمُدُ هُمُودًا. ومنه قول الأعشى ميمون بن قيسٍ:\nقالت قُتَيْلةُ ما لجِسمِك شاحِبًا … وأرَى ثِيابَك بالياتٍ هُمَّدَا (^٣)\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"فيه عندنا\".\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ف: \"في هذا الموضع\". وينظر ما تقدم في ٩/ ٦٦٣ وما بعدها.\n(^٣) ديوانه ص ٢٢٧ وفيه: \"سايئًا\" مكان: \"شاحبًا\".","vol":"16","page":465},{"text":"والهمَّدُ جمعُ هامدٍ، كما الرُّكَّعُ جمعُ راكعٍ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6094>ذَكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابن جُرَيجٍ في قوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾. قال: لا نباتَ فيها (^١).\nوقولُه: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾. يقولُ تعالى ذكره: فإذا نحنُ أنزَلْنا على هذه الأرضِ الهامِدَةِ التي لا نباتَ فيها، المطرَ مِن السماءِ ﴿اهْتَزَتْ﴾. يقولُ: تحرَّكت بالنباتِ، ﴿وَرَبَتْ﴾. يقولُ: وأَضْعَفَتِ النباتَ بمجيءِ الغيثِ.\nوبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6095>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾. قال: عُرِف الغيتُ في رُبُوِّها.\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾. قال: حَسُنَت، وعُرِف الغيثُ في رُبوِّها (^٢).\nوكان بعضهم يقولُ: معنى ذلك: فإذا أنزَلْنا عليها الماءَ اهْتَزَّت. ويوجِّهُ المعنى إلى الزرعِ، وإن كان الكلام مخرجه على الخبر عن الأرض.\nوقرأت قرأة الأمصار: ﴿وَرَبَتْ﴾. بمعنى الرُّبُوِّ الذي هو النماءُ والزِّيادةُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٥ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":466},{"text":"وكان أبو جعفر القارئُ يقرأُ ذلك: (ورَبَّأَتْ). بالهمز (^١).\nحدِّثت عن الفراءِ، عن أبي عبدِ اللَّهِ التميميِّ عنه (^٢).\nوذلك غلطٌ؛ لأنَّه لا وَجْهَ للرَّبْءِ هاهنا، وإنما يُقالُ: رَبأَ. بالهمز، بمعنى: حَرَسَ، من الرَّبيئةِ، ولا معنَى للحراسةِ في هذا الموضع، والصحيحُ من القراءة ما عليه قرأة الأمصار.\nوقوله: ﴿وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾، يقول جل ثناؤه: وأنبتت هذه الأرضُ الهامدة بذلك الغيث، من كلِّ (^٣) نوعٍ بهيجٍ. يعنى بالبَهيجِ البَهِجَ، وهو الحسن.\nوبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6096>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. قال: حسنٍ.\nحدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة مثله (^٤).\n\n<span id=\"aya-2601\"></span><span data-type='title' id=toc-6097>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾.</span>\n_________\n(^١) ينظر النشر ٢/ ٢٤٤.\n(^٢) معاني القرآن للفراء ٢/ ٢١٦.\n(^٣) بعده في ص: \"زوج بهيج الغيث من كل\".\n(^٤) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"16","page":467},{"text":"يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾: هذا (^١) الذي ذكَرْتُ لكم أيها الناسُ، مِن بَدْئِنا خَلْقَكم في بُطُونِ أُمهاتكم، ووَصْفِنا أحوالكم قبل الميلاد وبعده؛ طفلًا، وكهلًا، وشيخًا هَرَمًا، وتَنْبِيهِنَا كم على فِعْلِنا بالأرض الهامدة بما نُنَزِّلُ عليها من الغيثِ؛ لتؤمنوا وتُصَدِّقوا بأنَّ ذلك الذي فعل ذلك الله الذي هو الحقُّ لا شكَّ فيه، وأن من سواه مما تعبُدُون من الأوثانِ والأصنامِ باطلٌ؛ لأنها لا تقدِرُ على فعل شيءٍ مِن ذلك، وتَعْلَموا أن القدرة التي جعَل بها هذه الأشياء العجيبة، لا يتعذَّرُ عليها أن يُحْيِيَ بها الموتى بعد فنائها ودُروسِها في التُّرابِ، وأن فاعل ذلك على كلِّ ما أراد وشاء من شيءٍ قادرٌ، لا يَمتَنعُ عليه شيءٌ أرادَه.\n\n<span id=\"aya-2602\"></span>ولتُوقِنوا بذلك أن الساعةَ التي وعَدتكم أن أبعَثَ فيها الموتَى من قبورهم جائيةٌ لا محالةَ ﴿لا رَيْبَ فِيهَا﴾. يقول: لا شكَّ في مَجيئها وحُدوثِها، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾ حينئذٍ، مَن فيها من الأموات أحياء إلى موقف الحسابِ، فلا تَشُكُوا في ذلك، ولا تَمْتَرُوا فيه.\n\n<span id=\"aya-2603\"></span><span data-type='title' id=toc-6098>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ومن الناس من يخاصم في توحيدِ اللَّهِ وإفراده بالألوهةِ بغيرِ علمٍ منه بما يُخاصِمُ به، ﴿وَلَا هُدًى﴾. يقولُ: وبغير بيان معه لِما يقولُ ولا برهانٍ، ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾. يقولُ: وبغيرِ كتابٍ من الله أتاه لصحَّةِ ما يقولُ، ﴿مُنِيرٍ﴾. يقول: يُنيرُ عن حُجَّتِه، وإنما يقول ما يقولُ مِن الجهل ظنًّا منه وحِسْبانًا.\nوذُكِر أنَّه عُنِي بهذه الآية والتي بعدها النضرُ بن الحارثِ مِن بنى عبدِ الدارِ.\n\n<span id=\"aya-2604\"></span><span data-type='title' id=toc-6099>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"هو\".","vol":"16","page":468},{"text":"خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾.\nيقولُ تعالى ذِكرُه: يجادلُ هذا الذي يجادلُ في اللَّهِ بغيرِ علمٍ ثانىَ عِطفِه.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي من أجلِه وُصِف بأنَّه يَثْنِى (^١) عِطْفَهُ، وما المرادُ مِن وَصْفِه إيَّاه بذلك؛ فقال بعضُهم: وصَفه بذلك لتَكبُّرِه وتبَخْتُرِه (^٢). وذُكِر عن العربِ أنها تقولُ: جاءنى فلانٌ ثانىَ عِطْفِه. إذا جاء مُتَبخْتِرًا مِن الكبرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6100>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾. يقولُ: مُسْتَكبِرًا في نفسِه (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: لَاوٍ رقَبَتَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6101>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمُد بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾. قال: رقبَتَه (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"ثنى\".\n(^٢) في ت ٢، ف: \"تجبره\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٧٧.","vol":"16","page":469},{"text":"مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾. قال: لاوٍ عُنُقَه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك أنه يُعْرِضُ عما يُدْعَى إليه فلا يَسْمَعُ له.\n\n<span data-type='title' id=toc-6102>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾. يقولُ: يُعْرِضُ عن ذِكْرِى (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: لَاوِيًا رأسَه، مُعْرِضًا مُوَلِّيًا، لا يريدُ أن يسمعَ ما قيل له. وقرَأَ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥]. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ (^٣) [لقمان: ٧].\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾. قال: يُعْرِضُ عن الحقِّ (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: وهذه الأقوالُ الثلاثةُ مُتَقارباتُ المعنى، وذلك أن مَن كان ذا\n_________\n(^١) في ت ١، ف: \"عطفه\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٦ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٦ إلى المصنف من قول ابن جريج.","vol":"16","page":470},{"text":"اسْتِكْبارٍ فمِن شأنِه الإعراضُ عما هو مُسْتكبِرٌ عنه، وَلَيُّ عُنُقِه عنه والإعراضُ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: إن اللَّهَ وصَف هذا المخاصمَ في اللَّهِ بغيرِ علمٍ أنَّه مِن كبرِه إذا دُعِى إلى اللَّهِ أعرَضَ عن دَاعِيهِ، ولَوى عُنقَه عنه، ولم يَسمعْ ما يقالُ له اسْتِكبارًا.\nوقولُه: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: يجادلُ هذا المشركُ في اللَّهِ بغيرِ علمٍ مُعْرِضًا عن الحقِّ استكبارًا لِيَصُدَّ المؤمنين باللَّهِ عن دينِهم الذي هَدَاهم له، ويَستَزِلَّهم عنه، ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: لهذا المجادلِ في اللَّهِ بغيرِ علمٍ، ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ وهو القتلُ والذلُّ والمَهانةُ بأيدِى المؤمنين، فقتَلَه اللَّهُ بأيديهم يومَ بدرٍ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿لَهُ (^١) فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾. قال: قَتْلٌ يومَ بدرٍ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ونُحرِقُه يومَ القيامةِ بالنَّارِ.\n\n<span id=\"aya-2605\"></span>وقولُه: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: ويُقالُ له إذا أُذِيق عذابَ النارِ يومَ القيامةِ: هذا العذابُ الذي نُذيقُكَهُ اليومَ بما قدَّمَت يداكَ في الدُّنيا مِن الذنوبِ والآثامِ، واكْتَسَبْتَه فيها من الإجْرامِ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد﴾. [يقولُ: وفعَلنا ذلك لأنَّ اللَّهَ ليس بظلامٍ للعبيدِ] (^٣) فيعاقبَ بعضَ عبيدِه\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) تتمة الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٣) سقط من: ت ١، ف.","vol":"16","page":471},{"text":"على جُرْمٍ، وهو يعفو (^١) مثلَه عن (^٢) آخرَ غيرِه، أو يَحملَ ذنبَ مذنبٍ على غيرِ مذنبٍ فيعاقبَه به، ويعفُوَ عن صاحبِ الذَّنبِ، ولكنَّه لا يعاقبُ أحدًا إِلَّا على جُرْمِه، ولا يعذِّبُ أحدًا على ذنبٍ يغفرُ مثلَه لآخرَ إلَّا بسببٍ اسْتَحقَّ به منه مَغْفرتَه.\n\n<span id=\"aya-2606\"></span><span data-type='title' id=toc-6104>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ذِكرُه بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ أعْرابًا كانوا يَقْدَمون على رسولِ الله ﷺ مهاجرين من باديَتِهم، فإن نالوا رخاءً من عيشٍ بعدَ الهجرةِ والدخولِ في الإسلامِ أقامُوا على الإسلامِ، وإلَّا ارْتَدُّوا على أعقابِهم. فقال اللَّهُ: ومِن الناسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ على شَكٍّ، ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾. وهو السَّعة مِن العيشِ وما يُشْبِهُه (^٣) من أسبابِ الدُّنيا، ﴿اطْمَأَنَّ بِهِ﴾. يقولُ: اسْتقرَّ بالإسلامِ وثَبَت عليه. ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾. وهو الضيقُ بالعيشِ وما يُشبهُه (^٣) من أسبابِ الدُّنيا، ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾. يقولُ: ارْتَدَّ فانقلَب على وَجْهِه الذي كان عليه من الكُفرِ باللَّهِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6103>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن\n_________\n(^١) في م: \"يغفر\".\n(^٢) في م: \"من\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"يشتهيه\".","vol":"16","page":472},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ إلى قولِه: ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾. قال: الفتنةُ البلاءُ، كان أحدُهم إذا قَدِم المدينةَ وهى أرضٌ وَبِيئةٌ (^١)، فإن صَحَّ بها جِسْمُه، ونُتِجت فَرسُه مُهْرًا حسَنًا، ووَلَدَتِ امرأتُه غلامًا رَضِى به، واطْمَأنَّ إليه، وقال: ما أصبتُ منذُ كنتُ على دينِى هذا إلَّا خيرًا. وإن أصابَه وجَعُ المدينةِ، ووَلَدَتِ امرأتُه جاريةً، وتأخَّرت عنه الصَّدقةُ، أتاه الشيطانُ فقال: واللَّهِ ما أصبتَ منذُ كنتَ على دينِك هذا إلَّا شرًّا. وذلك الفتنةُ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عنبسةُ أبو (^٣) بكرٍ، عن محمدٍ بن عبدِ الرحمنِ بن أبى ليلى، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾. قال: على شَكٍّ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾. قال: على شَكٍّ. ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾: رَخاءٌ وعافيةٌ ﴿اطْمَأَنَّ بِهِ﴾: اسْتَقَرَّ، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾: عذابٌ، ومصيبةٌ، ﴿انْقَلَبَ﴾ ارتَدَّ ﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾: كافرًا (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"دونه\". وقد أوبأت الأرض فهى موبئة، ووبِئَت فهى وبيئة، ووُبِئت أيضًا فهى موبوءة. والوباء: الطاعون والمرض. النهاية ٥/ ١٤٤.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) في م: \"عن أبي\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٤٠٦، وما سيأتي في ص ٥٤٠.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٧٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٦ إلى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":473},{"text":"قال ابن جُرَيجٍ: كان ناسٌ من قبائلِ العربِ وممَّن حولَهم مِن أهلِ القُرَى يقولون: نأتى محمدًا ﷺ، فإن صادَفْنا خيرًا مِن معيشةِ الرزقِ ثَبَتْنا معه، وإلَّا لَحِقْنا بأهلِنا (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾. قال: شَكٍّ، ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر﴾. يقولُ: كثُر مالُه، وكَثُرت ماشيتُه اطْمَأنَّ وقال: لم يُصِبْنى في دينى هذا منذُ دخَلتُه إلَّا خيرٌ، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾. يقولُ: وإن ذهَب مالُه، وذهبَت ماشيتُه، ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ نحوَه (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ الآية: كان ناسٌ من قبائلِ العربِ، وممَّن حولَ المدينةِ مِنَ القُرَى كانوا يقولون: نأتى محمدًا ﷺ فننظرُ في شأنِه، فإن صادَفْنا خيرًا ثَبَتْنا معه، وإِلَّا لَحِقْنا بمنازِلِنا وأهْلِينا، وكانوا يأتُونَه، فيقولون: نحنُ على دينِك. فإن أصابوا معيشةً، ونَتجوا خَيْلَهم، ووَلَدت نساؤهم الغِلْمانَ اطْمَأنُّوا وقالوا: هذا دينُ صدقٍ. وإن تأخَّر عنهم الرِّزقُ، وأَزْلَقت (^٣) خيُولُهم، ووَلَدت نساؤهم البناتِ، قالوا: هذا دينُ سَوْءٍ. فانقَلَبوا على وجوهِهم (١).\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٣٩٦.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٣ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٧ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) أزلقت الفرس والناقة: أسقطت، وهى مزلق، ألقت لغير تمام. اللسان (ز ل ق).","vol":"16","page":474},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾. قال: هذا المنافقُ، إن صَلَحَتْ له دنياه أقامَ على العبادةِ، وإن فَسَدَتْ عليه دنياه وتَغيَّرتْ (^١) انقلَب، ولا يقيمُ على العبادةِ إِلَّا لِما صَلَح مِن دُنياه، وإذا أصابَتْه شدَّةٌ أو فتنةٌ، أو اختبارٌ أو ضيقٌ، ترَك دينَه ورجَع إلى الكُفرِ (^٢).\nوقولُه: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. يقولُ: غَبِن هذا الذي وصَف جلَّ ثناؤه صِفَتَه دُنياه؛ لأنَّه لم يَظْفَرْ بحاجتِه منها بما كان مِن عبادتِه اللَّهَ على الشكِّ، ووَضِع في تجارتِه فلم يَرْبَحْ، ﴿وَالْآخِرَةِ﴾. يقولُ: وخسِر الآخرةَ؛ لأنه (^٣) مُعَذَّبٌ فيها بنارِ اللَّهِ المُوقَدةِ.\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ: وخَسارتُه الدنيا والآخرةَ هي ﴿الْخُسْرَانُ﴾. يعنى: الهلاكُ ﴿الْمُبِينُ﴾. يقولُ: يَبِينُ لمن فكَّر فيه وتدَبَّره أنه قد خسِر الدنيا والآخرةَ.\nواخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته قرأةُ الأمصارِ جميعًا غيرَ حُميدٍ الأعرجِ: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾. على وجهِ المُضِيِّ. وقرَأه حَميدٌ الأعرجُ: (خاسِرَ) (^٤) نصبًا على الحالِ، على مثالِ \"فاعلِ\" (^٥).\n\n<span id=\"aya-2607\"></span><span data-type='title' id=toc-6105>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ت ١: \"نفرت\".\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٣٩٦.\n(^٣) في م: \"فإنه\".\n(^٤) في م: \"خاسرًا\".\n(^٥) وهى قراءة مجاهد وابن محيصن من طريق الزعفرانى وقعنب والجحدرى وابن مقسم. البحر المحيط ٦/ ٣٥٥.","vol":"16","page":475},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: وإن أصابَت هذا الذي يَعْبُدُ اللَّهَ على حرفٍ فتنةٌ، ارْتَدَّ عن دينِ اللَّهِ، يَدْعُو مِن دونِ اللَّهِ آلهةً لا تَضُرُّه إن لم يَعْبُدُها في الدنيا، ولا تَنْفَعُه في الآخرةِ إن عبَدها، ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾. يقولُ: ارتدادُه ذلك داعيًا مِن دونِ اللَّهِ هذه الآلهةَ هو الأخْذُ على غيرِ استقامةٍ، والذَّهابُ عن دينِ اللَّهِ ذَهابًا بعيدًا.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾: يَكْفُرُ بعدَ إيمانِه، ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾.\n\n<span id=\"aya-2608\"></span><span data-type='title' id=toc-6106>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يَدْعو هذا المُنْقَلِبُ على وجهِه مِن أن أصابته فتنةٌ - آلهةً، لَضَرُّها في الآخرةِ له، أقربُ وأسرعُ إليه مِن نفعِها.\nوذُكِر أن ابنَ مسعودٍ كان يَقْرَؤُه: (يَدْعو مَن ضَرُّه أقربُ مِن نفعِه) (^١).\nواختَلَف أهلُ العربيةِ في موضعِ \"مَن\"، فكان بعضُ نحويى البصرةِ يقولُ: موضعُه نصبٌ بـ ﴿يَدْعُوا﴾. ويقولُ: معناه: يَدْعو لَآلهةً ضرُّها أقربُ مِن نفعِها. ويقولُ: هو شاذٌّ؛ لأنه لم يُوجَدْ في الكلامِ: يدعو لَزيدًا.\nوكان بعضُ نحويى الكوفةِ يقولُ: اللامُ مِن صلةِ ما بعدَ \"مَن\". كأن معنى الكلامِ عندَه: يَدْعو مَن لَضرُّه أقربُ مِن نفعِه. وحُكِى عن العربِ سماعًا منها: عندى لمَا غيرُه خيرٌ منه. بمعنى: عندى ما لَغيرُه خيرٌ منه. وأعْطَيْتُك لما غيرُه خيرٌ منه. بمعنى: ما لغيرُه خيرٌ منه. وقال: جائزٌ في كلِّ ما لم يَتَبَيَّنْ فيه الإعرابُ الاعتراضُ باللامِ دونَ الاسمِ.\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٦/ ٣٥٧.","vol":"16","page":476},{"text":"وقال آخرون منهم: جائزٌ أن يكونَ معنى ذلك: ذلك (^١) هو الضلالُ البعيدُ، يَدْعُو. فيكونُ: ﴿يَدْعُوا﴾ صلةَ ﴿الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾، وتُضْمِرُ في ﴿يَدْعُوا﴾ الهاءَ، ثم تَسْتَأْنِفُ الكلامَ باللامِ، فتقولُ: لمن ضرُّه أقربُ مِن نفعِه لَبئس المولى. كقولِك في الكلامِ في مذهبِ الجزاءِ: لما فعَلْتَ لَهو خيرٌ لك.\nفعلى هذا القولِ (مَن) في موضعِ رفعٍ بالهاءِ في قولِه: ﴿ضَرُّهُ﴾؛ لأن \"مَن\" إذا كانت جزاءً فإنما يُعْرِبُها ما بعدَها، واللامُ الثانيةُ في: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾. جوابُ اللامِ الأُولى. وهذا القولُ الآخرُ على مذهبِ العربيةِ أصحُّ، والأولُ إلى مذهبِ أهلِ التأويلِ أقربُ.\nوقولُه: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾. [يقولُ: لبئس ابن العمِّ هذا الذي يَعْبُدُ اللَّهَ على حرفٍ] (^٢)، ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾. يقولُ: ولبئس الخليطُ المُعاشِرُ والصاحبُ هو.\nكما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾. قال: العشيرُ هو المعاشرُ الصاحبُ.\nوقد قيل: عُنِى بالمولى في هذا الموضعِ الوليُّ الناصرُ.\nوكان مجاهدٌ يقولُ: عُنِى بقولِه: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ الوَثَنُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾. قال: الوَثَنُ (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٧٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ص ٢٩٩ (المخطوط المحمودية) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":477},{"text":"<span id=\"aya-2609\"></span><span data-type='title' id=toc-6108>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن اللَّهَ يُدْخِلُ الذين صدَقوا اللَّهَ ورسولَه، وعمِلوا بما أمَرَهم اللَّهُ في الدنيا، وانْتَهَوْا عما نهاهم عنه فيها - ﴿جَنَّاتٍ﴾. يعنى: بساتينَ ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار﴾. يقولُ: تجرى الأنهارُ مِن تحتِ أشجارِها، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. فيُعْطِى ما شاء مِن كرامتِه أهلَ طاعتِه، وما شاء مِن الهَوانِ أهلَ معصيتِه.\n\n<span id=\"aya-2610\"></span><span data-type='title' id=toc-6109>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥) [وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)﴾]</span> (^١).\nاختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالهاءِ التي في قولِه: ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها نبيُّ اللَّهِ ﷺ. فتأويلُه على قولِ بعضِ قائلى ذلك: مَن كان مِن الناسِ يَحْسَبُ أن لن يَنْصُرَ اللَّهُ محمدًا في الدنيا والآخرةِ، فلْيَمْدُدْ بحبلٍ، وهو السببُ، ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾. يعنى: سماءِ البيتِ، وهو سقفُه، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾. السببَ بعدَ الاختناقِ به، ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ﴾ (^٢) اختناقُه ذلك، وقطعُه السببَ بعدَ الاختناقِ، ﴿مَا يَغِيظُ﴾. يقولُ: هل يُذْهِبَنَّ ذلك ما يَجِدُ في صدرِه مِن الغيظِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6107>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى خالدُ بنُ قيسٍ، عن قتادةَ: من\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) بعده في ت ١: \"كيده ما يغيظ\".","vol":"16","page":478},{"text":"كان يَظُنُّ أن لن يَنْصُرَ (^١) اللهُ نبيَّه ولا دينَه ولا كتابَه، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾. يقولُ: بحبلٍ إلى سماءِ البيتِ، فلْيَخْتَنِقْ به، ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي [الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾] (^٢). قال: مَن كان يَظُنُّ أن لن يَنْصُرَ اللَّهُ نبيَّه ﷺ، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾. يقولُ: بحبلٍ إلى سماءِ البيتِ، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾. يقولُ: ثم لْيَخْتَنِقْ، ثم لْيَنْظُرْ هل يُذْهِبَنَّ كيدُه ما يَغِيظُ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ بنحوِه (^٣).\nوقال آخرون ممن قال: الهاءُ في: ﴿يَنْصُرَهُ﴾ مِن ذكرِ اسمِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: السماءُ التي ذُكِرَت في هذا الموضعِ هي السماءُ المعروفةُ. قالوا: معنى الكلامِ ما حدَّثني به يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي [الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾. قال: مَن كان يَظُنُّ أن لن يَنْصُرَ اللَّهُ] (^٤) نبيَّه ﷺ، ويُكايدَ (^٥) هذا الأمرَ ليَقْطَعَه (^٦) عنه ومنه، فلْيَقْطَعْ ذلك مِن أصلِه (^٧) مِن حيثُ يَأْتيه، فإن أصلَه في السماءِ، فلْيَمْدُدْ بسببٍ إلى السماءٍ، ثم لْيَقْطَعْ عن النبيِّ ﷺ الوحىَ الذي يَأْتيه مِن اللَّهِ، فإنه لا\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣: \"ينصره\".\n(^٢) ليست في: ص.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٣ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٧ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) في م، ت ١: \"يكابد\"، وفى ت ٢: \"مكايد\". وبدون نقط في ص.\n(^٦) في ت ٢: \"لقطعه\".\n(^٧) في ص، ت ١، ف: \"أجله\".","vol":"16","page":479},{"text":"يُكايِدُه (^١) حتى يَقْطَعَ أصلَه عنه، فكايَد ذلك حتى قطَع أصلَه عنه، ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾. ما دخَلَهم مِن ذلك، وغاظَهم اللَّهُ به مِن نصرةِ النبيِّ ﷺ وما يَنْزِلُ عليه (^٢).\nوقال آخرون (^٣) ممن قال: الهاءُ التي في قولِه: ﴿يَنْصُرَهُ﴾. مِن ذكرِ محمدٍ ﷺ: معنى النصرِ ههنا الرزقُ. فعلى قولِ هؤلاء تأويلُ الكلامِ: مَن كان يَظُنُّ أن لن يَرْزُقَ اللَّهُ محمدًا في الدنيا، ولن يُعْطِيَه. وذكَروا سماعًا من العربِ: مَن يَنْصُرْنى نصرَه اللَّهُ. بمعنى: مَن يُعْطِنى أعطاه اللَّهُ. وحكَوا أيضًا سماعًا منهم: نصَر المطرُ أرضَ كذا. إذا جادَها وأحْياها. واسْتُشْهِد (^٤) لذلك ببيتِ الفَقْعَسيِّ (^٥):\nوإنَّكَ لا تُعطِى امرَأً فوْقَ حظِّهِ … ولا تَمْلِكُ الشِّقَّ الذي الغيثُ ناصرُهْ\n\n<span data-type='title' id=toc-6110>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: أرأيْتَ قولَه: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾. قال: مَن كان يَظُنُّ أن لن يَنْصُرَ اللَّهُ محمدًا، فلْيَرْبِطْ حبلًا في سقفٍ، ثم لْيَخْتَنِقْ به حتى يموتَ (^٦).\n_________\n(^١) في ص، ف: \"يكابده\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٧ إلى ابن أبي حاتم مختصرا.\n(^٣) ينظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ٢/ ٤٦.\n(^٤) في ت ١: \"واستشهدوا\".\n(^٥) مجاز القرآن ٢/ ٤٧، والتبيان ٧/ ٢٦٥، وتفسير القرطبي ١٢/ ٢٢.\n(^٦) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٨٦ من طريق أبى إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٧ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"16","page":480},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدانيِّ، عن التميميِّ، قال: سأَلْتُ ابنَ عباسٍ عن قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ (^١). قال: أن لن يَرْزُقَهُ اللَّهُ، ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾. والسببُ الحَبْلُ، والسماءُ سقفُ البيتِ، فلْيُعَلِّقْ حبلًا في سماءِ البيتِ، ثم لْيَخْتَنِقْ، ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ هذا الذي صنع ما يَجِدُ مِن الغيظِ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن (^٣) مُطَرِّفٍ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ مِن بنى تميمٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾. قال: سماءِ البيتِ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعْتُ التميميَّ يقولُ: سأَلْتُ ابنَ عباسٍ. فذكَر مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. إلى قولِه: ﴿مَا يَغِيظُ﴾. قال: السماءُ التي أمَر اللَّهُ أن يَمُدَّ إليها بسببٍ، سقفُ\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"في الدنيا والآخرة\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٧ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م: \"بن\". وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٦٢.\n(^٤) تفسير سفيان ص ٢٠٨ مطولا بنحو أثر إسرائيل عن أبي إسحاق. ومن طريقه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٦٠.","vol":"16","page":481},{"text":"البيتِ، أَمَر أن يَمُدَّ إليه بحبلٍ فيَخْتَنِقَ به. قال: فلْيَنْظُرْ هل يُذْهِبَنَّ كيدُه ما يَغِيظُ إذا اخْتَنَق إِن خشِى ألا يَنْصُرَه اللَّهُ!\nوقال آخرون: الهاءُ في ﴿يَنْصُرَهُ﴾ مِن ذكرِ ﴿مَن﴾. وقالوا: معنى الكلامِ: مَن كان يَظُنُّ أن لن يَرْزُقَه اللَّهُ في الدنيا والآخرةِ، فلْيَمْدُدْ بسببٍ إلى سماءِ البيتِ، ثم لْيَخْتَنِقْ، فلْيَنْظُرْ هل يُذْهِبَنَّ فعلُه ذلك ما يَغِيظُ، أنه لا يُرْزَقُ!\n\n<span data-type='title' id=toc-6111>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، [قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا] (^١) عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾. قال: يَرْزُقَه اللَّهُ، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾. قال: بحبلٍ، ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾: سماءِ ما فوقَك، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾: لِيَخْتَنِقْ، هل يُذْهِبَن كيدَه [ذلك خنقُه] (^٢) ألا يُرْزَقَ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾. يَرْزُقَه اللَّهُ، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾. قال: بحبلٍ إلى السماءِ.\nقال ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾: إلى سماءِ البيتِ.\nقال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾. قال: ليَخْتَنِقْ، وذلك\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ٢، ف.\n(^٢) في ت ١: \"ما يغيظ خيفة\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"16","page":482},{"text":"كيدُه، ﴿مَا يَغِيظُ﴾. قال: ذلك خنقُه ألا يَرْزُقه اللَّهُ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾. يعنى: بحبلٍ، ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾. يعنى: سماءِ البيتِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رَجاءٍ، قال: سُئِل عكرمةُ عن قولِه: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾. قال: سماءِ البيتِ، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾. قال: ليَخْتَنِقْ (^٢).\nوأولى ذلك بالصوابِ عندى في تأويلِ ذلك قولُ مَن قال: الهاءُ مِن ذكرِ نبيِّ اللَّهِ ﷺ ودينِه. وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه ذكَر قومًا يَعْبُدونه على حرفٍ، وأنهم يَطْمَئِنُّون بالدينِ إن أصابوا خيرًا في عبادتِهم إياه، وأنهم يَرْتَدُّون عن دينِهم لشدةٍ تُصِيبُهم فيها، ثم أتْبَع ذلك هذه الآيةَ، فمعلومٌ أنه إنما أتْبَعه إياها توبيخًا لهم على ارتدادِهم عن الدينِ، أو على شكِّهم فيه و(^٣) نفاقِهم؛ استبطاءً منهم السَّعةَ (^٤) في العيشِ، أو السُّبوغَ في الرزقِ.\nوإذ كان الواجبُ أن يكونَ ذلك عَقِيبَ الخبرِ عن نفاقِهم، فمعنى الكلامِ إذن، إذ كان ذلك كذلك: مَن كان يَحْسَبُ أن لن يَرْزُقَ اللَّهُ محمدًا ﷺ في الدنيا وأمتَه، فيُوَسِّعَ عليهم مِن فضلِه فيها، ويَرْزُقَهم في الآخرةِ مِن سَنِيِّ عطاياه وكرامتِه؛ اسْتبطاءً منه فعلَ اللَّهِ ذلك به وبهم، فلْيَمْدُدْ بحبلٍ إلى سماءٍ فوقَه - إما سقفِ بيتٍ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٣٩٧.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ت ١: \"السفه\".","vol":"16","page":483},{"text":"أو غيرِه مما يُعَلَّقُ به السببُ مِن فوقِه - ثم ليَخْتَنِقْ إذا اغتاظ مِن بعضِ ما قضَى اللَّهُ، فاسْتَعْجَل انكشافَ ذلك عنه، فلْيَنْظُرْ هل يُذْهِبَنَّ كيدُه اختناقَه، كذلك ما يَغِيظُ، فإن لم يُذْهِبْ ذلك غيظَه، حتى يَأْتىَ اللَّهُ بالفرجِ مِن عندِه فيُذْهِبَه، فذلك (^١) استعجالُه نصرَ اللَّهِ محمدًا ودينَه، لن يُؤَخِّرَ ما قضَى اللَّهُ له مِن ذلك عن ميقاتِه، ولا يُعَجِّلَه (^٢) قبلَ حينِه.\nوقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلَت في أسدٍ وغَطفانَ، تَباطَئوا عن الإسلامِ، وقالوا: نَخافُ ألا يُنْصَرَ محمدٌ ﷺ فيَنْقَطِعَ الذي بينَنا وبينَ حُلفائِنا مِن اليهودِ، فلا يُمِيروننا ولا يَرْوُوننا (^٣). فقال اللَّهُ ﵎ لهم: مَن اسْتَعْجَل مِن اللَّهِ نصرَ محمدٍ، فلْيَمْدُدْ بسببٍ إلى السماءِ فَلْيَخْتَنِقْ فلْيَنْظُرِ استعجالَه بذلك في نفسِه، هل هو مُذْهِبٌ غيظَه؟ فكذلك استعجالُه مِن اللَّهِ نصرَ محمدٍ غيرُ مُقَدِّمٍ نصرَه قبلَ حينِه.\nواختَلَف أهلُ العربيةِ في ﴿مَا﴾ التي في قولِه: ﴿مَا يَغِيظُ﴾؛ فقال بعضُ نحويى البصرةِ: هي بمعنى \"الذي\". وقال: معنى الكلامِ: هل يُذْهِبَنَّ كيدُه الذي يَغِيظُه. قال: وحُذِفَت الهاءُ لأنها (^٤) صلةُ \"الذي\"، لأنه إذا صارًا (^٥) جميعًا اسمًا واحدًا كان الحذفُ أخفَّ.\nوقال غيرُه: بل هو مصدرٌ لا حاجةَ به إلى الهاءِ هل يُذْهِبَنَّ كيدُه غيظَه.\n\n<span id=\"aya-2611\"></span>وقولُه: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكما بيَّنْت\n_________\n(^١) في م: \"فكذلك\".\n(^٢) في م: \"يعجل\".\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"يروننا\"، وفى ت ٢: \"يروينا\". والقصة في البحر المحيط ٦/ ٣٥٥. وفيه: \"أسلم\" بدلًا من \"أسد\".\n(^٤) في ص، ت ٢: \"لأنه\".\n(^٥) في ت ٢، ف: \"صار\".","vol":"16","page":484},{"text":"لكم حُجَجى على مَن جحَد قدرتى على إحياءِ مَن مات مِن الخلقِ بعدَ فَنائِه، فأوْضَحْتُها أيُّها الناسُ - كذلك أنْزَلْنا إلى نبيِّنا محمد ﷺ هذا القرآنَ ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. يعنى: دَلالاتٍ واضحاتٍ، يَهْدِين مَن أراد اللَّهُ هدايتَه إلى الحقِّ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولأن اللَّهَ يُوَفِّقُ للصوابِ ولسبيلِ الحقِّ مَن أراد، أنْزَل هذا القرآنَ آياتٍ بيناتٍ. فـ \"أنَّ\" في موضعِ نصبٍ.\n\n<span id=\"aya-2612\"></span><span data-type='title' id=toc-6112>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن الفصلَ بينَ هؤلاء المنافقين الذين يَعْبُدون اللَّهَ على حرفٍ، والذين أَشرَكوا باللَّهِ فعبَدوا الأوثانَ والأصنامَ، والذين هادوا، وهم اليهودُ، والصابئين والنصارى، والمجوسِ الذين عظَّموا النيرانَ وخدَموها، وبينَ الذين (^١) آمنوا باللَّهِ ورسيله - إلى اللَّهِ، وسيَفْصِلُ بينَهم يومَ القيامةِ بعدلٍ مِن القضاءِ. وفصلُه بينَهم إدخالُه النارَ الأحزابَ كلَّهم، والجنةَ المؤمنين به وبرسلِه، فذلك هو الفصلُ مِن اللَّهِ بينَهم.\nوكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. قال: الصابئون قومٌ يَعْبُدون الملائكةَ، ويُصَلُّون القِبْلةَ، ويَقْرَءون الزَّبُورَ، والمجوسُ يَعْبُدون الشمسَ والقمرَ والنيرانَ، والذين أشرَكوا يَعْبُدون الأوثانَ، والأديانُ ستةٌ؛ خمسةٌ للشيطانِ،\n_________\n(^١) في ص: \"الله\"، وفي ف: \"الله الذين\".","vol":"16","page":485},{"text":"وواحدٌ للرحمنِ (^١).\nوأُدْخِلَت ﴿إِنَّ﴾ في خبرِ ﴿إِنَّ﴾ الأولى لما ذكَرْتُ مِن المعنى، وأن الكلامَ بمعنى الجزاءِ. كأنه قيل: مَن كان على دينٍ مِن هذه الأديانِ، ففَضْلُ ما بينَه وبينَ مَن خالَفه على اللَّهِ. والعربُ تُدْخِلُ أحيانًا في خبرِ \"إنَّ\" \"إنَّ\" إذا كان خبرُ الاسمِ الأولِ في اسمٍ مضافٍ إلى ذكرِه، فتقولُ: إن عبدَ اللَّهِ إن الخيرَ عندَه لَكثيرٌ. كما قال الشاعرُ (^٢):\nإِنَّ الخليفةَ إِنَّ اللَّهَ سَرْبَلَه … سِربالَ مُلْكٍ به تُرْجَى الخواتيمُ\nوكان الفرَّاءُ يقولُ (^٣): مَن قال هذا لم يَقُلْ: إنك إنك قائمٌ. ولا: إن أباك (^٤) إنه قائم. لأن الاسمين قد اخْتَلَفا، فحُسن رفضُ الأولِ وجعلُ الثاني كأنه هو المبتدأُ، فحسُن للاختلافِ، [وقبُح للاتفاقِ] (^٥).\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ على كلِّ شيءٍ مِن أعمالِ هؤلاء الأصنافِ الذين ذكَرهم اللَّهُ جلَّ ثناؤُه، وغيرِ ذلك مِن الأشياءِ كلِّها - شهيدٌ لا يَخفَى (^٦) عنه (^٧) شيءٌ مِن ذلك.\n\n<span id=\"aya-2613\"></span><span data-type='title' id=toc-6113>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ</span>\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٩. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٧٦ (٦٦٢٨) عن الحسن بن يحيى به مقتصرا على أوله، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٢٠٦) عن معمر به مقتصرا على أوله أيضا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٥/ ٢٥٤.\n(^٣) معاني القرآن ٢/ ٢١٨.\n(^٤) في م: \"إياك\".\n(^٥) في ص، ت ٢، ف: \"وفتح بالاتفاق\"، وفى ت ١: \"وقبح باتفاق\".\n(^٦) في ت ١: \"يغيب\".\n(^٧) في ت ٢: \"عليه\".","vol":"16","page":486},{"text":"وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ألم تَرَ [يا محمدُ] (^١) بقلبِك، فتَعْلَمَ أن اللَّهَ يَسْجُدُ له ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ مِن الملائكةِ، ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ مِن الخَلقِ؛ مِن الجنِّ (^٢) وغيرِهم، ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ﴾ في السماءِ، ﴿وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ في الأرضِ، وسجودُ ذلك ظِلالُه حينَ تَطْلُعُ عليه الشمسُ، وحينَ تَزُولُ، إذا تحَوَّل ظلُّ كلِّ شيءٍ فهو سجودُه (^٣).\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾. قال: ظِلالُ هذا كلِّه (^٤).\nوأما سجودُ الشمسِ والقمرِ والنجومِ، فإنه كما حدَّثنا به ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ ومحمدُ بنُ جعفرٍ، قالا: ثنا عوفٌ، قال: سمِعْتُ أبا العاليةِ الرِّياحيَّ يقولُ: ما في السماءِ نجمٌ ولا شمسٌ ولا قمرٌ، إلا يَقَعُ للَّهِ ساجدًا حينَ يَغِيبُ، ثم لا يَنْصَرِفُ حتى يُؤْذَنَ له، فيَأْخُذُ ذات اليمينِ. وزاد محمدٌ: حتى يَرْجِعَ إلى مَطْلَعِه (^٤).\nوقولُه: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾. يقولُ: ويَسْجُدُ كثيرٌ مِن (^٥) بنى آدمَ، وهم المؤمنون باللَّهِ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ف.\n(^٢) بعده في ت ١: \"والإنس\".\n(^٣) في ت ١، ف: \"سجود\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) بعده في ت ٢: \"الناس من\".","vol":"16","page":487},{"text":"مجاهدٍ: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾. قال: المؤمنون (^١).\nوقولُه: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكثيرٌ مِن بنى آدمَ حقَّ عليه (^٢) عذابُ اللَّهِ، فوجَب عليه بكفرِه به، وهو مع ذلك يَسْجُدُ اللَّهِ ظلُّه.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾: وهو يَسْجُدُ مع ظلِّه (١).\nفعلى هذا التأويلِ الذي ذكَرْناه عن مجاهدٍ وقَع قولُه: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾. بالعطفِ على قولِه: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾. ويكونُ داخلًا في عِدادٍ مَن وصَفَه اللَّهُ بالسجودِ له، ويكونُ قولُه: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾. مِن صلةِ: ﴿كَثِيرٌ﴾. ولو كان \"الكثيرُ\" الثاني ممن لم يَدْخُلُ في عِدادٍ مَن وُصِف بالسجودِ، كان مرفوعًا بالعائدِ مِن ذكرِه في قولِه: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾. وكان معنى الكلامِ حينَئذٍ: وكثيرٌ أبَى السجودَ؛ لأن قولَه: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ يَدُلُّ على معصيةِ اللَّهِ وإبائِه السجودَ، فاسْتَحَقَّ بذلك العذابَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6114>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يُهِنْه اللَّهُ مِن خلقِه فيُشْقِه ﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾. بالسعادةِ يُسْعِدُه بها؛ لأن الأمورَ كلَّها بيدِ اللَّهِ، يُوَفِّقُ مَن يَشاءُ لطاعتِه، ويَخْذُلُ مَن يَشاءُ، ويُشْقِى مَن أراد، ويُسْعِدُ مَن أحَبَّ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) بعده في ت ١: \"العذاب أي\"، وبعده في ت ٢: \"العذاب\".","vol":"16","page":488},{"text":"وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِن اللَّهَ يَفْعَلُ في خلقِه ما يَشاءُ مِن إهانةِ مَن أراد إهانتهَ، وإكرامِ مَن أراد كرامتَه؛ لأن الخلقَ خلقُه، والأمرَ أمرُه، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].\nوقد ذُكِر عن بعضِهم أنه قرَأه: (فَمَا لَهُ مِن مُكْرَمٍ) بمعنى: فما له مِن إكرامٍ (^١).\nوذلك قراءةٌ لا أَسْتَجِيزُ القراءةَ بها؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ على خلافِه.\n\n<span id=\"aya-2614\"></span><span data-type='title' id=toc-6116>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾.</span>\nاختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بهذين الخصمين اللذين ذكَرَهما اللَّهُ؛ فقال بعضُهم: أحدُ الفريقين أهلُ الإيمانِ، والفريقُ الآخرُ عبدُة الأوثانِ مِن مُشْركى قريشٍ الذين تَبارَزوا يومَ بدرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6115>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرنا أبو هاشمٍ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن قيسِ بنِ عُبادِ (^٢)، قال: سمِعْتُ أبا ذرٍّ يُقْسِمُ قَسَمًا أن هذه الآيةَ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، نزَلَت في الذين بارَزوا يومَ بدرٍ؛ حمزةَ وعليٍّ وعُبَيدةَ بن الحارثِ، وعتبةَ وشيبةَ ابنى ربيعةَ والوليدِ بن عتبةَ (^٣).\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن أبي عبلة. البحر المحيط ٦/ ٣٥٩.\n(^٢) في م: \"عبادة\". وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٦٤.\n(^٣) أخرجه البخارى (٣٩٦٩، ٣٧٤٣)، ومسلم (٣٠٣٣/ ٣٤)، والنسائى (٨٦٤٩) من طريق هشيم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٨ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"16","page":489},{"text":"قال (^١): وقال عليٌّ: إنى لأوَّلُ - أو مِن أولِ - مَن يَجْثو للخُصومةِ يومَ القيامةِ بينَ يدِى اللَّهِ ﵎ (^٢).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن أبى مجلزٍ، عن قيسِ بن عُبَادٍ، قال: سمِعْتُ أبا ذرٍّ يُقْسِمُ باللَّهِ قسمًا: لَنَزَلَت هذه الآيةُ في ستةٍ مِن قريشٍ؛ حمزةَ بن عبدِ المطلبِ، وعليِّ بن أبى طالبٍ، وعُبَيدةَ بن الحارثِ، ﵃، وعتبةَ بن ربيعةَ، وشيبةَ بن ربيعةَ، والوليدِ بن عتبةَ، ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾. إلى آخرِ الآيةِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. إلى آخرِ الآيةِ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن أبى مجلزٍ، عن قيسِ بن عُبادٍ، قال: سمِعْتُ أبا ذرٍّ يُقْسِمُ. ثم ذكَر نحوَه (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مُحَبَّبٍ (^٥)، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورِ بن المعتمرِ، عن هلالِ بن يِسافٍ، قال: نزَلَت هذه الآيةُ في الذين تَبارَزوا يومَ بدرٍ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (^٦).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءِ بن يَسارٍ، قال: نزَلَت هؤلاء الآياتُ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ\n_________\n(^١) القائل قيس بن عباد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٢٧، والبخارى (٣٩٦٥، ٤٧٤٤)، والنسائى (٨٦٥٠)، والبيهقى في الدلائل ٣/ ٧٣ من طريق أبى مجلز به.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٢٠٩. ومن طريقه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٦٥، والبخارى (٣٩٦٦، ٣٩٦٨)، والبيهقى في دلائل النبوة ٣/ ٧٣.\n(^٤) أخرجه مسلم (٣٠٣٣)، وابن ماجه (٢٨٣٥) من طريق عبد الرحمن به.\n(^٥) في ف: \"مجيب\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٣٦٥.\n(^٦) ينظر فتح البارى ٨/ ٤٤٤.","vol":"16","page":490},{"text":"اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾. في الذين تَبارَزوا يومَ بدرٍ؛ حمزةَ، وعليٍّ، وعُبيدةَ بن الحارثِ، وعتبةَ بن ربيعةَ، وشيبةَ بن ربيعةَ، والوليدِ بن عتبةَ. إلى قولِه: ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾.\nقال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي هاشمٍ، عن أبي مجلزٍ، عن قيسِ بن عُبادٍ (^١)، قال: واللَّهِ لأُنْزِلَت هذه الآيةُ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾. في الذين خرَج بعضُهم إلى بعضٍ يومَ بدرٍ؛ حمزةَ، وعليٍّ، وعُبيدةَ، رحمةُ اللَّهِ عليهم، وشيبةَ، وعتبةَ، والوليدِ بن عتبةَ (^٢).\nوقال آخرون ممن قال: أحدُ الفريقين فريقُ الإيمانِ: بل (^٣) الفريقُ الآخرُ أهلُ الكتابِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6117>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ قالوا للمؤمنين: نحن أولى باللَّهِ وأقدمُ منكم كتابًا، ونبيُّنا قبلَ نبيِّكم (^٤). قال المؤمنون: نحن أحقُّ باللَّهِ، آمَنَّا بمحمدٍ ﷺ، وآمَنَّا بنبيِّكم، وبما أنْزَل اللَّهُ مِن كتابٍ، فأنتم تَعْرِفون كتابَنا ونبيَّنا، ثم ترَكْتُموه وكفَرْتُم به حسدًا. وكان ذلك خصومتَهم في ربِّهم (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"عبادة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٧٩، والبيهقى في دلائل النبوة ٣/ ٧٣ من طريق أبى مجلز به.\n(^٣) في ت ١، ف: \"قل\". وفى ت ٢: \"و\".\n(^٤) بعده في م: \"و\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٩ إلى المصنف وابن مردويه.","vol":"16","page":491},{"text":"وقال آخرون منهم: بل الفريقُ الآخرُ الكفارُ كلُّهم، مِن أيِّ ملةٍ كانوا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6118>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعطاءِ بن أبى رَباحٍ، وأبى قَزَعَةَ، عن الحسنِ (^١)، قال: هم الكافرون والمؤمنون، اخْتَصَموا في ربِّهم (^٢).\nقال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: مثلُ الكافرِ والمؤمنِ. قال ابن جريجٍ: خصومتُهم التي اخْتَصَموا في ربِّهم، خصومتُهم في الدنيا مِن أهلِ كلِّ دينٍ يَرَوْن أنهم أولى باللَّهِ مِن غيرِهم.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ (^٣)، قال: كان عاصمٌ والكلبيُّ يقولان جميعًا في: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾. قال: أهلُ الشركِ والإسلامِ حينَ اخْتَصَموا أيُّهم أفضلُ؟ قال: جعَل الشركَ ملةً (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾. قال: مَثَلُ المؤمنِ والكافرِ، اختصامُهما في البعثِ (^٥).\nوقال آخرون: الخصمان اللذان ذكَرَهما اللَّهُ في هذه الآيةِ الجنةُ والنارُ.\n_________\n(^١) في ص، م: \"الحسين\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٩ إلى المصنف.\n(^٣) في ت ٢، ف: \"عباس\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٢٤٥.\n(^٤) ينظر تفسير القرطبي ١٢/ ٢٦.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":492},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6119>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ في: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾. قال: هما الجنةُ والنارُ اخْتَصَمَتا، فقالت النارُ: خلَقَنى اللَّهُ لعقوبتِه. وقالت الجنةُ: خلَقَنى اللَّهُ لرحمتِه. فقد قصَّ اللَّهُ عليك مِن خبرِهما ما تَسْمَعُ (^١).\nوأولى هذه الأقوالِ عندى بالصواب وأشبهُها بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: عُنِى بالخصمينِ جميعُ الكفارِ مِن أيِّ (^٢) أصنافِ الكفرِ كانوا، وجميعُ المؤمنين. وإنما قلتُ: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنه تعالى ذكرُه ذكَر قبلَ ذلك صِنْفين مِن خلقِه؛ أحدُهما: أهلُ طاعةٍ له بالسجودِ، له والآخرُ: أهلُ معصيةٍ له، قد حقَّ عليه العذابُ، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. ثم قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾. ثم أتْبَع ذلك صفةَ الصِّنْفين كليهما وما هو فاعلٌ بهما، فقال: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾. وقال اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الحج: ٢٣]. فكان بيِّنًا بذلك أن ما بيَن ذلك خبرٌ عنهما.\nفإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ فيما رُوِى عن أبي ذرٍّ في قولِه: إن ذلك نزَل في الذين بارَزوا يومَ بدرٍ؟ قيل: ذلك إن شاء اللَّهُ كما رُوِى عنه، ولكنَّ الآيةَ قد تَنْزِلُ بسببٍ مِن الأسبابِ ثم تكونُ عامَّةً في كلِّ ما كان نظيرَ ذلك السببِ، وهذه من\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٩ إلى المصنف إلى قوله: خلقنى الله لرحمته.\n(^٢) في م: \"أن\".","vol":"16","page":493},{"text":"تلك، وذلك أن الذين تَبارَزوا إنما كان أحدُ الفريقين أهلَ شركٍ وكفرٍ باللَّهِ، والآخرُ أهلَ إيمانٍ باللَّهِ وطاعةٍ له، فكلُّ كافرٍ في حكمِ فريقِ الشركِ منهما في أنه لأهلِ الإيمانِ خَصْمٌ، وكذلك كلُّ مؤمنٍ في حكمِ فريقِ الإيمانِ منهما في أنه لأهلِ الشركِ خصمٌ.\nفتأويلُ الكلامِ: هذان خصمان اختَصَموا في دينِ ربِّهم، واخْتِصامُهم في ذلك مُعاداةُ كلِّ فريقٍ منهما الفريقَ الآخرَ، ومحاربتُه إياه على دينِه.\nوقولُه: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَار﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأما الكافرُ باللَّهِ منهما فإنه يُقَطَّعُ له قميصٌ مِن نُحاسٍ مِن نارٍ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَار﴾. قال: الكافرُ قُطِّعَت له ثيابٌ مِن نارٍ، والمؤمنُ يُدْخِلُه اللَّهُ جناتٍ تَجْرِى مِن تحتِها الأنهارُ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَار﴾. قال: ثيابٌ مِن نُحاسٍ، وليس شيءٌ مِن الآنيةِ أحْمَى وأشدَّ حرًّا منه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الكفارُ قُطِّعَت لهم ثيابٌ مِن نارٍ، والمؤمنُ يُدْخَلُ جناتٍ تَجْرِى مِن تحتِها الأنهارُ (١).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٩ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٤٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":494},{"text":"<span id=\"aya-2615\"></span>وقولُه: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾. يقولُ: يُصَبُّ على رءوسِهم ماءٌ مُغْلًى.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ إسحاقَ الطَّالْقانيُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن سعيدِ بن يزيدَ (^١)، عن أبي السَّمْحِ، عن ابن جُحَيرةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"إن الحَمِيمَ لَيُصَبُّ على رُءُوسِهم، فيَنْفُذُ الجُمْجُمَةَ حتى يَخْلُصَ إلى جَوْفِه، فيَسْلُتُ ما في جَوْفِه حتى يَبْلُغَ قَدَمَيهِ، وهى الصَّهْرُ، ثم يعادُ كما كان\" (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يَعْمَرُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، قال: أخبَرنا سعيدُ بنُ يزيدَ (١)، عن أبي السَّمْحِ، عن ابن جُحَيرةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلِه، إلا أنه قال: \"فيَنْفُذُ الجمجمةَ حتى يَخْلُصَ إلى جَوْفِه، فيَسْلُتُ ما في جَوْفِه\".\n\n<span id=\"aya-2616\"></span>وكان بعضُهم يزعُمُ أن قولَه: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾. مِن المُؤَخَّرِ الذي معناه التقديمُ، ويقولُ: وَجْهُ الكلامِ: فالذين كَفَروا قُطِّعَت لهم ثيابٌ مِن نارٍ، ولهم مَقامِعُ مِن حديدٍ، يُصَبُّ مِن فوقِ رءوسِهم الحميمُ. ويقولُ: إنما وَجَب أن يكونَ ذلك كذلك؛ لأن المَلَكَ يَضرِبُه بالمِقْمَعِ مِن الحديدِ حتى يَنْقُبَ رأسَه، ثم يَصُبُّ فيه الحميمَ الذي انْتَهَى حَرُّه، فيقطَعُ بطنَه. والخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ الذي ذكَرنا، يدُلُّ على خلافِ ما قال هذا القائلُ،\n_________\n(^١) في النسخ: \"زيد\". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ١١/ ١١٨.\n(^٢) أخرجه أحمد ١٤/ ٤٥٢ (٨٨٦٤) عن إبراهيم به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣١٣ - زوائد نعيم)، ومن طريقه الترمذى (٢٥٨٢)، وعبد الله في زوائد الزهد ص ٢٠، والحاكم ٢/ ٣٨٧، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ١٨٢، والبغوى في تفسيره ٥/ ٣٧٤، وفى شرح السنة (٤٤٠٦)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٤٠٢.","vol":"16","page":495},{"text":"وذلك أنه ﷺ أخبرَ أن الحميمَ إذا صُبَّ على رُءُوسِهم نَفَذَ الجمجمةَ حتى يخلُصَ إلى أجْوافِهم، وبذلك جاء تأويلُ أهلِ التأويلِ، ولو كانت المَقَامِعُ قد ثقَبت (^١) رءوسَهم قبلَ صَبِّ الحميمِ عليها، لم يَكُنْ لقولِه ﷺ: \"إنَّ الحميمَ يَنْفُذُ الجُمْجُمَةَ\"، معنًى، ولكنَّ الأمر في ذلك بخلافِ ما قال هذا القائلُ.\nوقولُه: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾. يقولُ: يُذَابُ بالحميمِ الذي يُصَبُّ مِن فوقِ رُءُوسِهم ما في بطونِهم مِن الشُّحُومِ، وتُشْوَى جلودُهم منه فتَتَساقَطُ. والصَّهْرُ هو الإذابةُ، يقالُ منه: صَهَرْتُ الأَلْيَةَ بالنارِ، إذا أذَبْتَها، أصْهَرُها صَهْرًا، ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):\nتَرْوِى لَقًى أُلْقِىَ في صَفْصَفٍ … تَصْهَرُه الشَّمْسُ ولا يَنْصَهِرْ\nومنه قولُ الراجزٍ (^٣):\n* شَكّ السَّفَافِيدِ الشِّوَاءَ المُصْطَهَرْ*.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6120>ذكرُ مِن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾. قال: يُذَابُ إذابةً (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"تثقب\". وفى ت ١: \"نقبت\"، وفى ت ٢: \"بعثت\"، وفى ف: \"بقيت\".\n(^٢) البيت في مجاز القرآن ٢/ ٤٨، واللسان والتاج (ص هـ ر) منسوبا لابن أحمر.\n(^٣) هو العجاج، والرجز في ديوانه ص ٥٥.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٧٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":496},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال ابن جريجٍ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾. قال: ما قُطِّع لهم مِن العذابِ.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾. قال: يُذَابُ به ما في بطونِهم.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَار﴾. إلى قولِه: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾. يقولُ: يُسْقَون ماءً إذا دَخَل بُطُونَهم أذابَها، والجلودَ مع البطونِ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ وهارونَ بن عنترةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ - قال هارونُ: إذا عامَ أهلُ النارِ. وقال جعفرٌ: إذا جاعَ أهلُ النارِ - اسْتَغاثوا بشجرةِ الزقومِ، فيأكُلون منها، فاخْتلَسَت جلودَ وُجُوهِهم، فلو أن مارًّا مَرَّ بهم يَعْرِفُهم، يعرِفُ جلودَ وُجُوهِهم فيها، ثم يُصَبُّ عليهم العَطَشُ، فيَسْتَغِيثون، فيُغاثون بماءٍ كالمُهْلِ، وهو الذي قد انتَهى حَرُّه، فإذا أَدْنَوه مِن أفْوَاهِهِم انْشَوَى مِن حَرَّه لحومُ وُجُوهِهم التي قد سَقَطَت عنها الجلودُ، و﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٤.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٠ إلى المصنف.","vol":"16","page":497},{"text":"بُطُونِهِمْ﴾. [يمشون و] أمعاؤهم] (^١) تساقط و] (^٢) جلودُهم، ثم يُضْرَبون بمَقامِعَ مِن حديدٍ، فيَسْقُطُ كلُّ عُضْوٍ على حيالِه (^٣)، يَدْعُون بالوَيْلِ والثُّبُورِ (^٤).\nوقولُه: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾. تَضْرِبُ رُءُوسَهم بها الخَزَنَةُ إذا أرادوا الخروجَ مِن النارِ حتى تَرْجِعَهم إليها.\n\n<span id=\"aya-2617\"></span>وقولُه: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾. يقولُ: كُلَّما أراد هؤلاء الكفارُ الذين وَصَف اللَّهُ صفتَهم، الخروجَ من النارِ، مما نالَهم مِن الغَمِّ والكَرْبِ، رُدُّوا إليها.\nكما حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا الأعْمشُ، عن أبي ظَبْيانَ، قال: النارُ سوداءُ مُظْلِمةٌ، لا يُضِئُ لَهَبُها ولا جَمْرُها. ثم قَرأ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ (^٥).\nوقد ذُكِر أنهم يُحاوِلون الخروجَ مِن النارِ حينَ تَجيِشُ جهنمُ فتُلْقِى مَن فيها إلى أعلى أبوابِها، فيُريدون الخروجَ، فتُعِيدُهم الخُزَّانُ فيها بالمقَامِعِ، ويقولون لهم إذا ضَرَبوهم بالمقَامعِ: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.\nوعَنَى بقولِه: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: ويقالُ لهم: ذُوقوا عذابَ النارِ.\nوقيل: ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. والمعنى: المُحْرِقُ. كما قيل: العذابُ الأليمُ. بمعنى: المُؤْلِمُ.\n_________\n(^١) في م: \"يعنى أمعاءهم\"، وفى ت ١: \"يمشون بامعائهم\"، وبعده في النسخ: \"و\".\n(^٢) سقط من: النسخ. والمثبت من الحلية والدر المنثور.\n(^٣) في م، ت ٢: \"حاله\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ١٥/ ٢٥٢.\n(^٥) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣١٠)، وابن أبي شيبة ١٣/ ١٥٢، وهناد في الزهد ١/ ١٧٣، وابن أبي الدنيا في صفة النار (١٩)، والحاكم ٢/ ٣٨٧ من طريق الأعمش عن أبي ظبيان عن سلمان. وذكره السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٠ عن سلمان، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر وسعيد بن منصور.","vol":"16","page":498},{"text":"<span id=\"aya-2618\"></span><span data-type='title' id=toc-6121>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ\nأَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأمَّا الذين آمَنوا باللَّهِ ورسولِه فأطاعُوهما بما أمَرهم اللَّهُ به مِن صالحِ الأعمالِ، فإن اللَّهِ يُدْخِلُهم جناتِ عدنٍ تَجْرِى مِن تحتِها الأنهارُ، فيُحَلِّيهم فيها مِن أَساوِرَ مِن ذهبٍ ولؤلوًا (^١).\nواختَلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾؛ فقَرأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ، وبعضُ أهلِ الكوفةِ نَصْبًا مع التي في \"الملائكةِ\" (^٢)، بمعنى: يُحَلَّون فيها أساورَ مِن ذهبٍ ولؤلؤًا، عطفًا باللؤلؤ على موضعِ الأساورِ؛ لأن الأساورَ، وإن كانت مخفوضةً من أجلِ دخولِ ﴿مِنْ﴾ فيها، فإنها بمعنى النصبِ، قالوا: وهي تُعَدُّ في خَطِّ المصحفِ بالألفِ. فذلك دليل على صحةِ القراءةِ بالنصبِ فيه.\nوقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ العراقِ والمِصْرَين: (وَلُؤْلُؤُ) خفضًا، عطفًا على إعرابِ الأساورِ الظاهرِ (^٣).\nواختلَف الذين قَرءوا ذلك كذلك في وَجْهِ إثباتِ الألفِ فيه؛ فكان أبو عمرِو بن العلاءِ، فيما ذُكِر لى عنه، يقولُ: أُثْبِتَت فيه كما أُثْبِتَت في: قالوا، وكالوا.\nوكان الكسائيُّ يقولُ: أثْبَتوها فيه (^٤) للهمزةِ؛ لأن الهمزةَ حرفٌ مِن الحروفِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لؤلؤ\".\n(^٢) سورة الملائكة هي سورة فاطر، وهذه قراءة نافع وأبى جعفر وعاصم. في الموضعين، ووافقهم يعقوب هنا. النشر ٢/ ٢٤٤.\n(^٣) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وحمزة والكسائى وخلف - المصدر السابق.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"منه\".","vol":"16","page":499},{"text":"والقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان، قد قَرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، مُتَّفِقَتا المعنى، صَحيحتا المخرجِ في العربيةِ، فبأيَّتِهما قَرأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقولُه: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾. يقولُ: ولُبُوسُهم التي تَلَى أَبْشَارَهم فيها ثيابٌ حريرٌ.\n\n<span id=\"aya-2619\"></span>وقولُه: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهَداهم ربُّهم في الدنيا إلى شهادةِ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾. قال: هُدُوا إلى الكلامِ الطيبِ؛ لا إلهَ إلا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ، والحمدُ للَّهِ، قال اللَّهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] (^١).\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾. قال: أُلْهِموا (^٢).\nوقولُه: ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وهَداهم ربُّهم في الدنيا إلى طريقِ الربِّ الحميدِ. وطريقُه دينُه دينُ الإسلامِ الذي شَرَعه لخلقِه، وأمَرهم أن يَسْلكوه.\n\"والحميدُ\" فَعِيلٌ، صُرِف مِن مفعولٍ إليه، ومعناه: أنه محمودٌ عندَ أوليائِه مِن خلقِه، ثم صُرِفَ مِن محمودِ إلى حميدٍ.\n\n<span id=\"aya-2620\"></span><span data-type='title' id=toc-6122>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٠ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٣٠ - من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٠ إلى ابن المنذر.","vol":"16","page":500},{"text":"وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين جَحَدوا توحيدَ اللَّهِ وكَذَّبوا رسولَه (^١)، وأنكَروا ما جاءَهم به من عندِ ربِّهم، ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ويَمْنَعون الناسَ عن دينِ اللَّهِ أن يدخُلوا فيه، وعن المسجدِ الحرامِ الذي جعَله اللَّهُ للناسِ الذين آمَنوا به كافةً، لم يَخْصُصْ منهم (^٢) بعضًا دونَ بعضٍ، ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾. يقولُ: معتدلٌ في الواجبِ عليه من تَعْظيمِ حُرْمةِ المسجدِ الحرامِ، وقضاءِ نُسُكِه به، والنزولِ فيه حيث شاء، ﴿الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ وهو المُقِيمُ به، ﴿وَالْبَادِ﴾ وهو المُنْتابُ إليه مِن غيرِه.\nواختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ وهو المُقيمُ فيه، ﴿وَالْبَادِ﴾، في أنه ليس أحدُهما بأحقَّ بالمَنْزِلِ فيه مِن الآخَرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6123>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن يزيدَ بن أبى زيادٍ، عن ابن سابِطٍ، قال: كان الحُجاجُ إذا قدِموا مكةَ، لم يَكُنْ أحدٌ مِن أهلِ مكةَ بأحقَّ بمنزلِه منهم، وكان الرجلُ إذا وجَد سَعَةً نزَل، ففَشا فيهم السَّرَقُ، وكلُّ إنسانٍ يَسْرِقُ مِن ناحيتِه، فاصْطَنَعَ رجلٌ بابًا، فأرسَل إليه عمرُ: أَتَّخَذْتَ بابًا مِن حُجاجِ بيتِ اللَّهِ؟ فقال: لا، إنما جعَلتُه ليَحْرُزَ متاعَهم. وهو قولُه: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾. قال: البادِ فيه كالمُقيمِ، ليس أحدٌ أحقَّ بمنزلِه مِن أحدٍ إلا أن يكونَ أحدٌ سَبَقَ إلى منزل (^٣).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٣: \"رسله\".\n(^٢) في م، ت ١، ف: \"منها\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٧٩، ٨٠ من طريق يزيد به مختصرا.","vol":"16","page":501},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ بشارِ، قال ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ، قال: قلتُ لسعيدِ بن جُبَيرٍ: أَعْتَكِفُ بمكةَ؟ قال: أنت عاكِفٌ. وقَرأ: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عمن ذكَره، عن أبي صالحٍ: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾. العاكِفُ أهلُه، والبادِ المَنْتابُ في المنزلِ سواءً (^٢).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾. يقولُ: ينزلُ أهلُ مكةَ وغيرُهم في المسجدِ الحرامٍ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾. قال: العاكِفُ فيه المُقِيمُ بمكةَ، والبادِ الذي يأتيه، هم فيه سواءٌ في البيوتِ (٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾. سواءً فيه أهلُه وغيرُ أهلِه.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿سَوَاءً\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٢٠٩. وهو في تفسير مجاهد ص ٤٧٨ عن قيس بن الربيع عن أبي حصين بلفظ: أعتكف في المسجد الحرام؟ قال: أنت معتكف ما دمت بمكة … وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٠، ٣٥١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٤٠٥.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٤.","vol":"16","page":502},{"text":"الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾. قال: أهلُ مكةَ وغيرُهم في المنازلِ سواءً (^١).\nوقال آخرون في ذلك نحوَ الذي قُلنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6124>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قولَه: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ (^٢). قال: الساكِنُ، ﴿وَالْبَادِ﴾: الجانبُ، سواءٌ حَقُّ اللَّهِ عليهما فيه (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾. قال: الساكِنُ، ﴿وَالْبَادِ﴾: الجانبُ. قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾. قالا: مِن أهلِه، ﴿وَالْبَادِ﴾: الذين يأتونه مِن غيرِ أهلِه، هما في حُرْمتِه سواءٌ (^٤).\nوإنما اخترنا القولَ الذي اختَرنا في ذلك؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه ذَكَر في أوَّلِ الآيةِ صَدَّ مَن كفَر به مَن أرادَ مِن المؤمنين قضاءَ نُسُكِه في الحرمِ عن المسجدِ الحرامِ، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. ثم ذَكَر جلَّ ثناؤُه صفةَ المسجدِ الحرامِ، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾. فأخبَر جل ثناؤه أنه جعَله للناس كلِّهم، [والكافرون] (^٥) به يمنَعون مَن أرادَه مِن المؤمنين به عنه، ثم قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٧٩ عن جرير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) بعده في ت ١: \"والباد\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٧٨.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٠ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٥) في م: \"فالكافرون\".","vol":"16","page":503},{"text":"﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾. فكان معلومًا أن خبَرَه عن اسْتواءِ العاكفِ فيه والبادِ إنما هو في المعنى الذي ابتَدأ اللَّهُ الخبرَ عن الكفارِ (^١) أنهم صدُّوا عنه المؤمنين به، وذلك لا شَكَّ طَوافُهم، وقضاءُ مناسكِهم به، والمقامُ، لا الخبرُ عن ملِكهم إياه وغيرِ ملكِهم.\nوقيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فعطَف بـ ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ وهو مُسْتَقبَلٌ على ﴿كَفَرُوا﴾ وهو ماضٍ؛ لأن الصَّدَّ بمعنى الصفةِ لهم والدَّوامِ.\nوإذ كان ذلك معنى الكلامِ، لم يَكُنْ إلا بلفظِ الاسمِ أو الاسْتقبالِ، ولا يكونُ بلفظِ الماضي. وإذا كان ذلك كذلك كان معنى الكلامِ: إن الذين كفَروا مِن صفتِهم الصَّدُّ عن سبيلِ اللَّهِ، وذلك نظيرُ قولِ اللَّهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨].\nوأما قولُه: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾. فإن قرأةَ الأمْصارِ على رفعِ (سواءٌ) بـ \"العاكفِ\"، و\"العاكفِ\" به (^٢)، وإعمالِ ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ في الهاءِ المتصلةِ به، واللامِ التي في قولِه: ﴿لِلنَّاسِ﴾. ثم استأنَفَ الكلامَ بـ \"سواء\"، وكذلك تفعلُ العربُ بـ \"سواء\"، إذا جاءتْ بعدَ حرفٍ قد تَمَّ الكلامُ به، فتقولُ: مَرَرْتُ برجلٍ سواءٌ عندَه الخيرُ والشرُّ. وقد يجوزُ في ذلك الخَفْضُ، وإنما يُخْتَارُ الرفعُ في ذلك لأن \"سواء\" في مذهبِ \"واحد\" عندَهم فكأنهم قالوا: مَرَرْتُ برجلٍ واحدٌ عندَه الخيرُ والشرُّ. وأما مَن خَفَضَه، فإنه يوجِّهُه إلى: معتدل عندَه الخيرُ والشرُّ. ومَن قال ذلك في \"سواء\" فاسْتأنفَ به ورفَع (^٣)، لم يَقُلْه في \"معتدل\"؛ لأن \"معتدل\" فعلٌ مُصَرَّحٌ، و\"سواء\" مصدرٌ، فإخراجُهم إياه إلى الفعلِ كإخراجِهم \"حَسْب\" في\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"به\".\n(^٢) وهى قراءة السبعة، غير عاصم في رواية حفص فإنه قرأ بالنصب. السبعة لابن مجاهد ص ٤٣٥.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"و\".","vol":"16","page":504},{"text":"قولِهم: مَرَرْتُ برجلٍ حَسْبِك مِن رجلٍ. إلى الفعلِ.\nوقد ذُكِر عن بعضِ القرأةِ أنه قرَأه: ﴿سَوَاءً﴾، نصبًا على إعمالِ ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ فيه. وذلك وإن كان له وَجْهٌ في العربيةِ، فقراءةٌ لا أستجِيزُ القراءةَ بها؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ على خلافِه (^١).\nوقولُه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يُرِدْ فيه إلحادًا بظُلْمٍ نُذِقْه مِن عذابٍ أليمٍ. وهو أن يَمِيلَ في البيتِ الحرامِ بظلمٍ.\nوأُدخِلت الباءُ في قولِه: ﴿بِإِلْحَادٍ﴾. والمعنى فيه ما قلتُ، كما أُدخِلت في قولِه: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، والمعنى: تَنْبُتُ الدُّهْنَ. كما قال الشاعرُ (^٢):\nبوادٍ يَمَانٍ يُنْبِتُ الشَّثَّ صَدْرُهُ … وأسْفَلُه بالمرْخِ والشَّبَهانِ\nوالمعنى: وأسفلُه يُنْبِتُ المَرْخَ والشَّبَهانَ. وكما قال أعْشَى بنى ثَعْلبةَ (^٣):\nضَمِنَتْ برِزْقِ عِيَالِنَا أَرْماحُنا … بيَن المَراجِلِ والصَّرِيحِ الأجْرَدا\nبمعنى: ضَمِنَت رزْقَ عِيالِنا أرماحُنا. في قولِ بعضِ نحويِّى البصريِّين، وأما بعضُ نحويِّى الكوفيِّين، فإنه كان يقولُ (^٤): أُدخلت الباءُ فيه لأن تأويلَه: ومَن يُرِدْ بأن يَلْحَدَ فيه بظُلْمٍ. وكان يقولُ: دخولُ الباءِ في \"أنْ\" أسهلُ منه في \"إلحادٍ\" وما أشْبَهَه؛ لأن \"أنْ\" تُضْمَرُ الخَوافِضُ معها كثيرًا، وتكونُ كالشَّرْطِ فاحتَمَلت دخولَ الخافضِ وخروجَه؛ لأن الإعرابَ لا يَتَبَيَّنُ فيها، وقلَّ (^٥) في\n_________\n(^١) قراءة النصب متواترة كقراءة الرفع.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٥/ ٥١٣.\n(^٣) ديوانه ص ٢٣١.\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٢٢.\n(^٥) في النسخ: \"قال\". والمثبت من معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٢٢.","vol":"16","page":505},{"text":"المصادرِ لتَبَيُّن الرفعِ والخفضِ فيها. قال: وأنشَدنى أبو الجَرَّاحِ:\nفلمَّا رَجَتْ بالشّرْبِ هَزَّ لها العَصَا (^١) … شَحِيحٌ له عندَ الأَداءِ نَهِيمُ\nوقال امرؤُ القيسِ (^٢):\nألَا هَلْ أتاها والحوادثُ جَمَّةٌ … بأنَّ امرأَ القَيْسِ بنَ تَمْلِكَ بَيْقرا (^٣)\nقال: فأدخَل الباءَ على \"أن\" وهى في موضعِ رفعٍ، كما أدخَلها على \"إلحادٍ\" وهو في موضعِ نصبٍ. قال: وقد أدخَلوا الباءَ على \"ما\" إذا أرادوا بها المصدرَ، كما قال الشاعرُ (^٤):\nألَمْ يَأْتِيكَ والأنباءُ تَنْمِى … بما لاقَتْ لَبُونُ بنى زِيادِ\nوقال: وهو في \"ما\" أقلُّ منه في \"أن\"؛ لأن \"أن\" أقلُّ شَبَهًا بالأسماءِ مِن \"ما\". قال: وسمِعتُ أعرابيًّا مِن ربيعةَ وسألتُه عن شيءٍ، فقال: أرجو بذاك. يريدُ: أرجو ذاك.\nواختَلف أهلُ التأويلِ في معنى \"الظلم\" الذي مَن أرادَ الإلحادَ به في المسجدِ الحرامِ أذاقَه اللَّهُ مِن العذابِ الأليمِ؛ فقال بعضُهم: ذلك هو الشركُ باللَّهِ وعبادةُ غيرِه به. أي: بالبيتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6125>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"العطا\".\n(^٢) ديوانه ص ٣٩٢.\n(^٣) بيقر الرجل: هاجر من أرض إلى أرض، وبيقر: خرج إلى حيث لا يدرى، وبيقر: نزل الحضر وأقام هناك وترك قومه بالبادية، وخص بعضهم به العراق، وقول امرئ القيس: يحتمل جميع ذلك. اللسان (ب ق ر).\n(^٤) هو قيس بن زهير، والبيت في الكتاب ٣/ ٣١٦، ونوادر أبى زيد ص ٢٠٣، والخزانة ٨/ ٣٦١.","vol":"16","page":506},{"text":"قولَه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾. يقولُ: بشِرْكٍ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عَنْسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن (^٢) القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾. قال (^٣): هو أن يُعْبَدَ فيه غيرُ اللَّهِ (^٤).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمانَ، عن أبيه، قال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾. قال: هو الشركُ، من أشرَك في بيتِ اللَّهِ عَذَّبه اللَّهُ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٥).\nوقال آخرون: هو اسْتِحلالُ الحرامِ فيه أو رُكُوبُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6126>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. يعنى: أن تَسْتَحِلَّ مِن الحرامِ ما حَرَّم اللَّهً عليك مِن لسانٍ أو قتلٍ، فتَظْلِمَ مَن لا يَظْلِمُك، وتَقتُلَ مَن لا يقتُلُك، فإذا فعَل ذلك فقد وجَب له عذابٌ أليمٌ (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بن\". ينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٣٣٨.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥١ إلى المصنف.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٤. وأخرجه البيهقى في الشعب (٤٠١٥) من طريق سعيد، عن قتادة.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥١ إلى المصنف.","vol":"16","page":507},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾. قال: يعملُ فيه عملًا سَيِّئًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ ونصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ، قالا: ثنا المحارِبيُّ، عن سفيانَ، عن السُّدِّيِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: ما مِن رجلٍ يَهُمُّ بسيئةٍ فتُكتَبَ عليه، ولو أن رجلًا [بِعَدَنِ أَبْيَنَ] (^٢) هَمَّ أن يقتُلَ رجلًا بهذا البيتِ، لأذاقَه اللَّهُ مِن العذابِ الأليمِ (^٣).\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا شعبةُ، عن السُّدِّيِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ - قال مجاهدٌ: قال يزيدُ: قال لنا شعبةُ: رفَعه، وأنا لا أرفَعُه لك - في قولِ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. قال: لو أن رجلًا هَمَّ فيه بسيئةٍ وهو بِعَدَنِ أَبْينَ، لأذاقَهُ اللَّهُ عذابًا أليمًا (^٤).\nحدَّثنا الفضلُ بنُ الصباحِ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن أبيه، عن الضحاكِ بنِ مزاحمٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾. قال: إن الرجلَ ليَهُمُّ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٧٩.\n(^٢) في م: وبعد أن بين\". وتقدم تعريف عدن أبين في ص ٣٩٧.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٢٠٩، ٢١٠: ومن طريقه إسحاق بن راهويه - كما في المطالب ٨/ ٦٢٩، ٦٣٠ (٤٠٤٦) - والحاكم ٢/ ٣٨٧.\n(^٤) أخرجه أحمد ٧/ ١٥٥ (٤٠٧١)، والبزار (٢٠٢٤)، وأبو يعلى (٥٣٨٤)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٤٠٧ - والحاكم ٢/ ٣٨٨ من طريق يزيد بن هارون به، وأخرجه الطبراني (٩٠٧٨) من طريق السدى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥١ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.","vol":"16","page":508},{"text":"بالخطيئةِ بمكةَ وهو في بلدٍ آخَرَ ولم يعمَلْها، فتكتَبُ عليه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾. قال: الإلحادُ الظلمُ في الحرمِ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك الظُّلْمِ، اسْتحلالُ الحرمِ مُتَعَمِّدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6127>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ (^٢)، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿بِإِلْحَادٍ بِظُلْم﴾. قال: الذي يريدُ اسْتِحلالَه مُتَعَمِّدًا. ويقالُ: الشِّرْكُ (^٣).\nوقال آخرون: بل ذلك احتكارُ الطعامِ بمكةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6128>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني هارونُ بنُ إدريسَ الأصَمُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحارِبيُّ، عن أَشْعَثَ، عن حبيبِ بن أبى ثابتٍ في قولِه ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. قال: هم المُحْتَكِرون الطعامَ بمكةَ (^٤).\nوقال آخرون: بل ذلك كلُّ ما كان مَنْهيًّا عنه مِن الفعلِ، حتى قولِ القائلِ: لا واللَّهِ، وبلى واللَّهِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٢ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) بعده في ت ١: \"عن مجاهد\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(^٤) عزاء السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥١ إلى المصنف.","vol":"16","page":509},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6129>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ (^١)، قال: كان له فُسْطاطان؛ أحدُهما في الحِلِّ، والآخرُ في الحرمِ، فإذا أرادَ أن يُعاتِبَ أهلَه عاتَبهم في الحِلِّ (^٢)، فسُئِل عن ذلك، فقال: كُنَّا نُحدَّثُ أن مِن الإلحادِ فيه أن يقولَ الرجلُ: كلا واللَّهِ، وبلى واللَّهِ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن أبي رِبْعيٍّ، عن الأعمشِ، قال: كان عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ (^٤) يقولُ: لا واللَّهِ، وبلى واللَّهِ، مِن الإلحادِ فيه.\nقال أبو جعفرٍ: وأَولى الأقوالِ التي ذكَرناها في تأويلِ ذلك بالصوابِ القولُ الذي ذكَرناه عن ابن مسعودٍ وابنِ عباسٍ، مِن أنه معنيٌّ بالظُّلْمِ في هذا الموضعِ كلُّ معصيةٍ للَّهِ. وذلك أن اللَّهَ عَمَّ بقولِه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾. ولم يَخْصُصْ به ظلمًا (^٥) دونَ ظلمٍ في خبرٍ ولا عقلٍ، فهو على عمومِه. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلام: ومَن يُرِدْ في المسجدِ الحرامِ بأن يَمِيلَ بظلمٍ، فيَعْصِيَ اللَّهَ فيه، نُذِقه يومَ القيامةِ مِن عذابٍ مُوجِعٍ له.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف، وابن أبي شيبة: \"عمرو\".\n(^٢) في ت ٢، ف: \"الآخر\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٢٨٥ (القسم الأول من الجزء الرابع) عن محمد بن جعفر به. وأخرجه أحمد بن منيع - كما في المطالب العالية (٤٠٤٧) - من طريق منصور به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٢ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤) في م: \"عمرو\".\n(^٥) في م: \"ظلم\".","vol":"16","page":510},{"text":"وقد ذُكِر عن بعضِ القرأةِ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (وَمَنْ يَرِدْ فِيهِ) بفتح الياءِ (^١)، بمعنى: ومن يَرِدْه بالحادٍ. من: وَرَدْتُ المكانَ أَرِدُه. وذلك قراءةٌ لا تَجُوزُ القراءةُ عندى بها؛ لخلافِها ما عليه الحجةُ مِن القرأةِ مجمعةٌ، مع بُعدِها مِن فصيحِ كلامِ العربِ، وذلك أنَّ \"يَرِدْ\" فعلٌ واقعٌ، يقالُ منه: هو يَرِدُ مكانَ كذا، أو بلدةَ كذا، غدًا. ولا يقالُ: يَرِدُ في مكانِ كذا.\nوقد زعَم بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ أن طَيِّئًا تقولُ: رغِبتُ فيك. تريدُ: رَغِبتُ بك. وذَكر أنَّ بعضَهم أَنشَده بيتًا له (^٢):\nوأَرْغَبُ فيها عن لَقِيطٍ ورَهْطِه … ولَكنني عن سِنْبِسٍ لستُ أرغبُ\nبمعنى: وأرغبُ بها. فإن كان ذلك صحيحا كما ذكرنا، فإنه يجوزُ في الكلامِ، فأما القراءةُ به فغيرُ جائزةٍ؛ لِما وصفتُ.\n\n<span id=\"aya-2621\"></span><span data-type='title' id=toc-6130>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ، مُعْلِمَه عظيمَ ما ركِب قومُه مِن قُرَيشٍ خاصَّةً دونَ غيرِهم مِن سائرِ خَلْقِه، بعبادتِهم في حَرَمِه والبيتِ الذي أَمَر إبراهيمَ خَليلَه ﵇ ببنائِه وتطهيرِه مِن الآفاتِ والرِّيَبِ والشركِ: واذكُرْ يا محمدُ كيف ابْتَدَأْنا هذا البيتَ الذي يَعْبُدُ قومُك فيه غيرى، إذ بوَّأْنا لخليلِنا إبراهيمَ. يعنى بقولِه: ﴿بَوَّأْنَا﴾: وَطَّأْنا له مكانَ البيتِ.\nكما حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾. قال: وضَع اللَّهُ البيتَ مع آدمَ ﵇ حينَ أَهْبَط آدمَ إلى الأرضِ، وكان مَهْبِطُه بأرضِ الهندِ، وكان رأسُه في\n_________\n(^١) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٢٣، والبحر المحيط ٦/ ٣٦٣.\n(^٢) سقط من: م، والبيت تقدم في ١٣/ ٦٠٨.","vol":"16","page":511},{"text":"السماءِ ورِجْلاه في الأرضِ، فكانت الملائكةُ تَهابُه، فنَقَص إلى ستين ذِراعًا، وإن آدم لمَّا فقَد أصواتَ الملائكةِ وتسبيحَهم، شَكا ذلك إلى اللهِ، فقال اللهُ: يا آدمُ، إنى قد أهْبَطْتُ لك بيتًا يُطافُ به كما يُطافُ حولَ عرشِى، ويُصَلَّى عندَه كما يُصلَّى حولَ عرشِى، فانْطَلِقْ إليه، فخرَج إليه، ومُدَّ له في خَطْوِه، فكان بيَن كلِّ خُطْوَتَيْن مَفازةٌ، فلم تَزَل تلك المَفاوِزُ على ذلك، حتى أتى آدمُ البيتَ، فطافَ به ومَنْ بعدَه مِن الأنبياءِ (^١).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا عَهِد اللهُ إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾، انْطَلَق إبراهيمُ حتى أتَى مكةَ، فقام هو وإسماعيلُ، وأَخَذا المَعاوِلَ لا يَدْرِيان أين البيتُ، فَبَعَثَ اللَّهُ رِيحًا يقالُ لها: ريحُ الخَجُوجِ. لها جَناحان ورأسٌ، في صورةِ حَيَّةٍ، فَكَنَسَتْ لهما ما حولَ الكعبةِ عن أساسِ البيتِ الأوَّلِ، واتَّبَعَاها بالمَعاوِلِ يَحْفِران، حتى وَضَعا الأساسَ، فذلك حيَن يقولُ: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ (^٢).\nويعنى بـ \"البيتِ\" الكعبةَ.\n﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ في عبادتِك إياىَ، ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ الذي بَنَيْتَه مِن عبادةِ الأوثانِ.\nكما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾. قال: مِن الشركِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ، عن عُبيدِ بن عُميرٍ، قال: مِن الآفاتِ والرِّيَبِ (^٣).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٢/ ٥٥٢.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٢/ ٥٥٨.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٢/ ٥٣٣.","vol":"16","page":512},{"text":"حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥]. قال: مِن الشركِ وعبادةِ الأوثانِ (^١).\nوقولُه: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾. يعني: للطائفِين به. ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾. بمعنى المُصَلِّين الذين هم قيامٌ في صلاتِهم.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾. قال: القائمون في الصلاةِ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾. قال: القائمون المُصَلُّون (^٣).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾. قال: القائمُ والراكعُ والساجدُ هو المُصَلِّي، والطائفُ هو الذي يَطوفُ به.\nوقولُه: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. يقولُ: والرُّكَّعُ السُّجودُ في صلاتِهم حولَ البيتِ.\n\n<span id=\"aya-2622\"></span><span data-type='title' id=toc-6131>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا</span>\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٢/ ٥٣٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٤ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٦.","vol":"16","page":513},{"text":"اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وعَهِدْنا إليه أيضًا أن ﴿أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾. يعنى بقولِه: ﴿وَأَذِّنْ﴾: فأَعْلِمْ ونادِ في الناسِ، أن حُجُّوا أيها الناسُ بيتَ اللَّهِ الحرامَ. ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾. يقولُ: فإنَّ الناسَ يَأْتون البيتَ الذي تَأْمُرُهم بِحَجِّه مُشَاةً على أرجُلِهم، ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾. يقولُ: ورُكْبانًا على كلِّ ضامِرٍ؛ وهي الإبلُ المَهَازِيلُ، ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. يقولُ: تَأْتى هذه الضَّوامِرُ ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. يقولُ: مِن كلِّ طريقٍ ومكانٍ ومَسْلَكٍ بعيدٍ.\nوقِيلَ: ﴿يَأْتِينَ﴾، فجَمَع؛ لأنه أُرِيد بـ ﴿كُلِّ ضَامِرٍ﴾، النُّوقُ. ومعنى \"الكلِّ\" الجَمْعُ. فلذلك قِيلَ: ﴿يَأْتِينَ﴾.\nوقد زعَم الفَرَّاءُ (^١) أنه قليلٌ في كلامِ العربِ: مَرَرْتُ على كلِّ رجلٍ قائِمِينَ. قال: وهو صوابٌ.\nوقولُ اللَّهِ: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ﴾. يُنبئُ عن صحةِ جَوازِه.\nوذُكِر أَنَّ إبراهيمَ صلواتُ اللَّهَ عليه لَمَّا أمَرَه اللَّهُ بالتَّأْذِينِ بالحجِّ، قام على مَقامِه فنادَى: يأيُّها الناسُ، إنَّ اللَّهَ كَتَب عليكم الحجَّ فحُجُّوا بيتَه العتيقَ.\nوقد اخْتُلِف في صفةِ تَأْذِينِ إبراهيمَ بذلك؛ فقال بعضُهم: نادَى بذلك كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا فرَغ إبراهيمُ مِن بِناءِ البيتِ، قيلَ له: أذِّن في الناسِ بالحجِّ. قال: ربِّ، وما يَبْلُغُ\n_________\n(^١) معاني القرآن ٢/ ٢٢٤.","vol":"16","page":514},{"text":"صَوْتى؟ قال: أذِّنْ وعليَّ البَلاغُ. فنادَى إبراهيمُ: أيها الناسُ، كُتِب عليكم الحجُّ إلى البيتِ العتيقِ فحُجُّوا. قال: فسَمِعَه ما بيَن السماءِ والأرضِ، أفلا تَرَى الناسَ يَجِيئون مِن أَقْصَى الأَرضِ يُلبُّون (^١)؟\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضِيلِ بن غَزْوانَ الضَّبِّيُّ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا بَنَى إبراهيمُ البيتَ، أوْحَى اللَّهُ إليه أن أذِّنْ في الناسِ بالحجِّ. قال: فقال إبراهيمُ: ألا إن ربَّكم قد اتَّخذ بيتًا، وأمَرَكم أن تَحُجُّوه. فاسْتَجاب له ما سَمِعَه مِن شيءٍ؛ مِن حجرٍ وشجرٍ، أو أكَمَةٍ أو ترابٍ أو شيءٍ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضِحٍ، قال: ثنا ابن واقِدٍ، عن أبي الزُّبيرِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾. قال: قام إبراهيمُ خليلُ اللَّهِ على الحَجرِ، فنادَى: يأيُّها الناسُ كُتب عليكم الحجُّ. فَأَسْمَعَ مَن في أصْلابِ الرِّجالِ وأَرْحامِ النساءِ، فأجابَه مَن آمَن ممَّن سبَق في علمِ اللَّهِ أَن يَحُجَّ إلى يوم القيامةِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾. قال: وَقَرَتْ في قلبِ كلِّ ذكرٍ وأُنثَى (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥١٨، والحاكم ٢/ ٣٨٨، والبيهقى ٥/ ١٧٦ من طريق جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٤ إلى ابن منيع وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٠، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٥٢، والبيهقى ٥/ ١٧٦، وفى الشعب (٣٩٩٨)، وفى الدلائل ٢/ ٥٤ من طريق عطاء به.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٠، ٢٦١.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٤ إلى المصنف.","vol":"16","page":515},{"text":"حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: لمَّا فرَغ إبراهيمُ مِن بناءِ البيتِ، أَوْحَى اللَّهُ إليه أن أذِّنْ في الناسِ بالحجِّ. قال: فخرَج فنادَى في الناسِ: يأيُّها الناسُ، إن ربَّكم قد اتَّخَذ بيتًا، فحُجُّوه. فلم يَسْمَعْه يومئذٍ مِن إنسٍ ولا جِنٍّ، ولا شجرٍ ولا أَكَمَةٍ، ولا ترابٍ ولا جبلٍ، ولا ماءٍ ولا شيءٍ، إلا قال: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ (^١).\nقال: ثنا حكامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قام إبراهيمُ على المَقامِ حينَ أُمِر أن يُؤَذِّنَ في الناسِ بالحجِّ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾. قال: قام إبراهيمُ على مقامِه فقال: يأيُّها الناسُ أجِيبوا ربَّكم. فقالوا: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. فمَن حَجَّ اليومَ فهو ممَّن أَجاب إبراهيمَ يومَئذٍ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عَدِيٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ بن خالدٍ المَخْزوميِّ، قال: لمَّا فرَغ إبراهيمُ ﵇ مِن بناءِ البيتِ قام على المقامِ فنادَى نداءً سَمِعَه أهلُ الأرضِ: إن ربَّكم قد بنَى لكم بيتًا فحُجُّوه. قال داودُ: فأَرْجُو مَن حَجَّ اليومَ مِن إجابةِ إبراهيمَ ﵇ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن أبي عاصمٍ الغَنَويِّ، عن أبي الطُّفيلِ، قال: قال ابن عباسٍ: هل تَدْري كيف\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٤ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩١٠٠)، والبيهقى في الشعب (٤٠٠٠)، من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٤. إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"16","page":516},{"text":"كانت التَّلْبِيةُ؟ قلتُ: وكيف كانت التلبيةُ؟ قال: إن إبراهيمَ لمَّا أُمِر أن يُؤَذِّنَ في النَّاسِ بالحجِّ، خَفَضَتْ له الجبالُ رءوسَها، ورُفِعَتِ القُرى، فأذَّنَ في الناسِ (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾. قال إبراهيمُ: كيف أقولُ يا ربِّ؟ قال: قُلْ: يا أيها الناسُ اسْتَجِيبوا لربِّكم. قال: فوَقَرَتْ في قلبِ كلِّ مؤمنٍ (^٢).\nوقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ، عن مجاهدٍ، قال: قِيلَ لإبراهيمَ: أذِّنْ في الناس بالحجِّ. قال: يا ربِّ، كيف أقولُ؟ قال: قُلْ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. قال: فكانت أوَّلَ التَّلْبِيَةِ (^٣).\nوكان ابن عباسٍ يقولُ: عنَى بـ \"الناسِ\" في هذا الموضعِ أهلَ القِبْلةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6132>ذكرُ الرِّوايةِ بذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾: يعنى بـ \"الناسِ\" أهل القِبلةِ، ألم تَسْمَعْ أنه قال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾. إلى قولِه: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧]. يقولُ: ومَن دخَله مِن الناسِ الذين أُمِر أن يُؤَذِّنَ فيهم وكُتِب عليهم الحجُّ، فإنه آمِنٌ، فَعَظِّموا حُرُماتِ اللَّهِ تعالى،\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٦٢٨) عن حجاج به، وأخرجه الطيالسي (٢٨٢٠) - ومن طريقه البيهقى ٥/ ١٥٣ - وأحمد ٤/ ٤٣٦ (٢٧٠٧)، والبيهقى في الشعب (٤٠٧٧). من طريق حماد به، وهو مطول في هذه المصادر.\n(^٢) أخرجه البيهقى في الشعب (٣٩٩٩) من طريق جرير به، وهو في تفسير سفيان ص ٢١٠، ٢١١ عن منصور به، وفيه: وقرت في نفس كل مسلم.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"16","page":517},{"text":"فإنها مِن تقوى القلوبِ (^١).\nوأما قولُه: و﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾. فإن أهلَ التأويلِ قالوا فيه نحوَ قولِنا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾. قال: مُشاةً (^٢).\nقال: ثنا الحسيُن، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الحجاجِ بنِ أَرْطَاةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ما آسَى على شيءٍ فاتَنى، إلا ألَّا أكونَ حَجَجْتُ ماشيًا، سَمِعتُ اللهَ يقولُ: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ (^٣).\nقال: ثنا الحسيُن، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى نجَيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: حجَّ إبراهيمُ وإسماعيلُ ماشِيَينْ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾. قال: على أَرْجُلِهم (^٥).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٥ إلى المصنف إلى قوله: كتب عليهم الحج.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٥ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٩٧، ٩٨، والبيهقي ٤/ ٣٣١ من طرق عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٥ إلى ابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٩٨، والأزرقى فى أخبار مكة ١/ ٣٤ من طريق سفيان به.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦ عن معمر به.","vol":"16","page":518},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:؟ ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾. قال: الإِبلِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾. قال: الإبلِ.\nحدَّثنى نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِىُّ، قال: ثنا المحُاربىُّ، عن عمرَ بن ذَرٍّ، قال: قال مجاهدٌ: كانوا لا يَرْكَبون، فأَنْزَل اللَّهُ: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾. قال: فأَمَرَهم بالزادِ، ورخَّص لهم في الرُّكوبِ والمَتْجَرِ (^٢).\nوقولُه: ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾.\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. يَعْنى (^٣): مكانٍ بعيدٍ (٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. قال: بعيدٍ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. قال: مكانٍ بعيدٍ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثله (^٤).\n\n<span id=\"aya-2623\"></span>وقولُه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"المنافعِ\" التي ذكَرها اللَّهُ فى هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هى التجارةُ ومنافعُ الدنيا.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٥ إلى المصنف.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٣/ ٤٨٣.\n(^٣) بعده في م: \"من\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٦.","vol":"16","page":519},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن عاصمٍ، عن أبى رَزِينٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. قال: هى الأسواقُ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن أبى حمزةَ، عن جابرٍ، عن الحَكَمِ (^٢)، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: تجارةً.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمِ بنِ بَهْدَلَةَ، عن أبى رَزينٍ فى قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. قال: أسواقَهم (^٣).\nقال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن واقدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. قال: التجارةَ (^٤).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيَانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن سفيانَ، عن واقدٍ، عن سعيدٍ بنِ جبيرٍ مثله.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمَانٍ، عن سفيانَ، عن واقدٍ، عن سعيدٍ مثلَه.\nحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا شَيْبانُ (^٥)، عن عاصمِ بنِ أبى النُّجُودِ، عن أبى رَزينٍ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. قال: الأسواقَ.\nوقال آخرونَ: هى الأجرُ في الآخرةِ، والتجارةُ في الدنيا.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٢) فى م: \"بن\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٧٩.\n(^٤) تفسير سفيان ص ٢١١.\n(^٥) فى م، ت ١، ت ٢، ف: \"سنان\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٥٩٢.","vol":"16","page":520},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ وسَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قالا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. قال: التجارةَ وما يُرْضِى اللَّهَ مِن أمرِ الدنيا والآخرةِ (^١).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: ثنا إسحاقُ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمَانٍ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: ثنا سفيانُ (^٢)، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن أبى بشرٍ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. قال: الأجرَ فى الآخرةِ، والتجارةَ في الدنيا.\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\nوقال آخرون: بل هي العفوُ والمغفرةُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمَانٍ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن أبى جعفرٍ:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦ عن سفيان به، وهو في تفسير سفيان ص ٢١١ بنحوه دون قوله: التجارة.\n(^٢) كذا في النسخ، وتقدم مثل هذا الإسناد ليس فيه ذكر سفيان، ينظر ٣/ ٣٥٨، ٤٥٧، ٤٧٣، ٥/ ٦١٩.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٧٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٦ إلى عبد بن حميد","vol":"16","page":521},{"text":"﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. قال: العفوَ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى أبو تُميلةَ، عن أبى حمزةَ، عن جابرٍ، قال: قال محمدُ بنُ علىٍّ: مغفرةً (^٢).\nوأَوْلَى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عنَى بذلك: ليَشْهَدوا منافعَ لهم مِن العملِ الذى يُرْضى اللهَ، والتجارةِ. وذلك أن اللهَ عمَّ ﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. جميعَ ما يَشْهَدُ له الموسمَ، ويَأْتى له مكةَ أيامَ الموسمِ؛ مِن منافعِ الدنيا والآخرةِ، ولم يَخْصُصْ مِن ذلك شيئًا مِن منافعِهم بخبرٍ ولا عقلٍ، فذلك على العمومِ في المنافعِ التي وَصَفتُ.\nوقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكى يَذْكُروا اسمَ اللهِ على ما رزَقَهم مِن الهدايا والبُدْنِ التي أهْدَوْها؛ من الإبلِ والبقرِ والغنمِ، ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾، وهُنَّ أَيامُ التَّشْرِيقِ، فى قولِ بعضِ أهلِ التأويلِ، وفى قولِ بعضِهم، أيامُ العَشْرِ، وفى قولِ بعضِهم، يومُ النَّحْرِ وأيامُ التشريقِ.\nوقد ذَكَرْنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فى ذلك بالرواياتِ، وبَيَّنّا الأَوْلَى بالصوابِ منها في سورةِ \"البقرة\" (^٣)، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه فى هذا الموضعِ، غير أَنِّى أذكُرُ بعضَ ذلك أيضًا في هذا الموضعِ.\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾: يَعْنى\n_________\n(^١) ذكره البغوى في تفسيره ٥/ ٣٧٩.\n(^٢) ذكره الطوسى فى التبيان ٧/ ٢٧٥.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٣/ ٥٣٦ وما بعدها.","vol":"16","page":522},{"text":"أيامَ التَّشريقِ (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ فى قولِه: ﴿أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾: يعنى أيامَ التَّشْرِيقِ، ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ يعنى البُدْنَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾. قال: أيامُ العَشْرِ، والمعدوداتُ أيامُ التشريقِ (^٢).\nوقولُه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾. يقولُ: كُلُوا مِن بَهَائِمِ الأَنْعَامِ التى ذَكَرْتم اسمَ اللَّهِ عليها أيها الناسُ هُنالك.\nوهذا الأمرُ مِن الله جلَّ ثناؤُه أمرُ إباحةٍ لا أمرُ إيجابٍ؛ وذلك أنه لا خلافَ بينَ جميعِ الحُجَّةِ أن ذابحَ هَدْيِه أو بَدَنَتِه هنالك، إن لم يَأْكُلْ مِن هديِه ذلك أو بَدَنَتِه، أنه لم يُضَيَّعْ له فرضًا للهِ كان واجبًا عليه، فكان معلومًا بذلك أنه غيرُ واجبٍ.\nذكرُ الرِّوايةِ عن بعضِ مَن قال ذلك مِن أهلِ العلمِ\nحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ قولَه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. قال: كان لا يَرَى الأكلَ منها واجبًا.\nحدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن مجاهدٍ أنه قال: هي رخصةٌ، إن شاءَ أكَل، وإن شاء لم يَأْكُلْ، وهى كقولِه: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٦ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٧ عن معمر به.","vol":"16","page":523},{"text":"فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] يَعْنى قولَه:؟ ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (^١).\nقال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا مُغِيرةُ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾. قال: هى رخصةٌ، فإن شاءَ أكَل، وإِن شاءَ لم يَأْكُلْ (^٢).\nقال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حجاجٌ، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾. قال: هى رخصةٌ، فإن شاء أكَلَها، وإن شاء لم يَأْكُلْ.\nحدَّثنى علىُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حُصينٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾. قال: إنما هي رخصةٌ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير﴾. يقولُ: وأَطْعِموا مما تَذْبَحون أو تَنْحَرون هنالك، مِن بهيمةِ الأنعامِ، مِن هَدْيِكم وبُدْنِكم، البائسَ، وهو الذى به ضُرُّ الجوعِ والزَّمانَةِ (^٤) والحاجةِ، والفقيرَ الذى لا شيءَ له.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ٥/ ٢٤١ من طريق حصين به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٦ إلى عبد بن حميد\nوابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤١٢ عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٦ إلى عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) الزَّمانة: العاهة. اللسان (ز م ن).","vol":"16","page":524},{"text":"الْفَقِيرَ﴾: يعنى الزَّمِنَ الفقيرَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾: الذي يَمُدُّ إليك يَدَيْه (^٢).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. قال: هو القانِعُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخبَرنى عمرُ بنُ عطاءٍ، عن عكرمةَ، قال: ﴿الْبَائِسَ﴾: المضطرَّ الذى عليه البُؤْسُ، ﴿الْفَقِيرَ﴾: المُتَعَفِّف (^٣).\nقال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْبَائِسَ﴾: الذي يَبْسُطُ يَدَيْهِ.\n\n<span id=\"aya-2624\"></span>وقولُه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم لْيَقْضوا ما عليهم مِن مَناسِكِ حَجِّهم؛ مِن حلقِ شعرٍ، وأخْذِ شارِبٍ، ورَمْىِ جَمْرَةٍ، وطَوافٍ بالبيتِ.\nوبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ أبى الشَّوارِبِ، قال: ثنى يزيدُ، قال: أخبَرنا الأشعثُ بنُ سَوَّارٍ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٦ إلى المصنف.\n(^٢) في ف: \"يده\".\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٧ عن معمر به، وأخرجه البيهقى ٩/ ٢٩٤ من طريق ابن أبى نجيح، عن مجاهد: وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٧ إلى ابن أبى حاتم وابن المنذر.","vol":"16","page":525},{"text":"نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أنه قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. قال: ما عليهم (^١) فى الحجِّ.\nحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنى الأشعتُ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: التَّفَتُ؛ المناسكُ كلُّها (^٢).\nقال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال فى قولِه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. قال: التفَتُ؛ حَلْقُ الرأسِ، وأخذٌ مِن الشاريَيْن، ونَتْفُ الإبِطِ، وحلْقُ العَانَةِ، وقصُّ الأَظْفارِ، والأخذُ مِن العارِضَيْنِ، ورمىُ الجِمارِ، والمَوقِفُ بعَرَفَةَ والمُزْدَلِفَةِ (^٣).\nحدَّثنا حُميدٌ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا خالدٌ، عن عكرِمةَ، قال: التفتُ؛ الشَّعَرُ والظُّفُرُ (^٤).\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن خالدٍ، عن عكرمةَ مثلَه.\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى أبو صخرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظىِّ أنه كان يقولُ فى هذه الآيةِ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾: رمىُ الجمِارِ، وذبحُ الذَّبيِحةِ، وأخذٌ مِن الشاربَيْن واللَّحيةِ والأَظْفارِ، والطَّوافُ بالبيتِ وبالصَّفا والمَرْوةِ (^٥).\n_________\n(^١) فى م: \"هم عليه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٨٤ من طريق الأشعث به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٣٥٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٨٥ من طريق عبد الملك به بنحوه، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٣٥٧ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم بنحوه.\n(^٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٨٤ من طريق خالد به.\n(^٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٨٤ من طريق موسى بن عقبة، عن محمد بن كعب بلفظ آخر.","vol":"16","page":526},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ أنه قال فى هذه الآيةِ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. قال: هو حلقُ الرأسِ. وذكَر أشياءَ مِن الحجِّ، قال شعبةُ: لا أَحْفَظُها.\nقال: ثنا ابنُ أبى عَدِيٍّ، عن شُعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. قال: حلقُ الرأسِ، وحلقُ العانةِ، وقصُّ الأظفارِ والشاربِ (^١)، ورمىُ الجمارِ، وقصُّ اللَّحيةِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه لم يقُلْ فى حديثِه: وقصُّ اللحيةِ (^٣).\nحدَّثنى نصرُ بنُ عبدِ الرحمن الأَوْدِىُّ، قال: ثنا المُحاربىُّ، قال: سمِعتُ رجلًا يسألُ ابنَ جُريجٍ عن قولِه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. قال: الأخذُ مِن اللحيةِ ومِن الشاربِ، وتقليمُ الأظفارِ، ونتفُ الإبطِ، وحلقُ العانةِ، ورمىُ الجمارِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسيُن، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا منصورٌ، عن الحسنِ، وأخبرنا جُويبرٌ، عن الضَّحاكِ، أنهما قالا: حلقُ الرأسِ.\nحُدِّثتُ عن الحسيِن، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾: يعنى: حلقَ الرأسِ.\n_________\n(^١) فى م، ت ٢: \"وقص الشارب\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٨٠، وأخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٨٤ من طريق عثمان بن الأسود، عن مجاهد بلفظ آخر، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم بنحوه.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٢١١ عن ليث، عن مجاهد بهذا اللفظ وزاد: ونتف الإبط.","vol":"16","page":527},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: التفثُ؛ حلقُ الرأسِ، وتقليمُ الظُّفُرِ (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. يقولُ: نُسُكَهم (^٢).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. قال: التفثُ؛ حُرْمُهم (^٣).\nحدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. قال: يعنى بالتفثِ وضعَ إحرامِهم؛ مِن حلقِ الرأسِ، ولُبسِ الثيابِ، وقصِّ الأظفارِ، ونحوِ ذلك (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، قال: التفثُ؛ حلقُ الشعرِ، وقصُّ الأظفارِ والأخذُ من الشاربِ، وحلقُ العانةِ، وأمرُ الحجِّ كلُّه (^٥)\nوقولُه: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾. يقولُ: ولْيُوفوا اللهَ بما نَذَروا مِن هَدىٍ وبدَنَةٍ وغيرِ ذلك.\nوبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nحدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾: نحرَ ما نذَروا مِن البُدنِ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٧ عن معمر به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤١٣ عن عكرمة، عن ابن عباس.\n(^٣) الحُرْم: الإحرام. القاموس المحيط (ح ر م).\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤١٣ عن على، عن ابن عباس، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٣٥٧ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٨٤ من طريق أبى خالد عن عطاء بنحوه.","vol":"16","page":528},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾: نذرَ الحجِّ والهَديِ، وما نذَر (^١) الإنسانُ مِن شيءٍ يكونُ في الحجِّ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾. قال: نذر الحجِّ والهَدى، وما نذَر الإنسانُ على نفسِه من شيٍ يكونُ فى الحجِّ.\nوقولُه: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. يقولُ: وليطَّوَّفوا ببيتِ اللهِ الحرامِ.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى قولِه: ﴿الْعَتِيقِ﴾ فى هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: قِيلَ ذلك لبيتِ اللهِ الحرامِ؛ لأن الله أعتَقَه من الجبابرةِ أن يصِلوا إلى تخريبِه وهدمِه.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزُّهريِّ، أن ابنَ الزُّبيرِ قال: إنما سُمِّى البيتَ العتيقَ لأن اللهَ أعتقَه مِن الجبابرةِ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن ابن الزُّبير مثلَه (^٣).\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ينذر\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٨٠.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٧.","vol":"16","page":529},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: إنما سُمِّى العتيقَ لأنه أُعتِق من الجبابرةِ (^١).\nقال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: عَتَق (^٢) مِن الجبابرةِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: أعتَقَه اللهُ من الجبابرةِ. يعنى الكعبةَ (^٤).\nوقال آخرون: قيل له: عتيقٌ لأنه لم يَملِكْه أحدٌ مِن الناسِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عُبيدٍ، عن مجاهدٍ، قال: إنما سُمِّى البيتَ العتيقَ لأنه ليس لأحدٍ فيه شيءٌ (^٥).\nوقال آخرون: سُمِّي بذلك لقِدمِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الْبَيْتِ\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد -كما في تغليق التعليق ٣/ ٨٧ - من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١١ من طريق نصر بن عدى، عن مجاهد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"أعتق\".\n(^٣) ينظر تفسير البغوى ٥/ ٣٨٢، وتفسير ابن كثير ٥/ ٤١٤، وهو في تفسير سفيان ص ٢١٢ من قوله وزاد: ليس لأحد فيه شيء.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٨٠.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٧ عن سفيان به.","vol":"16","page":530},{"text":"الْعَتِيقِ﴾. قال: العتيقُ القديمُ؛ لأنه قديمٌ، كما يُقالُ: السيفُ العتيقُ. لأنه أوَّلُ بيتٍ وُضِع للناسِ، بناه آدمُ، وهو أولُ مَن بناه، ثم بوَّأ اللهُ موضعَه لإبراهيمَ بعدَ الغرقِ، فبناه إبراهيمُ وإسماعيلُ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: ولكلِّ هذه الأقوالِ التي ذَكَرناها عمَّن ذكرناها عنه في قولِه: ﴿الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ -وجهٌ صحيحٌ، غيرَ أن الذى قاله ابنُ زيدٍ أغلبُ مَعانيهِ عليه في الظاهرِ، غيرَ أن الذى رُوِيَ عن ابنِ الزُّبيرِ أُولَى بالصِّحةِ، إن كان ما حدَّثني به محمدُ ابنُ سهلٍ البخاريُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: أخبَرني الليثُ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ خالدِ بنِ مُسافرٍ، عن الزُّهريِّ، عن محمدِ بنِ عُرُوةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إنما سُمِّى البيتَ العتيقَ [لأن اللهَ] (^٢) أعتَقَه مِن الجبابرةِ، فلم يُظهَرْ عليه قطُّ\" (^٣) - صحيحًا.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال الزُّهريُّ: بَلَغنا أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"إنما سُمِّى البيتَ العتيقَ لأنَّ اللهَ أعْتَقَه\". ثم ذكَر مثلَه (^٤).\nوعُنى بالطُّوافِ الذى أَمَر جلَّ ثناؤُه حاجَّ بيتِه العتيقِ به في هذه الآيةِ، طوافُ الإفاضةِ الذى يُطافُ به بعدَ التعريف؛ إما يوم النحرِ، وإمَّا بعدَه، لا خلافَ بينَ أهلِ التأويلِ في ذلك.\n_________\n(^١) ينظر تفسير البغوى ٥/ ٣٨٢، وتفسير ابن كثير ٥/ ٤١٤.\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"لأنه\".\n(^٣) أخرجه البخارى فى التاريخ الكبير ١/ ٢٠١، والترمذى (٣١٧٠)، والطبراني في الكبير (٢٦٢)، والحاكم ٢/ ٣٨٩، والبيهقى فى الدلائل ١/ ١٢٥، وفى الشعب ٣/ ٤٤٣ (٤٠١٠)، من طريق عبد الله صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٧ إلى ابن مردويه.\n(^٤) أخرجه الترمذى عقب حديث (٣١٧٠) من طريق عقيل، عن الزهري.","vol":"16","page":531},{"text":"ذكرُ الروايةِ عن بعضِ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عمرُو بنُ سعيدٍ القُرشيُّ، قال: ثنا الأنصاريُّ، عن أشعثَ، عن الحسنِ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: طوافُ الزيارةِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا خالدٌ، ثنا الأشعثُ، أن الحسنَ قال في قولِه: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: الطوافُ الواجبُ.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: يعنى زيارةَ البيتِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن حجاجٍ وعبدِ الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: طوافُ يومِ النحرِ.\nحدَّثني أبو عبدِ الرحمنِ البَرقيُّ، قال: ثنا عمرُو بن أبي سَلَمَةَ، قال: سألتُ زُهيرًا عن قولِ اللهِ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: طوافُ الوَداعِ (^٢).\nواختَلَفَت القَرَأةُ فى قراءة هذه الحروفِ؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ بتسكينِ اللامِ في كلِّ ذلك (^٣)؛ طَلَبَ التَّخفيف، كما فعَلوا فى \"هو\" إذا كانت قبلَها واوٌ، فقالوا: (وهْوَ عَليمٌ بذاتِ الصُّدُورِ) [الحديد: ٦] فسكَّنوا الهاءَ (^٤). وكذلك يفعَلون في لامِ الأمرِ إذا كان\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٧ إلى المصنف وابن المنذر ثم قال: ولفظ ابن جرير هو: طواف الزيارة يوم النحر.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٢/ ٥٢ عن المصنف.\n(^٣) وبالتسكين فيها كلها قرأ عاصم وحمزة والكسائي، وبالكسر فيها كلها قرأ ابن عامر، وبكسر اللام من (ثم ليقضوا) قرأ نافع وابن كثير -في رواية عنهما- وأبو عمرو، وقرءوا -نافع وابن كثير وأبو عمرو- بتسكين اللام من (وليوفوا)، (وليطوفوا). ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤٣٤، ٤٣٦.\n(^٤) وهي قراءة أبي عمرو ونافع -في رواية إسماعيل وقالون- والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ٩٣.","vol":"16","page":532},{"text":"قبلَها حرفٌ من حروفِ النَّسَقِ؛ كالواوِ والفاءِ و\"ثُمَّ\"، وكذلك قرأتْ عامةُ قرأةِ أهلِ البصرةِ، غيرَ أن أبا عمرِو بنَ العلاءِ كان يَكسِرُ اللامَ مِن قولِه: (ثم لِيَقْضُوا). خاصَّةً من أجلِ أن الوقوفَ على (ثُمَّ) دونَ (ليقضُوا) حسنٌ، وغيرُ جائزِ الوقوفُ على الواوِ والفاءِ. وهذا الذى اعتَلَّ به أبو عمرٍو لقراءتِه عِلَّةٌ حسنةٌ مِن جهةِ القياسِ، غيرَ أن أكثرَ القرأةِ على تَسكينِها.\nوأولَى الأقوالِ بالصوابِ فى ذلك عندى أن التسكينَ فى لامِ ﴿لْيَقْضُوا﴾. والكسرَ، قِراءَتانِ مَشهورَتانِ، ولُغتانِ سائِرَتانِ، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ، غيرَ أن الكسرَ فيها خاصَّةً أقيَسُ؛ لِمَا ذَكَرنا لأبي عمرٍو من العلةِ، لأن مَن قرَأ: (وهْو عليمٌ بذاتِ الصُّدورِ)، (وهْو). بتسكينِ الهاءِ مع الواوِ والفاءِ، يُحرِّكُها فى قولِه: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١]. فذلك الواجبُ عليه أن يفعلَ فى قولِه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. فيُحرِّكُ اللامَ إلى الكسرِ مع \"ثم\"، وإن سَكَّنَها في قولِه: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾.\nوقد ذُكِر عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلميِّ والحسنِ البصريِّ تحريكُها مع \"ثم\" والواوِ، وهى لغةٌ مشهورةٌ، غيرَ أن أكثرَ القرأةِ مع الواوِ والفاءِ على تسكِينها، وهى أشهرُ اللُّغتين فى العربِ وأفصحُها، فالقراءةُ بها أعجَبُ إليَّ مِن كسرِها.\n\n<span id=\"aya-2625\"></span><span data-type='title' id=toc-6133>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذا الذي أمر به مِن قضاءِ التَّفثِ، والوفاءِ بالنُّذورِ، والطوافِ بالبيتِ العتيقِ، وهو الفرضُ الواجبُ عليكم أيُّها الناسُ فى حجِّكم، ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾. يقولُ:","vol":"16","page":533},{"text":"ومَن يَجتنِبْ ما أمَره اللهُ باجتنابِه في حالِ إحرامِه تعظيمًا منه لحدودِ اللهِ أن يُواقِعَها وحُرَمِه أَن يَستَحِلَّها - فهو خيرٌ له عندَ ربِّه في الآخرةِ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ فى قولِه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾. قال: الحُرمةُ: مكةُ والحجُّ والعُمرةُ، وما نَهى اللهُ عنه مِن مَعاصيه كلِّها.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلهَ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾. قال: الحُرُماتُ؛ المَشعَرُ الحرامُ، والبيتُ الحرامُ، والمسجدُ الحرامُ، والبلدُ الحرامُ، هؤلاء الحُرماتُ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وأحلَّ اللهُ لكم أيُّها الناسُ الأنعامَ أن تأكُلُوها إذا ذكَّيتموها (^٣)، فلم يحرِّمْ عليكم منها بحيرةً، ولا سائبةً، ولا وصيلةً، ولا حاميًا، ولا ما جعلتموه منها لآلهتِكم، ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: إلا ما يُتلى عليكم فى كتابِ الله؛ وذلك: الميتةُ، والدَّمُ، ولحمُ الخنزيرِ، وما أُهلِ لغيرِ اللهِ به، والمنخنقةُ، والموقوذةُ، والمتردِّيةُ، والنطيحةُ، وما أكَل السَّبُعُ، وما ذُبح على النُّصُبِ، فإنَّ ذلك كلَّه رجسٌ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٨٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٨ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٨ إلى المصنف.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ف: \"ركبتموها\".","vol":"16","page":534},{"text":"كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. قال: إلا الميتةَ، وما لم يُذكَرِ اسمُ اللهِ عليه.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^١).\nوقولُه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾. يقولُ: فاتَّقوا عبادةَ الأوثانِ، وطاعةَ الشيطانِ في عبادتِها، فإنها رجسٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾. يقولُ: اجتنِبوا طاعةَ الشيطانِ فى عبادةِ الأوثانِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ في قولِه: ﴿الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾. قال: عبادةَ الأوثانِ.\nوقولُه: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واتَّقوا قولَ الكذِبِ والفريةَ على اللهِ بقولِكم فى الآلهةِ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. وقولِكم للملائكةِ: هى بناتُ اللهِ. ونحوِ ذلك من القولِ، فإنَّ ذلك كذبٌ وزورٌ وشركٌ باللهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٧، ٣٨.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٨ إلى المصنف.","vol":"16","page":535},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَوْلَ الزُّورِ﴾. قال: الكذبَ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾: يعنى الافتراءَ على اللهِ والتكذيبَ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن وائلِ بنِ ربيعةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: تُعدَلُ شهادةُ الزورِ بالشركِ. وقرأَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن عاصمٍ، عن وائلِ بنِ ربيعةَ، قال: عَدَلَت شهادةُ الزورِ الشركَ. ثم قرأ هذه الآيةَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٨٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٩ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٨، ٣٥٩ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٥٣٩٥)، وابن أبي شيبة ٧/ ٢٥٧، والطبراني (٨٥٦٩)، والبيهقي في الشعب (٤٨٦٢) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٩ إلى المصنف والفريابي وسعيد ابن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والخرائطى فى المكارم.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٢٥٩ عن أبي بكر به.","vol":"16","page":536},{"text":"حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثنا سفيانُ العُصفُريُّ، عن أبيه، عن خُريمِ بن فاتكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"عُدِلتْ شَهَادَةُ الزُورِ بالشِّركِ باللهِ\". ثم قَرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مروانُ بن معاويةَ، عن سفيانَ العُصفريِّ، عن فاتِكِ ابنِ فَضالةَ، عن أيمنَ بنِ خُريمٍ، أن النبيَّ ﷺ قام خطيبًا فقال: \"أيُّها النَّاسُ عُدِلت، شَهادةُ الزُّورِ بالشِّركِ باللهِ\". مرَّتين، ثم قرأ رسولُ اللهِ ﷺ: \" ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ \" (^١).\nويجوزُ أن يكونَ مرادًا به: اجتنِبوا أن تَرجُسوا أنتم أيُّها الناسُ من الأوثانِ بعبادتِكم إياها.\nفإن قال قائلٌ: وهل من الأوثانِ ما ليس برِجسٍ حتى قيل: فاجتنبوا الرجسَ منها؟ قيل: كلُّها رجسٌ. وليس المعنَى ما ذهبتَ إليه في ذلك، وإنما معنَى الكلامِ: فاجتنبوا الرجسَ الذى يكونُ من الأوثانِ، أى عبادتَها. فالذى أمَر جلَّ ثناؤه به (^٢) بقولِه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ﴾ منها، اتقاءُ عبادِتها، وتلك العبادةُ هي الرجسُ على ما قاله ابنُ عباسٍ ومن ذكَرنا قولَه قبلُ.\n\n<span id=\"aya-2626\"></span><span data-type='title' id=toc-6134>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا</span>\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٧٨، ٢٣٣، ٣٢٢ (الميمنية)، والترمذى (٢٢٩٩) من طريق مروان بن معاوية به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٢٥٧، ٢٥٨، وأحمد ٤/ ٣٢١ (الميمنية)، وأبو داود (٣٥٩٩)، وابن ماجه (٢٣٧٢)، والطبراني (٤١٦٢)، والبيهقى ١٠/ ١٢١، وفى الشعب (٤٨٦١) من طريق سفيان العصفري به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) سقط من: م، ت ٢.","vol":"16","page":537},{"text":"خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: اجتنبوا أيُّها الناسُ عبادةَ الأوثانِ وقولَ الشركِ، مستقيمين للهِ على إخلاصِ التوحيدِ له، وإفرادِ الطاعةِ والعبادةِ له، خالصًا دونَ الأوثانِ والأصنامِ، غيرَ مشركين به شيئًا من دونِه؛ فإنه من يُشركْ باللهِ شيئًا من دونِه فمثَلُه فى بعدِه من الهدى وإصابةِ الحقِّ وهلاكِه وذَهابِه عن ربِّه، مثلُ مَن خرَّ من السماءِ، فتخطفُه الطيرُ فهلَك، أو هَوَتْ به الريحُ في مكانٍ ﴿سَحِيقٍ﴾. يعني: بعيدٍ. من قولِهم: أبعدَه اللهُ وأسحَقَه. وفيه لغتان: أسحقَته الريحُ، وسحقَته. ومنه قيل للنخلةِ الطويلةِ: نخلةٌ سحوقٌ، ومنه قولُ الشاعرِ (^١):\nكانتْ لنا جارَةٌ فَأَزعَجَها … قاذُورَةٌ تُسحِقُ النَّوَى قُدُما\nويُروى: تَسحَقُ.\nيقولُ: فهكذا مثلُ المشركِ (^٢) باللهِ فى بُعدِه من ربِّه، ومن إصابةِ الحقِّ، كبُعدِ هذا الواقعِ من السماءِ إلى الأرضِ، أو كهلاكِ (^٣) من اختطفتْه الطيرُ منهم في الهواءِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لمن أشرَك باللهِ في بُعدِه من الهُدَى وهلاكِه، ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾.\n_________\n(^١) تهذيب اللغة ٤/ ٢٤، واللسان والتاج (س ح ق).\n(^٢) فى ت ١، ف: \"الشرك\".\n(^٣) في ت ١، ف: \"فهلاك\".","vol":"16","page":538},{"text":"حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^١).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. قال: بعيدٍ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقيل: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾. وقد قيل قبلَه: ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾. و\"خرَّ\" فعلٌ ماضٍ، و\"تخطَفُه\" مستقبلٌ، فعطَف بالمستقبل على الماضي، كما فعل ذلك في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٥]. وقد بيَّنتُ ذلك هنالك (^٣).\n\n<span id=\"aya-2627\"></span><span data-type='title' id=toc-6135>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذى ذكرتُ لكم أيُّها الناسُ، وأمَرتكم به؛ من اجتنابِ الرجسِ من الأوثانِ، واجتنابِ قولِ الزورِ، حنفاءَ للهِ، وتعظيمِ شعائرِ اللهِ، وهو استحسانُ البُدنِ واستسمانُها، وأداءُ مناسِك الحجِّ على ما أمرَ اللهُ جلَّ ثناؤه - من تَقوى قلوبِكم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٩ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) فى م: (هناك). وينظر ما تقدم في ص ٥٠٤.\n.","vol":"16","page":539},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيادٍ، عن محمدِ بن أبي ليلى، عن الحكمِ، عن مقسمٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. قال: استعظامُها واستحسانُها واستسمانُها (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبى بزَّةَ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. قال: الاستسمانُ والاستعظامُ.\nوبه عن عنبسةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: والاستحسانُ.\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ (^٢) الواسطيُّ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن أبى بشرٍ، وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. قال: استعظامُ البُدنِ واستسمانُها واستحسانُها (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٢٩٤ (القسم الأول من الجزء الرابع)، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٤١٦ - من طريق ابن أبي ليلى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ت ٢: \"سنان\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٨١، وأخرجه ابن أبي شيبة ص ٢٩٥ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق الحكم، عن مجاهد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٩ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":540},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: أخبَرنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن محمدِ بنِ أبي موسى، قال: الوقوفُ بعرفةَ من شعائرِ اللهِ، وبجَمْعٍ (^١) من شعائرِ اللهِ، ورميُ الجمارِ من شعائرِ اللهِ، [والبُدنُ من شعائرِ اللهِ، ومن يعظِّمْها فإنها من شعائرِ الله. فى قولِه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾] (^٢). فمن يعظِّمْها فإنها من تقوَى القلوبِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. قال: الشعائرُ: الجمارُ، والصفا والمروةُ من شعائرِ اللهِ، والمَشعَرُ الحرامُ والمزدَلِفةُ. قال: والشعائرُ تدخُلُ في الحرمِ، هي شعائرُ، وهي حرمٌ.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه أخبَر أنَّ تعظيمَ شعائرِه، وهى ما جعَله (^٤) أعلامًا لخلقِه فيما تعبَّدهم به من مناسكِ حجِّهم من الأماكنِ التى أمرَهم بأداءِ ما افترَض عليهم منها عندَها، والأعمالِ التي ألزَمهم عملَها في حجِّهم - من تَقوى قلوبِهم، لم يخصُصْ من ذلك شيئًا، فتعظيمُ كلِّ ذلك من تقوى القلوبِ كما قال جلَّ ثناؤه، وحقٌّ على عبادِه المؤمنين به تعظيمُ جميعِ ذلك.\nوقال: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، وأنَّث ولم يقُلْ: فإنه. لأنه أُريد بذلك: فإنَّ تلك التعظيمةَ مع اجتنابِ الرجسِ من الأوثانِ من تَقوى القلوب. كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٥٣].\nوعنَى بقولِه: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾: فإنها من وجَلِ القلوبِ من\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الجمع\". وجمع: هو مزدلفة. معجم البلدان ٢/ ١١٨.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٢٩٤، ٢٩٥ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق داود به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٣٥٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) بعده في ت ١: \"الله\".","vol":"16","page":541},{"text":"خشيةِ اللهِ، وحقيقةِ معرفتِها بعظمتِه وإخلاصِ توحيدِه.\n\n<span id=\"aya-2628\"></span><span data-type='title' id=toc-6136>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ فى معنى \"المنافعِ\" التى ذكَر اللهُ في هذه الآيةِ، وأخبَر عبادَه أنَّها إلى أجلٍ مسمًّى، على نحوِ اختلافِهم في معنى \"الشعائرِ\" التي ذكَرها جلَّ ثناؤه في قولِه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾؛ فقال الذين قالوا: عنَى بالشعائرِ البدنَ: معنَى ذلك: لكم أيُّها الناسُ في البدنِ منافعُ.\nثم اختلَف أيضًا الذين قالوا هذه المقالةَ فى الحالِ التي لهم فيها منافعُ، وفى الأجلِ الذى قال عزَّ ذكرُه: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ فقال بعضُهم: الحالُ التي أخبَر اللهُ جلَّ ثناؤه أنَّ لهم فيها منافع، هى الحالُ التي لم يوجبْها صاحبُها ولم يسمِّها بدَنةٌ ولم يقلِّدْها. قالوا: ومنافعُها فى هذه الحالِ شربُ ألبانِها، وركوبُ ظهورِها، وما يرزقُهم اللهُ من نَتاجِها وأولادِها. قالوا: والأجلُ المسمَّى الذي أخبَر جلَّ ثناؤه أن ذلك لعبادِه المؤمنين منها إليه، هو إلى إيجابِهم إيَّاها، فإذا أوجَبوها بطَل ذلك، ولم يكنْ لهم من ذلك شيءٌ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن ابنِ أبي ليلى، عن الحكمِ، عن مقسمٍ، عن ابنِ عباسٍ في: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: ما لم يسمَّ بُدْنًا (^١).\n_________\n(^١) تتمة الأثر المتقدم في ص ٥٤٠.","vol":"16","page":542},{"text":"حدَّثنا عبد الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: الركوب واللبنُ والولدُ، فإذا سُمِّيَتْ بدَنةً أو هديًا ذهَب ذلك (^١) كلُّه (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ فى هذه الآيةِ: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: لكم في ظهورِها وألبانِها وأوبارِها حتى تصيرَ بُدنًا (^٣).\nقال: ثنا ابنُ أبي (١) عَدِيٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ بمثلِه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ وليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: في أشعارها وأوبارِها وألبانِها قبلَ أن تسمِّيَها بدنةً.\nقال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عنبسةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: في البُدنِ؛ لحومُها وألبانُها وأشعارُها وأوبارُها وأصوافُها، قبلَ أن تسمَّى هديًا (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٢١٢.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٩ إلى المصنف وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٨١.","vol":"16","page":543},{"text":"مجاهدٍ مثلَه، وزاد فيه: وهى الأجلُ المسمَّى.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حجاجٌ، عن عطاءٍ أنه قال في قولِه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: منافعُ فى ألبانِها وظهورِها وأوبارِها، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: إلى أن تُقلَّدَ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ مثلَ ذلك.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: قال ابنُ عليةَ: سمِعتُ ابنِ أبي نجيحٍ يقولُ في قولِه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: إلى أن يُوجبَها بَدَنةً.\nقال: ثنا ابنُ عليةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن قتادةَ: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: فى ظهورِها وألبانِها، فإذا قُلِّدت فمحِلُّها إلى البيتِ العتيقِ (^٢).\nوقال آخرون ممن قال: الشعائرُ البدنُ فى قولِه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾: والهاءُ فى قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾. من ذكرِ \"الشعائرِ\". ومعنَى قولِه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾: لكم في (^٣) الشعائرِ التي تعظِّمُونها للهِ منافعُ بعدَ اتخاذِ كموها للهِ بُدنًا أو هَدايا، بأن تركَبوا ظهورَها إذا احتَجتُم إلى ذلك، وتشرَبوا ألبانَها إن اضْطُرِرتم إليها. قالوا: والأجلُ المسمَّى الذى قال جلَّ ثناؤه: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. إلى أن تُنحَرَ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٩ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤١٩ عن قتادة.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"16","page":544},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: هو ركوبُ البدنِ، وشربُ لبنِها إن احتاج.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجِ، قال: قال عطاءُ بنُ أبي رباحٍ في قولِه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: إلى أن تُنحرَ (^١).\nقال: له أن يحمِلَ (^٢) عليها المعيَى والمنقطعَ به، من الضرورةِ؛ كان النبيُّ ﷺ يأمُرُ بالبدنةِ إذا احتاج إليها سيدُها أن يَحمِلَ عليها ويركبَ [غيرَ منهوكةٍ] (^٣). قلتُ لعطاءٍ: ما؟ قال: الرجلُ الراجلُ، والمنقطعُ به، والمتبعُ، وإن نُتِجت أن يحملَ عليها ولدَها، ولا يشربَ من لبنِها إلا فضلًا عن ولدِها، فإن كان في لبنِها فضلٌ فليشرَبْ من أهداها ومن لم يُهدِها (^٤).\nوأما الذين قالوا: معنى الشعائرِ في قولِه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. شعائر الحجِّ؛ وهى الأماكنُ التى يُنسَكُ عندَها للهِ، فإنهم اختلَفوا أيضا في معنَى المنافعِ. التى قال اللهُ: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لكم في هذه الشعائرِ التى تعظِّمُونها منافعُ بتجارتِكم عندَها، وبيعِكم وشرائِكم بحضرتِها،\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٩ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) فى م: \"يحملها\"، وفي ت ٢: \"يعمل\"، وفي ف: \"تحمل\".\n(^٣) في النسخ: \"عند منهوكه\". وينظر فتح الباري ٣/ ٥٣٨، وشرح الزرقاني ٢/ ٤٣١، والمراسيل لأبي داود ١/ ١٥٤.\n(^٤) أخرجه أبو داود في المراسيل ص ١٢٦ من طريق حجاج به.","vol":"16","page":545},{"text":"وتسوِّقِكم. والأجلُ المسمَّى الخروجُ من الشعائرِ إلى غيرِها، ومن المواضعِ التي يُنسكُ عندَها إلى ما سواها، في قولِ بعضِهم.\nحدَّثني الحسينُ (^١) بن على الصُّدائيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن سليمانَ الضبيِّ، عن عاصمِ بنِ أبي النَّجودِ، عن أبي رَزينٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾. قال: أسواقُهم، فإنه لم يذكُرْ منافعَ إلا للدنيا.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن محمد بنِ أبي موسى قولَه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: والأجلُ المسمَّى الخروجُ منه إلى غيرِه (^٢).\nوقال آخرون منهم: المنافعُ التي ذكَرها اللهُ في هذا الموضعِ العملُ للهِ بما أمَر من مناسكِ الحجِّ. قالوا: والأجلُ المسمَّى هو انقضاءُ أيامِ الحجِّ التي يُنسَكُ للهِ فيهن.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فقرَأ قولَ اللهِ: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾: لكم في تلك الشعائرِ منافعُ إلى أجلٍ مسمًّى؛ إذا ذهَبت تلك الأيامُ لم ترَ أحدًا يأتى عرفةَ يقفُ فيها يبتغى الأجرَ، ولا المزدلفةَ، ولا رميَ الجمارِ، وقد ضرَبوا من البلدانِ لهذه الأيامِ التي فيها المنافعُ، وإنما منافعُها إلى تلك الأيامِ، وهى الأجلُ المسمَّى، ثم محِلُّها حينَ تنقضى تلك الأيامُ إلى البيتِ العتيقِ.\n_________\n(^١) في م: \"الحسن\".\n(^٢) تتمة الأثر المتقدم في ص ٥٤١، وتمامه هذا ليس عند ابن أبي شيبة.","vol":"16","page":546},{"text":"قال أبو جعفرٍ: وقد دلَّلنا قبلُ على أنَّ قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ معنيٌّ به كلُّ ما كان من عملٍ أو مكانٍ جعلَه اللهُ علمًا لمناسكِ حجِّ خلقِه، إذ لم يخصُصْ من ذلك جلَّ ثناؤه شيئًا في خبر ولا عقلٍ. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن معنى قولِه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: لكم في هذه الشعائرِ منافعُ إلى أجلٍ مسمًّى، فما كان من هذه الشعائرِ بُدْنًا وهديًا فمنافعُها لكم، من حينِ تملِكون إلى أن أوجبتموها هَدايا وبُدنًا، وما كان منها أماكنَ يُنسَكُ للهِ عندَها، فمنافعُها التجارةُ للهِ عندَها، والعملُ لله (^١) بما أمَر به إلى الشخوصِ عنها، وما كان منها أوقاتًا فأن (^٢) يُطاعَ اللهُ فيها بعملِ أعمالِ الحجِّ وبطلبِ المعاشِ فيها بالتجارةِ، إلى أن يطافَ بالبيتِ في بعضٍ، أو يُوافَى الحرمُ فى بعضٍ، ويُخرجَ من (^٣) الحرمِ في بعضٍ.\nوقد اختلَف الذين ذكَرنا اختلافَهم في تأويلِ قولِه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾؛ فقال الذين قالوا: عَنى بالشعائرِ فى هذا الموضعِ البُدنَ: معنى ذلك: ثم محِلُّ البدنِ إلى أن تبلغَ مكةَ، وهي التي بها البيتُ العتيقُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حجاجٌ، عن عطاءٍ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: إلى مكةَ (^٤).\n_________\n(^١) ليست فى: م.\n(^٢) في م: \"بأن\".\n(^٣) في م: \"عن\".\n(^٤) تتمة الأثر المتقدم في ص ٥٤٤.","vol":"16","page":547},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: يعنى: محِلُّ البدنِ حينَ تسمَّى إلى البيتِ العتيقِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا﴾ حينَ تسمَّى هديًا، ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: الكعبةُ أعتقَها من الجبابرِة.\nفوجَّه هؤلاء تأويلَ ذلك إلى: ثم (^٢) منحرُ البدنِ والهدايا التي أوجبتموها إلى أرضِ الحرمِ. وقالوا: عنَى بالبيتِ العتيقِ أرضَ الحرمِ كلَّها. وقالوا: وذلك نظيرُ قولِه: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] والمرادُ الحرمُ كلُّه.\nوقال آخرون: معنى ذلك: ثم محِلُّكم أيُّها الناسُ من مناسكِ حجِّكم إلى البيتِ العتيقِ؛ أن تطوفوا به يومَ النحرِ بعدَ قضائِكم ما أوجَبه اللهُ عليكم في حجِّكم.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا داودُ بنُ أبى هندٍ، عن محمدِ بن أبي موسى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: محلُّ هذه الشعائرِ كلِّها الطوافُ بالبيتِ (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ثم محلُّ منافعِ أيام الحجِّ إلى البيتِ العتيقِ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٨١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٥٩ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"سمى\".\n(^٣) تتمة الأثر المتقدم في ص ٥٤١، وتمامه هذا ليس عند ابن أبي شيبة.","vol":"16","page":548},{"text":"بانقضائِها.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: حينَ تنقضى تلك الأيامُ، أيامُ الحجِّ، إلى البيتِ العتيقِ.\nوأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ من قال: معنَى ذلك: ثم محلُّ الشعائرِ التى لكم فيها منافعٌ إلى أجلٍ مسمًّى إلى البيتِ العتيقِ. فما كان من ذلك هَديًا أو بُدنًا، فبموافاتِه الحرمَ في الحرمِ، وما كان من نسكٍ، فبالطوافِ (^١) بالبيتِ.\nوقد بيَّنا الصوابَ من القولِ عندَنا في معنى \"الشعائرِ\".\n\n<span id=\"aya-2629\"></span><span data-type='title' id=toc-6137>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾: ولكلِّ جماعةٍ سَلَفٍ فيكم من أهلِ الإيمانِ باللهِ أيُّها الناسُ جعَلنا ذبحًا يُهَرِيقون دمَه، ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ بذلك؛ لأن من البهائمِ ما ليس من الأنعامِ، كالخيلِ والبغالِ والحميرِ.\nوقيل: إنما قيل للبهائمِ: بهائمُ؛ لأنها لا تتكلَّمُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) فى م، ف: \"فالطواف\".","vol":"16","page":549},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾. قال: إهراقةُ (^١) الدماءِ؛ ليَذكُروا اسمَ اللهِ عليها (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقولُه: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاجتنِبوا الرجسَ من الأوثانِ، واجتنِبوا قولَ الزورِ؛ فإلهُكم إلهٌ واحدٌ لا شريكَ له، فإياه فاعبُدوا، وله فأَخلِصُوا الألوهةَ (^٣).\nوقولُه: ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾. يقولُ: فلإلهِكم فاخضَعوا بالطاعةِ، وله فذِلُّوا بالإقرارِ بالعبوديةِ.\nوقولُه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبشِّرْ يا محمدُ الخاضعين للهِ بالطاعةِ، المذعنين له بالعبوديةِ، المنيبين إليه بالتوبةِ.\nوقد بيَّنا معنى \"الإخباتِ\" بشواهدِه فيما مضى من كتابِنا هذا (^٤).\nوقد اختلف أهلُ التأويلِ في المرادِ به في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: أُريدَ به:\n_________\n(^١) فى م: \"إهراق\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٨١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٠ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، ت ٢، ت ٣: \"الألوهية\".\n(^٤) ينظر ما تقدم ١٢/ ٣٧٤، ٣٧٥.","vol":"16","page":550},{"text":"وبشِّرِ المطمئنين إلى اللهِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾. قال: المطمئنين (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾: المطمئنين إلى اللهِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾. قال: المطمئنين (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾. قال: المتواضعين (^٣).\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمٍ، عن عثمانَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أوسٍ، عن عمرِو بنِ أوسٍ، قال: المخبتون الذين لا يظلِمون، وإذا ظُلموا لم ينتصِروا (^٤).\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٢١٣، وعنه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٨، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٣٦٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٨١.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٨.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٧٨، والبيهقى فى الشعب (٨٠٨٨) من طريق محمد بن مسلم به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الغضب وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":551},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عثمانَ الواسطيُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ (^١)، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمٍ الطائفيُّ، قال: ثنى عثمانُ بنُ عبدِ اللهِ بن أوسٍ، عن عمرِو بنِ أوسٍ مثلَه.\n\n<span id=\"aya-2630\"></span><span data-type='title' id=toc-6138>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾.</span>\nفهذا من نعتِ ﴿الْمُخْبِتِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وبشِّرْ يا محمدُ المخبتين الذين تَخشَعُ قلوبُهم لذكرِ اللهِ، وتخضَعُ (^٢) مِن خشيتِه وَجَلًا مِن عقابِه، وخوفًا مِن سخَطِه.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: لا تَقسُو قلوبُهم، ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾. فمن شدةٍ فى أمرِ اللهِ، ونالهم مِن مكروهٍ في جَنبِه، ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ المفروضةِ ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ من الأموالِ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ فى الواجبِ عليهم إنفاقُها فيه، فى زكاةٍ، ونَفَقَةِ عيالٍ، ومَن وَجَبَت عليه نفقتُه، وفى سبيلِ اللهِ.\n\n<span id=\"aya-2631\"></span><span data-type='title' id=toc-6139>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالْبُدْنَ﴾. وهي جمعُ بَدَنةٍ، وقد يقالُ لواحدِها: بُدُنٌ. وإذا قيل: بُدُنٌ. احتَمل أن يكونَ جمعًا وواحدًا، يدلُّ على أنه قد يقالُ ذلك\n_________\n(^١) في ت ٢: \"عمرو\". وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٢٦.\n(^٢) في ت ٢: \"تخشع\".","vol":"16","page":552},{"text":"للواحدِ قولُ الراجزِ (^١):\n* عليَّ حينَ تَملِكُ الأُمُورا *\n* صومَ شُهُورٍ وَجَبَتْ نُذُورَا *\n* وحَلقُ رَأْسِي وافيًا مضفُورَا *\n* وبُدُنَا مُدَرَّعًا مَوفُورَا *\nوالبدنُ هو الضَّخمُ مِن كلِّ شيءٍ، ولذلك قيل لامرِئ القيسِ بنِ النُّعمانِ صاحبِ الخَوَرنقِ (^٢) والسَّدير (^٣): البُدُنُ. لضِخَمِه واسترخاءِ لحمِه، فإنه يقالُ: قد بَدَّنَ تَبدِينًا.\nفمعنى الكلامِ والإبلَ العِظامَ الأجسامِ الضِّخامِ جَعَلناها لكم أيُّها الناسُ ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. يقولُ: مِن أعلامِ أمرِ اللهِ الذي أمَركم به في مناسكِ حجِّكم، إذا قلَّدتُموها وجَلَّلْتُموها وأشعرتُموها، عُلِم بذلك وشُعِرَ أنكم فعَلتم ذلك؛ مِن الإبلِ والبقرِ.\nكما حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن ابن جريجٍ، قال: قال عطاءً: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. قال: البقرةَ والبعيرَ (^٤).\nوقولُه: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾. يقولُ: لكم في البُدنِ خيرٌ. وذلك الخيرُ هو الأجرُ فى الآخرةِ بنَحرِها والصدقةِ بها، وفى الدنيا الركوبُ إذا احتاجَ إلى رُكُوبِها.\n_________\n(^١) التبيان ٧/ ٢٨٢.\n(^٢) الخورنق: موضع الشرب، وهى بنية بناها النعمان لبعض أولاد الأكاسرة. المعرب للجواليقى ص ١٧٤.\n(^٣) موضع معروف بالحيرة اتخذه المنذر الأكبر لبعض ملوك العجم، وقيل: نهر. ينظر المعرب للجواليقى ص ٢٣٥، ٢٣٦.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ص ٣٦٦ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٣٦١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":553},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾. قال: أجرٌ ومنافعُ فى البُدنِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾. قال: اللبنُ والركوبُ إذا احتاجَ (^٣).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾. قال: إذا اضطررتَ إلى بدنَتِك (^٤) ركِبتَها، وشَرِبتَ مِن (^٥) لبنِها (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾: مَن احتاجَ إلى ظَهرِ البَدَنةِ رَكِب، ومَن احتاجَ إلى لبنِها شَرِبَ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٨١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه جه ابن أبي شيبة ص ٤١٢ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق الحكم وابن أبي نجيح، عن مجاهد.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٢١٣ بنحو اللفظ الآتي.\n(^٤) في ت ١: \"هديتك\"، وفى ت ٢: \"هديك\".\n(^٥) سقط من: م، ت ١.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٢٣ بنحوه، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٣٦١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":554},{"text":"وقولُه: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاذْكُرُوا اسمَ اللهِ على البُدنِ عندَ نَحرِكم إياها صَوَافَّ.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ بمعنى: مُصطفَّةٌ، واحدُها: صافَّةٌ، قد صُفَّتْ بينَ أيدِيها.\nورُوِى عن الحسنِ ومجاهدٍ وزيدِ بنِ أسلمَ وجماعةٍ أُخَرَ معهم أنهم (^١) قرَءوا ذلك: (صوَافِيَ). بالياءِ منصوبةً، بمعنى: خالصةً للهِ لا شريكَ له فيها، صافيةً له (^٢).\nوقرأ بعضُهم ذلك: (صوافٍ). بإسقاطِ الياءِ وتنوينِ الحرفِ، على مثالِ: عَوَارٍ، وعَوَادٍ (^٣).\nورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ أنه قرَأه: (صَوَافِنَ). بمعنى: مُعقَّلةً (^٤).\nوالصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندى قراءةُ مَن قرأه بتَشديدِ الفاءِ ونَصبِها؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه بالمعنى الذي ذكَرناه لمَن قرأه كذلك.\nذكرُ مَن تأوَّله بتأويلِ مَن قرأَه بتَشديدِ الفاءِ ونصبِها\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن الأعمشِ، عن أبى ظَبيانَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾. قال: اللهُ\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"أنه\".\n(^٢) وهي قراءة أبي موسى الأشعرى وشقيق وسليمان التيمي، والأعرج وعمرو بن عبيد إلا أنه نوَّن الياء. ينظر المحتسب ٢/ ٨١، والبحر المحيط ٦/ ٣٦٩.\n(^٣) وهى قراءة الحسن. البحر المحيط ٦/ ٣٦٩.\n(^٤) وهى قراءة ابن عمرو وابن عباس وإبراهيم والباقر والأعمش -واختلف عنهما- وعطاء والضحاك والكلبي. ينظر المحتسب ٢/ ٨١، والبحر المحيط ٦/ ٣٦٩. وهذه القراءات الثلاثة الأخيرة شاذة.","vol":"16","page":555},{"text":"أكبرُ اللهُ أكبرُ، اللهمَّ منك ولك، ﴿صَوَافَّ﴾: قيامًا على ثلاثِ أرجلٍ. فقيل لابنِ عباسٍ: ما نَصنعُ بجُلُودِها؟ قال: تصَدَّقوا بها، واستَمتِعوا بها (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سويدٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبيانَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿صَوَافَّ﴾.\nقال: قائمةً. قال: يقولُ: اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا اللهُ، اللهمَّ منك ولك (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن أبي ظبيانَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾. قال: قِيامًا على ثلاثِ قوائمَ معقولةً، باسمِ اللهِ، اللهُ أكبرُ، اللهمَّ منك ولك (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حصينٌ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿صَوَافَّ﴾. قال: معقولةً إحدى يدَيها. قال: قائمةً على ثلاثِ قوائمَ.\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن على، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾. يقولُ: قِيامًا (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾: والصَّوَافُ أَن تَعْقِلَ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ٥/ ٢٣٧ من طريق الأعمش به وفيه أن ابن عباس كان يقرأ: (صوافن)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٦٢ إلى عبد بن حميد وابن أبي الدنيا فى الأضاحي وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٢١٣.\n(^٣) أخرجه الحاكم ٤/ ٢٣٣ من طريق شعبة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٢ إلى الفريابي وأبي عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٨٣، وعبد بن حميد في تفسيره -كما في تغليق التعليق ٣/ ٩٢ - من طرق عن ابن عباس. وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٤٢٤.","vol":"16","page":556},{"text":"قائمةً واحدةً، وتَصُفَّها على ثلاثٍ فتنحرَها كذلك.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا يعلى بنُ عطاءٍ، قال: أخبرَني بُجيرُ بنُ سالمٍ، قال: رأيتُ ابنُ عمرَ (^١) وهو ينحَرُ بدنتَه. قال: فقال ﴿صَوَافَّ﴾ كما قال اللهُ. قال: فنحرَها وهى قائمةٌ معقولةٌ إحدى يَدَيها (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخبَرنا ليثٌ، عن مجاهدٍ، قال: الصَّوافُّ: إذا عُقِلَت رجلُها وقامت على ثلاثٍ (^٣).\nقال: ثنا ليثٌ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾. قال: صوافَّ بينَ أوظافِها (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿صَوَافَّ﴾. قال: قيامٌ صوافُّ على ثلاثِ قوائمَ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾. قال: بينَ وظائفِها قيامًا.\nحدَّثنا ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ أيوبَ، عن\n_________\n(^١) في ت ٢: \"عمرو\".\n(^٢) أخرجه البيهقى ٥/ ٢٣٧ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عمر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٦٢ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم. وينظر البخارى (١٧١٣)، ومسلم (١٣٢٠)، وأحمد ٨/ ٢٧ (٤٤٥٩).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٨٢ من طريق ليث به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٢ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) الوظيف لكل ذى أربع: ما فوق الرسغ إلى مفصل الساق. اللسان (وظ ف).\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٨١.","vol":"16","page":557},{"text":"خالدِ بنِ يزيدَ، عن ابنِ أبي هلالٍ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ أنه كان ينحَرُ البُدنَ وهى قائمةٌ مُستقبِلةٌ البيتَ تُصَفُّ أيدِيها بالقيودِ. قال: هى التى ذكَر اللهُ: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن أبي ظبيانَ، عن ابن عباسٍ، قال: قلتُ له: قولُ اللهِ: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾؟ قال: إذا أردتَ أن تنحَرَ البَدَنةَ فانحَرْها، وقلْ: اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا اللهُ، اللهمَّ منك ولك. ثم سمِّ، ثم انحَرْها. قلتُ: فأقولُ ذلك للأُضحيةِ؟ قال: وللأُضحيةِ (^٢)\nذكرُ من تأوَّله بتأويلِ من قرَأه: (صوَافيَ) بالياءِ\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن الحسنِ أنه قال: (فاذكُرُوا اسمَ اللهِ عليها صوافِىَ) قال: مخلصِين.\nقال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ (^٣)، قال: قال الحسنُ: (صوَافِيَ): خالصةً.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: قال الحسنُ: (صوَافيَ): خالصةً للهِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٢ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٨٩ - ومن طريقه البيهقى ٩/ ٢٨٧ - من طريق جرير، عن الأعمش ومنصور، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"عن قتادة\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٨، وسقط منه ذكر الحسن، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٣٦٢ إلى أبي عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنبارى فى المصاحف وابن أبي حاتم. وفى تفسير عبد الرزاق ومطبوعة الدر: \"صوافٍ\" منونة. وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٤٢٤.","vol":"16","page":558},{"text":"عن شقيق الضَّبىِّ: (فاذكُروا اسم الله عليها صَوَافي). قال: خالصةً.\nقال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أيمنُ بنُ نابلٍ، قال: سألتُ طاوسًا عن قوله: (فاذْكُروا اسم الله عليها صَوَافِى) قال: خالصًا (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: (فاذْكُروا اسم الله عليها صَوَافي). قال: خالصةً ليس فيها شَريكٌ، كما كان المشركون يَفعلون، يجعَلون للهِ ولآلهتِهم، (صَوَافيَ) صافيةٌ للهِ تعالى (^٢).\nذكرُ مَن تأوَّلَه بتأويل مَن قرأه: (صَوَافَنَ)\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: في حرفِ ابنِ مسعودٍ: (فاذْكُرُوا اسم الله عليها صَوافِنَ). أى: مُعقَّلةً قيامًا.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ: في حرفِ ابنِ مسعودٍ: (فاذكُرُوا اسمَ اللهِ عليها صوَافنَ). قال: أي: مُعقَّلةً قيامًا (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: مَن قَرَأها: (صَوافِنَ) قال: معقولةً. قال: ومَن قرأها: ﴿صَوَافَّ﴾. قال: تُصفُّ بينَ يَدَيْها (^٤).\nحُدِّثت عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٢٤.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٢ إلى أبي عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٢ إلى عبد بن حميد وابن الأنباري.\n(^٤) أخرجه البيهقى ٥/ ٢٣٧ من طريق عبد الرحمن به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٢ إلى عبد\nالرزاق وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":559},{"text":"الضحاك يقولُ فى قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ يعني: صَوَافِنَ. والبَدَنةُ إذا نُحِرَت عُقلَت يدٌ واحدةٌ، فكانت على ثلاثٍ، وكذلك تُنحَرُ (^١).\nقال أبو جعفر: وقد تقدَّم بياني (^٢) أولى هذه الأقوال بتأويل قولِه: ﴿صَوَافَّ﴾. وهى المُصطفَّةُ بين أيديها، المَعقولةُ إحدى قَوائِمِها (^٣).\nوقولُه: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾. يقولُ: فإِذا سَقَطَت فوقَعت جُنُوبُها إلى الأرضِ بعدَ النَّحرِ، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾. وهو من قولهم: قد وَجَبت الشمسُ. إذا غابَت فسَقَطَت لتغيب (^٤). ومنه قولُ أوس بن حجرٍ (^٥):\nألم تُكسَفِ الشمسُ والبدرُ والـ … ـكواكبُ للجَبَلِ الوَاجبِ\nيعنى بالواجبِ: الواقِعَ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثني عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾. سقَطت إلى الأرض (^٦).\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٤٢٤.\n(^٢) فى م، ت ١: \"بيان\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٥٥٥.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ف: \"للتغيب\"، وفى ت ٢: \"للتغييب\". والمثبت من مجاز القرآن ٢/ ٥١.\n(^٥) ديوانه ص ١٠.\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٤٨١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"16","page":560},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق في قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ﴾. قال: إذا فُرِغَت ونُحِرَت.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمارةَ، قال: ثنا عبيدُ الله بنُ موسى، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾. قال: نُحِرَت.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾. قال: إذا نُحِرَت (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾. قال: فإذا ماتت (^٢).\nوقولُه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾. وهذا مخرجُه مخرجُ الأمر، ومعناه الإباحةُ والإطلاقُ، يقولُ اللهُ: فإذا نُحِرَت فَسَقَطَت ميِّتةً بعد النحر، فقد حَلَّ لكم أكلُها. وليس بأمر إيجابٍ.\nوكان إبراهيمُ النخعىُّ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: المشركون كانوا لا يأكلون مِن ذبائِحِهم، فرَخَّصَ للمسلمين، ﴿فَكُلُوا (^٣) مِنْهَا﴾. فمن شاء أَكل، ومَن شاء لم يأكُلْ (^٤).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٢٥ عن العوفي، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٦٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٢٥ عن ابن زيد.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"فأكلوا\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٥٢٢.","vol":"16","page":561},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حصينٍ، عن مجاهدٍ، قال: إن شاء أكَلَ، وإن شاء لم يأكُل، هي بمنزلة: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. يقولُ: يَأكُلُ منها ويُطعِمُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا يونسُ، عن الحسنِ، وأخبَرناه مغيرةُ، عن إبراهيمَ، وأخبَرنا حجاجٌ، عن عطاءٍ، وأخبرنا حصينٌ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾. قال: إن شاء أكَلَ، وإن شاء لم يأكُل. قال مجاهدٌ: هى رُخصةٌ، هى كقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]. ومثلُ قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (^١).\nوقولُه: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. يقولُ: فأطعموا منها القانِعَ.\nواختلف أهلُ التأويل فى المعنىِّ بالقانع والمُعتَرِّ؛ فقال بعضُهم: القانِعُ الذي يَمْنَعُ بما أُعطِى أو بما عنده ولا يسألُ، والمُعترُّ الذي يَتَعَرَّضُ لك أن تُطعِمَه مِن اللَّحم ولا يسألُ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال: القانعُ المُستَعْنى\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٢٤.","vol":"16","page":562},{"text":"بما أعطيتَه وهو في بيتِه، والمُعترُّ الذى يتعرَّضُ لك، ويَلُمُّ بك أن تُطعمه مِن اللحمِ ولا يسألُ، وهؤلاء الذين أمر أن يُطعموا مِن البُدنِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: القانعُ جارُك الذى يقنَعُ بما أعطيته، والمُعترُّ الذى يتعرَّضُ لك ولا يسألُك (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني أبو صخرٍ، عن القُرَظِىِّ أنه كان يقولُ فى هذه الآية: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾: القانعُ الذي يقنَعُ بالشيء اليسيرِ يَرضَى به، والمُعترُّ الذى يمرُّ بجانبك لا يسألُ شيئًا، فذلك المُعترُّ (^٣).\nوقال آخرون: القانعُ الذى يقنعُ بما عندَه ولا يسألُ، والمُعترُّ الذي يَعتَريك فيسألُك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. يقولُ: القانعُ المُتَعفِّفُ، والمُعترُّ (^٤) السائلُ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ أبي الشَّوَاربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا خُصيفٌ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ٩/ ٢٩٤ من طريق آخر عن ابن عباس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٦٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد بن حميد -كما في تغليق التعليق ٣/ ٨٧ - من طريق آخر عن مجاهد.\n(^٣) ينظر تفسير القرطبى ١٢/ ٦٥، وتفسير ابن كثير ٥/ ٤٢٥.\n(^٤) بعده فى ص، م، ت ١، ف: \"يقول\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٢٥ عن علي بن طلحة به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٣٦٢ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"16","page":563},{"text":"سمعتُ مجاهدًا يقولُ: القانعُ أهلُ مكةَ، والمُعترُّ الذى يَعتَريك فيسألُك (^١).\nحدَّثني أبو السائب، قال: ثنا عطاءٌ (^٢)، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ. فذكَر مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا كعبُ بنُ فروخٍ، قال: سمِعتُ قتادة يحدِّثُ عن عكرمة في قوله: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال: القانعُ الذى يقعُدُ في بيته، والمُعترُّ الذي يسألُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: القانعُ المتعففُ الجالسُ فى بيتِه، والمعترُّ الذى يعتَريك فيَسألُك (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال: القانِعُ الطامِعُ بما قِبلكَ ولا يسألُك، والمُعتَرُّ الذى يَعتَرِيك ويسألُك (^٤).\nحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ وإبرهيمَ، قالا: القانعُ الجالسُ فى بيته، والمُعترُّ الذى يسألُك (^٥).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال: القائعُ الذى يقنَعُ بما في يديه، والمُعترُّ الذي يعتريك،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٧٢ من طريق خصيف به.\n(^٢) في ص، ف: \"ابن\"، وفى ت ١: \"ابن أبي الشوارب\"، وسقط من: ت ٢.\n(^٣) ينظر تفسير البغوى ٥/ ٣٨٧.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٨ عن معمر به، وأخرجه البيهقى ٩/ ٢٩٤ من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٣ إلى عبد بن حميد، وينظر ما تقدم فى ص ١٤٩.\n(^٥) تفسير سفيان ص ٢١٤، ومن طريقه البيهقى ٩/ ٢٩٤، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٧٢ من طريق منصور عن إبراهيم أو مجاهد.","vol":"16","page":564},{"text":"ولكِلَيهما عليك حقٌّ يابن آدم (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال: القانعُ الذي يجلِسُ في بيته، والمُعترُّ الذي يَعْتَريك.\nوقال آخرون: القانعُ هو السائلُ، والمُعترُّ هو الذي يعتريك ولا يسألُ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ، قال: القانعُ الذي يَقنَعُ إليك ويسألُك، والمُعترُّ الذي يتعرَّضُ لك ولا يسألُك.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصور بن زاذان، عن الحسن فى هذه الآية: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال: القانِعُ الذى يقنَعُ، والمُعترُّ الذى يعتريك. قال: وقال الكلبيُّ: القانِعُ الذى يسألُ (^٢)، والمُعترُّ الذى يعتريك؛ يتعرَّضُ ولا يسألُك.\nحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأودىُّ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن سفيانَ، عن يونسَ، عن الحسن فى قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال: القانعُ الذى يَسأَلُك، والمُعترُّ الذى يتعرَّضُ لك (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، قال: قال سعيدُ بنُ جبيرٍ: القانِعُ السائلُ.\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٤٢٥.\n(^٢) في م: \"يسألك\".\n(^٣) تفسير سفيان ص ٢١٤، وفيه: القانع المتعفف الذي لا يسأل …","vol":"16","page":565},{"text":"حدَّثني محمدُ بن إسماعيلَ الأحمَسِيُّ، قال: ثني غالبٌ، قال: ثنى شَريكٌ، عن قُراتِ القَزَّاز، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿الْقَانِعَ﴾. قال: هو السائلُ. ثم قال: أما سمِعتَ قولَ الشماخ (^١):\nلمالُ المَرءِ يُصلِحُه فَيُغنِي … مَفاقِرَه أَعَفٌ من القُنُوعِ\nقال: من السؤال (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبرنا يونسُ، عن الحسن أنه قال في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال: القانعُ الذى يقنعُ إليك يسألُك، والمُعترُّ الذي يُريك نفسه ويتعرَّضُ لك ولا يسألُك (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشامٌ، قال: أخبرنا منصورٌ ويونسُ، عن الحسن، قال: القانعُ السائلُ، والمُعترُّ الذى يتعرضُ ولا يسألُ (^٤).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرنى عبد اللهِ بنُ عيَّاشٍ (^٥)، قال: قال زيدُ بن أسلمَ: القائعُ الذى يسألُ الناس (^٦).\nوقال آخرون: القانِعُ الجارُ، والمُعترُّ الذى يَعتَريك من الناسِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمعتُ لينًا، عن مجاهدٍ، قال:\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢٢١.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٢١٤، ومن طريقه البيهقى ٩/ ٢٩٤، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٧٥ من طريق شريك به، في هذه المصادر تفسير \"المعتر\" دون الاستشهاد ببيت الشماخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٧٢ عن ابن علية به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه البيهقى ٩/ ٢٩٤ من طريق يونس ومنصور به.\n(^٥) فى ت ١، ت ٢: \"عباس\". وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٤١٠.\n(^٦) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٤٢٥.","vol":"16","page":566},{"text":"القانِعُ جارُك وإن كان غَنيًّا، والمُعترُّ الذي يعتريك.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيحٍ، قال: قال مجاهدٌ في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال: القانعُ جارُك الغَنىُّ، والمُعترُّ مَن اعترَاك من الناسِ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرةُ، عن إبراهيم في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. أنه قال: أحدُهما السائلُ، والآخرُ الجارُ (^١).\nوقال آخرون: القانعُ الطَّوَّافُ، والمُعترُّ الصديقُ الزائرُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثني أبي وشعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، عن خالدِ بن يزيدَ، عن ابنِ أبي هلالٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾: فالقانعُ المسكينُ الذي يَطوفُ (^٢)، والمُعترُّ الصديقُ والضيفُ (^٣) الذى يزورُ (^٤).\nوقال آخرون: القانعُ الطامعُ، والمُعترُّ الذي يَعتَرُ بالبُدنِ\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ٩/ ٢٩٤ من طريق هشيم به.\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"يطوفه\"، وفى ت ٢: \"يطرقه\".\n(^٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢: \"الضعيف\".\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٤٢٦.","vol":"16","page":567},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿الْقَانِعَ﴾. قال: الطامِعُ، ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: مَن يَعتَرُّ بالبُدنِ مِن غَنِيٍّ أو فقيرٍ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبَرنى عمرُ (^٢) بنُ عطاءٍ، عن عكرمة، قال: القانعُ الطامعُ (^٣).\nوقال آخرون: القانِعُ هو المسكينُ، والمُعترُّ الذى يتعرَّضُ للَّحم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانعُ المسكينُ، والمُعترُّ الذى يَعترُّ للقومِ (^٤) للَحمِهم وليس بمسكينٍ، ولا يكونُ له ذبيحةٌ، يَجِيءُ إلى القومِ مِن أجل لحمهم، والبائسُ الفقيرُ هو القانِعُ (^٥).\nوقال آخرون بما حدَّثنا به ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن فُراتٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ، قال: القانِعُ الذى يَقنَعُ، والمُعترُّ الذي يَعتَرِيك (^٦).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٨٢، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٧٢، وابن أبي حاتم -كما في فتح البارى ٣/ ٥٣٦ - من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٢) فى ت ٢: \"عمرو\". وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٤٦٣.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٤٢٦.\n(^٤) فى م: \"القوم\".\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٣٨٧.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم -كما في فتح البارى ٣/ ٥٣٦ - من طريق سفيان به، وهو في تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٨ من طريق فرات به وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٣ إلى عبد بن حميد.","vol":"16","page":568},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن يونسَ، عن الحسنِ بمثله.\nقال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ ومجاهدٍ: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. القانعُ الجالسُ في بيته، والمُعترُّ الذى يتعرَّضُ لك (^١).\nوأولى هذه الأقوال بالصواب قولُ من قال: عُنى بالقانِع السائلُ؛ لأنه لو كان المَعنىُّ بالقانع فى هذا الموضع المُكتَفيَ بما عندَه، والمُستغنِىَ به، لقيل: وأطعموا القانعَ والسائلَ. ولم يقُلْ: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. وفي إتباعِ ذلك قوله: ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾. الدليلُ الواضحُ على أن القانعَ معنىٌّ به السائلُ، من قولهم: قَنَعَ فلانٌ إلى فلانٍ. بمعنى. سألَه وخَضَع إليه، فهو يقنَعُ قُنُوعًا. ومنه قولُ لبيدٍ (^٢):\nوإعطائي (^٣) المَولَى على حينِ فَقرِه … إذا قال أَبصِرْ خَلَّتِي وَقُنُوعِى (^٤)\nوأما \"القانِعُ\" الذى هو بمعنى المُكتَفى فإنه من: قنعتُ به (^٥)، بكسر النون، أقنَعُ قَناعةً وقَنَعًا وقَنَعانًا. وأما \"المُعتَرُّ\" فإنه الذى يَأْتِيك مُعتَرًّا بك لتُعطِيَه وتُطعِمَه.\nوقولُه: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾. يقولُ: هكذا سخَّرنا البُدنَ لكم أيُّها الناسُ، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: لتشكُرونى على تَسخيرها لكم.\n\n<span id=\"aya-2632\"></span><span data-type='title' id=toc-6140>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ</span>\n_________\n(^١) تقدم في ص ٥٦٤ حاشية (٤).\n(^٢) شرح ديوانه ص ٧١.\n(^٣) فى النسخ: \"وأعطاني\"، والمثبت من الديوان.\n(^٤) في الديوان: \"خشوعى\"، ورواه أبو عبيدة فى مجاز القرآن ٢/ ٥٢ وفيه موضع الشاهد.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"16","page":569},{"text":"الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: لم يَصِلْ إلى اللهِ لحومُ بُدنِكم ولا دماؤُها، ولكن ينالُه اتِّقاؤُكم إياه إن اتَّقَيتُموه فيها، فأردتُم بها وجهَه، وعَمِلتُم فيها بما نَدَبَكم إليه، وأمَرَكم به فى أمرِها، وعظَّمتم بها حُرُماتِه.\nوبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قول الله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. قال: ما أُرِيدَ به وجهُ اللهِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. قال: إن اتَّقيتَ اللهَ في هذه البُدنِ، وعَمِلتَ فيها لله، وطَلَبتَ ما قال الله تعظيمًا لشعائر الله، ولحرماتِ اللهِ؛ فإنه قال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. قال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾. قال: وجَعَلتَه طيِّبًا، فذلك الذي يتقبَّلُ الله، فأما اللحوم والدماءُ، فمِن أينَ تنالُ الله؟\nوقولُه: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾. يقولُ: هكذا سخَّر لكم البُدنَ، ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾. يقولُ: كي تُعظِّموا اللهَ ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، يعنى: على توفيقه إياكم لدينه، وللنُّسُكِ في حَجِّكم.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":570},{"text":"كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال: ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾. قال: على ذَبحها في تلك الأيام (^١).\n﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: وبشِّرْ يا محمدُ الذين أطاعوا اللهَ فأحسَنوا في طاعَتِهم إياه فى الدنيا بالجنة في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-2633\"></span><span data-type='title' id=toc-6141><span data-type='title' id=toc-6143>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ (^٢) عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾.</span></span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن اللهَ يَدفَعُ غائلة المشركين عن الذين آمنوا به وبرسوله، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ﴾ يخونُ الله، فيخالِفُ أمرَه ونهيَه ويَعصيه، ويطيعُ الشيطانَ، ﴿كَفُورٍ﴾. يقولُ: جَحُودٍ لنِعَمِه عنده، لا يعرفُ لمُنعمِها حقَّه، فيَشكُرَه عليها.\nوقيل: إنه عنَى بذلك دَفعَ اللهِ كفار قريشٍ عمن كان بين أظهُرِهم مِن المؤمنين قبلَ هِجرتِهم.\n\n<span id=\"aya-2634\"></span><span data-type='title' id=toc-6142>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أَذِنَ الله للمؤمنين الذين يُقاتلون المشركين في سبيلِه بأن المشركين ظَلَمُوهم بقتالِهم.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٣ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يدفع\". وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وهو المستقيم مع تفسير المصنف، والمثبت قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائى، وهو رسم مصاحفنا. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤٣٧.","vol":"16","page":571},{"text":"واختلفت القرأةُ فى قراءة ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأة المدينة: ﴿أُذِنَ﴾. بضَمِّ الألف، ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بفتح التاءِ (^١)، بتَرك تَسمية الفاعلِ، في ﴿أُذِنَ﴾، و﴿يُقَاتَلُونَ﴾ جميعًا (^٢).\nوقرأ ذلك بعضُ الكوفيين وعامةُ قرأة البصرةِ: ﴿أُذِنَ﴾ بتَرك تَسمية الفاعلِ، و: (يُقَاتِلُونَ) بكسر التاءِ (^٣)، بمعنى: يُقاتِلُ المأذونُ لهم في القتالِ المشركين.\nوقَرأ ذلك عامةُ قرأة الكوفيِّين وبعضُ المكيِّين: (أَذِنَ) بفتح الألف، بمعنى: أذن الله. و: (يُقاتِلُونَ) بكسر التاءِ (^٤)، بمعنى: إن الذين أذن اللهُ لهم بالقتالِ، يُقاتِلون المشركين.\nوهذه القراءاتُ الثلاثُ مُتقارباتُ المعانى؛ لأن الذين قرءوا ﴿أُذِنَ﴾ على وجهِ ما لم يُسمَّ فاعلُه، يرجعُ معناه في التأويل إلى معنى قراءةِ مَن قرأه على وَجهِ ما سُمِّى (^٥) فاعلُه، وأن مَن قرَأ (يُقاتِلُونَ)، و﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بالكسر أو الفتح، فقريبٌ معنى أحدِهما من معنى الآخر، وذلك أن من قاتَل إنسانًا، فالذى قاتله له مُقاتِلٌ، وكلُّ واحدٍ منهما مُقاتِلٌ مقاتلٌ (^٦).\nفإذ كان ذلك كذلك، فبأيَّةِ هذه القراءاتِ قرأ القارئُ فمصيبٌ الصواب، غير أن أحبَّ ذلك إلىَّ أن أقرأ به: (أَذِنَ) بفتح الألف، بمعنى: أَذِنَ اللهُ -لقُربِ ذلك من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ - أَذِنَ اللهُ في الذين لا يُحبُّهم\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) وهى قراءة نافع، وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٤٣٧.\n(^٣) هي قراءة أبي عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر. ينظر المصدر السابق.\n(^٤) وهى قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٥) في ت ٢: \"يسمى\".\n(^٦) سقط من م، ت ١، ف.","vol":"16","page":572},{"text":"للذين يُقاتلونهم بقتالهم. فيُرَدُّ (أَذِنَ) على قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ﴾، وكذلك أحبُّ القراءاتِ إليَّ في: (يُقاتِلُونَ) كسرُ التاء، بمعنى: الذين يُقاتِلون من قد أخبَر اللهُ عنهم أنه لا يُحِبُّهم، فيكونُ الكلامُ مُتَّصِلًا معنى بعضِه ببعضِ.\nوقد اختُلف في الذين عُنُوا بالإذن لهم بهذه الآية فى القتالِ؛ فقال بعضُهم: عُنى به نبيُّ اللهِ وأصحابُه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾: يعني محمدًا وأصحابَه، إذ أُخرجوا من مكة [إلى المدينة] (^١). يقولُ اللهُ: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وقد فعَل (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن مسلمٍ البَطينِ، عن سعيد بن جُبَيْرٍ، قال: لما خرج النبيُّ ﷺ من مكة، قال رجلٌ: أخْرَجوا نبيَّهم. فنزلت: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الآية، ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: النبيُّ ﷺ وأصحابُه (^٣).\nحدَّثنا يحيى بنُ داود الواسطىُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، عن سفيانَ، عن الأعمش، عن مسلمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا خرج النبيُّ ﷺ\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٣٢ عن العوفي، عن ابن عباس، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٣٦٤ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه الترمذى (٣١٧٢) عن ابن بشار به.","vol":"16","page":573},{"text":"من مكة قال أبو بكرٍ: أخرجوا نبيَّهم، إنا لله وإنا إليه راجِعون، ليَهْلِكُنَّ. قال ابنُ عباسٍ: فأنزل الله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. قال أبو بكرٍ: فعَرَفتُ أنه سيكونُ قتالٌ. وهى أوَّلُ آيَةٍ نَزَلت (^١). قال ابنُ داودَ: قال إسحاقُ (^٢): كانوا يقرَءُون: ﴿أُذِنَ﴾. [ونحن نقرأُ: (أَذِنَ)] (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ، عن سفيانَ، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما خرج النبيُّ ﷺ. ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال: فقال أبو بكرٍ: قد علمتُ أنه يكونُ قتالٌ. وإلى هذا الموضع انتهى حديثُه ولم يزدْ (^٤) عليه.\nحدَّثني محمدُ بنُ خلف العَسْقلانيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيع، عن الأعْمش، عن مسلمٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا خرَج النبيُّ ﷺ من مكة، قال أبو بكرٍ: إنا لله وإنا إليه راجعون، أُخرج رسولُ الله ﷺ، والله لَيَهْلِكُنَّ جميعًا. فلمَّا نزلت: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ عرَف أبو بكرٍ أنه سيكونُ قتالٌ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٣٥٩ (١٨٦٥)، والترمذى (٣١٧١)، والنسائي (٣٠٨٥)، وابن حبان (٤٧١٠) من طريق إسحاق به، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٩ عن سفيان به مختصرًا، وأخرجه الحاكم ٣/ ٧، ٨، من طريق الأعمش به، وليس عند الترمذي والحاكم قول ابن عباس: هي أول آية نزلت. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٦٣ إلى ابن ماجه وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) فى النسخ: \"ابن إسحاق\". وهو إسحاق بن يوسف شيخ يحيى بن داود المتقدم.\n(^٣) في ص: \"أَذَن ونحن نقرأ أُذِن\".\n(^٤) فى ف: \"نزد\".\n(^٥) أخرجه الطبراني (١٢٣٣٦) من طريق قيس بن الربيع به.","vol":"16","page":574},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾. قال: أَذن لهم في قتالِهم (^١) بعد [ما عفا] (^٢) عنهم عشرَ سنين. وقرَأ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. وقال: هؤلاء المؤمنون (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ فى قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.\nوقال آخرون: بل عُنى بهذه الآية قومٌ بأعْيانِهم كانوا خَرَجوا مِن دارِ الحربِ يريدون الهجرة، فمُنِعوا مِن ذلك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ قال: ناسٌ (^٤) مؤمنون خَرَجوا مُهاجرين من مكة إلى المدينة، فكانوا يُمْنَعون، فأذِن اللهُ للمؤمنين بقتال الكفارِ فقاتَلوهم (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن\n_________\n(^١) في ت ٢: \"قتال\".\n(^٢) في ت ٢: \"اعفاهم\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٤ إلى ابن أبي حاتم إلى قوله: عشر سنين.\n(^٤) في ص، م، ت ٢، ف: \"أناس\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٨٢، ومن طريقه البيهقى فى دلائل النبوة ٢/ ٥٧٩، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٣٦٤ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":575},{"text":"مجاهدٍ في قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾. قال: ناسٌ مِن المؤمنين خَرَجوا مُهاجرين مِن مكة إلى المدينة، وكانوا يُمنَعون فأدرَكهم الكفارُ، فأذن للمؤمنين بقتال الكفار فقاتَلوهم. قال ابنُ جريجٍ: يقولُ: أَوَّلُ قتالٍ أذن اللهُ به للمؤمنين.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ (^١): في حرفِ ابن مسعودٍ: (أُذِنَ للذينَ يُقاتَلُونَ في سَبيل الله). قال قتادة: وهى أول آيةٍ نزَلَت في القتالِ، فأَذِنَ لهم أن يُقاتِلوا.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، عن معمرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ (^٢) بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾. قال: هي أوّلُ آيَةٍ أُنزلت في القتال، فأَذِن لهم أن يُقاتلوا (^٣).\nوقد كان بعضُهم يزعُمُ أن الله إنما قال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ بالقتالِ من أجل أن أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ كانوا اسْتأذَنوا رسولَ اللهِ ﷺ في قَتْلِ الكفار إذ (^٤) آذَوْهم، واشتدُّوا عليهم بمكةَ قبل الهجرة، غَيْلَةٌ سِرًّا، فأنزل الله فى ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾. فلمَّا هاجر رسول الله ﷺ وأصحابُه إلى المدينة، أطلَق لهم قَتْلهم (^٥) وقتالهم، فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾. وهذا قولٌ ذُكِر عن الضحاك بن مُزَاحمٍ مِن وَجْهِ [غيرِ ثَبَتٍ] (^٦).\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"في قوله\".\n(^٢) في ص: \"يقاتلون\". وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم بفتح التاء. التيسير ص ١٢٨.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٩.\n(^٤) فى م: \"إذا\".\n(^٥) سقط من: ت ١، ت ٢.\n(^٦) فى ت ٢ \"مثبت\". وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٤٣٠.","vol":"16","page":576},{"text":"وقولُه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وإِن اللهَ على نَصْرِ المؤمنين الذين يُقاتَلون في سبيل الله لقادرٌ، وقد نَصَرهم فأعزَّهم ورَفَعَهم، وأهلك عدوَّهم، وأذَلَّهم بأيديهم.\n\n<span id=\"aya-2635\"></span><span data-type='title' id=toc-6144>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أُذِنَ للذين يُقاتلون الذين أُخْرِجوا من ديارهم بغير حقٍّ. فـ ﴿الَّذِينَ﴾ الثانيةُ ردٌّ على ﴿الَّذِينَ﴾ الأولى. وعنى بالمُخْرَجِين مِن دُورِهم المؤمنين الذين أخرَجهم كفارُ قريشٍ مِن مكةَ. وكان إخراجُهم إياهم مِن دُورِهم (^١) تَعْذيبَهم بعضَهم على الإيمان بالله ورسوله، وسَبَّهم بعضَهم بألسنتهم، ووَعيدَهم إياهم، حتى (^٢) اضْطَرُوهم إلى الخروج عنهم، وكان فعلُهم ذلك بهم غير (^٣) حق؛ لأنهم كانوا على باطلٍ، والمؤمنون على الحقِّ، فلذلك قال جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.\nوقولُه: ﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لم يُخْرَجوا مِن ديارِهم إلا بقولِهم: ربُّنا اللهُ وحدَه لا شريكَ له. فـ ﴿أَنْ﴾ فى موضعِ خفضٍ رَدًّا على الباء في قوله: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. وقد يجوزُ أن تكون في موضع نصبٍ على وجه الاستثناء.\n_________\n(^١) بعده في م: \"و\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"حين\".\n(^٣) فى م: \"بغير\".","vol":"16","page":577},{"text":"وقولُه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ اختلف أهلُ التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ولولا دَفْعُ اللهِ المشركين بالمسلمين.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾: دَفْعُ المشركين بالمسلمين.\nوقال آخرون: معنى: معنى ذلك: ولولا القتالُ والجهادُ في سبيلِ اللهِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ قال: لولا القتالُ والجهادُ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ولولا دفعُ الله بأصحاب رسول الله ﷺ عمن بعدَهم من التابعين.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إبراهيم، عن سيفِ بنِ عمرَ (^٢)، عن أبي رَوْقٍ، عن ثابت بن عَوْسَجةَ الحَضْرَمىِّ، قال: ثني سبعةٌ وعشرون من أصحاب علىٍّ وعبد الله، منهم لاحِقُ بنُ الأَقمَرِ، والعَيْزارُ بنُ جَرُولٍ (^٣)، وعطيةُ القُرَظىُّ، أن عليًّا ﵁ قال: إنما أُنزلت هذه الآية فى أصحاب رسول الله ﷺ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) فى م: \"عمرو\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"حزول\". وينظر الجرح والتعديل ٧/ ٣٧.","vol":"16","page":578},{"text":"اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾. لولا دفاعُ الله بأصحاب محمدٍ عن التابعين (^١) ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ﴾ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: لولا أن اللهَ يَدْفَعُ بَمَن أُوجَب قَبول شهادتِه في الحقوقِ تكونُ لبعض الناس على بعضٍ، عمن لا يجوز قبولُ شهادته [وغيره] (^٣)، فأحْيا بذلك (^٤) مال هذا، وتوفَّى بسبب ذلك (^٥) هذا إراقة دمِ هذا، وتَرَكوا المَظالمَ من أجله، لتظالمَ الناسُ فهُدِّمَت صَوامعُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، [قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ] (^٣)، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾. يقولُ: دَفْعُ بعضهم بعضًا في الشهادة و(^٦) فى الحقِّ، وفيما يكونُ من قبَل هذا، يقولُ: لولاهم لأُهْلكتْ هذه الصوامعُ وما ذُكِرَ معها (^٧).\nوأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكرُه أخبرَ أنه لولا دِفاعُه الناسَ بعضَهم ببعضٍ، لهُدِّمَ ما ذُكر مِن دَفْعِه تعالى ذكرُه بعضهم ببعضٍ،\n_________\n(^١) فى ت ١: \"الناس\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) فى ت ١: \"بهذا\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) سقط من: ت ٢.\n(^٧) تفسير مجاهد ص ٤٨٢، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٣٦٤ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":579},{"text":"و(^١) كَفِّه المشركين بالمسلمين عن ذلك، ومنه كَفُّه ببعضِهم التَّظالُمَ؛ كالسلطانِ الذى كَفَّ به رعيتَه عن التظالم بينَهم، ومنه كَفُّه لمَن أَجازَ شهادته بينَهم ببعضِهم (^٢) عن الذَّهاب بحقِّ مَن له قِبَلَه حَقٌّ، ونحوُ ذلك، وكلُّ ذلك دَفْعٌ منه الناسَ بعضهم (^٣) عن بعضٍ، و(^٤) لولا ذلك لتَظالَموا، فهَدَّم القاهِرون صوامعَ المَقْهُورين وبيَعَهم، وما سَمَّى جلَّ ثناؤُه. ولم يَضَعِ اللهُ تعالى دَلالةً في عقلٍ على أنه عنَى من ذلك بعضًا دونَ بعض، ولا جاء بأن ذلك كذلك خبرٌ يجبُ التسليمُ له، فذلك على الظاهر والعموم على ما قد بَيَّنتُه قبلُ؛ لعموم ظاهرِ (^٥) ذلك جميعَ ما ذكَرنا.\nوقولُه: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ اختلف أهلُ التأويل في المعنىِّ بالصوامعِ؛ فقال بعضُهم: عنَى بها صَوامعَ الرهبان.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهاب، قال: ثنا داودُ، عن رُفَيْعِ في هذه الآية: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾. قال: صوامعُ الرُّهْبانِ (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) سقط من: ص، ف، ت ١، ت ٢.\n(^٢) في ص، ف، ت ١، ت ٢: \"بعضهم\".\n(^٣) بعده فى ت ٢: \"ببعض\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٥) بعده في ت ٢: \"التنزيل\".\n(^٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٤ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":580},{"text":"الحارثُ، [قال: ثنا الحسنُ] (^١)، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾. قال: صوامعُ الرُّهْبانِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾. قال: صَوامِعُ الرَّهْبانِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾. قال: صَوامِعُ الرَّهْبانِ.\nحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾. وهى صَوامِعُ الصِّغارِ يَبْنونَها (^٣).\nوقال آخرون: بل هى صَوامعُ الصابئين.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿صَوَامِعُ﴾ قال: هى للصَّابِئِين.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة مثلَه (^٤).\nواختَلفتِ القرأةُ فى قراءةِ قوله: ﴿لَهُدِّمَتْ﴾؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأة المدينة:\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٨٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٤ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٥/ ٣٨٩، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٣٢.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":581},{"text":"(لَهُدِمَتْ) (^١) خفيفةٌ.\nوقرأته عامةُ قرأةٍ أهل الكوفة والبصرة: ﴿لَهُدِّمَتْ﴾ (^٢) بالتشديد، بمعنى تَكْرير الهدم فيها مرةً بعدَ مرةٍ.\nوالتشديدُ في ذلك أعجبُ القراءتين إلىَّ؛ لأن ذلك مِن أفعال أهل الكفر كذلك (^٣).\nوأما قولُه: ﴿وَبِيَعٌ﴾. فإنه يعنى بها بيعَ النصارى.\nوقد اختلف أهلُ التأويل في ذلك؛ فقال بعضُهم مثل الذي قُلنا في ذلك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن رُفَيْعٍ: ﴿وَبِيَعٌ﴾. قال: بِيَعُ النصارى (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿وَبِيَعٌ﴾: للنصارى.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادة مثله (^٥).\nحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: البيعُ بِيَعُ النصارى (^٦).\n_________\n(^١) هى قراءة ابن كثير ونافع. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤٣٨.\n(^٢) هي قراءة أبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٣) فى م، ت ٢: \"بذلك\".\n(^٤) تقدم أوله فى ص ٥٨٠.\n(^٥) تقدم أوله في الصفحة السابقة.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٣٢.","vol":"16","page":582},{"text":"وقال آخرون: عَنَى بالبيَعِ فى هذا الموضعِ كنائسَ اليهودِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا [محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا] (^١) أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني (^٢) الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال (^٣): ﴿وَبِيَعٌ﴾. قال: وكَنائسُ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿وَبِيَعٌ﴾ قال: البيَعُ الكَنائسُ.\nقولُه: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ اختلف أهلُ التأويل في معناه؛ فقال بعضُهم: عنَى بالصلواتِ الكنائسَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾. قال: يعنى بالصلوات الكنائسَ (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٢) بعده فى ت ١، ف: \"عبد\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) تقدم أوله في ص ٥٨١.\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"16","page":583},{"text":"حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ فى قولِه: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾: كنائسُ اليهود، ويُسمُّون الكنيسة صلُوتَا (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾: كنائسُ اليهود.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثله (^٢).\nوقال آخرون: عنَى بالصلوات مساجدَ الصابئين.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، قال (^٣): سألتُ أبا العالية عن الصلواتِ، قال: هي مساجدُ الصَّابِئِين (^٤).\nقال: ثنا عبدُ الوهاب، قال: ثنا داودُ، عن رُفَيعٍ نحوَه.\nوقال آخرون: هي (^٥) مساجدُ للمسلمين ولأهل الكتاب بالطُّرُق.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٣٢.\n(^٢) تقدم أوله في ص ٥٨١.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"سمعت الضحاك يقول\".\n(^٤) تقدم أوله في ص ٥٨٠.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"في\".","vol":"16","page":584},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، [قال: ثنا الحسنُ] (^١)، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾. قال: مساجدُ لأهل الكتابِ ولأهلِ الإسلامِ بالطُّرُقِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾. قال: الصلواتُ صلواتُ أهل الإسلام تنقطعُ، إذا دخل العدوُّ عليهم، انقطَعَت العبادةُ، والمساجدُ تُهْدَمُ، كما صَنَع بُخْتُنَصَّرَ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ اختُلِف في المساجد التي أُريدت بهذا القول؛ فقال بعضُهم: أُريد بذلك مساجدُ المسلمين.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهاب، قال: ثنا داودُ، عن رُفَيْعٍ قوله: ﴿وَمَسَاجِدُ﴾. قال: مساجدُ المسلمين.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَمَسَاجِدُ [يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾] (^٤). قال: المساجدُ مساجدُ\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) تقدم أوله في ص ٥٨١.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: ص، ت ٢.","vol":"16","page":585},{"text":"المسلمين، يُذْكَرُ فيها اسمُ الله كثيرًا.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، عن معمرٍ، عن قتادةَ نحوَه (^١).\nوقال آخرون: عنَى بقولِه: ﴿وَمَسَاجِدُ﴾. الصوامعَ والبيَعَ والصَّلواتِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿وَمَسَاجِدُ﴾. يقولُ: في كلِّ هذا يذكرُ اسمُ الله كثيرًا، ولم يَخُصَّ المساجدَ (^٢).\nوكان بعضُ أهل العربية من أهل البصرة يقولُ: الصلواتُ لا تُهْدَمُ، ولكن حَمَله على فعلٍ آخَرَ، كأنه قال: وتُرِكت صلواتٌ.\nوقال بعضُهم: إنما يعنى مواضعَ الصلوات.\nوقال بعضُهم: إنما هى صلواتٌ، وهى كنائسُ اليهود، تُدْعَى بالعبْرانيةِ صَلُوتًا. وأولى هذه الأقوال فى ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معنى ذلك: لهُدِّمَت صَوامِعُ الرَّهْبانِ، وبِيَعُ النصارى، وصلواتُ اليهود -وهى كنائسُهم- ومساجدُ المسلمين التي يُذكَرُ فيها اسمُ الله كثيرًا.\nوإنما قلنا: هذا القولُ أولى بتأويل ذلك؛ لأن ذلك هو المعروفُ في كلام العرب المُسْتَفِيضُ فيهم، وما خالَفه من القولِ وإن كان له وَجْهُ - فغيرُ مُسْتَعْمَلٍ فيما وَجَّهَه إليه مَن وَجَّهَه إليه.\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٥٨٢.\n(^٢) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٣٦٤، ٣٦٥ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"16","page":586},{"text":"وقولُه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وليُعِينَنَّ اللهُ مَن يُقاتِلُ فى سبيله (^١) لتكونَ كلمتُه العُلْيَا على عدوِّه. فنَصْرُ (^٢) اللهِ عبدَه مَعونتُه إياه، ونَصْرُ العبدِ ربَّه جهادُه فى سبيله لتكون كلمتُه العُلْيا.\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللهَ لَقَوِيٌّ على نَصْرِ مَن جاهد في سبيله من أهل (^٣) ولايته وطاعته، عزيزٌ في مُلْكِه. يقولُ: مَنِيعٌ في سلطانه، لا يقهَرُه قاهرٌ، ولا يَغْلِبُه غالبٌ.\n\n<span id=\"aya-2636\"></span><span data-type='title' id=toc-6145>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أُذن للذين يُقاتلون بأنَّهم ظُلموا، الذين إن مكَّناهم في الأرضِ أقاموا الصلاةَ. و\"الذين\" ههنا رَدُّ على \"الذين يُقاتلون\".\nويعنى بقوله: ﴿إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: إِن [وَطَّأنا لهم] (^٤) في البلاد، فقَهَروا المشركين، وغَلَبوهم عليها، وهم أصحابُ رسول الله ﷺ. يقولُ: إن نَصَرْناهم على أعدائهم، وقَهَروا مشركي مكة - أطاعوا الله، فأقاموا الصلاة بحُدُودِها، ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾. يقولُ: وأعْطَوا زكاة أموالِهم مَن جعَلها الله له، ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ﴾. يقولُ: ودَعَوا الناسَ إلى توحيد الله، والعمل بطاعته وما يعرفه أهلُ الإيمان باللهِ، ﴿وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. يقولُ: وَنَهَوْا عن الشرك باللهِ، والعمل بمعاصِيه، الذى يُنكِرُه أهلُ الحقِّ والإيمان باللهِ، ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾\n_________\n(^١) في ت ٢: \"سبيل الله\".\n(^٢) في ت ٢: \"فنصرة\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أجل\".\n(^٤) فى م: \"وطنا\". وفي ت ٢: \"وطاناهم\".","vol":"16","page":587},{"text":"يقولُ: واللهِ آخِرُ أُمور الخلق. يعنى: أن إليه مصيرَها في الثواب عليها والعقاب في الدارِ الآخرة.\nوبنحو الذي قلنا فى تأويل ذلك قال أهلُ التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسينُ الأشْيبُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ عيسى بنُ ماهانَ الذي يقالُ له: الرازىُّ. عن الربيع بن أنسٍ، عن أبي العالية في قوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. قال: كان أمْرُهم بالمعروف أنهم دَعوا إلى الإخلاص لله وحده لا شريكَ له، ونهيُهم عن المنكر أنهم نَهَوا عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان. قال: فمن دعا إلى الله من الناس كلِّهم فقد أمَر بالمعروف، ومن نهَى عن عبادة الأوثانِ وعبادة الشيطان فقد نهَى عن المنكر (^١).\n\n<span id=\"aya-2637\"></span><span data-type='title' id=toc-6146>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مسلِّيًا نبيَّه محمدًا ﷺ عما ينالُه مِن أذَى المشركين باللهِ، وحاضًا له على الصبر على ما يَلحقُه منهم من السبِّ والتَّكذيب: وإن يكذِّبُك يا محمدُ هؤلاء المشركون بالله على ما أتيتهم به مِن الحقِّ والبرهان، وما تعدُهم به من العذاب على كفرهم بالله - فذلك سُنَّةُ إخوانهم من الأمم الحالية المكذِّبة رسل الله، المشركةِ باللهِ، ومنهاجُهم من قبلهم، فلا يَصُدَّنَّك ذلك، فإنَّ العذاب المهينَ مِن\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":588},{"text":"ورائهم، ونصرى إياكَ وأتباعَك عليهم آتيهم (^١) مِن وراءِ ذلك، كما أتَى عذابى على أسلافِهم مِن الأمم الذين من قبلهم بعد الإمهال إلى بلوغ الآجال. ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ يعني مُشركي قريشٍ، ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ وقومُ عادٍ ﴿وَثَمُودُ﴾\n\n<span id=\"aya-2638\"></span>﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ﴾ وهم قومُ شُعَيبٍ. يقولُ: كذَّب كلُّ هؤلاء رُسُلُهم، ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾. فقيل: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾. ولم يَقُلْ: وقومُ موسى؛ لأن قوم موسى بنو إسرائيل، وكانت قد استجابت له ولم تكذِّبه، وإنما كذَّبه فرعونُ وقومُه من القِبْطِ. وقد قيل: إنما قيل ذلك كذلك لأنه وُلِد فيهم، كما وُلد (^٢) في أهلٍ مكةَ.\n\n<span id=\"aya-2639\"></span>وقولُه: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾. يقول: فأمْهَلتُ لأهل الكفر بالله من هذه الأمم، فلم أعاجِلْهم بالنِّقْمة والعذاب، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾. يقولُ: ثم أَحْلَلْتُ بهم العِقابَ بعدَ الإملاء، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. يقولُ: فانظر يا محمدُ كيف كان تغييرى ما كان بهم من نعمةٍ، وتَنكُّرى لهم عما كنتُ عليه من الإحسانِ إليهم، ألم أُبَدِّلْهم بالكثرة قلةً، وبالحياةِ مَوتًا وهَلاكًا، وبالعِمارةِ خَرابًا؟ يقولُ: فكذلك فعلى بمكذِّبيك من قريشٍ، وإن أمليتُ لهم إلى آجالهم، فإنِّي مُنْجِزُك وعْدى فيهم، كما أنجزتُ غيرَك من رسلى وعدى فى أمِمهم، فأهْلكناهم، وأنجيتُهم مِن بين أظهرهم.\n\n<span id=\"aya-2640\"></span><span data-type='title' id=toc-6147><span data-type='title' id=toc-6148>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا (^٣) وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾.</span></span>\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"آتيه\".\n(^٢) أى النبي ﷺ.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أهلكتها\"، وهى قراءة أبي عمرو وحده، والمثبت هو قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤٣٨.","vol":"16","page":589},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: وكم يا محمدُ من قريةٍ أهلَكتُ أهلَها وهم ظالمون. يقولُ: وهم يَعبدون غيرَ مَن يَنْبغى أن يُعبدَ، ويَعصُون مَن لا يَنبغى لهم أن يَعصُوه.\nوقولُه: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. يقولُ: فبادَ أهلُها، وخلَت وخوَت من سكانها، فخرِبَت وتَداعت، وتساقطتْ ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾. يعني: على بِنائِها وسقوفِها.\nكما حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعىُّ، قال: ثنا أبو خالدٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاك: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. قال: خَواؤُها: خَرابُها، وعُروشُها: سُقوفُها (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿خَاوِيَةٌ﴾. قال: خَرِبَةٌ ليس فيها أحدٌ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةً مثلَه (^٢).\nوقولُه: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾. يقولُ تعالى: فكأيِّن من قريةٍ أهلكناها (^٣)، ومن بئر عطَّلناها بإفناء أهلها، وإهلاكِ وَارِدِيها، فاندفَنت وتعطَّلَت، فلا وَارِدةَ لها ولا شَاربةَ منها، ومن قصرٍ مشيدٍ رفيعٍ بالصخور والجصِّ، قد خلا مِن سُكَّانِه، بما أذَقنا أهلَه من عذابِنا بسوءِ فِعَالِهم، فبَادُوا، وبَقِيَ قصورُهم المشيدةُ خاليةً منهم.\nو\"البئرُ\" و\"القصرُ\" مخفُوضان بالعطف على \"القرية\".\nوكان بعضُ نحويِّى الكوفة يقولُ (^٤): هما معطوفان على \"العروشِ\" بالعطفِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٠، ٥٠١ (٢٦٤٥، ٢٦٤٧) من طريق أبي خالد به، وينظر ما تقدم في ٤/ ٥٨٥.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٠٠ من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"أهلكتها\".\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٢٨.","vol":"16","page":590},{"text":"عليها خفضًا، وإن لم تَحسُنْ فيهما \"على\"؛ لأنَّ (^١) العروشَ أعالى البيوت، والبئرَ في الأرضِ، وكذلك القصرُ؛ لأن القرية لم تَخوِ على القَصرِ، ولكِنَّه أتبَعَ بعضَه بعضًا، كما قال: (وحورٍ عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون) (^٢).\nفمعنى الكلام على ما قال هذا الذي ذكَرنا قولَه في ذلك: فكَأيِّن من قرية أهلكناها وهي ظالمةٌ، فهى خاويةٌ على عروشِها ولها بئرٌ معطَّلةٌ وقصرٌ مشيدٌ. ولكن لمَّا لم يَكنْ مع \"البئر\" مرافعٌ ولا عاملٌ فيها، أتبَعها في الإعراب العروشَ، والمعنى ما وصَفتُ.\nوبنحو الذي قُلنا في معنى قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قال أهلُ التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾. قال: التي قد تُركت. وقال غيرُه: لا أهلَ لها (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾. قال: عطَّلها أهلُها، ترَكُوها.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادة مثله (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ\n_________\n(^١) في م: \"أن\".\n(^٢) الآيتان ٢٢، ٢٣ من سورة الواقعة، والشاهد على قراءة الخفض في (وحور عين). والرفع قراءة، وهما متواترتان، كما سيأتى فى موضعه من التفسير.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٥ إلى المصنف وابن المنذر، كله من قول ابن عباس.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"16","page":591},{"text":"الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾. قال: لا أهل لها (^١).\nواختلَف أهلُ التأويل فى معنى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وقصرٍ مُجَصَّصٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني مطرُ بنُ محمدٍ الضَّبىُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مهدىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن هلالِ بن خبَّابٍ، عن عكرمة فى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. قال: مُجصَّصٍ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن هِلالِ بنِ خَبَّابٍ، عن عكرمة مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ إسماعيل الأحمَسىُّ، قال: ثنى غالبُ بنُ فائدٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن هلال بن خبَّابٍ، عن عكرمة مثلَه.\nحدَّثني الحسينُ بنُ محمد العَنقزىُّ، قال: ثني أبي، عن أسباطَ، عن السديِّ، عن عكرمة فى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. قال: مَجصَّصٍ.\nحدَّثني مطرُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا كثيرُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ بُرقان، قال: كنتُ أمشى مع عكرمة، فرأى حائط أجرٌ مُصهرَجٍ، فوضَع يَده عليه، وقال: هذا المَشيدُ الذى قال اللهُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عن هلالِ بنِ خبَّابٍ، عن عكرمة: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. قال: المجصَّصُ. قال عكرمةُ: والجصُّ\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٢/ ٧٤ بلفظ: متروكة.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٩ عن سفيان به","vol":"16","page":592},{"text":"بالمدينة يُسمى الشِّيدَ.\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾، قال: بالقَصَّةِ أو بالفِضَّةِ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. قال: بالقَصَّةِ. يعنى: بالجصِّ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبَرنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ فى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. قال: مجصَّصٍ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن هلالِ بنِ خبَّابٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ فى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. قال: مجصَّصٍ. هكذا هو في كتابي: عن سعيد بن جبيرٍ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وقصرٍ رفيعٍ طويلٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. قال: كان أهلُه شيَّدُوه وحصَّنوه، فهَلَكوا وترَكوه.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٨٢، ومن طريقه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٦٠.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) وصوابه: عن عكرمة. كما تقدم تخريجه في ص ١٨٠.","vol":"16","page":593},{"text":"حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةً مثله (^١). حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. يقولُ: طويلٍ (^٢).\nوأولى القولين فى ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عنى بالمَشيدِ المُجصَّصَ. وذلك أن الشِّيد في كلام العرب هو الجصُّ بعينه، ومنه قولُ الراجز (^٣):\nكحَيَّة (^٤) الماء بين الطَّىِّ والشِّيدِ\nفالمَشيدُ إنَّما هو مفعولٌ مِن الشَّيدِ. ومنه قولُ امرئ القيس (^٥):\nوتيماء لم يترُك بها جذع نخلةٍ … ولا أُطُمًا (^٦) إِلَّا مَشيدًا بجَندَل\nيعنى بذلك: إلَّا البناءَ بالشِّيدِ والجَندَل.\nوقد يجوزُ أن يكونَ معنيًّا بـ \"المشيدِ\" المرفوعُ بناؤُه بالشيدِ، فيكونَ الذين قالوا: عنى بالمشيد الطَّويلَ. نحَوْا بذلك (^٧) إلى هذا التأويل. ومنه قولُ عدِىِّ ابن زيدٍ (^٨):\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره البغوى في تفسيره ٥/ ٣٩٠.\n(^٣) هو الشماخ، والبيت في ديوانه ص ١٢١، وهو عجز بيت من البسيط وليس من الرجز، وصدره: لا تحسبنى وإن كنت امرءًا غمرا\n(^٤) فى م، ت ١: \"كحبة\"، وفى ت ٢: \"لحية\"، وفى ف: \"لحبة\"، وغير منقوطة في ص، وقال ابن قتيبة في المعانى الكبير ٢/ ٦٦٧: حية الماء لاسم لها ولا تضر، وينظر الحيوان ٤/ ٢٣٧.\n(^٥) ديوانه ص ٢٥.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف، واللسان (أج م): \"أجما\". والأطم والأجم: البيت الحصين المبنى بالحجارة. ينظر اللسان (أ ج م، أ ط م).\n(^٧) غير واضح فى ت ١، وفى ت ٢: \"بين لهم ذلك\"، وفى ف: \"يبن لهم ذلك\"، وغير منقوطة في ص.\n(^٨) البيت فى مجاز القرآن ٢/ ٥٣، وعيون الأخبار لابن قتيبة ٣/ ١١٥، واللسان (ش ى د، ك ل س).","vol":"16","page":594},{"text":"شادَه مَرمَرًا وجَلَّلَه كِلسًا (^١) … فللطَّير فى ذُرَاه وُكُورُ (^٢)\nوقد تأوَّله بعضُ أهل العلم بلغات العربِ (^٣) بمعنى المُزيَّن بالشَّيدِ مِن: شِدتُه أَشِيدُه. إذا زَيَّنتَه به. وذلك شَبيةٌ بمعنى من قال: مجصَّصٌ.\n\n<span id=\"aya-2641\"></span><span data-type='title' id=toc-6149>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾: هؤلاء المكذِّبون بآياتِ اللهِ، والجاحدُون قدرَتَه في البلاد، فينظُروا إلى مصارعِ ضُرَبَائِهِم مِن مُكَذِّبِي رُسلِ اللهِ الذين خَلَوْا مِن قَبلهم، كعادٍ وثمودَ وقوم لوطٍ وشعيبٍ، وأوطانهم ومساكنهم، فيتفكَّروا فيها، ويَعتَبروا بها، ويعلَموا بتدَبُّرِهم أمرَها وأمرَ أهلها، سنةَ اللهِ في مَن كفَر وعبَد غيرَه، وكذَّب رُسُلَه، فيُنيبُوا من عُتُوِّهم وكُفرِهم، ويكون لهم إذا تدبَّروا ذلك واعتبَروا به وأنابوا إلى الحقِّ -قلوبٌ يعقلون بها حُجج الله على خَلقِه وقدرته على ما شاء (^٤)، ﴿أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾. يقولُ: أو آذانٌ تُصغِى لسماع الحقِّ فتَعِى ذلك، وتَميزُ بينَه وبين الباطلِ.\nوقولُه: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾. يقولُ: فإنها لا تَعمَى أبصارُهم أن يُبصروا بها الأشخاصَ ويَرَوْها، بل يُبصِرون ذلك بأبصَارِهم، ولكن تَعمَى قلوبُهم التي في صدورِهم عن إبصارِ الحقِّ ومعرفتِه.\n_________\n(^١) الكلس: ما طلى به حائط أو باطن قصر شبه الجص من غير آجُر. اللسان (ك ل س)\n(^٢) الوكور جمع الوكْر: عش الطائر. اللسان (وك ر)\n(^٣) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٥٣\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ف: \"بينا\".","vol":"16","page":595},{"text":"والهاءُ في قوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ هاءُ عمادٍ (^١)، كقول القائل: إنَّه عبد الله قائمٌ. وقد ذُكر أن ذلك فى قراءة عبدِ اللهِ: (فإنَّه لا تَعْمَى الأبصارُ) (^٢).\nوقيل: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. والقلوبُ لا تكونُ إِلَّا في الصدور؛ توكيدًا للكلام. كما قيل: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧].\n\n<span id=\"aya-2642\"></span><span data-type='title' id=toc-6150>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويَسْتَعْجِلُك (^٣) يا محمدُ مُشركو قومِك بما تَعِدُهم من عذاب الله على شِركِهم به، وتكذيبهم إيَّاك فيما أتَيتَهم به من عندِ اللهِ في الدُّنيا، ولن يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَه الذى وعدك فيهم؛ من إحلال عذابه ونقمَتِه بهم في عاجلِ الدُّنيا. ففعَل ذلك، ووفَّى لهم بما وعَدهم، فقَتَلهم يومَ بدرٍ.\nواختلف أهلُ التأويل فى اليوم الذى قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. أىُّ يوم هو؟ فقال بعضُهم: هو من الأيام التي خلق الله فيها السماواتِ والأرضَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.\n_________\n(^١) يقصد بالعماد هنا ضمير الشأن. ينظر مصطلحات النحو الكوفى ص ٤٧. وينظر ما سيأتي في ١٨/ ١٣، ١٤.\n(^٢) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٢٨.\n(^٣) في م، ت ١، ف: \"يستعجلونك\".","vol":"16","page":596},{"text":"قال: من الأيام التي خلق الله فيها السماواتِ والأرضَ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ الآية. قال: هي مِثلُ قوله في ﴿الم (١) تَنْزِيلٌ﴾ [السجدة: ١، ٢] سواءٌ هو هو، الآية (^٢).\nوقال آخرون: بل هو من أيام الآخرة.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكامٌ، عن عَنبسةَ، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: مقدارُ الحساب يومَ القيامةِ ألفُ سنةٍ (^٣)\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلية، قال: ثنا سعيدٌ الجُريرِيُّ، عن أبي نَضرَةَ، عن سُمَيْرِ (^٤) بنِ نهارٍ، قال: قال أبو هريرةَ: يدخُلُ فقراءُ المسلمين الجنةَ قبل الأغنياءِ بنصف يوم. قلتُ: وما نصفُ يومٍ؟ قال: أو ما تقرأ القرآن؟ قلتُ: بلى. قال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٣٧ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير- من طريق عبد الرحمن به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. وينظر ما سيأتي في ١٨/ ٥٩٣.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٥، ٢٦.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٩.\n(^٤) ويقال فيه: شتير. ينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٣٧٨.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٣٧ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٥ إلى ابن مردويه. وأخرجه أحمد ١٦/ ٤٢٥ (١٠٧٣٠) من طريق شعبة عن الجريري به -وعنده شتير- مرفوعًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٦ إلى أحمد في الزهد.","vol":"16","page":597},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنى عبدُ الرحمن، قال: ثنا أبو عَوانة، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾. قال: من أيام الآخرة.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن عكرمة أنَّه قال فى هذه الآية: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. قال: هذه أيامُ الآخرة. وفى قوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]. قال: يومُ القيامة. وقرأ: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (^١) [المعارج: ٦، ٧].\nوقد اختُلف في وجهِ صرفِ الكلام من الخبر عن استعجال الذين استَعجَلوا العذابَ إلى الخبر عن طولِ (^٢) اليوم عندَ اللهِ؛ فقال بعضُهم: إن القومَ استَعجَلوا العذابَ فى الدُّنيا، فأنزل الله: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ فى أَن يُنزِلَ ما وعَدَهم من العذاب فى الدنيا. ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ من عذابهم في الدنيا والآخرة، ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ فى الدُّنيا.\nوقال آخرون: قيل ذلك كذلك إعلامًا من الله مُستَعجليه العذابَ أَنَّه لا يَعْجَلُ، ولكنَّه يُمهلُ إلى أجلِ أجَّلَه، وأن البَطئ عندهم قريبٌ عنده، فقال لهم: مقدارُ اليوم عندى ألفُ سنةٍ مما تَعُدُّونه أنتم أيُّها القومُ من أيامكم، وهو عندَكم بطئٌ، وهو عندِى قريبٌ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: وإن يومًا من الثِّقلِ وما يُخافُ كألف سنةٍ.\nوالقولُ الثاني عندى أشبَهُ بالحقِّ في ذلك؛ وذلك أن اللهُ تعالى ذِكرُه أخبرَ عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٥ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"تحول\"، وفي ت ٢: \"نحول\".","vol":"16","page":598},{"text":"استعجال المُشركين رسول الله ﷺ بالعذاب، ثم أخبَر عن مَبلَغ قدرِ اليومِ عندَه، ثم أتبَع ذلك قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ فأخبرَ عن إملائِه أهلَ القريةِ الظالمةِ، وتَركِه معاجَلَتَهم بالعذابِ، فبيَّن بذلك أنَّه عنَى بقولِه: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. نَفى العجلةِ عن نفسِه، ووَصفَها بالأناةِ والانتِظارِ.\nوإذا كان ذلك كذلك، كان تأويلُ الكلام: وإن يومًا من الأيام التى عندَ اللهِ يومَ القيامة، يومٌ واحدٌ كألف سنةٍ من عَددِكم، وليس ذلك عندَه ببعيدٍ، وهو عندَكم بعيدٌ، فلذلك لا يَعجَلُ بعقوبة من أراد عقوبته حتى يبلُغَ غاية مدَّتِه.\n\n<span id=\"aya-2643\"></span><span data-type='title' id=toc-6151>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾. يقولُ: أمهَلتُهم، وأخَّرتُ عذابَهم، وهم بالله مُشركون، ولأمرِه مُخالفون، وذلك كان ظُلمهم الذى وصفهم الله به جلَّ ثناؤه، فلم أعْجَلْ بعذابهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾، يقولُ: ثم أخَذتُها بالعذاب، فعَذَّبتُها في الدُّنيا بإحلال عُقوبتنا بهم، ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وإلىَّ مصيرُهم أيضًا بعدَ هلاكِهم، فيَلقَون من العذابِ حينئذٍ ما لا انقطاع له. يقولُ تعالى ذكرُه: فكذلك حالُ مُستَعجليكَ بالعذابِ مِن مُشرِكي قومك، وإن أمليتُ لهم إلى آجالهم التى أجَّلتُها لهم، فإني آخِذُهم بالعذاب فقاتلُهم بالسيف، ثم إلىَّ مصيرُهم بعد ذلك فموجعُهم إذن عقوبةً على ما قدَّموا من آثامهم.\n\n<span id=\"aya-2644\"></span><span data-type='title' id=toc-6152>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾</span>","vol":"16","page":599},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لمُشركي قومك الذين يُجادِلُونكَ في الله بغير علمٍ، اتِّباعًا منهم لكلِّ شيطانٍ مَريدٍ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أُنذِرُكم عقابَ اللهِ أن ينزِلَ بكم في الدُّنيا، وعذابَه في الآخرة أن تُصلَوْه، ﴿مُبِينٌ﴾. يقولُ: أُبيِّنُ لكم إنذَارى ذلك وأُظهرُه، لِتُنِيبُوا مِن شِرككم، وتَحذَروا ما أنذرُكم من ذلك، لا أملِكُ لكم غير ذلك، فأما تعجيلُ العقابِ وتأخيرُه الذي تَستَعجِلُونني به، فإلى الله، ليس ذلك إلىَّ، ولا أقدرُ عليه. ثم وصَف نِذَارتَه وبشَارتَه، ولم يَجر للبشارة ذكْرٌ، ولما ذُكِرتِ النِّذارةُ على عملٍ عُلم أنَّ البشارة على خلافه (^١)، فقال: والذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا الصالحاتِ مِنكم أيُّها الناسُ ومِن غيركم، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾. يقولُ: لهم من الله سَترُ ذنوبهم التي سلَفت منهم في الدُّنيا عليهم في الآخرة، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: ورزقٌ حسنٌ في الجنَّةِ.\n\n<span id=\"aya-2645\"></span>كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. قال: الجنَّةُ.\n\n<span id=\"aya-2646\"></span>وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾. يقولُ: والذين عملوا في حُجَجنا فصَدُّوا عن اتِّباع رسولنا، والإقرار بكتابنا الذي أنزلناه.\nوقال: ﴿فِي آيَاتِنَا﴾. فأدخلت فيه \"في\"، كما يُقالُ: سعَى فلانٌ في أمرٍ فلانٍ.\nواختلَف أهلُ التأويل في تأويل قوله: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾، فقال بعضُهم: معناه: مُشاقِّين.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن عثمانَ بنِ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"بخلاف ذلك\".","vol":"16","page":600},{"text":"عطاءٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ أنه قرَأَها: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ في كلِّ القرآنِ، يعني بأَلفٍ، وقال: مُشاقِّينَ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أنَّهم ظنّوا أنَّهم يُعجِزُون الله فلا يقدِرُ عليهم.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾. قال: كذَّبوا بآياتِ اللهِ، وظنُّوا أنَّهم يُعجزُون الله، ولن يُعجزوه.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٢).\nوهذان الوجهانِ من التأويل فى ذلك على قراءةِ مَن قرأه: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ بالأَلف، وهى قراءة عامَّةِ قرأة المدينة والكوفة (^٣). وأما بعضُ قرأة أهل مكةَ والبصرة، فإنَّه قرأَه: (مُعَجِّزين). بتشديد الجيم بغيرِ ألفٍ (^٤)، بمعنى أنَّهم عَجَّزوا الناسَ وثَبَّطوهم عن اتباعِ رسول الله ﷺ والإيمانِ بالقرآنِ.\nذكرُ مَن قال ذلك كذلك من قراءتِه\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: (معجِّزين) (^٥). قال: مُبطِّئين يُبطِّئون الناس عن اتباع النبيِّ ﷺ (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٦ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٠، ١٢٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٦٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) وهى قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٤٣٩.\n(^٤) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو. المصدر السابق.\n(^٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"معاجزين\".\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٤٨٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٦ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":601},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nوالصوابُ من القول فى ذلك أن يُقالَ: إنّهما قراءتان مشهورَتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرَأَةِ، مُتقاربتا المعنى، وذلك أن من عَجَّز عن آياتِ اللهِ، فقد عاجَز الله ومن مُعاجزةِ اللهِ التعجيرُ عن آيات الله، والعملُ بمعاصيه وخلافُ أمرِه، وكان من صفة القومِ الذين أنزل الله هذه الآياتِ فيهم أنهم كانوا يُبطِّئون الناس عن الإيمان بالله واتباع رسولِه، ويُغالبون رسول الله ﷺ، يَحسَبون أنهم يُعجِّزونه ويَغلبونه، وقد ضَمِن الله له نصرَه عليهم، فكان ذلك معاجزتَهم الله. فإذ كان ذلك كذلك، فبأىِّ القراءتين قرأ القارئ فمُصيبٌ الصواب في ذلك.\nوأما المُعاجَزَةُ، فإنها المفاعَلةُ من العجز، ومعناه مغالبةُ اثنين أحدهما صاحبه، أيُّهما يُعجِرُه فيَغلبُه الآخرُ ويَقهرُه.\nوأمّا التَّعجيرُ، فإنه التَّضعيفُ، وهو التَّفعيلُ من العَجزِ.\nوقولُه: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين هذه صفتُهم هم سكانُ جهنمَ يومَ القيامةِ، وأهلُها الذين هم أهلُها.\n\n<span id=\"aya-2647\"></span><span data-type='title' id=toc-6153>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾</span>\nقيل: إِنَّ السببَ الذى من أجله أُنزِلت هذه الآية على رسول الله ﷺ، كان (^١) أنَّ الشيطان كان ألقَى على لسانه فى بعض ما يَتلوه مما أنزل الله عليه من القرآن، ما لم\n_________\n(^١) سقط من: م.","vol":"16","page":602},{"text":"يُنزله اللهُ عليه، فاشتدَّ ذلك على رسول الله ﷺ، واغتمَّ به، فسلّاه مما به من ذلك بهذه الآيات.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدَّثني حجاج، عن ابن جُريج، عن أبي مَعشرٍ، عن محمدِ بنِ كعب القرظى ومحمد بن قيس، قالا: جلَس رسولُ الله ﷺ في نادٍ من أندية قريش كثير أهله، فتمنَّى يومئذٍ ألا يأتيه من الله شيءٌ فينفروا الله عنه، فأنزل الله عليه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ فقرَأها رسول الله ﷺ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١ - ٢٠] ألقى عليه الشيطانُ كلمتين: تلك الغرانيق (^١) العُلى، وإن شفاعتهن لتُرتجى (^٢). فتكلَّم بها، ثم مضى فقرأ السورة كلها، فسجد في آخر السورة، وسجد القوم جميعًا معه، ورفع الوليد بن المغيرة ترابًا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخًا كبيرًا لا يقدِرُ على السجودِ، فرضُوا بما تكلَّم به، وقالوا: قد عرفنا أن الله يُحيى ويُميتُ، وهو الذي يَخلُقُ ويَرْزُقُ، ولكنَّ آلهتنا هذه تشفع لنا عندَه، إذ جعَلتَ لها نصيبًا، فنحن معك. قالا: فلما أمسى أتاه جبريلُ ﵇، فعرض عليه السورةً، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه، قال: ما جئتك بهاتين. فقال رسولُ الله ﷺ: \"افتريت على اللهِ، وقلتُ على اللهِ ما لم يَقُلْ\". فأوحى الله إليه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"الغرائقة\". والغرانيق ههنا الأصنام، وهى في الأصل الذكور من طير الماء، واحدها غُرْنوق وغُرْنَيق، سمى به لبياضه. وقيل: هو الكركى. والغرنوق أيضًا الشاب الناعم الأبيض، وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من الله وتشفع لهم، فشبهت بالطيور التي تعلو في السماء وترتفع. النهاية ٣/ ٣٦٤.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"لترجي\".","vol":"16","page":603},{"text":"نصيرًا﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥]. فما زال مَعْمُومًا مهمومًا حتى نزلت (^١): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قال: فسمِع مَن كان من المهاجرين بأرض الحبشة أنَّ أهلَ مكة قد أسلَموا كلُّهم، فرجَعوا إلى عشائرهم وقالوا: هم أحبُّ إلينا. فوجَدوا القومَ قد ارتكَسوا حينَ نسَخ اللهُ ما ألقَى الشيطانُ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدنيِّ، عن محمد بن كعب القرظيِّ، قال: لما رأى رسول الله ﷺ تولِّى قومه عنه، وشقَّ عليه ما يرى مِن مُباعَدتِهم ما جاءهم به مِن عندِ اللهِ، تمنَّى فى نفسه أن يأتيه مِن اللهِ ما يقارِبُ به بينه وبين قومه، وكان يسرُّه مع حبِّه وحِرصِه عليهم أن يلينَ له بعضُ ما غلظ عليه من أمرهم حين حدَّث بذلك نفسَه، وتمنَّى وأحبَّه، فأنزَل الله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾. فلما انتهى إلى قولِ اللهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ أَلقَى الشيطان على لسانه لما كان يُحدِّث به نفسه ويتمنَّى أن يأتى به قومَه: تلك الغرانيقُ العُلى، وإنَّ شفاعتهن تُرتضى. فلما سمعت قريشٌ ذلك فرحوا وسرَّهم، وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخُوا (^٣) له، والمؤمنون مصدِّقون نبيَّهم فيما جاءهم به عن ربِّهم، ولا يتَّهمونه على خطأ ولا وَهمٍ ولا زَللٍ، فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها، فسجد المسلمون بسجودِ نبيِّهم تصديقًا لما جاء به، واتِّباعًا لأمره، وسجد مَن في المسجدِ من المشركين من قريشٍ وغيرهم لما سمعوا من ذكرِ آلهتهم، فلم يبق في المسجدِ مؤمنٌ\n_________\n(^١) بعده في م: \"عليه\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٧ إلى المصنف وسعيد بن منصور.\n(^٣) أصاخوا له: استمعوا وأنصتوا لصوته. التاج (ص ى خ).","vol":"16","page":604},{"text":"ولا كافرٌ إلا سجَد، إلا الوليدُ بنُ المغيرةِ، فإنه كان شيخًا كبيرًا فلم يستطع، فأخذ بيده حَفنةٌ مِن البطحاءِ، فسجَد عليها، ثم تفرَّق الناسُ مِن المسجد، وخرَجت قريشٌ وقد سرَّهم ما سمِعوا مِن ذكرِ آلهتِهم، يقولون: قد ذكَر محمدٌ آلهتَنا بأحسنِ الذِّكر، وزعم فيما يتلو أنها الغرانيقُ العُلى، وأن شفاعتهنَّ تُرتَضى. وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ، وقيل: أسلمت قريشٌ، فنَهضت منهم رجالٌ، وتخلف آخرون، وأتى جبريل النبي ﷺ، فقال: يا محمدُ، ماذا صنَعْتَ؟ لقد تَلَوْتَ على الناس ما لم آتِك به عن اللهِ، وقلت ما لم يُقَل لك. فحَزِن رسول الله ﷺ عند ذلك، وخاف من الله خوفًا كثيرًا (^١)، فأنزل الله تعالى عليه -وكان به رحيمًا- يُعزِّيه ويُخفِّضُ عليه الأمر، ويُخبرُه أنه لم يكن قبله رسولٌ ولا نبىٌّ تمنَّى كما تمنَّى، ولا أحبَّ كما أحبَّ، إلا والشيطان قد ألقى في أُمنيَّتِه كما ألقى على لسانه ﷺ، فنسخ الله ما ألقَى الشيطانُ، وأحكم آياته. أى: فأنتَ كبعض الأنبياءِ والرُّسُلِ. فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية. فأذهب اللهُ عن نبيِّه الحزن، وأمَّنَه مِن الذي كان يخافُ، ونسخ ما أَلقَى الشيطانُ على لسانه من ذكرِ آلهتهم أنها الغرانيقُ العُلى، وأن شفاعتهن تُرتضى. يقولُ اللهُ حينَ ذكَر اللاتَ والعُزَّى ومناةَ الثالثة الأُخرى، إلى قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]. أى فكيف تنفعُ شفاعةُ آلهتِكم عنده؟! فلما جاءه من اللهِ ما نسخ ما كان الشيطانُ ألقَى على لسان نبيِّه، قالت قريشٌ: ندِم محمدٌ على ما كان من منزلة آلهتكم عندَ اللهِ، فغيَّر ذلك وجاء بغيرِه. وكان ذانِك (^٢) الحَرفان اللذان ألقَى الشيطانُ على لسانِ رسولِه قد وقَعا فى فَمِ كلُّ مُشركٍ، فازدادوا شرًّا إلى ما كانوا\n_________\n(^١) فى م: \"كبيرا\"، وفي ت ٢: \"شديدا\".\n(^٢) في م: \"ذلك\".","vol":"16","page":605},{"text":"عليه (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعتُ داود، عن أبي العاليةِ، قال: قالت قريشٌ لرسول الله ﷺ: إنما جلساؤك عبد بنى فلانٍ ومَولى بنى فلانٍ، فلو ذكرت آلهتنا بشيءٍ جالَسناك، فإنه يأتيك أشرافُ العربِ، فإذا رأَوْا جُلساءَك أشرافَ قومِك، كان أرغَبَ لهم فيك. قال: فألقى الشيطانُ في أُمنيته، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. قال: فأجرى الشيطانُ على لسانِه: تلك الغرانيقُ العلى، وشفاعتهن تُرتجي، مثلُهن لا يُنسى. قال: فسجد النبىُّ ﷺ حين قرَأها، وسجَد معه المسلمون والمشركون، فلما عَلِم الذى أُجرِى على لسانِه، كبُرَ ذلك عليه، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن أبي العاليةِ، قال: قالت قريشٌ: يا محمدُ، إنما يجالِسُك الفقراءُ والمساكينُ وضُعفاءُ الناسِ، فلو ذكرت آلهتنا بخيرٍ لجالَسناك، فإِنَّ الناسَ يأتونك مِن الآفاقِ. فقرأ رسول الله ﷺ سورة \"النَّجم\"، فلما أتَى (^٣) على هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. فألقى الشيطانُ على لسانِه: وهى الغرانِقةُ العُلى، وشفاعتهنَّ تُرتَجى. فلما فرَغ منها سجَد رسولُ الله ﷺ والمسلمون والمشركون، إلا أبا أُحيحةً سعيدَ بنَ العاصِ، أخذ كفًّا من ترابٍ وسجَد عليه،\n_________\n(^١) ذكره البغوى فى تفسيره ٥/ ٣٩٣ عن ابن عباس ومحمد بن كعب به.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٧ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م: \"انتهي\"، وفى ت ١: \"وأتى\".","vol":"16","page":606},{"text":"وقال: قد آن لابن أبي كبشة أن يذكر آلهتنا بخيرٍ. حتى بلغ الذين بالحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ من المسلمين أن قريشًا قد أسلمت، فاشتد على رسولِ الله ﷺ ما ألقى الشيطانُ على لسانِه، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾. إلى آخرِ الآية (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبير، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾. قرأها رسولُ الله ﷺ فقال: \"تلك الغرانيقُ العُلى، وإن شفاعتهنَّ لتُرتجى\". فسجَد رسولُ اللهِ ﷺ، فقال المشركون: إنه لم يَذكُرْ آلهتَكم قبل اليوم بخير. فسجد المشركون معه، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾. إلى قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو بشرٌ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: لما نزلت: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾. ثم ذكَر نحوَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وذلك أن نبيَّ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٧، ٣٦٨ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٣٩ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره -كما في تفسير ابن كثير- من طريق شعبة به، وأخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ٢٣٣ من طريق عثمان بن الأسود، عن سعيد، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٣٦٦ إلى ابن مردويه وابن المنذر، وجاء موصولا من طريق سعيد، عن ابن عباس، عزاه السيوطى فى الدر المنثور إلى البزار والطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة، وينظر تخريج الكشاف ٢/ ٣٩١ وما بعدها.","vol":"16","page":607},{"text":"الله ﷺ بينما هو يُصلِّى، إذ نزلت عليه قصةُ آلهة العربِ، فجعَل يتلوها، فسمِعه المشركون، فقالوا: إنا نسمعُه يذكُرُ آلهتنا بخيرٍ. فدنوا منه فبينما، هو يتلُوها وهو يقولُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ أَلقَى الشيطانُ: إِنَّ تلكَ الغرانيقُ العُلى، منها الشفاعةُ تُرتجى. فعَلِق (^١) يتلوها، فنزل جبريلُ ﵇، فنسخها، ثم قال له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾. إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (^٢).\nحدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقول فى قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية: إن نبىَّ الله ﷺ وهو بمكة أنزل الله عليه في آلهة العرب، فجعَل يَتْلُو اللات والعزَّى، ويُكثِرُ تَرديدها، فسمع أهلُ مكة نبيَّ الله يذكُرُ آلهتهم، ففرِحُوا بذلك ودَنَوا يستمعون، فألقى الشيطان في تلاوة النبيِّ ﷺ: تلك الغرانيقُ العُلى، منها الشفاعةُ تُرتجي. فقرأها النبىُّ ﷺ كذلك، فأنزَل اللهُ (^٣): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنى يونسُ، عن ابن شهابٍ أنه سألَه (^٥) عن قولِه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية. قال ابنُ شهابٍ: ثنى أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ، أن رسولَ اللهِ ﷺ وهو بمكة قرَأ\n_________\n(^١) في م: \"فجعل\"، وفى ف: \"فغلق\" وعلِق فلان يفعل كذا ظل كقولك طفِق يفعل كذا. اللسان (ع ل ق).\n(^٢) أخرجه ابن مردويه -كما في تخريج الكشاف ٢/ ٣٩٤ - من طريق محمد بن سعد به.\n(^٣) بعده في م، ف: \"عليه\".\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٧ إلى المصنف.\n(^٥) في م: \"سئل\".","vol":"16","page":608},{"text":"عليهم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾. فلما بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. قال: \"إن شَفاعتهن تُرتجى\". وسَها رسول الله ﷺ، فلقِيه المشركون الذين في قلوبهم مرضٌ، فسلَّموا عليه، وفَرِحوا بذلك، فقال لهم: \"إنَّما ذلك من الشيطانِ\". فأنزَل اللهُ عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ حتى بلغ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ (^١).\nفتأويلُ الكلامِ: ولم نُرْسِلْ يا محمد من قبلك من رسول إلى أمةٍ من الأممِ، ولا نبىٍّ مُحدَّثٍ ليس بمُرسلٍ، إلا إذا تمنَّى.\nواختلف أهل التأويل فى معنى قوله: ﴿تَمَنَّى﴾ فى هذا الموضِعِ، وقد ذَكرتُ قولَ جماعةٍ ممَّن قال: ذلك التَّمَنِّى من النبىِّ ﷺ ما حَدَّثَته نفسُه من محبتِه مقاربةَ قومِه [في ذكر] (^٢) آلهتهم ببعضِ ما يُحِبُّون، ومَن قال: ذلك محبةٌ منه في بعضِ الأحوال ألَّا تُذكَّرَ بسوءٍ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا قرأ وتلا أو حدَّث.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾. يقولُ: إذا حدَّث أَلقَى الشيطانُ في\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٧ إلى المصنف وعبد بن حميد. وقال ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٣٨: قد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق … ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها من وجه صحيح. وقال الشوكاني في فتح القدير ٣/ ٤٦٢: ولم يصح شيء من هذا، ولا ثبت بوجه من الوجوه، ومع عدم صحته بل بطلانه، فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه، قال الله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]. وينظر في إبطال هذه القصة: الشفا للقاضي عياض ٢/ ٧٤١، وأضواء البيان ٥/ ٧٢٨ وما بعدها.\n(^٢) في ت ٢: \"فذكر\".","vol":"16","page":609},{"text":"حديثِه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي يسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنِ نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾. قال: إذا قال (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾: يعنى بالتمنِّى التلاوةَ والقراءةَ (^٣).\nوهذا القولُ أشبه بتأويل الكلام بدَلالةِ قولِه: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾. على ذلك؛ لأن الآياتِ التي أخبَر اللهُ جل ثناؤه أنه يُحكمُها، لا شكَّ أنها آيات تنزيلِه، فمعلومٌ بذلك (^٤) أنَّ الذي ألقَى فيه الشيطانُ هو ما أخبر الله تعالى ذكرُه أنه نسَخ ذلك منه وأبطلَه، ثم أحكَمه بنسخِه ذلك منه.\nفتأويلُ الكلامِ إذن: وما أرسَلنا من قبلك من رسول ولا نبىٍّ إلا إذا تَلا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٦٠ - من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٨٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٨ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم. وبعده في ص، ف: \"حدثني الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"16","page":610},{"text":"كتاب الله وقرأ، أو حدَّث، وتكلَّم، ألقى الشيطانُ في كتاب الله الذي تَلاه وقرأه، أو في حديثِه الذى حدَّث وتكلَّم، ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾. يقول تعالى: فيُذهبُ اللهُ ما يُلقى الشيطانُ مِن ذلك على لسان نبيِّه ويُبطله.\nكما حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾: فيُبْطِلُ اللهُ ما أَلقَى الشيطانُ.\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾: نسَخ جبريلُ بأمرِ اللهِ ما ألقى الشيطانُ على لسانِ النبيِّ ﷺ، وأحكم اللهُ آياتِه.\nوقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾. يقولُ: ثم يُخلِّصُ الله آيات كتابه من الباطل الذى (^١) أَلقَى (^٢) الشيطانُ على لسان نبيِّه، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يحدُث في خَلقِه من حدثٍ، لا يَخفَى عليه منه شيءٌ، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره إياهم، وصرفِه لهم فيما شاء وأحبَّ.\n\n<span id=\"aya-2648\"></span><span data-type='title' id=toc-6154>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقى الشيطانُ ثم يُحْكِمُ الله آياته؛ كي يجعل ما يُلقى الشيطانُ في أُمنيَّة نبيِّه من الباطل - كقول النبيِّ ﷺ: \"تلك الغَرانيقُ العُلى، وإن شفاعتهنَّ لتُرتجي\"- ﴿فِتْنَةٌ﴾. يقول: اختبارًا يختبر به الذين في قلوبِهم مرضٌ من النفاقِ، وذلك الشكُّ فى صدقِ رسولِ الله ﷺ وحقيقةِ ما\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"التي\".\n(^٢) في ص: \"يلقى\".","vol":"16","page":611},{"text":"يُخبرهم به.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادة، أن النبيَّ ﷺ كان يتمنَّى ألا يعيب الله آلهة المشركين، فألقى الشيطان في أمنيته، فقال: \"إنَّ الآلهة التي تُدعَى، إن شفاعتها لتُرتجَى، وإنها للغَرانيقُ العُلى\". فنسَخ اللهُ ذلك، وأحكَم آياتِه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ حتى بلغ: ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ١٩ - ٢٣]. قال قتادةُ: لما أَلقَى الشيطانُ ما أَلقَى، قال المشركون: قد ذكر الله آلِهتَكم (^١) بخيرٍ. ففَرِحُوا بذلك، فذلك (^٢) قوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.\nحدَّثنا الحسنُ، قال أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة بنحوِه (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج في قولِه: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. [قال: المنافقون (^٤).\nوقوله: ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾] (^٥). يقولُ: وللذين قسَت قلوبُهم عن الإيمانِ باللهِ، فلا تلينُ ولا تَرعوى، وهم المشركون باللهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) فى م: \"آلهتهم\".\n(^٢) في النسخ: \"فذكر\". والمثبت من تفسير عبد الرزاق.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٠.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٨ إلى ابن المنذر.\n(^٥) سقط من النسخ، وأثبتناه كنهج المصنف وليستقيم السياق.","vol":"16","page":612},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: المشركون (^١).\nوقولُه: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإنَّ مشركي قومِك يا محمدُ لفى خلافٍ لله في أمرِه بعيدٍ من الحقِّ.\n\n<span id=\"aya-2649\"></span><span data-type='title' id=toc-6155>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وكى يعلم أهل العلم بالله أن الذى أنزله الله من آياته التي أحكمها لرسوله، ونسخ ما أَلقَى الشيطانُ فيه، أنه الحقُّ مِن عندِ ربِّك يا محمُد، ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾. يقولُ: فيصدِّقوا به، ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾. يقولُ: فتخضع للقرآن قلوبُهم، وتُذعن بالتصديق به والإقرارِ بما فيه، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وإن الله لمرشدُ الذين آمنوا بالله ورسولِه إلى الحقِّ القاصدِ، والحقِّ الواضِحِ، بنسخِ ما ألقَى الشيطانُ في أُمنيةِ رسولِه ﷺ، فلا يَضُرُّهم كيدُ الشيطانِ، وإلقاؤُه الباطلَ على لسانِ نبيِّهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: ﴿وَلِيَعْلَمَ\n_________\n(^١) تقدم أوله في الصفحة السابقة.","vol":"16","page":613},{"text":"وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾. قال: يعنى القرآن (^١).\n\n<span id=\"aya-2650\"></span><span data-type='title' id=toc-6156>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولا يزالُ الذين كفَروا باللهِ فى شكٍّ.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ فى الهاءِ التى فى قولِه ﴿مِنْهُ﴾ مِن ذكرِ ما هي؛ فقال بعضُهم: هي من ذكرِ قولِ النبىِّ ﷺ: \"تلك الغرانيقُ العلى، وإن شفاعتهن لتُرتجي\" (^١).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٌ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ من قوله: \"تلك الغرانيقُ العلى، وإن شفاعتَهن تُرتجي\".\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾. قال: مما جاء (^٢) به إبليسُ، لا يخرُجُ من قلوبِهم، زادهم ضلالةً (^٣).\nوقال آخرون: بل هي من ذكرِ سجودِ النبيِّ ﷺ في \"النجمِ\".\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابُن المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو بشرٍ، عن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٦١٢.\n(^٢) فى ص: \"جاءك\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٨ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"16","page":614},{"text":"سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾. قال: في مريةٍ من سجودِك.\nوقال آخرون: بل هي من ذكرِ القرآن.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريج: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾. قال: من القرآن (^١).\nوأولى هذه الأقوال فى ذلك بالصواب قولُ من قال: هي كنايةٌ من ذكرِ القرآنِ الذى أحكم الله آياته. وذلك أن ذلك من ذكر قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أقرب منه من ذكر قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾. والهاءُ من قوله: ﴿أَنَّهُ﴾ من ذكرِ القرآنِ، فإلحاق الهاءِ فى قولِه: ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ بالهاء من قوله: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أولى من إلحاقها بـ ﴿مَا﴾ التى فى قوله: ﴿مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ مع بُعدِ ما بينهما.\nوقوله: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾ (^٢). يقول: لا يزال (^٣) هؤلاء الكفارُ في شكٍّ من أمرِ هذا القرآن إلى أن تأتيَهم الساعةُ بغتةً، وهى ساعةُ حشرِ الناسِ لموقفِ الحسابِ، ﴿بَغْتَةً﴾. يقولُ: فجأةً، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾.\nواختلَف أهل التأويلِ فى هذا اليومِ أىُّ يومٍ هو؛ فقال بعضُهم: هو يومُ القيامِة.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٦١٢.\n(^٢) بعده فى ص، ت ١، ف: \"بغتة\".\n(^٣) في ف: \"تزال\".","vol":"16","page":615},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا شيخٌ من أهلِ خراسانَ من الأزدِ يُكنى أبا ساسانَ، قال: سألتُ الضحاكَ عن قولِه: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. قال: عذابُ يومٍ لا ليلةَ له (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابرٍ، عن عكرمة، أن يومَ القيامةِ لا ليلةً له (^٢).\nوقال آخرون: بل عُنى به يومُ بدرٍ. وقالوا: إنما قيل له: ﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾؛ أنهم لم يُنظَروا إلى الليل، فكان لهم عقيمًا.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. يوم بدرٍ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. قال ابنُ جُريج: يومٌ ليس فيه ليلةٌ، لم يُناظروا إلى الليلِ (^٤).\n_________\n(^١) فى م، ت ٢: \"بعده\". والأثر أخرجه ابن عدى فى الكامل ٧/ ٢٧٤٨ من طريق هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٦٨ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٥/ ٣٩٦، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٤٣.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٤٤٢.\n(^٤) ذكره البغوى في تفسيره ٥/ ٣٩٦.","vol":"16","page":616},{"text":"قال مجاهدٌ: عذابُ يومٍ عقيمٍ (^١).\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، قال: قال مجاهدٌ: يومُ بدرٍ (^٢).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو إدريسَ، قال: أخبرنا الأعمشُ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ في قولِه: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. قال: يومُ بدرٍ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. قال: هو يوم بدرٍ. ذكَره عن [أبي بن] (^٤) كعبِ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. قال: هو يومُ بدرٍ. عن أبيِّ بنِ كعبٍ (^٥).\nوهذا القولُ الثانى أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لأنه لاوجهَ لأن (^٦) يُقالَ: لا يزالون في مريةٍ منه حتى تأتيَهم الساعةُ بغتةً، أو تأتيهم الساعةُ؛ وذلك أَن الساعةَ هي يومُ القيامِة. فإن كان اليومُ العقيمُ أيضًا هو يومَ القيامةِ، فإنما معناه ما قلنا من تكريرِ ذكرِ الساعةِ مرتين باختلافِ الألفاظِ، وذلك ما لا معنى له. فإذ كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به أصحُّهما معنًى وأشبهُهما بالمعروفِ في الخطابِ، وهو ما ذكَرنا من\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"عظيم\".\n(^٢) ينظر تفسير القرطبي ١٢/ ٨٧.\n(^٣) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٣٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) فى ت ٢: \"بن أبي\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٦٨ إلى ابن مردويه.\n(^٦) بعده في ت ٢: \"لا\".","vol":"16","page":617},{"text":"معناه.\nفتأويل الكلام إذن: ولا يزالُ الذين كفروا في مريةٍ منه حتى تأتيهم الساعةُ بغتةً، فيصيروا إلى العذاب الدائمِ، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم لهم، فلا يُنظَروا فيه إلى الليل، ولا يُؤخَّروا فيه إلى المساء، لكنهم يُقتلون قبل المساء.\n\n<span id=\"aya-2651\"></span><span data-type='title' id=toc-6157>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: السلطانُ والمُلكُ إذا جاءت الساعة لله وحده لا شريك له، ولا ينازعه يومئذ منازعٌ. وقد كان في الدنيا ملوكٌ يُدعون بهذا الاسم، ولا أحد يومئذٍ يُدعَى ملكًا سواه، ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: يفصل بين خلقه المشركين به والمؤمنين؛ فالذين آمنوا بهذا القرآن، وبمن أنزَله، ومن جاء به، وعملوا بما فيه من حلالِه وحرامِه، وحدودِه وفرائضِه، فى جناتِ النعيم يومئذٍ.\n\n<span id=\"aya-2652\"></span>والذين كفروا بالله ورسوله (^١)، وكذّبوا بآياتِ كتابه وتنزيله، وقالوا: ليس ذلك من عند الله، إنما هو إفكٌ افتراه محمدٌ، وأعانه عليه قومٌ آخرون، ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. يقولُ: فالذين هذه صفتهم لهم عند الله يوم القيامةِ ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. يعنى: عذابٌ مذلٌّ في جهنم.\n\n<span id=\"aya-2653\"></span><span data-type='title' id=toc-6158>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: والذين فارقوا أوطانهم وعشائرهم، فتركوا ذلك في\n_________\n(^١) في ت ٢: \"رسله\".","vol":"16","page":618},{"text":"رضا اللهِ وطاعتهِ وجهادِ أعدائِه، ثم قُتلوا أو ماتوا وهم كذلك، ليرزقَنَّهم اللهُ يومَ القيامةِ في جناتِه رزقًا حسنًا. يعنى بالحسنِ الكريمَ، وإنما يعنى بالرزقِ الحسنِ الثوابَ الجزيلَ، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. يقولُ: وإن اللهَ لهو خيرُ من بسَط فضلَه على أهلِ طاعتهِ وأكرَمهم.\nوذُكر أن هذه الآيةَ نزَلت فى قومٍ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ اختلَفوا في حكمِ من مات فى سبيلِ اللهِ؛ فقال بعضُهم: سواءٌ المقتولُ منهم والميتُ. وقال آخرون: بل المقتولُ أفضلُ. فأنزَل اللهُ هذه الآيةَ على نبيِّه ﷺ، يُعلِمُهم استواءَ أمرِ الميتِ فى سبيلِه والمقتولِ فيها في الثوابِ عندَه.\nوقد حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى عبدُ الرحمنِ بنُ (^١) شُريحٍ، عن سَلامانَ بنِ عامرٍ، قال: كان فَضالة برُودِسَ (^٢) أميرًا على الأرباعِ، فخرَج بجنازتَي رجلين؛ أحدُهما قتيلٌ، والآخرُ متوفًّى، فرأى مَيلَ الناسِ مع جنازةِ القتيلِ إلى حفرتِه، فقال: أراكم أيها الناسُ تميلون مع القتيلِ، وتفضِّلونه عن أخيه المتوفَّى، فوالذي نفسي بيده، ما أبالى من أىِّ حفرتيهما بُعثتُ، اقرَءوا قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-2654\"></span><span data-type='title' id=toc-6159>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف. وينظر تهذيب الكمال ١٧/ ١٦٧.\n(^٢) رودس جزيرة فى البحر المتوسط شمال الإسكندرية غزاها المسلمون في زمن معاوية ﵁. معجم البلدان ٢/ ٨٣٢.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٤٤ عن المصنف. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، كما في تفسير ابن كثير من طريق سلامان بن عامر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٩ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":619},{"text":"لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ليُدخِلَنَّ اللهُ المقتولَ فى سبيلِه من المهاجرين والميتَ منهم ﴿مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾. وذلك المُدخَلُ هو الجنةُ، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾ بمن يهاجرُ في سبيلِه ممن يخرُجُ من دارِه طلبَ الغنيمةِ، أو عَرَضٍ من عرضِ الدنيا، ﴿حَلِيمٌ﴾ عن عُصاةِ خلقِه، بتركِه معاجلتَهم بالعقوبةِ والعذابِ.\n\n<span id=\"aya-2655\"></span><span data-type='title' id=toc-6160>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: لهذا، لهؤلاء الذين هاجَروا في سبيلِ اللهِ ثم قُتلوا أو ماتوا، ولهم مع ذلك، أيضًا، أن الله يعِدُهم النصرَ على المشركين الذين بغَوا عليهم فأخرَجوهم من ديارِهم.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾. قال: هم المشركون بغَوا على النبيِّ ﷺ (^١)، فوعَده اللهُ أن ينصُرَه، وقال في القِصاصِ أيضًا (^٢).\nوكان بعضُهم (^٣) يزعُمُ أن هذه الآيةَ نزَلت في قومٍ من المشركين لقُوا قومًا من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرمِ، وكان المسلمون يكرَهون القتالَ يومئذٍ في الأشهرِ الحرمِ، فسأل المسلمون المشركين أن يكفُّوا عن قتالِهم من أجلِ حرمةِ الشهرِ، فأبَى المشركون ذلك، وقاتَلوهم فبغَوا عليهم، وثبَت المسلمون لهم، فنُصروا عليهم،\n_________\n(^١) بعده في ت ١، ف: \"فأخرجوه\":\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٩ إلى ابن المنذر.\n(^٣) هو مقاتل، وقوله هذا عزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٦٩٣ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"16","page":620},{"text":"فأنزل الله هذه الآيةَ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾. بأن بُدئ بالقتال، وهو له كارهٌ، ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾.\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللهَ لذو عفوٍ وصفحٍ لمن انتصر ممَّن ظلَمه -من بعدِ ما ظلَمه الظالمُ- بحقٍّ، ﴿غَفُورٌ﴾ لِما (^١) فعل ببادئِه بالظلمِ، مثلَ الذي فُعل به، غيرُ معاقبِه عليه.\n\n<span id=\"aya-2656\"></span><span data-type='title' id=toc-6161>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذا النصرُ الذي أنصرُه من بُغى عليه على الباغي؛ بأنى القادرُ على ما أشاءُ، فمن قُدرتِه أن ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾. يقولُ: يُدخِلُ ما ينقُصُ من ساعاتِ الليلِ في ساعاتِ النهارِ، فما نقَص من هذا زاد فى هذا، ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: ويُدخِلُ ما انتقص من ساعاتِ النهارِ فى ساعاتِ الليلِ، فما نقَص من طولِ هذا، زاد في طولِ هذا، وبالقُدرةِ التي تفعل ذلك ينصُرُ محمدًا ﷺ وأصحابَه على الذين بغَوا عليهم فأخرَجوهم من ديارِهم وأموالِهم، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. يقولُ: وفعَل ذلك أيضًا بأنه ذو سمعٍ لما يقولون من قولٍ، لا يخفَى عليه منه شيءٌ، بصيرٌ بما يعملون، لا يغيبُ عنه منه شيءٌ، كلُّ ذلك منه بمرأًى ومسمعٍ، وهو الحافظُ لكلِّ ذلك، حتى يجازِىَ جميعَهم على ما قالوا وعمِلوا من قولٍ وعملٍ جزاءَه.\n\n<span id=\"aya-2657\"></span><span data-type='title' id=toc-6162>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾.</span>\n_________\n(^١) فى ت ١: \"لمن\".","vol":"16","page":621},{"text":"يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذا الفعلُ الذي فعلتُ، من إيلاجي الليلَ فى النهارِ، وإيلاجى النهارِ فى الليلِ؛ بأنى (^١) أنا الحقُّ الذى لا مِثلَ لى، ولا شريكَ ولا ندَّ، وأن الذى يدعوه هؤلاء المشركون إلهًا من دونه، هو الباطلُ الذى لا يقدرُ على صنعةِ شيءٍ، بل هو المصنوعُ. يقولُ لهم تعالى ذكرُه: أفتَترُكون أيها الجُهَّالُ عبادةَ مَن منه النفعُ وبيدِه الضرُّ، وهو القادرُ على كلِّ شيءٍ (^٢)، وكلُّ شيءٍ دونَه، وتعبُدون الباطلَ الذى لا تنفعُكم عبادتُه!\nوقولُه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. يعنى بقولِه: ﴿الْعَلِيُّ﴾ أنَّه (^٣) ذو العلوِّ على كلِّ شيءٍ، هو فوقَ كلِّ شيءٍ، وكلُّ شيءٍ دونَه، ﴿الْكَبِيرُ﴾. يعنى: العظيمُ، الذى كلُّ شيءٍ دونَه، ولا شيء أعظمُ منه.\nوكان ابنُ جريجٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾. ما حدَّثنا به القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾. قال: الشيطانُ.\nواختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأةِ المدينةِ (^٤) والحجازِ: (تَدْعُونَ). بالتاءِ على وجهِ الخطابِ (^٥). وقرأته عامةُ قرأةِ العراقِ غيرَ عاصمٍ بالياءِ على وجهِ الخبرِ (^٦). والياءُ أعجبُ القراءتين إلىَّ؛ لأن\n_________\n(^١) في ص، م: \"لأنى\".\n(^٢) بعده فى ت ٢: \"بل هو المصنوع يقول لهم تعالى ذكره\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"العراق\".\n(^٥) وهى قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر. السبعة لابن مجاهد ص ٤٤٠.\n(^٦) وهى قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي، وقرأ بها حفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٤٤٠.","vol":"16","page":622},{"text":"ابتداءَ الخبرِ على وجهِ الخطابِ.\n\n<span id=\"aya-2658\"></span><span data-type='title' id=toc-6163>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمدُ، ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾. يعنى: مطرًا، ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ بما ينبُتُ فيها من النباتِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ باستخراجِ النباتِ من الأرضِ بذلك الماءِ، وغيرِ ذلك من ابتداعِ ما شاء أن يبتدعَه، ﴿خَبِيرٌ﴾ بما يحدُثُ عن ذلك النبتِ من الحبِّ وبه.\nوقال: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ﴾. فرفَعه (^١) و(^٢) قد تقدَّمه قولُه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾. وإنما قيل ذلك كذلك؛ لأن معنى الكلامِ الخبرُ. كأنه قيل: اعلمْ يا محمدُ أن اللهَ يُنزلُ من السماءِ ماءً فتصبحُ الأرضُ. ونظيرُ ذلك قولُ الشاعرِ (^٣):\nألم تسألِ (^٤) الربعَ القديمَ فينطقُ … وهل تُخبرَنْك اليومَ بيداءُ سمْلَقُ (^٥)\nلأن معناه: قد سألتُه فنطَق.\n\n<span id=\"aya-2659\"></span><span data-type='title' id=toc-6164>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: له مُلكُ ما فى السماواتِ وما في الأرضِ من شيءٍ، هم\n_________\n(^١) فى م، ت ٢: \"فرفع\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ف.\n(^٣) هو جميل، والبيت في ديوانه ص ٩١.\n(^٤) في ص، ت ٢: \"يسأل\".\n(^٥) السملق: القاع المستوى الأملس والأجرد لا شجر فيه، وهو القَرِق. اللسان (سملق).","vol":"16","page":623},{"text":"عبيدُه ومماليكُه وخلقُه، لا شريكَ له في ذلك، ولا في شيءٍ منه، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن كلِّ ما فى السماواتِ وما فى الأرضِ من خلقِه وهم المحتاجون إليه، ﴿الْحَمِيدُ﴾ عندَ عبادِه فى إفضالِه عليهم، وأياديه عندَهم.\n\n<span id=\"aya-2660\"></span><span data-type='title' id=toc-6165>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ألم ترَ أن اللهَ سخَّر لكم أيها الناسُ ما في الأرضِ من الدوابِّ والبهائمِ، [جعَل ذلك] (^١) كلَّه لكم، تُصرِّفونه فيما أردتم من حوائجِكم، ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾. يقولُ: وسخَّر لكم السفنَ تجرى في البحرِ ﴿بِأَمْرِهِ﴾. يعني: بقُدرته وتذليلِه إياها لكم كذلك.\nواختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي﴾؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَالْفُلْكَ﴾. نصبًا، بمعنى: سخَّر لكم ما في الأرضِ، والفلكَ. عطفًا على ﴿مَا﴾، وعلى تكريرِ \"أن\": وأن الفلكَ تجرى. ورُوى عن الأعرجِ أنه قرَأ ذلك رفعًا على الابتداءِ (^٢). والنصبُ هو القراءةُ عندَنا في ذلك؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه.\n﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾. يقولُ: ويُمسِكُ السماءَ بقدرتِه؛ كي لا تقعَ على الأرضِ ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.\nومعنى قولِه: ﴿أَنْ تَقَعَ﴾: ألا تقعَ.\n_________\n(^١) فى ص، ف: \"فذلك ذلك\"، وفى م: \"فذلك\"\n(^٢) وهى قراءة السلمى وطلحة وأبى حيوة والزعفرانى. ينظر البحر المحيط ٦/ ٣٨٧.","vol":"16","page":624},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. يعنى: إنه بهم لذو رأفةٍ (^١) ورحمةٍ، فمن رأفتِه بهم ورحمتِه لهم أمسك السماءَ أن تقعَ على الأرضِ إلا بإذنِه، وسخَّر لكم ما وصَف في هذه الآيةِ تَفَضُّلًا منه عليكم بذلك.\n\n<span id=\"aya-2661\"></span><span data-type='title' id=toc-6166>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذى أنعمَ عليكم هذه النعمَ، هو الذى جعَلكم (^٢) أجسامًا أحياءً بحياةٍ أحدَثها فيكم، ولم تكونوا شيئًا، ثم هو يميتُكم من بعدِ حياتِكم، فيُفنيكم عندَ مجيء آجالِكم، ثم يُحييكم بعدَ مماتِكم عندَ بعثِكم لقيامِ الساعةِ، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾. يقولُ: إن ابنَ آدمَ لجَحودً لنعمِ اللهِ التي أنعمَ بها عليه؛ من حُسنِ خلْقِه إياه، وتسخيرِه له ما سخَّر مما في الأرضِ والبرِّ والبحرِ، وتركِه إهلاكِه بإمساكِه السماءَ أن تقعَ على الأرضِ - بعبادتِه غيرَه من الآلهةِ والأندادِ، وتركِه إفرادَه بالعبادةِ وإخلاصِ التوحيدِ له.\n\n<span id=\"aya-2662\"></span>وقولُه: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾. يقولُ: لكلِّ جماعةٍ؛ قومِ [نبيٍّ خلا] (^٣) من قبلِك، جعَلنا مألَفًا يألَفونه، ومكانًا يعتادونه لعبادتى (^٤) فيه وقضاءِ فرائضى، وعملًا يَلزَمونه.\nوأصلُ المنسكِ فى كلامِ العربِ الموضعُ المعتادُ الذي يعتادُه الرجلُ ويألفُه\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"رقة\".\n(^٢) في م: \"جعل لكم\"\n(^٣) فى م: \"هي خلت\".\n(^٤) في ص، ت ٢، ف: \"لعبادته\".","vol":"16","page":625},{"text":"لخيرٍ (^١) أو شرٍّ. يقالُ: إن لفلانٍ منسكًا يعتادُه. يُرادُ: مكانًا يغشاه ويألفُه، لخيرٍ (^٢) أو شرٍّ. وإنما سُمِّيت (^٣) مناسكُ الحجِّ بذلك لترددِ الناسِ إلى الأماكنِ التي تُعملُ فيها أعمالُ الحجِّ والعُمرة.\nوفيه لغتان: \"مَنسِك\". بكسرِ السينِ وفتحِ الميمِ، وذلك من لغةِ أهلِ الحجازِ. و\"مَنسَك\". بفتحِ الميمِ والسينِ جميعًا، وذلك من لغةِ أسدٍ. وقد قُرئَ باللغتين جميعًا (^٤).\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾. أىُّ المناسكِ عُنى به؟ فقال بعضُهم: عُنى به عيدُهم الذي يعتادونه.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾. قال: عيدًا (^٥).\nوقال آخرون: عُنى به ذبحٌ يذبحونه، ودمٌ يُهَرِيقونه.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: ثنا ابنُ جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾. قال: إراقةُ الدمِ بمكةَ.\n_________\n(^١) فى ت ١، ف: \"بخير\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بخير\".\n(^٣) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"المناسك\".\n(^٤) قرأ حمزة والكسائي (منسكا) بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحها. السبعة لابن مجاهد ص ٤٣٦.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢/ ٣٠ - من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"16","page":626},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾. قال: إهراقةُ دماءِ الهدي (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَنْسَكًا﴾. قال: ذبحًا وحجًّا (^٢).\nوالصوابُ من القولِ فى ذلك أن يُقالَ: عُنى بذلك إراقةُ الدمِ أيامَ النحرِ بمنًى. لأن المناسكَ التى كان المشركون جادَلوا فيها رسولَ الله ﷺ كانت إراقةَ الدمِ في هذه الأيامِ، على أنهم قد كانوا جادلوه في إراقةِ الدمِاء التي هي دماءُ ذبائحِ الأنعامِ بما قد أخبرَ اللهُ عنهم في سورةِ \"الأنعامِ\". غيرَ أن تلك لم تكنْ مناسكَ، فأما التي هي مناسكُ، فإنما هى هدايا أو ضحايا، ولذلك قلنا: عُنى بالمنسكِ في هذا الموضعِ الذبحُ الذى هو بالصفةِ التي وصَفنا.\nوقولُه: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلا ينازِعَنَّك هؤلاء المشركون بالله يا محمدُ فى ذَبْحِك ومَنْسَكِك بقولهم: أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون الميتةَ التي قتلها اللهُ؟ فإنك أولى بالحقِّ منهم؛ لأنك محقٌّ وهم مبطلون.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٨١، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٣٦٠، ٤٦٩ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٩ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"16","page":627},{"text":"مجاهدٍ: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾. قال: الذَّبحِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾: فلا تتحامَ (^٢) لحمَك.\nوقولُه: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وادعُ يا محمدُ منازعيك من المشركين باللهِ فى نسكِك وذبحِك، إلى اتباعِ أمرِ ربِّك في ذلك، بأن لا يأكلوا إلا ما ذبحوه بعدَ اتِّباعِك، وبعد التصديقِ بما جئتَهم به من عندِ اللهِ، ويجتنبوا (^٣) الذبحَ للآلهةِ والأوثانِ، ويتبرَّءوا منها. إنك لعلى طريقٍ مستقيمٍ، غير زائلٍ عن محجةِ الحقِّ والصوابِ في نسكِك الذي جعَله لك ولأمَّتِك ربُّك. وهم الضُّلَّالُ قصدِ السبيلِ؛ لمخالفتِهم أمرَ اللهِ في ذبائحِهم، ومطاعمهم، وعبادتهم الأوثانَ (^٤).\n\n<span id=\"aya-2663\"></span><span data-type='title' id=toc-6167>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وإن جادَلك يا محمدُ هؤلاء المشركون بالله فى نسكِك، فقل: اللهُ أعلمُ بما تعملون ونعملُ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾. قال: قولُ أهلِ الشركِ: أما ما ذبَح اللهُ -\n_________\n(^١) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة.\n(^٢) أي: لا تجتنبه، من قولهم: تحاماه الناس. أى: توقوه واجتنبوه. اللسان (ح م و).\n(^٣) في ص، م: \"تتجنبوا\"، وفى ت ١: \"يجتنبوا\"، وفي ت ٢: \"تجنبوا\".\n(^٤) فى ص، م، ت ١، ت ٣، ف: \"الآلهة\".","vol":"16","page":628},{"text":"للميتة (^١) -[فلا تأكُلون منه، وأما ما ذبحتم بأيديكم فهو حلالٌ] (^٢) ﴿فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ لنا أعمالُنا ولكم أعمالُكم (^٣).\n\n<span id=\"aya-2664\"></span>وقولُه: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والله يقضى بينَكم يومَ القيامةِ فيما كنتم فيه من أمرِ دينِكم تختلِفون، فتعلمون حينئذٍ أيها المشركون المحقَّ من المبطلِ.\n\n<span id=\"aya-2665\"></span><span data-type='title' id=toc-6168>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ألم تعلمْ يا محمدُ أنَّ الله يعلمُ كلَّ ما في السماواتِ السبعِ، والأَرَضِين السبعِ، لا يَخْفَى عليهِ مِن ذلك شيءٌ، وهو حاكمٌ بينَ خلقِه يومَ القيامةِ، على علمٍ منه بجميعِ ما عمِلُوه في الدُّنيا، فمُجازٍ (^٤) المحسنَ منهم بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه، ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ علمَه بذلك فى كتابٍ، وهو أمُّ الكتابِ الذى كتَب فيه ربُّنا جلَّ ثناؤه قبلَ أنْ يخلُقَ خلقَه ما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ، ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا مُبَشِّرُ (^٥) بنُ إسماعيلَ\n_________\n(^١) فى م، والدر المنثور: \"بيمينه\".\n(^٢) سقط من النسخ، والمثبت ما يقتضيه السياق، وينظر ما تقدم في ٩/ ٥٢٢، ٥٢٤.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٩ إلى ابن المنذر إلى قوله: فهو حلال.\nوأما قوله: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم. فقد عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٩ إلى ابن المنذر عن ابن جريج قوله.\n(^٤) فى م: \"فمجازي\"، وفى ت ١: \"فيجازي\".\n(^٥) فى م، ت ١: \"ميسر\". وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ١٩٠.","vol":"16","page":629},{"text":"الحَلَبىُّ، عن الأوزاعيِّ، عن عبدَةَ بنِ أبى لُبابةَ، قال: علِم اللهُ ما هو خالقٌ، وما الخلقُ عاملون، ثم كتَبه، ثم قال لنبيِّه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى مُبشِّرٌ (^١)، عن أرطاةَ بنِ المنذرِ، قال: سمِعتُ ضَمْرَةَ بن حَبيبٍ يقولُ: إِنَّ اللهَ كان على عرشِه على الماءِ، وخلقَ السماواتِ والأرضَ بالحقِّ، وخلَق القلمَ، فكتَب به ما هو كائنٌ من خلقِه، ثم إنَّ ذلك الكتابَ سبَّح اللهَ ومجَّده ألفَ عامٍ، قبلَ أن يُبدِى (^٢) شيئًا من الخلقِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى مُعتمِرُ بن سليمانَ، عن أبيه، عن سيَّارٍ، عن ابنِ عباسٍ أنَّه سأل كعبَ الأحبارِ عن أمِّ الكتابِ، فقال: علِم اللهُ ما هو خالقٌ وما خلقُه عاملون، فقال لعلمِه: كُنْ كِتابًا (^٤).\nوكان ابنُ جُريجٍ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾. ما حدَّثنا به القاسمُ، [قال: حدَّثنا الحسينُ] (^٥)، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾. قال: قولُه: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.\nوإنَّما اختَرنا القولَ الذى قُلنا في ذلك؛ لأنَّ قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ إلى قولِه:\n_________\n(^١) فى م: \"ميسرة\"، وفى ت ١، ت ٢: \"ميسر\".\n(^٢) في م، ت ٢: \"يبدأ\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٢/ ٣٣٤.\n(^٤) تقدم تخريجه في ١٣/ ٥٧٢.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"16","page":630},{"text":"﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أقربُ منه إلى قولِه: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. فكان إلحاقُ ذلك بما هو أقربُ إليه أولى منه بما بَعُدَ.\nوقولُه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. اختُلف في ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: إنَّ الحكمَ بين المختلفِينَ فى الدنيا يومَ القيامةِ على اللهِ يسيرٌ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ قال: حُكمُه يومَ القيامةِ. ثم قال: بَيَّنَ ذلك: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إنَّ كتابَ القلمِ الذي أمرَه اللهُ أن يكتبَ في اللوحِ المحفوظِ ما هو كائنٌ، على اللهِ يسيرٌ. يعنى: هيِّنٌ.\nوهذا القولُ الثانى أولى بتأويلِ ذلك؛ وذلك أنَّ قولَه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. إلى قولِه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾. أقربُ، وهو له مجاورٌ، ومِن قوله: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ مُتباعدٌ، ومع دخولِ قولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ بينَهما (^١)، فإلحاقُه بما هو أقربُ، أولى ما وُجِد للكلامِ -وهو كذلك- مَخرَجٌ في التأويلِ صحيحٌ.\n\n<span id=\"aya-2666\"></span><span data-type='title' id=toc-6169>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١)﴾.\n_________\n(^١)</span> فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بينهم\".","vol":"16","page":631},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ويعبُدُ هؤلاءِ المشركون باللهِ مِن دونِه ما لم يُنزِّلْ به جلَّ ثناؤُه لهم حُجَّةً من السماءِ فى كتابٍ من كُتبِه التي أنزَلها إلى رُسلِه، بأنَّها آلهةٌ تصلُحُ عِبادَتُها، فيعبُدُوها بأنَّ اللهَ أذِن لهم في عبادتِها. ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾. [يقولُ: ويعبُدونَ من دُونِ اللهِ ما ليس لهم به علمٌ] (^١) أنَّها آلهةٌ. ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾. يقولُ: وما للكافرين باللهِ الذين يعبُدونَ هذه (^٢) الأوثانَ [مِن دونِ اللهِ] (^٣) من ناصرٍ ينصُرُهم يومَ القيامةِ، فينقِذَهم من عذابِ اللهِ، ويدفعَ عنهم عِقابَه إذا أراد عقابَهم.\n\n<span id=\"aya-2667\"></span><span data-type='title' id=toc-6170>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا تُتلى على مشركي قُريشٍ العابدين من دونِ اللهِ ما لم يُنزِّل به سُلطانًا ﴿آيَاتُنَا﴾. يعني: آياتُ القرآنِ، ﴿بَيِّنَاتٍ﴾. يقولُ: واضحاتٍ حُججُها وأدلتُها فيما أُنزِلت فيه، ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾. يقولُ: تتبيَّنُ (^٤) في وُجُوهِهم ما يُنكره أهلُ الإيمان باللهِ من تغيُّرِها لسماعِهم القُرآنَ (^٥).\nوقولُه: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾. يقولُ: يكادون يَبطِشُونَ بالذين يَتْلُون عليهم آياتِ كتابِ اللهِ من أصحابِ النبيِّ ﷺ؛\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٣، ف.\n(^٢) في ت ٢: \"هؤلاء\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) فى ت ١، ف: \"يتبين\".\n(^٥) في م: \"بالقرآن\".","vol":"16","page":632},{"text":"لشدةِ تكرُّههم أن يَسمعُوا القرآنَ، ويُتلى عَليهم.\nوبنحو ما قُلنا في تأويلِ قولِه: ﴿يَسْطُونَ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾. يقولُ: يبطِشُون (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾. يقولُ: يَقَعُون بمن ذكَّرهم.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾. قال: يكادون يقعُونَ بهم.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾. قال: يَبْطِشون؛ كفارُ قُريشٍ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢/ ٣١ - من طريق عبد الله به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٧٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٨٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٧٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":633},{"text":"الضَّحَّاكَ يقولُ فى قوله: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾. يقولُ: يكادون يأخذونَهم بأيديهم أخذًا.\nوقولُه: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾. يقولُ: أفأُنبئُكم أيُّها المشركونَ بأكرهَ إليكم مِن هؤلاءِ الذين تتكرَّهَون (^١) قراءتَهم القرآنَ عليكم، هي النارُ وعَدها اللهُ الذين كفَروا.\nوقد ذُكِر عن بعضِهم أنَّه كان يقولُ: إنَّ المشركين قالوا: واللهِ إنَّ محمدًا وأصحابَه لشرُّ خلقِ اللهِ. فقال اللهُ لهم (^٢): أفأُنبئُكم أيُّها القائلونَ هذا القولَ بشرٍّ مِن محمدٍ ﷺ [وأصحابِه] (^٣)، أنتم أيُّها المشركونَ الذين وعَدهم اللهُ النارِ.\nورُفِعتِ ﴿النَّارُ﴾ على الابتداءِ، ولأنَّها معرفةٌ لا تصلُحُ أن يُنعتَ بها الشرُّ وهو نَكرةٌ، وهو كما يقالُ: مررتُ برجلينِ؛ أخوك وأبوك. ولو كانت مخفوضةً كان جائزًا، وكذلك لو كان نصبًا للعائدِ مِن ذِكرِها في ﴿وَعَدَهَا﴾. وأنت تَنوى بها الاتصالَ بما قبلَها. يقولُ تعالى ذكرُه: فهؤلاءِ هم شِرَارُ (^٤) الخلقِ، لا محمدٌ وأصحابُه.\nوقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وبئس المكانُ الذي يصيرُ إليه هؤلاءِ المشركون بالله يومَ القيامةِ.\n\n<span id=\"aya-2668\"></span><span data-type='title' id=toc-6171>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ</span>\n_________\n(^١) فى ت ١، ت ٢: \"تكرهون\"، وفى ف: \"يتكرهون\".\n(^٢) بعدها فى م: \"قل\".\n(^٣) سقط من: م، ف\n(^٤) فى م، ت ١، ف: \"أشرار\".","vol":"16","page":634},{"text":"شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾\nيقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الناسُ، جُعِل للهِ (^١) مثلٌ وذِكرٌ. ومعنى ﴿ضُرِبَ﴾ في هذا الموضعِ: جُعلَ. مِن قولِهم: ضرَب السلطانُ على الناسِ البَعْثَ. بمعنى: جُعِل عليهم، وضرَب الجزيةَ على النصارَى. بمعنى: جُعِل ذلك عليهم. والمثلُ: الشَّبَهُ.\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: جُعِل لى شَبَهٌ أَيُّها الناسُ. يعنى بالشَّبهِ والمثَلِ: الآلهةَ. يقولُ: جعَل لى المشركون الأصنامَ (^٢) شبهًا، فعبدُوها معى، وأشرَكُوها في عبادَتي ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾. يقولُ: فاستمِعُوا حالَ ما مثَّلُوه وجعَلوه لي في عبادتِهم إياهُ شبهًا. وصِفتُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾. يقولُ: إِنَّ جميعَ ما تعبُدونَ من دونِ اللهِ من الآلهةِ والأصنامِ، لو جُمعتْ لم يخلُقوا ذُبابًا في صغرِه وقلَّتِه؛ لأنَّها لا تقْدِرُ على ذلك ولا تُطيقُه، ولو اجتمَع لخلقِه جميعُها. والذُّبابُ واحدٌ، وجمعُه فى القلةِ أَذِبَّةٌ، وفى الكثرةِ (^٣) ذِبَّانٌ، نظيرُ غُرابٍ، يُجمعُ فى القلةِ أغربةٌ، وفى الكثرة غِربانٌ.\nوقولُه: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾. يقولُ: وإِنْ يسلُبِ الآلهة والأوثانَ الذباب شيئًا ممَّا عليها؛ مِن طِيبٍ وما أشبهَه مِن شَيْءٍ ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾. يقولُ: لا تقدِرُ الآلهةُ أنْ تستنقِذَ ذلك منه.\nواختُلِف في معنى قولِه: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾؛ فقال بعضُهم:\n_________\n(^١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الله\".\n(^٢) في م: \"والأصنام\".\n(^٣) فى ص، م، ت ١، ت ٣، ف: \"الكثير\".","vol":"16","page":635},{"text":"عني بالطالب الآلهةَ، وبالمطلوبِ الذُّباب.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ، قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾. قال: آلهتُهم، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾: الذبابُ (^١). وكان بعضُهم يقولُ: معنى ذلك: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾ مِن بنى آدمَ إلى الصَّنمِ حاجتَه، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ إليه: الصنمُ أن يُعطِيَ سائلَه من بنى آدمَ ما سأَله. يقولُ: ضعُف عن ذلك وعَجَز.\nوالصوابُ من القولِ فى ذلك عندَنا ما ذكَرتُه عن ابنِ عباسٍ من أنَّ معناه: عجَز الطالبُ -وهو الآلهةُ- أن يَسْتَنْقِذَ (^٢) من الذبابِ ما سلَبه (^٣) إياهُ، وهو الطَّيبُ وما أشبهَه. والمطلوبُ الذبابُ.\nوإنَّما قلتُ: هذا القولُ أولى بتأويلِ ذلك. لأنَّ ذلك في سياقِ الخبرِ عن الآلهةِ والذبابِ، فأن يكونَ ذلك خبرًا عمَّا هو به متصلٌ أشبَهُ من أن يكونَ خبرًا عمَّا هو عنه مُنقطِعٌ، وإِنَّما أخبَر جلَّ ثناؤُه عن الآلهةِ بما أخبرَ به عنها في هذه الآيةِ من ضَعفِها ومهانتِها؛ تقريعًا منه بذلك عبدتَها مِن مشركي قُريشٍ.\nيقولُ تعالى ذكرُه: كيف يُجعَلُ لى (^٤) مثلٌ في العبادةِ، ويُشرَكُ فيها معى ما لا قدرةَ له على خلقِ ذبابٍ، وإن استذلَّه (^٥) الذبابُ فسلَبه شيئًا عليهِ لم يَقْدِرُ أنْ يمتنِعَ منه\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٧٠ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) في م، ت ١، ف: \"تستنقذ\".\n(^٣) في م: \"سلبها\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في م: \"أخذ له\".","vol":"16","page":636},{"text":"ولا ينتصِرَ، وأنا الخالقُ ما فى السماواتِ والأرضِ، ومالكٌ جميعَ ذلك، والمحيى مَن أردتُ، والمُفْنِى (^١) ما أردتُ ومن أردتُ؟! إِنَّ فاعلَ ذلك لا شكَّ أنَّه في غايةِ الجهلِ.\n\n<span id=\"aya-2669\"></span>وقولُه: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. يقولُ: ما عظَّم هؤلاءِ الذين جعَلوا الآلهةَ للهِ شريكًا فى العبادةِ حقَّ عظَمتِه حينَ أشرَكوا به غيرَه، فلم يُخلِصوا له العبادةَ، ولا عرَفوه حقَّ مَعرفتِه. من قولِهم: ما عرَفتَ لِفُلانٍ قدرَه. إذا خاطبوا بذلك من قصَّر بحقِّه، وهم يُريدون تعظيمَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ إلى آخرِ الآية. قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لآلهتِهم. وقرَأ ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. حينَ يَعبدون مع اللهِ ما لا يَنْتَصِفُ من الذبابِ ولا يَمتنعُ منه (^٢).\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾. يقولُ: إن الله لقوىٌّ على خلقِ ما يشاءُ؛ من صغيرِ ما يشاءُ (^٣) خَلْقَه، وكبيرِه. ﴿عَزِيزٌ﴾ يقولُ: منيعٌ في مُلكِه، لا يقدرُ شيءٌ دونَه أن يسلُبَه من مُلكِه شيئًا، وليس كآلهتِكم أيُّها المشركونَ الذين تدعونَ من دونِه، الذين لا يقدرونَ على خلقِ ذبابٍ، ولا على الامتناعِ من الذبابِ إذا (^٤) استلَبها\n_________\n(^١) في م: \"المميت\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٧٠ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) بعده في م: \"من\".\n(^٤) في ت ١: \"إن\".","vol":"16","page":637},{"text":"شيئًا، صعفًا ومَهانةً.\n\n<span id=\"aya-2670\"></span><span data-type='title' id=toc-6172>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ يختارُ من الملائكةِ رسلًا؛ كجبريلَ وميكائيلَ اللذَينِ كانا يُرسِلُهما إلى أنبيائِه ومَن شاء مِن عبادهِ ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾؛ كأنبيائه الذين أرسلَهم إلى عبادِه من بنى آدمَ. ومعنى الكلامِ: اللهُ يصطفِى من الملائكةِ رسلًا، ومن الناس أيضًا رسلًا.\nوقد قِيل: إنَّما أُنزلتْ هذه الآيةُ لمَّا قال المشركونَ: أأُنزل (^١) عليه الذكرُ مِن بينِنا؟ فقال اللهُ لهم: ذلك إلىَّ وبيدى دونَ خلقِى، أختارُ من شئتُ منهم للرسالةِ.\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. يقولُ: إِنَّ اللهَ سميعٌ لمَا يقولُ المشركون في محمدٍ، وما جاء به مِن عندِ اللهِ، بصيرٌ بمن يختارُه لرسالتِه من خلقِه.\n\n<span id=\"aya-2671\"></span>القولُ فى تأويلِه قولِه تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ يعلمُ ما كان بينَ أيدِى ملائكتِه ورُسِله من قبلِ أن يخلُقَهم، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يقولُ: ويعلمُ ما هو كائنٌ بعدَ فنائِهم، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. يقولُ: إلى اللهِ في الآخرةِ تصيرُ أمورُ الدنيا، وإليه تعودُ كما كان منه البَدءُ.\n\n<span id=\"aya-2672\"></span><span data-type='title' id=toc-6173>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"أنزل\".","vol":"16","page":638},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه، ﴿ارْكَعُوا﴾ للهِ في صلاتِكم، ﴿وَاسْجُدُوا﴾ له فيها، ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾. يقولُ: وذِلُّوا لربِّكم، واخضَعوا له بالطاعةِ، ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ الذى أمَركم ربُّكم بفعلِه؛ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: لِتُفلحوا بذلك، فتُدْرِكوا به طَلباتكم عندَ ربِّكم.\n\n<span id=\"aya-2673\"></span><span data-type='title' id=toc-6174>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.</span>\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وجاهِدُوا المشركين فى سبيلِ اللهِ حقَّ [جهادِ اللهِ] (^١).\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن ثورِ بنِ زيدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾: كما جاهَدتُم أَوَّلَ مرَّةٍ. فقال عمرُ: مَن أُمِر بالجهادِ؟ قال: قبيلتانِ من قُريشٍ؛ مخزومٌ وعبدُ شمسٍ. فقال عمرُ: صدَقتَ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تخافوا في اللهِ لومةَ لائمٍ. قالوا: وذلك هو حقُّ الجهادِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال:\n_________\n(^١) في م، ت ١:\" جهاده\".","vol":"16","page":639},{"text":"قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾: لا تخافوا في الله لومةَ لائمٍ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: اعمَلوا بالحقِّ حقَّ عملِه. وهذا قولٌ ذكَره عن الضحاكِ بعضُ مَن في روايتِه نظرٌ.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك قولُ مَن قال: عُنِى به الجهادُ في سبيلِ الله. لأنَّ المعروفَ من الجهادِ ذلك، وهو الأغلبُ على قولِ القائلِ: جاهدتُ في اللهِ. وحقُّ الجهادِ هو استفراغُ الطاقةِ فيه.\nوقولُه: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾. يقولُ: هو اختارَكم لدينِه، واصطَفاكم لحربِ أعدائِه، والجهادِ في سبيلِه\nوقال ابنُ زيدٍ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾. قال: هو هداكم.\nوقولُه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما جعَل عليكم ربُّكم في الدينِ الذى تعبَّدَكم به من ضيقٍ لا مخرجَ لكم ممَّا ابتُليتُم به فيه، بل وسَّع عليكم، فجعَل التوبةَ مِن بعضٍ مخرجًا، والكفارةَ من بعضٍ، والقِصاصَ من بعضٍ، فلا ذنبَ يُذنِبُ المؤمنُ إلَّا وله منه فى دينِ الإِسلامِ مَخرجٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٧١ إلى ابن المنذر.","vol":"16","page":640},{"text":"[يونسُ بنُ يزيدَ] (^١)، عن ابن شهابٍ، قال: سأل عبدُ الملكِ بنُ مَرْوانَ علىَّ بنَ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ عن هذه الآيةِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. فقال علىُّ بنُ عبدِ اللهِ: الحرجُ الضيقُ، فجعَل اللهُ الكفاراتِ مخرَجًا من ذلك، سمِعتُ ابنُ عباسٍ يقولُ ذلك (^٢).\nقال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أبى يزيدَ (^٣)، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يُسأل عن: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. قال: ما هاهنا من هُذيلٍ أحدٌ؟ فقال رجلٌ: نعم. قال: ما تعدُّون الحرَجةَ فيكم؟ قال: الشيءُ الضيِّقُ. قال ابنُ عباسٍ: فهو كذلك (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، عن ابنِ عيينةَ، عن عبيدِ الله ابنِ أبي يزيدَ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ، وذكَر نحوَه، إِلَّا أَنَّه قال: فقال ابنُ عباسٍ: أهاهُنا أحدٌ من هُذيلٍ؟ فقال رجلٌ: أنا. فقال أيضًا: ما تعُدُّون الحرَجَ؟ وسائرُ الحديثِ مثلُه.\nحدَّثني عمرانُ بنُ بكارٍ الكَلاعِىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ صالحٍ، قال: ثنا يحيى بنُ حمزةَ، عن الحكمِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يحدِّثُ عن عائشةَ، قالتْ: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن هذه الآيةِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يونس بن زيد\"، وفى م: \"ابن زيد\". وتقدم في ٤/ ٧٩، ٢٠٤، ٦٢٩.\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٤٣/ ١٥ من طريق ابن وهب به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"زيد\". تنظر ترجمته في تهذيب الكمال ١٩/ ١٧٨.\n(^٤) أخرجه البيهقى ١٠/ ١١٣ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٧١، ٣٧٢ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.","vol":"16","page":641},{"text":"حَرَجٍ﴾. قال: \"هو الضيقُ\" (^١).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا أبو خَلْدَةَ، قال: قال لى أبو العالية: أتدرِى ما الحرجُ؟ قلتُ: لا أدرى. قال: الضيقُ. وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا حَمَّادُ بنُ مسعدةَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. قال: من ضيقٍ.\nحدَّثنا عمرُو بنُ بَيْذَقَ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن أبي خَلدَةَ، قال: قال لي أبو العالية: هل تدرِى ما الحريجُ؟ قلتُ: لا. قال: الضيقُ، إنَّ اللهَ لم يُضيِّقْ عليكم، لم يجعَلْ عليكم في الدينِ من حرجٍ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن ابنِ عونٍ، عن القاسمِ أنَّه تلا هذه الآيةَ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. قال: تدرُونَ ما الحرجُ؟ قال: الضيقُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن يونسَ بن أبى إسحاقَ، عن أبيه، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا [تعانيتم في] (^٢) شيءٍ مِن القرآنِ فانظروا في الشعرِ، فإنَّ الشعرَ عربيٌّ. ثم دعا ابنُ عباسٍ أعرابيًّا، فقال: ما الحرجُ؟ قال: الضيقُ. قال: صدقتَ\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. قال: من ضيقٍ.\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٩١ من طريق يحيى بن حمزة به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٤/ ٣٧١ إلى ابن مردويه.\n(^٢) فى م: \"تعاجم\".","vol":"16","page":642},{"text":"حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثله (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: مَا جَعَلَ عليكم في الدِّينِ (^٢) من ضيقٍ في أوقاتِ فروضِكم إذا التَبَستْ عليكم، ولكنَّه وسَّع ذلك عليكم حتى تتيقَّنوا (^٣) مَحِلَّها.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن عثمانَ بنِ يَسَارٍ (^٤)، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. قال: هذا في هلالِ شهرِ رمضانَ إذا شكَّ فيه الناسُ، وفى الحجِّ إذا شكُّوا في الهلالِ، وفي الفطرِ و(^٥) الأضحَى؛ إذا التبَس عليهم، وأشباهِه (^٦).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ما جعَل (^٧) في الإسلامِ من ضيقٍ، بل وسَّعه.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. يقولُ: ما جعَل عليكم في الإسلامِ من ضيقٍ، هو واسعٌ، وهو مثلُ قوله فى \"الأنعامِ\": ﴿فَمَنْ يُرِدِ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاقِ ٢/ ٤١.\n(^٢) بعده فى م: \"من حرج\".\n(^٣) فى م: \"تيقنوا\"، وفي ت ٢: \"تتقنوا\".\n(^٤) فى النسخ: \"بشار\". وينظر التاريخ الكبير ٦/ ٢٥٧، والجرح والتعديل ٦/ ١٧٢.\n(^٥) بعده فى م: \"فى\".\n(^٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٧١ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٧) بعده في ت ١: \"عليكم\".","vol":"16","page":643},{"text":"اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]. يقولُ: مَن أراد أَنْ يُضِلَّه يُضَيِّق عليه صدرَه، حتى يَجْعَلَ عليه الإسلامَ ضيِّقًا، والإسلامُ واسعٌ (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. يقولُ: مِن ضيقٍ. يقولُ: جعَل الدينَ واسعًا ولم يَجْعَلْه ضيقًا.\nوقولُه: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾. نصبُ ﴿مِلَّةَ﴾ بمعنى: وما جعَل عليكم له في الدينِ من حرجٍ، بل وسَّعه، كملَّةِ أبيكم. فلمَّا لم يَجْعَلْ فيها الكافَ اتصَلتْ بالفعلِ الذي قبلَها فنُصِبتْ. وقد يَحتملُ نصبُها أنْ تكونَ (^٢) على وجِه الأمرِ بها؛ لأنَّ الكلامَ قبلَه أمرٌ، فكأنَّه قِيل: اركَعوا، واسجُدوا، والزَموا ملةَ أبيكم إبراهيمَ.\nوقولُه: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ (^٣) سمَّاكم يا معشرَ من آمَن بمحمدٍ ﷺ، المسلمين مِن قبلُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: اللهُ سمَّاكم (^٤).\n_________\n(^١) تقدم فى ٩/ ٥٤٥.\n(^٢) في ت ٢، ف: \"يكون\".\n(^٣) سقط لفظ الجلالة من: م.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٧٢ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":644},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبَرنى عطاءُ بنُ أبي رباحٍ أنه سمع ابنُ عباسٍ يقولُ: اللهُ سمَّاكم المسلمين مِن قبلُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، وحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، جميعًا عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال: اللهُ سمَّاكم المسلمين مِن قبلُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال: اللهُ سمَّاكم (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ فى قولِه: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: اللهُ سمَّاكم المسلمين (^٣).\nوقال آخرون: بل معناه: إبراهيمُ سمَّاكم المسلمين. وقالوا: هو كنايةٌ من (^٤) ذكرِ إبراهيمَ ﷺ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٧٢ إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٨٣.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٤٥٢.\n(^٤) فى م، ت ١: \"عن\".","vol":"16","page":645},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال: ألَا ترى قولَ إبراهيمَ: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]. قال: هذا قولُ إبراهيمَ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾. ولم يذكُرِ اللهُ بالإسلامِ والإيمانِ غيرَ هذه الأمةِ، ذُكِرَتْ بالإيمانِ والإسلامِ جميعًا، ولم نسمَعْ (^١) بأمةٍ ذُكرت إلَّا بالإيمانِ (^٢).\nولا وجهَ لمَا قال ابنُ زيدٍ من ذلك؛ لأنَّه معلومٌ أنَّ إبراهيمَ لم يُسَمِّ أمةَ محمدٍ مسلمينَ فى القرآنِ؛ لأنَّ القرآنَ أُنزِل مِن بعده بدهرٍ طويلٍ. وقد قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾. ولكنَّ الذى سمَّانا مسلمينَ من قبلِ نزولِ القرآنِ وفى القرآنِ، اللهُ الذي لم يزَلْ ولا يزالُ.\nوأمَّا قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾. فإن معناهُ: من قبلِ (^٣) هذا القرآنِ، في الكتبِ التي نزلت قبلَه، ﴿وَفِي هَذَا﴾. يقولُ: وفى هذا الكتابِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"يسمع\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٧٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) بعده في م: \"نزول\".","vol":"16","page":646},{"text":"قولَه: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾: القرآنِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ، قال مجاهدٌ: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾. قال: فى الكتبِ كلِّها والذِّكرِ، ﴿وَفِي هَذَا﴾. يعني: القرآن.\nوقولُه: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اجتباكم اللهُ وسمَّاكم أيُّها المؤمنون باللهِ وآياتهِ من أمةِ محمدٍ ﷺ مسلمينَ؛ ليكونَ محمدٌ رسولُ اللهِ شهيدًا عليكم يومَ القيامةِ بأنَّه قد بلَّغكم ما أُرسِل بِه إليكم، وتكونوا أنتم شهداءَ حينئذٍ على الرسلِ أجمعين أنَّهم قد بلَّغوا أُمَمهم ما أُرسِلُوا به إليهم.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: اللهُ سمَّاكم المسلمينَ من قبلُ. ﴿وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ أَنَّه (^٢) بلَّغكم. ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أنَّ رُسلَهم قد بلَّغتهم (^٣).\nوبه عن قتادةَ، قال: أُعطيت هذه الأمةُ ما لم يُعطَه إلَّا نبيٌّ، كان يقالُ للنبيِّ:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٨٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٧٢ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"بأنه\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٤٢ عن معمر به، دون قوله: الله سماكم المسلمين من قبل. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٧٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":647},{"text":"اذهبْ فليس عليك حرجٌ. وقال اللهُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وكان يقالُ للنبيِّ: أنت شهيدٌ على قومِك. وقال اللهُ: ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. وكان يقالُ للنبيِّ: سلْ تُعطَه، وقال اللهُ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: أُعطِيتْ هذه الأمةُ ثلاثًا لم يعطَها إلَّا نبىٌّ؛ كان يقالُ للنبيِّ: اذهبْ فليس عليك حرجٌ. فقال اللهُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. قال: وكان يقالُ للنبىِّ: أنت شهيدٌ على قومِك. وقال الله: ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. وكان يقالُ للنبىِّ: سلْ تُعْطَه. وقال اللهُ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-6175>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. يقولُ: فأدُّوا الصلاةَ المفروضةَ للهِ عليكم بحدودِها، وآتُوا الزكاةَ الواجبةَ عليكم في أموالِكم، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾. يقولُ: وثِقُوا باللهِ، وتَوَكَّلوا عليه فى أمورِكم ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى﴾: فنِعمَ الولىُّ اللهُ لمَن فعَل ذلك منكم، فأقام الصلاةَ، وأتى الزكاةَ، وجاهَد في سبيلِه حقَّ جهادِه، واعتصَم به، ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾. يقولُ: ونِعَم الناصرُ هو له على مَن بَغاه سوءًا.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤١، ٤٢.","vol":"16","page":648},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6176>تفسيرُ سورةِ \"قد أفلح المؤمنون\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-2674\"></span><span data-type='title' id=toc-6177>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ </span>(٣)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: يَعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: قد أدرك الذين صدَّقوا الله ورسوله محمدا ﷺ، وأَقَرُّوا بما جاءهم به من عند الله، وعَمِلوا بما دعاهم إليه مما سَمَّى في هذه الآياتِ - الخلودَ في جناتِ ربهم، وفازوا بطَلِبتهم لديه.\nكما حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال: قال كعبٌ: لم يَخْلُقِ الله بيده إلا ثلاثةً؛ خلَق آدم بيده، وكتب (^١) التوراة بيده، وغرس جنةَ عَدْنٍ بيدِه، ثم قال (^٢): تَكَلَّمِي. فقالت: قد أفلح المؤمنون. لما علمت فيها من الكرامةِ (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) بعده في م: \"لها\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٣. وأخرجه الحسين المروزى في زوائد الزهد (١٤٥٨)، والبيهقي في البعث (٢٣٤) من طريق قتادة به. وأخرجه الدارمى في الرد على المريسى ص ٣٥، والآجرى في الشريعة (٧٥٩) من طريق قتادة، عن أنس، عن كعب.","vol":"17","page":5},{"text":"حدَّثنا سَهْلُ بن موسى الرازيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ الضُّرَيْسِ، عن عمرو بن أبى قيسٍ، عن عبد العزيز بن رُفَيعٍ، عن مجاهدٍ، قال: لما غرَس الله ﵎ الجنةَ، نظَر إليها فقال (^١): قد أفلح المؤمنون (^٢).\nقال: ثنا حفص بن عمر، عن أبي خَلْدَةَ، عن أبى العاليةِ، قال: لمّا خلق الله الجنة قال: قد أفلح المؤمنون. فأنزل الله به قرآنًا (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ (^٤)، عن عطاءٍ، عن مَيْسَرةَ، قال: لم يَخْلُقِ الله شيئًا بيدِه غيرَ أربعة أشياء؛ خلَق آدمَ بيده، وكتب الألواح بيده، والتوراة بيده، وغرَس عَدْنًا بيدِه، ثم قال: قد أفلح المؤمنون (^٥).\n\n<span id=\"aya-2675\"></span>وقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: الذين هم في صلاتهم إذا قاموا فيها خاشعون، وخشوعُهم فيها تذلُّلُهم لله فيها بطاعته، وقيامهم فيها بما أمرهم بالقيام به فيها.\nوقيل: إنها نزلت من أجل أن القوم كانوا يَرْفَعون أبصارهم فيها إلى السماء قبلَ نزولها، فنُهُوا بهذه الآية عن ذلك.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"فقالت\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٨٤، وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٩)، والبيهقي في البعث (٢٣٧) من طرق عن مجاهد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢ إلى المصنف.\n(^٤) في النسخ: \"جبير\". وتقدم على الصواب.\n(^٥) أخرجه هناد في الزهد (٤٤) من طريق عطاء به بلفظ: \"خلق الله ﵎ بيده أربعة؛ خلق آدم بيده، واللوح والقلم بيده، وغرس جنة عدن بيده، ثم قال: قد أفلح المؤمنون\". وقال: \"الرابعة أغفلها\".\nوأخرجه الدارمي في الرد على المريسى ص ٣٥ من طريق عطاء به، غير أنه قال: \"إن الله لم يمس شيئًا من خلقه غير ثلاث. . .\". وذكر آدم والتوراة والجنة.","vol":"17","page":6},{"text":"ذكرُ الرواية بذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمانَ، قال: سَمِعتُ خالدًا، عن محمدِ بن سيرين، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صَلَّى نظر إلى السماء، فأُنزِلت هذه الآيةُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. قال: فجعل بعدَ ذلك وجهه حيثُ يَسجُدُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا هارون بن المغيرةِ، عن أبي جعفر، عن الحجاج الصوَّاف، عن ابن سيرينَ، قال: كان أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ يَرْفَعُون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، حتى نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. فقالوا بعد ذلك برُءُوسهم هكذا (^٢).\nحدَّثني يعقوب بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبرنا أيوبُ، عن محمدٍ، قال: نُبِّئتُ أن رسول الله ﷺ كان إذا صَلَّى رفع بصره إلى السماء، فنزلت آيةٌ، إن لم تَكُن: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فلا أَدْرِى أية آيةٍ هي. قال: فطَأْطَأ. قال: وقال محمد: وكانوا يقولون: لا يُجاوِزُ بصره مُصَلّاه، فإن كان قد استعاد النظرَ فلْيُغْمِض (^٣).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن ابنِ عَوْنٍ، عن محمدٍ نحوه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٣٢٦١) من طريق خالد به بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣ إلى سعيد بن منصور.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه البيهقي ٢/ ٢٨٣ من طريق ابن علية به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٣٢٦٢، ٣٢٦٤) من طريق أيوب به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٤٠ عن هشيم به.","vol":"17","page":7},{"text":"واختلف أهل التأويلِ في الذى عُنى به في هذا الموضع من الخشوعِ؛ فقال بعضُهم: عُنى به سكونُ الأطرافِ في الصلاةِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. قال: السكون فيها (^١).\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عَن الزُّهْرِيِّ: ﴿الَّذِينَ هُمْ في صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. قال: سكون المرء في صلاته.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرى مثله. (^٢).\nحدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، عن الثَّوْرِيِّ، عن أبى سِنان (^٣) الشيبانيِّ، عن رجلٍ، عن عليٍّ، قال: سُئل عن قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. قال: لا تَلْتَفِتْ في صلاتك (^٤).\nحدَّثنا عبد الجبار بن يحيى الرَّمْليُّ، قال: قال ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن ابنِ (^٥) شَوْذَبٍ، عن الحسن في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. قال: كان\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي ٢/ ٢٨٠ من طريق عبد الرحمن به. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٦٩، ١١٤٩)، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣٢٦٢) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٣، والمصنف (٣٢٦٢)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م: \"سفيان\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٣، والمصنف (٣٢٦٣). وقوله: عن على. سقط المصنف.\n(^٥) في م: \"أبي\".","vol":"17","page":8},{"text":"خشوعُهم في قلوبهم، فغَضُّوا بذلك البصرَ، وخفضوا به الجَناحَ (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا مُغِيرةُ، عن إبراهيمَ في قوله: ﴿خَاشِعُونَ﴾. قال: الخشوعُ في القلب. وقال: ساكِنون (^٢).\nقال: ثنا الحسين (^٣)، قال: ثنى خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن المسعوديِّ، عن أبى سنانٍ، عن رجل من قومِه، عن عليٍّ ﵁، قال: الخشوع في القلب، وأن تُلِين للمرء المسلم كَنَفَك، ولا تَلْتَفِتَ (^٤).\nقال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال عطاء بن أبي رَبَاحٍ في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. قال: التَّخَشُّعُ في الصلاةِ. وقال لي غير عطاءٍ: كان النبيُّ ﷺ إذا قام في الصلاة نظر عن يمينه ويسارِه ووُجاهه، حتى نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. فما رُئى بعد ذلك يَنْظُرُ إِلا إلى الأرض (^٥).\nوقال آخرون: عُنى به الخوفُ في هذا الموضعِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ: ﴿الَّذِينَ هُمْ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣ إلى المصنف وابن أبى حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٣/ ٥٥٣ من طريق مغيرة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في النسخ: \"الحسن\".\n(^٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٤٨)، والحاكم ٢/ ٣٩٣ - ومن طريقه البيهقي ٢/ ٢٧٩ - من طريق المسعودى به. وعند الحاكم والبيهقى سمى الرجل المبهم: \"عبيد الله بن أبي رافع\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٣٢٦٧) عن ابن جريج بنحوه.","vol":"17","page":9},{"text":"في صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. قال: خائفون.\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾: قال الحسن: خائفون. وقال قتادة: الخشوع في القلب (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. يقولُ: خائفون ساكنون (^٢).\nوقد بيَّنَّا فيما مضى قبل من كتابنا أن الخشوع التذلُّلُ والخضوعُ، بما أَغْنَى عن إعادته في هذا الموضع (^٣). وإذ كان ذلك كذلك، ولم يَكُن الله تعالى ذكرُه دَلَّ على أن مراده من ذلك معنًى دون معنًى في عقلٍ ولا خبرٍ - كان معلومًا أن معنى مرادِه من ذلك العموم. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام ما وصفتُ من قبلُ، من أنه: والذين هم في صلاتهم مُتَذَلِّلون للَّهِ بأداء (^٤) ما ألزمهم من فرضه وعبادته. وإذا تَذَلّل للهِ فيها العبدُ رُئيَتْ ذلةُ خضوعِه في سكون أطرافه، وشغله بفرضه، وتركه ما أُمر بتركه فيها.\n\n<span id=\"aya-2676\"></span>وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: والذين هم عن الباطل وما يَكْرَهُه الله من خلقه مُعْرِضون.\nوبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٣. وأخرجه البيهقي ٢/ ٢٨٠، ٢٨١ من طريق قتادة، عن الحسن، ومن طريق آخر عن قتادة.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٥٦، عن علي عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٢٢، ٦٢٣.\n(^٤) في م: \"بإدامة\".","vol":"17","page":10},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾. يقولُ: الباطلِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ: ﴿عَنِ اللَّغْوِ معْرِضُونَ﴾. قال: عن المعاصى.\nحدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ مثله (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾. قال: النبيُّ ﷺ ومن معه من صحابته ممن آمن به واتَّبعه وصَدَّقه، كانوا عن اللغوِ مُعْرِضين.\n\n<span id=\"aya-2677\"></span><span data-type='title' id=toc-6178>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: والذين هم لزكاة أموالهم التي فرضها الله عليهم فيها مُؤَدُّون. وفِعْلُهم الذي وُصِفوا به هو أداؤُهموها.\n\n<span id=\"aya-2678\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾. يقولُ: والذين هم لفروج أنفسهم. وعنى بالفروج في هذا الموضع فروج الرجال، وذلك أَقْبالُهم، ﴿حَافِظُونَ﴾ يَحْفَظُونها من إعمالها في شيءٍ من الفروج، ﴿إِلَّا عَلَى\n_________\n(^١) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ٢٢/ ٢٠ عن معاوية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤ إلى ابن المنذر.","vol":"17","page":11},{"text":"أَزْوَجِهِمْ﴾. يقول: إلا من أزواجهم اللاتي أحَلَّهن الله للرجال بالنكاح، ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْهُمْ﴾. يَعْنى بذلك إماءَهم.\nو﴿مَا﴾ التى في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ في محلّ خَفْضٍ، عَطْفًا على \"الأزواج\".\n﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. يقولُ: فإن من لم يَحْفَظْ فرجَه عن زوجه ومِلْكِ يمينه، وحفظه عن غيره من الخلقِ، فإنه غيرُ مُوبَّخٍ على ذلك، ولا مذمومٍ، ولا هو بفعله ذلك راكبٌ ذنبًا يُلامُ عليه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكر من قال ذلك\n\n<span id=\"aya-2679\"></span>حدَّثنا محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن أبيه، ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾. يقولُ: رَضِى الله لهم إتيانهم أزواجهم وما ملكت أيمانهم.\n\n<span id=\"aya-2680\"></span>وقولُه: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾. يقولُ: فمن الْتَمَس لفرجِه مَنْكَحًا سِوَى زوجته ومِلْكِ يمينه، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. يقولُ: فهم العادون حدود الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حَرَّم عليهم.\nوبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكر من قال ذلك\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: نهاهم الله نهيًا شديدًا، فقال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ","vol":"17","page":12},{"text":"فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. فَسَمَّى الزانيَ من العادِين.\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. قال: الذين يَتَعَدَّون الحلال إلى الحرام.\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبدِ الرحمنِ في قوله ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. قال: من زنَى فهو عادٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-2681\"></span><span data-type='title' id=toc-6179>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ (^٢) يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ﴾ التي ائتُمِنوا عليها، ﴿وَعَهْدِهِمْ﴾ وهو عقودهم التى عاقَدوا الناسَ، ﴿رَاعُونَ﴾. يقولُ: حافظون لا يُضَيِّعون، ولكنهم يَفُون بذلك كلِّه.\nواختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة الأمصارِ إلا ابن كثيرٍ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ﴾. على الجمع، وقرأ ذلك ابن كثير: (لأمانَتِهم). على الواحدة (^٣).\nوالصواب من القراءة في ذلك عندنا: ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ﴾؛ لإجماع الحجة من القَرَأةِ عليها (^٤).\n\n<span id=\"aya-2682\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. يقولُ: والذين هم على أوقاتِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ص: \"صلاتهم\". وهى قراءة حمزة والكسائي، وقرأ الباقون كالمثبت هنا. السبعة لابن مجاهد ص ٤٤٤.\n(^٣) وعلى الجمع قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. المصدر السابق ص ٤٤٤.\n(^٤) القراءتان متواترتان.","vol":"17","page":13},{"text":"صلاتِهم (^١) يحافظون فلا يُضَيَّعونها، ولا يَشْتَغِلُون عنها حتى تَفُوتَهم، ولكنهم يُراعُونها حتى يُؤَدُّوها فيها.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكر من قال ذلك\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. قال: على وقتها (^٢).\nحدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروقٍ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَواتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. قال: على ميقاتها.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الرحمنِ البَرْقِيُّ، قال: ثنا ابن أبى مريم، قال: أخبرنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: أخبرنا ابنُ زَحْرٍ، عن الأعمش، عن مسلمِ بنِ صُبَيْحٍ، قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. قال: إقام الصلاة لوقتها.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: على صلاتهم (^٣) دائمون.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. قال: دائمون. قال: يَعْنِى بها المكتوبةَ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"صلواتهم\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ٤/ ٣٤٢.\n(^٣) في م: \"صلواتهم\".","vol":"17","page":14},{"text":"<span id=\"aya-2683\"></span>وقوله: ﴿أَوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتُهم في الدنيا، هم الوارثون يومَ القيامةِ منازل أهل النارِ من الجنة.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك رُوى الخبر عن رسول الله ﷺ، وتَأَوَّله أهل التأويل.\nذكرُ الرواية بذلك\nحدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما منكم من أحدٍ إلا وله منزلان؛ مَنزِلٌ في الجنة، ومنزلٌ في النارِ، وإن مات فدخَل النارَ، وَرِثَ أهلُ الجنةِ مَنزِلَه، فذلك قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ \" (^١).\nحدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في قوله: ﴿أَوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾. قال: يَرِثُون مساكنهم ومساكن إخوانهم التى أُعِدَّت لهم لو أطاعوا الله (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الأعمش، عن أبي هريرةَ: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾. قال: يَرِثُون مساكنهم ومساكن إخوانهم الذين أُعِدَّت لهم لو أطاعوا الله.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: ﴿الْوَارِثُونَ﴾ ﴿الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [مريم: ٦٣] هن سواءٌ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٣٤١)، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٤٥٩ - والبيهقي في الشعب (٣٧٨)، والبعث (٢٦٦) من طريق أبى معاوية به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥، ٦ إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٤ - ومن طريقه الحاكم ٢/ ٣٩٣، والبيهقى في البعث (٢٦٨)، وعزاه=","vol":"17","page":15},{"text":"قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مجاهدٌ: يَرِثُ الذى من أهل الجنة أهله وأهلَ غيره، ومنزلَ الذين من أهل النار، فهم (^١) يَرِثُون أهل النار، فلهم مَنزِلان في الجنةِ وأَهْلان؛ وذلك أنه منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما المؤمنُ فيُبنَى منزله الذى في الجنة، ويُهْدَمُ منزله الذى في النارِ، وأما الكافرُ فيُهْدَمُ منزله الذى في الجنةِ، ويُبْنَى منزلُه الذي في النار.\nقال ابنُ جُرَيْجٍ، عن ليث بن أبى سُلَيْمٍ، عن مجاهدٍ أنه قال مثل ذلك (^٢).\n\n<span id=\"aya-2684\"></span><span data-type='title' id=toc-6180>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: الذين يرثون البستانَ ذا الكَرْمِ. وهو الفردوس عند العرب. وكان مجاهدٌ يقولُ: هو بالرُّومية.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ قال: الفردوس بستانٌ بالرُّومية (^٣).\nقال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ، قال: عَدْنٌ حديقةٌ في الجنة، قَصْرُها فيها عَدْنُها، خلَقها بيده، تُفْتَحُ كلَّ فجرٍ فيَنْظُرُ فيها، ثم يقولُ: قد أفلَح المؤمنون. قال: هى الفردوس أيضًا تلك الحديقةُ. قال مجاهدٌ: غرسها الله بيده، فلما بلغت قال: قد أفلح المؤمنونَ. ثم أمر بها تُغْلَقُ، فلم (^٤) يَنظُرْ فيها خَلْقٌ ولا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ثم تُفْتَحُ كلَّ سَحَرٍ، فيَنْظُرُ فيها فيقولُ: قد أفلح المؤمنون. ثم تُغْلَقُ إلى مثلها (^٥).\n_________\n=السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥ إلى عبد بن حميد.\n(^١) في م: \"هم\".\n(^٢) ذكره البغوى في تفسيره ٥/ ٤١١، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٥٩.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٥/ ٤٣٢.\n(^٤) في م، ت ٢: \"فلا\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٨٤. وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٩) من طريق ليث، عن مجاهد بنحوه.","vol":"17","page":16},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة، قال: قُتِل حارثةُ بنُ سُراقة يومَ بدرٍ، فقالت أمه: يا رسول الله، إن كان ابنى من أهل الجنةِ لم أبْكِ عليه، وإن كان من أهل النارِ بالغْتُ في البكاءِ. قال: \"يا أمَّ حارثةَ، إنها [جَنَّتان في جنةٍ] (^١)، وإن ابنَكِ قد أصابَ الفِرْدَوْسَ الأعلى من الجنة\".\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثله (^٢).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، عن كعبٍ، قال: خلق الله بيدِه جنة الفردوس، غرسها بيده، ثم قال: تَكَلَّمِي. قالت: قد أفلح المؤمنون (^٣).\nقال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن حُسامِ بنِ مِصَكٍّ، عن قتادة أيضًا مثلَه، غير أنه قال: تَكَلَّمِي. قالت: طُوبَى للمُتَّقين (^٤).\nقال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي داود نُفَيْع، قال: لما خلقها الله، قال لها: تَزَيَّني. فتَزَيَّنت، ثم قال لها: تَكَلَّمِي. فقالت: طُوبَى لمن رَضِيتَ عنه (^٥).\n_________\n(^١) في ت ٢: \"جنان في الجنة\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٤. وتقدم موصولا في ١٥/ ٤٣٦.\n(^٣) تقدم في ص ٥.\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٩) من طريق حجاج بن محمد به.\n(^٥) أخرجه الحسين المروزى في زوائده على الزهد (١٥٢٤)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٨) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن سعد الطائى من قوله ولم يذكرا أبا داود نفيعًا.","vol":"17","page":17},{"text":"وقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾. يعنى: ماكثون فيها. يقولُ: هؤلاء الذين يَرِثون الفردوسَ ﴿خَلِدُونَ﴾. يَعْنِي: ماكثون فيها أبدًا، لا يَتَحَوَّلون عنها.\n\n<span id=\"aya-2685\"></span><span data-type='title' id=toc-6181>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طينٍ (١٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ولقد خَلَقْنا الإنسان من سُلالةٍ من طينٍ، أَسْلَلْناه منه. فالسلالةُ هى المُستَلَّةُ من كلِّ تربةٍ؛ ولذلك كان آدم خُلق من تربةٍ أُخِذَت من أدِيمِ الأرض.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل؛ على اختلافٍ منهم في المعنيِّ بالإنسان في هذا الموضع؛ فقال بعضهم: عُنِى به آدم.\nذكر من قال ذلك\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿مِن طِينٍ﴾. قال: استُلَّ آدم من الطين (^١).\nحدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾. قال: استُل آدم من طينٍ، وخُلِقت ذريتُه من ماءٍ مَهِينٍ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد خلقنا ولد آدمَ -وهو الإنسانُ الذي ذُكر في هذا الموضعِ- ﴿مِن سُلَالَةٍ﴾ وهى النُّطْفَةُ التي استُلَّت من ظهرِ الفَحْلِ، ﴿مِن طِينٍ﴾ وهو آدم الذى خُلِق من طينٍ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد ١/ ٣٠ من طريق معمر به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٤.","vol":"17","page":18},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المِنْهال بن عمرٍو، عن أبي يحيى، عن ابن عباسٍ: ﴿مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾. قال: صِفْوةِ الماءِ (^١).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿مِن سُلَالَةٍ﴾: من مَنيِّ آدمَ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوأَوْلَى القولين في ذلك بالصواب قولُ من قال: معناه: ولقد خلقنا ابن آدم من سُلالةِ آدمَ. وهى صفوة (^٣) مائه، وآدم هو الطينُ؛ لأنَّه خُلق منه.\n\nوإنما قلنا: ذلك أولى التأويلين بالآية؛ لدلالة قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ على أن ذلك كذلك؛ لأنَّه معلومٌ أنه لم يَصِرْ في قرارٍ مكينٍ إلا بعد خلقه في صُلبِ الفَحْلِ، ومن بعدِ تَحَوُّلِه من صُلبِه صار في قرارٍ مكينٍ. والعربُ تُسَمِّى ولدَ الرجل ونطفته سَلِيلَه وسُلَالَته؛ لأنهما مَسْلُولان منه. ومن السلالة قولُ بعضهم (^٤):\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) في م: \"صفة\".\n(^٤) هو حسان بن ثابت، والبيت في ديوانه ص ٣٩٦.","vol":"17","page":19},{"text":"فحَلَّتْ (^١) به عَضْبَ الأَدِيمِ غَضَنْفَرا … سُلالَةَ فَرْجٍ كان غيرَ حَصِينِ\nوقول الآخَرِ (^٢):\nوهل كنت إِلَّا مُهْرَةً عَرَبِيَّةً … سُلالَةَ أَفْراسٍ تَحَلَّلَها بَغْلُ\nفمن قال: سُلالةٌ. جَمَعها سُلالاتٍ، وربما جمَعوها سلائلَ، وليس بالكثيرِ؛ لأن السلائل جمعٌ للسليلِ، ومنه قولُ بعضهم:\nإذا أُنْتِجَتْ منها المَهَارَى تَشابَهَتْ … على القَوْدِ (^٣) إلا بالأُنوفِ سَلائلُهْ\nوقول الراجزِ (^٤):\n*يَقْذِفْنَ في أَسْلَائِها (^٥) بالسَّلائِلِ*\n\n<span id=\"aya-2686\"></span><span data-type='title' id=toc-6182>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾: ثم جعَلنا الإنسان الذى جعلناه من سلالة من طينٍ ﴿نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾، وهو حيثُ استَقَرَّت فيه نطفةُ الرجلِ من رحمِ المرأةِ. ووصفه بأنه مكينٌ؛ لأنَّه مُكِّن لذلك وهُيِّئ له، ليَسْتَقِرَّ فيه إلى بلوغ أمره الذى جعله له قرارًا.\n_________\n(^١) في م: \"حملت\". ورواية الديوان: \"فجاءت\".\n(^٢) هي هند بنت النعمان بن بشير كما في مجاز القرآن ٢/ ٥٥، واللسان (س ل ل).\n(^٣) القود: الخيل أو جماعة من الخيل. التاج (ق ود).\n(^٤) مجاز القرآن ٢/ ٥٦، وهو شطر بيت من الطويل، وفيه خرم، وهو حذف أول متحرك من الوتد المجموع في أول البيت. الكافى في العروض والقوافي ص ٢٧.\n(^٥) في م: \"أسلابها\". والأسلاء جمع سَلَا، وهى الجلدة الرقيقة التى يكون فيها الولد، ويكون ذلك للدواب والإبل، وهو من الناس المشيمة. ينظر اللسان (س ل ى).","vol":"17","page":20},{"text":"<span id=\"aya-2687\"></span>وقولُه: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾. يقولُ: ثم صيَّرنا النطفة التي جعلناها في قرار مكين علقةً، وهى القطعة من الدم، ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾. يقول: فجعلنا ذلك الدم مضغة، وهى القطعة من اللحم.\nوقولُه: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾. يقولُ: فجعلنا تلك المضغة اللحمَ عظامًا.\nوقد اختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قَرَأةِ الحجاز والعراق سوى عاصمٍ: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ على الجماع، وكان عاصم وعبد اللهِ بنُ عامرٍ يَقْرآن ذلك: (عَظْمًا) في الحرفين على التوحيد جميعا (^١).\nوالقراءة التي نختارُ في ذلك الجماع؛ لإجماع الحجةِ من القَرَأَةِ عليه (^٢).\nوقوله: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾. يقولُ: فأَلْبَسنا العظام لحمًا.\nوقد ذُكِر أن ذلك في قراءة عبدِ اللهِ: (ثُمَّ خَلَقْنَا (^٣) النُّطْفَةَ عَظْمًا وعَصَبًا فَكَسَوْناه لحمًا) (^٤).\nوقوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. يقولُ: ثم أنشأنا هذا الإنسان خلقا آخر.\nوهذه الهاء التى في ﴿أَنشَأْنَاهُ﴾ عائدة على \"الإنسانِ\" في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ﴾. وقد يَجوز أن تكونَ مِن ذكر \"العظمِ\" و\"النطفةِ\" و\"المضغة\" جعل ذلك كله كالشيء الواحد، فقيل: ثم أَنشَأنا ذلك خلقا آخر.\n_________\n(^١) وقرأ حفص عن عاصم على الجماع كقراءة عامة القراء. ينظر حجة القراءات ص ٤٨٤.\n(^٢) القراءتان متواترتان.\n(^٣) في معانى القرآن: \"جعلنا\".\n(^٤) معانى القرآن للفراء ٢/ ٣٢٣٢.","vol":"17","page":21},{"text":"واختلَف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾؛ فقال بعضُهم: إنشاؤه إياه خلقا آخر نفخُه الروح فيه، فيَصِيرُ حينئذٍ إنسانًا، وكان قبلَ ذلك صورةً.\nذكر من قال ذلك\nحدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا حجاجٌ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباس في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: نفخ الروح فيه (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هُشَيْم، عن الحجاج بن أَرْطَاةَ، عن عطاءٍ، عن ابن عباس بمثله.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: الروحُ.\nحدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأصبهانيِّ، عن عكرمة في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: نفَخ فيه الروحَ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشار وابن المثنَّى، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سلمة، عن داودَ ابن أبي هند، عن الشَّعْبى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: نفَخ فيه الروحَ (^٣).\nقال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهد بمثله (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ١٤/ ٨٩ من طريق هشيم به. وبحشل في تاريخ واسط ص ٢٢٨ من طريق حجاج به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) ذكره البغوى في تفسيره ٥/ ٤١٢، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٦١.\n(^٤) تفسير سفيان ص ٢١٦ عن ليث، عن مجاهد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"17","page":22},{"text":"حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: نفَخ فيه الروحَ، فهو الخلقُ الآخرُ الذى ذكَر (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخبرنا عُبَيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا﴾. يعنى: الروحَ نفخ (^٢) فيه بعد الخلق (^٣).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: الروح الذي جعله فيه (^٤).\nوقال آخرون: إنشاؤه خلقا آخر تصريفه إياه في الأحوال بعد الولادة؛ في الطفولةِ، والكُهولةِ، والاغتذاء، ونباتِ الشَّعَرِ والسِّنِّ، ونحوِ ذلك من أحوالِ الأحياء في الدنيا.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالقِينَ﴾. يقولُ: خرَج من بطنِ أمِّه بعدما خُلق، فكان من بَدْءِ خلقِهِ الآخَرِ أن استَهَلَّ، ثم كان من خلقِه أن دُلّ على ثدي أمِّه، ثم كان من خلقه أن عَلم كيف يَبْسُطُ رجليه، إلى أن قعد، إلى أن حبا، إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشَى، إلى أن فُطِم، فعلم كيف\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"تنفخ\".\n(^٣) ذكره البغوى تفسيره ٥/ ٤١٢، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٦١.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٢/ ١٠٩، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٦١.","vol":"17","page":23},{"text":"يَشْرَبُ ويأكل من الطعام، إلى أن بلغ الحُلُمَ، إلى أن بلغ أن يَتَقَلَّبَ في البلاد (^١).\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: يقولُ بعضُهم: هو نباتُ الشَّعَرِ. وبعضُهم يقولُ: هو نفخ الروحِ.\nحدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثلَهُ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سَمِعتُ أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: يقالُ: الخلقُ الآخرُ بعدَ خروجه من بطن أمِّه بسِنِّه وشَعَرِه (^٣).\nوقال آخرون: بل عَنَى بإنشائه خلقًا آخرَ: سَوَّى شبابه.\nذكرُ من قال ذلك.\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد قولَه: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: حين استوَى شبابُه (^٤).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال مجاهد: حين استوَى به الشبابُ.\nوأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ من قال: عنى بذلك نفخَ الروحِ فيه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٤. وأخرجه ابن سعد ١/ ٣٠ من طريق معمر به.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٢/ ١١٠، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٦١.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٨٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":24},{"text":"وذلك أنه بنفخ الروح فيه يَتَحَوَّلُ خلقًا آخرَ إنسانًا، وكان قبل ذلك بالأحوالِ التي وصَفه الله أنه كان بها؛ من نطفةٍ، وعلقة، ومضغة، وعظم، وبنفخ الروح فيه يَتَحَوَّلُ عن تلك المعانى كلها إلى معنى الإنسانية، كما تَحوَّل أبوه (^١) آدم بنفخ الروح في الطينة التي خُلق منها؛ إنسانًا وخلقا آخرَ غير الطين الذى خُلق منه.\nوقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فتبارك الله أحسنُ الصانعين.\nذكر من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن ليث، عن مجاهد: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. قال: يَصْنَعون ويَصْنَعُ الله، والله خيرُ الصانعين (^٢).\nوقال آخرون: إنما قيل: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾؛ لأن عيسى ابن مريمَ كان يَخْلُقُ، فأخبَر جلَّ ثناؤُه عن نفسه أنه يَخْلُقُ أَحسَنَ مما كان يَخْلُقُ.\nذكر من قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، قال: قال ابنُ جُرَيج في قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. قال: عيسى ابن مريمَ يَخْلُقُ (^٢).\nوأَوْلى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد؛ لأن العرب تُسمِّى كلَّ صانعٍ خالقًا. ومنه قولُ زُهَيْرٍ (^٣):\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧ إلى المصنف.\n(^٣) شرح ديوان زهير ص ٩٤.","vol":"17","page":25},{"text":"ولَأَنت تَفْرِى مَا خَلَقْتَ وبعـ … ـضُ القومِ يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِى (^١)\nويُرْوَى:\nولَأَنتَ تَخْلُقُ مَا فَرَيْتَ وبعـ … ـضُ القوم يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِى\n\n<span id=\"aya-2688\"></span><span data-type='title' id=toc-6183>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: ثم إنكم أيُّها الناسُ من بعد إنشائناكم خلقا آخر، وتَصْيِيرِناكم إنسانًا سويًّا، ميِّتون وعائدون ترابًا كما كنتم، ثم إنكم بعد موتكم وعَوْدِكم رُفاتًا باليا مبعوثون من التراب خلقًا جديدًا، كما بدأناكم أوَّل مرة.\n\n<span id=\"aya-2689\"></span>وإنما قيل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾؛ لأنَّه خبرٌ عن حالٍ لهم يَحْدُثُ لم يَكُنْ. يكن. وكذلك تقولُ العرب لمن لم يمُتْ: هو مائِتٌ وميِّتٌ عن قليلٍ. ولا يقولون لمن قد مات: مائتٌ. وكذلك: هو طَمِعٌ فيما عندك. إذا وُصف بالطمع، فإذا أُخبر عنه أنه سيفعَلُ ولم يفعل، قيل: هو طامعٌ فيما عندك غدًا. وكذلك ذلك في كلِّ ما كان نظيرًا لما ذكرنا.\n\n<span id=\"aya-2690\"></span><span data-type='title' id=toc-6184>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ولقد خلَقْنا فوقكم أيها الناسُ سبع سماوات، بعضُهن فوقَ بعضٍ. والعرب تُسَمِّى كُلَّ شيءٍ فوقَ شيءٍ طَريقةً، وإنما قيل للسماواتِ السبعِ: سبع طرائق. لأن بعضهن فوق بعض، فكلُّ سماءٍ منهن طَرِيقةٌ.\n_________\n(^١) فرى الشيء: شقه. وخلَق الأديم: قدَّره لما يريد قبل القطع وقاسه ليقطع منه قربة أو خُفًّا. ومعنى البيت: تنفذ ما تعزم عليه وتُقَدِّره. وهو مَثَل. اللسان. (خ ل ق، ف ر ي).","vol":"17","page":26},{"text":"وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِ الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾. قال: الطَّرائق السماوات (^١).\nوقوله: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾. يقول: وما كنا في خَلْقِنا السماواتِ السبعَ فوقكم عن خَلْقِنا الذى تحتها غافلين، بل كنا لهم حافظين من أن تَسْقُطَ عليهم فتهلكهم.\n\n<span id=\"aya-2691\"></span><span data-type='title' id=toc-6185>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وأَنزَلْنا من السماء ما في الأرض من ماء، فأسكناه فيها.\nكما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾: ماءً هو من السماء.\nوقولُه: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾. يقول جل ثناؤه: وإنا على الماء الذي أسكنَّاه في الأرضِ لقادِرون أن نَذهَبَ به، فتَهْلِكُوا أَيُّها الناسُ عَطَشًا، وتَخْرَبَ أرَضُوكم، فلا تُنبت زرعًا ولا غَرْسًا، وتَهْلِكَ مَواشِيكم. يقولُ: فمن نعمتى عليكم تَركي ذلك لكم في الأرض جاريًا.\n\n<span id=\"aya-2692\"></span><span data-type='title' id=toc-6186>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فأَحْدَثْنا لكم بالماء الذى أنزلناه من السماء بساتين من نخيلٍ\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٤٤٥ وعزاه إلى المصنف.","vol":"17","page":27},{"text":"وأعناب، ﴿لَّكُم فِيهَا﴾. يقول: لكم في الجنات فواكه كثيرة، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. يقول: ومن الفواكه تأكلون. وقد يجوز أن تكون الهاء والألفُ مِن ذكرِ \"الجناتِ\"، ويَحتَمِلُ أن تكون من ذكر \"النخيل\" و\"الأعنابِ\".\nوخَصَّ جل ثناؤه الجناتِ التي ذكرها في هذا الموضعِ، فوصفها بأنها من نخيل وأعناب، دونَ وصفها بسائرِ ثمار الأرضِ؛ لأن هذين النوعين من الثمار كانا هما عُظْمَ (^١) ثمار الحجاز وما قَرُبَ منها، فكانت النخيل لأهل المدينة، والأعناب لأهل الطائف، فذَكَّرَ القومَ بما يَعْرِفون مِن نِعمه عليهم، بما أنعم به عليهم من ثمارها.\n\n<span id=\"aya-2693\"></span><span data-type='title' id=toc-6187>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وأنشأنا لكم أيضًا شجرةً تَخْرُجُ من طُورِ سَيْناءَ.\nو﴿شَجَرَةً﴾ منصوبةٌ عطفا على \"الجناتِ\"، ويعنى بها شجرة الزيتون.\nوقوله: ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ﴾. يقولُ: تَخْرُجُ من جبلٍ يُنْبِتُ الأشجارَ.\nوقد بيَّنتُ معنى \"الطورِ\" فيما مضَى بشواهده، واختلاف المختلفين فيه، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (^٢).\nوأما قولُه: ﴿سَيْنَاءَ﴾. فإن القَرَأةَ اختَلَفت في قراءته؛ فقَرَأتْه عامة قرَأةِ المدينة والبصرة: (سِيناءَ). بكسر السين. وقرَأ ذلك عامةُ قَرَأَةِ الكوفة: ﴿سَيْنَاءَ﴾. بفتح السين، وهما جميعًا مُجمعون على مدِّها (^٣).\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"أعظم\". وعُظْم الشيء: معظمه وأكثره. اللسان (ع ظ م).\n(^٢) تقدم في ٢/ ٤٨ - ٥١.\n(^٣) قرأ المدنيان وابن كثير وأبو عمرو بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحها. ينظر النشر ٢/ ٢٤٦.","vol":"17","page":28},{"text":"والصوابُ من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قَرَأةِ الأمصارِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتهما قرأ القارى فمصيبٌ.\nواختلف أهل التأويل في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: المبارَك. كأن معنى الكلامِ عنده: وشجرةً تَخْرُجُ من جبلٍ مباركٍ.\nذكر من قال ذلك\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾. قال: المبارَكُ (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ﴾. قال: هو جبلٌ بالشامِ مباركٌ (^٢).\nوقال آخرون: معناه: حسنٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ في قوله:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٨٥. ومن طريقه الفريابي -كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٧٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم -كما في فتح البارى ٨/ ٧١٣، والحاكم في ٢/ ٥٢٨ من طريقين آخرين عن ابن عباس.","vol":"17","page":29},{"text":"﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾. قال: جبلٌ حسنٌ (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذ يقولُ: أَخبرنا عُبَيْدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿مِن طُورِ سَيْنَاءَ﴾. الطور: الجبل بالنبطية، وسيناءُ: حسنةٌ بالنَّبَطيةِ (^٢).\nوقال آخرون: هو اسم جبل معروف.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿مِن طُورِ سَيْنَاءَ﴾. قال: الجبل الذي نُودِى منه موسى ﷺ (^٣).\nحدَّثني يونس قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾. قال: هو جبل الطور الذى بالشامِ، جبل بيت (^٤) المقدس. قال: ممدودٌ هو بينَ مصرَ وبين أَيْلَةَ (^٥).\nوقال آخرون: معناه أنه جبلٌ ذو شجرٍ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٥ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٢/ ٥٠.\n(^٤) في م: \"ببيت\".\n(^٥) ذكره البغوى في تفسيره ٥/ ٤١٤.","vol":"17","page":30},{"text":"ذكر من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عمن قاله (^١).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن سيناءَ اسمٌ أُضِيف إليه الطُّورُ، يُعْرَفُ به، كما قيل: جَبَلا طَيِّئ. فأُضِيفا إلى طَيِّئٍ، ولو كان القول في ذلك كما قال من قال: معناه: جبلٌ مبارَكٌ. أو كما قال من قال: معناه: حسنٌ. لكان الطور منوَّنًا، وكان قوله: ﴿سَيْنَاءَ﴾ من نَعْتِه. على أن سيناء بمعنى مباركٍ وحسنٍ غير معروف في كلام العرب، فيُجْعَل ذلك من نعتِ الجبلِ. ولكنَّ القول في ذلك -إن شاء الله- كما قال ابن عباسٍ، من أنه جبلٌ عُرِف بذلك، وأنَّه الجبل الذي نُودِى منه موسى ﷺ، وهو مع ذلك مباركٌ، لا (^٢) أن معنى سيناء معنى مباركٍ.\nوقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ اختَلَفت القَرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿تَنْبُتُ﴾؛ فقرأته عامة قرأة الأمصار: ﴿تَنبُتُ﴾ بفتح التاء (^٣)، بمعنى: تَنْبُتُ هذه الشجرة بثمرِ الدُّهْنِ.\nوقرأه بعضُ قَرَأةِ البَصْرةِ: (تُنْبِتُ بالدُّهنِ) بضمِّ التاء (^٤)، بمعنى: تُنْبِتُ الدُّهْنَ؛ تُخْرِجُه. وذُكِر أنها في قراءةِ عبدِ اللهِ: (تُخْرِجُ الدُّهْنَ) (^٥). وقالوا: الباء في هذا الموضع زائدةٌ، كما قيل: أَخَذْتُ ثوبَه، وأَخَذتُ بثوبِه. وكما قال الراجز (^٦):\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٤٥ عن معمر عن الكلبي.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"إلا\".\n(^٣) وهي قراءة نافع وعاصم وابن عمر وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ٤٨٤.\n(^٤) وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو. المصدر السابق.\n(^٥) مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٩٩. وفيه: (يخرج) بالياء.\n(^٦) هو النابغة الجعدى، والرجز في شرح ديوانه ص ٢١٥، ٢١٦.","vol":"17","page":31},{"text":"نحن بنو جَعْدَةَ أربابُ الفَلَجْ (^١)\nنَضْرِبُ بالبِيضِ (^٢) ونَرْجُو بالفَرَجْ\nبمعنى: ونَرْجُو الفرجَ.\nوالقولُ عندى في ذلك أنهما لغتان: نبَت وأَنْبَت. ومِن \"أَنْبَت\" قولُ زُهَيرٍ (^٣):\nرأيتَ ذَوِى الحاجاتِ حولَ بُيُوتِهِمْ … قَطِينًا (^٤) لهم حتى إذا أنْبَتَ البَقْلُ\nويُرْوَى: نَبَتَ. وهو كقوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾. و: (فاسْرِ) [هود: ٨١]. غيرَ أن ذلك وإن كان كذلك، فإن القراءةَ التى لا أختارُ غيرَها في ذلك، قراءةُ من قرأ: ﴿تَنبُتُ﴾ بفتح التاء؛ لإجماع الحجة من القرأة عليها. ومعنى ذلك: تَنْبُتُ هذه الشجرةُ بثمر الدُّهْنِ.\nكما حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾. قال: تُثْمِرُ (^٥).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهد مثله.\n_________\n(^١) الفلج: موضع لبنى جعدة من قيس بنجد، وهو في أعلى بلاد قيس. معجم ما استعجم ٣/ ١٠٢٩.\n(^٢) البيض: جمع أبيض، وهو السيف. اللسان (ب ى ض).\n(^٣) شرح ديوان زهير ص ١١١.\n(^٤) القطين: أهل الرجل وحَشَمُه. والقطين: الساكن النازل في الدار. يقول: يلزمونهم فيسمنون عندهم. شرح الديوان ص ١١١.\n(^٥) في ص، ت ٢، ف: \"بثمر\"، وفى م: \"بثمره\".\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٤٨٥. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"17","page":32},{"text":"والدُّهنُ الذى هو من ثمره الزيتُ.\nكما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابنِ عباس قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾. يقولُ: هو الزيتُ يُؤكلُ ويُدَّهَنُ به (^١).\nوقولُه: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾. يقولُ: تَنْبُتُ بالدُّهْنِ وبصِبْغٍ للآكِلين، يُصْطَبَعُ بالزيت الذى يأكلونه.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾. قال: هذه (^٢) الزيتونُ صِبْغٌ للآكلين، يَأْتَدمون به، ويَصْطبِغون به (^٣).\nقال أبو جعفر: فـ \"الصِّبْغُ\" عطفٌ على \"الدُّهْنِ\".\n\n<span id=\"aya-2694\"></span><span data-type='title' id=toc-6188>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾ أيها الناسُ ﴿فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ تَعْتَبِرُون بها، فتَعْرِفون بها أَيادِىَ الله عندكم، وقدرته على ما يشاءُ، وأنَّه الذى لا يَمتَنِعُ عليه شيءٌ أَراده، ولا يُعْجِرُه شيءٌ شاءه، ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ من اللبنِ الخارجِ من بينِ الفَرْثِ والدم، ﴿وَلَكُمْ﴾ مع ذلك ﴿فِيهَا﴾. يَعنى: في الأنعام، ﴿مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾. وذلك كالإبل التي يُحْمَلُ عليها، ويُرْكَبُ ظهرُها، ويُشْرَبُ دَرُّها، ﴿وَمِنهَا تَأْكُلُونَ﴾. يعنى من لحومها تأكلون.\n\n<span id=\"aya-2695\"></span>وقوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾. يقولُ: وعلى الأنعامِ وعلى السفنِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"هذا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"17","page":33},{"text":"تُحْمَلون؛ على هذه في البر، وعلى هذه في البحرِ.\n\n<span id=\"aya-2696\"></span><span data-type='title' id=toc-6189>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾؛ داعيَهم إلى طاعتِنا وتوحيدِنا، والبراءة من كلِّ معبود سوانا، ﴿فَقَالَ﴾ لهم نوحٌ: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: قال لهم: ذِلُّوا يا قوم لله بالطاعةِ، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. يقولُ: ما لكم من معبود يجوزُ لكم أن تعبدوه غيرُه، ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. يقولُ: أفلا تخشَوْن بعبادتكم غيره عقابَه أن يَحِلَّ بكم.\n\n<span id=\"aya-2697\"></span><span data-type='title' id=toc-6190>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: فقالت جماعةُ أشرافِ قوم نوح الذين جحدوا توحيد الله وكذَّبوه، لقومهم: ما نوحٌ أيها القومُ إلا بشرٌ مثلكم، إنما هو إنسانٌ مثلكم، وكبعضِكم، ﴿يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: يريد أن يَصير له الفضلُ عليكم، فيكون متبوعًا وأنتم له تبعٌ، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً﴾. [يقولُ: ولو شاء الله ألا نعبد شيئًا سواه، ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾. يقولُ: لأرسل بالدعاء إلى ما يدعوكم إليه نوحٌ ملائكةً] (^١) تؤدِّى إليكم رسالته.\nوقولُه: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا [فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾. يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل الملأِ من قومِ نوحٍ: ما سَمِعْنا بهذا] (^٢) الذى يدعونا إليه نوحٌ مِن أنه لا إلهَ لنا\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"17","page":34},{"text":"غيرُ اللهِ في القرونِ الماضيةِ، وهى آباؤهم الأوّلون.\n\n<span id=\"aya-2698\"></span><span data-type='title' id=toc-6191>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه (^١) مخبرًا عن قِيلِ الملإِ الذين كفَروا من قومِ نوحٍ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾: ما نوحٌ إلَّا رجلٌ به جنونٌ. وقد يقالُ أيضًا للجنِّ: جِنَّةٌ. فيتفقُ الاسمُ والمصدرُ.\nو﴿هُوَ﴾ من قولِه: ﴿إِنْ هُوَ﴾ كنايةُ اسمِ نوحٍ.\nوقولُه: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ يقولُ: فتَلَبَّثُوا به وتَنظَّرُوا به، ﴿حَتَّى حِينٍ﴾. يقولُ: إلى وقتٍ ما. ولم يَعْنُوا بذلك وقتًا معلومًا، إنما هو كقولِ القائلِ: دعْه إلى يومٍ ما، أو: إلى وقتٍ ما.\n\n<span id=\"aya-2699\"></span>وقولُه: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. يقولُ: قال نوحٌ داعيًا ربَّه، مستنصِرًا به على قومِه، لما طال أمرُه وأمرُهم، وتمادَوا في غيِّهم: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ على قومى ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾. يعنى: بتكذيبِهم إيايَ فيما أبلَغتُهم من رسالتِك، ودعوتُهم إليه من توحيدِك.\n\n<span id=\"aya-2700\"></span>وقولُه: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. يقولُ: فقلنا له حين استنصَرَنَا على كَفَرِة قومِه: ﴿اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾، وهي السفينةُ، ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾. يقولُ: بمرْأًى منا ومنظرٍ، ﴿وَوَحْيِنَا﴾. يقولُ: وبتعليمِنا إياك صَنَعْتَها، ﴿فَإِذَا\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ٢.","vol":"17","page":35},{"text":"جَاءَ أَمْرُنَا﴾. يقولُ: فإذا جاء قضاؤنا في قومِك، بعذابِهم وهلاكِهم، ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ -وقد ذكَرنا فيما مضَى اختلافَ المختلفِين فى صفةِ فور التنورِ، والصوابَ عندنا من القول فيه بشواهدِه، بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (^١) - ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. يقولُ: فأدخِلْ في الفلكِ واحمِلْ. والهاءُ والألفُ في قولِه: ﴿فِيهَا﴾. من ذكرِ الفلكِ، ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾.\nيقالُ: سَلكْتُه فى كذا وأسلكتُه فيه. ومن \"سلكتُه\" قولُ الشاعرِ (^٢):\nوكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرّدْ … وَقَدْ سَلَكُوكَ فِي يَوْمٍ عَصِيبِ\nوبعضُهم يقولُ: أسلكتُ. بالألفِ، ومنه قولُ الهُذَليِّ (^٣):\nحتى إِذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتائِدَةٍ … شَلًّا كمَا تَطْرُدُ (^٤) الجَمَّالَةُ (^٥) الشُّرُدَا (^٦)\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ (^٧) ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. يقولُ لنوحٍ: اجعلْ في السفينةِ مِن كلٍّ زوجين اثنين (^٨).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٢/ ٤٠١ - ٤٠٧.\n(^٢) تقدم في ١٢/ ٤٩٧.\n(^٣) تقدم في ١/ ٤٦٧.\n(^٤) فى ت ١: \"يطرد\"، ت ٢: \"يطر\".\n(^٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الحمالة\".\n(^٦) في ت ١: \"السردا\"، ت ٢: \"السرفا\".\n(^٧) سقط من: م.\n(^٨) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"17","page":36},{"text":"﴿وَأَهْلَكَ﴾. وهم ولدُه ونساؤه (^١)، ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ من اللهِ بأنه هالكٌ فى من يَهْلِكُ من قومِك فلا تَحمِلْه معك، وهو يامٌ الذى غرِق.\nويعنى بقولِه: ﴿مِنْهُمْ﴾: من أهلِك.\nوالهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿مِنْهُمْ﴾ من ذكرِ الأهلِ.\nوقولُه: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾ الآية. يقولُ: ولا تسأَلْني في الذين كفروا باللهِ أن أُنجيَهم، ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾. يقولُ: فإني قد حَتَمتُ عليهم أن أُغرِقَ جميعَهم.\n\n<span id=\"aya-2701\"></span><span data-type='title' id=toc-6192>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذِكرُه بقولِه: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾: فإذا اعتدَلتَ في السفينةِ أنت ومن معك، ممن حملتَه معك من أهلِك؛ راكبًا فيها، عاليًا (^٢) فوقَها، ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى نَجَنَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. يعنى: من المشركين.\n\n<span id=\"aya-2702\"></span><span data-type='title' id=toc-6193>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه نوحٍ ﵇: وقل إذا سلَّمك اللهُ وأخرجَك من الفلكِ، فنزلتَ عنها: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا﴾ [من الأرضِ] (^٣)، ﴿مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾. [وأنت خيرُ] (^٤) من أنزَل عبادَه المنازلَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في م: \"نساؤهم\".\n(^٢) فى ص: \"غالبا\".\n(^٣) سقط من: ت ١، ف.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، ف.","vol":"17","page":37},{"text":"ذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾. قال: لنوحٍ حينَ نزَلَ من السفينةِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nواختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ (^٢) قرأةِ الأمصارِ: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا﴾ بضمِّ الميمِ وفتحِ الزايِ، بمعنى: أنزلْنى إنزالًا مباركًا. وقرَأهُ عاصمٌ: (مَنْزِلًا) بفتحِ الميمِ وكسرِ الزايِ (^٣)، بمعنى: أنزلْنى مكانًا مباركًا وموضعًا.\n\n<span id=\"aya-2703\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: إِنَّ فيما فعلنا بقومِ نوحٍ يا محمدُ؛ من إهلاكِناهم إذ كذَّبوا رسولَنا (^٤)، وجحَدوا وحدانيتَنا، وعبَدوا الآلهةَ والأصنامَ - لعبرًا لقومك من مشركي قريشٍ، وعظاتٍ وحُجَجًا لنا عليهم (^٥)؛ يَستدِلُّون بها على سنتِنا في أمثالِهم، فينزَجروا عن كفرِهم، ويرتدِعوا عن تكذيبِك؛ حذرًا (^٦) أَنْ يصيبَهم مثلُ الذى أصابَهم من العذابِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٨٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٨ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٣) وهى قراءة عاصم في رواية أبى بكر. حجة القراءات ص ٤٨٦.\n(^٤) في ص، م، ت ٢، ف: \"رسلنا\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) في ت ١، ف: \"حذارًا\"، ت ٢: \"حذرًا من\".","vol":"17","page":38},{"text":"وقولُه: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وكنا مختبِريهم بتذكيرِنا إياهم بآياتِنا؛ لينظُروا (^١) ما هم عاملون قبلَ نزولِ عقوبتِنا بهم.\n\n<span id=\"aya-2704\"></span><span data-type='title' id=toc-6194>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثم أحدَثْنا من بعدِ مَهْلِكِ (^٢) قومِ نوحٍ، قرنًا آخرين، فأوجدناهم.\n\n<span id=\"aya-2705\"></span>﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾؛ داعيًا لهم، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يا قومِ، وأطيعوه دونَ الآلهةِ والأصنامِ؛ فإنَّ العبادةَ لا تنبغى إِلَّا له، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. يقولُ: ما لكم من معبودٍ يصلُحُ أنْ تعبُدوه (^٣) سِواه، ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: أفلا تخافون عقابَ اللهِ، بعبادتِكم شيئًا دونَه، وهو الإلهُ الذى لا إلهَ لكم سِواه؟\n\n<span id=\"aya-2706\"></span><span data-type='title' id=toc-6195>القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: وقالتِ الأشرافُ من قومِ الرسولِ الذى أرسَلْناه (^٤) بعدَ نوحٍ. وعَنَى بالرسولِ فى هذا الموضعِ صالحًا، وبقومِه ثمودَ، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾. يقولُ: الذين جحَدوا توحيدَ اللهِ، ﴿وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾. يعني: كذَّبوا بلقاءِ اللهِ في الآخرةِ.\nوقولُه: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: ونعَّمناهم في حياتِهم الدنيا،\n_________\n(^١) فى م: \"لننظر\".\n(^٢) في ت ١: \"إهلاك\".\n(^٣) في م: \"تعبدوا\".\n(^٤) في ص، م، ت ٢، ف: \"أرسلنا\".","vol":"17","page":39},{"text":"بما وسَّعنا عليهم من المعاشِ، وبسطنا لهم من الرزقِ، حتى بَطِروا وعَتَوْا على (^١) ربِّهم وكفَروا، ومنه قولُ الراجزِ (^٢).\nوقَدْ (^٣) أُرَانى (^٤) بالدّيارِ مُتْرَفا (^٥)\nوقولُه: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾. يقولُ: قالوا: بعَثَ اللهُ [صالحًا إلينا] (^٦) رسولًا من بينِنا، وخصَّه بالرسالةِ دونَنا، وهو إنسانٌ مثلُنا؛ يأكلُ مما نأكلُ منه من الطعامِ، ويشربُ مما نشربُ، وكيف لم يرسِلْ ملكًا من عندِه يبلِّغُنا رسالتَه؟\nقال: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (^٧)﴾. معناه: مما تشربون (^٧) منه. فحُذف من الكلامِ ﴿مِنْهُ﴾؛ لأنَّ معنى الكلامِ: ويشربُ من شرابِكم، وذلك أنَّ العربَ تقولُ: شرِبتُ من شرابِك.\n\n<span id=\"aya-2707\"></span><span data-type='title' id=toc-6196>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه مخبِرًا عن قيلِ الملإِ من قومِ صالحٍ لقومِهم: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ (^٨)﴾ فَاتَّبعتموه، وقبِلتم ما يقولُ وصدَّقتموه، ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيها القومُ،\n_________\n(^١) في ت ٢: \"عن\".\n(^٢) هو العجاج، والرجز في ديوانه ص ٤٩٠.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"لقد\".\n(^٤) في ت ١، ف: \"رآني\".\n(^٥) فى ت ٢: \"متزها\".\n(^٦) في ت ١: \"إلينا صالحًا\".\n(^٧) في ت ٢: \"يشربون\".\n(^٨) سقط من: ت ٢.","vol":"17","page":40},{"text":"﴿إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾. يقولُ: قالوا: إنكم إذن لمغبونون حظوظَكم من الشرفِ والرفعةِ في الدنيا؛ باتباعِكم إياه.\n\n<span id=\"aya-2708\"></span>قولُه: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ الآية. يقولُ تعالى ذِكرُه: قالوا لهم: أيعدُكم صالحٌ ﴿أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا﴾ في قبورِكم، ﴿وَعِظَامًا﴾ قد ذهَبت لحومُ أجسادِكم، وتفتَّتت (^١) عظامُها، ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ من قبورِكم أحياءً، كما كنتم قبلَ مماتِكم؟\nوأُعيدَت ﴿أَنَّكُمْ﴾ مرّتين -والمعنى: أيعدُكم (^٢) أنكم إذا مِتُّم وكنتم ترابًا وعظامًا، مخرجون. مرّةً واحدةً- لمّا فرّق بين ﴿أَنَّكُمْ﴾ الأولى، وبينَ خبرِها (^٣) بـ ﴿إِذَا﴾، وكذلك تفعلُ العربُ بكلِّ اسمٍ أوقَعت عليه الظنَّ وأخواتِه، ثم اعترَضَت بالجزاءِ دونَ خبرِه، فتُكرِّرُ اسمَه مرّةً، وتحذِفُه أُخرى، فتقولُ: أَظنُّ أَنكَ إِنْ جالسْتَنا أنك محسنٌ. فإنْ حذَفْت \"أنك\" الأولى أو الثانيةَ صَلَحَ، وإِنْ ثبَتا (^٤) صَلَحَ، وإن لم يُعترَضْ بينَهما بشيءٍ لم يَجُزْ. خطأٌ أن يقالَ: أظنُّ أنك (^٥) جالسٌ. وذُكِرَ أنَّ ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (أَيَعِدُكم إِذَا مِتُّم وكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُخْرَجُونَ) (^٦).\n\n<span id=\"aya-2709\"></span><span data-type='title' id=toc-6197>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"بقيت\".\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) في ت ١: \"جرها\".\n(^٤) في م: \"أثبتهما\".\n(^٥) في ت ٢: \"أن\".\n(^٦) ينظر البحر المحيط ٦/ ٤٠٤.","vol":"17","page":41},{"text":"وهذا خبرٌ من اللهِ جل ثناؤُه عن قولِ الملإِ من ثمودَ، أَنَّهم قالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ (^١)﴾. أى: بعيدٌ ما توعَدون أيها القومُ، من أنكم بعدَ موتِكم ومصيرِكم ترابًا وعظامًا، مخرجون أحياءً من قبورِكم. يقولون: ذلك غيرُ كائنٍ.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾. يقولُ: بعيدٌ بعيدٌ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾. قال: يعنى البعثَ (^٣).\nوالعربُ تُدخِلُ اللامَ معَ \"هيهاتَ\" فى الاسمِ الذى يصحبُها، وتنزِعُها منه، تقولُ: هيهاتَ لك هيهات (١)، وهيهاتَ ما ينبغى (^٤) هيهاتَ (^٥). وإذا أسقَطتَ اللامَ رفَعت الاسم بمعنى هيهاتَ، كأنه قال: بعيدٌ ما ينبغي لك. كما قال جريرٌ (^٦):\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في التغليق ٤/ ٢٦٣ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٩ إلى ابن المنذر.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٥، وأخرجه عبد بن حميد -كما في الفتح ٨/ ٤٤٥ - من طريق سعيد عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٩ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) فى م، ت ٢: \"تبتغى\".\n(^٥) سقط من: ت ١.\n(^٦) ديوانه ٢/ ٩٦٥.","vol":"17","page":42},{"text":"[فأيْهاتَ أَيْهَاتَ] (^١) العَقِيقُ وَمَنْ بِهِ … وأيْهاتَ (^٢) وصلٌ (^٣) بالعَقِيقِ تُوَاصِلُه (^٤)\nكأنه قال: العقيقُ وأهلُه.\nوإنما أُدخلت اللامُ مع \"هيهاتَ\" فى الاسمِ؛ لأنهم قالوا: هيهاتَ (^٥) أداةٌ غيرُ مأخوذَةٍ (^٦) من فعلٍ. [فأدخلوا معها] (^٧) في الاسمِ اللامَ، كما أدخَلوها معَ \"هلُمَّ لك\"، إذ لم تكنْ مأخوذةً من فعلٍ، فإذا قالوا: أَقْبلْ. لم يقولوا: لك. لاحتمالِ الفعلِ ضميرَ الاسمِ.\nواختَلفَ أهلُ العربيةِ فى كيفية الوقفِ على هيهاتَ؛ فكان الكسائيُّ يختارُ الوقوفَ فيها بالهاءِ؛ لأنها منصوبةٌ، وكان الفرّاءُ (^٨) يختارُ الوقوفَ عليها بالتاءِ، ويقولُ: من العربِ من يخفضُ التاءَ، فدلَّ على أنها ليست بهاءِ التأنيثِ، فصارت بمنزلةِ: دَرَاكِ ونَظَارِ. وأما نصبُ التاءِ فيهما؛ فلأنهما أداتان، فصارتا بمنزلةِ خمسةَ عشَرَ. وكان الفراءُ (^٨) يقولُ: إنْ قيلَ: إنَّ كلَّ واحدةٍ مستغنيةٌ بنفسِها يجوزُ الوقوفُ عليها، وإنَّ نصبها كنصبِ قولِه: ثُمَّتَ جلستُ، وبمنزلةِ قولِ الشاعرِ (^٩):\nماوِيَّ (^١٠) يَا رُبَّتَما (^١١) غارةٍ … شَعْوَاءَ (^١٢) كاللَّذْعَةِ بالمِيسَمِ\n_________\n(^١) فى م، ت ٢: \"فهيهات هيهات\".\n(^٢) فى م، ت ٢: \"هيهات\".\n(^٣) فى م: \"خل\".\n(^٤) في م: \"نواصله\".\n(^٥) في ص، ت ١، ف: \"هيهاه\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"مأخوذ\".\n(^٧) فى ت ١: \"فأدخلوا هاء\"، ف: \"فأدخلوها\".\n(^٨) معاني القرآن ٢/ ٢٣٦.\n(^٩) هو ضمرة النهشلى، والبيت في نوادر أبي زيد ص ٥٥، واللسان (ر ب ب، هـ ى هـ، ش ع و)، والخزانة ٩/ ٣٨٤، ١١/ ١٩٦.\n(^١٠) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^١١) في ت ٢: \"ريث ما\".\n(^١٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"شعرا\".","vol":"17","page":43},{"text":"قال: فنصْبُ \"هيهاتَ\" بمنزلةِ هذه الهاءِ التى في \"رُبت\"؛ لأنها دخَلت على حرفٍ؛ على \"رُبَّ\"، وعلى \"ثم\"، وكانا أداتين، فلم تغيِّرْهما عن أداتِهما فنُصِبا.\nواختَلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته قرأةُ الأمصارِ غير أبي جعفرٍ: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ بفتحِ التاءِ فيهما. وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ: (هيهاتِ هيهاتِ) بكسر التاءِ فيهما (^١). والفتحُ فيهما هو القراءةُ عندَنا؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه.\n\n<span id=\"aya-2710\"></span>وقولُه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾. يقولُ: ما حياةٌ إلا حياتُنا الدنيا التي نحن فيها ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾. يقولُ: تموتُ الأحياءُ منا فلا تحيا، ويَحدُثُ آخرون منا فيولدون أحياءً، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. يقولُ: قالوا: وما نحن بمبعوثين بعدَ المماتِ.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (^٢). قال: يقولُ: ليس آخرةٌ ولا بعثٌ؛ يكفرون بالبعثِ، [يقولون: إنما هى حياتُنا هذه، ثم نموتُ ولا نحيا؛ يموتُ هؤلاء ويحيا هؤلاء] (^٣). يقولون: إنما الناسُ كالزرعِ، يُحصدُ هذا ويَنبُتُ هذا. يقولون: يموتُ هؤلاء ويأتى آخرون. وقرأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] وقرأ: ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (^٤) [سبأ: ٣].\n_________\n(^١) النشر ٢/ ٢٤٦.\n(^٢) بعد فى ت ١: \"بعد الممات\".\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"لتبعثن\".","vol":"17","page":44},{"text":"<span id=\"aya-2711\"></span><span data-type='title' id=toc-6198>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: قالوا: ما صالحٌ إلَّا رجلٌ اختَلقَ على اللهِ كذبًا في قولِه: ما لكم من إلهٍ [غيرُ اللهِ] (^١). وفى وعدِه إياكم ﴿أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾.\nوقولُه: ﴿هُوَ﴾ من ذِكرِ الرسولِ، وهو صالحٌ، ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وما نحن له بمصدِّقين فيما يقولُ أنه لا إلهَ لنا غيرُ اللهِ، وفيما يعدُنا من البعثِ بعد المماتِ.\n\n<span id=\"aya-2712\"></span>وقولُه: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. يقولُ: قال صالحٌ لما أيِسَ من إيمانِ قومِه باللهِ، ومن تصديقِهم إياه بقولِهم: ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾: رَبِّ انصُرْني على هؤلاء ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾.\n\n<span id=\"aya-2713\"></span>يقولُ: بتكذيبِهم إياى فيما دعوتُهم إليه من الحقِّ. فاستغاثَ صلواتُ اللهِ عليه بربِّه من أذاهم إياه، وتكذيبِهم له، فقال اللهُ له مجيبًا في مسألتِه إياه ما سأل: عن قليلٍ يا صالحُ ليُصبِحَنّ مكذِّبوك من قومِك على تكذيبِهم إياك نادمين، وذلك حين تَنزِلُ بهم نقمتُنا فلا ينفَعُهم الندمُ.\n\n<span id=\"aya-2714\"></span><span data-type='title' id=toc-6199>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: فانتقَمنا منهم، فأرسَلْنا عليهم الصيحةَ، فأخَذَتهم بالحقِّ. وذلك أنَّ الله عاقَبهم باستحقاقِهم العقابَ منه؛ بكفرِهم به، وتكذيبِهم رسولَه،\n_________\n(^١) في ت ٢: \"غيره\".","vol":"17","page":45},{"text":"﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾. يقولُ: فصيَّرناهم بمنزلةِ الغُثاءِ، وهو ما ارتفَعَ على السيلِ ونحوِه، كما لا يُنتفعُ به في شيءٍ، فإنما هذا مثَلٌ. والمعنى: فأهلَكناهم فجعَلناهم (^١) كالشيءِ الذى لا منفعةَ فيه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: جُعِلوا كالشيءِ الميتِ البالى من الشجرِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿غُثَاءً﴾: كالرميمِ الهامدِ الذى يَحتملُ السيلَ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ (^٤): ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾. قال: كالرميمِ الهامدِ الذي يَحتملُ السيلَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾، قال: هو الشيءُ البالي.\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"غثاء يقول\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٩ إلى المصنف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٨٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٤) بعده فى ت ١: \"عن مجاهد\".","vol":"17","page":46},{"text":"حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ مثلَه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾. قال: هذا مثَلٌ ضَرَبه اللهُ (^٢).\nوقولُه: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: فأبعَد اللهُ القومَ الكافرين بهلاكِهم؛ إذ كفروا بربِّهم، وعَصَوا رسلَه، وظلَموا أنفسَهم.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: أولئك ثمودُ. يعنى قولَه: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-2715\"></span><span data-type='title' id=toc-6200>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثم أحدَثنا من بعدِ هلاكِ ثمودَ قومًا آخرين.\n\n<span id=\"aya-2716\"></span>وقولُه: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾. يقولُ: ما يتقدَّمُ هلاكُ أمةٍ من تلك الأممِ التي أنشأناها بعدَ ثمودَ، قبلَ الأجلِ الذى أجَّلْنا لهلاكِها، ولا يستأخِرُ هلاكُها عن الأجلِ الذى أجَّلْنا لهلاكِها، والوقتِ الذى وقَّتْنا لفنائِها، ولكنها تهلِكُ لمجيئه. وهذا وعيدٌ من اللهِ لمشركي قومِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ، وإعلامٌ منه لهم أنَّ تأخيرَه (^٤) في آجالِهم\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) زيادة من: م، ت ١، ت ٣، ف.\n(^٣) تقدم أوله في الصفحة السابقة.\n(^٤) فى ت ٢: \"تأخره\".","vol":"17","page":47},{"text":"مع كفرِهم به وتكذيبِهم رسولَه، ليبلُغوا الأجلَ الذى أُجِّل لهم، فتَحِلَّ بهم نقمتُه، كسنتِه فى من قبلَهم من الأممِ السالفةِ.\n\n<span id=\"aya-2717\"></span><span data-type='title' id=toc-6201>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا﴾ إلى الأممِ التي أَنشَأْنا بعدَ ثمودَ، ﴿رُسُلَنَا تَتْرَى﴾. يعنى: يتْبَعُ بعضُها بعضًا، وبعضُها فى أثرِ بعضٍ. وهى من المواترةِ، وهى اسمٌ لجمعٍ، مثلُ \"شيءٍ\"، لا يقالُ: [جاءني فلانٌ تتْرى. كما لا يقالُ] (^١): جاءنى فلانٌ مواترةً. وهى تنوَّنُ، ولا تنوَّنُ وفيها الياءُ (^٢)، فمن لم ينوِّنْها فهى (^٣) \"فَعْلَى\" من: وتَرتُ، ومن قال: تَتْرًا. توَهَّم أنَّ الياءَ (٢) أصليةٌ، كما قيل: مِعْزَى بالياء،. ومَعْزًا، وبُهْمَى وبُهْمًا. ونحوُ ذلك، فأُجرِيت أحيانًا وتُرِك إجراؤها أحيانًا، فمن جعَلها \"فَعْلَى\" وقَف عليها، أشارَ إلى الكسرِ (^٤)، ومَن جعَلها ألفَ إعرابٍ لم يُشِرْ؛ لأنَّ ألفَ الإعرابِ لا تكسرُ، لا يقالُ: رأيتُ يدى (^٥). فيشارَ فيه إلى الكسرِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"التاء\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) يريد الإمالة.\n(^٥) كتبت الألف فيها ياء؛ للإمالة. كما يكتب: الفتى، والندى.","vol":"17","page":48},{"text":"قولَه: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾. يقولُ: يَتْبَعُ بعضُها بعضًا (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى (^٢)﴾. يقولُ: بعضُها على أثرِ بعضٍ.\n[حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال] (^٣): ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿تَتْرَى﴾. قال: إتباعُ بعضِها (^٤) بعضًا (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾. قال: يتْبَعُ بعضُها بعضًا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾. قال: بعضُهم على أثرِ بعضٍ، يتْبَعُ بعضُهم بعضًا (^٦).\nواختلَفت قرأةُ الأمصارِ في قراءةِ ذلك؛ [فقرَأ ذلك بعضُ] (^٧) قرأةِ أهلِ مكةَ، وبعضُ أهلِ المدينةِ، وبعضُ أهل البصرةِ: (تَتْرًا) بالتنوينِ (^٨).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لبعضها\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٨٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٦) ينظر التبيان ٧/ ٣٢٧.\n(^٧) فى ت ١: \"فقرأته\".\n(^٨) وهى قراءة أبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو. النشر ٢/ ٢٤٦.","vol":"17","page":49},{"text":"وكان بعضُ أهلِ مكةَ، وبعضُ أهل المدينةِ، وعامةُ قرأةِ الكوفةِ يقرَءونه: ﴿تَتْرَى﴾ بإرسالِ الياءِ على مثالِ \"فَعْلَى\" (^١).\nوالقولُ في ذلك أنَّهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان في كلامِ العربِ، بمعنًى واحدٍ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غير أنِّى مع ذلك أختارُ القراءةَ بغيرِ تنوينٍ؛ لأنها أفصح اللغتين وأشهرُهما.\nوقولُه: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾. يقولُ: كلما جاء أمةً من تلك الأممِ التى أنشَأْناها بعدَ ثمودَ، رسولُها الذى نرسِلُه إليهم، كذَّبوه فيما جاءهم به من الحقِّ من عندِنا.\nوقولُه: ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾. يقولُ: فأتبعْنا بعضَ تلك الأممِ بعضًا بالهلاكِ، فأهلَكْنا بعضَهم في أثرِ بعضٍ.\nوقولُه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾. [يقولُ: وجَعَلْنا تلك الأُمَمَ أحاديثَ] (^٢) للناسِ ومثلًا يُتَحدّثُ بهم في الناسِ.\nو\"الأحاديثُ\" فى هذا الموضعِ جمعُ أُحدوثةٍ؛ لأنَّ المعنى ما وصفتُ من أنهم جُعلوا للناسِ مثلًا يُتحدَّثُ بهم. وقد يجوزُ أن يكونَ جمعَ حديثٍ.\nوإنما قيل: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾؛ لأنهم جُعلوا حديثًا ومثلًا يُتمثَّلُ بهم في الشرِّ، ولا يقالُ فى الخيرِ: جعَلتُه حديثًا، ولا أُحدوثةً.\nوقولُه: ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: فأبعَد اللهُ قومًا لا يؤمنون باللهِ ولا يصدِّقون رسولَه.\n\n<span id=\"aya-2718\"></span>\n\n<span id=\"aya-2719\"></span><span data-type='title' id=toc-6202>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ</span>\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٤٦.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.","vol":"17","page":50},{"text":"مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦)﴾.\n\nيقولُ تعالى ذِكرُه: ثم أرسَلْنا بعدَ الرسلِ الذين وصَف صفتَهم قبلَ هذه الأُمةِ (^١)، موسى وأخاه هارونَ، إلى فرعونَ وأشرافِ قومه من القبطِ، ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يقولُ: بحججِنا، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن اتِّباعِها، والإيمانِ بما جاءاهم به من عندِ اللهِ، ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾. يقولُ: وكانوا قومًا عالين على أهلِ ناحيتِهم، ومَن في بلادهِم من بني إسرائيلَ وغيرِهم بالظلمِ، قاهرين لهم.\nوكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾. قال: عَلَوا على رسلِهم، وعصَوا ربَّهم، ذلك علُوُّهم. وقرَأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ [القصص: ٨٣] الآية (^٢).\n\n<span id=\"aya-2720\"></span><span data-type='title' id=toc-6203>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: فقال فرعونُ وملؤُه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ فنتَّبعَهما، ﴿وَقَوْمُهُمَا﴾ من بنى إسرائيلَ، ﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾. يعنون أنهم لهم مطيعون متذلِّلون، يأتمرون لأمرِهم، ويَدينون لهم. والعربُ تسمِّى كلَّ مَن دان لملِكٍ عابدًا له. ومن ذلك قيل لأهل الحيرةِ: العُبَّادُ. لأنهم كانوا أهلَ طاعةٍ لملوك العجمِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال فرعونُ:\n_________\n(^١) في م: \"الآية\".\n(^٢) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"17","page":51},{"text":"﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ الآية. نذهَبُ نرفعُهم فوقَنا، ونكونُ تحتَهم، ونحن اليومَ فوقَهم وهم تحتَنا، كيف نصنعُ ذلك؟ وذلك حينَ أتَوهم بالرسالةِ. وقرأ: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٧٨]. قال: العلوُّ في الأرضِ.\n\n<span id=\"aya-2721\"></span>وقولُه: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾. يقولُ: فكذَّبَ فرعونُ وملؤُه موسى وهارونَ، فكانوا ممَّن أهلَكَهم اللهُ، كما أهلَك مَن قبلَهم من الأممِ بتكذيبِها رسلَها.\n\n<span id=\"aya-2722\"></span><span data-type='title' id=toc-6204>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: ولقد آتَينا موسى التوراةَ ليهتدِىَ بها قومُه من بني إسرائيلَ\nويعمَلوا (^١) بما فيها.\n\n<span id=\"aya-2723\"></span>﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً (^٢)﴾. يقولُ: وجَعَلْنَا ابنَ مريمَ وأمَّه حجةً لنا على من كان بينَهم، وعلى قدرتِنا على إنشاءِ الأجسامِ من غيرِ أصلٍ، كما أَنشَأْنَا خَلْقَ عيسى من غيرِ أبٍ.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن قَتادَة في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾. قال: ولدَته من غيرِ أبٍ هو له (^٣).\nولذلك وُحِّدتِ (^٤) \"الآيةُ\" وقد ذكَرَ مريمَ وابنَها.\nوقولُه: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾. يقولُ: وضمَمناهما وصيَّرناهما إلى ربوةٍ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"يعملون\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٦، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"وجدت\".","vol":"17","page":52},{"text":"يقالُ: أوى فلانٌ إلى موضعِ كذا، فهو يأوى إليه. إذا صار إليه. وعلى مثال \"أفعَله\" (^١) فهو يُؤْويه.\nوقولُه: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ﴾. يعنى: إلى مكانٍ مرتفعٍ من الأرضِ على ما حولَه، ولذلك قيل للرجلِ يكونُ فى رفعةٍ من قومِه، [وعزٍّ وشرفٍ وعَددٍ: هو في ربوةٍ من قومِه] (^٢).\nوفيها لغتان: ضمُّ الراءِ وكسرُها إذا أُريدَ بها الاسمُ، وإذا أُريدَ بها الفعلةُ من المصدرِ، قيل: رَبَا رَبُوةً.\nواختلف أهلُ التأويلِ فى المكانِ الذى وصفه اللهُ بهذه الصفةِ، وآوَى إليه مريمَ وابنَها؛ فقال بعضُهم: هو الرَّمْلةُ من فلسطينَ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا صفوانُ بنُ عيسى، قال: ثنا بشرُ بنُ رافعٍ، قال: ثنى ابنُ عمٍّ لأبي هريرةَ يقالُ له: أبو عبدِ اللهِ. قال: قال لنا أبو هريرةَ: الزَموا هذه الرَّملةَ من فلسطينَ؛ فإنها الربوةُ التى قال اللهُ: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (^٣).\nحدَّثني عصامُ بن رَوّادِ بن الجراحِ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عبَّادٌ أبو عتبةَ الخوَّاصُ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي عمرٍو السَّيبانيُّ (^٤)، عن أبي (^٥) وعْلةَ، عن كريبٍ،\n_________\n(^١) فى م: \"أفعلته\".\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) أخرجه البخارى فى الكنى ٩/ ٤٩ من طريق صفوان بن عيسى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبي نعيم.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"الشيباني\".\n(^٥) فى م: \"ابن\".","vol":"17","page":53},{"text":"قال: ما أدرى ما حدَّثنا مُرّةُ البَهْزيُّ، أنه سمع رسولَ اللهِ ﷺ ذكَر أن الربوةَ هي الرَّملةُ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن بشرِ بنِ رافعٍ، عن أبي عبدِ اللهِ ابنِ عمِّ أبى هريرةَ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ في قولِ اللهِ: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. قال: هي الرَّملةُ من فلسطينَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا صفوانُ، قال: ثنا بشرُ بنُ رافعٍ، قال: ثني أبو عبدِ اللهِ ابنُ عمِّ أبى هريرةَ، قال: قال لنا أبو هريرةَ: الزَموا هذه الرَّملة التي بفلسطينَ؛ فإنها الربوةُ التى قال اللهُ: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾.\nوقال آخرون: هى دمشقُ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ القرشيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، أنه قال فى هذه الآيةِ: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. قال: زعَموا أنها دمشقُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: بلَغنى عن ابنِ المسيبِ، أنه قال: دمشقُ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن يحيى بنِ\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٦٦٩٥)، وابن عساكر في تاريخه ١/ ٢٠٩ من طريق رواد بن الجراح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٠ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٦، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ١/ ٢١٢.\n(^٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١/ ٢٠٥، ٢٠٦ من طريق شعبة به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ١٩٠، ١٩١ من طريق يحيى بن سعيد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٠ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"17","page":54},{"text":"سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ مثلَه (^١).\nحدَّثني يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالحٍ السهميُّ، قال: ثنا ابنُ بكيرٍ، قال: ثنا اللَّيثُ ابنُ سعدٍ (^٢)، قال: ثنى عبدُ الله بنُ لهيعةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، [عن سعيدِ بنِ المسيبِ في قولِه] (^٣): ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. قال: إلى ربوةٍ من رُبا مصرَ. قال: وليس الرُّبَا إلا فى مصرَ، والماءُ حين يُرسَلُ تكونُ الربَا عليها القرى، لولا الرُّبَا لغرِقت تلك القرى (^٤).\nوقال آخرون: هى بيتُ المقدسِ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: هو بيتُ المقدسِ (^٥).\nقال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: كان كعبٌ يقولُ: بيتُ المقدسِ أقربُ الأرضِ (^٦) إلى السماءِ بثمانيةَ عَشَرَ مِيلًا.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن كعبٍ مثلَه (^٧).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٥، ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه ١/ ٢٠٦ به.\n(^٢) بعده في ت ٢: \"ثنا يحيى بن عثمان بن صالح السهمي\".\n(^٣) كذا في النسخ، وفيها سقط واضح، ولعل الصواب أن يكون السياق هكذا: عن سعيد بن المسيب مثله. وقال آخرون: هى ربوة من ربا مصر. ذكر من قال ذلك، حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم من قول ابن زيد كما ذكرنا في الحاشية السابقة.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ١/ ٢١٢ من طريق جرير بن حازم، عن قتادة.\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٦.","vol":"17","page":55},{"text":"وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ ذلك أنها مكانٌ مرتفعٌ ذو استواءٍ وماءٍ ظاهرٍ (^١)، وليس كذلك صفةُ الرَّملةِ؛ لأنَّ الرَّملةَ لا ماءَ بها مَعِينٌ، واللهُ تعالى ذِكرُه وصَف هذه الربوةَ بأنها ذاتُ قرارٍ ومَعِينٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾. قال: الربوةُ المستويةُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ﴾. قال: مستويةٌ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقولُه: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: من صفةِ الربوةِ التي آوينا إليها مريمَ وابنَها عيسى أنها أرضٌ منبسطةٌ، وساحةٌ، وذاتُ ماءٍ ظاهرٍ (^٤) لغيرِ الباطنِ، جارٍ.\n_________\n(^١) فى ت ١، ت ٢: \"طاهر\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٨٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٩ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) في ص، ت ٢: \"طاهر\".","vol":"17","page":56},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَعِينٍ﴾. قال: المَعِينُ الماءُ الجارى، وهو النهرُ الذى قال اللهُ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (^١) [مريم: ٢٤].\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: [أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. قال: المَعِينُ الماءُ\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال] (^٢): ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَعِينٍ﴾ قال: ماءٌ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: [ثنا الحسينُ] (٢)، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ فى قولِه: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. قال: المكانُ المستوِى، والمَعِينُ الماءُ الظاهرُ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٨٥. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٩ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الطاهر\".\nوالأثر أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١/ ٢٠٩ من طريق شريك به عن سعيد بن جبير، وعزاه السيوطي في =","vol":"17","page":57},{"text":"حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَعِينٍ﴾: هو الماءُ الظاهرُ (^١).\nوقال آخرون: عنى بالقرارِ الثمارَ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾: هي ذاتُ ثمارٍ، وهى بيتُ المقدسِ.\nحدَّثنا الحسنُ (^٢)، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الذى قاله قتادةُ في معنى: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ وإن لم يكنْ أرَاد بقولِه: إنها إنما وُصِفت بأنها ذاتُ قرارٍ؛ لما فيها من (^٤) الثمارِ، ومن أجلِ ذلك يستقرُّ فيها ساكنوها. فلا وجهَ له نعرفُه.\nوأما: ﴿وَمَعِينٍ﴾ فإنه مفعولٌ من: عِنْته فأنا أعينُه، وهو مَعِينٌ، وقد يجوزُ أن\nيكونَ فعيلًا من: مَعَن يمعَنُ، فهو مَعِينٌ من الماعون. ومنه قولُ عَبيد بنِ الأبرصِ (^٥):\nوَاهِيَةٌ (^٦) أو مَعِينٌ مُمْعِنٌ (^٧) … أوْ هَضْبَةٌ (^٨) دُونَها لُهُوبُ\n_________\n= الدر المنثور ٥/ ٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^١) ينظر التبيان ٧/ ٣٣٠.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"الحسين\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٥.\n(^٤) بعده في ت ٢: \"الفواكه و\".\n(^٥) ديوانه ص ١٢.\n(^٦) في ص، ت ١، ف: \"واهته\"، ت ٢: \"وأعننه\".\n(^٧) في ت ٢: \"يمعن\".\n(^٨) في ت ٢: \"يمنعه\".","vol":"17","page":58},{"text":"<span id=\"aya-2724\"></span><span data-type='title' id=toc-6205>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: وقلنا لعيسى: يأيُّها الرسلُ، كلوا من الحلالِ الذى طيَّبه اللهُ لكم دونَ الحرامِ، ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾. [يقولُ: اعمَلوا بما أمرَكم اللهُ به، وأطِيعوه في أمرِكم إياه ونهيِه لكم. وجمَع \"الرسلَ\" والخطابُ لواحدٍ، كما يقالُ] (^١) في الكلام للرجلِ الواحدِ: أيها القومُ كُفُّوا عنَّا أذاكم. وكما قال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. وهو رجلٌ واحدٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني (^٢) عبد الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنى عبيدُ بن إسحاقَ الضبيُّ العطارُ، عن حفصِ بنِ عمرَ الفزاريِّ، عن أبي إسحاقَ السَّبيعيِّ، عن عمرِو بن شرحبيلَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾. قال: كان عيسى ابنُ مريمَ يأكلُ من غزلِ أُمِّه (^٣).\nوقولُه: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: إني بأعمالِكم ذو علمٍ، لا يَخْفَى عليّ منها شيءٌ، وأنا مجازيكم بجميعِها، وموفِّيكم أجورَكم وثوابَكم عليها، فخُذوا من صالحاتِ الأعمالِ واجتهِدوا.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) بعده في م: \"ابن\".\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٤/ ١٤٤ من طريق حفص بن عمر الفزارى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"17","page":59},{"text":"<span id=\"aya-2725\"></span><span data-type='title' id=toc-6206>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾.</span>\nاختلفتِ القرأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: (وأنَّ). بالفتحِ (^١)، بمعنى: إنى بما تَعملون عليمٌ، وأنَّ هذه أمَّتُكم أمةً واحدةً. فعلى هذا التأويلِ \"أنَّ\" في موضعِ خفضٍ، عُطف بها على \"ما\" من قولِه: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. وقد يحتِملُ أن تكونَ في موضعِ نصبٍ إذا قرِئَ ذلك كذلك. ويكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: واعلموا أنَّ هذه. ويكونُ نصبُها بفعلٍ مضمرٍ.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين بالكسرِ ﴿وَإِنَّ هَذِهِ﴾ (^٢). على الاستئنافِ.\nوالكسرُ في ذلك عندى على الابتداءِ هو الصوابُ؛ لأنّ الخبرَ من اللهِ عن قيلِه لعيسى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ﴾. مبتدأٌ، فقولُه: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ﴾. مردودٌ عليه عَطفًا به عليه، فكان معنى الكلامِ: وقلنا لعيسى: يأيُّها الرسلُ كُلُوا من الطيباتِ. وقلنا له: إنَّ هذه أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً.\nوقيل: إن الأمةَ في هذا الموضعِ معناها الدِّينُ والملةُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ فى قولِه: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. [قال: الملةُ والدينُ] (^٣).\n_________\n(^١) قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو مع تشديد النون، وقرأ بها ابن عامر مع تخفيف النون. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤٤٦.\n(^٢) قرأ بها عاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٣) زيادة من: م. وينظر التبيان ٧/ ٣٣٢.","vol":"17","page":60},{"text":"وقولُه: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾. يقولُ: وأنا مولاكم فاتقونِ بطاعتى تأمَنوا عقابي.\nونُصِبت ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. على الحالِ.\nوذُكر عن بعضِهم أنه قرَأ ذلك رفعًا (^١).\nوكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ (^٢): رَفْعُ ذلك إذا رفِع على الخبرِ. ويَجعلُ (أمَّتَكم) نصْبًا على البدلِ من (هذه).\nوأما نحويُّو (^٣) الكوفةِ فيأبَونَ ذلك إلا فى ضرورةِ شعرٍ. وقالوا: لا يُقالُ: مررتُ بهذا غلامِكم؛ لأن \"هذا\" لا يَتْبعُه إلا الألفُ واللامُ والأجناسُ؛ لأنَّ \"هذه\" (^٤) إشارةٌ إلى عددٍ، فالحاجةُ فى ذلك إلى تبيينِ المرادِ مِن المشارِ إليه أيُّ الأجناسِ هو؟ وقالوا: وإذا قيل: (هذه أمتُكم أمةٌ واحدةٌ). و\"الأمةُ\" غائبةٌ، و\"هذه\" حاضرةٌ. قالوا: فغيرُ جائزٍ أن يُبيَّنَ عن الحاضرِ بالغائبِ. قالوا: فلذلك لم يَجُزْ: إن هذا زيدًا (^٥) قائمٌ. من أجلِ أن \"هذا\" محتاجٌ إلى الجنسِ لا إلى المعرفةِ.\n\n<span id=\"aya-2726\"></span><span data-type='title' id=toc-6207>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾.</span>\nاختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿زُبُرًا﴾؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ أهلُ المدينةِ\n_________\n(^١) وهى قراءة الحسن. مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٠٠.\n(^٢) ينظر الكتاب ٢/ ١٤٧، ١٤٨.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"نحويي\".\n(^٤) في م: \"هذا\".\n(^٥) فى م، ت ١، ت ٢: \"زيد\".","vol":"17","page":61},{"text":"والعراقِ: ﴿زُبُرًا﴾ بمعنى جمعِ \"الزَّبورِ\". فتأويلُ الكلامِ على قراءةِ هؤلاءِ: فتفرّقَ القومُ الذين أمرَهم اللهُ من أمةِ الرسولِ عيسى بالاجتماعِ على الدينِ الواحدِ، والملةِ الواحدةِ -دينَهم الذى أمَرهم اللهُ بلزومِه ﴿زُبُرًا﴾: كُتُبا، فدانَ كلُّ فريقٍ منهم بكتابٍ غيرِ الكتابِ الذى دانَ به الفريقُ الآخرُ؛ كاليهودِ الذين زعَموا أنهم دانُوا بحكمِ التوراةِ، وكذّبوا (^١) بحكمِ الإنجيلِ والقرآنِ، وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيلِ بزعمِهم، وكذَّبُوا بحكمِ الفرقانِ.\nذكرُ مَن تأوّل ذلك كذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿زُبُرًا﴾. قال: كُتُبًا.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ مثلَه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾. قال: كُتُبَ اللهِ فرَّقوها قِطَعًا (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾. قال مجاهدٌ: كُتُبَهم فرّقوها قِطَعًا.\n_________\n(^١) في ص، ف: \"كانوا\"، وفى ت ٢: \"دانوا\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٨٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.","vol":"17","page":62},{"text":"وقال آخرون من أهلِ هذه القراءةِ: إنما معنى الكلامِ: فَتَفرَّقوا دينَهم بينَهم كُتبًا أحدَثوها، يَحْتَجُّون فيها لمذاهبِهم.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. قال: هذا ما اختَلَفُوا فيه من الأديانِ والكتبِ، كلٌّ مُعْجَبُون برأيِهم، ليس أهلُ هوًى إلَّا وهم مُعْجَبون برأْيِهم وهواهم وصاحبِهم الذى اخترَق ذلك لهم (^١).\nوقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الشامِ: (فتقطَّعوا أمرَهم بينَهم زُبَرًا). بضمِّ الزاي وفتحِ الباءِ، بمعنى: فتفرَّقوا (^٢) بينهم قِطَعًا كزُبَرِ الحديدِ. وذلك القِطَعُ منها، واحدتُها زُبْرةٌ، من قولِ اللهِ: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦]. فصار بعضُهم يهودًا، وبعضُهم نصارى.\nوالقراءةُ التي نختارُ فى ذلك قراءةُ من قرأه بضمِّ الزايِ والباءِ؛ لإجماعِ أهلِ التأويلِ في تأويلِ ذلك على أنه مرادٌ به الكتبُ، فذلك يُبينُ عن صحةِ ما اخترنا (^٣) في ذلك؛ لأنَّ الزُّبُرَ هى الكتبُ، يُقالُ منه: زَبَرْتُ الكتابَ، إذا كتبتَه.\nفتأويلُ الكلامِ: فتَفَرَّقَ الذين أمرَهم اللهُ بلزومِ دينِه من الأممِ دينَهم بينَهم كُتبًا. كما بيَّنا قبلُ.\nوقولُه: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. يقولُ: كلُّ فريقٍ من تلك الأممِ بما\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١١ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) بعده في م: \"أمرهم\".\n(^٣) في ص، ت ٢: \"أخبرنا\".","vol":"17","page":63},{"text":"اختاروه لأنفُسِهم من الدين والكتبِ - فَرِحون، مُعْجَبون به، لا يَروْنَ أَن الحقَّ سواه.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾: قِطعَةٍ، وهؤلاءِ أهلُ الكتابِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾: قطعةٍ، أهلُ الكتابِ.\n\n<span id=\"aya-2727\"></span><span data-type='title' id=toc-6208>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فدعْ يا محمدُ هؤلاءِ الذين تقطَّعوا أمرَهم بينهم زُبُرًا ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾. يعني: في ضَلالتِهم وغَيِّهِم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾. يعنى: إلى أجلٍ سيأتِيهم عندَ مجيئه عذابي.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾. قال: في ضلالِهم (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَذَرْهُمْ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٦٢.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"17","page":64},{"text":"فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾. قال: الغَمْرةُ الغَمْرُ.\n\n<span id=\"aya-2728\"></span>وقولُه: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أيحسَبُ هؤلاء الأحزابُ الذين تفرَّقوا دينَهم زُبُرًا، أن الذي نُعطيهم في عاجلِ الدنيا من مالٍ وبنينَ، ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾. يقولُ: نُسابقُ لهم في خيراتِ الآخرةِ، ونُبادرُ لهم فيها.\nو\"ما\" من قولِه: ﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ نَصبٌ؛ لأنها بمعنى \"الذي\".\n﴿بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه تكذيبًا لهم: ما ذلك كذلك، بل لا يَعلمون أنَّ إمدادى إيَّاهم بما أُمِدُّهم به من ذلك، إنما هو إملاءٌ واستدراجٌ لهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾. قال: نُعطيهم، ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ﴾. قال: نَزِيدُهم في الخيرِ، ﴿نُمْلِي لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨]. قال: هذا لقريشٍ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرَ بنِ علىٍّ، قال: ثني أشعثُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٦٢.","vol":"17","page":65},{"text":"<span id=\"aya-2729\"></span>عن خالدٍ الحذاءِ، قال: قلتُ لعبدِ الرحمنِ بن أبي بَكْرةَ: قولُ اللهِ: ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾؟ قال: (يُسارِعُ (^١) لهم في الخيراتِ) (^٢).\nوكأن عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكرةَ وجَّه قراءتَه ذلك كذا (^٣)، إلى أن تأويلَه: يسارِعُ لهم إمدادُنا إياهم بالمالِ والبنينَ في الخيراتِ.\n\n<span id=\"aya-2730\"></span><span data-type='title' id=toc-6209>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾: إِنّ الذين هم من خشيتِهم وخَوفِهم من عذابِ اللهِ مشفقون، فهم من خشيتِهم من ذلك دائبونَ فى طاعتِه، جادُّونَ في طلبِ مرضاتِه.\n\n<span id=\"aya-2731\"></span>﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: والذين هم بآياتِ كتابِه وحُجَجِه مُصدِّقون،\n\n<span id=\"aya-2732\"></span>﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: والذين يُخلِصون لربِّهم عبادتَهم، فلا يجعلون له فيها لغيرِه شركًا، لا لوثَنٍ ولا لصنمٍ، ولا يُراءون بها أحدًا من خلْقِه، ولكنهم يَجعلون أعمالَهم لوجهِه خالصًا، وإياه يَقصِدون بالطاعةِ والعبادةِ دونَ كلِّ شيءٍ سواه.\n\n<span id=\"aya-2733\"></span><span data-type='title' id=toc-6210>القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾: والذين يُعطُون أهلَ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"نسارع\"، وغير منقوطة فى ص، وقراءة عبد الرحمن والسلمي بالياء، كما في البحر المحيط ٦/ ٤١٠.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١١ إلى المصنف، وفيه أن قراءته: (نسارع لهم بالخيرات).\n(^٣) في م: \"كذلك\".","vol":"17","page":66},{"text":"سُهْمانِ الصدقةِ ما فَرَضَ اللهُ لهم فى أموالِهم، ﴿مَا آتَوْا﴾. يعنى: ما أَعْطَوهم إياه من صدقةٍ (^١)، ويؤدُّون حقوقَ اللهِ عليهم فى أموالِهم إلى أهلِها، ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. يقولُ: خائفةٌ من أنهم إلى ربِّهم راجِعون، فلا يُنجيهم ما فعلُوا من ذلك من عذابِ اللهِ، فهم خائفون من المرجعِ إلى اللهِ لذلك. كما قال الحسنُ: إن المؤمنَ جمَع إحسانًا وشفقةً.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبجرَ، عن رجلٍ، عن ابنِ عمرَ: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: الزكاة (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ (^٣) الله بنُ موسى، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن أبي يَحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. قال: المؤمِنُ يُنْفِقُ مالَه، وقلبُه وجِلٌ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبى الأشهبِ، عن الحسنِ، قال: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. قال: يَعْملون ما عمِلُوا من أعمالِ البرِّ، وهم يخافونَ ألا ينُجيَهم ذلك من عذابِ ربِّهم (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، [قال: ثنا الحسينُ] (^٦)، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"صدقته\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١١ إلى المصنف والفريابي.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"عبد\".\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١١ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٥)، وأحمد في الزهد ص ٢٨٦، والبيهقي في الشعب (٧٦٣، ٧٦٤) من طريق أبى الأشهب به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١١ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) سقط من: م.","vol":"17","page":67},{"text":"قال ابنُ عباسٍ: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. قال: المؤمنُ يُنفقُ مالَه ويتصدقُ، وقلبُه وَجِلٌ أنه إلى ربِّه راجعٌ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن يونسَ، عن الحسنِ أنه كان يَقولُ: إن المؤمِنَ جمَع إحسانًا وشفقةً، وإن المنافقَ جمع إساءةً وأمنًا. ثم تلا الحسنُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾. إلى: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. وقال المنافقُ: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (^١) [القصص: ٧٨].\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾. قال: يُعْطون ما أَعْطَوا، ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. يقولُ: خائفةٌ.\nحدَّثنا خلّادُ بنُ أسلمَ، قال: ثنا النضرُ بنُ شُميلٍ، قال: أخبرنا إسرائيلُ، قال: أخبرنا سالمٌ الأفطسُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. قال: يَفعلونَ ما يَفعلونَ وهم يَعلمونَ أنهم صائرون إلى الموتِ، وهى من المبشِّراتِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. قال: يُعْطُون ما أَعطَوا، ويعمَلون ما عمِلوا من خيرٍ، ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾: خائفةٌ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ مثلَه (^٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١١ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٦، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١١ إلى عبد بن حميد.","vol":"17","page":68},{"text":"حدَّثنا علىٌّ، [قال: ثنا] (^١) [عبدُ اللهِ] (^٢)، قال: ثني معاويةُ، [عن علىٍّ] (^٢)، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. يقولُ: يعمَلون خائفين (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. [يقولُ: خائفةٌ، ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. قال: هو المؤمنُ يتصدَّقُ ويُنفِقُ ويَعْلَمُ أنه راجعٌ إلى ربِّه.\nحدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾] (^٤). قال: يُعطون ما أَعْطَوا فرَقًا من اللهِ، ووجلًا من اللهِ.\nحُدثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾: يُنفقون ما أنفقُوا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. قال: يُعطون ما أَعْطَوا، ويُنفِقُون ما أَنفقوا، ويَتصدَّقون بما تَصدَّقوا وقلوبُهم وَجِلَةٌ؛ اتقاءً لسَخَطِ اللَّهِ والنارِ.\nوعلى هذه القراءةِ -أعنى على: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ - قرأةُ الأمصارِ، وبه رسومُ مصاحفِهم، وبه نقرأُ، لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، ووفاقِه خطَّ مصاحفِ المسلمين.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) سقط من النسخ، وهو إسناد دائر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في الفتح ٨/ ٤٤٥، والإتقان ٢/ ٣١ من طريق عبد الله به.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ف.","vol":"17","page":69},{"text":"ورُوِى عن عائشةَ ﵂ في ذلك ما حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا علىُّ بنُ ثابتٍ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو (^١)، عن أبي خَلَفٍ، قال: دخَلتُ مع عبيدِ بنِ عميرٍ على عائشةَ، فسألها عبيدٌ: كيف نقرأُ هذا الحرفَ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾؟ فقالتْ: (يَأْتُون ما أَتَوْا) (^٢).\nوكأنها تأوَّلَتْ فى ذلك: والذين يفعَلون ما يفعَلون من الخيراتِ وهم وجِلونَ من اللهِ.\nكالذى حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو (^٣) بنُ قيسٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سعيدِ بنِ وهبٍ الهمْدَانيِّ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قالتْ عائشةُ: يا رسولَ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ [يُؤْتُونَ مَا آتَوْا] (^٤) وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. هو الذي يُذنِبُ الذنبَ وهو وجِلٌ منه؟ فقال: \"لا، ولكن من يصومُ ويصلِّى ويتصدقُ وهو وجلٌ\" (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن مالكِ بنِ مغْولٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سعيدِ بنِ وهبٍ، أن عائشةَ قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. أهُم الذين يُذنبون وهم مُشْفِقون؟\n_________\n(^١) فى م: \"عمر\"، وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٤٢٧.\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٩٥، ١٤٤ (الميمنية)، والبخارى فى التاريخ ٩/ ٢٨ من طريق أبي خلف به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٤٦ من طريق عبيد بن عمير به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٢ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنبارى وابن أشتة والدارقطني في الأفراد وابن مردويه.\n(^٣) في م: \"عمر\". وينظر تهذيب الكمال ١٧/ ١٤٤.\n(^٤) فى م فى هذا الموضع وما بعده: \"يأتون ما أتوا\".\n(^٥) ذكره الترمذى عقب الأثر (٣١٧٥) عن عبد الرحمن بن سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١ إلى ابن أبي الدنيا وابن الأنبارى فى المصاحف وابن مردويه، وينظر علل الدارقطني ١١/ ١٩٣.","vol":"17","page":70},{"text":"[فقال: \"لا بل هم الذين يصلون وهم مشفقون] (^١)، وَيَصُومون وهم مشفقون\".\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا ليثٌ، عن مغيثٍ (^٢)، عن رجلٍ من أهلِ مكةَ، عن عائشةَ، قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. قال. فذكَر مثلَ هذا.\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن مالكِ بنِ مِغْوَلٍ، عن عبدِ الرحمنِ ابنِ سعيدٍ، عن عائشةَ أنها قالتْ: يا رسولَ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. أهو الرجلُ يَزنى ويَسرِقُ ويَشربُ الخمرَ؟ قال: \"لا يا بنْتَ أبي بَكْرٍ -أو: يا بنْتَ الصديقِ- ولكنَّه الرجلُ يَصومُ ويُصلِّى ويَتصدَّقُ، ويخافُ ألا يُقبلَ منه\" (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى جريرٌ، عن ليثِ بنِ أبي سليمٍ، وهشيمٍ، عن العوامِ بنِ حَوْشبٍ، جميعًا، عن عائشةَ أنها قالتْ: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: \"يا بنتَ أبي بَكْرٍ -أو: يا بنتَ الصِّدِّيقِ- هم الذين يُصَلُّونَ ويَفْرَقُونَ أَلا يُتَقَبَّلَ منهم\".\nو\"أنَّ\" من قولِه: ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. في موضعِ نصبٍ؛ لأنَّ معنى الكلامِ: وقُلُوبُهم وَجِلَةٌ من أنهم. فلما حُذفت \"مِنْ\" اتَّصلَت بالكلامِ (^٤) قبلَها فنُصِبتْ.\n_________\n(^١) سقط من النسخ، والمثبت من زاد المسير ٥/ ٤٨٠، وقد آثرنا إثباته لحاجة السياق إليه.\n(^٢) في ت ٢: \"شعيب\".\n(^٣) أخرجه أحمد ٦/ ٢٠٥، وابن ماجه (٤١٩٨)، والبغوى فى تفسيره ٥/ ٤٢١، والبيهقي في الشعب (٧٦٢) من طريق وكيع به، وأخرجه أحمد ٦/ ١٥٩، والترمذى (٣١٧٥)، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٤٧٤ - والحاكم ٢/ ٣٩٣ من طريق مالك به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١١ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا فى \"نعت الخائفين\" وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٤) فى م: \"الكلام\".","vol":"17","page":71},{"text":"وكان بعضُهم يقولُ (^١): هى فى موضعِ خفضٍ وإنْ لم يكنِ الخافضُ ظاهرًا.\n\n<span id=\"aya-2734\"></span>وقولُه: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاءِ الذين هذه الصفاتُ صفاتُهم، يُبادِرونَ فى الأعمالِ الصالحةِ، ويَطلُبون الزُّلفةَ عندَ اللَّهِ بطاعتِه.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾. قال: والخيراتُ: المخافةُ والوَجَلُ والإيمانُ والكفُّ عن الشركِ باللهِ، فذلك المسابقةُ إلى هذه الخيراتِ.\nوقولُه: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. كان بعضُهم يقولُ: معناه: سَبقتْ لهم من اللهِ السعادةُ، فذلك سُبوقُهم الخيراتِ التي يَعملونها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. يقولُ: سَبقتْ لهم السعادةُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾: فتلك الخيراتُ.\nوكان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك بمعنى: وهم إليها سابقون.\nوتأوَّلَه آخرون: وهم من أجلِها سابقون.\nوأولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ القولُ الذي قالَه ابنُ عباسٍ، من أنه:\n_________\n(^١) حكاه الفراء فى معانى القرآن ٢/ ٢٣٨ عن الكسائي.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره -كما فى الفتح ٨/ ٤٤٥ من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطى في =","vol":"17","page":72},{"text":"سَبقتْ لهم مِن اللهِ السعادةُ قبلَ مسارَعتِهم فى الخيراتِ، ولما سبَق لهم من ذلك سارَعوا فيها.\nوإنما قلتُ: ذلك أولى التأويلينِ بالكلامِ؛ لأن ذلك أظهرُ مَعْنَيَيْهِ، وأنه لا حاجة بنا إذا وجهنا تأويل الكلام إلى ذلك، إلى تحويل معنى اللامِ (^١) التي في قولِه: ﴿وَهُمْ لَهَا﴾. إلى غيرِ معناها الأغلبِ عليها.\n\n<span id=\"aya-2735\"></span><span data-type='title' id=toc-6211>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا﴾ [مِمَّن خَلقنا، ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾. يقولُ] (^٢): إلا ما يَسَعُها ويَصلُحُ لها من العبادةِ، ولذلك كلَّفناها ما كلَّفْناها من معرفةِ وحدانيةِ اللهِ، وشَرَعْنا لها ما شَرَعْنا من الشرائعِ، ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: وعندَنا كتابُ أعمالِ الخلقِ، بما عمِلُوا من خيرٍ وشَرٍّ، ﴿يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. يقولُ: يُبينُ بالصدقِ عمَّا عمِلوا من عملٍ في الدنيا، لا زيادةَ عليه ولا نقصانَ، ونحن موفُّو جميعِهم أجورَهم؛ المحسنِ منهم بإحسانِه، والمسيءِ بإساءتِه، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. يقولُ: وهم لا يُظلمون، بأن يُزادَ على سيئاتِ المسيءِ منهم ما لم يَعملْه، فيعاقَب على غير جُرْمِه، أو يُنقَصَ المحسنُ عما عمِل من إحسانِه، فيُنقصَ عما له من الثوابِ.\n\n<span id=\"aya-2736\"></span><span data-type='title' id=toc-6212>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)﴾.</span>\n_________\n= الدر المنثور ٥/ ١٢ إلى ابن المنذر.\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"الكلام\".\n(^٢) سقط من: م.","vol":"17","page":73},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ما الأمرُ كما يَحْسَبُ هؤلاءِ المشركون، من أن إمدادناهم بما نُمدُّهم به من مالٍ وبنين، بخيرٍ نَسوقُه بذلك إليهم، ورضًا منا عنهم، لكنَّ قلوبَهم في عمًى (^١) عن هذا القرآنِ.\nوعنى بالغمرةِ ما غمَر قُلوبَهم فغطَّاها عن فَهُمِ مَا أَوْدَعَ اللَّهُ كتابَه من المواعظِ والعبرِ والحججِ.\nوعنَى بقولِه: ﴿مِنْ هَذَا﴾: من القرآنِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6213>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾. قال: في عَمًى من هذا القرآنِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾. قال: من القرآنِ.\nوقولُه: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولهؤلاءِ الكفارِ أعمالٌ لا يَرضاها اللهُ من المعاصى، ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾. يقولُ: من دونِ أعمالِ أهلِ الإيمانِ باللهِ، وأهلِ التقوى والخشيةِ له.\n_________\n(^١) في م: \"غمرة عمى\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"غمرة\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٨٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"17","page":74},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6214>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. قال: الخطايا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾. قال: الحقِّ (^٢).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾. قال: خطايا من دونِ ذلك الحقِّ.\nقال: ثنا حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ الآية. قال: أعمالٌ دُونَ الحقِّ (^٣).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: ذكَر اللَّهُ الذين هم من خشيةِ ربِّهم مُشْفِقون، والذين يُؤتون ما آتَوا وقلوبُهم وجِلَةٌ. ثم قال للكفارِ: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. قال: من دونِ الأعمالِ التي منها قولُه: ﴿مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢ إلى المصنف وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٨٧، ولفظه: يعنى: خطايا من دون ذلك لا بد لهم أن يعملوها.\n(^٣) ينظر التبيان ٧/ ٣٣٥.","vol":"17","page":75},{"text":"﴿وَالَّذِينَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ﴾ (^١).\nحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن العلاءِ بن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ، قال: أعمالٌ لابُدَّ لهم من أن يَعملوها.\nحدَّثنا على بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ أبى الزرقاءِ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن حميدٍ، قال: سألتُ الحسنَ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. قال: أعمالٌ لم يَعملوها سيعْمَلونها (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. قال: لم يكنْ له بُدٌّ من أن يَستوفيَ بقيةَ عملِه، ويَصلَى به (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن العلاءِ بن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. قال: أعمالٌ لابُدَّ لهم من أن يَعملوها (^٣).\nحدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن العلاءِ بن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﵎: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾. قال: أعمالٌ لابُدَّ لهم من أن يَعملوها.\n\n<span id=\"aya-2737\"></span><span data-type='title' id=toc-6215>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ</span>\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ينظر تفسير القرطبي ١٢/ ١٣٤، وتفسير ابن كثير ٥/ ٤٧٥.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٢١٧، وتفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٦.","vol":"17","page":76},{"text":"يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولهؤلاءِ الكفارِ من قريشٍ أعمالٌ من دونِ ذلك هم لها عامِلون، إلى أن نأخُذَ (^١) أهلَ النَّعمةِ والبَطَرِ منهم بالعذابِ.\nكما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾. قال: المُتْرَفُون العظماءُ.\n﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾. يقولُ: فإذا أخذْناهم به جأَروا. يقولُ: ضجُّوا واستغاثُوا مما حلَّ بهم من عذابِنا.\nولعلّ الجُوَارَ رفعُ الصوتِ، كما يَجأرُ الثورُ. ومنه قولُ الأعشى (^٢):\nيُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ المليـ … ـكِ (^٣) طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤَارَا\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6216>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾. يقولُ: يَستغيثون (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يَحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا (^٥): ثنا سفيانُ، عن علقمةَ\n_________\n(^١) في م: \"يؤخذ\".\n(^٢) تقدم في ١٤/ ٢٥١.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"الملائك\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"قال\".","vol":"17","page":77},{"text":"ابن مَرْثدٍ (^١)، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾. قال: بالسيوفِ يومَ بدرٍ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنس في قولِه: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾. قال: يَجزعون (^٣).\nقال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾.\nقال: عذاب يوم بدرٍ ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾. قال: الذين بمكةَ (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾: يعنى أهلَ بدرٍ، أخذهم اللهُ بالعذابِ يومَ بدرٍ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سمِعتُ ابنَ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾. قال: يَجزعون.\n\n<span id=\"aya-2738\"></span>وقوله: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾. يقولُ: لا تَضِجُّوا وتَستغيثُوا اليومَ وقد نزَل بكم العذابُ الذي لا يُدفعُ عن الذين ظلَموا أنفسَهم، فإن ضجيجَكم غيرُ نافِعِكم، ولا دافعٍ عنكم شيئًا مما قد نزَل بكم من سَخَطِ اللَّهِ، ﴿إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾. يقولُ: إنكم من عذابِنا الذي قد حلَّ بكم لا تُستنقذون، ولا يُخَلِّصُكم منه شيءٌ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"مردد\"، وفى م: \"قردد\"، وفى ت ٢، ف: \"مزرد\" والمثبت من تفسير سفيان، وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٣٠٨.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٢١٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٤١٢.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٢/ ١٣٥.","vol":"17","page":78},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6217>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾: لا تَجْزَعُوا اليومَ.\nحدَّثني [يونسُ، قال: أخبرنا الربيعُ بنُ أنسٍ] (^١): ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾: لا تَجزعوا الآنَ حينَ نزلَ بكم العذابُ، إنه لا يَنفعُكم، فلو كان هذا الجزعُ [والتضرُّعُ] (^٢) قبلُ نفَعكم.\n\n<span id=\"aya-2739\"></span><span data-type='title' id=toc-6219>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاءِ المشركين من قريشٍ: لا تَضِجُّوا اليومَ وقد نزَلَ بكم سَخَطُ اللَّهِ وعذابُه، بما كسبَتْ أيديكم، واستوجبتموه بكفرِكم بآياتِ ربِّكم، ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. يعني: آياتُ كتابِ اللهِ. يقولُ: قد كانتْ آيَاتُ كتابي تُقرأُ عليكم، فتكذبون بها، وتَرْجِعون مُولِّين عنها إذا سمِعتُموها، كراهيةً منكم لسماعِها. وكذلك يُقالُ لكلِّ من رَجَع من حيثُ جاء: نكَص فلانٌ على عَقِبِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6218>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن\n_________\n(^١) كذا في النسخ، فلعل هنا سقطا أو تداخلا، وإسناد يونس دائر وتقدم كثيرًا، وتقدمت أيضًا الأسانيد عن الربيع بن أنس.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"17","page":79},{"text":"مجاهدٍ: ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾. قال: تَستأخرون.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾. يقولُ: تُدْبِرون (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾: يعنى أهلَ مكةَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿تَنْكِصُونَ﴾. قال: تَستأْخِرون (^٢).\n\n<span id=\"aya-2740\"></span>وقولُه: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. يقولُ: مستكبرين بحَرَمِ اللَّهِ، يقولون: لا يَظهرُ علينا فيه أحدٌ؛ لأنا (^٣) أهلُ الحَرَمِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6220>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. يقولُ: مستكبِرين بحَرَمِ البيتِ: إنه لا يَظهرُ علينا فيه أحدٌ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٨٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لا\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"17","page":80},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. قال: بمكةَ بالبلدِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. قال: مستكبرين بحَرَمى (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن حصينٍ، عن سعيدِ بن: جبيرٍ في قوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾: بالحرمِ (^٣).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. قال: مستكبِرين بالحرمِ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَهُ (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. قال: بالحرمِ (^٥).\nوقولُه: ﴿سَامِرًا﴾. يقولُ: تَسْمُرون بالليل.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٨٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٢١٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣ إلى سعيد بن منصور وابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٥) ينظر التبيان ٧/ ٣٣٧.","vol":"17","page":81},{"text":"ووحَّدَ قولَه: ﴿سَامِرًا﴾. وهو بمعنى السُّمَّارِ؛ لأنَّه وُضِع موضعَ الوقتِ.\nومعنى الكلامِ: تَهجُرون ليلًا. فوُضِع السامرُ موضعَ الليلِ، فوُحِّد لذلك.\nوقد كان بعضُ البصريين يقولُ (^١): وُحِّد ومعناه الجمعُ، كما قيل: طفلٌ. في موضعِ أطفالٍ.\nومما يُبينُ عن صحةِ ما قلْنا في أنه وُضِع موضعَ الوقتِ فوُحِّد لذلك - قولُ الشاعرِ (^٢).\nمِنْ دُونِهم إن جَنْتَهُمْ سَمَرًا … عَزْفُ القِيانِ وَمَجْلسٌ غَمْرُ\nفقال: سَمَرًا؛ لأن معناه: إن جئتَهم ليلًا وهم يسمرون. وكذلك قولُه:\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6221>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سَامِرًا﴾. يقولُ: تَسْمُرون حولَ البيتِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٦٠.\n(^٢) هو ابن أحمر الباهلى، والبيت في مجاز القرآن ٢/ ٦٠، وتهذيب اللغة ١٢/ ٤١٩، والشطر الثاني فيه هكذا:\n* حيٌّ حِلالٌ لَمْلَمٌ عِكرُ *\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"17","page":82},{"text":"﴿سَامِرًا﴾. قال: مجلسًا بالليلِ (^١).\nحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَامِرًا﴾. قال: مجالسَ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن حصينٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿سَامِرًا﴾. قال: تَشمُرون بالليلِ.\nحدَّثني يونسُ قال: أخبرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سَامِرًا﴾. قال: كانوا يَسمُرون ليلتَهم ويَلعبون، يَتكلَّمون بالشعرِ والكهانةِ وبما لا يَدْرون.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿سَامِرًا﴾. قال: يَعنى سَمَرَ الليلِ.\nوقال بعضُهم في ذلك ما حدَّثنا به ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿سَامِرًا﴾. يقولُ: سامرًا من أهلِ الحرمِ، آمنًا (^٢) لا يخافُ، كانوا يقولون: نحنُ أهلُ الحرمِ. لا يَخافون.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿سَامِرًا﴾. يقولُ: سامِرًا (^٣) أهلَ الحرمِ (^٤) أمنًا لا يخافون. قال: كانوا يقولون: نحن أهلُ الحرمِ لا نخافُ (^٥).\nوقوله: ﴿تَهْجُرُونَ﴾. اختلَفتِ القرأةُ في قراءتِه؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٨٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"آمن\".\n(^٣) بعده في م: \"من\".\n(^٤) في م: \"مكة\".\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ٨١.","vol":"17","page":83},{"text":"تَهْجُرُونَ﴾. بفتحِ التاءِ وضمِّ الجيمِ (^١).\nولقراءةِ من قرأ ذلك كذلك وجهان من المعنى؛ أحدُهما، أن يكونَ عنى أنه وصفهم بالإعراض عن القرآن أو البيت أو رسول الله ورفضه. والآخرُ، أن يكونَ عنى أنهم يقولون شيئًا من القول، كما يَهجُرُ الرجلُ في منامِه، وذلك إذا هَذَى. فكأنه وصفهم بأنهم يقولون في القرآن ما لا معنى له من القول، وذلك أن يَقولوا فيه باطلًا من القولِ الذي لا يَضرُّه.\nوقد جاء بكلا القولينِ التأويلُ مِن أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6222>ذكرُ مَن قال: كانوا يُعْرِضون عن ذكرِ اللَّهِ والحَقِّ وَيَهجُرُونَه</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿تَهْجُرُونَ﴾. قال: تَهْجُرُون ذكرَ اللَّهِ والحقَّ (^٢).\n[حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ في قولهِ: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾. قال: السبُّ] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-6223>ذكرُ مَن قال: كانوا يقولون الباطلَ والسيئَ من القولِ في القرآنِ</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن حصينٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾. قال: تَهجُرُون في الباطلِ (^٤).\nقال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن حصينٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ: ﴿سَامِرًا\n_________\n(^١) وهي قراءة ابن كثير وعاصم وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤٤٦.\n(^٢) ينظر البحر المحيط ٦/ ٤١٣.\n(^٣) هكذا في النسخ وكأن موضعه ضمن ما استدل به للقول التالى.\n(^٤) تفسير سفيان ص ٢١٧ بلفظ: وتقولون غير الحق.","vol":"17","page":84},{"text":"تَهْجُرُونَ﴾. قال: تَسْمُرون بالليلِ، تَخوضون في الباطلِ.\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾. قال: بالقولِ السيءِ في القرآنِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٌ مثلَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿تَهْجُرُونَ﴾. قال: الهَذْيانُ الذي يَتكلَّمُ بما لا يُريدُ ولا يَعْقِلُ، كالمريضِ الذي يتكلَّمُ بما لا يَدْرى (^٢). قال: وكان أبي يقرؤُها: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (^٣).\nوقرَأ ذلك آخرون: (سَامِرًا تُهْجِرُونَ). بضمِّ التاءِ وكسرِ الجيمِ. وممن قرأ ذلك كذلك من قرأةِ الأمصارِ: نافعُ (^٤) بنُ أبي نعيمِ، بمعنى: تُفْحِشون في المنطقِ، وتَقولون الخَنَا. من قولِهم: أهْجَرَ الرجلُ، إذا أَفْحَشَ في القولِ.\nوذُكِر أنهم كانوا يَسُبُّون رسولَ اللهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6224>ذكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٌّ، عن ابن عباسٍ: (تُهْجِرُون). قال: تقولون هُجْرًا (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ٢: \"يريد\".\n(^٣) في ت ٢: \"يهجرون\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"رافع\". وينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤٤٦.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٣١ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر =","vol":"17","page":85},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمنِ، عن أبي نَهِيكِ، عن عِكْرِمَةَ أنه قرَأ: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾. أي: تَسُبُّون (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عوفٌ (^٢)، عن الحسنِ في قولِه: (سامرًا تُهْجِرُون): رسولى.\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: (تُهْجِرُون): رسولَ اللهِ ﷺ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: (تُهْجِرُون).\nقال: تقولون سوءًا\" (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: قال الحسنُ: (تُهْجِرُون): كتابَ اللهِ ورسولَه (^٤).\nحدَّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (تُهْجِرُون). يقولُ: تقولون المنكرَ والخنا من القولِ، كذلك هُجْرُ القولِ.\nوأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك عندنا القراءةُ التي عليها قرأةُ الأمصارِ، وهى فتحُ التاءِ وضمُّ الجيمِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليها.\n\n<span id=\"aya-2741\"></span><span data-type='title' id=toc-6225>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ</span>\n_________\n= المنثور ٥/ ١٢ إلى ابن المنذر.\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣ إلى عبد بن حميد بنحوه.\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"عون\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٧.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٧، وهو من تمام الأثر المتقدم في ص ٨١.","vol":"17","page":86},{"text":"الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: أفلم يَتدبَّر هؤلاء المشركون تنزيلَ اللهِ وكلامَه، فيَعلموا ما فيه من العبرِ، [ويَعْتَرِفوا بحُجَجِ] (^١) اللَّهِ التي احتجَّ بها عليهم فيه؟ ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. يَقولُ: أم جاءهم أمرُ ما لم يأتِ مَن قبلَهم من أسلافِهم، فاستنكَروا (^٢) ذلك وأعْرَضوا؟ فقد جاءتِ الرسلُ مَن قبلَهم، وأُنزلَتْ معهم الكتبُ.\nوقد يَحْتَمِلُ أن تكونَ ﴿أَمْ﴾ في هذا الموضعِ بمعنى \"بل\"، فيكونُ تأويلُ الكلامِ: أفلم يدَّبَّروا القولَ؟ بل جاءهم ما لم يأتِ آباءَهم الأولين، فتَركوا لذلك التدبرَ، وأعرَضوا عنه، إذ لم يكنْ في مَن سلَفَ من آبائِهم ذلك.\nوقد ذُكر عن ابن عباسٍ في ذلك نحوُ هذا القولِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: لعَمْرى، لقد جاءَهم ما لم يأتِ آباءَهم الأولينَ، ولكن: أو لم يأتِهم ما لم يأتِ آباءَهم الأولينَ؟.\n\n<span id=\"aya-2742\"></span>وقولُه: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: [أم لم] (^٣) يعرِفْ هؤلاءِ المكذِّبون محمدًا، وأنه من أهلِ الصدقِ والأمانةِ؟ ﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾. يقولُ: فيُنْكروا قولَه، إذ (^٤) لم يعرفوه بالصدقِ، ويَحتجُّوا بأنهم لا يَعرفونه. يقولُ جلَّ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ف: \"ويعرفوا حجج\".\n(^٢) في م: \"فاستكبروا\"\n(^٣) في ص، ف: \"ألم\".\n(^٤) في م: \"أو\"، وفى ت ٢: \"إذا\".","vol":"17","page":87},{"text":"ثناؤُه: فكيف يُكذِّبونَه وهم يَعرِفونه فيهم بالصدقِ والأمانةِ؟\n\n<span id=\"aya-2743\"></span>﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾. يقولُ: أيقولون: بمحمدٍ جنونٌ، فهو يتكلَّمُ بما لا معنَى له ولا يُفهم، ولا يَدْرِى ما يقولُ؟ ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن يقولوا ذلك، فإنَّ كَذِبَهم في قيلهم ذلك واضحٌ بيِّنٌ، وذلك أن المجنونَ يَهذِى فيأتى من الكلامِ بما لا معنى له، ولا يُعقلُ ولا يُفهمُ، والذي جاءهم به محمدٌ هو الحكمةُ التي لا أحْكَمَ منها، والحقُّ الذي لا تَخفى صحتُه على ذى فِطْرةٍ صحيحةٍ، فكيف يجوزُ أن يُقالَ: هو كلامُ مجنونٍ؟\nوقولُه: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما بهؤلاءِ الكفرةِ أنهم لم يَعرِفوا محمدًا بالصدقِ، ولا أن محمدًا عندهم مجنونٌ، بل قد علِموه صادقًا مُحِقًا فيما يقولُ وفيما يَدعوهم إليه، ولكنَّ أكثرَهم للإذعانِ للحقِّ كارهون، ولاتِّباع محمدٍ ساخطون؛ حَسدًا منهم له، وبَغْيًا عليه، واستكبارًا في الأرضِ.\n\n<span id=\"aya-2744\"></span><span data-type='title' id=toc-6226>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)﴾</span>\nيقول تعالى ذكره: ولو عمِل (^١) الربُّ تعالى ذكرُه بما يَهوى هؤلاءِ المشركون، وأجرَى التدبيرَ على مشيئتِهم وإرادتِهم، فترَك الحقَّ الذي هم له كارهون، لفسدتِ السماواتُ والأرضُ ومن فيهنَّ، وذلك أنهم لا يعرفون عواقبَ الأمورِ، والصحيحَ من التدبيرِ والفاسدَ، فلو كانتِ الأمورُ جاريةً على مشيئتِهم وأهوائِهم - مع إيثارِ أكثرِهم الباطلَ على الحقِّ - لم تَقِرَّ السماواتُ والأرضُ ومن فيهن مِن خلقِ اللهِ؛ لأن ذلك قامَ بالحقِّ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"علم\".","vol":"17","page":88},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6227>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا السديُّ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾. قال: اللَّهُ (^١).\nقال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾. قال: الحقُّ هو اللَّهُ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾. قال: الحقُّ اللَّهُ (^٢)\nوقولُه: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ \"الذكرِ\" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو بيانُ الحقِّ لهم بما أُنزِل على رجلٍ منهم من هذا القرآنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6228>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾. يقولُ: بيَّنا لهم (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: بل أتيناهم بشَرَفِهم؛ وذلك أن هذا القرآنَ كان\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣ إلى المصنف وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ينظر تفسير البغوي ٥/ ٤٢٤، وتفسير القرطبي ١٢/ ١٤٠.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"17","page":89},{"text":"شَرَفًا لهم؛ لأنه نزَل على رجلٍ منهم فأعرَضُوا عنه وكفَروا به. وقالوا: ذلك نظيرُ قولِه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤].\nوهذان القولانِ متقارِبا المعنى؛ وذلك أن الله جلَّ ثناؤُه أنزلَ هذا القرآنَ بيانًا بين فيه ما لخلقه إليه الحاجةُ من أمر دينِهم، وهو مع ذلك ذِكْرٌ لرسولِ اللهِ وقومِه وشَرَفٌ لهم.\n\n<span id=\"aya-2745\"></span><span data-type='title' id=toc-6230>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: أم تسألُ هؤلاء المشركين يا محمدُ من قومِكَ (خراجًا) (^١). يعنى: أجْرًا على ما جئتهم به من عندِ اللهِ من النصيحةِ والحقِّ، ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. يقولُ: فأجرُ ربِّكَ على نفاذِكَ لأمرِه، وابتغاءِ مرضاتِه خيرٌ لك من ذلك. ولم يسألْهم ﷺ على ما أتاهم به من عندِ اللهِ أجرًا، قال لهم كما قال اللهُ له، وأمَره بقيلِه لهم: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]. وإنما معنى الكلامِ: أم تسألُهم على ما جئتَهم به أجرًا، فيَنكُصُوا على أعقابِهم إذا تَلَوْتَه عليهم مُستكبرين بالحَرَمِ، فخراجُ ربِّكَ خيرٌ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6229>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. قال: أجرًا.\n_________\n(^١) كذا في النسخ، وهى قراءة حمزة والكسائي، وقرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر (خَرْجًا). ينظر حجة القراءات ص ٤٨٩، ٤٩٠.","vol":"17","page":90},{"text":"حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحسنِ مثلَه (^١).\nوأصلُ الخراجِ والخَرْجِ مصدرانِ لا يُجْمعان.\nوقولُه: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. يقولُ: واللَّهُ خيرُ مَن أعطَى عِوَضًا على عَمَلٍ، ورزقَ رِزْقًا.\n\n<span id=\"aya-2746\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإنك يا محمدُ لتدْعو هؤلاءِ المشركين من قومِك إلى دينِ الإسلامِ، وهو الطريقُ القاصدُ، والصراطُ المستقيمُ الذي لا اعوجاجَ فيه.\n\n<span id=\"aya-2747\"></span><span data-type='title' id=toc-6232>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: والذين لا يُصدِّقونَ بالبعثِ بعدَ المماتِ، وقيامِ الساعةِ، ومجازاةِ اللَّهِ عبادَه في الدارِ الآخِرةِ، ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾. يقولُ: عن مَحَجَّةِ الحقَّ، وقصدِ السبيلِ، وذلك دينُ اللَّهِ الذي ارْتضاه لعبادِه، لعادِلون. يُقالُ منه: قد نكَب فلانٌ عن كذا، إذا عدَل عنه، ونَكَّب عنه، أي: عَدَل عنه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6231>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاء الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾. قال: لعادِلون.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"17","page":91},{"text":"حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾. يقولُ: عن الحقِّ عادِلون (^١).\n\n<span id=\"aya-2748\"></span>وقولُه: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾. يقولُ تعالى: ولو رحِمْنا هؤلاءِ الذين لا يؤمنون بالآخرةِ، ورفعنا عنهم ما بهم من القَحْطِ والجَدَبِ، وضُرِّ الجوعِ والهزالِ، ﴿لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ﴾. يعنى: في عُتُوِّهم، وجرأتِهم على ربِّهم، ﴿يَعْمَهُونَ﴾. يعنى: يتردَّدون.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾. قال: الجوعُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2749\"></span><span data-type='title' id=toc-6233>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالَى ذِكرُه: ولقد أخَذْنا هؤلاء المشركين بعذابِنا، وأنزَلْنا بهم بأسَنا وسَخَطَنا، وضيَّقْنا عليهم معايشَهم، وأجدَبْنا بلادَهم، وقتلْنا سراتَهم بالسيفِ، ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾. يقولُ: فما خَضَعوا لربِّهم، فينقادوا لأمرِه ونهيهِ، ويُنيبُوا إلى طاعتِه، ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾. يقولُ: وما يَتذلَّلون له.\nوذُكِر أنَّ هذه الآيةَ نزَلَتْ على رسولِ اللهِ ﷺ حينَ أخذ اللهُ قريشًا بِسِنى الجدبِ، إذ دعَا عليهم رسولُ اللهِ ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٣١ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣ إلى المصنف.","vol":"17","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6234>ذكرُ الخبرِ بذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن الحسينِ (^١)، عن يزيد، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: جاء أبو سفيانَ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا محمدُ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ والرحِمَ، فقد أكلْنا العِلْهِزَ (^٢)، يعنى الوبرَ والدمَ. فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمنِ، عن عِلباءَ بن أحمرَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أن ابنَ أُثالٍ الحنفيِّ لما أتَى النبيَّ ﷺ وهو أسيرٌ، فخَلَّى سبيلَه، فلَحِقَ بمكةَ، فحالَ بينَ أهلِ مكةَ وبينَ الميرةِ (^٤) من اليمامةِ، حتى أكلَتْ قريشٌ العِلْهِزَ، فجاء أبو سفيانَ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: أليسَ تزعُمُ أَنكَ بُعِثتَ رحمةً للعالمين؟ فقال: \"بَلى\". فقال: قد قتلْتَ الآباءَ بالسيفِ، والأبناءَ بالجوعِ. فأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ الآية (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: أخبرنا عمرٌو، قال: قال الحسنُ: إذا أصابَ الناسَ من قبلِ السلطانِ (^٦) بلاءٌ، فإنما هي نِقْمةٌ، فلا تستقبِلُوا\n_________\n(^١) في النسخ: \"الحسن\". وتقدم مرارا.\n(^٢) العلهز: شيء يتخذونه في سنى المجاعة يخلطون الدم بأوبار الإبل، ثم يشوونه بالنار ويأكلونه. النهاية ٣/ ٢٩٣.\n(^٣) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٣٥٢)، وابن حبان (٩٦٧)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٤٨٠، والطبراني (١٢٠٣٨)، والواحدى في أسباب النزول ص ٢٣٥، والحاكم ٢/ ٣٩٤، من طريق الحسين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣ إلى ابن مردويه.\n(^٤) الميرة: جلب الطعام. اللسان (م ى ر).\n(^٥) أخرجه البيهقى في الدلائل ٤/ ٨١ من طريق ابن حميد، وأخرجه أبو نعيم في المعرفة (١٣٩٢) من طريق يحيى بن واضح به.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ف: \"الشيطان\".","vol":"17","page":93},{"text":"نقمة الله بالحَمِيَّةِ، ولكن استقبِلوها بالاستغفارِ، وتضرَّعوا إلى اللهِ، وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾. قال: الجوعُ والجدبُ، ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾. فصبَروا وما استكانُوا لربِّهم، ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2750\"></span><span data-type='title' id=toc-6236>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)﴾.</span>\nاختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: حتى إذا فتَحْنا عليهم بابَ القتالِ، فقُتِلوا يومَ بدرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6235>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾: قد مضَى، كان يومَ بدرٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن (^٤) المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿حَتَّى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤ إلى المصنف.\n(^٢) تقدم مختصرًا في ص ٩٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن مردويه.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ف: \"أبو\".","vol":"17","page":94},{"text":"إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. قال: يومَ بدرٍ (^١).\nوقال آخرون: معناه: حتى إذا فتَحْنا عليهم بابَ المجاعةِ والضرِّ، وهو البابُ ذو العذابِ الشديدِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6237>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. قال: لكفارِ قريشٍ الجوعُ، وما قبلَها من القصةِ لهم أيضًا (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: وما قبلها أيضًا.\nوهذا القولُ الذي قالَه مجاهدٌ أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لصحةِ الخبرِ الذي ذكَرْناه قبلُ عن ابن عباسٍ، أن هذه الآيةَ نَزَلَتْ على رسولِ اللهِ ﷺ في قصةِ المجاعةِ التي أصابَتْ قريشًا بدعاءِ رسولِ اللهِ ﷺ، وأمر ثمامةَ بن أُثالٍ، وذلك لا شكَّ أنه كان بعدَ وقعةِ بدرٍ.\nوقولُه: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. يقولُ: إذا هؤلاء المشركون فيما فتحْنا عليهم من العذابِ حَزْنَى، نادِمون على ما سلَف منهم في تكذيبِهم بآياتِ اللهِ، في حين لا ينفعُهم الندمُ والحزنُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير مجاهد ٤٨٧.","vol":"17","page":95},{"text":"<span id=\"aya-2751\"></span><span data-type='title' id=toc-6238>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي أحدَث لكم أيُّها المكذِّبون بالبعثِ بعدَ المماتِ، السمعَ الذي تسمَعون بهِ، والأبصارَ التي تُبصِرون بها، والأفئدةَ التي تفقهُون بها، فكيف يتعذَّرُ على من أنشَأ ذلك ابتداءً إعادتُه بعدَ عدَمِه وفقْدِه، وهو الذي يوجِدُ ذلك كلَّه إذا شاء، ويُفنيه إذا أراد ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: تشكُرون أَيُّهَا المكذِّبون خبرَ اللهِ من إعطائكم السمعَ والأبصارَ والأفئدةَ، قليلًا.\n\n<span id=\"aya-2752\"></span><span data-type='title' id=toc-6239>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالَى ذكرُه: واللهُ الذي خلَقكم في الأرضِ، وإليه تُحشَرُون من بعدِ مماتِكم، يومَ (^١) تُبعثون من قبورِكم إلى موقفِ الحسابِ.\n\n<span id=\"aya-2753\"></span><span data-type='title' id=toc-6240>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي يُحيى خلقَه. يقولُ: يجعَلُهم أحياءً بعدَ أن كانوا نُطَفًا أمواتًا، بنفخِ الروحِ فيها بعدَ التاراتِ التي تأتي عليها. ﴿وَيُمِيتُ﴾. يقولُ: ويُميتُهم بعد أن أحياهم، ﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. يقولُ: وهو الذي جعَل الليلَ والنهارَ مختلفين. كما يُقالُ في الكلامِ: لك المنُّ والفضلُ. بمعنى: إنك تَمُنُّ وتُفْضِلُ.\nوقولُه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. يقول: أفلا تعقِلون أيُّها الناسُ أن الذي فعَل هذه\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"ثم\".","vol":"17","page":96},{"text":"الأفعالَ ابتداءً من غيرِ أصلٍ، لا يمتنِعُ عليه إحياءُ الأمواتِ بعدَ فنائهم، وإنشاءُ ما شاءَ وإعدامُه بعدَ إنشائِه.\n\n<span id=\"aya-2754\"></span><span data-type='title' id=toc-6241>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ما اعتَبرَ هؤلاء المشركون بآياتِ اللهِ، ولا تَدَبَّروا ما احتجَّ عليهم من الحججِ والدلالةِ على قدرتِه، على فعلِ كلِّ ما شاء، ولكنْ قالوا مثلَ ما قال أسلافُهم، من الأممِ المكذِّبةِ رسلَها قبلَهم.\n\n<span id=\"aya-2755\"></span>﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾. يقولُ: أئذا مِتنا، وعُدْنا ترابًا، قد بَليت أجسامُنا، وبرِأت عظامُنا من لحومِنا، ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. يقولُ: إِنَّا لمبعوثونَ من قبورِنا أحياءً، كهيئتِنا قبلَ المماتِ! إِنَّ هذا لشيءٌ غيرُ كائنٍ.\n\n<span id=\"aya-2756\"></span><span data-type='title' id=toc-6242>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قالوا: لقد وُعِدنا هذا الوعدَ الذي تعِدُنا يا محمدُ، ووعَد آباءَنا من قبلِنا قومٌ ذكَروا أنهم للهِ رسلٌ من قبلِك (^١)، فلم نرَه حقيقةً، ﴿إِنْ هَذَا﴾. يقولُ: ما هذا الذي تعِدُنا من البعثِ بعدَ المماتِ، ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: ما سطَّره الأوّلون في كتبِهم؛ من الأحاديثِ والأخبارِ التي لا صحةَ لها ولا حقيقةَ.\n\n<span id=\"aya-2757\"></span><span data-type='title' id=toc-6243>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"زعموا\".","vol":"17","page":97},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّهِ محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المكذّبين بالآخرةِ من قومِك: لمن مُلكُ الأرضِ ومَن فيها من الخلْقِ، إن كنتم تَعْلَمون مَنْ مالكُها؟. ثم أعلَمَه أنهم سيُقرّون بأنها لله ملكًا، دون سائرِ الأشياءِ غيرِه.\n\n<span id=\"aya-2758\"></span>﴿قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: فقلْ لهم إذا أجابوكَ بذلك كذلك: أفلا تذكَّرون فتعلَموا (^١) أنَّ مَن قدَر على خلْقٍ ذلك ابتداءً، فهو قادرٌ على إحيائِهم بعدَ مماتِهم، وإعادتِهم خلْقًا سويًّا بعدَ فنائِهم.\n\n<span id=\"aya-2759\"></span><span data-type='title' id=toc-6244>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره لنبيِّهِ محمدٍ ﷺ: قلْ لهم يا محمدُ: من ربُّ السماواتِ السبعِ، وربُّ العرشِ المحيطِ بذلك؟ سيقولون: ذلك كلُّه للهِ، وهو ربُّه (^٢). فقلْ لهم: أفلا تتقونَ عقابه على كفرِكم به، وتكذيبِكم خبرَه وخبرَ رسولِه؟\n\n<span id=\"aya-2760\"></span>وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ والشامِ: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾. سوى أبي عمرٍو، فإنه خالَفهم؛ فقرأه: (سَيَقُولُونَ اللهُ) (^٣). في هذا الموضعِ، وفي الآخرِ الذي بعدَه؛ اتَّباعًا لخطِّ المصحفِ، فإنّ ذلك كذلك في مصاحفِ الأمصارِ، إلَّا في مصحفِ أهلِ البصرةِ، فإنه في الموضعينِ بالألفِ (^٤)، فقرءوا بالألفِ كلَّها؛ اتباعًا لخطِّ مصحفِهم. فأما الذين قَرءوه بالألفِ فلا مُؤْنةَ في قراءتِهم ذلك كذلك؛ لأنهم أجرَوا (^٥) الجوابَ على الابتداءِ، وردّوا مرفوعًا على مرفوعٍ؛ وذلك أن معنى الكلامِ\n_________\n(^١) في م: \"فتعلمون\".\n(^٢) في ت ٢: \"رب\".\n(^٣) ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤٤٧.\n(^٤) المصاحف لابن أبي داود ص ٤٠.\n(^٥) في ص، ت ٢، ف: \"أخروا\".","vol":"17","page":98},{"text":"على قراءتِهم: قلْ من ربُّ السماواتِ السبعِ وربُّ العرشِ العظيمِ؟ سيقولون: ربُّ ذلك اللهُ. فلا مؤنةَ في قراءةِ ذلك كذلك. وأمَّا الذين قَرءوا ذلك في هذا وفى الذي يليهِ بغيرِ ألفٍ، فإنَّهم قالوا: معنى قولِه: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾: لمن السماواتُ (^١)، لمن مُلكُ ذلك؟ فجعَلَ الجوابَ على المعنى، فقيل: (اللهُ). لأن المسألةَ عن مُلكِ ذلك لمن هو. قالوا: وذلك نظيرُ قولِ قائلٍ لرجلٍ: من مولاك؟ فيجيبُ المجيبُ عن معنى ما سُئل (^٢)، فيقولُ: أنا لفلانٍ. لأنَّه مفهومٌ بذلك من الجوابِ ما هو مفهومٌ بقولِه: مولاى فلانٌ. وكان بعضُهم يَذكُرُ أَنَّ بعضَ بني عامرٍ أنشَده (^٣):\nوأَعْلَمُ أَنَّنِي سأكُونُ رَمْسًا … إذَا سارَ النَّوَاعِجُ (^٤) لا يَسِيرُ\nفقال السَّائِلُونَ (^٥) لِمَنْ حَفَرْتُمْ … فقال المُخْبِرُونَ لَهُمْ وَزِيرُ\nفأجابَ المخفوضَ بمرفوعٍ؛ لأنَّ معْنى الكلامِ: فقال السائلونَ: من الميتُ؟ فقال المخبرون: الميتُ وزيرٌ. فأجابوا عن المعنى دون اللفظِ.\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك أنهما قراءتانِ، قد قرَأَ بهما علماءُ من القرأةِ، متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أني مع ذلك أختارُ قراءةَ جميعِ ذلك بغيرِ ألفٍ؛ لاجتماعِ خطوطِ مصاحفِ الأمصارِ على ذلك، سوى خطِّ مصحفِ أهل البصرةِ.\n\n<span id=\"aya-2761\"></span><span data-type='title' id=toc-6245>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ</span>\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"والأرض\".\n(^٢) في ص، ف: \"سأل\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ١/ ١٤٠.\n(^٤) في م: \"النواجع\". وينظر ما تقدم ١/ ١٤٠.\n(^٥) في ت ٢: \"السائرون\".","vol":"17","page":99},{"text":"يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّهِ محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ: من بيدِه خزائن كلِّ شيءٍ؟\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: خزائنُ كلِّ شيءٍ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، [عن ابن جريجٍ] (^٢)، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: خزائن كلِّ شيءٍ.\nوقولُه: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾. [يقولُ: وهو يجيرُ] (^٣) من أرادَ ممن قصَده بسوءٍ، ﴿وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: ولا أحدَ يمنعُ (^٤) مَن (^٥) أرادَه هو بسوءٍ، فيدفعَ عنه عذابَه وعقابَه، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ مَن ذلك صفتُه.\n\n<span id=\"aya-2762\"></span>فإنَّهم سيقولون: إن ملكوتَ كلِّ شيءٍ، والقدرةَ على الأشياءِ كلِّها للهِ. فقلْ لهم يا محمدُ: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾. يقولُ (^٦): فمن أيِّ وجهٍ تُصْرَفونَ عن التصديقِ بآياتِ اللهِ، والإقرارِ بأخبارِه وأخبارِ رسولِه، والإيمانِ بأنَّ الله القادرُ على كلِّ ما يشاءُ، وعلى بعثِكم أحياءً\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٨٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن أبي شيبة.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٤) في م، ص، ت ١، ف: \"يمتنع\".\n(^٥) في م: \"ممن \".\n(^٦) في النسخ: \"يقولون\". والمثبت هو الصواب.","vol":"17","page":100},{"text":"بعد مماتِكم، مع علمِكم بما تقولونَ من عظيمِ سلطانِه وقدرتِه.\nوكان ابن عباسٍ فيما ذُكِر عنه يقولُ في معنى قولِه: ﴿تُسْحَرُونَ﴾ ما حدَّثني به عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾. يقولُ: تكذِّبون (^١).\nوقد بيَّنتُ فيما مضَى \"السِّحْرَ\"، وأنَّه تخييلُ الشيءِ إلى الناظرِ أنَّه على خلافِ ما هو به من هيئتِه (^٢)، فذلك معنى قولِه: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾. إنما معناه: فمن أيِّ وجهٍ يُخَيَّلُ إليكم الكذبُ حقًّا، والفاسدُ صحيحًا، فتُصرَفونَ عن الإقرارِ بالحقِّ الذي يدعوكم إليه رسولُنا محمدٌ ﷺ؟\n\n<span id=\"aya-2763\"></span><span data-type='title' id=toc-6246>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾.</span>\nيقولُ: ما الأمرُ كما يزعُمُ هؤلاء المشركون باللهِ؛ من أَنَّ الملائكةَ بناتُ اللهِ، وأنَّ الآلهة والأصنامَ لهم إلهٌ (^٣) دونَ اللهِ، ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾: اليقينِ، وهو الدينُ الذي ابتعثَ اللهُ به نبيَّه ﷺ، وذلك الإسلام، ولا يُعْبَدُ شَيءٌ سوى اللهِ؛ لأنَّه لا إِلَهَ غيرُه، ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. يقولُ: وإنَّ المشركين لكاذبون فيما يُضيفون إلى اللهِ، ويَنْحُلُونه من الولدِ والشريكِ.\n\n<span id=\"aya-2764\"></span>وقولُه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما للهِ من ولدٍ، ولا كانَ معه في القديمِ، ولا حينَ ابتدَعَ الأشياءَ، [مَنْ تصلُحُ] (^٤) عبادتُه، ولو كانَ معه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٣١ - من طريق أبي صالح به.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٣٥٠ وما بعدها.\n(^٣) في م، ت ٢، ف: \"آلهة\".\n(^٤) في ت ٢: \"ممن يصلح\".","vol":"17","page":101},{"text":"في القديمِ، أو عندَ خلقِه الأشياءَ، مَنْ تصلُحُ عبادتُه، ﴿مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ﴾. يقولُ: إذن لاعتزل كلُّ إلهٍ منهم ﴿بِمَا خَلَقَ﴾ من شيءٍ، فانفرَد به، ولَتغالَبوا، فلعلَا بعضُهم على بعضٍ، وغلَب القويُّ منهم الضعيفَ؛ لأنَّ القويَّ لا يرضَى أن يعلُوَه ضعيفٌ، والضعيفُ لا يصلُحُ أنْ يكونَ إلهًا. فسبحانَ اللهِ ما أبلغَها من حجةٍ، وأوجزَها لمن عَقَل وتدبَّرَ!\nوقولُه: ﴿إِذًا لَذَهَبَ﴾. جوابٌ لمحذوفٍ، وهو: لو كان معه إلهٌ إذنْ لذهَبَ كلُّ إلهٍ بما خلَقَ. اجتُزِئ بدلالةِ ما ذُكر عليه عنه.\nوقولُه: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تنزيهًا للهِ عما يصفُه به هؤلاء المشركون من أنَّ له ولدًا، وعما قالوه من أنَّ له شريكًا، أو أنَّ معه في القِدَم إلها يُعبدُ، ﵎.\n\n<span id=\"aya-2765\"></span>وقولُه: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: هو عالمُ ما غابَ عن خلقِه من الأشياءِ، فلم يَرَوْه ولم يشاهدوه، [وما رأَوه] (^١) وشاهَدوه. وإنما هذا من اللهِ خبرٌ عن هؤلاء الذين قالوا من المشركين: اتَّخَذَ اللهُ ولدًا. وعبَدوا من دونه آلهةً، أنَّهم فيما يقولون ويفعلون مُبْطِلون مخطئون، فإنَّهم يقولون ما يقولون من قولٍ في ذلك عن غير علمٍ، بل عن جهلٍ منهم به، وإنَّ العالِمَ بقديمِ الأمورِ وبحديثِها، وشاهدِها وغائبِها عنهم، اللهُ الذي لا يخفى عليه شيءٌ، فخبرُه هو الحقُّ دونَ خبرِهم.\nوقال: (عالمُ الغَيْب). فرفع (عالمُ) على الابتداءِ، بمعنى: هو عالمُ الغيبِ. ولذلك دخَلتِ الفاءُ في قولِه: ﴿فَتَعَالَى﴾. كما يقالُ: مررتُ بأخيك المحسنُ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فرأوه\".","vol":"17","page":102},{"text":"فأحسَنتُ إليه. فترفعُ \"المحسنَ\" إذا جعَلتَ \"فأحسنتُ إليه\" بالفاءِ؛ لأنَّ معنى الكلامِ إذا كان كذلك: مررت بأخيك هو المحسنُ، فأحسنتُ إليه. ولو جُعِل الكلامُ بالواوِ فقيل: وأحسنتُ إليه. لم يكنْ وجهُ الكلامِ في \"الحسنِ\" إلا الخفضَ على النعتِ لـ \"لأخٍ\"، ولذلك لو جاء: ﴿فَتَعَالَى﴾ بالواو، كان وجهُ الكلامِ في ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ الخفضَ على الإتباعِ لإعرابِ اسمِ \"اللهِ\"، وكان يكونُ معنى الكلامِ: سبحانَ اللهِ عالِمِ الغيبِ والشهادةِ [وتعالى] (^١)! فيكونُ قولُه: \"وتعالى\". حينئذٍ معطوفًا على: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾.\nوقد يجوزُ الخفضُ مع الفاءِ؛ لأنَّ العربَ قد تبتدِئُ الكلامَ بالفاءِ، كابتدائِها بالواوِ. وبالخفضِ كان يقرأُ: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ في هذا الموضعِ أبو عمرٍو، وعلى خلافِه في ذلك قَرَأَةُ الأمصارِ (^٢).\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا الرفعُ؛ لمعنيين: أحدُهما: إجماعُ الحجةِ من القرأةِ عليه. والثاني: صحتُه في العربيةِ.\nوقولُه: ﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فارتفَع اللهُ وعلا عن شركِ هؤلاء المشركين، ووصفِهم إياه بما يصفون.\n\n<span id=\"aya-2766\"></span><span data-type='title' id=toc-6247>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ: ربِّ إِنْ تُرني (^٣) في هؤلاء\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"فتعالى\".\n(^٢) بالخفض قرأ ابن كثير وحفص وأبو عمرو وابن عامر، وبالرفع قرأ نافع وحمزة والكسائي وأبو بكر. حجة القراءات ص ٤٩١.\n(^٣) في م: \"تريني\".","vol":"17","page":103},{"text":"المشركين ما تعِدُهم من عذابِك، فلا تُهلِكْنى بما تهلكُهم به، ونجِّنى من عذابِك وسَخَطِك، فلا تجعَلْنى في القومِ المشركين، ولكن اجعلْنى ممن رَضِيتَ عنه من أوليائِك.\n\n<span id=\"aya-2767\"></span>وقولُه: ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي﴾. جوابٌ لقولِه: ﴿إِمَّا تُرِيَنِّي﴾. اعتُرِض بينهما بالنداءِ، ولو لم يكنْ قبلَه جزاءٌ لم يَجُزْ ذلك في الكلامِ، لا يقالُ: يا زيدُ فقمْ. ولا: يا ربِّ فاغفرْ لى. لأنَّ النداءَ مستأنَفٌ، وكذلك الأمرُ بعدَه مستأنفٌ، لا تدخلُه الفاءُ والواوُ، إلا أنْ يكون جوابًا لكلامٍ قبلَه.\n\n<span id=\"aya-2768\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإنا يا محمدُ على أنْ نريَك في هؤلاء المشركين ما نعِدُهم من تعجيلِ العذابِ لهم - لقادرون، فلا يَحْزُنَنَّك تكذيبُهم إياك بما نعِدُهم به، وإنما نؤخِّرُ ذلك ليبلُغَ الكتابُ أجلَه.\n\n<span id=\"aya-2769\"></span><span data-type='title' id=toc-6248>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه: ادفعْ يا محمدُ بالخَلَّةِ التي هي أحسنُ؛ وذلك الإغضاءُ والصفحُ عن جَهَلةِ المشركين، والصبرُ على أذاهم. وذلك أمرَه إياه قبلَ أمرِه بحربِهم.\nوعنَى بـ \"السيئة\": أذى المشركين إياه وتكذيبهم له فيما أتاهم به من عند عندِ اللهِ. يقولُ له تعالى ذِكْرُه: اصْبرْ على ما تَلقَى منهم في ذاتِ اللهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.","vol":"17","page":104},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6249>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾. قال: أعرِضْ عن أذاهم إياك (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن عبدِ الكريمِ الجَزَريِّ، عن مجاهدٍ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾. قال: هو السلامُ، تُسَلِّمُ عليه إِذا لَقِيتَه (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾. قال: واللهِ لا يصيبُها صاحبُها حتى يكظِمَ غيظًا، ويصفَحَ عما يكرهُ.\nوقولُه: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكْرُه: نحن أعلمُ بما يصِفون الله به وينحُلُونه من الأكاذيبِ والفريةِ عليه، وبما يقولون فيك من السوءِ، ونحن مجازوهم على جميعِ ذلك، فلا يحزُنْك ما تسمَعُ منهم من قبيحِ القول.\n\n<span id=\"aya-2770\"></span>وقولُه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه معمر في جامعه (٢٠٢٢٥)، وعنه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٨.","vol":"17","page":105},{"text":"محمدٍ ﷺ: وقل يا محمدُ ربِّ أستجيرُ بك من خَنْقِ الشياطينِ وهمزاتِها.\nوالهَمْزُ هو الغَمْرُ، ومن ذلك قيل للهمزِ في الكلامِ: هَمْزٌ (^١). والهَمَزَاتُ جمعُ هَمْزةٍ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6250>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾. قال: همزاتُ الشياطينِ: خَنْقُهم الناسَ، فذلك هَمَزَاتُهم.\n\n<span id=\"aya-2771\"></span>وقولُه: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾. يقولُ: وقلْ: أستجيرُ بك ربِّ أنْ يَحضُرون في أمورى كلِّها (^٢).\nكالذى حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبِ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾. في شيءٍ من أمرى (^٣).\n\n<span id=\"aya-2772\"></span><span data-type='title' id=toc-6251>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: حتى إذا جاء أحدَ هؤلاء المشركين الموتُ، وعايَن نُزولَ\n_________\n(^١) في م: \"همزة\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت، ف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"17","page":106},{"text":"أمرِ اللهِ به. قال لعظيمِ ما يعايِنُ مما يَقْدَمُ عليه من عذابِ اللهِ، تندُّمًا على ما فات، وتلهُّفًا على ما فرَّط فيه قبلَ ذلك من طاعةِ اللهِ، ومسألتِه للإقالةِ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ إلى الدنيا، فرُدّوني إليها.\n\n<span id=\"aya-2773\"></span>﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾. يقولُ: كي أعملَ صالحًا فيما ترَكتُ قبلَ اليومِ من العملِ فضَيَّعتُه وفرَّطتُ فيه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6252>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي مَعشرٍ، قال: كان محمدُ بنُ كعبٍ القُرَظيُّ يقرأُ علينا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾. قال محمدٌ: إلى أيِّ شيءٍ يريدُ؟ إلى أيِّ شيءٍ يرغبُ؟ أجمْعَ المالِ، أو غَرْسَ الغِراسِ، أو بَنْيَ بُنيانٍ، أو شقَّ أنهارٍ؟ ثم يقولُ: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾. يقولُ الجبارُ: ﴿كَلَّا﴾ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾. قال: هذه في الحياة، ألا ترَاه يقولُ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾. قال: حينَ تنقطعُ الدنيا ويعايِنُ الآخرةَ، قبلَ أنْ يذوقَ الموتَ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال النبيُّ ﷺ لعائشةَ: \"إِذَا عَايَنَ المُؤْمِنُ المَلائِكَةَ قَالُوا: نَرْجِعُكَ إلى الدُّنْيا؟ فَيَقُولُ: إلى دارِ الهُمُوم والأَحْزَانِ؟ فَيَقُولُ: بَل قُدمًا (^٢) إلى اللهِ. وأمَّا الكافِرُ فيُقَالُ له: ترْجِعُكَ؟ فَيَقُولُ: ﴿ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٨٧ مختصرًا.\n(^٢) في م: \"قدماني\".","vol":"17","page":107},{"text":"تَرَكْتُ﴾ \" (^١) الآية.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾. يعنى أهلَ الشركِ (^٢).\nوقيل: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾. فابتدَأ الكلامَ بخطابِ اللهِ تعالى ذِكرُه، ثم قيل: ﴿ارْجِعُونِ﴾. فصار إلى خطابِ الجماعةِ، واللهُ تعالى ذِكرُه واحدٌ. وإنما فعَل ذلك كذلك لأنَّ مسألةَ القومِ الردَّ إلى الدنيا، إنما كانت منهم للملائكةِ الذين يَقبضون رُوحَهم (^٣)، كما ذكَر ابن جُرَيجٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قاله. وإنما ابتُدِئ الكلامُ بخطابِ اللهِ جلَّ ثناؤه لأنهم استغاثوا به، ثم رجَعوا إلى مسألةِ الملائكةِ الرجوعَ، والردَّ إلى الدنيا.\nوكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ (^٤) يقولُ: قيل ذلك كذلك؛ لأنه مما جرَى على وصْفِ اللهِ به نفسَه من قولِه: ﴿خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] في غيرِ مكانٍ من القرآنِ، فجرَى هذا على ذاك. وقولُه: ﴿كَلَّا﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ليس الأمرُ على ما قال هذا المشركُ، لن يَرْجِعَ إلى الدنيا، ولن يُعادَ إليها، ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾. يقولُ: هذه الكلمةُ، وهو قولُه: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾. ﴿كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾. يقولُ: هذا المشركُ هو قائلُها.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) ينظر تفسير القرطبي ١٢/ ١٤٩.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت، ف: \"روحه\".\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٤١، ٢٤٢.","vol":"17","page":108},{"text":"﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾. لا بُدَّ له أنْ يقولَها (^١).\n﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾. يقولُ: ومن أمامِهم حاجرٌ يحجُرُ بينَهم وبينَ الرجوعِ. يعنى: إلى يوم يُبْعَثون من قبورِهم، وذلك يوم القيامةِ.\nوالبرزخُ والحاجزُ والمُهْلةُ متقارباتُ المعنى.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6253>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. يقولُ: أجلٌ إلى حينٍ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾. قال: ما بعد الموت (^٢)\nحدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة، قال: ثنا أبو حَيْوة شريحُ بن يزيدَ، قال: ثنا أرطاةُ، عن أبي الحجاجِ (^٣) يوسفَ، قال: خرجتُ مع أبي أمامةَ في جِنازةٍ، فلما وُضِعت في لَحْدِها، قال أبو أمامةَ: هذا برزخٌ إلى يوم يُبعثون (^٤).\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٤٨٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٣، ف. وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٣١٢.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وسمويه في فوائده.","vol":"17","page":109},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا فطرٌ (^١)، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. قال: ما بينَ الموتِ إلى البعثِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. قال: حجازٌ (^٣) بينَ الميتِ والرجوعِ إلى الدنيا (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. قال: برزخٌ بقيةَ الدنيا.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^٥).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. قال: البرزخُ ما بين الموتِ إلى البعثِ (^٦).\n_________\n(^١) في النسخ: \"مطر\".\n(^٢) أخرجه هناد في الزهد (٣١٤)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٩٠ من طريق فطر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م، ت ١، ف: \"حجاب\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٨٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٨ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) ينظر التبيان ٧/ ٣٤٨.","vol":"17","page":110},{"text":"حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ: البرزخُ ما بينَ الدنيا والآخرةِ (^١).\n\n<span id=\"aya-2774\"></span>القولُ في تأويلِ في قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾.\nاختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ من النفختين، أيَّتُهما عُنِىَ بها؛ فقال بعضُهم: عُنِىَ بها النفخةُ الأولى.\n\n<span data-type='title' id=toc-6254>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامُ بنُ سَلْمٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن (^٢) مُطَرِّفٍ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، أن رجلًا أتى ابنَ عباسٍ، فقال: سمِعتُ الله يقولُ: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ الآية. وقال في آيةٍ أخرى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]. فقال: أما قولُه: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. فذلك في النفخةِ الأُولى، فلا يَبْقى على الأرض شيءٌ، ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. وأما قولُه: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾. فإنهم لما دخلُوا الجنةَ أقبَلَ بعضُهم على بعضٍ يتساءلون (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ في قولِه:\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٤٢٨.\n(^٢) في النسخ: \"بن\". وتقدم على الصواب في ٧/ ٤٢، وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٢٠٣، ٢٨/ ٦٢.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\nوالأثر أخرجه الحاكم ٢/ ٣٩٤ من طريق حكام بن سلم به. وينظر بقية تخريجه في ٧/ ٤٢، ٤٣.","vol":"17","page":111},{"text":"﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. قال: في النفخةِ الأولى (^١).\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. فذلك حينَ يُنفخُ في الصورِ، فلا حيَّ يبقى إلا اللهُ، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾. فذلك إذا بُعثوا في النفخةِ الثانيةِ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: فمعنى ذلك على هذا التأويلِ: فإِذا نُفِخ في الصورِ فَصَعِقَ مَن في السماواتِ ومَن في الأرضِ إلا مَن شاء اللهُ، فلا أنسابَ بينَهم يومئذٍ يتواصلُون بها، ولا يتساءلُون، ولا يتزاورُون، فيتساءلُون عن أحوالِهم وأنسابِهم.\nوقال آخرون: بل عُنِىَ بذلك النفخةُ الثانيةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6255>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن هارونَ بن أبي وكيعٍ، قال: سمِعتُ زاذانَ يقولُ: أَتيتُ ابنَ مسعودٍ، وقد اجتمَع الناسُ إليه في دارِه، فلم أقدِرْ على مَجلسٍ، فقلتُ: يا أبا عبدِ الرحمنِ، من أجلِ أنى رجلٌ من العجمِ تَحْقِرُني؟ قال: ادْنُ. قال: فدنوتُ، فلم يكنْ بينى وبينه جليسٌ، فقال: يؤخذُ بيدِ العبدِ أو الأَمةِ يومَ القيامةِ على رءوسِ الأوّلين والآخرين. قال: وينادِى منادٍ: ألا إنَّ هذا فلانُ بنُ فلانٍ، فمن كان له حقٌّ قِبله فليأتِ إلى حقِّه. قال: فتفرحُ المرأةُ يومئذٍ\n_________\n(^١) أخرجه ابن المقرئ في معجمه (٧١٠) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"17","page":112},{"text":"أن يذوبَ (^١) لها حقٌّ على ابنِها، أو على أبيها، أو على أخِيها، أو على زوجِها، ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن هارونَ بن عنترةَ، عن زاذانَ، قال: سمِعتُ ابنَ مسعودٍ يقولُ: يؤخذُ العبدُ أو الأمةُ يومَ القيامةِ فيُنَصبُ على رءوسِ الأوّلين والآخرين، ثم ينادِى منادٍ. ثم ذكر نحوَه، وزاد فيه: فيقولُ الربُّ ﵎ للعبدِ: أَعطِ هؤلاء حقوقَهم. فيقولُ: أي ربِّ، فَنِيتِ الدنيا، فمن أينَ أُعطيهم؟ فيقولُ للملائكةِ: خذُوا من أعمالِه الصالحةِ، فأعطُوا كلَّ (^٢) إنسانٍ بقدرِ طَلِبَتِه. فإنْ كان له فضلُ مثقالِ حبةٍ من خردلٍ، ضاعَفَها اللهُ له حتى يُدخلَه بها الجنةَ. ثم تلا ابن مسعودٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. وإن كان عبدًا شقيًّا قالت الملائكةُ: ربَّنا، فنِيتْ حسناتُه، وبقِى طالبون كثيرٌ. فيقولُ: خُذوا من أعمالِهم السيئةِ، فأَضيفوها إلى سيئاتِه، وصُكُّوا له صَكًّا إلى النارِ (^٣).\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. قال: لا يُسألُ أَحدٌ يومَئِذٍ بنسبٍ شيئًا، ولا يتساءلون، ولا يَمُتُّ إليه برحمٍ (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"يكون\". ويذوب أي: يجب. النهاية ٢/ ١٧١.\n(^٢) في م، ت ١، ف: \"لكل\".\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٠١، ٢٠٢ من طريق عيسى بن يونس به، وأخرجه الحسين المروزى في زوائده على زهد ابن المبارك (١٤١٦) - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٨/ ٢٨٥ - عن عيسى بن يونس عن هارون بن عنترة عن عبد الله بن السائب عن زاذان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥ إلى المصنف عن ابن جريجٍ، وينظر فتح البارى ٨/ ٥٥٨.","vol":"17","page":113},{"text":"حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى محمدُ بنُ كثيرٍ، عن جعفرِ (^١) بن المغيرةِ، عن قتادةَ، قال: ليس شيءٌ أبغضَ إلى الإنسانِ يومَ القيامةِ من أن يَرَى مَن يَعرِفُه (^٢)؛ مخافةَ أن يذوبَ له عليه شيءٌ. ثم قرَأ: هو ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (^٣) [عبس: ٣٤ - ٣٧].\nقال: ثنا الحسينُ (^٤)، قال: ثنا الحكمُ بنُ سنانٍ، عن سَدُوسٍ صاحبِ السابريِّ (^٥)، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إِذا دَخَلَ أَهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النارَ، نادَى مُنادٍ مِنْ تحتِ (^٦) العَرْشِ: يا أَهْلَ التَّظالِمِ تَتَارَكُوا (^٧) مظالِمَكم، وادْخُلُوا الجَنَّةَ\" (^٨).\n\n<span id=\"aya-2775\"></span><span data-type='title' id=toc-6256>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾: موازينُ حسناتِه، وخفَّتْ موازينُ سيئاتِه، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، يعني: الخالدون في جناتِ النعيمِ.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ف: \"حفص\". ولعله جعفر بن أبى المغيرة، الراوى عن سعيد. جبيرٍ، والله أعلم. ينظر تهذيب الكمال ٥/ ١١٢، ١١٣.\n(^٢) في م: \"يعافه\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥ إلى المصنف.\n(^٤) في النسخ: \"الحسن\".\n(^٥) في م: \"السائرى\". وينظر الأنساب ٣/ ١٩٤.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ف: \"أهل\".\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"تداركوا\".\n(^٨) أخرجه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله (١١٦)، والطبرانى في الأوسط (٥١٤٤)، والخطيب في الموضح ١/ ١٩٨ من طريق الحكم بن سنان به.","vol":"17","page":114},{"text":"<span id=\"aya-2776\"></span>[﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾. يقولُ] (^١): ومن خفَّتْ موازينُ حسناتِه، فرجَحَتْ بها موازينُ سيئاتِه، ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. يقولُ: غَبَنوا أنفسَهم حظوظَها من رحمةِ اللهِ، ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾. يقولُ: هم في نارِ جهنمَ.\n\n<span id=\"aya-2777\"></span>وقولُه: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾. يقولُ: تَسْفَعُ وجوهَهم النارُ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾. قال: تَنفَحُ (^٢).\n﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ والكُلوحُ: أن تتقلَّصَ الشفتانِ عن الأسنانِ حتى تبدوَ الأسنانُ، كما قال الأعشى (^٣):\nوله المُقْدَمُ لا مِثْلَ له … ساعَةَ الشَّدْقِ عَنِ النَّابِ كَلَحْ\nفتأويلُ الكلامِ: يَسْفَعُ (^٤) وجوهَهم لهبُ النارِ، فيُحْرِقُها، وهم فيها متقلِّصو الشفاهِ عن الأسنانِ، من إحراقِ النارِ وجوهَهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6257>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦ إلى المصنف.\n(^٣) ديوانه ص ٢٤١، والشطر الأول فيه:\n*وله المقدم في الحرب إذ\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ف: \"تسفح\".","vol":"17","page":115},{"text":"في قولِه: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾. يقولُ: عابسون (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾. قال: ألم ترَ إلى الرأسِ المَشِيطِ قد بدتْ أسنانُه، وقَلَصت شفتاه (^٢)؟\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ، قرَأ هذه الآيةَ: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ الآية. قال: ألم تَروْا إلى الرأسِ المَشِيطِ بالنارِ وقد قَلَصتْ شفتاه، وبدَتْ أسنانُه (^٣)؟\nحدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾. قال: ألم ترَوْا إلى الغنمِ إذا مستِ النارُ وجوهَها كيف هي؟\n\n<span id=\"aya-2778\"></span><span data-type='title' id=toc-6258>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يقالُ لهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. يعني: آياتُ القرآنِ تُتْلى عليكم في الدنيا، ﴿فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. وتَرَك ذكرَ \"يقالُ\" لدلالةِ الكلامِ عليه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٦٣ والإتقان ٢/ ٣١ من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٢١٨، ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٨، وابن أبي شيبة ١٣/ ١٧٤، ١٧٥، وهناد في الزهد (٣٠٤)، وأخرجه الطبراني (٩١٢١) من طريق أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦ إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه هناد في الزهد (٣٠٣)، والحاكم ٢/ ٣٩٥ من طريق إسرائيل به بنحوه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.","vol":"17","page":116},{"text":"<span id=\"aya-2779\"></span>﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ، وبعضُ أهلُ الكوفةِ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ بكسرِ الشينِ، وبغيرِ ألفٍ (^١). وقرأته عامة قرأة أهلُ الكوفةِ: (شَقاوَتُنا) بفتحِ الشينِ والألفِ (^٢).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، وقرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.\nوتأويلُ الكلامِ: قالوا: ربَّنا غلَب (^٣) علينا ما سبَق لنا في سابقِ علمِك وخُطَّ لنا في أمِّ الكتابِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6259>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ عن القاسمُ بنُ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. قال: التي كُتبتْ علينا.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، [قال: ثنا الحسنُ] (^٤)، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. التي كُتبتْ علينا (^٥).\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرٍو وابن عامر وعاصم. السبعة لابن مجاهد.\n(^٢) هي قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"غلبت\".\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٨٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٠٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور =","vol":"17","page":117},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n[وقال: قال ابن جريجٍ] (^١): بلغنا أنَّ أهلُ النارِ نادوا خَزَنَةَ جهنم: أن ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩]. فلم يجيبوهم ما شاء اللهُ، فلما أجابوهم بعد حينٍ، قالوا: ﴿فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠]. قال: ثم نادَوْا مالكًا: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. فسكَت عنهم مالكٌ خازنُ جهنمَ أربعين سنةً، ثم أجابهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. ثم نادى الأشقياءُ ربَّهم، فقالوا: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾. فسكَت عنهم مثلَ (^٢) مقدارِ الدنيا، ثم أجابهم بعد ذلك ﵎: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (^٣).\nقال: حدَّثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، قال: ينادِى أهلُ النارِ: يا أهلَ الجنةِ. فلا يجيبونهم ما شاء اللهُ، ثم يقالُ: أجيبوهم. وقد قُطِع الرَّحِمُ والرحمةُ، فيقولُ أهلُ الجنةِ: يا أهلَ النارِ، عليكم غضبُ اللهِ، يا أهلَ النارِ، عليكم لعنةُ اللهِ، يا أهلَ النارِ، لا لَبَّيْكم ولا سَعْدَيْكم، ماذا تقولون؟ فيقولون: ألم نكُ في الدنيا آباءَكم وأبناءَكم وإخوانَكم وعشيرتَكم؟ فيقولون: بلى. فيقولون: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. قالوا: هو ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (^٤) [الأعراف: ٥٠].\n_________\n= ٥/ ١٦ إلى عبد بن حميد.\n(^١) في ت ٢: \"وحدثنا ابن جريج قال\".\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه الحسين بن داود سنيد - في تفسيره - كما في التخويف من النار لابن رجب ص ٢١٨.","vol":"17","page":118},{"text":"قال: حدَّثني حجاجٌ، عن أبي معشرٍ، عن محمدُ بن كعبٍ القُرَظيِّ، قال: وحدَّثنى عَبْدةُ المَرْوَزِيُّ، عن عبدِ اللهِ بن المباركِ، عن عمرَ (^١) بن أبي ليلى، قال: سمِعتُ محمدُ بنُ كعبٍ، زاد أحدُهما على صاحبِه: قال محمدُ بنُ كعبٍ: بلَغني، أو ذُكر لى، أنَّ أهلَ النارِ استغاثُوا بالخَزَنَةِ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾. فردُّوا عليهم ما قال اللهُ: فلما أيِسُوا نادَوْا: يا مالكُ. وهو عليهم، وله مجلسٌ في وَسَطِها، وجسورٌ تمرُّ عليه (^٢) ملائكةُ العذابِ، فهو يَرى أقصاها كما يَرى أدناها، فقالوا: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. سألوا الموتَ، فمكَث لا يجيبُهم ثمانين ألفَ سنةٍ (^٣) من سِنِى الآخرةِ، أو كما قال، ثم لحَظ (^٤) إليهم (^٥)، فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾. فلما سمِعوا ذلك قالوا: فاصبِرُوا، فلعلَّ الصبرَ ينفعُنا كما صبر أهلُ الدنيا على طاعةِ اللهِ. قال: فصَبَروا، فطالَ صبرُهم، فنادَوْا: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١]: أي: مَنْجًى. فقام إبليسُ عندَ ذلك فخطَبهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. فلما سمِعوا مقالَتَه (^٦)، مَقَتُوا أنفسَهم، قال: فنُودوا: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا﴾ الآية. [غافر: ١٠، ١١]. قال: فيجيبُهم اللهُ فيها: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ\n_________\n(^١) في النسخ: \"عمرو\"، والصواب ما أثبتنا، وينظر ما تقدم في ١٣/ ٧١٦.\n(^٢) في م، ت ١: \"عليها\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١.\n(^٤) في ص، ف: \"حط\"، بدون نقط، وفى ت ١، ت ٢، ت:٣: \"سخط\"، وفى م: \"انحط\". والمثبت من التذكرة للقرطبي (١٣٦٨).\n(^٥) في ت ١: \"عليهم\".\n(^٦) في م، ف: \"مقالتهم\".","vol":"17","page":119},{"text":"وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢]. قال: فيقولون: ما أَيِسْنا بعدُ. قال: ثم دعوا مرَّةً أُخرى، فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]. قال: فيقولُ الربُّ ﵎: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾. يقولُ الربُّ: لو شئتُ لهديتُ الناسَ جميعًا، فلم يخَتلِفْ منهم أحدٌ، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾. يقولُ: بما ترَكتم أنْ تعملُوا ليومِكم هذا، ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أي: تركناكم، ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٣، ١٤]. قال: فيقولون: ما أَيِسنا بعدُ. قال: فيَدْعُون مرةً أخرى: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾. فيقولُ (^١): ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [إبراهيم: ٤٤، ٤٥]. قال: فيقولون: ما أيِسنا بعدُ. [قال: فيدْعُون] (^٢) مرَّةً أخرى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾. قال: فيقولُ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ إلى ﴿نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧]. ثم مكَث عنهم ما شاء اللهُ، ثم ناداهم: هو ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. فلما سمِعوا ذلك قالوا: الآن يرحمُنا. فقالوا عندَ ذلك: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ أي: الكتابُ الذي كُتِبَ علينا، ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ الآية. فقال عند ذلك: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. قال: [ولا تتكلمونَ] (^٣) فيها أبدًا. فانْقَطَع عند ذلك الدعاءُ والرجاءُ\n_________\n(^١) في م: \"قال فيقال لهم\".\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"ثم قال\"، وفى م: \"ثم قالوا\".\n(^٣) في م: \"فلا يتكلمون\".","vol":"17","page":120},{"text":"منهم، وأقبَلَ بعضُهم ينبَحُ في وجهِ بعضٍ، فأُطْبِقَت عليهم (^١).\nقال عبدُ اللهِ بنُ المباركِ في حديثهِ: فحدَّثنى الأزهرُ بنُ أبى الأزهرِ أنه قال: فذلك قولُه: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦].\nحدَّثنا القاسمُ، قال: [ثنا الحسينُ] (^٢)، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ أنه قال: فوالذى أنزَل القرآنَ على محمدٍ، والتوراةَ على موسى، والإنجيلَ على عيسى، ما تكلَّم أهلُ النارِ كلمةً بعدها إلا الشهيقَ والزَّفيرَ (^٣) في الخلدِ أبدًا، ليس له نفادٌ. قال: ثني حجاجٌ، عن أبي معشرٍ قال: كنا في جِنازةٍ ومعنا أبو جعفرٍ [القارئُ، فجلَسنا، فتنَحَّى أبو جعفرٍ] (^٤)، فبكى، فقيل له: ما يُبكيك يا أبا جعفرٍ؟ قال: أخبَرنى زيدُ بنُ أسلمَ أنَّ أهلُ النارِ لا يتنفَّسُون (^٥).\nوقولُه: ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾. يقولُ: كنا قوما ضَلَلْنا عن سبيلِ الرشادِ، وقصدِ الحقِّ.\n\n<span id=\"aya-2780\"></span><span data-type='title' id=toc-6260>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)</span>\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور ٥/ ١٦ - ومن طريقه البيهقي في البعث (٦٦٠)، في الأسماء والصفات (٤٨٢)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (٢٥١) من طريق ابن المبارك، عن الحكم، عن عمر به، وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر. وينظر زوائد نعيم بن حماد (٣١٩)، والتذكرة للقرطبي (١٣٦٨).\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ص: \"الرقيق\"، وفى م، ت ١، ف: \"الزعيق\".\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (١٥٨) من طريق أبي معشر به، وذكره ابن رجب في التخويف النار ص ٩٢، وقال: خرجه الجوزجاني.","vol":"17","page":121},{"text":"قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل الذين خفَّت موازينُ صالحِ أعمالِهم يومَ القيامةِ في جهنَّمَ: ربَّنا أخرجْنا من النَّارِ، فإِنْ عُدْنا لما تكرهُ منَّا مِن عملٍ، فإنَّا ظالمونَ.\n\n<span id=\"aya-2781\"></span>وقولُه: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال الربُّ لهم جلَّ ثناؤه مجيبًا: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾. أي: اقعُدُوا في النارِ.\nيقالُ منه: خَسَأْتُ فلانًا أَخْسَؤُه خَسْئًا وخُسوءًا، وخَسَأَ (^١) هو يخسَأُ، وما كان خاسئًا، ولقد خسِئَ.\n﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. فعندَ ذلك أيس المساكينُ مِن الفرجِ، وقد كانوا طامعين فيه.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ بن كَهَيلٍ، قال: ثنى أبو الزَّعْراءِ، عن عبدِ اللهِ، في قصةٍ ذكَرها في الشفاعةِ، قال: فإذا أراد اللهُ ألَّا يُخْرِجَ منها - يعنى من النارِ - أحدًا، غيَّر وجوهَهم وألوانَهم (^٢)، فيجيءُ الرجلُ من المؤمنين، فيشفعُ فيه (^٣)، فيقولُ: ياربِّ. فيقولُ: من عَرَفَ أحدًا فلْيُخرجْه. قال: فيجيءُ الرجلُ فينظرُ، فلا يعرفُ أحدًا، فيقولُ: يا فلانُ، يا فلانُ، فيقولُ: ما أعرِفُك. فعندَ ذلك يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾. فيقولُ: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. فإذا قالوا ذلك، انطبَقتْ عليهم جهنمُ، فلا يخرجُ منها بشرٌ (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"خسئ\".\n(^٢) في م: \"ألوانها\".\n(^٣) في م: \"فيهم\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٠٨ من طريق عبد الرحمن بن مهدي به.","vol":"17","page":122},{"text":"حدَّثنا تميم بنُ المنتصرِ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن شريكٍ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن شَهرِ بن حَوْشبٍ، عن معدِيكربَ، عن أبي الدَّرْداءِ، قال: يُرْسَلُ، أو يُصَبُّ، على أهلُ النارِ الجوعُ، فيعدِلُ ما هم فيه مِن العذابِ، فيستغيثون، فيغاثُون بالضَّريع الذي لا يُسْمِنُ ولا يُغنِي من جوعٍ، فلا يُغنِي (^١) ذلك عنهم شيئًا، فيستغيثون، فيُغاثُون بطعامٍ ذى غُصَّةٍ، فإذا أكلوه نَشِب في حلوقِهم، فيذكرون أنَّهم كانوا في الدنيا يحدِرون (^٢) الغُصةَ بالماءِ، فيستغيثون، فيُرفعُ إليهم الحميمُ في كلاليبِ الحديدِ، فإذا انتهى إلى وجوهِهم شَوَى وجوهَهم، فإذا شرِبوه قطَّع أمعاءَهم. قال: فينادُون مالكًا: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. قال: فيتركُهم ألفَ سنةٍ، ثم يجيبُهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. قال: فينادُون خَزَنَةَ جهنمَ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٤٩، ٥٠]. قال: فيقولون: ما نجدُ أحدًا خيرًا لنا من ربِّنا. فينادُون ربَّهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾. قال: فيقولُ اللهُ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. قال: فعندَ ذلك يئسوا من كلِّ خيرٍ، فيدْعُون بالويلِ والشَّهِيقِ والثُّبورِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارة الأسديُّ، قال: ثنا عاصمُ بنُ يوسفَ اليَرْبوعيُّ، قال:\n_________\n(^١) في ص، ف: \"يعفى\".\n(^٢) حَدَرَه يُحْدِرُه ويَحْدُرُه حَدْرًا وحُدُورًا فانْحَدَرَ: حَطَّه من عُلو إلى سُفْلٍ. ينظر التاج (ح د ر).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٣/ ١٥٥ من طريق الأعمش عن عمرو بن مرة عن شهر، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (٨٤) من طريق الأعمش به بدون ذكر معديكرب.\nقال في تحفة الأحوذى ٣/ ٣٤٥: وهو وإن كان موقوفًا لكنه في حكم الرفع، فإن أمثال ذلك ليس مما يمكن أن يقال من قبل الرأى.","vol":"17","page":123},{"text":"ثنا قُطْبةُ (^١) بنُ عبدِ العزيز الأسديُّ (^٢)، عن الأعمشِ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، عن شَهْرِ بنُ حوشبٍ، عن أمِّ الدَّرداءِ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"يُلْقَى عَلى أَهْلِ النَّارِ الجُوعُ\". ثم ذكَر نحوًا منه (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن هارونَ بنُ عنترةَ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، قال: يرى أهلُ النارِ في كلِّ سبعين عامًا ساق مالكٍ خازنِ النارِ، فيقولون: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. فيجيبُهم بكلمةٍ، ثم لا يرَوْنه سبعين عامًا، فيستغيثون بالخَزَنَةِ، فيقولون لهم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩]. فيُجيبونهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الآية [غافر: ٥٠]. فيقولون: ادعوا ربَّكم، فليس أحدٌ أرحمَ من ربِّكم. فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾. قال: فيجيبُهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. فعندَ ذلك يَأْيسون (^٤) من كلِّ خيرٍ، ويأخذون في الشهيقِ والوَيْلِ والثُّبورِ.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. قال: بلغنى أنهم ينادون مالكًا، فيقولون: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. فيسكُتُ عنهم قدرَ أربعين سنةً، ثم يقولُ: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾. قال: ثم ينادُون ربَّهم، فيسكُتُ عنهم قدرَ الدنيا مرَّتين، ثم يقولُ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. قال: فيبأسُ القومُ، فلا يتكلَّمون بعدَها كلمةً، وكان إنما هو الزفيرُ والشهيقُ. قال قتادةُ: صوتُ الكافرِ في النارِ مِثْلُ صوتِ الحمارِ، أوَّلُه زفيرٌ، وآخرُه\n_________\n(^١) في ت ٢: \"قطنة\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ٣، ف: \"السعدى\". وينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٦٠٧.\n(^٣) أخرجه الترمذى (٢٥٨٦)، والبيهقى في البعث والنشور (٦٠٠) من طريق عاصم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٤) في م: \"ييأسون\".","vol":"17","page":124},{"text":"شهيقٌ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخَبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، [قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ] (^٢)، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عيسى، قال: أخبَرني زيادٌ الخُراسانيُّ، قال: أسندَه إليَّ بعضُ أهلِ العلمِ فنسيتُه (^٣)، في قولِه: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. قال: فيسكُتون. قال: فلا يُسمَعُ فيها حِسٌّ إلا كطنينِ الطَّسْتِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. قال: هذا قولُ الرحمنِ ﷿، حينَ انقطع كلامُهم منه (^٥).\n\n<span id=\"aya-2782\"></span><span data-type='title' id=toc-6261>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّهُ﴾ - وهذه الهاءُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ﴾. هي الهاءُ التي يُسمِّيها أهل العربيةِ المجهولةَ. وقد بيَّنتُ معناها فيما مضى قبلُ، ومعنى دخولِها في الكلامِ، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٦) - ﴿كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٩ وينظر التخويف من النار لابن رجب ص ٢٠٥.\n(^٢) سقط من النسخ، والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٣) في ت ٢: \"فنسيه\".\n(^٤) في ت ١: \"الطشت\".\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٠٩ من قول زياد بن سعد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٠٩، والبيهقى في الأسماء والصفات (٤٨١) من طريق محمد بن سعد به.\n(^٦) ينظر ما تقدم في ١٦/ ٥٩٦، وسيأتي الكلام مفصلًا في ١٨/ ١٣، ١٤.","vol":"17","page":125},{"text":"يقولُ: كانت جماعةٌ من عبادى، وهم أهلُ الإيمانِ باللهِ، يقولون في الدنيا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا﴾ بك وبرسلِك (^١)، وما جاءوا به من عندِك، ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ ذُنُوبَنَا ﴿وَارْحَمْنَا [وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾. يقولُ] (^٢): وأنت خيرُ من رحِم أهلَ البلاءِ، فلا تعذِّبْنا بعذابِك.\n\n<span id=\"aya-2783\"></span><span data-type='title' id=toc-6262>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرَه: فاتخذتُم أيُّها القائلون لربِّهم: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾. في الدنيا، القائلين فيها: الله ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ - سِخْريًّا.\nوالهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ﴾. من ذكرِ \"الفريق\".\nواختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿سِخْرِيًّا﴾؛ فقرأه بعضُ قرأةِ الحجازِ، وبعضُ أهلِ البصرةِ والكوفةِ: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾، بكسرِ السينِ (^٣)، ويتأوَّلون في كسرِها أن معنى ذلك الهُزْءُ، ويقولون: إنها إذا ضُمَّت، فمعنى الكلمةِ: السُّخْرةُ والاستعبادُ. فمعنى الكلامِ على مذهبِ هؤلاء: فاتخذتم أهلَ الإيمانِ بي في الدنيا هُزُوًا ولعبًّا، تهزءون بهم، حتى أنسَوْكم ذكرى.\nوقرأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾. بضمِّ السينِ (^٤)، وقالوا: معنى الكلمةِ في الضمِّ والكسرِ واحدٌ.\nوحكى بعضُهم (^٥) عن العربِ سماعًا لجِّيٌّ ولِجِّيٌّ، ودُرِّيٌّ ودِرِّيٌّ، منسوبٌ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"برسولك\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ف.\n(^٣) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وابن عامر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤٤٨.\n(^٤) هي قراءة نافع وحمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٥) هو الكسائي، كما في معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٤٣.","vol":"17","page":126},{"text":"إلى الدُّرِّ، وكذلك كُرسيٌّ وكِرسيٌّ. وقالوا: ذلك من قيلِهم كذلك نظيرُ قولِهم في جمعِ العصا: العِصِيُّ. بكسرِ العينِ، والعُصيُّ بضمِّها. قالوا: وإنما اخترنا الضمَّ في السُّخريِّ لأنه أفصحُ اللغتين.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتانِ مشهورتانِ، ولغتانِ معروفتانِ، بمعنًى واحدٍ، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ، فبأَيَّتِهما قرأ القارىُ ذلك فمصيبٌ، وليس [يُعرفُ من فَرْقٍ] (^١) بينَ معنى ذلك إذا كُسِرت السينُ وإذا ضُمَّت؛ لِما ذكرتُ من الروايةِ عمن سمِع من العربِ ما حَكَيتُ عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6263>ذكرُ الروايةِ عن بعضِ مَنْ فَرَّق في ذلك بينَ معناه مكسورةً سينُه ومضمومةً</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ قال: هما مختلفان: سِخريًّا، وسُخريًّا، يقولُ اللهُ: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢]. قال: هذا سُخريٌّ (^٢)، يُسَخِّرونهم، والآخرون الذين يستهزئون بهم، هم \"سِخريًّا\"، فتلك سُخريًّا، تُسَخِّرونهم - عبيدُك (^٣) - تَسْخِرَةً (^٤)، رفعَك فوقَه، والآخرون استهزءوا بأهلِ الإسلامِ، هي \"سِخريًّا\"، يَسْخَرون منهم (^٥)، فهما مختلفان. وقرأ قولَ اللهِ: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨]. وقال: يسخرون منهم كما سخِر قومُ نوحٍ بنوحٍ،\n_________\n(^١) في ص، ف: \"لفرق من قرن\"، وفى ت ٢: \"لفرق من فرق\".\n(^٢) في م: \"سخريا\".\n(^٣) في م، ف: \"عندك\"، وفي ت ٢: \"بذل\".\n(^٤) في م: \"فسخرك\"، وفى ف: \"بسخره\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"منهما\".","vol":"17","page":127},{"text":"اتخذوهم سخريًّا: اتخذوهم هُزُؤًا، لم يزالوا يَستهزئون بهم (^١).\nوقولُه: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾. يقولُ: لم يزلِ استهزاؤُكم بهم حتى (^٢) أنساكم ذلك من فعلِكم بهم ذكرى، فأَلْهاكم عنه، ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾. قال: أنسَى هؤلاءِ الله استهزاؤُهم بهم، وضحكُهم بهم. وقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ حتى بلَغ ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٢].\n\n<span id=\"aya-2784\"></span>وقولُه: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إني، أيُّها المشركون باللهِ، المخلَّدون في النارِ، جَزَيْتُ الذين اتخذتموهم في الدنيا سِخْريَّا من أهلِ الإيمانِ بي، وكنتم منهم تضحَكون، اليومَ بما صبَروا على ما كانوا يلقَون بينكم من أذَى سُخريتكم وضحكِكم منهم في الدنيا، أنهم هم الفائزون.\nاختلفت القرأةُ في قراءةِ: ﴿أَنَّهُمْ﴾؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿أَنَّهُمْ﴾ بفتحِ الألفِ من ﴿أَنَّهُمْ﴾ (^٣). بمعنى: جزيتُهم هذا. فـ \"أنَّ\" في قراءةِ هؤلاء في موضعِ نصبٍ بوقوعِ قولِه: ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾ عليها؛ لأن معنى الكلامِ عندَهم: إنى جزيتُهم اليومَ الفوزَ بالجنةِ. وقد يحتملُ النصبَ من وجهٍ آخرَ، وهو أَن يكونَ موجَّها معناه إلى: إنى جزيتُهم اليومَ بما صبروا؛ لأنهم هم الفائزون بما صبروا في الدنيا، على ما لَقُوا في ذاتِ اللهِ.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ (إنهم) (^٤) بكسرِ الألفِ منها (^٥)، بمعنى الابتداءِ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥١٠ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٢) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٣) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٤٤٨.\n(^٤) في النسخ: \"إني\".\n(^٥) هي قراءة حمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ٤٤٩.","vol":"17","page":128},{"text":"وقالوا: ذلك ابتداءٌ من اللهِ مدْحُهم.\nوأولى القراءتين في ذلك بالصوابَ: قراءةُ من قرأ بكسرِ الألفِ؛ لأنَّ قولَه: ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾ قد عمِل في الهاءِ والميمِ، والجزاءُ إنما يعملُ في منصوبين، وإذا عمِل (^١) في الهاءِ والميمِ، لم يكنْ له العملُ في \"أن\"، فيصيرِ عاملًا في ثلاثةٍ، إلا أن يُنْوَى به التكريرُ، فيكونَ [نصبُ \"أنَّ\"] (^٢) حينَئذٍ بفعلٍ مضمرٍ، لا بقولِه: ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾. وإن هي نُصبت بإضمارِ، لامٍ، لم يكن له أيضًا كبيرُ معنًى؛ لأن جزاءَ اللهِ عبادَه المؤمنين الجنةَ (^٣)، إنما هو على ما سَلَفَ من صالحِ أعمالِهم في الدنيا، وجزاؤُه إياهم، وذلك في الآخرةِ هو الفوزُ، فلا معنَى لأَنْ يَشْرُطَ لهم الفوزَ بالأعمالِ، ثم يُخبرَ أنهم إنما فازوا لأنَّهم هم الفائزون.\nفتأويلُ الكلامِ إذن - إذ كان الصوابُ من القراءةِ ما ذكرنا -: إنى جزيتُهم اليومَ الجنةَ بما صبَروا في الدنيا على أذاكم بها، في أنَّهم اليومَ هم الفائزون بالنعيمِ الدائمِ، والكرامةِ الباقيةِ أبدًا، بما عمِلوا من صالحاتِ الأعمالِ في الدنيا، ولقُوا في طلبِ رضاىَ من المكارِه فيها.\n\n<span id=\"aya-2785\"></span><span data-type='title' id=toc-6264>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾.</span>\nاختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿قَالَ (^٤) كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾.\n\nوفي قولِه: ﴿[قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا] (^٥)﴾ [المؤمنون: ١١٤]؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عملت\".\n(^٢) في ت ١: \"نصب\"، وفى ت ٢: \"النصب\".\n(^٣) في م: \"بالجنة\".\n(^٤) سقط من النسخ، ولا بد منها، فهي موضع الاختلاف.\n(^٥) في النسخ: \"لبثنا يوما أو بعض يوم\". ولا اختلاف فيها، والمثبت موضع الاختلاف، كما =","vol":"17","page":129},{"text":"المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ على وجهِ الخبرِ: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾.\nوكذلك قولُه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ (^١). ووجَّه هؤلاء تأويلَ الكلامِ إلى أنَّ الله قال لهؤلاء الأشقياءِ من أهلِ النارِ، وهم في النارِ: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2786\"></span>وأنهم أجابُوا الله فقالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. فنسِىَ الأشقياءُ لعظيمِ ما هم فيه من البلاءِ والعذابِ، مدةَ مُكثِهم (^٢) كانت في الدنيا، وقَصُر عندهم أمدُ مُكثِهم (^٣) كان فيها؛ لما حلَّ بهم من نقمةِ اللهِ، حتى حسِبوا أنهم لم يكونوا مكثُوا (^٤) فيها إلا يومًا أو بعضَ يومٍ. ولعلَّ بعضَهم كان قد مَكَث فيها الزمانَ الطويلَ والسنين الكثيرةَ.\nوقرأ ذلك عامةُ قرأةٍ أهلِ الكوفةِ، على وجهِ الأمرِ لهم بالقولِ (^٥)، كأنه قال لهم: قولوا (^٦): كم لبثتُم في الأرضِ؟ وأَخرَج الكلامَ مُخْرج الأمرِ للواحدِ، والمعنيُّ به الجماعةُ؛ إذ كان مفهومًا معناه. وإنما اختار هذه القراءةَ من اختارها من أهلِ الكوفةِ؛ لأن ذلك في مصاحفِهم: \"قُل\" بغيرِ ألفٍ (^٧) [وفى غيرِ] (^٨) مصاحفِهم بالألفِ.\nوأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ قراءةُ من قرأه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾. على وجه الخبرِ؛ لأن وجةَ الكلامِ، لو كان ذلك أمرًا، أن يكونَ \"قُولوا\" على وجهِ الخطابِ للجمعِ؛ لأن الخطابَ فيما قبلَ ذلك وبعدَه جرى لجماعةِ أهلِ النارِ،\n_________\n= سيذكر المصنف، وكما سيأتي في ص ١٣٢.\n(^١) هي قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم وابن عامر، وقرأ ابن كثير في الموضع: (قل)، وفي الثاني: (قال). حجة القراءات ص ٤٩٣.\n(^٢) بعده في م: \"التي\".\n(^٣) بعده في م: \"الذي\".\n(^٤) في ت ٢: \"لبثوا\".\n(^٥) هي قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٦) بعده في ت ٢: \"لهم\".\n(^٧) ينظر المصاحف لابن أبي داود ص ٤٩.\n(^٨) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"وهو في\".","vol":"17","page":130},{"text":"فالذى هو أولى أن يكونَ كذلك قولُه: (قل) (^١). لو كان الكلامُ جاء على وجهِ الأمرِ، وإن كان الآخرُ جائزًا، أعنى التوحيدَ؛ لما بيَّنتُ من العلةِ لقارئِ ذلك كذلك. [فإذ كان ذلك كذلك] (^٢)، وجاء الكلامُ بالتوحيدِ في قراءةِ جميعِ القرأةِ، كان معلومًا أن قراءةَ ذلك على وجهِ الخبرِ عن (^٣) الواحدِ أشبهُ، إذ كان ذلك هو الفصيحَ المعروفَ من كلامِ العربِ. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: قال اللهُ: كم لبِثُتم في الدنيا من عددِ سنينَ؟ قالوا مُجيبين له: لبثْنا فيها يومًا أو بعضَ يومٍ، فاسألِ العادِّين؛ لأنا لا ندْرِى، قد نسينا ذلك.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالعادِّين؛ فقال بعضُهم: هم الملائكةُ الذين يحفَظون أعمالَ بني آدمَ، ويُحْصُون عليهم ساعاتِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-6265>ذكرُ مَن قال ذلك.</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾. قال: الملائكةَ (^٤).\nحدثَّنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخرون: بل هم الحُسَّابُ.\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"قولوا\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٣) في ت ٢: \"علي\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٨٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥١٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":131},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6266>ذكرُ مَنْ قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾. قال: فاسألِ الحُسَّابَ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾. قال: فاسألْ أهلَ الحسابِ (^٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أنْ يقالَ كما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾. وهم الذين يَعُدُّون عددَ الشهورِ والسنين وغيرِ ذلك، وجائزٌ أنْ يكونوا (^٣) الملائكةَ، وجائزٌ أن يكونوا بنى آدمَ وغيرَهم، ولا حجةَ بأيِّ ذلك من أيِّ ثبتتْ صحتُها، فغيرُ جائزٍ توجيهُ معنى ذلك إلى بعضِ العادِّين دونَ بعضٍ.\n\n<span id=\"aya-2787\"></span><span data-type='title' id=toc-6267>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾.</span>\nاختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾. اختلافَهم في قراءةِ قولِه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾. والقولُ عندَنا في ذلك في هذا الموضِعِ نحوُ القولِ الذي بيَّناه قبلُ في قولِه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ (^٤). وتأويلُ الكلامِ على قراءتِنا؛ قال اللَّهُ لهم: ما لبثتُم في الأرضِ إِلَّا قليلًا يسيرًا، لو أنَّكم كنتم تعلمون قدرَ لُبثِكم فيها.\n\n<span id=\"aya-2788\"></span>وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفحسِبتم أيُّها الأشقياءُ أنّا إنما خلَقْناكم إذ خلَقْناكم لَعِبًا وباطلًا، وأنكم إلى ربِّكم بعدَ مماتِكم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥١١ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٩.\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"تكون\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ١٢٩، ١٣٠.","vol":"17","page":132},{"text":"لا تصيرون أحياءً، فتُجْزَون بما كنتم في الدنيا تعملون؟\nوقد اختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ والكوفةِ: ﴿لَا تُرْجَعُونَ﴾ بضمِّ التاءِ (^١)، بمعنى: لا تُردُّون وقالوا: إنما هو من مَرْجِعِ الآخرةِ، لا من رجوعِ إلى الدنيا.\nوقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (لا تُرْجعون) (^٢). وقالوا: سواءٌ في ذلك مرجعُ الآخرةِ والرجوعُ إلى الدنيا.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أنْ يقالَ: إنهما قراءتان متقاربتا المعنى؛ لأنَّ من ردَّه اللهُ إلى الآخرةِ من الدنيا بعدَ فنائِه، فقد رَجَعَ إليها، وأنَّ من رجَع إليها، فيردِّ اللهِ إياه إليها رجَع. وهما مع ذلك قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.\nوبنحو الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6268>ذكرُ مَنْ قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾. قال: باطلًا.\n\n<span id=\"aya-2789\"></span><span data-type='title' id=toc-6269>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فتعالى اللهُ الملكُ الحقُّ عمَّا يصِفُه به هؤلاء المشركون، مِن\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم. التيسير ص ١٣٠.\n(^٢) هي قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.","vol":"17","page":133},{"text":"أنَّ له شريكًا، وعمَّا يُضيفون إليه من اتخاذِ البناتِ، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا معبودَ تنبغى له العبودةُ إلَّا اللهُ الملكُ الحقُّ، ربُّ العرشِ الكريمِ.\n\"والربُّ\" مرفوعٌ بالردِّ على \"الحقِّ\"، ومعنى الكلامِ: فتعالى اللهُ الملكُ الحقُّ، ربُّ العرشِ الكريمِ، لا إلهَ إلا هو.\n\n<span id=\"aya-2790\"></span><span data-type='title' id=toc-6270>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومن يدعُ مع (^١) المعبودِ الذي لا تصلُحُ العبادةُ إلا له معبودًا آخرَ، لا حجةَ له بما يقولُ ويعملُ من ذلك، ولا بينةَ.\nكما حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾. قال: بينةَ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾. قال: حُجةَ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدِ في قولِه: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾، قال: لا حجةَ (^٣).\nوقولُه: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾. يقولُ: فإِنَّما حسابُ عملِه السَّيِّئِ عندَ ربِّه، وهو مُوَفِّيه جزاءَه إذا قدِم عليه.\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"الله\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٨٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧ إلى المصنف.","vol":"17","page":134},{"text":"﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. يقولُ: إنه لا يُنجحُ أهلُ الكفرِ باللهِ عندَه، ولا يُدركون الخلودَ والبقاءَ في النعيمِ.\n\n<span id=\"aya-2791\"></span><span data-type='title' id=toc-6271>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وقلْ يا محمدُ: ربِّ (^١) استُرْ عليَّ ذنوبي بعفوِك عنها، وارحمْنى بقبولِ توبتِك، وتركِك عقابي على ما اجترمتُ.\n﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾. يقولُ: وقلْ: وأنت يا ربِّ خيرُ مَنْ رحِم ذا ذنبٍ فقبِل توبتَه، ولم يعاقبْه على ذنبِه.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ المؤمنين\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"اغفر\".","vol":"17","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6272>تفسيرُ سورةِ النورِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-2792\"></span><span data-type='title' id=toc-6273>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يعني بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ وهذه السورةُ أنزَلناها.\nوإنَّما قلْنا: معني ذلك كذلك؛ لأنَّ العربَ لا تكادُ تبتدِئُ بالنكراتِ قبلَ أخبارِها إذا لم تكُن جوابًا؛ لأنَّها تُوصَلُ كما يُوصَلُ \"الذي\"، ثم يُخبرُ عنها بخبرٍ سوى الصلةِ، فيُستقبحُ الابتداءُ بها قبلَ الخبرِ إذا لم تكنْ موصولةً، إذ كان يصيرُ خبرُها إذا ابتُدِئَ بها كالصلةِ لها، ويصيرُ السامعُ خبرَها كالمتوقِّع خبرَها بعدُ، إذ كان الخبرُ عنها بعدَها كالصلةِ لها، وإذا ابتدِئَ بالخبرِ عنها قبلَها، لم يدخُلِ الشكُّ على سامعِ الكلامِ في مرادِ المتكلمِ.\nوقد بيَّنا فيما مضى قبلُ أنَّ \"السورةَ\" وصفٌ لما ارتفَع، بشواهدِه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nوأمَّا قولُه: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾. فإنَّ القرأةَ اختلَفتْ في قراءتِه؛ فقرَأَتْهُ بعضُ قَرَأَةِ (^٢)\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ١٠١ وما بعدها.\n(^٢) بعده في ت ٢: \"أهل\".","vol":"17","page":136},{"text":"الحجازِ والبصرةِ: (وَفَرَّضْناها) (^١). ويتأوَّلُونَه: وفصَّلناها ونزَّلنا فيها فرائضَ مختلفةً. وكذلك كان مجاهدٌ يقرؤُه ويتأوَّلُه.\nحدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا ابن مهديٍّ، عن عبدِ الوارثِ بن سعيدٍ، عن حميدٍ، عن مجاهدٍ أنَّه كان يقرؤُها: (وفرَّضْناها). يعنى بالتشديدِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾. قال: الأمرُ بالحلالِ، والنهىُ عن الحرامِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ مجاهدٍ مثلَه.\nوقد يَحتملُ ذلك إذا قُرئَ بالتشديدِ وجهًا (^٤) غيرَ الذي ذكَرنا عن مجاهدٍ، وهو أنْ يوجَّهَ إلى أنَّ معناه: وفرَّضْناها عليكم وعلى مَن بعدَكم من الناسِ إلى قيامِ الساعةِ.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأَةِ المدينةِ والكوفةِ والشامِ: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ بتخفيفِ الراءِ (^٥)، بمعنى: أوجَبنا ما فيها من الأحكامِ عليكم، وألزَمناكُموه، وبيَّنا ذلك لكُم.\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو. حجة القراءات ص ٤٩٤.\n(^٢) ينظر البحر المحيط ٦/ ٤٢٧.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٨٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥١٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) بعده في ت ٢: \"آخر\".\n(^٥) وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ٤٩٤.","vol":"17","page":137},{"text":"والصوابُ من القولِ في ذلك أنَّهما قراءتانِ مشهورتانِ قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأَةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ وذلك أَنَّ الله قد فصَّلَها، وأنزَل فيها ضُروبًا من الأحكامِ، وأمَر فيها ونهَى، وفرَض على عبادِه فيها فرائضَ، ففيها المعنيانِ كِلاهُما؛ التفريضُ، والفرضُ، فلذلك قلنا: بأيَّةِ القراءتينِ [قرَأ القارئُ] (^١) فمصيبٌ الصوابَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6274>ذكرُ مَن تأوَّل ذلك بمعنى الفَرْضِ والبيانِ من أهلِ التأويلِ</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾. يقولُ: بيَّنَّاها (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾. [قال: فرَضْناها] (^٣) لهذا الذي يتلُوها مِمَّا فُرِض فيها. وقرَأ: ﴿فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.\nوقولُه: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنزَلنا في هذه السورةِ علاماتٍ ودَلالاتٍ على الحقِّ ﴿بَيِّنَاتٍ﴾. يعنى: واضحاتٍ لَمَنْ تأمَّلها وفكَّر فيها بعقلٍ، أنَّها مِن عندِ اللهِ، فإنَّها الحقُّ المبينُ، وإنَّها تَهدِى إلى الصراطِ المستقيمِ.\nكما حدَّثنا (^٤) القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ:\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥١٦ من طريق مجاهد عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ت ١، ف.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"17","page":138},{"text":"﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ﴾. قال [ابن جُرَيجٍ] (^١): الحلالُ والحرامُ والحدودُ (^٢).\n﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: لتتذكَّروا بهذه الآياتِ البيناتِ التي أنزَلناها.\n\n<span id=\"aya-2793\"></span><span data-type='title' id=toc-6275>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ </span>(٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: مَن زنَى مِن الرجالِ، أو زنَتْ مِن النساءِ، وهو حُرٌّ بِكْرٌ (^٣) غيرُ مُحْصَنٍ بزوجٍ، فاجلِدوه ضربًا مائةَ جلدةٍ؛ عقوبةً لِما صنَع، وأتَى مِن معصيةِ اللهِ، ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا تأخذْكُم (^٤) بالزاني والزانيةِ، أيُّها المؤمنونَ، ﴿رَأْفَةٌ﴾. وهى رقةُ الرحمةِ، ﴿فِي دِينِ اللهِ﴾. يعني: في طاعةِ اللهِ فيما أَمَرَكُم بِهِ مِن إقامةِ الحدِّ عليهما، على ما ألزَمكُم (^٥) به.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في المنهيِّ (^٦) عنه المؤمنونَ مِن أخْذِ الرأفةِ (^٧) بهما؛ فقال بعضُهم: هو تركُ (^٨) إقامة حدِّ اللهِ عليهما، فأمَّا إذا أُقيم عليهما الحدُّ، فلم تأخذْهم (^٩)\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"مميز\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يأخذكم\".\n(^٥) في ت ١، ف: \"أكرمكم\".\n(^٦) في ت ١، ت ٢: \"النهى\".\n(^٧) في ت ٢: \"الرحمة\".\n(^٨) سقط من: ت ٢.\n(^٩) في ت ١: \"تأخذكم\"، وفى ت ٢: \"يأخذهم\".","vol":"17","page":139},{"text":"بهما رأفةٌ في دينِ اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6276>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى زَائدةً، عن نافعِ بن عمرَ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عبيدِ (^١) اللهِ بن عبدِ اللهِ بن عمرَ، قال: جَلَدَ ابن عمرَ جاريةً له أحدَثتْ؛ فجلد رِجلَيها. قال نافعٌ: وحسِبتُ أنَّه قال: وظهْرَها. فقلتُ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾. فقال: وأخَذتْنى بها رأفةٌ! إِنَّ الله لَم يَأْمُرْنِى أَنْ أقتُلَها (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن ابن جريجٍ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ أبي مُليكةَ يقولُ: ثنى عبيدُ (^٣) اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بن عمرَ، أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ حدَّ جاريةً له، فقال للجالدِ، وأشار إلى رِجلِها، وإلى أسفلِها. قلت: فأينَ قولُ اللهِ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ قال: أفأقتُلُها (^٤)؟!\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ). قال: أن تقيمَ الحدَّ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن (^٥) ابن جُرَيجٍ: ﴿وَلَا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عبد\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥١٨ من طريق نافع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"عبد\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣٥٣٧)، والبيهقى ٨/ ٢٤٥ من طريق ابن جريج.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"17","page":140},{"text":"تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾. قال: لا تُضيِّعوا حدودَ اللهِ.\nقال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾: لا تُضيِّعوا الحدودَ في أن تُقيمُوها، وقالها عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ (^١).\n[حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عبدُ الملكِ وحجاجٌ] (^٢)، عن عطاءٍ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾. قال: يقامُ حدُّ اللهِ ولا يُعطَّلُ، وليس بالقتل (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ فضيلٍ، عن داودَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: الجلدُ (^٤).\nحدَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّاريُّ، قال: ثنا محمدُ بن فضيلٍ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾. قال: الضرْبُ (^٥).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ عمرانَ، قال: قلتُ لأبي مجلَزٍ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾. إلى قولِه: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾. إنا لنرحَمُهم أن يُجلدَ الرجلُ حدًّا، أو تُقطَعَ يَدُه. قال: إنَّما ذاك أنَّه ليس للسلطانِ إذا رُفِعوا إليه أن يدعَهم رحمةً لهم حتى يُقيمَ الحدَّ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣٥٠٣) عن ابن جريج، عن عطاء.\n(^٢) كذا في النسخ، وصواب الإسناد: حدثنا أبو هشام، قال: ثنا أبو خالد، قال: ثنا عبد الملك وحجاج. وينظر ترجمة أبي خالد في تهذيب الكمال ١١/ ٣٩٤.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٦٣ عن أبي خالد، عن حجاج، عن عطاء، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥١٩ من طريق أبي معاوية، عن حجاج، عن عطاء، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥١٨ من طريق محمد بن فضيل به\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٦٣ من طريق محمد بن فضيل به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٦٣ من طريق عمران به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨ إلى عبد بن =","vol":"17","page":141},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولهِ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾. قال: لا تُقامُ الحدودُ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾: فتَدَعُوهما مِن حدودِ اللهِ التي أمَر بها، وافترَضها عليهما.\nقال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا ابن لهيعةَ، عن خالدِ بنِ أبي عمرانَ، أنَّه سأَل سليمانَ بنَ يسارٍ عن قولِ اللهِ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾. [أفى الحدودِ أو] (^٢) في العقوبةِ؟ قال: ذلك فيهما جميعًا.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الأمُلِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ زكريَّا، عن عبدِ الملكِ بن أبي سليمانَ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾. [قال: أنْ يقامَ حدُّ اللهِ، ولا يُعطَّلَ] (^٣)، وليس بالقتلِ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن عامرٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾. قال: الضربُ الشديدُ (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تَأخُذكم بهما رأفةٌ فتُخَفِّفُوا الضربَ\n_________\n= حميد وابن المنذر.\n(^١) تفسير سفيان ص ٢٢٠، ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره، ٢/ ٥٠، وابن أبي شيبة ١٠/ ٦٤، وابن أبي حاتم في تفسيره، ٨/ ٢٠١٨، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٦٣ من طريق أبي خالد، عن ابن أبي نجيح به.\n(^٢) في م: \"أي في الحدود، أو\"، وفى ت ٢: \"أفى الحدود، و\".\n(^٣) في ت ٢: \"أن تقام حدود الله، ولا تعطل\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٦٣ من طريق أبى الأحوص به، وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥١٩ من طريق عطاء به.","vol":"17","page":142},{"text":"عنهما، ولكن أوجِعُوهما ضربًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6277>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ أبى بكيرٍ (^١)، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ وسعيدِ بن المسيبِ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾. قال: الجلدُ الشديدٌ (^٢).\nقال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن حَمَّادٍ، قال: يُحَدُّ القاذفُ والشاربُ وعليهما ثِيابُهما، وأمَّا الزانى فتُخلَعُ ثيابُه. وتلَا هذه الآيةَ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾. فقلتُ لحمادٍ (^٣): أهذا في الحكْمِ؟ قال: في الحكمِ والجلدِ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزُّهريِّ، قال: يُجتهدُ في حدِّ الزانى والفِريةِ، ويُخفَّفُ في حدِّ الشرابِ (^٥). وقال قَتادةُ: يخففُ في الشرابِ، ويُجتهَدُ في الزاني (^٦).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ف: \"بكر\"، وفى ت ٢: \"زكيا\". ينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٢٤٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥١٩ من طريق عبيد الله بن موسى عن أبي جعفر به، دون ذكر سعيد بن المسيب، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"للحكم\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ف: \"الحد\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥١٩ من طريق محمد بن جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد.\n(^٥) في م: \"الشرب\".\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٥٠ في مصنفه (١٣٥١٢، ١٣٥١٣).","vol":"17","page":143},{"text":"وأولى القولينِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ولا تأخُذْكم بهما رأفةٌ في إقامةِ حدِّ اللهِ عليهما، الذي افترَض عليكم إقامتَه عليهما.\nوإنَّما قلْنا: ذلك أولى التأويلينِ بالصوابِ؛ لدلالةِ قولِ اللهِ بعدَه: ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾. يعني: في طاعةِ اللهِ التي أمَركم بها. ومعلومٌ أَنَّ دينَ اللهِ الذي أمَر بهِ في الزانيينِ إقامةُ الحدِّ عليهما، على ما أمَر (^١) مِن جلدِ كلِّ واحدٍ منهما مائةَ جَلدةٍ، مع أنَّ الشدَّةَ في الضربِ لا (^٢) حدَّ لها يُوقَفُ عليه، وكلُّ ضرْبٍ أوجَع فهو شديدٌ، وليس للذي يُوجِعُ في الشدَّةِ حدٌّ لا زيادةَ فيهِ فيُؤمرَ به. وغيرُ جائزٍ وصْفُه جلَّ ثناؤُه بأَنَّه أمَر بما لا سبيلَ للمأمورِ بهِ إلى معرِفتِه. وإذا كان ذلك كذلك، فالذي للمأمورينَ (١) إلى معرفتِه السبيلُ هو عددُ الجَلْدِ على ما أمَر بهِ، وذلك هو إقامةُ الحدِّ على ما قلْنا.\nوللعربِ في الرأفةِ لغتانِ؛ الرأفةُ بتسكينِ الهمزةِ، والرآفةُ بمدِّها، كالسأمةِ والسآمةِ، والكأبةِ والكآبةِ. وكأنَّ الرأفةَ المرةُ الواحدةُ، والرآفةَ المصدرُ، كما قِيل: ضَؤُلَ ضآلةً، مِثل فَعُلَ فَعالةً، وقَبُح قَباحةً.\nوقولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يقولُ: إِنْ كُنتُم تصدِّقون [بأنَّ الله] (^٣) ربِّكم، وباليومِ الآخرِ، [وأنكم] (^٤) فيه مبعوثُون لحشرِ القيامةِ، وللثوابِ والعقابِ، فإِنَّ مَن كان بذلك مُصدِّقًا، فإنَّه لا يخالفُ الله في أمرِه ونهيهِ، خوفَ عقابهِ على\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"به\".\n(^٢) في ت ١، ف: \"لأنه\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٣، ف: \"بالله\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.","vol":"17","page":144},{"text":"مَعاصيهِ.\nوقولِه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وليحضُرْ جَلدَ الزانيينِ البكْرَينِ وحدَّهما إذا أُقيم عليهما (^١)، طائفةٌ من المؤمنين.\nوالعربُ تُسمِّى الواحدَ فما زاد: طائفةً.\nوقولُه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: مِن أهلِ الإيمانِ باللهِ ورسولِه.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في مبلغِ عددِ الطائفةِ الذي (^٢) أمَر اللهُ بشهودِ عذابِ الزانيينِ البِكْرينِ (^٣)، فقال بعضُهم: أقلُّه واحدٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6278>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الطائفةُ رجلٌ (^٤).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلِ بن موسى بن إسحاقَ الكِنَانِيُّ و(^٥) ابن القوَّاسِ، قالا: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: الطائفةُ رجلٌ. قال عليٌّ: فما فوقَ ذلك. وقال ابن القوَّاسِ: فأكثرُ من ذلك.\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"وليشهد عذابهما\".\n(^٢) في ت ٢: \"الذين\".\n(^٣) سقط من: ت ١، ف.\n(^٤) تفسير سفيان ص ٢٢٠، وأخرجه عبد الرزاق في مصنف (١٣٥٠٥) عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح به.\n(^٥) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.","vol":"17","page":145},{"text":"حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، عن (^١) سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الطائفة رجلٌ.\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: قال ابن أَبي نجيحٍ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال مجاهدٌ: أقلُّه رجلٌ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: الطائفةُ الواحدُ إلى الألفِ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: الطائفةُ واحدٌ إلى الأَلفِ؛ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (^٣) [الحجرات: ٩].\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ، قال: الطائفةُ الرجلُ الواحدُ إلى الألفِ. قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾: إنَّما كانا رجلينِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: سمِعتُ عيسى بنَ يونسَ يقولُ: ثنا النعمانُ بنُ ثابتٍ، عن حمَّادٍ وإبراهيمَ، قالا (^٤): الطائفةُ رجلٌ (^٥).\n_________\n(^١) في ت ١: \"بن\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٦٠ عن ابن علية به\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٢٠ من طريق شعبة به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".\n(^٥) ينظر التبيان ٧/ ٣٦٠، وتفسير البغوي ٦/ ٨.","vol":"17","page":146},{"text":"حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: الطائفةُ رجلٌ واحدٌ فما فوقَه (^١).\nوقال آخرون: أقلُّه في هذا الموضعِ رَجُلان.\n\n<span data-type='title' id=toc-6279>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا ابن أبي نجيحٍ (^٢) في قولِه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: قال عطاءٌ: أقلُّه رجلان (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: أخبَرني عمرُ بنُ عطاءٍ، عن عِكرمةَ، قال: ليحضُرْ رَجلانِ فصاعدًا (^٤).\nوقال آخرون: أقلُّ ذلك ثلاثةٌ فصاعدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6280>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن الزُّهريِّ، قال: الطائفةُ الثلاثةُ فصاعدًا (^٥).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٥٠، ومصنفه (١٣٥٠٤).\n(^٢) في ت ٢: \"جريج\".\n(^٣) أخرجه أبى شيبة ١٠/ ٦٠ عن ابن علية به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣٥٠٥)، وفي تفسيره ٢/ ٥٠ عن الثورى وابن عيينة عن ابن أبي نجيح به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨ إلى المصنف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٦١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٢١ من طريق ابن أبي ذئب به.","vol":"17","page":147},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: نفَرٌ من المسلمينَ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (^١).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ، قال: ثنا أشعتُ، عن أبيهِ، قال: أتيتُ أبا بَرْزَةَ الأسلميَّ في حاجةٍ، وقد أخرَج جاريةً إلى [باب الدار] (^٢)، وقد زنَتْ، فدعا رجلًا، فقال: اضرِبْها خمسينَ. فدعا جماعةً، ثم قرأ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى، عن أشعثَ، عن أبيهِ، أَنَّ أَبا بَرْزَةَ أَمَر ابنَه أن يضرِبَ جاريةً له وَلَدَتْ من الزنى ضربًا غير مبرِّحٍ. قال: فألقَى عليها ثوبًا وعنده قومٌ، وقرأ (^٤): ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾ الآية.\nوقال آخرون: بل أقلُّ ذلك أربعةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6281>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: فقال: الطائفةُ التي (^٥) يَجبُ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق، ٢/ ٥٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٢٠، ٢٥٢١.\n(^٢) في ت ٢: \"الباب\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٦١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٢٠ من طريق أشعث به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) بعده في ت ٢: \"أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد\".\n(^٥) في ص، ت ٢: \"الذي\".","vol":"17","page":148},{"text":"بها (^١) الحدُّ أربعةٌ (^٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: أقلُّ ما ينبغِى حضورُ ذلك من عَددِ المسلمينَ: الواحدُ فصاعدًا. وذلك أَنَّ الله عمَّ بقولِه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾. والطائفةُ قد تقعُ عندَ العربِ على الواحدِ فصاعدًا. فإذا (^٣) كان ذلك كذلك، ولم يكنِ اللهُ تعالى ذكرُه وضَع دلالةً على أنَّ مرادَه من ذلك خاصٌّ من العددِ - كان معلومًا أنَّ حُضورَ ما وقَع عليه أدنى اسمِ الطائفةِ ذلك المحضرَ مُخرِجٌ مُقيمَ الحدَّ ممَّا أمَره اللهُ بهِ بقولِه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. غيرَ أَنِّي وإن كان الأمرُ على ما وصَفتُ، أستحِبُّ ألا يُقصَّرَ بعددِ من يحضُرُ ذلك الموضعَ عن أربعةِ أنفسٍ، عددِ مَن تُقبَلُ شهادتُه على الزنى؛ لأنَّ ذلك إذا كان كذلك، فلا خلافَ بينَ الجميعِ أنَّه قد أدَّى المقيمُ الحدَّ ما عليهِ في ذلك، وهم فيما دونَ ذلك مختلفونَ.\n\n<span id=\"aya-2794\"></span><span data-type='title' id=toc-6282>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ </span>(٣)﴾.\n\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: نزَلتْ هذه الآيةُ في بعضِ مَن استأذنَ رسولَ اللهِ ﷺ في نكاحِ نسوةٍ كُنَّ معروفاتٍ بالزنى من أهلِ الشركِ، وكُنَّ أصحابَ راياتٍ يُكْرِينَ أنفسَهنَّ، فأنزَل اللهُ تحريمَهنَّ على المؤمنينَ، فقال: الزانى من المؤمنينَ لا يتزوَّجُ (^٤) إلا زانيةً أو مشركةً؛ لأنَّهنَّ كذلك، والزانيةُ من\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"فيه\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩ إلى المصنف.\n(^٣) في م: \"فإذ\".\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ف: \"والزانية من أولئك البغايا\"، وفى ت ٢: \"والزانية من أولئك البغاة\".","vol":"17","page":149},{"text":"أولئك البغايا لا يَنكِحُها إلَّا زانٍ من المؤمنينَ أو المشركينَ (^١)، أو مشركٌ مثلُها؛ لأنَّهنَّ كنَّ مشركاتٍ، ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فحرَّم اللهُ نكاحَهنَّ في قولِ أهلِ هذه المقالة بهذه الآيةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6283>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيهِ، قال: ثنى الحضْرمِيُّ، عن القاسمِ بن محمدٍ، [عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو] (^٢)، أنَّ رجلًا من المسلمينَ استأذَن نبيَّ اللهِ في امرأةٍ يقال لها: أمُّ مَهْزُولٍ. كانتْ تُسافِحُ الرجلَ (^٣)، وتَشترِطُ له أَنْ تُنفِقَ عليهِ، وأنَّه استأذَن فيها نبيَّ اللهِ ﷺ، وذكَر له أمْرَها. قال: فقرأ نبيُّ اللهِ ﷺ: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾. أو قال: فأُنزِلتُ: ﴿وَالزَّانِيَةُ﴾ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنى هُشَيمٌ، عن التيميِّ، عن القاسمِ بن محمدٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو (^٥) قولَه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾. قال: [كنَّ نساءً] (^٦) معلوماتٍ. قال:\n_________\n(^١) في ت ١، ف: \"المشرك\".\n(^٢) في ت ٢: \"بن عبد الله بن عمر\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ف.\n(^٤) أخرجه أحمد ١١/ ١٦ (٦٤٨٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٢٥، والطبراني (١٧٩٨)، وابن عدى، ٢/ ٨٥٩، والنحاس في ناسخه ص ٥٨٥، والحاكم، ٢/ ١٩٣، والبيهقى ٧/ ١٥٣ من طريق المعتمر به\n(^٥) بعده في م: \"في\".\n(^٦) في ت ٢: \"كانتا\".","vol":"17","page":150},{"text":"فكان الرجلُ من فقراءِ المسلمينَ يتزوَّجُ المرأةَ منهنَّ لتنفِقَ عليه، فنهاهم اللهُ (^١) عن ذلك (^٢).\nقال: أخبَرنا سليمانُ التيميُّ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: كنَّ نساءَ مواردَ بالمدينةِ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ المقدامِ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمعتُ أبي، قال: ثنا قَتادةُ، عن سعيدٍ بن المسيبِ في هذه الآيةِ: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾. قال: نزَلتُ في نساءِ مواردَ كنَّ بالمدينةِ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عاصمٍ الكلابيُّ، قال: ثنا معتمرٌ، عن أبيهِ، عن قَتادةَ، عن سعيدٍ بنحوِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا (^٣) عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن رجلٍ، عن عمرِو بن شعيبٍ، قال: كان لمرثَدٍ (^٤) صديقةٌ في الجاهليةِ يقالُ لها: عَنَاقِ. وكان رجلًا شديدًا، وكان يقالُ له: دُلْدُلٌ. وكان يأتِى مكَّةَ فيحمِلُ (^٥) ضَعَفَةَ المسلمينَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فلقِى صديقتَه، فدَعتْه إلى نفسِها، فقال: إِنَّ الله قد حرَّم الزني. فقالتْ: [أَنَّى تَبْرُزُ] (^٦)؟ فخشِيَ أَنْ تُشِيعَ عليه (^٧)، فرجَع إلى\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٩٦ من طريق هشيم به.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"محمد\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ف: \"لمريدة\". وينظر أسد الغابة ٥/ ١٣٧.\n(^٥) في ت ٢: \"فيحتمل\".\n(^٦) في ص: \"أبى تبرر\"، وفى ت ١: \"إنى يبرز\"، وفى ت ٢: \"إنى شبقة بك\".\n(^٧) بعده في ت ٢: \"ذلك\".","vol":"17","page":151},{"text":"[المدينةِ، فأتَى رسولَ اللهِ ﷺ] (^١) فقال: يا رسولَ اللهِ، كانتْ لي صديقةٌ في الجاهليةِ، فهل ترى لى (^٢) نكاحَها؟ قال: فأنزَل اللهُ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾. قال: كنَّ نساءً معلوماتٍ يُدْعَوْن (^٣) القليقياتِ (^٤).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن إبراهيمَ بن مهاجرٍ، قال: سمعتُ مجاهدًا يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾. قال: كنَّ بغايا في الجاهليةِ (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عمَّن أخبَره، عن مجاهدٍ، نحوًا من حديثِ ابن المثنى، إلَّا أنَّه قال: كانتِ امرأةٌ منهنَّ يقالُ لها: أمُّ مهزولٍ. يعنى في قولِه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾. قال: فكنَّ نساءً معلوماتٍ. قال: فكان الرجلُ من فقراءِ المسلمينَ يتزوَّجُ المرأةَ منهنَّ لتنفقَ عليه، فنهاهم اللهُ عن ذلك. هذا في حديثِ التيميِّ (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) في ت ١: \"النبي\".\n(^٢) في ت ٢: \"إلى\".\n(^٣) في ت ١: \"يفزعن\"، وفى ت ٢: \"يدعين\"، وفى ف: \"لمرعن\".\n(^٤) أخرجه أبو داود (٢٠٥١)، والترمذى (٣١٧٧)، والنسائى (٣٢٢٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٢٦، والحاكم ٢/ ١٦٦، والبيهقى ٧/ ١٥٣ من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩، ٢٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٧١ عن غندر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٢٢، والنحاس في ناسخه ص ٥٨٤، ٥٨٥ من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن القاسم بن أبي بزة - عن مجاهد.","vol":"17","page":152},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾. قال: رجالٌ كانوا يريدُون الزنى بنساءٍ زوان (^١) بغايا متعالماتٍ كنَّ في الجاهليةِ، فقيل لهم: هذا حرامٌ. فأرادوا نكاحَهنَّ، فحرَّم اللهُ عليهم نكاحَهنَّ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلَّا أنَّه قال: بغايا مُعْلِناتٌ كنَّ كذلك في الجاهليةِ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيهِ، وإسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، وابنِ أبي ذئبٍ، عن شعبةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كنَّ بغايا في الجاهليةِ، على أبوابِهنَّ راياتٌ مثلُ راياتِ البَيطارِ يُعْرَفْنَ بها (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن قيسِ بن سعدٍ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نساءٌ بغايا متعالماتٌ، حرَّم اللهُ نكاحَهنَّ، لا يَنكِحُهنَّ (^٥) إِلَّا زانٍ من المؤمنينَ، أو مشركٌ من المشركينَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) بعده في ص، ف: \"وإن\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٨٩، ومن طريقه ابن أبي شيبة ٤/ ٧٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٢٤، والبيهقى ٧/ ١٥٤.\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ١٣٠ عن حجاج به.\n(^٤) في ص، ت ٢، ف: \"به\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٧٢ عن وكيع، عن ابن أبي ذئب به وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٧٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٢٢ من طريق وكيع، عن هشام، عن عاصم بن المنذر، عن عروة.\n(^٥) في ص، ت ١: \"ينكحن\".","vol":"17","page":153},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: كانتْ بيوتٌ تُسمَّى المواخيرَ في الجاهليةِ، وكانوا يُؤاجرُونَ فيها فتياتهنَّ، وكانتْ بيوتًا معلومةً للزنى، لا يدخُلُ عليهنَّ ولا يأتيهنَّ إِلَّا زانٍ من أهلِ القبلةِ، أو مشركٌ من أهلِ الأوثانِ، فحرَّم الله ذلك على المؤمنين (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾. قال: بغايا متعالماتٌ كنَّ في الجاهليةِ؛ بغيُّ آلِ فلانٍ، وبغيُّ آلِ فلانٍ، فأنزَل الله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. فحكَم اللهُ بذلك من أمرِ الجاهليةِ على الإسلامِ. فقال له [سليمانُ بنُ موسى] (^٢): أبلَغك ذلك عن ابن عباسٍ؟ فقال: نعمْ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سمِعتُ عطاءَ بنَ أبي رباحٍ يقولُ في ذلك: كنَّ بغايا متعالماتٍ؛ بغيَّ آلِ فلانٍ، وبغيَّ آلِ فلانٍ، وكنَّ زوانيَ مشركاتٍ. فقال: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: أَحْكَمَ اللهُ من أمرِ الجاهليةِ بهذا، قيل له: أبلَغك هذا عن ابن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٢٣ عن محمد بن سعد به.\n(^٢) في ت ٢: \"موسى بن سليمان\"، وفى ت ١: \"سليمان\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٩٢.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٢٤ من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"17","page":154},{"text":"عباسٍ؟ قال: نعمْ (^١).\nقال ابن جريجٍ: وقال عكرِمةُ: إِنَّه كان يُسمِّى تسعًا، يَعُدُّ (^٢) صواحبَ الراياتِ، وكنَّ أكثرَ من ذلك، ولكنَّ هؤلاءِ أصحابُ الراياتِ: أَمُّ مَهْزُولٍ جاريةُ السائبِ بن أبى السائبِ المخزوميِّ، وأمُّ عِلْيطٍ جاريةُ صفوانَ بن أميةَ، وحَنَّةُ (^٣) القبطيةُ جاريةُ العاصِ بن وائلٍ، ومَرِيَّةٌ جاريةُ مالكِ بن عُمَيْلةَ (^٤) بن السَّبَّاقِ (^٥) بن عبدِ الدارِ، وحلالةُ (^٦) جاريةُ سُهَيْلِ (^٧) بن عمرٍو، وأمُّ سُوَيْدٍ جاريةُ عمرِو بن عثمانَ المخزوميِّ، وسريفةُ (^٨) جاريةُ زَمْعَةَ بن الأسودِ، وفرسةُ جاريةُ هشامِ بن ربيعةَ بن حبيبِ بن حذيفةَ بن جبلِ بن مالكِ بن عامرِ بن لُؤَيٍّ، وقريبا (^٩) جاريةُ هلالِ بن أنسِ بن جابرِ بن نمرِ (^١٠) بن غالبِ بن فهرٍ (^١١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، [عن مَعمرٍ] (^١٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ١٤٦ عن حجاج به.\n(^٢) في ص،، م، ت ٢، ف: \"بعد\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"جنة\". ينظر جمهرة أنساب العرب ص ٣٥٢.\n(^٤) في ت ٢: \"عملية\". ينظر جمهرة أنساب العرب ص ٢٤٣.\n(^٥) في ص: \"الساق\". ينظر تاج العروس ٢٥/ ٤٣١.\n(^٦) في ف: \"جلالة\"\n(^٧) في ت ٢: \"سهل\".\n(^٨) في ص، ت ٢: \"سريفه\".\n(^٩) في ص: \"ننا\"، وفى ت ١: \"ينا\"، وفي ت ٢، ف \"ننا\".\n(^١٠) في ص: \"تيمر\"، وفي ت ٢: \"همر\".\n(^١١) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٩ مقتصرًا على أوله.\n(^١٢) سقط من: ت ٢.","vol":"17","page":155},{"text":"عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ. وقاله (^١) الزهريُّ وقتادةُ، قالوا: كان في الجاهليةِ بغايا معلومٌ ذلك منهنَّ، فأراد ناسٌ من المسلمينَ نكاحَهنَّ، فأنزَل اللهُ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ الآية.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ. وقاله الزهريُّ وقتادةُ، قالوا (^٢): كانوا في الجاهليةِ بغايا. ثم ذكَر نحوَه (^٣).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنَ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، القاسمِ بن أبى بَزَّةَ: كان الرجلُ يَنكِحُ الزانيةَ في الجاهليةِ التي قد علِم ذلك منها؛ يتخِذُها مَأكلةً، فأراد ناسٌ من المسلمينَ نكاحَهنَّ على تلك الجهةِ، فنُهوا عن ذلك.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، قال: قال القاسمُ بنُ أبي بزَّةَ. فذكَر نحوَه (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا سليمانُ التيميُّ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: كنَّ نساءَ مواردَ بالمدينةِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا عبدُ الملكِ بنُ أبى\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٥٠، ٥١.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٥١.","vol":"17","page":156},{"text":"سليمانَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ (^١)، أنَّ نساءً في الجاهليةِ كنَّ يُؤاجِرنَ أنفسَهنَّ، وكان الرجلُ أنَّما يَنكِحُ إحداهُنَّ؛ يريدُ أنْ يُصيب منها عَرَضًا (^٢)، فنُهوا عن ذلك، ونزَل: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾. ومنهنَّ امرأةٌ يقالُ لها: أمُّ مهزولٍ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن إسماعيلَ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾. قال: كنَّ نساءً يُكْرِين أنفسَهنَّ في الجاهليةِ (^٤).\nوقال آخرون: معنى ذلك: الزانى لا يزنِى إلَّا بزانيةٍ أو مشركةٍ، والزانيةُ لا يَزنِى بها إلَّا زان أو مشركٌ. قالوا: ومعنى النكاحِ في هذا الموضعِ الجِماعُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6284>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن حُصينٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾. قال: لا يزنى إلا بزانيةٍ أو مشركةٍ (^٥).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يَعلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أنَّه قال في هذه الآيةِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"عن ابن عباس\".\n(^٢) في ت ٢: \"غرضًا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٧٢ من طريق سفيان الثوري، عن سعيد بنحوه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٧٢ عن وكيع، عن إسماعيل قوله.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٥١، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٧٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٢٢ من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس.","vol":"17","page":157},{"text":"مُشْرِكَةً﴾. قال: لا يَزِني الزاني إلا بزانيةٍ مثله أو مشركةٍ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابن شُبرُمةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ وعكرمةَ في قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾. قالا: هو الوطءُ (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدٌ، عن معمرٍ، قال: قال سعيدِ بن جُبيرٍ ومجاهدٌ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾. قالا: هو الوطءُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سَلَمةَ بن نُبيطٍ، عن الضحاكِ بن مزاحِمٍ وشعبةَ، عن يَعلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾. قالا: لا يَزنِي الزاني حين يَزني إلا بزانيةٍ مثلِه أو مشركةٍ. قال: ولا تزنى مشركةٌ إلا بمثلها (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾. قال: هؤلاءِ بغايا كنَّ في الجاهليةِ، والنكاحُ في كتابِ اللهِ الإصابةُ، لا يُصيبها إلَّا زانٍ أو مشركٌ، لا يُحرِّمُ الزنى، ولا [يُصيب هو] (^٤) إِلَّا مِثلَها (^٥).\nقال: وكان ابن عباسٍ يقولُ: بغايا كُنَّ في الجاهليةِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٧١ عن محمد بن جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٥١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٧٢ عن وكيع به، وأخرجه أيضًا ٤/ ٢٧٢، وابن أبي حاتم في من طريق وكيع، عن شعبة، عن يعلى به.\n(^٤) في م: \"تصيب هي\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٢٥ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"17","page":158},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى (^١)، عن قيسِ بن سعدٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: إذا زنَى بها فهو زانٍ.\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾. قال: الزاني من أهلِ القبلةِ لا يزنِى إلا بزانيةٍ مثلِه أو مشركةٍ. قال (^٢): والزانيةُ من أهلِ القبلةِ لا تزنِى إلا بزانٍ مثلها من أهلِ القبلةِ، أو مشركٍ من غيرِ أهلِ القبلةِ. ثم قال: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣).\nوقال آخرونَ: كان هذا حكمَ اللهِ في كلِّ زانٍ وزانيةٍ، حتى نسَخه بقولِه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. فأحلَّ نكاح كلِّ مسلمةٍ، وإنكاحَ كلِّ مسلمٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6285>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ في قولِه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: يَروْن الآيةَ التي بعدَها نسَختْها: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾. قال: فهنَّ من أيَامَى المسلمينَ (^٤).\n_________\n(^١) بعده في م: \"وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح\"، وزاد بعده في ت ٢: \"عن مجاهد\".\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"الزاني من أهل القبلة\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٢٢، ٢٥٢٥، ٢٥٢٦، والنحاس في ناسخه ص ٥٨٣ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩ إلى ابن المنذر.\n(^٤) أخرجه الشافعي ٢/ ٢٨، وأبو عبيد في ناسخه ١٢٩، ١٣٠، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٧١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٢٤، والنحاس في ناسخه ص ٥٨٢، والبيهقى ٧/ ١٥٤ من طريق يحيى بن سعيد به، وعزاه =","vol":"17","page":159},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبَرني يحيى بنُ سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيِّبِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾. قال: نسَختها التي بعدَها: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾. وقال: إنَّهنَّ من أيَامي المسلمينَ.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: وذُكِر عن يحيى، عن ابن المسيَّبِ، قال: نسَختها: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: نسَخها (^١) قولُه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا أنسُ بنُ عياضٍ، عن يحيى، قال: ذُكِر الزني (^٣) عندَ سعيدِ بن المسيَبِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾. قال: فسمِعتُه يقولُ: إنَّها قد نسَختها التي بعدَها. ثم قرَأها سعيدٌ، قال: يقولُ اللهُ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾. ثم يقولُ اللهُ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾. فهنَّ من أيَامى المسلمينَ.\nقال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك عندِى بالصوابِ قولُ مَن قال: عَنَى بالنكاحِ في هذا الموضعِ الوطءَ، وأنَّ الآيةَ نزَلت في البغايا المشركاتِ ذواتِ الراياتِ. وذلك لقيامِ الحُجةِ على أنَّ الزانيةَ من المسلماتِ حرامٌ على كلِّ مشركٍ، وأنَّ الزانَى من المسلمينَ حرامٌ عليهِ كلُّ مشركةٍ من عبَدةِ الأوثانِ. فمعلومٌ إذ كان\n_________\n= السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبى داود في ناسخه وابن المنذر.\n(^١) في النسخ: \"نسختها\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٥١.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"17","page":160},{"text":"ذلك كذلك، أنَّه لم يُعنَ بالآيةِ أنَّ الزانيَ من المؤمنينَ لا يعقِدُ عقدَ نكاحٍ على عفيفةٍ من المسلماتِ، ولا يَنكِحُ إلَّا زانيةً (^١) أو مشركةً. وإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ (^٢) أنَّ معنى الآيةِ: الزانى لا يزنِى إلا بزانيةٍ [لا تستحِلُّ] (^٣) الزنى، أو بمشركةٍ تستحِلُّه.\nوقوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وحرِّم الزنى على المؤمنينَ باللهِ ورسولهِ، وذلك هو النكاحُ الذي قال جلَّ ثناؤُه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾.\n\n<span id=\"aya-2795\"></span><span data-type='title' id=toc-6286>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ </span>(٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: والذين يشتُمونَ (^٤) العفائفَ من حرائرِ المسلمينَ، فيرمُونَهنَّ بالزنى، ثم لم يأتُوا على ما رمَوهنَّ بهِ من ذلك بأربعِة شهداءَ عُدولٍ يشهدُونَ عليهنَّ أنَّهنَّ رأوهنَّ يفعَلنَ ذلك، فاجلِدُوا الذين رمَوهنَّ بذلك ثمانينَ جلدةً، ولا تقبلُوا لهم شهادةً أبدًا، وأولئك هم الذين خالفُوا أمرَ اللهِ، وخرجُوا من طاعتِه، ففسقُوا عنها.\nوذُكِر أن هذه الآيةِ إنما نزَلتْ في الذين رمَوا عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ بما رمَوها به من الإفكِ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"بزانية\".\n(^٢) في ت ٢: \"تبين\".\n(^٣) في ص: \"يستحل\"، وفى ت ١، ف: \"لا يستحل\"، في ت ٢: \"تستحل\".\n(^٤) في ت ١: \"يتهمون\".","vol":"17","page":161},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6287>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السائبِ وإبراهيمُ بنُ سعيدٍ، قالا: ثنا ابن فُضيلٍ، عن خُصيفٍ، قال: قلتُ لسعيدِ بن جُبيرٍ: الزِّنى أشدُّ أو قذفُ المحصنةِ؟ قال: لا، بل الزنى. قلتُ: إِنَّ الله يقولُ: ﴿إِنَّ (^١) الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٢٣]. قال: إِنَّما هذا في حديث عائشةَ خاصةً (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآيةُ: في نساءِ المسلمين (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ [في قولِه] (^٤): ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال: الكاذبونَ (^٥)\n\n<span id=\"aya-2796\"></span><span data-type='title' id=toc-6288>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في الذي استُثنى منه قولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾؛ فقال بعضُهم: استُثنى من قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ف: \"و\".\n(^٢) أخرجه الطبراني ٢٣/ ١٥١، ١٥٢ (٢٢٧) من طريق ابن فضيل به، وهو في تفسير سفيان ص ٢٢٣ - ومن طريقه الطبراني ٢٣/ ١٥١ (٢٢٦) - عن خصيف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٢٢٣ - ومن طريقه الطبراني ٢٣/ ١٥٢ (٢٢٩) - عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٣ معلقًا.","vol":"17","page":162},{"text":"الْفَاسِقُونَ﴾. وقالوا: إذا تاب القاذفُ قُبلت شهادتُه، وزال عنه اسمُ الفسقِ، حدَّ فيه أولم يُحد.\n\n<span data-type='title' id=toc-6289>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمد بنُ حمادٍ الدُّولابيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ - إن شاء اللهُ - أن عمرَ قال لأبي بكرةَ: إن تبتَ قبلتُ شهادتَك، أو تُبْ (^١) تُقبلْ (^٢) شهادتُك (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقُ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدَ بن المسيَّبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ ضرَب أبا بكرةَ وشِبلَ بنَ معبدٍ ونافعَ بنَ الحارثِ بنِ كَلدَةَ، حدَّهم وقال لهم: من أكذَب نفسَه أجزتُ شهادتَه فيما استُقبل، ومن لم يفعلْ لم أُجِزْ شهادته. فأكذَب شبلٌ نفسَه ونافعٌ، وأَبَى أبو بكرةَ أن يفعلَ. قال الزهريُّ: هو واللهِ سنةٌ فاحفَظوه (^٤).\nحدَّثنا ابن أبى الشواربِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، قال: إذا تاب - يعنى القاذفُ - ولم يُعلم منه إلا خيرٌ، جازت شهادتُه (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"رديت\".\n(^٢) سقط من النسخ، والمثبت من سنن البيهقى.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ١٦٩، والبيهقى ١٠/ ١٥٢ من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠ إلى سعيد بن منصور.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره، ٢/ ٥٢، وفى مصنفه (١٣٥٦٤، ١٣٥٦٥) من طريق الزهرى وغيره عن ابن المسيب بنحوه، وأخرجه عمر بن شبة في أخبار البصرة - كما في الفتح ٥/ ٢٥٦ - من طريق سليمان بن كثير عن الزهرى به. وعزاه السيوطي في الدر ٥/ ٢١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٣١ من طريق داود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١ إلى عبد بن حميد.","vol":"17","page":163},{"text":"حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، قال: على الإمامِ أن يستَتيبَ القاذفَ بعد الجَلدِ، فإن تاب [وأُونس] (^١) منه خيرٌ، جازت شهادتُه، وإن (^٢) لم يتبْ فهو خليعٌ لا تجوزُ شهادتُه.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ أنه قال في القاذفِ: إذا تاب وعُلم منه خيرٌ، إن شهادتَه جائزةٌ، وإن لم يتبْ فهو خليعٌ لا تجوزُ شهادتُه، وتوبتُه إكذابُه نفسَه.\nقال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن داودَ، عن الشعبيِّ نحوَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا داودُ بنُ أبى هندٍ، عن الشعبيِّ، قال في القاذفِ: إذا (^٣) تاب وأكذَب نفسَه قُبلت شهادتُه، وإلا كان خليعًا لا شهادةَ له؛ لأن الله يقولُ: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣] إلى آخرِ الآيةِ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ أنه كان يقولُ في شهادةِ القاذفِ: إذا رجَع عن قوله حينَ يُضَرَبُ، أو (^٤) أَكْذَب نفسَه، قُبِلت شهادتُه.\nقال: ثنا هشيمٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ أنه كان يقولُ: يقبَلُ اللهُ توبتَه وتردُّون (^٥) شهادتَه! وكان يقبَلُ شهادتَه إذا تاب (^٦).\n_________\n(^١) في ص، ف: \"أونس\"، وفي ت ٢: \"علم\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"إذا\".\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"إن\".\n(^٤) في ت ٢: \"و\".\n(^٥) في ف: \"يردون\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣٥٧٦)، وابن أبي شيبة ٦/ ١٧٠، والكرابيسي في كتاب القضاء - =","vol":"17","page":164},{"text":"قال: أخبَرنا إسماعيلُ، عن الشعبيِّ أنه كان يقولُ في القاذفِ: إذا شهِد قبلَ أن يُضربَ الحدَّ، قُبلت شهادتُه.\nقال: ثنا هشيمٌ قال: أخبَرنا عُبيدة، عن إبراهيم، وإسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن الشعبيِّ، أنهما قالا في القاذفِ: إذا شهِد قبلَ أن [يُجلدَ فشهادتُه] (^١) جائزةٌ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: قال أبو بشرٍ، يعنى ابنَ عُليةَ، سمِعتُ ابن أبي نجيحٍ يقولُ: القاذفُ إذا تاب تجوزُ شهادتُه. وقال: كلُّنا (^٣) نقوله. [فقيل له: من (^٤) قال؟ قال] (^٥): عطاءٌ وطاوسٌ ومجاهدٌ (^٦).\nحدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ خالدِ (^٧) ابن عثمةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بشيرٍ، عن قتادةَ، عن عمرَ بن [عبدِ اللهِ بن أبي طلحةَ] (^٨)، قال: إذا تاب القاذفُ جُلد و(^٩) جازت شهادتُه. قال أبو موسى: هكذا قال ابن (^١٠) عثمةَ.\n_________\n=كما في التغليق ٣/ ٣٨٠ - من طريق إسماعيل بن أبي خالدٍ به، وأخرجه البيهقي ١٠/ ١٥٣ من طريق أبي حصين ومطرف، عن الشعبي.\n(^١) في ص: \"يجلده لا شهادته\". وفى ت ٢: \"يجلد ولا شهادته\"، وفى ف: \"يجلد ولا شهادة\".\n(^٢) أخرجه اليبهقى ١٠/ ١٥٦ من طريق هشيم عن عبيدة.\n(^٣) في النسخ: \"كنا\"، والمثبت من مصادر التخريج، وليس هذا اللفظ عند ابن أبي شيبة.\n(^٤) بعده في ت ٢: \"أين\".\n(^٥) في ت ٢: \"من قول\".\n(^٦) أخرجه الشافعي في السنن المأثورة ص ٧٤ ومن طريقه البيهقى ١٠/ ١٥٣، وفى المعرفة (٥٨٩٣) - وسعيد بن منصور في سننه كما في التغليق ٣/ ٣٧٩ - وابن أبي شيبة ٦/ ١٦٨.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"خلف\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ١٤٣.\n(^٨) في م: \"طلحة عن عبد الله\". وينظر الجرح ٦/ ١١٩.\n(^٩) في ص، ت ٢: \"وتاب و\"، وفى ت ١، ف: \"وتاب\".\n(^١٠) بعده في النسخ: \"أبي\".","vol":"17","page":165},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ وابن المثنى، قالا: ثنا ابن (^١) عثمةَ، قال: ثنا سعيدٌ بنُ بشيرٍ، عن قتادةَ، عن سليمانَ بن يسارٍ والشعبيِّ، قالا: إذا تاب القاذفُ عندَ الجلدِ جازت شهادتهُ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن عمرَ بنَ عبدِ اللهِ بن أبي طلحةَ جلَد رجلًا في قذفٍ، فقال: أَكذِبْ نفسَك حتى تجوزَ شهادتُك (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الهيثمِ، قال: سمِعتُ إبراهيمَ والشعبيَّ يتذاكران شهادةَ القاذفِ، فقال الشعبيُّ لإبراهيمَ: لمَ لا تقبلُ شهادتَه؟ فقال: لأنى (^٤) لا أدرى تاب أم لا (^٥).\nقال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، [عن مجالدٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، قال: تُقبُل شهادتُه إذا تاب (^٦).\nقال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن يعقوبَ بن القعقاعِ، عن محمدِ بن زيدٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ مثله (^٧)] (^٨).\n_________\n(^١) بعده في في النسخ: \"أبى\".\n(^٢) أثر سليمان بن يسار أخرجه مالك ٢/ ٧٢١، ومن طريقه البيهقى ١٠/ ١٥٣ أنه بلغه عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار. فذكر نحوه.\n(^٣) ذكره الحافظ في التغليق ٣/ ٣٨١ عن المصنف.\n(^٤) سقط من: ت ١، ف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ١٧١ من طريق سفيان به. وأخرجه البغوي في الجعديات (٢٤١١) من طريق شريك، عن أبي الهيثم، عن إبراهيم وحده به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ١٦٩ من طريق مجالد به.\n(^٧) ذكره الحافظ في التغليق ٣/ ٣٧٩ عن المصنف.\n(^٨) سقط من ت ٢.","vol":"17","page":166},{"text":"[قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ] (^١)، عن ابن جُريجٍ، عن عمرانَ بن موسى، قال: شهِدتُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أجاز شهادةَ القاذفِ ومعه رجلٌ (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: قال الشعبيُّ: إذا تاب جازت شهادتُه. قال ابن المثنى: قال: عندى. يعني: في القذفِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا مِسعرٌ (^٤)، عن عمران (^٥) ابن عميرٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عتبةَ كان يُجيزُ شهادةَ القاذفِ إذا تاب (^٦).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكَ، قال: إذا تاب وأصلَح قُبلت شهادتُه. يعنى القاذفَ (^٧).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن ابن\n_________\n(^١) سقط من ت ٢.\n(^٢) أخرجه الخلال - كما في التغليق ٣/ ٣٧٨، ٣٧٩ - من طريق ابن المبارك به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣٥٦٠) عن ابن جريج به.\n(^٣) أخرجه البغوي في الجعديات (١٩١) عن شعبة به.\n(^٤) في ف: \"أبو معشر\".\n(^٥) بعده في ف: \"أن\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ١٧٠ عن ابن إدريس به. وأخرجه البيهقى ١٠/ ١٥٣ من طريق سفيان عن مسعر عن رجل، عن عبد الله بن عتبة، وأخرجه أيضًا ١٠/ ١٥٣ من طريق أبي معاوية ويحيى بن سعيد، عن مسعر، عن عمران به.\n(^٧) أخرجه البيهقى ١٠/ ١٥٣ من طريق هشيم به.","vol":"17","page":167},{"text":"المسيبِ، قال: تُقبلُ شهادةُ القاذفِ إذا تاب.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، عن ابن المسيبِ مثلَه (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدٌ، عن معمرٍ، قال (^٢): قال الزُّهريُّ: إذا حُدَّ القاذفُ، فإنه ينبغى للإمامِ أن يستتيبَه، فإن تاب قُبلت شهادتُه، وإلا لم تُقبلْ. قال: كذلك فعَل عمرُ بنُ الخطابِ بالذين شَهِدوا على المغيرةِ بن شعبةَ، فتابوا إلَّا أبا بكرةَ، فكان لا تُقبلُ (^٣) شهادتُه (^٤).\nوقال آخرون: الاستثناءُ في ذلك من قولِه (^٥): ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وأما (^٦) قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. فقد وُصِل بالأبدِ، ولا (^٧) يجوزُ قَبولُها أبدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6290>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن أبي الشواربِ، قال: ثنا يزيُد بنُ زريعٍ، قال: ثنا أشعثُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنى الشعبيُّ، قال: كان شريحٌ يُجيزُ شهادةَ صاحبِ كلِّ عملٍ إذا تاب إلا\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٥٣، وفي مصنفه (١٣٥٦٣)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٣٢ عن الحسن به.\n(^٢) في ت ٢: \"عن قتادة\".\n(^٣) في ت ٢: \"يقبل\".\n(^٤) ذكره الحافظ في التغليق ٣/ ٣٨٠ عن المصنف، وأخرجه مالك ٢/ ٧٢١ - ومن طريقة البيهقى ١٠/ ١٥٣ - وابن أبي شيبة ٦/ ١٧٠ من طريق ابن شهاب به.\n(^٥) في ت ٢: \"قولهم\"\n(^٦) في ت ١: \"فأما\".\n(^٧) في ت ٢: \"فلا\".","vol":"17","page":168},{"text":"القاذفَ. قال (^١): توبتُه فيما بينَه وبينَ ربِّه، ولا نُجيزُ شهادتَه.\nحدَّثنا حميدُ (^٢) بنُ مَسعَدةَ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا أشعتُ (^٣) بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنا الشعبيُّ، عن شُريحٍ بنحوِه، غيرَ أنه قال: صاحبُ كلِّ حدٍّ إذا كان عدلًا يوم شهِد (^٤).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن شريحٍ، قال: كان لا يُجيزُ شهادةَ القاذفِ، ويقولُ: توبتُه فيما بينَه وبينَ ربِّه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن مُطرِّفٍ، عن أبي عثمانَ، عن شريحٍ في القاذفِ: يقبلُ اللهُ توبتَه، ولا أقبلَ شهادتُه (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا أشعثُ، عن الشعبيِّ، قال: أتاه خَصمان، فجاء أحدُهما بشاهدٍ أقطعَ، فقال الخَصمُ: ألا ترى ما به؟ قال: قد أراه. قال: فسأل القومَ، فأثنَوا عليه خيرًا، فقال شريحٌ: نُجيزُ شهادةَ كلِّ صاحب حدٍّ، إذا كان يومَ شَهِد عدلًا، إلا القاذفَ، فإن توبتَه فيما بينَه وبينَ ربِّه.\n_________\n(^١) في م، ف: \"فإن\".\n(^٢) في ت ٢: \"عبيد\".\n(^٣) في ت ٢: \"سعيد\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣٥٧٥) به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ١٦٩ - ومن طريقه وكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٨٤ - عن ابن إدريس به، ولفظ ابن أبي شيبة: تجوز إذا تاب.","vol":"17","page":169},{"text":"حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا أشعثُ، عن الشعبيِّ، قال: جاء خَصمان إلى شُريحٍ، فجاء أحدُهما ببينةٍ، فجاء بشاهدٍ أقطعَ، فقال الخَصمُ: ألا ترى إلى ما به؟ فقال شريحٌ: قد رأيناه، وقد سألنا القومَ فأثنَوا خيرًا. ثم ذكَر سائرَ الحديثِ نحوَ حديثِ أبي كريبٍ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا الشيبانيُّ، عن الشعبيِّ، عن أنه كان يقولُ: لا تُقبلُ له شهادة أبدًا، توبتُه فيما بينَه وبينَ ربِّه. يعنى القاذفَ (^١).\nقال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا الأشعثُ، عن الشعبيِّ أن ربابًا قطَع رجُلًا في قطعِ الطريقِ، قال: فقطعَ يدهَ ورجلَه. قال: ثم تاب وأصلَح، فشهِد عندَ شريحٌ، فأجاز شهادتُه. قال: فقال المشهودُ عليه: أتجيز شهادتُه عليَّ وهو أقطعُ؟ قال: فقال شريحٌ: كلُّ صاحبِ حدٍّ إذا أُقيم عليه (^٢) ثم تاب وأصلَح، فشهادتُه جائزةٌ إلا القاذفَ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: المغيرةُ أخبَرني، قال: سمِعتُ إبراهيم يحدِّثُ عن شريحٌ، قال: قضاءٌ من اللهِ لا تُقبل شهادتُه أبدًا، توبتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ (^٣). قال أبو موسى: يعنى القاذفَ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: قال\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ١٠/ ١٥٦ من طريق هشيم به، وابن أبي شيبة ٦/ ١٧٠ من طريق الشيباني به.\n(^٢) بعده في ت ٢: \"الحد\".\n(^٣) في م: \"ربه\".\n(^٤) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٨٤ من طريق مغيرة به.","vol":"17","page":170},{"text":"شريحٌ: لا يقبلُ اللهُ شهادتُه (^١) أبدًا.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا حمادٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: لا تجوز شهادة القاذفَ، توبته توبته (^٢) فيما بينَه وبينَ اللهِ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى (^٤)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، أنه قال: القاذفُ توبته فيما بينَه وبينَ اللهِ، وشهادتُه لا تُقبلُ (^٥).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن إبراهيمَ أنه قال في الرجلِ يُجلدُ الحدَّ، قال: لا تجوزُ شهادتُه أبدًا (^٦).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرة، عن إبراهيمَ أنه كان لا يقبلُ له شهادةً أبدا، وتوبتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ (^٧) القاذفَ (^٨).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معمرٌ (^٩) بن سليمان (^١٠)، عن حجاجٍ، عن عمرِو بن\n_________\n(^١) في ص: \"شهادة\".\n(^٢) سقط من، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ١٧١ من طريق حماد بن سلمة به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣٥٦٣)، وفي تفسيره، ٢/ ٥٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٣٢ من طريق قتادة به.\n(^٤) في ص، م، ف: (ابن عبد). وهو عبد الأعلى بن عبد الأعلى.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣٥٧٢)، وابن أبي شيبة ٦/ ١٧١ من طريق قتادة به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ١٧١، ومن طريق يونس، عن الحسن.\n(^٦) أخرجه البغوي في الجعديات (١٩١) عن شعبة به.\n(^٧) سقط من: ص، وفى ت ٢: \"ربه\"، وبياض في: ف.\n(^٨) أخرجه البيهقى ١٠/ ١٥٦ من طريق أبو هشيم به، وعبد الرزاق في مصنفه (١٣٥٧٣)، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٣٢ من طريق آخر عن إبراهيم. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٩) في ص، م، ت ١، ف: \"معتمر\". وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٢٦.\n(^١٠) في النسخ: \"سليم\".","vol":"17","page":171},{"text":"شعيبٍ (^١)، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ قال: \"لا تجوزُ شَهادَةُ محدودٍ في الإسلام\" (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدُ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. قال: كان يقولُ (^٣): لا تُقبَلُ شهادةُ القاذفِ أبدًا، إنما توبتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ. وكان شريحٌ يقولُ: لا تُقبَلُ شهادتُه (^٤).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، [عن معاويةَ بن صالحٍ] (^٥)، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. ثم قال: فمَن تاب وأصلَح فشهادتُه في كتابِ اللهِ تُقبَلُ (^٦).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أن الاستثناءَ من المعنييْن جميعًا؛ أعنى من (^٧) قولِه: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. ومن قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وذلك أنه لا خلافَ بينَ الجميعِ أن ذلك كذلك إذا لم يُحدَّ في القذفِ حتى تاب:\n_________\n(^١) النسخ: \"سعيد\".\n(^٢) أخرجه أحمد ١١/ ٥٣١ (٦٩٤٠)، وابن ماجه (٢٣٦٦) من طريق معمر بن سليمان الرقى به، وأخرجه أحمد ١١/ ٥٣١ (٦٩٤٠) من طريق حجاج به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٥٣٦٤، ١٥٣٦٧)، وأحمد ١١/ ٢٩٩، ٥٠١ (٦٦٩٨، ٦٨٩٩)، وأبو داود (٣٦٠٠، ٣٦٠١)، والدارقطني ٤/ ٢٤٤، والبيهقى ١٠/ ١٥٥، ٢٠٠، ٢٠١، والبغوى في شرح السنة (٢٥١١) من طريق عمرو بن شعيب به.\n(^٣) بعده في ص، ف: \"لا يقول\". وفى ت ٢: \"لا تقول\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٣٠ من طريق محمد بن عبد الأعلى به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٥٢، وفي مصنفه (١٣٥٧٢) عن معمر عن قتادة عن الحسن به.\n(^٥) سقط من النسخ.\n(^٦) أخرجه البيهقى ١٠/ ١٥٣ من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٧) سقط من ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.","vol":"17","page":172},{"text":"إما بأن [لم يُرفعْ] (^١) [إلى السلطانِ] (^٢) بعفوِ المقذوفةِ عنه (^٣)، وإما بأن ماتت قبلَ المطالبةِ بحدِّها ولم يكُنْ لها طالبٌ يطلبُ بحدِّها. فإذ (^٤) كان ذلك كذلك، وحدَثت منه توبةٌ، صحَّت له بها العدالةُ.\nفإذ (^٥) كان من الجميعِ إجماعًا، ولم يكنِ اللهُ تعالى ذكرُه شرَط في كتابِه (^٦) أن لا تُقبَلَ شهادتُه أبدًا بعد الحدِّ في رميِه، بل نهَى عن قبولِ شهادتُه في الحالِ التي أوجَب عليه فيها الحدَّ، وسماه فيها فاسقًا - كان معلومًا بذلك أنّ إقامةَ الحدِّ عليه في رميِه لا تُحدِث في شهادتِه مع التوبةِ من ذنبِه ما لم يكنْ حادثًا فيها قبلَ إقامتِه عليه، بل توبتَه بعدَ إقامة الحدِّ عليه من ذنبِه أحرَى أن تكونَ شهادتُه معها أجوزَ منها قبلَ إقامتِه عليه؛ لأن الحدِّ يزيد المحدودَ عليه تطهيرًا من جُرمِه الذي استحقَّ عليه الحدِّ.\nفإن قال قائلٌ: فهل يجوزُ أن يكونَ الاستثناءُ من قولِه: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. فتكونَ التوبةُ مُسقطةً عنه الحدَّ، كما كانت لشهادتِه عندَك قبلَ الحدِّ وبعده مجيزةً (^٧)، ولاسمِ الفسقِ عنه مزيلةً؟ قيل: ذلك غيرُ جائزٍ عندَنا، وذلك أن الحدَّ حقٌّ (^٨) عندَنا للمقذوفةِ، كالقصاصِ الذي (^٩) يجبُ لها من جنايةٍ\n_________\n(^١) في م: \"يرفع\".\n(^٢) في ت ٢: \"للسلطان\".\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) في ت ٢: \"فإذا\".\n(^٥) في ت ٢، ف: \"فإذا\".\n(^٦) في ص: \"كتابته\".\n(^٧) في ت ١، ت ٢: \"محيرة\".\n(^٨) سقط من: ت ٢.\n(^٩) في ت ٢: \"التي\".","vol":"17","page":173},{"text":"يَجنيها عليها مما فيه القصاصُ، ولا خلافَ بينَ الجميعِ أن توبتَه من ذلك لا تضعُ عنه الواجبَ لها من القصاصِ منه، فكذلك توبتُه من منه، فكذلك توبته من القذفِ لا تضعُ عنه الواجبَ لها من الحدِّ؛ لأن ذلك حقٌّ لها، إن شاءت عفَته، وإن شاءت طالبت (^١) به. فتوبةُ العبدِ من ذنبِه [إنما تضعُ] (^٢) [عن العبدِ] (^٣) الأسماءَ الذميمةَ والصفاتِ القبيحةَ. فأما حقوقُ الآدميين التي أوجبها اللهُ لبعضِهم على بعضٍ في كلِّ الأحوالِ، فلا تزولُ بها ولا تبطُلُ.\nواختلَف أهلُ العلمِ في صفةِ توبة القاذفِ التي تقبلُ معها شهادتُه؛ فقال بعضُهم: هي (^٤) إكذابُه نفسَه فيه. وقد ذكَرنا بعضَ قائلى ذلك فيما مضى قبلُ، ونحن نذكُرُ بعضَ ما حضَرَنا ذكره مما لم نذكره قبلُ.\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ، قال: توبةُ القاذفِ أن يُكذِبَ نفسَه (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حصينٌ، قال: رأيتُ رجلًا ضُرِب حدًّا في قذفٍ بالمدينةِ، فلما فُرغ من ضربِه [تناول ثوبَه] (^٦)، ثم قال: أستغفِرُ الله وأتوبُ إليه من قذفِ المحصناتِ. قال: فلقيتُ أبا الزنادِ، فذكرتُ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"طالبته\".\n(^٢) سقط من: ت ١، ف.\n(^٣) في ت ٢: \"عنه\".\n(^٤) في م: \"هو\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ١٧٢ عن حفص به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣٥٦٢) من طريق ابن طاوس، عن أبيه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) في ت ٢: \"تأول توبة\".","vol":"17","page":174},{"text":"ذلك له. قال: فقال: إن الأمرَ عندَنا ههنا أنه إذا قال ذلك حينَ يُفرَغُ من ضربِه، ولم نَعلمْ (^١) منه إلا خيرًا قبلت شهادتُه (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية. قال: من اعترَف وأقرَّ على نفسِه علانيةً أنه قال البهتانَ، وتاب إلى اللهِ توبةً نصوحًا - والنَّصوحُ: ألا يعودَ (^٣) وإقرارُه واعترافُه عندَ الحدِّ حينَ يؤخذُ بالجلدِ - فقد تاب، واللهُ غفورٌ رحيمٌ (^٤).\nوقال آخرون: توبتُه من ذلك [صلاحُ حالِه، وندمُه على ما فرَط منه من ذلك، و] (^٥) الاستغفارُ منه، وتركه العودَ في مثلِ ذلك من الجُرمِ. وذلك قولُ جماعةٍ من التابعين وغيرِهم، وقد ذكَرنا بعض قائليه فيما مضَى، وهو قولُ مالكِ بن أنسٍ.\nوهذا القولُ أولى القولين (^٦) في ذلك بالصوابِ؛ لأن الله تعالى ذكرُه جعَل توبةَ كلِّ ذى ذنبٍ من أهلِ الإيمانِ تركَه العودَ منه العود منه، والندمَ على ما سلَف منه، [واستغفارَ ربَّه] (^٧) منه، فيما كان من ذنبٍ بينَ العبد وبينَه، دونَ ما كان من\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"يعلم\".\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه - كما في التغليق ٣/ ٣٨١ ومن طريقه البيهقى ١٠/ ١٥٣ - عن هشيم به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"يعودوا\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٣٢ من طريق أبي معاذ النحوى به.\n(^٥) سقط من ت ٢.\n(^٦) في ت ٢: \"التأويلين\".\n(^٧) في ت ٢: \"الاستغفار لربه\".","vol":"17","page":175},{"text":"حقوقِ عبادهِ ومظالمِهم بينَهم. والقاذفُ إذا أُقيم عليه فيه (^١) الحدِّ، أو عُفى عنه، فلم يبقْ عليه إلا توبتُه من جُرمِه (^٢) بينَه وبينَ ربِّه، فسبيلُ توبتِه منه سبيلُ توبتِه من سائرِ أجرامِه.\nفإذ (^٣) كان الصحيحُ في ذلك من القولِ ما وَصفنا، فتأويلُ الكلامِ: وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا من جُرمِهم الذي اجترَموه، بقذفِهم المحصناتِ من بعدِ اجترامِهموه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: ساترٌ على ذنوبِهم بعفوِه لهم عنها، رحيمٌ بهم بعدَ التوبةِ أن يعذبَهم عليها، فاقبلُوا شهادتَهم، ولا تسمُّوهم فسَقةً، بل سمُّوهم بأسمائِهم التي هي لهم في حالِ توبِتهم.\n\n<span id=\"aya-2797\"></span><span data-type='title' id=toc-6291>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ من (^٤) الرجالِ ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ بالفاحشةِ، فيقذفونهن (^٥) بالزنى، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ يشهدون لهم بصحةِ ما رمَوهنّ به من الفاحشةِ، ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\nواختلفت القرأةُ في قراءةِ [ذلك؛ فقرأته] (^٦) عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (أَربَعَ\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) بعده في ت ١: \"فيما\".\n(^٣) في ت ٢: \"فإذا\".\n(^٤) بعده في ت ٢: \" بعض\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"فيقذفوهن\".\n(^٦) في ت ١: \"أربع شهادات فقرأ ذلك\".","vol":"17","page":176},{"text":"شَهَادَاتٍ). نصبًا (^١)، ولنصبِهم ذلك وجهان؛ أحدُهما: أن تكونَ \"الشهادةُ\" في قولِه: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾. مرفوعةً بمضمرٍ قبلَها، ويكونَ \"الأربعُ\" منصوبًا بمعنى الشهادةِ. فيكونُ تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: فعلى أحدِهم أن يشهدَ أربعَ شهاداتٍ باللهِ والوجهُ الثاني: أن تكونَ \"الشهادةُ \"مرفوعةً بقولِه: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. و\"الأربعُ\" منصوبةً بوقوعِ \"الشهادةِ\" عليها. كما يُقالُ: شهادتى ألفَ مرةٍ إنك لرجلُ سَوْءٍ. وذلك أن العربَ ترفعُ الأيمانَ بأجوبتِها، فتقولُ: حَلِفٌ صادقٌ لأقومَنّ، وشهادةُ عمرٍو ليَقعُدَنَّ.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾. برفعِ \"الأربع\" (^٢)،\nويجعلُونها للشهادةِ مرافِعةً. وكأنهم وجَّهوا تأويلَ الكلامِ: فالذى يلزَمُ من الشهادةِ، أربعُ شهاداتٍ بالله إنه لمن الصادقين.\nوأولَى القراءتين في ذلك عندى بالصوابِ (^٣) قراءةُ من قرأ (^٤): (فَشَهادة أحَدِهِم أَربَعَ شَهَادَاتٍ باللهِ إِنه لَمِنَ الصَادِقِينَ). بنصبِ \"أربع\"، \"بوقوعِ\" \"الشهادة\" عليها. و\"الشهادةُ\" مرفوعةٌ حينئذٍ على ما وصفتُ من الوجهين قبلُ (^٥). وأحبُّ وجهيْهما إليَّ (^٦) أ ن تكونَ به مرفوعةً (^٧) بالجوابِ، وذلك قولَه:\n_________\n(^١) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبى بكر. حجة القراءات ص ٤٩٥.\n(^٢) هي قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. المصدر السابق.\n(^٣) القراءتان متواترتان.\n(^٤) في ص، ف: \"قرأه\".\n(^٥) في ص: \"قيل\"\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢ ت ٣، ف.\n(^٧) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"إلى\".","vol":"17","page":177},{"text":"﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. وذلك أن معنى الكلامِ: والذين يرمون أزواجَهم ولم يكنْ لهم شهداءُ (^١)، إلا أنفسُهم، فشهادةُ أحدِهم أربعُ شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الصادقين، تقومُ (^٢) مقامَ الشهداءِ الأربعةِ في دفعِ الحدِّ عنه. فترك ذكرَ (^٣): تقومُ (^٤) مقامَ الشهداءِ الأربعةِ اكتفاءً بمعرفةِ السامعين بما ذُكِر من الكلامِ، فصار مُرافع \"الشهادةِ\" ما وصفتُ.\nويعنى بقولِه: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ فحلِفُ أحدِهم أربعُ أيمانٍ باللهِ. من قولِ القائلِ: أشهدُ باللهِ إنه لمن الصادقين فيما رمَى زوجتَه به من الفاحشةِ.\n\n<span id=\"aya-2798\"></span>﴿وَالْخَامِسَةُ﴾. يقولُ: والشهادةُ الخامسةُ ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، يَقولُ: أن لعنةَ اللهِ له واجبةٌ، وعليه حالَّةٌ، إن كان فيما [رماها به] (^٥) من الفاحشةِ من الكاذبين.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاءت الآثارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ، وقالت به جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"شهادة\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"يقوم.\n(^٣) سقط من: ت ٣.\n(^٤) في ت ١: \"يقوم\".\n(^٥) في ت ٢: \"رمي به زوجته\".","vol":"17","page":178},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6292>ذكرُ الرواية بذلك وذُكِر السببِ الذي فيه أُنزلت (^١) هذه الآيةُ</span>\nحدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن عكرمةَ، قال: لما نزَلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. قال سعدُ بنُ عبادةَ: اللهِ (^٢) إن أنا رأيتُ لكاعِ متفخذَها (^٣) رجلٌ، فقلتُ بما رأيتُ، إن في ظهرى لثمانين، إلى ما أجمعُ أربعةً، قد ذهَب، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"يا معشرَ الأنصارِ، ألا تسمعون [إلى (^٤) ما] (^٥) يقولُ سيدُكم؟ \". قالوا يا رسولَ اللهِ، لا تلُمَه. وذكَروا من غيرتِه؛ فما تزوَّج امرأةً قطُّ إلا بكرًا، ولا طلَّق امرأةً قطُّ فرجَع فيها أحدٌ منا. فقال رسولُ الله ﷺ: \"فإن الله يأبى إلا ذاك\". فقال: صدَق اللهُ ورسولُه. قال: فلم يلبَثوا أن جاء ابن عمٍّ له فرمى امرأتَه، فشقَّ ذلك على المسلمين. فقال: لا واللهِ، لا يَجْعلُ اللَّهُ في ظهرى ثمانين أبدًا، لقد نظرتُ حتى أيقَنتُ، ولقد استسمَعتُ حتى استشفَيتُ. قال: [فأنزَل اللهُ] (^٦) القرآنَ باللعانِ، فقيل له: احلِفْ. فحلَف. قال (^٧): \"قفوه عندَ الخامسةِ، فإنها مُوجِبةٌ\". فقال: لا يُدخلُه الله النارَ بهذا أبدًا، كما درَأ عنه جلدَ ثمانين، لقد نظرتُ حتى أيقنتُ، ولقد استسمَعتُ حتى\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"نزلت\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"االله\".\n(^٣) في ف: \"يتفخذها\".\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٥) في ص: \"لما\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"ونزل\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"قيل\".","vol":"17","page":179},{"text":"استشفيتُ، فحلَف. ثم قيل لها (^١): احلفى. فحلَفتْ، [ثم قال] (^٢): \"قِفوها عندَ الخامسةِ، فإنها مُوجبةٌ\". فقيل (^٣) لها: إنها مُوجِبةً. فتلكَّأتْ ساعةً، ثم قالت: لا أُخزِى قومِى. فحلَفت. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذى قيل فيه ما قيل\". قال: فجاءت به غلامًا كأنه جملٌ أورقُ، فكان بعدُ أميرًا بمصرَ، لا يُعرفُ نسبُه (^٤)، أو (^٥) لا يُدرَى من أبوه (^٦).\nحدَّثنا خلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شُميلٍ، قال: أخبَرنا عبادٌ، قال: سمِعتُ عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال سعدُ بنُ عبادةَ: لهكذا أُنزلت يا رسولَ الله؟ لو أتيتُ لَكاعِ قد تفخَّذها رجلٌ، لم يكنْ لى أن أَهِيجَه ولا أُحرِّكَه حتى آتِىَ بأربعةِ شهداءَ، فوالله ما كنتُ لآتِىَ بأربعةِ شهداءَ حتى يفرُغَ من حاجته. فقال رسول اللهِ ﷺ: \"يا معشرَ الأنصارِ، أما (^٧) تسمَعُون إلى ما يقولُ سيدُكم؟ \". قالوا: لا تلُمْه فإنه رجلٌ غيورٌ، ما تزوَّج فينا قطُّ إلا عذراءَ، ولا طلَّق امرأةً له، فاجترَأ رجلٌ (^٨) منا أن يتزوّجَها. قال سعدٌ:\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ص، ت ١، ٢، ت ٣، ف: \"قيل\".\n(^٣) في ف: \"قيل\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"نفسه\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ف: \"و\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاقِ في مصنفه (١٢٤٤٤)، وفي تفسيره ٢/ ٥٣ عن معمر عن أيوب به.\n(^٧) في ص، ت ١، ف: \"ألا\"، وفي ت ٢: \"لا\".\n(^٨) في ت ٢: \"أحد\".","vol":"17","page":180},{"text":"يا رسولَ اللهِ، بأبي وأمِّى، واللهِ إنى لأعرفُ أنها من الله، وأنها حقٌّ، ولكنْ عجِبت لو وجدتُ لَكاعِ قد تفخَّذها رجلٌ، لم يكنْ لى أن أَهيجَه و[لا أحرِّكَه، حتى أتىَ بأربعةِ شهداءَ، واللهِ لا آتِى بأربعةِ شهداءَ، حتى يفرُغَ من حاجته. فواللهِ] (^١) ما لبِثُوا إلا يسيرًا حتى جاء هلالُ بنُ أميةَ من حديقةٍ له، فرأى بعينيه (^٢) وسمِع بأذنيه، فأمسَك حتى أصبحَ، فلما أصبَح غدا على رسولِ اللهِ ﷺ وهو جالسٌ مع أصحابه، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنى جئتُ أهلى عِشاءً فوجدتُ رجلًا مع أهلى، رأيت بعينيَّ، وسمعت بأذنيَّ. فكرِةَ رسولُ اللهِ ﷺ ما أتاه به وثَقُل عليه جدًّا حتى عُرف ذلك في وجهِه، فقال هلالٌ: واللهِ يا رسولَ اللهِ، إنى لأرى الكراهةَ (^٣) في وجهِك مما أتيتُك به، واللهُ يعلمُ أني صادقٌ، وما قلت إلا حقًّا، وإني (^٤) لأرجُو أن يجعلَ اللهُ فرجًا. قال: واجتمعت الأنصارُ، فقالوا: ابتُلينا بما قال سعدٌ، أيُجلدُ هلالُ بنُ أميةَ، وتبطُلُ شهادتُه في المسلمين؟ فهمَّ رسولُ اللهِ ﷺ، بضربِه، فإنه لكذلك يريدُ أن يأمُرَ بضربِه، ورسولُ الله ﷺ جالسٌ مع أصحابهِ، إذ نزل عليه الوحى، فأمسَك أصحابُه عن كلامِه حينَ (^٥) عرَفوا أن الوحىَ قد نزَل، حتى فرَغ، فأنزل اللهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ إلى: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أبشِرْ يا هِلالُ، فإن الله قد جعلَ فَرَجًا\". فقال: قد كنتُ أرجُو ذلك من اللهِ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أرسِلوا إليها\". فجاءت، فلما اجتمعا\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) في ت ٢: \"بعينه\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الكراهية\".\n(^٤) في م، ت ١، ف: \"فإني\".\n(^٥) في ص، ف: \"حتى\".","vol":"17","page":181},{"text":"عندَ رسولِ اللهِ ﷺ قيل لها، فكذَبت. فقال رسولُ اللهِ: \"إن الله يعلَمُ أن أحدَ كما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ؟ \". فقال هلالٌ: [يا رسولَ اللهِ] (^١)، بأبي وأمِّي، لقد صدَقتُ، وما قلتُ إلا حقًّا. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لاعِنُوا بينهما\". قيل لهلالٍ، يا هلالُ، اشهدْ. فشهِد أربعَ شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الصادقين. فقيل له [عندَ الخامسةِ] (^١): يا هلالُ، اتقِ الله، فإن عذابَ اللهِ أشدُّ من عذابِ الناسِ، وإنها الموجبةُ التي توجِبُ عليك العذابَ. فقال هلالٌ: والله لا يعذِّبُنى اللهُ (^٢) عليها، كما لم يَجلدْني عليها رسولُ اللهِ ﷺ. فشهِد الخامسةَ: أن لعنةَ اللهِ عليه إن كان من الكاذبين. ثم قيل لها: اشهدى. فشهِدت أربعَ شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الكاذبين. فقيل لها عندَ الخامسةِ: اتقى الله، فإن عذابَ اللهِ أَشدُّ من عذابِ الناسِ، وإن هذه الموجبةُ التي تُوجبُ عليك العذابَ. فتلكَّأت ساعةً، ثم قالت: واللهِ لا أفضَحُ قومى. فشهِدت الخامسةَ: أن غَضَبَ اللَّهِ عليها إن كان من الصادقين. ففرَّق بينَهما رسولُ اللهِ ﷺ، وقضَى أن الولدَ لها، ولا يُدعَى لأبٍ، ولا يُرمَى ولدُها (^٣).\nحدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الحسينُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا جريرُ بنُ حازمٍ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا قذَف\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) بعده في ت ٢: \"أشد من عذاب الناس\".\n(^٣) أخرجه الطيالسي (٢٧٨٩)، وأحمد ٣٣/ ٤ (٢١٣١)، وأبو داود (٢٢٥٦) مختصرًا، وأبو يعلى (٢٧٤٠، ٢٧٤١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٣٣، والواحدى في أسباب النزول ص ٢٣٧، والبيهقى ٧/ ٣٩٤ من طريق عباد بن منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.","vol":"17","page":182},{"text":"هلالُ بنُ أميَّةَ امرأتَه، قيل له: واللهِ لَيجلِدَنَّك رسولُ اللهِ ﷺ ثمانين جلدةً. قال: الله أعدلُ ذلك، أن يضربَنى ضربةً وقد علِم أنى قد رأيتُ حتى استيقنتُ، وسمِعتُ حتى استثبَتُّ، لا واللهِ لا يضربُنى أبدًا. فنزَلت آيةُ الملاعنةِ، فدعا بهما رسولُ اللهِ ﷺ حينَ نزَلت الآية، فقال: \"الله يعلم أن أحدَ كما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ؟ \". فقال هلالٌ: واللهِ إنى لصادقٌ. فقال له: \"أحلِفْ باللهِ الذي لا إلهَ إلا هو: إني لصادقٌ\". يقولُ ذلك أربع مراتٍ، فإن كنتُ كاذبًا فعليَّ لعنةُ اللهِ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"قِفوه عندَ الخامسةِ، فإنها مُوجبةٌ\". فحلَف، ثم قالت أربعًا: واللهِ الذي لا إلهَ إلا هو: إنه لمن الكاذبين، فإن كان صادقًا فعليها غضبُ اللهِ. وقال رسولُ الله ﷺ: \"قِفوها عندَ الخامسةِ، فإنها مُوجبةٌ\". فتردَّدت وهمَّت بالاعترافِ، ثم قالت: لا أفضحُ قومى (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشامٍ الرفاعيُّ، قالا: ثنا عبدةُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: كنا ليلةَ الجمعةِ في المسجدِ، فدخل رجلٌ فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا فقتله قتلتموه (^٢)؟ وإن تكلَّم جلدتموه؟ فذُكر ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ، فأنزَل اللهُ آيةَ (^٣) اللعانِ. ثم جاء الرجلُ بعدُ، فقذَف امرأتَه، فلاعَن رسولُ اللهِ ﷺ ما بينَهما، فقال: \"عسى أن تجئَ به أسودَ جَعدًا\". فجاءت به أسودَ جَعدًا (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٢٧٤ (٢٤٦٨)، والحاكم ٢/ ٢٠٢، والبيهقى ٧/ ٣٩٥ من طريق الحسين بن محمد المروزي به.\n(^٢) في ت ٢: \"فقتلتموه\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"آيات\" وهي لفظة ابن ماجه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٠٥، ومسلم (١٤٩٥)، وابن ماجه (٢٠٦٨)، والبيهقى ٨/ ٣٣٧ من طريق =","vol":"17","page":183},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن عبدِ الملكِ بن أبى سليمانَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ، فقلتُ: يا أبا عبدِ الرحمنِ، أيُفرَّقُ (^١) بينَ المتلاعنَين؟ فقال: نعم، سبحانَ اللهِ! إن أولَ من سأل عن ذلك فلانٌ؛ أتى النبيَّ ﷺ فسأله، فقال: أرأيتَ لو أن (^٢) أحدَنا رأى صاحبتَه على فاحشةٍ، كيف يصنعُ؟ فلم يُجبه في ذلك شيئًا. قال: فأتاه بعدَ ذلك فقال: إن الذي سألتُ عنه قد ابتُليتُ به. فأنزَل اللهُ هذه الآيةَ في سورةِ \"النورِ\"، فدعا الرجلَ فوعَظه وذكَّره، وأخبَره أن عذابَ [الدنيا أهونُ من عذابِ الآخرةِ] (^٣). قال: والذي بعَثك بالحقِّ، لقد رأيتُ وما كذبتُ عليها. قال: ودعا المرأةَ فوعَظها، وأخبَرها أن عذابَ الدنيا أهونُ من عذابِ الآخرةِ. فقالت: والذي بعَثك بالحقِّ [إنه لكاذبٌ، وما رأى شيئًا] (^٤). قال فبدأ الرجلُ، فشهد أربعَ شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الصادقين، والخامسةَ أن لعنةَ اللهِ عليه إن كان من الكاذبين. ثم إن المرأةَ شهِدت أربع شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الكاذبين، والخامسةَ أن غضَبَ اللهِ عليها إن كان من الصادقين، وفرَّق (^٥) بينَهما (^٦).\n_________\n= عبدة به. وأخرجه أحمد ٧/ ١٠٥، ٣١٢ (٤٠٠١، ٤٢٨١)، ومسلم (١٠/ ١٤٩٥)، وأبو داود (٢٢٥٣)، وأبو يعلى (٥١٦١)، والواحدى في أسباب النزول ص ٢٣٨، والبيهقى ٧/ ٤٠٥ من طريق الأعمش به.\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"يفرق\"، وفي ف: \"تفرق\".\n(^٢) في ف: \"كان\".\n(^٣) في ت ٢: \"الله أشد من عذاب الدنيا\".\n(^٤) في ت ٢: \"ما رأى شيئًا وإنه لكاذب\".\n(^٥) في ت ٢: \"ففرق\".\n(^٦) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٣٥٨) من طريق جرير به. وأخرجه أحمد ٨/ ٢١٠، ٣١٩، ٩/ ٥٢ (٤٦٠٣، ٤٦٩٣، ٥٠٠٩، والدارمي ٢/ ١٥٠، ١٥١، ومسلم (١٤٩٣)، والترمذى (١٢٠٢، ٣١٧٨)، والنسائي (٣٤٧٣)، وفي الكبرى (١١٣٥٧)، وأبو يعلى (٥٦٥٦، ٥٧٧٢)، وابن الجارود =","vol":"17","page":184},{"text":"حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن داودَ، عن عامرٍ، قال: لما أُنزِل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. قال عاصمُ ابن عديٍّ: إن أنا رأيتُ فتكلَّمتُ جُلِدتُ ثمانين، وإن أنا سكَتُّ سكَتُّ على الغيظِ؟ قال: فكأنَّ ذلك شقَّ على رسولِ اللهِ ﷺ. قال: فأنزِلت هذه الآيةُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾. قال: فما لبِثُوا إلا جمعةً حتى كان بينَ رجلٍ من قومِه وبيَن امرأتِه، فلاعَن رسولُ اللهِ ﷺ بينَهما (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية. والخامسةُ: أن يُقالَ له: إن عليك لعنةَ اللهِ إن كنتَ من الكاذبين. وإن أقرت المرأةُ بقولِه رُجمت، وإن أنكَرت شهِدت أربعَ شهاداتٍ باللهِ: إنه لمن الكاذبين. والخامسةَ أن يُقالَ لها: غضَبُ اللهِ عليكِ إن كان (^٢) من الصادقين. فيُدرَأُ عنها (^٣) العذابُ، ويُفرَّقُ بينَهما، فلا يجتمعان أبدًا، ويُلحقُ الولدُ بأمِّه (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾. قال: هلالُ بنُ أميَّةَ، والذي رُميَتْ به\n_________\n= (٧٥٢)، وابن حبان (٤٢٨٦)، والبيهقي ٧/ ٤٠٤، من طريق عبد الملك بن أبي سليمان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٢٨ من طريق حصين بن نمير عن الشعبي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١ إلى ابن مردويه.\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"كنت\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٤) تقدم تخريجه ص ١٨٠ - ١٨٢.","vol":"17","page":185},{"text":"شريكُ بن سحماءَ (^١)، والذي اسْتَفْتَى [عاصمُ بنُ عديٍّ] (^٢).\nقال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبَرني الزهريُّ عن الملاعنةِ والسنةِ فيها، عن حديثِ سهلِ بن سعدٍ، أن رجلًا من الأنصارِ جاء إلى النبيِّ ﷺ، فقال: أرأيتَ (^٣) رجلًا وجَد مع امرأتِه رجلًا، أيقتلُه فتقتلونه، أم كيف يفعلُ؟ فأنزَل اللهُ في شأنِه ما ذكَر من أمرِ المتلاعنَين، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \" وقد قضَى اللهُ فيك وفى امرأتِك\". فتلاعَنا وأنا شاهدٌ، ثم فارَقها عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، فكانت السُّنةُ بعدَها أن يُفرَّقَ بينَ المتلاعنَين. وكانت حاملةً، فأنكَره، فكان ابنُها يُدعَى إلى أمَّه، ثم جرَت السُّنةُ أن ابنَها يرتُها، وترِثُ ما فرَض اللهُ لها (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. قال: إذا شهِد الرجلُ خمسَ شهاداتٍ، فقد برئَ كلُّ واحدٍ من الآخرِ، وعِدَّتُها إن كانت حاملًا أن تضعَ حملَها، ولا يُجلَدُ واحدٌ منهما، وإن لم تحلفْ (^٥) أُقيم عليها (^٦) الحدُّ والرجمُ (^٧).\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"سمحا\". وينظر الإصابة ٣/ ٣٤٤.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عدي بن عاصم\".\n(^٣) بعده في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لو أن\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٤٤٦) - ومن طريقه البخارى (٥٣٠٩)، ومسلم (٣/ ١٤٩٢) - عن ابن جريج به.\n(^٥) في ص، ف: \"يحلف\".\n(^٦) في ت ١، ت ٢: \"عليه\".\n(^٧) بعده في ت ٢: \"والله أعلم\".","vol":"17","page":186},{"text":"<span id=\"aya-2799\"></span><span data-type='title' id=toc-6293>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾.</span>\nيعنى جلَّ ذكرُه بقولِه: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾: ويدفعُ عنها الحدَّ.\nواختلَف أهلُ العلمِ في العذابِ الذي عناه اللهُ في هذا الموضعِ أنه يدرؤُه عنها شهاداتُها (^١) الأربعُ؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذي قلنا في ذلك، من أن (^٢) الحدَّ (^٣) جَلدُ مائةٍ إن كانت بكرًا، أو (^٤) الرجمُ إن كانت ثيِّبًا قد أُحصِنت.\nوقال آخرون: بل ذلك الحبسُ. وقالوا: الذي يجبُ عليها إن هي لم تشهدِ الشهاداتِ الأربعَ بعدَ شهاداتِ الزوجِ الأربعِ والْتِعانِه، الحبسُ دونَ الحدِّ.\nوإنما قلنا: الواجبُ عليها إذا هي امتنَعت من الالْتِعانِ بعد الْتِعانِ الزوجِ، الحدُّ الذي وصَفنا، قياسًا على إجماعِ الجميعِ على أن الحدَّ إذا زال عن الزوجِ بالشهاداتِ (^٥) الأربعِ، على تصديقِه فيما رماها به - أن الحدَّ عليها واجبٌ. فجعل اللَّهُ أيمانَه الأربعِ، والْتعانَه في الخامسةِ، مَخْرجًا له من الحدِّ الذي يجبُ لها برميِه\n_________\n(^١) في ف، ت ١: \"شهادتها\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"أنه\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"الجلد\".\n(^٤) في ت ١: \"و\".\n(^٥) في ص، ف: \"بالشهداء\".","vol":"17","page":187},{"text":"إياها، كما جعَل الشهداءَ الأربعةَ مَخْرجًا له منه في ذلك، وزائلًا به عنه الحدُّ، فكذلك الواجبُ أن يكونَ بزوالِ الحدِّ عنه [بذلك، واجبًا عليها (^١) حدُّها، كما كان بزوالِه عنه] (^٢) بالشهودِ واجبًا عليها، لا فرقَ بينَ ذلك، وقد استقصينا العللَ في ذلك في بابِ اللعانِ من (^٣) كتابِنا المسمَّى \"لطيفُ القولِ في شرائعِ الإسلامِ\"، فأغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.\nوقولُه: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ﴾. يقولُ: ويدفعُ عنها العذابَ أن تحلِفَ باللَّهِ أربع أيمانٍ أن زوجَها الذي رماها بما رماها به من الفاحشةِ (^٤) ﴿لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزنى.\n\n<span id=\"aya-2800\"></span>وقولُه: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ﴾ الآية. يقولُ: والشهادةَ الخامسةُ: أن غضَبَ اللهِ عليها إن كان زوجُها فيما رماها (^٥) به من الزنى ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\nورُفِع قولُه: (الخامسة) في كلتا الآيتين، بـ \"أن\" التي تليها.\n\n<span id=\"aya-2801\"></span><span data-type='title' id=toc-6294>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولولا فضلُ اللَّهِ عليكم أيُّها الناسُ ورحمتُه بكم، وأنَّه عَوّادٌ\n_________\n(^١) في ت ١: \"عليه\".\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"في\".\n(^٤) بعده في ت ١: \"إنه\".\n(^٥) في ت ٢: \"رمي\".","vol":"17","page":188},{"text":"على خلقِه بلُطْفِه وطَوْلِه، حكيمٌ في تدبيرِه إياهم، وسياستِه لهم، لَعاجلَكم بالعقوبةِ على معاصِيكم، وفضَح أهلَ الذنوبِ منكم بذنوبِهم (^١)، ولكنَّه ستَر عليكم ذنوبَكم، وترَك فضيحتَكم بها عاجلًا؛ رحمةً منه بكم، وتفضلًا عليكم، فاشكُروا نِعَمَه، وانتهُوا عن التقدُّمِ عمَّا نهاكم عنه من معاصِيه.\nوترَك الجوابَ في ذلك اكتفاءً بمعرفةِ السامعِ المرادَ منه.\n\n<span id=\"aya-2802\"></span><span data-type='title' id=toc-6295>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين جاءوا بالكذبِ والبُهتانِ ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾. يقولُ: جماعةٌ منكم أيُّها الناسُ، ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقولُ: لا تظنُّوا ما جاءوا به من الإفكِ شرًّا لكم عندَ اللَّهِ وعندَ الناسِ، بل ذلك خيرٌ لكم عندَه (^٢) وعندَ المؤمنين؛ وذلك أن اللَّهَ يجعلُ ذلك كَفَّارةً للمرميِّ (^٣) به، ويُظهرُ براءتَه مما رُمِي به، وبجعلُ له منه مخرجًا.\nوقيل: إن الذين عَنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾. جماعةٌ منهم حسانُ بنُ ثابتٍ، ومِسْطَحُ بنُ أُثاثةَ، وحَمْنةُ بنتُ جحشٍ.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"بذنوبكم\".\n(^٢) في ت ١: \"عند الله\".\n(^٣) في ت ١، ف: \"للرمى\"، وفى ت ٢: \"المرمى\".","vol":"17","page":189},{"text":"كما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبانٌ العطارُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن عروةَ، أنه كتَب إلى عبدِ الملكِ بن مروانَ: كتَبتَ إليَّ تسألُني في الذين جاءوا بالإفكِ، وهم كما قال اللَّهُ: ﴿إِنَّ (^١) الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾. وأنه لم يُسَمَّ منهم (^٢) إلا حسانُ بنُ ثابتٍ، ومِسْطَحُ بنُ أثاثةَ، وحَمْنةُ بنتُ جَحْشٍ، وهو يقالُ في آخرينَ لا علمَ لى بهم، غيرَ أنهم عصبةٌ كما قال اللَّهُ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، مجاهدٍ قولَه: ﴿جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾: هم أصحابُ عائشةَ (^٤).\nقال ابن جُرَيجٍ: قال ابن عباسٍ قولُه: ﴿جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآية: الذين افْتَرَوا على عائشةَ، عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ، وهو الذي تولَّى كِبْرَه، وحسانُ بنُ ثابتٍ، ومِسْطَحٌ، وحَمْنةُ بنتُ جحشٍ (^٥).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾: الذين قالوا لعائشةَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"و\".\n(^٢) بعده في ص، م، ت ٢، ف: \"أحد\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢ إلى المصنف وابن المنذر، وأخرجه الطبراني ٢٣/ ١٣٧ (١٨٢) من طريق حماد بن زيد، عن هشام قوله.\n(^٤) أخرجه الطبراني ٢٣/ ١٣٤ (١٧٠) من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) أخرجه الطبراني ٢٣/ ١٣٤ (١٦٩) من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"17","page":190},{"text":"الإفكَ والبهتانَ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: الشرُّ لكم بالإفكِ الذي قالوا، الذي تكلَّموا به كان شرًّا لهم، وكان فيهم مَن لم يقُلْه، إنما سمِعه، فعاتَبهم اللَّهُ، فقال أوّلَ شيءٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. ثم قال: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nوقولُه: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾. يقولُ: لكلِّ امرئ من الذين جاءوا بالإفكِ جزاءُ ما اجترَم من الإثمِ - بمجيئِه بما جاء به من الإفكِ (^١) - عندَ (^٢) اللَّهِ.\nوقولُه: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: والذي تحمَّل معظم ذلك الإثمِ والإفكِ منهم هو الذي بدَأ بالخوضِ فيه.\nكما حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: الذي بدَأ بذلك (^٣).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأولى\"، وفى ف: \"الأول\"، ولعل الصواب ما أثبتناه، وما جاء بالنسخ محرف عنه.\n(^٢) في ص، م، ف: \"عبد\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٤٥ من طريق أبي معاذ به.","vol":"17","page":191},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾. قال: أصحابُ عائشةَ (^١)، عبدُ اللَّهُ بنُ أبيِّ ابن سَلُولَ، ومِسْطَحٌ، وحَسّانُ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: له من اللَّهِ عذابٌ عظيمٌ يومَ القيامةِ.\nوقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿كِبْرَهُ﴾؛ فقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿كِبْرَهُ﴾ بكسرِ الكافِ، سوى حُميدٍ الأعرجِ، فإنه كان يقرؤُه: (كُبْرَهُ) (^٣). بمعنى: والذي تحمَّل أكبَرَه.\nوأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ القراءةُ التي عليها عوامُّ القرأةِ، وهي كسرُ الكافِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليها، وأن \"الكِبرَ\" بالكسرِ، مصدرُ الكبيرِ من الأمورِ، وأن \"الكُبْرَ\" بضمِّ الكافِ، إنما هو من الولاءِ والنسبِ، من قولِهم: هو كُبْرُ (^٤) قومِه. والكِبرُ في هذا الموضعِ هو ما وصَفنا من معظمِ الإثمِ والإفكِ. فإذ كان ذلك كذلك، فالكسرُ في كافِه هو الكلامُ الفصيحُ، دونَ ضمِّها، وإن كان لضمِّها وجةٌ مفهومٌ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٤٥، والطبراني ٢٣/ ١٣٨ (١٨٣) من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣ إلى الفريابي وعبد بن حميد. وينظر ما تقدم في الصفحة السابقة.\n(^٣) وبها قرأ يعقوب - من العشرة - وأبو رجاء وسفيان الثورى ويزيد بن قطيب، وقرأ الباقون بكسرها. النشر في القراءات العشر ٢/ ٢٤٨.\n(^٤) بعده في ت ١: \"في\".","vol":"17","page":192},{"text":"وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ الآية؛ فقال بعضُهم: هو حسانُ بنُ ثابتٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6296>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بن قَزَعَةَ، قال: ثنا مَسْلَمةُ بنُ علقمةَ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أن عائشةَ قالت: ما سمِعتُ بشيءٍ أحسنَ من شعرِ حسانَ، وما تمثَّلتُ به إلا رجَوتُ له الجنةَ، قولُه لأبي سفيانَ (^١):\nهَجَوْتَ مُحَمَّدًا فأجَبْتُ عَنْهُ … وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الجَزَاءُ\nفإنَّ أبي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِى … لعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقاءُ\nأتَشْتُمُهُ وَلَسْتَ لَهُ بكُفْءٍ … فَشَرُّكُما لَخَيْرِكُما الفِدَاءُ\nلِسانِى صَارِمٌ لا عَيْبَ فِيهِ … وبَحْرِى لا تُكَدِّرُهُ الدَّلاءُ\nفقيل: يا أمَّ المؤمنين، أليس هذا لغوًا؟ قالت: لا، إنما اللَّغوُ ما قيلَ عندَ النساءِ. قيل: أليسَ اللَّهُ يقولُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؟ قالت: أليسَ قد أصابه عذابٌ عظيمٌ؟ أليسَ قد ذهَب بصرُه وكُنِّع بالسيفِ (^٢)؟\nقال: ثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ، قال: كنتُ عندَ عائشةَ، فدخَل حسانُ بنُ ثابتٍ، فأَمَرَت فأُلقِيَ له وسادةٌ، فلما خرَج قلتُ لعائشةَ: ما\n_________\n(^١) ديوان حسان ص ٧٦.\n(^٢) كنع بالسيف: ضرب به حتى يبس جلده. اللسان (ك ن ع).\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣ إلى المصنف.","vol":"17","page":193},{"text":"تصنَعين بهذا وقد قال اللَّهُ ما قال؟ فقالت: قال اللَّهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وقد ذهَب بصرُه، ولعل اللَّهَ يجعلُ ذلك العذابَ العظيمَ ذهابَ بصرِه (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ أَبي عَديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن أبى الضحى، عن مسروقٍ، قال: دخَل حسانُ بنُ ثابتٍ على عائشةَ، فشبَّب بأبياتٍ له، فقال (^٢):\n* وَتُصْبِحُ غَرْثَى (^٣) مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ*\nفقالت عائشةُ: أما إنك لستَ كذلك! فقلتُ: تدَعِين هذا الرجلَ يدخُلُ عليكِ وقد أنزَل اللَّهُ فيه: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ الآية؟ فقالت: وأيُّ عذابٍ أشدُّ من العمَى؟ وقالت: إنه كان يدفَعُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عثمانَ الواسطيُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن المُعَلَّى بن عرفانَ، عن محمدِ بن عبدِ اللَّهِ بن جحشٍ، قال: تفاخَرَت عائشةُ وزينبُ. قال: فقالت زينبُ: أنا التي نزَل تزويجِي (^٥). قال: وقالت عائشةُ: أنا التي نزَل عُذري في\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٤٧٥٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٤٥، والطبراني ٢٣/ ١٣٥ (١٧٥) من طرق عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) عجز بيت لحسان وهو في ديوانه ص ٢٢٨.\n(^٣) غرثى: جائعة، يريد لا تغتاب النساء. اللسان (غ ر ث).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٤٨٨) عن ابن المثنى به، وأخرجه البخارى (٤٧٥٦) من طريق ابن أبي عدي به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٥١٥، ٥١٦، والبخاري (٤١٤٦)، ومسلم (٢٤٨٨/ ١٥٥)، والطبراني ٢٣/ ١٣٥، ١٣٦ (١٧٦ - ١٧٩) من طريق شعبة به.\n(^٥) بعده في م: \"من السماء\".","vol":"17","page":194},{"text":"كتابِه حينَ حمَلنى ابن المعَطَّلِ على الراحلةِ. فقالت لها زينبُ: يا عائشةُ، ما قلتِ حينَ ركِبتيها؟ قالت: قلتُ: حسبى اللَّهُ ونعمَ الوكيلُ. قالت: قلتِ كلمةَ المؤمنين (^١).\nوقال آخرون: هو عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابن سَلُولَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6297>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كان الذين تكلَّموا فيه: المنافقَ عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيٍّ ابنَ سَلولَ، وكان يستوشِيه ويجمعُه، وهو الذي تولَّى كِبْرَه، ومِسْطَحًا، وحسانَ بنَ ثابتٍ (^٢).\nحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا يحيى بنُ عبدِ الرحمنِ بن حاطبٍ، عن علقمةَ بن وقَّاصٍ وغيرِه أيضًا، قالوا: قالت عائشةُ: كان الذي تولَّى كبره الذي يجمعُهم في بيتِه، عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيٍّ ابنَ سَلُولَ.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن شهابٍ، قال: ثنى عروةُ بنُ الزبيرِ، وسعيدُ بنُ المسيبِ، وعلقمةُ بنُ وقاصٍ، وعبيدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عتبةَ، عن عائشةَ، قالت: كان الذي تولى كبرَه عبدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٤٤ من طريق أبي أسامة به.\n(^٣) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٣٦٠) عن محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه البخاري (٤٧٤٩)، =","vol":"17","page":195},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ الآية: الذين افْتَرَوا على عائشةَ؛ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ، وهو الذي تولَّى كِبْرَه، وحسانُ، ومِسْطَحٌ، وحَمْنةُ بنتُ جحشٍ (^١).\nحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أبانٌ العطارُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ في الذين (^٢) جاءوا بالإفكِ: يزعُمون أنه كان كِبْرَ ذلك عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابن سلولَ، أحدُ بني عوفِ بن الخزرجِ، وأُخبِرت أنه كان يحدّثُ به عنهم فيُقرُّه ويسمعُه ويستوشِيه.\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: أما الذي تولَّى كبرَه منهم، فعبدُ اللَّهُ بنُ أُبيٍّ ابن سلولَ الخبيثُ، هو الذي ابتدَأ هذا الكلامَ، وقال: امرأةُ نبيِّكم باتَت مع رجلٍ حتى أصبَحَت، ثم جاء يقودُ بها.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾: هو عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابن سلولُ، وهو (^٣) بدَأه (^٤).\n_________\n= والطبراني ٢٣/ ١٢٧ (١٨٠) من طريق سفيان، عن معمر، عن عروة - وحده - به. وسيأتي في ص ٢١٠.\n(^١) تقدم تخريجه ص ١٩١.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٣) بعده في ت ١: \"الذي\".\n(^٤) تقدم تخريجه ص ١٩٢.","vol":"17","page":196},{"text":"وأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الذي تولَّى كِبْرَه من عصبةِ الإفكِ، كان عبدَ اللَّهِ بنَ أبيٍّ. وذلك أنه لا خلافَ بينَ أهلِ العلمِ بالسِّيَرِ، أن الذي بدَأ بذكرِ الإفكِ، وكان يجمعُ أهلَه ويحدِّثُهم، عبدُ اللَّهُ بنُ أُبيٍّ ابن سَلُولَ، وفعلُه ذلك على ما وصَفتُ، كان تولِّيَه كِبْرَ ذلك الأمرِ.\nوكان سببَ مجيءِ أهلِ الإفكِ، ما حدَّثنا به ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن محمدِ بن مسلمِ بن [عبيدِ اللَّهِ بن عبدِ اللَّهِ] (^١) بن شهابٍ، قال: ثنى عروةُ بنُ الزبيرِ، وسعيدُ بنُ المسيبِ، وعلقمةُ بنُ وقّاصٍ، وعبيدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عتبةَ بن مسعودٍ، عن حديثِ عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ حينَ قال لها أهلُ الإفكِ ما قالوا، فبرَّأها اللَّهُ، وكلُّهم حدَّثني بطائفةٍ من حديثِها، وبعضُهم كان أوعَى لحديثِها من بعضٍ، وأثبَتَ اقتصاصًا (^٢)، وقد وعَيتُ عن كلِّ رجلٍ منهم الحديثَ الذي حدَّثني [عن عائشةَ، وبعضُ حديثِهم يصدِّقُ بعضًا] (^٣)؛ زعَموا أن عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ قالت: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا أراد سفرًا أقرَع بينَ نسائِه، فأَيَّتُهنَّ خرَج سهمُها خرَج بها. قالت عائشةُ: فأقرَع بينَنا في غزاةٍ غزاها، فخرَج فيها سهمِى، فخرَجتُ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ، وذلك بعدَ ما أُنْزِل الحجابُ، وأنا أُحْمَلُ في هَوْدَجى، وأَنزِلُ فيه، فسِرْنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللَّهِ ﷺ من غزوِه، وقفَل إلى المدينةِ، آذَن ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حينَ آذَنُوا بالرحيلِ، فمشَيتُ حتى جاوَزتُ\n_________\n(^١) في النسخ: \"عبد الله بن عبيد\"، والصواب ما أثبت، ينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٤١٩.\n(^٢) في ت ٢: \"افتضاحًا\".\n(^٣) في النسخ: \"وبعضهم حدثني يصدق بعضه بعضا\"، وتنظر مصادر التخريج.","vol":"17","page":197},{"text":"الجيشَ، فلما قضَيتُ شأنى أقبَلتُ إلى الرحلِ، فلمَستُ صدري، فإذا عقدٌ لى من جَزْعِ ظَفَارِ (^١) قد انقطَع، فرجَعتُ فالتَمستُ عِقدى، فحبَسنى ابتغاؤُه، وأقبَل الرهطُ الذين كانوا [يُردَّلون لي، فاحتمَلوا] (^٢) هَوْدَجِى، فَرَحْلوه (^٣) على بعيرى الذي كنتُ أركبُ، وهم يحسَبون أنى فيه، وكان النساءُ إذ ذاك خِفافًا، لم يُهَبَّلْن (^٤) ولم يَغْشَهن اللحمُ، إنما يأكُلْن العُلْقةَ (^٥) من الطعامِ، فلم يستنكرش القومُ ثِقلَ الهودجِ حينَ رَحْلُوه ورفَعوه، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِّ، فبعَثوا الجملَ وساروا، فوجَدتُ عِقْدى بعدَ ما استمرَّ الجيشُ، فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ، فيمَّمتُ (^٦) منزِلى الذي كنتُ فيه، وظنَنتُ أن القومَ سيفقِدوني ويرجِعون إليَّ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلى، غلَبَتْنى عينى (^٧)، فنِمتُ حتى أصبَحتُ، وكان صفوانُ بنُ المعطَّلِ السُّلَميُّ ثم الذَّكْوانيُّ (^٨)، من وراءِ الجيشِ، فادَّلج (^٩) فأصبَح عندَ منزِلى، فرأَى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرَفنى حينَ رآني، وكان يراني قبلَ أن يُضربَ الحجابُ عَلَيَّ (^١٠)، فاستيقَظتُ باسترجاعِه حينَ\n_________\n(^١) الجزع: ضرب من الخرز، وقيل: هو الخرز اليماني، وهو الذي فيه بياض وسواد، وظفار: مدينة باليمن، ينظر اللسان (ج ز ع)، والتاج (ظ ف ر)، وينظر فتح البارى ٨/ ٤٥٩.\n(^٢) في ت ٢: \"يحملون\".\n(^٣) في ت ١، ف: \"فترحلوه\".\n(^٤) في م: \"يهبلهن\"، ويقال: هبله اللحم إذا كثر عليه وركب بعضه بعضا. النهاية ٥/ ٢٤٠.\n(^٥) العلقة: البلغة من الطعام. النهاية ٣/ ٢٨٩.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ف: \"فتيممت\".\n(^٧) في ت ٢: \"عيناي\".\n(^٨) بعده في م: \"قد عرس\".\n(^٩) الادَّلاج: السير من آخر الليل. النهاية ٢/ ١٢٩.\n(^١٠) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.","vol":"17","page":198},{"text":"عرَفنى، فخَمَّرتُ وجهى بجلبابي - واللَّهِ ما تكلَّمتُ بكلمةٍ، ولا سمِعتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه - حتى أناخ راحلتَه، فوطِئَ على يديْها، فركِبتُها، فانطلَق يقودُ بي الراحلةَ، حتى أتَيْنا الجيشَ بعدَ ما نزَلوا مُوغِرِين (^١) في نحرِ الظهيرةِ (^٢)، فهلَك مَن هلَك في شأنى، وكان الذي تولَّى كِبْرَه عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيٍّ ابنَ سلولَ، فقدِمتُ المدينةَ، فاشتكَيتُ شهرًا، والناسُ يُفِيضون في قولِ أهلِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَرِييُنى في وجَعِى أنى لا أعرفُ من رسولِ اللَّهُ ﷺ اللُّطْفَ الذي كنتُ أرى منه حينَ أشتكِي، إنما يدخلُ فيسلِّمُ ثم يقولُ: \"كيف تِيكُمْ (^٣)؟ \". فذلك يَريبُني، ولا أشعرُ بالشرِّ، حتى خرَجتُ بعدَ ما نَقِهتُ، فخرَجتُ مع أمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَنَاصعِ (^٤)، وهو مُتَبَرَّزُنا، ولا نخرُجُ إلا ليلًا إلى ليلٍ، وذلك قَبلَ أن نتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتِنا، وأمْرُنا أمرُ العربِ الأُوَلِ في التنزُّهِ (^٥)، وكنا نتأذَّى بالكُنُفِ أن نتخذَها عندَ بيوتِنا، فانطلَقتُ أنا وأمُّ مسطحٍ، وهى ابنةُ أبى رُهْمِ بن عبدِ المطلبِ بن عبدِ منافٍ، وأمُّها ابنةُ صخرِ بن عامرٍ، خالةُ أبى بكرٍ الصدَّيقِ، وابنُها مِسْطَحُ بنُ أُثاثةَ بن عبادِ بن المطَّلبِ، فَأَقبَلتُ أنا وابنةُ أَبِي رُهُمٍ قِبَلَ بيتى، حينَ فرَغنا من شأنِنا، فعثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ في مِرْطِها (^٦)، فقالت: تَعِس مِسْطحٌ! فقلتُ لها: [بِئْسَ ما قلتِ] (^٧)! أتسُبِّين رجلًا قد شهِد بدرًا؟ فقالت: أيْ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٢) نحر الظهِيرة: هو حين تبلغ الشمس منتهاها من الارتفاع، كأنها وصلت إلى النحر، وهو أعلى الصدر. النهاية ٥/ ٢٧.\n(^٣) \"كيف تيكم\" إشارة إلى المؤنثة مثل \"ذلكم\" في المذكر. ينظر شرح ابن عقيل ١/ ١٣١.\n(^٤) المناصع: المواضع التي يتخلى فيها لبول أو غائط أو لحاجة. اللسان (ن ص ع).\n(^٥) في ت ١، والنسائى: \"التبرز\". والتنزه: التباعد عن الأرياف والمياه حيث لا يكون ماء ولا ندى ولا جمع ناس. اللسان (ن ز هـ).\n(^٦) المرط: كساء من خز أو صوف أو كتان، وقيل هو الثوب الأخضر. اللسان (م ر ط).\n(^٧) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"17","page":199},{"text":"هَنْتَاهُ (^١)، أوَ لم تسمَعى ما قال؟ قلتُ: وما قال؟ فأخبرَتني بقولِ أهلِ الإفكِ، فازدَدتُ مَرَضًا على مرضى، فلما رجَعتُ إلى منزِلي، ودخَل عليَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ، ثم قال: \"كَيْفَ تِيكُمْ؟ \". قلتُ: أتأْذنُ لي أن آتِيَ أبويَّ؟ قال: \"نعم\". قالت: وأنا حينَئذٍ أريدُ أن أتيقَّنَ (^٢) الخبرَ من قِبَلِهما. فأذِن لي رسولُ اللَّهِ ﷺ، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمِّي: أي أمَّتاه، ماذا يتحدثُ الناسُ؟ فقالت: أي بُنيةُ، هوِّني عليك، فواللَّهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةً عندَ رجلٍ (^٣) يحبُّها ولها ضرائرُ، إلا أكثَرْن عليها. قالت: قلت: سبحانَ اللَّهِ، أَوَ قد تحدَّث الناسُ بهذا، وبلَغ رسولَ اللَّهِ ﷺ؟ قالت: نعم. قالت: فبكَيتُ تلك الليلةَ حتى أصبَحتُ، لا يرقأُ لى دمعٌ، ولا أكتحِلُ بنومٍ، ثم أصبَحتُ، فدخَل عليَّ أبو بكرٍ وأنا أبكِي، فقال لأمى: ما يُبكيها؟ قالت: لم تكنْ علِمَت ما قيل لها. فأكبَّ يبكِي، فبكَى ساعةً، ثم قال: اسكُتى يا بنيةُ. فبكَيتُ يومى ذلك، لا يرقأُ لى دمعٌ، ولا أكتحِلُ بنومٍ، ثم بكَيتُ ليلِىَ المقبِلَ لا يرقأُ لى دمعٌ، ولا أكتحلُ بنومٍ، [ثم بكَيتُ ليلتيَ المقبلةَ، لا يرقأُ دمعى (^٤)، ولا أكتحلُ بنومٍ] (^٥)، حتى ظنَّ أبواىَ أن البكاءَ سيفلِقُ كبِدى.\nفدعا رسولُ اللَّهِ ﷺ عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأُسامةَ بنَ زيدٍ حينَ استلْبَث الوحيُ (^٦)، يستشِيرُهما في فراقِ أهلِه. قالت: فأما أُسامةُ فأشار على رسولِ اللَّهِ ﷺ بالذي يعلمُ من براءةِ أهله، وبالذى في نفسِه من الودِّ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، وهم\n_________\n(^١) ياهنتاه، أي: يا هذه، وتفتح النون وتسكن، وتضم الهاء الآخرة وتسكن، وقيل: معنى ياهنتاه: يا بلهاء، كأنها نسبت إلى قلة المعرفة بمكايد الناس وشرورهم. النهاية ٥/ ٢٧٩، ٢٨٠.\n(^٢) في م: \"أستثبت\"، وفي ت ١: \"أستيقن\".\n(^٣) في ت ٢: \"زوجها وهو\".\n(^٤) في م، ف: \"لى دمع\".\n(^٥) سقط من: ت ١.\n(^٦) استلبث الوحى: هو استفعل، من اللبث أي الإبطاء والتأخر. النهاية ٤/ ٢٢٤.","vol":"17","page":200},{"text":"أهلُك، ولا نعلمُ إلا خيرًا. وأما علىٌّ، فقال: لم يُضيَّقِ اللَّهُ عليكَ، والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألِ الجاريةَ تَصْدُقُك. يعنى: بَرِيرةَ، فدعا رسولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرة، فقال: \"هَلْ رأَيْتِ (^١) مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟ \". قالت له بَرِيرةُ: والذي بعثَك بالحقِّ، إنْ رأَيتُ عليها أمرًا قطُّ أغْمِصُه عليها (^٢)، أكثرَ من أنها حديثةُ السنِّ، تنامُ عن عجينِ أهلِها، فتأتى الداجنُ (^٣) فتأكلُه. فقام النبيُّ ﷺ خطيبًا، فحمِد اللَّهَ وأثنَى عليه بما هو أهلُه، ثم قال: \"مَنْ يَعْذِرُني (^٤) ممنْ قد بلَغنى أذاه في أهلي؟ \". يعنى عبدَ اللَّهِ ابنَ أُبيٍّ ابنَ سَلُولَ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ وهو على المنبرِ أيضًا: \"يا معشر المسلمينَ، مَنْ يَعْذِرُني مِن رجلٍ قد بلَغنى أذاه في أهلي؟ فواللَّهِ ما علِمْتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقَدْ ذكَروا رجلًا ما علِمتُ عليه إلا خيرًا، وما كان يدخُلُ على أهلي إلا معِى\". فقام سعدُ بنُ مُعاذٍ الأنصاريُّ فقال: أعذِرُك منه يا رسولَ اللَّهِ، إن كان مِن الأوسِ ضرَبْنا عنقَه، وإن كان من إخوانِنا الخزرجِ أمَرْتَنا ففعَلنا أمرَك. فقام سعدُ بنُ عُبادةَ فقال، وهو سيدُ الخزرجِ، وكان رجلًا صالحًا ولكنِ احتمَلَتْه الحَميَةُ، فقال: أَيْ سعدَ بنَ معاذٍ، لعمرُ (^٥) اللَّهِ لا تقتلُه، ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، وهو ابن عمِّ (^٦) سعدِ بن معاذٍ، فقال لسعدِ بن عُبادةَ: كَذَبْتَ، لعمرُ اللَّهِ\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"بريرة\".\n(^٢) أغمصه عليها، أي: أعيبها به وأطعن به عليها. النهاية ٣/ ٣٨٦.\n(^٣) الداجن: هي الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم، وقد يقع على غير الشاء من كل ما يألف البيوت من الطير وغيرها. النهاية ٢/ ١٠٢.\n(^٤) يعذرني: يقوم بعذرى إن كافأته على سوء صنيعه، فلا يلومني. النهاية ٣/ ١٩٧.\n(^٥) في ت ٢: \"لعمرك\".\n(^٦) في م، ت ١، ف: \"عمة\".","vol":"17","page":201},{"text":"لنقتلَنَّه (^١)، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فثار الحيَّانِ؛ الأوسُ والخزرجُ، حتى همُّوا أن يَقتتِلوا ورسولُ اللَّهِ ﷺ قائمٌ على المنبرِ، فلم يزَلْ رسولُ اللَّهِ ﷺ يُخَفِّضُهم حتى سكَنُوا.\nثم أتانى رسولُ اللَّهِ ﷺ وأنا في بيتِ أبويَّ، فبينا [هما جالِسان] (^٢) عندى وأنا أبكِى، استأذنَتْ عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ، فأذِنتُ لها، فجَلَست تبكِي معى. قالت: فبينا (^٣) نحن على ذلك، دخَل علينا رسولُ اللَّهِ ﷺ، ثم جلَس (^٤)، ولم يجلِسْ عندى منذُ قيل ما قيل، وقد لبِث شهرًا لا يُوحَى إليه في شأني بشيءٍ. قالت: فتشهَّد رسولُ اللَّهِ ﷺ حينَ جلَس، ثم قال: \"أما بعدُ، يا عائشةُ، فإنه بلَغني عنكِ كذا وكذا، فإنْ كنتِ بريئةً فسيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ، فاستغفِرِي اللَّهُ، وتُوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترَف بذنبٍ (^٥) ثم تاب، تاب اللَّهُ عليه\". فلما قضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ مقالتَه، قَلَص دمعى (^٦)، حتى ما أحسُّ منه دمعةً، فقلتُ لأبي: أجِبْ عنى رسولَ اللَّهِ ﷺ فيما قال. قال: واللَّهِ ما أدرِى ما أقولُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ. [فقلت لأمِّي: أجيبي عنِّي رسولَ اللَّهِ ﷺ. قالت: واللَّهِ ما أدرِى ما أقولُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ] (^٧). فقلت - وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ، لا أقرَأُ كثيرًا من - القرآنِ -: إنى واللَّهِ قد عرَفْتُ أن قد سمِعتم بهذا حتى استقرَّ في أنفسِكم، حتى كِدْتم أن تُصدِّقوا به، فإن قلت لكم: إنى بريئةٌ. واللَّهُ يعلمُ أني بريئةٌ، لا تُصدِّقوني\n_________\n(^١) في ت ١: \"ليقتله\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"هو جالس\"، وتنظر مصادر التخريج.\n(^٣) في ت ٢: \"فبينما\".\n(^٤) بعده في، ف م: \"عندي\".\n(^٥) في م، والمصنف: \"بذنبه\".\n(^٦) قلص الدمع: ارتفع وذهب. النهاية ٤/ ١٠٠.\n(^٧) في ت ١، ف: \"قالت\".","vol":"17","page":202},{"text":"بذلك، ولئن اعترفْتُ لكم بأمرٍ، واللَّهُ يعلمُ أني بريئةٌ، لتصدِّقُنِّي، وإني واللَّهِ ما أجدُ لى ولكم مَثَلًا إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. ثم تولَّيتُ فاضطجَعتُ على فراشي، وأنا واللهِ أعلمُ أني (^١) بريئةٌ، وأن اللَّهَ مُبرِّئى (^٢) ببراءتي، ولكنى واللَّهِ ما كنت أظنُّ أن يَنزِلَ في شأني وحْيٌ (^٣) يُتلَى، ولَشأني كان أحقَرَ في نفسي من أن يتكلَّمَ اللَّهُ فيَّ بأمرٍ يُتلَى، ولكنى كنت أرجُو أن يرَى رسولُ اللَّهِ ﷺ في المنامِ رؤيا يبرِّئُني اللَّهُ بها. قالت: واللَّهِ ما رام رسولُ اللَّهِ ﷺ مجلسَه، ولا خرَج من البيتِ أحدٌ، حتى أنزَل اللَّهُ على نبيِّه، فأخَذه ما كان يأخذُه من البُرَحاءِ (^٤) عندَ الوحى، حتى إنه ليتحدَّرُ منه مِثلُ الجُمانِ (^٥) من العرقِ في اليومِ الشاتِى، من ثقلِ القولِ الذي أُنزِلَ عليه. قالت: فلما سُرِّيَ عن رسولَ اللَّهِ ﷺ وهو يضحكُ، كان أوّلَ كلمةٍ تكلَّم بها أن قال: \"أبشِرى يا عائشةُ، [أمَّا اللَّهُ فقد برَّأكِ] (^٦) \". فقالت لى أمِّي: قومِى إليه. فقلت: واللَّهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللَّهَ، هو الذي أنزَل براءتي. فأنزَل اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ عشرَ آياتٍ، فأنزَل اللَّهُ هذه الآياتِ [برَّأني بها] (^٧). قالت: فقال أبو بكرٍ، وكان ينفقُ على مِسْطَحٍ لقرابتِه وفقرِه: واللَّهِ لا أُنفقُ عليه شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ. قالت: فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى (^٨):\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف، وتنظر مصادر التخريج.\n(^٢) في م: \"سيبرئني\"، وفي ت ١: \"يبرئني\".\n(^٣) في ت ٢: \"قرآنا\".\n(^٤) البرحاء: شدة الكرب من ثقل الوحي. النهاية ١/ ١١٣.\n(^٥) الجمان: اللؤلؤ الصغار، وقيل: حب يتخذ من الفضة أمثال اللؤلؤ. النهاية ١/ ٣٠١.\n(^٦) في م: \"إن الله قد برأك\"، وفي ت ٢: \"براءة لى\"، وفي المصادر: \"براءتي\".\n(^٧) في ص، ت ١، ف: \"براءتي به\"، وفي م: \"براءة لي\"، وفي المصادر: \"براءتي\".\n(^٨) في ص، ت ١، ف: \"حتى\"، وفي م: \"حتى بلغ\".","vol":"17","page":203},{"text":"﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. فقال أبو بكرٍ: إنى لأُحبُّ أن يغفرَ اللَّهُ لى. فرجَع إلى مِسْطَحِ النفقةَ التي كان يُنفق عليه، وقال: لا أنزِعُها منه أبدًا.\nقالت عائشةُ: وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ يسألُ زينبَ بِنتَ جحشٍ عن أمرى، وما رأَتْ وما سمِعتُ، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، أحْمِي سمعي وبصَرى (^١)، واللَّهِ ما رأيتُ إلا خيرًا. قالت عائشةُ: وهى التي كانت تُسامِينى (^٢)، فعصَمها اللَّهُ بالوَرَعِ، وطفِقَتْ أختُها حَمْنةُ تحاربُ، فهلَكت في مَن هلَك.\nقال الزهريُّ ابن شهابٍ: فهذا الذي انتهَى إلينا من أمرِ هؤلاء الرهطِ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن (^٤) علقمةَ بن وقَّاصٍ الليثيِّ، و(^٥) عن سعيدِ بن المسيبِ، وعن عروةَ بن الزبيرِ، و(^٦) عن عبيدِ اللَّهِ بن عبدَ اللَّهُ بن عتبةَ بن مسعودٍ. قال الزهريُّ: كلٌّ قد حدَّثَنى بعضَ هذا الحديثِ، وبعضُ القومِ كان أوعَى له من بعضٍ. قال: وقد جمَعتُ لك كلَّ الذي قد حدَّثني (^٧).\nوحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: وثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا\n_________\n(^١) أي: أمنعهما من أن أنسب إليهما ما لم يدركاه، ومن العذاب لو كذبت عليهما. النهاية ١/ ٤٤٨.\n(^٢) تساميني، أي: تعالينى وتفاخرنى، وهو مفاعلة من السمو، أي تطاولنى في الحظوة عنده. النهاية ٢/ ٤٠٥.\n(^٣) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٣٦٠) عن محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٧٤٨)، وأحمد ٦/ ١٩٤ (الميمنية)، ومسلم (٥٦/ ٢٧٧٠)، والطبراني ٢٣/ ٥٠ (١٣٣) من طريق معمر به.\n(^٤) في م: \"وعن\".\n(^٥) سقط من النسخ، والمثبت من تاريخ المصنف.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٧) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٧، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦١١.","vol":"17","page":204},{"text":"يحيى بنُ عبادِ بن عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ، عن أبيه، عن عائشةَ، قال: وثنى عبدُ اللَّهِ [بنُ أبى بكرِ] (^١) بن محمدُ بنُ عمرٍو بن حزمٍ الأنصاريُّ، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ، قالت - وكلٌّ قد اجتمَع في حديثِه قصةُ [خبر عائشةَ] (^٢) عن نفسِها، حينَ قال أهلُ الإفكِ فيها ما قالوا، فكلُّه قد دخَل في حديثِها عن هؤلاء جميعًا، ويحدِّثُ بعضُهم ما لم يحدِّثْ بعضٌ، وكلٌّ كان عنها ثقةً، وكلٌّ قد حدَّث عنها ما سمِع - قالت عائشةُ ﵂: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا أراد سفرًا أقرَع بينَ نسائِه، فأَيَّتُهن خرَج سهمُها خرَج بها معه، فلما كانت غزوةُ (^٣) بني المصطَلِقِ أقرَع بينَ نسائِه كما كان يصنعُ، فخرَج سهمى عليهنَ، فخرَج بى رسولُ اللَّهِ ﷺ معه. قالت: وكان النساءُ إذ ذاك إنما يأكُلْن العُلَقَ، لم يُهيِّجْهن (^٤) اللحمُ فيثْقُلْن. قالت: وكنت (^٥) إذا رُحِّل بعيرى جلَسْتُ في هَوْدَجى، ثم يأتى القومُ الذين يُرحِّلون بي بعيرى ويحمِلونى، فيأخُذون بأسفلِ الهودجِ، فيرفَعونه فيضَعونه على ظهرِ البعيرِ، فينطلِقون به. قالت: فلما فرَغ رسولُ اللَّهِ ﷺ من سفرِه ذلك وجَّه قافلًا (^٦)، حتى اللَّهِ إذا كان قريبًا [من المدينةِ] (^٧) نزَل منزلًا (^٨)، فبات بعضَ الليلِ، ثم أذَّن في الناسِ بالرحيلِ، فلما ارتحَل الناسُ، خرَجتُ لبعضِ حاجتي، وفي عنقى عِقدٌ لي من جَزْعِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"بكر\"، وفى م: \"بن بكر\"، وسيأتي على الصواب في ص ٢٢٤، وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٣٤٩.\n(^٢) في ت ٢: \"عائشة في خبرها\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"غزاه\".\n(^٤) في ت ١: \"يتهجمهن\".\n(^٥) في ت ٢: \"كان\".\n(^٦) بعده في ت ٢: \"إلى المدينة\".\n(^٧) في ت ٢: \"منها\".\n(^٨) بعده في ت ٢: \"منها\".","vol":"17","page":205},{"text":"ظَفارِ، فلما فرغتُ انسلَّ من عنقى ولا أدرِى، فلما رجَعتُ إلى الرحْلِ، ذهَبتُ ألتمِسُه في عنقي فلم أجِدْه، وقد أخَذ الناسُ في الرحيلِ. قالت: فرجَعتُ [عَوْدِى إلى بَدْئِى] (^١) إلى المكانِ الذي ذهَبتُ إليه، فالتمَستُه حتى وجَدتُه، وجاء القومُ خلافى الذين كانوا يرحِّلون بي البعيرَ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن عبدِ الأعلى، عن ابن ثورٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ ﵂، قالت: لمَّا (^٣) ذُكِر من شأنى الذي ذُكِر، وما علِمتُ به، قام رسولُ اللَّهِ ﷺ فِيَّ خطيبًا وما علِمتُ، فتشهَّد، فحمِد اللَّهَ وأثنَى عليه بما هو أهلُه، ثم قال: \"أما بعدُ، أشيروا عليَّ في أناسٍ أبَنُوا أهلي (^٤)، وايمُ (^٥) اللَّهِ ما علِمتُ على أهلي سوءًا قطُّ، وأبَنُوهم بمن واللَّهِ ما علِمتُ عليه سوءًا قطُّ، ولا دخَل بيتى قطُّ إلا وأنا حاضرٌ، ولا غبتُ (^٦) في سفرٍ إلا غاب معى\". فقام سعدُ بنُ مُعاذٍ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، نرَى (^٧) أن نضرِبَ أعناقَهم. فقام رجلٌ من الخزرجِ، وكانت أمُّ حسانَ بن ثابتٍ من رهطِ ذلك الرجلِ، فقال: كذَبتَ، أما واللَّهِ لو كانوا من الأوسِ ما أحبَبتَ أن تُضرَبَ أعناقُهم. حتى كاد أن يكونَ بينَ الأوسِ والخزرجِ في المسجدِ شرٌّ، وما علِمتُ به، فلما كان مساءُ ذلك اليومِ خرَجتُ لبعضِ حاجتى ومعى أمُّ مِسْطَحِ، فعثَرَتْ،\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٧ - ٣٠٢، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦١١، ٦١٢، وأخرجه الطبراني ٢٣/ ١١١ (١٥١) من طريق أبي أويس عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد عن عمرة به، وأخرجه أيضا ٢٣/ ١٢٢ (١٦٠) من طريق ابن إسحاق عن يحيى بن عباد به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ثم\"، والمثبت موافق لما في مصادر التخريج.\n(^٤) أي: اتهموها، والأَبْنُ: التهمة. النهاية ١/ ١٧.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ف: \"أغيب\"، وتنظر مصادر التخريج.\n(^٧) في ت ٢: \"تري\".","vol":"17","page":206},{"text":"فقالت: تَعِس مِسْطحٌ! فقلت: علامَ تَسُبِّين ابنَكِ؟ فسكَتَت، ثم عثَرتِ الثانيةَ، فقالت: تَعِس مِسْطَحٌ! فقلت: علام تَسُبِّين ابنَكِ؟ فسكَتتِ الثانيةَ، ثم عثَرتِ الثالثةَ، فقالت: تَعِس مِسْطَحٌ! فانتَهرْتُها، وقلت: علامَ تسبِّين ابنَكِ؟ فقالت: واللَّهِ ما أسبُّه إلا فيكِ. قلت: في أيِّ شأنى. فبقَرَت لىَ (^١) الحديثَ (^٢)، فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم واللَّهِ. قالت: فرجَعتُ إلى بيتى، فكأن الذي خرَجتُ له [لم أخرُجْ له] (^٣)، لا أجِدُ منه قليلًا ولا كثيرًا، ووُعِكْتُ، فقلتُ: يا رسولُ اللَّهِ، أرسِلْني إلى بيتِ أبى. فأرسَل معىَ الغلامَ، فدخَلتُ الدارَ، فإذا أنا بأمِّى أمِّ رومانَ، قالت: ما جاء بك يا بُنيةُ؟ فأخبَرتُها، فقالت: خَفِّضى عليك الشأنَ، فإنه واللَّهِ ما كانت امرأةٌ جميلةٌ عندَ رجلٍ يحبُّها ولها ضرائرُ، إلا حسَدْنها وقُلْن فيها. قلتُ: وقد علِم بها أبي؟ قالت: نعم. قلتُ: ورسولُ اللَّهِ؟ قالت: نعم. فاستعبَرْتُ وبكَيتُ، فسمِع أبو بكرٍ صوتِي وهو فوقَ البيتِ يقرَأُ، فنزَل فقال لأمِّي: ما شأنُها؟ قالت: بلَغها الذي ذُكِر من أمرِها. ففاضت عيناه، فقال: أقسَمتُ عليكِ إلا رجَعتِ إلى بيتِك. فرجَعتُ.\nوأصبَح أبواىَ عندى، فلم يزالا عندى حتى دخَل رسولُ اللَّهِ ﷺ عليَّ بعدَ العصرِ، وقد اكتنفَنى (^٤) أبواىَ؛ عن يميني، وعن شمالي، فتشهَّد رسولُ اللَّهِ ﷺ فحمِد اللَّهَ، وأثَنى عليه بما هو أهلُه، ثم قال: \"أما بعدُ، يا عائشةُ، إن كنتِ قارَفتِ (^٥)\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"إلى\".\n(^٢) بقرت الحديث، أي: فتحته وكشفته؛ ورواه بعضهم: \"نقَّرت\"، والتنقير: التفتيش. النهاية ١/ ١٤٥، ٥/ ١٠٥.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) الاكتناف: الإحاطة من الجانبين. النهاية ٤/ ٢٠٥.\n(^٥) في ت ٢: قاربت، وقارف الذنب وغيره، إذا داناه ولاصقه. النهاية ٤/ ٤٥.","vol":"17","page":207},{"text":"سوءًا أو ألمَمْتِ، فتوبى إلى اللَّهِ فإن اللَّهَ يقبلُ التوبةَ عن عبادِه\". وقد جاءت امرأةٌ مِن الأنصارِ، وهي جالسةٌ، فقلتُ: ألا تستحِى من هذه المرأةِ أن تقولَ شيئًا؟ فقلتُ لأبي: أجِبْه. فقال: أقولُ ماذا؟ قلت لأمِّي: أجيبيه. فقالت: أقولُ ماذا؟ فلما لم يجيباه تشهَّدتُ، فحمِدتُ اللَّهَ، وأثنَيتُ عليه بما هو أهلُه، ثم قلت: أما بعدُ، فواللَّهِ لئن قلتُ لكم: إنى لم أفعَلْ، واللَّهُ يعلمُ إنى لصادقةٌ، ما ذا بنافِعي عندَكم، لقد تُكُلِّم به، وأُشْرِبَتْهُ قلوبُكم، وإن قلت: إني قد فعَلتُ، واللَّهُ يعلمُ أني لم أفعَلْ، لتَقولُنَّ (^١): قد باءت به على نفسِها. وايمُ اللَّهِ مَا أجدُ لي ولكم مثلًا إلا كما قال أبو يوسفَ وما أحفظُ اسمَه: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. وأنزَل اللَّهُ على رسولِه ﷺ ساعتَئذٍ، فرُفِع عنه وإني لأتبينُ (^٢) السرورَ ما في وجهِه، وهو يمسحُ جبينَه، يقولُ: \"أبشِري يا عائشةُ، فقد أنزَل اللَّهُ براءَتَكِ\". فكنتُ أشدَّ ما كنتُ غضبًا، فقال لى أبوايَ: قُومى إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ. فقلتُ: واللَّهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمَدُه، ولا أحمَدُ كما، لقد سمِعتموه فما أنكَرتُموه، ولا غيَّرتموه، ولكنى أحمَدُ اللَّهُ الذي أنزَل براءتى. ولقد جاء رسولُ اللَّهِ ﷺ بيتي، فسأل الجاريةَ عنى، فقالت: واللَّهِ ما أعلمُ عليها عيبًا، إلا أنها كانت تنامُ حتى تدخلَ الشاةُ فتأكلَ حصيرَها أو عجينَها. فانتهرَها بعضُ أصحابِه، وقال: اصْدُقى رسولَ اللَّهِ ﷺ قال عروةُ: فعتَب على مَن قاله. فقالت: لا، واللَّهِ ما أعلمُ عليها إلا ما يعلمُ الصائغُ على تبرِ (^٣) الذهبِ الأحمرِ. وبلَغ ذلك الرجلَ الذي قيل له، فقال: سبحانَ اللَّهِ! ما كشَفتُ كَنَفَ (^٤) أنثى قطُّ. فقُتِل شهيدًا في سبيلِ اللَّهِ. قالت\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"ليقولن\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لأستنير\"، وتنظر مصادر التخريج.\n(^٣) في ت ٢: \"مبرد\"، والتبر: الذهب قبل أن يضرب دنانير ودراهم. النهاية ١/ ١٧٩.\n(^٤) الكنف: الجانب والناحية. النهاية ٤/ ٢٠٥.","vol":"17","page":208},{"text":"عائشةُ: فأما زينبُ بنتُ جحشٍ، فعصَمها اللَّهُ بدينِها، فلم تقلْ إلا خيرًا، وأما أختُها حَمنَةُ، فهلَكت في من هلَك، وكان الذين تكلَّموا فيه؛ المنافقُ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابن سلولَ، وكان يستوشِيه (^١) ويجمعُه، وهو الذي تولَّى كِبْرَه، ومِسْطحٌ، وحسانُ بنُ ثابتٍ، فحلَف أبو بكرٍ ألّا ينفَعَ مِسْطَحًا بنافعةٍ، فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾. يعنى أبا بكرٍ، ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾. يعنى مِسْطحًا، ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. قال أبو بكرٍ: بلى واللَّهِ، إنا لنحبُّ أن يغفرَ اللَّهُ لنا. وعاد أبو بكرٍ لمِسْطَحٍ بما كان يصنعُ به (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا يحيى بنُ عبدَ الرحمنِ بن حاطبٍ، عن علقمةَ بن وقَاصٍ وغيرِه أيضًا، قال: خرَجت عائشةُ تريدُ المَذْهبَ (^٣)، ومعها أمُّ مسطحٍ، وكان مِسطحُ بن أثاثةَ ممن قال ما قال، وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ خطَب الناسَ قبلَ ذلك، فقال: \"كيف ترَون في من يؤذيني في أهلي، ويجمعُ في بيتِه مَن يؤذيني؟ \". فقال سعدُ بنُ مُعاذٍ: أي رسولَ اللَّهِ، إن كان منا معشرَ الأوسِ جلَدْنا (^٤) رأسَه، وإن كان من إخوانِنا من الخزرجِ، أمَرتَنا فأطَعناك. فقال سعدُ بنُ عبادةَ: يا بنَ معاذٍ، واللَّهِ ما بك نُصْرةُ رسولِ اللَّهِ، ولكنها قد كانت ضغائنُ (^٥) في الجاهليةِ وإحَنٌ (^٦) لم تُحْلَلْ لنا من صدورِكم بعدُ.\n_________\n(^١) يستوشيه: يستخرج الحديث بالبحث عنه. النهاية ٥/ ١٩٠.\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٥٩ (الميمنية)، ومسلم (٥٨/ ٢٧٧٠)، والترمذي (٣١٨٠)، والطبراني ٢٣/ ١٠٨ (١٥٠) من طريق أبي أسامة به، وعلقه البخاري (٤٧٥٧) عن أبي أسامة به، وأخرجه البخاري (٧٣٧٠)، وأبو داود (٥٢١٩)، والطبراني ٢٣/ ١٠٦ (١٤٩) من طريق هشام بن عروة به.\n(^٣) المذهب: الموضع الذي يتغوط فيه. النهاية ٢/ ١٧٣.\n(^٤) يقال: جلدته بالسيف، إذا ضربته به. النهاية ١/ ٢٨٥.\n(^٥) في ص، ف: \"طعائن\".\n(^٦) الإحنة: الحقد، وجمعها إحَن وإحَنَات. النهاية ١/ ٢٧.","vol":"17","page":209},{"text":"فقال ابن معاذٍ: اللَّهُ أعلمُ ما أردتُ. فقام أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، فقال: يابنَ عبادةَ، إن سعدًا ليس شديدًا، ولكنك تجادلُ عن المنافقين، وتدفعُ عنهم. وكثُر اللَّغَطُ في الحيَّينِ في المسجدَ، ورسولُ اللَّهِ ﷺ جالسٌ على المنبرِ، فما زال النبيُّ ﷺ يومئُ بيدِه إلى الناسِ هاهنا وهاهنا، حتى هدَأ الصوتُ.\nوقالت عائشةُ: كان الذي تولَّى كِبْرَه، والذي يجمعُهم في بيتِه، عبدُ اللَّهِ بنُ أبُيٍّ ابن سلولُ. قالت: فخرَجتُ إلى المَذْهَبِ ومعى أمُّ مسطحٍ، فعثَرَتْ، فقالتْ: تَعِس مِسْطَحٌ! فقلت: غفَر اللَّهُ لك، أتقولين هذا لابنِك، ولصاحبِ رسولِ اللَّهِ ﷺ؟ قالت ذلك مرَتين، وما شعَرتُ بالذي كان، فحُدِّثتُ فذهَب عنى الذي خرَجتُ له، حتى ما أجدُ منه شيئًا، ورجَعت على أبويَّ؛ أبى بكرٍ، وأمِّ رُومانَ، فقلت: أما اتَّقَيْتُما اللَّهَ فيَّ، وما وصَلتما رَحِمى؟! قال النبيُّ ﷺ الذي قال، وتحدَّث الناسُ بالذي تحدَّثوا به، ولم تُعْلِمانِيه، فأُخْبِرَ رسولَ اللَّهِ ﷺ؟! قالت: أي بنيةُ، واللَّهِ لقلَّما أحبَّ رجلٌ امرأتَه قطُّ، إلا قالوا لها نحوَ الذي قالوا لك، أي بنيةُ، ارجِعى إلى بيتِك حتى نأتيَكِ فيه. فرجَعتُ وارتكَبني صالِبٌ من حُمَّى (^١)، فجاء أبواىَ فدخلا، وجاء رسولُ اللَّهِ ﷺ حتى جلَس على سريري وِجاهى، فقالا: أي بنيةُ، إن كنتِ صنَعتِ ما قال الناسُ، فاستغفِرى اللَّهَ، وإن لم تكوني صنَعتِه، فأخبِرى رسولَ اللَّهِ ﷺ بعذرِك (^٢). قلت: ما أجدُ لى ولكم إلا كأبي يوسفَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. قالت: فالتمَست اسمَ يعقوبَ، فما قدَرتُ - أو: فلم أقدِرْ عليه - فشخَص بصرُ رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى السقفِ، وكان إذا نُزِّل عليه وَجَد قالَ اللَّهِ (^٣): ﴿إِنَّا سَنُلْقِي\n_________\n(^١) الصالب من الحمى: الحارة غير النافض، وقيل: التي معها حر شديد .. اللسان (ص ل ب).\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) القال مصدر بمعنى القول، والمراد وجد قال الله، أي: أدركه قول الله ﷿ وتحقق فيه.","vol":"17","page":210},{"text":"عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]. فوالذى هو أكرَمَه، وأنزَل عليه الكتابَ، ما زال يضحكُ - حتى إنى لأنظرُ إلى نواجذِه - سرورًا، ثم مسَح عن وجهِه، فقال: \"يا عائشةُ، أبشرى، فقد أنزَل اللَّهُ عُذْرَكِ\". قلت: بحمدِ اللَّهِ لا بحمدِك، ولا بحمدِ أصحابِك. قال اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾. وكان أبو بكرٍ حلَف ألّا [ينفعَ مسطحًا] (^١) بنافعةٍ، وكان بينَهما رَحِمٌ، فلما أُنزِلت: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. قال أبو بكرٍ: بلى، أي ربِّ. فعاد إلى الذي كان المسطحٍ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٢٣]. حتى بلَغ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦]. قالت عائشةُ: واللَّهِ ما كنتُ أرجو أن ينزِلَ فيَّ كتابٌ، ولا أطمعُ به، ولكن [قد كنت] (^٢) أرجُو أن يرَى رسولُ اللَّهِ ﷺ رؤيا تُذْهِبُ ما في نفسِه. قالت: وسأَل الجاريةَ الحبَشيةَ، فقالت: واللَّهِ لعائشةُ أطيبُ من طَيِّبِ الذهبِ، وما بها عيبٌ (^٣)، إلا أنها ترقُدُ حتى تدخُلَ الشاةُ فتأكلَ عجينَها، ولئن كانت صنَعت ما قال الناسُ، ليخبرَنَّك اللَّهُ. [قالت (^٤): فعجِب الناسُ] (^٥) من فهمِها (^٦).\n\n<span id=\"aya-2803\"></span><span data-type='title' id=toc-6298>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ</span>\n_________\n(^١) في ت ١: \"ينفق على مسطح ولا ينفعه\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٣) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م: \"قال\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٦) في م، \"فقهها\".","vol":"17","page":211},{"text":"خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾.\nوهذا عِتابٌ مِن اللَّهِ تعالى ذِكْرُه أهلَ الإيمانِ به فيما وقَع في أنفسِهم من إرجافِ مَن أرجَف في أمرِ عائشةَ، بما أرجَف به، يقولُ لهم تعالَى ذِكرُه: هلَّا أيُّها الناسُ إذْ سمِعتُم ما قال أهلُ الإفكِ في عائشةَ، ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ منكم ﴿وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾. [يقولُ: ظنَنْتُم بمن قُرِف بذلك منكم خيرًا] (^١)، ولم يظنُّوا به أنَّه أتَى الفاحشةَ.\nوقال: ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾. لأنَّ أهلَ الإسلامِ كلَّهم بمنزلةِ نَفْسِ واحدةٍ؛ لأنَّهم أهلُ ملةٍ واحدةٍ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6299>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيْدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن أبيه، عن بعضِ رجالِ بني النجارِ، أن أبا أيوبَ خالدَ بنَ زيدٍ، قالت له امرأتُه أمُّ أيوبَ: أما تسمعُ ما يقولُ الناسُ في عائشةَ؟ قال: بلى، وذلك الكذبُ، أكنتِ فاعلةً ذلك يا أمَّ أيوبَ؟ قالت: لا واللَّهِ ما كنتُ لأفعلَه. قال: فعائشةُ واللَّهِ خيرٌ منك. قال: فلمَّا نزَل القرآنُ، ذكَر اللَّهُ مَن قال مِن (^٢) الفاحشةِ ما قال مِن أهلِ الإفكِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾: وذلك حَسَّانُ وأصحابُه الذين قالوا ما قالوا، ثم قال: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية. أي: كما قال أبو أيُّوبَ وصاحِبتُه (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٢) في م، وتفسير ابن أبي حاتم: \"في\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٢، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦١٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٤٦ من طريق سلمة به، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٦/ ٤٨ من طريق ابن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"17","page":212},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾: ما هذا الخيرُ؟ ظَنُّ المؤمنِ أن المؤمنَ لم يكُنْ ليفجُرَ بأُمِّه، وأنَّ الأمَّ لم تكُنْ لتفجُرَ بابنِها، إن أرادَ أن يفجُرَ فجَر بغيرِ أمِّه، يقولُ: إنما كانت عائشةُ أُمًّا، والمؤمنون بنونَ لها، محرَّمًا عليها. وقرأ: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية (^١) [النور: ١٣].\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾: [قال لهم: ﴿خَيْرًا﴾] (^٢). لله ألا ترَى أنه يقولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. يقولُ: بعضُكم بعضًا، ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]. قال (^٣): بعضُكم على بعضٍ (^٤).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾: يَعْنى بذلك المؤمنين والمؤمناتِ (^٥).\nوقولُه: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ: وقال المؤمنون والمؤمناتُ: هذا الذي سمِعنا مِن القولِ الذي رُمِىَ به عائشةُ مِن الفاحشةِ، كذبٌ وإثمٌ، يَبِينُ لمن عقَل وفكَّر فيه، أنه كذبٌ وإثمٌ وبهتانٌ.\nكما حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: أخبَرنا عوفٌ، عن الحسنِ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٤٦ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٣) بعده في م: \"يسلم\".\n(^٤) ينظر التبيان ٧/ ٣٦٨.\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٢٣.","vol":"17","page":213},{"text":"﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾. قالوا: إنَّ هذا لا ينبغى أن يَتكلَّمَ به إلا مَن أقام عليه أربعةً مِن الشهودِ وأُقِيم عليه حدُّ الزِّنى (^١).\n\n<span id=\"aya-2804\"></span><span data-type='title' id=toc-6301>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هلَّا جاء هؤلاء العصبةُ الذين جاءُوا بالإفكِ، ورمَوا عائشةَ بالبهتانِ - بأربعةِ شهداءَ يَشْهدون على مقالتِهم فيها، وما رَمَوها به، فإذ لم يأتُوا بالشهداءِ الأربعةِ على حقيقةِ ما رمَوْها به، ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾. يقولُ: فالعُصْبةُ الذين رمَوْها بذلك عندَ اللَّهِ هم الكاذبون فيما جاءُوا به مِن الإفكِ.\n\n<span id=\"aya-2805\"></span><span data-type='title' id=toc-6302>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أيُّها الخائضون في أمرِ عائشةَ، المُشِيعُون فيها الكذبَ والإثمَ، بتركِه تعجيلَ عقوبتِكم، ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ إياكم؛ لعفوِه عنكم ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ بقبولِ توبتِكم مما كان منكم في ذلك - لَمَسَّكم فيما خضتُم فيه مِن أمرِها عاجلًا في الدنيا ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6300>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَوْلَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٤٩ من طريق هوذة به.","vol":"17","page":214},{"text":"فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾: هذا للذين تكلَّموا (^١) فنشروا ذلك الكلامَ، ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2806\"></span><span data-type='title' id=toc-6303>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: لمسَّكم فيما أَفَضْتُم فيه من شأنِ عائشةَ عذابٌ عظيمٌ حينَ تلقَّونه بألسنتِكم.\nو﴿إِذْ﴾ مِن صلةِ قولِه: ﴿لَمَسَّكُمْ﴾.\nويعنى بقولِه: ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾: تتلقَّوْن الإفكَ الذي جاءت به العصبةُ مِن أهلِ الإفكِ، فتقبلونه، ويرويه (^٣) بعضُكم عن بعضٍ.\nيقالُ: تلقَّيتُ هذا الكلامَ عن فلانٍ. بمعنى: أخذتُه مِنه. وقيل ذلك لأنَّ الرجلَ منهم فيما ذُكِر يَلْقى آخرَ، فيقولُ: أَوَمَا بلغَك كذا وكذا عن عائشةَ؟ ليُشِيعَ عليها بذلك الفاحشةَ.\nوذُكِر أنها في قراءةِ أُبيٍّ: (إذ تتلقَّوْنَهُ) بتاءين (^٤)، وعليها قَرَأَةُ الأمصارِ، غيرَ أنهم قرءُوها: ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ بتاءٍ واحدةٍ؛ لأنها كذلك في مصاحفِهم.\nوقد رُوِى عن عائشةَ في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكَمِ، قال: ثنا خالدُ بنُ نِزارٍ، عن نافعٍ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ أنها كانت تقرأُ هذه الآيةَ: (إذْ تَلِقُونَهُ). تقولُ: إنما هو وَلْقُ الكذبِ.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"علموا\"، وبعده في ص: \"سمعوا\"، وبعده في ت ١: \"استمعوا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٤٨ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"ترونه\" وفى ت ٢: \"تردونه\".\n(^٤) مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٠٢، والبحر المحيط ٦/ ٤٣٨.","vol":"17","page":215},{"text":"وتقولُ: إنما كانوا يَلِقُون الكذبَ. قال ابن أبي مُليكةَ: وهى أعلمُ بما فيها أُنزِلَت. قال نافعٌ: وسمِعتُ بعضَ العربِ يقولُ: اللَّيْقُ الكذبُ.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضِحٍ، قال: ثنا نافعُ بنُ عمرَ بن عبدِ اللَّهِ ابن [عبدِ الرحمنِ بن مَعْمَرٍ] (^١) الجُمَحِيُّ، عن ابن أبي مليكةَ، عن عائشةَ أنها كانت تقرأُ: (إذْ تَلِقُونَهُ بِألْسِنَتِكُمْ). وهى أعلمُ بذلك وفيها أُنزِلَت. قال ابن أبي مُلَيْكَةَ: هو مِن وَلْقِ الكذبِ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وكأنَّ عائشةَ وَجَّهت معنى ذلك بقراءتِها: (تلقُونَهُ) بكسرِ اللامِ وتخفيفِ القافِ إلى: إذ تستمرّون في كذبِكم عليها، وإفكِكم بألسنتِكم. كما يقالُ: وَلَق فلانٌ في السيرِ فهو يَلقُ. إذا استمرَّ فيه، وكما قال الراجزُ (^٣):\nإِنَّ الجُلَيْدَ زَلِقٌ وَزُمَّلِقٌ (^٤)\nجاءتْ بِهِ عَنْسٌ (^٥) مِنَ الشَّأْمِ تَلِقْ\nمُجَوَّعُ البَطْنِ كِلابِيُّ الخُلُقْ\nوقد رُوِى عن العربِ في الوَلْقِ، الكذبُ، الأَلْقُ والإلقُ؛ بفتحِ الألفِ\n_________\n(^١) في مصادر ترجمته: \"جميل بن عامر\". وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٢٨٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، ٨/ ٢٥٤٨، والطبراني ٢٣/ ١٤٣ (٢٠٠) من طريق نافع بن عمر الجمحى به. وأخرجه البخاري (٤٧٥٢)، والطبراني ٢٣/ ١٤٣ (٢٠١) من طريق ابن أبي مليكة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٤٨. ونسبه في اللسان (ز ل ق) إلى القلاخ بن حزن المنقرى، ونسبه في (ول ق) إلى الشماخ.\n(^٤) رجل زلق زملق: هو الذي ينزل قبل أن يجامع. والزملق أيضا: الخفيف الطائش. اللسان (ز ل ق، زملق).\n(^٥) في ت ٢، ف: \"عيس\". والعنس: الناقة القوية. والعيس: الإبل البيض مع شقرة يسيرة. اللسان (ع ن س، ع ي س).","vol":"17","page":216},{"text":"وكسرِها، ويقالُ في \"فعلتُ\" منه: أَلَقْتُ، فأنا أَلِقُ. وقال بعضُهم (^١):\nمَن لِي بالمُزَرَّرِ اليَلامِقِ (^٢) … صاحِبِ إدْهانٍ (^٣) وأَلْقِ آلِقِ\nوالقراءةُ التي لا أستجيزُ غيرَها: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ على ما ذكرتُ مِن قراءةِ قرآةِ (^٤) الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القَرَأَةِ عليها.\nوبنحوِ الذي قُلنا مِن التأويلِ في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6304>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾. قال: تَرْوُونه بعضُكم عن بعضٍ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾. قال: تَرْوُونه بعضُكم عن بعضٍ (^٦).\n_________\n(^١) معاني القرآن للفراء، ٢/ ٢٤٨، واللسان (ول ق)\n(^٢) اليلمق: القباء، فارسي معرب. اللسان (يلمق).\n(^٣) الإدهان: الغش: اللسان (د هـ ن).\n(^٤) سقط من: م، ت ٢.\n(^٥) أخرجه الطبراني ٢٣/ ١٤٢ (١٩٩) من طريق ابن جريج به.\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٤٩٠، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٢٦٥ - والطبراني في الكبير ٢٣/ ١٤٢ (١٩٨). وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٤٨ من طريق شبل عن ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":217},{"text":"وقولُه: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وتقولون بأفواهِكم ما ليسَ لكم به علمٌ مِن الأمرِ الذي تَرْوُونه، فتقولون: سمِعْنا أن عائشةَ فعَلتْ كذا وكذا. ولا تعلمون حقيقةَ ذلك ولا صحتَه، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾: وتظنون أن قولَكم ذلك، وروايتَكموه بألسنتِكم، وتلقِّيَكموه بعضُكم من (^١) بعضٍ، هيِّنٌ سهلٌ، لا إثمَ عليكم فيه ولا حرجَ، ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: وتلقِّيكم ذلك كذلك، وقولُكموه بأفواهِكم - عندَ اللَّهِ عظيمٌ مِن الأمرِ؛ لأنَّكم كنتُم تؤذون به رسولَ اللهِ ﷺ وحليلَتَه (^٢).\n\n<span id=\"aya-2807\"></span><span data-type='title' id=toc-6305>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: فلولا أيها الخائضون في الإفكِ الذي جاءت به عصبةٌ منكم، إذ سمِعْتموه ممن جاءَ به، قلتُم: ما يحلُّ لنا أن نتكلَّمَ بهذا، وما ينبغي لنا أن نتفوَّهَ به، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾: تنزيهًا لك يا ربِّ، وبراءةً إليك مما جاء به هؤلاء، ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾: يقولُ: هذا القولُ بهتانٌ عظيمٌ.\n\n<span id=\"aya-2808\"></span><span data-type='title' id=toc-6306>القولُ في تأويلِ قولِه تعالَى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالَى ذِكرُه: يذكِّرُكم اللهُ وينهاكُم بآيِ كتابِه لئلا تعودُوا لمثلِ فعلِكم الذي فعلتُموه في أمرِ عائشةَ مِن تلقِّيكم الإفكَ الذي رُوِى عليها بألسنتِكم، وقولِكم بأفواهِكم ما ليسَ لكم به علمٌ فيها، أبدًا، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتُم\n_________\n(^١) في م، ف: \"عن\".\n(^٢) في ت ١، ف: \"خليلته\".","vol":"17","page":218},{"text":"تتعظون بعظاتِ اللَّهِ، وتأتمرون لأمرِه، وتنتهون عما نهاكُم عنه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span id=\"aya-2809\"></span><span data-type='title' id=toc-6307>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قال: والذي هو خيرٌ لنا مِن هذا، أنَّ الله أعلَمنا هذا لكيلا نقَعَ فيه، لولا أنَّ الله أعلمناه لهلكْنا كما هلَك القومُ، أنْ يقولَ الرجلُ: أنا سمِعتُه ولم أخترِقْه ولم أتقوَّلْه، فكان خيرًا حينَ أعلمناه اللهُ؛ لئلا ندخُلَ في مثلِه أبدًا، وهو عندَ اللهِ عظيمٌ (^١).\nوقولُه: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾: ويفصِّلُ اللهُ لكم حُجَجَه عليكم، بأمرِه ونهيِه؛ ليتبيَّنَ المطيعُ له منكم مِن العاصى، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بكم وبأفعالِكم، لا يخفَى عليه شيءٌ، وهو مجازٍ المحسنَ منكم بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيرِه خلقَه، وتكليفِه ما كلَّفَهم مِن الأعمالِ، وفرضِه ما فرَض عليهم مِن الأفعالِ.\n\n<span id=\"aya-2810\"></span><span data-type='title' id=toc-6308>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: إِنَّ الذين يُحبُّون أن يَذيعَ الزِّنى في الذين صدَّقوا باللَّهِ ورسولِه، ويظهرَ ذلك فيهم، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: لهم عذابٌ وجيعٌ في الدنيا، بالحدِّ الذي جعَله اللهُ حدًّا لرامى المحصَناتِ والمحصَنين إذا رمَوْهم بذلك، وفى\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٧/ ٣٧٠ بمعناه مختصرا.","vol":"17","page":219},{"text":"الآخرةِ عذابُ جهنمَ إن مات مصرًّا على ذلك غيرَ تائبٍ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾. قال: تَظْهَرَ في شأنِ عائشةَ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: الخبيثُ عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابن سَلولَ، المنافقُ، الذي أشاعَ على عائشةَ ما أشاعَ عليها من الفريةِ - لهم عذابٌ أليمٌ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾. قال: تَظْهِرَ؛ يُتَحَدَّثُ عن شأنِ عائشةَ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: واللهُ يعلمُ كذبَ الذين جاءُوا بالإفكِ من صدقِهم، وأنتم أيُّها الناسُ لا تعلمون ذلك؛ لأنكم لا تعلمون الغيبَ، وإنما يعلمُ ذلك علَّامُ الغيوبِ. يقولُ: فلا تَرْوُوا ما لا علمَ لكم به مِن الإفكِ على أهلِ الإيمانِ باللهِ ولا سيما على حلائلِ رسولِ اللهِ ﷺ، فتهلِكوا.\n\n<span id=\"aya-2811\"></span><span data-type='title' id=toc-6309>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٥٠ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٩٠. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٥٠، والطبراني ٢٣/ ١٤٦ (٢١٢). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":220},{"text":"يقولُ تعالى ذِكرُه: ولولا أن الله تفضَّل عليكم أيُّها الناسُ ورحِمكم، وأن الله ذو رأفةٍ و(^١) رحمةٍ بخلقِه، لهلَكتُم فيما أفَضْتُم فيه، وعاجَلَتْكم مِن اللهِ العقوبةُ.\nوترَك ذكرَ الجوابِ لمعرفةِ السامعِ بالمرادِ مِن الكلامِ بعدَه عليه (^٢)، وهو قولُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ الآيَةَ.\n\n<span id=\"aya-2812\"></span><span data-type='title' id=toc-6310>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه للمؤمنين به: يا أيُّها الذين صدَّقوا الله ورسولَه، لا تَسلُكوا سبيلَ الشيطانِ وطُرُقَه، ولا تقتفوا آثارَه، بإشاعتِكم الفاحشةَ في الذين آمنوا، وإذاعتِكموها فيهم، وروايتِكم ذلك عمَّن جاءَ به، فإنَّ الشيطانَ يأمرُ بالفحشاءِ، وهى الزنى، والمنكرِ مِن القولِ.\nوقد بيَّنا معنى \"الخطواتِ\" و\"الفحشاء\" فيما مضَى بشواهدِ ذلك بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\n\n\n<span data-type='title' id=toc-6311>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولولا فضلُ اللهِ عليكم أيُّها الناسُ ورحمتُه لكم، ما تَطَهَّر منكم مِن أحدٍ أبدًا مِن دَنَسِ ذنوبِه وشركِه، ولكنَّ اللَّهَ يطهِّرُ مَن يَشَاءُ مِن خلقِه.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في م: \"ذو\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٣/ ٣٧ - ٣٩.","vol":"17","page":221},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6312>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾. يقولُ: ما اهتدَى منكم من الخلائقِ لشيءٍ مِن الخيرِ، ينفعُ به نفسَه، ولم يَتَّقِ شيئًا من الشرِّ يدفعُه عن نفسِه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾. قال: ما زكَى: ما أسلَم. قال: وكلُّ شيءٍ في القرآنِ مِن \"زكَى\" أو \"تَزَكَّى\" فهو الإسلامُ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: واللهُ سميعٌ لما تقولون بأفواهِكم، وتَلَقَّونه بألسنتِكم، وغيرِ ذلك من كلامِكم، عليمٌ بذلك كلِّه، وبغيرِه مِن أمورِكم، محيطٌ به، مُحْصِيه عليكم، ليُجازيَكم بكلِّ ذلك.\n\n<span id=\"aya-2813\"></span><span data-type='title' id=toc-6313>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: ولا يحلفْ باللَّهِ ذَوُو الفضلِ منكم، يعنى ذَوى التفضلِ، ﴿وَالسَّعَةِ﴾. يقولُ: وذَوُو (^٣) الجِدَةِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٥٣ من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٥٣ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"ذوى\".","vol":"17","page":222},{"text":"واختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ بمعنى \"يفتعل\"، من الأَلِيَّةِ، وهى القسمُ باللهِ، سوى أبي جعفرٍ وزيدِ بن أسلمَ، فإنه ذُكر عنهما أنهما قرأ ذلك: (ولَا يتَألَّ) بمعنى: \"يتفعل\"، من الأَلِيَّةِ (^١).\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندِى قراءةُ مَن قرَأَ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ بمعنى: \"يفتعل\"، من الأَلِيَّةِ، وذلك أن ذلك في خطِّ المصحفِ كذلك، والقراءةُ الأُخرى مخالفةٌ خطَّ المصحفِ (^٢)، فاتباعُ المصحفِ مع قراءةِ جماعةِ القرأةِ وصحّةِ المقروءِ به، أولَى مِن خلافِ ذلك كلِّه (^٣).\nوإنما عُنِى بذلك أبو بكرٍ الصدِّيقُ ﵁ في حَلِفِه باللهِ لا يُنفقُ على مِسْطَحٍ، فقال جلَّ ثناؤُه: ولا يَحلفْ مَن كان ذا فضلٍ مِن مالٍ وسَعَةٍ منكم، أيُّها المؤمنون باللهِ، أَلَّا يُعْطُوا ذَوِى قَرابتِهم، فيصِلوا به أرحامَهم، كمِسْطحٍ، وهو ابن خالةِ أبي بكرٍ، ﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾. يقولُ: وذوى خَلَّةِ الحاجةِ. وكان مِسْطحٌ منهم؛ لأنه كان فقيرًا محتاجًا، ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهم الذين هاجروا مِنْ (^٤) ديارِهم وأموالِهم في جهادِ أعداءِ اللهِ، وكان مِسْطَحٌ منهم؛ لأنَّه كان ممن هاجَر مِن مكةَ إلى المدينةِ، وشهِد مع رسولِ اللهِ ﷺ بدرًا، ﴿وَلْيَعْفُوا﴾. يقولُ: وليعفُوا عمَّا كان منهم إليهم من جُرمٍ، وذلك كجرمِ مِسْطحٍ إلى أبي بكرٍ، في إشاعتِه على ابنتِه عائشةَ ما أشاع مِن الإفكِ، ﴿وَلْيَصْفَحُوا﴾. يقولُ: وليتركوا عقوبتَهم (^٥) على\n_________\n(^١) وهي قراءة عبد الله بن عياش بن ربيعة والحسن. ينظر البحر المحيط ٦/ ٤٤٠، والنشر ٢/ ٢٤٨.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"كذلك\".\n(^٣) قال ابن الجزرى في النشر ٢/ ٢٤٨: وذكر الإمام المحقق أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم القراب في كتابه \"علل القراءات\" أنه كتب في المصاحف (يتل). قال: فلذلك ساغ الاختلاف فيه على الوجهين.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عقوبته\".","vol":"17","page":223},{"text":"ذلك، بحرمانِهم ما كانوا يؤتونَهم قبلَ ذلك، ولكن ليعودوا لهم إلى مثلِ الذي كانوا لهم عليه مِن الإفضالِ عليهم، ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. يقولُ: ألا تحبُّون أن يستُرَ اللهُ عليكم ذنوبَكم، بإفضالِكم عليهم، فيتركَ عقوبتَكم عليها، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لذنوبِ مَن أطاعَه، واتبعَ أمرَه، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم أن يعذِّبَهم مع اتباعِهم أمرَه، وطاعتِهم إياه على ما كان لهم مِن زَلَّةٍ وهفوةٍ، قد استغفروه منها، وتابوا إليه مِن فعلِها.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6314>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن علْقمةَ بن وَقَّاصِ الليثيِّ، و(^١) عن سعيدِ بن المسيَّبِ، و(^١) عن عروةَ بن الزبيرِ، وعن عبيدِ اللهِ بن عبدِ اللَّهِ بن عتبةَ، عن عائشةَ. قال: وثنى ابن إسحاقَ، قال: ثنا يحيى بنُ عبادِ بن عبدِ الله بن الزُّبيرِ، عن أبيه، عن عائشةَ. قال: وثنى ابن إسحاقَ، قال: ثني عبدُ اللهِ بنُ أبى بكرِ بن محمدِ بن عمرِو بن حزمٍ الأنصاريُّ، عن عمرةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ، قالت: لما نزَل هذا - يَعْنى قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ في عائشةَ وفى من قال لها ما قال - قال أبو بكرٍ، وكان ينفقُ على مسطحٍ لقرابتِه وحاجتِه: واللهِ لا أنفقُ على مسطحٍ شيئًا أبدًا، ولا أنفعُه بنفعٍ أبدًا. بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال، وأدخَل عليها (^٢) ما أدخَل. قالت: فأنزَل اللهُ في ذلك: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ الآية. قالت: فقال أبو بكرٍ: واللهِ إنِّي لأحبُّ أن يغفرَ اللهُ لى. فرجَع إلى مِسْطَحٍ نفقتَه التي كان يُنفِقُ عليه، وقال:\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"عليه\".","vol":"17","page":224},{"text":"واللهِ لا أنزِعُها منه أبدًا (^١)\nحدَّثني عليٌّ، قال ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾. يقول: لا تُقْسِموا أَلَّا تنفعوا أحدًا (^٢).\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن أبيه ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى آخرِ الآية. قال: كان ناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ قد رَمَوْا عائشةَ بالقبيحِ، وأفشَوا ذلك، وتكلَّمُوا به، فأقسَم ناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، فيهم أبو بكرٍ، ألا يتصدَّقَ على رجلٍ تكلَّم (^٣) بشيءٍ مِن هذا ولا يصلَه، فقال: لا يُقْسِمُ أولو الفضلِ منكم والسعةِ أن يصِلوا أرحامَهم، وأن يُعطوهم مِن أموالِهم كالذي كانوا يفعلون قبلَ ذلك، فأمَر اللهُ أن يُغْفَرَ لهم، وأن يُعْفَى عنهم (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾: لما أنزَل اللهُ تعالى ذِكرُه عذرَ عائشةَ مِن السماءِ، قال أبو بكرٍ وآخرون مِن المسلمين: والله لا نَصِلُ رجلًا منهم تَكَلَّم (^٥) بشيءٍ من شأنِ عائشةَ، ولا ننفعُه. فأنزل اللهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١٩٧، ٢٠٤، ٢٠٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٥٣ من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"يتكلم\".\n(^٤) أخرجه الطبراني ٢٣/ ١٥٠ (٢٢٣) من طريق محمد بن سعد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥ إلى ابن مردويه.\n(^٥) سقط من: ص، ت ٢، ف.","vol":"17","page":225},{"text":"أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾. يقولُ: ولا يحلفْ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾. قال: كان مِسْطَحٌ ذا قرابةٍ، ﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾. قال: كان مسكينًا، ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: كان بَدْرِيًّا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾. قال: أبو بكرٍ حلَف ألَّا ينفَعَ يتيمًا في حَجْرِه، كان أشاعَ ذلك، فلما نزلتْ هذه الآيةُ قال: بلى أنا أحبُّ أن يغفرَ اللهُ لى، فلأكونَنَّ ليتيمى خيرَ ما كنتُ له قطُّ (^٣).\n\n<span id=\"aya-2814\"></span><span data-type='title' id=toc-6315>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ بالفاحشةِ ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾، يَعْنى العفيفاتِ، ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ عن الفواحشِ، ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ باللهِ ورسولِه وما جاء به مِن عندِ اللهِ، ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. يقولُ: أُبْعِدوا من رحمةِ اللَّهِ في الدنيا والآخرةِ ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخرةِ ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وذلك عذابُ جهنمَ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في المحصناتِ اللاتى هذا حكمُهنَّ؛ فقال بعضُهم: إنما ذلك لعائشة خاصةً، وحكمٌ مِن اللهِ فيها وفى من رماها، دون سائرِ نساءِ أمةِ نبيِّنا ﷺ.\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٢٧.\n(^٢) ينظر التبيان ٧/ ٣٧٣.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٩٠. ومن طريقه الطبراني ٢٣/ ١٤٨ (٢٢٠)، وأخرجه أيضا في ٢٣/ ١٤٩، (٢٢١) من طريق ابن جريج عن مجاهد.","vol":"17","page":226},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6316>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن أبى الشواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا حُصَيْفٌ، قال: قلتُ لسعيدِ بن جُبيرٍ: الزنى أشدُّ أم قذفُ المحصنَةِ؟ فقال: الزني. فقلتُ: أليس يقولُ اللهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية؟ قال سعيدٌ: إنما كان هذا لعائشةَ خاصةً (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن عمرَ بن أبي سَلَمَةَ، عن أبيه، قال: قالت عائشةُ: رُمِيتُ بما رُمِيت به وأنا غافلةٌ، فبلَغني بعدَ ذلك. قالت: فبينما رسولُ اللهِ ﷺ عندى جالسٌ، إذ أُوحِيَ إليه، [وكان إذا أُوحِى إليه] (^٢) أخذه كهيئةِ السُّباتِ، وإنَّه أُوحِيَ إليه وهو جالسٌ عندِى، ثم استوَى جالسًا يمسحُ عن وجهِه، وقال: \"يا عائشةُ، أَبشِرى\". قالت: فقلتُ: بحمدِ اللهِ لا بحمدِك. فقرَأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ حتى بلَغ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ \" (^٣).\nوقال آخرون: بل ذلك لأزواجِ رسولِ اللهِ ﷺ خاصَّة دون سائرِ النساءِ غيرِهنَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6317>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيْدٌ، قال: سمعتُ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١٦٢.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) أخرجه الطبراني ٢٣/ ١٢١ (١٥٦) من طريق أبي عوانة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"17","page":227},{"text":"الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية: أزواجَ النبيِّ ﷺ خاصةً (^١).\nوقال آخرون: نزَلت هذه الآيةُ في شأنِ عائشةَ، وعُنِىَ بها كلُّ مَن كان بالصفةِ التي وَصف اللهُ في (^٢) هذه الآيةِ. قالوا: فذلك حكمُ كلِّ مَن رمَى محصنةً لم تُقارِفْ سُوءًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6318>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ بنُ سَهْلٍ، قال: ثنا زيدٌ، عن جعفرِ بن بُرْقانَ، قال: سألتُ ميمونًا، قلتُ: الذي ذكَر اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤، ٥]. فجعَل في هذه توبةً، وقال في الأُخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؟ قال ميمونٌ: أمَّا الأُولَى فعسَى أن تكونَ قد قارَفت، وأمَّا هذه، فهي التي لم تقارِفْ شيئًا مِن ذلك.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا العوّامُ بنُ حوشبٍ، عن [شيخٍ مِن بني أسدٍ] (^٣)، عن ابن عباسٍ، قال: فسَّر سورةَ \"النورِ\"، فلما أتَى على هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية. قال: هذا في شأنِ عائشةَ وأزواجِ النبيِّ ﷺ، وهى مبهمةٌ، وليستْ لهم توبةٌ، ثم قرَأ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾. إلى قولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٢٢٣ - ومن طريقه الطبراني ٢٣/ ١٥٢ (٢٢٩) - عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ت ٢: \"شريح\".","vol":"17","page":228},{"text":"بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ الآية. قال: فجعلَ لهؤلاءِ توبةً، ولم يجعلْ لمن قذَف أولئك توبةً. قال: فهَمَّ بعضُ القومِ أن يقومَ إليه فيُقَبِّلَ رأسَه مِن حُسْنِ ما فسَّر سورةَ \"النور\" (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قال: هذا في عائشةَ، ومَن صنَع هذا اليومَ (^٢) في المسلماتِ، فله ما قال اللهُ، ولكنَّ عائشةَ كانت إمامَ ذلك (^٣).\nوقال آخرون: نزَلت هذه الآيةُ في أزواجِ النبيِّ ﷺ، فكان ذلك كذلك حتى نزَلت الآيةُ التي في أوَّلِ السورةِ، فأوجَب الجَلْدَ وقَبِلَ التوبةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6319>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. يعنى أزواجَ النبيِّ ﷺ، رَماهنَّ أهلُ النفاقِ، فأوجَب اللهُ لهم اللعنةَ والغضبَ، وباءُوا بسخطٍ مِن اللهِ. فكان ذلك في أزواجِ النبيِّ ﷺ، ثم نزَل بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله (^٤): ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فأنزل اللهُ الجلدَ والتوبةَ، فالتوبةُ تُقبلُ، والشهادة تُردُّ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور - ٥/ ٣٥ ومن طريقه الطبراني ٢٣/ ١٥٣ (٢٣٤) عن هشيم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن مردويه.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ف: \"و\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٥٧ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٥) ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٣٢.","vol":"17","page":229},{"text":"وأَوْلَى هذه الأقوالِ في ذلك عندِى بالصوابِ قولُ مَن قال: نزَلت هذه الآيةُ في شأنِ عائشةَ، والحكمُ بها عامٌّ في كلِّ من كان بالصفةِ التي وصَفه اللهُ بها فيها.\nوإنما قلنا: ذلك أولى تأويلاتِه بالصوابِ؛ لأنَّ اللَّهَ عمَّ بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ كلَّ محصنةٍ غافلةٍ مؤمنةٍ، رَماها رامٍ بالفاحشةِ، مِن غيرِ أن يخصَّ بذلك بعضًا دونَ بعضٍ، فكلُّ رامٍ محصنةً بالصفةِ التي ذكَر اللهُ جلَّ ثناؤُه في هذه الآيةِ، فملعونٌ في الدنيا والآخرةِ، وله عذابٌ عظيمٌ، إلا أن يتوبَ من ذنبِه ذلك قبلَ وفاتِه، فإنَّ الله دلَّ باستثنائِه بقولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ على أنَّ ذلك حكمُ رامى كلِّ محصنةٍ بأيِّ صفةٍ كانت المحصنةُ المؤمنةُ المرميَّةُ، وعلى أن قولَه: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ معناه: لهم ذلك إن هلَكوا ولم يَتوبوا.\n\n<span id=\"aya-2815\"></span><span data-type='title' id=toc-6320>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولهم عذابٌ عظيمٌ يومَ تَشْهَدُ عليهم ألسِنَتُهم.\nفـ \"اليومُ\" الذي في قولِه: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ من صلةِ قولِه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nوعنى بقولِه: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ يومَ القيامةِ، وذلك حين يَجْحَدُ أحدُهم ما اكتسبَ في الدنيا مِن الذنوبِ، عندَ تقريرِ اللَّهِ إياه بها، فيختمُ اللَّهُ على أفواهِهم، وتشهدُ عليهم أيديهم وأرجلُهم بما كانوا يعملون.\nفإن قال قائلٌ: وكيف تشهدُ عليهم ألسنتُهم حينَ يُخْتَمُ على أفواهِهم؟\nقيل: عُنى بذلك أن ألسنةَ بعضِهم تشهدُ على بعضٍ، لا أنَّ ألسنتَهم تنطِقُ وقد","vol":"17","page":230},{"text":"خُتِم على الأفواهِ.\nوقد حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنا عمرٌو، عن (^١) درَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: \"إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيامَةِ عُرِّفَ الكافِرُ بِعَمَلِهِ، فَجَحَد وخاصَمَ، فيقالُ له، هؤلاءِ جيرانُك يَشْهَدون عليك. فيقولُ: كذَبوا. فيقولُ: أهْلُكَ وعَشِيرَتُك. فيقولُ كَذَبوا. فيقولُ: أتَحْلِفون؟ فيَحْلِفون، ثُمَّ يُصْمِتُهمُ اللَّهُ، وتَشْهَدُ ألسِنَتُهم، ثُمَّ يُدْخِلُهم (^٢) النَّارَ\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-2816\"></span><span data-type='title' id=toc-6321>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يومَ تَشْهَدُ عليهم ألسِنَتُهم وأيديهم وأرجلُهم بما كانوا يعملون، و(^٤) يُوَفِّيهم اللهُ حسابَهم وجزاءَهم الحقَّ على أعمالِهم.\nوالدِّينُ في هذا الموضعِ الحسابُ والجزاءُ.\nكما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾. يقولُ: حسابَهم (^٥).\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿الْحَقَّ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بن\". وعمرو هو ابن الحارث، ودراج هو ابن سمعان أبو السمح. وينظر تهذيب الكمال ٨/ ٤٧٧، ٢١/ ٥٧٠.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الله\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٥٨ عن يونس به، وأخرجه أبو يعلى (١٣٩٢) من طريق دراج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥ إلى ابن مردويه والطبراني.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٦٠ من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦ إلى ابن المنذر.","vol":"17","page":231},{"text":"﴿دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ نصبًا على النعتِ لـ \"الدين\"، كأَنَّه قال: يُوَفِّيهم اللهُ ثوابَ أعمالِهم حقًّا. ثم أدخل في \"الحقَّ\" الألفَ واللامَ، فنصَبه بما نصَب به \"الدِّينَ\".\nوذُكِر عن مجاهدٍ أنه قرأَ ذلك: ﴿يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ برفعِ \"الحقِّ\" على أنه مِن نعتِ \"اللَّهِ\" (^١).\nحدَّثنا بذلك أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا يزيدُ، عن جريرِ بن حازمٍ، عن حميدٍ، عن مجاهدٍ أنه قرأَها: (الحقُّ) بالرفعِ (^٢). قال جريرٌ: وقرأتُها في مصحفِ أُبيِّ بن كعبٍ: (يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ [الحَقُّ دِينَهُمْ] (^٣).\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وهو نصبُ \"الحقِّ\" على إتباعِه إعرابَ \"الدين\"؛ لإجماعِ الحجةِ عليه.\nوقولُه: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾. يقولُ: ويعلمون يومئذٍ أن اللَّهَ هو الحقُّ الذي يُبَيِّنُ لهم حقائقَ ما كان يَعِدُهم في الدنيا مِن العذابِ، ويزولُ حينئذٍ الشكُّ فيه عن أهلِ النفاقِ الذين كانوا فيما كان يَعِدُهم في الدنيا يمترون.\n\n<span id=\"aya-2817\"></span><span data-type='title' id=toc-6322>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الرجال، والخبيثون مِن الرجالِ للخبيثاتِ مِن القولِ، والطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القولِ.\n_________\n(^١) وهى قراءة عبد الله وأبى روق وأبى حيوة. وهى قراءة شاذة. البحر المحيط ٦/ ٤٤١.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"دينهم الحق\"، والمثبت هو الصواب، ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٠٣.","vol":"17","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6323>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾. يقولُ: الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الرجالِ، والخبيثون مِن الرجالِ للخبيثاتِ مِن القول. وقوله: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾. يقولُ: الطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الرجالِ، والطيِّبون مِن الرجالِ للطيِّباتِ من القولِ، نزَلت في الذين قالوا في زوجةِ النبيِّ ﷺ ما قالوا مِن البهتانِ. ويقالُ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾: الأعمالُ الخبيثةُ تكونُ للخبيثين، والطيِّباتُ (^١) مِن الأعمالِ تكونُ للطيِّبين (^٢).\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: [﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾. قال] (^٣): الخبيثاتُ [من الكلامِ] (^٤) للخبيثين من الناسِ، والطيباتُ مِن الكلامِ للطيِّبين مِن الناسِ.\nحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"الطيبون\".\n(^٢) أخرجه الطبراني ٢٣/ ١٥٩ (٢٥٠) من طريق محمد بن سعد به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٦٠، والطبراني ٢٣/ ١٥٨، ١٥٩ (٢٤٨، ٢٤٩) من طرق عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦ إلى ابن مردويه.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٤) سقط من: ت ١، ف.\n(^٥) تفسير سفيان ص ٢٢٣.","vol":"17","page":233},{"text":"نجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (^١) في قولِ اللهِ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾. قال: الطيباتُ: القولُ الطيبُ يخرجُ مِن الكافرِ والمؤمنِ، فهو للمؤمنِ، والخبيثاتُ: القولُ الخبيثُ يخرجُ مِن المؤمنِ والكافرِ، فهو للكافرِ، ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾. وذلك أنه برَّأ كليهما مما ليسَ له (^٢) بحقٍّ مِن الكلامِ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾. يقولُ: الخبيثاتُ والطيباتُ: القولُ السيءُ والحَسَنُ؛ للمؤمنين (^٣) الحَسَنُ، وللكافرين (^٤) السيئُ، ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾. وذلك بأنَّه ما قال الكافرون مِن كلمةٍ طيبةٍ فهى للمؤمنين (^٥)، وما قال المؤمنون مِن كلمةٍ خبيثةٍ فهي للكافرين، كلٌّ برئٌ مما ليسَ بحقٍّ مِن الكلامِ (^٦).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾. قال: الخبيثاتُ مِن الكلامِ للخبيثين مِن الناسِ،\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"للمؤمن\".\n(^٤) في ت ١: \"الكافر\"، وفى ت ٢: \"للكافر\"، وفى ف: \"الكافرين\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"للمؤمن\".\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٤٩١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٦١، ٢٥٦٤، والطبراني ٢٣/ ١٥٧، ١٦١ (٢٤٣، ٢٥٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":234},{"text":"والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن الكلامِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال أخبَرنا معمرٌ، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ مثلَه (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ الآية. يقولُ: الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين من الرجالِ، والخبيثون مِن الرجالِ للخبيثاتِ مِن القولِ، والطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الرجالِ، والطيبون مِن الرجالِ للطيباتِ مِن القولِ، فهذا في الكلامِ، وهم الذين قالوا لعائشةَ ما قالوا، هم الخبيثون. والطيبون هم المبرَّءُون مما قال الخبيثون.\nحدَّثنا أبو زرعةَ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سلمةُ، يعنى ابنَ نُبَيْطٍ الأشجعيَّ، عن الضحاكِ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾. قال: الخبيثاتُ مِن الكلامِ للخبيثين مِن الناسِ، والطيباتُ مِن الكلامِ للطيبين مِن الناسِ (^٣).\nقال: ثنا قبيصةُ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ وعثمانَ بن الأسودٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾. قال: الخبيثاتُ مِن الكلامِ للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ، والطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القولِ.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني ٢٣/ ١٥٧، ١٥٨ (٢٤٤) من طريق محمد بن ثور به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٥٥.\n(^٣) أخرجه الطبراني ٢٣/ ١٥٧ (٢٤٢) من طريق سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"17","page":235},{"text":"قال: ثنا سفيانُ، عن خُصيفٍ، عن سعيدِ بن جُبَيْرٍ، قال: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾. قال: الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ، والطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القولِ (^١).\nقال: ثنى محمدُ بنُ أبى (^٢) بكرِ بن مُقَدَّمٍ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عبدِ الملكِ، يعنى ابنَ أبى سليمانَ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾. قال: الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الناس (^٣).\nقال: ثنا عباسُ بنُ الوليدِ النَّرْسِيُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾. يقولُ: الخبيثاتُ مِن القولِ والعملِ للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ والعملِ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن طلحةَ بن عمروٍ، عن عطاءٍ، قال:\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٢٢٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٦٢، ٢٥٦٣، والطبراني ٢٣/ ١٥٦ (٢٣٩) من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بنحوه.\n(^٢) سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٥٣٤.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٦٢، والطبراني (١٥٨/ ٢٣ (٢٤٧) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان به. وعند ابن أبي حاتم: عن مجاهد وسعيد. وعند الطبراني: عن مجاهد أو سعيد بن جبير. وأخرجه الطبراني ٢٣/ ١٥٨ (٢٤٦) من طريق عبد الملك، عن القاسم، عن سعيد قوله.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٦٣، ٢٥٦٤، والطبراني ٢٣/ ١٦٠ (٢٥٢) من طريق عباس به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"17","page":236},{"text":"﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾. قال: الطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القولِ، والخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: الخبيثاتُ مِن النساءِ للخبيثين مِن الرجال، والخبيثون مِن الرجالِ للخبيثاتِ مِن النساءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6324>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زَيْدٍ في قولِه: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾. قال: نزَلت في عائشةَ حينَ رماها المنافقُ بالبهتانِ والفِرْيْةِ، فبرَّأها اللهُ مِن ذلك. وكان عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ هو خبيثٌ، وكان هو أَوْلَى بأن تكونَ له الخبيثةُ ويكونَ لها، وكان رسولُ اللهِ ﷺ طيبًا، وكان أَوْلَى أن تكونَ له الطيبةُ، وكانت عائشةُ الطيبةَ، وكانَ أَوْلَى أن يكونَ لها الطيبُ، ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾. قال: هاهنا بُرِّئتْ عائشةُ. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (^٢).\nوأَوْلَى هذه الأقوالِ في تأويلِ الآية قولُ مَن قال: عَنَى بالخبيثاتِ: الخبيثاتِ مِن القولِ، وذلك قبيحُه وسيئُه، للخبيثين مِن الرجالِ والنساءِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ هم بها أَوْلَى؛ لأنَّهم أهلُها، والطيباتُ مِن القولِ، وذلك حسنُه\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦ إلى عبد بن حميد. وأخرجه الطبراني ٢٣/ ١٥٩ (٢٤٩) مِن طريق طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٦٢، ٢٥٦٤، والطبراني ٢٣/ ١٥٦، ١٦٢ (٢٤٠، ٢٥٨) مِن طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد.","vol":"17","page":237},{"text":"وجميلُه، للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القول؛ لأنَّهم أهلها وأحقُّ بها.\nوإنما قُلْنا: هذا القولُ أَوْلَى بتأويلِ الآيةِ؛ لأنَّ الآياتِ قبلَ ذلك إنما جاءَت بتوبيخِ اللَّهِ للقائلين في عائشةَ الإفكَ، والرامين المحصناتِ الغافلاتِ المؤمناتِ، وإخبارِهم ما خَصَّهم به على إفكِهم، فكان ختمُ الخبرِ عن أَوْلَى الفريقين بالإفكِ مِن الرامي والمرميِّ به، أشبهَ مِن الخبرِ عن غيرِهم.\nوقولُه: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ﴾. يقولُ: الطَّيبون مِن الناسِ مبرَّءون مِن خبيثاتِ القولِ، إن قالوها فإنَّ اللَّهَ يَصفحُ لهم عنها، ويَغْفِرُها لهم، وإن قِيلت فيهم ضرَّت قائلَها ولم تَضرَّهم، كما لو قال الطَّيِّبَ مِن القول الخبيثُ مِن الناسِ لم يَنْفَعُه الله به؛ لأنَّ الله لا يتقبَّلُه، ولو قِيلت له لضرَّتْه؛ لأنه يَلْحَقُه عارُها في الدنيا وذلُّها في الآخِرة.\nكما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾: فَمَن كان طيِّبًا فهو مُبَرَّأٌ مِن كلِّ قولٍ خبيثٍ، يقول: يغفِرُه اللهُ. ومَن كان خبيثًا فهو مُبَرَّأٌ مِن كلِّ قولٍ صالحٍ، فإنه يَرُدُّه الله عليه، لا يَقبلُه منه (^١).\nوقد قِيل: عُنِى بقولِه: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾: عائشةُ وصفوانُ بنُ المُعَطَّلِ الذي رُمِيت به. فعلى هذا القولِ قيل: ﴿أُولَئِكَ﴾. فجُمِع، والمرادُ ذانِك، كما قيل: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]. والمرادُ أخوَان.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٥٥. وهو بعض الأثر المتقدم في ص ٢٣٥.","vol":"17","page":238},{"text":"وقولُه: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾. يقولُ: لهؤلاءِ الطيِّبين مِن الناسِ مغفرةٌ مِن اللهِ لذنوبِهم، والخبيثِ مِن القولِ إن كان منهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم أيضًا مع المغفرةِ عَطيةٌ مِن الله كريمةٌ، وذلك الجنةُ وما أُعِدَّ لهم فيها مِن الكرامةِ.\nكما حدَّثنا أبو زرْعةَ، قال: ثنا العباسُ بنُ الوليدِ النَّرْسِيُّ، قال: ثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: مغفرةٌ لذنوبِهم، ورزقٌ كريمٌ في الجنةِ (^١).\n\n<span id=\"aya-2818\"></span><span data-type='title' id=toc-6326>القولُ في تأويل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: يأيها الذين آمنوا لا تَدخُلوا بيوتًا غيرَ بيوتِكم حتى تستأذِنوا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6325>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرَأُ: (لا تَدْخُلُوا بيوتًا غيرَ بيوتِكم حتى تستأذِنوا (^٢) وتُسَلِّموا على أهلِها). قال: وإنما ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ وَهُمٌ مِن الكتَّابِ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني ٢٣/ ١٦٢ (٢٥٩) مِن طريق عباس به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"تستأنسوا\".\n(^٣) أخرجه البيهقى في الشعب (٨٨٠٢) مِن طريق هشيم به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٦٦، والبيهقي في الشعب (٨٨٠١)، والضياء في المختارة ١٠/ ٩١ (٨٧) مِن طريق أبي بشر به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٨ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف. =","vol":"17","page":239},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾. وقال: إنما هي خطأٌ مِن الكتَّابِ (^١): (حتى تستأذنوا وتُسلِّموا) (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا وَهْبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ بمثلِه، غيرَ أنَّه قال: إنما هي: (حتى تَستَأذنوا). ولكنها سقَطٌ مِن الكاتبِ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: ثنا معاذُ بنُ سليمانَ، عن جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾. قال: أخطأَ الكاتبُ. وكان ابن عباسٍ يقرأُ: (حتى تَسْتأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا). وكان يقرؤُها على قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ أنه كان يقرؤُها: (حتى تَسْتأذنوا وتُسَلِّمُوا). قال سفيانُ: وبلَغنى أنَّ ابن عباسٍ كان يقرؤُها: (حتى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلَّمُوا). وقال: إنها خَطَأٌ مِن الكاتب (^٤).\n_________\n= وقال أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٤٤٥: ومن روى عن ابن عباس أن قوله: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ خطأ أووهم مِن الكاتب وأنه قرأ (حتى تستأذنوا) فهو طاعن في الإسلام ملحد في الدين، وابن عباس برئ مِن هذا القول … . وقال ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٨: وهذا غريب جدًّا عن ابن عباس.\n(^١) في م: \"الكاتب\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٨ عن المصنف، وأخرجه البيهقى في الشعب (٨٨٠٤)، والضياء في المختارة ١٠/ ٩٠ (٨٦) مِن طريق شعبة به، وأخرجه الحاكم، ٢/ ٣٩٦، والبيهقي في الشعب (٨٨٠٣) مِن طريق شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عباس بنحوه.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٨.\n(^٤) تفسير سفيان ص ٢٢٤ بنحوه مختصرًا.","vol":"17","page":240},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾. قال: الاستِئْناسُ الاستئذانُ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: في مصحفِ ابن مسعودٍ: (حتى تُسَلِّموا علَى أَهْلِها وَتَسْتَأْذِنُوا) (^٢). قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا جعفرُ بنُ إياسٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤُها: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ بُيُوتِكُمْ حتى تُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِها وَتَسْتَأْذِنُوا). قال: وإنما ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ وَهُمٌ مِن الكُتَّابِ.\nقال: ثنا هشيمٌ، قال مُغيرةُ: قال مجاهدٌ: جاء ابن عمرَ مِن حاجةٍ، وقد آذاه الرَّمْضاءُ (^٣)، فأتَى فُسطاطَ امرأةٍ مِن قريشٍ، فقال: السلامُ عليكم، أدخلُ؟ فقالت: ادخُل بسلامٍ. فأعاد، فأعادَت، وهو يراوحُ بين قدمَيه، قال: قولِى: ادخُلْ. قالت: ادخُلْ. فدخَل (^٤).\nقال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا منصورٌ، عن ابن سيرينَ، وأخبَرنا يونسُ بنُ عُبيدٍ، عن عمرِو بن سعيدٍ الثقفيِّ، أن رجلًا استأذَن على النبيِّ ﷺ، فقال: أَلِجُ أو أَنَلِجُ؟ فقال النبيُّ ﷺ لأمَةٍ له يقالُ لها رَوْضَةُ: \"قومِي إلى هذا فَكَلِّميه (^٥)، فإِنَّهُ لا يُحْسِنُ يَسْتَأْذِنُ، فَقُولى له يقولُ: السلامُ عليكم، أدْخُلُ؟ \". فسمِعها الرجلُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٨ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه البيهقى في الشعب (٨٨٠٠) مِن طريق مغيرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٨ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.\n(^٣) الرَّمضاء: اسم للأرض الشديدة الحرارة. تاج العروس (ر م ض).\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٩ عن مغيرة به.\n(^٥) في الدر المنثور: \"فعلميه\".","vol":"17","page":241},{"text":"فقالها، فقال: \"ادْخُلْ\" (^١).\nحدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾. قال: الاستئذانُ، ثم نُسِخ واسْتُثْنِىَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ واضِحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ قولَه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾. قال: حتى تُسلِّموا على أهلِها وتَستَأذِنوا.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾. قال: حتى تَستأذنوا وتُسلِّموا (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا أشعتُ بنُ سَوَّارٍ، عن كُرْدُوسٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: عليكم أن تَستأذِنوا على أمهاتِكم وأَخَوَاتِكم (^٤).\nقال أشعثُ، عن عديِّ بن ثابتٍ، أنَّ امرأةً مِن الأنصارِ قالت: يا رسولَ اللهِ، إِنَّى أكونُ في منزلِى على الحالِ التي لا أُحِبُّ أن يَرانى أحدٌ عليها؛ والدٌ ولا ولَدٌ، وإنه لا يَزالُ يَدخُلُ عليَّ رجُلٌ مِن أهلى وأنا على تلك الحالِ. قال: فنزَلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٩ عن هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٨ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه النحاس في ناسخه ص ٥٨٦، ٥٨٧، وابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٤٠٧ مِن طرق عن ابن عباس.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ص ٥٥.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٠ عن هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٩ إلى المصنف.","vol":"17","page":242},{"text":"أَهْلِهَا﴾ الآية (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: حتى تُؤنِسوا أهلَ البيتِ بالتَّنَحْنُحِ والتَّنَخُّمِ وما أشْبهَه؛ حتى يَعلَموا أنكم تُريدون الدُّخولَ عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-6327>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾. قال: حتى تَتَنَحْنَحوا وتتَنَخَّموا.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾. قال: حتى تَحَسَّسوا (^٣) وتُسلِّموا.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾. قال: تَنَحْنَحُوا وتَنَخَّموا.\nقال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سمِعتُ عطاءَ بنَ أَبِي رَبَاحٍ يُخبرُ عن ابن عباسٍ، قال: ثلاثُ آياتٍ قد جحَدهنَّ الناسُ؛ قال اللَّهُ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٠ عن أشعث به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٨ إلى المصنف والفريابي.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٩١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٦٦، والبيهقي في الشعب (٨٨٠٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٨ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"تجسسوا\".","vol":"17","page":243},{"text":"اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. قال: ويقولون: إِنَّ أكرَمَهم عندَ اللهِ أعظمُهم شأنًا (^١). قال: والإِذْنُ كلُّه قد جحَده الناسُ. فقلتُ له: أَستَأْذِنُ على أَخَواتي أيتامٍ في حَجرى معى في بيتٍ واحدٍ؟ قال: نعم. فردَدْتُ على مَن حضَرني، فأبَى. قال: أتُحبُّ أن تَراها عُريانةً؟ قلتُ: لا. قال: فاستأذِنْ. فراجعتُه أيضًا. قال: أتحبُّ أن تُطيعَ اللَّهَ؟ قلتُ: نعم. قال: فاستأذِنْ. فقال لى سعيدُ بنُ جبيرٍ: إنك لَتُرَدِّدُ عليه. قلتُ: أردتُ أن يُرخِّصَ لى (^٢).\nقال ابن جُرَيجٍ: وأخبَرنى ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: ما مِن امرأةٍ أَكْرَهُ إليَّ أن أرَى، كأنه يقولُ: عِرْيَتَهَا (^٣)، أو عُرْيَانةً، مِن ذاتِ مَحرمٍ. قال: وكان يُشدِّدُ في ذلك (^٤).\nقال ابن جُرَيجٍ: وقال عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]. فواجبٌ على الناسِ أجمعينَ إذا احتَلموا أن يَستأذِنوا على مَن كان مِن الناسِ. قلتُ لعطاءٍ: أواجبٌ على الرجلِ أن يَستأذنَ على أمِّه ومَنْ وراءها مِن ذاتِ قرابتِه؟ قال: نعم. قلتُ: [بأيٍّ وَجَبت] (^٥)؟ قال: قولُه: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (٤).\nقال ابن جُرَيجٍ: وأخبرنى ابن زيادٍ، أن صفوانَ مَولًى لبنى زُهْرَةَ، أخبَره عن عطاءِ بن يسارٍ، أنَّ رجلًا قال للنبيِّ ﷺ: أستأذنُ على أمِّى؟ قال: \"نعم\". قال:\n_________\n(^١) في ص، ف، وتفسير ابن كثير: \"بيتا\"، وفى ت ١: \"لى\".\n(^٢) أخرجه سنيد الحسين بن داود - كما في التمهيد ١٦/ ٢٣٢ - وأخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣١٤، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٣٢، والنحاس في ناسخه ص ٥٩٤ من طريق عطاء به، وسيأتي ص ٣٥٤.\n(^٣) عِرْيَتها: عورتها. اللسان (ع ر ا).\n(^٤) أخرجه سنيد - كما في التمهيد ١٦/ ٢٣٢.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أتزوجت\"، وفى م: \"أبروجب\". والمثبت مِن التمهيد.","vol":"17","page":244},{"text":"إنها ليس لها خادِمٌ غيرِى، أفأَستأذِنُ عليها كلما دخَلْتُ؟ قال: \"أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً؟ \". قال الرجُلُ: لا. قال: \"فاستَأذِنْ عليها\" (^١).\nقال ابن جُرَيجٍ، عن الزهريِّ، قال: سمِعتُ هُزَيْلَ بنَ شُرَحبيلَ الأَوْدِيَّ الأعمى، أنه سَمِع ابنَ مسعودٍ يقولُ: عليكم الإذْنَ على أمهاتِكم (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أيَستأذنُ الرجلُ على امرأتِه؟ قال: لا (^٣).\nحدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ خازمٍ (^٤)، عن الأعمشِ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن يَحيى بن الجزَّارِ، عن ابن أخى زينبَ - امرأةِ ابن مسعودٍ - عن زينبَ، قالت: كان عبدُ اللَّهِ إذا جاء مِن حاجةٍ فانتهَى إلى البابِ، تَنحْنَحَ وبزَق؛ كراهةَ أَن يَهْجُمَ منا على أمرٍ يكرهُه (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾. قال: الاستِئْناسُ التَّنَحنحُ والتَّجَرُّسُ حتى يَعرِفوا أن قد جاءَهم أحدٌ. قال: والتَّجَرُّسُ كلامُه وتَنحنُحُه.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندِى أن يقالَ: إِنَّ الاستئْناسَ الاستفعالُ مِن\n_________\n(^١) أخرجه مالك ٢/ ٩٦٣ من طريق صفوان به.\n(^٢) أخرجه سنيد - كما في التمهيد ١٦/ ٢٣٢ - عن حجاج به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٩٩، والبيهقى ٧/ ٩٧ من طريق الزهرى به، وينظر الأثر المتقدم في ص ٢٤٢.\n(^٣) أخرجه سنيد - كما في التمهيد ١٦/ ٢٣٢، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٠ عن ابن جريج.\n(^٤) في النسخ: \"حازم\"، وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ١٢٣.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٠، ٤١ عن المصنف.","vol":"17","page":245},{"text":"الأُنْسِ، وهو أن يَستأذنَ أهلَ البيتِ في الدخولِ عليهم، مُخبِرًا بذلك مَن فيه، وهل فيه أحدٌ، ولِيؤْذِنَهم أنه داخلٌ عليهم، فيَأْنسَ (^١) إلى إذنِهم له في ذلك، ويأنَسوا إلى استئذانِه إياهم. وقد حُكِى عن العربِ سماعًا: اذهبْ فاستَأنِسْ، هل ترَى أحدًا في الدارِ؟ بمعنى: انظُرْ هل ترَى فيها أحدًا؟\nفتأويلُ الكلامِ إذن، إذ (^٢) كان ذلك معناه: يأيُّها الذين آمنوا لا تَدخُلُوا بُيوتًا غيرَ بيوتِكم حتى تُسلِّموا وتستأذِنوا، وذلك أن يقولَ أحدُكم: السلامُ عليكم، أدخلُ؟ وهو من المقدَّمِ الذي معناه التأخيرُ، إنما هو: حتى تُسلِّموا وتستأذِنُوا. كما ذكَرْنا مِن الروايةِ عن ابن عباسٍ.\nوقولُه: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقولُ: استِئْناسُكم وتَسليمُكم على أهلِ البيتِ الذي تُريدون دخولَه، فإنَّ دُخولَكموه خيرٌ لكم؛ لأنكم لا تَدرون أنكم إذا دخَلتُموه بغيرِ إذنٍ على ماذا تَهجُمون؛ على ما يسوءُكم أو يَسرُّكم، وأنتم إذا دخَلتم بإذنٍ، لم تَدخلوا على ما تَكرَهون وأدَّيتم بذلك أيضًا حَقَّ اللَّهِ عليكم في الاستئذانِ والسلامِ.\nوقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: لتَتذَكَّروا بفعلِكم ذلك أمْرَ (^٣) اللَّهِ عليكم، واللازمَ لكم من طاعتِه فتطيعوه.\n\n<span id=\"aya-2819\"></span><span data-type='title' id=toc-6328>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨)﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"فليأنس\".\n(^٢) في م، ت ٢: \"إذا\".\n(^٣) في م: \"أو\".","vol":"17","page":246},{"text":"يقول تعالى ذكرُه: فإن لم تَجِدوا في البُيوتِ التي تَستأذنون فيها أحدًا يأذنُ لكم بالدُّخولِ إليها، فلا تَدخلُوها؛ لأنها ليست لكم، فلا يَحِلُّ لكم دُخولُها إلا بإذنِ أربابِها، فإن أذِن لكم أربابُها أن تَدخلُوها، فادخلُوها، ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾. يقولُ: وإن قال لكم أهلُ البيوتِ التي تَسْتأذنون فيها: ارجِعوا فلا تَدْخُلُوها. فارجِعوا عنها ولا تَدخُلوها، ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾. يقولُ: رُجوعُكم عنها إذا قيل لكم: ارجِعوا. ولم يُؤْذَنْ لكم بالدخولِ فيها، أطهَرُ لكم عندَ اللَّهِ.\nوقولُه: ﴿هُوَ﴾. كنايةٌ مِن اسمِ الفعلِ، أعنى من قولِه: ﴿فَارْجِعُوا﴾.\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللَّهُ بما تعمَلون؛ مِن رُجوعِكم بعدَ استئذانِكم في بيوتِ غيرِكم إذا قيل لكم: ارجِعوا. وتركِ رجوعِكم عنها، وطاعتِكم اللَّهَ فيما أمَركم ونهاكم في ذلك وغيرِه مِن أمرِه ونهيِه - ذو علمٍ، محيطٌ بذلك كلِّه، مُحْصٍ جميعَه عليكم، حتى يجازيَكم على جميعِ ذلك.\nوكان مجاهدٌ يقولُ في تأويلِ ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾. قال: إن لم يكنْ لكم فيها مَتاعٌ، فلا تَدخُلوها إلا بإذنٍ، ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٩١، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٦٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":247},{"text":"مجاهدٍ مثلَه.\nقال: ثنا الحسينُ (^١)، قال: ثنا هاشمُ بنُ القاسمِ المُزَنيُّ، عن قَتادةَ، قال: قال رجلٌ مِن المهاجرين: لقد طلَبتُ عمرى كلَّه هذه الآيةَ فما أدركتُها؛ أن أستأذِنَ على بعضِ إخوانى، فيقولَ لى: ارجِعْ. فأَرجِعُ وأنا مُغْتَبِطٌ؛ لقولِه: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ (^٢).\nوهذا القولُ الذي قاله مجاهدٌ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾. بمعنى: إن لم يكنْ لكم فيها مَتاعٌ - قولٌ بعيدٌ مِن مفهومِ كلامِ العربِ؛ لأن العربَ لا تكادُ تقولُ: ليس بمكانِ كذا أحدٌ. إلا وهى تَعنى: ليس بها أحدٌ مِن بنى آدَمَ. وأما الأمتعةُ وسائرُ الأشياءِ غيرُ بنى آدمَ، ومن كان سبيلُه سبيلَهم، فلا تقولُ ذلك فيها.\n\n<span id=\"aya-2820\"></span><span data-type='title' id=toc-6329>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ليس عليكم أيها الناسُ إثمٌ وحرَجٌ أن تَدخلوا بيوتًا لا ساكنَ بها، بغيرِ استئْذانٍ.\nثم اختلَفوا في ذلك أيَّ البيوتِ عنَى؛ فقال بعضُهم: عنَى بها الخاناتِ والبيوتَ المبنيةَ بالطرُقِ التي ليس بها (^٣) سكانٌ معروفون، وإنما بُنِيت لمارَّةِ الطريقِ والسابلةِ (^٤) ليأوُوا إليها ويُؤْوُوا إليها أمتِعتَهم.\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ف، وفى ص، م، ت ٢، ت ٣: \"الحسن\". وتقدم مرارًا.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٢.\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"لها\".\n(^٤) في ت ١، ف: \"السائلة\"، وفى ت ٢: \"العائلة\".","vol":"17","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6330>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حجاجٌ، عن سالمٍ المكِّيِّ عن محمدِ ابن الحنفيةِ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾. قال: هي الخاناتُ التي تكونُ في الطُّرْقِ (^١).\nحدَّثني عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا مُسلمٌ، قال: ثنا عمرُ بنُ فَرُّوخَ، قال: سمِعتُ قَتادةَ يقولُ: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾. قال: هي الخاناتُ تكونُ لأهلِ الأسفارِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، عن وَرقاءَ، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾. قال: كانوا يَضعون في بيوتٍ في طرقِ (^٣) المدينةِ متاعًا وأقتابًا، فرُخِّص لهم أن يَدخلوها (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمَرٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾. قال: هي البُيوتُ التي يَنزِلُها السَّفْرُ لا يسكنُها أحدٌ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٦٩ من طريق حجاج به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٩، ٤٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٠ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) في ت ١: \"طريق\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٩١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٦٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٥٥، ٥٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":249},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾. قال: كانوا يَصنعون، أو يَضعون، بطريقِ المدينةِ أَقْتابًا وأَمتِعةً في بيوتٍ ليس فيها أحدٌ، فأحِلَّ لهم أن يَدخلوها بغيرِ إذنٍ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: كانوا يَضعون بطريقِ المدينةِ (^١). بغيرِ شكٍّ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، غيرَ أنه قال: كانوا يَضعون بطريقِ المدينةِ أقتابًا وأمتِعةً.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾: هي البيوتُ التي ليس لها أهلٌ، وهى البيوتُ التي تكونُ بالطرُقِ والخَرِبةِ، ﴿فِيهَا مَتَاعٌ﴾ منفعةٌ للمسافرِ في الشتاءِ والصيفِ، يأوِى إليها (^٢).\nوقال آخرون: هي بيوتُ مكةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6331>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن سعيدِ بن سابِقٍ (^٣)، عن الحجاجِ بن أرطاةَ، عن سالمٍ، عن (^٤) محمدِ ابن الحنفيَّةِ في: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٩١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٦٩ من طريق جويبر، عن الضحاك بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٠ إلى عبد بن حميد بنحوه.\n(^٣) في م: \"سائق\". وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٨٣، والجرح والتعديل ٤/ ٣٠.\n(^٤) في النسخ: \"بن\". وتقدم في الصفحة السابقة، وتقدم أيضًا في ٩/ ٢٠١، ٥٩٨، ٦٠٨، ٦١٣.","vol":"17","page":250},{"text":"قال: هي بيوتُ مكةَ.\nوقال آخرون: هي البيوتُ الخَرِبَةُ، والمتاعُ التي (^١) قال اللَّهُ فيها لكم، قضاءُ الحاجةِ؛ من الخلاءِ والبولِ فيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-6332>ذكرُ مِن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سمِعتُ عطاءً يقولُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾. قال: الخلاءُ والبولُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا الحسينُ (^٣) بنُ عيسى بن زيدٍ، عن أبيه في هذه الآيةِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾. قال: التَّخلِّى في الخرابِ.\nوقال آخرون: بل عنَى بذلك بيوتَ التجارِ التي فيها أمتِعةُ الناسِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6333>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾. قال: بيوتَ التجارِ، ليس عليكم جناحٌ أن تَدخلوها بغيرِ إذنٍ، الحوانيتَ التي بالقَيْسارياتِ (^٤) والأسواقِ. وقرَأ: ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ متاعٌ للناسِ، ولبنى آدَمَ (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"الذي\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٧٠ من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في النسخ: \"حسن\"، وينظر الجرح ٣/ ٦٠، والمعجم الكبير للطبرانى ١٧/ ٢٥٤ (٧٠٥).\n(^٤) القيساريات جمع قيسارية، وهى الخان الكبير الذي يشغله التجار والمسافرون، وقد يشتمل على سوق مسقوفة. معجم الألفاظ والألقاب التاريخية ص ٣٥٧.\n(^٥) ذكره الطوسى في التبيان ٧/ ٣٧٨، والبغوى في تفسيره ٦/ ٣٢.","vol":"17","page":251},{"text":"وأولَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللَّهَ عمَّ بقولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ كلَّ بيتٍ لا ساكنَ به (^١)، لنا فيه متاعٌ، ندخلُه (^٢) بغيرِ إذنٍ؛ لأنَّ الإذنَ إنما يكونُ ليؤْنَسَ المأذونُ عليه قبلَ الدُّخولِ، أو ليأذَنَ للداخلِ إن (^٣) كان له مالكًا، أو كان فيه ساكنًا. فأما إن كان لا مالكَ له فيُحتاجَ إلى إذنِه لدخولِه، ولا ساكنَ فيه فيَحتاجَ الداخلُ إلى إيناسِه والتسليمِ عليه؛ لئلا يَهْجُمَ على ما لا يُحبُّ رؤيتَه منه - فلا معنَى للاستئذانِ فيه. فإذ كان ذلك، فلا وجهَ لتخصيصِ بعضِ ذلك دونَ بعضٍ، فكلُّ بيتٍ لا مالكَ له ولا ساكنَ من بيتٍ مبنيٍّ ببعضِ الطُّرقِ للمارَّةِ والسابِلةِ ليَأْوُوا إليه، أو بيتٍ خرابٍ قد باد أهلُه ولا ساكنَ فيه حيثُ كان ذلك، فإن لَمن أراد دخولَه أن يَدخُلَ بغيرِ استِئْذانٍ لمتاعٍ له يؤويه إليه، أو للاستِمتاعِ به لقضاءِ حقِّه؛ مِن بولٍ أو غائطٍ أو غيرِ ذلك. وأما بيوتُ التُّجارِ، فإنه ليس لأحدٍ دخولُها إلا بإذنِ أربابِها وسكانِها.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن التاجرَ إذا فتَح دُكَّانَه وقعَد للناسِ فقد أذِن لمَن أراد الدخولَ عليه في دُخولِه، فإنَّ الأمرَ في ذلك بخلافِ ما ظنَّ، وذلك أنه ليس لأحدٍ دخولُ ملكِ غيرِه بغيرِ ضرورةٍ ألجَأتْه إليه، أو بغيرِ سببٍ أباح له دُخولَه إلا بإذنِ ربِّه، لا سيَّما إذا كان فيه متاعٌ، فإن كان التاجرُ قد عُرِف منه أن فتحَه حانوتَه إذنٌ منه لمَن أراد دخولَه في الدخولِ، فذلك بَعْدُ راجعٌ إلى ما قلنا مِن أنه لم يَدخلْه مَن دخلَه إلا بإذنِه. وإذا كان ذلك كذلك، لم يكنْ مِن معنَى قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"له\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في ص، ف: \"إذ\"، وفى ت ٢: \"إذا\".","vol":"17","page":252},{"text":"مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ في شيءٍ، وذلك أن التي وضَع اللَّهُ عنا الجُناحَ في دخولِها بغيرِ إذنٍ مِن البيوتِ، هي ما لم تَكنْ مسكونةً، إذ حانوتُ التاجرِ لا سبيلَ إلى دخولِه إلا بإذنِه، وهو مع ذلك مسكونٌ، فتَبيَّن أنه مما عنَى اللَّهُ مِن هذه الآيةِ بمعزِلٍ.\nوقال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ: هذه الآيةُ مُستثْناةٌ مِن قولِه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-6334>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ ثم نسَخ واسْتَثنى، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ واضِح، عن الحسينِ، عن يزيدَ، عن عكرِمةَ: هو ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآية: فنسَخ مِن ذلك واستَثْنَى، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ (^٢).\nوليس في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾. دَلالةٌ على أنه استِثناءٌ مِن قولِه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾. لأنَّ قولَه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾. حكمٌ مِن اللَّهِ في البيوتِ التي (^٣) لها سكانٌ وأَرْبابٌ. وقولَه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾. حكمٌ منه في\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢٤٢.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٤٢.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ف: \"ليس\".","vol":"17","page":253},{"text":"البيوتِ التي لا سكانَ لها ولا أربابَ معروفون، فكلُّ واحدٍ من الحُكمينِ حكمٌ في معنًى غيرِ معنَى الآخَرِ، وإنما يُستَثْنَى الشئُ مِن الشئِ إذا كان مِن جنسِه أو نَوعِه في الفعلِ أو النفْسِ، فأما إذا لم يكنْ كذلك، فلا معنَى لاستِثْنائِه منه.\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ يعلمُ ما تُظهرون أيها الناسُ بألسنتِكم، مِن الاستئذانِ إذا استأذنْتُم على أهلِ البيوتِ المسكونةِ، ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾. يقولُ: وما تُضمِرونه في صدوركم عندَ فعلِكم ذلك ما الذي تقصدون به؛ أطاعةَ اللَّهِ والانتهاءَ إلى أمرِه أم غيرَ ذلك؟\n\n<span id=\"aya-2821\"></span><span data-type='title' id=toc-6335>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ باللَّه وبك يا محمدُ، ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾. يقولُ: يكفُّوا مِن نظَرِهم إلى ما يشتَهُون النظرَ إليه، مما قد نهاهم اللَّهُ عن النظرِ إليه، ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ أن يَراها مَنْ لا يَحِلُّ له رؤيتُها، بلُبسِ ما يستُرُها عن أبصارِهم، ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾. يقولُ: فَإِنَّ غضُّها من النظرِ عما لا يَحلُّ النظرُ إليه، وحِفْظَ الفرجِ عن أن يَظهرَ لأبصارِ الناظرين - أطهرُ لهم عندَ اللَّهِ وأفضلُ، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ ذو خِبرةٍ بما تصنعون أيها الناسُ، فيما أمَركم به مِن غضِّ أبصارِكم عما أمَركم بالغضِّ عنه، وحفظِ فروجِكم عن إظهارِها لمن (^١) نهاكم عن إظهارِها له.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لما\".","vol":"17","page":254},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6336>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ سَهْلٍ الرَّمْليُّ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾. قال: كلُّ فَرْجٍ ذُكِر حفظُه في القرآنِ فهو مِن الزنى، إلا هذه ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. فإنه يعنى السِّتْرَ (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. قال: يَغُضُّوا أبصارَهم عما يَكرَهُ اللَّهُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾. قال: يَغُضُّ مِن بصرِه أن ينظرَ إلى ما لا يَحلُّ له (^٣) - إذا رأَى ما لا يَحلُّ له غضَّ مِن بصرِه، لا ينظرُ إليه - ولا يستطيعُ أحدٌ أن يَغُضَّ بصرَه كلَّه، إنما قال اللَّهُ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (^٤).\n\n<span id=\"aya-2822\"></span><span data-type='title' id=toc-6337>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٧١ من طريق أبى جعفر به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٧٠ من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٠ إلى ابن المنذر.\n(^٣) بعده في تفسيره ابن أبي حاتم: \"أراد أنه\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٧١ من طريق أصْبغ، عن ابن زيد به.","vol":"17","page":255},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَقُلْ﴾ له يا محمدُ ﴿لِلْمُؤْمِنَاتِ﴾ مِن أمتِك، ﴿يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ﴾ عما يكرَهُ اللَّهُ النظرَ إليه مما نهاكم عن النظرِ إليه، ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. يقولُ: ويَحفَظْنَ فروجَهنَّ عن أن يراها مَن لا يَحلُّ له رؤيتُها، بلُبسِ ما يستُرُها عن أبصارِهم.\nوقولُه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يُظْهِرْن للناسِ الذين ليسوا لهنَّ بَمَحْرَمٍ زينتَهنَّ، وهما زينتان؛ إحداهما: ما خَفِى، وذلك كالخَلْخالَين (^١) والسِّوارَين والقُرْطَين والقلائدِ. والأُخرى: ما ظهَر منها، وذلك مختلَفٌ في المَعنيِّ منه بهذه الآيةِ؛ فكان بعضُهم يقولُ: زينةُ الثيابِ الظاهرةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6338>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن الحجاجِ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأَحوَصِ، عن ابن مسعودٍ، قال: الزينةُ زينتانِ؛ فالظاهرةُ منها: الثيابُ، وما خَفِى الخَلْخالان والقُرطان والسِّوَاران (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنى الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدانيٍّ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ أنه قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: هي الثيابُ (^٣).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"كالخلخال\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٤، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٧٣ من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤١ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٧٤، والطبرانى (٩١١٥) من طريق سفيان=","vol":"17","page":256},{"text":"حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الثيابُ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأَحْوَصِ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.\nقال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ (^١)، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه (^٢).\nقال: ثنا سفيانُ، عن علقمةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الثيابُ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا بعضُ أصحابِنا؛ إمّا يونسُ وإما غيرُه، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الثيابُ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأَحْوَصِ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الثيابُ. قال أبو إسحاقَ: ألا تَرَى أنه قال: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (^٤) [الأعراف: ٣١].\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ الفضلِ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ (١)، عن ابن\n_________\n= به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٥٦، والطبرانى (٩١١٧)، والحاكم ٢/ ٣٩٧ من طريق أبى إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤١ إلى الفريابى وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^١) في النسخ: \"زيد\" وتقدم على الصواب في ١١/ ٥٨٣، وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ١٢٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٧٤ من طريق الأعمش به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٣ من طريق سفيان به.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٥٦.","vol":"17","page":257},{"text":"مسعودٍ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: هو الرِّداءُ (^١).\nوقال آخَرون: الظاهرُ مِن الزينةِ التي أُبيحَ لها أن تُبدِيَه: الكُحْلُ والخاتَمُ والسِّوارانِ والوجهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6339>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا مروانُ، قال: ثنا مسلمٌ المُلائيُّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الكُحْلُ والخاتَمُ (^٢).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلِيُّ، قال: ثنا مروانُ، عن مسلمٍ المُلائيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه ولم يَذكُرِ ابنَ عباسٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن أبي عبدِ اللَّهِ نَهْشَلٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: الظاهرُ منها: الكُحْلُ والخدَّان.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسلمِ بن هُرْمُزَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الوجهُ والكفُّ (^٤).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسلمِ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (٩٠٢٢) من طريق أبى وائل عن ابن مسعود.\n(^٢) أخرجه البيهقى ٢/ ٢٢٥ من طريق مسلم الملائى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤١ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٧٥ من طريق عطاء، عن سعيد بن جبير بنحوه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٤، ٢٨٥ من طريق سفيان به.","vol":"17","page":258},{"text":"ابن هُرمزَ المكيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه.\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرٍو، عن عطاءٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الكفَّان والوجهُ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: الكُحْلُ والسِّوَاران والخاتَمُ.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: والزينةُ الظاهرةُ: الوجهُ، وكحْلُ العينِ، وخِضابُ الكفِّ، والخاتمُ، فهذه تظهرُ في بيتِها لمن دخَل مِن الناسِ عليها (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: المَسَكَتان (^٣) والخاتَمُ والكُحْلُ. قال قتادةُ: وبلَغنى أن النبيَّ ﷺ قال: \"لا يحِلُّ لامْرأةٍ تُؤْمِنُ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُخْرِجَ يَدَها إلَّا إلى هَهُنا\". وقبَض نصفَ الذراعِ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤١ إلى المصنف، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٧٤، والبيهقى ٢/ ٢٢٦ معلقا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٧٦، وابن عبد البر في التمهيد ١٦/ ٢٣٠ من طريق أبى صالح به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٢ إلى ابن المنذر.\n(^٣) المَسَك: الأسورة والخلاخيل من الذَّبل والقرون والعاج واحدته مسَكَة. اللسان (م س ك).\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٥٦.","vol":"17","page":259},{"text":"رجلٍ، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمةَ في قولِه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: القُلْبَين (^١)، والخاتمَ، والكُحْلَ. يعنِى السوارَ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الخاتمُ والمَسَكَةُ.\nقال ابن جُرَيجٍ: وقالت عائشةُ: القُلْبُ والفَتْخَةُ (^٣). قالت عائشةُ: دخَلت عليَّ ابنةُ أخى لأمِّى عبدِ اللَّهِ بن الطُّفَيْلِ مُزَيَّنَةً، فدخَل النبيُّ ﷺ، فأعرَض، فقالت عائشةُ: إنها ابنةُ أخى وجاريةٌ. فقال: \"إذا عرَكت (^٤) المرأةُ لم يَحِلَّ لها أن تُظْهِرَ إلَّا وجهَها، وإلَّا ما دُون هذا\". وقبَض على ذِراعِ نفْسِه، فترَك بينَ قبضَتِه وبينَ الكفِّ مثلَ قبضَةٍ أُخرَى (^٥). وأشار به أبو عليٍّ.\nقال ابن جُرَيجٍ: وقال مجاهدٌ قولَه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الكُحْلُ والخِضَابُ والخَاتَمُ (^٦).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، عن عامرٍ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الكُحْلُ والخِضَابُ والثيابُ (^٧).\n_________\n(^١) القُلْب: سوار المرأة، على التشبيه بقلب النخل في بياضه. التاج (ق ل ب).\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٥٦.\n(^٣) الفَتخَة: حلقة من فضة تلبس في الإصبع كالخاتم. التاج (ف ت خ).\n(^٤) عرَكت المرأة: حاضت. النهاية ٣/ ٢٢٢.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٢ إلى سنيد والمصنف.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٤ من طريق ليث، عن مجاهد بنحوه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٧٤ من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وزاد فيه: \"الثياب\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٣ من طريق عاصم به.","vol":"17","page":260},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. مِن الزينةِ؛ الكُحْلُ والخِضابُ والخاتمُ، هكذا كانوا يقولون، وهذا يَراه الناسُ.\nحدَّثني ابن عبدِ الرحيمِ البَرْقِيُّ، قال: ثنا عمرُ بنُ أبى سلمةَ، قال: سُئِل الأوزاعيُّ عن: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الكفَّين والوجهَ.\nحدَّثنا عمرُو بنُ بندقٍ، قال: ثنا مروانُ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾. قال: الكفُّ والوجهُ (^١).\nوقال آخرون: عنَى به الوجهَ والثيابَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6340>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: قال يونسُ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال الحسنُ: الوجهُ والثيابُ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ وعبدُ الأعلى، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الوجهُ والثيابُ.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بذلك الوجُه والكفّانِ. يَدخُلُ في ذلك إذا كان كذلك، الكُحْلُ والخاتمُ والسِّوارُ والخِضابُ [والثِّيابُ] (^٣).\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٧٤ معلقا، وينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٤٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٤ عن معمر، عن يونس، عن ابن شهاب، عن الحسن.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"17","page":261},{"text":"وإنما قلنا: ذلك أَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ؛ لإجماعِ الجميعِ على أن على كلِّ مصلٍّ أن يستُرَ عَورتَه في صلاتِه، وأن للمرأةِ أن تَكْشِفَ وجَهَها وكفَّيْها في صلاتِها، وأن عليها أن تَستُرَ ما عدا ذلك من بدنِها، إلا ما رُوِى عن النبيِّ ﷺ أنه أباح لها أن تُبديَه مِن ذراعِها إلى قدرِ النصفِ (^١). فإذ كان ذلك مِن جميعِهم إجماعًا، كان معلومًا بذلك أن لها أن تُبدىَ مِن بدنِها ما لم يكنْ عورةً كما ذلك للرجالِ؛ لأنَّ ما لم يكنْ عورةً، فغيرُ حرامٍ إظهارُه. وإذا كان لها إظهارُ ذلك، كان معلومًا أنه مما استَثْناه اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. لأنَّ كلَّ ذلك ظاهرٌ منها.\nوقولُه: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولْيُلْقِين خمُرَهن - وهى جمعُ خِمارٍ - على جيوبِهن؛ ليَسْتُرْنَ بذلك شعورَهن وأعناقَهن وقُرْطَهن.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن إبراهيمَ بن نافعٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ مسلمِ بن يَنَّاقٍ، عن صفيةَ بنتِ شيبةَ، عن عائشةَ، قالت: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ﴾. قال: شَقَقْن البُرُدَ مما يَلِى الحَواشِىَ، فاخْتَمَرْنَ به (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، أن قُرَّةَ بنَ عبدِ الرحمنِ أخبَره، عن ابن شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ أنها قالت: يَرْحَمُ اللَّهُ النساءَ المهاجراتِ الأُوَلَ، لمّا أنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ﴾ شَقَقْن\n_________\n(^١) تقدم في ص ٢٥٩، ٢٦٠.\n(^٢) أخرجه الحاكم، ٢/ ٣٩٧، والبيهقى ٢/ ٢٣٤ من طريق زيد بن الحباب به، والبخارى (٤٧٥٩)، والنسائى في الكبرى (١١٣٦٣) من طريق إبراهيم بن نافع به.","vol":"17","page":262},{"text":"أَكْثَفَ (^١) مُرُوطِهن، فاخْتَمَرْن به (^٢).\nوقولُه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يُبْدِين زينتَهنَّ التي هي غيرُ ظاهرةٍ، بل الخفيةُ منها؛ وذلك الخَلْخالُ والقُرْطُ والدُّمْلُجُ (^٣)، وما أُمِرَت بتغطيتِه بخمارِها مِن فوقِ الجَيْبِ، وما وراءَ ما أُبِيح لها كشفُه وإبرازُه في الصلاةِ وللأجْنَبِيّين مِن الناسِ، والذراعين إلى فوقِ ذلك - إلا لبعولتِهن.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6341>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن طلحةَ بن مُصَرِّفٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾. قال: هذه ما فوقَ الذراعِ (^٤).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، قال: سمِعْتُ رجلًا يُحَدِّثُ عن طلحةَ، عن إبراهيمَ، قال في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾. قال: ما فوقَ الجَيْبِ. قال شعبةُ: كتَب به منصورٌ إليَّ، وقرأْتُه عليه.\n_________\n(^١) في ف: \"أكتف\". وأكثف، ويروى أكنف: أسترها وأصفقها. النهاية ٤/ ١٥٣، ٢٠٦.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤١٠٢) من طريق ابن وهب، والطبرانى - كما في الفتح ٨/ ٤٨٩ - من طريق قرة به، وأخرجه البخارى (٤٧٥٨)، وابن المنذر وابن مردويه - كما في الفتح ٨/ ٤٨٩ -، والبيهقى ٧/ ٨٨ من طريق ابن شهاب به.\n(^٣) الدُّملُج: المعضد من الحُلى. تاج العروس (دملج).\n(^٤) تفسير سفيان ص ٢٢٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٧٦ عن منصور، عن إبراهيم، ولم يذكرا طلحة بن مصرف.","vol":"17","page":263},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن سعيدِ بن أبى عَروبةَ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾. قال: تُبْدِى لهؤلاء الرأسَ. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾. قال: الزينةُ التي تُبدِيها (^١) لهؤلاء؛ قُرْطاها وقِلادتُها وسِوَارَاها، فأما خَلْخالَاها ومِعْضَدُها ونحرُها وشعَرُها، فإنها لا تُبْدِيه إلا لزوجِها (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنّ﴾ - [﴿أَو﴾، ﴿أَو﴾] (^٣) قال: الطَّوْقَ والقُرْطَيْن.\nيقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه: قلْ للمؤمناتِ الحَرائرِ: لا يُظْهِرْنَ هذه الزينةَ الخفيةَ التي ليست بالظاهرةِ ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ وهم أزواجُهن، واحدُهم بَعْلٌ، ﴿أَوْ﴾ لـ ﴿آبَائِهِنَّ﴾، أو لـ ﴿آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾. يقولُ: أو لآباءِ أزواجِهن ﴿أَوْ﴾ ﴿أَبْنَائِهِنَّ أَوْ﴾ لـ ﴿أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ﴾ لـ ﴿بَنِي إِخْوَانِهِنَّ﴾.\nويعنى بقولِه: ﴿أَو﴾ لـ ﴿إِخْوَانِهِنَّ﴾: أو لإخْوتِهنَّ (^٤) - ﴿أَوْ﴾ لـ ﴿بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾.\n﴿أَوْ نِسَائِهِنّ﴾. قيل: عُنِى بذلك نساءُ المسلمين.\n_________\n(^١) في م: \"يبدينها\".\n(^٢) جزء من الأثر المتقدم في ص ٢٥٩.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"لأخواتهن\". وبعده في ص، م، ف: \"أو لبنى إخوانهن\".","vol":"17","page":264},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6342>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾. قال: بلَغَنى أنهن نساءُ المسلمين، لا يَحِلُّ لمسلمةٍ أن تُرِىَ مُشركةً عِرْيتَها (^١)، إلا أن تكونَ أمَةً لها، فذلك قولُه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (^٢)\nقال: ثنى الحسينُ، قال: ثنى عيسى بنُ يونُسَ، عن هشامِ بن الغازِ، عن عُبادةَ بن نُسَيٍّ، أنه كرِه أن تَقْبَلَ (^٣) النصرانيةُ المسلمةَ، أَو تَرَى عَوْرَتَها، ويَتَأَوَّلُ ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (^٤).\nقال: ثنا عيسى بنُ يونُسَ، عن هشامٍ، عن عُبادةَ، قال: كتَب عمرُ بنُ الخطابِ إلى أبى عُبيدةَ بن الجرَّاحِ ﵄: أما بعدُ، فقد بلَغَنى أن نساءً يَدْخُلْنَ الحَمَّاماتِ، ومعهن نساءُ أهلِ الكتابِ، فامْنَعْ ذلك، وحُلْ دونَه. قال: ثم إن أبا عُبيدةَ قام في ذلك المقامِ مُبْتَهِلًا: اللهم أيُّما امرأةٍ تَدْخُلُ الحمامَ مِن غيرِ علَّةٍ ولا سَقَمٍ، تُرِيدُ البياضَ لوجهِها، فسوِّدْ وجهَها يومَ تَبْيَضُّ الوجوه (^٥).\nوقولُه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: أو مَمالِيكِهِن، فإنه لا بأسَ عليها أن تُظْهِرَ لهم مِن زينتِها ما تُظْهِرُه لهؤلاء.\n_________\n(^١) في ت ١: \"عدوتها\"، وفى ت ٢: \"عورتها\".\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٣٥ بنحوه.\n(^٣) قبلت القابلةُ المرأةَ إذا قبلت الولد، أي: تلقته عند الولادة. اللسان (ق ب ل).\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٠.\n(^٥) أخرجه البيهقى ٧/ ٩٥ من طريق عيسى بن يونس به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه، كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٤٩ - ومن طريقه البيهقى ٧/ ٩٥ - من طريق هشام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٣ إلى ابن المنذر.","vol":"17","page":265},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6343>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخْبَرنى عمرُو بنُ دينارٍ، عن مَخْلَدٍ التَّميميِّ أنه قال في قولِه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾. قال: في القراءةِ الأُولى: (أيمانُكم) (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أو ما مَلَكت أيمانُهن من إماءِ المشركين. كما قد ذكَرنا عن ابن جريجٍ قبلُ، مِن أنه لما قال: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ عنَى بهن النساءَ المسلماتِ دونَ المشركاتِ. ثم قال: أو ما ملَكت أيمانُهن مِن الإماءِ المشركاتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6345>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: والذين يَتَّبِعونكم لطعامٍ يَأْكُلونه عندَكم، ممَّن لا إرْبَ له في النساءِ مِن الرجالِ، ولا حاجةَ به إليهن ولا يُرِيدُهن.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6344>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. قال: كان الرجلُ (^٢) يَتْبَعُ الرجلَ في الزمانِ الأولِ، لا يَغارُ عليه، ولا تَرْهَبُ المرأةُ أَن تَضَعَ خمارَها عندَه، وهو الأحمقُ الذي لا حاجةَ له في النساءِ (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٣ إلى ابن المنذر من قول ابن جريج.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"الرجال\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٣ إلى المصنف وابن مردويه.","vol":"17","page":266},{"text":"حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. فهذا الرجلُ يَتْبَعُ القومَ وهو مُغَفَّلٌ في عقلِه، لا يَكْتَرِثُ للنساءِ، ولا يَشْتَهِيهنَّ، فالزينةُ التي تُبْدِيها لهؤلاء قُرْطاها، وقِلادتُها، وسِوارَاها، وأما خَلْخالاها، ومِعْضَداها، ونَحرُها، وشعَرُها، فإنها لا تُبْدِيه إلا لزوجِها (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾. قال: هو التابعُ يَتْبَعُك يُصِيبُ مِن طعامِك (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسماعيلُ ابن عُلَيَّةَ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. قال: الذي يُرِيدُ الطعامَ ولا يُرِيدُ النساءَ.\nقال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾: الذين لا يُهِمُّهم إلا بطونُهم، ولا يُخافون على النساءِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٧٨، والبيهقى ٧/ ٩٦ من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٣ إلى ابن المنذر، وينظر ما تقدم في ص ٢٥٩، ٢٦٤.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٥٧.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٢٢٥.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٩٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٧٨، والبيهقى ٧/ ٩٦.","vol":"17","page":267},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى السديُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. قال: الأَبْلَهُ (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعْتُ ليثًا، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. قال: هو الأبْلَهُ الذي لا يَعْرِفُ شيئًا مِن النساءِ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. الذي لا إرْبَ له بالنساءِ مثلَ فلانٍ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عمَّن حدَّثه، عن ابن عباسٍ: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. قال: هو الذي لا تَسْتَحْيِى منه النساءُ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. قال: مِن تبعِ الرجلِ وحَشَمِه الذي لم يَبْلُغْ إرْبُه أَن يَطَّلِعَ على عورةِ النساءِ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٧٨ من طريق عبد الكريم بن أبى أمية، عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣١٨ عن ابن إدريس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٧٨ من طريق ابن علية به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣١٩ من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٣ إلى الفريابى وعبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣١٨ عن جرير به، وأخرجه البيهقى ٧/ ٩٦ من طريق المغيرة به بنحوه.","vol":"17","page":268},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، عن المغيرةِ، عن الشعبيِّ: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. قال: الذي لا إرْبَ له في النساءِ.\nقال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: المعتوهِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. قال: هو الأحمقُ الذي لا هِمَّةَ له بالنساءِ ولا إرْبَ (^٢).\nوبه عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه في قولِه: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. يقولُ: الأحمقِ الذي ليست له هِمَّةٌ في النساءِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: الذي لا حاجةَ له في النساءِ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. قال: هو الذي يَتْبَعُ القومَ، حتى كأنه كان منهم، ونشَأ فيهم، وليس يَتْبَعُهم لإرْبةِ نسائِهم، وليس له في نسائِهم إرْبةٌ، وإنما يَتْبَعُهم لإرفاقِهم إياه.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رجلٌ يَدْخُلُ على أزواجِ النبيِّ ﷺ مُخَنَّتٌ، فكانوا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣١٨ عن ابن مهدى به.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٥٨.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٥٧، ٥٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد.","vol":"17","page":269},{"text":"يَعُدُّونه مِن غيرِ أُولى الإرْبِة، فدخَل عليه النبيُّ ﷺ يومًا وهو عندَ بعضِ نسائِه، وهو يَنْعَتُ امرأةً، فقال: إنها إذا أقْبَلَت أقْبَلَت بأربعٍ، وإذا أدْبَرت أدْبَرت بثمانٍ. فقال النبيُّ ﷺ: \" [ألا أَرَى] (^١) هذا يَعْلَمُ ما ههنا، لا يَدْخُلَنَّ هذا عليكم\". فحجَبوه (^٢).\nحدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ المِصْريُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ العَدَنيُّ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. قال: هو المُخَنَّثُ الذي لا يقومُ زُبُّه (^٣).\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾؛ فقرَأ ذلك بعضُ أهلِ الشامِ، وبعضُ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: (غيرَ أُولى الإرْبةِ) بنصبِ \"غيرِ\" (^٤). ولنصبِ \"غيرِ\" ههنا وجهان؛ أحدُهما: على القطعِ مِن ﴿التَّابِعِينَ﴾؛ لأن ﴿التَّابِعِينَ﴾ معرفةٌ و\"غيرُ\" نكرةٌ. والآخرُ: على الاستثناءِ، وتوجيهِ \"غيرِ\" إلى معنى: \"إلا\"، فكأنه قيل: [\"إلا\".\nوقرَأ غيرُ مَن ذَكَرْتُ] (^٥) بخفضِ ﴿غَيْرِ﴾ (^٦) على أنها نعتٌ لـ ﴿التَّابِعِينَ﴾، وجاز نعتُ ﴿التَّابِعِينَ﴾ بـ ﴿غَيْر﴾، و\"التابعون\" معرفةٌ، و\"غيرُ\" نكرةٌ؛ لأن ﴿التَّابِعِينَ﴾ معرفةٌ غيرُ مؤقَّتةٍ. فتأويلُ الكلامِ على هذه القراءةِ: أو الذين هذه\n_________\n(^١) في م: \"لا أرى\"، وفى ف: \"ألا أدرى\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٥٧، ومن طريقه مسلم (٢١٨١)، والنسائى في الكبرى (٩٢٤٧)، والبيهقى ٧/ ٩٦، وأخرجه أبو داود (٤١٠٧) من طريق معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٧٩ من طريق الزهرى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٣ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٧٩ من طريق حفص بن عمر به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣١٩ من طريق عون، عن عكرمة، بلفظ: الذي لا يقوم إربه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٣ إلى المصنف.\n(^٤) وهى قراءة ابن عامر وأبى بكر عن عاصم. حجة القراءات ص ٤٩٦.\n(^٥) في ص: \"من ذكرت غير\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"من ذكر غير\".\n(^٦) وبها قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو، وعاصم في رواية حفص وحمزة والكسائى. ينظر حجة القراءات ص ٤٩٧.","vol":"17","page":270},{"text":"صفتُهم.\nوالقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان مُتقارِبتا المعنَى، مستفيضةٌ القراءةُ بهما في الأمصارِ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أنَّ الخفضَ في ﴿غَيْر﴾ أَقوَى في العربيةِ، فالقراءةُ به أعجبُ إليَّ\nو\"الإرْبَةُ\" الفِعْلَةُ مِن الأَرَبِ؛ مثلُ الجلِسةِ مِن الجُلُوسِ، والمِشيةُ مِن المَشْي، وهى الحاجةُ، يقال: لا أَرَب لى فيك: لا حاجةَ لى فيك. وكذا: أَرِبْتُ لكذا وكذا. إذا احتَجتَ إليه، فأنا آرَبُ له أَرَبًا.\nفأما \"الأُرْبَةُ\" بضمِّ الألفِ، فالعُقْدةُ.\nوقولُه: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أو الطفلِ الذين لم يَكْشِفوا عن عَوْراتِ النساءِ بجِماعِهن، فيَظْهَروا عليها (^١)؛ لصِغَرِهنَّ (^٢).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6346>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾. قال: لم يَدْرُوا ما ثَمَّ؛ من الصِّغَرِ قبلَ الحُلُمِ (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"عليهن\".\n(^٢) كذا في النسخ. والسياق يقتضى: \"لصغرهم\". ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٥٢.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٩٢ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٧٩، والبيهقى ٧/ ٩٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٤ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":271},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقولُه: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يَجْعَلْنَ في أرجلِهن مِن الحُلِيِّ ما إذا مشَيْن أو حرَّكْنَهن، علِم الناسُ الذين مشَيْن بينَهم ما يُخْفِين مِن ذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6347>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: زعَم حَضْرَميٌّ أن امرأةً اتَّخَذَت بُرَتَيْنِ (^١) مِن فضةٍ، واتَّخَذَت جَزْعًا (^٢)، فمرَّت على قومٍ، فضرَبَت برجلِها، فوقَع الخَلْخالُ على الجَزْعِ فصوَّت، فأنْزَل اللَّهُ: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن أبى مالكٍ: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾. قال: كان في أرجلِهن خَرَزٌ، فكنَّ إذا مرَرْن بالمجالسِ حرَّكْن أرجلَهن ليُعْلَمَ مَا يُخْفِين مِن زينتهِن (^٤).\n_________\n(^١) في ت ١: \"ترس\"، وفى ت ٢: \"ترسا\". والبُرَة: الخلخال. اللسان (ب ر ى).\n(^٢) الجَزع: الخَرَز اليمانى. تاج العروس (ج ز ع).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٤ إلى المصنف.\n(^٤) تفسير سفيان ص ٢٢٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٨٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":272},{"text":"حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾: فهو أن تَقْرَعَ الخَلْخالَ بالآخرِ عندَ الرجالِ، أو يكونَ في رجلَيْها خَلاخِلُ، فتُحَرِّكَهن عندَ الرجالِ، فنهَى اللَّهُ ﷾ عن ذلك؛ لأنه مِن عملِ الشيطانِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾. قال: هو الخَلْخالُ، لا تَضْرِبِ امرأةٌ برجلِها ليُسْمَعَ صوتُ خَلْخالِها (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾. قال: الأجْراسُ مِن حُلِيِّهن يَجْعَلْنها في أرجلِهن، في مكانِ (^٣) الخَلاخلِ، فنَهاهُن اللَّهُ أَن يَضْرِبْن بأرجلِهن لتُسْمَعَ تلك الأجراسُ.\nوقولُه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وارجِعوا أيُّها المؤمنون إلى طاعةِ اللَّهِ فيما أمَركم ونهاكم؛ من غَضِّ البصَرِ، وحفظِ الفرجِ، وتركِ دخولِ بيوتِ غيرِكم (^٤) من غيرِ استئذانٍ ولا تسليمٍ، وغيرِ ذلك من أمرِه ونهيهِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: لتفلِحوا وتدرِكوا طَلِباتِكم لديْهِ، إذا أنتم أطعتُموه فيما أمرَكم ونَهاكم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٧٩، ٢٥٨٠ من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٤ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٥٨. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) سقط من ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٤) في م: (غير بيوتكم).","vol":"17","page":273},{"text":"<span id=\"aya-2823\"></span><span data-type='title' id=toc-6349>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وزوِّجوا أيُّها المؤمنون من لا زوجَ له من أحرارِ رجالِكم ونسائِكم، ومن أهلِ الصلاحِ من عبيدِكم ومماليكِكم وإمائِكم. والأيامَى جمعُ أيِّمٍ، وإنما جمَع الأيّمَ أيامَى؛ لأنها فعيلةٌ في المعنى، فجُمِعت كذلك، كما جُمِعت اليتيمةُ يتامَى، ومنه قولُ جميلٍ (^١):\nأُحِبُّ الأيامَى إذْ بُثَيْنَةُ أيّمٌ … وأحْبَبْتُ لَمَّا أَنْ غَنِيتِ الغَوَانِيا\nولو جُمِعت أيائمَ كان صوابًا (^٢)، والأيِّمُ يوصفُ بهِ الذكرُ والأنثى، يقالُ: رجلٌ أيِّمٌ، وامرأةٌ أيِّمٌ وأيِّمةٌ. إذا لم يكنْ لها زوجٌ، ومنه قولُ الشاعرِ (^٣):\nفإنْ تَنْكِحى أنْكِحْ وَإِنْ تَتأَيَّمِى … وإنْ كُنْتُ أفْتَى منكمُ أتَايَّمِ\n﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ﴾. يقولُ: إن يكنْ هؤلاء الذين تنكِحونهم من أيامَى رجالِكم ونسائِكم وعبيدِكم وإمائِكم أهلَ فاقةٍ وفقرٍ، فإِنَّ اللَّهَ يُغنيهم مِن فضلِه، فلا يمنعْكم فقرُهم من إنكاحِهم.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6348>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) ديوانه ص ١٣٩.\n(^٢) في ت ٢: \"أصوب\".\n(^٣) البيت بدون عزو في مجاز القرآن ٢/ ٦٥، وتفسير القرطبي ١٢/ ٢٤٠، وفى اللسان والتاج (أ ى م)،\nوالشطر الثاني فيهما:\n* يد الدهر ما لم تنكحى أتأيم *","vol":"17","page":274},{"text":"قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾. قال: أَمَر اللهُ سبحانه بالنكاحِ، ورغَّبهم فيه، وأمرهم أن يزوِّجوا أحرارَهم وعبيدَهم، ووعَدهم في ذلك الغِنَى، فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا حسنٌ (^٢) أبو الحسنِ، وكان إسماعيلُ بنُ صَبيحٍ مَوْلى هذا، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ الوليد، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: التمِسوا الغنَى في النكاح، يقولُ اللهُ: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾. قال: أيامَى النساءِ اللاتي ليس لهنّ أزواجٌ.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللهُ واسعُ الفضل، جوادٌ بعطاياه، فزوِّجوا أياماكم (^٤)، فإنّ الله واسعٌ يوسِّعُ عليهم من فضلِه إن كانوا فقراءَ، ﴿عَلِيمٌ﴾. يقولُ: هو ذو علمٍ بالفقيرِ منهم والغنيِّ، لا يخفَى عليه حالُ خلقِه في شيءٍ وتدبيرُهم.\n\n<span id=\"aya-2824\"></span><span data-type='title' id=toc-6350>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وليتعَفَّفِ الَّذِينَ لا يَجِدُون ما ينكحون به النساءَ عن إتيانِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٨٢ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٤، ٤٥ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص: \"حسيس\"، وفى ت ١، ف: \"حسس\"، وفى ت ٢: \"حشيش\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٥ إلى المصنف.\n(^٤) في م، ت ١، ف: \"إماءكم\".","vol":"17","page":275},{"text":"ما حرَّم اللهُ عليهم من الفواحشِ حتى يُغنيَهم اللهُ من سَعَةِ فضلِه، ويوسِّعَ عليهم من رزقِه.\nوقولُه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: والذين يلتمِسون المكاتبةَ منكم مِن مماليكِكم، ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.\nواختلَف أهلُ العلمِ في وجهِ مكاتبةِ الرجلِ عبدَه الذي قد علِم فيه خيرًا، وهل قولُه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ على وجهِ الفرضِ، أم هو على وجهِ الندبِ؟ فقال بعضُهم: فرضٌ على الرجلِ أن يكاتبَ عبدَه الذي قد علِم فيه خيرًا، إذا سأله العبد ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-6351>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن جُرَيجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أواجبٌ عليَّ إذا علمِتُ مالًا أن أكاتبَه؟ قال: ما أرَاه إلا واجبًا. وقالها عمرُو بنُ دينارٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أتأثِرُه عن أحدٍ؟ قال: لا (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتَادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، أنَّ سيرينَ أراد أن يكاتبَه، فتلكَّأ عليه، فقال له عمرُ: لتُكاتبنَّه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: لا ينبغى لرجلٍ إذا كان عندَه المملوكُ الصالحُ الذي له\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٨/ ٣٧١، والبيهقى ١٠/ ٣١٩ من طريق ابن جريج به، وينظر الفتح ٥/ ١٨٥، ١٨٦.\n(^٢) أخرجه البيهقى ١٠/ ٣١٩ من طريق سعيد به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٨/ ٣٧١، ٣٧٢ من طريق قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٥ إلى عبد بن حميد، وقال ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٦: إسناده صحيح. وينظر الفتح ٥/ ١٨٥، ١٨٦.","vol":"17","page":276},{"text":"المالُ، يريدُ أن يكاتَبَ، ألَّا يكاتبَه.\nوقال آخرون: ذلك غيرُ واجبٍ على السيدِ، وإنما قولُه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ نَدْبٌ من اللهِ سادةَ العبيدِ إلى كتابةِ من علِم فيه منهم خيرًا، لا إيجابٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6352>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال مالكُ بنُ أنسٍ: الأمرُ عندَنا أن ليس على سيِّدِ العبدِ أن يكاتبَه إذا سأله ذلك، ولم أسمَعْ بأحدٍ من الأئمةِ أكرَه أحدًا على أن يكاتِبَ عبدَه، وقد سمِعتُ بعضَ أهلِ العلمِ إذا سُئِل عن ذلك، فقيل له: إنَّ الله ﵎ يقولُ في كتابه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ - يتلو هاتين الآيتين: ﴿وَإِذَا (^١) حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]. قال مالكٌ: فإنَّما ذلك أمرٌ أذِن اللهُ فيه للناسِ، وليس بواجبٍ على الناسِ، ولا يلزمُ أحدًا (^٢).\nوقال الثوريُّ: إذا أراد العبدُ من سيِّدِه أن يكاتبَه، فإن شاءَ السيِّدُ أن يكاتبَه كاتبَه، ولا يُجْبَرُ السيدُ على ذلك.\nحدَّثني بذلك عليٌّ، عن زيدٍ، عنه (^٣).\nوحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. قال: ليس بواجبٍ عليه أن يكاتبَه، إنَّما هذا أمرٌ أذِن اللهُ فيه ودليلٌ (^٣).\n_________\n(^١) في النسخ: \"فإذا\".\n(^٢) الموطأ ٢/ ٧٨٨.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٥٦.","vol":"17","page":277},{"text":"وأولَى القولين في ذلك عندِى بالصوابِ قولُ مَن قال: واجبٌ على سيِّد العبدِ أن يكاتِبَه إذا علِم فيه خيرًا وسأله العبدُ الكتابةَ. وذلك أن ظاهرَ قولِه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ ظاهرُ أمرٍ، وأمرُ اللهِ فرضٌ الانتهاءُ إليه، ما لم يكنْ دليل من كتابٍ أو سنةٍ على أنه ندبٌ؛ لما قد بيَّنا من العلةِ في كتابِنا المسمَّى \"البيانُ عن أصولِ الأحكامِ\".\nوأمَّا الخيرُ (^١) الذي أمَر اللهُ تعالى ذكرُه عبادَه بكتابةِ عبيدِهم إذا علِموه فيهم، فهو القُدْرةُ على الاحترافِ والكسبِ لأداءِ (^٢) ما كوتِبُوا عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6353>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الكريمِ الجزَرِيِّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنَّه كرِه أن يكاتِبَ مملوكَه إذا لم تكنْ له حرفةٌ، قال: تُطعِمُنى أوساخَ النَّاسِ (^٣)؟\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. يقولُ: إن علمتم لهم حيلةً، ولا تُلقُوا مُؤْنتَهم على المسلمين (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: [أخبرنا ابن وهبٍ] (^٥)، قال: أخبَرنا أشهبُ، قال: سُئل مالكُ بنُ أنسٍ عن قولِه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. فقال: إنَّه ليقالُ: الخيرُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الخبر\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"لأدنى\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٨/ ٣٧٤، والبيهقى ١٠/ ٣١٨ من طريق سفيان به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٨٣، ٢٥٨٤، والبيهقي ١٠/ ٣١٧ من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٥، ٤٦ إلى ابن المنذر.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.","vol":"17","page":278},{"text":"القوةُ على (^١) الأداءِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني ابن زيدٍ، عن أبيه قولَ اللهِ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. قال: الخيرُ القوةُ على ذلك (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إن علِمتُم فيهم صدقًا ووفاءً وأداءً.\n\n<span data-type='title' id=toc-6354>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: أخبَرنا يونسُ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. قال: صدقًا، ووفاءً، وأداءً، وأمانةً (^٤).\nقال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ (^٥) بنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ وطاوسٍ أنَّهما قالا في قولِه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. قالا: مالًا وأمانةً (^٦).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. قال: أداءً و(^٧) أمانةً (^٨).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ،\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٢/ ٢٤٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٨٥ عن يونس به.\n(^٤) أخرجه البيهقى ١٠/ ٣١٨ من طريق يونس به، وهو في تفسيره مجاهد ص ٤٩٢ من طريق مبارك، عن الحسن.\n(^٥) بعده في م: \"عن\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٠٠، ٢٠١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٨٤ من طريق ابن علية به، وأخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور ٥/ ٤٥ - ومن طريقه البيهقى ١٠/ ٣١٨ - من طريق ابن أبى نجيح به، وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.\n(^٧) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٨٥، والبيهقى ١٠/ ٣١٨ من طريق إسماعيل بن أبي خالد به.","vol":"17","page":279},{"text":"قال: كان إبراهيم يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. قال: صدقًا ووفاءً. أو أحدَهما (^١).\nحدَّثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ عبدَ الملكِ بنَ أبي سليمانَ، عن عطاءٍ في قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. قال: أداءً ومالًا (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن جُرَيجٍ، قال: قال عمرُو بنُ دينارٍ: أحسَبُه كلَّ ذلك؛ المالَ والصلاحَ (^٣).\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدٌ، قال: ثنا سفيانُ (^٤): ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. يعني: صدقًا ووفاءً وأمانةً.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. قال: إن علمتَ فيه خيرًا لنفسِك، يؤدِّى إليك ويَصدُقُك ما حدَّثك، فكاتبْه.\nوقال آخرون: بل معني ذلك: إنْ علِمتم لهم مالًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6355>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. يقولُ: إِنْ علِمتم لهم مالًا.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٩٢، وأخرجه ابن أبى شيبة ٧/ ٢٠٢، والبيهقى ١٠/ ٣١٨ من طريق المغيرة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٢٠١.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٨/ ٣٦٩، ٣٧٠.\n(^٤) في ت ١: \"الحسين\"، وفي ف: \"حسين\".","vol":"17","page":280},{"text":"حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال قال ابن عباسٍ: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. قال: مالًا (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. قال: مالًا (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. قال: لهم مالًا، فكاتِبوهم.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. قال: إن علِمتم لهم مالًا، كائنةً أخلاقُهم ودينُهم ما كان (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن زَاذانَ، عن عطاءِ بن أبي ربَاحٍ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٨/ ٣٨، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٨٤، والبيهقي في سننه ١٠/ ٣١٨ من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٥ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٢٠١ من طريق شعبة به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٩٢.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٨/ ٣٦٩، ٣٧٠، والبيهقى ١٠/ ٣١٨ من طريق ابن جريج به.","vol":"17","page":281},{"text":"قال: مالًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن مجاهدٍ، قال: إنْ علِمتم عندَهم. مالًا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني محمدُ بنُ عمرٍو اليافعيُّ، عن ابن جُرَيجٍ، أن عطاءَ بنَ أبي ربَاحٍ كان يقولُ: ما نراه إلا المالَ. يعنى قولَه: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. قال: ثم تلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (^٢) [البقرة: ١٨٠].\nوأولَى هذه الأقوالِ بالصوابِ في معنى ذلك عندِى قولُ من قال: معناه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أي: قوةً على الاحترافِ والاكتسابِ، ووفاءً بما أوْجَبَ على نفسِه وألزمَها، وصدقَ لهجةٍ. وذلك أنَّ هذه المعانىَ هي الأسبابُ التي بمولَى العبدِ الحاجةُ إليها إذا كاتَب عبدَه، مما يكونُ في العبدِ؛ فأَمَّا المالُ وإن كان من الخير، فإنَّه لا يكونُ في العبدِ، وإنَّما يكونُ عندَه أو له، لا فيه، واللهُ إنَّما أوجَبَ علينا مكاتبةَ العبدِ إذا علِمنا فيه خيرًا، لا إذا علِمنا عنده أو لَه، فلذلك لم نقلْ: إنَّ الخيرَ في هذا الموضعِ معنيٌّ به المالُ.\nوقولُه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذِكْرُه: وأعطُوهم من مالِ اللهِ الذي أعطاكم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٢٠٢ من طريق مالك بن مغول، عن عطاء.\n(^٢) أخرجه البيهقى ١٠/ ٣١٨ من طريق ابن وهب به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٨/ ٣٦٩، ٣٧٠ عن ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":282},{"text":"ثم اختلَفَ أهلُ التأويلِ في المأمورِ بإعطائِه من مالِ اللهِ الذي أعطاه؛ مَنْ هو؟ وفى المالِ؛ أيُّ الأموالِ هو؟ فقال بعضُهم: الذي أمِرَ بإعطاءِ المكاتَبِ مِن مالِ اللهِ هو مولَى العبدِ المكاتَبِ، ومالُ اللهِ الذي أمِرَ بإعطائِه منه هو مالُ الكِتابةِ، والقدرُ الذي أُمِر أن يعطيَه منه الربُعُ. وقال آخرون: بل ما شاء من ذلك المولَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-6356>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عمرانُ بنُ عيينةَ، قال: ثنا عطاءُ بن السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيُّ، عن عليٍّ في قولِ اللهِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. قال: ربعُ المكاتبةِ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ (^٢) المحاربيُّ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ في قولِ اللهِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. قال: ربعُ الكتابةِ يحُطُّها عنه.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن ليثٍ، عن عبد الأعلَى، عن أبي عبدِ الرحمن، عن عليٍّ ﵁ في قولِ اللهِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. قال: الربعُ من أوَّلِ نجومِه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٨/ ٣٧٥، ٣٧٦، وفى تفسيره ٢/ ٥٨، وسعيد بن منصور - كما في الدر المنثور ٥/ ٤٦ - ومن طريقه البيهقى ١٠/ ٣٢٩ من طريق عطاء به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) في ت ١: \"زيد\"، وفى ف: \"يزيد\".\n(^٣) أي في أول وقت استحقاق رده. وتنجيم الدَّين: هو أن يقرَّر عطاؤه في أوقات معلومة متتابعة مشاهرة =","vol":"17","page":283},{"text":"قال: أخبَرنا ابن عُليَّةَ، قال عطاءُ بنُ السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. قال: الربعُ من مكاتبِته.\nحدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحمَسيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنى عبدُ الملكِ بنُ أبي سليمانَ، عن عبدِ الملكِ بن أعينَ، قال: كاتَبَ أبو عبدِ الرحمنِ غلامًا في أربعةِ آلافِ درهمٍ، ثم وضَعَ له الربعَ، ثم قال: لولا أنِّى رأيتُ عليًّا رضوانُ اللهِ عليه كاتَبَ غلامًا له ثم وضَعَ له الربعَ، ما وضعتُ لك شيئًا.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الأعلى، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، أنه كاتَبَ غلامًا له على ألفٍ ومائتين، فترَكَ الربعَ وأشهدَنى، فقال لى: كان صديقُك يفعلُ هذا. يعنى عليًّا رضوانُ اللهِ عليه، يقولُ (^١): ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الملكِ، قال: ثنى فَضالةُ بنُ أبى أميَّةَ، عن أبيه، قال: كاتَبنى عمرُ بنُ الخطابِ ﵁، فاستقرَضَ لى من حَفْصةً مائتى درهمٍ. قلتُ: ألَا تجعلُها في مكاتبتي؟ قال: إنِّي لا أدرِى أدرِكُ ذاك أم لا (^٣)؟\n_________\n= أو مساناة. ينظر النهاية ٥/ ٢٤.\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣٦٩ من طريق ابن علية به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٨٧، والبيهقى ١٠/ ٣٢٩ من طريق عبد الأعلى به.\n(^١) في م: \"يتأول\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٨/ ٣٧٦، والبيهقى ١٠/ ٣٢٩ من طريق عبد الأعلى به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٨/ ٣٧٦ من طريق عبد الملك، وأخرجه البيهقى ١٠/ ٣٣٠ من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣٧١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٨٧ من طريق عكرمة، عن ابن عباس به بلفظ آخر.","vol":"17","page":284},{"text":"قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، بلَغنى أنه كاتبَه على مائةِ أوقيةٍ: قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الملكِ، قال: ذكرتُ ذلك لعكرِمةَ، فقال: هو قولُ اللهِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. يقولُ: ضعُوا عنهم من مكاتبِتهم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. يقولُ: ضَعُوا عنهم مما قاطعتموهم عليه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ عبدَ الملكِ بنَ أبى سليمانَ، عن عطاءٍ في قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. قال: مما أخرَج اللهُ لكم منهم (^٢).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. قال: آتِهِم مما في يدَيْك (^٣).\nحدَّثني الحسينُ بنُ عمرٍو العنقزيُّ، قال: ثنى أبي، عن أسباطَ، عن السديِّ، عن أبيه، قال: كاتبتْنى زينبُ بنتُ قيسِ بن مَخْرمةَ، من بنى المطَّلبِ بن عبدِ منافٍ، على عشرةِ آلافٍ، فتركَتْ لى ألفًا، وكانت زينبُ قد صلَّت مع رسولِ اللهِ ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٨٧، والبيهقي ١٠/ ٣٣٠ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٥، ٤٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣٧١، ٣٧٢ من طريق عبد الملك به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣٧٢ من طريق ابن إدريس به.","vol":"17","page":285},{"text":"القبلتين جميعًا (^١).\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا أبو مسعودٍ الجُرَيْرِيُّ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سعيدٍ مولى أبى أَسِيدٍ، قال: كاتَبنى أبو أَسِيدٍ على ثنتى عشرةَ مائةً، فجئتُه بها، فأخَذ منها ألفًا، وردَّ عليَّ مائتين (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بن المغيرةِ، عن عنبسةَ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كان ابن عمرَ إذا كاتَب مكاتَبَه، لم يضعْ عنه شيئًا من أوَّلِ نجومه؛ مخافَة أن يعجِزَ فيَرجِعَ إليه صدقتَه، ولكنَّه إذا كان في آخرِ مكاتبِته، وضَع عنه ما أحبَّ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني مَخْرَمةُ، عن أبيه، عن نافعٍ، قال: كاتَبَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ غلامًا له يقالُ له: شرفا. على خمسةٍ وثلاثينَ ألفَ درهمٍ، فوضَعَ من آخرِ كتابتِه خمسةَ آلافٍ، ولم يذكُرْ نافعٌ أنَّه أعطاه شيئًا غيرَ الذي وضَعَ له (^٤).\nقال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال مالكٌ: سمِعتُ بعضَ أهلِ العلمِ يقولُ: إِنَّ ذلك أن يُكاتبَ الرجلُ غلامَه، ثم يضَعَ عنه من آخر كتابته شيئًا مسمًّى. قال مالكٌ: وذلك أحسنُ ما سمِعتُ، وعلى ذلك أهلُ العلمِ وعملُ الناسِ عندَنا (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٧ عن السدى بنحوه.\n(^٢) أخرجه البيهقى ١٠/ ٣٣٠ من طريق الجريرى به.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٧ عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٨/ ٣٧٧ من طريق سالم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٦ إلى ابن المنذر.\n(^٤) أخرجه البيهقى ١٠/ ٣٣٠ من طريق ابن وهب به.\n(^٥) الموطأ ٢/ ٧٨٨.","vol":"17","page":286},{"text":"[حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ] (^١)، قال: ثنا سفيانُ: أحبُّ إليَّ (^٢) أن يعطيَه الربُعَ أو أقلَّ منه شيئًا، وليسَ بواجبٍ، وأن يفعلَ ذلك حسنٌ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن عبدِ اللهِ بن حبيبٍ (^٣) أبى عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ ﵁: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. قال: هو ربُعُ المكاتبةِ.\nوقال آخرون: بل ذلك حضٌّ من اللهِ أهلَ الأموالِ على أن يعطوهم سهمَهم الذي جعله اللهُ لهم من الصدقاتِ المفروضةِ لهم في أموالِهم بقولِه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠]. قال: فالرِّقابُ التي جعَل فيها أحد سُهمانِ الصدقة الثمانيةِ هم المكاتَبون. قال: وإيَّاه عنَى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. أي: سَهْمِهم من الصدقةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6357>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثني يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن ابن بُرَيْدَةَ (^٤)، عن أبيه (^٥) قولَه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. قال: يَحُبُّ اللهُ عليه، يُعْطُونه (^٦).\n_________\n(^١) في ت ٢: \"حدثنا يزيد قال: ثنا على\".\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"عن\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"زيد\". وهو عبد الله بن بريدة كما في تفسير ابن أبي حاتم، وكما سيأتي التصريح بأنه عبد الله بن بريدة في تفسير الآية (١٤) سورة التغابن. وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٤٩١.\n(^٥) بعده في ص: \"عن أبيه\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٨٦ من طريق الحسين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٦ =","vol":"17","page":287},{"text":"حدَّثني يعقوب، قال: ثنى ابن عُلَيةَ، قال: أخبَرنا يونسُ، عن الحسنِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. قال: حثَّ عليه الناسَ؛ مولاه وغيرَه (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةً، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. قال: يُعطِى مكاتَبَه، وغيرُه، حَثَّ الناسَ عليه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ أنه قال في قولِه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. قال: أمرَ مولاه والناسَ جميعًا أن يُعينوه (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. [قال: أمَر المسلمين أن يُعْطُوهم مما آتاهمُ اللهُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني ابن زيدٍ، عن أبيه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾] (^٣). قال: ذلك في الزكاةِ على الوُلاةِ، يعطونهم من الزكاةِ، يقولُ اللهُ: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (^٤).\nقال: ثني ابن زيدٍ، عن أبيه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. قال:\n_________\n= إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والروياني في مسنده والضياء المقدسي في المختارة.\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٨/ ٣٧٦، ٣٧٧، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٨٦ من طريق المغيرة به.\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٨٦، ٢٥٨٨ عن يونس به.","vol":"17","page":288},{"text":"الفَىْءُ والصدقاتُ. وقَرأ قولَ اللهِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾. وقرأ حتى بلَغ: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾. فأمرهم اللهُ أن يوفُّوهم (^١) منه، فليس ذلك من الكتابةِ. قال: وكان أبي يقولُ: ما لَه وللكتابةِ، هو من مالِ اللَّهِ الذي فَرَض له فيها نصيبًا (^٢).\nوأولَى القولينِ بالصوابِ في ذلك عندِى القولُ الثاني، وهو قولُ من قال: عنَى به إيتاءَهم سهمَهم من الصدقةِ المفروضةِ.\nوإنَّما قُلنا: ذلك أولى القولينِ؛ لأنَّ قولَه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ أمرٌ من اللهِ تعالى ذِكرُه بإيتاءِ المكاتَبِين من ماله الذي آتَى أهلَ الأموالِ، وأمرُ اللهِ فرضٌ على عبادِه الانتهاءُ إليه، ما لم يخبْرهم أنَّ مراده الندْبُ؛ لِما قد بيَّنا في غيرِ موضعٍ من كتابِنا. فإذ كان ذلك كذلك، ولم يكنْ أخبَرنا في كتابِه ولا على لسانِ رسولِه ﷺ ما أنه نَدْبُ، ففرضٌ واجبٌ. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الحجةُ قد قامت أنْ لا حقَّ لأحدٍ في مالِ أحدٍ غيرِه منَ المسلمين إِلَّا ما أوجَبه اللهُ لأهلِ سُهمانِ الصدقةِ في أموالِ الأغنياءِ منهم، وكانت الكتابةُ التي يقتضيها سيدُ المكاتَبِ من مكاتَبِه مالًا من مالِ سيدِ المكاتَبِ فيها، فيفادُ أنَّ الحقَّ الذي أوجبَ اللهُ له على المؤمنين أن يؤتُوه من أموالِهم، هو ما فَرَض على الأغنياءِ في أموالِهم له من الصدقةِ المفروضةِ؛ إذ كان لا حقَّ في أموالِهم لأحدٍ سواها.\n\n<span data-type='title' id=toc-6358>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"يوفوها\"، وفى ت ٢: \"يؤتوهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٨٨ من طريق أصبغ عن ابن زيد قوله، وآخره من قول أبيه كما هنا.","vol":"17","page":289},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: زوَّجُوا الصالحين من عبادِكم وإمائِكم، ولا تُكْرِهُوا إماءَكم ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾ وهو الزنى، ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾. يقولُ: إن أرَدْنَ تعفُّفًا عن الزنى (^١)، ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: لتَلتَمِسوا بإكراهِكم إياهن على الزنى ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. وذلك ما تَعْرِضُ لهم إليه الحاجةُ؛ مِن رِياشِها وزينتِها وأموالِها، ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ﴾. يقولُ: ومَن يُكْرِهْ فتياتِه على البِغاءِ، فإِن الله مِن بعدِ إكراهِه إياهن على ذلك، لهن (^٢) غفورٌ رحيمٌ، ووِزْرُ ما كان مِن ذلك عليهم دونَهن.\nوذُكِر أن هذه الآيةَ أُنْزِلَت في عبدِ اللهِ بن أَبِيٍّ ابْنِ سَلُولَ حِينَ أَكْرَهُ أَمَتَهُ مُسَيْكَةَ على الزني.\n\n<span data-type='title' id=toc-6359>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ الصَّبَاحِ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: أخبَرني أبو الزبيرِ، أنه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: جاءت مُسَيْكةُ لبعضِ الأنصارِ، فقالت: إن سيدى يُكْرِهُنى على الزنى. فنزَلَت في ذلك: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ (^٣).\nحدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، قال: كانت جاريةٌ لعبدِ اللهِ بن أبيٍّ ابن سَلُولَ، يقالُ لها: مُسَيْكةُ. فآجَرها، أو أكْرَهها - الطبريُّ يشكُّ (^٤) - فأتَتِ\n_________\n(^١) في ت ١: \"الفحشاء\".\n(^٢) في النسخ: \"لهم\".\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢٣١١)، والنسائى في الكبرى (١١٣٦٥)، والحاكم ٢/ ٣٩٧ من طريق حجاج بن محمد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٦ إلى ابن مردويه.\n(^٤) في م: \"شك\".","vol":"17","page":290},{"text":"النبيَّ ﷺ فشكَت ذلك إليه، فأَنْزَل الله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: يعني بهن (^١).\nحدَّثنا أبو حَصِينٍ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن يونُسَ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصَيْنٌ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾. قال: رجلٌ كانت له جاريةٌ تَفْجُرُ، فلما أَسْلَمَت نزَلَت هذه الآية (^٢)\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: أخبَرنى أبو الزبيرِ، عن جابرٍ، قال: جاءت جاريةٌ لبعضِ الأنصارِ، فقالت: إن سيدى أكْرَهَنى على البِغاءِ. فأنْزَل اللهُ في ذلك: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾.\nقال ابن جريجٍ: وأخبَرني عمرُو بنُ دينارٍ، عن عكرمةَ، قال: كانت (^٣) أَمَةٌ لعبدِ اللهِ بن أبيٍّ، أمَرَها فزنَت، فجاءَت ببُرْدٍ، فقال لها: ارْجِعي فازْنى. فقالت: واللهِ لا أَفْعَلُ، إن يَكُ هذا خيرًا فقد اسْتَكْثَرْتُ منه، وإن يَكُ شرًّا فقد آن لى أن أَدَعَهُ (^٤).\nقال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ نحوَ ذلك، وزاد، قال: البغاءُ الزني، وَاللهُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٧٥، ٣٧٦، ومسلم (٣٠٢٩)، والبزار - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٥٨ - وأبو يعلى (٢٣٠٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٩١، والبيهقى ٨/ ٩ من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٦ إلى الدارقطنى وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٥٩ من طريق عمرو به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٨٩ من طريق الحكم عن عكرمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٦ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.","vol":"17","page":291},{"text":"﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال: للمُكْرَهاتِ على الزنى، وفيها نزَلَت هذه الآيةُ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، أن رجلًا مِن قريشٍ أُسر يومَ بدرٍ، وكان عبدُ اللهِ بنُ أَبِيٍّ أَسَرَه، وكان لعبدِ اللهِ جاريةٌ يقال لها: مُعاذةُ. فكان القرشيُّ الأسيرُ يُرِيدُها على نفسها، وكانت مسلمةً، فكانت تَمْتَنِعُ منه لإسلامِها، وكان ابن أبيٍّ يُكْرِهُها على ذلك ويَضْرِبُها؛ رجاءَ أن تَحْمِلَ للقرشيِّ فيَطْلُبَ فِداءَ ولدِه، فقال الله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾. قال الزهريُّ: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: غفورٌ لهنّ ما أُكْرِهْن عليه (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه كان يَقْرَأُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢).\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾. يقولُ: ولا تُكْرِهوا إماءَكم على الزنى، فإن فعَلْتُم فإن الله سبحانه لهن غفورٌ رحيمٌ، وإثمُهن على مَن أَكْرَهَهُنَّ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال:\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق، ٢/ ٥٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٨٩، ٢٥٩٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) وهي كذلك قراءة ابن مسعود وجابر بن عبد الله. ينظر تفسير القرطبي ١٢/ ٢٥٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٨٩ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٧ إلى ابن المنذر.","vol":"17","page":292},{"text":"كانوا في الجاهليةِ يُكْرِهون إماءَهم على الزنى؛ يَأْخُذون أجورهن، فقال اللهُ: لا تُكْرِهوهن على الزنى مِن أجلِ المنَالةِ في الدنيا، (ومَن يُكْرِهْهن فإن الله مِن بعدِ إكراهِهن غفورٌ رحيمٌ لهن). يعنى: إذا أُكْرِهْنَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾. قال (^٢): إماءَكم، ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾: على الزنى. قال: عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابن سَلُولَ أمر أمةً له بالزنى، فجاءَته بدينارٍ أو ببُرْدٍ - شكٍّ أبو عاصمٍ - فأعْطَته، فقال: ارْجِعي فازني [على آخر] (^٣). فقالت: واللهِ ما أنا براجعةٍ. واللهُ غفورٌ رحيمٌ للمُكْرَهات على الزنى. ففى هذا أُنْزِلَت هذه الآية.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوه، إلا أنه قال في حديثِه: أمَر أمَةً له بالزنى، فزنَت، فجاءته ببُرْدٍ فأَعْطَتْه (^٤). ولم يَشُكَّ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾. يقولُ: على الزنى، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: غفورٌ لهن؛ للمُكْرَهاتِ على الزنى.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"أكرههن\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٣) في م: \"بآخر\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٩٢، ٤٩٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٨٩، ٢٥٩١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"17","page":293},{"text":"يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (^١)﴾. قال: غفورٌ رحيمٌ لهن حيَن أُكْرِهْنَ، وقُسِرْن على ذلك (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يَأْمُرون وَلائدَهم يُباغِين، يَفْعَلْن ذلك، فيُصِبْنَ، فيَأْتِينَهم بكسبهن، فكانت لعبدِ اللهِ بن أبيٍّ ابن سَلُولَ جاريةٌ، فكانت تُباغِى، فكرِهَت وحلَفَت ألا تَفْعَلَه، فأكْرَهها أهلُها، فانْطَلَقت فباغَت ببُرْدٍ أخضرَ، فأتتْهم به، فأنْزَل اللهُ ﵎: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ الآية (^٣).\n\n<span id=\"aya-2825\"></span><span data-type='title' id=toc-6360>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: ولقد أنْزَلْنا إليكم أيها الناسُ دَلالاتٍ وعلاماتٍ، ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾. يقولُ: مُفَصَّلاتٍ الحقَّ مِن الباطلِ، ومُوَضِّحاتٍ ذلك.\nواخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين والبصريين: (مُبَيَّنَاتٍ) بفتحِ الياءِ (^٤)، بمعنى: مُفَصَّلاتٍ، وأن اللَّهَ فَصَّلَهن وبيَّنهن لعبادِه، فهن مُفَصَّلاتٌ مُبَيَّنَاتٌ.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفة: ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾ بكسرِ الياءِ (^٥)، بمعنى أن الآياتِ هن تُبَيِّنُ الحقَّ والصوابَ للناسِ وتَهْدِيهم إلى الحقِّ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ف:\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٩، وعزاه إلى ابن المنذر في تفسيره.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبى بكر عن عاصم. حجة القراءات ص ٤٩٨.\n(^٥) وهى قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. المصدر السابق.","vol":"17","page":294},{"text":"والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، مُتَقارِبنا المعنى، وذلك أن الله إذ فصَّلها وبيَّنها، صارت مُبَيِّنَةٌ بنفسِها الحقَّ لمن الْتَمَسَه مِن قِبَلِها، وإذا بيَّنَت ذلك لمن الْتَمَسَه مِن قِبَلِها، فبتبيينِ (^١) اللهِ ذلك فيها، فبأيِّ القراءتين قرَأ القارئُ فمصيبٌ في قراءِته الصوابَ.\nوقولُه: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. [يقولُ: ومثلًا من الذين مضَوا قبلَكم] (^٢) مِن الأممِ، وموعظةً لمن اتَّقَى الله، فخاف عقابَه وخشِى عذابَه.\n\n<span id=\"aya-2826\"></span><span data-type='title' id=toc-6362>القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: هادى مَن في السماواتِ والأرضِ، فهم بنورِه إلى الحقِّ يَهْتَدون، وبهداه مِن حَيْرةِ (^٣) الضَّلالة يَعْتَصِمون.\nواختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم فيه نحوَ الذي قلنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6361>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: اللهُ سبحانَه هادى أهلِ السماواتِ\n_________\n(^١) في م: \"فيبين\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٣) في ت ٢: \"حيمة\".","vol":"17","page":295},{"text":"[وأهلِ] (^١) الأرضِ (^٢).\nحدَّثني سليمانُ بنُ عمرَ بن خالدٍ (^٣) الرَّقِّيُّ (^٤)، قال: ثنا وهبُ بنُ راشدٍ، عن فَرْقَدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: إن إلهى يقولُ: نُورى هُداىَ (^٥).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: اللهُ مدبِّرُ السماواتِ والأرضِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6363>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال مجاهدُ وابنُ عباسٍ في قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يُدَبِّرُ الأمر فيهما؛ [نجومَهما وشمسَهما وقمرَهما] (^٦).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك النورِ الضياءُ. وقالوا: معنى ذلك: ضياءُ السماواتِ والأرضِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6364>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: ثنا أبو جعفرٍ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٩٣، والبيهقى في الأسماء والصفات (١٣٦) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٨ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في النسخ: \"خلدة\". وتقدم في ٥/ ٤٦، ٨/ ١٦٣، ٧٢٣.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"البرقي\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٦٠ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٩ إلى المصنف.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"نجومها وشمسها وقمرها\".\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٦٠ عن ابن جريج عن مجاهد وابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٨ إلى المصنف من قول ابن عباس وحده.","vol":"17","page":296},{"text":"الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيٍّ بن كعبٍ في قولِ اللهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: فبدَأ بنورِ نفسِه، فذكَره، ثم ذكَر نورَ المؤمنِ (^١).\nوإنما اخْتَرْنا القولَ الذي اخْتَرْناه في ذلك؛ لأنه عَقِيبَ قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور: ٣٤].\nفكان ذلك بأن يكونَ خبرًا عن موقعٍ يَقَعُ تنزيلُه مِن خلقِه، ومِن مدح ما ابْتَدَأَ بذكرِ مدحِه، أولى وأشبهُ، ما لم يَأْتِ ما يَدُلُّ على انقضاءِ الخبرِ عنه من غيرِه.\nفإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: ولقد أَنْزَلْنا إليكم أيُّها الناسُ آياتٍ مبيِّناتٍ الحقَّ من الباطلِ، ومثلًا من الذين خَلَوا من قبلِكم وموعظةً للمتقين، فهدَيْناكم بها، وبيَّنا لكم معالمَ دينِكم بها؛ لأنى هادى أهلِ السماواتِ وأهلِ الأرضِ. وترَك وصلَ الكلامِ باللامِ، وابْتَدأ الخبرَ عن هدايتِه (^٢) خلقَه ابتداءً، وفيه المعنى الذي ذكَرْتُ؛ استغناءً بدَلالةِ الكلامِ عليه مِن ذكرِه، ثم ابْتَدَأ في الخبرِ عن مثلِ هدايتِه خلقَه بالآياتِ المبيناتِ التي أنْزَلها إليهم، فقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾. يقولُ: مَثَلُ ما أنار مِن الحقِّ بهذا التنزيلِ في بيانِه كمِشْكاةٍ.\nوقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالهاءِ في قولِه: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾. علام عائدةٌ، ومِن ذكرِ ما هي؟ فقال بعضُهم: هي مِن ذكرِ المؤمنِ. وقالوا: معنى الكلام: مثلُ نورِ المؤمنِ الذي في قلبِه من الإيمان والقرآنِ مثلُ مشكاةٍ.\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٩٩، ٤٠٠ من طريق عبيد الله بن موسى به ولم يذكر تفسير الآية، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٩٣ من طريق أبي جعفر الرازى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٨ إلى ابن المنذر وعبد بن حميد وابن مردويه. وسيفرق المصنف أجزاء منه فيما سيأتي.\n(^٢) في م: \"هداية\".","vol":"17","page":297},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6365>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، [عن أبي العالية] (^١)، عن أبيٍّ بن كعبٍ في قولِ الله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾. قال: ذكَر نورَ المؤمنِ، فقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾. يقولُ: مثلُ نورِ المؤمنِ. قال: وكان أُبيٌّ يَقْرَؤُها كذلك: (مثلُ المؤمن). قال: هو المؤمنُ قد جعَل الإيمانَ والقرآنَ في صدرِه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن أبي العاليةِ، عن أبيٍّ بن كعبٍ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾. قال: بدَأ بنورِ نفسِه، فذكَره، ثم قال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ يقولُ: مثلُ نورِ مَن آمَن به. قال: وكذلك كان يَقْرَأُ أُبيٌّ. قال: هو عبدٌ جعَل اللهُ القرآنَ والإيمانَ في صدرِه.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾. قال: مثلُ نورِ المؤمنِ (^٣).\nحدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ الأزْديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ اليَمانِ، عن أبي سِنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾. قال: نورِ المؤمنِ.\nوقال آخرون: بل عُنِى بالنورِ محمدٌ ﷺ. وقالوا: الهاءُ التي في قولِه: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾. عائدةٌ على اسمِ اللهِ.\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٩٣، ٢٥٩٤ من طريق أبي جعفر به.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٦١.","vol":"17","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6366>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصٍ، عن شِمْرٍ، قال: جاء ابن عباسٍ إلى كعبِ الأحبارِ، فقال له: حدَّثْنى عن قولِ اللهِ ﷿: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. فقال كعبٌ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾: مثلُ محمدٍ ﷺ كمشكاةٍ (^١).\nحدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ الأزْديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ اليَمانِ، عن أشعثَ، عن جعفرِ بن أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾. قال: محمدٍ ﷺ (^٢).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك هُدَى اللهِ وبيانُه، وهو القرآنُ. قالوا: والهاءُ مِن ذكرِ اللهِ. قالوا: ومعنى الكلامِ: اللهُ هادى أهلِ السماواتِ والأرضِ بآياتِه المبيِّناتِ، وهى النورُ الذي اسْتَنار به السماواتُ والأرضُ، مثلُ هداه وآياتِه التي هَدَى بها خلقَه، ووعَظهم بها في قلوبِ المؤمنين - كمشكاةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6367>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾. مثلُ هُداه في قلبِ المؤمنِ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن الحسنِ في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٩٦ من طريق شمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه، وستأتي بقيته ص ٣٠١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٩٤ من طريق يحيى بن يمان به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٩٤، والبيهقى في الأسماء والصفات (١٣٦) من طريق أبى صالح به، وهو تمام الأثر المتقدم في ص ٢٩٦.","vol":"17","page":299},{"text":"قولِه: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾. قال: مثلُ هذا القرآنِ في القلبِ كمشكاةٍ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾: نورِ القرآنِ الذي أنْزَل على رسولِه ﷺ وعبادِه، هذا مثلُ القرآنِ، ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ (^٢).\nقال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني عبدُ اللهِ بنُ عَيَّاشٍ (^٣)، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ في قولِ اللهِ ﵎: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾: ونورُه الذي ذكَر القرآنُ، ومَثَلُه الذي ضرَب له (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: مثلُ نورِ اللهِ. وقالوا: يعنى بالنورِ الطاعةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6368>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾: وذلك أن اليهودَ قالوا لمحمدٍ: كيف يَخْلُصُ نورُ اللهِ مِن دونِ (^٥) السماء؟ فضرَب اللهُ مثلَ ذلك لنورِه، فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾. قال: وهو مثلٌ ضرَبه اللهُ لطاعتِه، فسمَّى طاعتَه نورًا، ثم سماها أنوارًا شتَّى (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٩٤ من طريق ابن علية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ينظر تفسير البغوي ٦/ ٤٩.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"عباس\". وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٤١٠.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٩٤ عن يونس به.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"نور\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٩٦ عن محمد بن سعد به، وزاد: وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٨ إلى ابن مردويه.","vol":"17","page":300},{"text":"وقولُه: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"المشكاة\" و\"المصباح\"، وما المرادُ بذلك، وبالزجاجةِ؛ فقال بعضُهم: المشكاةُ كلُّ كَوَّةٍ لا مَنْفَذَ لها. وقالوا: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لقلبِ محمدٍ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6369>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصٍ، عن شِمْرٍ، قال: جاء ابن عباسٍ إلى كعبِ الأحبارِ، فقال له: حدَّثْنى عن قولِ اللهِ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾. قال: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ (^١)، وهى الكَوَّةُ، ضرَبها (^٢) مثلًا لمحمدٍ ﷺ، المشكاةُ ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ المصباحُ قلبُه، ﴿فِي زُجَاجَةٍ﴾ الزجاجةُ صدرُه، ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾؛ شبَّه صدرَ النبيِّ ﷺ بالكوكبِ الدُّرِّيِّ، ثم رجَع إلى (^٣) المصباحِ إلى قلبِه، فقال: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ لم تَمَسَّها شمسُ المشرقِ ولا شمسُ المغربِ، [﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾: يكادُ محمدٌ ﷺ يَبِينُ للناسِ، وإن لم يَتَكَلَّمْ، أنه نبيٌّ، كما يكادُ ذلك الزيتُ يُضِيءُ] (^٤) ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ (^٥).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾. يقولُ: موضعُ الفَتِيلةِ (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: ف، وفى م: \"المشكاة\".\n(^٢) بعدها في م، ت ٢: \"الله\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) سقط من: ت ١، ف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٩٧، ٢٥٩٩، ٢٦٠٣ من طريق شمر به، وتقدم أوله في ص ٢٩٩.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٩٥ من طريق أبي صالح به، وتقدم أوله في ص ٢٩٦.","vol":"17","page":301},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾. قال: المشكاةُ كَوَّةُ البيتِ (^١).\nوقال آخرون: عُنِى بالمشكاةِ صدرُ المؤمنِ، وبالمصباحِ القرآنُ والإيمانُ، وبالزجاجةِ قلبُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6370>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بن كعبٍ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾. قال: مثَلُ المؤمنِ قد جُعِل الإيمان والقرآنُ في صدرِه، ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾. قال: المشكاةُ صدرُه، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾. قال: والمصباحُ القرآنُ والإيمانُ الذي جُعِل في صدرِه، ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾. قال: والزجاجةُ قلبُه، ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَد﴾. قال: فمثلُه مما استنار فيه القرآن والإيمانُ كأنه ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾. يقولُ: مُضِيءٌ، ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ والشجرةُ المباركةُ أصلُه، المباركةُ: الإخلاص للهِ وحدَه وعبادتُه، لا شريكَ له، ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾. قال: فمثلُه مثلُ شجرةٍ الْتَفَّ بها الشجرُ، فهي خضراءُ ناعمةٌ، لا تُصِيبُها الشمسُ على أيِّ حالٍ كانت، لا إذا طلَعَت، ولا إذا غرَبَت، وكذلك هذا المؤمنُ، قد أُجِير من أن يُصِيبَه شيءٌ مِن الغِيَرِ - وقد ابْتُلى بها - فيُثَبِّتُه (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٩٦ عن محمد بن سعد به، وتقدم أوله في ص ٣٠٠.\n(^٢) في م، ت ١: \"فثبته\".","vol":"17","page":302},{"text":"اللهُ فيها، فهو بينَ أربعِ خلالٍ؛ إن أُعْطِى شكَر، وإن ابْتُلِى صبَر، وإن حكَم عدَل، وإن قال صدَق، فهو في سائرِ الناسِ كالرجلِ الحيِّ يَمْشِى في قبورِ الأمواتِ، قال: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ فهو يَتَقَلَّبُ في خمسةٍ من النورِ؛ فكلامُه نورٌ، وعملُه نورٌ، ومَدْخَلُه نورٌ، ومَخْرَجُه نورٌ، ومصيرُه إلى النورِ يومَ القيامةِ إلى (^١) الجنةِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني يحيَى بنُ اليَمانِ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بن كعبٍ، قال: المشكاةُ صدرُ المؤمن، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾. قال: القرآنُ.\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بن كعبٍ نحوَ حديثِ عبدِ الأعلى، عن عبيدِ اللهِ.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾. قال: مثلُ هُداه في قلبِ المؤمنِ، كما يَكادُ الزيتُ الصافى يُضِيءُ قبلَ أَن تَمَسَّه النارُ، فإذا مسَّته النارُ ازداد ضوءًا على ضوئه (^٣)، كذلك يكونُ قلبُ المؤمنِ، يَعْمَلُ بالهُدى قبلَ أن يَأْتِيَه العلمُ، فإذا جاءه العلمُ ازْداد هُدًى على هُدًى، ونورًا على نورٍ، كما قال إبراهيمُ صلواتُ اللهِ عليه قبلَ أن تَجِيئَه المعرفةُ: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]. حينَ رأَى الكوكبَ، مِن غيرِ أن يُخْبِرَه أحدٌ أن له ربًّا، فلما أخبَره اللهُ أنه ربُّه، ازداد هُدًى على\n_________\n(^١) في م: \"في\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٩٥ - ٢٥٩٧، ٢٥٩٩، ٢٦٠٣ من طريق عبيد الله بن موسى وغيره عن أبي جعفر به، وتقدم أوله في ص ٢٩٨.\n(^٣) في م، ت ١: \"ضوء\".","vol":"17","page":303},{"text":"هُدًى (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾: وذلك أن اليهودَ قالوا لمحمدٍ ﷺ: كيف يَخْلُصُ نورُ اللهِ مِن دونِ السماءِ؟ فضرَب اللهُ مَثَلَ ذلك لنورِه، فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾. والمشكاةُ كَوَّةُ البيتِ فيها مصباحٌ، ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾. والمصباحُ السِّراجُ يكونُ في الزجاجةِ، وهو مَثَلٌ ضرَبه اللهُ لطاعتِه، فسمَّى طاعتَه نورًا، وسمَّاها أنواعًا شتَّى. قولَه: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾. قال: هي شجرةٌ لا يَفِيءُ عليها ظلُّ شرقٍ، ولا ظلُّ غربٍ، ضاحيةٌ، ذلك أصفى الزيتِ (^٢)، ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ (^٣).\nقال معمرٌ: وقال الحسنُ: ليست مِن شجرِ الدنيا، ليست شرقيةً ولا غربيةً (^٤).\nوقال آخرون: هو مَثَلٌ للمؤمنِ، غيرَ أن المصباحَ وما فيه مثلٌ لفؤادِه، والمشكاةَ مثلٌ لجوفِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6371>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٩٤، وتقدم أوله في ص ٢٩٦.\n(^٢) في م: \"للزيت\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٣٠٠، ٣٠٢.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٦٠ عن معمر به، وينظر ما سيأتي عن الحسن في ص ٣١٢، وينظر الدر المنثور ٥/ ٤٩، ٥٠.","vol":"17","page":304},{"text":"قال مجاهدٌ وابنُ عباسٍ جميعًا: المصباحُ وما فيه مثلُ فؤادِ المؤمن وجوفِه؛ المصباحُ مثلُ الفؤادِ، والكَوَّةُ مثلُ الجوفِ.\nقال ابن جريجٍ: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾: كوةٍ غيرِ نافذةٍ.\nقال ابن جريجٍ: وقال ابن عباسٍ قولَه: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾. يعنى: إيمانُ المؤمنِ وعملُه.\nوقال آخرون: بل ذلك مثلٌ للقرآنِ في قلبِ المؤمنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6372>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾. قال: ككَوَّةٍ، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾: نورِ القرآنِ الذي أنْزَل على رسولِه وعبادِه، فهذا مثلُ القرآنِ، ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿مُبَارَكَةٍ﴾ فهذا مثلُ القرآنِ، يُسْتَضاءُ به في نورِه ويَعْلَمونه ويَأْخُذون به، وهو كما هو، لا يَنْقُصُ، فهذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لنورِه. وفى قولِه: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾. قال: الضوءُ إشراقُ ذلك الزيتِ، والمشكاةُ التي فيها الفَتيلةُ التي في المصباحِ، والقناديلُ تلك المصابيحُ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٩٤ من طريق ابن علية، وعنده: مثل القرآن في القلب. وهو موطن الشاهد.\n(^٢) أخرج أوله ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٩٤ عن يونس، عن ابن وهب، عن عبد الله بن عياش زيد بن أسلم. وأخرج آخره في ٨/ ٢٦٠٢ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"17","page":305},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ (^١) بن عياضٍ في قولِه: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾. قال: الكَوَّةُ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن عطيةَ في قولِه: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾. قال: قال ابن عمرَ: المشكاةُ الكَوَّةُ (^٣).\nوقال آخرون: المشكاةُ القنديلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6373>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾. قال: القنديلُ، ثم العمودُ الذي فيه القنديلُ (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾: الصُّفْرُ الذي في جوفِ القِنْديلِ (^٥).\nحدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن دادَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ، قال: المشكاةُ القنديلُ.\n_________\n(^١) كذا في النسخ وتغليق التعليق، وفى البخارى وأصول ابن أبي شيبة: (سعد). وينظر ما سيأتي في آية (٧) سورة الماعون، وتهذيب الكمال ١٠/ ٢٩٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٧٠، والحافظ في التغليق ٤/ ٢٦٤ من طريق أبي إسحاق به، وفيهما: بلسان الحبشة. وينظر فتح البارى ٨/ ٤٤٧.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٩ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٩٥ من طريق أبي عاصم به.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٩٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٩٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"17","page":306},{"text":"وقال آخرون: المشكاةُ الحديد الذي يُعَلَّقُ به القِنْديلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6374>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن مجاهدٍ، قال: المشكاةُ الحدائدُ التي يُعَلَّقُ بها القنديلُ (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: ذلك مثلٌ ضرَبه اللهُ للقرآنِ في قلبِ أهلِ الإيمانِ به، فقال: مثلُ نورِ اللهِ الذي أثار به لعباده سبيلَ الرشادِ، الذي أنْزَله إليهم فآمَنوا به وصدَّقوا بما فيه، في قلوبِ المؤمنين - مثلُ مشكاةٍ؛ وهى عمودُ القِنْديلِ الذي فيه الفَتِيلةُ، وذلك هو نظيرُ الكَوَّةِ التي تكونُ في الحِيطانِ التي لا مَنفذَ لها، وإنما جُعِل ذلك العمودُ مشكاةً؛ لأنه غيرُ نافذٍ وهو أجوفُ مفتوحُ الأعلى، فهو كالكَوَّةِ التي في الحائطِ التي لا تُنْفِذُ، ثم قال: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾. وهو السِّراجُ، وجَعَل السِّراجَ، وهو المصباحُ، مثلًا لما في قلبِ المؤمنِ مِن القرآنِ والآياتِ المبيِّنَاتِ. ثم قال: ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾. يعنى أن السراجَ الذي في المشكاةِ في القِنْديلِ، وهو الزجاجةُ، وذلك مثلٌ للقرآنِ. يقولُ: القرآنُ الذي في قلبِ المؤمنِ الذي أنار اللهُ به قلبَه في صدرِه. ثم مثَّل الصدرَ في خُلوصِه مِن الكفرِ باللهِ والشكِّ فيه، واستنارتِه بنورِ القرآنِ، واستضاءتِه بآياتِ ربِّه المبيِّناتِ، ومواعظِه فيها - بالكوكب الدُّرِّيِّ، فقال: الزُّجَاجَةُ. وذلك صدرُ المؤمنِ الذي فيه قلبُه ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾.\nواخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿دُرِّيٌّ﴾؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الحجازِ:\n_________\n(^١) في ت ٢: \"القناديل\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٩٥ من طريق هشيم به.","vol":"17","page":307},{"text":"﴿دُرِّيٌّ﴾ بضمِّ الدالِ وتركِ الهمزِ (^١).\nوقرَأه بعضُ قرأةِ البصرةِ والكوفةِ: (دِرِّئٌ) بكسرِ الدالِ وهمزةٍ (^٢).\nوقرأه بعضُ قرأةِ الكوفةِ: (دُرِّئٌ) بضمِّ الدالِ وهمزةٍ (^٣).\nوكأن الذين ضمُّوا دالَه وترَكوا همزَه، وجَّهوا معناه إلى ما قاله أهلُ التفسيرِ الذين ذكَرْنا عنهم، من أن الزجاجةَ في صفائِها وحسنِها كالدُّرِّ، وأنها منسوبةٌ إليه لذلك مِن نعتِها وصفتِها.\nووجَّه الذين قرَءوا ذلك بكسرِ دالِه وهمزِه، إلى أنه \"فِعيِّلٌ\"، من دَرَأَ (^٤) الكوكبُ (^٥). أي: دُفِع (^٦) ورُجِم به الشيطانُ. من قولِه: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨]. أي: يَدْفَعُ. والعربُ تُسَمِّى الكواكبَ العظِامَ التي لا تَعْرِفُ أسماءَها الدَّراريَّ، بغيرِ همزٍ.\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ (^٧) يقولُ: هي الدَّرارِيُّ بالهمزِ، مِن: يَدْرَأْنَ.\nوأما الذين قرَءوه بضمِّ دالِه وهمزِه، فإن كانوا أرادوا به: دُرُّوءٌ. مثلَ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ. من: درَأْتُ. ثم اسْتَثْقَلوا كثرةَ الضَّمَّاتِ فيه، فصرَفوا (^٨) بعضَها إلى الكسرةِ،\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم. حجة القراءات ص ٤٩٩.\n(^٢) هي قراءة أبي عمرٍو والكسائي. المصدر السابق.\n(^٣) هي قراءة حمزة وأبى بكر عن عاصم. المصدر السابق.\n(^٤) في م: \"درى\"، وفي ت ٢: \"درء\".\n(^٥) في ت ٢: \"الكواكب\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"رفع\".\n(^٧) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٦٦.\n(^٨) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.","vol":"17","page":308},{"text":"فقالوا: دُرِّئٌ. كما قيل: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]. وهو فُعُولٌ، مِن: عتَوْتُ عُتُوًّا، ثم حُوِّلت بعضُ ضماتِها إلى الكسرِ، فقيل: عِتِيًّا. فهو مذهبٌ، وإلا فلا أَعْرِفُ لصحةِ قراءتِهم ذلك كذلك وجهًا، وذلك أنه لا يُعْرَفُ في كلامِ العربِ \"فُعِّيل\". وقد كان بعضُ أهلِ العربية يقولُ: هو لحنٌ (^١).\nوالذي هو أولى القراءاتِ عندى في ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرأَ: ﴿دُرِّيٌّ﴾ بضمِّ دالِه وتركِ همزِه، على النسبةِ إلى الدُّرِّ؛ لأن أهلَ التأويلِ بتأويلِ ذلك جاءُوا، وقد ذكَرْنا أقوالَهم في ذلك قبلٌ، ففى ذلك مُكْتَفًى عن الاستشهادِ على صحتِها بغيرِه، فتأويلُ الكلامِ: ﴿الزُّجَاجَةُ﴾، وهى صدرُ المؤمنِ، ﴿كَأَنَّهَا﴾: يعنى كأن الزجاجةَ، وذلك مثلٌ لصدرِ المؤمنِ، ﴿كَوْكَبٌ﴾. يقولُ: في صفائِها وضيائِها وحسنِها. وإنما يَصِفُ صدرَه بالنقاءِ مِن كلِّ ريبٍ وشكٍّ في أسبابِ الإيمانِ باللهِ، وبعدِه مِن دَنَسِ المعاصى، كالكوكبِ الذي يُشْبِهُ الدُّرَّ في الصفاءِ والضياءِ والحسنِ.\nواخْتَلَفوا أيضًا في قراءةِ قولِه: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾؛ فقرأ ذلك بعضُ المكيِّين والمدنيِّين وبعضُ البصريين: (تَوَقَّدَ مِن شجرةٍ) بالتاءِ، وفتحِها، وتشديدِ القافِ، وفتحِ الدالِ (^٢)، وكأنهم وجَّهوا معنى ذلك إلى: توقَّدَ المصباحُ مِن شجرةٍ مباركةٍ.\nوقرَأه بعضُ عامةِ قرأةِ المدنيين: ﴿يُوقَدُ﴾ بالياءِ، وتخفيفِ القافِ، ورفعِ الدالِ (^٣)، بمعنى: يُوقَدُ المصباحُ، مَوْقِدُه مِن شجرةٍ. ثم لم يُسَمَّ فاعلُه.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (تُوقَدُ) بضمِّ التاءِ، وتخفيفِ القافِ، ورفعِ\n_________\n(^١) ينظر تهذيب اللغة ١٤/ ١٥٨، واللسان (د ر أ).\n(^٢) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. حجة القراءات ص ٥٠٠.\n(^٣) هي قراءة نافع وابن عامر وحفص. المصدر السابق.","vol":"17","page":309},{"text":"الدالِ (^١)، بمعنى: تُوقَدُ (^٢) الزجاجةُ، مَوْقِدُها من شجرةٍ مباركةٍ. ثم لم يُسَمَّ فاعلُه، فقيل: (تُوقَدُ).\nوقرأه بعض أهلُ مكةَ: (تَوَقَّدُ) بفتحِ التاءِ، وتشديدِ القافِ، وضمِّ الدالِ (^٣)، بمعنى: تَتَوَقَّدُ الزجاجةُ مِن شجرةٍ. ثم أُسْقِطَت إحدى التاءين؛ اكتفاءً بالباقيةِ من الذاهبةِ.\nوهذه القراءاتُ متقارباتُ المعانى، وإن اخْتَلَفَت الألفاظُ بها، وذلك أن الزجاجةَ إذا وُصِفَت بالتوقُّدِ، أو بأنها تُوقَدُ، فمعلومٌ معنى ذلك، فإن المرادَ به: تَوَقَّدَ فيها المصباحُ، أو يُوقَدُ فيها المصباحُ. ولكن وجَّهوا الخبرَ إلى أن وصفَها بذلك أقربُ في الكلامِ منها، وفهمِ السامعين معناه والمرادَ منه.\nفإذ كان ذلك كذلك، فبأيِّ القراءاتِ (^٤) قرأ القارئُ فمصيبٌ (^٥)، غيرَ أنَّ أعجبَ القراءاتِ إلى أن أَقْرَأَ بها في ذلك: (تَوَقَّدَ) بفتحِ التاءِ، وتشديدِ القافِ، وفتحِ الدالِ، بمعنى وصفِ المصباحِ بالتوقُّد؛ لأنَّ التوقُّدَ والاتِّقادَ لا شكَّ أنهما من صفتِه دونَ الزجاجةِ، فمعنى الكلامِ إذن: كمشكاةٍ فيها مصباحٌ، المصباحٌ مِن دُهْنِ شجرةٍ مباركةٍ؛ زيتونةٍ لا شرقيةٍ ولا غربيةٍ.\nوقد ذكَرْنا بعضَ ما رُوِى عن بعضِهم من الاختلافِ في ذلك فيما قد مضَى، ونَذْكُرُ باقىَ ما حضَرَنا مما لم نَذْكُرْه قبلُ؛ فقال بعضُهم: إنما قيل لهذه الشجرةِ: لا\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة والكسائي وأبى بكر. حجة القراءات ص ٥٠٠.\n(^٢) في م: \"يوقد\".\n(^٣) هي قراءة ابن محيصن والحسن. إتحاف فضلاء البشر ص ١٩٩.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"القراءتين\".\n(^٥) القراءة الأخيرة التي ذكرها المصنف شاذة لا يُقْرأ بها.","vol":"17","page":310},{"text":"شرقيةٍ ولا غربيةٍ. أي: ليست شرقيةَ وحدَها، حتى لا تُصِيبَها الشمسُ إذا غرَبَت، وإنما لها نصيبُها مِن الشمسِ بالغَداةِ ما دامت بالجانبِ الذي يلى الشرقَ، ثم لا يكونُ لها نصيبٌ منها إذا مالت إلى جانبِ الغربِ، ولا هي غربيةٌ وحدَها فتُصِيبَها الشمسُ بالعَشِيِّ إذا مالت إلى جانبِ الغربِ، ولا تُصِيبُها بالغَداةِ، ولكنها شرقيةٌ غربيةٌ، تَطْلُعُ عليها الشمسُ بالغَداةِ، وتَغْرُبُ عليها، فيُصِيبُها حرُّ الشمسِ بالغداةِ والعشيِّ. قالوا: وإذا كانت كذلك كانت أجودَ لزيتِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-6375>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾. قال: لا يَسْتُرُها من الشمسِ جبلٌ ولا وادٍ إذا طلَعَت وإذا غرَبَت (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا حَرَمِيُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرنى عُمارةُ، عن عكرمةَ في قولِ اللهِ: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾. قال: الشجرةُ تكونُ في مكانٍ لا يَسْتُرُها من الشمسِ شيءٌ، تَطْلُعُ عليها وتَغْرُبُ عليها.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ وابنُ عباسٍ: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾. قالا: هي التي بشِقِّ الجبلِ، التي يُصِيبُها شروقُ الشمسِ وغروبُها، إذا طلَعَت أصابَتْها، وإذا غَرَبَت أصابَتْها (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٠٠ من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، وأخرجه أيضًا ٨/ ٢٦٠٠ من طرق عن عكرمة بألفاظ أخرى. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٤٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٦٣ عن مجاهد.","vol":"17","page":311},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: ليست شرقيةً ولا غربيةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-6376>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبد الجبارِ، قال: ثنى محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾. قال: هي شجرةٌ وَسْطَ الشجرِ، ليست مِن الشرقِ ولا مِن الغربِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾. قال: مُتَيَامِنةُ الشامِ، لا شرقيٌّ ولا غربيٌّ (^٢).\nوقال آخرون: ليست هذه الشجرةُ مِن شجرِ الدنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6377>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾. قال: واللهِ لو كانت في الأرضِ لكانت شرقيةً أو غربيةً، ولكنما هو مثلٌ ضرَبه اللهُ لنورِه (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عثمانُ - يعنى ابنَ الهيثمِ - قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾. قال: لو كانت في الأرضِ هذه الزيتونةُ كانت شرقيةً أو غربيةً، ولكن واللهِ ما هي في الأرضِ، وإنما هو مثلٌ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٠ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من قول سعيد بن جبير، وهو عند ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٠٠ من طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٢/ ٢٥٩ عن ابن زيدٍ، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٠٢ من طريق أسامة بن زيد، عن أبيه زيدٍ بلفظ: الشام.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٠١، ٢٦٠٢ من طريق عوف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٠ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":312},{"text":"ضرَبه اللهُ لنورِه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾. قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ، ولو كانت هذه الشجرةُ في الدنيا، لكانت إما شرقيةً وإما غربيةً.\n[وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ ذلك قولُ من قال: إنها شرقيةٌ غربيةٌ] (^١). وقال: معنى الكلامِ: ليست شرقيةً تَطْلُعُ عليها الشمسُ العشيَّ (^٢) دونَ الغَداةِ، ولكنَّ الشمسَ تُشْرقُ عليها وتَغْرُبُ، فهي شرقيةٌ غربيةٌ.\nوإنما قلْنا: ذلك أولى بمعنى الكلامِ؛ لأن الله إنما وصَف الزيتَ الذي يُوقَدُ على هذا المصباحِ بالصفاءِ والجودةِ، فإذا كان شجرُه شرقيًّا غربيًّا، كان زيتُه لا شكَّ أجودَ وأصْفَى وأَضْوَأَ.\nوقولُه: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يكادُ زيتُ هذه الزيتونةِ يُضِيءُ من صفائِه وحسنِ ضيائِه، ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾. يقولُ: فكيف إذا مسَّته النارُ!\nوإنما أُريد بقولِه: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. أن هذا القرآنَ مِن عندِ اللهِ، وأنه كلامُه، فجُعِل مَثَلُه ومثلُ كونِه مِن عندِه، مثلَ المصباحِ الذي يُوقَدُ مِن الشجرةِ المباركةِ التي وصفَها جلَّ ثناؤُه في هذه الآيةِ.\nوعُنِى بقولِه: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾. أن حُجَجَ اللهِ تعالى ذكرُه على خلقِه تكادُ من بيانِها ووضوحِها تُضِيءُ لمن فكَّر فيها ونظَر، أو أعْرَض عنها ولَهَا، ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾. يقولُ: ولو لم يَزِدْها اللهُ بيانا ووضوحًا بإنزالِه هذا القرآنَ\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) في م: \"بالعشى\".","vol":"17","page":313},{"text":"إليهم، مُنَبِّهًا لهم على توحيدِه، فكيف إذا نبَّههم به، وذكَّرهم بآياتِه، فزادهم به حجةً إلى حُججِه عليهم قبلَ ذلك! فذلك بيانٌ مِن اللهِ ونورٌ على البيانِ والنورِ الذي كان قد وصَفه (^١) لهم ونصَبه قبلَ نزولِه.\nوقولُه: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾. يعنى النارَ على هذا الزيتِ الذي يكادُ يُضِيءُ ولو لم تَمْسَسْه النارُ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾. قال: النارُ على الزيتِ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وهو عندى - كما ذكَرْتُ - مَثَلُ القرآنِ. ويعنى بقولِه: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾: هذا القرآنُ نورٌ مِن عندِ اللهِ، أَنْزَله إلى خلقه يَسْتَضِيئون به. ﴿عَلَى نُورٍ﴾: على الحججِ والبيانِ الذي قد نصَبَه لهم قبل مجيءِ القرآنِ وإنزالِه إياه، مما يَدُلُّ على حقيقةِ وحدانيتِه، فذلك بيانٌ مِن اللهِ ونورٌ على البيانِ والنورِ الذي كان وصَفه (^١) لهم ونصَبَه قبلَ نزولِه.\nوذُكر عن زيدٍ بنُ أسلمَ في ذلك ما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنى عبدُ اللهِ بنُ عَيَّاشٍ (^٣)، قال: قال زيدُ بنُ أَسْلَمَ في قولِه: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾: يُضِيءُ بعضُه بعضًا، يعني: القرآنُ (^٤).\nوقولُه: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يُوَفِّقُ اللهُ لاتِّباعِ\n_________\n(^١) في م: \"وضعه\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٩٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٠٣.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"عباس\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٩٤ عن يونس به.","vol":"17","page":314},{"text":"نورِه، وهو هذا القرآنُ، مَن يَشَاءُ مِن عِبادِه.\nوقولُه: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: ويُمَثِّلُ اللهُ الأمثالَ والأشباهَ للناسِ، كما مثَّل لهم مَثَلَ هذا القرآنِ في قلب المؤمنِ بالمصباحِ في المشكاةِ، وسائرِ ما في هذه الآيةِ مِن الأمثالِ، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: واللهُ بضربِ الأمثالِ وغيرِها مِن الأشياءِ كلِّها ذو علمٍ.\n\n<span id=\"aya-2827\"></span><span data-type='title' id=toc-6378>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾: اللهُ نورُ السماواتِ والأرضِ، مَثَلُ نورِه كمشكاةٍ فيها مصباحٌ في بيوتٍ أذِن اللهُ أن تُرْفَعَ.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: المشكاةُ التي فيها الفَتِيلَةُ التي فيها المصباحُ. قال: المصابيحُ في بيوتٍ أذِنِ اللهُ أَن تُرْفَعَ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: قد يَحْتَمِلُ أن تكونَ \"في\" مِنْ صلةِ ﴿يُوقَدُ﴾ فيكونَ المعنى: يُوقدُ مِن شجرةٍ مُبارَكة، ذلك المصباحُ في بيوتٍ أَذِن اللهُ أن تُرفَعَ.\nوعَنَى بالبيوتِ المساجدَ.\nوقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم بالذي قُلْنا في ذلك.\n_________\n(^١) ذكره الطوسى في التبيان ٧/ ٣٨٩ بلفظ: المصابيح في بيوت.","vol":"17","page":315},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6379>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ ونصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْدِيُّ، قالا: ثنا حَكَّامٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِ اللهِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾. قال: المساجدُ (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾: وهى المساجدُ تُكْرَمُ (^٢)، ونُهى عن اللَّغْوِ فيها (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾: يعنى كلَّ مسجدٍ يُصَلَّى فيه؛ جامعٍ أو غيرِه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾. قال: مساجدُ تُبْنَى.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٠٤ معلقًا.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"كره\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٠٤ من طريق أبي صالح به.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٩٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٠٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"17","page":316},{"text":"حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾. قال: في المساجدِ (^١).\nقال: أخبَرنا معمرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، قال: أدركتُ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ وهم يقولون: المساجدُ بيوتُ اللهِ، وإنه حقٌّ على اللهِ أن يُكْرِمَ مَنْ زارَه فيها (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن [سالمِ بن عمرَ] (^٣) في قولِه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾. قال: هي المساجدُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾. قال: المساجدُ.\nوقال آخرون: عَنَى بذلك البيوتَ كلَّها.\n\n<span data-type='title' id=toc-6380>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ ونصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ، قالا: حدَّثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ (^٤)، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن عكرمةَ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾. قال: هي البيوتُ كلُّها (^٥).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٠، ٦١.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦١.\n(^٣) في ت ٢: \"مسلم بن عمير\". ولم نجد لسالم بن عمر ترجمة، ولا يصح أن تكون العبارة: سالم عن ابن عمر. لأن ابن المبارك ولد سنة ثمان عشرة ومائة، وتوفى سالم سنة خمس ومائة. فالله أعلم. وينظر ما سيأتي في ص ٣٢٢.\n(^٤) في ت ١، ف: \"سالم\"، وفي ت ٢: \"مسلم\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٠٤، ٢٦٠٥ من طريق محمد بن سوقة، عن عكرمة.","vol":"17","page":317},{"text":"وإنما اخْتَرْنا القولَ الذي اخترْناه في ذلك؛ لدَلالةِ قولِه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. على أنها بيوتٌ بُنِيَتْ للصلاةِ، فلذلك قُلْنا: هي المساجدُ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾، فقال بعضُهم: معناه: أذِن اللهُ أن تُبْنَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-6381>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾. قال: تُبْنَى (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخرون: معناه: أذِن اللهُ أن تُعَظَّمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6382>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾. يقولُ: أن تُعَظَّمَ لِذِكْرِه (^٢).\nوأوْلَى القولَيْن في ذلك عندى بالصوابِ القولُ الذي قاله مجاهدٌ، وهو أن معناه: أذِن اللهُ أن تُرْفَعَ بناءً. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٩٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"17","page":318},{"text":"الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧]. وذلك أن ذلك هو الأَغْلَبُ مِن معنى الرَّفْعِ في البيوتِ والأبْنيَةِ.\nوقولُه: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. يقولُ: وأذِن لعبادِه أن يَذْكُروا اسمَه فيها. وقد قِيلَ: عَنَى به أنه أذِن لهم بتلاوةِ القرآنِ فيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-6383>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ثم قال: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. يقولُ: يُتْلَى فيها كتابُه (^١).\nوهذا القولُ قريبُ المعنى مما قُلْناه في ذلك؛ لأن تلاوةَ كتابِ اللهِ مِن معاني ذكرِ اللهِ، غير أن الذي قلنا به أَظْهَرُ مَعْنَيَيْهِ، فلذلك اخْتَرْنا القولَ به.\nوقولُه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. اخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ بضَمِّ الياءِ وكسرِ الباءِ (^٢)، بمعنى: يُصَلِّي له فيها رجالٌ، وبجَعْلِ ﴿يُسَبِّحُ﴾ فِعْلًا لـ \"الرجالِ\" وخبرًا عنهم، ويُرْفَعُ به \"الرجالُ\"، سوى عاصمٍ (^٣) وابنِ عامرٍ، فإنهما قَرَأا ذلك: (يُسَبَّحُ له) بضمِّ الياءِ وفتحِ الباءِ، على ما لم يُسَمَّ فاعِلُه، ثم يَرْفَعان \"الرجالَ\" بخبرٍ ثانٍ مُضْمَرٍ، كأنهما أرادا: يُسَبَّحُ اللهِ في البيوتِ التي أذِن اللهُ أن تُرْفَعَ، يُسبَّحُ له رجالٌ. فرَفَعا الرجالَ بفِعْلٍ مُضْمَرٍ.\nوالقراءةُ التي هي أَوْلاهما بالصوابِ قراءةُ مَن كسَر الباءَ، وجعَله خبرًا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٠٦ من طريق عبد الله به.\n(^٢) وبها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٤٥٦.\n(^٣) في رواية أبي بكر.","vol":"17","page":319},{"text":"لـ \"الرجالِ\" وفِعلًا لهم. وإنما كان الاختيارُ رفعَ \"الرجالِ\" بمُضْمَرٍ مِن الفعلِ لو كان الخبرُ عن \"البيوتِ\" لا يَتِمُّ إلا بقولِه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾. فأمَّا والخبرُ عنها دونَ ذلك تامٌّ، فلا وجهَ لتوجيهِ قولِه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ إلى غيره؛ إلى غيرِ الخبرِ عن الرجالِ.\nوعَنَى بقولِه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: يُصَلَّى له في هذه البيوتِ بالغَدَوَاتِ والعَشِيَّاتِ رجالٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6384>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ الأَزْدَيُّ، قال: ثنا المُعافَى بنُ عِمرانَ، عن سفيانَ، عن عمَّارٍ الدُّهْنيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كلُّ تسبيحٍ في القرآنِ فهو صلاةٌ (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. يقولُ: يُصَلِّي له فيها بالغَداةِ والعَشِيِّ، يعنى بالغُدُوِّ صلاةَ الغَداةِ، ويعنى بالآصالِ صلاةَ العصرِ، وهما أَوَّلُ ما افْتَرَض اللهُ مِن الصلاةِ، فأَحَبَّ أن يَذْكُرَهما، ويُذَكِّرَ [بهما عبادَه] (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن مردويه - كما في تخريج الكشاف ٣/ ١٨٠ - والضياء في المختارة (٣٣٥) من طريق المعافى به، وأخرجه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٢٣٩ - من طريق عمار به.\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"بها عبادته\"، وفى م: \"بهما عبادته\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٠٦ من طريق عبد الله بن صالح به.","vol":"17","page":320},{"text":"﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ﴾: أذِن اللهُ أن تُبْنَى، [فيُصَلَّى له] (^١) فيها بالغدوِّ والآصالِ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينُ، قال: سَمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: يعنى الصلاةَ المفروضةَ.\n\n<span id=\"aya-2828\"></span>وقولُه: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا يَشْغَلُ هؤلاء الرجالَ الذين يُصَلُّون في هذه المساجدِ التي أذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ، عن ذكرِ اللهِ فيها وإقامِ الصلاةِ - تجارةٌ ولا بيعٌ.\nكما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن سعيدِ بن أبي الحسنِ، عن رجلٍ نَسِيَ اسمَه، في هذه الآيةِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَالْأَبْصَارُ﴾ قال: هم قومٌ في تِجاراتِهم وبُيُوعِهم، لا تُلْهِيهم تجاراتُهم ولا بيوعُهم عن ذكرِ اللهِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن سالمِ بن عبدِ اللهِ، أنه نظَر إلى قومٍ مِن السوقِ قاموا وترَكوا بيَاعاتِهم (^٤) إلى الصلاةِ، فقال: هؤلاء الذين ذكَر اللهُ في كتابِه: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"يصلى له\"، وفى م: \"يصلى\"، وفى تفسير عبد الرزاق: \"ويصلى له\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣١٧.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٠٨ من طريق عوف، عن سعيد بن أبي الحسن قوله.\n(^٤) البِياعَة: السِّلْعَة. والجمع بِيَاعات. تاج العروس (ب ي ع).","vol":"17","page":321},{"text":"اللَّهِ﴾ الآية (^١).\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن سَيَّارٍ، عمَّن حدَّثه، عن ابن مسعودٍ نحوَ ذلك (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن سَيَّارٍ، قال: حُدِّثْتُ عن ابن مسعودٍ أنه رأَى قومًا مِن أهلِ السوقِ حيثُ نُودِيَ بالصلاةِ، تركوا بِياعاتِهم، ونَهَضُوا إلى الصلاةِ، فقال عبدُ اللهِ: هؤلاء مِن الذين ذكَر اللهُ في كتابِه: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.\nوقال بعضُهم: معنى ذلك: لا تُلْهِيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن صلاتِهم المفروضةِ عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-6385>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ثم قال: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. يقولُ: عن الصلاةِ المكتوبةِ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٠٨ من طريق جعفر بن سليمان به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٦١ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٠٧ - عن جعفر، عن سالم، عن ابن عمر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٢ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم من قول ابن عمر.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور ٥/ ٥٢ - ومن طريقه الطبراني (٩٠٧٩)، والبيهقي في الشعب (٢٩١٧)، عن هشيم به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٠٨ من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"17","page":322},{"text":"وقولُه: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾. يقولُ: ولا يَشْغَلُهم ذلك أيضًا عن إقامِ الصلاةِ بحدُودِها في أوقاتِها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6386>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ، قال: ثنا عوفٌ، عن سعيدِ بن أبى الحسنُ، عن رجلٍ نَسِيَ عوفٌ اسمَه، في: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾. قال: يَقُومون للصلاةِ عندَ مَواقيتِ الصلاةِ (^١).\nفإن قال قائلٌ: أوَ ليس قولُه: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ مَصْدَرًا مِن قولِه: أَقَمْتُ؟ قِيلَ: بلى. فإن قال: أو ليس المصدرُ منه: إقامةً. كالمصدرِ مِن: أجَرتُ: إجارةً. قِيلَ: بلى. فإن قال: وكيف قال: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾، أوَ تُجِيزُ أن يقالَ (^٢): أقمتُ إقامًا؟ قيل: لا (^٣)، ولكنِّى أُجِيزُ: أَعْجَبَنى إقامُ الصلاةِ. فإن قِيل: وما وجهُ جَوازِ ذلك؟ قيل: إنّ الحُكْمَ في \"أقمتُ\" إذا جُعِل منه مصدرٌ، أن يقالَ: إقوامًا. كما يُقالُ: أَقْعَدتُ فُلانًا إقعادًا، وأعطيتُه إعطاءً. ولكنَّ العربَ لَمَّا سَكَّنتِ الواوَ مِن \"أقمتُ\"، فَسَقَطَتْ لاجْتماعِها وهى وهى ساكنةٌ والميمَ وهى ساكنةٌ، بَنوُا المصدرَ على ذلك، إذ جاءتِ الواوُ ساكنةٌ قَبْلَ أَلِفِ الإِفْعالِ وهى ساكنةٌ، فسَقَطَتِ الأولى منهما، فأبْدَلوا منها هاءً في آخِرِ الحرفِ؛ كالتَّكْثير للحرفِ، كما\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٣٢١.\n(^٢) في م: \"نقول\".\n(^٣) زيادة يقتضيها السياق.","vol":"17","page":323},{"text":"فَعَلوا ذلك في قولِهم: وَعَدْتُه عِدَةً، ووَزَنْتُه زِنَةٌ. إذ (^١) ذَهَبَتِ الواوُ مِن أَوَّلِه، كَثَّروه من آخرِه بالهاءِ، فلَمَّا أُضِيفَتِ الإقامةُ إلى الصلاةٍ، حذَفوا الزيادةَ التي كانوا زادوها للتكثيرِ، وهى الهاءُ في آخِرِها؛ لأن الخافِضَ وما خَفَض عندَهم كالحرفِ الواحدِ، فاسْتَغْنَوا بالمضافِ إليه مِن الحرفِ الزائدِ. وقد قال بعضُهم في نظيرِ ذلك (^٢):\nإن الخَلِيطَ أجَدُّوا البَيْنَ فَانْجَرَدُوا … وأَخْلَفوك عِدَ (^٣) الأمرِ الذي وَعَدُوا\nيُريدُ: عِدَةَ الأمرِ. فأَسْقَط الهاءَ مِن \"العِدَةِ\" لمَّا أضافَها، فكذلك ذلك في ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾.\nوقولُه: ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾. قيلَ: معنى ذلك: وإخلاصِ الطاعةِ للهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6387>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠، النساء: ٧٧، النور: ٥٦، المزمل: ٢٠]، ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٥٥]. وقولَه: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٣١]. وقولَه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١]. وقولَه: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً﴾ [مريم: ١٣]. ونحوَ هذا في القرآنِ. قال: يعنى بالزكاةِ طاعةَ اللهِ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"إذا\".\n(^٢) اللسان (غ ل ب، وع د، خ ل ط)، ونسبه في الموضع الأول إلى الفضل بن العباس بن عتبة اللِّهْبِي.\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"عدا\"، وفى ت ٢: \"عن\". ورسمها في اللسان (غ ل ب) \"عدا\"، وفى (خ ل ط)، (وع (٥) رسمها \"عدى\"، وذكر في (وع د) قول الفراء: ويكتب بالياء.","vol":"17","page":324},{"text":"والإخلاصَ (^١).\nوقولُه: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. يقولُ: يخافون يومًا تتقَلَّبُ فيه القلوبُ مِن هَوْلِه، بينَ طمعٍ بالنجاةِ، وحَذَرٍ بالهلاكِ، ﴿وَالْأَبْصَارُ﴾: أيَّ ناحيةٍ يُؤْخَذُ بهم؛ أذاتَ اليمينِ أم ذاتَ الشمالِ؟ ومِن أينَ يُؤْتَوْن كُتُبَهم؛ أمِن قِبَلِ الأَيْمانِ أم مِن قِبَلِ الشَّمَائِل؟ وذلك يومُ القيامةِ.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ عَيَّاشٍ: قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ في قولِ اللهِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ إلى قولِه: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾: يومُ القيامةِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2829\"></span>وقولُه: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾. يقولُ: فَعَلوا ذلك، يعنى أنهم لم تُلْهِهِم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكرِ اللهِ، وأقاموا الصلاةَ، وآتَوُا الزكاةَ، وأطاعوا ربَّهم، مَخَافَةَ عذابِه يومَ القيامةِ؛ كى يثُيبَهم اللهُ يومَ القيامةِ بأحسنِ أعمالِهم التي عمِلوها في الدنيا، ويَزيدَهم على ثوابِه إياهم على أحسنِ أعمالِهم التي عمِلوها في الدنيا من فَضْلِه، فيَتَفَضَّلَ (^٣) عليهم مِن عنده بما أحَبَّ مِن كرامتِه لهم.\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ يَتَفَضَّلُ على من شاءَ وأراد؛ مِن طَوْلِه وكرامتِه، مما لم يَسْتَحِقَّه بعملِه، ولم يَبْلُغْه بطاعتِه، ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. يقولُ: بغيرِ مُحَاسَبَةٍ على ما بذَل له وأعْطاه.\n\n<span id=\"aya-2830\"></span><span data-type='title' id=toc-6388>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٠٩ من طريق عبد الله به، وتقدم في ١١/ ٦٥٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٠٩ عن يونس به.\n(^٣) في م: \"فيفضل\".","vol":"17","page":325},{"text":"الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾.\nوهذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ لأعمالِ أهلِ الكفرِ به، فقال: والذين جَحَدوا توحيدَ ربِّهم، وكذَّبوا بهذا القرآنِ وبمَن جاء به، مَثَلُ أعمالِهم التي عمِلوها ﴿كَسَرَابٍ﴾. يقولُ: مِثْلُ سرابٍ.\nوالسرابُ: ما لَصِقَ بالأرضِ، وذلك يكونُ نِصْفَ النهارِ، وحينَ يَشْتَدُّ الحرُّ.\nوالآلُ: ما كان كالماءِ بينَ السماءِ والأرضِ، وذلك يكونُ أَوّلَ النهارِ، يَرْفَعُ كُلَّ شيءٍ ضُحًى.\nوقولُه: ﴿بِقِيعَةٍ﴾. وهى جمع قاعٍ، كالجِيرَةِ جمعُ جارٍ. والقاعُ: ما انْبَسَط من الأرضِ واتَّسع. وفيه يكونُ السرابُ.\nوقولُه: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾. يقولُ: يَظُنُّ العَطْشَانُ مِن الناسِ السرابَ ماءً، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾ والهاءُ من ذكْرِ \"السرابِ\". والمعنى: حتى إذا جاءَ الظمآنُ السرابَ، مُلْتَمِسًا ماءً يَسْتَغِيتُ به مِن عطشِه، ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾. يقولُ: لم يَجِدِ السرابَ شيئًا، فكذلك الكافرون باللهِ؛ مِن أعمالِهم التي عمِلوها، في غُرُورٍ، يَحْسَبون أنها مُنَجِّيَتُهم عندَ اللهِ مِن عذابِه، كما حَسِب الظمآنُ الذي رَأى السرابِ، فظَنَّه ماءً يَرْوِيه مِن ظَمَئِه، حتى إذا هَلَك وصار إلى الحاجةِ إلى عملِه الذي كان يَرَى أنه نافِعُه عندَ اللهِ، لم يَجِدْهُ يَنْفَعُه شيئًا؛ لأنه كان عَمِلَه على كفرٍ باللهِ، ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ﴾ هذا الكافرُ، عندَ هلاكِه بالمِرْصَادِ، ﴿فَوَفَّاهُ﴾ يومَ القيامةِ حسابَ أعمالِه التي عمِلها في الدنيا، وجازاه بها جزاءَه الذي يَسْتَحِقُه عليها منه.","vol":"17","page":326},{"text":"فإن قال قائلٌ: وكيفَ قيلَ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾. فإن لم يَكُنِ السرابُ شيئًا، فعلامَ أُدْخِلَت الهاءُ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾؟\nقيل: إنه شيءٌ يُرَى مِن بعيدٍ كالضَّبابِ الذي يُرَى كَثيفًا مِن بعيدٍ، والهَبَاءِ، فإذا قَرُب منه المرءُ رَقَّ وصار كالهواءِ.\nوقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ معناه: حتى إذا جاء موضعَ السرابِ لم يَجِدِ السرابَ شيئًا. فاكتفى بذكرِ \"السرابِ\" من ذكرِ موضعِه.\n﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. يقولُ: واللهُ سريعٌ حسابُه؛ لأنه تعالى ذكرُه لا يَحتاجُ إلى عَقْدِ أصابعَ، ولا حفظٍ بقلبٍ، ولكنه عالمٌ بذلك كلِّه، قبلَ أن يَعْمَلَه العبدُ، ومن بعدِ ما عمِله.\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6389>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بن كعبٍ، قال: ثم ضرَب مثلًا آخرَ، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾. قال: وكذلك الكافرُ يَجِيءُ يومَ القيامةِ، وهو يَحْسَبُ أن له عند اللهِ خيرًا، فلا يَجِدُ، فيُدْخِلُه النارَ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن أبي العاليةِ، عن أُبيِّ بن كعبٍ بنحوِه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦١٠ من طريق عبيد الله بن موسى به، وتقدم أوله في ص ٢٩٧.","vol":"17","page":327},{"text":"حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾. يقولُ: الأرضِ المستويةِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. قال: هو مَثَلٌ ضرَبه اللهُ لرجلٍ عطِش فاشْتَدَّ عطشُه، فرأى سرابًا، فحسِبه ماءً، فطلَبه وظنَّ أنه قد قدَر عليه، حتى أتاه، فلمَّا أتاه لم يَجِدْه شيئًا، وقُبِض عندَ ذلك. يقولُ: الكافرُ كذلك، يَحْسَبُ أن عملَه مُغْنٍ عنه، أو نافعُه شيئًا، ولا يكونُ آمِنًا (^٢) على شيءٍ حتى يَأتِيَه الموتُ، فإذا أتاه الموتُ لم يَجِدْ عملَه أغْنَى عنه شيئًا، ولم يَنْفَعْه إلا كما نفَع العطشانَ المُشْتَدَّ إلى السرابِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾. قال: بقاعٍ مِن الأرضِ، والسرابُ عمَلُه. زاد الحارثُ في حديثِه عن الحسنِ: والسرابُ عملُ الكافرِ، ﴿إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾، إتيانُه إياه: موتُه وفراقُه الدنيا. ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ﴾ عندَ فراقِه الدنيا، ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾. قال: بِقِيعةٍ مِن الأرضِ، ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾: هو مثلٌ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦١١ من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٢) سقط من: ت ١، وفى م: \"آتيا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦١١، ٢٦١٢ عن محمد بن سعد به.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٩٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦١١، ٢٦١٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٣ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":328},{"text":"ضرَبه اللهُ لعملِ الكافرِ، يقولُ: يَحْسَبُ أنه في شيءٍ، كما يَحْسَبُ هذا السرابَ ماءً، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾. وكذلك الكافرُ إذا مات لم يَجِدْ عملَه شيئًا، ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قولِه: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾. قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ للذين كَفروا، ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾. قد رأى السرابَ، ووثِق بنفسِه أنه ماءٌ، فلما جاءَه لم يَجِدْه شيئًا. قال: وهؤلاء ظنُّوا أن أعمالَهم صالحةٌ، وأنهم سيَرْجِعون منها إلى خيرٍ، فلم يَرْجِعوا منها إلا كما رجَع صاحبُ السرابِ، فهذا مثلٌ ضرَبه اللهُ جلَّ ثناؤُه وتقَدَّستْ أسماؤُه (^٢).\n\n<span id=\"aya-2831\"></span><span data-type='title' id=toc-6390>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾.</span>\nوهذا مَثَلٌ آخرُ ضرَبَه اللهُ لأعمالِ الكفارِ، يقولُ تعالى ذكرُه: ومَثَلُ أعمالِ هؤلاء الكفارِ، في أنها عُمِلَت على خَطَأٍ وفسادٍ، وضلالةٍ وحيرةٍ مِن عُمَّالِها فيها، وعلى غير هُدًى - مثَلُ ظُلماتٍ في بحرٍ لُجِّيٍّ. ونُسِب البحرُ إلى اللُّجَّةِ، وصفًا له بأنه عميقٌ كثيرُ الماءِ، ولُجَّةُ البحرِ مُعْظَمُه، ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾. يقولُ: يَغْشَى البحرَ موجٌ. ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾. يقولُ: مِن فوقِ الموجِ موجٌ آخرُ يَغْشاه، ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾. يقولُ: مِن فوقِ الموجِ الثاني الذي يَغْشَى الموجَ الأَوَّلَ، سَحابٌ. فجعَل\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦١٢ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"17","page":329},{"text":"الظُّلُماتِ مَثَلًا لأعمالِهم، والبحرَ اللُّجِّيَّ مثَلًا لقلبِ الكافِرِ، يقولُ: عَمَلُه (^١) بنِيَّةِ قلبٍ قد غمَره الجهلُ، وتَغَشَّتْه الضلالةُ والحَيْرةُ، كما يَغْشَى هذا البحرَ اللُّجيَّ موجٌ مِن فوقِه موجٌ مِن فوقِه سَحابٌ. فكذلك قلبُ هذا الكافرِ الذي مثَلُ عملِه مثَلُ هذه الظلماتِ، يَغْشاه الجهلُ باللهِ، بأن الله ختَم عليه، فلا يَعْقِلُ عن اللهِ، وعلى سمعِه، فلا يَسْمَعُ مواعظَ اللهِ، وجعَل على بصرِه غِشاوةً، فلا يُبْصِرُ به حُجَجَ اللهِ، فتلك ظلماتٌ بعضُها فوقَ بعضٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6391>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ إلى قولِه: ﴿مِنْ نُورٍ﴾. قال: يعني بالظلماتِ الأعمالَ، وبالبحرِ اللجيِّ قلبَ الإنسانِ. قال: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾. قال: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾: يعنى بذلك الغِشاوةَ التي على القلبِ والسمعِ والبصرِ، وهو كقولِه: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٧]. وكقولِه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ إلى قولِه: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (^٢) [الجاثية: ٢٣].\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾: عميقٍ، وهو مَثَلٌ ضرَبه اللهُ للكافِرِ يَعْمَلُ في\n_________\n(^١) في م: \"عمل\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦١٣، ٢٦١٤ عن محمد بن سعد به.","vol":"17","page":330},{"text":"ضلالةٍ وحَيْرةٍ، قال: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ (^١).\nورُوِى عن أُبيِّ بن كعبٍ ما حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بن موسى، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بن كعبٍ في قولِه: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ الآية. قال: ضرَب مثلًا آخَرَ للكافِرِ، فقال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ الآية. قال: فهو يَتَقَلَّبُ في خمسٍ مِن الظُّلَم، فكلامُه ظُلْمَةٌ، وعملُه ظلمةٌ، ومَدْخَلُه ظلمةٌ، ومَخْرَجُه ظلمةٌ، ومصيرُه إلى الظلماتِ يومَ القيامةِ، إلى النارِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ (^٣)، عن أبي العاليةِ، عن أُبيِّ بنُ كعبٍ بنحوِه.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ إلى قولِه: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾. قال: شرٌّ بعضُه فوقَ بعضٍ. وقولُه: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾. يقولُ: إذا أَخْرَج الناظرُ يدَه في هذه الظلماتِ لم يَكَدْ يَراها (^٤).\nفإن قال (^٥) قائل: وكيف قيلَ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾. مع شدةِ هذه الظُّلْمِةِ (^٦).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦١٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٣ إلى عبد بن حميد، وعند عبد الرزاق وابن أبي حاتم: ظلمة. بدل: ضلالة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦١٤ من طريق عبيد الله بن موسى به، وتقدم أوله في ص ٢٩٧.\n(^٣) سقط من: ت ٢، وفى م، ت ١، ت ٣، ف: \"أبي الربيع\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦١٥ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٥) بعده في م: \"لنا\".\n(^٦) في ت ١: \"الظلمات\".","vol":"17","page":331},{"text":"التي وصَف، وقد علِمْتَ أن قولَ القائلِ: لم أكَدْ أَرَى فلانًا. إنما هو إثباتٌ منه لنفسِه رؤيتَه بعدَ جَهْدٍ وشدةٍ، ومِن دونِ الظلماتِ التي وُصِفَت (^١) في هذه الآيةِ ما لا يَرَى الناظرُ يدَه إذا أخْرَجها فيه، فكيف فيها؟\nقيل: في ذلك أقوالٌ، نَذْكُرُها ثم نُخْبِرُ بالصوابِ مِن ذلك؛ أحدُها: أن يكونَ معنى الكلامِ: إذا أخْرَج يدَه رائيًا لها، لم يَكَدْ أن (^٢) يراها. أي: لم يَعْرِفْ مِن أينَ يراها، فيكونُ مِن المُقَدَّمِ الذي معناه التأخيرُ، ويكونُ تأويلُ الكلامِ على ذلك: إذا أخْرَج يدَه لم يَقْرُبْ أن يرَاها.\nوالثاني: أن يكونَ معناه: إذا أَخْرَج يدَه لم يَرَها. ويكون قولُه: ﴿لَمْ يَكَدْ﴾. في دخولِه في الكلامِ، نظيرَ دخولِ الظَّنِّ فيما هو يقينٌ من الكلامِ، كقولِه: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨]. ونحوَ ذلك.\nوالثالثُ: أن يكونَ قد رآها بعدَ بُطءٍ وجَهْدٍ، كما يقولُ القائلُ لآخرَ: ما كِدْتُ أراك مِن الظلمةِ. وقد رآه، ولكنْ بعدَ إياسٍ وشدةٍ.\nوهذا القولُ الثالثُ أظهرُ معاني الكلمةِ من جهةِ ما تَسْتَعْمِلُ العربُ \"أَكادُ\" في كلامِها. والقولُ الآخرُ الذي قلنا أنه يَتَوَجَّهُ إلى أنه بمعنى: لم يَرَها. قول أَوْضَحُ مِن جهةِ التفسيرِ، وهو أَخْفَى مَعانِيهِ.\nوإنما حسُنَ ذلك في هذا الموضعِ - أعنى: أن يقولَ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾. مع شدةِ الظلمةِ التي ذكَر - لأن ذلك مَثَلٌ، لا خبرٌ عن كائنٍ كان.\n﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾. يقولُ: مَن لم يَرْزُقُهُ اللهُ إِيمانًا وهُدًى مِن الضلالةِ\n_________\n(^١) في م: \"وصف\".\n(^٢) سقط من: م.","vol":"17","page":332},{"text":"ومعرفةً بكتابِه، ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾. يقولُ: فما له من إيمانٍ وهدًى ومعرفةٍ بكتابِه.\n\n<span id=\"aya-2832\"></span><span data-type='title' id=toc-6393>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ألم تنظُرْ يا محمدُ بعينِ قلبِك، فتَعْلَمَ أن الله يُصَلَّى له مَن في السماواتِ والأرضِ؛ مِن مَلَكٍ وإنسٍ وجِنٍّ، ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ في الهواءِ أيضًا تُسَبِّحُ له، ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾.\n[فإن قال قائل: وكيف قيل: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾] (^١) والتسبيحُ عندَك صلاةٌ؟ فيقالُ: قيل: إن الصلاةَ لبنى آدمَ، والتَّسْبيحَ لغيرِهم مِن الخلقِ، ولذلك فَصَل فيما بينَ ذلك.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6392>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثني عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾. قال: والصلاةُ للإنسانِ، والتَّسْبيحُ لِما سوى ذلك مِن الخلقِ (^٢).\n_________\n(^١) سقط من النسخ، والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٩٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦١٦، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٢٢٨) من طريق شبل، عن ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٣ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":333},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾. قال: ﴿صَلَاتَهُ﴾ للناسِ، و﴿وَتَسْبِيحَهُ﴾ عامةً لكلِّ شيءٍ.\nويَتَوَجَّهُ قولُه: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ لوُجُوهٍ؛ أحدُها: أن تكونَ الهاءُ التي في قولِه: ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ مِن ذكر ﴿كُلٌّ﴾، فيكونَ تأويلُ الكلامِ: كلُّ مُصَلٍّ ومُسَبِّحٍ منهم، قد عَلِمَ اللهُ صلاته وتَسْبيحَه. ويكونَ \"الكلُّ\" حينَئذٍ مرتفعًا بالعائدِ من ذكرِه في قولِه: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾. وهو الهاءُ التي في \"الصلاةِ\".\nوالوجهُ الآخرُ: أن تكونَ الهاءُ في \"الصلاةِ\" و\"التسبيحِ\" أيضًا لـ \"الكلِّ\"، ويكونَ \"الكلُّ\" مُرْتَفِعًا بالعائدِ من ذكرِه عليه في ﴿عَلِمَ﴾، ويكونَ ﴿عَلِمَ﴾ فعلًا لـ \"الكلِّ\". فيكونَ تأويلُ الكلامِ حينَئذٍ: قد عَلِم كلُّ مُصَلٍّ ومُسَبِّحٍ منهم صلاةَ نفسِه وتَسْبيحَه الذي كُلِّفَه وأَلْزَمَه.\nوالوجهُ الآخِرُ: أن تكونَ الهاءُ في \"الصلاةِ\" و\"التَّسْبِيحِ\" مِن ذكرِ اللهِ، والعِلْمُ لـ \"الكلِّ\". فيكونَ تأويلُ الكلامِ حينَئذٍ: قد عَلِم كلُّ مُسَبِّحٍ ومُصَلٍّ صلاةَ اللهِ التي (^١) كَلَّفَه إياها وتسبيحَه.\nوأظهرُ هذه المعانى الثلاثةِ على هذا الكلامِ، المعنى الأولُ، وهو أن يكونَ المعنى: كلُّ مُصَلٍّ منهم ومُسَبِّحٍ قد عَلِمَ اللهُ صلاتَه وتَسْبيحَه.\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ ذو علمٍ بما يفعَلُ كلُّ مُصَلٍّ ومُسَبِّحٍ منهم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن أفعالِهم؛ طاعتِها\n_________\n(^١) في ص، ت،١، ت ٢، ت ٣، ف: \"الذي\".","vol":"17","page":334},{"text":"ومَعْصِيتِها، مُحِيطٌ بذلك كلِّه، وهو مُجازِيهم على ذلك كلِّه.\n\n<span id=\"aya-2833\"></span>وقولُه: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وللهِ سلطانُ السماواتِ والأرضِ ومُلْكُها، دونَ كلِّ مَن هو دونَه من سلطانٍ ومَلِكٍ، فإياه فارْهَبُوا أيُّها الناسُ، وإليه فارْغَبوا، لا إلى غيرِه، فإن بيدِه خزائنَ السماواتِ والأرضِ، لا يَخْشَى بعَطاياكم منها فقرًا، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وأنتم إليه بعدَ وفاتِكم، مَصِيرُكم ومَعادُكم، فمُوَفِّيكُم (^١) أجورَ أعمالِكم التي عَمِلتُموها في الدنيا، فأحْسِنوا عبادتَه، واجْتَهِدوا في طاعتِه، وقَدِّموا لأنفسِكم الصالحاتِ مِن الأعمالِ.\n\n<span id=\"aya-2834\"></span><span data-type='title' id=toc-6394>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمدُ، ﴿أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي﴾. يعني: يَسُوقُ ﴿سَحَابًا﴾ حيث يريدُ، ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾. يقولُ: ثم يؤلِّفُ بينَ السحابِ.\nوأضافَ \"بينَ\" إلى السحابِ، ولم يَذْكُرْ معه غيرَه، و\"بينَ\" لا تكونُ مضافةً إلا إلى جماعةٍ أو اثنين؛ لأن السحابَ في معنى جمعٍ، واحِدُه سحابةٌ، كما تُجمَعُ النخلةُ: نَخْلٌ. والتمرةُ: تمرٌ. فهو نظيرُ قولِ قائلٍ: جَلَس فلانٌ بينَ النخلِ.\nوتأليفُ اللهِ السحابَ جمعُه بينَ مُتَفَرِّقِها.\nوقولُه: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾. يقولُ: ثم يجعلُ السحابَ الذي يُزْجِيهِ، ويُؤلِّفُ بعضَه إلى بعضٍ - ﴿رُكَامًا﴾. يعنى: مُتَراكِمًا بعضُه على بعضٍ.\n_________\n(^١) في م: \"فيوفيكم\".","vol":"17","page":335},{"text":"وقد حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا خالدٌ، قال: ثنا فِطْرٌ (^١)، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن عُبَيدِ بن عميرٍ الليثيِّ، قال: الرياحُ أربعٌ، يبعثُ اللَّهُ الريحَ الأولى، فتَقُمُّ الأرضَ قَمًّا، ثم يبعثُ الثانيةَ، فتُنْشِئُ (^٢) سحابًا، ثم يبعثُ الثالثةَ، فتُؤلِّفُ بينَه، فتجعلُه رُكامًا، ثم يبعثُ الرابعةَ فتُمْطِرُه (^٣).\nوقولُه: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾. يقولُ: فتَرى المطرَ يخرُجُ مِن بين السحابِ، وهو الوَدْقُ، قال الشاعرُ (^٤):\nفلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها … ولا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقالَها\nوالهاءُ في قولِه: ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾ مِن ذِكْرِ السحابِ. والخِلالُ: جمعُ خَلَلٍ.\nوذُكِر عن ابن عباسٍ وجماعةٍ أنهم كانوا يقرءُون ذلك: (مِنْ خَلَلِه).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا حَرَمِيُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا قتادةُ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ أنه قَرأ هذا الحرفَ: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾: (مِنْ خَلَلِهِ) (^٥).\nقال: ثنا شعبةُ، قال: أخبرَنى عُمارةُ (^٦)، عن رجلٍ، عن ابن\n_________\n(^١) في م: \"مطر\". وتقدم في ٣/ ٤٦١، وينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٣١٢.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فتنشئه\".\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٨٣٠) من طريق فطر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦١٧ من طريق حبيب به.\n(^٤) تقدم تخريجه في ١/ ٤٥٩.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٧٨، وأبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٤٦٤.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"عمار\". وهو عمارة بن أبي حفصة، سيورد المصنف روايته في الأثر القادم. وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٢٣٨.","vol":"17","page":336},{"text":"عباسٍ أنه قَرأ هذا الحرفَ: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾: (مِن خَلَلِه) (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: أخبَرني عُمارةُ بنُ أبي حفصةَ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ أنه قَرأها: (مِن خَلَلِه) بفتحِ الخاءِ مِن غيرِ ألفٍ.\nقال هارونُ: فذكرتُ ذلك لأبي عمرٍو، فقال: إنها لحسنةٌ، ولكنَّ ﴿خِلَالِهِ﴾ أعَمُّ.\nوأما قرأةُ الأمصارِ فإنهم على القراءةِ الأُخرى: ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾. وهى التي نختارُ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ عليها.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾. قال: الوَدْقُ القَطْرُ، والخِلالُ السحابُ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾. قيل: في ذلك قولان؛ أحدُهما، أن معناه: وأن الله يُنَزِّلُ مِن السماءِ مِن جبالٍ في السماءِ مِن بَرَدٍ، مخلوقةٍ هنالك خِلْقةً. كأن الجبالَ على هذا القولِ، هي مِن بَرَدٍ، كما يقالُ: جبالٌ مِن طينٍ.\nوالقولُ الآخرُ: أَن اللَّهَ يُنزِّلُ مِن السماءِ قَدْرَ جبالٍ وأمثالَ جبالٍ مِن بَرَدٍ إلى الأرضِ. كما يقالُ: عندى بَيْتان تِبْنًا. والمعنى: قَدْرُ بيتَين من التبنِ. والبيتان ليسا مِن التُّبْنِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٤ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦١٨ من طريق أصبغ، عن ابن زيد، بلفظ: الخلال السحاب.","vol":"17","page":337},{"text":"وقولُه: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾. يقولُ: فيُعذِّبُ بذلك الذي يُنَزِّلُ مِن السماءِ مِن جبالٍ فيها مِن بَرَدٍ - مَن يَشَاءُ فَيُهْلِكُه، أو يُهْلِكُ بِهِ زُرُوعَه ومالَه، ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ مِن خلقِه. يعنى: عن زُرُوعِهم وأموالِهم.\nوقولُه: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾. يقولُ: يكادُ شدةُ ضوءِ بَرْقِ هذا السحابِ يَذْهَبُ بأَبصارِ مَن لاقَى بصرَه. و\"السَّنَا\"، مقصورٌ، وهو ضوءُ البرقِ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾. قال: ضَوْءُ بَرْقِه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾. يقولُ: لَمَعانُ البرقِ يَذهبُ بالأبصارِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾. قال: سَنَاه ضَوءُه (^٣)، يذهبُ بالأبصارِ.\nوقرأت قرأةُ الأمصارِ: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ﴾ بفتحِ الياءِ مِن ﴿يَذْهَبُ﴾ سوى أبي جعفرٍ القارئَ، فإنه قرأَه بضمِّ الياءِ: (يُذْهِبُ بالأَبصارِ) (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦١٩ من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٤ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق، ٢/ ٦١،٦٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في م: \"ضوء\".\n(^٤) النشر ٢/ ٢٤٩.","vol":"17","page":338},{"text":"والقراءةُ التي لا أختارُ غيرَها هي فتحُها؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ عليها، وأن العربَ إذا أدخَلَت الباءَ في مفعولِ \"ذَهَبتُ\" لم يقولوا إلا: ذَهَبتُ به. دونَ: أَذهَبْتُ به. وإذا أدخَلوا الألفَ في \"أذهبتُ\" لم يَكادوا أن يُدْخِلوا الباءَ في مفعولِه، فيقولون: أَذْهَبْتُه، وذَهَبتُ به.\n\n<span id=\"aya-2835\"></span>وقولُه: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾. يقولُ: يُعَقَّبُ اللهُ بينَ الليلِ والنهارِ ويُصَرِّفُهما، إذا أذهَب هذا جاء بهذا (^١)، [وإذا أذهَب هذا جاء بهذا] (^٢)، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. يقولُ: إن في إنشاءِ اللهِ السحابَ، وإنزالهِ منه الوَدْقَ، ومِن السماءِ البَرَدَ، وفى تَقْلِيبِه الليلَ والنهارَ - لَعبرةً لمن اعْتَبَرَ به، وعِظَةً لمن اتَّعظَ به، مِمَّن له فَهْمٌ وعقلٌ؛ لأن ذلك يُنْبِيُّ ويدُلُّ على أن له مُدَبِّرًا ومُصَرِّفًا ومُقَلِّبًا لا يُشْبِهُه شيءٌ.\n\n<span id=\"aya-2836\"></span><span data-type='title' id=toc-6395>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥)﴾.</span>\nاختَلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾؛ فَقَرَأَتُه عامةُ قرأةِ الكوفةِ غيرَ عاصمٍ: (واللهُ خالِقُ كُلِّ دابَّةٍ) (^٣). وقرأَتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وعاصمٌ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ بِنَصْبِ ﴿كُلَّ﴾، و﴿خَلَقَ﴾ (^٤) على مثالِ \"فَعَل\". وهما قراءتان مشهورتان مُتقارِبتا المعنى، وذلك أن الإضافةَ في قراءةِ مَن قَرأ\n_________\n(^١) في م: \"هذا\".\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) وهي قراءة حمزة والكسائي. حجة القراءات ص ٥٠٢.\n(^٤) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبي عمرو. ينظر المصدر السابق.","vol":"17","page":339},{"text":"ذلك: (خالقُ) تدلُّ على أن معنى ذلك المُضِيُّ، فبأيَّتِهما قَرأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقولُه: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾. يعني: مِن نُطْفَةٍ، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحَيَّاتِ وما أشْبَهَها. وقيل: إنما قيل: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾. والمَشْيُ لا يكونُ على البطنِ؛ لأن المَشْىَ إنما يكونُ لِمَا له قَوَائمُ، على التشبيهِ، وأنه لَمَّا خالَط ما له قوائمُ ما لا قوائمَ له، جاز، كما قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾. كالطيرِ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾. كالبهائمِ.\nفإن قال قائلٌ: فكيفَ قيل: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي﴾ و\"مَن\" للناسِ، وكلُّ هذه الأجناسِ أو أكثرُها لغيرِهم؟\nقيل: لأنه تَفْرِيقُ ما هو داخلٌ في قولِه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾. وكان داخِلًا في ذلك الناسُ وغيرُهم، ثم قال: ﴿فَمِنْهُمْ﴾؛ لاجْتماعِ الناسِ والبهائمِ وغيرِهم في ذلك واخْتلاطِهم، فكَنَى عن جميعِهم كِنايَتَه عن بني آدمَ، ثم فَسَّرهم بـ \"مَن\"، إذ كان قد كَنَى عنهم كنايةَ بني آدمَ خاصَّةً.\n﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. يقولُ: يُحْدِثُ اللَّهُ ما يشاءُ مِن الخَلْقِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ: إِن اللَّهَ على إحْداثِ ذلك وخَلْقِه، وخَلْقِ ما يشاءُ مِن الأشياءِ غيرَه، ذو قُدْرةٍ، لا يَتَعذَّرُ عليه شيءٌ أرادَه (^١).\n\n<span id=\"aya-2837\"></span><span data-type='title' id=toc-6396>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لقد أنزَلْنا أَيُّها الناسُ علاماتٍ واضحاتٍ، دالَّاتٍ على طريقِ الحقِّ وسبيلِ الرشادِ، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) في م: \"أراد\".","vol":"17","page":340},{"text":"واللَّهُ يُرشِدُ مَن يشاءُ مِن خلقِه بتوفيقِه، فيَهْدِيه إلى دينِ الإسلامِ، وهو الصراطُ المستقيمُ، والطريقُ القاصِدُ الذي لا اعْوجاجَ فيه.\n\n<span id=\"aya-2838\"></span><span data-type='title' id=toc-6397>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويقولُ المنافقون: صَدَّقْنا باللَّهِ وبالرسولِ، وأطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرسولَ، ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: ثم تُدْبِرُ كلُّ طائفةٍ منهم مِن بعدِ ما قالوا هذا القولَ عن رسولِ اللهِ ﷺ، وتَدْعو إلى المحاكمةِ إلى غيرهِ خصمَها، ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وليس قائِلو هذه المقالةِ - يعنى قولَه: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ - بالمؤمنين؛ لتَرْكِهم الاحْتكامَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، وإعْراضِهم عنه إذا دُعُوا إليه.\n\n<span id=\"aya-2839\"></span>وقولُه: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. يقولُ: وإذا دُعِى هؤلاء المنافقون إلى كتابِ اللهِ وإلى رسولِه، ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ فيما اخْتَصَموا فيه بحُكْمِ اللهِ، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن قَبولِ الحقِّ، والرضا بحُكْمِ رسولِ اللهِ ﷺ.\n\n<span id=\"aya-2840\"></span><span data-type='title' id=toc-6398>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإن يَكُنِ الحقُّ لهؤلاء الذين يُدْعَون إلى اللهِ ورسولِه ليحكمَ بينَهم، فيَأْبَون ويُعْرِضون عن الإجابةِ إلى ذلك، قِبَلَ الذين يَدْعُونهم إلى اللَّهِ ورسولِه - يأتُوا إلى رسولِ اللَّهِ مُذْعِنِين، يقولُ: ﴿مُذْعِنِينَ﴾: مُنْقادِين لحُكْمِه،","vol":"17","page":341},{"text":"مُقِرِّين به، طائِعين غيرَ مُكْرَهِين. يقالُ منه: قد أذعَن فلانٌ بحقِّه. إذا أَقَرَّ به طائعًا غيرَ مُسْتَكْرَه، وانقادَ له وسَلَّمَ.\nوكان مجاهدٌ فيما ذُكر عنه يقولُ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾. قال: سِراعًا (^١).\n\n<span id=\"aya-2841\"></span>وقولُه: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفي قلوبِ هؤلاء الذين يُعْرِضون إذا دُعُوا إلى اللهِ وإلى (^٢) رسولِه ليحكمَ بينَهم - شكٌّ في رسولِ اللهِ ﷺ أنه للَّهِ رسولٌ، فهم يَمْتَنِعُون مِن الإجابةِ إلى حكمِه والرضا به، ﴿أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ إذا احْتَكَموا إلى حكمِ كتابِ اللهِ، وحكمِ رسولِه. وقال: ﴿أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾. والمعنى: أن يَحِيفَ رسولُ اللَّهِ عليهم. فبدَأ باللَّهِ تعالى ذكرُه؛ تَعْظيمًا للهِ، كما يقالُ: ما شاءَ اللهُ ثم شئتَ. بمعنى: ما شئتَ. ومما يدلُّ على أن معنى ذلك كذلك قولُه: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾. فأفرَد الرسولَ بالحكمِ، ولم يَقُلْ: ليَحْكُما.\nوقولُه: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. يقولُ: ما حافَ (^٣) هؤلاء المُعْرِضون عن حكمِ اللهِ وحكمِ رسولِه، إذ أعْرَضوا عن الإجابةِ إلى ذلك، مما دُعُوا إليه، أن يَحِيفَ عليهم رسولُ اللهِ، فيجورَ في حكمِه عليهم، ولكنهم قومٌ أهلُ ظلمٍ لأنفسِهم، بخلافِهم أمرَ ربِّهم، ومعصيتِهم الله فيما أمَرهم مِن الرضا بحكمِ رسولِ اللهِ ﷺ، فيما أحَبُّوا وكَرِهوا، والتسليمِ له.\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٢/ ٢٩٣.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"خاف\".","vol":"17","page":342},{"text":"<span id=\"aya-2842\"></span><span data-type='title' id=toc-6399>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إنما كان ينبغى أن يكونَ قولَ المؤمنين إذا دُعُوا إلى حكمِ اللَّهِ وإلى حكمِ رسولِه، ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ وبينَ خصومِهم - ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا﴾ ما قيلَ لنا، ﴿وَأَطَعْنَا﴾ مَن دَعانا إلى ذلك.\nولم يُعْنَ بـ ﴿كَانَ﴾ في هذا الموضعِ الخبرُ عن أمرٍ قد مَضَى فتقضَّى (^١)، ولكنه تأنيبٌ مِن اللهِ الذين أُنزلت هذه الآيةُ بسببِهم، وتأديبٌ منه آخرين غيرَهم.\nوقولُه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين إذا دُعُوا إلى اللهِ ورسولِه ليحكمَ بينَهم وبينَ خُصُومِهم، يقولون (^٢): سَمِعْنا وأطَعْنا. ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: هم المُنْجِحون المُدْرِكون طَلِباتِهم بفعلِهم ذلك، المُخلَّدون في جنانِ اللَّهِ.\n\n<span id=\"aya-2843\"></span><span data-type='title' id=toc-6400>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورسولَه فيما [أمَراه ونَهَياه] (^٣)، ويُسَلِّمْ لحكمِهما له وعليه، ويَخَفْ عاقبةَ معصيةِ اللهِ ويَحْذَرُه، ويَتَّقِ عذابَ اللهِ بطاعتِه إياه في أمرِه ونَهْيِه، ﴿فَأُولَئِكَ﴾. يقولُ: فالذين يفعلون ذلك ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ برضا اللهِ عنهم يومَ القيامةِ، وأمنِهم مِن عذابِه.\n_________\n(^١) في م: \"فيقضى\".\n(^٢) في م: \"أن يقولوا\".\n(^٣) في م: \"أمره ونهاه\".","vol":"17","page":343},{"text":"<span id=\"aya-2844\"></span><span data-type='title' id=toc-6401>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وحَلَف هؤلاء المُعْرِضون عن حُكْمِ اللَّهِ وحُكْمِ رسولِه إذ دُعُوا إليه، ﴿بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾. يقولُ: أغلظَ أيمانِهم وأشدَّها. ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ﴾ يا محمدُ بالخروجِ إلى جهادِ عدوِّك وعدوِّ المؤمنين، ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾، ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾: لا تَحْلِفوا؛ فإن هذه ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ منكم فيها التكذيبُ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾. قال: قد عرَفتُ طاعتَكم، أي (^١) إنكم تَكذِبون (^٢).\n﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إن الله ذو خبرةٍ بما تَعْمَلُون مِن طاعتِكم الله ورسولَه، أو خلافِكم أمرَهما، أو غيرِ ذلك مِن أمورِكم، لا يَخْفَى عليه مِن ذلك شيءٌ، وهو مُجازِيكم بكلِّ ذلك.\n\n<span id=\"aya-2845\"></span><span data-type='title' id=toc-6402>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء المُقْسِمِين بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهم لئن أمرتَهم ليَخْرُجُنَّ، وغيرِهم مِن أمَّتِك: ﴿أَطِيعُوا الله﴾ أيُّها القومُ، فيما أمَرَكم به ونَهاكم عنه، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؛ فإن طاعتَه للهِ طاعةٌ، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾. يقولُ: فإن تُعْرِضوا وتُدْبِروا عما أمَرَكم به رسولُ اللهِ ﷺ، أو نَهاكم عنه، وتَأْبَوا أن\n_________\n(^١) في النسخ: \"إلى\". والمثبت من الدر المنثور.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٤ إلى ابن المنذر.","vol":"17","page":344},{"text":"تُذْعِنوا لحكمِه لكم وعليكم، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾. يقولُ: فإنما عليه فعلُ ما أُمِرَ بفعلِه مِن تَبْليغِ رسالةِ اللهِ إليكم، على ما كَلَّفَه مِن التبليغِ، ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾. يقولُ: وعليكم أيُّها الناسُ أن تَفْعَلُوا مَا أَلزَمَكم وأوجَب عليكم مِن اتِّبَاعِ رسولِه ﷺ، والانتهاءِ إلى طاعتهِ فيما أمَرَكم ونَهاكم.\nوقُلنا: إن قولَه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾. بمعنى: فإن تَتَولَّوا، فإنه في موضعِ جزمٍ؛ لأنه خطابٌ للذين أُمِرَ رسولُ اللهِ ﷺ بأن يقولَ لهم: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. يدلُّ على أن ذلك كذلك قولُه: ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾. ولو كان قولُه: ﴿تَوَلَّوْا﴾. فعلًا ماضيًا، على وَجْهِ الخبرِ عن غَيبٍ، لكان في موضعِ قولِه: ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ وعليهم ما حُمِّلُوا.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن تُطِيعوا أيُّها الناسُ رسولَ اللهِ فيما يأمُرُكم ويَنْهاكم، تَرْشُدُوا وتُصِيبوا الحقَّ في أُمُورِكم. ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ: وغيرُ واجبٍ على مَن أرسَله اللهُ إلى قومٍ برسالةٍ إلا أن يُبَلِّغَهم رسالتَه بلاغًا، يُبيُن لهم ذلك البلاغُ عما أرادَ اللهُ به. يقولُ: فليس على محمدٍ أيُّها الناسُ إلا أداءُ رسالةِ اللهِ إليكم، وعليكم الطاعةُ، وإن أطَعْتُموه، لَحُظُوظَ أنفسِكم تُصِيبون، وإن عَصيتُموه، فأنفُسَكم (^١) تُوبِقون (^٢).\n\n<span id=\"aya-2846\"></span><span data-type='title' id=toc-6403>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) في النسخ: \"بأنفسكم\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٣، ف: \"فتوبقون\".","vol":"17","page":345},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللهِ ورسولهِ ﴿مِنْكُمْ﴾ أيُّها الناسُ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: وأطاعوا اللَّهَ ورسولَه فيما أمَراه ونَهَياه - ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: لَيُورِثنَّهم اللهُ أرضَ المشركين مِن العربِ والعَجَمِ، فيجعلُهم مُلُوكَها وساستَها، ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يقولُ: كما فعَل مِن قَبْلِهم ذلك ببنى إسرائيلَ، إذ أهْلَك الجبابرةَ بالشامِ، وجعَلهم مُلُوكَها وسُكَّانَها، ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾. يقولُ: وَلَيُوَطِّئَنَّ لهم دينَهم، يعنى مِلَّتَهم التي ارْتَضاها لهم، فأمَرهم بها.\nوقيل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ثم تَلَقَّى ذلك بجوابِ اليمينِ بقولِه: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾؛ لأن الوعدَ قولٌ يَصْلُحُ فيه \"أن\" وجوابُ اليمينِ، كقولِه: وَعَدْتُك أن أُكْرِمَك، ووعدتُك لأُكْرِمَنَّك.\nواختَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ﴾. فقرأَته عامةُ القرأةِ: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ﴾. بفتحِ التاءِ واللامِ (^١)، بمعنى: كما اسْتَخْلَفَ الله الذين مِن قبلِهم مِن الأممِ. وقَرأ ذلك عاصمُ (^٢): (كَما اسْتُخْلِفَ) بضمِّ التاءِ، وكسرِ اللامِ، على مذهبِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه.\nواختَلفوا أيضًا في قراءةِ قولِه: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾. فقَرأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى عاصمٍ: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ (^٣). بتَشْديدِ الدالِ، بمعنى: وليُغَيِّرَنَّ حالَهم عما هي عليه من الخوفِ إلى الأمنِ. والعربُ تقولُ: قد بُدَّلَ فلانٌ. إذا غُيِّرَت حالُه ولم يأتِ\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وحمزة والكسائي وابن عامر وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٤٥٨.\n(^٢) في رواية أبي بكر. المصدر السابق.\n(^٣) وبها قرأ حمزة والكسائي وابن عامر ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم. المصدر السابق ص ٤٥٨، ٤٥٩.","vol":"17","page":346},{"text":"مكانَ فلانٍ غيرُه. وكذلك كلُّ مغيَّرٍ عن حالِه، فهو عندَهم مُبَدَّلٌ، بالتَّشْدِيدِ، وربما قيل بالتَّخْفيفِ، وليس بالفصيحِ. فأما إذا جعَل مكانَ الشيءِ المُبَدَّلِ غيرَه، فذلك بالتخفيفِ: أبْدَلتُه فهو مُبْدَلٌ. وذلك كقولِهم: أُبْدِل هذا الثوبُ. أي: جُعِل مكانَه آخَرُ غيرُه، وقد يقالُ بالتشديدِ، غيرَ أن الفصيحَ مِن الكلامِ ما وصَفتُ. وكان عاصمٌ (^١) يقرؤُه: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بتَخْفِيفِ الدالِ.\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك التشديدُ، على المعنى الذي وصفتُ قبلُ؛ لإجماعِ الحجَّةِ مِن قرأةِ الأمصارِ عليه، وأن ذلك تَغْيِيرُ حالِ الخوفِ إلى الأمنِ، وأَرَى أَنَّ عاصمًا ذهَب إلى أن الأمنَ لمَّا كان خلافَ الخوفِ، وَجَّه المعنى إلى أنه ذهَب بحالِ الخوفِ، وجاء بحالِ الأمنِ، فخَفَّف ذلك.\nومِن الدليلِ على ما قُلنا، مِن أن التَّخْفيفَ إنما هو ما كان في إبْدالِ شيءٍ مكانَ آخَرَ - قولُ أَبي النَّجْمِ (^٢):\nعَزْلَ الأميرِ للأميرِ المُبْدَلِ\nوقولُه: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾. يقولُ: يَخْضَعون لى بالطاعةِ، ويَتَذَلُّلون لأمْرِى ونَهْيِى، ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. يقولُ: لا يُشْرِكون في عبادتِهم إياى الأوثانَ والأصنامَ، ولا شيئًا غيرَها (^٣)، بل يُخْلِصون لى العبادةَ، فيُفْرِدونها لى، دونَ كلِّ ما عُبِد مِن شيءٍ غيرى.\nوذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ مِن أجلِ شِكايةِ بعضِ أصحابهِ إليه، في بعضِ الأوقاتِ التي كانوا فيها مِن العدوِّ في خوفٍ شديدٍ، مما هم فيه من\n_________\n(^١) في رواية أبي بكر، وبها قرأ ابن كثير. السبعة لابن مجاهد ص ٤٥٩.\n(^٢) ديوانه ص ٢٠٤.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"غيره\".","vol":"17","page":347},{"text":"الرُّعْبِ والخوفِ، وما يَلْقَون بسببِ ذلك مِن الأذَى والمَكْروهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6404>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ قولَه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية. قال: مَكَث النبيُّ ﷺ عَشْرَ سنينَ خائفًا، يَدْعُو إِلى اللَّهِ سِرًّا وعلانيةً. قال: ثم أُمِر بالهجرةِ إلى المدينةِ. قال: فمكَث بها هو وأصحابُه خائفين (^١)، يُصْبِحون في السلاحِ ويُمْشون فيه، فقال رجلٌ: ما يأتى علينا يومٌ نأمَنُ فيه ونَضَعُ عَنَّا السلاحَ؟ فقال النبيُّ ﷺ: \"لا تَغْبُرُونَ (^٢) إِلا يَسِيرًا حتى يَجْلِسَ الرجلُ منكم في الملأ العظيمِ مُحْتَبِيًا فيه، ليس فيه حَدِيدةٌ\". فأنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. قال: يقولُ: مَن كَفَر بهذه النعمةِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وليس يعنى الكفرَ باللهِ. قال: فأظهَره اللهُ على جزيرةِ العربِ، فآمَنوا، ثم تَجَبَّروا، فَغَيَّرَ اللهُ ما بهم، وكَفَروا بهذه النعمةِ، فأدخَل اللهُ عليهم الخوفَ الذي كان رَفَعه عنهم. قال القاسمُ: قال أبو عليٍّ: بِقَتْلِهِم عثمانَ بنَ عفانَ ﵁ (^٣).\nواختَلف أهلُ التأويلِ في معنى الكفرِ الذي ذكَره اللهُ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ فقال أبو العاليةِ ما ذكَرنا عنه مِن أنه كفرٌ بالنعمةِ لا كفرٌ باللهِ.\nورُوِى عن حُذَيفةَ في ذلك ما حدَّثنا به ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ،\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٣، ف: \"خائفون\".\n(^٢) في ص، ف: \"تعترون\"، وفى ت ٢: \"يفطرون\". وتغبرون: تبقون، والغابر هو الباقي. اللسان (غ ب ر).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٢٩، ٢٦٣٠ من طريق أبي جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٥ إلى عبد بن حميد، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٠١، والبيهقي في الدلائل ٣/ ٦، ٧ من طريق الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب.","vol":"17","page":348},{"text":"قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، عن (^١) أبي الشَّعْثاءِ، قال: كنتُ جالسًا مع حُذَيفةَ وعبدِ اللهِ بن مسعودٍ، فقال حُذَيفةُ: ذهَب النِّفاقُ، وإنما كان النفاقُ على عهدِ رسول اللهِ ﷺ، وإنما هو الكفرُ بعدَ الإيمانِ. قال: فضَحِك عبدُ اللهِ، فقال: لِمَ تقولُ ذلك؟ قال: علِمتُ ذلك. قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. حتى بَلَغ آخِرَها (^٢).\nحدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ، قال: ثنا شعبةُ، [عن أبي إسحاق] (^٣)، عن أبي الشَّعْثاءِ، قال: فَعَدْتُ إلى ابن مسعودٍ وحُذَيفةَ، فقال حذيفةُ: ذهَب النِّفاقُ فلا نفاقَ، وإنما هو الكفرُ بعدَ الإيمانِ. فقال عبدُ اللَّهِ: تعلمُ ما تقولُ؟ قال: فتَلا هذه الآيةَ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. حتى بلغ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال: فضَحِك عبدُ اللهِ. قال: فلَقِيتُ أبا الشَّعْثاءِ بعدَ ذلك بأيامٍ، فقلتُ: مِن أيِّ شيءٍ ضَحِك عبدُ اللهِ؟ قال: لا أدرى، إن الرجلَ ربما ضَحِك مِن الشيءِ الذي يُعْجِبُه، وربما ضَحِك من الشيءِ الذي لا يُعْجِبُه، فمِنْ أَيِّ شيءٍ ضحِك لا أدرى.\nوالذي قاله أبو العاليةِ مِن التأويلِ أشبهُ بتأويلِ الآيةِ، وذلك أن الله وعَد الإنعامَ على هذه الأُمَّةِ (^٤) بما أخبرَ في هذه الآيةِ أنه مُنْعِمٌ به عليهم، ثم قال عَقِيبَ ذلك: فمَن كفَر هذه النعمةَ بعدَ ذلك، فأولئك هم الفاسقون.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن\n_________\n(^١) في النسخ: \"ابن\". والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم، وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٣٤٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٢٧ من طريق عبد الرحمن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٥ إلى ابن مردويه.\n(^٣) سقط من النسخ، والمثبت مما تقدم في ٨/ ٧٤٣.\n(^٤) في ت ١، ف: \"الآية\".","vol":"17","page":349},{"text":"مجاهدٍ قولَه: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. قال: تلك أمةُ محمد ﷺ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن لَيثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. قال: لا يَخافون غيرى (^٢).\n\n<span id=\"aya-2847\"></span><span data-type='title' id=toc-6405>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأقيمُوا أيُّها الناسُ الصلاةَ بحُدُودِها، فلا تُضَيِّعوها، وآتوا الزكاةَ التي فَرَضها اللهُ عليكم أهلَها، وأَطِيعوا رسولَ ربِّكم فيما أمَركم ونَهاكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. يقولُ: كى يرحَمَكم ربُّكم، فيُنَجِّيَكم مِن عذابِه.\n\n<span id=\"aya-2848\"></span>وقولُه: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا تَحْسَبَنَّ يا محمدُ الذين كفروا باللَّهِ مُعْجِزيه في الأرضِ، إذا أرادَ إِهْلاكَهم، ﴿وَمَأْوَاهُمُ﴾ بعدَ هَلَاكِهم ﴿النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ الذي يَصِيرون إليه ذلك المَأْوى.\nوقد كان بعضُهم يقولُ: (لا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا). بالياءِ (^٣). وهو مذهبٌ ضعيفٌ عندَ أهلِ العربيةِ، وذلك أن \"تحسب\" محتاجٌ إلى منصوبَين، وإذا قُرِئ: (يَحْسَبَنَّ) بالياءِ (^٤)، لم يَكُنْ واقعًا إِلَّا على منصوبٍ واحدٍ. غيرَ أنى أحسَبُ أن قارِئَه (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٣٠ من طريق الحجاج به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٥ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) وهى قراءة حمزة وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٣٠٧.\n(^٤) سقط من: ص، م، وفى ف: \"بالتاء\".\n(^٥) في م: \"قائله\".","vol":"17","page":350},{"text":"بالياءِ ظَنَّ أَنه قد عَمِل في: ﴿مُعْجِزِينَ﴾، وأن منصوبَه الثانِيَ: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾.\nوذلك لا معنَى له إن كان ذلك قَصَد (^١).\n\n<span id=\"aya-2849\"></span><span data-type='title' id=toc-6408>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)﴾.</span>\nاختَلف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك الرجالُ دونَ النساءِ، ونُهُوا عن أن يُدْخِلوا عليهم في هذه الأوقاتِ الثلاثةِ، هؤلاء الذين سُمُّوا في هذه الآيةِ، إلا بإذنٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6406>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن لَيْثٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ قولَه: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: هي على الذكورِ دونَ الإناثِ (^٢).\nوقال آخرون: بل عُنِى به الرجالُ والنساءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6407>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ، عن\n_________\n(^١) القراءة بالياء متواترة؛ وينظر توجيهها في الكشاف ٣/ ٧٤، والبحر المحيط ٦/ ٤٧١.\n(^٢) أخرجه البخارى في الأدب المفرد (١٠٥٧)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٥٩٣، من طريق ليث به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٦ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"17","page":351},{"text":"أبي عبدِ الرحمنِ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: هي في الرجالِ والنساءِ، يَسْتأذِنون على كلِّ حالٍ، بالليلِ والنهارِ (^١).\nوأَوْلى القولَين في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى به الذكورُ والإناثُ؛ لأن اللَّهَ عَمَّ بقولِه: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ جميعَ أملاكِ أيمانِنا، ولم يَخْصُصْ منهم ذكَرًا ولا أُنثى، فذلك على جميعِ مَن عَمَّه ظاهرُ التنزيلِ.\nفتأويلُ الكلامِ: يأيُّها الذين صَدَّقوا الله ورسولَه، ليَسْتأْذِنْكم في الدخولِ عليكم عبيدُكم وإماؤُكم، فلا يَدْخُلوا عليكم إلا بإذنٍ منكم لهم.\n﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾. يقولُ: والذين لم يَحْتَلِموا مِن أحرارِكم ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾. يعني: ثلاثَ مراتٍ، في ثلاثةِ أوقاتٍ مِن ساعاتِ لَيْلِكم ونهارِكم.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: عبيدُكم المَمْلوكون ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾. قال: لم يَحْتَلِموا مِن أحْرارِكم (^٢).\nقال ابن جريجٍ: قال لي عطاءُ بنُ أبي رباحٍ: فذلك على كلِّ صغيرٍ وصغيرةٍ أن\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الناسخ ص ٣١٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٣٣ من طريق عبد الرحمن به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٠٠، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٥٩٢ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في الناسخ ص ٣١٢ من طريق حجاج به، وفى ص ٣١٩ عن ابن جريج به.","vol":"17","page":352},{"text":"يَسْتأذِنَ، كما قال: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾. قالوا: هي العَتَمَةُ. قلت: فإذا وَضَعوا ثيابَهم بعدَ العَتَمَةِ، استأذَنوا عليهم حتى يُصْبِحوا؟ قال: نعم. قلتُ لعطاءٍ: هل اسْتِئذانُهم إلا عندَ وَضْعِ الناسِ ثيابهم؟ قال: لا.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن صالحِ بن كَيْسانَ ويعقوبَ بن عُتْبَةَ وإسماعيلَ بن محمدٍ، قالوا: لا اسْتِئذانَ على خَدَمِ الرجلِ عليه إلا في العَوْراتِ الثلاثِ.\nحدَّثني عليُّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. يقولُ: إذا خَلا الرجلُ بأهلِه بعدَ صلاةِ العشاءِ، فلا يدخُلُ عليه خادمٌ ولا صبيٌّ إلا بإذنٍ، حتى يُصَلِّيَ الغَداةَ، فإذا خَلا بأهِله عندَ صلاةِ الظهرِ فمثلُ ذلك (^١).\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني قُرَّةُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن ابن شهابٍ، عن ثعلبةَ بن (^٢) أبي مالكٍ القُرَظِيِّ، أنه سأَل عبدَ اللهِ بنَ سُوَيدٍ الحارِثيَّ، وكان مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، عن الإِذْنِ في العَوْرَاتِ الثلاثِ، فقال: إذا وضَعتُ ثيابى مِن الظَّهِيرةِ، لم يَلِجُ عليَّ أحدٌ مِن الخَدَمِ الذِى بَلَغَ الحُلُمَ، ولا أحدٌ ممن لم يبلُغِ الحُلُمَ مِن الأحرارِ، إلا بإذنٍ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٣٤، ٢٦٣٥، والبيهقى ٧/ ٩٦ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في النسخ: \"عن\"، وسيأتي في تفسير الآية (١٤) من سورة \"ق\"، وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٣٩٧.\n(^٣) أخرجه البخارى في الأدب المفرد (١٠٥٢) من طريق ابن شهاب به، وعلقه ابن عبد البر في التمهيد ١٦/ ٢٣٤ عن ابن وهب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"17","page":353},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سمعتُ عطاءً يقولُ: قال ابن عباسٍ: ثلاثُ آياتٍ جَحَدَهنَّ الناسُ؛ الإذنُ كلُّه، وقال اللَّهُ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وقال الناسُ: أكرمُكم أعظمُكم بيتًا. ونسيتُ الثالثةَ (^١).\nحدَّثنا ابن أبى الشواربِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: كان الحسنُ يقولُ: إذا أباتَ الرجلُ خادمَه معه، فهو إذنُه، وإن لم يُبته معه، استأذنَ في هذه الساعاتِ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى موسى [بنُ أبى عائشةَ] (^٣)، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: لم تُنْسَخْ. قلتُ: إن الناسَ لا يَعْمَلون به. قال: اللَّهُ المُسْتَعانُ.\nقال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بن أبى عائشةَ، عن الشعبيِّ، وسألتُه عن هذه الآيةِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قلتُ: منسوخةٌ هي؟ قال: لا واللهِ ما نُسِخت. قلتُ: إن الناسَ لا يَعْمَلون بها. قال: اللَّهُ المُسْتعانُ (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢٤٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٣٣، ٢٦٣٧ من طريق يزيد بن زريع به، وذكره أبو عبيد في الناسخ ص ٣١٨، ٣١٩ عن الحسن.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بن عائشة\". وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٩٠.\n(^٤) أخرجه أبو عبيد في الناسخ ص ٣١٥ عن عبد الرحمن به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٠٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٣٣، والنحاس في ناسخه ص ٥٩٥، وابن الجوزى في النواسخ ص ٤١٠، ٤١١، جميعهم من طريق سفيان به.","vol":"17","page":354},{"text":"قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عَوَانةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: إن ناسًا يقولون: نُسِخت. ولكنها مما يَتَهاونُ الناسُ به (^١).\nقال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: لا يُعْمَلُ بها اليومَ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنا حنظلةُ، أنه سمِع القاسمَ بنَ محمدٍ يُسْأَلُ عن الإِذْنِ، فقال: يَسْتأْذِنُ عندَ كلَّ عورةٍ، ثم هو طَوَّافٌ. يعنى الرجلَ على أمِّه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: أخبَرنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي رَوَّادٍ، قال: أخبَرني رجلٌ مِن أهلِ الطائفِ، عن غَيْلَانَ بن شُرَحْبِيلَ، عن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"لا يَغْلِبَنَّكم الأعرابُ على اسْمِ صَلاتِكم، قال اللهُ: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾، وإنما العَتَمَةُ عَتَمَةُ الإِبلِ\" (^٤).\nوقولُه: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾. اختَلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الناسخ ص ٣١٦ عن عبد الرحمن به، وأخرجه ابن الجوزي في النواسخ ص ٤١٠ من طريق أبي عوانة به عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه النحاس في ناسخه ص ٥٩١، ٥٩٢ من طريق محمد بن بشار به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٠٠، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٣٦ من طريق حنظلة به.\n(^٤) أخرجه البزار (١٠٥٥) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أبو يعلى (٨٦٨) من طريق عثمان بن عمر به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٣٩، والبيهقى ١/ ٣٧٢ من طريق عبد العزيز بن أبى رواد به، وعبد الرزاق في المصنف (٢١٥٣) من طريق تميم بن غيلان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٧ إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر.","vol":"17","page":355},{"text":"قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾. برفع \"الثلاث\" (^١). بمعنى الخبرِ عن هذه الأوقاتِ التي ذكِرت، كأنه عندَهم قيل: هذه الأوقاتُ الثلاثةُ التي أمَرناكم بأن لا يدخُلَ عليكم فيها مَن ذَكَرنا إلا بإذنٍ، ثلاثُ عَوْراتٍ لكم؛ لأنكم تَضَعُون فيها ثيابَكم، وتَخْلُون بأهْلِيكم.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (ثَلاثَ عَوْرَاتٍ). بنصبِ \"الثلاثِ\" على الردِّ على \"الثلاثِ\" الأولى (^٢). وكأن معنى الكلامِ عندَهم: لِيَسْتأْذِنْكم الذين مَلَكَت أيمانُكم، والذين لم يَبْلُغوا الحُلُمَ منكم ثلاثَ مراتٍ ثلاثَ عَوْراتٍ لكم.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان مُتَقارِبتا المعنى، وقد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ.\nوقولُه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ معشرَ أربابِ البيوتِ والمساكنِ ﴿وَلَا عَلَيْهِمْ﴾ يعني: ولا على الذين مَلَكَت أيمانُكم مِن الرجالِ والنساءِ والذين لم يَبْلُغوا الحُلُمَ مِن أولادِكم الصغارِ - حرَجٌ ولا إثمٌ ﴿بَعْدَهُنَّ﴾، يعني: بعدَ العوراتِ الثلاثِ.\nوالهاءُ والنونُ في قولِه: ﴿بَعْدَهُنَّ﴾. عائدتان على \"الثلاثِ\" مِن قولِه: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾. وإنما يعنى بذلك أنه لا حَرَج ولا جُناحَ على الناسِ أن يدخُلَ (^٣) عليهم مَمالِيكُهم البالِغون، وصِبْيانُهم الصغارُ، بغيرِ إذنٍ بعدَ هذه الأوقاتِ الثلاثِ اللاتى ذَكَرَهنَّ في قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾.\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٤٥٩.\n(^٢) هي قراءة حمزة والكسائي وأبى بكر عن عاصم. المصدر السابق.\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"يدخلهم\".","vol":"17","page":356},{"text":"وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6409>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ثم رَخَّص لهم في الدخولِ فيما بينَ ذلك بغيرِ إذنٍ، يعني: فيما بينَ صلاةِ الغداةِ إلى الظهرِ، وبعدَ الظهرِ إلى صلاةِ العشاءِ، أنه رَخَّص لخادمِ الرجلِ والصبيِّ أن يدخُلَ عليه منزلَه بغيرِ إذنٍ. قال: وهو قولُه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾. فأمَّا مَن بَلَغَ الحُلُمَ، فإنه لا يدخُلُ على الرجلِ وأهلِه إلا بإذْنٍ على كلِّ حال (^١).\nوقولُه: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾. رُفِع \"الطَّوافون\" بمُضْمَرٍ، وذلك \"هم\"، يقولُ لهؤلاء المماليكِ والصَّبْيانِ الصغارِ: هم طَوَّافون عليكم أيُّها الناسُ.\nويعنى بالطَّوَّافين أنهم يدخُلون ويخرُجون على مَوالِيهم وأقْرِبائِهم في منازلِهم غُدْوَةً وعَشِيَّةً بغيرِ إذنٍ، يَطُوفون عليهم.\n﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ في غيرِ الأوقاتِ الثلاثِ التي أمَرهم ألا يُدخلوا على سَاداتِهم وأقْرِبائِهم فيها إلا بإذنٍ، ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: كما بَيَّنْتُ لكم أيُّها الناسُ أحكامَ الاسْتئذانِ في هذه الآيةِ، كذلك يُبَيِّنُ اللهُ لكم جميعَ أعْلامِه وأدلتِه وشرائعِ دِينِه، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: واللهُ ذو علم بما يُصْلِحُ عبادَه، حكيمٌ في تَدْبيرِه إياهم، وغيرِ ذلك مِن أمورِه.\n\n<span id=\"aya-2850\"></span><span data-type='title' id=toc-6410>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٣٦، وهو تتمة الأثر المتقدم في ص ٣٥٣.","vol":"17","page":357},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا بلَغ الصغارُ مِن أولادِكم وأقْربائِكم. ويعنى بقولِه: ﴿مِنْكُمُ﴾: مِن أَحْرارِكم - ﴿الْحُلُمَ﴾. يعنى الاحْتلامَ، واحْتَلَموا، ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾. يقولُ: فلا يدخُلوا عليكم في وقتٍ مِن الأوقاتِ إلا بإذنٍ، لا في أوقاتِ العَوراتِ الثلاثِ ولا في غيرِها.\nوقوله: ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يقولُ: كما اسْتَأْذَنَ الكبارُ مِن ولَدِ الرجلِ وأقربائِه الأحرارِ. وخَصَّ اللهُ تعالى ذكرُه في هذه الآيةِ الأطفالَ بالذَّكْرِ وتَعْريفِ حكمِهم عبادَه في الاستئذانِ، دونَ ذِكْرِ ما مَلَكَت أيمانُنا، وقد تقدَّمَت الآيةُ التي قبلَها بتَعْريفِهم حكمَ الأطفالِ الأحرارِ والمماليكِ؛ لأن حُكْمَ ما مَلَكَت أيمانُنا مِن ذلك حكمٌ واحدٌ، سواءٌ فيه حكمُ كبارِهم وصغارِهم، في أن الإذنَ عليهم في الساعاتِ الثلاثِ التي ذكَرها اللهُ في الآيةِ التي قبلُ.\nوبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6411>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: أمَّا مَن بَلَغَ الحُلُمَ، فإنه لا يدخُلُ على الرجلِ وأهلِه، يعنى مِن الصبيانِ الأحرارِ، إلا بإذنٍ على كلِّ حالٍ، وهو قولُه: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٣٧ من طريق أبي صالح به، وتقدم أوله في ص ٣٥٣، ٣٥٧.","vol":"17","page":358},{"text":"قال عطاءٌ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾. قال: واجبٌ على الناسِ أجمعين أن يَسْتأذِنوا إذا احْتَلَموا على مَن كان مِن الناسِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابن شهابٍ، عن ابن المسيَّبِ، قال: يَسْتأْذِنُ الرجلُ على أمِّه. قال: إنما أُنزلت: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ في ذلك (^٢).\n﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾. يقولُ: هكذا يُبَيِّنُ اللهُ لكم (^٣).\nأحكامَه وشرائعَ دينِه، كما بَيَّنَ لكم أمرَ هؤلاء الأطفالِ في الاستئذانِ بعدَ البلوغِ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ عليمٌ بما يُصْلِحُ خلقَه وغيرِ ذلك مِن الأشياءِ، حكيمٌ في تَدْبيرِه خلقَه.\n\n<span id=\"aya-2851\"></span><span data-type='title' id=toc-6412>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واللَّواتى قد قَعَدْنَ عن الولدِ مِن الكِبَرِ مِن النساءِ، فلا يَحِضْنَ ولا يَلِدْنَ - واحِدتُهنَّ قاعدٌ - ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾. يقولُ: اللاتي قد يَئِسْنَ مِن البُعُولةِ، فلا يَطْمَعْنَ في الأزواجِ، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾. يقولُ: فليس عليهنَّ حَرَجٌ ولا إثمٌ ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾.\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٢/ ٣٠٨ عن ابن جريج، عن عطاء.\n(^٢) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١٦/ ٢٣٣ من طريق ابن وهب به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٣٨ من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب به.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٣، ف: \"آياته\".","vol":"17","page":359},{"text":"يعني: جَلَابِيبَهنَّ، وهى القِناعُ الذي يكونُ فوقَ الخِمارِ، والرداءُ الذي يكونُ فوقَ الثيابِ، لا حرَجَ عليهنَّ أن يَضَعْنَ ذلك عندَ المحارمِ مِن الرجالِ، وغيرِ المحارمِ مِن الغُرباءِ (^١)، غيرَ مُتَبرِّجاتٍ بزينةٍ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6413>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾: وهى المرأةُ، لا جُناحَ عليها أن تجلسَ في بيتِها بدِرْعٍ وخِمارٍ، وتَضَعَ عنها الجلبابَ، ما لم تَتَبرَّجْ لِما يكرَهُ اللَّهُ، وهو قولُه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾. ثم قال: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾: يعنى الجلبابَ، وهو القِناعُ، وهذا للكبيرةِ التي قد قَعَدَت عن الولدِ، فلا يَضُرُّها أَلا تَجَلْبَبَ فوقَ الخِمارِ (^٣). وأما كلُّ امرأةٍ مسلمةٍ حُرَّةٍ، فعليها إذا بَلَغَت المَحِيضَ أَن تُدْنِيَ الجِلْبابَ على الخِمارِ، وقال اللهُ في سورةِ \"الأحزاب\": ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ\n_________\n(^١) في ت ١: \"القرباء\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٤١، والبيهقى ٧/ ٩٣ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر ٥/ ٥٧ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٣٩ من طريق أبي معاذ به، دون قوله: يعنى الجلباب، وهو القناع.","vol":"17","page":360},{"text":"جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. وكان بالمدينةِ رجالٌ مِن المنافِقين إذا مَرَّتْ بهم امرأةٌ سيئةُ (^١) الهيئةِ والزَّيِّ، حَسِبَ المنافقون أنها مريبةٌ (^٢)، وأنها مِن بُغْيِتهم، فكانوا يُؤْذُون المؤمناتِ بالرَّفَثِ، ولا يَعْلَمون الحُرَّةَ مِن الأَمَةِ، فأنزَل اللهُ في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾. يقولُ: إِذا كان زِيُّهِنَّ حَسَنًا لم يَطْمَعْ فيهن المُنافقون.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ في قولِه: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾: التي (^٣) قَعَدَت مِن الولدِ وكَبِرَت. قال ابن جُرَيجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾. قال: لا يُرِدْنَه، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾. قال: جَلابِيبَهنَّ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾. قال: وَضْعُ الخِمارِ. قال: للتى لا تَرْجُو نِكاحًا، التي قد بَلَغَت ألا يكون لها في الرجالِ حاجةٌ، ولا للرجالِ فيها حاجةٌ، فإذا بَلَغْنَ ذلك وَضَعْن الخِمارَ، غيرَ مُتَبَرِّجاتٍ بزينةٍ، ثم قال: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"سنية\".\n(^٢) في م: \"مزنية\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مزينة\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"اللاتي قد\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٤٠ من طريق حجاج به مقتصرًا على قوله: لا يردنه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٧ إلى ابن المنذر. وقوله: جلابيبهن. في تفسير مجاهد ص ٤٩٤. وسيأتي في ص ٣٦٤.","vol":"17","page":361},{"text":"لَهُنَّ﴾ كان أبي يقولُ هذا كلَّه (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمن، قالا: ثنا سفيانُ، عن علقمةَ بن مَرْثَدٍ، عن زرٍّ (^٢)، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ في قولِه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾. قال: الجِلْبابَ أو الرداءَ. شكَّ سفيانُ (^٣).\nقال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾. قال: الرِّداءُ.\nحدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جَدِّه، عن الأعمش، عن مالكِ بن الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ، قال: قال عبدُ اللهِ في هذه الآيةِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾. قال: هي المِلْحَفَةُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: سمِعتُ أبا وائلٍ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾. قال: الجِلْبابَ (^٤).\nقال (^٥): حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، قال: أخبَرني الحَكَمُ، عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٤٠ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٢) في النسخ: \"ذر\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٤٠ من طريق عبد الرحمن وحده به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٦٣، والطبراني (٩٠٢٢) من طريق سفيان به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٤٠، والبيهقى ٧/ ٩٣ من طريق شعبة به.\n(^٥) سقط من: ص، م، ف.","vol":"17","page":362},{"text":"وائلٍ، عن عبدِ اللهِ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ، عن ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾. قال: هو الرداءُ (^١).\nقال الحسنُ: قال عبدُ الرزاقِ: قال الثوريُّ: وأخبرَني أبو حَصِينٍ وسالمٌ الأفطسُ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: هو الرداءُ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ: ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾. قال: تَضَعُ الجلبابَ المرأةُ التي قد عَجَزَت ولم تَزَوَّجُ. قال الشعبيُّ: فإن (^٣) أبيَّ بنَ كعبٍ يقرأُ: (أن يَضَعْنَ مِنْ (^٤) ثِيابِهنَّ (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: قلتُ لابنِ أبي نجيحٍ قولَه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾. قال: الجلبابُ. قال يعقوبُ: قال أبو يونسَ: قلتُ له: عن مجاهدٍ؟ قال: نعم، في الدارِ والحجرة.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٤٠.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٣.\n(^٣) في ص، ت ١: \"قال\".\n(^٤) سقط من: ت ١، ف.\n(^٥) وهى قراءة ابن مسعود وابن عباس. ينظر تفسير القرطبي ١٢/ ٣٠٩.","vol":"17","page":363},{"text":"مجاهدٍ قولَه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾. قال: جَلابِيبَهُنَّ (^١).\nوقولُه: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾. يقولُ: ليس عليهنَّ جناحٌ في وَضْعِ أَرْدِيتِهِنَّ إذا لم يُرِدْنَ بوضعِ ذلك عنهن أن يُبْدِينَ ما عليهنَّ مِن الزينةِ للرجالِ.\nوالتَّبَرُّجُ (^٢) هو أن تُظْهِرَ المرأةُ مِن مَحاسنِها ما ينبَغِي لها أن تَسْتُرَه.\nوقوله: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾. يقولُ: [أن يَعْفُفُن] (^٣) عن وَضْعِ جَلابيبِهنَّ وأَرْدِيتِهنَّ، فيُلْبِسْنَها، خيرٌ لهنَّ مِن أَن يَضَعْنَها.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6414>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾. قال: أَن يَلْبِسْنَ جَلَابِيبَهن (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرةً، عن الشعبيِّ: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾. قال: تَرْكُ ذلك. يعنى تركَ وضعِ الثيابِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٩٤، وتقدم في ص ٣٦١.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) في ص، م: \"إن تعففن\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٩٤ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٤٢ ـ","vol":"17","page":364},{"text":"يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾. قال: والاسْتِعفافُ شَلُّ (^١) الخمارِ على رأسِها، كان أبي يقولُ هذا كلَّه.\n[﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ ما تَنْطِقون] (^٢) بألسنتِكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما تُضْمِرُه صُدُورُكم، فاتَّقُوه أن تَنْطِقوا بألسنتِكم ما قد نَهاكم عن أن تَنْطِقوا بها، أو تُضْمِروا في صُدُورِكم ما قد كَرِهَه لكم، فتَسْتَوْجِبوا بذلك منه عُقوبَةً (^٣).\n\n<span id=\"aya-2852\"></span><span data-type='title' id=toc-6415>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ (^٤) هذه الآيةِ وفي المعنى الذي أُنزلت فيه؛ فقال بعضُهم: أُنزلت هذه الآيةُ تَرْخِيصًا للمسلمين في الأكْلِ مع العُمْيانِ والعُرْجانِ والمَرْضَى وأهلِ الزَّمانةِ مِن طعامِهم، مِن أجلِ أنهم كانوا قد امتَنَعوا مِن أن يأكُلُوا معهم مِن طعامِهم؛ خشيةَ أن يكونوا قد أَتَوا بأكْلِهم معهم مِن طعامِهم ما (^٥) نَهاهم اللَّهُ عنه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ\n_________\n(^١) في م: \"لبس\"، وفى ف: \"ميل\". وشلَّ الدرعَ يشلها شلًّا إذا لبسها. اللسان (ش ل ل).\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٣) في ت ٢: \"عقوبته\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٥) في م: \"شيئا مما\".","vol":"17","page":365},{"text":"بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-6416>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا (^١) أَوْ أَشْتَاتًا﴾: وذلك لَمَّا أنزَل اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. فقال المسلمون: إن اللَّهَ قد نَهانا أن نأكُلَ أموالَنا بينَنا بالباطلِ، والطعامُ هو (^٢) من أفضلِ الأموالِ، فلا يَحِلُّ لأحدٍ مِنَّا أن يأكُلَ عندَ أحدٍ. فَكَفَّ الناسُ عن ذلك، [فأنزَل اللَّهُ] (^٣) بعدَ ذلك: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ إلى قولِه: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية: كان أهلُ المدينةِ قبلَ أن يُبْعَثَ النبيُّ ﷺ لا يُخالِطُهم في طعامِهم أعمى ولا مريضٌ، فقال بعضُهم: إنما كان بهم التَّقَذُّرُ والتَّقَزُّزُ. وقال بعضُهم: قالوا (^٥): المريضُ لا يَسْتَوْفِي الطعامَ كما يَسْتَوْفِي الصحيحُ، والأعرجُ المُنْحَبِسُ لا يستطيعُ المُزاحمةَ على الطعامِ، والأعمى لا يُبْصِرُ طَيِّبَ الطعامِ. فأنزَل اللَّهُ: ليس عليكم (^٦) حرَجٌ في مُؤاكَلةِ المريضِ والأعمى\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"من بيوتكم إلى قوله\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من ت ٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٤٨ من طريق أبي صالح به، وأخرجه البيهقى ٧/ ٢٧٤، ٢٧٥ من طريق عكرمة، عن ابن عباسٍ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٨ إلى ابن المنذر.\n(^٥) سقط من: م، ت ٢، ف.\n(^٦) بعده في ت ١: \"جناح، أي\".","vol":"17","page":366},{"text":"والأعرجِ (^١).\nفمعنى الكلامِ على تأويلِ هؤلاءِ: ليس عليكم أيُّها الناسُ في الأعمى حَرَجٌ أن تأكُلوا منه ومعه، ولا في الأعرجِ حَرجٌ (^٢)، ولا في المريضِ حَرَجٌ، ولا في أنفسِكم، أن تأكُلوا من بيوتِكم. فَوَجَّهوا معنى \"على\" في هذا الموضعِ إلى معنى \"في\".\nوقال آخرون: بل نزلَت هذه الآيةُ تَرْخِيصًا لأهلِ الزَّمانةِ، في الأكلِ من بُيُوتِ مَن سَمَّى اللَّهُ في هذه الآيةِ؛ لأن قومًا كانوا من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، إذا لم يَكُنْ عندَهم في بيوتِهم ما يُطْعِمونهم، ذهَبوا بهم إلى بيوتِ آبائِهم وأمهاتِهم، أو بعضِ مَن سَمَّى اللَّهُ في هذه الآيةِ، فكان أهلُ الزَّمانةِ يتحوَّبُونَ (^٣) من أن يَطْعَموا ذلك الطعامَ؛ لأنه أطعمَهم غيرُ مالِكِه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-6417>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: لا جُناحَ عليكم ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾. قال: كان رجالٌ زَمْنَى. قال ابن عمرٍو في حديثِه: عُمْيانٌ وعُرْجانٌ. وقال الحارثُ: عُمْىٌ عُرْجٌ أولو حاجةٍ. يَسْتَتْبِعُهم (^٥) رجالٌ إلى بيوتِهم، فإن لم يَجِدوا طعامًا ذَهَبوا بهم إلى بيوتِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٤٣ من طريق أبي معاذ به.\n(^٢) زيادة من: م.\n(^٣) في م: \"يتحوفون\".\n(^٤) في م: \"ملكه\"، وفي ت ٢: \"ماله\".\n(^٥) في ت ١، ف: \"سيتبعهم\". وفى ت ٢: \"يستبقهم\".","vol":"17","page":367},{"text":"آبائِهم (^١)، ومَن عَدَّدَ منهم مِن (^٢) البيوتِ، فكَرِةَ ذلك المُسْتَتْبَعون (^٣)، فأَنزَل اللَّهُ في ذلك: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾. وأحَلَّ لهم الطعامَ حيثُ وَجَدوه (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان الرجلُ يذهَبُ بالأعْمَى والمريضِ و(^٥) الأعْرجِ إلى بيتِ أبيه، أو إلى بيتِ أخيه، أو عمِّه، [أو خالِه] (^٦)، أو خالتِه، فكان الزَّمْنَى يتَحرَّجون مِن ذلك، يقولون: إنما يذهَبون بنا إلى بيوتِ غيرِهم. فنزلَت هذه الآيةُ رُخْصةً لهم (^٧).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَ حديثِ ابن عمرٍو، عن أبي عاصمٍ.\nوقال آخرون: بل نزلَت تَرْخِيصًا لأهلِ الزَّمانةِ الذين وصَفهم اللَّهُ في هذه الآيةِ، أن يأكُلوا مِن بيوتِ مَن خَلَّفهم في بيوتِه مِن الغُزاةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6418>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، قال: قلتُ للزهريِّ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾: ما بالُ الأعمى ذُكِر ههنا،\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) في ت ٢: \"في\".\n(^٣) في ت ٢: \"المستقون\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٤٩٥ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٤٥، والبيهقي ٧/ ٢٧٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٨ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) في ص، ت ١، ف: \"أو\"\n(^٦) سقط من: ت ٢.\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٤. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٤٥.","vol":"17","page":368},{"text":"والأعرجِ والمريضِ؟ فقال: أخبَرني عبيدُ (^١) اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ أَن المسلمين كانوا إذا غَزَوا خَلَّفوا زَمْناهم، وكانوا يَدْفَعون إليهم مفاتيحَ أبوابِهم (^٢)، يقولون: قد أحْلَلْنا لكم أن تأكُلوا مما في بيوتِنا. وكانوا يَتَحَرَّجون مِن ذلك، يقولون: لا ندخُلُها وهم غَيَبٌ. فأُنزِلَت هذه الآيةُ رُخْصَةً لهم (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنِى بقولِه: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾. في التَّخَلُّفِ عن الجهادِ في سبيلِ اللَّهِ. قالوا: وقولُه: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾. كلامٌ مُنقطِعٌ عما قبلَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6419>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾. قال: هذا في الجهادِ في سبيلِ اللَّهِ. وفى قولِه: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾. قال: هذا شيءٌ قد انقطَع، إنما كان هذا في أوَّلَ (^٤)، لم يَكُنْ لهم أبوابٌ، وكانت السُّتُورُ مُرْخاةً، فربما (^٥) دخَل الرجلُ البيتَ وليس فيه أحدٌ، فربَّما وجَد الطعامَ وهو جائعٌ، فَسَوَّغه اللَّهُ أن يأكُلَه. قال: وقد ذهَب ذلك اليومُ؛ البيوتُ اليومَ فيها أهلُها، وإذا خَرَجوا أغْلَقوها، فقد ذهَب ذلك (^٦).\n_________\n(^١) في ت ٢: \"عبد\".\n(^٢) في ت ٢: \"بيوتهم\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٤، وأخرجه أبو داود في مراسيله ص ٢٢٥ من طريق معمر به، وذكره عنه البيهقي ٧/ ٢٧٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في م: \"الأول\"\n(^٥) في ت ١: \"فإذا\"، وفى ف: \"فلما\".\n(^٦) سقط من ت ٢.","vol":"17","page":369},{"text":"وقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ تَرْخيصًا للمسلمين الذين كانوا يَتَّقون مُؤاكَلةَ أهلِ الزَّمانةِ في مُؤاكَلتِهم إذا شاءُوا ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-6420>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن مِقْسَمٍ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾. قال: كانوا يَتَّقُون أن يأكُلوا مع الأعمى والأعرجِ، فنزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ (^١).\nواختَلفوا أيضًا في معنى قولِه: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنَى بذلك وكيلَ الرجلِ وقَيِّمَه، أنه لا بأسَ عليه أن يأكُلَ مِن ثَمَرِ (^٢) ضَيْعَتِه ونحوِ ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-6421>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾: وهو الرجلُ يُوَكِّلُ الرجلَ بضَيْعتِه، فرخَّص اللَّهُ له أن يأكُلَ مِن ذلك الطعامِ والتمرِ (^٣) ويشربَ اللبنَ (^٤).\n_________\n= والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٤٦ من طريق أصبغ، عن ابن زيد، وعلق أوله في ٨/ ٢٦٤٤.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٤٣ من طريق سفيان به بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"تمر\".\n(^٣) في ت ٢: \"الثمر\".\n(^٤) تقدم أوله في ص ٣٦٦.","vol":"17","page":370},{"text":"وقال آخرون: بل عُنِى بذلك منزلُ الرجلِ نفسه، أنه لا بأسَ عليه أن يأكُلَ منه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-6422>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾. يعني: بيتَ أحدِهم، فإنه يَمْلِكُه، والعبيدُ منهم مما مَلَكوا (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾: مما تَخْتَرِنُ (^٣) يا بنَ آدمَ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾. قال: خزائنَ لأنفسِهم، ليست لغيرِهم (^٥).\nوأشبهُ الأقوالِ التي ذكَرنا في تأويلِ قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ إلى قولِه: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ القولُ الذي ذكَرنا عن الزهريِّ، عن عُبيدِ اللَّهِ بن عبدِ اللَّهِ، وذلك أن أظهرِ معاني قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"يملكوا\"، وفى ت ٢: \"يملكون\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٤٧ من طريق أبي معاذ به.\n(^٣) في م: \"تحبون\". والمثبت موافق لما في مصدرى التخريج.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٤٧ من طريق سعيد، عن قتادة.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٤٩٥ من قول ابن جريج.","vol":"17","page":371},{"text":"حَرَجٌ﴾: أنه لا حَرَجَ على هؤلاء الذين سُمُّوا في هذه الآيةِ أن يأكُلوا مِن بيوتِ مَن ذكَره اللَّهُ فيها، على ما أباحَ لهم مِن الأكلِ منها. فإذ كان ذلك أظهرَ مَعانِيه، فتَوْجِيهُ معناه إلى الأغلبِ الأعرفِ مِن مَعانيه أولَى من تَوْجيهِه إلى (^١) الأَنْكَرِ منها. فإذ كان ذلك كذلك، كان ما خالَف (^٢) مِن التأويلِ قولَ مَن قال: معناه: ليس في الأعمى والأعرجِ حَرَجٌ - أولى بالصوابِ.\nوكذلك أيضًا الأغلبُ مِن تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾. أنه بمعنى: ولا عليكم أيُّها الناسُ. ثم جمَع هؤلاء والزَّمْنَى الذين ذكَرهم قبلُ في الخطابِ، فقال: أن تأكُلوا مِن (^٣) بيوتِ أنفسِكم. وكذلك تفعلُ العربُ إذا جمعَت بينَ خبرِ الغائبِ والمخاطَبِ، غلَّبَتِ المخاطَبَ فقالت: أنت وأخوك قُمْتُما، وأنت وزيدٌ جلَستُما. ولا تقولُ (^٤): أنت وأخوك (^٥) جلَسا. وكذلك قولُه: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. والخبرُ عن الأعمى والأعرجِ والمريضِ، غَلَّب المخاطبَ فقال: ﴿أَنْ تَأْكُلُوا﴾. ولم يَقُلْ: أن يأكُلوا.\nفإن قال قائلٌ: فهذا الأكْلُ مِن بيوتِهم قد عَلِمناه (^٦) كان لهم حلالًا (^٧) كان مِلْكًا لهم، أَوَ كان أيضًا حلالًا لهم الأكلُ مِن مالِ غيرِهم؟\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) في ت ٢: \"فخالف\".\n(^٣) في ت ٢: \"في\".\n(^٤) في ص: \"يقول\".\n(^٥) في ت ١: \"زيد\".\n(^٦) في ت ٢: \"علمنا\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أو\".","vol":"17","page":372},{"text":"قيل له: ليس الأمرُ في ذلك على ما توهَّمْتَ، ولكنه كما ذكَرناه (^١) عن عُبَيدِ (^٢) اللَّهِ بن عبدِ اللَّهِ، أنهم كانوا إذا غابُوا في مَغازيهم، وتَخلَّف أهلُ الزَّمانةِ منهم، دفَع الغازِي مِفْتَاحَ مَسْكنِه إلى المُتَخَلِّفِ منهم، فأطلَق له في الأكلِ مما يَخْلُفُ (^٣) في منزلِه مِن الطعامِ، فكان [المُتَخلِّفُ يتحوَّب] (^٤) الأكلَ مِن ذلك وربُّه غائبٌ، فأعلَمه اللَّهُ أنه لا حرجَ عليه في الأكلِ منه، وأذِن لهم في أكْلِه. فإذ كان ذلك كذلك تَبَيَّنَ (^٥) ألا معنَى لقولِ مَن قال: إنما (^٦) أُنزلت هذه الآيةُ مِن أجلِ كراهةِ المُسْتَتْبِعِ أَكلَ طعامِ غيرِ المُسْتَتْبَعِ؛ لان ذلك لو كان كما (^٧) قال مَن قال ذلك لقيل: ليس عليكم حَرَجٌ أن تأكُلوا مِن طعامِ غيرِ مَن أضافَكم، أو مِن طعامِ آباءِ مَن دَعاكم. ولم يَقُلْ: ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾. وكذلك لا وجهَ لقولِ مَن قال: معنى ذلك: ليس على الأعمى حَرَجٌ في التخلفِ عن الجهادِ في سبيلِ اللَّهِ؛ لأن قولَه: هو ﴿أَنْ تَأْكُلُوا﴾ خبرُ و﴿لَيْسَ﴾، ﴿أَنْ﴾ في موضعِ نصبٍ على أنها خبرٌ لها، فهي متعلقةٌ بـ ﴿لَيْسَ﴾، فمعلومٌ بذلك أن معنى الكلامِ: ليس على الأعمى حرجٌ أن يأكُلَ (^٨) مِن بيتِه. لا ما قاله الذين ذكَرنا، من أنه لا حرجَ عليه في التخلفِ عن الجهادِ.\nفإذ كان الأمرُ في ذلك على ما وصَفنا، تَبَيَّنَ أن معنى الكلامِ: لا ضِيقَ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"ذكرنا\".\n(^٢) في ت ٢: \"عبد\".\n(^٣) في ت ٢، ف: \"تخلف\".\n(^٤) في م: \"المتخلفون يتخوفون\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المتخلف يتخوف\"، وفى ف \"المتخوف يتخوف\".\n(^٥) في ص: \"فبين\".\n(^٦) بياض في: ف\n(^٧) في ت ١، ت ٢: \"ايا\".\n(^٨) في ف: \"تأكلوا\".","vol":"17","page":373},{"text":"على الأعمى، ولا على الأعرجِ، ولا على المريضِ، ولا عليكم أيُّها الناسُ، أن تأكُلوا مِن بيوتِ أنفسِكم، أو مِن بيوتِ آبائِكم، [أو مِن بيوتِ أمهاتِكم] (^١)، أو مِن بيوتِ إخوانِكم، أو مِن بيوتِ أخواتِكم، أو مِن بيوتِ أعْمامِكم، أو مِن بيوتِ عَمَّاتِكم، أو مِن بيوتِ أخوالِكم، أو مِن بيوتِ خالاتِكم، أو مِن البيوتِ التي مَلَكْتُم مَفاتِحَها (^٢)، أو مِن بيوتِ صديِقكم، إذا أذِنوا لكم في ذلك عندَ مَغِيبِهم ومَشْهَدِهِم.\nوالمفاتُحِ: الخزائنُ، واحِدُها: مِفْتَحٌ، إذا أُرِيدَ به المصدرُ، وإذا كان مِن المفاتيحِ التي (^٣) يُفْتَحُ (^٤) بها، فهى مِفْتَحٌ ومَفاتِحُ (^٥). وهى ههنا على التأويلِ الذي اخْتَرناه جمعُ مِفْتَحٍ الذي يُفْتَحُ به.\nوكان قتادةُ يتأوَّلُ في قولِه: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾. ما حدَّثنا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾: فلو أكَلْتَ مِن بيتِ صديقِك مِن غيرِ أمرِه، لم يَكُنْ بذلك بأسٌ. قال معمرٌ: قلتُ لقتادةَ: أَوَ (^٦) لَا أشربُ مِن هذا الحُبِّ (^٧)؟ قال: أنت لي (^٨) صديقٌ (^٩).\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"مفاتحه\".\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"الذي\".\n(^٤) في ت ٢: \"تفتح\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"مفتاح\".\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ف.\n(^٧) في ت ١، ت ٢: \"الحُبُّ\". والحُبُّ: الجرة الضخمة. اللسان (ح ب ب).\n(^٨) سقط من ت ١، ف.\n(^٩) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٥ مختصرا، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٤٨ من طريق سعيد، عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":374},{"text":"وأما قولُه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختَلفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: كان الغنيُّ مِن الناسِ يَتَحوَّبُ (^١) أن يأكُلَ مع الفقيرِ، فرَخَّص لهم في الأكلِ معهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-6423>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُرَاسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾. قال: كان الغنيُّ يدخُلُ على الفقيرِ من ذَوِى قرابتِه وصديقِه، فيَدْعُوه إلى طعامِه ليأكُلَ معه، فيقولُ: [واللَّهِ إنى] (^٢) لأَجْنَحُ أن أكُلَ معك - والجُنْحُ: الحَرَجُ - [وأنا غنيٌّ] (^٣) وأنت فقيرٌ. فأُمِروا أن يأكُلوا جميعًا أو أشْتاتًا (^٤).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك حيٌّ مِن أحياءِ العربِ، كانوا لا يأكُلُ أحدُهم وحدَه، [ولا يأكُلُ إلا مع غيرِه، فأَذِن اللَّهُ لهم أن يأكُلَ مَن شاء منهم وحدَه] (^٥)، ومَن شاء منهم مع غيرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6424>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: كانوا يأنَفُون ويَتَحَرَّجون أن يأكُلَ الرجلُ الطعامَ وحدَه حتى يكونَ معه\n_________\n(^١) في م: \"يتخوف\".\n(^٢) في ت ٢: \"اني والله\".\n(^٣) في ت ١: \"وإنما عنى\".\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٦٥ عن عطاء، عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٤٧ من طريق عثمان بن عطاء، عن عطاء قوله.\n(^٥) سقط من: ت ٢.","vol":"17","page":375},{"text":"غيرُه، فرَخَّص اللهُ لهم، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: كانت بنو كِنانةَ (^٢) يَسْتَحْيِي الرجلُ منهم أن يأكُلَ وحدَه، حتى نزلَتْ هذه الآيةُ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: كانوا لا يأكُلون إلا جميعًا، ولا يأكُلون مُتَفرِّقين، وكان ذلك فيهم دِينًا، فأنزَل اللهُ: ليس عليكم حَرَجٌ (^٤) في مُؤاكَلةِ المريضِ والأعمى، وليس عليكم حَرجٌ أن تأكُلوا جميعًا أو أشْتاتًا (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾. قال: كان مِن العربِ مِن لا يأكُلُ أبدًا جميعًا، ومنهم مَن لا يأكُلُ إلا جميعًا، فقال اللَّهُ ذلك (^٦).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: نزلَت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ في حيٍّ مِن العربِ كان الرجلُ منهم لا يأكُلُ طعامَه وحدَه، كان يحمِلُه بعضَ يومٍ حتى يَجِدَ مَن يأكُلُه معه. قال: وأحسَبُ أنه ذكَر أنهم مِن كِنانَة (^٧).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٣٦٦.\n(^٢) بعده في ص، ف: \"بقول\"، وفى ت ١، ت ٢: \"تقول\".\n(^٣) ينظر التبيان ٧/ ٤١٠.\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٤٧ من طريق أبي معاذ به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٤٩ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٧) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٤٩ من طريق سعيد، عن قتادة،=","vol":"17","page":376},{"text":"[قال آخرون: بل عُنِى بذلك قومٌ كانوا لا يأكُلون إذا نزَل بهم ضيفٌ إلا مع ضَيْفِهم] (^١)، فرَخَّص (^٢) لهم في (^٣) أن يأكُلوا كيف شاءوا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6425>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، عن عمرانَ بن سليمانَ، عن أبي صالحٍ وعكرمةَ، قالا: كانت الأنصارُ إذا نزَل بهم الضيفُ، لا يأكُلون حتى يأكُلَ الضيفُ معهم، فرُخِّصَ لهم، قال اللهُ: لا جُناحَ عليكم أن تأكلوا جميعًا أو أشتاتًا (^٤).\nوأَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله وضَع الحَرَج عن (^٥) المسلمين، أن يأكُلوا جميعًا معًا إذا شاءوا، أو أشْتاتًا مُتَفرِّقين إذا أرادوا، وجائزٌ أن يكونَ ذلك نزَل بسببٍ مَن كان يتحوَّبُ (^٦) مِن الأغنياءِ الأكلَ مع الفقيرِ، وجائزٌ أن يكونَ نزَل بسببِ القومِ الذين ذُكر أنهم كانوا لا يَطْعَمون وُحْدانًا، وبسببِ غيرِ ذلك، ولا خبرَ بشيءٍ مِن ذلك يقطَعُ العُذْرَ، ولا دلالةَ في ظاهرِ التنزيلِ على حقيقةِ شيءٍ منه. والصوابُ التسليمُ لِما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ، والتوقفُ فيما لم يَكُنْ على صحتِه دليل.\n_________\n= وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٨ إلى عبد بن حميد.\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) سقط من: ت ١، ف.\n(^٣) سقط من ت ١، ت ٢.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) في ص، ف: \"على\".\n(^٦) في م: \"يتخوف\".","vol":"17","page":377},{"text":"وقولُه: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فإذا دخَلتُم أَيُّها الناسُ بيوتَ أنفسِكم، فسَلَّموا على أهْلِيكم وعيالِكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-6426>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ وقتادةَ في قولِه: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. قالا: بيتُك إذا دخَلْتَه، فقُلْ (^١): سلامٌ عليكم (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. قال: سَلِّمْ على أهْلِك. قال ابن جريجٍ: وسُئِل (^٣) عطاءُ بنُ أبي رباحٍ: أحقٌّ (^٤) على الرجلِ إذا دخَل على أهلِه أَن يُسَلِّمَ عليهم (^٥)؟ قال: نعم. وقالها عمرُو بنُ دينارٍ. وتَلَوَا: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾. قال عطاءُ بنُ أبي رباحٍ ذلك غيرَ مَرَّة.\nقال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبَرني أبو الزبيرِ، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ يقولُ: إذا دخلتَ على أَهْلِك فسلِّمْ عليهم، ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"فقال\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٥، ومن طريقه البيهقي في الشعب (٨٨٤٠)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٤٩ من طريق معمر به.\n(^٣) بعده في م: \"عن\".\n(^٤) في ت ٢: \"أحتى\".\n(^٥) في ت ٢: \"على أهله\".","vol":"17","page":378},{"text":"مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾. قال: ما رأيتُه إلا يُوجِبُه (^١).\nقال ابن جريجٍ: وأخبَرني زيادٌ، عن ابن طاوسٍ أنه كان يقولُ: إذا دخَل أحدُكم بيتَه فليُسلِّمْ (^٢).\nقال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: إذا خرجتُ أواجِبٌ السلامُ أن (^٣) أُسلِّمَ عليهم؟ فإنما قال: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا﴾. قال: ما أَعْلَمُه واجبًا، ولا آثُرُ عن أحدٍ وجوبَه، ولكن أحبُّ إليَّ، وما أدَعُه إلا ناسيًا (^٤).\nقال ابن جُرَيجٍ: وقال عمرُو بنُ دينارٍ: لا.\nقال: قلتُ لعطاءٍ: فإن لم يَكُنْ في البيتِ أحدٌ؟ قال: سَلِّمْ؛ قُلْ: السلامُ على النَّبيِّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين، السلامُ على أهلِ البيتِ ورحمةُ اللهِ. قلتُ له: قولُك هذا إذا دخلتَ بيتًا ليس فيه أحدٌ (^٥)، عمَّن تَأْثُرُه؟ قال: سمِعتُه، ولم يُؤْثَرْ لى عن أحدٍ (^٦).\n_________\n(^١) في ف: \"توجيه\". وفى رواية البخاري: ما رأيته إلا توجيه قوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. وسيأتي تخريج الأثر في الصفحة التالية.\n(^٢) في ت ٢: \"فيسلم\".\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٩٤ عن ابن جريج به.\n(^٣) في م: \"هل\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٩٤ عن ابن جريج به.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٦٤٩ من طريق عبد الملك، عن عطاء، وأخرجه البيهقي في الشعب (٨٨٤١) من طريق إسماعيل بن زكريا، عن عبد الملك بن عطاء قوله. ولفظهما كلفظ أثر ابن عباس الآتي.","vol":"17","page":379},{"text":"قال ابن جُرَيجٍ: وأخبَرني عطاءٌ الخُراسانيُّ، عن ابن عباسٍ، قال: السلامُ علينا مِن ربِّنا. وقال عمرُو بنُ دينارٍ: السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحيمِ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، قال: ثنا صَدَقَةُ، عن زُهَيرٍ، عن ابن جريجٍ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: إذا دخَلتَ على أهْلِك فسَلِّمْ عليهم؛ ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾. قال: ما رأيتُه إلا يُوجِبُه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبادٍ الرازيُّ، قال: ثنا [حجاجٌ بنُ محمدٍ] (^٢) الأعورُ، قال: قال لى ابن جُرَيجٍ: أخبَرني أبو الزبيرِ أنه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ. فذكَر مثلَه.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. يقول: سَلِّموا على أهالِيكم إذا دخَلتُم بيوتَكم، وعلى غيرِ أهالِيكم، فسلِّموا إذا دخَلتُم بيوتَهم (^٣).\nوقال آخرون: بل معناه: فإذا دخَلتُم المساجدَ فسلِّموا على أهْلِها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٥٠ من طريق صدقة به، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٠٩٥) من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥٩ إلى ابن مردويه.\n(^٢) في ت ٢: \"محمد بن حجاج\".\n(^٣) ينظر تفسير البغوي ٦/ ٦٦.","vol":"17","page":380},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6427>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. قال: هي المساجدُ، يقولُ: السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين (^١).\nقال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَإِذَا (^٢) دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. قال: إذا دخلتَ المسجدَ فقُل: السلامُ على رسولِ اللَّهِ، وإذا دخلتَ بيتًا ليس فيه أحدٌ فقُل: السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين، وإذا دخلتَ بيتَك فقُل: السلامُ عليكم.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا دخَلتُم بيوتًا مِن بيوتِ المسلمين فيها ناسٌ منكم، فلْيُسلِّمْ بعضُكم على بعضٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6428>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. أي: لِيُسَلِّمْ بعضُكم على بعضٍ، كقولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٣) [النساء: ٢٩].\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٠١، والبيهقي في الشعب (٨٨٣٦) من طريق ابن المبارك به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٦٦، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٥٠ من طريق معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"إذا\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٥١ من طريق معمر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٠ إلى ابن المنذر.","vol":"17","page":381},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. قال: إذا دخَل المسلمُ [على المسلمِ] (^١) سلّم عليه، كمثلِ قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. إنما هو: لا تقتُلْ أخاك المسلمَ. وقولِه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]. قال: يقتُلُ بعضُكم بعضًا؛ قُرَيظةُ والنَّضِيرُ (^٢).\nوقال آخرون: معناه: فإذا دخَلتُم بيوتًا ليس فيها أحدٌ، فسَلِّموا على أنفسِكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-6429>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ، قال: إذا دخَلتَ بيتًا ليس فيه أحدٌ فقُل: السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين. وإذا دخَلتَ بيتًا فيه ناسٌ مِن المسلمين وغيرِ المسلمين فقُل مثلَ ذلك (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي سنانٍ، عن ماهانَ، قال: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. قال: تقولُ (^٤): السلامُ علينا مِن ربِّنا (^٥).\n_________\n(^١) سقط من النسخ، والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور ٥/ ٦٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٥١ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه البيهقي في الشعب (٨٨٤٢) من طريق حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٠ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.\n(^٤) في م: \"تقولوا\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٦٥، وابن أبي شيبة ٨/ ٦٤٩ من طريق سفيان به.","vol":"17","page":382},{"text":"حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن منصورٍ، قال شعبةُ: وسألتُه عن هذه الآيةِ: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. قال: قال إبراهيم: إذا دخلتَ بيتًا ليس فيه أحدٌ فقُل: السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن بُكَيرِ بن الأَشَجِّ، عن نافعٍ، أن عبدَ اللهِ كان إذا دخَل بيتًا ليس فيه أحدٌ، قال: السلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصالحين (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، قال: ثنا منصورٌ، عن إبراهيمَ: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. قال: إذا دخلتَ بيتًا فيه يهودُ فقُل: السلامُ عليكم. وإن (^٣) لم يَكُنْ فيه أحدٌ فقُل: السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: فإذا دخَلتُم بيوتًا مِن بيوتِ المسلمين فلْيُسَلِّمْ بعضُكم على بعضٍ.\nوإنما قُلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن الله جل ثناؤُه قال: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾. ولم يَخْصُصُ مِن ذلك بيتًا (^٤) دونَ بيتٍ، وقال: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. يعنى: بعضُكم على بعضٍ. فكان معلومًا إذ لم يَخُصَّ (^٥) ذلك\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٨٨٣٨) من طريق شعبة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٦٤٨، والبخارى في الأدب المفرد (١٠٥٥) من طريق نافع به.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"ثم\".\n(^٤) في ت ٢: \"على بعض البيوت\".\n(^٥) في م: \"يخصص\".","vol":"17","page":383},{"text":"على بعضِ البيوتِ دونَ بعضٍ، أنه معنيٌّ به جميعُها؛ مساجدُها وغيرُ مساجدِها ومعنى قولِه: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ نظيرُ قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].\nوقولِه: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. نصَب ﴿تَحِيَّةً﴾. بمعنى: تُحَيُّون أنفسِكم تحيةً مِن عندِ اللهِ؛ السلامُ تحيةٌ. فكأنه قال: فليُحَيِّ بعضُكم بعضًا تحيةً مِن عندِ اللهِ.\nوقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ (^١) يقولُ: إنما نُصِبت بمعنى: أَمَرَكم بها تفعَلونها (^٢) تحيةً منه.\nووصَف جلَّ ثناؤه هذه التحيةَ بالمباركةِ الطيبةِ؛ لِما فيها مِن الأجرِ الجزيلِ، والثوابِ العظيمِ.\nوقولُه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هكذا يُفَصِّلُ (^٣) اللهُ لكم معالمَ دينِكم، فيُبَيِّنُها لكم، كما فَصَّل لكم في هذه الآيةِ ما أحلَّ لكم فيها، وعرَّفكم سبيلَ الدخولِ على مَن تدخُلون عليه، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: لكى تَفْقَهوا عن اللهِ أمرَه ونهيَه وأدبَه.\n\n<span id=\"aya-2853\"></span><span data-type='title' id=toc-6430>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ</span>\n_________\n(^١) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٦٢.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ف: \"تفعلونه\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"يعمل\".","vol":"17","page":384},{"text":"وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ما المؤمنون حقَّ الإيمان إلا الذين صدَّقوا الله ورسوله، ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ﴾. يقولُ: وإذا كانوا (^١) مع رسولِ اللهِ ﷺ ﴿عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾. يقولُ: على أمرٍ يجمعُ جميعَهم؛ مِن حربٍ حضَرَت، أو صلاةٍ (^٢) اجتُمِع لها، أو تشاوُرٍ في أمرٍ نزَل، ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾. يقولُ: لم ينصَرِفوا عما اجتَمعوا له مِن الأمرِ حتى يَسْتأذِنوا رسولَ اللهِ ﷺ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6431>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾. يقولُ: إذا كان أمرَ طاعةٍ للهِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾. قال: أمرٌ مِن طاعةِ اللهِ عامٌّ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا [محمدُ بنُ بكرٍ] (^٤)، قال: أخبَرنا ابن جريجٍ، قال: سأل مكحولًا الشاميَّ إنسانٌ، وأنا أسمعُ، ومكحولٌ جالسٌ مع عطاءٍ، عن\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"جمعت\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٦٥٣ عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٠ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في ت ٢: \"بن بكير\".","vol":"17","page":385},{"text":"قولِ اللهِ في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾. فقال مكحولٌ: في يومِ الجمعةِ، وفى زَحْفٍ، وفي كلِّ أمرٍ جامعٍ قد أمَر ألا يذهبَ أحدٌ في يومِ جمعةٍ (^١) حتى يستأذنَ الإمامَ، وكذلك في كلِّ أمرٍ (^٢) جامعٍ. ألا تَرى أنه يقولُ: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ (^٣)؟\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا هشامُ بنُ حسانَ، عن الحسنِ، قال: كان الرجلُ إذا كانت له حاجةٌ والإمامُ يخطُبُ، قام فأمسَك بأنْفِهِ، فأشارَ إليه الإمامُ أن يخرُجَ. قال: فكان رجلٌ قد أرادَ الرجوعَ إلى أهلِه، فقامَ إلى هَرِمِ ابن حَيَّانَ وهو يخطُبُ، فأخَذ بأنْفِه، فأشارَ إليه هَرِمٌ أن يذهبَ، فخرَج إلى أهلِه فأقامَ فيهم، ثم قَدِم. قال له هَرِمٌ: أين كنتَ؟ قال: في أهْلى. قال: أَبإذْنِ ذَهَبتَ؟ قال: نعم؛ قمتُ إليك وأنت تخطُبُ، فأخذتُ بأنْفى، فأَشَرْتَ إليَّ أنِ اذهَبْ، فذهَبتُ. فقال: أفاتَّخَذْتَ هذا دَغَلًا (^٤)؟! أو كلمةً نحوَها. ثم قال: اللهمَّ أخِّرْ رجالَ السَّوْءِ إلى زمانِ السَّوْءِ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾. قال: هو الجمعةُ، إذا كانوا معه لم يذهَبوا حتى يستأذِنوه (^٥).\n_________\n(^١) في ت ٢: \"الجمعة\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٣/ ٢٤٢ وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٥٣ (١٤٩١٨) من طريق ابن جريج، به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أي: أتخدع به الناس، والدغل: الفساد، وقيل هو من قولهم: أدخلت في هذا الأمر. إذا أدخلت فيه ما يخالفه ويفسده. النهاية ٢/ ١٢٣.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٦، ومصنفه ٣/ ٢٤٣.","vol":"17","page":386},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾. قال: الأمرُ الجامعُ حينَ يكونون معه في جماعةِ الحربِ أو جمعةٍ. قال: والجمعةُ مِن الأمرِ الجامعِ، لا ينبغى لأحدٍ أن يخرُجَ (^١) إذا قعَد الإمامُ على المنبرِ يومَ الجمعةِ إلا بإذنِ سلطانٍ، إذا كان حيثُ يَراه أو يقدِرُ عليه، ولا يخرُجُ إلا بإذنٍ، وإذا كان حيثُ لا يَراه ولا يقدِرُ عليه، ولا يَصِلُ إليه، فاللهُ أولى بالعُذْرِ (^٢).\nوقولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين لا يَنْصَرِفون يا محمدُ، إذا كانوا معك في أمرٍ جامعٍ، عنك إلا بإذْنِك لهم؛ [طاعةً منهم] (^٣) للهِ ولك، وتَصْديقًا بما أتيتَهم به مِن عندى، أولئك الذين يُصَدِّقون الله ورسولَه حقًّا، لا مَن يخالفُ أمرَ اللَّهِ وأمرَ رسولِه، فينصرِفُ عنك بغيرِ إذنٍ منك له، بعدَ تَقدُّمِك إليه ألا ينصرفَ عنك إلا بإذْنِك.\nوقولُه: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا اسْتأذَنك (^٤) يا محمدُ الذين لا يذهَبون عنك إلا بإذْنِك في هذه المواطنِ، ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾. يعنى: لبعضِ حاجاتِهم التي تَعْرِضُ لهم، ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ في الانصرافِ عنك لقضائِها، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾. يقولُ: وادعُ الله لهم بأن يتفضَّلَ عليهم بالعفوِ عن تَبِعاتِ ما بينَه وبينَهم، ﴿إِنَّ\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"إلا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٥٤ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) في ت ٢: \"استأذنوك\".","vol":"17","page":387},{"text":"اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لذنوبِ عبادهِ التائبِين، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم أن يُعاقِبَهم عليها بعدَ توبتِهم منها.\n\n<span id=\"aya-2854\"></span><span data-type='title' id=toc-6433>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لأصحابِ نبيِّه محمدٍ ﷺ: لا تَجْعَلُوا أَيُّها المؤمنون ﴿دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾.\nواختَلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: نَهَى اللهُ بهذه الآيةِ المؤمنين أن يَتعرَّضوا لدعاءِ الرسولِ عليهم، وقال (^١) لهم (^٢): اتَّقوا دعاءَه [عليكم، بأن تفعَلوا ما يُسْخِطُه، فيَدعُوَ لذلك (^٣) عليكم فتَهْلِكوا، فلا تجعَلوا دعاءَه كدعاءِ غيرِه مِن الناسِ؛ فإن دعاءَه] (^٤) موجِبةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6432>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾: دعوةُ الرسولِ عليكم مُوجِبةٌ، فاحْذَروها (^٥).\n_________\n(^١) في ت ٢: \"يقول\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"له\".\n(^٣) في ت ١: \"بذلك\".\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٥٥ عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦١ إلى ابن مردويه.","vol":"17","page":388},{"text":"وقال آخرون: بل ذلك نَهْىٌ مِن اللهِ أن يَدْعُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ بِغَلَظٍ (^١) وجَفاءٍ، وأمَرهم أن يَدْعُوه بلِينٍ وتواضعٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6434>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾. قال: أمَرهم أن يَدْعوا: يا رسولَ اللهِ. في لِينٍ وتواضعٍ، ولا يقولوا: يا محمدُ. في تَجهُّمٍ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾.\nقال: أمَرهم أن يَدْعوه: يا رسولَ اللهِ. في لِينٍ وتواضعٍ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾. قال: أمَرهم أن يُفَحِّموه ويُشَرِّفوه (^٣).\nوأولى التأويلَين في ذلك بالصوابِ عندى التأويلُ الذي قاله ابن عباسٍ؛ وذلك أن الذي قبلَ قولِه: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ - نَهْيٌ مِن اللهِ المؤمنين أن يأتُوا مِن الانصرافِ عنه، في الأمرِ الذي يجمعُ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"بما يغلظ\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٩٥ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٥٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦١ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٥٥ من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر ٥/ ٦١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":389},{"text":"جميعَهم، ما يكرَهُه، والذي بعدَه وعيدٌ للمُنصرفِين [عنه بغيرِ إذْنِه] (^١)، فالذي بينَهما بأن يكونَ تحذيرًا لهم سُخْطَه، أن يَضْطرَّه إلى الدعاءِ عليهم، أشبهُ مِن أن يكونَ أمرًا لهم بما لم يَجْرِ له ذكرٌ؛ من تَعْظيمِه وتوقيرِه بالقولِ والدعاءِ.\nوقولُه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنكم أيُّها المُنصرِفون عن نبيِّكم بغيرِ إِذْنِهِ، تَسَتُّرًا (^٢) وخُفْيَةً منه، وإن خَفِي أمرُ مَن يفعلُ ذلك منكم على رسولِ اللهِ ﷺ، فإن الله يعلمُ ذلك ولا يخفَى عليه، فليَتَّقِ (^٣) مَن يفعلُ ذلك منكم، الذين يُخالفِون أمرَ اللهِ في الانْصرافِ عن رسولِ اللهِ ﷺ إلا بإذْنِه - أن تُصِيبَهم فتنةٌ مِن اللهِ، أو يُصِيبَهم عذابٌ أَلِيمٌ، فيُطْبَعَ على قلوبِهم، فيكفَّروا باللهِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6435>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن (^٤) جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِ اللَّهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾. قال: [كانوا يَستتِرُ] (^٥) بعضُهم ببعضٍ، فيقومون، فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾. قال: يُطبَعُ على قلبِه، فلا يُؤْمَنُ (^٦) أن يُظهِرَ\n_________\n(^١) في م: \"بغير إذنه عنه\".\n(^٢) في ص، ت ٢: \"يسيرا\"، وفي ت ١: \"سرا\".\n(^٣) بعده في ت ١: \"الله\".\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) في ت ٢: \"كان يسر\".\n(^٦) في م، ت ١: \"يأمن\".","vol":"17","page":390},{"text":"الكفرَ بلسانِه، فتُضْرَبَ (^١) عُنُقُه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾. قال: خِلافًا (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾. قال: هؤلاء المُنافقون الذين يرجِعون بغيرِ إذنِ رسولِ اللهِ ﷺ. قال: اللِّواذُ: يلوذُ عنه ويروغُ ويذهبُ بغيرِ إذنِ النبيِّ ﷺ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمرِهِ﴾: الذين يصنَعون هذا، ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. الفتنةُ هاهنا الكفرُ (^٤).\nواللِّواذُ مصدرُ: لَاوَذْتُ بفلانٍ مُلَاوَذةٌ ولِوَاذًا. ولذلك ظهَرت الواوُ. ولو كان مصدرًا لـ \"لُذْتُ\" لقيل: لِيَاذًا (^٥). كما يقالُ: قُمْتُ قِيامًا. وإذا قيل: قَاوَمْتُك. قيل: قِوامًا طويلًا.\nواللِّوَاذُ هو أن يلوذَ القومُ بعضُهم ببعضٍ؛ يستترُ هذا بهذا، وهذا بهذا، كما قال الضحاكُ.\nوقولُه: ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: أو يصيبَهم في عاجلِ الدنيا عذابٌ مِن اللهِ موجِعٌ، على صنيعِهم (^٦) ذلك، وخلافِهم (^٧) أمرَ رسولِ اللهِ ﷺ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"فيضرب\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٢ إلى أبى الشيخ.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٥٦ من طريق حجاج به، وهو في تفسير مجاهد ص ٤٩٥ من قول مجاهد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٥٧ من طريق أصبغ، عن ابن زيد، دون آخره، فقد ذكره معلقا.\n(^٥) في ت ١، ت ٢: \"لذاذا\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢: \"صنيعه\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"خلافه\".","vol":"17","page":391},{"text":"وقولُه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمرِهِ﴾. وأُدخلت ﴿عَنْ﴾ لأن معنى الكلامِ: فليَحْذَرِ الذين يَلوذُون (^١) عن أمرِه، ويُدْبِرون عنه مُعرضِين.\n\n<span id=\"aya-2855\"></span><span data-type='title' id=toc-6436>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مُلْكَ جميعِ [ما في] (^٢) السماواتِ والأرضِ. يقولُ: فلا ينبغى لمملوكٍ أن يُخالِفَ أمرَ مالِكِه فيَعصيَه، فيستوجِبَ بذلك عقوبتَه. يقولُ: فكذلك أنتم أيُّها الناسُ، لا يصلُحُ لكم خلافُ ربِّكم الذي هو مالِكُكم، فأطِيعُوه واتَّمِروا لأمرِه، ولا تنْصرِفوا عن رسولِه إذا كُنتُم معه على أمرٍ جامعٍ إِلَّا بإذنِه.\nوقولُه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾. [يقولُ: قد يعلَمُ ربُّكم ما أنتم عليه] (^٣) من طاعتِكم إيَّاهُ فيما أمَركم ونَهاكم مِن ذلك.\nكما حدَّثني (^٤) يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾: صنِيعَكم هذا أيضًا (^٥).\n﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾. يقولُ: ويَومَ يَرْجِعُ إِلى اللَّهِ الذين يُخالفونَ عَن أمرِه ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾. يقولُ: فيُخبرُهم حينَئذٍ ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ في الدُّنيا، ثم يُجازِيهم على ما أسلَفُوا فيها من خِلافِهم على ربِّهم. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"يولون\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت، ف.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٤) بعده في م: \"أيضًا\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٥٨ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"17","page":392},{"text":"ذو علمٍ بكلِّ شيءٍ عَمِلتُموه (^١) أنتُم وهم وغيرُكم، وغيرِ ذلك مِن الأمورِ، لا يَخفَى عليه شيءٌ، بل هو محيطٌ بذلك كلِّه، وهو مُوَفٍّ كلَّ عاملٍ منكم أجْرَ عملِه يومَ تُرْجَعون إليهِ.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"النورِ\"\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"علمتموه\".","vol":"17","page":393},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6437>تفسيُر سورةِ الفرقانِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-2856\"></span><span data-type='title' id=toc-6439>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدستْ أسماؤُه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا </span>(١)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: تبارَك: تَفاعَلَ مِن البرَكةِ.\nكما حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا أبو رَوقٍ، عن الضحاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بن عباسٍ، قال: ﴿تَبَارَكَ﴾: تَفَاعَلَ من البرَكةِ (^١).\nوهو كقولِ القائلِ: تقدَّس ربُّنا. فقولُه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾.\nيقولُ: تبارَك الذي نزَّل الفَصْلَ بينَ الحقِّ والباطلِ، فصْلًا بعدَ فصلٍ، وسورةً بعدَ سُورةٍ، ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمدٍ ﷺ؛ ﴿لِيَكُونَ﴾ محمدٌ الجميعِ الجنِّ والإنسِ الذين (^٢) بعثَه اللَّهُ إليهم داعيًا إليهِ، ﴿نَذِيرًا﴾. يعنى مُنذِرًا يُنذِرُهم عِقابَه، ويُخوِّفُهم عذابَه، إنْ لم يُوَحِّدُوه، ولم يُخلِصُوا له العِبادةَ، ويَخلَعوا كلَّ ما دونَه من الآلهةِ والأوثانِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6438>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿تَبَارَكَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٥٩ من طريق محمد بن العلاء به.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذي\".","vol":"17","page":394},{"text":"الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾. قال: النبيُّ النذيرُ. وقرَأ: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]. وقرَأ: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨]. قال: رُسلٌ. قال: المُنْذِرُونَ الرُّسُلُ. قال: وكان نذيرًا واحدًا بلَغ ما بينَ المشرقِ والمغربِ ذُو القرْنينِ، ثم بلغ السدَّينِ، وكان نذيرًا، ولم أسمَعْ أحدًا يَحِقُّ (^١) أَنَّه كان نبيًّا. ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. قال: مَن بلَغه القرآنُ مِن الخَلْقِ فرسولُ اللهِ نذيرُه. وقرَأ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال: لم يُرسِلِ اللهُ رسولًا إلى الناسِ عامةً إلَّا نوحًا، بدَأ به الخلقَ (^٢)، فكان رسولَ أهلِ الأرضِ كلِّهم، ومحمدٌ ﷺ ختَمَ بهِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-2857\"></span><span data-type='title' id=toc-6440>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا </span>(٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: تبارَك الذي نزَّل الفرقانَ الذي له مُلكُ السماواتِ والأرضِ. فـ ﴿الَّذِي﴾ الثانيةُ مِن نعتِ ﴿الَّذِي﴾ الأولى، وهما جميعًا في موضعِ رفعٍ؛ الأولى بقولِه: ﴿تَبَرَكَ﴾. والثانيةُ نعتٌ لها.\nويعنى بقولِه: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: الذي له سلطانُ السماواتِ والأرضِ يُنْفِذُ في جميعِها أمرَه وقضاءَه، ويُمْضِى في كلِّها أَحْكامَه. يقولُ: فحقَّ على مَن كان كذلك أنْ يُطيعَه أهلُ مملَكتِه، ومَنْ في سُلطانِه، ولا\n_________\n(^١) حقَّ الشيء: أوجبه وأثبته، وصار عنده حقًّا لا يشك فيه، وحقَّ الأمر يَحِقُّ، ويَحُقُّ: وَضَحَ ولم يكُ فيه شك. التاج (ح ق ق).\n(^٢) سقط من: ت ١، ت، ف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٦٠ من طريق أصبغ عن ابن زيد إلى قوله: نبيا.","vol":"17","page":395},{"text":"يعصُوه. يقولُ: فلا تعصُوا نذِيرِى إليكم أيُّها الناسُ، واتَّبِعُوه، واعمَلوا بما جاءكُم بهِ من الحقِّ.\n﴿اوَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾. يقولُ تكْذيبًا لمن أضاف إليه الولدَ، وقال: الملائكةُ بناتُ اللهِ: ما اتَّخذ الذي نزَّل الفرقانَ على عبدِه ولدًا، فمَن أضاف إليه ولدًا فقد كذَب وافترَى على ربِّه.\n﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾. يقولُ تكْذيبًا لمَن كان يُضيفُ الأُلُوهةَ إلى الأصنامِ ويَعبدُها من دونِ اللهِ من مُشركِي العربِ، ويقولُ في تلبيتِه: لبَّيْك لا شريكَ لك، إلا شريكًا هو لك، تَمْلِكُه وما ملَك: كذَب قائلُو هذا القولِ، ما كان للهِ من شريكٍ في مُلِكه وسلطانِه فيَصلُحَ أنْ يُعبَدَ من دونِه. يقولُ تعالى ذِكرُه: فأَفْردُوا أيها الناسُ لربِّكُم الذي نزَّل الفرقانَ على (^١) محمدٍ نبيهِ ﷺ الأُلوهةَ، وأخْلِصُوا له العبادةَ دونَ كلِّ ما تَعبدُونَه مِن دونِه مِن الآلهةِ والأصنامِ والملائكةِ والجنِّ والإنسِ؛ فإنَّ كلَّ ذلك خَلْقُه وفى مِلْكِه؛ ولا تصلُحُ العبادةُ إلا للهِ الذي هو مالكُ جميعِ ذلك.\nوقولُه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. يقولُ تعالى ذكْرُه: وخلَق الذي نزَّل على محمدٍ الفرقانَ كلَّ شيءٍ، فالأشياءُ كلُّها خَلْقُه ومِلْكُه، وعلى المماليكِ طاعةُ مالِكِهم، وخدمةُ سيدِهم دونَ غيرِه. يقولُ: وأنا خالِقُكم ومالِكُكم، فأخلِصُوا لى العبادةَ دونَ غيرِى.\nوقولُه: ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾. يقولُ: فسوَّى كلَّ ما خلَقَ، وهيَّأَه لما يصلُحُ له، فلا خَلَل فيه ولا تفاوتَ.\n\n<span id=\"aya-2858\"></span><span data-type='title' id=toc-6441>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا</span>\n_________\n(^١) بعده في م: \"عبده\".","vol":"17","page":396},{"text":"وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه مُقَرِّعًا مشركي العربِ بعبادتِهم ما دونَه مِنَ الآلهةِ، ومُعَجِّبًا أُولى النُّهى منهم، ومُنَبِّهَهم على موضعِ خطأِ فِعْلِهم، وذَهابِهم عن (^١) منهجِ الحقِّ، وركوبِهم مِن سُبُلِ الضَّلَالِةِ ما لا يَرْكَبُه إلا كلُّ مَدْخُولِ (^٢) الرأْيِ، مَسْلوبِ العقلِ: واتَّخذ هؤلاء المشركون باللهِ مِن دونِ الذي له مُلكُ السماواتِ والأرضِ وحدَه، مِن غيرِ شريكٍ، الذي خلق كلَّ شيءٍ فقدَّره ﴿آلِهَةً﴾. يعنى: أصنامًا بأيدِيهم يَعبدُونَها، لا تخلُقُ شيئًا وهى تُخْلَقُ، ولا تَمْلِكُ لأنفسِها نفعًا تَجرُّه إليها، ولا ضرًّا تدفَعُه عنها ممَّن أرادها (^٣) بضرٍّ (^٤)، ولا تَمْلِكُ إماتةَ حيٍّ، ولا إحياءَ ميتٍ، ولا نَشْرَه مِن بعدِ مماتِه، وتركُوا عبادةَ خالقِ كلَّ شيءٍ، وخالقِ آلهتِهم، ومالكِ الضرِّ والنفعِ، والذي بيدِه الموتُ والحياةُ والنشورُ.\nوالنشورُ مصدرُ: نَشَر الميتُ نُشُورًا، وهو أن يُبعثَ ويحيا بعدَ الموتِ.\n\n<span id=\"aya-2859\"></span><span data-type='title' id=toc-6442>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا </span>(٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاءِ الكافرونَ باللهِ الذين اتَّخذوا من دونِه آلهةً: ما هذا القرآنُ الذي جاءَنا بهِ محمدٌ ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾. يعنى: إِلَّا كَذَبٌ وبُهتانٌ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٢) مَدْخُول: الدَّخَلُ: ما داخَلَكَ من فساد في عقل أو جسم، وقد دَخِلَ دَخَلًا بالتحريك، فهو مدخول. التاج (د خ ل).\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت، ف: \"أراد\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"يضر\".","vol":"17","page":397},{"text":"﴿افْتَرَاهُ﴾ اخْتلَقه وتخرَّصَه [وتقوَّلَه] (^١)، ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾. ذُكِر أنَّهم كانوا يقولون: إنَّما يُعَلِّمُ محمدًا هذا الذي يجيئُنا به اليهودُ. فذلك قولُه: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾. يقولُ: وأعان محمدًا على هذا الإفكِ الذي افتراه يهودُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6443>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾. قال: يهودُ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقولُه: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فقد أتى قائلُو هذه المقالةِ - يعنى الذين قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ - ﴿ظُلْمًا﴾، يعنى بالظلمِ نسبتَهم كلامَ اللهِ وتَنْزِيلَه إلى أنَّه إفكٌ افترَاه محمدٌ ﷺ.\nوقد بيَّنا فيما مضى أنَّ معنى الظُّلمِ. وَضْعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه (^٣). فكأَنَّ ظُلْمَ قائلى هذه المقالةِ القرآنَ بقيلِهم هذا وَصْفُهُم إِيَّاهُ بغيرِ صفتِه.\n_________\n(^١) في م: \"بقوله\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٩٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٦٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٣ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٥٩، ٥٦٠.","vol":"17","page":398},{"text":"والزُّورُ أصلُه تحسينُ الباطلِ، فتأويلُ الكلام: فقد أتى هؤلاءِ القومُ في قيلِهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ كذبًا مُحسَّنًا (^١).\nوبنحوِ ذلك (^٢) قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6444>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾. قال: كذِبًا (^٣).\n\n<span id=\"aya-2860\"></span><span data-type='title' id=toc-6446>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾.</span>\nذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت في النَّضرِ بن الحارثِ، وأنَّه المعنيُّ بقولِه: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-6445>ذكرُ [الرِّوايةِ بذلك]</span> (^٤)\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا شيخٌ مِن أهلُ مصرَ، قدِم منذُ بضعٍ وأربعينَ سنةً، عن عِكرِمةَ، عن ابن عباسٍ،\n_________\n(^١) في م: \"محضًا\".\n(^٢) في م: \"الذي قلنا\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٩٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٦٣، وهو تتمة الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٤) في م: \"من قال ذلك\".","vol":"17","page":399},{"text":"قال: كان النَّضْرُ بنُ الحارثِ بن كَلَدَةَ بن عَلْقَمَةَ بن عبدِ منافِ بن عبدِ الدارِ بن قُصيٍّ من شياطينِ قريشٍ، وكان يُؤذِى رسولَ اللهِ ﷺ، وينْصِبُ له العداوةَ، وكان قد قدِم الحِيرةَ، [وتعلَّم] (^١) بها أحاديثَ ملوكِ فارسَ، وأحاديثَ رُسْتَمَ وإسفندياز (^٢)، فكان رسولُ اللهِ ﷺ إذا جلَس مجْلِسًا فذكَّر باللهِ، وحذَّر (^٣) قومَه ما أصاب مَن قبلَهم من الأممِ مِن نقمةِ اللهِ، خلفَه في مجلسِه إذا قام، ثم يقولُ: أنا واللهِ يا معشرَ قُريشٍ أحسنُ حديثًا منه، فهلمُّوا فأنا أُحدِّثُكم أحسنَ من حديثِه. ثم يُحدِّثُهم عن ملوكِ فارِسَ ورُسْتَمَ وإسفندياز، ثم يقولُ: ما (^٤) محمدٌ أحسنَ حديثًا منى. قال: فأنزَل اللهُ (^٤) ﵎ في النضرِ ثمانيَ آياتٍ من القرآنِ؛ [قولَ اللهِ] (^٥): ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥، والمطففين: ١٣]. وكلَّ ما ذُكر فيه الأساطيرُ في القرآنِ (^٦).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ، عن سعيدٍ أو عِكرِمةَ، عن ابن عباسٍ نحوَه، إلا أنَّه جعَل قولَه: فأنزَل اللهُ في النضْرِ ثمانيَ آياتٍ، عن ابن إسحاقَ، عن الكلبيِّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ (^٧).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ:\n_________\n(^١) في ص، م: \"تعلم\"، وفى ت،٢، ف: \"ويعلم\".\n(^٢) في م، ونسخة من سيرة ابن هشام: \"أسفنديار\"، وفى نسخة منها: \"اسبنديار\"، والمثبت موافق لسيرة ابن إسحاق وبقية نسخ سيرة ابن هشام.\n(^٣) في ص، م: \"حدث\".\n(^٤) في سيرة ابن إسحاق وسيرة ابن هشام \"بماذا\".\n(^٥) في ص، م: \"قوله\".\n(^٦) سيرة ابن إسحاق (٢٥٦)، وسيرة ابن هشام ١/ ٣٠.\n(^٧) سيرة ابن إسحاق (٢٥٧) عن رجل، عن سعيد، عن ابن عباس.","vol":"17","page":400},{"text":"﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أشعارُهم وكَهانتُهم، وقالها النَّضْرُ بن الحارثُ.\nفتأويلُ الكلامِ: وقال هؤلاءِ المشركونَ باللهِ الذين قالوا لهذا القرآنِ: إنْ هذا إلَّا إِفكٌ افترَاه محمدٌ ﷺ: هذا الذي جاءَنا به محمدٌ أساطيرُ الأوَّلين - يَعنُون: أحادِيثَهم التي كانوا يُسَطِّرونَها في كُتُبِهم - اكْتَتَبَها محمدٌ (^١) مِن يَهُودَ. ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾. يَعنونَ بقوْلِهم (^٢): ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾: فهذه الأساطيرُ تُقرَأُ عليهِ. من (^٣) قولِهم: أمليتُ عليك الكتابَ، وأملَلْتُ. ﴿بُكْرَةً﴾: غُدوةً (^٤) ﴿وَأَصِيلًا﴾. يقولُ: وتُمْلَى عليه (^٥) عشيًّا.\nوقولُه: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قل يا محمدُ لهؤلاءِ المكذِّبين بآياتِ اللهِ مِن مُشركِي قومِك: ما الأمرُ كما تقولُون؛ مِن أنَّ هذا القرآنَ أساطيرُ الأوَّلينَ، وأنَّ محمدًا ﷺ افترَاه، وأعانَه عليهِ قومٌ آخرونَ، بل هو الحقُّ، أنزَله الربُّ الذي يعلَمُ سرَّ مَن في السماواتِ ومَن في الأرضِ، ولا يخفَى عليه شيءٌ، وهو (٤) مُحْصِى ذلك على خَلْقِه، ومُجازِيهم بما عزَمَتْ عليه قلُوبُهم، وأضْمَروه في نفُوسِهم. ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يقولُ: إنَّه لم يزلْ يصفحُ عن خَلْقِه ويَرْحمُهم، فيتفضَّلُ عليهم بعفوِه. يقولُ: فلِأَنَّ ذلك عادتِه (^٦) في خَلْقِه، يُمْهِلُكم أيُّها القائلونَ ما قُلتُم من الإفكِ، والفاعلونَ ما فعلتُم مِنَ الكفرِ.\n_________\n(^١) بعده في النسخ: \"ﷺ\".\n(^٢) في م، ف: \"بقوله\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"فمن\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) بعده في م: \"غدوة و\".\n(^٦) في ت ١، ت ٢: \"عاداته\".","vol":"17","page":401},{"text":"وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6447>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\n\n<span id=\"aya-2861\"></span>حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: ما يُسِرُّ أهلُ الأرضِ وأهلُ السماءِ.\n\n<span id=\"aya-2862\"></span><span data-type='title' id=toc-6448>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)﴾.</span>\nذُكِر أن هاتينِ الآيتينِ نزَلتَا على رسولِ اللهِ ﷺ فيما كان مشركُو قومِه قالوا له ليلةَ اجتماعِ أشْرافِهم بظهرِ الكعبةِ، وعرَضوا عليه أشياءُ، وسألُوه الآياتِ.\nفكان فيما كلَّموه به حينَئذٍ، فيما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، أو عِكرِمةَ مولى ابن عباسٍ، عن ابن عباس، إذ (^١) قالوا له: فإن لم تفعل لنا هذا - يعنى ما سألُوه من تسييرِ جبالِهم عنهم، وإحياءِ آبائِهم، والمجيءِ باللهِ والملائكةِ قبيلًا، وما ذكَره اللهُ في سورةِ \"بَنى إسرائيل\" - فخُذْ لنفسِك؛ سلْ ربَّك يبعثْ معَك مَلَكًا يصدِّقُك بما تقولُ ويُراجِعُنا عنك، وسَلْه فيجعلْ لك قصورًا وجنانًا وكنوزًا من ذهبٍ وفضةٍ؛ تُغنيك (^٢) عما نرَاك تبتَغى، فإنَّك تقومُ بالأسواقِ (^٣)، وتلتمِسُ المعاشَ كما\n_________\n(^١) في م: \"أن\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ف: \"يغنيك\".\n(^٣) في ت ٢: \"في الأسواق\".","vol":"17","page":402},{"text":"نلتمسُه، حتى نعلَمَ (^١) فضلَك ومنزلتَك من ربِّك، إنْ كنتَ رسولًا كما تزعمُ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: ما أنا بفاعلٍ. فأنزَل اللهُ في قولِهم: أنْ خُذْ لنفسِك ما سألوه أنْ يأخذَ لها؛ أن يجعلَ له جنانًا وقصورًا وكنوزًا، أو يبعثَ معَه مَلَكًا يصدِّقُه بما يقولُ، ويرُدُّ عنه [مَن خاصَمه] (^٢): ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ (^٣).\nفتأويلُ الكلامِ: وقال المشركونَ: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾: يَعْنونَ محمدًا ﷺ، الذي يزعمُ أنَّ الله بعثَه إلينا يأكُلُ الطعامَ كما نأكلُ، ويمشى في أسواقِنا كما نمشى. ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾. يقولُ: هلَّا أُنزِل إليه مَلَكٌ إِنْ كان صادقًا، من السماءِ، فيكونَ معه معه مُنذِرًا (^٤) للناسِ، مصدِّقًا له على ما يقولُ، أو يُلقَى إليه كنزٌ مِن فضةٍ أو ذهبٍ، فلا يحتاجُ معه إلى التصرُّفِ في طلبِ المعاشِ، ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ﴾. يقولُ: أو يكونُ له بستانٌ ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾.\nواختلف القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتُه عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيينَ: ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ بالياءِ (^٥). بمعنى: يأكُلُ منها الرسولُ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"نعرف\"، وفي ت ٢: \"تعلم\".\n(^٢) في ت ٢: \"ما يخاصمه\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٦٥ من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"نذيرا\".\n(^٥) هي قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبي عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٤٦٢.","vol":"17","page":403},{"text":"وقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ الكوفيين: (نَأكُلُ مِنْها) بالنونِ (^١)، بمعنى: نأكُلُ من الجنةِ.\nوأولى القراءتينِ في ذلك عندِى بالصوابِ قراءةُ من قرَأهُ بالياءِ؛ وذلك للخبرِ الذي ذكَرنا قبلُ [مِن أنَّ] (^٢) مسألةَ مَن سأَل مِن المشركينَ رسولَ اللهِ ﷺ، أنْ يسألَ ربَّه هذه الخلالَ لنفسِه لا لهم. فإذ كانت مسْأَلتُهم إيَّاه ذلك كذلك، فغيرُ جائزٍ أَنْ يقولُوا له: سلْ لنفسِك ذلك لنأكلَ نحن.\nوبعدُ، فإن في قولِه تعالى ذكرُه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. دليلًا بيِّنًا على أنَّهم إنَّما (^٣) قالوا له: اطلبْ ذلك لنفسِك؛ لتأكلَ أنت منه، لا نحنُ.\nوقولُه: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾. يقولُ: وقال المشركونَ للمؤمنينِ باللهِ ورسولِه: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾ أيُّها القومُ باتباعِكم محمدًا إلا رجلًا به سِحْرٌ.\n\n<span id=\"aya-2863\"></span><span data-type='title' id=toc-6449>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: انظر يا محمدُ إلى هؤلاءِ المشركينَ الذين شبَّهوا لك الأشباهَ بقولِهم لك: هو مسحورٌ. فضلُّوا بذلك عن قصدِ السبيلِ، وأَخطَئُوا طريقَ الهُدَى والرشادِ، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. يقولُ: فلا يجدُونَ سبيلًا إلى الحقِّ، إِلَّا فيما بعثْتُك بهِ، ومن الوجهِ الذي ضلُّوا عنه.\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٤٦٢.\n(^٢) في ص، م: \"بأن\".\n(^٣) سقط من: ت ١، ف.","vol":"17","page":404},{"text":"وبنحوِ الذي قُلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6450>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، أو عِكرِمةً، عن ابن عباسٍ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾. أي: التَمَسوا الهدَى في غيرِ ما بعثتُك بهِ إليهم فضلُّوا، فلن يَستطِيعُوا أَنْ يُصِيبُوا الهُدَى في غيرِه (^١).\nوقال آخرونَ في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾. قال: مَخْرجًا يُخْرِجُهم مِن الأمثالِ التي ضرَبوا لك (^٢).\n\n<span id=\"aya-2864\"></span>وقولُه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تقدَّس الذي إنْ شاء جعل لك خيرًا مِن ذلك.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بـ ﴿ذَلِكَ﴾ التي في قولِه: ﴿جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: خيرًا مِمَّا قال هؤلاءِ المشركون لك يا محمدُ: هلَّا أُوتِيتَه وأنت للهِ رسولٌ. ثم بيَّن تعالى ذكرُه عن ذلك (^٣) الذي لو شاء جعَل له [من خيرٍ] (^٤) مما قالوا، فقال: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٦٥ من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.\n(^٢) تفسير مجاهدٍ ص ٤٩٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٦٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٣ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ت ١: \"خيرا\".","vol":"17","page":405},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6451>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا [مِنْ ذَلِكَ﴾: خيرًا] (^١) مِمَّا قالوا (^٢).\n\n<span id=\"aya-2865\"></span>حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾. قال: مِمَّا قالوا، وتَمنَّوا لك، فيجعَلُ لك مكانَ ذلك ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.\nوقال آخرونَ: بل (^٣) عُنِى [بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾] (^٤). المشيُ في الأسواقِ والْتماسُ المعاشِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6452>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبى محمدٍ - فيما يرى الطبريُّ - عن سعيدِ بن جُبيرٍ أو عِكرِمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ثم قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾: من أنْ تمشىَ في الأسواقِ وتلتمِسَ المعاشَ كما يلتمِسُه الناسُ، ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٩٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٦٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٣ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بذلك\".\n(^٥) سيرة ابن هشام ١/ ٣٠٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٦٦ من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.","vol":"17","page":406},{"text":"قال أبو جعفرٍ: والقولُ الذي ذكَرناهُ عن مجاهدٍ في ذلك أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأنَّ المشركينَ إنَّما استعْظَموا ألَّا تكونَ له جنةٌ يأكُلُ منها، وألا يُلْقَى إليه كنزٌ، واستَنكَرُوا أنْ يمشىَ في الأسواقِ، وهو للهِ رسولٌ. فالذى هو أَوْلى بوعدِ اللهِ إيَّاهُ [أنْ يكونَ وعدًا بما] (^١) هو خيرٌ مِمَّا (^٢) كان عندَ المشركينَ عظيمًا، لا (^٣) مِمَّا كان مُنكَرًا عندَهم.\nوعَنى بقولِه: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: بساتينَ تجرِى في أُصولِ أشجارِها الأنهارُ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. قال: حوائطَ (^٤).\nوقولُه: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾. يعنى بالقصورِ البيوتَ المبنيَّةَ.\nوبنحوِ ما قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6453>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾. قال: بيوتًا مبنيةً مُشيَّدةً، كان ذلك في الدُّنيا. قال: كانتْ قريشٌ ترى البيتَ من الحجارةِ قصرًا كائنًا ما كان (١).\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) سقط من: ت ١، وفى م: \"ما\".\n(^٣) سقط من ص، ت ١، ت ٢.\n(^٤) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"17","page":407},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾: مُشيَّدةً في الدُّنيا، كلُّ هذا قالتْه قريشٌ، وكانتْ قريشٌ ترى البيتَ من حجارةٍ ما كان صغيرًا قَصْرًا (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، قال: قِيل للنبيِّ ﷺ: إِنْ شِئْتَ أَنْ نُعطيَك (^٢) خزائنَ الأرضِ ومفاتيحَها، ما لم يُعطَ نبيٌّ قبلَك، ولا يُعطَى مَن بعدَك، ولا يَنقُصُ ذلك مِمَّا لك عندَ اللهِ تعالى. فقال: \"اجمَعُوها لى في الآخرةِ\". فأنزل اللهُ في ذلك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-2866\"></span><span data-type='title' id=toc-6454>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ما كذَّب هؤلاء المشركون باللهِ وأنكَروا ما جئتَهم به يا محمدُ مِن الحقِّ؛ من أجلِ أنَّك تأكلُ الطعامَ، وتمشى في الأسواقِ، ولكنْ مِن أجلِ أنَّهم لا يُوقِنُون بالمعادِ، ولا يُصدِّقُون بالثوابِ والعقابِ، تكْذيبًا منهم بالقيامةِ، وبعْثِ اللهِ الأمواتَ أحياءً لحشرِ القيامةِ، ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾. يقولُ: وأعدَدنا لمَنْ كَذَّب يبعْثِ اللهِ الأمواتَ أحياءً بعدَ فنائِهم لقيامِ الساعةِ - نارًا تُسعَّرُ عليهم وتَتَّقِدُ،\n\n<span id=\"aya-2867\"></span>﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. يقول: إذا رأَتْ هذه النارُ التي أعتدْناها لهؤلاءِ المكذِّبينَ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ١٠٣ وفيه: قصرا سواء كان كبير أو صغيرا. وفي تفسير مجاهد في الأثر السابق: ما كان فتسميه قصرا.\n(^٢) بعده في م: \"من\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٠٩، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٦٦ من طريق سفيان، عن حبيب، عن خيثمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٣ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن خيثمة.","vol":"17","page":408},{"text":"أشخاصَهم من مكانٍ بعيدٍ تغيَّظَتْ عليهم، وذلك أنْ تَغلِىَ وتفُورَ. يقال: فلانٌ يتغيَّظُ (^١) على فلانٍ، وذلك إذا (^٢) غَضِبَ عليه، فغَلَى صدْرُه من الغضَبِ عليه، وتبيَّن في كلامِه. ﴿وَزَفِيرًا﴾: وهو صوتُها.\nفإن قال قائلٌ: وكيفَ قيل: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾. والتغيُّظُ لا يُسمعُ؟\nقيل: معنى ذلك: سَمِعُوا لها صوت التغيُّظِ من التلهُّبِ والتوقُّدِ.\nحدَّثني محمودُ بنُ خِداشٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ الواسطيُّ، قال: ثنا أصْبَغُ (^٣) بنُ زيدٍ الورَّاقُ، عن خالدِ بن كَثِيرٍ، عن [خالدِ بن دُرَيْكٍ] (^٤)، عن رجلٍ مِن أصحابِ محمدٍ ﷺ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"مَنْ يَقُلْ (^٥) عَليَّ ما لم أَقُلْ فَلْيَتَبَوأْ بينَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ مَقْعَدًا\". قالوا: يا رسولَ اللهِ، وهل لها من عينٍ؟ قال: \"ألم تَسْمَعُوا إلى قَوْلِ اللهِ: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾؟ \" الآية (^٦).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ في قولِه: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾. قال: أخبَرنى منصورُ بنُ المعتمرِ، عن مجاهدٍ، عن عُبَيدِ بن عُمَيرٍ، قال: إِنَّ جهنمَ لَتَزْفِرُ زَفْرَةً لا يبقَى مَلَكٌ ولا نبيٌّ إِلا خَرَّ تُرْعَدُ فَرائِصُه حتى إِنَّ\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"تغيظ\".\n(^٢) في م: \"إذ\".\n(^٣) في م: \"أصبع\". وينظر تهذيب الكمال ٣/ ٣٠١.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٣: \"دريد\"، وفى م: \"فُديك\". وفى ت ٢، ف: \"دريك\"، والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٨/ ٥٣.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ف: \"يقول\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ١٠٤ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٦٧ من طريق أصبغ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":409},{"text":"إبراهيمَ ليجْثُو على رُكْبتَيه، فيقولُ: يا ربَّ لا أسأَلُك (^١) اليومَ إلا نفسِى (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إِنَّ الرجلَ ليُجَرُّ (^٣) إلى النارِ، فتنزَوِى وينقبضُ بعضُها إلى بعضٍ، فيقولُ لها الرحمنُ: مَا لَكِ؟ قالتْ (^٤): إنَّه يستَجِيرُ (^٥) مِنِّي. فيقولُ: أرسِلُوا عبدِى. وإنَّ الرَّجلَ ليُجَرُّ إلى النارِ، فيقولُ: يا ربِّ ما كان هذا الظنَّ بك؟ فيقولُ: فما كان ظُنُّك؟ فيقولُ: أَنْ تَسَعَني رَحْمتُك (^٦). فيقولُ: أرسِلُوا عبدِى. وإنَّ الرجلَ ليُجَرُّ إلى النارِ، فتَشْهَقُ إليه النارُ شُهوقَ البغْلةِ إلى الشَّعِيرِ، وتَزْفِرُ زَفْرَةً لا يَبقَى أحدٌ إلا خاف (^٧).\n\n<span id=\"aya-2868\"></span><span data-type='title' id=toc-6455>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا أُلقى هؤلاء المكذِّبونَ بالساعةِ من النارِ مكانًا ضيقًا، قد قُرِّنَتْ أيديهم إلى أعناقِهم في الأغلالِ، ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾.\nواختلف أهلُ التأويلِ في معنى الثُّبورِ؛ فقال بعضُهم: هو الوَيْلُ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أملك\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٦٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ف: \"ليخر\".\n(^٤) في م، ت ٢: \"فتقول\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢: \"ليستجير\".\n(^٦) بعده في ص، م، ت ١، ف: \"قال\".\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ١٠٥ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٦٨ من طريق إسرائيل به مقتصرًا على أوله.","vol":"17","page":410},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6456>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\n\n<span id=\"aya-2869\"></span>حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾. يقولُ: وَيُلًا (^١)\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾.\nيقولُ: لا تدْعُوا اليومَ ويْلًا واحدًا، وادْعُوا ويْلًا كَثِيرًا (^٢).\nوقال آخرون: الثُّبورُ الهلاكُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6457>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا﴾: الثُّبورُ الهلاكُ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: والثُّبورُ في كلامِ العربِ أصْلُه انصرافُ الرجلِ عن الشيءِ، يُقالُ منه: ما ثَبَرك عن هذا الأمرِ؟ أي: ما صرَفك عنه؟ وهو في هذا الموضعِ دعاءُ هؤلاء القومِ بالندمِ على انصرافِهم عن طاعةِ اللهِ في الدُّنيا، والإيمانِ بما جاءَهم به نبيُّ، اللهِ ﷺ، حتى استَوجَبوا العقُوبةَ منه، كما يقولُ القائلُ: وَانَدَامَتاه، واحَسْرَتاه على ما فرَّطتُ في جَنبِ اللهِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٦٩ من طريق أبي صالح به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٦٩ عن محمد بن سعد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٦٩ من طريق جويبر، عن الضحاك.","vol":"17","page":411},{"text":"وكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ (^١) يقولُ في قولِه: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا﴾: أي: هَلَكةً. ويقولُ: هو مصدرٌ من: ثُبِرَ الرجلُ. أي: أُهلِك. ويستَشْهِدُ لقيلِه (^٢) ذلك ببيتِ ابن الزِّبَعْرَى (^٣):\nإذْ أُجارِى الشَّيْطَانَ في سَنَنِ الغَسيِّ (^٤) … وَمَنْ مالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ\nوقولُه: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ [ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾. يقولُ: لا تدعُوا اليوم] (^٥) أيُّها المشركون ندمًا واحدًا - أي: مرَّةً واحدةً - ولكن ادعُوا ذلك كثيرًا.\nوإنَّما قيل: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا﴾؛ لأنَّ الثُّبورَ مصدرٌ، والمصادرُ لا تُجمَعُ، وإنَّما تُوصَفُ بامتدادِ وقتِها وكثرتِها، كما يقالُ: قعد قُعُودًا طويلًا، وأكَل أكلًا كثيرًا.\nحدَّثنا محمدُ بنُ مرزوقٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حَمَّادٌ، قال: ثنا عليُّ بنُ زيدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"أَوَّلُ مَنْ يُكسى حُلَّةً مِنَ النَّارِ إبْلِيسُ، فَيضَعُها على حاجِبَيْهِ، ويَسْحَبُها مِن خَلْفِه، وذُرِّيَّتُه مِن خَلْفِه، وهو يقولُ: يا ثُبُورَاه. وهم يُنادون: يا ثُبُورَهم، حتى يَقِفُوا على النَّارِ، وهو يقولُ: يا ثُبوراه. وهم يُنادون: يا ثُبورَهم. فيقالُ: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ \" (^٦).\n_________\n(^١) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٧١.\n(^٢) بعده في م: \"في\".\n(^٣) تقدم في ١٥/ ١٠٨.\n(^٤) في ت ٢: \"العمى\".\n(^٥) سقط من النسخ، ولا بد منها لاستقامة السياق، ويؤيده ما بعده.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٣/ ١٦٨، ١٤/ ١٠٩، وأحمد ٢٠/ ١٤ (١٢٥٣٦)، وابن أبي عاصم في الأوائل (١١٨)، والبزار (٣٤٩٥ - كشف)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٦٩، والطبراني في الأوائل (١٠٦٨)، والبيهقي في البعث (٦٤٧)، والخطيب في تاريخه ١١/ ٢٥٣ من طريق حماد بن سلمة به، وعزاه =","vol":"17","page":412},{"text":"<span id=\"aya-2870\"></span><span data-type='title' id=toc-6458>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قُلْ يا محمدُ لهؤلاءِ المكذِّبين بالساعةِ: أهذه النارُ التي وصَف لكم رَبُّكُم صِفتَها وصِفةَ، أهلِها، خيرٌ أم بستانُ الخُلدِ الذي يدومُ نعيمُه ولا يَبيدُ، الذي وعَد مَن اتَّقاه في الدنيا بطاعتِه فيما أمَره ونهاه؟.\nوقولُه: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾. يقولُ: كانت جنةُ الخُلدِ للمتقين جزاءَ أعمالِهم للهِ في الدنيا بطاعتِه، وثوابَ تقواهم إيَّاه، ومصيرًا لهم. يقولُ: ومصيرًا للمتقين يصِيرون إليها في الآخرةِ.\n\n<span id=\"aya-2871\"></span>وقولُه: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾. يقولُ: لهؤلاء المتقين في جنةِ الخُلدِ التي وعدَهموها اللهُ ما يشاءُون ممَّا تَشْتَهيه الأنفُسُ، وتلَذُّ الْأَعْينُ، ﴿خَالِدِينَ﴾ فيها. يقولُ: لابِثين فيها ماكِثين أبدًا، لا يَزولون عنها، ولا يَزولُ عنهم نَعِيمُها.\nوقولُه: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾. وذلك أنَّ المؤمنين سألوا ربَّهم ذلك في الدنيا حينَ قالوا: ﴿آتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]. فقال (^١) اللهُ ﵎: كان إعطاءُ اللهِ المؤمنين جنةَ الخُلدِ التي وصَف صِفتَها في الآخرةِ - وعْدًا وعدهم (^٢) على طاعتِهم إيَّاه في الدنيا، ومسألتِهم إيَّاه ذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n= السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٤ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^١) في م: \"يقول\".\n(^٢) بعده في م: \"الله\".","vol":"17","page":413},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6459>ذكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾. قال: فاسألوا (^١) الذي وعدَكم (^٢) وتَنَجَّزوه (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾. قال: سألوه إيَّاها في الدنيا، طلَبوا ذلك فأعطاهم وعْدَهم إذ سأَلوه أن يعطيَهم فأعطاهم، فكان ذلك وعدًا مسئولًا، كما وقَّتَ أرْزاقَ العبادِ في الأرضِ قبلَ أنْ يَخلُقَهم، فجعَلها أقواتًا للسائِلين، وقَّتَ ذلك على مسألتِهم. وقرَأ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ (^٤) [فصلت: ١٠].\nوقد كان بعضُ أهلُ العربيةِ (^٥) يُوجِّهُ معنى قولِه: ﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾. إلى أنه معنيٌّ به: وعدًا واجبًا. وذلك أنَّ المسئولَ واجبٌ وإِن لم يُسْأَلْ، كالدَّينِ. ويقولُ: ذلك نظيرُ قولِ العربِ: لأُعطينَّك ألفًا وعْدًا مَسئُولًا. بمعنى أنه (^٦) واجبٌ لك، فتسْألُه.\n\n<span id=\"aya-2872\"></span><span data-type='title' id=toc-6460>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ (^٧) وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧)﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"فسألوا\".\n(^٢) في م: \"وعدهم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٧١ من طريق ابن جريج به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٧١ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٥) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٦٣.\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٣، ف.\n(^٧) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نحشرهم\". وهما قراءتان كما سيأتي، وتفسير المصنف على قراءة من قرأ بالنون.","vol":"17","page":414},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ نحشُرُ هؤلاء المكذِّبين بالساعةِ، العابدين الأوثانَ، وما يَعبُدونَ مِن دونِ اللهِ من الملائكةِ والإنسِ والجنِّ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾. قال: عيسى وعُزيرٌ والملائكةُ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nواختَلَفتِ القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه أبو جعفرٍ القارئُ وعبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ﴾ بالياءِ جميعًا (^٢)، بمعنى: ويومَ يحشُرُهم ربُّك، ويحشُرُ ما يعبدونَ مِن دونِه فيقولُ.\nوقرَأته عامَّةُ قرَأةِ الكوفيين: (نَحْشُرُهُمْ) بالنونِ، ﴿فَيَقُولُ﴾ (^٣). وكذلك قرأه نافعٌ.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أنْ يقالَ: إنَّهما قراءتان مشهورتان، متقاربتا المعنى، فبأيَّتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقولُه: ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾. يقولُ: فيقولُ اللهُ للذين كان هؤلاء المشركون يعبُدونهم مِن دونِ اللهِ: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾؟\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٩٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٧٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٥ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) وبها قرأ يعقوب وحفص. النشر ٢/ ٢٥٠.\n(^٣) وبها قرأ نافع وأبو بكر وحمزة والكسائي وخلف، وقرأ ابن عامر بالنون فيهما. ينظر النشر الموضع السابق.","vol":"17","page":415},{"text":"يقولُ: أأنتم أَزَلْتُموهم عن طريقِ الهدَى، ودعَوتُمُوهم إلى الغَيِّ والضلالةِ حتى تاهوا وهلَكوا، ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾. يقولُ: أم عبادِى هم الذين أخطَئوا (^١) سبيلَ الرشدِ والحقِّ، وسلَكوا العَطَبَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2873\"></span><span data-type='title' id=toc-6462>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قالت الملائكةُ الذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم مِن دونِ اللهِ - وعيسى: تنزيهًا لك يا ربَّنا، وتبرِئَةً (^٣) ممَّا أضاف إليك هؤلاء المشركون، ما كان ينبغي لنا أنْ نتخذَ من دونِك مِن أولياءَ نُوالِيهم، أنت وليُّنا مِن دونِهم، ولكن متَّعْتَهم بالمالِ يا ربَّنا في الدنيا والصحةِ، حتى نَسُوا الذكرَ، وكانوا قومًا هَلْكى، قد غلَب عليهم الشقاءُ والخذِلانُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6461>ذكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾. يقُولُ: قومٌ قد ذهبتْ أعمالُهم وهم في الدنيا، ولم تكنْ لهم أعمالٌ صالحةٌ (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"ضلوا\".\n(^٢) العطب: الهلاك. اللسان (ع ط ب).\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ف: \"تنزيه\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٧٢ عن محمد بن سعد به.","vol":"17","page":416},{"text":"حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾. يقولُ: هَلْكى (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾. يقولُ: هَلْكَى (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾. قال: هم الذين لا خيرَ فيهم (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾. قال: يقولُ: ليس من الخيرِ (^٤) شيءٌ. البورُ: الذي ليس فيه من الخيرِ شيءٌ.\nواختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ الأمصارِ: ﴿نَتَّخِذَ﴾ بفتحِ النونِ، سوى الحسنِ ويزيدَ بن القَعْقاعِ، فإنَّهما قرَآه: (أنْ نُتَّخَذَ) بضمِّ النونِ (^٥). فذهب الذين فتَحوها إلى المعنى الذي بيَّنَّاه في تأويلِه؛ مِن أنَّ الملائكةَ وعيسى ومَن عُبِد مِن دونِ اللهِ مِن المؤمنين هم الذين تبرَّءوا أنْ يكونَ كان لهم وليٌّ غيرُ اللهِ تعالى ذكرُه. وأما الذين\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٧٣ من طريق أبي صالح به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٩٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٥ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٧٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) بعده في م: \"في\".\n(^٥) ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ٢٠١.","vol":"17","page":417},{"text":"قرءوا ذلك بضمِّ النونِ، فإنَّهم وجَّهوا معنى الكلامِ إلى أنَّ المعبودين في الدنيا إنَّما تبرَّءوا إلى اللهِ أنْ يكونَ كان لهم أنْ يُعْبُدوا مِن دونِ اللهِ جلَّ ثناؤُه، كما أخبَر اللهُ عن عيسى أنَّه قال إذ (^١) قيل له (^٢): ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ -: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٦، ١١٧].\nقال أبو جعفرٍ: وأولى القراءتين في ذلك عندى بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه بفتحِ النونِ؛ لعللٍ ثلاثٍ؛ إحداهنَّ، إجماع الحُجَّةِ مِن القرَأةِ عليها، والثانيةُ، أنَّ الله جلَّ ثناؤُه ذكَر نظيرَ هذه القصةِ في \"سورةِ سبأ\"، فقال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١]. فأخبَر عن الملائكةِ أنَّهم إذا سُئِلوا عن عبادةِ من عبَدهم، تبرَّءوا إلى اللهِ مِن وَلايتِهم، فقالوا لربِّهم: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾. فذلك يُوضِّحُ عن صحةِ قراءةِ من قرَأ ذلك: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾. بمعنى: ما كان ينبغى لنا أنْ نتخذَهم من دونِك أولياءَ. والثالثةُ، أنَّ العربَ لا تُدْخِلُ \"مِنْ\" هذه التي تَدْخُلُ في الجحدِ إلَّا في الأسماءِ، ولا تُدْخِلُها في الإخبارِ، لا يقولون: ما رأيتُ أخاك مِن رجلٍ. وإنَّما يقولون: ما رأيتُ من أحدٍ، وما عندِى مِن رجلٍ. وقد دخَلتْ ههنا في \"الأولياءِ\"، وهى في موضعِ الخبرِ، ولو لم تكنْ فيها \"مِن\"، كان وجهًا حسنًا.\nوأما البُورُ فمصدرٌ واحدٌ، وجمعٌ للبائرِ، يقالُ: أصبحتْ منازِلُهم بُورًا. أي: خاليةً لا شيءَ فيها. ومنه قولُهم: بارتِ السُّوقُ، وبار الطعامُ. إذا خَلا مِن الطُّلَّابِ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إذا\".\n(^٢) سقط من: م، ف.","vol":"17","page":418},{"text":"والمُشْترِى، فلم يكنْ له طالبٌ، فصار كالشيءِ الهالكِ. ومنه قولُ ابن الزِّبَعْرَى (^١):\nيا رسولَ المَلِيكِ إنَّ لسانِي … رَاتِقٌ ما فَتَقْتُ إِذْ أَنا بُورُ\nوقد قيل: إنَّ \"بور\" مصدرٌ كالعدلِ والزورِ والقطرِ (^٢)، لا يُثنَّى ولا يُجمَعُ ولا يُؤنَّثُ.\nوإنَّما أُريدَ بالبورِ في هذا الموضعِ أنَّ أعمال هؤلاء الكفارِ كانتْ باطلةً؛ لأنَّها لم تكنْ للهِ، كما ذكَرنا عن ابن عباسٍ.\n\n<span id=\"aya-2874\"></span><span data-type='title' id=toc-6464>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عمَّا هو قائلٌ للمشركين عندَ تَبرِّى مَن كانوا يعبدونَه في الدنيا مِن دونِ اللهِ منهم: قد كذَّبوكم أيُّها الكافرون مَن زعمتُم أَنَّهم أضلُّوكم، ودعَوكم إلى عبادتِهم بما تقولون. يعنى: بقولِكم. يقولُ: كذَّبوكم بكذِبكم.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6463>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ. عن مجاهدٍ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾. يقولُ اللهُ للذين كانوا يعبدون عيسى وعُزيرًا والملائكةَ: يُكذِّبون المشركين (^٣).\n_________\n(^١) تقدم في ١٣/ ٦٦٩.\n(^٢) في م، ف: \"القطع\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٤٩٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٧٣، وتقدم أوله في ص ٤١٧.","vol":"17","page":419},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾. قال: عيسى وعُزيرٌ والملائكةُ يكذِّبون المشركين بقولِهم.\nوكان ابن زيدٍ يقولُ في تأويلِ ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾. قال: كذَّبوكم بما تقولون، بما جاء مِن عندِ اللهِ، جاءتْ به الأنبياءَ، والمؤمنون آمنوا به وكذَّب هؤلاء (^١).\nفوجَّه ابن زيدٍ تأويلِ قولِه: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾. إلى: فقد كذَّبكم (^٢)، أيُّها المؤمنون، المكذِّبون بما جاءهم به محمدٌ مِن عندِ اللهِ، بما تقولون مِن الحقِّ. وهو أنْ يكونَ خبرًا عن الذين كذَّبوا الكافرين في زعمِهم أنَّهم دعَوْهُم إلى الضلالةِ وأمَروهم بها، على ما قاله مجاهدٌ من القولِ الذي ذكَرناه عنه - أشبهُ وأولى؛ لأنَّه في سياقِ الخبرِ عنهم.\nوالقراءةُ في ذلك عندَنا: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ بالتَّاءِ، على التأويلِ الذي ذكَرناه؛ لإجماعِ الحُجةِ من قرَأةِ الأمصارِ عليه. وقد حُكِى عن بعضِهم أنه قرَأه: (فقد كَذَّبُوكُمْ بمَا يَقُولُونَ) بالياءِ (^٣)، بمعنى: فقد كذَّبوكم بقولِهم.\nوقولُه جلَّ ثناؤه: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾. يقولُ: فما يستطيعُ هؤلاء الكفارُ صرفَ عذابِ اللهِ حينَ نزَل بهم عن أنفسِهم، ولا نَصْرَها من اللهِ حينَ عذَّبها وعاقبَها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٧٣ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٢) في م: \"كذبوكم\".\n(^٣) هي قراءة ابن كثير في رواية قنبل. حجة القراءات ص ٥٠٩.","vol":"17","page":420},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6465>ذكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾. قال: المشركون لا يستطيعونه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾. قال: المشركون. قال ابن جُرَيجٍ: لا يَسْتَطِيعون صرفَ العذابِ عنهم ولا نصرَ أنفسِهم.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾. قال: لا يَستطِيعون يَصْرِفون عنهم العذابَ الذي نزَل بهم حينَ كُذِّبوا، ولا أن يَنتصِروا. قال: ويُنادى مُنادٍ يومَ القيامةِ حينَ يَجتمِعُ الخَلائقُ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥]. قال: مَن عُبِد مِن دونِ اللهِ لا يَنْصُرُ اليومَ مَن عبَدَه. وقال: العابدون مِن دونِ اللهِ لا يَنْصُرُه (^٢) اليومَ إلهُه الذي يَعْبُدُ مِن دونِ اللهِ. فقال اللهُ ﵎: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦]. وقرَأ قولَ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ (^٣) [المرسلات: ٣٩].\nورُوِى عن ابن مسعودٍ في ذلك ما حدَّثنا به أحمدُ بنُ يُوسفَ (^٤)، قال: ثنا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٩٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٧٤، وتقدم أوله في ص ٤١٧، ٤١٩.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"ينصر\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٧٤ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٤) في م: \"يونس\".","vol":"17","page":421},{"text":"القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: هي في حرفِ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ: (فما يَسْتَطِيعون لك صَرْفًا).\nفإن تَكُنْ هذه الروايةُ عنه صحيحةً، صحَّ التأويلُ الذي تأَوَّله ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾. ويَصِيرُ قولُه: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ خبرًا عن المشركين أنهم كذَّبوا المؤمنين. ويكونُ تأويلُ قولِه حينَئذٍ: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾: فما يَستطِيعُ يا محمدُ هؤلاء الكفارُ لك صرفًا عن الحقِّ الذي هداك اللهُ له، ولا نصرَ أنفسِهم مما بهم مِن البلاءِ الذي هم فيه بتكذيبِهم إياك.\n\n<span data-type='title' id=toc-6467>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به: ومَن يَظْلِمُ منكم أيُّها المؤمنون. يعنى بقولِه: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ﴾: ومَن يُشْرِكُ باللهِ فَيَظْلِم نفسَه، فذلك ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾، كالذى ذكَرْنا أنَّا نُذِيقُه الذين كذَّبوا بالساعةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6466>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾. قال: يُشْرِكْ (^١)، ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحسنِ في\n_________\n(^١) في م: \"بشرك\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٥ إلى المصنف.","vol":"17","page":422},{"text":"قولِه: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾. قال: هو الشركُ (^١).\n\n<span id=\"aya-2875\"></span><span data-type='title' id=toc-6468>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾.</span>\nوهذا احتجاجٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه لنبيِّه على مشركي قومه الذين قالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧]. وجوابٌ لهم عنه. يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: وما أنْكَر يا محمدُ هؤلاء القائلون: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾. من أكلِك الطعامَ، ومشيِك في الأسواقِ، وأنت للهِ رسولٌ، فقد علِموا أنَّا ما أَرْسَلْنا قَبْلَك من المرسَلين إلا مَن (^٢) إنهم ليَأكُلون الطعامَ ويَمْشون في الأسواقِ، كالذى تَأْكُلُ أنت وتَمْشِى، فليس لهم عليك بما قالوا من ذلك حجةٌ؟\nفإن قال قائلٌ: فإن \"مَن\" ليست في التلاوةِ، فكيف قلتَ: معنى الكلامِ: إلا من إنهم لَيَأْكُلُون الطعامَ؟\nقيل: قلنا في ذلك: معناه أن الهاءَ والميمَ في قولِه: ﴿إِنَّهُمْ﴾. كنايةُ أسماءٍ لم تُذْكَرْ، ولابدَّ لها مِن أن تعودَ على مَن كُنِى عنه بها، وإنما تُرِك ذكرُ \"مَن\" وإظهارُه في الكلامِ، اكتفاءً بدَلالةِ قولِه: ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. عليه، كما اكْتُفِى في قولِه: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]. من إظهارِ \"مَن\"، ولا شكَّ أن معنى ذلك: وما منا إلا مَن له مقامٌ معلومٌ. كما قيل: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]. ومعناه: وإن منكم إلا مَن هو واردُها. فقولُه: ﴿إِنَّهُمْ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٧.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"17","page":423},{"text":"لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ صلةٌ لـ \"مَن\" المتروكِ، كما يقالُ في الكلامِ: ما أَرْسَلْتُ إليك مِن الناسِ إلا مَن إنه لَيُبَلِّغُك الرسالة. فـ: إنه لَيُبَلِّغُك الرسالة. صلةٌ لـ \"مَن\".\nوقولُه: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وامْتَحَنَّا أيُّها الناسُ بعضَكم ببعضٍ، جعَلْنا هذا نبيًّا، وخصَصْناه بالرسالةِ، وهذا ملِكًا، وخصَصْناه بالدنيا، وهذا فقيرًا، وحرَمْناه الدنيا؛ لنَخْتَبِرَ الفقيرَ بصبرِه على ما حُرِم مما أُعْطِيَه الغنيُّ، والملِكَ بصبرِه على ما أُعْطِيَه الرسولُ مِن الكرامةِ، وكيفَ رِضا كلِّ إنسانٍ منهم بما أُعْطِىَ وقُسِم له، وطاعتُه ربَّه مع ما حُرِم مما أُعْطِيَ غيرُه. يقولُ: فمن أجلِ ذلك لم أُعْطِ محمدًا الدنيا، وجَعَلْتُه يَطلُبُ المعاشَ في الأسواقِ، ولأَبْتَلِيَكم أَيُّها الناسُ، وأَخْتَبِرَ طاعتَكم ربَّكم، وإجابتَكم رسولَه إلى ما دعاكم إليه، بغيرِ عَرَضٍ من الدنيا تَرْجُونه مِن محمدٍ أن يُعْطِيَكم على اتِّباعِكم إياه؛ لأنى لو أعْطَيْتُه الدنيا لَسارَع كثيرٌ منكم إلى اتباعِه، طمعًا في دنياه أن يَنالَ منها.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6469><span data-type='title' id=toc-6470>ذكرُ مَن قال ذلك</span></span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رَجاءٍ، قال: ثنى عبدُ القُدُّوسِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ الآية. يقولُ هذا الأعمى: لو شاء اللهُ لجَعَلَنى بصيرًا مثلَ فلانٍ. ويقولُ هذا الفقيرُ: لو شاء اللهُ لجَعَلَنى غنيًّا مثلَ فلانٍ. ويقولُ هذا السقيمُ: لو شاء اللهُ لجَعَلنى صحيحًا مثلَ (^١) فلانٍ (^٢).\n_________\n(^١) في م، ف: \"مثلًا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٧٥ من طريق ابن علية به، وأخرجه البيهقي في الشعب (١٠٠٧٢) من طريق أبى رجاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":424},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾. قال: يُمْسِكُ عن (^١) هذا، ويُوَسِّعُ على هذا، فيقولُ: لم يُعطنى مثل ما أعْطَى فلانًا. ويَبْتَلى بالوَجَعِ كذلك، فيقولُ: لم يَجْعَلْنى ربى صحيحًا مثلَ فلانٍ. في أشباهِ ذلك مِن البلاء؛ لِيَعْلَمَ مَن يَصْبِرُ ممن يَجْزَعُ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ - فيما يَرَى (^٣) الطبريُّ - عن عكرمةَ، أو عن سعيدٍ (^٤)، عن ابن عباسٍ، قال: وأُنْزِل عليه في ذلك مِن قولِهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ الآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾. أي: جَعَلْتُ بعضَكم لبعضٍ بلاءً؛ لتَصْبروا على ما تَسْمَعون منهم وتَرَوْن مِن خلافِهم، وتَتَّبعوا الهدَى بغيرِ أن أُعْطِيَهم عليه الدنيا، ولو شئتُ أن أَجْعَلَ الدنيا مع رسلى، فلا يُخالفون لَفَعَلْتُ، ولكنى قد أَرَدْتُ أن أَبْتَلى العبادَ بكم، وأَبْتَلِيكم بهم (^٥).\nوقولُه: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾. يقولُ: وربُّك يا محمدُ بصيرٌ بمَن يَجْزَعُ، ومَن يَصْبِرُ على ما امْتُحِن به مِن المحنِ.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"على\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٦ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"يروى\".\n(^٤) بعده في ت ٢: \"بن جبير\"\n(^٥) سيرة ابن هشام ١/ ٣٠٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٧٦ من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله، وذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٧٧ عن ابن عباس.","vol":"17","page":425},{"text":"كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾: إن ربَّك لبصيرٌ بمَن يَجْزَعُ ومَن يَصْبِرُ (^١).\n\n<span id=\"aya-2876\"></span><span data-type='title' id=toc-6472>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال المشركون الذين لا يخافون لقاءَنا، ولا يَخْشَون عقابَنا: هلا أنزَل اللهُ علينا ملائكتَه (^٢) فتخبَرنا أن محمدًا محقٌّ فيما يقولُ [أنه محقٌّ] (^٣)، وأن ما جاءنا به صدقٌ. أو نرى ربَّنا فيخبرَنا بذلك. كما قال جل ثناؤه مخبرًا عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]. ثم قال بعدُ: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]. يقولُ اللهُ: لقد استكبرَ قائلو هذه المقالةِ في أنفسِهم، وتعظَّموا، ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾. يقولُ: وتجاوَزوا في الاستكبارِ بقيلهم ذلك حدَّه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6471>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال كفار قريش: لولا أُنزِل علينا الملائكة فيخبرونا أن محمدًا رسولُ اللهِ، [لقد اسْتكبروا ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾. قال: شدةَ الكفرِ] (^٤).\n_________\n(^١) تقدم أوله في الصفحة السابقة.\n(^٢) في م: \"ملائكة\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٣، ف.\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٦ إلى المصنف وابن المنذر دون آخره، فقد عزاه إلى ابن المنذر: =","vol":"17","page":426},{"text":"وقال: ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا﴾؛ لأن \"عتا\" من ذواتِ الواوِ، فأُخْرِج مصدرُه على الأصلِ بالواوِ، وقيل في سورةِ \"مريمَ\": ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]. وإنما قيل ذلك كذلِك (^١)، لموافقةِ المصادرِ في هذا الوجهِ جَمْعَ الأسماءِ، كقولهم: قعد قعودًا. وهم قومٌ قعودٌ. فلما كان ذلك كذلك، وكان العاتى يُجْمَعُ عِتِيًّا بناءً على الواحدِ، جُعِل مصدره أحيانًا موافقًا لجمعِه، وأحيانًا مردودًا إلى أصله.\n\n<span id=\"aya-2877\"></span><span data-type='title' id=toc-6473>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يوم يرى هؤلاء الذين قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾. بتصديقِ محمدٍ - الملائكةَ، فلا بشرَى لهم يومئذٍ بخيرٍ، ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾. يعنى أن الملائكةَ يَقُولون للمجرمين: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾. حرامًا محرمًا عليكم اليومَ البشرى أن تكونَ مِن الله. ومن \"الحجرِ\" قولُ المتلمِّسِ (^٢):\nحَنَّتْ إلى النخلةِ (^٣) القُصْوى فقلتُ لها … حِجْرٌ حرامٌ أَلَا تلك الدهارِيسُ\nومنه قولُهم: حجَر القاضي على فلانِ، وحجَر فلانٌ على أهله. ومنه حِجْرُ الكعبة؛ لأنه لا يُدْخَلُ إليه في الطوافِ، وإنما يطافُ من ورائِه، ومنه قولُ الآخرِ (^٤):\n_________\n= وحده من قول ابن عباس.\n(^١) زيادة من: م.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٩/ ٥٧٨.\n(^٣) في م، ف: \"نخلة\". وهى رواية.\n(^٤) هو حميد بن ثور الهلالي، والبيت في ديوانه ص ٨٤، وفيه: أغْشَى، يُغْشى. بدلا من: ألقى، يُلْقى.","vol":"17","page":427},{"text":"فهمَمتُ أن ألْقَى إليها مَحْجِرًا … فلَمِثْلُها يُلْقَى إليه المَحْجِرُ\nأي: مثلُها يُرْكَبُ منه المُحْرَّمُ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في المخْبَرِ عنهم بقولِه: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾. ومَن قائلوه؟ فقال بعضُهم: قائلو ذلك الملائكةُ للمجرمين. نحوَ الذي قلنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6474>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن الأجْلَح، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحمٍ، وسأَله رجلٌ عن قولِ اللهِ: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾. قال: تقولُ الملائكةُ: حرامًا محرَّمًا أن تكون لكم (^١) البشرى (^٢).\nحدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنى أبي، عن جدِّى، عن الحسينِ (^٣)، عن قَتادةَ: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾. قال: هي كلمٌ كانت العربُ تقولُها؛ كان الرجلُ إذا [نزَلت به شديدةٌ] (^٤)، قال (^٥): حجرًا. يقولُ: حرامًا مُحرَّمًا (^٦).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٍ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾: لما جاءت زلازلُ الساعةِ، فكان من زلازلِها أن السماءَ انشقَّت ﴿فَهِيَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"لهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٧٧ من طريق جوبير عن الضحاك. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"الحسن\". وتقدم في ٩/ ٤٧٦، ٥٤٦، ٥٧٩.\n(^٤) في م: \"نزل به شدة\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"قالوا\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره، ٢/ ٦٧ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٧٨ عن معمر عن الحسن وقتادة. وذكره السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٦ إلى ابن المنذر عن الحسن وقتادة.","vol":"17","page":428},{"text":"يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٦، ١٧] أي (^١): على شِقَّةٍ، كلُّ شيءٍ تَشَقَّقَ من السماءِ، فذلك قولُه: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ﴾. يعنى: الملائكةُ تقولُ للمجرمين: حرامًا محرمًا أيُّها المجرمون، أن تكونَ لكم البشرى اليومَ حينَ رأيْتُمونا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنا الحارثُ، [قال: ثنا الحسنُ] (^٣) [قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا] (^٤) عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾. قال: يومَ القيامةِ، ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾. قال: عَوْذًا مَعاذًا.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ (^٥)، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله، وزاد فيه: الملائكةُ تقولُه (^٦).\nوقال آخرون: ذلك خبرٌ مِن اللهِ عن قيلِ المشركين إذا عايَنوا الملائكةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6475>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾. قال\n_________\n(^١) زيادة من: ت ٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٧٧ من طريق أبي معاذ به\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٣، ف.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، ف. وأثبتنا هذا الإسناد كاملًا من ت ٢، وإن كان سيكرر مثله مفردًا في الإسناد بعده، لأنه تكرر مثله فيما تقدم.\n(^٥) بعده في م، ت ٢: \"جميعا\".\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٤٩٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٧٦، ٢٦٧٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":429},{"text":"ابن جُرَيجٍ: كانت العربُ إذا كرِهوا شيئًا قالوا: حجرًا. فقالوا حين عايَنوا الملائكة (^١).\nقال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿حِجْرًا﴾: عَوْدًا، يَسْتَعِيذُون مِن الملائكةِ.\nقال أبو جعفرٍ: وإنما اختَرنا القولَ الذي اختَرنا في تأويلِ ذلك؛ مِن أجلِ أنَّ الحِجْرَ هو الحرامُ، فمعلومٌ أن الملائكةَ هي التي تخبرُ أهلَ الكفرِ أن البُشرى عليهم حرامٌ. وأمَّا الاستعاذةُ فإنها الاستجارةُ، وليست بتحريمٍ، ومعلومٌ أن الكفارَ لا يقولون للملائكة: حرامٌ عليكم. فيوجَّهَ الكلامُ إلى أن ذلك خبرٌ عن قيلِ المجرمين للملائكةِ.\n\n<span id=\"aya-2878\"></span><span data-type='title' id=toc-6476>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَقَدِمْنَا﴾: وعمَدنا إلى ما عمِل هؤلاء المجرمون مِن عملٍ. ومنه قولُ الراجزِ (^٢):\nوقدِم الخوارجُ الضُّلّالُ\nإلى عبادِ ربِّهم وقالوا\nإن دماءكم لنا حلالُ\nيعنى بقوله: قدم: عمَد.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) ينظر تفسير البغوي ٦/ ٧٨، ٧٩\n(^٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/ ٧٤، وتفسير القرطبي ١٣/ ٢١.","vol":"17","page":430},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6477>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَقَدِمْنَا﴾. قال: عمَدنا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. يقولُ: فجعلناه باطلًا؛ لأنهم لم يَعْمَلوه للهِ، وإنما عملوه للشيطانِ.\nوالهباءُ هو الذي يُرَى كهيئةِ الغُبارِ إذا دخَل ضوءُ الشمسِ من كُوَّةٍ، يحسَبه الناظرُ غُبارًا، وليس بشيءٍ تَقْبِضُ عليه الأيدى، ولا تَمَسُّه، ولا يُرى ذلك في الظلِّ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذي قلنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6478>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن المثنَّى، قال: ثنا محمدٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. قال: الغبارُ الذي يكونُ في الشمسِ (^٢).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٤٩٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٧٨، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٥١٩) عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٦ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٧ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":431},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. قال: الشعاعُ في كُوَّةِ أحدِهم، إن ذهَب يَقْبِضُ عليه لم يَسْتَطِعْ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، الحارثُ وحدَّثنى، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، قال: شعاعُ الشمسِ مِن الكُوَّة (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمر، عن الحسن في قولِه: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. قال: ما رأيتَ شيئًا يَدْخُلُ البيتَ مِن الشمسِ، تَدْخُلُه مِن الكُوَّة، فهو الهَبَاءُ (^٣).\nوقال آخرون: بل هو ما تَسفيه الرياحُ مِن الترابِ، وتَذْرُوه مِن حُطامِ الأشجارِ ونحوِ ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-6479>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٧٩ من طريق ابن علية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٤٩٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٧ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٧٩ من طريق أبي رجاء، عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"17","page":432},{"text":"الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. قال: ما تَسفِى الريحُ وتَبُثُّه (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. قال: هو ما تَذرو (^٢) الريحُ مِن حُطامِ هذا الشجرِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ قال: الهَباءُ الغُبار (^٤).\nوقال آخرون: هو الماء المُهراقُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6480>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. يقال: الماءُ المُهراقُ (^٥).\n\n<span id=\"aya-2879\"></span>وقولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أهلُ الجنةِ يومَ القيامةِ ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾، وهو الموضعُ الذي يَسْتَقِرُّون فيه مِن منازلِهم في الجنة - من مستقرِّ هؤلاء المشركين الذين يَفْخرون بأموالِهم، وما أوتوا مِن عَرَض هذه الدنيا في الدنيا، وأحسنُ منهم فيها مَقِيلًا.\nفإن قال قائلٌ: وهل في الجنةِ قائلةٌ فيقالَ: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ فيها؟\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في التغليق ٤/ ٢٧٠ عن المصنف.\n(^٢) في ت ٢، والدر المنثور: \"تذروه\"، وفى نسخة من تفسير عبد الرزاق: \"تذرى\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٧. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٧٩ من طريق خالد بن قيس، عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ١١١.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٧٩ من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٧ إلى ابن المنذر.","vol":"17","page":433},{"text":"قيل: معنى ذلك: وأحسنُ فيها قرارًا في أوقاتِ قائلتهم في الدنيا. وذلك أنه ذُكِر أن (^١) أهلَ الجنةِ لا يمرُّ بهم (^٢) في الآخرةِ إلا قدرُ ميقات النهارِ، من أوّلِه إلى وقتِ القائلةِ، حتى يَسكُنوا مساكَنهم في الجنةِ، فذلك معنى قولِه: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-6481>ذكرُ الروايةِ عمن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. يقولُ: قالُوا في الغرفِ في الجنةِ، وكان حسابُهم أن عُرِضوا على ربِّهم عَرْضةً واحدةً، وذلك الحسابُ اليسيرُ، وهو مثلُ قولِه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ (^٣) [الانشقاق: ٧ - ٩].\nحدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. قال: كانوا يَرَون أنه يُفْرَغُ مِن حسابِ الناسِ يوم القيامة في (^٤) نصف النهارِ، فيقيل هؤلاء في الجنةِ، وهؤلاء في النارِ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. قال: لم يَنْتَصِف النهارُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٢) في م: \"فيهم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٨١ عن محمد بن سعد به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"إلى\". وفى الزوائد والحلية: \"في مقدار\".\n(^٥) أخرجه الحسين المروزى في زوائده على الزهد (١٣١٤)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٣٢ من طريق أبي معاوية به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٧ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.","vol":"17","page":434},{"text":"حتى يَقْضِيَ اللهُ بينهم، فيَقِيلَ أهلُ الجنةِ في الجنةِ، وأهلُ النارِ في النارِ. قال: وفي قراءةِ ابن مسعودٍ: (ثم إن مَقِيلَهم لَإلى الجحيمِ) (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. قال: قال ابن عباسٍ: كان الحسابُ مِن ذلك في أوّلِه، وقال القومُ حينَ قالوا في منازلهم مِن الجنةِ. وقرَأ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنا عمرُو بنُ الحارثِ، أن سعيدًا الصوّافَ حدَّثه، أنه بلَغه أن يومَ القيامةِ يُقْضَى على المؤمنين حتى يكونَ كما بينَ العصرِ إلى غروبِ الشمسِ، وأنهم يَقيِلون في رياضِ الجنةِ حتى يُفْرَغَ مِن الناسِ، فذلك قولُ اللهِ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وإنما قلنا: معنى ذلك خيرٌ مستقرًّا (^٣) في الجنةِ منهم في الدنيا؛ لأن الله تعالى ذكرُه عمَّ بقولِه: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. جميعِ أحوالِ أهلُ (^٤) الجنةِ في الآخرةِ، أنها خيرٌ في الاستقرارِ فيها والقائلةِ مِن جميعِ أحوالِ أهلِ النارِ، ولم يَخُصَّ بذلك أنه خيرٌ من أحوالِهم في النارِ دونَ الدنيا، ولا في الدنيا دونَ الآخرةِ، فالواجبُ أن يُعَمَّ كما عم ربنا جلَّ ثناؤُه،\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٢٢٦، ومن طريقه الحسين المروزي في زوائده على الزهد (١٣١٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٨٠، والحاكم ٢/ ٤٠٢ عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ١١٣ عن المصنف.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"وأحسن مقيلا\".\n(^٤) سقط من: م.","vol":"17","page":435},{"text":"فيقالُ: أصحابُ الجنةِ يومَ القيامةِ خيرٌ مستقرًّا في الجنةِ من أهلِ النارِ في الدنيا والآخرةِ، وأحسنُ منهم مقيلًا. وإذا كان ذلك معناه، وضَح (^١) فسادُ قولِ مَن تَوَهَّم أن تفضيلَ أهلِ الجنةِ بقولِ اللهِ: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ على غيرِ الوجهِ المعروفِ مِن كلامِ الناسِ بينَهم (^٢) في قولِهم: هذا خيرٌ من هذا، وهذا أحسنُ مِن هذا.\n\n<span id=\"aya-2880\"></span><span data-type='title' id=toc-6482>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾.</span>\nاختلَف القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿تَشَقَّقُ﴾. فقرَأته عامَّةُ قرأةِ الحجازِ: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ) بتشديدِ الشينِ (^٣)، بمعنى: تَتَشقَّقُ. فأدغموا إحدى التاءين في الشينِ، فشدَّدوها، كما قال: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ [الصافات: ٨].\nوقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ﴾ بتخفيفِ الشينِ، والاجتزاءِ بإحدى التاءين من الأُخرى (^٤).\nوالقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتانِ مستفيضتانِ في قَرَأةِ الأمصارِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وتأويلُ الكلامِ: ويومَ تشققُ السماءُ عن الغمامِ.\nوقيل: إن ذلك غمامٌ أبيضُ، مثلُ الغمامِ الذي ظُلِّل على بني إسرائيلَ.\nوجُعِلت الباءُ في قولِه: ﴿بِالْغَمَامِ﴾. مكانَ \"عن\"، كما تقولُ: رمَيت عن القوسِ، وبالقوسِ، وعلى القوسِ. بمعنى واحدٍ.\n_________\n(^١) في م: \"صح\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"منهم\"، وبعده في ف: \"منهم\".\n(^٣) وهى قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٤٦٤.\n(^٤) وهى قراءة أبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.","vol":"17","page":436},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6483>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾. قال: هو الذي قال: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]. الذي يأتى اللهُ فيه يومَ القيامةِ، ولم يَكُنْ (^١) قطّ إلا لبنى إسرائيلَ (^٢).\nقال ابن جريجٍ: الغمامُ الذي يأتى اللهُ فيه، غمامٌ زعموا في الجنةِ (^٣).\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، عن عبدِ الجليلِ، عن أبي حازم، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: يَهبِطُ الله حين يَهْبطُ، وبينَه وبين خلقِه سبعون ألفَ (^٤) حجابٍ (^٥)، منها النورُ والظلمةُ والماءُ، فيصوِّتُ (^٦) [الماء في تلك] (^٧) الظلمةِ (٤) صوتًا تَنْخَلِعُ له القلوبُ (^٨).\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾. يقولُ: والملائكةُ حولَه (^٩).\n_________\n(^١) بعده في م: \"في تلك\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٨٢ من طريق حجاج به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٨ إلى ابن المنذر.\n(^٤) سقط من: النسخ، والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٥) في م: \"حجابا\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"فيضرب\".\n(^٧) سقط من: م.\n(^٨) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ١١٥ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٢، وأبو الشيخ في العظمة (٢٧٢، ٢٨٦) من طريق معتمر بن سليمان به.\n(^٩) تقدم تخريجه في ٣/ ٦٠٨.","vol":"17","page":437},{"text":"قال: ثنى حجاجٌ، عن مباركِ بن فضالةَ، عن عليٍّ بن زيدِ بن جُدْعانَ، عن يوسفَ بن مهرانَ، أنه سمِع ابن عباسٍ يقولُ: إن هذه السماءَ إذا انشقَّت نزَل منها مِن الملائكةِ أكثرُ من الجنِّ والإنسِ، وهو يومُ التلاقِ، يومَ يَلْتَقِى أهل السماءِ وأَهلُ الأرضِ، فيقولُ أهلُ الأرضِ: جاء ربُّنا. فيقولون: لم يجِئْ وهو آتٍ. ثم تَتَشَقَّقُ السماءُ الثانيةُ،، ثم سماءٌ سماءٌ، على قدرِ ذلك من التضعيفِ، إلى السماءِ السابعةِ، فينزلُ منها مِن الملائكةِ أكثرُ مِن جميعِ مَن نزَل من السماواتِ ومن الجنِّ والإنسِ. قال: فتَنْزِلُ الملائكةُ الكَروبِيّون (^١)، ثم يأتى ربُّنا ﵎ في حمَلةِ العرشِ الثمانيةِ، بينَ كعبِ كلِّ ملَكٍ (^٢) وركبتِه مسيرةُ سبعين سنةً، وبينَ فَخِذِه ومنكبِه مسيرةُ سبعينَ سنةً. قال: وكلُّ ملَكٍ منهم لم يَتَأَمَّلْ وجهَ صاحبِه، وكلٌّ ملَكٍ منهم واضعٌ رأسَه بينَ ثدييه (^٣)، يقولُ: سبحانَ الملكِ القدوسِ. وعلى رءوسِهم شيءٌ مبسوطٌ كأنه القَباءُ، والعرشُ فوق ذلك. ثم وقَف (^٤).\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن هارونَ بن رئابٍ، عن شهرِ بن حوشبٍ، قال: حملةُ العرشِ ثمانيةٌ، فأربعةٌ منهم يقولون: سبحانَك اللهمَّ وبحمدِك، لك الحمدُ على حلمِك بعدَ علمِك، وأربعةٌ يقولون: سبحانك اللهمَّ وبحمدِك، لك الحمدُ على عفوكِ بعدَ قدرتِك (^٥).\n_________\n(^١) الكروبيون: المقربون. النهاية ٤/ ١٦١.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \" رجل\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ف: \"يديه\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ١١٥ عن المصنف، وهو في تفسير مجاهد ص ٤٩٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٨٢، والحاكم ٤/ ٥٦٩ من طريق على بن زيد به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٧ إلى عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الأهوال وابن المنذر. وقال ابن كثير: مداره على على بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف، وفى سياقاته غالبا نكارة شديدة.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ١١٥، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤٨٣) من طريق الأوزاعي، عن هارون قوله.","vol":"17","page":438},{"text":"قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، قال: إذا نظرَ أهلُ الأرض إلى العرشِ يهبطُ عليهم فوقَهم، شخَصت إليه أبصارُهم، ورجَفت كُلاهم في أجوافِهم. قال: وطارَت قلوبُهم مِن مقرِّها من (^١) صدورِهم إلى حناجرِهم (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾. يعني يومَ القيامةِ حينَ تشقق السماءُ بالغمامِ، وتُنَزَّلُ الملائكةُ تنزيلًا.\n\n<span id=\"aya-2881\"></span>وقوله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾. يقولُ: ونُزِّل الملائكةُ إلى الأرضِ تنزيلًا، ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾. يقولُ: الملكُ الحقُّ يومئذٍ خالصًا (^٣) للرحمنِ دونَ كلِّ مَن سواه، وبطَلت الممالكُ يومئذٍ سوى مُلْكه، وقد كان في الدنيا ملوكٌ، فبطَل المُلكُ يومئذٍ سوى مُلْكِ الجبارِ، ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾. يقولُ: وكان يومُ تشقَّقُ السماء بالغمام، يوما على أهلِ الكفرِ باللهِ ﴿عَسِيرًا﴾، يعنى: صعبًا شديدًا.\n\n<span id=\"aya-2882\"></span><span data-type='title' id=toc-6484>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ يَعَضُّ الظالمُ نفسَه المشركُ بربِّه على يديه، ندَمًا وأسفًا على ما فرَّط في جنبِ اللهِ، وأوبَق نفسَه بالكفرِ به، في طاعةِ خليلهِ الذي صدَّه عن\n_________\n(^١) في م: \"في\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ١١٥.\n(^٣) في م: \"خالص\".","vol":"17","page":439},{"text":"سبيلِ ربِّه، يقولُ: ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ في الدنيا ﴿مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾. يعني طريقًا إلى النجاةِ مِن عذابِ اللهِ.\n\n<span id=\"aya-2883\"></span>وقولُه: ﴿يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنِيِّ بقولِه: ﴿الظَّالِمُ﴾. وبقوله: ﴿فُلَانًا﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بالظالمِ عقبةُ بنُ أبي مُعَيطٍ؛ لأنه ارتدَّ بعدَ إسلامِه، طلبًا منه لرضا أبيِّ بن خلفٍ. وقالوا: فلانٌ هو أبيٌّ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: كان أبيُّ بنُ خلفٍ يَحْضُرُ النبيَّ ﷺ، فزجَره عُقْبةُ بنُ أبى مُعَيطٍ، فنزَل: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي﴾. إلى قولِه: ﴿خَذُولًا﴾. قال: الظالمُ عُقْبةُ، و﴿فُلَانًا خَلِيلًا﴾: أَبيُّ بنُ خَلَفٍ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾. قال: كان عقبةُ بنُ أبي مُعَيطٍ خليلًا لأميةَ بن خلفٍ، فأسلَم عقبةُ، فقال أميةُ: وجهى مِن وجِهك حرامٌ إن تابَعتَ (^٢) محمدًا. فكفَر، وهو الذي قال: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ وعثمانَ الجزريِّ، عن مقسمٍ في قولِه: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾. قال: اجتمَع عُقبة بنُ أبي مُعَيطٍ وأبيُّ بنُ خَلَفٍ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٨ إلى المصنف وابن المنذر وابن مردويه إلى قوله: \"خذولا\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ف، وتفسير البغوي: \"بايعت\".\n(^٣) ذكره الواحدى في أسباب النزول ص ٢٥١، والبغوي في تفسيره ٦/ ٨١.","vol":"17","page":440},{"text":"وكانا خليلين، فقال أحدُهما لصاحبِه: بلَغنى أنك أتيت محمدًا، فاستمَعت منه، واللهِ لا أرضى عنك حتى تَنْفُل في وجهِه وتكذِّبَه. فلم يُسَلِّطْه اللهُ على ذلك، فقُتِل عقبةُ يومَ بدرٍ صبرًا، وأما أُبيُّ بنُ خلفٍ، فقتَله النبيُّ ﷺ بيدِه يومَ أُحدٍ في القتالِ، وهما اللذان أنزَل الله فيهما: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾. إلى قولِه: ﴿فُلَانًا خَلِيلًا﴾. قال: هو أُبيُّ بنُ خلفٍ، كان يَحْضُرُ النبيَّ ﷺ فزجَره عقبةُ بنُ أبي مُعَيطٍ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾. قال: عقبةُ بنُ أَبي مُعَيطٍ، دعا مجلسًا فيهم النبيُّ ﷺ، الطعامٍ، فأبى النبيُّ ﷺ أن يَأْكُلَ، وقال: \"لا أكُلُ حَتى تَشْهَدَ أَلا إِلَهَ إِلا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ الله\". فقال: ما أنت بأكلٍ حتى أشهدَ؟ قال: \"نعم\". قال: أشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ اللهِ. فلقِيَه أُميةُ بنُ خلفٍ فقال: صبوتَ؟ فقال: إن أخاك على ما تَعْلَمُ، ولكنِّى صنَعت طعامًا فأبى أن يأكُلَ حتى أقولَ ذلك، فقلتُه، وليس من نفسى (^٣).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٨، وهو في مصنفه (٩٧٣١) عن معمر، عن عثمان الجزرى، عن مقسم، قال معمر: وحدثنى الزهرى ببعضه. فذكره مطولا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٨٤ عن محمد بن سعد به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٠٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٣٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٩ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":441},{"text":"وقال آخرون: عُنِى بفلانٍ الشيطانُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6485>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿فُلَانًا خَلِيلًا﴾ قال: الشيطانُ (^١)\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\n\n<span id=\"aya-2884\"></span>وقولُه: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه مخبرًا عن هذا النادمِ على ما سلَف منه في الدنيا، من معصيِة ربِّه في طاعةِ خليلِه: لقد أضَلَّنى خليلى (^٢) عن الإيمانِ بالقرآنِ، وهو الذكرُ، بعدَ إذ جاءني من عندِ اللهِ، فصدَّني عنه. يقولُ اللهُ: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾. يقولُ: مسلِمًا لما يَنْزِلُ به مِن البلاء، غيرَ مُنْقِذِه منه (^٣) ولا منجيه.\n\n<span id=\"aya-2885\"></span><span data-type='title' id=toc-6486>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال الرسولُ يوم يَعَضُّ الظالمُ على يديه: يا ربِّ إن قومى\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٠٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٨٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٩ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٣، ف.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"17","page":442},{"text":"الذين بعَثتَنى إليهم لأدعوَهم إلى توحيدِك - اتخذوا هذا القرآن مهجورًا.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى اتخاذِهم القرآنَ مهجورًا؛ فقال بعضُهم: كان اتخاذَهم ذلك هُجْرًا قولَهم فيه السَّيِّئَ مِن القولِ، وزَعْمَهم أنه سحرٌ وأنه شعرٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6487>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾. قال: يَهْجُرون فيه بالقولِ، يقولون: هو سحرٌ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ الآية: يَهْجُرون فيه بالقولِ.\nقال مجاهدٌ: وقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]. قال: مستكبرين بالبلدِ سامرًا مجالسَ تَهْجُرون. قال: بالقولِ السَّيء في القرآنِ غيرَ الحقِّ (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، في قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾. قال: قالوا فيه غير الحقِّ، ألم تَرَ إلى المريض إذا هَذَى قال غيرَ الحقِّ (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٠٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٨١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٨٨ من طريق هشيم به. وهو في تفسير مجاهد ص ٥٠٤ من طريق مغيرة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٧٠/ ٥ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":443},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك الخبرُ عن المشركين أنهم هجَروا القرآنَ، وأعرَضوا عنه، ولم يَسْمَعُوا له.\n\n<span data-type='title' id=toc-6488>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾: [قال: ﴿مَهْجُورًا﴾] (^١) لا يريدون أن يَسْمَعوه، وإن دُعُوا إلى الله قالوا: لا. وقرَأ ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾] الأنعام: ٢٦]. قال: يَنْهَون عنه، ويَبْعُدون عنه (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ أولى بتأويل ذلك، وذلك أن الله أخبرَ عنهم أنهم قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]. وذلك هجرُهم إياه.\n\n<span id=\"aya-2886\"></span>وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وكما جعلَنا لك يا محمدُ أعداءً من مشركي قومِك، كذلك جعلِنا لكلِّ من نبأناه من قبلِك عدوًّا من مشركي قومِه، فلم تُخصصْ بذلك مِن بينِهم. يقولُ: فاصبِرْ لما نالَك منهم، كما صبَر مِن قبلِك أولو العزمِ مِن رسلِنا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6489>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، [عن ابن جريجٍ] (^٣)، قال:\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرج شطره الأول ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٨٨ من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد. وتقدم شطره الثاني في ٩/ ٢٠٣.\n(^٣) سقط من: النسخ، وهو إسناد دائر.","vol":"17","page":444},{"text":"قال ابن عباسٍ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾. قال: يُوَطِّن محمدًا ﷺ أنه جاعلٌ له عدوًّا من المجرمين، كما جعَل لمن قبلَه (^١).\nوقولُه: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: وكفاك يا محمدُ بربِّك هاديًا يَهْدِيك إلى الحقِّ، ويُبصِّرُك الرَّشْدَ، ﴿وَنَصِيرًا﴾. يقولُ: وناصرًا لك على أعدائِك. يقولُ: فلا يَهِيدَنَّكَ أعداؤك (^٢) مِن المشركين، فإنى ناصرُك عليهم، فاصبِرْ لأمرى، وامضِ لتبليغِ رسالتي إليهم.\n\n<span id=\"aya-2887\"></span><span data-type='title' id=toc-6491>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال الذين كفَروا بالله: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ﴾. يقولُ: هلّا نُزِّل على محمدٍ ﷺ القرآنُ جُملةً واحدةً، كما أُنزلِت التوراةُ على موسى جملةً واحدةً؟ قال اللهُ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾. تنزيلُه عليك الآيةَ بعدَ الآيةِ، والشيءَ بعدَ الشيءِ؛ لنُثَبِّتَ به فؤادَك نزَّلناه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6490>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. قال: كان اللهُ يُنَزِّلُ عليه الآيةَ، فإذا علِمها نبيُّ اللهِ نزَلت آيةٌ أُخرى، ليعلِّمَه الكتابَ عن ظهرِ قلبِه، ويُثبِّتَ به فؤادَه (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٠ إلى المصنف.\n(^٢) في ف: \"يهتديك\"، وفى م: \"يهولنك\"، وفى ت ٢: \"يعتديك\". ويهيدنك من: هاده الشيء هيدًا وهادًا: أفزعه وكربه، وتقول: ما يهيدنى ذلك. أي ما يزعجنى وما أكترث له، ولا أباليه. اللسان (هـ ى د).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٩١ عن محمد بن سعد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٠ =","vol":"17","page":445},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾: كما أُنزِلت التوراةُ على موسى؟ قال: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. قال: كان القرآنُ يُنَزَّلُ عليه جوابًا لقولِهم؛ ليُعْلِمَ محمدًا أن الله مُجِيبٌ القومَ بما يقولون بالحقِّ (^١).\nويعنى بقوله: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾: لنُصَحِّحَ به عزيمةَ قلِبك، ويقينَ نفسِك، ونشجِّعَك به.\nوقوله: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. يقولُ: وشيئًا بعد شيءٍ علَّمناكَه، حتى تحفظتَه (^٢). والترتيلُ في القراءةِ (^٣) الترسُّلُ والتَّثَبُّتُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6492>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ في قوله: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. قال: نزل متفرِّقًا (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. قال: كان يَنْزِلُ آيةً وآيتين وآياتٍ، وكان (^٥) يَنزِلُ (^٦)\n_________\n= إلى ابن مردويه.\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٠ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"تحفظه\".\n(^٣) في ت ٢: \"القرآن\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٩١ من طريق هشيم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٧٠/ ٥ إلى ابن المنذر.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج","vol":"17","page":446},{"text":"جوابًا لهم إذا سألوا عن شيءٍ، أَنزَله الله جوابًا لهم، وردًّا عن النبيِّ ﷺ فيما يَتَكَلَّمون به، وكان بينَ أوَّلِه وآخرِه نحوٌ مِن عشرين سنةً (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. قال: كان بين ما أُنزِل القرآنُ إلى آخرِه؛ أُنزِل عليه لأربعين، ومات النبيُّ ﷺ لثنتين أو لثلاثٍ وستين.\nوقال آخرون: معنى الترتيلِ التبيينُ والتفسيرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6493>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. قال: فسَّرناه تفسيرًا. وقرَأ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (^٢) [المزمل: ٤].\n\n<span id=\"aya-2888\"></span><span data-type='title' id=toc-6494>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولا يأتيك يا محمدُ هؤلاء المشركون بمثَلٍ يَضْرِبونه، إلا جئناك مِن الحقِّ بما تُبْطِلُ به ما جاءوا به، وأحسنَ منه تفسيرًا.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾. قال: الكتاب، بما تردُّ به ما جاءوا به مِن الأمثالِ التي جاءوا بها، وأحسنَ تفسيرًا (^٣).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٩. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٩٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٩١ (١٥١٣٨) من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد.\n(^٣) تقدم أوله في الصفحة السابقة.","vol":"17","page":447},{"text":"وعَنى بقولِه: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾: وأحسنَ مما جاءوا به مِن المثَلِ بيانًا وتفصيلًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6495>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾. يقولُ: أحسن تفصيلًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾. قال بيانًا (^٢).\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾. يقولُ: تفصيلًا (^٣).\n\n<span id=\"aya-2889\"></span>وقولُه: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: هؤلاء المشركون يا محمدُ، القائلون لك: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]. ومَن كان على مثل الذي هم عليه منِ الكفرِ بالله، الذين يُحْشَرون يومَ القيامة على وجوهِهم إلى جهنَم، فيُسَاقون إلى جهنمَ - شرٌّ مستقرًّا في الدنيا والآخرةِ من أهلِ الجنةِ [في الجنةِ] (^٤)، وأضلُّ منهم في الدنيا طريقًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويل.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٩١ معلقا. وتقدم أوله في ص ٤٤٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٩٢ من طريق حجاج به.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٩١ معلقا.\n(^٤) سقط من: ت ١، ف.","vol":"17","page":448},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6496>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾. قال: الذي أمشاهم على أرجلهم قادرٌ على أن يُمشيَهم على وجوهِهم، ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ من أهلُ الجنةِ ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾. قال: طريقًا (^١).\nحدَّثني محمد بن يحيى الأزديُّ، قال: ثنا الحسينُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شيبانُ، عن قَتادةَ قوله: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾. قال: حدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ، أن رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ كيف يُحْشَرُ الكافر على وجهِه؟ قال: \"الذي أمْشاه على رجلَيه قادرٌ أن يُمْشِيَه على وجهِه\" (^٢).\nحدَّثنا أبو سفيانَ الغَنَويُّ يزيدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا خلّادُ بن يحيى الكوفيُّ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، قال: أخبَرني مَن سمِع أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: كيف يَحْشُرُهم على وجوهِهم؟ قال: الذي يَحْشُرُهم على أرجِلهم قادرٌ بأن يَحْشُرَهم على وجوهِهم\" (^٣).\nحدَّثنا عبيدُ بنُ محمدٍ الوراقُ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن أبي داودَ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: سُئل رسولُ اللهِ ﷺ: كيف يُحْشَرُ أهلُ النارِ على وُجوهِهم؟ فقال: \"إن الذي أنشاهم على أقدامِهم قادرٌ على\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٠ إلى المصنف وابن المنذر عن ابن جريج قوله دون أوله.\n(^٢) أخرجه النسائي (١١٣٦٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٩٢، وابن حبان (٧٣٢٣)، وأبو نعيم في الحلية، ٢/ ٣٤٣، وفى المعرفة (١٦٦) من طريق الحسين به. وأخرجه أحمد ٢١/ ٨٩ (١٣٣٩٢)، والبخارى (٤٧٦٠)، ومسلم (٢٨٠٦)، وأبو يعلى (٣٠٤٦) من طريق شيبان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٣ إلى ابن مردويه.\n(^٣) أخرجه الحاكم ٢٠/ ٤٠٢ من طريق سفيان به.","vol":"17","page":449},{"text":"أن يُمشِيَهم على وجوههم\" (^١).\nحدَّثني أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا حَزمٌ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: قرَأ رسولُ اللهِ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾. فقالوا: يا نبيَّ اللهِ، كيف يَمْشون على وُجوهِهم؟ قال: \"أرأيْتَ الذي أمْشَاهم على أقدامِهم، أليس قادرًا أن يُمشيهم على وجوهِهم\" (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا منصورُ بنُ زاذانَ، عن عليٍّ بن زيدِ بن جُدْعانَ، عن أبي خالدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: يُحشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ على ثلاثةِ أصنافِ؛ صِنْفٌ على الدَّوابِّ، وصِنفٌ على أقدامِهم، وصِنفٌ على وُجوهِهم. فقيل: كيف يمشُون على وُجوهِهم؟ قال: إن الذي أَمْشَاهم على أقدامِهم قادرٌ أن يمشيهم على وُجِوههم (^٣).\n\n<span id=\"aya-2890\"></span><span data-type='title' id=toc-6497>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ، مُتوعِّدًا (^٤) مشركي قومِه على كفرهم باللهِ، وتكذيبِهم رسولَه، ومُخَوِّفَهم (^٥) من حُلولٍ نِقْمَتِه بهم، نظيرَ الذي يَحِلُّ (^٦) بمن\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٠٢ من طريق يزيد به، وأخرجه أحمد ٢٠/ ١٣١ (١٢٧٠٨) من طريق أبي داود نفيع به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٩٢ من طريق حزم به.\n(^٣) أخرجه الطيالسي (٢٦٨٩)، وأحمد ١٤/ ٢٨٨ (٨٦٤٧)، والترمذى (٣١٤٢) من طريق على به مرفوعا.\n(^٤) في م: \"يتوعد\".\n(^٥) في م: \"يخوفهم\".\n(^٦) في ت ٢: \"جلَّ ثناؤُه\". وصوابها: \"حل\": وتحذف كلمة: \"ثناؤُه\".","vol":"17","page":450},{"text":"كان قبلَهم مِن الأم المكذِّبِة رسلَها: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ يا محمدُ ﴿مُوسَى الْكِتَابَ﴾. يعنى: التوراةَ، كالذى آتَيْناك مِن الفُرْقانِ، ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾. يعنى: مُعينًا وظَهِيرًا.\n\n<span id=\"aya-2891\"></span>﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: فقلنا لهما: اذْهَبا إلى فرعونَ وقومِه الذين كذَّبوا بأعلامِنا وأدلتِنا، ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾. وفى الكلام متروكٌ، اسْتُغْنى بدَلالة ما ذُكِر مِن ذكرِه، وهو: فذهَبا فكذَّبوهما، فَدمَّرْناهم حينئذٍ.\n\n<span id=\"aya-2892\"></span><span data-type='title' id=toc-6498>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقومَ نوحٍ [من قَبلِ قومِ فرعونَ] (^١)، لما كذَّبوا رسلَنا، وردُّوا عليهم ما جاءوهم به مِن الحقِّ، أَغْرَقْناهم بالطُّوفانِ ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾. يقولُ: وجعَلْنا تغريقَنا إياهم وإهلاكَناهم (^٢) عِظةً وعبرةً للناسِ يَعْتَبِرون بها، ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يقولُ: وأعْدَدْنا لهم؛ من الكافرين باللهِ في الآخرة عذابًا أليمًا، سوى الذي حلَّ بهم مِن عاجلِ العذابِ في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-2893\"></span><span data-type='title' id=toc-6499>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ودمَّرْنا أيضًا عادًا وثمود وأصحابَ الرَّسِّ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في أصحابِ الرسِّ؛ فقال بعضُهم: أصحابُ الرسِّ مِن ثمودَ.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م، ف: \"إهلاكنا\".","vol":"17","page":451},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6500>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾. قال: قريةٌ مِن ثمودَ (^١).\nوقال آخرون: بل هي قريةٌ من اليمامةِ يقالُ لها: الفَلَجُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6501>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن وهبٍ، قال: ثنا جريرٌ بن حازمٍ، قال: قال قتادةُ: الرَّسُّ قريةٌ من اليمامةِ يقالُ لها: الفَلَجُ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال عكرمةُ: أصحابُ الرسِّ بفَلَج هم أصحابُ يس (^٣).\nوقال آخرون: هم قومٌ رَدُّوا نبيَّهم في بئرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6502>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي بُكيرٍ (^٤)، عن عكرمةَ، قال: كان الرسُّ بئرًا رسُّوا فيها نبيَّهم (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ١١٩ عن ابن جريجٍ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٠ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٩٥ من طريق سعيد، عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ١١٩ عن ابن جريج به.\n(^٤) في م: \"بكر\". وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٣٧٥.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٩٥ من طريق سفيان، عن رجل، عن عكرمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧١ إلى الفريابي.","vol":"17","page":452},{"text":"وقال آخرون: هي بئرٌ كانت تُسَمَّى الرسَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6503>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾. قال: هي بئرٌ كانت تُسَمَّى الرَّسَّ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾. قال: الرسُّ بئرٌ كان عليها قومٌ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك قولُ من قال: هم قومٌ كانوا على بئرٍ. وذلك أن الرسَّ في كلامِ العربِ: كلُّ محفورٍ؛ مثلُ البئرِ والقبرِ، ونحوُ ذلك، ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):\nسبَقْتُ إلى فَرَطٍ (^٣) ناهِلٍ (^٤) … تَنابِلةً (^٥) يَحْفِرون الرِّساسا\nيُريدُ أَنهم يَحْفِرون المعادنَ.\nولا أَعْلَمُ قومًا كانت لهم قصةٌ بسببِ حُفْرَةٍ، ذكَرَهم اللهُ في كتابِه، إلا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٩٥ من طريق عبيد الله بن موسى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧١ إلى الفريابي.\n(^٢) هو النابغة الجعدى، والبيت في ديوانه (مجموع) ص ٨٢.\n(^٣) الفرط: القوم يتقدمون إلى الماء قبل الوارد، فيهيئون لهم الأرسان والدلاء، ويملئون الحياض ويستقون لهم. اللسان (ف ر ط).\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"باهل\"\n(^٥) التنابلة: الرجال القصار. اللسان (تنبل).","vol":"17","page":453},{"text":"أصحابَ الأخدودِ، فإن يكونوا هم المَعْنِيِّين بقولِه: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾. فإنا سنَذْكُرُ خبرَهم إن شاء اللَّهُ إِذا انْتَهَيْنا إلى سورة \"البُروجِ\"، وإن يكونوا غيرَهم، فلا نَعْرِفُ لهم خبرًا، إلا ما جاء مِن جملةِ الخبرِ عنهم أنَّهم قومٌ رَسُّوا نبيِّهم في حفرةٍ، إلا ما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إِن أَوَّلَ الناسِ يَدْخُلُ الجنةَ يومَ القيامةِ العبدُ الأسودُ، وذلك أن الله ﵎ بَعث نبيًّا إلى أهلِ قريتِه (^١)، فلم يُؤْمِنُ به مِن أهلِها أحدٌ إلا ذلك الأسودُ، ثم إن أهلَ القرية عدَوْا على النبيِّ ﵇، فحفَروا له بئرًا، فأَلْقَوْه فيها، ثم أطْبَقوا عليه بحجرٍ ضخمٍ\". قال: \"وكان ذلك العبدُ يَذْهَبُ فيَحْتَطِبُ على ظهرِه، ثم يَأْتى بحطَبِه فيَبِيُعه، فيَشْتَرِى به طعامًا وشرابًا، ثم يأتى به إلى ذلك البئرِ، فيَرْفَعُ تلك الصخرةَ، فيُعِينُه اللهُ عليها، فيُدْلِى إليه طعامَه وشرابَه، ثم يُعِيدُها كما كانت\". قال: \"فكان كذلك ما شاء اللهُ أن يكونَ، ثم إنه ذهَب يومًا يَحْتَطِبُ كما كان يَصْنَعُ، فجمَع حطبَه، وحزَم حُزْمتَه، وفرَغ منها، فلما أراد أن يَحْتَمِلَها وجَد سِنَةً، فاضْطَجَع فنام، فضرَب اللَّهُ على أُذُنِه سبعَ سنينَ نائمًا، ثم إنه هبَّ (^٢) فتمَطَّى، فتحَوَّل لشقِّه الآخرِ، فاضْطَجَع، فضرَب اللَّهُ على أذنِه سبعَ سنينَ أُخرى، ثم إنه هبَّ (^٢) فاحْتَمل حُزْمتَه، ولا يَحْسَبُ إلا أنه نام ساعةً مِن نهارٍ، فجاء إلى القريةِ، فباع حُزْمتَه، ثم اشْتَرَى طعامًا وشرابًا كما كان يَصْنَعُ، ثم ذهَب إلى الحفرةِ في موضعِها الذي (^٣) كانت فيه، فالْتَمَسَه فلم يَجِده، وقد كان بدا لقومِه فيه بَدَاءٌ، فَاسْتَخْرجوه وآمنوا به وصدقوه\". قال: \"فكان النبيُّ ﵇ يَسْأَلُهم عن\n_________\n(^١) في م: \"قرية\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"ذهب\".\n(^٣) في م: \"التي\".","vol":"17","page":454},{"text":"ذلك الأسودَ ما فعَل؟ فيقولون: ما نَدْرِى. حتى قبض اللهُ النبيَّ، فأَهَبَّ اللهُ الأسودَ من نومتِه بعدَ ذلك\". فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إن ذلك الأسود لأولُ مَن يَدْخُلُ الجنةَ\" (^١).\nغيرَ أن هؤلاء في هذا الخبرِ يَذْكُرُ محمدُ بنُ كعبٍ عن النبيِّ ﷺ أنهم آمَنوا بنبيِّهم، واسْتَخْرجوه من حفرتِه، فلا يَنْبَغى أن يكونوا المعْنِيِّين بقولِه: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾؛ لأن الله أخْبَر عن أصحابِ الرسِّ أنه دمَّرهم تدميرًا، إلا أن يكونوا دُمِّروا بأحداثٍ أحْدَثوها بعدَ نبيِّهم الذي اسْتَخْرجوه من الحفرةِ وآمَنوا به، فيكونَ ذلك وجهًا.\n﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾. يقولُ: ودمَّرْنا بين أضعافِ هذه الأممِ التي سمَّيْنا لكم أممًا كثيرةً.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ شَبِيبٍ، قال: ثنا خَلَفُ بنُ خَليفةَ، عن جعفرِ بن عليِّ بن أبي رافعٍ مولى رسولِ اللهِ ﷺ قال: خلَّفْتُ بالمدينةِ عمِّى، ممن يُفْتِي على أن القرنَ سبعون سنةً. وكان عمُّه عبيدُ اللهِ بنُ أبي رافعٍ كاتبَ عليٍّ ﵁.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن الحجاجِ، عن الحكمِ، عن إبراهيمَ، قال: القرنُ أربعون سنةً (^٢).\n\n<span id=\"aya-2894\"></span>وقولُه: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكلَّ هذه الأممِ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ١٢٠، وفى البداية والنهاية ٥/ ٨، ٩ عن المصنف.\nقال ابن كثير: هكذا رواه ابن جرير عن ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن كعب مرسلًا، وفيه غرابة ونكارة، ولعل فيه إدراجًا، والله أعلم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٩٦ من طريق حفص به.","vol":"17","page":455},{"text":"التي أهْلَكْناها، التي سمَّيْناها لكم أو لم نُسَمِّها، ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾. يقولُ: مثَّلْنا له الأمثالَ، ونبَّهْناها على حججِنا عليها، وأعْذَرْنا إليها بالعبرِ والمواعظِ، فلم نُهْلِكْ منهم أُمَّةً إلا بعدَ الإبلاغِ إليهم في المعذرةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6504>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾. قال: كلٌّ قد أعْذَر اللهُ إليه، ثم انْتَقَم منه (^١).\nوقولُه: ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكلَّ هؤلاء الذين ذكَرنا لكم أمْرَهم، اسْتَأْصَلْناهم، فدمَّرْناهم (^٢) بالعذاب إبادةً، وأهْلَكْناهم جميعًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6505>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾. قال: تبَّر الله كلًّا بعذابٍ (^٣) تَتْبِيرًا (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾. قال: تَتْبِيرٌ بالنَّبَطيةِ (^٥).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٩٧ من طريق سعيد عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"فأمرناهم\"، وفى ت ١، ت ٣: \"فأبدْناهم\".\n(^٣) في ص، ت ٢: \"بالعذاب\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٩٧.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٢ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"17","page":456},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ قولَه: ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾. قال: بالعذابِ.\n\n<span id=\"aya-2895\"></span><span data-type='title' id=toc-6506>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد أتَى هؤلاء الذين اتَّخذوا القرآنَ مهجورًا على القريةِ التي أمْطَرها الله مطَرَ السَّوْءِ، وهى سَدُومُ؛ قريةُ قومِ لوطٍ، ومَطَرُ السَّوْءِ هو الحجارةُ التي أمْطَرها اللهُ عليهم، فأهْلَكهم بها.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾. قال: حجارةً، وهي قريةُ قومِ لوطٍ، واسمُها سَدُومُ. قال ابن عباسٍ: خمسُ قرياتٍ، فأَهْلَك اللهُ أربعةً، وبقِيَت الخامسةُ، واسمُها صعوة (^١)، لم تُهْلَك صعوة (^١)، كان أهلُها لا يَعْمَلون ذلك العملَ، وكانت سَدُومُ أعظمَها وهى التي نزَل بها لوطٌ، ومنها بُعِث، وكان إبراهيمُ ﵇ يُنادى نصيحةً لهم: يا سَدُومُ، يومٌ لكِ (^٢) من اللهِ، أنهاكم أن تَعَرَّضوا لعقوبةِ اللهِ. زعموا أن لوطًا ابن أخى إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليهما (^٣).\nوقولُه: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾. يقول جلَّ ثناؤُه: أفلم (^٤) يَكُنْ هؤلاء المشركون الذين قد أتَوْا على القريةِ التي أُمْطِرَت مَطَرَ السَّوْءِ يَرَوْن تلك القريةَ، وما نزَل بها من عذابِ اللهِ بتكذيبِ أهلها رسلَهم، فيَعْتَبِروا ويَتَذَكَّروا، فيُراجِعوا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"سعر\". وفى البحر المحيط: \"زغر\". وينظر ما تقدم في ١٢/ ٥٣٧.\n(^٢) في م: \"لكم\".\n(^٣) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ٤٩٩.\n(^٤) في م: \"أولم\".","vol":"17","page":457},{"text":"التوبةَ مِن كفرهم وتكذيبِهم محمدًا ﷺ؟!\n﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما كذَّبوا محمدًا ﷺ فيما جاءهم به من عندِ اللهِ؛ أنهم لم يَكونوا رأَوْا ما حلَّ بالقريةِ التي وصَفتُ، ولكنهم كذَّبوه مِن أجلِ أنهم قومٌ لا يخافون نُشورًا بعدَ المماتِ. يعنى أنهم لا يُوقِنون بالعقابِ والثوابِ، ولا يؤمنون بقيامِ الساعةِ، فيَرْدَعَهم ذلك عما يَأْتون مِن معاصى اللهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6507>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾: بَعْثًا (^١).\n\n<span id=\"aya-2896\"></span><span data-type='title' id=toc-6508>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وإذا رآك هؤلاء المشركون الذين قصَصْتُ عليك قَصصَهم، ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾. يقولُ: ما يَتَّخِذونك إلا سُخْريةً يَسْخَرون منك، يقولون: أهذا الذي بعَث اللهُ إلينا رسولًا مِن بين خلقِه؟!\n\n<span id=\"aya-2897\"></span><span data-type='title' id=toc-6509>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن هؤلاء المشركين الذين كانوا يهْزَءون\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٢ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"17","page":458},{"text":"برسولِ اللهِ ﷺ إنهم يقولون إذا رأَوْه: قد كاد هذا يُضِلُّنا عن آلهتِنا التي نَعْبُدُها، فيَصُدُّنا عن عبادتِها لولا صبرُنا عليها وثُبوتُنا على عبادتِها.\n﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: سيَبِينُ لهم حينَ يُعايِنون عذابَ اللهِ قد حلَّ بهم على عبادتِهم الآلهةَ، ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. يقولُ: مَن الراكبُ غيرَ طريقِ الهدى، والسالكُ سبيلَ الرَّدَى أنتَ أوهم.\nوبنحوِ ما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6510>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾. قال: ثبَتْنا عليها (^١).\n\n<span id=\"aya-2898\"></span><span data-type='title' id=toc-6511>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه: أَرأَيْتَ يا محمدُ مَن اتَّخَذ إلهَه شهوتَه التي يَهْواها، وذلك أن الرجلَ من المشركين كان يَعْبُدُ الحجرَ، فإذا رأَى أحسنَ منه رمَى به وأخَذ الآخرَ فعبَده (^٢)، فكان معبودُه وإلهُه ما يَتَخَيَّرُه لنفسِه، فلذلك قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه:\n\n<span id=\"aya-2899\"></span>أفأنت تكونُ يا محمدُ على هذا حفيظًا في أفعالِه مع عظيمِ جهلِه؟ أم تَحْسَبُ يا محمدُ أن\n_________\n(^١) تقدم أوله في الصفحة السابقة.\n(^٢) في م: \"يعبده\".","vol":"17","page":459},{"text":"أكثرَ هؤلاء المشركين يَسْمَعون ما يُتْلَى عليهم، فيَعُون أو يَعْقِلُون ما يُعايِنون مِن حُججِ اللهِ فيَفْهَمون؟ ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾. يقولُ: ما هم إلا كالبهائمِ التي لا تَعْقِلُ ما يقالُ لها ولا تَفْقَهُ، بل هم مِن البهائمِ أضلُّ سبيلًا؛ لأن البهائمَ تَهْتَدِى لمَراعيها، وتَنْقادُ لأربابِها، وهؤلاء الكفرةُ لا يُطيعون ربَّهم، ولا يَشْكُرون نعمةَ مَن أَنْعَم عليهم، بل يَكْفُرونها، ويَعْصُون من خلَقهم وبرَأَهم.\n\n<span id=\"aya-2900\"></span><span data-type='title' id=toc-6513>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ألم تَرَ يا محمدُ كيف مدَّ ربُّك الظلَّ؟ وهو ما بينَ طلوعِ الفجرِ إلى طلوع الشمسِ.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6512>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾. يقولُ: ما بينَ طلوعِ الفجرِ إلى طلوعِ الشمسِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾. قال: مدَّه ما بينَ صلاةِ الصبحِ إلى طلوعِ الشمسِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠١ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٢ إلى ابن المنذر.","vol":"17","page":460},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾. قال: الظلُّ ما بينَ طلوعِ الفجرِ إلى طلوعِ الشمسِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا أبو مِحْصَنٍ، عن حُصَينٍ، عن أبي مالكٍ، قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾. قال: ما بينَ طلوعِ الفجرِ إلى طلوعِ الشمسِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾. قال: ظلُّ الغداةِ قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: الظلُّ ظلُّ الغَداةِ.\nقال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾. قال: مدَّه من طلوعِ الفجرِ إلى طلوعِ الشمسِ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾. يعنى: مِن صلاةِ الغَداةِ إلى طلوعِ الشمسِ (٢).\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠١ معلقًا.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٠٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٢ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":461},{"text":"وقولُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾. يقولُ: ولو شاء لجعَله دائمًا لا يزولُ، ممدودًا لا تُذْهِبُه الشمسُ ولا تَنْقُصُه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6514>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾. يقولُ: دائمًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾. قال: لا تُصِيبُه الشمسُ ولا يَزولُ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾. قال: لا يزولُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾. قال: دائمًا لا يَزولُ.\nوقولُه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ثم دَلَلْناكم أيُّها الناسُ بنسخِ الشمسِ إياه عندَ طلوعِها عليه، أنه خلْقٌ مِن خلقِ رَبِّكم، يُوجِدُه إذا شاء، ويُفْنِيه إذا أراد.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠٢ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٢ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٠٥، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٢ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":462},{"text":"والهاءُ في قولِه: ﴿عَلَيْهِ﴾. من ذكرِ \"الظلِّ\". ومعناه: ثم جعَلْنا الشمسَ على الظلِّ دليلًا.\nوقيل: معنى دلالتِها عليه أنه لو لم تَكُنِ الشمسُ التي تَنْسَخُه، لم يُعْلَمْ أَنه شيءٌ، إذ كانت الأشياءُ إنما تُعْرَفُ بأضْدادِها، نظيرَ الحُلْوِ الذي إنما يُعْرَفُ بالحامضِ، والباردِ بالحارِّ، وما أشْبهَ ذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6515>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾. يقولُ: طلوعُ الشمسِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾. قال: تَحْوِيه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾. قال: أَخْرَجَت ذلك الظلَّ فذهَبَت به (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠٢ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٢ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٠٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٢ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠٣ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"17","page":463},{"text":"<span id=\"aya-2901\"></span>وقولُه: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم قبَضْنا ذلك الدليلَ مِن الشمسِ على الظلِّ إلينا قبضًا خفيًّا سريعًا، بالفيءِ الذي نأتى به بالعشيِّ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6516>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾. قال: حَوْى الشمسِ الظَّلَّ (^١).\nوقيل: إن الهاءَ التي في قولِه: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾. عائدةٌ على الظلِّ، وإن معنى الكلامِ: ثم قبَضْنا الظلَّ إلينا بعدَ غروبِ الشمسِ. وذلك أن الشمسَ إذا غرَبَت غاب الظلُّ الممدودُ. قالوا: وذلك وقتُ قبضِه.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿يَسِيرًا﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: سريعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6517>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾. يقولُ: سريعًا (^٢).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٠٥، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٢ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠٣ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٢ إلى ابن المنذر.","vol":"17","page":464},{"text":"وقال آخرون: بل معناه: قبضًا خفيًّا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6518>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ بن رُفَيْعٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾. قال: خفيًّا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾. قال: خفيًّا. قال: إن ما بينَ الشمسِ والظلِّ مثلُ الخيطِ.\nواليَسيرُ الفَعيلُ مِن اليُسْرِ، وهو السهلُ الهيِّنُ في كلامِ العربِ. فمعنى الكلامِ إذ كان ذلك كذلك، يَتَوَجَّهُ لما رُوِى عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ؛ لأن سهولةَ قبضِ ذلك قد تكونُ بسرعةٍ وخَفاءٍ.\nوقيل: إنما قيل: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾؛ لأن الظلَّ بعدَ غروبِ الشمسِ لا يَذْهَبُ كلُّه دَفْعةً، ولا يُقبِلُ الظلامُ كلُّه جملةً، وإنما يُقبَضُ ذلك الظلُّ قبضًا خفيًّا، شيئًا بعد شيءٍ، ويَعْقُبُ كلَّ جزءٍ منه يَقْبِضُه جزءٌ مِن الظلامِ.\n\n<span id=\"aya-2902\"></span><span data-type='title' id=toc-6519>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: والذي مدَّ الظلَّ ثم جعلَ الشمسَ عليه دليلًا، هو الذي جعَل لكم أيُّها الناسُ الليلَ لباسًا. وإنما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾؛ لأنه جعله لخلقِه جُنَّةً يَجْتَنُّون فيها ويَسْكُنون، فصار لهم سترًا يسْتَترون به، كما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠٣ من طريق سفيان به، والأثر في تفسير سفيان ص ٢٢٧ عن سعيد عن مجاهد.","vol":"17","page":465},{"text":"يَسْتَتِرون بالثيابِ التي يَلْبَسُونَها.\nوقولُه: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾. يقولُ: وجعَل لكم النومَ راحةً تَسْتَرِيحُ به أبدانُكم، وتَهْدَأُ به جوارحُكم.\nوقولُه: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَل النهارَ يَقَظَةً وحياةً. مِن قولِهم: نشَر الميتُ. كما قال الأعْشَى (^١):\nحتى يقولَ الناسُ مما رأوْا … يا عَجَبًا للميِّتِ الناشِرِ\nومنه قولُ اللهِ: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣].\nوكان مجاهدٌ يقولُ في تأويلِ ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿النَّهَارَ نُشُورًا﴾. قال: يُنشَرُ فيه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوإنما اخْتَرْنا القولَ الذي اخْتَرْنا في تأويلِ ذلك؛ لأنه عَقِيبُ قولِه: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ في الليلِ. فإذ كان ذلك كذلك، فوصْفُ النهارِ بأن فيه اليَقَظةَ والنُّشورَ مِن النومِ أشبَهُ، إذ كان النومُ أخا الموتِ.\nوالذي قاله مجاهدٌ غيرُ بعيدٍ من الصوابِ؛ لأن الله أَخْبَر أَنه جَعَل النهارَ معاشًا، وفيه الانتشارُ للمَعاشِ، ولكنَّ النشورَ مصدرٌ من قولِ القائلِ: نشَر. فهو\n_________\n(^١) ديوانه ص ١٤١.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٠٥، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٣ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":466},{"text":"بالنَّشْرِ من الموتِ أو (^١) النومِ أشبهُ، كما صحَّت الروايةُ عن النبيِّ ﷺ أنه كان يقولُ إذا أصْبَح وقام مِن نومِه: \"الحمدُ للهِ الذي أحْيانا بعدَ ما أماتَنا وإليه النشورُ\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-2903\"></span><span data-type='title' id=toc-6520>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا (^٣) بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي أرسَل الرياحَ الملقِّحةَ (نُشُرًا): حياةً، أو (^٤) مِنَ الحيا (^٥) والغَيثِ الذي هو منزِلُه على عبادِه.\n﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾. يقولُ: وأنزلنا من السَّحابِ الذي أنشَأْناه بالرياحِ من فوقِكم أيُّها الناسُ مَاءً طَهورًا؛\n\n<span id=\"aya-2904\"></span>﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾. يعنى: أرضًا قَحِطةً عَذِيةً (^٦) لا تُنْبِتُ.\nوقال: ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾. ولم يقلْ: مَيْتةً؛ لأنه أُرِيدَ بذلك: لنُحْيِيَ به موضعًا ومكانًا مَيْتًا. ونُسقِيَه مِن خَلْقِنا أنعامًا من البهائمِ، ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾. يعنى بالأَناسيِّ جمعَ إنسانٍ، وجمَع أَناسيَّ، فجعَل اليَاءَ عِوَضًا من النونِ التي في \"إنسانٍ\". وقد يُجْمَعُ إِنسانٌ أناسِينَ، كما يُجْمَعُ البسْتانُ (^٧)\n_________\n(^١) سقط من: ف، وفى م، ت ١، ت ٣: \"و\".\n(^٢) أخرجه البخارى (٦٣٢٥) من حديث أبي ذر، ومسلم (٢٧١١) من حديث البراء بن عازب.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نشرًا\". وتنظر هذه القراءات ٢٥١ وما بعدها.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"إما\".\n(^٥) في ت ١: \"الحياة\". والحيا: المطر. الوسيط (ح ى ى).\n(^٦) في ص، ت ١، ف: \"عذبة\"، والعذية: هي الأرض البعيدة من الأنهار والبحور والسباخ. اللسان (ع ذ ى).\n(^٧) في ص: \"النسان\"، وفى م: \"النشيان\"، وفى ت ١، ت ٢: \"النسيان\". وينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٦٩، ٢٧٠، واللسان (أ ن س).","vol":"17","page":467},{"text":"بساتين (^١).\nفإن قيلَ: أَناسيُّ جمعٌ واحدُه إنسيٌّ. فهو مذهبٌ أيضًا مَحْكِيٌّ. وقد يُجْمَعُ \"أَناسِيُ\" مخففةَ الياءِ، وكأنَّ مَن جمَع ذلك كذلك أسقطَ الياءَ التي بينَ عينِ الفعلِ ولامِه، كما يُجْمَعُ القُرقورُ (^٢) قراقير وقَراقِرَ. وممَّا يُصَحِّحُ جمعَهم إيَّاه بالتخفيفِ قولُ العربِ: أَناسِيَةٌ كثيرةٌ.\n\n<span id=\"aya-2905\"></span><span data-type='title' id=toc-6522>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد قسَّمْنا هذا الماءَ الذي أنزَلناه من السماءِ طَهُورًا؛ لنُحْيِيَ به المَيْتَ من الأرضِ بينَ عبادِى؛ ليتذكَّرُوا نِعَمِي عليهم، ويشكُروا أَيَّادِيَّ عندَهم، وإحسانِي إليهم، ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾. يقولُ: إلَّا جُحُودًا لنعمى عليهم، وأياديَّ عليهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6521>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا مُعتمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: سمِعتُ الحسنَ بنَ مسلمٍ يُحدِّثُ طاوُسًا، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ قال: ما عامٌ بأكثرَ مطرًا من عامٍ، ولكنَّ الله يُصرِّفُه بينَ خَلْقِه، قال: ثم قرَأ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"نسانين\"، وفى م: \"نشايين\"، وفي ت ١: \"نسانيين\".\n(^٢) القرقورُ: ضربٌ من السفن، وقيل: هي السفينة العظيمة أو الطويلة. اللسان (ق ر ر).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠٦ من طريق معتمر به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٠٣، والبيهقى ٣/ ٣٦٣ من طريق سليمان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":468},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سُليمانَ التَّيْمِيِّ، قال: ثنا الحسنُ بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ما عامٌ بأكثرَ مطرًا مِن عامٍ، ولكنَّ الله يُصَرِّفُه في الأرَضينَ. ثم تلا: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾.\nحدَّثنا القاسِمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾. قال: المطرُ يُنزِلُه في الأَرضِ، ولا يُنزِلُه في الأرضِ الأخرى. قال: فقال عكرمةُ: صَرَّفْناه بينهم (^١) ليَذَّكَّروا (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾. قال: المطرَ؛ مرةً ههنا ومرةً ههنا.\nحدَّثنا سعيدُ بنُ الرَّبيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ بن عُيَينَةَ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، أنه سمِع أبا جُحَيفة يقولُ: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ يقولُ: ليسَ عامٌ بأمطرَ مِن عامٍ، ولكنَّ الله يُصَرِّفُه. ثم قرَأ عبدُ اللهِ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ (^٣).\nوأما قولُه: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾. فإنَّ القاسمَ حدَّثنا، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عِكرِمةَ: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾. قال: قولُهم في الأنواءِ (^٤).\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ٢: \"قال المطر\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠٦ من طريق النضر بن عربي، عن عكرمة بنحوه.\n(^٣) أخرجه الدارمى ١/ ٦٥، وأبو عمرو الدانى في السنن الواردة في الفتن (٢١٠، ٢١١)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٠٠٧ - ٢٠٠٩) من طريق مسروق عن ابن مسعود بنحوه مطولًا، وأخرجه البيهقى ٣/ ٣٦٣ من طريق الركين بن الربيع، عن أبيه، عن ابن مسعود بنحوه، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٧/ ٢٠٨، والبيهقى ٣/ ٣٦٣ من طريق أبى الأحوص عن ابن مسعود مرفوعًا. قال البيهقي: كذا روى مرفوعًا بهذا الإسناد، والصحيح موقوف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٣ إلى الخرائطي في مكارم الأخلاق.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠٧ من طريق النضر بن عربي، عن عكرمة بنحوه.","vol":"17","page":469},{"text":"<span id=\"aya-2906\"></span><span data-type='title' id=toc-6524>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولو شئْنا يا محمدُ لأرسَلْنا في كلِّ مِصْرٍ ومدينةٍ (^١) نذِيرًا يُنذِرُهم بَأْسَنا على كفرِهم بنا فيخِفُّ عنك كثيرٌ (^٢) من أَعْبَاءِ ما حمَّلْنَاك منه، ويَسْقُطُ عنك بذلك مُؤنةٌ عظيمةٌ، ولكِنَّا حَمَّلْنَاكَ ثِقَلَ نِدَارِةِ جميعِ القُرَى؛ لِتَسْتَوْجِبَ بصبرِك عليه إن صبَرْتَ، ما أعدَّ اللهُ لك من الكرامةِ عندَه، والمنازلِ الرفيعةِ قِبَلَه، فلا تُطِعِ الكافرين فيما يَدْعُونك إليه من أن تَعْبُدَ آلهتَهم، فَنُذِيقَك ضِعْفَ الحياةِ وضِعْفَ المماتِ، ولكن جاهِدْهم بهذا القرآنِ جهادًا كبيرًا، حتى يَنْقادوا للإقرارِ بما فيه من فرائضِ اللهِ، ويَدِينوا به، ويُذْعنوا للعملِ بجميعِه، طَوعًا وكَرْهًا.\nوبنحوِ الذي قلْنا في قولِه: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span id=\"aya-2907\"></span><span data-type='title' id=toc-6523>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾. قال: بالقرآنِ (^٣).\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾. قال: الإسلامِ. وقرَأ: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]. وقرَأ: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]. وقال:\n_________\n(^١) في ت ٢: \"قرية\".\n(^٢) في م: \"كثيرًا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٤ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"17","page":470},{"text":"هذا الجهادُ الكبيرُ (^١).\n\n<span id=\"aya-2908\"></span><span data-type='title' id=toc-6525>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي خلَط البحرين، فأمْرَج أحدَهما في الآخرِ، وأفاضَه فيه.\nوأصلُ المَرْجِ الخَلْطُ، ثم يُقالُ للتخلِيةِ: مَرْجٌ. لأن الرجلَ إذا خلَّى الشيءَ حتى اختلَط بغيرِه، فكأنَّه قد مرَجه، ومنه الخبرُ عن النبيِّ ﷺ، وقولُه لعبدِ اللهِ بن عمرٍو: \"كيف بك يا عبدَ اللهِ إذا كنتَ في حُثالةٍ من الناسِ، قد مَرِجَت عهودُهم وأماناتُهم، وصاروا هكذا\". وشبَّك بينَ أصابِعِه (^٢).\nيعني بقولِه: \"قد مرِجت\". اختلَطت. ومنه قولُ اللهِ: ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥]. أي: مُختلِطٍ.\nوإنما قيل للمَرْجِ: مَرْجٌ. من ذلك؛ لأنه يكونُ فيه أخلاطٌ من الدوابِّ، ويقالُ: مَرَجْتَ دابَّتك. أي: خَلَّيتَها تَذْهَبُ حيثُ شاءت. ومنه قولُ الراجزِ (^٣):\nرَعَى بِها مَرْجَ (^٤) رَبِيعٍ مَمْرَجَا\nوبنحوِ ما قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠٧ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٢) أخرجه أحمد ١١/ ٥٤ (٦٥٠٨) من حديث عبد الله بن عمرو، وابن حبان (٥٩٥٠، ٥٩٥١) والطبراني في الأوسط (٨٧٩١) من حديث أبى هريرة، وينظر السلسلة الصحيحة (٢٠٥، ٢٠٦).\n(^٣) هو العجاج، والرجز في ديوانه ص ٣٧٤.\n(^٤) المرج: الأرض الواسعة ذات نبات كثير تمرج فيها الدواب. اللسان (م ر ج).","vol":"17","page":471},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6526>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾. يعنى أنَّه خلَع أحدَهما على الآخرِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾: أَفاضَ أحدَهما على الآخرِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾. يقولُ: خلَع أحدَهما على الآخرِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيْلَةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾. أفاضَ أحدَهما على الآخر.\n\nوقولُه: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾. الفراتُ شدةُ (^٤) العذوبةِ، يقالُ: هذا ماءٌ فراتٌ. أي: شديدُ العُذوبةِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٤ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٠٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٤ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سيأتي بتمامه في ص ٤٧٥.\n(^٤) في م: \"شديد\".","vol":"17","page":472},{"text":"وقولُه: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾. يقولُ: وهذا مِلْحٌ مُرٌّ.\nيَعْنِي بالعذبِ الفُراتِ مياهَ الأنهارِ والأمطارِ، وبالمِلْحِ الأُجاجِ مياهَ البحارِ.\nوإِنَّما عَنَى بذلك أنَّه من نِعْمَتِه على خَلْقِه، وعظيمِ سلطانِه، يَخلِطُ ماءَ البحرِ العَذْبَ بماءِ البحرِ المِلْحِ الأُجاجِ، ثم يَمْنَعُ المِلْحَ من تغييرِ العَذْبِ عن عذوبتِه، وإفسادِه إيَّاه، بقضائِه وقدرتِه، لئلَّا يَضرَّ إفسادُه إِيَّاه برُكبانِ الملحِ منهما، فلا يجِدوا ماءً يشرَبونه عندَ حاجتِهم إلى الماءِ، فقال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾. يعني: حاجزًا يمنعُ كُلَّ واحدٍ منهما من إفسادِ الآخرِ، ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾. يقولُ: وجعَل كُلَّ واحدٍ منهما حرامًا محرَّمًا على صاحبِه أن يُغَيِّرَه ويُفْسِدَه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6527>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾. يعنى أنَّه خلَع أحدَهما على الآخرِ، فليسَ يُفْسِدُ العَذْبُ المالحَ، وليسَ يُفْسِدُ المالحُ العَذْبَ. وقولَه: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾. قال: البرزخُ الأرضُ بينَهما. ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ يعني: حجَر أحدَهما على الآخرِ بأمرِه وقضائِه، وهو مثلُ قولِه: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ (^١) [النمل: ٦١].\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٤ إلى المصنف إلى قوله: المالح العذب. وقوله: حجر أحدهما … أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠٩ عن محمد بن سعد به.","vol":"17","page":473},{"text":"﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾. قال: مَحْبِسًا. وقولَه: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾. قال: لا يختلِطُ البحرُ بالعذبِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾. قال: حجازًا (^٢) لا يراه أحدٌ، لا يختلِطُ العذبُ بالبحرِ (^٣).\nقال ابن جريجٍ: فلم أجِدْ بحرًا عذبًا إلَّا الأَنهَارَ العِذَابَ، فَإِنَّ دِجْلَةَ تَقَعُ في البحرِ، فأخبَرني الخبيرُ بها أنها تقعُ في البحرِ، فلا تمورُ فيه، بينَهما مِثلُ الخيطِ الأبيضِ، فإذا رجَعت لم ترجِعْ في طريقِها من البحرِ، والنِّيلُ يَصُبُّ في البحرِ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى أبو تُمَيْلَةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾. قال: البرزخُ أنَّهما يلتقيانِ فلا يختلطانِ (^٥). وقولَه: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي: لا تختلِطُ مُلُوحةُ هذا بعُذُوبةِ هذا، لا يَبْغِى أَحدُهما على الآخرِ (^٦).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي (^٧) رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قال: هذا اليَبْسُ (^٨).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٠٥، ٥٠٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠٨، ٢٧٠٩ مفرقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"حاجزًا\".\n(^٣) في م: \"في البحر\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠٩ من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٤ إلى ابن المنذر.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٥٠٥ من طريق جابر عن مجاهد.\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٥٠٦ بلفظ: لا يختلط المر بالعذب.\n(^٧) سقط من النسخ، وهو إسناد دائر.\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠٨ من طريق ابن عطية، عن أبي رجاء به، والظاهر أن \"ابن =","vol":"17","page":474},{"text":"حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾. قال: جعَل هذا مِلْحًا أُجاجًا. قال: والأُجاجُ المرُّ (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾. يقولُ: خلَع أحدَهما على الآخرِ، فلا يُغَيِّرُ أحدُهما طَعْمَ الآخرِ. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾: هو الأجلُ ما بين الدنيا والآخرةِ، ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ جعَل اللهُ بينَ البحرين حِجْرًا. يقولُ: حاجِزًا حجَر أحدَهما عن الآخرِ بأمرِه وقضائِه (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾. قال: [﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾] (^٣): جعل بينَهما سِتْرًا لا يلتقيانِ. قال: والعربُ إذا كلَّم أحدُهما (^٤) الآخرَ بما يَكْرَهُ قال: حِجْرًا. قال: سِتْرًا دُونَ الذي تقولُ (^٥).\nقال أبو جعفرٍ: وإنما اختَرنا القولَ الذي اختَرناه في معنَى قوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾. دونَ القولِ الذي قاله من قال: معناه أنه جعَل بينَهما حاجزًا من الأرضِ أو من اليَبَسِ (^٦)؛ لأنَّ الله تعالى ذكْرُه أخبَر في أوَّلِ الآيةِ أنه مرَج البحرينِ،\n_________\n= عطية\" تصحفت من \"ابن علية\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٤ إلى عبد بن حميد.\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠٨ من طريق سعيد، عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٠٨، ٢٧٠٩ من طريق أبي معاذ به، وتقدم أوله في ص ٤٧٢.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"أحدهم\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧١٠ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢: \"النفس\"، وفى ف: \"النقض\".","vol":"17","page":475},{"text":"والمَرْجُ هو الخَلْطُ في كلامِ العربِ، على ما بيَّنتُ قبلُ، فلو كان البرزَجُ الذي بينَ العذبِ الفُراتِ من البحرينِ، والملحِ الأُجاجِ، أرضًا أو يَبَسًا، لم يَكُنْ هناك مَرْجٌ للبحرَينِ، وقد أخبرَ جلَّ ثناؤُه أنه مرَجهما، وإنَّما عرَفْنا قُدْرَتَه بِحَجْزِه هذا المِلْحَ الأُجاجَ عن إفسادِ هذا العذبِ الفراتِ، مع اختلاطِ كلِّ واحدٍ منهما بصاحبِه. فأمَّا إذا كان كُلُّ واحدٍ منهما في حيِّزٍ عن حيِّزٍ صاحبِه، فليس هناك مَرْجٌ، ولا هناك من الأعجوبةِ ما يُنَبَّهُ عليه أهلُ الجهلِ به من الناسِ، ويُذَكَّرونَ به، وإن كان كلُّ ما ابتدَعه ربُّنا عجبًا، وفيه أعظمُ العبرِ والمواعظِ والحُجَجِ البوالغِ.\n\n<span id=\"aya-2909\"></span><span data-type='title' id=toc-6528>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي خلَق من النُّطَفِ بشرًا إنسًا، فجعَله نسبًا، وذلك سبعةٌ، وصِهرًا، وهو خمسةٌ.\nكما حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾: النسبُ سبعٌ؛ قولُه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾، والصهرُ خمسٌ؛ قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].\nوقولُه: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾. يقولُ: وربُّك يا محمدُ ذو قدرةٍ على خلقِ ما يشاءُ من الخلقِ، وتصريفِهم فيما شاء وأرادَ.\n\n<span id=\"aya-2910\"></span><span data-type='title' id=toc-6529>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويعبُدُ هؤلاء المشركون باللهِ من دونِه آلهةً لا تنفعُهم","vol":"17","page":476},{"text":"فتجلُبَ إليهم نفعًا إذا هم عبَدوها، ولا تضرُّهم إن تركوا عبادتَها، ويتركون عبادةَ من أنعَم عليهم هذه النعمَ التي لا كِفاءَ لأدناها، وهى ما عدَّد علينا ﷻ في هذه الآياتِ من قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ إلى قولِه: ﴿قَدِيرًا﴾. ومِن قدرتِه [القدرةُ التي] (^١) لا يمتنع عليه معها شيءٌ أراده، ولا يتعذرُ عليه فعلُ شيءٍ أرادَ فعلَه، ومَن إذا أراد عقابَ بعضِ مَن عصاه من عبادِه، أحلَّ به ما أحلَّ بالذين وصَف صفتَهم مِن قومِ فرعونَ وعادٍ وثمودَ وأصحابِ الرسِّ وقرونٍ بينَ ذلك كثيرٍ، فلم يكنْ لمن غضِب عليه منه ناصرٌ، ولا له عنه دافعٌ.\n﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكان الكافرُ معينًا للشيطانِ على ربِّه، مظاهرًا له على معصيتِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6530>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾. قال: يظاهرُ الشيطانَ على معصيةِ اللهِ، يعينُه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾. قال: معينًا (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"القدر الذي\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧١١ من طريق حكام به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٠٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٤ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":477},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال ابن جُريجٍ: أبو جهلٍ مُعينًا، ظاهَرَ الشيطانَ على ربِّه.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾. قال: عونًا للشيطان على ربِّه على المعاصي (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾. قال: على ربِّه عَوينًا. والظهيرُ: العَوينُ. وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (^٢)﴾ [القصص: ٨٦]. قال: لا تكوننَ لهم عوينًا. وقرَأ أيضًا قولَ اللهِ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦]. قال: ﴿ظَهِيرًا﴾: أعانُوهم.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾: يعنى أبا الحكمِ الذي سمَّاه رسولُ اللهِ ﷺ أبا جهلِ بنُ هشامٍ (^٣).\nوقد كان بعضُهم (^٤) يوجِّهُ معنى قولِه: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ إلى: وكان الكافرُ على ربِّه هينًا. من قولِ العربِ: ظهَرتُ به فلم ألتفتْ إليه. إذا جعَله خلْف ظهرِه فلم يلتفِتْ إليه وكأنَّ الظهيرَ كان عندَه \"فعيلٌ\"، صُرف من \"مفعولٍ\" إليه، من مظهورٍ به، كأنه قيل: وكان الكافرُ مظهورًا به.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٠.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"للمجرمين\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٤ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٤) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٧٧.","vol":"17","page":478},{"text":"والقولُ الذي قلناه هو وجهُ الكلامِ والمعنى الصحيحُ؛ لأن الله تعالى ذكرُه أخبَر عن عبادةِ هؤلاء الكفارِ من دونِه، فأَوْلَى الكلامِ أن يُتْبِعَ ذلك ذمَّه إياهم وذمَّ فعلِهم، دونَ الخبرِ عن هوانِهم على ربِّهم، ولمّا يجرِ لاستكبارِهم عليه ذكرٌ، فيتبَعَ بالخبرِ عنْ (^١) هوانِهم عليه.\n\n<span id=\"aya-2911\"></span><span data-type='title' id=toc-6531>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وما أَرْسَلْناك يا محمدُ إلى من أرسلناك إليه، إِلَّا مبشِّرًا بالثوابِ الجزيلِ مَن آمَن بك وصدَّقك، وآمَن بالذي جئتَهم به من عندى وعملوا به، ونذيرًا لمن كذَّبك وكذَّب ما جئتَهم به من عندى، فلم يصدِّقوا به ولم يعمَلوا.\n\n<span id=\"aya-2912\"></span>﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾. يقولُ له: قلْ لهؤلاء الذين أرسلتُك إليهم: ما أسألُكم يا قومِ على ما جئتُكم (^٢) به من عندِ ربِّى أجرًا، فتقولون (^٣): إنما يطلُبُ محمدٌ أموالَنا بما يدعونا إليه، فلا نَتَّبعُه، كيما لا نعطيَه من أموالِنا شيئًا، ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾. يقولُ: لكنْ من شاءَ منكم اتَّخذ إلى ربِّه ﴿سَبِيلًا﴾ طريقًا بإنفاقِه من مالِه في سبيلِه، وفيما يقرِّبُه إليه من الصدقةِ والنفقةِ في جهادِ عدوِّه، وغيرِ ذلك من سبلِ الخيرِ.\n\n<span id=\"aya-2913\"></span><span data-type='title' id=toc-6532>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وتوكَّلْ يا محمدُ على الذي له الحياةُ الدائمةُ، التي لا موتَ معها، فثِقْ به في أمرِ ربِّك، وفوِّضْ إليه، واستسلِمْ له، واصبِرْ على ما نابك فيه\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"علي\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"جئتهم\".\n(^٣) في ت ٢، ف: \"فيقولون\".","vol":"17","page":479},{"text":"وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾. يقولُ: واعبُدْه شكرًا منك له على ما أنعَم به عليك.\nوقولُه: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾. يقولُ: وحسبُك بالحيِّ الذي لا يموتُ مخابرًا (^١) بذنوبِ خلقِه، فإنه لا يخفَى عليه منها شيءٌ، وهو مُحصٍ جميعَها عليهم حتى يجازيَهم بها يومَ القيامةِ.\n\n<span id=\"aya-2914\"></span><span data-type='title' id=toc-6533>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وتوكَّلْ على الحيِّ الذي لا يموتُ، الذي خلَق السماوات والأرضَ وما بينَهما في ستةِ أيامٍ. فقال: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. وقد ذكَر السماواتِ والأرضَ، والسماواتُ جِماعٌ؛ لأنه وجَّه ذلك إلى الصِّنفينِ والشيئينِ، كما قال القُطاميُّ (^٢):\nأَلَمْ يَحْزُنُكِ (^٣) أَنَّ حبِالَ (^٤) قَيْسٍ … وَتَغْلِبَ (^٥) قَدْ تَبايَنَتَا انْقِطاعا\nيريدُ: وحبالَ (٤) تغلبَ (^٦) فثنَّى، والحبالُ (^٧) جمعٌ؛ لأنه أراد الشيئينِ والنوعينِ.\nوقولُه: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. قيل: كان ابتداءُ ذلك يومَ الأحدِ، والفراغُ يومَ الجُمعةِ، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾. يقولُ: ثم ارتفَع (^٨) على العرشِ\n_________\n(^١) في م: \"خابرا\".\n(^٢) تقدم في ١٦/ ٢٦٠.\n(^٣) في ت ٢: \"يحريك\"، وفى ت ١: \"يجزيك\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ف: \"جبال\".\n(^٥) في ت ٢: \"ثعلب\"، وفى ف: \"ثعب\".\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ف: \"ثعلب\".\n(^٧) في ت ١، ت ٢، ف: \"الجبال\".\n(^٨) في م: \"استوى\".","vol":"17","page":480},{"text":"الرحمنُ وعلا عليه، وذلك يومَ السبتِ فيما قيل.\nوقولُه: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾. يقولُ: فاسألْ يا محمدُ (^١) بالرحمنِ خبيرًا بخلقِه، فإنه خالقُ كلِّ شيءٍ، ولا يخفَى عليه ما خلَق.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6534>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾. قال: يقولُ لمحمدٍ ﷺ: إذا أخبرتُك شيئًا، فاعلمْ أنه كما أخبرتُك، أنا الخبيرُ (^٢).\nو\"الخبيرُ\" في قولِه: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ منصوبٌ على الحالِ من الهاءِ التي في قولِه: ﴿بِهِ﴾.\n\n<span id=\"aya-2915\"></span><span data-type='title' id=toc-6535>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قيل لهؤلاء الذين يعبدون من دونِ اللهِ ما لا ينفعُهم ولا يضرُّهم: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾. أي: اجعَلوا سجودَكم للهِ خالصًا دونَ الآلهةِ والأوثانِ. قالوا: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ (^٣). بمعنى: أنسجُدُ نحن يا محمدُ لما تأمرُنا أنت أن نسجُدَ له؟\n_________\n(^١) بعده في م: \"خبيرا\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ١٢٩.\n(^٣) وبها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٤٦٦.","vol":"17","page":481},{"text":"وقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ: (لِمَا يأْمُرُنا) بالياء (^١)، بمعنى: أنسجُدُ لِما يأمرُنا الرحمنَ. وذكَر بعضُهم أن مُسيلِمةَ كان يُدعى الرحمنَ، فلما قال لهم النبيَّ ﷺ: \"اسجُدوا للرحمنِ\". قالوا له: أنسجدُ لما يأمرُنا رحمنُ اليمامةِ، يعنون مُسَيلِمةَ، بالسجودِ له؟\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتانِ مستفيضتانِ مشهورتانِ، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقولُه: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾. يقولُ: وزادَ هؤلاء المشركين قولُ القائلِ لهم: اسجُدوا للرحمنِ. مِن إخلاصِ السجودِ للهِ، وإفرادِ اللهِ بالعبادةِ - بُعدًا، ومما دُعوا إليه من ذلك فِرارًا.\n\n<span id=\"aya-2916\"></span><span data-type='title' id=toc-6537>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: تقدَّس الربُّ الذي جعَل في السماءِ بروجًا. ويعنى بالبروجِ القصورَ في قولِ بعضِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-6536>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ ومحمدُ بنُ المثنَّى و[سَلْمُ بنُ جنادةَ] (^٢)، قالوا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ أبي، عن عطيةَ بن سعدٍ في قولِه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾. قال: قصورًا في السماءِ فيها الحرسُ (^٣).\n_________\n(^١) وبها قرأ حمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٢) في ت ١: \"سالم بن جنادة\"، وفى ف: \"سالم بن جندة\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧١٦ من طريق عبد الله بن إدريس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"17","page":482},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثني أبو معاويةَ، قال: ثني إسماعيلُ، عن يحيى بن رافعٍ في قولِه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾. قال: قصورًا في السماءِ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرٍو عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾. قال: قصورًا في السماءِ (^٢).\nحدَّثني إسماعيلُ بنُ سيفٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾. قال: قصورًا في السماءِ فيها الحرسُ (^٢).\nوقال آخرون: هي النجومُ الكبارُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6538>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا يعلى بنُ عبيدٍ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾. قال: النجومُ الكبارُ (^٣).\nقال: ثنا الضحاكُ، عن مخلدٍ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الكواكبُ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه هناد في الزهد (١٢٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢٧١٦/ ٨ من طريق أبي معاوية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧١٦ معلقًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧١٦ من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٥ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"17","page":483},{"text":"حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بُرُوجًا﴾. قال: البروجُ النجومُ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى القولينِ في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: هي قصورٌ في السماءِ؛ لأن ذلك في كلامِ العربِ؛ ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]. وقولُ الأخطلِ (^٢):\nكأَنَّهَا بُرْجُ رُومِيٍّ يُشَيَّدُهُ … بَانٍ (^٣) بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ\nيعنى بالبرجِ القصرَ.\nوقولُه: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾. اختَلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾. على التوحيدِ (^٤). ووجَّهوا تأويلَ ذلك إلى أنه جعَل فيها الشمسَ، وهى السراجُ التي عنَى عندَهم بقولِه: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾.\nكما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾. قال: السراجُ الشمسُ (^٥).\nوقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: (وَجَعَل فيها سُرُجًا) على الجِماعِ (^٦). كأَنَّهم وجَّهوا تأويلَه: وجعَل فيها نجومًا وقَمَرًا مُنِيرًا. وجعَلوا النجومَ سُرُجًا؛ إذ كان يُهتدَى بها.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ديوانه ص ٧٦.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف، وفى الديوان: \"لُزَّ\".\n(^٤) وبها قرأ نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبو عمر. ينظر حجة القراءات ص ٥١٢.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧١٧ (١٥٣١٤) من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) وبها قرأ حمزة والكسائي. حجة القراءات ص ٥١٢.","vol":"17","page":484},{"text":"والصوابُ من القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: إنهما قراءتانِ مشهورتانِ في قرأةِ الأمصارِ، لكلِّ واحدةٍ منهما وجهٌ، مفهومٌ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقولُه: ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾. يعنى بالمنيرِ المضيءَ.\n\n<span id=\"aya-2917\"></span><span data-type='title' id=toc-6540>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾؛ فقال بعضُهم: معناه أن الله جعَل كلَّ واحدٍ (^١) منهما خَلَفًا من الآخرِ، في أنَّ ما فات في أحدِهما من عملٍ يُعْمَلُ فِيه للهِ أُدرِك قضاؤُه في الآخَرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6539>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، عن شقيقٍ، قال: جاء رجلٌ إلى عمرَ بن الخطابِ ﵁، فقال: فاتَتْنى الصلاةُ الليلةَ. فقال: أدرِكْ ما فاتك من ليلتِك (^٢) في نهارِك، فإن الله جعَل الليلَ والنهارَ خِلفةً لمن أراد أن يَذَّكَّرَ أو أراد شُكورًا (^٣).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾. يقولُ: مَن فاته شيءٌ من الليلِ أن يعملَه، أدرَكه بالنهارِ، أو مِن النهارِ، أدرَكه بالليلِ (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ف: \"واحدة\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ليلتها\"، وينظر تفسير البغوي.\n(^٣) ذكره الجصاص في أحكام القرآن ٥/ ٢١٢ عن شمر بن عطية به، وذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٩٣ عن شقيق بن سلمة به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧١٨ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٦ إلى ابن المنذر.","vol":"17","page":485},{"text":"حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾. قال: جعَل أحدهما خَلَفًا للآخرِ، إن فات رجلًا من النهارِ شيءٌ أدرَكه من الليلِ، وإن فاته من الليلِ أدرَكه مِن النهارِ (^١).\nوقال آخرون: بل معناه أنه جعَل كلَّ واحدٍ منهما مخالفًا صاحبَه، فجعَل هذا أسودَ، وهذا أبيضَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6541>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾. قال: أسودَ وأبيضَ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرَ بن قيسِ بن أبي مسلمٍ الماصِرِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾. قال: أسودَ وأبيضَ. وقال آخرون: بل معنى ذلك أن كلَّ واحدٍ منهما يَخلُفُ صاحبَه، إذا ذهَب هذا جاء هذا، وإذا ذهبَ هذا جاء هذا.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧١٨ من طريق أبي سهل، عن الحسن بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٠٦، وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٨ من طريق الحكم، عن مجاهد بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد.","vol":"17","page":486},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6542>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيريُّ، قال: ثنا قيسٌ، عن عمرَ (^١) ابن قيسٍ الماصِرِ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾. قال: هذا يَخلُفُ هذا، وهذا يَخلُفُ هذا (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾. قال: لو لم يجعلْهما خِلْفَةً لم يُدرَ كيف يُعْمَلُ؛ لو كان الدهرُ ليلًا كلُّه، كيف يَدرى أحدٌ كيف يصومُ؟ أو كان الدهرُ نهارًا كلُّه، كيف يدرى أحدٌ كيف يصلِّى؟ قال: والخِلْفةُ: يَخلُفان (^٣)، يذهبُ هذا ويأتى هذا، جعَلهما اللهُ خِلْفةً للعبادِ. وقرأ: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (^٤).\nو\"الخِلْفةُ\" مصدرٌ؛ فلذلك وُحِّدت، وهى خبرٌ عن الليلِ والنهارِ، والعربُ تقولُ: خَلَف هذا من كذا خلفةً. وذلك إذا جاء شيءٌ مكانَ شيءٍ ذهَب قبلَه، كما قال الشاعرُ (^٥):\nولها بالماطِرونِ (^٦) إذا … أكَل النملُ الذي جَمَعَا\n_________\n(^١) في ت ٢، وتفسير ابن أبي حاتم: (عمرو). وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٤٨٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٩ عن أحمد بن سنان، عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان، عن عمرو بن قيس، عن مجاهد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ف: \"مختلفان\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧١٩ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٥) وقع اختلاف في نسبة البيتين؛ فقيل ليزيد بن معاوية، وهما في ديوانه المجموع ص ٢٢، ونسبهما المبرد في الكامل ١/ ٣٨٤ للأحوص، وليسا في ديوانه المجموع، ونسبهما الجاحظ في الحيوان ١/ ٤ لأبي دهبل، وهما في ديوانه ص ٨٤. وينظر خزانة الأدب ٧/ ٣٠٩ وما بعدها.\n(^٦) الماطرون: موضع بالشام قرب دمشق. معجم البلدان ٤/ ٣٩٥.","vol":"17","page":487},{"text":"خِلْفةٌ حتى إذا ارْتَبَعَتْ … سكنَتْ مِنْ جِلِّقٍ (^١) بِيَعا\nوكما قال زُهَيرٌ (^٢):\nبِها العِينُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً … وأطْلاؤُها يَنهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ\nيعنى بقولِه: يَمْشِين خلفةً: تذهبُ منها طائفةٌ، وتخلُفُ مكانَها طائفةٌ أُخرى. وقد يَحتمِلُ أن يكونَ زهيرٌ أراد بقولِه: خِلْفةٌ. مختلفاتِ الألوانِ، وأنها ضروبٌ في ألوانِها وهيئاتِها. ويَحتمِلُ أن يكونَ أراد أنها تذهبُ في مشيِها كذا، وتجِيءُ كذا.\nوقولُه: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: جعلَ الليلَ والنهارَ، وخُلوفَ كلِّ واحدٍ منهما الآخرَ، حجةً وآيةً لمن أراد أن يذكَّرَ أَمرَ اللهِ، فيُنيبَ إلى الحقَّ، ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾: أو أراد شكرَ نعمةِ اللهِ التي أنعَمَها عليه في اختلافِ الليلِ والنهارِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6543>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. قال: شُكرَ نعمةِ ربِّه عليه فيهما (^٣).\n_________\n(^١) جلق: مدينة بالشام، وقيل: هي دمشق. معجم البلدان ٢/ ١٠٤.\n(^٢) تقدم في ٣/ ١٠.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٠٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٥ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":488},{"text":"حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾: [ذاك آيةٌ له] (^١)، ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. قال: شُكرَ نعمةِ ربِّه عليه فيهما (^٢).\nواختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿يَذَّكَّرَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿يَذَّكَّرَ﴾ مشددةً، بمعنى: يتذكرُ. وقرَأه عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: (يَذْكُرَ) مخففةً (^٣). وقد يكونُ التشديدُ والتخفيفُ في مثلِ هذا بمعنًى واحدٍ، يقالُ: ذكرْتُ حاجةً فلانٍ وتذكَّرْتُها.\nوالقولُ في ذلك أنهما قراءتانِ معروفتانِ متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ فيهما.\n\n<span id=\"aya-2918\"></span><span data-type='title' id=toc-6544>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. بالحلمِ والسكينةِ والوقارِ، غيرَ مستكبِرين، ولا متجبِّرين، ولا ساعين فيها بالفسادِ ومعاصى اللهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قالُ أهل التأويلِ، غير أنهم اختلَفوا؛ فقال بعضُهم: عنَى بقولِه: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. أنهم يمشون عليها بالسكينةِ والوقارِ.\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧١٩ من طريق حجاج به مقتصرًا على أوله.\n(^٣) قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم بالتشديد، وقرأ حمزة والكسائي بالتخفيف. السبعة لابن مجاهد ص ٤٦٥، ٤٦٦.","vol":"17","page":489},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6545>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال: بالوقارِ والسكينةِ.\nقال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي الوضَّاحِ، عن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال: بالحلمِ والوقارِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال: بالوقارِ والسكينةِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. بالوقارِ والسكينةِ (^٢).\nحدَّثني يحيى بنُ طلحة اليربوعيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال (^٣): بالسكينةِ والوقارِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٠٦.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٢٢٧ - ومن طريقه البيهقي في الشعب (٨٤٥٤) - وتفسير عبد الرزاق ٢/ ٧١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٢١ من طريق ليث، عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٦ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"قالا\".","vol":"17","page":490},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن شريكٍ، عن جابرٍ، عن عمارٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال: بالوقارِ والسكينةِ.\nقال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أيوبَ، عن عمرٍو المُلائيِّ: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال: بالوقارِ والسكينةِ.\nوقال آخرون: بل معني ذلك أنهم يمشون عليها بالطاعةِ والتواضعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6546>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. بالطاعةِ والعفافِ والتواضعِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال: يمشون على الأرضِ بالطاعةِ.\nحدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنى عمِّى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، قال: كتَب إليَّ إبراهيمُ بنُ سويدٍ، قال: سمِعتُ زيدَ بنَ أسلمَ يقولُ: التمستُ تفسيرَ هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ فلم أجدْها عندَ أحدٍ، فأُتيتُ في النومِ، فقيل لي: هم الذين [لا يُريدون يُفسدون] (^٢) في الأرضِ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٢٠ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ت ٢: \"لا يريدون قال يفسدون\"، وفى ت ١، ف: \"لا يريدون\".\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٣/ ٦٨.","vol":"17","page":491},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أسامةَ بن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيه، قال: لا يُفسدون في الأرضِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال: لا يتكبَّرون على الناسِ، ولا يتجبَّرون، ولا يُفسدون. وقرأ قولَ اللهِ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^٢) [القصص: ٨٣].\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يمشون عليها بالحلمِ لا يجهَلون على مَن جهِل عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-6547>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أبي الأشهبِ، عن الحسنِ في ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال: حلماءُ، وإن جُهِل عليهم لم يجهَلوا (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال: حلماءُ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال: علماءُ حلماءُ لا يجهلون (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٢١ من طريق ابن يمان به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٢١ (١٥٣٤٨) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه أحمد في الزهد ص ٢٧٧ من طريق أبى الأشهب به، وأخرجه البيهقي في الشعب (٨٤٥٢) من طريق يزيد بن إبراهيم، عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧١.","vol":"17","page":492},{"text":"وقولُه: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. يقولُ: وإذا خاطَبهم الجاهلون باللهِ بما يكرهونه من القولِ، أجابوهم بالمعروفِ من القولِ، والسدادِ من الخطابِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6548>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو الأشهبِ، عن الحسنِ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ﴾ الآية. قال: حلماءُ، وإن جُهِل عليهم لم يجهَلوا.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن يحيى بن المختارِ، عن الحسنِ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. قال: إن المؤمنين قومٌ ذُلُلٌ، ذلَّت (^١) واللهِ الأسماعُ والأبصارُ والجوارحُ، حتى يحسَبَهم الجاهلُ مرضى، وإنهم لأصحاءُ القلوبِ، ولكن دخَلهم من الخوفِ ما لم يدخلْ غيرَهم، ومَنعهم من الدنيا علمُهم بالآخرةِ، فقالوا: الحمدُ للهِ الذي أذهَب عنا الحزنَ. واللهِ ما حزَنهم حُزنُ الدنيا، ولا تعاظَمُ في أنفسِهم ما طلَبوا به الجنةَ، أبكاهم الخوفُ النارِ، وإنه من لا يتعزَّ بعزاءِ اللهِ، تَقطَّعْ نفسُه على الدنيا حسراتٍ، ومن لم يرَ للهِ عليه نعمةً إلا في مطعمٍ ومشربٍ، فقد قلَّ علمُه، وحضَر عذابُه (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ،\n_________\n(^١) بعده في م: \"منهم\".\n(^٢) الزهد لابن المبارك (٣٩٧)، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٢١، وأبو نعيم في ٢/ ١٥٣.","vol":"17","page":493},{"text":"عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. قال: سدادًا.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي الوضَّاحِ، عن عبد الكريمِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. قال: سَدَادًا من القولِ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾: حلماءُ.\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن أبي الأشهبِ، عن الحسنِ، قال: حلماءُ لا يجهلون، وإن جُهِلَ عليهم حلِموا، ولم يسفَهوا، هذا نهارُهم فكيف ليلُهم؟ خيرُ ليلٍ؛ صفُّوا أقدامَهم، وأجْرَوا دموعَهم على خدودِهم، يطلبُون إلى اللهِ جلَّ ثناؤُه في فكاكِ رِقابِهم (^٢).\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا عبادةُ، عن الحسنِ، قال: حلماءُ لا يجهلون، وإن جُهِلَ عليهم حلِموا.\n\n<span id=\"aya-2919\"></span><span data-type='title' id=toc-6549>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٢٢٧ من قوله، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٢٢ من طريق سفيان به، وأخرجه أ جه أيضًا من طريق ابن عيينة ومسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح به، وهو تمام الأثر المتقدم في ص ٤٩٠.\n(^٢) أخرجه أحمد في الزهد ص ٢٨٦ من طريق أبى الأشهب به، وتقدم أوله في ص ٤٩٢.","vol":"17","page":494},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: والذين يبِيتون لربِّهم يصلُّون للهِ، يراوحونَ بينَ سجودٍ في صلاتِهم وقيامٍ.\n\n<span id=\"aya-2920\"></span>وقولُه: ﴿وَقِيَامًا﴾ جمعُ قائمٍ، كما الصيام جمعُ صائمٍ، ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين يدْعون الله أن يَصرِفَ عنهم عقابَه وعذابَه حذَرًا منه ووجَلًا.\nوقولُه: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾. يقولُ إن عذابَ جَهَنَّمَ كان غرامًا مُلِحًّا (^١) دائمًا لازمًا، غيرَ مفارقٍ مَن عُذِّب به مِن الكفارِ، ومُهلِكًا له. ومنه قولُهم: رجلٌ مُغْرَمٌ، من الغُرْمِ والدَّينِ. ومنه قيل للغَريمِ: غَريمٌ. لطلبِه حقَّه، والحاحِه على صاحبِه فيه. ومنه قيل للرجلِ المولَعِ بالنساءِ: إنَّه لمُغرَمٌ بالنساءِ. وفلانٌ مُغرَمٌ بفلانٍ. إذا لم يَصبِرْ عنه. ومنه قولُ الأعشى (^٢):\nإِنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرَامًا وَإِنْ يُعْـ … ـــــطِ جَزِيلًا فإنَّه لا يُبالي\nيقولُ: إن يعاقبْ يكنْ عقابُه عقابًا لازِمًا، لا يفارقُ صاحبَه، مُهلِكًا له. وقولُ بشرِ بن أبي خازمٍ (^٣):\nويومَ النِّسارِ ويومَ الجِفا … رِ كانا (^٤) عقابًا وكانا (^٤) غَرَاما\n[قيل: عنَى بقولِه: غرامًا: هلاكًا] (^٥).\n_________\n(^١) في ت ٢: \"ملجا\".\n(^٢) ديوانه ص ٩.\n(^٣) ديوانه ص ١٩٠، ونسبه في اللسان (غ ر م) إلى الطرماح، وهو في ذيل ديوانه ٥٨٤.\n(^٤) في م: \"كان\". ويوما النسار والجفار من أيام العرب؛ أما يوم النسار فأوقعت فيه طيئ وأسد وغطفان - وهم حلفاء - ببني عامر وبنى تميم، ففرت تميم وثبتت بنو عامر، فقتلوهم قتلا شديدا، فغضبت بنو تميم لبني عامر، فتجمعوا ولقوهم يوم الجفار، فلقيت، أي بنو تميم، أشد مما لقيت بنو عامر. معجم ما استعجم ٤/ ١٣٠٦.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.","vol":"17","page":495},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6550>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ اللَّانيُّ (^١)، قال: أخبَرنا المعافَى بنُ عمرانَ الموصليُّ، عن موسى بن عبيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ في قولِه: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾. قال: إن الله سأل الكفارَ [ثمنَ نعمِه فلم يُؤدُّوها] (^٢) إليه، فأَغرَمَهم، فأَدخَلهم النارَ (^٣).\nقال: ثنا المعافَى، عن أبي الأشْهَبِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾. قال: قد علِموا أن كلَّ غريمٍ مفارقٌ غريمَه، إلا غريمَ جهنَّمَ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾. قال: الغرامُ الشرُّ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجِ في قولِه: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾. قال: لا يُفارقُه.\n\n<span id=\"aya-2921\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾. يقولُ: إن جهنَّمَ ساءت مستقرًّا ومُقامًا. يعنى بالمستقرِّ القرارَ، وبالمُقامِ الإقامةَ. كأن معنى الكلامِ: ساءت جهنَّمُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الأزدي\". وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٣٧٧.\n(^٢) في م: \"عن نعمه فلم يردوها\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٢٤، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢١٦ من طريق موسى بن عبيدة به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٧٥، ٥٠٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٢٣ من طريق أبي الأشهب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٧ إلى عبد بن حميد، وهو في تفسير مجاهد ص ٥٠٦، ٥٠٧ من طريق مبارك فضالة بن، عن الحسن نحوه.\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ١٣/ ٧٢.","vol":"17","page":496},{"text":"منزلًا ومُقامًا. وإذا ضُمتِ الميمُ من المُقامِ فهو من الإقامةِ، وإذا فُتحت فهو من: قُمتُ. ويقال: المَقامُ إذا فُتحتِ الميمُ أيضًا هو المجلسُ. ومن المُقامِ بضمِّ الميمِ بمعنى الإقامةِ، قولُ سلامةَ بن جندلٍ (^١):\nيومانِ يومُ مُقاماتٍ وأنديةٍ … ويومُ سَيْرٍ إلى الأعداءِ تَأْوِيبِ (^٢)\nومن المَقامِ الذي بمعنى المجلسِ، قولُ عباسِ بن مرداسٍ (^٣):\nفَأيِّي (^٤) ما وأَيُّك كانَ شَرًّا … فَقِيدَ إلى المَقامَةِ لا يَرَاها\nيعني المجلسَ.\n\n<span id=\"aya-2922\"></span><span data-type='title' id=toc-6552>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: والذين إذا أنفَقوا أموالَهم لم يُسرفوا في إنفاقِها.\nثم اختَلف أهلُ التأويلِ في النفقةِ التي عناها اللهُ في هذا الموضعِ، وما الإسرافُ فيها (^٥) والإقتارُ؛ فقال بعضُهم: الإسرافُ ما كان من نفقةٍ في معصيةِ اللهِ وإن قَلَّت.\nقال: وإياها عنى الله وسمَّاها إسرافًا. قالوا: والإقتارُ المنعُ من حقِّ اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6551>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) البيت في مجاز القرآن ٢/ ٨٠، واللسان (أ وب).\n(^٢) التأويب في كلام العرب: سير النهار كله إلى الليل. اللسان (أ وب).\n(^٣) البيت في مجاز القرآن ٢/ ٨١، واللسان (أي ى، ق وم)، والخزانة ٤/ ٣٦٧.\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"فإني\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"منها\".","vol":"17","page":497},{"text":"قولَه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. قال: هم المؤمنون، لا يُسْرفون فيُنفقوا في معصيةِ اللهِ، ولا يَقْترون فيَمنعوا حقوقَ اللهِ تعالى (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ، قال: لو أنفَقتُ مثلَ أبي قُبيسٍ ذهبًا في طاعةِ اللهِ ما كان سَرَفًا، ولو أنفقتُ صاعًا في معصيةِ اللهِ كان سَرَفًا (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال قولَه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾. قال: في النفقةِ فيما نهَاهم، وإن كان درهمًا واحدًا، ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾: ولم يَقْصُروا عن النفقةِ في الحقِّ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. قال: لم يُسرفوا فيُنفقوا في معاصى اللهِ؛ كلُّ ما أُنفِق في معصيةِ اللهِ، وإن قلَّ، فهو إسرافٌ، ولم يقتُروا فيُمسكوا عن طاعةِ اللهِ. قال: وما أُمْسِك عن طاعةِ اللهِ، وإن كثُر، فهو إقتارٌ (^٤).\nقال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني إبراهيمُ بنُ نَشِيطٍ، عن عمرَ مولى غُفْرةً،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٢٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٣٩٩ من طريق عثمان بن الأسود به.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٩٤.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٢٦، ٢٧٢٧ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"17","page":498},{"text":"أنه سُئل عن الإسرافِ ما هو؟ قال: كلُّ شيءٍ أنفَقتَه في غيرِ طاعةِ اللهِ فهو سَرَفٌ (^١).\nوقال آخرون: السَرَفُ المجاوزةُ في النفقةِ الحدَّ، والإقتارُ التقصيرُ عن الذي لا بدَّ منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6553>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾. [قال: لا يُجِيعُهم] (^٢)، ولا يُعْرِيهم، ولا يُنفِقُ نفقةً يقولُ الناسُ: قد أسْرَف (^٣).\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ يَزِيدَ بن حُنَيْسٍ (^٤) أبو عبدِ اللهِ المخزوميُّ المكيُّ، قال: سَمِعْتُ وُهَيْبَ بنَ الوَرْدِ بن أَبي (^٥) الوَرْدِ مولى بني مخزومٍ، قال: لقِى عالمٌ عالمًا هو فوقَه في العلمِ، فقال: يَرْحَمُك اللهُ، أخْبِرْني عن هذا البناءِ الذي لا إسرافَ فيه، ما هو؟ قال: هو ما ستَرَك مِن الشمسِ، وأكنَّك مِن المطرِ. قال: يَرْحَمُك اللهُ، فأَخْبِرْني عن هذا الطعامِ الذي نُصِيبُه لا إسرافَ فيه، ما هو؟ قال: ما سدَّ الجوعَ ودونَ الشِّبَعِ. قال: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَأَخْبِرْني عن هذا اللِّباسِ الذي لا إسرافَ فيه، ما هو؟ قال: ما ستَر عورتَك، وأَدْفَأك (^٦) مِن البردِ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٢٦ من طريق ابن نشيط به.\n(^٢) في ت ١: \"قال لا يجمعهم\"، وفي ت ٢: \"قالا يجمعهم\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٢١٧، ٩/ ٩٤، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٢٥، ٢٧٢٧ من طريق عبد السلام بن حرب به.\n(^٤) في ص، ف: \"حنيس\"، وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٢٧٢٧.\n(^٥) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر ترجمته، وينظر تهذيب الكمال ٣١/ ١٦٩.\n(^٦) في ت ١، ف: \"اتقاك\".\n(^٧) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٨/ ١٥٢ من طريق يزيد، عن وهيب مطولا.","vol":"17","page":499},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني عبدُ الرحمنِ بنُ شُرَيْحٍ، عن يزيدَ بن أبي حَبيبٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا﴾ الآية. قال: كانوا لا يَلْبَسون ثوبًا للجَمالِ، ولا يَأْكُلون طعامًا للَذَّةِ، ولكن كانوا يُريدون مِن اللِّباسِ (^١) ما يَسْتُرون به عورتَهم، ويَكْتَنُّون به مِن الحرِّ والقَرِّ، ويُريدون من الطعامِ ما يَسُدُّ (^٢) عنهم الجوعَ، وقوَّاهم على عبادةِ ربِّهم (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن العلاءِ بن عبدِ الكريمِ، عن يزيدَ بن مرةَ الجُعْفيِّ، قال: العلمُ خيرٌ مِن العملِ، والحسنةُ بينَ السيِّئتَيْن - يعنى: ﴿إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ - وخيرُ الأعمالِ (^٤) أوساطُها (^٥).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا كعبُ بنُ فَرُّوخَ، قال: ثنا قتادةُ، عن مُطَرِّفِ بن عبدِ اللهِ، قال: خيرُ هذه الأمورِ أوساطُها، والحسنةُ بينَ السيئتَيْن. فقلتُ لقتادةَ: ما الحسنةُ بين السيئتَيْن؟ فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ الآية (^٦).\nوقال آخرون: الإسرافُ هو أن تَأْكُلَ مالَ غيرِك بغيرِ حقٍّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6554>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا سالمُ (^٧) بنُ سعيدٍ، عن أبي مَعْدانَ، قال:\n_________\n(^١) في ص: \"الطعام\"، وفى ت ١: \"الطعام ما سد الجوع ومن\".\n(^٢) في م: \"سد\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٢٥ من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بنحوه مختصرًا.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"العمل\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٧ إلى المصنف.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٢٧ من طريق قتادة به دون آخره، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٢٠٩ من طريق إسحاق بن سويد، عن مطرف بنحوه.\n(^٧) في ت ٢: \"مسلم\".","vol":"17","page":500},{"text":"كنتُ عندَ عونِ بن عبدِ اللهِ بن عتبةَ، فقال: ليس المُسْرِفُ مَن يَأْكُلُ مالَه، إنما المسرفُ مَن يَأْكُلُ مالَ غيرِه (^١).\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك قولُ مَن قال: الإسرافُ في (^٢) النفقةِ الذي عناه اللهُ في هذا الموضعِ ما جاوَز الحدَّ الذي أباحَه اللهُ لعبادِه، إلى ما فوقَه، والإقتارُ ما قصَر عما أمَر اللهُ به، والقَوامُ بينَ ذلك.\nوإنما قلنا: إن ذلك كذلك؛ لأن المُسْرِفَ والمُقْتِرَ كذلك، ولو كان الإسرافُ والإقتارُ في النفقةِ مُرَخَّصًا فيهما، ما كانا مَذْمومين، ولا كان المسرفُ ولا المقترُ مذمومًا؛ لأن ما أذِن اللهُ في فعلِه، فغيرُ مُسْتَحِقٍّ فاعلُه الذمَّ.\nفإن قال قائلٌ: فهل لذلك من حدٍّ معروفٍ تُبَيِّنُه لنا؟ قيل: نعم، ذلك مفهومٌ في كلِّ شيءٍ مِن المطاعمِ والمشاربِ والملابسِ والصدقةِ وأعمالِ البرِّ وغيرِ ذلك، نَكْرَهُ تطويلَ الكتابِ بذكرِ كلِّ نوعٍ مِن ذلك مُفَصَّلًا، غيرَ أن جملةَ ذلك هو ما بَيَّنَّا، وذلك نحوُ أكْلٍ آكِلٍ مِن الطعامِ فوقَ الشِّبَعِ ما يُضْعِفُ بدنَه، ويَنْهَكُ قُواه، ويَشْغَلُه عن طاعةِ ربِّه، وأداءِ فرائضِه، وذلك مِن السَّرفِ، أو (^٣) أنْ يَتْرُكَ الأكلَ، وله إليه سبيلٌ حتى يُضْعِفَ (^٤) جسمَه، ويَنْهَكَ قُواه، ويُضْعِفَه عن أداءِ فرائضِ ربِّه، فذلك مِن الإقتارِ، وبينَ ذلك القَوامُ، وعلى هذا النحوِ كلُّ ما جانَس ما ذكَرْنا.\nفأمَّا اتخاذُ الثوبِ للجمالِ؛ يَلْبَسُه عندَ اجتماعِه مع الناسِ، وحضورِه المحافلَ والجُمَعَ والأعيادَ، دونَ ثوبِ مِهْنتِه، أو أكلُه مِن الطعامِ ما قوَّاه على عبادةِ ربِّه، ما\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٣/ ٧٣.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"من\".\n(^٣) في م: \"و\".\n(^٤) بعده في م: \"ذلك\".","vol":"17","page":501},{"text":"ارْتَفع عما قد يَسُدُّ الجوع، مما هو دونَه مِن الأغذيةِ، غيرَ أنه لا يُعِينُ البدنَ على القيامِ للهِ بالواجبِ معونتَه، فذلك خارجٌ مِن (^١) معنى الإسرافِ، بل ذلك مِن القَوامِ؛ لأن النبيَّ ﷺ قد أمَر ببعضِ ذلك، وحضَّ على بعضِه، كقولِه: \"ما على أحدِكم لو اتَّخَذ ثوبين؛ ثوبًا لمهنَتِه، وثوبًا لجمُعتِه وعيدِه\" (^٢). [وكقولِه] (^٣): \"إذا أَنْعَم اللهُ على عبدٍ نعمةً أَحَبَّ أن يَرَى أثرَه عليه\" (^٤). وما أشبَه ذلك مِن الأخبارِ التي قد بيَّناها في مواضعِها.\nوأما قولُه: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. فإنه النفقةُ بالعدلِ والمعروفِ، على ما قد بيَّنا.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6555>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي سليمانَ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. قال: الشَّطْرُ مِن أموالِهم (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه:\n_________\n(^١) في م: \"عن\".\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٠٧٨) من حديث عبد الله بن سلام، وأخرجه ابن ماجه (١٠٩٦)، وابن خزيمة (١٧٦٥)، وابن حبان (٢٧٧٧) من حديث عائشة.\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"كقوله\"، وفي ت ٢: \"لقوله\".\n(^٤) أخرجه الطيالسي (٢٣٧٥)، وأحمد ١١/ ٣١٢ (٦٧٠٨) وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٢٧ من طريق أبي عاصم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"17","page":502},{"text":"﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. النفقةُ بالحقِّ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. قال: القوامُ أن تُنْفِقوا في طاعةِ اللهِ، وتُمْسِكوا عن مَحارِم اللهِ (^٢).\n[قال: أخبَرنا ابن وهبٍ] (^٣)، قال: أخبَرني إبراهيمُ بنُ نَشِيطٍ، عن عمرَ مولى غُفْرَةَ، قال: قلتُ له، ما القوامُ؟ قال: القَوامُ ألَّا تُنْفِق في غيرِ حقٍّ، ولا تُمْسِكَ عن حقٍّ هو عليك (^٤).\nوالقوامُ في كلامِ العربِ، بفتحِ القافِ، هو الشيءُ يكون بينَ الشيئين، يقال للمرأةِ المعتدلةِ الخَلْقِ: إنها لحَسنةُ القَوامِ في اعتداِلها. كما قال الحُطَيْئةُ (^٥):\nطافَت أُمامةُ بالرُّكْبانِ آوِنةً … يا حُسْنَه (^٦) مِن قَوامٍ ما (^٧) ومُنْتَقَبَا (^٨)\nفأما إذا كُسِرَتْ القافُ فقيل: إنه قِوامُ أهله. فإنه يعنى به أَنَّ به يَقومُ أمرُهم وشأنُهم، وفيه لغاتٌ أُخَرُ، يقالُ منه: هو قِيامُ أهلِه [وقِيَمُ أهلِه، وقَيِّمُ] (^٩). في معنى قِوامِهم. فمعنى الكلامِ: وكان إنفاقُهم بينَ الإسرافِ والإقتارِ قوامًا مُعتدلا، لا\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٩٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٢٨ (١٥٣٩٥) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٢٧ من طريق إبراهيم بن نشيط به.\n(^٥) ديوانه ص ١٢١.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يا حسنها\".\n(^٧) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٨) المنتَقَبُ: موضع النقاب - وهو الوجه - وينظر الديوان ص ١٢٢.\n(^٩) في م: \"وقيمهم\".","vol":"17","page":503},{"text":"مجاوزةً عن حدِّ اللهِ، ولا تقصيرًا عمَّا فرَضه اللهُ، ولكن عدْلًا بين ذلك على ما أباحه جلَّ ثناؤُه، وأذِن فيه ورخَّص.\nواختَلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾؛ فقرَأتْه عامَّةُ قرأةِ المدينةِ: (ولم يُقْتِرُوا) بضمِّ الياءِ وكسرِ التاءِ، من: أقتَر يُقْتِرُ (^١).\nوقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ بفتحِ الياءِ وضمِّ التاءِ، من: قَتَر يَقْتُر (^٢).\nوقرَأتْه عامَّةُ قرأةِ البصرةِ: (ولَمْ يَقْتِرُوا) بفتحِ الياء وكسرِ التاءِ، من: قَتَرَ يَقْتِرُ (^٣).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن كلَّ هذه القراءاتِ على اختلافِ ألفاظِها، لغاتٌ مشهوراتٌ في العربِ، وقراءاتٌ مُسْتفيضاتٌ في قرأةِ الأمصارِ، بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتِها قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقد بيَّنا معنى الإسرافِ والإقتارِ بشواهدِهما فيما مضَى من كتابِنا في كلامِ العربِ، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٤).\nوفى نصبِ \"القوامِ\" وجهان؛ أحدُهما، ما ذكرتُ، وهو أن يُجعلَ في \"كان\" اسمُ الإنفاقِ بمعنى: وكان إنفاقُهم ما أنفقوا بين ذلك قوامًا. أي: عَدْلًا والآخرُ، أن يُجعلَ \"بينَ\" هو الاسمُ، فيكونَ - وإن كانت في اللفظةِ نصبًا - في معنَى رفعٍ، كما يقالُ: كان دونَ هذا لك كافيًا. يعنى به: أقلَّ من هذا كان لك\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وابن عامر. حجة القراءات ص ٥١٣.\n(^٢) وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق ص ٥١٤.\n(^٣) وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو. المصدر السابق ص ٥١٢.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٤/ ٣٠٦، ٤٠٨، ٩/ ٦١٧، ١٠/ ١٥٥.","vol":"17","page":504},{"text":"كافيًا. فكذلك يكونُ ذلك في قولِه: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾؛ لأن معناه: وكان الوسطُ من ذلك قَوامًا.\n\n<span id=\"aya-2923\"></span><span data-type='title' id=toc-6556>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: والذين لا يعبُدون مع اللهِ إلهًا آخرَ فيُشرِكوه (^١) في عبادتِهم إيَّاه، ولكنَّهم يُخلِصون له العبادةَ، ويُفرِدونه بالطاعةِ، ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قتلَها ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾؛ إما بكفرٍ باللهِ بعدَ إسلامِها، أو زنًى بعدَ إحصانٍ، أو قتلِ نفسٍ، فتُقتَلُ بها، ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ فيأتون ما حرَّم اللهُ عليهم إتيانَه من الفروجِ. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾. يقولُ: ومَن يأتِ هذه الأفعالَ فدعا مع اللهِ إلهًا آخرَ، وقتَل النفسَ التي حرَّم اللهُ بغيرِ الحقِّ، وزنَى - ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾. يقولُ: يَلْقَ مِن عقابِ اللهِ عقوبةً ونَكالًا، كما وصَفه ربُّنا جلَّ ثناؤُه، وهو أنه ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾.\nومن \"الأثامِ\" قولُ بَلْعَاءَ بن قيسٍ الكنانيِّ (^٢):\nجزَى اللهُ ابنَ عروةَ حيثُ أمسَى … عُقُوقًا والعقوقُ له أثامُ\nيعنى بالأثامِ العقابَ.\nوقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ مِن أجلِ قومٍ من المشركين\n_________\n(^١) في م: \"فيشركون\".\n(^٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/ ٨١، ونسبه في اللسان (أ ث م) إلى شافع الليثى.","vol":"17","page":505},{"text":"أرادوا الدخولَ في الإسلامِ، ممَّن كان مِنه في شركِه هذه الذنوبُ، فخافوا ألَّا ينفَعَهم مع (^١) ما سلف منهم مِن ذلك إسلامٌ، فاستفتَوا رسولَ اللهِ ﷺ في ذلك، فأَنزَلَ اللهُ ﵎ هذه الآيةَ، يُعلِمُهم أن الله قابلٌ توبةَ مَن تاب مِنهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-6557>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: ثنى يَعْلَى بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، أن ناسًا مِن أهلِ الشركِ قتَلوا فأكثَروا، فأتَوا محمدًا ﷺ، فقالوا: إن الذي تدعونا إليه لحسنٌ، لو تُخبِرُنا أنَّ لما عمِلنا كفارةً. فنزَلت: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾. ونزَلت: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (^٢) [الزمر: ٥٣ - ٥٥]. قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ مثلَ قولِ ابن عباسٍ سواءً.\nحدَّثنا عُبيدُ (^٣) اللهِ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي معاويةَ، عن أبي عمرٍو الشيبانيِّ، عن عبد اللهِ، قال: سألتُ النبيَّ ﷺ: ما الكبائرُ؟ قال: \"أنْ تَدْعُو للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، وأنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أجْلِ أن يأكُلَ مَعَكَ، و(^٤) أَنْ تَزْنِي بِحَليلَةِ جارِكَ\". وقرَأ علينا رسولُ اللهِ ﷺ مِن كتابِ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٢)، وأبو داود (٤٢٧٤)، والنسائي (٤٠١٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٢٨، والبيهقى في الشعب (٧١٣٩) من طريق حجاج به. وأخرجه البخارى (٤٨١٠)، والحاكم ٢/ ٤٠٣ من طريق ابن جريج به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٧، ٧٨ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) في م: \"عبد\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"أو\".","vol":"17","page":506},{"text":"اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ ومنصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عمرِو بن شُرَحْبِيلَ، عن عبدِ اللهِ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَيُّ الذنبِ أعظمُ؟ قال: \"أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ\". قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال (^٢): \"أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يأكُلَ مَعَكَ\". قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال: \"ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ\". فأنزَل اللهُ بتصديقِ قولِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآية (^٣).\nحدَّثنا سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا عليُّ بنُ قادمٍ، قال: ثنا أسباطُ بنُ نصرٍ الهَمْدانيُّ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن أبي ميسرةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (^٤).\nحدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرَّمليُّ، قال: ثنا عمِّى يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الذنبِ أكبرُ؟ ثم ذكَر نحوَه.\nحدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازيُّ، قال: ثنا عامرُ بنُ مُدرِكٍ، قال: ثنا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٦/ ٦٥٧، ٦٥٧.\n(^٢) بعده في ص: \"ثم\".\n(^٣) أخرجه الفريابي - كما في الدر المنثور ٥/ ٧٧، ومن طريقه أبو عوانة ١/ ٥٥، والبخاري في خلق أفعال العباد (٣٧٣)، والترمذى عقب حديث (٣١٨٢)، والبيهقى ٨/ ١٨، وفى الشعب (٥٣٧٢) من طريق سفيان به. وأخرجه البيهقى في الشعب (٥٣٧٠، ٥٣٧١) من طريق منصور والأعمش به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٩٧١٩)، وأحمد (٤١٣٤)، والبخارى (٤٤٧٧)، ومسلم (٨٦). وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٨ (١٥٣٩٧)، والبيهقى في الشعب (٥٣٧٠) من طريق منصور به، الطيالسي (٢٦٢)، وأحمد ٧/ ٢٠٢ (٤١٣٢)، وأخرجه عبد بن حميد - كما في الدر المنثور ٥/ ٧٧ - وعنه الترمذى (٣١٨٣) من طريق أبى بوائل عن ابن مسعود، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"17","page":507},{"text":"السَّرِيُّ، يعنى ابنَ إسماعيلَ، قال: ثنا الشعبيُّ، عن مسروقٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ، فاتَّبَعتُه، فجلَس على نَشَزٍ مِن الأَرضِ، وقعَدتُ أسفلَ منه، ووجهي حِيالَ ركبتيه، فاغتنَمتُ خلوتَه، فقلت: بأبي وأُمى يا رسولَ اللهِ، أيُّ الذنوبِ أكبرُ؟ قال: \"أنْ تَدْعُوَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ\". قلتُ: ثم مَهْ؟ قال: \"أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ\". قلتُ: ثم مَهْ؟ قال: \"أَنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ\". قال: ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. إلى آخرِ الآيةِ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بن غنَّامٍ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ - أو حُدِّثتُ عن سعيدِ بن جُبيرٍ - أنّ عبدَ الرحمنِ بنَ أبْزى أمَره أن يسألَ ابنَ عباسٍ عن هاتين الآيتين؛ التي (^٢) في \"النساءِ\": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] إلى آخرِ الآيةِ. والآيةِ التي في \"الفرقانِ\": ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾. إلى: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. قال ابن عباسٍ: إذا دخَل الرجلُ في الإسلامِ، وعلِم شرائعَه وأمرَه (^٣)، ثم قتَل مؤمنًا متعمِّدًا فلا توبةَ له. والتي في \"الفرقانِ\"، لما أُنزِلت قال المشركون مِن أهلِ مكةَ: فقد عدَلنا باللهِ، وقتَلنا النفسَ التي حرَّم اللهُ بغيرِ الحقِّ، فما ينفَعُنا الإسلامُ؟ قال: فنزَلت: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. قال: فمن تاب منهم قُبِل منه (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ - أو قال: حدَّثني الحكمُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ - قال: أمَرنى عبدُ الرحمنِ بنُ أبزى، فقال: سلِ ابنَ عباسٍ عن هاتين الآيتين ما أمرُهما؛ عن الآيةِ التي في\n_________\n(^١) أخرجه البزار (١٩٤٩) عن أحمد بن إسحاق به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ١٣٥ عن المصنف.\n(^٢) سقط من: ت ١، ف، وفى ص، ت ٢: \"اللتين\".\n(^٣) بعده في ت ١: \"ونهيه\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ٧/ ٣٤٥، ٣٤٦.","vol":"17","page":508},{"text":"\"الفرقانِ\": ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية. والتي في \"النساءِ\": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. فسألتُ ابنَ عباسٍ عن ذلك، فقال: لما أنزَل اللهُ التي في \"الفرقانِ\"، قال مشركو أهلِ مكةَ: قد قتلنا النفس التي حرَّم اللهُ، ودعَونا مع اللهِ إِلهَا آخرَ. فقال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية. فهذه لأولئك، وأما التي في \"النساءِ\": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية. فإن الرجلَ إذا عرَف الإسلامَ، ثم قتَل مؤمنًا متعمِّدًا، فجزاؤُه جهنمُ، فلا توبةَ له. فذكرتُه لمجاهدٍ، فقال: إلَّا مَن نَدِم (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ الطائيُّ، قال: ثنا أحمدُ بنُ خالدٍ الوَهْبيُّ (^٢)، قال: ثنا شيبانُ (^٣)، عن منصورِ بن المعتمرِ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، قال: قال لى سعيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن أبزَى: سلِ (^٤) ابنَ عباسٍ عن هاتين الآيتين؛ عن قولِ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. إلى: ﴿مَنْ تَابَ﴾. وعن قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: فسألتُ عنها ابنَ عباسٍ، فقال: أُنزِلت هذه الآية في \"الفرقانِ\" بمكةَ إلى قولِه: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. فقال المشركون: فما يغنى عنا الإسلامُ، وقد عدَلنا باللهِ، وقتلَنا النفسَ التي حرَّم اللهُ، وأتَينا الفواحشَ؟ قال: فأنزَل اللهُ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٧/ ٣٤٢.\n(^٢) في ص، م، ف: \"الذهنى\". وفى ت ١، ت ٢: \"الذهبي\". وينظر تهذيب الكمال ١/ ٢٩٩.\n(^٣) في ت ١، ف: \"سنان\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٥٩٢.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"سأل\".","vol":"17","page":509},{"text":"صَالِحًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: وأما مَن دخَل في الإسلامِ وعَقَلَه، ثم قتَل، فلا توبةَ له (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال في هذه الآيةِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية. قال: نزَلت في أهلِ الشركِ (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: أمَرنى عبدُ الرحمنِ بنُ أبزَى أن أسأَلَ ابنَ عباسٍ عن هذه الآيةِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. فذكَر نحوَه (^٢).\nحدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ عميرٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ المنذرِ، قال: ثنا عيسى بن شعيبِ بن ثَوْبَانَ، مولًى لبنى الدِّيلِ من أهلِ المدينةِ، عن فُلَيحٍ الشَّماسِ، عن عبيدِ بن أبي عبيدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: صلَّيتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ العَتَمةَ، ثم انصرَفتُ، فإذا امرأةٌ عند بابي، ثم سلَّمتُ، ففتحتُ ودخَلتُ، فبينا أنا في مسجدى أصلِّى، إذ نَقَرتِ البابَ، فأذِنتُ لها، فدخَلتْ، فقالت: إني جئتُك أسألُك عن عملٍ عمِلتُ؛ هل لى من توبةٍ. فقالت: إنى زنَيتُ وولدتُ، فقتَلتُه. فقلتُ: لا، ولا نُعْمَةَ (^٣) العينِ ولا كرامةَ. فقامت تدعو بالحسرةِ وتقولُ: يا حسرتاه، أَخُلِقَ هذا الحسنُ للنارِ؟ قال: ثم صليتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ الصبحَ من تلك الليلةِ، ثم جلَسنا نَنتظِرُ الإذنَ عليه، فأذِن لنا،\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٤٧٦٥)، ومسلم (٣٠٢٣/ ١٩) من طريق شيبان به.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٧/ ٣٤٥.\n(^٣) في م، وتفسير ابن أبي حاتم: \"نعمت\".","vol":"17","page":510},{"text":"فدخَلنا، ثم خرَج مَن وتخلَّفتُ، فقال: \"ما لكَ يا أبا هريرةَ، أَلكَ حاجةٌ؟ \". فقلتُ له: يا رسولَ اللهِ، صلَّيتُ معك البارحةَ، ثم انصرَفتُ، وقصصتُ عليه ما قالت المرأةُ، فقال النبيُّ ﷺ: \"ما قُلْتَ لَهَا؟ \". قال: قلتُ لها: لا واللهِ ولا نُعمة (^١) العينِ ولا كرامةَ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"بِئْسَ مَا قُلْتَ، أَمَا كُنْتَ تَقْرأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾؟ \" فقال أبو هريرةَ: فخرَجتُ، فلم أترُكْ بالمدينةِ حصنًا ولا دارًا إلا وقفتُ عليها، فقلتُ: إن تكنْ فيكم المرأةُ التي جاءت أبا هريرةَ الليلةَ، فلْتأتِني ولْتُبشِرْ. فلما صلَّيتُ مع النبيِّ ﷺ العشاءَ، فإذا هي عندَ بابي، فقلتُ: أَبشرِى، فإني دخلتُ على النبيِّ فذكرتُ له ما قلتِ لى، وما قلتُ لك، فقال: \"بئسَ ما قلتَ لها، أما كنتَ تقرَأُ هذه الآيةَ؟ \". فقرَأتُها عليها، فخرَّت ساجدةً، فقالت: الحمدُ للهِ الذي جعَل لى (^٢) مَخْرجًا وتوبةً مما عمِلتُ، إن هذه الجاريةَ وابنَها حُرّانِ لوجهِ اللهِ، وإني قد تبتُ مما عمِلتُ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن عمرِو بن مالكٍ، عن أبي الجوزاءِ، قال: اختلَفتُ إلى ابن عباسٍ ثلاثَ عشرةَ سنةً، فما شيءٌ من القرآنِ إلا سألتُه عنه، ورسولى يَختِلفُ إلى عائشةَ، فما سمِعتُه ولا\n_________\n(^١) في م: \"نعمت\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٣٥، والطبراني - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ١٣٩ - من طريق إبراهيم بن المنذر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٩ إلى ابن مردويه، وقال ابن كثير: هذا حديثٌ غريب من هذا الوجه، وفى رجاله من لا يعرف.","vol":"17","page":511},{"text":"سمِعتُ أحدًا من العلماءِ يقولُ: إن الله يقولُ لذنبٍ: لا أغفِرُ.\nوقال آخرون: هذه الآيةُ منسوخةٌ بالتي في \"النساءِ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-6558>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني المغيرةُ بن عبدِ الرحمنِ الحِزاميُّ (^١)، عن أبي الزنادِ، عن خارجةَ بن زيدٍ، أنه دخَل على أبيه وعندَه رجلٌ من أهلِ العراقِ، وهو يسألُه عن هذه الآيةِ التي في \"تَبارَكَ، الفرقان\"، والتي في \"النساءِ\": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]. فقال زيدُ بن ثابتٍ: قد عرَفتُ الناسخةَ من المنسوخةِ، نسختْها التي في \"النساءِ\" بعدها بستةِ أشهرٍ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال الضحاكُ بنُ مزاحمٍ: هذه السورةٌ بينَها وبينَ \"النساءِ\": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾. ثمانى حججٍ (^٣).\nوقال ابن جريجٍ: وأخبَرنى القاسمُ بنُ أبي بَزَّةَ، أنه سأل سعيدَ بنَ جبيرٍ: هل لمن قتَل مؤمنًا متعمدًا توبةٌ؟ فقال: لا. فقرَأ عليه هذه الآيةَ كلَّها. فقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: قرَأتُها على ابن عباسٍ كما قرَأتَها عليَّ، فقال: هذه مكيةٌ، نسختْها آيةٌ مدنيةٌ، التي في سورةِ \"النساءِ\" (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"الحراني\"، وفى ف: \"الجراتى\". وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٨٧.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٧/ ٣٤٩، ٣٥.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٧/ ٣٥٠.\n(^٤) أخرجه البخارى (٤٧٦٢) من طريق ابن جريج به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٨ إلى ابن المنذر.","vol":"17","page":512},{"text":"وقد أتينا على البيانِ عن الصوابِ من القول في هذه الآيةِ التي في سورةِ \"النساءِ\"، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nوبنحوِ الذي قُلنا في \"الأثامِ\" من القولِ قال أهلُ التأويلِ، إلا أنهم قالوا: ذلك عقابٌ يُعاقِبُ اللهُ به مَن أتى هذه الكبائرَ، بوادٍ في جهنمَ يُدعى أثامًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6559>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أحمدُ بنُ المقدامِ، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمانَ، قال: سمِعتُ أبي يحدِّثُ عن قتادةَ، عن أبي أيوبَ الأزديِّ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو (^٢)، قال: الأثامُ وادٍ في جهنمَ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾. قال: واديًا في جهنمَ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٧/ ٣٥٠.\n(^٢) في تفسير ابن أبي حاتم: \"عمر\"، والصواب ما عندنا. ينظر الكنى للبخارى ص ٨٥، وتهذيب الكمال ٣٣/ ٦٠.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٣٠ من طريق قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٨ إلى ابن المنذر.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٠٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٨ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر، وزاد في آخره: من قيح ودم.","vol":"17","page":513},{"text":"عكرِمةَ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾. قال: واديًا في جهنمَ فيه الزُّناةُ (^١).\nحدَّثني العباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيادٍ، قال: ثنا شَرْقيُّ (^٢) بنُ قُطاميٍّ، عن لقمانَ بن عامرٍ الخزاعيِّ، قال: جئتُ أبا أُمَامَةَ صُدَيَّ بنَ عجلانَ الباهليَّ، فقلتُ: حدَّثْني حديثًا سمِعتَه مِن رسولِ الله ﷺ. قال: فدعا لى بطعامٍ، ثم قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لو أن صخرةً زِنةَ عَشْرِ عَشراواتٍ قُذِفَ بِها مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ، ما بلَغتْ قعرَها خمسين خريفًا، ثم تَنتهِى إلى غَيٍّ وأثامٍ\". قال: قلتُ: وما غيٌّ وأثامٌ؟ قال: \"بِئران في أسفلِ جهنَّمَ، يَسيلُ فيهما صديدُ أهلِ النَّارِ، وهما اللذان ذكَر اللهُ في كتابِه: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. وقولُه في \"الفرقانِ\": ﴿وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ \" (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾. قال: الأثامُ الشرُّ. وقال: سيَكْفِيك (^٤) ما وراءَ ذلك: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قتادةَ في قولِه: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾. قال: نكالًا. قال: ويقالُ (^٥) إنه وادٍ في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٣٠ من طريق الحسينُ به.\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"شرفي\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٥/ ٥٧١، ٥٧٢.\n(^٤) في ت ٢: \"سنكفيك\".\n(^٥) في النسخ: \"قال\". والمثبت من تفسير عبد الرزاق.","vol":"17","page":514},{"text":"جهنمَ (^١).\nحدَّثنا القاسمٌ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن هشيمٍ، قال: أخبَرنا زكريا بنُ أبى مريمَ، قال: سمِعتُ أبا أمامةَ الباهليَّ يقولُ: إن ما بينَ شفيرِ جهنمَ إلى قعرِها مسيرةَ سبعين خريفًا، بحجرٍ يهوِى فيها، أو بصخرةٍ تهوى، عُظْمُها كعَشْرِ عَشْراواتٍ سمانٍ. فقال له رجلٌ: فهل تحتَ ذلك مِن شيءٍ؟ قال: نعم؛ غيٌّ وأنامٌ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2924\"></span>قولُه: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. اختلَفتِ القرأةُ في قراءتِه؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى عاصمٍ: ﴿يُضَاعَفْ﴾ جزمًا، ﴿وَيَخْلُدْ﴾ جزمًا. وقرَأه عاصمٌ: (يُضاعَفُ) رفعًا، (ويَخْلُدُ) رفعًا، كلاهما على الابتداءِ، وأنّ الكلامَ عندَه قد تناهَى عندَ ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾، ثم ابتدأ قولَه: (يُضَاعَفُ لهُ العَذابُ) (^٣).\nوالصوابُ مِن القراءةِ عندَنا فيه جزمُ الحرفين كليهما: ﴿يُضَاعَفْ﴾، و﴿يَخْلُدْ﴾، وذلك أنه تفسيرٌ لـ \"الأثامِ\" لا فعلٌ له، ولو كان فعلًا له كان الوجهُ فيه الرفعَ، كما قال الشاعرُ (^٤):\nمتى تأتِهِ تَعْشُو إلى ضوءِ نارِهِ … تَجِدْ خيرَ نارٍ عندَها خيرُ مُوقِدِ\nفرفَع \"تعشو\"؛ لأنه فعلٌ لقولِه: تأتِهِ. معناه: متى تأتِهِ عاشيًا.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٣٠ من طريق سعيد، عن قتادة.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١٥/ ٥٧١، ٥٧٢.\n(^٣) قرأ ابن كثير: \"يضعَّف\"، وقرأ ابن عامر: \"يُضَعَّفُ\"، \"يَخْلُدُ\"، وقرأ أبو بكر: \"يضاعَفُ\"، \"يخلُدُ\"، وقرأ نافع وحفص وأبو عمرو وحمزة \"يضاعَفْ\"، \"يخلُدْ\". ينظر حجة القراءات ص ٥١٤.\n(^٤) هو الحطيئة، والبيت في ديوانه ص ١٦١.","vol":"17","page":515},{"text":"وقولُه: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾: ويبقى فيه إلى غيرِ نهايةٍ في هوانٍ.\n\n<span id=\"aya-2925\"></span>وقولُه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومن يَفعَلْ هذه الأفعالَ التي ذكَرها جلّ ثناؤُه يَلْقَ أثَامًا، ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. يقولُ: إلا مَن راجَع طاعةَ اللَّهِ ﵎ بتركِه ذلك، وإنابتِه إلى ما يرضاه اللَّهُ، ﴿وَآمَنَ﴾. يقولُ: وصدّق بما جاء به محمدٌ نبيُّ اللَّهِ، ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾. يقولُ: وعمِل بما أمَره اللَّهُ مِن الأعمالِ، وانتهَى عما نهاه اللَّهُ عنه.\nقولُه: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فأولئك يُبدِّلُهم (^١) اللَّهُ بقبائحِ أعمالِهم في الشركِ، محاسنَ الأعمالِ في الإسلامِ؛ فيُبدِّلُه بالشركِ إيمانًا، و[بقتلِ أهلِ الإيمانِ باللَّهِ قتْلَ أهلِ الشركِ] (^٢) به، وبالزنى عفَّةً وإحصانًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6560>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. قال: هم المؤمنون كانوا قبلَ إيمانِهم على السيئاتِ، فرغِب اللَّهُ بهم عن ذلك، فحوَّلهم إلى الحسناتِ، وأبدَلهم مكانَ السيئاتِ حسناتٍ (^٣).\n_________\n(^١) في م، ف: \"يبدل\".\n(^٢) في م: \"وبقيل أهل الشرك بالله قيل أهل الإيمان\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٣ من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٩ إلى ابن المنذر.","vol":"17","page":516},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: هم الذين يتوبون فيعمَلون بالطاعةِ، فيبدِّلُ اللَّهُ سيئاتِهم حسناتٍ حينَ يتوبون (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، [عن جعفرٍ] (^٢)، عن سعيدٍ، قال: نزَلت: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية. في وَحْشِيٍّ وأصحابِه، قالوا: كيف لنا بالتوبةِ، وقد عبَدنا الأوثانَ، وقتَلنا المؤمنين، ونكَحنا المشركاتِ؟ فأنزَل الله فيهم: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. فأبدَلهم اللَّهُ بعبادةِ الأوثانِ عبادةَ اللَّهِ، وأبدَلهم بقتالِهم مع المشركين قتالًا مع المسلمين للمشركين، وأبدَلهم بنكاحِ المشركاتِ نكاحَ المؤمناتِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ، قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. قال: بالشركِ إيمانًا، وبالقتلِ إمساكًا، وبالزنى إحصانًا.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يتوبوا\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٣٢ عن محمد بن سعد به مقتصرًا على أوله.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرج آخره ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٣٤ من طريق يعقوب به، وأخرج أوله أيضًا في تفسيره ٨/ ٢٧٣١ من طريق عطاء، عن سعيد بن جبير بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٧٨ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"17","page":517},{"text":"الضحاكُ يقولُ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾: وهذه الآيةُ مكيةٌ نزَلت بمكةَ، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾. يعنى الشركَ والقتلَ والزنى جميعًا. لمَّا أنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ قال المشركون مِن أهلِ مكةَ: يزعُمُ محمدٌ أن من أشرَك وقتَل وزنَى فله النارُ، وليس له عندَ اللَّهِ خيرٌ. فأنزَل اللَّهُ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. مِن المشركين مِن أهِل مكةَ، ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. يقولُ: يبدِّلُ اللَّهُ مكانَ الشركِ والقتلِ والزنى؛ الإيمانَ باللَّهِ والدخولَ في الإسلامِ، وهو التبديلُ في الدنيا، وأنزَل اللَّهُ في ذلك: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، يَعنيهم بذلك، ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. يعنى ما كان في الشركِ، يقولُ اللَّهُ لهم: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٣، ٥٤]. يدْعوهم إلى الإسلامِ، فهاتان الآيتان مكيتان، والتي في (النساء): ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] الآية. هذه مدنيةٌ، نزَلت بالمدينةِ، وبينَها وبينَ التي نزَلت في \"الفرقانِ\" ثمانى سنينَ، وهى مبهمةٌ ليس منها مَخرجٌ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، قال: سُئل ابن عباسٍ عن قولِ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. فقال (^٢):\n_________\n(^١) ينظر تفسير البغوي ٦/ ٩٧.\n(^٢) هو لبيد بن ربيعة، وجاء في مسائل نافع ص ١٤١، والإتقان، ٢/ ٩٧، والدر المنثور ٤/ ٣٢٥ في تفسير قوله تعالى: ﴿إذ نفشت فيه غنم القوم﴾ هكذا:\nبدِّلن بعد النفَشِ الوجيفا … وبعد طول الجرة الصريفا\nوفى تفسير ابن أبي حاتم، وتفسير ابن كثير ٦/ ١٣٧:\nبدلن بعد حره خريفا … وبعد طول النفس الوجيفا","vol":"17","page":518},{"text":"بُدِّلنَ بعدَ [جِرَّةٍ صَرِيفا] (^١) … وبعدَ طولِ النَّفَسِ الوَجِيفا (^٢)\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ - ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. فقال (^٣) المشركون: ولا واللَّهِ، ما كان هؤلاء الذين معَ محمدٍ إلا معنا. قال: فأنزَل اللَّهُ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. قال: تاب من الشركِ ﴿وَآمَنَ﴾. قال: آمَن بعقابِ اللَّهِ ورسولِه، ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾. قال: صدَّق، ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. قال: يُبدِّلُ اللَّهُ أعمالَهم السيئةَ التي كانت في (^٤) الشركِ الأعمالَ (^٥) الصالحةَ حينَ دخَلوا في الإيمانِ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: فأولئك يُبدِّلُ اللَّهُ سيئاتِهم في الدنيا حسناتٍ لهم يومَ القيامةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6561>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أحمدُ بنُ عمرٍو البصريُّ (^٦)، قال: ثنا قريشُ بنُ أنسٍ أبو أنسٍ، قال: ثنى صالحُ بنُ رُستمَ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن سعيدِ بن المسيّبِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. قال: تصيرُ سيئاتُهم حسناتٍ لهم يومَ القيامةِ.\n_________\n(^١) في م: \"حره خريفا\".\nوالجرة: ما يفيض به البعير من كرشه فيأكله ثانية. والصريف: صرير ناب البعير، وكذا ناب الإنسان، وصرف نابَه وبنابِه: حَرَقَه فسمعت له صوتًا. التاج (ج ر ر، ص رف).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٣٣ من طريق جابر به.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"هذه\".\n(^٤) سقط من: ت ١، ف. وينظر ص ٥٢١.\n(^٥) في م: \"بالأعمال\".\n(^٦) في ت ٢: \"النصرى\".","vol":"17","page":519},{"text":"حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا محمدُ بنُ خازمٍ أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المعرورِ بن سويدٍ، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إنِّي لأعْرِفُ آخِرَ أهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ، وآخِرَ أهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ\". قال: \"يُؤْتَى بِرجُلٍ يَوْمَ القِيامَةِ، فيُقالُ: نَحُّوا كِبارَ ذُنُوبِه وَسَلُوهُ عن صِغارِها\". قال: \"فيُقالُ لهُ: عَمِلْتَ كذا وكذا، [وعَمِلْتَ كذا وكذا] (^١). . قال: \"فَيَقُولُ: يا رَبِّ لقد عَمِلْتُ أشْياءَ ما أرَاها ههُنا\". قال: فضحِك رسولُ اللَّهِ ﷺ حتى بدَت نَواجِذُه. قال: \"فيُقَالُ له: لك مَكَانَ كُلِّ سيِّئةٍ حَسَنَةٌ\" (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأولَى التأويلين بالصوابِ في ذلك تأويلُ مَن تأوَّله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: أعمالَهم في الشركِ، ﴿حَسَنَاتٍ﴾ في الإسلامِ؛ بنقلِهم (^٣) عمّا يَسخَطُه اللَّهُ مِن الأعمالِ إلى ما يَرضَى.\nوإنما قلنا: ذلك أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لأن الأعمالَ السيئةَ قد كانت مضَت على ما كانت عليه من القُبحِ، وغيرُ جائزٍ تحويلُ عينٍ قد مضَت بصفةٍ، إلى خلافِ ما كانت عليه، إلا بتغييرِها عمَّا كانت عليه من صفَتِها في حالٍ أُخرى، فيجِبُ إن فعَل ذلك كذلك، أن يصيرَ شركُ الكافرِ الذي كان شركًا في الكفرِ بعينِه إيمانًا يومَ القيامةِ بالإسلامِ، ومعاصيه كلُّها بأعيانِها طاعةً، وذلك ما لا يقولُه ذو حجًا.\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ف.\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ١٧٠ (الميمنية)، ومسلم (١٩٠/ ٣١٥)، والترمذى (٢٥٩٦)، وابن منده في الإيمان (٨٤٩) من طريق أبى معاوية به. وأخرجه أحمد ٥/ ١٥٧ (الميمنية)، ومسلم (١٩٠/ ٣١٤، ٣١٥)، والترمذى في الشمائل (٢٢١)، وابن منده في الإيمان (٨٤٧، ٨٤٨) من طريق الأعمش به.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"ينقلهم\".","vol":"17","page":520},{"text":"وقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكان اللَّهُ ذا عفوٍ عن ذنوبِ مَن تاب مِن عبادِه وراجَع طاعتَه، وذا رحمةٍ به أن يعاقِبَه على ذنوبِه بعدَ توبتِه منها.\n\n<span id=\"aya-2926\"></span>قولُه: ﴿وَمَنْ تَابَ﴾. يقولُ: ومن تاب من المشركين، فآمَن باللَّهِ ورسولِه، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. يقولُ: وعمِل بما أمَره اللَّهُ فأطاعه، فإن اللَّهَ فاعلٌ به من إبدالِه سَيِّئَ أعمالِه في الشركِ بحسَنِها في الإسلامِ، مثلَ الذي فعَل مِن ذلك بمن تاب وآمَن وعَمِل صالحًا قبلَ نزولِ هذه الآيةِ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6562>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾. قال: هذا للمشركين الذين قالوا لما أُنزِلت: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لأصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: ما كان هؤلاء إلا معنا. قال: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فإن لهم مثلَ ما لهؤلاء، ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾؛ لم تُحظَرِ التوبةُ عليكم.\n\n<span id=\"aya-2927\"></span><span data-type='title' id=toc-6563>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"الزورِ\" الذي وصَف اللَّهُ هؤلاء القومَ بأنهم لا يَشهَدونه؛ فقال بعضُهم: معناه الشركُ باللَّهِ.","vol":"17","page":521},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6564>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾. [قال: الشركُ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾] (^٢). قال: هؤلاء المهاجرون. قال: والزُّورُ قولُهم لآلهتِهم، وتعظيمُهم إياها (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنِى به الغِناءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6565>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ بنُ عبدِ الأعلى المحاربيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾. قال: لا يَسمَعون الغِناءَ (^٤).\nوقال آخرون: هو قولُ الكذبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6566>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾. قال: الكذبُ.\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٢٢٨ عن جابر، عن الضحاك - والصواب: جويبر - وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٣٧ من طريق جويبر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٣٦، ٨/ ٢٧٣٨ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٣٧ معلقًا.","vol":"17","page":522},{"text":"قال أبو جعفرٍ: وأصلُ الزُّورِ تحسينُ الشئِ، ووصفُه بخلافِ صفتِه، حتى يُخيَّلَ إلى مَن يسمَعُه أو يراه أنه بخلافِ ما هو به، والشركُ قد يَدخُلُ في ذلك؛ لأنه مُحسَّنٌ لأهلِه، حتى قد ظنُّوا أنه حقٌّ، وهو باطلٌ، ويدخُلُ فيه الغِناءُ؛ لأنه أيضًا مما يُحسِّنُه ترجيعُ الصوتِ، حتى يَستْحِلىَ سامعُه، سماعَه، والكذبُ أيضًا قد يدخلُ فيه، لتحسينِ صاحبِه إياه، حتى يَظنَّ صاحبُه أنه حقٌّ، فكلُّ ذلك مما يدخُلُ في معنى الزُّورِ.\nفإذ كان ذلك كذلك، فأولى الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِه أن يقالَ: والذين لا يشهدون شيئًا من الباطلِ؛ لا شركًا، ولا غِناءً، ولا كذبًا، ولا غيرَه، وكلَّ ما لزِمه اسمُ الزورِ؛ لأن اللَّهَ عمَّ في وصفِه إياهم أنهم لا يشهدون الزورَ، فلا يَنبِغى أن يُخَصَّ من ذلك شيءٌ إلا بحجةٍ يجِبُ التسليمُ لها من خبرٍ أو عقلٍ.\nوقولُه: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"اللغوِ\" الذي ذُكر في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناه ما كان المشركون يقولونه للمؤمنين، ويُكلِّمونهم به من الأذى. ومرورُهم به كرامًا إعراضُهم عنهم وصفحُهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-6567>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾. [قال: صَفَحوا] (^١).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ف.\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٥٠٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٣٩.","vol":"17","page":523},{"text":"[حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾] (^١). قال: إذا أُوذُوا مَرُّوا كرامًا. قال: صفَحوا (^٢).\nوقال آخرون: بل معناه: وإذا مرُّوا بذكرِ النكاحِ كَنَوا (^٣) عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6568>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين (^٤)، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا العوّامُ بنُ حوشبٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾. قال: إذا ذكَروا النكاحَ كَنَوا (^٥) عنه.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الأشيبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا العوّامُ بنُ حوشبٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾. قال: كانوا إذا أتَوا على ذكرِ النكاحِ كَنَوا (^٥) عنه (^٦).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبي مخزومٍ، عن سيّارٍ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾. قال: إذا مَرُّوا بالرفَثِ كَنَوا (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ف.\n(^٢) أخرجه البيهقى في الشعب (٨٠٨٩) من طريق ابن جريج به.\n(^٣) في النسخ: \"كفوا\". وينظر ما سيأتي.\n(^٤) بعده في ت ١: \"قال: ثنى حجاج\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، \"كفّوا\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٩١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٣٩ من طريق هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨١ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^٧) في م: \"كفوا\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٠ من طريق المعتمر، عن أبيه، عن سيار.","vol":"17","page":524},{"text":"وقال آخرون: معناه: إذا مَرُّوا بما كان المشركون فيه من الباطلِ مَرُّوا منكِرِين له.\n\n<span data-type='title' id=toc-6569>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾. قال: هؤلاء المهاجرون، واللغوُ ما كانوا فيه من الباطلِ. يعنى المشركين. وقرَأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (^١) [الحج: ٣٠].\nوقال آخرون: عُنِى باللغوِ ههنا المعاصى كلُّها.\n\n<span data-type='title' id=toc-6570>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾. قال: اللغوُ كلُّه المعاصى (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندى أن يقالَ: إن اللَّهَ أخبرَ عن هؤلاء المؤمنين الذين مدَحهم بأنهم إذا مرُّوا باللغوِ مَرُّوا كرامًا، واللغوُ في كلامِ العربِ هو كلُّ كلامٍ أو فعلٍ باطلٍ لا حقيقةَ له ولا أصلَ، أو ما يُستقبَحُ؛ فسبُّ الإنسانِ الإنسانَ بالباطلِ الذي لا حقيقةَ له، من اللَّغوِ، وذكرُ النكاحِ بصريحِ اسمِه مما يُستقبَحُ في بعضِ الأماكنِ، فهو من اللغوِ، وكذلك تعظيمُ المشركين آلهتَهم من الباطلِ الذي لا حقيقةَ لما عظَّموه، على نحوِ ما عظَّموه، وسماعُ الغناءِ مما هو مُستقبَحٌ في أهلِ الدينِ، فكلُّ ذلك يَدخُلُ في معنى اللغوِ، فلا وجهَ إذ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٥٢٢.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٢.","vol":"17","page":525},{"text":"كان كلُّ ذلك يلزَمُه اسمُ اللغوِ، أن يقالَ: عُنِى به بعضُ ذلك دونَ بعضٍ. إذ لم يكنْ بخصوصِ (^١) ذلك دلالةٌ من خبرٍ أو عقلٍ. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: وإذا مَرُّوا بالباطلِ فسمِعوه أو رأَوه، مَرُّوا كرامًا. ومرورُهم كرامًا في بعضِ ذلك بألّا يسمَعوه، وذلك كالغناءِ، وفى بعض ذلك بأن يُعرضوا عنه ويَصفَحوا؛ وذلك إذا أُوذوا بإسماعِ القبيحِ من القولِ، وفى بعضِه بأن يَنهَوا عن ذلك؛ وذلك بأن يرَوا من المنكرِ ما يُغَيَّرُ بالقولِ، [فيُغيِّروه بالقولِ] (^٢)، وفى بعضِه بأن يُضارِبوا عليه بالسيوفِ؛ وذلك بأن يَروا قومًا يقطَعون الطريقَ على قومٍ، فيستصرِخُهم المرادُ ذلك منهم، فيُصرِخونهم، وكلُّ ذلك مرورُهم كرامًا.\nوقد حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمٍ، عن إبراهيمَ بن ميسرةَ، قال: مرَّ ابن مسعودٍ بلهوٍ مسرعًا، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إنْ أصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ لكَرِيمًا\" (^٣).\nوقيل: إن هذه الآيةَ مكيةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6571>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمِعتُ السديَّ يقولُ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾. قال: هي مكيةٌ (^٤).\nوإنما عنَى السديُّ بقولِه هذا - إن شاء اللَّهُ - أن اللَّهَ نسَخ ذلك بأمرِه المؤمنين\n_________\n(^١) في م: \"لخصوص\".\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٣٨، وابن عساكر ٣٣/ ١٢٨ من طريق محمد بن مسلم به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"17","page":526},{"text":"بقتالِ المشركين بقولِه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وأمَرهم إذا مرُّوا باللَّغوِ الذي هو [شركٌ أن يُقاتِلوا أمراءَه، وإذا مرّوا باللغوِ الذي هو] (^١) معصيةٌ للَّهِ أن يغيِّروه، ولم يكونوا أُمِروا بذلك بمكةَ، وهذا القولُ نظيرُ تأويلِنا الذي تأوّلناه في ذلك.\n\n<span id=\"aya-2928\"></span><span data-type='title' id=toc-6573>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: والذين إذا ذكَّرهم مُذكِّرٌ بحججِ اللَّهِ، [لم يكونوا] (^٢) صُمًّا لا يسمَعون، وعميًا لا يُبصِرونها، ولكنهم يِقَاظُ (^٣) القلوبِ، فُهَماءُ العقولِ، يفهَمون عن اللَّهِ ما يُذكِّرُهم به، ويفهَمون عنه ما ينبِّهُهم عليه، فيُوعون مواعظَه آذانًا سمِعتْه، وقلوبًا وعَتْه (^٤).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6572>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾: فلا يسمَعون، ولا يُبصِرون، ولا يفقَهون حقًّا (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"يقاظى\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"واعية\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٥٠٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٤٠.","vol":"17","page":527},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾. قال: لا يفقهون، ولا يَسمَعون، ولا يُبصِرون.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن ابن عونٍ، قال: قلتُ للشعبيِّ: رأيتُ قومًا قد سجَدوا، ولم أعلَمْ ما سجَدوا منه، أسجُدُ؟ فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾. قال: هذا مثَلٌ ضرَبه اللَّهُ لهم، لم يَدَعُوها إلى غيرِها. وقرَأ قولَ اللَّهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (^٢) الآية [الأنفال: ٢].\nفإن قال قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾، أو يَخِرُّ الكافرون صُمًّا وعُمْيانًا إذا ذُكِّروا بآياتِ اللَّهِ، فيُنفَى عن هؤلاءِ ما هو صفةٌ للكفارِ؟\nقيل: نعم، الكافرُ إذا تُليت عليه آياتُ اللَّهِ خرَّ عليها أصمَّ وأعمى، وخَرُّه عليها كذلك إقامتُه على الكفرِ، وذلك نظيرُ قولِ العربِ: سببتُ فلانًا فقام يَبكِى. بمعنى: فظلّ يبكى، ولا قيامَ هنالك، ولعله أن يكونَ بكَى قاعدًا، وكما يقالُ: نهَيتُ فلانًا عن كذا، فقعَد يَشتُمُنى. ومعنى ذلك: فجعَل يَشْتُمُنى، وظلّ يَشْتُمُنى. ولا قعودَ هنالك، ولكن ذلك قد جرَى على ألسنِ العربِ، حتى قد فهِموا معناه. وذكَر\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٤١ من طريق ابن عون به.\nقال ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤١: يعنى أنه لا يسجد معهم؛ لأنه لم يتدبر آية السجدة، فلا ينبغى للمؤمن أن يكون إمعة، بل يكون على بصيرة من أمره ويقين واضح بيِّنٍ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٤١ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"17","page":528},{"text":"الفرّاءُ (^١) أنه سمِع العربَ تقولُ: قعَد يَشتُمُنى. كقولِك: قام يَشتُمُنى، وأقبَل يشتُمُنى. قال: وأنشَد بعضُ بنى عامرٍ:\nلا يُقنِعُ الجاريةَ الخضابُ\nولا الوِشاحانِ ولا الجلبابُ\nمِن دونِ أن تلتقِىَ الأرْكابُ (^٢)\nويَقعُدَ الأيرُ له لُعابُ\nبمعنى: يصيرُ.\nفكذلك قولُه: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾. إنما معناه: لم يَصَمُّوا عليها (^٣)، ولا عَمُوا عنها، و(^٤) لم يَصيروا على بابِ ربِّهم صُمًّا وعمْيانًا. كما قال الراجزُ:\nوَيَقْعُدُ الهَنُ (^٥) لَهُ لُعابُ\nبمعنى: ويَصيرُ.\n\n<span id=\"aya-2929\"></span><span data-type='title' id=toc-6574>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: والذين يَرغَبُون إلى اللَّهِ في دعائِهم ومسألتِهم بأن يقولوا: ربَّنا هَبْ لنا من أزواجنا وذُرِّياتِنا ما تَقَرُّ به أعينُنُا مِن أن تُريَناهم يعمَلون بطاعتِك.\n_________\n(^١) في معاني القرآن ٢/ ٢٧٤.\n(^٢) قال الفراء في الموضع السابق: يقال لموضع المذاكير: ركب.\n(^٣) في م: \"عنها\".\n(^٤) في ص: \"أو\".\n(^٥) الهن: فرج المرأة، وهذه لفظة الفراء في المعانى، وتقدم أنه الأير - فرج الرجل - وهى رواية اللسان (ر ك ب، ق ع د) عن الفراء.","vol":"17","page":529},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6575>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾. يعنون: مَن يعمَلُ لك بالطاعةِ، فتقَرُّ بهم أعينُنا في الدنيا والآخرةِ (^١).\nحدَّثني أحمدُ بنُ المِقدامِ، قال: ثنا حزمٌ، قال: سمِعتُ كثيرًا سأَل الحسنَ، قال: يا أبا سعيدٍ، قولُ اللَّهِ: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾. في الدنيا والآخرةِ؟ قال: لا، بل في الدنيا. قال: وما ذاك؟ قال: المؤمنُ يرَى زوجتَه وولدَه يطيعون اللَّهَ (^٢).\nحدَّثنا الفضلُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا سلمُ (^٣) بنُ قُتَيبةَ، قال: ثنا حزمٌ، قال: سمِعتُ الحسنَ. فذكرَ نحوَه.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قرَأ حَضْرَميٌّ: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾. قال: وإنما قرّةُ أعينِهم أن يرَوهم يعمَلون بطاعةِ اللَّهِ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن ابن جريجٍ فيما قرَأنا عليه في قولِه:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٤٢ من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في البر والصلة - كما في الفتح ٨/ ٤٩١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٤٢، والبيهقى في الشعب (٨٦٦٨) من طريق حزم به، وأخرجه سعيد بن منصور في تفسيره - كما في التغليق ٤/ ٢٧١ - عن جرير بن جابر، عن الحسن. ولعلها جرير، عن جابر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م، ت ١، ف: \"سالم\".\n(^٤) ينظر البحر المحيط ٦/ ٥١٦، ٥١٧.","vol":"17","page":530},{"text":"﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾. قال: يعبُدونك فيُحسِنون عبادتَك، ولا يَجُرُّون الجرائرَ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ قولَه: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾. قال: يعبُدونك؛ يُحسِنون عبادتَك، ولا يجرّون علينا الجرائرَ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾. قال: يسألون اللَّهَ لأزواجِهم وذرياتِهم أن يهديَهم للإسلامِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عونٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بن عيّاشٍ، قال: ثنى أبى، عن صفوانَ بن عمرٍو، عن عبدِ الرحمنِ بن جُبيرِ بن نُفَيرٍ، عن أبيه، قال: جلَسنا إلى المقدادِ بن الأسودِ، فقال: لقد بُعِث رسولُ الله ﷺ على أشدِّ حالةٍ بُعِث عليها نبيٌّ من الأنبياءِ، في فترةٍ وجاهليةٍ، ما يرَون دينًا أفضلَ من عبادةِ الأوثانِ، فجاء بفرقانٍ فرَق به بينَ الحقِّ والباطلِ، وفَرَّق بين الوالدِ وولدِه، حتى إنْ كان الرجلُ لَيَرَى ولدَه ووالدَه وأخاه كافرًا، وقد فتَح اللَّهُ قُفلَ قلبِه بالإسلامِ، فيعلَمُ أنه إن مات دخَل النارَ، فلا تَقَرُّ عينُه وهو يعلَمُ أن حبيبَه في النارِ، وإنها لَلّتى قال اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ الآية.\nحدَّثني ابن عونٍ، قال: ثنى عليُّ بنُ الحسنِ العسقلانيُّ، عن عبدِ اللَّهِ بن المباركِ، عن صفوانَ، عن عبدِ الرحمنِ بن جُبيرِ بن نُفَيرٍ، عن أبيه، عن المقدادِ نحوَه (^٢).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ١٤١ عن ابن جريج.\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٢، ٣ (الميمنية)، والبخارى في الأدب المفرد (٨٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٤١، والطبرانى ٢٠/ ٢٥٣، ٢٥٤ (٦٠٠)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ١٧٥ من طريق عبد الله بن المبارك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨١ إلى ابن مردويه.","vol":"17","page":531},{"text":"وقيل: هَبْ لنا قرّةَ أعينٍ. وقد ذكَر الأزواجَ والذُّرِّياتِ وهم جمعٌ، وقولُه: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾. واحدةٌ؛ لأن قولَه: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾. مصدرٌ من قولِ القائلِ: قرَّت عينُك قُرَّةً. والمصدرُ لا تكاد العربُ تجمَعُه.\nوقولُه: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: اجعَلْنا أئمةً يَقتَدِى بنا مَن بعدَنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6576>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني (^١) عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنى عونُ بنُ سلامٍ، قال: أخبَرنا بشرُ بنُ عُمارةً، عن أبي روقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. يقولُ: أئمةً يُقتَدى بنا.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾: أئمةَ التقوى، ولأهلِه (^٢)، يُقتَدى بنا (^٣).\nقال ابن زيدٍ (^٤): كما قال لإبراهيمَ (^٥): ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤].\nوقال آخرون: بل معناه: واجعَلْنا للمتقين إمامًا نأتمُّ بهم، ويأتمُّ بنا مَن بعدَنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6577>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤمَّلٌ، قال: ثنا ابن عيينةَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) بعده في م: \"ابن\".\n(^٢) كذا في النسخ، ولعلها: \"الهدى\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٤٢ (١٥٤٨٧) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨١ إلى ابن المنذر.\n(^٤) كذا في النسخ، لم يذكرا الإسناد إلى ابن زيد، وإسناد ابن زيد دائر معروف.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"إبراهيم\".","vol":"17","page":532},{"text":"مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. قال: أئمةً نقتدِى بمَن قبلَنا، ونكونُ أئمةً لمن بعدَنا (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عيينةَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. قال: اجعَلْنا مُؤتمِّين بهم، مقتدِين بهم (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: واجعَلْنا للمتقين الذين يتقون معاصيَك، ويخافون عقابَك، إمامًا يأتمون بنا في الخيراتِ. لأنهم إنما سألوا ربَّهم أن يَجعَلَهم للمتقين أئمةً، ولم يسألوه أن يجعَلَ المتقين لهم إمامًا.\nوقال: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. ولم يَقُلْ: أئمةً. وقد قالوا: ﴿وَاجْعَلْنَا﴾. وهم جماعةٌ؛ لأن \"الإمامَ\" مصدرٌ من قولِ القائلِ: أمَّ فلانٌ فلانًا إمامًا. كما يقالُ: قام فلانٌ قيامًا، وصام يومَ كذا صيامًا. ومَن جمَع الإمامَ أئمةً، جعَل الإمامَ اسمًا، كما يقالُ: أصحابُ محمدٍ إمامٌ، وأئمةٌ للناسِ. فمَن وحَّد قال: يأتمُّ بهم الناسُ. وهذا القولُ الذي قلناه في ذلك قولُ بعضِ نحويِّى أهلِ الكوفةِ (^٣).\nوقال بعضُ أهلِ البصرةِ مِن أهلِ العربيةِ: الإمامُ في قولِه: ﴿لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. جماعةٌ، كما تقولُ: [فإنهم عدوُّك] (^٤). قال: ويكونُ على الحكايةِ، كما يقولُ القائلُ - إذا قيل له: مَن أميرُكم؟ -: هؤلاء أميرُنا. واستشهَد لذلك بقولِ الشاعرِ (^٥):\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٤٢ من طريق سفيان به نحوه.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٢. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٧٤.\n(^٤) في م: \"كلهم عدول\"، وينظر ما سيأتي في ص ٥٩١.\n(^٥) الخصائص ٣/ ١٧٤، واللسان (ظ هـ ر)، ومغنى اللبيب ص ١٧٧، وشرح شواهد المغنى ٢/ ٥٦١.","vol":"17","page":533},{"text":"يا عاذلاتى لا تُرِدنَ (^١) ملامَتى … إن العواذلَ لَسْنَ لى بأميرِ\n\n<span id=\"aya-2930\"></span><span data-type='title' id=toc-6578>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين وصَفتُ صفتَهم من عبادى - وذلك مِن ابتداءِ قولِه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. إلى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾ الآية - ﴿يُجْزَوْنَ﴾. يقولُ: يُثابون على أفعالِهم هذه التي فعَلوها في الدنيا ﴿الْغُرْفَةَ﴾. وهى منزلةٌ من منازلِ الجنةِ رفيعةٌ، ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾. يقولُ: بصبرِهم على هذه الأفعالِ ومقاساةِ شدتِها.\nوقولُه: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾. اختلفت القرأةُ في قراءتِه؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿وَيُلَقَّوْنَ﴾. مضمومةَ الياءِ، مشدّدةَ القافِ (^٢)، بمعنى: وتتلقَّاهم الملائكةُ فيها بالتحيةِ.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (ويَلْقَوْنَ). بفتحِ الياءِ وتخفيفِ القافِ (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إنهما قراءتان مشهورتان في قرأةِ الأمصارِ، بمعنًى واحدٍ، فبأيتِهما قرأ القارىُ فمصيبٌ، غيرَ أن أعجبَ القراءتين إليَّ أن أقرأَ بها: (وَيَلْقَوْنَ). بفتحِ الياءِ وتخفيفِ القافِ؛ لأن العربَ إذا قالت ذلك بالتشديدِ، قالت: فلانٌ يُتَلَقَّى بالسلامِ وبالخيرِ، ونحن نَتَلقَّاهم بالسلامِ. قرَنتْه بالباءِ (^٤)، وقلّما\n_________\n(^١) في اللسان، وشرح الشواهد: \"تَزدْن\".\n(^٢) وهى قراءة نافع وأبى جعفر وابن كثير وابن عامر وأبى عمرو ويعقوب. ينظر النشر ٢/ ٢٥١.\n(^٣) وهى قراءة حمزة والكسائى وخلف وأبى بكر. المصدر السابق.\n(^٤) في م: \"بالياء\".","vol":"17","page":534},{"text":"تقولُ: فلانٌ يُلَقَّى السلامَ. فكان وجهُ الكلامِ، لو كان بالتشديدِ، أن يقالَ: ويُتَلَقَّون فيها بالتحيةِ والسلامِ.\nوإنما اخترنا القراءةَ بذلك، كما تجيزُ: أخذتُ بالخِطامِ، وأخذتُ الخِطامَ.\nوقد بيّنا معنى \"التحيةِ\" و\"السلامِ\" فيما مضَى قبلُ [بما أغنى] (^١) عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2931\"></span><span data-type='title' id=toc-6579>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: أولئك يُجزَون الغرفةَ بما صبَروا، خالدين في الغرفةِ. يعنى أنهم ماكثون فيها، لابثون إلى غيرِ أمدٍ [﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا﴾. يقولُ] (^٣): حسُنتْ تلك الغرفةُ قرارًا لهم، ﴿وَمُقَامًا﴾. يقولُ: وإقامةً.\n\n<span id=\"aya-2932\"></span>وقولُه: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِه: قل يا محمدُ لهؤلاءِ الذين أُرسِلتَ إليهم: أيَّ شيءٍ يَعُدُّكم، وأيَّ شيءٍ يصنَعُ بكم ربى؟ يقالُ منه: عبَأتُ به أَعبَأُ عَبْئًا، وعَبَأْتُ الطيبَ أعْبَؤُه عَبْئًا (^٤). إذا هيّأتَه. كما قال الشاعرُ (^٥):\nكأنَّ بنحرِه وبمَنكِبَيه … عَبيرًا بات يَعْبَؤُهُ عروسُ\nيقولُ: تُهَيِّئُه وتَعْمَلُه، تَعبؤُه عَبْئًا وعُبُوءًا. ومنه قولُهم: عَبأتُ الجيشَ. بالتشديدِ والتخفيفِ، فأنا أُعَبِّئُه: أُهَيِّئُه. والعِبْءُ الثِّقْلُ.\n_________\n(^١) في م: \"فأغنى\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ١٢٨، ١٣/ ٦٣٤.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) هو أبو زبيد الطائى، ينظر شعره ص ٩٩.","vol":"17","page":535},{"text":"وبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6580>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾. يقولُ: يصنَعُ بكم لولا دعاؤُكم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾. قال: ﴿يَعْبَأُ﴾: يَفعَلُ (^٢).\nوقولُه: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُم﴾. يقولُ: لولا عبادةُ مَن يَعبُدُه منكم، وطاعةُ مَن يُطيعُه منكم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6581>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾. يقولُ: لولا إيمانُكم. وأخبَر اللَّهُ الكفارَ أنه لا حاجةَ له بهم؛ إذ لم يَخلُقْهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجةٌ لحبَّبَ إليهم الإيمانَ كما حبَّبه إلى المؤمنين (^٣).\nوحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) ذكره الطوسى في التبيان ٧/ ٤٥٢.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٠٨ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٤٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٢ إلى الفريابى وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٤٥ من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٢ إلى ابن المنذر.","vol":"17","page":536},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾. قال: لولا دعاؤكم (^١) إياه، لِتعبُدُوه وتُطِيعوه (^٢).\nوقولُه: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لمشركى قريشٍ؛ قومِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: فقد كذَّبتم أيها القومُ رسولَكم الذي أُرسِل إليكم، وخالَفتم أمرَ ربِّكم الذي أمَر بالتمسكِ به، لو تمسَّكتم به كان يَعبَأُ بكم ربى، فسوف يكونُ تكذيبُكم رسولَ ربَّكم، وخلافُكم أمرَ بارئِكم - عذابًا لكم ملازِمًا؛ قتلًا بالسيوفِ، وهلاكًا لكم مُفْنِيًا يُلحِقُ بعضَكم بعضًا. كما قال أبو ذُؤَيبٍ الهُذَليُّ (^٣):\nففاجَأَه بعاديةٍ لِزامٍ … كما يَتفجَّرُ الحوضُ اللقيفُ\nيعنى باللزامِ الكثيرَ (^٤) الذي يتبَعُ بعضُه بعضًا، وباللَّقيفِ: المتساقطَ الحجارةِ المتهدِّمَ. ففعَل اللَّهُ ذلك بهم، وصدَقهم وعدَه، وقتَلهم يومَ بدرٍ بأيدى أوليائِه، وألحق بعضَهم ببعضٍ، فكان ذلك العذابَ اللزامَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6582>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرنى مولًى لشقيقِ بن ثورٍ، أنه سمِع سلمانَ أبا عبدِ اللَّهِ، قال: صلَّيتُ مع ابن\n_________\n(^١) في مصدرى التخريج: \"دعاؤه\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٠٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٤٥ من طريق ابن أبي نجيح به، وهو تمام الأثر قبله.\n(^٣) ديوان الهذليين ١/ ١٠٢ والرواية فيه:\nفلم ير غير عادية لزامًا … كما يتهدم الحوض اللقيف\nوالرواية كما ذكرها المصنف في مجاز القرآن ٢/ ٨٢.\n(^٤) في م: \"الكبير\".","vol":"17","page":537},{"text":"الزُّبيرِ فسمِعتُه يقرَأُ: (فقد كذَّب الكافرون).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سعيدٌ، عن (^١) أدهمَ السَّدوسيِّ (^٢).\nقال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ المجيدِ، قال: سمِعتُ مسلمَ بنَ عمارٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقرَأُ هذا الحرفَ: (فقد كذَّب الكافرون فسوف يكونُ لزامًا) (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾. يقولُ: كذَّب الكافرون أعداءُ اللَّهِ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: فسوف يَلقَون لزامًا يومَ بدرٍ (^٤).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: قال أبو (^٥) عبدِ الرحمنِ: خمسٌ قد مضَين؛ الدخانُ، واللِّزامُ، والبطشةُ، والقمرُ، والرومُ (^٦).\n_________\n(^١) في م، وتفسير ابن أبي حاتم: \"بن\". وهو خطأ. وأدهم السدوسى هو أدهم بن طريف أبو بشر مولى شقيق ابن ثور، ترجمته في الجرح والتعديل ٢/ ٣٤٨، والثقات ٦/ ٨٨، يروى عن سلمان أبى عبد الله.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٤٦ (١٥٥١٠) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٥) سقط من النسخ، وهو خطأ. هو عبد الله بن مسعود أبو عبد الرحمن.\n(^٦) أخرجه البخارى (٤٧٦٧، ٤٨٢٥)، ومسلم (٢٧٩٨/ ٤٠، ٤١) من طريق الأعمش به، وأخرجه الفريابى - كما في الدر المنثور ٥/ ٨٢ - ومن طريقه الطبراني (٩٠٤٩)، ومسلم (٢٧٩٨/ ٣٩)، والنسائى في الكبرى (١١٣٧٤) من طريق مسلم أبى الضحى به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٢ إلى سعيد بن =","vol":"17","page":538},{"text":"حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ قولَه: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾. قال أبَيُّ بنُ كعبٍ: هو القتلُ يومَ بدرٍ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن عمرٍو، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: اللِّزامُ يومُ بدرٍ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾. قال: هو يومُ بدرٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾. قال: يومُ بدرٍ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن منصورٍ، عن سفيانَ، عن ابن مسعودٍ، قال: اللِّزامُ القتلُ يومَ بدرٍ.\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾: الكفارُ كذَّبوا رسولَ اللَّهِ ﷺ، وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾. وهو يومُ بدرٍ (^٣).\n_________\n= منصور وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقى في الدلائل.\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٠٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٤٦ من طريق أبى معاذ به.","vol":"17","page":539},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قد مضَى اللِّزامُ، كان اللزامُ يومَ بدرٍ، أسَروا سبعين وقتَلوا سبعين (^١).\nوقال آخرون: معنى اللِّزامِ القتالُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6583>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾. قال: فسوف يكونُ قتالًا؛ اللِّزامُ القتالُ (^٢).\nوقال آخرون: اللِّزامُ الموتُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6584>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾. قال: موتًا (^٣).\nوقال بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ (^٤): معنى ذلك: فسوف يكونُ جزاءً يَلْزَمُ كلَّ عاملٍ ما عمِل مِن خيرٍ أو شرٍّ.\nوقد بيَّنا الصوابَ من القولِ في ذلك (^٥).\nوللنصبِ في \"اللزامِ\" وجهٌ آخرُ غيرُ الذي قلناه، وهو أن يكونَ في قولِه: ﴿يَكُونُ﴾. مجهولٌ، ثم يُنصَبُ اللزامُ على الخبرِ، كما قيل (^٦):\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ١٠٠، وتقدم في ١٦/ ٢٠٨.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٦/ ٢٠٨، ٢٠٩.\n(^٤) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٨٢.\n(^٥) ينظر ما تقدم في ١٦/ ٢٠٨، ٢٠٩.\n(^٦) تقدم في ٥/ ١٠٧.","vol":"17","page":540},{"text":"* إذا كان طَعْنًا بَيْنَهم وقِتالا *\nوقد كان بعضُ مَن لا علمَ له بأقوالِ أهلِ العلمِ يقولُ في تأويلِ ذلك: قل ما يَعبَأُ بكم ربى لولا دُعاؤُكم ما تَدْعُون مِن دونِه مِن الآلهةِ والأندادِ. وهذا قولٌ لا معنى للتشاغلِ به؛ لخروجِه عن أقوالِ أهلِ العلمِ مِن أهلِ التأويلِ.\nآخرُ سورة \"الفرقانِ\" والحمدُ للَّهِ وحدَه","vol":"17","page":541},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6585>تفسيرُ سورةِ الشعراءِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-2933\"></span><span data-type='title' id=toc-6586>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ </span>(٣)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: وقد ذكَرنا اختلافَ المختلفين فيما في ابتداءِ فواتحِ سورِ القرآنِ من حروفِ الهِجاءِ، وما انْتَزع به كلُّ قائلٍ منهم لقولِه ومذهبِه من العلةِ. وقد بيَّنا الذي هو أولى بالصوابِ من القولِ فيه، فيما مضى من كتابِنا هذا، بما أغنى عن إعادتِه. وقد ذُكِر عنهم من الاختلافِ في قولِه: ﴿طسم﴾ و﴿طس﴾، نظيرُ الذي ذُكِر عنهم في ﴿الم﴾ و﴿المر﴾ و﴿المص﴾ (^١).\nوقد حدَّثني على بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿طسم﴾. قال: فإنه قسمٌ أَقْسَمه اللَّهُ، وهو من أسماءِ اللَّهِ (^٢).\n\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتاةَ في قولِه: ﴿طسم﴾. قال: اسمٌ من أسماءِ القرآنِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-2934\"></span>فتأويلُ الكلامِ على قولِ ابن عباسٍ: والسميعِ (^٤)، إن هذه الآياتِ التي أَنْزَلتُها إلى محمدٍ ﷺ في هذه السورةِ - لآياتُ الكتابِ الذي أَنْزَلتُه إليه من قبلِها، الذي بيَّنه (^٥)\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٠٤ - ٢٢٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٤٧ من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٣، وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٧ من طريق سعيد عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في م: \"الجميع\".\n(^٥) في م: \"بين\".","vol":"17","page":542},{"text":"لمن تدبَّره بفهمٍ، وفكَّر فيه بعقلٍ، أنه بعقلٍ، أنه من عندِ اللَّهِ ﷻ، لم يتخرَّصْه محمدٌ ﷺ، ولم يتقوَّلْه من عندِه، بل أوحاه إليه ربُّه.\n\n<span id=\"aya-2935\"></span>وقولُه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لعلَّك يا محمدُ قاتلٌ نفسَك ومُهْلِكُها إن لم يُؤمنْ قومُك بك، ويصدِّقوك على ما جئتَهم به.\nوالبَخْعُ: هو القتلُ والإهلاكُ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ ذى الرُّمَّةِ (^١):\nألَا أيُّهذا الباخِعُ الوَجْدُ نفسَهُ … لشيءٍ نَحَتْهُ عن يَدَيْكَ (^٢) المقادرُ\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6587>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾: قاتلٌ نفسَك.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾. [قال: قاتلٌ نفسَك (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ] (^٤) نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. قال: لعلَّك من الحرصِ على إيمانِهم مُخْرِجٌ نفسَك\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٥/ ١٤٩.\n(^٢) في م: \"يديه\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"17","page":543},{"text":"من جسدِك. قال: ذلك البَخْعُ (^١).\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾: [قاتلٌ نفسَك] (^٢) عليهم حرصًا (^٣).\nو\"أن\" من قولِه: ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. في موضع نصبٍ بـ ﴿بَاخِعٌ﴾. كما يقالُ: زرتُ عبدَ اللَّهِ أَنْ زارنى. وهو جزاءٌ. ولو كان الفعلُ الذي بعدَ \"أن\" مستقبَلًا، لكان وجهُ الكلامِ في \"أن\" الكسرَ، كما يقالُ: أزورُ عبدَ اللَّهِ إِنْ يَزُرْنى.\n\n<span id=\"aya-2936\"></span><span data-type='title' id=toc-6589>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ </span>(٤)﴾.\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ﴾ الآية؛ فقال بعضُهم: معناه: فظلَّ القومُ الذين أُنْزِل عليهم من السماءِ آيةٌ خاضعةً أعناقُهم لها من الذِّلةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6588>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾. قال: فظلُّوا خاضعةً أعناقُهم لها.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿خَاضِعِينَ﴾. قال: لو شاء اللَّهُ لنزَّل عليه آيةً يذِلُّون بها، فلا يَلْوِى أحدٌ عنقَه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٤٩ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٤٨ معلقًا. ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ١٤٤.","vol":"17","page":544},{"text":"إلى معصيةِ اللهِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً﴾. قال: لو شاء اللهُ لأراهم أمرًا من أمرِه لا يعملُ أحدٌ منهم بعدَه بمعصيةٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾. قال: مُلْقين أعناقَهم (^٢).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾. قال: الخاضُع الذليلُ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: فظلَّت سادتُهم وكبراؤُهم للآيةِ خاضعين. ويقولُ: الأعناقُ هم الكبراءُ من الناسِ.\nواختلف أهلُ العربيةِ في وجهِ تذكيرِ ﴿خَاضِعِينَ﴾. وهو خبرٌ عن \"الأعناق\"؛ فقال بعضُ نحويى البصرةِ: يزعُمون أن قولَه ﴿أَعْنَاقُهُمْ﴾، على الجماعاتِ، نحو: هذا عُنُقٌ من الناسِ كثيرٌ. أو ذُكِّر كما يُذَكَّرُ بعضُ المؤنثِ، كما قال الشاعرُ (^٤):\nتَمرَّزْتُها (^٥) والديكُ يَدْعو صباحَهُ … إذا ما بنو نَعْشٍ (^٦) دَنَوا فَتَصَوَّبُوا\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٣ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٥٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٣ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٥٠ من طريق أصبغ، عن ابن زيد\n(^٤) هو النابغة الجعدى، ديوانه (مجموع) ص ٤.\n(^٥) تمززتها: أي: شربت الخمر قليلا قليلا. التاج (م ز ز).\n(^٦) قال: بنو نعش، ووجه الكلام: بنات نعش. وبنات نعش: سبعة كواكب، أربعة منها نعش؛ لأنها =","vol":"17","page":545},{"text":"فجماعاتُ هذا أعناقٌ. أو يكونُ ذكَّره لإضافتِه إلى المذكَّرِ كما يؤنَّتُ الإضافتِه إلى المؤنثِ، كما قال الأعشى (^١):\nوتَشْرَقَ (^٢) بالقولِ الذي قد أَذَعْتَهُ … كما شرِقَتْ صَدْرُ القناةِ من الدمِ\nوقال العجَّاجُ:\nلما رأَى مَتْنَ السماءِ أَنْفَذَتْ (^٣)\nوقال الفرزدقُ (^٤):\nإذا القُنْبُضاتُ (^٥) السودُ طَوَّفْنَ بالضُّحى … رقَدْنَ عليهنَّ الحجالُ المُسجَّفُ (^٦)\nوقال الأعشى (^٧):\nوإنَّ امرَأً أَهْدى إليكِ ودُونَهُ … من الأرضِ يَهْمَاءُ وبَيْداءُ خَيْفَقُ\nلَمَحْقوقةٌ أن تستجيبى لصوتهِ … وأن تَعْلَمى أنَّ المُعانَ الموفَّقُ\nقال: ويقولون: بناتُ نَعْش، وبنو نَعْشٍ. ويقالُ: بناتُ عِرْسٍ، وبنو عِرْسٍ. وقالت امرأةٌ: أنا امرؤٌ لا [أكْثِرُ البشرَ] (^٨). قال: وذُكر لرؤبةَ رجلٌ فقال: هو كان أحدَ\n_________\n= مربعة، وثلاثةٌ بنات نعش. ينظر اللسان (ن ع ش).\n(^١) ديوانه ص ١٢٣.\n(^٢) تشرق: تحمرّ. ينظر التاج (ش ر ق).\n(^٣) في م: \"أبعدت\"، وفى ف: \"أتعدت\".\n(^٤) ديوانه ص ٥٥٢.\n(^٥) القنبضات: جمع قنبضة، وهى المرأة القصيرة. التاج (قنبض).\n(^٦) الحجال: جمع حجلة بالتحريك، وهى بيت كالقبة يستر بالثياب. والتسجيف إرخاء السَّجْفيِن، وهما سترا الباب. ينظر اللسان (ح ج ل، س ج ف).\n(^٧) ديوانه ص ٢٢٣.\n(^٨) في م: \"أخبر السر\".","vol":"17","page":546},{"text":"بناتِ مساجدِ اللَّهِ. يعنى الحَصَى.\nوكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يقولُ (^١): هذا بمنزلةِ قولِ الشاعرِ (^٢):\nترى أرباقَهم (^٣) متقلِّديها … إذا صدِئَ الحديدُ على الكُماةِ\nفمعناه عندَه: فظلَّت أعناقُهم خاضعيها. هم. كما يقالُ: يدُك باسطُها. بمعنى: يدُك باسطُها أنت. فاكْتُفِى بما ابتُدِئ به من الاسمِ أن يكونَ، فصار الفعلُ كأنه للأولِ، وهو للثاني، وكذلك قولُه:\n* لمحقوقةٌ أن تستجيبى لصوتِه *\nإنما هو: لمحقوقةٌ [أن تستجيبى لصوتِه] (^٤) أنتِ. والمحقوقةُ الناقةُ، إلا أنه عطَفه على المرءِ لما عاد بالذِّكْرِ.\nوكان آخرُ منهم يقولُ (^٥): الأعناقُ الطوائفُ، كما يُقالُ: رأيتُ الناسَ إلى فلانٍ عُنقًا واحدةٌ. فيجعَلُ الأعناقَ الطوائفَ والعُصَبَ. ويقولُ: يحتمِلُ أيضًا أن تكونَ الأعناقُ هم السادةَ والرجالَ الكبراءَ، فيكون كأنه قيل: فظلَّت رءوسُ القومِ وكبراؤُهم لها خاضعين. وقال: أحبُّ إليَّ من هذين الوجهين في العربيةِ أن يقالَ: إن الأعناقَ إذا خضَعت، فأربابُها خاضعون، فجعلتَ الفعلَ أولًا للأعناقِ، ثم جعَلتَ \"خاضعين\" للرجالِ، كما قال الشاعرُ:\n_________\n(^١) هو الكسائي كما في معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٧٧.\n(^٢) هو الفرزدق، والبيت تقدم في ١/ ١٧٩.\n(^٣) في م، ت ١، ف: \"أرماحهم\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٧٧.","vol":"17","page":547},{"text":"على قبضةٍ مرجوَّةٍ ظهرُ كفِّهِ … فلا المرءُ مُسْتَحْيٍ ولا هو طاعمُ\nفأنَّث فعل الظهرِ؛ لأن الكفَّ تجمعُ الظهرَ وتكفى منه، كما أنك تكتفى بأن تقولَ: خضعتُ لك. من أن تقولَ: خضَعَتْ لك رقبتى. وقال: ألا ترى أن العربَ تقولُ: كلُّ ذى عينٍ ناظرٌ وناظرةٌ إليك؛ لأن قولَك: نظَرتُ إليك عينى، ونظَرتُ إليك. بمعنًى واحدٍ، فترَك \"كُلَّ\" وله الفعلُ وردَّه إلى العينِ، فلو قلتَ: فظلَّت أعناقهم لها خاضعةً. كان صوابًا.\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ وأشبهُها بما قال أهلُ التأويلِ في ذلك، أن تكونَ الأعناقُ هي أعناقَ الرجالِ، وأن يكونَ معنى الكلامِ: فظلَّت أعناقُهم ذليلةً للآيةِ التي ينزِّلُها اللهُ عليهم من السماءِ. وأن يكونَ قولُه ﴿خَاضِعِينَ﴾ مذكَّرًا لأنه خبرٌ عن الهاءِ والميمِ في الأعناقِ، فيكونُ ذلك نظيرَ قولِ جريرٍ (^١):\nأرى مَرَّ السنينَ أَخَذْنَ منِّي … كما أخَذ السّرارُ من الهلالِ\nوذلك أن قولَه: مرَّ. لو أُسْقط من الكلامِ، لأدَّى ما بقِىَ من الكلامِ عنه، ولم يُفسِدْ سقوطُه معنى الكلامِ عما كان به قبلَ سقوطِه، وكذلك لو أُسْقِطت الأعناقُ من قولِه: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ﴾، لأدَّى ما بقِىَ من الكلامِ عنها، وذلك أن الرجالَ إذا ذلُّوا، فقد ذَلَّت رقابُهم، وإذا ذَلَّت رقابُهم فقد ذَلُّوا. فإن قيل في الكلامِ: فظلُّوا لها خاضعين. كان الكلامُ غير فاسد لسقوطِ الأعناقِ، ولا مُتَغَيِّرٍ معناه عما كان عليه قبلَ سقوطِها، فصرَف الخبرَ بالخضوعِ إلى أصحابِ الأعناقِ، وإن كان قد ابتُدِئ بذكرِ الأعناقِ؛ لما قد جرَى به استعمالُ العربِ ذلك في كلامِهم، إذا كان الاسمُ المبتدأُ به وما أُضِيف إليه، يؤدِّى الخبرَ كلُّ واحدٍ منهما عن الآخرِ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٥/ ٦٥٨.","vol":"17","page":548},{"text":"<span id=\"aya-2937\"></span><span data-type='title' id=toc-6590>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما يَجِيءُ هؤلاء المشركين الذين يُكَذِّبونك ويَجْحَدون ما أَتَيْتَهم به يا محمدُ من عندِ ربِّك؛ من تذكيرٍ (^١) وتنبيهٍ على مواضعِ حُججِ اللهِ عليهم على صدقِك، وحقيقةِ ما تَدْعوهم إليه مما يُحْدِثُه اللهُ إليك ويُوحِيه إليك؛ لِتُذَكِّرَهم به - إلا أعْرَضوا عن استماعِه، وترَكوا إعمالَ الفكرِ فيه وتدبُّرَه.\n\n<span id=\"aya-2938\"></span><span data-type='title' id=toc-6591>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فقد كذَّب يا محمدُ هؤلاء المشركون بالذكْرِ الذي أتاهم من عندِ اللهِ، وأَعْرَضوا عنه، ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يقولُ: فسيأْتِيهم أخبارُ الأمرِ الذي كانوا به يَسْخَرون. وذلك وعيدٌ مِن اللهِ لهم أنه مُحِلٌّ بهم عقابَه على تَمادِيهم في كفرِهم، وتمرُّدِهم على ربِّهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-6592>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أولم يَرَ هؤلاء المشركون المكذِّبون بالبعثِ والنَّشْر إلى الأرضِ، كم أنْبَتنا فيها بعد أن كانت ميتةً لا نباتَ فيها، ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾. يعنى بالكريمِ الحسنَ، كما يقالُ للنخلةِ الطيبةِ الحَمْلِ: كريمةٌ. وكما يقالُ للشاةِ أو الناقةِ إذا غَزُرَتا، فكثُرت ألبانُهما: ناقةٌ كريمةٌ، وشاةٌ كريمةٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"تذكيرهم\".","vol":"17","page":549},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6593>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾. قال: من نباتِ الأرضِ، مما يأكُلُ الناسُ والأنعامِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ في قولِه: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾. قال: حسنٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-2939\"></span><span data-type='title' id=toc-6594>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إنّ في إنباتِنا في الأرضِ مِن كلِّ زوجٍ كريمٍ ﴿لَآيَةً﴾. يقولُ: لَدَلالةً لهؤلاء المشركين المكذِّبين بالبعثِ، على حقيقتِه، وأن القدرةَ التي بها أثْبَت اللهُ في الأرضِ ذلك النباتَ بعدَ جُدُوبها، لن يُعْجِزه أن يَنْشُرَ بها الأمواتَ بعدَ مماتِهم أحياءً مِن قبورِهم.\n\n<span id=\"aya-2940\"></span>وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وما كان أكثرُ هؤلاء المكذِّبين بالبعثِ، الجاحِدِين نبوتَك يا محمدُ، بمُصَدِّقِيك على ما تَأْتِيهم به مِن عندِ اللَّهِ من\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٠٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٣ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":550},{"text":"الذكر. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وقد سبَق في علمى أنهم لا يُؤْمنون، فلن يُؤْمِنَ بك أكثرُهم للسابقِ في علمِي فيهم.\n\n<span id=\"aya-2941\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. يقولُ: وإن ربَّك يا محمدُ لَهو العزيزُ في نِقْمتِه، لا يَمْتَنِعُ عليه أحدٌ أراد الانتقامَ منه. يقولُ تعالى ذكرُه: وإني إن أحْلَلْتُ بهؤلاء المكذِّبين بك يا محمدُ، المعرِضِين عما تأتيهم مِن ذكرٍ مِن عندى - عقوبتي بتكذيبهم إياك، فلن يمْنَعَهم منى مانعٌ؛ لأنى أنا العزيزُ الرحيمُ. يعنى أنه ذو الرحمةِ بمن تاب مِن خلقه، من كفرِه ومعصيتِه، أن يُعاقِبَه على ما سلَف مِن جُرْمِه بعد توبتِه.\nوكان ابن جريجٍ يقولُ في معنى ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: كلُّ شيءٍ في \"الشعراءِ\" من قولِه: \"عزيزٌ رحيمٌ\". فهو ما أهْلَك ممَّن مضَى من الأممِ. يقولُ: عزيزٌ حينَ انْتقَم مِن أعدائِه، رحيمٌ بالمؤمنين حينَ أنجاهم مما أَهْلَك به أعداءَه (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وإنما اخْتَرْنا القولُ الذي اخْتَرْناه في ذلك في هذا الموضع؛ لأن قولَه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. عَقِيبَ وَعِيدِ اللَّهِ قومًا مِن أهلِ الشركِ والتكذيبِ بالبعثِ، لم يكونوا أُهْلِكوا فيُوَجَّهَ إلى أنه خبرٌ مِن اللهِ فعلِه بهم وإهلاكِه. ولعل ابنَ جُريجٍ بقوله هذا أراد ما كان ذلك عقيبَ خبرِ اللَّهِ عن من إهلاكِه مَن أَهْلَك مِن الأممِ، وذلك إن شاء اللهُ إذا كان عقيبَ خبرهم، كذلك.\n\n<span id=\"aya-2942\"></span><span data-type='title' id=toc-6595>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١)﴾.\n_________\n(^١)</span> عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٣ إلى المصنف.","vol":"17","page":551},{"text":"<span id=\"aya-2943\"></span>يقولُ تعالى ذكرُه: واذكر يا محمدُ إذ نادى ربُّك موسى بنَ عمرانَ: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. يعني: الكافرينَ، ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾. ونُصِب \"القومُ\" الثاني ترجمةً عن \"القومِ\" الأولِ.\nوقوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾. يقولُ: ألا يتقون عقابِ اللهِ على كفِرهم به.\nومعنى الكلامِ: قوم فرعونَ فقل لهم: ألا يتقون. وترَك إظهار \"فقل لهم\"؛ لدلالةِ الكلامِ عليه.\nوإنما قيل: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ بالياءِ، ولم يُقَل: ألا تتقون. بالتاءِ؛ لأن التنزيلَ كان قبلَ الخطابِ، ولو جاءت القراءةُ فيها بالتاءِ كان صوابًا، كما قيل: (قُل للذين كَفَرُوا سَيُغْلَبُونَ) و﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢].\n\n<span id=\"aya-2944\"></span><span data-type='title' id=toc-6596>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لربِّه: ربِّ إنِّي أخافُ من قومِ فرعونَ الذين أمَرتَنى أن آتيهم، أن يُكذِّبوني بقيلى لهم: إنك أرسلتني إليهم. ويَضِيقُ صدرى من تكذيبهم إِيَّايَ إن كذَّبوني.\n\n<span id=\"aya-2945\"></span>ورُفع قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾. عطفًا به على ﴿أَخَافُ﴾. وبالرفعِ فيه قرَأته عامةُ قرأةِ الأمصار، ومعناه: وإنى يضيقُ صدرى.\nوقولُه: ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾. يقولُ: ولا ينطلقُ لساني بالعبارة عما تُرْسِلني به إليهم؛ للعلة التي كانت بلسانه.\nوقوله: ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾. كلامٌ معطوفٌ به على ﴿وَيَضِيقُ﴾.","vol":"17","page":552},{"text":"وقوله: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾. يعنى هارونَ أخاه. ولم يقلْ: فأرسِلْ إلى هارونَ لِيُؤَازرَني وليعينَني. إذ كان مفهومًا معنى الكلامِ، وذلك كقولِ القائلِ: لو نزَلَت بنا نازلةٌ لفرِعنا إليك. بمعنى: لفزعنا إليك لتعينَنا.\n\n<span id=\"aya-2946\"></span>وقولُه: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾. يقولُ: ولقوم فرعونَ على دعوَى ذنبٍ أَذنَبتُ إليهم. وذلك قتلُه النفسَ التي قتَلها منهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6597>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾. قال: قتلُ النفسِ التي قتَل منهم (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثني الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قتلُ موسى النفسَ.\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾. قال: قتلُ النفسِ (^٢).\nوقولُه: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾. يقولُ: فأخافُ أن يقتلوني قَوَدًا بالنفسِ التي قتلتُ منهم.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٠٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٥٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٣ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٥٢ من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":553},{"text":"<span id=\"aya-2947\"></span><span data-type='title' id=toc-6598>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿كَلَّا﴾. أي: لن يقتُلَك قوم فرعونَ، ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: فاذهب أنت وأخوك ﴿بِآيَاتِنَا﴾. يعنى: بأعلامنا وحججِنا التي أعطيناك عليهم.\nوقوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾: من قومِ فرعونَ ما يقولون لكم، ويجيبونكم به.\n\n<span id=\"aya-2948\"></span>وقوله: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا﴾ الآية. يقولُ: فأت أنت يا موسى وأخوك هارونُ فرعونَ، ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: فقولا له: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إليك.\n\n<span id=\"aya-2949\"></span>بـ ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وقال: ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهو يخاطبُ اثنين بقوله: ﴿فَقُولَا﴾؛ لأنه أُريِد به المصدرُ من: أَرْسَلتُ. يقالُ: أَرْسَلتُ رسالةً ورسولًا. كما قال الشاعرُ (^١):\nلقد كذَب الواشون ما بُحْتُ عندَهم … بسوءٍ ولا أَرْسَلْتُهم برسولِ\nيعني: برسالةٍ. وقال الآخرُ (^٢):\nأَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي خُفافًا … رسولًا بيتُ أهْلِكَ مُنْتَهاها\nيعني بقوله: رسولًا: رسالةً. فأنَّث لذلك الهاءَ.\n\n<span id=\"aya-2950\"></span><span data-type='title' id=toc-6599>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ</span>\n_________\n(^١) هو كثير عزة، والبيت في ديوانه ص ١١٠، وفيه: برسيل. بدلا من: برسول. وهما بمعنى.\n(^٢) هو عباس بن مرداس، والبيت في حماسة ابن الشجرى ١/ ١٣٣، واللسان (ر س ل)، والخزانة ٤/ ٣٦٧، وفى الحماسة والخزانة: ألوكا. بدلًا من: رسولًا.","vol":"17","page":554},{"text":"سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)﴾\nوفى هذا الكلامِ محذوفٌ اسْتغنى بدلالةِ ما ظهَر عليه منه، وهو: فأتَيا فرعونَ فأبلَغاه رسالةَ ربِّهما إليه، فقال فرعونُ: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾ يا موسى، ﴿وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾: وذلك مُكنُه عندَه قبلَ قتلِه القتيلَ الذي قتله من القبطِ، ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾. يعني قتلَه النفسَ التي قتَل من القِبْطِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6600>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾. قال: قتلُ النفسِ (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\n\n<span id=\"aya-2951\"></span>وإنما قيل: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾؛ لأنها مرةٌ واحدةٌ، ولا يجوزُ كسرُ الفاءِ إذا أُرِيد بها هذا المعنى.\nوذُكر عن الشعبيِّ أنه قرَأ ذلك: (وَفَعَلْتَ فِعْلَتَكَ) بكسرِ الفاءِ (^٢). وهي قراءةٌ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٠٩ من طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٥٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٣ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٧٩ من طريق السرى بن إسماعيل، عن الشعبي. وذكرها ابن =","vol":"17","page":555},{"text":"القراءةِ القرأةِ منِ أهلِ الأمصارِ مخالفةٌ.\nوقولُه: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وأنت من الكافرين باللهِ، على دينِنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6601>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. يعني: على دينِنا هذا الذي تعيبُ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنت من الكافرين نعمتَنا عليك.\n\n<span data-type='title' id=toc-6602>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. قال: ربَّيناك فينا وليدًا، فهذا الذي كافَأتَنا؛ أن قتَلت منا نفسًا، وكفَرت نعمتَنا (^٢)!\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: كافرًا للنعمةِ؛ أنَّ فرعونَ لم يكنْ يعلمُ ما الكفرُ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الذي قاله ابن زيدٍ أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأن فرعونَ لم\n_________\n= خالويه في مختصر الشواذ ص ١٠٧، وأبو حيان في البحر المحيط ٧/ ١٠.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٥٤ من طريق عمرو به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٥٤ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٣ إلى المصنف.","vol":"17","page":556},{"text":"يكنْ مُقرًّا اللهِ بالربوبيةِ، وإنما كان يزعُمُ أنه هو الربُّ، فغيرُ جائزٍ أن يقولَ لموسى - إن كان موسى عنده على دينِه يومَ قتل القتيلَ على ما قاله السُّديُّ -: فعلت الفَعْلةَ وأنت من الكافرين. و(^١) الإيمانُ عندَه هو دينُه الذي كان عليه موسى عندَه. إلا أن يقولُ قائلٌ: إنما أراد: وأنت من الكافرين يومَئذٍ يا موسى، على قولِك اليومَ. فيكونُ ذلك وجهًا يتَوَجَّهُ.\nفتأويلُ الكلامِ إذن: وقتَلْتَ الذي قتَلْتَ منا وأنت من الكافرين نعمتَنا عليك وإحسانَنا إليك، في قتلك إيَّاه.\nوقد قيل: معنى ذلك: وأنت الآنَ من الكافرين لنعمتي عليك، وتربيتى إيَّاك.\n\n<span id=\"aya-2952\"></span><span data-type='title' id=toc-6604>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لفرعونَ: فعَلتُ تلك الفَعْلةَ التي فعَلتُ. أي: قتَلْتُ تلك النفسَ التي قتلتُ، ﴿إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾. يقولُ: وأنا من الجاهلين قبلَ أن يأتيَنى من اللهِ وحىٌ بتحريمِ قتلهِ عليَّ.\nوالعربُ تضعُ الضلالَ موضعَ الجهلِ، والجهلَ موضعَ الضلالِ، فتقولُ: قد جهِل فلانٌ الطريقَ، وضلَّ الطريقَ. بمعنًى واحدٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6603>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) زيادة يقتضيها السياق.","vol":"17","page":557},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾. قال: من الجاهلين (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاج، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nقال ابن جريجٍ: وفي قراءة ابن مسعودٍ: (وأنا من الجاهلين) (^٢).\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾. قال: من الجاهلين (^٣).\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: فقال موسى: لم أكفُرْ، ولكن فعَلتُها وأنا من الضالِّين. وفى حرفِ ابن مسعودٍ: (فَعَلْتُها إذن وأنا مِنَ الجاهلينَ).\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾: قبلَ أن يأتيَنى من اللَّهِ شيءٌ، كان قتلى إيَّاه ضلالةَ خطأَ. قال: والضلالةُ هنهنا الخطأُ، لم يقلْ: ضلالةٌ فيما بينَه وبينَ اللهِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٠٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم، ٨/ ٢٧٥٤، ٢٧٥٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٣ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٨٠ عن حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٣ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٧٣ عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٥٥ من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٥٥ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"17","page":558},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾: يقولُ: وأنا من الجاهلين (^١).\n\n<span id=\"aya-2953\"></span>وقولُه: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾ الآية. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ موسى لفرعونَ: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾ معشرَ الملأ من قومِ فرعونَ ﴿لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ أن تقتُلوني بقتلىَ القتيلَ منكم، ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾. يقولُ: فوهَب لى ربي نبوَّةً، وهى الحكمُ.\nكما حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾. والحكم النبوَّة (^٢).\nوقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. يقولُ: وألحقنى بِعدادِ مَن أرسَله إلى خلقِه، مبلِّغًا عنه رسالتَه إليهم، بإرسالِه إيايَ إليك يا فرعونُ.\n\n<span id=\"aya-2954\"></span><span data-type='title' id=toc-6605>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل نبيِّه موسى ﷺ الفرعونَ: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾.\nيعنى بقولِه: ﴿وَتِلْكَ﴾: تربيةَ فرعونَ إياه. يقولُ: وتربيتُك إياىَ، وتركُك استعبادي كما استعبدْتَ بني إسرائيلَ - نعمةٌ منك تمُنُّها عليَّ بحقٍّ.\nوفى الكلامِ محذوفٌ استُغْنِى بدلالةِ ما ذُكر عليه عنه، وهو: وتلك نعمةٌ تمنُّها عليَّ أن عبَّدْتَ بنى إسرائيلَ وترَكتنى فلم تستعبِدْنى. فتَرك ذِكرَ: وتركتني؛ لدلالةِ\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٥٥ معلقًا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٥٥ من طريق عمرو به.","vol":"17","page":559},{"text":"قولِه: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. عليه، والعربُ تفعلُ ذلك اختصارًا للكلامِ. ونظيرُ ذلك في الكلامِ أن يستَحِقَّ رجلان من ذى سلطانٍ عقوبةً، فيعاقبَ أحدَهما ويعفوَ عن الآخرِ، فيقولُ المعفوُّ عنه: هذه نعمةٌ عليَّ من الأميرِ؛ أن عاقَب فلانًا وترَكنى. ثم حذَف \"وتركنى\"؛ لدلالةِ الكلامِ عليه.\nولـ ﴿أَنْ﴾ في قولِه: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وجهان (^١)؛ أحدُهما، النصبُ؛ لتعلُّقِ ﴿تَمُنُّهَا﴾ بها. وإذا كانت نصبًا كان معنى الكلامِ: وتلك نعمةٌ تمُنُّها عليَّ لتعبُّدِك بني إسرائيلَ. والآخرُ، الرفعُ؛ على أنها ردٌّ على \"النعمةِ\". و(^٢) إذا كانت رفعًا كان معنى الكلامِ: وتلك نعمةٌ تمنُّها على تعبيدُك بني إسرائيلَ.\nويعنى بقولِه: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أن اتخذْتَهم عبيدًا لك، يقالُ منه: عَبَّدْتُ العبيدَ وأعبَدْتُهم. كما قال الشاعرُ (^٣):\nعَلامَ يُعْبِدُنى قومى وقد كَثرَتْ … فيهم (^٤) أباعِرُ ما شاءوا وَعُبْدانُ\nوبنحوِ الذي قلنا في [تأويلِ قولِه: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾] (^٥). قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6606>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ،، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) في م: \"وجهين\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٣) معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٧٩. ونسبه في اللسان (ع ب د) إلى الفرزدق، وليس في ديوانه.\n(^٤) في م: \"فيها\".\n(^٥) في م، ت ٢: \"ذلك\".","vol":"17","page":560},{"text":"﴿تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: قهَرْتَهم واستعْمَلتَهم (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيج، [عن مجاهدٍ] (^٢)، قال: تمُنُّ (^٣) على أن عبدتَ بني إسرائيلَ. قال: قَهَرْتَ وغلبت واستعمَلْتَ بني إسرائيلَ.\nحدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: وربَّيتنى قبلُ وليدًا.\nوقال آخرون: هذا استفهامٌ كان من موسى لفرعونَ، كأنه قال: أَتَمُنُّ على أن اتخَذتَ بني إسرائيلَ عبيدا؟\n\n<span data-type='title' id=toc-6607>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾. قال: يقولُ موسى لفرعونَ: أَتَمُنُّ على أن اتخَذتَ أنت بني إسرائيلَ عبيدًا؟ (^٤)\nواختلَف أهلُ العربيةِ في ذلك؛ فقال بعضُ نحوييِّ البصرةِ (^٥): ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾. فيقالُ: هذا استفهامٌ، كأنه قال: أَتَمْنُّها عليَّ؟ ثم فسَّر فقال: ﴿أَنْ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥١٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٥٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٣ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص، ت ٢: \"أتمن\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٥٥ (١٥٥٧٠) من طريق سعيد عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) هو الأخفش، كما في تهذيب اللغة ٢/ ٢٣٢.","vol":"17","page":561},{"text":"عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وجعَله بدلًا من \"النعمةِ\".\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ يُنكرُ هذا القولَ، ويقولُ (^١): هو غلَطٌ من قائلِه (^٢)، لا يجوزُ أن يكونَ همزُ (^٣) الاستفهامِ (^٤) يُلْقَى، وهو يُطْلَبُ، فيكونَ الاستفهامُ كالخبرِ. قال: وقد استُقبح (^٥) ومعه \"أمْ\"، وهي دليل على الاستفهامِ، [واستقبَحوا] (^٦).\nتَرُوحُ من الحيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ … وماذا يَضُرُّك لو تَنْتَظِرْ\nقال: وقال بعضُهم: هو: أَتَرُوحُ من الحيِّ؟ وحذَف الاستفهامَ أوَّلًا اكتفاءً بـ \"أم\". وقال أكثرُهم: بل الأوّلُ خبرٌ، والثانى استفهامٌ، وكأنَّ \"أم\" إذا جاءت بعدَ الكلامِ فهى الألفُ، فأمَّا وليس معه \"أم\" فلم يقلْه إنسانٌ.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ في ذلك ما قلْنا (^٧). وقال: معنى الكلامِ: وفعَلْتَ فَعْلَتَك التي فعَلتَ وأنت من الكافرين لنعمتى. أي: لنعمة تربيتى لك. فأجابه فقال: نعم، هي نعمةٌ عليَّ أن عبَّدتَ الناس ولم تَسْتَعْبِدْنى.\n\n<span id=\"aya-2955\"></span>وقولُه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: وأى شيءٍ ربُّ العالمين؟\n\n<span id=\"aya-2956\"></span>﴿قَالَ﴾ موسى: هو ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومالكُهن، ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. يقولُ: ومالكُ ما بينَ السماواتِ والأرضِ من شيءٍ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم موقنين أنّ ما تُعاينونه كما تُعاينونه، فكذلك فأيقِنوا أن ربَّنا هو ربُّ\n_________\n(^١) هو أبو العباس أحمد بن يح بن يحيى ثعلب. تهذيب اللغة ٢/ ٢٣٢.\n(^٢) في ت ١، ف: \"تأويله\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"هو\".\n(^٤) في ص، ت ١: \"للاستفهام\".\n(^٥) في ص، ت ١، ف: \"استفتح\".\n(^٦) في ص، ت ١، ف: \"استفتحوا\". والبيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص ١٥٤.\n(^٧) هو الفراء كما في تهذيب اللغة ٢/ ٢٣٢.","vol":"17","page":562},{"text":"السماواتِ والأرضِ وما بينَهما.\n\n<span id=\"aya-2957\"></span><span data-type='title' id=toc-6608>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾: قال فرعونُ لمن حولَه من قومِه: أَلَا تَسْتَمِعون لما يقولُ موسى. فأخبرَ موسى ﵇ القومَ بالجوابِ عن مسألةِ فرعونَ إياه وقيلَه له:\n﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؟ ليُفهِمَ بذلك قومَ فرعونَ مقالتَه لفرعونَ، وجوابَه إياه عما سأَله، إذ قال لهم فرعونُ: ألا تَسْتمعون إلى قولِ موسى.\n\n<span id=\"aya-2958\"></span>فقال لهم: الذي دعَوتُه إليه وإلى عبادته ﴿رَبُّكُمْ﴾ الذي خلقَكم ﴿وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. فقال فرعونُ لما قال لهم موسى ذلك، وأخبرَهم عما يدعو إليه فرعونَ وقومَه:\n\n<span id=\"aya-2959\"></span>﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾. يقولُ: إنّ رسولكم هذا الذي يزعُمُ أنه أُرسِل إليكم، لمغلوبٌ على عقلِه؛ لأنه يقولُ قولًا [لا نعرِفُه ولا نفهَمُه] (^١) وإنما قال ذلك، ونسَب موسى عدوُّ اللهِ إلى الجنَّةِ؛ لأنه كان عندَه وعندَ قومِه أنه لا ربَّ غيرُه يُعْبَدُ، وأن الذي يدعوه إليه موسى باطلٌ ليست له حقيقةٌ. فقال موسى عندَ ذلك مُحْتَجًّا عليهم، ومُعرِّفَهم ربَّهم بصفتِه وأدلتِه، إذ كان عندَ قومِ فرعونَ أن الذي يَعْرِفونه ربًّا لهم في ذلك الوقتِ هو فرعونُ، وأن [الذين يعرِفونهم] (^٢) لآبائِهم أربابًا، ملوكٌ أُخرُ كانوا قبلَ فرعونَ قد مضَوا، فلم يكنْ عندَهم أن موسى أخبرَهم\n_________\n(^١) في ت ١، ف: \"لا يعرفه ولا يفهمه\"، وغير منقوطة في ص.\n(^٢) في م، ت ١: \"الذي يعرفونه\".","vol":"17","page":563},{"text":"بشيءٍ له معنًى يَفْهَمونه ولا يَعْقِلونه، ولذلك قال لهم فرعونُ: إنه مجنونٌ؛ لأن كلامَه كان عندَهم كلامًا لا يَعْقِلون معناه: الذي أَدْعوكم وفرعونَ [إليه، عبادةُ] (^١)\n\n<span id=\"aya-2960\"></span>ربِّ المشرقِ والمغربِ ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. يعنى: ملكَ مشرِقِ الشمسِ ومغربِها وما بينَهما من شيءٍ، لا إلى عبادةِ ملوكِ مصرَ الذين كانوا ملوكَها قبلَ فرعونَ لآبائِكم فمضَوا، ولا إلى عبادةِ فرعونَ الذي هو اليومَ (^٢) ملكُها، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: إن كان (^٣) لكم عقولٌ تَعْقِلون بها ما يقالُ لكم، وتَفْهَمون بها ما تَسْمَعون مما تبيَّن (^٤) لكم. فلما أخبرَهم ﵇ بالأمرِ الذي علِموا أنه الحقُّ الواضحُ، إذ كان فرعونُ ومَن قبلَه من ملوكِ مصرَ، لم يُجاوِزْ مُلكهم (^٥) عريشَ مصرَ، وتَبيَّن لفرعونَ ولمن حولَه من قومِه أن الذي يدعوهم موسى إلى عبادتِه، هو الملِكُ الذي يَمْلِكُ الملوكَ\n\n<span id=\"aya-2961\"></span>- قال فرعونُ حينئذٍ؛ استكبارًا عن الحقِّ، وتماديًا في الغيِّ لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾. يقولُ: لئن أقرَرتَ بمعبودٍ سواى، ﴿لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾. يقولُ: لأَسْجُنَنَّك مع من في السجنِ من أهلِه.\n\n<span id=\"aya-2962\"></span><span data-type='title' id=toc-6609>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لفرعونَ لما عرَّفه ربَّه، وأنه ربُّ المشرقِ\n_________\n(^١) في م: \"إلى عبادته\".\n(^٢) سقط من: م، ت ٢.\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"كانت\".\n(^٤) في م: \"يعين\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ملكها\".","vol":"17","page":564},{"text":"والمغرب، ودعاه إلى عبادتِه وإخلاصِ الألوهةِ له،\n\n<span id=\"aya-2963\"></span>وأجابه فرعونُ بقولِه: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾: أتجعَلُني من المسجونين وَلَوْ جِئْتُكَ بشيءٍ مُبِين يُبينُ لك صدقَ ما أقولُ يا فرعونُ، وحقيقةَ ما أَدْعوك إليه؟ وإنما قال ذلك له موسى (^١) لأن من أخلاقِ الناسِ السكونَ [إلى الإنصافِ] (^٢)، والإجابةَ إلى الحقِّ بعد البيانِ، فلما قال موسى له ما قال من ذلك، قال له فرعونُ: فأتِ بالشيءِ المبيِّنِ حقيقةَ ما تقولُ، فإنَّا لن نَسْجُنَك حينئذٍ إن اتَّخَذْتَ إلهًا غيرى، ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2964\"></span>يقولُ: إن كنتَ مُحِقًا فيما تقولُ، وصادقًا فيما تَصِفُ وتخيرُ، ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: فألقى موسى عصاه، فتحوَّلت ثعبانًا وهي الحيةُ الذَّكَرُ، كما قد بَيَّنْتُ فيما مضى قبلُ من صفتِه (^٣).\nوقولُه: ﴿مُبِينٌ﴾. يقولُ: يبينُ لفرعونَ والملأَ من قومِه أنه ثعبانٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6610>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكر بن عبدِ اللَّهِ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ: مُبِينٌ له خَلْقُ حيةٍ (^٤)\n\n<span id=\"aya-2965\"></span>وقولُه: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾. يقولُ: وأخرج موسى يدَه من جيبِه، فإذا\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"للإنصاف\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١٠/ ٣٤٣، ٣٤٤.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٥ إلى المصنف إلى قوله: ويراها. الآتي.","vol":"17","page":565},{"text":"هي بيضاءُ تَلْمَعُ، ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾: لمن ينظُرُ إليها ويراها.\nحدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا عَثَّامُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا الأعمش، عن المنهالِ، قال: ارتفَعت الحيةُ في السماءِ قدرَ ميلٍ، ثم سفَلت حتى صار رأسُ فرعونَ بينَ نابَيْها، فجعَلت تقولُ: يا موسى مُرْنى بما شئْتَ. فجعلَ فرعونُ يقولُ: يا موسى أَسْأَلُك بالذي أرسَلك. قال: فأخذَه بطنُه.\n\n<span id=\"aya-2966\"></span><span data-type='title' id=toc-6611>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ (^١) وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال فرعونُ لما أرَاه موسى [ما أراه] (^٢) من عظيمِ قدرةِ اللهِ وسلطانِه؛ حجةً عليه لموسى بحقيقةِ ما دعاه إليه، وصدقِ ما أتاه به من عندِ ربِّه، ﴿لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾. يعنى: لأشرافِ قومِه الذين كانوا حولَه: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: إنّ موسى سحَر عصاه، حتى أراكموها ثعبانًا، ﴿عَلِيمٌ﴾. يقولُ: ذو علمٍ بالسحرِ وبَصَرٍ به، ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾. يقولُ: يُرِيدُ أن يُخرِجَ بنى إسرائيلَ من أرضِكم إلى الشامِ بقهرِه إياكم بالسحرِ.\n\n<span id=\"aya-2967\"></span>وإنما قال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ﴾. فجعَل الخطابَ للملأَ حولِه من القبطِ، والمعنيُّ به بنو إسرائيلَ؛ لأن القبطَ كانوا قد استعبَدوا بني إسرائيلَ، واتَّخَذوهم خدمًا لأنفسِهم ومُهَانًا، فلذلك قال لهم: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ﴾. وهو يريدُ: أَن يُخرِجَ خدمَكم وعبيدَكم من أرضِ مصرَ إلى الشامِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أرجئه\". وينظر ما تقدم في ١٠/ ٣٥٠.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"17","page":566},{"text":"وإنما قلتُ: معنى ذلك كذلك؛ لأن اللَّهَ إِنما أَرسَل موسى إلى فرعونَ يَأْمُرُه بإرسالِ بني إسرائيلَ معه، فقال له ولأخيه: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٦، ١٧].\n\n<span id=\"aya-2968\"></span>وقولِه: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾. يقولُ: فأَيُّ شيءٍ تَأْمُرُون في أمرِ موسى؟ وما به تُشِيرون من الرأيِ فيه؟ ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2969\"></span>يقولُ تعالى ذكرُه: فأجاب فرعونَ الملأُ، حوله، بأن قالوا له: أخِّرْ موسى وأخاه وأنظِرْه، وابعَثْ في بلادِك وأمصارِ مصرَ حاشرين يحشُرون إليك كلَّ سحَارٍ عليمٍ بالسحرِ.\n\n<span id=\"aya-2970\"></span><span data-type='title' id=toc-6612>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فجَمَع الحاشرون الذين بعَثهم فرعونُ لحشرِ (^١) السحرةِ السحرةِ (^٢)، ﴿لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. يقولُ: لوقتٍ واعَد فرعونُ لموسى الاجتماعَ معه فيه من يومٍ معلومٍ، وذلك يومُ الزينةِ، وأن يُحْشَرَ الناسُ ضحًى.\n\n<span id=\"aya-2971\"></span>وقيل للناسِ: هل أنتم مجتمعون؛ لتنظروا إلى ما يَفْعَلُ الفريقان، [ولمن تكونُ] (^٣) الغلبةُ؛ لموسى أو للسحرةِ؟ فلعلنا نَتَّبِعُ السحرة.\n\n<span id=\"aya-2972\"></span>ومعنى \"لعل\" ههنا \"كى\". يقولُ: كى نَتَّبِعَ السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.\nوإنما قلت: ذلك معناها؛ لأن قومِ فرعونَ كانوا على دينِ فرعونَ، فغيُر معقولٍ\n_________\n(^١) في م: \"بحشر\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"ولم يكن\"، وفى ت ١: \" يقول\".","vol":"17","page":567},{"text":"أن يقولَ من كان على دينٍ: أنظرُ إلى حجةِ مَن هو على خلافي، لعلى أتبعُ ديني. وإنما يقالُ: أنظرُ إليها كى أزدادَ بصيرةً بدينى، فأقيمَ عليه. وكذلك قال قومُ فرعونَ، فإياه (^١) عَنَوا بقيلِهم: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾.\nوذُكِر (^٢) أن اجتماعَهم للميقاتِ الذي اتَّعدَ للاجتماعِ فيه فرعونُ وموسى كان بالإسكندريةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6613>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾. قال: كانوا بالإسكندريةِ. قال: ويقالُ: بلغ ذنَبُ الحيةِ مَن وراءَ البحيرةِ يومئذٍ. قال: وهرَبوا، وأسلَموا فرعونَ، وهمَّت به، فقال: خُذْها يا موسى. قال: فكان (^٣) مما بُلى (^٤) النَّاسُ به (^٥) منه أنه كان لا يضَعُ على الأرضِ شيئًا. قال: فأحدث يومئذٍ تحتَه. قال: وكان إرسالُه الحيةَ في القبةِ الحمراءِ (^٦).\n\n<span id=\"aya-2973\"></span><span data-type='title' id=toc-6614>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاء السحَرةُ فرعونَ لوعدِ موسى (^٧) وموعدِ فرعونَ،\n_________\n(^١) في م: \"فإياها\".\n(^٢) في م: \"قيل\".\n(^٣) بعده في م، ت ٢: \"فرعون\".\n(^٤) في م: \"يلى\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٤ إلى المصنف.\n(^٧) في م: \"لموسى\".","vol":"17","page":568},{"text":"﴿قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا﴾ بسحرِنا (^١) قِبَلَك ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ موسى؟\n\n<span id=\"aya-2974\"></span>﴿قَالَ﴾ فرعونُ لهم: ﴿نَعَمْ﴾، لكم الأجرُ على ذلك، ﴿وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ منا. فقالوا عندَ ذلك لموسى: إما أن تُلْقِيَ وإما أن نكونَ نحن الملقين. وتُرِك ذكرُ قيلِهم ذلك؛ لدلالةِ خبرِ اللهِ عنهم أنهم قال لهم موسى: ألْقُوا ما أنتم ملقون - على أن ذلك معناه.\n\n<span id=\"aya-2975\"></span>﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ من حبالِكم وعِصيِّكم.\n\n<span id=\"aya-2976\"></span>﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ من أيديهم ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ يقولُ: أقسموا بقوة فرعونَ، وشدةِ سلطانه، ومَنعة مملكته، ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ موسى.\n\n<span id=\"aya-2977\"></span><span data-type='title' id=toc-6615>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فألقى موسى عصاه حينَ ألقت السحرةُ حبالهم وعِصيَّهم، ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾. يقولُ: فإذا عصا موسى تزدَرِدُ (^٢) ما يأتُون به من الفِرْيَةِ والسحرِ الذي لا حقيقةَ له، وإنما هو مخايلُ (^٣) وخُدْعةٌ.\n\n<span id=\"aya-2978\"></span>﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾. يقولُ: فلما تبيَّن السحرةُ أن الذي جاءهم به موسى حقٌّ لا سحرٌ، وأنه مما لا يقدِرُ عليه غيرُ اللهِ الذي فطَر السماواتِ والأرضِ من غيرِ أصلٍ، خرُّوا لوجوههم سُجدًا للهِ، مُذْعنين له (^٤) بالطاعةِ، مقرِّين لموسى بالذي أتاهم به من عندِ\n_________\n(^١) في ص، م، ف: \"سحرنا\"، وسقط من: ت ٢.\n(^٢) الازدراد: الابتلاع. اللسان (ز ر د).\n(^٣) في م: \"مخاييل\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"لله\".","vol":"17","page":569},{"text":"اللهِ أنه (^١) هو الحقُّ.\n\n<span id=\"aya-2979\"></span>وأن ما كانوا يعملونه من السحرِ باطلٌ، قائلين: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2980\"></span>الذي دعانا موسى إلى عبادته دونَ فرعونَ وملئه، ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال فرعونُ للذين كانوا سحرتَه، فآمنوا: آمنتم لموسى بأن ما جاء به حقٌّ قبلَ أن أذنَ لكم في الإيمان بهِ؟\n\n<span id=\"aya-2981\"></span>﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾. يقولُ: إن موسى لرئيسُكم في السحرِ، وهو الذي علَّمكموه، ولذلك آمنتم به، ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [يقولُ: فلسوف تعلَمون] (^٢) عندَ عقابي إياكم وبالَ ما فعلْتم، وخطأَ ما صنعْتم من الإيمانِ به.\n\n<span id=\"aya-2982\"></span><span data-type='title' id=toc-6616>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ: لأقطِّعن أيديَكم وأرجلَكم، مخالفًا في قطعِ ذلك منكم بينَ قطعِ الأيدى والأرجلِ، وذلك أنْ أقطعَ اليدَ اليمنى والرِّجلَ اليسرى، ثم اليدَ اليسرى والرجلَ اليمنى، ونحوَ ذلك من قطعِ اليدِ من جانبٍ، ثم الرجلِ من الجانبِ الآخرِ، وذلك هو القطعُ من خِلافٍ، ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. فوكَّد ذلك بـ ﴿أَجْمَعِينَ﴾؛ إعلامًا منه أنه غيرُ مُسْتَبقٍ منهم أحدًا، ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾.\n\nيقولُ تعالى ذكرُه: قالت السحرةُ: لا ضيرَ علينا. وهو مصدرٌ من قولِ القائلِ: قد ضار فلانٌ فلانًا فهو يضيرُ ضَيْرًا. ومعناه: لا ضرَّ (^٣).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) سقط من: م، ت ٢.\n(^٣) في م: \"ضرر\"، وفى ت ١، ت ٢، ف: \"ضير\".","vol":"17","page":570},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6617>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَا ضَيْرَ﴾. قال: يقولُ: لا يضُرُّنا (^١) الذي تقولُ، وإن صنَعتَه بنا وصلَيتَنا، ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾. يقولُ: إِنَّا إلى ربِّنا راجعون، وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتِك إيانا، وثباتِنا على توحيدِه، والبراءةِ من الكفرِ به (^٢).\n\n<span id=\"aya-2983\"></span><span data-type='title' id=toc-6619>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل السحرة: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ﴾: إِنا نَرْجو أن يصفَحَ لنا ربُّنا عن خطايانا التي سلَفت منا قبلَ إيمانِنا به، فلا يُعاقِبَنا بها (^٣).\nكما حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾. قال: السحرَ والكفرَ الذي كانوا فيه.\n﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: لأن كنا أولَ من آمن بموسى، وصدَّقه بما جاء به من توحيدِ اللهِ، وتكذيبِ فرعونَ في ادِّعائِه الربوبيةَ (^٤) في دهرِنا هذا وزمانِنا.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6618>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَنْ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"يضيرنا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٤ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، ت ٢، ف: \"به\".\n(^٤) في ص، ت ٢، ف: \"بالربوبية\".","vol":"17","page":571},{"text":"كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: كانوا كذلك يومَئِذٍ أولَ من آمَن بآياتِه حينَ رَأوها (^١).\n\n<span id=\"aya-2984\"></span>وقولِه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾. يقولُ: وأوحَينا إلى موسى إذ تمادى فرعونُ في غيِّه وأبَى إلا الثباتَ على طغيانِه بعدَما أريناه آياتنا، ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾. يقولُ: أن سِرْ ببنى إسرائيلَ ليلًا من أرضِ مصرَ، ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾: إن فرعونَ وجندَه مُتَّبِعوك (^٢) وقومَك من بنى إسرائيلَ؛ ليحُولوا بينكم وبينَ الخروجِ من أرضِهم؛ أرضِ مصرَ.\n\n<span id=\"aya-2985\"></span><span data-type='title' id=toc-6620>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فأرسل فرعون في المدائنِ مَن (^٣) يَحْشُرُ له جندَه وقومَه.\n\n<span id=\"aya-2986\"></span>ويقولُ لهم: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾. يعني بـ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ بني إسرائيلَ، ﴿لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾. يعنى بالشرذمةِ الطائفةَ والعصبةَ الباقيةَ، من: عصَب جبيرةً. وشرذمةُ كلِّ شيءٍ: بقيتُه القليلةُ. ومنه قولُ الراجز (^٤):\nجاءَ الشتاءُ وقميصى أخْلاقْ … شَرَاذِمٌ يَضْحَكُ منه التوَّاقْ\nوقيل: ﴿قَلِيلُونَ﴾؛ لأن كلَّ جماعةٍ منهم كان يَلْزَمُها معنى القلةِ، فلما جمَع\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٤ إلى المصنف.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"متبعك\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) تقدم في ١٤/ ٤١.","vol":"17","page":572},{"text":"جمْعَ جماعاتِهم قيل: ﴿قَلِيلُونَ﴾. كما قال الكُمَيتُ (^١):\nفرَدَّ قَوَاصِيَ الأحياء منهم … فقد رجَعوا (^٢) كحَيٍّ واحِدينا\nوذُكِر أن الجماعةَ التي سمَّاها فرعونُ شرذمةً قليلين، كانوا ستَّمائةِ ألفٍ وسبعين ألفًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6621>ذكرُ الرواية عمَّن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبَيدةَ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾. قال: كانوا ستَّمائةِ ألفٍ وسبعين ألفًا (^٣).\nقال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الشرذمةُ ستّمائةِ ألفٍ وسبعون ألفًا (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عبيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظَيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن شداد بن الهادِ، قال: اجتمع يعقوبُ وولدُه إلى يوسفَ وهم اثنان وسبعون، وخرجوا مع موسى وهم ستّمائِة ألف، فقال فرعونُ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾. وخرَج فرعونُ على فرسٍ أدهمَ؛ حِصانٍ، على لونِ فرسِه في عسكرِه ثمانُمائةِ ألفٍ (^٥).\n_________\n(^١) ديوانه ٢/ ١٢٢.\n(^٢) في م: \"صاروا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٤٢ - ومن طريقه أبو نعيم في الخلية ٤/ ٢٠٦، ٢٠٧ - من طريق سفيان به.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥١٠ من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٤ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٦٩، ٢٧٧٠ من طريق موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، =","vol":"17","page":573},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيد الجُرَيريِّ، عن أبي السَّلِيلِ، عن قيسِ بن عبادٍ، قال: وكان من أكثرِ (^١) الناسِ - أو أحدثِ الناسِ - عن بني إسرائيلَ، قال: فحدَّثنا أن الشرذمةَ الذين سمَّاهم فرعونُ من بني إسرائيلَ كانوا ستَّمائةِ ألفٍ. قال: وكان مُقدِّمةُ فرعونَ سبعَمائةِ ألفٍ، كلُّ رجلٍ منهم على حصانٍ، على رأسه بيضةٌ، و(^٢) في يدِه حربةٌ، وهو خلفَهم في الدُّهْمِ، فلما انتهى موسى بينى إسرائيلَ إلى البحرِ قالت بنو إسرائيلَ: يا موسى أينَ ما وعَدتَنا؟ هذا البحرُ بينَ أيدينا، وهذا فرعونُ وجنودُه قد دهَمنا من خلفنا، فقال موسى للبحر: انفلِقْ أبا خالدٍ. قال: لا، لن أَنْفَلِقَ لك يا موسى، أنا أقدَمُ منك خلقًا. قال: فنودىَ: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]. فضرَبه، فانفلَق البحرُ، وكانوا اثنَىْ عشرَ سِبْطًا. قال الجُرَيرِيُّ: فأَحْسَبُه قال: إنه كان لكلِّ سبط طريقٌ. قال: فلما انتهى أولُ جنودِ فرعونَ إلى البحرِ، هابتِ الخيلُ اللَّهَبَ (^٣). قال: ومُثِّل الحصانٍ منها فرسٌ وَدِيقٌ (^٤)، فوجَد ريحَها، فاشتَدَّ، فاتَّبَعه الخيلُ. قال: فلما تنامَّ آخرُ جنودِ فرعونَ في البحرَ وخرَج آخرُ بني إسرائيلَ، أُمِر البحرُ فانصفَق عليهم، فقالت بنو إسرائيلَ: ما مات فرعونُ وما كان ليموتَ أبدًا. فسمِع اللهُ تكذبيِهم نبيَّه ﵇، قال: فرمى به على الساحلِ كأنه ثورٌ أحمرُ يتراءاه بنو إسرائيلَ (^٥).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في\n_________\n= عن عبد الله بن شداد، عن كعب الأحبار بنحوه مطولًا.\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"أكبر\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٣) اللهب: الغبار الساطع. اللسان (ل هـ ب).\n(^٤) الفرس الوديق: هي التي تشتهى الفحل. ينظر اللسان (ود ق).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٧٢، ٢٧٧٣ من طريق ابن علية نحوه. إلى قوله: لكل سبط طريق.","vol":"17","page":574},{"text":"قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾: يعنى بنى إسرائيلَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾. قال: هم يومَئِذٍ ستُّمائةِ ألفٍ، ولا يُحصَى عددُ أصحابِ فرعونَ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾. قال: أَوْحى اللهُ إلى موسى أن اجمَعْ بني إسرائيلَ؛ كلَّ أربعةِ أبياتٍ في بيتٍ، ثم اذبَحوا أولادَ الضأْنِ، فاضرِبوا بدمائها على الأبوابِ، فإني سآمُرُ الملائكةَ أَلَّا تَدْخُلَ بيتًا على بابِه دمٌ، وسآمُرُهم بقتلِ أبكارِ (^٣) آلِ فرعونَ من أنفسِهم وأموالِهم، ثم اخبِزوا خُبزًا فَطيرًا، فإنه أسرعُ لكم، ثم أَسْرِ بعبادى، حتى تَنْتَهِىَ للبحرِ (^٤)، فيَأْتِيَك أمرى. ففعَل، فلما أصبحوا قال فرعونَ: هذا عملُ موسى وقومِه، قتَلوا أبكارَنا (^٥) من أنفسِنا وأموالِنا. فأرسَل في أثرِهم ألفَ ألفٍ، وخمسَمائةِ ألفٍ وخمسَمائِة ملِكٍ مُسَوَّرٍ، معَ كلِّ ملكٍ ألفُ رجلٍ، وخرَج فرعونُ في الكَرِشِ (^٦) العُظْمَى، وقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾. قال: قطعةٌ. وكانوا ستَّمائةِ ألفٍ، مائتا ألفٍ منهم أبناءُ عشرين سنةً إلى أربعين (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤١٤.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥١٠ من قول ابن أبي نجيحٍ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٥ إلى الفريابي وعبد بن حميد.\n(^٣) في ت ١، ف: \"الكفار\"، وفى ت ٢: \"أذكار\".\n(^٤) في ص، ت ١، ف: \"البحر\"، وفى ت ٢: \"إلى البحر\".\n(^٥) في ت ١: \"أولادنا\".\n(^٦) الكرش: الجماعة من الناس، والبطانة والمدد، وكَرَش الرجل كَرَشا: إذا صار له جيش. ينظر التاج (ك ر ش).\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٥ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"17","page":575},{"text":"قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، [عن شهرِ] (^١) بن حوشبٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان مع فرعونَ يومئذٍ ألفُ جبارٍ، كلُّهم عليه تاجٌ، وكلُّهم أميرٌ على خيلٍ (^٢).\nقال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: [كان ثلاثون] (^٣) ملكًا ساقةً (^٤) خلَف فرعونَ، يحسَبون أنهم معهم، وجبريلُ، أمامَهم، يَرُدُّ أوائلَ الخيلِ على أواخرِها (^٥)، فأتبَعهم حتى انتهَى إلى البحرِ.\n\n<span id=\"aya-2987\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾. يقولُ: وإن هؤلاء الشرذمةَ لنا لغائظون. فذُكِر أن غيظَهم إياهم كان قتلَ الملائكةِ من قتَلتْ من أبكارِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-6622>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾. يقولُ: بقتلِهم أبكارَنا من أنفسِنا وأموالِنا.\nوقد يَحتمِلُ أن يكونَ معناه: وإنهم لنا لغائظون، بذَهابِهم منهم بالعواريِّ التي كانوا استعاروها منهم من الحُليِّ. ويَحتمِلُ أن يكونَ ذلك بفراقِهم إياهم، وخروجِهم من أرضِهم، بكُرهٍ لهم لذلك\n\n<span id=\"aya-2988\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٣/ ١٠١.\n(^٣) في م: كانوا ثلاثين\"، وفى ت ٢: \"كانوا ثلاثون\"\n(^٤) الساقة: جمع سائق، وهم الذين يسوقون الجيش؛ الغزاة، ويكونون من ورائهم. ينظر التاج (س وق).\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"آخرها\"","vol":"17","page":576},{"text":"قرأةِ الكُوفةِ: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ (^١). بمعنى: أَنهم مُعِدُّون مُؤْدُون؛ ذَوُو أَداةٍ وقوَّةٍ وسلاحٍ.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (وإنا لجميعٌ حَذِرُون) بغير ألفٍ (^٢).\nوكان الفراءُ يقولُ (^٣): كأَنَّ الحاذرَ الذي يحذَرُك الآن، وكأن الحذِرَ المخلوقُ حَذِرًا، لا تلقاه إلا حَذِرًا.\nومن الحَذِرِ قولُ ابن أحمرَ (^٤):\nهل أُنْسَأَنْ يومًا إلى غيرِه … إني حواليٌّ وإنى حَذِرْ\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتانِ مستفِيضتانِ في قرأةِ الأمصارِ متقارِبتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ فيه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6623>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، [قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ] (^٥)، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ الأسودَ بنَ يزيدَ يقرأُ: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾. قال: مُقْوون مُؤْدُون (^٦).\n_________\n(^١) وبها قرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٤٧١.\n(^٢) وبها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو. المصدر السابق.\n(^٣) معاني القرآن ٢/ ٢٨٠.\n(^٤) اللسان (ح ول)، قال: ويقال: للمرار بن منقذ العدوى.\n(^٥) سقط من ص، م، ت ١، ت ٣.\n(^٦) تفسير سفيان ص ٢٢٩، وهو تفسير مجاهد ص ٥١٠ من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٥ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"17","page":577},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عيسى بنُ عبيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي العرجاءَ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ أنه كان يقرَأُ: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾. يقولُ: مُؤْدُونَ (^١).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾. يقولُ: حذِرْنا. قال: جمَعْنا أمرَنا.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾. قال: مُؤدُون مُعِدُّون في السلاحِ والكُراعِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، [عن أبي] (^٢) معشرٍ، عن محمدِ بن قيسٍ، قال: كان معَ فرعونَ ستُّمائةِ ألفِ حِصانٍ أدهمَ، سوى ألوانِ الخيلِ.\n[حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا سليمانُ بنُ معاذٍ، الضَّبِّيُّ، عن عاصمِ بن بَهْدلة، عن أبي رَزِينٍ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأها: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾. قال: مُؤدُون مُقْوُون] (^٣).\n\n<span id=\"aya-2989\"></span><span data-type='title' id=toc-6624>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فأخرَجْنا فرعونَ وقومَه من بساتينَ وعيونِ ماءٍ.\n\n<span id=\"aya-2990\"></span>وكنوزِ ذهبٍ وفضةٍ، ومَقامٍ كريمٍ. قيل: إن ذلك المَقام الكريمَ: المَنابرُ.\n\n<span id=\"aya-2991\"></span>وقولُه: ﴿كَذَلِكَ﴾. يقولُ: هكذا أخرَجْناهم مِن ذلك كما وصَفْتُ لكم في\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٥ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم، بلفظ: شاكي السلاح.\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"أبى\"، وفى م: \"أبو\". وتقدم في ١/ ٥٥٥ وغيرها.\n(^٣) سقط من: ت ٢.","vol":"17","page":578},{"text":"هذه الآيةِ والتي قبلَها، ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾. يقولُ: وأورَثْنا تلك الجناتِ التي أخرَجْناهم منها والعيونَ والكنوزَ والمَقامَ الكريمَ عنهم بهَلَاكِهم بني إسرائيلَ.\n\n<span id=\"aya-2992\"></span>وقولُه: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾. يقولُ: فأَتْبَع فرعونُ وأصحابُه بني إسرائيلَ ﴿مُشْرِقِينَ﴾. حينَ أشرقَتِ الشمسُ. وقيل: حينَ أصْبَحوا.\n[وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6625>ذكرُ مَن قال ذلك]</span> (^١)\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾. قال: خرَج موسى ليلًا، فكسَف القمرُ، وأَظْلَمَتِ الأرضُ، وقال أصحابُه: إن يوسفَ أَخبرنا أَنَّا سَنُنَجَّى مِن فرعونَ، وأَخَذ علينا العهدَ لنَخْرُجنَّ (^٢) بعظامِه معنا. فخرَج موسى ليلتَه يسألُ ليلته يسألُ عن قبرِه، فوجَد عجوزًا بيتُها على قبرِه، فأخرجَته له بحَكَمِها (^٣)، وكان حَكَمُها - أو كلمةٌ تُشْبِهُ هذه - أن قالت: احمِلْني فأخرِجْني معك. فجعَل عظامَ يوسفَ في كِسائِه، ثم حملَ العجوزَ على كسائِه، فجعَله على رقبته، وخيلُ فرعونَ هي مِلءُ أَعِنَّتِها حُضْرًا (^٤) في أَعْيُنِهم ولا تبرحُ، حُبِست عن موسى وأصحابِه حتى تَوارَوْا (^٥).\n_________\n(^١) سقط من ص، م، ت ١، ف.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ولنخرجن\".\n(^٣) حكمها: ميثاقها. ينظر اللسان (ح ك م).\n(^٤) حضرًا: عدوا. النهاية ١/ ٣٩٨.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٥١٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٦٨.","vol":"17","page":579},{"text":"[حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾. قال: فرعونُ وأصحابُه، وخيلُ فرعونَ في مِلءِ أَعِنَّتِها في رَأْي عُيُونِهم، ولا تبرَحُ، حُبِست عن موسى وأصحابِه حتى تَوارَوْا] (^١).\n\n<span id=\"aya-2993\"></span><span data-type='title' id=toc-6627>القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالَى ذِكرُه: فلمَّا تناظَر الجمعانِ، جمعُ موسى وهم بنو إسرائيلَ، وجمعُ فرعونَ وهم القِبْطُ ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى﴾ لموسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. أي: إنا لمُلْحَقون، الآنَ يلحَقُنا فرعونُ وجنودُه فيَقْتُلوننا. وذُكر أنهم قالوا ذلك لموسى تَشاؤُمًا بموسى.\n\n<span data-type='title' id=toc-6626>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قلتُ لعبدِ الرحمنِ: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. قال: تَشاءَموا بموسى وقالوا: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ (^٢) [الأعراف:١٢٩].\nحدَّثنا موسى، قال [حدَّثنا عمرٌو، قال] (^٣): ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٧٠ من طريق المعتمر به.\n(^٣) سقط من: م، ت ٢.","vol":"17","page":580},{"text":"الْجَمْعَانِ﴾: فنظَرَت بنو إسرائيلَ إلى فرعونَ قد رَمَقَهم، قالوا: إنا لمُدركون.\nقالوا: يا موسى ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، اليوم يدرِكُنا فرعونُ فيَقْتُلُنا، ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. البحرُ من بين أيدينا، وفرعونُ من خلفِنا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا انتَهى موسى إلى البحرِ، وهاجَت الريحُ العواصفُ، فنظَر أصحاب موسى خلفَهم إلى الريحِ وإلى البحرِ أمامَهم قالُوا: يا مُوسَى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (^٢).\nواختَلَفَتِ القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى الأعرج: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. وقَرأه الأعرجُ: (إنا لمدَّرَكون) (^٣). كما يقالُ: نُزِّلَت، وأُنزِلَت.\nوالقراءةُ عندَنا التي عليها قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ عليها.\n\n<span id=\"aya-2994\"></span>وقولُه: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. [قال موسى لقومِه: ليس الأمرُ كما ذكرتُم، كلا لن تُدْرَكوا ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. يقولُ] (^٤): سَيَهْدين لطريقٍ أنْجُو فيه مِن فرعونَ وقومِه.\nكما حدَّثني ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ٦٦٠.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٥٨.\n(^٣) وقرأ بها أيضا عبيد بن عمير. مختصر الشواذ لابن خالويه ١٠٨، والبحر المحيط ٧/ ٢٠.\n(^٤) سقط من: ت ٢.","vol":"17","page":581},{"text":"كعبٍ القُرَظِيّ، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادِ بن الهادِ، قال: لقد ذُكر لى أنه خرَج فرعونُ في طلبِ موسى على سبعين ألفًا مِن دُهم الخيلِ، سوى ما في جندِه من شِيَةِ الخيلِ، وخرَج موسى حتى إذا قابَله البحرُ ولم يَكُنْ عنه مُنْصَرَفٌ، طلَع فرعونُ في جندِهِ مِن خلفِهم ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. أي: للنجاةِ، وقد وَعَدنى ذلك، ولا خُلْفَ لمَوعودِه (^١).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. يقولُ: سيَكْفِيني، وقال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (^٢) [الأعراف: ١٢٩].\n\n<span id=\"aya-2995\"></span>وقولُه: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾. ذُكر أن الله كان قد أمرَ البحرَ ألا ينفلِقَ حتى يضرِبَه موسى بعَصاه.\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: فتقدَّم هارونُ، فضرَب البحرَ، فأبَى أن ينفتِحَ، وقال: مَن هذا الجبارُ الذي يضرِبُني؟ حتى أتاه موسى، فكَنَاه أبا خالدٍ، وضرَبه فانفلَق (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: أوحَى اللهُ، فيما ذُكر، إلى البحرِ: إذا ضرَبك موسى بعصاه فانفلِقْ له. قال: فباتَ البحرُ يضربُ بعضُه بعضًا فَرَقًا مِن اللهِ، وانتظارَ أمره، وأوحَى اللهُ إلى موسى: أن اضرِبْ بعصاك البحرَ. فضرَبه بها وفيها سلطانُ اللَّهِ الذي أعطاه، فانفلَق (^٤)\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ٦٥٥، ٦٥٦.\n(^٢) تقدم في ١/ ٦٦٠، ٦٦١.\n(^٣) تقدم في ١/ ٦٦١.\n(^٤) تقدم في ١/ ٦٥٦.","vol":"17","page":582},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن (^١) سليمانَ التيميِّ، عن أبي السليلِ، قال: لما ضرَب موسى بعصاه البحرَ، قال: إيهًا أبا خالدٍ. فأخَذه أَفْكَلٌ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، وحجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ وغيره، قالوا: لمَّا انتهى موسى إلى البحرِ، وهاجَتِ الريحُ، والبحرُ يَرْمى بتَيَّارِه، ويموجُ مثلَ الجبالِ، وقد أوحَى اللهُ إلى البحرِ ألا ينفلِقَ حتى يضرِبَه موسى بالعصا، فقال له يُوشَعُ: يا كليمَ اللَّهِ، أَينَ أُمِرْتَ؟ قال: ههنا. قال: فجازَ البحرَ ما يُوارِى حافرَه الماءُ، فذهَب القومُ يصنَعون مثلَ ذلك، فلم يقدرِوا، وقال له الذي يَكْتُمُ إيمانَه: يا كليمَ اللهِ، أَينَ أُمِرْتَ؟ قال: ههنا، فَكَبَح فرسَه بلِجَامِه حتى طارَ الزَّبَدُ مِن شِدْقَيه، ثم قَحَمه البحرُ، فأرسَب في الماءِ، فأوحَى اللهُ إلى موسى: أن اضرِبْ بعصاك البحرَ. فضرَب بعصاه موسى البحرَ فانفلَقَ، فإذا الرجلُ واقفٌ على فرسِه، لم يبتلَّ سَرْجُه ولا لِبْدُه.\n\nوقولُه: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فكان كلُّ طائفةٍ من البحرَ لمَّا ضرَبه موسى، كالجبلِ العظيمِ. وذُكر أنه انفلَق اثنتى عشْرةَ فَلْقةً، على عدِد الأسْباطِ، لكلِّ سِبْط منهم فِرْقٌ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6628>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ\n_________\n(^١) في م: \"ظن\".\n(^٢) الأفكل: الرعدة الشديدة من الخوف. اللسان (ف ك ل).","vol":"17","page":583},{"text":"كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ: كالجبلِ العظيمِ، فدخَلَت بنو إسرائيلَ، وكان في البحرِ اثنا عشَرَ طريقًا، في كلِّ طريقٍ سِبْطٌ، [وكان الطريقُ كما (^١) إذا انفلَقَتِ الجدرانُ، فقال كلُّ سِبْطٍ] (^٢): قد قَتَل أصحابَنا. فلما رأى ذلك موسى دَعا الله، فجعَلها قَناطِرَ كهيئةِ الطِّيقانِ، فنظَر آخِرُهم إلى أوَّلهم حتى خرَجوا جميعًا (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، وحجاجٌ، عن أبي بكرٍ بن عبدِ اللَّهِ وغيره، قالوا: انفلق البحرُ، فكان كلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العظيم، اثنا عشَرَ طريقًا، في كلِّ طريقٍ سِبْطٌ، وكان بنو إسرائيلَ اثني عشَرَ سِبطًا، وكانت الطُّرْقُ بجُدْران، فقال كلُّ سِبْطٍ: قد قُتِل أصحابُنا. فلما رأى ذلك موسى، دَعا اللهُ فجعَلها لهم بقَناطِرَ كهيئةِ الطِّيقانِ، ينظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ على أرضٍ يابسةٍ كأن الماءَ لم يُصِبْها قَطُ حتى عَبَر (^٤).\nقال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: لما انفلق البحرُ لهم صار فيه كُوًى ينظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. أي: كالجبلِ على نَشَزٍ مِن الأرضِ (^٥).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ف.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) تقدم في ١/ ٦٦١.\n(^٤) في ت ٢: خرجوا جميعا\".\n(^٥) تقدم في ١/ ٦٥٦.","vol":"17","page":584},{"text":"قوله: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ: كالجبلِ (^١)\n[حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيد، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. قال: كالجبلِ] (^٢) العظيمِ (^٣).\nومنه قولُ الأسودِ بن يَعْفُرَ (^٤):\nحَلُّوا بأنْقرةٍ يَسِيلُ عليهمُ … ماءُ الفُراتِ يجيءُ مِن أَطْوَادٍ\nيعنى بالأطوادِ جمعَ طَوْدٍ، وهو الجبلُ.\n\n<span id=\"aya-2996\"></span><span data-type='title' id=toc-6629>القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾.</span>\nيعني بقوله تعالى ذكرُه: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾: وقَرَّبْنا هنالك آلَ فرعونَ مِن البحرِ، وقَدَّمْناهم إليه. ومنه قولُه: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠].\nبمعنى: قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ. ومنه قولُ العَجَّاجِ (^٥):\nطَيَّ الليالي زُلَفًا فَزُلَفا … سَماوةَ الهلال حتى احْقوقفَا\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في التغليق ٤/ ٢٧٣ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٧٣ من طريق أبي صالح به.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٧٣ معلقًا\n(^٤) معجم ما استعجم ١/ ٢٠٤، وتفسير القرطبي ١٣/ ١٠٧، وهو في مجاز القرآن ٢/ ٨٦ بدون نسبة.\n(^٥) ديوانه ص ٤٩٦.","vol":"17","page":585},{"text":"وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6630>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخَراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾. قال: قَرَّبْنا (^١).\n[حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾. قال: هم قومُ فرعونَ قَرَّبَهم اللهُ حتى أغرَقهم في البحرَ] (^٢).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: دَنا فرعونُ وأصحابُه بعدَ ما قطَع موسى ببنى إسرائيلَ البحرَ، مِن البحرَ، فلما نظَر فرعونُ إلى البحرِ مُنْفَلِقًا قال: أَلَا تَرَوْن البحرَ فَرِقَ مِنِّى، قد تَفتَّح لى حتى أُدْرِكَ أَعْدائي فأقْتُلَهم؟ فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾. يقولُ: قَرَّبْنَا. ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ هم آلُ فرعونَ. فلمَّا قامَ فرعونُ على أفواهِ (^٣) الطُّرْقِ، وأَبَتْ خِيلُه أن تقتحِمَ، فنزَل جبريلُ ﷺ على ماديانةٍ، فتَشامَّتِ الحُصُنُ ريحَ الماديانة، فاقتَحَمَت في أثَرِها، حتى إذا هَمَّ أَوَّلُهم أن يخرجَ، ودخلَ آخِرُهم، أمَر البحرَ أن يأخُذَهم، فالتطَمَ عليهم، وتفرَّدَ جبريلُ بمَقْلَةٍ مِن مَقْل البحر (^٤)، فجعَل يَدُسُّها في فِيهِ (^٥).\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ١٥٤.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٧٤ (١٥٦٨٠) من طريق سعيد عن قتادة.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) مقل البحر: مغاص البحر. النهاية ٤/ ٣٤٧.\n(^٥) تقدم تخريجه في ١/ ٦٦١.","vol":"17","page":586},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ بن عبدِ اللهِ، قال: أقبَل فرعونُ، فلمَّا أشرَف على الماءِ قال أصحابُ موسى: يا مُكَلِّمَ اللهِ، إن القومَ يَتْبَعوننا في الطريقِ، فاضرِبْ بعصاك البحرَ فاخْلطه. فأرادَ موسى أن يفعلَ، فأوحَى اللهُ إليه أن ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. يقولُ: أَقرَّه (^١) على سَكَناتِه، ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤]. إنما أمكرُ بهم، فإذا سَلَكوا طريقَكم غَرَّقْتُهم، فلما نظَر فرعونُ إلى البحرَ قال: ألَا تَرَون البحرَ فَرِقَ منى، حتى تَفَتَّحَ لي، حتى أُدِركَ أعدائي فأقتُلَهم؟ فلما وقَف على أفواهِ الطرقِ وهو على حصانٍ، فرأى الحصانُ البحرَ فيه أمثالُ الجبالِ هابَ وخافَ، وقال فرعونَ: أنا راجعٌ. فمكَر به جبريلُ ﵇، فأقبَل على فرسٍ أنثى، فأدْناها مِن حصانِ فرعونَ، فطَفِقَ فرسُه لا يَقَرُّ، وجعَل جبريلُ يقولُ: تَقَدَّم. ويقولُ: ليس أحدٌ أحقُّ بالطريقِ منك، فتَشامَّتِ الحُصُنُ الماديانةَ، فما مَلَكَ فرعونُ فرسَه أن وَلَجَ على أثَرِه، فلمَّا انتَهى فرعونُ إلى وسط البحرَ، أوحَى اللهُ: إلى البحر خُذْ عبدىَ الظالمَ وعبادىَ الظَّلَمةَ، سُلطاني فيك؛ فإني قد سَلَّطتك عليهم. قال: فتَغَطْمَطَتْ (^٢) تلك الفِرَقُ مِن الأمواج كأنها الجبالُ، وضرَب بعضُها بعضًا، فلما أدرَكه الغَرَقُ قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]. وكان جبريلُ ﷺ شديدَ الأَسَفِ عليه؛ لِما رَدَّ مِن آيات اللهِ، ولطولِ علاجِ موسى إياه، فدخَل في أسفلِ البحرِ، فأخرَج طينًا، فحَشَاه في فَمِ فرعونَ لكيلا يقولَها الثانية، فتُدْرِكَه الرحمةُ. قال: فبعَث اللهُ إليه ميكائيلَ يُعَيِّرُه: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾؟ [يونس: ٩١]. وقال جبريلُ: يا محمدُ، ما أبغَضْتُ أحدًا من خلقِ اللَّهِ ما أَبغَضتُ اثنين؛ أحدُهما مِن الجنِّ، وهو إبليسُ، والآخرُ فرعون، قال: أنا ربُّكم الأعلى. ولقد رأيتُنى يا محمدُ وأنا أحْشُو في فِيهِ مخافةَ أن يقولَ كلمةً يرحمُه اللهُ بها.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"أمره\".\n(^٢) التغطمط: صوت معه بحح. اللسان (غطمط).","vol":"17","page":587},{"text":"وقد زعَم بعضُهم (^١) أن معنى قولِه: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾: وجَمَعْنا. قال: ومنه ليلةُ المُزْدَلِفةِ. قال: ومعنى ذلك أنها ليلةُ جَمْعٍ. وقال بعضُهم: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ﴾: وأهْلكْنا.\n\n<span id=\"aya-2997\"></span>وقولُه: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنجْيَنا موسى [بما أشْقَيْنا] (^٢) به فرعونَ وقومَه مِن الغَرَقِ في البحرِ، ومَن مع موسى مِن بنى إسرائيلَ أجمعين.\n\n<span id=\"aya-2998\"></span>وقولُه: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾. يقولُ: ثم أَغرَقْنا فرعون وقومَه مِن القِبْطِ في البحرِ، بعد أن أنجْيَنا موسى منه ومَن معه.\nوقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن فيما فعلتُ بفرعونَ ومَن معه؛ مِن تَغْريِقي إياهم في البحرِ، إذ كَذَّبوا رسولى موسى، وخالَفوا أمرى بعدَ الإعْذارِ إليهم والإنْذارِ - لدلالةً بينةً يا محمدُ لقومِك مِن قريشٍ، على أن ذلك سُنَّتى في من سلَك سبيلَهم مِن تَكْذيبِ رُسُلى، وعظةً لهم وعبرةً - إنِ ادَّكروا واعتَبروا - أن يفعلوا مثلَ فعلِهم في تكذيبِك، مع البرهانِ والآياتِ التي قد أتَتْهم، فَيحِلُّ بهم من العقوبةِ نظيرُ ما حَلَّ بهم، ولك أيضًا آيةٌ في فعلى بموسى، وتَنْجيتي إياه - بعد طُولِ علاجِه فرعونَ - وقومَه منه، وإظْهارِى إياه، وتوريثِهِ وقومَه دورَهم وأرضَهم وأموالَهم، على أنِّى سالكٌ فيك سبيلَه إن أنت صبرتَ صبرَه، وقُمتَ مِن تبليغِ الرسالةِ إلى مَن أرسلتُك إليه قيامَه، ومُظْهرُك على مُكَذِّبيك، ومُعْليك عليهم، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2999\"></span>يقولُ: وما كان أكثر قومك يا محمدُ مؤمنين، بما أتاك اللهُ مِن الحقَّ المبينِ، فسابقٌ لهم في علمى أنهم لا يؤمنون،\n\n<span id=\"aya-3000\"></span>﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ\n_________\n(^١) يقصد أبا عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٨٧.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"مما أتبعنا\"، وفي ت ٢: \"بما أتبعنا\".","vol":"17","page":588},{"text":"الْعَزِيزُ﴾ في انتقامِه ممن كفرَ به وكذَّب رسلَه مِن أعدائِه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بَمَن أَنْجَى مِن رسلِه وأتباعِهم مِن الغرقِ والعذابِ الذي عذَّب به الكفرةَ.\n\n<span id=\"aya-3001\"></span><span data-type='title' id=toc-6631>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واقصُصْ على قومِك من المشركين يا محمدُ، خبرَ إبراهيمَ، حينَ قال لأبيه وقومَه:\n\n<span id=\"aya-3002\"></span>أَيَّ شيءٍ تعبُدون؟ قالوا له: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾. يقولُ: فنظلُّ لها خَدَمًا مقيمين على عبادتها وخدمتِها.\nوقد بيَّنا مَعْنى \"العكوفِ\" بشواهدِه فيما مضى قبلُ، بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\n\n<span id=\"aya-3003\"></span>وكان ابن عباسٍ فيما روى عنه يقولُ في مَعْنى ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾. قال: الصلاةُ لأصنامِهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-3004\"></span><span data-type='title' id=toc-6632>القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال إبراهيمُ لهم: هل يسمَعُ دعاءَكم هؤلاء الآلهةُ إذ تَدْعُونَهم.\nواختَلف أهلُ العربيةِ في مَعْنى ذلك؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معناه: هل يسمعون منكم؟ أو هل يسمعون دعاءَكم؟ فحذَف الدعاءَ، كما قال زُهَيرٌ (^٣):\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٥٣٤.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٢/ ٥٣٦.\n(^٣) شرح ديوانه ص ٤٩.","vol":"17","page":589},{"text":"القائِدُ الخَيْلَ مَنْكُوبًا دَوَابِرُها (^١) … قد أُحْكِمَتْ حَكماتِ (^٢) القِدِّ والأبَقا (^٣)\nوقال: يريدُ: أَحْكِمت حَكَماتِ الأَبَقِ. فألْقَى الحَكَماتِ، وأقام الأبَقَ مُقامَها.\nوقال بعضُ مَن أنكَر ذلك من قولِه من أهلِ العربيةِ: الفصيحُ مِن الكلامِ في ذلك هو ما جاء في القرآنِ؛ لأنَّ العرب تقولُ: سمعتُ زيدًا مُتكلِّمًا. يريدون: سمِعتُ كلام زيدٍ. ثم تَعلَمُ أن السمعَ لا يقعُ على الأناسيِّ، إنما يقعُ على كلامِهم، ثم يقولون: سمِعتُ زيدًا. أي: سمِعتُ كلامَه قال: ولو لم يُقَدَّمْ في بيتِ زهيرٍ \"حكماتِ القدِّ\" لم يَجُزْ أن يُنْسَقَ بـ\"الأبق\" عليها؛ لأنَّه لا يقالُ: رأيتُ الأبق. وهو يريدُ الحكمَةَ.\n\n<span id=\"aya-3005\"></span>وقولُه: ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾. يقولُ: أو تنفَعُكم هذه الأصنامُ، فيَرزُقونكم شيئًا على عبادتِكموها، أو يضرُّونكم فيُعاقبونكم على تَرْككم عبادتَها، بأن يسلُبوكم أموالَكم، أو يُهْلِكوكم إذا هلَكتُم وأولادُكم ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. وفى الكلامِ متروكٌ استُغْنِىَ بدَلالةِ ما ذُكِرَ عما تُرِكَ، وذلك جوابُهم إبراهيمَ عن مسألتِه إياهم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾. فكان جوابُهم إياه: لا، ما يَسْمَعوننا إذا دعَوناهم، ولا ينفَعوننا ولا يضرُّون. يدلُّ على أنَّهم بذلك أجابوه - قولُهم: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. وذلك [أنَّ \"بل\"] (^٤) رجوعٌ عن مجحودٍ، كقولِ القائلِ: ما كان كذا بل كذا وكذا.\n_________\n(^١) دابرة الحافر: مؤخَّرة، وقيل: هي التي تلى مؤخر الرسغ. اللسان (د ب ر).\n(^٢) حكمة اللجام: ما أحاط بحنكى الدابة. اللسان (ح ك م).\n(^٣) القد: السير الذي يقدمن الجلد، والأبق: الحبل من القنب، وهو ضرب من الكتان. اللسان (ق د د، أب ق، ق ن ب).\n(^٤) سقط من: م.","vol":"17","page":590},{"text":"<span id=\"aya-3006\"></span>ومَعْنى قولِهم: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾: وجَدنا مَن قبلَنا (^١) مِن آبائِنا يعبُدونها، ويعكُفون عليها لخدمتِها وعبادتِها، فنحن نفعلُ ذلك اقتداءً بهم، واتِّباعًا لمِنهاجِهم.\n\n<span id=\"aya-3007\"></span><span data-type='title' id=toc-6633>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالَى ذكرُه: قال إبراهيمُ لقومِه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾ أَيُّها القومُ ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ مِن هذه الأصنامِ، ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ يعنى بالأَقْدَمِين: الأقْدَمِين مِن الذين كان إبراهيمَ يخاطبُهم، وهم الأوَّلون قبلَهم مِمَّن كان على مثلِ ما كان عليه الذين كلَّمهم إبراهيمُ من عبادةِ الأصنامِ، ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3008\"></span>يقولُ قائلٌ: وكيف يوصَفُ الخشبُ والحديدُ والنُّحاسُ بعداوةِ ابن آدمَ؟ فإن مَعْنَى ذلك: فإنهم عدوٌّ لى - لو عبدتُهم - يومَ القيامةِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢].\n\n<span id=\"aya-3009\"></span>وقولُه: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. نصبًا على الاستثناءِ.\nو\"العدوُّ\" بمعنى الجمعِ، ووُحِّد لأنَّه أُخْرِج مُخرج المصدرِ، مثلَ القُعودِ والجلوسِ.\nومَعْنى الكلامِ: أفرأيتُم كلَّ معبودٍ لكم ولآبائِكم، فإنِّي منه برئٌ: لا أعبدُه، إلا ربَّ العالمين.\n\n<span id=\"aya-3010\"></span><span data-type='title' id=toc-6634>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ</span>\n_________\n(^١) بعده في م: \"ولا يضرون، يدل على أنهم بذلك أجابوه، قولهم\".","vol":"17","page":591},{"text":"يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾.\n\n<span id=\"aya-3011\"></span>يقولُ: فإنَّهم عدوٌّ لى إلا ربِّ العالمين، ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ للصوابِ من القولِ والعملِ، ويُسدِّدُنى للرَّشادِ، ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾. يقولُ: والذي يغذوني بالطعامِ والشرابِ، ويَرْزُقُنى الأرزاقَ،\n\n<span id=\"aya-3012\"></span>﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. يقولُ: وإذا سقِم جسمى واعتلَّ فهو يُبْرئُه ويُعافيه.\n\n<span id=\"aya-3013\"></span><span data-type='title' id=toc-6636>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾.</span>\nيقولُ: والذي يُميتُنى إذا شاء، ثم يُحييني إذا أراد بعدَ مماتى، ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ فَرَبِّي هذا الذي بيدِه نفعى وضرِّى، وله هذه (^١) القدرةُ والسلطانُ، وله الدنيا والآخرةُ، لا الذي لا يسمَعُ إِذا دُعِى، ولا يَنفَعُ ولا يضُرُّ. وإنَّما كان هذا الكلامُ من إبراهيمَ احتجاجًا على قومِه، في أنَّه لا تصلُحُ الأُلوهةُ، ولا يَنبَغي أن تكونَ العبودةُ إلا لمن يفعلُ هذه الأفعالَ، لا لمن لا يُطيقُ نفعًا ولا ضرًّا.\n\n<span id=\"aya-3014\"></span>وقيل: إِنَّ إبراهيم صلواتُ اللهِ عليه عَنَى بقوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾: والذي أرجو أن يغفرَ لى قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]. وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]. وقولى لسارة: إنها أُختى\n\n<span data-type='title' id=toc-6635>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) سقط من: م.","vol":"17","page":592},{"text":"في قولِ اللهِ: ﴿أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾. قال: قولُه: ﴿وإِنَّي سَقِيمٌ﴾. وقولُه: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾. وقولَه لسارةَ: إنها أختى. حينَ أراد فرعونٌ مِن الفراعنةِ أن يأخذَها (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾. قال: قولُه: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾. وقولُه: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾. وقولُه لسارةَ: إنها (^٢) أختى. قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ نحوَه.\nويَعْنى بقوله: ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾: يومَ الحسابِ، يومَ المجازاةِ. وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه فيما مضَى (^٣).\n\n<span id=\"aya-3015\"></span><span data-type='title' id=toc-6637>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن مسألة خليلِه إبراهيم إياه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾. يقولُ: رَبِّ هَبْ لى نُبُوَّةً، ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾. يقولُ: واجْعَلني رسولًا إلى خلقِك، حتى تُلحِقَنى بذلك بعِدادِ مَن أرسلتَه من رسلِك إلى خلقِك، واتَّمنتَه على وحيِك، واصطَفيته لنفسك.\n\n<span id=\"aya-3016\"></span>وقولُه: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. يقولُ: واجْعَلْ لى في الناسِ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥١١. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٨٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٩ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، ف.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ١٥٧.","vol":"17","page":593},{"text":"ذكرًا جميلا، وثناء حسنًا، باقيًا في من يجيءُ مِن القرونِ بعدِى.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6638>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن عكرمةَ قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. وقولُه: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٧]. قال: إِنَّ الله فضَّله بالخُلَّةِ حين اتخذَه خليلًا، فسألَ الله فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ حتى لا تكذَّبَنى الأممُ. فأعطاه اللهُ ذلك، فإنَّ اليهودَ آمَنتْ بموسى وكفَرتْ بعيسى، وإنَّ النصارَى آمنْتْ بعيسى وكفَرتْ بمحمدٍ ﷺ، وكلُّهم يتولَّى إبراهيمَ، قالت اليهودُ: هو خليلُ اللهِ وهو منَّا. فقطَع اللهُ ولا يتَهم منه بعدَ ما أقرُّوا له بالنبوّةِ وآمنوا به، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]. ثم الحق ولايتَه بكم فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]. فهذا أجرُه الذي عُجِّل له، وهى الحسنةُ. إذ يقولُ: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [النحل: ١٢٢]. وهو اللسانُ الصِّدْقُ الذي سألَ ربَّه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. قال: اللسانُ الصِّدْقُ الذِّكْرُ الصدقُ، والثناءُ الصالحُ، والذِّكرُ الصالحُ في الآخِرين من الناسِ، مِن الأممِ (^١).\n\n<span id=\"aya-3017\"></span><span data-type='title' id=toc-6639>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٨١، ٢٧٨٢ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"17","page":594},{"text":"كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾.\n\nيَعْنى إبراهيمُ صلواتُ اللهِ عليهِ بقولِه: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾: أورِثْنى يا ربِّ من منازلِ مَن هلَك مِن أعدائِك المشركين بك، من الجنةِ، وأسكنِّى ذلك، ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾.\n\n<span id=\"aya-3018\"></span>يقولُ: واصفحْ لأبي عن شركِه بك، ولا تعاقِبْه عليه؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾. يقولُ: إنه كان ممن ضَلَّ عن سبيلِ الهُدَى، فكفَر بك.\nوقد بيَّنا المعنى الذي مِن أجلِه استغفَر إبراهيمُ لأبيه، واختلافَ أهلِ العلمِ في ذلك، والصوابَ عندَنا من القولِ فيه فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\n\n<span id=\"aya-3019\"></span>وقولُه: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾. يقولُ: ولا تُذِلَّني بعقابِك إيايَ يومَ تَبْعَثُ عبادَك مِن قبورِهم لمَوْقِفِ القيامةِ،\n\n<span id=\"aya-3020\"></span>﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾. يقولُ: لا تُخْزنى يومَ لا ينفعُ مَنْ كَفَر بك وعصَاك في الدنيا مالٌ (^٢) كان له في الدنيا، ولا بنوه الذين كانوا له فيها، فيدفعُ ذلك عنه عقابَ اللَّهِ إِذا عاقبه، ولا يُنجِّيه منه.\n\n<span id=\"aya-3021\"></span>وقولُه: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. يقولُ: ولا تُخْزنى يومَ يُبعثون، يومَ لا ينفعُ إلا القلبُ السليمُ.\nوالذي عُنِى به مِن سلامةِ القلبِ في هذا الموضعِ هو سلامةُ القلبِ من الشكِّ في توحيدِ اللهِ، والبعثِ بعدَ المماتِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٢/ ١٩.\n(^٢) في م: \"ما\".","vol":"17","page":595},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6640>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن عوفٍ (^١)، قال: قلتُ لمحمدٍ: ما القلبُ السليمُ؟ قال: أن يعلمَ أنَّ الله حقٌّ، وأن الساعةَ قائمةٌ، وأنَّ الله يبعثُ مَن في القبورِ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال: لا شكَّ فيه (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال: ليس فيه شكٌّ في الحقِّ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال: سليمٌ من الشركِ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال: سليمٌ من الشركِ، فأمَّا الذنوبُ فليس يَسْلَمُ منها أحدٌ (^٦).\nحدَّثني عمرُو بنُ عبدِ الحميد الآمُليُّ، قال: ثنا مروان بن معاويةَ، عن جُوَيبرٍ عن الضحاكِ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال: هو الخالصُ (^٧).\n_________\n(^١) في م: \"عون\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٨٣ من طريق عوف به\n(^٣) تفسير سفيان ص ٢٢٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٨٣ (١٥٧٣٤).\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٠ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٨٣ من طريق حجاج به.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٤. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٨٣ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٨٣ من طريق مروان بن معاوية به.","vol":"17","page":596},{"text":"<span id=\"aya-3022\"></span><span data-type='title' id=toc-6642>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾.</span>\nيَعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾: وأُدْنِيتِ الجنةُ وقُرِّبَتْ للمتقين، الذين اتقَوْا عقابَ اللهِ في الآخرةِ، بطاعتِهم إياه في الدنيا،\n\n<span id=\"aya-3023\"></span>﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾. يقولُ: وأُظْهِرت النارُ للذين غَوَوْا فَضَلُّوا عن سواءِ السبيلِ.\n\n<span id=\"aya-3024\"></span>وقيل للغاوين: [أينَ الذين] (^١) كنْتُم تَعْبدون من دونِ اللَّهِ من الأنداد؟\n\n<span id=\"aya-3025\"></span>﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ اليومَ مِنَ اللهِ، فينقِذونكم من عذابِه، ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ لأنفسِهم، فيُنَجُّونها مما يُرَادُ بها؟\n\n<span id=\"aya-3026\"></span>وقولُه: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾. يقولُ: فرُمِى ببعضِهم في الجحيمِ على بعضٍ، وطُرح بعضُهم على بعضٍ، مُنْكَبِّين على وجوههِم.\nوأَصلُ \"تُبْكِبوا\": كُبِّبُوا، ولكن الكاف كُرَّرَتْ كما قيل: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة: ٦]. يَعْنى به: صِرَّ. ونَهْنَهنى يُنَهْنِهُنِي. يَعْنى به: نَهَّهَني.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6641>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولهَ: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾. قال: فدُهْوِروا (^٢).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) في م: \"أينما\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٨٥ من طريق حجاج به.\nودهوروا: دهور الحائط: دفعه فسقط، والدهورة: جمعك الشيء وقذفك به في مهواة. اللسان (د هـ ر).","vol":"17","page":597},{"text":"قوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾. يقولُ: فجُمِعوا فيها (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾. قال: طُرِحوا فيها (^٢)\nفتأويلُ الكلام: فكُتبَ هؤلاءِ الأندادُ التي كانت تُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ في الجحيمِ، والغاوون.\nوذكر عن قتادةَ أَنَّه كان يقولُ: الغاوون في هذا الموضعِ الشياطينُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6643>ذكرُ الرواية عمَّن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ في قولِه: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾. قال: الغاوون الشياطينُ (^٣).\nفتأويلُ الكلامِ على هذا القولِ الذي ذكرْنا عن قتادةَ: فكُبْكِب فيها الكفارُ الذين كانوا يَعْبُدون مِن دونِ اللَّهِ الأصنامَ، والشياطينُ.\n\n<span id=\"aya-3027\"></span>وقولُه: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾. يقولُ: وكُبكب فيها مع الأندادِ والغاوِين جنودُ إبليسَ أجمعون. وجنودُه كلُّ مَن كان مِن تُباعِه؛ من ذرِّيته كان أو مِن ذرّيةِ آدمَ.\n\n<span id=\"aya-3028\"></span><span data-type='title' id=toc-6644>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٨٥ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٨٥ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٤. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٨٦ من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":598},{"text":"يقولُ تعالى ذِكرُه: قال هؤلاءِ الغاوون والأندادُ التي كانوا يَعبدونها مِن دونِ اللهِ وجنودُ إبليسَ، وهم في الجحيمِ يختصمون:\n\n<span id=\"aya-3029\"></span>﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: تاللهِ لقد كنَّا في ذهابٍ عن الحقِّ (^١) مُبِينٍ، يَبِينُ ذهابُنا ذلك عنه عن نفسِه، لمن تأمَّله وتدبَّره أنه ضلالٌ وباطلٌ.\n\n<span id=\"aya-3030\"></span>وقولُه: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ الغاوون للذين (^٢) يعبدونهم مِن دونِ اللَّهِ: تاللَّهِ إنْ كنَّا لفى ذهابٍ عن الحقِّ حينَ نعدِلُكم بربِّ العالمين، فنعبُدُكم مِن دونِه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6645>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: لتلك الآلهة.\n\n<span id=\"aya-3031\"></span><span data-type='title' id=toc-6646>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ هؤلاءِ الغاوين في الجحيمِ: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾. يَعْنى بالمجرمين إبليسَ وابنَ آدمَ الذي سَنَّ القتلَ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عكرِمةَ قولَه: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾. قال: إبليسُ وابنُ آدمَ القاتلُ (^٣).\n_________\n(^١) بعده في م، ت ٢، ف: \"إن كنا لفي ضلال\"، وفى ت ١، ت ٢: \"بأن كنا لفي ضلال\"\n(^٢) في ص، ت ١، ف: \"الذين\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩١ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"17","page":599},{"text":"<span id=\"aya-3032\"></span>وقولُه: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾. يقولُ: فليس لنا شافعٌ يشفَعُ لنا عندَ اللَّهِ مِن الأباعدِ فيعفوَ عنا ويُنجِّيَنا من عقابِه،\n\n<span id=\"aya-3033\"></span>﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾، من الأقاربِ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنوا بالشافعين وبالصديقِ الحميمِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بالشافعين الملائكةُ، وبالصديقِ الحميم النَّسِيبُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6647>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيج: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾. قال: مِن الملائكةِ، ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ قال: مِن الناسِ (^١). قال مجاهدٌ: ﴿صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾. قال: شَفيقٍ (^٢).\nوقال آخرون: كلُّ هؤلاء من بني آدمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6648>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني زكَريا بنُ يحيى بن أبى زائدةً، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سعيد البصريُّ المِسْمَعيُّ، عن أخيه يحيى بن سعيدٍ المِسمَعيِّ، قال: كان قتَادةُ إذا قرَأ: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾. قال: يَعْلَمون واللهِ أنَّ الصديق إذا كان صالحًا نفَع، وأن الحميمَ إذا كان صالحًا شفَع (^٣).\n\n<span id=\"aya-3034\"></span>وقولُه: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقولُ: فلو أنَّ لنا رجعةً إلى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩١ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) في م، ت ٢، وتفسير ابن أبي حاتم: \"شقيق\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٨٦ من طريق حجاج به.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ١٦٠.","vol":"17","page":600},{"text":"الدنيا فنؤمنَ باللَّهِ، فنكونَ [بإيماننا به] (^١) من المؤمنين.\n\n<span id=\"aya-3035\"></span><span data-type='title' id=toc-6649>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: إنَّ فيما احتجَّ به إبراهيمُ على قومِه من الحُجَجِ التي ذكَرنا له، لدَلالةً بينةً [وعبرةً] (^٢) واضحةً لمن اعتَبر، على أنَّ سنةَ اللَّهِ في خلقِه الذين يستَنُّون بسُنَّةِ قومِ إبراهيمَ من عبادةِ الأصنامِ والآلهةِ، ويقتَدون بهم في ذلك - ما سنَّ فيهم في الدارِ الآخرِة، من كَبْكَبَتِهم وما عبَدوا مِن دونِه مع جنودِ إبليسَ في الجحيمِ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ في سابقِ علمهِ ﴿مُؤْمِنِينَ﴾،\n\n<span id=\"aya-3036\"></span>إِنَّ رَبَّك يا محمدُ لهو الشديدُ الانتقامِ ممن عبَد من (^٣) دونَه، ثم لم يَتُبْ من كفرِه حتى هلَك، الرحيمُ بمن تاب منهم أن يعاقبَه على ما كان سلَف منه قبلَ توبته مِن إثمٍ وجُرمٍ.\n\n<span id=\"aya-3037\"></span><span data-type='title' id=toc-6650>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبَتْ قوم نوح رسلَ اللَّهِ الذين أرسلَهم إليهم لما قال لهم أخوهم نوحٌ:\n\n<span id=\"aya-3038\"></span>ألا تتَّقون فتحذروا عقابَه على كفرِكم به، وتكذيبِكم رسلَه،\n\n<span id=\"aya-3039\"></span>إنى لكم رسولٌ من الله، أمينٌ على وحيِه إليَّ، برسالتِه إياىَ إليكم.\n\n<span id=\"aya-3040\"></span><span data-type='title' id=toc-6651>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"بإيمانه\".\n(^٢) سقط من: م، ت ٢.\n(^٣) سقط من: م، ت ٢.","vol":"17","page":601},{"text":"<span id=\"aya-3041\"></span>يقولُ تعالى ذكرُه: فاتقُوا عِقَابَ اللَّهِ أَيُّها القومُ على كفرِكم به، وأطيعوني في نصيحتي لكم، وأمرى إياكم باتِّقائِه، ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾. يقولُ: وما أطلب منكم على نصيحتي لكم وأمرى إياكم باتِّقاءِ عقابِ اللهِ، بطاعتِه فيما أمرَكم ونهاكم - مِن ثوابٍ ولا جزاءٍ، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ دونَكم ودونَ جميعِ خلقِ اللهِ،\n\n<span id=\"aya-3042\"></span>فاتقوا عقابَ اللهِ على كفرِكم به، وخافوا حلولَ سخطِه بكم، على تكذيبِكم رسلَه ﴿وَأَطِيعُونِ﴾. يقولُ: وأطيعوني في نصيحتي لكم، وأمرى إياكم بإخلاصِ العبادةِ لخالقكِم.\n\n<span id=\"aya-3043\"></span><span data-type='title' id=toc-6652>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ نوحٍ له، مُجِيبيه عن قيلِه لهم: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. قالوا: أنؤمنُ لك يا نوحُ، ونُقِرُّ بتصديقك فيما تدعونا إليه، وإنما اتبَعَك منا الأَرْذَلون، دونَ ذوى (^١) الشرفِ وأهلِ البيوتاتِ؟\n\n<span id=\"aya-3044\"></span>﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [قال نوحٌ لقومه: وما علمى بما كان أتباعى يعملون] (^٢)، إنَّما لى منهم ظاهرُ أمرِهم دونَ باطنِه، ولم أُكَلَّفْ عِلْمَ باطنهم، وإنما كُلِّفتُ الظاهرَ، فمن أظهر حسنًا، ظننتُ به حسنًا، ومن أظهر سيِّئًا، ظننتُ به سَيِّئًا،\n\n<span id=\"aya-3045\"></span>﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: إن حسابُ باطنِ أمرِهم الذي خَفِى عنى إلا على ربِّي لو تشعرون، فإنَّه يعلم سر أمرهم وعلانيته.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ت ٢، ف: \"أهل\".\n(^٢) سقط من: ت ٢، ف.","vol":"17","page":602},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6653>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيج قولَه ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾. قال: هو أعلمُ بما في نفوسِهم (^١).\n\n<span id=\"aya-3046\"></span><span data-type='title' id=toc-6654>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه مخبرًا عن قيلِ نوحٍ لقومِه: وما أنا بطاردِ مَن آمن باللَّهِ وَاتَّبعنى على التصديقِ بما جئتُ به مِن عندِ اللهِ،\n\n<span id=\"aya-3047\"></span>﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ: ما أنا إلا نذيرٌ لكم مِن عندِ ربِّكم، أُنْذِرُكم بأسَه وسطوتَه على كفرِكم به، ﴿مُبِينٌ﴾. يقولُ: نذيرٌ قد أبانَ لكم إنذارَه، ولم يكتُمْكم نصيحته.\n\n<span id=\"aya-3048\"></span>﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾. يقولُ: قال لنوحٍ قومُه: لئن لم تَنْتَه يا نوحُ عما تقولُ وتدعو إليه وتَعِيبُ به آلهتنا، لتكونَنَّ مِن المشتومين. يقولُ: لنشتُمَنَّك.\n\n<span id=\"aya-3049\"></span><span data-type='title' id=toc-6655>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال نوحٌ: ربِّ إن قومى كذَّبوني فيما أتيتُهم به من الحقِّ مِن عندِك، وردُّوا عليَّ نصيحتي لهم،\n\n<span id=\"aya-3050\"></span>﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾. يقولُ: فاحكُمْ بينى وبينَهم حكمًا [من عندك] (^٢)، تُهلكُ به المُبطلَ، وتنتقمُ به ممَّن كفرَ بك، وجحَد توحيدَك، وكذَّب رسولَك.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩١ إلى ابن المنذر\n(^٢) سقط من: ت ٢، ف.","vol":"17","page":603},{"text":"كما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾. قال: فاقضِ بينى وبينَهم قضاءً (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾. قال: يقولُ: اقضِ بينى وبينَهم (^٢).\n\n﴿وَنَجِّنِي﴾: يقولُ: ونجنى من ذلك العذابِ الذي تأتى به حكمًا بيني وبينَهم، ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: والذين معى مِن أهلِ الإيمانِ بك، والتصديقِ بي (^٣).\n\n<span id=\"aya-3051\"></span>وقولُه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. يقولُ: فأنجينا نوحًا ومَن معه مِن المؤمنين، حينَ فَتَحنا بينهم وبينَ قومِهم، وأنزَلْنا بأسَنا بالقومِ الكافِرِين، ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ يَعْنى: في السفينةِ المُوقَرةِ المملوءةِ.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في [تأويلِ قولِه: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾] (^٤)، قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6656>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. قال: يَعْنى المُوقَرَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ القزازُ، قال: ثنا الحسينُ بن الحسنِ الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدَينَةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿الْمَشْحُونِ﴾:\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٤. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٩٠ من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٩١/ ٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره معلقا ٨/ ٢٧٩٠.\n(^٣) في م، ف: \"لى\"\n(^٤) في ت ٢، ف: \"ذلك\".","vol":"17","page":604},{"text":"الموقَرِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. قال: المفروغِ منه المملوءِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿الْمَشْحُونِ﴾: المفروغِ منه تحميلًا.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ في قولِ اللهِ: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. قال: هو المُحَمَّلُ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3052\"></span>وقولُه: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [يقولُ: ثم أغْرَقْنا بعد إنجائناه والمؤمنين معه، الباقين] (^٤) مِن قومِه الذين كذَّبوه وردُّوا عليه النصيحةَ.\n\n<span id=\"aya-3053\"></span><span data-type='title' id=toc-6657>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: إنّ فيما فعَلْنا يا محمدُ بنوحٍ ومَن معه مِن المؤمنين في الفلكِ المشحونِ، حينَ أنزَلْنا بأسَنا وسطوتَنا بقومِه الذين كذَّبوه - لآيةً لك ولقومِك المصدِّقيك منهم والمكذِّبيك، في أن سُنَّتَنا تنجيهُ رسلِنا وأتباعِهم، إذا نزَلت نقمتُنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٩١ من طريق عطاء به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩١ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥١٢. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٩٢. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩١ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق، ٢/ ٧٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) زيادة يقتضيها السياق.","vol":"17","page":605},{"text":"بالمكذِّبين بهم مِن قومِهم (^١)، وإهلاكُ المكذِّبين باللهِ، وذلك (^٢) سُنَّتى فيك وفى قومِك. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3054\"></span>يقولُ: ولم يكنْ أكثرُ قومِك بالذين يصدِّقونك؛ لِما سبَق في قضاءِ اللهِ أنَّهم لن يؤمنوا. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ في انتقامِه ممن كفَر به وخالَف أمرَه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ الله بالتائبِ منهم أن يعاقبَه بعدَ توبتِه.\n\n<span id=\"aya-3055\"></span><span data-type='title' id=toc-6658>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: كذَّبَت عادٌ رُسُلَ اللهِ إليهم،\n\n<span id=\"aya-3056\"></span>﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ عقابَ اللهِ على كفرِكم به، إنى لكم رسولٌ مِن ربِّي، يأمُرُكم (^٣) بطاعتِه، ويُحذِّرُكم (^٤) على كفرِكم بأسَه،\n\n<span id=\"aya-3057\"></span>أمينٌ على وَحْيِه ورسالتِه،\n\n<span id=\"aya-3058\"></span>فاتَّقوا الله بطاعتِه والانتهاءِ إلى ما يأمُرُكم وَينْهاكم، وأطيعوني فيما آمُرُكم به مِن اتقاءِ اللهِ وتَحذيرِكم سَطُوتَه،\n\n<span id=\"aya-3059\"></span>﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾. يقولُ: وما أطلُبُ منكم على (^٥) أمرِى إياكم باتِّقاءِ اللهِ جزاءً ولا ثوابًا، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: ما جَزائى وثَوابى على نَصِيحتِى إياكم إلا على ربِّ العالمين.\n\n<span id=\"aya-3060\"></span><span data-type='title' id=toc-6659>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قِيلِ هودٍ لقومِه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾. والرِّيعُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قومك\".\n(^٢) في م: \"كذلك\".\n(^٣) في ت ١: \"آمركم\".\n(^٤) في ت ١: \"أحذركم\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ٢.","vol":"17","page":606},{"text":"كلُّ مكانٍ مُشْرِفٍ مِن الأَرضِ مرتفعٍ، أو طريقٍ، أو وادٍ. ومنه قول ذى الرُّمَّةِ (^١):\nطِرَاقُ (^٢) الخَوافي (^٣) مُشْرِفٌ فوقَ ريْعَةٍ … نَدَى لَيْلِه في رِيشِه يَتَرَقْرَقُ (^٤)\nوقولُ الأعْشَى (^٥):\nويَهْمَاءَ (^٦) قَفْرٍ تَجَاوَزْتُها … إِذَا خَبَّ (^٧) فِي ريعِها آلُهَا (^٨)\nوفيه لغتانِ: رِيعٌ ورَيْعٌ، بكسرِ الراءِ وفتحِها\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6660>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾. يقولُ: بكلِّ شَرَفٍ (^٩).\n_________\n(^١) ديوانه ١/ ٤٨٨، وفيه: \"واقع\" بدلا من: \"مشرف\".\n(^٢) طراق: أي بعضه على بعض. المصدر السابق.\n(^٣) الخوافي: ما دون القوادم من جناح الطائر. المصدر السابق ص ٤٨٩. والقوادم: أربع ريشات في مقدم الجناح، وقيل غير ذلك. ينظر اللسان (ق د م).\n(^٤) يترقرق: يجئ ويذهب. الديوان ص ٤٨٩.\n(^٥) ديوانه ص ١٦٣، وروايته هكذا:\nوأبيض كالنجم آخيته … وبيداء مطرد آلها\nقطعت إذا خب ريعانها … ونطق بالهول أغفالها\n(^٦) اليهماء: مفازة لا ماء فيها ولا يسمع فيها صوت. اللسان (ى هـ م).\n(^٧) خب: ارتفع وطال. اللسان (خ ب ب).\n(^٨) الآل: السراب. اللسان (أول).\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٧٩٣ من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩١ إلى ابن المنذر.","vol":"17","page":607},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾. قال: فَجٍّ (^١).\nحَّدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾. قال: بكلِّ طريق (^٢).\nحدَّثني سليمانُ بنُ عُبَيدِ اللهِ الغَيْلانيُّ، قال: ثنا أبو قُتَيبةَ، قال: ثنا مسلمُ بنُ خالدٍ، قال: ثنا ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾. قال: الرِّيعُ الثَّنِيَّةُ الصغيرةُ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ حسانٍ، عن مسلمٍ بن خالدٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال عكرمةُ: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾. قال (^٤): فَجٍّ ووادٍ.\nقال: وقال مجاهدٌ: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾: بينَ جبلَين (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥١٢ ومن طريقه الفريابي في تفسيره - كما في التغليق ٤/ ٢٧٢ - وابن أبي حاتم في تفسيره، ٩/ ٢٧٩٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩١ إلى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٧٩٣ عن محمد بن سعد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٧٩٣ من طريق مسلم بن خالد به.\n(^٤) بعده في ت ٢، ف: \"بكل\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٧٩٣ من طريق حجاج به.","vol":"17","page":608},{"text":"قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾. قال: شَرَفٍ ومنظرٍ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾. قال: بكلِّ طريقٍ (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾: بكلِّ طريقٍ (^٢).\nويعنى بقولِه: ﴿آيَةً﴾: بُنْيانًا، عَلَمًا.\nوقد بَيَّنَّا في غيرِ موضعٍ من كتابِنا هذا أن الآيةَ هي الدلالةُ والعلامةُ، بالشواهدِ المُغْنِيةِ عن إعادتِها في هذا الموضعِ (^٣).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في ألفاظِهم في تأويلِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6661>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾. قال: الآيةُ عَلَمٌ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق، ٢/ ٧٤ وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٧٩٣ من طريق همام عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ١٢٢.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ١٠٤، ٢/ ٢٩.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩١ إلى المصنف.","vol":"17","page":609},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾. قال: ﴿آيَةً﴾: بنيانٌ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿آيَةً﴾: بنيانٌ.\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه ﴿بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾. قال: بنيانُ الحمامِ.\nوقولِه: ﴿تَعْبَثُونَ﴾. قال: تلعَبون.\nوبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6662>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿تَعْبَثُونَ﴾. قال: تلعَبون (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿تَعْبَثُونَ﴾. قال: تلعَبون (^٣).\n\n<span id=\"aya-3061\"></span>وقولُه: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في معنى المصانعِ؛ فقال بعضُهم: هي قصورٌ مُشَيَّدةٌ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٦٠٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٧٩٤ من طريق محمد بن سعد به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩١ إلى المصنف.","vol":"17","page":610},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6663>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾. قال: قصورٌ مُشَيَّدةٌ، وبنيانٌ مُخَلَّدٌ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَصَانِعَ﴾: قصورٌ مُشَيَّدةٌ وبنيانٌ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿مَصَانِعَ﴾. يقولُ: حصونٌ وقصورٌ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ حسانَ، عن مسلمٍ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخلُدُونَ﴾. قال: أبْرِجةُ الحمامِ (^٣).\nوقال آخرون: بل هي مآخِذُ للماءٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6664>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَصَانِعَ﴾. قال: مآخِذُ للماءِ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥١٢ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٧٩٤. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩١ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٧٩٤ من طريق مسلم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق، ٢/ ٧٤ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٧٩٥. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":611},{"text":"قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك، أن يقالَ: إن المصانعَ جمعُ مَصْنَعةٍ. والعربُ تُسَمِّى كُلَّ بناءٍ مَصْنَعةً، وجائزٌ أن يكونَ ذلك البناءُ كان قصورًا وحُصُونًا مُشَيَّدةً، وجائزٌ أن يكونَ كان مآخِذَ للماءِ، ولا خبرَ يَقْطَعُ العُذْرَ بأيِّ ذلك كان، ولا هو مما يُدْرَكُ مِن جهةِ العقلِ. فالصوابُ أن يقالَ فيه ما قال اللهُ: إنهم كانوا يَتَّخِذون مصانعَ.\nوقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾. يقولُ: كأنكم تخلُدُون فتَبْقَون في الأرضِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6665>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ يقولُ: كأنكم تَخْلُدون (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: في بعضِ الحروفِ: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ (^٢).\nوكان ابن زيدٍ يقولُ: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ في هذا الموضعِ استفهامٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6666>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٧٩٥ من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٤. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٧٩٥ من طريق سعيد، عن قتادة وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":612},{"text":"﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾. قال: هذا استفهامٌ، يقول: لعلكم تخلُدون حينَ تَبْنُون هذه الأشياءِ (^١)؟\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ (^٢) يزعُمُ أن ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ في هذا الموضعِ بمعنى: \"كيما\".\n\n<span id=\"aya-3062\"></span>وقولُه: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾. يقولُ: وإذا سَطَوْتُم سَطَوْتُم قتلًا بالسيوفِ، وضَرْبًا بالسِّياطِ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾. قال: القتلُ بالسيفِ والسِّياطِ.\n\n<span id=\"aya-3063\"></span><span data-type='title' id=toc-6667>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخبرًا عن قِيلِ هودٍ لقومِه مِن عادٍ: اتَّقُوا عقابَ اللهِ أَيُّها القومُ، بطاعتِكم إياه فيما أمَركم ونَهاكم، وانْتَهُوا عن اللَّهْوِ واللَّعِبِ وظُلْمِ الناسِ وقَهْرِهم بالغَلَبةِ والفسادِ في الأرضِ،\n\n<span id=\"aya-3064\"></span>واحْذَروا سَخَطَ الذي أعْطاكم مِن عندِه ما تعلَمون،\n\n<span id=\"aya-3065\"></span>وأعانَكم به؛ من بين المواشى والبنين\n\n<span id=\"aya-3066\"></span>والبساتينِ والأنهارِ.\n\n<span id=\"aya-3067\"></span>﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ﴾ مِن اللهِ ﴿عَظِيمٍ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٧٩٥ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٨١.","vol":"17","page":613},{"text":"<span id=\"aya-3068\"></span><span data-type='title' id=toc-6669>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قالت عادٌ لنبيِّهم هودٍ ﵇: مُعْتَدِلٌ عندَنا وَعْظُك إيَّانا وتَرْكُك الوَعْظَ، فلن نؤمنَ لك، ولن نُصَدَّقَك على ما جِئْتَنا به.\n\n<span id=\"aya-3069\"></span>وقولُه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ سوى أبى جعفرٍ، وعامةُ قرأةِ الكوفةِ المتأخرِين منهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ (^١). بضمِّ الخاءِ واللامِ، بمعنى: ما هذا الذي تفعلُه إلا عادةُ الأولين مِن قبلِنا.\nوقرَأ ذلك أبو جعفرٍ وأبو عمرِو بنُ العلاءِ: (إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ) (^٢). بفتحِ الخاءِ وتسكينِ اللامِ، بمعنى: ما هذا الذي جئتَنا به إلا كَذِبُ الأَوَّلين وأحاديثُهم.\nواختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك نحوَ اختلافِ القرأةِ في قراءتِه؛ فقال بعضُهم: معناه: ما هذا إلا دِينُ الأوَّلين وعادتُهم وأخلاقُهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-6668>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: دِينُ الأوَّلين (^٣).\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة وخلف. النشر ٢/ ٢٥٢.\n(^٢) وبها قرأ ابن كثير والكسائى ويعقوب. المصدر السابق.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٧٩٧ من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور=","vol":"17","page":614},{"text":"حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: هكذا خِلْقَةُ الأَوَّلين، وهكذا كانوا يَحْيَوْن ويَموتُون (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ما هذا إلا كَذِبُ الأوَّلين وأساطيرُهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-6670>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: أساطيرُ الأوَّلين (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: كَذِبُهم (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: إنْ هذا إلا أمرُ الأوَّلين، وأساطيرُ الأوَّلين اكْتَتَبَها، فهي تُمْلَى\n_________\n= ٥/ ٩١ إلى ابن المنذر.\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٧٩٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٧٩٧ عن محمد بن سعد به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥١٢. ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٧٩٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٢ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ابن المنذر.","vol":"17","page":615},{"text":"عليه بكرةً وأصيلًا.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن عَلْقمةَ، عن ابن مسعودٍ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: إِنْ هذا إلا اختلاقُ الأوَّلين.\nقال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ أنه كان يقرأُ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. ويقولُ: شيء اختَلَقوه (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، قال: قال علقمةُ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: اخْتلاقُ الأَوَّلين.\nوأَولى القراءتَين في ذلك بالصوابِ قراءةُ من قرَأه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ بضَمِّ الخاءِ واللامِ، بمعنى: إنْ هذا إلا عادةُ الأوَّلين ودينُهم. كما قال ابن عباسٍ؛ لأنهم إنما عُوتِبوا على البنيانِ الذي كانوا يَتَّخِذونه، وبَطْشِهم بالناسِ بطشَ الجبابرةِ، وقلةِ شُكْرِهم ربَّهم فيما أنعمَ عليهم، فأجابوا نبيَّهم بأنهم يفْعَلون ما يفْعَلون مِن ذلك، احْتذاءٍ منهم سُنَّةَ مَن قبلَهم مِن الأممِ، واقْتفاءً منهم آثارَهم، فقالوا: ما هذا الذي نَفْعَلُه، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. يَعْنون بالخُلُقِ عادةَ الأَوَّلين. ويزيدُ ذلك بيانًا وتصْحيحًا لما اخْتَرْنا مِن القراءةِ والتأويلِ، قولُهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾؛ لأنهم\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور ٥/ ٩١، ٩٢ - ومن طريقه الطبراني (٨٦٧٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٧٩٧ من طريق يزيد بن هارون به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":616},{"text":"<span id=\"aya-3070\"></span>لو كانوا لا يُقِرُّون بأن لهم ربًّا يَقْدِرُ على تعذيبِهم، ما قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، بل كانوا يقولون: إنْ هذا الذي جئتَنا به يا هودُ إلا خَلْقُ الأَوَّلين، وما لنا مِن مُعَذِّبٍ يُعذِّبُنا. ولكنهم كانوا مُقِرِّين بالصانعِ، ويعبُدون الآلهةَ على نحوِ ما كان مُشركو العرب يَعْبُدونها، ويقولون: إنها تُقَرِّبُنا إلى اللهِ زُلْفَى. فلذلك قالوا لهودٍ وهم منكرون نُبُوَّتَه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ ثم قالوا له: ما هذا الذي نفعلُه إلا عادةُ مَن قَبْلَنا وأخلاقُهم، وما اللهُ مُعَذِّبَنا عليه. كما أخبَرنا تعالى ذكرُه عن الأممِ الخاليةِ قبلَنا أنهم كانوا يقولون لرُسُلِهِم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣].\n\n<span id=\"aya-3071\"></span><span data-type='title' id=toc-6671>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فكذَّبَت عادٌ رسولَ ربِّهم هُودًا. والهاءُ في قولِه: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ مِن ذكرِ هودٍ ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾. يقولُ: فَأَهْلَكْنا عادًا بتكْذيبِهم رسولَنا، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ فِي إِهْلاكِنا عادًا بتكذيبِها رسولَها، لعبرةً وعظةً (^١) لقومِك يا محمدُ، المُكَذِّبِيك فيما أتيتَهم به مِن عندِ ربِّك، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وما كان أكثرُ مَن أهْلَكنا، بالذين يؤمِنون في سابقِ علمِ اللهِ،\n\n<span id=\"aya-3072\"></span>﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ في انتقامِه مِن أعدائِه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين به.\n\n<span id=\"aya-3073\"></span><span data-type='title' id=toc-6672>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ</span>\n_________\n(^١) في م: \"موعظة\".","vol":"17","page":617},{"text":"صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبَتْ ثمودُ رسلَ اللهِ،\n\n<span id=\"aya-3074\"></span>إذ دعاهم صالحٌ أخوهم إلى اللهِ، فقال لهم: ألا تتَّقون عقابَ اللهِ يا قومِ على معصيتِكم إياه، وخلافِكم أمْرَه، بطاعتِكم أمرَ المفسدين في أرضِ اللهِ،\n\n<span id=\"aya-3075\"></span>إنى لكم رسولٌ من اللهِ أرسلَنى إليكم بتحذيرِكم عقوبتَه على خلافكم أمرَه، أمينٌ على رسالتِه التي أرسلَها معى إليكم (^١).\n\n<span id=\"aya-3076\"></span>فاتَّقوا الله أَيُّها القومُ، واحذرُوا عقابَه، وأطيعوني في تحذيرِى إيَّاكم، وأمرِ ربِّكم، باتباعِ طاعتِه، ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر﴾.\n\n<span id=\"aya-3077\"></span>يقولُ: وما أسألُكم على نُصحى إيَّاكم وإنذارِكم، من جزاءٍ ولا ثوابٍ، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: إِنْ جزائي (^٢) وثوابي إلَّا على ربِّ جميعِ ما في السماواتِ وما في الأرضِ، وما بينَهما من خلْقٍ.\n\n<span id=\"aya-3078\"></span><span data-type='title' id=toc-6673>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (^٣) (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُهُ مخبرًا عن قيلِ صالحٍ لقومِه من ثمودَ: أيَتْركُكم يا قومِ ربُّكم في هذه الدنيا آمِنين، لا تخافون شيئًا،\n\n<span id=\"aya-3079\"></span>﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾. يقولُ: في بساتينَ وعيونِ ماءٍ،\n\n<span id=\"aya-3080\"></span>﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾: يعنى بالطَّلعِ الكُفُرَّى (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"إليهم\".\n(^٢) في ت ٢، ف: \"أجرى\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"فرهين\". وهما قراءتان سيذكرهما المصنف في ص ٦٢١.\n(^٤) الكفرى: هو ما يبدو من ثمرة النخيل في أول ظهورها، وقشره. ينظر التاج (ط ل ع).","vol":"17","page":618},{"text":"واختلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿هَضِيمٌ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: اليانعُ النضيجُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6674>ذكرُ مَنْ قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. يقولُ: أَيْنَعَ وبلَغ، فهو هضيمٌ.\nوقال آخرون: بل هو المتَهشِّم المتفتِّتُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6675>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. قال محمدُ بنُ عمرٍو في حديثِه: تهشَّم هشيمًا. وقال الحارثُ: تهشَّم تهشُّمًا (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سمِعتُ عبد الكريمِ يقولُ: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. قال: حينَ تَطْلُعُ يَقْبِضُ عليه فيَهْضِمُه. قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ:\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"تهشيما\".\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٥١٢، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٢٧٢ - وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٠٢. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"17","page":619},{"text":"إذا مُسَّ تَهَشَّم وتفَتَّت. قال: هو مِن الرُّطَب هضيمٌ، تَقْبِضُ عليه فتَهْضِمُهُ (^١).\nوقال آخرون: هو الرَّطَبُ الليِّنُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6676>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. قال: الهضيمُ الرَّطْبُ الليِّنُ (^٢).\nوقال آخرون: هو الراكبُ بعضُه بعضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6677>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾: إذا كثُر حَمْلُ النخلةِ، فركِب بعضُه (^٣) بعضًا، حتى نقَص بعضُه (٢) بعضًا، فهو حينَئِذٍ هَضيمٌ (^٤).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إنَّ الهضيمَ هو المُنْكَسِرُ من لينِه ورُطوبتِه، وذلك من قولِهم: هضَم فلانٌ فلانًا (^٥) حقَّه. إذا انْتَقَصه وتحَيَّفه، فكذلك الهَضْمُ في الطَّلْعِ، إنما هو التنقُّصُ منه مِن رطوبتِه ولينِه، إما بمسِّ الأيدى، وإما بركوبِ بعضِه بعضًا، وأصلُه \"مفعولٌ\"، صُرِف إلى \"فعيلٍ\".\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٠٢ من طريق حجاج به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٠١ من طريق أبى الأحوص به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٢ إلى سعيد بن منصور.\n(^٣) في ص، م، ت ١: \"بعضها\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٠٢ من طريق أبي معاذ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"17","page":620},{"text":"<span id=\"aya-3081\"></span>وقوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وتَتَّخِذون مِن الجبالِ بيوتًا.\nفاخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَارِهِينَ﴾؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿فَارِهِينَ﴾ (^١) بمعنى: حاذِقين بنحتِها.\nوقرأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: (فَرِهِين) بغيرِ ألفٍ (^٢)، بمعنى: أَشِرِين بَطِرِين.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك على نحوِ اختلافِ القرأةِ في قراءتِه؛ فقال بعضُهم: معنى ﴿فَارِهِينَ﴾: حاذِقِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-6678>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عَثَّامٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ وعبدِ اللهِ بن شَدَّادٍ: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾. قال أحدُهما: حاذِقين. وقال الآخرُ: يَتَجَبَّرون (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مَرْوانُ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾. قال: حاذِقين بنحتِها.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَارِهِينَ﴾. يقولُ: حاذِقين (^٤).\n_________\n(^١) هي قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ٤٧٢.\n(^٢) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ونافع. المصدر السابق.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٠٢ من طريق إسماعيل بن أبي خالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٢ إلى الفريابي عن أبي صالح، وإلى الفريابي وعبد بن حميد عن عبد الله بن شداد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٠٢ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور =","vol":"17","page":621},{"text":"وقال آخرون: معنى ﴿فَارِهِينَ﴾: مُسْتَفْرِهِين مُتَجَبِّرين.\n\n<span data-type='title' id=toc-6679>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، [قال: ثنا سفيانُ] (^١)، عن السديِّ، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادٍ في قولِه: ﴿فَرِهِينَ﴾. قال: يَتَجَبَّرون.\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ ﴿فَارِهِينَ﴾.\nوقال آخرون ممن قرَأه: ﴿فَارِهِينَ﴾: معنى ذلك: كَيِّسِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-6680>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَارِهِينَ﴾. قال: كيِّسين (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ، أنه قرأَ: ﴿فَارِهِينَ﴾. قال: كيِّسِين.\nوقال آخرون: (فَرِهين): أَشِرِين.\n\n<span data-type='title' id=toc-6681>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾. قال: أَشِرِين، ويقالُ: كيِّسين (^٣).\n_________\n= ٥/ ٩٢ إلى ابن المنذر.\n(^١) سقط من: ت ٢، ف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٠٣ من طريق جويير، عن الضحاك.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٠٣ عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور =","vol":"17","page":622},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾. قال: شَرِهين (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه.\nوقال آخرون: معنى ذلك: أقوياءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6682>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِين). قال: الفَرِهُ القويُّ (^٢).\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا به الحسنُ، قال: أخبّرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: (فَرِهين). قال: مُعْجَبِين بصنعتِكم (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن قراءةَ مَن قرَأه: ﴿فَارِهِينَ﴾ وقراءةَ من قرَأه: (فَرِهين) قراءتان معروفتان، مُسْتَفِيضةٌ القراءةُ بكلِّ واحدةٍ منهما في علماءِ القرأةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n_________\n= ٥/ ٩٢ إلى عبد بن حميد.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٠٢ من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ٨/ ٤٥، والقرطبي في تفسيره ١٣/ ١٢٩.\n(^٣) في م، ت ١: \"بصنيعكم\".\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق، ٢/ ٧٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٠٣ من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":623},{"text":"ومعنى قراءةِ منَ قرَأه: ﴿فَارِهِينَ﴾: حاذِقين بنحتِها، مُتَخَيِّرين لمواضعِ نحتِها، كيِّسين. مِن الفَراهةِ.\nومعنى قراءةِ مَن قرَأه: (فَرِهين): مَرِحين أَشِرِين. وقد يَجوزُ أن يكونَ معنى \"فارِهِ\" و\"فَرِهٍ\" واحدًا، فيكونَ \"فارهٌ\" (^١) مبنيًّا على بيانِه (^٢)، وأصلُه من \"فَعِلَ\" \"يَفْعَلُ\"، ويكونَ \"فَرِهٌ\" صفةً، كما يقالُ: فلانٌ حاذقٌ بهذا الأمرِ، وحَذِقٌ. ومِن الفارهِ بمعنى المَرِحِ (^٣) قولُ الشاعرِ عديِّ بن وداعٍ (^٤) العُقَويَّ (^٥) مِن الأزْدِ (^٦):\nلا أَسْتَكِينُ إِذا ما أَزْمةٌ أَزَمَتْ … ولن تَرانى بخيرٍ فارِهَ اللَّبَبِ (^٧)\nأي: مرحَ اللَّببِ (^٨).\n\n<span id=\"aya-3082\"></span>وقولُه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاتقُوا عقابَ اللهِ أَيُّها القومُ على معصيتِكم ربَّكم، وخلافِكم أمرَه، وأطِيعوني في نصيحتِي لكم، وإنذارى إياكم عقابَ اللهِ، تَرْشُدوا.\n\n<span id=\"aya-3083\"></span><span data-type='title' id=toc-6683>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ صالحٍ لقومِه من ثمودَ: لا تطيعوا أيُّها القومُ\n_________\n(^١) في م: \"فارما\".\n(^٢) في م: \"بنائه\".\n(^٣) في ت ٢: \"الفره\".\n(^٤) في م واللسان: \"وادع\". وينظر معجم الشعراء ص ٨٥.\n(^٥) في م، واللسان: \"العوفى\". وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن: ٢/ ٨٨ العُقويّ من العقاة بن عمرو بن مالك بن فهم.\n(^٦) البيت في مجاز القرآن، ٢/ ٨٩، واللسان (ف ر هـ).\n(^٧) في م، واللسان: \"الطلب\".\n(^٨) في م: \"الطلب\".","vol":"17","page":624},{"text":"أمرَ المسرفين على أنفسِهم، في تمادِيهم في معصيةِ اللهِ، واجترائِهم على سَخَطِه،\n\n<span id=\"aya-3084\"></span>وهم الرهْطُ التسعةُ الذين كانوا يُفْسِدون في الأرضِ ولا يُصلِحون، من ثمودَ، الذين وصَفهم اللهُ جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨]. يقولُ: الذين يسعَون في أرضِ اللهِ بمعاصيه، ﴿ولا يُصلِحون﴾. يقولُ: ولا يُصلِحون أنفسَهم بالعملِ بطاعةِ اللهِ.\n\n<span id=\"aya-3085\"></span>وقولُه: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضهم: معناه: إنما أنت من المسحورين.\n\n<span data-type='title' id=toc-6684>ذكرُ مَنْ قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾. قال: من المسحورين (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾. قال: إنما أنت من المسحورين (^٢).\nوقال آخرون: معناه: من المخلوقين.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥١٣، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٢٧٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢٨٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٢ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٥، ولفظه: الساحرين. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"17","page":625},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6685>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا موسى بنُ عميرٍ (^١)، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾. قال: من المخلوقين (^٢).\nواختلَف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ في معنى معنى ذلك؛ فكان بعضُ أهل البصرةِ (^٣) يقولُ: كلُّ مَنْ أكَل مِن إنسٍ أو دابةٍ فهو مسحَّرٌ؛ وذلك لأنَّ له سَحْرًا يَقْرِى (^٤) ما أكَل فيه. واستَشهد على ذلك بقولِ لَبيدٍ (^٥):\nفإِنْ تَسْأَلينا فيمَ نَحْنُ فَإِنَّنا … عَصَافِيرُ مِنْ هذا الأنامِ المُسَحَّرِ\nوقال بعضُ نحويِّي الكوفيين (^٦) نحوَ هذا، غيرَ أنه قال: أُخِذ من قولِك: انْتَفَخ سَحْرُك. أي: إِنَّك تأكلُ الطعامَ والشرابَ، فتُسَحَّرُ به وتُعَلَّلُ. وقال: معنى قولِ لبيدٍ: مِن هذا الأنامِ المسحَّرِ: من هذا الأنامِ المعلَّلِ المخدوعِ. قال: ويُروى أن السَّحْرَ (^٧) من ذلك؛ لأنه كالخديعةِ.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندى القولُ الذي ذكرتهُ عن ابن عباسٍ؛ أن معناه: إنما أنتَ من المخلوقين الذين يُعلَّلون بالطعامِ والشرابِ مثلَنا، ولستَ ربًّا ولا\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"عمر\"، وفى م: \"عمرو \"وفى ت ١، ت ٣: \"عمران\". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٦.\n(^٢) أخرجه الخطيب في تاريخه ١٠/ ٤٢٣، وابن عساكر في تاريخه ٢٣/ ٧١ من طريق موسى بن عمير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٨٩، وينظر ما تقدم في ١٤/ ٦١٢، ٦١٣.\n(^٤) أي: يجمع.\n(^٥) تقدم هذا البيت في ١٤/ ٦١٢.\n(^٦) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٨٢.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢: \"الساحر\".","vol":"17","page":626},{"text":"ملَكًا فنُطيعك ونعلمَ أنك صادقٌ فيما تقولُ. والمسحَّرُ: المفعَّلُ من السَّحْرةِ، وهو الذي له سَحْرَةٌ.\n\n<span id=\"aya-3086\"></span><span data-type='title' id=toc-6686>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ ثمودَ لنبيِّها صالحٍ: ﴿مَا أَنْتَ﴾ يا صالحُ ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ من بنى آدمَ، تأكلُ مما نأكل، وتَشْرَبُ مما نَشْربُ، ولستَ بربٍّ ولا ملَكٍ، فعلامَ نَتَّبِعُك؟ فإن كنتَ صادقًا في قيِلك، وأنَّ الله أَرسَلك إلينا، ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾. يعنى: بدلالةٍ وحجةٍ على أنك محقٌّ فيما تقولُ، إن كنتَ ممن صدَقَنا في دعواه أن الله أرسَلَه إلينا.\nوقد حدَّثني أحمدُ بنُ عمرٍو البصريُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ عاصمٍ الكِلابيُّ، قال: ثنا داودُ بنُ أبى الفراتِ، قال: ثنا عِلباءُ بنُ أحمرَ، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ، أن صالحًا النبي ﷺ بعثَه اللهُ إلى قومِه، فآمَنوا به واتبَعوه، فمات صالحٌ، فرَجعوا عن الإسلامِ، فأتاهم صالحٌ فقال لهم: أنا صالحٌ. قالوا: إن كنتَ صادقًا فأتِنا بآيةٍ. فأتاهم بالناقةِ، فكذَّبوه وعقروها، فعذَّبهم الله (^١).\n\n<span id=\"aya-3087\"></span>وقولُه: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. يقول تعالى ذكرُه: قال صالحٌ لثمودَ، لمَّا سألوه آيةً يعلَمون بها صِدْقَه، فأتاهم بناقةٍ أخرَجها من صخرةٍ أو هَضْبةٍ: هذه ناقةٌ يا قومِ، لها شِرْبُ يومٍ ولكم مِثْلُه شِرْبُ يومٍ آخر معلومٍ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١١ من طريق داود بن أبى الفرات به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٢ إلى ابن أبي الدنيا في كتاب \"من عاش بعد الموت\".","vol":"17","page":627},{"text":"ما لكم مِن الشَّرْبِ ليس لكم في يومِ وِرْدِها أن تشربوا من شِرْبِها شيئًا، ولا لها أن تشربِ في يومِكم مما لكم شيئًا.\nويعنى بالشَّرْبِ الحظِّ والنصيبَ من الماءِ. يقولُ: لها حَظَّ مِن الماءِ، ولكم مِثْلُه. والشُّرْبُ والشَّرْبُ والشِّرْبُ مصادرُ كلُّها، بالضمِّ والفتحِ والكسرِ. وقد حُكِى عن العربِ سماعًا: آخِرُها أقلُّها شُرْبًا، وشِرْبًا (^١).\n\n<span id=\"aya-3088\"></span>وقولُه: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾. يقولُ: لا تَمَسُّوها بما يُؤْذِيها مِن عَقْرٍ وقتلٍ ونحوِ ذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6687>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾: لا تَعْقِروها.\nوقولُه: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. يقولُ: فيَحِلَّ بكم مِن اللهِ عَذابُ يومٍ عظيمٍ عذابُه.\n\n<span id=\"aya-3089\"></span><span data-type='title' id=toc-6688>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فخالَفت ثمودُ أمرَ نبيِّها صالحٍ ﷺ فعقروا الناقةَ التي قال لهم صالحٌ: لا تَمَسُّوها بسُوءٍ. فأصبَحوا نادِمِين على عَقْرِهموها، فلم يَنْفَعُهم\n_________\n(^١) هذا مثلٌ، أصله في سقى الإبل؛ لأن المتأخر عن الورود ربما جاء وقد مضى الناس بعفوة الماء، أي صفوته، وربما وافق منه نفادا، فكن في أول من يُورد، فليس تأخير الورد إلا من العجز والذل. مجمع الأمثال ١/ ٦٩.","vol":"17","page":628},{"text":"<span id=\"aya-3090\"></span>نَدَمُهم، وأَخَذَهم عذابُ اللهِ الذي كان صالحٌ تَوَعَّدهم به، فأَهْلَكهم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾. يقولُ: إِنَّ في إهْلاكِ (^١) ثمودَ بما فعَلَت مِن عَقْرِها ناقةَ اللهِ، وخلافِها أمرَ نبيِّ اللهِ صالحٍ - لَعِبْرة لمن اعْتَبَر به يا محمدُ مِن قومِك، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: ولن يؤمنَ أكثرُهم في سابقِ علم اللهِ،\n\n<span id=\"aya-3091\"></span>﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمدُ ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامِه مِن أعدائه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بمَن آمَن به مِن خَلْقِه.\n\n<span id=\"aya-3092\"></span><span data-type='title' id=toc-6689>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبَت قومُ لوطٍ مَن أرسَله اللهُ إليهم مِن الرُّسُلِ،\n\n<span id=\"aya-3093\"></span>حينَ قال لهم أخوهم لوطٌ: ألَا تَتَّقون الله أيُّها القومُ،\n\n<span id=\"aya-3094\"></span>إنى لكم رسولٌ مِن ربِّكم، أمينٌ على وَحْيِه وتَبْليغِ رسالتِه،\n\n<span id=\"aya-3095\"></span>فاتَّقوا الله في أنفسِكم، أن يَحِلَّ بكم عقابُه (^٢) على تَكْذيبِكم رسولَه، وأطيعوني فيما دعَوْتُكم إليه، أهْدِكم سبيلَ الرشادِ،\n\n<span id=\"aya-3096\"></span>﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾. يقولُ: وما أسألُكم على نَصيحتى لكم ودعايتكم (^٣) إلى ربِّى، جزاءً ولا ثوابًا، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: ما جَزائي على دعايتكم (^٣) إلى الله، وعلى نُصْحِى لكم، وتَبليغِ رسالاتِ اللَّهِ إِليكم، ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3097\"></span><span data-type='title' id=toc-6690>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾.</span>\nيعنى بقولِه: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: أتَنْكِحون الذُّكْرانَ مِن بني آدمَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"إهلاكهم\".\n(^٢) في ت ٢: \"عذاب الله\".\n(^٣) في ت ٢: \"دعايتكم\".","vol":"17","page":629},{"text":"في أدبارِهم.\n\n<span id=\"aya-3098\"></span>وقولُه: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾. يقولُ: وتَدَعُون الذي خلَق لكم ربُّكم من أزْواجِكم مِن فُرُوجِهِنَّ، فأحَلَّه لكم. وذُكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (وتَذَرُونَ ما أَصْلَحَ لكم رَبُّكُم مِنْ أَزْوَاجِكم) (^١).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6691>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾. قال: ترَكْتُم أَقبالَ النساءِ إلى أدْبارِ الرجالِ وأدبارِ النساءِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nوقولُه: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾. يقولُ: بل أنتم قومٌ تَتَجاوَزُون (^٣) ما أباحَ لكم ربُّكم وأحَلَّه لكم مِن الفُرُوجِ، إلى ما حرَّم عليكم منها.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾. قال: قومٌ مُعْتَدون (^٤).\n_________\n(^١) مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٠٩.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥١٣، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٠٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٣ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ت ٢، ف: \"تجاوزون\".\n(^٤) في ت ١: \"تعتدون\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٣ إلى ابن المنذر.","vol":"17","page":630},{"text":"<span id=\"aya-3099\"></span><span data-type='title' id=toc-6692>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ لوطٍ له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ﴾ عن نَهْيِنا عن إتيانِ الذكرانِ، ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ مِن بين أَظْهُرِنا وبلدِنا،\n\n<span id=\"aya-3100\"></span>﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾. يقولُ لهم لوطٌ: إنى لعَمَلِكم الذي تعمَلونه؛ مِن إتْيانِ الذكرانِ في أدْبارِهم، ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾. يعنى: مِن المُبْغِضِين، المُنْكِرِين فعلَه.\n\n<span id=\"aya-3101\"></span><span data-type='title' id=toc-6693>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فاستغاث لوطٌ حينَ توعَّدَه قومُه (^١) بالإخراجِ من بلدِهم، إن هو لم يَنْتَهِ عن نَهْيِهم عن ركوبِ الفاحشةِ، فقال:\n\n<span id=\"aya-3102\"></span>ربِّ نجِّني وأهلي مِن عُقُوبَتِك إياهم على ما يعمَلون من إتْيانِ الذُّكْرانِ. فنجَّنياه وأهله مِن عُقُوبتِنا التي عاقَبْنا بها قومَ لوطٍ أجمعين،\n\n<span id=\"aya-3103\"></span>﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾. يعنى: في الباقِين؛ لِطُولِ مرورِ السنينَ (^٢) عليها، فصارتْ هَرِمَةً، فإنها أُهْلِكت من بين أهلِ لوطٍ؛ لأنها كانت تدلُّ قومَها على الأضْيافِ.\nوقد قيل: إنما قيل: ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف:٨٣]. لأنها لم تَهْلِكْ مع قومِها في قريتِهم، وأنها إنما أصابَها الحَجَرُ بعدَ ما خرَجَت من قريتِهم مع لوطٍ وابنتَيه، فكانت مِن الغابرِين بعدَ قومِها، ثم أهلَكها اللهُ بما أمطَر على بَقايا قومِ لوطٍ مِن الحجارةِ.\nوقد بَيَّنَّا ذلك فيما مضَى بشواهدِه المغْنِيةِ عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\n_________\n(^١) بعده في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"به\".\n(^٢) في ص، ت ٢: \"الناس\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١٠/ ٣٠٤ وما بعدها.","vol":"17","page":631},{"text":"<span id=\"aya-3104\"></span><span data-type='title' id=toc-6694>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)﴾.</span>\nيقولُ (^١) تعالى ذكرُه: ثم أهلَكْنا الآخَرِين مِن قومِ لوطٍ بالتَّدْمِيرِ،\n\n<span id=\"aya-3105\"></span>﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾. وذلك إرسالُ اللهِ عليهم حجارةً من سجِّيلٍ من السماءِ، ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾. يقولُ: فبئسَ ذلك المطرُ مطرُ القومِ الذين أنذَرهم نبيُّهم فكذَّبوه،\n\n<span id=\"aya-3106\"></span>﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن في إهْلاكِنا قومَ لوطٍ الهلاكَ الذي وصَفْنا؛ بتَكْذيبِهم رسولَنا، لعبرةً وعظةً (^٢) لقومِك يا محمدُ، يَتَّعِظون بها في تَكْذيبِهم إيَّاك، وردِّهم عليك ما جئتَهم به من عندِ ربِّك من الحقِّ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ سابقِ علمِ اللهِ،\n\n<span id=\"aya-3107\"></span>﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ بمَنْ آمَن به.\n\n<span id=\"aya-3108\"></span><span data-type='title' id=toc-6695>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ [الْأَيْكَةِ﴾. والأَيْكَةُ] (^٣): الشَّجَرُ المُلتَفُّ، وهى واحدةُ الأَيْكِ، وكلُّ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ فهو عندَ العربِ أَيْكَةٌ، ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (^٤):\nتَجْلُو بِقادِمَتَىْ حَمَامَةِ أَيْكَةٍ … بَرَدًا أُسِفَّ لِثَاتُه بالإثْمِدِ\nوأصحابُ الأيْكةِ هم أهلُ مَدْيَنَ فيما ذُكِر.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"يعني\".\n(^٢) في م، ت ١: \"موعظة\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الغيطة و\".\n(^٤) ديوانه ص ٣٦.","vol":"17","page":632},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6696>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، [قال: ثنا أبو صالحٍ] (^١)، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾. يقولُ: أصحابُ الغَيْضَةِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾. قال: الأَيْكَةُ مجمعُ الشجرِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾. قال: أهلُ مَدْيَنَ، والأيكةُ المُلْتَفُّ مِن الشجرِ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾. قال: الأيكةُ الشجرُ (^٥)، بعَث اللهُ إِليهم شُعَيْبًا؛ إلى قومِه (^٦) أهلِ مدينَ وإلى أهلِ الباديةِ. قال: وهم أصحابُ لَيْكَةِ، ولَيْكَةُ والأَيْكَةُ واحدٌ (^٧).\n\n<span id=\"aya-3109\"></span>وقولُه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: حينَ\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"الغيطة\".\nوالأثر ذكره في التغليق ٤/ ٢٧٣ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨١٠ من طريق أبي صالح به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨١٠ عن محمد بن سعد به.\n(^٤) ينظر ما تقدم تخريجه في ١٤/ ١٠١.\n(^٥) بعده في ص، ت ١: \"بعث الله إليهم شعيبا وكانوا أهل بادية\".\n(^٦) بعده في م: \"من\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨١٠ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"17","page":633},{"text":"قال لهم شعيبٌ: ألَا تَتَّقون عقابَ اللهِ على معصيتِكم ربَّكم،\n\n<span id=\"aya-3110\"></span>إنى لكم مِن اللهِ رسولٌ أمينٌ على وَحْيِه،\n\n<span id=\"aya-3111\"></span>فاتَّقُوا عقابَ اللهِ على خلافِكم أمرَه، وأطيعوني تَرْشُدُوا.\n\n<span id=\"aya-3112\"></span>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما أسألكم على نُصْحِى لكم مِن جَزاءٍ ولا ثوابٍ، ما جَزائي وثَوابى على ذلك إلَّا على ربِّ العالمين،\n\n<span id=\"aya-3113\"></span>﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾. يقولُ: أَوْفُوا الناسَ حقوقَهم من الكَيْلِ، ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾. يقولُ: ولا تَكونوا ممن يَنْقُصُهم حقوقَهم.\n\n<span id=\"aya-3114\"></span><span data-type='title' id=toc-6698>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣)﴾.</span>\nيعنى بقولِه: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ﴾: وزِنُوا بالميزانِ المستقيمِ، الذي لا بَخْسَ فيه على مَن وَزَنتُم له،\n\n<span id=\"aya-3115\"></span>﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. يقولُ: ولا تَنْقُصوا الناسَ حقوقَهم في الكَيْلِ والوزنِ، ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: ولا تُكْثِروا في الأرضِ الفسادَ.\nوقد بَّيَّنَّا ذلك كلَّه بشواهدِه، واختلاف أهلِ التأويلِ فيه، فيما مضى، فأغنى ذلك عن إعادتِه في هضا الموضع (^١).\n\n<span id=\"aya-3116\"></span><span data-type='title' id=toc-6699>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾.</span>\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٠/ ٣١٠ وما بعدها.","vol":"17","page":634},{"text":"يقولُ تعالى ذكره: واتَّقوا أيُّها القومُ عقابَ ربِّكم الذي خَلَقَكم وخَلَق الجِبِلَّة الأَوَّلين يعنى بالجِبلَّةِ الخَلْقَ الأوَّلِين.\nوفي الجِبِلَّةِ للعربِ لغتان؛ كسرُ الجيمِ والباءِ وتشديدُ اللامِ، وضَمُّ الجيمِ والباءِ وتشديدُ اللام، فإذا نُزِعَت الهاءُ من آخِرها كان الضمُّ في الجيمِ والباءِ أكثرَ، كما قال جلّ ثناؤُه: (ولقد أضَلَّ منكم جُبُلًا كَثِيرًا) (^١). وربما سَكَّنوا الباءَ من \"الجبل\"، كما قال أبو ذُؤَيبٍ (^٢):\nمَنايا يُقَرِّبْنَ الحُتُوفَ لِأَهْلِها … جهارًا ويَسْتَمْتِعْنَ بالأَنَسِ الجبْلِ\nوبنحوِ ما قلنا في معنى \"الجِبِلَّةِ\" قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6700>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: خَلْقَ الأَوَّلِين (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: الخَلِيقةَ (^٤)\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْجِبِلَّةَ\n_________\n(^١) سيأتي الكلام عن هذه القراءة في ١٩/ ٤٧٢.\n(^٢) ديوان الهذليين ١/ ٣٨.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨١٣ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٣ إلى ابن المنذر.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥١٣، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨١٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٣ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":635},{"text":"الْأَوَّلِينَ﴾. قال: الخَلْق الأَوَّلين؛ الجِبِلَّةُ الخلقُ (^١).\n\n<span id=\"aya-3117\"></span>وقولُه: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾. يقولُ: قالوا: إنما أنت يا شعيبُ مُعَلَّلٌ، تُعَلَّلُ بالطعامِ والشرابِ، كما نُعَلَّلُ بهما، ولستَ مَلَكًا،\n\n<span id=\"aya-3118\"></span>﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ تأكُلُ وتشربُ، ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. يقولُ: ومَا نَحسَبُك فيما تُخبِرُنا وتَدْعونا إليه، إلا ممن يَكْذِبُ فيما يقولُ، [فإن كنتَ صادقًا فيما تقولُ] (^٢) بأنك رسولُ اللهِ كما تزعُمُ،\n\n<span id=\"aya-3119\"></span>(فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسْفًا (^٣) مِنَ السَّمَاءِ). يعنى: قِطَعًا مِن السماءِ. وهى جمعُ كِشفَةٍ، جُمِع كذلك كما تُجمَعُ تمرةٌ تَمْرًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6701>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كِسَفًا﴾. يقولُ: قِطَعًا (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: جانِبًا مِن السماءِ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال: ناحيةً مِن السماءِ، عذابٌ، ذلك الكِسَفُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨١٣ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٢) سقط من: ت ٢، ف.\n(^٣) تقدم الكلام عن هذه القراءة وترجيح المصنف لسكون السين في ١٥/ ٨٠.\n(^٤) تقدم تخريجه في ١٥/ ١٦١، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٢٣/ ٧٥، ٧٦ من طريق آخر عن ابن عباس مطولًا.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨١٤ من طريق أبي معاذ به.","vol":"17","page":636},{"text":"<span id=\"aya-3120\"></span><span data-type='title' id=toc-6703>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال شعيبٌ لقومِه: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: بأعمالِهم، هو بها مُحِيطٌ، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ، وهو مُجازِيكم بها جزاءَكم، ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾. يقولُ: فَكَذَّبه قومُه، ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾. يعنى بالظُّلَّةِ سحابةً ظَلَّلَتْهم (^١)، فلما تَتامُّوا تحتَها، الْتَهَبت عليهم نارًا وأَحْرَقَتْهم. وبذلك جاءتِ الآثارُ.\n\n<span id=\"aya-3121\"></span><span data-type='title' id=toc-6702>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن زيدِ بن مُعاويةَ في قولِه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾. قال: أصابَهم حَرٌّ أَقْلَقَهم في بُيُوتِهم، فنَشَأتْ لهم سحابةٌ كهيئةِ الظُّلَّةِ، فابْتَدَروها، فلما تَنامُّوا تحتَها أَخَذَتْهم الرَّجْفَةُ (^٢).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ في قولِه: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾. قال: كانوا يَحْفِرون الأشرابَ ليَتَبَرَّدوا فيها، فإذا دخَلوها وجَدوها أشدَّ حرًّا من الظاهرِ، وكانت الظُّلَّةُ سَحابةً.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى جريرُ بنُ حازمٍ أنه سمِع قتادةَ يقولُ: بُعِث شعيبٌ إلى أُمَّتَين؛ إلى قومِه أهلُ مَدْيَنَ، وإلى أصحابِ الأَيْكَةِ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"ظلتهم\".\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٢٣/ ٧٧، من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد، عن علقمة قوله. ثم أشار إلى رواية سفيان.","vol":"17","page":637},{"text":"وكانت الأَيْكَةُ مِن شجرٍ مُلْتَفٍّ، فلما أرادَ اللهُ أَن يُعَذِّبَهِم بِعَثَ عليهم حرًّا شديدًا، ورفَع لهم العذابَ كأنه سحابةٌ، فلما دَنَتْ منهم خرَجوا إليها رجاءَ بَردِها، فلما كانوا تحتَها مطَرَت عليهم نارًا. قال: فذلك قولُه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثني سعيدُ بنُ زيدٍ أخو حمادِ بنُ زيدٍ، قال: ثنا حاتمُ بنُ أبي صغيرةَ، قال: ثنى يزيدُ الباهليُّ، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ عن هذه الآيةِ: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. فقال عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ: بعثَ اللهُ عليهم وَمَدَةً (^٢) وحَرًّا شديدًا، فَأَخَذ بأَنْفاسِهم، فدخَلوا البيوتَ، فدخَل عليهم أجوافَ البيوتِ، فأخَذ بأنْفاسِهم، فخرَجوا مِن البيوتِ هِرَابًا إلى البرِّيَّةِ، فبعَث اللهُ عليهم سحابةً، فأظَلَّتْهم مِن الشمسِ، فوجَدوا لها بَرْدًا ولَذَّةً، فنادى بعضُهم بعضًا، حتى إذا اجتمَعوا تحتَها، أرسَلها اللهُ عليهم نارًا. قال عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ: فذلك عذابُ يومِ الظَّلَّةِ، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾. قال: إظْلالُ العذابِ إياهم (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٦٩ من طريق ابن وهب به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨١٥ من طريق سعيد بن بشير، عن قتادةَ بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) الوَمَد والوَمَدَة: ندى يجئ في صميم الحر من قبل البحر مع سكون ريح. وهو ما يعبر عنه اليوم بالرطوبة. ينظر اللسان والمعجم الوسيط (وم د).\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ١٧١ عن المصنف، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٦٨، ٥٦٩ من طريق الحسن بن موسى به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨١٥، وابن عساكر في تاريخه ٢٣/ ٧٦، ٧٧ من طريق حاتم بن أبي صغيرة به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨١٤، ٢٨١٥ من طريق يزيد بن ضمرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٣، ٩٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥١٣، ومن طريقه الفريابي - كما في الفتح ٨/ ٤٩٧ - وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨١٦، والحاكم ٢/ ٥٦٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":638},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾. قال: أَظَلَّ العذابُ قومَ شُعَيبٍ.\nقال ابن جُرَيجٍ: لمَّا أنزَل اللهُ عليهم أولَ العذابِ، أخَذهم منه حرٌّ شديدٌ، فرفَع اللهُ لهم غَمامةً، فخرَج إليها طائفةٌ منهم ليَسْتَظِلُّوا بها، فأصابَهم منها رَوْحٌ وبَرَدٌ وريحٌ طيبةٌ، فصَبَّ اللهُ عليهم مِن فوقِهم مِن تلك الغَمامةِ عذابًا، فذلك قولُه: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرِ بن راشدٍ، قال: ثنى رجلٌ من أصحابِنا، عن بعضِ العلماءِ، قال: كانوا عَطَّلوا حَدًّا، فوَسَّع اللهُ عليهم في الرزقِ، ثم عَطَّلوا حَدًّا، فَوَسَّع اللهُ عليهم في الرزقِ، فجعَلوا كلما عَطَّلوا حَدًّا وسَّع اللهُ عليهم في الرزقِ، حتى إذا أرادَ اللهُ إهْلاكَهم، سَلَّط عليهم حَرًّا، لا يستطيعون أن يَتَقارُّوا، ولا ينفعُهم ظلٌّ ولا ماءُ، حتى ذهَب ذاهِبٌ منهم فاستَظلَّ تحتَ ظُلَّةٍ، فوجَد رَوْحًا، فنادَى أصحابَه: هَلُمُّوا إلى الرَّوْحِ. فذهَبوا إليه سِراعًا، حتى إذا اجتمعوا أَلْهَبَهَا اللهُ عليهم نارًا، فذلك عذابُ (^١) يومِ الظُّلَّةِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، [عن عامرٍ] (^٣)، عن ابن عباسٍ، قال: مَن حدَّثك مِن العلماءِ ما عذابُ يومِ الظُّلَّةِ فكَذَّبْه (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف، ونسخة من تفسير عبد الرزاق: \"عذابه\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٧٥ عن معمر به، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨١٧.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٦٩ من طريق أبي حمزة به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨١٥ من طريق جابر به.","vol":"17","page":639},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾: قومُ شعيبٍ، حبَس اللهُ عنهم الظلَّ والريحَ، فأصابهم حرٌّ شديدٌ، ثم بعَث اللهُ لهم سحابةً فيها العذابُ، فلما رأَوُا السحابةَ انطلَقوا يؤمُّونها، زعموا يَستَظِلُّون، فاضْطَرمتْ (^١) عليهم نارًا فأهلَكتهم (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. قال (^٣): بعثَ اللهُ إليهم ظُلَّةً من سحابٍ، وبعَث إلى الشمسِ فأحرَقت ما على الأرضِ، فخرَجوا كلُّهم إلى تلك الظُّلةِ، حتى إذا اجتمعوا كلُّهم، كشَف اللهُ الظُّلةَ، وأحمَى عليهم الشَّمس، فاحتَرقوا كما يَحترِقُ الجرادُ في المِقلَى (^٤).\nوقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن عذابَ يومِ الظُّلةِ كان عذابَ يومٍ لقومِ شُعيبٍ عظيمٍ.\n\n<span id=\"aya-3122\"></span><span data-type='title' id=toc-6704>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ في تعذيبِنا قومَ شُعيبٍ عذابَ يومِ الظلةِ؛ بتكذيبِهم نبيَّهم شُعيبًا، لآيةً لقومِك يا محمدُ، وعبرةً [لمن اعتبرَ] (^٥)، إِنِ اعْتبَرُوا أَنَّ سنَّتَنا فيهم بتكذيبِهم إيَّاك، سنتُنا في أصحابِ الأَيْكةِ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"فأضرت\".\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٢٣/ ٧٤، ٧٥ بسند جويبر، إلى الضحاك.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"يوم\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨١٧ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٥) سقط من: ت ٢، ف.","vol":"17","page":640},{"text":"مُؤْمِنِينَ﴾ في سابقِ علِمنا فيهم،\n\n<span id=\"aya-3123\"></span>﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمدُ، ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فِي نِقمتِه ممن انتَقَم منه مِن أعدائِه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بمن تاب مِن خلقِه، وأناب إلى طاعتِه.\n\n<span id=\"aya-3124\"></span><span data-type='title' id=toc-6706>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإنَّ هذا القرآنَ لتنزيلُ ربِّ العالمين.\nوالهاءُ في قولِه: ﴿وَإِنَّهُ﴾. كنايةُ \"الذكرِ\" الذي في قولِه: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الشعراء: ٥]\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6705>ذكرُ مَنْ قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ في قولِه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: هذا القرآنُ (^١).\n\n<span id=\"aya-3125\"></span>واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾. فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الحجازِ والبصرةِ: ﴿نَزَلَ بِهِ﴾. مخففةً، و﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ رفعًا (^٢). بمعنَى: أَنَّ الروحَ الأمينَ هو الذي نزَل بالقرآنِ على محمدٍ، وهو جبريلُ.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلُ الكوفةِ: (نَزَّلَ) مشددةَ الزايِ، (الرُّوحَ الأَمِينَ) نصبًا (^٣). بمعنَى: أنَّ ربَّ العالمين نزَّل بالقرآنِ الروحَ الأمينَ، وهو جبريلُ ﵇.\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٦ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨١٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وحفص. السبعة لابن مجاهد ص ٤٧٣.\n(^٣) وهي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وأبى بكر. المصدر السابق.","vol":"17","page":641},{"text":"والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يقالَ: إنهما قراءتان مُسْتفِيضَتان في قرأةِ الأمصارِ، مُتقارِبنا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ؛ وذلك أن الروحَ الأمينَ إِذْ نزَل على محمدٍ ﷺ بالقرآنِ، لم ينزِلْ به إلا بأمرِ اللهِ إياه بالنُّزولِ، ولن يَجْهَلَ أن ذلك كذلك ذو إيمانٍ باللهِ، وأن الله إِذا أَنزَله به نزَل.\nوبنحوِ الذي قلنا في أن المعنيَّ بالرُّوحِ الأمينِ في هذا الموضعِ جبريلُ، قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6707>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾. قال: جبريلُ (^١).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾. قال: جبريلُ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾: جبريلُ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾. قال: جبريلُ (^٤).\n\n<span id=\"aya-3126\"></span>وقولُه: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾. يقولُ: نزَل به الرُّوحُ الأمينُ فتَلَاه عليك يا محمدُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٤ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٨٨، ٢/ ٧٦.\n(^٣) ينظر التبيان ٨/ ٥٦، وتفسير ابن كثير ٦/ ١٧١.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨١٧ معلقًا.","vol":"17","page":642},{"text":"حتى وَعَيْتَه بقلبِك.\nوقولُه: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾. يقولُ: لتكونَ مِن رُسُلِ اللهِ الذين كانوا يُنْذِرون مَن أُرْسِلوا إليه من قومِهم، فتُنْذِرَ بهذا التنزيلِ قومَك المكذِّبِين بآياتِ اللهِ.\n\n<span id=\"aya-3127\"></span>وقولُه: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. يقولُ: لتُنْذِرَ قومَك بلسانٍ عربيٍّ، ﴿مُبِينٍ﴾ يَبِينُ لمَن سمِعه أنه عربيٌّ، وبلسانِ العربِ نزَل.\nوالباءُ مِن قولِه: ﴿بِلِسَانٍ﴾. من صلةِ قولِه: ﴿نَزَلَ﴾. وإنما ذكَر تعالى ذكرُه أنه نزَّل هذا القرآن بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ في هذا الموضعِ، إعْلامًا منه مُشْرِكى قريشٍ أنه أنزَله كذلك؛ لئلا يقولوا: إنه نزَل بغيرِ لسانِنا، فنحنُ إِنما نُعرِضُ عنه ولا نسمعُه؛ لأنَّا لا نفهَمُه. وإنما هذا تقريعٌ لهم، وذلك أنه تعالى ذكرُه قال: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥]. ثم قال: لم يُعْرِضوا عنه (^١) لأنهم لا يفهَمون مَعانيَه، بل يفهَمونها؛ لأنه تنزيلُ ربِّ العالمين، نزَّل به الروحُ الأمينُ بلسانِهم العربيِّ، ولكنهم أعرَضوا عنه تَكْذيبًا به واسْتكبارًا، ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الشعراء: ٦]. كما أتَى هذه الأمم التي قَصَصْنا نبأَها في هذه السورةِ حينَ كَذَّبَت رُسُلَها، أنباءُ ما كانوا به يُكَذِّبون.\n\n<span id=\"aya-3128\"></span><span data-type='title' id=toc-6708>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١)﴾.\n_________\n(^١)</span> في م: \"عنهم\".","vol":"17","page":643},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: وإن هذا القرآنَ ﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾. يعنى: في كُتُبِ الأوَّلين. وخرَج مَخْرَجَ العمومِ، ومعناه الخصوصُ، وإنما هو: وإنَّ هذا القرآنَ لفى بعضِ زُبُرِ الأَوَّلين. يعنى أن ذكرَه وخبرَه في بعضِ ما أُنزِل من الكتبِ على بعضِ رُسُلِه.\n\n<span id=\"aya-3129\"></span>وقولُه: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أو لم يكنْ لهؤلاء المُعْرِضين عمَّا يَأْتِيك يا محمدُ مِن ذكرٍ من ربِّك، دَلالةً على أنك رسولُ ربِّ العالمِين، أن يعلمَ حقيقةَ ذلك وصحَته علماءُ بنى إسرائيلَ.\nوقيل: عُنِي بعلماءِ بنى إسرائيلَ في هذا الموضعِ، عبدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ، ومَن أشْبَهَه، ممن كان قد آمَن برسولِ اللهِ ﷺ مِن بني إسرائيلَ في عصرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6709>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: كان عبدُ اللهِ بنُ سلَامٍ من علماءِ بنى إسرائيلَ، وكان مِن خيارِهم، فآمَن بكتابِ محمدٍ ﷺ، فقال لهم اللهُ: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وخيارُهم (^١)!\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٢٠ عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٤ إلى ابن مردويه.","vol":"17","page":644},{"text":"في قولِه: ﴿عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ وغيرُه (^١) مِن علمائِهم (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً﴾. قال: محمدٌ، ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾. قال: يعرِفَه، ﴿عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\nقال ابن جُرَيجٍ: قال مجاهدٌ: علماءُ بني إسرائيلَ: عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ وغيرُه مِن علمائِهم.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: أوَ لم يكنِ النبيُّ (^٣) ﴿آيَةً﴾: علامةً، أن علماءَ بنى إسرائيلَ كانوا يعلَمون أنهم كانوا يَجِدونه مكتوبًا عندَهم (^٤)!\n\n<span id=\"aya-3130\"></span>وقولُه: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولو نزَّلنا هذا القرآنَ على بعضِ البهائمِ التي لا تَنْطِقُ.\nوإنما قيل: ﴿عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾. ولم يَقُلْ: على بعضِ الأعْجَمِيِّين؛ لأن العربَ تقولُ - إذا نَعَتَتِ الرجلَ بالعُجْمةِ، وأنه لا يُفصِحُ بالعربيةِ -: هذا رجلٌ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"غيرهم\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥١٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٤ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"للنبي\".\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٢٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٤ إلى ابن المنذر.","vol":"17","page":645},{"text":"أعْجَمُ. وللمرأةِ: هذه امرأةٌ عجماءُ. وللجماعةِ: هؤلاء قومٌ عُجْمٌ وأَعْجَمُون. وإذا أُريد به (^١) هذا المعنى وُصِف به العربيُّ والأعْجَميُّ (^٢)؛ لأنه إنما يعنى أنه غيرُ فصيحِ اللسانِ، وقد يكونُ كذلك وهو مِن العربِ. ومِن هذا المعنى قولُ الشاعرِ (^٣):\nمِن وَائِلٍ لا حَيَّ يَعْدِلُهم … مِن سُوقَةٍ عَرَبٌ ولا عَجَمُ\nفأما إذا أُريدَ به نسبةُ الرجلِ إلى أصلِه من العَجَمِ، لا وصفُه بأنه غيرُ فصيحِ اللسانِ، فإنه يقالُ حينَئذٍ: هذا رجلٌ عَجَمِيٌّ، وهذان رَجُلان عَجَمِيَّان، وهؤلاء قومٌ عَجَمٌ. كما يقالُ: عربيٌّ، وعَرَبيَّان، وقومٌ عَرَبٌ. وإذا قيل: هذا رجلٌ أَعْجَميٌّ (^٤). فإنما نُسِب إلى نفسِه كما يقالُ للأحمرِ: هذا أَحْمَرِيٌّ ضخمٌ. وكما قال العجاجُ (^٥):\nوالدَّهْرُ بالإِنسانِ دَوَّارِيُّ\nومعناه: دَوَّارٌ. فَنَسَبه إلى فعلِ نفسِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6710>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن محمدِ بن أبى موسى، قال: كنتُ واقفًا إلى جَنْبِ عبدِ اللهِ بن مُطِيعٍ بِعَرَفةَ، فتَلا هذه الآية: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: لو نزَل على بَعِيرى هذا فتكلَّم به، ما آمَنوا به - لقالوا: لولا فُصِّلَتْ آيَاتُه، حتى يَفْقَهَه عربيٌّ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ف.\n(^٢) في ت ٢: \"العجمي\".\n(^٣) التبيان ٨/ ٥٧.\n(^٤) في ت ٢: \"أعجم\".\n(^٥) ديوانه ص ٣١٠.","vol":"17","page":646},{"text":"وعجميٌّ - لو فعَلنا ذلك.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ داودَ بنَ أبي هندٍ، عن محمدِ بن أبي موسى، قال: كان عبدُ اللهِ بنُ مُطِيعٍ واقفًا بعرفةَ، فقرأ هذه الآيةَ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾. قال: فقال: جَمَلِى هذا أعجمُ، فلو أُنزِل على هذا ما كانوا به مُؤمنين (^١).\nورُوِى عن قتادةَ في ذلك ما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾. قال: لو أنزَله اللهُ أعْجَمِيًّا، كانوا أخسَّ (^٢) الناسِ به؛ لأنهم لا يعرِفون العَجَميَّةَ (^٣).\nوهذا الذي ذكَرناه عن قتادةَ قولٌ لا وجهَ له؛ لأنه وجَّه الكلامَ إلى أن معناه: ولو نزَّلْناه أَعْجَمِيًّا. وإنما التنزيلُ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾. يعنى: ولو نَزَّلْنا هذا القرآنَ العربيَّ على بهيمةٍ مِن العَجَمِ أو بعضِ ما لا يُفْصِحُ. ولم يَقُلْ: ولو نزَّلناه أعجميًّا. فيكونُ تأويلُ الكلامِ ما قالَه.\n\n<span id=\"aya-3131\"></span>وقولُه: ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: فقرَأ هذا القرآنَ على كفارِ قومِك يا محمدُ، الذين حَتَمْتُ عليهم ألَّا يؤمِنوا - ذلك الأعجمُ: ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: لم يكونوا ليؤمِنوا به؛ لِما قد جرَى لهم في سابقِ علمى مِن الشَّقاءِ. وهذا تَسْليةٌ مِن اللهِ نبيَّه محمدًا ﷺ عن قومِه؛ لئلا يَشْتَدَّ وَجُدُه بإدْبارِهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٢٠ من طريق داود بن أبي هند به.\n(^٢) في م: \"أخسر\".\n(^٣) في م، ت ١: \"بالعجمية\".\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٢٠ من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"17","page":647},{"text":"عنه، وإعْراضِهم عن الاستماعِ لهذا القرآنِ؛ لأنه كان ﷺ شديدًا حِرْصُه (^١) على قَبُولِهم منه، والدُّخولِ فيما دَعاهم إليه، حتى عاتَبه ربُّه على شدَّةِ حِرْصِه على ذلك منهم، فقال له: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]. ثم قال مُؤْيِسَه مِن إيمانِهم، وأنهم هالِكون ببعضِ مَثْلَاتِه، كما هلَك بعضُ الأممِ الذين قَصَّ عليهم قَصَصَهم في هذه السورةِ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ يا محمدُ لا عليك، فإنك رجلٌ منهم، ويقولون لك: ما أنت إلا بشرٌ مِثْلُنا، وهَلَّا نزَل به مَلَكٌ. فقرَأ ذلك الأعجمُ عليهم هذا القرآنَ، ولم يَكُنْ لهم عِلَّةٌ يدفَعون بها أنه حقٌّ، وأنه تنزيلٌ مِن عندى ما كانوا به، مُصَدَّقين، فخَفَّضْ مِن حِرْصِك على إيمانِهم به. ثم وكَّد تعالى ذكرُه الخبرَ عما قد حَتَمَ على هؤلاء المشركين الذين آيَسَ نبيَّه محمدًا ﷺ مِن إيمانِهم - من الشَّقاء والبَلاءِ، فقال: كما حَتَمْنا على هؤلاء أنهم لا يؤمِنون بهذا القرآنِ، ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾، فقرَأه عليهم: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾ التكذيبَ والكفرَ ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾.\nويعنى بقولِه: \"سَلَكْنا\": \"أدخَلْنا\" (^٢).\nوالهاءُ في قولِه: ﴿سَلَكْنَاهُ﴾. كنايةٌ مِن ذكرِ قولِه: ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾. كأنه قال: كذلك أدخَلْنا في قلوبِ المُجرمين تركَ الإيمانِ بهذا القرآنِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6711>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه:\n_________\n(^١) في ت ٢، ف: \"حرصهم\".\n(^٢) في ت ٢، ف: \"دخلنا\".","vol":"17","page":648},{"text":"﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾. قال: الكفرَ ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-3132\"></span>حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (^٢).\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدُ (^٣) بنُ أبي الزَّرقاءِ، عن سفيانَ، عن حُمَيدٍ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾. قال: خَلَقناه.\nقال: ثنا زيدٌ، عن حمادِ بن سَلَمَةَ، عن حُمَيدٍ، قال: سألتُ الحسنَ في بيتِ أبي خليفةَ عن قولِه: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾. قال: الشِّرْكَ، سَلَكه في قلوبِهم (^٤).\n\n<span id=\"aya-3133\"></span>وقولُه: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. يقولُ: فعَلنا ذلك بهم لئلا يصدِّقوا بهذا القرآنِ حتى يَرَوُا العذاب الأليمَ في عاجلِ الدنيا، كما رأتْ ذلك الأممُ الذين قَصَّ اللهُ قصصَهم في هذه السورةِ.\nورُفِع قولُه: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ لأن العربَ مِن شَأْنِها إذا وضَعَت في موضعٍ مثلَ هذا الموضعِ \"لا\"، ربَّما جزَمَت ما بعدَها، وربما رفَعَت. فتقولُ: رَبَطْتُ الفرسَ لا تَنْفَلِت، وأحكَمْتُ العِقْدَ لا يَنْحَلّ. جزمًا ورفعًا. وإنما تفعلُ ذلك لأن تأويلَ ذلك: إن لم أُحْكِمِ العِقْدَ انحلَّ. فجزْمُه على التأويلِ، ورفْعُه بأن الجازمَ غيرُ ظاهرٍ.\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٥٨.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٢١.\n(^٣) في ت ٢، ف: \"يزيد\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"17","page":649},{"text":"ومِن الشاهدِ على الجزمِ في ذلك قولُ الشاعرِ (^١):\nلو كُنتَ إذ جئْتَنا حاولتَ رُؤْيتَنا … أو جِئْتَنا ماشِيًا لا يُعْرَفِ الفرسُ\nوقولُ الآخرِ (^٢):\nلَطالَما حَلَّأْتُماها (^٣) لا تَرِدْ\nفَخَلِّيْاها والسِّجالَ تَبْتَرِدْ\n\n<span id=\"aya-3134\"></span><span data-type='title' id=toc-6712>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فيأتي هؤلاء المُكذِّبين بهذا القرآنِ العذابُ الأليمُ ﴿بَغْتَةً﴾. يعنى فجأةً، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: لا يعلَمون قبلَ ذلك بمَجيئِه حتى يَفْجَأَهم بَغْتَةً،\n\n<span id=\"aya-3135\"></span>﴿فَيَقُولُوا﴾ حينَ يأتِيهم بَغْتَةً: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾. أي: هل نحن مُؤَخَّرٌ عَنَّا العذابُ، ومُنْسَأٌ في آجالِنا لنتوبَ ونُنِيبَ إِلى اللهِ مِن شِرْكِنا وكفرِنا باللهِ، فنُراجِعَ الإيمانَ به ونُنِيبَ إلى طاعتِه؟\n\n<span id=\"aya-3136\"></span>وقولُه: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفبعذابِنا هؤلاء المشركون يَسْتعجِلون، بقولِهم: لن نؤمنَ لك حتى تُسْقِطَ السماءَ كما زعمت علينا كِسَفًا.\n\n<span id=\"aya-3137\"></span>\n\n<span id=\"aya-3138\"></span><span data-type='title' id=toc-6713>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثم جاءَهم العذابُ الذي كانوا يُوعَدون على كفرِهم\n_________\n(^١) البيت في معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٨٤.\n(^٢) البيتان في اللسان (ب ر د، ح ل أ).\n(^٣) حلّأ الإبل والماشية عن الماء تحليئا وتحلئة: طردها أو حبسها عن الورود ومنعها أن ترده. اللسان (ح ل أ).","vol":"17","page":650},{"text":"<span id=\"aya-3139\"></span>بآياتِنا، وتكْذيبِهم رسولَنا، ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾. يقولُ: أَيَّ شيءٍ أغنَى عنهم التأخيرُ الذي أخَّرْنا في آجالِهم، والمتاعُ الذي مَتَّعْناهم به مِن الحياةِ، إذ (^١) لم يُتوبوا مِن شِرْكِهم؟ هل زادَهم تَمتِيعُنا إياهم ذلك إلا خبالًا، وهل نَفَعهم شيئًا؟ بل ضَرَّهم بازديادِهم مِن الآثامِ واكْتسابِهم من الأجرامِ ما لو لم (^٢) يُمَتَّعوا لم يَكْتَسِبوه.\n\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾. إلى قولِه: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾. قال: هؤلاء أهلُ الكفرِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3140\"></span><span data-type='title' id=toc-6714>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩) وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومَا أَهْلَكْنا مِن أهلِ (^٤) قريةٍ من هذه القرى التي وَصَفت (^٥) في هذه السورةِ (^٦)، ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾. يقولُ: إلا بعدَ إرسالِنا إليهم رسلًا يُنذِرونهم بأسَنا على كفرِهم، وسُخْطَنا عليهم. ﴿ذِكْرَى﴾. يقولُ: إلا لها مُنذِرون يُنذِرونهم، تذكرةً لهم وتنبيهًا لهم على ما فيه النجاةُ لهم من عذابِنا.\n\n<span id=\"aya-3141\"></span>ففى \"الذكرى\" (^٧) وجهان مِن الإعرابِ؛ أحَدُهما النَّصْبُ على المصدَرِ مِن\n_________\n(^١) في ت ٢، ف: \"إن\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ق ٢، ف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٢٣ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"وصف\".\n(^٦) في م: \"السور\"، وبعده في ت ٢: \"يقول\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الذكر\".","vol":"17","page":651},{"text":"الإنذارِ، على ما بيَّنتُ. والآخَرُ، الرفعُ على الابتداءِ، كأنه قِيلَ: ذكرى.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6715>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن مجاهدٍ: عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى﴾. قال: الرسلُ (^١).\nقال ابن جريجٍ: وقولُه: ﴿ذِكْرَى﴾. قال: الرسلُ.\nوقولُه: ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. يقولُ: وما كنا ظالِميهم في تعذيبِناهم وإهلاكِهم؛ لأنا إنما أهلَكناهم إذ عَتَوْا علينا، وكفَروا نعمتَنا، وعبَدوا غيرَنا، بعدَ الإعذارِ إليهم (^٢) والإنذارِ، ومتابعةِ الحُجَجِ عليهم بأن ذلك لا ينبغى لهم (^٣) أن يفعَلوه، فأَبَوْا إلا التماديَ في الغيِّ.\n\n<span id=\"aya-3142\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما تَنَزَّلت بهذا القرآنِ الشياطينُ على محمدٍ، ولكنه يَنزلُ به الرُّوحُ الأمينُ. ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾. يقولُ: وما ينبغى للشياطينِ أن يَتنزَّلوا (^٤) به عليه، ولا يصلُحُ لهم ذلك، ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. يقولُ: وما يستطيعون أن يَتنزَّلوا به؛ لأنهم لا يَصِلون إلى استماعِه في المكانِ الذي هو به من السَّماءِ، ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٢٤ من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٥ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في م، ت ١: \"عليهم\".\n(^٣) سقط من م.\n(^٤) في م: \"ينزلوا\".","vol":"17","page":652},{"text":"يقولُ: إن الشياطينَ عن سمع القرآنِ مِن المكانِ الذي هو به من السماءِ لمعزولون، فكيف يستطيعون أن يتنزَّلوا به!\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6716>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\n\n<span id=\"aya-3143\"></span>حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾. قال: هذا القرآنُ.\n\n<span id=\"aya-3144\"></span>وفي قولِه: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾. قال: عن سمعِ السماءِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه، إلا أنه قال: عن سمعِ القرآنِ.\nوالقرأةُ مجمعةٌ على قراءةِ: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ بالتاءِ (^٢) ورفعِ النونِ؛ لأنها نونٌ أصليةٌ. واحدُهم شيطانٌ، كما واحدُ البَساتِين بُسْتانٌ.\nوذُكِر عن الحسنِ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (وما تَنَزَّلَت به الشَّياطُونَ) بالواوِ (^٣).\nوذلك لحنٌ، ويَنْبَغى أن يكونَ ذلك إن كان صحيحًا عنه، أن يكونَ توَهَّم أن ذلك نظيرُ المسلمين والمؤمنين، وذلك بعيدٌ مِن هذا.\n\n<span id=\"aya-3145\"></span><span data-type='title' id=toc-6717>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٢٤ من طريق سعيد، عن قتادة.\n(^٢) بعده في ف: \"والنون\".\n(^٣) وبها قرأ الأعمش وابن السميقع. تفسير القرطبي ١٣/ ١٤٢، والبحر المحيط ٧/ ٤٦.","vol":"17","page":653},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿فَلَا تَدْعُ﴾ يا محمدُ، ﴿مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. أي (^١): لا تَعْبُدُ معه معبودًا غيرَه، ﴿فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾. فَيَنْزِلَ (^٢) بك من العذابِ ما نزَل بهؤلاء (^٣) الذين خالَفوا أمرَنا وعبَدوا غيرَنا.\nوقولُه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وأَنْذِرْ عشيرتَك من قومِك الأقرَبين إليك قرابةً، وحذِّرْهم مِن عذابِنا أن يَنْزِلَ بهم (^٤) بكفرِهم.\nوذُكِر أن هذه الآيةَ لما نزَلَت بدَأ ببنى جدِّه عبدِ المطلبِ وولدِه، فحذَّرهم وأَنْذَرَهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-6718>ذكرُ [الروايةِ بذلك]</span> (^٥)\n\n<span id=\"aya-3146\"></span>حدَّثني أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"يا صفيةُ بنتَ عبدِ المطلبِ، يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، يا بني عبدِ المطلبِ، إنى لا أَمْلِكُ لكم مِن اللهِ شيئًا، سَلُوني مِن مالى ما شئْتُم\" (^٦).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثني أَبِي ويونسُ بنُ بُكَيْرٍ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه (^٧).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"أن\".\n(^٢) في ت ١: \"فننزل\"، وفى ف: \"فنزل\".\n(^٣) بعده في ت ٢: \"القوم\".\n(^٤) في ت ٢: \"عليهم\".\n(^٥) في ت ٢، ف: \"من قال ذلك\".\n(^٦) أخرجه الترمذى (٣١٨٤) عن أحمد بن المقدام به.\n(^٧) أخرجه أحمد ٦/ ١٣٦، ١٨٧ (الميمنية)، ومسلم (٢٠٥)، والنسائى (٣٦٥٠)، وأبو عوانة ١/ ٢٩٥، =","vol":"17","page":654},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عَنْبَسةُ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه، قال: لما نزَلَت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قام النبيُّ ﷺ فقال: \"يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، ويا صفيةُ ابنةَ عبدِ المطلبِ\". ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن المِقْدامِ (^١).\nحدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا سَلَامةُ، قال: قال عُقَيْلٌ: ثنى الزهريُّ، قال: قال سعيدُ بنُ المسيبِ و[أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ] (^٢): إن أبا هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ حينَ أُنْزِل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾: \"يا معشرَ قريشٍ، اشْتَرُوا أنفسَكم مِن اللهِ، [لا أُغْنى عنكم مِن اللهِ] (^٣) شيئًا، يا بني عبدِ مَنافٍ، لا أُغْنِى عنكم مِن اللهِ شيئًا، يا عباسُ بنَ عبدِ المطلبِ، لا أُغْنِى عنك مِن اللهِ شيئًا، [يا فاطمةُ بنتَ رسولِ اللهِ، لا أُغْنى عنكِ مِن اللهِ شيئًا] (^٤)، سَلينى ما شِئْتِ، لا أُغْنِى عنك مِن اللهِ شيئًا\" (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: ثنا أبو اليَمانِ، قال: أخبَرنا شعيبٌ، عن الزهريِّ، قال: أخبَرنى سعيدُ بنُ المسيبِ وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن أبا هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ حينَ أُنْزِل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قال: \"يا معشرَ قريشٍ، اشْتَرُوا أنفسَكم مِن اللهِ\". ثم ذكَر نحوَ حديثِ يونُسَ، عن\n_________\n= وابن حبان (٦٥٤٨) وابن منده في الإيمان (٩٤٥ - ٩٤٧)، والبغوي (٣٧٤٣) من طريق وكيع - وعند بعضهم عن وكيع ويونس بن بكير - به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٥ إلى ابن مردويه.\n(^١) ذكره الترمذى عقب الحديث (٣١٨٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٥ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٢) في ت ٢: \"سلمة بنت عبد الرحمن\".\n(^٣) سقطت من: ت ٢.\n(^٤) سقط من: ت ١.\n(^٥) أخرجه أبو عوانة ١/ ٩٤، ٩٥، والطحاوى في شرح المعانى ٣/ ٢٨٥، ٢٨٦، ٤/ ٣٨٨ عن يونس بن عبد الأعلى به.","vol":"17","page":655},{"text":"سَلَامةَ، غير أنه زاد فيه: \"يا (^١) صفيةُ عمةَ رسولِ اللهِ، لا أُغْنِى عنكِ مِن اللهِ شيئًا\". ولم يَذْكُرْ في حديثِه فاطمةَ (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: ثنا سَلَامةُ بنُ رَوْحٍ، قال: قال عُقَيْلٌ: ثني ابن شهابٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ لما أُنْزِل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. جمعَ قريشًا، ثم أتاهم، فقال لهم: \"هل فيكم غريبُ؟ \". فقالوا: لا، إلا ابنَ أختٍ لنا، لا نَراه إلا منا. قال: \"إنه منكم\". فوعَظَهم رسولُ اللهِ ﷺ، ثم قال لهم في آخرِ كلامِه: \"لا أَعْرِفَنَّ ما ورَد عليَّ الناسُ يومَ القيامةِ يَسُوقون الآخرةَ، وجئُتُم إليَّ تَسُوقون الدنيا\".\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يُونُسُ، عن ابن شهابٍ، أخبَرنى سعيدُ بنُ المسيبِ وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن أبا هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ حينَ أُنْزِل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾: \"يا معشرَ قريشٍ، اشْتَروا أنفسَكم مِن اللهِ، لا أُغْنى عنكم مِن الله شيئًا، يا بني عبدِ المطلبِ، لا أُغْنى عنكم مِن اللهِ شيئًا، يا عباسُ بنَ عبدِ المطلبِ، لا أُغْنِى عنك مِن اللهِ شيئًا، يا صفيةُ عمةَ رسولِ اللهِ، لا أُغْنِى عنكِ مِن اللهِ شيئًا، يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، سَلِينى ما شئتِ، لا أُغْنى عنك مِن اللهِ شيئًا\" (^٣).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سَمِعْتُ الحجاجَ يُحَدِّثُ عن عبدِ الملكِ بن عميرٍ، عن موسى بن طلحةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: لما أنْزَل اللهُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قال نبيُّ اللهِ ﷺ: \"يا معشرَ قريشٍ،\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، ف.\n(^٢) أخرجه الدارمي ٢/ ٣٠٠، والبخارى (٢٧٥٣، ٤٧٧١)، وابن منده في الإيمان (٩٤٢)، والبيهقي في الدلائل ٢/ ١٧٦، والبغوى (٣٧٤٤) من طريق أبي اليمان به، وأخرجه النسائي (٣٦٤٩) من طريق شعيب به.\n(^٣) أخرجه أبو عوانة ١/ ٩٤، ٩٥، والطحاوى في شرح المعانى ٣/ ٢٨٦، ٤/ ٣٨٨، وابن منده (٩٤١) من طريق يونس بن عبد الأعلى به، وأخرجه مسلم (٢٠٦)، والنسائى (٣٦٤٨)، وابن حبان (٦٥٤٩)، والبيهقى في الشعب (٧٠٢١) من طريق ابن وهب به.","vol":"17","page":656},{"text":"أنْقِذوا (^١) أنفسَكم من النار، يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، أَنْقِذى (^٢) نفسَك مِن النارِ، إلَّا أن لكم رحمًا سأَبُلُّها (^٣) ببِلالِها\".\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن زائدةَ، عن عبدِ الملكِ بنُ عُمَيرٍ، عن موسى بن طلحةَ، عن أبي هريرةَ، قال: لما نَزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. دَعا رسولُ اللهِ ﷺ قريشًا، فعَمَّ وخَصَّ، فقال: \"يا معشرَ قريشٍ، اشْتَرُوا أنفسَكم مِن اللهِ، يا معشرَ بني كعبِ بن لُؤَيٍّ، يا معشرَ بني عبدِ مَنَافٍ، يا معشرَ بني هاشمٍ، يا معشرَ بني عبدِ المطلبِ - يقولُ لكُلِّهم - أنْقِذُوا (^٤) أنفسَكم مِن النارِ، يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، أنْقِذى نفسَك مِن النارِ، فإني واللهِ ما أَمْلِكُ لكم مِن اللهِ شيئًا، إلَّا أن لكم رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبِلَالِها\" (^٥).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: ثنا أبو عثمانَ، عن زُهَيرِ بن عمرٍو وقبِيصةَ بن مُخارقٍ، أنهما قالا: أنزَل اللهُ على نبيِّ اللهِ ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. فحُدِّثْنا عن نبيِّ اللهِ ﷺ، أنه عَلا صخرةً مِن جبلٍ، فَعَلا أَعْلَاها حَجَرًا، ثم قال: \"يا آلَ عَبْدِ مَنَافَاهْ، يا صَبَاحَاهْ، إني نذيرٌ، إن مَثَلِى ومَثَلَكم مَثَلُ رجلٍ أتَى الجيشَ، فخَشِيَهم علَى\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"أبعدوا\".\n(^٢) في ص، ت ٢: \"أبعدى\".\n(^٣) في ص، ت ١، ف: \"فأنا بالها\"، وفى ت ٢: \"سأيلها\". وسأبلها أي: أصِلُها. والبلال: الماء. ومعنى الحديث سأصِلُها. شُبهت قطيعةُ الرحم بالحرارة، ووصلُها بإطفاء الحرارة ببرودة، ومنه: بُلُّوا أرحامكم. أي: صِلُوها. صحيح مسلم بشرح النووى ٣/ ٨٠.\n(^٤) في ص، ت ٢، ف: \"أبعدوا\".\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ١٤/ ٣٤١ (٨٧٢٦)، وأبو عوانة ١/ ٩٤، وابن منده (٩٣٧) من طريق زائدة به. وأخرجه أحمد ١٤/ ١٢٨ (٨٤٠٢)، والبخارى في الأدب (٤٨)، ومسلم ٢٠٤، والترمذى (٣١٨٥)، والنسائى (٣٦٤٦)، والطحاوى في شرح المعانى ٣/ ٢٨٥، ٤/ ٣٨٧، وابن حبان (٦٤٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٢٥، والبيهقى في الدلائل ٢/ ١٧٧، وابن منده (٩٣٣ - ٩٣٦، ٩٣٨ - ٩٤٠) من طريق عبد الملك به.","vol":"17","page":657},{"text":"أهْلِه، فذهَب يَرْبَؤُهم (^١)، فخَشِيَ أَن يَسْبِقوه إلى أَهْلِهِ، فَجَعَل يَهْتِفُ بهم: يا صَبَاحَاهُ\". أو كما قال (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ ومحمدُ بنُ جعفرٍ، عن عوفٍ، عن قَسَامة بن زُهَيرٍ، قال: بَلَغني أنه لمَّا نزَل على رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ كما جاء فوضَع إصْبَعَه في أُذُنِه، ورفَع مِن صوتِه، وقال: \"يا بني عبدِ منافٍ، وَاصَبَاحَاهُ\" (^٣).\nقال: ثني أبو عاصمٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن قَسَامَةَ بن زُهَيْرٍ، قال: أَظُنُّه عن الأشعريِّ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه.\nحدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ، قال: ثنا أبو زيدٍ الأنصاريُّ سعد بنُ أوسٍ، عن عوفٍ، قال: قال قَسَامةُ بنُ زُهَيرٍ: حدَّثنى الأشعريُّ، قال: لمَّا نزلَت. ثم ذكَر نحوَه، إلَّا أنه قال: وضَع إصْبَعَيه في أُذُنَيه (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يرباهم\". ويربؤهم: يحفظهم ويتطلع لهم، ويقال لفاعل ذلك: ربيئة.\nوهو العين والطليعة الذي ينظر للقوم؛ لئلا يدهمهم العدو، ولا يكون في الغالب إلا على جبل أو شرف أو شيء مرتفع؛ لينظر إلى بُعد. صحيح مسلم بشرح النووى ٣/ ٨٢.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٠٧)، والنسائى في الكبرى (١٠٨١٦)، وابن منده (٩٥٥) من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه النسائي في الكبرى (١٠٨١٥، ١١٣٧٩)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٤٤٦)، والطبراني ١٨/ ٣٧٤ (٩٥٦) من طريق معتمر به، وأخرجه مسدد كما في الدر المنثور ٥/ ٩٥ ومن طريقه الطحاوى ٣/ ٢٨٥، ١٢/ ٣٨٧، وابن قانع ١٠/ ٢٣٩، والطبراني (٥٣٠٥)، وابن منده (٩٥٤)، وأحمد ٢٥/ ٢٥٥ (١٥٩١٤)، ٥/ ٦٠، ومسلم (٢٠٧) ٣٥٣، والنسائى (١٠٨١٥، ١١٣٧٩) في الكبرى، وأبو عوانة ١/ ٩٢، ٩٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٢٥، والبيهقى في الدلائل ٢/ ١٧٨، وابن منده (٩٥٣ - ٩٥٦) من طريق سليمان التيمى به، وأخرجه ابن قانع ٢/ ٣٤٢ من طريق أبي عثمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى البغوي في معجمه والباوردى وابن مردويه.\n(^٣) أشار إليه الترمذى في السنن ٥/ ٣١٧ عقب حديث (٣١٨٦).\n(^٤) أخرجه الترمذى (٣١٨٦) عن عبد الله بن أبي زياد به، وأخرجه أبو عوانة ١/ ٩٤ من طريق عوف به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٥ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.","vol":"17","page":658},{"text":"حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بنُ مُرَّةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزلَت هذه الآيةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قامَ رسولُ اللهِ ﷺ على الصَّفَا، ثم نادَى: \"يا صَبَاحَاهُ\". فاجتَمع الناسُ إليه، فبينَ رجلٍ يَجِيءُ، وبينَ آخَرَ يبعَثُ رسولَه، فقال: \"يا بني هاشمٍ، يا بنى عبدِ المُطَّلِبِ، يا بنى فِهْرٍ، يا بَنِي، يا بَنِي، أرأَيْتَكُم لو أخبَرْتُكم أن خَيلًا بِسَفْحِ هذا الجبلِ تريدُ أن تُغِيرَ عليكم صَدَّقْتُموني؟ \". قالوا: نعم. قال: \"فإني نَذِيرٌ لكم بينَ يَدَىْ عذابٍ شديدٍ\". فقال أبو لَهَبٍ: تبًّا لكم سائرَ اليومِ، ما دَعَوْتُمونى إلا لهذا؟ فنزلَت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (^١) [المسد: ١].\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن سعيدِ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: صَعِد رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ الصَّفا، فقال: \"يا صَباحَاهْ\". فاجتَمعَت إليه قريشٌ فقالوا له: ما لَك؟ فقال: \"أرأيْتَكُم إن أخْبَرْتُكم أن العدوَّ مُصَبِّحُكم أو مُمَسِّيكم، ألَا كنتُم تُصَدِّقونني؟ \". قالوا: بلى. قال: \"فإنى نذيرٌ لكم بينَ يَدَىْ عذابٍ شديدٍ\". فقال أبو لَهَبٍ: تَبًّا لك، ألهذا دَعَوْتَنا، أو جَمَعْتَنا؟ فأنزل اللهُ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ المسد: ١] إلى آخرِ السورةِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بنُ مُرَّةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزلَت هذه الآيةُ: (وأنْذِرْ عشيرتَك\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الدلائل ٢/ ١٨١، ١٨٢ من طريق أبى كريب به، وأخرجه أحمد ٥/ ١٧ (٢٨٠١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٢٥، وابن منده في الإيمان (٩٥٠) من طريق ابن نمير به.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٠٨)، والنسائى في الكبرى (١١٧١٤)، وابن منده (٩٥١) من طريق أبي كريب به، وأخرجه أحمد ٤/ ٣٢٩ (٢٥٤٤)، والبخارى (٤٨٠١، ٤٩٧٢)، والترمذى (٣٣٦٣)، والبيهقي في الدلائل ٢/ ١٨٢، والبغوى (٣٧٤١) من طريق أبى معاوية به.","vol":"17","page":659},{"text":"الأقربين. ورهْطَك منهم المُخْلَصين) (^١). خرَج رسولُ اللهِ ﷺ حتى صَعِدَ الصَّفا، فهَتَف: \"يا صَبَاحاهْ\". فقالوا: مَن هذا الذي يَهْتِفُ؟ فقالوا: محمدٌ. فاجتَمَعوا إليه، فقال: \"يا بَنى فُلَانٍ، يا بَنِي فُلَانٍ، يا بَنِي عبدِ المُطَّلِبِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ\". فاجتَمعَوا إليه، فقال: \"أَرَأَيْتَكم إن أَخْبَرْتُكم أن خَيْلًا تخرُجُ بِسَفْحِ هذا الجبلِ أكُنْتُم مُصَدِّقِيَّ؟ \". قالوا: ما جَرَّبْنا عليك كَذِبًا. قال: \"فإني نذيرٌ لكم بينَ يَدَيْ عذابٍ شديدٍ\". فقال أبو لَهَبٍ: تَبًّا لك، ما جَمَعْتَنا إلا لهذا؟ ثم قامَ فنزَلت هذه السورةُ: (تَبَّتْ يَدَا أبي لَهَبٍ وقَد تبَّ) (^٢). كذا قرأ الأعمشُ إلى آخرِ السورةِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ بنُ هشامٍ، عن سفيانَ، عن حبيبٍ، سعيدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. خرَج رسولُ اللهِ ﷺ فقامَ على الصَّفا، فقال: \"يا صَبَاحاهْ\".\nقال: ثنا خالدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قام رسولُ اللهِ ﷺ على الصَّفَا، فقال: \"يا صَبَاحاهْ\". فجعَل يُعدِّدُهم: \"يا بَنِي فُلَانٍ، ويا بَنى فُلَانٍ، ويا بَنِي عبدِ مَنَافٍ\" (^٤).\n_________\n(^١) قال الإمام النووى: ظاهر هذه العبارة أن قوله: (ورهطك منهم المخلصين). كان قرآنا أنزل ثم نسخت تلاوته، ولم تقع هذه الزيادة في روايات البخارى. صحيح مسلم بشرح النووى ٣/ ٨٢. واستشكل ذلك القرطبي في تفسيره ٣/ ١٤٣ ثم قال: فلم يثبت ذلك نقلا ولا معنى.\n(^٢) ينظر ما سيأتي في تفسيره هذه الآية من سورة \"المسد\".\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٠٨)، وابن منده (٩٥٥) من طريق أبى كريب به، وأخرجه البخاري (٤٩٧١)، وأبو عوانة ١/ ٩٢، وابن حبان (٦٥٥٠)، وابن منده (٩٤٩)، والبيهقى في الدلائل ٢/ ١٨١، والبغوى (٣٧٤٢) من طريق أبي أسامة به.\n(^٤) أخرجه الطبراني (١٢٣٥٢)، وابن منده (٩٥٢) من طريق سفيان به مختصرًا.","vol":"17","page":660},{"text":"حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرةَ، عن عمرِو بن مُرَّةَ الجَمَليِّ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قال: أَتَى جَبَلًا فجعَل يَهْتِفُ: \"يا صَبَاحاهْ\". فأتاه مَن خَفَّ مِن الناسِ، وأرسَل إليه المُتَثاقِلون مِن الناسِ رُسُلًا، فجعَلوا يَجِيئُون يَتَّبِعون الصوتَ، فلما انتهوا إليه قال: \"إنَّ منكم مَن جَاءَ ليَنْظُرَ، ومنكم مَن أُرْسِل ليَنْظُرَ مَن الهاتِفُ\". فلما اجتَمَعوا وكَثُروا قال: \"أَرَأَيْتَكم (^١) لو أخبَرْتُكم أن خَيْلًا مُصَبِّحتُكم مِن هذا الجبلِ، أكُنْتُم مُصَدِّقِيَّ؟ \". قالوا: نعم، ما جَرَّبْنا عليك كَذِبًا. فقرَأ عليهم هذه الآياتِ التي أُنْزِلْنَ، وأَنْذَرَهم كما أُمِر، فجَعَل يُنَادِى: \"يا قريشُ، يا بني هاشمٍ\". حتى قال: \"يا بنى عبدِ المُطَّلِبِ، إني نَذِيرٌ لكم بينَ يَدَىْ عذابٍ شديدٍ\" (^٢).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عمرٍو أنه كان يقرأُ: (وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ، ورَهْطَكَ المُخْلَصين) (^٢).\nقال: ثنا سلَمَةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عبدِ الغفارِ بن القاسمِ، عن المِنْهالِ بن عمرٍو، عن عبدِ اللهِ بنُ الحارثِ بن نوفلِ بن الحارثِ بن عبدِ المطلبِ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ، عن عليِّ بن أبي طالبٍ، قال: لمَّا نزلَت هذه الآيةُ على رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دَعاني رسولُ اللهِ ﷺ، فقال لي: \"يا عليُّ، إِنَّ الله أَمَرَنِى أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرتى الأَقْرَبِين\". قال: \"فَضِقْتُ بذلك ذَرْعًا، وعَرَفْتُ أني متى ما أُنادِهم بهذا الأمرِ أَرَ منهم ما أكرَهُ، فصَمَتُّ حتى جاء جبريلُ، فقال: يا محمدُ، إنك إلَّا تَفْعَلْ ما تُؤْمَرُ به يُعَذِّبْكَ رَبُّكَ. فَاصْنَعْ لنا صاعًا مِن طعامٍ، واجْعَلْ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"أرأيتم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٧ إلى المصنف.","vol":"17","page":661},{"text":"عليه رِجْلَ شاةٍ، وامْلأْ لنا عُسًّا (^١) من لبنٍ، ثم اجْمَعْ لى بني عبد المطلبِ حتى أُكَلِّمهم وأبلِّغَهم (^٢) ما أُمِرْتُ به\". ففعَلْتُ ما أَمَرَنى به، ثم دعَوْتُهم له، وهم يومَئذٍ أربعون رجلًا، يَزِيدون رجلًا أو ينْقُصونه، فيهم أعمامُه؛ أبو طالبٍ، وحمزةُ، والعباسُ، وأبو لهبٍ، فلمَّا اجْتَمَعوا إليه دعانى بالطعامِ الذي صنَعْتُ لهم، فجئتُ به، فلما وضَعْتُه تَناوَل رسولُ اللهِ ﷺ حِذْيةً (^٣) مِن اللحمِ، فشقَّها، بأسنانِه، ثم ألقاها في نَواحي الصَّحْفة، ثم قال: \"خُذوا باسمِ اللهِ. فأكَل القومُ حتى ما لهم بشيءٍ حاجةٌ، وما [أرَى إلا مواضعَ] (^٤) أيديهم، وايمُ اللهِ الذي نفسُ عليٍّ بيدِه، إن كان الرجلُ الواحدُ لَيَأْكُلُ ما قدَّمْتُ لجميعِهم، ثم قال: \"اسْقِ الناسَ\". فجئْتُهم بذلك العُسِّ، فشرِبوا حتى رَوُوا منه جميعًا، وايْمُ اللهِ إِن كان الرجلُ الواحدُ منهم لَيَشْرَبُ مثلَه، فلمَّا أراد رسولُ اللهِ ﷺ أن يُكَلِّمَهم، بدَرَه أبو لهبٍ إلى الكلامِ، فقال: لَهَدَّ (^٥) ما سحَرَكم به صاحبُكم. فتفَرَّق القومُ، ولم يُكَلِّمْهم رسولُ اللهِ ﷺ، فقال: \"الغدَ يا عليُّ، إن هذا الرجلَ قد سبَقَنى إلى ما قد سمِعْتَ مِن القولِ، فتفَرَّق القومُ قبل أن أُكَلِّمَهم، فعدَّ (^٦) لنا مِن الطعامِ مثلَ الذي صنَعْتَ، ثم اجْمَعْهم لى\". قال: ففَعَلْتُ، ثم جمَعْتُهم، ثم دعانى بالطعامِ، فقرَّبْتُه لهم، ففعَل كما فعل بالأمسِ، فأكَلوا حتى\n_________\n(^١) العُس: القدح الكبير. النهاية ٣/ ٢٣٦.\n(^٢) في م: \"بلغهم\".\n(^٣) في ت ١: \"جديه\"، وفى ت ٢: \"جذبة\"، والحذية هي القطعة الصغيرة. وقيل: ما قطع من اللحم طولًا. ينظر اللسان (ح ذ ى).\n(^٤) في ت ٢: \"أدرى إلا موضع\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢: \"لهذا\". ولهد: كلمة يتعجب بها. النهاية ٥/ ٢٥٠.\n(^٦) في م: \"فأعد\".","vol":"17","page":662},{"text":"ما لهم بشيءٍ حاجةٌ، ثم قال: \"اسْقِهم\". فجئتُهم بذلك العُسِّ، فشرِبوا حتى رَوُوا منه جميعًا، ثم تكَلَّم رسولُ اللهِ ﷺ، فقال: \"يا بني عبدِ المطلبِ، إني واللهِ لي ما أَعْلَمُ شابًّا في العربِ جاء قومَه بأفضلَ مما جئْتُكم به، إني قد جئْتكم بخيرِ الدنيا والآخرةِ، وقد أمرَنى الله أن أَدْعُوكم إليه، فأيُّكم يُؤَازِرُني على هذا الأمرِ، على أن يكونَ أخى وكذا وكذا؟ \". قال: فأحْجَم القومُ عنها جميعًا، وقلتُ، وإنى لأَحْدَثُهم سنًّا، وأَرْمَصُهم (^١) عينًا، وأعْظَمُهم بطنًا، وأَحْمَشُهم (^٢) ساقًا: أنا يا نبيَّ اللهِ أكونُ وزيرَك (^٣). فأخَذ برقبتي، ثم قال: \"إن هذا أخي وكذا وكذا، فاسْمَعوا له وأَطِيعوا\". قال: فقام القومُ يَضْحَكون، ويقولون لأبي طالبٍ: قد أمَرَك أن تَسْمَعَ لابنِك وتُطِيعَ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثني ابن إسحاقَ، عن عمرِو بن عبيدٍ، عن الحسنِ بن أبي الحسنِ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ على رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْ\n_________\n(^١) في ص: \"أرمضهم\"، وفى ت ١: \"أومصهم\"، وفى ت ٢، ف: \"أومضهم\". وأرمصهم من الرمص، وهو البياض الذي تقطعه العين ويجتمع في زوايا الأجفان. النهاية ٢/ ٢٦٣.\n(^٢) في ص، م، ف: \"أخمشهم\". وفى ت ١، ت ٢: \"أحمسهم\". ورجل حمش الساقين. أي: دقيق الساقين. النهاية ١/ ٤٤٠.\n(^٣) بعده في ص، ت ٢: \"عليه\".\n(^٤) سيرة ابن إسحاق ص ١٢٦، وذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٢/ ٤٧٨، عن المصنف، وأخرجه الطحاوي في شرح المعانى ٣/ ٢٨٤، ٢٨٥، ٤/ ٣٨٧ مختصرًا، وأخرجه أبو نعيم في الدلائل (٣٣١) من طريق سلمة به، وأخرجه البيهقى في الدلائل ٢/ ١٧٨ - ١٨٠ من طريق أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عمن سمع عبد الله بن الحارث به. وقال أحمد بن عبد الجبار: بلغني أن ابن إسحاق إنما سمعه من عبد الغفار بن القاسم ابن مريم، عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٢٦ من طريق عبد الله بن الحارث عن علي. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٧ إلى ابن مردويه، وقال ابن كثير في تفسيره ٦/ ١٨٠: تفرد بهذا السياق عبد الغفار بن القاسم بن أبي مريم، وهو متروك كذاب شيعي، اتهمه على بن المدينى وغيره بوضع الحديث، وضعفه الأئمة ﵏.","vol":"17","page":663},{"text":"عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام رسولُ اللهِ ﷺ بالأبْطَحِ، ثم قال: \"يا بني عبد المطلبِ، يا بني عبدِ مَنافٍ، يا بنى قُصَيٍّ - قال: ثم فخَّذ (^١) قريشًا قبيلةً قبيلةً، حتى مرَّ على آخرهم - إنى أَدْعُوكم إلى اللهِ، وأُنْذِرُكم عذابَه\".\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قال: أُمِر محمدٌ أن يُنْذِرَ قومَه ويَبْدَأَ بأهلِ بيتِه وفَصيلتِه، قال: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ (^٢) [الأنعام: ٦٦].\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، قال: لما نزَلَت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قال النبيُّ ﷺ: \"يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، يا صفيةُ بنتَ عبد المطلبِ، اتَّقُوا النارَ ولو بشِقِّ تمرةٍ\" (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾: بدَأ بأهلِ بيتِه وفَصيلتِه.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: لَما نزَلَت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ جمَع النبيُّ ﷺ بنى هاشم، فقال: \"يا بني هاشمٍ، ألا [لا أُلْفِيَنَّكم] (^٤) تأْتونى تحْمِلون الدنيا، ويَأتى الناسُ يَحْمِلون الآخرةَ، ألا إن أوليائى منكم المُتَّقون، فاتَّقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ\" (^٥).\n_________\n(^١) أي: ناداهم فخذًا فخذًا. وهم أقرب العشيرة إليه. النهاية ٣/ ٤١٨.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٧ إلى ابن مردويه.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٧. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٥ إلى عبد بن حميد وابن مردويه بنحوه.\n(^٤) في ت ١: \"لألفينكم\"، وفى ت ٢: \"لفينكم\".\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٧.","vol":"17","page":664},{"text":"<span id=\"aya-3147\"></span>حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ بدأ بأهلِ بيتِه وفَصيلتِه. قال: وشَقَّ ذلك على المسلمين، فأنْزَل اللهُ تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١).\nوقولُه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾. يقولُ: وأَلِنْ جانبَك وكلامَكَ ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nكما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: يقولُ: لِنْ (^٢) لهم (^٣).\n\n<span id=\"aya-3148\"></span><span data-type='title' id=toc-6719>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فإن عصَتْك يا محمدُ عشيرتُك الأقْرَبون، الذين أمَرْتُك بإنذارِهم، وأبَوْا إلا الإقامةَ على عبادةِ الأوثانِ، والإشراكَ بالرحمنِ، فقلْ لهم: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ مِن عبادةِ الأصنامِ، ومعصيةِ بارئِ الأنامِ،\n\n<span id=\"aya-3149\"></span>﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ﴾ في نقمتِه مِن أعدائِه، ﴿الرَّحِيمِ﴾ بمَن أناب (^٤) إليه، وتاب (^٥) مِن مَعاصِيه، ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾.\n\n<span id=\"aya-3150\"></span>[يقولُ: الذي يرَاك حينَ تقومُ] (^٦) إلى صلاتِك.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص، ف، ت ١، ت ٢، ف: \"لين\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٢٧ من طريق أصبغ عن ابن زيد، ولفظه: ذلل لهم.\n(^٤) في ت ١: \"تاب\".\n(^٥) في ت ١: \"أناب\".\n(^٦) سقط من: ت ٢.","vol":"17","page":665},{"text":"وكان مجاهدٌ يقولُ في تأويلِ ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾. قال: أينَما كنتَ (^١).\n\n<span id=\"aya-3151\"></span>﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ويَرَى (^٢) تقلبَك في صلاتِك حينَ تقومُ، ثم حينَ (^٣) تَرْكَعُ، وحينَ تَسْجُدُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6720>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. يقولُ: قيامَك وركوعَك وسجودَك (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمِعْتُ أبى وعليَّ بنَ بَذِيمةَ يُحَدِّثان عن عكرمة في قولِه: ﴿يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال: قيامَه وركوعَه وسجودَه (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٢٧ من طريق حجاج به.\n(^٢) في ٢: \"نري\".\n(^٣) سقط من: ص، م.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٨ إلى ابن مردويه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٨٢٩ من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٨ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":666},{"text":"قال عكرمةُ في قولِه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال: قائمًا و[راكعًا وساجدًا] (^١) وجالسًا (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ويَرَى تقلُّبَك في المُصَلِّين، وإبصارَك منهم مَن خلفَك، كما تُبْصِرُ مَن هو بينَ يديك منهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-6721>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال (^٣): كان يَرَى مَن خلفَه، كما يَرَى مَن قُدَّامَه (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال: المُصَلِّين، كان يَرَى مَن خلفَه في الصلاةِ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن\n_________\n(^١) في ص، م، ف: \"ساجدًا وراكعًا\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٧.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١٨/ ٣٤٧ من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٢٩، والبيهقى في الدلائل ٦/ ٧٤ من طريق قيس، عن مجاهد، بزيادة: الصفوف.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٥١٤ ومن طريق الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٢٧٣ - وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٢٩، وأخرجه سفيان بن عيينة - كما في الدر المنثور ٥/ ٩٨ - ومن طريقه الحميدي (٩٦٢)، وابن عبد البر ١٨/ ٣٤٧، عن ابن أبي نجيح به وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":667},{"text":"مجاهدٍ قولَه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال: المصلِّين. قال: كان يَرَى في الصلاةِ مَن خلفَه.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. أي (^١): تصرُّفَك معَهم (^٢)؛ في الجلوسِ والقيامِ والقعودِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6722>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، [قال: قال] (^٣) ابن جريجٍ: أخبَرني عطاء الخُراسانيُّ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال: [يرَاك وأنت] (^٤) مع الساجدين تَقَلَّبُ وتقومُ وتَقْعُدُ معهم (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال: في المصلِّين (^٦).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال: هو ﴿السَّاجِدِينَ﴾: المصلِّين.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ويَرَى تصرُّفَك في الناسِ.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"أين\".\n(^٢) في ت ٢: \"معك\".\n(^٣) في ت ٢: \"عن\".\n(^٤) في ت ٢: \"نراك\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"17","page":668},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6723>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا ربيعةُ بنُ كُلْثُومٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ عن قولِه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال: في الناسِ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وتصرُّفَك في أحوالِك، كما كانت الأنبياءُ من قبلك تَفْعَلُه. والساجدون في قولِ قائلِ هذا القولِ: الأنبياءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6724>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِي يَرَاكَ﴾ الآية. قال: كما كانت الأنبياءُ (^٢) قبلَك (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بتأويلِه قولُ مَن قال: تأويلُه: ويَرَى تقلُّبَك مع الساجدين في صلاتِهم معك، حينَ تَقومُ معهم وتَرْكَعُ وتَسْجُدُ. لأن ذلك هو الظاهرُ من معناه.\nفأما قولُ مَن وجَّهه إلى أن معناه: وتقلُّبَك في الناسِ. فإنه قولٌ بعيدٌ مِن المفهومِ بظاهرِ التلاوةِ، وإن كان له وجهٌ؛ لأنه وإن كان لا شيءَ إلا وظلُّه يَسْجُدُ للهِ، فإنه ليس المفهومُ مِن قولِ القائلِ: فلانٌ مع الساجدين، أو في الساجدين. أنه مع الناسِ أو فيهم، بل المفهومُ بذلك أنه مع قومٍ سجودٍ (^٤) السجودَ المعروفَ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٢٩ من طريق يحيى به.\n(^٢) بعده في م: \"من\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٢٩ من طريق أبى كريب وابن نمير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٨ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في ف: \"سجدوا\".","vol":"17","page":669},{"text":"وتوجيهُ معاني كلامِ اللهِ إلى الأغلبِ أولى من توجيهِه إلى الأنكرِ.\nوكذلك أيضًا في قولِ مَن قال: معناه: تَتَقَلَّبُ في أبصارِ الساجدين. وإن كان له وجهٌ، فليس ذلك الظاهرَ مِن معانيه.\nفتأويلُ الكلامِ إذن: وتوَكَّلْ على العزيزِ الرحيمِ، الذي يراك حينَ تقومُ إلى صلاتِك، ويَرَى تقلُّبَك في المُؤْتَمِّين بك فيها، بينَ قيامٍ وركوعٍ وسجودٍ وجلوسٍ.\n\n<span id=\"aya-3152\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّك هو السميعُ تلاوتَك يا محمدُ، وذِكْرَك في صلاتِك ما تَتْلُو وتَذْكُرُ، العليمُ بما تَعْمَلُ فيها ويَعْمَلُ فيها مَن يَتَقَلَّبُ فيها معك، مُؤْتَمًّا بك. يقولُ: فرتِّلْ (^١) فيها القرآنَ، وأقِمْ حدودَها، فإنك بمَرْأًى مِن ربِّكَ ومَسْمَعٍ.\n\n<span id=\"aya-3153\"></span><span data-type='title' id=toc-6726>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هل أُنَبِّئُكم أيُّها الناسُ على مَن تَنَزَّلُ الشياطينُ مِن الناسِ؟\n\n<span id=\"aya-3154\"></span>﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ﴾. يعني: كذَّابٍ بَهَّاتٍ، ﴿أَثِيمٍ﴾. يعنى: آثِمٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6725>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) في ت ١، ف: \"قراءتك\".","vol":"17","page":670},{"text":"في قولِه: ﴿كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾. قال: كلِّ كَذَّابٍ مِن الناسِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾. قال: كذَّابٍ مِن الناسِ.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾. قال: هم الكَهَنةُ؛ تَسْتَرِقُ الجنُّ السمعَ، ثم يَأْتون به إلى أوليائِهم مِن الإنسِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأَسَدِيُّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بن وهبٍ، قال: كنتُ عندَ عبدِ اللهِ بن الزُّبيرِ، فقيل له: إن المُخْتارَ يزعُمُ أنه يُوحَى إليه. فقال: صدَق، ثم تَلا: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3155\"></span>وقولُه: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يُلْقِى الشياطينُ ﴿السَّمْعَ﴾، وهو ما يسمَعون مما اسْتَرَقُوا سَمْعَه مِن حينَ حَدَث من السماءِ إلى كلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ مِن أوليائِهم مِن بنى آدمَ.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥١٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٣٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٩ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٣٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٩٧، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٣٠ من طريق إسرائيل، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"17","page":671},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6727>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾. قال: الشياطينُ؛ ما سمِعتَه ألقَتْه على كلِّ أفَّاكٍ كذَّابٍ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾: الشياطينُ؛ ما سمِعَته أَلقَتْه على كلِّ أَفَّاكٍ. قال: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾. قال: القولَ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾. يقولُ: وأكثرُ من تَنزَّلُ (^٣) عليه الشياطينُ كاذِبون فيما يقولون ويُخْبِرون.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6728>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾: عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: الشياطينُ تَسْتَرِقُ السمعَ، فتَجِيءُ بكلمةِ حقٍّ، فيَقْذِفُها في أُذُنِ وَلِيِّه. قال: ويَزِيدُ فيها أكثرَ مِن مِائةِ كَذْبةٍ.\n\n<span id=\"aya-3156\"></span><span data-type='title' id=toc-6729>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي</span>\n_________\n(^١) تقدم أوله في الصفحة السابقة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٣٠ من طريق حجاج به.\n(^٣) في ت ١، ف: \"تتنزل\".","vol":"17","page":672},{"text":"كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: والشعراءُ يتَّبِعُهم (^١) أهلُ الغَيِّ، لا أهلُ الرشادِ والهُدى.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في الذين وُصِفوا بالغَيِّ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: رُوَاةُ الشِّعْرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6730>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحسينُ (^٢) بن يزيدَ الطَّحَّانُ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا قيسٌ، عن يَعْلَى، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، وحدَّثني أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ، عن قيسٍ، و[حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن عَطِيَّةَ، بن قيسٍ] (^٣)، عن يَعْلَى [بن النُّعْمانِ] (^٣)، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. قال: الرُّواةُ (^٤).\nوقال آخرون: هم الشياطينُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6731>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"الغاوون يعني\".\n(^٢) في النسخ: \"الحسن\". وتقدم في ٢/ ٢٩٦.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) أخرجه الفريابي - كما في الدر المنثور ٥/ ٩٩ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٣١ - عن قيس به.","vol":"17","page":673},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾: الشياطينُ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، [قال: أخبَرنا] (^٢) مَعْمَرٌ، عن قتَادةَ في قولِه: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. قال: يَتَّبِعُهم الشياطينُ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ بن كُهَيلٍ، عن عكرِمةَ في قولِه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. قال: عُصَاةُ الجِنِّ (^٤).\nوقال آخرون: هم السُّفَهَاءُ. وقالوا: نزَل ذلك في رَجُلَين تَهاجَيَا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6732>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥١٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٣٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عن\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٥١٩ عن وكيع به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٣١ من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد.","vol":"17","page":674},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: كان رَجُلان على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ أحدُهما مِن الأنصارِ، والآخرُ من قومٍ آخَرين، وأنهما تَهاجَيَا، وكان مع كلِّ واحدٍ منهما غُوَاةٌ من قومِه، وهم السُّفَهَاءُ، فقال اللهُ تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. قال: كان رَجُلان على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ أحدُهما مِن الأنصارِ، والآخرُ مِن قومٍ آخرين، تَهاجَيَا، مع كلِّ واحدٍ منهما غُواةٌ مِن قومِه، وهم السُّفَهَاءُ (^٢).\nوقال آخرون: هم ضُلَّالُ الجنِ والإنسِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6733>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. قال: هم الكفارُ، يَتَّبِعُهم ضُلَّالُ الجنِّ والإنسِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٣٣ عن محمد بن سعد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٩ إلى ابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٩ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٣١ من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٩ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"17","page":675},{"text":"﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. قال: الغاوُون المُشْرِكون (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ فيه ما قال اللهُ جلّ ثناؤُه: إن شعراءَ المشركين يَتَّبِعُهم غُوَاةُ الناسِ، ومَرَدةُ الشياطينِ، وعُصاةُ الجنِّ. وذلك أن الله عَمَّ بقولِه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ فلم يَخْصُصْ بذلك بعضَ الغُواةِ دونَ بعضٍ، فذلك على جميعِ أصْنافِ الغُواةِ التي دخَلَت في عُمُومٍ الآيةِ.\n\n<span id=\"aya-3157\"></span>وقولُه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألم تَرَ يا محمدُ ﴿أَنَّهُمْ﴾. يعنى الشعراءَ، في كلِّ وادٍ يذهَبون، كالهائمِ على وَجْهِه على غيرِ قَصْدٍ، بل جائزًا (^٢) عن (^٣) الحقِّ وطريقِ الرَّشادِ وقَصْدِ السبيلِ. وإنما هذا مثَلٌ ضَرَبَه اللهُ لهم في افتنانِهم في الوُجُوهِ التي يَفْتَنُّون (^٤) فيها بغيرِ حَقٍّ، فَيَمْدَحون بالباطلِ، قومًا، ويَهْجُون آخَرِين كذلك، بالكَذِبِ والزُّورِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6734>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾. يقولُ: في كلِّ لَغْوِ يَخوضُون (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٣٢ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"حايرا\".\n(^٣) في ص، م: \"على\".\n(^٤) افتن الرجل في حديثه وفي خطبته، إذا جاء بالأفانين. والأفانين الأساليب، وهي أجناس الكلام وطرقه. اللسان (ف ن ن).\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٣٣ من طريق أبي صالح به، وتقدم أوله في الصفحة السابقة.","vol":"17","page":676},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾. قال: في كلِّ فَنٍّ يَفْتَنُّون (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ﴾. قال: فَنٍّ، ﴿يَهِيمُونَ﴾. قال: يقولون (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾. قال: يَمْدَحون قومًا بباطلٍ، ويَشْتُمون قومًا بباطلٍ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3158\"></span>وقولُه: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾. يقولُ: وأن أكثرَ قِيلِهم باطلٌ وكَذِبٌ.\nكما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾. يقولُ: أكثرُ قولِهم يَكْذِبون (^٤).\nوعُنى بذلك شُعَرَاءُ المُشْرِكين.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥١٥، وتقدم أوله في ص ٦٧٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٣٣ من طريق حجاج به.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٣٣ من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٣٣ من طريق أبي صالح به، وتقدم أوله في ص ٦٧٥، ٦٧٦.","vol":"17","page":677},{"text":"زيدٍ: قال رجلُ لأبي: يا أبا أُسامةَ، أرأيتَ قولَ اللهِ جلّ ثناؤُه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾؟ فقال له أبى: إنما هذا لشُعَراءِ المُشْرِكين، وليس شعراءَ المؤمنين، ألَا تَرَى أنه يقولُ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلى آخِرِه. فقال: فَرَّجْتَ عنى يا أبا أُسامةَ، فَرَّجَ اللهُ عنك (^١).\nوقولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. وهذا استثناءٌ مِن قولِه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. وذُكر أن هذا الاستثناءَ نزَل في شعراءِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ كحسانَ بن ثابتٍ، وكعبِ بن مالكٍ، ثم هو لكلِّ مَن كان بالصفةِ التي وصَفه اللهُ بها.\nوبالذي قُلنا في ذلك جاءتِ الأخبارُ.\n\n<span id=\"aya-3159\"></span><span data-type='title' id=toc-6735>ذكرُ الرواية بذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ وعليُّ بنُ مجاهدٍ وإبراهيمُ بنُ المُخْتارِ، عن ابن إسحاق، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ (^٢)، عن أبي الحسنِ سالمٍ البَرَّادِ مولى تَميمٍ الدَّارِيِّ، قال: لمَّا نزلَت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. قال: جاء حسانُ بنُ ثابتٍ وعبدُ اللهِ بنُ رواحةَ وكعبُ بنُ مالكٍ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، وهم يَبْكُون، فقالوا: قد علِم اللهُ حينَ أنزَل هذه الآيةَ أنَّا شُعراءُ. فتَلا النبيُّ ﷺ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٣٤ من طريق أصبغ، عن ابن زيد به\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت، ف: \"قسط\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٥١٨، ٥١٩، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٣٤، ٢٨٣٥ من طريق =","vol":"17","page":678},{"text":"حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءِ بن يَسارٍ، قال: نزلَت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إلى آخرِ السورةِ، في حسَّانَ بن ثابتٍ، وعبدِ اللهِ بن رَوَاحةَ، وكعبِ بن مالكٍ.\nقال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ وطاوسٍ، قالا: قال: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾، فَنَسَخ من ذلك واسْتَثْنَى، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ثم استَثْنَى المؤمنين منهم، يعنى الشعراءَ، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ. فذكَر مثلَه.\nحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾. قال: هم الأنصارُ الذين هاجَوْا (^٢) مع رسولِ اللهِ ﷺ (^٣).\n_________\n= ابن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٩ إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن مردويه.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٣٤، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف ٢/ ٤٨٠ - من طريق الضحاك، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في النسخ: \"هاجروا\". والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٨، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٣٦ من طريق سعيد، عن قتادة.","vol":"17","page":679},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ، عن أبي حسنٍ البَرَّادِ، قال: لمَّا نزلَت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن حُمَيدٍ، عن سَلَمةَ.\nوقولُه: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في حالِ الذكرِ الذي وصَف اللهُ به هؤلاء المُسْتَثْنَين مِن الشعراءِ؛ فقال بعضُهم: هي حالُ منطقِهم ومُحاورتِهم الناسَ. وقالوا: معنى الكلامِ: وذكَروا الله كثيرًا في كلامِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-6736>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾: فِي كلامِهم (^١).\nوقال آخرون: بل ذلك في شِعْرِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-6737>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾. قال: ذكَروا الله في شِعْرِهم (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله وصَف هؤلاء\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٣٥ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٩ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٤٩.","vol":"17","page":680},{"text":"الذين اسْتَثْناهم من شعراءِ المؤمنين بذِكْرِ اللهِ كثيرًا، ولم يَخُصَّ [ذِكْرَهم الله] (^١) على حالٍ دونَ حالٍ في كتابِه، ولا على لسانِ رسولِه، فصِفَتُهم أنهم يذكُرون الله كثيرًا في كلِّ أحْوالِهم.\nوقولُه: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾. يقولُ: وانتَصَروا مِمَّن هَجَاهُم مِن شُعراءِ المُشْرِكين ظُلْمًا، بشِعْرِهم وهِجائِهم إيَّاهم، وإجابتِهم عما هَجَوْهم به.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6738>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾. قال: يَرُدُّون على الكفارِ الذين كانوا يَهْجُون المؤمنين (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَانْتَصَرُوا﴾: من المشركين، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾.\nوقيل: عنَى بذلك كلِّه الرَّهْطُ الذين ذَكَرْتُ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الله ذكرهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٣٥ من طريق أبي صالح، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩٩ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"17","page":681},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6739>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا [سلمةُ و] (^١) عليُّ بنُ مجاهدٍ وإبراهيمُ بنُ المُخْتارِ، عن ابن إسحاقَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ، عن أبي الحسنِ سالمٍ البَرَّادِ مولى تَميمٍ الدَّارِيِّ، قال: لمَّا نزلَت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. جاء حسَّانُ بنُ ثابتٍ وعبدُ اللهِ بن رَوَاحةً وكعبُ بنُ مالكٍ إلى النبيِّ ﷺ وهم يَبْكُون، فقالوا: قد عَلِم اللهُ حينَ أنزَل هذه الآيةَ أنَّا شعراءُ. فتَلا النبيُّ ﷺ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ، عن أبي حسنٍ البَرَّادِ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. ثم ذكَر نحوَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾. قال: عبدُ اللهِ بنُ رَوَاحةَ وأصحابُه (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾. قال: عبدُ اللهِ بن رَوَاحَةَ.\nوقوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وسيعلمُ الذين ظلَموا\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٦٧٩.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥١٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٣٦. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"17","page":682},{"text":"أنفسَهم بشِرْكِهم باللهِ من أهلِ مكةَ، ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. يقولُ: أَيَّ مَرْجِعٍ يَرْجِعُون إليه، وأيَّ مَعادٍ يعودون إليه بعدَ مَماتِهم، فإنَّهم يصيرون إلى نارٍ لا يُطفأُ سعيرُها، ولا يَسْكُنُ لهبُها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6740>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ وعليُّ بنُ مجاهدٍ وإبراهيمُ بنُ المختارِ، عن ابن إسحاقَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ، عن أبي الحسنِ سالمٍ البرَّادِ مولى تميمٍ الداريِّ: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾: يعنى أهلَ مكةَ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. قال: وسيعلمُ الذين ظلموا من المشركين، أيَّ منقَلَبٍ ينقلبون.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ الشعراءِ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٦٧٩.","vol":"17","page":683},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6741>تفسيرُ سورةِ النَّملِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-3160\"></span><span data-type='title' id=toc-6742>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ </span>(٣)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: وقد بيَّنا القولَ فيما مضى من كتابِنا هذا، فيما كان من حروفِ المعجمِ في فواتحِ السورِ، فقولُه: ﴿طس﴾ مِن ذلك. وقد رُوِى عن ابن عباسٍ أَنَّ قولَه: ﴿طس﴾. قَسَمٌ أقسَمه اللهُ، هو من أسماءِ اللهِ.\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ (^١).\nفالواجبُ على هذا القولِ أن يكونَ معناه: والسميعِ اللطيفِ، إنَّ هذه الآياتِ التي أنزَلتُها إليك يا محمدُ، لآياتُ القرآنِ، وآياتُ ﴿كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، يقولُ: يبينُ لمن تدَبَّره وفكَّر فيه بفَهمٍ، أنه من عندِ اللهِ، أنزَله إليك، لم تتخرَّصْه أنت ولم تتقوَّلْه، ولا أحدٌ سواك من خَلقِ اللهِ؛ لأنه لا يقدرُ أحدٌ من الخلْقِ أنْ يأتيَ بمثلِه، ولو\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"قوله\".\nوالأثر تقدم تخريجه في ١/ ٢٠٧، ١٧/ ٥٤٢.","vol":"18","page":5},{"text":"تظاهرَ عليه الجنُّ والإنسُ.\nوخُفِض قولُه: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾. عطفًا به على \"القرآنِ\".\n\n<span id=\"aya-3161\"></span>وقولُه: ﴿هُدًى﴾. من صفةِ \"القرآن\". يقولُ: هذه آياتُ القرآنِ بيانٌ مِن اللهِ، بيَّن (^١) به طريقَ الحقِّ وسبلَ (^٢) السلامِ، ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وبشارةٌ لمن آمَن به وصدَّق بما أُنزِل فيه، بالفوزِ العظيمِ في المعادِ.\nوفي قولِه: ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾. وجهان من العربيةِ؛ الرفعُ على الابتداءِ، بمعنى: هو هدًى وبُشرى. والنصبُ على القطعِ من: ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾. فيكونُ معناه: تلك آياتُ القرآنِ الهُدَى (^٣) والبشْرى للمؤمنين. ثم أُسقِطت الألفُ واللامُ من \"الهدى\" و\"البشرى\"، فصارا نكرةً، وهما صفةٌ للمعرفةِ، فنُصِبا.\n\n<span id=\"aya-3162\"></span>وقولُه: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾. يقولُ: هو هدًى وبشرى لمن آمَن بها، وأقام الصلاةَ المفروضةَ بحدودِها.\nوقولُه: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. يقولُ: ويؤدّون (^٤) الزكاة المفروضةَ. وقيل: معناه: ويطهِّرون أجسادَهم من دنسِ المعاصى. وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى بما أغنَى عن إعادِته في هذا الموضعِ (^٥).\n﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. يقولُ: وهم مع إقامتِهم الصلاةَ المفروضةَ (^٦)، وإيتائِهم الزكاةَ الواجبةَ، بالمعادِ إلى اللهِ بعد المماتِ يُوقنون، فيذِلُّون في طاعةِ اللهِ؛\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) في م، ت ١: \"سبيل\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) في ت ٢: \"يؤتون\".\n(^٥) ينظر ما تقدم في ١/ ٦١١، ٦١٢، ٢/ ١٩٨.\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ف.","vol":"18","page":6},{"text":"رجاءَ جزيلِ ثوابِه، وخوفَ عظيمِ عقابِه، وليسوا كالذين يُكذِّبون بالبعثِ ولا يبالُون؛ أحسَنوا أم أساءوا، وأطاعوا أم عَصَوا (^١)؛ لأنهم إنْ أحسنوا لم يرجُوا ثوابًا، وإنْ أساءوا لم يخافوا عقابًا.\n\n<span id=\"aya-3163\"></span><span data-type='title' id=toc-6743>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: إِنَّ الذين لا يُصدِّقون بالدارِ الآخرةِ، وقيامِ الساعةِ، وبالمعادِ إلى اللهِ بعدَ المماتِ، والثوابِ والعقابِ، ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾. يقولُ: حبَّبنا إليهم قبيحَ أعمالِهم، وسهَّلْنا ذلك عليهم، ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾. يقولُ: فهم في ضلالِ أعمالِهم القبيحةِ التي زيَّنَّاها لهم، يتردَّدون حيارَى، يحسَبون أنَّهم يحسِنون.\n\n<span id=\"aya-3164\"></span>وقولُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: هؤلاء الذين لا يُؤمنون بالآخرةِ لهم سوءُ العذابِ في الدنيا، وهم الذين قُتِلوا ببدرٍ من مشركي قريشٍ، ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾. يقولُ: وهم يومَ القيامةِ هم الأوضَعون تجارةً، والأَوكَسُونها (^٢)؛ باشترائِهم الضلالَة بالهدَى، ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦].\n\n<span id=\"aya-3165\"></span><span data-type='title' id=toc-6744>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"عصوه\".\n(^٢) في م: \"الأوكسوها\".","vol":"18","page":7},{"text":"يقولُ تعالى ذِكرُه: وإنَّك يا محمدُ، لَتُحَفَّظُ القرآنَ وتُعَلَّمُه، ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾. يقولُ: من عندِ حكيمٍ بتدبيرِ خلْقِه، عليمٍ بأنباءِ خلْقِه ومصالِحهم، والكائنِ من أمورِهم، والماضى من أخبارِهم، والحادثِ منها، ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى﴾. و﴿إِذْ﴾ من صلةِ ﴿عَلِيمٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-3166\"></span>ومعنى الكلامِ: عليمٌ حينَ قال موسى لأهلِه وهو في مسيرِه من مَدْيَنَ إلى مصرَ، وقد آذاهم بَرْدُ ليلهم لما أصلَدَ زَنْدُه (^١): ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾. أي: أبصرتُ نارًا أو أحْسَستُها، فامكُثوا مكانَكم، ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾. يعنى: من النارِ. والهاءُ والألفُ مِن ذِكرِ \"النارِ\".\n﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾. واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (بِشِهابِ قَبَسٍ). بإضافةِ \"الشهابِ\" إلى \"القَبَسِ\"، وتركِ التنوينِ (^٢)، بمعنى: أو آتيكم بشُعلةِ نارٍ أقتبسُها منها.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأة أهلِ الكوفةِ: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ بتنوينِ \"الشهابِ\"، وتركِ إضافتِه إلى \"القَبْسِ\" (^٣)، يعنى: أو آتيكم بشهابٍ مقَتبَسٍ.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قَرَأةِ الأمصارِ، متقاربتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوكان بعضُ نحويّى البصرة يقولُ: إذا جعلَ \"القبسَ\" بدلًا من \"الشِّهابِ\"، فالتنوينُ في \"الشهابِ\"، وإِنْ أضاف \"الشهابَ\" إلى \"القبسِ\"، لم ينوَّنِ \"الشهابَ\".\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (^٤): إذا أُضيف الشهابُ إلى القبسِ، فهو بمنزلةِ\n_________\n(^١) الزند: هو العود الذي يقدح به النار. وأصلد زنده، أي: صوَّت ولم يخرج نارًا. التاج (ز ن د، ص ل د).\n(^٢) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٤٧٨.\n(^٣) هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٤) هو الفراء، ينظر معاني القرآن ٢/ ٢٨٦.","vol":"18","page":8},{"text":"قولِه: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩]. مما يضافُ إلى نفسِه إذا اختلَف اسماه ولفظاه، تَوَهُّمًا بالثانى أنه غيرُ الأَوَّلِ. قال: ومثلُه: حَبَّةُ الخضراءِ، وليلةُ القَمْراءِ، ويومُ الخميسِ، وما أشبَهَه.\nوقال آخرُ منهم: إنْ كان \"الشهابُ\" هو \"القَبَسَ\" لم تجزِ الإضافةُ؛ لأنَّ \"القَبَسَ\" نعتٌ، ولا يُضافُ الاسمُ إلى نعتِه إلا في قليلٍ من الكلامِ، وقد جاء: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةُ﴾، ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ [الأنعام: ٣٢].\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أنَّ \"الشهابَ\" إذا أُريدَ به أنه غيرُ \"القبَسِ\"، فالقراءةُ فيه بالإضافةِ؛ لأنَّ معنى الكلامِ حينئذٍ ما بَيَّنَا من أنه شُعْلَةُ قَبَسٍ، كما قال الشاعرُ (^١):\nفي كَفَّهِ صَعْدَةٌ مُثَقَّفَةٌ … فيها سنانٌ كشُعْلَةِ القَبَسِ\nوإذا أُريد بالشهابِ أنه هو \"القبَسُ\"، أو أنه نعتٌ له، فالصوابُ في \"الشهابِ\" التنوينُ؛ لأنَّ الصحيحَ في كلام العربِ تركُ إضافةِ الاسمِ إلى نعتِه، وإلى نفسِه، بل الإضافاتُ في كلامِها المعروفةُ (^٢) إضافةُ الشيءِ إلى غيرِ نفسِه، وغيرِ نعتِه.\nوقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾. يقولُ: كي تصطَلوا بها من البردِ.\n[كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾. قال: من البردِ] (^٣).\n\n<span id=\"aya-3167\"></span>وقولُه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا﴾. يقولُ: فلما جاء موسى النارَ التي آنسَها، ﴿نُودِيَ أَنْ\n_________\n(^١) هو أبو زبيد الطائى، والبيت في شعره (مجموع) ص ١٠٥.\n(^٢) في م: \"المعروف\".\n(^٣) سقط من: م.\nوالأثر أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٠٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٤٣، ٢٩٧٣ من طريق عمرو به.","vol":"18","page":9},{"text":"بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.\nكما حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾. يقولُ: قُدِّس (^١).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾؛ فقال بعضُهم: عنى ﷻ بذلك نفسَه، وهو الذي كان في النارِ، وكانت النارُ نُورَه تعالى ذِكرُه، في قولِ جماعةٍ من أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6745>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾: يعنى نفسَه. قال: كان نورُ ربِّ العالمين في الشجرةِ (^٢).\nحدَّثني إسماعيلُ بنُ الهيثمِ أبو العاليةِ العبديُّ، قال: ثنا أبو قُتيبةَ، عن ورقاءَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ في قولِ اللهِ: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾. قال: ناداه وهو في النارِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (^٤)، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. قال: هو النورُ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٤٥ من طريق أبي صالح به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٤٥ عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٢ إلى ابن مردويه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٤٦ من طريق ورقاء به، وعنده: ناداه وهو في النور. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٢ إلى ابن المنذر.\n(^٤) بعده في ت ٢: \"قال: ثني حجاج\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٧٩ عن معمر به.","vol":"18","page":10},{"text":"قال معمرٌ قال قتادةُ: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾. قال: نورُ اللهِ بُورك (^١).\nقال: ثنا الحسينُ (^٢)، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال الحسنُ البصريُّ: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: بورِكَتِ النارُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6746>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الأشْيبُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾: بورِكت النارُ. قال: كذلك قال ابن عباسٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾. قال: بُورِكَتِ النارُ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾. قال: بورِكَتِ النارُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا مكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا موسى، عن محمدِ بن كعبٍ في قولِه: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾. قال: نورُ الرحمنِ،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٧٩ عن معمر به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الحسن\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥١٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٤٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":11},{"text":"والنورُ هو اللهُ، سبحانَ اللهِ ربِّ العالمين (^١).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى النارِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناه النورُ، كما ذكَرتُ عمن ذكَرتُ ذلك عنه.\nوقال آخرون: معناه النارُ لا النورُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6747>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ أنه قال: حِجابُ العزّةِ، وحجابُ الملكِ، وحجابُ السلطانِ، وحجابُ النارِ، وهى تلك النارُ التي نُودىَ منها. قال: وحجابُ النورِ، وحجابُ الغَمامِ، وحجابُ الماءِ (^٢).\nوإنما قيل: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾. ولم يقلْ: بُورك في من في النار. على لغةِ الذين يقولون: باركَك اللهُ. والعربُ تقولُ: باركَك اللهُ، وبارَك فيك.\nوقولُه: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. يقولُ: ومَن حولَ النارِ. وقيل: عنَى بمن حولَها الملائكةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6748>ذِكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٤٦ من طريق مكى بن إبراهيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٢ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة ص ١١٦ من طريق حجاج، عن ابن جريج، عن مجبر، عن سعيد.","vol":"18","page":12},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. قال: يعنى الملائكةَ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن الحسنِ مثلَه (^٢).\nوقال آخرون: هو موسى والملائكةُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا مكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا موسى، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. قال: موسى النبيُّ والملائكةُ. ثم قال: يا مُوسَى، إنى أنا اللهُ الْعَزِيزُ الحَكيمُ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. [يقولُ: وتنزيهًا للهِ ربِّ العالمين] (^٤) مما يصفُه به الظالمون.\n\n<span id=\"aya-3168\"></span><span data-type='title' id=toc-6749>القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه مخبرًا عن قيلِه لموسى: إنه أنا اللهُ العزيزُ في نقمتِه من أعدائِه، الحكيمُ في تدبيرِه في خلقِه.\nوالهاءُ التي في قولِه: ﴿إِنَّهُ﴾ هاءُ عمادٍ، وهو اسمٌ لا يظهرُ في قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٤٦ من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٢ إلى ابن مردويه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٧٩ عن معمر عن الحسن.\n(^٣) تقدم تخريجه ص ١١.\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٥) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٨٧.","vol":"18","page":13},{"text":"وكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يقولُ: هي الهاءُ المجهولةُ، ومعناها: إنَّ الأمرَ والشأنَ، أنا اللهُ.\n\n<span id=\"aya-3169\"></span>وقولُه: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾. وفى الكلامِ محذوفٌ تُرِك ذكرُه؛ استغناءً بما ذُكِر عما حُذِف، وهو: فألقاها، فصارت حيةً تهتزُّ، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾. يقولُ: كأنها حيةٌ عظيمةٌ. والجانُّ جنسٌ من الحياتِ معروفٌ.\nوقال ابن جُرَيْجٍ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾. قال: حينَ تحوَّلت حيةً تسعى (^١).\nوهذا الجنسُ من الحياتِ عَنى الراجزُ بقولِه (^٢):\nيَرْفَعْنَ (^٣) باللَّيْلِ إِذَا مَا أَسْدَفا (^٤)\nأعناقَ جِنَّانٍ وَهامًا رُجَّفَا\nوَعَنَقًا باقي (^٥) الرَّسِيمِ خَيْطَفا\nوقولُه: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ولَّى موسى هاربًا خوفًا منها، ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. يقولُ: ولم يرجِعْ من قولِهم: عَقَّب فلانٌ. إذا رجَع على عقِبهِ إلى حيثُ بدَأ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٢ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) هو حذيفة بن بدر الخطفى جد جرير بن عطية، والرجز في الحيوان ٦/ ١٧٣، والبيان والتبيين ١/ ٣٦٦، وخزانة الأدب ١/ ٧٥.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"يرفلن\".\n(^٤) في ص: \"أسرفا\"، وفى ت ١، ف: \"أرجفا\"، وفي ت ٢: \"أشرفا\".\n(^٥) في م: \"بعد\".","vol":"18","page":14},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6750>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. قال: لم يرجِعْ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: لم يلتفِتْ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. قال: لم يرجِعْ (^٣)، لما ألقَى العصا صارت حيةً، فرُعِب منها وجزِع، فقال اللهُ: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. قال: فلم يرعوِ لذلك. قال: فقال اللهُ له: ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١]. قال: فلم يقفْ أيضًا على شيءٍ من هذا حتى قال: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ [طه: ٢١]. قال: فالتفَت فإذا هي عصًا كما كانت، فرجَع فأخَذها، ثم قوِى بعدَ ذلك عليها (^٤)، حتى صار يُرسلُها على فرعونَ ويأخُذُها (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥١٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٤٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٢ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٧٩ عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٤٨ من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) بعده في ص، م، ف: \"يا موسى قال\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٤٩ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"18","page":15},{"text":"وقوله: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾.\nيقولُ تعالى ذكره: فناداه ربُّه: يا موسى، لا تَخَفْ مِن هذه الحيةِ، ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. يقولُ: إنى لا يخافُ عندى رسلى وأنبيائى الذين أَخْتَصُّهم بالنبوةِ، إلا من ظلَم منهم، فعمِل بغيرِ الذي أُذِن له في العمل به.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6751>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال قولَه: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. قال: لا يُخيفُ اللهُ الأنبياءَ إلا بذنبٍ يُصِيبُه أحدُهم، فإنْ أصَابه أخافه يَأْخُذَه منه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو (^٢) عبدِ اللهِ الفَزاريُّ، عن عبدِ اللهِ بن المباركِ، عن أبي بكرٍ، عن الحسنِ، قال قولَه: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾. قال: إنى إنما أخَفْتُك لقتلِك النفسَ. قال: وقال الحسنُ: كانت الأنبياءُ تُذنِبُ فتُعاقَبُ، [ثم تُذنبُ واللهِ فتعاقَبُ] (^٣).\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ ﴿إِلَّا﴾ في هذا الموضعِ، وهو استثناءٌ، إِلَّا مع وعدِ اللهِ الغُفْرانَ المُسْتَثْنَى من قولِه: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. [بقولِه: ﴿فَإِنِّي] (^٤) غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وحكمُ الاستثناءِ أن يكونَ ما بعدَه بخلافِ معنى ما قبلَه، وذلك أن يكونَ ما بعدَه - إن كان ما قبلَه منفيًّا - مُثْبَتًا، كقولِه: ما قام إلا زيدٌ.\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ١٤٦.\n(^٢) سقط من: م، وهو محمد بن عيينة الفزارى، ينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٢٦٤.\n(^٣) سقط من: م.\nوالأثر ذكره القرطبي في تفسيره ١٣/ ١٦١.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"يقول وإني\".","vol":"18","page":16},{"text":"فـ\"زيدٌ\" مثبَتٌ له القيامُ؛ لأنه مُسْتَثْنًى مما قبلَ \"إلا\"، وما قبلَ \"إلا\" منفيٌّ عنه القيامُ، و(^١) أن يكونَ ما بعَده - إن كان ما قبلَه مثبَتًا - منفيًّا، كقولِهم: قام القومُ إلا زيدًا. فـ \"زيدٌ\" منفيٌّ عنه القيامُ، ومعناه: إن زيدًا لم يَقُمْ. والقومُ مثبَتٌ لهم القيامُ.\n\n<span id=\"aya-3170\"></span>و(^١) ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾، فقد أمَّنه اللهُ بوعدِه الغفرانَ والرحمةَ، وأَدْخَله في عِدادِ مَن لا يَخافُ لديه من المرسَلين؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أُدْخِلَت \"إلا\" في هذا الموضعِ؛ لأن \"إلا\" تَدْخُلُ في مثلِ هذا الكلامِ، كمثلِ قولِ العربِ: ما أشْتَكِى إلا خيرًا. فلم يَجْعَلْ قولَه: إلا خيرًا، على الشكوى، ولكنه علِم أنه إذا قال: ما أشْتَكِى شيئًا. أنه يَذْكُرُ عن نفسِه خيرًا، كأنه قال: ما أَذْكُرُ إلا خيرًا.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (^٢): يقولُ القائلُ: كيف صُيِّر خائفًا من ظلَم، ثم بَدَّل حسنًا بعدَ سوءٍ، وهو مغفورٌ له؟ فأقولُ له: في هذه الآيةِ وجهان؛ أحدُهما، أن يقولَ: إن الرسلَ معصومةٌ (^٣)، مغفورٌ لها، آمِنةٌ يومَ القيامةِ، ومَن خلَط عملًا صالحًا وآخرَ سيئًا فهو يَخافُ ويَرْجو. فهذا وجه. والآخرُ، أن يجعل الاستثناءَ من الذين تُركوا في الكلمةِ؛ لأن المعنى: لا يخافُ لديَّ المُرْسَلون، إنما الخوفُ على مَن سِواهم. ثم اسْتَثْنَى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾. يقولُ: كان مُشْرِكًا فتابَ مِن الشِّرْكِ، وعمِل حُسْنًا، فذلك مغفورٌ له، وليس بخائفٍ (^٤).\nقال: وقد قال بعضُ النحويِّين (^٥): إن \"إلَّا\" في اللغةِ بمنزلةِ \"الواوِ\"، وإنما معنى هذه الآيةِ: لا يخافُ لديَّ المُرسَلون، ولا مَن ظلَم ثم بدَّل حُسْنًا. قال:\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف.\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٨٧.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"معصومون\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"يخاف\".\n(^٥) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٦٠. وينظر ما تقدم في ٢/ ٦٨٨.","vol":"18","page":17},{"text":"وجعَلوا مثلَه كقولِ اللهِ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا (^١) الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]. قال: ولم أجِدِ العربيةَ تَحتملُ ما قالوا؛ لأنى لا أجيزُ: قامَ الناسُ إلا عبدَ اللهِ، وعبدُ اللهِ قائمٌ، إنما معنى الاستثناءِ أن يخرجَ الاسمُ الذي بعدَ \"إلا\" من معنى الأسماءِ التي قبلَ \"إلا\"، وقد أراه جائزًا أن يقولَ: لى عليك ألفٌ سِوى ألفٍ آخرَ. فإن وضعتَ \"إلا\" في هذا الموضعِ صَلَحَت، وكانت \"إلا\" في تأويلِ ما قالوا، فأما مُجرَّدةً قد اسُتثْنِى قليلُها من كثيرِها فلا، ولكن مثلُه مما يكونُ معنى \"إلا\" كمعنى \"الواوِ\" وليست بها، قولُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] هو في المعنى: والذي شاء ربُّك مِن الزيادةِ. فلا تُجعَلُ \"إلا\" بمنزلةِ \"الواوِ\"، ولكن بمنزلةِ \"سِوى\"، فإذا كانت \"سوى\" في موضعِ \"إِلَّا\" صَلَحَت بمعنى \"الواوِ\"؛ لأنك تقولُ: عندى مالٌ كثيرٌ سوى هذا. أي: وهذا عندى. كأنك قلتَ: عندى مالٌ كثيرٌ، وهذا أيضًا عندى. وهو في \"سِوى\" أبعدُ منه في \"إلا\"؛ لأنك تقولُ: عندى سوى هذا. ولا تقولُ: عندى إلا هذا.\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ﴾. عندى غيرُ ما قاله هؤلاء الذين حكَينا قولَهِم مِن أهلِ العربيةِ، بل هو القولُ الذي قالَه الحسنُ البصريُّ وابنُ جُرَيجٍ، ومَن قال قولَهما؛ وهو أن قولَه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ استثناءٌ صحيحٌ مِن قولِه: ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. إلا مَن ظلَم منهم فأتَى ذَنْبًا، فإنه خائفٌ لدَيه مِن عُقُوبَتِه.\nوقد بيَّن الحسنُ ﵀ معنى قيلِ اللهِ موسى ذلك، وهو قولُه: قال: إنى إنما أَخَفْتُك لَقَتْلِك النفسَ.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"ولا\".","vol":"18","page":18},{"text":"فإن قال قائلٌ: فما وجهُ قِيلِه إن كان قولُه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ استثناءً صحيحًا، وخارجًا من عدادِ مَن لا يخافُ لديه مِن المرسلين؟ وكيف يكونُ خائفًا من كان قد وُعِد الغفرانَ والرحمةَ؟\nقيل: إن قولَه: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾. كلامٌ آخرُ بعدَ الأَوَّلِ، وقد تناهَى الخبرُ عن الرسلِ ممَّن ظلَم منهم ومن لم يظلِمْ عندَ قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾. ثم ابتَدأ الخبرَ عمَّن ظلَم مِن الرسلِ، وسائرِ الناسِ غيرِهم. وقيل: فمَن ظلم ثم بدَّل حُسْنًا بعدَ سُوءٍ فإني له غفورٌ رحيمٌ.\nفإن قال قائلٌ: فعلامَ تَعْطِفُ، إن كان الأمرُ كما قلتَ، بـ ﴿ثُمَّ﴾، إن لم يَكُنْ عطفًا على قولِه: ﴿ظَلَمَ﴾؟\nقيل: على متروكٍ اسْتُغْنِى بدلالةِ قولِه: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ عليه عن (^١) إظْهارِه، إذ كان قد جرَى قبلَ ذلك مِن الكلامِ نظيرُه، وهو: فمَن ظلَم مِن الخلقِ. وأما الذين ذكَرنا قولَهم مِن أهلِ العربيةِ، فقد قالوا على مذهبِ العربيةِ، غيرَ أنهم أغفَلوا معنى الكلمةِ، وحمَلوها على غيرِ وَجْهِها من التأويلِ، وإنما ينبغى أن يُحمَلَ الكلامُ على وجهِه مِن التأويلِ، ويُلْتَمَسَ له على ذلك الوجهِ للإعرابِ في الصحةِ، مَخْرَجٌ، لا على إحالةِ الكلمةِ عن معناها ووَجْهها الصحيحِ مِن التأويلِ.\nوقولُه: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فمَن أتَى ظُلْمًا مِن خلقِ اللهِ، ورَكِب مأثمًا، ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾. يقولُ: ثم تابَ مِن ظُلْمِه ذلك، وركوبِه المأثمَ، ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (^٢)﴾. يقولُ: فإني ساترٌ على ذنبِه وظلمِه ذلك،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"و\".\n(^٢) سقط من: م.","vol":"18","page":19},{"text":"بعَفْوى عنه، وتركِي عقوبتَه عليه، رحيمٌ به أن أُعاقِبَه بعدَ تَبْديلِه الحُسْنَ بعده (^١).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6752>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾: ثم تابَ مِن بعدِ إساءتِه، ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3171\"></span><span data-type='title' id=toc-6754>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قِيلِه لنبيِّه موسى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾. ذُكِر أنه تعالى ذكرُه أمَره أن يُدْخِلَ كفَّه في جيبِه، وإنما أمرَه بإدخالِه في جيبِه؛ لأن الذي كان عليه يومَئِذٍ مِدْرَعةٌ مِن صوفٍ؛ قال بعضُهم: لم يَكُنْ لها كُمٌّ. وقال بعضُهم: كان كُمُّها إلى بعضِ يَدِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6753>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾. قال: الكَفُّ قطُّ (^٣)، ﴿فِي جَيْبِكَ﴾. قال:\n_________\n(^١) في م: \"بضده\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ١٥.\n(^٣) في م: \"فقط\".","vol":"18","page":20},{"text":"كانت مِدْرَعةٌ إلى بعضِ يَدِه، ولو كان لها كُمٌّ أَمَره أن يُدْخِلَ يَدَه في كُمِّه (^١).\nقال: ثني حجاجٌ، عن يونسَ بن أبى إسحاقَ، عن أبيه، عن عمرِو بن ميمونٍ، قال: قال ابن مسعودٍ: إن موسى أتَى فرعونَ حينَ أتاه في زُرْمانِقَةٍ. يعنى: جُبَّةَ صوفٍ (^٢).\nوقولُه: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾. [يقولُ: تخرُجِ اليدُ بيضاءَ] (^٣) بغيرِ لون موسى، ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾. يقولُ: مِن غير بَرَصٍ، ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أَدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبك تخرُجْ بيضاءَ مِن غيرِ سُوءٍ، فهي آيةٌ في تسعِ آياتٍ، مُرْسَلٌ أنت بِهِنَّ [إلى فرعونَ. وتَرَك ذكرَ \"مُرْسَلٍ\"؛ لدلالةِ قولِه] (^٣): ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾. على أن ذلك معناه، كما قال الشاعرُ (^٤):\nرَأَتْنى بحَبْلَيْها فَصَدَّتْ مَخافَةً … وفى الحبلِ رَوْعاءُ الفُؤادِ فَرُوقُ\nومعنى الكلامِ: رأتْنى مُقْبِلًا بحَبْلَيها. فتَرَك ذكرَ \"مُقْبِلٍ\"؛ استغناءً بمعرفةِ السامِعين معناه في ذلك، إذ قال: رأتْنى بحَبْليها. ونظائرُ ذلك في كلامِ العربِ كثيرةٌ.\nوالآياتُ التسعُ هُنَّ الآياتُ التي بَيَّنَّاهن فيما مَضَى (^٥).\nوقد حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾. قال: هي التي ذكَر اللهُ في القرآنِ؛ العصا، واليَدُ، والجرَادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والطُّوفانُ، والدَّمُ، والحَجَرُ، والطَّمْسُ الذي أصابَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٥٠ من طريق حجاج به.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٧١.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) تقدم تخريجه في ٥/ ٦٨٤.\n(^٥) ينظر ما تقدم في ١٥/ ٩٩ وما بعدها.","vol":"18","page":21},{"text":"آل فرعونَ في أموالِهم (^١).\nوقولُه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. يقول: إن فرعونَ وقومَه مِن القِبْطِ كانوا ﴿قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. يعني: كافرِين باللهِ.\nوقد بَيَّنَّا معنى \"الفِسْقِ\" فيما مضَى (^٢).\n\n<span id=\"aya-3172\"></span><span data-type='title' id=toc-6756>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاءت فرعونَ وقومَه ﴿آيَاتُنَا﴾. يعنى: أَدِلَّتُنا وحُجَجُنا، على حقيقةِ ما دَعاهم إليه موسى وصحتِه، وهى الآياتُ التسعُ التي ذكَرناها قبلُ.\nوقولُه: ﴿مُبْصِرَةً﴾. يقولُ: يُبْصِرُ بها مَن نظَر إليها ورَآها حقيقةَ ما دلَّت عليه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6755>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾. قال: بَيِّنَةً، ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ: قال فرعونُ وقومُه: هذا الذي جاءَنا به موسى ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ: يَبينُ [للنَّاظِرِ إليه] (^٣) أنه سِحْرٌ.\n\n<span id=\"aya-3173\"></span>وقولُه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾. يقولُ: وكذَّبوا بالآياتِ التِّسْعِ أن تكونَ مِن عندِ اللهِ.\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٧٢.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٣٤.\n(^٣) في م: \"للناظرين له\".","vol":"18","page":22},{"text":"كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾. قال: الجُحُودُ التكذيبُ بها.\nوقولُه: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾. يقولُ: وأَيْقَنَتْها قلوبُهم، وعَلِموا يَقِينًا أنها مِن عندِ اللهِ، فعانَدوا بعدَ تَبَيُّنِهم (^١) الحقَّ، ومعرفتِهم به.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾. قال: يقينُهم في قلوبِهم.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. قال: اسْتَيْقَنوا أن الآياتِ مِنَ اللهِ حَقٌّ، فلِمَ جَحَدوا بها؟ قال: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (^٢).\nوقولُه: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. يعنى بالظُّلْمِ الاعتداءَ، والعُلُوِّ الكِبْرَ. كأنه قيل: اعتداءً وتَكَبُّرًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6757>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ في قولِه: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. قال: تَعَظُّمًا واسْتِكْبارًا.\nومعنى ذلك: وجَحَدوا بالآياتِ التسعِ ظُلْمًا وعُلُوًّا، واسْتَيْقَنَتْها أنفسُهم أنها من عندِ اللهِ، فعانَدوا الحقَّ بعدَ وُضُوحِه لهم، فهو من المُؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"يقينهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٥٣ من طريق أصبغ عن ابن زيد.","vol":"18","page":23},{"text":"وقولُه: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فانظُرْ يا محمدُ بعَيْنِ قلبِك كيف كان عاقبةُ تكْذِيبِ هؤلاء الذين جحَدوا آياتِنا حينَ جاءتْهم مُبْصِرةً، وماذا حَلَّ بهم مِن إفْسادِهم في الأرضِ، ومعصيتِهم فيها ربَّهم، وأعْقَبَهم ما فعَلوا، فإن ذلك أخرَجهم من جناتٍ وعيونٍ، وزُرُوعٍ ومَقَامٍ كريمٍ، إلى هَلاكٍ في العاجلِ بالغَرَقِ، وفى الآجلِ إلى عذابٍ دائمٍ، ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥]. يقولُ: وكذلك يا محمدُ سُنَّتي في الذين كذَّبوا بما جئْتَهم به مِن الآياتِ، على حقيقةِ ما تَدْعُوهم إليه مِن الحقِّ مِن قومِك.\n\n<span id=\"aya-3174\"></span><span data-type='title' id=toc-6758>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد آتَينا داودَ وسليمانَ عِلْمًا. وذلك علمُ كلامِ الطيرِ والدَّوَابِّ، وغيرِ ذلك مما خَصَّهم اللهُ بعلمِه، ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وقال داودُ وسليمانُ: الحمدُ للهِ الذي فَضَّلَنا بما حَصَّنا به مِن العلمِ الذي آتاناه دونَ سائرِ خلقِه من بني آدمَ في زمانِنا هذا، على كثيرٍ من عبادِه المؤمنين به في دَهْرِنا هذا.\n\n<span id=\"aya-3175\"></span><span data-type='title' id=toc-6759>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وورِث سليمانُ أباه داودَ العلمَ الذي كان [اللهُ آتاه] (^١) في حياتِه، والمُلْكَ الذي كان خَصَّه به على سائرِ قومِه، فجعَله له بعدَ أبيه داودَ دونَ سائرِ ولدِ أبيه، ﴿وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾.\n_________\n(^١) في م: \"آتاه الله\".","vol":"18","page":24},{"text":"[يقولُ: وقال سليمانُ لقومِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾] (^١). يعنى: فُهِّمْنا كلامَها، وجعَل ذلك من الطيرِ كمنطقِ الرجلِ مِن بني آدمَ، إذ فَهِمه عنها.\nوقد حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾. قال: بلَغنا أن سليمانَ كان عسكرُه مائةَ فرسخٍ؛ خمسةٌ وعشرون منها للإنسِ، وخمسةٌ وعشرون للجِنِّ، وخمسةٌ وعشرون للوَحْشِ، وخمسةٌ وعشرون للطيرِ، وكان له ألفُ بيتٍ مِن قَواريرَ على الخُشُبِ، فيها ثلاثُمائةِ صَريحةٍ، وسبعمائةِ سُرِّيَّةٍ، فأمَر الريحَ العاصفَ فرفَعتْه، وأمَر الرُّخاءَ فَسَيَّرتْه، فأوحَى اللهُ إليه وهو يسيرُ بيَن السماءِ والأرضِ: إنى قد زِدتُ (^٢)؛ أنه لا يتكلَّمُ أحدٌ من الخلائقِ بشيءٍ إلا جاءتِ الريحُ [فأخبَرتْك به] (^٣).\nوقولُه: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: وأُعْطِينا ووُهَبَ لنا من كُلِّ شيءٍ من الخيراتِ ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ: إن هذا الذي أُوتِينا مِن الخيراتِ، لهو الفضلُ على جميعٍ أهلِ دَهْرِنا، ﴿الْمُبِينُ﴾. يقولُ: الذي يَبِينُ لمَن تأمَّله وتَدبَّرَه أنه فضلٌ أُعْطِيناه على مَن سِوانا من الناسِ.\n\n<span id=\"aya-3176\"></span><span data-type='title' id=toc-6760>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وجُمِع لسليمانَ جنودُه من الجنِّ والإنسِ والطيرِ في مَسِيرٍ\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ف.\n(^٢) في م: \"أردت\". وبعده في مصدري التخريج: \"في ملكك\".\n(^٣) في ص، م، ت ٢، ف: \"فأخبرته\".\nوالأثر أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٨٧، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٨٩ من طريق حجاج به.","vol":"18","page":25},{"text":"له فهم يُوزَعون.\nواختَلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فهم يُحْبَسُ أَوَّلُهم على آخِرِهم حتى يَجْتَمِعوا.\n\n<span data-type='title' id=toc-6761>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: جُعِل على كلِّ صِنْفٍ وزَعَةٌ (^١)، يَرُدُّ أُولَاها على أُخْراها؛ لئلا يَتَقدَّموا في المَسِيرِ، كما تصنعُ الملوكُ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: [ثنا الحسينُ، قال] (^٣): ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. قال: يردُّ أوَّلُهم على آخرِهم (^٤).\nوقال آخرون: معنى ذلك: فهم يُساقُون.\n\n<span data-type='title' id=toc-6762>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. قال: ﴿يُوزَعُونَ﴾: يُساقُون (^٥).\nوقال آخرون: بل معناه: فهم يَتَقدَّمون.\n_________\n(^١) في م: \"من\". والوزعة: جمع وازع، وهو الحابس العسكر الموكل بالصفوف، يتقدم الصف فيصلحه ويقدم ويؤخر. اللسان (وز ع).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٤ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٧٩ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٧٤.","vol":"18","page":26},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6763>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ: ﴿يُوزَعُونَ﴾: يتقدَّمون (^١).\nقال أبو جعفرٍ: وأَوْلى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: يُرَدُّ أَوَّلُهم على آخِرهم. وذلك أن الوازِعَ في كلامِ العربِ هو الكافُّ، يقالُ منه: وَزَعَ فلانٌ فلانًا عن الظلمِ. إذا كَفَّه عنه، كما قال الشاعرُ (^٢):\nألم يَزَعِ الهَوَى إِذْ لم يُؤَاتِ؟ … بلى وسَلَوْتُ عن طَلَبِ الفَتاةِ (^٣)\nوقولُ الآخرِ (^٤):\nعلى حينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبَا … وقُلْتُ أَلَمَّا تصْحُ (^٥) والشَّيْبُ وَازِعُ\nوإنما قيل للذين يدفَعون الناسَ عن الوُلاةِ والأمراءِ: وَزَعَةٌ. لِكَفِّهم إيَّاهم عنهم (^٦).\n\n<span id=\"aya-3177\"></span><span data-type='title' id=toc-6764>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨)﴾.</span>\nيعني تعالي ذكرُه بقولِه: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾: حتى إِذا أَتَى سليمانُ وجنودُه على وادى النملِ، ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٧٩ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٥٧ عن معمر به.\n(^٢) التبيان ٨/ ٧٥.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٣: \"العتات\"، وفى ت ٢: \"العتاب\"، وفى التبيان: \"العتاة\".\n(^٤) هو النابغة الذبياني، والبيت في ديوانه ص ٤٤.\n(^٥) في م: \"أصح\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ف: \"عنه\".","vol":"18","page":27},{"text":"يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾. يقولُ: لا يَكْسِرنَّكم ويَقْتُلَنَّكم سليمانُ وجنودُه، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: وهم لا يعلَمون أنهم يَحْطِمُونكم.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ويحيى، قالا: ثنا سفيانُ، عن الأعْمشِ، عن رجلٍ يقالُ له: الحَكَمُ. عن نوفٍ في قولِه: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ﴾. قال: كان نملُ سليمانَ بن داودَ مثلَ الذِّئابِ (^١).\n\n<span id=\"aya-3178\"></span><span data-type='title' id=toc-6766>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فتبسَّم سليمانُ ضاحكًا من قولِ النملةِ التي قالت ما قالت، وقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾. يعنى بقولِه: ﴿أَوْزِعْنِي﴾: أَلْهِمْنى.\nوبنحوِ ذلك (^٢) قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6765>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٢٣٢، ومن طريقه البخارى في التاريخ الكبير ١/ ٦٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٥٧ من طريق الأعمش به، وأخرجه البخاري عن أبي نعيم، عن سفيان، عن الأعمش، عن الحكم قوله، وأخرجه عن وكيع، عن الأعمش، عن محمد بن الحكم، عن نوف، وعن عبدان، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن الوليد بن الحكم، عن نوف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٤ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\nوقوله: مثل الذئاب. كان في المطبوعة: مثل الذباب. وهما روايتان كما ذكر السيوطي، وذكر ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٩٤ بلفظ: أمثال الذئاب. ثم قال: هكذا رأيته مضبوطا بالياء المثناة من تحت، وإنما هو بالباء الموحدة، وذلك تصحيف.\n(^٢) في م، ت ٢، ف: \"الذي قلنا في ذلك\"، وفى ت ١، ت ٣: \"الذي قلنا\".","vol":"18","page":28},{"text":"في قولِه: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾. يقولُ: اجْعَلْنى (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾. قال: في كلامِ العربِ، تقولُ: أوزَع فلانٌ بفلانٍ. يقولُ: حرَّضه عليه. وقال ابن زيدٍ: ﴿أَوْزِعْنِي﴾: أَلْهِمْنى وحرِّضْنى على أن أَشْكُرَ نعمتَك التي أَنْعَمْتَ عليَّ وعلى والديَّ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾. يقولُ: وأَوْزِعْنى أَن أَعْمَلَ بطاعتِك وما ترضاه، ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾. يقولُ: وأَدْخِلْنى برحمتِك مع عبادِك الصالحين الذين اختَرتَهم لرسالتِك، وانتخَبتَهم لوَحْيِك. يقولُ: أَدْخِلْنى من الجنةِ مداخلهَم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6767>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾. قال: مع عبادِك الصالحين؛ الأنبياءِ والمؤمنين (^٣).\n\n<span id=\"aya-3179\"></span><span data-type='title' id=toc-6768>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾.\n_________\n(^١)</span> أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٥٨ من طريق أبي صالح به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٥٨ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"المؤمنون\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٥٩ من طريق أصبغ عن ابن زيد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":29},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: وتفقَّدَ سليمانُ الطيرَ، فقال: ما لي لا أرَى الهُدْهُدَ؟ وكان سببُ تفقُّدِه الطيرَ وسؤالِه عن الهدهدِ خاصةً مِن بين الطيرِ ما حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ عِمرانَ، عن أبي مِجْلَزٍ، قال: جلَس ابن عباسٍ إلى عبدِ اللهِ بن سَلَامٍ، فسأَله عن الهدهدِ لم تفقَّده سليمانُ من بين الطيرِ؟ فقال عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ: إن سليمانَ نزَل منزِلَةً في مسيرٍ له، فلم يَدْرِ ما بُعْدُ الماءِ، فقيل له: مَن يَعْلَمُ بُعْدَ الماءِ؟ قالوا: الهدهدُ. فذاك حينَ تفقَّده (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا عمرانُ بن حُدَيرٍ، عن أبي مجلزٍ، عن ابن عباسٍ وعبدِ اللهِ بن سلامٍ بنحوِه.\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان سليمانُ بن داودَ يُوضَعُ له ستُّمائةِ ألفِ (^٢) كرسيٍّ، ثم يجِيءُ أشرافُ الإنسِ فيَجْلسِون مما يليه، ثم تَجيءُ أشرافُ الجنِّ فيَجْلِسون مما يلى الإنسَ. قال: ثم يَدْعو الطيرَ فتُظِلُّهم، ثم يدعو الريحَ فتحمِلُهم. قال: فيسيرُ في الغَداةِ الواحدةِ مسيرةَ شهرٍ. قال: فبينا هو في مسيرِه إذ احتاج إلى الماءِ وهو في فلاةٍ من الأرضِ. قال: فدعا الهدهدَ، فجاءه فنقَر الأرضَ، فيُصيبُ موضعَ الماءِ. قال: ثم تجئُ الشياطينُ، فيَسْلَخونه كما يُسْلَخُ الإهابُ. قال: ثم يَسْتَخْرجون الماءَ. فقال له نافعُ بنُ الأزرقِ: [قِفْ يا وقَّافُ] (^٣)، أرأيتَ قولَك: الهدهدُ يَجِيءُ فيَنْقُرُ الأَرضَ فيُصِيبُ الماءَ. كيف يُبْصِرُ هذا ولا يُبْصِرُ الفخَّ يجئُ حتى يقَعَ في عنقِه! قال: فقال له ابن عباسٍ: ويحَك إن القدَرَ إِذا جاء حال دونَ البصرِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٦٦، ٥٦٧ من طريق عمران به مطولًا.\n(^٢) سقط من: النسخ. والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٣) في تاريخ دمشق: \"يا وصاف\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٣٦، والحاكم ٢/ ٤٠٥، وابن عساكر في تاريخه ٢٢/ ٢٦٦، ٢٦٧ من طريق أبي معاوية به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٦٠ من طريق سعيد بن جبير به، وعزاه =","vol":"18","page":30},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن منبهٍ، قال: كان سليمانُ بنُ داودَ إِذا خرَج مِن بيتِه إلى مجلسِه عكَفت عليه الطيرُ، وقام له الجنُّ والإنسُ حتى يَجْلِسَ على سريرِه، حتى إذا كان ذاتَ غَداةٍ في بعضِ زمانِه، غدا إلى مجلسِه الذي كان يَجْلِسُ فيه، فتفَقَّد الطيرَ. وكان فيما يَزْعُمون يأتيه نُوَبًا، من كل صنفٍ مِن الطيرِ طائرٌ، فنظَر فرأى مِن أصنافِ الطيرِ كلِّها قد حضَره إلا الهدهدَ، فقال: ما لي لا أرى الهدهدَ (^١)؟\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: أولُ ما فقَد سليمانُ الهدهدَ نزَل بوادٍ، فسأَل الإنسَ عن مائِه، فقالوا: ما نَعْلَمُ له ماءً، فإِن يَكُنْ أَحدٌ مِن جنودِك يَعْلَمُ له ماءً فالجنُّ. فدعا الجنَّ فسأَلهم، فقالوا: ما نَعْلَمُ له ماءً، وإن يَكُنْ أحدٌ من جنودِك يَعْلَمُ له ماءً فالطيرُ. فدعا الطيرَ فسأَلهم، فقالوا: ما نَعْلَمُ له ماءً، وإن يَكُنْ أحدٌ من جنودِك يَعْلَمُه فالهدهدُ. فلم يَجِدْه، قال: فذاك أول ما فقَد الهدهدَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾. قال: تَفَقَّد الهدهدَ مِن أجلِ أنه كان يَدُلُّه على الماءِ إذا ركِب، وإن سليمانَ ركب ذاتَ يومٍ، فقال: أين الهدهدُ ليدُلَّنا على الماءِ؟ فلم يَجِدْه، فمن أجلِ ذلك تَفَقَّده، فقال ابن عباسٍ: إن الهدهدَ كان يَنْفَعُه الحذَرُ ما لم يَبْلُغ الأجلَ، فلما بلَغ الأجلَ لم يَنْفَعه الحذرُ، وحال القدَرُ دونَ البصرِ (^٢).\n_________\n= السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٥٦ من طريق سلمة به إلى قوله: على سريره. مطولا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٥٩، والحاكم ٢/ ٤٠٥، وابن عساكر في تاريخه ٢٢/ ٢٦٧ من طريق عكرمة، عن ابن عباس بنحوه.","vol":"18","page":31},{"text":"فقد اختلَف عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ والقائلون بقولِه، ووهبُ بنُ منبِّهٍ، فقال عبدُ اللهِ: كان سببُ تفقُّدِه الهدهدَ وسؤالِه عنه، ليَسْتَخبِرَه عن بُعدِ الماءِ في الوادى الذي نزَل به في مَسيرِه. وقال وهبُ بنُ منبِّهٍ: كان تَفَقُدُه إياه وسؤالُه عنه لإخلالِه بالنَّوْبةِ التي كان يَنُوبُها. واللهُ أعلمُ بأيِّ ذلك كان؛ إذ لم يأتِنا بأيِّ ذلك كان؛ في (^١) تنزيلٍ، ولا خبرٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ صحيحٍ. فالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن الله أخبَر عن سليمانَ أنه تَفَقَّد الطيرَ؛ إما للنَّوبةِ التي كانت عليها وأخلَّت بها، وإما لحاجةٍ كانت إليها عن بعدِ الماءِ.\nوقولُه: ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾. يعنى بقولِه: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾: أخطأهُ بصرى، فلا أراه وقد حضَر، أم هو غائبٌ فيما غاب من سائرِ أجناسِ الخلقِ فلم يَحْضُرُ؟\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6769>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن منبِّهٍ: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾: أخطأَه بصرى في الطيرِ، أم غاب فلم يَحْضُرْ (^٢)؟\n\n<span id=\"aya-3180\"></span>وقولُه: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. يقولُ: فلما أُخْبِر سليمانُ عن الهدهدِ لم يَحْضُرْ، وأنه غائبٌ غيرُ شاهدٍ، أَقْسَم: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.\nوكان تَعذيبُه الطيرَ فيما ذُكِر عنه إذا عذَّبها، أن يَنْتِفَ رِيشَها.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ١٩٦.","vol":"18","page":32},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6770>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الحمّانيُّ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال: نَتْفُ ريشِه (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عطيَّةَ (^٢)، عن شريكٍ، عن عطاءٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾: عذابُه نَتْفُه وتَشْمِيسُه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال: نَتْفُ ريشِه (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال: نتفُ ريشِه كلِّه (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال: نَتْفُ ريشِ الهدهدِ. كلِّه، فلا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٦٢، والحاكم ٢/ ٤٠٥ من طريق الأعمش به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٥ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ت ٢: \"علية\". وتقدم في ٢/ ٨٤، ٨٦، ٨٩، ٣/ ٧٤٦، ٥/ ٣٥٣.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٨٩، ٤٩٠ من طريق عطاء بن السائب به السائب به مطولًا.\n(^٤) بعده في م ت ١، ت ٣، ف: \"وتشميسه\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٥١٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٥ إلى الفريابي وعبد بن حميد.","vol":"18","page":33},{"text":"يَعْفُو (^١) سنةً.\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمرٍ، عن قتادةَ، قال: نتفُ ريشِه (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. يقولُ: نَتْفُ ريشِه (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثني ابن إسحاقَ، عن يزيدَ بن رُومانَ، أنه حدَّث أن عذابَه الذي كان يُعَذِّبُ به الطيرَ، نَتْفُ جناحِه (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: قيل لبعضِ أهلِ العلمِ: هذا الذبحُ، فما العذابُ الشديدُ؟ قال: يَنْتِفُ ريشَه، يُتْركُه بِضْعَةً تنزو (^٥).\nحدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، [عن عمرِو بن دينارٍ] (^٦)، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال: نَتْفُه (^٧).\nحدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا سفيانُ] (^٨)، عن [حُصينٍ، عن ابن شدَّادٍ] (^٩)،\n_________\n(^١) أي: ينمو ويكثر. ينظر التاج (ع ف و).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٧٩ عن معمر به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٦٢ من طريق يزيد بن زريع عن قتادة، وسقط منه ذكر سعيد، وفيه زيادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٦٣ من طريق أبي معاذ به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٦٢ من طريق سلمة به.\n(^٥) أي يتركه قطعة لحم تقفز، لا يستطيع الطيران.\n(^٦) في م: \"بشار\".\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٠، عن سفيان به.\n(^٨) سقط من: ت ١، ف.\n(^٩) في النسخ: \"حسين بن أبي شداد\". وسيأتي على الصواب في الصفحة التالية، وكذا جاء في مصدرى التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٥٢٠.","vol":"18","page":34},{"text":"قال: نتفُه وتشميسُه، ﴿أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ﴾. يقولُ: أو لأقتُلَنَّهُ (^١).\nكما حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ﴾. يقولُ: أو لأقتُلنَّه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عن حُصَينٍ، عن عبدِ اللهِ بن شدادٍ: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ﴾ الآية. قال: فتَلَقَّاه الطيرُ فأخبَره، فقال: ألم يَسْتَثْنِ (^٣)؟\nوقولُه: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: أو ليَأْتِينِّي بحجةٍ يَبِينُ لسامعِها صحتُها وحقيقتُها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6771>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليُّ بنُ الحسنِ (^٤) الأزديُّ، قال: ثنا المعافَى بنُ عمرانَ، عن سفيانَ، عن عمَّارِ الدُّهنيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كلُّ سلطانٍ في القرآنِ فهو حجةٌ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: ببينةٍ أعذِرُه\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٧٩، ٨٠، عن سفيان به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٦٢ من طريق حصين به.\n(^٢) تقدم أوله في ص ٣٤.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٣٦ - ٥٣٨، وتفسير مجاهد ص ٥١٦ مطولا، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٦٣، من طريق حصين به بمعناه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٥ إلى الفريابي وسعيد بن منصور.\n(^٤) في النسخ: \"الحسين\". وتقدم في ١٠/ ٥٩١، ١٢/ ٣٥٤، ١٧/ ٣٢٠.\n(^٥) تمام الأثر المتقدم في ١٧/ ٣٢٠.","vol":"18","page":35},{"text":"بها (^١)، وهو مثلُ قولِه: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ [غافر: ٣٥].\nيقولُ: بغيرِ بيِّنةٍ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن عكرِمةَ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ سلطانٌ، فهو حجةٌ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يَزِيدَ، عَن قَبَاثِ بن رَزِينٍ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: كلُّ سلطانٍ في القرآنِ فهو حجةٌ، كان للهدهدِ سلطانٌ (^٣)!\nحدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. قال بعذرٍ بيِّنٍ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن منبِّهٍ: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. أي: بحجةٍ؛ عذرٍ له في غَيبتِه.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ ببيِّنةٍ، وهو قولُ اللهِ: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾: [غافر: ٣٥] بغيرِ بيِّنةٍ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. قال: بعذرٍ أعذِرُه فيه.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ف: \"لها\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ٧/ ٦١٩.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٦٣ من طريق قباث به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٠ عن معمر به.","vol":"18","page":36},{"text":"<span id=\"aya-3181\"></span><span data-type='title' id=toc-6772>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: فمكَث سليمانُ غير طويلٍ، من حينَ سأَل عن الهدهدِ، حتى جاء الهدهدُ.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَمَكَثَ﴾، فقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى عاصمٍ: (فَمَكُثَ) بضمِّ الكافِ. وقرأه عاصمٌ بفتحِها (^١). وكلتا القراءتينِ عندَنا صوابٌ؛ لأنهما لغتان مشهورتان، وإن كان الضمُّ فيها أعجبَ إليَّ؛ لأنها أشهرُ اللغتين وأفصحُهما.\nوقولُه: ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾. يقولُ: فقال الهدهدُ حينَ سأَله سليمانُ عن تخلُّفِه وغَيبته: أحطْتُ بعلمِ ما لم تُحِطْ به أنت يا سليمانُ.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾. قال: ما لم تَعْلَمْ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن منبِّهٍ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: ثم جاء الهدهدُ، فقال له سليمانُ: ما خلَّفك عن نَوْبتِك؟ قال: أحَطْتُ بما لم تُحِطْ به.\nوقولُه: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. يقولُ: وجئتُك مِن سبأِ بخبرٍ يقينٍ.\nوهو ما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن منبِّهٍ: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾: أي: أَدْرَكْتُ مُلْكًا لم يَبْلُغْه مُلْكُك.\n_________\n(^١) ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤٧٩، ٤٨٠.","vol":"18","page":37},{"text":"واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿مِنْ سَبَإ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ بالإجراءِ (^١)، لمعنى أنه رجلٌ اسمُه سبأٌ. وقرَأه بعضُ قرأَةِ أهلِ مكةَ والبصرةِ: (مِن سَبَأَ). بتركِ الإجراءِ (^٢)، على أنه اسمُ قبيلةٍ، أو لامرأةٍ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. والإجراءُ في \"سبأ\"، وغيرُ الإجراءِ صوابٌ؛ لأن \"سبأ\" إن كان رجلًا كما جاء به الأثرُ، فإنه إذا أريد به اسمُ الرجلِ أُجْرِى، وإن أريدَ به اسمُ القبيلةِ لم يُجْرَ، كما قال الشاعرُ في إجرائِه (^٣):\nالواردون وتَيْمٌ (^٤) في ذَرَا سبأ … قد عَضَّ أعناقَهم جِلْدُ الجواميسِ\nيُروى: ذَرَا، وذُرَى.\nوقد حُدِّثتُ عن الفرَّاءِ، عن الرؤاسيِّ، أنه سأَل أبا عمرِو بن العلاءِ: كيف لم تُجْرِ \"سبأ\"؟ قال: لستُ أدرى ما هو (^٥).\nفكأنَّ أبا عمرٍو ترَك إجراءَه إذ لم يَدْرِ ما هو، كما تَفْعَلُ العربُ بالأسماءِ المجهولةِ التي لا تعرِفُها، من تركِ الإجراءِ. حُكِى عن بعضِهم (^٦): هذا أبو صُعرورَ (^٧) قد جاء. فترَك إجراءَه، إذ لم يَعْرِفُه في أسمائِهم. وإن كان \"سبأ\" جبلًا فأُجرِى؛ فلأنَّه يُرادُ به الجبلُ بعينِه، وإن لم يُجْرَ فلأنَّه يُجْعَلُ اسمًا للجبلِ وما حولَه من البقعةِ.\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وأبي جعفر ويعقوب وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٥٣.\n(^٢) هي قراءة ابن كثير في رواية البزى، وأبي عمرو، وروى قنبل عن ابن كثير إسكان الهمزة. المصدر السابق.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٤/ ٢٤٤.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ف: \"هم\". وينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٨٩.\n(^٥) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٨٩.\n(^٦) هو أبو السفاح السلولي، حكاه عنه الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٩٠.\n(^٧) في النسخ: \"معرور\". والمثبت من معاني القرآن، قال الفراء: الصعرور: شبيه بالصمغ.","vol":"18","page":38},{"text":"<span id=\"aya-3182\"></span><span data-type='title' id=toc-6774>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ الهدهدِ لسليمانَ، مخبِرًا بعذرِه في مغيبِه عنه: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾. يعنى: تَمْلِكُ سبأً. وإنما صار هذا الخبرُ للهدهدِ عُذْرًا وحُجَّةً عندَ سليمانَ، ذرَأ به عنه ما كان أوعَدَه (^١) به؛ لأن سليمانَ كان لا يرى أن في الأرضِ أحدًا له مملكةٌ معه، وكان مع ذلك ﷺ رجلًا حُبِّب إليه الجهادُ والغزوُ، فلما دلَّه الهدهدُ على مُلْكٍ بموضعٍ مِن الأرضِ هو لغيرِه، وقومٍ كفرةٍ يعْبُدون غيرَ اللهِ، له في جهادِهم وغزوِهم الأجرُ الجزيلُ والثوابُ العظيمُ في الآجلِ، وضمُّ مملكةٍ لغيرِه إلى ملكِه - حُقَّت للهدهدِ المعذرةُ، وصحَّت له الحجةُ في مغَيبِه عن سليمانَ.\n\nوقولُه: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: وأُوتيَت من كلِّ شيءٍ يُؤْتاه الملِكُ في عاجلِ الدنيا، مما يكونُ عندَهم من العتادِ والآلةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6773>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي عُبَيدةَ الباجيِّ، عن الحسنِ قولَه: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. يعنى: مِن كلِّ أمرِ الدنيا.\nوقولُه: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: ولها كرسيٌّ عظيمٌ. وعَنَى بالعظيمِ\n_________\n(^١) في م: \"أوعد\".","vol":"18","page":39},{"text":"في هذا الموضعِ العظيمَ في قَدْرِه، وعِظَمَ خطرِه، لا عِظَمَه في الكِبَرِ والسَّعةِ.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6775>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾. قال: سريرٌ كريمٌ. قال: حَسَنُ الصَّنعةِ، وعرشُها: سريرٌ من ذهبٍ، قوائمُه من جوهرٍ ولؤلؤٍ (^١).\nقال: ثني حجاجٌ، عن أبي عُبَيدةَ الباجيِّ، عن الحسنِ قولَه: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾. يعني: سريرٌ عظيمٌ.\n\n<span id=\"aya-3183\"></span>وقولُه: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. يقولُ: وجَدتُ هذه المرأةَ مَلِكة سبأِ وقومَها من سبأِ، يَسْجُدون للشمسِ فيَعْبُدُونها من دونِ اللهِ.\nوقولُه: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. يقولُ: وحسَّن لهم إبليسُ عبادتَهم الشمسَ وسجودَهم لها من دونِ اللهِ، وحبَّب ذلك إليهم، ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾. يقولُ: فمنَعهم بتزيينهِ ذلك لهم أن يَتَّبِعوا الطريقَ المستقيمَ، وهو دينُ اللهِ الذي بعَث به أنبياءَه، ومعناه: فصدَّهم (^٢) عن سبيلِ الحقِّ، ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾. يقولُ: فهم لما قد زَيَّن لهم الشيطانُ ما زيَّن؛ من السجودِ للشمسِ من دونِ الله والكفر به، لا يَهْتَدون لسبيلِ الحقِّ، ولا يَسْلُكونه، ولكنَّهم في ضلالِهم الذي هم فيه يتردَّدون.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٦ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) في ت ١: \"فصرفهم\"، وفى ف: \"فصيرهم\".","vol":"18","page":40},{"text":"<span id=\"aya-3184\"></span><span data-type='title' id=toc-6776>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾.</span>\nاختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾؛ فقرَأ بعضُ المكيِّين وبعضُ المدنيِّين والكوفيِّين: (ألَا) بالتخفيفِ (^١)، بمعنى: ألَا يا هؤلاء اسجُدوا. فأضمَروا \"هؤلاء\" اكتفاءً بدلالةِ \"يا\" عليها.\nوذكر بعضُهم (^٢) سماعًا من العربِ: ألَا يا ارْحَمْنَا، أَلَا يا تَصَدَّقْ علينا.\nواستشهدَ أيضًا ببيتِ الأخطلِ (^٣):\nألا يا اسْلَمي يا هندُ هندَ بنى بدرِ … وإن كان حيَّانا عِدًى آخِرَ الدهرِ\nفعلى هذه القراءةِ، اسجُدوا في هذا الموضعِ جزمٌ، ولا موضع لقولِه: \"ألَا\" في الإعرابِ.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ بتشديدِ ﴿أَلَّا﴾ (^٤)، بمعنى: وزيَّن لهم الشيطانُ أعمالَهم لئلَّا يَسْجُدُوا اللهِ. ﴿أَلَّا﴾ في موضعِ نصبٍ، لما ذكَرتُ من معناه أنه \"لئلا\"، ﴿يَسْجُدُوا﴾ في موضعِ نصبٍ بـ\"أن\".\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مُستفِيضَتان في قرأةِ الأمصارِ، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القَرَأةِ، مع صحةِ معنيَيْهما.\n_________\n(^١) هي قراءة أبى جعفر والكسائي ورويس عن يعقوب. النشر ٢/ ٢٥٣.\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٩٠ وفيه: ألا يا ارحمانا، ألا يا تصدقا علينا. قال: يعنيني وزميلي.\n(^٣) شرح ديوانه ص ١٥٠.\n(^٤) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة وروح وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٥٣.","vol":"18","page":41},{"text":"واختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ \"يا\" في قراءةِ من قرَأه على وجهِ الأمرِ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: من قرَأ ذلك كذلك، فكأنه جعله أمرًا، كأنه قال لهم: اسجُدوا. وزاد \"يا\" بينهما (^١) التي تكونُ للتنبيهِ، ثم أَذْهَبَ أَلِفَ الوصلِ التي في \"اسجدوا\"، وأُذهِبت الألفُ التي في \"يا\" لأنها ساكنةٌ لقِيَت السينَ، فصارت \"ألا يَسْجُدوا\".\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: هذه \"يا\" التي تَدْخُلُ للنداءِ، يُكتَفى بها من الاسمِ، ويُكتَفى بالاسمِ منها، فتقولُ: يا أقبِلْ. و: زيدُ أقْبِلْ. وما سقَط من السواكنِ فعلى هذا.\nويعنى بقولِه: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾: يُخْرِجُ المخبوءَ، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ من غيثٍ في السماءِ، ونباتٍ في الأرضِ، ونحوِ ذلك.\nوبالذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اختلَفت عبارتُهم (^٢) عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6777>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المبارَكِ، عن ابن جريجٍ، قراءةً عن مجاهدٍ: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ﴾. قال: الغيثَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾. قال: الغيثَ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: خبءُ السماءِ والأرضِ ما جعَل اللهُ\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ف: \"يا\"، وبعده في ت ٢: \"فأما\".\n(^٢) في ت ٢: \"عباراتهم\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥١٨. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٦٨.","vol":"18","page":42},{"text":"فيهما (^١) من الأرزاقِ؛ والمطرُ من السماءِ، والنباتُ من الأرضِ، كانتا رَتْقًا؛ لا تُمطِرُ هذه، ولا تُنْبِتُ هذه، ففتَق السماءَ وأنزَل منها المطرَ، وأخرَج النباتَ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (^٣)، [قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن حكيمِ بن جابرٍ] (^٤) في قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يَعْلَمُ كلَّ خفيةٍ في السماواتِ والأرضِ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا أسامةُ بنُ زيدٍ، عن معاذِ بن عبدِ اللهِ، قال: رأَيتُ ابنَ عباسٍ على بغلةٍ يَسْأَلُ تبعًا ابنَ امرأةِ كعبٍ: هل سأَلتَ كعبًا عن البذرِ، تُنبِتُ الأرضُ العامَ لم يُصَبِ العامَ الآخَرَ؟ قال: سمِعتُ كعبًا يقولُ: البذرُ يَنزِلُ من السماءِ، ويَخْرُجُ من الأرضِ. قال: صدَقتَ (^٦).\nقال أبو جعفرٍ: إنما هو تُبَيعٌ، ولكن هكذا قال محمدٌ.\nوقيل: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: [معناه يُخْرِجُ الحَبءَ مِن السماواتِ والأرضِ] (^٧)؛ لأن العربَ تَضَعُ \"من\" مكانَ \"في\"، و\"في\" مكانَ \"من\" في الاستخراجِ.\n_________\n(^١) في م، وتفسير ابن أبي حاتم: \"فيها\"، وفي ت ١: \"فيهن\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٦٨، ٢٨٦٩ من طريق أصبغ، عن ابن زيد إلى قوله: والنبات من الأرض.\n(^٣) بعده في ت ١: \"قال حدثني حجاج\".\n(^٤) في ت ٢: \"قال حدثني حجاج عن ابن جريج\".\n(^٥) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٤٩) من طريق إسماعيل بن أبي خالد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٦ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر، بلفظ: يخرج الخبء: المطر.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٧٥ (١٤٧٦)، وأبو الشيخ في العظمة (٧١٧)، وابن عساكر في تاريخه ١١/ ٣١، والمزى في تهذيب الكمال ٤/ ٣١٥ من طريق أسامة بن زيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٦٥ إلى البيهقي في الأسماء والصفات.\n(^٧) سقط من: م.","vol":"18","page":43},{"text":"﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. يقولُ: ويَعْلَمُ السرَّ من أمورٍ خَلْقِه، هؤلاء الذين زيَّن لهم الشيطانُ أعمالَهم، والعلانيةَ منها. وذلك على قراءةِ من قرَأ ﴿أَلَّا﴾ بالتشديدِ. وأما على قراءةِ من قَرأه بالتخفيفِ فإن معناه: ويعلمُ ما يُسِرُّه خلقُه الذين أمَرَهم بالسجودِ بقولِه: ألَا يا هؤلاء اسجُدوا. وقد ذُكِر أن ذلك في قراءةِ أُبَيٍّ: (أَلَا تَسْجُدون (^١) للهِ الذي يَعْلَمُ سرَّكم وما تُعْلِنون) (^٢).\n\n<span id=\"aya-3185\"></span>وقولُه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ الذي لا تَصْلُحُ العبادةُ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا معبودَ سواه تَصْلُحُ له العبادةُ، فأَخْلِصوا له العبادةَ، وأَفرِدوه بالطاعةِ، ولا تُشْرِكوا به شيئًا.\n﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. يعنى بذلك: مالكُ العرشِ العظيمِ، الذي كلُّ عرشٍ وإن عظُم فدونَه، لا يُشبِهُه عرشُ مَلكةِ سبأٍ ولا غيرُه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: هذا كلُّه كلامُ الهدهدِ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ بنحوِه.\n\n<span id=\"aya-3186\"></span><span data-type='title' id=toc-6778>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال سليمانُ للهدهدِ: سنَنْظُرُ فيما اعتذَرتَ به من العذرِ، واحتجَجتَ به من الحجةِ لغَيبتِك عنا، وفيما جئْتَنا به من الخبرِ، ﴿أَصَدَقْتَ﴾ في\n_________\n(^١) في م: \"تسجدوا\".\n(^٢) في معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٩٠، وتفسير القرطبي ١٣/ ١٨٦، والبحر المحيط ٧/ ٦٨.","vol":"18","page":44},{"text":"ذلك كلِّه، ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، فيه\n\n<span id=\"aya-3187\"></span>﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾.\nفاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: اذهبْ بكتابي هذا، فألقِه إليهم، فانظُرْ ماذا يَرْجِعون، ثم تولَّ عنهم مُنصرِفًا إليَّ. فقال: هو من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6779>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: فأجابه سليمانُ؛ يعنى أجاب الهدهدَ لما فرَغ: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾. وانظُرْ ماذا يرجعون، ثم تولَّ عنهم منصرِفًا إليَّ. وقال: وكانت لها كَوَّةٌ مستقبلةٌ الشمسَ، ساعةَ تَطْلُعُ الشمسُ تَطْلُعُ فيها فتَسْجُدُ لها، فجاء الهدهدُ حتى وقَع فيها فسدَّها، واستَبْطَأتِ الشمسَ فقامت تَنْظُرُ، فرمَى بالصحيفةِ إليها من تحتِ جناحِه، وطار حتى قامت تَنْظُرُ الشمسِ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: فهذا القولُ من قولِ ابن زيدٍ يَدُلُّ على أن الهدهدَ تولَّى إلى سليمانَ راجعًا بعد إلقائِه الكتابَ، وأنَّ نظرَه إلى المرأةِ ما الذي تَرْجِعُ وتَفْعَلُ كان قبلَ إلقائِه كتابَ سليمانَ إليها.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: اذهَبْ بكتابي هذا فأَلْقِه إليهم ثم تولَّ عنهم، فكنْ قريبًا منهم، وانظُرْ ماذا يَرْجِعون. قالوا: وفعَل الهدهدُ، وسمِع مراجعةَ المرأةِ أهلَ مملكتِها وقولَها لهم: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وما بعدَ ذلك من مراجعة بعضِهم بعضًا.\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ١٥٨.","vol":"18","page":45},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6780>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه قولَه: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾. أي: كُنْ قريبا، ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ (^١).\nوهذا القولُ أَشْبَهُ بتأويل الآية؛ لأن مراجعةَ المرأةِ قومها كانت بعد أن أُلقى إليها الكتاب، ولم يَكُن الهدهد ليَنْصَرِفَ وقد أمر بأن يَنْظُرَ إلى مراجعة [القوم بينهم ما يتراجعونه] (^٢)، قبل أن يَفْعَلَ ما أمره به سليمان.\n\n<span id=\"aya-3188\"></span><span data-type='title' id=toc-6782>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فذهَب الهدهدُ بكتاب سليمان إليها، فألقاه إليها، فلما قرأته قالت لقومها: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6781>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن مُنَبِّهٍ، قال: كتب [سليمانُ؛ يعنى] (^٣) مع الهدهد: بسم الله الرحمن الرحيم، من سليمان بن داود إلى بلقيس بنتِ ذى شرحٍ وقومها، أما بعد، فلا تَعْلُوا عليَّ، وأتونى مسلمين. قال (^٤): فأخَذ الهدهد الكتاب برجله فانطلق به حتى أتاها،\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٣/ ١٩١.\n(^٢) في ت ٢: \"المرأة وقومها فيما يتراجعون بينهم\".\n(^٣) في م، ت ٢، ف: \"يعني سليمان بن داود\".\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.","vol":"18","page":46},{"text":"وكانت لها كَوَّةٌ في بيتِها، إذا طلعت الشمس نظرت إليها فسجدت لها، فأتى الهدهدُ الكَوَّةَ فسدَّها بجناحَيْه، حتى ارتفعت الشمسُ ولم تَعْلَمْ، ثم أَلقَى الكتابَ من الكَوَّةِ، فوقع عليها في مكانها الذي هي فيه فأخَذَتْه (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادةَ، قال: بلغنى (^٢) أنها امرأة يقال لها: بلقيس - أَحْسَبُه قَالَ: ابنةُ شَرَاحِيلَ - أحدُ أبويها من الجنِّ، مُؤَخَّرُ أحد قدميها كحافرِ الدابة، وكانت في بيت مملكة، وكان أولو مشورتها ثلاثمائةٍ واثنى عشر، كل رجل منهم على عشرة آلافٍ، وكانت بأرض يقال لها: مأرِب. من صنعاء على ثلاثة أيام، فلما جاء الهدهد بخبرها إلى سليمان بن داودَ، كتب الكتابَ وبعث به مع الهدهدِ، فجاء الهدهد وقد غلَّقت الأبواب، وكانت تُغَلِّقُ أبوابها وتضعُ مفاتيحها تحتَ رأسها، فجاء الهدهد فدخل من كَوَّةٍ، فألقَى الصحيفة عليها (^٣) فقرأتها، فإذا فيها: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾. وكذلك كانت تكتُب الأنبياء لا تُطْنِبُ، إنما تَكْتُبُ جَمْلًا (^٤).\nقال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، قال: لم يَزِدْ سليمان على ما قصَّ الله في كتابه: [﴿إِنَّهُ]، ﴿وَإِنَّهُ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ١٥٨ مطولا.\n(^٢) في ت ٢: \"بلغها\".\n(^٣) في ت ٢: \"إليها\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٠ عن معمر به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٧٠ من طريق سعيد عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ف: \"ايه وايه\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٦ إلى ابن المنذر.","vol":"18","page":47},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ له فمضَى الهدهدُ بالكتاب حتى إذا حاذَى الملكةَ وهى على عرشها، ألقى إليها الكتاب (^١).\nوقوله: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾ والملاُ: أشراف قومها. يقول تعالى ذكرُه: قالت ملكة سبأ لأشراف قومها: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾.\nواختلف أهل العلم في سبب وصفها الكتاب بالكريم؛ فقال بعضُهم: وصفته بذلك لأنَّه كان مختومًا.\nوقال آخرون: وصَفتْه بذلك لأنَّه كان من ملك، فوصفته بالكرم صاحبه. وممن قال ذلك ابن زيدٍ.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾. قال: هو كتاب سليمانَ حيثُ كتب إليها.\n\n<span id=\"aya-3189\"></span>وقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾ كُسرت \"إن\" الأولى والثانية على الردِّ على ﴿إِنِّي﴾ من قوله: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾. ومعنى الكلامِ: قالت: يأيُّها الملأُ، إنى أُلقِي إليَّ [من سليمانَ، وإنه] (^٢).\nوقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾. يقولُ: أُلْقى إليَّ كتابٌ كريمٌ: أَلَّا تعلوا عليّ.\nففى \"أنْ\" وجهانِ من العربية؛ إن جُعِلت بدلًا من \"الكتابِ\"، كانت رفعا بما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٧٠ من طريق أبي معاذ به.\n(^٢) في م: \"كتاب وإنه من سليمان\".","vol":"18","page":48},{"text":"رفع (^١) به \"الكتاب\"، و(^٢) بدلًا منه. وإن جعل معنى الكلامِ: إني أُلقى إليَّ كتابٌ كريمٌ ألَّا تعلوا عليّ. كانت نصبًا بتعلُّقِ \"الكتاب\" بها.\n\n<span id=\"aya-3190\"></span>وعَنَى بقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾: ألَّا تتكبروا ولا تتعاظموا عما دعوتكم إليه.\nكما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾: ألَّا تَمْتَنِعوا من الذي دعوتكم إليه، إن امتنعتم جاهدتكم، فقلت لابنِ زيدٍ: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أَلَّا تتكبَّروا عليَّ؟ قال: نعم (^٣).\nقال: وقال ابن زيد: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾: ذلك في كتاب سليمانَ إليها.\nوقوله: ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: وأَقْبِلوا إليَّ مُذعنين للَّه بالوحدانية والطاعة.\n\n<span id=\"aya-3191\"></span><span data-type='title' id=toc-6783>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: قالت ملكة سبأ لأشرافِ قومِها: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾. تقولُ: أشيرُوا عليَّ في أمرى الذي قد (^٤) حضرني من أمر صاحب هذا الكتابِ الذي ألْقِيَ إليَّ. فجعلت المشورة فُتيا.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"وقع\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٧٤ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.","vol":"18","page":49},{"text":"وقوله: ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾: تقول: ما كُنْتُ قاضيةً أمرًا في ذلك حتى تَشْهَدونِ فَأُشاوِرَكم فيه.\nكما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ: دعت قومها فشاورتهم (^١): أيُّها المَلأُ ﴿أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢)﴾. فقال: في الكلام: ما كنتُ لأقطع أمرًا دونك، ولا كنتُ لأقضِىَ أمرًا. فلذلك قالت: ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ بمعنى: قاضيةً.\n\n<span id=\"aya-3192\"></span>وقوله: ﴿قَالُوا نَحْنُ أَولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. يقول تعالى ذكره: قال الملأُ من قوم ملكة سبأ إذ شاورتهم في أمرها وأمر سليمان: نحن ذوو (^٢) القوة على القتال، والبأس الشديد في الحرب (^٣)، والأمر أيتها الملكةُ إليكِ في القتال وفي تركه، فانظُرِى من الرأي ما تَرَيْنَ، فَمُرِينا نَأْتِيرُ لأمرِكِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6784>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: عرضوا لها القتال، يُقاتِلون لها، والأمرُ إليكِ بعد هذا، فانظُرِى ماذا تَأْمُرين (^٤).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن\n_________\n(^١) في م، ت ١، ف: \"تشاورهم\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"ذو\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"الحروب\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٧٥ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"18","page":50},{"text":"مجاهد، قال: كان مع ملكةِ سبأ اثنا عشر ألفَ قَيْوِلٍ (^١)، مع كلِّ قَيْوِلٍ مائة ألفٍ (^٢).\nحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن مجاهدٍ، عن ابن عباس، قال: كان مع بِلقيسَ مائة ألفِ قَيْلٍ، مع كلِّ قَيْلٍ مائة ألفٍ (^٣).\nقال: ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمشُ، قال: سمعتُ مجاهدا يقولُ: كانت تحتَ يد ملكة سبأ اثنا عشر ألفَ قَيْوِلٍ - والقَيْوِلُ بلسانهم الملك - تحتَ يد كلِّ ملِك مائة ألف مقاتل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6785>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قالت صاحبة سبأ للملأ من قومها إذ عرضوا عليها أنفسهم لقتال سليمانَ، إن أمرتهم بذلك -: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ عَنْوَةً وغَلَبَةً ﴿أَفْسَدُوهَا﴾. يقولُ: خَرَّبوها، ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةٌ﴾؛ وذلك باستعبادِهم الأحرار واسترقاقهم إياهم. وتناهى الخبرُ منها عن الملوكِ في هذا الموضع، فقال الله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وكما قالت صاحبة سبأ، تَفْعَلُ الملوكُ إذا دخلوا قريةً عَنوَةً.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) القَيْوِل: هو القيل: وهو الملك النافذ القول والأمر. النهاية ٤/ ١٢٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٧٥ من طريق الأعمش به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٧١ من طريق سفيان به.","vol":"18","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6786>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر في قوله: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَةً﴾.\nقال أبو بكر: هذا عَنْوَةً.\nحدثنا أبو هشام الرفاعيُّ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا الأعمش، عن مسلم، ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾. قال: إذا دخَلوها عَنْوَةً خَرَّبوها (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾. قال ابن عباس: يقولُ اللهُ: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3193\"></span><span data-type='title' id=toc-6787>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)﴾.</span>\nذكر أنها قالت:\n\n<span id=\"aya-3194\"></span>إنى مرسلةٌ إلى سليمان. لتَخْتَبِرَه بذلك وتعرفَه به، أملكٌ هو أم نبيٌّ؟ وقالت: إن يَكُنْ نبيًّا لم يَقْبَلِ الهدية، ولم يُرْضِه منا إلا أن نَتَّبِعَه على دينه، وإن يَكُنْ مِلِكًا قَبِل الهدية وانصرَف.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٧٦ من طريق أبى هشام الرفاعى. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٧٧ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.","vol":"18","page":52},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6788>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾. قال: وبَعثت إليه بوصائف ووُصفاءَ، وألبستهم لباسًا واحدا، حتى لا يُعْرَفُ ذَكرٌ من أنثى. فقالت: إن زَيَّل بينَهم حتى يَعرِفَ الذَّكَرَ مِن الأُنثى، ثم ردَّ الهدية فإنه نبيٌّ، وينبغي لنا أن نَتْرُكَ مُلْكَنا ونَتَّبِعَ دِينَه ونَلْحَقَ به (^١).\nحدثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ﴾. قال: بجَوَارٍ لِباسُهُنَّ لباسُ العِلمانِ، وغِلمانٍ لباسُهم لباسُ الجَواري (^٢).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال قولها: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ﴾. قال: مائتَيْ غلامٍ ومائتى جاريةٍ (^٣).\nقال ابن جُرَيجٍ، قال مجاهد قوله: ﴿وبِهَدِيَّةٍ﴾. قال: جَوَارِ ألبَستهنَّ لباسَ الغِلْمَانِ، وغِلْمانٍ ألبستهم لباس الجوارى.\nقال ابن جريج، قال: قالت: فإن خلَّص الجواريَ مِن الغلمان ورد الهديةَ، فإنه نبيٌّ، وينبغي لنا أن نَتَّبِعَه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٠ عن محمد بن سعد به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥١٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٧٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٨ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ١٦٠، والقرطبي في تفسيره ١٣/ ١٩٦ من قول مجاهد.","vol":"18","page":53},{"text":"قال ابن جُرَيجٍ، قال مجاهدٌ: فخلَّص سليمان بعضهم من بعضٍ، ولم يَقْبَلْ هديَّتَها.\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن ثابت البنانيِّ، قال: أهدَت له صفائحَ الذهب، في أوعية الدِّيباجِ، فلما بلغ ذلك سليمانَ، أمر الجنَّ فموّهوا له الآجرَّ بالذهبِ، ثم أمر به فأُلقى في الطريق، فلما جاءوا فرأوه مُلْقى، ما يُلْتَفتُ إليه، صغر في أعينهم ما جاءوا به (^١).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ الآية. وقالت: إن هذا الرجل إن كان إنما هِمَّتُه الدنيا فسنُرْضِيه، وإن كان إنما يُرِيدُ الدين، فلن يَقْبَلَ غيرَه: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةً إلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾.\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال: كانت بِلقيس امرأة لبيبةً أديبةً في بيتِ مُلْكٍ، لم [تَملكْ إلا لبقايا] (^٢) مَن مَضى من أهلها، إنه قد سيست وساست حتى أَحْكَمَها ذلك، وكان دينها ودين قومها - فيما ذُكِر - الزِّنديقيةَ، فلما قرأت الكتاب سمعت كتابا ليس من كُتُبِ الملوكِ التي كانت قبلها، فبعثت إلى المَقاوِلةِ من أهل اليمن، فقالت لهم: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾. إلى قوله: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾. ثم قالت: إنه قد جاءني كتابٌ لم يَأْتِنى مثلُه من مَلِكٍ من\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨١ عن معمر به، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٧٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٧، ١٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ت ١ ت ٢: \"يملك إلا البقايا\".","vol":"18","page":54},{"text":"الملوكِ قبلَه، فإن يَكُنِ الرجلُ نبيًّا مرسلًا، فلا طاقة لنا به ولا قوَّةَ، وإن يَكُنِ الرجلُ مَلِكًا يُكاثِرُ، فليس بأعزَّ منا ولا أعدَّ. فهيَّأت هدايا مما تُهدى للملوك مما يضنُّون (^١) به، فقالت: إن يَكُنْ ملِكًا فسيقبلُ الهدية ويرغب في المالِ، وإن يَكُنْ نبيًّا فليس له في الدنيا حاجة، وليس إياها يُرِيدُ، إنما يُرِيدُ أن نَدْخُلَ معه في دينه، ونَتَّبِعَه على أمرِه. أو كما قالت (^٢).\nحدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ﴾: بَعَثَت بوصائف ووُصفاءَ، لباسهم لباس واحدٌ، فقالت: إن زَيَّل بينَهم حتى يَعرِفَ الذَّكَرَ من الأنثى، ثم ردَّ الهدية، فهو نبيٌّ، ويَنْبَغى لنا أن نَتَّبِعَه، ونَدْخُلَ في دينه. فزيَّل سليمان بين الغلمان والجوارى، وردَّ الهدية، فقال: ﴿أَتَمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُم﴾.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ: كان في الهدايا التي بعَثت بها وصائفُ ووُصفاءُ يَخْتَلِفون في ثيابهم؛ ليميز الغلمان من الجوارى. قال: فدعا بماء، فجعل الجوارى يَتَوضَّأْنَ مِن المِرْفَقِ إلى أسفل، وجعَل الغلمانُ يَتَوَضَّئُون من المِرفَقِ إلى فوقَ. قال: وكان أبي يُحدِّثنا هذا الحديث.\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا مروان بن معاويةَ، قال: ثنا إسماعيل، عن أبي صالحٍ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ﴾. قال: أرسلت بلبنة من ذهبٍ، وقالت: إن\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"يصبون\"، وفى م: \"يفتنون\"، وفى ت ١: \"يصبنون\". وينظر مصدر التخريج.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩٠/ ٢٨٧٠، ٢٨٧١، ٢٨٧٩، ٢٨٨٠ من طريق سلمة، عن يزيد بن رومان قوله.","vol":"18","page":55},{"text":"كان يُرِيدُ الدنيا علِمْتُه، وإن كان يُرِيدُ الآخرة علِمْتُه (^١).\nوقوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾: تقولُ: فَأَنْظُرُ بِأَيِّ شَيْءٍ مِن خبرِه وفِعلِه في هديتى التي أرسلها إليه يَرْجِعُ رُسُلى؟ أبقَبول وانصراف عنا، أم بردِّ الهديةِ والثباتِ على مطالبتنا باتباعه (^٢) على دينه؟\nوأُسقطت الألفُ من \"ما\" في قولِه: ﴿بِمَ﴾، وأصله \"بما\"؛ لأنَّ العرب إذا كانت \"ما\" بمعنى: \"أيٍّ\" ثم وصَلوها بحرف خافضٍ، أسقطوا ألفَها؛ تفريقا بينَ الاستفهام [وغيرِه] (^٣)، كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١﴾. و: ﴿قَالُوا فيمَ كُنتُمْ﴾ [النساء: ٩٧]. وربما أثبَتوا فيها الألفَ، كما قال الشاعر (^٤):\nعلامَا قام يَشْتُمُنا (^٥) لئيمٌ … كخِنزِيرٍ تَمَرَّغ في رمادِ (^٦)\nوقالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم﴾. وإنما أرسلت إلى سليمان وحده، على النحو الذي بينا في قوله: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ﴾ (^٧) [يونس: ٨٣].\n\n<span id=\"aya-3195\"></span>وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتَمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾. إن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾. فجعَل الخبر في مجيء سليمان عن واحد، وقد قال قبلَ ذلك: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾؟ فإن كان الرسول كان واحدًا، فكيف قيل: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾؟ وإن كانوا جماعةً، فكيف قيل: ﴿فَلَمَّا جَاءَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"علمت\". والأثر أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٣٩، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٧٩ من طريق إسماعيل به بنحوه.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"واتباعه\".\n(^٣) سقط من ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) هو حسان بن ثابت، والبيت في ديوانه ص ٣٢٤، وفيه: ففيم يقول. بدلا من: علاما قام. قال البغدادي في الخزانة ٦/ ١٠٢: وعليه لا شاهد فيه. ورواية المصنف هي رواية الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٩٢ عن المفضل.\n(^٥) في م: \"يشتمني\".\n(^٦) في م: \"تراب\".\n(^٧) ينظر ما تقدم في ١٢/ ٢٤٦ - ٢٥٠.","vol":"18","page":56},{"text":"سُلَيْمَانَ﴾؟\nقيل: هذا نظير ما قد بيَّنا قبل (^١) من إظهار العرب الخبرَ في أمرٍ كان من واحدٍ، على وجه الخبر عن جماعةٍ، إذا لم يَقْصِد قَصْدَ الخبر عن شخص واحدٍ بعينه، مشارٍ إليه بعينه، فسُمِّي في الخبر. وقد قيل: إن الرسول الذي وجهته ملكة سبأ إلى سليمان، كان [امرأةً واحدةً] (^٢)، فلذلك قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾. يُرادُ به: فلما جاء الرسول سليمانَ. واستدلَّ قائلو ذلك على صحة ما قالوا من ذلك بقول سليمانَ للرسول: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾. وقد ذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله: (فلما جاءوا سليمانَ) على الجمع (^٣)، وذلك للفظ قوله: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾. فصلح الجمعُ للفظ والتوحيد للمعنى.\nوقوله: ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾. يقولُ: قال سليمان لما جاء الرسولُ مِن قِبَلِ المرأة بهداياها: أتمدُّونني بمالٍ؟\nواختلفت القرأة في قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُ قرأةِ أهل المدينة: (أتُمِدونَنِي) بنونين وإثباتِ الياء. وقرأه بعضُ الكوفيِّين مثل ذلك، غير أنه حذف الياءَ من آخِرِ ذلك، وكسر النونَ الأخيرةَ. وقرأه بعضُ قرأةِ البصرة بنونين وإثباتِ الياء في الوصلِ وحَذْفِها في الوقفِ. وقرأه بعضُ قرَأةِ الكوفة بتشديد النونِ وإثباتِ الياء (^٤).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٣٣٢ - ٣٣٥.\n(^٢) في م: \"أمرًا واحدًا\". وينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٩٣.\n(^٣) معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٩٣، والبحر المحيط ٧/ ٧٤.\n(^٤) قرأ ابن كثير بنونين وإثبات الياء، وقرأ بحذف الياء مع إثبات النونين ابن عامر وعاصم والكسائي، وأثبت الياء في الوصل فقط مع إثبات النونين كل من نافع وأبي عمرو. وأما حمزة فقرأ بنون واحدة مشددة مع إثبات الياء. السبعة ص ٤٨٢، والتيسير ص ١٣٨.","vol":"18","page":57},{"text":"وكلُّ هذه القراءاتِ متقاربات، وجميعها صوابٌ؛ لأنها معروفة في لغاتِ العرب مشهورة في منطقها.\nوقوله: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم﴾. يقولُ: فما آتَانِيَ اللَّهُ من المالِ والدنيا أكثر مما أعطاكم منها وأفضل.\n﴿بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾. يقولُ: ما أفرح بهديتكم التي أَهْدَيْتُم إليَّ، بل أنتم تَفرحون بالهدية التي تُهدى إليكم؛ لأنكم أهلُ مفاخرة بالدنيا ومكاثرةٍ بها، وليست الدنيا وأموالها من حاجتي؛ لأن الله تعالى ذكره قد مكَّنني منها، وملَّكنى فيها ما لم يُملك أحدًا.\n\n<span id=\"aya-3196\"></span>﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾. وهذا قول سليمان لرسول المرأةِ: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُم بِهَا﴾: لا طاقة لهم بها، ولا قدرةَ لهم على دَفْعِهم عما أرادوا منهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6789>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلمِ، عن والخيلُ وهبِ بن منبِّه، قال: لما أتتِ الهدايا سليمانَ، فيها الوصائفُ والوُصفاء، والخيل العِرابُ، وأصناف من أصناف الدنيا، قال للرسل الذين جاءوا به: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦)﴾؛ لأنَّه لا حاجةَ لي بهديتكم، وليس رأيى فيه كرأيكم، فارجعوا إليها بما جئتم به من عندِها، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُم بِهَا﴾ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٠، ٢٨٨١ من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان قوله.","vol":"18","page":58},{"text":"حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال: ثنا مروان بن معاويةَ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُم بِهَا﴾. قال: لا طاقةَ لهم بها (^١).\nوقوله: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُم مَّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. يقولُ: ولتُخرِجَنَّ مَن أرسَلكم، من أرضهم أذلةً وهم صاغرون، إن لم يأتونى مسلمين.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6790>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاقَ، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن مُنَبِّه: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُم مَّنْهَا أَذِلَّةٌ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: أو لتَأْتِيَنى مسلمة هي وقومُها (^٢).\n\n<span id=\"aya-3197\"></span><span data-type='title' id=toc-6791>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾.</span>\nاختلف أهل العلم في الحينِ (^٣) الذي قال فيه سليمان: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٢ من طريق إسماعيل بن أبي خالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٢ من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن يزيد بن رومان من قوله.\n(^٣) في ت ٢: \"الجن\".","vol":"18","page":59},{"text":"بِعَرشِهَا﴾؛ فقال بعضُهم: قال ذلك حينَ أتاه الهدهد بنبأ صاحبةِ سبأ وقال له: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢]. وأخبره أن لها عرضًا عظيما، فقال له سليمانُ ﵇: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]. فكان اختبارُه صِدْقَه من كذبه بأن قال لهم: أيكم يَأتيني بعرش هذه المرأةِ قبل أن يأتونى مسلمين؟ وقالوا: إنما كتَب سليمانُ الكتابَ مع الهدهد إلى المرأة بعد ما صحَّ عندَه صدق الهدهد بمجيء العالم بعرشها إليه، على ما وصفه به الهدهد. قالوا: ولولا ذلك كان مُحالًا أن يَكْتُبَ معه كتابًا إلى مَن لا يَدْرى؛ هل هو في الدنيا أم لا؟ قالوا: وأُخرى، أنه لو كان كتب مع الهدهدِ كتابًا إلى المرأة قبلَ مجئ عرشها إليه وقبل عليه صدق الهدهد بذلك، لم يَكُنْ لقوله له: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. معنًى؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ (^١) بخبره الثاني، من إبلاغه إياها الكتابَ، أو ترك إبلاغه إياها ذلك - إلا نحو الذي علم بخبره الأولِ حينَ قال له: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. قالوا: وإذ (^٢) لم يكن في الكتاب معه (^٣) امتحانُ صدقه من كذبه، وكان محالًا أن يقول نبيُّ الله قولا لا معنى له، وقد قال له: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ - عُلم أن الذي امتحن به صدقَ الهدهد من كذبه، هو مصيرُ عرشِ المرأةِ إليه، على ما أخبره به الهدهد، الشاهد على صدقه، ثم كان الكتاب معه بعد ذلك إليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-6792>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) في م: \"يلم\".\n(^٢) في م: \"إن\".\n(^٣) في م: \"معهم\".","vol":"18","page":60},{"text":"أبيه، عن ابن عباس، قال: إن سليمانَ أُوتى مُلكًا، وكان لا يعلم أن أحدًا أُوتِيَ مُلكًا غيرَه، فلما فقد الهدهد سأَله: من أين جئتَ؟ ووعده وعيدًا شديدا بالقتل والعذابِ، قال: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. قال له سليمان: ما هذا النبأ؟ قال الهدهدُ: ﴿إنِّي وَجَدتُ امْرَأَةً﴾ بسبأ ﴿تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]. فلما أخبَر الهدهد سليمان أنه وجد سلطانًا، أنكر أن يَكُونَ لأحدٍ في الأرض سلطان غيره، فقال لمن عنده من الجن والإنسِ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)﴾. قال سليمان: أُريدُ أعجَلَ من ذلك. ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مَّنَ الْكِتَابِ﴾ وهو رجل من الإنس عنده علم من الكتابِ فيه اسم الله الأكبرُ الذي إذا دُعِيَ به أجاب: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. فدعا بالاسم، وهو عنده قائمٌ، فاحتمل العرش احتمالا حتى وُضِع بين يدَى سليمانَ، والله صنَع ذلك، فلما أتى سليمان بالعرشِ وهم مشركون يَسْجُدون للشمس والقمر، أخبره الهدهد بذلك، فكتب معه كتابًا ثم بعثه إليهم، حتى إذا جاء الهدهد الملكة ألقى إليها الكتابَ ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾ إلى: ﴿وَأتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. فقالت لقومها ما قالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾. قال: وبعَثت إليه بوصائفَ ووُصفاءَ، وألبستهم لباسا واحدا، حتى لا يُعْرَفُ ذكر من أنثى، فقالت: إن زَيَّل بينَهم حتى يَعْرِفَ الذكر من الأنثى، ثم ردَّ الهدية، فإنه نبى، ويَنْبَغى لنا أن نَتْرُكَ مُلْكَنا ونَتَّبِعَ دينَه ونَلْحَقَ به. فردَّ سليمان الهدية وزيَّل بينَهم، فقال: هؤلاء غِلمان، وهؤلاء جَوَارٍ. وقال: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾","vol":"18","page":61},{"text":"إلى آخر الآية (^١).\nحدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُم﴾ الآية. قال: فأنكر سليمان أن يكونَ لأحدٍ على الأرض سلطانٌ غيره، قال لمن حوله من الجن والإنس: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرشِهَا﴾ الآية.\nوقال آخرون: بل إنما اختبر صدق الهدهد سليمان بالكتاب، وإنما سأَل مَن عنده إحضاره عرشَ المرأةِ بعدما خرجت رسلُها من عنده، وبعد أن أقبلت المرأة إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6793>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبِّهٍ قال: لما رجعت إليها الرسلُ بما قال سليمان، قالت: قد واللهِ عرَفتُ، ما هذا يملك، وما لنا به طاقةٌ، وما نَصْنَعُ بمكاثرتِه شيئًا. وبعثت إليه: إني قادمةٌ عليك بملوك قومى حتى أَنْظُرَ ما أمرُك، وما تدعو إليه من دينك. ثم أمرت بسرير مُلكها الذي كانت تجلس عليه، وكان من ذهب مُفَصَّصٍ بالياقوتِ والزَّبَرْجَدِ واللؤلؤ، فجُعِل في سبعة أبياتٍ، بعضُها في بعض، ثم أقفلت على (^٢) الأبواب، وكانت إنما تخدمُها النساءُ، معها ستُّمائةِ امرأة تخدمها، ثم قالت لمن خلَّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكى، فلا يَخْلُصْ إليه أحدٌ من عبادِ اللَّهِ، ولا يَرَيَنَّه حتى آتيَك. ثم شخَصت إلى سليمان في اثنى عشَرَ ألفَ قَيْل معها من ملوكِ اليمن، تحت يد كلِّ قَيْلٍ منهم أُلوفٌ كثيرةٌ، فجعل سليمانُ يَبْعَثُ الجنَّ فيأتونه بمسيرها ومنتهاها كلّ يوم وليلةٍ، حتى إذا دنَت جمع من عنده من الجنِّ والإنسِ ممن تحت يده،\n_________\n(^١) تقدم طرف منه في ص ٥٣.\n(^٢) هكذا هو لفظ المصنف هنا وفى التاريخ، وفى م، وتفسير ابن أبي حاتم: \"عليه\".","vol":"18","page":62},{"text":"فقال: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾ (^١).\nوتأويل الكلامِ: قال سليمانُ لأشرافِ مَن حضره من جنده من الجنِّ والإنسِ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾. يعنى سريرها.\nكما حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرشِهَا﴾. قال: سريرٌ في أريكةٍ (^٢).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد، قال: عرشها: سرير في أريكة.\nقال ابن جريج: سريرٌ من ذهب، قوائمه من جوهر ولؤلؤ.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلمِ، عن وهب بن منبه: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرشِهَا﴾: بسريرها.\nوقال ابن زيد في ذلك ما حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾. قال: مجلسها (^٣).\nواختلف أهل العلم في السبب الذي من أجله خص سليمان مسألة الملأ من جنده إحضار عرش هذه المرأة من بين أملاكها قبل إسلامها؛ فقال بعضُهم: إنما فعَل ذلك لأنَّه أعجبه حين وصف له الهدهد صفته، وخشِى أن تُسْلِمَ فَيَحْرُمَ عليه مالها،\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٩٤، ٤٩٥ مطولا، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٣ من طريق سلمة، عن ابن إسحاق عن يزيد بن رومان قوله.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥١٨ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٨ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٦٦، ٢٨٦٧ من طريق أصبغ، عن ابن زيد، عن أبيه.","vol":"18","page":63},{"text":"فأراد أن يَأْخُذَ سريرَها ذلك قبلَ أَن يَحْرُمَ عليه أخذُه بإسلامِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-6794>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: أخبرَ سليمان الهدهد أنها قد خرجت لتأتيه، وأُخبر بعرشها فأعجبه، كان من ذهبٍ، وقوائمه من جوهرٍ مُكلَّل باللؤلؤ، فعرف أنهم إن جاءوه مسلمين لم تَحِلَّ له (^١) أموالهم، فقال للجنِّ: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾ (^٢).\nوقال آخرون: بل فعَل ذلك سليمانُ ليُعايِنَها (^٣) به، ويَخْتَبِرَ به عقلَها: هل تُثْبِتُه إذا رأته أم تُنكِرُه؟\n\n<span data-type='title' id=toc-6795>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد: أعلم الله سليمان أنها ستَأْتِيه، فقال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾. حتى يعاينها] (^٣)، وكانت الملوك يتعاينون (^٤) بالعلم (^٥).\nواختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: قبل أن يأتونى مستسلمين طَوعًا.\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"لهم\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨١، ٨٠ عن معمر به مطولًا، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٢، ٢٨٨٣ من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"يعاتبها\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢: \"يتعاتبون\".\n(^٥) ينظر التبيان ٨/ ٨٥.","vol":"18","page":64},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6796>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: طائعين (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: قبل أن يأتونى مسلمين الإسلام الذي هو دينُ الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-6797>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾: بحرمة الإسلامِ، فيمنعَهم وأموالهم. يعنى: الإسلام يمنعهم (^٢).\nقال أبو جعفر: وأَولَى الأقوال بالصوابِ في السبب الذي من أجله خصَّ سليمانُ بسؤالِه الملأ من جنده بإحضاره عرشَ هذه المرأةِ، دون سائرِ مُلْكِها عندنا؛ ليجعَلَ ذلك حجة عليها في نبوَّتِه، ويُعرِّفَها بذلك قدرة الله وعظيم شأنه، أنها خلَّفته في بيتٍ في جوف أبياتٍ بعضُها في جوف بعض، مُغْلَقٍ مُقْفَل عليها (^٣)، فأخرجه ذلك كلِّه بغيرِ فتح أغلاق وأقفالٍ، حتى أوصله إلى وليِّه من خلقه وسلَّمه من إليه، فكان لها في ذلك أعظم حجةٍ على حقيقة ما دعاها إليه سليمان، وعلى صدقِ سليمان فيما أعلمها من نبوّته.\nفأما الذي هو أولى التأويلين في قوله: ﴿قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. بتأويله،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٣/ ٢٠٢.\n(^٣) في ت ١: \"عليه\".","vol":"18","page":65},{"text":"قولُ ابن عباسٍ الذي ذكرناه قبلُ، من أن معناه: طائعين؛ لأن المرأة لم تأتِ سليمان إذ أتته مسلمةً، وإنما أسلمت بعدَ مَقْدَمِها عليه، وبعد محاورة جرت بينهما ومساءلة (^١).\n\n<span id=\"aya-3198\"></span>وقوله: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مَّنَ الْجِنِّ﴾. يقول تعالى ذكره: قال رئيسٌ من الجنِّ، مارد قويٌّ. وللعرب فيه لغتان: عِفْرِيتٌ، وعِفرِيَةٌ؛ فمن قال: عِفْرِيَةٌ. جمعه عَفارِىَ، ومن قال: عِفْرِيتٌ. جمعه عَفَارِيتَ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6798>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهدٌ: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: ماردٌ من الجنِّ، ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ (^٢).\nحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادة وغيره مثله.\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن بعضِ أصحابه: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ﴾. قال: داهيةٌ (^٣).\nقال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني وهب بن سليمانَ، عن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت: ٢ \"مسألة\"، وفى ف: \"مسلمة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٤ من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٨ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨١ عن معمر عن الكلبي.","vol":"18","page":66},{"text":"شعيب الجبائيِّ (^١)، قال: العِفريتُ الذي ذكره الله اسمه كوزن (^٢).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعض أهل العلم: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ﴾: اسمه كوزنُ (^٣).\nوقوله: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾. يقول: أنا أتيك بعرشها قبل أن تقومَ من مَقعَدِك هذا. وكان فيما ذُكر قاعدًا للقضاء بين الناس، فقال: أنا آتيك به قبلَ أن تقوم من مجلسك هذا الذي جلست فيه للحكم بين الناس. وذكر أنه كان يَقْعُدُ إلى انتصاف النهار.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6799>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله (^٤).\nقال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة وغيره مثلَه. قال: وكان يَقضى، قال: قبل أن تَقومَ من مجلسك الذي تَقْضِى فيه (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"الجبئى\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"كودن\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٤ من طريق ابن جريج به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٤ من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان وعنده: كوزي.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥١٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٨ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٢ عن معمر به.","vol":"18","page":67},{"text":"حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن مُنَبِّهٍ: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾: يعني مجلسه (^١).\nوقوله: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾: على ما فيه من الجواهرِ، ولا أخونُ فيه.\nوقد قيل: أمينٌ على فرج المرأة.\n\n<span data-type='title' id=toc-6800>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾. يقولُ: قوي على حمله، أمين على فَرْج هذه (^٢).\n\n<span id=\"aya-3199\"></span>وقوله: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾. يقول جل ثناؤه: قال الذي عنده علم من كتاب الله، وكان رجلا فيما ذُكر من بني آدم، فقال بعضُهم: اسمُه بليخا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-6801>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن عَثْمةَ، قال: ثنا شعبةُ، عن بشرٍ، عن\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٧٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٥ من طريق أبي صالح به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٨ إلى ابن المنذر بنحوه.\n(^٣) في ت ١، والدر المنثور ٥/ ١٠٩، وروح المعاني ٩/ ٢٠٥ \"تمليخا\"، وكذا في بعض نسخ القرطبي ١٣/ ٢٠٥، وفى بعضها: \"يمليخا\"، وفى البحر المحيط ٧/ ٧٦: \"مليخا\". والمثبت موافق لتفسير ابن كثير ٦/ ٢٠٢.","vol":"18","page":68},{"text":"قتادةَ في قوله: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مَّنَ الْكِتَابِ﴾. قال: كان اسمُه بليخًا (^١).\nحدَّثنا يحيى بن داود الواسطيُّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قوله: ﴿الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾: رجلٌ مِن الإِنسِ (^٢).\nحدثنا ابن عرفة، قال: ثنا مروان بن معاوية الفزارى، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد في قولِ اللَّهِ: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾، قال: أنا أَنْظُرُ في كتاب ربِّي، ثم آتيك به ﴿قبلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. قال: فتكلَّم ذلك العالمُ بكلامٍ، دخل العرش تحتَ الأرضِ حتى خرج إليهم (^٣).\nحدثنا ابن عرفة، قال: ثني عمار (^٤) بن محمد، عن عثمان بن مطر، عن الزهرى، قال: دعا الذي عنده علم من الكتاب: يا إلهنا وإله كلَّ شيءٍ، إلها واحدًا، لا إلهَ إلَّا أنت، ائتنى بعرشها. قال: فمثَل بين يديه (^٥).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال: رجلٌ مِن بني آدمَ - أَحْسَبُه قال: من بنى\n_________\n(^١) في ت ١، والدر المنثور: \"تمليخا\".\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٠٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٩ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٥ من طريق أبي أسامة به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٧ من طريق الحسن بن عرفة به، وأخرجه أبو عبيد في الفضائل ص ١٨٠، وابن أبي شيبة ١١/ ٥٣٨ من طريق العلاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في م: \"حماد\". وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٢٠٤.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٦ من طريق الحسن بن عرفة به.","vol":"18","page":69},{"text":"إسرائيلَ - كان يَعْلَمُ اسمَ اللَّهِ الذي إذا دعى به أجاب (^١).\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال: الاسم الذي إذا دُعِى به أجاب، وهو: يا ذا الجلال والإكرام (^٢).\nحدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ: قال سليمان لمن حوله: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾. فقال عِفريت: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾. قال سليمانُ: أُريدُ أعجَلَ من ذلك. فقال رجلٌ من الإنسِ ﴿عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾. يعنى اسم الله الذي إذا دُعِى به أجاب (^٣).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)﴾: لا آتيك بغيرِه. أقولُ: غيره؛ أُمَثِّلُه لك. قال: وخرج يومئذ رجلٌ عابد في جزيرة من (^٤) البحر، فلما سمع العفريت، قال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. قال: ثم دعا باسم مِن أسماء الله، فإذا هو يُحمل بين عينيه (^٥). وقرأ: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٢ في تفسيره عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٦ من طريق سعيد عن قتادة.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥١٩ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٩ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٢٠٢.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) في ت ١: \"يديه\".","vol":"18","page":70},{"text":"فَضْلِ رَبِّي﴾. حتى بلَغ: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال رجلٌ من الإنس. قال: وقال مجاهد: ﴿الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ علم اسم اللهِ.\nوقال آخرون: الذي عنده علم من الكتاب كان آصَفَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6802>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: قال عفريت لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)﴾. فزعموا أن سليمان بن داود قال: أَبْتَغِي أعجل من هذا. فقال أصَفُ بن برخيا - وكان صِدِّيقًا يَعْلَمُ الاسم الأعظم الذي إذا دُعِى الله به أجاب، وإذا سُئل به أَعْطَى -: ﴿أَنَا﴾ يا نبى الله ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (^٢).\nوقوله: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: أنا آتيك به قبل أن يَصِلَ إليك من كان منك على مدِّ بصرِك (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-6803>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى إبراهيمُ، قال: ثنا إسماعيل بن أبي\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٣/ ٢٠٥ بنحوه.\n(^٢) أخرجه أوله ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٦ من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان، وأخرجه آخره في ٩/ ٢٨٨٧ من طريق سلمة، عن ابن إسحاق.\n(^٣) في م: \"البصر\".","vol":"18","page":71},{"text":"خالد، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ: ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. قال: من قبل أَن يَرْجِعَ إليك أقصى من ترى .. فذلك قوله: ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (^١).\nقال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، قال: قال: غيرُ (^٢) قتادة: ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾: قبل أن يَأْتيك الشخصُ من مدِّ البصرِ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: من قبل أن يَبْلُغَ طرفُك مداه وغايته.\n\n<span data-type='title' id=toc-6804>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه: ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾: تمدُّ عينيك، فلا ينتهى طرفك إلى مداه حتى أُمَثِّلَه بين يديك. قال: ذلك أريدُ (^٤).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا عَثَّامٌ، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: أُخبرتُ أنه قال: ارفَعْ طَرْفَك من حيثُ يَجيءُ. فلم يَرْجِعْ إِليه طَرْفُه حتى وضَع العرش بين يديه (^٥).\nحدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن عطاء، عن مجاهد في قوله: ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. قال: مَدُّ بصره (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٨ من طريق إسماعيل بن أبي خالد به.\n(^٢) في ت ٢: \"عن\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٢ عن معمر، عن الكلبي.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٧ من طريق سلمة، عن ابن إسحاق.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ١٣٨، ٥٣٩، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٨ من طريق إسماعيل به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٩ إلى ابن المنذر.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٨ من طريق عطاء به مطولًا.","vol":"18","page":72},{"text":"حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قبل أن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. قال: إذا مدَّ البصر حتى يُرَدَّ الطَّرْفُ خاسفًا (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. قال: إذا مدَّ البصر حتى يَحْسُرَ الطرفُ.\nقال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: قبل أن يَرْجِعَ إليك طرفك من أقصى أثرِه. وذلك أن معنى قوله: ﴿يَرْتَدَّ إِلَيْكَ﴾: ترجع إليك، و(^٢) البصر إذا فتحت العين غير راجعٍ، بل إنما يمتد ماضيًا إلى أن يتناهى ما امتَدَّ نورُه. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله إنما أخبرنا عن قائل ذلك: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ﴾. لم يَكُنْ لنا أن نَقُولَ: [إنه قال] (^٣): أنا آتيك به قبل أن يَرْتدَّ راجعا إليك طَرْفُك من عند منتهاه.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ﴾. يقولُ: فلما رأى سليمانُ عرش ملكةِ سبأ مستقرا عنده.\nوفي الكلام متروك استغنى بدَلالة ما ظهر عما تُرِك، وهو: فدعا اللَّهَ فأُتى به فلما رآه سليمان مستقرًا عندَه.\nوذكر أن العالمَ دعا الله، فغار العرش في المكان الذي كان به، ثم نبَع من تحت الأرض بين يدى سليمانَ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٨٨ من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٩ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وعبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"18","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6805>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال: ذكروا أن آصف بن بَرْخيا توضَّأ، ثم ركع ركعتين، ثم قال: يا نبيَّ اللهِ، امدُدْ عينيك حتى ينتهى طَرْفُك. فمدَّ سليمان عينيه يَنْظُرُ إليه نحو اليمنِ، ودعا أصفُ، فانخرق بالعرش مكانه الذي هو فيه، ثم نبع بين يَدَى سليمانَ، فلما رآه سليمان مستقرا عنده قال: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُونِى﴾ الآية (^١).\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: نبع عرشُها من تحتِ الأرضِ (^٢).\nوقوله: ﴿قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي﴾. يقول: هذا البصر والتمكُّن والملكُ والسلطانُ الذي أنا فيه، حتى حُمِل إليَّ عرشُ هذه في قدرِ ارتداد الطرف من مَأرِبَ إلى الشام - من فضل ربى الذي أفضَلَه عليَّ، وعطائه الذي جاد به عليَّ، ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾. يقولُ: ليَخْتَبِرَني ويمتحننى، أَأَشْكُرُ ذلك من فضله (^٣) عليَّ، أم أَكْفُرُ نعمته على بتركِ الشكر له.\nوقد قيل: إن معناه: أأَشْكُرُ على عرش هذه المرأة إذ أُتيت به، أم أَكْفُرُ إذ رأيتُ من هو دوني في الدنيا أَعْلَمَ منى؟\n\n<span data-type='title' id=toc-6806>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٌ، قال: أخبرني عطاء\n_________\n(^١) جزء من أثر تقدم في ص ٧١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٩٦، ٢٨٩٧ من طريق سعيد بن جبير به.\n(^٣) في م، ف: \"فعله\".","vol":"18","page":74},{"text":"الخراسانيُّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ﴾ على السرير إذ أُتِيتُ به، ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ إِذ رَأَيْتُ مَن هو دوني في الدنيا أَعْلَمَ منى (^١)؟\nوقوله: ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾. يقولُ: ومَن شكر نعمة الله عليه، وفضله عليه، فإنما يَشْكُرُ طلب نفع نفسِه؛ لأنَّه ليس يَنْفَعُ بذلك غير نفسه؛ لأنَّه لا حاجة الله إلى أحد من خلقه، وإنما دعاهم إلى شكره تعريضًا منه لهم للنفع، لا لاجتلابٍ منه بشكرهم إياه نفعًا إلى نفسه، ولا دفعِ ضَرٍّ عنها.\n﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: ومَن كفر نعمه وإحسانه إليه وفضله عليه، لنفسه، ظلم، وحظَّها بخَس، والله غنيٌّ عن شكره، لا حاجة به إليه، لا يضرُّه كفرُ مَن كفر به من خلقه، كريمٌ، ومن كرمه إفضاله على مَن يَكْفُرُ نِعمَه ويَجْعَلُها وُصْلةٌ يَتَوَصَّلُ بها إلى معاصيه.\n\n<span id=\"aya-3200\"></span><span data-type='title' id=toc-6808>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قال سليمان لما أتَى عرشُ بِلْقِيسَ صاحبة سبأ، وقَدِمت هي عليه - لجندِه: غَيِّروا لهذه المرأة سريرها.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6807>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادة\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٩ إلى المصنف وابن المنذر من قول ابن جريج.","vol":"18","page":75},{"text":"قوله: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾. قال: غَيِّروا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: فلما أتته ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾. قال: وتنكير العرش أنه زيد فيه ونقص (^٢).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾. قال: غَيِّروه (^٣).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوه.\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾. قال: مجلسها الذي تجلسُ فيه.\nحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقول في قوله: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾: أمرهم أن يزيدوا فيه وينقُصوا منه.\nوقوله: ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾. يقولُ: نَنْظُرْ أَتَعْقِلُ فَتُثْبِتَ عرشها أنه هو الذي لها؟ ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾. يقولُ: من الذين لا يعقلون، فلا تُثبتُ عرشها.\nوقيل: إن سليمان إنما نكَّر لها عرشها وأمر بالصَّرْح أَن يُعْمَلَ لها؛ من أجل أنَّ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسير ٢/ ٨٢ عن معمر، عن قتادة بلفظ: نكرته أن يزاد فيه أو ينقص منه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥١٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٩٠.","vol":"18","page":76},{"text":"الشياطين كانوا أخبروه أنه لا عقل لها، وأن رجلها كحافرِ حمارٍ، فأراد أن يَعْرِفَ صحة ما قيل له من ذلك.\nوبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ قَالَ أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6809>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾. قال: زِيد في عرشها ونُقص منه؛ ليَنْظُر إلى عقلها، فوجدت ثابتةَ العقل (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾: أَتَعْرِفُه؟\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾. قال: تَعْرِفُهُ (^٢)؟\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبِّهٍ: ﴿أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ أَي: أَتَعْقِلُ أَم تَكونُ من الذين لا يعقلون؟ ففعل ذلك ليَنْظُرَ أَتَعْرِفُه أم لا تَعْرِفُه؟ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٩٠ عن محمد بن سعد به بنحوه.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥١٩.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٩١ من طريق سلمة عن ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان من قوله.","vol":"18","page":77},{"text":"<span id=\"aya-3201\"></span><span data-type='title' id=toc-6811>القول في تأويل قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فلما جاءت صاحبة سبأ سليمان أخرج لها عرشها، فقال لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾؟ قالت وشبَّهته به: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6810>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبهٍ، قال: لما انتهت إلى سليمان وكلَّمته أخرج لها عرشها، ثم قال: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾. قال: شبهته، وكانت قد تركته خلفها (^٢).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ: كان أبى يُحَدِّثُنا هذا الحديث كله، يعنى حديث سليمان وهذه المرأة: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾: شكَّت.\nوقوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾. يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل سليمان:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١٩/ ٢٨٩١ من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان قوله.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٢ في تفسيره عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٩٢ من طريق سعيد عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٩ إلى الفريابى وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":78},{"text":"وقال سليمانُ: وأوتينا العلم - من قبل هذه المرأة - بالله، وبقدرته على ما يشاءُ، وكنا مسلمين لله من قبلها.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6812>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾. قال: سليمان يقولُه (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.\n\n<span id=\"aya-3202\"></span><span data-type='title' id=toc-6814>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ومنع هذه المرأة صاحبة سبأ ما كانت تعبد من دونِ اللهِ، وذلك عبادتها الشمس، أن تَعْبُدَ الله.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6813>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥١٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٩٢.","vol":"18","page":79},{"text":"﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: كفرُها بقضاء اللَّهِ غير الوثن (^١)، أن تهتدى للحق (^٢).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. قال: كفرها بقضاء الله صدَّها أن تهتدى للحقِّ.\nولو قيل: معنى ذلك: وصدّها سليمانُ ما كانت تعبدُ مِن دونِ اللهِ. بمعنى: منعها وحال بينها وبينه كان وجهًا حسنًا. ولو قيل أيضًا: وصدَّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام. كان أيضًا وجها صحيحًا.\nوقوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾. يقول: إن هذه المرأة كانت كافرةً من قوم كافرين.\nوكُسرت الألفُ من قوله: ﴿إِنَّهَا﴾ على الابتداءِ.\nومن تأول قوله: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ التأويل الذي تأوَّلنا، كانت ﴿مَا﴾ من قوله: ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾. في موضع رفع بـ \"الصد\"؛ لأن المعنى فيه: لم يَصدُّها عن عبادة الله جهلُها وأنها لا تَعقِلُ، إنما صَدَّها عن عبادةِ اللَّهِ عبادتُها الشمس والقمر، وكان ذلك من دين قومها وآبائها، فاتبعت فيه آثارهم. ومَن تأوَّله على الوجهين الآخرين، كانت ﴿مَا﴾ في موضع نصب.\n\n<span id=\"aya-3203\"></span><span data-type='title' id=toc-6815>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ</span>\n_________\n(^١) بعده في تفسير مجاهد: \"صدها\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥١٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٩٢.","vol":"18","page":80},{"text":"سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾.\nذُكر أن سليمان لما أقبلت (^١) صاحبةُ سبأ تريدُه، أمر الشياطين (^٢) فبنوا له صَرْحًا، وهو كهيئة السطح، من قوارير، وأجرى من تحته الماء؛ ليختبر عقلها بذلك وفهمها، على نحو الذي كانت فعلت هي من توجيهها إليه الوصائف والوصفاءَ، ليميز بين الذكور منهم والإناث، معاتبةً بذلك كذلك.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبِّهٍ، قال: أمر سليمانُ بالصَّرح، وقد عملته له الشياطينُ من زجاجٍ كأنه الماء بياضًا، ثم أرسل الماء تحته، ثم وُضع له فيه سريره، فجلس عليه، وعكفت عليه الطير والجنُّ والإنسُ، ثم قال: ادخُلى الصرح. ليريها مُلكًا هو أعزُّ من ملكها، وسلطانًا هو أعظم من سلطانِها، ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ لا تشكُّ أنه ماءٌ تخوضه، قيل لها: ادخُلى، ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾. فلما وقفت على سليمان، دعاها إلى عبادة الله، وعابها في عبادتها الشمس من (^٣) دونِ اللهِ، فقالت بقول الزنادقة، فوقع سليمان ساجدًا إعظامًا لما قالت، وسجد معه الناسُ، وسُقط في يديها حين رأت سليمان صنع ما صنع، فلما رفع سليمان رأسه قال: ويحك، ماذا قلت؟ قال: وأُنسِيَتْ ما قالت، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وأسلمت فحسُن إسلامها (^٤).\nوقيل: إن سليمان إنما أمر ببناء الصَّرْح على ما وصفه الله؛ لأن الجنَّ خافت من سليمان أن يتزوَّجها، فأرادوا أن يُزَهِّدوه فيها، فقالوا: إن رِجلَها رجلُ حمارٍ، وإن\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"عليه\".\n(^٢) في ت ٢: \"الشيطان\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ٢، ف.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٠٥.","vol":"18","page":81},{"text":"أمَّها كانت من الجنِّ. فأراد سليمان أن يعلم حقيقة ما أخبرته الجنُّ من ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-6816>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةٌ (^١)، عن أبي معشرٍ، عن محمد بن كعبٍ القُرظيِّ، قال: قالت الجنُّ لسليمانَ تزهِّدُه في بلقيس: إن رِجلَها رِجلُ حمارٍ، وإن أمَّها كانت من الجنِّ. فأمر سليمانُ بالصرح فعُمل، فسجن فيه دوابَّ البحر؛ الحيتان والضفادع، فلما بصُرَت بالصرح قالت: ما وجد ابن داود عذابًا يقتلُنى به إلا الغرق؟ فَحَسِبَتْهُ لُجَّةً، وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها. قال: فإذا (^٢) أحسنُ الناس ساقًا وقدمًا. قال: فضنَّ (^٣) سليمانُ بساقها عن الموسى. قال: فاتُّخِذَت النُّورَةُ (^٤) بذلك السبب (^٥).\nوجائزٌ عندى أن يكون سليمانُ أمر باتخاذ الصرح للأمرين؛ الذي قاله وهبٌ، والذي قاله محمدُ بن كعب القُرَظيُّ؛ ليختبر عقلها، وينظر إلى ساقها وقدمها، ليعرف (^٦) صحة ما قيل له فيها.\nوكان مجاهدٌ يقولُ فيما ذُكر عنه في معنى \"الصرح\"، ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿الصَّرْحَ﴾. قال: بركةً من ماءٍ، ضرب عليها سليمانُ قوارير؛ ألبَسَها. قال: وكانت بِلْقِيسُ هَلْباءَ (^٧) شَعْراءَ، قدمُها كحافرِ الحمار، وكانت أمها جنِّيَّةٌ (^٨).\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"عن ابن إسحاق\".\n(^٢) بعده في ت ١: \"هي\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"فظن\".\n(^٤) النورة: أخلاط من أملاح الكالسيوم والباريون، تستعمل لإزالة الشعر. الوسيط (ن ور).\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٠٤.\n(^٦) في ص: \"ليتعرف\".\n(^٧) الهلباء: كثيرة الشعر. اللسان (هـ ل ب).\n(^٨) تفسير مجاهد ص ٥١٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٩٣، وأخرجه ابن أبي شيبة =","vol":"18","page":82},{"text":"حدَّثني أحمد بن الوليدِ الرَّمْلِيُّ، قال: ثنى هشامُ بنُ عمارٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن سعيد بن بشيرٍ، عن قتادة، عن النضر بن أنسٍ، عن بشرِ بن نَهيكٍ، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كان أحَدُ أَبَوَى صاحبةِ سَبأَ جِنِّيًّا\" (^١).\nقال: ثنا صفوانُ بن صالحٍ، قال: ثنى الوليدُ، عن سعيد بن بشيرٍ، عن قتادة، عن بشير بن نهيكٍ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ. ولم يذكر النضر بن أنسٍ (^٢).\nوقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾. يقولُ: فلما رأت المرأةُ الصَّرْحَ حسبته - لبياضه واضطراب دوابِّ الماءِ تحته - لجة بحرٍ، وكشَفَت عن ساقيها؛ لتخوضه إلى سليمان.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6817>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾. قال: وكان من قوارير، وكان الماءُ من خلفه، فحسبته لجةً (^٣).\n_________\n= ١١/ ١٣٩، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٩٤، ٢٨٩٥ من طرق عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٥ إلى الفريابى وابن حميد وابن المنذر.\n(^١) أخرجه ابن عدى ٣/ ١٢٠٩ من طريق هشام بن عمار به.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١١٠٨) من طريق سعيد بن بشير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٥ إلى ابن مردويه وابن عساكر، وهو في تاريخ ابن عساكر ٦٩/ ٦٧ بدون إسناد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٢ عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٩٣ من طريق سعيد، عن قتادة نحوه.","vol":"18","page":83},{"text":"قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾. قال: بحرًا.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا ابن سواءٍ (^١)، قال: ثنا روحُ بنُ القاسمِ، عن عطاءِ بن السائب، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾: فإذا هما شعراوان، فقال: ألا شيءَ يُذْهب هذا؟ قالوا: الموسَى. قال: لا، الموسَى له أثرٌ. فأمر بالنُّورَةِ فصنعت (^٢).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، عن عمران بن سليمان، عن عكرمة وأبى صالحٍ، قالا: لما تزوَّج سليمانُ بِلقيس قالت له: لم تَمسَّنى حديدةٌ قطُّ. قال سليمانُ للشياطين: انظُروا ما يُذْهِبُ الشعرَ؟ قالوا: النُّورةُ. فكان أوّلَ من صنع النُّورة (^٣).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال سليمانُ لها: إن هذا ليس ببحرٍ، ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ [مِنْ قَوَارِيرَ﴾] (^٤). يقول: إنما هو بناءٌ مبنيٌّ مُشيَّدٌ من قوارير.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n_________\n(^١) في النسخ: \"سوار\"، والمثبت هو الصواب. ينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٣٢٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٩٦ من طريق زائدة، عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عباس.\n(^٣) ذكره ابن عساكر ٦٩/ ٧٨ عن عكرمة وحده، وذكره البغوي في تفسيره ٦/ ١٦٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٢ إلى ابن عساكر عن عكرمة وحده.\n(^٤) سقط من: ص، ت ٢.","vol":"18","page":84},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6818>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: [﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ] (^١) مُمَرَّدٌ﴾. قال: مُشَيَّدٌ.\nوقوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ الآية. يقول تعالى ذكره: قالت المرأة صاحبة سبأ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ في عبادتى الشمس، وسجودى لما دونَك، ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾. تقولُ: وانقدتُ مع سليمانَ، مُذعِنةً للَّهِ بالتوحيدِ، مُفرِدةً له بالألوهة والربوبية، دون كلِّ من سواه.\nوكان ابن زيد يقولُ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾. ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾: فعرفت أنها قد غُلبت، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3204\"></span><span data-type='title' id=toc-6819>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا بأن (^٢) اعبدوا الله وحده لا شريك له، ولا تجعلوا معه إلهًا غيره، ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾. يقولُ: فلما أتاهم صالحٌ داعيًا لهم إلى الله، صار قومه من ثمود فيما دعاهم إليه فريقين يَخْتَصِمون؛ ففريقٌ مصدِّقٌ صالحًا مؤمنٌ به، وفريق مكذِّبٌ به، كافرٌ بما جاء به.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٢) في م، ت ٢: \"أن\".","vol":"18","page":85},{"text":"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6820>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾. قال: مؤمنٌ وكافرٌ؛ قولهم: صالحٌ مُرسَلٌ. وقولُهم: صالحٌ ليس بمُرسَلٍ، ويعنى بقوله: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾: يختلفون (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾. قال: مؤمنٌ وكافرٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-3205\"></span>وقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال صالحٌ لقومه: يا قوم، لأيِّ شيءٍ تستَعْجِلون بعذابِ اللهِ قبل الرحمةِ؟\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾. قال: السيئةُ العذابُ، ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾: قبل الرحمة (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٢٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٩٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى الفريابى وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":86},{"text":"مجاهدٍ: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. [قال: بالعذابِ] (^١)، ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾، قال: العافية (^٢).\nوقوله: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. يقول: هلَّا تتوبون إلى الله من كفركم، فيَغْفِرَ لكم ربكم عظيمَ جُرمِكم، ويصفح لكم عن عقوبته إياكم على ما قد أتيتُم من عظيم الخطيئة.\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. يقول: ليرحمكم ربُّكم باستغفاركم إياه من كفركم.\n\n<span id=\"aya-3206\"></span><span data-type='title' id=toc-6821>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: قالت ثمودُ لرسولها صالح: ﴿طَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾. أي: تشاءمنا بك وبمن معك من أتباعنا، وزجَرْنا الطير، بأنا سيُصيبُنا [بك وبهم] (^٣) المكارهُ والمصائبُ. فأجابهم صالحٌ فقال لهم: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾. أي: ما زجَرْتم من الطير لما يُصِيبُكم من المكاره عند الله علمُه، لا يُدْرَى أيُّ ذلك كائنٌ؛ أما تظنون من المصائب والمكاره، أم ما لا ترجُونه من العافية والرجاء والمحابِّ؟\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٩٨ من طريق حجاج به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"بدونهم\".","vol":"18","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6822>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾. يقولُ: مصائبكم (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ عن قتادة قوله: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: علمكم عندَ اللهِ (^٢).\nوقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾. يقولُ: بل أنتم قوم تختبرون (^٣)، يختبِرُكم ربُّكم إذ أرسلنى إليكم؛ أَتُطيعونه فتعملون بما أمركم به، فيجزيكم الجزيل من ثوابه، أم تعصُونه فتعملون (^٤) بخلافه فيحِلَّ بكم عقابُه؟\n\n<span id=\"aya-3207\"></span><span data-type='title' id=toc-6823>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره (^٥): وكان في مدينة قوم (^٦) صالحٍ، وهى حجر ثمود، تسعةُ أنفسٍ يُفْسِدون في الأرضِ ولا يُصْلِحون. وكان إفسادُهم في الأرضِ كُفرهم بالله ومعصيتهم إياه، وإنما خصَّ الله جلَّ ثناؤُه هؤلاء التسعة الرهط بالخبر عنهم أنهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٩٩ من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٢ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٢، ٨٣ عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٩٨ من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ت ١: \"تخيرون\"، وفى ت ٢: \"تخبرون\".\n(^٤) في ت ٢: \"فتعلمون\".\n(^٥) بعده في ت ٢: \"وكان في المدينة أي\".\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ف.","vol":"18","page":88},{"text":"كانوا يُفسدون في الأرضِ ولا يُصْلِحون، وإن كان أهلُ الكفرِ كلُّهم [في الأرضِ] (^١) مفسدين؛ لأن هؤلاء التسعة هم الذين سَعَوْا - فيما بلغنا - في عقر الناقة وتعاونوا (^٢) عليه، وتحالفوا على قتل صالحٍ من بين قومهم (^٣) ثمود. وقد ذكرنا قصصهم وأخبارهم فيما مضى من كتابنا هذا (^٤).\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6824>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾. قال: من قومِ صالحٍ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه:، عن ابن عباس قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾: هم الذين عقروا الناقةَ، وقالوا حين عقروها: نُبَيِّتُ صالحًا وأهله فنقتُلُهم، ثم نقولُ لأولياء صالحٍ: ما شهدنا من هذا شيئًا، وما لنا به\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.\n(^٢) في ت ٢: \"فعاونوا\".\n(^٣) في م، ت ١، ف: \"قوم\"، وفى ت ٢: \"قومه\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١٠/ ٢٨٢ وما بعدها، ١٢/ ٤٥٢ وما بعدها، ١٤/ ١٠٣ وما بعدها.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٠٠ من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٢ إلى الفريابى وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":89},{"text":"علمٌ. فدمَّرهم الله أجمعين (^١).\n\n<span id=\"aya-3208\"></span>وقوله: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾. يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء التسعةُ الرهط الذين يُفْسِدون في أرضِ حِجْرِ ثمود ولا يُصلحون: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾: تحالفوا بالله: أيُّها القوم، ليحلف بعضُكم لبعضٍ: لنُبيِّتَنَّ (^٢) صالحًا وأهله فلنقتُلَنَّه، ثم لنقولَنَّ لوليِّه (^٣): ما شهدْنا مَهْلِكَ أَهلِه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6825>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾. قال: تحالفوا على إهلاكه فلم يصلوا إليه، حتى هلكوا وقومُهم أجمعون (^٤).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوه.\nويتوجه قوله: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾. إلى وجهين؛ أحدهما، النصب على وجه الخبر، كأنه قيل: قالوا مُتقاسمين. وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: (ولا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٠٠، ٢٩٠٢ عن محمد بن سعد به.\n(^٢) في ت ٢: \"ليبيتن\".\n(^٣) في ت:٢ \"لولى دمه\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٢٠ من طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره، ٩/ ٢٩٠١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٢ إلى الفريابى وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":90},{"text":"يُصْلِحون، تقاسموا بالله) (^١). وليس فيها ﴿قَالُوا﴾. فذلك من قراءته يَدلُّ على وجه النصب في ﴿تَقَاسَمُوا﴾، على ما وصفتُ. والوجه الآخرُ، الجزم (^٢). كأنهم قال بعضُهم لبعض: أَقسموا بالله. فعلى هذا الوجه الثاني تَصْلُحُ قراءة (^٣): ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ بالتاء والنونِ؛ لأن القائل لهم: تقاسموا. وإن كان هو الآمر، فهو في من أقسم، كما يقالُ في الكلام انهضوا بنا نَمضِ إلى فلانٍ. وانهضوا تمضُوا (^٤) إليه. وعلى الوجه الأول الذي هو وجهُ النصب، القراءة فيه بالنون أفصحُ؛ لأن معناه: قالوا متقاسمين: لَنُبَيِّتنَّه. وقد تجوز الياءُ على هذا الوجه، كما يقالُ في الكلام: قالوا: لنُكرِمَنَّ أباك، ولَيُكرِمُنَّ (^٥) أباك. وبالنونِ قرأ ذلك قرأةُ المدينة وعامة قرأةِ البصرة وبعضُ الكوفيِّين. وأما الأغلب على قرأةِ أهل الكوفة، فقراءتُه بالتاءِ وضمِّ التاءين جميعًا. وأما بعضُ المكيِّين فقرأه بالياء (^٦).\nوأعجبُ القراءاتِ في ذلك إليَّ النونُ؛ لأن ذلك أفصحُ الكلام على (^٧) الوجهين اللَّذين بيَّنتُ من النصب والجزم، وإن كان كل ذلك صحيحًا غير فاسدٍ؛ لما وصفتُ، وأكرهُها إليَّ [القراءة بها] (^٨) الياءُ؛ لقلة قارئ ذلك كذلك\n_________\n(^١) معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٩٦، وهى قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٢) في ت ٢: \"بجزم\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ف: \"قراءته\".\n(^٤) في م: \"نمضى\"، وفى ت ١: \"فمضوا\"، وفى ف: \"يمضوا\".\n(^٥) في ص، ت ٢: \"لتكرمن\".\n(^٦) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم بالنون جميعا، وقرأ حمزة والكسائى: (لتبيتنه ثم لتقولن) بالتاء جميعا، وقرأ مجاهد: (ليبيتنه ثم ليقولن). وهذه الأخيرة شاذة. السبعة لابن مجاهد ص ٤٨٣، ومختصر الشواذ لابن خالويه ص ١١١.\n(^٧) في ت ٢: \"في\".\n(^٨) في ت ١: \"قراءة\".","vol":"18","page":91},{"text":"وقوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾. قال: ليُبَيِّتُنَّ (^١) صالحًا، ثم يَفْتِكوا (^٢) به.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: قال التسعةُ الذين عقروا الناقةَ: هلمَّ فلنَقْتُلْ صالحًا، فإن كان صادقًا - يعنى فيما وعدهم من العذابِ بعد الثلاثِ - عَجَّلْناه قبلَه، وإن كان كاذبًا، نكون قد ألحقناه بناقتِه. فأتوه ليلًا ليُبَيِّتوه في أهلِه، فدمغتهم (^٣) الملائكةُ بالحجارة، فلما أبطَئوا (^٤) على أصحابهم، أتوا منزِلَ صالحٍ، فوجدوهم مُشَدَّخين (^٥) قد رُضِخوا (^٦) بالحجارة (^٧).\nوقوله: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: [نقولُ لوليِّه: إنا لصادِقون] (^٨) أنَّا ما شهدنا مَهْلِكَ أهلِه.\n\n<span id=\"aya-3209\"></span><span data-type='title' id=toc-6826>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: وغدَر هؤلاء التسعةُ الرهط الذين يُفسدون في الأرض بصالح، بمصيرهم (^٩) إليه ليلًا ليقتلوه وأهله، وصالحٌ لا يَشْعُرُ بذلك، ﴿وَمَكَرْنَا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"لنبيتن\".\n(^٢) قوله: يفتكوا. بحذف النون دون نصب أو جزم لغة معروفة صحيحة، من ذلك قوله ﷺ: \"لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا\". قال الإمام النووى: \"ولا تؤمنوا\"، بحذف النون من آخره وهى لغة معروفة صحيحة. صحيح مسلم بشرح النووى ٢/ ٣٦.\n(^٣) يقال: دمغه دمغا، إذا أصاب دماغه فقتله. اللسان (د م غ).\n(^٤) في ت ٢: \"بطئوا\".\n(^٥) في م، ف: \"مشدوخين\"، والشَّدْخُ: كسرك الشئ الأجوف كالرأس ونحوه. اللسان (ش د خ).\n(^٦) الرَّضْخ: كسر الرأس. اللسان (ر ض خ).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٠ من طريق سلمة به.\n(^٨) سقط من: ت ٢.\n(^٩) في ص، ت ١، ف: \"لمصيرهم\"، وفى ت ٢: \"لمصيرهم\".","vol":"18","page":92},{"text":"مَكْرًا﴾. يقولُ: فأَخَذْناهم بعقوبتِنا إياهم، وتعجيلنا للعذاب لهم، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بمكرنا.\nوقد بيَّنا فيما مضى معنى مكْرِ الله بمن مكر به، وما وجهُ ذلك، وأنه أَخْذُه من أخذه منهم على غِرَّةٍ، أو استدراجه من استدرج منهم على كفره به ومعصيته إياه، ثم إحلاله العقوبة به على غِرَّةٍ وغفلةٍ (^١).\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6827>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن رجلٍ، عن عليٍّ، قال: المكرُ غَدرُ، والغَدرُ كفرٌ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾. قال: احتالوا لأمرهم، واحتال الله لهم مكروا بصالح مكرًا، ومكرنا بهم مكرًا، وهم لا يشعرون بمكرنا، وشعرنا بمكرهم، قالوا: زعَم صالحٌ أنه يَفْرُغُ منا إلى ثلاثٍ، فنحن نَفْرُغُ منه وأهله قبل ثلاثٍ. وكان مسجدٌ له في الحجر في شِعْبٍ ثَمَّ يُصَلِّي فيه، فخرجوا إلى كهفٍ، وقالوا: إذا جاء يُصَلِّي قتَلْناه، ثم رجَعْنا إذا فرَغْنا منه إلى أهله ففرَغْنا منهم. وقرأ قولَ الله ﵎: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. فبعث الله صخرةً من الهَضْبِ (^٢) حِيالَهم، فخَشُوا أَن تَشْدَخَهم، فبادروا الغار (^٣)، فطَبَّقت (^٤) الصخرةُ عليهم فم ذلك الغارِ، فلا يَدْرِى قومُهم أين هم،\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٣١٢ - ٣١٦.\n(^٢) الهضب: الجبل المنبسط ينبسط على الأرض، وقيل: هو الجبل الممتنع المنفرد. اللسان (هـ ض ب).\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٤) طبَّق: غطى. اللسان (ط ب ق).","vol":"18","page":93},{"text":"ولا يدرُون ما فُعِل بقومِهم، فعذَّب الله ﵎ هؤلاء ههنا، وهؤلاء ههنا، وأنجى الله صالحًا ومن معه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾. قال: فسلَّط الله عليهم صخرةً فقتلتهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-3210\"></span>وقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾. يقول تعالى ذكره: فانظُر يا محمدُ بعين قلبك [إلى عاقبة غَدْرِ ثمود بنبيِّهم صالحٍ] (^٣)، كيف كانت؟ وما الذي أورثها اعتداؤُهم وطغيانهم وتكذيبهم؟ فإن ذلك سُنتُنا في من كذَّب رسلنا، وطغى علينا من سائر الخلقِ، فَحَذِّرْ قومك من قريشٍ أن ينالهم بتكذيبهم إياك ما نال ثمود بتكذيبهم صالحًا من المَثُلاتِ (^٤).\nوقوله: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ: أنا دمَّرنا التسعة الرهط الذين يُفسدون في الأرضِ من قومِ صالحٍ وقومهم من ثمود أجمعين، فلم تُبق منهم أحدًا.\nواختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿أَنَّا﴾؛ فقرأ بكسرها عامةُ قرأَةِ الحجاز والبصرة على الابتداء، وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾. بفتح الألف (^٥). وإذا فُتحت كان في ﴿أَنَّا﴾ وجهان من الإعراب؛ أحدهما، الرفعُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٠٣ - ٢٩٠٤ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٣ - ومن طريقه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٢ - عن معمر به، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٠٢ من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ت ٢: \"كيف كان عاقبة مكرهم\".\n(^٤) المثلة، بفتح الميم وضم الثاء: العقوبة، والجمع المثلات. اللسان (م ث ل).\n(^٥) قرأها عاصم وحمزة والكسائي بالفتح، وقرأها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالكسر، السبعة لابن مجاهد ص ٤٨٤.","vol":"18","page":94},{"text":"على ردِّها على \"العاقبة\"، على الإتباع لها. والآخرُ، النصبُ على الردِّ على موضع ﴿كَيْفَ﴾؛ لأنها في موضع نصبٍ إن شئت، وإن شئت على تكرير ﴿كَانَ﴾ عليها، على وجه: فانظُرْ كيف كان عاقبةُ مكرهم؟ كان عاقبةُ مكرهم تدميرنا إياهم.\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القول في ذلك عندى أن يُقال: إنهما قراءتانِ مشهورتان في قرأَةِ الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-3211\"></span><span data-type='title' id=toc-6828>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾: فتلك مساكنُهم خاويةً خاليةً منهم، ليس فيها منهم أحدٌ، قد أهلكهم الله فأبادهم، ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾. يقولُ: بظلمهم أنفسهم، بشركهم بالله وتكذيبهم رسولهم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: إن في فعلنا بثمود ما قصصنا عليك يا محمدُ من القصة، لَعِظَةً لمن يَعْلَمُ فِعلَنا ما فعلنا، من قومك الذين يُكَذِّبونك فيما جئتهم به من عند ربِّك، وعبرةً، ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.\n\n<span id=\"aya-3212\"></span>يقولُ: وأنجينا من نقمتنا وعذابنا الذي أحلَلْناه بثمود، رسولنا صالحًا والمؤمنين به، ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. يقولُ: وكانوا يَتَّقون بإيمانهم وبتصديقهم صالحًا، الذي حلَّ بقومهم من ثمود، ما حلَّ بهم من عذاب الله، فكذلك نُنْجِيك يا محمد تُبَاعَك (^١) عندَ إحلالنا عقوبتنا بمُشرِكى قومِك من بين أظهرهم.\nوذُكِر أن صالحًا لما أحل الله بقومه ما أحلَّ، خرج هو والمؤمنون به إلى الشامِ،\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"أتباعك\".","vol":"18","page":95},{"text":"فنزل رملة فلسطين.\n\n<span id=\"aya-3213\"></span><span data-type='title' id=toc-6829>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وأرسلنا لوطًا إلى قومه، إذ قال لهم: يا قومِ، ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أنها فاحشةٌ؛ لعلمكم بأنه لم يسبقكم إلى ما تفعلون من ذلك أحدٌ؟\n\n<span id=\"aya-3214\"></span>وقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾. [يقولُ: أئنَّكم لتأتون الرجال شهوة] (^١) منكم بذلك من دونِ (^٢) فروج النساء التي أباحَها الله لكم بالنكاح!\nوقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. يقول: ما [ذلك منكم إلا أنكم] (^٣) قومٌ سفهاءُ جهلةٌ بعظم (^٤) حقِّ الله عليكم، فخالفتم لذلك أمره، وعصيتم رسوله.\n\n<span id=\"aya-3215\"></span><span data-type='title' id=toc-6830>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: فلم يَكُنْ لقوم لوط جوابٌ له، إذ نهاهم عما أمره (^٥) الله بنهيهم عنه من إتيان الرجال، إلا قيلُ بعضهم لبعض: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. عما نَفْعَلُه نحن من إتيانِ الذُّكْرانِ في أدبارهم.\n_________\n(^١) سقط من النسخ، والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٢) بعده في ت ١: \"النساء يعنى\".\n(^٣) في ت ٢: \"هذا الذي تفعلونه إلا فعل\".\n(^٤) في ت ٢: \"بعظيم\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"أمرهم\".","vol":"18","page":96},{"text":"كما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: سَمِعْتُ الحسن بن عُمارة يَذْكُرُ عن الحكم، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. قال: من إتيان الرجال والنساء في أدبارهن (^١).\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. قال: مِن أدبار الرجال وأدبار النساء؛ استهزاءً بهم (^٢).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: يَتَطَهَّرون من أدبار الرجال والنساءِ؛ استهزاء بهم، يقولون ذلك.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة أنه تلا: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. قال: عابوهم بغير عيبٍ، أي: إنهم يَتَطَهَّرون من أعمالِ السُّوءِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3216\"></span><span data-type='title' id=toc-6831>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فأنجينا لوطًا وأهله سوى امرأته من عذابنا، حينَ أحْلَلْناه بهم، ثمَّ ﴿قَدَّرْنَاهَا﴾. يقول: فإنَّ امرأته قدَّرناها: جعَلْناها بتقديرنا ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: من الباقين،\n\n<span id=\"aya-3217\"></span>﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾. وهو إمطارُ الله عليهم من\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٠/ ٣٠٧.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٢٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٨، وينظر ما تقدم في ١٠/ ٣٠٧.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٠/ ٣٠٧.","vol":"18","page":97},{"text":"السماء حجارةً من سِجِّيلٍ، ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾. يقولُ: فساء ذلك المطرُ مطرُ القوم الذين أنذرهم الله عقابه، على معصيتهم إياه، وخوَّفهم بأسه، بإرسال الرسول إليهم بذلك.\n\n<span id=\"aya-3218\"></span><span data-type='title' id=toc-6833>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره لنبيه محمدٍ ﷺ: قل يا محمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على نعمه علينا، وتوفيقه إيَّانا لما وفَّقنا من الهداية، ﴿وَسَلَامٌ﴾. يقولُ: وأَمَنَةٌ منه من عقابِه الذي عاقب به قوم لوطٍ (^١) وصالح (^٢). الذين اصطفاهم. يقولُ: الذين اجتباهم لنبيِّه محمدٍ ﷺ، فجعلهم أصحابه ووزراءه على الدين الذي بعثه بالدعاء إليه، دونَ المشركين به، الجاحدين نُبوَّةَ نبيِّه.\nوبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6832>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا طَلْقٌ - يعنى ابنَ غَنَّامٍ (^٣) - عن ابن ظُهَيرٍ (^٤)، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾. قال: أصحاب محمدٍ، اصْطَفاهم الله لنبيه (^٥).\n_________\n(^١) بعده في م: \"قوم\".\n(^٢) بعده في م: \"على\".\n(^٣) في ص، ف: \"عنام\". وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٤٥٦.\n(^٤) في ت ١: \"ظهيرة\". وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٩٩.\n(^٥) أخرجه البزار (٢٢٤٣ - كشف) من طريق طلق بن غنام به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٠٦ من طريق الحكم بن ظهير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٣ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":98},{"text":"حدَّثنا عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بن مسلمٍ، قال: قلتُ لعبدِ اللهِ بن المبارك: أرأيتَ قولَ اللهِ: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾. مَن هؤلاء؟ فحدَّثنى عن سفيان الثوريِّ، قال: هم أصحاب رسول الله ﷺ (^١).\nوقوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء الذين زيَّنا لهم أعمالهم من قومك، فهم يَعْمَهُون: الله الذي أنعم على أوليائه هذه النِّعم التي قصَّها عليكم في هذه السورة، وأهلك أعداءه بالذي أهلكهم به من صنوف العذابِ التي ذكرها لكم فيها - خيرٌ، أمَّا تُشْرِكون من أوثانكم التي لا تَنْفَعُكم ولا تَضُرُّكم، ولا تَدْفَعُ عن أنفسها ولا عن أوليائها سُوءًا، ولا تجلبُ إليها ولا إليهم (^٢) نفعًا. يقولُ: إِنَّ هذا الأمر ما (^٣) يُشكلُ على مَن له عقلٌ، فكيف تَسْتَجِيزون أنْ تُشْرِكوا عبادةَ مَن لا نفع عنده لكم، ولا دفع ضرٍّ عنكم في عبادة من بيده النفعُ والضرُّ، وله كل شيءٍ.\nثم ابتدأ تعالى ذكره تعديدَ نعمه عليهم وأياديه عندهم، وتعريفهم بقلة شكرهم إياه، على ما أولاهم من ذلك، فقال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3219\"></span><span data-type='title' id=toc-6834>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في ت ١: \"إليكم\".\n(^٣) في م: \"لا\".","vol":"18","page":99},{"text":"يقولُ تعالى ذكره للمشركين به من قريش: أعبادةُ ما تَعْبُدون مِن أوثانكم التي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، خيرٌ أم عبادةُ من خلق السماوات والأرضَ؟ ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعنى: مطرًا. وقد يجوزُ أن يكونَ مُريدًا به العيونَ التي فجرها في الأرضِ؛ لأن كلَّ ذلك من خلقِه، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾. يعنى: بالماءِ الذي أُنزل من السماءِ ﴿حَدَائِقَ﴾. وهى جمعُ حديقةٍ، والحديقةُ البُستانُ عليه حائطٌ مُحَوَّطٌ، وإن لم يَكُن عليه حائطٌ لم يَكُن حديقةً.\nوقوله: ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾. يقولُ: ذات منظرٍ حسنٍ. وقيل: ﴿ذَاتَ﴾ كله بالتوحيد. وقد قيل: ﴿حَدَائِقَ﴾. كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وقد بيَّنتُ ذلك فيما مضى (^١).\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6835>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾. قال: البهجة الفُقَّاحُ (^٢) مما يأكلُ الناسُ والأنعامُ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهد قوله: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾. قال: مِن كلِّ شيءٍ يأكله (^٤) الناسُ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٦/ ١٧، ١٨.\n(^٢) التفقُّح: التفتُّح، وفقح الورد إذا تفتَّح، والفُقَّاحُ: عُشْبَة نحو الأقحوان في النبات والمنبت، واحدته فُقَّاحة. اللسان (ف ق ح).\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٢٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٠٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٣ إلى الفريابى وابن أبي شيبة وابن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في م، ف: \"تأكله\".","vol":"18","page":100},{"text":"والأنعامُ.\nوقوله: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾. يقول تعالى ذكرُه: أنبتنا بالماء الذي أنزلناه من السماء لكم هذه الحدائق، إذ (^١) لم يَكُن لكم - لولا أنه أنزل عليكم الماء من السماء - طاقةٌ أن تُنْبِتُوا شجر هذه الحدائق، ولم تكونوا قادرين على إنبات (^٢) ذلك؛ لأنه لا يصلُحُ ذلك إلا بالماء.\nوقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: أمعبودٌ مع اللهِ أَيُّها الجَهَلَةُ خلق ذلك، وأنزلَ مِن السماءِ الماء فأنبت به لكم الحدائق؟\nفقوله: ﴿أَإِلَهٌ﴾ مردودٌ على تأويل: أمع الله إلهٌ؟\n﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: بل هؤلاء المشركون قوم ضُلَّالٌ، يَعْدِلون عن الحقِّ، ويَجُورُون (^٣) عليه على عَمْدٍ منهم لذلك، مع علمهم بأنهم على خطأ وضلالٍ، ولم يعدلوا عن جهلٍ منهم بأنَّ مَن لا يقدرُ على نفعٍ ولا ضرٍّ خيرٌ ممن خلق السماوات والأرضَ، وفعل هذه الأفعال، ولكنهم عَدَلوا على علمٍ منهم ومعرفة؛ اقتفاءً منهم سُنَّةَ مَن مضى قبلهم من آبائهم.\n\n<span id=\"aya-3220\"></span><span data-type='title' id=toc-6836>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أعبادةُ ما تُشْرِكون أيُّها الناسُ بربِّكم خيرٌ، وهو لا يضُرُّ ولا ينفعُ، أم الذي جعَل الأرضَ لكم قرارًا تَسْتقرون عليها لا تميدُ بكم؟\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ف: \"إن\".\n(^٢) في م: \"ذهاب\"، وفي ت ٢: \"إتيان\".\n(^٣) في ت ٢: \"يجوزون\".","vol":"18","page":101},{"text":"﴿وَجَعَلَ﴾ لكم ﴿خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾. يقولُ: بينها (^١) أنهارًا، ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ وهى ثوابت الجبالِ، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾: بين العذبِ والمِلْحِ، أن يُفْسِدَ أحدُهما صاحبه، ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾. [يقولُ: أإلهٌ مع الله] (^٢) سواه فعل هذه الأشياءَ، فأشْرَكتُموه في عبادتكم إيَّاه؟\nوقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: بل أكثرُ هؤلاء المشركين لا يعلمون قَدْرَ عَظَمَةِ اللهِ، وما عليهم مِن الضرِّ في إشراكهم في عبادة الله غيره، وما لهم من النفع في إفرادِهم الله بالألوهة، وإخلاصهم له العبادة، وبراءتهم من كلِّ معبود سواه.\n\n<span id=\"aya-3221\"></span><span data-type='title' id=toc-6837>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: أما تُشركون بالله خيرٌ، أم الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشفُ السُّوءَ (^٣) النازل به عنه؟\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قوله: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾. قال: الضُّرَّ (^٤).\nوقولُه: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾. يقولُ: ويستخلِفُ بعد أُمرائكم في الأرض منكم خُلَفَاءَ أحياءً يخلفونهم.\nوقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾. يقولُ: أإله مع الله سواه يفعلُ هذه الأشياء بكم،\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ف: \"منها\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٣) بعده في ت ١، ت ٢، ف: \"كما\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٣ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"18","page":102},{"text":"ويُنْعِمُ عليكم هذه النِّعم؟\nوقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: تَذَكُّرًا (^١) قليلًا من عظمة الله وأياديه عندكم، تذكَّرون وتَعْتَبِرون حُجَجَ الله عليكم يسيرًا، فلذلك أشْرَكتُم بالله غيره في عبادته.\n\n<span id=\"aya-3222\"></span><span data-type='title' id=toc-6838>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا (^٢) بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: أمّا تُشركون بالله خيرٌ، أم الذي يَهْدِيكُم في ظُلُماتِ البَرِّ والبحر إذا أضْلَلْتُم (^٣) فيهما الطريق، فأظلمت عليكم السُّبُلُ فيهما؟\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قوله: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: وظُلمات (^٤) البرِّ: ضَلالةُ الطريقِ، والبحرِ: ضَلالةُ طريقه، وموجُه، وما يكونُ فيه (^٥).\nقولُه: (ومَن يُرْسِلُ الرياحَ نُشْرًا بينَ يَدَى رَحْمَتِهِ). يقولُ: والذي يرسلُ الرياحَ نُشْرًا لِمَوَتانِ الأرض، ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾. يعنى: قدَّام الغيث الذي يُحْيِى مَواتَ الأَرضِ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"يذكر\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ف: \"نشرا\". وتنظر هذه القراءات في ١٠/ ٢٥٢، ٢٥٣.\n(^٣) في م: \"ضللتم\".\n(^٤) في ص: \"الظلمات\"، وفى م: \"الظلمات في\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٣ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"18","page":103},{"text":"وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إلهٌ مع الله سوى الله يفعلُ بكم شيئًا من ذلك فتعبُدوه مِن دونِه، أو تُشْرِكوه في عبادتِكم إياه؟ ﴿تَعَالَى اللَّهُ﴾. يقولُ: للهِ العُلُوُّ والرِّفْعَةُ عن شركِكم الذي تشركون به، وعبادتكم معه ما تعبدون.\n\n<span id=\"aya-3223\"></span><span data-type='title' id=toc-6839>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: أما تُشْرِكون أيُّها القومُ خيرٌ، أم الذي يبدأُ الخلق ثم يُعِيدُه، فيُنْشِئَه من غيرِ أصلٍ، ويَبْتَدِعَه (^١) ثم يُفْنِيَه إذا شاء، ثم يعيده إذا أراد كهيئته قبل أن يُفْنيه، والذي يرزقكم من السماء والأرضِ، فيُنْزِلَ مِن هذه الغيثَ، ويُنْبِتَ مِن هذه النبات لأقواتِكم وأقواتِ أَنْعامِكم، أإلهٌ مع الله سوى الله يفعل ذلك؟ وإن زعموا أن إلهًا غير الله يفعل ذلك أو (^٢) شيئًا منه، فقل لهم يا محمدُ: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾.\nأي: حُجَّتكم على أن شيئًا سوى الله يفعل ذلك، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم.\nو\"من\" التي في ﴿أَمَّنْ﴾ [و\"ما\"] (^٣) مبتدأٌ، في (^٤) قوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، والآياتُ بعدها إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. بمعنى \"الذي\"، لا بمعنى الاستفهام؛ وذلك أن الاستفهام لا يدخلُ على الاستفهام.\n\n<span id=\"aya-3224\"></span><span data-type='title' id=toc-6840>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿(٦٤) قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ</span>\n_________\n(^١) في ت ٢: \"يبدعه\".\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"و\".\n(^٣) سقط من: ت ٢، وفى ص، ت ١، ف: \"من\".\n(^٤) سقط من: ص ت ١، ت ٢، ف.","vol":"18","page":104},{"text":"هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾.\nيقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمد لسائليك من المشركين عن الساعة متى هي قائمةٌ؟ لا يعلمُ مَن في السماوات والأرض الغيب الذي قد استأثر الله بعلمه وحَجَب عنه خلقه - غيرُه، والساعةُ من ذلك، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. يقول: وما يدرى من في السماواتِ والأرض من خلقه، متى هم مبعوثون مِن قُبُورِهم لقيام الساعة؟\nوقد حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبرنا داودُ بن أبى هندٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، قال: قالت عائشةُ: مَن زَعَم أنه يُخْبِرُ الناسَ بما يكون في غدٍ، فقد أعظم على الله الفِرْيَةَ، والله يقولُ: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^١).\nواختلف أهل العربية في وَجْهِ رفعِ ﴿اللَّهُ﴾؛ فقال بعض البصريِّين: هو (^٢) كما تقولُ (^٣): ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦]. وفي حرف ابن مسعودٍ: (قليلًا) (^٤) بدلًا من الأوَّلِ؛ لأنك نَفَيْتَه عنه، وجعلته للآخرِ.\nوقال بعض الكوفيِّين (^٥): إن شئتَ أن تَتَوَهَّم في ﴿مَنْ﴾ المجهول، فتكونَ معطوفة على (^٦): قُلْ لا يعلم أحدٌ الغيب إلا الله. قال: ويجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٨/ ٥٧١.\n(^٢) سقط: ت ١، ف.\n(^٣) في ص، ت ٢: \"يقول\".\n(^٤) وهى قراءة أُبى وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر، وابن عامر من السبعة. البحر المحيط ٣/ ٢٨٥، وينظر ما تقدم في ٧/ ٢٠٨.\n(^٥) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٩٨، ٢٩٩.\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ف: \"عليه\".","vol":"18","page":105},{"text":"معرفةً، ونزَل (^١) ما بعدَ ﴿إِلَّا﴾ عليه، فيكونَ عَطْفًا، ولا يكونَ بدلًا؛ لأن الأوَّلَ مَنْفِيٌّ، والثانيَ مُثْبَتٌ، فيكونَ في النَّسَقِ، كما تقولُ: قامَ زيدٌ إلا عمرٌو. فيكونُ الثاني عطفًا على الأوَّلِ، والتأويلُ جَحْدٌ، ولا يكونُ أن يكونَ الخبرُ جَحْدًا، أو (^٢) الجحدُ خبرًا. قال: وكذلك ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦]. و(قليلًا). مَن نَصَب فعلى الاستثناءِ في (^٣) عبادتِكم إيَّاه، ومَن رفَع فعلى العطفِ، ولا يكونُ (^٤) بدلًا (^٥).\n\n<span id=\"aya-3225\"></span>وقولُه: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ سِوى أبى جعفرٍ وعامةِ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ بكسر اللامِ مِن ﴿بَلِ﴾، وتَشْدِيدِ الدالِ مِن ﴿ادَّارَكَ﴾ (^٦)، بمعنى: بل تَدارَكَ علمُهم. أي: تتابع علمُهم بالآخرةِ، هل هي كائنةٌ أم لا؟ ثم أُدغمت التاءُ في الدالِ، كما قيل: ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]. وقد بَيَّنا ذلك فيما مضَى بما فيه الكفايةُ مِن إعادتِه (^٧).\nوقرأَته عامةُ قرأةِ أهلِ مكةَ: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ (^٨). بسكونِ الدالِ وفتحِ الألفِ، بمعنى: هل أدْرَك علمُهم علمَ الآخرةِ.\nوكان أبو عمرِو بنُ العلاءِ يُنكِرُ - فيما ذُكر عنه - قراءةَ مَن قرَأ: (بَلْ أَدْرَكَ) (^٩)\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"ترك\"\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"و\".\n(^٣) في ت ١: \"من\".\n(^٤) بعده في ت ١: \"هذا\"، وبعده في ف: \"هنا\".\n(^٥) ينظر معاني القرآن ٢/ ٢٩٨، ٢٩٩.\n(^٦) هي قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائى وخلف. النشر ٢/ ٢٥٤.\n(^٧) ينظر ما تقدم في ٢/ ١١٩.\n(^٨) هي قراءة أبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو ويعقوب. المصدر السابق.\n(^٩) وبها قرأ الحسن وأبو رجاء وابن محيصن وقتادة. المحتسب ٢/ ٩٢. وينظر البحر المحيط ٧/ ٩٢.","vol":"18","page":106},{"text":"ويقولُ: إن \"بل\" إيجابٌ، والاستفهامُ في هذا الموضعِ إنكارٌ. ومعنى الكلام إذا قُرِئ كذلك: (بل آدْرَكَ): لم يَكُنْ ذلك، لم يُدْرِكْ علمُهم في الآخرةِ. وبالاستفهامِ قرَأ ذلك ابن مُحَيْصِنٍ على الوجهِ الذي ذكرتُ أن أبا عمرٍو أنكَره.\nوبنحوِ الذي ذَكَرتُ عن المكيِّين أنهم قرءوه، ذُكر عن مجاهدٍ أنه قَرأه، غيرَ أنه كان يقرأُ في موضعِ \"بل\": (أم).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الله بنُ موسى، قال: ثنا عثمانُ (^١) بنُ الأسودِ، عن مجاهدٍ أنه قرَأ: (أَمْ أَدْرَكَ عِلْمُهم) (^٢).\nوكان ابن عباس فيما ذُكر عنه يقرؤُه (^٣) بإثباتِ ياءٍ في \"بل\" ثم يبتدئُ: (أدّارك)؟ بفتحِ ألفِها، على وجهِ الاستفهامِ، وتشديدِ الدالِ (^٤).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي حمزةَ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ([بلَى أدَّارَكَ] (^٥) عِلْمُهم في الآخِرَةِ) أي: لم يُدرك (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي حمزةَ، قال: سمعتُ ابنَ عباسٍ يقرأُ: (بَلَى أَدَّارَكَ علْمُهم في الآخرةِ) إنما هو\n_________\n(^١) في ت ٢: \"عمار\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩١٤ من طريق عثمان بن الأسود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٤ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر. وينظر البحر المحيط ٧/ ٩٢.\n(^٣) في م، ف: \"يقرأ\".\n(^٤) معاني القرآن للفراء، ٢/ ٢٩٩، وتفسير القرطبي ١٣/ ٢٢٦.\n(^٥) في ت ٢، ومصدرى التخريج: \"بل آدرك\". والمثبت موافق لنص المصنف قبله، ولما نص عليه الفراء والقرطبى في الموضعين السابقين.\n(^٦) أخرجه أبو عبيد في الفضائل ص ١٨٠ من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٤ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":107},{"text":"استفهامٌ أنه لم يُدْرِكْ.\nوكأن ابنَ عباسٍ وجَّه ذلك إلى أن مَخْرَجَه مَخرجَ الاستهزاءِ بالمكذِّبين بالبعثِ.\nوالصوابُ مِن القراءاتِ عندَنا في ذلك القراءتان اللتان ذكَرتُ إحداهما عن قرأَةِ أهلِ مكةِ والبصرةِ، وهى: (بَلْ أَدْرَكَ علمُهم) بسكونِ لامِ \"بل\" وفتحِ ألفِ \"أدْرَك\" وتخفيف دالِها. والأخرى منهما عن قرأةِ الكوفةِ، وهى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ بكسرِ اللامِ وتشديدِ الدال مِن ﴿ادَّارَكَ﴾؛ لأنهما القراءتان المعروفتان في قرأةِ الأمصارِ، فبأيَّتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ عندَنا، فأما القراءةُ التي ذكرتُ عن ابن عباسٍ، فإنها وإن كانت صحيحة المعنى والإعرابِ، فخلافٌ لِما عليه مصاحفُ المسلمين، وذلك أن في \"بلى\" زيادةً ياءٍ في قراءتِه (^١) ليست في المصاحفِ، وهى مع ذلك قراءة لا نعلمها قرأ بها أحدٌ مِن قرأة الأمصار، وأما القراءةُ التي ذكرتُ عن ابن مُحَيْصِنٍ، فإن الذي قال فيها أبو عمرٍو قولٌ صحيحٌ؛ لأن العربَ تُحَقِّقُ بـ \"بل\" ما بعدَها لا تَنْفِيه، والاستفهامُ في هذا الموضعِ إنكارٌ لا إثباتٌ، وذلك أن الله قد أخبرَ عن المشركين أنهم مِن الساعةِ في شَكٍّ، فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾.\nواختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: بل أدرَك علمُهم في الآخرةِ، فأيْقَنوها إذ عايَنوها، حينَ لم ينفعْهم يقينُهم بها، إذْ كانوا بها في الدنيا مُكَذِّبين.\n_________\n(^١) في م: \"قراءاته\".","vol":"18","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6841>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال عطاءٌ الخُراسانيُّ، عن ابن عباسٍ: (بل أَدْرَكَ عِلْمُهم). قال: بصرُهم في الآخرةِ حينَ لم ينفعْهم العلمُ والبصرُ (^١).\nوقال آخرون: بل معناه: بل غابَ علمُهم في الآخرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6842>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: (بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهم في الآخرةِ). يقولُ: غابَ علمُهم (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولهِ: ﴿بَلِ ادَّارَكَ (^٣) عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾. قال: يقولُ: ضَلَّ علمُهم في الآخرةِ، فليس لهم فيها علمٌ (^٤)، هم منها عَمُون.\nوقال آخرون: معنى ذلك: لم يَبْلُغْ لهم فيها علمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6843>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنى أبي، عن جَدِّى، قال: ثنا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩١٤ من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٤ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩١٤ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٤ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"أدرك\".\n(^٤) بعده في ت ١: \"بل\"","vol":"18","page":109},{"text":"الحسينُ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾. قال: كان يقرؤُها: (بل أدْرَكَ عِلْمُهم في الآخرةِ). قال: لم يبلُغْ لهم فيها علمٌ، ولا يَصِلُ إليها منهم رغبةٌ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: بل أدْرَك: أم أدْرَك.\n\n<span data-type='title' id=toc-6844>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: (بل أدْرَكَ عِلْمُهُم). قال: أم أدْرَك (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عثمانُ، عن مجاهدٍ: (بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ) قال: أم أدرَك علمُهم؟ مِن أين يُدْرِكُ علمُهم؟ (^٣)\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريَجٍ، عن مجاهدٍ بنحوهِ.\nقال أبو جعفرٍ: وأَولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ، على قراءةِ مَن قرَأ: (بَلْ أَدْرَكَ). القولُ الذي ذكَرناه عن عطاءٍ الخُرساني، عن ابن عباسٍ، وهو أن معناه إذا قُرِئ كذلك: بل (^٤) وما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون، بل أدرَك علمهم نفسَ وقتِ ذلك في الآخرةِ، حينَ يُبْعَثُون، فلا ينفعُهم علمهم به حينَئِذٍ، فأما في الدنيا فإنهم منها في شكٍّ، بل هم منها عَمُون.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩١٥ من طريق شيبان، عن قتادة\n(^٢) ينظر ما تقدم ص ١٠٧.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩١٤ من طريق عثمان به بنحوه.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"18","page":110},{"text":"وإنما قلتُ: هذا القولُ أُولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ، على القراءةِ التي ذَكَرتُ؛ لأن ذلك أظهرُ معانِيه. وإذ (^١) كان ذلك معناه، كان في الكلامِ محذوفٌ قد اسْتُغْنِيَ بدلالةِ ما ظهَر منه عنه. وذلك أن معنى الكلامِ: وما يَشعُرون أيَّانَ يُبعثون، بل يَشعُرون ذلك في الآخرة، فالكلامُ إذا كان ذلك معناه: وما يشعرُون أيَّان يُبْعَثون، بل أدرَك علمُهم ذلك (^٢) في الآخرةِ، بل هم في الدنيا في شكٍّ منها.\nوأمَّا على قراءةِ مَن قرَأه: ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾. بكسرِ اللامِ وتشديدِ الدالِ، فالقولُ الذي ذكرنا عن مجاهد، وهو أن يكون معنى \"بل\": أم. والعربُ تَضَعُ \"أم\" موضعَ بل\"، وموضعَ \"بل\" \"أم\". إذا كان في أول الكلام استفهامٌ، كما قال الشاعرُ (^٣):\nفواللهِ ما أَدْرِى أَسَلْمَى تَغَوَّلَتْ … أم النومُ أم كلٌّ إلى حَبِيبُ\nيعنى بذلك: بل كلٌّ إلى حبيبٌ. فيكونُ تأويلُ الكلامِ: وما يشعُرون أيَّانَ يُبْعَثون، بل تَدارَك علمُهم في الآخرةِ. بمعنى: تَتابَع علمُهم في الآخرةِ. أي: بعلمٍ الآخرةِ. أي: لم يَتَابَعْ بذلك ولم يعلَموه، بل غابَ علمُهم عنه، وضَلَّ فلم يَبْلُغوه ولم يُدْرِكوه.\nوقولُه: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾. يقولُ: بل هؤلاء المُشرِكون الذين يَسْأَلُونك عن الساعةِ في شكٍّ مِن قيامِها، لا يُوقنون بها ولا يُصَدِّقون بأنهم مَبْعوثون من بعدِ الموتِ، ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾. يقولُ: بل هم مِن العلمِ بقيامِها عَمُون.\n\n<span id=\"aya-3226\"></span><span data-type='title' id=toc-6845>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"إن\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"بذلك\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ٢/ ٤١٣.","vol":"18","page":111},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: قال الذين كفَروا باللهِ: أئنا لمُخْرَجون مِن قبورِنا أحياءً كهَيْئتِنا، مِن بعدِ مَماتِنا، بعدَ أن كُنَّا فيها ترابًا قد بَلِينا؟\n\n<span id=\"aya-3227\"></span>﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: لقد وُعِدْنا هذا مِن قبلِ محمدٍ؛ واعِدون وعَدوا ذلك آباءَنا، فلم نَرَ لذلك حقيقةً، ولم نَتَبَيَّنْ له صحةً، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: قالوا: ما هذا الوعدُ إلا ما سَطَّر الأولون من الأكاذيب في كُتُبِهم، فأثْبَتوه فيها وتحدَّثوا به، مِن غيرِ أن يكونَ له صحةٌ.\n\n<span id=\"aya-3228\"></span><span data-type='title' id=toc-6846>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المُكذِّبين ما جئتَهم به مِن الأنباءِ مِن عندِ ربِّك: سِيروا في الأرضِ، فانظُروا إلى ديارِ مَن كان قبلكم مِن المُكذِّبين رسلَ اللهِ ومساكنِهم، كيف هي؟ ألم يُخْرِبُها الله، ويُهْلِكُ أهلها بتَكْذيبِهم رُسُلَهم، ورَدِّهم عليهم نصائحَهم، فخَلَتْ منهم الديارُ، وتَعَفَّت (^١) منهم الرسومُ والآثارُ، فإن ذلك كان عاقبةَ إجْرامِهم، وذلك سُنَّةُ ربِّكم في كلِّ مَن سلَك سبيلَهم، في تَكْذيبِ رُسُلِ ربِّهم، واللهُ فاعلٌ ذلك بكم إن أنتم لم تُبادِروا الإنابةَ مِن كفرِكم، وتَكذيبِكم رسولَ ربِّكم.\n\n<span id=\"aya-3229\"></span>وقولُه: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه\nمحمدٍ ﷺ: ولا تحزنْ على إدْبارِ هؤلاء المشركين عنك، وتَكْذيبِهم لك، ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾. يقولُ: ولا يَضِقُ صدرُك مِن مَكْرِهم بك، فإن الله ناصرك عليهم، ومُهْلِكُهم قَتْلًا بالسيفِ.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"بقيت\".","vol":"18","page":112},{"text":"<span id=\"aya-3230\"></span><span data-type='title' id=toc-6848>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ويقولُ مُشْرِكو قومك يا محمدُ، المُكَذِّبوك فيما أتيتَهم به من عند ربِّك: متى يكونُ هذا الوعدُ الذي تعِدُناه مِن العذابِ الذي هو بِنا فيما تقولُ حالٌّ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تَعِدونَنا به؟ ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾. يقولُ ﷻ: قلْ لهم يا محمدُ: عسى أن يكونَ اقتَرب لكم ودَنا ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ مِن عذابِ اللهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span id=\"aya-3231\"></span><span data-type='title' id=toc-6847>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾. يقولُ: اقتَرب لكم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾. يقولُ: اقْتَرَب لكم بعضُ الذي تَسْتَعْجِلون.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾. قال: ﴿رَدِفَ﴾: أعْجَل لكم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٣٥ من طريق عبد الله به، عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٤ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٢١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩١٧ بمعناه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٤ إلى الفريابي وعبد بن حميد.","vol":"18","page":113},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾. قال: أزِفَ (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾: اقْتَرب لكم (^٢).\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ اللامِ في قولِه: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾. وكلامُ العربِ المعروفُ: ردِفه أمرٌ، وأرْدفه. كما يقالُ: تبِعه وأتْبَعه؛ فقال بعضُ نحويي البصرةِ: أدْخل اللامَ في ذلك، فأضاف بها الفعلَ، كما يقالُ: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]. و﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤].\nوقال بعضُ نحويى الكوفةِ (^٣): أدْخَل اللامَ في ذلك للمعنى؛ لأن معناه: دنا لهم. كما قال الشاعرُ:\n* فقلتُ لها الحاجاتُ يَطْرَحْنَ بالفتى *\nفأدْخَل الياءَ في \"يَطْرَحْنَ\"، وإنما يقالُ: طرَحَتْه؛ لأن معنى الطرحِ الرميُ، فأدْخَل الياءَ للمعنى، إذ كان معني ذلك: يَرْمِين بالفتى.\nوهذا القولُ الثاني هو أوْلاهما عندى بالصوابِ، وقد مضَى البيانُ عن نظائرِه في غيرِ موضعٍ مِن الكتابِ، بما أغْنَى عن تِكرارِه في هذا الموضعِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩١٧ من طريق حجاج به.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩١٧ معلقًا، وينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٢١٨.\n(^٣) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٩٩.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١٠/ ٤٦٧، ومعاني القرآن ٢/ ٢٩٩، ٣٠٠.","vol":"18","page":114},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿تَسْتَعْجِلُونَ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6849>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾. قال: مِن العذابِ (^١).\n\n<span id=\"aya-3232\"></span><span data-type='title' id=toc-6851>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإن ربَّك يا محمدُ لذو فضلٍ على الناسِ، بتركِه معاجلتَهم بالعقوبةِ، على معصيتِهم إياه وكفرِهم به، وذو إحسانٍ إليهم، في ذلك وفي غيرِه من نعمِه عندَهم، ولكن أكثرَهم لا يَشْكُرونه على ذلك؛ مِن إحسانِه وفضله عليهم، فيُخلصوا له العبادةَ، ولكنهم يُشْرِكون معه في العبادةِ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم، ومَن لا فضلَ له عندَهم ولا إحسانَ.\n\n<span id=\"aya-3233\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. يقولُ: وإِن رَبَّك لَيعْلمُ ضمائرَ صدورِ خلقِه، ومكنونَ أنفسِهم، وخَفِيَّ أسرارِهم، وعلانيةَ أمورِهم الظاهرةِ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن ذلك، وهو مُحْصِيها عليهم، حتى يُجازِىَ جميعَهم بالإحسانِ إحسانًا، وبالإساءةِ جزاءَها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6850>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَإِنَّ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٤ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"18","page":115},{"text":"رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾. قال: السرَّ (^١).\n\n<span id=\"aya-3234\"></span><span data-type='title' id=toc-6853>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما مِن مكتومِ سرٍّ، وخفيِّ أمرٍ، يَغِيبُ عن أبصارِ الناظرين في السماءِ والأرضِ، ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. وهو أمُّ الكتابِ الذي أثْبَت ربُّنا فيه كلَّ ما هو كائنٌ مِن لَدُنِ ابْتَدَأ خلْقَ خلقِه إلى يومِ القيامةِ.\nويعنى بقولِه: ﴿مُبِينٍ﴾. أنه يَبِينُ لمن نظَر إليه وقرَأه ما فيه مما أثْبَت فيه ربُّنا جلَّ ثناؤُه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6852>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: ما مِن شيءٍ في السماءِ والأرضِ؛ سرٌّ ولا علانيةٌ، إلا يَعْلَمُه (^٢).\n\n<span id=\"aya-3235\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا القرآنَ الذي أنْزَلْتُه إليك يا محمدُ، يَقُصُّ على بني إسرائيلَ الحقَّ في أكثرِ الأشياءِ التي اخْتَلَفوا فيها، وذلك كالذى اخْتَلَفوا فيه مِن أمرِ عيسى؛ فقالتِ اليهودُ فيه ما قالت، وقالتِ النصارى فيه ما قالت، وتبَرَّ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩١٩ عن محمد بن سعد به.","vol":"18","page":116},{"text":"لاختلافِهم فيه هؤلاء مِن هؤلاء، وهؤلاء مِن هؤلاء، وغيرِ ذلك مِن الأمورِ التي اخْتَلَفوا فيها. فقال جلَّ ثناؤُه لهم: إن هذا القرآنَ يَقُصُّ عليكم الحقَّ فيما اخْتَلَفْتُم (^١)، فاتَّبِعُوه، وأقِرُّوا لما فيه؛ فإنه يَقُصُّ عليكم بالحقِّ، ويَهْدِيكم إلى سبيلِ الرَّشادِ.\n\n<span id=\"aya-3236\"></span><span data-type='title' id=toc-6854>القولَ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا القرآنَ ﴿لَهُدًى﴾. يقولُ: لَبيانٌ مِن اللهِ، بَيَّنَ به الحقَّ فيما اخْتَلَف فيه خلقُه مِن أمورِ دينِهم، ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: ورحمةٌ لمن صدَّق به وعمِل بما فيه،\n\n<span id=\"aya-3237\"></span>﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: إن ربَّكَ يَقْضِى بينَ المختلِفين مِن بني إسرائيلَ ﴿بِحُكْمِهِ﴾، فيهم، فيَنْتَقِمُ مِن المُبْطِلِ منهم، ويُجازِى المحسنَ منهم المحِقَّ (^٢) بجزائِه، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾. يقولُ: وربُّك العزيزُ في انتقامِه مِن المُبْطِلِ منهم ومِن غيرِهم، لا يَقْدِرُ أحدٌ على منعِه مِن الانتقامِ منه إذا انْتَقَم، العليمُ بالمحقِّ المحسنِ من هؤلاء المختلِفين مِن بني إسرائيلَ فيما اخْتَلَفوا فيه، ومِن غيرِهم، مِن المُبطِلِ الضالِّ عن الهدى.\n\n<span id=\"aya-3238\"></span><span data-type='title' id=toc-6855>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ففَوِّضْ إلى اللهِ يا محمدُ أمورَك، وثِقْ به فيها؛ فإنه كافِيك، ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ لمن تأمَّله وفكَّر (^٣) فيه بعقلٍّ، وتدَبَّره\n_________\n(^١) بعده في م: \"فيه\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"الحق\".\n(^٣) بعده في م: \"ما\".","vol":"18","page":117},{"text":"بفهمٍ، أنه الحقُّ دونَ ما عليه اليهودُ والنصارى المختلفون مِن بني إسرائيلَ، ودونَ ما عليه أهلُ الأوثانِ المُكَذِّبوك فيما أتَيْتَهم به مِن الحقِّ. يقولُ: فلا يَحْزُنْك تكذيبُ مَن كذَّبك، وخِلافُ مَن خالَفك، وامْضِ لأمرِ ربِّك الذي بعَثَك به.\n\n<span id=\"aya-3239\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾. يقولُ: إنك يا محمدٌ لا تَقْدِرُ أن تُفْهِمَ الحقَّ مَن طبَع اللهُ على قلبِه فأماته؛ لأن الله قد ختَم عليه ألا يَفْهَمَه، ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾. يقولُ: ولا تَقْدِرُ أن تُسْمِعَ ذلك مَن أصَمَّ اللهُ عن سماعِه سَمْعَه، ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾. يقولُ: إذا هم أدْبَروا مُعْرِضِين عنه، لا يَسْمَعون له؛ لغَلَبَةِ دِينِ الكفرِ على قلوبِهم، ولا يُصغون للحقِّ ولا يَتَدَبَّرونه، ولا يُنْصِتون لقائلِه، ولكنهم يُعْرِضون عنه، ويُنكِرون القولَ به والاستماعَ له.\n\n<span id=\"aya-3240\"></span><span data-type='title' id=toc-6856>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١) وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾.</span>\nاختَلَف القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي﴾. بالباءِ والألفِ، وإضافتِه إلى ﴿الْعُمْيِ﴾ (^١) بمعنى: لستَ يا محمدُ بهادِى مَن عمِى عن الحقِّ عن ضلالتِه.\nوقرأَتْه عامةُ قرأةِ الكوفِة: (وما أنت تَهْدِى العُمْيَ). بالتاءِ. ونصبِ \"العُمْى\" (^٢) بمعنى: ولسْتَ تَهْدِيهم عن ضلالتِهم، ولكنَّ الله يَهْدِيهم إن شاء (^٣).\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤٨٦.\n(^٢) هي قراءة حمزة. ينظر المصدر السابق.\n(^٣) بعده في ص، ف: \"الله\".","vol":"18","page":118},{"text":"والقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان مُتَقارِبتا المعنى، مشهورتان في قرأةِ الأمصارِ، فبأيتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وتأويلُ الكلامِ ما وصَفْتُ: وما أنت يا محمدُ بهادى مَن أعْماه اللهُ عن الهدى والرشادِ، فجعَل على بَصَرِه غِشاوةً عن (^١) أن يَتَبيَّنَ سبيل الرشادِ عن ضلالته التي هو فيها، إلى طريقِ الرشادِ وسبيلِ الرشادِ.\nوقولُه: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: ما تَقْدِرُ أَن تُفْهِمَ الحقَّ وتوعيَه سَمْعَ (^١) أحدٍ، إلا سَمْعَ مَن يُصَدِّقُ ﴿بِآيَاتِنَا﴾. يعنى: بأدلتِه وحججِه وآيِ تنزيلِه، ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾. فإن أولئك يَسْمَعون. منك ما تقولُ ويَتَدَبَّرونه، ويُفَكِّرون (^٢) فيه، ويَعْمَلُون به، فهم الذين يَسْمَعون.\n\n<span data-type='title' id=toc-6857>ذكرُ مَن قال مثلَ الذي قلنا في قولِه تعالى: ﴿وَقَعَ﴾</span> (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: قولَه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾. قال: حَقَّ عليهم (^٤).\n\n<span id=\"aya-3241\"></span>حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: إذا وجَب القولُ عليهم (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ف: \"يتفكرون\".\n(^٣) كذا السياق في جميع النسخ، والظاهر أنه سقط تأويل المصنف لبداية الآية من النسخ التي بين أيدينا.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٢١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٢٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٥ إلى الفريابي.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"18","page":119},{"text":"﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾. قال: حقَّ العذابُ. قال ابن جريجٍ: القولُ: العذابُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6858>ذكرُ مَن قال قولَنا في معنى ﴿الْقَوْلُ﴾</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾: والقولُ: الغَضبُ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن هشامٍ، عن حفصةَ، قالت: سألتُ أبا العاليةِ عن قولِه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾. فقال: أَوْحَى اللهُ إلى نوحٍ أنه لن يُؤْمِنَ مِن قومِك إلا مَن قد آمَن. قالت (^٢): فكأنما كان على وجهى غطاءٌ فكُشِف (^٣).\nوقال جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ: خروجُ هذه الدابةِ التي ذكَرَها حينَ لا يَأْمُرُ النَّاسُ بمعروفٍ ولا يَنْهَوْن عن منكر.\n\n<span data-type='title' id=toc-6859>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشْجَعيُّ، عن سفيانَ، عن عمرِو بن قيسٍ، عن عطيةَ العوفيِّ، عن ابن عمرَ في قولِه (^٤): ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: هو حينَ لا يَأْمُرون بمعروفٍ، ولا يَنْهَوْن عن منكرٍ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٢٧ من طريق سعيد به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: \"قال\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٢٢ من طريق هشام به، مقتصرين على أوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: ص، ت ٢، ف.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٥، ونعيم بن حماد في كتاب الفتن (١٨٦٧)، وابن أبي الدنيا في =","vol":"18","page":120},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا محمدُ بنُ الحسنِ أبو الحسنِ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائِيُّ، عن عطيةَ، عن ابن عمرَ في قولِه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: ذاك إذا تُرِك الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكرِ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرِو بن قيسٍ، عن عطيةَ، عن ابن عمرَ في قولِه: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾. قال: حينَ لا يَأْمُرون بالمعروفِ ولا يَنْهَوْن عن المنكرِ.\n[حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (^٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو المقدسيُّ، قال: ثنا أشعثُ بنُ عبدِ اللهِ السَّجِسْتانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن عطيةَ في قولِه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾. قال: إذا لم يَعْرفوا معروفًا ولم يُنْكِروا منكرًا.\nوذُكِر أن الأرضَ التي تَخْرُجُ منها الدابةُ مكةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6860>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشْجَعيُّ، عن فُضَيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ، عن\n_________\n= الأمر بالمعروف (٣٠) من طريق سفيان الثورى به.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٢١ من طريق محمد بن الحسن به. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٢٨، ٣٢٩، والحاكم ٤/ ٤٨٥ من طريق عطية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٥ إلى ابن المبارك في الزهد والفريابي وعبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ٢، ف.\nوالأثر تفسير مجاهد ص ٥٢١.","vol":"18","page":121},{"text":"ابن عمرَ، قال: تَخْرُجُ الدابةُ مِن صَدْعٍ في الصفا كجَرْيِ الفرسِ ثلاثةَ أيامٍ، وما خرَج ثلثُها (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن الفُرَاتِ القَزَّازِ، عن عامرِ بن واثلةَ (^٢) أبي الطُّفَيلِ، عن حذيفةَ بن أسِيدٍ (^٣) الغِفاريِّ قال: إن الدابةَ حينَ تَخْرُجُ يَراها بعضُ الناسِ فيقولون: واللهِ لقد رأيْنا الدابةَ. حتى يَبْلُغَ ذلك الإمامَ، فيَطْلُبَ فلا يَقْدِرَ على شيءٍ. قال: ثم تَخْرُجُ فيراها الناسُ، فيقولون: والله لقد رأيْناها، فيَبْلُغُ ذلك الإمامَ، فيَطْلُبُ فلا يَرَى شيئًا، فيقولُ: أما إنى [إن أخذتُ] (^٤) الذي يَذْكُرُها. قال: حتى يَعِدَ فيها القتلَ، قال: فتَخْرُجُ، فإذا رأها الناسُ دخَلوا المسجدَ يُصَلُّون، فتجيءُ إليهم فتقولُ: الآن تُصَلُّون! فتَخْطِمُ الكافرَ، وتَمْسَحُ على جبين المسلمِ غُرَّةً. قال: فيَعِيشُ الناسُ زمانًا، يقول هذا: يا مؤمنُ، ويقولُ (^٥) هذا: يا كافرُ (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عثمانُ بنُ مطرٍ، عن واصلٍ مولى أبي عُيَيْنَةَ، عن أبي الطُّفَيْلِ، عن حذيفةَ، وأبو (^٧) سفيانَ، ثنا عن معمرٍ، عن قيسِ بن\n_________\n(^١) أخرجه البغوي في تفسيره ٦/ ١٧٩ من طريق المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ٦٧، والبغوى في الجعديات (٢٠٩١)، ونعيم بن حماد في الفتن (١٨٥٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٢٥ من طريق فضيل بن مرزوق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ت ٢: \"وائلة\".\n(^٣) في ت ١: \"أسد\".\n(^٤) في م: \"إذا حدث\"، وفي ت ١: \"لن أجد\".\n(^٥) سقط من: م، ت ٢.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٧ إلى ابن أبي شيبة بنحوه.\n(^٧) في م: \"أبى\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ١٠٩.","vol":"18","page":122},{"text":"سعدٍ، عن أبي الطُّفَيْلِ، عن حذيفةَ بن أسِيدٍ في قولِه: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾. قال: للدابة ثلاثُ خَرَجاتٍ؛ خرْجةٌ في بعضِ البَوادِى ثم تَكْمُنُ، وخَرْجةٌ في بعضِ القُرَى، حتى (^١) يُهَرِيقَ فيها الأمراءُ الدماءَ، ثم تَكْمُنُ، فبينا الناسُ عندَ أشرفِ (^٢) المساجدِ وأعظمِها وأفضلِها، إذ ارْتَفَعَت بهم الأرضُ، فانْطَلَق الناسُ هُرَّابًا، وتَبَقَّى طائفةٌ مِن المؤمنين، ويقولون: إنه لا يُنْجِينا مِن اللهِ شيءٌ. فتَخْرُجُ عليهم الدابةُ تَجْلُو وجوهَهم مثلَ الكوكبِ الدُّرِّيِّ، ثم تَنْطَلِقُ فلا يُدْرِكُها طالبٌ، ولا يَفوتُها هاربٌ، وتأْتى الرجلَ يُصَلِّي فتقولُ: واللهِ ما كنتَ من أهلِ الصلاةِ. فيَلْتَفِتُ إليها فتَخْطِمُه، قال: تَجْلو وجهَ المؤمنِ، وتَخْطِمُ الكافرَ. قلنا: فما للناسِ يومَئذٍ؟ قال: جِيرانٌ في الرِّباعِ، وشركاءُ في الأموالِ، وأصحابٌ في الأسْفارِ (^٣).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ (^٤)، عن الوليدِ بن جُمَيْعٍ، عن عبدِ الملكِ (^٥) بن المغيرةِ، عن عبدِ الرحمنِ بن البَيْلمانيِّ، عن ابن عمرَ: يَبِيتُ الناسُ يَسِيرون إلى جَمْعٍ (^٦)، وتبيتُ دابةُ الأرضِ تُسايرُهم، فيُصبحون وقد خَطَمَتْهم مِن\n_________\n(^١) في م: \"حين\".\n(^٢) في ص، ت ٢، ف: \"أشراف\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٤ عن معمر به، وأخرجه نعيم بن حماد في الفتن (١٨٥١)، والحاكم ٤/ ٤٨٤، ٤٨٥ من طريق قيس بن سعد به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ٦٦، ٦٧، والبخاري في تاريخه ٥/ ٣٩١، ٣٩٢ من طريق أبي الطفيل به، وأخرجه الطيالسي (١١٦٥)، ونعيم بن حماد في الفتن (١٨٥١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٢٣، والحاكم ٤/ ٤٨٤ من طريق أبي الطفيل به مرفوعًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في البعث.\n(^٤) بعده في ت ٢: \"قال حدَّثني على\". ينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٢٩٣، ٣١/ ٣٥.\n(^٥) في ت ٢: \"الله\". ينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٤٢١.\n(^٦) جمع: المزدلفة. النهاية ١/ ٢٩٦.","vol":"18","page":123},{"text":"رأسِها وذَنَبِها، فما مِن (^١) مؤمنٍ إلا مَسَحَتْه، ولا مِن كافرٍ ولا منافقٍ إلا تَخْبِطُه (^٢).\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا الجُرَيْرِيُّ (^٣)، عن حَيَّانَ بن عُمَيرٍ، عن حسانَ بن حِمَّصَةَ، قال: سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو (^٤) يقولُ: لو شئتُ لانْتَعَلْتُ بنَعْلَيَّ هاتين، فلم أمَسَّ الأرضَ قاعدًا حتى أقِفَ على الأحْجارِ التي تخرُجُ الدابةُ مِن بينِها، ولكأني بها قد خرَجَت في عَقِبِ رَكْبٍ مِن الحاجِّ، قال: فما حَجَجْتُ قَطُّ إِلا خِفْتُ تخرُجُ بِعَقِبِنا (^٥).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلِيُّ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن هشامٍ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن عطاءٍ، قال: رأيتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو، وكان منزلُه قريبًا مِن الصَّفا، رفَع قَدَمَهُ وهو قائمٌ، وقال: لو شئتُ لم أضَعُها حتى أضَعَها على المكانِ الذي تخرُجُ منه الدابةُ.\nحدَّثنا عصام بن روادِ بن الجراحِ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ الثَّوْرِيُّ، قال: ثنا منصورُ بنُ المُعْتَمِر، عن رِبْعِيِّ بن حِراشٍ (^٦)، قال: سمعتُ حُذيفةَ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ٢، ف.\n(^٢) في ت ١: \"تخطمه\".\nوالأثر أخرجه الحاكم ٤/ ٤٨٥ من طريق ابن فضيل به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٨٠، ونعيم بن حماد في الفتن (١٨٦٥) من طريق الوليد بن جميع به.\n(^٣) في م: \"الخيبري\"، وفي ص: \"الحبيري\"، وفي ت ١: \"الجبيرى\"، وفى ت ٢: \"الحميري\". وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٣٣٨.\n(^٤) في ت ١: \"عمر\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ٦٧، ١٨١ من طريق عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن عمرو بنحوه.\n(^٦) في ت ١، ت ٢: \"خراش\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٥٤.","vol":"18","page":124},{"text":"ابنَ اليَمانِ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ، يقولُ (^١) وذكَر الدابةَ، فقال حُذَيفةُ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، مِن أين تخرُجُ؟ قال: \"مِن أعظمِ المساجدِ حرمةً على اللهِ، بينَما عيسى يَطُوفُ بالبيتِ ومعه المسلمون، إذ تضطرِبُ الأرضُ تحتَهم، تُحَرِّكُ القِنْديلَ، ويَنْشَقُّ الصَّفا مما يَلِى المَسْعَى، وتخرجُ الدَّابةُ مِن الصَّفا، أولَ ما يَبْدُو رأسُها مُلَمَّعَةً ذاتَ وَبَرٍ ورِيشٍ، لن (^٢) يُدْرِكَها طالبٌ، ولن (^٣) يَفُوتَها هارِبٌ، تَسِمُ الناسَ؛ مؤمنٌ وكافرٌ، أما المؤمنُ فتتركُ وَجْهَه كأنه كوكبٌ دُرَّيٌّ، وتكتبُ بينَ عينَيه: مؤمنٌ (^٤)، وأما الكافرُ فتَنْكُتُ بينَ عينَيه نُكْتَةً سوداءَ: كافرٌ (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو الحسينِ، عن حمادِ بن سَلَمةَ، عن عليّ بن زيدِ بن جُدْعَانَ، عن أوسِ بن خالدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"تخرُجُ الدَّابَّةُ معها خاتمُ سليمانَ، وعَصا موسى، فتَجْلُو وَجْهَ المؤمِنِ بالعصَا، وتَخْتِمُ (^٦) أنْفَ الكافرِ بالخاتمِ، حتى إن أهلَ البيتِ ليَجْتَمِعون، فيقولُ هذا: يا مؤمنُ. ويقولُ هذا: يا كافرُ\" (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) في م، ت ١، ف: \"لم\".\n(^٣) في ت ١، ف: \"لم\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.\n(^٥) أخرجه البغوي في تفسيره ٦/ ١٧٩ من طريق المصنف، وذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٢/ ٢٠ عن المصنف.\n(^٦) في ف: \"تخطم\". وهما روايتان.\n(^٧) أخرجه الطيالسي (٢٦٨٧)، ونعيم بن حماد (١٨٦٠، ١٨٦١)، وأحمد (٧٩٣٧، ١٠٣٦١)، وابن ماجه (٤٠٦٦)، والترمذى (٣١٨٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره، ٩/ ٢٩٢٣، والحاكم ٤/ ٤٨٥ من طريق حماد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في البعث.","vol":"18","page":125},{"text":"قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سُفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: هي دابةٌ ذاتُ زَغَبٍ وريشٍ، ولها أربعُ قوائمَ، تخرُجُ مِن بعضِ أوْديةِ تِهامَةَ (^١).\nقال: و(^٢) قال عبدُ اللِه بنُ عمرَ: إنها تَنْكُتُ في وَجْهِ الكافِرِ نُكْتَةً سوداءَ، فتَفْشُو في وَجْهِه، فيَسْوَدُّ وَجْهُه، وتَنْكُتُ في وَجْهِ المؤمنِ نُكْتةً بيضاءَ، فتَفْشُو في وَجْهِه، حتى يَبْيَضَّ وجهُه، فيجلِسُ أهلُ البيتِ على المائدةِ، فيعرِفون المؤمنَ مِن الكافرِ، ويَتبايَعون في الأسواقِ، فيعرِفون المؤمنَ مِن الكافرِ (^٣).\nحدَّثني ابن عبدِ الرحيمِ (^٤) البَرْقيُّ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: ثنا ابن لَهيعةَ ويحيى بنُ أيوبَ، قالا: ثنا ابن الهادِ، عن عمرَ (^٥) بن الحكمِ، أنه سمعَ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو يقولُ: تخرجُ الدابةُ مِن شِعْبٍ، فيَمَسُّ رأسُها السَّحابَ، ورِجْلاها في الأرضِ ما خرَجَتا، فتَمُرُّ بالإنسانِ يصلِّى، فتقولُ: ما الصلاةُ مِن حاجتِك. فتَخْطِمُه (^٦).\nحدَّثنا صالحُ بنُ مِسْمارٍ، قال: ثنا ابن أبي فُدَيكٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ عياضٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، أنه بلَغه عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: تخرجُ دابةُ الأرضِ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٤ - ومن طريقه نعيم بن حماد في الفتن (١٨٦٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٢٠ - عن معمر، عن قتادة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: م، ف.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٤ - وعنه نعيم بن حماد في الفتن (١٨٦٢) - عن معمر به، وعندهما عبد الله بن عمرو.\n(^٤) في ت ٢: \"الكريم\".\n(^٥) في ت ٢: \"عمرو\".\n(^٦) أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (١٨٥٢) من طريق ابن الهاد به.","vol":"18","page":126},{"text":"ومعها خاتمُ سليمانَ، وعصا موسى، فأما الكافرُ فتَخْتِمُ بينَ عينَيه بخاتمِ سليمانَ، وأما المؤمنُ فتَمْسَحُ وجْهَه بعَصا موسى فيَبيضُّ.\nواختلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بضَمِّ التاءِ وتشديدِ اللامِ، بمعنى: تُخبرُهم وتحدِّثُهم.\nوقرَأه أبو زُرْعةَ بنُ عمرٍو: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بفتحِ التاءِ وتخفيفِ اللامِ، بمعنى: تَسِمُهم (^١).\nوالقراءةُ التي لا أستجيزُ غيرَها في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6861>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾. قال: تحدِّثُهم (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾: وهى في بعض القراءةِ: (تحدِّثُهم أن الناسَ كانوا بآياتِنا لا يوقِنون) (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن عباس وابن جبير والجحدري ومجاهد وأبى حيوة وابن أبي عبلة. البحر المحيط ٧/ ٩٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٢٦ من طريق أبي صالح به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٥ إلى عبد بن حميد. وهذه القراءة قراءة يحيى بن سلام. البحر المحيط ٧/ ٩٧.","vol":"18","page":127},{"text":"عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾. قال: كلامُها: (تُنَبَّئُهم أن الناس كانوا بآياتِنا لا يُوقِنون) (^١).\nوقولُه: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾. اختَلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقَرأتْه عامةُ قرأةِ الحجازِ والبصرةِ والشامِ: (إِنَّ النَّاسَ) بكسرِ الألفِ مِن \"إن\" (^٢) على وَجْهِ الابتداءِ بالخبرِ عن الناسِ أنهم كانوا بآياتِ اللهِ لا يُوقِنُون. وهى وإن كُسرت في قراءةِ هؤلاء، فإن الكلامَ لها مُتَناوِلٌ.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفة وبعضُ أهل البصرة: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا﴾ بفتحِ ﴿أَنَّ﴾ (^٣). بمعنى: تُكلِّمُهم بأن الناسَ. فيكونُ حينَئذٍ نصبًا بوقوعِ الكلامِ عليها.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قِراءتان (^٤) مُتقارِبتا المعنى، مُسْتفيضتان في قرأةِ الأمصارِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ (^٥).\n\n<span id=\"aya-3242\"></span><span data-type='title' id=toc-6862>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ نَجْمَعُ مِن كلِّ قرنٍ وملةٍ ﴿فَوْجًا﴾. يعنى: جماعةً منهم وزُمْرةً، ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: ممَّن يُكَذِّبُ بأدلتِنا وحُجَجِنا، فهو\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٥ إلى المصنف. وبها قرأ أيضا أُبيّ. البحر المحيط ٧/ ٩٧.\n(^٢) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. إتحاف فضلاء البشر ص ٢٠٨.\n(^٣) هي قراءة عاصم وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف. المصدر السابق.\n(^٤) بعده في ف: \"معروفتان\".\n(^٥) بعده في ت ٢: \"الصواب في قراءته\".","vol":"18","page":128},{"text":"يَحْبِسُ أوَّلَهم على آخرِهم؛ ليَجْتَمِعَ جميعُهم، ثم يُساقُون إلى النارِ.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6863>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. يعنى: الشِّيعةَ عندَ الحشْرِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾. قال: زُمرةً (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾. قال: زُمرةً زُمرةً، ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. قال: يقولُ: فهم يُدْفَعون (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولهِ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. قال: يُحْبَسُ أَوَّلُهم على آخرِهم (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٢١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٢٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٢٧، من طريق أبي صالح به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٥٦ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":129},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.\nقال: وَزَعةٌ تَرُدُّ أُولَاهم على أُخْرَاهم (^١)\nوقد بَيَّنْتُ معنى قولِه: ﴿يُوزَعُونَ﴾. فيما مضَى قبلُ بشواهدِه، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3243\"></span>وقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: حتى إذا جاء مِن كلِّ أمةٍ فوجٌ ممن يُكذِّبُ بآياتِنا، فاجْتَمَعوا، قال اللهُ لهم (^٣): ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ أي: بحُجَجِى وأدِلَّتى، ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾. يقولُ: ولم تَعْرِفوها حقَّ مَعْرِفتِها، ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيها (^٤)؛ مِن تكذيبٍ أو تصديقٍ؟\n\n<span id=\"aya-3244\"></span><span data-type='title' id=toc-6864>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ووجَب السَّخَطُ والغَضَبُ مِن اللهِ على المكذِّبين بآياتِه ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾. يَعْنى: بتَكْذيبِهم بآياتِ اللهِ، يومَ يُحْشَرون، ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾. يقولُ: فهم لا يَنْطِقون بحُجَّةٍ يَدْفَعون بها عن أنفسِهم عظيمَ ما حلَّ بهم، ووقَع عليهم مِن القولِ.\n\n<span id=\"aya-3245\"></span>وقولُه: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألم يرَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٢٧، من طريق يزيد به.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٢٨، ٢٩.\n(^٣) سقط من: م، ف.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"18","page":130},{"text":"هؤلاء المكذِّبون بآياتِنا تَصْرِيفَنا الليلَ والنهارَ، ومُخالَفَتنا بينَهما؛ بتصْييرِنا هذا سَكَنًا لهم يَسْكُنون فيه ويَهْدَءُون، لراحةِ (^١) أبدانِهم مِن تَعَبِ التصرُّفِ والتقلُّبِ نهارًا، وهذا مُضِيئًا يُبْصِرون فيه الأشياءَ ويُعاينونها، فيتَقلَّبون فيه لمعايشِهم، فيتَفَكَّروا في ذلك ويَتَدبَّروا، ويَعْلَموا أن مُصَرِّفَ ذلك كذلك هو الإلهُ الذي لا يُعْجِزُه شيءٌ، ولا يَتَعذَّرُ عليه إماتةُ الأحياءِ، وإحياءُ الأمواتِ بعدَ المماتِ، كما لم يتَعذَّرْ عليه الذَّهابُ بالنهارِ والمَجيءُ بالليلِ، والمَجئُ بالنهارِ والذَّهابُ بالليلِ، مع اختلافِ أحْوالِهما، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن في تَصْييرِنا الليلَ سَكنًا والنهارَ مُبْصِرًا، لدَلالةً لقومٍ يُؤمنون باللهِ، على قدرتِه على ما آمنوا به مِن البَعْثِ بعدَ الموتِ، وحجةً لهم على توحيدِ اللهِ.\n\n<span id=\"aya-3246\"></span><span data-type='title' id=toc-6866>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾.</span>\nاختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. وقد ذكَرْنا اختلافَهم فيما مضى، وبيَّنا الصوابَ مِنَ القولِ في ذلك عندَنا بشَواهدِه (^٢)، غيرَ أنَّا نَذْكرُ في هذا الموضعِ بعضَ ما لم يُذْكرْ هناك من الأخبارِ؛ فقال بعضُهم: هو قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6865>ذِكْرُ بعضِ مَن لمْ يُذْكرْ فيما مضَى قبلُ من الخبرِ عن ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) في م: \"راحة\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٩/ ٣٣٩، ٣٤٠، ١٥/ ٤١٥ - ٤١٩.","vol":"18","page":131},{"text":"مجاهدٍ قولَه: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. قال: كهيئةِ البُوقِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: الصُّورُ البُوقُ. قال: هو البوقُ، صاحبُه آخذٌ به، يَقْبِضُ قَبْضَتَينْ بكَفَّيْه على طَرَفِ القرنِ، بينَ طرَفِه وبينَ فِيهِ قَدْرُ قَبْضَةٍ (^٢) أو نحوها، قد برَك على رُكْبَةِ إحدى رجليْه، فأشار، فبرَك على رُكْبةِ يَسارِه مُقْعِيًا على قَدَمِهَا، عَقِبُها تحتَ فَخِذِه وألْيَتِه، وأطرافُ أصابِعِها في الترابِ (^٣).\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، قال: الصُّورُ كهيئةِ القَرْنِ، قد حَجَن (^٤) إحدى رُكْبَتَيْه إلى السماءِ، وخفَض الأخرى، لم يُلقِ جفونَ عَينيْه (^٥) على غُمْضٍ (^٦) منذُ خلَق اللهُ السماواتِ، مَسْتعِدًا مُسْتَجِدًّا، قد وضَع الصُّورَ على فِيهِ يَنْتَظُرُ متى يُؤْمَرُ أَن يَنْفُخَ فِيه.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن إسماعيلَ بن (^٧) رافعٍ المدنيِّ، عن يزيدَ بن زيادٍ - قال أبو جعفرٍ: والصوابُ يزيدُ بنُ أبي زيادٍ - عن محمدِ بن كعبٍ القُرَضَى، عن رجلٍ مِن الأنصارِ، عن أبي هريرةَ، أنه قال لرسولِ الله ﷺ: يا رسولَ اللهِ، ما الصُّورُ؟ قال: \"قَرْنٌ\". قال: وكيف هو؟ قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٢٩ من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد.\n(^٢) في ت ٢: \"قبضته\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٢٩ من طريق حجاج به.\n(^٤) في م: \"رفع\".\n(^٥) في م: \"عينه\".\n(^٦) الغمض: النوم. اللسان (غ م ض).\n(^٧) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"أبي\".","vol":"18","page":132},{"text":"\"قرنٌ عظيمٌ يُنْفَخُ فِيه ثلاثُ نَفَحَاتٍ؛ الأُولى، نَفْحَةُ الفَزَعِ، والثانيةُ، نفخةُ الصَّعْقِ، والثالثةُ، نَفْخةُ القيامِ للهِ ربِّ العالمين، يَأْمُرُ الله إسرافيلَ بالنفخةِ الأولى، فيقولُ: انْفُخُ نفخةَ الفَزَعِ. فيَنْفُخُ نفخةَ الفَزَعِ، فيَفْزَعُ أهلُ السماواتِ وأهلُ الأَرضِ، إلا مَن شاء اللهُ، ويَأْمُرُه اللهُ فيَمُدُّ بها ويُطَوَّلُها، فلا يَفْتُرُ، وهى التي يقولُ اللهُ: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥]. فيُسَيرُ اللهُ الجبالَ، فتكونُ سرَابًا، وتُرَجُّ الأرضُ بأهلِها رَجًّا، وهى التي يقولُ اللهُ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النازعات: ٦ - ٨]. فتكونُ الأرضُ كالسفينةِ المُوثقَةِ في البحرِ، تَضْرِبُها الأمواجُ، تَكَفَّأُ بأهلِها، أو كالقِنْديلِ المُعَلَّقِ بالوَتَرِ، تَرَجَّحُه الأرْياحُ، فتَمِيدُ الناسُ على ظهرِها، فتَذْهَلُ المَراضِعُ، وتَضَعُ الحَواملُ، وتَشِيبُ الوِلْدانُ، وتَطيرُ الشياطينُ هاربةً، حتى تَأْتىَ الأقْطارَ، فتَتَلَقَّاها الملائكةُ، فتَضْرِبُ، وجوهَها، فتَرْجِعُ، ويُوَلِّي الناسُ مُدْبِرين، يُنادِى بعضُهم بعضًا، وهو الذي يقولُ اللهُ: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٢، ٣٣]. فبينَما هم على ذلك إذ تصَدَّعَتِ الأرضُ مِن قُطْرِ إلى قُطْرٍ، فرَأَوْا أمرًا عظيمًا، فأخَذَهم لذلك مِن الكربِ ما اللهُ أعلمُ به، ثم نظَروا إلى السماء، فإذا هي كالمُهْلِ، ثم خُسِف شمسُها وقمرُها، وانْتَثَرَتْ نُجُومُها، ثم كُشِطَت عنهم\". قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"والأمواتُ لا يَعْلَمون بشيءٍ مِن ذلك\". فقال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللهِ، فمَن اسْتَثْنَى اللهُ حينَ يقولُ: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾؟ قال: \"أولئك الشهداءُ، وإنما يَصِلُ الفَزَعُ إلى الأحياءِ، أولئك أحياءٌ عندَ ربِّهم يُرْزَقون، وقاهم اللهُ فَزَعَ ذلك اليومِ وآمَنهم، وهو عذابُ اللهِ يَبْعَثُه على شِرارِ خلقِه\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٢٨ - ٢٩٣١ من طريق إسماعيل بن رافع، عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة به، وينظر تخريجه فيما تقدم في ٣/ ٦١٣.","vol":"18","page":133},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، [قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ] (^١)، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ رافعٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إن الله ﵎ لما فرَغ مِن السماواتِ والأرضِ خلق الصُّورَ، فأعْطاه مَلَكًا، فهو واضعُه على فِيه، شاخصٌ ببصرهِ إلى العرشِ يَنْتَظِرُ متى يُؤْمَرُ\". قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، وما الصُّورُ؟ قال: \"قرنٌ\". قال: قلتُ: فكيف هو؟ قال: \"عظيمٌ، والذي نفسي بيدِه، إن عِظَمَ دائرةٍ فيه (^٢) لكعرضِ السماواتِ والأرضِ، يَأْمُرُه فَيَنْفُخُ نفخةَ الفزعِ، فيَفْرَعُ أهلُ السماواتِ والأرضِ إلا منَ شاء اللهُ\" (^٣). ثم ذَكَر (^٤) باقيَ الحديثِ نحو حديثِ أبي كُرَيْبٍ، عن المُحارِبيِّ، غيرَ أنه قال في حديثِه: \"كالسفينةِ المُرْفَأةِ في البحرِ\".\nوقال آخرون: [بل معنى ذلك: ونُفِخ في صورِ الخلْقِ] (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-6867>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. أي: في الخلْقِ (^٦).\nقولُه: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ يقولُ: ففزِع مَن في\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ف.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"دارة\". والدائرة والدارة: ما أحاط بالشيء. اللسان (د ور).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٢٨ من طريق إسماعيل بن رافع به.\n(^٤) في ص، ت ٢، ف: \"ذكرنا\".\n(^٥) في ت ٢: \"بمعنى ذلك، يقول: ففزع من في السماوات ومن في الأرض، نفخ في الصور الخلق\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٢٩ من طريق يزيد به.","vol":"18","page":134},{"text":"السماواتِ من الملائكةِ، ومَن في الأرضِ مِن الجنِّ والإنسِ والشياطينِ، مِن هَوْلِ ما يُعاينون ذلك اليومَ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَفَزِعَ﴾، فجعل \"فزِع\"، وهى \"فَعَل\" مردودةً على ﴿يُنْفَخُ﴾، وهى \"يَفْعَلُ\"؟\nقيل: العربُ تَفْعَلُ ذلك في المواضعِ التي تَصْلُحُ فيها \"إذا\"؛ لأن \"إذا\" يَصْلُحُ معها \"فعل\" و\"يَفْعَلُ\"، كقولِك: أزُورُك إذا زُرْتَنى. و: أَزُورُكَ إِذا تَزُورُني. فإذا وُضِع مكانَ \"إذا\" (^١) \"يوم\"، أُجْرِى مُجرَى \"إذا\".\nفإن قيل: فأين جوابُ قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ﴾؟\nقيل: جائزٌ أن يكونَ مُضْمَرًا مع الواوِ، كأنه قيل: ووقَع القولُ عليهم بما ظلَموا فهم لا ينطِقون، وذلك يومَ يُنْفَخُ في الصورِ. وجائزٌ أن يكونَ متروكًا، اكْتُفِى بدَلالةِ الكلامِ عليه منه، كما قيل: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٦٥] فتُرِك جوابُه.\nوقولُه: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. قيل: إن الذين اسْتَثْناهم اللهُ في هذا الموضعِ مِن أن يَنالَهم الفزعُ يومَئذِ، الشهداءُ، وذلك أنهم أحياءٌ عندَ ربِّهم يُرْزَقون، وإن كانوا في عِدادِ الموتى عندَ أهلِ الدنيا. وبذلك جاء الأثرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ، وقد ذكَرْناه في الخبرِ الماضي.\nوحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرنا العَوَّامُ، عمَّن حدَّثه، عن أبي هريرةَ، أنه قرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. قال: هم الشهداءُ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾. يقولُ: وكلٌّ أَتَوْه صاغِرِين.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: \"كذا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٨ إلى سعيد بن منصور.","vol":"18","page":135},{"text":"وبمثلِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6868>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾. يقولُ: صَاغِرِين (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ قال: صاغرين (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾. قال: الداخرُ: الصاغرُ الراغمُ. قال: لأن المرءَ الذي يَفْزَعُ، إذا فزِع إنما هِمَّتُه الهربُ مِن الأمرِ الذي فزِع منه. قال: فلما نُفِخ في الصورِ فزِعوا، فلم يَكُنْ لهم مِن اللهِ مَنْجًى (^٣).\nواختَلَفَت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾. فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: (وكلٌّ آتُوه). بمدِّ الألفِ مِن (آتُوه). على مثالِ \"فاعِلوه\" (^٤)، سوى ابن مسعودٍ، فإنه قرَأه: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾. على مثالِ \"فعَلُوه\". واتَّبعه على القراءةِ به المتأخرون؛ الأعمشُ وحمزةُ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٣٢ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٦ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٣٢، ٢٩٣٣ من طريق أصبغ، عن ابن زيد. وفيه الراهب بدلا من الراغم.\n(^٤) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وأبى بكر والكسائي، وأبى جعفر ويعقوب. النشر ٢/ ٢٥٤.\n(^٥) هي أيضا قراءة خلف وحفص. المصدر السابق.","vol":"18","page":136},{"text":"واعْتلَّ الذين قرَءوا ذلك على مثالِ \"فاعِلُوه\" بإجماعِ القرأةِ على قولِه: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ﴾ [مريم: ٩٥]. قالوا: فكذلك قولُه: (آتُوه) في الجمعِ. وأما الذين قرَءوا على قراءةِ عبدِ اللهِ، فإنهم ردُّوه على قولِه: ﴿فَفَزِعَ﴾. كأنهم وجَّهوا معنى الكلامِ إلى: ويومَ يُنْفَخُ في الصورِ ففزِع من في السماواتِ ومن في الأرضِ، وأتَوه كلُّهم داخرين. كما يقالُ في الكلامِ: [رآني ففَرَّ] (^١) وعاد وهو صاغرٌ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان مُسْتَفِيضتان في قرأةِ الأمصارِ، مُتقارِبتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-3247\"></span><span data-type='title' id=toc-6869>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (^٢) (٨٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وتَرَى الجبالَ يا محمدُ يومَئِذٍ تَحْسَبُها قائمةً، وهى تَمرُّ.\nكالذى حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾. يقولُ: قائمةً (^٣).\nوإنما قيل: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾؛ لأنها تُجمَعُ، ثم تَسيرُ، فيَحْسَبُ رائيها لكثرتِها أنها واقفةٌ، وهي تَسِيرُ سيرًا حثيثًا، كما قال الجَعْدِيُّ (^٤):\n_________\n(^١) في م: \"رأى وفر\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يفعلون\". وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. وبالتاء قرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٤٨٧.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٣٣ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٨ إلى ابن المنذر.\n(^٤) ديوانه ص ١٨٧.","vol":"18","page":137},{"text":"بأَرْعَنَ (^١) مثل الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم … وُقوفٌ لحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ (^٢)\nقولُه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾: وأَوْثَقِ خلقَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6870>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: أَحْكَم كلَّ شيءٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: أَحْسَن كلَّ شيءٍ خلقه وأوْثَقه (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. قال: أَتْرَصَ (^٥) كلَّ شيءٍ وسوَّى (^٦).\n_________\n(^١) الأرعن: الجيش العظيم وهو المضطرب لكثرته. اللسان (ر ع ن).\n(^٢) والهملجة والهملاج: حسن سير الدابة في سرعة اللسان (هملج).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٣٣، من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٨ إلى ابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٣٤، عن محمد بن سعد به.\n(^٥) في م: \"أوثق\" وأترص: أحكم. يقال: أترصه هو وترَصه وترَّصه: أحكمه وقوَّمه. والتريص: المحكم. اللسان (ت ر ص).\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٥٢١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٣٤، وأخرجه ابن أبي حاتم أيضًا في ٩/ ٢٩٣٣ من طريق ليث، عن مجاهد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٨ إلى الفريابي وعبد بن حميد.","vol":"18","page":138},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَتْقَنَ﴾: أَتْرَصَ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ [قولَه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. قال: أحسنَ كلَّ شيءٍ (^١).\nوقولُه] (^٢): (إنَّهُ خَبِيرٌ بما يفعلُون). يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله ذو علمٍ وخبرةٍ بما يَفْعَلُ عبادُه مِن خيرٍ وشرٍّ، وطاعةٍ له ومعصيةٍ، وهو مُجازى جميعِهم على جميعٍ ذلك؛ على الخيرِ الخيرَ، وعلى الشرِّ الشرَّ نظيرَه.\n\n<span id=\"aya-3248\"></span><span data-type='title' id=toc-6872>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: مَن جاء الله بتوحيدِه والإيمانِ به، وقولِ: لا إلهَ إلا اللهُ. مُوقِنًا به قلبُه، فله مِن هذه الحسنةِ عندَ اللهِ خيرٌ يومَ القيامةِ، وذلك الخيرُ أن يُثِيبَه اللهُ منها الجنةَ، ويُؤَمِّنَه مِن فَزَعِ الصَّيْحةِ الكبرى، وهى النفخُ في الصورِ.\n\n<span id=\"aya-3249\"></span>﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. يقولُ: ومَن جاء بالشركِ به يومَ يَلْقاه، وجُحودِ وَحْدانيتِه، ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ في نارِ جهنمَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6871>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ خَلَفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنى الفضلُ بنُ دُكَيْنٍ، قال: ثنا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) سقط من النسخ، والمثبت ما يستقيم به السياق، ومستفاد أيضًا من الدر المنثور.","vol":"18","page":139},{"text":"يحيى بنُ أيوبَ البَجَليُّ، قال: سمِعْتُ أبا زرعةَ، قال: قال أبو هريرةَ - قال يحيى: أحْسَبُه عن النبيِّ ﷺ قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾. قال: وهى لا إلهَ إلا اللهُ. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾. قال: وهى الشرْكُ (^١).\nحدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا أبو يحيى الحِمَّانيُّ، عن النضرِ بن عربيٍّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾. قال: مَن جاء بـ: لا إله إلا اللهُ. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾. قال: بالشركِ.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾. يقولُ: مَن جاء بـ: لا إلهَ إلا اللهُ. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. وهو الشركُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: بالشركِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: كلمةِ الإخلاصِ. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥٠٧) من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين به، وأخرج آخره ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٣٥ من طريق يحيى بن أيوب به، وذكر أوله في ٩/ ٢٩٣٤ عن أبي هريرة موقوفا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر. عن أبي هريرة موقوفا.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٠/ ٤١.","vol":"18","page":140},{"text":"قال: الشركِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه (^٢).\nقال ابن جريجٍ: وسمعْتُ عطاءً يقولُ فيها: الشركِ. يعنى في قولِه: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن أبي المُحَجَّل، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ، قال: كان يَحْلِفُ ما يَسْتَثْنى، أن ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: الشركِ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عُبيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾. قال: الشركِ (^٥).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، قال: ثنا سعدُ (^٦) بنُ سعيدٍ، عن عليّ بن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٢١، وأخرج أوله الطبراني في الدعاء (١٥١٠) من طريق أبي عاصم به، وأخرجه أيضًا (١٥٠٩) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٨ إلى الفريابي وعبد بن حميد. وينظر ما تقدم في ١٠/ ٤١.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥١٢) من طريق ابن جريج به، وأخرجه أيضًا (١٥١١) من طريق ليث عن مجاهد.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٠/ ٤٠.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥٢٦) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء.\n(^٥) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥٢٧) من طريق موسى بن عبيدة به.\n(^٦) في م: \"سعيد\".","vol":"18","page":141},{"text":"الحسينِ - وكان رجلًا غَزَّاءً - قال: بينا هو في بعض خَلَواتِه، حتى رفَع صوتَه: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، يُحْيى ويُمِيتُ، بيدِه الخيرُ، وهو على كلَّ شيءٍ قديرٌ. قال: فردَّ عليه رجلٌ: ما تقولُ يا عبدَ اللهِ؟ قال: أقولُ ما تَسْمَعُ. قال: أما إنها الكلمةُ التي قال اللهُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: الإخلاصِ. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: الشركِ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. يعنى: الشركِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ومن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ. يقولُ: الشركِ (^٤).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾. قال: السيئةُ الشركُ، الكفرُ (^٥).\nحدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ العَدَنيُّ،\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٣/ ٢٤٤، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٢٧ مختصرا.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٣٤، ٢٩٣٥ معلقًا.\n(^٣) في ت ٢: \"الإخلاص\".\nوالأثر تقدم تخريجه في ١٠/ ٤١.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٦ عن معمر به، وهو في تفسير مجاهد ص ٥٢١ من طريق حبيب بن الشهيد عن الحسن، وتقدم في ١٠/ ٤١.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٢٧.","vol":"18","page":142},{"text":"قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: شهادةِ أن لا إلهَ إلا اللهُ. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: السيئةُ الشركُ (^١). قال الحكمُ: قال عكرمةُ: كلُّ شيءٍ في القرآنِ السيئةُ فهو الشركُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6873>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا: فمنها وصل إليه الخيرُ. يعنى ابن عباسٍ بذلك: مِن الحسنةِ وصَل إلى الذي جاء بها، الخيرُ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: ثنا [حبيبُ بنُ] (^٣) الشهيدِ، عن الحسنِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾. قال: له منها.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الحسنِ قال: مَن جاء بـ: لا إلهَ إلا اللهُ، فلهُ (^٤) منها خيرٌ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾. يقولُ: له منها حظٌّ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿مَنْ جَاءَ\n_________\n(^١) أخرج أوله الطبراني في الدعاء (١٥٣٠، ١٥٣١) من طريقين عن عكرمة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٣٥ من طريق عطاء عن ابن عباس.\n(^٣) في النسخ: \"حسين\". وتقدم في ٧/ ٨٩. وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٩٥.\n(^٤) بعده في م، ت ١، ف: \"خير\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٦ عن معمر به.","vol":"18","page":143},{"text":"بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾. قال: له منها خيرٌ، فأما أن يكون له (^١) خيرٌ من الإيمانِ فلا، ولكن منها (^٢) خيرٌ: يُصِيبُ منها خيرًا (^٣).\nحدَّثنا سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾. قال: ليس شيءٌ خيرًا من لا إلهَ إلا الله، ولكن له مِنها خيرٌ (^٤).\nوكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾. قال: أعطَاه اللهُ بالواحدةِ عشرًا، فهذا خيرٌ منها (^٥).\nواختلفتِ القرآةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾. فقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ البصرةِ: (وَهُمْ مِن فَزَعِ يَوْمِئِذٍ آمَنُون) بإضافةِ (فَزَعِ) إلى \"اليومِ\" (^٦). وقرَأ ذلك جماعةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾. بتنوين ﴿فَزَعٍ﴾ (^٧).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنّهما قراءتان مشهورتانِ في قرَأةِ الأمصارِ، متقاربَتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أَنَّ الإِضافةَ أعجبُ\n_________\n(^١) سقط من: م: ت ١، ف.\n(^٢) بعده في ت ٢: \"قال له منها\".\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٣/ ٢٤٤.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٣٥ معلقًا.\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ١٨٣، ١٨٤، والقرطبي في تفسيره ١٣/ ٢٤٤.\n(^٦) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو ونافع وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٤٨٧.\n(^٧) وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.","vol":"18","page":144},{"text":"إليَّ؛ لأنَّه فَزَعٌ معلومٌ. وإذا كان ذلك كذلك كان معرفةً، على أن ذلك في سياقِ قولِه: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. فإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه عُنِى بقولِه: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾. مِن الفَزَعِ الذي قد جَرَى ذكرُه قبلَه. وإذا كان (^١) كذلك، كان لا شكَّ أنه مَعْرفةٌ، وأَنَّ الإضافةَ إذا كان مَعْرفةً، به أولى مِن تركِ الإضافةِ، وأُخرى، أنَّ ذلك إذا أُضِيفَ فهو أبينُ أنَّه خبرٌ عن أمانِه مِن كلِّ أهوالِ ذلك اليومِ، منه إذا لم يُضَفْ ذلك، وذلك أنه إذا لم يُضَفْ كان الأغلبَ عليه أنه جعَل الأمانَ من فزعِ بعضِ أهوالِه.\nوقولُه: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يُقالُ لهم: هل تُجزونَ أَيُّها المشركون إلا ما كنتم تَعْمَلون، إذ كَبَّكمُ اللهُ لوجوهِكم في النارِ، وإلَّا جزاءَ ما كنتم تَعْمَلون في الدنيا بما يُسْخِطُ ربَّكم.\nوتَرَك: يقالُ لهم. اكتفاءً بدلالةِ الكلامِ عليه.\n\n<span id=\"aya-3250\"></span><span data-type='title' id=toc-6874>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ، قُلْ: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾. وهى مكةُ، الذي حرَّمها على خلقِه أن يَسْفِكُوا فيها دمًا حرامًا، أو يَظْلِموا فيها أحدًا، أو يُصادَ صيدُها، أو يُخْتَلَى خَلاها، دونَ الأوثانِ التي تعبدُونها أيها المشركون.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) بعده في م: \"ذلك\".","vol":"18","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6875>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾: يعنى مكةَ (^١).\nوقولُه: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: ولربِّ هذه البلدةِ الأشياءُ كلُّها مِلْكًا، فإيَّاه أُمِرْتُ أن أعبدَ، لا مَن لا يملكُ شيئًا.\nوإنما قال جلَّ ثناؤه: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾. فخصَّها بالذِّكرِ دونَ سائرِ البلدانِ، وهو ربُّ البلادِ كلِّها؛ لأنَّه أراد تعريفَ المشركين مِن قومِ رسولِ اللهِ ﷺ، الذين هم أهلُ مكةَ - بذلك نعمتَه عليهم، وإحسانَه إليهم، وأنَّ الذي يَنْبَغى لهم أن يَعبدُوه هو الذي حرَّم بلَدَهم، فمنَع الناسَ منهم، وهم في سائرِ البلادِ يأكل بعضُهم بعضًا، ويَقْتلُ بعضُهم بعضًا، لا مَن لم تَجْرِ له عليهم نعمةٌ، ولا يَقْدرُ لهم على نفع ولا ضرٍّ.\nوقولُه: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: وأَمرنى ربِّي أَن أُسْلِمَ وجْهِى له حنيفًا، فأكونَ من المسلمين الذين دانُوا بدينِ خليلِه إبراهيمَ وجدِّكم أيها المشركون، لا من خالف دينَ جدِّه المحقِّ، ودان دينَ إبليسَ عدوِّ اللهِ.\n\n<span id=\"aya-3251\"></span><span data-type='title' id=toc-6876>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قلْ: إنما أُمرتُ أن أعبدَ ربَّ هذه البلدةِ، وأنْ أكونَ من المسلمين، ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى﴾. يقولُ: فمَن اتَّبَعَنى وآمَن بي وبما\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"18","page":146},{"text":"جئتُ به، فسلَك طريقَ الرشادِ، ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾. يقولُ: فإِنما يَسْلُكُ سبيلَ الصوابِ، باتِّباعِه إيَّاى، وإيمانِه بى، وبما جئتُ به - لنفسِه؛ لأنه بإيمانِه بي، وبما جئتُ به، يأمنُ نقمتَه في الدنيا، وعذابَه في الآخرةِ.\nوقولُه: ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾. يقولُ: ومَن جار عن قصدِ السبيلِ، بتكذيبِه بي، وبما جئتُ به مِن عندِ اللهِ، ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فقلْ يا محمدُ لِمَن ضلَّ عن قصدِ السبيلِ، وكذَّبك، ولم يصدِّقْ بما جئتَ به مِن عندى إنما أنا ممَّن يُنْذِرُ قومَه عذابَ اللهِ وسخَطَه، [على مَعْصيتِهم إيَّاه، وقد أنذَرْتُكم ذلك معشرَ كفارِ قُريشٍ، فإنْ قَبِلْتُم وانتَهَيْتُم عما يكرَهُه اللهُ مِنكم من الشركِ به] (^١)، فحظوظَ أنفسِكم تُصيبون، وإن رَدَدْتُم وكذَّبْتُم، فعلى أنفسِكم جَنَيْتُم، وقد بلَّغتُكم ما أُمِرتُ بإبلاغه إيَّاكم، ونصحتُ لكم.\n\n<span id=\"aya-3252\"></span><span data-type='title' id=toc-6877>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: و(^٢) قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ القائلين لك من مشركي قومِك: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؟ [النمل: ٧١]: الحمدُ للهِ على نعمتِه علينا، بتوفيقِه إيَّانا للحقِّ الذي أنتم عنه عَمُون، سيُريكم ربُّكم آياتِ عذابه وسَخَطِه، فتَعْرِفون بها حقيقةَ نُصْحى كان لكم، ويَتَبَيَّنُ صدقُ ما دعَوْتُكم إليه من الرشادِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"18","page":147},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6878>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدٌ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾. قال: في أنفسِكم، وفي السماءِ والأرضِ والرزقِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾. قال: في أنفسِكم والسماءِ والأرضِ والرزقِ.\nوقولُه: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما ربُّك يا محمدُ بغافلٍ عمَّا يَعملُ هؤلاءِ المشركون، ولكن لهم أَجَلٌ هم بالِغُوه، فإذا بلَغوه، فلا يَسْتَأْخِرون ساعةً ولا يَسْتَقدمون. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: فلا يَحْزُنك تكْذيبُهم إيَّاك، فإنى مِن وراءِ إهلاكِهم، وإنى لهم بالمرصادِ، فأيْقِنْ لنفسِك بالنصرِ، ولعدوِّك بالذلِّ والخِزْى.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"النملِ\"\n[وللهِ الحمدُ والمِنَّةُ، وبه الثِّقةُ والعِصمةُ] (^٢)\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٢١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره، ٩/ ٢٩٣٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٩ إلى الفريابي وابن أبي شيبة.\n(^٢) في ف: \"وهو آخر الجزء الثالث يتلوه في أول الجزء الرابع أول سورة القصص، وكان الفراغ منه يوم الأربعاء المبارك سلخ شوال المبارك سنة ١١٤٧ ألف ومائة وسبعة وأربعين على يد أفقر العباد إلى الله تعالى سلامة بن الحاج سلامة بن الحاج حجازى ضيف الله السندنهورى، غفر الله له ولوالديه ولمالكه ولمن نظر فيه عيبا وأصلحه والجميع المسلمين آمين آمين آمين والحمد لله رب العالمين، تم\". وهذا آخر الموجود عندنا من هذه. النسخة.","vol":"18","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6879>تفسيرُ سورةِ القصصِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-3253\"></span><span data-type='title' id=toc-6880>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ </span>(٢)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: قد بَيَّنا فيما مضَى قبلُ تأويلَ قولِ اللهِ ﷿: ﴿طسم﴾. وذكَرنا اختلافَ أهلِ التأويلِ في تأويلِه (^١).\n\n<span id=\"aya-3254\"></span>وأما قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. فإنه يَعنى: هذه آياتُ الكتابِ الذي أنزَلتُه إليك يا محمدُ، المُبِينُ أنه من عندِ اللهِ، وأنك لم تَتَقَوَّلْه ولم تَتَخَرَّصْه.\nوكان قتادةُ فيما ذُكِر عنه يقولُ في ذلك ما حدَّثني بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. يَعنى: مُبِينٌ واللهِ بركتَه ورُشده وهداه (^٢).\n\n<span id=\"aya-3255\"></span>وقولُه: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾. يقولُ: نَقْرأُ عليك ونَقُصُّ في هذا القرآنِ من خبرِ موسى وفرعونَ بالحقِّ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: في هذا القرآنِ نَبَؤُهم (^٣).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٧/ ٥٤٢.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٣/ ٦. وأخرجه أيضا ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٤٨ من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٣٨ من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"18","page":149},{"text":"وقولُه: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: لقومٍ يُصَدِّقون بهذا الكتابِ؛ ليَعْلَموا أن ما نَتْلُو عليك من نَبئهم فيه نَبَؤُهم، وتَطْمَئِنَّ نفوسُهم بأن سُنَّتَنا في من خالَفَك وعاداك من المشركين سنّتُنا في من عادَى موسى ومن آمن به من بنى إسرائيلَ، من فرعونَ وقومِه؛ أن نُهْلِكَهم كما أهْلَكناهم، ونُنْجِيَهم منهم كما أنجيناهم منهم.\n\n<span id=\"aya-3256\"></span><span data-type='title' id=toc-6881>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ </span>(٤)﴾\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن فرعونَ تَجَبَّر في أرضِ مصرَ وتَكَبَّر، وعلا أهلَها وقهَرَهم، حتى أقَرُّوا له بالعُبُودةِ.\nكما حدَّثنا موسى (^١) بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: تَجَبَّر في الأرضِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. أي: بغَى في الأرضِ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾. يعنى بالشِّيَعِ الفِرَقَ. يقولُ: وجعَل أهلَها فِرَقًا متفرِّقين.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلَ\n_________\n(^١) في النسخ: \"محمد\". وهذا إسناد دائر.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٨٨ بإسناد السدى المعروف مطولا، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٣٨، ٢٩٣٩ من طريق عمرو بن حماد به، وسيفرق المصنف أجزاء منه فيما سيأتي.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٣٩ من طريق يزيد به.","vol":"18","page":150},{"text":"أَهْلَهَا شِيَعًا﴾. أي: فِرَقًا؛ يُذَبِّحُ طائفةً منهم، ويَسْتَحْيِي طائفةً، ويُعَذِّبُ طائفةً، ويَسْتَعْبِدُ طائفةً، قال الله ﷿: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (^١).\nحدَّثني موسى بنُ هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: كان من شأنِ فرعونَ أنه رأى رؤيا في منامِه، أن نارًا أَقْبَلتْ من بيتِ المقدسِ حتى اشتَمَلتْ على بُيوتِ مصرَ، فأحرَقَتِ القِبْطَ، وتركت بني إسرائيلَ، وأحرَقت بيوتَ مصرَ، فدَعا السحرةَ والكهنةَ والقافَةَ والحازَةَ، فسألهم عن رُؤياه، فقالوا له: يَخْرُجُ من هذا البلدِ الذي جاء بنو إسرائيلَ منه - يَعْنُون بيتَ المقدس - رجلٌ يكونُ على وجْهِه هلاكُ مصرَ. فأَمَر ببنى إسرائيلَ ألَّا يُولَدَ لهم غلامٌ إلا ذبَحوه، ولا تُولَدَ لهم جاريةٌ إلا تُركَت، وقال للقِبْطِ: انظُروا مَمْلُوكِيكم الذين يَعْمَلون خارجًا فأدْخِلوهم، واجْعَلوا بني إسرائيلَ يَلُون تلك الأعمالَ القذرة. فجعَل بني إسرائيلَ في أعمالِ غِلمانِهم، وأدْخَلوا غلمانَهم، فذلك حينَ يقولُ اللهُ: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾. يعنى بنى إسرائيلَ، حينَ جعَلهم في الأعمالِ القذرةِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾. قال: فَرَّق بينَهم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٣٩ من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) جزء من الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٢٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٣٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٠ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":151},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾. قال: فِرَقًا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قولِه: وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا. قال: الشِّيَعُ الفِرَقُ (^١).\nوقولُه: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾. ذُكِر أن استضعافَه إياها كان استعبادَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6882>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: يَسْتَعْبِدُ طائفةً منهم، ويُذَبِّحُ طائفةً، ويُقَتِّلُ طائفةً، ويَسْتَحْيِي طائفةً (^٢).\nوقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: إنه كان ممن يُفْسِدُ في الأرضِ؛ بقتلِه من لا يَسْتَحِقُّ منه القتلَ، واستعبادِه من ليس له استعبادُه، وتَجَبُّرِه في الأرضِ على أهلِها، وتَكَبُّرِه على عبادةِ ربِّه.\n\n<span id=\"aya-3257\"></span><span data-type='title' id=toc-6883>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾</span>\nوقوله: ﴿وَنُرِيدُ﴾. عطفٌ على قولِه: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾. ومعنى الكلامِ: إن فرعونَ علا في الأرضِ، وجعَل أهلَها من بني إسرائيلَ فِرَقًا، يَسْتَضْعِفُ طائفةً منهم، ونحن نُرِيدُ أن نَمُنَّ على الذين استَضْعَفهم فرعونُ في الأرضِ من بنى إسرائيلَ، ونَجْعَلَهم أئمةً.\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٣٩ معلقا.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٧ عن معمر به.","vol":"18","page":152},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6884>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾. قال: بنو إسرائيلَ (^١).\nوقولُه: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾. أي (^٢): وُلاةً وملوكًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6885>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾. أي: ولاةَ الأمرِ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾. يقولُ: ونَجْعَلَهم وُرّاثَ آلِ فرعونَ، يَرثُون الأرضَ مِن بعدِ مَهْلِكهم (^٤).\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6886>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾. أي: يَرِثُون الأرضَ بعدَ فرعونَ وقومِه (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٠ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، وفي ت ٢: \"قال\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤١ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في ت ٢: \"هُلكهم\". وهما بمعنى.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤١ من طريق يزيد به.","vol":"18","page":153},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾. يقولُ: يَرِثون الأرضَ بعدَ فرعونَ (^١).\n\n<span id=\"aya-3258\"></span>وقولُه: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: ونُوَطِّئَ لهم في أرضِ الشامِ ومصرَ، ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾. كانوا قد أُخبروا أن هلاكَهم على يدِ رجلٍ من بني إسرائيلَ، فكانوا مِن ذلك على وَجلٍ منهم؛ ولذلك كان فرعونُ يُذَبِّحُ أبناءهم، ويَستَحْيى نساءَهم، فأَرَى اللهُ فرعونَ وهامانَ وجنودَهما (^٢) من بنى إسرائيلَ، على يدِ موسى بن عِمرانَ نبيِّه، ما كانوا يَحْذَرُونه منهم؛ من هلاكِهم، وخرابِ منازلِهم ودُورِهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾: شيئًا ما حَذِر القومُ. قال: وذُكِر لنا أن حازيًا حَزَا لعدوِّ اللهِ فرعونَ، فقال: يُولَدُ في هذا العامِ غلامٌ من بني إسرائيلَ، يَسْلُبُك ملكَك. فتَتَبَّعَ أبناءَهم ذلك العامَ، يُقَتِّلُ أبناءَهم، ويَستَحْيى نساءَهم؛ حَذرًا مما قال له الحازِى (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: كان لفرعونَ رجلٌ ينْظُرُ له ويُخبِرُه - كأنه (^٤) يعني أنه (^٥) كاهنٌ - فقال له: إنه يُولَدُ في هذا العامِ غلامٌ يَذْهَبُ مُلْكِكم. فكان فرعونُ يُذَبِّحُ أبناءَهم، ويَسْتَحْيى\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١: \"جنوده\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٠ من طريق يزيد به.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"كأنه\".","vol":"18","page":154},{"text":"نساءَهم حذرًا. فذلك قولُه: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (^١).\nواختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأةِ الحجازِ والبصرةِ وبعضُ الكُوفيين: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾. بمعنى: ونُرِيَ نحن. بالنونِ عطفًا بذلك على قولِه: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ﴾ (^٢).\nوقرأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ الكُوفَةِ: (ويَرَى فِرْعَوْنُ). على أن الفعلَ لفرعونَ، بمعنى: ويُعاينَ فرعونُ. بالياءِ من \"يَرَى\"، ورَفْعِ \"فرعونَ\" و\"هامان\" و\"الجنودِ\" (^٣).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قرأةِ الأمصارِ، متقاربَتا المعنى، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القَرَأَةِ، فبأيَّتهما قرأ القارئُ فهو مصيبٌ؛ لأنه معلومٌ أن فرعونَ لم يكنْ لِيَرَى من موسى ما رأى إلا بأن يُرِيَه اللهُ ﷿ منه، ولم يكنْ لِيُريَه اللهُ تعالى ذكرُه ذلك منه إلا رآه.\n\n<span id=\"aya-3259\"></span><span data-type='title' id=toc-6887>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأوْحيْنا إلى أُمِّ موسى حينَ ولَدت موسى أن أرْضِعيه.\nوكان قتادةُ يقولُ في معنى ذلك: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾: قذَفنا في قلبِها. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) وبها قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وأبو عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ٤٩٢.\n(^٣) وبها قرأ حمزة والكسائي. المصدر السابق.","vol":"18","page":155},{"text":"مُوسَى﴾: وحيًا جاءَها من اللهِ، فقَذَف في قلبِها - وليس يوحي نبوةٍ - أن أرْضِعى موسى، ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾. قال: قذَف في نفسِها (^٢).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: أمرَ فرعونُ أن يُذْبَحَ مَن وُلِد من بنى إسرائيلَ سنةً، ويُترْكوا سنةً، فلما كان في السنةِ التي يَذْبَحون فيها حمَلت بموسى، فلما أرادت وضعَه، حَزنت من شأنِه، فأَوْحَى اللهُ إليها: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ (^٣).\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في الحالِ التي أُمِرَتْ أُمُّ موسى أن تُلْقِيَ موسى في اليَمِّ؛ فقال بعضُهم: أُمِرَتْ أن تُلْقِيَه فيه بعدَ ميلادِه بأربعةِ أشهرٍ، وذلك حالَ طلبِه من الرَّضاع أكثرَ مما يَطْلُبُ الصبيُّ بعد حالِ سقوطِه من بطنِ أمِّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6888>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾. قال: إذا بلَغ أربعةَ أشهرٍ وصاح، وابْتَغَى من الرَّضاعِ أكثرَ من ذلك، ﴿فَأَلْقِيهِ﴾ حينَئذٍ ﴿فِي الْيَمِّ﴾. فذلك قولِه: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤١ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تقدم أوله في ص ١٥٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٠ من طريق عمرو به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢١ إلى ابن المنذر.","vol":"18","page":156},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، قال: لم يَقُلْ لها: إذا وَلَدتيه فألْقِيه في اليَمِّ. إنما قال لها: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾. بذلك أُمِرَت. قال: جعَلَتْه في بستانٍ، فكانت تَأتِيه كلَّ يومٍ فتُرْضِعُه، وتَأتِيه كلَّ ليلةٍ فَتُرْضِعُه، فيَكْفِيه ذلك.\nوقال آخرون: بل أُمِرَت أن تُلْقِيَه في اليَمِّ بعدَ وِلادِها إياه وبعدَ رَضاعِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-6889>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لما وضَعتْه أرْضَعتُه، ثم دعَت له نجارًا، فجعَل له تابوتًا، وجعَل مِفتاحَ التابوتِ من داخلٍ، وجعَلَتْه فيه، وألقَتْه في اليَمِّ (^١).\nوأَولَى قولٍ قيل في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أمَر أمَّ موسى أن تُرْضِعَه، فإذا خافت عليه من عدوِّ اللهِ فرعونَ وجندِه أَن تُلْقِيَه في اليَمِّ. وجائزٌ أن تكونَ خافَتْهم عليه بعدَ أشهرٍ من وِلادِها إياه. وأيُّ ذلك كان، فقد فعَلَت ما أَوْحَى اللهُ إليها فيه، ولا خبرَ قامت به حجةٌ، ولا [في فطرةِ] (^٢) العقلِ بيانُ (^٣) أيِّ ذلك كان من أيٍّ، فأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ أن يقالَ كما قال جلَّ ثناؤُه.\nواليَمُّ الذي أُمِرَت أن تُلْقيَه فيه هو النيلُ.\nكما حدَّثنا موسى قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾. قال: هو البحرُ، وهو النيلُ (^٤).\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ١٥٠.\n(^٢) في م: \"فطرة في\".\n(^٣) في م: \"لبيان\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٢ من طريق عمرو بن حماد به، وتقدم أوله في ص ١٥٠.","vol":"18","page":157},{"text":"وقد بَيَّنَّا ذلك بشواهدِه، وذِكرِ الروايةِ فيه فيما مضَى، بما أَغنَى عن إعادته (^١).\nوقوله: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾. يقولُ: لا تَخافي على ولدِك من فرعونَ وجندِه أن يَقْتُلوه، ولا تَحْزَنى لفِراقِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6890>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾. قال: لا تَخافى عليه البحرَ، ولا تحزَنى لفِراقِه، ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ (^٢).\nوقولُه: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. يقولُ: إنا رادُّو ولدِك إليك للرَّضاعِ؛ لتكُونى أنت تُرْضِعينه، وباعِثوه رسولًا إلى من تَخافِينه عليه أن يَقْتُلَه. وفعَل اللهُ ذلك بها وبه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6891>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾: وباعثوه رسولًا إلى هذه الطاغيةِ، وجاعلو هلاكِه ونجاةِ بني إسرائيلَ مما هم فيه من البلاء على يديه (^٣).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٦/ ٥٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٢ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٣ من طريق سلمة به.","vol":"18","page":158},{"text":"<span id=\"aya-3260\"></span><span data-type='title' id=toc-6893>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾: فأصابوه وأخَذوه. وأصلُه من اللُّقَطَةِ، وهو ما وُجِد ضالًّا فأُخِذَ. والعربُ تقولُ لما وَرَدت عليه فجأةً من غيرِ طلبٍ (^١) له ولا إرادةٍ: أَصَبْتُه التقاطًا. ولَقِيتُ فلانًا التقاطًا. ومنه قولُ الراجزِ (^٢):\nومَنْهَلٍ وَرَدْتُه الْتِقاطَا\nلَمْ أَلْقَ إِذْ ورَدْتُه فُرَّاطًا (^٣)\nيعني فجأةً.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك جوارِى امرأةِ فرعونَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6892>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: أَقْبَل الموجُ بالتابوتِ، يَرْفَعُه مرةً ويَخْفِضُه أخرى، حتى أَدْخَله بين أشجارٍ عند بيتِ فرعونَ، فخرَج جوارى آسية امرأة فرعونَ يَغْتَسِلْن (^٤)، فوجَدْن التابوتَ، فَأَدخَلْنه إلى آسيةَ. وظَنَنَّ أن فيه مالًا، فلما نظَرت إليه آسيةُ، وقَعَت عليها رحمتُه، فأَحَبَّته، فلما أخْبَرت به فرعونَ أراد أن يَذْبَحَه، فلم تَزَلْ آسيةُ تُكَلِّمُه، حتى ترَكه لها، قال: إني\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"طالب\".\n(^٢) هو نِقادة الأسدى. والرجز في العين ٥/ ١٠١، والتمهيد ٢٠/ ٢٥٦، ومعجم ما استعجم ٣/ ٧٧٩، وتفسير القرطبي، ١٣/ ٢٥٢، واللسان (ف ر ط، ل ق ط).\n(^٣) فُرّاط القَطا: متقدِّماتها إلى الوادي والماء. (ف ر ط).\n(^٤) في النسخ: \"يغسلن\". والمثبت مما تقدم في ١/ ٦٦٦.","vol":"18","page":159},{"text":"أخافُ أن يكونَ هذا من بنى إسرائيلَ، وأن يكونَ هذا الذي على يديه هلاكُنا. فذلك قولُ اللهِ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (^١).\nوقال آخرون: بل عُنِى به ابنةُ فرعونَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6894>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدُ بن قيسٍ، قال: كانت بنتُ فرعونَ برصاءَ، فجاءت إلى النيلِ، فإذا التابوتُ في النيلِ تَخْفِقُه الأمواجُ، فأَخَذَتْه بنتُ فرعونَ، فلما فتَحتِ التابوتَ إذا هي بصبيٍّ، فلما اطَّلَعت في وجهِه بَرَأت من البرصِ، فجاءت به إلى أمِّها فقالت: إن هذا الصبيَّ مباركٌ، لَمَّا نظَرتُ إليه بَرِئتُ. فقال فرعونُ: هذا من صبيانِ بني إسرائيلَ، هَلُمَّ حتى أقْتُلَه. فقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾.\nوقال آخرون: عُنِى به أعوان فرعونَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6895>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: أصبَح فرعونُ في مجلسٍ له كان يَجْلِسُه على شَفِيرِ النيلِ كلَّ غَداةٍ، فبَيْنا هو جالسٌ، إذ مَرَّ النيلُ بالتابوتِ يَقْذِفُ به، وآسيةُ بنتُ مُزاحمٍ امرأتُه جالسةٌ إلى جنبِه، فقالت: إن هذا لشيءٌ في البحرِ، فأْتُونى به. فخرَج إليه أعوانُه حتى جاءوا به، ففتَح التابوتَ، فإذا فيه صبيٌّ في مَهْدِه، فأَلْقَى اللهُ عليه محبَّتَه، وعطَف عليه نفسَه، قالت امرأتُه آسِيةُ: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ (^٢).\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ١٥٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٦/ ٥٧.","vol":"18","page":160},{"text":"ولا قولَ في ذلك عندَنا أولى بالصوابِ مما قال الله ﷿: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾.\nوقد بيَّنَّا معنى \"الآلِ\" فيما مضَى، بما فيه الكفايةُ من إعادته هاهنا (^١).\nوقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾. فيقولُ القائلُ: لِيَكونَ موسى لآلِ فرعونَ عدوًّا وحزنًا الْتَقَطوه، فيقالُ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾. قيل: إنهم حينَ الْتَقَطوه لم يَلْتَقِطوه لذلك؛ بل لِمَا تَقَدَّم ذكرُه.\nولكنه إن شاء اللهُ كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ في قولِه: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾. قال: ليَكونَ لهم في عاقبةِ أمرِه عدوًّا وحزَنًا؛ لِما أراد اللهُ به، وليس لذلك أخَذوه (^٢).\nولكنَّ امرأةَ فرعونَ قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾. فكان قولُ اللهِ: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾. لِمَا هو كائنٌ في عاقبةِ أمرِه لهم، وهو كقولِ القائلِ لآخرَ إذا قَرَّعه بالفعلِ (^٣) - كأنْ فعَله وهو يَحسَبُ (^٤) محسنًا في فعلِه، فأدّاه فعلُه ذلك إلى مَساءةٍ مُنَدِّمًا له على فعلِه: فعَلتَ هذا لضُرِّ نفسِك، ولتَضُرَّ به نفسَك فعَلتَ. وقد كان الفاعلُ في حال فعلِه ذلك عندَ نفسِه يَفْعَلُه راجِيًا نَفْعَه، غيرَ أن العاقبةَ جاءَت بخلافِ ما كان يَرْجُو. فكذلك قولُه: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾. إنما هو: فالتَقطه آلُ فرعونَ، ظنًّا منهم أنهم مُحْسِنون إلى أنفسِهم؛ ليكونَ قرةَ عينٍ لهم، فكانت عاقبةُ الْتِقاطِهم إياه منه\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٤١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٤ من طريق سلمة به.\n(^٣) في م: \"لفعل\".\n(^٤) في ص، ت ١: \"يحسبه\".","vol":"18","page":161},{"text":"هلاكَهم على يديه.\nوقولُه: ﴿عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾. يقولُ: يَكونُ لهم عدوًّا في دينِهم، وحَزَنًا على ما ينالُهم منه من المكروهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6896>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾: عدوًّا لهم في دينِهم، وحَزَنًا لما يَأْتِيهم (^١).\nواختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿وَحَزَنًا﴾. بفتحِ الحاءِ والزايِ. وقَرَأته عامةُ قَرَأةِ الكوفةِ: (وَحُزْنا). بضمِّ الحاءِ وتسكينِ الزايِ (^٢).\nوالحَزَنُ بفتحِ الحاءِ والزايِ، مصدرٌ من: حَزِنتُ حَزَنًا، والحُزْنُ بضمِّ الحاءِ وتسكينِ الزايِ، الاسمُ؛ كالعَدَمِ والعُدْمِ، ونحوِه.\nوالصوابُ من القول في ذلك أنهما قراءتان متقارِبَتا المعنى، وهما - على اختلافِ اللفظِ فيهما - بمنزلةِ العَدَمِ والعُدْمِ، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقولُه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن فرعونَ وهامانَ وجنودَهما كانوا بربِّهم آثِمين؛ فلذلك كان لهم موسى عدوًّا وحَزَنًا.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) قرأ حمزة والكسائي بضم الحاء وإسكان الزاى، وقرأ الباقون بفتحهما. الكشف ٢/ ١٧٢.","vol":"18","page":162},{"text":"<span id=\"aya-3261\"></span><span data-type='title' id=toc-6898>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقالتِ امرأةُ فرعونَ له: هذا قُرَّةُ عينٍ لى ولك يا فرعونُ.\nفـ ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ مرفوعةٌ بمضْمَرٍ هو \"هذا\"، أو \"هو\".\nوقولُه: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾. مسألةٌ من امرأةِ فرعونُ (^١) ألَّا يَقْتُلَه. وذُكِر أن المرأةَ لما قالت هذا القول لفرعونَ، قال فرعونُ: أمّا لكِ فنَعَم، وأمّا لى فلا. فكان كذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-6897>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن قيسٍ، قال: قالت امرأةُ فرعونَ: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. قال فرعونُ: قرةُ عينٍ لكِ، أما لي فلا. قال محمدُ بنُ قيسٍ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لو قال فرعونُ: قرةُ عينٍ لى ولكِ. كان لهما جميعًا\" (^٢).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: اتَّخَذه فرعونُ ولدًا، ودُعِى على أنه ابن فرعونَ، فلما تَحَرَّك الغلامُ، أرَتْه أمُّه آسيةُ صبيًّا، فبينما هي تُرَقِّصُه وتَلْعَبُ به، إذ ناوَلَتْه فرعونَ، وقالت: خُذْه، قرةُ عينٍ لى ولك. قال فرعونُ: هو قرةُ عينٍ لكِ، و(^٣) لا لى. قال عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ: لو أنه قال: وهو لى قرةُ عينٍ. إذَن لآمَن به، ولكنه أبَى (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢١ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٥ من طريق عمرو به، وتقدم أوله في ص ١٥٠.","vol":"18","page":163},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾: تَعْنِى بذلك موسى (^١).\nحدَّثنا العباسُ بن الوليدِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا القاسمُ بنُ أبي أيوبَ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما أتَت بموسى امرأةُ فرعونَ فرعونَ قالت: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ. قال فرعونُ: يكونُ لكِ، فأما لى فلا حاجةَ لي فيه. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"والذي يُحْلَفُ به، لو أَقَرَّ\nفرعونُ أن يكونَ له قرةَ عينٍ كما أقَرَّت، لهداه اللهٌ به كما هَدى به امرأتَه، ولكنَّ الله حَرَمَه ذلك\" (^٢).\nوقولُه: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. ذُكِر أن امرأةَ فرعونَ قالت هذا القولَ حينَ همَّ بقتلِه. قال بعضُهم: حينَ أُتى به يومَ التَقَطه من اليَمِّ. وقال بعضُهم: بل (^٣) يومَ نتَف من لحيتِه، أو ضرَبه بعصًا كانت في يدِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6899>ذكرُ من قال: قالت ذلك يومَ نتَف لحيتَه</span>\nحدَّثنا موسى قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لما أُتِي فرعونُ به صبيًّا، أخَذه إليه، فأخَذ موسى بلحيتِه فنتَفها، قال فرعونُ: عليَّ بالذبّاحين (^٤)، هو هذا. قالت آسيةُ: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. إنما هو صبيٌّ لا يَعْقِلُ، وإنما صنَع هذا من صِباه (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢١ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) جزء من حديث الفتون الطويل، وتقدم تخريجه في ١٦/ ٦٩.\n(^٣) سقط من: م، ت ٢.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"الذباحين\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٥ من طريق عمرو بن حماد به، وتقدم أوله في ص ١٥٠.","vol":"18","page":164},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. قال: أُلْقِيَت عليه رحمتُها حينَ أبصَرتْه (^١).\nوقولُه: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وهم لا يَشْعُرون أن هلاكَهم على يديه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-6900>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال: وهم لا يَشْعُرون أن هَلَكَتَهم على يديه (^٢) وفى زمانِه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ (^٣)، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال: أن هلاكَهم على يديه (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال: آلُ فرعونَ أنه لهم عدوٌّ (^٥).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وهم لا يَشْعُرون بما هو كائنٌ من أمرِهم وأمرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6901>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاقَ، قال: قالت امرأةُ فرعونَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٥ من طريق يزيد به.\n(^٢) في م: \"يده\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٧ عن معمر به.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٥٢٥. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٥.","vol":"18","page":165},{"text":"آسِيةُ: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ اللَّهُ: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. أي: بما هو كائنٌ (^١) مما أراد اللَّهُ به (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى قولِه: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: وبنو إسرائيلَ لا يَشْعُرُون أَنَّا الْتَقَطناه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6902>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن قيسٍ: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال: يقولُ: لا يَدْرِى (^٣) بنو إسرائيلَ أَنَّا الْتَقَطناه.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك قولُ من قال: معنى ذلك: وفرعونُ وآلُه لا يَشْعُرون بما هو كائنٌ من هلاكِهم على يديه.\nوإنما قلنا: ذلك أَولى التأويلاتِ به؛ لأنه عَقِيبَ قولِه: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. وإذا كان ذلك عَقِيبَه (^٤)، فهو بأن يكونَ بيانًا عن القولِ الذي هو عَقِيبَه (^٤) أحقُّ من أن يكونَ بيانًا عن غيرِه.\n\n<span id=\"aya-3262\"></span><span data-type='title' id=toc-6903>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"بما\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٥ من طريق سلمة به.\n(^٣) في م، ت ١: \"تدري\".\n(^٤) في م، ت ٢: \"عقبه\".","vol":"18","page":166},{"text":"اختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي عَنَى اللَّهُ أنه أصبَح منه فؤادُ أمِّ موسى فارغًا؛ فقال بعضُهم: الذي عنَى جلَّ ثناؤُه أنه أصبَح منه فؤادُ أمِّ موسى فارغًا، كلُّ شيءٍ سوَى ذكرِ ابنِها موسى.\n\n<span data-type='title' id=toc-6904>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن مجاهدٍ وحسانَ أبى الأشْرَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. قال: فرَغ من كلِّ شيءٍ إلا من ذكرِ موسى.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن حسانَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. قال: فارغًا من كلِّ شيءٍ إلا من ذكرِ موسى (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ (^٢)، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. قال (^٣): من كلِّ شيءٍ إلا من هَمَّ موسى (^٤).\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. قال: يقولُ: لا تَذْكُرُ إِلَّا موسى.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٦، والحاكم ٢/ ٤٠٦ من طريق عبدُ الرحمنِ بن مهدي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢١ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"عبد اللَّه\". وهو عبيد اللَّه بن موسى، تقدم مرارا.\n(^٣) بعده في م: \"فارغًا\".\n(^٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦١/ ٢٥ من طريق أبي إسحاقَ، عن ابن عباسٍ.","vol":"18","page":167},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهُ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. قال: مِن كُلِّ شيءٍ غيرَ ذكرِ موسى (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. قال: فرَغ من كلِّ شيءٍ إلا من ذكرِ موسى.\nحدَّثني عبدُ الجبارِ بنُ يحيى الرَّمْليُّ، قال: ثنا ضَمْرَةُ بنُ ربيعةَ، عن ابن شَوْذَبٍ، عن مَطَرٍ في قولِه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. قال: فارغًا من كلِّ شيءٍ إِلا مِن هَمِّ موسى.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. أي: لاغيًا من كلِّ شيءٍ إلا مِن ذكرِ موسى (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. قال: فرَغ من كلِّ شيءٍ غيرَ ذكرِ موسى (^٣).\nوقال آخرون: بل عنَى أن فؤادَها أصبَح فارغًا من الوحيِ الذي كان اللَّهُ أوحاه إليها، إذ أمَرها أن تُلْقِيَه في اليمِّ؛ فقال: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. قال: فحَزِنَت ونَسِيَتْ عهدَ اللَّهِ إليها، فقال اللَّهُ ﷿: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ من وحيِنا الذي أوحَيناه إليها.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢١ إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٦ من طريق يزيدُ به.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٢٣٣.","vol":"18","page":168},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6905>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. قال: فارغًا من الوحيِ الذي أَوْحَى اللَّهُ إليها، حينَ أمَرها أن تُلْقِيَه في البحرِ ولا تخافَ ولا تَحْزَنَ. قال: فجاءَها الشيطانُ فقال: يا أمَّ موسى، كَرِهْتِ أَن يَقْتُلَ فرعونُ موسى، فيَكونَ لكِ أجرُه وثوابُه، وتَوَلَّيتِ قتلَه، فألقيتِيه في البحرِ وغَرَّقتيه! فقال اللَّهُ: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ من الوحيِ الذي أُوحِى (^١) إليها (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، قال: ثنى الحسنُ، قال: أصبَح فارغًا من العهدِ الذي عَهِدْنا إليها، والوعدِ الذي وعَدناها أن نَرُدَّ عليها ابنَها، فنَسِيت ذلك كلَّه، حتى كادَتْ أَن تُبْدِيَ به لولا أن ربَطنا على قلبِها (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: قد كانت أمُّ موسى تَرْفَعُ له حينَ قذَفَته في البحرِ؛ هل تَسْمَعُ له بذكرٍ، حتى أتاها الخبرُ بأن فرعونَ أصاب الغداةَ صبيًّا في النيلِ في التابوتِ، فعرَفت الصفةَ، ورأت أنه وقَع في يدى عدوِّه الذي فَرَّت به منه، وأصبَح فؤادُها فارغًا من عهدِ اللَّهُ إليها فيه، قد أنساها عظيمُ البلاءِ ما كان من العهدِ عندَها من اللَّهِ فيه (^٣).\nوقال بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ (^٤): معنى ذلك: وأصبَح فؤادُ أمِّ موسى\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"أوحاه\".\n(^٢) ينظر التبيان ٨/ ١١٧.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٦ من طريق سلمة به.\n(^٤) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٩٨.","vol":"18","page":169},{"text":"فارغًا من الحُزْنِ؛ لعلمِها بأنه لم يَغْرَقْ. قال: وهو من قولِهم: دمٌ فَرْغٌ. أي: لا قَوَدَ ولا دِيَةَ. وهذا قولٌ لا معنَى له؛ لخلافِه قولَ جميعِ أهلِ التأويلِ.\nقال أبو جعفرٍ: وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندى قولُ من قال: معناه: وأصبَح فؤادُ أمِّ موسى فارغًا من كلِّ شيءٍ إلا من هَمِّ موسى.\nوإنما قلْنا: ذلك أَولى الأقوالِ فيه بالصوابِ؛ لدلالَةِ قولِه: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾. ولو كان عنَى بذلك فراغَ قلبِها من الوحيِ، لم يُعْقِبْ بقولِه: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾. لأنها إن كانت قارَبَت أن تُبْدِي الوحىَ، فلم تَكَدْ أن تُبْدِيَه إلا لكثرةِ ذكرِها إياه ووُلُوعِها به، ومحالٌ أن تكونَ به وَلِعةً إلا وهى ذاكرةٌ. وإذا كان ذلك كذلك، بطَل القولُ بأنها كانت فارغةَ القلبِ مما أُوحِى إليها. وأُخرى، أن اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبَرَ عنها أنها أصبَحت فارغةَ القلبِ، ولم يَخْصُصْ فراغَ قلبِها من شيءٍ دونَ شيءٍ، فذلك على العمومِ، إلا ما قامَت حُجتُه أن قلبَها لم يَفْرُغُ منه.\nوقد ذُكِر عن فَضَالةَ بن عُبيدٍ أنه كان يَقْرَؤُه: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فازعًا). من الفَزَعِ (^١).\nوقولُه: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾. اختَلَفَ أهلُ التأويلِ في المعنَى الذي عادت عليه الهاءُ في قولِه: ﴿بِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: هي من ذكرِ موسى، وعليه عادت.\n\n<span data-type='title' id=toc-6906>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن مجاهدٍ،\n_________\n(^١) الأضداد لابن الأنبارى ص ٢٩٧، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٣٠٣.","vol":"18","page":170},{"text":"وحسانَ أبى الأَشْرَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾: أن تقولَ: يا ابناه.\nقال: ثني يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن حسانَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾: أن تقولَ: يا ابناه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن حسانَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾. أن تقولَ: يا بُنَيَّاه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾. أي: لَتُبْدِى به أنه ابنُها؛ من شدةِ وَجْدِها (^٢).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لما جاءت أمُّه أخَذ منها، يعنى الرَّضاعَ، فكادت أن تقولَ: هو ابني. فعصَمها اللَّهُ، فذلك قولُ اللهِ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ (^٣).\nوقال آخرون: بما أَوْحَيْناه إليها. أي: تَظْفَرُ (^٤).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك ما قاله الذين ذكَرنا قولَهم أنهم قالوا: إن كادت لَتقولُ: يا بُنَيَّاه. لإجماعِ الحجةِ مِن أهلِ التأويلِ على ذلك، وأنه عَقِيبَ قولِه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. فلأن يكونَ - لو لم يكنْ ممن ذكَرنا في ذلك\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٧، والحاكم ٢/ ٤٠٦ من طريق عبدُ الرحمنِ بن مهدي به.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢١ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٧ من طريق يزيد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٧ من طريق عمرو به، وتقدم أوله في ص ١٥٠.\n(^٤) في ت ١: \"يظفر\".","vol":"18","page":171},{"text":"إجماعٌ على ذلك - من ذكرِ موسى؛ لقربِه منه، أشبهَ من أن يكونَ من ذكرِ الوحيِ.\nوقال بعضُهم: بل معنى ذلك: إن كادت لَتُبْدِي بموسى فتقولُ: هو ابني.\nقال: وذلك أن صدرَها ضاق إذ نُسِب إلى فرعونَ، وقيل: ابن فرعونَ.\nوعنى بقولِه: ﴿لَتُبْدِي بِهِ﴾: لَتُظْهِرُه وتُخْبِرُ به.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6907>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾: لَتُشْعِرُ به.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾. قال: لَتُعْلِنُ بأمرِه، ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقولُه: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾. يقولُ: لولا أن عصَمناها من ذلك، بتَثْبِيتِناها وتَوفِيقِناها للسكوتِ عنه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6908>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال اللَّهُ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أي: بالإيمانِ؛ ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٧ من طريق يزيد به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٨ عن معمر عن قتادةَ.","vol":"18","page":172},{"text":"حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: كادت تقولُ: هو ابنى. فعصَمها اللَّهُ، فذلك قولُ اللهِ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ (^١).\nوقولُه: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: عصَمناها من إظهارِ ذلك وقيلِه بلسانِها، وثَبَّتناها للعهدِ الذي عهِدنا إليها؛ ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بوعدِ اللَّهِ، الموقِنين به.\n\n<span id=\"aya-3263\"></span><span data-type='title' id=toc-6910>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقالت أمُّ موسى لأختِ موسى حينَ الْقَتْه في اليَمِّ: ﴿قُصِّيهِ﴾. يقولُ: قُصِّي أثرَ موسى؛ اتَّبِعى أثرَه. يُقالُ (^٢): قَصَصْتُ آثارَ القومِ. إذا اتَّبعتَ آثارَهم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6909>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾. قال: اتَّبِعى أثرَه كيف يُصْنَعُ به (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٧ من طريق عمرو به، وتقدم أوله في ص ١٥٠.\n(^٢) في م: \"يقولُ\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٢٥. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢١ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وليس هذا الجزء عنده.","vol":"18","page":173},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُصِّيهِ﴾. أي: قُصَّى أثرَه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾. قال: اتَّبِعى أثرَه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾. أي: انْظُرِى ماذا يَفْعَلُون به (^٢).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾. يعنى: قُصِّى أثرَه (^٣).\nحدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا القاسمُ بنُ أبي أيوبَ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾. أي: قُصِّي أثرَه واطْلُبِيه، هل تَسْمَعِين له ذكرًا؟ أحيٌّ ابنى أو قد أكَلَتْه دوابُّ البحرِ وحيتانُه؟ ونَسِيَتِ الذي كان اللهُ وعَدَها (^٤).\nوقولُه: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فقَصَّت أختُ موسى أثرَه، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾. يقولُ: فبَصُرَت بموسى عن بُعدٍ، لم تَدْنُ منه، ولم تَقرَبْ؛ لئلا يُعْلَمَ أنها منه بسَبيلٍ.\nيقالُ منه: بَصُرْتُ به وأبْصَرْتُه. لغتان مشهورتان. وأبْصَرتُ عن جُنُبٍ وعن جَنابةٍ. كما قال الشاعرُ (^٥):\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٨ من طريق سلمة به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٨ عن معمرٍ، عن قتادةَ.\n(^٣) تقدم أوله في ص ١٥٠.\n(^٤) جزء من حديث الفتون الطويل، وتقدم تخريجه في ١٦/ ٦٩.\n(^٥) هو الأعشى، والبيت في ديوانه ص ٦٥.","vol":"18","page":174},{"text":"أَتَيْتُ حُرَيْثًا زائرًا عن جَنابةٍ … فكان حُرَيْثٌ عن عَطائىَ جامِدًا (^١)\nيعنى بقولِه: عن جَنَابةٍ: عن بُعدٍ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6911>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾. قال: بُعدٍ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾. قال: عن بُعدٍ.\nقال ابن جُرَيجٍ: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾. قال: هي على الجُدِّ (^٣) في الأرضِ، وموسى يَجْرِى به النيلُ، وهما مُتَحاذيان كذلك، تَنظُرُ إليه نظرةً، وإلى الناسِ نظرةً، وقد جُعِل في تابوتٍ مُقيَّرٍ ظَهْرُه وبطنُه، وأَقْفَلَتَه عليه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: [حدَّثنا أبو] (^٤) سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾. يقولُ: بَصُرَت به وهى مُحَاذِيتُه لم تأْتِه (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"جاحدا\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٢٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢١ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"الحد\". والجد: شاطئ النهر. اللسان (ج د د)\n(^٤) في م: \"ثني حجاج عن أبي\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٨ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٨ - عن معمرٍ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":175},{"text":"حدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: ثنى القاسمُ بنُ أبي أيوبَ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾: والجُنُبُ: أَن يَسْمُوَ بصرُ الإنسانِ إلى الشيءِ البعيدِ، وهو إلى جَنْبِهِ لا يَشْعُرُ به (^١).\nوقولُه: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: وقومُ فرعونَ لا يَشْعُرون بأختِ موسى أنها أختُه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6912>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال: آلُ فرعونَ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَنَّها أختُه. قال: جعَلت تَنْظُرُ إليه كأَنَّها لا تُريدُه (^٣).\n_________\n(^١) جزء من حديث الفتون الطويل، وتقدم تخريجه في ١٦/ ٦٩.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٢٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢١ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وليس هذا الجزء عنده.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٩ من طريق يزيد به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٨ عن معمر، عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":176},{"text":"حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيَّ: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: أَنَّها أختُه (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. أي: لا يَعْرِفون أنها منه بسبيلٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3264\"></span><span data-type='title' id=toc-6914>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومَنَعْنا موسى المراضعَ أن يَرْتَضِعَ منهن من قَبْلِ أمِّه. ذُكِر أن [أختًا لموسى] (^٣) هي التي قالت لآلِ فرعونَ: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6913>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: أرادوا له المُرْضِعاتِ، فلم يأخُذُ مِن أحدٍ من النساءِ، وجعَل النساءُ يَطْلُبن ذلك ليَنزِلْنَ عندَ فرعونَ في الرَّضَاعِ، فأبى أن يأخذَ، فذلك قولُه: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ﴾. أختُه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾. فلما جاءت أمُّه أخَذ منها (١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٩ من طريق عمرو به، وتقدم أوله في ص ١٥٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٩ من طريق سلمة به.\n(^٣) في ت ٢: \"أخت موسى\".","vol":"18","page":177},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: لا يَقْبَلُ ثَدْيَ امْرَأَةٍ حتى يَرْجِعَ إلى أمَّهِ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن حسانَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: كان لا يؤتَى بمُرْضِعٍ فيَقْبلُها (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: لا يَرْضَعُ ثَدْيَ امْرَأَةٍ حتى يرجعَ إلى أمِّه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: فجعَل لا يُؤْتَى بامرأةٍ إلا لم يأخُذْ ثَدْيَها. قال: فقالت أختُه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: جَمَعوا (^٤) المراضِعَ حينَ ألْقَى اللَّهُ مَحبَّتَهم عليه، فلا يُؤتَى بامرأةٍ فيَقْبَلُ ثديَها، فيُرْمِضُهم ذلك (^٥)، فيُؤْتَى\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٢٥. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢١ إلى الفريابي وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٩، والحاكم ٢/ ٤٠٦، ٤٠٧ من طريق عبد الرحمنِ بن مهدى، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢١ إلى الفريابي.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٨ عن معمر عن قتادةَ. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في م: \"اجمعوا\".\n(^٥) الرَّمَض: حرْقةُ الغيظ. اللسان (ر م ض).","vol":"18","page":178},{"text":"بمُرْضِعٍ بعد مُرضِعٍ، فلا يَقْبَلُ شيئًا منهن، فقالت لهم أختُه حينَ رأت مِن وَجْدِهم به، وحِرْصِهم عليه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ (^١).\nويعنى بقولِه: ﴿يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾: يَضْمَنونه لكم.\nوقولُه: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾. ذُكِر أنها أُخِذت فقيل: قد عَرَفْتِه؟ فقالت: إنما عَنَيتُ أنَّهم للملِكِ ناصِحون.\n\n<span data-type='title' id=toc-6915>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لما قالت أختُه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾. أَخَذُوها وقالوا: إنكِ قد عَرَفتِ هذا الغلامَ، فدُلِّينا على أهلِه. فقالت: ما أَعْرِفُه، ولكني إنما قلتُ: هم للمَلِكِ ناصِحُون (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾. قال: فعَلِقوها (^٣) حينَ قالت: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾. قالوا: قد عرَفتِه؟ قالت: إنَّما أردتُ: هم للمَلِكِ ناصحُون (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.\nأي: لمنزِلتِه عندَكم، وحِرْصِكم على مَسرَّةِ الملكِ. قالوا: هاتِي (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٤٩ من طريق سلمة به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٠ من طريق عمرو به. وتقدم أوله في ص ١٥٠.\n(^٣) علقوها: لزموها. اللسان (ل ز م).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢١، ١٢٢ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٠ من طريق سلمة به.","vol":"18","page":179},{"text":"<span id=\"aya-3265\"></span><span data-type='title' id=toc-6917>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فرَدَدْنا موسى إلى أمَّه بعدَ أن الْتَقَطه آلُ فرعونَ؛ لتقرَّ عينُها بابنِها إذ رجَع إليها سليمًا مِن قِبَلِ (^١) فرعونَ، ولا تحزَنَ على فراقِه إيَّاها، ولِتَعلَمَ أنَّ وَعْدَ اللَّهُ الذي وَعَدَها، إذ قال لها: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ الآية [القصص: ٧] ﴿حَقٌّ﴾.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6916>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ فقرَأ حتى بلَغ: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: وعَدها أنه رادُّه إليها، وجاعِلُه من المرسَلين، ففعَل اللَّهُ ذلك بها (^٢).\nوقولُه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولكنَّ أكثرَ المشركين لا يَعْلَمون أن وعدَ اللهِ حقٌّ، لا يُصَدِّقون بأن ذلك كذلك.\n\n<span id=\"aya-3266\"></span><span data-type='title' id=toc-6918>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولَما بَلَغَ موسى ﴿أَشُدَّهُ﴾. يعنى: حالَ شَدَّةِ بدنِه وقُواه، وانْتَهى ذلك منه.\nوقد بيَّنا معنى \"الأشُدِّ\" فيما مضَى بشواهدِه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في\n_________\n(^١) في م: \"قتل\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥١ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":180},{"text":"هذا الموضعِ (^١).\nوقولُه: ﴿وَاسْتَوَى﴾. يقولُ: تناهَى شَبَابُه، وتمَّ خَلْقُه واسْتَحْكُم.\nوقد اختُلِف في مبلغِ عددِ سِنِى الاستواءِ؛ فقال بعضُهم: يكونُ ذلك في أربعين سنةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-6919>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاسْتَوَى﴾. قال: أربعين سنةً (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: ثلاثًا وثلاثين سنةً. قولَه: ﴿وَاسْتَوَى﴾. قال: بلَغ أربعين سنةً (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: بضعًا وثلاثين سنةً (^٤).\nقال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: ثلاثًا وثلاثين سنةً (^٤).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٩/ ٦٦٣، ١٣/ ٦٦.\n(^٢) تفسير سفيان ص ١٣٩، وتقدم في ١٣/ ٦٧.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٢٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) تقدم تخريجه في ١٣/ ٦٧.","vol":"18","page":181},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾. قال: أربعين سنةً، و﴿أَشُدَّهُ﴾: ثلاثًا وثلاثين سنةً (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾. قال: كان أبي يقولُ: الأشُدُّ الجَلَدُ، والاستواءُ أربعون سنةً (^٢).\nوقال بعضُهم: يكونُ ذلك في ثلاثين سنةً.\nوقولُه: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. يعنى بالحكمِ: الفَهْمَ بالدينِ والمَعْرفةَ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. قال: الفِقهَ والعقلَ والعملَ قبلَ النُّبوّةِ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. قال: الفقهَ والعملَ قبلَ النُّبوَةِ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾، آتاه اللَّهُ حكمًا وعِلْمًا؛ فقهًا في دينِه ودينِ آبائِه، وعِلْمًا بما في دينِه وشرائعِه وحدودِه (^٤).\nوقولُه: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكما جَزَيْنا\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٨،٨٩ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكرُه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥١ معلقًا.\n(^٣) تفسير مجاهد ٥٢٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١١٩، ٩/ ٢٩٥٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٢، إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر، وتقدم في ١٣/ ٦٨ من طريق شبل عن ابن أبي نجيحٍ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥١، ٢٩٥٢ من طريق سلمة به.","vol":"18","page":182},{"text":"موسى على طاعتِه إيَّانا وإحسانِه، بصبرِه على أمْرِنا، كذلك نَجْزِى كلَّ مَن أَحسَن مِن رُسُلِنا وعبادِنا، فصَبَر على أمرنا وأطاعَنا، وانتَهى عما نَهيناه عنه.\n\n<span id=\"aya-3267\"></span><span data-type='title' id=toc-6921>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ودخَل موسى المدينةَ؛ مدينةَ منفٍ مِن مصرَ، ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾، وذلك عندَ القائلةِ نصفَ النهارِ.\nواختَلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي من أجلهِ دخَل موسى هذه المدينةَ في هذا الوقتِ؛ فقال بعضُهم: دخَلها متَّبِعًا أثرَ فِرعونَ؛ لأن فرعونَ رَكِب وموسى غيرُ شاهدٍ، فلما حضَر عَلِم برُكوبِه، فرَكِب واتَّبع أثرَه، وأدْرَكه المقِيلُ في هذه المدينةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6920>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: كان موسى حينَ كَبِر يركبُ مَراكِبَ فرعونَ، ويَلْبَسُ مثلَ ما يَلْبَسُ، وكان إنَّما يُدعَى موسى بنَ فرعونَ، ثم إن فرعونَ ركِب مركبًا وليس عندَه موسى، فلمَّا جاء موسى قيل له: إن فرعونَ قد ركِب. فرَكِب في أثَرِه، فأدرَكه المَقِيلُ بأَرضٍ يُقالُ لها: مَنْفٌ. فدخَلها نصفَ النهارِ، وقد تَغَلَّقت أسواقُها، وليس في طُرُقِها أحدٌ، وهي التي يقولُ اللهُ: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٢ من طريق عمرو بن حماد به، وتقدم أوله في ص ١٥٠.","vol":"18","page":183},{"text":"وقال آخرون: بل دخَلها مُستَخْفِيًا من فرعونَ وقومِه؛ لأنَّه كان قد خالَفهم في دينِهم، وعاب ما كانوا عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6922>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لمَّا بلَغ موسى أشُدَّه واسْتَوى، آتاه اللَّهُ حُكْمًا وعلمًا، فكانت له من بني إسرائيلَ شيعةٌ يسمَعون منه ويطيعونه، ويجتمِعون إليه، فلما اسْتَدَّ رأْيُه، وعرَف ما هو عليه من الحقِّ، رأى فِراقَ فرعونَ وقومِه على ما هم عليه حقًّا في دينِه، فتَكَلَّم وعادَى وأنكَر، حتى ذُكرَ ذلك منه، وحتى أخافُوه وخَافَهم، حتى كان لا يدخُلُ قريةَ فرعونَ إِلا خائفًا مُستَخْفيًا، فدخَلَها يومًا على حينِ غفلةٍ من أهلِها (^١).\nوقال آخرون: بل كان فرعونُ قد أمَر بإخراجِه من مدينتِه، حينَ عَلَاه بالعصا، فلم يدخُلْها إلا بعدَ أن كَبِر وبلَغ أَشُدَّه. قالوا: ومعنى الكلامِ: ودخَل المدينةَ على حينَ غفلةٍ من أهلِها لذكرِ موسى. . أي. أي: من بعدِ نِسْيانِهم خبرَه وأمرَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6923>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: ليس غفلةٌ من ساعةٍ، ولكن غفلةٌ مِن ذكرِ موسى وأمْرِه. وقال فرعونُ لامرأتِه: أخْرِجيه عنِّى - حينَ ضرَب رأسَه بالعصا - هذا الذي قُتِلتْ فيه بنو إسرائيلَ. فقالت: هو صغيرٌ، وهو كذا، هاتِ جمرًا. فأُتىَ بجمرٍ، فأخَذ جمرةً، فطرَحها في فِيهِ، فصارت عُقْدةً في لسانِه، فكانت تلك العقدةَ\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ١٩٦، وينظر تفسير القرطبي ١٣/ ٢٦٠.","vol":"18","page":184},{"text":"التي قال اللَّهُ: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧، ٢٨]. قال: أَخْرِجيه عنِّي. فأُخرِج، فلم يدخُلْ عليهم حتى كَبِر، فدخَل على حينَ غفلةٍ من ذِكْرِه (^١).\nوأولَى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ أن يُقالَ كما قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ولما بلَغ أشُدَّه واسْتَوى، دخَل المدينةَ على حينَ غفلةٍ من أهلِها.\nواختَلفوا في الوقتِ الذي عُنِى بقولِه: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾؛ فقال بعضُهم: ذلك نصفُ النهارِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6924>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن محمد بن المُنكَدرِ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: نصفَ النهارِ (^٢).\nقال ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: يقولون: في القائلةِ. قال: وبينَ المغربِ والعشاءِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: دخَلها بعدَ ما بلَغ أشُدَّه، عندَ القائلةِ نصفَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٣ من طريق ابن وهب به مختصرًا، وينظر تفسير القرطبي ١٣/ ٢٦٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٣ من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر ٥/ ١٢٢ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٣ من طريق حجاج.","vol":"18","page":185},{"text":"النهارِ (^١).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: دخَلها نصفَ النهارِ (^٢).\nوقولُه: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾. يقولُ: هذا من أهلِ دينِ موسى من بني إسرائيلَ، ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾: من القِبطِ من قومِ فرعونَ، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ﴾. يقولُ: فَاسْتَغاثَه الذي هو مِن أهلِ دينِ موسى ﴿عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من القِبط، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾. يقولُ: فلَكَزه ولَهَزه فِي صَدْرِهِ بِجُمْعِ كَفِّه.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6925>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا حفصٌ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: أساء موسى من حيثُ أساء وهو شديدُ الغَضَبِ شديدُ القُوَّةِ، فمرَّ برجلٍ من القِبطِ، قد تَسَخَّر رجلًا مِن المسلمين. قال: فلمَّا رأى موسى اسْتَغاث به. قال: يا موسى. فَقال موسى: خلِّ سبيلَه. فقال: قد هَمَمْتُ أن أحملَه عليك. فوَكَزه موسى، فقَضَى عليه، قال: حتى إذا كان الغدُ نصفَ النهارِ، خرَج ينظُرُ الخبرَ. قال: فإذا ذاك الرجلُ قد أخَذه آخرُ في مثلِ حَدِّه. قال: فقال: يا موسى. قال: فاشْتَدَّ غَضَبُ موسى. قال: فأهْوى. قال: فخافَ أن يكونَ إيَّاه يريدُ. قال: فقال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٣ من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٩ عن معمر عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تقدم أوله في ص ١٥٠.","vol":"18","page":186},{"text":"﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص: ١٩]. قال: فقال الرجلُ: ألا أراك يا موسى أنتَ الذي قَتَلت؟\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عَنَّامُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا الأعمشُ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ﴾ قال: رجلٌ من بنى إسرائيلَ يقاتلُ خبَّازًا لفرعونَ، فاسْتَغاثه، فوَكَزه موسى، فقضَى عليه، فلمَّا كان مِن الغَدِ، اسْتَصْرَخ به فوجَده يقاتلُ آخرَ، فأغَاثَه (^١)، فقال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾. فعَرَفوا أنَّه موسى، فخرَج منها خائفًا يترقَّبُ، قال عَثَّامٌ: أو نحوُ هذا (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾. أمَّا الذي من شيعتِه فمِن بني إسرائيلَ، وأمَّا الذي من عدوِّه فقِبطيٌّ مِن آلِ فرعونَ (^٣).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾. يقولُ: مِن القِبطِ، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (^٤).\nحدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، [قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ] (^٥)، قال: ثنا القاسمُ بنُ أبي أيوبَ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"فاستغاثه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٥ من طريق عثام بن علي به مختصرًا.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٩ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٤ - عن معمر، عن قتادة.\n(^٤) تقدم أوله في ص ١٥٠.\n(^٥) سقط من: ت ٢.","vol":"18","page":187},{"text":"بلَغ موسى أشُدَّه، وكان من الرجالِ، لم يكنْ أحدٌ مِن آلِ فرعونَ يخلُصُ إلى أحدٍ مِن بني إسرائيلَ معه بظلمٍ ولا سُخْرةٍ، حتى امتَنَعوا كلَّ الامْتناعِ، فبَيْنا هو يمشى ذاتَ يومٍ في ناحيةِ المدينةِ، إذا هو برجُلَين يقْتَتلان؛ أحدُهما من بني إسرائيلَ، والآخرُ من آلِ فرعونَ، فاسْتَغاثَه الإسرائيليُّ على الفِرْعَونيِّ، فغَضِب موسى واشْتَدَّ غَضَبُه؛ لأنَّه تناوَله وهو يعلمُ منزلةَ موسى من بنى إسرائيلَ، وحِفْظَه لهم، ولا يعلمُ الناسُ إلا أنَّما ذلك من قِبَلِ الرَّضاعةِ من أمَّ موسى، إلا أن يكونَ اللهُ أطْلَع موسى من ذلك على علمِ ما لم يُطلِعْ عليه غيرَه، فوكَز موسى الفِرعَونيَّ فقَتَله، ولم يَرَهما أحدٌ إِلَّا اللهُ والإسرائيليُّ، فقال موسى حينَ قتلَ الرجلَ: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾: مسلمٌ، وهذا من أهلِ دينِ فرعونَ، كافرٌ، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾. وكان موسى قد أُوتِىَ بسطةً في الخَلْقِ، وشِدَّةً في البطْشِ، فضَبَّ (^٢)، بعدوِّهما، فنازَعَه، فوكَزه موسى وكْزةً قتَلَه منها، وهو لا يريدُ قَتْلَه، فقال: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾. قال: من قومِه من بني إسرائيلَ، وكان فرعونُ مِن فارسَ مِن إِصْطَخْرَ (^٤).\n_________\n(^١) جزء من حديث الفتون الطويل وتقدم تخريجه في ١٦/ ٦٩.\n(^٢) في م: \"فعضب\"، وسقط من: ت ١، ت ٢. وضب بكذا: اشتد حرصه عليه وطلبه له. الوسيط (ض ب ب).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٤، ٢٩٥٥ من طريق سلمة به.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٢٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٢ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وليس هذا اللفظ عنده.","vol":"18","page":188},{"text":"حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nقال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، عن أصحابِه: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾: إسرائيليٌّ، ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾: قبْطيٌّ، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾.\nوبنحوِ الذي قُلنا أيضًا قالوا في معنى قولِه: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-6926>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾. قال: بجُمْعِ كَفِّه (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: فوكزَه موسى نبيُّ اللَّهِ، ولم يتعَمَّدْ قَتْلَه (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قتَلَه وهو لا يريدُ قَتْلَه (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ٥٢٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٢ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٥ من طريق يزيد به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٩ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٤، ٢٩٥٥ من طريق سلمة به.","vol":"18","page":189},{"text":"وقولُه: ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾. يقولُ: ففرَغ من قَتْلِه.\nوقد بيَّنتُ فيما مضَى أن معنى القضاءِ الفَراعُ، بما أغنَى عن إعادتِه ههنا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-6927>ذِكْرُ أنَّه قَتَلَه ثم دَفَنَه في الرَّملِ</span>\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللَّهِ، عن أصحابهِ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾: ثم دفَنه في الرَّملِ.\nوقولُه: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾. يقولُ تعالى ذِكْرُه: قال موسى حينَ قتَل القتيلَ: هذا القَتْلُ مِن تَسبُّبِ الشيطانِ لى؛ بأن هيَّجَ غَضَبى حتى ضرَبتُ هذا فهَلَك من ضَرْبتي، ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ﴾. يقولُ: إِن الشيطانَ عدوٌّ لابنِ آدمَ ﴿مُضِلٌّ﴾ له عن سبيلِ الرَّشادِ؛ بتَزيينِه له القبيحَ من الأعمالِ، وتحسينِه ذلك له، هو ﴿مُبِينٌ﴾. يعنى أنه يُبينُ عداوتَه لهم قديمًا، وإضْلالَه إيَّاهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-6928>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالَى ذكرُه مُخبرًا عن ندَم موسَى على ما كان مِن قَتْلِه النفسَ التي قتَلها، وتوبَتِه إليه منه، ومسألتِه غُفْرانَه من ذلك: ربِّ إني ظَلَمْتُ نفسى بقتلِ النفسِ التي لم تأْمُرْنى بقَتْلِها، فاعفُ عن ذَنْبي ذلك، واسْتُرْه عليَّ، ولا تؤاخِذْنى به، فتعاقِبَني عليه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٤٦٦.","vol":"18","page":190},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6929>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\n\n<span id=\"aya-3268\"></span>حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ في قولِه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾. قال: بقَتْلى، مِن أجلِ أنَّه لا ينبَغى لنبيٍّ أن يقتُلَ حتى يُؤمرَ. ولم يُؤْمرْ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: عرَف المخَرَجَ، فقال: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ (^٢).\nوقولُه: ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فعفا اللَّهُ لموسى عن ذنبِه، ولم يُعاقبْه به، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ هو الساترُ على المُنيبِين إليه من ذنوبِهم؛ على ذنوبِهم، المتفضِّلُ عليهم بالعفوِ عنها، الرحيمُ للناسِ أن يعاقبَهم على ذنوبِهم، بعدَ ما تابوا منها.\n\n<span id=\"aya-3269\"></span>وقولُه: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى: ربِّ بإنعامِك عليَّ؛ بعفوِك عن قتلِ هذه النفسِ، ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾. يعنى: المُشركين. كأنّه أقسَم بذلك. وقد ذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (فَلا تَجْعَلْنِي ظَهيرًا للمُجْرِمِينَ) (^٣). كأَنَّه على هذه القراءةِ دعا ربَّه، فقال: اللهمَّ لن أكونَ لهم ظَهيرًا. ولم يَسْتَثْنِ ﵇ حينَ قال: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾. فابتُلِيَ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٢ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٥ من طريق شيبان، عن أبي هلال، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر ٥/ ١٢٢، ١٢٣ إلى ابن المنذر.\n(^٣) معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٠٤، ومختصر الشواذ لابن خالويه ص ١١٤.","vol":"18","page":191},{"text":"وكان قَتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: فلن أُعينَ بعدَها ظالمًا (^١) على فَجْرِه (^٢)، قال: وقَلَّما قالها رجلٌ إِلَّا ابتُلِيَ. قال: فابتُلِىَ كما تسمَعون (^٣).\n\n<span id=\"aya-3270\"></span><span data-type='title' id=toc-6931>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فأصبَح موسى في مدينةِ فرعونَ خائفًا من جنايتِه التي جَنَاها، وقَتْلِه النفسَ التي قتَلها، أن يُؤخذَ فيُقتلَ بها، ﴿يَتَرَقَّبُ﴾. يقولُ: يترقَّبُ الأخبارَ. أي: ينتظرُ ما الذي يتحدَّثُ به الناسُ، مما هُم صانِعون في أمرِه وأمرِ قَتيلِه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6930>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا القاسمُ بنُ أبي أيوبَ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ الأخبارَ (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٢) في م، ت ١، وتفسير عبد الرزاق: \"فجرة\"، وفى ت ٢: \"فخره\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٩، ٩٠ - ومن طريق ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٦ - عن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في م: \"قال\".\nوالأثر جزء من حديث الفتون الطويل، وتقدم تخريجه في ١٦/ ٦٩.","vol":"18","page":192},{"text":"[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾. قال] (^١): خائفًا من قتلِه النفسَ، يترقبُ أن يؤخذَ (^٢).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾. قال: خائفًا أن يُؤخذَ (^٣).\nوقولُه: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فرأى موسى لما دخلَ المدينةَ على خوفٍ مُترقِّبًا الأخبارَ عن أمرِه وأمرِ القتيلِ (^٤)، الإسرائيليَّ الذي اسْتَنْصَره بالأمسِ على الفِرعَونيِّ. يُقاتلُ فرعَونيًّا آخرَ، فرآه الإسرائيليُّ، فاسْتَصْرَخه على الفِرعَونيِّ، يقولُ: فاسْتَغاثه أيضًا على الفِرعَونيِّ، وأَصْلُه من الصُّراخِ، كما يُقالُ: [يا لَبَني] (^٥) فلانٍ، يا صباحاه. قال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال موسى للإسرائيليِّ الذي اسْتَصْرَخه، وقد صادَفَ موسى نادمًا على ما سلَف منه مِن قتلِه بالأمسِ القتيلَ، وهو يسْتَصْرِخُه اليومَ على آخرَ: إِنَّكَ أَيُّها المُستَصْرِخُ ﴿لَغَوِيٌّ﴾. يقولُ: إنَّك لذو غَوَايَةٍ، ﴿مُبِينٌ﴾. يقولُ: قد أبنتَ غَوَايتَك؛ بقتالِك أمسِ رجلًا، واليومَ آخرَ.\n\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6932>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني العباسُ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بن زيدٍ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: أُتِىَ فرعونُ، فقيل له: إن بني\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٧ عن معمر به قتادة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٧ من طريق عمرو بن حماد به، وتقدم أوله في ص ١٥٠.\n(^٤) بعده في م: \"فإذا\".\n(^٥) في م: \"قال بنو\".","vol":"18","page":193},{"text":"إسرائيلَ قد قتَلوا رجلًا من آلِ فرعونَ، فخُذْ لنا بحقِّنا، ولا تُرخِّصْ لهم في ذلك. فقال: ابْغونِى قاتلَه ومَن يشهدُ عليه، لا يستقيمُ أَن نَقْضِيَ بغيرِ بيِّنةٍ ولا ثَبَتٍ (^١). فاطلُبوا ذلك. فبينما هم يطوفون لا يجِدون شيئًا، إذ مرَّ موسى من الغدِ، فرأى ذلك الإسرائيليَّ يقاتلُ فرعونيًّا، فاسْتَغاثَه الإسرائيليُّ على الفِرعَونيِّ، فصادَفَ موسى وقد نَدِم على ما كان منه بالأمسِ، وكَرِه الذي رأى، فغَضِب موسى، فمدَّ يدَه وهو يريدُ أن يبطِشَ بالفِرعونيِّ، فقال للإسرائيليِّ لِمَا فعَل بالأمسِ واليومِ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. فنظَر الإسرائيليُّ إلى موسى بعدَ ما قال هذا، فإذا هو غضبانُ كغضَبِه بالأمسِ إذ قتَلَ فيه الفِرعَونيَّ، فخافَ أن يكونَ بعدَ ما قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ إِيَّاه أرادَ، ولم يكنْ أرادَه، إنَّما أرادَ الفِرْعونيَّ، فخاف الإسرائيليُّ، [فحاجَز الفرعونيَّ] (^٢)، فقال: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾. وإنَّما قال ذلك مخافةَ أن يكونَ إيَّاه أرَاد موسى لِيَقْتُلَه، فتَتارَكا (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾]. قال: الاستنصارُ والاسْتِصْراخُ واحدٌ (^٤).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾] (^٥). يقولُ: يستَغيثُه (^٦).\n_________\n(^١) الثبت: الحجة والبينة. اللسان (ث ب ت).\n(^٢) في م: \"فحاجه\".\n(^٣) جزء من حديث الفتون الطويل، وتقدم تخريجه في ١٦/ ٦٩، وليس هذا اللفظ عند عبد الرزاق.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٣ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، وليس هذا اللفظ عند عبد الرزاق.\n(^٥) سقط من: ت ٢.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢: \"يستعينه\".\nوالأثر تقدم أوله في ص ١٥٠.","vol":"18","page":194},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما قَتَل موسى القتيلَ، خرَج فَلحِق بمنزلِه من مصرَ، وتحدَّث الناسُ بشأنِه، وقيل: قتَل موسى رجلًا. حتى انتَهى ذلك إلى فرعونَ، فأصبَحَ موسى غاديًا الغَدَ، وإذا صاحبُه بالأمسِ معانِقٌ رجلًا آخرَ من عدوِّه، فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أمسِ رجلًا، واليومَ آخرَ!\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا حفصٌ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ والشَّيْبانيِّ، عن عكرِمةَ، قال: الذي اسْتَنصَره هو الذي اسْتَصْرَخه (^١).\n\n<span id=\"aya-3271\"></span><span data-type='title' id=toc-6934>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا أن أرادَ موسى أن يبطِشَ بالفرعونيِّ الذي هو عدوٌّ له وللإسرائيليِّ، قال الإسرائيليُّ لموسى وظنَّ أنه إيَّاه يريدُ: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾؟\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6933>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتَادةَ: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾. قال: خافَه الذي من شيعتِه حينَ قال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٧ من طريق حفص، عن الشيباني، عن عكرمة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٣ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٩ عن معمر، عن قتادة بنحوه.","vol":"18","page":195},{"text":"حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال موسى للإسرائيليِّ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. ثم أقبَلَ لينصُرَه، فلما نظَر إلى موسى قد أقبَل نحوَه، ليبطِشَ بالرجل الذي يقاتلُ الإسرائيليَّ، قال الإسرائيليُّ، وفَرِق من موسى أن يبطشَ به؛ من أَجْلِ أنه أغْلَظ له الكلامَ: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾. فتركه موسى (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكر بن عبد الله، عن أصحابه، قال: نَدِم بعد أن قتل القتيلَ، فقال: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾. قال: ثم اسْتَنصَره بعد ذلك الإسرائيليُّ على قِبْطيٍّ آخر، فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. فلمَّا أراد أن يبطش بالقِبْطيِّ، ظَنَّ الإسرائيليُّ أنه إيَّاه يريدُ، فقال: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾؟\nقال: وقال ابن جُريجٍ، أو ابن أبي نجيحٍ - الطبريُّ يَشكُّ، وهو في الكتابِ ابن أبي نجيحَ -: (^٢) إنَّ موسى لما أصبَح، أصبَحَ نادمًا تائبًا، يودُّ أن لم يبطشْ بواحدٍ منهما، وقد قال للإسرائيليِّ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. فعَلم الإسرائيليُّ أنَّ موسى غيرُ ناصرِه، فلمَّا أرادَ الإسرائيليُّ أن يبطِشَ بالقبْطيِّ نهاه موسى، ففَرِق الإسرائيليُّ من موسى، فقال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾؟ فسعَى بها القِبْطيُّ.\nوقولُه: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٨ من طريق عمرو بن حماد به مختصرًا، وتقدم أوله في ص ١٥٠.\n(^٢) بعده في م: \"أن\".\n(تعليق الشاملة): موضع هذه الحاشية ليس في المطبوع أصلا، وتم تعيينه بمراجعة مطبوعة الحلبي ٢٠/ ٤٩","vol":"18","page":196},{"text":"عن قيل الإسرائيليِّ لموسى: ﴿إِنْ تُرِيدُ﴾: ما تريدُ إلَّا أن تكون جبَّارًا في الأرض.\nوكان من فِعْل الجبابرة قتلُ النفوسِ ظلمًا بغير حقٍّ. وقيل: إنَّما قال ذلك لموسى الإسرائيليُّ؛ لأنَّه كان عندَهم مَن قتَل نفسَين من الجبابرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-6935>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا هشيمُ بنُ بشيرٍ، عن إسماعيلَ بن سالمٍ، عن الشعبيِّ، قال: من قتَل رجلين فهو جبَّارٌ. قال: ثم قرأ: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾: إن الجبابرة هكذا، تقتلُ النفس بغيرِ النفس (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾. قال: تلك سيرةُ الجبابرة أن تقتل النفسَ بغير النفسِ.\nوقولُه: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾. يقولُ: وما تريدُ أن تكون ممن يعمَلُ في الأرض بما فيه صلاحُ أهلِها، من طاعة الله.\nوذُكِر عن ابن إسحاق أنَّه قال في ذلك ما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾. أي: ما هكذا يكونُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٣٦٤ عن يزيد بن هارون به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٣ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٩ معلقًا.","vol":"18","page":197},{"text":"الإصلاحُ (^١).\n\n<span id=\"aya-3272\"></span><span data-type='title' id=toc-6937>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠)﴾.</span>\nذُكر أن قول الإسرائيليِّ سَمِعه سامعٌ فأفشاه، وأعْلمَ به أهل القتيل، فحينئذٍ طلب فرعونُ موسى، وأمَر بقَتْلِه، فلما أمَر بقتلِه، جاء موسى مُخْبِرٌ، وأخبَره بما قد أمَر به فرعونُ في أمره، وأشار عليه بالخروج من مصر بلد فرعونَ وقومِه.\nوبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6936>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني العباسُ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا القاسمُ بن أبي أيوب، قال: ثنى سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: انْطَلَق الفِرعونيُّ الذي كان يقاتلُ الإسرائيليَّ إلى قومه، فأخبَرهم بما سمع من الإسرائيليِّ من الخبر حينَ يقولُ: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾، فأرسَلَ فرعونُ الذَّبَّاحين لقَتْل موسى، فأخَذوا الطريق الأعظم، وهم لا يخافون أن يفوتَهم، وكان رجلٌ من شيعة موسى في أقصَى المدينة، فاخْتصَر طريقًا قريبًا، حتى سبَقَهم إلى موسى، فأخبَره الخبر (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: أَعْلَمهم القبطيُّ الذي هو عدوٌّ لهما، فأتَمر الملأُ ليقتُلوه، فجاء رجلٌ من أقصى المدينة. وقرأ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٩ من طريق سلمة به.\n(^٢) جزء من حديث الفتون الطويل، وتقدم تخريجه في ١٦/ ٦٩.","vol":"18","page":198},{"text":"﴿إِنْ﴾ إلى آخر الآية. قال: كنَّا نحدَّثُ أنه مؤمنُ آل فرعون (^١).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ذهب القبطيُّ، يعنى الذي كان يقاتلُ الإسرائيليَّ، فأفْشَى عليه أن موسى هو الذي قتل الرجل، فطلبه فرعونُ وقال: خُذُوه، فإنه صاحبُنا. وقال للذين يَطلُبونه: اطْلُبوه في بُنَيَّاتِ الطريقِ (^٢)، فإن موسى غلامٌ لا يهتدى الطريق. وأخذ موسى في بُنَيَّاتِ الطريق، وقد جاءه الرجلُ فأخبره: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، عن أصحابه، قالوا: لما سمع القبطيُّ قول الإسرائيليِّ لموسى: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾. سعى بها إلى أهل المقتول، فقال: إن موسى هو قتل صاحِبَكم. ولو لم يَسْمَعْه من الإسرائيليِّ لم يعلَمْه أحدٌ، فلمَّا علم موسى أنهم قد عَلِموا خرَج هاربًا، فطلبه القومُ فسبَقهم. قال: وقال ابن أبي نجيحٍ: سعَى القبطيُّ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، قال: قال الإسرائيليُّ لموسى: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾. وقبْطيٌّ قريبٌ منهما يسمَعُ، فأفشَى عليهما (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: سمع ذلك عدوٌّ، فأفشى عليهما (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٩ عن معمر، عن قتادة.\n(^٢) بنيات الطريق: الطرق الصغار تتشعب من الجادة. اللسان (ب ن ي).\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٩١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٠ من طريق عمرو بن حماد به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٩ عن معمر عن قتادة قوله.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٣ إلى ابن المنذر.","vol":"18","page":199},{"text":"وقولُه: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ ذُكر أنَّه مؤمنُ آل فرعونَ، وكان اسمُه فيما قيل سَمْعانَ. وقال بعضُهم: بل كان اسمُه شَمْعونَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6938>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، أخبرني وهبُ بنُ سليمانَ، عن شُعَيبٍ الجبَائيِّ، قال: اسمُه شَمْعون، الذي قال لموسى: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: أصبَح الملأُ من قومِ فرعونَ قد أجْمَعوا لقَتْل موسى فيما بلَغهم عنه، فجاء رجلٌ من أقصَى المدينة يسعَى، يُقالُ له: سَمْعَانُ. فقال: ﴿يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادة، قال: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ إلى موسى ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (^٣).\nوقولُه: ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾. يقولُ: من آخر مدينة فرعون، ﴿يَسْعَى﴾. يقولُ: يعجَلُ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾. قال: يَعْجَلُ ليس بالشَّدِّ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٩ من طريق حجاج، وأخرجه أحمد في العلل ومعرفة الرجال ١/ ١٠٢، ٢/ ٩٤ من طريق وهب بن سليمان به ومسماه: لسمعان به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٩ من طريق سلمة به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٩ عن معمر به.","vol":"18","page":200},{"text":"وقولُه: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال الرجلُ الذي جاء من أقصى المدينة يسعى لموسى: يا موسى، إن أشراف قوم فرعونَ ورؤساءَهم يَتَوامَرون (^١) بقَتْلِك، ويتَشاورُون ويَرْتَئون فيه (^٢). ومنه قولُ الشاعر (^٣):\nما تَأْتِمر فينا فَأمْـ … ـرُكَ في يَمينك أو شِمالِكْ\nيعنى: ما تَرْتئى وتَهمَّ به. ومنه قولُ النَّمِرِ بن تَوْلَبٍ (^٣):\nأرَى النَّاسَ قَدْ أَحْدَثُوا شِيمَةً … وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرْ\nأي: يُتَشاوَرٌ ويُرتأى فيها.\nوقولُه: ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾. يقولُ: فاخْرُج من هذه المدينة، إنى لك في إشارتي عليك بالخروج منها من النَّاصحين.\n\n<span id=\"aya-3273\"></span><span data-type='title' id=toc-6939>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فخرج موسى من مدينة فرعون خائفًا من قتله النفس أن يُقْتَلَ به، ﴿يَتَرَقَّبُ﴾. يقولُ: ينتظرُ الطلب أن يُدرِكَه فيأخُذَه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾: خائفًا من قتله النفس، يترقَّبُ الطلب، قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ\n_________\n(^١) في م: \"يتآمرون\".\n(^٢) في م: \"فيك\".\n(^٣) في التبيان ٨/ ١٢٣ مجاز القرآن ٢/ ١٠٠، وتفسير القرطبي ١٣/ ٢٦٦. وينظر شعره المجموع ص ٥٦.","vol":"18","page":201},{"text":"الظَّالِمِينَ﴾.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾. قال: خائفًا من قتل النفس، يترقَّبُ أن يأخذه الطَّلَبُ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: ذُكر لى أنه خرج على وجْهه خائفًا يترقَّبُ، ما يَدْرى أيَّ وَجْه يسلُكُ، وهو يقولُ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾. قال: يترقَّبُ الطَّلَب مخافةً.\nوقولُه: ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى وهو شاخصٌ عن مدينة فرعونَ خائفًا: ربِّ نَجِّنى من هؤلاء القوم الكافرين الذين ظلموا أنفُسَهم بكفرهم بك.\n\n<span id=\"aya-3274\"></span>وقولُه: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولما جعل موسى وجْهَه نحو مدين ماضيًا إليها، شاخصًا عن مدينة فرعونَ، وخارجًا عن سلطانه، ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.\nوعنى بقوله: ﴿تِلْقَاءَ﴾: نحو مدين. ويُقالُ: فعَل ذلك من تلقاء نفسه. يعني به: من قبل نفسه. ويُقالُ: دارُه تلقاء دارِ فلانٍ. إذا كانت مُحاذيتها.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٩ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥٧ - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٠ من طريق سلمة به.","vol":"18","page":202},{"text":"ولم يُصرَف اسمُ مدينَ؛ لأنها اسمُ بلدة معروفةٍ، كذلك تفعلُ العربُ بأسماءِ البلاد المعروفة ومنه قول الشاعر (^١):\nرُهْبَانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأَوْكِ تَنزَّلُوا … والعُصْمُ مِنْ شَعَفِ العَقولِ الفَادِرِ\nوقولُه: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. يقولُ: عسى ربِّي أن يبيِّنَ لي قَصْدَ السبيل إلى مدين. وإنما قال ذلك لأنه لم يكن يعرفُ الطريق إليها.\nوذُكر أن الله قيَّض له إذ قال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. مَلَكًا سَدَّده الطريق وعرَّفه إيَّاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6940>ذكرُ الرواية بذلك</span>\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لما أخذ موسى في بُنَيَّاتِ الطريقِ، جاءه مَلَكٌ على فرسٍ، بيدِه عَنَزَةٌ، فلمَّا رآه موسى سجد له من الفَرَقِ، قال: لا تَسْجُدْ لى، ولكن اتبعنى. فاتَّبَعَه، فهداه نحو مدين، وقال موسى وهو مُتَوجِّهٌ نحو مدينَ: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. فانطلق به حتى انتهى به إلى مَدينَ (^٢).\nحدَّثني العباسُ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: خرَج موسى مُتَوجِّهًا نحو مدينَ، وليس له علمٌ بالطريق إلا حُسن ظنِّه بربِّه، فإنه قال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) هو جرير، وتقدم في ٨/ ٥٩٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٠ من طريق عمرو بن حماد به، وتقدم أوله في ص ١٥٠.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٦/ ٦٩.","vol":"18","page":203},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: ذُكِر لى أنه خرج وهو يقولُ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. فَهَيَّأ الله الطريق إلى مدين، فخرج من مصرَ بلا زادٍ ولا حذاءٍ، ولا ظَهْرٍ ولا درهمٍ ولا رغيفٍ، خائفًا يترقَّبُ، حتى وقع إلى أُمَّةٍ من الناسِ يَسْقُون بمدينَ (^١).\nحدَّثنا أبو عمارٍ الحسينُ بن حريثٍ المروزيُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرٍو، عن سعيد بن جُبَيرٍ، قال: خرَج موسى من مصر إلى مَدْينَ، وبينَها وبينَها مسيرةُ ثمانٍ. قال: وكان يقالُ: نحوٌ من الكوفة إلى البصرة، ولم يَكُنْ له طعامٌ إلا وَرَقُ الشَّجرِ، وخرَج حافيًا، فما وصَل إليها حتى وقَع خُفُّ قدَمِهِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عَثَّامٌ، قال: ثنا الأعمش، عن المِنْهال، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: لمَّا خرَج موسى من مصرَ إلى مدينَ، وبينه وبينَها ثمانِ ليالٍ، كان يقالُ: نحوٌ من البصرة إلى الكوفة. ثم ذكر نحوه (^٣).\nومدينُ كان بها يومئذٍ قومُ شعيبٍ ﵇.\n\n<span data-type='title' id=toc-6941>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادة قولَه: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾: ومدين: ماءً كان عليه قومُ شعيبٍ (^٤)، ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٠، ٢٩٦٢ من طريق سلمة به.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٩٧.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٩٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦١ عن علي بن الحسين، عن أبي كريب محمد بن العلاء به.\n(^٤) في ت ٢: \"فرعون\".","vol":"18","page":204},{"text":"سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (^١).\nوأما قوله: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله نحو قولنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6942>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. قال: الطريقَ إلى مدينَ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. قال: قَصْدَ السَّبيل (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ راشدٍ، عن الحسنِ: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. قال: الطريقَ المستقيمَ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦١ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٢٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦١ من طريق القاسم بن أبي بزة عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر ٥/ ١٢٤ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٠ عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦١ من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦١ من طريق عبد الرحمن بن مهدي به.","vol":"18","page":205},{"text":"<span id=\"aya-3275\"></span>القولُ تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولما ورد موسى ماءَ مدينَ ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾. يعنى: جماعةً، ﴿مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ نَعَمَهم ومواشِيَهم.\nوبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6943>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا [موسى، قال: ثنا] (^١) عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾. يقولُ: كثرةً مِن الناسِ يَسْقُون (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ﴾. قال: أُناسًا (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: وقَع إلى أُمَّةٍ من\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٢ من طريق عمرو بن حماد به، وتقدم أوله في ص ١٥٠.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٢ من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٥ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":206},{"text":"الناسِ يَسْقُون بمدينَ، أَهلِ نَعَمِ وشاءٍ (^١).\nحدَّثنا عليُّ بنُ موسى وابنُ بشَّارٍ، قالا: ثنا أبو داودَ، قال: أخبَرنا عمرانُ القَطَّانُ، قال: ثنا أبو حمزة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾.\nقال عليُّ بنُ موسى: قال: مثلُ [ماءِ جَوْبِكُم] (^٢) هذا. يعنى المُحدثة (^٣). وقال ابن بشارٍ: مثلُ مُحدَثتِكم هذه. يعنى: جَوْبِكم (^٤) هذا.\nوقولُه: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾. يقولُ: ووجد من دونِ الأُمَّةِ الناسِ الذين هم على الماء، امرأتين تذودان. يعني بقوله: ﴿تَذُودَانِ﴾: تحبِسان غَنمَهما، يقالُ منه: ذاد فلانٌ غَنمَه وماشيتَه. إذا أراد شيءٌ من ذلك يَشِذُّ ويذهَبُ، فردَّه ومنَعه، يذودُها ذَوْدًا. وقال بعضُ أهل العربية من الكوفيِّين (^٥): لا يجوزُ أن يُقالَ: ذدتُ الرجلَ. بمعنى: حبستُه، إنما يُقال ذلك للغنم والإبل. وقد رُوى عن النبيِّ ﷺ أنه قال: \"إنى لبِعُقْرِ حَوْضِى أذُودُ النَّاسَ عَنْهُ بعصاى\" (^٦). فقد جعل الذَّودَ ﷺ في الناسِ. ومنَ الذَّودِ قولُ سُوَيدِ بن كُراعٍ (^٧):\nأَبيتُ عَلى بَابِ القَوَافِي كَأَنَّمَا … أذُودُ (^٨) بِها سِرْبًا مِنَ الوَحْشِ نُزَّعا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٢ من طريق سلمة به.\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"ما حدثكم\". والجوب: الفجوة بين البيوت يجتمع فيها الماء. ينظر تاج العروس (ج وب).\n(^٣) في ت ٢: \"المحاقة\".\n(^٤) في م: \"جوابكم\".\n(^٥) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٣٠٥.\n(^٦) أخرجه أحمد ٥/ ٢٨٠ - ٢٨٣ (الميمنية)، ومسلم (٢٣٠١/ ٣٧) من حديث ثوبان ﵁.\n(^٧) مجاز القرآن ٢/ ١٠١، والشعر والشعراء ٢/ ٦٣٥، والبيان والتبيين ٢/ ١٢.\n(^٨) في الشعر والشعراء، والبيان والتبيين: \"أصادى\". وعليها لا شاهد فيه.","vol":"18","page":207},{"text":"وقول الآخر (^١):\nوَقَدْ سَلَبَتْ عَصَاكَ بَنُو تَمِيمٍ … فَمَا تَدْرِي بأَيِّ عَصًا تَذُودُ\nوبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6944>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿تَذُودَانِ﴾. يقولُ: تَحْبِسانِ.\nحدَّثني العباسُ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبرنا الأصبعُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾: يعنى بذلك أنهما حابِسَتان (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جُبَيرٍ في قوله: ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾. قال: حَابِسَتَين (^٣).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾. يقولُ: تَحبِسَانَ غَنمَهما (^٤).\nواختلَف أهلُ التأويل في الذي كانت عنه تذودُ هاتان المرأتان؛ فقال بعضُهم: كانتا تذودان غَنَمَهما عن الماءِ حتى يَصْدُرَ عنه مواشى الناس، ثم تسْقيان\n_________\n(^١) هو جرير، والبيت في ديوانه ص ٣٣٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٢ من طريق يزيد بن هارون به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٥ إلى ابن المنذر، وهو جزء من حديث الفتون الطويل، وتقدم تخريجه في ١٦/ ٦٩.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٢ معلقًا.\n(^٤) تقدم أوله في ص ١٥٠.","vol":"18","page":208},{"text":"ماشيتهما لضَعْفِهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-6945>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصينٌ، عن أبى مالكٍ قولَه: ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾. قال: تَحبِسانَ غَنمَهما عن الناسِ، حتى يَفْرُغوا وتَخْلُو لهما (^١) البئرُ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ﴾. يعني: من دونِ القومِ، ﴿تَذُودَانِ﴾ غَنمَهما عن الماء، وهو ماءُ مدينَ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: تذودان الناسَ عن غَنمِهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-6946>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾. قال: [وهى في بعض القراءةِ: (ووجد من دونهم امرأتين حابستين تذودان] (^٤). أي: حابِسَتَين شاءَهما، تذودان الناس عن شائِهما (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"لهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٢ من طريق هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٥ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٢، ٢٩٦٣ من طريق سلمة به.\n(^٤) سقط من: م. وذكر الفراء في معاني القرآن ٢/ ٣٠٥ أن قراءة عبد الله: (ودونهم امرأتان حابستان).\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ١٩٩.","vol":"18","page":209},{"text":"أصحابه: ﴿تَذُودَانِ﴾. قال: تذودانِ الناس عن غنمِهما (^١).\nوأولى التأويلين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: تَحبِسان غَنمَهما عن الناس حتى يَفْرُغُوا مِن سَقْي مواشيهم.\nوإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب؛ لدّلالة قوله: ﴿مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ له على أن ذلك كذلك، وذلك أنَّهما إنَّما شكنا أنهما لا تشقيان حتى يُصْدِرَ الرعاءُ؛ إذ سألَهما موسى عن ذَوْدِهما غنمهما، ولو كانتا تذودان عن غَنَمِهما الناسَ، كان لا شَكَّ أنهما كانتا تُخبران عن سبب ذَوْدِهما عنها (^٢) الناس، لا عن سبب تأخُّر سقيهما إلى أن يُصدر الرعاءُ.\nوقوله: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾. يقول تعالى ذكرُه: قال موسى للمرأتين: ما شأنُكما وأمْرُكما، تذودان ماشيتكما عن الناسِ؟ هلّا تَسْقُونها مع مواشى الناسِ؟ والعرب تقول للرجل: ما خَطْبُك؟ بمعنى: ما أمْرُك وحالك؟ كما قال الراجز (^٣):\nيا عَجَبًا ما خَطْبُه وخَطْبي\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6947>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا العباسُ، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغُ، قال: أخبرنا القاسمُ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قال لهما: ما خَطْبُكما مُعْتَزِلَتين لا\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٠ عن معمر، عن الكلبي.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"عنهما\".\n(^٣) هو رؤبة، والرجز في ديوانه (مجموع أشعار العرب) ص ١٦.","vol":"18","page":210},{"text":"تسْقيان مع الناس (^١)؟\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: وجد لهما رحمةً، ودَخَلْته فيهما خشيةٌ؛ لما رأى من ضعفهما وغلبة الناس على الماء دونَهما، فقال لهما: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾؟ أي: ما شأنُكما (^٢)؟\nوقوله: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾. يقول جلّ ثناؤه: قالت المرأتان لموسى: لا نَسْقى ماشيتنا حتى يُصْدِرَ الرعاء مواشيهم؛ لأنَّا لا نُطيقُ أن نسْقى، وإنما نَسْقى مواشينا ما أفْضَلَتْ مواشى الرِّعاءِ في الحوضِ.\nوالرِّعاءُ، جمعُ راعٍ، والراعى جَمْعُه رِعاءٌ، ورعاةٌ، ورُعْيَانٌ.\nوبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6948>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني العباس، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغُ، قال: ثنا القاسم. قال: ثني سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباس، قال: لما قال موسى للمرأتين: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾؟ قالتا: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾. أي: لا نستطيعُ أن نَسْقى حتى يَسقى الناسُ، ثم نَتَتَبَّعُ فَضلاتهم (^٣).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قوله: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾. قال: تنتظران تسقيان مِن فُضُولِ ما في الحياضِ؛ حياضِ الرعاء.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٣ من طريق يزيد بن هارون به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٣ من طريق سلمة به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٤ من طريق يزيد بن هارون به.","vol":"18","page":211},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾: امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال، ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقدر أن يَمَسَّ ذلك من نفسه، ولا يَسْقِيَ ماشيته، فنحن ننتظر الناسَ، حتى إذا فَرَغوا أَسْقَيْنا ثم انْصَرَفْنا (^١).\nواختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾؛ فقرأ ذلك عامة قرأةِ الحجاز سوى أبى جعفر القارئ، وعامةُ قرأة العراقِ سوى أبي عمرو: ﴿يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾. بضمِّ الياء (^٢). وقرأ ذلك أبو جعفر وأبو عمرٍو بفتح الياء (^٣)، من: صدر (^٤) الرعاءُ عن الحوض. وأما الآخرون فإنَّهم ضَمُّوا الياءَ، بمعنى: أَصْدَرَ الرعاءُ مواشيهم. وهما عندى قراءتان متقاربتا المعنى، قد قرأ بكلِّ واحدة منهما علماء من القرأة، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقوله: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾. يقولان: لا يستطيعُ من الكِبَرِ والضَّعْفِ أن يسْقى ماشيته.\nوقولُه: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾. ذُكِر أنَّه ﵇ فتح لهما عن رأس بئرٍ، كان عليه (^٥) حَجَرٌ لا يُطيقُ رفعه إلا جماعةٌ من الناسِ، ثم اسْتَقى، فسقى لهما ماشيتَهما منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-6949>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٤ من طريق سلمة به.\n(^٢) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف. النشر ٢/ ٢٥٦.\n(^٣) وبها قرأ ابن عامر. المصدر السابق.\n(^٤) في م: \"يصدر\".\n(^٥) في م: \"عليها\".","vol":"18","page":212},{"text":"الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: فتَح لهما عن بئرٍ، حَجَرًا عَلَى فيها، فسَقَى لهما منها (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، [عن مجاهدٍ] (^٢) بنحوه، وزاد فيه: قال ابن جريج: حَجَرًا (^٣) كان لا يُطيقُه إِلا عَشَرةُ رَهْطٍ.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن الحكم، عن شريح، قال: انتهى إلى حَجَرٍ لا يرفعه إلا عَشَرةُ رجال، فرفعه وَحْدَهُ (^٤).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: رحمهما موسى حين قالتا: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾. فأتى إلى البئرِ فاقْتَلَع صخرةً على البئرِ كان النفرُ مِن أهلِ مَدْيَنَ يجتمعون عليها حتى يَرْفَعوها، فسقَى لهما موسى دَلْوًا، فَأَرْوَتا غَنمهما، فرجعتا سريعًا، وكانتا إنما تسْقيان من فُضُولِ الحياضِ (^٥).\nحدَّثني العباس، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغُ، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباس: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾: فجعَل يغرِفُ في الدَّلو ماءً كثيرًا، حتى كانتا أوّلَ الرعاءِ رِيًّا، فانصرفتا إلى\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٢٧.\n(^٢) سقط من: م\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"بئرا\".\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ١٢٦.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٤ من طريق عمرو بن حماد به، وتقدم أوله في ص ١٥٠.","vol":"18","page":213},{"text":"أبيهما بغنمهما (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: تَصَدَّق عليهما نبيُّ الله ﷺ، فسقَى لهما، فلم يَلبَثْ أَن أَرْوَى غَنمهما.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: أَخَذ دَلْوَهما موسى، ثم تقدَّم إلى السِّقاءِ بفضل قوَّتِه، فزاحَم القومَ على الماء، حتى أخَّرهم عنه، ثم سقى لهما (^٢).\n\n<span id=\"aya-3276\"></span><span data-type='title' id=toc-6951>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فسقى موسى للمرأتين (^٣) ماشيتهما، ثم تولَّى إلى ظلِّ شجرةٍ ذُكِر أَنَّها [سَمُرةٌ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-6950>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا موسى قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ثم تولَّى موسى إلى ظلٍّ] (^٥) شجرةٍ سَمُرةٍ، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (^٦).\nحدَّثني العباس، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ، قال: ثنا القاسم، قال:\n_________\n(^١) جزء من حديث الفتون الطويل، وتقدم تخريجه في ١٦/ ٦٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٤ من طريق سلمة به.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"غنمهما\".\n(^٤) السَّمُرة: من شجر الطلح، والجمع سَمُر. اللسان (س م ر).\n(^٥) سقط من: ت ٢.\n(^٦) تقدم أوله في ص ١٥٠.","vol":"18","page":214},{"text":"ثنى سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباس، قال: انصرف موسى إلى شجرة، فاسْتَظلَّ بظلِّها، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (^١).\nحدثني الحسين بن عمرو العَنْقَزِيُّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله، قال: حثثتُ (^٢) على جَمَلٍ لى ليلتين، حتى صبَّحت مدين، فسألتُ عن الشجرةِ التي أَوَى إليها موسى، فإذا شجرةٌ خضراء ترِفُّ، فأهْوَى إليها جَمَلى، وكان جائعًا، فأَخَذها جَمَلى، فعالجها ساعةً. ثم لفظها، فدَعَوتُ الله لموسى ﵇، ثم انصرفتُ (^٣).\nوقوله: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾: مُحتاجٌ. وذُكر أن نبيَّ الله موسى ﵇ قال هذا القول وهو بجَهْدٍ شديدٍ، وعَرَّض (^٤) ذلك [للمرأتين تعريضًا] (^٥) لهما، لعلَّهما (^٦) أن تُطعِماه (^٧) مما به من شدَّة الجوع.\nوقيل: إن الخير الذي قال نبيُّ الله ﷺ: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. إنما عُنى به شُبْعةٌ من طَعام.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) جزء من حديث الفتون الطويل، وتقدم تخريجه في ١٦/ ٦٩.\n(^٢) في ص، ت ١: \"أحثثت\"، وفي ت ٢: \"احس\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٣٧ عن المصنف، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٧٦ من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"أعرض\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"المرأتين معرضًا\".\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢: \"يطعماه\".","vol":"18","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6952>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: لما هرب موسى ﷺ من فرعون أصابه جوع شديد، حتى كانت تُرَى أمعاؤُه من ظاهر الصِّفاقِ (^١)، فلما سقَى (^٢) للمرأتين، وأوى إلى الظلِّ قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عنبسة، عن أبي حصينٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: لو ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾، قال: ورد الماء وإنه لَيُتراءى خُضْرةُ البَقْلِ في بطنِه من الهزالِ، ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قال: شُبعة.\nحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمِ، عن عنبسة، عن أبي حصينٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾. قال: ورَد الماءَ وإنّ خُضْرةَ البَقْل لتُتراءى في بطنِه من الهُزال (^٤).\nحدثني نصر بن عبد الرحمن، قال: ثنا حكامُ بن سَلْم، عن عنبسة، عن أبي حصين، عن سعيد بن جُبَيرٍ: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. قال: شُبْعَةٍ يومئذٍ (^٥).\n_________\n(^١) الصفاق: جلدة البطن السفلى مما يلى سواد البطن. خلق الإنسان في اللغة ص ١٧٨.\n(^٢) في ص، ت ١: \"أسقى\"، وفي ت ٢: \"استقى\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٥ إلى ابن أبي حاتم، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٢١٦ من طريق سعيد بن جبير به بمعناه.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٩٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦١ من طريق حكام بن سلم به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٥ إلى ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"18","page":216},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن إبراهيم في قوله: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.\nقال: قال هذا وما معه درهمٌ ولا دينارٌ (^١).\nقال: ثنا سفيان، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. قال: ما سأل إلا الطَّعام (^١).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سَلَمةُ بن الفضل، عن سفيان الثوريِّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. قال: ما سأل ربَّه إلا الطعام (^١).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. قال: قال ابن عباس: لقد قال موسى، ولو شاء إنسانٌ أن ينظر إلى خُضْرة أمعائه من شدَّة الجوع، وما يسأل الله إلا أكلةً (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. قال: كان نبيُّ اللهِ بجَهْدٍ (^٣).\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن عطاء بن السائب في قوله: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. قال: بلغنى أن موسى قالها وأسمع المرأة (^٤).\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٥ إلى الفريابي وأحمد.\n(^٢) تقدم أوله في ص ١٥٠.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٠ عن معمر، عن قتادة.\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٢٣٧.","vol":"18","page":217},{"text":"قوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. قال: طعام (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. قال: طعامٍ.\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. قال: الطعامَ يَسْتَطْعِمُ، لم يكن معه طعامٌ، وإنما سأل الطعام.\n\n<span id=\"aya-3277\"></span><span data-type='title' id=toc-6954>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فجاءت موسى إحدى المرأتين اللتين سقى لهما، تمشى على استحياء من موسى، قد سترت وجهها بثوبها.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6953>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو السائب والفضلُ بنُ الصبَّاح، قالا: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن ضِرارٍ، عن (^٢) عبدِ اللهِ بن أبي الهُذَيلِ، عن عمر بن الخطاب ﵁ في قوله: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾. قال: مُستترةً بكُمِّ دِرْعِها، أو بكُمِّ قميصها (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٢٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٥ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في النسخ: \"بن\". والمثبت هو الصواب، وضرار هو ابن مرة الكوفى أبو سنان الشيباني. ينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٣٠٦.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٤ من طريق عبد الله بن أبي الهذيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥ إلى سعيد بن منصور.","vol":"18","page":218},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامة، عن حماد بن عمرٍو الأسديِّ، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهُذَيلِ، عن عمر ﵁، قال: واضعةً يدها على وجهها مستترةً.\nحدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نَوْفٍ: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾. قال: قد سترت وجهها بيدها (^١).\nقال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن نَوْفٍ بنحوه.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن نَوْفٍ: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾. قال: قائلةً بيدها (^١) على وجهها. ووضع أبي يده على وجهه.\nحدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾. قال: ليست بسَلْفَع من النساءِ (^٢) خَرّاجةٍ وَلَّاجةٍ، واضعةً ثوبها على وجهها، تقول: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب ﵁: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾. قال: لم تكن سَلْفعًا من النساءِ خَرَّاجة ولَّاجةً، قائلةً بيدها على وجهها: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"بيديها\".\n(^٢) السلفع من النساء: البذيئة الفحاشة القليلة الحياء. اللسان (س ل ف ع).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٣٠، ٥٣١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٥، والحاكم ٢/ ٤٠٧ من طريق إسرائيل به.","vol":"18","page":219},{"text":"حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ، قال: سَمِعتُ الحسن يقولُ في قوله: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾. قال: بعيدةً مِن البَذَاءِ.\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾. قال: أتَته تمشى على استحياءٍ منه (^١).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾. قال: واضعةً يدها على جبينها.\nوقوله: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾. يَقولُ تعالى ذكره: قالت المرأة التي جاءت موسى تمشى على استحياء: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ﴾. تقولُ: ليُثيبَكَ ﴿أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾. يقولُ: فمضى موسى معها إلى أبيها، فلمَّا جاء أباها وقَصَّ عليه قَصَصَه مع فرعون وقومه من القبط، قال له: أبوها: ﴿لَا تَخَفْ﴾ فقد ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. يعنى: من فرعونَ وقومه؛ لأنه لا سلطانَ له بأرضِنا التي أنت بها.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6955>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني العباس، قال: أخبرنا يزيد، قال: ثنا الأصبغ، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: استنكر أبو الجاريتين سُرعة\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ١٥٠.","vol":"18","page":220},{"text":"صُدُورِهما بغَنمِهما حُفَّلًا بطانًا (^١)، فقال: إن لكما اليوم لشأنًا - قال أبو جعفر: أَحْسَبُه قال: فأخبرتاه الخبر - فلمَّا أتاه موسى كلَّمه، ﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطانٌ، ولسنا في مملكته (^٢).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّي، قال: لما رجعت الجاريتان إلى أبيهما سريعًا سألهما، فأخْبَرتاه خبر موسى، فأرسل إليه إحداهما، فأتته تمشى على استحياء - [وهو يُسْتَحْيى منه] (^٣) - قالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾. فقام معها وقال لها: امْضِي. فمشت بين يديه، فضربتها الريحُ، فنظر إلى عجيزتها، فقال لها موسى: امشى خَلْفى، ودُلِّينى على الطريق إن أخْطَأْتُ، فلما جاء الشيخ وقصَّ عليه القَصَصَ، قال: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾. قال: قال مُطَرِّفٌ: أما والله لو كان عند نبيِّ الله شيءٌ، ما تتبَّع مذقتها (^٥)، ولكن إنما حمله على ذلك الجَهْدُ، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (^٦).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: رَجَعتا إلى أبيهما في\n_________\n(^١) حفلًا: جمع حافل، أي: ممتلئة الضروع، وبطانا، أي: ممتلئة البطون. النهاية ١/ ١٣٧، ٤٠٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٩٦٥، ٢٩٦٧ من طريق يزيد به، وهو جزء من حديث الفتون الطويل، وتقدم تخريجه في ١٦/ ٦٩.\n(^٣) في ت ١، ونسخة من تاريخ المصنف: \"وهى تستحيى منه\"، ولم ترد هذه العبارة في بقية نسخ التاريخ.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٥ من طريق عمرو بن حماد به دون أوله، وتقدم أوله في ص ١٥٠.\n(^٥) في ص: \"مذقهما\"، وفى م: \"مذقيهما\". والمذْقة: الشربة من اللبن الممذوق، أي الممزوج بالماء. ينظر اللسان (م ذ ق).\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٥ إلى أحمد في الزهد.","vol":"18","page":221},{"text":"ساعةٍ كانتا لا تَرْجِعان فيها، فأنكَرَ شأنَهما، فسألَهما، فأخبرتاه الخبر، فقال لإحداهما: عجِّلى عليَّ به. فأتَته على استحياء، فجاءَتْه فقالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾. فقام معها، كما ذُكر لى، فقال لها: امْشِي خَلْفى، وانْعَتى لى الطريق، وأنا أمْشِى أمامَك، فإنَّا لا نَنْظُرُ في (^١) أدبار النساءِ. فلما جاءه أخبَره الخبرَ، وما أخرجه من بلادِه، فلما قص عليه القصص ﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وقد أخبرت أباها بقوله: إنَّا لا نَنظُرُ في (^٢) أدبار النساء (^٣).\n\n<span id=\"aya-3278\"></span><span data-type='title' id=toc-6956>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قالت إحدى المرأتين اللتين سَقَى لهما موسى لأبيها حين أتاه موسى. وكان اسم إحداهما صَفُورَةُ (^٤)، واسم الأخرى ليا. وقيل: شرفا. كذلك.\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني وهب بن سليمانَ الذِّماريُّ (^٥)، عن شُعَيبٍ الجبائيِّ، قال: اسم الجاريتين ليا وصَفُورَةُ (٤)، وامرأة موسى صَفُورَة (٤) ابنه يثرونَ كاهن مدينَ، والكاهنُ حَبْرٌ (^٦).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: إحداهما صَفُورَةُ (٤)\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"إلى\".\n(^٢) في م: \"إلى\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٨ من طريق سلمة به.\n(^٤) في م: \"صَفُورَاء\". وهما قولان في اسمها، ينظر التاج (ص ف ر).\n(^٥) في م: \"الرمادي\". والمثبت موافق لما في تاريخ المصنف، ولم نجد من نص على نسبته إلى أيِّ من النسبتين، فهو وهب بن سليمان الجندى اليماني، والذماري نسبة إلى قرية باليمن على ستة عشر فرسخا من صنعاء، والرمادي نسبة إلى رمادة اليمن قرية بها. الأنساب ٣/ ١١، ٨٨، وينظر التاريخ الكبير ٨/ ١٦٩.\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٠٠.","vol":"18","page":222},{"text":"ابنه يثرونَ، وأختُها شرفا، ويُقالُ: ليا. وهما اللتان كانتا تَذُودان (^١).\nوأما أبوهما ففى اسمه اختلافٌ؛ فقال بعضُهم: كان اسمه يثرونَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6957>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الأعمش، عن عمرو بن مرَّةَ، عن أبي عُبيدةً، قال: كان الذي استأجر موسى ابن أخى شُعيب يثرونَ (^٢)\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرَّةً، عن أبي عبيدة، قال: الذي استأجر موسى يثرونُ ابن أخى شُعيب ﵇.\nوقال آخرون: بل اسمه: يثرى.\n\n<span data-type='title' id=toc-6958>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة، عن أبي جَمْرةً (^٣)، عن ابن عباس، قال: الذي استأجر موسى يثرى صاحبُ مَدينَ (^٤).\nحدَّثني أبو العالية العَبْديُّ إسماعيل بن الهيثم، قال: ثنا أبو قتيبة، عن حماد بن سلمة، عن أبي جَمْرةَ (^٣)، عن ابن عباسٍ، قال (^٥): اسمُ أبي المرأةِ يَثْرى (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٩ من طريق سلمة به.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٠٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٦ من طريق الأعمش به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٦ إلى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"حمزة\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٠٠.\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١: \"الذي استأجر موسى يثرى صاحب مدين. حدَّثني أبو العالية العبدى إسماعيل بن الهيثم، قال: ثنا أبو قتيبة، عن حماد بن سلمة، عن أبي حمزة عن ابن عباس قال\". وهو تداخل بين متن الأثر السابق وإسناد الأثر الذي بين أيدينا.","vol":"18","page":223},{"text":"وقال آخرون: بل اسمه شعيبٌ. وقالوا: هو شعيبٌ النبيُّ ﵇.\n\n<span data-type='title' id=toc-6959>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا قرة بن خالد، قال: سمعتُ الحسن يقولُ: يقولون: شُعَيبٌ صاحب (^١) موسى (^٢). ولكنه سيدُ أهلِ الماءِ يومَئِذٍ (^٣).\nقال أبو جعفر: وهذا مما لا يُدرَكُ عِلْمُه إلا بخبرٍ، ولا خبر بذلك تجبُ حُجَّتُه، فلا قول في ذلك أولى بالصواب مما قاله الله جلَّ ثناؤه: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾.\n﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾. تعنى بقولها: ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾: ليَرْعَى عليك ماشيتك، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. تقولُ: إِن خير من تَسْتأجِرُه للرَّعْي القويُّ على حفظ ماشيتك، والقيام عليها في إصلاحها وصلاحها، الأمين الذي لا تخافُ خيانته فيما تَتَّمِنُه (^٤) عليه منها (^٥).\nوقيل: إنها لمَّا قالت ذلك لأبيها، استنكر أبوها ذلك من وصفها إيَّاه، فقال لها: وما عِلْمُكِ بذلك؟ فقالت: أما قوَّتُه فما رأيتُ مِن علاجه ما عالج عندَ السَّقْي على البئر، وأما الأمانة فما رأيتُ من غَضِّ البصر عنى.\nوبنحو ذلك جاءت الأخبار عن أهل التأويل.\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١: \"يعني\".\n(^٢) في ص: \"لموسى\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٥ من طريق عبد الرحمن بن مهدي به، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦١/ ٣٦ من طريق قرة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٦ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في م: \"تأمنه\"، وفى ت ٢: \"تأتمنه\"، وفي ت ١: \"ائتمنته\".\n(^٥) سقط من: م.","vol":"18","page":224},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6960>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد، عن القاسمِ بن أبي أيوب، عن سعيد بن جُبَيرٍ، عن ابن عباس، قال: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: فَأَحْفَظَتْه الغَيْرَةُ أَن قال: وما يُدريك ما قوَّتُه وأمانته؟! قالت: أما قوتُه فما رأيتُ منه حينَ سَقَى لنا، لم أرَ رجلًا قَطُّ أقوى في ذلك السَّقى منه، وأما أمانته فإنه نظر حين أقتلتُ إليه وشَخَصتُ له، فلمَّا عَلِم أنى امرأةٌ، صَوَّب رأسَه فلم يَرْفَعُه، ولم يَنْظُرْ إليَّ حتى بلَّغتُه رسالتك، ثم قال لى (^١): امشى خَلْفى، وانْعَتى لى الطريق. ولم يفعل ذلك إلا وهو أمينٌ. فسُرِّيَ عن أبيها، وصدقها، وظنَّ به الذي قالت (^٢).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله لموسى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. يقولُ: أمينٌ فيما وَلِيَ، أمين على ما اسْتُودِع (^٣).\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: إن موسى لما سَقَى لهما، ورأت قوَّته، وحرَّك حَجَرًا على الرَّكِيَّةِ (^٤) لم يستطعه ثلاثون رجلًا، فأَزَاله عن الرَّكِيَّةِ، وانطلق مع الجارية\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٧ من طريق يزيد بن هارون به، وهو جزء من حديث الفتون الطويل، وتقدم تخريجه في ١٦/ ٦٩.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٧، ٢٩٦٨ من طريق أبي صالح به.\n(^٤) الركية: البئر. اللسان (ر ك ى).","vol":"18","page":225},{"text":"حينَ دعَتْه، فقال لها: امْشِى خَلْفى وأنا أمامَكِ. كراهيةَ أن يَرَى شيئًا مِن خلفِها مما حرَّم اللهُ أن يُنظر إليه، وكان يومًا فيه ريحٌ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي نُعْمٍ في قولِه: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال لها أبوها: ما رأيتِ من أمانيِه؟ قالت: لمَّا دَعَوْتُه مَشَيتُ بينَ يدَيه، فَجَعَلتِ الريحُ تَضْرِبُ ثيابي، فَتَلْزَقُ بجَسدِى، فقال: كُونى خَلْفى، فإذا بلَغَتِ الطريقَ فَآذِنِينى (^١). قالت: ورأيتُه يَمْلأُ الحوضَ بسَجْلٍ واحدٍ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: غَضَّ طَرْفَه عنهما، قال محمدُ بنُ عمرٍو في حديثِه: حينَ أو حتى سقَى لهما فصدَرتا. وقال الحارثُ في حديثِه: حتى سقَى. بغير شكٍّ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ، قال: فتح عن بئرٍ حَجَرًا على فيها، فسَقَى لهما بها، والأمينُ أنه غَضٌ بصرَه عنهما حينَ سقَى لهما فصدَرتا (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ وهانئُ بنُ سعيدٍ، عن الحجاجِ، عن القاسمِ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: رفع\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"فاذهبي\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٢٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٨.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٦ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":226},{"text":"حجرًا لا يرفعه إلا فِئامٌ مِن الناسِ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، قال (^٢): قال عمرُو بنُ ميمونٍ في قولِه: ﴿الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: كان يومَ ريحٍ، فقال: لا تَمشِى أمامي، فيَصِفَك الريحُ لى، ولكن امْشِى خَلْفى، ودُلِّينى على الطريقِ. قال: فقال لها: كيف عرَفتِ قوَّتَه؟ قالت: كان الحَجرُ لا يُطِيقُه إِلَّا عَشَرَةٌ، فرفَعه وحدَهُ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو معاويةَ، عن الحجاجِ بن أرطاةَ، عن الحكمِ، عن شُرَيحٍ في قولِه: ﴿الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: أما قوَّتُه؛ فانْتَهى إلى حجَرٍ لا يَرْفعُه إِلا عَشَرةٌ، فرفَعه وحدَه، وأما أمانتُه؛ فإنها مشَت أمامَه، فوصَفَها الريحُ، فقال لها: امْشِى خَلْفى، وصِفى لىَ الطريقَ (١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [معاويةُ بنُ عمرٍو] (^٤)، عن زائدةَ، عن الأعمشِ، قال: سأل (^٥) تميمٌ (^٦) إبراهيمَ: بمَ عَرَفَتْ أمانته؟ قال: في طَرْفِه، بغضِّ طَرْفِه عنها.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٧ من طريق حجاج به.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٣٠، ٥٣١، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٦ من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو، عن عمر بن الخطاب.\n(^٤) في ص، ت ١: \"معاوية عن عمرو\"، وفى م، ت ٢: \"أبو معاوية عن عمرو\". وتقدم على الصواب في ١٠/ ٣٩. وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٠٧.\n(^٥) في م: \"سألت\".\n(^٦) بعده في م: \"بن\". وتميم هو ابن طرفة.","vol":"18","page":227},{"text":"اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: القويُّ في الصَّنعةِ، الأمينُ فيما وَلِى. قال: وذُكِر لنا أن الذي رأت من قوَّتِه أنه لم تَلْبَثْ ماشيتُها أن (^١) أرْوَاها، وأن الأمانةَ التي رأت منه، أنها حينَ جاءت تدعوه قال لها: كُوني ورائى. وكَرِه أَن يَسْتَدْبِرَها، فذلك ما رأت من قوَّتِه وأمانتَه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ قولِه: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: بلَغنا أن قوَّتَه كانت سرعةَ ما أرْوَى غنمَهما، وبلَغنا أنه ملأ الحوضَ بدَلْوٍ واحدٍ، وأما أمانتُه فإنه أمَرها أن تمشِىَ خلفَه (^٣).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ: عن السُّدِّيُّ: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾: وهى الجاريةُ التي دعَته، قال الشيخُ: هذه القُوَّةُ قد رأيتِ حينَ اقتلَع الصخرةَ، أرأيتِ أمانتَه، ما يُدْرِيك ما هي؟ قالت: مَشَيْتُ قُدَّامَه، فلم يُحِبُّ أن يَخُونَني في نفسِي، فأمَرني أن أَمْشِي خلْفَه (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾: فقال لها: وما عِلْمُك بقوَّتِه وأمانتِه؟ فقالت: أما قوَّتُه فإنه كشَف الصخرةَ التي على بئرِ آلِ فلانٍ، وكان لا يكشِفُها دونَ سبعةِ نفرٍ، وأما أمانتُه فإني لمَّا جئتُ أدعوه، قال:\n_________\n(^١) في م: \"حتى\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٧، ٢٩٦٨ من طريق يزيد به ببعضه.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٠ عن معمر به.\n(^٤) تقدم أوله في ص ١٥٠.","vol":"18","page":228},{"text":"كُوني خلفَ ظَهْرِى، وأشِيرى لى إلى منزلِك. فعرفتُ أن ذلك منه أمانةٌ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾: لما رأت من قوَّتِه وقولِه لها ما قال؛ أَنِ امْشِي خَلْفى. لئلَّا يَرَى منها شيئًا مما يكْرَهُ، فزاده ذلك فيه رغبةً (^٢).\n\n<span id=\"aya-3279\"></span><span data-type='title' id=toc-6961>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال أبو المرأتين اللتين سَقَى لهما موسى لموسى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾. يعنى بقولِه: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾: على أن تُثيبنى [مِن تزويجِكها] (^٣) رَعْيَ ماشيتى ثمانِيَ حِجَجٍ. من قولِ الناسِ: أَجَرك الله فهو يأجُرُك. بمعنى: أثابَك اللهُ. والعربُ تقولُ: أجَرْتُ الأجيرَ أَجْرَه. بمعنى: أعطيتُه ذلك، كما يقالُ: أَخَذْتُه فأنا آخُذُه.\nوحكَى بعضُ أهلُ العربيةِ من أهل البصرةِ، أنّ لغةَ العربِ: أجَرْتُ غلامي، فهو مأجورٌ، وأَجَرْتُه فَهو مُؤجَرٌ. يريد: أفعلتُه. قال: وقال بعضُهم: آجَرَه، فهو مؤاجَرٌ. أراد: فاعَلْتُه.\nوكأنّ أباها عندى جعَل صداقَ ابنتِه التي زوَّجها موسى رَعْىَ موسى عليه ماشيتَه ثمانيَ حِجَجٍ، والحِجَجُ السِّنونُ.\nوقولُه: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾. يقولُ: فإِن أَتمَمْتَ الثمانيَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٧ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٨ من طريق سلمة به.\n(^٣) في م: \"من تزويجها\"، وفى ت ٢: \"بتزويجكها\".","vol":"18","page":229},{"text":"الحِجَج التي شرَطتُها عليك، بإنكاحِي إِيَّاك (^١) ابنتي، فَجَعَلْتَها عَشْرَ حِجَجٍ، فإحسانٌ من عندك، وليس مما اشترَطتُه عليك بسبب تَزْويجِك ابنتِي، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ باشتراطِ الثمانِي الحَجَجِ عَشْرًا عليك، ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ في الوفاءِ بما قلتُ لك.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. أي: في حُسنِ الصُّحبةِ والوفاءِ بما قلتُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3280\"></span><span data-type='title' id=toc-6962>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لأبي المرأتين: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾. أي: هذا الذي قلتَ من أنك تُزوِّجُنى إحدَى ابنتَيك على أن آجُرَك ثمانيَ حِجَج - واجبٌ بيني وبينَك، على كلِّ واحدٍ منا الوفاءُ لصاحبِه بما أوجَبه (^٣) له على نفسِه.\nوقولُه: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾. يقولُ: أَيَّ الأجلين من الثماني الحِجَج والعشر الحججِ، ﴿قَضَيْتُ﴾. يقولُ: فرَعْتُ منها، فوفَّيْتُكَها رعىَ غنمِك وماشيتِك، ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾. يقولُ: فليس لك أن تَعْتدِىَ عليَّ فتطالبَني بأكثرَ منه.\nو\"ما\" في قولِه: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾. صلةٌ يوصَلُ بها \"أيّ [عدوانَ عليَّ] (^٤).\n_________\n(^١) بعده في م: \"إحدى\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٩ من طريق سلمة به.\n(^٣) في م: \"أوجب\".\n(^٤) كذا في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى م: \"على الدوام\"، وفى العبارة اضطراب وسقط، وقال الفراء في معاني القرآن ٢/ ٣٠٥: فجعل \"ما\" وهى صلة من صلات الجزاء مع \"أي\" وهي في قراءة عبد الله: (أي الأجلين ما قضيت فلا عدوان على). ثم ذكر الكلام الآتي الذي سيذكره المصنف عنه بعدُ.","vol":"18","page":230},{"text":"وزعم أهلُ العربيةِ (^١) أن هذا أكثرُ في كلامِ العربِ من \"أيّما\" (^٢). وأنشَد قولَ الشاعر:\nوأَيُّهما ما أَتْبَعَنَّ فَإِنَّني … حَرِيصٌ على إثْرِ الذي أنا تابعُ\nوقال عباسُ بن مِرداسٍ (^٣):\nفأَيِّى ما وأيُّكَ كان شَرًا … فَقِيدَ إلى المَقامَةِ لا يَراها\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾. كان ابن إسحاقَ يرَى هذا القولَ من أبى المرأتين.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قال موسى: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾. قال: نَعم ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾. فزوَّجه، وأقام معه يَكْفِيه، ويَعْمَلُ له في رعايةِ غنمِه، وما يَحتاجُ إليه منه (^٤).\nوزوجةُ موسى صَفُوراءُ، أو أختُها شرفا أو ليا.\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي، قال: قال ابن عباسٍ: الجاريةُ التي دعَتُه هي التي تزوَّجَ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: قال له: ﴿إِنِّي\n_________\n(^١) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٣٠٥.\n(^٢) في م: \"أي\".\n(^٣) تقدم في ١٧/ ٤٩٧.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٩ من طريق سلمة به\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٩٨.","vol":"18","page":231},{"text":"أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: وأيَّتُهما تريدُ أن تُنكِحَنى؟ قال: التي دَعَتْك. قال: لا، إلَّا وهى بريئةٌ مما دخَل نفسَك عليها. فقال: هي عندك كذلك. فزوَّجَهُ (^١).\nوبنحوِ الذي قُلنا في قولِه: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6963>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾: إما ثمانيًا، وإما عَشْرًا (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني ابن لهيعةَ، عن عُمارة بن غَزِيَّةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن القاسمِ بن محمدٍ، وسأله رجلٌ، قال: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾. قال: فقال القاسمُ: ما أُبالى أيُّ ذلك كان، إنما هو موعدٌ وقضاءٌ.\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾. يقولُ: والله على ما أوجب كلُّ واحد منا لصاحبه على نفسه بهذا القولُ - شهيدٌ وحفيظٌ.\nكالذي حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ قال: شهيدٌ على قولِ موسى وخَتَنِه (^٣).\nوذُكِر أن موسى وصاحبَه لمَّا تَعاقَدا بينَهما هذا العقدَ، أمَر إحدى ابنتَيه أن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٨ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٩ من طريق عمرو به، وتقدم أوله في ص ١٥٠.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٧ إلى ابن المنذر.","vol":"18","page":232},{"text":"تُعطِىَ موسى عصًا من العِصيِّ التي تكونُ مع الرعاةِ، فأعْطَته إيّاها (^١)؛ فذكَر بعضُهم أنها العصا التي جعَلها الله له آيةً، وقال بعضُهم: بل (^٢) تلك عصًا أعطاه إيَّاها جبريلُ ﵇.\n\n<span data-type='title' id=toc-6964>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ:، عن السُّدِّي، قال: أَمَر - يَعنى أبا المرأتين - إحْدَى ابنتَيْه أن تأتِيَه - يعنى أن تأتىَ موسى - بعصًا، فأتَته بعصًا، وكانت تلك العصا عصًا اسْتَودَعها إياه مَلَكٌ في صورةِ رجلٍ فدَفعها إليه، فدخَلت الجاريةُ فأخَذتِ العصا، فأتَته بها، فلمَّا رآها الشيخُ قال: لا، ائتيه بغيرِها. فألقْتَها تريدُ أن تأخذَ غيرَها، فلا يَقَعُ في يدِها إلَّا هي، وجعَل يَرْدُدُها، وكلُّ ذلك لا يَخْرُجُ في يدِها غيرُها، فلما رأى ذلك عمَد إليها فأخرَجها معه (^٣)، فرَعَى بها، ثم إن الشيخَ نَدِم وقال: كانت وديعةً. فخرَج يتلَقَّى موسى، فلما لَقِيه قال: أعْطِني العصا. فقال موسى: هي عَصَاى. فأبى أن يُعطِيَه، فاخْتَصما، فرضِيا أن يجعَلا بينهما أولَ رجلٍ يَلْقاهما، فأتاهما مَلَكٌ يمشى، [فقضَى بينَهما] (^٤) فقال: ضَعوها في الأرضِ، فمَن حمَلها فهى له. فعالَجها الشيخُ فلم يُطِقْها، وأخَذها موسى بيدِه فرَفَعها، فترَكها له الشيخُ، فرعَى له عشرَ سنينَ. قال عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ: كان موسى أحقُّ بالوفاءِ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: قال - يعني أبا الجاريةِ لمَّا زوَّجها موسى - لموسى: ادخُلْ ذلك البيتَ، فخُذ عصًا فتوكَّأْ عليها.\n_________\n(^١) في م: \"إياه\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أي عمد إلى العصا فأعطاها له.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) تقدم أوله في ص ١٥٠.","vol":"18","page":233},{"text":"فدخَل، فلما وقَف على بابِ البيتِ، طارت إليه تلك العصا فأخَذها، فقال: ارْدُدْها وخُذْ أُخرى مكانَها. قال: فردَّها، ثم ذَهَب ليأخذَ أخرى، فطارت إليه كما هي، فقال: [لا، ارْدُدْها] (^١). حتى فعل ذلك ثلاثًا، فقال: ارْدُدُها. فقال: لا آخُذُ (^٢) غيرَها اليومَ. فالْتَفَت إلى ابنتِه، فقال: [يا بُنَيَّةُ] (^٣)، إن زوجَك لنبيٌّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6965>ذكرُ مَن قال: التي كانت آيةً عصًا أعطاها موسى جبريلُ ﵉</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، قال: سألتُ عكرِمةَ، فقال: أما عصا موسى، فإنها خرج بها آدم من الجنَّةِ، ثم قبَضها بعدَ ذلك جبريلُ ﵇، فلَقِى موسى بها ليلًا فدفعَها إليه.\n\n<span id=\"aya-3281\"></span><span data-type='title' id=toc-6967>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلما وفَّى موسى صاحبَه الأجلَ الذي فارَقه عليه عندَ إنكاحِه إياه ابنته. وذُكِر أن الذي وفَّاه من الأجلين أتمُّهما وأكملُهما، وذلك العَشْرُ الحِجَج، على أن بعضَ أهلِ العلمِ قد رُوِى عنه أنه قال: زاد مع العشرِ عَشْرًا أُخرى.\n\n<span data-type='title' id=toc-6966>ذكرُ مَن قال: الذي قضَى من ذلك هو الحِجَجُ العَشْرُ</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ: أيَّ الأجلين قضَى موسى؟\n_________\n(^١) في م: \"لا أردها\"، وفي ت ١: \"له ارددها\".\n(^٢) في م: \"أجد\".\n(^٣) في م: \"لابنته\".","vol":"18","page":234},{"text":"قال: خيرَهما وأوفاهما (^١)\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، سُئل: أيَّ الأجلين قضَى موسى؟ قال: أتَمَّهما وأخْيَرَهما.\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ الله بنُ موسى، قال: ثنا موسى بنُ عُبَيدةَ، عن أخيه، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قضَى موسى آخِرَ (^٢) الأجلين.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ (^٣)، عن الحكمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ، سُئل ابن عباسٍ: أيَّ الأجلين قضَى موسى؟ قال: أتمَّهما وأوفاهما (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، عن حكيمِ بن جُبَيرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال يهوديٌّ بالكوفةِ وأنا أَتَجَهَّز للحجِّ: إنى أَراك رجلًا يَتَّبِعُ (^٥) العِلمَ؛ أخْبِرْنِى أيَّ الأجلين قضَى موسى؟ قلتُ: لا أعلمُ، وأنا الآنَ قادمٌ على حَبْرِ العرب - يعنى ابنَ عباسٍ - فسائلُه عن ذلك. فلما قدِمتُ مكةَ سألتُ ابنَ عباسٍ عن ذلك، وأخبَرتُه بقولِ اليهوديِّ، فقال ابن عباسٍ: قضَى أكثرَهما وأطيبَهما؛ إن النبيَّ إذا وعَد لم يُخلِف. قال سعيدٌ: فقَدِمتُ\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٢٣٣، ومن طريقه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٣٣، وأخرجه البخاري (٢٦٨٤)، والبيهقى ٦/ ١١٧ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٦ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) في ت ١: \"أخير\".\n(^٣) في م: \"عبيدة\".\n(^٤) أخرجه أبو يعلى (٢٤٠٨) من طريق سفيان بن عيينة مرفوعا. وسيأتي قريبا مرفوعا أيضا.\n(^٥) في م: \"تتتبع\".","vol":"18","page":235},{"text":"العراقَ، فلَقِيتُ اليهوديَّ فأخبَرتُه، فقال: صدَق - وما أَنزَل على موسى - هذا. واللهُ العالم (^١).\n[حدَّثنا ابن وكيعٍ] (^٢)، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، عن القاسمِ بن أبي أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: سألنى رجلٌ من أهلِ النصرانيةِ: أيَّ الأجلين قضَى موسى؟ قلتُ: لا أعلم، وأنا يومئذٍ لا أعلم، فَلَقِيتُ ابنَ عباسٍ، فذكرتُ له الذي سألني عنه النصرانيُّ، فقال: أما كنتَ تَعْلَمُ أن ثمانيًا واجبٌ عليه، لم يكنْ نبيُّ اللهِ ليَنْقُصَ (^٣) منها شيئًا؟ وتعلمُ أن الله كان قاضيًا عن موسى عِدَتَه التي وعَدَه؟ فإنه قضَى عَشْرَ سنين (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾. قال: حدَّث ابن عباسٍ، قال: رَعَى عليه نبيُّ اللهِ أكثرَها وأطيبَها (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي معشر، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ، قال: سُئل رسولُ اللهِ ﷺ: أيَّ الأجلين قضَى موسى؟ فقال: \"أوْفاهما وأَتَمَّهما\" (^٦).\nحدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ الطوسيُّ، قال: ثنا الحُمَيْديُّ أبو بكرٍ عبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى إبراهيمُ بنُ يحيى بن أبي يعقوبَ، عن الحكمِ بن أبانٍ،\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٩٩.\n(^٢) سقط من النسخ. وتقدم في ص ٢٢٥.\n(^٣) في م، ت ٢: \"نقص\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٩٩، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٩ من طريق يزيد به.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٠ من طريق قتادة به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٣٣ عن وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٧ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":236},{"text":"عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، أن رسول الله ﷺ قال: \"سألْتُ جبريلَ: أَي الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسى؟ قال: أتَمَّهُما وأكمَلَهُما\" (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: إن النبيَّ ﷺ سأل جبريلَ: \"أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قال: سوف أسألُ إسرافيلَ. فسَألَه، فقال: سوف أسألُ الله ﵎. فسَأله، فقال: أبرَّهما وأوفاهُما\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-6968>ذكرُ مَن قال: قضَى العَشْرَ الحِجَجِ وزاد على العَشْرِ عَشْرًا أخرى</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾. قال: عَشر سنين، ثم مكَث بعد ذلك عَشْرًا أُخرى (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: قضَى الأجلَ عشرَ سنين، ثم مكَث بعد ذلك عَشْرًا أُخرى.\nحدَّثنا ابن (^٤) المثنى، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ، قال: ثنا أنسٌ، قال: لمَّا دعا نبيُّ اللهِ موسى صاحبَه إلى الأجلِ الذي كان بينَهما، قال له\n_________\n(^١) أخرجه الحميدى (٥٣٥) - ومن طريقه المصنف في تاريخه ١/ ٣٩٩، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٧٠، والبيهقى ٦/ ١١٧ - وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٠٧، من طريق سفيان به. وأخرجه البزار (٢٢٤٥ - كشف) من طريق سفيان، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان به.\n(^٢) أخرجه سنيد - الحسين - في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٢٤١.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٢٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٧١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"18","page":237},{"text":"صاحبه: كلُّ شاةٍ ولَدت على غيرَ لونها، فلك ولدُها. فعمَد، فرفَع خيالًا على الماءِ، فلما رأت الخيالَ فزِعَت، فجالت جَوْلةً، فولَدْن كلُّهنَّ بُلقًا، إلا شاةً واحدةً، فذهَب بأولادِهِنَّ ذلك العامَ (^١).\nوقولُه: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلما قضَى موسى الأجلَ وسار بأهلِه شاخِصًا بهم إلى منزلِه من مصرَ، ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّور﴾. يعنى بقوله: ﴿آنَسَ﴾: أبْصَر وأحَسَّ، كما قال العَجَّاجُ (^٢):\nآنَسَ خِرْبانَ (^٣) فضاءٍ فانكَدَرْ … دانَى جَناحَيْه من الطُّورِ فمَرّ\nوبنحوِ الذي قلُنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك فيما مضَى قبلُ (^٤)، غيرَ أنا نذكُرُ ههنا بعضَ ما لم نذكرْ قبلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6969>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾. أيَّ: أَحْسَسْتُ نارًا (^٥).\nوقد بيَّنا معنى \"الطورِ\" فيما مضَى بشواهدِه وما فيه من الروايةِ عن أهلِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦١/ ٤٠ من طريق معاذ بن هشام به.\n(^٢) ديوانه ص ٢٨، ٢٩. وجاء فيه البيت الأول تاليا للبيت الثاني، ورقم الأول (٧٦)، والثاني (٧٤). وليس فيه محل للشاهد، فجاء فيه \"أبصر\" بدل \"آنس\"، ورواية المصنف هي رواية أبي عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ١٠٢.\n(^٣) الخربان: الحباريات الذكور، واحد الخربان خرب، وهو ذكر الحبارى. الديوان ص ٢٩.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١٦/ ١٨ - ٢٠، وص ٨.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٤٢، ٢٩٧١ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"18","page":238},{"text":"التأويلِ (^١).\nوقولُه: ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾. يقولُ: قال موسى لأهلِه: تَمَهَّلوا وانتَظِروا، إنى أبصَرتُ نارًا، ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا﴾. يعنى: من النارِ، ﴿بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾. يقولُ: أو أتِيكم بقطعةٍ غليظةٍ من الحطبِ فيها النارُ. وهى مِثلُ الجِذْمةِ من أصلِ الشجرةِ. ومنه قولُ ابن مقبلٍ (^٢):\nباتَتْ حَواطِبُ لَيْلَى يَلْتَمِسْن لها … جَزْلَ الجِذَا غيرَ خَوَّارٍ ولا دَعِرِ (^٣)\nوفى \"الجذْوةِ\" لغاتٌ للعربِ ثلاثٌ؛ جِذوةٌ بكسرِ الجيمِ، وبها قرَأت قَرَأَةُ الحجازِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ، وهى أشهرُ اللغات الثلاثِ فيها، وجَذْوةٌ بفتحِ الجيمِ، وبها قرَأ أيضًا بعضُ قَرَأةِ الكوفةِ، [وجُذوةٌ بضمِّ الجيمٍ] (^٤)، وهذه اللغاتُ الثلاثُ وإن كُنَّ مشهوراتٍ في كلامِ العربِ، فالقراءةُ بأشهرِها أعجبُ إليَّ، وإن لم أُنكِر قراءةَ مَن قرَأ بغيرِ الأشهرِ منهن.\nوبنحوِ الذي قلْنا في معنى \"الجذوةِ\" قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6970>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾. يقولُ: شهابٍ (^٥).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٤٨ - ٥١.\n(^٢) ديوانه ص ٩١.\n(^٣) الجزل: الحطب اليابس، والجذاء: أصول الشجر، واحدتها جذاة. والدعر: البالي من الحطب. اللسان (ج ز ل، ج ذو، د ع ر).\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ٢. وقد قرأ بالضم حمزة وخلف، وقرأ عاصم بالفتح، وقرأ الباقون بالكسر النشر ٢/ ٢٥٦.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٧٢ من طريق أبي صالح به.","vol":"18","page":239},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾: والجَذوةُ أصلُ شجرةٍ فيها نارٌ.\nحدَّثنا القاسمُ قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾. قال: أصلُ الشجرةِ في طَرَفِها النارُ، فذلك قولُه: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾. قال: السَّعَفُ فيه النارُ. قال مَعْمرٌ: وقال غيرُ (^١) قتادةَ: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾: أو شُعْلةٍ من النارِ (^٢)\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾. قال: أصلُ شجرةٍ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾. قال: أصلُ شجرةٍ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾. قال: الجَذوةُ العودُ منِ الحطبِ الذي فيه النارُ، ذلك الجذوةُ (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: م. وهو الكلبى، كما في تفسير عبد الرزاق.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٠، ٩١ عن معمر به. عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم مقتصرا على أوله.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٢٨. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٧٢. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٧٣ من طريق أصبغ عن ابن زيد.","vol":"18","page":240},{"text":"وقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾. يقولُ: لعلكم تَتَسَخَّنون (^١) بها من البَردِ. وكان في شتاءٍ.\n\n<span id=\"aya-3282\"></span><span data-type='title' id=toc-6972>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلما أتَى موسى النارَ التي آنَس من جانبِ الطورِ، ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾. يعنى بالشاطئ الشَّطَّ. وهو جانبُ الوادى وعُدْوَتُه، والشاطئُ يُجْمَعُ شَواطئَ وشُطَانَ، والشَّطُّ الشُّطُوطَ. و\"الأيمن\" [من نعتِ] (^٢) الشاطئ، عن يمينِ موسى.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6971>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾. قال ابن عمرو في حديثِه: عندَ الطورِ. وقال الحارثُ في حديثِه: من شاطئ الوادى الأيمنِ عندَ الطورِ، عن يمين موسى (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾. قال: شِقِّ الوادى عن\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"تسخنون\".\n(^٢) في م: \"نعت من \".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٢٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٧٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٨ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":241},{"text":"يمينِ موسى، عندَ الطورِ.\nوقولُه: ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ من صلةِ الشاطئ.\nوتأويلُ الكلامِ: فلما أتاها نادَى اللهُ موسى من شاطئ الوادى الأيمنِ، في البقعةِ المباركةِ منه، ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.\nوقيل: إن معنى قوله: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾: عند الشجرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6973>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾. قال: نُودِى مِن عندِ الشجرةِ: ﴿أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١).\nوقيل: إن الشجرةَ التي نادى موسى منها ربُّه شجرةُ عَوْسَجٍ. وقال بعضُهم: بل كانت شجرةَ العُلَّيقِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6974>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾. قال: الشجرةُ عَوْسَجٌ. قال معمرٌ: [وقال غيرُ] (^٢) قتادةَ: عصا موسى من العَوْسَجِ، والشجرةُ مِن العَوْسَجِ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ مَن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م، ت ٢: \"عن\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩١ عن معمر به.","vol":"18","page":242},{"text":"لا يَتَّهِمُ، عن [وهبِ بن مُنَبِّهٍ] (^١): ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾. قال: خرَج نحوَها فإذا هي شجرةٌ مِن العُليق، وبعضُ أهلِ الكتابِ يقولُ: هي عَوْسَجةٌ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعْمشِ، عن عمرِو بن مُرَّةً، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: رأيتُ الشجرةَ التي نُودِى منها موسى؛ شجرةَ سَمُرَةٍ (^٣) حضراءَ تَرفُّ (^٤).\n\n<span id=\"aya-3283\"></span><span data-type='title' id=toc-6975>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: نُودِى موسى: أن يا موسى إنِّي أنا اللهُ ربُّ العالمين، وأن ألْقِ عصاك. فألقاها موسى، فصارت حيةً تَسْعَى، فلما رآها موسى ﴿تَهْتَزُّ﴾. يقولُ: تَتَحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾. والجانُّ: واحد الجنَّانِ، وهى نوعٌ معروفٌ مِن أنواعِ الحيَّاتِ، وهى منها عظامٌ. ومعنى الكلام: كأنها جانٌّ مِن الجنَّان (^٥)، ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾. يقولُ: وَلَّى موسى هاربًا منها.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَّى\n_________\n(^١) في م: \"بعض أهل العلم\"، وفي ت ٢: \"بعضهم\"\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٠١، ٤٠٢.\n(^٣) في م: \"سمراء\"، وفى تاريخ دمشق: \"سمر\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٤٤ عن المصنف، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦١/ ٤٨ من طريق عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود.\n(^٥) في ص، م، ت ١: \"الحيات\".","vol":"18","page":243},{"text":"مُدْبِرًا﴾: فارا منها، ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. يقولُ: ولم يَرْجِعْ على عَقِبَيهِ (^١).\nوقد ذكَرنا الروايةَ في ذلك، وما قالَه أهلُ التأويلِ، فيما مضَى (^٢)، فكَرِهْنا إعادتَه، غير أنا نَذْكُرُ في ذلك بعضَ ما لم نذكُرْه هنالك.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾.\nيقولُ: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. أيَّ: لم يَلْتَفِتْ مِن الفَرَقِ (^٣).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. يقولُ: لم يَنْتَظِرُ (^٤).\nوقولُه: ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فنُودِى موسى: يا موسى، أقِبلْ إليَّ ولا تَخَفْ مِن الذي تَهْرُبُ منه، ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ مِن أن يَضُرَّك، إنما هو (^٥) عَصاك.\n\n<span id=\"aya-3284\"></span>وقولُه: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾. يقولُ: أَدخِلْ يَدَك. وفيه لغتان: سَلَكْتُه وأَسْلَكْتُه ﴿فِي جَيْبِكَ﴾. يقولُ: في جَيْبِ قميصِك.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾. أي: في جَيْبِ قميصك (^٦).\nوقد بَيَّنَّا فيما مضَى السببَ الذي مِن أجلِه أَمر أَن يُدْخِلَ يدَه في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٧٥ من طريق يزيد به.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ١٤، ١٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٤٨ من طريق يزيد به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٤٨ من طريق عمرو به، وتقدم أوله في ص ١٥٠.\n(^٥) في ت ١: \"هي\". وقوله: هو. عائد على قوله: الذي تهربه منه.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"18","page":244},{"text":"الجيب دونَ الكُمِّ (^١).\nوقولُه: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾. يقولُ: تخرج بيضاءَ مِن غيرِ بَرَصٍ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا قُرَّةُ بن خالدٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾. قال: فخرَجَت كأنها المصباحُ، فأيقن موسى أنه لَقِى ربَّه (^٢).\nوقولُه: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ يقولُ: واضْمُم إليك يَدَك.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾. قال: يَدَك (^٣).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾. قال: وجَناحاه الذراعُ، والعَضُد هو الجَناحُ، والكَفُّ اليدُ، ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ (^٤) [طه: ٢٢].\nوقولُه: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾. يقولُ: من الخوف والفَرَقِ الذي قد نالَك مِن مُعاينتِك ما عاينتَ مِن هَوْلِ الحيَّةِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6976>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٢٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٥٠، وابن عساكر في تاريخه ٦١/ ٥١ من طريق قرة به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) تقدم في ١٦/ ٤٩.","vol":"18","page":245},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾. قال: من الفَرَقِ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ أيَّ: مِن الرُّعْبِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾. قال: مما دخَله مِن الفَرَقِ مِن الحَيَّةِ والخوف. وقال: ذلك الرَّهْبُ. وقرأ قولَ الله: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. قال: خوفًا وطَمَعًا (^٣).\nواختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قَرَأةِ أهل الحجاز والبصرة: (مِنَ الرَّهَبِ) بفتحِ الراءِ والهاءِ (^٤). وقرأَته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (مِنَ الرُّهْبِ) بضَمِّ الراءِ وتَسْكينِ الهاءِ (^٥).\nوالقول في ذلك أنهما قراءتان مُتَّفقتا المعنى مشهورتان في قَرَأةِ الأمصارِ، فبأيَّتِهما قَرأ القارى فمُصِيبٌ.\nوقولُه: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فهذان اللذان\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٢٨، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٧٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٨ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٧٥ من طريق يزيد به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٧٦ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٤) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب. النشر ٢/ ٢٥٦.\n(^٥) وهى قراءة حمزة والكسائي وأبى بكر وخلف. المصدر السابق ولم يذكر المصنف قراءة حفص بفتح الراء وإسكان الهاء.","vol":"18","page":246},{"text":"أرَيْتُكهما يا موسى مِن تَحوُّلِ العصا حَيَّةً، ويَدِك وهى سمراءُ، بيضاءَ تَلمَعُ مِن غيرِ بَرَصٍ ﴿بُرْهَانَانِ﴾. يقولُ: آيتان وحُجَّتان.\nوأصلُ البرهان البيانُ، يقال للرجل يقولُ القولُ إذا سُئل الحُجَّةَ عليه: هاتِ بُرْهانَك على ما تقولُ. أي: هاتِ تِبْيانَ ذلك ومِصْداقَه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6977>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾: العَصا واليدُ آيتانِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: [حدَّثنا أبو عاصمٍ قال: قال: حدَّثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال] (^٢): ثنا الحسنُ (^٣)، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا (^٤) عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾: تِبْيانان مِن ربِّك (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾: هذان بُرهانان (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٠١.\n(^٢) سقط من: م، ت ٢.\n(^٣) في م: \"الحسين\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٥٢٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٧٦ بلفظ: العصا واليد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٨ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٧٦ من طريق سلمة به.","vol":"18","page":247},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾. فقَرأ: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٢٤]: هاتُوا (^١) على ذلك آيةً نعرفُها. وقال: ﴿بُرْهَانَانِ﴾: آيتان مِن اللهِ (^٢).\nواختلَفت القرأة في قراءةِ قولِه: ﴿فَذَانِكَ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ، سِوى ابن كثيرٍ وأبي عمرٍو: ﴿فَذَانِكَ﴾ بتَخْفيفِ النونِ (^٣)؛ لأنها نونُ الاثنين. وقرأه ابن كثيرٍ وأبو عمرو: (فَذَانَّكَ) بتشديدِ النونِ.\nواختَلف أهلُ العربيةِ في وَجْهِ تَشْدِيدِها؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ (^٤): ثَقَّلَ النونَ مَن ثَقَّلها للتوكيدِ، كما أدخَلوا اللامَ في \"ذلك\". وقال بعضُ نَحْوِيِّى الكوفةِ (^٥): شُدِّدَت فَرْقًا بينها وبينَ النونِ التي تَسْقُطُ للإضافة؛ لأن \"هاتان وهذان\" لا تضافُ. وقال آخرُ منهم (^٦): هو مِن لغةِ مَن قال: [هذا قال ذلك] (^٧). فزادَ على الألفِ ألفًا، كذا زادَ على النونِ نونًا؛ ليَفْصلَ بينَها وبينَ الأسماءِ المُتَمَكِّنة. وقال في \"ذانِك\" (^٨): إنما كانت ذلك (^٩) في مَن قال: هاذاني (^١٠): يا هذا. فَكرِهوا تثنيةَ الإضافةِ، فأعقَبوها باللامِ؛ لأن الإضافةَ تُعَقَّبُ باللام. وكان أبو عَمْرٍو يقولُ:\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٧٦ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٣) وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ٥٤٤.\n(^٤) هو الأخفش كما في تهذيب اللغة ١٥/ ٣٤.\n(^٥) هو الفراء. المصدر السابق.\n(^٦) هو الكسائي. المصدر السابق.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢: \"هذا قال ذاك\".\n(^٨) في ص، ت ١، ت ٢: \"ذلك\".\n(^٩) في ص، ت ١، ت ٢: \"ذانك\".\n(^١٠) في م، ت ٢: \"هذان\"، وفي ت ٢: \"هذاني\".","vol":"18","page":248},{"text":"التشديدُ في النونِ في: (ذَانِّك) مِن لغةِ قريشٍ.\n﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾. يقولُ: إلى فرعونَ وأشرافِ قومِه، حُجَّةً عليهم، ودلالةً على حقيقة نُبُوَّتِك يا موسى؛ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.\nقولُ: إن فرعونَ وملأهَ كانوا قومًا كافرين.\n\n<span id=\"aya-3285\"></span><span data-type='title' id=toc-6979>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى: ربِّ إني قَتَلْتُ مِن قومِ فرعونَ نفسًا، فَأَخَافُ إن أتيتُهم فلم أُبِنْ عن نفسى بحجةٍ، أن يَقْتُلُونى؛ لأن في لساني عُقْدَةً، ولا أُبِينُ معها ما أريدُ من الكلامِ،\n\n<span id=\"aya-3286\"></span>﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾. يقولُ: أحسنُ بَيانًا عما يريدُ أن يُبَيِّنَه، ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾. يقولُ: عَوْنًا ﴿يُصَدِّقُنِي﴾. أيَّ: يُبيِّنُ لهم عنى ما أخاطبُهم به.\nكما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾. أي: يُبَيِّنُ لهم عنى ما أُكَلِّمُهم به، فإنه يَفْهَمُ ما لا يَفْهَمون (^١).\nوقيل: إنما سأل موسى ربَّه أن يُؤَيِّده بأخيه؛ لأن الاثنين إذا اجْتَمعا على الخبرِ، كانت النفسُ إلى تَصْديِقِهما أسْكَنَ منها إلى تصديقِ خبر الواحدِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6978>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَرْسِلْهُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٧٧ من طريق سلمة به.","vol":"18","page":249},{"text":"مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾: لأن الاثنين أُحْرَى أن يُصَدَّقا من واحدٍ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في \"الرِّدْء\" (^١) قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6980>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾. قال: عَوْنًا (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾. أي: عونًا (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: كيما يُصَدِّقني.\n\n<span data-type='title' id=toc-6981>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن علي، عن ابن عباسٍ: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾. يقولُ: كي يُصَدِّقَنى (^٤).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"ذلك\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٢٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٧٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٨ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩١ من طريق معمر، عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٧٧ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٨ إلى ابن المنذر.","vol":"18","page":250},{"text":"حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾. يقولُ: كيما يُصَدِّقَنى (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾. يقولُ: كيما يُصَدِّقَنى.\nو\"الرِّدْءُ\" في كلامِ العربِ هو العَونُ، يقالُ منه: قد أردأتُ فلانًا على أمرِه. أي: أَكْنَفْتُه (^٢) وأعَنْتُه.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الحجازِ\nوالبصرةِ: (رِدْءًا يُصَدِّقْنى) بجزم \"يُصَدِّق\" (^٣). وقَرأ عاصمٌ وحمزةُ: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ برفعِه. فمَن رفَعه جعلَه صلة لـ \"الردءِ\"، بمعنى: فأرسِلْه معى رِدْءًا، مِن صفتِه يُصَدِّقُنى. ومَن جزَمه جعَله جوابًا لقوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ﴾؛ فإنك إذا أرسَلْتَه صَدَّقَنى. على وجهِ الخبرِ. والرفعُ في ذلك أحبُّ القراءتَين إلى؛ لأنه مسألةٌ مِن موسى ربَّه أن يُرْسِلَ أخاه عونًا له بهذه الصفة.\nوقولُه: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾. يقولُ: إني أخافُ ألا يُصَدِّقونى على قولى لهم: إنى أُرسلتُ إليكم.\n\n<span id=\"aya-3287\"></span><span data-type='title' id=toc-6982>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال الله لموسى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ أي: نُقَوِّيك\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ١٥٠.\n(^٢) في م، ت ٢: \"أكفيته\".\n(^٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي عمرو والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ٥٤٦.","vol":"18","page":251},{"text":"ونُعِينُك بأخيك. تقولُ العربُ إذا أعَزَّ رجلٌ رجلًا وأعانه ومنَعه ممن أرادَه بظلم: قد شَدَّ فلانٌ على عَضُدِ فلان. وهو مِن: عاضَدَه على أمره: إذا أعانَه. ومنه قولُ ابن مُقْبِلٍ (^١):\nعاضَدْتُها بعنودٍ غيرِ مُعْتَلَثٍ (^٢) … كأنه وَقْفُ عاجٍ (^٣) باتَ مَكْنُونا\nيعنى بذلك: قوسًا عاضَدَها بسهمٍ.\nوفى العضدِ لغاتٌ أربعُ، أجودها: العَضُدُ، ثم العَضُدُ، ثم العُضْدُ، والعَضِدُ (^٤). يُجْمعُ جميع ذلك على أعضادٍ.\nوقولُه: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾. يقولُ: ونَجْعَلُ لكما حُجَّةً.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَكُمَا سُلْطَانًا﴾: حُجَّةً (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثنا موسى قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيّ: ﴿وَنَجْعَلُ\n_________\n(^١) ديوانه ص ٣٢٤، ٣٢٥، وهما بيتان، بينهما بيت ثالث، وعجز الشطر الأول: ترن منه متون حين يجرينا. وصدر الثاني: ثم انصرفت به جذلان مبتهجا.\n(^٢) المعتلث من السهام: الذي لا خير فيه. اللسان (ع ل ث).\n(^٣) وقف عاج: السوار من العاج.\n(^٤) في اللسان (ع ض (٥) خمس لغات وترتيبها فيه كالتالى: العَضُد، والعَضْد، والعُضُد، والعُضْد. والعَضِد.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٥٢٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٨ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وليس هذا اللفظ عند ابن أبي حاتم.","vol":"18","page":252},{"text":"لَكُمَا سُلْطَانًا﴾: والسلطانُ الحُجَّةُ (^١).\nوقولُه: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلا يَصِلُ إليكما فرعونُ وقومه بسُوءٍ.\nوقولُه: ﴿بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلا يَصِلُ إليكما فرعونُ، ﴿بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾. فالباءُ في قولِه: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ من صلة \"غالبون\". ومعنى الكلامِ: أنتما ومَن اتبعكما الغالِبون فرعونَ وملاه ﴿بِآيَاتِنَا﴾، أي: بحُجَّتِنا وسُلطانِنا الذي نَجْعَلُه لكما.\n\n<span id=\"aya-3288\"></span><span data-type='title' id=toc-6983>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاء موسى فرعونَ وملأه بأدلَّتِنا وحُجَحِنا بيناتٍ أنها حُجَجٌ شاهِدةٌ بحقيقةِ (^٢) ما جاء به موسى مِن عندِ ربِّه، قالوا لموسى: ما هذا الذي جئتنَا به إلا سحرٌ افتريته مِن قِبَلِك، وتَخرَّصْتَه كذبًا وباطلًا، وما سَمِعنا بهذا الذي تَدْعُونا إليه، من عبادةِ مَن تَدعونا إلى عبادتِه، في أسلافِنا وآبائِنا الأولين الذين مَضَوا قَبْلَنا.\n\n<span id=\"aya-3289\"></span><span data-type='title' id=toc-6984>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال موسى مُجيبًا لفرعونَ: رَبِّي أعلمُ بالحقِّ مِنَّا يا فرعونُ مِن المُبْطِل، ومن الذي جاء بالرشادِ إلى سبيلِ الصوابِ، والبيانِ عن واضحِ الحُجَّةِ مِن عندِه، ومَن الذي له العُقْبَى المحمودةُ في الدار الآخرة مِنَّا. وهذه مُعارضةٌ من نبيِّ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٠١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ١٠٣٠ من طريق أسباط به.\n(^٢) في ت ١: \"على حقيقة\".","vol":"18","page":253},{"text":"اللهِ موسى ﵇ لفرعونَ، وجميلٌ مُخاطبةٍ، إذ ترك أن يقولُ له: بل الذي غَرَّ قومَه، وأهلَك جنودَه، وأضلَّ أتباعَه، أنت لا أنا. ولكنه قال: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ ثم بالَغ في ذمِّ عدوِّ اللهِ بأجملَ مِن (^١) الخطابِ، فقال: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. يقولُ: إِنه لا يُنْجِحُ ولا يُدْرِكُ طَلِبَته (^٢) الكافرون باللهِ. يَعنِي بذلك فرعونَ، أنه لا يُفْلِحُ ولا يُنْجِحُ؛ الكُفْرِه بربِّه (^٣).\n\n<span id=\"aya-3290\"></span><span data-type='title' id=toc-6986>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال فرعونُ لأشرافِ قومهِ وسادتِهم: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ فتَعْبُدوه وتُصَدِّقوا (^٤) موسى فيما جاءَكم به؛ مِن أن له ولكم ربًّا غيرى ومعبودًا، سِواىَ، ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾. يقولُ: فاعْمَلْ لى آجُرًّا. وذُكر أنه أوَّلُ مَن طبخ الآجُرَّ وبَنَى به.\n\n<span data-type='title' id=toc-6985>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾. قال: على المَدَرِ يكونُ لَبِنًا مطبوحًا.\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) في م: \"طلبتهم\".\n(^٣) في م: \"به\"\n(^٤) بعده في م: \"قول\".","vol":"18","page":254},{"text":"قال ابن جُرَيج: أَوَّلُ مَن أمر بصنعةِ الآجُرّ وبَنَى به فرعونُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾. قال: فكان أوَّلَ مَن طبخ الآجُرَّ يَبنى به الصَّرْحَ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾. قال: المطبوحُ الذي يُوقَدُ عليه هو من طينٍ يَبْنون به البنيانَ (^٣).\nوقولُه: ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾. يقولُ: ابْنِ لى الآجُرَّ (^٤) بناءً. وكلُّ بناءٍ مُسَطَّحٍ فهو صَرْحٌ؛ كالقصرِ، ومنه قولُ الشاعرِ (^٥):\nبِهِنَّ نَعَامُ (^٦) بَناها الرجالُ … تَحْسَبُ أعْلامهن الصُّرُوحا\nيعنى بالصُّرُوحِ جمعَ صَرْح.\nوقولُه: ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾. يقولُ: أنْظُرُ إلى معبودِ موسى الذي يعبُدُه ويَدْعو إلى عبادتِه، ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ﴾ فيما يقولُ مِن أن له معبودًا يَعْبُدُه في السماءِ، وأنه هو الذي يُؤَيِّده ويَنْصُرُه، وهو الذي أرسله إليْنا - ﴿مِنَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٧٩ من طريق ابن جريجٍ به. وقول ابن جريج عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٠٥. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٧٩ من طريق سعيد به.\nوأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩١ من طريق معمر عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٧٩ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٤) في م: \"بالآجر\".\n(^٥) هو أبو ذؤيب الهذلي، والبيت في ديوان الهذليين ١/ ١٣٦، ورواية الشطر الثاني هكذا: تلقى النفائض فيها السريجا.\nورواية المصنف هي رواية أبي عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ١٠٥.\n(^٦) النعام: خشب ينصب ويرمى عليها الثمام، يستظل تحتها الربيئة. شرح ديوان الهذليين ١/ ٢٠٤.","vol":"18","page":255},{"text":"الْكَاذِبِينَ﴾.\nفذُكِر لنا أن هامانَ بنَى له الصَّرْحَ، فارتقَى فوقَه، فكان مِن قصتِه وقصةِ ارتقائِه ما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي، قال: قال فرعونُ لقومِه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ لعلى أذهبُ في السماءِ فأنظرَ إلى إلهِ موسى. فلما بَنَى له الصرحَ، ارتقَى فوقَه، فأَمر بِنُشَّابةٍ، فرمَى بها نحوَ السماءِ، فرُدَّتْ إِليه وهي مُتَلَطِّخةٌ دَمًا، فقال: قد قتَلتُ إلهَ موسى (^١). تعالى اللهُ عما يقولون.\n\n<span id=\"aya-3291\"></span><span data-type='title' id=toc-6987>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واستَكْبَر فرعونُ وجنودُه في أرضِ مصرَ عن تصديقِ موسى واتباعِه على ما دَعاهم إليه مِن توحيدِ اللهِ، والإقرارِ بالعبودةِ له، ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. يعنى: تَعَدِّيًا وعُتُوًّا على ربِّهم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: وحَسِبوا أنهم بعدَ مَماتِهم لا يُبْعَثون، ولا ثوابَ ولا عقابَ، فركِبوا أهواءَهم، ولم يَعْلَموا أن الله لهم بالمرصادِ، وأنه لهم مُجازٍ على أعمالِهم الخبيثةِ.\n\n<span id=\"aya-3292\"></span>وقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فجمَعْنا فرعونَ وجنودَه من القِبْطِ، ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾. يقولُ: فألقَينا (^٢) جميعَهم في البحرِ، فغَرَّقْناهم فيه. كما قال أبو الأسودِ الدُّؤليُّ (^٣):\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٧٩ من طريق عمرو به، وتقدم أوله في ص ١٥٠.\n(^٢) في م: \"فألقيناهم\".\n(^٣) مجاز القرآن ٢/ ١٠٦، وتقدم في ٢/ ٣٠٩.","vol":"18","page":256},{"text":"نَظَرْتَ إِلى عُنوانِه فنبذته … كنَبْذِك نَعْلًا أَخْلَقَتْ مِن نِعالِكا\nوذُكر أن ذلك بحرٌ مِن وراءِ مصرَ، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾. قال: كان اليَمُّ بحرًا يقالُ له: إسافٌ. مِن وراء مصرَ، غرَّقهم اللهُ فيه (^١).\nوقولُه: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فانظُرْ يا محمدُ بعينِ قلبِك كيف كان أمرُ هؤلاء الذين ظلَموا أنفسَهم، فكفَروا بربِّهم ورَدُّوا على رسولِه نصيحتَه، ألم نُهْلِكُهم فنُوَرِّثَ ديارَهم وأموالَهم أولياءَنا، ونُخَوِّلهم ما كان لهم مِن جناتٍ وعيونٍ، وكنوزٍ ومَقامٍ كريمٍ؟ بعد أن كانوا مُسْتَضْعفين، تُقَتَّلُ أبناؤُهم، وتُسْتَحْيا نساؤُهم؟ فإنا كذلك بك وبمَن آمَن بك وصَدَّقك فاعلون؛ مُخَوِّلوك وإياهم ديارَ مَن كذَّبك ورَدَّ عليك ما أتيتَهم به مِن الحقِّ، وأموالَهم، ومُهْلِكوهم قتلًا بالسيفِ، سنةَ الله في الذين خَلَوا مِن قبلُ.\n\n<span id=\"aya-3293\"></span><span data-type='title' id=toc-6988>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلنا فرعونُ وقومَه أئمةً يأتمُّ بهم أهلُ العُتُوِّ على اللهِ والكفرِ به، يَدْعون الناسَ إلى أعمالِ أهلِ النارِ، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: ويومَ القيامةِ لا يَنْصُرُهم مِن الله إذا عذَّبهم ناصرٌ، وقد كانوا في الدنيا يَتَناصَرون، فاضمَحَلَّت تلك النُّصْرة يومَئذٍ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٠ من طريق سعيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"18","page":257},{"text":"<span id=\"aya-3294\"></span>وقولُه: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وألزَمْنا فرعونَ وقومَه في هذه الدنيا خِزيًا وغضبًا منا عليهم، فحَتَّمْنا لهم فيها بالهلاكِ والبَوارِ والثناءِ السَّيِّيء، ونحن مُتْبِعُوهم لعنةً أخرى يومَ القيامةِ، فمُخْزُوهم بها الخزىَ الدائمَ، ومُهِينوهم بها (^١) الهوانَ اللازم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6989>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: لُعِنوا في الدنيا والآخرةِ. قال: هو كقولِه: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩] (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: لعنةً أُخرى، ثم استَقبَل فقال: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ (^٣).\nوقولُه: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هم مِن القومِ الذين قَبَّحهم اللهُ، فأهْلَكهم بكفرِهم بربِّهم، وتكذيبهم رسولَه موسى ﵇، فجعَلهم عبرةً للمُعْتبرين، وعِظَةً للمُتَّعظين.\n\n<span data-type='title' id=toc-6990>القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٢/ ٥٦٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٩ إلى ابن المنذر.","vol":"18","page":258},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد آتَينا موسى التوراةَ مِن بعد ما أهَلَكْنا الأممَ التي كانت قبلَه؛ كقومِ نوحٍ، وعادٍ، وثمودَ، وقومِ لوطٍ، وأصحابِ مَدينَ ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: ضياءً لبنى إسرائيلَ فيما بهم إليه الحاجةُ مِن أمرِ دينِهم، ﴿وَهُدًى﴾. يقولُ: وبيانًا لهم ورحمةً لمن عَمِل به منهم؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: لِيَتَذَكَّرُوا نِعَمَ اللهِ بذلك عليهم، فيَشْكُروه عليها ولا يَكْفُرُوا.\n\n<span id=\"aya-3295\"></span>وبنحوِ الذي قلْنا في معنى قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6991>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدٌ وعبدُ الوهابِ، قالا: ثنا عوفٍ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: ما أَهْلَك اللهُ قومًا بعذابٍ مِن السماءِ ولا مِن الأرضِ بعدَ ما أُنزِلت التوراةُ على وجهِ الأرضِ غير القريةِ التي مُسِخوا قردةً، ألم تَرَ أن الله يقولُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-3296\"></span><span data-type='title' id=toc-6992>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وما كنتَ يا محمدُ بجانبِ غربيِّ الجبلِ ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾. يقولُ: إذ فرَغنا (^٢) إلى موسى الأمرَ فيما ألزمناه وقومَه، وعهِدنا إليه مِن عهدٍ، ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. يقولُ: وما كنتَ\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٢٢٤٧) - كشف)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨١ من طريق عوف به.\n(^٢) في م: \"فرضنا\".","vol":"18","page":259},{"text":"لذلك مِن الشاهدين.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6993>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمدُ ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾. يقولُ: بجانب غربيِّ الجبلِ، ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ (^١).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: غربيِّ الجبلِ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا الضحاكُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عليٍّ بن مدركٍ، عن أبي زرعةَ بن عمرٍو، قال: إنكم أمةَ محمدٍ ﷺ قد أُجِبتم قبلَ أن تَسألوا. وقرأ: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3297\"></span><span data-type='title' id=toc-6994>القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾: ولكنا خلَقْنا أُممًا فأحدَثناها مِن بعدِ ذلك، ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٢ من طريق يزيد به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩١ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٢ - عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٥٠ عن وكيع ويحيى بن عيسى، عن الأعمش، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٩ إلى المصنف. وهو هنا من طريق سفيان، وسيأتي طريق يحيى بن عيسى في ص ٢٦٢.","vol":"18","page":260},{"text":"وقولُه: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾. يقولُ: وما كنتَ مقيمًا في أهلِ مدينَ. يقالُ: ثويتُ بالمكانِ أثْوِى به ثَواءً، قال أعشى ثعلبةَ (^١):\nأثْوَى وَقَصَّرَ (^٢) لَيْلةً (^٣) لِيُزَوَّدا … فَمَضَى وأَخْلَفَ مِنْ قُتَيْلَةَ مَوْعِدَا\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6995>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾. قال: الثاوِى المقيمُ، ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾. يقولُ: تقرأُ عليهم كتابَنا، ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. يقولُ: لم تشهدْ شيئًا مِن ذلك يا محمدُ، ولكنا كنا نحن نفعلُ ذلك، ونرسلُ الرسلَ (^٤).\n\n<span id=\"aya-3298\"></span><span data-type='title' id=toc-6996>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما كنتَ يا محمدُ بجانبِ الجبلِ إذ نادينا بأن: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧،١٥٦] الآية.\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢٢٧.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"وقضى\".\n(^٣) في ص، م، ت ٢: \"ليله\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٣ من طريق أصبغ عن ابن زيد.","vol":"18","page":261},{"text":"كما حدَّثنا عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرمليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن عليٍّ بن مُدْركٍ، عن أبي زُرْعَةَ في قولِ اللهِ: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾. قال: نادى: يا أمةَ، محمدٍ، أعطيتُكم قبلَ أن تَسألوني، وأجبتُكم قبلَ أن تَدْعونى (^١).\nحدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾. قال: نُودوا: يا أمةَ محمدٍ، أعطيتُكم قبلَ أن تسألوني، واستجبتُ لكم قبلَ أن تَدْعونى.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حرملةُ بنُ قيسٍ النخعيُّ، قال: سمعتُ هذا الحديثَ مِن أبي زُرْعةَ بن عمرِو بن جريرٍ، عن أبي هريرةَ: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾. قال: نُودوا: يا أمةَ محمدٍ، أعطيتُكم قبلَ أن تسألونى، واستجبتُ لكم قبلَ أن تَدْعونى.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا معتمرٌ، عن سليمانَ، و(^٢) سفيانُ، عن سليمانَ، وحجاجٌ، عن حمزةَ الزياتِ، عن الأعمشِ، عن عليٍّ بن مُدْرِكٍ، عن أبي زرعةَ بن عمرٍو، عن أبي هريرةَ في قولِه: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾. قال: نُودوا: يا أمةَ محمدٍ، أعطيتُكم قبلَ أن تَسألوني، واستجبتُ لكم قبلَ أن تَدْعوني. قال: وهو قولُه حينَ قال موسى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [الأعراف: ١٥٦] الآية (^٣):\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٥٠ عن يحيى بن عيسى به وعزاه إلى المصنف، وينظر ما تقدم في ص ٢٦٠.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"عن\".\n(^٣) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٣٨٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٣، والحاكم ٢/ ٤٠٨، والجرجاني في تاريخ جرجان (٤٦٩)، والبيهقى في الدلائل ١/ ٢٨١، من طريق حمزة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٢٩ إلى الفريابي وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل، وذكره الدارقطني في العلل ٨/ ٢٩١، ٢٩٢، وقال: عن أبي زرعة قوله. وهو أصح.","vol":"18","page":262},{"text":"قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ مثلَ ذلك.\nوقولُه: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لم تشهدْ شيئًا ذلك يا محمدُ فتعلَمَه، ولكنا عرّفناكه، وأنزَلنا إليك، فاقتصَصنا ذلك كلَّه عليك في كتابِنا، وابتعثناك بما أنزلنا إليك من ذلك رسولًا إلى من ابتعثناك إليه من الخلقِ، رحمةً منا لك ولهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ ما قصَصنا عليك؛ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ (^٢): ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾. قال: كان رحمةً مِن ربِّك النبوَّةُ.\nوقولُه: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولكنْ أرسلْناك بهذا الكتابِ وهذا الدينِ، لتنذرَ قومًا لم يأتِهم قبلَك نذيرٌ، وهم العربُ الذين بُعث إليهم رسولُ الله ﷺ، بعَثه الله إليهم رحمةً، لينذرَهم بأسَه على عبادتهم الأصنامَ، وإشراكِهم به الأوثانَ والأندادَ.\nوقولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: ليتذكَّروا فيَتَبَيَّنوا (^٣) خطأَ ما هم عليه مقيمون، من كفرِهم بربِّهم، فيُنيبوا (^٤) إلى الإقرارِ للهِ بالواحدانيةِ، وإفرادِه بالعبادةِ، دونَ كلِّ مِن سواه من الآلهةِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٤ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) بعده في م: \"عن مجاهد\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.","vol":"18","page":263},{"text":"وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-6997>ذكر مِن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾. قال: الذي أنزَلنا عليك مِن القرآنِ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3299\"></span><span data-type='title' id=toc-6998>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولولا أن يقولُ هؤلاءِ الذين أرسلتُك يا محمدُ إليهم، لو حلَّ بهم بأسُنا، أو أتاهم عذابُنا، مِن قبل أن نرسلَك إليهم، على كفرِهم بربِّهم، واكتسابِهم الآثامَ، واجترامهم المعاصىَ: ربَّنا هلَّا أرسلتَ إلينا رسولًا مِن قبلِ أن يَحِلَّ بنا سَخَطُكَ وينزلَ بنا عذابُك، فتتَّبع أدلَّتَك وآىَ كتابِك الذي تُنزِّلُه على رسولك، ونكونَ مِن المؤمنين بأُلوهِتك، المصدِّقين رسولَك فيما أمرتَنا ونهيتَنا - لعاجلْنَاهم العقوبةَ على شركِهم مِن قَبْلِ إرسالِناك إليهم، ولكِنَّا بعَثْناك إليهم نذيرًا بأسَنا على كفرِهم، لئلَّا يكونَ للناسِ على الله حجةٌ بعدَ الرسلِ.\nوالمصيبةُ في هذا الموضعِ العذابُ والنقمةُ.\nويعنى بقولِه: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: بما اكتسَبوا.\n\n<span id=\"aya-3300\"></span><span data-type='title' id=toc-6999>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨)﴾.</span>","vol":"18","page":264},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاء هؤلاءِ الذين لم يأتِهم من قبلك يا محمدُ نذيرٌ، فبعثناك إليهم نذيرًا، ﴿الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾، وهو محمدٌ ﷺ، بالرسالة من اللهِ إليهم، قالوا، تمرُّدًا على اللهِ، وتماديًا في الغيِّ: هلا أوتِى هذا الذي أُرِسل إلينا - وهو محمدٌ. مثلَ ما أوتى موسى بنُ عمرانَ مِن الكتابِ. يقولُ الله تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لقومِك من قريشٍ، القائلين لك: لولا أوتيتَ مثل ما أُوتى مُوسَى: أولم يكفرِ (^١) الذين علِموا هذه الحجةَ مِن اليهودِ بما أُوتىَ موسى مِن قبلِك.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7000>ذكر مِن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾] (^٢). قال: يهودُ تأمرُ قريشًا أن تسألَ محمدًا مثلَ ما أوتىَ موسى. يقولُ الله لمحمدٍ ﷺ: قل لقريشٍ يقولوا لهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾. قال: اليهودُ تأمرُ قريشًا. ثم ذكَر نحوَه.\n﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾. واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"يكفروا\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٢٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٠ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"18","page":265},{"text":"قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (قالوا ساحِرَانِ تَظَاهَرَا) (^١). بمعنى: أولم يكفروا بما أُوتى موسى مِن قبلُ، وقالوا له ولمحمدٍ ﷺ، في قولِ بعضِ المفسرين، وفي قولِ بعضِهم، لموسى وهارونَ ﵉، وفى قولِ بعضِهم، لعيسى ومحمدٍ: ساحِران تعاوَنا، وقرأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ (^٢) بمعنى: وقالوا للتوراةِ والفرقانِ، في قولِ بعضِ أهلِ التأويلِ، وفى قولِ بعضِهم للإنجيلِ والفُرقانِ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك على قدرِ اختلافِ القرأةِ في قراءتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7001>ذكرُ مِن قال: عُنِى بالساحرَين اللذَين تظاهرا: محمدٌ وموسى صلى اللهُ عليهما</span>\nحدَّثنا سليمانُ بنُ محمدِ بن مَعْدِيكَرِبَ الرُّعينيُّ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي حمزةَ، قال: سمِعتُ مسلمَ بنَ يسارٍ (^٣) يحدثُ عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: (ساحِران تَظاهَرا). قال: موسى ومحمدٌ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي حمزةَ جارِهم (^٥)، قال: سمعتُ مسلمَ بنَ يسارٍ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن هذه الآيةِ: (ساحِرَانِ تظاهرا). قال: موسى ومحمدٌ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، عن أبي حمزةَ، عن\n_________\n(^١) وبها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٤٩٥.\n(^٢) وبها قرأ عاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"بشار\"، وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٥٥١.\n(^٤) أخرجه البخارى في التاريخ الكبير ٥/ ٣١٧، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٥ من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٥) سقط من: م. وينظر التاريخ الكبير ٥/ ٣١٧.","vol":"18","page":266},{"text":"مسلمِ بن يَسارٍ، أن ابنَ عباسٍ قرأ: (ساحِرَانِ). قال: موسى ومحمدٌ ﵉.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن كيسانَ أبي حمزةَ، عن مسلمِ بن يسارٍ، عن ابنَ عباسٍ مثلَه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-7002>ومن قال: موسى وهارونُ ﵉</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: (ساحِرانِ تَظاهَرَا). قال: يهودُ لموسى وهارونَ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: (قالُوا ساحِرَان تَظاهَرَا): قولُ يهود لموسى وهارونَ ﵉.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ وأبى رَزين، أن أحدَهما قرَأ: (ساحِرَان تَظاهَرَا). والآخرَ: ﴿سِحْرَانِ﴾. قال الذي قرأ: ﴿سِحْرَانِ﴾، قال: التوراةُ والإنجيلِ. وقال الذي قرأ: (ساحِرَان)، قال: موسى وهارون وهارونُ (^٣).\nوقال آخرون: عَنَوا بالساحرَين عيسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخارى في التاريخ الكبير ٥/ ٣١٧ عن وكيع، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن كيسان به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٢٩، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٠ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٥، ٢٩٨٦ مِن طريق إسماعيل بن أبي خالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد.","vol":"18","page":267},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7003>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الحسنِ قولَه: (ساحِرَانِ تَظاهَرَا). قال: عيسى ومحمدٌ. أو قال: موسى، صلى اللهُ عليهم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-7004>ذكر مِن قال: عَنَوا بذلك التوراةَ (^٢) والفرقانَ. ووجهَ تأويلَه إلى قراءةِ من قرأ: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾.</span>\nحدَّثني عليُّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنَ عباسٍ قولَه ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾. يقولُ: التوراةُ والقرآنُ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ قولَه: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾. يعنى التوراةَ والفرقانَ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (قالُوا سِحْرَانِ تَظاهَرَا). قال: كتابُ موسى وكتابُ رسولِ اللهِ ﷺ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-7005>ذكرُ مَن قال: عَنَوا به التوراةَ والإنجيلِ</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنةَ (^٥)، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ، قال:\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٥ معلقا بلفظ: موسى ومحمد. وكذلك ذكره القرطبي في تفسيره ١٣/ ٢٩٤، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٥٢ بلفظ: عيسى ومحمد، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٢ عن معمر عن الكلبي بهذا اللفظ.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"والإنجيل\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٥ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٠ إلى ابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٦، ٢٩٨٧ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٥) في م: \"علية\". وتقدم في ٤/ ١٨، وسيأتي في ص ٢٨٤.","vol":"18","page":268},{"text":"كنتُ إلى جنبِ ابن عباسٍ وهو يتعوَّذُ بينَ الركنِ والمقامِ، فقلتُ: كيف تقرأُ؛ ﴿سِحْرَانِ﴾، أو (ساحران)؟ فلم يردُّ على شيئًا، فقال عكرمة: (ساحران). وظننتُ أنه لو كرِه ذلك أنكرَه عليَّ. قال حميدٌ: فلقيتُ عكرمةَ بعدَ ذلك، فذكرتُ ذلك له، وقلتُ: كيف كان يقرؤُها؟ قال: كان يقرأُ: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ التوراةُ والإنجيلُ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-7006>ذكرُ مَن قال: عَنَوْا به الفُرْقَانَ والإنجيلَ</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ أنه قرَأ: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾. يعنون: الإنجيلُ والفرقانُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾: قالت ذلك أعداءُ اللهِ اليهودُ، للإنجيلِ والفرقانِ، فمَن قال: (ساحِران) فيقولُ: محمدٌ وعيسى ابن مريمَ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى القراءتين في ذلك عندَنا بالصوابِ قراءةُ مَن قرأه: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ (^٤). بمعنى: كتابُ موسى وهو التوراةُ، وكتابُ عيسى وهو الإنجيلُ.\nوإنما قلنا: ذلك أولى القراءتين بالصواب؛ لأن الكلامَ مِن قبلِه جرَى بذكرِ الكتابِ، وهو قوله: ﴿قَالُوا (^٥) لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ والذي يليه مِن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٢، وفي مصنفه (٩٠٤٥) من طريق حميد به مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٥٢.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٥ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٥) في النسخ: \"وقالوا\".","vol":"18","page":269},{"text":"<span id=\"aya-3301\"></span>بعدِه ذكرُ الكتابِ، وهو قولُه: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْه﴾. فالذى بينَهما بأن يكونَ مِن ذكرِه أولى وأشبَهُ بأن يكونَ مِن ذكرِ غيرِه.\nوإذ كان ذلك هو الأوْلَى بالقراءةِ، فمعلومٌ أن معنى الكلامِ: قل يا محمدُ: أوَ لم يَكْفُرْ هؤلاء اليهودُ بما أُوتِى موسى مِن قبلُ، وقالوا لما أُوتِى موسى مِن الكتابِ، ولما أُوتِيتَه أنت: سحرانِ تعاونا.\nوقولُه: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقالت اليهودُ: إنا بكلِّ كتابٍ في الأرضِ؛ مِن توراةٍ، وإنجيلٍ، وزَبورٍ، وفُرقانٍ، كافرون.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال بعضُ أهلُ التأويلِ، وخالَفه فيه مُخالفون.\n\n<span data-type='title' id=toc-7007>ذكرُ مِن قال مثل الذي قلْنا في ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾. قالوا: نَكْفُرُ أيضًا بما أُوتِى محمدٌ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾. قال: يهودُ أيضًا، تَكْفُرُ بما أُوتِى محمد أيضًا.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وقالوا: إنا بكلِّ الكتابين؛ [التوراةِ و] (^٢) الفرقانِ والإنجيلِ، كافرون.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٣٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٠ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"18","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7008>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾. قال: يقولُ: بالإنجيلِ والقرآنِ (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾: يعنون الإنجيلَ والفرقانَ\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ. يقولُ: بالكتابين؛ التوراةِ والفرقانِ (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾: الذي جاء به موسى، والذي جاء به محمدٌ، صلى الله عليهما وسلم (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-7009>القول في تأويلِ قولِه تعالى ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ للقائلين للتوراةِ والإنجيلِ: هما ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾: ائْتُوا بكتابٍ مِن عندِ اللهِ هو أهدى منهما لطريقِ الحقِّ وسبيلِ الرَّشادِ، ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمِكم أن هذين الكتابين سِحْران، وأن الحقَّ في غيرِهما.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٦ من طريق جويير، عن الضحاك بلفظ: بالتوراة والقرآن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٦ عن محمد بن سعد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٦ من طريق أصبغ عن ابن زيد.","vol":"18","page":271},{"text":"وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7010>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ، قال: فقال الله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ الآية.\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: فقال اللهُ: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾: مِن هذين الكتابين؛ الذي بُعث به موسى، والذي بعث به محمدٌ، صلى الله عليهما وسلم (^١).\n\n<span id=\"aya-3302\"></span><span data-type='title' id=toc-7011>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فإن لم يُجِبْك هؤلاء القائلون للتوراة والإنجيل: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾. الزاعمون أن الحقَّ في غيرِهما، مِن اليهودِ، يا محمدُ - إلى أن يَأْتُوك بكتابٍ مِن عندِ اللهِ، هو أهدى منهما، فاعْلَمْ أنما يَتَّبِعون أهواءَهم، وأن الذي يَنْطِقون به ويقولون في الكتابين، قولٌ كَذِبٌ وباطلٌ لا حقيقةَ له.\nولعل قائلًا أن يقولَ: أو لم يَكُنِ النبيُّ ﷺ يَعْلمُ أن ما قال القائلون من اليهودِ وغيرِهم في التوراةِ والإنجيلِ مِن الإفكِ والزُّورِ والمُسَمُّوهما سِحْرين - باطلٌ مِن القولِ، إلا بأن لا يُجِيبوه إلى إتيانِه (^٢) بكتابٍ هو أهْدَى منهما؟\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٦ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٢) في م: \"إتيانهم\".","vol":"18","page":272},{"text":"قيل: هذا كلامٌ خرَج مَخْرَجَ الخطابِ لرسولِ اللهِ ﷺ، والمرادُ به المقولُ لهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ مِن كفارِ قريشٍ. وذلك أنه قيل للنبيِّ ﷺ: قلْ يا محمدُ لمشركي قريشٍ أولم يَكْفُرْ هؤلاء الذين أمَروكم أن تقولوا: هلَّا أُوتِيَ محمدٌ مثلَ ما أُوتِى موسى. بالذي أوتِى موسى مِن قبلِ هذا القرآنِ، ويقولوا للذى أُنْزِل عليه وعلى عيسى: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾؟ فقولوا لهم: إن كنتم صادقين أن ما أُوتِى موسى وعيسى سحرٌ، فأْتوا بكتابٍ مِن عندِ اللهِ هو أهدى مِن كتابيهما. فإن هم لم يُجِيبوكم إلى ذلك فاعْلَموا أنهم كَذَبَةٌ، وأنهم إنما يَتَّبِعون في تكذيبِهم محمدًا، وما جاءهم به مِن عندِ اللهِ، أهواءَ أنفسِهم، ويَتْرُكون الحقَّ وهم يَعْلَمون.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومَن أَضَلُّ عن طريقِ الرَّشادِ وسبيلِ السَّدادِ، ممن اتَّبَع هوى نفسِه بغيرِ بيانٍ مِن عندِ اللهِ، وعهدٍ مِن الله، ويَتْرُكُ عهدَ اللهِ الذي عهِده إلى خلقِه في وحيِه وتنزيلِه؟\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله لا يُوَفِّقُ لإصابةِ الحقِّ وسبيلِ الرشدِ القومَ الذين خالَفوا أمرَ اللهِ، وترَكوا طاعتَه، وكذَّبوا رسولَه، وبدَّلوا عهدَه، واتَّبعوا أهواءَ أنفسهم؛ إيثارًا منهم لطاعةِ الشيطانِ على طاعةِ ربِّهم.\n\n<span id=\"aya-3303\"></span><span data-type='title' id=toc-7012>القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد وصَّلْنا يا محمدُ لقومِك مِن قريشٍ ولليهودِ مِن بنى إسرائيلَ القولَ بأخبارِ الماضين، والنبأَ عما أحْلَلْنا بهم مِن بأسِنا، إذ كذَّبوا رسلَنا،","vol":"18","page":273},{"text":"وعما نحن فاعلون بمَن اقْتَفَى آثَارَهم، واحْتَذَى في الكفرِ باللهِ وتكذيبِ رسلِه مِثالَهم؛ ليَتَذَكَّروا فيَعْتَبِرُوا ويَتَّعِظوا. وأصلُه مِن وَصْلِ الحبالِ بعضِها ببعضٍ، ومنه قولُ الشاعرِ (^١):\nفقلْ لبنى مَرْوانَ ما بالُ ذمةٍ … وحبلٍ ضعيفٍ ما يَزالُ يُوَصَّلُ\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اخْتَلَفت ألفاظُهم ببيانهم عن تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: بيَّنا. وقال بعضُهم: معناه: فصَّلْنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-7013>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾. قال: فصَّلْنا لهم القولَ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾. قال: وصَّل اللهُ لهم القولَ في هذا القرآنِ؛ يُخْبِرُهم كيف صنَع بمَن مضَى، وكيف هو صانعٌ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا محمدُ بنُ عيسى أبو جعفرٍ، عن سفيانَ بن عُيَيْنةَ: ﴿وَصَّلْنَا﴾: بيَّنَّا (^٤).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ﴾\n_________\n(^١) هو الأخطل، والبيت في ديوانه ص ٢٧١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٧ من طريق وكيع به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٨ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٣/ ٢٩٥.","vol":"18","page":274},{"text":"وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾. [قال: وصَّلْنا لهم] (^١) الخبرَ؛ خبرَ الدنيا بخبرِ الآخرةِ، حتى كأنهم عايَنوا الآخرةَ، وشهِدوها في الدنيا، بما نُريهم مِن الآياتِ في الدنيا وأشباهها. وقرَأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال (^٢): إنا سوف تُنْجِزُ (^٣) ما وعَدْناهم في الآخرةِ، كما أنْجَزْنا للأنبياءِ ما وعَدْناهم، نَقْضى بينَهم وبينَ قومِهمِ (^٤).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في مَن عُنى بالهاءِ والميمِ مِن قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾؛ فقال بعضُهم: غنى بهما قريشٌ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-7014>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾. قال: قريشٍ (^٦).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾. قال: لقريشٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) سقط من: م\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"وقرأ\".\n(^٣) في م: \"ننجزهم\".\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٣/ ٢٩٥ مقتصرا على أوله، وتقدم آخره في ١٢/ ٥٧٣.\n(^٥) في م: \"قريشا\".\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٥٣٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣١ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":275},{"text":"أبيه، عن ابنَ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. قال: يعني محمدًا ﷺ (^١).\nوقال آخرون: عُنِى بهما (^٢) اليهودُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7015>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا عفانُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ دينارٍ، عن يَحْيَى بن جَعْدَةَ، عن رفاعةَ القُرَظيِّ، قال: نزَلَت هذه الآيةُ في عَشَرةٍ أنا أحدُهم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن سِنانٍ، قال: ثنا حَيَّانُ، قال: ثنا حمادٌ، عن عمرٍو، عن يحيى بن جَعْدةَ، عن رِفاعةَ (^٤) القُرظى، قال: نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ حتى بلَغ: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ في عَشَرَةٍ أنا أحدُهم.\nفكأن ابنَ عباسٍ أراد بقوله: يعنى محمدًا. لعلهم يتذكرون عهدَ اللهِ في محمدٍ إليهم، فيُقرون بنبوته ويصدِّقونه.\n\n<span id=\"aya-3304\"></span>وقولُه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾. يعنى بذلك تعالى ذكرُه قومًا مِن أهل الكتابِ آمنوا برسولِه وصدَّقوه، فقال: الذين آتيناهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٨ عن محمد بن سعد به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بها\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٧، والطبراني (٤٥٦٣)، وابن الأثير في الأسد ٢/ ٢٣٢ من طريق حماد به، وأخرجه أبو القاسم البغوي، والباوردى - كما في الإصابة ٢/ ٤٩٤ - من طريق عمرو بن دينار به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣١ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن قانع، وابن مردويه.\n(^٤) في النسخ: \"عطية\". وقد تقدم في الأثر الذي قبله على الصواب، وينظر الإصابة ٢/ ٤٩٤.","vol":"18","page":276},{"text":"الكتابَ مِن قبلِ هذا القرآنِ، هم بهذا القرآنِ يؤمنون، فيُقِرّون أنه حقٌّ مِن عندِ اللهِ، ويكذِّبُ جهلةُ الأميين الذين لم يأتِهم مِن اللهِ كتابٌ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7016>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾. قال: يعنى مِن آمَن بمحمدٍ ﷺ مِن أهل الكتابِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾: في مُسْلِمة أهلِ الكتابِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿الْجَاهِلِينَ﴾. قال: هم مُسلِمةُ أهل الكتابِ.\nقال ابن جريجٍ: أخْبَرني عمرُو بنُ دينارٍ، أن يحيى بن جَعْدَة، أخبره عن عليٍّ بن رِفاعةَ، قال: خرج عشرةُ رَهْطٍ مِن أهلِ الكتابِ، منهم أبو رفاعةَ - يعنى أباه - إلى النبيِّ ﷺ، فآمَنوا، فأُوذوا، فنزلتْ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾: قبلِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٨٨ عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣١ إلى ابن مردويه.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٣٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٩٣ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣١ إلى الفريابي وعبد بن حميد.","vol":"18","page":277},{"text":"القرآنِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾. قال: كنا نُحدَّث أنها نزلت في أناسٍ (^٢) مِن أهلِ الكتابِ كانوا على شريعةٍ مِن الحقِّ يأخذون بها وينتهون إليها، حتى بعَث اللهُ محمدًا ﷺ، فآمَنوا به وصدَّقوا به، فأعطاهم اللهُ أجرَهم مرتين؛ بصبرِهم على الكتابِ الأوّلِ، واتباعِهم محمدًا ﷺ وصبرِهم على ذلك، وذُكر لنا أن منهم سَلْمَانَ وعبدَ اللهِ بنَ سَلَامٍ (^٣).\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾: ناسٌ مِن أهلِ الكتابِ آمنوا بالتوراةِ والإنجيلِ، ثم أدركوا محمدًا ﷺ فآمَنوا به، فأتَاهم اللهُ أجرَهم مرتين بما صبروا؛ بإيمانهم بمحمدٍ ﷺ قبل أن يُبعَثَ، وباتباعهم إياه حينَ بُعث، فذلك قولُهم (^٤): ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3305\"></span><span data-type='title' id=toc-7017>القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا يُتلى هذا القرآنُ على الذين آتيناهم الكتابِ مِن قبلِ نزولِ هذا القرآنِ، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾. يقولُ: يقولون: صدَّقنا به، ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه البخارى في التاريخ الكبير ٦/ ٢٧٤ من طريق عمرو بن دينار به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"ناس\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٩٠ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في م: \"قوله\".","vol":"18","page":278},{"text":"رَبِّنَا﴾. يعني: مِن عندِ ربِّنا نزَل، إنا كنا مِن قبل نزول هذا القرآنِ مسلمين. وذلك أنهم كانوا مؤمنين بما جاءتْ به الأنبياءُ قبلَ مجيءِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ من الكتبِ، وفى كتبِهم صفةُ محمدٍ ونعتُه، فكانوا به وبمبعثِه وبكتابِه مصدِّقين قبلَ نزول القرآنِ، فلذلك قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3306\"></span><span data-type='title' id=toc-7018>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين وَصَفتُ صِفَتَهم، يُؤْتَوْن ثوابَ عملِهم مرتَيْن بما صَبَروا.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"الصبرِ\" الذي وعد اللهُ [عليه ما وعَد] (^١)؛ فقال بعضُهم: وعَدَهم ما وعَد جلَّ ثناؤُه بصبرِهم على الكتابِ الأوَّلِ، واتِّباعِهم محمدًا ﷺ، وصبرِهم على ذلك. وذلك قولُ قتادةَ، وقد ذكرْناه قَبْلُ.\nوقال آخرون: بل وعَدهم بصبرِهم بإيمانهم بمحمد ﷺ قَبْلَ أَن يُبْعَثَ، وباتِّباعهم إياه حينَ بُعِث. وذلك قولُ الضَّحَّاكِ بن مُزاحمٍ، وقد ذكرْناه أيضًا قبلُ، ومِمَّن وافق قتادةَ على قولِه عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾: على دينِ عيسى، فلمَّا جاء النبيُّ ﷺ أسْلَموا، فكان لهم أجرُهم مرتَيْن؛ بما صبروا أوَّلَ مرةٍ، ودخَلوا مع النبيِّ ﷺ في الإسلامِ (^٢).\nوقال قومٌ في ذلك بما حدَّثنا به ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: إن قومًا كانوا مشركين\n_________\n(^١) في م: \"ما وعد عليه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٩٢ من طريق أصبغ عن ابن زيد.","vol":"18","page":279},{"text":"أسْلَموا، فكان قومُهم يُؤذونَهم، فنَزَلَتْ ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ (^١).\nوقولُه: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾. يقولُ: ويَدْفَعون بحسناتِ أفْعالِهم التي يَفْعَلونها سيئاتِهم، ومما رَزَقْناهم مِن الأموالِ يُنْفِقُون في طاعةِ اللهِ؛ إمَّا في جهادٍ في سبيلِ اللهِ، وإمَّا في صدقةٍ على محتاجٍ، أو في صلةِ رحمٍ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾: قال الله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ وأَحْسَنَ اللهُ عليهم الثَّناءَ كما تَسْمَعون فقال: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3307\"></span><span data-type='title' id=toc-7019>القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا سمِع هؤلاء القومُ الذين آتيناهم الكتابَ - ﴿اللَّغْوَ﴾، وهو الباطِلُ مِن القولِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾: لا يُحاورون (^٢) أهلَ الجهلِ والباطلِ في باطلِهم، أتاهم مِن أمِر اللهِ ما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٩٢ من طريق منصور به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٣ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) في م، وتفسير ابن أبي حاتم: \"يجارون\"، والمثبت موافق لما في الدر المنثور، وينظر كلام المصنف في ص ٢٨٢.","vol":"18","page":280},{"text":"وَقَذَهم (^١) عن ذلك (^٢).\nوقال آخرون: عَنى باللغوِ في هذا الموضعِ ما كان أهل الكتابِ ألْحَقوه في كتابِ اللهِ ممَّا ليس هو منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7020>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: هذه لأهلِ الكتابِ، إذا سمِعوا اللغوَ الذي كتب القومُ بأيديِهم مع كتابِ اللهِ، وقالوا: هو مِن عنِد اللهِ. إذا سمِعه الذين أسْلموا، ومَرُّوا به يَتْلُونَه، أعْرَضوا عنه وكأنهم لم يَسْمَعوا ذلك قبل أن يُؤمنوا بالنبيِّ ﷺ؛ لأنهم كانوا مسلمين على دينِ عيسى، ألا تَرَى أنهم يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (^٣).\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾. قال: نَزَلَتْ في قومٍ كانوا مشركين فأسْلَموا، فكان قومُهم يُؤْذُونَهم.\n[حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ (^٤)، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قوله:] (^٥)\n_________\n(^١) وقذهم: سكَّنَهم ومَنَعَهم مِن انتهاك ما لا يحل. ينظر النهاية ٥/ ٢١٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٩٣ من طريق يزيد به. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٧٠) عن سعيد به، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٣٣٩ من طريق شيبان، عن قتادة، كلاهما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٩٢ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٤) في م: \"جويرية\"، وفي ت ٢: \"جريرة\".\n(^٥) سقط من: ت ١.","vol":"18","page":281},{"text":"[﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾. قال: كان ناسٌ مِن أهلِ الكتابِ أسْلَموا، فكان المشركون يُؤْذُونَهم] (^١)، فكانوا يَصْفَحون عنهم؛ يقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (^٢).\nوقولُه: ﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾. يقولُ: لم يُصْغوا إليه ولم يَسْتَمِعوه، ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾. وهذا يدلُّ على أن اللغوَ الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ إنما هو ما قاله مجاهدٌ، مِن أنه سَماعُ القومِ ممّن (^٣) يُؤذيهم بالقول، ما يَكْرَهون منه في أنفُسِهم، وأنهم أجابوهم بالجميلِ مِن القولِ: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا﴾ قد رضينا بها لأنفسِنا، ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ قد رَضِيتم بها لأنفسِكم.\nوقولُه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: أمَنَةٌ لكم منا أن نُسَابَّكم، أو تَسْمعوا منا ما لا تُحبون، ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾. يقولُ: لا نريدُ مُحاوَرَةَ أهلِ الجهلِ ومُسَابَّتَهم (^٤).\n\n<span id=\"aya-3308\"></span><span data-type='title' id=toc-7021>القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمدُ ﴿لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هدايتَه، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أَن يَهْدِيَهِ مِن خَلْقِه، بتوفيقِه للإيمانِ بالله وبرسوله. ولو قِيل: معناه: إنك لا تَهْدِى مَن أحببته؛ لقَرَابَتِه منك، ولكنَّ الله يهدى مَن يشاءُ - كان مَذْهَبًا، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللهُ أعلمُ مَن سَبَق له في علمِه أنه يَهْتَدى للرَّشادِ، ذلك الذي يَهْدِيه اللهُ\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٩٣ من طريق جرير به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"من\".\n(^٤) في ص: \"مساءتهم\".","vol":"18","page":282},{"text":"فيُسَدِّدُه ويُوَفِّقُه.\nوذُكر أن هذه الآيةَ نَزَلتْ على رسولِ اللهِ ﷺ مِن أجْلِ امتناعِ أبي طالبٍ عمِّه مِن إجابته إذ دَعاه إلى الإيمانِ باللهِ، إلى ما دعاه إليه مِن ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-7022>ذكرُ الرواية بذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ والحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدائيُّ، قالا: ثنا الوليدُ بنُ القاسمِ، عن يزيدَ بن كَيْسانَ، عن أبي حازم، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ لعمِّه عند الموتِ: \"قُلْ: لا إلهَ إلَّا اللهُ. أَشْهَدُ لك بها يومَ القِيامةٍ\". قال: لولا أن تُعَيِّرَني قُريشٌ لأقْرَرْتُ عينَك. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآيةَ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن يزيد بن كَيْسان، قال: ثني أبو حازمٍ الأشْجَعيُّ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ لعمِّه: \"قُلْ: لا إلهَ إلا اللهُ\". ثم ذكَر مثلَه (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو أسامة، عن يزيدَ بن كيسانَ، سمِع أبا حازمٍ الأشْجَعيَّ يَذْكُرُ عن أبي هريرة، قال: لمَّا حَضَرْت وفاة أبي طالبٍ، أتاه رسولُ الله ﷺ فقال: \"يا عَمَّاهُ، قلْ: لا إلهَ إلا الله\". فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: لولا أن تُعَيِّرنى قريشٌ؛ يقولون: ما حمَله عليه إلا جَزَعُ الموتِ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥/ ٤١)، وابن حبان (٦٢٧٠)، وابن منده في الإيمان (٣٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٦٦/ ٣٣٢، من طريق يزيد بن كيسان به.\n(^٢) أخرجه الترمذى (٣١٨٨)، والبيهقى في الدلائل ٢/ ٣٤٤، من طريق ابن بشار به. وأخرجه أحمد ١٥/ ٣٧٤ (٩٦١٠)، ومسلم (٤٢/ ٢٥)، وابن منده (٣٨)، والواحدى في أسباب الزول ص ٢٥٥ من طريق يحيى بن سعيد به.\n(^٣) أخرجه البيهقى في الدلائل ٢/ ٣٤٤، ٣٤٥ مِن طريق أبي أسامة به.","vol":"18","page":283},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، عن يزيدَ بن كيسانَ، عن أبي حازمٍ أبي هُريرةَ، قال: قال النبيُّ ﷺ. فذكَر نحوَ حديثِ أبي كُريبٍ والصُّدائيِّ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمن بن وهبٍ، قال: ثنى عمى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، قال: ثني يونسُ، عن الزُّهْريِّ، قال: ثني سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، عن أبيه، قال: لمَّا حَضَرَتْ أبا طالبٍ الوفاةُ، جاءَه رسول الله ﷺ، فوجَد عندَه أبا جهلِ بنَ هشامٍ وعبدَ اللهِ بنَ أبي أُمَيَّةَ بن المُغيرةِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"يا عَمِّ، قُلْ: لا إلهَ إلا اللهُ. كلمةً أشْهَدُ لك بها عندَ اللهِ\". فقال أبو جهلٍ وعبدُ اللهِ بنُ أبى أُميةَ: يا أبا طالبٍ، أَتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عبدِ المُطَّلب؟ فلم يَزَلْ رسولُ الله ﷺ يَعْرِضُها عليه. ويُعيدُ له تلك المقالةَ، حتى قال أبو طالبٍ آخِرَ ما كَلَّمهم: هو على ملِة عبدِ المطلبِ. وأبَى أن يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أما والله، لأسْتَغْفِرَنَّ لك ما لم أَنْهَ عنك\". فأنْزَل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣]. وأَنْزَل الله في أبي طالبٍ، فقال لرسولِ اللهِ ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المسيّبِ، عن أبيه بنحوِه (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرو، عن أبي سعيدِ بن رافعٍ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ (^٤): ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾؛ نَزَلَتْ في أبي طالبٍ؟ قال:\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق بن راهويه (٢٠٨)، وأحمد ١٥/ ٤٣١ (٩٦٨٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٩٤ من طريق محمد بن عبيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٣ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٢/ ٢٠، ٢١.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٢/ ٢٠.\n(^٤) في ت ٢: \"عمرو\". وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٣٣٢، ٣٣٨، ٣٣/ ٣٤٧.","vol":"18","page":284},{"text":"نعم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. قال: قولُ محمدٍ لأبي طالبٍ: \"قُلْ كلمةَ الإخلاصِ، أُجادِلُ عنك بها يومَ القيامةِ\". قال محمدُ بنُ عمرٍو في حديثِه: قال يابنَ أخي، مِلَّةَ الأشياخِ. أو: سُنَّةَ الأشياخ. وقال الحارثُ في حديثِه: قال: يابنَ أخي، مِلَّةَ الأشياخِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. قال: قال محمدٌ ﷺ لأبي طالبٍ: اشْهَدْ بكلمةِ الإخلاصِ، أُجادِلْ عنك بها يومَ القيامةِ\". قال: أي بنَ أخى، ملةَ الأشياخِ. فأَنْزَل اللهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. قال: نَزَلَتْ هذه الآيةُ في أبي طالبٍ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾: ذُكِر لنا أنها نَزَلتُ في أبي طالبٍ. قال: ألاصَه (^٣) عندَ موتِه يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ. لكيما تَحِلَّ له بها الشفاعةُ، فأبَى عليه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٦٦/ ٣٣٣ من طريق ابن عيينة به، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٣٨٤) مِن طريق عمرو به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٣، ١٣٤ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبى داود في القدر وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٣٠ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٩٩٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٤ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"الأصم\". وألاصه: أداره عليها، ورواده عليها. النهاية ٤/ ٢٧٦.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٩٤ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"18","page":285},{"text":"حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ، عن عامرٍ: لمَّا حضَر أبا طالبٍ الموتُ، قال له النبيُّ ﷺ: \"يا عَمَّاهُ، قُلْ: لا إله إلا اللهُ. أَشْهَدُ لك بها يومَ القيامةِ\". فقال له: يابنَ أخى، إنه لولا أن يكونَ عليك عارٌ، لم أَبالِ أن أفْعَلَ. فقال له ذلك مرارًا، فلمَّا مات اشتدَّ ذلك على النبيِّ ﷺ، وقالوا: ما تَنْفَعُ قرابةُ أبي طالبٍ منك. فقال: \"بلى والذي نَفْسي بيده، إنه الساعةَ لفي ضَحْضَاحٍ (^١) مِن النارِ، عليه نَعْلان من نارٍ، تَغْلى منهما أُمُّ رأسِه، وما مِن أهلِ النارِ مِن إنسانٍ هو أَهْوَنُ عذابًا منه\". وهو الذي أنْزَل الله فيه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (^٢).\nوقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. يقولُ: وهو أعلمُ بمَنْ قُضِى له الهدى.\nكالذي حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. قال: بَمَنْ قَدَّر له الهُدَى والضَّلالَة (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه\n\n<span id=\"aya-3309\"></span><span data-type='title' id=toc-7023>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ</span>\n_________\n(^١) الضحضاح في الأصل: ما رَقَّ من الماء على وجه الأرضِ ما يبلغ الكعبين. فاستعاره للنار. النهاية ٣/ ٧٥.\n(^٢) أخرجه هناد في الزهد (٣٠٦) من طريق عطاء به نحوه.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٣٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٩٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٤ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":286},{"text":"أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقالت كفارُ قريشٍ: إن نَتَّبِعِ الحقَّ الذي جِئْتَنا به معك، ونَتَبَرَّأْ من الأندادِ والآلهةِ، يَتَخَطَّفْنا الناسُ مِن أرضنا، بإجماع جميعهم على خِلافِنا وحربِنا. يقولُ اللهُ لنبيِّه: فقُلْ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾؟ يقولُ: أولم نُوَطِّئْ (^١) لهم بلدًا حَرَّمنا على الناسِ سفكَ الدماءِ فيه، ومَنَعْناهم مِن أَن يَتَناولوا سُكَّانَه فيه بسوءٍ، وأمْنًا على أهلِه من أن يُصيبهم بها غارةٌ، أو قتلٌ، أو سباءٌ؟\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7024>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عبد اللهُ بن أبي مُلَيْكَةَ، عن ابن عباسٍ، أن الحارثَ بنَ نَوْفَلٍ، الذي قال: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾. وزعموا أنهم قالوا: قد عَلِمْنا أنك رسولُ اللهِ ولكِنَّا نَخافُ أن نُتَخَطَّفَ مِن أرضِنا. ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾ الآيةَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾. قال: هم أُناسٌ مِن قريشٍ قالوا لمحمدٍ ﷺ: إن نَتَّبِعْكَ يَتَخَطَّفْنا الناسُ. فقال اللهُ:\n_________\n(^١) وطَّأه: هَيَّأه. تاج العروس (وط أ).\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٣٨٥) من طريق حجاج عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة قال: قال عمرو بِن شعيب عن ابن عباس، ولم يسمعه منه، أن الحارث بن نوفل الذي قال … إلى قوله تعالى: ﴿مِنْ أَرْضِنَا﴾، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٤ إلى ابن المنذر، وذكره القرطبي في تفسيره ١٣/ ٣٠٠ بنحوه.","vol":"18","page":287},{"text":"﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. قال: كان يُغير بعضُهم على بعضٍ (^٢).\nوبنحوِ الذي قلْنا في معنى قوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7025>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾: قال اللهُ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: أولم يَكونوا آمِنِين في حَرَمِهِم؟ لا يُغْزَوْن فيه ولا يَخافون، يُجْبَى إليه ثمرات كلِّ شيءٍ (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾. قال: كان أهلُ الحرمِ آمِنين يَذْهبون حيثُ شاءُوا، وإذا خرَج أحدُهم فقال: إنى مِن أهلِ الحرمِ. لم يُعْرَضُ (^٤) له، وكان غيرُهم مِن الناسِ إذا خرَج أحدُهم قُتِل (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أبى حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٩٥ عن محمد بن سعد به.\n(^٢) أخرجه أبى حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٩٥ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٩٥ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في م: \"يتعرض\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٢ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٩٦ - عن معمر به، وزاد في آخره: أو سلب.","vol":"18","page":288},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾. قال: آمَنَّاكم به. قال: هي مكةُ، وهم قُريشٌ (^١).\nوقولُه: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: يُجْمَعُ إليه. وهو مِن قولِهم: جَبَيْتُ الماءَ في الحوضِ. إذا جَمَعْتَه فيه. وإنما أُرِيدَ بذلك: يُحْمَلُ إليه ثمراتُ كلِّ بلدٍ.\nكما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، عن شَرِيكٍ، عن عثمانَ بن أبى زُرْعَةَ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: ثمراتُ الأرضِ (^٢).\nوقولُه: ﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾. يقولُ: ورزقًا رَزَقْنَاهُم مِن لَدُنَّا. يعنى: مِن عِندِنا، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولكنَّ أكثرَ هؤلاء المشركين، القائِلِين لرسولِ اللهُ ﷺ: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾. لا يَعْلَمون أنَّا نحن الذين مَكَّنَّا لهم حرمًا آمنًا، ورَزَقْناهم فيه، وجَعَلْنَا الثمراتِ مِن كلِّ أرضٍ تُجْبَى إليهم، فهم بجهلهم بمَن فعل ذلك بهم يَكْفُرون، لا يَشْكرون مَن أنْعَم عليهم بذلك.\n\n<span id=\"aya-3310\"></span><span data-type='title' id=toc-7026>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وكم أهْلَكُنا من قريةٍ أبْطَرَتْها معيشتُها، فبَطِرَتْ وأُشِرَتْ (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٩٥ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٩٦ من طريق شريك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) الأشر: المَرَح والبَطَر. وقيل: أشدُّ البطَر. وقيل: الأشر: الفرح بطَرًا وكُفرًا بالنِّعْمة. ينظر تاج العروس (أ ش ر).","vol":"18","page":289},{"text":"وطَغَتْ، فَكَفَرَتْ بربِّها. وقيل: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ فَجَعَل الفِعلَ للقريةِ، وهو في الأصلِ للمعيشةِ، كما يُقالُ: أَسْفَهَك رَأيك فسَفِهْتَه، وأَبْطَرَك مالُك فبَطِرْتَه.\nو\"المعيشةُ\" منصوبةٌ على التفسير.\nوقد بَيَّنَّا نظائرَ ذلك في غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا (^١).\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7027>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾. قال: البَطَرُ الأشرُ (^٢)، أهلُ الغَفْلَةِ وأهلُ الباطل والرُّكُوبِ لمعاصى اللهِ. وقال: ذلك البَطَرُ في النِّعْمةِ (^٣).\n﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ: فتلك دُورُ القومِ الذين أهْلَكْناهم بكفرهم بربِّهم، ومنازِلُهم، ﴿لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ: خَرِبَتْ مِن بعدِهم، فلم يُعْمَرُ منها إلا أقَلُّها، وأكثرُها خَرابٌ.\nولفظُ الكلامِ وإن كان خارجًا على أن مساكنَهم قد سُكِنَتْ قليلًا، فإن معناه: فتلك مساكنُهم لم تُسْكَنْ من بعدهم إلا قليلًا منها. كما يُقالُ: قَضَيتُ حقَّك إلَّا قليلًا منه.\nوقولُه: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾. يقولُ: ولم يَكُنْ لِمَا خَرَّبْنَا مِن مساكنِهم منهم وارِثٌ، وعادتْ كما كانت قبلَ سُكْناهم فيها، لا مالكَ لها إلا اللهُ الذي له\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٥٧٩، ٥٨٠.\n(^٢) في م: \"أشر\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٩٦ من طريق أصبغ عن ابن زيد.","vol":"18","page":290},{"text":"ميراثُ السماواتِ والأرضِ.\n\n<span id=\"aya-3311\"></span><span data-type='title' id=toc-7029>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ يا محمدُ ﴿مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ التي حَوالَيْ مكةَ في زمانِك وعصرِك، ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾. يقولُ: حتى يَبْعَثَ في مكةَ رسولًا، وهى أُمُّ القُرى، يَتْلو عليهم آياتِ كتابِنا. والرسولُ: محمدٌ ﷺ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7028>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾: وأُمُّ القُرَى مكةُ، وبعَث اللهُ إليهم رسولًا؛ محمدًا ﷺ (^١).\nوقولُه: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾. يقولُ: ولم نكنْ لِنهْلِكَ قريةً وهى باللهِ مؤمنةٌ، إنما نُهْلِكُها بِظُلْمِها أَنْفُسَها؛ بكفرِها باللهِ، وإنما أَهْلَكْنا أهلَ مكةَ بكفرِهم بربِّهم، وظُلْمِهم (^٢) أنفسَهم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٩٧، من طريق يزيد به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢١٣ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"ظلم\".","vol":"18","page":291},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7030>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾. قال: اللهُ لم يُهلك قريةً بإيمانٍ، ولكنَّه يُهْلِكِ القُرَى بظلمٍ، إِذا ظَلَم أهلُها، ولو كانت قريةٌ (^١) آمَنَتْ؛ لم يَهْلِكُوا مع مَن هَلَك، ولكنَّهم كَذَّبوا وظَلَموا، فبذلك أُهْلِكوا (^٢).\n\n<span id=\"aya-3312\"></span><span data-type='title' id=toc-7032>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما أُعْطِيتُم أَيُّها الناسُ مِن شيءٍ مِن الأموالٍ والأولادِ، فإنما هو مَتَاعٌ تَتَمَتَّعون به في هذه الحياةِ الدنيا، وهو مِن زينتها التي يُتَزَيَّنُ به فيها، لا يُغْنى عنكم عندَ اللهُ شيئًا، ولا يَنْفَعُكم شيءٌ منه في مَعادِكم. ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لأهلِ طاعتِه ووَلايتِه ﴿خَيْرٌ﴾ مما أُوتِيتُمُوه أنتم في هذه الدنيا من متاعِها وزينتِها، ﴿وَأَبْقَى﴾. يقولُ: وأبْقَى لأهلِه؛ لأنه دائمٌ لا نَفادَ له.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7031>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاقَ في قولِه: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ\n_________\n(^١) في مصدرى التخريج: \"مكة\".\n(^٢) في ت ١، ومصدرى التخريج: \"هلكوا\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٩ عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٤ إلى ابن مردويه.","vol":"18","page":292},{"text":"خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. قال: خيرٌ ثوابًا، وأبقَى عِندَنا.\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفلا عُقُولَ لكم أيها القومُ تَتَدَبَّرون بها، فتَعْرِفون بها الخيرَ مِن الشَّرِّ، وتَخْتارون لأنفُسِكم خيرَ المَنْزِلَتَين على شَرِّهما، وتُؤْثِرون الدائمَ الذي لا نفادَ له مِن النعيمِ، على الفاني الذي لا بَقاءَ له.\n\n<span id=\"aya-3313\"></span><span data-type='title' id=toc-7034>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ﴾ مِن خَلْقِنا على طاعتِه إيانا - الجنةَ فآمن بما وعدْناه وصَدَّق وأطاعَنا، فاسْتَحَقَّ بطاعته إيانا أن نُنْجِزَ له ما وعدناه، فهو لاقٍ ما وُعِد، وصائرٌ إليه، ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ﴾ في الحياةِ الدنيا مَتَاعَها، فتَمَتَّع به، ونَسِيَ العملَ بما وعدْنَا أهلَ الطاعةِ، وترَك طَلَبَه، وآثَرَ لَذَّةً عاجِلةً على آجِلَةٍ، ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إذا وَرَد على اللهِ ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. يَعْنى: مِن المُشْهَدِينَ عذابَ اللهِ وأليمَ عقابِه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7033>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ﴾. قال: هو المؤمنُ، سمِع كتابَ اللهِ فَصَدَّق به وآمَن بما وعَد اللهُ فيه، ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. و(^١) هو هذا الكافرُ، ليس واللهِ كالمؤمنِ، ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. أي: في عذابِ اللهِ (^٢).\n_________\n(^١) ليس في: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٩، ٢٩٩٩ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"18","page":293},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال ابن عمرٍو في حديثِه: قولُه: ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. قال: أُحْضِرُوها. وقال الحارثُ في حديثِه: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾: أهلُ النارِ، أُحِضْروها (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. قال: أهلُ النارِ، أُحْضِروها.\nواخْتلَف أهلُ التأويلِ في من نَزَلتْ فيه هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نَزَلَتْ في النبيِّ ﷺ وفي أبي جهلِ بنِ هشامٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7035>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو النُّعْمانِ الحَكَمُ بنُ عبدِ اللهِ العِجْليُّ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن أبانِ بن تَغْلبَ، عن مجاهدٍ: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. قال: نزلتْ في النبيِّ ﷺ وفي أبي جهلِ بنِ هشامٍ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ﴾. قال: النبيُّ ﷺ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٣٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٩٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٥ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ٢٥٥ من طريق شعبة به بنحوه وسيأتي ص ٢٩٥.","vol":"18","page":294},{"text":"وقال آخرون: نزَلتْ فى حمزةَ وعلىٍّ ﵄، وأبي جهلٍ لعَنهُ اللهُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا بدلُ بنُ المُحَبَّرِ التميميُّ (^١)، قال: ثنا شعبةُ، عن أبانِ ابنِ تَغْلِبَ، عن مجاهدٍ: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. قال: نزَلتْ في حمزةَ وعلىِّ بنِ أبي طالبٍ وأبي جهلٍ (^٢).\nقال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبانِ بنِ تَغْلِبَ، عن مجاهدٍ، قال: نزَلتْ في حمزةَ وأبي جهلٍ.\n\n<span id=\"aya-3314\"></span><span data-type='title' id=toc-7036>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ يُنادى ربُّ العِزَّةِ الذين أشْرَكوا به الأنْدادَ والأوثْانَ فى الدنيا، فيقولُ لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنهم لي في الدنيا شُركاءُ؟\n\n<span id=\"aya-3315\"></span>﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾. يقولُ: قال الذين وجب عليهم غضبُ اللهِ ولعنتُه، وهم الشياطينُ الذين كانوا يُغْوُون بني آدمَ: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"الثعلبي\"، وفى م: \"التغلبى\". والمثبت من مصادر ترجمته. ينظر تهذيب الكمال ٤/ ٢٨.\n(^٢) أخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ٢٥٥ من طريق بدل بن المحبر به","vol":"18","page":295},{"text":"وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾. قال: هم الشياطينُ (^١).\nوقولُه: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾. يقولُ: تبرَّأْنا مِن وَلايتهم ونُصْرَتِهم إليك، ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾. يقولُ: لم يكونوا يَعْبُدوننا.\n\n<span id=\"aya-3316\"></span><span data-type='title' id=toc-7037>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: وقيلَ للمشركين باللهِ الآلهةَ والأنْدادَ في الدنيا: ادْعُوا شركاءَكم الذين كنتم تَدْعون مِن دونِ اللهِ. ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾. يقولُ: فلم يُجيبوهم، ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾. يقولُ: وعَاينوا العذابَ، ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾. يقولُ: فَوَدُّوا حينَ رَأوُا العذابَ لو أنهم كانوا في الدنيا مُهْتَدِين للحقِّ.\n\n<span id=\"aya-3317\"></span><span data-type='title' id=toc-7038>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: ويومَ يُنادى اللهُ هؤلاء المشركين فيقولُ لهم: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ فيما أَرْسَلْناهم به إليكم، مِن دُعائِكم إلى توحيدِنا، والبراءةِ مِن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٩٢ عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٠٠ من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة. وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٠٠ مطولا من طريق شيبان، عن قتادة النحوى بلفظ: هم الجن. وبهذا اللفظ ذكره السيوطى مطولا في الدر المنثور ٥/ ١٣٥، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":296},{"text":"<span id=\"aya-3318\"></span>الأوثانِ والأصنامِ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾. يقولُ: فَخَفِيَتْ عليهم الأخبارُ. مِن قولهم: قد عَمِيَ عنى خبرُ القومِ. إذا خَفِيَ. وإنما عَنَى بذلك أنهم عَمِيَتْ عليهم الحُجَّةُ، فلم يَدْرُوا ما يَحْتَجُّون؛ لأن اللهَ تعالى ذكره قد كان أبْلَغ إليهم فى المَعْذِرَةِ، وتابع عليهم الحجَّةَ، فلم تَكُنْ لهم حُجَّةٌ يَحْتَجُّون بها، ولا خبرٌ يُخْبِرون به، مما يكون لهم به نجاةٌ ومَخْلَصٌ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾. قال: الحُجَجُ. يَعْنى الحُجَّة (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾. قال: الحججُ.\nقال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ في قولِه: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾. قال: بلا إلهَ إلا اللهُ، التوحيدِ.\nوقولُه: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. [قيلَ: فهم لا يَتَساءَلون] (^٢) بالأنْسابِ والقَرابَةِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهدٍ ص ٥٣١، ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٠٠، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٣٥ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: م، ت ١.","vol":"18","page":297},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. قال: لا يَتَساءَلون بالأنسابِ، ولا يَتَماتُّون (^١) بالقراباتِ، إنهم كانوا في الدنيا إذا الْتَقَوْا تَساءَلوا وتَماتُّوا (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. قال: بالأنسابِ.\nوقيلَ: معنى ذلك: فعَمِيَتْ عليهم الحُجَجُ يومَئِذٍ، فَسَكتوا، فهم لا يَتَساءَلون في حالِ سكوتهم.\n\n<span id=\"aya-3319\"></span><span data-type='title' id=toc-7039>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: فأما من تاب من المشركين، فأناب وراجع الحقَّ، وأخْلَص للهِ الألُوهَةَ، وأفْرَد له العبادةَ، فلم يُشرِكْ في عبادتِه شيئًا، ﴿وَآمَنَ﴾. يقولُ: وصدَّق بنبيِّه محمدٍ ﷺ. ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. يقولُ: وعمِل بما أَمَرَه اللهُ بعملِه في كتابِه، وعلى لسانِ رسولِه ﷺ، ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾. يقولُ: فهو مِن المُنْجِحِين المُدْرِكِين طَلِبتهم عندَ اللهِ، الخالدين في جِنانِه. و\"عسى\"\n_________\n(^١) التَّماتُّ من المتّ، والمَتُّ: التَّوسُّل والتَّوَصُّل بِقَرابةٍ أو حُرمةٍ أو غير ذلك. ينظر تاج العروس (م ت ت).\n(^٢) تفسير مجاهدٍ ص ٥٣١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٠٠. وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٣٥ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر، وفى هذه المصادر إلى قوله: بالأنساب.","vol":"18","page":298},{"text":"مِن اللهِ واجِبٌ.\n\n<span id=\"aya-3320\"></span><span data-type='title' id=toc-7040>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: وربُّك يا محمدُ يَخْلُقُ ما يشاءُ أَن يَخْلُقَه، ويَخْتارُ لوَلايتِه الخِيَرَةَ مِن خلقِه، ومَنْ سَبَقَت له منه السعادةُ.\nوإنما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ والمعنى ما وَصَفْتُ؛ لأن المشركين كانوا -فيما ذُكِر عنهم- يَخْتارون أموالَهم فيَجْعَلونَها لآلهتِهم، فقال اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وربُّك يا محمدُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ أَن يَخْلُقَه، ويَختارُ للهدايةِ والإيمانِ والعملِ الصالحِ مِن خَلْقِه، ما هو في سابِقِ عِلمِه أنه خيرَتُهم، نظيرَ ما كان مِن هؤلاء المشركين لآلهتِهم خيارُ أموالِهم، فكذلك اختيارى لنفسي، واخْتِبائي لوَلايتي، واصْطِفائى لخِدْمَتى وطاعتي - خيارَ مَمْلَكتى وخَلْقى.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾. قال: كانوا يَجْعَلون خير أموالهم لآلهتهم في الجاهليةِ (^١).\nفإذا كان معنى ذلك كذلك، فلا شك أن ﴿مَا﴾ من قولِه: ﴿وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ في موضعِ نصبٍ، بوقوعِ ﴿وَيَخْتَارُ﴾ عليها، وأنها بمعنى \"الذي\".\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٠١، ٣٠٠٢ عن محمد بن سعد به.","vol":"18","page":299},{"text":"فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ كما وَصَفْتَ؛ مِن أن ﴿مَا﴾ اسمٌ منصوبٌ بوقوعِ قولِه: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ عليها، فأين خبرُ ﴿كَانَ﴾؟ فقد عَلِمتَ أن ذلك إذا كان كما قلتَ؛ أن في ﴿كَانَ﴾ ذكرًا مِن ﴿مَا﴾، ولا بُدَّ لـ ﴿كَانَ﴾ -إذا كان كذلك- مِن تَمَامٍ، وأينَ التمامُ؟\nقيل: إن العربَ تَجْعلُ لحروفِ الصِّفاتِ إذا جاءتِ الأخبارُ بعدَها أحيانًا، أخبارًا، كفِعْلِها بالأسماءِ (^١) إذا جاءَتْ بعدَها أخبارُها؛ ذكر الفَرَّاءُ أن القاسمَ بنَ معنٍ أنْشَدَه قولَ عنترةَ (^٢):\nأمِن سُمَيَّةَ دَمْعُ العَينِ تَذْرِيفُ … لو كان ذا مِنْكِ قَبْلَ اليوم مَعْروفُ\nفَرَفَع \"معروفًا\" بحرفِ الصِّفَةِ (^٣)، وهو لا شكَّ خبرٌ لـ \"ذا\". وذكَر أن المُفَضَّلَ أَنْشَدَه ذلك:\n*لو أنَّ ذا منكِ قبلَ اليومِ معروفٍ*\nومنه أيضًا قولُ عمر بن أبي ربيعة (^٤):\nقلتُ أَجِيبي عاشِقًا … بحُبِّكُمْ مُكَلَّفُ (^٥)\nفيها ثَلاثٌ كالدُّمَى … وكاعِبٌ ومُسْلِفُ (^٦)\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"بالأشياء\". والمثبت من م هو الصواب الموافق للسياق.\n(^٢) شرح ديوانه ص ٩١. وعنده:\"سُهَيَّة\" مكان \"سمية\"، و\"أن ذا\" مكان \"كان ذا\".\n(^٣) يعني بحرف الصفة هنا: \"مِنْ\" فى قوله في البيت: \"مِنْكِ\".\n(^٤) شرح ديوانه ص ٤٦١، ٤٦٢. والبيت الثاني مذكور في اللسان (س ل ف). كرواية المصنف.\n(^٥) كَلِف بالشيء فهو كلِف ومُكلَّف: لَهِج به. وكلِف بها أشدَّ الكَلَف. أي: أحبَّها. ينظر اللسان (ك ل ف).\n(^٦) المسلف من النساء: النَّصَف. وقيل: هى التى بلغت خمسا وأربعين ونحوها، وهو وَصْف خُصَّ به الإناث. اللسان (س ل ف).","vol":"18","page":300},{"text":"فـ \"مُكلَّفٌ\" من نعتِ \"عاشِقٍ\"، وقد رفَعه بحرفِ الصفةِ، وهو الباءُ، في أشْباهٍ لما ذَكَرْنا بكثيرٍ مِن الشواهد. فكذلك قولهُ: ﴿وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾. رُفِعَتِ ﴿الْخِيَرَةُ﴾ بالصَّفَةِ، وهى ﴿لَهُمُ﴾، وإن كانت خبرًا لـ ﴿مَا﴾، لمَّا جاءتْ بعد الصفة، ووَقَعَتِ الصفةُ موقعَ الخبرِ، فصار كقولِ القائلِ: كان عمرٌو أبوه قائم. لا شكَّ أن \"قائمًا\" لو كان مكانَ الأبِ، وكان الأبُ هو المتأخِّرَ بعدَه؛ كان منصوبًا. فكذلك وجهُ رَفع ﴿الْخِيَرَةُ﴾، وهو خبرٌ لـ ﴿مَا﴾.\nفإن قال قائلٌ: فهل يجوزُ أن تكونَ ﴿مَا﴾ في هذا الموضع جَحْدًا، ويكونَ معنى الكلام: ورَبُّك يخلُقُ ما يشاءُ أن يَخلُقَه، ويختارُ ما يشاءُ أن يختارَه. فيكونَ قولُه: ﴿وَيَخْتَارُ﴾. نهايةَ الخبرِ عن الخلْقِ والاخْتيارِ، ثم يكونَ الكلامُ بعدَ ذلك مبتدأً، بمعنى: لم يكنْ لهم الخيرةُ. أى: لم يكنْ للخلقِ الخيرةُ، وإنما الخيرةُ للهِ وحدَه؟\nقيل: هذا قولٌ لا يُخِيلُ (^١) فسادُه على ذى حِجًا، من وجوهٍ، لو لم يكنْ بخلافِه لأهلِ التأويلِ قولٌ، فكيف والتأويلُ عمَّن ذكرْنا بخلافِه (^٢).\nفأَمَّا أحدُ وجوهِ فسادِه، فهو أن قولَه: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾. لو كان كما ظَنَّه مَن ظَنَّه؛ مِن أن ﴿مَا﴾ بمعنى الجَحْدِ، على نحوِ التأويلِ الذي ذكرتُ، كان إنما جحَد تعالى ذكره أن تكونَ كان لهم الخيرةُ فيما مضَى قبلَ نزولِ هذه الآيةِ، فأَمَّا فيما يَسْتَقْبِلُونَه فلهم الخيرةُ؛ لأن قولَ القائلِ: ما كان لك هذا. لا شكَّ إنما هو خبرٌ عن أنه لم يكنْ له ذلك فيما مضَى، وقد يجوزُ أن يكونَ له في ما يُسْتَقْبَلُ، وذلك\n_________\n(^١) في م: \"يخفى\"، وفى ت ٢: \"يحل\". وأخال الشيءُ: اشْتَبه. يقال: هذا الأمر لا يُخِيل على أحدٍ. أى لا يُشكل. اللسان (خ ى ل).\n(^٢) قال ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٦١: وقوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ نفى على أصح القولين، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. وينظر تفسير القرطبي ١٣/ ٣٠٥، ٣٠٦.","vol":"18","page":301},{"text":"من الكلامِ لا شكَّ خُلْفٌ؛ لأن ما لم يكن للخَلْقِ مِن ذلك قَدِيمًا، فليس ذلك لهم أبدًا. وبعدُ، لو أُريد ذلك المعنى، لكان الكلامُ: فليس. وقيل: وربُّك يخلُقُ ما يشاءُ ويَختارُ، ليس لهم الخيرةُ. ليكونَ نَفْيًا عن أن يكون ذلك لهم فيما قبلُ وفيما بعدُ.\nوالثاني: أن كتابَ اللهِ أَبْيَنُ البيانِ، وأصَحُّ (^١) الكلامِ، ومُحالٌ أن يُوجَدَ فيه شيءٌ غيرُ مفهومِ المعنَى، وغيرُ جائزٍ فى الكلامِ أن يُقالَ ابتداءً: ما كان لِفُلانٍ الخِيَرةُ. ولمَّا يَتَقَدَّمْ قبل ذلك كلامٌ يَقْتَضِى ذلك. فكذلك قولُه: ﴿وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ولم يتقدَّمْ قبلَه مِن اللهِ تعالى ذكره خبرٌ عن أحدٍ أنه ادَّعَى أنه كان له الخيرةُ، فيُقالُ له: ما كان لك الخيرةُ. وإنما جرَى قبلَه الخبرُ عمَّا هو صائِرٌ إليه أمرُ مَن تاب من شِركِه، وآمَن وعمِل صالحًا، وأتْبَع ذلك جلَّ ثناؤُه الخبرَ عن سببِ إيمانِ مَنْ آمَنْ وعمِل صالحًا منهم، وأن ذلك إنما هو لاختيارِه إياه للإيمانِ، وللسابِقِ (^٢) مِن علمِه فيه اهْتَدَى. ويَزِيدُ ما قلْنا ذلك إبانةً، قولُه: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. فَأَخْبَرَ أَنه يَعْلَمُ مِن عِبادِهِ السَّرائِرَ والظواهِرَ، ويَصْطَفى لنفسه، ويَختارُ لطاعتِه مَنْ قد علم منه السَّرِيرَةَ الصالحةَ، والعَلانِيَةَ الرَّضِيَّةَ.\nوالثالثُ: أن معنى الخِيَرَةِ في هذا الموضعِ، إنما هو الخيرةُ، وهو الشيء الذى يُخْتارُ من البهائم والأنعام، والرجال والنساءِ. يُقالُ منه: أُعْطِيَ الخِيَرَةَ والخِيرَةَ. مِثْلُ الطِّيَرَةِ والطِّيْرَةِ [والطَّيْرةُ] (^٣)، وليس بالاختيار. وإذا كانت الخيرَةُ ما وَصَفْنا،\n_________\n(^١) في م: \"أوضح\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢: \"السابق\".\n(^٣) سقط من: م. والذى فى المعاجم \"الطِّيَرَة والطِّيرة\". وفيها أيضًا \"الطَّيْر\"وهو الاسم من \"التطير\". فالله أعلم. ينظر اللسان والتاج (ط ى ر).","vol":"18","page":302},{"text":"فمعلومٌ أن من أجودِ الكلامِ أن يُقالَ: وربُّك يخلُقُ ما يشاءُ، ويَختارُ ما يشاءُ، لم يكنْ لهم خَيْرُ بهيمةٍ، أو خيرُ طعامٍ، أو خيرُ رجلٍ أو امرأةٍ.\nفإن قال: فهل يجوزُ أن تكونَ بمعنى المَصْدَرِ؟ قيل: لا. وذلك أنها إذا كانت مصدرًا، كان معنى الكلامِ: وربُّك يخلُقُ ما يشاءُ، ويَختارُ كَوْنَ الخيرةِ لهم. وإذا كان ذلك معناه، وجَب ألا يكونَ الشِّرارُ لهم من البهائمِ والأنعامِ، وإذا لم يكنْ لهم شِرارُ ذلك، وجَب ألا يكونَ لها مالِكٌ، وذلك ما لا يَخْفَى خَطَؤُه؛ لأن لخيارِها ولشِرارِها أربابًا، يَمْلِكونها بتمليكِ اللهِ إياهم ذلك، وفى كون ذلك كذلك فسادُ تَوْجيهِ ذلك إلى مَعْنَى المصدرِ.\nوقولُه: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: تَنْزِيهًا للَّهِ وتَبْرِئَةً له وعُلُوًّا عمَّا أضافَ إليه المشركون مِن الشِّرْكِ، وما تَخَرَّصُوه مِن الكذبِ والباطلِ عليه. وتأويلُ الكلامِ: سبحانَ اللهِ وتعالى عن شركِهم.\nوقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ (^١) يُوجِّهُه إلى أنه بمعنى: وتعالى عن الذى يُشركون به.\n\n<span id=\"aya-3321\"></span><span data-type='title' id=toc-7041>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: وربُّك يا محمدُ يَعْلَمُ ما تُخْفى صدور خلقه. وهو مِن: أكْنَنْتُ الشيءَ فى صَدْرى، إذا أَضْمَرْتَه فيه. وكَنَنْتُ الشيءَ، إذا صُنْتَه. ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. يقولُ: وما يُبْدُونه بألسنتِهم وجوارحِهم.\nوإنما يَعْنى بذلك أن اختيارَه مَنْ يَختارُ منهم للإيمانِ به، على عِلمٍ منه بسَرائرِ أُمورِهم وبَوَادِيها، وأنه يَختارُ للخيرِ أهلَه، فيُوَفِّقُهم له، ويُولِّى الشرَّ أهْلَه، ويُخَلِّيهم\n_________\n(^١) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ٢/ ١٠٩، وفيه: عن الذين.","vol":"18","page":303},{"text":"وإياه.\n\n<span id=\"aya-3322\"></span>وقولُه: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وربُّك يا محمدُ المعبودُ الذي لا تَصْلُحُ العبادةُ إلَّا له، ولا معبودَ تَجوزُ عبادتُه غيرُه، ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾. يَعْنى فى الدنيا والآخرةِ، ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾. يقولُ: وله القضاءُ بينَ خلقِه، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: وإليه تُرَدُّونَ مِن بَعدِ مَمَاتِكم، فيَقْضى بينَكم بالحقِّ.\n\n<span id=\"aya-3323\"></span><span data-type='title' id=toc-7042>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين باللهِ: أَيُّها القومُ، أَرأَيْتُم إن جعَل اللهُ عليكم الليل دائمًا لا نهارَ إلى يومِ القيامةِ يَعْقُبُه! والعربُ تقولُ لكلِّ ما كان متصلًا لا يَنْقَطِعُ من رخاءٍ أو بلاءٍ أو نعمةٍ: هو سَرْمَدٌ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿سَرْمَدًا﴾: دائمًا لا يَنْقَطِعُ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثله.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٣١، ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٠٣، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٣٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":304},{"text":"حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾. يقولُ: دائمًا (^١).\nوقولُه: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾. يقولُ: مَن معبودٌ غيرُ المعبود الذى له عبادةُ كلِّ شيءٍ يَأْتيكم بضياءِ النهارِ، فتَسْتَضيئون به؟ ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾! يقولُ: أفلا تُرْعُون ذلك سمعَكم، وتُفَكِّرون فيه فتتَّعِظون، وتَعْلَمون أن ربَّكم هو الذى يأتى بالليلِ ويَذْهَبُ بالنهارِ إذا شاء، وإذا شاء أتى بالنهارِ وذهَب بالليلِ، فيُنْعِمُ باختلافِهما كذلك عليكم.\n\n<span id=\"aya-3324\"></span><span data-type='title' id=toc-7043>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لمشركي قومِك: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا﴾: دائمًا لا ليلَ معه أبدًا ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾: مَن معبودٌ غيرُ المعبودِ الذي له عبادةُ كلِّ شيءٍ ﴿يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ فَتَسْتَقِرُّون وتَهْدَءُون فيه؟ ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾؟ يقولُ: أفلا تَرَوْن بأبصاركِم اختلافَ الليلِ والنهارِ عليكم، رحمةً من اللهِ لكم وحُجةً منه عليكم، فتَعْلموا بذلك أن العبادةَ لا تَصْلُحُ إلا لمن أنعَم عليكم بذلك دونَ غيرِه، ولمن له القدرةُ التي خالَف بها بينَ ذلك.\n\n<span id=\"aya-3325\"></span><span data-type='title' id=toc-7044>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٠٣ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٥، ١٣٦ إلى ابن المنذر.","vol":"18","page":305},{"text":"يقولُ تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ بكم أيُّها الناسُ ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾، فخالف بينهما، فجعَل هذا الليلَ ظلامًا؛ ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ وتَهْدَءُوا وتَسْتَقِرُّوا لراحةِ أبدانِكم فيه من تعبِ التصرُّفِ الذى تَتَصَرَّفون نهارًا لمعايشِكم. وفى الهاء التي في قولِه: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ وجهان؛ أحدُهما: أن تكونَ من ذكرِ الليل خاصةً، ويُضْمَرُ للنهار مع الابتغاءِ هاءٌ أخرى. والثاني: أن تكونَ من ذكرِ الليلِ والنهارِ، فيكونَ وجهُ توحيدِها وهى لهما (^١)، وجهَ توحيدِ العربِ في قولِهم: إقبالُك وإدبارُك يُؤذيني؛ لأن الإقبالَ والإدبارَ فعلٌ، والفعلُ يُوحَّدُ كثيرُه وقليلُه: وجعَل هذا النهارَ ضياءً تُبْصِرون فيه، فتَتَصَرَّفون بأبصارِكم فيه لمعايشِكم، وابتغاءَ رزقِه الذى قسَمَه بينكم، بفضله الذي تفضَّل عليكم.\nوقولُه: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ولتَشكُروه على إنعامِه عليكم بذلك، فعل ذلك بكم لتُفْرِدوه بالشكرِ، وتُخلِصوا له الحمدَ؛ لأنه لم يَشْرَكْه في إنعامِه عليكم بذلك شريكٌ، فلذلك ينبغى ألا يَكونَ له شريكٌ في الحمدِ عليه.\n\n<span id=\"aya-3326\"></span><span data-type='title' id=toc-7045>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)﴾.</span>\nيَعْنى تعالى ذكره: ويومَ ينادى ربُّك يا محمدُ هؤلاء المشركين فيقولُ لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أَيُّها القومُ في الدنيا أنهم شركائى؟\n\n<span id=\"aya-3327\"></span>وقولُه: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾: وأحضَرنا من كلِّ جماعةٍ شهيدَها، وهو نبيُّها الذي يَشْهَدُ عليها بما أجابته أمتُه، فيما أتاهم به عن اللهِ مِن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"لها\".","vol":"18","page":306},{"text":"الرسالةِ. وقيل: ﴿وَنَزَعْنَا﴾. من قولهم: نَزَع فلانٌ بحجةِ كذا. بمعنى: أحضَرها وأخرجها.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾: وشهيدُها نبيُّها، يَشْهَدُ عليها أنه قد بلَّغ رسَالاتِ ربِّه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾. قال: رسولًا (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوه.\nوقولُه: ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. يقولُ: فقلنا لأمةِ كلِّ نبيٍّ منهم، التي ردَّت نصيحتَه، وكذَّبت بما جاءها به من عند ربِّهم، إذا (^٣) شهِد نبيُّها عليها، بإبلاغِه إياها رسالة اللهِ: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. يقولُ: فقال لهم: هاتوا حُجَّتكم على إشراكِكم باللهِ ما كنتم تُشْرِكون، مع إعذارِ اللهِ إليكم بالرسلِ وإقامتِه عليكم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٠٤ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٣٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٣١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٠٤، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٣٦ إلى الفريابي وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"إذ\".","vol":"18","page":307},{"text":"الحججَ (^١).\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. أى: بَيِّنتَكُم (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. قال: حُجَّتكم لما كنتم تعبدون وتقولون (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. قال: حُجَّتَكم بما كنتم تَعْبُدون.\nوقولُه: ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾. يقولُ: فعلموا حينئذٍ أن الحجةَ البالغةَ للَّهِ عليهم، وأن الحقَّ للهِ، والصدقَ خبرُه، فأيْقَنوا بعذابٍ من اللهِ لهم دائمٍ، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. يقولُ: واضْمَحَلَّ فذهَب الذي كانوا يُشْرِكون باللهِ في الدنيا، وما كانوا يَتَخَرَّصون ويكذبون على ربِّهم، فلم يَنْفَعْهم هنالك، بل ضرَّهم وأَصْلَاهم نارَ جهنمَ.\n_________\n(^١) في م: \"بالحجج\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٠٤ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٣١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٦ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":308},{"text":"<span id=\"aya-3328\"></span><span data-type='title' id=toc-7046>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: ﴿إِنَّ قَارُونَ﴾. وهو قارونُ بنُ يصهرَ بنِ قاهثَ بن لاوِى ابنِ يعقوبَ، ﴿كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾. يقولُ: كان مِن عشيرةِ موسى بنِ عمرانَ النبيِّ ﷺ، وهو ابنُ عمِّه لأبيه وأمِّه. وذلك أن قارونُ هو قارونُ بنُ يصهرَ بنِ قاهثَ، وموسى هو موسى بنُ عمرانَ بنِ قاهثَ، كذا نسَبه ابنُ جريجٍ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ قوله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾. قال: ابنُ عمِّه، ابنُ أخي أبيه. قال (^١): قارونُ ابنُ يصفر -هكذا قال القاسمُ، وإنما هو يصهرُ- بنِ قاهثَ، وموسى ابنُ عرمرَ (^٢) بنِ قاهثَ، وعرمرُ (^٢) بالعربيةِ عمرانُ (^٣).\nوأما ابنِ إسحاقَ فإن ابنَ حُميدٍ حدَّثنا، قال: ثنا سلمةُ، عنه، أن يصهرَ بنَ قاهثَ تزوَّج سميتَ (^٤) بنتَ بتاويتَ (^٥) بنِ بركنا (^٦) بنِ يقسانَ (^٧) بن إبراهيمَ، فولَدت له عمرانَ بنَ يصهرَ، وقارونَ بنَ يصهرَ، فنكَح عمرانُ يحيبَ (^٨) بنتَ شمويلَ بنِ\n_________\n(^١) فى م: \"فإن\". والمثبت من بقية النسخ موافق لنسخ التاريخ، وإن غيرها محقق التاريخ.\n(^٢) فى م: \"عومر\".\n(^٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٤٤٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٦ إلى ابن المنذر، وزاد المصنف فى التاريخ: هكذا قال القاسم، وإنما هو عمرم.\n(^٤) فى تاريخ المصنف: \"شميت\"، والمثبت موافق لإحدى نسخ التاريخ.\n(^٥) في تاريخ المصنف: \"تباويت\".\n(^٦) في تاريخ المصنف: \"بركيا\".\n(^٧) في ص، م: \"بقشان\"، وفي ت ٢: \"نفسان\".\n(^٨) فى م: \"بخنت\"، وبدون نقط فى ص، ت ١، ت ٢.","vol":"18","page":309},{"text":"بركنا بنِ يقسانَ بنِ إبراهيمَ، فولَدت له هارونَ بن عمرانَ، وموسى بنَ عمرانَ، صفيَّ اللهِ ونبيَّه (^١).\nفموسى على ما ذكَر ابنِ إسحاقَ، ابنُ أخى قارونَ، وقارونُ هو عمُّه، أخو أبيه لأبيه، ولأمِّه، وأكثرُ أهلِ العلمِ فى ذلك على ما قاله ابنُ جُريجٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾. قال: كان ابنَ عمِّ موسي (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، [عن إبراهيمَ، قال: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾: كان قارونُ ابنَ عمِّ موسى (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ] (^٤)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾: كنا نُحدَّثُ أنه كان ابنَ عمِّه أخى أبيه، وكان يُسمَّى المنوَّر؛ من حُسنِ صورتِه (^٥) [في التوراةِ] (^٦)، ولكنَّ عدوَّ اللهِ نافَق كما نافق السامريُّ، فأهلكه\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٨٥، ٤٤٣.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٤٣.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٤٣.\n(^٤) سقط من النسخ. والمثبت من تاريخ المصنف ١/ ٤٤٣، ٤٤٤. وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٣٤٨، ١١/ ٥، ١٢/ ١١٥.\n(^٥) فى م، ت ١: \"صوته\".\n(^٦) في م: \"بالتوراة\".","vol":"18","page":310},{"text":"البَغْىُ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾. قال: كان ابنَ عمِّه فبغَى عليه (^٢).\nقال: ثنا القطانُ، عن سفيانَ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ، قال: كان قارونُ ابنَ عمِّ موسى (^٢).\nقال: ثنا أبو معاويةَ، عن ابن أبي خالدٍ، عن إبراهيمَ: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾. قال: كان ابنَ عمِّه (^٢).\nحدَّثني بشرُ بنُ هلالٍ الصَّوافُ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ الضُّبَعِيُّ، عن مالكِ ابنِ دينارٍ، قال: بلَغنى أن موسى بنَ عمرانَ كان ابنَ عمِّ قارونَ (^٢).\nوقولُه: ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: فتجاوَز حدَّه في التكبُّرِ والتَّجَبُّرِ عليهم.\nوكان بعضُهم يقولُ: كان بَغْيُه عليهم زيادةَ شبرٍ أخَذها في طولِ ثيابِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني علىُّ بنُ سعيدٍ الكندىُّ وأبو السائبِ وابنُ وكيعٍ، قالوا: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ، عن ليثٍ، عن شهرِ بنِ حوشبٍ: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾. قال: زاد عليهم في الثيابِ شبرًا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٤٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٠٥ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٤٤.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٤٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٠٦ من طريق حفص به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٦ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":311},{"text":"وقال آخرون: كان بغيُه عليهم بكثرةِ مالِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: إنما بغَى عليهم بكثرةِ مالِه.\nوقولُه: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وآتينا قارونَ من كنوز الأموالِ ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾. وهى جمعُ مِفْتَحٍ، وهو الذى يُفْتَحُ به الأبوابُ. وقال بعضُهم: عَنَى بالمفاتحِ في هذا الموضعِ الخزائنَ - لَتُثْقِلُ العُصْبةَ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال [ما قلْنا في معنى المفاتِحِ] (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابر بنُ نوحٍ، قال: أخبَرنا الأعمشُ، عن خَيْثَمَةَ، قال: كانت مفاتيحُ قارونَ تُحمَلُ على ستين بغلًا، كلُّ مفتاحٍ منها لبابِ (^٢) كنزٍ معلومٍ، مثلُ الإصبَعِ، من جلودٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الأعمشِ، عن خيثمة، قال: كانت مفاتح كنوزِ قارونَ من جلودٍ، كلُّ مفتاحٍ مثلُ الإصبَعِ، كلُّ مفتاحٍ على خزانةٍ على حدةٍ،\n_________\n(^١) في ت ٢: \"ذلك\".\n(^٢) فى م: \"باب\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٤٥.","vol":"18","page":312},{"text":"فإذا ركِب حُمِلت المفاتيحُ على ستِّين بغلًا، أغرُّ مُحجَّلٌ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن خيثمة في قولِه: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾. قال: نجِدُ مكتوبًا في الإنجيلِ: مفاتحُ قارونَ وِقْرُ ستِّين بغلًا غُرًّا مُحَجَّلةً، ما يزيدُ كلُّ مِفتاحٍ منها على إصبَعٍ، لكلِّ مفتاحٍ منها كَنزٌ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عيينة، عن حميدٍ، عن مجاهدٍ، قال: كانت المفاتحُ من جلودِ الإبلِ (^٣).\nحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾. قال: مَفَاتِحُ من جلودٍ كمفاتحِ العيدانِ.\nوقال قومٌ: عُنى بالمفاتحِ فى هذا الموضعِ خزائنُه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن أبى\n_________\n(^١) كذا في النسخ وتاريخ المصنف، من صفة البغل لكن على القطع، وعند ابن أبي حاتم والسيوطى: \"محجلًا\". صفة على الإتباع.\nوالأثر أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٤٥. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٠٧ من طريق وكيع به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٦ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٤٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٦ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٩٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٠٧ من طريق ابن عيينة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٦، ١٣٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"18","page":313},{"text":"صالحٍ فى قولِه: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾. قال: كانت خزائنُه تُحمَلُ على أربعين بَغْلًا (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبي، عن أبي حجيرٍ، عن الضحاكِ: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾. قال: أوعيتَه (^٢).\nوبنحوِ الذي قلْنا فى معنى قوله: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾. قال: لَتُثْقِلُ بالعصبة.\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾. يقولُ: تُثقِلُ (^٣).\nوأما \"العصبةُ\"، فإنها الجماعةُ، واختلَف أهلُ التأويلِ في مبلغِ عددِها الذى أُريد فى هذا الموضعِ -فأما مبلغُ عددِ \"العصبة\" في كلامِ العربِ فقد ذكَرْناه فيما مضى باختلافِ المختلفين فيه، والروايةَ فى ذلك، والشواهدَ على الصحيحِ من قولِهم في ذلك، بما أغنَى عن إعادته في هذا الموضعِ (^٤) - فقال بعضُهم: كانت مفاتحُه تَنُوءُ بعصبةٍ؛ مبلغُ عددها أربعون رجلًا.\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٤٤، ٤٤٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٠٨ من طريق هشيم به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٠٧ من طريق وكيع به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٠٨ من طريق أبي صالح به، وأخرجه الطستى -كما في الدر المنثور ٥/ ١٣٧ - ومن طريقه السيوطى فى الاتقان ٢/ ١٠١ من طريق عبد الله بن أبي بكر، عن ابن عباس. وتقدم إسناده في الاتقان في ٢/ ٦٨.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١٣/ ١٨، ٢٩.","vol":"18","page":314},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن إسماعيلَ بن سالمٍ، عن أبي صالحٍ قولَه: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾. قال: أربعون رجلًا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾. قال: ذكِر لنا أن العصبةَ ما بين العشرة إلى الأربعين (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكِ يقولُ في قولِه: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾: يَزْعُمون أن العصبةَ أربعون رجلًا، يَنْقُلون مفاتحَه من كثرةِ عددِها.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾. قال: أربعونَ رجلًا (^٣).\nوقال آخرون: ستُّون. وقال: كانت مفاتحه تُحْمَلُ على ستِّين بغلًا.\nحدَّثنا بذلك (^٤) ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن خيثمةَ (^٥).\nوقال آخرون: كانت تُحْمَلُ على ما بينَ ثلاثةٍ إلى عشرةٍ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٠٨ من طريق إسماعيل به، وفيه: \"سبعون رجلًا\". وكذا في الدر المنثور ٥/ ١٣٧. وفى تفسير القرطبي ١٣/ ٣١٣.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٧ إلى المصنف.\n(^٤) فى م، ت ١: \"كذلك\".\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ٣١٣.","vol":"18","page":315},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾. قال: العُصْبةُ ثلاثةٌ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾. قال: العصبةُ ما بينَ [الثلاثةِ إلى العَشرةِ] (^١).\nوقال آخرون: كانت تُحْمَلُ ما بينَ العشرةِ إلى خمسةَ عشرَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾. قال: العصبةُ ما بينَ العشرةِ إلى خمسةَ عشرَ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾. قال: العصبةُ خمسةَ عشرَ رجلًا (^٣).\nوقولُه: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾. يعنى: أولى الشدةِ.\nوقال مجاهدٌ في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"العشرة إلى خمسة عشر\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٣١، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٠٨، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٣٧ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٩٣ عن ابن جريج به.","vol":"18","page":316},{"text":"ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾. قال: خمسةَ عشرَ (^١).\nفإن قال قائلٌ: وكيفَ قيل: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ وكيفَ تَنُوءُ المفاتحُ بالعصبة، وإنما العصبةُ هي التي تَنُوءُ بها؟ قيل: اختلَف في ذلك أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ؛ فقال بعضُ أهلِ البصرةِ (^٢): مجازُ ذلك: ما إن العصبةَ ذوى القوةِ لتَنُوءُ بمفاتحِ نِعَمِه. قال: ويقالُ في الكلامِ: إنها لتنوءُ بها عجيزتُها. وإنما هي: تَنُوءُ بعجيزتِها. كما يَنوءُ البعيرُ بحِمْلِه. قال: والعربُ قد تَفْعَلُ مثلَ هذا، قال الشاعرُ:\nفَدَيْتُ بنفسِه (^٣) نفسي ومالي … وما آلُوكَ إلَّا ما أُطِيقُ\nوالمعنى: فديتُ بنفسى وبمالى نفسَه. وقال آخرُ (^٤):\nوتَرْكَبُ خَيْلًا لا هَوَادَةَ بينَها … وتَشْقَى الرِّماحُ بالضياطرةِ الحُمْرِ\nوإنما تَشْقى الضياطرةُ بالرماحِ. قال: والخيلُ ههنا الرجالُ.\nوقال آخرُ منهم: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾. [يريدُ: الذى إنَّ مفاتحَه] (^٥). قال: وهذا موضعٌ لا يكادُ يُبتَدَأُ فيه \"إن\"، وقد قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]. وقولُه: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ إنما العصبةُ تَنوءُ بها، وفى الشعرِ (^٦):\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٣١، ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٠٩، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٣٧ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ٢/ ١١٠.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"به\".\n(^٤) تقدم في ١٦/ ٢٧٤.\n(^٥) سقط من: م، ت ١.\n(^٦) في مسائل نافع بن الأزرق ص ١٥٣ استشهد ابن عباس ببيت لامرئ القيس:\nتمشى فتنقلها عجيزتها … مشى الضعيف ينوء بالوسق\nوينظر تخريجه فيه.","vol":"18","page":317},{"text":"*تَنوءُ بها فتُثْقِلُها عَجِيزتُها*\nوليست العجيزةُ تنوءُ بها، ولكنها هى تنَوءُ بالعجيزةِ، وقال الأعشى (^١):\nما كنتَ فى الحربِ العَوَانِ مُغَمَّرًا … إذ شبَّ حَرُّ وقودِها أجْذالَها\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ من الكوفيين يُنْكِرُ هذا الذي قاله هذا القائلُ، وابتداءَ \"إن\" بعدَ \"ما\"، ويقولُ: ذلك جائزٌ مع \"ما\" و\"من\"، وهو مع \"ما\" و\"مَن\" أجودُ منه (^٢) مع \"الذي\"؛ لأن \"الذى\" لا يَعْمَلُ في صِلتِه ولا تَعْمَلُ صِلتُه فيه، فلذلك جاز وصارت الجملةُ عائدَ \"ما\"، إذ كانت لا تَعْمَلُ فى \"ما\" ولا تَعْمَلُ \"ما\" فيها. قال: وحسُن مع \"ما\" و\"مَن\"؛ لأنهما يكونان بتأويلِ النكرةِ إن شئت، والمعرفةِ إن شئت، فتقولُ: ضرَبتُ رجلًا ليقومَنَّ، وضرَبتُ رجلًا إنه لمحسنٌ. فتكونُ \"مَن\" و\"ما\" بتأويلِ \"هذا\"، ومع \"الذى\" أقبحُ؛ لأنه لا يكونُ بتأويلِ النكرةِ.\nوقال آخرُ منهم فى قولِه (^٣): ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾. نَوْءُها بالعصبةِ أن تُثْقِلَهم. وقال: المعنى: إنَّ مفاتحَه لَتُنِئُ العصبةَ، تُمِيلُهن من ثِقْلِها. فإذا أدخَلْتَ الباءَ قلتَ: تَنوءُ بهم. كما قال: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦]. قال: والمعنى: ائتُونى بقطرٍ أُفْرِغْ عليه. فإذا حذَفتَ الباءَ زِدت على الفعل ألفًا في أولِه، ومثلُه: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ [مريم: ٢٣]. معناه: فجاء بها المخاضُ. وقال: قد قال رجلٌ من أهل العربيةِ: ما إن العصبةَ تَنُوءُ بمفاتحِه. فحوَّل الفعلَ إلى المفاتحِ، كما قال الشاعرُ (^٤):\nإن سِراجًا لكريمٌ مَفخَرُه … تحلَى به العينُ إذا ما تَجْهَرُه\n_________\n(^١) ديوانه ص ٣١.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٣) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٣١٠.\n(^٤) تقدم في ٣/ ٤٨.","vol":"18","page":318},{"text":"وهو الذي يَحلَى بالعينِ. قال: فإن كان سمِع أثرًا بهذا فهو وجهٌ، وإلا فإنَّ الرجلَ جهِل المعنى. قال: وأنشَدني بعضُ العربِ:\nحتى إذا ما التَأَمَت مواصِلُه (^١) … وناءَ في (^٢) شِقِّ الشمالِ كاهلُه\nيعنى الراميَ لما أخَذ القوسَ ونزَع مالَ عليها. قال: ونُرى أن قولَ العربِ: ما ساءك وناءك. من ذلك، ومعناه: ما ساءك وأناءك (^٣). إلا أنه أَلقى الألفَ؛ لأنه مُتْبَعٌ لـ \"ساءَك\"، كما قالت العربُ: أكلْتُ طعامًا فهنَأَنى ومرَأَني. ومعناه إذا أُفرِدَت: وأَمْرَأَنى. فحُذِفت منه الألفُ لمّا أُتبِع ما ليس فيه ألِفٌ.\nوهذا القولُ الآخرُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾. أولى بالصوابِ من الأقوالِ الأُخرِ؛ لمعنيين؛ أحدُهما، أنه تأويلٌ موافِقٌ لظاهرِ التنزيلِ. والثاني، أن الآثارَ التي ذكَرنا عن أهلِ التأويلِ بنحوِ هذا المعنى جاءت، وأنَّ قولَ مَن قال: معنى ذلك: ما إن العصبةَ لتَنوءُ بمفاتحِه. إنما هو توجيهٌ منهم إلى أن معناه: ما إن العصبةَ لتَنْهَضُ بمفاتحِه. وإذا وجِّه إلى ذلك لم يكنْ فيه من الدلالةِ على أنه أُريدَ به الخبرُ عن كثرةِ كنوزِه على نحوِ ما فيه إذا وجِّه إلى أن معناه: إن مفاتحَه تُثْقِلُ العصبةَ وتُمِيلُها؛ لأنه قد تَنْهَضُ العصبةُ بالقليلِ من المفاتحِ وبالكثيرِ، وإنما قصد جلَّ ثناؤُه الخبرَ (^٤) عن كثرةِ ذلك، وإذا أُريدَ به الخبرُ عن كثرتِه، كان لاشكَّ أن الذي قالَه مَن ذكَرنا قوله من أن معناه: لتنوءُ العصبةُ بمفاتحِه. قولٌ لا معنى له، هذا مع خلافِه تأويلَ السلفِ فى ذلك.\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢: \"مفاصله\".\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢: \"عن\".\n(^٣) بعده في م: \"من ذلك\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"بالخبر\".","vol":"18","page":319},{"text":"وقولُه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾. يقولُ: إِذ قال قومُه: لا تَبْغِ ولا تَبْطَرْ فَرَحًا، إن اللهَ لا يُحِبُّ مِن خَلْقِهِ الأَشِرِين البَطِرِين.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾. يقولُ: المرحِين (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾. قال: المتبذِّخين الأَشِرِين البَطِرِين الذين لا يَشْكُرون اللهَ على ما أعطاهم.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن جابرٍ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ فى هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾. قال: الأشِرِين البَطرِين البَذِخين (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا العوَّامُ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾. قال: يعنى به البَغْيَ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠١٠ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا فى الهم والحزن (١٥٧) من طريق شعبة به، بلفظ: الأشرين.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٠٩ من طريق العوام به.","vol":"18","page":320},{"text":"نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾. قال: المُتبذِّخين الأَشِرِين الذين لا يَشْكُرون اللهَ فيما أعطاهم.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: المتبذِّخين (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ المُخَرِّمِيُّ، قال: ثنى شَبَابةُ، قال: ثنى ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾. قال: الأَشِرِين البَطِرِين.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ﴾ أى: لا تَمْرَحْ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ أي: إن اللهَ لا يُحِبُّ المَرِحين (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾. قال: الأشِرِين البَطِرِين الذين لا يَشْكُرون اللهَ فيما أَعطاهم.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا العوَّامُ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾. قال: هو فَرَحُ البَغْيِ.\n\n<span id=\"aya-3329\"></span><span data-type='title' id=toc-7047>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا</span>\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٣١، ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٠٩، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٣٧ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠١٠ معلقًا.","vol":"18","page":321},{"text":"تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾.\nيقولُ تعالى ذكره مخبرًا عن قيلِ قومِ قارونَ له: لا تَبْغِ يا قارونُ على قومِك بكثرةِ مالِك، والتَمِسْ فيما آتاك اللهُ من الأموالِ خيراتِ الآخرةِ، بالعملِ فيها بطاعةِ اللهِ في الدنيا.\nوقولُه: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: ولا تَتْرُكْ نصيبَك وحظَّك من الدنيا، أن تَأْخُذَ فيها بنصيبِك من الآخرةِ، فتعمَلَ فيه بما يُنَجِّيك غدًا من عقابِ اللهِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. يقولُ: لا تَتْرُكْ أن تَعْمَلَ للهِ فى الدنيا (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. قال: أن تَعْمَلَ فيها لآخرتِك (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ، عن عونِ بنِ عبدِ اللهِ: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. قال: إن قومًا يَضَعونها على غيرِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠١٠ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠١٠ من طريق سفيان عن الأعمش عن رجل عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٧ إلى الفريابي.","vol":"18","page":322},{"text":"موضِعِها، ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾: تَعْمَلُ فيها بطاعةِ اللهِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. قال: العملَ بطاعتِه (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: تَعْمَلُ في دنياك لآخرتِك.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. قال: العملَ فيها بطاعةِ اللهِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عيسى الجُرَشِيِّ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. قال: أن تَعْمَلَ في دنياك لآخرتِك.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن مجاهدٍ، قال: العملُ بطاعةِ اللهِ نصيبُه من الدنيا الذى يُثابُ عليه فى الآخرةِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٩٣ عن معمر به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٣٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠١٠.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٧ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":323},{"text":"تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. قال: لا تَنْسَ أن تُقَدِّمَ مِن دنياك لآخرتِك، فإنما تَجِدُ فى آخرتِك ما قدَّمتَ من (^١) الدنيا فيما رزَقك اللهُ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تَترُكْ أن تَطْلُبَ فيها حظَّك من الرزقِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. قال الحسنُ: ما أحلَّ اللهُ لك منها، فإن لك فيه غِنًى وكفايةً (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ حميدٍ المَعْمَرِيُّ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. قال: طَلَبَ الحلالِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن أشعثَ، عن الحسنِ: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. قال: قدِّمِ الفضلَ، وأمسِكْ ما يُبلِّغُك (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: الحلال فيها.\nوقولُه: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. يقولُ: وأَحسِنْ فى الدنيا إنفاقَ مالِك الذى آتاكه اللهُ، فى وجوهِه وسُبُلِه، كما أحسَن اللهُ إليك، فوسَّع\n_________\n(^١) في م: \"فى\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠١١ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠١١ من طريق يزيد به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٩٣ عن معمر به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٣٠، وابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠١١ من طريق حفص به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٧ إلى الفريابي وابن المنذر.","vol":"18","page":324},{"text":"عليك منه، وبسَط لك فيها.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. قال: أَحْسِنْ فيما رزَقك اللهُ (^١).\n﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: ولا تَلْتَمِسْ ما حرَّم اللهُ عليك من البَغْيِ على قومِك. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: إن اللهَ لا يُحِبُّ بُغاةَ البَغْيِ والمعاصي.\n\n<span id=\"aya-3330\"></span><span data-type='title' id=toc-7048>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: قال قارونُ لقومِه الذين وعَظوه: إنما أُوتِيتُ هذه الكنوزَ على فضلِ علمٍ عندى، علِمه اللهُ منى، فرَضِى بذلك عنِّى، وفضَّلني بهذا المالِ عليكم؛ لعلمِه بفضلى عليكم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠١٢ من طريق أصبغ عن ابن زيد، وفيه: زادك. بدلا من: رزقك.","vol":"18","page":325},{"text":"﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾. قال: على خيرٍ (^١) عندى (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾. قال: لولا رضا اللهِ عنى ومعرفتُه بفضلى ما أعطانى هذا. وقرَأ: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ الآية (^٣).\nوقد قيل (^٤): إنَّ معنى قولِه: ﴿عِنْدِي﴾ بمعنى: أرى. كأنه قال: إنما أُعطيتُ (^٥) لفضلِ علمى، فيما أرَى.\nوقولُه: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ قارونُ حين زعَم أنه أُوتِى الكُنوزَ لفضلِ علمٍ عندَه، علِمتُه أنا منه، فاستحَقَّ بذلك أن يُؤْتَى ما أُوتى من الكُنوزِ - ﴿أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ من الأمم ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ﴾ بَطشًا، ﴿وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للأموالِ، ولو كان اللهُ يُؤْتِى الأموالَ مَن يُؤْتِيه لفضلٍ فيه وخيرٍ عندَه ولرضاه عنه، لم يَكُنْ يُهلِكُ مَن أهلَك من أربابِ الأموالِ الذين كانوا أكثرَ منه مالًا؛ لأنَّ مَن كان اللهُ عنه راضيًا، فمُحالٌ أن يُهلِكَه اللهُ وهو عنه راضٍ، وإنما يُهْلِكُ مَن كان عليه ساخطًا.\nوقولُه: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾. قيل: إن معنى ذلك أنهم يَدْخُلون النارَ بغير حسابٍ.\n_________\n(^١) م: \"خبر\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠١٢ من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠١٢ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٤) هو قول الفراء في معاني القرآن ٢/ ٣١١.\n(^٥) في م: \"أوتيته\".","vol":"18","page":326},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا سفيانُ، عن معمرٍ (^١)، عن قتَادةَ: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾. قال: يَدْخُلون النارَ بغيرِ حسابٍ (^٢).\nوقيل: إن معنى ذلك أن الملائكةَ لا تَسْأَلُ عنهم؛ لأنهم يَعْرِفونهم بسيماهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾: كقولِه: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١]. زُرقًا سودَ الوجوهِ، والملائكةُ لا تَسْأَلُ عنهم، قد عرَفتهم (^٣).\nوقيل: إن معنى ذلك: ولا يُسْألُ عن ذنوبِ هؤلاء الذين أهلَكهم اللهُ من الأممِ الماضيةِ، المجرِمون: فيمَ أُهْلِكوا؟\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا موسى بنُ عبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾. قال: عن ذنوبِ الذين مضَوا، فيمَ أُهلِكوا (^٤)؟.\n_________\n(^١) فى م: \"عمر\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٩٤ ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠١٣ عن معمر به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٣٢، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠١٣، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٣٧ إلى الفريابي.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠١٣ من طريق أبي عاصم به.","vol":"18","page":327},{"text":"فالهاءُ والميمُ فى قولِه: ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمُ﴾ على هذا التأويلِ لـ ﴿مَنْ﴾ الذي في قولِه: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾. وعلى التأويلِ الأوّلِ الذى قاله مجاهدٌ وقتادةُ لـ \"المجرمين\"، وهى بأن تكونَ من ذكرِ \"المجرمين\" أولى؛ لأن اللهَ تعالى ذكره غيرُ سائلٍ عن ذنوبِ مذنبٍ غيرَ مَن أذنَب؛ لا مؤمنٍ ولا كافرٍ. فإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه لا معنى لخصوصِ المجرمين لو كانت الهاءُ والميمُ اللتان فى قولِه: ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمُ﴾ لـ ﴿مَنْ﴾ الذي في قولِه: ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ دونَ المؤمنين، يعنى لأنه غيرُ مسئولٍ عن ذلك مؤمنٌ ولا كافرٌ، إلا الذين ركِبوه واكتسَبوه.\n\n<span id=\"aya-3331\"></span><span data-type='title' id=toc-7049>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: فخرَج قارونُ على قومِه في زينتِه، وهي فيما ذُكر ثيابُ الأُرْجُوَانِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا طلحةُ بنُ عمرٍو، عن أبى الزبيرِ، عن جابرٍ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾. قال: في القِرْمِزِ (^١).\nقال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾. قال: في ثيابٍ حُمْرٍ (^٢).\n_________\n(^١) القرمز: صبغ أحمر. النهاية ٤/ ٥٠.\nوالأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٨ إلى عبد بن حميد من قول أبي الزبير.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٤ عن سفيان به بلفظ: ثياب معصفرة.","vol":"18","page":328},{"text":"حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾. قال: على بَرَاذِينَ بِيضٍ، عليها سروجُ الأُرْجُوَانِ، عليهم المُعَصْفَراتُ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾. قال: عليه ثوبانِ معصفرانِ.\nوقال ابنُ جريجٍ: على بغلةٍ شهباءَ عليها الأرجوانُ، وثلاثُمائةِ جاريةٍ على البغالِ الشُّهْبِ، عليهن ثيابٌ حمرٌ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثني أبي ويحيى (^٣) بنُ يمانٍ، عن مباركٍ، عن الحسنِ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾. قال: فى ثيابٍ حُمرٍ وصُفرٍ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ أنه سمِع إبراهيمَ النخَعِيَّ، قال في هذه الآيةِ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾. قال: في ثيابٍ حمرٍ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ النخعيِّ مثلَه.\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٤٦، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠١٣ من طريق أبي خالد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٧، ١٣٨ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠١٤ من طريق أبي خالد عن ابن جريج، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٨ إلى ابن المنذر.\n(^٣) فى ص، ت ١، ت ٢: \"بحر\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠١٣ من طريق مبارك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٨ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٨ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":329},{"text":"حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا غُنْدَرٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرَ (^١) بنِ عليٍّ المُقَدَّميُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ حكيمٍ، قال: دخَلنا على مالكِ بن دينارٍ عشيةً، وإذا هو في ذكرِ قارونَ، قال: وإذا رجلٌ من جيرانِه عليه ثيابٌ مُعصفرةٌ، قال: فقال مالكٌ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾. قال: في ثيابٍ مثلِ ثيابِ هذا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتَادةَ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾: ذُكر لنا أنهم خرَجوا على أربعةِ آلافِ دابةٍ، عليهم وعلى دوابِّهمُ الأرجُوانُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾. قال: خرَج في سبعين ألفًا، عليهم المعصفراتُ، فيما كان أبي يَذْكُرُ لنا (^٣).\n﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾. يقولُ تعالى ذكره: قال الذين يريدون زينةَ الحياةِ الدنيا مِن قومِ قارونَ: يا ليتَنا أُعطِينا مثلَ ما أُعْطِى قارونُ مِن زينتِها، ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. يقولُ: إِن قارونَ لذو نصيبٍ مِن الدنيا عظيمٍ (^٤).\n\n<span id=\"aya-3332\"></span><span data-type='title' id=toc-7050>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾.</span>\n_________\n(^١) في النسخ: \"عمرو\". وتقدم في ٥/ ٤٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠١٤ من طريق يزيد به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٤ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠١٤ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١.","vol":"18","page":330},{"text":"يقولُ تعالى ذكره: وقال الذين أُوتوا العلمَ باللهِ حينَ رَأَوا قارونَ خارجًا عليهم فى زينتِه، للذين قالوا: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾: ويلَكم، اتَّقوا اللهَ وأطِيعوه، فثوابُ اللهِ وجَزاؤُه لمَنْ آمَن به وبرُسُلِه، وعمِل بما جاءت به رُسُلُه مِن صالحاتِ الأعمالِ، في الآخرةِ، خيرٌ مما أُوتى قارونُ من زينتِه ومالِه لقارونَ.\nوقولُه: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾. يقولُ: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾. أى: ولا يوفَّقُ لقيلِ هذه الكلمةِ، وهى قولُه: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. والهاءُ والألفُ كنايةٌ عن الكلمةِ. وقال: ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾. يعنى بذلك: الذين صَبَروا عن طلبِ زينةِ الحياةِ الدنيا، وآثَروا ما عندَ اللهِ مِن جزيلِ ثوابِه على صالحاتِ الأعمالِ، على لَذَّاتِ الدنيا وشَهَواتِها، فجَدُّوا في طاعةِ اللهِ، ورفَضوا الحياةَ الدنيا.\n\n<span id=\"aya-3333\"></span><span data-type='title' id=toc-7051>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: فخَسَفْنا بقارونَ وأهلِ دارِه.\nوقيل: ﴿وَبِدَارِهِ﴾. لأنه ذُكِر أن موسى إذ أمَر الأرضَ أن تأخذَه، أمَرها بأَخْذِه وأخذِ مَن كان معه مِن جُلسائِه فى دارِه، وكانوا جماعةً جُلُوسًا معه، وهم على مثلِ الذى هو عليه مِن النفاقِ والمُؤازرةِ على أذَى موسى.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: أخبَرنا الأعمشُ، عن المِنْهالِ","vol":"18","page":331},{"text":"ابن عمرٍو، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا نزلَت الزكاةُ أتَى قارونُ موسى، فصالَحه على كلِّ ألفِ دينارٍ دينارًا، وكلِّ ألفِ شيءٍ شيئًا، أو قال: وكلِّ ألفِ شاةٍ شاةً -الطبريُّ يشكُّ- قال: ثم أتَى بيتَه فحَسَبَه، فوجَده كثيرًا، فجمَع بني إسرائيلَ، فقال: يا بني إسرائيلَ، إن موسى قد أمَركم بكلِّ شيءٍ فأطَعْتُموه، وهو الآنَ يريدُ أن يأخُذَ مِن أموالِكم. فقالوا: أنت كبيرُنا، وأنت سَيِّدُنا، فمُرْنا بما شئتَ. فقال: آمُرُكم أن تَجِيئُوا بفلانةَ البغيِّ، فتَجْعَلُوا لها جُعْلًا، فتَقْذِفُه بنفسِها. فدَعَوها، فجَعَل لها جُعْلًا على أن تَقْذِفَه بنفسِها، ثم أتَى موسى، فقال لموسى: إن بني إسرائيلَ قد اجتَمعوا لتأمُرَهم ولتَنْهاهم. فخرج إليهم وهم في بَراحٍ مِن الأرضِ (^١)، فقال: يا بني إسرائيلَ، مَن سَرَق قطَعْنا يدَه، ومَن افتَرى جَلَدْناه ثمانين (^٢)، ومَن زنَى وليس له امرأةٌ جلَدْناه مائةً، ومَن زنَى وله امرأةٌ جلَدْناه يموتَ -أو: رَجَمْناه حتى يموتَ- الطبريُّ يشكُّ. فقال له قارونُ: وإن كنتَ أنت؟ قال: وإن كنتُ أنا. قال: فإن بني إسرائيلَ يزعُمون أنك فجَرْت بفلانةَ. قال: ادْعُوها، فإن قالت فهو كما قالت. فلما جاءتْ قال لها موسى: يا فلانةُ. قالت: يا لبَّيك. قال: أنا فعلتُ بكِ ما يقولُ هؤلاء؟ قالت: لا وكذَبوا، ولكن جعَلوا لي جُعْلًا على أنى أقْذِفُك بنفسى. فوثَب، فسجَد وهو بينَهم، فأوحى اللهُ إليه: مُرِ الأَرضَ بما شئتَ. قال: يا أرضُ خُذِيهم. فأخذَتهم إلى أقْدامِهم، ثم قال: يا أرضُ خُذِيهم. فأخذَتهم إلى رُكبِهم، ثم قال: يا أرضُ خذِيهم. فأخذتهم إلى حِقِيِّهم (^٣)، ثم قال: يا أرضُ خُذِيهم. فأخَذَتهم إلى أعْناقِهم، قال: فجعَلوا يقولون: يا موسى يا موسى.\n_________\n(^١) البراح: المتسع من الأرض لا زرع بها ولا شجر، ويقال: أرض براح: واسعة ظاهرة لا نبات فيها ولا عمران. التاج (ب ر ح).\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٣) الحَقْو: الكَشْح، وقيل معقد الإزار، والجمع: أحْقٍ وأحقاء وحقِيّ وحقاء. اللسان (ح ق و).","vol":"18","page":332},{"text":"ويتضرَّعون إليه، قال: يا أرضُ خُذِيهم. فأطبقَت (^١) عليهم، فأوحَى اللهُ إليه: يا موسى، يقولُ لك عبادى: يا موسى يا موسى. فلا ترحمُهم، أمَا لو إيَّاى دَعَوا، لوجَدوني قريبًا مُجِيبًا. قال: فذلك قولُ اللهِ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾. وكانت زينتُه أنه خرَج على دوابَّ شُقْرٍ عليها سُرُوجٌ حُمْرٌ، عليهم ثيابٌ مُصْبَغةٌ بالبَهْرَمانِ (^٢)، ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ يا محمدُ ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن رجلٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا أمَر اللهُ موسى بالزكاةِ قال: رَمَوه بالزِّنى، فجَزِع مِن ذلك، فأرسَلوا إلى امرأةٍ كانوا (^٤) قد أعْطَوها حُكْمَها على أن تَرْمِيَه بنفسِها، فلما جاءتْ عَظَّمَ عليها، وسألَها بالذى فلَق البحر لبنى إسرائيلَ، وأنزَل التوراةَ على موسى إلا صَدَقَت، قالت: إذ قد استحلفتَني، فإنى أشهَدُ أنك بَرِئٌ، وأنك رسولُ اللهِ. فخَرَّ ساجدًا يَبْكى، فأوحَى اللهُ إليه: ما يُبْكِيك؟ قد سَلَّطناك على الأرضِ، فمُرْها بما شئتَ. فقال: خُذِيهم. فأخذَتهم إلى ما شاء اللهُ. فقالوا: يا موسى يا موسى. فقال: خُذِيهم. فأخذَتهم إلى ما شاء اللهُ، فقالوا: يا موسى يا موسى. فخسَفتهم. قال: وأصابَ بنى إسرائيلَ بعدَ ذلك شِدَّةٌ وجوعٌ شديدٌ، فأتَوا موسى، فقالوا: ادْعُ لنا ربَّك. قال: فدَعا لهم، فأوحَى اللهُ إليه: يا موسى، أتُكَلِّمُنى في قومٍ قد\n_________\n(^١) فى م: \"فانطبقت\".\n(^٢) البهرمان: العصفر، وقيل: ضرب من العصفر. اللسان (بهرم).\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٤٧، ٤٤٨، وأخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٣١، ٥٣٢، والحاكم ٢/ ٤٠٨، ٤٠٩، وابن عساكر ٦١/ ٩٧، ٩٨ فى تاريخه من طريق الأعمش به.\n(^٤) في م: \"كانت\".","vol":"18","page":333},{"text":"أظلمَ ما بينى وبينَهم خَطاياهم، وقد دَعَوك فلم تُجِبْهم، أما لو إيَّاى دَعَوا لأجَبْتُهم (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾. قال: قيل للأرضِ: خُذِيهم. فأخذَتْهم إلى أعْقابِهم، ثم قيل لها: خُذِيهم. فأخذَتْهم إلى ركبِهم. ثم قيل لها: خذيهم. فأخَذتهم إلى أحْقيهم، ثم قيل لها: خذيهم. فأخذتهم إلى أعناقِهم، ثم قيل لها: خذيهم. فَخُسِف بهم، فذلك قولُه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عليُّ بنُ هاشمِ بنِ البَرِيدِ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾. قال: كان ابنَ عمِّه، وكان موسى يقضِى في ناحيةِ بني إسرائيلَ، وقارونُ فى ناحيةٍ. قال: فدَعا بَغِيَّةً كانت في بني إسرائيلَ، فجعَل لها جُعْلًا على أن تَرْمِيَ موسى بنفسِها، فتَرَكَتْه حتى (^٣) إذا كان يومٌ يجتمعُ فيه بنو إسرائيلَ إلى موسى، أتاه قارونُ فقال: يا موسى، ما حَدُّ مَن سَرَق؟ قال: أن تُقْطَعَ (^٤) يَدُه. قال: وإن كنتَ أنت؟ قال: نعم. قال: فما حَدُّ مَن زنَى؟ قال: أَن يُرْجَمَ. قال: وإن كنتَ أنت؟ قال: نعم. قال: فإنك قد فعَلت. قال: وَيْلَك، بمَن؟ قال: بفُلانةَ. فدَعاها موسى، فقال: أَنْشُدُكِ بالذى أنزَل التوراةَ، أَصَدَق قارونُ؟ قالت: اللهمَّ إذ نشدْتَنى، فإني أشهدُ أنك برئٌ، وأنك رسولُ اللهِ، وأن عدوَّ اللهِ قارونَ جعَل\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٤٨، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦١/ ٩٨ من طريق الأعمش به مختصرا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠١٦ من طريق وكيع به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٠٨، ٤٠٩، وابن عساكر في تاريخه ٦١/ ٩٧، ٩٨ من طريق الأعمش به.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"تنقطع\".","vol":"18","page":334},{"text":"لى جُعْلًا على أن أرْمِيَك بنَفْسى. قال: فوثَب موسى، فخَرَّ ساجدًا للهِ، فأوحَى اللهُ إليه: أن ارفَعْ رأسَك، فقد أمرتُ الأرضَ أن تُطِيعَك. فقال موسى (^١): خُذِيهم. فأَخَذَتهم حتى بَلَغوا الحِقْوَ، قال: يا موسى. قال: خُذِيهم. فأَخَذَتهم حتى بلَغوا الصدورَ، قال: يا موسى. قال: خُذِيهم. قال: فذهَبوا. قال: فأوحَى اللهُ إليه: يا موسى، اسْتَغاثَ بك فلم تُغِثْه، أمَا لو اسْتغاثَ بي لأجَبْتُه ولأغَثْتُه (^٢).\nحدَّثنا بشرُ بنُ هلالٍ الصَّوَّافُ، قال: ثنا جعفرُ بن سليمانَ الضُّبَعِيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ زيدِ بن جُدْعانَ، قال: خرج عبدُ اللهِ بنُ الحارثِ مِن الدارِ، ودخَل المقصورةَ، فلما خرَج منها، جلَس وتَسانَد عليها، وجَلَسْنا إليه، فذكَر سليمانَ بن داودَ وقال: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٣٨ - ٤٠]. ثم سكَت عن ذكر سليمانَ، فقال: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾. وكان قد أُوتى من الكنوزِ ما ذكَر اللهُ في كتابِه: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾، ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾. قال: وعادَى موسى، وكان مُؤْذِيًا له، وكان موسى يصفحُ عنه ويعفُو للقرابةِ، حتى بنَى دارًا، وجعَل بابَ دارِه مِن ذَهَبٍ، وضرَب على [جُدُرِ دارِه] (^٣) صفائحَ الذهبِ، وكان الملأُ من بني إسرائيلَ يَغْدُون عليه ويَرُوحون، فيُطْعِمُهم الطعامَ، ويحدِّثونه ويُضْحِكونه، فلم تَدَعْه شِقْوتُه والبَلاءُ، حتى أرسَل إلى امرأةٍ مِن بنى إسرائيلَ مشهورةٍ بالخَنَا، مشهورةٍ بالسَّبِّ، فأرسَل إليها فجاءت فقال لها: هل لكِ أن أُمَوِّلَكِ وأُعْطِيَكِ وأَخْلِطَكِ بنسائِى، على أن تأتِيَنى والملأُ من بني إسرائيلَ عندى\n_________\n(^١) بعده فى م: \"يا أرض\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٤٨، ٤٤٩، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠١٨، وابن عساكر في تاريخه ٦١/ ٩٧، ٩٨ من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٦ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"حدداره\"، وفى م: \"جدرانه\". والمثبت من التاريخ.","vol":"18","page":335},{"text":"فتقولى: يا قارونُ، أَلَا تَنْهَى عَنِّى موسى، قالت: بلى. فلما جلَس قارونُ وجاءه الملأُ من بنى إسرائيلَ، أرسَل إليها، فجاءتْ فقامَت بينَ يدَيه، فقَلَّب اللهُ قلبَها، وأحْدَث لها توبةً، فقالت في نفسها: أُحْدِثُ (^١) اليوم توبةً أَفضلُ مِن أن أُوذِيَ رَسولَ اللهِ ﷺ، وأُكذِّبُ (^٢) [عدوًّا له] (^٣). فقالت: إن قارونَ قال لي: هل لك أن أُمَوِّلَكِ وأُعْطِيَك وأَخْلِطَكِ بنِسائِي، على أن تأتِيَنى والملأُ من بنى إسرائيلُ عندى، فتقولى: يا قارونُ، ألا تَنْهَى عنى موسى، فلم أجِدْ توبةً أفضلَ مِن ألا أُوذِيَ رسولَ اللهِ ﷺ، وأُكَذِّبَ (٢) عدوَّ اللهِ. فلما تكلَّمَت بهذا الكلامِ، سُقِط فى يَدَيْ قارونَ، ونَكَّس رأسَه، وسكَت الملأُ، وعرَف أنه قد وَقَع فى هَلَكَةٍ، وشاعَ كلامُها فى الناسِ، حتى بلَغ موسى، فلما بلَغ موسى اشتدَّ غضبُه، فتوضَّأَ من الماءِ، وصلَّى وبكَى، وقال: يا ربِّ، عدوُّك لي مُؤْذٍ، أراد فَضِيحتى وشَينى، يا ربِّ سَلِّطْنى عليه. فأوحى اللهُ إليه أَن مُرِ الأَرضَ بما شئتَ تُطِعْك، فجاء موسى إلى قارونَ، فلما دخَل عليه، عرف الشَّرَّ في وَجْهِ موسى له، فقال: يا موسى ارحَمْنى. قال: يا أرضُ خُذِيهم. قال: فاضطَرَبت دارُه، وساخَت بقارونَ وأصحابِه إلى الكعبَين، وجعَل يقولُ: يا موسى، [ارحمْنى. قال: يا أرضُ خذيهم. فاضطربت دارُه وساخت، وخُسِف بقارونَ وأصحابِه] (^٤) إلى رُكَبِهم، وهو يَتضرَّعُ إلى موسى: يا موسى ارحَمْنى. قال: يا أرضُ خُذِيهم. قال: فاضطرَبَت دارُه وساخَت، وخُسِف بقارونَ وأصحابِه إلى سُرَرِهم، وهو يَتضرَّعُ إلى موسى: يا موسى ارحَمْنى. قال: يا أرضُ خُذِيهم. فخُسِف به وبدارِه وأصحابِه. قال: وقيل لموسى ﷺ: يا موسى ما أفَظَّك، أما وعِزَّتى لو إيَّاى نادَى لأجبْتُه (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"لأن أحدث\".\n(^٢) في ص، وتاريخ المصنف: \"أعذب\".\n(^٣) فى م: \"عدو الله له\"، وفى تاريخ المصنف وتاريخ دمشق: \"عدو الله\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، وفى م: \"فأخذتهم\". والمثبت من التاريخ.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٤٩، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره -كما في الدر المنثور ٥/ ١٣٨ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠١٩، وابن عساكر في تاريخه ٦١/ ٩٦، ٩٧ عن جعفر به، وهو في تفسير مجاهد ص ٥٣٢، ٥٣٣ من طريق على بن زيد بن جدعان به.","vol":"18","page":336},{"text":"حدَّثنى بشرُ بنُ هلالٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن أبي عمرانَ الجَوْنيِّ، قال: بلَغنى أنه قيل لموسى: لا أُعَبِّدُ الأَرضَ لأحدٍ بعدَك أبدًا (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ وعبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن سفيانَ، عن الأغَرِّ بنِ الصباحِ، عن خليفةَ بنِ حُصَينٍ، قال عبدُ الحميدِ: عن أبي نصرٍ، عن ابنِ عباسٍ، ولم يذكُرِ ابنُ مهديٍّ أبا نصرٍ: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾. قال: الأرضَ السابعةَ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: بلَغَنا أنه يُخْسَفُ به كلَّ يومٍ (^٣) قامةً، ولا يبلُغُ أسفلَ الأرضِ إلى يومِ القيامةِ، فهو يَتجَلْجَلُ فيها إلى يومِ القيامةِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ (^٥)، عن جعفرِ بنِ سليمانَ، قال: سمِعتُ مالكَ بن دينارٍ، قال: بلَغَنى أن قارونَ يُخْسَفُ به كلَّ يومٍ [مائةَ قامةٍ] (^٦).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾: ذُكر لنا أنه يُخْسَفُ به كلَّ يومٍ قامةً، وأنه يتجلجلُ فيها، لا يبلغُ قعرَها\n_________\n(^١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٤٤٩، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره -كما في الدر المنثور ٥/ ١٣٨ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٢٠، وابن عساكر في تاريخه ٦١/ ٩٧ - عن جعفر، وهو في تفسير مجاهد ص ٥٣٣ من طريق على بن زيد بن جدعان به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٢٠ من طريق سفيان به، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦١/ ٩٥، ٩٦ من طريق الضحاك، عن ابن عباس.\n(^٣) بعده في م: \"مائة\".\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٩ إلى ابن المنذر.\n(^٥) في م: \"حبان\".\n(^٦) كذا فى النسخ، وفى الدر المنثور: \"قامة قامة\".\nوالأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"18","page":337},{"text":"إلى يومِ القيامةِ (^١).\nوقولُه: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. يقولُ: فلم يَكُنْ له جندٌ يرجِعُ إليهم ويفئُ (^٢)، ينصُرونه لمّا نزَل به مِن اللهِ (^٣) سخطُه، بل تَبَرَّءُوا منه، ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾. يقولُ: ولا كان هو ممن ينتصِرُ مِن اللهِ إذا أحلَّ به نِقْمَتَه، فيَمْتنِعَ لقوَّتِه منها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. أى: جندٌ ينصُرونه، وما عندَه مَنَعَةٌ يمتنعُ بها مِن اللهِ (^٤).\nوقد بَيَّنَّا معنى \"الفئةِ\" فيما مضَى (^٥)، وأنها الجماعةُ مِن الناسِ، وأصلُها الجماعةُ التي يَفِيءُ إليها الرجلُ عندَ الحاجةِ إليهم، للعَوْنِ على العدوِّ، ثم تَستعملُ ذلك العربُ فى كلِّ جماعةٍ كانت عونًا للرجلِ وظَهْرًا له، ومنه قولُ خُفَافٍ (^٦):\nفلم أرَ مِثْلَهم (^٧) حَيًّا لَقاحًا … [وجَدِّكَ] (^٨) بين ناضحةٍ (^٩) وحَجْرٍ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٥٠، ٤٥١، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٢٠ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"ولا فئة\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٢٠ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) ينظر ما تقدم في ١٥/ ٢٦٩.\n(^٦) ديوانه ص ٥١.\n(^٧) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٨) في ديوانه: \"أقاموا\".\n(^٩) في الديوان: \"قاضية\". وناضحة: موضع بين اليمامة ومكة. ينظر معجم البلدان ٤/ ٧٣٠.","vol":"18","page":338},{"text":"أشَدَّ على صُرُوفِ الدَّهْرِ آدًا … وآمرُ (^١) مِنهُمُ فِئَةٌ (^٢) بِصَبْرِ\n\n<span id=\"aya-3334\"></span><span data-type='title' id=toc-7052>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: وأصبَح الذين تمنَّوْا مكانَه (^٣) مِن الدنيا وغِناه وكثرةَ مالِه وما بُسِط له منها، ﴿بِالْأَمْسِ﴾ يعنى قبلَ أن ينزلَ به ما نزَل مِن سَخَطِ اللهِ وعِقابِه، يقولون: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾.\nاختُلف في معنى: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾. فأما قتادةُ فإنه رُوِى عنه في ذلك قولان؛ أحدُهما، ما حدَّثنا به ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ خالدٍ، ابنُ عَثْمَةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بشيرٍ، عن قتادةَ، قال في قولِه: ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾. قال: ألم تَرَ أنه (^٤)!\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾: أَوَ لَا تَرى أنه (^٥).\nوحدَّثني إسماعيلُ بن المُتوكَّلِ الأشْجَعيُّ، قال: ثنا محمدُ بن كثيرٍ، قال: ثنى مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾. قال: ألم تَرَ أنه.\nوالقولُ الآخرُ، ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن\n_________\n(^١) في م: \"أكبر\".\n(^٢) في ديوانه: \"فيها\".\n(^٣) بعده فى م، ت ١: \"بالأمس\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٢٢ من طريق محمد بن خالد به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٢١ من طريق يزيد به.","vol":"18","page":339},{"text":"مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾. قال: أو لا (^١) يعلمُ أن اللهَ، ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾: أوَ لا يعلمُ أنه (^٢).\nوتأوَّل هذا التأويلَ الذي ذكَرناه عن قتادةَ في ذلك أيضًا بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ (^٣)، واستَشهَد لصحةِ تأويلِه ذلك كذلك بقولِ الشاعرِ (^٤):\nسَأَلَتانِي الطَّلاقَ أنْ [رَأتاني … قَلَّ مالي] (^٥) قد جِئْتُمانى (^٦) بِنُكْرِ\nوَيْكَأَنْ مَنْ يَكُنْ لَه نَشَبٌ … يُحْبَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (^٧): \"وَيْكَأَنَّ\" في كلامِ العربِ تَقْريرٌ، كقولِ الرجلِ: أما تَرى إلى صُنْعِ اللهِ وإحسانِه! وذكَر أنه أخبَره مَن سمِع أعرابيةً تقولُ لزوجِها: أينَ ابنُكَ (^٨)؟ فقال: وَيْكَأَنَّه وراءَ البيتِ. معناه: أما تَرَيْنَه وراءَ البيتِ؟ قال: وقد يذهبُ بها بعضُ النحويِّين إلى أنهما (^٩) كلمتان، يريدُ: وَيْكَ أَنَّه. كأنه أرادَ \"وَيْلَك\"، فحذَف اللامَ، فتُجعل \"أنَّ\" مفتوحةً بفعلٍ مضمرٍ، كأنه قال:\n_________\n(^١) في م: \"لم\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٤ - ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٢١، ٣٠٢٢ - عن معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ٢/ ١١٢.\n(^٤) البيتان في الكتاب ٢/ ١٥٥، والخزانة ٦/ ٤١٠ منسوبان لزيد بن عمرو بن نفيل، وفى البيان والتبيين ١/ ٢٣٥ منسوبان لأبى الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.\n(^٥) فى البيان والخزانة: \"رأتا مالي قليلا\".\n(^٦) في م: \"جئتما\".\n(^٧) معاني القرآن ٢/ ٣١٢.\n(^٨) في ص، ت ١: \"ابنا\"، وفى م: \"ابننا\"، وفى ت ٢: \"اينا\". والمثبت من معاني القرآن.\n(^٩) فى م: \"أنها\".","vol":"18","page":340},{"text":"وَيْلَك، أعلمُ أنه وراء البيتِ (^١). فأضمَر \"أعلمْ\". قال: ولم نجدِ العربَ تُعْمِلُ الظَّنَّ مُضْمَرًا، ولا العلمَ وأشْباهَه فى \"أنَّ\"؛ وذلك أنه يبطُلُ إذا كان بينَ الكلمتَين، أو في آخرِ الكلمةِ، فلما أُضمر جرَى مَجْرَى التركِ (^٢)، ألَا تَرى أنه لا يجوزُ في الابتداءِ أن تَقولَ: يا هذا، إنك قائمٌ، و: يا هذا أَنْ قُمْتَ. تريدُ: علِمتُ، أو أعلمُ، أو ظننتُ، أو أظنُّ. وأما حذفُ اللامِ من قولِك: وَيْلَك. حتى تصيرَ: وَيْكَ. فقد تقولُه العربُ؛ لكثرتِها في الكلامِ، قال عنترةُ (^٣):\nولقد شَفَى نَفْسى وأَبْرَأَ سُقْمَها … قَوْلُ الفَوَارسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْدِمِ\nقال: وقال آخرون: إن معنى قولِه: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾. \"وى\" منفصلةٌ من \"كأنَّ\"، كقولِك للرجلِ: وَىْ، أما ترى ما بينَ يدَيك؟ فقال: \"وَىْ\" ثم استأنَف: \"كأن اللهَ يبسطُ الرزقَ\". وهى تَعَجَّبٌ، و\"كأنَّ\" في معنى الظنِّ والعلمِ، فهذا وَجْهٌ يستقيمُ. قال: ولم تكتُبْها العربُ منفصلةً، ولو كانت على هذا لكَتَبوها منفصلةً، وقد يجوزُ أن تكونَ كثُر بها الكلامُ، فوُصِلَت بما ليست منه.\nوقال آخرُ منهم: إن \"وَىْ\" تنبيهٌ، و\"كأن\" حرفٌ آخر غيرُه، بمعنى: لعل الأمرَ كذا، وأظنُّ الأمرَ كذا؛ لأن \"كأنَّ\" بمنزلةِ \"أظنُّ وأحسبُ وأعلمُ\".\nوأولى الأقوالِ فى ذلك بالصحةِ القولُ الذى ذكَرنا عن قتادةَ، مِن أن معناه: ألم تَرَ، ألم تعلَمْ. للشاهدِ الذى ذكَرنا فيه مِن قولِ الشاعرِ والروايةِ عن العربِ، وأن \"ويكأنَّ\" فى خطِّ المصحفِ حرفٌ واحدٌ.\nومتى وُجِّه ذلك إلى غيرِ التأويلِ الذى ذكَرنا عن قتادةَ، فإنه يصيرُ حرفَين، وذلك\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢: \"الباب\".\n(^٢) فى النسخ: \"المتأخر\". والمثبت من معانى القرآن.\n(^٣) شرح ديوانه ص ١٢٨.","vol":"18","page":341},{"text":"أنه إن وُجِّهَ إلى قولِ مَن تأوَّله بمعنى: وَيْلَك أعلمُ أن اللهَ. وجَب أَن يَفْصِلَ \"وَيْكَ\" مِن \"أنَّ\"، وذلك خلافُ خطِّ جميعِ المصاحفِ، مع فسادِه في العربيةِ، لما ذكَرنا. وإن وُجِّهَ إلى قولِ مَن يقولُ: \"وَىْ\" بمعنى التَّنْبيهِ، ثم استأنَف الكلامَ بـ \"كأَنَّ\"، وجَب أن يُفْصَلَ \"وَىْ\" من \"كأنَّ\"، وذلك أيضًا خلافُ خطوطِ المصاحفِ كلِّها.\nفإذ كان ذلك حرفًا واحدًا، فالصوابُ مِن التأويلِ ما قالَه قتادةُ، وإذ كان ذلك هو الصوابَ، فتأويلُ الكلامِ: وأصبَح الذين تَمَنَّوا مكانَ قارونَ وموضعَه مِن الدنيا بالأمسِ، يقولون لمَّا عايَنوا ما أحَلَّ اللهُ به من نِقْمَتِهِ: أَلم تَرَ يا هذا أن اللهَ يبسطُ الرزقَ لمَن يشاءُ مِن عبادِه، فيُوَسِّعَ عليه، لا لفضلِ منزلتِه عندَه، ولا لكرامتِه عليه، كما كان بسَط من ذلك لقارونَ، لا لفضلِه ولا لكرامتِه عليه، ﴿وَيَقْدِرُ﴾. يقولُ: ويُضَيِّقُ على مَن يشاءُ من خلقِه ذلك ويُقَتِّرُ عليه، لا لهوانه عليه (^١) ولا لسُخْطِه عملَه.\nوقولُه: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾. يقولُ: لولا (^٢) أن تفضَّلَ اللهُ علينا، فصرَف عَنَّا ما كنَّا نَتَمَنَّاه بالأمسِ ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾.\nواختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ الأمصارِ سِوى شيبةَ: (لخُسِفَ بِنَا). بضَمِّ الخاءِ وكسرِ السينِ (^٣)، وذُكِر عن شيبةَ والحسنِ: ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾. بفتحِ الخاءِ والسينِ (^٤)، بمعنى: لخسَف اللهُ بنا.\nوقولُه: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. يقولُ: ألم يعلمْ أنه لا يُفلِحُ الكافرون، فتُنْجِحَ طَلِباتُهم.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى بكر وابن عامر وأبي عمرو وحمزة والكسائي وأبي جعفر وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٥٦.\n(^٤) معانى القرآن للفراء ٢/ ٣١٣، وبها قرأ حفص ويعقوب. النشر ٢/ ٢٥٦.","vol":"18","page":342},{"text":"<span id=\"aya-3335\"></span><span data-type='title' id=toc-7053>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: تلك الدارُ الآخرةُ نجعلُ نعيمَها للذين لا يُريدون تكَبُّرًا عن الحقِّ في الأرضِ وتَجَبُّرًا عنه، ﴿وَلَا فَسَادًا﴾. يقولُ: ولا ظُلْمَ الناسِ بغيرِ حقٍّ، وعملًا بمعاصى اللهِ فيها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن زيادِ ابنِ أبي زيادٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ: ﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾. قال: العُلُوُّ التَّجَبُّرُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مسلمٍ البَطِينِ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾. قال: العُلُوُّ التَّكَبُّرُ فى الحقِّ، والفسادُ الأخْذُ بغيرِ الحقِّ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مسلمٍ البَطِينِ: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾. قال: التكبرَ في الأرضِ بغيرِ الحقِّ، ﴿وَلَا فَسَادًا﴾: أخذَ المالِ بغيرِ حقٍّ.\nقال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿لِلَّذِينَ لَا\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٦٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٢٢، ٣٠٢٣ من طريق عبد الرحمن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٩ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":343},{"text":"يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾. قال: البَغْيَ (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ قولَه: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾. قال: تَعَظُّمًا وتَجَبُّرًا، ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ عملًا بالمَعاصي (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أشْعثَ السَّمانِ، عن أبي سلَّامٍ (^٣) الأعرجِ، عن عليٍّ ﵁، قال: إن الرجلَ ليُعْجِبُه مِن شراكِ نَعْلِه أن يكونَ أجودَ مِن شِراكِ صاحبِه، فيدخلُ في قولِه: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^٤).\nوقولُه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: والجنةُ للمتقين، وهم الذين اتقَوا معاصىَ اللهِ، وأدَّوا فرائضَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في [معنى العاقبةِ] (^٥) قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: الجنةُ للمتقين (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٢٢ من طريق ابن يمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٩ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٩ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في النسخ: \"سلمان\". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٤٨٤.\n(^٤) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٢/ ٣٥ عن المصنف، وأخرجه الواحدى في تفسيره الوسيط -كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٢/ ٣٥ من طريق وكيع به، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٢٣ من طريق أشعث به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٣٩ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر.\n(^٥) في ت ٢: \"ذلك\".\n(^٦) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٢٣ معلقا.","vol":"18","page":344},{"text":"<span id=\"aya-3336\"></span><span data-type='title' id=toc-7054>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: مَن جاء اللهَ يومَ القيامةِ بإخلاصِ التوحيدِ، فله منها خيرٌ، وذلك الخيرُ هو الجنةُ والنعيمُ الدائمُ، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾، وهى الشركُ باللهِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾. أى: له منها حظُّ خيرٍ، والحسنةُ الإخلاصُ، والسيئةُ الشركُ (^١).\nوقد بيَّنا ذلك باختلافِ المختلِفين، ودلّلنا على الصوابِ من القولِ فيه (^٢).\nوقولُه: ﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾. يقولُ: فلا يثابُ الذين عمِلوا السيئاتِ على أعمالِهم السيئةِ، ﴿إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إلا جزاءَ ما كانوا يَعْمَلُون.\n\n<span id=\"aya-3337\"></span><span data-type='title' id=toc-7055>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: إِنَّ الذى أنزَل (^٣) عليك يا محمدُ القرآنَ.\nكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾. قال: الذي أعْطاك\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٢٤ عقب الأثر (١٧١٩٢، ١٧١٩٤) معلقا.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١٠/ ٣٦ - ٤٤.\n(^٣) في ت ٢: \"فرض\".","vol":"18","page":345},{"text":"القرآنَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾. قال: الذى أعْطاكَه (^١).\nواختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قوله: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لَمُصَيِّرُك إلى الجنةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حبيبِ بنِ الشهيدِ، قال: ثنا عتابُ بنُ بشيرٍ (^٢)، عن خُصَيفٍ، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: إلى مَعْدِنِكَ مِن الجنةِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ مَهْدِيٍّ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إلى الجنةِ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثني أبي، عن إبراهيمَ بنِ حيانَ (^٤)، سمِعتُ أبا جعفرٍ، يحدِّثُ (^٥) عن أبي سعيدٍ الخدريِّ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: معادُه آخرتُه،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٣٢ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٢٥.\n(^٢) فى م: \"بشر\". ينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٢٨٦.\n(^٣) أخرجه الطبراني (١٢٠٣٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٢٦ من طريق خصيف به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٠ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٤) في م، ت ٢: \"حبان\". وينظر التاريخ الكبير ١/ ٢٨٠.\n(^٥) في م: \"عن ابن عباس\".","vol":"18","page":346},{"text":"الجنةُ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ فى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: إلى الجنةِ ليسألَك عن القرآنِ.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ، قال: الجنةُ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ مَهْدِيٍّ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: إلى الجنة.\nحدَّثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن السدىِّ، عن أبي مالكٍ، قال: يردُّك إلى الجنةِ، ثم يسألُك عن القرآنِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ، قالا: إلى الجنةِ (^٤).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ وعطاءٍ ومجاهدٍ، وأبى قَزَعةَ، عن (^٥) الحسنِ، قالوا: يومَ القيامةِ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٩٢ عن وكيع به، وأخرجه البخارى فى التاريخ الكبير ١/ ٢٨٠ من طريق إبراهيم بن حيان به، وأخرجه أبو يعلى (١١٣١) من طريق أبي جعفر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٠ إلى الفريابي.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٢٦ معلقا.\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٢٦ عن مجاهد معلقا.\n(^٥) في م: \"و\"، وقد تقدم هذا الإسناد في ١٦/ ٤٩٢.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٧٠.","vol":"18","page":347},{"text":"قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: يجيءُ بك يومَ القيامةِ.\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمرٍ، عن الحسنِ والزهريِّ، قالا: معادُه يومَ القيامةِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: يُحيِيك (^٢) يومَ القيامةِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ (^٤)، عن الحسنِ في قولِه: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: معادُك من الآخرةِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: كان الحسنُ يقولُ: إى واللهِ، إن له لمعادًا يبعثُه اللهُ يومَ القيامةِ، ويُدخِلُه الجنةَ (^٥).\nوقال آخرون: معنى ذلك: لرادُّك إلى الموتِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني إسحاقُ بنُ وهبٍ الواسطيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الزبيريُّ،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٩٤ عن معمر به.\n(^٢) فى م: \"يجيء بك\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٢٦ من طريق ورقاء به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) فى م: \"عون\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٢٦ من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"18","page":348},{"text":"قال: ثنا سفيانُ بن سعيدٍ الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن سعيد بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: الموتِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن رجلٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إلى الموتِ.\nقال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، عن أبي (^٢) سعيدٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: إلى الموتِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عمَّن سمِع ابنَ عباسٍ، قال: إلى الموتِ.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: إلى الموتِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِه: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: الموتِ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن (^٤) عديِّ بنِ ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إلى الموتِ، أو إلى مكةَ (^٥).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: لرَادُّك إلى الموضعِ الذى خرَجتَ منه، وهو مكةُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٢٥ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٢٥ معلقا.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"بن\".\n(^٥) أخرجه الطبراني (١٢٢٦٨)، والخطيب في تاريخه ٧/ ١٩٢، ١٩٣ من طريق أبي تميلة به.","vol":"18","page":349},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يعلى بنُ عبيدٍ، عن سفيانَ العُصْفُريِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: إلى مكةَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: يقولُ: لرادُّك إلى مكةَ كما أخرَجك منها (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: أخبرَنا يونسُ بنُ أبى إسحاقَ، عن مجاهدٍ، قال: مولدُه بمكةَ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن يونسَ بن أبي إسحاقَ، قال: سمِعت مجاهدًا يقولُ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: إلى مولدِك بمكةَ.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ عمرٍو، وهو ابنُ أبي إسحاقَ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: إلى مولدِك بمكةَ.\nحدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا أبي، عن الفُضَيلِ بنِ\nمرزوقٍ، عن مجاهدٍ أبى الحجاجِ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٤٧٧٣)، والنسائي (١١٣٨٦)، والبيهقى فى الدلائل ٢/ ٥٢٠، ٥٢١ من طريق يعلى به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٠ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٧٠ عن العوفى به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٠ إلى ابن مردويه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٢٦، والبيهقى فى الدلائل ٢/ ٥٢١ من طريق يونس به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد.","vol":"18","page":350},{"text":"الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: إلى مولدِه بمكةَ.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى عيسى بنُ يونسَ، عن أبيه، عن مجاهدٍ، قال: إلى مولدِك، [إلى مكة] (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى قولُ مَن قال: لرادُّك إلى عادتِك مِن الموتِ، أو إلى عادتِك حيثُ وُلدتَ. وذلك أن المعادَ في هذا الموضعِ المَفْعِلُ مِن العادةِ، ليس مِن العَوْدِ، إلا أن يُوَجِّهَ مُوَجِّهٌ تأويلَ قولِه ﴿لَرَادُّكَ﴾: لمُصَيِّرُك. فيتوجَّهُ حينَئذٍ قولُه: ﴿إِلَى مَعَادٍ﴾. إلى معنى العَوْدِ، ويكونُ تأويلُه: إن الذى فرَض عليك القرآنَ لمُصَيِّرُك إلى أن تعودَ إلى مكةَ مفتوحةً لك.\nفإن قال قائلٌ: فهذه الوجوهُ التي وصَفتَ فى ذلك قد فهِمناها، فما وجهُ تأويلِ مَن تأوَّله بمعنى: لَرَادُّك إلى الجنةِ؟ قيل: ينبغى أن يكونَ وجهُ تأويلِه ذلك كذلك على هذا الوجهِ الآخرِ، وهو: لمُصَيِّرك إلى أن تعودَ إلى الجنةِ.\nفإن قال قائلٌ: أوَ كان أُخرج مِن الجنةِ، فيقال له: نحن نُعِيدُك إليها؟ قيل: لذلك وجهان؛ أحدُهما، أنه إن كان أبوه آدمُ صلى اللهُ عليهما أُخرج منها، فكأن ولدَه بإخراجِ اللهِ إِيَّاه منها قد أُخرجوا منها، فمَن دخَلها فكأنما يُرَدُّ إليها بعدَ الخروجِ. والثاني، أن يقالَ: إنه كان ﷺ دخَلها ليلةَ أُسْرِى به، كما رُوى عنه أنه قال: \"دخَلْتُ الجنةَ، فرأيتُ فيها قَصْرًا، فقلتُ: لمَن هذا؟ فقالوا: لعمرَ بنِ الخطابِ\" (^٢) ونحوُ ذلك مِن الأخبارِ التى رُويت عنه بذلك، ثم رُدَّ إلى الأرضِ، فيقالُ له: إن\n_________\n(^١) في م: \"بمكة\".\n(^٢) أخرجه أحمد ١٤/ ١٧٨ (٨٤٧١)، والبخاري (٣٢٤٢، ٣٦٨٠، ٥٢٢٧، ٧٠٢٣، ٧٠٢٥) ومسلم (٢٣٩٥) وغيرهم من حديث أبي هريرة.\nوأخرجه أحمد ١٩/ ١٠٣، ٢٠/ ٢١٤، ٢٩٦ (١٢٠٤٦، ١٢٨٣٤، ١٢٩٨٣)، والنسائي (٨١٢٧) وغيرهما من حديث أنس. وفى الباب عن جابر ومعاذ بن جبل وبريدة الأسلمى.","vol":"18","page":351},{"text":"الذى فرَض عليك القرآن لرادُّك؛ لمصيِّرُك إلى الموضعِ الذى خرجتَ منه مِن الجنةِ، إلى أن تعودَ إليه، فذلك إن شاء اللهُ قولُ مَن قال ذلك.\nوقولُه: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين: ربِّي أعلمُ مَن جاء (^١) بالهُدى الذي مَن سَلَكه نَجا، ومَن هو في جَوْرٍ عن قصد السبيلِ مِنَّا ومنكم.\nوقولُه: ﴿مُبِينٍ﴾ يعنى أنه يُبِينُ للمفكرِ الفهِمِ إذا تأمَّله وتَدبَّره، أنه ضلالٌ وجَوْرٌ عن الهُدى.\n\n<span id=\"aya-3338\"></span><span data-type='title' id=toc-7056>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: وما كنتَ تَرْجو يا محمدُ أن يُنَزَّلَ عليك هذا القرآنُ، فتَعْلَمَ الأنباءَ والأخبارَ عن الماضِين قبلَك، والحادثةَ بعدَك، مما لم يَكُنْ بعدُ، مما لم تشهَدْه ولا تشهدُه، ثم تَتْلو ذلك على قومِك من قريشٍ، إلا أن ربَّك رحِمك، فأنزَله عليك. فقولُه: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ استثناءٌ منقطعٌ.\nوقولُه: ﴿فَلَا (^٢) تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ يقولُ: فاحمدْ ربَّك على ما أنعَم به عليك مِن رحمتِه إيَّاك، بإنزالِه عليك هذا الكتابَ، ولا تَكُونَنَّ عَوْنًا لمَن كَفَر بربِّك على كفرِه به (^٣).\nوقيل: إن ذلك من المُؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ، وإن معنى الكلامِ: إن الذى فرض عليك القرآنَ فأنزَله عليك، وما كنتَ تَرْجو أن يُنَزَّلَ عليك فتكونَ نبيًّا قبلَ\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ٢: \"قومه\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"ولا\".\n(^٣) فى ت ١، ت ٢: \"بك\".","vol":"18","page":352},{"text":"ذلك، لرادُّك إلى مَعادٍ.\n\n<span id=\"aya-3339\"></span><span data-type='title' id=toc-7057>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: ولا يَصْرِفنَّك عن تَبْليغِ آياتِ اللهِ وحُجَجِه، بعدَ أن أنزلَها إليك ربُّك يا محمدُ، هؤلاء (^١) المشركون، بقولِهم: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص: ٤٨]. ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ وبلِّغْ رسالتَه إلى مَن أرسَلك (^٢) إليه بها، ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: ولا تَتْرُكَنَّ الدعاءَ إلى ربِّك، وتبليغَ المشركين رسالتَه، فتكونَ ممن فعَل فِعْلَ المشركين بمعصيتِه ربَّه، وخلافِه أمرَه.\n\n<span id=\"aya-3340\"></span><span data-type='title' id=toc-7058>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: ولا تعبدْ يا محمدُ مع معْبودِك الذي له عبادةُ كلِّ شيءٍ معبودًا آخرَ سِواه.\nوقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا معبودَ تصلُحُ له العبادهُ إلا اللهُ الذى كلُّ شيءٍ هالكٌ إِلا وَجْهَه.\nواختُلف في معنى قولِه: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: كلُّ شيءٍ هالكٌ (^٣) إلا هو.\nوقال آخرون: معنى ذلك: إلا ما أُريد به وجهُه. واستَشهدوا لتأويلِهم ذلك كذلك بقولِ الشاعرِ (^٤):\n_________\n(^١) في ت ٢: \"ولا\".\n(^٢) في ت ٢: \"أرسلتك\".\n(^٣) بعده في ت ١: \"إلا وجهه\".\n(^٤) معانى القرآن للفراء ٢/ ٣١٤، وتقدم فى ١/ ١٧٠.","vol":"18","page":353},{"text":"أستغفرُ اللهَ ذَنْبًا لستُ مُحْصِيَه … ربُّ العبادِ إليه الوَجْهُ وَالعَمَلُ\nوقولُه: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾. يقولُ: له الحكمُ بينَ خلقِه، دونَ غيرِه، ليس لأحدٍ غيرِه معه فيهم حكمٌ، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: وإليه تُرَدُّونَ مِن بعدِ مَماتِكم، فيَقْضِى بينَكم بالعدلِ، فيُجازِى مُؤمِنيكم جزاءَهم، وكفَّارَكم ما وَعَدهم.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"القصص\"","vol":"18","page":354},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7059>تفسيرُ سورةِ العنكبوت</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-3341\"></span><span data-type='title' id=toc-7060>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ </span>(٢)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: وقد بيَّنا معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿الم﴾. وذكَرْنا أقوالَ أهلِ التأويلِ فى تأويلِه، والذى هو أولى بالصواب من أقوالِهم عندَنا، بشواهدِه فيما مضَى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\n\n<span id=\"aya-3342\"></span>وأما قولُه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. فإن (^٢) معناه: أظَنَّ الذين خرَجوا يا محمدُ من أصحابِك من أذى المشركين إياهم، أن نَتْرُكَهم بغيرِ اختبارٍ، ولا ابتلاءِ امتحانٍ، بأن قالوا: آمنا بك يا محمدُ، وصدَّقْناك فيما جئْتَنا به مِن عندِ اللهِ؟ كلا، لنَخْتَبِرَنَّهم؛ ليتبيَّنَ الصادقُ منهم من الكاذبِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٠٤ - ٢٢٨.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"قال\".","vol":"18","page":355},{"text":"فى قولِ اللهِ: ﴿آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُبْتَلَوْن فى أنفسِهم وأموالِهم (^١).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. أى: لا يُبْتَلَوْن (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. قال: لا يُبْتَلَوْن (^٣).\n[و﴿أَنْ﴾] (^٤) الأولى منصوبةٌ بـ \"حسب\"، والثانيةُ منصوبةٌ في قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ بتعلُّقِ ﴿يُتْرَكُوا﴾ بها، وأن معنى الكلامِ على قولِه: أحسِب الناسُ أن يتركوا لِأن يقولوا: آمَنا. فلمَّا حُذِفَت اللامُ الخافضةُ من \"لأِن\" نُصِبَت على ما ذكَرْتُ.\nوأما على قولِ غيرِه، فهى فى موضعِ خفضٍ بإضمارِ الخافضِ، ولا تكادُ العربُ تقولُ: [ترَكْتُ فلانًا أن يَذْهَبَ. فَتُدْخِلُ \"أن\" في الكلامِ، وإنما تقولُ] (^٥): ترَكْتُه يَذْهَبُ. وإنما أُدْخِلَت ﴿أَنْ﴾؛ هاهنا؛ لاكتفاءِ الكلامِ بقولِه: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾. إذ كان معناه: أحسِب الناسُ أن يُتْرَكوا وهم لا يُفْتَنون؛ مِن أجلِ أن يقولوا:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٣٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٣٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤١ إلى الفريابي وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١٦ من طريق سعيد بن بشير عن قتادة مطولا، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٦ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٢٣٥.\n(^٤) في م: \"فأن\".\n(^٥) سقط من: ت ٢.","vol":"18","page":356},{"text":"آمَنَّا. فكان قولُه: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾. مكتفيةً بوقوعِها على \"الناسِ\"، دونَ أخبارِهم.\nوإن جُعِلَت ﴿أَنْ﴾ فى قولِه: ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ منصوبةٌ بنيةِ تكريرِ ﴿أَحَسِبَ﴾، كان جائزًا، فيكونُ معنى الكلامِ: [أحَسِب الناسُ] (^١) أن يُتْرَكوا، أحسِبوا أن يقولوا: آمنا. وهم لا يُفْتَنون.\n\n<span id=\"aya-3343\"></span><span data-type='title' id=toc-7061>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ </span>(٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكره: ولقد اخْتَبَرْنا الذين مِن قبلِهم مِن الأممِ، ممَّن أَرْسَلْنا إليهم رسلَنا، فقالوا مثلَ ما قالتْه أمتُك يا محمدُ -بأعدائِهم، وتمكينِنا إياهم مِن أذاهم؛ كموسى إذ أرْسَلْناه إلى بنى إسرائيلَ، [فابتلَيْناهم بفرعونَ وملئِهم، وكعيسى إذ أَرْسَلْناه إلى بنى إسرائيلَ] (^٢)، فَابْتَلَيْنا مَن اتَّبَعه بمَن تَوَلَّى عنه، فكذلك ابْتَلَيْنَا تُباعَك بمُخالِفيك (^٣) مِن أعدائِك، ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ منهم (^٤) في قيلِهم: آمَنَّا. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ منهم (^٤) في قيلِهم ذلك، واللهُ عالمٌ بذلك منهم قبلَ الاختبارِ، وفى حالِ الا ختبارِ، وبعدَ الاختبارِ، ولكنَّ معنى ذلك: ولَيُظْهِرَنَّ اللهُ صدقَ الصادقِ منهم فى قيلِه: آمَنَّا بِاللهِ. مِن كَذِب الكاذبِ منهم (^٤)، بابتلائِه إياه بعدوِّه؛ ليَعْلَمَ صدقَه مِن كذبِه أولياؤُه. على نحوِ ما قد بيَّناه فيما مضَى قبلُ (^٥).\nوذُكِر أن هذه الآيةَ نزلَت في قومٍ مِن المسلمين عذَّبهم المشركون، ففُتِن بعضُهم، وصبَر بعضُهم على أذاهم، حتى أتاهم اللهُ (^٤) بفرجٍ مِن عندِه.\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) سقط من ت ١، ت ٢.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"بمخالفتك\".\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) ينظر ما تقدم في ٢/ ٦٤١ - ٦٤٥.","vol":"18","page":357},{"text":"ذكرُ الرواية بذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللهِ بن عبيدِ بنِ عميرٍ يقولُ: نزَلَت -يعنى هذه الآيةَ- ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ - في عمارِ بنِ ياسرٍ، إذ كان يُعَذَّبُ في اللهِ (^١).\nوقال آخرون: بل نزَل ذلك مِن أجلِ قومٍ كانوا قد أظْهَروا الإسلامَ بمكةَ وتخَلَّفوا عن الهجرةِ. والفتنةُ التى فُتِن بها هؤلاء القومُ على مقالةِ هؤلاء هي الهجرةُ التي امْتُحِنوا بها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن مطرٍ، عن الشعبيِّ، قال: إنها نزَلَت -يعنى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيتين- فى أُناسٍ كانوا بمكةَ أقَرُّوا بالإسلامِ، فكتَب إليهم أصحابُ رسولِ (^٢) اللهِ ﷺ مِن المدينةِ: إنه لا يُقْبَلُ منكم إقرارٌ (^٣) بالإسلامِ حتى تُهاجِروا. فخرَجوا عامِدين إلى المدينةِ، فاتَّبَعهم المشركون، فرَدُّوهم، فنزَلَت فيهم هذه الآيةُ، فكتَبوا إليهم: إنه قد نزَلَت فيكم آيةُ كذا وكذا. فقالوا: نَخْرُجُ، فإن اتَّبَعَنا أحدٌ قاتَلْناه. قال: فخرَجوا، فاتَّبَعهم المشركون، فقاتَلوهم ثَمَّ، فمنهم مَن قُتِل، ومنهم مَن نجا، فأنزَل اللهُ فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد ٣/ ٢٥٠ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٤٣/ ٣٧٥ - وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٣٢ من طريق حجاج به.\n(^٢) في ص، ت ١: \"نبي\"، وفى م: \"محمد نبي\".\n(^٣) فى م، ف: \"اقرارا\".","vol":"18","page":358},{"text":"لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^١) [النحل: ١١٠].\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا﴾. قال: ابْتَلَيْنا (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. قال: ابْتَلَيْنا الذين مِن قبلِهم (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. أي: ابتلَيْنا (^٤).\n\n<span id=\"aya-3344\"></span><span data-type='title' id=toc-7062>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٣١ من طريق يزيد به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٥ عن معمر عن رجل عن الشعبى، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٣٤ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩١٥ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤١ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٢٣٥.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٣٣ من طريق سعيد بن بشير، عن قتادةَ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤١ إلى عبد بن حميد.","vol":"18","page":359},{"text":"سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكره: أم حَسِب الذين يُشْرِكون باللهِ فيعبُدون معه غيرَه، وهم المَعْنِيُّون بقولِه: ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ - ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾. يقولُ: أن يُعْجِزونا فيَفُوتُونا (^١) بأنفسِهم، فلا نقدِرَ عليهم، فنَنْتقِمَ منهم لشِرْكِهم باللهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾. أى: الشِّرْكَ، ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾: أَن يُعْجِزونا (^٣).\nوقولُه: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ساء حُكْمُهم الذى يَحْكُمون بأن هؤلاء الذين يعمَلون السيئاتِ يَسْبِقوننا بأنفسِهم.\n\n<span id=\"aya-3345\"></span><span data-type='title' id=toc-7063>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ</span>\n_________\n(^١) في ت ١: \"فيفوتون\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٣٣ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٣٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٣٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤١ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":360},{"text":"الْعَالَمِينَ (٦)﴾.\nيقولُ تعالى ذكره: مَن كان يَرْجُو [اللهَ يومَ لِقائِه] (^١)، ويطمعُ في ثوابِه، فإن أجلَ اللهِ الذى أجَّله لبَعْثِ خلقِه للجزاءِ والعقابِ - لآتٍ قريبًا.\n﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾. يقولُ: واللهُ الذى يَرْجو هذا الراجي بلقائِه ثوابَه، السميعُ لقولِه: آمَنَّا باللهِ، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بصدقِ قِيلِه: إنه قد آمَن. مِن كذبِه فيه.\n\n<span id=\"aya-3346\"></span>وقولُه: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾. يقولُ: ومَن يجاهدْ عدوَّه مِن المشركين، فإنما يجاهِدُ لنفسِه؛ لأنه يفعلُ ذلك ابتغاءَ الثوابِ مِن اللهِ على جهادِه، والهَرَبِ من العقابِ، فليس باللهِ إلى فعلِه ذلك حاجةٌ، وذلك أن اللهَ غنيٌّ عن جميعِ خلقِه، له الملْكُ والخلقُ والأمرُ.\n\n<span id=\"aya-3347\"></span><span data-type='title' id=toc-7064>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: والذين آمنوا باللهِ ورسولِه، فصَحَّ إيمانُهم عندَ ابتلاءِ اللهِ إيَّاهم، وفِتْنتِه لهم، ولم يرتدُّوا عن أدْيانِهم بأذَى المشركين إياهم، وعمِلوا الصالحاتِ، ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ التى سلَفَت منهم في شِرْكِهم، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: ولَنُثِيبَنَّهم على صالحاتِ أعمالِهم في إسْلامِهم، أحسنَ ما كانوا يعمَلون في حالِ شِرْكِهم، مع تكْفيرِنا سيِّئَه (^٢).\n_________\n(^١) في ت ٢: \"لقاء الله يوم القيامة\".\n(^٢) فى م: \"سيئات أعمالهم\".","vol":"18","page":361},{"text":"<span id=\"aya-3348\"></span><span data-type='title' id=toc-7065>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: ووَصَّيْنا الإنسانَ فيما أنزَلْنا إلى رسولِنا بوالديه، أن يفعلَ بهما حُسْنًا.\nواختَلَف أهلُ العربيةِ فى وَجْهِ نَصْبِ \"الحُسْنِ\"؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: نُصِب ذلك على (^١) نِيَّةِ تكْريرِ \"وصينا\". وكأن معنى الكلامِ عندَه: ووصَّيْنا الإنسانَ بوالدَيه، وصَّيناه (^٢) حُسْنًا. وقال: قد يقولُ الرجلُ: وصَّيتُه خيرًا. أى: بخيرٍ.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: معنى ذلك: ووصَّيْنا الإنسانَ أن يفعلَ حُسْنًا. ولكن العربَ تُسْقِطُ من الكلامِ بعضَه، إذا كان فيما بَقِى الدلالةُ على ما سقَط، وتُعمِلُ ما بَقِى فيما كان يَعْمَلُ فيه المحذوفُ، فنُصِب قولُه: ﴿حُسْنًا﴾، وإن كان المعنى ما وصفتُ \"وَصَّينا\"؛ لأنه قد نابَ عن الساقطِ. وأنشَد في ذلك (^٣):\nعَجِبْتُ مِن دَهْمَاءَ إِذ تَشْكُونا\nومن أبي دَهْمَاءَ إِذْ يُوصِينا\nخَيْرًا بها كأنَّنا جافُونا\nوقال: معنى قولِه: يُوصِينا خيرًا: أن نفعلَ بها خيرًا. فاكْتَفَى بـ \"يوصِينا\" منه. وقال: ذلك نحوُ قولِه: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ [ص: ٣٣]. أى: يَمْسَحُ مَسْحًا.\nوقولُه: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾.\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"وجه\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف: \"ووصينا\".\n(^٣) تقدم في ١٤/ ٥٤٢، ٥٤٣.","vol":"18","page":362},{"text":"يقولُ: ووَصَّينا الإنسانَ، فقلنا له: إن جاهَدَاك (^١) والِداك لتُشْرِكَ بي ما ليس لك به علمٌ أنه ليس لى شَرِيكٌ، فلا تُطِعْهما، فتُشْرِكَ بي ما ليس لك به علمٌ؛ اتباعَ (^٢) مَرْضاتِهما، ولكن خالِفْهما في ذلك.\n﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكره: إليَّ معادُكم ومَصِيرُكم يومَ القيامةِ، ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: فأُخْبِرُكم بما كنتُم في الدنيا تعمَلون، مِن صالحِ الأعمالِ وسيئاتِها، ثم أُجازِيكم عليها؛ المُحْسِنَ بالإحسانِ، والمُسِيءَ بما هو أهلُه.\nوذُكر أن هذه الآيةَ نزلَت على رسولِ اللهِ ﷺ بسببِ سعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ إلى قولِه: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: نزلَت في سعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ، لمَّا هاجَر قالت أمُّه: واللهِ لا يُظِلُّنى بيتٌ حتى يرجِعَ. فأنزَل اللهُ في ذلك أن يُحْسِنَ إليهما، ولا يُطِيعَهما في الشركِ (^٣)\n\n<span id=\"aya-3349\"></span><span data-type='title' id=toc-7066>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: والذين آمنوا باللهِ ورسولِه، وعمِلوا الصالحاتِ مِن الأعمالِ؛ وذلك أن يُؤَدُّوا فرائضَ اللهِ، ويَجْتَنِبوا مَحارمَه، ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي\n_________\n(^١) فى م: \"جاهدك\".\n(^٢) في م: \"ابتغاء\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٣٦ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٤٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"18","page":363},{"text":"الصَّالِحِينَ﴾ فى مُدْخَلِ الصالحين، وذلك الجنةُ.\n\n<span id=\"aya-3350\"></span><span data-type='title' id=toc-7067>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: ومِن الناسِ مَن يقولُ: أَقْرَرْنا باللهِ فوحَّدْناه، فإذا آذاه المشركون في إقرارِه باللهِ، جعَل فتنةَ الناسِ إياه في الدنيا كعذابِ اللهِ في الآخرةِ، فارْتَدَّ عن إيمانِه باللهِ راجعًا على الكفرِ به، ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ يا محمدُ أهلُ الإيمانِ به، ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ هؤلاء المُرْتَدُّون عن إيمانِهم، الجاعِلون فتنةَ الناسِ كعذابِ اللهِ -: ﴿إِنَّا كُنَّا﴾ أيُّها المؤمنون ﴿مَعَكُمْ﴾ نَنْصُرُكم على أعدائكم. كذبًا وإفْكًا. يقولُ اللهُ: أو ليس اللهُ بأعْلَمَ أَيُّها القومُ مِن كلِّ أحدٍ بما في صُدُورِ جميعِ خلقِه؛ القائلين: آمَنَّا باللهِ. فإذا أُوذِى فى اللهِ ارْتَد عن دينِ اللهِ، وغيرِهم؟ فكيف يُخادِعُ مَن كان لا يَخْفَى عليه خافيةٌ، ولا يَسْتَتِرُ عنه سرٌّ ولا علانيةٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾. قال: فتنتُه أَن يَرْتَدَّ عن دينِ اللهِ إذا أُوذِى فى اللهِ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٣٨ عن محمد بن سعد به.","vol":"18","page":364},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾. قال: أُناسٌ يُؤْمنون بألسنتِهم، فإذا أصابهم بلاءٌ مِن اللهِ، أو مصيبةٌ في أنفسِهم، افتَتَنوا، فجعَلوا ذلك في الدنيا كعذابِ اللهِ فى الآخرةِ (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في (^٢) قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ﴾ الآية (^٣): ناسٌ مِن المنافقين بمكةَ كانوا يُؤْمنون، فإذا أُوذُوا وأصابهم بلاءٌ من المشركين، رجَعوا إلى الكفرِ؛ مخافةَ مَن يُؤْذِيهم، وجعلوا أذَى الناسِ فى الدنيا كعذابِ اللهِ (^٤).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾. قال: هو المنافقُ، إذا أُوذِى في اللهِ رجَع عن الدينِ وكفَر، وجعَل فتنةَ الناسِ كعذابِ اللهِ (^٥).\nوذُكِر أن هذه الآية نزَلَت في قومٍ مِن أهلِ الإيمانِ كانوا بمكةَ، فخرَجوا مُهاجرين، فأُدْرِكوا وأُخِذوا، فأَعْطَوُا المشركين لمَّا نالهم أذاهم ما أرادوا منهم.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٣٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٣٧، ٣٠٣٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٢ إلى الفريابي وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر. وفيها: بلاء من الناس. بدلًا من بلاء من الله.\n(^٢) سقط من: م، ف.\n(^٣) بعده فى م، ف: \"نزلت فى\".\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٢ إلى المصنف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٣٨ من طريق أصبع، عن ابن زيد.","vol":"18","page":365},{"text":"ذكرُ الخبرِ بذلك\nحدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيْريُّ، قال: ثنا محمدُ ابنُ شَرِيكٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان قومٌ مِن أهلِ مكةَ أسْلَموا، وكانوا يَسْتَخْفُون بالإسلامِ (^١)، فأَخْرَجهم المشركون يومَ بدرٍ معهم، فأُصِيب بعضُهم و[قُتلَ بعضُهم] (^٢)، فقال المسلمون: كان أصحابُنا هؤلاء مسلمين وأُكْرِهوا. فاسْتَغْفَروا لهم، فنزَلَت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: ٩٧] إلى آخرِ الآيةِ. قال: فكُتِب إلى مَن بقِى بمكةَ من المسلمين بهذه الآيةِ ألا عذرَ لهم، فخرَجوا، فلحِقهم المشركون، فأَعْطَوْهم الفتنةَ، فنزَلَت فيهم هذه الآيةُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، فكتَب المسلمون إليهم بذلك، فخرَجوا وأيِسُوا من كلِّ خيرٍ، ثم نزَلَت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾ [النحل: ١١٠]. فكتَبوا إليهم بذلك: إن اللهَ قد جعَل لكم مخرجًا. فخرَجوا، فأدْركَهم المشركون، فقاتَلوهم، حتى نجا مَن نجا، وقُتِل من قُتِل (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾. قال: هذه الآياتُ أُنزِلَت في القومِ الذين ردَّهم (^٤) المشركون إلى مكةَ، وهذه الآياتُ العشْرُ مَدَنيةٌ\n_________\n(^١) فى م، ف: \"بإسلامهم\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ف \"قبل بعض\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ٧/ ٣٨١، ٣٨٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٣٧ عن أحمد بن منصور به.\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢: \"ردوهم\".","vol":"18","page":366},{"text":"إلى هاهنا، وسائرُها مكيٌّ (^١).\n\n<span id=\"aya-3351\"></span><span data-type='title' id=toc-7068>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: ولَيَعْلَمَنَّ (^٢) أولياءُ اللهِ وحِزْبُه أَهلَ الإيمانِ باللهِ منكم أيُّها القومُ، وليَعْلَمُنَّ المنافقين منكم، حتى يَمِيزُوا؛ كلَّ فريقٍ منكم مِن الفريقِ الآخرِ، بإظهارِ اللهِ ذلك منكم بالمحنِ والابتلاءِ والاختبارِ، وبمسارعةِ المُسارِعِ منكم إلى الهجرةِ من دارِ الشركِ إلى دارِ الإسلامِ، وتَثَاقُلِ المُتَثاقِلِ منكم عنها.\n\n<span id=\"aya-3352\"></span><span data-type='title' id=toc-7069>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: وقال الذين كفَروا باللهِ مِن قريشٍ للذين آمنوا باللهِ منهم: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾. يقولُ: قالوا: كونوا على مثلِ ما نحن عليه من التَّكْذيبِ بالبعثِ بعدَ المماتِ، وجُحُودِ الثوابِ والعقابِ على الأعمالِ، ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾. يقولُ: قالوا: فإنكم إن اتَّبَعْتُم سبيلَنا في ذلك، فبُعِثْتُم (^٣) بعدَ المَماتِ، وجُوزِيتُم على الأعْمالِ، فإنا نتحمَّلُ آثامَ (^٤) خطاياكم حينَئذٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤١، ١٤٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) بعده فى م: \"الله\".\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢.\n(^٤) في ص: \"آثاكم\"، وفى ت ١: \"آثامكم\"، وفي ت ٢: \"إياكم\".","vol":"18","page":367},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾. قال: قولُ كفارِ قريشٍ بمكةَ لمَن آمَن منهم، يقولُ: قالوا: لا نُبْعَثُ نحن ولا أنتم، فاتَّبِعونا، إن كان عليكم شيءٌ فهو علينا (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: هم القادةُ مِن الكفارِ، قالوا لمَن آمَن مِن الأتْباعِ: اترُكوا دينَ محمدٍ واتَّبِعوا دينَنا (^٢).\nوهذا -أعنى قولَه: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ - وإن كان خرَج مَخْرَجَ الأمرِ، فإن فيه تأويلَ الجزاءِ، ومعناه ما قلتُ: إن اتَّبَعتُم سبيلَنا حَمَلْنا خَطاياكم. كما قال الشاعرُ (^٣):\nفقُلْتُ ادْعِى وأَدْعُ فَإِنَّ أَنْدَى … لِصَوْتٍ أَنْ يُنادِيَ دَاعِيَانِ\nيريدُ: ادْعِى ولأَدْعُ. ومعناه: إِن دَعَوْتِ دَعَوتُ.\nوقولُه: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. وهذا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٣٤، ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٣٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٢ إلى الفريابي وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٣٩ من طريق أبي معاذ به.\n(^٣) البيت غير منسوب فى معانى القرآن للفراء ٢/ ٤١٣، ومجالس ثعلب ص ٥٢٤، واللسان (ل وم)، ونسبه في الكتاب ٣/ ٤٥ إلى الأعشى، ونسبه فى أمالي القالي ٢/ ٩٠ إلى الفرزدق، ونسبه في السمط ٢/ ٧٢٦، واللسان (ن د ى) إلى دثار بن شيبان، ونسبه فى شرح المفصل ٧/ ٣٣ إلى ربيعة بن جشم، ونسبه فى شرح التصريح ٢/ ٢٣٩ إلى الأعشى أو الحطيئة.","vol":"18","page":368},{"text":"تَكْذيبٌ مِن اللهِ للمشركين القائِلين للذين آمَنوا: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وكَذَبوا في قِيلِهم ذلك لهم، ما هم بحامِلِين مِن آثامِ (^١) خَطاياهم من شيءٍ، ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما قالوا لهم ووَعَدوهم، مِن حَمْلِ خَطاياهم إن هم اتَّبَعوهم.\n\n<span id=\"aya-3353\"></span><span data-type='title' id=toc-7070>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: وليحْمِلُنَّ هؤلاء المشركون باللهِ القائلون للذين آمنوا به: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ - أوزارَ أنفسِهم وآثامَها، وأوزارَ من أضلُّوا وصدُّوا عن سبيلِ اللهِ مع أوزارِهم، ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا﴾ يَكْذِبونهم في الدنيا، بوعدِهم إياهم الأباطيلَ، وقيلِهم لهم: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾. فيفتَرون الكذبَ بذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾. أى: أوزارَهم، ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾. يقولُ: وأوزارَ مَن أَضَلُّوا (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾. وقَرأ قولَه: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٤٠ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":369},{"text":"كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]. قال: فهذا قولُه: ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾.\n\n<span id=\"aya-3354\"></span><span data-type='title' id=toc-7071>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)﴾.</span>\nوهذا وعيدٌ مِن اللهِ تعالى ذكره لهؤلاء المشركين مِن قريشٍ، القائلين للذين آمنوا: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾. يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: لا يَحْزُنْك (^١) يا محمدُ ما تَلْقَى مِن هؤلاء المشركين أنت وأصحابُك من الأذَى، فإنى وإن أملَيتُ لهم، فأطَلتُ إملاءَهم، فإن مصيرَ أمرِهم إلى البَوارِ، ومصيرَ أمرِك وأمرِ أصحابِك إلى العُلُوِّ والظَّفَرِ بهم، والنَّجَاةِ مما يَحِلُّ بهم من العقابِ؛ كفعلِنا ذلك بنوحٍ، إذ أرسَلناه إلى قومِه، فلَبِثَ فيهم ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا، يدعوهم إلى توحيدِ اللهِ وفِراقِ الآلهةِ والأوثانِ، فلم يَزِدْهم ذلك مِن دُعائه إياهم إلى اللهِ، مِن الإقبال إليه، وقبولِ ما أتاهم به من النصيحةِ من عندِ اللهِ - إلا فِرارًا.\nوذُكر أنه أُرسل إلى قومِه وهو ابنُ ثلاثمائةٍ وخمسين سنةً.\nكما حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَمِيُّ، قال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، قال: ثنا عونُ ابنُ أَبي شَدَّادٍ، قال: إن اللهَ أرسَل نوحًا إلى قومِه وهو ابنُ خمسين وثلاثِمائةِ سنةٍ، فلَبِث فيهم ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا، ثم عاشَ بعد ذلك خمسين وثلاثَمائةِ سنةٍ (^١)\n﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾. يقولُ تعالى ذكره: فأهْلَكهم الماءُ الكثيرُ. وكلُّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٤٢ من طريق نصر بن على به.","vol":"18","page":370},{"text":"ماءٍ كثيرٍ فاشٍ طامٍّ فهو عندَ العربِ طُوفانٌ؛ سَيْلًا كان أو غيرَه، وكذلك الموتُ إذا كان فاشيًا كثيرًا، فهو أيضًا عندَهم طُوفانٌ، ومنه قولُ الراجزِ (^١):\nأَفْنَاهُمُ طُوفانُ موتٍ جارِفِ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾. قال: هو الماءُ الذى أُرسل عليهم (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: الطوفانُ الغَرَقُ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾. يقولُ: وهم ظالِمون أنفسَهم بكفرِهم بربِّهم (^٤).\n\n<span id=\"aya-3355\"></span><span data-type='title' id=toc-7072>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فأنْجَينا نوحًا وأصحابَ سفينتِه، وهم الذين حمَلهم في سفينتِه من ولدِه وأزواجِهم.\nوقد بَيَّنَّا ذلك فيما مضَى قبلُ، وذكَرنا الرواياتِ فيه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه\n_________\n(^١) الرجز فى مجاز القرآن ٢/ ١١٤، وتفسير القرطبي ١٣/ ٣٣٤ غير منسوب.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٠٠ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٤٢ من طريق جوبير، عن الضحاك.\n(^٤) سقط من: م، ف.","vol":"18","page":371},{"text":"في هذا الموضعِ (^١).\n﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: وجعلنا السفينةَ التي أنْجَيناه وأصحابَه فيها عبرةً وعظةً للعالمين، وحُجَّةً عليهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ الآية. قال: أبْقاها اللهُ آيةً للناسِ بأعلَى الجُودِيِّ (^٢).\nولو قيل: معنى قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾: وجعَلنا عقوبتنا إياهم آيةً للعالَمين. وجُعِل الهاءُ والألفُ فى قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ كنايةً عن العقوبةِ أو السَّخَطِ ونحوِ ذلك، إذ كان قد تقدَّم ذلك (^٣) قولُه: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ - كان وَجْهًا مِن التأويلِ.\n\n<span id=\"aya-3356\"></span><span data-type='title' id=toc-7073>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واذْكُر أيضًا يا محمدُ إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ، إذ قال لقومِه: اعبُدوا اللهَ أيُّها القومُ، دونَ غيرِه من الأوثانِ والأصنامِ، فإنه لا إلهَ لكم غيرُه، ﴿وَاتَّقُوهُ﴾. يقولُ: واتَّقوا سَخَطَه بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم فى ١٢/ ٤١٠ وما بعدها.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٤٣ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٤٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) بعده فى م: \"في\".","vol":"18","page":372},{"text":"معاصيه، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما هو خيرٌ لكم مما هو شرٌّ لكم.\n\n<span id=\"aya-3357\"></span><span data-type='title' id=toc-7074>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره مخبرًا عن قيلِ خليلِه إبراهيمَ لقومِه: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ﴾ أيها القومُ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾. يعنى: مُثُلًا.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾: أصنامًا (^١).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وتصنعون كذبًا.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾. يقولُ: تصنعون كذبًا (^٢).\nوقال آخرون: وتقولون كذبًا.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٤٣ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٤٤ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٣ إلى ابن المنذر.","vol":"18","page":373},{"text":"ذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾. يقولُ: وتقولون إفكًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾. يقولُ: تقولون كذبًا (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وتَنْحِتون إفكًا.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُرَاسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾. قال: تَنْحِتون، تُصوِّرون إفكًا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ أي: تصنَعون أصنامًا (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾: الأوثانَ التي ينحِتونها بأيديهم.\nوأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: وتصنعون كذبًا. وقد\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٤٤ عن محمد بن سعد به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٣٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٣ إلى الفريابي.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٤٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٣ إلى عبد بن حميد.","vol":"18","page":374},{"text":"بيَّنا معنى \"الخَلْقِ\" فيما مضى بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nفتأويلُ الكلامِ إذن: إنما تعبدون من دونِ اللهِ أوثانًا، وتصنعون كذبًا وباطلًا. و\"إنما\" في قولِه: ﴿إِفْكًا﴾ (^٢). مردودٌ على ﴿إِنَّمَا﴾، كقولِ القائلِ: إنما تفعلون كذا، وإنما تفعلون كذا\nوقرَأ جميعُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ بتخفيفِ الخاءِ من قولِه: ﴿وَتَخْلُقُونَ﴾ وضمِّ اللامِ، من \"الخَلْقِ\". وذُكِر عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلميِّ أنه قرَأ: (وَتَخَلَّقُونَ إفْكًا) بفتح الحاء وتشديد اللامِ، من \"التخلُّقِ\" (^٣).\nوالصوابُ من القراءةِ عندنا في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجَّةِ من القرأةِ عليه.\nوقولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: إنَّ أوثانَكم التى تعبدونها لا تَقْدِرُ أنْ ترزقَكم شيئًا، ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾. يقولُ: فالتمسوا عندَ اللهِ الرزقَ، لا مِن عندِ أوثانِكم، تُدركوا ما تبتغون من ذلك، ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾. يقولُ: وذِلُّوا له، ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على رزقِه إياكم، ونعمِه التي أنعمَها عليكم.\nيقالُ: شكرتُه. و\"شكرتُ له\" أفصحُ من \"شكرتُه\".\nوقولُه: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: إلى اللهِ تُرَدّون من بعدِ مماتِكم، فيُسائلُكم (^٤) عما أنتم عليه من عبادتِكم غيرَه، وأنتم عبادُه وخلْقُه، وفي نعَمِه\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٥٣.\n(^٢) مراد المصنف \"إنما\" المقدرة فى قوله: \"وتخلقون إفكا\"، وفى معانى القرآن للفراء ٢/ ٣١٥: \"وتخلقون إفكا\" مردودة على \"إنما\".\n(^٣) في م: \"التخليق\". وهى قراءة عون العقيلى وعبادة وابن أبي ليلى وزيد بن على. ينظر البحر المحيط ٧/ ١٤٥.\n(^٤) فى م: \"فيسألكم\".","vol":"18","page":375},{"text":"تتقلَّبون، ورزقَه تأكلون.\n\n<span id=\"aya-3358\"></span><span data-type='title' id=toc-7075>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: وإن تُكَذِّبوا أيها الناسُ رسولَنا محمدًا ﷺ فيما دعاكم إليه من عبادَةِ ربِّكم الذى خلَقكم ورزَقكم، والبراءةِ من الأوثانِ، فقد كَذَّبت جماعاتٌ من قبلِكم رسلَها، فيما دعَتهم إليه الرسلُ من الحقِّ، فحَلَّ بها من اللهِ سخطُه، ونزَل بها منه عاجلُ عقوبةٍ، فسبيلُكم سبيلُها فيما هو نازلٌ بكم بتكذيبِكم إياه، ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ: وما على محمدٍ إلا أنْ يبلِّغَكم عن اللهِ رسالتَه، ويؤدِّيَ إليكم ما أمَره بأدائِه إليكم ربُّه.\nويعني بـ: ﴿الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: الذى يَبِينُ لمن سمِعه ما يُرادُ به، ويُفهَمُ به ما يُعنَى به.\n\n<span id=\"aya-3359\"></span><span data-type='title' id=toc-7076>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: أو لم يروا كيف يستأنفُ اللهُ خَلْقَ الأشياءِ طِفلًا صغيرًا، ثم غلامًا يافعًا، ثم رجلًا مجتمِعًا، ثم كَهلًا؟\nيقالُ منه: أبدَأ وأعاد، وبدَأ وعاد. لغتان بمعنًى واحدٍ.\nوقولُه: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾. يقولُ: ثم هو يُعيدُه من بعدِ فنائه وبِلاه، كما بدَأه أوَّلَ مرّةٍ خَلْقًا جديدًا، لا يتعذَّرُ ذلك عليه، ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾؛ سهلٌ كما كان يسيرًا عليه إبداؤُه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.","vol":"18","page":376},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: البَعْثُ (^١) بعدَ الموتِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3360\"></span>وقولُه: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكره لمحمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ للمُنْكرِين البعثَ (^٣) بعدَ المَماتِ، الجاحِدِين الثوابَ والعقابَ: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ﴾ اللهُ ﴿الْخَلْقَ (^٤)﴾؛ الأشياءَ، وكيف أنشَأها وأَحْدَثها، وكما أوجَدها وأحْدَثها ابتداءً فلم يَتَعَذَّرْ عليه إحْداثُها مُبْدِئًا، فكذلك لا يَتَعذَّرُ عليه إنشاؤُها (^٥) مُعِيدًا. ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾. يقولُ: ثُمَّ اللهُ يُبْدِئُ ذلك (^٦) البَدْأَةَ الآخِرَةَ بعدَ الفناءِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾: خَلْقَ السماواتِ والأرضِ، ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾. أى: البعثَ بعدَ الموتِ (^٧).\n_________\n(^١) في م: \"بالبعث\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٤٥ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٤٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) فى م: \"للبعث\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١.\n(^٥) في ت ٢: \"إنشاره\".\n(^٦) سقط من: ت ٢، وفى م: \"تلك\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٤٦ من طريق يزيد به، وهو تمام الأثر قبله.","vol":"18","page":377},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾. قال: هي الحياةُ بعدَ الموتِ، وهو النشورُ (^١).\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكره: إن اللهَ على إنْشاءِ جميعِ خلقِه بعدَ إفْنائِه، كهيئتِه قبلَ فَنائِه، وعلى غيرِ ذلك مما يشاءُ فِعْلَه - قادرٌ، لا يُعْجِزُه شيءٌ أرادَه.\n\n<span id=\"aya-3361\"></span><span data-type='title' id=toc-7077>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: ثم اللهُ يُنْشِئُ النشأةَ الآخِرةَ خَلْقَه مِن بعدِ فَنَائِهم، فيعذِّبُ مَن يشاءُ منهم على ما أسْلَفَ مِن جُرْمِه فى أيام حياتِه، ويرحمُ مَن يشاءُ منهم مِمَّن تابَ وآمنَ وعمِل صالحًا، ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾. يقولُ: وإليه تُرجَعون وتُرَدُّون.\n\n<span id=\"aya-3362\"></span>وأما قولُه: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. [فَإِن ابنَ زِيدٍ قال فى ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾] (^٢). قال: لا يُعْجِزُه أَهلُ الأَرَضِين فى الأَرضِين، ولا أهلُ السماواتِ فى السماواتِ، إن عصَوه. وقرَأ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^٣) [سبأ: ٣].\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٤ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٤٧ من طريق أصبع، عن ابن زيد.","vol":"18","page":378},{"text":"وقال في ذلك بعضُ أهل العربيةِ من أهلِ البصرةِ: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ [وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. أى: لا يُعجِزُوننا مع ذلك، ما أنتم بمعجزين في الأرضِ] (^١)، ولَا مَنْ فِي السماءِ مُعْجِزِين. قال: وهو مِن غامضِ العربيةِ؛ للضميرِ الذي لم يظهَرْ فى الثانى. قال: ومثلُه قولُ حسانَ بنِ ثابتٍ (^٢):\nأَمَنْ يَهْجُو رسولَ اللهِ مِنْكُمْ … ويَمْدَحُه ويَنْصُرُه سَوَاءُ\nأراد: ومَن ينصُرُه ويمدَحُه. فأضمَر (مَنْ). قال: وقد يقعُ في وَهْمِ السامعِ أن النصرَ والمدحَ [لـ\"مَن\"] (^٣) هذه الظاهرةِ، ومثلُه فى الكلامِ: أكرِمْ مَن أتاك وأتَى أباك، وأكرِمْ مَن أتاك ولم يأتِ زيدًا. تريدُ: ومن لم يأتِ زيدًا. فيَكْتَفى باخْتلافِ الأفعالِ مِن إعادةِ \"مَن\"، كأنه قال: أمَنْ يَهْجُو، ومَن يمدَحُه، ومَن يَنصُرُه. ومنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠].\nوهذا القولُ (^٤) أصحُّ عندى فى المعنى من القولِ الآخَرِ. ولو قال قائلٌ (^٥): معناه: ولا أنتم بمُعْجزين في الأرضِ، ولا أنتم لو كنتُم في السماءِ بمُعْجزِين. كان مذهبًا.\nوقولُه: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. يقولُ: وما كان لكم أيُّها الناسُ مِن دونِ اللهِ مِن ولىٍّ يَلى أمورَكم، ولا نصيرٍ ينصُرُكم مِن اللهِ، إن أرادَ بكم سُوءًا، ولا يمنعُكم (^٦) منه إن أحلَّ بكم عقوبتَه.\n\n<span id=\"aya-3363\"></span><span data-type='title' id=toc-7078>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ</span>\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١. وسقط من الكلام قول بعض أهل العربية من أهل البصرة، وهو الأخفش كما في تهذيب اللغة ١/ ٣٤٠، قال: معناه: ما أنتم بمعجزين فى الأرض ولا في السماء. أي: لا تعجزوننا هربا في الأرض ولا في السماء. وما سيذكره المصنف بعده هو قول الفراء إمام أهل الكوفة في معاني القرآن ٢/ ٣١٥.\n(^٢) ديوانه ص ٧٦.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"أعنى\".\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"الآخر\".\n(^٥) وهو قول أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب. ينظر تهذيب اللغة ١/ ٣٤٠.\n(^٦) في ت ٢: \"ينفعكم\".","vol":"18","page":379},{"text":"يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾.\nيقولُ تعالى ذكره: والذين كفَروا بحُجَجِ اللهِ، وأنكَروا أدلَّتَه، وجحَدوا لقاءَه والورودَ عليه يوم تقومُ الساعةُ، ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾. يقول تعالى ذكره: أولئك يَئِسوا مِن رحمتِي فى الآخرةِ؛ لمَّا عايَنوا ما أُعِدَّ لهم مِن العذابِ، فأولئك لهم فيها (^١) عذابٌ مُوجِعٌ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف اعْتَرَضَ بهذه الآياتِ من قولِه: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وترَك ضميرَ قولِه: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾. وهو مِن قصةِ إبراهيمَ. وقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؟\nقيل: فعَل ذلك كذلك؛ لأن الخبرَ عن أمرِ نوحٍ وإبراهيمَ وقومِهما، وسائرِ مَن ذَكَر اللهُ مِن الرسلِ والأممِ فى هذه السورةِ وغيرِها، إنما هو تذكيرٌ مِن اللهِ تعالى ذكره به الذين يبتدئُ بذِكْرِهم قبلَ الاعْتراضِ بالخبرِ، وتحذيرٌ منه لهم أن يَحِلَّ بهم ما حَلَّ بهم، فكأنه قيل فى هذا الموضعِ: فاعبُدوه واشكُروا له إليه ترجعون، فكذَّبْتُم أنتم معشرَ قريشٍ رسولكم محمدًا، كما كَذَّب أولئك إبراهيمَ. ثم جعَل مكانَ \"فَكَذَّبْتُم\": ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. إذ كان ذلك يدُلُّ على الخبرِ عن تَكْذيبِهم رسولَهم، ثم عادَ إلى الخبرِ عن إبراهيمَ وقومِه، وتَتْمِيمِ قصتِه وقصتِهم بقولِه: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾.\n\n<span id=\"aya-3364\"></span><span data-type='title' id=toc-7079>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: م.","vol":"18","page":380},{"text":"يقولُ تعالى ذكره: فلم يكن جوابَ قومِ إبراهيمَ له إذ قال لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. إلا أن قال بعضُهم لبعضٍ: اقتُلوه أو حرِّقوه بالنارِ. ففعَلوا، فأرَادوا إحراقَه بالنارِ، فأضرَموا له النارَ، فألْقوه فيها: فأنجاه اللهُ منها، ولم يُسَلِّطْها عليه، بل جعَلها عليه بَرْدًا وسلامًا.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: فما كان جوابَ قومِ إبراهيمَ ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾. قال: قال كعبٌ: ما حَرَقت منه إلا وَثاقَهُ (^١).\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: إن في إنجائِنا لإبراهيمَ من النارِ وقد أُلقى فيها وهى تَسَعَّرُ، وتَصْييرِناها عليه بردًا وسلامًا - لأدلةً وحُجَجًا لقومٍ يُصدِّقون بالأدلةِ والححجِ، إذا عايَنوا ورأَوا.\n\n<span id=\"aya-3365\"></span><span data-type='title' id=toc-7080>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه مخبرًا عن قيلِ إبراهيمَ لقومِه: وقال إبراهيمُ لقومِه: يا قومِ، ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾.\nواختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والشام وبعضُ الكوفيين: (مَوَدَّةً). بنصب \"مودة\" بغير إضافةٍ، \"بينَكم\" بنصبِها (^٢).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٦/ ٣٠٧.\n(^٢) قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر وأبو جعفر وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٥٧.","vol":"18","page":381},{"text":"وقرَأ ذلك بعضُ الكوفيين: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾. بنصبِ \"المودَّةِ\" وإضافتِها إلى قوله: ﴿بَيْنِكُمْ﴾، وخفضِ ﴿بَيْنِكُمْ﴾ (^١).\nوكأنَّ هؤلاء الذين قرءوا قوله: (مَوَدَّة). نصبًا، وجَّهوا معنى الكلامِ إلى: إنما اتخذتم أيُّها القومُ أوثانًا مودةً بينَكم. فجعَلوا \"إنما\" حرفًا واحدًا، وأوقَعوا قولَه: ﴿اتَّخَذْتُمْ﴾ على الأوثانِ، فنصَبوها، بمعنى: اتخَذتموها مودّةً بينَكم في الحياةِ الدنيا، تتحابُّون على عبادتِها، وتَتَوادُّون على خدمتِها، فتتواصَلون عليها.\nوقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ مكةَ والبصرةِ: (مودَّةُ بَيْنِكُمْ). برفعِ \"المودةِ\"، وإضافتِها إلى \"البينِ\"، وخفضِ \"البينِ\" (^٢). وكأن الذين قرَءوا ذلك كذلك، جعَلوا \"إِنَّ مَا\" حرفين، بتأويلِ: إن الذين اتخذَتم من دونِ اللهِ أوثانًا، إنما هو مودّتُكم للدنيا. فرفعوا \"مودة\" على خبرِ إنَّ. وقد يجوزُ أن يكونوا على قرَاءتِهم ذلك رفعًا بقولِه: \"إنما\" أن تكونَ حرفًا واحدًا، ويكونَ الخبرُ متناهيًا عندَ قولِه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾. ثم يبتدئُ الخبرَ فيقالُ: ما مودتُكم تلك الأوثانَ بنافعتِكم، إنما مَوَدَّةُ بينِكم في حياتِكم الدنيا، ثم هي منقطعةٌ. وإذا أُريد هذا المعنى كانت المَودَّةُ مرفوعةً بالصفةِ بقولِه: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. وقد يجوزُ أن يكونوا نوَوا (^٣) برفعِ المَودَّةِ، رفعَها على ضميرِ \"هي\"\nوهذه القراءاتُ الثلاثُ مُتقارباتُ المعانى؛ لأن الذين اتَّخَذوا الأوثانَ آلهةً يعبدونها، اتَّخَذوها مودةَ بَيْنهم، وكانت لهم فى الحياةِ الدنيا مودةً، ثم هي عنهم منقطعةٌ. فبأىِّ ذلك قرَأ القارئُ فمُصيبٌ؛ لتقارُبِ معانى ذلك، وشهرةِ\n_________\n(^١) وبها قرأ حمزة وحفص وروح. النشر ٢/ ٢٥٧.\n(^٢) وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس. المصدر السابق.\n(^٣) في م: \"أرادوا\"، وفى ت ١: \"يروا\".","vol":"18","page":382},{"text":"القراءةِ بكلِّ واحدةٍ منهنَّ في قرأةِ الأمصارِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. قال: صارتْ كلُّ خُلَّةٍ فى الدنيا عَداوةً على أهْلِها يومَ القيامةِ، إلا خُلَّةَ المُتَّقِين (^١).\nوقولُه: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. يقولُ تعالى ذكره: ثم يومَ القيامةِ أيُّها المُتَوادُّون على عبادةِ الأوثانِ والأصنامِ، والمُتواصِلون على خِدْماتِها عندَ وُرُودِكم على ربِّكم، ومُعاينتِكم ما أعَدَّ اللهُ لكم على التَّواصُلِ والتَّوَادِّ فى الدنيا، مِن أليمِ العذابِ، ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾. يقولُ: يَتبرَّأُ بعضُكم مِن بعضٍ، ويلعنُ بعضُكم بعضًا.\nوقولُه: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: ومصيرُ جميعِكم أيُّها العابِدون الأوثانَ، وما تعبُدون - النارُ. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. يقولُ: وما لكم أيُّها (^٢) المُتَّخِذون الآلهةَ مِن دونِ اللهِ مودةَ بينِكم، مِن أنصارٍ ينصُرونكم مِن اللهِ، حينَ يُصْلِيكم نارَ جهنمَ، فيُنْقِذوكم (^٣) مِن عذابِه.\n\n<span id=\"aya-3366\"></span><span data-type='title' id=toc-7081>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٤٨ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٤٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) بعده في م: \"القوم\".\n(^٣) في م: \"فينقذونكم\".","vol":"18","page":383},{"text":"الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)﴾.\nيقولُ تعالى ذكره: فصدَّق إبراهيم خليلَ اللهِ لوطٌ، ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾. يقولُ: وقال إبراهيمُ: إنى مُهاجِرٌ دارَ قومى ﴿إِلَى رَبِّي﴾، إلى الشامِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾. قال: صدَّق لوطٌ، ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾. قال: هو إبراهيمُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾. أى: فصدَّقه لوطٌ، ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾. قال: هاجَرا جميعًا مِن كُوثَى، وهى مِن سَوادِ الكوفةِ إلى الشامِ. قال: وذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"إنَّها سَتَكُونُ هِجْرةٌ بعدَ هِجْرةٍ، يَنْحازُ أهلُ الأَرضِ إِلى مُهاجَرِ إبراهيمَ، ويَبْقَى فى الأرضِ شِرارُ أهْلِها، حتى تَلْفِظُهم وتَقْذَرَهم، وتَحْشُرَهم النارُ مع القِرَدةِ والخنازيرِ\" (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾. قال: صدَّقه لوطٌ، صدَّق إبراهيمَ. قال: أرأيتَ المؤمنين، أليس آمنوا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٥٠ عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٤ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٥٠ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٤٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":384},{"text":"لرسولِ اللهِ ﷺ ما جاء به؟ قال: فالإيمانُ التَّصْديقُ. وفي قولِه: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾. قال: كانت هِجْرتُه إلى الشامِ.\nوقال ابنُ زيدٍ في حديثِ الذئبِ الذى كلَّم الرجلَ، فأَخبَر به النبيَّ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"فآمَنْتُ له (^١) وأبو بكرٍ وعمرُ\" (^٢). وليس أبو بكرٍ ولا عمرُ معه. يعني \"آمنتُ له\": صَدَّقْتُه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ في قولِه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾. قال: إلى حَرَّانَ، ثم أُمِر بعدُ بالشامِ الذى هاجَر إبراهيمُ، وهو أوَّلُ مَن هاجَر. يقولُ: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ﴾، إبْراهِيمُ: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾ الآية (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾: إبراهيمُ القائلُ: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ (^٤).\nوقولُه: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ: إن ربِّى هو العزيزُ الذي لا يَذِلُّ مَن نَصَرَه، ولكنه يمنعُه مِمَّن أرادَه بسُوءٍ، وإليه هِجْرتُه، الحكيمُ في تَدْبيرِه خلقَه، وتَصْريفِه إياهم فيما صَرَّفهم فيه.\n\n<span id=\"aya-3367\"></span><span data-type='title' id=toc-7082>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾.</span>\n_________\n(^١) بعده في م: \"أنا\".\n(^٢) أخرجه أحمد ١٢/ ٣٠٥ (٧٣٥١)، والبخارى (٣٤٧١)، ومسلم (٢٣٨٨) وغيرهم من حديث أبي هريرة.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٤ إلى ابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٤ إلى ابن المنذر، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٨٢.","vol":"18","page":385},{"text":"يقولُ تعالى ذكره: ورَزَقْناه مِن لَدُنَّا إسحَاقَ ولدًا، وَيَعْقُوبَ مِن بعدِه وَلَدَ وَلَدٍ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾. قال: هما ولدا إبراهيمَ (^١).\nوقولُه: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾. بمعنى الجمعِ؛ يرادُ به الكتبُ، ولكنه خرَجَ مَخْرَجَ قولِهم: كَثُر الدرهمُ والدينارُ عندَ فلانٍ.\nوقولُه: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾. يقولُ تعالى ذكره: وأعْطيناه ثوابَ بلائِه فينا فى الدنيا، ﴿وَإِنَّهُ﴾ مع ذلك ﴿فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. فله هنالك أيضًا جزاءُ الصالحين، غيرَ مُنْتَقَصٍ حَظُّه بما أُعطِى في الدنيا مِن الأجرِ على بلائِه في اللهِ، عما له عندَه في الآخرةِ.\nوقيل: إن الأَجْرَ الذى ذكَره اللهُ ﷿ أنه آتاه إبراهيمَ في الدنيا، هو الثناءُ الحسنُ، والولدُ الصالحُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾. قال: الثناءُ (^٢).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن لَيْثٍ، قال: أرسَل مجاهدٌ رجلًا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٥٢ عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٤ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٥٣ من طريق ليث، عن مجاهد.","vol":"18","page":386},{"text":"يقالُ له: قاسمٌ. إلى عكرمةَ يسألُه عن قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال: فقال: أجرُه في الدنيا أن كلَّ مِلَّةٍ تتولَّاه، وهو عندَ اللهِ مِن الصالحين. قال: فرجَع إلى مجاهدٍ، فقال: أصابَ.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن مِنْدَلٍ، عمَّن ذكَره، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾. قال: الولدُ الصالحُ والثناءُ (^١).\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾. يقولُ: الذِّكْرُ الحسنُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾. قال: عافيةً، وعملًا صالحًا، وثناءً حَسَنًا، فلستَ تلَاقى (^٣) أحدًا مِن المِلَلِ إلا يَرضَى (^٤) إبراهيمَ ويَتَولَّاه، ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (^٥).\n\n<span id=\"aya-3368\"></span><span data-type='title' id=toc-7083>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واذكُرْ لوطًا إذ قال لقومِه: أئنَّكم لَتأتون الذُّكْرانَ، ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا﴾ - يعنى بالفاحشةِ التي كانوا يأتونها، وهى إتيانُ الذُّكْرانِ، ﴿مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٤ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٥٢، من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٤٤، إلى ابن المنذر، بلفظ: الثناء.\n(^٣) في ص، م: \"بلاق\"، وفي ت ١: \"تلاق\".\n(^٤) في م: \"يرى\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٥٢، من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":387},{"text":"<span id=\"aya-3369\"></span>ذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بنِ خداشٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ علَيَّةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ فى قولِه: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. قال: ما نَزَا ذَكَرٌ على ذَكَرٍ حتى كان قومُ لوطٍ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-7084>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) [قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ] (^٢) (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره مُخبرًا عن قيلِ لوطٍ لقومِه: ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ أيُّها القومُ، ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ فى أدْبارِهم، ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾. يقولُ: وتقطَعون المُسافرين عليكم (^٣) بفعلِكم الخبيثِ. وذلك أنهم فيما ذُكِر عنهم كانوا يفعلون ذلك بَمَن مَرَّ عليهم من المُسافرين، ومَن وَرَد بلدَهم (^٤) مِن الغُرباءِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾. قال: السبيلُ الطريقُ. المسافرُ إذا مرَّ بهم، وهو ابنُ السبيلِ، قَطَعوا به، وعمِلوا به ذلك العمل الخبيثَ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٥٤، وابن عساكر في تاريخه ٥٠/ ٣١٩، من طريق ابن علية به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، وينظر ما سيأتى فى ص ٣٩٣ حاشية (١).\n(^٣) في ص، ت ٢: \"عليهم\".\n(^٤) فى م: \"بلادهم\".\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٩٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٥٤ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.","vol":"18","page":388},{"text":"وقولُه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في المنكرِ الذي عَناه اللهُ، الذى كان هؤلاء القومُ يأتُونه في نادِيهم؛ فقال بعضُهم: كان ذلك أنهم كانوا يَتَضارَطُون في مجالسِهم.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ غُطَيفٍ (^١) الثقفىُّ، عن عمرَ (^٢) بنِ مُصْعبٍ، عن عُروةَ بنِ الزبيرِ، عن عائشةَ في قولِه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. قالت (^٣): الضُّراطَ (^٤).\nوقال آخرون: بل كان ذلك أنهم كانوا يَحْذِفون مَن مَرَّ بهم.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا أبو أُسامةَ، عن حاتمِ بنِ أبي صَغيرةَ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن أبي صالحٍ، عن أمِّ هانئ، قالت: سألتُ النبيَّ ﷺ عن قولِه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. قال: \"كانوا يَحْذِفُون أهل الطريقِ، ويَسْخَرون منهم\". فهو المنكرُ الذي كانوا يأتُون (^٥).\nحدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا أسدٌ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، بإسنادِه عن النبيِّ ﷺ مثلَه.\n_________\n(^١) فى م: \"عطيفة\". وينظر الجرح والتعديل ٣/ ٤٩٥.\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"عمرو\"، وينظر جمهرة نسب قريش ١/ ٣١٧، والتاريخ الكبير ٦/ ١٩٦، وترجم له فى من اسمه \"عمرو\" فى ٦/ ٣٧٢، وفى لسان الميزان ٤/ ٣٣١.\n(^٣) في النسخ: \"قال\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٩٤، وأخرجه البخارى فى التاريخ الكبير ٦/ ١٩٦ من طريق محمد بن ربيعة، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٥٤ من طريق روح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٤ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٩٥، ٢٩٦، وأخرجه أحمد ٦/ ٣٤١ (الميمنية)، والترمذى (٣١٩٠)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٢٨٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٥٤، والطبراني ٢٤/ ٤١٢ (١٠٠١)، والحاكم ٢/ ٤٠٩ من طريق أبي أسامة به.","vol":"18","page":389},{"text":"حدَّثنا أحمد بن عبدةَ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا سُلَيمُ (^١) بنُ أَخضرَ، قال: ثنا أبو يونسَ القُشَيرِيُّ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن أبي صالحٍ مولى أمِّ هانئٍ، أن أمَّ هانئٍ سُئِلت عن هذه الآيةِ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. فقالت: سألتُ عنها رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: \"كانوا يَحْذِفُون أَهْلَ الطَّريقِ، ويَسْخَرون مِنهم\" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ أبي زائدةَ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. قال: كانوا يُؤْذُون أهلَ الطريقِ؛ يحذِفون مَن مَرَّ بهم (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن عمرَ بنِ أبي زائدةَ، قال: سمِعتُ عكرمةَ قال: الحَذْفُ (^٤).\nحدَّثنا موسي، قال: أخبَرنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. قال: كان كلُّ مَن مَرَّ بهم حَذَفوه، فهو المنكرُ (^٥).\nحدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا أسدٌ، قال: ثنا سعيدُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا حاتمُ بنُ أبي صَغيرةَ، قال: ثنى سِماكُ بنُ حربٍ، عن باذامَ (^٦) أبي صالحٍ، مولى أمِّ هانئٍ، عن أمِّ هانئٍ، قالت: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن هذه الآيةِ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. قال: \"كانوا يَجْلِسون بالطريقِ فيَحْذِفون أبناءَ السبيلِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"سليمان\". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٣٣٨.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٩٦، وأخرجه الترمذي عقب الحديث (٣١٩٠) عن أحمد بن عبدة به.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٩٣.\n(^٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٢٩٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٩٤.\n(^٦) بعده في م: \"عن\".","vol":"18","page":390},{"text":"ويَسْخَرون منهم\" (^١).\nوقال بعضُهم: بل كان ذلك إتيانهم الفاحشة في مجالسِهم.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان يأتى بعضُهم بعضًا في مجالسِهم. يعنى قولَه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا سليمانُ بنُ عبد الجبار، قال: ثنا ثابتُ بنُ محمدٍ الليثىُّ، قال: ثنا فُضَيلُ ابنُ عِياضٍ، عن منصورِ بنِ المعتمرِ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. قال: كان يجامعُ بعضُهم بعضًا في المجالسِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. قال: كان يأتى بعضُهم بعضًا في المجالسِ (٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يُجامِعون الرجالَ (^٤) في مجالسِهم (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى ٢٤/ ٤١١ (١٠٠٠) من طريق سعيد به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٥٤، والطبراني ٢٤/ ٤١٢ (١٠٠١)، وابن عدى ٣/ ١٢١٤، والحاكم ٤/ ٢٨٣، والبيهقي في الشعب (٦٧٥٥) ٢٤/ ٤١٢ والشاشي -كما في الدر المنثور ٥/ ١٤٤ ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٠/ ٣٢٣ من طريق أبي يونس حاتم بن أبي صغيرة به، وأخرجه الطيالسي (١٧٢٢)، والطبراني ٢٤/ ٤١٢ (١٠٠٢) من طريق سماك به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٤ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٩٤.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٩٤. وأخرجه الخرائطى فى مساوئ الأخلاق (٤٤٧) من طريق الفضيل به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٤ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في ت ٢: \"الناس\".\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٩٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٥٥ من طريق وكيع به.","vol":"18","page":391},{"text":"حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. قال: المجالسِ، والمنكرُ: إتيانُهم الرجالَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. قال: كانوا يأتُون الفاحشةَ في نادِيهم (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. قال: نادِيهم: المجالسُ، والمنكرُ: عملُهم الخبيثُ الذى كانوا يعمَلونه؛ كانوا يَعْتَرِضون بالراكبِ فيأخُذونه ويركَبونه. وقرَأ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤]. وقرَأ: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (^٣).\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. يقولُ: فى مجالسِكم (^٤).\nوأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: وتحذِفون في مجالسِكم المَارَّةَ بكم، وتسخرون منهم. لِما ذكَرنا مِن الروايةِ بذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٣٥، وأخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٩٥.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٩٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٩٥.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٥٤ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٤ إلى ابن المنذر.","vol":"18","page":392},{"text":"ممم\n\n<span id=\"aya-3370\"></span>وقولُه: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: فلم يَكُنْ جوابَ قومِ لوطٍ إذ نَهاهم عما يَكْرَهُه اللهُ مِن إتيانِ الفواحشِ التي حرَّمها اللهُ، إلا قِيلُهم: ائْتِنا بعذابِ اللهِ الذي تَعِدُنا، إن كنتَ مِن الصادِقين فيما تقولُ، والمُنْجزِين لِما تَعِدُ.\n\n<span id=\"aya-3371\"></span><span data-type='title' id=toc-7085>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى (^١): ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: لما جاءَتْ رُسُلُنا [من الملائكةِ] (^٢) إبراهيمَ بالبُشْرى مِن اللهِ بإسحاقَ، ومِن وراءِ إسحاقَ يعقوبَ، ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾. [يقولُ: قالت رُسُلُ اللهِ لإبراهيمَ: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾] (^٣)؛ قريةِ سَدُومَ، وهى قريةُ قومِ لوطٍ، ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾. يقولُ: إن أهلَها كانوا ظالِمي أنفسِهم بمعصيتِهم اللهَ، وتَكْذِيبِهم رسولَه ﷺ.\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ إلى قولِه: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾. قال: فجادَل إبراهيمُ الملائكةَ في قومِ لوطٍ أن يُتْرَكوا. قال: فقال: أرأيتُم إن كان فيها عشَرَةُ أبياتٍ مِن المسلمين أتتركُونهم؟ فقالت الملائكةُ: ليس فيها عشَرَةُ أبياتٍ، ولا خمسةٌ، ولا أربعةٌ،\n_________\n(^١) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٣: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ وقد أثبتنا هذه الآية من النسخة ت ٢ في ص ٣٨٨، ولم يذكر المصنف تفسيرها ضمن الآيات المتقدمة.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: ت ١.","vol":"18","page":393},{"text":"ولا ثلاثةٌ، ولا اثنان. قال: فحَزِن على لوطٍ وأهلِ بيتِه، فقال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. فذلك قولُه: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٤، ٧٥]. فقالت الملائكةُ: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦]. فبعَث اللهُ إليهم جبريلَ ﷺ، فانتَسَف المدينةَ وما فيها بأحدِ جَناحَيه، فجعَل عاليَها سافلَها، [وتَتَبَّعَتهم الحجارةُ] (^١) بكلِّ أرضٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3372\"></span><span data-type='title' id=toc-7086>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: قال إبراهيمُ للرسلِ مِن الملائكةِ، إذ قالوا له: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾. فلم يَسْتَثْنُوا منهم أحدًا، إذ وصَفوهم بالظلمِ: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾، وليس مِن الظالِمين، بل هو مِن رُسُلِ اللهِ، وأهلِ الإيمانِ به، والطاعةِ له. فقالت الرسلُ له: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ مِن الظالِمين الكافرين بالله منك، وإن لوطًا ليس منهم، بل هو كما قلتَ مِن أولياءِ اللهِ، ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ مِن الهلاكِ الذى هو نازلٌ بأهلِ قريتِه، ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الذين أبْقَتْهم الدُّهورُ والأيامُ، وتطاوَلَت أعمارُهم وحياتُهم، وإنها هالكةٌ مِن بينِ أهلِ لوطٍ مع قومِها.\n_________\n(^١) فى م: \"وتتبعهم بالحجارة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٥٥، ٣٠٥٦ عن محمد بن سعد به.","vol":"18","page":394},{"text":"<span id=\"aya-3373\"></span><span data-type='title' id=toc-7087>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولما أن جاءَت رُسُلُنا لوطًا، مِن الملائكةِ، ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾. يقولُ: ساءَتْه الملائكةُ بمَجِيئهم إليه، وذلك أنهم تَضَيَّفُوه فساءُوه بذلك، فقولُه: ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾: فُعِل بهم. مِن: ساءَه (^١) بذلك.\nوذُكر عن قتادةَ أنه كان يقولُ: ساءَ ظنُّه بقومِه، وضاقَ بضَيْفِه ذَرْعًا.\nحدَّثنا بذلك الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ عنه: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾. يقولُ: وضاقَ ذرعُه بضِيافتِهم؛ لِما عَلِم مِن خُبْثِ فعلِ قومِه (^٢).\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾. قال: بالضيافةِ؛ مخافةً عليهم مما يعلَمُ مِن شرِّ قومِه (^٣).\nوقولُه: ﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قالت الرسلُ للوطٍ: لا تَخَفْ علينا أن يَصِلَ إلينا قومُك، ولا تَحْزَنْ مما أخبَرْناك مِن\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"ساوه\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق، ٢/ ٩٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٥٨ من طريق شيبان، عن قتادة.","vol":"18","page":395},{"text":"أنَّا مُهْلِكوهم. وذلك أن الرسلَ قالت له: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١]. ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ مِن العذابِ الذى هو نازلٌ بقومِك، ﴿وَأَهْلَكَ﴾. يقولُ: ومُنَجُّو أهلِك معك، ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ فإنها هالكةٌ في مَن يَهْلِكُ مِن قومِها، كانت مِن الباقِين (^١) الذين طالَت أعْمارُهم.\n\n<span id=\"aya-3374\"></span><span data-type='title' id=toc-7088>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ الرسلِ للوطٍ: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ﴾ يالوطُ، ﴿عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾؛ سَدُومَ، ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. يعني: عذابًا.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا﴾، أي: عذابًا (^٢).\nوقد بَيَّنَّا معنى الرجزِ وما فيه مِن أقوالِ (^٣) أهلِ التأويلِ فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٤).\nوقولُه: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. يقولُ: بما كانوا يأتُون من معصيةِ اللهِ، ويركَبون مِن الفاحشةِ.\n\n<span id=\"aya-3375\"></span><span data-type='title' id=toc-7089>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد أبقَيْنا مِن فَعْلتِنا التي فَعَلْنا بهم ﴿آيَةً﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) فى ت ٢: \"الباغين\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٥٨ من طريق يزيد به.\n(^٣) في ص، ت ١: \"قول\"\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٧٢٩ - ٧٣١.","vol":"18","page":396},{"text":"عِبرةً بيِّنةً، وعِظَةً، واعظةً، ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ عن اللهِ حُجَجَه، ويتفكَّرون في مواعظه، وتلك الآية البيِّنةُ هى عندى عُفُوُّ آثارِهم، ودُرُوسُ معالِمهم.\nوذُكر عن قتادةَ فى ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. قال: هى الحجارةُ التي أُمطِرت عليهم (^١).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً﴾. قال: عِبْرةً (^٢).\n\n<span id=\"aya-3376\"></span><span data-type='title' id=toc-7090>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأرسَلتُ إلى مَدينَ أخاهم شُعيبًا، فقال لهم: يا قومِ اعبُدوا الله وحده، وذِلُّوا له بالطاعةِ، واخضَعوا له بالعبادةِ، ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾. يقولُ: وارْجُوا بعبادتِكم إياه جزاء اليومِ الآخرِ، وذلك يومُ القيامةِ. ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يقولُ: ولا تُكْثِروا فى الأرضِ معصيةَ اللهِ، ولا تُقِيموا عليها، ولكن توبوا إلى اللَّهِ منها وأَنِيبوا.\nوقد كان بعضُ أهل العلم بكلامِ العربِ (^٣) يتأوَّلُ قولَه: ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ بمعنى: واخْشَوا اليومَ الآخرَ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٥٨، من طريق يزيد به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٨، عن معمر عن قتادةَ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٣٥، ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٥٨، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٤٥ إلى الفريابي وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ١١٥.","vol":"18","page":397},{"text":"وكان غيرُه مِن أهلِ العلمِ بالعربيةِ (^١) يُنكِرُ ذلك ويقولُ: لم نجدِ الرجاءَ بمعنى الخوفِ في كلامِ العربِ إلا إذا قارَنه الجَحْدُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3377\"></span><span data-type='title' id=toc-7091>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٣٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فَكَذَّب أَهلُ مَدينَ شُعَيبًا فيما أَتاهم به عن اللَّهِ مِن الرسالةِ، فأَخَذَتْهم رَجْفَةُ العذابِ، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ جُثُومًا بعضُهم على بعضٍ؛ مَوْتَى.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. أى: مَيِّتِين (^٣)\n\n<span id=\"aya-3378\"></span><span data-type='title' id=toc-7092>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واذكُروا أيُّها القومُ عادًا وثمودَ وقد تَبَيَّن لكم من مساكِنِهم خَرابُها وخَلاؤُها منهم بوقائعِنا بهم، وحلولِ سَطوتِنا بجميعِهم، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. يقولُ: وحَسَّنَ لهم الشيطانُ كفرَهم باللهِ، وتكذيتهم رُسُلَه، ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾. يقولُ: فرَدَّهم بتَزْيينِه لهم ما زَيَّنَ مِن الكفرِ عن سبيلِ اللهِ، التى هى الإيمانُ به ورسلِه، وما جاءوهم به مِن عندِ\n_________\n(^١) هو الفراء في معاني القرآن ١/ ٢٨٦.\n(^٢) فى ت ١: \"الحجة\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٦٠ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٤٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":398},{"text":"ربِّهم، ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾. يقولُ: وكانوا مُسْتَبْصِرين في ضلالتِهم، مُعْجَبِين بها، يَحْسَبون أنهم على هُدًى وصوابٍ، وهم على الضلالِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾. يقولُ: كانوا مُستبصرِين في دينِهم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾: في الضلالةِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾: في ضلالتِهم، مُعْجَبين بها (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾. يقولُ: في دينِهم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٦٠ عن محمد بن سعد به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٣٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٦٠ من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٥ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٦٠ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٤٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":399},{"text":"<span id=\"aya-3379\"></span><span data-type='title' id=toc-7093>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واذكُرْ يا محمدُ قارونَ وفرعونَ وهامانَ، ولقد جاء جميعَهم موسى ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، يعنى بالواضحاتِ مِن الآياتِ، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ عن التَّصْديقِ بالبيناتِ مِن الآياتِ، وعن اتِّباعِ موسى صلواتُ اللهِ عليه، ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما كانوا سابِقينا بأنفسِهم فيَفُوتُونا، بل كنا مُقْتدرِين عليهم.\n\n<span id=\"aya-3380\"></span><span data-type='title' id=toc-7094>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فأخَذنا جميعَ هذه الأممِ التي ذكَرناها لك يا محمدُ بعذابِنا؛ ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾. وهم قومُ لوطٍ الذين أمطَر اللهُ عليهم حجارةً مِن سِجِّيلٍ مَنْضودٍ. والعربُ تُسمِّى الريحَ العاصفَ التي فيها الحَصَى الصغارُ، أو الثلجُ، أو البَرَدُ والجليدُ، حاصِبًا، ومنه قولُ الأخطلِ (^١):\nولقد عَلِمْتِ إِذا العِشارُ تَرَوَّحَتْ … هَدَجَ الرِّئَالِ تَكُبُهُنَّ شَمالا\nتَرْمِي العِضاهَ بحاصِبٍ مِن ثَلْجِها … حتى يَبِيتَ على العِضاهِ جُفالا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٤/ ٦٧٠.","vol":"18","page":400},{"text":"وقال الفرزدقُ (^١):\nمُسْتَقْبِلِين شَمالَ الشامِ تَضْرِبُنا … بحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنْثُورِ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾: قومُ لوطٍ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾: وهم قومُ لوطٍ (^٣)\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بذلك؛ فقال بعضُهم: هم ثمودُ قومُ صالحٍ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾: ثمودُ.\nوقال آخرون: بل هم قومُ شُعَيبٍ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٤/ ٦٦٩.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ١٨٧.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":401},{"text":"الصَّيْحَةُ﴾: قومُ شعيبٍ (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ: إن اللهَ قد أخبَر عن ثمودَ وقومِ شعيبٍ مِن أهلِ مَدْينَ أنه أهْلَكهم بالصَّيْحةِ في كتابِه في غيرِ هذا الموضعِ، ثم قال: جلَّ ثناؤُه لنبيِّه ﷺ: فمِن الأممِ التى أَهْلَكناهم مَن أرسَلنا عليهم حاصبًا، ومنهم مَن أخذَتْه الصيحةُ. فلم يَخْصُصِ الخبر بذلك عن بعضِ مَن أخذَتْه الصيحةُ مِن الأممِ دونَ بعضٍ، وكِلا الأُمَّتَين -أعنى ثمودَ ومَدْينَ- قد أخذَتْهما (^٢) الصَّيحةُ.\nوقولُه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾. يعنى بذلك قارونَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾: قارونُ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾. يعنى قومَ نوحٍ وفرعونَ وقومَه.\nواختَلف أهلُ التأويلِ فى ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك قومُ نوحٍ ﵇.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٦٢ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٤٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"أخذتهم\"","vol":"18","page":402},{"text":"ابنُ عباسٍ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾: قومُ نوحٍ.\nوقال آخرون: بل هم قومُ فرعونَ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾: قومُ فرعونَ (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يُقالَ: عُنِى به قومُ نوحٍ وفرعونُ وقومُه؛ لأن اللهَ لم يَخْصُصْ بذلك إحدَى الأُمَّتَين دونَ الأخرى، وقد كان أَهْلَكهما قبلَ نُزُولِ هذا الخبرِ عنهما، فهما مَعْنِيَّتان به.\nوقولُه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولم يَكُنِ اللهُ ليُهْلِكَ هؤلاء الأممَ الذين أهلكهم بذنوبِ غيرِهم، فيُظْلِمَهم بإهْلاكِه إياهم بغيرِ إسْتحقاقٍ، بل إنما أهْلَكهم بذنوبِهم، وكفرِهم بربِّهم، وجُحُودِهم نِعَمَه عليهم، مع تتابُعِ إحْسانِه عليهم، وكثرةِ أيادِيه عندَهم، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾؛ بِتَصَرُّفِهم فى نِعَمِ ربِّهم، وتَقَلُّبِهم في آلائِه، وعبادتِهم غيرَه، ومعصيتِهم مَن أنعَم عليهم.\n\n<span id=\"aya-3381\"></span><span data-type='title' id=toc-7095>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ الآلهةَ والأوثانَ ﴿مِنْ دُونِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٦٢ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":403},{"text":"اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يَرجون نصرَها ونفعَها عندَ حاجتِهم إليها في ضَعفِ احتيالِهم، وقبحِ رواياتِهم، وسوءِ اختيارِهم لأنفسِهم، ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ في ضعفِها، وقلةِ احتيالِها لنفسِها، ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ لنفسِها؛ كيما يَكُنَّها، فلم يُغْنِ عنها شيئًا عندَ حاجتِها إليه، فكذلك هؤلاء المشركون لم يغنِ عنهم حينَ نزَل بهم أمرُ اللَّهِ، وحلَّ بهم سَخَطُه، أولياؤُهم الذين اتخذوهم من دونِ اللهِ، شيئًا، ولم يَدْفَعوا عنهم ما أحلَّ اللهُ بهم من سخَطِه بعبادتِهم إيَّاهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: ذلك مثلٌ ضرَبه اللهُ لمن عبَد غيرَه، أن مثلَه كمثَلِ بيتِ العنكبوتِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾. قال: هذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ للمشركِ؛ مثَلُ إلهِه الذى يدعوه من دونِ اللهِ كمثلِ بيتِ العنكبوتِ، واهنٍ ضعيفٍ لا ينفَعُه (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مَثَلُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٥ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٦٢ من طريق يزيد به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٧ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":404},{"text":"الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾. قال: هذا مثَلٌ ضرَبه اللهُ، لا يُغْنى أولياؤُهم عنهم شيئًا، كما لا يُغْنى العنكبوتَ بيتُها هذا (^١).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾. يقولُ: وإن أضعفَ البيوتِ، ﴿لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: لو كان هؤلاء الذين اتَّخذوا من دونِ اللهِ أولياءَ يعلَمون أن أولياءَهم الذين اتخذوهم من دونِ اللهِ، في قلةِ غَنائِهم عنهم، كغَناءِ بيت العنكبوتِ عنها، ولكنهم يَجْهَلون ذلك، فيحسَبون أنهم ينفَعونهم ويقرِّبونهم إلى اللهِ زُلْفَى.\n\n<span id=\"aya-3382\"></span><span data-type='title' id=toc-7096>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾.</span>\nاخْتَلفتِ القرأةُ فى قراءةِ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: (تَدْعُونَ) بالتاءِ (^٢)، بمعنى الخطابِ لمشركي قريشٍ إنَّ اللهَ أيُّها الناسُ يَعْلَمُ ما تَدْعون إليه من دونِه. وقرأ ذلك أبو عمرٍو: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ﴾ بالياءِ (^٣)، بمعنى الخبرِ عن الأممِ: إنَّ اللهَ يعلَمُ ما يَدْعُو هؤلاء الذين أَهْلَكناهم من الأممِ من دونِه من شيءٍ.\nوالصوابُ من القراءةِ فى ذلك عندَنا قراءةُ من قرَأه بالتاءِ؛ لأن ذلك لو كان خبرًا عن الأممِ الذين ذكَر اللَّهُ أنه أَهْلَكهم لكان الكلامُ: إن اللهَ يعلَمُ ما كانوا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٦٣ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٢) وبها قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٥٧.\n(^٣) وبها قرأ عاصم ويعقوب. المصدر السابق.","vol":"18","page":405},{"text":"يدعون؛ لأن القومَ فى حالِ نزولِ هذا الخبرِ على نبيِّ اللهِ لم يكونُوا موجودين؛ إذ كانوا قد هلَكُوا فبادُوا، وإنما يقالُ: إن اللهَ يعلَمُ ما تدعون. إذا أُرِيد به الخبرُ عن موجودين لا عمَّن قد هلَك.\nفتأويلُ الكلامِ إذ كان الأمرُ كما وصَفْنا: إن اللهَ يعلَمُ أَيُّها القومُ حالَ ما تعبُدون من دونِه من شيءٍ، وأن ذلك لا ينفَعُكم ولا يضرُّكم، إن أراد اللهُ بكم سوءًا، ولا يُغْنِى عنكم شيئًا، وإن مثَلَه في قلةِ غَنائِه عنكم، مثَلُ بيتِ العنكبوتِ في غَنائِه عنها.\nوقولُه: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ: واللهُ العزيزُ في انتقامِه ممن كفَر به، وأَشْرَك في عبادتِه معه غيرَه، فاتقوا أيُّها المشركون به عقابَه، بالإيمانِ به قبلَ نزولِه بكم، كما نزَل بالأممِ الذين قصَّ اللهُ قَصَصَهم في هذه السورةِ عليكم، فإنه إن نزَل بكم عقابُه، لم يُغْنِ عنكم أولياؤُكم الذين اتَّخَذْتُموهم من دونِه (^١)، كما لم يُغْنِ عنهم مِن قبلِكم أولياؤُهم الذين اتَّخَذوهم من دونِه، الحكيمُ في تدبيرِه خلقَه، فمُهْلِكٌ مَن اسْتَوْجب الهلاكَ، في الحالِ التي هلاكُه صلاحٌ، والمؤخِّرُ من أخَّر هلاكَه من كفَرةِ خلقِه به إلى الحينِ الذي في هلاكِه الصلاحُ.\n\n<span id=\"aya-3383\"></span>وقولُه: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهذه الأمثالُ، وهى الأشباهُ والنظائرُ، ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: تمثِّلُها ونشبِّهُها، ونحتجُّ بها للناسِ، كما قال الأعشى (^٢):\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١: \"أولياء\".\n(^٢) ديوانه ص ٢٣٧.","vol":"18","page":406},{"text":"هَلْ تذكُرُ العهدَ في (^١) تَنَمُّصَ (^٢) إذ … تَضرِبُ لى قاعدًا بها مثَلَا\n﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما يعقِلُ أنه أُصِيب بهذه الأمثالِ التي نضرِبُها للناسِ منهم الصوابُ والحقُّ، فيما ضُرِبت له مثلًا، إلا العالمون باللهِ وآياتِه.\n\n<span id=\"aya-3384\"></span><span data-type='title' id=toc-7097>القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيه محمدٍ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ﴾ يا محمدُ ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وحدَه، منفردًا بخلقِها، لا يَشْرَكُه فى خلقِها شريكٌ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾. يقولُ: إن في خلقِه ذلك لحجةً لمن صدَّق بالحججِ إذا عاينها، والآياتِ إذا رآها.\n\n<span id=\"aya-3385\"></span><span data-type='title' id=toc-7098>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿اتْلُ﴾. يعنى: اقرأ ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾. يعنى: ما أُنزِل إليك من هذا القرآنِ، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾. يعنى: وأدِّ الصلاةَ التي فرَضها اللهُ عليك بحدودِها، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. اخْتَلف أهلُ التأويل في معنى الصلاةِ التي ذُكِرت في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها القرآنُ الذي يُقرَأُ في موضعِ\n_________\n(^١) فى م: \"من\".\n(^٢) تنمص: موضع فى ديار حمير. ينظر معجم ما استعجم ١/ ٣٢٢.","vol":"18","page":407},{"text":"الصلاةِ، أو في الصلاةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن أبى الوفاءِ، عن أبيه، عن ابنِ عمرَ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. قال: القرآنُ الذي يُقرَأُ في المساجدِ (^١).\nوقال آخرون: بل عُنِى بها الصلاةُ.\nذِكرُ من قال ذلك\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. يقولُ: في الصلاةِ مُنْتَهًى ومُزْدَجَرٌ عن معاصى اللهِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا خالدٌ بنُ عبدِ اللهِ، عن العلاءِ بنِ المسيَّبِ، عمن ذكَره، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾: من لم تنْهَه صلاته عن الفحشاءِ والمنكرِ، لم يزدَدْ بصلاتِه من اللهِ إلا بُعْدًا (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا خالدٌ، قال: قال العلاءُ بنُ المسيَّبِ، عن سَمُرةَ بنِ عطيةَ، قال: قيل لابنِ مسعودٍ: إن فلانًا كثيرُ الصلاةِ. قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٦ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٦٦ من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٥ إلى ابن المنذر.\n(^٣) ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف ٣/ ٤٤، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٩٠ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٦٦، والطبراني (١١٠٢٥)، والقضاعي في مسند الشهاب (٥٠٩)، وابن مردويه - كما في تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي ٣/ ٤٤ من طريق طاوس عن ابن عباس مرفوعًا.","vol":"18","page":408},{"text":"فإنها لا تنفَعُ إِلَّا من أطاعها (^١).\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: من لم تأمُرْه صلاتُه بالمعروفِ، وتَنْهَه عن المنكرِ، لم يزدَدْ بها من اللهِ إلَّا بُعْدًا (^٢).\nقال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا علىُّ بنُ هاشمٍ بنِ البَريدِ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ، أنه قال: \"لا صلاةَ لمن لم يُطِعِ الصلاةَ، وطاعةُ الصلاةِ أن تَنْهَى عن الفحشاءِ والمنكرِ\". قال: قال سفيانُ: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: ٨٧]. قال: فقال سفيانُ: إى واللَّهِ تأمُرُه وتنهاه (^٣).\nقال علىٌّ: وحدَّثنا إسماعيلُ بنُ مسلمٍ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"مَن صلَّى صلاةً لم تَنْهَه عن الفحشاءِ والمنكرِ، لم يزدَدْ بها من اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى شيبة فى المصنف ١٣/ ٢٩٨. وابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٦٦، والبيهقي في الشعب (٣٢٦٣)، من طرق عن ابن مسعود، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور -كما في الدر المنثور ٥/ ١٤٦ ومن طريقه البيهقي في الشعب (٣٢٦٤) -وأحمد في الزهد ص ١٥٩، والطبرانى (٨٥٤٣) من طريق أبى معاوية به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٤٦ إلى ابن المنذر.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٩٠ عن المصنف. وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٦٦ من طريق جويبر به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٩٨، وابن الأعرابي في معجمه ٣/ ٩٢٦ (١٩٥٤)، والبيهقي في الشعب (٣٢٦٢) من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"18","page":409},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن يونسَ، عن الحسنِ، [قال: الصلاةُ إذا لم تَنْهَ عن الفحشاءِ والمنكرِ] (^١). قال: من لم تنهَه صلاتُه عن الفحشاءِ والمنكرِ، لم يزدَدْ من اللهِ إلا بعدًا (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ والحسنِ، قالا: من لم تنهَه صلاتُه عن الفحشاءِ والمنكرِ، فإنه لا يزدادُ من اللهِ بذلك إلا بعدًا (^٣).\nوالصوابُ من القولِ فى ذلك أن الصلاةَ تَنْهَى عن الفحشاءِ والمنكرِ، كما قال ابنُ عباسٍ وابنُ مسعودٍ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف تَنْهَى الصلاةُ عن الفحشاءِ والمنكرِ، إن لم يكنْ معنيًّا بها ما يُتلى فيها؟ قيل: تنهى من كان فيها، فتَحُولُ بينَه وبينَ إتيانِ الفواحشِ؛ لأن شُغْلَه بها يقطَعُه عن الشغلِ بالمنكرِ، ولذلك قال ابنُ مسعودٍ: من لم يُطِعْ صلاتَه، لم يزدَدْ اللَّهِ إلا بعدًا. وذلك أن طاعتَه لها إقامتُه إيَّاها بحدودِها، وفي طاعتِه لها مُزْدَجَرٌ عن الفحشاءِ والمنكرِ.\nحدَّثنا أبو حُميدٍ الحِمْصيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ العطارُ، قال: ثنا أرطاةُ، عن [أبي عونٍ] (^٤) فى قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. قال: إذا كنتَ في صلاةٍ، فأنت في معروفٍ، وقد حجَزَتْك عن الفحشاءِ والمنكرِ، والفحشاءُ هي الزنا، والمنكرُ معاصى اللهِ، ومن أتى فاحشةً\n_________\n(^١) كذا في النسخ. ولعله تكرار تتابعت عليه النسخ.\n(^٢) أخرجه أحمد في الزهد ص ٢٦٤ من طريق ابن علية به.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٤٤ عن قتادة والحسن.\n(^٤) في النسخ وتفسير ابن كثير: \"ابن عون\"، وفى تفسير ابن أبي حاتم: \"أبي غوث\"، والمثبت من الدر المنثور في وهو أبو عون الأنصارى الشامى الأعور. قال ابن منده: اسمه عبد الله بن أبي عبد الله. تنظر ترجمته في تهذيب الكمال ٣٤/ ١٥٤.","vol":"18","page":410},{"text":"أو عصَى اللهَ فى صلاتِه بما يُفْسِدُ صلاتَه، فلا شكَّ أنه لا صلاةَ له (^١).\nوقولُه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: ولذكر الله إيَّاكم أفضلُ من ذكرِكم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن عبدِ اللهِ بنِ رُبَيَّعَةً، قال: قال لى ابنُ عباسٍ: هل تَدْرى ما قولُه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾؟ قال: قلتُ: نعم. قال: فما هو؟ قال: قلتْ: التسبيحُ والتحميدُ والتكبيرُ في الصلاةِ، وقراءةُ القرآنِ، ونحوُ ذلك. قال: لقد قلتَ قولًا عجَبًا، وما هو كذلك، ولكنه إنما يقولُ: ذكرُ اللَّهِ إيَّاكم عندَ ما أمَر به أو نهَى عنه إذا ذكَرتُموه أكبرُ من ذكرِكم إيَّاه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن عطاءٍ بنِ السائبِ، عن ابنِ رُبَيَّعَةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ذكرُ اللَّهِ إِيَّاكم أكبرُ من ذكرِكم إيَّاه (^٣).\nحدَّثنا ابنِ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ رُبَيِّعَةَ، قال: سألنى ابنُ عباسٍ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. فقلتُ: ذكرُه بالتسبيحِ والتكبيرِ والقرآنِ حسَنٌ، وذكرُه عندَ المحارمِ فيَحْتَجِزُ عنها. فقال: لقد قلتَ قولًا عجيبًا، وما هو كما قلتَ، ولكنْ ذكرُ اللهِ إِيَّاكم أكبرُ من ذكرِكم إيَّاه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٦٦ من طريق أرطاة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٦ إلى المصنف، مطولًا.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٩٨، وابن أبي حاتم فى تفسيره، ٩/ ٣٠٦٧، وتفسير مجاهد ص ٥٣٥ وعنده عبد الله بن عبيد من طريق عطاء به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٦ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد.\n(^٣) تفسير الثورى ص ٢٣٥، ومن طريقه الحاكم ٢/ ٤٠٩، والبيهقى فى الشعب (٦٧٤).","vol":"18","page":411},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ رُبَيَّعَةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. قال: ذكرُ اللَّهِ للعبدِ أفضلُ من ذكرِه إيَّاه.\nحدَّثنا محمدُ بنِ المثنى وابنُ وكيعٍ. قال ابنُ المثنى: ثنى عبدُ الأعلى، وقال ابنُ وكيعٍ: ثنا عبدُ الأعلى. قال: ثنا داودُ، عن محمدِ بنِ أبي موسى، قال: كنتُ قاعدًا عندَ ابنِ عباسٍ، فجاءه رجلٌ، فسأل ابنَ عباسٍ عن \"ذكرُ اللَّهِ أكبرُ\"، فقال ابنُ عباسٍ: الصلاةُ والصومُ. قال: ذاك ذكرُ اللهِ. قال رجلٌ: إنى ترَكتُ رجلًا في رَحْلِى يقولُ غيرَ هذا، قال: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، قال: ذكرُ اللَّهِ العبادَ أكبرُ من ذكرِ العبادِ إيَّاه. فقال ابن عباس: صدَق واللهِ صاحبُك (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّىُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: جاء رجلٌ إلى ابنِ عباسٍ فقال: حدَّثني عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. قال: ذِكرُ اللهِ لكم أكبرُ من ذكرِكم له.\nحدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلَمةَ، عن داودَ، عن عكرمةَ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. قال: ذكرُ اللهِ للعبدِ أفضلُ من ذكرِه إيَّاه.\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعىُّ، قال: ثنا ابنُ فضيلٍ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطية: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. قال: هو قولُه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. وذكرُ اللَّهِ إِيَّاكم أكبرُ من ذكرِكم إيَّاه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٦٧، من طريق داود بن أبي هند عن رجل عن ابن عباس بنحوه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا -كما في الدر المنثور ٥/ ١٤٦ - ومن طريقه البيهقي في الشعب (٦٧٣) عن أبي هشام به.","vol":"18","page":412},{"text":"حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ولَذِكرُ اللهِ لعبادِه إذا ذكَروه أكبرُ من ذكرِهم إيَّاه (^١).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. قال: ذكرُ اللهِ عبدَه أكبرُ من ذكرِ العبدِ ربَّه في الصلاةِ أو (^٢) غيرِها (^٣).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن محمدِ بنِ أبي موسى، عن ابنِ عباسٍ، قال: ذكرُ اللهِ إيَّاكم إذا ذكَرتموه أكبرُ من ذكرِكم إيَّاه.\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن أبي قُرَّةَ، عن سلمانَ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعىُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثنى عبدُ الحميدِ بنُ جعفرٍ، عن صالحِ بن أبى عَرِيبٍ، عن كَثيرِ بنِ مُرَّةَ الحضرميِّ، قال: سمعتُ أبا الدرداءِ يقولُ: ألَا أخبرُكم بخيرِ أعمالِكم، وأحبِّها إلى مليكِكم، وأرفعِها في درجاتِكم، وخيرٍ من أن تغزوا عدوَّكم، فتَضْرِبوا أعناقَهم [ويَضْرِبوا أعناقَكم] (^٥)، وخيرٍ من إعطاءِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٦٧ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في مصادر التخريج: \"و\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٣٥ ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٦٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٢٩٢.\n(^٥) سقط من: م، ت ٢.","vol":"18","page":413},{"text":"الدنانيرِ والدراهمِ؟ قالوا: ما هو؟ قال: ذكرُكم ربَّكم، وذكرُ اللهِ أكبرُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا سفيانُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن أبي قُرَّةَ (^٢)، عن سلمانَ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. قال: قال: ذكرُ اللَّهِ إِيَّاكم أكبرُ من ذكرِكم إياه.\nقال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: سألتُ أبا قُرَّةَ عن قولِه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. قال: ذكرُ اللَّهِ إِيَّاكم أكبرُ من ذكرِكم إيَّاه (^٣).\nقال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ، قالا: ذكرُ اللَّهِ إيَّاكم أكبرُ من ذكرِكم إيَّاه (^٤).\nقال: ثنا ابنُ فُضيلٍ، عن مطرِّفٍ، عن عطيةَ، عن ابن عباسٍ، قال: هو كقولِه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. فذكرُ اللَّهِ إِيَّاكم أكبرُ من ذكرِكم إيَّاه.\nقال: ثنا حسينُ بنُ علىٍّ، عن زائدةَ، عن عاصمٍ، عن شقيقٍ، عن عبدِ اللهِ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. قال: ذكرُ اللَّهِ العبدَ أكبرُ من ذكرِ العبدِ لربِّه (^٥).\nقال: ثنا أبو يزيدَ الرازىُّ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن شعبةَ، قال: ذكرُ اللَّهِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٣/ ٣٠٨ عن أبي أسامة به، وأخرجه مالك في الموطأ ١/ ٢١١ عن زياد بن أبي زياد عن أبي الدرداء عن أبي الدرداء، كما أخرجه مرفوعا أحمد ٥/ ١٩٥، ٦/ ٤٤٧ (٢١٧٥٠، ٢٧٥٦٥ - ميمنية)، الترمذى (٣٣٧٧) وابن ماجه (٣٧٩٠) من حديث أبي الدرداء.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"بزة\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٦ إلى عبد بن حميد والمصنف.\n(^٤) ذكره البغوى في تفسيره ٦/ ٢٤٧.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة فى المصنف ١٣/ ٢٩٨ وعنه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ص ٢١٨ عن حسين بن علي به.","vol":"18","page":414},{"text":"لكم أكبرُ من ذكرِكم له.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ولذكرُكم اللهَ أفضلُ من كلِّ شيءٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عمرُ بنُ أبي زائدةَ، عن العَيْزارِ بنِ حُريثٍ، عن رجلٍ، عن سلمانَ، أنه سُئِل: أىُّ العملِ أفضلُ؟ قال: أما تقرأُ القرآنَ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، لا شيءَ أفضلُ من ذكرِ اللهِ (^١).\nحدَّثنا أبو حميدٍ أحمدُ بنُ المغيرةِ الحِمْصيُّ، قال: ثنا علىُّ بنُ عيَّاشٍ، قال: ثنا الليثُ، قال: ثني معاويةُ، عن ربيعةَ بنِ يزيدَ، عن إسماعيلَ بنِ عبيدِ اللهِ، عن أمِّ الدرداء، أنها قالت: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾: فإن صلَّيتَ فهو من ذكرِ اللَّهِ، وإن صمتَ فهو من ذكرِ اللهِ، وكلُّ خيرٍ تعمَلُه فهو من ذكرِ اللَّهِ، وكلُّ شرٍّ تجتنبُه فهو من ذكرِ اللَّهِ، وأفضلُ ذلك تسبيحُ اللَّهِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. قال: لا شيءَ أكبرُ من ذكرِ اللهِ. قال: أكبرُ الأشياءِ كلِّها. وقرَأ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. قال: لِذكرِ اللهِ، وإنه لم يَصِفْه عندَ القتالِ إلَّا أنه أكبرُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن أبي إسحاقَ، قال: قال\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٧ إلى المصنف\n(^٢) أخرجه البيهقى فى الشعب (٦٨٦) من طريق معاوية به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٩٧ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"18","page":415},{"text":"رجلٌ لسلمانَ: أىُّ العملِ أفضلُ؟ قال: ذكرُ اللَّهِ (^١).\nوقال آخرون: هو محتملُ الوجهين جميعًا. يعنون القولَ الأولَ الذي ذكَرناه، والثانيَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن خالدٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. قال: لها وجهانِ؛ ذكرُ اللهِ أكبرُ مما سواه، وذكرُ اللهِ إيَّاكم أكبرُ من ذكرِكم إياه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا خالدٌ الحذَّاءُ، عن عكرمةَ، عنِ ابنِ عباسٍ فى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. قال: لها وجهانِ؛ ذكرُ اللهِ إيَّاكم أكبرُ من ذكرِكم إيَّاه، وذكرُ اللهِ عندَ ما حرَّم (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ولذكرُ الله العبدَ في الصلاةِ أكبرُ من الصلاةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن السُّديِّ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. قال: ذكرُ اللهِ العبدَ في الصلاةِ أكبرُ من الصلاةِ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ولَلصَّلاةُ التى (^٤) أنت بها، وذكرُك اللهَ فيها،\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى فى الشعب (٦٧٠) من طريق وكيع عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد قال رجل لسلمان.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٦٨ من طريق إسماعيل به.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) بعده في م: \"أتيت\".","vol":"18","page":416},{"text":"أكبرُ مما نهَتْكَ الصلاةُ، من الفحشاءِ والمنكرِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني أحمدُ بنُ المغيرةِ الحِمْصِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ العطَّارُ، قال: ثنا أرطاةُ، عن [أبي عونٍ] (^١) فى قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾: والذى أنت فيه من ذكرِ اللهِ أكبرُ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وأشبهُ هذه الأقوالِ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ قولُ من قال: ولذكرُ الله إيَّاكم أفضلُ من ذكرِكم إيَّاه.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾. يقولُ: واللهُ يعلَمُ ما تصنَعون أَيُّها الناسُ في صلاتِكم، من إقامةِ حدودِها، وتركِ ذلك، وغيرِه من أمورِكم، وهو مُجازيكم على ذلك. يقولُ: فاتَّقوا أن تُضَيَّعوا شيئًا من حدودِها.\n\n<span id=\"aya-3386\"></span><span data-type='title' id=toc-7099>القولِ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا﴾ أيُّها المؤمنون باللهِ وبرسولهِ اليهودَ والنصارى، وهم أهلُ الكتابِ ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. يقولُ: إلا بالجميلِ من القولِ، وهو الدعاءُ إلى اللهِ (^٣) بآياتِه، والتنبيهُ على حُجَجه.\nوقولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: إلَّا الذين أبَوا أن يُقِرُّوا لكم بإعطاءِ الجزيةِ، ونصَبوا دونَ ذلك لكم\n_________\n(^١) فى النسخ: \"ابن عون\". وينظر ما تقدم في ص ٤١٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٦٦ من طريق أرطاة به.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"و\".","vol":"18","page":417},{"text":"حربًا، فإنهم ظلمةٌ، فأولئك فجادِلوهم (^١) بالسيفِ، حتى يُسْلِموا أو يُعْطُوا الجزية.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى علىُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا يزيدُ، عن سفيانَ، عَن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾. قال: مَن قاتَل ولم يُعْطِ الجزيةَ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثني أبي، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ بنحوهِ، إلَّا أنه قال: من قاتَلك ولم يُعْطِكَ الجزيةَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال: إن قالوا شرًّا، فَقُولوا خيرًا، ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ فانتَصِروا منهم (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾. قال: قالوا: مع اللهِ إلهٌ. أو: له ولدٌ. أو: له. شريكٌ. أو: يدُ اللهِ مَغلولةٌ. أو: اللهُ فقيرٌ. أو آذَوا محمدًا ﷺ. قال: هم أهلُ\n_________\n(^١) فى م: \"جادلوهم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٦٩ من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٧ إلى الفريابي وابن المنذر.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٣٥، ٥٣٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٦٩. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٧ إلى الفريابي.","vol":"18","page":418},{"text":"الكتابِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، [عن شريكٍ] (^٢)، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾.\nقال: أهلَ الحربِ، مَن لا عهدَ له جادِلْه بالسيف (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ولا تجادلوا أهلَ الكتاب الذين قد آمنوا به واتَّبَعوا رسولَه، فيما أخبَروكم عنه مما في كتبِهم، إلا بالتي هي أحسنُ، إلا الذين ظلموا منهم فأقاموا على كفرِهم. وقالوا: هذه الآيةُ مُحْكَمةٌ ليست بمنسوخةٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال: ليست بمنسوخةٍ، لا يَنْبَغى أن تُجَادِل مَن آمَن منهم، لعلهم يُحدِثون (^٤) شيئًا فى كتابِ اللهِ لا تَعْلَمُه أنت، فلا تُجَادِلُه، ولا يَنْبَغى أن تُجادِلَ؛ إلا الذين ظلموا؛ المقيمَ منهم على دينِه. فذلك (^٥) الذي يُجادَلُ ويُقالُ له بالسيفِ. قال: وهؤلاء يهودٌ. قال: ولم يَكُنْ بدارِ (^٦) الهجرةِ من النصارى أحدٌ، إنما كانوا يهودًا، هم الذين كلَّموا وحالفوا رسولَ الله ﷺ، وغدَرت النضيرُ يومَ أحدٍ، وغدَرت قُرَيظةُ يومَ الأحزابِ (^٧).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٣٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٩٩، ٣٠٧٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٧ إلى الفريابي.\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٣٦ من طريق شريك به، وعزاه الحافظ فى الفتح ١٣/ ٣١٥ إلى المصنف.\n(^٤) فى م، ف: \"يحسنون\".\n(^٥) فى م، ف: \"فقال هو\"، وفى ت ١، ت ٢: \"فقال\"\n(^٦) فى ص، ت ١، ت ٢: \"بهذه\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٦٨ من طريق أصبغ عن ابن زيد مختصرًا.","vol":"18","page":419},{"text":"وقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ قبل أن يُؤْمَرَ النبيُّ ﷺ بالقتالِ. وقالوا: هي منسوخةٌ نسَخها قولُه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩]. الآية (^١).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتَادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: ثم نسَخ بعدَ ذلك، فأمَر بقتالِهم في سورةِ \"براءة\"، ولا مُجادلةَ أشدُّ من السيفِ أن يُقاتَلوا حتى يَشْهَدوا أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ الله ﷺ، أو يُقِرُّوا بالخَراجِ (^٢).\nوأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: عنى بقولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾: إلا الذين امتنَعوا من أداءِ الجزيةِ، ونصَبوا دونَها الحربَ.\nفإن قال قائلٌ: أوَ غيرُ ظالمٍ من أهلِ الكتابِ، إِلَّا مَن يَرُدُّ (^٣) الجزيةَ؟! قيل: إن جميعَهم، وإن كانوا لأنفسِهم بكفرِهم باللهِ وتكذيبِهم رسولَه محمدًا ﷺ، ظَلَمةٌ، فإنه لم يَعْنِ بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾. ظُلْمَ أنفسِهم، وإنما عَنَى به: إلَّا الذين ظلَموا منهم أهلَ الإيمانِ باللهِ ورسولهِ محمدٍ ﷺ، قال: أولئك فجادِلوهم بالقتالِ.\nوإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ فيه بالصوابِ؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه أَذِن للمؤمنين\n_________\n(^١) سقط من: م، ف.\n(^٢) أخرجه ابن الجوزى فى النواسخ ص ٤٢٢، ٤٢٣ من طريق سعيد به، وأخرجه أبو داود في ناسخه -كما في الدر المنشور ٥/ ١٤٧ - ومن طريقه ابن الجوزى فى ناسخه ص ٤٢٢، ٤٢٣ من طريق همام عن قتادة، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٨ عن معمر عن قتادة، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٦٨ مختصرًا، وأخرجه النحاس ص ٦١٥ من طريق شيبان عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٧ إلى ابن المنذر وابن الأنباري.\n(^٣) في م: \"لم يؤد\".","vol":"18","page":420},{"text":"بجدالِ ظلمة أهلِ الكتاب بغيرِ الذى هو أحسنُ، بقولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾. فمعلومٌ، إذ كان قد أَذِن لهم فى جدالِهم، أن الذين لم يُؤذَنْ لهم في جدالِهم إلا بالتي هي أحسنُ، غيرُ الذين أذِن لهم بذلك فيهم، وأنهم غيرُ المؤمنين (^١) لأن المؤمنَ (^٢) منهم غيرُ جائزٍ جدالُه إلا في غيرِ الحقِّ؛ لأنه إذا جاء بغير الحقِّ فقد صار في معنى الظُّلَمةِ، فى الذى خالَف فيه الحقِّ. فإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ أن لا معنى لقولِ مَن قال: عَنَى بقولِه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ أهلَ الإيمانِ منهم. وكذلك لا معنى لقولِ مَن قال: نزَلت هذه الآيةُ قبلَ الأمرِ بالقتالِ. وزعَم أنها منسوخةٌ؛ لأنه لا خبرَ بذلك يَقْطَعُ العُذْرَ، ولا دلالةَ على صحتِه من فطرةِ عقلٍ.\nوقد بيَّنا في غيرِ موضعٍ من كتابِنا، أنه لا يجوزُ أن يُحْكَمَ على حكمِ اللهِ في كتابِه بأنه منسوخٌ إلا بحجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها من خبرٍ أو عقلٍ (^٣).\n\nوقوله: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسولِه الذين نهاهم أن يُجادِلوا أهلَ الكتابِ إلا بالتي (^٤) هي أحسنُ: إذا حدَّثكم أهلُ الكتابِ أيُّها القومُ عن كُتُبِهم، وأخبَروكم عنها بما يُمْكنُ، ويَجوزُ أن يكونوا فيه صادقين، وأن يكونوا فيه كاذبين، ولم تَعْلَموا أمرَهم وحالَهم فى ذلك، فقولوا لهم: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ مما في التوراة والإنجيلِ، ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾.\n_________\n(^١) فى م، ت ٢:\"المؤمن\".\n(^٢) في ص: \"المؤمنين\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٣/ ١٢٤.\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"بالحق\".","vol":"18","page":421},{"text":"[يقولُ: ومعبودُنا ومعبودُكم واحدٌ] (^١)، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. يقولُ: ونحن له خاضِعون مُتَذلِّلون بالطاعةِ فيما أمرَنا ونهانا.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك جاء الأثرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ.\nذكرُ الروايةِ بذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ (^٢)، قال: أخبرنا علىٌّ، عن (^٣) يحيى بنِ أبى كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: كان أهل الكتاب يَقْرَءُون التوراةَ بالعبْرانيةِ، فيُفسِّرونها بالعربيةِ لأهلِ الإسلامِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لا تُصَدِّقوا أهلَ الكتابِ ولا تُكَذِّبوهم، وقولوا: آمنا بالذى أُنزِل إلينا وأُنزِل إليكم، وإلهُنا وإلهُكم واحدٌ، ونحن له مسلمون\" (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن [سعد (^٥) بنِ] (^٦) إبراهيمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، قال: كان ناسٌ من اليهودِ يُحَدِّثون ناسًا من أصحابِ النبيِّ ﷺ، فقال: \"لا تُصَدِّقوهم ولا تُكَذِّبوهم، وقولوا آمنا بالذى أُنزِل إلينا وأُنزِل إليكم\" (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"عمرو\". وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٤٦١/، ٢٦/ ٣٦٠.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"بن\". وعلىٍّ هو ابن المبارك الهنائى. ينظر تهذيب الكمال ٢١/ ١١١.\n(^٤) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٣٨٧) -وعنه النحاس في الناسخ ص ٦١٦ -، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٧٠، والبيهقى ١٠/ ١٦٣، وفى الشعب (٥٢٠٧)، من طريق محمد بن المثنى به، وأخرجه البخاري في صحيحه (٤٤٨٥، ٧٣٦٢) من طريق عثمان بن عمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٧ إلى ابن مردويه.\n(^٥) فى ص، ت ١: \"سعيد\". وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٢٤٠.\n(^٦) سقط من: ت ٢.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (١٩٢١١)، وابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٧٠ من طريق سفيان به. =","vol":"18","page":422},{"text":"قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن سليمانَ، عن عُمارةَ بنِ عُمَيرٍ، عن حُرَيثِ بنِ ظُهَير، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لا تَسْأَلُوا أهلَ الكتابِ عن شيءٍ، فإنهم لن يَهْدُوكم وقد ضَلُّوا، إما أن تُكَذِّبوا بحق أو تُصَدِّقوا بباطلٍ، فإنه ليس أحدٌ من أهلِ الكتابِ إلَّا وفى قلبِه تاليةٌ تَدْعوه إلى دينه، كتاليةِ المالِ (^١).\nوكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنْا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾. قال: قالوا: مع اللهِ إلهٌ. أو: له ولدٌ. أو: له شريكٌ. أو: يدُ اللَّهِ مغلولةٌ. أو: اللهُ فقيرٌ. أو آذَوا محمدًا، ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ لمن لم يَقُلْ هذا من أهلِ الكتابِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3387\"></span><span data-type='title' id=toc-7100>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وكما أنَزَلْنَا الكتبَ على مَن قبلَك يا محمدُ من الرسلِ، كذلك أنزَلْنا إليك هذا الكتابَ، فالذين آتيناهم الكتابَ من قبلِك من بني إسرائيلَ يؤمنون به، ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾. يقولُ: ومن هؤلاء الذين هم بينَ ظَهْرَانَيْكَ اليومَ مَن يُؤْمِنُ به؛ كعبدِ اللَّهِ بنِ سَلامٍ، ومَن آمَن برسولِه من بني إسرائيلَ.\n_________\n= وأخرجه عبد الرزاق (١٠١٦١) من طريق سعد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٧ إلى الفريابي.\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (١٩٢١٢) عن سفيان عن عمارة به، ولم يذكر فيه سليمان. وينظر فتح الباري ١٣/ ٣٣٤.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٣٦ ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٦٩، ٣٠٧٠ مختصرًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٧ إلى الفريابي.","vol":"18","page":423},{"text":"وقولُه: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما يَجْحَدُ بأدلتِنا وحُججِنا إلا الذى يَجْحَدُ نِعمَنا عليه، ويُنْكِرُ توحيدَنا وربوبيتَنا على علمٍ منه، عنادًا لنا.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزِيدُ، قال: ثنا سَعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾. قال: إنما يَكونُ الجحودُ بعدَ المعرفةِ (^١).\n\n<span id=\"aya-3388\"></span><span data-type='title' id=toc-7101>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمدُ ﴿تَتْلُو﴾. يعنى: تَقْرَأُ، ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾. يعني: من قبلِ هذا الكتابِ الذى أنزَلْتُه إليك، ﴿مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾. يقولُ: ولم تَكُنْ تَكْتُبُ بيمينِك، ولكنك كنتَ أُمِّيًّا، ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾. يقولُ (^٢): ولو كنتَ من قبلِ أن يُوحَى إليك تَقْرَأُ الكتابَ (^٣)، أو تَخُطُّه بيمينِك؛ ﴿إِذًا لَارْتَابَ﴾. يقولُ: إذن لشكَّ بسببِ ذلك في أمرِك، وما جئْتَهم به من عندِ ربِّك من هذا الكتابِ الذى تَتْلُوه عليهم - ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ القائلون: إنه سَجْعٌ وكَهانةٌ، وإنه أساطيرُ الأوَّلين.\nوبنحوِ الذى قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٧٠ من طريق يزيد به.\n(^٢) في ص، ت ١: \"يقولون\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"الكتب\".","vol":"18","page":424},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾. قال: كان نبيُّ اللَّهِ ﷺ أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ شيئًا ولا يَكْتُبُ (^١).\n[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾. قال: كان نبيُّ اللهِ لا يَقْرَأُ كتابًا قبلَه ولا يَخُطُّه بيمينِه. قال: كان أُمِّيًّا، والأُمىُّ: الذى لا يَكْتُب] (^٢) (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن إدريسَ الأَوْدِيِّ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾. قال: كان أهلُ الكتابِ يَجِدون في كُتُبِهم أن النبيَّ ﷺ لا يَخُطُ بيمينِه، ولا يَقْرَأُ كتابًا، فنزَلت هذه الآيةُ (^٤).\nوبنحوِ الذى قلنا أيضًا في قولِه: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ قالوا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ،: قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾: إذن لقالوا: إنما هذا شيءٌ تعلَّمه محمدٌ وكَتَبه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٧١ عن محمد بن سعد به.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٧١ من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٨ إلى عبد الرزاق وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٧١ من طريق أبي أسامة به. وأخرجه الإسماعيلي في معجمه ٣/ ٧٥٠ من طريق أبي أسامة مرفوعًا إلى ابن عباس. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"18","page":425},{"text":"حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾. قال: قريشٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-3389\"></span><span data-type='title' id=toc-7102>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى به نبيُّ اللهِ ﷺ. وقالوا: معنى الكلامِ: بل وجودُ أهلِ الكتابِ فى كتبِهم أن محمدًا ﷺ لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، وأنه أمىٌّ (^٢) - آياتٌ بيناتٌ في صدورِهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. قال: كان اللهُ تعالى أنزَل شأنَ محمدٍ ﷺ في التوراةِ والإنجيلِ لأهلِ العلمِ وعلَّمه لهم وجعَله لهم آيةً، فقال لهم: إن آيةَ نبوَّتِه أن يَخْرُجَ حِينَ يَخْرُجُ لا يَعْلَمُ كتابًا ولا يَخُطُّه بيمينِه، وهي الآياتُ البيناتُ (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٣٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٧١ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٨ إلى المصنف وابن مردويه والإسماعيلى وابن أبي حاتم.","vol":"18","page":426},{"text":"قال: كان نبيُّ اللهِ لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، وكذلك جعَل اللهُ نعتَه في التوراةِ والإنجيلِ، أنه نبيٌّ أمىٌّ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، وهى الآيةُ البينةُ فى صدورِ الذين أوتوا العلمَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ من أهلِ الكتابِ، صدَّقوا بمحمدٍ ونعتِه ونبوَّتِه (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾. قال: أنَزل اللهُ شأنَ محمدٍ في التوراةِ والإنجيلِ لأهلِ العلمِ: بل هو آيةٌ بينةٌ في صدورِ الذين أوتوا العلمَ. يقولُ: النبىُّ ﷺ.\nوقال آخرون: عُنَى بذلك القرآنُ. وقالوا: معنى الكلامِ: بل هذا القرآنُ آياتٌ بيِّناتٌ فى صدورِ الذين أوتوا العلمَ، من المؤمنين بمحمدٍ ﷺ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: القرآنُ آياتٌ بيناتٌ فى صدورِ الذين أوتوا العلمَ، يعني: المؤمنين.\nوأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بذلك: بل العلمُ بأنك ما كنتَ تَتْلو من قبلِ هذا الكتابِ (^٣) كتابًا ولا تَخُطُّه بيمينِك، آياتٌ بيناتٌ في صدورِ الذين أوتوا العلم من أهلِ الكتابِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٧٢ من طريق أبي معاذ به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٩٩ عن معمر عن قتادة، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٧١.\n(^٣) في ت ١: \"القرآن\".","vol":"18","page":427},{"text":"وإنما قلتُ: ذلك أولى التأويلين بالآيةِ؛ لأن قولَه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. بينَ خبرينِ من أخبارِ اللهِ عن رسولِه محمدٍ ﷺ، فهو بأن يكونَ خبرًا عنه، أولى من أن يكون خبرًا عن الكتابِ الذي قد انقَضى الخبرُ عنه قبلُ.\nوقولُه: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما يَجْحَدُ بنبوَّةِ محمدٍ ﷺ وأدلتِه، ويُنْكِرُ العلمَ الذي يَعْلَمُ من كُتبِ اللَّهِ التي أَنزَلها على أنبيائِه ببعثِ محمدٍ ﷺ ونبوَّتِه ومبعثِه - إلا الظالمون. يعنى: الذين ظلموا أنفسَهم بكفرِهم باللهِ ﷿.\n\n<span id=\"aya-3390\"></span><span data-type='title' id=toc-7103><span data-type='title' id=toc-7105>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ (^١) مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾.</span></span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال المشرِكون من قريشٍ: هلَّا أُنزِل على محمدٍ آيةٌ من ربِّه تَكونُ حُجةً له (^٢) علينا، كما جُعِلت الناقةُ لصالحٍ، والمائدةُ (^٣) لعيسى. قلْ يا محمدُ: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، لا يَقْدِرُ على الإتيانِ بها غيرُه، ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، وإنما أنا نذيرٌ لكم، أُنذِرُكم بأسَ اللهِ وعقابَه على كفرِكم برسولِه وما جاءكم به من عندِ ربِّكم ﴿مُبِينٌ﴾. يقولُ: قد أبان لكم إنذارَه.\n\n<span id=\"aya-3391\"></span><span data-type='title' id=toc-7104>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾.\n_________\n(^١)</span> في ص، ت ١: \"آية\". وهى قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر، ورواية على بن نصر عن أبي عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ٥٠١.\n(^٢) فى م: \"لله\".\n(^٣) بعده في ص، م: \"آية\"","vol":"18","page":428},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: أو لم يكفِ هؤلاء المشركين يا محمدُ، القائلين: لولا أُنزِل على محمدٍ آية من ربه. من الآيات والحججِ، أنَّا أَنزَلْنا عليك هذا الكتابَ، ﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: يُقْرَأُ عليهم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً﴾. يقولُ: إن فى هذا الكتابِ الذى أَنزَلْنا عليهم (^١) لرحمةً للمؤمنين به وذكرى يتذكَّرون بما فيه من [عبرِه وعظاتِه] (^٢).\nوذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت من أجلِ أن قومًا من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ انتَسخوا شيئًا من بعضِ كتبِ أهلِ الكتابِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن يحيى بنِ جعدةَ أن ناسًا من المسلمين، أتوا نبيَّ اللهِ ﷺ بكتبٍ قد كتَبوا فيها بعضَ ما يقولُ اليهودُ، فلما أن نظَر فيها (^٣) ألقاها، ثم قال: \"كفى بها حماقة قومٍ -أو ضلالة قومٍ- أن يَرْغَبوا عما جاءهم به نبيُّهم إلى ما جاء به غيرُ نبيِّهم إلى قومٍ غيرِهم\" فنزَلت: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (^٤).\n\n<span id=\"aya-3392\"></span><span data-type='title' id=toc-7106>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ</span>\n_________\n(^١) في ت ٢: \"عليه\".\n(^٢) في م: \"عبرة وعظة\".\n(^٣) في ت ٢: \"إليها\".\n(^٤) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٣/ ٤٩ عن المصنف، وأخرجه الدارمي ١/ ١٢٤، وأبو داود في \"المراسيل\" ص ٢٢٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٧٢ من طريق عمرو به. وأخرجه الخطيب في \"الموضح\" ٢/ ٥٤٣ من طريق إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار، عن يحيى، عن أبي هريرة مرفوعًا. وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٤٨ إلى ابن المنذر.","vol":"18","page":429},{"text":"الْخَاسِرُونَ (٥٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ للقائلين لك: لولا أُنزِل عليك آية من ربِّك، الجاحدين بآياتِنا من قومِك: كفى الله (^١) يا هؤلاء بينى وبَينكم شاهدًا لى وعلىَّ؛ لأنه يَعْلَمُ المحِقَّ منا من المبطلِ، ويَعْلَمُ ما في السماواتِ وما في الأرضِ، لا يخفى عليه شيءٌ فيهما، وهو المجازى كلَّ فريقٍ منا بما هو أهلُه؛ المحقَّ على ثباتِه على الحقِّ، والمبطلَ على باطلِه، بما هو أهلُه. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾. يقولُ: صدَّقوا بالشركِ، فأقَرُّوا به. ﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ (^٢)﴾. يقولُ: وجحَدوا اللهَ. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. يقولُ: هم المغبونون في صفقتِهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾: الشركِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3393\"></span><span data-type='title' id=toc-7107>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويَسْتَعْجِلُك يا محمدُ هؤلاء القائلون من قومِك: لولا أُنزِل عليه آيةٌ من ربِّه - بالعذابِ، ويقولون: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ولولا أجلٌ سمَّيتُه لهم\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٢) في ص، م، ت ٢: \"به\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٧٣، ٣٠٨٣ من طريق يزيد به.","vol":"18","page":430},{"text":"فلا أُهْلِكُهم حتى يَسْتَوفُوه ويَبْلُغوه لجاءهم العذابُ عاجلًا.\nوقولُه: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. [يقولُ: ولَيَأْتينَّهم العذابُ فجأةً وهم لا يشعرون] (^١) [بوقتِ مجيئِه قبلَ مجيئِه] (^٢).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾. قال: قال ناسٌ من جَهَلةِ هذه الأمةِ: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3394\"></span><span data-type='title' id=toc-7108>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يَسْتَعْجِلُك يا محمدُ هؤلاء المشركون بمجيءِ العذابِ ونزولِه بهم، والنارُ بهم محيطةٌ لم يبقَ إلا أن يَدْخُلوها.\nوقيل: إن ذلك هو البحرُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) في ص، ت ٢: \"بوقت محمد قبل مجيئه\". وفى ت ١: \"ترقب يا محمد مجيئه\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٧٤ من طريق يزيد به.","vol":"18","page":431},{"text":"بِالْكَافِرِينَ﴾. قال: البحرُ (^١).\nأخبَرنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا غُنْدَرٌ، عن شعبةَ، عن سماكٍ، عن عكرمة مثلَه.\n\n<span id=\"aya-3395\"></span><span data-type='title' id=toc-7109>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ يوم يغشى الكافرين العذابُ من فوقِهم في جهنمَ ومن تحتِ أرجلِهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾: أي: في النارِ (^٢).\nوقوله: ﴿وَيَقُولُ (^٣) ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقول جل ثناؤه: ويقولُ اللَّهُ لهم: ذوقوا ما كنتم تَعْمَلون فى الدنيا من معاصى اللهِ وما يُسْخِطُه فيها. وبالياءِ في ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا﴾ قرأت عامةُ قَرَأَةِ الأمصار، خلا أبي جعفرٍ وأبي عمرٍو فإنهما قرأا ذلك بالنونِ: (ونَقُولُ) (^٤). والقراءةُ التى هى القراءةُ عندَنا بالياءِ (^٥)؛ لإجماعِ الحجةِ من القَرَأةِ عليها.\n\n<span id=\"aya-3396\"></span><span data-type='title' id=toc-7110>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٧٥ من طريق شعبة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٧٥ من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في ص، ت ٢: \"نقول\".\n(^٤) قرأ نافع والكوفيون: ﴿يقول﴾. بالياء، وقرأ الباقون بالنون. وينظر السبعة ص ٥٠١، والنشر ٢/ ٢٥٧.\n(^٥) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"18","page":432},{"text":"فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن عبادِه: يا عبادي الذين وحَّدوني وآمَنوا بي وبرسولي محمدٍ ﷺ ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾.\nواختَلف أهلُ التأويلِ فى المعنى الذى أُريد من الخبرِ عن سِعَةِ الأرضِ؛ فقال بعضُهم: أُريد بذلك: أنها لم تَضِقْ عليكم، فتُقِيموا بموضعٍ منها لا يَحِلُّ لكم المُقامُ فيه، ولكن إذا عُمِل بمكانٍ منها بمعاصى اللهِ، فلم تقدِروا على تَغْييرِه، فاهرُبوا منه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ في قولِه: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾. قال: إذا عُمِل فيها بالمعاصي فأخرج منها (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ في قولِه: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾. قال: إذا عُمِل فيها بالمعاصى، فاخْرج منها (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن لَيْثٍ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: اهرُبوا؛ فإن أرضى واسعةٌ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٦/ ٢٦٢ من طريق الأعمش به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٧٥، والبيهقي في الشعب (٧١٨٧) من طريق الأعمش عن ربيع بن أبي راشد عن سعيد به، فزاد ربيعًا في سنده، ومن طريق ربيع هذا أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٩٩، وابن أبي شيبة ١٣/ ٥٤٠، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٨٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٩ إلى الفريابي.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٢٣٦.","vol":"18","page":433},{"text":"حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شَرِيكِ، عن منصورٍ، عن عطاءٍ، قال: إذا أُمِرتم بالمعاصى فاهرُبوا؛ فإن أرضى واسعةٌ (^١).\n[حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن منصورٍ، عن عطاءٍ: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾. قال: مُجانَبةُ أهلِ المعاصى.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾] (^٢): فهاجِروا وجاهِدوا (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾. فقلتُ: يريدُ بهذا مَن كان بمكةَ مِن المؤمنين؟ فقال: نعم (^٤).\nوقال آخرون: معنى ذلك: إن ما أُخْرِجُ مِن أرضى لكم مِن الرزق واسعٌ لكم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنى زيدُ بنُ الحُبابِ، عن شَدَّادِ بن سعيدِ بنِ مالكٍ أبي طلحةَ الرَّاسِبيِّ، عن غَيْلَانَ بنِ جريرٍ المِعْوَلىِّ، عن مُطَرْفِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ الشِّخِّيرِ العامِرِىِّ فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾. قال: إن رِزْقى لكم واسعٌ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٧٥ من طريق شريك به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٩ إلى ابن أبي الدنيا في العزلة.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٣٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٧٦. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٩ إلى الفريابي.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٧٦ من طريق أصبغ عن ابن زيد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٧٦ من طريق زيد بن الحباب به.","vol":"18","page":434},{"text":"حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا [زيدُ بنُ حُبابٍ] (^١)، عن شَدَّادٍ، عن غَيْلَانَ بنِ جريرٍ، عن مُطَرِّفٍ بنِ الشَّخِّيرِ: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾. قال: رِزْقى لكم واسعٌ.\nوأَولى القولَين بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: إن أرضى واسعةٌ، فاهرُبوا مِمَّن منَعكم مِن العملِ بطاعتى؛ لدلالةِ قولِه: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾. على ذلك، وأن ذلك هو أظهرُ مَعْنَيَيْه (^٢)، وذلك أن الأرضَ إذا وصفها بسَعَةٍ، فالغالبُ من وصفِه إياها بذلك أنها لا تَضِيقُ جميعُها على مَن ضاق عليه منها موضعٌ، لا أنه وصَفها بكثرةِ الخيرِ والخِصْبِ.\nوقولُه: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾. يقولُ: فأخْلِصوا لي عبادتَكم وطاعتَكم، ولا تُطِيعوا في مَعصيتى أحدًا مِن خَلْقى.\n\n<span id=\"aya-3397\"></span><span data-type='title' id=toc-7111>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن أصحاب نبيِّه: هاجِرُوا مِن أرضِ الشركِ مِن مكةَ، إلى أرضِ الإسلامِ إلى (^٣) المدينةِ؛ فإن أرضى واسعةٌ، فاصْبِروا على عبادتي، وأَخْلِصوا طاعتى، فإنكم مَيِّتون، وصائِرون إلىَّ؛ لأن كلَّ نفسٍ حيةٍ ذائقةُ الموتِ، ثم إلينا بعدَ الموتِ تُرَدُّون. ثم أخبَرهم جل ثناؤُه، عما أعَدَّ للصابرِين منهم على طاعتِه، من كرامتِه عندِه، فقال:\n\n<span id=\"aya-3398\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. يعنى: صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، فيما جاء به مِن عندِ اللَّهِ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: وعمِلوا بما أمَرهم اللهُ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"يزيد بن خباب\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"لمعنييه\".\n(^٣) سقط من: م، ت ٢.","vol":"18","page":435},{"text":"فأطاعوه فيه، وانتهوا عما نَهاهم عنه، ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ يقولُ: لمُنْزِلَنَّهم مِن الجنةِ عَلَاليَّ.\nواختَلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفييِّن: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ بالباءِ، وقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ بالثاء: (لَنُثْوِيَنَّهُمْ) (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أنهما قِراءتان مشهورتان في قرأةِ الأمصارِ، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ، مُتقارِبتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ؛ وذلك أن قولَه: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾. من: بَوَّأْتُه مُنزِلًا، أي: أنزَلتُه، وكذلك: (لنُثْوِيَنَّهم)؛ إنما هو مِن: أثْويتُه مَسْكَنًا. إذا أَنزَلْتَه مُنزلًا، مِن الثَّواءِ، وهو المُقامُ.\n\n<span id=\"aya-3399\"></span>وقولُه: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ: تَجْرِى مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: ماكِثين فيها إلى غير نهايةٍ، ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. [يقولُ: نعمَ جزاءُ العامِلين] (^٢) بطاعةِ اللهِ هذه الغُرَفُ التي يُثْوِيهُموها اللهُ فى جَنَّاتِهِ، تَجْرِى مِن تحتِها الأنهارُ، ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على أذَى المشركين في الدنيا، وما كانوا يَلْقَون منهم، وعلى العملِ بطاعةِ اللهِ وما يُرْضِيه، وجهادِ أعدائِه، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. [يقولُ: وعلى ربِّهم يتوكلون] (^٣) في أرْزاقِهم وجهادِ أعدائِهم، فلا يَنْكُلون (^٤) عنهم؛ [ثقةً منهم] (^٥) بأن اللهَ مُعْلِى كلمتِه، ومُوهِنُ كيدِ\n_________\n(^١) هي قراءة ابن مسعود والأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٥٠٢، وتفسير القرطبي ١٣/ ٣٥٩.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) غير واضحة في ت ١، وفي ت ٢: \"يتكلمون\". ونكل عن الأمر: جَبُن، ونكَص. الوسيط (ن ك ل).\n(^٥) سقط من: ت ١.","vol":"18","page":436},{"text":"الكافرين، وأن ما قُسِم لهم من الرزقِ فلن يَفُوتَهم.\n\n<span id=\"aya-3400\"></span><span data-type='title' id=toc-7112>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسولِه من أصحابِ محمدٍ ﷺ: هاجِروا وجاهِدوا فى اللهِ، أيُّها المؤمنون -أعداءَه، ولا تَخافوا عَيْلةً ولا إِقْتارًا، فكم مِن دابةٍ ذاتِ حاجةٍ إلى غذاءٍ ومطعمٍ ومشربٍ لا تحملُ رزقَها، يعنى غذاءَها، لا تحمِلُه فترفَعُه في يومِها لغدِها؛ لعجزِها عن ذلك، ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ يومًا بيومٍ، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالِكم: نَخْشَى بفِراقِنا أوطانَنا العَيْلةَ. ﴿الْعَلِيمُ﴾ ما في أنفسِكم، وما إليه صائرٌ أمرُكم، وأمرُ عدوِّكم من إذْلالِ اللهِ إياهم (^١)، ونُصْرتِكم عليهم، وغيرِ ذلك مِن أمورِكم، لا يَخْفى عليه شيءٌ مِن أمورِ خلقِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾. قال: الطيرُ والبهائمُ لا تحمِلُ الرزقَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ عِمْرانَ،\n_________\n(^١) فى ص: \"إياكم\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٣٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٧٩ وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٤٩ إلى الفريابي وابن المنذر.","vol":"18","page":437},{"text":"عن أبى مِجْلَزٍ فى هذه الآيةِ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾. قال: مِن الدوابِّ ما لا يستطيعُ أن يدَّخِرَ لَغَدٍ، يُوَفَّقُ لرزقِه كلَّ يومٍ حتى يموتَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن عليِّ بنِ الأقْمرِ ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾. قال: لا تَدَّخِرُ شيئًا لغدٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3401\"></span><span data-type='title' id=toc-7113>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولئن سألتَ يا محمدُ هؤلاء المشركين باللهِ: ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فَسَوَّاهن، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ لعبادِهِ، يَجْرِيان دائبَين لمصالحِ خلقِ اللهِ؟ لَيَقُولُنَّ: الذى خلَق ذلك وفَعَلَه اللهُ. ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فأَنَّى يُصْرَفون عمن صنَع ذلك، فيَعْدِلون عن إخلاصِ العبادةِ له.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. أى: يَعْدِلُونَ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3402\"></span><span data-type='title' id=toc-7114>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ يُوَسِّعُ مِن رزقِه لَمَن يشاءُ مِن خلقِه، ويُضَيِّقُ فَيُقَتِّرُ لمَن يشاءُ منهم. يقولُ: فأَرْزاقُكم وقِسْمتُها بينَكم، أيُّها الناسُ، يبَدِى دونَ كلِّ أحدٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٩ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة -كما في الدر المنثور ٥/ ١٤٩ - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٧٩ من طريق سفيان عن ابن المعتمر. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٤٩ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٧٩ من طريق يزيد به.","vol":"18","page":438},{"text":"سِواى، أَبْسُطُ لمَن شئتُ منها، وأُقَتِّرُ على مَن شئتُ، فلا يُخَلِّفنَّكم عن الهجرةِ وجهادِ عدوِّكم خوفُ العَيْلةِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: إِن اللهَ عليمٌ بمصالحِكم، ومَن لا [يَصْلُحُ له] (^١) إلا البسطُ فى الرزقِ، ومَن لا يصلُحُ له إلا التَّقْتِيرُ عليه، وهو [العالمُ بكلِّ ذلك] (^٢).\n\n<span id=\"aya-3403\"></span><span data-type='title' id=toc-7115>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولئن سألتَ، يا محمدُ، هؤلاء المشركين باللهِ مِن قومِك: ﴿مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، وهو المطرُ الذي يُنْزِلُه اللهُ من السحابِ، ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾. يقولُ: فأحْيَا بالماءِ الذى أنزَله (^٣) من السماءِ الأرضَ. وإحْياؤُها: إنباتُه النباتَ فيها، ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾: مِن بعدِ جُدُوبِها وقُحُوطِها.\nوقولُه: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. يقولُ: ليَقُولُنَّ: الذي فعَل ذلك، اللهُ الذي له عبادةُ كلِّ شيءٍ. وقولُه: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. يقولُ: وإذا قالوا ذلك فقُلْ: الحمدُ للهِ ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: بل أكثرُ هؤلاء المشركين باللهِ لا يَعْقِلون ما لهم فيه النَّفْعُ مِن أمرِ دينِهم، وما فيه الضُّرُّ، فهم لجَهْلِهم يحسَبون أنهم لعبادتِهم الآلهةَ دونَ اللهِ، يَنالون بها عندَ اللهِ زُلْفةً وقُرْبةٌ، ولا يعلَمون أنهم بذلك هالِكون، مُسْتوجِبون الخلودَ في النارِ.\n\n<span id=\"aya-3404\"></span><span data-type='title' id=toc-7116>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ</span>\n_________\n(^١) فى ت ١، ت ٢: \"يصلحه\".\n(^٢) في م: \"عالم بذلك\".\n(^٣) فى م: \"نزل\".","vol":"18","page":439},{"text":"الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما هذه الحيَاةُ الدنيا التي يتمتعُ منها هؤلاء المشركون ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾. يقولُ: إلا تعليلُ النفوسِ بما تَلْتَذُّ به، ثم هو مُنْقَضٍ عن قريبٍ، لا بقاءَ له ولا دوامَ، ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾، يقولُ: وإن الدارَ الآخرة لفيها الحياةُ الدائمةُ، التى لا زوالَ لها، ولا انقطاعَ ولا موتَ معها.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: حياةٌ لا موتَ فيها (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. قال: لا موتَ فيها (^٢).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. يقولُ: باقيةٌ (^٣).\nوقولُه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: لو كان هؤلاء المشركون يعلَمون أن ذلك كذلك، لقَصَّروا عن تكْذيبِهم باللهِ، وإشْراكِهم غيرَه في عبادتِه، ولكنهم لا يعلَمون ذلك.\n\n<span id=\"aya-3405\"></span><span data-type='title' id=toc-7117>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٨١، ٣٠٨٢ من طريق يزيد به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٣٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٨١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٨١ من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٩ إلى ابن المنذر.","vol":"18","page":440},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا ركِب هؤلاء المشركون السفينةَ في البحرِ، فخافوا الغرَقَ والهلاكَ فيه، ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. يقولُ: أخْلَصوا للهِ -عندَ الشِّدَّةِ التي نزلَت بهم- التوحيدَ، وأفْرَدوا له الطاعةَ، وأذْعَنوا له بالعبودةِ، ولم يَسْتَغِيثوا بآلهتِهم وأنْدادِهم، ولكن باللهِ الذى خَلَقَهم، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾. يقولُ: فلمَّا خَلَّصهم مما كانوا فيه وسَلَّمهم، فصاروا إلى البَرِّ، إذا هم يجعَلون مع اللهِ شريكًا في عبادتِهم، ويَدْعون الآلهةَ والأوثانَ معه أربابًا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾: فالخلقُ كلُّهم يُقِرُّون للهِ أنه ربُّهم، ثم يُشركون بعدَ ذلك (^١).\n\n<span id=\"aya-3406\"></span><span data-type='title' id=toc-7118>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلما نجَّى اللهُ هؤلاء المشركين مما كانوا فيه في البحرِ من الخوفِ والحَذَرِ مِن الغَرَقِ إلى البَرِّ، إذا هم بعد أن صاروا إلى البَرِّ، يُشركون باللهِ الآلهة والأنْدادَ، ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾. يقول: ليَجْحَدوا نعمةَ اللهِ التي أنعَمها عليهم في أنفسِهم وأموالِهم.\n﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾. اختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ بكسرِ \"اللامِ\"، بمعنى: وكي يَتَمَتَّعوا آتَيناهم ذلك (^٢). وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيِّين: (وَلْيَتَمَتَّعُوا) بسكونِ \"اللامِ\"، على وَجْهِ الوعيدِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٨٢ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٤٩، ١٥٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) هي قراءة أبي عمرو وابن عامر وعاصم ورواية عن نافع. السبعة ص ٥٠٢، ٥٠٣.","vol":"18","page":441},{"text":"والتوبيخِ، أي: اكفُروا؛ فإنكم سوف تعلَمون ماذا تَلْقَون (^١) مِن عذابِ اللهِ بكفرِكم (^٢) به (^٣).\nوأَولى القراءتين عندى فى ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه بسكونِ \"اللامِ\" (^٤) على وجهِ التهديدِ والوعيدِ، وذلك أن الذين قرَءوه بكسرِ \"اللامِ\" زعَموا أنهم إنما اخْتاروا كسرَها عطفًا بها على \"اللامِ\" التى فى قولِه: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾. وأن قولَه: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾. لمّا كان معناه: كى يكفُروا كان الصوابُ في قولِه: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ أن يكونَ: وكى يَتَمتَّعوا، إذ كان عطفًا على قولِه: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾. عندَهم. وليس الذى (^٥) ذهَبوا مِن ذلك بمذهبٍ، وذلك لأن \"لامَ\" قولِه: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾. صلُحت أن تكونَ بمعنى \"كي\"؛ لأنها شرطٌ لقولِه: إذا هم يُشركون باللهِ، كى يكفُروا بما آتيناهم من النِّعَمِ. وليس ذلك كذلك في قولِه: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾. لأن إشْراكَهم باللهِ كان كُفْرًا بنعمتِه، وليس إشْراكُهم به تَمَتُّعًا بالدنيا، وإن كان الإشْراكُ به يُسَهِّلُ لهم سبيلَ التَّمَتُّعِ بها، فإذ كان ذلك كذلك فتَوْجِيهُه إلى معنى الوعيدِ أَولى وأحقُّ مِن تَوْجِيهِه إلى معنى: وكي يَتَمتَّعوا.\nوبعدُ، فقد ذُكر أن ذلك فى قراءةِ أُبَيٍّ: (وَتَمَتَّعُوا) (^٦). وذلك دليلٌ على صحةِ قراءةِ من قرَأه بسكونِ \"اللامِ\"، بمعنى الوعيدِ.\n\n<span id=\"aya-3407\"></span>وقولُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾، يقولُ تعالى ذكرُه مُذَكَّرًا هؤلاء\n_________\n(^١) في م: \"يلقون\".\n(^٢) فى م، ص، ت ٢: \"بكفرهم\".\n(^٣) هي قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي ورواية عن نافع. السبعة ص ٥٠٢، ٥٠٣.\n(^٤) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٥) فى ص، ت ١، ت ٢: \"الذين\".\n(^٦) تفسير القرطبي ١٣/ ٣٦٣، والبحر المحيط ٨/ ١٥٩.","vol":"18","page":442},{"text":"المشركينِ مِن قريشٍ، القائلين: لولا أُنزِل عليه (^١) آيةٌ مِن ربِّه- نِعْمَتَه عليهم، التي خَصَّهم بها دونَ سائرِ الناسِ غيرِهم، مع كفرِهم بنعمتِه، وإشْراكِهم في عبادتِه الآلهة والأنْدادَ: أولم يَرَ هؤلاء المشركون مِن قريشٍ، ما خَصَصْناهم به من نعمتِنا عليهم دونَ سائرِ عبادِنا، فيَشْكُرونا على ذلك، ويَنْزجِروا عن كفرِهم بنا، وإشْراكِهم ما لا ينفعُهم ولا يَضُرُّهم في عبادتِنا؛ ﴿أَنَّا جَعَلْنَا﴾ بلدهم ﴿حَرَمًا﴾ حَرَّمْنا على الناس أن يدخُلوه بغارةٍ أو حربٍ، ﴿آمِنًا﴾ يأْمَنُ فيه من سكَنه، فأَوَى إليه، من السِّبَاءِ والخوفِ والحرامِ الذي لا يأمَنُه غيرُهم مِن النَّاسُ؟! ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. يقولُ: ويُسْلَبُ الناسُ مِن حولِهم قتلًا وسِبَاءً.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. قال: كان لهم في ذلك آيةٌ أن الناسَ يُغْزَون ويُتَخَطَّفون، وهم آمِنون (^٢).\nوقولُه: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ﴾. يقولُ: أفبالشِّرْكِ باللهِ يُقرُّون بألُوهةِ الأوثانِ، بأن يُصَدِّقوا، وبنعمةِ اللهِ التى خَصَّهم بها، مِن أن جعَل بلدَهم حَرَمًا آمِنًا يكفُرون؟! يعنى بقولِه: ﴿يَكْفُرُونَ﴾. يَجْحَدون.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: بالشِّرْكِ، ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾. أي: يجحَدون (^٣).\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢: \"علي محمد\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٨٣ من طريق يزيد. وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٥٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٧٣، ٣٠٨٣ من طريق يزيد مختصرًا دون شطره الثاني، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٥٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":443},{"text":"<span id=\"aya-3408\"></span><span data-type='title' id=toc-7119>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومَن أظلمُ أيُّها الناسُ، ممن اختَلَق على اللهِ كَذِبًا؛ فقالوا إذا فعَلوا فاحشةً: وجَدنا عليها آباءَنا، واللهُ أمرَنا بها. واللهُ لا يأمُرُ بالفحشاءِ - ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾. يقولُ: أو كذَّب بما بعَث اللهُ به رسولُه محمدًا ﷺ مِن توحيدِه، والبراءةِ مِن الآلهةِ والأندادِ، لمّا جاءَه هذا الحقُّ مِن عِندِ اللهِ، ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: أليس فى النارِ مَثْوًى ومَسْكَنٌ لمن كفَر باللهِ وجَحَد توحيدَه وكذَّب رسولَه ﷺ. وهذا تقريرٌ وليس باستفهامِ، إنما هو كقولِ جريرٍ (^١):\nألسْتُم خَيْرَ مَن رَكِب المَطايا … وأنْدَى العالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ\nإنما أخبرَ أن للكافرين باللهِ مَسْكَنًا في النارِ، ومَنزِلًا يَثْوُون فيه.\n\n<span id=\"aya-3409\"></span><span data-type='title' id=toc-7120>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: والذين قاتلَوا هؤلاء المُفْتَرِين على اللهِ كذبًا، من كفارِ قريشٍ، المُكذِّبين بالحقِّ لما جاءَهم- فينا، مُبْتَغين بقتالهم عُلُوَّ كلمتِنا، ونُصْرةَ دينِنا، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. يقولُ: لنُوَفِّقَنَّهم لإصابةِ الطُّرُقِ المستقيمةِ، وذلك إصابةُ دينِ اللهِ، الذى هو الإسلامُ، الذي بَعث اللهُ به محمدًا ﷺ، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: وإن اللهَ لمع مَن أحسَن مِن خلقِه، فجاهَد فيه أهلَ الشركِ، مُصَدِّقًا رسولَه فيما جاء به من عندِ اللهِ، بالعَوْنِ له والنُّصْرِةِ على مَن جَاهَد مِن أعدائِه.\n_________\n(^١) ديوانه ١/ ٨٩.","vol":"18","page":444},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾. قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾. فقلتُ له: قاتَلوا فينا؟ قال: نعم (^١).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"العنكبوتِ\"\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٨٤ من طريق أصبغ عن ابن زيد.","vol":"18","page":445},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7121>تفسيرُ \"سورةِ الرومِ\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-3410\"></span><span data-type='title' id=toc-7122>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: قد بيَّنا فيما مضَى قبلُ معنى قولِه: ﴿الم﴾. وذكَرنا ما فيه من أقوالِ أهلِ التأويلِ، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ.\n\n<span id=\"aya-3411\"></span>وقولُه: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾. اختَلَفت القرأةُ في قراءتِه؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ بضمِّ الغينِ، بمعنى أن فارسَ غَلَبت الرومَ.\nورُوى عن ابن عمرَ وأبى سعيدٍ في ذلك ما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الحسنِ الجُفْرِيِّ، عن سَلِيطٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقرأُ: (الم غَلَبَتِ الرُّومُ). فقيل له: يا أبا عبدِ الرحمنِ، على أيِّ شيءٍ غَلَبوا؟ قال: على ريفِ الشامِ (^١)\nوالصوابُ من القراءةِ فى ذلك عندَنا الذى لا يجوزُ غيرُه: ﴿الم (١)\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٥٢ إلى المصنف، وهى قراءة على وأبى سعيد الخدرى وابن عباس ومعاوية بن قرة والحسن، وهى شاذة. البحر المحيط ٧/ ١٦١.","vol":"18","page":446},{"text":"غُلِبَتِ﴾ (^١)، بضمِّ الغين؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: غَلَبت فارسُ الرومَ، ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾: من أرضِ الشامِ إلى أرضِ فارسَ، ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾. يقولُ: والرومُ من بعدِ غلبةِ فارسَ إياهم ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ فارسَ، ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ من قبلِ غلَبَتِهِم فارسَ، ومن بعدِ غلَبَتِهم إياها، يقضى فى خلقِه ما يشاءُ، ويحكُمُ ما يريدُ، ويُظهِرُ مَن شاء منهم على مَن أحبَّ إظهارَه عليه، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾. يقولُ:: ويومَ يغلِبُ الرومُ فارسَ يفرحُ المؤمنون باللهِ ورسولِه بنصرِ الله إياهم على المشركين، ونُصْرةِ الرومِ على فارسَ، ﴿يَنْصُرُ﴾ اللهُ تعالى ذكرُه ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من خلقِه على مَن يشاءُ، وهو نُصرةُ (^٢) المؤمنين على المشركين ببدرٍ، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾. يقولُ: واللهُ الشديدُ فى انتقامِه من أعدائِه، لا يمنعُه من ذلك مانعٌ، ولا يَحولُ بينَه وبينَه حائلٌ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بمَن تاب من خلقِه وراجَع طاعتَه أن يعذبَه.\nوبنحوِ الذى قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا [محمدُ بنُ أسعدَ، أبو سعيدٍ التغلبيُّ، الذي يقالُ له أبو سعيدٍ] (^٣)؛ من أهلِ طَرَسُوسَ (^٤)، قال: ثنا أبو إسحاقَ الفزاريُّ، عن سفيانَ بنِ سعيدٍ\n_________\n(^١) بعده في م، ف: \"الروم\".\n(^٢) في ت ١: \"نصر\"، وفى ت ٢: \"بنصرة\".\n(^٣) في ص: \"محمد بن سعيد أبو سعيد الثعلبى الذى يقال له أبو سعد\"، وفى م، ف: \"محمد بن سعيد أو سعيد الثعلبي الذى يقال له أبو سعد\"، وفى ت ١: \"محمد بن سعيد الثعلبي الذي يقال له أبو سعيد\"، وفي ت ٢: \"سعيد أبو سعيد الثعلبي الذي يقال له أبو سعيد\"، ولعل الصواب ما أثبت، وينظر الجرح والتعديل ٧/ ٢٠٨، والثقات لابن حبان ٩/ ٦٨، وتهذيب الكمال ٢٤/ ٤٢٩.\n(^٤) طَرَسوس: مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم. معجم البلدان ٣/ ٥٢٦.","vol":"18","page":447},{"text":"الثوريِّ، عن حبيبِ بن أبي عَمْرَةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان المسلمون يحبُّون أن تَغلبِ الرومُ أهلُ الكتابِ، وكان المشركون يحبُّون أن يغلبَ أهلُ فارسَ؛ لأنهم أهلُ أوثانٍ. قال: فذكَروا ذلك لأبى بكرٍ، فذكَره أبو بكرٍ للنبيِّ ﷺ، فقال: \"أمَا إنهم سيَهزِمون\". قال: فذكَر ذلك أبو بكرٍ للمشركين. قال: فقالوا: أفنجعلُ (^١) بينَنا وبينَكم أجلًا، فإن غلَبوا كان لك كذا وكذا، وإن غلَبنا كان لنا كذا وكذا؟ قال: فجعَلوا بينَهم وبينَه أجلًا؛ خمسَ سنينَ. قال: فمضَت ولم يَغلِبوا. قال: فذكَر ذلك أبو بكرٍ للنبيِّ ﷺ، فقال له: \"أفلا جعَلتَه دونَ العَشْرِ\". قال سعيدٌ: والبِضْعُ: ما دونَ العشرِ. قال: فغُلِب الرومُ، ثم غَلَبت. قال: فذلك قولُه: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. قال: البِضْعُ: ما دونَ العشرِ. ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾. قال سفيانُ: فبلَغني أنهم غَلَبوا يومَ بدرٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3412\"></span>حدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبانٍ المصريُّ، قال: ثنا موسى بنُ هارونَ البرْدِيُّ، قال: ثنا معنُ بنُ عيسى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما نزَلت: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ الآية، ناحَب أبو بكرٍ قريشًا، ثم أتى النبيَّ ﷺ، فقال له: إني قد\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"فنجعل\".\n(^٢) أخرجه البخارى فى خلق أفعال العباد (٩١) عن ابن المثنى به، وأخرجه أحمد ٤/ ٢٩٦، ٤٩٠ (٢٤٩٥، ٢٧٦٩)، والبخارى فى خلق أفعال العباد (٩٠)، والترمذى (٣١٩٣)، والنسائي في الكبرى (١١٣٨٩)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٣٠٤، والطبراني (١٢٣٧٧)، والحاكم ٢/ ٤١٠، وأبو نعيم فى الدلائل (٢٤٢)، والبيهقى فى الدلائل ٢/ ٣٣٠، ٣٣١، وابن عساكر ١/ ٣٧٢، ٣٧٣، والضياء في المختارة ١٠/ ١٤٤، ١٤٦ (١٤٤، ١٤٥) من طريق أبي إسحاق الفزاري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٠ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"18","page":448},{"text":"ناحَبتُهم. فقال له النبيُّ ﷺ: \"هَلَّا احْتَطْتَ؛ فإن البِضْعَ ما بينَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ\". قال الجُمَحِيُّ: المناحبَةُ: المراهنةُ، وذلك قبلَ أن يكونَ تحريمُ ذلك (^١).\n\n<span id=\"aya-3413\"></span>حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾. قال: قد مضى؛ كان ذلك في أهلِ فارسَ والرومِ، وكانت فارسُ قد غلَبَتهم، ثم غلَبت الرومُ بعدَ ذلك، ولقِي نبيُّ اللهِ ﷺ مشركي العربِ يومَ التقَت الرومُ وفارسُ، فنصَر اللهُ النبيَّ ﷺ ومَن معه من المسلمين على مشركي العربِ، ونصر أهلَ الكتابِ على مشركي العجمِ، ففرِح المؤمنون بنصرِ اللهِ إياهم، ونصرِ أهلِ الكتابِ على العجمِ. قال عطيةُ: فسأَلتُ أبا سعيدٍ الخُدْريَّ عن ذلك، فقال: التقَينا مع (^٢) رسولِ اللهِ ﷺ ومشرِكى العربِ، والتقَت الرومُ وفارسُ، فنصَرنا اللهُ على مشرِكى العربِ، ونصَر اللهُ أهلَ الكتابِ على المجوسِ، ففرِحنا بنصرِ الله إيانا على المشركين، وفرِحنا بنصرِ اللهِ أهلَ الكتابِ على المجوسِ، فذلك قولُه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (^٣).\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾: غَلَبتهم فارسُ، ثم غَلَبت الرومُ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر ١/ ٣٧٠ من طريق معن بن عيسى به، وأخرجه الترمذى (٣١٩١)، وابن عساكر ١/ ٣٧٩ من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي به.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ف: \"محمد\".\n(^٣) أخرجه البيهقى فى الدلائل ٢/ ٣٣١، ٣٣٢، وابن عساكر ١/ ٣٧١، ٣٧٢ من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٥١ إلى ابن مردويه.\n(^٤) أخرجه ابن عبد الحكم فى فتوح مصر ص ٤٤ عن عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٥٢ إلى ابن المنذر.","vol":"18","page":449},{"text":"حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: خمسٌ قد مضَين؛ الدُّخانُ، واللِّزامُ، والبَطْشةُ، والقَمَرُ، والرُّومُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: قد مضَى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال: ذكَر غلَبَةَ فارس إياهم، وإدالةَ الرومِ على فارسَ، وفرِح المؤمنون بنصرِ الرومِ أهلِ الكتابِ على فارسَ من أهلِ الأوثانِ (^٢).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن عكرمةَ: أن الرومَ وفارسَ اقتتَلوا فى أدنى الأرضِ. قال: وأدنى الأرضِ يومَئذٍ أَذْرِعاتٌ (^٣)، بها التقَوا فهُزِمت الرومُ، فبلَغ ذلك النبيَّ ﷺ وأصحابَه، وهم بمكةَ، فشقَّ ذلك عليهم، وكان النبيُّ ﷺ يكرهُ أن يَظهرَ الأمِّيون من المجوسِ على أهلِ الكتابِ من الرومِ، وفرِح الكفارُ بمكةَ وشمِتوا، فلَقُوا أصحابَ النبيِّ ﷺ، فقالوا: إنكم أهلُ كتابٍ، والنصارى أهلُ كتابٍ، ونحن أمِّيون، وقد ظهَر إخوانُنا من أهلِ\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٤٧٦٧، ٤٨٢٠، ٤٨٢٥)، ومسلم (٢٧٩٨/ ٤١)، والطحاوى في شرح مشكل الآثار ٢/ ٤٢٣ عقب (٩٦٤) من طريق الأعمش به، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٣٧٤)، والطبراني (٩٠٤٩) من طريق مسلم بن صبيح به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٣٨، ومن طريقه البيهقى فى الدلائل ٢/ ٣٣١، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٠١ من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٣) أذرعات: بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وعمان. معجم البلدان ١/ ١٧٥.","vol":"18","page":450},{"text":"فارسَ على إخوانِكم من أهلِ الكتاب، وإنكم إن قاتَلتمونا لنَظهرَن عليكم. فأنزَل اللهُ: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ (^١)﴾ الآيات، فخرَج أبو بكرٍ الصديقُ إلى الكفارِ، فقال: أفرِحتم بظهورِ إخوانِكم على إخوانِنا؟ فلا تَفْرَحوا، ولا يُقرَّنَّ اللهُ أعينَكم، فواللهِ لتظهرَنَّ الرومُ على فارسَ، أخبَرنا بذلك نبيُّنا ﷺ، فقام إليه أُبَيُّ بنُ خلفٍ فقال: كذَبتَ يا أبا فُضَيلٍ. فقال له أبو بكرٍ ﵁: أنت أكذبُ يا عدوَّ اللهِ. فقال: أُنَاحِبُك (^٢)؛ عشرُ قلائصَ (^٣) منى، وعشرُ قلائصَ منك، فإن ظهَرت الرومُ على فارسَ غرِمتُ. وإن ظهَرت فارسُ (^٤) غرِمتَ، إلى ثلاثِ سنينَ. ثم جاء أبو بكرٍ إلى النبي ﷺ فأخبَره، فقال: \"ما هكذا ذكَرتُ، إنما البِضْعُ ما بينَ الثلاثِ إلى التسعِ. فزايِدْه في الخَطَرِ (^٥)، ومادِّه (^٦) في الأجلِ\". فخرَج أبو بكرٍ، فلقِى أُبَيًّا، فقال: لعلك ندِمتَ؟ قال: لا، تعال أُزايِدْك فى الخطرِ، وأُمادَّك في الأجلِ، فاجعَلْها مائةَ قَلوصٍ [لمائةِ قلوصٍ] (^٧)، إلى تسعِ سنينَ. قال: [قد فعلتُ] (^٨).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن عكرمةَ. قال] (^٩): كانت فى فارسَ امرأةٌ لا تَلِدُ إلا الملوكَ الأبطالَ، فدعاها كِسْرَى،\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"أناجيك\". وأُناحبكَ، أي: أُراهنك.\n(^٣) القلوص: الفتية من الإبل. اللسان (ق ل ص).\n(^٤) بعده فى م، ت ٢، ف: \"على الروم\".\n(^٥) الخطر: الرهن وما يخاطر عليه. النهاية ٢/ ٤٦.\n(^٦) ماده، أي: ماطله وجاذبه. اللسان (م د د).\n(^٧) سقط من: ت ١.\n(^٨) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٥٢ إلى المصنف، وينظر الأثر القادم.\n(^٩) سقط من: ت ٢.","vol":"18","page":451},{"text":"فقال: إنى أُرِيدُ أن أَبْعَثَ إلى الرومِ جيشًا، وأستعمِلَ عليهم رجلًا من بَنيكِ، فَأَشِيرى على، أَيُّهم أستعمِلُ؟ فقالت: هذا فلانٌ، وهو أروغُ من ثعلبٍ، وأحذرُ من صقرٍ (^١)، وهذا فَرُّحَانُ، وهو أنفذُ من سنانٍ، وهذا شَهْرَبرَازُ (^٢)، وهو أحلمُ من كذا، فاستعمِلْ أيَّهم شئْتَ. قال: إني قد استعمَلتُ الحليمَ. فاستعمَل شَهْرَبَرَازَ (^٢)، فسار إلى الرومِ بأهلِ فارسَ، وظهَر عليهم، فقتَلهم، وخرَّب مدائنَهم، وقطَّع زيتونَهم. قال أبو بكرٍ: فحدَّثتُ بهذا الحديثِ عطاءً الخراسانيَّ، فقال: أما رأيتَ بلادَ الشامِ؟ قلت: لا قال: أما إنك لو رأَيتَها (^٣)، لرأَيتَ المدائنَ التي خُرِّبت، والزيتونَ الذي قُطِّع. فأتيتُ الشامَ بعد ذلك فرأيتُه.\nقال عطاءٌ الخراسانيُّ: ثني يحيى بنُ يَعْمَرَ: أن قيصرَ بعَث رجلًا يُدعَى قطمةَ بجيشٍ من الرومِ، وبعث كسرَى شهربرازَ (^٢)، فالْتَقيا بأذْرِعاتٍ وبُصْرَى، وهي أدنى الشام إليكم، فلقِيَتْ فارسُ الرومَ، فغلَبتهم، فارسُ، ففرِح بذلك كفارُ قريشٍ، وكرِهه المسلمون، فأنزَل اللهُ: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الآيات. ثم ذكَر مثلَ حديثِ عكرمةَ، وزاد: فلم يبرَحْ (^٤) شهَربرازُ يَطَؤُهم، ويُخرِّبُ مدائنَهم، حتى بلَغ الخليجَ (^٥)، ثم مات كسرَى، فبلَغهم، موتُه، فانهَزم شهرَبرازُ وأصحابُه، [وأُدِيلَتْ عليهم] (^٦) الرومُ عندَ ذلك، فأَتْبَعوهم يَقْتُلونهم. قال: وقال عكرمةُ في حديثِه: لما ظهَرت فارسُ على الرومِ جلَس فرُّخانُ يشربُ، فقال لأصحابِه: لقد رأيتُ كأني\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ف: \"صرد\"، وينظر ابن كثير.\n(^٢) فى ت ١: \"شهرواز\"، وفى ابن كثير: \"شهريراز\"، وينظر البداية والنهاية ١٠/ ١٥٥.\n(^٣) في ص، ت ١: \"أتيتها\".\n(^٤) في م، ف: \"يزل\".\n(^٥) في ت ٢: \"الخليع\".\n(^٦) فى م، ف: \"وأوعبت عليهم\"، وفي ت ١: \"وأدركهم\".","vol":"18","page":452},{"text":"جالسٌ على سريرِ كسرَى. فبلَغت كسرَى، فكتَب إلى شهرَبرازَ: إذا أتاك كتابى، فابعَثْ إليَّ برأسِ فَرُّخان، فكتَب إليه: أيُّها الملِكُ، إنك لن تَجِدَ مثلَ فَرُّحانَ، إن له نكايةً وصوتًا (^١) في العدوِّ، فلا تَفْعَلْ. فكتَب إليه: إن فى رجالِ فارسَ خلفًا منه، فعجِّلْ إليَّ برأسِه. فراجَعه، فغضِب كسرَى فلم يُجِبْه، وبعَث [بريدًا إلى أهلِ] (^٢) فارسَ: إنى قد نَزَعتُ عنكم شهرَبرازَ (^٣)، واستعمَلتُ عليكم فرُّخانَ، ثم دفَع إلى البريدِ صحيفةً صغيرةً: إذا وَليَ فرُّخانُ الملْكَ، وانقادَ له أخوه، فأَعْطِه هذه (^٤). فلما قرَأ شهرَبرازُ الكتابَ، قال: سمعًا وطاعةً. ونزَل عن سريرِه، وجلَس فَرُّخانُ، ودُفِع الصحيفةُ إليه، قال: ائتونى بشهرَبرازَ. فقدَّمه ليَضْرِبَ عنقَه، قال: لا تعجَلْ حتى أكتبَ وصيَّتى. قال: نعم. فدعا بالسَّفَطِ (^٥)، فأعطاه ثلاثَ صحائف وقال: كلُّ هذا راجَعتُ فيك كسرَى، وأنت أردتَ أن تَقْتُلَنى بكتابٍ واحدٍ! فردَّ المُلكَ، وكتب شهرَبرازُ إلى قيصرَ ملكِ الرومِ: إن لى إليك حاجةَ لا تَحْمِلُها البُرُدُ (^٦)، ولا تُبلِّغُها الصحفُ، فالْقَنى، ولا تَلْقَنى إلَّا فى خمسين روميًّا، فإنى ألقاك (^٧) في خمسين فارسيًّا. فأقبَل قيصرُ فى خمسِمائة ألفِ روميٍّ، وجعَل يَضَعُ العيونَ بينَ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ف: \"ضربا\"، والمثبت موافق لما فى ابن كثير، ويقال: له صوت، أي: ذِكر. اللسان (ص وت).\n(^٢) في ت ٢: \"يريد إلى\".\n(^٣) في ت ١: \"شهرواز\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٥) السفَط: الذي يعبي فيه الطيب وما أشبهه من أدوات النساء. اللسان (س ف ط).\n(^٦) فى م، ف: \"البريد\"، والبرد جمعها.\n(^٧) في ت ٢: \"لا ألقاك إلا\".","vol":"18","page":453},{"text":"يديه في الطريقِ، وخاف أن يكونَ قد مكَر به، حتى أتاه (^١) عيونُه أن ليس معه إلَّا خَمْسون رجلًا، ثم بُسِط لهما، والتَقَيا في قبةِ ديباجٍ، ضُرِبت لهما، مع كلِّ واحدٍ منهما سِكِّينٌ، فدعَيا (^٢) تُرْجُمانًا بينَهما، فقال شهرَبرازُ: إن الذين خرَّبوا مدائنَك (^٣) أنا وأخى، بكيدِنا وشجاعتِنا، وإن كسرَى حسَدنا، فأراد أن أقتُلَ أخى فَأَبَيْتُ، ثم أمَر أخى أن يقتلَنى، فقد خلَعْناه (^٤) جميعًا، فنحن نُقاتِلُه معك. فقال: قد أصَبتما، ثم أشار أحدُهما إلى صاحبِه أن السرَّ (^٥) بينَ اثنينِ، فإذا جاوز اثنينِ فشا. قال: أجلْ. فقتَلا التُّرْجُمانَ جميعًا بسكينَيْهما، فأهلَك اللهُ كسرَى، وجاء الخبرُ إلى رسول الله ﷺ يومَ الحديبيةِ، ففرِح ومَن معه (^٦).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾. قال: غلبَتْهم (^٧) فارسُ على أدنى الشامِ، ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ الآية. قال: لما أنزَل اللهُ هؤلاء الآياتِ صدَّق المسلمون ربَّهم، وعلِموا أن الرومَ سيَظهَرون على فارسَ، فاقتَمَروا هم والمشركون؛ خمسَ قلائصَ خمسَ قلائصَ، وأَجَّلُوا بينَهم خمسَ سنين، فوَلِى قِمارَ المسلمين أبو بكرٍ ﵁، وولِى قِمارَ المشركين [أُبَيُّ بنُ خلفٍ؛ وذلك قبلَ أن يُنْهَى عن القمارِ، فحلَّ الأجلُ، ولم تَظْهَرِ الرومُ على فارسَ، وسأَل المشركون قِمارَهم] (^٨)، فذكَر ذلك أصحابُ النبيِّ\n_________\n(^١) في م، ف: \"أتته\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"فدعا\"، ودعيت: لغة فى دعوت. القاموس المحيط (د ع و).\n(^٣) في ص: \"مدينتك\".\n(^٤) في ت ٢: \"خالفناه\".\n(^٥) فى ت ١: \"الستر\".\n(^٦) أخرجه سنيد في تفسيره كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٣/ ٥٤، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٠٦، ٣٠٧.\n(^٧) في ص، ت ٢، ت ٣: \"غلبهم\".\n(^٨) سقط من: ت ٢.","vol":"18","page":454},{"text":"للنبيِّ (^١) ﷺ، فقال: \"لم يكونوا (^٢) أحِقَّاءَ أن يُؤَجِّلوا (^٣) دونَ العشرِ؛ فإن البِضعَ ما بينَ الثلاثِ إلى العشرِ، وزايِدوهم فى القمارِ، ومادُّوهم فى الأجلِ\". ففعَلوا ذلك، فأظهَر اللهُ الرومَ على فارسَ عندَ رأسِ البضعِ سنين من قمارِهم الأولِ، وكان ذلك مرجِعَه من الحديبيةِ، ففرح المسلمون بصلحِهم الذى كان، وبظهورِ أهلِ الكتابِ على المجوسِ، وكان ذلك مما شدَّد اللهُ به الإسلامَ، وهو قولُه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ الآية (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال: كان النبىُّ ﷺ أخبَر الناسَ بمكةَ أن الروم ستَغْلِبُ، قال: فنزَل القرآنُ بذلك، قال: وكان المسلمون يُحِبُّون ظهورَ الرومِ على فارسَ؛ لأنهم أهلُ الكتابِ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عامرٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: كان فارسُ ظاهرًا على الرومِ، [وكان المشركون يُحبُّون أن تظهرَ فارسُ على الرومِ، وكان المسلمون يُحبُّون أن تظهر الرومُ] (^٦) على فارسَ؛ لأنهم أهلُ كتابٍ، وهم أقربُ إلى دينِهم، فلما نزَلتْ: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. قالوا: يا أبا بكرٍ: إن صاحبَك يقولُ: إن الرومَ تَظهرُ على فارسَ في بضعِ سنين! قال: صدَق. قالوا: هل لك أن تُقامِرَك؟ فبايَعوه على أربعِ قلائصَ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، وينظر مصدر التخريج.\n(^٢) في ص، م، ف: \"تكونوا\".\n(^٣) في ص، م، ت ٢، ف: \"تؤجلوا\".\n(^٤) أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/ ٣٣٣، ٣٣٤ من طريق يزيد به، وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٠١ عن معمر عن قتادة.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٠١ عن معمر عن رجل عن الشعبي بنحوه.\n(^٦) سقط من: ت ٢.","vol":"18","page":455},{"text":"إلى سبعِ سنين، فمضَت السبعُ ولم يَكُنْ شيءٌ، ففرِح المشركون بذلك. وشقَّ على المسلمين، فذكَروا ذلك للنبيِّ ﷺ، فقال: \"ما بضعُ سِنِينَ عندَكم؟ قالوا: دونَ العشرِ. قال: \"اذْهَبْ فزايِدْهم وازدَدْ سنتَينِ\". قال: فما مضَت السنتانِ، حتى جاءت الركبانُ بظهورِ الرومِ على فارسَ، ففرح المسلمون بذلك، وأنزَل اللهُ: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ وفِطْرٍ، عن أبى الضُّحى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ قال: مضَتِ الرومُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾. [قال: أدنى الأرضِ] (^٣) الشَّامُ، ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾. قال: كانت فارسُ قد غلَبت الرومَ، ثم أُدِيلَ الرومُ على فارسَ، وذُكِر أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"إن الرومَ ستَغلِبُ فارسَ\". فقال المشركون: هذا مما يَتَخَرَّصُ (^٤) محمدٌ. فقال أبو بكرٍ: تُناحِبونني؟ - والمناحبةُ: المُجاعَلةُ - قالوا: نعم. فناحَبهم أبو بكرٍ، فجعَل السنينَ أربعًا أو خمسًا، ثم جاء إلى النبيِّ ﷺ فأخبَره (^٥) فقال له (^٦) رسولُ اللهِ ﷺ: \"إن البضعَ فيما بينَ الثلاثِ إلى التسعِ، فارجِعْ إلى القوم، فزِدْ فى المناحبةِ\". فرجَع إليهم، فقالوا، فناحَبهم وزاد (^٧). قال: فغلَبت الرومُ، فارسَ، فذلك قولُ اللهِ: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٥٠ إلى المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٠٥ عن المصنف.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٠١، ١٠٢ من طريق أبي الضحى به، وتقدم مطولًا ص ٤٥٠.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) تخرص، أي: كذب. اللسان (خ ر ص).\n(^٥) سقط من: م، ت ٢، ف.\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ف.\n(^٧) فى م، ت ٢، ف: \"فزاد\".","vol":"18","page":456},{"text":"الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾: يوم أُديلَت الرومُ على فارسَ. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ عمرٍو، عن أبي إسحاقَ الفزاريِّ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي عمرةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾. قال: غُلِبت وغَلَبت (^١).\nوأما الذين قرءُوا ذلك: (غَلَبَتِ الرُّومُ) بفتحِ الغينِ، فإنهم قالوا: نزلت هذه الآيةُ خبرًا من اللهِ نبيَّه ﷺ عن غَلَبَةِ الرومِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن سليمانَ -يعنى الأعمشَ- عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، قال: لما كان يومُ بدرٍ (^٢) ظَهَر الرومُ على فارسَ، فأعجَب ذلك المؤمنين، فنزَلت: (الم غَلَبَتِ الرُّومُ): على فارسَ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ حمادٍ، قال: ثنا أبو عَوَانةَ، عن سليمانَ، عن عطيةَ، عن أبى سعيدٍ، قال: لما كان يومُ بدرٍ، غَلَبت الرومُ على فارسَ، ففرِح المسلمون بذلك، فأنزَل اللهُ: (الم غَلَبَتِ الرُّومُ)، إلى آخرِ الآيةِ.\nحدَّثنا يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٢٩٦ (٢٤٩٥) وغيره بهذا اللفظ من طريق معاوية بن عمرو به، وتقدم ص ٤٤٨ مطولًا.\n(^٢) زيادة من مصادر التخريج.\n(^٣) أخرجه الترمذى (٣١٩٢)، وابن عساكر ١/ ٣٦٩ من طريق نصر بن على به، وأخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ٢٥٩ من طريق المعتمر بن سليمان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٥١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"18","page":457},{"text":"الأعمشِ، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، قال: لما كان [يومُ بدرٍ] (^١)، ظهَرت الرومُ على فارسَ، فأعجَب ذلك المؤمنين؛ لأنهم أهلُ كتابٍ، فأنزَل اللهُ: (الم. غَلَبت الرومُ فى أدنى الأرض). قال: كانوا قد غُلبوا قبلَ ذلك. ثم قرَأ حتى بلَغ: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.\nوقولُه: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾. قد ذكَرتُ قولَ بعضِهم فيما تقدَّم قبلُ، وأَذْكُرُ قولَ مَن لم يُذْكَرْ قولُه.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾. يقولُ: فى طَرَفِ الشَّامِ (^٢).\nومعنى قولِه: ﴿أَدْنَى﴾: أقربُ، وهو أفعَلُ من الدنوِّ والقربِ. وإنما معناه: في أدنى الأرضِ من فارسَ، فترَك ذكرَ فارسَ استغناءً بدلالةِ ما ظهَر من قولِه: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ عليه منه.\nوقولُه: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾. يقولُ: والرومُ من بعدِ غَلَبةِ فارسَ إياهم، سيَغْلِبون فارسَ.\nوقولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾. مصدرٌ، من قولِ القائلِ: غَلَبْتُه غَلَبَةً. فحُذِفت الهاءُ من الغَلَبَةِ. وقيل: من بعدِ غَلَبِهم. ولم يُقَلْ: من بعدِ غَلَبَتِهم للإضافةِ، كما حُذِفت من قولِه: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [النور: ٣٧]. للإضافة. وإنما الكلامُ: وإقامةِ الصلاةِ.\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) أخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٤٤ عن عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٢ إلى ابن المنذر.","vol":"18","page":458},{"text":"وأما قولُه: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾. فإن القرَأةَ أجمعينَ على فتحِ الياءِ فيها، والواجبُ على قراءةِ مَن قرَأ (الم غَلَبَتِ الرُّومُ) بفتحِ الغينِ، أن يَقْرَأَ قولَه: (سَيُغْلَبُونَ) بضمِّ الياءِ (^١)، فيَكونَ معناه: وهم من بعدِ غلبتِهم فارسَ، سيَغْلِبُهم المسلمون؛ حتى يَصِحَّ معنى الكلامِ، وإلا لم يَكُنْ للكلامِ كبيرُ معنًى إن فُتِحت الياءُ؛ لأن الخبرَ عما قد كان يصيرُ إلى الخبرِ عن أنه سيكونُ، وذلك إفسادُ أحدِ الخبرَينِ بالآخرِ.\n\nوقولُه: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. قد ذكَرْنا اختلافَ أهلِ التأويلِ في معنى \"البِضعِ\" فيما مضَى، [وأتَيْنا على] (^٢) الصحيحِ من أقوالِهم، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3414\"></span>وقد حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا خلادُ بنُ مسلمٍ الصّفارُ، عن عبدِ اللهِ بنِ عيسى، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ ابن عمرٍو، قال: قلتُ له: ما البضعُ؟ قال: زعم أهلُ الكتابِ أنه تسعٌ أو سبعٌ (^٤).\nوأما قولُه: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾. فإن القاسمَ حدَّثنا، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ من قبلِ دولةِ فارسَ على الرومِ، [و[من بعدِ دولةِ] (^٥) الرومِ] (^٦) على فارسَ (^٧).\n_________\n(^١) قرأ (سيغلبون) بضم الياء عليٌّ وابن عمر ومعاوية بن قرة. مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١١٧، وينظر ما تقدم في ص ٤٤٦.\n(^٢) فى ص، ت ١: \"وللفاعل\"، وفى ت ٢: \"والفاعل\"، ولعلها مصحفة عن: \"دللنا على\". أو عما أثبت.\n(^٣) تقدم في ١٣/ ١٧٥، ١٧٦.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣١٠ وعزاه إلى المصنف.\n(^٥) سقط من: ت ١.\n(^٦) سقط من: ص، ت ٢.\n(^٧) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"ويومئذ يفرح المؤمنون\".","vol":"18","page":459},{"text":"وأما قولُه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾. فقد ذكَرْنا الروايةَ في تأويلِه قبلُ، وبيَّنا معناه.\n\n<span id=\"aya-3415\"></span><span data-type='title' id=toc-7123>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وعْدَ اللهِ جلَّ ثناؤُه؛ وعَد أن الرومَ ستَغْلِبُ فارسَ من بعدِ غَلَبَةِ فارس لهم. ونُصِب ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ على المصدرِ من قولِه: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾؛ لأن ذلك وعدٌ من اللهِ لهم أنهم سيَغْلِبون، فكأنه قال: وعَد اللهُ ذلك المؤمنين وعدًا، ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِن اللهَ يَفِى بوعدِه للمؤمنين أن الرومَ سَيغْلِبون فارسَ، لا يُخلِفُهم وعدَه ذلك؛ لأنه ليس في مواعيدِه خُلفٌ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكنَّ أكثرَ قريشٍ الذين يُكَذِّبون بأن اللهَ منجزٌ وعدَه المؤمنين من أن الرومَ تَغْلِبُ فارسَ -لا يَعْلَمون أن ذلك كذلك، وأنه لا يَجوزُ أن يَكونَ في وعدِ اللهِ إخلافٌ.\n\n<span id=\"aya-3416\"></span><span data-type='title' id=toc-7124>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يعلمُ هؤلاء المكذِّبون بحقيقةِ خبرِ اللهِ أن الرومَ ستَغْلِبُ فارسَ- ﴿ظَاهِرًا﴾ مِن أمرِ (^١) حياتِهم الدنيا وتدبيرِ (^٢) معايشِهم فيها، وما يُصْلِحُهم، رهم عن أمرِ آخرتِهم، وما لهم فيه النجاةُ من عقابِ (^٣) اللهِ هنالك غافلون، لا يُفَكِّرون فيه.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ٢، ف.\n(^٢) فى ت ١، ت ٢: \"تدبر\".\n(^٣) في ت ٢: \"عذاب\".","vol":"18","page":460},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ يحيى بنُ واضحٍ الأنصاريُّ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، قال: ثنا يزيدُ النحويُّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. [يعنى: معايشَهم؛ متى يحصُدون، ومتى يغرِسون (^١).\nحدَّثني أحمد بنُ الوليدِ الرمليُّ، قال: ثنا عمرُ بنُ عثمانَ بنِ عمرَ، عن عاصمِ ابنِ عليٍّ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، قال: ثنا ابنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾] (^٢). قال: متى يَزْرعون، متى يَغْرِسون.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنى شَرَقيٌّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: هو السرَّاجُ أو نحوُه (^٣).\nحدَّثنا أبو هريرةَ محمدُ بنُ فِراسٍ الضُّبَعِيُّ، قال: ثنا أبو قُتَيبةَ، قال: ثنا شعبةُ، عن شَرَقيٍّ، عن عكرِمةَ فى قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: السرَّاجون.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ الرمليُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: ثنا شعبةُ،\n_________\n(^١) ذكرُه القرطبي ٧/ ١٤، وأبو حيان ٧/ ١٦٣ في تفسيرهما، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ١٥٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) ينظر تخريج الأثر الآتى عن عكرمة في الصفحة التالية.","vol":"18","page":461},{"text":"عن شَرَقيٍّ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: الخرَّازون والسرَّاجون.\nحدَّثنا بشرٌ بنُ آدمَ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: معايشَهم، وما يُصْلِحُهم.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه\nحدَّثني بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا الضحاكُ بنُ مخلدٍ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ؛ وعن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. [قال: معايشَهم.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾] (^١). يعنى: الكفارُ، يعرفون عُمرانَ الدنيا، وهم فى أمرِ الدِّينِ جُهَّالٌ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: معايشَهم، وما يصلحُهم (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٥٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٥٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، كما ذكره القرطبي ١٤/ ٧.","vol":"18","page":462},{"text":"مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: من حرفتِها وتصرُّفِها (^١) وبُغْيتِها، ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الحسنِ (^٣)، قال: يَعْلَمون متى زرعُهم، ومتى حصادُهم (^٤).\nقال: ثنا حفصُ بنُ راشدٍ الهلاليُّ، عن شعبةَ، عن شَرَقيٍّ، عن عكرمةَ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: السَّرَّاجُ ونحوُه (^٥).\nحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: صرفَها في معيشتِها.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾.\nوقال آخرون فى ذلك ما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: تَسْتَرِقُ الشياطينُ السمعَ، فيَسْمَعون الكلمةَ التي قد نزَلت، يَنْبَغى لها أن تكونَ في الأرضِ. قال: ويُرْمون بالشهُبِ، فلا يَنْجو أن يَحترِقَ، أو يُصيبَه شرٌّ (^٦) منه. قال: فيَسْقُطُ (^٧) فلا يَعودُ (^٨) أبدًا. قال: ويَرْمى بذاك الذي سمِع إلى أوليائِه من الإنسِ. قال:\n_________\n(^١) في ص: \"تصرفتها\"، وفى ت ١: \"تصرفاتها\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٠٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٥٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم\n(^٣) في ت ٢: \"الحسين\".\n(^٤) ذكرُه بنحوه أبو حيان ٧/ ١٦٣.\n(^٥) ينظر ما سبق عن عكرمة.\n(^٦) في م، ف: \"شرر\".\n(^٧) في ص: \"فتسقط\".\n(^٨) في ص: \"تعود\".","vol":"18","page":463},{"text":"فيَحْمِلون عليه ألفَ كَذْبةٍ. قال: فما رأَيتَ الناسَ يقولون: يكونُ كذا وكذا. قال: فيَجِيءُ الصحيحُ منه، كما يقولون، الذي سمِعوه في (^١) السماءِ، وبقيَّتُه (^٢) من الكذبِ الذي يخوضون فيه (^٣).\n\n<span id=\"aya-3417\"></span><span data-type='title' id=toc-7125>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أو لم يتفكَّرْ هؤلاء المكذِّبون بالبعثِ يا محمدُ من قومِك، فى خلقِ اللهِ إياهم، وأنه خلَقهم ولم يَكونوا شيئًا، ثم صرَفهم أحوالًا وتاراتٍ، حتى صاروا رجالًا؛ فيَعْلَموا أن الذي فعل ذلك قادرٌ أن يُعيدَهم بعدَ فنائِهم خلقًا جديدًا، ثم يُجازىَ المحسنَ منهم بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه، لا يَظْلِمُ أحدًا منهم فيُعَاقِبَه بجُرمِ غيرِه، ولا يَحرِمُ أحدًا منهم جزاءَ عملِه؛ لأنه العدلُ الذى لا يجورُ، ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ إلا بالعدلِ وإقامةِ الحقِّ (^٤)، ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: وبأجلٍ مُؤقَّتٍ مُسَمًّى، إذا بلَغَتْ ذلك الوقتَ، أفنَى ذلك كلَّه، وبدَّل الأرضَ غيرَ الأرضِ والسماواتِ، وبَرزوا للهِ الواحدِ القهَّارِ، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ جاحِدون مُنكِرون (^٥) -جهلًا منهم- بأن معادَهم إلى اللهِ بعدَ فنائِهم، وغفلةً منهم عن الآخرةِ.\n\n<span id=\"aya-3418\"></span><span data-type='title' id=toc-7126>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ</span>\n_________\n(^١) في م، ف: \"من\".\n(^٢) في م: \"يعقبه\".\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٨، وأبو حيان في البحر المحيط ٧/ ١٦٣.\n(^٤) فى ت ٢: \"الحجة\".\n(^٥) في ص، ت ١: \"ينكرون\".","vol":"18","page":464},{"text":"الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: أو لم يَسِرْ (^١) هؤلاء المكذِّبون باللهِ الغافِلون عن الآخرةِ من قريشٍ، في البلادِ التي يسلُكُونها (^٢) تَجْرًا (^٣)، فينظُروا إلى آثارِ اللهِ فِيمَن كان قبلَهم من الأممِ المكذبةِ، كيف كانت عاقبةُ أمرِها في تكذيبِها رسلَها؛ فقد كانوا أشدَّ منهم قوَّةً، ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾. يقولُ: واستخرَجوا الأرضَ وحرَثوها، وعمَروها أكثرَ مما عمرَ هؤلاء، فأهلَكهم اللهُ بكفرِهم وتكذيبِهم رسلَهم، فلم يَقْدِروا على الامتناعِ، مع شدَّةِ قُواهم، مما نزَل بهم من عقابِ اللهِ، ولا نفَعَتهم عمارتُهم ما عمَروا من الأرضِ، إذ جاءتهم رسلُهم بالبيناتِ من الآياتِ، فكذبوهم، فأحلَّ اللهُ بهم بأسَه، فما كان اللهُ ليَظْلِمَهم بعقابِه إياهم على تكذيبِهم رسلَه وجحودِهم آياتِه، ولكن كانوا أنفسَهم يَظْلِمون بمعصيتِهم ربَّهم.\nوبنحوِ الذى قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"ير\".\n(^٢) في ت ٢: \"يسكنونها\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"بحرا\".","vol":"18","page":465},{"text":"قال: مُلِّكوا الأرضَ وعمروها.\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾. قال: حرَّثوها (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا في الْأَرْضِ﴾. إلى قوله: ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا﴾، كقوله: ﴿وَآثَارًا فِي] (^٢) الْأَرْضِ﴾ [غافر: ٢١]. وقولُه: ﴿وَعَمَرُوهَا﴾: أكثَرَ مما عمَر هؤلاء، ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾.\n\n<span id=\"aya-3419\"></span><span data-type='title' id=toc-7127>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ثم كان آخرَ أمرٍ مَن كفّر من هؤلاء الذين أثاروا الأرضَ وعمروها، وجاءتهم رسلهم بالبيناتِ، بالله وكذَّبوا رسلَه، فأساءوا بذلك من فعليهمِ ﴿السُّوأَى﴾. يعنى: الخَلَّةُ التى هى أسوأُ من فعلِهم؛ أما في الدنيا فالبوارُ والهلاكُ، وأمَّا في الآخرة فالنارُ، لا يُخْرَجون منها ولا هم يُستعتَبون.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٣٨، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور ٥/ ١٥٢ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ٢: \"وأثاروا\".","vol":"18","page":466},{"text":"الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾: [الذين أشركوا، ﴿السُّوأَى﴾] (^١). أي: النارُ (^٢).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن علي، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾. يقولُ: الذين كفروا جزاؤهم العذاب (^٣).\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: السُّوأَى في هذا الموضع مصدرٌ، مثل: البُقْوَى (^٤). وخالفه في ذلك غيرُه فقال: هي اسمٌ.\nوقوله: ﴿أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. يقولُ: كانت لهم السُّوأَى؛ لأنهم كذَّبوا في الدنيا بآياتِ اللَّهِ، ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ﴾. يقولُ: وكانوا بحُجَجِ اللَّهِ، وهم أنبياؤُه ورسله، يَسْخَرون.\n\n<span id=\"aya-3420\"></span><span data-type='title' id=toc-7128>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدُؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: الله تعالى يَبْدَأُ إنشاءَ جميع الخلقِ مُنْفَرِدًا بإنشائه من غيرِ شريكٍ ولا ظهيرٍ، فيُحْدِثُه من غير شيءٍ، بل بقدرته ﷿، ثم يُعيده خلقا جديدا بعد إفنائه وإعدامه (^٥)، كما بدأه خلقا سَوِيًّا ولم يك شيئًا، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: ثم إليه من بعد إعادتهم خَلْقًا جديدًا يُرَدُّون، فيُحْشَرون لفصلِ القضاء بينَهم، و﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢.\n(^٢) ذكره ابن كثير ٦/ ٣١٣ بنحوه.\n(^٣) ذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٥١١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"التقوى\". والسُّوأى والبُقْوى، بوزن فُعلى مثل الحسنى. اللسان (س وأ)، (ب ق ى).\n(^٥) في ت ٢: \"إبدائه\".","vol":"18","page":467},{"text":"بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١].\n\n<span id=\"aya-3421\"></span><span data-type='title' id=toc-7129>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ويومَ تجِيءُ الساعةُ التي فيها يفصِلُ الله بين خلقِه، ويَنْشُرُ فيها الموتَى من قبورهم، فيحشُرُهم إلى مَوْقِفِ الحسابِ، ﴿يُلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾. يقولُ: يَيْأَسُ الذين أشركوا بالله، واكتسبوا في الدنيا مساوئَ الأعمال من كلِّ شَرٍّ (^١)، ويكتئبون ويتندَّمون، كما قال العجاج (^٢):\nيا صاحِ هل تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا\nقال نَعَمْ أعْرِفُه وأبلَسا (^٣)\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يُبْلِسُ﴾. قال: يكتئِبُ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾: أي في النارِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"خير\".\n(^٢) ديوانه ص ١٢٣.\n(^٣) تقدم في ١/ ٥٤٣.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٣٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٣ إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"18","page":468},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾. قال: المُبْلِسُ: الذي قد نزل به الشرُّ. إذا أبلَس الرجلُ، فقد نزل به بلاءٌ.\n\n<span id=\"aya-3422\"></span>وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ويوم تقومُ الساعةُ لم (^١) يكُنْ لهؤلاء المجرمين الذين وصف جلَّ ثناؤه صفتهم، من شركائهم الذين كانوا يتَّبِعونَهم، على ما دَعوهم إليه من الضلالة، فيُشاركونهم في الكفرِ بالله، والمعاونة على أذَى رُسُلِه، ﴿شُفَعَاءُ﴾ يشفعون لهم عندَ اللهِ، فيستنقذوهم من عذابه، ﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣)﴾. يقولُ: وكانوا بشركائهم في الضلالة، والمعاونة في الدنيا على أولياء الله، كافرين؛ يجحدون ولايتهم، ويتبرعون منهم، كما قال جل ثناؤه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة: ١٦٦، ١٦٧].\n\n<span id=\"aya-3423\"></span><span data-type='title' id=toc-7130>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويوم تجيءُ الساعةُ التي يُحشَرُ فيها الخلق إلى اللَّهِ، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾. يقولُ: في ذلك اليوم ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾. يعنى: يتفرَّقُ أهلُ الإيمان بالله، وأهل الكفر به؛ فأما أهل الإيمان، فيُؤخَذُ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وأما أهل الكفر فيُؤخَذُ ذاتَ الشمال إلى النارِ، فهنالك يَميزُ اللَّهُ الخَبيثَ من الطيب.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"ولم\".","vol":"18","page":469},{"text":"كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾. قال: فُرقة والله لا اجتماع بعدها (^١).\n\n<span id=\"aya-3424\"></span>﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ بالله ورسوله، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: وعملوا بما أمرهم الله به، وانتهوا عما نهاهم عنه، ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. يقولُ: فهم في الرياحين والنباتات (^٢) الملتفَّةِ، وبين أنواع الزهرِ في الجنانِ، يُسَرُّون، ويُلَذَّذون بالسماع، وطيب العيش الهنيِّ. وإنما خَصَّ جلَّ ثناؤه ذكرَ الروضة في هذا الموضع؛ لأنَّه لم يكن عند الطرفين أحسنُ منظرًا، ولا أطيبُ نَشْرًا (^٣) من الرياض، ويدلُّ على أن ذلك كذلك، قولُ أعشَى بنى ثعلبة (^٤):\nما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ (^٥) مُعْشِبَةٌ … خَضْرَاءُ جَادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ (^٦)\nيُضَاحِكُ الشَّمسَ مِنهَا كَوْكَبٌ شَرِقٌ … مُؤَذِّرٌ بِعَمِيمِ النَّبْتِ مُكْتَهِلُ (^٧)\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣١٣، وأبو حيان في البحر المحيط ٧/ ١٦٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"النبات\".\n(^٣) النشر: الريح الطيبة؛ القاموس المحيط (ن ش ر).\n(^٤) ديوانه ص ٥٧.\n(^٥) في م، ت ٢، ف: \"الحسن\". والحزن: ما غلظ من الأرض في ارتفاع. اللسان (ح ز ن).\n(^٦) السبل بالتحريك: المطر، وقيل: المطر المسبل. اللسان (س ب ل) والهطل: تتابع المطر والدمع وسيلانه. ومطر هطل: كثير الهطلان. الصحاح (هـ ط ل).\n(^٧) قال صاحب اللسان: وقول الأعشى: يضاحك الشمس. معناه: يدور معها، ومضاحكته إياها حسن له ونضرة، والكوكب: معظم النبات، والشرق: الريان الممتلئ ماء، والمؤزر: الذي صار النبات كالإزار له، والعميم: النبت الكثيف الحسن وهو أكثر من الجميم. يقال: نبت عميم ومعتم وعمم. واكتهلت الروضة: إذا عمها نبتها. اللسان (ك هـ ل).","vol":"18","page":470},{"text":"يَوْمًا بأطْيَبَ مِنْها نَشْرَ رائحَةٍ … ولَا بِأَحْسَنَ مِنْها إِذ دَنا الأُصُلُ (^١)\nفأعلمهم بذلك تعالى، أن الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ، من المنظر الأنيقِ، واللذيذِ من الأرابيح، والعيشِ الهنيِّ، فيما يُحبون، ويُسَرُّون به، ويُغبَطون عليه. والحَبَّرةُ عند العرب: السرورُ والغبْطَةُ. قال العجاج (^٢):\nفالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْطَى الخَبَرْ … مَوالِىَ الحَقِّ إن المَوْلى شَكَرْ (^٣)\nواختلَف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: فهُم في روضة يُكرمون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. قال: يُكرمون (^٤).\nوقال آخرون: معناه: يُنعَّمون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) الأصل: جمع أصيل، وهو العشى. اللسان (أ ص ل).\n(^٢) ديوانه ص ٤.\n(^٣) قال شارحه: الحبر: السرور، وقوله: \"موالى الحق\": أي أولياء الحق. وقوله: \"إن المولى شكر\". قال: هذا بمنزلة قولك: قد أعطاك الله خيرا إن شكرت، أي فاشكر. الديوان الموضع السابق.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ١٢، والبغوى ٦/ ٢٦٤، وأبو حيان ٧/ ١٦٥.","vol":"18","page":471},{"text":"في قوله: ﴿يُحْبَرُونَ﴾. قال: يُنعَّمون (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. قال: يُنعَّمون (^٢).\nوقال آخرون: يُلذَّذون بالسماعِ والغناءِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ موسى الحَرَشِيُّ (^٣)، قال: ثنى عامرُ بنُ يِسافٍ، قال: سألتُ يحيَى بن أبي كثير عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. قال: الحَبْرَةُ: اللَّذَّة والسماعُ (^٤).\nحدَّثنا عبيد الله بن محمد الفريابيُّ، قال: ثنا ضَمْرةُ بن ربيعةَ، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى بن أبى كثير في قوله: ﴿يُحْبَرُونَ﴾. قال: السماعُ في الجنةِ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عيسى بنُ يونُسَ، عن الأوزاعي، عن يحيى بنِ أبى كثيرٍ مثلَه.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٣٨.\nوأخرجه الفريابي عن ورقاء به، كما في تعليق التعليق ٤/ ٢٧٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٣ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره أبو حيان ٧/ ١٦٥.\n(^٣) في م: \"الحرسى\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٥٣٢.\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٩٦ من طريق عامر بن يساف به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٢٢، وهناد في الزهد (٤) عن عيسى بن يونس به، وأخرجه ابن المبارك (٢٣٤) - زوائد نعيم)، والترمذى (٢٥٦٥)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٦٩، والبيهقي في البعث (٤١٩) من طريق الأوزاعي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٣ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"18","page":472},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن عامرِ بنِ يسافٍ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ مثله (^١).\nوكلُّ هذه الألفاظ التي ذكرنا عمن ذكرناها عنه، تعود إلى معنى ما قلنا.\n\n<span id=\"aya-3425\"></span><span data-type='title' id=toc-7131>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأما الذين جحَدوا توحيدَ اللَّهِ، وكذَّبوا رسلَه، وأنكروا البعثَ بعدَ المماتِ، والنشور للدار الآخرة، فأولئك في عذابِ اللَّهِ مُحضَرونَ، وقد أحضَرهم الله إياها، فجمعهم فيها، ليَذُوقوا العذاب، الذي كانوا به (^٢) في الدنيا يكذِّبون.\n\n<span id=\"aya-3426\"></span><span data-type='title' id=toc-7132>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: فسبِّحوا الله أيها الناسُ: أي صَلُّوا له حين تُمْسون؛ وذلك صلاة المغرب، وحين تُصبحون؛ وذلك صلاة الصبح، ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: وله الحمدُ من جميع خلْقِه، دونَ غيره، في السماوات؛ من سكَّانها من الملائكة، والأرض؛ من أهلها من جميع أصناف خلقه فيها، ﴿وَعَشِيًّا﴾. يقولُ: وسَبْحوه أيضًا عشيًّا، وذلك صلاة العصرٍ، ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾. يقول: وحين تَدْخُلون في وقتِ الظهْرِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه الخطيب في تاريخه ٧/ ١٤٩ من طريق عامر بن يساف به.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢.","vol":"18","page":473},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن أبى رَزين، قال: سأل نافعُ بنُ الأَزرَقِ ابن عباسٍ: [هل تجِدُ] (^١) ميقاتَ الصلواتِ (^٢) الخمس في كتابِ اللَّهِ؟ قال: نعم؛ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: الفجرُ، ﴿وَعَشِيًّا﴾: العصرُ، ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾: الظهر. قال: ﴿وَمِن بَعدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتِ لَكُمْ﴾ (^٣) [النور: ٥٨].\nحدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزينٍ، قال: سأل نافع بنُ الأَزرَقِ ابن عباس عن الصلوات الخمس في القرآن، قال: نعَم. فقرأ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾. قال: صلاة المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾. قال: صلاة الصبحِ، ﴿وَعَشِيًّا﴾. قال: صلاة العصرِ، ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾: صلاة الظهر. ثم قرأ: ﴿وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾ (^٤).\nحدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ليثٍ، عن الحكمِ عن (^٥) أبي عياضٍ، عن ابن عباس، قال: جمَعتْ هاتان الآيتان مواقيت الصلاةِ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾. قال: المغربُ والعشاءُ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: الفجرُ،\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، وليس في عبد الرزاق والطبراني.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"الصلاة\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٧٧٢)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط ٢/ ٣٢١ (٩٣٢)، والفريابي -كما في الدر المنثور ٥/ ١٥٤ - ومن طريقه الطبراني (١٠٥٩٦) عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه الحاكم ٢/ ٤١٠، ٤١١، وعنه البيهقي ١/ ٣٥٩، من طريق عبد الرحمن بن مهدى به.\n(^٥) في م: \"بن\".","vol":"18","page":474},{"text":"﴿وَعَشِيًّا﴾: العصرُ، ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾: الظهرُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن الحكمٍ، عن أبى عياض، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه.\nحدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ليث، عن الحكمِ، عن أبى عياضٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾. قال: جمعت الصلواتِ؛ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغربُ والعشاءُ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: صلاةُ الصبحِ، ﴿وَعَشِيًّا﴾: صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: صلاة الظهر (^٢).\n\n<span id=\"aya-3427\"></span>حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا إسحاق بن سليمان الرازيُّ، عن أبي سنانٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغرب والعشاء، ﴿وحين تُصْبِحُونَ﴾: الفجرُ، ﴿وَعَشِيًّا﴾: العصر، ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾: الظهرُ، وكلُّ سجَدة في القرآن فهي صلاةٌ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: الصلاةِ المغربِ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: الصلاة الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾: لصلاةِ العصرِ، ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾: صلاة الظهرِ، أربعُ صلواتٍ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِ اللَّهِ: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة -كما في الدر المنثور ٥/ ١٥٤ - ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط ٢/ ٣٢٢ (٩٣٣) عن ابن إدريس به.\n(^٢) ينظر ما سبق.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن المنذر، وذكره الطوسى ٨/ ٢١٤.\n(^٤) أخرجه البيهقي ١/ ٣٥٩ من طريق سعيد به.","vol":"18","page":475},{"text":"وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾. قال: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾: صلاة المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: صلاةُ الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾: صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾: صلاةُ الظهرِ.\n\n<span id=\"aya-3428\"></span><span data-type='title' id=toc-7133>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: صَلُّوا في هذه الأوقاتِ التي أمركم بالصلاة فيها، أيها الناسُ للَّهِ الذى يُخرج الحيَّ من الميِّتِ؛ وهو الإنسان الحى من الماء الميت، ويُخْرِجُ الماء الميِّتَ من الإنسانِ الحيِّ، ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ فيُنبتُها، ويُخرِجُ زَرْعَها بعدَ خرابها وجدوبها، ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. يقولُ: كما يُحيى الأرض بعدَ موتِها، فيُخرِجُ نباتها وزَرْعَها، كذلك يُحييكم من بعد مماتكم، فيُخرِجُكم أحياءً من قبورِكم، إلى مَوْقِفِ الحسابِ.\nوقد بيَّنا فيما مضى قبل تأويل قوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. وذكرنا اختلاف أهلِ التأويل فيه، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضعِ (^١)، غيرَ أنا نذكُرُ بعضَ ما لم نذكُرْ من الخبرِ هنالِك إن شاءَ اللهُ.\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: يُخْرِجُ من الإنسانِ ماءً مَيِّتًا، فيخلُقُ منه بشرًا، فذلك الميت من الحيِّ، ويُخرِج الحيَّ من الميِّت، فيعنى بذلك أنه يخلُقُ من الماء بشرًا، فذلك الحى من الميِّتِ (^٢).\n_________\n(^١) تقدم في ٥/ ٣٠٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٦ (٣٣٦٣) من طريق السدى عمن حدثه عن ابن عباس بنحوه.","vol":"18","page":476},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن قولَه: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾: المؤمنَ من الكافر، والكافرَ من المؤمن (^١).\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير وأبو معاويةَ، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله: ﴿ويُخرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: النُّطْفَةَ مِنْ (^٢) الرجل مَيِّتةً وهو حتى، ويُخْرِجُ الرجل منها حَيًّا وهي ميتةٌ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3429\"></span><span data-type='title' id=toc-7134>القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ومن حُجَجه على أنه القادِرُ على ما يشاءُ أيها الناسُ، من إنشاء وإفناء، وإيجاد وإعدامٍ، وأن كلَّ موجود فخلقُه- [خَلْقُهُ إِيَّاكم] (^٤) من تراب. يعنى بذلك خَلْقَ آدم [من ترابٍ] (^٥)، فوصَفهم بأنه خلَقهم من ترابٍ، إذ كان ذلك فِعله بأبيهم آدم، كنحوِ الذى قد بينا فيما مضى من خطاب العربِ مَن خَاطَبَتْ بما فعلت بسلفه؛ من قولهم: فعلنا بكم وفعلنا (^٦).\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾. يقولُ: ثم إذا أنتم معشرَ ذُريَّةِ من خلَقناه مِنْ ترابٍ، ﴿بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾. يقولُ: تتصرّفون.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٥/ ٣١٠.\n(^٢) في م: \"ماء\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ٥/ ٣٠٧.\n(^٤) في م: \"خلقة أبيكم\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٦) تقدم في ١/ ٦٤٢.","vol":"18","page":477},{"text":"وبنحوِ الذى قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ﴾: خلق آدم ﷺ مع من ترابٍ، ﴿ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾. يعني ذُريَّتَه (^١).\n\n<span id=\"aya-3430\"></span><span data-type='title' id=toc-7135>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ومِن حُجَجه وأدلته على ذلك أيضًا خَلْقُه لأبيكم آدمَ مِن نفسه زوجةً؛ ليسكُن إليها. وذلك أنه خلق حوّاءَ مِن ضِلَعِ مِن أضلاعِ آدم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾: خلقها لكم مِن ضِلَعِ مِن أضلاعه (^٢).\nوقوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. يقولُ: وجعل بينكم بالمصاهرة والخُتونةِ مودّةً تتوادُّون بها، وتتواصلون من أجلها، ورحمة رحمكم بها، فعطَّف بعضكم بذلك على بعض، ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: إن في فعلِه ذلك لعِبرًا وعظاتٍ لقوم يتفكرون (^٣) في حجج الله وأدلتِه، فيعلمون أنه الإله الذى لا يُعجزه شيء أرادَه، ولا يتعذَّرُ عليه فعلُ شيءٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م: \"يتذكرون\".","vol":"18","page":478},{"text":"شاءَه.\n\n<span id=\"aya-3431\"></span><span data-type='title' id=toc-7136>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالَى ذِكرُه: ومِن حُججِه أيضًا وأدلتِه على أنه لا يُعجزه شيءٌ، وأنَّه إذا شاء أمات من كان حيًّا من خلقه، ثم إذا شاء أنشَره وأعادَه، كما كان قبل إماتتِه إياه - خَلْقُه السماوات والأرضَ مِن غير شيءٍ أحدث ذلك منه، بل بقدرته التي لا يمتنع معها عليه شيءٌ أَرادَه، ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾. يقولُ: واختلافُ منطق ألسنتكم ولغاتها، ﴿وَأَلْوَنكُمْ﴾. يقولُ: واختلافُ ألوان أجسامِكم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾. يقول: إن في فعله ذلك كذلك لعبرًا وأدلةً لخلقه الذين يعقلون أنه لا يُعييه إعادتُهم لهيئتهم التي كانوا بها قبلَ مماتِهم، من بعدِ فنائِهم.\nوقد بيَّنا معنى العالمين فيما مضَى قبلُ (^١).\n\n<span id=\"aya-3432\"></span><span data-type='title' id=toc-7137>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومن حُججِه عليكم، أيُّها القومُ، تقديرُه الساعاتِ والأوقاتِ، ومخالفتُه بينَ الليلِ والنهارِ، فجعل الليل لكم سَكَنا تسكُنون فيه، وتنامون فيه (^٢)، وجعَل النهار مضيئًا لتصرُّفكم في معايشِكم والتماسِكم فيه من رزقِ ربِّكم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: إِنَّ في فعل الله ذلك كذلك، لَعِبرًا وذكرًا (^٣) وأدلةً على أن فاعلَ ذلك لا يُعجزه شيءٌ أَرادَه،\n_________\n(^١) تقدم في ص ٤٠٧.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"وبالنهار\".\n(^٣) في م: \"ذكرى\".","vol":"18","page":479},{"text":"لقوم يسمعون مواعظَ الله، فيتعظون بها ويعتبرون، فيفهمون حجج الله عليهم.\n\n<span id=\"aya-3433\"></span><span data-type='title' id=toc-7138>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ومِن حُجَجه ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا﴾ لكم إذا كنتم سَفْرًا، أن تُمطروا فتتأذَّوا به، ﴿وَطَمَعًا﴾ لكم إذا كنتم في إقامةٍ، أن تُمْطَروا، فتحيوا وتُخْصِبوا، ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاءً﴾. يقولُ: وينزِّلُ مِن السماء مطرًا، فيُحيى بذلك الماءِ الأرض الميتةَ، فتنبت ويخرُجُ زرعُها ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. يعنى: بعد جُدوبِها ودروسها، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾. يقولُ: إن في فعله ذلك كذلك لعبرًا وأدلةً ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ عن اللهِ حججَه وأدلتَه.\nوبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ له قال أهلُ التأويل.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾. قال: خوفًا للمسافرِ، وطمعًا للمقيمِ (^١).\nواختلَف أهلُ العربية في وجهِ سقوطِ \"أن\" في قوله: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرة: لم يذكرْ هاهنا \"أنْ\"؛ لأنَّ هذا يدلُّ على المعنى، وقال الشاعرُ (^٢):\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٣/ ٤٧٥.\n(^٢) تقدم في ٢/ ١٨٩.","vol":"18","page":480},{"text":"ألا أيُّهَذَا الزَّاجِرِى أَحْضُرُ الوَغَى … وأنْ أشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَل أَنْتَ مُخْلِدى\nقال: وقال آخرُ (^١):\nلَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها لَمْ تِيثَمِ (^٢) … يَفْضُلُها في حَسَبٍ وميسَم (^٣)\nوقال: يريدُ: ما في قومِها أحدٌ.\nوقال بعضُ نحويِّي الكوفيين (^٤): إذا أظهرت \"أن\" فهي في موضع رفعٍ؛ كما قال: ﴿وَمِنْ ءَايَاتْهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ﴾، و﴿مَنَامُكُم﴾. فإذا حذفت جُعِلت ﴿مِن﴾ مؤدّية عن اسم متروكٍ، يكون الفعل صلة له (^٥)، كقولِ الشاعرِ (^٦):\nومَا الدَّهْرُ إِلَّا تَارَتانِ فَمِنْهُما … أموتُ وأُخْرَى أَبْتَغى العَيْشَ أَكْدَحُ\nكأنه أراد: فمنهما ساعةٌ أموتُها، وساعة أعيشُها، وكذلك: ومن آياته يُريكم آية للبرقِ (^٧)، وآيةً لكذا. وإن شئتَ أردتَ: ويُريكم من آياتِه البرقَ. فلا تُضْمَرُ \"أنْ\" ولا غيرُه.\nوقال بعضُ مَن أنكر قولَ البصريِّ: إنما ينبغى أن تُحذفَ \"أنْ\" من الموضعِ الذى يدلُّ على حذفِها، فأما في كلِّ موضعٍ فلا، فأما مع: \"أَحْضُرَ الوغى\" (^٨)، فلما\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١. والقائل هو حكيم بن مُعَيةَ الرَّبَعى. والبيت في معانى القرآن للفراء ١/ ٢٧١، والكتاب لسيبويه ٢/ ٣٤٥، وخزانة الأدب ٥/ ٦٢.\n(^٢) أي: تأثم. على لغة بني أسد؛ يكسرون حروف المضارعة إلا الياء للكراهة، تم تحولت الألف بعد تخفيف همزها إلى ياء المناسبة كسرة حروف المضارعة. وينظر خزانة الأدب ٥/ ٦٣.\n(^٣) الحسب: ما يعده الإنسان من مفاخره، وأراد به الشرف النسبى وهو شرف الآباء وأراد بالميسم الشرف الذاتي، فإن الميسم الحسن والجمال، من الوسم وهو الحسن. ا هـ خزانة الأدب ٥/ ٦٤.\n(^٤) معانى القرآن للفراء ٢/ ٣٢٣.\n(^٥) سقط من: م، ت ٢.\n(^٦) هو تميم بن أبي بن مقبل، والبيت في ديوانه ص ٢٤.\n(^٧) في النسخ: \"البرق\". وأثبتناه كالفراء فهذا نص كلامه، وقد قيل بعد: \"وآية لكذا\". فلينتبه.\n(^٨) بعده في ت ٢: \"فلا\".","vol":"18","page":481},{"text":"كان: زجرتُك أن تَقُومَ. و: زجَرتُك لأنْ تَقُومَ. يدلُّ على الاستقبالِ، جاز حذفُ \"أنْ\"؛ لأن الموضعَ معروفٌ، لا يقعُ في كلِّ الكلام، فأما قوله: ومن آياته أنك قائمٌ. و: أنك تقوم. و: أن تقومَ. فهذا الموضعُ لا يُحذف؛ لأنَّه لا يدلُّ على شيء واحدٍ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك: أن \"مِنْ\" في قوله: ﴿وَمِنْ ءَايَاتِهِ﴾، تدلُّ على المحذوفِ، وذلك أنها تأتى بمعنى التبعيض، [وإذا كانت] (^١) كذلك، كان معلومًا أنها تقتضى البعض، فلذلك تَحذِفُ العربُ معها الاسم لدلالتها عليه.\n\n<span id=\"aya-3434\"></span><span data-type='title' id=toc-7139>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ومِن حُججه أيُّها القومُ، على قدرته على ما يشاءُ -قيامُ السماء والأرض بأمره، خضوعا له بالطاعة، بغيرِ عَمَدٍ تُرى، ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾. يقولُ: إذا أنتم تَخْرجون من الأرضِ إذا دعاكم دعوةً، مستجيبين لدعوتِه إياكم.\nوبنحو الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾: قامتا بأمره بغير عمدٍ، ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾. قال: دعاهم فخرجوا من الأرض (^٢).\n_________\n(^١) في ت ٢: \"ولما كان ذلك\".\n(^٢) أخرج ابن أبي الدنيا شطره الثانى في الأهوال (١٠٠) من طريق سعيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"18","page":482},{"text":"حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيد، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِذا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾. يقولُ: مِن الأَرضِ.\n\n<span id=\"aya-3435\"></span><span data-type='title' id=toc-7140>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: وللَّهِ مَنْ في السماواتِ والأَرض؛ مِن مَلَكِ وجنٍّ وإِنسٍ، عبيدٍ ومُلَّكٍ، ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾. يقولُ: كلُّهم (^١) له مطيعون. فيقول قائلٌ: وكيف قيل: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَاِنتُونَ﴾. وقد علِم أن أكثرَ الإنس والجنِّ له عاصون؟ فنقولُ: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فنذكُرُ اختلافهم، ثم تُبَيِّنُ الصوابَ عندَنا في ذلك مِن القولِ؛ فقال بعضُهم: ذلك كلامٌ مَخْرِجُه مَخْرِجُ العموم، والمراد به الخصوص، ومعناه: كلّ له قانتون في الحياة والبقاءِ والموتِ، والفناءِ والبعثِ والنشور، لا يمتنع عليه شيءٌ من ذلك، وإن عصاه بعضُهم في غيرِ ذلك.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس / قولَه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ إلى: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾. يقولُ: مطيعون، يعنى الحياةَ والنشورَ والموتَ، وهم عاصون له فيما سوى ذلك مِن العبادةِ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: كلٌّ له قانتون بإقرارهم بأنه ربهم وخالقُهم.\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"كل\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ٤/ ٣٧٧.","vol":"18","page":483},{"text":"ذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾: مطيعٌ مقرٌّ بأن الله ربُّه وخالقُه (^١).\nوقال آخرون: هو على الخصوصِ، والمعنى: وله مَن في السماواتِ والأرضِ؛ مِن مَلِكٍ وعبدٍ مؤمنٍ للهِ مطيع دونَ غيرِهم.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿كُلُّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾. قال: كلٌّ له مطيعون، المطيعُ: القانتُ. قال: وليس شيءٌ إلا وهو مطيع، إلا ابنَ آدمَ، وكان أحقَّهم أن يكون أطوعَهم لله. وفى قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. قال: هذا في الصلاة، لا تتكلموا في الصلاة كما يتكلمُ أهلُ الكتاب في الصلاةِ. قال: وأهل الكتابِ يمشى بعضُهم إلى بعض في الصلاة. قال: ويتقاتلون (^٢) في الصلاة، فإذا قيل لهم في ذلك، قالوا: لكي تذهب الشحناءُ من قلوبنا، و(^٣) تَسْلَمَ قلوبُ بعضنا لبعضٍ، فقال الله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ لا تزولا كما يزولون، ﴿قَانِتِينَ﴾: لا تتكلَّموا كما يتكلَّمون. قال: فأما ما سِوى هذا كلِّه في القرآنِ مِن القنوتِ، فهو الطاعةُ، إلا هذه الواحدة (^٤).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ القولُ الذي ذكرناه عن ابن عباس، وهو أنَّ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٤/ ٣٧٨.\n(^٢) في م: \"يتقابلون\".\n(^٣) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٠٦ إلى المصنف بمعناه مختصرا.","vol":"18","page":484},{"text":"كلَّ مَن في السماوات والأرض من خلقٍ للَّهِ، مطبع في تصرفه فيما أراد تعالى ذِكرُه من حياةٍ وموتٍ، وما أشبه ذلك، [وإن عصاه فيما [يكتسبه بقواه] (^١)، وفيما له السبيلُ إلى اختياره، وإيثاره على خلافه.\nوإنما قلتُ: ذلك] (^٢) أولى بالصواب في تأويل ذلك؛ لأن العصاة من خلقه فيما لهم السبيلُ إلى اكتسابه كثيرٌ عددُهم، وقد أخبر تعالى ذكرُه عن جميعهم أنهم له قانتون، فغير جائزٍ أن يُخبِرَ عمَّن هو عاصٍ، أنه له قانتٌ فيما هو له عاصٍ. وإذا كان ذلك كذلك، فالذى فيه عاصٍ هو ما وصَفتُ، والذى هو له قانتٌ ما بينتُ.\n\n<span id=\"aya-3436\"></span>وقولُه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذى له هذه الصفاتُ ﵎، هو الذى يبدأُ الخلقَ مِن غير أصل، فينشتُه ويُوجِدُه، بعد أن لم يكن شيئًا، ثم يُفْنيه بعد ذلك، ثم يعيده؛ كما بدأه بعدَ فنائِه، وهو أهونُ عليه.\nاختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وهو هيِّنٌ عليه.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن سعيد العطارُ، عن سفيانَ، عمَّن ذكره، عن منذرٍ الثوريِّ، عن الربيع بن حُثَيْمٍ (^٣): ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. قال: ما شيءٌ عليه بعزيز (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"يكسبه بقوله\".\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) في م، ت ١: \"خيثم\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٧٠.\n(^٤) ذكره الحافظ في التغليق ٣/ ٤٨٦ عن المصنف، وذكره القرطبي ١٤/ ٢١، ٢٢، وابن كثير ٦/ ٣١٨.","vol":"18","page":485},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: كلُّ شيءٍ عليه هينٌ (^١).\nوقال آخرون: معناه: وإعادةُ الخلقِ بعد فنائهم أهون عليه من ابتداء خلقهم.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني علي، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. قال: يقولُ: أيسرُ عليه (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. قال: الإعادة أهونُ عليه من البداءة، والبَداءةُ عليه هينٌ (^٣).\nحدَّثنى ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ قرأ هذا الحرفَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. قال: تعجَّبَ الكفارُ مِن إحياءِ اللَّهِ الموتى. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾: إعادةُ الخَلقِ أهونُ عليه\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٢١، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٣١٨ عن العوفي.\n(^٢) ذكره الحافظ في الفتح ٦/ ٢٨٧، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٣١٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٣٨، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (١٠٦٥). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٥ إلى الفريابي وابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنبارى في المصاحف.","vol":"18","page":486},{"text":"من إبداء الخلقِ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا غندرٌ، عن شعبةَ، عن سماكٍ، عن عكرمة بنحوِه، إلا أنه قال: إعادةُ الخَلْقِ أهون عليه من ابتدائِه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: إعادتُه أهون عليه من بديه، وكلٌّ على الله هينٌ (^٢).\n[وفي بعض القراءةِ: (وكلٌّ على الله هينٌ)] (^٣).\nوقد يحتمل هذا الكلام وجهين غير القولين اللذين ذكرتُ، وهو أن يكون معناه: وهو الذى يبدأُ الخلق ثم يعيده، وهو أهون على الخلقِ. أي إعادة الشيءِ أهون على الخلقِ مِن ابتدائه. والذى ذكرنا عن ابن عباس في الخبر الذي حدَّثني به ابنُ سعدٍ، قول أيضًا له وجهٌ.\nوقد وجَّه غيرُ واحدٍ من أهل العربية قولَ ذي الرُّمةِ (^٤):\nأخى قَفَرَاتٍ دَبَّبَتْ فِي عِظامِه … شُفافاتُ أعْجازِ الكَرَى فهُوَ أَخْضَعُ\nإلى أنه بمعنى: خاضعٌ. وقولَ الآخرِ:\nلَعَمرُكَ إِنَّ الزِّبرقانَ لبَاذِلٌ … لِمَعْرُوفِه عِنْدَ السِّنِينَ وأَفْضَلُ\nكَرِيمٌ لَهُ عَنْ كُلِّ ذَمٍّ تَأْخُرٌ … وفِي كُلِّ أَسْبابِ المَكارِمِ أَوَّلُ\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٢١، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٣١٨. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٥ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف.\n(^٢) ذكره الحافظ في التغليق ٣/ ٤٨٦ عن المصنف.\n(^٣) سقط من: ت ٢. الظاهر أن ذلك في مصحف عبد الله. وينظر البحر المحيط ٧/ ١٦٩.\n(^٤) ديوانه ٢/ ٧٣٦.","vol":"18","page":487},{"text":"إلى أنه بمعنى: وفاضلٌ. وقولَ مَعْنٍ (^١).\nلَعَمْرُكَ ما أَدْرِى وَإِنِّي لَأَوْجَلُ … على أيِّنا تَعْدُو المَنِيَّةُ أَوَّلُ\nإلى أنه بمعنى: وإني لوَجِلٌ. وقول الآخرِ (^٢):\nتَمَنَّى مُرَئُ القَيْسِ مَوْتى وإِنْ أُمُتْ … فتَلكَ سَبِيلٌ لستُ فيها بأَوْحَدِ\nإلى أنه بمعنى: لستُ فيها بواحدٍ. وقول الفرزدق (^٣):\nإنَّ الَّذى سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنا … بَيْتًا دَعائمُهُ أَعَزُّ وأَطْوَلُ\nإلى أنه بمعنى: عزيزةٌ طويلةٌ. قالوا: ومنه قولُهم في الأذانِ: الله أكبرُ. بمعنى: الله كبيرٌ. وقالوا: إنْ قال قائلٌ: إنَّ اللَّهَ لا يُوصَفُ بهذا، وإنما يُوصَفُ به الخلقُ. فزعَم أنه: وهو أهون على الخلق - فإن الحجةَ عليه قولُ اللَّهِ: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠]. وقوله: ﴿وَلَا يَئُوَدُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]: أي لا يُثْقِلُه حفظُهما.\nوقولُه: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾. يقولُ: ولله المثل الأعلى في السماواتِ والأرض، وهو أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ليس كمثله شيء، فذلك المثلُ الأعلى، تعالى ربُّنا وتقدَّسَ.\nوبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس\n_________\n(^١) ديوانه ص ٩٣.\n(^٢) تقدم في ١٦/ ١٦ وصدره هناك: تمنى رجال أن أموت.\n(^٣) ديوانه ص ٧١٤.","vol":"18","page":488},{"text":"قولَه: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ﴾. يقولُ: ليس كمثله شيءٌ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مَثَلُه أنه لا إله إلا هو، ولا ربَّ غيره (^٢).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وهو العزيز في انتقامه من أعدائِه، الحكيمُ في تدبيره خلقَه، وتصريفهم فيما أراد؛ من إحياء وإماتةٍ، وبعث ونشرٍ، وما شاء.\n\n<span id=\"aya-3437\"></span><span data-type='title' id=toc-7141>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: مَثْل لكم أيُّها القومُ ربُّكم مَثَلًا من أنفسكم؛ ﴿هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم﴾. يقولُ: مِن مماليككم ﴿مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ مِن مالٍ، ﴿فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ وهم. يقولُ: فإذا لم ترضّوْا بذلك لأنفسِكم، فكيف رضيتُم أن تكونَ آلهتكم التى تعبدونها لي شركاءَ في عبادتِكم إياى، وأنتم وهم عبيدى ومماليكي، وأنا مالكُ جميعِكم.\nوبنحو الذى قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: عن قتادة قوله: ﴿ضَرَبَ لَكُم\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الاعتقاد ١/ ٤٥ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره البغوى في تفسيره ٦/ ٢٦٨، والطوسى في التبيان ٨/ ٢٢١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٥ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"18","page":489},{"text":"مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾. قال: مثلٌ ضرَبه الله لمن عدّل به شيئًا من خلقه، يقولُ: أكان أحدكم مشاركًا مملوكه في فراشه وزوجته؟! فكذلكم الله لا يرضَى أَن يُعْدِّل به أحدٌ مِن خلقه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾. قال (^٢): تجدُ أحدًا يجعلُ عبده هكذا في ماله؟! فكيف تعمدُ أنت، وأنت تشهَدُ أنهم عبيدى وخَلْقى، وتجعلُ لهم نصيبا في عبادتي، كيف يكونُ هذا؟! قال: وهذا مَثَلٌ ضرَبه الله لهم. وقرَأ: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\nواختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: تخافون هؤلاء الشركاء مما ملكت أيمانكم، أن يرِثُوكم أموالكم من بعد وفاتكم، كما يرِثُ بعضُكم بعضًا.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدِّثت عن حجاجٍ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: في الآلهة، وفيه يقولُ: تخافونهم أن يرِثوكم كما يرِثُ بعضُكم بعضًا (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: تخافون هؤلاء الشركاءَ مما ملَكت أيمانُكم،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٠٢ عن معمر عن قتادة بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم\n(^٢) بعده في م: \"هل\".\n(^٣) ذكره البغوى في تفسيره ٦/ ٢٦٨، والطوسي في التبيان ٨/ ٢٢٢.","vol":"18","page":490},{"text":"أن يقاسموكم أموالَكم، كما يقاسِمُ بعضُكم بعضًا.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمعتُ عمرانَ قال: قال أبو مِجْلَرٍ: إن مملوكَك لا تخافُ أن يقاسمك مالك، وليس له ذلك، كذلك الله لا شريك له.\nوأولى القولين بالصوابِ في تأويل ذلك هذا (^١) القول الثاني؛ لأنَّه أشبهُهما بما دلَّ عليه ظاهرُ الكلامِ، وذلك أنَّ اللهَ جَلَّ ثناؤُه وبَّخ هؤلاء المشركين في (^٢) الذين جعلوا (^٣) له من خلقه آلهةً يعبدونها، وأشركوهم في عبادتهم إياه (^٤)، وهم مع ذلك يُقِرُّون بأنَّها خلقُه وهم عبيدهُ، وعيَّرهم بفعلهم ذلك، فقال لهم: هل لكم من عبيدكم (^٥) شركاء فيما خوَّلناكم من نعمنا، فهم سواءٌ وأنتم في ذلك، تخافون أن يقاسموكم ذلك المالَ الذى هو بينَكم وبينَهم، كخيفة بعضكم بعضًا أن يقاسمه ما بينه وبينَه مِن المال شركةً؟! فالخيفةُ التى ذكرها تعالى ذكرُه بأن تكونَ خيفةً مما يخافُ الشريكُ من مقاسمة شريكه المال الذي بينهما إياه، أشبه من أن تكون خيفةً منه بأن يرِثَه؛ لأن ذكرَ الشركة لا يدلُّ على خيفة الوراثة، وقد يدلُّ على خيفةِ الفراقِ والمقاسمةِ.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه:\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ٢.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"يجعلون\"، وفي ت ٢: \"يجعلوا\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"إياها\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"عبيدي\".","vol":"18","page":491},{"text":"كما بيَّنا لكم أيها القومُ، حججنا في هذه الآياتِ مِن هذه السورة على قدرتنا على ما نشاءُ؛ مِن إنشاء ما نشاء وإفناء ما نحبُّ وإعادةِ ما نريد إعادته بعد فنائه، ودلَّلنا على أنه لا تصلحُ العبادة إلا للواحد القهار، الذى بيده ملكوت كلِّ شيءٍ - كذلك نبين حججنا في كلِّ حقٍّ لقومٍ يعقلون، فيتدبَّرونها إذا سمعوها، ويعتبرون فيتعظون بها.\n\n<span id=\"aya-3438\"></span><span data-type='title' id=toc-7142>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ما ذلك كذلك، ولا أشرَك هؤلاء المشركون في عبادة الله الآلهة والأوثان لأنَّ لهم شركًا فيما رزقهم اللهُ مِن مِلْكِ أيمانهم، فهم وعبيدهم فيه سواءٌ، يخافونهم (^١) أن يقاسِموهم ما هم شركاؤُهم فيه، فرضُوا اللَّهِ مِن أجل ذلك بما رضُوا به لأنفسهم، فأشركوهم في عبادته، ولكن الذين ظلموا أنفسهم فكفَروا باللَّهِ اتبعوا أهواءَهم؛ جهلًا منهم لحق الله عليهم، فأشركوا الآلهة والأوثان في عبادته، ﴿فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾. يقولُ: فمن يُسَدِّدُ للصواب من الطرق؟! يعنى بذلك: مَن يُوَفِّقُ للإسلام مَن أَضلَّ اللَّهُ الاستقامة والرشادِ؟! ﴿وَمَا هُم مِّن نَاصِرِينَ﴾. يقولُ: وما لمن أضلَّ اللَّهُ مِن ناصرين ينصرونه فينقذونه من الضلال الذى يبتليه به تعالى ذكرُه.\n\n<span id=\"aya-3439\"></span><span data-type='title' id=toc-7143>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: فسدِّد وجهَك نحوَ الوجهِ الذى وجَّهك إليه ربُّك\n_________\n(^١) في م: \"يخافون\".","vol":"18","page":492},{"text":"يا محمدُ، لطاعته -وهى الدينُ- ﴿حَنِيفًا﴾. يقول: مستقيمًا لدينه وطاعته، ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. يقولُ: صنعةَ اللهِ التي خلق الناس عليها. ونُصبت ﴿فِطْرَتَ﴾ على المصدرِ من معنى قولِه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾. وذلك أن معنى ذلك: فطَر الله الناس على ذلك فطرةً.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، قال: الإسلامُ، مذْخلَقهم اللَّهُ مِن آدمَ جميعًا يُقِرُّون بذلك. وقرَأ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (^١) وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢]. قال: فهذا قولُ اللهِ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] بعدُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. قال: الإسلامُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونسُ بن أبي صالح (^٣)، عن يزيد بن أبي مريمَ، قال: مرَّ عمرُ بمُعاذ بن جَبَلٍ فقال: ما قوام هذه الأُمَّةِ؟ قال معاذٌ: ثلاثٌ، وهنَّ المنجياتُ: الإخلاص، وهو الفطرةُ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"ذرياتهم\"، وهى قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر. ينظر التيسير ص ٩٤.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٣٩.\n(^٣) في تفسير ابن كثير ٦/ ٣٢٢: \"إسحاق\". والظاهر أنه الصواب. ينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٤٨٨.","vol":"18","page":493},{"text":"عَلَيْها﴾، والصلاةُ، وهى الملةُ، والطاعةُ، وهى العصمةُ. فقال عمرُ: صدقت (^١).\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنى ابنُ عُلَيةَ، قال: ثنا أيوب، عن أبي قِلابةَ، أن عمرَ قال لمعاذٍ: ما قوامُ هذه الأمة؟ ثم ذكر نحوَه (^٢).\nوقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. يقولُ: لا تغيير لدينِ اللهِ. أي لا يصلُحُ ذلك، ولا ينبغى أن يُفْعَلَ.\nواختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم نحو الذي قلنا في ذلك.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. قال: لدينِه (^٣).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، قال: أرسل مجاهدٌ رجلا يقال له: قاسم. إلى عكرمة يسأله عن قولِ اللَّهِ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: إنما هو الدين. وقرأ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن حسين بن واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. قال: الإسلامُ.\nقال: ثنا أبي، عن نضر بن عربيٍّ، عن عكرمةَ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٢٢ نقلًا عن المصنف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٢٣ نقلًا عن المصنف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٣٩. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٥ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٥ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر.","vol":"18","page":494},{"text":"قال: لدينِ اللهِ.\nقال: ثنا أبى، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهدٍ، قال: لدينِ الله (^١).\nقال: ثنا أبي، عن عبدِ الجبارِ بن الوردِ، عن القاسم بن أبي بزَّةَ، قال: قال مجاهد: فسلْ عنها عكرمةَ. فسألته، فقال عكرمةُ: دينُ اللهِ تعالى (^٢)، ما له أخزاه الله، ألم يسمع إلى قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (^٣).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: أي لدينِ اللَّهِ (^٤).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفصُ بن غياثٍ، عن ليثٍ، عن عكرمة، قال: لدينِ اللَّهِ.\nقال: ثنا ابن عيينةَ، عن حُمَيْدِ الأعرجِ، قال: قال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: ﴿لَا تَبَدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. قال: لدينِ اللّهِ (^٥).\nقال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. قال: لدين الله (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٣١، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٢٠، والطوسي في التبيان ٨/ ٢٢٣.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"فقال\".\n(^٣) تقدم في ٧/ ٤٩٥، ٤٩٦ بأتم من هذا.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٥ إلى المصنف.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٥ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"18","page":495},{"text":"لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. قال: دينِ اللَّهِ (^١).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن مسْعَرٍ وسفيانَ، عن قيس بن مسلم، عن إبراهيمَ، قال: ﴿لَا تَبَدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. قال: لدينِ اللَّهِ.\nقال: ثنا أبى، عن جعفر الرازي، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: لدينِ اللهِ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تغييرَ الخلقِ اللَّهِ مِن البهائم، بأن يُخْصَى الفحولُ منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-7144>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فُضَيْل، عن مُطَرِّفٍ، عن رجلٍ، سأَل ابنَ عباسٍ، عن خِصاءِ البهائم، فكرِهه، وقال: ﴿لَا تَبَدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (^٢).\nقال: ثنا ابن عُيَيْنةَ، عن حميد الأعرجِ، قال: قال عكرمة: الإخصاء (^٣).\nقال: ثنا حفص بن غياث، عن ليث، عن مجاهد، قال: الإخصاءُ (^٤).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. يقول تعالى ذكرُه: إِنَّ إقامتك وجهك للدين حنيفا غير مغير ولا مبدَّلٍ هو الدِّينُ القيم، يعنى: المستقيم، الذي لا عِوَجَ فيه عن الاستقامة، من الحنيفية إلى اليهودية والنصرانية وغير ذلك من الضلالات والبدعِ المحدثة.\nوقد وجَّه بعضُهم معنى الدين في هذا الموضعِ إلى الحساب.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٥ إلى المصنف.\n(^٢) الأثر في تفسير مجاهد ص ٥٣٩ من طريق مغيرة به.\n(^٣) تقدم نحوه في ٧/ ٤٩٥، وينظر تفسير القرطبي ١٤/ ٣١.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٤٤٥) من طريق ليث به.","vol":"18","page":496},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7145>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمارةَ، قال: ثنا عبيدُ (^١) اللَّهِ بن موسى، قال: أخبرنا أبو لَيْلَى، عن بُريدةَ: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. قال: الحساب القيمُ، ﴿وَلَكِن أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون أن الدين الذي أمَرتُك يا محمد به بقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾. هو الدين الحقُّ، دونَ سائرِ الأديانِ غيرِه.\n\n<span id=\"aya-3440\"></span><span data-type='title' id=toc-7146>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾: تائبين راجعين إلى الله مقبلين.\nكما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾. قال: المنيبُ إلى اللَّهِ: المطيعُ للَّهِ، الذي أناب إلى طاعةِ اللَّهِ وأمره، ورجع عن الأمور التي كان عليها قبل ذلك؛ كان القومُ كفارًا، فنزَعوا ورجعوا إلى الإسلام (^٢).\nوتأويل الكلام: فأقم وجهَك يا محمد للدين حنيفًا، ﴿مُنيبِينَ إِلَيْهِ﴾: إلى اللَّهِ. فالمنيبون حالٌ مِن الكاف التي في ﴿وَجْهَكَ﴾.\nفإن قال قائل: وكيفَ يكونُ حالا منها، والكاف كنايةٌ عن واحد، والمنيبون صفة لجماعةٍ؟ قيل: لأن الأمر لمنِ (^٣) الكافُ كنايةُ اسمِه مِن اللَّه في هذا الموضعِ، أمرٌ\n_________\n(^١) في م: \"عبد\".\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٣٢٠.\n(^٣) في م: \"من\".","vol":"18","page":497},{"text":"منه له ولأمتِه، فكأنه قيل له: فأقم وجهك أنت وأمتُك للدين حنيفًا لله، منيبين إليه.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وخافوا الله وراقبوه أن تُفرِّطوا في طاعتِه، وتركبوا معصيتهِ، ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: ولا تكونوا من أهل الشرك بالله بتضييعكم، فرائضَه، وركوبكم معاصيه، وخلافكم الدين الذي دعاكم إليه.\n\n<span id=\"aya-3441\"></span>وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾. يقولُ: ولا تكونوا مِن المشركين الذين بدلوا دينهم وخالفوه ففارقوه، ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾. يقولُ: وكانوا أحزابا فِرَقًا كاليهود والنصارى.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7147>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾: وهم اليهودُ والنصارى (^١).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ إلى آخر الآية. قال: هؤلاء يهود.\nفلو وجه قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾. إلى أنه خبر مستأنف منقطعٌ عن قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وأن معناه: من الذين فرَّقوا دِينَهُم وكانُوا شِيَعًا أحزابًا، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ - كان وجهًا يحتمله الكلام.\nوقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. يقولُ: كل طائفة وفرقةٍ مِن هؤلاء\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٨/ ١٠٥.","vol":"18","page":498},{"text":"الذين فارقوا دينهم الحقَّ، فأحدثوا البدع التي أحدثوا، ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. يقولُ: بما هم به متمسكون من المذهب فرحون مسرورون، يحسبون أن الصوابَ معهم دون غيرهم.\n\n<span id=\"aya-3442\"></span><span data-type='title' id=toc-7148>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: وإذا مسَّ هؤلاء المشركين الذين يجعلون مع الله إلهًا آخرَ - ضرٌّ، فأصابتهم شدَّةٌ وجُدوبٌ وقُحوطٌ، ﴿دَعَوْا رَبَّهُم﴾. يقولُ: أخلصوا لربهم التوحيدَ، وأفردوه بالدعاء والتضرع إليه، واستغاثوا به ﴿منِيبِينَ إِلَيْهِ﴾: تائبين إليه من شركهم وكفرهم، ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مَّنْهُ رَحْمَةً﴾. يقولُ: ثم إذا كشف ربُّهم تعالى ذكره عنهم ذلك الضرَّ، وفرَّجه عنهم، وأصابَهم برخاء وخضبٍ وسَعَةٍ؛ ﴿إِذَا فَرِيقٌ مَّنهُم﴾. يقول: إذا جماعة منهم ﴿بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾. يقول: يعبدون معه الآلهة والأوثانَ.\n\n<span id=\"aya-3443\"></span><span data-type='title' id=toc-7149>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره متوعدًا لهؤلاء المشركين الذين أخبر عنهم أنه إذا كشَف الضر كفَروا به: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ بما أعطيناهم (^١). يقول: إذا هم بربهم يشركون، كى يكفروا، أي يجحدوا النعمةَ التي أنعمتها عليهم، بكشفى عنهم الضرَّ الذي كانوا فيه، وإبدالي ذلك لهم بالرخاء والخصبِ والعافية. وذلك الرخاء والسعة هو الذي أتاهم تعالى ذكره، الذي قال: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾. وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾. يقولُ: فتمتعوا أيها القومُ، بالذي آتيناكم من الرخاءِ والسَّعةِ في هذه\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"أعطاهم\".","vol":"18","page":499},{"text":"الدنيا، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا ورَدتُّم على ربِّكم ما تلقون من عذابه، وعظيم عقابه، علي كفركم به في الدنيا. وقد قرأ بعضُهم (^١): (فَسَوْفَ يَعْلَمُون) بالياء، بمعنى: ليكفروا بما آتيناهم، فقد تمتعوا - على وجه الخبر - فسوف يعلمون.\n\n<span id=\"aya-3444\"></span><span data-type='title' id=toc-7151>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: أم أنزلنا على هؤلاء الذين يُشركون في عبادتنا الآلهة والأوثان، كتابًا بتصديق ما يقولون*، وبحقيقة ما يفعلون، ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: فذلك الكتاب ينطقُ بصحة شركهم. وإنما يعنى جلَّ ثناؤه بذلك أنه لم يُنْزِل بما يقولون ويفعلون كتابًا، ولا أرْسَل به رسولا، وإنما هو شيءٌ افتعلوه واختلقوه؛ اتباعًا منهم لأهوائهم.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7150>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: أمْ أنزَلنا عليهم كتابا فهو ينطقُ بشركهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-3445\"></span><span data-type='title' id=toc-7152>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) هو أبو العالية، ينظر البحر المحيط ٧/ ١٧٣.\n*من هنا خرم في المخطوطة ت ٢ ينتهي في ص ٥٠٨.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٢٧٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٦ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"18","page":500},{"text":"يقول تعالى ذكره: وإذا أصاب الناسَ منا خصب ورخاء، وعافية في الأبدان والأموال، فرحوا بذلك، وإن تُصِبهم منا شدَّةٌ من جَدْب وقحط وبلاء في الأموال والأبدان، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. يقولُ: بما أسلفوا من سيِّيء الأعمال بينهم وبين الله، وركبوا من المعاصى، ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾. يقول: إذا هم ييأسون من الفرح. والقنوط هو الإياسُ؛ ومنه قول حميد الأرقط (^١).\nقَدْ وَجَدُوا الحَجَّاج غير قانِطِ\nوقوله: ﴿إذا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾. هو جوابُ الجزاء؛ لأنَّ \"إذا\" نابت عن الفعل بدلالتها عليه، فكأنَّه قيل: وإن تصبهم سيئة بما قدَّمتْ أيديهم وجدتهم يقنطون. أو: تجدهم. أو: رأيتهم. أو: تَرَهم (^٢).\nوقد كان بعض نحويى البصرة (^٣) يقول (^٤): كانت \"إذا\" جوابا؛ لأنها متعلقة (^٥) بالكلام الأوَّلِ، بمنزلة الفاء.\n\n<span id=\"aya-3446\"></span><span data-type='title' id=toc-7153>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: أولم يرَ هؤلاء الذين يفرحون عند الرخاء يُصيبهم والخصبُ، وييأسون من الفرج عند شدَّةٍ تنالهم - بعيون قلوبهم، فيعلموا أنَّ الشدة والرخاء بيد الله، وأنَّ الله يبسُطُ الرزق (^٦) لمن يشاء من عباده فيوسعه عليه،\n_________\n(^١) البيت في مجاز القرآن ٢/ ١٢٢، وجمهرة اللغة ٣/ ١١٥.\n(^٢) في م: \"تراهم\".\n(^٣) هو الخليل بن أحمد. ينظر الكتاب ٣/ ٦٣، ٦٤.\n(^٤) بعده في ص، ت ١: \"إذا\".\n(^٥) في ص، ت ١: \"معلقة\".\n(^٦) في ص، ت ١: \"رزقه\".","vol":"18","page":501},{"text":"ويَقْدِرُ على من أراد فيضيقه عليه؟! ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: إنَّ في بسطه ذلك على من بسطه عليه، وقَدْرِه على من قدره عليه، ومخالفته بينَ مَنْ خالف بينه من عباده في الغنى والفقر - لدلالةً واضحةً لمن صدَّق حججَ اللَّهِ، وأقرَّ بها إذا عاينها ورآها.\n\n<span id=\"aya-3447\"></span><span data-type='title' id=toc-7154>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فأَعْطِ يا محمد ذا القرابة منك حقه عليك من الصلة والبرّ، والمسكين وابن السبيل ما فرض الله لهما في ذلك.\nكما حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن عوف، عن الحسنِ: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. قال: هو أن تُوفِّيهم حقَّهم إن كان عندك يسرٌ، وإن لم يكن عندك فقل لهم قولا ميسورًا؛ قُلْ لهم الخير (^١).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾. يقول تعالى ذكرُه: إيتاءُ هؤلاء حقوقهم التي أَلزمها الله عباده خير للذين يريدون الله بإتيانهم ذلك، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨)﴾. يقولُ: ومَنْ يفعل ذلك مبتغيا وجه الله به، فأولئك هم المنجحون، المدركون طلباتهم عند الله، الفائزون بما ابتغوا والتمسوا بإبتائهم (^٢) إياهم ما آتوا.\n\n<span id=\"aya-3448\"></span><span data-type='title' id=toc-7155>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٣٥.\n(^٢) في ت ١: \"بإتيانهم\".","vol":"18","page":502},{"text":"يقول تعالى ذكره: وما أعطيتم أيها الناسُ بعضُكم بعضا من عطية؛ لتزداد في أموال الناس، برجوع ثوابها إليه، ممن أعطاه ذلك، ﴿فَلَا يَرْبُوا عِندَ اللَّهِ﴾. يقولُ: فلا يزدادُ ذلك عندَ اللَّهِ؛ لأنَّ صاحبَه لم يُعطِه مَنْ أعطاه مبتغيا به وجهَه. ﴿وَمَا آتَيْتُم مَّن ذَكَاةٍ﴾. يقولُ: وما أعطيتم من صدقة تريدون بها وجه الله. ﴿فَأُولَئِكَ﴾، يعنى الذين يتصدَّقُون بأموالهم ملتمسين بذلك وجه الله، ﴿هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾. يقولُ: هم الذين لهم الضِّعفُ من الأجر والثواب. من قول العرب: أصبح القومُ مُسمِنين مُعْطِشين. إذا سمنت إبلهم وعطشتْ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7156>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: هو ما يُعْطى الناسُ بينهم بعضُهم بعضًا، يُعْطى الرجلُ الرجل العطية، يُريدُ أن يُعْطَى أكثرَ منها (^١).\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور بن صفية، عن سعيد بن جبير: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾. قال: هو الرجل يُعْطى الرجل العطية ليثيبه (^٢).\nقال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن منصور ابن صَفِيَّةَ، عن سعيد بن جبيرٍ مثله.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٠٣ من طريق قتادة عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٦ إلى ابن أبي حاتم مطولًا، وينظر تفسير القرطبي ١٤/ ٣٦، وتفسير ابن كثير ٦/ ٣٢٤.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٢٧٣، وينظر تفسير القرطبي ١٤/ ٣٦.","vol":"18","page":503},{"text":"حدثنا ابن وكيع، قال: ثنى أبي، عن سفيان، عن منصور ابن صفية، عن سعيد بن جبير: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: الرجلُ يُعْطِى ليُثاب عليه.\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾. قال: الهدايا.\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنى أبي، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، قال: هي الهدايا.\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾. قال: يُعْطِى مالَه يَبْتَغِي أفضل منه (^١).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن ابن أبي خالد، عن إبراهيم، قال: هو الرجلُ يُهْدِى إلى الرجل الهدية، ليثيبه أفضل منها (^٢).\nقال: ثنا محمد بن حميد المعمريُّ، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: هو الرجلُ يُعْطِى العطية ويُهْدِى الهديةَ؛ ليثابَ أفضل من ذلك، ليس فيه أجرٌ ولا وِزْرٌ (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٣٩، وذكره الحافظ في التغليق ٤/ ٢٧٩ عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٠٤ من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٦ إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٣٦.\n(^٣) ذكره الطوسى في التبيان ٨/ ٢٢٩ عن ابن طاوس عن أبيه، وينظر تفسير القرطبي ١٤/ ٣٦.","vol":"18","page":504},{"text":"حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: ما أَعْطَيْتَ مِن شَيْءٍ تُرِيدُ مَثَابَةَ الدنيا، ومجازاة الناسِ، ذاك الربا الذي لا يَقْبَلُه الله، ولا يَجزِى به (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيد، قال: سَمِعْتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾. فهو ما يَتعاطى الناسُ بينهم ويَتَهادَوْن؛ يُعْطِى الرجل العطية؛ ليُصِيبَ منه أفضل منها، وهذا للناس عامة، وأما قوله: ﴿وَلَا تَمتُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]. فهذا للنبيِّ ﷺ خاصةً، لم يَكُن له أن يُعْطى إلا لله، ولم يَكُنْ يُعْطِى ليُعْطَى أكثرَ منه (^٢).\nوقال آخرون: إنما عُنى بهذا الرجلُ يُعْطِى ماله الرجلَ ليُعِينَه بنفسه، ويَخْدُمَه ويعود عليه نفعُه، لا لطلب أجرٍ من الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-7157>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى ومحمد بنُ فُضَيْلٍ، عن زكريا، عن عامرٍ: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾. قال: هو الرجلُ يَلتزِقُ (^٣) بالرجل، فيَخِفُّ له، ويَخْدُمُه، ويسافر معه، فيَجْعَلُ له ربح بعض ماله؛ ليَجْزِيَه، وإنما أعطاه التماس عونه، ولم يُرِدْ وجه الله (^٤).\nوقال آخرون: هو إعطاء الرجل ماله؛ ليُكثِّرَ به مالَ مَن أعطاه ذلك، لا لطلب\n_________\n(^١) ينظر تفسير البغوي ٦/ ٢٧٣، وتفسير ابن كثير ٦/ ٣٢٤.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٠٤ عن عبد العزيز بن أبى رواد عن الضحاك، وينظر تفسير البغوي ٦/ ٢٧٣، وتفسير ابن كثير ٦/ ٣٢٤.\n(^٣) في ص، م: \"يلزق\". وينظر تفسير البغوي ٦/ ٢٧٣.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٢٧٣ عن الشعبى. وينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٣٢٤.","vol":"18","page":505},{"text":"ثواب الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-7158>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةً، عن أبي حصين، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾. قال: ألم تر إلى الرجل يقولُ للرجلِ: لأمَوِّلَنَّك. فيُعْطِيه، فهذا لا يَرْبو عندَ اللَّهِ؛ لأنَّه يُعْطِيه لغيرِ اللَّهِ، ليُثْرِيَ مالَه (^١).\nقال: ثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الأمليُّ، قال: ثنا مروان بن معاويةَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، قال: سمعتُ إبراهيم النخعيَّ يقولُ في قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: كان هذا في الجاهلية، يُعْطى أحدهم ذا القرابة المال يُكثرُ به ماله (^٢).\nوقال آخرون: ذلك للنبي ﷺ خاصةً، وأما لغيره فحلالٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7159>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيع، ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن ابن (^٣) أبي رَوَّادٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: هذا للنبي ﷺ، هذا الربا الحلالُ (^٤).\nوإنما اخْتَرْنا القولَ الذي اخْتَرْناه في ذلك؛ لأنَّه أظهر معانيه.\n_________\n(^١) ينظر تفسير القرطبي ١٤/ ٣٧.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٢٧٣، وينظر تفسير القرطبي ١٤/ ٣٧.\n(^٣) سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ١٣٦.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٠٤ عن عبد العزيز بن أبي رواد عن الضحاك.","vol":"18","page":506},{"text":"واختَلَفَت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة الكوفة والبصرة وبعضُ أهل مكةَ: ﴿لَيَرْبُوَا﴾. بفتح الياء من \"يربو\"، بمعنى: وما آتَيْتُم مِن ربًا لِيَرْبُوَ ذلك الربا في أموال الناسِ (^١).\nوقرأ ذلك عامة قرأةِ أهل المدينة: (لتُربُوا). بالتاءِ مِن \"تُربو\" وضمِّها، بمعنى: وما آتَيْتُم من ربًا لتُرْبوا أنتم في أموال الناسِ (^٢).\nوالصوابُ مِن القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان مشهورتان في قرأةِ الأمصار، مع تقارب معنيتهما؛ لأن أرباب المال إذا أَرْبَوْا رَبا المالُ، وإذا رَبَا المالُ فبإرباء أربابه إياه ربا. فإذ كان ذلك (^٣)، فبأى القراءتين قرأ القارئ فمصيبٌ.\nوأما قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾. فإِنَّ أهلَ التأويل قالوا في تأويله نحو الذي قلنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-7160>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾. قال: هذا الذي يَقْبَلُه اللَّهُ ويُضْعِفُه لهم عشر أمثالها، وأكثرَ مِن ذلك (^٤).\nحُدِّثْتُ عن عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، قال: قال ابن عباس قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: هي\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. ينظر السبعة ص ٥٠٧.\n(^٢) هي قراءة نافع. السبعة ص ٥٠٧.\n(^٣) بعده في م: \"كذلك\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":507},{"text":"الهبةُ، يَهَبُ الشيءَ، يُرِيدُ أن يُثابَ عليه أفضلَ منه، فذلك الذي لا يربو عندَ اللَّهِ، لا يُؤْجَرُ فيه صاحبه، ولا إثم عليه، ﴿وَمَا آتَيتُم مَّن ذَكَاةٍ﴾. قال: هي الصدقةُ، ﴿تُرِيدُونَ وَجَهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (^١).\nقال معمر: قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثل ذلك (^٢).\n\n<span id=\"aya-3449\"></span><span data-type='title' id=toc-7161>القول في تأويل قوله تعالى*: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره للمشركين به، مُعَرِّفَهم قُبْحَ فعلهم، وخُبثَ صنيعهم: اللَّهُ، أيُّها القومُ، الذي لا تَصْلُحُ العبادةُ إلا له، ولا يَنْبَغى أن تكون لغيرِه، هو الذي خلَقَكم ولم تكونوا شيئًا، ثم رزَقَكم وخؤلكم، ولم تكونوا تَمْلِكون قبل ذلك، ثم هو يُميتكم من بعد أن خلقكم أحياءً، ثم يُحْيِيكم مِن بعدِ مماتِكم لبعثِ القيامة.\nكما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ للبعث بعد الموت (^٣).\nوقوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقول تعالى ذكره: هل من آلهتكم وأوثانكم التي تجعلونهم لله في عبادتكم إياه شركاءَ مَن يَفْعَلُ مِن ذلكم من شيءٍ، فيَخْلُقُ، أو يَرْزُقُ، أو يُميتُ، أو يَنْشُرُ؟ وهذا مِن اللَّهِ\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٠٣، ١٠٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٦ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٠٤.\n(*) إلى هنا ينتهى الخرم الذي في ت ٢ والمشار إلى بدايته في ص ٥٠٠.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١/ ٤٤٦.","vol":"18","page":508},{"text":"تَقْريعٌ لهؤلاء المشركين.\nوإنما معنى الكلام أن شركاءَهم لا تَفْعَلُ شيئًا من ذلك، فكيف يَعْبُدُونَ (^١) مِن دونِ اللَّهِ مَن (^٢) لا يَفْعَلُ شيئًا من ذلك؟!\nثم برَّأ نفسه تعالى ذكره عن الفِرْية التي افتراها هؤلاء المشركون عليه، بزعمِهم أن آلهتَهم له شركاء، فقال جلَّ ثناؤُه: ﴿سُبْحَانَهُ﴾. أي: تنزيهًا للَّهِ وتَبْرِئةً، ﴿وَتَعَالَى﴾. يقولُ: وعُلُوًّا له ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: عن شركِ هؤلاء المشركين به.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7162>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: لا واللهِ، ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، يُسَبِّحُ نفسَه إذ قيل عليه البهتان (^٣).\n\n<span id=\"aya-3450\"></span><span data-type='title' id=toc-7163>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ظَهرَت المعاصى في برِّ الأرضِ وبحرِها بكسب أيدى الناس ما نهاهم الله عنه.\nواختَلَف أهل التأويل في المرادِ مِن قوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرَّ وَالْبَحْرِ﴾؛\n_________\n(^١) في ص، م: \"يعبد\"، وفي ت ١: \"تعبد\".\n(^٢) في ت ٢: \"ما\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٤/ ٦٠٤.","vol":"18","page":509},{"text":"فقال بعضُهم: عُنِى بالبرِّ الفَلَواتُ، وبالبحرِ الأمصار والقرى التي على المياهِ والأنهار.\n\n<span data-type='title' id=toc-7164>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عَثَّامٌ، قال: ثنا النضر بن عربيٍّ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ الآيةَ، قال: إذا ولَّى سعَى بالعداءِ (^١) والظلم، فيَحْبِسُ اللَّهُ بذلك القَطْرَ، فَيُهْلِكُ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. قال: ثم قرَأ مجاهدٌ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرَّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية. قال: ثم قال: أمَا والله ما هو بحرَكم هذا، ولكن كل قريةٍ على ماء جارٍ فهو بحرٌ (^٢).\nحدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن النضر بن عربي، عن عكرمة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. قال: أما إنى لا أقولُ بحرُكم هذا، ولكن كل قريةٍ على ماءٍ جارٍ (^٣).\nقال (^٤): ثنا يزيد بن هارونَ، عن عمرو بن فَرُّوحَ، عن حبيب بن الزبير، عن عكرمة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. قال: إن العرب تُسَمِّى الأمصارَ بحرًا (^٥).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي\n_________\n(^١) في م: \"بالتعدى\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ٣/ ٥٨٣.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٣٢٥.\n(^٤) سقط من: ت ١.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وينظر تفسير البغوي ٦/ ٢٧٤.","vol":"18","page":510},{"text":"البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾. قال: هذا قبل أن يَبْعَثَ اللَّهُ نبيه محمدا ﷺ، امتلأت (^١) ضلالة وظلما، فلما بعث الله نبيه رجع راجعون من الناس (^٢).\nقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾؛ أما البر فأهل العمود (^٣)، وأما البحرُ فأهل القرى والريف.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ظَهَرَ الفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. قال: الذنوبُ. وقرأ: ﴿لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسن في قوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ﴾. قال: أَفْسَدَهم الله بذنوبهم، في بحر الأرض وبرِّها، بأعمالهم الخبيثة (^٤).\nوقال آخرون: بل عُنى بالبَرِّ ظَهْرُ الأَرض؛ الأمصار وغيرها، وبالبحر البحرُ المعروف.\n\n<span data-type='title' id=toc-7165>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. قال: في البر: ابن آدم الذي قتل أخاه، وفي البحر: الذي\n_________\n(^١) بعده في تفسير البغوي: \"الأرض\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٠٤ عن معمر عن قتادة مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم، وينظر التبيان ٨/ ٢٣١.\n(^٣) العماد والعمود: الخشبة التي يقوم عليها البيت، وقال الليث: يقال لأصحاب الأخبية الذين لا ينزلون غيرها: هم أهل محمود وأهل عماد. ينظر اللسان (ع م د).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٣/ ٥٠٢ من طريق قرة به.","vol":"18","page":511},{"text":"كان يَأْخُذُ كل سفينةٍ غَصْبًا (^١).\nحدثني يعقوب، قال: قال أبو بشر، يعنى ابنَ عُلَيَّةَ، قال: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي نجيح يقولُ في قوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾.\nقال: بقتل ابن آدم، والذي كان يَأْخُذُ كلَّ سفينة غصبًا.\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارونَ، عن فُضَيْلِ بن مرزوق، عن عطيةَ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. قال: قلتُ: هذا البرُّ، والبحرُ أي فسادٍ فيه؟ قال: فقال: إذا قل المطرُ، قلَّ الغَوْصُ (^٢).\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرَّ﴾. قال: قتلُ ابن آدمَ أخاه، ﴿وَالْبَحْرِ﴾. قال: أخذُ الملِكِ السفنَ غَصْبًا (^٣).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أنَّ الله تعالى ذكرُه أَخبر أنَّ الفساد قد ظهَر في البرِّ والبحرِ. والبرُّ (^٤) عند العرب (^٥): الأرضُ القفارُ، والبحر بحران؛ بحرٌ مِلْحٌ، وبحرٌ عَذْبٌ، وهما جميعًا عندهم بحرٌ، ولم يَخْصُص جلَّ ثناؤه الخبرَ عن ظهورِ ذلك في بحر دون بحر، فذلك على ما وقع عليه اسم بحرٍ؛ عذبًا كان أو مِلْحًا. وإذا كان (^٦) كذلك، دخل القرى التي على الأنهار والبحار.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٩/ ٣٦٤ عن وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٦، ١٥٧ إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"العوض\". والأثر ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٤٠، وينظر تفسير البغوي ٦/ ٢٧٤.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٣٩.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) بعده في م: \"في\".\n(^٦) بعده في م: \"ذلك\".","vol":"18","page":512},{"text":"فتأويلُ الكلام إذن إذ كان الأمر كما وصفتُ: ظهرت معاصى اللهِ في كلِّ مكانٍ؛ من برٍّ وبحر ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾، أي: بذنوبِ الناسِ، وانْتَشَر الظلم فيهما (^١).\nوقوله: ﴿لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: ليُصيبهم بعقوبةِ بعضِ أعمالهم التي عملوا، ومعصيتهم التي عَصَوْا، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. يقولُ: كي يُنيبوا إلى الحقِّ، ويرجعوا إلى التوبة، ويتركوا معاصيَ الله.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7166>ذكر من قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن أشعثَ، عن الحسنِ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. قال: يتوبون.\nقال: ثنا ابن مهديٍّ، عن سفيان، عن السديِّ، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله: ﴿لَعَلَّهُم يَرْجِعُونَ﴾: يوم بدرٍ، لعلهم يتوبون (^٢).\nقال: ثنا أبو أسامة، عن، زائدةَ، من منصور، عن إبراهيمَ: ﴿لَعَلَّهُمْ يرْجِعُونَ﴾. قال: إلى الحقِّ (^٣).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: لعلَّ راجعًا أنه يرجِع، لعلَّ تائبًا أنْ يتوبَ، لعلَّ مستعتِبًا أَنْ يَسْتَعتِبَ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"فيها\".\n(^٢) أخرجه الحاكم ٤/ ٢٥٣ من طريق سفيان به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٥٣، ٥٥٤ عن أبي أسامة به.","vol":"18","page":513},{"text":"حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرةُ، عن الحسنِ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. قال: يرجعُ مَنْ بعدهم (^١).\nواختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿لِيُذِيقَهُم﴾، فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصارِ: ﴿لِيُذِيقَهُم﴾. بالياء، بمعنى: ليذيقَهم الله بعض الذي عملوا (^٢). وذُكِرَ أنَّ أبا عبدِ الرحمنِ السُّلَميَّ قرأ ذلك بالنونِ على وجه الخبرِ من الله عن نفسه بذلك (^٣).\n\n<span id=\"aya-3451\"></span><span data-type='title' id=toc-7167>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله من قومك: سيروا في البلاد، فانْظُروا إلى مساكن الذين كفروا باللَّهِ مِن قبلكم وكذَّبوا رسلَه، كيف كان آخرُ أمرهم، وعاقبة تكذيبهم رسل الله وكفرهم، ألم نُهْلِكهم بعذابٍ منَّا، ونَجْعَلهم عبرةً لمن بعدهم؟ ﴿كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ﴾. يقولُ: فَعَلْنا ذلك بهم؛ لأنَّ أكثرهم كانوا مشركين باللَّهِ مثلهم.\n\n<span id=\"aya-3452\"></span><span data-type='title' id=toc-7168>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: فوجِّهْ وجهك يا محمد نحو الوجه الذي وجهك إليه ربُّكَ، ﴿لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾: لطاعةِ ربِّك والملة المستقيمة التي لا اعوجاج فيها عن الحقِّ، ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾. يقول تعالى ذكره: من قبل مجيءِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٣/ ٥٠٢ من طريق قرة به.\n(^٢) هي قراءة نافع وأبى عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. ينظر السبعة ص ٥٠٧.\n(^٣) ينظر البحر المحيط ٧/ ١٧٦. وهى أيضا قراءة ابن كثير. السبعة ص ٥٠٧.","vol":"18","page":514},{"text":"يوم (^١) من أيام الله، لا مرد (^٢) لمجيئه؛ لأن الله قد قضى بمجيئِه، فهو لا محالة جاءٍ. ﴿يَوْمَيذٍ يَصَدَّعُونَ﴾. يقولُ: يومَ يَجِيءُ ذلك اليومُ يَصَّدَّعُ الناسُ. يقولُ: يَتَفَرَّقُ الناسُ فرقتين - من قولهم: صدَعْتُ الغنم صِدْعَتَيْن (^٣). إذا فرقتها فرقتين - فريقٌ في الجنةِ، وفريقٌ في السعيرِ (^٤).\nوبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7169>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدَّينِ الْقَيمِ﴾: الإسلام، ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾؛ فريقٌ في الجنةِ، وفريق في السعيرِ (^٥).\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَئذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾. [يقولُ: يَتَفَرَّقون (^٦).\nحدثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾] (^٧). قال: يَتَفَرَّقون؛ إلى الجنة وإلى النار (^٨).\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"من الله\".\n(^٢) بعده في ص، م: \"له\".\n(^٣) في ت ١: \"فرقتين\".\n(^٤) ينظر معاني القرآن ٢/ ٣٢٥.\n(^٥) ذكره الطوسى في تفسيره ٨/ ٢٣٢، ٢٣٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٧٩، والإتقان للسيوطى ٢/ ٢٦ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٧ إلى ابن المنذر.\n(^٧) سقط من: ت ٢.\n(^٨) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٧ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"18","page":515},{"text":"<span id=\"aya-3453\"></span><span data-type='title' id=toc-7171>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: مَن كفر بالله فعليه أوزارُ كفرِه، وأنام جحوده نِعَمَ ربِّه، ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾. يقولُ: ومَن أطاعَ اللَّهَ، فعمل بما أمره به في الدنيا، وانتهى عما نهاه عنه فيها؛ ﴿فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾. يقولُ: فلأنفسهم يَسْتَعِدُّون، ويُسَرُّون المضجع؛ ليَسْلَموا من عقابِ ربِّهم، ويَنْجُوا مِن عذابِه؛ كما قال الشاعر (^١):\nامْهَدْ لنفسك حانَ السُّقْمُ والتَّلَفُ … ولا تُضِيعَنَّ نفسا ما لها خَلَفُ\nوبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7170>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ (^٢)، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾. قال: يُسَؤُّون المضاجع (^٣).\nحدثنا ابن المثنى والحسين (^٤) بن يزيدَ الطَّحَّانُ وابن وكيع وأبو عبدِ الرحمنِ العلائيُّ، قالوا: ثنا يحيى بن سُلَيم الطائفيُّ، عن بنُ سُلَيْم الطائفى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾. قال: في القبرِ (^٥).\n_________\n(^١) هو سليمان بن يزيد العدوى. والبيت منسوب إليه في مجاز القرآن ٢/ ١٢٤.\n(^٢) بعده في ت ٢: \"جميعا\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٤٠، وأخرجه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٧٩ - عن ورقاء به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٧ إلى ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(^٤) في ت ١: \"الحسن\". وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٥٠١.\n(^٥) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٣/ ٢٩٧، والبيهقى في عذاب القبر (١٥٥) من طريق يحيى بن سليم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٧ إلى ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وابن المنذر.","vol":"18","page":516},{"text":"حدثنا إبراهيم بن سعيد الجَوْهَريُّ، قال: ثنا يحيى بن سُلَيْمٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾. قال: للقبرِ.\nحدثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى بن سُلَيْمٍ، قال: ثنا ابن أبي نَجيحٍ، قال: سمعت مجاهدًا يقولُ في قوله: ﴿فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾. قال: في القبرِ.\n\n<span id=\"aya-3454\"></span><span data-type='title' id=toc-7172>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٤٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾؛ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِاللَّهِ ورسوله، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: وعملوا بما أَمَرَهم الله - ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ الذي وعَد من أطاعه في الدنيا أن يَجْزِيَه يوم القيامة، ﴿إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: إنما خص بجزائِه من فضله الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ دونَ مَن كفَر بالله؛ إنه لا يُحِبُّ أهل الكفر به. واسْتأنف الخبر بقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾، وفيه المعنى الذي وصفتُ.\n\n<span id=\"aya-3455\"></span><span data-type='title' id=toc-7173>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ومن أدلته على وحدانيته، وحججه عليكم على أنه إلهُ كلِّ شيءٍ - ﴿أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ بالغَيْثِ والرحمة، ﴿وَلِيُذِيقَكُم من رَحْمَتِهِ﴾. يقولُ: ولِيُنَزِّلَ عليكم من رحمتِه - وهى الغيثُ الذي يُحْيى به البلاد - ولِتَجْرِيَ السفنُ في البحار بها بأمره إياها، ﴿وَلَتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾. يقولُ: ولِتَلْتَمِسوا من أرزاقه ومَعايشِكم التي قسمَها بينكم، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: ولِتَشْكُرُوا","vol":"18","page":517},{"text":"ربَّكم على ذلك (^١)؛ أرْسَل هذه الرياح مُبَشِّراتٍ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7174>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾. قال: بالمطر (^٢).\nوقالوا في قوله: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، مثل الذي قلنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7175>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. قال: المطرِ (^٢).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾: المطرِ.\n\n<span id=\"aya-3456\"></span><span data-type='title' id=toc-7176>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره مُسَلِّيًّا نبيَّه محمدا ﷺ، فيما يَلْقى من قومِه مِن الأذى\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"الذي\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٤٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٧ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"18","page":518},{"text":"فيه، بما لَقِى مَنْ قبله من رسله من قومهم، ومعلِّمَه (^١) سُنتَه فيهم وفي قومهم، وأنَّه سالكٌ به وبقومه سنته فيهم وفى أممِهم: ولقد أرسلنا يا محمد من قبلك رسلا إلى قومهم الكفرة، كما أرسلناك إلى قومك العابدى الأوثان من دونِ الله، ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، يعني: بالواضحات من الحُجَجِ على صدقهم وأنهم للَّهِ رسلٌ، كما جئتَ أنت قومك بالبينات، فكذبوهم كما كذبك قومُك، وردُّوا عليهم ما جاءوهم به من عندِ اللهِ، كما ردُّوا عليك ما جئتَهم به من عندِ ربِّكَ، ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾. [يقولُ: فانتقمنا من الذين أَجْرموا] (^٢) الآثامَ، واكتسبوا السيئات من قومهم، ونحن فاعلو ذلك كذلك بمجرمي قومك، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: ونجَّيْنا الذين آمنوا بالله وصدقوا رسلَه، إذ جاءهم بأسُنا، وكذلك نفعلُ بك وبمن آمن بك من قومك، وكان حقا علينا نصرُ المؤمنين على الكافرين، ونحن ناصروك ومن آمن بك على مَنْ كفَر بك، ومُظْفِرُوك (^٣) بهم.\n\n<span id=\"aya-3457\"></span><span data-type='title' id=toc-7177>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: الله يرسل الرياح ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾. يقولُ: فتُنشئُ الرياحُ سحابًا. وهي جمع سحابةٍ، ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. يقولُ: فيَنشُره اللَّهُ، ويَجمَعُه في السماء كيف يشاءُ. وقال: ﴿فَيَبْسُطُه﴾. فوحَّد الهاءَ،\n_________\n(^١) في ت ٢: \"معلمهم\".\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"مظفرك\".","vol":"18","page":519},{"text":"وأَخْرَجها (^١) مُخرَجَ كناية المذكرِ، والسحابُ جمع كما وصفت، ردًّا على لفظِ السحابِ، لا على معناه، كما يقال: هذا تمرٌ جيدٌ.\nوبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿فَيَبْسُطُهُ﴾. قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7178>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (^٢): يجمَعُه (^٣).\nوقوله: ﴿وَيَجْعَلهُ كِسَفًا﴾. يقولُ: ويجعل السحابَ قِطعًا متفرِّقةً.\nكما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾. أي: قطعًا (^٣).\nوقوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾. يعنى: المطرَ، ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾، يعني: من بين السحاب.\nكما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾.\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن فِطْرٍ (^٤)، عن حبيب، عن عبيد بن عميرٍ: ﴿يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾. [قال: الرياحُ أربعٌ؛ يبعث الله ريحًا، فتَقُمُّ الأرض قَمًّا، ثم يبعث الريحَ الثانية فتثير سحابًا] (^٥)، فيجعله في السماءِ كِسَفًا، ثم يَبْعثُ الريحَ\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"أخرج\".\n(^٢) بعده في م: \"و\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم، وذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٦٠٢ وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) في النسخ: \"قطن\". وقد تقدم على الصواب في ١٧/ ٣٣٥.\n(^٥) سقط من: ت ٢.","vol":"18","page":520},{"text":"الثالثةَ، فتؤلِّفُ بينَه فيجعله ركامًا، ثم يَبْعَثُ الريحَ الرابعة فتُمطِرُ (^١).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾. قال: القَطْرَ (^٢).\nوقوله: ﴿فَإذا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. يقولُ: فإذا صرَف ذلك الودْقَ إلى أرض مَنْ أراد صرْفَه إلى أرضه من خلقه، رأيتهم يَستبشرون بأنَّه صرف ذلك إليهم، ويفرحون.\n\n<span id=\"aya-3458\"></span><span data-type='title' id=toc-7179>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: و(^٣) كان هؤلاء الذين أصابهم الله بهذا الغيثِ من عباده، من قبل أنْ يُنَزَّلَ عليهم هذا الغيث، من قبل هذا الغيثِ - ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾. يقولُ: المُكتئبين حزِنين (^٤) باحتباسه عنهم.\nكما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مَّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾. أي: قانطين.\nواختلف أهل العربية في وجه تكرير ﴿من قَبْلِهِ﴾، وقد تقدم قبل ذلك قوله: ﴿مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرة (^٥): ردَّ ﴿من قَبْلِهِ﴾\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٧/ ٣٣٥، ٣٣٦.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٤٠، وأخرجه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٧٩ - عن ورقاء به.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"إن\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"حزينين\".\n(^٥) هو الأخفش. ينظر البحر المحيط ٧/ ١٧٨.","vol":"18","page":521},{"text":"على التوكيدِ، نحو قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠]. وقال غيره (^١): ليس ذلك كذلك؛ لأن مع: ﴿مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم﴾ حرفًا ليس مع الثانيةِ. قال: فكأنه قال: من قبل التنزيل، من قبل المطر. فقد اختلفتا، وأما: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾، وُكِّد بأجمعين؛ لأن \"كلًّا\"، يكونُ اسمًا ويكون توكيدا، وهو قوله: ﴿أَجْمَعُونَ﴾.\nوالقولُ عندى في قوله: ﴿من قَبْلِهِ﴾: على وجه التوكيد.\n\n<span id=\"aya-3459\"></span><span data-type='title' id=toc-7180>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾.</span>\nاختلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأة أهلِ المدينة والبصرة وبعضُ الكوفيين: (إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ). على التوحيد، بمعنى: فانظر يا محمد، إلى أثر الغيثِ الذي أصاب اللَّهُ به مَنْ أصاب من عبادِه، كيف يُحْيى ذلك الغيثُ الأرضَ من بعد موتها (^٢). وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفةِ: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾. على الجِمَاعِ، بمعنى: فانظر إلى آثار الغيثِ الذي أصاب الله به مَنْ أصاب، كيف يُحيى الله الأرضَ بعد موتها (^٣).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك: أنهما قراءتان مشهورتان في قَرَأةِ الأمصارِ، متقاربتا المعنى؛ وذلك أنَّ الله إذا أحيا الأرضَ بغيث أنزله عليها، فإنَّ الغيثَ أحياها بإحياء الله إياها به، وإذا أحياها الغيثُ، فإن الله هو المحيى به، فبأيِّ القراءتين قرأ\n_________\n(^١) هو قطرب. المصدر السابق ٧/ ١٧٩.\n(^٢) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم في رواية أبي بكر. السبعة ص ٥٠٨.\n(^٣) هي قراءة حمزة والكسائى وحفص عن عاصم. المصدر السابق، الموضع السابق.","vol":"18","page":522},{"text":"القارئ فمصيبٌ.\nفتأويل الكلام إذن: فانظرْ يا محمد، إلى آثارِ الغيثِ الذي يُنَزِّلُ اللَّهُ من السحابِ، كيف يُحيى الله به الأرضَ الميتةَ، فيُنبتُها ويُعشِبُها، من بعد موتها ودثورها.\n﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾. يقولُ جلَّ ذكره: إن الذي يُحيى هذه الأرضَ بعد موتها بهذا الغيثِ، لَمُحيي الموتى من بعد موتهم، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾، مع قدرته على إحياء الموتى، ﴿قَدِيرٌ﴾، لا يعزُّ عليه شيءٌ أراده، ولا يمتنع عليه فعلُ شيءٍ شاءه، سبحانَه.\n\n<span id=\"aya-3460\"></span><span data-type='title' id=toc-7181>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)﴾.</span>\nيَكْفُرُونَ الله يقول تعالى ذكره: ولئن أرسَلْنا ريحًا، مفسدةً ما أنبته الغيثُ الذي أنزلناه من السماء، فرأى هؤلاء الذين أصابهم الله بذلك الغيث الذي (^١) حَبِيتْ (^٢) به أَرَضُوهم، وأعشَبَتْ ونبَتتْ به زروعُهم - ما أنبتَتْه أَرَضوهم بذلك الغيث من الزرعِ مُصْفَرًّا، قد فسَد بتلك الريح التي أرسلناها، فصار من بعدِ خُضْرته مصفرًّا؛ لظلُّوا من بعدِ استبشارهم وفرحهم به، يكفرون بربِّهم.\n\n<span id=\"aya-3461\"></span><span data-type='title' id=toc-7182>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"حتى\".\n(^٢) في ت ١: \"أحييت\".","vol":"18","page":523},{"text":"يقولُ تعالى ذكره: ﴿فَإِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾. يقولُ: لا تجعلُ لهم أسماعًا يفهمون بها عنك ما تقولُ لهم. وإنما هذا مثلٌ، ومعناه: فإنك لا تقدِرُ أن تُفهِمَ هؤلاء المشركين الذين قد ختَم الله على أسماعهم، فسلبهم فَهْمَ ما يُتلى عليهم من مواعظِ تنزيلِه، كما لا تَقدِرُ أن تُفهِمَ الموتى الذين [قد سلَبهم الله أسماعَهم، بأن تجعلَ لهم أسماعًا.\nوقوله: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾. يقولُ: وكما لا تَقدرُ أَنْ تُسمِعَ الصُّمَّ - الذين] (^١) قد سُلِبوا السمعَ - الدعاءَ، إذا هم وَلَّوا عنك مُدْبرين، كذلك لا تَقِدرُ أنْ تُوفِّقَ هؤلاء الذين قد سلبهم اللَّهُ فَهُمَ آيَاتِ كتابه، لسماعِ ذلك وفهمه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7183>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾: هذا مَثَلٌ ضرَبه الله للكافر، فكما لا يَسمَعُ الميتُ الدعاءَ، كذلك لا يَسمَعُ الكافرُ، ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَوْا مُدْبِرِينَ﴾. يقولُ: لو أَنَّ أَصمَّ ولَّى مُدبرًا ثم ناديته لم يَسمَعْ، كذلك الكافرُ لا يَسْمَعُ ولا يَنتفِعُ بما يَسْمَعُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3462\"></span>وقوله: ﴿وَمَا أَنتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما أنت يا محمدُ، بمسدِّدِ من أعماه الله عن الاستقامةِ، ومَحَجة الحقِّ، فلم يُوفِّقه لإصابةِ\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٢١ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١١٤، ١١٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"18","page":524},{"text":"الرشدِ، فصارِفِه عن ضلالته التي هو عليها، وركوبِه الجائرَ من الطرق، إلى سبيل (^١) الرشادِ. يقولُ: ليس ذلك بيدك ولا إليك، ولا يقدر على ذلك أحدٌ غيرى؛ لأنى القادرُ على كلِّ شيءٍ. وقيل: ﴿بِهَادِ الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ﴾. [ولم يُقل: من ضلالتهم] (^٢). لأن معنى الكلام ما وَصَفْتُ، من أنه: وما أنت بصارفهم عنه. فحُمِل على المعنى، ولو قيل: من ضلالتهم. كان صوابًا، وكان معناه: ما أنت بمانعهم من ضلالتهم.\nوقوله: ﴿إن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾. يقول تعالى ذكره لنبيه: ما تُسْمِعُ السماعَ الذي ينتفِعُ به سامعُه فيعقِلَه، إلا من يؤمنُ بآياتنا؛ لأن الذي يُؤْمِنُ بِآيَاتِنا إذا سمع كتابَ الله، تدبَّره وفهمه وعقَله، وعمل بما فيه، وانتهى إلى حدودِ اللهِ التي حدَّ فيه، فهو الذي يَسمَعُ السماع النافعَ.\nوقوله: ﴿فَهُم مُسْلِمُونَ﴾. يقولُ: فهم خاضعون لله بطاعته، متذلِّلون لمواعظ كتابه.\n\n<span id=\"aya-3463\"></span><span data-type='title' id=toc-7184>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لهؤلاء المكذِّبين بالبعث من مشركي قريش، محتجًّا عليهم بأنه القادرُ على ذلك، وعلى ما يشاءُ: ﴿الَّذِى خَلَقَكُم﴾ أَيُّهَا النَّاسُ، ﴿من ضَعْفٍ﴾. يقولُ: من نُطْفَةٍ وماءٍ مَهِينٍ، فأنشأكم بَشَرًا سَوِيًّا، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"سبل\".\n(^٢) سقط من: ت ٢.","vol":"18","page":525},{"text":"ضَعْفٍ قُوَّةً﴾. يقولُ: ثم جعَل لكم قوَّةً على التصرُّفِ، من بعدِ خلقِه إياكم من ضَعْفٍ، ومن بعدِ ضعفِكم بالصغرِ والطفولةِ، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾. يقولُ: ثم أحدَث لكم الضعفَ بالهَرَمِ والكبرِ عما كنتم عليه أقوياءَ في شبابِكم، وشيبةً.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7185>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾. أي: مِن نُطْفَةٍ، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾: الهَرَمَ، ﴿وَشَيْبَةً﴾: الشَّمَطَ (^١).\nوقولُه: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يَخلُقُ مَا يَشَاءُ مِن ضَعْفٍ وقُوَّةٍ وشبابٍ وشَيْبٍ، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بتَدْبيرِ خلقِه، ﴿الْقَدِيرُ﴾ على ما يشاءُ، لا يَمتنِعُ عليه شيءٌ أرادَه، فكما فعَل هذه الأشياءَ، فكذلك يُميتُ خلقَه ويُحْيِيهم إذا شاء. يقولُ: واعلَموا أن الذي فعَل هذه الأفعالَ بقُدْرته يُحيى الموتى إذا شاء.\n\n<span id=\"aya-3464\"></span><span data-type='title' id=toc-7186>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ تجيءُ ساعةُ البعثِ، فيُبْعَثُ الخلقُ مِن قبورِهم ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾، وهم الذين كانوا يكفُرون بالله في الدنيا، ويكتسِبون فيها الآثامَ، وإقسامُهم: حَلِفُهم باللهِ. ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾. يقولُ: يُقْسِمون بأنهم لم يَلْبَثُوا في قبورِهم غيرَ ساعةٍ واحدةٍ. يقولُ الله جلَّ ثناؤُه: ﴿كَذَلِكَ﴾ في\n_________\n(^١) الشمط: بياض شعر الرأس يخالط سواده. اللسان (ش م ط). والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٨ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"18","page":526},{"text":"الدنيا ﴿كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ: كَذَبوا في قيلِهم وقَسَمِهم: ما لَبِثْنا غيرَ ساعةٍ.\nكما كانوا في الدنيا يَكْذِبون ويَحْلِفون على الكذبِ وهم يعلَمون.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7187>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾. أي: يكذِبون في الدنيا. وإنما يعنى بقولِه: ﴿يُؤْفَكُونَ﴾: عن الصدقِ، ويُصَدُّون عنه إلى الكذبِ (^١).\n\n<span id=\"aya-3465\"></span><span data-type='title' id=toc-7188>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦)﴾.</span>\nكان قتادةُ يقولُ: هذا مِن المُقَدَّمِ الذي معناه التأخيرُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾. قال: هذا مِن مَقاديمِ الكلامِ، وتأويلُها: وقال الذين أُوتوا الإيمانَ والعلمَ: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (^٢).\nوذُكر عن ابن جُرَيجٍ أنه كان يقولُ: معنى ذلك: وقال الذين أوتُوا العلمَ بكتابِ الله، والإيمانَ بالله وكتابهِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ينظر تفسير البغوي ٦/ ٢٧٨، والقرطبي ١٤/ ٤٨. والكلام فيهما على غير ما ذكر المصنف إذ فيهما: وفي الكلام تقديم وتأخير؛ أي: وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله والإيمان لقد لبثتم.","vol":"18","page":527},{"text":"وقولُه: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. يقولُ: فيما كتَب الله مما سبَق في علمِه أنكم تَلْبَثونه (^١). ﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾. يقولُ: فهذا يومُ يُبْعَثُ الناسُ مِن قبورِهم، ﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. [يقولُ: ولكنكم كنتم لا تعلمون] (^٢) في الدنيا أنه يكونُ، وأنكم مبعوثون مِن بعدِ الموت، فلذلك كنتم تكذِّبون.\n\n<span id=\"aya-3466\"></span><span data-type='title' id=toc-7189>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فيومَ يُبْعَثون مِن قبورِهم ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾. يعنى المُكذِّبين بالبعثِ في الدنيا، ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾: وهو قولُهم: ما علِمْنا أنه يكونُ، ولا أنَّا نُبْعَثُ. ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾. يقولُ: ولا هؤلاء الظُّلَمةُ يُسْتَرْجَعون يومَئذٍ عما كانوا يكذِّبون به في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-3467\"></span><span data-type='title' id=toc-7190>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد مَثَّلْنا للناسِ في هذا القرآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ؛ احتجاجًا عليهم، وتَنْبيهًا لهم على وحدانيةِ الله. وقولُه: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾. يقولُ: ولئن (^٣) جئتَ يا محمدُ، هؤلاء القومَ ﴿بِآيَةٍ﴾. يقولُ: بدَلالةٍ على صدقِ ما تقولُ - ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾. [يقولُ: ليَقولَنَّ الذين جحَدوا رسالتَك، وأنكَروا نُبُوَّتَك: إن أنتم أيُّها المُصَدِّقون محمدًا فيما أتاكم به ﴿إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾] (٢) فيما تَجيِئوننا به مِن هذه الأمورِ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"تكتبونه\".\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) في ت ٢: \"لو\".","vol":"18","page":528},{"text":"<span id=\"aya-3468\"></span><span data-type='title' id=toc-7191>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: كذلك يختِمُ اللهُ على قلوبِ الذين لا يعلَمون حقيقةَ ما تأتيهم به يا محمدُ، مِن عندِ اللَّهِ، مِن هذه العِبَر والعظاتِ، والآياتِ البَيِّنَاتِ، فلا يفقَهون عن اللَّهِ حُجَّةً (^١)، ولا يفهَمون عنه ما يَتْلُو عليهم مِن آى كتابه، فهم لذلك في طُغْيانِهم يَتَردُّدون.\n\n<span id=\"aya-3469\"></span><span data-type='title' id=toc-7192>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فاصبرْ يا محمدُ، لِما ينالُك من أَذاهم، وبلِّغْهم رسالةَ ربِّك، فإن وعد الله الذي وعَدك، مِن النصِر عليهم، والظَّفَرِ بهم، وتَمْكينِك وتمكينِ أصحابِك وتُبَّاعِك في الأرض - حقٌّ، ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾. يقولُ: ولا يَسْتَخِفَّنَّ حِلْمَك ورأيك هؤلاء المشركون بالله، الذين لا يوقنون بالمعاد، ولا يصدِّقون بالبعث بعد المماتِ، فيثَبِّطوك عن أمر الله، والنفوذ لما كلَّفك من تبليغهم رسالته.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سعيد بن جبيرٍ، عن عليّ بن ربيعةً، أن رجلًا من الخوارج قرأ خلفَ عليٍّ، ﵁: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]. فقال عليٌّ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾.\n_________\n(^١) في ت ١: \"حججه\".","vol":"18","page":529},{"text":"قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شَرِيكٍ، عن عثمان بن أبي زُرْعَةَ، عن عليٍّ بن (^١) ربيعة، قال: نادى رجلٌ مِن الخوارج عليًّا، ﵁، وهو في صلاة الفجرِ فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فأجابه عليٌّ، ﵁، وهو في الصلاةِ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾. قال: قال رجلٌ من الخوارج خلف عليٍّ في صلاةِ الغَداة: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فأنْصَتَ له عليٌّ، ﵁، حتى فهم ما قال، فأجابه وهو في الصلاةِ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (^٣).\nآخر تفسير سورة \"الروم\"\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"أبى\".\n(^٢) نقله ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٣٢ عن المصنف.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٣٢ عن سعيد به، وعزاه إلى المصنف ابن أبي حاتم.","vol":"18","page":530},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7193>تفسير سورة لقمان</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-3470\"></span><span data-type='title' id=toc-7194>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ </span>(٤)﴾.\nوقد تقدَّم بيانُنا تأويل قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿الم﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-3471\"></span>وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾. يقول جل ثناؤه: هذه آياتُ الكتاب الحكيم بيانًا وتفصيلًا.\n\n<span id=\"aya-3472\"></span>وقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾. يقولُ: هذه آياتُ الكتاب بيانًا ورحمةً من اللهِ، رَحِم به مَن اتَّبعه، وعمل به من خلقه.\nوبنصب الهدى والرحمة على القطع من آياتِ الكتاب قرأت قرأة الأمصار غير حمزة، فإنه قرأ ذلك رفعًا على وجه الاستئناف، إذ كان منقطعًا عن الآية التي قبله؛ بأنه ابتداء آيةٍ، وأنه مدحٌ (^٢). والعرب تفعل ذلك فيما (^٣) كان من نعوتِ المعارف وقع موقع الحال، إذا كان فيه معنى مَدْحٍ أو ذَمٍّ.\nوكلتا القراءتين صوابٌ عندى، وإن كنتُ إلى النصب أَمْيَلُ؛ لكثرة القرأة به.\nوقوله: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾. وهم الذين أحسنوا في العمل بما أنزل الله في هذا\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٠٤ - ٢٢٧.\n(^٢) ينظر السبعة ص ٥١٢.\n(^٣) في ص، م: \"مما\".","vol":"18","page":531},{"text":"<span id=\"aya-3473\"></span>﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ القرآن (^١)، يقول تعالى ذكرُه: هذا الكتاب الحكيمُ هدًى ورحمة للذين أحسنوا، فعملوا بما فيه من أمرِ اللهِ ونَهْيِه، ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾. يقولُ: الذين يُقيمون الصَّلاةَ المفروضة بحدودها، ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ مَنْ جَعَلها الله له، المفروضة في أموالهم، ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. يقولُ: يفعلون (^٢) ذلك، وهم بجزاء الله وثوابه لِمَنْ فعل ذلك في الآخرة يُوقنون.\n\n<span id=\"aya-3474\"></span><span data-type='title' id=toc-7195>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين وصَفْتُ صفتهم على بيانٍ مِن رَبِّهم ونورٍ، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: وهؤلاء هم المنجحون المدركون ما رَجَوا وأَمَّلوا من ثوابِ رَبِّهم يومَ القيامةِ.\n\n<span id=\"aya-3475\"></span><span data-type='title' id=toc-7196>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦)﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويل في تأويل قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾؛ فقال بعضُهم: مَن يشتَرى الشِّراء المعروف بالثمن، ورَوَوْا بذلك خبرًا عن رسول الله ﷺ، وهو ما حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن خَلَّادٍ الصَّفَّارِ، عن عبيدِ اللَّهِ بن زَحْرٍ، عن عليِّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يَحِلُّ بَيْعُ المُغَنِّيَّاتِ، ولا شِراؤُهُنَّ، ولا التِّجارَةُ فِيهِنَّ، ولا أثمانُهُنَّ، وفيهنَّ نزلت هذه الآيةُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"وقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾.\n(^٢) في ت ٢: \"يعقلون\".","vol":"18","page":532},{"text":"الْحَدِيثِ﴾ \" (^١).\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنى أبى، عن خَلَّادٍ الصَّفَّارِ، عن عبيدِ اللَّهِ بن زَحْرٍ، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامةَ، عن النبي ﷺ بنحوه، إلا أنه قال: \"أَكُلُ ثَمَنِهِنَّ حَرَامٌ\". وقال أيضًا: \"وفيهنَّ أَنْزَلَ اللهُ على هذه الآيَةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ \".\nحدَّثى عبيد بن آدم بن أبى إياسٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا سليمانُ بن حيَّانَ، عن عمرو بن قيس الكُلابيِّ، عن أبي المهلَّبِ، عن عبيدِ اللَّهِ بن زَحْرٍ، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة. قال: وثنا إسماعيل بن عياشٍ، عن مُطَرِّحِ بن يزيد، عن عُبيدِ اللهِ بن زَحْرٍ، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة الباهليِّ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: \"لا يحِلُّ تَعْليمُ المُغَنِّيَاتِ، ولا يَيْعُهُنَّ ولا شراؤُهُنَّ، وثمَنْهُنَّ حَرامٌ، وقَدْ نَزَل تَصْدِيقُ ذلك في كتابِ اللهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. إلى آخر الآية\" (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: مَن يختارُ لهو الحديثِ ويَستحِبُّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7197>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٥٢٥ (الميمنية)، والطبرانى (٧٨٦٢)، والبيهقى ٦/ ١٤، ١٥ من طريق وكيع به، وأخرجه الحميدى (٩١٠)، والترمذى (١٢٨٢، ٣١٩٥)، وابن أبي الدنيا في ذم الملاهى (٢٤) - ومن طريقه ابن الجوزى في العلل المتناهية ٢/ ٢٩٨ - والطبرانى (٧٧٥٥)، والبيهقى ٦/ ١٤، والواحدى في أسباب النزول ص ٢٦٠، والبغوى في تفسيره ٦/ ٢٨٤ من طريق عبيد الله بن زحر به، وأخرجه ابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعى ٣/ ٦٨ من طريق على بن يزيد به، وأخرجه الطبراني أيضًا (٧٧٥٣)، وابن عدي في الكامل ٦/ ٢٣١٥ من طريق القاسم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٩ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم. وسقط من عند الحميدى وابن أبي الدنيا وابن الجوزي ذكر على بن يزيد.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢١٦٨) من طريق أبى المهلب عن عبيد الله عن أبي أمامة.","vol":"18","page":533},{"text":"يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: والله لعله أن لا يُنفِقَ فيه مالًا؛ ولكن اشتراؤُه استحبابُه، بِحَسْبِ المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحقِّ، وما يضُرُّ على ما ينفَعُ (^١).\nحدَّثني محمد بن خلف العسقلانيُّ، قال: ثنا أيوب بن سويدٍ، قال: ثنا ابن شَوذَب، عن مَطَرٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. قال: اشتراؤُه: استحبابه (^٢).\nوأوْلَى التأويلين عندى بالصواب تأويلُ مَن قال: معناه الشراء الذي هو بالثَّمَنِ، وذلك أن ذلك هو أظهرُ معنَيَيْه.\nفإن قال قائلٌ: وكيف يشترى لهو الحديث؟ قيل: يشترى ذات لهو الحديث، أو ذا لهو الحديثِ، فيكونُ مشتَريًا لهو الحديثِ.\nوأما الحديثُ، فإن أهل التأويل اختلفوا فيه؛ فقال بعضهم: هو الغناءُ والاستماعُ له.\n\n<span data-type='title' id=toc-7198>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يزيدُ بنُ يونس، عن أبي صخرٍ، عن أبي معاوية البجليِّ، عن سعيد بن جُبَيرٍ، عن أبي الصَّهْبَاءِ البكريِّ، أنه سمع عبد الله بن مسعودٍ وهو يُسأَلُ عن هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. فقال عبدُ اللَّهِ:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٠٥ عن معمر عن قتادة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٥٣ وفيه: مطرف.","vol":"18","page":534},{"text":"الغناءُ والذي لا إله إلا هو. يُردِّدُها ثلاثَ مرَّاتٍ (^١).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا صفوانُ بن عيسى، قال: أخبرنا حميدٌ الخراطُ. عن عمارٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن أبي الصَّهباء، أنه سأل ابن مسعودٍ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. قال: الغناء (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عليُّ بن عابسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. قال: الغِناءُ.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عمران بن عيينة، قال: ثنا عطاءُ بن السائب، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. قال: الغناء وأشباهه (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيع والفضلُ بن الصبَّاح، قالا: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. قال: هو الغناءُ ونحوُه (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامُ بنُ سَلمٍ، عن عمرو بن أبي قيسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ مثله.\nحدَّثنا الحسينُ بن عبد الرحمن الأنماطيُّ، قال: ثنا عبيد الله، قال: ثنا ابن أبي\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٣٣ عن المصنف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٣٤ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهى (٢٦)، والحاكم ٢/ ٤١١، والبيهقى ١٠/ ٢٢٣، وفى الشعب (٥٠٩٦) من طريق صفوان به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣٠٩ - ومن طريقه ابن حزم في المحلى ٩/ ٧٠٨، ٧٠٩ من طريق حميد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٩ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه البخارى في الأدب المفرد (٧٨٦، ١٢٦٥)، وابن أبي الدنيا في ذم الملاهى (٢٧)، والبيهقى ١٠/ ٢٢٣ من طريق عطاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٩ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣١٠ - ومن طريقه ابن حزم في المحلى ٩/ ٧٠٩ - من طريق محمد بن فضيل به.","vol":"18","page":535},{"text":"ليلى، عن الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس، قال: هو الغناءُ والاستماع له. يعنى قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾.\nحدَّثنا الحسنُ بن عبد الرحيم، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا سفيانُ، عن قابوسَ بن أبي ظَبْيان، عن أبيه، عن جابر في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. قال: هو الغناء والاستماع له.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم أو (^١) مقسمٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: شراء المغنِّية (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ والمحاربيُّ، عن ليثٍ، عن الحكم، عن ابن عباسٍ، قال: الغناءُ.\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: باطِلُ الحديث؛ هو الغناء ونحوه (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، عن مجاهد: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. قال: الغِناءُ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ وعبد الرحمن بن مهديٍّ، عن شُعبةَ، عن الحكم، عن مجاهدٍ، أنه قال في هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. قال: الغِناءُ.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"و\"، وفى ت ٣: \"عن\". وينظر الأثر قبل السابق، وترجمة الحكم في تهذيب الكمال ٧/ ١١٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣٠٩ - ومن طريقه ابن حزم في المحلى ٩/ ٧٠٩ - عن وكيع، عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٩ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٩ إلى الفريابى وابن مردويه.","vol":"18","page":536},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن حبيب، عن مجاهد، قال: الغناءُ (^١).\nقال: ثنا أبى، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهدٍ مثله (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيان، عن عبد الكريم، عن مجاهدٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. قال: هو الغناء، وكلُّ لَعِبٍ لهوٌ (^٢).\nحدَّثنا الحسينُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأنماطيُّ، قال: ثنا عليُّ بن حفصٍ الهَمْدانيُّ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. قال: الغناءُ، والاستماعُ له، وكُلُّ لهوٍ.\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. قال: المغنِّى والمغنِّيةُ بالمال الكثير، أو استماعٌ إليه أو إلى مثله من الباطل (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ وابن وكيعٍ قالا: ثنا ابن عليةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. قال: هو الغناءُ، أو الغناءُ منه، أو الاستماع له (^٤).\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٢٣٨، وأخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣١٠، وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (١٣) عن وكيع به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"ولهو\"، والأثر في تفسير سفيان ص ٢٣٨، وعنه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٠٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٩ إلى الفريابى وسعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٤١، ومن طريقه البيهقى ١٠/ ٢٢٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٠ إلى المصنف وآدم بن أبى إياس.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣٠٩ عن ابن علية به، وأخرجه الفراء في معاني القرآن ٢/ ٣٢٧ من طريق ليث به.","vol":"18","page":537},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عَثّامُ بنُ عليٍّ، عن إسماعيل بن أبى خالدٍ، عن شعيبِ بن يسارٍ، عن عكرمةَ، قال: لهوُ الحديث: الغناءُ (^١).\nحدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّاريُّ، قال: ثنا عَثّامٌ، عن إسماعيل بن أبى خالدٍ، عن شُعيب بن يسارٍ: هكذا قال عكرمةُ، عن عبيدٍ مثله.\nحدَّثنا الحسنُ (^٢) بن الزِّبرقان النخعيُّ، قال: ثنا أبو أسامة وعبيد الله، عن أسامة، عن عكرمة في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. قال: الغناءُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أسامة بن زيدٍ، عن عكرمة، قال: الغناء (^٣).\nوقال آخرون: عنى باللهو الطَّبل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7199>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجٌ الأعورُ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: اللهوُ: الطبلُ (^٤).\nوقال آخرون: عنى بلهو الحديث الشركَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7200>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣١٠ - ومن طريقه ابن حزم في المحلى ٩/ ٧٠٩ - من طريق إسماعيل به السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٩ إلى ابن أبي الدنيا.\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"الحسين\"، وفى ت ٢: \"عبيد\"، وتقدم على الصواب في ١/ ٧١٤، ٧١٧. وينظر الجرح والتعديل ٣/ ١٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣١٠ عن وكيع به.\n(^٤) ذكره البغوي ٦/ ٢٨٥ من قول ابن جريج.","vol":"18","page":538},{"text":"الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾: يعنى الشرك (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾. قال: هؤلاء أهلُ الكفر، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾، فليس هكذا أهلُ الإسلام. قال: وناسٌ يقولون: هي فيكم. وليس كذلك. قال: وهو (^٢) الحديثُ الباطلٌ الذي كانوا يلغُون فيه (^٣).\nوالصواب من القول في ذلك أن يقال: عنى به كلَّ ما كان من الحديثِ مُلْهيًا عن سبيل الله، مما نهى الله عن استماعه أو رسولُه؛ لأن الله تعالى ذكرُه عَمَّ بقوله: ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، ولم يخصص بعضًا دونَ بعضٍ، فذلك على عمومه، حتى يأتي ما يدلُّ على خصوصه، والغناء والشركُ من ذلك.\nوقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ليصُدَّ ذلك الذي يَشترِى مِن لهوِ الحديث عن دين الله وطاعته، وما يقرِّبُ إليه؛ من قراءة قرآنٍ، وذكرِ اللهِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7201>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: سبيلُ اللَّهِ: قراءةُ القرآنِ،\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٢٨٥، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٣٤.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"أهل\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٣٤ مختصرًا.","vol":"18","page":539},{"text":"وذكر الله إذا ذكره، وهو رجلٌ من قريشٍ اشتَرى جاريةً مُغَنِّيةً (^١).\nوقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. يقولُ: فعل ما فعل من اشترائه لهوَ الحديثِ، جهلًا منه بما له في العاقبة عندَ اللهِ من وِزْرِ ذلك وإثْمِه.\nوقوله: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾. اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأة المدينة والبصرة، وبعضُ أهل الكوفة: (ويَتَّخِذُها) رفعًا (^٢)، عطفًا به على قوله: ﴿يَشْتَرِي﴾، كأن معناه عندهم: ومن الناس من يشترى لهوَ الحديثِ، ويتَّخِذُ آيات الله هزوًا. وقرأَ ذلك عامةُ قرأة الكوفة: ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ نصبًا (^٣)؛ عطفًا على \"يُضِلَّ\"، بمعنى: ليُضِلَّ عن سبيل الله، وليتخِذَها هُزُوًا.\nوالصوابُ من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قرأة الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصواب في قراءته.\nوالهاءُ والألفُ في قوله: ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ من ذكرِ ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-7202>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾. قال: سبيلُ اللَّهِ (^٤).\nوقال آخرون: بل ذلك من ذكر آيات الكتاب.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٠٩ إلى المصنف والفريابى وابن مردويه.\n(^٢) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبى بكر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥١٢.\n(^٣) هي قراءة حمزة والكسائى وحفص عن عاصم. المصدر السابق.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٤١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٨، ١٥٩ إلى الفريابى وابن المنذر وابن أبى حاتم.","vol":"18","page":540},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: بحَسْبِ المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديثِ الحقِّ، وما يضرُّ على ما ينفَعُ (^١).\n﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾: يستهزِئُ بها ويكذِّبُ بها. وهما من أن يكونا من ذكرِ سَبِيلِ الله أشبه عندى؛ لقُربهما منها، وإن كان القولُ الآخرُ غير بعيدٍ من الصواب. واتخاذُه ذلك هُزُوًا هو استهزاؤُه به.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفنا أنهم يشترون لهو الحديث ليُضِلُّوا عن سبيل الله، لهم يومَ القيامةِ عذابٌ مُذِلٌّ مُخْزٍ في نَارِ جَهَنَّمَ.\n\n<span id=\"aya-3476\"></span><span data-type='title' id=toc-7203>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وإذا تُتلى على هذا الذي اشترى لهو الحديث للإضلال عن سبيل الله، آيات كتابِ اللهِ، فقُرِئت عليه، ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾. يقولُ: أدبر عنها (^٢)، و[أغرض استكبارًا] (^٣) عن سماع الحقِّ والإجابة عنه، كأن لم يسمعها، ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾. يقولُ: ثِقْلًا، فلا يُطِيقُ من أجلِه سماعه.\nكما حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾. قال: ثِقلًا (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٣٤.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"عنه\".\n(^٣) في ص، ت ٢: \"أعرض استكبار وأعرض\"، وفى م: \"استكبر استكبارا وأعرض\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٤١.","vol":"18","page":541},{"text":"وقوله: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبَشِّرْ هذا المعرِضَ عن آياتِ اللَّهِ إذا تُلِيَتْ عليه استكبارًا - بعذابٍ له من الله يومَ القيامةِ مُوجع، وذلك عذاب النار.\n\n<span id=\"aya-3477\"></span><span data-type='title' id=toc-7204>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله فوحَّدُوه، وصدَّقوا رسوله واتَّبعوه، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: فأطاعوا الله، فعملوا بما أمرهم في كتابه وعلى لسان رسوله، وانتهوا عما نهاهم عنه، ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾. يقول: لهؤلاء بساتين النعيم.\n\n<span id=\"aya-3478\"></span>﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقول: ماكثين فيها إلى غير نهاية، ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾. يقولُ: وعدهم الله وغدًا حقًّا، لا شكَّ فيه، ولا خُلْفٌ له، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾. يقولُ: وهو الشديدُ في انتقامه من أهل الشرك به، والصادِّين عن سبيله، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبير خلقه.\n\n<span id=\"aya-3479\"></span><span data-type='title' id=toc-7205>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ومن حكمته أنه خلق السماوات السبع ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. وقد ذكرتُ فيما مضى اختلاف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، وبيَّنا الصواب من القول في ذلك عندنا (^١).\nوقد حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا معاذُ بن معاذٍ، عن عمران بن حديرٍ، عن\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٣/ ٤٠٨.","vol":"18","page":542},{"text":"عكرمة، عن ابن عباسٍ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال: لعلَّها بِعَمَدٍ لا تَروْنَها (^١).\nوقال: ثنا العلاء بنُ عبدِ الجبارِ، عن حماد بن سلمة، عن حميدٍ، عن الحسن بن مسلمٍ، عن مجاهد، قال: إنها بعمَدٍ لا تَرَوْنَها (^٢).\nقال: ثنا يحيى بنُ آدم، عن شَرِيكٍ، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لعلَّها بعمدٍ لا تَروْنَها (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدٌ، عن سماكٍ، عن عكرمة في هذا الحرف: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال: تَرَونَها بغير عمدٍ، وهى بعَمَدٍ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال: قال الحسن وقتادةُ: إنها بغير عمدٍ تَرَوْنَها، ليس لها عمدٌ (^٥). وقال ابن عباسٍ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال: لها عمَدٌ لا تَروْنَها.\nوقوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾. يقولُ: وجعل على ظهرِ الأرض رواسي، وهى ثوابتُ الجبالِ، ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾: أن لا تميد بكم. يقولُ: أن لا تضطرب بكم، ولا تتحرَّك يمنةً ولا يسرةً، ولكن تستقرُّ بكم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾: أي: جبالًا، ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾: أثبتها بالجبال، ولولا ذلك ما\n_________\n(^١) تقدم في ١٣/ ٤٠٨، ٤٠٩.\n(^٢) تقدم في ١٣/ ٤٠٩.\n(^٣) تقدم في ١٣/ ٤١٠.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٣٥.\n(^٥) تقدم قول قتادة وحده في ١٣/ ٤١١.","vol":"18","page":543},{"text":"أقرَّت عليها خَلْقًا (^١).\nوذلك كما قال الراجِزُ (^٢).\nوالمُهرُ يَأْتِي أَنْ يَزَالَ مُلْهِبَا\nبمعنى: لا يزالُ.\n\nوقولُه: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾. يقولُ: وفرَّق في الأرضِ من كلِّ أنواعِ الدوابِّ. وقيل: الدوابُّ اسمٌ لكلِّ ما أكَل وشرِب. وهو عندِى لكلِّ ما دَبَّ على الأرضِ.\nوقولُه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنزلنا من السماءِ مطرًا، فأنبتنا بذلك المطرِ في الأرضِ ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾. يعني: من كلِّ نوعٍ من النباتِ، ﴿كَرِيمٍ﴾، وهو الحَسَنُ النِّبْتةِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾. أي: حسَن (^٣).\n\n<span id=\"aya-3480\"></span><span data-type='title' id=toc-7206>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي عَدَّدتُ عليكم أيها الناسُ أنى خلَقْتُه في هذه الآيةِ، ﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾ الذي له أُلوهةُ كلِّ شيءٍ، وعبادةُ كلِّ خَلْقٍ، الذي لا تصلُحُ العبادةُ لغيرِه، ولا تنبَغِى لشيءٍ سواه، ﴿فَأَرُونِي﴾ أيها المشركون في عبادتِكم إياه\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٤/ ٣٣، ٣٤ مطولًا.\n(^٢) الرجز في معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٢٧ غير منسوب.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٧/ ١٢٠، ١٩/ ٦٣.","vol":"18","page":544},{"text":"مَنْ دونَه مِن الآلهةِ والأوثانِ، أيَّ شيءٍ خلَق الذين مِن دونِه من آلهتِكم وأصنامِكم، حتى استَحَقَّت عليكم العبادةُ فعبَدتُموها من دونِه، كما استحَقَّ ذلك عليكم خالِقُكم وخالقُ هذه الأشياءِ التي عدَّدتُها عليكم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7207>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾: ما ذكَر من خلْقِ السماواتِ والأرضِ، وما بثَّ من الدوابِّ، وما أنبَت من كلِّ زوجٍ كريمٍ، ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: الأصنامُ الذين تدعون من دونِه (^١).\nوقولُه: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ تعالَى ذكرُه: ما عبَد هؤلاءِ المشركون الأوثانَ والأصنامَ من أجلِ أنها تخلُقُ شيئًا، ولكنهم دعاهم إلى عبادتِها ضَلالُهم، وذَهابُهم عن سبيلِ الحقِّ، فهم ﴿فِي ضَلَالٍ﴾. يقولُ: فهم في جَوْرٍ عن الحقِّ، وذَهابٍ عن الاستقامةِ، ﴿مُبِينٍ﴾. يقولُ: يُبِينُ لَمَنْ تأَمَّلَه، ونظَر فيه، وفكَّر بعَقْلٍ، أنه ضلالٌ لا هدًى.\n\n<span id=\"aya-3481\"></span><span data-type='title' id=toc-7208>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقْد آتينا لقمانَ الفقهَ في الدينِ، والعقلَ، والإصابةَ في القولِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"18","page":545},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7209>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾. قال: الفقهَ والعقلَ والإصابةَ في القولِ، من غيرِ نُبوَّةٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾. أي: الفقهَ في الإسلامِ. قال قَتادةُ: ولم يكُنْ نبيًّا، ولم يُوْحَ إليه (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا يونُسُ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾. قال: الحكمةُ: الصوابُ (^٣). وقال غيرُ أبى بشرٍ: الصوابُ، في غيرِ النبوَّةِ.\nحدَّثنا ابن المثنى، ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، أنه قال: كان لقمانُ رجلًا صالحًا، ولم يكُنْ نبيًّا (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٤١، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٠٥، وأحمد في الزهد ص ٤٨، ٤٩ من طريق آخر عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦١ إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٣٨، والحافظ في الفتح ٦/ ٤٦٦ عن سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦١ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٥/ ١٠.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٣٦، وابن حجر في الفتح ٦/ ٤٦٦ عن شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٢ إلى المصنف.","vol":"18","page":546},{"text":"حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ وابنُ حميدٍ، قالا: ثنا حَكّامٌ، عن سعيدٍ الزُّبَيْدِيِّ، عن مجاهدٍ، قال: كان لقمانُ الحكيمُ عبدًا حَبشيًّا، غليظَ الشَّفَتَيْنِ، مُصفَّحَ (^١) القدمَيْنِ، قاضيًا على بني إسرائيلَ (^٢).\nحدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرمليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، قال: كان لقمانُ عبدًا أسودَ، عظيمَ الشفتَيْنِ، مُشقَّقَ القَدَمَيْنِ (^٣).\nحدَّثني عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، قال: ثني يحيى بنُ سعيدٍ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ المسيِّبِ يقولُ: كان لقمانُ الحكيمُ أسودَ من سودانِ مصرَ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أشعثَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان لقمانُ عبدًا حبشيًّا (^٥).\nحدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرنا أبى، قال: ثنا الأوزاعيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ حَرْملَةَ، قال: جاء أسودُ إلى سعيدِ بن المسيِّبِ يسأَلُ، فقال له سعيدٌ: لا تحزَنْ من أجلِ أنك أسودُ، فإنه كان مِن خيرِ الناسِ ثلاثةٌ من السودانِ؛ بلالٌ، ومِهْجَعٌ مولَى عمرَ بن الخطابِ، ولُقمانُ الحكيمُ، كان أسودَ نوبيًّا ذا\n_________\n(^١) تصفيح الشيء: جعله عريضًا، ومنه قولهم: رجل مصفح الرأس. أي: عريضها. اللسان (ص ف ح).\n(^٢) أخرجه أحمد في الزهد ص ٤٨ عن حكام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٢١٣ عن يحيى به.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٣٦، والحافظ في الفتح ٦/ ٤٦٦ عن يحيى بن سعيد به، وعزاه الحافظ إلى المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه الثورى في تفسيره - كما في الفتح ٦/ ٤٦٦، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٣٦ عن الثوري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٠ إلى ابن أبي الدنيا في المملوكين وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"18","page":547},{"text":"مَشافِرَ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي الأشهَبِ، عن خالدٍ الرَّبَعِيِّ، قال: كان لقمانُ عبدًا حبشيًّا نجَّارًا، فقال له مَوْلَاه: اذبَحْ لنا هذه الشاةَ. فذبَحها، قال: أخرِجْ أطيبَ مُضْغَتَين فيها. فأخرَج اللسانَ والقلْبَ، ثم مكَث ما شاء الله، ثم قال: اذبَحْ لنا هذه الشاةَ. فذبَحها، فقال: أخرِجْ أخبَثَ مُضْغَتَين فيها. فأخرَج اللسانَ والقلْبَ، فقال له مَوْلاه: أَمَرْتُك أن تُخْرِجَ أطيبَ مُضْعَتين فيها فأخرَجْتَهما، وأمرْتُك أن تُخرِجَ أَخبَثَ مُضْعَتين فيها فأخرَجْتَهما! فقال له لقمانُ: إنه ليس من شيءٍ أطيبَ منهما إذا طابا، ولا أخبَثَ منهما إذا خبُثا (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكَمُ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، قال: كان لقمانُ عبدًا أسودَ، غليظَ الشفتَين، مُصفَّحَ القدمَينِ، فأتاه رجُلٌ وهو في مجلِسِ أُناسٍ يُحدِّثُهم، فقال له: ألسْتَ الذي كنتَ ترْعَى معى الغنمَ في مكانِ كذا وكذا؟ قال: نعَم. قال: فما بلَغ بك ما أرى؟ قال: صِدْقُ الحديثِ، والصَّمْتُ عما لا يَعْنِيني (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾. قال: القرآنَ (^٤).\n_________\n(^١) المِشْفَر والمَشفَر للبعير كالشفة للإنسان، وقد يقال: للإنسان مشافر، على الاستعارة. اللسان (ش ف ر). والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٣٦ عن الأوزاعى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦١ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٣٦ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٣/ ١٢٤، وأحمد في الزهد ص ٤٩، من طريق أبي الأشهب به.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٣٧ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (١١٦، ٦٧٥) من طريق أبي شهاب عن عمرو بن قيس.\n(^٤) ينظر تفسير مجاهد ص ٢٤٥.","vol":"18","page":548},{"text":"قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الحكمةُ الأمانةُ.\nوقال آخرون: كان نبيًّا.\n\n<span data-type='title' id=toc-7210>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ، قال: كان لقمانُ نبيًّا (^١).\nوقولُه: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد آتينا لقمانَ الحكمةَ، أنِ احمَدِ الله على ما آتاكَ من فَضْلِه. وجعَل قولَه: ﴿أَنِ اشْكُرْ﴾ ترجمةً عن الحكمةِ؛ لأن مِن الحكمةِ التي كان أوتِيَها، كان شُكْرُه الله على ما آتاه.\nوقولُه: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾. يقولُ: ومَن يشكرِ الله على نِعَمِه عندَه فإنما يشكُرُ لنفسِه؛ لأن الله يُجزِلُ له على شُكرِه إياه الثوابَ، ويُنقِذُه به من الهَلَكةِ، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. يقولُ: ومن كفَر نعمةَ اللهِ عليه، إلى نفسِه أساء؛ لأن الله معاقِبُه على كفرانِه إياه، والله غنيٌّ عن شكرِه إياه على نِعَمِه، لا حاجةَ به إليه؛ لأن شكرَه إياه لا يَزيدُ في سلطانِه، ولا يُنْقِصُ كفرانُه إياه من مُلكِه. ويعنى بقولِه: ﴿حَمِيدٌ﴾: مَحْمودٌ على كلِّ حالٍ، له الحمدُ على نعَمِه؛ كفَر العبدُ نعمتَه أو شكَره عليها. وهو مصروفٌ من مفعولٍ إلى فَعِيلٍ.\n\n<span id=\"aya-3482\"></span><span data-type='title' id=toc-7211>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واذكُرْ يا محمدُ ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٣٣٧ من طريق وكيع به.","vol":"18","page":549},{"text":"وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: الخطأٌ من القولِ عظيمٌ.\n\n<span id=\"aya-3483\"></span><span data-type='title' id=toc-7213>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأمَرْنا الإنسانَ ببرِّ والدَيه، ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾. يقولُ: ضَعْفًا على ضعفٍ، وشدةً على شدةٍ. ومنه قولُ زُهيرٍ (^١):\nفلن يقولوا بحبلٍ واهنٍ خَلَقٍ … لو كان قومُكَ في أسبابِه هلَكوا\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، غيرَ أنهم اختلَفوا في المعنيِّ بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِىَ به الحَمْلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7212>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾. يقولُ: شدةً بعدَ شدةٍ، وخلْقًا بعدَ خَلْقٍ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾. يقولُ: ضَعْفًا على ضَعْفٍ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ\n_________\n(^١) شرح ديوان زهير ص ١٨٠. والبيت في مجاز القرآن ٢/ ١٢٧.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٢٨٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٦ إلى المصنف.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٢٨٧، والطوسي في التبيان ٨/ ٢٤٨.","vol":"18","page":550},{"text":"وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾. أي: جَهْدًا على جَهْدِ (^١).\nوقال آخرون: بل عُنِىَ بذلك وَهْنُ الولدِ وضَعْفُه على وَهْنِ (^٢) الأمِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7214>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ.\n﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾. قال: وَهْنُ الولدِ على وَهْنِ الوالدةِ وضَعْفِها (^٣).\nوقولُه: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾. يقولُ: وفِطامُه في انقضاءِ عامَين.\nوقيل: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾. وتُرِك ذكرُ \"انقضاء\"؛ اكتفاءً بدَلالةِ الكلامِ عليه، كما قيل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]، يُرادُ به: أهلُ القريةِ.\nوقولُه: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾. يقولُ: وعهِدْنا إليه أنِ اشْكُرْ لى على نِعَمى عليك، ولوالدَيك تربيتَهما إياك، وعلاجَهما فيك ما عالجا مِن المشقةِ، حتى استَحكَم قُوَاك.\nوقولُه: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: إلى الله مصيرُك أيُّها الإنسانُ، وهو سائلُك عما كان من شُكرِك له على نعمِه عليك، وعما كان من شكرِك لوالدَيك، وبِرِّك بهما على ما لقِيا منك من العناءِ والمشقةِ في حالِ طفولتِك وصِباك، وما اصطَنعا إليك في برِّهما بك، وتَحَنُّنِهما عليك.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٠٦ عن معمر عن قتادة.\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"ضعف\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٤١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٦ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"18","page":551},{"text":"وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت في شأنِ سعدِ بن أبى وقَّاصٍ وأمِّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7215>ذكرُ الروايةِ الواردةِ في ذلك</span>\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكِ بن حربٍ، عن مصعبِ بن سعدٍ، قال: حلَفتْ أمُّ سعدٍ ألّا تَأْكُلَ ولا تَشْرَبَ حتى يَتَحَوَّلَ سعدٌ عن دينِه. قال: فأبى عليها، فلم تَزَلْ كذلك حتى غُشِىَ عليها. قال: فأتاها بَنوها فسَقَوها. قال: فلما أفاقت دعَتِ الله عليه، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ إلى قولِه: ﴿فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن مصعبِ بن سعدٍ، عن أبيه، قال: قالت أمُّ سعدٍ لسعدٍ: أليس الله قد أمَر بالبرِّ؟ فواللهِ لا أَطْعَمُ طعامًا ولا أَشْرَبُ شرابًا حتى أَمُوتَ أو تَكْفُرَ، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يُطعِموها شَجَروا فاها (^١) بعصًا، ثم أَوْجَروها (^٢)، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن سماكِ بن حربٍ، قال: قال سعدُ بنُ مالكٍ: نزَلت فيَّ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. قال: لما أَسلَمتُ حلَفت أمى\n_________\n(^١) شجروا فاها: أي أدخلوا في شَجْره - وهو مفتح الفم، وقيل: الذقنُ - عودًا حتى يفتحوه به. النهاية ٢/ ٤٤٦.\n(^٢) أوجروها: أكرهوها على الشرب. ينظر اللسان (وج ر).\n(^٣) أخرجه مسلم (٤٤/ ١٧٤٨)، والترمذى (٣١٨٩)، والبزار (١١٤٩) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أحمد ٣/ ١٦٣ (١٦١٤) عن محمد بن جعفر، وأخرجه الطيالسي (٢٠٥)، وأحمد ٣/ ١٣٦ (١٥٦٧)، وعبد بن حميد (١٣٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٣٦، والبيهقى ٩/ ٢٦، وفي الشعب (٧٩٣٢) من طريق شعبة به، وأخرجه البخارى في الأدب المفرد (٢٤)، ومسلم (١٧٤٨) / ٤٣، وأبو يعلى (٧٨٢) من طريق سماك به.","vol":"18","page":552},{"text":"لا تَأْكُلُ طعامًا ولا تَشْرَبُ شرابًا. قال: فناشَدتُها أولَ يومٍ فأبت وصبَرت، فلما كان اليومُ الثاني ناشَدتُها فأَبَت، فلما كان اليومُ الثالثُ ناشَدتُها فأبَت، فقلتُ: واللهِ لو كانت لكِ مِائَةُ نَفْسٍ، لخرَجت قبلَ أن أَدَعَ دينى هذا. فلما رأَت ذلك وعرَفت أنى لستُ فاعلًا، أكَلت (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ هُبَيرةَ (^٢) قال: نزَلت هذه الآيةُ في سعدِ بن أَبي وقّاصٍ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ الآية.\n\n<span id=\"aya-3484\"></span><span data-type='title' id=toc-7216>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ أيُّها الإنسانُ والداك ﴿عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي﴾ في عبادتِك إياىَ معى غيرِى، مما لا تَعْلَمُ أنه لى شريكٌ - ولا شريكَ له، تعالى ذكرُه علوًّا كبيرًا - فلا تُطِعْهما فيما أراداك عليه من الشركِ بى، ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. يقولُ: وصاحِبْهما في الدنيا بالطاعةِ لهما، فيما لا تَبِعةَ عليك فيه فيما بينَك وبيَن ربِّك، ولا إثمَ.\nوقولُه: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾. يقولُ: واسلُكْ طريقَ مَن تاب مِن شركِه، ورجَع إلى الإسلامِ، واتَّبَعَ محمدًا ﷺ.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في كتاب العشرة - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٣٣٩، ٣٤٠ من طريق داود به، وأخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ٢٥٧ من طريق داود عن أبي عثمان النهدى عن سعد به نحوه، وينظر علل الدارقطني ٤/ ٣١١، ٣١٢.\n(^٢) بعده في م، ت ٢: \"يقول\".","vol":"18","page":553},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7217>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾. أي: مَن أقبَل إليَّ (^١).\nوقولُه: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: فإن إليَّ مصيرَكم ومعادَكم بعدَ مماتِكم، فأُخبِرُكم بجميعِ ما كنتم في الدنيا تَعْمَلون من خيرٍ وشرٍّ، ثم أُجازِيكم على أعمالِكم، المحسنَ منكم بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه.\nفإن قال لنا قائلٌ: ما وجهُ اعتراضِ هذا الكلامِ بينَ الخبرِ عن وصيَّتَىْ لقمانَ ابنَه؟ قيل: ذلك أيضًا، وإن كان خبرًا مِن الله تعالى ذكرُه عن وصيتِه عبادَه به، [وأنه] (^٢) إنما أوصَى به لقمانُ ابنَه، فكان معنى الكلامِ: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، ولا تُطِعْ في الشرِكِ به والدَيك، ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ فإن الله وصَّى بهما، فاستُؤْنِف الكلامُ على وجهِ الخبرِ الله، وفيه هذا المعنى، فذلك وجهُ اعتراضِ ذلك بينَ الخبرَينِ عن وصيتِه.\n\n<span id=\"aya-3485\"></span><span data-type='title' id=toc-7218>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ العربيةِ في معنى الهاءِ والألفِ اللتين في قولِه: ﴿إِنَّهَا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: ذلك كنايةٌ عن المعصيةِ والخطيئةِ. ومعنى الكلامِ عندَه: يا بُنيَّ، إن المعصيةَ إن تكُ مثقالَ حبةٍ من خردلٍ، أو: إن الخطيئةَ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه بنحوه في ١٣/ ٥١٨.\n(^٢) كذا في النسخ، ولعله: \"فإنه\"، فهو أنسب للسياق.","vol":"18","page":554},{"text":"وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (^١): هذه الهاءُ عمادٌ. وقال: أنَّت ﴿تَكُ﴾؛ لأنه يُرادُ بها الحبةُ، فذهَب بالتأنيثِ إليها، كما قال الشاعرُ (^٢):\nوتَشْرَقُ بالقولِ الذي قد أَذَعْتَهُ … كما شَرِقَت صَدْرُ القَناةِ من الدمِ\nوقال صاحبُ هذه المقالةِ: يجوزُ نصبُ المثقالِ ورفعُه. قال: فمن رفَع رفعَه بـ \"تَكنُ\"، واحتمَلت النكرةُ ألَّا يكونَ لها فعلٌ في \"كان\" و\"ليس\" وأخواتِها، ومن نصَب جعَل في \"تكن\" اسمًا مضمرًا مجهولًا، مثلَ الهاءِ التي في قولِه: ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ﴾ قال: ومثلُه قولُه: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦]. قال: ولو كان: إن يكُ (^٣) مثقالَ حبةٍ. كان صوابًا، وجاز فيه الوجهان. وأما صاحبُ المقالةِ الأولى فإن نَصْبَ ﴿مِثْقَالَ﴾ في قولِه؛ على أنه خبرٌ وتمامُ \"كان\"، وقال: رفَع بعضُهم فجعَلها \"كان\" التي لا تحتاجُ إلى خبر.\nوأولى القولين بالصوابِ عندِى القولُ الثاني؛ لأنَّ الله تعالى ذكرُه لم يَعِدْ عبادَه أن يُوفِّيَهم جزاءَ سيئاتِهم دونَ جزاءِ حسناتِهم، فيقالَ: إن المعصيةَ إن تكُ مثقالَ حبةٍ من خردلٍ يأتِ بها الله. بل وعَد كِلا العامِلَين أن يُوفِّيِه جزاءَ أعمالِهما. فإذا كان ذلك كذلك كانت الهاءُ في قولِه: ﴿إِنَّهَا﴾ بأن تَكونَ عمادًا أشبهَ منها بأن تكونَ كنايةً عن الخطيئةِ والمعصيةِ. وأما النصبُ في \"المثقالِ\"، فعلى أن في ﴿تَكُ﴾ مجهولًا، والرفعُ فيه على أن الخبرَ مضمرٌ، كأنه قيل: إن تكُ في موضعٍ مثقالُ حبةٍ. لأن النكراتِ تُضْمَرُ أخبارُها، ثم يُترجَمُ عن المكانِ الذي فيه مثقالُ الحبةِ.\nوعَنَى بقولِه: ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾: زِنةَ حبةٍ. فتأويلُ الكلامِ إذن: إِنَّ الأمرَ إن يكُ زِنةَ حبةٍ من خردلٍ من خيرٍ أو شرٍّ عمِلتَه، ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ\n_________\n(^١) معاني القرآن ٢/ ٣٢٨.\n(^٢) هو الأعشى ميمون بن قيس، ديوانه ص ١٢٣.\n(^٣) في ص، ت ١: \"تك\"، وفي ت ٢: \"تكن\".","vol":"18","page":555},{"text":"فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ يومَ القيامةِ، حتى يوفِّيَك جزاءَه. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7219>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾: من خيرٍ أو شرٍّ (^١).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾؛ فقال بعضُهم: عنى بها الصخرة التي عليها الأرضُ. وذلك قولٌ رُوى عن ابن عباس وغيره، وقالوا: هي صخرةٌ خضراءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7220>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسِ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ قال: الصخرةُ خضراءُ على ظهرٍ حُوتٍ.\nحدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: خلَق اللهُ الأرضَ على حوتٍ، والحوتُ هو النونُ الذي ذكَر الله في القرآنِ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١]، والحوتُ في الماءِ، والماءُ على ظهرِ صفاةٍ، والصفاةُ على ظهرِ مَلَكٍ، والملَكُ على صخرةٍ، والصخرةُ في الريحِ، وهي الصخرةُ التي ذكَر لقمانُ، ليست في السماءِ ولا في الأرضِ (^٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٢.","vol":"18","page":556},{"text":"وقال آخرون: عنَى بها الجبالَ. قالوا: ومعنى الكلامِ: فتَكُنْ في جبلٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7221>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾. أي: جبلٍ (^١).\nوقولُه: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾. كان بعضُهم يوجِّهُ معناه إلى: يَعْلَمُه اللهُ. ولا أعرفُ \"يَأْتى به\" بمعنى \"يَعْلَمُه\" إلَّا أن يكون قائلُ ذلك أراد أنَّ لقمانَ إنما وصف اللَّهَ بذلك؛ لأنَّ الله يَعْلَمُ أماكنَه، لا يَخفَى عليه مكانُ شيءٍ منه، فيكونَ وجْهًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-7222>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ويحيى، قالا: ثنا أبو سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾. قال: يَعْلَمُها اللهُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا ابن مهديٍّ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ مثلَه.\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾. يقولُ: إن الله لطيفٌ باستخراجِ الحبة من موضعِها حيث كانت، خبيرٌ بموضعِها.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7223>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"18","page":557},{"text":"خَبِيرٌ﴾. أي: لطيفٌ باستخراجِها، خبيرٌ بمستقرِّها (^١).\n\n<span id=\"aya-3486\"></span><span data-type='title' id=toc-7225>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخبرًا عن قيلِ لقمانَ لابنِه: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾. بحدودها، ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يقولُ: وأْمرِ الناسَ بطاعةِ اللهِ واتباعِ أمرِه، ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. يقولُ: وانْهَ الناسَ عن معاصى اللهِ ومُواقَعةِ محارمِه، ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾. يقولُ: واصبِرْ على ما أصابك من الناسِ في ذاتِ اللهِ، إذا أنت أمَرتَهم بالمعروفِ ونهَيتَهم عن المنكرِ، ولا يَصُدَّنَّك عن ذلك ما نالك منهم، ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. يقولُ: إن ذلك مما أمَر اللهُ به من الأمورِ عزمًا منه. وبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7224>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\n[حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال] (^٢): حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ في قولِه: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾. قال: اصبِرْ على ما أصابك من الأذى في ذلك، ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ قال: إن ذلك مما عزَم اللهُ عليه ﴿مِنْ الْأُمُورِ﴾. يقولُ: مما أمرَ اللهُ به من الأمورِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3487\"></span><span data-type='title' id=toc-7226>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من النسخ، وهو إسناد دائر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٦ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"18","page":558},{"text":"اختلَفت القرأَةُ في قراءةِ قوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ (^١)﴾؛ فقرَأه بعضُ قرأَةِ الكوفةِ والمدنيِّين والكوفيِّين (^٢): ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ على مثالِ \"تُفَعِّل\" (^٣). وقرَأ ذلك بعضُ المكيِّين وعامةُ قَرَأَةِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: (ولا تُصاعِرْ) على مثالِ \"تُفاعِل\".\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يُقال: إنهما قراءَتان قد قرَأ بكلِّ واحدةً منهما علماءُ من القرأَةِ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وتأويلُ الكلامِ: ولا تُعْرِضْ بوجهِك عمن كلَّمتَه؛ تكبُّرًا واستحقارًا لمن تُكَلِّمُه. وأصلُ الصَّعَر: داءٌ يَأْخُذُ الإبلَ في أعناقِها أو رءوسِها، حتى تَلْفِتَ أعناقَها عن رءوسِها، فيُشَبَّه به الرجلُ المتكبرُ على الناسِ، ومنه قولُ عمرِو بن [حُنَيٍّ التَّغْلِبيِّ] (^٤):\nوكُنَّا إِذا الجبَّارُ صعَّر خَدَّهُ … أَقَمْنا له من مَيلِه فَتَقَوَّما\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قلْنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7227>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: لا تتكبَّر، فتَحْقِرَ عبادَ اللَّهِ، وتُعْرِضَ عنهم بوجهِك إذا كلَّموك (^٥).\n_________\n(^١) في ت ٢: \"تصاعر\". وهي قراءة نافع وأبي عمرو وحمزة والكسائي. ينظر السبعة ص ٥١٣، والتيسير ص ١٤٣.\n(^٢) كذا في النسخ، وهو تكرار، ولعله: \"المكيين\"؛ فإن ابن كثير - وهو مكى - قرَأ: ﴿تُصَعِّرْ﴾. ينظر السبعة ص ٥١٣.\n(^٣) وهى قراءة ابن كثير وابن عامر وعاصم. السبعة ص ٥١٣، والتيسير ص ١٤٣.\n(^٤) في ص: \"حبى الثعلبي\"، وفى م: \"خيى التغلبى\"، وفى ت ١: \"حيى الثعلبي\"، وفي ت ٢: \"حبى الثعلبي\". والمثبت من معجم الشعراء، والبيت فيه في ص ١٣، وفى مجاز القرآن ٢/ ١٢٧ ونسبه لعمرو بن حنى، وهو في اللسان والتاج (ص ع ر) منسوبا للمتلمس.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٣٦ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٦ إلى ابن المنذر.","vol":"18","page":559},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: ولا تُعرِضْ بوجهِك عن الناسِ تكبُّرًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾. قال: الصدودُ والإعراضُ بالوجهِ عن الناسِ (^٢).\nحدَّثني عليٌّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ أبى الزرقاءِ، عن جعفرٍ بن بُرقانَ، عن يزيدَ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾. قال: إذا كلَّمك الإنسانُ لَوَيْتَ وجْهَك وأعرَضتَ عنه، مَحْقَرَةً له.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ حيانَ الرقيُّ، عن جعفرٍ، عن (^٣) ميمونِ بن مهرانَ، قال: هو الرجل يُكَلِّمُ الرجلَ، فيلوى وجهَه.\nحدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، قال: ثنا أبو مَكينٍ، عن عكرمةَ في قولَه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾. قال: لا تُعْرِضُ بوجهِك (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولَه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: لا تُعرِضْ عن الناسِ. يقولُ: أقبل على الناس بوجهِك وحُسنِ خُلُقِك (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٤١ عن العوفى به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٤٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦٦١ إلى الفريابي\n(^٣) في م، ت ٢: \"بن\". وينظر تهذيب الكمال ٥/ ١١، ١٢، ٢٩/ ٢١٠.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٤١.","vol":"18","page":560},{"text":"تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾. قال: تصعير الخدِّ: التجبُّرُ والتكبُّرُ على الناسِ ومَحْقَرَتُهم.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبي، عن أبي مَكِينٍ، عن عكرمةَ، قال: الإعراضُ.\nوقال آخرون: إنما نهاه عن ذلك أن يَفْعَلَه لمن بينه وبينَه صَعَرٌ، لا على وجهِ التكبُّرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7228>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾. قال: الرجلُ يكون بينَه وبينَ أخيه الحِنَةُ (^١)، فيراه فيُعْرِضُ عنه (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾. قال: هو الرجلُ بينَه وبينَ أخيه جنَّةٌ، فيُعْرِضُ عنه.\nوقال آخرون: هو التشديقُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7229>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن أبي (^٣) جعفرٍ الرازيِّ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: هو التشديقُ (^٤).\n_________\n(^١) الحنة: العداوة. النهاية ١/ ٤٥٣.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٢٨٩.\n(^٣) سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ١٩٢.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٤١.","vol":"18","page":561},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: هو التشديقُ أو التشدُّقُ. الطبريُّ يَشُكُّ.\nحدَّثنا يحيى بن طلحةَ، قال: ثنا فُضيل بن عياضٍ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ بمثلِه.\nوقولُه: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ يقولُ: ولا تَمْشِ في الأرضِ مُختالًا.\nكما حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ يقولُ: بالخُيَلاءِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. قال: نهاه عن التكبُّرِ (^١).\nقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾: مُتَكبرٍ ذى فَخْرٍ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. قال: متكبرٍ. وقولَه: ﴿فَخُورٍ﴾. قال: يُعَدِّدُ ما أَعْطَى اللَّهُ، وهو لا يَشْكُرُ الله (^٢).\n\n<span id=\"aya-3488\"></span>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه بنحوه في ١٤/ ٩٨٥.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٤٢.","vol":"18","page":562},{"text":"يقولُ: وتواضَعْ في مشيِك إذا مَشَيْتَ، ولا تَسْتَكبِرْ ولا تَستعجِلْ، ولكن اتَّئدْ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، غيرَ أن منهم من قال: أمَره بالتواضُعِ في مَشيه، ومنهم مَن قال: أمَره بتركِ السُّرْعةِ فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7231>ذكرُ مَن قال: أمَره بالتواضُعِ في مشيِه</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾. قال: التواضُعُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾. قال: نهاهُ عن الخُيَلاءِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-7232>ذكرُ مَن قال: نهاه عن السُّرْعةِ</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن عبدِ اللَّهِ بن عُقبةَ، عن يزيدَ بن أبى حبيبٍ في قولِه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾. قال: من السرعةِ (^٣).\nقولَه: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾. يقولُ: واخفِضْ من صوتِك، فاجعَلْه قَصْدًا إذا تكلَّمتَ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٦، ١٦٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٧ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم مطولًا.\n(^٣) الزهد لابن المبارك (٨٣٥)، ومن طريقه البيهقى في الشعب (٨١٦٨)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٧ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"18","page":563},{"text":"صَوْتِكَ﴾. قال: أمَره بالاقتصادِ في صوتِه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيد في قولِه: وَ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾. قال: اخفِضْ من صوتِك.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: إِنَّ أقبحَ الأصواتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7233>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ وابن المثنى، قالا: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ وأبانِ بن تغلبَ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن جوبيرٍ، عن الضحَّاك: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾. قال: إن أقبحَ الأصواتِ، ﴿لَصَوْتُ الْحَمِير﴾.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. أي: أقبحَ الأصواتِ لصوتُ الحميرِ؛ أوله زفيرٌ، وآخرُه شهيقٌ، أمَره بالاقتصاد في صوته (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمعتُ الأعمشَ يقولُ: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ صوتُ الحميرِ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إن أشرَّ الأصواتِ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٠٦ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم مطولًا.\n(^٢) أخرج آخره عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٠٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم مطولًا.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٢٣٨ بلفظ: \"أقبح الأصوات\".","vol":"18","page":564},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7234>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثتُ عن يحيى بن واضحِ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ والحكمِ ابن عتيبةَ: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾. قالا (^١): أشرَّ الأصواتِ.\nقال جابرٌ: وقال الحسنُ بنُ مسلمٍ: أشدَّ (^٢) الأصواتِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. قال: لو كان رفعُ الصوتِ هو خيرًا ما جعَله للحميرِ (^٣).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: إِنَّ أقبحَ أو أشرَّ (^٤) الأصواتِ، وذلك نظيرُ قولِهم إذا رأَوا وجهًا قبيحًا أو منظرًا شنيعًا: ما أنكَر وجهَ فلانٍ، وما أنكرَ منظرَه!\nوأما قولُه: ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. فأُضِيف الصوتُ وهو واحدٌ إلى الحميرِ وهى جماعةٌ؛ فإن بذلك وجهين؛ إن شِئْتَ قلْتَ: الصوتُ بمعنى الجمعِ، كما قيل: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠]. وإن شِئْتَ قلْتَ: معنى الحميرِ معنى الواحدِ؛ لأن الواحدَ في مثل هذا الموضِعِ يُؤَدِّي عما يُؤَدِّي عنه الجمعُ.\n\n<span id=\"aya-3489\"></span><span data-type='title' id=toc-7235>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا</span>\n_________\n(^١) في م: \"قال\".\n(^٢) في ت ٢: \"أشر\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"أشد\".","vol":"18","page":565},{"text":"كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ أيُّها الناسُ، ﴿أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾؛ من شمسٍ وقمرٍ ونَجمٍ وسَحابٍ، ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ من دابةٍ وشجرٍ وماءٍ وبحرٍ [وفُلكٍ] (^١) وغير ذلك من المنافع، يُجْرَى ذلك كُلُّه لمنافِعكم ومصالِحكم؛ لغذائِكم وأقواتِكم وأرزاقِكم ومَلاذِّكم، تتَمتعون ببعضِ ذلك كلِّه، وتنتفِعون بجميعِه، ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾.\nواختلفتِ القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ المكيِّين وعامةُ الكوفيِّين: (وأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَةً) على الواحدةِ، ووجَّهوا معناها إلى أنه الإسلامُ، أو إلى أنها شهادةُ أن لا إله إلا اللهُ. وقرَأتْه عامةُ قرأَةِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿نِعَمَهُ﴾ على الجماعِ (^٢)، ووجَّهوا معنى ذلك، إلى أنها النِّعمُ التي سخَّرها اللهُ للعبادِ، مما في السماواتِ والأرضِ، واستشهَدوا الصحةِ قراءتِهم ذلك كذلك بقولِه: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢١]. قالوا: فهذا جمعُ النِّعم.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا: أنهما قراءتان مشهورتان في قرَأةِ الأمصارِ، متقاربِتا المعنى، وذلك أن النعمةَ قد تكونُ بمعنى الواحدةِ، ومعنى الجماعِ، وقد يَدخلُ في الجماعِ الواحدةَ. وقد قال جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، فمعلومٌ أنه لم يَعْنِ بذلك نعمةً واحدةً. وقال في موضعٍ آخَرَ: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل:١٢٠، ١٢١]، فجمَعها، فبأيِّ القراءتين قرَأ القارئ ذلك فمصيبٌ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ٢.\n(^٢) قراءة التوحيد والتأنيث هي قراءة ابن كثير وابن عامر وعاصم - في رواية أبي بكر - وحمزة الكسائي، وقراءة الجمع والتذكير هي قراءة نافع وأبى عمرو وحفص. السبعة ص ٥١٣، والتيسير ص ١٤٣.","vol":"18","page":566},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7236>ذِكرُ بعضِ مَن قرَأ ذلك على التوحيدِ، وفسَّره على ما ذكَرنا عن قارئيه أنهم يفسرونه.</span>\nحدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنى [مَسْتُورٌ الهنائيُّ] (^١)، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، أنه قرَأها: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ (^٢) ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. وفسَّرها؛ الإسلامَ (^٣).\nحُدِّثتُ عن الفرَّاءِ، قال: ثنى شَرِيكُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس، أنه قرَأ: (نِعْمَةً) واحدةً. قال: ولو كانت نِعَمَه، لكانت نِعمَةً دونَ نعمَةٍ، أو نِعمةً فوقَ نِعمةٍ - الشكُّ مِن الفرّاءِ (^٤).\nحدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الزهريُّ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا حميدٌ، قال: قرَأ مجاهد: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ (٢) ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ (^٥).\nحدَّثني العباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا ابن أبي بَكَيرٍ، عن شِبْلٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ (٢) ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. قال: كان يقولُ: هي لا إلهَ إلا اللهُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) في ص: \"مسور الهنائي\"، وفى ت ١، ت ٢: \"مسور الهباى\". وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٤٣٥.\n(^٢) في م: \"نعمته\".\n(^٣) أخرجه البيهقي في الشعب (٤٥٠٥) من طريق الضحاك عن ابن عباس مرفوعًا.\n(^٤) معاني القرآن ٢/ ٣٢٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) تفسير سفيان ص ٢٣٨، ومن طريقه البيهقى في الشعب (٤٥٠٢)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٧ إلى سعيد بن منصور وابن أبي حاتم مطولًا.","vol":"18","page":567},{"text":"(وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَةً (^١) ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً). قال: لا إلهَ إِلا اللَّهُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ، قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدَمَ، عن سفيانَ، عن عيسى، عن قَيْسٍ، عن ابن عباسٍ: (نِعَمَةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً). قال: لا إلهَ إلا اللهُ (^٢).\nوقولُه: ﴿ظَاهِرَةً﴾. يقولُ: ظاهرةً على الألسُنِ قولًا، وعلى الأبدانِ وجوارحِ الجسدِ عملًا.\nوقولُه: ﴿وَبَاطِنَةً﴾. يقولُ: وباطنةً في القلوبِ اعتقادًا ومعرفةً.\nوقولُه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن الناسِ مَن يُخاصِمُ في توحيدِ اللهِ، وإخلاصِ الطاعةِ والعبادةِ له بغيرِ علمٍ عندَه بما يُخاصِمُ، ﴿وَلَا هُدًى﴾. يقولُ: ولا بيانٍ يُبَيِّنُ به صحةَ ما يقولُ، ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِير﴾. يقولُ: ولا بِتنزيلٍ من اللَّهِ جَاء بِما يَدَّعِي، يُبَيِّنُ حَقِّيةَ دَعواه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾: ليس معه من اللهِ برهانٌ ولا كتابٌ.\n\n<span id=\"aya-3490\"></span><span data-type='title' id=toc-7237>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾.\n_________\n(^١)</span> في م: \" نعمته\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٧ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"18","page":568},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قيل لهؤلاء الذين يُجادِلون في توحيدِ اللَّهِ، جهلًا منهم بعظمةِ اللَّهِ: اتَّبعوا أيُّها القومُ ما أنزَل اللهُ على رسولِه، وصَدَّقوا به، فإنه يَفْرُقُ بينَ المحقِّ منا والمبطِلِ، ويَفْصِلُ بَينَ الضالِّ والمهندى. فقالوا: بل نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عليه آباءَنا من الأديانِ؛ فإنهم كانوا أهلَ حقٍّ. قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ﴾ بتزيِينِه لهم سوءَ أعمالِهم، واتِّباعِهم إياه على ضلالتِهم، وكفرِهم باللهِ، وتركهم اتِّباعَ ما أنزَل اللهُ من كتابِه على نبيِّه - ﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. يعني: عذابِ النارِ التي تَتَسَعَّرُ وتَلْتَهِبُ.\n\n<span id=\"aya-3491\"></span><span data-type='title' id=toc-7239>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يُعَبِّدُ وَجْهَهُ مُتَذلِّلًا بالعبودةِ، مُقِرًّا له بالألوهةِ، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ يقولُ: وهو مُطيعٌ الله في أمَره ونهِيه ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. يقولُ: فقد تمسَّك بالطَّرَفِ الأوثقِ الذي لا يخافُ انقطاعَه مَن تَمَسَّك به، وهذا مَثَلٌ. وإنما يعنى بذلك أنه قد تمسَّك مِن رضا اللهِ يإسلامِه وجهَه إليه وهو مُحسِنٌ - ما لا يَخافُ معه عذابَ الله يومَ القيامةِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7238>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي السَّوداء، عن جعفرٍ بن أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ (^١).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٤/ ٥٦٤، ٥٦٥ حاشية (٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٠.","vol":"18","page":569},{"text":"وقولُه: ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾. يقولُ: وإلى اللَّهِ مَرْجِعُ عاقبةِ (^١) كلِّ أمرٍ؛ خيرِه وشرِّه، وهو المُسائِلُ أهلَه عنه، ومُجازِيهم عليه.\n\n<span id=\"aya-3492\"></span><span data-type='title' id=toc-7240>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومَن كفر بالله فلا يَحْزُنُك كفرُه، ولا تَذْهَبْ نفسُك عليهم حَسْرةً؛ فإنَّ مرجِعَهم ومصيرَهم يومَ القيامةِ إلينا، ونحن نُخْبِرُهم بأعمالِهم الخبيثةِ التي عمِلوها في الدنيا، ثم نُجازِيهم عليها جزاءَهم؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. يقولُ: إن الله ذو علمٍ بما تُكِنُّه صدورُهم مِن الكفرِ باللهِ وإيثارِ طاعةِ الشيطانِ.\n\n<span id=\"aya-3493\"></span>وقولُه: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾. يقولُ: نُمْهِلُهم في هذه الدنيا مَهْلًا قَلِيلًا يَتَمَتَّعون فيها. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾. يقولُ: ثم نُورِدُهم على كُرْهٍ منهم عذابًا غليظًا، وذلك عذابُ النارِ، نعوذُ باللهِ منها ومن عملٍ يُقَرِّبُ منها.\n\n<span id=\"aya-3494\"></span><span data-type='title' id=toc-7241>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولئن سألتَ يا محمدُ هؤلاء المشرِكين باللهِ مِن قومِك: ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ: فإذا قالوا ذلك، فقُل لهم: الحمدُ للهِ الذي خلَق ذلك، لا لمن لا يَخْلُقُ شيئًا\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"آخر\".","vol":"18","page":570},{"text":"وهم يُخلقون.\nثم قال تعالى ذكرُه: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: بل أكثرُ هؤلاء المشركين لا يَعْلَمون من الذي له الحمدُ، وأين موضِعُ الشكرِ.\n\n<span id=\"aya-3495\"></span>وقولُه: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: للهِ كلُّ ما في السماواتِ والأرضِ من شيءٍ، مُلْكًا كائنًا ما كان ذلك الشيءُ؛ من وَثنٍ وصنمٍ وغيرِ ذلك مما يُعْبَدُ أو لا يُعْبَدُ. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. يقولُ: إن الله هو الغنيُّ عن عبادِة هؤلاء المشركين به الأوثانَ والأندادَ، وغيرِ ذلك منهم ومن جميعِ خلقِه؛ لأنهم مِلْكٌ له، وبهم الحاجةُ إليه، ﴿الْحَمِيدُ﴾. يعني: المحمودُ على نعمِه التي أنعَمها على خلقِه.\n\n<span id=\"aya-3496\"></span><span data-type='title' id=toc-7243>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولو أن شجرَ الأرضِ كلِّها بُرِيَت أقلامًا، ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾. يقولُ: والبحرُ له مدادٌ. والهاءُ في قولَه: ﴿يَمُدُّهُ﴾. عائدةٌ على البحرِ. وقولُه: ﴿مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾. وفي هذا الكلامِ محذوفٌ استغنى بدَلالةِ الظاهرِ عليه منه، وهو: يُكْتَبُ كلامُ اللهِ بتلك الأقلامِ، وبذلك المِدادِ، لتكسَّرت تلك الأقلامُ، ولنفِد ذلك المدادُ، ولم تَنْقَدْ كلماتُ اللَّهِ وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7242>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سألتُ الحسنُ عن هذه الآيةِ: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ﴾. قال: لو جَعَل شجرَ الأَرضِ","vol":"18","page":571},{"text":"أقلامًا، وجعَل البحورَ مدادًا. وقال اللهُ: إن مِن أمرى كذا، ومن أمرى كذا، لنَفِد ماءُ البحورِ، وتكسَّرتِ الأقلام (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكم، قال: ثنا عمرٌو في قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾. قال: لو بُرِيت أقلامًا والبحرُ مدادًا، فكُتِب بتلك الأقلامِ منه، ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ولو مدَّه سبعةُ أبحرٍ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾. قال: قال المشركون: إنما هذا كلامٌ يُوشِكُ أَن يَنْفَدَ. قال: لو كان شجرُ البرِّ (^٢) أقلامًا، ومع البحرِ سبعةُ أبحرٍ ما كان لِتَنْفَدَ عجائبُ ربِّي وحكمتُه وخَلْقُه وعلمُه (^٣).\nوذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ في سببِ مجادلةٍ كانت من اليهودِ له.\n\n<span data-type='title' id=toc-7244>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، قال: ثنى رجلٌ من أهلِ مكةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: أن أحبارَ يهودَ قالوا لرسوِل\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٥١.\n(^٢) في ص، ت ٢: \"البحر\".\n(^٣) تقدم تخريجه بنحوه في ١٥/ ٤٣٩، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٩) من طريق يزيد به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٠٦ عن معمر عن قتادة، مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي نصر السجزي في الإبانة.","vol":"18","page":572},{"text":"اللهِ ﷺ بالمدينة: يا محمدُ أرأَيتَ قولَك (^١): ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. إيَّانا تُريدُ أم قومك؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"كُلًّا\". فقالوا: ألستَ تَتْلُو فيما جاءك: أنَّا قد أُوتينا التوراةَ فيها تبيانُ كلِّ شيءٍ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إنها في علمِ اللهِ قليلٌ، وعندَكم من ذلك ما يَكْفيكم\". فأنزَل اللهُ عليه فيما سأَلوه عنه من ذلك: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾: أي أن التوراةَ في هذا من علمِ الله قليلٌ (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى ابن (^٣) عبدِ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، قال: سأَل أهلُ الكتابِ رسولَ اللهِ ﷺ عن الروحِ، فأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. فقالوا: تَزْعُم أَنَّا لم نُؤْتَ من العلمِ إلا قليلًا، وقد أُوتينا التوراةَ وهى الحكمةُ ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. قال: فنزَلت: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾. قال: \"ما أُوتِيتُم من علم فنجَّاكم اللهُ به من النارِ وأدخَلكم الجنةَ، فهو كثيرٌ طيبٌ، وهو في علمِ اللهِ قليلٌ\" (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءِ بن يسارٍ، قال: لما نزَلتْ بمكةَ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾: يعنى اليهود؛ فلما هاجر رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ، أتاه أحبارُ يهودَ،\n_________\n(^١) في م: \"قوله\".\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٧٦، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٥٢ عن ابن إسحاق وسمى الرجل المجهول ابن أبي محمد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢. وهو عبد الأعلى بن عبد الأعلى.\n(^٤) تقدم تخريجه في ١٥/ ٦٨ حاشية (٢).","vol":"18","page":573},{"text":"فقالوا: يا محمدُ ألم يَبْلُغْنا أنك تقولُ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أفعنَيتَنا أم قومَك؟ قال: \"كُلًّا قد عَنَيْتُ\". قالوا: فإنك تَتْلُو أَنَّا قد أُوتينا التوراةَ وفيها تبيانُ كلَّ شيءٍ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"هي في عالمِ اللهِ قليلٌ، وقد آتاكم اللهُ ما إن عمِلْتم به انتفعتُم\". فأنزَل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (^١).\nواختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ قولَه: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ المدينةِ والكوفة: ﴿وَالْبَحْرُ﴾ رفعًا على الابتداءِ، وقرأته قرأَةُ البصرةِ نصبًا، عطفًا به على \"ما\" في قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٢). وبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ عندى.\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: إن الله ذو عزَّةٍ في انتقامِه ممن أشرَك به، وادَّعى معه إلهًا غيرَه، حكيمٌ في تدبيرِه خلقَه.\n\n<span id=\"aya-3497\"></span><span data-type='title' id=toc-7245>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ما خلقُكم أيُّها الناسُ ولا بعثُكم على اللَّهِ إلا كخلقِ نفسٍ واحدةٍ وبعثِها، وذلك أن الله لا يتعذَّرُ عليه شيءٌ أرادَه، ولا يَمْتَنِعُ منه شيءٌ شاءه، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. فسواءٌ خَلْقُ واحدٍ وبعثه، وخلقُ الجميعِ وبعثُهم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٥/ ٧٢ حاشية (٤).\n(^٢) قراءة نصب الراء هي قراءة أبي عمرو، وقراءة ضم الراء هي قراءة الباقين وهم نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة ص ٥١٣، والتيسير ص ١٤٣.","vol":"18","page":574},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7246>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثني أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. يقولُ: كُنْ فَيَكُونُ للقليلِ والكثيرِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، قال: يقولُ: إنما خَلْقُ اللهِ الناسَ كلَّهم وبَعْتُهم كخلقِ نفسٍ واحدةٍ وبعثِها (^٢).\nوإنما صلَح أن يُقال: إلَّا كنفسٍ واحدةٍ، والمعنى: إلا كخلقِ نفسٍ واحدةٍ؛ لأن المحذوفَ فعلٌ يَدُلُّ عليه قولُه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ﴾. والعربُ تَفْعَلُ ذلك في المصادرِ، ومنه قولُ اللَّهِ: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب:١٩]. والمعنى: كدورانِ عين الذي يُغْشَى عليه من الموتِ، فلم يَذْكُرِ الدورانَ والعينَ لما وَصَفتُ.\nوقولُه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله سميعٌ لما يَقولُ هؤلاء المشرِكون ويَفْتَرونه على ربِّهم، من ادِّعائهم له الشركاءَ والأندادَ، وغيرِ ذلك من كلامِهم وكلامِ غيرِهم، بصيرٌ بما يَعْمَلونه وغيرُهم من الأعمالِ، وهو مُجازِيهم على ذلك جزاءَهم.\n\n<span id=\"aya-3498\"></span><span data-type='title' id=toc-7247>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ</span>\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٤٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٨ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"18","page":575},{"text":"فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمدُ بعينِك ﴿أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾. يقولُ: يزيدُ من نقصانِ ساعاتِ الليلِ في ساعاتِ النهارِ ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. يقولُ: يَزِيدُ ما نقَص من ساعاتِ النهارِ في ساعاتِ اللَّيلِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾: نُقصانُ الليل في زيادةِ النهارِ، ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: نقصان النهار في زيادة الليل (^١).\nوقولُه: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وسخَّر الشمسَ والقمرَ لمصالحِ خلقِه ومنافعِهم، ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾. يقولُ: كلُّ ذلك يَجْرِى بأمرِه إلى وقتٍ معلومٍ وأجلٍ محدودٍ إذا بلغه كُوِّرَت الشمسُ والقمرُ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7248>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: لذلك كلِّه وقتٌ وحدٌ معلومُ لا يُجاوِزُه ولا يَعْدُوه (^٢).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٥/ ٣٠٦ حاشية (٢).\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٧٨، ٧٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"18","page":576},{"text":"وقولُه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. يقولُ: وأن الله بأعمالكم، أيُّها الناسُ، من خيرٍ أو شرٍّ ذو خبرة وعلم، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ، وهو مُجازيكم على جميعِ ذلك. وخرَج هذا الكلامُ خِطابًا لرسولِ اللهِ ﷺ والمعنيُّ به المشرِكون، وذلك أنه تعالى ذكرُه نبَّه بقولَه: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ على موضع حُجَّتِه - مَن جَهل عظمتَه، وأشرَك في عبادتِه معه غيرَه، يَدُلُّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾.\n\n<span id=\"aya-3499\"></span><span data-type='title' id=toc-7249>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي أخبَرتُك، يا محمدُ، أن الله فعَله من إيلاجِه الليلَ في النهارِ والنهارَ في الليلِ، وغيرِ ذلك من عظيمِ قُدرَتِه، إنما فعَله بأنه هو اللَّهُ حقًّا، دونَ ما يدعوه هؤلاء المشرِكون به، وأنه لا يَقْدِرُ على فعلِ ذلك سِواه، ولا تَصْلُحُ الألوهةُ إلا لمن فعَل ذلك بقُدْرِته.\nوقولُه: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبأن الذي يَعْبُدُ هؤلاء المشركون من دونِ اللهِ - الباطلُ الذي يَضْمَحِلُّ، فَيَبِيدُ ويَفْنى، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبأن الله هو العليُّ، يقولُ: هو ذو العُلوِّ على كلِّ شيءٍ، وكلُّ ما دونَه فله مُتذلِلٌ منقادٌ، الكبيرُ الذي كلُّ شيءٍ دونَه فله مُتَصَاغِرُ.\n\n<span id=\"aya-3500\"></span><span data-type='title' id=toc-7250>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ألم تَرَ، يا محمدُ، أن السفنَ تَجْرِى في","vol":"18","page":577},{"text":"البحرِ نعمةً من اللهِ على خلقِه؛ ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾. يقولُ: ليُرِيَكم من عبرِه وحُجَجِه عليكم. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. يقولُ: إن في جَرْيِ الفلكِ في البحرِ دَلالة على أن الله الذي أجرَاها هو الحقُّ، وأن ما يدعون من دونِه الباطلُ، ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. يقولُ: لكلِّ مَن صبَّر نفسَه عن محارمِ اللهِ، وشكَره على نعمِه فلم يَكْفُرْه.\nحدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان مطرِّفٌ يقولُ: إن من أحبِّ عباد الله إليه الصبَّارَ الشَّكورَ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ عن مغيرة قال: الصبرُ نصفُ الإيمان، والشكرُ نصفُ الإيمانِ، واليقينُ الإيمانُ كلُّه، ألم تَرَ أَن (^٢) قولَه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: إِنَّ في ذلك لآياتٍ للموقنين، إنَّ في ذلك لآياتٍ للمؤمنين.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. قال: الصبرُ نصفُ الإيمانِ، واليقينُ الإيمانُ كلُّه (^٣).\nإن قال قائلٌ: وكيفَ خصَّ هذه الدَّلالةَ بأنها دَلالةٌ للصبَّارِ الشَّكورِ، دونَ سائرِ الخلقِ؟ قيل: لأن الصبرَ والشكرَ من أفعالِ ذوى الحِجا والعقولِ، فأخبَر: إن في ذلك لآياتٍ لكلٍّ ذى عقلٍ؛ لأن الآياتِ جعَلها اللهُ عِبرًا لذوى العقولِ والتمييزِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م، ت ٢: \"إلى\".\n(^٣) ذكره الطوسى في التبيان ٨/ ٢٥٩، والقرطبي في تفسيره ١٤/ ٧٩.","vol":"18","page":578},{"text":"<span id=\"aya-3501\"></span><span data-type='title' id=toc-7251>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا غَشِى هؤلاء الذين يَدْعون من دونِ اللهِ الآلهة والأوثانَ في البحرِ إذا ركِبوا في الفُلْكِ - موج كالظُّلَل، وهى جمعُ ظُلَّةٍ، شبَّه بها الموجَ في شدةِ سوادِ كثرةِ الماءِ؛ قال نابغةُ بنى جَعْدَةَ في صفةِ بحرٍ (^١):\nيُماشِيهِنَّ (^٢) أخضرُ ذو ظِلالٍ … على حافاتِه فِلَقُ الدِّنَانِ\nوشبَّه الموجَ وهو واحدٌ بالظُّلَلِ، وهى جماعٌ؛ لأن الموجَ يأتي شيءٌ منه بعدَ شيءٍ، ويَرْكَبُ بعضه بعضا كهيئةِ الظُّلَلِ.\nوقولُه: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا غَشِى هؤلاء موجٌ كالظُّلَل، فخافوا الغرَقَ، فزِعوا إلى اللهِ بالدعاءِ مخلصين له الطاعةَ، لا يُشْرِكون به هنالك شيئًا، ولا يدعون معه أحدًا سِواه، ولا يَسْتَغيثون بغيرِه قولَه: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ الله مما كانوا يَخافونه في البحرِ من الغرقِ والهلاكِ، إلى البِّرِ [والحدِّ] (^٣)، ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾. يقولُ: فمنهم مقتصدٌ في قولِه وإقرارِه بربِّه، وهو مع ذلك مُضْمِرٌ الكفرَ به.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) البيت في ديوانه ص ١٦٣.\n(^٢) في الديوان: \"يعارضهن\".\n(^٣) سقط من: م.","vol":"18","page":579},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7252>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾. قال: المقتصدُ في القولُ وهو كافرٌ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولَه: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾. قال: المقتصِدُ الذي على صلاحٍ من الأمرِ.\nوقولُه: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما يَكْفُرُ بأدلتِنا وحُجَجنا إلا كلُّ غدَّارٍ بعهده. والخَيَّرُ عند العربِ: أقبحُ الغدرِ، ومنه قولُ عمرِو بن معدِيكَرِبَ (^٢)\nوإنك لو رأيت أبا عُمَيرٍ … ملأت يَدَيكَ من غَدْرٍ وخَتْرٍ\nوقولُه: ﴿كَفُورٍ﴾. يعني: جَحودٍ للنِّعمِ، غيرِ شاكرٍ ما أُسْدِى إليه من نعمةٍ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في معنى الختارِ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7253>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن ليثِ، عن مجاهدٍ: ﴿كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾. قال: كلُّ غدَّارٍ (^٣).\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٢٩٤، والقرطبي في تفسيره ١٤/ ٨٠، وأبو حيان في البحر المحيط ٧/ ١٩٣، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٥٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٨ إلى المصنف وابن أبي شيبة والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) البيت في ديوانه ١٠٥.\n(^٣) ينظر الأثر التالي.","vol":"18","page":580},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كُلُّ خَتَّارٍ﴾. قال: غدَّارٍ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا ابن عُليَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾. قال: غدَّارٍ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾. الختارُ: الغَدَّارُ، كلُّ غَدَّارٍ بذِمَّتِه كفورٍ بربِّه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾. قال: كلُّ جحادٍ كَفورٍ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾. قال: الختَّارُ: الغدَّارُ، كما تقولُ: غدَرني (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن مِسْعَرٍ، قال: سمِعتُ قتادة، قال: الذي يَغْدِرُ بعهدِه (^٦).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٤٣، وذكره الطوسى في التبيان ٨/ ٢٦٠، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٥٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٨ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٢٦٠، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٥٤.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٠٦ عن معمر عن قتادةَ بنحوه، وذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٢٦٠، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٥٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم مطولًا.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٨ إلى المصنف.\n(^٥) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٢٦٠.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٤٦١ عن وكيع به.","vol":"18","page":581},{"text":"قال: ثنا المحارِبيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: الغدَّارُ (^١).\nقال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن شِمْرِ بن عطيةَ الكاهليِّ، عن عليٍّ ﵁ قال: المكرُ غدرٌ، والغدرُ كفرُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3502\"></span><span data-type='title' id=toc-7254>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أيُّها المشرِكون من قريشٍ، اتَّقوا الله وخافوا أن يَحِلَّ بكم سخَطُه في يومٍ لا يُغنى والدٌ عن ولدِه، ولا مولودٌ هو مُغْنٍ عن والده شيئًا؛ لأنَّ الأمرَ يَصيرُ هنالك بيدِ مَن لا يُغالَبُ، ولا تَنْفَعُ عندَه الشفاعةُ والوسائلُ إلا وسيلةٌ من صالِحاتِ الأعمالِ التي أسلفَها في الدنيا.\nوقولُه: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. يقولُ: اعلَموا أن مجئَ هذا اليوم حقٌّ، وذلك أن الله قد وعَده عباده ولا خُلْفَ لوعدِه. ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: فلا تَخْدَعَنَّكم زينة الحياةِ الدنيا ولذَّاتُها، فتَمِيلوا إليها، وتَدَعُوا الاستعدادَ لما فيه خلاصُكم مِن عقابِ اللَّهِ ذلك اليومَ.\nوقولُه: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. يقولُ: ولا يَخْدَعَنَّكم باللَّهِ خادعٌ. والغَرُورُ بفتح الغَينِ، هو ما غرَّ الإنسانَ من شيءٍ، كائنًا ما كان، شيطانًا (^٣) كان أو إنسانًا أو دُنيا.\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٢٦٠.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٩/ ١٧٣.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"سلطانا\".","vol":"18","page":582},{"text":"وأما الغُرورُ بضمِّ الغَيْنِ، فهو مصدرٌ من قول القائل: غَرَرْتُه غُرُورًا.\nوبنحوِ الذي قلْنا في معنى قولَه: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُور﴾. قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7255>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْغَرُورُ﴾. قال: الشيطانُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾: ذاكم الشيطانُ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بن خالدٍ المَرْوَزِيَّ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولَه: ﴿الْغَرُورُ﴾. قال: الشيطان (^٣).\nوكان بعضهم يتأولُ الغَرور بما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن ابن لهيعةَ، عن عطاءِ بن دينار، عن سعيدِ بن جبيرٍ قولَه: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. قال: أن تَعْمَلَ بالمعصية، وتَتَمَنَّى المغفرةَ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٤٣، وذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٨١، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٥٤.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٤ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٩ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٧/ ١٩٤، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٥٤.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٨١، والبغوى في تفسيره ٦/ ٢٩٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"18","page":583},{"text":"<span id=\"aya-3503\"></span><span data-type='title' id=toc-7257>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ - هو آتيكم، عِلمُ إتيانه إيَّاكم عندَ ربِّكم، لا يَعْلَمُ أحدٌ متى هو جائيكم، لا يَأْتيكم إلا بغتةً، فاتَّقُوه أن يَفْجَأَكم بغتةً وأنتم على ضلالِتكم لم تُنِيبوا منها، فتصيروا من عذابِ اللهِ وعقابِه إلى ما لا قِبَلَ لكم به، وابتَدَأ تعالى ذكرُه الخبرَ عن علمه بمجيءِ الساعةِ - والمعنى ما ذكَرتُ لدَلالةِ الكلامِ على المرادِ منه - فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ التي تَقومُ فيها القيامة، لا يَعْلَمُ ذلك أحدٌ غيره، ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ من السماءِ، لا يَقْدِرُ على ذلك أحدٌ غيرُه، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾: أرحامِ الإناثِ، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾. يقولُ: وما تَعْلَمُ نفسُ حيٍّ ماذا تَعْمَلُ في غدٍ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾. يقولُ: وما تَعْلَمُ نفس حيٍّ بأى أرضٍ تكونُ مَنيَّتُها، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. يقولُ: إن الذي (^١) يَعْلَمُ ذلك كلَّه، هو اللهُ دونَ كلَّ أحدٍ سِواه، إنه ذو علم بكل شيءٍ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ، خبيرٌ بما هو كائنٌ، وما قد كان.\nوبنحوِ الذي قلْنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7256>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"الله\".","vol":"18","page":584},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. قال: جاءَ رجلٌ - قال أبو جعفرٍ: أَحْسَبُه قال: إلى النبيِّ ﷺ - فقال: إن امرأتي حُبْلَى، فَأَخْبِرْني ماذا تَلِدُ؟ وبلادُنا مَحْلٌ جَدْبَةٌ، فأخبِرْني متى يَنْزِلُ الغَيْثُ؟ وقد علِمتُ متى وُلِدْتُ، فأخبِرْني متى أموتُ؟ فأنزَل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ إلى آخرِ السورةِ، قال: فكان مجاهدٌ يقولُ: هنَّ مفاتح الغيب التي قال اللهُ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (^١) [الأنعام: ٥٩].\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية. أشياءُ من الغيبِ، استَأْثَر اللهُ بِهِنَّ، فلم يُطْلِعْ عَليهِنَّ مَلَكًا مُقَرَّبًا، ولا نَبِيًّا مُرْسلًا؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾: فلا يَدْرى أحدٌ من الناس متى تَقومُ الساعةُ؟ في أيِّ سنةٍ؟ أو في أيِّ شهرٍ؟ أو ليلٍ؟ أو نهارٍ؟ ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾: فلا يَعْلَمُ أَحدٌ متى يَنْزِلُ الغيثُ، ليلًا أو نهارًا يَنْزِلُ؟ ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾: فلا يَعْلَمُ أحدٌ ما في الأرحامِ؛ أذكرٌ أو أنثى، أحمرُ أو أسودُ، وما هو؟ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾: خيرٌ أم شرٌّ، ولا تَدْرِى يا بنَ آدَمَ متى تَموتُ، لعلك الميت غدًا، لعلك المصاب غدًا، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾: ليس أحدٌ من الناسِ يَدْرى أين مَضْجَعُه من الأرضِ؛ في بحرٍ أو برٍّ أو سهلٍ أو جبلٍ، تعالى وتبارَكَ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: قالت عائشةُ: مَن قال إن أحدًا يَعْلَمُ الغَيْبَ إِلا اللَّهَ فقد كذَب، وأعظَم الفِرْيَةَ على اللَّهِ،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٤٣، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٥٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٩ إلى الفريابي وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٥٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"18","page":585},{"text":"قال اللهُ: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^١) [النمل: ٦٥].\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن يونسَ بن عبيدٍ، عن عمرِو بن شُعيبٍ، أن رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ، هل من العلمِ علمٌ لم تُؤْته؟ قال: \"لَقَدْ أُوتِيتُ عِلمًا كَثِيرًا، وَعِلْمًا حَسَنًا\". أو كما قال رسولُ اللهِ ﷺ، ثم تلا رسولُ اللهِ ﷺ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ إلى: \" ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. لا يَعْلَمُهن إلا اللهُ ﵎\".\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني عمر (^٢) بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"مَفاتحُ الغيبِ خَمْسةٌ\". ثم قرَأ هؤلاء الآياتِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى آخرِها (^٣).\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللَّهِ بن دينارٍ، أنه سمِع ابنَ عمرَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"مَفاتِحُ الغَيْبِ خمسٌ لا يَعْلَمُهن إلا اللهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ الآية، ثم قال: ولا يعلم ما في غدٍ إلا اللهُ، ولا يعلم أحدٌ متى يَنزِلُ الغيثُ إلا اللهُ، ولا يعلمُ أحدٌ متى قِيامُ الساعةِ إلا اللهُ، ولا يعلمُ أحدٌ ما في الأرْحامِ إلا الله، ولَا تَدْرِى نَفْسٌ بأيِّ أَرْضٍ تَموتُ\".\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ بن دينارٍ، عن ابن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٢٤١ (ميمنية)، والبخارى (٧٣٨٠، ٧٥٣١، ٣٢٣٥)، ومسلم ٢٨٧/ ١٧٧، والنسائي في الكبرى (١١٥٣٢)، والترمذى (٣٠٦٨) من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة. وهو جزء من حديث طويل تقدم مرات.\n(^٢) في النسخ: \"عمرو\". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٥٠٠.\n(^٣) أخرجه البخارى (٤٧٧٨) من طريق ابن وهب به، وأخرجه أحمد ٩/ ٤١٢ (٥٥٧٩)، والطبراني (١٣٣٤٤) من طريق عمر بن محمد به.","vol":"18","page":586},{"text":"عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"مَفاتِحُ الغَيْبِ خمس، لا يَعْلَمُها إِلا اللَّهُ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن مِسْعَرٍ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بن سلمةَ عن ابن مسعودٍ، قال: كلُّ شيءٍ أُوتِيَه نبيُّكم ﷺ، إلا علمَ الغيبِ الخمسِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي خالد، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: من حدَّثكَ أنه يَعْلَمُ ما في غدٍ فقد كذَب. ثم قرَأتْ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (^٣).\nقال: ثنا جريرٌ وابنُ عُلَيةَ، عن أبي حَيَّانَ (^٤)، عن أبي زرعةً، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: \"خَمْسٌ لا يَعْلَمُهن إلا اللهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٢٣٩، وأخرجه أحمد ٨/ ٣٨٦، ٩/ ١٨٤، ١٨٥ (٤٧٦٦، ٥٢٢٦) عن وكيع به، وأخرجه أيضًا في ٥/ ١٣٦ (٥١٣٣)، والبخارى (١٠٣٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٠٤ (٧٣٦٧) من طريق سفيان به، وأخرجه ابن حبان (٧٠، ٧١، ٦١٣٤) من طريق عبد الله بن دينار به.\n(^٢) أخرجه أحمد (٤٢٥٣) عن وكيع به، وأخرجه الحميدى (١٢٤)، وابن أبي شيبة ١١/ ٤٧٧ من طريق مسعر به، وأخرجه الطيالسي (٣٨٥)، وأحمد (٣٦٥٩، ٤١٦٧) من طريق عمرو بن مرة به، وأخرجه ابن مردويه كما في الفتح ٨/ ٥١٤ من طريق عبد الله بن سلمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٦٩ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه البخارى (٤٨٥٥) من طريق وكيع به، وأخرجه أحمد ٦/ ٤٩ (ميمنية) من طريق إسماعيل به، وأخرجه أيضًا في ٦/ ٢٣٦ (ميمنية)، ومسلم (٢٨٧/ ١٧٧)، والنسائى في الكبرى (١١٠٤٨، ١١٤٠٩) من طريق عامر به.\n(^٤) في ص: \"حبان\"، وفى م: \"خباب\"، وفى ت ١: \"حباب\"، وفى ت ٢: \"جاب\". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٣٢٣.","vol":"18","page":587},{"text":"الْغَيْثَ﴾ \" الآية (^١)\nحدَّثني أبو شُرَحْبيلَ، قال: ثنا أبو اليمانِ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن جعفرٍ، [عن الأعمشِ] (^٢)، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن سلمةَ، عن ابن مسعودٍ، قال: كلُّ شيءٍ قد أُوتِىَ نبيُّكم، غيرَ مفاتيحِ الغيبِ الخمسِ. ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى آخرِها (^٣).\nوقيل: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾، وفيه لغةٌ أخرى (بأيَّةِ أَرْضٍ) (^٤)، فمن قال: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ﴾ اجتزأ بتأنيثِ الأرضِ من أن يَظْهَرَ في \"أيِّ\" تأنيثٌ آخَرُ، ومَن قال: (بأيَّةِ أرْضٍ) فأَنَّث \"أيِّ\"، قال: قد تَجْتَزِيء بـ \"أيٍّ\" مما أضيف إليه، فلابدَّ من التأنيثِ؛ كقولِ القائلِ: مررْتُ بامرأةٍ. فيُقَال له: بأيةٍ؟ ومرَرتُ برجلٍ. فيُقالُ له: بأيٍّ؟ ويُقالُ: أيُّ امرأةٍ جاءتْك وجاءَك؟ وأيةُ امرأةٍ جاءتك؟\nآخر تفسيرِ سورة \"لقمانَ\".\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٤٧٧٧)، وابن خزيمة (٢٢٤٤) من طريق جرير به، وأخرجه أحمد ١٥/ ٣٠٤ (٩٥٠١)، والبخارى (٥٠)، ومسلم (٩)، وابن ماجه (٦٤، ٤٠٤٤)، وابن خزيمة (٢٢٤٤) وغيرهم من طريق أبي حيان به، وأخرجه ابن مردويه - كما في الفتح ٢/ ٥٢٥ كما في الفتح ٢/ ٥٢٥ من طريق أبي زرعة به.\n(^٢) سقط من: م، وفى ص: \"الأعمش\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٧٦.\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (٥١٥٣) من طريق الأعمش به\n(^٤) وهى قراءة موسى الأسوارى وابن أبي عبلة، وهى قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط ٧/ ١٩٤، ١٩٥.","vol":"18","page":588},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7258>تفسيرُ سورةِ السجدةِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-3504\"></span><span data-type='title' id=toc-7259>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ </span>(٣)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: قد مضى البيانُ عن تأويلِ قولِه: ﴿الم﴾ بما فيه الكفايةُ (^١).\n\n<span id=\"aya-3505\"></span>وقولُه: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تنزيلُ الكتابِ الذي نُزِّل على محمدٍ ﷺ، لا شكَّ فيه، ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: من ربِّ الثقلينِ؛ الجنِ والإنسِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شكَّ فيه (^٢).\nوإنما معنى الكلام: إن هذا القرآنَ الذي أُنزل على محمدٍ لا شكَّ فيه أنه مِن عندِ اللهِ، وليس بشعرٍ ولا سَجْعِ كاهنٍ، ولا هو مما تَخَرَّصَه محمدٌ ﷺ، وإنما كذَّب جلَّ ثناؤُه بذلك قولَ الذين قالُوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]. وقولَ الذين قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤].\n_________\n(^١) تقدم في: ١/ ٢٠٤ وما بعدها.\n(^٢) تقدم تخريجه في: ١/ ٢٣٣.","vol":"18","page":589},{"text":"<span id=\"aya-3506\"></span>وقولُه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يقولُ المشركون باللهِ: اختَلَق هذا الكتابَ محمدٌ مِن قِبَل نفسِه، وتَكَذَّبَه. و\"أم\" هذه تقريرٌ، وقد بَيَّنَّا في غيرِ موضعٍ من كتابنا أن العربَ إذا اعتَرضَت بالاستفهامِ في أضعافِ كلامٍ قد تقدَّم بعضُه، [أنها تستفهم] (^١) بـ \"أم\" (^٢). وقد زعمَ بعضُهم أن معنى ذلك: ويقولون. وقال: \"أم\" بمعنى الواوِ، و(^٣) بمعنى \"بل\" في مثل هذا الموضعِ.\nثم أكْذَبهم تعالى ذكرُه فقال: ما هو كما تزعُمون وتقولون مِن أن محمدًا افتَراه، بل هو الحقُّ والصدقُ مِن عندِ ربِّك يا محمدُ، أنزله إليك؛ لتُنذِرَ قومًا بأسَ اللهِ وسَطوته، أن يَحِلَّ بهم على كفرِهم به، ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾. يقولُ: لم يأتِ هؤلاء القومَ الذين أرسَلك ربُّك يا محمدُ إليهم، وهم قومَه من قريشٍ، نذيرٌ ينذرُهم بأسَ اللهِ على كفرِهم قَبْلَك. وقولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. يقولُ: ليتَبَيَّنوا سبيلَ الحقِّ، فيعرِفوه ويؤمِنوا به.\nوبمثلِ الذي قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7260>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. قال: كانوا أُمَّةً أُمَّيَّةً، لم يَأْتِهم نذيرٌ قبلَ محمدٍ ﷺ (^٤).\n\n<span id=\"aya-3507\"></span><span data-type='title' id=toc-7261>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي</span>\n_________\n(^١) في م: \"أنه يستفهم\".\n(^٢) تقدم في ٢/ ٤١٢، ٤١٣.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٢٩٩.","vol":"18","page":590},{"text":"سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: المعبودُ الذي لا تصلُحُ العبادةُ إِلَّا له، أيُّها الناسُ، ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ مِن خَلْقٍ ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، ثم استَوى على عرشِه في اليومِ السابعِ، بعدَ خلقهِ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في اليومِ السابعِ.\nيقولُ: ما لكم أيُّها الناسُ إله إلا مَن فعَل هذا الفعلَ، وخلَق هذا الخَلْقَ العجيبَ في ستةِ أيامٍ.\nوقولُه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾. يقولُ: ما لكم أيُّها الناسُ دونَه وليٌّ يَلِى أمرَكم، وينصُرُكم منه إن أرادَ بكم ضَرًّا، ولا شفيعٌ يشفعُ لكم عندَه إن هو عاقَبكم على معصيتِكم إياه. يقولُ: فإياه فاتَّخِذوا وليًّا، وبه وبطاعته فاسْتَعِينوا على أمورِكم، فإنه يَمْنَعُكم إذا أراد منعَكم ممن أرادكم بسوءٍ، ولا يَقْدِرُ أحدٌ على دفعِه عما أراد بكم هو؛ لأنه لا يَظْهَرُه قاهرٌ، ولا يَغْلِبُه غالبٌ، ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفلا تَعْتَبِرون وتَتَفَكَّرون أيُّها الناسُ، فتَعْلَموا أنه ليس لكم دونَه وليٌّ ولا شفيعٌ، فتُفْرِدوا له الأُلُوهة، وتُخلصوا له العبادةَ، وتَخْلعوا ما دونَه مِن الأندادِ والآلهةِ.\n\n<span id=\"aya-3508\"></span><span data-type='title' id=toc-7262>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾.</span>","vol":"18","page":591},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: الله هو الذي يُدَبِّرُ الأمرَ مِن أمرِ خلقِه، مِن السماءِ إلى الأرضِ، ثم يَعْرُج إليه.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنى بقوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: إن الأمرَ يَنْزِلُ مِن السماءِ إلى الأرضِ، ويَصْعَدُ مِن الأرضِ إلى السماءِ في يومٍ واحدٍ، وقَدْرُ ذلك ألفُ سنةٍ مما تَعُدُّون مِن أيامِ الدنيا؛ لأن ما بينَ الأرضِ إلى السماءِ خمُسمائةِ عامِ، وما بين السماءِ إلى الأرضِ مثل ذلك، فذلك ألفُ سنةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7263>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرِو بن معروفٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. يعني بذلك نزولَ الأمرِ من السماءِ إلى الأرضِ، ومن الأرضِ إلى السماءِ في يومٍ واحدٍ، وذلك مقدارُه ألفُ سنةٍ؛ لأن ما بين السماءِ إلى الأرضِ مَسيرةُ خمسِمائةِ عامٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ﴾ مِن أيامِكم ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. يقولُ: مقدارُ مسيرِه في ذلك اليومِ ألفُ سنةٍ مما تَعُدُّون من أيامِكم من أيامِ الدنيا؛ خمسُمائِة سنةٍ نزولُه، وخمسُمائةٍ صعودُه، فذلك ألفُ سنةٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٣٠٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٢ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٢ إلى المصنف.","vol":"18","page":592},{"text":"إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. قال: [تَعْرُجُ الملائكةُ] (^١) إلى السماءِ ثم تَنْزِلُ في يومٍ مِن أيامِكم هذه، وهو مسيرة ألفِ سنةٍ (^٢).\nقال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. قال: مِن أيامِ الدنيا (^٣).\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِى، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن أبي الحارثِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسِ في قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ﴾ مِن أيامِكم هذه، و(^٤) مسيرةُ ما بين السماءِ إلى الأرضِ خمسُمائةِ عامٍ (^٥).\nوذُكر عن عبدِ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ، قال: تنحدرُ الأمور وتَصْعَدُ إلى (^٦) السماءِ من (^٧) الأرضِ في يومٍ واحدٍ، مقداره ألفُ سنةٍ، خمسُمائةٍ حين [ينزلُ، وخمسُمائةٍ حين] (^٨) يعرُجُ (^٩).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: يُدبِّرُ الأمر من السماءِ إلى الأرضِ، ثم يعرُجُ إليه، في يومٍ مِن الأيامِ الستةِ، التي خلَق اللهُ فيهنَّ الخلقَ، كان مقدارُ ذلك اليومِ ألفَ سنةٍ مما تعدُّون مِن أيَّامكم.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"يعرج الملك\".\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٢٦٥.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٢ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧١ إلى المصنف.\n(^٦) في م: \"من\".\n(^٧) في م: \"إلى\".\n(^٨) في م، ت ١: \"حتى\"، والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٩) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٠٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"18","page":593},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7264>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. قال: ذلك مقدارُ المسيرِ. قولُه: ﴿كَأَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. قال: خلَق السماواتِ والأرضَ في ستةِ أيامٍ، وكلُّ يومٍ مِن هذه كألفُ سنةٍ مما تَعُدُّون أنتم (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. قال: الستةُ الأيامُ التي خلق اللهُ فيها السماواتِ والأرضَ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾: يعنى هذا اليومَ مِن الأيامِ الستةِ التي خلَق اللهُ فيهن السماواتِ والأرض وما بينَهما (^٣).\nوقال آخرون: بل معني ذلك: يدبِّرُ الأمرَ مِن السماءِ إلى الأرضِ بالملائكةِ، ثم تعرُجُ إليه الملائكةُ في يومٍ كان مقدارهُ ألفُ سنةٍ مِن أيامِ الدنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-7265>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: هذا\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه في ١/ ٥٩.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٩، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤١٢ من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧١ إلى الفريابي.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٩ ثنا عبدة ثني الحسين به.","vol":"18","page":594},{"text":"في الدنيا، تعرُجُ الملائكةُ إليه في يومٍ كان (^١) مقداره ألفُ سنةٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا غُنْدَرٌ، عن شعبةَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: ما بينَ السماءِ والأرضِ مسيرةُ ألفُ سنةٍ ﴿مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ مِن أيامِ الدُّنيا (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. قال: ما بينَ السماءِ والأرضِ مسيرةُ ألفُ سنةٍ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: يدبِّرُ الأمرَ مِن السماءِ إلى الأرضِ في يومٍ، كان مقدارُ ذلك التَّدْبِيرِ ألفَ سنةٍ ﴿مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ مِن أيامِ الدنيا، ثم يعرُجُ إليه ذلك التدبيرُ (^٤) الذي دبَّره.\n\n<span data-type='title' id=toc-7266>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nذُكر عن حجاجٍ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، أنه قال: يُقْضَى أمرُ كلِّ شيءٍ ألفُ سنةٍ إلى الملائكة، ثم كذلك حتى تمضىَ ألفُ سنةٍ، ثم يُقْضَى أمرُ كلِّ شيءٍ ألفًا، ثم كذلك أبدًا، قال: ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾. قال: \"اليومُ\" أن يقالَ لِما يُقْضَى إلى الملائكةِ ألفُ سنةٍ: كُن فيكونُ. ولكن سمَّاه يوما، سَمَّاه كما بَيَّنَّا كلَّ ذلك عن مجاهدٍ. قال: وقولُه: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]. قال: هو هو سواءٌ (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧١ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) في النسخ \"الآخرة\". والمثبت موافق لكلام المصنف السابق.\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٢ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٥، ٢٦ ثنى القاسم عن الحسين عن الحجاج به.","vol":"18","page":595},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: يُدَبِّرُ الأمر من السماءِ إلى الأرضِ، ثم يعرُجُ إلى اللهِ في يومٍ كان [مقدارُه ألفُ سنةٍ (^١)، مقدارُ العُرُوج ألفُ سنةٍ مما تعدُّون.\n\n<span data-type='title' id=toc-7267>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. قال: قال (^٢) بعضُ أهلِ العلمِ: مقدارُ ما بينَ الأرضِ حينَ يَعْرُجُ إليه، إلى أن يَبْلُغَ عُرُوجَه - ألفُ سنةٍ، هذا مقدارُ ذلك المِعْراجِ في ذلك اليومِ حينَ يعرُجُ فيه.\nوأَولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: يُدَبِّرُ الأمرَ مِن السماءِ إلى الأرضِ، ثم يعرُجُ إليه في يومٍ كان مقدارُ ذلك اليومِ في عُرُوجِ ذلك الأمرِ إليه، ونزولِه إلى الأرضِ، ألفَ سنةٍ مما تَعُدُّون مِن أيامِكم؛ خمسُمائةٍ في النزولِ، وخمسُمائةٍ في الصعودِ؛ لأن ذلك أظهرُ معانيه، وأَشْبَهها بظاهر التنزيل.\n\n<span id=\"aya-3509\"></span><span data-type='title' id=toc-7268>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي يفعلُ ما وصفتُ لكم في هذه الآياتِ هو ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾: يعنى: عالمُ ما يغيبُ عن أبصارِكم، أيُّها الناسُ، فلا تُبْصِرونه، مما تُكِنُّه الصدورُ، وتُخْفِيه النفوسُ، وما لم يَكُنْ بعدُ مما هو كائنٌ. ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: يعني: ما شاهَدَتْه الأبصارُ فأبصَرَته وعاينَته، وما هو موجودٌ، ﴿الْعَزِيزُ﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ٢.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"18","page":596},{"text":"الشديدُ في انْتقامِه مِمَّن كفَر به، وأشْرَك معه غيره، وكَذَّب رُسُلَه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بمن تابَ مِن ضلالتِه، ورجَع إلى الإيمانِ به وبرسولِه، والعملِ بطاعتِه؛ أن يُعَذِّبَه بعدَ التوبةِ.\n\n<span id=\"aya-3510\"></span>وقولُه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، اختلفَتِ القرأةِ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ مكةَ والمدينةِ والبصرةِ: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ بسكونِ اللامِ (^١). وقرَأه بعضُ المدنيين وعامةُ الكوفيِّين: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ بفتحِ اللامِ (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقال: إنهما قِراءتان مشهورتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، صَحيحتا المعنى، وذلك أن اللَّهَ أَحْكَم خَلْقَه، وأحْكَم كلِّ شيءٍ خَلَقَه، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nواختَلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وأَتْقَن كلَّ شيءٍ وأحْكَمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7269>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني العباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ إبراهيمَ إشْكابُ (^٣)، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. قال: أمَا إِنَّ اسْتَ القردِ ليست بحَسَنةٍ، ولكنه (^٤) أحكَم خَلْقَها (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو النضر، قال: ثنا أبو سعيدٍ المؤدِّبُ، عن\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. ينظر حجة القراءات ص ٥٦٧.\n(^٢) هي قراءة نافع وعاصم وحمزة والكسائي وخلف. ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ٢١٦.\n(^٣) في ص، ت ١: \"شكاب\"، وفى ت ٢: \"سكاف\". ينظر تهذيب الكمال ٦/ ٣٥٠.\n(^٤) في م: \"لكن\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٢ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"18","page":597},{"text":"خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أنه كان يقرؤُها: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. قال: أمَا إِنَّ اسْتَ القردِ ليست بحسنةٍ، ولكنه أحكَمها (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. قال: أَتقَنَ كُلَّ شيءٍ خَلَقه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن موسى، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]: أحْصَى كلَّ شيءٍ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: الذي حَسَّنَ (^٣) خَلْقَ كلِّ شيءٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7270>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. حَسَّن على نحو ما خَلق (^٤).\nوذُكِر عن الحجَّاج، عن ابن مُجريج، عن الأعْرجِ، عن مجاهدٍ، قال: هو مثلُ: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (^٥) [طه: ٥٠]، فلم يجعلْ خلقَ البهائمِ في خلقِ الناسِ، ولا خلقَ الناسِ في خلقِ البهائمِ، ولكن خلَق كلّ شيءٍ فقَدَّره تقديرًا (^٦).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أعلْمَ كلَّ شيءٍ خلْقَه. كأنهم وجَّهوا تأويلِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٢ إلى المصنف وابن أبي شيبة والحكيم الترمذي وابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٤٤.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"أحسن\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاقِ في تفسيره ٢/ ١٠٩ عن معمر عن قتادة بمعناه.\n(^٥) بعده في م: \"قال\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٢ إلى المصنف الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"18","page":598},{"text":"الكلامِ إلى أنه ألْهَمَ خلْقَه ما يَحْتاجون إليه، وأن قولَه: ﴿أَحْسَنَ﴾. إنما هو مِن قولِ القائلِ: فلانٌ يُحْسِنُ كذا. إذا كان يَعْلَمُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7271>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شَرِيك، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: (أحسن كل شيءٍ خَلْقَه). قال: أعطَى كلَّ شيءٍ خَلْقَه؛ قال: الإنسانُ للإنسان (^١)، والفرسُ للفرس، والحمارُ للحمار.\nوعلى هذا القولُ، \"الخَلْقُ\" و\"الكلُّ\" منصوبان بوقوعِ \"أحسنَ\" عليهما.\nوأَولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ على قراءةِ مَن قَرأه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. بفتحِ اللامِ قولُ مَن قال: معناه أحْكَم وأتقَن؛ لأنه لا معنَى لذلك إذ قُرِئ كذلك إلا أحدُ وجهَين؛ إمَّا هذا الذي قلْنا من معنى الإحكامِ والإتقان، أو معنى التَّحْسين الذي هو في معنى الجمالِ والحُسْنِ، فلما كان في خَلْقِه ما لا يُشَكُّ في قُبْحِه وسَمَاجَتِه، عُلِم أنه لم يَعْنِ به أنه حَسَّن (^٢) كلَّ ما خلَق، ولكن معناه أنه أحكَمه وأتقَن صنعتَه. وأما على القراءةِ الأخرى التي هي بتَسْكينِ اللامِ، فإن أَولى تأويلاتِه به قولُ مَن قال: معنى ذلك: أعلَم [وألْهم] (^٣) كلِّ شيءٍ خلْقَه هو أحسَنَهم، كما قال: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]؛ لأن ذلك أظهرُ معانيه.\nوأمَّا الذي وجَّهَ تأويلَ ذلك إلى أنه بمعنى: الذي أحسَن خَلْقَ كلِّ شيءٍ. فإنه\n_________\n(^١) في ص، م: \"إلى الإنسان\".\n(^٢) في ص، م: \"أحسن\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"أولهم\".","vol":"18","page":599},{"text":"جَعَل الخَلْقَ نَصْبًا، بمعنى التفسيرِ، كأنه قال: الذي أحسَن كلَّ شيءٍ خَلْقًا منه. وقد كان بعضُهم يقولُ: هو من المُقَدَّمِ الذي معناه التأخيرُ. ويُوجِّهه إلى أنه نظيرُ قولِ الشاعرِ (^١):\nوَظَعْنى إليك الليل حِضْنَيه إنَّني … لتلك إذا هابَ الهدانُ فَعُولُ\nيعنى: وظَعْنى حِضْنى الليلِ إليك.\nونظيرُ قولِ الآخرِ (^٢):\nكأن هندًا ثَناياها وبَهْجَتَها … يومَ التَقَيْنا على أدْحالِ (^٣) دَبَّابٍ\nأي كأن ثَنايا هندٍ وبَهْجتَها.\n\n<span id=\"aya-3511\"></span>وقولُه: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبدأ خلقَ آدمَ مِن طينٍ، ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾. يعني: ذرِّيتَه مِن سُلالةٍ. يقولُ: من الماءِ الذي انسَلَّ فخرج منه. وإنما يعنى: مِن إراقةٍ من مائه؛ كما قال الشاعرُ (^٤):\nفجاءتْ به عَضْبَ الأَدِيمِ غَضَنْفَرًا … سُلالَةَ فَرْجٍ كان غيرَ حَصِينِ\nوقولُه: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾. يقولُ: مِن نُطْفَةٍ ضعيفةٍ رقيقةٍ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7272>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ\n_________\n(^١) البيت لحميد بن ثور، وهو في ديوانه ص ١١٦.\n(^٢) البيت للراعى النميرى، وهو في ديوانه ص ٤٢.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"أرحال\". والأدحال: جمع دَحْل، وهو نقب ضيق فمُه، ثم يتسع أسفله حتى يمشى فيه، والدباب: رمل بالخلصاء يقال له: دباب. اللسان (د ح ل، د ب ب. د ب ب).\n(^٤) البيت لحسان بن ثابت، وهو في ديوانه ص ٣٩٦.","vol":"18","page":600},{"text":"مِنْ طِينٍ﴾. وهو خلق آدم، ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾: أي: ذرِّيتَه، ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾، والسُّلالة: هي الماءُ المَهِينُ الضعيفُ (^١).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن أبي يحيى الأعْرجِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾. قال: صَفْو الماءِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾. قال: ضعيفٍ؛ نُطفةِ الرجلِ (^٢).\n﴿مَهِينٍ﴾. فَعِيلٍ مِن قولِ القائلِ: مَهُنَ فلانٌ. وذلك إِذا زَلَّ وضَعُفَ.\n\n<span id=\"aya-3512\"></span><span data-type='title' id=toc-7273>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثم سوَّى الإنسانَ الذي بدَأ خلقَه مِن طينٍ خلقًا سويًا معتدِلًا، ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾، فصار حيًّا ناطقًا، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: وأنْعَم عليكم أيُّها الناسُ ربُّكم؛ بأن أعطاكم السمعَ تَسْمَعون به الأصواتَ، والأبصارَ تُبْصِرون بها الأشخاصَ. والأفئدةَ تعقِلون بها الخيرَ من السُّوءِ؛ لتشكُروه على ما وهَب لكم مِن ذلك. وقولُه: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: وأنتم تشكُرون قليلًا من الشكرِ ربَّكم على ما أنعَم عليكم.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم بمعناه.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٤٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٢ إلى المصنف والفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر بمعناه.","vol":"18","page":601},{"text":"<span id=\"aya-3513\"></span><span data-type='title' id=toc-7274>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال المشركون باللهِ، المكذِّبون بالبَعْثِ: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: صارت لحومُنا وعظامُنا ترابًا في الأرضِ. وفيها لغتان: ضَلَلْنا، وضَلِلْنا، بفتحِ اللامِ وكسرِها والقراءةُ على فتحِها، وهى الجَوداءُ، وبها نقرأُ (^١).\nوذُكر عن الحسنِ أنه كان يقرأُ: (أئِذَا صَلَلْنا) بالصادِ (^٢)، بمعنى: أَنْتَنَّا، مِن قولِهم: صَلَّ اللحمُ وأصَلَّ، إذا أنْتَنَ.\nوإنما عَنَى هؤلاء المشركون بقولِهم: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾. أي: إذا هلكَت أجسادُنا في الأرضِ. لأن كلَّ شيءٍ غَلَب عليه غيره حتى خفى فيما غلَب، فإنه قد ضَلَّ فيه. تقولُ العربُ: قد ضَلَّ الماءُ في اللبن. إذا غَلَب اللبنُ (^٣) عليه حتى لا يَتَبَيَّنَ فيه (^٤)، ومنه قولُ الأخطلِ الجريرٍ (^٥):\nكُنْتَ القَذَى فِي مَوْجٍ أَكْدَرَ مُزيدٍ … قَذَفَ الأَتِيُّ بهِ فَضَلَّ ضَلَالًا\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) قرأ يحيى بن يعمر وابن محيصن وأبو رجاء وطلحة وابن وثاب: (ضَلِلْنا)، وهي قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط ٧/ ٢٠٠.\n(^٢) هي قراءة على وابن عباس والحسن والأعمش وأبان بن سعيد بن العاص. ينظر البحر المحيط ٧/ ٢٠٠.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) بعده في ت ١، ت ٢: \"الماء\".\n(^٥) ديوانه ص ٣٩٢.","vol":"18","page":602},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7275>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَامٌ، عن عَنْبسةَ، عن لَيْثٍ (^١)، عن مجاهدٍ: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: أَئذا هَلَكْنا.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ (^٢)، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾: هَلكْنا (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخبرنا عُبَيدٌ: قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: أَئذا كُنَّا عِظَامًا ورُفاتًا أنُبْعَثُ خلقًا جديدًا؟ يكفرون بالبَعْثِ!!.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. قال: قالوا: أئذا كُنَّا عِظَامًا ورُفاتًا أئنا لمبعوثون خلقًا جديدًا (^٤)؟\nوقولُه: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما بهؤلاء المشركين جُحُودُ قُدرة الله على ما يشاءُ، بل هم بلقاءِ ربِّهم كافرون؛ حذرًا لعقابه، وخوفَ مُجازاتِه إيَّاهم على معصيتِهم إيَّاه، فهم من أجلِ ذلك يجحَدون لقاءَ ربِّهم في المعادِ.\n\n<span id=\"aya-3514\"></span><span data-type='title' id=toc-7276>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ</span>\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، وقد تقدم في ٣/ ٤٨٤. ينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٢٧٩، ٢٧/ ٢٢٨\n(^٢) بعده في ت ٢: \"جميعا\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٤٤، وأخرجه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٨٠ عن ورقاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٣ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٢٦٩ بمعناه.","vol":"18","page":603},{"text":"إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين باللَّهِ: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾. يقولُ: يَسْتوفى عددكم بقَبْضِ أرواحكِم ملكِ الموتِ الذي وُكِّل بقَبْضِ أرواحِكم، ومنه قولُ الراجزِ (^١)\nإِنَّ بَنِي الأَدْرَم ليسوا مِن أَحَدٌ … ولا تَوَفَّاهُمْ قُرَيْشٌ في العَدَدْ\n﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: ثم (^٢) من بعدِ قبْضِ مَلَكِ الموتِ أرواحَكم، إلى ربِّكم يوم القيامةِ تُرَدُّون أحياءً كهيئتكم قبلَ وفاتِكم، فيُجازى المحسنَ منكم بإحْسانِه، والمُسيء بإساءتِه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾. قال: مَلَكُ الموتِ يتوفّاكم (^٣) ومعه أعوانٌ من الملائكةِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾. قال: حُوِيَت له الأرضُ، فجُعِلَت له مثلَ الطَّسْتِ، يَتَناول منها حيثُ يَشاءُ (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكّام، عن عنبسةَ، عن محمدُ بنُ عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\n_________\n(^١) البيت في مجاز القرآن ٢/ ١٣٢ لمنظور الزبيري، وفي اللسان مادة (وف ى) لمنظور الوبرى.\n(^٢) سقط من: م، ت ١.\n(^٣) في ص، ت ١: \"يتوفاهم\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٤ إلى المصنف.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٥٤٤.","vol":"18","page":604},{"text":"<span id=\"aya-3515\"></span><span data-type='title' id=toc-7278>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يا محمد هؤلاء القائلين: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ﴾. إذ (^١) هم ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ حَياءً [من ربِّهم] (^٢) للذى سلَف منهم مِن مَعاصِيه في الدنيا، يقولون: يا ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ ما كنا نُكَذِّبُ به من عقابِك أهلَ مَعاصِيك، ﴿وَسَمِعْنَا﴾ منك تصديقَ ما كانت رسلُك تَأْمُرُنا به في الدنيا، ﴿فَارْجِعْنَا﴾. يقولُ: فَارْدُدْنا إلى الدنيا ﴿نَعْمَلْ﴾ فيها بطاعتِك، وذلك العملُ الصالحُ؛ ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾. يقولُ: إنا قد أيْقَنَّا الآنَ (^٣) ما كنا به في الدنيا جُهَّالًا مِن وَحْدانيتك، وأنه لا يَصْلُحُ أَن يُعْبَدَ سِواك، ولا يَنْبَغى أن يكونَ ربٌّ سِواك، وأنك تَحْيى وتُميتُ، وتَبْعَثُ مَن في القبورِ بعدَ المَماتِ والفَناءِ، وتَفْعَلُ مَا تَشاءُ.\nوبنحوِ ما قلْنا في قولِه: ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7277>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في (^٤) قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. قال: قد حزنوا واسْتَحْيَوْا.\n\n<span id=\"aya-3516\"></span><span data-type='title' id=toc-7279>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ت ٢: \"إذا\".\n(^٢) في ت ٢: \"لربهم\".\n(^٣) في ت ٢: \"اليوم\".\n(^٤) سقط من: م.","vol":"18","page":605},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ يا محمدُ، ﴿لَآتَيْنَا﴾ هؤلاء المشركين باللَّهِ مِن قومِك، وغيرَهم مِن أهل الكفرِ باللهِ - ﴿هُدَاهَا﴾ .. يعنى: رُشْدَها وتوفيقَها للإيمانِ باللهِ، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾. يقولُ: وجَب العذابُ منى لهم.\nوقولُه: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. يعنى: مِن أهلِ المعاصى والكفرِ باللهِ منهم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7280>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾. قال: لو شاء اللهُ لهَدَى الناسَ جميعًا لو شاء اللهُ لأَنزل عليهم (^١) من السماءِ آيةً فظلَّت أعناقُهم لها خاضِعين، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾: حقَّ القولُ عليهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-3517\"></span><span data-type='title' id=toc-7281>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يقال لهؤلاء المشركين باللَّهِ، إذا هم دخَلوا النار: ذُوقوا عذابَ اللهِ بما نسِيتُم لقاء يومِكم هذا في الدنيا، ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾. يقولُ: إنا ترَكْناكم اليومَ في النارِ.\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"18","page":606},{"text":"وقولُه: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾. يقولُ: يقالُ (^١) لهم أيضًا: ذُوقوا عذابًا تُخَلَّدون فيه إلى غير نهايةٍ ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿تَعْمَلُونَ﴾ مِن مَعاصِي اللَّهِ.\nوبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7282>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه (^٢): ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾. قال: نُسُوا مِن كلِّ خيرٍ، وأما الشرُّ فلم يُنْسَوْا منه.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾. يقولُ: تَرَكْناكم (^٣).\n\n<span id=\"aya-3518\"></span><span data-type='title' id=toc-7283>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ما يُصَدِّقُ بحججنا وآياتِ كتابِنا إلا القومُ الذين إذا ذُكِّروا بها ووُعِظوا ﴿خَرُّوا﴾ للهِ ﴿سُجَّدًا﴾ لوجوههم؛ تَذَلُّلًا له (^٤)، واستكانةً لعظمتِه، وإقرارًا له بالعبوديةِ، ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: وسبَّحوا الله في\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"قال\".\n(^٢) سقط من: م، ص، ت ١.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: ت ١، وفى ت ٢: \"لجلاله\".","vol":"18","page":607},{"text":"سجودِهم بحمدِه، فيُبَرِّئُونه مما (^١) يَصِفُه أهلُ الكفرِ به، ويُضيفون إليه من الصاحبةِ والأولادِ والشركاءِ والأندادِ، ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. يقولُ: يَفْعَلون ذلك، وهم لا يَسْتَكْبِرون عن (^٢) السجودِ له والتسبيحِ، و(^٣) لا يَسْتَنْكفون عن التذلُّلِ له والاستكانة.\nوقيل: إن هذه الآيةَ نزلت على رسولِ اللهِ ﷺ؛ لأن قومًا من المنافقين كانوا اللَّهِ يَخْرُجون من المسجِد إذا أُقيمت الصلاةُ. ذُكر ذلك عن حجاجٍ، عن ابن جريجٍ.\n\n<span id=\"aya-3519\"></span><span data-type='title' id=toc-7284>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: تَتَنَحَّى جُنوبُ هؤلاء الذين [يُؤْمِنون بآياتِ اللَّهِ، الذين] (^٤) وُصِفَت صفتُهم، وتَرْتَفِعُ عن (^٥) مضاجعِهم التي يَضْطَجِعون لمنامِهم، ولا يَنامون، ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ في عفوِه عنهم، وتفضُّلِه عليهم برحمتِه ومغفرته، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في سبيلِ اللَّهِ، ويُؤَدُّون منه (^٦) حقوقَ اللَّهِ التي أَوْجَبها عليهم فيه.\nوتتجافى: تَتَفاعَلُ، مِن الجَفَاءِ، والجَفاءُ: النُّبُوُّ (^٧)، كما قال الراجزُ (^٨)\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"بما\".\n(^٢) في ص، ت ٢: \"علي\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، وفي ت ٢: \"وهم\".\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) في م: \"من\".\n(^٦) سقط من: ت ٢.\n(^٧) في ت ١: \"العتو\"، وفى ت ٢: \"العتق\".\n(^٨) الرجز نسبه أبو عبيد في مجاز القرآن ٢/ ١٣٢، ١٣٣ للزفيان.","vol":"18","page":608},{"text":"وصاحِبِي ذاتُ هِبابٍ دَمْشَقُ (^١) … وابنُ مِلاطٍ مُتَجَافٍ أَرْفَقُ\nيعنى: أن كرمَها سَجِيَّةٌ عن ابن ملاطٍ، وإنما وصَفهم تعالى ذكرُه بجفاءِ (^٢). جُنُوبهم عن المضاجعِ؛ لتركهم الاضْطجاعَ للنومِ، شُغُلًا بالصلاة.\nواختَلف أهلُ التأويلِ في الصلاةِ التي وصفهم جلَّ ثناؤُه أن جُنُوبهم تَتَجَافَى لها (^٣) عن المضطجعِ (^٤)؛ فقال بعضُهم: هي الصلاةُ بينَ المغربِ والعشاءِ. وقال: نزلَت هذه الآيةَ في قومٍ كانوا يُصَلُّون في ذلك الوقتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7285>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن (^٥) أبي عَروبةَ، قال: قال قتادةُ: قال أنسٌ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]. قال: كانوا يَتَنَفَّلون فيما بينَ المغربِ والعشاءِ، وكذلك ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ (^٦).\nقال: ثنا ابن أَبي عَدِيٌّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أنسِ في قولِه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. قال: يُصَلُّون ما بينَ هاتين الصلاتَين (^٧).\n_________\n(^١) في ت ١: \"هبات\".\n(^٢) في م: \"تتجافى\".\n(^٣) في ت ٢: \"لهم\".\n(^٤) في ص: \"المضجع\".\n(^٥) سقط من: م، ت ١، والمثبت من مصادر التخريج. ينظر تهذيب الكمال ١١/ ٥.\n(^٦) أخرجه أبو داود (١٣٢٢) من طريق يحيى بن سعيد به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٦٧ - ومن طريقه البيهقي في الشعب (٣١١٠) - من طريق سعيد بن أبي عروبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٥ إلى محمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٧) أخرجه أبو داود (١٣٢٢) من طريق ابن أبي عدى به.","vol":"18","page":609},{"text":"حدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ الكِنْديُّ، قال: ثنا حفصُ (^١) بنُ غِياثٍ، عن سعيدِ، عن قتادةَ، عن أنسٍ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. قال: ما بينَ المغربِ والعشاءِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ (^٣) بنُ خَلَفٍ، قال: ثنا [زيدُ بنُ الحَبابِ] (^٤)، قال: ثنا الحارثُ بنُ [وَجِيهٍ الرَّاسِبيُّ] (^٥)، قال: ثنا مالكُ بنُ دينارٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن هذه الآيةَ نزلَت في رجالٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ، كانوا يُصَلُّون فيما بينَ المغربِ والعشاءِ، ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (^٦).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن سعيدِ بن أبي عُرُوبة، عن قتادةَ، عن أنسٍ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. قال: كانوا يتطوَّعون فيما بينَ المغربِ والعشاءِ (^٧).\nقال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن أنسٍ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. قال: ما بينَ المغربِ والعشاءِ (^٨).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، [عن أنسٍ] (^٩):\n_________\n(^١) في ت ٢: \"جعفر\". ينظر تهذيب الكمال ٧/ ٥٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في قيام الليل (٤٩٢) من طريق حفص بن غياث به، وأخرجه أيضا في (٣٠٦) من طريق سعيد به بنحوه.\n(^٣) في ت ٢: \"على\". ينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ١٦٢.\n(^٤) في م: \"يزيد بن حيان\".\n(^٥) في ت ٢: \"رحبه الراسى\". ينظر تهذيب الكمال ٥/ ٣٠٤.\n(^٦) أخرجه ابن مردويه في تفسيره - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٣/ ٨٦ من طريق الحارث بن وجيه به.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٢/ ١٩٧، ١٩٨ عن محمد بن بشر به.\n(^٨) تفسير الثورى ص ٢٤٠ عن أبان بن أبي عياش عن أنس.\n(^٩) سقط من: م، ت ١، ت ٢.","vol":"18","page":610},{"text":"﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. قال: كانوا يَتَيقظون (^١) ما بينَ صلاةِ المغربِ وصلاةِ العشاءِ (^٢).\nوقال آخرون: عُنى بها صلاة المغربِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7286>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن طلحةَ، عن عطاءٍ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. قال: عن العَتَمةِ.\nوذُكر عن حجاجٍ، عن ابن جريجٍ، قال: قال يحيى بنُ صَيْفِيٍّ، عن أبي سَلَمةَ، قال: العَتَمةُ (^٣).\nوقال آخرون: لانْتظارِ صلاةِ العَتَمةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7287>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبد الله بن أبي زيادٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيُّ (^٤)، عن سليمانَ بن بلالٍ، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالكٍ، أن هذه الآيةَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ نزلَت في انتظارِ الصلاةِ التي تُدْعَى العَتَمَةَ (^٥).\nوقال آخرون: عُنِى بها قيامُ الليلِ.\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"يتنفلون\".\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٣٢١) من طريق يزيد بن زريع به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٤ إلى المصنف ومحمد بن نصر.\n(^٤) سقط من: ت ١. ينظر تهذيب الكمال ١٨/ ١٦٠.\n(^٥) أخرجه الترمذى (٣١٩٦) عن عبد الله بن أبي زياد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٤ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة.","vol":"18","page":611},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7288>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. قال: قيامُ الليلِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. قال: هؤلاء المُتَهَجِّدون لصلاةِ الليلِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾: يقومُون يُصَلُّون مِن الليلِ (^٢).\nوقال آخرون: إنما هذه صفةُ قومٍ لا تَخْلو ألسنتُهم من ذكرِ اللَّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7289>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخبرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾: وهم قومٌ لا يزالون يذكُرون الله؛ إما في صلاةٍ، وإما قيامًا، وإما قُعُودًا، وإما إذا استيقَظوا مِن مَنامِهم، هم قومٌ لا يَزالون يذكُرون الله (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٣٢١) من طريق يزيد بن زريع به، وأخرجه عبد الرزاقِ في تفسيره ٢/ ١١٠ من طريق قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٥ إلى ابن نصر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٥ إلى المصنف والفريابي وابن أبي شيبة ومحمد بن نصر وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٠٩ من طريق جويبر عن الضحاك، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٦ إلى المصنف ومحمد بن نصر.","vol":"18","page":612},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. يقولُ: تتجافَى لذكرِ اللهِ، كلما استيَقَظوا ذكَروا الله؛ إما في الصلاةِ، وإما في قيامٍ، [وإما] (^١) في قُعُودٍ، أو على جُنُوبهم، فهم لا يَزالون يذكُرون الله (^٢).\nوالصوابُ من القولُ في ذلك أن يقالَ: إن الله وصف هؤلاء القومَ بأن جُنُوبهم تَنْبُو عن مضاجعِهم، شُغُلًا منهم [بدُعاءِ ربِّهم، وعبادتِه] (^٣) خوفًا وطمعًا، وذلك نُبُوُّ جُنُوبِهم عن المضاجعِ ليلًا؛ لأن المعروفَ مِن وَصْفِ الواصفِ رجلًا بأن جنبَه (^٤) نَبَا عن مَضْجعِه، إنما هو وصفٌ منه له بأنه جَفا عن النومِ في وقتِ مَنامِ الناسِ المعروفِ، وذلك الليلُ دونَ النهار، وكذلك تَصِفُ العربُ الرجلَ إذا وصفَته بذلك، يدلُّ على ذلك قولُ عبدِ اللهِ بن رَوَاحةَ الأنصاريِّ (^٥) ﵁ في صفةِ نبيِّ اللهِ ﷺ.\nيَبِيتُ يُجافِي جَنْبَه عن فِراشِه … إذا اسْتَثْقَلَت بالمُشرِكين المَضَاجِعُ\nفإذ كان ذلك كذلك، وكان اللهُ تعالى ذكرُه لم يَخْصُصْ في وصفِه هؤلاء القومَ بالذي وصَفهم به؛ مِن جَفاءِ جُنُوبِهم عن مَضاجعهم، مِن أحوالِ الليلِ وأوقاتِه، حالًا ووقتًا دونَ حالٍ ووقتٍ، كان واجبًا أن يكونَ ذلك على كلِّ آناء الليل وأوقاته.\n_________\n(^١) في م، ص: \"أو\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٦ إلى المصنف.\n(^٣) في ت ٢: \"به، عادتهم وعبادتهم\".\n(^٤) بعده في ت ٢: \"وصف\".\n(^٥) ديوان عبد الله بن رواحة (مجموع) ص ١٦٢.","vol":"18","page":613},{"text":"وإذا كان (^١) كذلك كان مَن صلَّى ما بينَ المغربِ والعشاءِ، أو انتَظر العشاءَ الآخرة، أو قامَ الليلَ أو بعضَه، أو ذكَر اللهِ في ساعاتِ الليلِ، أو صلَّى العَتَمةَ، ممن دخَل في ظاهرِ قولِه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾؛ لأن جنبَه قد جَفا عن مضجعِه، في الحالِ التي قامَ فيها للصلاةِ؛ قائما صلَّى، أو ذكَر الله، أو قاعدًا، بعدَ ألّا يكونَ مضطجعًا، وهو على القيامِ أو القعودِ قادرٌ، غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، فإن توجيهَ الكلامِ إلى أنه معنيٌّ به قيامُ الليلِ أعجبُ إليَّ؛ لأن ذلك أظهرُ مَعانيه، والأغلبُ على ظاهرِ الكلامِ، وبه جاء الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ.\nوذلك ما حدَّثنا به ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: سَمِعتُ عُروةَ بنَ النَّزَّالِ (^٢) يحدِّثُ عن مُعاذِ بن جبلٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال له: \"أَلَا أَدُلُّك على أبوابِ الخيرِ؟ الصومُ جُنَّةٌ، والصَّدَقةُ تُكَفِّرُ الخطيئة، وقيامُ العبدِ في جوفِ الليلِ\". وتَلا هذه الآيةَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ \" (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ حمادٍ، قال: ثنا أبو عَوانةَ (^٤)، عن سليمانَ، عن (^٥) حبيبِ بن أبي ثابتٍ والحكمِ، عن ميمونِ بن أبي شبيبٍ (^٦)، عن\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"ذلك\".\n(^٢) في م: \"الزبير\"، وفى ت ٢: \"البراك\". ينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٣٩.\n(^٣) أخرجه النسائي (٢٢٢٥) عن ابن المثنى به مختصرًا، وأخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الإيمان (١)، ومن طريقه الطبراني ٢٠/ ١٤٨ (٣٠٥)، وأحمد ٥/ ٢٣٣، وابن نصر في مختصر قيام الليل ص ٨ من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الطيالسي (٥٦١)، وأحمد ٥/ ٢٣٣، والطبراني ٢٠/ ١٤٧ (٣٠٤)، والبيهقى في الشعب (٢٨٠٦، ٣٣٤٩) من طريق شعبة به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٠٩، والترمذي (٢٦١٦)، وابن ماجه (٣٩٧٣)، والبيهقى في الشعب (٣٣٥٠) من طريق أبي وائل عن معاذ به.\n(^٤) في النسخ: \"أسامة\"، والمثبت من مصادر التخريج. ينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٤٤١.\n(^٥) في ت ١: \"بن\". ينظر تهذيب الكمال ٥/ ٣٥٨.\n(^٦) في ت ٢: \"شيب\". ينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٢٠٦.","vol":"18","page":614},{"text":"مُعاذِ بن جبلٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ خَلَفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا شيبانُ (^٢)، قال: ثنا منصورُ بنُ المعتمرِ، عن الحكمِ بن عُتَيبةَ (^٣)، عن ميمونِ بن [أبي شبيبٍ] (^٤)، عن مُعاذِ بن جبلٍ، قال: قال لى (^٥) رسول الله ﷺ: \"إن شِئْتَ أنْبأتُك بأبوابِ الخيرِ؛ الصومُ (^٦) جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخطِيئةَ، وقيامُ الرجلِ في جوفِ الليلِ\". ثم قَرأ رسول الله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ \" (^٧).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا [زيدُ بنُ الحَبابِ] (^٨)، عن حمادِ بن سَلَمةَ، قال: ثنا عاصمُ بنُ أبي النَّجُودِ، عَن شَهْرِ بن حَوْشَبٍ، عن مُعاذِ بن جبلٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ في قولِه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. قال: \"قِيامُ العَبْدِ مِن الليلِ\" (^٩).\nحدَّثنا أبو همامٍ الوليد بن شُجاع، قال: ثنى أبي، قال: ثني زيادُ بن خَيْثمةَ،\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٢٢٢٤)، وفى الكبرى (٢٥٣٥) عن ابن المثنى به، وأخرجه البيهقي في الشعب (٤٩٥٨) من طريق الأعمش به.\n(^٢) في م، ص، ت ١: \"سفيان\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٥٩٢.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"عيينة\". ينظر تهذيب الكمال ٧/ ١١٤.\n(^٤) في ص، ت ١: \"شبيب\"، وفى ت ٢: \"شيب\"، وقد تقدم في الصفحة السابقة.\n(^٥) سقط من: ت ١.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢: \"الصيام\".\n(^٧) أخرجه البيهقى ٩/ ٢٠ من طريق شيبان به مختصرًا، وأخرجه ابن نصر في كتاب الصلاة (١٩٧)، والطبراني ٢٠/ ١٤٢ - ١٤٤ (٢٩١ - ٢٩٣)، والبيهقى في الشعب (٤٩٥٩) من طريق الحكم به، وينظر علل الدارقطني ٦/ ٧٤.\n(^٨) تقدم تصويبه في ص ٦١٠.\n(^٩) أخرجه أحمد ٥/ ٢٣٢ من طريق زيد بن الحباب به، وأخرجه أحمد ٥/ ٢٤٢، ٢٤٨ (الميمنية)، وابن أبي الدنيا في التهجد وقيام الليل (٢٤٨)، والطبراني ٢٠/ ١٠٣ (٢٠٠) وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٣/ ٨٤ - من طرق عن حماد به.","vol":"18","page":615},{"text":"عن أبي يحيى، بائعِ (^١) القَتِّ، عن مجاهد، قال: ذكر رسول الله ﷺ قيام الليل. ففاضت عيناه، حتى تحادَرَت دموعُه، فقال: \" ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ \" (^٢).\nوأما قوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ الآية، فإن بنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7290>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. قال: خوفًا من عذاب الله، وطمعًا في رحمة الله، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في طاعة الله وفى سبيله.\n\n<span id=\"aya-3520\"></span><span data-type='title' id=toc-7292>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فلا تعلم نفس ذى نَفْسٍ ما أخفَى اللَّهُ لهؤلاء الذين وصف جل ثناؤه صفتهم في هاتين الآيتين، مما تَقَرُّ به أعينهم في جنانِه يوم القيامةِ؛ ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: ثوابًا لهم على أعمالهم التي كانوا في الدنيا يعملون.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7291>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"تابع\". وينظر تهذيب الكمال ٣٤/ ٤٠١.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٥ إلى المصنف.","vol":"18","page":616},{"text":"أبي عبيدة، قال: قال عبدُ اللَّهِ: إن في التوراة مكتوبًا: لقد أعدَّ اللهُ للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تَرَ عينٌ، ولم يخطر على قلب بشرٍ، ولم تسمع أذنٌ، وما لا (^١) يسمعُه مَلَكٌ مُقَرَّبٌ. قال: ونحن نقرؤُها: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (^٢).\nحدثنا خلادٌ، [قال: أخبرنا النضر بن شميلٍ] (^٣)، قال: أخبرنا إسرائيل، قال: أخبرنا أبو إسحاق، عن عُبيدة بن ربيعةَ، عن ابن مسعودٍ، قال: مكتوب في التوراة: على الله للذين تتجافَى جُنُوبُهم عن المضاجع ما لا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ. و(^٤) في القرآن: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾.\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: خُبِيءَ لهم ما لا عين رأتْ، ولا أُذُنٌ سمِعت، ولا خطر على قلب بشر. قال سفيان: فيما علمتُ، على غير وجهِ الشكِّ.\nحدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت أبا عُبَيدةَ، قال: قال عبد الله، قال: قال (^٥) - يعنى الله -: \"أعددت لعبادي الصالحين ما لم تَرَ عينٌ، ولم تسمَعْ أُذُنٌ، ولم يخطر على قلب ناظرٍ؛\n_________\n(^١) في م: \"لم\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١١٢، والحاكم ٢/ ٤١٤ من طريق أبى الأحوص به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٦ إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: ت ٢. وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٣٧٩.\n(^٤) سقط من: ص، م.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"18","page":617},{"text":"﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ \".\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن صلتٍ، عن قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن عبيدة بن ربيعة الحارثي، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، قال: إن في التوراة: للذين تتجافى جُنُوبُهم عن المضاجع من الكرامة، ما لم تر عين، ولم يخطر على قلب بشر، ولم تسمع أذنٌ، وإنه لفى القرآن: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (^١).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا الأشجعى، عن ابن أبجر، قال: سمعتُ الشعبى يقولُ: سمعتُ المغيرة [بن شعبة] (^٢) يقول على المنبر: إن موسى ﷺ سأل عن أخسِّ (^٣) ما أهل الجنة فيها حَظًّا، فقيل له: رجلٌ يُؤْتَى به وقد دخل أهل الجنة الجنةَ. قال: فيقال له: ادخُلْ. فيقولُ: أين وقد أخذ الناسُ أَخَذاتهم؟ فيقالُ: اعْدُدْ أربعة ملوك من ملوكِ الدنيا، فيكون لك مثلُ الذي كان لهم، ولك أخرى؛ شهوة نفسك. فيقولُ: أَشْتَهى كذا وكذا وأشتهي كذا. ويقالُ: لك أخرى؛ لك لَذَّةُ عينك. فيقولُ: أَلَذُّ كذا وكذا. فيقال: لك عشَرَةُ أضعاف مثل ذلك. وسأله عن أعظم أهل الجنة فيها حَظًّا، فقال: ذاك شيءٌ خَتَمْتُ عليه يوم خلقتُ السماوات والأرضَ. قال الشعبي: فإنها في القرآن: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (٩٠٣٩) من طريق قيس به.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"أحسن\"، وفى م: \"أبخس\"، والمثبت من مصادر التخريج. قال النووى: هكذا ضبطناه بالخاء المعجمة وبعدها السين المشددة، وهكذا رواه جميع الرواة، ومعناه أدناهم. صحيح مسلم بشرح النووى ٣/ ٤٧.\n(^٤) أخرجه مسلم (١٨٩) / ٣١٣ عن أبي كريب به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٢٧) زيادات نعيم، وابن أبي شيبة ١٣/ ١٢٠، ١٢١، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٥) من طريق الشعبى به.","vol":"18","page":618},{"text":"حدثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسِيُّ، قال: ثنا الحميديُّ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ، وحدثني به القَرْقَسَانى، عن ابن عُيَينةَ، عن مُطَرِّفِ بن طَرِيفٍ وابن أَبْجَرَ: سمعنا الشعبيَّ يقولُ: سمعتُ المغيرة بن شعبة على المنبر يرفعه إلى النبي ﷺ: \"إن موسى سأل ربَّه: أَيْ ربِّ، أيُّ أهل الجنةِ أدْنَى منزلةً؟ قال: رجلٌ يَجِيءُ بعد ما دخل أهلُ الجنة الجنة (^١)، فيقال له: ادْخُلْ. فيقولُ: كيف أدخُلُ وقد نزلوا منازلهم؟ فيقال له: أَتَرْضَى أن يكونَ لك مثلُ ما كان لملك مِن مُلُوكِ الدنيا؟ فيقولُ: بَخٍ، أي ربِّ، قد رَضِيتُ. فيقال له: إن لك هذا ومِثْلَه ومِثْلَه ومِثْلَه. فيقولُ: رَضِيتُ، أَي ربِّ رضيتُ. فيقال له: إن لك هذا وعشَرَةَ أَمْثالِه معه. فيقولُ: رَضِيتُ أي ربِّ. فيقالُ له: فإن لك مع هذا ما اشْتَهَتْ نفسك، ولَذَّتْ عَيْنُك. قال: فقال موسى: أي ربِّ، وأى أهل الجنة أرفعُ منزلةً؟ قال: إيَّاها أردتَ (^٢)، وسأحدثك عنهم؛ غَرَسْتُ لهم كرامتي بيدي، وخَتَمْتُ عليها (^٣)، فلا عين رأتْ، ولا أذنٌ سمِعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر\". قال: ومصداق ذلك في كتاب الله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٤).\nحدثنا محمد بن منصور الطَّوسى، قال: ثنا إسحاق بن سليمان، قال: ثنا عمرُو بنُ أَبي قَيْسٍ، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبَيرٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]: وكان عرش الله على الماء، ثم اتَّخَذ لنفسه جنةً، ثم اتَّخَذ دونَها أخرى، ثم أطْبَقَها بلؤلؤة\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"أي رب\".\n(^٣) في ص، ت ٢: \"لها\".\n(^٤) الحميدى (٧٦١)، ومن طريقه الطبراني ٢٠/ ٤١٢ (٩٨٩)، وأخرجه مسلم (٣١٢/ ١٨٩). والترمذى (٣١٩٨)، والطبراني ٢٠/ ٤١٢ (٩٨٩)، وأبو الشيخ في العظمة (٦١٣)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٩٠) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٧ إلى ابن أبي شيبة وابن مردويه.","vol":"18","page":619},{"text":"واحدةٍ، قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن: ٦٢]. قال: وهى التي لا تعلم نفسٌ - [أو قال: هما التي لا تعلم نفسٌ] (^١) - ما أُخفى لهم مِن قُرَّةِ أَعْيُنُ جزاءً بما كانوا يعملون. قال: وهى التي لا تعلم الخلائق ما فيها، أو ما فيهما، يأتيهم كل يومٍ منها أو منهما تحفةٌ (^٢).\nحدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوب، عن عنبسة، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جُبَيرٍ بنحوه.\nحدثنا سهل بن موسى الرازيُّ، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن أبي اليَمانِ الهَوْزَنيِّ أو غيره، قال (^٣): الجنة مائة درجةٍ؛ أوَّلُها درجةً فضةٌ، أرضُها (^٤) فضةٌ، ومساكنها فضةٌ، [وآنيتها فضةٌ] (^٥)، وترابها المسك، والثانية ذهبٌ، وأرضُها ذهبٌ، ومساكنها ذهبٌ، وآنيتها (^٦) ذهبٌ، وترابها المسْكُ، والثالثة لؤلؤٌ، وأرضُها لؤلؤ، ومساكنها لؤلؤ، وآنيتها لؤلؤٌ، وترابها المسك، وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأت (^٧)، ولا أذن سمعت (^٨)، ولا خطر على قلب بشر. وتلا هذه الآية: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ (^٩).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢.\n(^٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٧٥ من طريق إسحاق بن سليمان به، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢٢٨) من طريق ابن أبي ليلى به، وذكره محمد بن نصر المروزى في مختصر قيام الليل ص ٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد ومحمد بن نصر في قيام الليل، وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"أهل\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"وآخرها\".\n(^٥) سقط من: ت ٢، وفى ص: \"أبنيتها\".\n(^٦) في ت ٢: \"أبنيتها\".\n(^٧) في ص، م، ت ١: \"رأته\".\n(^٨) في ص، م، ت ١ \"سمعته\".\n(^٩) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٧ إلى المصنف، وفيه عن \"الهذلى\"، والمثبت هو الصواب. ينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٦٠.","vol":"18","page":620},{"text":"حدثنا أبو كريب، قال: ثنا المحاربي وعبد الرحيم، عن محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال الله: أَعْدَدْتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بَشَرٍ\". واقْرَءُوا إن شئتم (^١): ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٢).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو معاوية وابن نمير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أعْدَدْتُ لعِبادِيَ الصالحين ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمِعتْ، ولا خَطَر على قلب بشر\". قال أبو هريرةَ: ومِن بَلْه (^٣) ما أَطْلَعَكم عليه، اقْرَءُوا إِن شئتُم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال أبو هريرةَ: نقرؤُها: (قُرَّاتِ أَعْيُنٍ) (^٤).\nحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا معتمرُ (^٥) بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، عن الروح الأمين، قال: \"يُؤْتَى بحسناتِ العبد وسيئاته، فيَقْتَصُّ (^٦) بعضُها مِن بعضٍ، فإِن بَقِيَتْ حسنةٌ\n_________\n(^١) بعده في م، ص، ت ١: \"قال الله\"، وليست في مصادر التخريج.\n(^٢) أخرجه الترمذى (٣٢٩٢) عن أبي كريب عن عبدة بن سليمان، وعبد الرحيم بن سليمان به. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٠١، ١٠٢، وأحمد ١٥/ ٤٠٧، (٩٦٤٩)، والدارمي (٢٨٢٨)، والترمذى (٣٠١٣)، والنسائى في الكبرى (١١٠٨٥) من طرق عن محمد بن عمرو به.\n(^٣) في ص: \"من\"، وفى ت ١: \"نية\"، وفى ت ٢: \"مه\"، والمثبت من مصادر التخريج.\nومن بَلْه: أي من غير. ينظر مسلم بشرح النووى ١٧/ ١٦٦، وفتح الباري ٨/ ٥١٦، ٥١٧.\n(^٤) هي قراءة أبي الدرداء وعبد الله وعوف العقيلي. ينظر البحر المحيط ٧/ ٢٠٢، وينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١١٩، والحديث أخرجه مسلم (٢٨٢٤) عن أبي كريب به، وأخرجه أحمد ١٦/ ٢٦٥ (١٠٤٢٣) عن ابن نمير وحده به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٠٩، وهناد في الزهد (١)، وابن ماجه (٤٣٢٨)، والبيهقى في الشعب (٣٨٢) من طريق أبى معاوية وحده به، وأخرجه البخارى (٤٧٨٠) من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن الأنبارى.\n(^٥) في ت ٢: \"معمر\"، والصواب هو المثبت، وقد تقدم مرارًا.\n(^٦) في ص: \"فتنفص\" بدون نقط، وفى م: \"فينقص\"، وفى ت ١: \"فينقض\"، والمثبت من مصادر =","vol":"18","page":621},{"text":"واحدةٌ، وَسَّع الله له في الجنة\". قال: فدخلتُ على يَزْدَادَ، فحدث بمثل هذا. قال: قلتُ: فأين ذهبت الحسنةُ؟ قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾ [الأحقاف: ١٦]. قلت: قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾؟ قال: العبد يعملُ سِرًّا أسرَّه إلى اللَّهِ لم يُعْلِمُ به الناسَ، فأسرَّ اللَّهُ له يومَ القيامةِ قُرَّةَ عَينٍ (^١).\nحدثني العباس بن أبي طالب، قال: ثنا مُعَلَّى بن أسدٍ، قال: ثنا سلام بن أبي مُطِيعٍ، عن قتادة، عن عُقْبَةَ بن عبدِ الغافِرِ، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ، يروى عن ربه، قال: \"أَعْدَدْتُ لعِبادى الصالحين ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خَطَر على قلبِ بَشَرٍ\" (^٢).\nحدثني أبو السائب، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: ثني أبو صخرٍ، أن أبا حازمٍ حدثه، قال: سمعتُ سهل بن سعد يقولُ: شهدت من رسول الله ﷺ مجلسًا وصف فيه الجنةَ حتى انتهى، ثم قال في آخر حديثه: \"فيها ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمِعتُ، ولا خَطَر على قلب بَشَرٍ\" (^٣). ثم قرأ هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ إلى قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٤).\n_________\n= التخريج، وفى بعض المصادر: \"فيقص\".\n(^١) أخرجه البخارى في التاريخ الكبير ٧/ ١١٣، والطبراني (١٢٨٣٢)، والحاكم ٤/ ٢٥٢، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٩١، والبيهقى في الشعب ٥/ ٣٥٤ من طريق معتمر به، وأخرجه الذهبي في السير ١٢/ ٣٤٠ من طريق الحكم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٧ إلى ابن مردويه، الروايات مطولة ومختصرة.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٦٨ عن المصنف، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٢٦٢ من طريق معلى بن أسد به.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١.\n(^٤) أخرجه أحمد ٥/ ٣٣٤ (ميمنية)، ومسلم (٢٨٢٥)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣)، والطبراني (٦٠٠٢) من طريق ابن وهب به، وأخرجه الطبراني أيضًا (٦٠٠٣)، والحاكم ٢/ ٤١٣ من طريق أبي صخر به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٠١ من طريق أبي حازم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٧ إلى ابن نصر وابن مردويه.","vol":"18","page":622},{"text":"حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدى، عن عوف (^١)، عن الحسن، قال: بلغنى أن رسول الله قال: \"قال ربُّكم: أعْدَدْتُ لعبادي الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر\".\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: قال رسولُ الله ﷺ، يروى ذلك عن ربِّه: \"قال ربُّكم: أعْدَدْتُ لعِبادى الصالحين ما لا عين رأتْ، ولا أُذُنٌ سمِعت، ولا خطر على قلبٍ بَشَرٍ\" (^٢).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسنِ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. قال: أخْفَوا عملًا في الدنيا، فأثابهم الله بأعمالهم.\nحدثني القاسم بن بشر، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن ثابتٍ، عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرة، قال حمادٌ: أحسبه عن النبي ﷺ قال: \"مَن يدخُل الجنةَ يَنْعَمْ ولا يَبْؤُسٌ، لا تَبْلَى ثيابه، ولا يَفْنَى شَبابُه، في الجنةِ ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلبِ بَشَرٍ\" (^٣).\nواختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾؛ فقرأ ذلك بعضُ المدنيين والبصريين، وبعضُ الكوفيين: ﴿أُخْفِيَ﴾ بضمِّ الألفِ، وفتح الياء (^٤)، بمعنى \"فُعِلَ\". وقرأ بعضُ الكوفيين: (أُخْفِى لَهُمْ) بضمِّ الألف\n_________\n(^١) في ت ٢: \"عرفه\"، والمثبت هو الصواب. ينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٣٢١.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٠ عن معمر عن قتادة به.\n(^٣) أخرجه أحمد ١٤/ ٤٢١ (٨٨٢٧)، ١٥/ ١٥٩ (٩٢٧٩)، ١٥/ ٢٢٩ (٩٣٩١)، ١٦/ ٣٩ (٩٩٥٧)، والحسين المروزى في زيادته على زهد ابن المبارك (١٤٥٦)، والدارمي (٢٨١٩)، ومسلم (٢٨٣٦)، وأبو الشيخ في العظمة (٦٠٧)، من طريق حماد بن سلمة به.\n(^٤) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥١٦، والبحر المحيط ٧/ ٢٠٢.","vol":"18","page":623},{"text":"وإرسال الياءِ (^١)، بمعنى \"أُفْعِل\"؛ أُخْفِى لهم أنا.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان، متقاربتا المعنى؛ لأن الله إذا أخفاه فهو مَخْفِيٌّ، وإذا أُخْفِيَ فليس له مُخْفٍ غيرُه.\nو﴿ما﴾ (^٢) في قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾؛ فإنها إذا جعلت بمعنى \"الذي\"، كانت نصبًا بوقوع ﴿تَعْلَمُ﴾ عليها، كيف قرأ القارئ: ﴿أُخْفِيَ﴾، وإذا وجِّهت إلى معنى \"أي\"، كانت رفعًا، إذا قُرِئ ﴿أُخْفِيَ﴾ بنصب الياءِ، وضمِّ الألف، لأنه لم يُسمَّ فاعله، وإذا قرئ: (أُخْفِى) بإرسال الياءِ، كانت نصبًا بوقوع (أُخْفى) عليها.\n\n<span id=\"aya-3521\"></span><span data-type='title' id=toc-7293>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: أفهذا الكافرُ المُكذِّبُ بوعدِ اللهِ ووعيده، المخالفُ أمرَ اللَّهِ ونهيه، كهذا المؤمن بالله، المصدِّق بوعده ووعيده، المطيع له في أمره ونهيه؟ كلا (^٣)، لا يستوون عندَ اللَّهِ. يقولُ: لا يَعتدِلُ الكفار بالله، والمؤمنون به عنده، فيما هو فاعل بهم يوم القيامة.\nوقال: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ فجمَع، وإنما ذكر قبل ذلك اثنين؛ مؤمنًا، وفاسقا؛ لأنه لم يُرِدْ بالمؤمن مؤمنًا واحدًا، وبالفاسق فاسفًا واحدًا، وإنما أُريد به (^٤) جميعُ\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة والأعمش ويعقوب. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥١٦. والبحر المحيط ٧/ ٢٠٢.\n(^٢) في ص، ت ١: \"أما\".\n(^٣) في ت ١: \"فلا\".\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢.","vol":"18","page":624},{"text":"الفُسَّاقِ، وجميع المؤمنين باللَّهِ. فإذا كان الاثنانِ غير مصمودٍ لهما، ذهَبتْ بهما العرب مذهب الجمع.\nوذكر أن هذه الآية نزلت في عليّ بن أبى طالب رضوان الله عليه، والوليد بن عقبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-7294>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثني ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يَسارٍ، قال: نزَلتْ بالمدينة في عليّ بن أبى طالب، والوليدِ بن عُقبة بن أبى مُعَيْطٍ، كان بين الوليد وبين عليٍّ كلامٌ، فقال الوليدُ بنُ عُقْبَةَ: أنا أبسط منك لسانًا، وأحدٌ منك سنانًا، وأردُّ منك للكتيبة. فقال عليٌّ: اسكتْ، فإنك (^١) فاسق. فأنزَل الله فيهما: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ إلى قوله: ﴿بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (^٢).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾. قال: لا والله ما استَوَوْا (^٣) في الدنيا، ولا عند الموتِ، ولا في الآخرة (^٤).\n\n<span id=\"aya-3522\"></span>وقوله: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾. يقولُ تعالى ذكره: أما الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بما أمرهم الله ورسوله، ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾. يعنى: بساتين [المساكن التي] (^٥) يسكنونها في الآخرة، ويأوون\n_________\n(^١) في ت ٢: \"أنت\"، والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٨ إلى المصنف وابن إسحاق، وذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ١٠٥، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٧٠ مقتصرًا على أوله.\n(^٣) في ت ٢: \"استوى\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) سقط من: ت ١.","vol":"18","page":625},{"text":"إليها.\n\n<span id=\"aya-3523\"></span>وقوله: ﴿نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ (^١): نزلًا أَنزَلهُموها (^٢)؛ جزاءً منه لهم بما كانوا في الدنيا يعملون بطاعته.\nوقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾. يقول تعالى ذكره: وأما الذين كفروا بالله، وفارقوا طاعته، ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾. يقولُ: فمساكنهم التي يأوون إليها في الآخرةِ النارُ، ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ [الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ﴾] (^٣) [في الدنيا] (^٤)، ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ أن الله أعدّها لأهل الشرك به.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7295>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ (^٥): أشْرَكوا، ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. والقومُ مُكَذِّبون كما ترون (^٦).\n\n<span id=\"aya-3524\"></span><span data-type='title' id=toc-7296>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾.</span>\nاختلف أهل التأويل في معنى العذاب الأدنى، الذي وعد اللَّهُ أَن يُذِيقَه هؤلاء\n_________\n(^١) بعده في م: \"بما\".\n(^٢) بعده في ت ١، ت ٢: \"الله\".\n(^٣) في ت ١: \"التي كنتم بها\". وهى بعض الآية ٤٢ من سورة النمل.\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) بعده في ت ١: \"فمأواهم النار\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"18","page":626},{"text":"الفَسَقةَ؛ فقال بعضُهم: ذلك مصائب الدنيا في الأنفسِ والأموال.\n\n<span data-type='title' id=toc-7297>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾. يقولُ: مصائب الدنيا وأسقامها وبلائِها، مما يبتلى الله بها (^١) العبادَ حتى يتوبوا (^٢).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. قال: العذاب الأدنى بلاء الدنيا. قيل (^٣): هي المصائب.\nحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن عَزْرة (^٤)، عن الحسن العرني (^٥)، عن ابن أبي ليلى، عن أبيِّ بن كعب: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾. قال: المصيبات في الدنيا. قال: والدخانُ قد مضى، والبطشة، واللِّزامِ.\nقال أبو موسى: تركُ يحيى بن سعيد، يحيى بنَ الجَزَّارِ (^٦) - نقصان رجلٍ.\nحدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر، قالا: ثنا شعبة، عن قتادة، عن عَزْرةَ (٤)، عن الحسنِ العُرَنيِّ، عن يحيى (^٧) بن الجزَّار، عن ابن\n_________\n(^١) في ت ١: \"به\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٧٠، والقرطبي في تفسيره ١٤/ ١٠٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٨ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"يقال\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢: \"عروة\". وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٥١.\n(^٥) سقط من: ت ١. وفى ت ٢: \"العربي\".\n(^٦) في ت ١، ت ٢: \"المحرار\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢: \"بحر\".","vol":"18","page":627},{"text":"أبي ليلى، عن أبيِّ بن كعب، أنه قال في هذه الآية: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾. قال: مصيبات الدنيا، واللزوم، والبطشة، أو الدخان. شكَّ شعبةُ في البطشة أو الدخان (^١).\nحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن عزرة (^٢)، عن الحسن العُرَنى، عن يحيى بن الجَزَّارِ، عن ابن أبي ليلى، عن أبي بن كعب بنحوه، إلا أنه قال: المصيبات، واللُّزومِ، والبطشة.\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيدُ بنُ حُباب، عن شعبة، عن قتادةً، عن عزرة (^٣)، عن الحسن العُرَني، عن يحيى (^٤) بن الجزَّار، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي بن كعب، قال: المصيباتِ يُصابون بها في الدنيا؛ البَطْشةِ، والدخانِ، واللُّزوم (^٥).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾. قال: المصائب [في الدنيا (^٦).\nقال: ثنا أبو خالد الأحمرُ، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾. قال: المصائب (^٧) في] (^٨) دنياهم وأموالهم (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٩٩) عن ابن بشار وابن المثنى به، وأخرجه عبد الله بن أحمد في الزوائد ٥/ ١٢٨ (ميمنية)، والحاكم ٤/ ٤٢٨، والبيهقى (٩٨٢١) من طريق شعبة به وعند بعضهم بلفظ \"الروم\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٨ إلى النسائي وأبي عوانة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"عروة\": وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٥١.\n(^٣) في م، ت ٢: \"عروة\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"بحر\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢: \"الردم\".\n(^٦) أخرجه البيهقى في الشعب (٩٨٢٢) من طريق وكيع به مطولًا.\n(^٧) في م، ت ٢: \"المصيبات\".\n(^٨) سقط من: ت ٢.\n(^٩) ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٣٧٠. والقرطبي ٦/ ١٠٧.","vol":"18","page":628},{"text":"حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، حدثه (^١) عن الحسن قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾. أي: مصيبات (^٢) الدنيا (^٣).\nحدثنا ابن وكيع قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾. قال: أشياء يُصابون بها في الدنيا (^٤).\nوقال آخرون: عُنى بها الحدود.\n\n<span data-type='title' id=toc-7298>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، عن شبيب (^٥)، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾. قال: الحدود (^٦).\nوقال آخرون: عُنى بها القتل بالسيف. قال: وقُتلوا يوم بدر.\n\n<span data-type='title' id=toc-7299>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبدِ اللهِ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾. قال: يوم بدر (^٧).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"حدث\".\n(^٢) في ت ٢: \"مصائب\".\n(^٣) ينظر تفسير القرطبي ١٤/ ١٠٧، والبغوى ٦/ ٣٠٨.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٢٢، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٣١ من طريق جرير به.\n(^٥) في ت ٢: \"شيب\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم مطولًا. وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٧٠، والبغوى ٦/ ٣٠٨.\n(^٧) تفسير الثورى ص ٢٤٠. وأخرجه ابن المقرئ في معجمه (٧٤٢) من طريق عبد الرحمن به. وأخرجه الطبراني (٩٠٣٨) من طريق سفيان به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤١٤ من طريق سفيان عن الأعمش عن =","vol":"18","page":629},{"text":"حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن السدى، عن أبي الضُّحى، عن مسروق، عن عبدِ اللهِ مثله.\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن السُّديِّ، عن مسروق، عن عبدِ اللهِ مثله.\nحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عوفٌ عمَّن حدثه، عن الحسن بن علي، أنه قال: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾. قال: القتل بالسيف صبرًا (^١).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلى، عن عوف، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾. قال: القتل بالسيف، كلُّ شيءٍ وعَد الله هذه الأمةَ مِن العذاب الأدنى، إنما هو السيف (^٢).\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾. قال: القتل والجوع لقريش في الدنيا (^٣).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: كان مجاهدٌ\n_________\n= أبى الضحى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٨ إلى الفريابي وابن منيع وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والخطيب والبيهقي في الدلائل.\n(^١) ينظر تفسير القرطبي ١٤/ ١٠٧. ولفظه هو: \"القتل بالسيف يوم بدر\". وفيه عن \"الحسين\". بدلًا من \"الحسن\".\n(^٢) ينظر تفسير القرطبي ١٤/ ١٠٧.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٤٥. وذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ١٠٧. وعزاه السيوطي في الدر المنثور =","vol":"18","page":630},{"text":"يحدِّثُ عن أُبيِّ بن كعب، أنه كان يقولُ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾: [يوم بدر] (^١) (^٢).\nوقال آخرون: عُنى بذلك سنونَ أصابتهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-7300>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، [قال: ثنا سفيان، عن منصور] (١)، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾. قال: سِنونَ أصابتهم.\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم مثله.\nوقال آخرون: عُنى بذلك عذاب القبر.\n\n<span data-type='title' id=toc-7301>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيدُ (^٣) اللهِ، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾. قال: الأدْنى؛ في القبورِ، وعذاب الدنيا (^٤).\nوقال آخرون: ذلك عذاب الدنيا.\n_________\n= ٥/ ١٧٨ إلى الفريابي.\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٠ عن معمر عن قتادة قال، قال أبي بن كعب.\n(^٣) في ت ١: \"عبد\".\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ١٠٧، وينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٣٧٠.","vol":"18","page":631},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7302>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾. [قال: العذاب الأدنى] (^١) عذاب الدنيا.\nوأولى الأقوال في ذلك أن يُقال: إن الله وعَد هؤلاء الفسقة المكذبين بوعيده في الدنيا العذاب الأدنى؛ أن يُذِيقَهموه دونَ العذاب الأكبر. والعذابُ: هو ما كان في الدنيا من بلاء أصابهم؛ إما شدة من مجاعة، أو قتل، أو مصائب يُصابون بها، فكل ذلك من العذاب الأدنى. ولم يخصص الله تعالى ذكره، إذ وعدهم ذلك، أن يعذِّبَهم (^٢) بنوعٍ من ذلك [دون نوع] (^٣)، وقد عذَّبَهم بكلِّ ذلك في الدنيا؛ بالقتل، والجوع، والشدائد، والمصائب في الأموال، فأوفى لهم بما وعدهم.\nوقوله: ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾. يَقُولُ: قبل العذابِ الأكبر، وذلك عذاب يوم القيامة.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7303>ذكر من قال ذلك</span>\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾. قال: يومَ القيامة (^٤).\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"دون العذاب الأكبر\".\n(^٢) في ت ٢: \"يعدهم\".\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٨ إلى المصنف والفريابي وابن منيع وابن المنذر.","vol":"18","page":632},{"text":"حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن السديِّ، عن مسروق، عن عبدِ اللهِ مثله.\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾: يوم القيامة في الآخرة (^١).\nحدثني محمد بن عُمارة، قال: ثنا عبيد (^٢) الله، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾: يومَ القيامةِ.\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾: يومَ القيامة، حدَّث به قتادةُ، عن الحسن.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾. [قال: العذاب الأكبرُ] (^٣): عذاب الآخرة (^٤).\nوقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. يقولُ: كى يرجعوا ويتوبوا بتعذيبهم (^٥) العذاب الأدنى.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٤٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٨ إلى الفريابي.\n(^٢) في ت ٢: \"عبد\".\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) ينظر التبيان ٨/ ٢٧٧.\n(^٥) في ص، ت ٢: \"يعذبهم\".","vol":"18","page":633},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7304>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن السدي، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. قال: يَتُوبون (^١).\nحدثنا ابن وكيعٍ، قال ثنا: أبي، عن أبي جعفر الرازي، [عن الربيع] (^٢)، عن أبي العالية: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. قال: يتُوبون (١).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. أي: يتوبون (١).\n\n<span id=\"aya-3525\"></span><span data-type='title' id=toc-7305>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وأيُّ الناسِ أظلم لنفسه ممن وعظه الله بحججه، وآي كتابه ورسله، ثم أعرض عن ذلك كلّه، فلم يتَّعظ بمواعظه، ولكنه استكبر عنها.\nوقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾. يقولُ: إنا من (^٣) الذين اكتسبوا الآثام، واجترحوا السيئات - منتقمون.\nوكان بعضُهم يقولُ: عُنِي بالمجرمين في هذا الموضع أهلُ القدَرِ.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (٩٠٣٨) من طريق سفيان بمعناه مطولًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٨ إلى الفريابي وابن منيع وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والخطيب والبيهقى في الدلائل.\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"المجرمين\".","vol":"18","page":634},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7306>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يعقوب [بن إبراهيم] (^١)، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال: أخبرنا وائل بن داودَ، عن مَرْوانَ بن سفيحٍ، [عن يزيد بن رُفَيْعٍ، قال: إن قولَ اللهِ في القرآنِ: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾. هم أصحابُ القدَرِ. ثم قرأ: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾ إلى قوله: ﴿خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (^٢) [القمر: ٤٧ - ٤٩].\nحدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا مروان، قال: أخبرنا [وائل بن داودَ، عن ابن] (^٣) سفيح] (^٤)، عن يزيد بن رفيع بنحوه، إلا أنه قال في حديثه: ثم قرأ وائل بن داود هؤلاء الآيات: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] إلى آخر الآياتِ.\nوقال آخرون في ذلك، بما حدثني به عمران بنُ بَكَّارٍ الكلاعيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ المبارك، قال: ثنا إسماعيل بن عياش (^٥)، قال: ثنا عبد العزيز بنُ عبيدِ (^٦) اللهِ، عن عُبادةَ بن نُسَيٍّ، عن جُنادةَ بن أبي أُمَيَّةَ، عن معاذ بن جبل، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"ثَلاثٌ مَن فعَلهن فقد أجرَم؛ مَنِ اعتقد لواءً في غير حقٍّ، أو عقَّ والديه، أو مشى مع ظالمٍ ينصره فقد أجرم، يقولُ اللَّهُ: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ \" (^٧).\n\n<span id=\"aya-3526\"></span><span data-type='title' id=toc-7307>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ</span>\n_________\n(^١) سقط من ص، ت ١.\n(^٢) ينظر البحر المحيط ٧/ ٢٠٤.\n(^٣) غير واضح في ص.\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) في ت ٢: \"عباس\".\n(^٦) في ت ١: \"عبد\".\n(^٧) أخرجه الطبراني ٢٠/ ٦١ (١١٢) من طريق إسماعيل بن عياش به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٨ إلى ابن منيع وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"18","page":635},{"text":"لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾.\nيقول تعالى ذكره: ولقد آتينا موسى التوراة، كما آتيناك الفرقان [يا محمد] (^١)، ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾. يقولُ: فلا تكن في شكٍّ [من لقائه، فكان قتادة [يقولُ: معنى ذلك] (^٢): فلا تكن في شكٍّ] (^٣) من أنك لقيته، أو تلقاه ليلةَ أُسرى بك، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله ﷺ.\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن أبي العالية الرِّياحيِّ، قال: حدثنا ابن عمِّ نبيِّكم - يعنى ابن عباسٍ - قال: قال نبي الله ﷺ: \"أُرِيتُ ليلةَ أُسرى بي موسى بن عمران رجلا آدَمَ طُوَالًا جَعْدًا، كأَنه مِن رجالِ شَنُوءَةً، ورأيتُ عيسى رجلًا مَرْبُوعَ الخَلْقِ، إلى الحُمْرَةِ والبَياضِ، سَبْطَ الرأْسِ، ورأَيْتُ مالِكًا خَازِنَ النارِ، والدَّجَّالَ\". في آياتٍ أراهنَّ اللَّهُ إِيَّاهُ ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ أنه قد رأى موسى، ولقى موسى ليلةَ أُسرى به (^٤).\n\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. [يقول تعالى ذكره: وجعلنا موسى هدى لبنى إسرائيل] (١). يعنى: رشادًا لهم يرشدون باتِّباعه، ويُصيبون الحقَّ بالاقتداء به، والائتمام (^٥) بقوله.\nوبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) في ت ٢: \"معناه\".\n(^٣) سقط من: ت ١.\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٢٣٩)، والطبراني (١٢٧٤٩) من طريق يزيد بن زريع به. وأخرجه عبد بن حميد، وعنه مسلم (١٦٥)، والبيهقى في الدلائل ٢/ ٣٨٦، من طريق قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٥) في ت ١: \"الائتمار\".","vol":"18","page":636},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7308>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: جعَل الله موسى هدًى لبنى إسرائيل (^١).\n\n<span id=\"aya-3527\"></span>وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾. يقول تعالى ذكره: وجعلنا من بنى إسرائيل أئمة. وهى: جمعُ إمام، والإمام الذي يُؤتم به في خير أو شر، وأريد بذلك هذا الموضع أنه جعل منهم قادةً في الخيرِ، يُؤتم بهم، ويُهْتَدى بهديهم (^٢).\nكما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. قال: رؤساء في الخيرِ (^٣).\nوقوله: ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. يقول تعالى ذكره: يهدون أتباعهم وأهل القبول منهم بإذننا لهم بذلك، وتقويَتِنا إياهم عليه.\nوقوله: ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾. اختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأةِ المدينة والبصرة، وبعضُ أهل الكوفة: ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾. بفتح اللام وتشديد الميم (^٤). بمعنى: إذ صبروا، وحين صبروا.\nوقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة: (لِما) بكسر اللام وتخفيف الميم (^٥). بمعنى: لصبرهم (^٦) عن الدنيا وشهواتها، واجتهادهم في طاعتنا، والعمل بأمرنا. وذُكرَ أن\n_________\n(^١) جزء من الحديث المتقدم ص ٦٣٦ ح ٤.\n(^٢) في ت ١: \"بهم\".\n(^٣) ذكره الطوسى في التبيان ٨/ ٢٧٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٩ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم. السبعة ص ٥١٦.\n(^٥) هي قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٦) في ت ٢: \"بصبرهم\".","vol":"18","page":637},{"text":"ذلك في قراءة ابن مسعودٍ: (بما صبروا) (^١). و\"ما\" إذا كُسرت اللام [من (لِمَا) في موضع خفضٍ، وإذا فتحت اللام] (^٢) وشدّدت الميم، فلا موضع لها؛ لأنها حينئذٍ أداة.\nوالقولُ عندى في ذلك: أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما عامةٌ من القرأة، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ.\nوتأويل الكلام [إذا قُرِئ] (^٢) ذلك بفتح اللام وتشديد الميم: وجعلنا منهم أئمةً يهدون أتباعهم (^٣) بإذننا إياهم، [وتقويتنا إياهم] (^٤) على الهداية، إذ صبروا على طاعتنا، وعزفوا (^٥) أنفسهم عن لَذَّاتِ الدنيا وشهواتها، وإذا قُرِئ (^٦) بكسر اللام على ما قد (^٧) وصفنا.\nوقد حدثنا ابن وكيع، قال: قال أبي: سمعنا (^٨) في: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾. قال: عن الدنيا (^٩).\nوقوله: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. يقولُ: وكانوا أهلَ يقين بما دلَّهم عليه حججنا (^١٠)، وأهل تصديق بما تبين لهم من الحق، وإيمانٍ برسلنا، وآيات كتابنا (^١١)\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٧/ ٢٠٥.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) في ت ٢: \"أتباعنا\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"تقويتناهم\".\n(^٥) في ت ١: \"صرفوا\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢: \"قرئت\".\n(^٧) سقط من: ت ١، ت ٢.\n(^٨) في ت ٢: \"سمعان\".\n(^٩) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٧٢ عن سفيان به.\n(^١٠) في ت ٢: \"بحججنا\".\n(^١١) في ص، ت ١، ت ٢: \"كتبنا\".","vol":"18","page":638},{"text":"وتنزيلنا.\n\n<span id=\"aya-3528\"></span><span data-type='title' id=toc-7309>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: إن ربَّك، يا محمد هو يبيِّن (^١) جميع خلقه (^٢) يوم القيامةِ فيما كانوا فيه في الدنيا يختلفون؛ من أمور الدين والبعث والثواب والعقاب، وغير ذلك من أسباب دينهم، فيَفْرِقُ بينَهم بقضاءٍ فاصلٍ؛ بإيجابه لأهل الحق الجنةَ، ولأهل الباطل النار.\n\n<span id=\"aya-3529\"></span><span data-type='title' id=toc-7310>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: أولم يُبين لهم؟!\nكما حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾. يقولُ: أولم يُبين لهم.\nوعلى القراءة بالياء في ذلك قرأة الأمصار، وكذلك القراءة عندنا؛ لإجماع الحجة من القرأة، بمعنى: أولم يُبَيِّن لهم إهلا كُنا القرون الخالية من قبلهم سنتنا فيمن سلك [سبيلهم من] (^٣) الكفر بآياتنا، فيتَّعظوا وينزجروا.\nوقوله: ﴿كَمْ﴾. إذا قرئ: ﴿يَهْدِ﴾. بالياء: في موضع رفع بـ \"يَهْدِ\". وأما إذا قُرِئ ذلك بالنونِ: (أَوَلَمْ نَهْدِ) (^٤). فإنَّ موضع \"كم\" وما بعدها نصبٌ.\n_________\n(^١) في ص: \"س\"، وفى ت ١: \"بين\".\n(^٢) بعده في ت ١: \"يفصل\".\n(^٣) في ت ٢: \"سبيل\".\n(^٤) هي قراءة ابن عباس والسلمى. البحر المحيط ٦/ ٢٨٨.","vol":"18","page":639},{"text":"وقوله: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾. يقول تعالى ذكره: أولم يُبَيِّن لهم كثرةُ إهلاكنا القرون الماضية من قبلهم يمشون في بلادهم وأرضهم، كعادٍ وثمودَ.\nكما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾. عادًا وثمود، وأنهم إليهم لا يرجعون (^١).\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾. يقول تعالى ذكره: إن في خَلاء مساكن القرونِ الذين أهلكناهم من قبل هؤلاء المكذبين بآياتِ اللَّهِ مِن قُريش، من أهلها الذين كانوا سكانها وعُمَّارَها، بإهلاكنا إياهم لما كذَّبوا رسلنا، وجحدوا بآياتنا (^٢)، وعبدوا (^٣) من دونِ اللهِ آلهة غيره، التي يمرون بها فيعاينونها (^٤) - لآيات لهم (^٥)، وعظات يتَّعظون بها، لو كانوا أولى حِجا وعقولٍ. يقولُ اللَّهُ: ﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ عظاتِ اللهِ، وتذكيره (^٦) إياهم آياته، وتعريفهم مواضِعَ (^٧) حُجَجه؟!\n\n<span id=\"aya-3530\"></span><span data-type='title' id=toc-7311>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: أولم ير هؤلاء المكذِّبون بالبعث بعد الموت، والنشر بعد الفناء، أنا بقدرتنا نسوقُ الماء إلى الأرض اليابسة الغليظة، التي لا نبات فيها. وأصله\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٤١٨.\n(^٢) في ت ١: \"آياتنا\".\n(^٣) في ت ١: \"عدوا\".\n(^٤) في ت ١: \"فيعاينوها\".\n(^٥) سقط من: ت ٢.\n(^٦) في ت ١، ت ٢: \"تذكره\".\n(^٧) في ت ١: \"مواعظ صنع الله\".","vol":"18","page":640},{"text":"من قولهم: ناقةٌ جرزٌ (^١): إذا كانت تأكل كلّ شيءٍ. وكذلك الأرضُ الجروزُ: التي لا يبقى على ظهرها شيءٌ إلا أفسدته، نظير أكل (^٢) الناقة الجرازِ [كلَّ ما] (^٣) وجدته. ومنه قولهم (^٤) للإنسان (^٥) الأكول: جَرُوزٌ. كما قال الراجز:\n* خبٌّ (^٦) جَرُوزٌ وَإِذَا .... (^٧) *\nومنه قيل للسيفِ إذا كان لا يُبقى شيئًا إلا قطعه: سيفٌ جُرَازٌ. وفيه لغاتٌ أربعُ: أرضٌ جُرُزٌ، و(^٨) جَرْزٌ، وجَرَزٌ وجُرزٌ، والفتح لبنى تميمٍ فيما بلغنى.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7312>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس: ﴿الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾: أرض باليمن (^٩).\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان بن عيينةً، عن عمرو\n_________\n(^١) في ت ١: \"جراز\"، وفى ت ٢: \"جرزا\".\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"كلما\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"قول\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢: \"الإنسان\".\n(^٦) في ت ١: \"حب\"، وفى ت ٢: \"وحب\".\n(^٧) البيت في ديوان الشماخ ٣٨٠، ٣٨١ برواية، خب جبان. وعليه فلا شاهد فيه. أما رواية: خب جروز. فذكرها صاحب اللسان في (ج ر ز)، والقرطبي في تفسيره ١٤/ ١١١.\n(^٨) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"أرض\".\n(^٩) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٣٠٩، والقرطبي في تفسيره ١٤/ ١١٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٩ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"18","page":641},{"text":"ابن دينار، عن ابن عباس، قال: أرض باليمن.\nقال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن مَعْمَرٍ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾. قال: أَبْيَنَ ونحوها (^١).\nحدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا عبد الرزاق بن عمر، عن ابن المبارك، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله، إلا أنه قال: ونحوها من الأرض.\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح (^٢)، عن رجلٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾. قال: الجُرُزُ: التي لا تمطر إلا مطرا لا يُغنى عنها شيئًا، إلا ما يأتيها من السيول (^٣).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاك: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾: ليس فيها نبتٌ (^٤).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾: المُغْبَرَّةِ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٠ عن معمر به بنحوه.\n(^٢) بعده في ت ١، ت ٢: \"عن مجاهد\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٤٥، عن ابن أبي نجيح عمن حدثه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٩ إلى الفريابي وابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٧٤، وينظر تفسير القرطبي ١٤/ ١١٠.\n(^٥) ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٣٧٤.","vol":"18","page":642},{"text":"حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾. قال: الأرضُ الجُرُزُ: التي ليس فيها شيء؛ ليس فيها نباتٌ. وفى قوله: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨]. قال: ليس عليها شيء، وليس فيها نبات ولا شيء (^١).\n﴿فَنُخْرِجُ (^٢) بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ﴾. يقول تعالى ذكره: فتخرج (^٢) بذلك الماء الذي نسوقه إليها، على يُبْسِها وغِلَظها، وطول عهدِها بالماء، زرعًا خَضِرًا تأكل منه مواشيهم، وتتغذَّى به أبدانهم وأجسامهم، فيعيشون به، ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: أفلا يرون ذلك بأعينهم، فيعلموا برؤيتهموه (^٣) أن القدرة التي بها فعَلتُ ذلك، لا يتعذَّرُ عليَّ أن أحيى بها الأموات، وأَنْشِرَهم من قبورهم، وأعيدهم بهيئاتهم (^٤) التي كانوا بها قبل وفاتهم.\n\n<span id=\"aya-3531\"></span><span data-type='title' id=toc-7313>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ويقولُ (^٥) هؤلاء المشركون بالله [لك، يا محمد] (^٦): ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾.\nواختلف (^٧) في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: متى يجيءُ هذا\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٣٧٤.\n(^٢) في ت ٢: \"فيخرج\".\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) في ت ١: \"كهيئتهم\". وفى ت ٢: \"كهيئاتهم\".\n(^٥) في م، ت ٢: \"يقولون\".\n(^٦) في ص، م، ت ٢: \"يا محمد لك\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢: \"فاختلف\".","vol":"18","page":643},{"text":"الحكم بيننا وبينكم، ومتى يكون هذا الثواب والعقاب (^١)؟\n\n<span data-type='title' id=toc-7314>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. قال: قال أصحاب نبي الله ﷺ: إن لنا يومًا أوشك أن نستريح فيه، وننعم فيه. فقال المشركون: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٢).\nوقال آخرون: بل عُنى بذلك فتح مكة.\n\nوالصوابُ من القول في ذلك: قولُ مَن قال: معناه: ويقولون متى يجيءُ هذا الحكم بيننا وبينكم؟ يعنون العذاب. يدلُّ على أن ذلك معناه قوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. ولا شك أن الكفار قد (^٣) جعل الله التوبة قبل فتح مكة وبعده، ولو كان معنى قوله: ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ على ما قاله من قال: يعني به فتح مكة - لكان لا توبةَ لمن أسلم من المشركين بعد فتح مكة، [ولا شك أن الله قد تاب على بشَرٍ كثيرٍ من المشركين بعد فتح مكة] (^٤)، ونفعهم بالإيمان به وبرسوله؛ فمعلومٌ بذلك صحة ما قلنا من التأويل وفساد ما خالفه. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. يعني: إن كنتم صادقين في (^٥) الذي تقولون من أنَّا معاقبون على تكذيبنا محمدًا، وعبادتنا الآلهة والأوثان.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"العذاب\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم. وذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٣١٠.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١: \"كان\".\n(^٤) سقط من: ت ١.\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"أن\".","vol":"18","page":644},{"text":"<span id=\"aya-3532\"></span>وقوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ [لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ] (^١)﴾. يقولُ لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لهم يوم الحكم ومجيء العذابِ: لا ينفعُ مَن كفر بالله وبآياته إيمانهم الذي يُحدِثونه في ذلك الوقتِ.\nكما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾. قال: يوم الفتح، إذا جاء العذاب.\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ﴾: يومَ القيامة (^٢).\nونُصِب اليوم في قوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾. ردًّا على \"متى\"، وذلك أن \"متى\" في موضع نصب. ومعنى الكلام: أنَّى حين هذا الفتح إن كنتم صادقين؟! ثم قيل: يوم كذا وبه قرأ القرأة.\nوقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. يقولُ: ولا هم يُؤخَّرون للتوبة والمراجعة.\n\n<span id=\"aya-3533\"></span>وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾. يقولُ لنبيِّه محمد ﷺ: ﴿فَأَعْرِضْ﴾ يا محمد عن هؤلاء المشركين بالله، القائلين لك: متى هذا الفتح؟ المستعجليك بالعذاب، ﴿وَانْتَظِرْ﴾ ما الله صانع بهم، ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾. يقولُ: إن المشركين منتظرون (^٣) ما تعِدُهم (^٤) من العذاب ومجيء الساعة.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٩ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم. وذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٢٨٠، والقرطبي في تفسيره ١٤/ ١١١.\n(^٣) في ت ٢: \"ينتظرون\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"يعدهم\".","vol":"18","page":645},{"text":"كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾. يعنى: يومَ القيامةِ (^١).\n[آخرُ تفسيرِ سورةِ السجدةِ، وللهِ الحمدُ والمنةُ] (^٢).\n_________\n(^١) جزء من حديث عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٩ إلى المصنف وعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص: \"تمت سورة السجدة والحمد لله رب العالمين يتلوه سورة الأحزاب وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم. وفى ت ١: \"هو الله ﷾ أعلم آخر تفسير سورة السجدة والحمد لله وحده وصلاته وسلامه على محمد عبده ورسوله وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأهل بيته وسلم. يتلوه تفسير سورة الأحزاب إن شاء الله تعالى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم وهو حسبنا وحده.","vol":"18","page":646},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-7315>تفسيرُ سورةِ الأحزابِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-3534\"></span><span data-type='title' id=toc-7316>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ (^١) خَبِيرًا </span>(٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ بطاعتِه، وأداءِ (^٢) فرائضِه، وواجبِ حقوقِه عليك، والانتهاءِ عن محارمِه وانتهاكِ حدودِه، ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ الذين يقولون لك: اطرُدْ عنك أتْباعك من ضعفاءِ المؤمنين بك حتى نجالسِك، ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الذين يُظْهِرون لك الإيمانَ باللهِ، والنصيحةَ لك، وهم لا يأْلُونَك وأصحابَك ودينَك خَبالًا، فلا تَقْبَلْ منهم رأيًا، ولا تَسْتَشِرْهم مُسْتَنْصِحًا بهم؛ فإنهم لك أعداءٌ، ﴿إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. يقولُ: إن الله ذو علمٍ بما تُضْمِرُه نفوسُهم، وما الذي يَقْصِدون في إظهارِهم لك النصيحةَ، مع الذي يَنْطَوُون لك عليه، حكيمٌ في تدبيرِ أمرِك وأمرِ أصحابِك ودينِك، وغيرِ ذلك من تدبيرِ جميعِ خلقهِ، ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾. يقولُ: واعملْ بما يُنْزِلُ اللهُ عليك من وحْيِه، وآيِ كتابه. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.\n_________\n(^١) في ت ١: \"يعملون\". وهى قراءة أبي عمرو وحده، وقرأ بالتاء نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة ص ٥١٨، والكشف عن وجوه القراءات ٢/ ١٩٣.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"أدى\".","vol":"19","page":5},{"text":"يقولُ: إن الله بما تعملُ به أنتَ وأصحابُك مَن هذا القرآنَ، وغيرِ ذلك من أمورِكم وأمورِ عبادِه خبيرٌ، أي: ذو خبرةٍ، لا يَخْفَى عليه من ذلك شيءٌ، وهو مُجازِيكم على ذلك بما وعَدكم من الجزاءِ.\n\n<span id=\"aya-3535\"></span>وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7317>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: هذا القرآنَ، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ (^١) خَبِيرًا﴾.\n\n<span id=\"aya-3536\"></span><span data-type='title' id=toc-7318>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا </span>(٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وفوِّضْ إلى اللَّهِ يا محمدُ أمْرَك، وثِقْ به، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. يقولُ: [وحَسْبُك اللهُ قَيِّمًا بأمرِك، وحفيظًا بك] (^٢).\n\n<span id=\"aya-3537\"></span><span data-type='title' id=toc-7319>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ (^٣) مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ </span>(٤)﴾.\nاخْتَلف أهلُ التأويلِ في المرادِ مِن قولِ اللهِ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ فقال بعضُهم: عُنى بذلك تكذيبُ قومٍ مِن أهلِ النفاقِ، وصَفوا\n_________\n(^١) في ت ١: \"يعملون\".\n(^٢) في ص: \"وحسبك بالله فيما يأمرك وحفيظا بك\"، وفى م: \"وحسبك بالله فيما يأمرك وكيلا، وحفيظا بك\"، وفي ت ١: \"وحسبك بالله قيما أمرك وحفيظا بك\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"وحسبك الله قيما يأمرك وحفيظا بك\"، والمثبت ما يقتضيه السياق. وهو معنى ماذهب إليه المصنف فيما تقدم في ٦/ ٢٤٥، ٧/ ٤٧٤، ٥٨٠.\n(^٣) في ت ١: \"تظهرون\". وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو، وقرأ حمزة والكسائي: \"تظاهرون\" بفتح التاء وتخفيف الظاء، وابن عامر: \"تظاهرون\" بالألف والتشديد، وعاصم: \"تُظَاهِرون\" بالألف وضم التاء. السبعة لابن مجاهد ص ٥١٩، والكشف عن وجوه القراءات ٢/ ١٩٤.","vol":"19","page":6},{"text":"نبيَّ اللهِ ﷺ بأنه ذو قلْبَيْن، فنفَى اللهُ ذلك عن نبيِّه وكذَّبهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-7320>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ بُغَيْلٍ (^١)، قال: ثنا زهيرُ بنُ معاويةَ عن قَابوسَ بن أبي ظَبْيانَ، أن أباه حدَّثه، قال: قلنا لابنِ عباسٍ: أرأيت قول اللهِ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ ما عنى ذلك؟ قال قام رسولُ الله ﷺ يومًا فصلَّى فخَطر خَطْرةً، فقال المنافقون الذين يُصلُّون معه: إن له قَلْبَيْن؛ قلبًا معكم، وقلبًا معهم. فأنزَل اللهُ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (^٢).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك رجلٌ من قريشٍ كان يُدْعَى ذا القَلْبَيْن من دَهْيِه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-7321>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾. قال: كان رجلٌ مِن قريشٍ يُسمَّى مِن دَهْيِه ذا القَلْبيْن، فأنزَل اللهُ هذا في شأنِه (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) في ص: \"نقنل\" غير منقوطه، وفى م، ت ١: \"نفيل\"، وفى ت ٢: \"مقبل\". وهو خطأ، والمثبت من مصادر الترجمه. ينظر تهذيب الكمال ٧/ ٥.\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ٢٣٣ (٢٤١٠)، والترمذى (٣١٩٩)، والطحاوى في المشكل (٣٣٧١)، ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٣٧٨ -، والطبرانى (١٢٦١٠)، الحاكم ٢/ ٤١٥، والضياء في المختارة (٥٢٨ - ٥٣١) من طريق زهير بن معاوية به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٠ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذهنه\". ومن دهيه: أي: من دهائه. ينظر اللسان (د هـ ا).\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٧٧ عن العوفى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٠ إلي المصنف وابن مردويه.","vol":"19","page":7},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾. قال: إن رجلًا مِن بنى فهْرٍ (^١) قال: إن في جوفِي قَلْبيْن أعقِلُ بكلِّ واحدٍ منهما أفضلَ من عقلِ محمدٍ. وكذب (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾. قال قتادةُ: كان رجلٌ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ يُسَمى ذا القَلْبيْن، فأنزل اللهُ فيه ما تَسْمَعون (^٣).\nقال قتادةُ: وكان الحسنُ يقولُ: كان رجلٌ (^٤) يقولُ: لى نَفْسٌ تَأْمُرُني، ونَفْسٌ تنهانى. فأَنْزَل الله فيه ما تَسْمَعون (^٥).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن خُصَيْفٍ، عن عكرمةَ، قال: كان رجلٌ يُسَمَّى ذا القلبين، فنزَلَت: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (^٦).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك زيدُ بنُ حارثةَ، من أجلِ أن رسولَ اللهِ ﷺ كان\n_________\n(^١) في ت ١: \"بهز\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٤٦، وأخرجه الفريابي - كما في الدر المنثور ٥/ ١٨٠ - ومن طريقه الطحاوي في المشكل (٣٣٧٢)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١١ عن معمر عن قتادة بنحوه.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رجلا\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١١ عن معمر عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٠ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٠ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"19","page":8},{"text":"تبَنَّاه، فضرَب اللهُ له (^١) بذلك مثَلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-7322>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرُ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾. قال: بلَغَنا أن ذلك كان في زيدٍ بن حارثةَ، ضرَب اللهُ له مثلًا (^٢). يقولُ: ليس (^٣) ابن رجلٍ آخرَ ابنَك (^٤).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ (^٥) قولُ مَن قال: ذلك تكذيبٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه قولَ مَن قال لرجلٍ، في جوفِه قلبان يَعْقِلُ بهما. على النحوِ الذي رُوِى عن ابن عباسٍ، وجائزٌ أن يكونَ ذلك تكذيبًا مِن اللهِ لمن وصَف رسولَ الله ﷺ بذلك، وأن يكونَ تكذيبًا لمن سمَّى القرشيَّ الذي ذُكِر أنه سُمِّى ذا القلبين مِن دَهْيِه (^٦)، وأيَّ الأمرين كان فهو نفىٌ مِن اللهِ عن خلقِه من الرجالِ أن يكونوا بتلك الصفةِ.\nوقولُه: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ولم يَجْعَلِ اللهُ أيُّها الرجالُ نساءَكم اللائى تقولون لهن: أنتُنَّ علينا كظهورِ أمهاتِنا - أمهاتِكم، بل جعَل ذلك مِن قِيلِكم كذبًا، وألْزَمَكم عقوبةً لكم كفارةً.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) ليس في: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مثل\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١١١. قال القرطبي في تفسيره ١٤/ ١١٧: قال النحاس: وهذا قول ضعيف لا يصح في اللغة، وهو من منقطعات الزهرى، رواه معمر عنه.\n(^٥) في ص، ت ٢، ت ٣: \"بالصحة\".\n(^٦) في ت ١: \"ذهنه\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"دهنه\".","vol":"19","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7323>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾: أي: ما جعَلها أمَّك، فإذا ظاهَر الرجلُ مِن امرأتِه، فإن الله لم يَجْعَلْها أمَّه، ولكن جعَل فيها الكفارةَ (^١).\nوقولُه: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾. يقولُ: ولم يَجْعَلِ اللهُ مَن ادَّعَيْتَ أنه ابنُك وهو ابن غيرِك، ابنَك بدَعْواك.\nوذُكِر أن ذلك نزَل على رسولِ اللهِ ﷺ، من أجل تَبَنِّيه زيدَ بنَ حارثةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7324>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾. قال: نزَلَت هذه الآيةُ في زيدِ بن حارثةَ (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾. قال: كان زيدُ بنُ حارثةَ حينَ منَّ الله ورسولهُ عليه، يقالُ له: زيدُ بنُ محمدٍ. كان تبَنَّاه، فقال اللهُ: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. قال: وهو يَذْكُرُ الأزواجَ والأختَ، فأخْبَره أن الأزواجَ لم تَكُنْ بالأمهاتِ أمهاتِكم، ولا أدعياؤُكم أبناءَكم (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٤٦. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨١ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٣) التبيان ٨/ ٢٨٥، وتفسير ابن كثير ٦/ ٣٧٨.","vol":"19","page":10},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾: وما جعَل دَعِيَّك ابنَك، يقولُ: إذا ادَّعى رجلٌ رجلًا وليس بابنِه، ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ الآيةَ، وذُكرَ لنا أن النبيَّ ﷺ كان يقولُ: \"مَن ادَّعَى إلى غيرِ أبيه مُتَعَمِّدًا حرَّم اللهُ عليه الجنةَ\" (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن أشعثَ، عن عامرٍ، قال: ليس في الأدْعياء زيدٌ.\nوقولُه: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا القولُ، وهو قولُ الرجل لامرأتِه: أنت عليَّ كظهرِ أمي. وادِّعاؤُه مَن ليس بابنِه أنه ابنُه، إنما هو قولُكم بأفواهِكم، لا حقيقةَ له، لا يَثْبُتُ بهذه الدعوى نسبُ الذي ادُّعِيَت بُنُوَّتُه، ولا تَصِيرُ الزوجةُ أُمَّا بقولِ الرجلِ لها: أنتِ عليَّ كظهرِ أمي. ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾. يقولُ: واللهُ هو الصادقُ الذي يقولُ الحقَّ، وبقولِه يَثْبُتُ نسبُ مَن أُثْبِت نسبُه، وبه تكونُ المرأةُ للمولودِ أُمًّا إذا حُكِم بذلك.\n﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ يُبَيِّنُ لعبادِه سبيلَ الحقِّ، ويُرْشِدُهم لطريقِ الرشادِ.\n\n<span id=\"aya-3538\"></span><span data-type='title' id=toc-7325>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿دْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم، والمرفوع منه أخرجه أحمد ٣/ ٨٩ (١٤٩٧)، والبخارى (٤٣٢٦، ٤٣٢٧)، ومسلم (٦٣) من حديث سعد بن أبي وقاص وأبى بكرة.","vol":"19","page":11},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: انسِبوا أدعياءَكم الذين ألْحَقْتُم أنسابَهم بكم لآبائِهم، يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: الْحِقْ نسبَ زيدٍ بأبيه حارثةَ، ولا تَدْعُه زيدَ بنَ محمدٍ.\nوقولُه: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. يقولُ: دعاؤُكم إيَّاهم لآبائِهم هو أعدلُ عندَ اللهِ، وأصدقُ وأصوبُ من دعائِكم إيَّاهم لغيرِ آبائِهم، ونِسْبتِكُمُوهم إلى مَن تبَنَّاهم وادَّعاهم، وليسوا له بنينَ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: أعدلُ عندَ اللهِ.\nوقولُه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن أنتم أيُّها الناسُ لم تَعْلَموا آباء أدعيائِكم مَن هم، فتَنْسِبوهم إليهم، ولم تَعْرِفوهم، فتُلْحِقوهم بهم، ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾. يقولُ: فهم إخوانُكم في الدينِ، إن كانوا مِن أهلِ ملَّتِكم، ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ إن كانوا مُحَرَّرِيكم، وليسوا ببَنِيكم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7326>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: أعدَلُ عندَ اللهِ، ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾: فإن لم تَعْلَموا مَن أبوه، فإنما هو أخوك ومَوْلاك (^١).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٢ إلى المصنف.","vol":"19","page":12},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن عُيينةَ بن عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، قال: قال أبو بَكْرةَ: قال اللهُ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾. فأنا ممَّن لا يُعْرَفُ أبوه، وأنا مِن إخوانِكم في الدينِ. قال: قال أبي: واللهِ إنى لأَظُنُّه لو علِم أن أباه كان حمارًا، لانْتَمَى إليه (^١).\nوقولُه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾. يقولُ: ولا حرَجَ عليكم ولا وِزْرَ في خطأ يكونُ منكم في نسبةِ بعضِ مَن تَنْسِبونه إلى أبيه، وأنتم تَرَوْنه ابنَ مَن تَنْسِبونه إليه، وهو ابنٌ لغيرِه. ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. يقولُ: ولكنِ الإثمُ والحرجُ عليكم في نسْبَتِكموه إلى غيرِ أبيه، وأنتم تَعْلَمونه ابنَ غيرِ مَن تَنْسِبونه إليه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7327>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾. يقولُ: إذا دعَوْتَ الرجلَ لغيرِ أبيه، وأنت تَرَى أنه كذلك (^٢).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٧٩ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٢ إلى المصنف مختصرًا.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١١ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":13},{"text":"﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. يقولُ اللهُ: لا تَدْعُه لغيرِ أبيه متعمدًا. أما الخطأُ فلا يُؤاخِذُكم اللهُ به، ولكنْ يؤاخِذُكم بما تعمَّدت قلوبُكم.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدِ: ﴿تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. قال: فالعمدُ ما أتَى بعدَ البيانِ، والنهيُ في هذا وغيرِه.\nو\"ما\" التي في قولِه: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ خفضٌ؛ ردًّا على \"ما\" التي في قولِه: ﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾. وذلك أن معنى الكلامِ: ليس عليكم جناحٌ فيما أَخْطَأْتُم به، ولكن فيما تعَمَّدَت قلوبُكم.\nوقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكان اللهُ ذا سَتْرٍ على ذنبٍ مَن ظاهَر من زوجتِه فقال الباطلَ والزورَ مِن القولِ، وذنبِ مَن ادَّعَى ولدَ غيرِه ابنًا له، إذا تابا وراجَعا أمرَ اللهِ، وانْتَهَيا عن قيلِ الباطلِ، بعدَ أن نهاهما ربُّهما عنه، ذا رحمةٍ بهما أن يُعاقِبَهما على ذلك، بعد توبتِهما مِن خطيئتِهما.\n\n<span id=\"aya-3539\"></span><span data-type='title' id=toc-7328>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿النَّبِيُّ﴾ محمدٌ ﴿أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: أحقُّ","vol":"19","page":14},{"text":"بالمؤمنين به مِن أنفسِهم، أن يَحْكُمَ فيهم بما يَشاءُ مِن حكمٍ، فيَجوزَ ذلك عليهم.\nكما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: كما أنت أولى بعبدِك، ما قضَى فيهم مِن أمرٍ جاز؛ كما كلما قضَيْتَ على عبدِك جاز (^١).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: هو أبٌ لهم (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بن المثنى، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: ثنا فُلَيْحٌ، عن هلالِ بن عليٍّ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي عَمْرةً، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"ما مِن مؤمنٍ إلا وأنا أَولى الناسِ به في الدنيا والآخرةِ، اقْرَءُوا إِن شَئْتُم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، وأيُّما مؤمنٍ ترَك مالًا فلورثتِه وعَصَبتِه من كانوا، وإن ترَك دَيْنًا أو ضَياعًا فلْيَأْتِنى وأنا مولاه (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا الحسين (^٤) بنُ عليٍّ، عن أبي موسى إسرائيلَ بن\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٣١٨.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٤٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٣ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه أحمد ١٤/ ١٤٢ (٨٤١٨)، والبخارى (٢٣٩٩، ٤٧٨١)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٣٨١ -، والبيهقى ٦/ ٢٣٨، والبغوى في تفسيره ٦/ ٣١٩، من طريق فليح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٢ إلى ابن مردويه.\n(^٤) في النسخ: \"حسن\". والمثبت هو الصواب. وقد تقدم في ٨/ ٥١٩، وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٤٤٩.","vol":"19","page":15},{"text":"موسى، قال: قرَأ الحسنُ هذه الآيةَ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾. قال: قال الحسنُ: قال النبيُّ ﷺ: \"أنا أولى بكلِّ مؤمنٍ من نفسِه\".\nقال الحسنُ: وفي القراءةِ الأولى: (أولى بالمؤمنين مِن أنفسِهم، وهو أبٌ لهم) (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال في بعضِ القراءةِ: (النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسِهم وهو أبٌ لهم) (^٢). وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: \"أيُّما رجلٍ ترَك ضَياعًا فأنا أَولى به، وإن ترَك مالًا فهو لورثتِه\".\nوقوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾. يقولُ: وحُرمةُ أزواجِه حُرمةُ أمهاتِهم عليهم، في أنهنَّ يَحْرُمُ عليهنَّ نكاحُهن مِن بعدِ وفاتِه، كما يَحْرُمُ عليهم نكاحُ أمهاتِهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7329>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾: يُعَظِّمُ بذلك حقَّهن. وفي بعض القراءةِ: (وهو أبٌ لهم) (^٣).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولهِ: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾: مُحرَّماتٌ عليهم.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٨٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٣ إلى المصنف مقتصرا على قراءة الحسن فقط، والمرفوع من الأثر أخرجه أحمد ١٦/ ٥٢ (٩٩٨٣)، والدارمي ٢/ ٢٦٣، ومسلم (١٦١٩/ ١٥)، وغيرهم، من حديث أبي هريرة. والقراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٢) تفسير ابن كثير ٤/ ٢٦٨.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم، دون ذكر القراءة.","vol":"19","page":16},{"text":"وقولُه: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأولو الأرحامِ الذين وَرَّثْتُ بعضَهم مِن بعضِ هم أَولى بميراثِ بعضٍ من المؤمنين والمهاجرين أن يَرِثَ بعضُهم بعضًا، بالهجرةِ والإيمانِ دونَ الرحمِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7330>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾: لبِث المسلمون زمانًا يَتَوارَثون بالهجرةِ، والأعرابيُّ المسلمُ لا يَرِثُ من المهاجرين شيئًا، فأنْزَل اللهُ هذه الآيةَ، فخلَط المؤمنين بعضَهم ببعضٍ، فصارت المواريتُ بالمِللِ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾. قال: كان النبيُّ ﷺ قد آخَى بين المهاجرين والأنصارِ أولَ ما كانت الهجرةُ، وكانوا يَتَوارَثون على ذلك، وقال اللهُ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ (^٢) أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]. قال: إذا لم يَأْتِ رَحِمٌ لهذا يَحولُ دونهم. قال: فكان هذا أوَّلًا. فقال الله: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾. يقولُ: إلا أن تُوصُوا لهم: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾؛ أن أُولى الأرحامِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٣ إلى المصنف، وقد تقدم الأثر في ١١/ ٢٩٢ بنحوه.\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"عاقدت\". وينظر ما تقدم في ٦/ ٦٧٣، ٦٧٤.","vol":"19","page":17},{"text":"بعضُهم أولى ببعضٍ في كتابِ اللهِ. قال: وكان المؤمنون والمهاجرون لا يَتَوارَثون وإن كانوا أُولى رحمٍ، حتى يُهاجروا إلى المدينةِ. وقرَأ قَوْلَ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ إلى قولِه: ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢، ٧٣]. فكانوا لا يَتَوارَثون، حتى إذا كان عامُ الفتحِ، انْقَطَعَت الهجرةُ، وكثُر الإسلامُ، وكان لا يُقْبَلُ مِن أحدٍ أن يكونَ على الذي كان عليه النبيُّ ومَن معه، إلا أن يُهاجِرَ. قال: وقال رسولُ اللهِ ﷺ من بعَث: \"اغْدُوا على اسمِ اللهِ، لا تَغُلُّوا ولا تَوَلَّوا، ادْعُوهم إلى الإسلامِ، فإن أجابوكم فاقْبَلوا، وادْعُوهم إلى الهجرةِ، فإن هاجَروا معكم، فلهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، فإن أبَوْا ولم يُهاجِروا واخْتارُوا دارَهم، فَأَقِرُوهم فيها، فهم كالأعرابِ تَجْرِى عليهم أحكامُ الإسلامِ، وليس لهم في هذا الفَيْءِ نصيبٌ\". قال: فلما جاء الفتحُ، وانْقَطَعَت الهجرةُ، قال رسول الله ﷺ: \"لا هجرة بعد الفتح\". وكثُر الإسلامُ، وتَوارَث الناسُ على الأرحامِ حيثُ كانوا، ونسَخ ذلك الذي كان بينَ المؤمنين والمهاجرين، وكان لهم في الفَيْءِ نصيبٌ، وإن أقاموا وأبَوْا، وكان حقُّهم في الإسلامِ واحدًا؛ المهاجرُ وغيرُ المهاجرِ والبَدَويُّ وكلُّ أحدٍ، حينَ جاء الفتحُ (^١).\nفمعنى الكلام على هذا التأويلِ: وأولو الأرحامِ بعضُهم أولى ببعضٍ من المؤمنين والمهاجرين ببعضِهم أن يَرِثوهم بالهجرةِ، وقد يَحْتَمِلُ ظاهرُ هذا الكلامِ أن يكونَ من صلةِ الأرحامِ من المؤمنين والمهاجرين، أَوْلى بالميراثِ، ممن لم يُؤْمِنْ ولم يُهاجِرْ.\nوقولُه: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٦/ ٦٧٨، ٦٧٩، ١١/ ٢٩٦.","vol":"19","page":18},{"text":"تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إلا أن تُوصُوا لذَوِى قرابتِكم مِن غيرِ أهلِ الإيمانِ والهجرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7331>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبو معاويةَ، عن حجاجٍ، عن سالمٍ، عن ابن الحنفيةِ: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾. قال (^١): يُوصِى لقَرابتِه مِن أهلِ الشركِ (^٢).\nقال: ثنا عَبْدةُ، قال: قرأْتُ على ابن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾. قال: للقرابة من أهل الشركِ وصيةٌ، ولا مِيراثِ لهم (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾. قال: إلى أوليائِكم مِن أهلِ الشركِ وصيةً، ولا مَيراثَ لهم (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، ويَحيى بنُ آدمَ، عن ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن يَحيى بن أبى كثيرٍ، عن عكرمةَ: ﴿إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾. قال: وصية (^٤).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني محمدُ بنُ عمرٍو، عن ابن جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُه: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾؟\n_________\n(^١) في م: \"قالوا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٩١٨، ١٩٣٣٩) عن معمر، عن قتادة بنحوه.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٣٢٠.","vol":"19","page":19},{"text":"فقال: العطاءُ. فقلتُ له: المؤمنُ للكافرِ بينَهما قَرابةُ؟ قال: نعم، عطاؤُه إياه حيًّا (^١) ووصيته (^٢) له (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إلا أن تُمْسِكوا بالمعروفِ بينَكم، بحقِّ الإيمانِ والهجرةِ والحِلْفِ، فتُؤْتوهم حقَّهم مِن النُّصْرِةِ والعَقْلِ عنهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-7332>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾. قال: حلفاؤُكم الذين والَى بينَهم النبي ﷺ مِن المهاجرين والأنصارِ، إمساكٌ بالمعروفِ والعَقْلُ والنصرُ بينَهم (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إلا (^٥) أن تُوصُوا إلى أوليائِكم مِن المهاجرين وصيةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-7333>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾. يقولُ: إلا أن تُوصُوا لهم (^٦).\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"حباء\".\n(^٢) في ص، م: \"وصية\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٣، وفى المصنف (٩٩١٦، ١٩٣٣٨) عن ابن جريج به.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٤٦، ٥٤٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٣ إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) ليس في: م.\n(^٦) هذا الأثر جزء من الأثر الطويل المتقدم ص ١٧، ١٨.","vol":"19","page":20},{"text":"وأولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ أن يقالَ: معنى ذلك: إلا أن تَفْعَلُوا إلى أوليائِكم الذين كانَ رسولُ اللهِ ﷺ آخَى بينَهم وبينَكم مِن المهاجرين والأنصارِ - معروفًا من الوصيةِ لهم، والنُّصرةِ والعقلِ عنهم، وما أشْبَه ذلك؛ لأن كلَّ ذلك مِن المعروفِ الذي قد حثَّ اللهُ عليه عبادَه.\nوإنما اخْتَرْتُ هذا القولَ، وقلتُ: هو أولى بالصوابِ من قيلِ مَن قال: عُنِى بذلك الوصيةُ للقَرابةِ من أهلِ الشركِ. لأن القريبَ من المشركِ، وإن كان ذا نَسبٍ، فليس بالمولَى، وذلك أن الشركَ يَقْطَعُ ولايةَ ما بينَ المؤمنِ والمشركِ، وقد نهَى اللهُ المؤمنين أن يَتَّخِذوا منهم وليًّا بقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]. وغيرُ جائزٍ أن يَنْهاهم عن اتخاذِهم أولياءَ، ثم يَصِفَهم جلَّ ثناؤُه بأنهم لهم أولياءُ.\nوموضعُ ﴿أَنْ﴾ من قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا﴾. نصبٌ على الاستثناءِ. ومعنى الكلامِ: وأولو الأرحامِ بعضُهم أولى ببعضٍ في كتابِ اللهِ مِن المؤمنين والمهاجرِين، إلا أن تَفْعَلُوا إلى أوليائِكم [من المؤمنين والمهاجرين] (^١) الذين ليسوا بأُولى أرحام منكم - معروفًا.\nوقولُه: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾. يقولُ: كان أولو الأرحامِ بعضُهم أوْلَى ببعضٍ في كتابِ اللهِ، أي: في اللوحِ المحفوظِ، ﴿مَسْطُورًا﴾. أي: مكتوبًا؛ كما قال الراجزُ (^٢):\n* في الصُّحُفِ الأُولَى التي كان سَطَرْ *\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢. وبعده في ص: \"معروفا\".\n(^٢) هو العجاج، والبيت في ديوانه ص ٤٨.","vol":"19","page":21},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7334>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾. أي: أن أُولى الأرحامِ بعضُهم أَوْلَى ببعضٍ في كتابِ اللهِ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾: لا يَرِثُ المشركُ المؤمنَ.\n<span data-type='title' id=toc-7335>[ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾. وفى بعضِ القراءةِ: (كان ذلك عند الله مكتوبًا)؛ لا يرثُ المشركُ المؤمنَ] (^٢) (^٣).\n\n<span id=\"aya-3540\"></span><span data-type='title' id=toc-7336>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: كان ذلك في الكتابِ مسطورًا إذ كتَبْنا كلَّ ما هو كائنٌ في الكتابِ، ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾، كان ذلك أيضًا في الكتابِ مسطورًا، ويعنى بالميثاقِ العهدَ، وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه فيما مضَى قبلُ (^٤)، ﴿وَمِنْكَ﴾ يا محمدُ ﴿وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ\n_________\n(^١) هذا الأثر جزء من الأثر الطويل المتقدم ص ١٧، ١٨.\n(^٢) سقط من: م، ت ٢.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ١٢٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم، والقراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٣٩، ٢/ ٤٦، ٢٦٢، ٧/ ٣٢١، ٣٢٢.","vol":"19","page":22},{"text":"مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. يقولُ: وأَخَذْنا مِن جميعِهم عهدًا مؤكَّدًا أن يُصَدِّقَ بعضُهم بعضًا.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾. قال: وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"كنتُ أولَ الأنبياءِ في الخَلْقِ، وآخرَهم في البعثِ\". ﴿وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: ميثاقٌ أخَذَه اللهُ على النبيين خصوصًا، أن يُصَدِّقَ بعضُهم بعضًا، وأن يَتْبَعَ بعضُهم بعضًا (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: كان قتادةَ إذا تلا هذه الآيةَ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾. قال: كان نبيُّ اللهِ ﷺ في أوَّلِ النبيين في الخلقِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾. قال: في ظهرِ آدمَ (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٤ إلى المصنف مقتصرا على ذكر المرفوع فقط. وعزاه في ٥/ ١٨٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم مقتصرا على آخره. والمرفوع من الأثر أخرجه ابن سعد في الطبقات ١/ ١٤٩، وأبو نعيم في دلائل النبوة - كما في البداية والنهاية ٣/ ٥٣٥ - من طريق سعيد بن أبي عروبة به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٣٨٣ - وتمام في فوائده (١٣٩٩ - روض)، وأبو نعيم في دلائل النبوة (٢)، من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة مرفوعا.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٨٣، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ١/ ١٤٩ من طريق أبي هلال عن قتادة مرفوعا بنحوه.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٤٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٣ إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":23},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: الميثاقُ الغليظُ العهدُ (^١).\n\n<span id=\"aya-3541\"></span><span data-type='title' id=toc-7338>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أخَذْنا مِن هؤلاء الأنبياءِ ميثاقَهم، كما أَسْأَلَ المرسَلِين عما أجابَتْهم به أُمَمِهم، وما فعل قومُهم فيما أبْلَغوهم عن ربِّهم مِن الرسالةِ.\nوبنحوِ قولِنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7337>ذُكر مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسَةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾. قال: المُبَلِّغين المُؤَدِّين مِن (^٢) الرسلِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾. قال: المبلِّغين المؤدِّين مِن الرسلِ (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾. قال: الرسلَ المؤَدِّين المبلِّغين.\nوقولُه: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يقولُ: وأَعَدَّ للكافرين باللهِ مِن الأممِ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٨٣.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"عن\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٤٧.","vol":"19","page":24},{"text":"عذابًا مُوجِعًا.\n\n<span id=\"aya-3542\"></span><span data-type='title' id=toc-7339>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: التي أنعَمها على جماعتِكم، وذلك حينَ حُوصِر المسلمون مع رسولِ اللهِ ﷺ أيامَ الخنَدقِ، ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾. يعنى: جنودُ الأحزابِ؛ قُريشٌ، وغَطَفانُ، ويهودُ بني النضيرِ، ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ وهى فيما ذُكِر: ريحُ الصَّبا.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكِرمةَ، قال: قالت الجنوبُ للشَّمالِ ليلةَ الأحزابِ: انطلِقي ننصُرْ رسولَ اللهِ ﷺ. فقالت الشَّمالُ: إن الحُرَّة لا تسرى بالليلِ. قال: فكانت الريحُ التي أُرسلتْ عليهم الصَّبا (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنى الزبيرُ، يعني ابنَ عبدِ اللهِ، قال: ثنى رُبَيْحُ بنُ أبي سعيدٍ، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ، قال: قلنا يومَ الخندقِ: يا رسولَ اللهِ، بلغتِ القلوبُ الحناجرَ! فهل من شيءٍ نقولُه (^٢)؟ قال: \"نعم، قولوا: اللهم استرْ عوراتِنا، وآمنْ روعاتِنا\". قال: فضرَب اللهُ وجوهَ أعدائه بالريحِ، فهزمهم الله بالرِّيحِ (^٣).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٨٥ عن المصنف.\n(^٢) في م: \"تقوله\".\n(^٣) أخرجه البزار (٣١١٩ - كشف) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أحمد ١٧/ ٢٧ (١٠٩٩٦) - وليس فيه ذكر والد رُبيح -، وابن أبي حاتم - كما في البداية والنهاية ٦/ ٥٧ - عن أبيه، عن أبي عامر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٥ إلى ابن المنذر.","vol":"19","page":25},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى عبيدُ (^١) اللهِ بنُ عمرَ (^٢)، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: أرسلنى خالى عثمانُ بنُ مظعونٍ ليلةَ الخندقِ في بردٍ شديدٍ وريحٍ إلى المدينةِ، فقال: ائتنا بطعام ولحافٍ. قال: فاستأذنتُ رسولَ اللهِ، فَأَذِنَ لى وقال: \"من لَقِيتَ مِن أصحابي فمرْهم يَرجِعوا\" (^٣). قال: فذهبتُ والرِيحُ تَسْفِى كلَّ شيءٍ، فجعلتُ لا أَلقَى أحدًا إلا أمرتُه بالرجوعِ إلى النبيِّ ﷺ، قال: فما يَلْوِى أحدٌ منهم عنقَه. قال: وكان معى تُرْسٌ لى، فكانت الريحُ تضربُه عليَّ، وكان فيه حديدٌ. قال: فضرَبتْه الريحُ حتى وقَع بعضُ ذلك الحديدِ على كفِّى، فأنفَذَها إلى الأرضِ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ: قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بن زيادٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ، قال: قال فتًى من أهلِ الكوفةِ لحذيفةَ بن اليمانِ: يا أبا عبدِ اللهِ، رأيتم رسولَ اللهِ ﷺ وصحِبْتُموه؟! قال: نعم يا بنَ أخى. قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: واللهِ لقد كنا نَجْهَدُ. قال الفتى: واللهِ لو أدركناه ما تركناه يمشى على الأرضِ، لحمَلناه على أعناقِنا. قال حُذَيفةُ: يا بن أخي، واللهِ لقد رأيتُنا مع رسولِ اللهِ ﷺ بالخندقِ، وصلى رسولُ اللهِ ﷺ هَوِيًّا (^٥) من الليلِ، ثم التفَت إلينا فقال: \"مَن رجلٌ يقومُ فينظرُ لنا ما فعَل القومُ - يَشْرِطُ له رسولُ اللهِ ﷺ أنه يَرجِعُ - أدخَله اللهُ الجنةَ\". فما قام أحدٌ، ثم صلى رسول الله ﷺ هَوِيًّا من الليلِ،\n_________\n(^١) في النسخ: \"عبدى\"، والمثبت من تفسير ابن كثير ٦/ ٣٨٥ ومصدر التخريج.\n(^٢) في م: \"عمرو\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"يراجعوا\".\n(^٤) أخرجه الطبراني (١٣٣٦٩)، وفى الأوسط (٥٢٩٩) من طريق عبيد الله بن عمر به.\n(^٥) في ص، ت ١: \"هدنا\"، وفى ت ٢: \"هونا\". والهَوِيُّ، بالفتح: الحين الطويل من الزمان، وقيل: هو مختص بالليل. النهاية ٥/ ٢٨٥.","vol":"19","page":26},{"text":"ثم التفَتَ إلينا فقال مثلَه، فما قام منا رجلٌ، ثم صلى رسول اللهِ ﷺ هَوِيًّا من الليل، ثم التفَتَ إلينا فقال: \"مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَينْظُرُ لَنا ما فَعَلَ القَوْمُ ثُمَّ يَرْجِعُ - يَشْتَرِطُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّجْعَةَ - أسأَلُ الله أَنْ يَكُونَ رَفِيقي في الجَنَّةِ\". فما قام رجلٌ؛ مِن شدَّةِ الخوفِ، وشدّةِ الجوعِ، وشدّة البردِ، فلما لم يقمْ أحدٌ، دعاني رسولُ الله ﷺ، فلم يكنْ لى بُدٌّ من القيامِ حينَ دعانى، فقال: \"يا حُذَيْفَةُ، اذْهَبْ فَادْخُلْ فِي القَوْمِ فانْظُرْ مَا يَفْعَلُونَ، وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حتى تأْتِينَا\". قال: فذهبتُ فدخلتُ في القَوْمِ، والريحُ وجنودُ اللهِ تفعلُ بهم ما تفعلُ، لا تُقِرُّ (^١) لهم قِدرًا ولا نارًا ولا بناءً، فقام أبو سُفيان فقال: يا معشرَ قريشٍ، لينظرِ امرؤٌ مَن جليسُه. فقال حذيفةُ: فأخذتُ بيدِ الرجلِ الذي إلى جنبى، فقلتُ: من أنت؟ فقال: أنا فلانُ بنُ فلانٍ. ثم قال أبو سفيان: يا معشرَ قريشٍ، إنكم واللهِ ما أصبَحْتُم بدارِ مُقامٍ، ولقد هلَك الكُراعُ والحُفُّ، وأخلَفتْ (^٢) بنو قريظةَ، وبلَغَنا عنهم الذي نَكْرَهُ، ولقِينا مِن هذه الريحِ ما تَرَوْن، واللهِ ما يَطْمَئِنُّ لنا قِدْرٌ (^٣)، ولا تَقومُ لنا نارٌ، ولا يَسْتَمْسِكُ لنا بِناءٌ، فارْتَحِلوا فإني مُرْتَحِلٌ. ثم قام إلى جملِه وهو معقولٌ، فجلَس عليه، ثم ضرَبه فوثَب به على ثلاثٍ، فما أطْلَق عِقالَه إلا وهو قائمٌ، ولولا عهدٌ رسول اللهِ ﷺ إلى: \"أن لا تُحْدِثَ شيئًا حتى تَأْتِيَنى\". ثم شئتُ لقتَلْتُه بسهمٍ. قال حذيفةُ: فرجَعْتُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، وهو قائمٌ يُصَلَّى (^٣) في مِرْطٍ لبعضِ نسائِه، فلما رآنى أدْخَلَنى بينَ رِجْلَيه، وطرَح عليَّ طرفَ المِرْطِ، ثم ركع وسجَد، وإنى لفيه، فلمَّا سلَّم أَخْبَرْتُه الخبرَ، وسَمِعَتْ غَطَفانُ بما فعَلَت قريشٌ، فانْشَمَرُوا راجعين إلى بلادِهم (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"تقل\".\n(^٢) في م: \"واختلفت\".\n(^٣) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٣١ - ٢٣٣، وأخرجه أحمد (٥/ ٣٩٢) (الميمنية)، والمصنف في التاريخ ٢/ ٥٧٩، من طريق ابن إسحاق به.","vol":"19","page":27},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾. قال: الأحزابُ؛ عيينةُ بنُ بدرٍ، وأبو سفيانَ، وقُريظةُ. وقولَه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾. قال: ريحَ الصَّبا، أُرْسِلت على الأحزابِ يوَم الخندقِ، حتى كفَأَتْ قدورُهم على أفواهِها، ونزَعت فساطيطَهم، حتى أظعَنتْهم. وقولَه: ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾. قال: الملائكةَ، ولم تُقَاتِلْ يومَئذٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾. قال: يعنى الملائكةَ. قال: نزَلت هذه الآيةُ يومَ الأحزابِ، وقد حُصِر رسولُ اللهِ ﷺ شهرًا، فخندَق رسولِ اللهِ ﷺ، وأقبَل أبو سفيانَ بقريشٍ ومَن تَبِعه (^٢) من الناسِ، حتى نزَلوا بعَقْوَةِ (٤) رسولِ اللهِ ﷺ، وأقبل عيينةُ بنُ حِصنٍ أحدُ بنى بدرٍ، ومَن تَبِعه (^٣) من الناسِ، حتى نزَلوا بعَقْوَةِ (^٤) رسولِ اللهِ ﷺ، وكاتَبتِ اليهودُ أبا سفيانَ وظاهَروه، فقال حيثُ يقولُ اللهُ تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾. فبعَث اللهُ عليهم الرعبَ والريحَ، فذُكِر لنا أنهم كانوا كلَّما أوقدوا نارًا أطفَأها اللهُ، حتى لقد ذُكر لنا أن سيدَ كلِّ حيٍّ يقولُ: يا بنى فلانٍ، هَلُمَّ إليَّ. حتى إذا اجتَمعوا عندَه قال: النجاءَ، النجاءَ أُتِيْتُم! لِما بَعَثَ اللَّهُ عليه مِن الرعبِ (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٤٧، ٥٤٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٧ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ١: \"يحفر الخندق\".\n(^٣) في ت ٢: \"معه\".\n(^٤) في ت ١: \"بعقيرة\"، وعقوة الدار: حولها وقريبا منها. النهاية ٣/ ٢٨٣.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٣ عن معمر، عن قتادة مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٧ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"19","page":28},{"text":"حدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ الآيةَ، قال: كان يومُ أبى سفيانَ يومَ الأحزاب (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابنَ إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ في قولِ اللَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾: والجنودُ قريشٌ وغَطَفانُ وبنو قريظةَ، وكانت الجنودُ التي أرسَل اللهُ عليهم مع الريحِ: الملائكةَ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾. يقول تعالى ذكرُه: وكان اللهُ بأعمالِكم يومَئذٍ، وذلك صبرُهم على ما كانوا فيه من الجَهْدِ والشدةِ، وثباتُهم لعدوِّهم، وغير ذلك من أعمالِهم، ﴿بَصِيرًا﴾ لا يَخْفَى عليه من ذلك شيءٌ، يُحْصيه عليهم ليَجزِيَهم عليه.\n\n<span id=\"aya-3543\"></span><span data-type='title' id=toc-7340>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: وكان اللهُ بما تعملون بصيرًا، إذ جاءتكم جنودُ الأحزابِ من فوقِكم ومن أسفلَ منكم. وقيل: إن الذين أَتَوهم من أسفلَ منهم أبو سفيانَ في قريشٍ ومَن معه.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الدلائل ٣/ ٤٣٣ من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٥ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٥.","vol":"19","page":29},{"text":"وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7341>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾. قال: عيينةُ بنُ بدرٍ في أهلِ نجدٍ، ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾. قال: أبو سفيانَ. قال: وواجَهتْهم قُرَيظةُ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدةُ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: ذكَرت يومَ الخندقِ وقرَأت: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ قالت: هو يومُ الخندقِ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بن رومَانَ مولى آلِ الزبيرِ، عن عروةَ بن الزبيرِ، وعمَّن لا أَتَّهِمُ، و(^٣) عن عُبَيدِ اللهِ بن كعبِ بن مالكٍ، وعن الزُّهريِّ، وعن عاصمِ بن عمرَ بن قتادةَ، عن عبدِ اللهِ بن أَبي بكرِ بن محمدِ بن عمرِو بن حزمٍ، وعن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيُّ، وعن غيرِهم مِن علمائِنا: أنه كان من حديثِ الخندقِ؛ أن نفرًا من اليهودِ، منهم سلَّامُ بنُ أبى الحُقَّيقِ النَّضْريُّ، وحُيَيُّ بنُ أَخطبَ النَّضْريُّ، وكِنانةُ بنُ الربيعِ بن أبي الحُقَيقِ النَّضْرِيُّ، وهَوْذةُ بنُ قيسٍ الوائليُّ، وأبو عمَّارٍ الوائليُّ، في نفرٍ مِن بني النضيرِ، ونفرٍ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٤٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٧ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر\nوابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٤١٦، والبخارى (٤١٠٣)، ومسلم (٣٠٢٠)، والنسائي في الكبرى (١١٣٩٨)، والبيهقى في الدلائل ٣/ ٤٣٣ من طريق عبدة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٥ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) سقط من النسخ، والمثبت من مصدر التخريج.","vol":"19","page":30},{"text":"من بني وائلٍ - وهم الذين حزَّبوا الأحزابَ على رسولِ اللهِ ﷺ خرَجوا حتى قدِموا على قريشٍ بمكةَ، فَدَعَوهم إلى حربِ رسولِ اللهِ ﷺ، وقالوا: إنا سنكونُ معكم عليه حتى نَسْتَأْصِلَه. فقالت لهم قريشٌ: يا معشرَ يهودَ، إنكم أهلُ الكتابِ الأولِ والعلمِ بما أصبحنا نَخْتَلِفُ فيه نحن ومحمدٌ، أَفدِيننُا خيرُ أم دينُه؟ قالوا: بل دينُكم خيرٌ من دينِه، وأنتم أَوْلى بالحقِّ منه. قال: فهم الذين أنزَل اللهُ فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ إلى قولهِ: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٥]. فلما قالوا ذلك لقريش، سرَّهم ما قالوا، ونشِطوا لِما دَعَوْهم له من حربِ رسولِ اللهِ ﷺ، فأجمَعوا لذلك، واتَّعَدُوا له. ثم خرَج أولئك النفرُ من يهودَ، حتى جاءوا غَطَفَانَ من قَيْسِ عَيلانَ، فدَعْوهم إلى حربِ رسولِ اللهِ ﷺ، وأخبَروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشًا قد تابَعوهم على ذلك، فأجمعوا فيه، فأجابُوهم. فخرَجت قريشٌ وقائدُها أبو سفيانَ بنُ حربٍ، وخرَجت غَطَفانُ وقائدُها عُيَينةُ بنُ حِصْنِ بن حُذَيفةَ بن بدرٍ في بني فزارةَ، والحارثُ بن عوفِ بن أبى حارثةَ المُرِّيُّ في بنى مُرَّةَ، ومِسْعَرُ (^١) بنُ رُخَيْلَةَ بن نُوَيرَةَ بن طريفِ بن سُحْمةَ بن عبدِ اللهِ بن هلالِ بن خلاوةً بن أشجعَ بن رَيْثِ بن غَطَفَانَ فيمن تابعَه من قومِه من أشجعَ. فلما سمِع بهم رسولُ اللهِ ﷺ وبما أجمَعوا له من الأمرِ، ضرَب الخندقَ على المدينةِ، فلما فرَغ رسولُ اللهِ ﷺ من الخندقِ، أقبَلت قريشٌ حتى نزَلت بمجتمَعِ الأسيالِ من رُومَةَ، بينَ الجُرْفِ والغابةِ (^٢) في عشَرةِ آلافٍ من أحابيشِهم (^٣)،\n_________\n(^١) في تاريخ المصنف، والاستيعاب ٣/ ١٣٩٢، وأسد الغابة ٥/ ١٦١، والإصابة ٦/ ٩٨: \"مسعود\".\n(^٢) كذا في النسخ، وتاريخ المصنف، وورد في سيرة ابن هشام ٢/ ٢١٩، ومعجم ما استعجم ٢/ ٦٩٨، ومعجم البلدان ٢/ ٩٣١، وتاج العروس (ز غ ب): \"زغابة\"، على اختلاف في فتح الزاي وضمها، وهل هي بالعين المهملة أم بالغين المعجمة. وينظر شرح غريب السيرة للخشنى ٣/ ٥.\n(^٣) الأحابيش: هم بنو المصطلق وبنو الهون بن خزيمة، اجتمعوا عند جبل بأسفل مكة يُسمى: حُبشى، وتحالفوا مع قريش، فسمّوا: أحابيش قريش. اللسان (ح ب ش).","vol":"19","page":31},{"text":"ومَن تابعَهم من بني كِنانةَ وأهلِ تِهامةَ، وأقبَلت غَطَفانُ ومن تابَعهم من أهلِ نجدٍ حتى نزَلوا بذَنَبِ نَقَمَى إلى جانبِ أُحُدٍ، وخرَج رسولُ اللهِ ﷺ والمسلمون حتى جعَلوا ظهورَهم إلى سَلْعٍ، في ثلاثةِ آلافٍ من المسلمين، فضرَب هنالك عسكرَه، والخندقُ بينَه وبينَ القومِ، وأمَر بالذرارِيِّ والنساءِ، فرُفِعوا في الآطامِ (^١)، وخرَج عدوُّ اللهِ حُيَيُّ بن أَخطبَ النضَريُّ، حتى أتَى كعبَ بنَ أسدٍ القرظيَّ، صاحِبَ عَقْدِ بني قريظةَ وعَهْدِهم، وكان قد وادَع رسولَ اللهِ ﷺ على قومهِ، وعاهَده على ذلك وعاقَده، فلما سمِع كعبٌ بحُييِّ بن أخطبَ، أغلقَ (^٢) دونَه حِصْنَه، فاستأذَن عليه، فأبى أن يَفْتَحَ له، فناداه حُيَيُّ: يا كعبُ، افتَحْ لى. قال: وَيْحَك يا حُيَيُّ، إنك امرُؤٌ مشئومٌ، إنى قد عاهَدتُ محمدًا، فلستُ بناقضٍ ما بينى وبينَه، ولم أرَ منه إلا وفاءً وصِدْقًا. قال: وَيْحَك، افتح لى أُكَلِّمْك. قال: ما أنا بفاعلٍ. قال: واللهِ إن أغلَقت (^٣) دونى إلَّا (^٤) على جَشيشتِك (^٥) أن آكلَ معك منها. فأحفَظَ الرجلَ (^٦) ففتَح له، فقال: يا كعبُ، جِئْتُك بعزِّ الدهرِ، وببحرٍ طِمٍّ (^٧)، جئْتُك بقُرَيشٍ على [قادتِها وسادتِها] (^٨)، حتى أَنزلْتُهم بمجتمَعِ الأسيالِ من رُومَةَ، وبغَطَفانَ على [قادتِها وسادتِها] (^٨)، حتى أَنْزَلْتُهم بذنبِ نَقَمَى إلى جانب أُحُدٍ، قد عاهَدونى وعاقَدونى ألَّا يَبْرَحوا حتى يَسْتَأْصِلوا محمدًا ومَن\n_________\n(^١) الآطام: القصور، ويقال: الحصون، واحدها أُطُم. شرح غريب السيرة ٣/ ٥.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"غلق\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"غلقت\".\n(^٤) بعده في م: \"تخوفت\".\n(^٥) الجشيشة: طعام يُصنع من الجشيش، وهو البر يطحن غليظا، وهو الذي تقول له العامة: دَشيش، بالدال، والصواب فيه بالجيم. المصدر السابق.\n(^٦) أحفظه: أغضبه، والحفيظة الغضب. المصدر السابق\n(^٧) في تاريخ المصنف - مصدر التخريج -، وسيرة ابن هشام: طامّ. وطمّ الشيء يطِم طمومًا: كثر حتى عظم أو عمّ. ويقال: طمّ البحر أو الماء. والطامّ: الشيء العظيم، والماء الكثير، وهو كناية عن الكثرة - الوسيط (ط م م).\n(^٨) في م: \"قاداتها وساداتها\".","vol":"19","page":32},{"text":"معه. فقال له كعبُ بنُ أسدٍ: جئْتَنى واللهِ بذلِّ الدهرِ، وبجَهامٍ (^١) قد هَرَاق ماءَه، يَرْعُدُ ويَبْرُقُ ليس فيه شيءٌ، فدَعْنى ومحمدًا وما أنا عليه، فلم أرَ من محمدٍ إلَّا صِدْقًا ووفاءً. فلم يَزَلْ حُيَيُّ بكعبٍ يَفْتِلُه (^٢) في الذِّرْوَةِ والغارِبِ (^٣)، حتى سمَح له (^٤)، على أن أعطاه (^٥) عهدًا من اللهِ وميثاقًا: لئن رجَعتْ قريشٌ وغَطَفانُ ولم يُصيبوا محمدًا، أن أدخُل معك في حصنِك، حتى يُصِيبنى ما أصابك. فنقَض كعبُ بنُ أسدٍ عهدَه، وبَرِئَ مما كان عليه فيما بينَه وبينَ رسولِ اللهِ ﷺ، فلما انتهى إلى رسولِ اللهِ ﷺ الخبرُ وإلى المسلمينِ، بعَث رسولُ اللهِ ﷺ سعدَ بنَ معاذِ النعمانِ بن امرِئِ القيسِ أحدَ بني عبدِ (^٦) الأشهلِ، وهو يومَئذٍ سيدُ الأوسِ، وسعدَ بنَ عبادةَ بن [دُلَيْمِ أحدَ] (^٧) بني ساعدةَ بن كعبِ بن الخزرجِ، وهو يومَئذٍ سيدُ الخزرجِ، ومعهما عبدُ اللهِ بنُ رَوَاحةَ أخو بَلْحَارِثِ بن الخزرجِ، وخَوَّاتُ بنُ جُبَيرٍ أخو بني عمرِو بن عوفٍ، فقال: \"انطَلِقوا حتى تَنْظُروا: أحقُّ ما بلَغنا عن هؤلاء القومِ أم لا؟ فإن كان حقًّا فالْحَنوا لى لَحْنًا نعْرِفُه (^٨)، [ولا تَفُتُّوا في أعضادِ الناسِ] (^٩)، وإن كانوا على الوفاءِ فيما بينَنا وبينَهم،\n_________\n(^١) الجهام: السحاب الذي فرغ ماؤه، والمعنى: أي الذي تعرضه عليَّ لا خير فيه، كالجهام الذي لا ماء فيه النهاية ١/ ٣٢٣.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"يقبله\".\n(^٣) الغارب: مقدم سِنام البعير، والذروة أعلاه. أما: يقتله في الذروة والغارب فأراد أنه لم يزل يخدعه كما يُخدع البعير إذا كان نافرًا فيُمسح باليد على ظهره حتى يستأنس فيجعل الخطام على رأسه. المصدر السابق.\n(^٤) سمح: سهل ولان. الوسيط (س م ح).\n(^٥) في م: \"أعطاهم\".\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) في م: \"ديلم أخو\".\n(^٨) في م: \"أعرفه\"، واللحن أن يخالف ظاهر الكلام معناه، ويقال: لحنت لفلان، إذا قلت له قولا يفهمه ويخفى على غيره، والمعنى: أشيروا إليَّ ولا تُفصِحوا، وعرِّضوا بما علمتم. شرح غريب السيرة ٣/ ٥، والنهاية ٤/ ٢٤١.\n(^٩) في ص، ت ١، ت ٢: \"ولا تفتوا أعضاد الناس\"، ويقال: فتَّ في عضده إذا ضعَّفه وأوهنه. شرح غريب السيرة ٣/ ٥.","vol":"19","page":33},{"text":"فاجْهَرُوا به للناسِ\". فخرجوا حتى أَتَوْهم، فوجَدوهم على أخبثِ ما بلَغهم عنهم، ونالوا من رسولِ اللهِ ﷺ، وقالوا: لا عقدَ بينَنا وبينَ محمدٍ ولا عهدَ. فشاتَمهم سعدُ بن عُبادةَ، وشاتَموه، وكان رجلًا فيه حِدَّةٌ، فقال له سعدُ بنُ معاذٍ: دعْ عنك مُشاتَمتَهم، فما بينَنا وبينَهم أرْبَى (^١) من المشاتمةِ. ثم أقبَل سعدٌ وسعدٌ ومَن معهما إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فسلَّموا عليه، ثم قالوا: عَضَلٌ والقارةُ. أي كغدرِ عَضَلٍ والقارةِ بأصحابِ رسولُ اللهِ ﷺ أصحابِ الرَّجِيعِ؛ خُبَيبِ بن عديٍّ وأصحابِه. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"الله أكبرُ، أَبْشِروا يا معشرَ المسلمين\". وعظُم عندَ ذلك البلاءُ، واشتدَّ الخوفُ، وأتاهم عدوُّهم من فوقِهم ومن أسفلَ منهم حتى ظنَّ المسلمون كلَّ ظنٍّ، ونجَم النِّفاقُ (^٢) من بعضِ المنافقين، حتى قال مُعَتِّبُ بنُ قُشَيرٍ أخو بني عمرِو بن عوف: كان محمدٌ يَعِدُنا أن نَأْكُلَ كنوزَ كِسرى وقيصرَ، وأَحدُنا لا يَقْدِرُ أَن يَذْهَبَ إلى الغائطِ! وحتى قال أوسُ بنُ قَيْظيٍّ، أحدُ بني حارثةَ بن الحارثِ: يا رسولَ اللهِ، إن بيوتَنا لَعَوْرَةٌ من العدوِّ - وذلك عن ملأِ من رجالِ قومِه - فَأْذَنْ لنا فلنَرْجِعْ إلى دارِنا، وإنها خارجةٌ من المدينةِ. فأقام رسولُ اللهِ ﷺ بِضْعًا وعشرين ليلةً قريبًا من شهرٍ، ولم يَكُنْ بينَ القومِ حربٌ إلا الرمىُ بالنبلِ والحصارِ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدٍ بن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رومَانَ قولَه: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾: فالذين جاءوهم من فوقِهم: قُرَيظةُ، والذين جاءوهم من أسفل منهم: قريشٌ وغَطَفانُ (^٤).\nوقولُه: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾. يقولُ: وحينَ عدَلت الأبصارُ عن\n_________\n(^١) أربى: أعظم. المصدر السابق.\n(^٢) نجم الشيءُ: طلع وظهر. اللسان (ن ج م).\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٢١٤ - ٢٢٣، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٦٥، ٥٦٦، ٥٧٠ - ٥٧٢.\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٧ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"19","page":34},{"text":"مَقَرِّها، وشخَصت طامحةً.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7342>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾: شخَصت.\nوقولُه: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِر﴾. يقولُ: نَبَتِ (^١) [القلوب عن أماكنِها من الرُّعبِ والخوفِ، فبلَغت إلى الحناجرِ] (^٢).\nكما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سويدُ بنُ عمرٍو، عن حمادٍ بن زيدٍ، عن أيوبَ، عن عكرِمةَ: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِر﴾. قال: من الفَزَعَ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾. يقولُ: وتَظُنُّون باللهِ الظنونَ الكاذبةَ، وذلك كظنِّ مَن ظنَّ منهم أن رسولَ اللهِ ﷺ، وأَنَّ ما وعَده اللهُ مِن النصرِ أن لا (^٤) يكونَ، ونحوَ ذلك مِن ظنونِهم الكاذبةِ التي ظنّها مَن ظَنَّ ممَّن كان مع رسولِ اللهِ ﷺ في عسكرِه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا هوذةُ بنُ خليفةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ:\n_________\n(^١) في ت ١: \"بينت\"، وفي ت ٢: \"بدت\"، والنَّبْوَةُ: الجَفوة والارتفاع والعلو، ونبت بي تلك الأرض: لم أجد بها قرارا، ونبا جنبى عن الفراش: لم يطمئن عليه، ونبا الشيءُ عنى يَنبو: أي تجافي وتباعد. اللسان (ن ب ى).\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٧١، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٣٣٨ من طريق حماد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٧ إلى ابن المنذر.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.","vol":"19","page":35},{"text":"﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾. قال: ظنونًا مختلفةً: ظنَّ المنافقون أن محمدًا وأصحابَه سَيُستأْصَلون، وأَيْقَن المؤمنون أن ما وعَدهم اللهُ حقٌّ؛ أنه سيُظْهِرُه على الدينِ كلِّه ولو كرِه المشركون (^١).\nواختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾. فقرَأ ذلك عامةُ قرأَةِ المدينةِ وبعضُ الكوفيِّين: ﴿الظُّنُونَا﴾ بإثباتِ الألفِ، وكذلك: ﴿وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ و(^٢): ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٦، ٦٧]. في الوصلِ والوقفِ (^٣). وكان اعتلالُ المعتلِّ في ذلك لهم، أن ذلك في كلِّ مصاحفِ المسلمين بإثباتِ الألف في هذه الأحرفِ كلِّها. وكان بعضُ قرَأَةِ الكوفةِ يُثْبِتُ الألفَ فيهنَّ في الوقفِ ويَحْذِفُهن في الوصلِ (^٤)؛ اعتلالًا بأن العربَ تفعلُ ذلك في قوافي الشعرِ ومصاريعِها، فتُلحقُ الألفَ في موضِع الفتحِ للوقوفِ، ولا تفعلُ ذلك في حشوِ الأبياتِ، وإن هذه الأحرفَ حسُن فيها إثباتُ الألفاتِ؛ لأنهن رءوسُ الآيِ، تمثيلًا لها بالقوافي.\nوقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ البصرةِ والكوفةِ بحذفِ الألفِ من جميعِه في الوقفِ والوصلِ (^٥)؛ اعتلالًا بأن ذلك غيرُ موجودٍ في كلامِ العربِ إلا في قوَافى الشعرِ دونَ غيرِها من كلامِهم، وأنها إنما تَفْعَلُ ذلك في القوافى؛ طلبًا لإتمامِ وزنِ الشعرِ، إذ لو لم تَفْعَلْ ذلك فيها لم يَصِحَّ الشعرُ، وليس ذلك كذلك في القرآنِ؛ لأنه لا شيءَ يَضْطَرُّهم إلى ذلك في القرآنِ، وقالوا: هنَّ، مع ذلك، في مصحفِ عبدِ اللهِ بغير ألفٍ.\nوأَوْلى القرَاءاتِ في ذلك عندى بالصوابِ: قراءةُ من قرَأه بحذفِ الألفِ في\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم. وينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٣٨٩.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) هي قراءة عاصم في رواية أبي بكر، ونافع، وابن عامر. السبعة ص ٥١٩، والتيسير ص ١٤٤.\n(^٤) هي قراءة ابن كثير، والكسائي، وعاصم في رواية حفص. ينظر المصدران السابقان.\n(^٥) هي قراءة أبي عمرو، وحمزة، ينظر المصدران السابقان.","vol":"19","page":36},{"text":"الوصلِ والوقفِ (^١)؛ لأن ذلك هو الكلامُ المعروفُ من كلامِ العربِ، مع شهرةِ القراءةِ بذلك في قرأةِ المِصْرَين: الكوفةِ والبصرةِ. ثم القراءةُ بإثباتِ الألفِ فيهنَّ في حالِ الوقفِ والوصلِ؛ لأن علةَ مَن أثبَت ذلك في حالِ الوقفِ، أنه كذلك في خطوطِ مصاحفِ المسلمين. وإذا كانت العلةُ في إثباتِ ذلك (^٢) في بعضِ الأحوالِ كونَه مثبَتًا في مصاحفِ المسلمين، فالواجبُ أن تكونَ القراءةُ في كلِّ الأحوالِ ثابتةً؛ لأنه مُثبَتٌ في مصاحفِهم، وغيرُ جائزٍ أن تكونَ العلةُ التي تُوجِبُ قراءةَ ذلك على وجهٍ من الوجوهِ في بعض الأحوالِ موجودةً في حالٍ أخرى، والقراءةُ مختلفةٌ. وليس ذلك لقوافي الشعرِ بنظيرٍ؛ لأن قوافيَ الشعرِ إنما تُلْحَقُ فيها الأَلِفاتُ في مواضعِ الفتحِ، والياءُ في مواضعِ الكسرِ، والواوُ في مواضعِ الضمِّ - طلبًا لتتِمَّةِ الوزنِ، وأن ذلك لو لم يُفْعَلْ كذلك، بطَل أن يكونَ شعرًا؛ لاستحالتِه عن وزنِه، ولا شيءَ يَضْطَرُّ تالىَ القرآنِ إلى فعلِ ذلك في القرآنِ.\n\n<span id=\"aya-3544\"></span>وقولُه: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: عندَ ذلك اختُبِر إيمانُ المؤمنين، ومُحِّص القومُ، و(^٣) عُرِف المؤمنُ مِن المنافقِ.\nوبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7343>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال: مُحِّصوا (^٤).\n_________\n(^١) القراءات كلها صواب.\n(^٢) في م: \"الألف\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٤٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٧ إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":37},{"text":"وقولُه: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾. يقولُ: وحُرِّكوا بالفتنةِ تحريكًا شديدًا، وابتُلُوا وفُتِنوا.\n\n<span id=\"aya-3545\"></span>وقولُه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. شكٌّ في الإيمانِ، وضعفٌ في اعتقادِهم إياه: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾، وذلك فيما ذُكِر قولُ مُعَتِّبِ بن قُشَيْرٍ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7344>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾؛ لقولِ (^١) مُعَتِّبِ بن قُشَيْرٍ، إذ قال ما قال يومَ الخندقِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: تَكلُّمُهم بالنفاقِ يومئذٍ، وتكَلَّم المؤمنون بالحقِّ والإيمانِ. قالوا: هذا ما وعَدَنا اللهُ ورسولُه (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. قال: قال ذلك\n_________\n(^١) في م: \"يقول\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٢٢، ٢٤٦، وذكره الطوسى في التبيان ٨/ ٢٩١، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ٤٣٥ من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير من قوله مطولا، وكذلك عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٦ إلى ابن إسحاق وابن المنذر عن عروة، وذكره ابن هشام في السيرة ٢/ ٢٤٥ عن ابن إسحاق من قوله.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٤٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٧ إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":38},{"text":"أُناسٌ مَن المنافقين: قد كان محمدٌ يَعِدُنا فتْحَ فارسَ والرومِ، وقد حُصِرْنا ههنا، حتى ما يَسْتَطِيعَ أحدُنا أن يَبْرُزَ لحاجتِه، ما وعَدَنا اللهُ ورسولُه إلا غُرورًا (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، قال: قال رجلٌ يومَ الأحزابِ لرجلٍ من صَحابةِ النبيِّ ﷺ: يا فلانُ (^٢)، أرأَيْتَ إذ يقولُ رسولُ اللهِ ﷺ: \"إذا هلَك قَيْصَرُ فلا قَيْصَرَ بعدَه، وإذا هلَك كِسْرَى فلا كِسْرَى بعدَه، والذي نفسي بيدِه لَتُنْفَقَنَّ كنوزُهما في سبيلِ اللهِ\". فأينَ هذا مِن هذا، وأحدُنا لا يَسْتَطيعُ أن يَخْرُجَ يَبُولُ (^٣) مِن الخوفِ؟! ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. فقال له: كَذَبْتَ، لأُخبرَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خبرك. قال: فأتَى رسولَ اللهِ ﷺ فأخبرَه، فدعاه فقال: \"ما قلتَ؟ \" فقال: كذَب عليَّ يا رسولَ اللَّهِ، ما قلتُ شيئًا، ما خرَج هذا مِن فِي (^٤) قطُّ. قال اللهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ حتى بلَغ: ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ٧٤]. قال: فهذا قولُ اللهِ: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة: ٦٦].\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ خالدِ بن عَثْمةَ، قال: ثنا كثيرُ بنُ عبدِ اللهِ بن عمرِو بن عوفٍ المُزَنيُّ، قال: ثنى أبي، عن أبيه، قال: خطَّ رسولُ اللهِ ﷺ الخندقَ عامَ ذُكِرَت الأحزابُ، مِن أُجُمِ الشَّيْخَيْن (^٥)، طرفَ بني حارثةَ، حتى بلَغ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٠٣ عن معمر عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"قال هذا فلان قال\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"يقول\".\n(^٤) في م: \"فمي\".\n(^٥) في م: \"أحمر الشيخين\"، والأجم واحد آجام المدينة، وهو بمعنى الأُطُم، وآجامُ المدينة وآطامُها: حصونها وقصورها، والشيخان: موضع بالمدينة. معجم البلدان ١/ ١٣٥، ١٣٦، ٣/ ٣٤٨.","vol":"19","page":39},{"text":"المَذَادَ (^١)، ثم جعَل (^٢) أربعين ذراعًا بينَ كلِّ عشَرةٍ، فاحْتقَّ (^٣) المهاجرون والأنصارُ في سَلْمانَ الفارسيِّ - وكان رجلًا قويًّا - فقال الأنصارُ: سلمانُ منا. وقال المهاجرون: [سلمانُ منا. فقال النبيُّ ﷺ] (^٤): \"سلمانُ منا أهلَ البيتِ\". قال عمرُو بنُ عوفٍ: فكنتُ أنا وسلمانُ وحذيفةُ بنُ اليمانِ والنعمانُ بنُ مُقَرِّنٍ المُزَنيُّ، وستةٌ مِن الأنصارِ، في أربعين ذراعًا، فحفَرْنا تحتَ ذُبابٍ (^٥) حتى بلَغْنا النَّدَى (^٦)، أَخْرَجَ اللهُ مِن بطنِ الخندقِ صخرةً بيضاءَ مَرْوةً، فكسَرت حديدَنا، وشقَّت علينا، فقُلْنا: يا سلمانُ، ارْقَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فأخْبِرْه خبرَ هذهِ الصخرةِ، فإما أن نَعْدِلَ عنها، فإِنَّ المَعْدِلَ قريبٌ، وإما أن يَأْمُرَنا فيها بأمرِه، فإنا لا نُحِبُّ أن نُجاوِزَ خَطَّه. فَرَقِيَ سلمانُ حتى أَتَى رسولَ اللهِ ﷺ وهو ضاربٌ عليه قبَّةً تُرْكيَّةً، فقال: يا رسولَ اللهِ، بأبينا أنت وأمِّنا، خرَجَتْ صخرةٌ بيضاءُ مِن بطنِ الخندقِ مَرْوةٌ، فكسَرت حديدَنا (^٧)، وشقَّت علينا، حتى ما يَحِيكُ (^٨) منها قليلٌ ولا كثيرٌ، فمُرْنا فيها بأمرِك، فإنا لا نُحِبُّ [أَن نُجاوِزَ] (^٩) خطَّك. فهبَط رسولُ اللهِ ﷺ مع سلمانَ في الخندقِ، ورقِينا نحن التسعةَ على شَفَةِ\n_________\n(^١) المذاد: موضع بالمدينة. معجم البلدان ٤/ ٤٦٨.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"بلغه\"، وفي مصادر التخريج: \"قطعه\".\n(^٣) في م: \"فاختلف\"، وفي ت ١، ت ٢: \"فاحتنق\"، واحتق: تخاصم، والتَّحاقُّ: التخاصم، وحاقَّه: خاصمه وادعى كل واحد منهما الحقَّ. اللسان، والتاج (ح ق ق).\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٥) في النسخ: \"دوبار\"، وفى تاريخ المصنف: \"ذوباب\"، وفي تفسير البغوي: \"ذي ناب\"، والمثبت من طبقات ابن سعد، وذباب: جبل بالمدينة له ذكر في المغازي والأخبار البلدان ٢/ ٧١٦.\n(^٦) في م: \"الصرى\"، ندى الأرض: نداوتها وبللها. اللسان (ص ر ي، ن د ى).\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢: \"بحديدنا\".\n(^٨) في م: \"يجيء\"، وفي ت ٢: \"تخيل\"، وحاك في كذا: أثَّر فيه. الوسيط (ح ى ك).\n(^٩) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.","vol":"19","page":40},{"text":"الخندقِ، فأَخَذ رسولُ اللهِ ﷺ المِعْوَلَ من سلمانَ، فضرَب الصخرةَ ضربةً صدَعَها، وبرَقَت منها بَرْقةٌ أضاءَت ما بينَ لَابَتَيْها - يعنى لابَتَى المدينةِ - حتى لكأنَّ مِصباحًا في جوفَ بيتٍ مظلمٍ، فكبَّر رسولُ اللهِ ﷺ تكبيرَ فتحٍ، وكبَّر المسلمون، ثم ضرَبها رسولُ اللهِ ﷺ الثانيةَ فصدَعها، فكسَرَها، وبرَقَت منها بَرْقَةٌ أضاءَت ما بين لابتَيْها، حتى لَكأن مصباحًا في جوفِ بيتٍ مظلمٍ، فكبَّر رسولُ اللهِ ﷺ تكبيرَ فتحٍ، وكبَّر المسلمون، ثم ضرَبها رسولُ اللهِ ﷺ الثالثةَ، فكسَرَها، وبَرَق منها بَرْقَةٌ أضاءَ ما بينَ لابتَيْها، حتى لَكأن مصباحًا في جوفِ بيتٍ مظلمٍ، فكبَّر رسولُ اللهِ ﷺ تكبيرَ فتحٍ، ثم أخَذ بيد سلمانَ، فَرَقِيَ، فقال سلمانُ: بأبي أنت وأمى يا رسولَ اللهِ، لقد رأَيْتُ شيئًا ما رأيْتُه قطُّ. فالْتَفَت رسولُ اللهِ ﷺ إلى القومِ فقال: \"هل رأيْتُم ما يقولُ سلمانُ؟ \" قالوا: نعم يا رسولَ اللهِ، بأبينا أنت وأمِّنا، قد رأَيْناك تَضْرِبُ فيَخْرُجُ بَرْقٌ كالموجِ، فرأَيْناك تُكَبِّرُ فَنُكَبِّرُ، ولا نَرَى شيئًا غير ذلك. قال: \"صدَقْتُم ضَرَبْتُ ضربتيَ الأولى، فبرَق الذي رأيتُم، [أضاءتْ لى منها] (^١) قُصورُ الحيِرةِ ومدائنُ كِسْرَى، كأنها أنيابُ الكلابِ، فأخبرني جبريلُ ﵇ أن أمتى ظاهرةٌ عليها، ثم ضرَبْتُ ضربتىَ الثانيةَ، فبرَق الذي رأيتُم، [أضاءتْ لي منها] (^١) قُصورُ الحُمْرِ مِن أرضِ الرومِ، كأنها أنيابُ الكلابِ، وأَخْبَرنى جبريلُ ﵇ أن أمتى ظاهرةٌ عليها، ثم ضرَبْتُ ضربتيَ الثالثةَ، فبرَق منها الذي رأيتُم، أضاءتْ لى منها قصورُ صَنْعَاءَ، كأنها أنيابُ الكلابِ، وأخْبَرنى جبريلُ ﵇ أن أمتى ظاهرةٌ عليها، فأبْشِروا يَبْلُغُهم النصرُ، وأبشِروا يَبْلُغُهم النصرُ، وأَبْشِرُوا يَبْلُغُهم النصرُ\". فاسْتَبْشَر المسلمون، وقالوا: الحمدُ للهِ، موعودُ صِدقٍ، بأن وُعِدْنا النصرَ بعدَ الحَصْر،\n_________\n(^١) في النسخ: \"أضاء لى منه\"، والمثبت من تاريخ المصنف.","vol":"19","page":41},{"text":"فطَلَعَتِ (^١) الأحزابُ، فقال المسلمون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢]. الآيةَ، وقال المنافقون: ألا تَعْجَبون! يُحَدِّثُكم ويُمَنِّيكم ويَعِدُكم الباطلَ، يُخْبِرُكم أنه يُبْصِرُ مِن يثربَ قصورَ الحِيرةِ، ومدائنَ كِسْرَى، وأنها تُفْتَحُ لكم، وأنتم تَحْفِرون الخندقَ مِن الفَرَقِ، ولا تَسْتَطِيعون أن تَبْرُزوا؟! وأُنْزِل القرآنُ: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3546\"></span><span data-type='title' id=toc-7345>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾. وإذ قال بعضُهم: يا أهلَ يثربَ. ويثربُ اسم أرضٍ، فيقالُ: إن مدينةَ رسولِ اللهِ ﷺ في ناحيةٍ مِن يثربَ.\nوقوله: (لَا مَقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا)، بفتحِ الميمِ من \"مقام\". يقولُ: لا مكانَ لكم، تقومون فيه، كما قال الشاعرُ (^٣):\nفأَيِّى ما وأَيُّك كان شرًا … فَقِيدَ إلى المقامةِ لا يَرَاها\n_________\n(^١) في م: \"فطبقت\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٦٧، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ٤١٨، والبغوي في تفسيره ٦/ ٣٢٣ من طريق محمد بن خالد به، وأخرجه ابن سعد في طبقاته، ٤/ ٨٢، ٨٣، والطبراني (٦٠٤٠)، والحاكم ٣/ ٥٩٨ - كلاهما مختصرًا - من طريق كثير بن عبد الله به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٥، ١٨٦ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٨/ ٢٣١.","vol":"19","page":42},{"text":"قولُه: ﴿فَارْجِعُوا﴾. يقولُ: فارْجِعوا إلى منازِلِكم. أمرَهم بالهربِ من عسكرِ رسولِ اللهِ ﷺ، والفرارِ منه، وتركِ رسولِ اللهِ ﷺ.\nوقيل: إن ذلك مِن قِيلِ أوسِ بن قَيْظِيٍّ ومَن وافَقَه على رأيِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7346>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ إلى قولِه: ﴿فِرَارًا﴾. يقولُ: أَوسُ بنُ قَيْظِيٍّ ومَن كان على ذلك مِن رأيِه مِن قومِه (^١).\nوالقرأةُ على فتحِ الميمِ مِن قولِه: (لا مَقامَ لكم). بمعنى: لا موضعَ قيامٍ لكم، وهي القراءةُ التي لا أَسْتَجِيزُ القراءةَ بخلافِها؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليها. وذُكِر عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ أنه قرَأ ذلك: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾. بضمِّ الميمِ (^٢)، يعنى: لا إقامةَ لكم.\nوقولُه: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويَسْتَأْذِنُ بعضُهم رسولَ اللهِ ﷺ في الإذنِ بالانصرافِ عنه إلى منزله، ولكنه يُرِيدُ الفِرارَ والهربَ مِن عسكرِ رسولِ اللهِ ﷺ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٢٢، ٢٤٦، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٧٠ مطولا عن ابن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق من قوله، وذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ١٤٨.\n(^٢) وهى قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر، وحمزة، والكسائي.\nوقراءة الضم هي قراءة عاصم في رواية حفص، وهى قراءة متواترة. وينظر السبعة ص ٥٢٠، والتيسير ص ١٤٥.","vol":"19","page":43},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7347>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ إلى قولِه: ﴿إِلَّا فِرَارًا﴾. قال: هم بنو حارثةَ، قالوا: بيوتُنا مُخْلِيَةٌ (^١)، نَخْشَى عليها السَّرَقَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾. قال: نَخْشَى عليها السَّرَقَ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾: وإنها مما يَلِى العدُوَّ، وإنا نَخافُ عليها السُّرَّاقَ، فيَبعث النبيُّ ﷺ، فلا يَجدُ بها عدُوًّا. قال اللهُ: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾. يقولُ: إنما كان قولُهم ذلك: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾. إنما كانوا يُرِيدون بذلك الفرارَ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ (^٥) اللهِ بنُ حُمْرانَ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ شَدَّادٍ أبو طالوتَ، عن أبيه، في هذه الآية: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾. قال: ضائعةٌ.\n_________\n(^١) مخلية: خالية. اللسان (خ ل ى).\n(^٢) أخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ٤٣٣ من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٨ إلى ابن مردويه.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٤٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٨ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٤ عن معمر، عن قتادة بنحوه.\n(^٥) في م: \"عبيد\"، وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٤٣١.","vol":"19","page":44},{"text":"<span id=\"aya-3547\"></span>وقولُه: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾. يقولُ: ولو دُخِلَت المدينةُ على هؤلاء القائلين: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾. ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾، يعنى: مِن جَوانِبِها ونَواحيها، واحدُها قُطْرٌ، وفيها لغةٌ أخرى: قُتْرٌ، وأَقْتارٌ، ومنه قولُ الراجزِ:\nإن شئتَ أن تُدْهِنَ أو تَمُرَّا … فوَلِّهن قُتْرَكَ الأشَرَّا\nوقولُه: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾. يقولُ: ثم سُئِلوا الرجوعَ من الإيمانِ إلى الشركِ، ﴿لَآتَوْهَا﴾. يقولُ: لَفعَلوا ورجَعوا عن الإسلامِ، وأشرَكوا.\nوقولُه: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾. يقولُ: وما احْتَبَسوا عن إجابتِهم إلى الشركِ. ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ قليلًا، وَلأَسْرَعوا إلى ذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7348>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾. أي: لو دُخل عليهم مِن نواحي المدينةِ، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾. أي: الشركِ، ﴿لَآتَوْهَا﴾. يقولُ: لأَعْطَوْهُ (^١)، ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾. يقولُ: إلا أعْطَوْه طيِّبة به أنفسُهم، ما يَحْتَبِسونه (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾. قال: لو دُخِلَت المدينةُ عليهم مِن نَواحِيها، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾: سُئِلوا أن يكْفُروا لكفَروا، قال: وهؤلاء المنافقون لو دخَلَت عليهم الجيوشُ، والذين يُريدون قتالَهم، ثم سُئِلوا أن يَكْفُرُوا لكَفَروا. قال:\n_________\n(^١) في م: \"لأعطوها\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٨ إلى المصنف.","vol":"19","page":45},{"text":"والفتنةُ، الكفرُ. قال: وهى التي يقولُ اللَّهُ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]. أي: الكفرُ. يقولُ: يَحْمِلُهم الخوفُ منهم، وخُبْثُ الفتنةِ التي هم عليها من النفاقِ، على أن يَكْفُروا به (^١).\nواختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿لَآتَوْهَا﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ، وبعضُ قرأةِ مكةَ: (لأتَوها) بقصرِ الألفِ، بمعنى جاءوها، وقرَأه بعضُ المكيين، وعامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿لَآتَوْهَا﴾ بمدِّ الألفِ (^٢)، بمعنى: لأَعْطَوْها؛ لقولِه: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾. وقالوا: إذا كان سؤالٌ كان إعطاءٌ، والمدُّ أعجبُ القراءتين إليَّ؛ لما ذكَرْتُ، وإن كانت الأخرى جائزةً.\n\n<span id=\"aya-3548\"></span><span data-type='title' id=toc-7350>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد كان هؤلاء الذين يَسْتَأْذِنون رسولَ اللهِ ﷺ في الانصرافِ عنه، ويقولون: إن بيوتَنا عورةٌ. عاهَدوا الله مِن قبلِ ذلك، أن لا يُوَلُّوا عدوَّهم الأدبارَ، إن لَقُوهم في مشهدٍ لرسولِ اللهِ ﷺ معهم، فما أَوْفَوْا بعهدِهم، ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾. يقولُ: فيَسْأَلُ اللهُ ذلك مَن أعطاه إياه مِن نفسِه.\nوذُكِر أن ذلك نزَل في بنى حارثةَ؛ لِما كان مِن فعلِهم في الخندقِ، بعدَ الذي كان منهم بأُحدٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7349>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ:\n_________\n(^١) تقدم بسنده وجزء من متنه في ٣/ ٢٩٥، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٩٠ بنحوه.\n(^٢) قراءة القصر هي قراءة نافع وابن كثير وأبى جعفر. وقراءة المدّ هي قراءة أبي عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٦١.","vol":"19","page":46},{"text":"﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾: وهم بنو حارثةَ، وهم الذين همُّوا أن يَفْشَلُوا يومَ أحدٍ مع بني سَلِمةَ، حينَ همَّا بالفشلِ يومَ أحدٍ، ثم عاهَدوا الله لا يعودوا لمثلِها، فذكَر اللهُ لهم الذي أَعْطَوْه من أنفسهم (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾. قال: كان ناسٌ غابوا عن وقعةِ بدرٍ، ورأَوْا ما أعْطَى اللهُ أصحابَ بدرٍ من الكرامةِ والفَضيلةِ، فقالوا: لئن أَشْهَدَنا اللهُ قتالًا لَنُقاتِلَنَّ. فَساق اللهُ ذلك إليهم، حتى كان في ناحيةِ المدينة (^٢).\n\n<span id=\"aya-3549\"></span><span data-type='title' id=toc-7351>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ له يا محمدُ لهؤلاء الذين يَسْتَأْذِنونك في الانصرافِ عنك، ويقولون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾. ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾. يقولُ: لأن ذلك أو ما كتَب اللهُ منهما، واصلٌ إليكم بكلِّ حالٍ، كَرِهْتُم أو أحْبَبْتُم. ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ: وإذا فرَرْتُم مِن الموتِ أو القتلِ لم يَزِدْ فرارُكم ذلك في أعمارِكم وآجالِكم، بل إنما تُمَتَّعون في هذه الدنيا إلى الوقتِ الذي كُتِب لكم، ثم يَأتِيكم ما كُتِب لكم وعليكم.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٦، وذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٣٣٣.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٣٣٣.","vol":"19","page":47},{"text":"وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7352>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وإنما الدنيا كلُّها قليلٌ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن ربيعِ بن خُثَيم: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: إلى آجالِهم (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن ربيعِ بن خُثَيمٍ: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: ما بينَهم وبينَ الأجلِ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن الأعمشِ، عن أبي رَزيِنٍ، عن الربيعِ بن خُثَيم مثلَه، إلا أنه قال: ما بينَهم وبينَ آجالِهم.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن أبي رَزيِنٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢]. قال: ليَضْحَكوا في الدنيا قليلًا، وليَبْكوا في النارِ كثيرًا. وقال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: إلى آجالِهم. أحدُ هذين الحديثين رفَعه إلى ربيعِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٨ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير الثورى ص ٢٤١ بنحوه.","vol":"19","page":48},{"text":"ابن خُثَيْمٍ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن الأعمشِ، عن أبي رَزيِنٍ، عن الربيعِ بن خُثيمٍ: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: الأجلُ (^٢).\nورُفِع قولُه: ﴿تُمَتَّعُونَ﴾. ولم يُنْصَبْ بـ\"إذا\"، للواوِ التي معها، وذلك أنه إذا كان قبلَها واوٌ، كان معنى \"إذًا\" التأخيرَ بعدَ الفعلِ، كأنه قيل: ولو فرُّوا لا يُمَتَّعون إلا قليلًا إذًا، وقد يُنْصَبُ بها أحيانًا، وإن كان معها واوٌ؛ لأن الفعلَ متروكٌ، فكأنها لأولِ الكلامِ.\n\n<span id=\"aya-3550\"></span>وقولُه: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قل يا محمدُ لهؤلاء الذين يَسْتَأذِنونك، ويقولون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾. هربًا مِن القتلِ: مَن ذا الذي يَمْنَعُكم مِن اللهِ إن هو أراد بكم سُوءًا في أنفسِكم؛ مِن قتلٍ أو بَلاءٍ أو غيرِ ذلك، أو عافيةٍ وسلامةٍ؟ وهل ما يكونُ بكم في أنفسِكم مِن سُوءٍ أو رحمةٍ، إلا مِن قِبَلِه؟!\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾. أي: أنه ليس الأمرُ إلا ما قضيْتُ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يَجدُ هؤلاء المنافقون إن أراد اللهُ بهم سوءًا في أنفسِهم وأموالِهم، مِن دونِ اللهِ وليًّا يَلِيهم بالكفايةِ، ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم مِن اللهِ، فيَدْفَعُ عنهم ما أراد اللهُ بهم مِن\n_________\n(^١) تقدم بسنده ومتنه في ١١/ ٦٠٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٣/ ٣٩٦. من طريق الأعمش به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٨. إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٦ ولم يذكر فيه تفسير الآية.","vol":"19","page":49},{"text":"سُوءٍ في ذلك.\n\n<span id=\"aya-3551\"></span><span data-type='title' id=toc-7354>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قد يعلمُ اللهُ الذين يُعَوِّقون الناسَ منكم عن رسولِ اللهِ ﷺ، فيَصُدُّونهم عنه، وعن شُهُودِ الحربِ معه؛ نِفاقًا منهم وتَخْذيلًا عن الإسلامِ وأهلِه، ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾. [أي: تعالوا إلينا] (^١)، ودَعُوا محمدًا، فلا تَشْهَدوا معه مَشْهَدَه، فإنا نخافُ عليكم الهلاك بهَلَاكِه، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ: ولا يَشْهَدون الحربَ والقتالَ، إن شهِدوا، إلا تَعْذيرًا ودَفْعًا عن أنفسِهم المؤمنين.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7353>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ﴾. قال: هؤلاء ناسٌ مِن المنافقين كانوا يقولون لإخوانِهم: ما محمدٌ وأصحابُه إلا أكَلةُ رأْسٍ، ولو كانوا لحمًا لالْتَهَمهم أبو سفيانَ وأصحابُه، دَعُوا هذا الرجلَ فإنه هالكٌ (^٢).\nوقوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. أي: لا يشهَدون القتالَ، يَغِيبون عنه.\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٨، ١٨٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":50},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾. أي: أهلَ النفاقِ، ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. أي: إلا دَفْعًا وتَعْذيرًا (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: هذا يومُ الأحزابِ، انصرَف رجلٌ مِن عندِ رسولِ اللهِ ﷺ، فوجَد أخاه، بينَ يدَيه شِواءٌ ورغيفٌ ونَبِيذٌ، فقال له: أنت ههنا في الشِّواءِ والرغيفِ والنَّبيذِ، ورسولُ اللهِ ﷺ بينَ الرِّماحِ والسيوفِ؟ فقال: هَلُمَّ إلى هذا، فقد بلَغ (^٢) بك وبصاحبِك، والذي يُحْلَفُ به لا يستقبلُها (^٣) محمدٌ أبدًا. فقال: كذبتَ والذي يُحْلَفُ به. قال - وكان أخاه مِن أبيه وأمِّه -: أمَا واللهِ لأُخْبِرن النبي ﷺ أمرَك. قال: وذهَب إلى رسولِ اللهِ ﷺ ليخبرَه، قال: فوجَده قد نزَل جبرائيلُ، ﵇، بخبرِه (^٤): ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (^٥).\n\n<span id=\"aya-3552\"></span>وقولُه: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي وصَف اللهُ به هؤلاء المنافقين في هذا الموضعِ مِن الشُّحِّ؛ فقال بعضُهم: وصَفهم بالشُّحِّ عليهم في الغنيمِة.\n\n<span data-type='title' id=toc-7355>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾:\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٦، ٢٤٧.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"بيع\".\n(^٣) في مطبوعة الدر المنثور للسيوطى: \"يستقى لها\"، وفى النسخة المحمودية: \"يستبقى لها\".\n(^٤) في ت ٢: \"يخبره\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٨ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"19","page":51},{"text":"في الغنيمةِ (^١).\nوقال آخرون: بل وصَفهم بالشُّحِّ عليهم بالخيرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7356>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [قال: ثنى عيسى، وحدثني الحارثُ] (^٢)، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. قال: بالخيرِ، المنافقون. وقال غيرُه: معناه: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ بالنفقةِ على ضُعفاءِ المؤمنين منكم (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: إن الله وصَف هؤلاء المنافقين بالجُبْنِ والشُّحِّ، [ولم يَخْصُصُ] (٢) وصفَهم مِن معاني الشُّحِّ بمعنًى دونَ معنًى، فهم كما وصَفهم الله به أشحَّةً على المؤمنين بالغنيمةِ والخيرِ والنفقةِ في سبيلِ اللهِ، على أهل مَسْكنةِ المسلمين. ونُصب قولُه: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. على الحالِ، مِن ذكرِ الاسمِ الذي في قولِه: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾. كأنه قيل: هم جُبَناءُ عندَ البأسِ، أشِحاءُ عندَ قَسْمِ الغنيمةِ بالغنيمةِ.\nوقد يحتملُ أن يكونَ قَطْعًا مِن قولِه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾. فيكونَ تأويلُه: قد يعلمُ اللَّهُ الذين يُعَوِّقون الناسَ عن القتالِ، ويَشِحُّون عندَ الفتحِ بالغنيمةِ. ويجوزُ أن يكونَ أيضًا قَطْعًا من قولِه: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ﴿أَشِحَّةً﴾، وهم هكذا أشحةً. ووصَفهم جلَّ ثناؤُه بما وصَفهم مِن الشُّحِّ على المؤمنين؛ لِما في أنفسِهم لهم\n_________\n(^١) سيأتي بتمامه في ص ٥٤.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٤٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٩ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":52},{"text":"من العدَاوةِ والضِّغْن (^١).\nكما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. أي: للضِّغْنِ (^٢) الذي في أنفسِهم (^٣).\nوقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ إلى قولِه: ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: فإذا حضَر البأسُ (^٤)، وجاء القتالُ، خافوا الهلاكَ والقَتْلَ، ﴿رَأَيْتَهُمْ﴾ يا محمدُ، ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ لِوَاذًا بك، ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ خوفًا مِن القتلِ، وفِرارًا منه، ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾. يقولُ: كَدَوَرَانِ عينِ الذي يُغْشَى عليه مِن الموتِ النازلِ به، ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾. يقولُ: فإذا انقطعَت الحربُ واطْمأنوا ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7357>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾: مِن الخوفِ (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾. أي: إعْظامًا وفَرَقًا منه (٣).\n_________\n(^١) في ت ٢: \"الطعن\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"الطعن\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٧.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"الناس\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٩ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"19","page":53},{"text":"وأما قولُه: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَاد﴾. فإنه يقولُ: عَضُّوكم بألسنةٍ ذَرِبةٍ، ويقالُ للرجلِ الخطيبِ الذَّرِبِ اللسانِ: خطيبٌ مِسْلَقٌ ومِصْلَقٌ، وخطيبٌ سَلَّاقٌ وصَلَّاقٌ.\nوقد اختَلف أهل التأويلِ في المعنى الذي وصَف تعالى ذكرُه هؤلاء المنافقين أنهم يَسْلُقون المؤمنين به؛ فقال بعضُهم: ذلك سَلْقُهم إياهم عندَ الغنيمةِ، بمسألتِهم القَسْمَ لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-7358>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾: أَمَّا عندَ الغنيمةِ فأشَحُّ قومٍ، وأَسْوأُ مُقاسَمةٍ: أعطُونا أعطُونا، فإنا قد شهِدنا معكم. وأما عندَ البأسِ فأجبنُ قومٍ، وأخذلُه للحق (^١).\nوقال آخرون: بل ذلك سَلْقُهم إيَّاهم بالأذَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-7359>ذِكرُ ذلك عن ابن عباسٍ</span>\nحدَّثني عليٍّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾. يقولُ: اسْتَقْبَلوكم (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾. قال: كَلَّمُوكم.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٣٧ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٩ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"19","page":54},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم يَسْلُقونهم مِن القولِ بما تُحِبُّون؛ نِفاقًا منهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-7360>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾: في القول بما تُحِبُّون؛ لأنهم لا يَرْجُون آخرةً، ولا تَحْمِلُهم حِسْبةٌ (^١)، فهم يَهابون الموتَ هيبةَ مَن لا يَرْجُو ما بعدَه (^٢).\nوأشبهُ هذه الأقوالِ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ، قولُ مَن قال: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾. فأخبَر أن سَلْقَهم المسلمين شُحًّا منهم على الغنيمةِ والخيرِ، فمعلومٌ إذ كان ذلك كذلك، أن ذلك لطلبِ الغنيمةِ. وإذا كان ذلك منهم لطلبِ الغنيمةِ، دخَل في ذلك قولُ مَن قال: ذلك: سَلَقُوكم بالأذى؛ لأن فعلَهم ذلك كذلك، لا شكَّ أنه للمؤمنين أذًى.\nوقولُه: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾. يقولُ: أَشحَّةً على الغنيمةِ إذا ظَفَر المؤمنون. وقوله: ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: هؤلاء الذين وصَفتُ لك صفتَهم في هذه الآياتِ، لم يُصدِّقوا الله ورسولَه، ولكنهم أهلُ كفرٍ ونفاقٍ، ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾. يقولُ: فأذهَب اللهُ أُجُورَ أعمالِهم وأبطلَها.\nوذُكر أن الذي وُصِف بهذه الصفةِ كان بَدْرِيًّا، فأحبَط اللهُ عملَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7361>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. قال: فحدَّثنى أبي أنه كان\n_________\n(^١) في ت ٢: \"خشية\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٧.","vol":"19","page":55},{"text":"بَدْرِيًّا، وأن قولَه: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾: أحبَط اللهُ عملَه يومَ بدرٍ.\nوقولُه: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكان إحباطُ عملِهم الذي كانوا عمِلوا قبل ارْتدادِهم ونفاقِهم، على اللهِ يسيرًا.\n\n<span id=\"aya-3553\"></span><span data-type='title' id=toc-7363>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يحسبُ هؤلاء المنافقون الأحزابَ؛ وهم قريشُ وغَطَفَانُ.\nكما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾: قريشٌ وغَطَفانُ (^١).\nوقولُه: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾. يقولُ: لم ينصرِفوا، وإن كانوا قد انصرَفوا جُبْنًا وهَلَعًا منهم.\nبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7362>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾. [قال: يحسَبونهم قريبًا (^٢).\nوذُكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (يَحْسَبُون الأَحْزَابَ قَدْ] (^٣) ذَهَبُوا، فَإِذَا\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٧.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٤٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٩ إلى الفريابي وابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ت ٢.","vol":"19","page":56},{"text":"وَجَدُوهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا، وَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الأَعْرَابِ) (^١).\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرهُ: وإن يأتِ المؤمنين الأحزابُ وهم الجماعةُ: واحدُهم حِزْبٌ. ﴿يَوَدُّوا﴾. يقولُ: يَتَمَنَّوا مِن الخوفِ والجُبْنِ أنهم غُيَّبٌ عنكم في الباديةِ مع الأعرابِ؛ خوفًا مِن القتلِ، وذلك قولُه: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾. تقولُ: قد بَدا فلانٌ. إذا صار في البدوِ، فهو يَبْدُو، وهو بادٍ. وأما الأعرابُ: فإنهم جمعُ أعرابيٍّ (^٢)، وواحدُ العربِ عربيٌّ، وإنما قيل: أَعرابيٌّ. لأهلِ البدوِ؛ فَرْقًا بينَ أهل البَوادى والأمصارِ، فجعَل الأعرابَ لأهل الباديةِ، والعربَ لأهلِ المِصْرِ.\nوقولُه: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾. يقولُ: يَسْتَخْبِرُ هؤلاء المُنافقون، أيُّها المؤمنون، الناسَ عن أنْبائِكم. يعنى: عن أخبارِكم بالباديةِ: [هل هلَك محمدٌ وأصحابُه؟ يقولُ: يَتَمَنَّون أن يسمَعوا أخبارَكم] (^٣) بِهَلاكِكم، أن لا يشهدوا معكم مَشاهِدَكم، ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ [مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين: ولو] (^٣) كانوا أيضًا فَيكُم ما نفَعوكم، و﴿مَا قَاتَلُوا﴾ المشركين ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، يقول: إلا تَعْذيرًا؛ لأنهم لا يُقاتِلونهم حِسْبَةً (^٤)، ولا رجاءَ ثوابٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قالُ أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7364>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٢) في ص، ت ١: \"عرب\"، ت ٢: \"العرب\".\n(^٣) سقط من: ت ١.\n(^٤) في ت ٢: \"خشية\".","vol":"19","page":57},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ قال: أخبارِكم (^١).\nوقَرأت قرأةُ الأمصارِ جميعًا سِوى عاصمٍ الجَحْدَرى: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾. بمعنى: يَسْألون مَن قَدِم عليهم مِن الناسِ، عن أنباءِ عَسْكرِكم وأخْبارِكم. وذُكر عن عاصمٍ الجَحْدَرِيِّ أنه كان يقرَأُ ذلك: (يَسَّاءَلُونَ) بتَشْدِيدِ \"السين\"، بمعنى: يَتْساءلون: أي يسألُ بعضُهم بعضًا عن ذلك (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا: ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ عليه.\n\n<span id=\"aya-3554\"></span><span data-type='title' id=toc-7365>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾.</span>\nاختَلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أُسْوَةٌ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: (إِسْوَةٌ) بكسرِ \"الألف (^٣) \"، خَلا عاصمَ بنَ أبي النَّجودِ؛ فإنه قرَأه بالضَّمِّ: ﴿أُسْوَةٌ﴾ (^٤). وكان يحيى بنُ وَثَّابٍ يقرأُ هذه بالكسرِ، ويقرأُ قولَه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ﴾. [الممتحنة: ٦] بالضمِّ، وهما لغتان، وذُكِر أن الكسرَ في أهلِ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٤٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٨٩ إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) القراءة شاذة، ينظر البحر المحيط ٧/ ٢٢١.\n(^٣) هي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وحمزة والكسائي، السبعة لابن مجاهد ص ٥٢١.\n(^٤) السبعة لابن مجاهد ص ٥٢٠.","vol":"19","page":58},{"text":"الحجازِ، والضَّمَّ في قَيْسٍ، يقولون: \"أُسْوَةٌ\". و\"أُخْوةٌ\". وهذا عِتابٌ مِنَ اللهِ تعالى للمتخلِّفين عن رسولِ اللهِ ﷺ وعَسكْرِه بالمدينةِ مِن المؤمنين به. يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، أن تَتأسَّوْا به، وتكونوا معه حيثُ كان، ولا تَتَخَلَّفوا عنه - ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾. يقولُ: فإِن مَن يَرْجُو ثوابَ اللهِ ورحمتَه في الآخرةِ، لا يرغَبُ بنفسه، ولكنه تكونُ له به أُسوةٌ في أن يكونَ معه حيثُ يكونُ هو.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7366>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومانَ، قال: ثم أقبَل على المؤمنين فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، ألَّا يرغَبوا بأنفسِهم عن نفسِه، ولا عن مكانٍ هو به، ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. يقولُ: وأكثرَ ذكرَ اللهِ في الخوفِ والشدَّةِ والرخاءِ.\n\n<span id=\"aya-3555\"></span>وقولُه: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾. يقولُ: ولمَّا عايَن المؤمنون باللهِ ورسولِه جماعاتِ الكفارِ، قالوا تَسْليمًا منهم لأمرِ اللهِ، وإيقانًا منهم بأن ذلك إنجازُ وعدِه لهم، الذي وَعَدهم بقولِه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، فأحسَن اللهُ عليهم بذلك مِن يقينِهم، وتَسْليمِهم لأمرِه، الثناءَ، فقال: وما زادَهم اجتماعُ الأحزابِ عليهم إلا إيمانًا باللهِ، وتَسْلِيمًا لقَضائِه وأمرِه، ورزَقهم به النصرَ، والظَّفَرَ على الأعداءِ.\nوبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.","vol":"19","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7367>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾. الآية، قال: ذلك أن الله قال لهم في \"سورة البقرة\": ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾. إلى قولِه: ﴿إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. قال: فلما مَسَّهم البَلاءُ حيث رابَطوا الأحزابَ في الخندقِ، تأوَّل المؤمنون ذلك، ولم يَزِدْهم ذلك إلا إيمانًا وتَسْليمًا (^١).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومانَ، قال: ثم ذكَر المؤمنين وصِدقَهم وتَصْديقَهم بما وعَدهم اللهُ مِن البَلاءِ، يختبرُهم به، ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾: [أي صَبْرًا على البَلاءِ، وتسليمًا] (^٢) للقضاءِ، وتَصْديقًا بتَحْقيقِ ما كان اللهُ وعَدهم ورسولُه (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ وكان اللهُ قد وعَدهم في \"سورة البقرة\" فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [البقرة: ٢١٤]. [خيرُهم وأصبرُهم وأعلمُهم بالله] (^٤): ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. هذا واللهِ البلاءُ والنقصُ الشديدُ، وإن أصحابَ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الدلائل ٣/ ٤٣٣، ٤٣٤ من طريق محمد بن سعد به مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٠ إلى ابن مردويه.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٧.\n(^٤) سقط من: ت ١.","vol":"19","page":60},{"text":"رسولِ اللهِ ﷺ لمَّا رَأَوا ما أصابَهم مِن الشدَّةِ والبَلاءِ قالُوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ وتَصْدِيقًا بما وعَدهم اللهُ، وتَسْلِيمًا لقضاءِ اللَّهِ (^١).\n\n<span id=\"aya-3556\"></span><span data-type='title' id=toc-7368>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) [لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا] (^٢) (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذِكرُه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ باللهِ ورسولِه، ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: أوفَوا بما عاهَدوه عليه؛ من الصَّبرِ على البأساءِ والضَّراءِ وحينَ البأسِ، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. يقولُ: فمنهم مَن فرَغ من العملِ الذي كان نذَره للهِ، وأوجَبه له على نفسِه، فاسْتُشْهِد بعضٌ يومَ بدرٍ، وبعضٌ يومَ أحدٍ، وبعضٌ في غيرِ ذلك مِن المواطنِ. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ قضاءَهن والفراغَ منه، كما قضَى مَن مضَى منهم على الوفاءِ للهِ بعهدِه، والنصْرِ من اللهِ، والظَّفَرِ على عدوِّه.\nوالنَّحْبُ: النذْرُ في كلامِ العربِ، وللنَّحْبِ أيضًا في كلامِهم وجوهٌ غيرُ ذلك؛ منها الموتُ، كما قال الشاعرُ (^٣):\n*قَضَى نَحْبَه فِي مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ (^٤) *\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٤، والبيهقى في الدلائل ٣/ ٤٣٥ من طريق معمر عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٠ إلى الطيالسي وابن المنذر وابن أبي حاتم مختصرًا بنحوه.\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) عجز بيت لذي الرمة في ديوانه ٢/ ٦٤٧.\n(^٤) يعنى يزيد بن هوبر الحارثى، فقال: هوبر. للقافية. المصدر السابق.","vol":"19","page":61},{"text":"يعنى: مَنِيَّتَه ونفسَه. ومنها الخَطَرُ العظيمُ، كما قال جريرٌ (^١):\nبِطَخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا … عَشِيَّةَ بَسْطَامٍ جَرَيْنَ على نَحْبِ (^٢)\nأي على خَطَرٍ عظيمٍ. ومنها النَّحِيبُ، يقالُ: نحَب في سيرِه يومَه أجمعَ. [إِذا مَدَّ، فلم يَنزِلْ يومَه] (^٣) وليلَتَه، ومنها التنحيبُ، وهو الخطار، كما قال الشاعر (^٤):\nوإِذْ نَحْبَتْ كَلْبٌ على الناسِ أَيُّهُمْ … أحَقُّ بِتَاجِ المَاجِدِ المُتكرِّمِ (^٥)\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7369>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومان: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾: أي وفَّوا الله بما عاهَدوه عليه، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. أي: فرَغ من عملِه، ورجَع إلى ربِّه، كمَن اسْتُشهِد يومَ بدرٍ ويومَ أُحُدٍ، ومنهم مَن ينتظرُ ما وعَد الله مِن نصرِه، أو الشهادةِ على ما مضَى عليه أصحابُه (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: عهدَه، فقُتِل أو عاشَ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر﴾\n_________\n(^١) ديوانه ٢/ ٦٣٢.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"طب\".\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) البيت للفرزدق في ديوانه ص ٧٥٩.\n(^٥) في م: \"المتكوم\".\n(^٦) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٨، ٢٤٩ مفرقا.","vol":"19","page":62},{"text":"يومًا فيه جهادٌ، فيَقْضى (^١) نحبَه؛ عهدَه فيُقْتَلُ أو يَصْدُقُ في لقائِه (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: عهدَه، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾. قال: يومًا فيه قتالٌ، فيصْدُقُ في اللقاءِ.\nقال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: ماتَ على العهدِ.\nقال: ثنا أبو أُسامةَ، عن عبدِ اللهِ بن فلانٍ، قد سمَّاه ذهَب عنى اسمُه، عن أبيه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: نَذْرَه (^٣).\nقال: (^٤): [حدَّثنا ابن إدريسَ] (^٥)، عن طلحةَ بن يحيى، عن عمِّه عيسى بن طلحةَ، أن أعرابيًّا أتَى النبيَّ ﷺ، فسأله: مَن الذين قَضَوا نَحْبَهم؟ فأعرَض عنه، ثم سأله، فأعرَض عنه (^٦)، ودخَل طلحةُ مِن بابِ المسجدِ وعليه ثوبانِ أخضرانِ، فقال: \"هذا مِن الذين قَضَوا نَحْبَهم\" (^٧).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: موتُه على الصدقِ والوفاءِ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"فيقيض\"، ت ٢: \"فينقض\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٤٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٢ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٧٦ عن أبي أسامة عن عبد الله بن اللهف عن أبيه وسقط منه كلمة: \"نذره\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن اللهف.\n(^٤) سقط من: م، والمثبت هو الصواب، ينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٢٩٣.\n(^٥) سقط من: ت ٢.\n(^٦) بعده في ت ١: \"ثم سأله فأعرض عنه\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٣٩٩) من طريق ابن إدريس به، وأخرجه أحمد في فضائل الصحابة =","vol":"19","page":63},{"text":"يَنْتَظِرُ﴾ الموتَ على مثلِ ذلك، ومنهم مَن بدَّل تبديلًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنَ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدَ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن سعيدِ بن مسروقٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾. قال: النَّحْبُ العهدُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ على الصدقِ والوفاءِ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر﴾ مِن نفسِه الصدقَ (^٢) والوفاءَ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: ماتَ على ما هو عليه مِن التصديقِ والإيمانِ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ذلك.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى بُكَيرٍ، قال شَرِيكُ بنُ عبدِ اللَّهِ: أَخبَرناه عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: الموتُ على ما عاهَد الله عليه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ الموتَ على ما عاهَد الله عليه (^٤).\nوقيل: إن هذه الآية نزلَت في قومٍ لم يشهَدوا بدرًا، فعاهَدوا الله أن يَفُوا قتالًا\n_________\n= (١٢٩٧)، ومن طريقه الواحدى في أسباب النزول ص ٢٦٦ من طريق طلحة بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩١ إلى الترمذى وأبي يعلى والطبراني وابن مردويه وسيأتي.\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٤ عن معمر عن الحسن، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٩٥ عن الحسن به إلا أنه ذكره بلفظ: ومنهم من لم يبدل تبديلا، وهو الصواب.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٢ إلى المصنف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩١ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"19","page":64},{"text":"للمشركين مع رسولِ الله ﷺ، فمنهم مَن أوفَى فقضَى نَحْبَه، ومنهم من بدَّل. ومنهم مَن أوفَى ولم يَقْضِ نحبَه، وكان منتظرًا، على ما وصَفهم اللهُ به مِن صفاتِهم في هذه الآيةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7370>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، أن أنسَ بن النضرِ تَغيَّبَ عن قتال بدرٍ، فقال: تغيبتُ أوَّلِ مشهدٍ شَهِده رسولُ اللهِ ﷺ، لئن رأيتُ قتالًا لَيَرَيَنَّ اللَّهُ ما أصنعُ. فلما كان يومُ أُحُدٍ، وهُزِم الناسُ، لقِى سعدَ بنَ معاذٍ، فقال: والله إنى لأجِدُ ريح الجنةِ. فتقدَّم فقاتَل حتى قُتِل، فنزلَت فيه هذه الآيةُ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ بَكْرٍ (^٢)، قال: ثنا حَميدٌ، قال: زعَم أَنسُ بن مالكٍ قال: غابَ أَنسُ بنُ النَّضْرِ عن قتالِ يومِ بدرٍ، فقال: غِبْتُ عن قتالِ رسولِ اللهِ ﷺ المشركين، لَئِنْ أشْهَدنى اللهُ قتالًا لَيَرَيَنَّ اللهُ (^٣) ما أصنعُ. فلما كان يومُ أُحدٍ انكشَف المسلمون، فقال: اللهمَّ إنى أبرأُ إليك مما جاء به هؤلاء المشركون، وأعتذرُ إليك مما صنَع هؤلاء - يعنى المسلمين -. فمشَى بسيفه، فلَقِيه سعدُ بنُ مُعاذٍ، فقال: أي سعدُ، إنى لأجِدُ ريح الجنةِ دونَ أُحدٍ. فقال سعدٌ: يا رسولَ اللهِ، فما استطعتُ أن أصنعَ ما صنعَ. قال أنسُ بنُ مالكٍ: فوجَدناه بينَ القَتْلَى، به بِضْعٌ وثمانون جِراحةً؛\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢١/ ٢٤٢ (١٣٦٥٨)، والنسائى (١١٤٠٢ - كبرى)، وابن حبان (٤٧٧٢) من طريق حماد بن سلمة به، وأخرجه الطيالسي (٢١٥٧)، ومسلم (١٩٠٣)، والترمذى (٣٢٠٠)، والنسائي (٨٢٩١ - كبرى)، وابن حبان (٧٠٢٣) من طريق ثابت به.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"بكير\" والصواب المثبت، ينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٣٤٠.\n(^٣) سقط من: ص، ت ٢.","vol":"19","page":65},{"text":"بين ضربةٍ بسيفٍ، وطَعْنةٍ برمحٍ، ورَمْيَةٍ بسهمٍ، فما عرفناه حتى عرفتْه أختُه ببَنانه. قال أنسٌ: فكُنَّا نتحدَّثُ أن هذه الآيةَ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (^١) نزلَت فيه وفى أصحابه (^٢).\nحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمعتُ حُمَيدًا يحدِّثُ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن أنسَ بنَ النضرِ غابَ عن قتالِ بدرٍ. ثم ذكَر نحوَه.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: ثنا طلحةُ بنُ يحيى، عن موسى وعيسى ابنى (^٣) طلحةَ، عن طلحةَ، أن أعرابيًّا أتَى رسولَ اللهِ ﷺ، قال: وكانوا لا يجرُؤون على مسألتِه، فقالوا للأعرابيِّ: ﴿مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾؛ مَن هو؟ فسألَه، فأعرَض عنه، ثم سأله، ثم سأله، فأعرَض عنه، ثم دخلتُ مِن بابِ المسجدِ وعليَّ ثيابٌ خُضْرٌ، فلما رأني رسولُ اللهِ ﷺ قال: \"أينَ السَّائِلُ عَمَّن قَضَى نَحْبَه؟ \". قال الأعرابيُّ: أنا يا رسولَ اللَّهِ. قال: \"هذا مِمَّن قَضَى نَحْبَه\" (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن إسحاقَ بن يحيى الطَّلْحِيِّ، عن موسى بن طلحةَ، قال: قامَ معاويةُ بن أبي سفيانَ، فقال: إني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: \"طلحةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَه\" (^٥).\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١: \"فمنهم من قضى نحبه\".\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ١٢١، والبيهقي في السنن ٩/ ٤٣، ٤٤، وفي الدلائل ٣/ ٢٤٤، ٢٤٥ من طريق عبد الله بن بكر به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٣١٢، ٣١٣، ١٤/ ٣٩٥، وأحمد ٢٠/ ٣٦٦ (١٣٠٨٥)، وعبد بن حميد (١٣٩٤)، والبخارى (٢٠٨٥، ٤٠٤٨)، والترمذى (٣٢٠١)، والنسائي (١١٤٠٣) - كبرى)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٣٩٤ -، والطبراني (٧٦٩)، والبغوى في تفسيره ٦/ ٣٣٧ من طريق حميد به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"أبى\"، والصواب المثبت. ينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٤٤٢.\n(^٤) أخرجه الترمذى (٣٢٠٣، ٣٧٤٢)، وأبو يعلى (٦٦٣)، والضياء في المختارة (٨١٦) من طريق أبي كريب به، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة عقب (١٣٩٩)، والبزار (٩٤٣) من طريق يونس بن بكير به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٤٠٢) من طريق عبد الحميد الحماني، وفيه \"عيسى بن طلحة\". =","vol":"19","page":66},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرِو بن تمامٍ الكلبيُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ أيوبَ، قال: ثنى أبي، عن إسحاقَ بن (^١) يحيى بن طلحةَ، عن عمِّه موسى بن طلحةَ، عن أبيه طلحةَ، قال: لمَّا قدِمْنا من أُحدٍ، وصِرْنا بالمدينةِ، صعد النبيُّ ﷺ المنبرَ (^٢)، فخطَب الناسَ وعَزَّاهم، وأخبرهم بما لهم فيه من الأجر، ثم قرأ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. الآيةَ، قال: فقام إليه رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، مَن هؤلاء؟ فالتفَت وعليَّ ثوبانِ أخضَران، فقال: \"أَيُّها السَّائِلُ، هذا منهم\" (^٣).\nوقولُه: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. يقول: [وما غَيَّروا العهدَ الذي عاهَدوا (^٤) ربَّهم تَغْييرًا، كما غيَّره المُعوِّقون القائِلون لإخْوانِهم: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾. [الأحزاب: ١٨]، والقائلون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾. [الأحزاب: ١٣].\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ] (^٥)\n\n<span data-type='title' id=toc-7371>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.\nيقولُ: ما شكُّوا وما تَردَّدوا في دينهم، ولا استبدَلوا به غيرَه (^٦).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا\n_________\n= بدل \"موسى بن طلحة\"، وأخرجه ابن ماجه (١٢٦، ١٢٧)، والترمذي (٣٢٠٢، ٣٧٤٠)، وابن أبي عاصم في السنة (١٤٠١)، والطبرانى في الأوسط (٥٠٠٠) من طريق إسحاق بن يحيى به.\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"عن\"، والمثبت هو الصواب. ينظر تهذيب الكمال ٢/ ٤٨٩.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٣) أخرجه ابن أبي عاصم (١٤٠٠، ١٤٠٣)، والطبراني (٢١٧)، والضياء في المختارة (٨١٧) من طريق سليمان بن أيوب به.\n(^٤) في م: \"عاقدوا\".\n(^٥) سقط من: ت ٢.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٢ إلى المصنف.","vol":"19","page":67},{"text":"بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾: لم يُغيِّروا دينهم كما غيَّر المنافقون.\n\n<span id=\"aya-3557\"></span>وقولُه: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ﴾ منهم (^١) ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾. يقولُ: ليُثِيبَ اللهُ أهلَ الصدقِ منهم (^١) بصِدْقِهم الله بما عاهَدوه عليه، ووفائِهم له به، ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ بكفرِهم باللهِ ونفاقِهم، ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ مِن نفاقِهم، فيَهْديَهم للإيمانِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7372>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: إن شاء أخرجَهم مِن النفاقِ إلى الإيمانِ (^٢).\nإن قال قائلٌ: ما وَجْهُ الشرطِ في قولِه: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ بقولِه: ﴿إِنْ شَاءَ﴾، والمنافقُ كافرٌ؟ وهل يجوزُ ألَّا يشاءَ تعذيبَ المنافقِ؛ فيقالَ: ويُعذّبُه إِن شاء؟ قيل: إن معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذي تَوَهَّمْتَهُ، وإنما معنى ذلك: ويعذِّبَ المنافقين، بألَّا يوفَّقَهم للتوبةِ مِن نفاقِهم، حتى يَموتوا على كفرِهم إن شاء، فيستوجِبوا بذلك العذابَ. فالاستثناءُ إنما هو مِن أجلِ التوفيقِ، لا مِن العذابِ إن ماتوا على نفاقهم.\nوقد بَيَّن ما قلنا في ذلك قولهُ: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. [فمعنى الكلامِ إِذنْ ويعذِّبَ المنافقين إذ لم يَهْدِهم للتوبة] (^٣)، فيوفِّقْهم لها، أو يتوبَ عليهم فلا يعذِّبَهم.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٥ عن معمر عن قتادة.\n(^٣) سقط من: ت ٢.","vol":"19","page":68},{"text":"وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يقولُ: إن الله كان ذا سِتْرٍ على ذنوبِ التائبين، رحيمًا بالتائبِين أن يعاقبَهم بعدَ التوبةِ.\n\n<span id=\"aya-3558\"></span><span data-type='title' id=toc-7374>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وردَّ اللهُ الذينَ كَفَروا به وبرسولِه مِن قُرَيشٍ وغَطَفانَ، ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾. يقولُ: بكَرْبِهم وغَمِّهم، بفَوْتِهم ما أمَّلوا مِن الظَّفَرِ، وخَيْبَتِهم مما كانوا طَمِعوا فيه مِن الغَلَبَةِ، ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾. يقولُ: لم يُصيبوا مِن المسلمين مالًا ولا إسارًا، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بجنودِه مِن الملائكةِ، والريح التي بعَثها عليهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7373>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾: الأحزابَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾. وذلك يومَ أبي سفيانَ والأحزابِ، ردَّ اللهُ أبا سفيانَ وأصحابَه بغَيْظِهم لم ينَالوا خيرًا، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بالجنودِ مِن عندهِ، والريحِ التي بَعَث عليهم (^٢).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٤٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٢ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":69},{"text":"حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومانَ: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾. أي: قريشٌ وغَطَفانُ (^١).\nحدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدَائيُّ، قال: ثنا شَبابَةُ، قال: ثنا ابن أبي ذئبٍ، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ المَقْبُرِي، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ، عن أبيه، قال: حُبِسْنا يومَ الخندقِ عن الصلاةِ، فلم نُصَلِّ الظهرَ ولا العصرَ ولا المغربَ ولا العشاءَ، حتى كان بعدَ العشاءِ بهَويٍّ (^٢)، وكُفينا، وأنزَل الله: وأنزَل اللهُ: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾. فأمَر رسولُ اللهِ ﷺ بلالًا، فأقامَ الصلاةَ، وصلَّى الظهرَ، فأحسنَ صلاتَها، كما كان يُصَلِّيها في وقتِها، ثم صَلَّى العصَر كذلك، ثم صلَّى المغربَ كذلك، ثم صلَّى العشاءَ كذلك، جعَل لكلِّ صلاةٍ إقامةً، وذلك قبلَ أن تنزلَ صلاة الخوفِ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (^٣) [البقرة: ٢٣٩].\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا ابن أبي فَدِيكٍ، قال: ثنا ابن أبي ذئبٍ، عن المَقْبُرِيِّ عن عبدِ الرحمنِ بن أبي سعيدٍ، [عن أبي سعيدٍ] (^٤) الخُدريِّ، قال: حُبِسْنا يومَ الخندقِ. فذكَر نحوَه.\nوقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾. يقولُ: وكان الله قويًّا على فعلِ ما يشاءُ فعلَه بخلقِه، فينصرُ مَن شاء منهم على مَن [يَشَاءُ، ويخذُلُ مِن] (^٥) شاء أن يخذُلَه،\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٩.\n(^٢) الهَوِى: الساعة من الليل، الوسيط (هـ وى).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٧٠، والنسائي (٦٦٠)، والبيهقي في الدلائل ٣/ ٤٤٥ من طريق ابن أبي ذئب، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٢ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"19","page":70},{"text":"لا يَغْلِبُه غالبٌ، ﴿عَزِيزًا﴾. يقولُ: هو شديدٌ انتْقامُه ممن انتقَم منه مِن أعدائِه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾: قويًّا في أمرِه، عزيزًا في نِقْمَتِه (^١).\n\n<span id=\"aya-3559\"></span><span data-type='title' id=toc-7376>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأنزَل اللهُ الذين أعانوا الأحزابَ مِن قريشٍ وغَطَفانَ على رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابه، وذلك هو مظاهرتُهم إياهم (^٢)، وعُنى بذلك بنو قُرَيظةَ، وهم الذين ظاهَروا الأحزابَ على رسولِ اللهِ ﷺ.\nوقولُه: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. يعنى: مِن أهلِ التوراةِ، وكانوا يهودًا.\nوقولُه: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. يعنى: مِن حُصُونهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7375>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرِو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. قال: قُرَيظةَ، يقولُ: أنزَلهم من صياصِيهم (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٢ إلى المصنف، وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م، ص، ت ١: \"إياه\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٤٩. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٢ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":71},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: وهم بنو قُرَيظةَ، ظاهَروا أبَا سفيانَ وراسَلوه، فنكَثوا العهدَ الذي بينَهم وبينَ نبيِّ اللهِ، قال: فبينا رسولُ اللهِ ﷺ عندَ زينبَ بنتِ جحشٍ يَغْسِلُ رأسه، وقد غسَلت شقَّه، إذ أتاه جبريلُ ﷺ، فقال: عفا اللهُ عنك، ما وضَعت الملائكةُ سلاحَها منذُ أربعين ليلةً، فانهَضْ (^١) إلى بني قريظةَ، فإني قد قطَعتُ أوتارَهم، وفتَحتُ أبوابَهم، وترَكتُهم في زلزال وبلبال. قال: فاستلأَم (^٢) رسولُ اللهِ ﷺ، ثم سلَك سِكةَ بنى غَنْمٍ، فاتبَعه الناسُ وقد عصَب حاجبَه بالترابِ. قال: فأتاهم رسولُ اللهِ ﷺ، فحاصرهم وناداهم: \"يا إخوةَ (^٣) القردة\" فقالوا: يا أبا القاسم، ما كُنْتَ فحَّاشا. فنزَلوا على حكمِ ابن مُعاذٍ، وكان بينَهم وبينَ قومِه حِلْفٌ، فرَجَوْا أن تأخذَه فيهم هَوادةٌ، وأومَأَ إليهم أبو لُبابةَ أنه الذَّبْحُ، فأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]. فحكم فيهم أن تُقْتَلَ مُقاتِلتُهم، وأن تُسْبَى ذرارِيُّهم، وأَنَّ عَقارَهم (^٤) للمهاجِرين، دونَ الأنصارِ، فقال قومُهُ وعَشيرتُه (^٥): آثرتَ المهاجرين بالعقَار (^٦) علينا؟ قال: فإنكم كنتم ذوى عَقَارٍ، وإن المهاجرين كانوا لا عقارَ لهم. وذُكِر لنا أن رسولُ اللهِ ﷺ كبَّر وقال: \"قَضَى فِيكُمْ بِحُكْمِ اللهِ\" (^٧).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما أصبَح (^٨).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"فانهد\". وفي ت ١: \"فاعتد\"\n(^٢) في ص، ت ١: \"فاستلم\". وفي ت ٢: \"وأسلم\".\n(^٣) في م: \"إخوان\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"أعقارهم\".\n(^٥) في ت ٢: \"صحابته\".\n(^٦) في ت ١: \"للأعقار\". وفي ت ٢: \"الأعقار\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٣ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٨) في النسخ: \"انصرف\". والمثبت من مصدرى التخريج.","vol":"19","page":72},{"text":"رسولُ اللهِ ﷺ انصرف (^١) عن الخندقِ راجعًا إلى المدينةِ، والمسلمون، ووضَعوا السلاحَ.\nفلما كانت الظهرُ أتى جبريلُ ﵇ رسولُ اللهِ ﷺ كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن ابن شهابٍ الزهريِّ - مُعْتَجِرًا بعمامةٍ مِن إستبرقٍ، على بغلةٍ عليها رِحَالةٌ، عليها قطيفةٌ مِن ديباجٍ؛ فقال: أقد وضَعتَ السلاحَ يا رسولُ اللهِ؟ قال: \"نعم\". قال جبريلُ: ما وضَعتِ الملائكةُ السلاحَ بعدُ وما رجَعت الآن إلَّا مِن طلبِ القومِ، إن اللَّهَ يَأْمُرُك يا محمدُ بالسيرِ إلى بني قريظةً، وأنا عامدٌ إلى بنى قُرَيظةَ. فأمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ منادِيًا، فأذَّن في الناس أن: \"من كان سامعًا مُطيعًا فلا يُصَلِّينَّ العصرَ إلا في بني قريظةَ\". وقدَّم رسولُ اللهِ ﷺ عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁ برايتِه إلى بني قريظةَ، وابتدَرها الناسُ، فسار عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁، حتى إذا دنا مِن الحصونِ، سمِع منها مقالةً قبيحةً لرسولِ اللهِ ﷺ منهم، فرجَع حتى لَقِى رسولَ اللهِ ﷺ بالطريقِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، لا عليك ألَّا تدنوَ مِن هؤلاء الأحَابثِ (^٢). قال: \"لم؟ أَظُنُّك سمِعتَ لى منهم أذًى\". قال: نعمْ يا رسولُ اللهِ ﷺ. قال: \"لو قد رأَوْنى لم يَقولوا من ذلك شيئًا\". فلما دنا رسولُ الله ﷺ من حصونِهم، قال: \"يا إخوانَ القردةِ، هل أخزاكم اللهُ، وأنزَل بكم نقمته؟ \". قالوا: يا أبا القاسمِ: ما كنت جهولًا. ومرَّ رسولُ اللهِ ﷺ على أصحابه بالصَّوْرَيْنِ (^٣) قبل أن يَصِلَ إلى بني قريظةَ، فقال: \"هل مرَّ بكم أحدٌ؟ \" فقالوا: يا رسولَ اللهِ، قد مرَّ بنا دِحيةُ بنُ خليفةَ الكلبيُّ، على بغلةٍ بيضاءَ، عليها رِحَالةٌ، عليها قطيفةُ ديباجٍ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ذاك جبريلُ\n_________\n(^١) زيادة مِن مصدرى التخريج.\n(^٢) في م: \"الأخباث\".\n(^٣) الصَّوْرَين: موضع قرب المدينة البلدان ٣/ ٤٣٥.","vol":"19","page":73},{"text":"بُعِث إلى بني قريظةَ يُزَلزِلُ بهم حُصُونَهم، ويَقْذِفُ الرعبَ في قلوبِهم\". فلما أتى رسولُ اللهِ ﷺ بني (^١) قريظةَ، نزَل على بئرٍ مِن آبارها، في ناحيةٍ مِن أموالهم، يُقالُ لها: بِئرُ أَنَّا. فتلاحق به الناسُ، فأتاه رجالٌ من بعدِ العِشاء الآخرة، ولم يُصَلُّوا العصرَ؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ: \"لا يُصَلِّين أحدٌ العصرَ إلا في بني قريظةَ\". فصَلَّوا العَصَر [بعدَ العشاءِ الآخرةِ] (^٢)، فما عابَهم اللهُ بذلك في كتابِه، ولا عنَّفهم به [رسولُ اللَّهِ ﷺ] (^٣) (^٤).\nوالحديثُ عن محمد بن إسحاقَ، عن أبيه، عن معبَدِ بن كعبِ بن مالكٍ الأنصاريِّ، قال: وحاصَرهم رسولُ اللهِ ﷺ خمسًا وعشرين ليلةً، حتى جَهَدَهم الحصارُ، وقذَف اللهُ (^٥) في قلوبِهم الرعبَ، وقد كان حُيَيُّ بْنُ أَخطبَ دخل على بنى قريظةَ في حصنِهم، حينَ رجَعت عنهم قريشٌ وغطفانُ، وفاءً لكعبِ بن أسدٍ بما كان عاهَده عليه، فلما أَيْقَنوا بأن رسولَ اللهِ ﷺ غيرُ مُنصرفٍ عنهم (^٦) حتى يُناجِزَهم، قال كعبُ بنُ أسدٍ لهم: يا معشرَ يهودٍ، إنه قد نزَل بكم مِن الأمر ما تَرَون، وإني عارضٌ عليكم خِلالًا ثلاثًا، فخُذوا أيُّها. قالوا: وما هُنَّ؟ قال: نُبايِعُ هذا الرجلَ ونصدِّقُه، فواللهِ لقد تَبَيَّنَ لكم أنه لنبيٌّ مرسَلٌ، وأنه الذي كنتم تجدونه في كتابِكم، فتأمنوا على دمائِكم وأموالِكم وأبنائِكم ونسائِكم. قالوا: لا نفارقُ حُكم التوراةِ أبدًا، ولا نَسْتَبدِلُ به غيرَه. قال: فإِذا أَبَيْتُم هذه عليَّ، فهلمَّ\n_________\n(^١) سقط مِن: م، ص، ت ١.\n(^٢) سقط مِن: م.\n(^٣) في م، ص، ت ٢: \"رسوله\".\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٢٣ - ٢٣٥، وأخرجه المصنف في التاريخ ٢/ ٥٨١.\n(^٥) في ت ٢: \"العهد\"\n(^٦) سقط من: ت ٢.","vol":"19","page":74},{"text":"فَلْنَقْتُلْ أبناءَنا ونساءَنا، ثم نَخْرُجْ إلى محمدٍ وأصحابِه رجالًا، مُصْلِتين السيوفَ (^١)، ولم نَتْرُكْ وراءَنا ثَقَلًا يُهِمُّنا، حتى يَحْكُمَ اللهُ بينَنا وبينَ محمدٍ، فَإِن نَهْلِكَ نَهْلِكْ ولم نَتْرُكْ وراءَنا شيئًا نَخْشى عليه، وإن نظهَرْ فَلَعَمْرِي لَتَتَّخِذَنَّ (^٢) النساءَ والأبناءَ. قالوا: نَقْتُلُ هؤلاء المساكينَ؟! فما خيرُ العيشِ بعدَهم؟ قال: فإذا أَبَيْتُم هذه عليَّ، فإن الليلةَ ليلةُ السبتِ، وإنه عسى أن يكونَ محمدٌ وأصحابُه قد أَمِنوا، فانزِلوا لعلنا أن نُصِيبَ مِن محمدٍ وأصحابِه غِرَّةً. قالوا: نُفْسِدُ سَبتَنا، ونُحدِثُ فيه ما لم يَكُنْ أحدَثَ (^٣) فيه مَن كان قبلَنا إِلَّا (^٤) مَن قد علمتَ فأصابهم مِن قد علمتَ فأصابهم مِن المسخِ ما لم يَخْفَ عليك؟! قال: ما بات رجلٌ منكمِ (^٥) مُنذُ (^٦) ولدته أمُّه ليلةً واحدةً مِن الدهرِ حازمًا. قال: ثم إنهم بعَثوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ: أن ابعَثْ إلينا أبا لبابةَ بنَ عبد المنذرِ، أخا بنى عمرِو بن عوفٍ - وكانوا مِن حُلفاءِ (^٧) الأوسِ - نَسْتَشِيرُه في أمرِنا. فأرسَله رسولُ اللهِ ﷺ، فلما رَأوه قام إليه الرجالُ، وبَهَشَ (^٨) إِليه النساءُ والصبيانُ، يَبْكون في وَجْهِهِ، فَرَقَّ لهم، وقالوا له: يا أبا لُبابةَ، أترَى أن ننزلَ على حُكْمِ محمدٍ؟ قال: نعم. وأشارَ بيَدِه (^٩) إلى حَلْقِه؛ إنه الذَّبْحُ. قال أبو لُبابةَ: فواللهِ ما زالَت قَدَمَاى، حتى عرَفتُ أني قد خُنْتُ اللَّهَ ورسولَه. ثم انطلَق أبو لُبابةَ على وَجْهِه، ولم يأتِ\n_________\n(^١) في م، ص، ت ٢: \"بالسيوف\".\n(^٢) في ت ٢: \"لنجدن\".\n(^٣) في ت ٢: \"يحدث\".\n(^٤) في النسخ: \"أما\"، والمثبت مِن مصدرى التخريج.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٦) في ت ١، ت ٢: \"مذ\".\n(^٧) في ت ٢: \"خلفاء\".\n(^٨) في ص، ت ١: \"بهس\". وفي ت ٢: حمش\". والمثبت موافق لما في التاريخ. وبهش إليه النساء، أي: اجتمعوا وتهيئوا للبكاء. ينظر التاج (ب هـ ش).\n(^٩) سقط من: ت ١.","vol":"19","page":75},{"text":"رسولُ اللهِ ﷺ، حتى ارتبَطَ في المسجدِ إلى عمودٍ مِن عُمُدِه، وقال: لا أَبْرَحُ مكانى حتى يتوبَ اللهُ عليَّ مما صنعتُ - وعاهَد اللَّهَ لا يطأُ بنى قُريظةَ أبدًا -، ولا يَراني اللهُ في بلدٍ خُنْتُ اللَّهَ ورسوله فيه أبدًا. فلما بلَغ رسولَ اللَّهِ ﷺ خبره [وأبطَأَ عليه] (^١)، وكان قد استَبْطَأَه، قال: \"أما إنه لو كان (^٢) جَاءَنِي لاسْتَغْفَرْتُ له، أمَا (^٣) إذ فَعَل ما فَعلَ، فما أنا بالذي أُطْلِقُه مِن مكانِه، حتى يتوبَ اللَّهُ عليه\". ثم إن ثعلبةَ بنَ سَعْيَة (^٤)، وأَسِيدَ (^٥) بنَ سَعْيَة (٤)، وأسدَ (^٦) بنَ عُبَيدٍ - وهم نفرٌ مِن بنى - هُذَيلٍ (^٧)، ليسوا مِن بني قُريظةَ ولا النضيرِ، نسبُهم فوقَ ذلك، هم بنو عَمِّ القومِ - أسلَموا تلك الليلةَ التي نزلَت فيها قريظةُ على حكمِ رسولِ اللهِ ﷺ، وخرَج في تلك الليلةِ عمرُو بن سُعْدَى القُرَظِيُّ، فَمَرَّ بِحَرَسِ رسولِ اللهِ ﷺ، وعليه (^٨) محمدُ بنُ مَسْلمةَ الأنصاريُّ تلك الليلةَ، فلمَّا رَآه قال: مَنْ هذا؟ قال: عمرُو بنُ سُعْدَى. وكان عمرٌو قد أبَى أن يدخلَ مع بنى قرَيْظة في غَدْرِهم برسولِ اللهِ ﷺ، وقال: لا أغْدِرُ بمحمدٍ أبدًا. فقال محمدُ بنُ مَسْلَمة حينَ عرفه: اللهمَّ لا تحرِمْنى إقالَةَ (^٩) عَثَراتِ الكِرامِ. ثم خَلَّى سبيله. فخرج على وجهِه، حتى باتَ في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ بالمدينةِ تلك الليلةَ، ثم ذهَب، فلا يُدْرَى أينَ ذَهَب مِن أَرضِ اللَّهِ إلى يومِه (^١٠) هذا. فذُكِر\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من ص، ت ١، ت ٢.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"فأما\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"شعبة\". ينظر أسد الغابة ١/ ٢٨٧.\n(^٥) في ت ١: \"أسد\"، وفى ت ٢: \"أشد\". المصدر السابق.\n(^٦) في ت ٢: \"أسيد\". المصدر السابق.\n(^٧) في ت ١، ت ٢: \"هذل\".\n(^٨) في ص، ت ١، ت ٢: \"عليها\"\n(^٩) سقط من ص، ت ١، ت ٢.\n(^١٠) في ت ١: \"قومه\".","vol":"19","page":76},{"text":"الرسولِ اللهِ ﷺ، شأنُه، فقال: \"ذاكَ رَجَلٌ نَجَاهِ اللَّهُ بوَفَائِه\". قال: وبعضُ الناسِ كان يزعُمُ أنه كان أُوثِقَ برُمَّةٍ (^١) فيمَن أُوثق مِن بني قُريظةَ حينَ نزَلوا على حكمِ رسولِ اللهِ ﷺ، فأصبحَت رُمَّتُه مُلْقاةً، لا يُدْرَى أين ذهَب، فقال رسولُ اللهِ ﷺ تلك المقالةَ، فاللهُ أعلمُ.\nفلما أصبَحوا، نزَلوا على حكم رسولِ اللهِ ﷺ، فتَواثبَتِ الأوسُ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، إنهم مَوالينا دونَ الخزرجِ، وقد فعلتَ في مَوالى الخزرجِ بالأمسِ ما قد علمتَ. وقد كان رسولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ بني قُرَيظةَ حاصَر بني قُيْنَقاعَ، وكانوا حلفاءَ الخزرجِ، فنزَلوا على حُكْمِه، [فسأله إياهم] (^٢) عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَى ابن (^٣) سلولَ، فوهَبهم له. فلما كلَّمَته الأوسُ قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ألا تَرْضَون يا معشرَ الأوسِ أن يَحْكُم فيهم رجلٌ منكم؟ \". قالوا: بلى. قال: \"فَذَاكَ إلى سعدِ بن مُعاذٍ\". وكان سعدُ بنُ مُعاذٍ قد جعله رسولُ اللهِ ﷺ في خَيمةِ امرأةٍ مِن أسلمَ (^٤)، يقالُ لها: رُفَيدةُ (^٥)، في مسجدِه، كانت تُداوِى الجَرْحَى، وتحتسبُ بنفسِها على خدمةِ مِن كانت به ضَيْعَةٌ مِن المسلمين، وكان رسولُ اللهِ ﷺ قد قال لقومِه حين أصابَه السهمُ بِالخندق: \"اجْعَلُوه في خَيمةِ رُفَيدةَ حتى أعُودَه مِن قَرِيبٍ\". فلما حَكَّمه رسولُ اللهِ ﷺ في بنى قُريظةَ، أناه قومُه فاحْتَمَلوه على حمارٍ، وقد وَطَّئُوا له بوِسادةٍ مِن أَدَمٍ، وكان رجلًا جسيمًا، ثم أقبَلوا معه إلى رسولِ اللهِ ﷺ، وهم يقولون: يا أبا عمرٍو، أحسِنْ\n_________\n(^١) في ت ١: \"بذمة\". وفى ت ٢: \"يومه\". وغير واضحة في: ص. والرمة: قطعة من الحبال البالية. النهاية ٢/ ٢٦٧، واللسان (رم م).\n(^٢) في ت ٢: \"فسألهم إياه\".\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"المسلمين\".\n(^٥) في ت ٢: \"وفيدة\".","vol":"19","page":77},{"text":"في مَواليك؛ فإن رسولِ اللهِ ﷺ وَلَّاك ذلك لتُحسِنَ فيهم. فلما أكثَروا عليه قال: قد آنَ (^١) لسعدٍ أن لا تَأْخُذَه في اللهِ لومةً لائمٍ. فرجَع بعضُ مَن كان معَه (^٢) من قومِه إلى دارِ بنى عبدِ الأشهلِ، فنعَى إليهم رجالَ بني (^٣) قُريظةَ قبلَ أن يَصِلَ إليهم سعدُ بنُ معاذٍ، عن (^٤) كلمتِه التي سمِع منه. . فلما انتهَى سعدٌ إلى رسولُ اللهِ ﷺ[والمسلمين] (^٥)، قال (^٦): \" [قُومُوا إلى سيدكم] (^٧) \". فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا عمرٍو، إن رسولَ اللهِ ﷺ ولَّاك مَواليَك لتَحْكُمَ فيهم. فقال سعدٌ: عليكم بذلك عهدُ اللهِ وميثاقه أنَّ الحكمَ فيهم كما (^٨) حكَمتُ؟ قالوا: نعَم. قال: وعلى مَن ههنا؟ في الناحيةِ التي فيها رسولُ اللهِ ﷺ، وهو معرِضٌ عن رسولُ اللهِ ﷺ[إجلالًا له] (^٩). فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"نعمْ\". قال سعدٌ: فإني أَحْكُمُ فيهم أن تُقْتَلَ الرجالُ، وتُقسَّمَ الأموالُ، وتُسْبَى الذراريُّ والنساءُ (^١٠).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: فحدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عاصمِ بن [عمرَ بن] (^١١) قتادةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن عمرِو بن سعدِ بن معاذٍ، عن\n_________\n(^١) في ص: \"اني\". وفي ت ١: \"أبي\".\n(^٢) سقط من ص، ت ١، ت ٢.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"من\".\n(^٤) في م: \"من\".\n(^٥) سقط من: ت ٢.\n(^٦) بعده في ص، ت ١: \"سعد\". وفى ت ٢: \"﵇\".\n(^٧) مكررة في: ص، ت ١، ت ٢.\n(^٨) في ت ١: \"بما\".\n(^٩) سقط من: ت ١.\n(^١٠) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٣٥ - ٢٤٠، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٨٣ - ٥٨٨.\n(^١١) في ص، ت ١، ت ٢: \"عمر وعن\". والمثبت هو الصواب. تهذيب الكمال ١٣/ ٥٢٨.","vol":"19","page":78},{"text":"علقمةَ بن وقَّاصٍ الليثيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لقد حكمت فيهم بحُكْمِ اللهِ من فوق سبعة أرْقِعَةٍ\". ثم استُنزِلوا، فحبَسهم رسولُ اللهِ ﷺ في دار ابنة الحارثِ - امرأةٌ مِن بنى النجَّار - ثم خرَج رسولُ اللهِ ﷺ إلى سوقِ المدينةِ التي هي سوقُها اليومَ، فخندَق بها خنادقَ، ثم بعَث إليهم، فضرَب أعناقَهم في تلك الخنادقِ، يُخرَجُ بهم إليه أرسالًا، وفيهم عدوُّ اللهِ حُيَيُّ بنُ أخطَبَ، وكعبُ بنُ أسدٍ رأسُ القومِ، وهم ستُّمِائةٍ أو سبعُمِائةٍ. والمكثرُ منهم يقولُ: كانوا مِن الثمانِمائةِ إلى التسعِمَائةِ. وقد قالوا لكعبِ بن أسدٍ وهم يُذْهَبُ بهم إلى رسولِ اللهِ ﷺ أرسالًا: يا كعبُ، ما ترَى يُصْنَعُ بِنا؟ فقال كعبٌ: أفي كلِّ موطِنٍ لا تعقِلون؟! أَلا تَرَوْنَ الداعىَ لا يَنْزِعُ، وأنه مَن يُذْهَبُ به منكم فما يَرْجِعُ! هو واللهِ القتلُ. فلم يَزَلْ ذلك الدأبَ، حتى فرَغ منهم رسولُ اللهِ ﷺ، وأُتِي بحيي بن أخطب عدوِّ اللهِ، وعليه حُلةٌ له فَقّاحِيَّةٌ (^١) قد شقَّقَها عليه مِن كلِّ ناحيةٍ كموضعِ الأُنملةِ، أنملةً أنملةَ؛ لئلا يُسْلَبَها، مجموعةٌ يداه إلى عنقِه بحبلٍ، فلما نظَر إلى رسولِ اللهِ ﷺ قال: أما واللهِ ما لُمتُ نفسى في عداوتِك، ولكنه مَن يَخذُلِ اللَّهُ يُحْذَلْ. ثم أقبلَ على الناسِ فقال: أيُّها الناسُ، إنه لا بأسَ بأمرِ اللهِ، كتابُ اللهِ وقدرُه، وملحمةٌ قد كُتِبت على بنى إسرائيلَ. ثم جلَس فضُرِبت عنقُه، فقال جبلُ بنُ جَوّالٍ الثعلبيُّ:\nلعمرُك ما لامَ ابْنُ أَخطبَ نفسَه … ولكنه مَن يَخْذُلِ اللَّهُ يُحْذَلِ\nلجاهَد حتى أبلَغ النفسَ عُذْرَها … وقَلْقَلَ يَبْغى العزَّ كلَّ مُقَلْقَلِ (^٢)\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ، عن عروةَ بن الزبيرِ، عن عائشةَ، قالت: لم يُقْتَلُ مِن نسائِهم إلا\n_________\n(^١) حلة فُقاحِيَّة: وهى على لون الورد حين هم أن يتفتح. التاج (ف ق ح).\n(^٢) سيرة ابن هشام، ٢/ ٢٤١، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٨٩.","vol":"19","page":79},{"text":"امرأةٌ واحدةٌ. قالت: والله إنها لعندِى تَحدَّثُ وتضحك، ظُهْرًا، ورسولُ اللهِ ﷺ يقتُلُ رجالَهم بالسُّوقِ، إذ هَتَف هاتفٌ باسمها: أينَ فلانةُ؟ قالت: أنا واللهِ. قالت: قلتُ: وَيْلَك ما لكِ؟ قالت: أُقْتَلُ. قلتُ: ولِمَ؟ قالت: حدَثٌ (^١) أحدثتُه. قالت (^٢): فانْطُلِق بها، فضُرِبَت عُنْقُها. فكانت عائشةُ تقولُ: ما أنسَى عَجَبى منها؛ طيب نفسٍ، وكثرةَ ضَحِكٍ، وقد عرَفتْ أنها تُقتَلُ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. والصَّياصِي: الحصونُ والآطامُ التي كانوا فيها، ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ (^٤).\nحدَّثنا عمرُو (^٥) بن مالكٍ النُّكْرِيُّ (^٦)، قال: ثنا وكيعُ بنُ الجرَّاحِ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابن عُيَينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. قال: مِن حُصُونِهم (^٧).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. يقولُ: أنزلهم مِن صَياصِيهم. قال: قُصُورِهم (^٨).\n_________\n(^١) في م: \"لحدث\".\n(^٢) في م، ت ١: \"قال\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٢، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٨٩، وذكره البغوي ٦/ ٣٤٢.\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٩.\n(^٥) في ت ٢: \"عمر\".\n(^٦) في م، ص، ت ٢: \"البكرى\". ينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٢١١.\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٩٩.\n(^٨) تفسير مجاهد ص ٥٤٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٢ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":80},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. أي: مِن حُصُونهم وآطامِهم (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. قال: الصَّياصي: حصونُهم التي ظَنُّوا أنها مانعتُهم مِن اللهِ ﵎.\nوأصلُ الصَّياصِي: جمعُ صِيصِيةٍ (^٢)، وعُنِى بها ههنا: حُصُونُهم. والعربُ تقولُ لطَرَفِ الحبل: صِيصِيَةٌ. ويقالُ لأصْلِ الشيءِ: صِيصِيَتُه، يقالُ: جَزَّ اللَّهُ صِيصِيَةَ فُلانٍ. أي: أصلَه. ويقالُ لشَوكِ الحاكة: صياصِي. كما قال الشاعرُ (^٣):\n* كَوَقْعِ الصَّياصِي فِي النَّسِيحِ المُمَدَّدِ *\nوهى شَوْكَتا الدِّيكِ.\nوقولُه: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. يقولُ: وألقَى في قلوبِهم الخوفَ منكم، ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾. يقولُ: تقتُلون منهم جماعةً، وهم الذين قَتَل رسولُ اللهِ ﷺ منهم، حينَ ظهَر عليهم، ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾. يقولُ: وتأسِرون منهم جماعةً، وهم نساؤُهم وذَراريهم الذين سُبُوا.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"أوطانهم\". والأثر في تفسير عبد الرزاق ٢/ ١١٥ عن معمر عن قتادة دون قوله: \"وآطامهم\".\n(^٢) في م: \"صيصة\". والصيصية: الحصن. التاج (ص ى ص). والصيصة بالتخفيف ذكرها صاحب اللسان، وتعقبها صاحب التاج بأنها إما على التخفيف أو خطأ.\n(^٣) البيت لدريد بن الصمة. وهو في الأصمعيات ١٠٩، والحماسة لأبي تمام ١/ ٣٩٧، وجمهرة أشعار العرب ٦٠٠.","vol":"19","page":81},{"text":"[كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ] (^١): ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾: الذين ضُرِبَت أعناقهم، ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾: الذين سُبُوا (^٢).\n\n<span id=\"aya-3560\"></span>حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومانَ: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾. أي: قتلُ الرجال، وسَبْىُ الذُّرارِيِّ والنساءِ، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾. يقولُ: وملَّككم بعدَ مَهْلِكِهم أرضَهم. يعنى: مزارعَهم ومَغارسَهم وديارَهم، يقولُ: ومساكنَهم وأموالَهم. يعني سائرَ الأموالِ غيرَ الأرضِ والدُّورِ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فيها، أيُّ أرضٍ هي؟ فقال بعضُهم: هي الرومُ وفارسُ ونحوُها مِن البلادِ التي فتَحها اللهُ بعد ذلك على المسلمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-7377>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾. قال: قال الحسنُ: هي الرومُ وفارسُ، وما فتحَ اللهُ عليهم (^٤).\nوقال آخرون: هي مكةُ.\nوقال آخرون: بل هي خيبرُ.\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٣ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٥٠.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٥ عن معمر، عن قتادة قال: مكة. وقال الحسن: هي الروم وفارس. وكذا عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٣ إلى ابن أبي حاتم، وينظر القرطبي ١٤/ ١٦١.","vol":"19","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7378>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ (^١)، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومانَ: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾. قال: خيبرَ (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾. قال: قُريظةَ والنَّضير أهلَ الكتابِ، ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾. قال: خيبرَ (^٣).\nوالصوابُ مِن القولُ في ذلك: أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخْبرَ أنه أوْرث المؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أرضَ بنى قُريظةَ وديارَهم وأموالَهم، وأرضًا لم يَطَئوها يومئذٍ، ولم تَكْنْ مكةُ ولا خيبرُ، ولا أرضُ فارسَ والرومِ ولا اليمنُ، مما كانوا (^٤) وطِئوه يومئذٍ، ثم وطِئوا ذلك بعدُ، وأَوْرَثَهُمُوه اللهُ، وذلك كلُّه داخلٌ في قولِه: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾؛ لأنه تعالى ذكرُه لم يَخْصُصْ مِن ذلك بعضًا دونَ بعضٍ.\n[وقوله] (^٥): ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكان اللهُ على أن أوْرَث المؤمنين ذلك، وعلى نصره إياهم، وغيرِ ذلك مِن الأمورِ، ذا قُدْرةٍ، لا يَتَعَذَّرُ عليه شيءٌ أراده، ولا يَمْتَنِعُ عليه فعلُ شيءٍ حاوَل فعلَه.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"ابن مسلمة\".\n(^٢) ذكره القرطبي ١٤/ ١٦١، وفيه بدلا من \"خيبر\": \"حنين\". \"حنين\". ولعله تصحيف. وينظر البحر المحيط ٧/ ٢٢٥، والتبيان ٢/ ٣٠٢.\n(^٣) ذكره البغوي ٦/ ٣٤٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٣ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) في م: \"كان\".\n(^٥) سقط من: م، ص ..","vol":"19","page":83},{"text":"<span id=\"aya-3561\"></span><span data-type='title' id=toc-7379>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ لأزواجِك: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾. يقولُ: فإني أُمَتِّعُكُنَّ ما أوجب اللهُ على الرجالِ للنساءِ مِن المتعةِ، عندَ فِراقِهم إياهنَّ بالطلاقِ بقولِه: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وقولُه: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. يقولُ: وأُطلِّقُكنَّ على ما أذِن اللهُ به، وأدَّب به عباده بقولِه: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].\n\n<span id=\"aya-3562\"></span>﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. يقولُ: وإِن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ رِضا اللهُ، و[رِضا رسولهِ] (^١) وطاعتَهما، فأطِعْنَهما (^٢)، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ﴾: وهُنَّ العاملاتُ منهنَّ بأمرِ اللهِ وأمرِ رسولِه - ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nوذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ مِن أجل أنّ عائشةَ سأَلتْ رسولَ اللهِ ﷺ شيئًا مِن عَرَض الدنيا؛ إمَّا زيادةً في النفقةِ، أو غيرَ ذلك، فاعتزَل رسولُ اللهِ ﷺ نساءَه شهرًا، فيما ذُكِر، ثم أمَره اللهُ أَن يُخَيِّرَهنَّ بينَ الصبرِ عليه والرضا بما قسَم لهنَّ والعملِ بطاعةِ اللهِ، وبين أن يُمَتِّعَهُنَّ ويُفارِقَهنَّ إِن لم يَرْضَين بالذي يَقْسِمُ (^٣) لهن. وقيل: كان سببُ ذلك غَيْرَةً كانت عائشةُ غارَتها.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"رسوله\".\n(^٢) في ت ٢: \"فأطعتموهما\".\n(^٣) في ت ٢: \"قسم\".","vol":"19","page":84},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7380>ذكرُ الروايةِ بقولِ مَن قال: كان ذلك مِن أجلِ شيءٍ مِن النفقةِ وغيرِها</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن أبي الزبيرِ، أن رسولَ اللهِ ﷺ لم يَخرُجْ صَلَواتٍ، فقالوا: ما شأنُه؟ فقال عمرُ: إن شئتُم لأَعْلَمَنَّ لكم شأنَه. فأتَى النبيَّ ﷺ، فجعَل يتكلَّمُ ويرفَعُ صوتَه، حتى أُذِن له. قال: فجعلتُ أقولُ في نفسي: أيُّ شيءٍ أكلِّمُ به رسولُ اللهِ ﷺ [لعله يضحَكُ] (^١) - أو كلمةً نحوَها، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، لو رأيتَ فلانةَ وسألَتنى النفقةَ فصَكَكْتُها صَكَّةً. فقال: \"ذلك حَبَسَنى عنكم\". قال: فأتَى حفصةَ، فقال: لا تَسْألى رسولُ اللهِ ﷺ [شيئًا، ما كانت لكِ مِن حاجةٍ فإليَّ. ثم تَتَبَّعَ نساءَ النبيِّ ﷺ] (^٢) فجعَل يُكَلِّمُهنَّ، فقال لعائشةَ: أَيَغُرُّك أنك امرأةٌ حسناءُ، وأن زوجَك يحبُّك؟ لَتَنْتَهِينَّ (^٣) أَو لَيَنْزِلَنَّ فيكِ (^٤) القرآنُ. قال: فقالت أمُّ سلمةَ: يابنَ الخطابِ، أوَ ما بقِى لك إلا أن تدخُلَ بينَ رسولُ اللهِ ﷺ وبينَ نسائِه، ولن تَسألَ المرأةُ إلا لزوجها؟ قال: ونزل القرآنُ: ﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾. إلى قولِه: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال: فبدَأ بعائشةَ فخَيَّرها، وقرَأ عليها القرآنَ، فقالت: هل بدأتَ بأحدٍ مِن نسائِك قبلى؟ قال: \"لا\". قالت: فإني أختارُ اللَّهَ ورسولَه والدارَ الآخرةَ، ولا تُخبرهنَّ بذلك. قال: ثم تَتَبَّعَهنَّ، فجعَل يُخيِّرُهنَّ ويقرأُ عليهنَّ القرآنَ، ويخبرُهن بما صنَعَت (^٥) عائشةُ، فتتابَعن (^٦) على ذلك (^٧).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"و\".\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) في ص، ت ١: \"لتنتهن\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"فيكن\".\n(^٥) في ت ٢: \"فعلت\".\n(^٦) في ص: \"فتايعن\". وفى ت ١: \"فتبايعن\". وفي ت ٢: \"فيتابعن\".\n(^٧) أخرجه أحمد ٢٢/ ٣٩٢،٣٩١ (١٤٥١٥، ١٤٥١٦)، ومسلم (١٤٨٧)، والنسائي (٩٢٠٨ - =","vol":"19","page":85},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ إلى قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال: قال الحسنُ وقتادةُ: خَيَّرَهُنَّ بينَ الدنيا والآخرةِ والجنةِ والنارِ في شيءٍ كُنَّ أَرَدْنَه مِن الدنيا (^١).\nوقال عكرمةُ: في غَيْرةٍ كانت غارَتْها عائشةُ، وكان تحتَه يومَئذٍ تسعُ نسوةٍ؛ خمسٌ مِن قُريشٍ؛ عائشةُ، وحفصةُ، وأمُّ حبيبةَ بنتُ أبي سفيانَ، وسَوْدةُ بنتُ زَمْعَةَ، وأمُّ سَلَمةَ بنتُ أبي أُمَيَّةَ، وكانت تحتَه صفيةُ بنتُ (^٢) حُيَيٍّ الخَيْبَريَّةُ، وميمونةُ بنتُ الحارثُ الهِلاليةُ، وزينبُ بنتُ جَحْشِ الأسَديةُ، وجُويرية بنتُ الحارثِ مِن بنى المُصْطَلِقِ، وبدَأ بعائشةَ، فلما اختارَتِ الله ورسولَه والدارَ الآخرةَ، رُؤِى الفَرَحُ فِي وَجْهِ رسولِ اللهِ ﷺ، فَتَتابَعْن (^٣) كلُّهنَّ على ذلك، واخْتَرْنَ اللَّهَ ورسولَه والدار الآخرةَ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، وهو قولُ قتادةَ في قولِ اللهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمًا﴾. قالا: أمَر اللهُ أن يُخَيِّرَهن بينَ الدنيا والآخرةِ والجنةِ والنارِ.\nقال قتادةُ: وهي غَيْرَةٌ مِن عائشةَ في شيءٍ أرادَته مِن الدنيا، وكان تحته تسعُ نسوةٍ؛ عائشةُ، وحفصةُ، وأمُّ حبيبةَ بنتُ أبي سفيانَ، وسَوْدَةُ بنتُ زَمْعةً، وأمُّ سَلَمَةَ بنتُ أبي أُمَيَّةَ، وزينب بنتُ جَحْشٍ، وميمونة بنتُ الحارثِ\n_________\n= كبرى)، وأبو يعلى (٢٢٥٣)، وأبو عوانة (٤٥٨٥ - ٤٥٨٧)، والبيهقى ٧/ ٣٨ من طريق زكريا بن إسحاق عن أبي الزبير عن جابر.\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم، وذكره ابن كثير ٦/ ٤٠٤ مختصرا.\n(^٢) في م، ص: \"ابنة\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"فتبايعن\"، وفى ت ٢: \"فيتابعن\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في التفسير ٦/ ٤٠٤، والطوسي في التبيان ٨/ ٣٠٤.","vol":"19","page":86},{"text":"[الهلاليةُ، وجُوَيْرِيَّةُ بنتُ الحارثِ] (^١) مِن بنى المُصْطَلِقِ، وصفيةُ بنتُ حُيَيِّ بن أخْطَبَ؛ فبدَأ بعائشةَ، وكانت أَحَبَّهن إليه؛ فلما اختارَتِ الله ورسوله والدارَ الآخرة، رُئىَ الفرحُ (^٢) في وجه رسولِ اللهِ ﷺ، فتَتَابَعْنَ (^٣) على ذلك (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، [عن الحسن، وهو قولُ قتادةَ] (^٥)، قال: لما اخْتَرْنَ اللَّهَ ورسوله (^٦) ﷺ شكرهنَّ اللهُ على ذلك، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢]. فقَصَره اللهُ عليهنَّ، وهُنَّ التسعُ اللاتى اخْترنَ اللَّهَ ورسولَه (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-7381>ذكرُ مِن قال ذلك [مِن أجل الغَيرةِ]</span> (^٥)\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، [قال: قال ابن زيدٍ] (^٥) في قولِ اللهِ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] الآيةِ - قال: كان أزواجه قد تَغايَرْنَ على النبيِّ ﷺ، فَهَجَرَهُنَّ شهرًا، نَزَلَ التَّخْيِيرُ مِن اللهِ له فيهن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾. فقرَأ حتى بلغ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. فَخَيَّرَهن بينَ أَن يَخْتَرْنَ أَن يُخَلِّيَ سبيلَهنَّ ويُسَرِّحَهُنَّ، وبين أن يُقِمْنَ، إن أرَدْنَ اللَّهَ ورسولَه، على أنهن أُمَّهَاتُ المؤمنين، لا يُنْكَحْنَ أبدًا، وعلى أنه يُؤوِى إليه مِن يشاءُ منهنَّ، لَن وَهَب نفسَه له،\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) في ت ٢: \"الفرج\".\n(^٣) في ص: \"متابعهن\"، وفى ت ١، ت ٢: \"فبايعهن\".\n(^٤) ذكره الطوسى في التبيان ٨/ ٣٠٤ من قول قتادة وحده.\n(^٥) سقط من: ت ٢.\n(^٦) بعده في ت ٢: \"والدار الآخرة\".\n(^٧) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٣/ ١٠٥ عن المصنف، وذكره البغوي ٦/ ٣٤٦.","vol":"19","page":87},{"text":"حتى يكونَ هو يرفعُ رأسَه إليها، ويُرْجِى مِن يشاءُ، حتى يكونَ هو يرفعُ رأسَه إليها، ومَن ابتَغَى مِمَّن هي عندَه وعزَل، فلا جناحَ عليه، ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥١]. إذا عَلِمْنَ أنه مِن قَضائى عليهنَّ إيثارُ بعضهنَّ على بعضٍ - أدنى أن يَرْضَيْنَ؛ قال: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ [الأحزاب: ٥١]: مِن ابتغَى أصابَه، ومَن عَزَل لم يُصِبْه، فخيَّرَهن بينَ أن يَرْضَينَ بهذا، أو يُفارِقَهنَّ، فاخْتَرنَ اللهُ ورسولَه، إلا امرأةً واحدةً (^١) بدويةً ذهَبَتْ، وكان على ذلك، وقد شَرَط له هذا الشَّرْطَ، ما زال يعدِلُ بينَهنَّ حتى لَقِى الله (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدةَ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن عمرَ (^٣) بن أبى (١) سَلَمةَ، عن أبيه، قال: قالت عائشةُ: لمَّا نزَل الخِيارُ، قال لي رسولُ اللهِ ﷺ \"إِنِّي أَرِيدُ أن أَذْكُرَ لكِ أَمْرًا، فَلا تَقْضِى فيه شيئًا (١) حتى تَسْتأمرِى أَبَوَيْكِ (^٤) \". قالت: قلتُ: وما هو يا رسولَ اللَّهِ؟ [قال: فردَّه عليها، فقالت: ما هو يا رسولَ اللهِ] (^٥) قالت (^٦): فقرأ عليَّ (^٧): ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قالت: فقلتُ (^٨): بل نختارُ اللَّهَ ورسولَه؛ قالت (^٩): ففرِح بذلك النبيُّ ﷺ (^١٠).\n_________\n(^١) سقط: ت ٢.\n(^٢) ينظر التبيان ٨/ ٣٠٢، ٣٠٣.\n(^٣) في ت ١: \"عمرو\".\n(^٤) في ت ٢: \"أبوك\".\n(^٥) سقط من: ت ١.\n(^٦) في م، ص، ت ٢: \"قال\".\n(^٧) في م، ص: \"عليهن\"، وفى ت ٢: \"عليها\".\n(^٨) في م، ت ٢: \"قلت\".\n(^٩) في م: \"قلت\".\n(^١٠) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٠٢ عن المصنف، وأخرجه أحمد ٦/ ٧٧، ٧٨ من طريق أبي عوانة به.","vol":"19","page":88},{"text":"حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن محمدُ بنُ عمرِو، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ، قالت: لمَّا نزلت آيةُ التَّخيير، بدَأ النبيُّ ﷺ بعائشةَ، فقال: \"يا عائشةُ، إنى عارضٌ عليك أمرًا، فلا تَفْتاتِى فيه بشيءٍ حتى تَعْرِضيه على أبَوَيْك؛ أبي بكرٍ وأمِّ رُومانَ\". فقلتُ (^١): يا رسولَ اللَّهِ وما هو؟ قال: \"قال اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾. إلى: ﴿عَظِيمًا﴾ \". فقلتُ: إنى أريدُ اللَّهَ ورسولَه والدارَ الآخرةَ، ولا أؤامرُ في ذلك أبويَّ؛ أبا بكرٍ وأمَّ رُومانَ. فضحِك رسولُ اللهِ ﷺ، ثم استقرَأ الحُجَرَ، فقال: \"إن عائشةَ قالت كذا [وكذا] (^٢) \". فقُلْنَ: ونحنُ نقولُ مثل ما قالت عائشةُ (^٣).\nحدَّثنا سعيدٌ بن يحيى الأُمَوِيُّ، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاقَ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي بكرٍ (^٤)، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، أن النبيَّ ﷺ لما نزَل إلى نسائِه أُمِر أن يُخَيِّرَهن، فدخَل عليَّ، فقال: \"سأذكُرُ لكِ أَمْرًا وَلَا تَعْجَلِي حتى تَسْتَشِيرى أباكِ\". فقلتُ: وما هو يا نبيَّ اللَّهِ؟ قال: \"إِنِّي أُمِرْتُ أن أُخَيِّرَكُنَّ\". وتَلا عليها آيةَ التَّخْييرِ إلى آخرِ الآيتين. قالت: قلتُ: وما الذي تقولُ: لا تَعْجَلى حتى تَسْتَشِيرى أباكِ؟ فإنى أختارُ اللَّهَ ورسولَه. فسُرَّ بذلك (^٥)، وعرَض على نسائِه، فتَتابَعْنَ (^٦) كلُّهنَّ، فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورسولَه (^٧).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني موسى بنُ عليٍّ، ويونسُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"فقالت\"، وفي ت ٢: \"قالت\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٠٢ عن المصنف، وأخرجه أحمد ٦/ ٢١١ (الميمنية) من طريق محمد بشر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٤٠٢ من طريق محمد بن عمرو به.\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) في ت ١: \"على ذلك\"\n(^٦) في ت ١: \"فتبايعن\"، وفي ص: \"فتبايعن\".\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٠٢ عن المصنف.","vol":"19","page":89},{"text":"ابن يزيدَ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبَرنى أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن عائشةَ زَوجَ النبيِّ ﷺ قالت: لمَّا أُمر رسولُ اللهِ ﷺ بتَخْيير أزواجِه، [بدَأ بي] (^١)، فقال: \"إِنِّي ذَاكرٌ لك أمرًا، فلا عليكِ أنْ لا تَعْجَلى (^٢) حتى تَسْتَأْمِرى أَبَوَيْكِ\". قالت: قد عِلم أن أبويَّ لم يَكُونا ليأمُرَانى بفراقه. قالت: ثم تَلا هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. قالت: فقلتُ: ففى أيِّ هذا أستأمِرُ أبويَّ؟ فإنى أريدُ اللهُ ورسولَه والدارَ الآخرةَ. قالت عائشةُ: ثم فعل أزواجُ النبيِّ ﷺ مثلَ ما فعلتُ، فلم يَكُنْ ذلك حينَ قاله لهنَّ رسولُ اللهِ ﷺ فاخْتَرْنَه، طلاقًا، مِن أجل أنهنَّ اخْتَرْنَهُ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3563\"></span><span data-type='title' id=toc-7382>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لأزواجِ النبيِّ ﷺ: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. يقولُ: مَن يَزْنِ منكنَّ الزِّنا المعروفَ [أنه الزِّنا] (^٤) الذي أوجَب اللهُ [عليه الحدَّ] (^٥)، يُضاعَفْ لها العذابُ على فُجُورِها في الآخرةِ ضعَفين على فُجُورٍ أزواج الناسِ غيرهم.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني\n_________\n(^١) في م: \"بدأنى\" وهو لفظ الترمذي.\n(^٢) في ت ٢: \"تستعجلى\"، وهو لفظ الترمذى.\n(^٣) أخرجه النسائي (٣٤٣٩)، وأبو عوانة (٤٥٥٧) عن يونس بن عبد الأعلى به، وأخرجه مسلم (١٤٧٥) من طريق ابن وهب به، وأخرجه أحمد ٦/ ٢٤٨ (الميمنية)، والترمذى (٣٢٠٤)، والنسائي (٥٣١٢ - كبرى)، وأبو عوانة (٤٥٥٨)، والبيهقى ٧/ ٣٦ من طريق يونس بن يزيد الأيلى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) سقط من ص، ت ٢.","vol":"19","page":90},{"text":"أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يُضَاعَفْ (^١) لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾. قال: يعنى عذابَ الآخرةِ.\nواختَلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك، فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾ بالألفِ غيرَ أبي عمرٍو؛ فإنه قرَأ ذلك: (يُضَعَّفُ) بِتَشْدِيدِ العين (^٢). تأوُّلًا منه في قراءتِه ذلك أن \"يُضَعَّفَ\" بمعنى تضعيفِ الشيءِ مرةً واحدةً، وذلك أن يُجعلَ الشيءُ شيئَين، فكأن معنى الكلامِ عندَه: أن يجعلَ عذابَ مَن يأتى مِن نِساءِ (^٣) النبيِّ ﷺ بفاحشةٍ مُبَيِّنةٍ في الدنيا والآخرةِ مِثْلَىْ عذابِ سائرِ النساءِ غيرِهنَّ، ويقولُ: إِنَّ ﴿يُضَاعَفْ﴾ بمعنى أن يُجْعَلَ إلى الشيءِ مِثْلَاه، حتى يكونَ ثلاثةَ أمثالِه. فكأن معنى مَن قرَأَ: ﴿يُضَاعَفْ﴾ عندَه كان: أن يجعلَ (^٤) عذابَها ثلاثةَ أمثالِ عذابِ غيرِها مِن النساء مِن غيرِ أزواجِ النبيِّ ﷺ؛ فلذلك اختارَ (يُضَعَّفُ) على ﴿يُضَاعَفْ﴾. وأنكر الآخرون الذين قرءُوا ذلك ﴿يُضَاعَفْ﴾ كل ما كان يقولُ في ذلك، ويقولون: لا نعلم بين (يُضَعَّف) و﴿يُضَاعَفْ﴾ فَرْقًا.\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ (^٥)، وذلك: ﴿يُضَاعَفْ﴾. وأما التأويلُ الذي ذهب إليه أبو عمرٍو، فتأويلٌ لا نعلمُ أحدًا مِن أهلِ العلمِ ادَّعاه غيرَه، وغيرَ أبى عُبيدةَ معمرِ بن المُثَنَّى، ولا يجوز خلافُ ما جاءت به الحجةُ مجمعةً عليه بتأويلٍ لا برهانَ له مِن الوجهِ الذي يجبُ التسليمُ له.\nوقولُه: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكانت مضاعفةُ العذابِ على مَن فعَل ذلك منهنّ على اللهِ يسيرًا. واللهُ أعلمُ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"يضعف\".\n(^٢) السبعة لابن مجاهد ص ٥٢١.\n(^٣) في ت ٢: \"أزواج\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"19","page":91},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7384>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يُطع اللهُ ورسوله مِنكُنَّ، وتعمل بما أمر اللهُ به: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾. يقولُ: يُعْطِها اللهُ ثوابَ عملِها مِثْلَى ثوابِ عمل غيرِهنَّ مِن سائرِ نساءِ الناسِ، ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾. يقولُ: وأعتَدْنا لها في الآخرةِ عَيْشًا هَنِيئًا في الجنةِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span id=\"aya-3564\"></span><span data-type='title' id=toc-7383>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، الآيةَ، يعني: [تُطِعِ اللَّهَ ورسولَه، ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾: تصومُ وتُصَلِّي] (^١) (^٢).\nحدَّثني سَلْمُ بنُ جُنادةً، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ابن عونٍ، قال: سألتُ عامرًا عن القُنُوتِ. قال: وما هو؟ قال: قلتُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. قال: مُطيعين. [قال: قلتُ: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. [قال: يُطِعْنَ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال] (^٤): ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾] (^٥). أي: مَن يُطِعْ مِنكُنَّ اللَّهَ ورسوله ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"آخر الآية\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٦ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه بنحوه.\n(^٣) أخرجه الطحاوى في معاني الآثار ١/ ١٧١ من طريق ابن عون.\n(^٤) سقط مِن: ت ٢.\n(^٥) سقط من: ت ١.","vol":"19","page":92},{"text":"وهي الجنةُ (^١).\nواختلفَتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾؛ فقَرأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والبصرة، ﴿وَتَعْمَلْ﴾ بالتاءِ ردًّا على تأويلِ مَن إذ جاء بعدَ قولِه: ﴿مِنْكُنَّ﴾ (^٢). وحكَى بعضُهم عن العربِ أنها تقولُ: كم بيعَ لك جاريةً. وأنهم إن قدَّموا الجاريةَ قالوا: كم جاريةً بِيعتْ لك؟ فأنَّثُوا الفعل بعد الجارية، والفعلُ في الوجهين لكُمْ لا للجاريةِ.\nوذكر الفراءُ أن بعضَ العرب أنشَده (^٣):\nأَيَا أمَّ عمرٍو مَن يَكُنْ عُقْرُ دَارِه … جوَاءَ عَدِيٍّ يَأكُلِ الحَشَراتِ\nويَسْوَدُّ مِن لَفْح السَّمومِ جَبِينُه … ويَعْر وإن كانوا ذوى بَكَراتِ\nفقال: وإن كانوا. ولم يَقُلْ: وإن كان. وهو لـ \"مَن\"، فَرَّدَه على المعنى.\nوأما أهلُ الكوفة؛ فقرأت ذلك عامةُ قَرأتِها: (ويعمل) بالياءِ عطفًا على ﴿يَقْنُتْ﴾؛ إذ كان الجميعُ على قراءتِه بالياء (^٤).\nوالصوابُ مِن القولُ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان في كلامِ العربِ، فبأيَّتِهما قَرأ القارئُ فمصيبٌ، وذلك أن العربَ تَرُدُّ خبرَ \"مَن\" أحيانًا على لفظِها، فتوحِّدُ وتُذَكَّرُ، وأحيانًا على مَعْناها، كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١١/ ٣٢.\n(^٢) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٢١.\n(^٣) البيتان في معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٤١، والأول فقط في الحيوان ٦/ ٣٩٨ برواية: \"جرار\" بدلا من: \"جواء\".\n(^٤) هي قراءة حمزة والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٢١.","vol":"19","page":93},{"text":"إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢، ٤٣] فجمَع مرةً للمعنى، ووحَّد أخرى للَّفْظِ.\n\n<span id=\"aya-3565\"></span><span data-type='title' id=toc-7386>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه الأزواجِ رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾: مِن نساءِ هذه الأمةِ - ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ اللَّهَ فَأَطَعْتُنَّه فيما أَمَرَكنَّ ونَهَاكُنَّ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾. يعنى: مِن نساءِ هذه الأمةِ (^١).\nوقولُه: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾. يقولُ: فلا تَلِنَّ بالقولِ للرجالِ فيما يَبْتَغِيه أهلُ الفاحشةِ مِنْكُنَّ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7385>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾. يقولُ: لا تَرَخَّصْنَ بالقولِ، ولا تَخْضَعْنَ بالكلامِ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٦ عن معمر عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٦ إلى المصنف وابن مردويه.","vol":"19","page":94},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾. قال: خَضْعُ القولِ: ما يُكْرَهُ مِن قولِ النساءِ للرجالِ، مما يدخُلُ في قلوبِ الرجالِ.\nوقولُه: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ﴾. يقولُ: فيطمعَ الذي في قلبهِ ضعفٌ، فهو لضعفِ إيمانهِ في قلبهِ، إما شاكٌّ في الإسلامِ منافقٌ، فهو لذلك مِن أمرِه يستخفُّ بحدودِ اللهِ، وإما مُتهاونٌ بإتيانِ الفواحشِ.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: إنما وصَفه بأن في قلبِه مرضًا؛ لأنه منافقٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7387>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾. قال: نِفاقٌ (^١).\nوقال آخرون: بل وصَفه بذلك؛ لأنهم يَشْتَهون إتيانَ الفواحشِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7388>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾. قال: قال عكرمةُ: شهوةُ الزنا (^٢).\nوقولُه: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. يقولُ: وقُلْنَ قولًا قد أذِن اللهُ لكم به وأباحَه.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٦ عن معمر عن قتادة.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٦ من طريق ابن شروس عن عكرمة، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/ ١٩٨ من طريق التمار عن عكرمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":95},{"text":"كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال: قولًا جميلًا حسنًا معروفًا في الخيرِ (^١).\n\n<span id=\"aya-3566\"></span>واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ الكوفيِّين: ﴿وَقَرْنَ﴾ بفتحِ القافِ، بمعنى: واقْرَرْنَ في بُيُوتِكنَّ (^٢)، وكأن مَن قَرأ ذلك كذلك حذَف الراءَ الأولى مِن \"اقْرَرْنَ\"، وهى مفتوحةٌ، ثم نقَل فتَحتَها إلى القافِ، كما قيل: (فَظِلْتُمْ تَفَكَّهونَ) وهو يريدُ فَظَلِلْتم (^٣)، فأُسقطت اللامُ الأولى وهى مكسورةٌ، ثم نُقلت كسرتُها إلى الظاءِ.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ: (وَقِرْنَ) بكسرِ القافِ، بمعنى: كُنَّ أهل وقارٍ وسَكينة ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (^٤).\nوهذه القراءةُ، وهى الكسرُ في القافِ، أَولى عندَنا بالصوابِ (^٥)؛ لأن ذلك إن كان مِن الوقارِ على ما اخْترنا فلا شكَّ أن القراءةَ بكسرِ القافِ؛ لأنه يقالُ: وَقَرَ فلانٌ في منزلِه، فهو يَقِرُ وُقُورًا. فتُكسرُ القافُ في \"تَفْعِلُ\"، فإذا أُمر منه قيل: قِرْ. كما يقالُ مِن وَزَن يَزِنُ: زِنْ (^٦)، وَمِن وَعَد يَعِدُ: عِدْ.\nوإن كان مِن القَرارِ فإن الوجهَ أن يقالَ: اقْرِرْنَ؛ لأن مَن قال مِن العربِ: ظَلْتُ أفعلُ كذا، وأَحَسْتُ بكذا. فأسقَط عيَن الفعلِ، وحوَّل حركتَها إلى فائِه في فَعَلَ وفَعَلْنا وفَعَلْتم، لم يفعلْ ذلك في الأمرِ والنهيِ، فلا يقولُ: ظَلَّ قائمًا، ولا: لا تَظَلَّ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٠٤.\n(^٢) هي قراءة نافع وعاصم، السبعة لابن مجاهد ص ٥٢١.\n(^٣) البحر المحيط ٨/ ٢١١، ٢١٢.\n(^٤) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي، السبعة لابن مجاهد ص ٥٢٢.\n(^٥) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.","vol":"19","page":96},{"text":"قائمًا. فليس الذي اعتلَّ به مِن اعتلَّ لصحةِ القراءةِ بفتحِ القافِ في ذلك، بقولِ العربِ في ظَلِلْتُ وأَحْسَسْتُ: ظَلْتُ وأحَسْتُ، بعلةٍ توجبُ صحتَه؛ لِما وصفتُ مِن العلةِ.\nوقد حكَى بعضُهم عن بعضِ الأعرابِ سماعًا منه: يَنْحِطْنَ مِن الجبلِ. وهو يريدُ: يَنْحَطِطْنَ، فإن يَكُن ذلك صحيحًا، فهو أقربُ إلى أن يكونَ حُجَّةً لأهلِ هذه القراءةِ مِن الحُجَّةِ الأخرى.\nوقولُه: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. قيل: إن التَّبَرُّجَ في هذا الموضعِ: التبخترُ والتكسرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7389>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. أي: إذا خَرَجْتُنَّ مِن بُيُوتِكنَّ، قال: كانت لهن مِشْيَةٌ وتَكَسُرٌ وتَغَنُّجٌ، يعنى بذلك الجاهليةَ الأولى، فنَهاهنَّ اللَّهُ عن ذلك (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: سمعتُ ابنَ أبي نَجيحٍ، يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. قال: التبخترُ (^٢).\nوقيل: إن التَّبَرُّجَ هو إظهارُ الزينةِ، وإبرازُ المرأةِ محاسنَها للرجالِ.\nوأما قولُه: ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختَلفوا في الجاهليةِ الأُولى؛ فقال بعضُهم: ذلك ما بينَ عيسى ومحمدٍ ﵉.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الفتح ٨/ ٥٢٠ من طريق شيبان عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/ ١٩٨ من طريق إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٧ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"19","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7390>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن زكريا، عن عامرٍ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. قال: الجاهليةُ الأُولى: ما بينَ عيسى ومحمدٍ ﵉ (^١).\nوقال آخرون: ذلك ما بينَ آدمَ ونوحٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7391>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ (^٢)، عن أبيه، عن الحكمِ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ له. قال: وكان بينَ آدمَ ونوحٍ ثمانُمائةِ سنةٍ، فكان نساؤُهم مِن أقبح ما يكونُ مِن النساءِ، ورجالُهم حسانٌ، فكانت المرأةُ تريدُ الرجلَ على نفسِه، فأُنزلت هذه الآيةُ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (^٣).\nوقال آخرون: بل كان ذلك بينَ نوحٍ وإدريسَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7392>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني ابن زُهير، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا داودُ، يعنى ابنَ أبي الفُراتِ، قال: ثنا عِلْباءُ بن أحمر، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قال: تَلا هذه الآية: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. قال: كانت فيما بينَ نوحٍ وإدريسَ، وكانت ألفَ سنةٍ، وإن بطنَين مِن ولدِ آدمَ، كان أحدُهما يسكنُ السهلَ، والآخرُ يسكنُ الجبلَ، وكان رجالُ الجبلِ صباحًا، وفى النساءِ دُمامةٌ، وكان نساءُ السهلِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٧ إلى المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم كما في الفتح ٨/ ٥٢٠.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"علية\"، والصواب المثبت: ينظر تهذيب الكمال ١١/ ٢٠١.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٧ إلى المصنف.","vol":"19","page":98},{"text":"صباحًا، وفى الرجالِ دَمامةٌ؛ وإن إبليسَ أتَى رجلًا مِن أهلِ السهلِ في صورةِ غلامٍ، فأجَّر نفسَه منه، وكان يخدُمُه، واتَّخَذ إبليسُ شيئًا مثلَ ذلك الذي يَزْمِرُ فيه الرَّعاءُ، فجاء فيه بصوتٍ لم يُسْمَعْ مثلُه، فبلَغ ذلك مَن حولَهم، [فانْتابوهم يسمَعون] (^١) إليه، واتَّخَذوا عيدًا يجتمِعون إليه في السنةِ، فتتبرَّج الرجالُ للنساءِ، قال: [ويتزينُ النساءُ للرجالِ] (^٢)، وإن رجلًا مِن أهلِ الجبلِ هجَم عليهم وهم في عيدِهم ذلك، فرأَى النساءَ، فأتَى أصحابَه، فأخبَرهم بذلك، فتحوَّلوا إليهنَّ، فنزَلوا معهن، فظهَرت الفاحشةُ فيهنَّ، فهو قولُ اللَّهِ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (^٣).\nوأَولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه، نهَى نساءَ النبي ﷺ أن يَتبرَّجْنَ تبرُّجَ الجاهليةِ الأولى.\nوجائزٌ أن يكونَ ذلك ما بينَ آدمَ وعيسى، فيكونَ معنى ذلك: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾: التي قبلَ الإسلامِ.\nفإن قال قائلٌ: أوَ في الإسلامِ جاهليةٌ حتى يقالَ عنَى بقوله: ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. التي قبلَ الإسلامِ؟ قِيل: فيه أخلاقٌ مِن أخلاقِ الجاهليةِ.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. قال: يقولُ: التي كانت قبلَ الإسلامِ، قال: وفى الإسلامِ جاهليةٌ؟ قال: قال النبيُّ ﷺ لأبي الدرداءِ، وقال لرجلٍ وهو يُنازِعُه: يا ابنَ فلانةٍ، لأمٍّ كان يُعَيَّرُ بها في الجاهليةِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"يا أبا\n_________\n(^١) في ت ١: \"فأتوهم يستمعون\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"وتنزل الرجال لهن\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٠٦ عن المصنف، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٤٨ - وعنه البيهقي في الشعب (٥٤٥١) - من طريق موسى بن إسماعيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، وقوى ابن حجر إسناده في الفتح ٨/ ٥٢٠.","vol":"19","page":99},{"text":"الدرداءِ إن فيك جاهليةً\". قال: أجاهليةُ كفرٍ أو إسلامٍ؟ قال: \"بل جاهليةُ كفرٍ\". قال: فتمنَّيتُ أن لو كنتُ ابتدأتُ إسلامى يومَئذٍ. قال: وقال النبيُّ ﷺ: \"ثلاثٌ مِن عملِ أهلِ الجاهليَّةِ، لا يَدعُهنَّ النَّاسُ: الطعنُ بالأنسابِ، والاستمطارُ بالكواكبِ، والنِّياحةُ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، قال: أخبَرني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن ثورٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عباسٍ، أن عمرَ بنَ الخطَّابِ قال له: أرأيتَ قولَ اللهِ لأزواجِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾: هل كانت إلَّا واحدةً؟ فقال ابن عباسٍ: وهل كانت مِن أُولى إلَّا ولها آخرةً؟ فقال عمرُ: لله درُّك يا بنَ عباسٍ، كيف قلتَ؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، هل كانت مِن أُولى إلا ولها آخرةً؟ قال: فأتِ بتصديقِ ما تقولُ مِن كتابِ اللهِ. قال: نعم: (وَجاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ كَما جاهَدْتُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ). قال عمر: فمَن أُمر بالجهادِ؟ قال: قبيلتان مِن قريشٍ؛ مخزومٌ وعبدُ شمسٍ. فقال عمرُ: صدقتَ (^٢).\nوجائزٌ أن يكونَ ذلك ما بينَ آدمَ ونوحٍ، وجائزٌ أن يكون ما بينَ إدريسَ ونوحٍ، فتكونَ الجاهليةُ الآخرةُ ما بينَ عيسى ومحمدٍ، وإذا كان ذلك مما يَحتمِلُه ظاهرُ التنزيلِ، فالصوابُ أن يقالَ في ذلك كما قال اللهُ: إنه نهى عن تبرُّجِ الجاهليةِ الأولى.\nوقولُه: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾. يقولُ: وأقِمْن الصلاة\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٣٨٥٠) مِن حديث ابن عباس، ومسلم (٩٣٤) من حديث أبي مالك الأشعرى، وأحمد (٧٥٦٠، ٩٥٧٤) وابن حبان (٣١٤١) مِن حديث أبي هريرة.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٧ إلى المصنف وابن المنذر وابن مردويه، وأخرجه أبو عبيد في الفضائل ص ١٧٨، ١٧٩، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الفتح ٨/ ٥٢٠ - من طريق عكرمة عن ابن عباس به، وينظر في قراءة عمر الدر المنثور ٤/ ٣٧١.","vol":"19","page":100},{"text":"المفروضةَ، وآتِينَ الزكاةَ الواجبةَ عليكنَّ في أموالكنَّ، وَأَطِعنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما أمراكنَّ ونهياكنَّ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾. يقولُ: إنما يريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عنكم السُّوءَ والفحشاءَ يا أهلَ بيتِ محمدٍ ويُطهِّركم مِن الدنسِ الذي يكونُ في أهلِ معاصى الله تطهيرًا.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7393>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. فهم أهلُ بيتٍ طهَّرهم اللهُ مِن السوءِ، وخصَّهم برحمةٍ منه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. قال: الرجسُ ههنا الشيطانُ، وسوى ذلك مِن الرجسِ الشرُّ (^٢) (^٣).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنوا بقوله: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنى به رسولُ اللهِ ﷺ، وعليٌّ، وفاطمةُ، والحسنُ، والحسينُ، رضوانُ اللهِ عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-7394>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا بكرُ بنَ يحيى بن زبَّانَ العَنَزِيُّ، قال: ثنا مَندلٌ، عن الأعمشِ، عن عطية، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"الشرك\".\n(^٣) تقدم في ٨/ ٦٥٦.","vol":"19","page":101},{"text":"رسولُ اللهِ ﷺ: \"نزلَت هذه الآيةُ في خمسةٍ: فيّ، وفى عليٍّ ﵁ وحسنٍ ﵁، وحسينِ ﵁، وفاطمةَ ﵂؛ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ \" (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن زكريَّا، عن مصعبِ بن شيبةَ عن صفيةَ بنتِ شيبةَ قالت: قالت عائشةُ: خرج النبيُّ ﷺ ذات غداةٍ، وعليه مرطٌ مرجَّلٌ (^٢) مِن شَعَرٍ أَسودَ، فجاء الحسنُ، فأدخَله معه، ثم [جاء عليٌّ فأدخَله معه ثم] (^٣) قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن حمَّادِ بن سلمةَ، عن عليٍّ بن زيدٍ، عن أنسٍ، أن النبيَّ ﷺ كان يمرُّ ببيتِ فاطمةَ ستةَ أشهرٍ كلما خرَج إلى الصلاةِ، فيقولُ: \"الصلاةَ أهلَ البيتِ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤١٠ عن المصنف، وأخرجه الطبراني (٢٦٧٣) من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص: \"مرحل\"، ويروى الحديث بالحاء والجيم؛ فبالجيم أن فيها صورًا كصور الرجال، وبالحاء معناه أن عليها صور الرحال وهى الإبل بأكوارها، ينظر اللسان مادة (ر ج ل. ر ح ل).\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤١٠ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٧٢، ومسلم (٢٤٢٤) من طريق محمد بن بشر به، وأحمد ٦/ ١٦٢ (الميمنية)، وأبو داود (٤٠٣٢)، والترمذى (٢٨١٣)، والحاكم ٣/ ١٤٧ من طريق زكريا به مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه الطيالسي (٢١٧١) وابن أبي شيبة ١٢/ ١٢٧، وأحمد ٢١/ ٢٧٣، ٤٣٤ (١٣٧٢٨، ١٤٠٤٠)، والترمذى (٣٢٠٦)، وغيرهم - من طرق عن حماد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٩ إلى ابن مردويه.","vol":"19","page":102},{"text":"حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْرُوقيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ إبراهيمَ بنُ سويدٍ النَّخَعِيُّ، عن هلالٍ، يَعنى ابنَ مِقْلاصٍ، عن زُبيدٍ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن أمِّ سلمةَ قالت: كان النبيُّ ﷺ عندى، وعليٌّ وفاطمةُ والحسنُ والحسينُ، فجعلتُ لهم خَزِيرةً، فأكَلوا وناموا، وغطَّى عليهم عباءةً أو قطيفةً، ثم قال: \"اللهمَّ هؤلاء أهلُ بيتى، أذهِبْ عنهم الرجسَ وطهِّرهم تطهيرًا\" (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبي إسحاقَ، قال: أخبَرني أبو داودَ، عن أبي الحمراءِ، قال: رابطتُ المدينةَ سبعةَ أشهرٍ على عهدِ النبيِّ ﷺ، قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ إذا طلَع الفجرُ، جاء إلى باب عليٍّ وفاطمةَ، فقال: \"الصَّلاةَ الصَّلاةَ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (^٢).\nحدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبي إسحاقَ، بإسنادِه عن النبيِّ ﷺ مثلَه (^٣).\nحدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا الفضلُ بنُ دُكَينٍ، قال: ثنا عبد السَّلامِ بنُ حربٍ، عن كلثومٍ المحاربيِّ، عن أبي عمَّارٍ، قال: إني لجالسٌ عندَ وائلةَ بن الأسقعِ، إذ ذكَروا عليًّا ﵁، فشتَموه، فلما قاموا، قال: اجلسْ حتى أُخبرَك عن هذا الذي شتَموه، إنى عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، إذ جاءه عليٌّ وفاطمةُ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٣٠٤ (الميمنية)، والترمذى (٣٨٧١)، والطبرانى في الأوسط (٣٧٩٩)، والكبير ٢٣/ ٣٣٣، وابن عساكر ١٣/ ٢٠٤، ١٤/ ١٣٩، ١٤٠، ١٤٣ من طريق زبيد به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٠٧ عن المصنف، وأخرجه ابن عدى ٧/ ٢٥٢٤ من طريق يونس به، وأخرجه البخارى في التاريخ الكبير ٩/ ٢٥، ٢٦، والعقيلي ٣/ ١٣١، والطبراني (٢٦٧٢) من طريق أبي داود به.\n(^٣) أخرجه ابن عساكر ٤/ ٢٨٩، ٢٩٠ من طريق الفضل بن دكين وعبد الله بن موسى عن يونس به.","vol":"19","page":103},{"text":"وحسنٌ وحسينٌ، فألقى عليهم كساءً له، ثم قال: اللهم هؤلاء أهلُ بيتي، اللهم أذهِبْ [عنهم الرجسَ] (^١) وطهِّرْهم تطهيرًا؛ قلتُ: يا رسولَ اللهِ وأنا؟ قال: وأنت؛ قال: فواللهِ إنها لأوثقُ عمَلٍ عندى\" (^٢).\nحدَّثني عبدُ الكَريمِ بنُ أبي عُميرٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرٍو، قال: ثني شدَّادٌ، أبو عمارٍ، قال: سمِعتُ وائلةَ بنَ الأسقعِ يُحدِّثُ، قال: سألتُ عن عليِّ بن أبي طالبٍ في منزلِه، فقالت فاطمةُ: قد ذهَب يأتى برسولِ اللَّهِ ﷺ، إِذ جاء، فدخل رسولُ اللهِ ﷺ ودخلتُ، فجلَس رسولُ اللهِ ﷺ على الفراش، وأجلَس فاطمةَ عن يمينِه، وعليًّا عن يسارِه، وحسنًا وحسينا بينَ يديه، فلفَع عليهم بثوبِه، وقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. اللهم هؤلاء أهلى، اللهم أهلى أحقُّ\". قال وائلةُ: فقلتُ مِن ناحيةِ البيتِ: وأنا يا رسولَ اللَّهِ مِن أهلِك؟ قال: \"وأنت من أهلى\". قال وائلةُ: إنها لمِن أَرجى ما أَرتَجِى (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عبدِ الحميدِ بن بَهْرام، عن شهر بن حوشبٍ، عن فُضيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن أمِّ سلمةَ، قالت: لما نزلت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ دعا رسولُ اللهِ ﷺ عليًّا وفاطمةَ وحسنًا وحسينًا، فجلَّل عليهم كساءً خيبريًّا. فقال: \"اللهم هؤلاء أهلُ بيتى، اللهم أَذْهِبْ عنهم الرجسَ\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) أخرجه الطبراني (٢٦٦٩) من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين به.\n(^٣) أخرجه ابن حبان (٦٩٧٦)، والحاكم ٢/ ٤١٦ من طريق الوليد به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٧٣، وأحمد ٢٨/ ١٩٥ (١٦٩٨٨)، والطحاوى في المشكل (٧٧٣)، والطبراني (٢٦٧٠)، ٢٢/ ٦٦ (١٦٠)، وابن عساكر ١٤/ ١٤٧ من طريق الأوزاعى به.","vol":"19","page":104},{"text":"وطهِّرْهم تطهيرًا\". قالت أمُّ سلمةَ: ألستُ منهم؟ قال: \"أنتِ إلى خيرٍ\" (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ المقدامِ، قال: ثنا سعيدُ بنُ زَرْبيٌّ، عن محمدَ بنَ سيرينَ، عن أبي هريرةَ، عن أمِّ سلمةَ، قالت: جاءت فاطمةُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ببُرمةٍ لها قد صنَعت فيها عصيدةً تحملُها (^٢) على طبقٍ، فوضَعته بينَ يْديه. فقال: أينَ ابن عمِّك وابناك؟ فقالت: في البيتِ. فقال: \"ادعيهم\" فجاءت إلى عليٍّ، فقالت: أجِبِ النبيَّ ﷺ أنت وابناك. قالت أمُّ سلمةَ: فلما رآهم مقبلين مَدَّ يده إلى كساءِ كان على المنامِة، فمدّه وبسَطه، وأجلَسهم عليه، ثم أخَذ بأطرافِ الكساءِ الأربعةِ بشمالِه، فضمَّه فوقَ رءوسهم، وأومَأ بيده اليمنى إلى ربِّه. فقال: \"هؤلاء أهلُ البيتِ، فَأَذْهِبْ عنهم الرجسَ وطهِّرْهم تطهيرًا\" (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا حسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا فُضَيْلُ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، عن أمِّ سلمةَ زوجِ النبيِّ ﷺ: أن هذه الآيةَ نزَلت في بيتِها: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، قالت: وأنا جالسةٌ على باب البيتِ، فقلتُ: أنا يا رسولَ اللهِ، ألستُ مِن أهلِ البيتِ؟ قال: \"إنك إلى خيرٍ، أنتِ مِن أزواجِ النبيِّ ﷺ\". قالت: وفي البيتِ رسولُ اللهِ ﷺ، وعليٌّ، وفاطمةُ، والحسنُ، والحسينُ، ﵃ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مُخلدٍ، قال: ثنا موسى بنُ يعقوبَ، قال: ثنى هاشمُ بنُ هاشمِ بن عتبةَ بن أبي وقاصٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن وهبِ بن زمعةَ، قال: أخبَرتنى أمِّ سلمةَ أن رسولُ اللهِ ﷺ جمع عليًّا والحسَنَين، ثم أدخَلهم تحتَ ثوبِه، ثم\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٠٩ عن المصنف بدون ذكر فضيل وعطية وأبى سعيد، وأخرجه الطحاوى في المشكل (٧٦٨)، والطبراني (٢٦٦٢)، ٢٣/ ٢٤٩ (٥٠٣)، وابن عساكر ١٣/ ٢٠٦ من طريق فضيل بن مرزوق به، وأخرجه ابن عساكر ١٤/ ١٤٦ من طريق عطية به.\n(^٢) في م: \"تحلها\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٠٩ عن المصنف.","vol":"19","page":105},{"text":"جأَر إلى اللهِ، ثم قال: \"هؤلاء أهلُ بيتى\". قالت أمُّ سلمةَ، فقلت: يا رسولَ اللهِ أدخِلْني معهم قال: \"إِنَّكِ مِنْ أَهْلِى\" (^١).\nحدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطوسيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ سليمانَ الأصبهانيُّ، عن يحيى بن عُبيدٍ المكيِّ، عن عطاءٍ، عن عمرَ بن أبي سلمةَ، قال: نزلَت هذه الآيةُ على النبيِّ ﷺ وهو في بيت أمّ سلمةَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. فدعا حَسنًا وحسينًا وفاطمةَ، وأجلَسَهم بينَ يديه، ودعا عليًّا فأجلَسه خلفه، فتجلَّل هو وهم بالكساءِ، ثم قال: \"هَؤُلاءِ أَهْلُ [بَيْتي، فَأَذْهِبْ عنهم الرِّجْسَ وطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا\". قالت أمُّ سلمةَ: أنا معهم] (^٢)؟ قال (^٣): \"مكانَك، وأَنْتِ على خَيْرٍ\" (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبانٍ، قال: ثنا الصَّباحُ بنُ يحيى المرّيُّ، عن السديِّ، عن أبي الديلمِ، قال: قال عليُّ بنُ الحسينِ لرجلٍ مِن أهلِ الشأمِ: أما قرَأتَ في الأحزابِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾؟ قال: ولأنتم هم؟ قال: نعم (^٥).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا بُكيرُ بنُ مِسْمارٍ، قال: سمعتِ عامرَ بنَ سعدٍ، قال: قال سعدٌ: قال رسولُ الله ﷺ حينَ نزَل عليه الوحيُ، فأَخَذَ عليًّا وابنيه وفاطمةَ، وأدخَلهم تحتَ ثوبِه، ثم قال: \"رَبِّ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٠٩ عن المصنف، وأخرجه الطبراني (٢٦٦٣)، ٢٣/ ٣٠٨ (٦٩٦) من طريق موسى بن يعقوب به.\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) سقط من النسخ، والمثبت مِن مصادر التخريج.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٠٩ عن المصنف، وأخرجه الترمذى (٣٢٠٥، ٣٧٨٧)، وابن عساكر في تاريخه ١٤/ ١٤٥ من طريق محمد بن سليمان به.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤١٢ عن السدى به.","vol":"19","page":106},{"text":"هَؤُلاءِ أَهْلِى، وأَهْلُ بَيْتى\" (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ القدوسِ، عن الأعمشِ، عن حكيمِ بن سعدٍ، قال: ذكَرْنا عليَّ بن أبى طالبٍ ﵁ عند أمِّ سلمةَ. قالت: فيه (^٢) نزلت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. قالت أمُّ سلمةَ: جاء النبيُّ ﷺ إلى بيتي، فقال: \"لا تَأْذَني لأحَدٍ\". فجاءت فاطمةُ، فلم أستطِعْ أن أحجبَها عن أبيها، ثم جاء الحسنُ، فلم أستطِعْ أن أمنعَه أن يدخلَ على جدِّه وأمِّه، وجاء الحسينُ، فلم أستِطعْ أن أحجُبَه، فاجتمَعوا حولَ النبيِّ ﷺ على بِساطٍ، فجلَّلهم نبيُّ اللهِ بكساءِ كان عليه، ثم قال: \"هؤلاء أهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عنهم الرِّجْسَ وَطَهَّرْهُمْ تَطْهِيرًا\"، فنزَلت هذه الآيةُ حينَ اجتمَعوا على البِساطِ؛ قالت: فقلت: يا رسولَ اللَّهِ: وأنا؟ قالت: فواللهِ ما أَنعمَ (^٣)، وقال: \"إنَّكِ إلى خَيْرٍ\" (^٤).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك أزواجُ رسولِ اللهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7395>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الأصْبغُ بنُ (^٥) علقمةَ،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤١١ عن المصنف، وأخرجه النسائي في الخصائص (٥٤)، والبزار (١١٢٠)، والحاكم ٣/ ١٠٨، ١٠٩ من طريق أبي بكرٍ الحنفى به، وأخرجه أحمد ٣/ ١٦٠ (١٦٠٨)، ومسلم (٢٤٠٤) / ٣٢، والترمذى (٢٩٩٩، ٣٧٢٤)، والنسائى في الخصائص (١١)، والحاكم ٣/ ١٤٧، ١٥٠، والبيهقى ٧/ ٦٣ من طريق بكير بن مسمار به مطولًا عند أكثرهم، وأخرجه الطبراني (٣٢٨) من طريق عامر بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٩ إلى ابن مردويه.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"في\".\n(^٣) أنعم: أي أجاب بـ \"نعم\". اللسان (ن ع م).\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤١٠ عن المصنف، وأخرج أوله الطحاوى في المشكل (٧٦٢)، والطبراني ٢٣/ ٣٢٧ (٧٥٠)، وابن عساكر في تاريخه ١٤/ ١٤٣ من طريق الأعمش عن جعفر بن عبد الرحمن عن حكيم مختصرًا.\n(^٥) في م: \"عن\"، وينظر الجرح والتعديل ٢/ ٣٢٠.","vol":"19","page":107},{"text":"قال: كان عكرمةُ يُنادِى في السوقِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. قال: نزلت في نساءِ النبيِّ ﷺ خاصَّةً (^١).\n\n<span id=\"aya-3567\"></span><span data-type='title' id=toc-7397>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكِرُه لأزواجِ نبيِّه محمدٍ ﷺ: واذكُرْنَ نِعمة اللهِ عليكنَّ؛ بأن جعلكنَّ في بيوتٍ تُتلى فيها آياتُ اللهِ والحكمةُ، فاشكُرْنَ اللَّهَ على ذلك، واحمِدنَه عليه، وعُنى بقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: واذكرْنَ ما يُقرَأُ في بيوتكنَّ مِن آياتِ كتابِ اللهِ والحكمةِ، ويعنى بالحكمةِ: ما أُوحى إلى رسولُ اللهِ ﷺ مِن أحكامِ دينِ اللهِ، ولم يَنزلْ به قرآنٌ، وذلك: السنةُ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7396>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾: أي السنةِ، قال: يمْتنُّ عليهم بذلك (^٢).\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله كان ذا لُطفٍ بكنَّ، إذ جعَلكنَّ في البيوتِ التي تُتلى فيها آياتُه والحكمةُ، خبيرًا بكُنَّ إذ\n_________\n(^١) أخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ٢٦٧ من طريق المصنف، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦٩/ ١٥٠ نحوه من طريق يزيد النحوى عن عكرمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٨ إلى ابن مردويه.\n(^٢) أخرجه المروزى في السنة (٣٩٩) من طريق سعيد به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٦، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في التغليق ٤/ ٢٨٣ - وابن سعد ٨/ ١٩٩، والمروزى (٣٩٧، ٣٩٨) من طريق معمر عن قتادة؛ جميعًا بلفظ: (القرآن والسنة)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٩ إلى ابن المنذر.","vol":"19","page":108},{"text":"اختاركَن لرسولِه أزواجًا.\n\n<span id=\"aya-3568\"></span><span data-type='title' id=toc-7399>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن المتذلِّلِين للَّهِ بالطاعةِ والمتذلِّلاتِ، والمصَدّقين والمصَدِّقاتِ رسولَ اللهِ ﷺ، فيما أتاهم به مِن عندِ اللهِ، والقانتينَ والقانتاتِ للهِ، والمطيعين للهِ والمطيعاتِ له فيما أمَرهم ونهَاهم، والصادقين الله فيما عاهَدوه عليه والصادقاتِ فيه، والصابرين للهِ في البأساءِ والضرَاءِ على الثباتِ على دينِه، وحينَ البأسِ والصابراتِ، والخاشعةَ قلوبُهم للهِ وجَلًا منه ومِن عقابهِ والخاشعاتِ، والمتصدِّقين والمتصدِّقاتِ: وهم المؤدُّون حقوقَ اللهِ مِن أموالِهم والمؤدِّياتِ، والصائمين شهرَ رمضانَ الذي فرَض اللهُ صومَه عليهم والصائماتِ ذلك، والحافظين فروجَهم، إلا على أزواجِهم أو ما ملَكت أيمانُهم، والحافظاتِ ذلك إلا على أزواجهنَّ، إن كنّ حرائرَ، أو مَن مَلَكَهُنَّ إن كنّ إماءً، والذاكرِين الله بقلوبِهم وألسنتِهم وجوارحِهم والذاكراتِ كذلك ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ لذنوبهم، ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾: يعنى ثوابًا في الآخرةِ على ذلك مِن أعمالهم عظيما، وذلك الجنةُ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7398>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: دخَل نساءٌ على نساءِ النبيِّ ﷺ، فقلْن: قد ذكَرَ كنَّ الله في القرآنِ، ولم نُذكرْ بشيءٍ، أما فينا ما يُذْكَرُ؟","vol":"19","page":109},{"text":"فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾: أي المطيعين والمطيعاتِ، ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾: أي الخائفين والخائفاتِ - ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾ لذنوبِهم، ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ في الجنةِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال: الجنةَ. وفى قوله: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾. قال: المطيعين والمطيعات (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ، عن عامرٍ، قال: القانتات: المطيعات.\nحدَّثنا ابن بشارٍ (^٣)، قال: ثنا مَؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قالت أمُّ سَلَمَةَ: يا رسولَ اللهِ، يُذكرُ الرجال ولا نُذكر، فنزَلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن محمدِ بن عمرٍو، عن أبي سلمةَ، أن يحيى بنَ عبدِ الرحمنِ بن حاطبٍ، حدَّثه عن أمِّ سلمةَ، قالت: قلت: يا رسولُ اللهِ، أيُذكرُ الرجالُ في كلِّ شيءٍ، ولا نُذكرُ؟ فأنزَل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ (^٥). الآية.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤١٤ عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٦، ١١٧، وابن سعد في الطبقات ٨/ ١٩٩، ٢٠٠ من طريق معمر، عن قتادة.\n(^٢) تقدم في ١٨/ ٤٨٤.\n(^٣) في م: \"حميد\" والصواب المثبت، ينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ١٧٧.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤١٣ عن المصنف به، وهو في تفسير الثورى ص ٢٤١، ٢٤٢، ومن طريقه ابن سعد ٨/ ١٩٩، والحاكم ٢/ ٤١٦، وأخرجه أحمد ٦/ ٣٢٢ (الميمنية)، والترمذى (٣٠٢٢)، وأبو يعلى (٦٩٥٩)، والواحدى في أسباب النزول ص ١١٠ من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤١٣ عن المصنف، وأخرجه الطبراني ٢٣/ ٢٦٣ (٥٥٤) من طريق =","vol":"19","page":110},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا سَيَّارُ بنُ مظاهرٍ العَنَزِيُّ، قال: ثنا أبو كدينةَ يحيى بن مهلَّبٍ، عن قابوسَ بن أبي ظَبيانَ، عن أبيهِ، عن ابن عباسٍ، قال: قال نساءُ النبيِّ ﷺ: ماله يَذكرُ المؤمنين، ولا يذكرُ المؤمناتِ؟ فَأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ (^١). الآية.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولهَ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾. قال: قالت أمُّ سلمةَ زوجُ النبيِّ ﷺ: ما للنساءِ لا يُذكرنَ مع الرجالِ في الصلاحِ؟ فأنزَلَ اللَّهُ هذه الآيةَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، [قال: ثنا أبو هشامٍ] (^٢)، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا عثمانُ بنُ حكيمٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ شيبةَ، قال: سمعت أمَّ سَلَمَةَ زوجَ النبيِّ ﷺ تقول: قلتُ للنبيِّ ﷺ: يا رسولُ اللهِ، ما لنا لا نُذكر في القرآن كما يُذكر الرجالُ؟ قالت: فلم يَرُعْنى ذاتَ يومٍ ظهرًا إلا نداؤه على المنبر، وأنا أُسرِّحُ رأسى، فلفَفْتُ شَعَرى ثم خرَجتُ إلى حُجرةٍ مِن [حُجَرِ بيتى] (^٣)، فجعَلت سمعي عندَ الجريدِ، فإذا هو يقولُ على المنبرِ: \"يا أيُّها النَّاسُ إن اللَّهَ يَقُولُ في كتابِهِ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ﴾. إلى قولِه: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٤).\n_________\n= أبى معاوية به، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٤٠٤) من طريق محمد بن عمرو به، وليس في إسنادهما: يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب.\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤١٣ عن المصنف، وأخرجه الطبراني (١٢٦١٤) من طريق أبي كدينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٠ إلى ابن مردويه بسند حسن.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) في م، ت ١: \"حجرهن\"، وفى ص، ت ٢: \"حجرتين \"والمثبت مِن مصادر التخريج.\n(^٤) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٤٠٥) عن محمد بن معمر به، وأخرجه أحمد ٦/ ٣٠١، ٣٠٥ (الميمنية)، والطبراني ٢٣/ ٢٩٣، ٢٩٤ (٦٥٠) من طريق عبد الواحد به، وأخرجه أحمد ٦/ ٣٠١ =","vol":"19","page":111},{"text":"<span id=\"aya-3569\"></span><span data-type='title' id=toc-7401>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ (^١) لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لم يكنْ لمؤمنٍ باللهِ ورسولهِ ولا مؤمنةٍ، إذا قضَى اللَّهُ ورسولُه في أنفسِهم قضاءً - أن يَتَخيَّروا مِن أمرِهم غيرَ الذي قضَى فيهم، ويُخالفوا أمرَ اللهِ وأمرَ رسولِه وقضاءَهما، فيعْصُوهما، ومَن يَعْصِ الله ورسولَه فيما أمرا أو نَهَيا ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾. يقولُ: فقدْ جار عن قصدِ السبيلِ، وسلَك غيرَ سبيلِ الهدَى والرَّشادِ.\nوذُكر أن هذه الآيةَ نزَلت في زينبَ بنتِ جَحْشٍ حينَ خطَبها رسولُ الله ﷺ على فتاه زيدِ بن حارثةَ، فامتنَعت مِن إنكاحِه نفسَها.\n\n<span data-type='title' id=toc-7400>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ، وذلك أنَّ رسولُ اللهِ ﷺ انطَلَق يَخطُبُ على فتَاه زيدِ بنِ حارثةَ، فدخَل على زينبَ بنتِ جحْشٍ الأسديَّة، فخطَبها، فقالت: لستُ بناكِحَتِه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"فانْكِحِيه\". فقالت: يا رسولَ اللَّهِ أُوَّامَرُ في نفسى؟ فبينَما هما يَتَحدَّثان أنزَل الله هذه الآيةَ على رسوله ﷺ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿ضَلَالًا مُبِينًا﴾. قالت: قد رَضِيته لى يا رسولُ اللهِ مَنْكَحًا؟ قال: \"نعم\".\n_________\n= (الميمنية)، والطبراني ٢٣/ ٢٩٨ (٦٦٥) من طريق عبد الواحد، عن عثمان، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٠ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"تكون\". وهى قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبي عمرو، وقرأها بالياء عاصم وحمزة والكسائي. ينظر السبعة ص ٥٢٢، وحجة القراءات ص ٥٧٨.","vol":"19","page":112},{"text":"قالت: إذن لا أعْصى رسولَ اللهِ، قد أَنكَحْتُه نفسى (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. قال: زينبُ بنتُ جحشٍ. وكراهتُها نكاحَ زيدِ بن حارثةَ حينَ أمرَها به رسولُ اللهِ ﷺ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. قال: نزَلت هذه الآيةُ في زينبَ بنتَ جحشٍ، وكانت بنتَ عمَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ، فخطَبها رسولُ اللهِ ﷺ فرَضِيت، ورأتْ أنه يَخْطُبُها على نفْسِه؛ فلما علِمت أنه يَخطبُها على زيدِ بن حارثةَ، أبَت وأنكرت، فأنزَل اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. قال: فتابَعَتْه بعدَ ذلك ورَضِيتْ (^٣).\nحدَّثني أبو عبيدٍ الوصابيُّ (^٤)، قال: ثنا محمدُ بنُ حميرٍ، قال: ثنا ابن لهيعةَ، عن ابن أبي عمرةَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: خطَب رسولُ اللهِ ﷺ زينبَ بنتَ جحشٍ لزيدِ بن حارثةَ، فاستَنْكَفَت منه وقالت: أنا خيرٌ منه حَسَبًا. وكانت امرأةً فيها حِدَّةٌ، فأنزَل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ الآيةَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٠ إلى المصنف وابن مردويه، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤١٧.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٥٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه الطبراني ٢٤/ ٤٥ (١٢٣) مِن طريق يزيد بن زريع به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٧، والطبراني ٢٤/ ٤٥ (١٢٤) من طريق معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في النسخ: \"الوصافى\". والمثبت مما تقدم في ٥/ ٣٧٨، وينظر الجرح والتعديل ٧/ ٢٣٧.","vol":"19","page":113},{"text":"كلَّها (^١).\nوقيل: نزَلت في أمِّ كُلْثومٍ بنتَ عُقْبَةَ بن أَبي مُعَيطٍ، وذلك أنها وهَبت نفسَها لرسولِ اللهِ ﷺ، فزوَّجها زيدَ بنَ حارثةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7402>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: نزَلت في أمِّ كُلْثومٍ بنتِ عقبةَ بن أبي مُعَيطٍ، وكانت (^٢) أوَّلَ مِن هاجَر مِن النساءِ، فوهَبت نفسَها للنبيِّ ﷺ، فزوَّجها زيدَ بنَ حارثةَ، فسَخِطَت هي وأخوها، وقالا: إنما أرَدنا رسولُ اللهِ ﷺ، فزوَّجنا عبدَه. قال: فنزل القرآن: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ إلى آخر الآية، قال: وجاء أمرٌ أجمَعُ مِن هذا؛ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. قال: فذاك خاص، وهذا جِمَاعٌ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3570\"></span><span data-type='title' id=toc-7403>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾.</span>\nقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ عتابًا من للهِ له: واذكرْ يا محمدُ إذ تقولُ للذي\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤١٧ عن ابن لهيعة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٠ إلى المصنف.\n(^٢) بعده في م: \"من\".\n(^٣) في م، ت ٢: \"إجماع\". وجماع كل شيء: مجتمع أصله. يقال: هذا الباب جماع هذه الأبواب: الجامع لها الشامل لما فيها. الوسيط (ج م ع).\nوالأثر ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٣/ ١١٠ عن المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤١٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠١ إلى ابن أبي حاتم ـ.","vol":"19","page":114},{"text":"أنعَم اللهُ عليه بالهدايةِ، وأنْعَمْتَ عليه بالعِتْقِ. يعنى بذلك (^١) زيدَ بنَ حارثةَ مولى رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾. وذلك أن زينبَ بنتَ جَحْش - فيما ذُكر - رآها رسولُ اللهِ ﷺ فأعْجبَتْه، وهي في جِبالِ مولاه، فأُلْقِيَ في نفسِ زيدٍ كراهتُها؛ لِما علِم الله مما وقع في نفسِ نبيِّه ما وقَع، فأراد فراقَها، فذكَر ذلك الرسولِ اللهِ ﷺ: زيدٌ، فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾. وهو ﷺ [في ذلك] (^٢) يحبُّ أن تكونَ قد بانَت منه لِينْكِحَها، ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ يقولُ (^٣): وخَفِ الله في الواجبِ عليك في زوجتك، ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾. يقولُ: وتُخفى في نفسِك محبةَ فراقِه إيَّاها؛ لِتَتَزوَّجَها إن هو فارَقها، واللَّهُ مُبْدٍ ما تُخفى في نفسِك مِن ذلك، ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وتخافُ أن يقولُ الناسُ: أمر رجلًا بطلاقِ امرأتِه، ونكَحها حينَ طلَّقها، واللَّهُ أَحقُّ أن تَخْشاه مِن الناسِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7404>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾. وهو زيدٌ أنْعَم اللهُ عليه بالإسلامِ، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾: أَعْتَقه رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾. قال: وكان يُخْفى في نفسه وُدَّ أنه طلَّقها. قال الحسنُ: ما أُنزِلَت عليه آيةٌ كانت أشدَّ عليه منها، قولَه: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) بعده في م، ت ١، ت ٢: \"له\".","vol":"19","page":115},{"text":"مُبْدِيهِ﴾. ولو كان نبيُّ الله ﷺ كاتما شيئًا مِن الوحيِ لكتَمها، ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾. قال: خشىَ نبيُّ اللهِ ﷺ مقالةَ الناسِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: كان النبيُّ ﷺ قد زوَّج زيدَ بنَ حارثةَ زينب بنتَ جَحْشِ ابنةَ عمتِه، فخرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ يومًا يُرِيدُه، وعلى البابِ سِتْرٌ مِن شعرٍ، فرفَعت الريحُ السترَ فانْكَشَف، وهي في حُجِرتِها. حاسرةٌ، فوقَع إعجابُها في قلبِ النبيِّ ﷺ، فلمَّا وقَع ذلك كُرِّهَت إلى الآخرِ، قال: فجاء. فقال: يا رسولَ اللهِ، إنى أُرِيدُ أن أُفارِقَ صاحبتي. قال: \"مَا لك، أرابَك منها شيءٌ؟ \" قال: لا، واللهِ ما رابَنى منها شيءٌ يا رسولُ اللهِ، ولا رأيتُ إلا خيرًا. فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾. فذلك قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾: تُخْفِى في نفسك إن فارقَها تزَوَّجْتَها (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ موسى الحرشيُّ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ، عن أبي حمزةَ، قال: نزلت هذه الآيةُ: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ في زينبَ بنتَ جَحْشٍ (^٣).\nحدَّثنا خَلَّادُ بنُ أَسْلَمَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن عليٍّ بن زِيدِ بن جُدْعَانَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني ٤٢/ ٢٤ (١١٤)، من طريق يزيد بن زريع به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٧، عن معمر عن قتادةَ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٢ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) القول بأن النبي ﷺ وقع منه استحسان لزينب بنت جحش وهى في عصمة زيد، وكان حريصًا على أن يطلقها زيد فيتزوجها هو. قول غير صحيح عند أهل التحقيق مِن المفسرين. ينظر في الرد عليه تفسير القرطبي ١٤/ ١٨٩ - ١٩١، وأضواء البيان ٦/ ٥٨٠ وما بعدها.\n(^٣) أخرجه البخارى (٤٧٨٧)، والطبراني ٢٤/ ٤٣ (١١٦) من طريق حماد بن زيد به.","vol":"19","page":116},{"text":"عن عليّ بن حسينٍ قال: كان اللهُ ﵎ أعْلَم نبيَّه ﷺ أن زينبَ سَتَكُونُ مِن أزواجه، فلما أتاه زيدٌ يَشْكوها قال: \"اتَّقِ الله وَأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ\". قال اللهُ: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ (^١).\nحدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن داودَ، عن عامرٍ، عن عائشةَ، قالت: لو كتَم رسولُ اللهِ ﷺ شيئًا مما أو حِى إليه مِن كتابِ اللهِ لكتَم: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (^٢).\nوقولُه: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا قضَى زيدَ بنَ حارثةَ مِن زينبَ حاجتَه؛ وهى الوطَرُ، ومنه قولُ الشاعرِ (^٣):\nودَّعَنى قبلَ أَنْ أُودِّعَه … لمَّا قضَى مِن شبابنِا وَطَرَا\n﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾. يقولُ: زوَّجناك زينبَ بعدَ ما طلَّقها زيدٌ، وبانت منه؛ ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾. [يقولُ: لكيلا يكونَ على المؤمنين حرجٌ. يعنى: إثمٌ في أزواجِ أدعيائهم] (^٤) يعني: في نكاحِ نساء مَن تبَنَّوا، وليسوا ببَنِيهم ولا أولادِهم على صحةٍ، إذا هم طلَّقوهن وبِنَّ منهم، ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾. يقولُ: إذا قضَوا منهن حاجاتِهم وآرائهم، وفارَقوهنَّ وحَلَلْنَ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٣/ ٤٦٦ مِن طريق سفيان بن عيينة به، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في الفتح ٨/ ٥٢٣ من طريق على بن زيد به، بزيادة في آخره. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٣ إلى الحكيم الترمذي.\n(^٢) أخرجه الترمذى (٣٢٠٧) من طريق داود بن أبي هند به مطولا، وأخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور ٥/ ٢٠٢، ومن طريقه الطبراني ٢٤/ ٤١ (١١١)، وأحمد ٦/ ٢٤١، ٢٦٦ (الميمنية)، ومسلم (٢٨٧/ ١٧٧)، والترمذى (٣٢٠٨)، والنسائى في الكبرى (١١٤٠٨) من طريق داود بن أبي هند عن عامر الشعبي عن مسروق عن عائشة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) البيت في مجاز القرآن ٢/ ١٣٨.\n(^٤) سقط مِن: م، ت ١.","vol":"19","page":117},{"text":"لغيرِهم، ولم يَكُنْ ذلك نزولًا منهم لهم عنهن، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. يقولُ: وكان ما قضَى اللَّهُ مِن قضاءٍ مفعولًا، أي: كان كائنًا لا مَحَالة، وإنما يعنى بذلك أن قضاءَ اللهِ في زينبَ أن يَتَزَوَّجَها رسولُ اللهِ ﷺ، كان ماضيا مفعولًا كائنًا.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7405>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾. يقولُ: إذا طلَّقُوهن، وكان رسولُ اللهِ ﷺ تَبَنَّى زيدَ بنَ حارثةَ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. إذا كان ذلك منه غيرَ نازلٍ لك، فذلك قولُ اللهِ: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].\nحدَّثني محمدُ بنُ عثمان الواسطيُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن المُعَلَّى بن عِرْفانَ، عن محمدِ بن عبدِ اللَّهِ بن جَحْشٍ، قال: تَفاخَرَت عائشةُ وزينبُ. قال: فقالت زينبُ: أنا الذي نزل تزويجى (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: كانت زينبُ زوجُ النبيِّ ﷺ تقولُ للنبيِّ ﷺ: إني لأدِلُّ عليكَ بثلاثٍ، ما مِن نسائِك امرأةٌ تَدِلُّ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني ٢٤/ ٤٢ (١١٤) مِن طريق يزيد بن زريع به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٧ عن معمر عن قتادةَ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٢، ٢٠٣ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه الطبراني ٢٤/ ٤٤، ٤٥ (١٢٢) من طريق جعفر بن عون به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٤ إلى الحكيم الترمذى بأطول من هذا.","vol":"19","page":118},{"text":"بهن؛ أن جدِّى وجدَّك واحدٌ، وأنى أَنْكَحَنِيكَ اللَّهُ مِن السماءِ، وإِن السَّفِيرَ جَبرائيلُ ﵇ (^١).\n\n<span id=\"aya-3571\"></span><span data-type='title' id=toc-7406>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾: مِن إثمٍ فيما أَحَلَّ اللَّهُ له مِن نكاحِ امرأةِ مَن تَبَنَّاه بعد فراقِه إياها.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾. أي: أَحَلَّ اللَّهُ له (^٢).\nوقولُه: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: لم يَكُنِ اللَّهُ تعالى لِيُؤْثِمَ نبيَّه فيما أحَلَّ له، مثالَ فعله بمن قبلَه مِن الرسلِ الذين مضَوْا قبلَه، في أنه لم يُؤْثِمُهم بما أحَلَّ لهم، لم يَكُنْ لنبيه أن يَخْشَى الناسَ فيما أمَره به أو أحَلَّه له، ونُصِب قولُه: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾. على معنى: حقًّا مِن اللهِ، كأنه قال: فعَلْنا ذلك سنةً منا.\nوقولُه ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾. يقولُ: وكان أمرُ اللهِ قضاءً مَقْضِيًّا.\nوكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾: إن الله كان علمُه معه، قبلَ أن يخْلُقَ الأشياء كلَّها، فائْتَمَر في علمِه أن يَخْلُق خلقًا، ويَأْمُرَهم وينهاهم، ويَجْعَلَ (^٣) ثوابًا لأهلِ طاعتِه، وعقابًا لأهلِ معصيتِه، فلما ائْتَمَر ذلك الأمرُ قدَّرَه،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٢١ عن المصنف، وأخرجه الحاكم ٤/ ٢٥ من طريق داود ابن أبي هند عن الشعبي بنحوه، وذكره الحافظ في الفتح ١٣/ ٤١٢، وعزاه إلى المصنف وأبى القاسم الطحاوي في كتاب الحجة والتبيان، بلفظ قريب بمعناه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٨ عن معمر عن قتادة.\n(^٣) بعده في ص، ت ٢: \"لهم\".","vol":"19","page":119},{"text":"فلما قدَّره كُتِب، وغاب عليه، فسمَّاه الغيب وأمَّ الكتابِ، وخلَق الخلَق على ذلك الكتابِ، أرزاقَهم، وآجالَهم، وأعمالَهم، وما يُصِيبُهم مِن الأشياء؛ مِن الرخاءِ والشدةِ، مِن الكتابِ الذي كتبه أنه يُصِيبُهم، وقرأَ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. حتى إذا نفد ذلك ﴿إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٧]. وأمرُ اللهِ الذي ائْتَمر قدَّره حيَن قدَّره مُقَدِّرًا، فلا يَكونُ إلا ما في ذلك، وما في ذلك الكتابِ، وفى ذلك التقديرِ، ائْتَمر أمرًا، ثم قدَّره، ثم خلَق عليه، فقال: كان أمرُ اللَّه الذي مضَى وفرغ منه، وخلَق عليه الخلقَ ﴿قَدَرًا مَقْدُورًا﴾: شاء أمرًا لتَمْضِىَ به أمرُه وقدره، وشاء أمرًا يرضاه مِن عبادِه في طاعتِه، فلمَّا أن كان الذي شاءِ مِن طاعتِه لعبادِه رضِيَه لهم، ولما أن كان الذي شاء أراد أن يَنْفُذَ فيه أمرُه وتدبيرُه وقدرُه، وقرَأ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف:١٧٩]. فشاء أن يكون هؤلاء مِن أهلِ النارِ، وشاء أن تكونَ أعمالهم أعمالَ أهلِ النارِ، فقال: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام:١٠٨]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧]. هذه أعمالُ أهلِ النارِ، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾. قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]. وقرَأ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] إلى: ﴿كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١] أن يُؤْمِنوا بذلك، قال: فأَخْرَجوه مِن اسمِه الذي تَسَمَّى به. قال: هو الفعَّال لما يُريدُ، فزعموا أنه ما أراد.\n\n<span id=\"aya-3572\"></span><span data-type='title' id=toc-7407>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾.</span>","vol":"19","page":120},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: سنةُ اللهِ في الذين خلَوْا مِن قبل محمدٍ مِن الرسل، الذين يُبَلِّغون رسالاتِ اللَّهِ إلى مَن أُرْسلوا إليه، ويخافون الله في تركِهم تبليغَ ذلك إيَّاهم. ولا يخافون أحدًا إلا الله، فإنهم إيَّاه يَرْهَبون، إن هم قصَّروا عن تبليغِهم رسالةَ اللهِ إلى مَن أُرْسِلوا إليه.\nيقولُ لنبيِّه محمدٍ: فمِن أولئك الرسلِ الذين هذه صفتُهم، فكُنْ ولا تَخْشَ أحدًا إلا الله، فإنَّ الله يَمْنَعُك مِن جميعِ خلقِه، ولا يَمْنَعُك أحدٌ مِن خلقِه منه، إن أراد بك سوءًا.\nو\"الذين\" مِن قوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾. خفضٌ ردًّا على \"الذين\" التي في قوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾.\nوقولُه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكفاك يا محمدُ باللهِ حافظُا لأعمالِ خلقِه، ومُحاسِبًا لهم عليها.\n\n<span id=\"aya-3573\"></span><span data-type='title' id=toc-7408>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ما كان أيُّها النَّاسُ محمدٌ أبا زيدَ بنَ حارثةَ، ولا أبا أحدٍ مِن رجالِكم الذين لم يَلِدْه محمدٌ - فيحرُمَ عليه نكاحُ زوجتِه بعد فِراقِه إياها؛ ولكنه رسولُ الله وخاتمُ النبِيِّين، الذي ختَم النُّبوَّةَ فطبَع عليها، فلا تُفْتحُ لأحدٍ بعدَه إلى قيامِ الساعةِ، وكان اللهُ بكلِّ شيءٍ مِن أعمالِكم ومقالِكم وغيرِ ذلك، ذا علمٍ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.","vol":"19","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7409>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. قال: نزَلت في زيدٍ؛ إنه لم يكنْ بابْنِه، ولعَمْرِى ولقد وُلِد له ذكورٌ، إنه لأبو القاسمِ وإبراهيمَ والطَّيِّبِ والمطهَّرِ، ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. أي: آخرَهم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارة، قال: ثنا عليُّ بنُ قادمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن نُسَيْرِ (^٢) ابن ذُعْلُوقٍ، عن عليٍّ بن الحسينِ في قولِه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. قال: نزلت في زيدَ بنَ حارثةَ (^٣).\nوالنَّصْبُ في رسولُ اللهِ ﷺ بمعنى تكريرِ: كان (^٤) رسولُ اللهِ ﷺ، والرَّفعُ يعنى الاسْتِئنافَ؛ ولكن هو رسولُ اللهِ، والقراءةُ النَّصْبُ عندَنا (^٥).\nواختلَفتِ القَرأَةُ في قراءةِ قوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. فقرَأ ذلك قرَأَةُ الأمصارِ سِوى الحسنِ وعاصمٍ، بكسرِ التاء مِن ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. بمعنى أنه خَتَمَ النَّبِيِّين، ذُكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (لكنَّ نبيًّا ختَم النبيين) (^٦). فذلك دليل على صحةِ قراءةِ مِن قرأَه بكسرِ التاءِ، بمعنى أنه الذي خَتَم الأنبياءَ ﷺ وعليهم. وقرَأ ذلك - فيما يُذْكَرُ - الحسنُ وعاصمٌ: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. بفتحِ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١١٨، عن معمر عن قتادة مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٤ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ١: \"بشير\"، وفى ت ٢: \"يسير\". ينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٣٣٩.\n(^٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٩/ ٣٥٥، ٣٥٦، من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٥، إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: ت ١.\n(^٥) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٤٤.\n(^٦) القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.","vol":"19","page":122},{"text":"التاء، بمعنى: أنه آخرُ النبِيِّين، كما قرَأ: (مختومٍ. خاتَمُه مِسْكٌ). بمعنى: آخرُه مِسكٌ، مَن قرأ ذلك كذلك (^١).\n\n<span id=\"aya-3574\"></span><span data-type='title' id=toc-7410>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يَأَيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، اذْكُروا الله بقلوبكم وألسنتِكم وجوارِحِكم ذكرًا كثيرًا، فلا تخلو أبدانكم مِن ذكرُه في حالٍ مِن أحوالِ طاقتِكم ذلك.\n\n<span id=\"aya-3575\"></span>﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. يقولُ: صلوا له عُدْوةً صلاةَ الصبحِ، وعشيًّا صلاة العصر.\n\n<span id=\"aya-3576\"></span>وقولُه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ربُّكم الذي تذْكُرونه الذِّكْرَ الكثير، وتسبِّحونه بُكرةً وأصيلًا، إذ أنتم فعَلْتُم ذلك، الذي (^٢) يرحمُكم، ويُثْنى عليكم هو، ويدْعو لكم (^٣) ملائكتُه. وقيل: إن معنى قوله: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾. يُشِيعُ عنكم (^٤) الذِّكر الجميلَ في عبادِ اللَّهِ. وقولُه: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. يقولُ: تدْعو ملائكةُ اللهِ لكم، فيُخْرجُكم اللهُ مِن الضَّلالةِ إلى الهُدى، ومِن الكفرِ إلى الإسلامِ.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) هي قراءة الكسائي المدنى، ينظر النشر،٢/ ٣٩٩ ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٢٤٤، ٣/ ٢٤٨، وحجة القراءات ص ٥٧٨.\n(^٢) بعده في ت ١: \"تذكرونه الذكر الكثير ويسبحونه\".\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"و\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"عليكم\".","vol":"19","page":123},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7411>ذكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾. يقولُ: لا يَفرِضُ على عبادِه فريضةً إلا جعَل لها حدًّا معلومًا، ثم عذَر أهلَها في حالِ عُذرٍ غيرَ الذِّكْرِ، فإن الله لم يَجْعَلْ له حدًّا يُنْتَهى إليه، ولم يَعْذِرْ أحدًا في تَرْكِه إلا مغلوبًا على عقلِه؛ فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. بالليلِ والنهارِ في البرِّ والبحرِ، وفي السفرِ والحضرِ، والغِنى والفقرِ، والسَّقمِ والصحةِ، والسرِّ والعلانيةِ، وعلى كلِّ حالٍ، وقال: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. فإذا فعلتُم ذلك صلَّى عليكم هو وملائكتُه، قال اللهُ ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: صلاةَ الغَداة، وصلاةَ العصرِ (^٢).\nوقولُه: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. أي: من الضَّلالات إلى الهُدى.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. قال: مِن الضَّلالة إلى الهدى، قال: والضَّلالةُ الظُّلمات، والنورُ الهدى.\nوقولُه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكْرُه: وكان بالمؤمنين\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٢٧ عن علي بن أبي طلحة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٩ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":124},{"text":"به ورسوله ذا رحمةٍ أن يعذِّبَهم وهم له مطيعون، ولأمره مُتَّبعون.\n\n<span id=\"aya-3577\"></span>﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: تحيةُ هؤلاء المؤمنين يومَ القيامةِ في الجنةِ سلامٌ، يقولُ بعضُهم لبعضٍ: أَمَنَةٌ لنا ولكم بدُخولِنا هذا المَدْخَلَ مِن اللهِ أن يعذِّبَنا بالنار أبدًا.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾. قال: تحيةُ أهلِ الجنةِ السلامُ (^١).\nوقولُه: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾. يقولُ: وأعدَّ لهؤلاء المؤمنين ثوابًا لهم على طاعتِهم إياه في الدنيا كريمًا، وذلك هو الجنةُ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ عن قتادةَ: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾: أي الجنةَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3578\"></span><span data-type='title' id=toc-7412>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكْرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ، إنا أرسَلناك شاهدًا على أمتِك، بإبلاغِك إياهم ما أرسَلناك به من الرسالةِ، ومبشِّرَهم بالجنةِ إن صدَّقوك، وعمِلوا بِما جئَتهم به من عندِ ربِّك، ونذيرًا مِن النارِ أن يَدْخلوها، فيُعذَّبوا بها إن هم كذَّبوك، وخالَفوا ما جئتَهم به مِن عندِ اللهِ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٩ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٦ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":125},{"text":"وبالذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7413>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ (^١) على أمتِك بالبلاغِ، ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ بالجنةِ، ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالنارِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3579\"></span>وقولُه: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: وداعيًا إلى توحيدِ اللهِ، وإفرادِ الألوهةِ له، وإخلاصِ الطاعةِ لوجهِه، دونَ كلِّ مَن سواه مِن الآلهةِ والأوثانِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾: إلى شهادةِ أن لا إلهَ إلا اللهُ (^٢).\nوقولُه: ﴿بِإِذْنِهِ﴾. يقولُ: بأمرِه إياك بذلك، ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾. يقولُ: وضياءً لخلقِه، يَسْتَضِيءُ بالنورِ الذي أتيتَهم به مِن عندِ اللَّهِ، عباده، ﴿مُنِيرًا﴾. يقولُ: ضياءً يُنيرُ لمن استضاء بضوئِه، وعمِل بما أمَره. وإنما يَعْنى بذلك: أنه يَهْدِى به مَن اتبعه مِن أَمتِه.\n\n<span id=\"aya-3580\"></span>وقولُه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبشِّرْ أهلَ الإيمانِ باللهِ يا محمدُ بأن لهم مِن اللهِ فضلًا كبيرًا. يقولُ: بأن لهم مِن ثوابِ اللهِ (^٣) على طاعتهم إياه تضعيفًا كثيرًا (^٤)، وذلك هو الفضلُ الكبيرُ من اللهِ لهم.\n\n<span id=\"aya-3581\"></span>وقولُه: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾. يقولُ: ولا تُطِع لقولِ كافرٍ ولا منافقٍ، فتسمعَ منه دعاءَه إياك إلى التقصيرِ في تبليغِ رسالاتِ اللهِ\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"ومبشرا شاهدا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٧ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"فضلا كبيرا\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"كبيرا\". وبدون نقط في \"ص\".","vol":"19","page":126},{"text":"إلى مَن أرسَلك بها إليه مِن خلقِه ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾. يقولُ: وأعرِض عن أذاهم لك، واصبِرْ عليه، ولا يُثْنِك (^١) ذلك عن القيامِ بأمرِ اللهِ في عبادِه، والنفوذِ لما كلَّفك.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7414>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾. قال: أعرِض عنهم (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾: أي اصبِرْ على أذاهم (^٣).\nوقولُه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: وفوِّض إلى اللهِ أمورَك، وثِق به، فإن الله كافيك جميعَ مِن دونه، حتى يأتيَك أمرُه وقضاؤه، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. يقولُ: وحسبُك باللهِ قَيِّمًا بأمورِك، وحافظًا لك وكالئًا.\n\n<span id=\"aya-3582\"></span><span data-type='title' id=toc-7415>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) في م: \"يمنعك\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٥٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٧ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١١٩ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٧ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":127},{"text":"يقولُ تعالى ذكْرُه: يا أيُّها الذين صَدَّقُوا الله ورسولهَ، ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، يَعْنى: مِن قبلِ أن تجامِعوهن، ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾، يعنى: مِن إحصاء أقْراءٍ ولا أشهرٍ تحصُونها عليهنَّ، ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾. يقولُ: أعطُوهنّ ما يَسْتَمْتِعن به مِن عرَضٍ أو عينِ مالٍ.\nوقولُه: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. يقولُ: وخَلُّوا سبيلَهنّ تخليةً بالمعروفِ، وهو التسريحُ الجميلُ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7416>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾. فهذا في الرجل يتزوج المرأةَ، ثم يُطَلِّقُها مِن قبلِ أن يمسَّها، فإذا طلَّقها واحدةً بانت منه، ولا عدّةَ عليها، تتزوّجُ مَن شاءَت، ثم قرأ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. يقولُ: إن كان سَمَّى لها صداقًا، فليس لها إلا النصفُ، فإِنْ لم يَكُنْ سَمَّى لها صداقًا، متَّعها على قدرِ عسرِه ويُسْرِه، وهو السراحُ الجميلُ (^١).\nوقال بعضُهم: المتعةُ في هذا الموضعِ منسوخةٌ بقولِه: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-7417>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٧ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":128},{"text":"آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قولِه: ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. قال: قال سعيدُ بنُ المسيَّبِ: ثم نَسَخ هذا الحرفُ المُتَعَةَ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ قتادةَ يُحدِّثُ عن سعيد بن المسيب، قال: نُسخت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ (^٢). قال: نَسَخت هذه الآيةُ التي في \"البقرة\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-3583\"></span><span data-type='title' id=toc-7418>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكْرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾. يعنى: اللاتي تزوَّجْتَهنَّ بِصَدَاقٍ مُسَمًّى.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٤/ ٢٩٦، ٢٩٧.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تقدم في ٤/ ٢٩٧.","vol":"19","page":129},{"text":"عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾. قال: صَدُقاتِهنَّ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾. قال: كان كلُّ امرأةٍ آتاما مهرًا، فقد أَحَلَّها اللَّهُ له.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فما كان مِن هذه التسميةِ ما شاء كثيرًا أو قليلًا.\nوقولُه: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾. يقولُ: وأَحْلَلْنا لك إماءَك اللَّواتي سبَيَتْهَن، فملَكْتَهن بالسِّباءِ، وصِرْنَ لك بفتحِ اللهِ عليك مِن الفَيْءِ، ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾، فأحلَّ اللهُ له ﷺ مِن بنات عمِّه وعماتِه وخالِه وخالاتِه، المهاجراتِ معه منهن، دونَ مِن لم يهاجِرْ منهن معه.\nكما حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عبيدُ (^٢) اللهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ عن أمِّ هانئ، قالت: خطَبني رسولُ اللهِ ﷺ، فاعتذرتُ إليه (^٣) فعذَرني (^٤)، ثم أنزَل اللهُ عليه: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٥٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٨ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"عبد\". وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ١٦٤.\n(^٣) في م: \"له\".\n(^٤) في م، ت ١: \"بعذري\".","vol":"19","page":130},{"text":"أُجُورَهُنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾. قالت: فلم أحلَّ له (^١)، لم أُهَا جِرْ معه، كنتُ مِن الطُّلَقاءِ (^٢).\nوقد ذُكر أن ذلك في قراءةِ ابن مسعودٍ: (وبَنَاتِ حَالاتِكَ وَاللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ) بواوٍ (^٣)، وذلك وإن كان كذلك في قراءته، محتملٌ أن يكونَ بمعنى قراءِتنا بغيرِ الواوِ، وذلك أن العربَ تدخلُ الواوَ في نعتِ مَن قد تقدَّم ذكْرُه أحيانًا، كما قال الشاعرُ (^٤):\nفإِنَّ رُشَيدًا وابنَ مَرْوانَ لم يَكُنْ … لِيَفْعَلَ حتى يُصْدِرَ الأمرَ مُصْدَرَا\nورشيدٌ هو ابن مرْوانَ.\nوكان الضحاكُ بنُ مُزاحمٍ يتأوَّلُ قراءةَ عبد اللهِ هذه أنهن نوعٌ غيرُ بناتِ خالاتِه، وأنهنَّ كُلُّ مُهاجرةٍ هاجَرت مع النبيِّ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7419>ذكرُ الخبر عنه بذلك</span>\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيد، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في حرفِ ابن مسعودٍ: (وَاللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ). يعنى بذلك: كلَّ شيءٍ هاجَر معه ليس مِن بناتِ العمِّ والعمةِ، ولا مِن بناتِ الخالِ والخالةِ.\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"لأنى\".\n(^٢) أخرجه ابن سعد ٨/ ١٥٣، وإسحاق بن راهويه في مسنده (٨)، وعبد بن حميد - كما في الدر المنثور ٥/ ٢٠٨ - وعنه الترمذى (٣٢١٤) - وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٤٣٣، ٤٣٤ - والطبراني ٢٤/ ٤١٣، ٤١٤ (١٠٠٧)، والحاكم ٢/ ٤٢٠، والبيهقى ٧/ ٥٤ من طريق عبيد الله بن مرسى به. وأخرجه ابن سعد ٨/ ١٥٣، وابن عدى ٢/ ٥٠٣، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن ٦/ ٤٣٤ - من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن مردويه.\n(^٣) قراءة ابن مسعود شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٤) البيت في معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٤٥.","vol":"19","page":131},{"text":"وقولُه: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾. يقولُ: وأحْلَلْنا له امرأةً مؤمنةً إن وَهَبَت نفسها للنبيِّ بغير صَداقٍ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ بغيرِ صداقٍ، فلم يَكُنْ يُفْعَلُ ذلك وأَحِلَّ له خاصةً مِن دونِ المؤمنين (^١).\nوذُكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً وَهَبَتْ نَفْسَها للنَّبِيِّ) (^٢). بغيرِ \"إن\"، ومعنى ذلك ومعنى قراءتنا وفيها \"إن\" واحدٌ، وذلك كقول القائلِ في الكلامِ: لا بأسَ أن يَطَأَ جاريةً مملوكةً إن ملكها، وجاريةً مملوكةً ملكها.\nوقولُه: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾. يقولُ: إن أراد أن ينكحَها، فحلالٌ له أن ينكحَها إذا وهبَت نفسَها له بغيرِ مهرٍ، ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾، يقولُ: لا يَحِلُّ لأحدٍ مِن أُمَّتِك أن يقربَ امرأةً وهبَت نفسَها له، وإنما ذلك لك يا محمدُ خالصةً أُخلِصَت لك مِن دونِ سائرِ أُمتِك.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: ليس لامرأةٍ أن تَهَبَ نفسَها لرجلٍ بغيرِ أُمرِ وليٍّ ولا مهرٍ، إلا للنبيِّ، كانت له خالصةً (^٣) مِن دونِ الناسِ، ويزعُمون أنها نزلَت في ميمونةَ بنتِ الحارثِ، أنها التي وهبَت نفسها للنبيِّ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٥٠. ومن طريقه ابن أبي شيبة ٤/ ٣١٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٨ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٣) في ص: \"خاصة\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٩ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم، وأخرج آخره عبد الرزاق في المصنف (١٢٢٦٧) عن معمر عن قتادة.","vol":"19","page":132},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: كان كلُّ امرأةٍ أتاها مهرًا، فقد أحلَّها اللهُ له إلى أن وهَب هؤلاء أنفسَهنَّ له، فأُحْلِلْنَ له دونَ المؤمنين بغير مَهْرٍ، خالصةً لك مِن دونِ المؤمنين، إلا امرأةً لها زوجٌ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن صالحِ بن مسلمٍ، قال: سألتُ الشعبيِّ عن امرأةٍ وهبَت نفسَها لرجلٍ، قال: لا يكونُ، لا تحِلُّ له، إنما كانت للنبيِّ ﷺ (^١).\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾؛ فقَرأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿إِنْ وَهَبَتْ﴾ بكسرِ الألفِ على وَجْهِ الجزاء، بمعنى: إن تَهَبْ.\nوذُكر عن الحسنِ البصريِّ أنه قرَأ: (أنْ وَهَبَتْ). بفتحِ الألفِ (^٢)، بمعنى: وأحْلَلْنا له امرأةً مؤمنةً أن ينكحَها؛ لهبَتِها له نفسَها.\nوالقراءةُ التي لا أستجيزُ خلافَها في ذلك كسرُ الألفِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ عليه.\nوأما قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ليس ذلك للمؤمنين.\nوذُكر أن رسولَ اللهِ ﷺ قبلَ أن تنزَل عليه هذه الآيةُ يتزوَّجُ أيَّ النساءِ شاء، فقصَر اللهُ على هؤلاء، فلم يَعْدُهُنَّ وقصَر سائرَ أمَّتِه على مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٢٢٧١) من طريق جابر عن الشعبي نحوه.\n(^٢) القراءة شاذة. البحر المحيط ٧/ ٢٤٢.","vol":"19","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7420>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ داودَ بنَ أبي هندٍ، عن محمدِ بن أبي موسى، عن زيادٍ؛ رجلٍ مِن الأنصار، عن أُبيِّ بن كعبٍ أن التي أحلَّ اللهُ للنبيِّ ﷺ مِن النساءِ، هؤلاء اللاتى ذكَر اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾. وإنما أحلَّ اللهُ للمؤمنين مَثْنَى وَثُلاثَ ورُباعَ.\nوحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: حَرَّم اللَّهُ عليه ما سِوى ذلك مِن النساءِ، وكان قبلَ ذلك ينكحُ في أيِّ النساءِ شاء، لم يُحَرِّمْ ذلك عليه، فكان نساؤُه يَجِدْنَ مِن ذلك وَجْدًا شديدًا، أن ينكح في أيِّ الناسِ أحبَّ، فلما أنزل اللهُ أنى قد حرَّمتُ عليك مِن النساءِ سوى ما قَصَصْتُ عليك، أعجَب ذلك نساءَه (^١).\nواختلَف أهلُ العلمِ في التي وهَبت نفسَها لرسولِ اللهُ ﷺ مِن المؤمناتِ، وهل كانت عندَ رسول اللهِ ﷺ امرأةٌ كذلك؟ فقال بعضُهم: لم يَكُنْ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ امرأةٌ إلا بعقدِ نكاحٍ، أو مِلْكِ يمينٍ، فأما بالهِبَةِ فلم يَكُنْ عندَه منهنَّ أحدٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7421>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بن بُكَيرٍ، عن عَنْبسةَ بن الأَزهرِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لم يَكُنْ عند رسولِ اللهِ ﷺ امرأةٌ وهبَت\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٨ إلى المصنف وابن مردويه.","vol":"19","page":134},{"text":"نفسَها (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾. قال: أَن تَهَبَ (^٢).\nوأما الذين قالوا: قد كان عندَه منهن؛ فإن بعضُهم قال: كانت ميمونةَ بنتَ الحارثِ. وقال بعضُهم: هي أمُّ شَرِيكٍ. وقال بعضُهم: زينبُ بنتُ خُزَيمةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7422>ذكرُ مِن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾. قال: هي ميمونةُ بنتُ الحارثُ (^٣).\nوقال بعضُهم: زينبُ بنتُ خُزَيمةَ، أم المساكينِ، امرأةٌ مِن الأنصارِ (^٤).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنى الحكمُ، قال: كتَب عبدُ الملكِ إلى أهلِ المدينةِ يسألُهم، قال: فكتَب إليه عليٌّ - قال شعبةُ:\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوى في المشكل (٦٠٦٦)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٤٣٦ - والطبراني (١١٧٨٧)، والبيهقى ٧/ ٥٥ من طريق يونس بن بكير به، وعزاه السيوطي في لدر المنثور ٥/ ٣٠٩ إلى ابن مردويه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣١٦ من طريق ليث عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٩ إلى ابن المنذر.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٣٥ عن سعيد به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٢٦٦) مِن طريق عكرمة عن ابن عباس.\n(^٤) ذكر ابن حجر في فتح البارى ٨/ ٥٢٥، عن الشعبي، أن زينب بنت خزيمة من الواهبات أنفسهن للنبي ﷺ وقال: ليس بثابت. وقال ابن كثير في البداية والنهاية ٨/ ٢٢٣: وأما حكاية الماوردى، عن الشعبي، أن زينبُ بنتُ خزيمة أم المساكين أنصاريةٌ، ليس بجيد؛ فإنها هلالية بلا خلاف. ينظر الاستيعاب ٤/ ١٨٥٣، وأسد الغابة ٧/ ١٢٩.","vol":"19","page":135},{"text":"وهو ظَنِّي عليَّ بنَ حُسينٍ، قال: وقد أخبَرنى به أبانُ بنُ تَغْلِبَ، عن الحكم، أنه عليُّ بن الحسينِ الذي كتَب إليه - قال: هي امرأةٌ مِن الأَزدِ (^١)، يقالُ لها: أَمُّ شَرِيكٍ. وهَبَت نفسها للنبيِّ (^٢).\nقال: ثنا شعبةُ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ أبى السَّفَرِ، عن الشعبيِّ، أنها امرأةٌ مِن الأنصارِ، وهَبَت نفسها للنبيِّ، وهى ممن أَرْجَأ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني سعيدٌ، عن هشامِ بن عُرْوةَ، عن أبيه، أن (^٤) خَوْلةَ بنتَ حكيمِ بن الأوقصِ من بني سُلَيمٍ، كانت مِن اللاتي وَهَبْنَ أنفسَهنَّ الرسول اللهِ ﷺ (^٥).\nقال: ثنى سعيدٌ، [وابنُ] (^٦) أبي الزنادِ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن أمَّ شَرِيكٍ كانت وهَبت نفسَها للنبيِّ ﷺ، وكانت امرأةً صالحةً (^٧).\nوقولُه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكْرُه: قد عَلِمنا ما فرَضْنا على المؤمنين في أزواجِهم إذا أرادوا نكاحَهنَّ، مما لم نفرِضْه\n_________\n(^١) في النسخ: \"الأسد\". والمثبت مِن مصادر التخريج. وينظر الإصابة ٨/ ٢٣٧ - ٢٤١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣١٥ عن محمد بن جعفر به، وأخرجه ابن سعد ٨/ ١٥٥، والطبراني ٢٤/ ٣٥١ (٨٧٠) من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣١٦ عن محمد بن جعفر به.\n(^٤) في م: \"عن\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٢٦٨، ١٢٢٦٩)، وابن أبي شيبة ٤/ ٣١٥، والبخاري (٥١١٣) من طريق هشام به، وأخرجه ابن سعد ٨/ ١٥٨ من طريق عروة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) في م، ت ١: \"بن\". ينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٢٧٧.\n(^٧) أخرجه النسائي (٨٩٢٨) من طريق هشام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٩ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"19","page":136},{"text":"عليك، وما خَصَصْناهم به مِن الحكمِ في ذلك دونَك، وهو أنا فرَضْنا عليهم ألا يَحِلَّ لهم عقدُ نكاحٍ على حرةٍ مؤمنةٍ (^١) إلا بوليٍّ عَصَبةٍ وشهودٍ عدولٍ، ولا يَحِلُّ لهم منهنَّ أكثرُ مِن أربعٍ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7423>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبد اللهُ بن أحمد شَبُّويَه، قال: ثنا مُطَهَّرٌ، قال: ثنا عليُّ بنُ الحسينِ، قال: ثنى أبي، عن مَطَرٍ، عن قتادةَ في قولِ اللَّهِ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾. قال: إن مما فرَض اللهُ عليهم ألا نكاحَ إلا بوليٍّ وشاهدَين.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾. قال: في الأربعِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾؟. قال: كان مما فرَض اللهُ عليهم ألا تُزَوَّجَ امرأَةٌ إلا بوليٍّ وصَداقٍ عند شاهدَىْ عدلٍ، ولا يحلُّ لهم مِن النساءِ إلا أربعٌ، وما ملَكت أيمانُهم (^٣).\nوقولُه: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكْرُه: قد علِمنا ما فرَضنا على المؤمنين في أزواجِهم؛ لأنه لا يَحِلُّ لهم منهن أكثرُ مِن أربعٍ، وما ملكَت أيمانُهم؛ فإن جميعهَن إذا كُنَّ مؤمناتٍ أو كتابياتٍ، لهم حلالٌ بالسِّبَاءِ والتَّسَرِّي\n_________\n(^١) في م: \"مسلمة\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٠ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":137},{"text":"وغيرِ ذلك مِن أسبابِ المِلْكِ.\nوقولُه: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكْرُه: إنا أحلَلْنا لك يا محمدُ أزواجَك اللَّواتى ذكَرنا في هذه الآيةِ، وامرأةً مؤمنةً إن وهَبَت نفسَها للنبيِّ، إن أرادَ النبيُّ أن يستنكحَها؛ لكيلا يكونَ عليك إثمٌ وضيقٌ في نكاحِ مِن نكحتَ مِن هؤلاء الأصنافِ، التي أبحتُ لك نكاحهنَّ، مِن المسمَّياتِ في هذه الآيةِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لك ولأهلِ الإيمانِ بك، ﴿رَحِيمًا﴾ بك وبهم، أن يعاقبَهم على سالفِ ذنبٍ منهم، سَلَف بعدَ توبتِهم منه.\n\n<span id=\"aya-3584\"></span><span data-type='title' id=toc-7425>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾؛ فقال بعضُهم: عنى بقولِه: ﴿تُرْجِي﴾: تؤخِّرُ، وبقولِه: ﴿وَتُؤْوِي﴾: تَضُمُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7424>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾. يقولُ: تُؤخِّرُ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٨٥، والإتقان ٢/ ٣٧ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١١ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"19","page":138},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾. قال: تعزلُ بغيرِ طلاقٍ مِن أزواجِكَ مَن تشاءُ: ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾. قال: تَرُدُّها إليك (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾. قال: فجعله اللهُ في حِلٍّ مِن ذلك؛ أَن يَدَعَ مَن يَشَاءُ منهنَّ، ويأتِيَ (^٢) مِن يشاءُ منهنَّ بغيرِ قَسْمٍ، وكان نبيُّ اللَّهِ يَقْسِمُ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾. قال: لما أَشْفَقْنَ أَن يُطلقهنَّ، قُلْنَ: يا نبيَّ اللَّهِ، اجعلْ لنا مِن مالِك ونفسِك ما شئتَ. فكان ممن أَرْجَى منهنَّ؛ سَوْدَةُ بنتُ زَمْعَةَ، وجُوَيرية، وصَفيةُ، وأمُّ حبيبة، وميمونةُ، وكان ممن آوَى إليه؛ عائشةُ، وأمُّ سَلَمَةَ، وحَفْصةُ، وزينبُ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾: فما شاء صنَع في القِسْمةِ بينَ النساءِ، أحَلَّ اللَّه له ذلك (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٥، وأخرجه ابن سعد ٨/ ١٩٥، ١٩٦ من طريق أبى الصباح عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١١ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ١: \"ياوى\".\n(^٣) أخرجه جه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٠ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٠ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٠، وابن سعد ٨/ ١٩٦ من طريق منصور به، وعزاه السيوطي بتمامه في الدر المنثور ٥/ ٢١١، إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وستأتي تتمته في الأثر بعد التالي.\n(^٥) أخرجه ابن سعد ٨/ ١٩٧ من طريق عبيد به.","vol":"19","page":139},{"text":"حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي رَزيِنٍ في قولِه ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾: وكان ممن آوَى ﵇؛ عائشةُ، وحَفْصةُ، وزينبُ، وأمُّ سَلَمَةَ، فكان قَسْمُه مِن نفسه لهنَّ سَواءَ قَسْمِه، وكان ممن أَرْجَى؛ سَوْدةُ، وجُوَيرية، وصفيةُ، وأمُّ حبيبةَ، وميمونةُ، فكان يَقْسِمُ لهنَّ ما شاء، وكان أرادَ أن يُفارِقَهن؛ فقلن: اقْسِمْ لنا مِن نفسِك ما شئتَ، ودَعْنا نكونُ على حالِنا (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: تُطلِّقُ وتُخَلِّي سبيلَ مَن شئتَ مِن نسائك، وتُمْسِكُ مَن شئتَ منهنَّ، فلا تُطلِّقُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7426>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾: أمهاتِ المؤمنين، ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾: يعني: نساءَ النبيِّ ﷺ، ويعنى بالإرجاء: يقولُ: مَن شئتَ خَلَّيتَ سبيله منهنَّ، ويعنى بالإيواءِ، يقولُ: مَن أحببتَ أمسكتَ منهنَّ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: تَتْرُكُ نكاحَ مَن شَئتَ، وتَنْكِحُ مَن شَئتَ مِن نساءِ أُمَّتِك.\n\n<span data-type='title' id=toc-7427>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾. قال: كان نبيُّ اللَّهِ ﷺ إذا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٠٤ عن جرير به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٠ إلى المصنف وابن مردويه مطولا، وستأتي تتمته في ص ١٤٤.","vol":"19","page":140},{"text":"خطَب امرأةٌ لم يَكُنْ لرجلٍ أن يخطبَها، حتى يتزوجَها أو يتركَها (^١).\nوقيل: إن ذلك إنما جعَل اللهُ لنبيِّه حينَ غارَ بعضُهن على النبيِّ ﷺ، وطلَب بعضُهن مِن النفقة زيادةً على الذي كان يُعْطِيها، فأمَره اللهُ أن يُخيِّرَهن بين الدارِ الدنيا والآخرةِ، وأن يُخلِّيَ سبيلَ مَن اختارَ الحياةَ الدنيا وزينتَها، ويمسكَ مَن اختارَ الله ورسولَه، فلما اخترنَ اللَّهَ ورسولَه قيل لهنَّ: اقْرَرْنَ الآنَ على الرِّضا باللَّهِ وبرسولِه، قَسَم لكُنَّ رسول الله ﷺ أو لم يَقْسِمُ، أو قسَم لبعضِكن ولم يقسِمْ لبعضِكن، وفضَّل بعضَكن على بعضٍ في النفقةِ أو لم يُفَضِّلْ، سَوَّى بينَكن أو لم يُسَوِّ، فإن الأمرَ في ذلك إلى رسول اللهِ ﷺ، ليس لكُنَّ مِن ذلك شيء، وكان رسولُ اللهِ ﷺ، فيما ذُكر، مع ما جعَل اللهُ له مِن ذلك، يُسَوِّي بينَهن في القَسْم إلا امرأةً منهن أرادَ طلاقَها، فرضِيَت بتَرْكِ القَسْمِ لها.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7428>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ، قال: لما أرادَ النبيُّ ﷺ أن يُطلِّقَ أزواجَه، قُلْنَ له: افرِضْ لنا مِن نفسِك ومالِك ما شئتَ، فأمَره اللهُ فآوَى أربعًا، وأَرْجَى خمسًا (^٢).\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدة (^٣) بن سليمانَ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عائشة أنها قالت: أما تَسْتَحْيِي المرأةُ أَن تَهَبَ نفسَها للرجل؟ حتى\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١١٨ عن معمر، عمن سمع الحسن، عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن سعد ٩/ ١٩٦ من طريق سفيان به.\n(^٣) في م: \"عبيدة\". وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٥٣٠.","vol":"19","page":141},{"text":"أنزل اللهُ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾. فقلتُ: إن ربَّك ليُسارعُ في هَواك (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٌ، يعنى العَبْدِي، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة أنها كانت تعيرُ النساءِ اللاتى وهَبْنَ أَنفسَهنَّ لرسولِ الله ﷺ وقالت: أما تَسْتَحْيى امرأةٌ أن تعرض نفسَها بغيرِ صداقٍ؟ فنزلَت - أو فأنزَل اللهُ -: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾. فقلتُ: إنى لأرى ربَّك يُسارِعُ لك في هَواك (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية. قال: كان أزواجُه قد تَغايَرْنَ على النبيِّ ﷺ، فهجرهنَّ شهرًا، ثم نزَل التخييرُ مِن اللهِ له فيهن، فقَرأ حتى بلَغ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. فخيرهنَّ بينَ أن يخترنَ أن يُخَلِّيَ سبيلَهنَّ ويُسَرِّحَهن، وبينَ أن يَقُمْنَ إن أردنَ اللهُ ورسولَه على أنهنَّ أمهاتُ المؤمنين، لا يُنْكَحْنَ أبدًا، وعلى أنه يُؤْوِى إليه مَن يشاءُ منهنَّ، ممن وهَب نفسَه له، حتى يكونَ هو يرفعُ رأسَه إليها، ويُرْجى مِن يشاءُ، حتى يكونَ هو يرفعُ رأسَه إليها، ومَن ابتَغى ممن هي عندَه وعَزَلَ، فلا جناحَ عليه، ذلك أدنى أن تَقَرَّ أعينُهنَّ ولا يحزنَّ، ويَرْضَين إذا عَلِمن أنه مِن قَضائى عليهنَّ إيثارُ بعضهنَّ على بعضٍ، ذلك أدْنَى أَنْ يرضَينْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٤٣ - وعنه مسلم (١٤٦٤/ ٥٠)، وابن ماجه (٢٠٠٠) - عن عبدة به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٣٦، تفسير مجاهد ص ٥٥٠ من طريق هشام به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ١٥٨ (الميمنية) عن محمد بن بشر به. وأخرجه البخاري (٤٧٨٨)، ومسلم (١٤٦٤/ ٤٩)، وابن حبان (٦٣٦٧)، والبيهقى ٧/ ٥٥ من طريق هشام به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٠، ٢١١ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"19","page":142},{"text":"قال: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾. مَن ابتَغى أصابَه، ومَن عزَل لم يُصِبْه، فخيَّرهن بينَ أن يرضَين بهذا أو يُفارقَهن، فاختَرْنَ الله ورسولَه، إلا امرأةً واحدةً بدويةً ذهبَتَ، وكان على ذلك، صلواتُ اللهِ عليه، وقد شرَط اللهُ له هذا الشرطَ، ما زال يَعْدِلُ بينَهن حتى لَقِىَ الله (^١).\nوأَولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكْرُه جعَل لنبيِّه أن يُرْجىَ مِن النساءِ اللواتى أحَلَّهن له مَن يشاءُ، ويُؤْوِيَ إليه منهن مَن يَشَاءُ، وذلك أنه لم يَحْضُرُ معنى الإرجاءِ والإيواءِ على المنكوحاتِ اللواتي كُنَّ في حباله - ثمَّ (^٢) نزلت هذه الآيةُ - دونَ غيرهنَّ ممن يَسْتَحْدِثُ إيواءَها أو إرجاءَها منهنّ. وإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلامِ: تؤخِّرُ مَن تشاءُ ممن وهَبَت نفسَها لك، وأحللتُ لك نكاحَها، فلا تَقْبَلْها ولا تَنْكِحْها، [وممن هي] (^٣) في حبالِك، فلا تقربْها، وتضمَّ إليك مِن تشاءُ، ممن وهَبَت نفسَها لك، أو أردتَ مِن النساءِ التي أحللتُ لك نكاحَهن، فتقبلُها أو تنكحها، وممن هي في جبالك، فتُجامِعُها إذا شئتَ، وتتركُها إذا شئتَ بغيرِ قَسْم.\nوقولُه: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ومَن نكحتَ مِن نسائِك فجامَعْتَ، ممن لم تنكحْ، فعزلتَه عن الجماعِ، فلا جناحَ عليك.\n\n<span data-type='title' id=toc-7429>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسير ٦/ ٣٦٥.\n(^٢) في م: \"عندما\". وثم بمعنى: حيث.\n(^٣) في م: \"أو ممن هن\"، وفي ت ١: \"وهى ممن\".","vol":"19","page":143},{"text":"مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾. قالا (^١) جميعًا: هذه في نسائِه، إن شاء أَتَى مَن شاء منهنَّ ولا جناحَ عليه (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾. قال: ومَن ابتَغى أصابَه، ومَن عزَل لم يُصِبْه.\nوقال آخرون: معنى ذلك: ومَن استبدلتَ ممن أرجيتَ، فخليتَ سبيلَه؛ مِن نسائِك أو ممن مات منهن، ممن أحللتُ لك، فلا جناحَ عليك.\n\n<span data-type='title' id=toc-7430>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾. يعنى بذلك: النساءِ اللاتى أحلَّ اللهُ له، مِن بناتِ العمِّ والعمةِ، والخالِ والخالةِ ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾، يقولُ: إن مات مِن نسائِك اللاتى عندك أحدٌ، أو خَلَّيتَ سبيلَه، فقد أحللتُ لك أن تستبدلَ مِن اللاتى أحللتُ لك مكانَ مَن مات مِن نسائِك اللاتى كنَّ (^٣) عندك، أو خَلَّيتَ سبيلَه منهن، ولا يصلحُ لك أن تزدادَ على عِدَّةِ نسائِك اللاتي عندَك شيئا (^٤).\nوأَولى التأويلَين بالصوابِ في ذلك تأويلُ مَن قال: معنى ذلك: ومَن ابتغيتَ إصابتَه مِن نسائِك ممن عَزَلْتَ عن ذلك منهنَّ، فلا جناحَ عليك لدلالةِ قولِه: ﴿ذَلِكَ\n_________\n(^١) كذا في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى م: \"قال\"، وغالب الظن أن هناك سقطا.\n(^٢) ينظر التبيان ٨/ ٣٢٢.\n(^٣) في م: \" هن\".\n(^٤) تتمة الأثر المتقدم تخريجه في ص ١٤٠.","vol":"19","page":144},{"text":"أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ على صحةِ ذلك؛ لأنه لا معنَى لأن تَقَرُّ أعينُهن إذا هو ﷺ استَبدَل بالميتةِ أو المطلقةِ منهنَّ، إلا أن يَعْنِيَ بذلك: ذلك أدنى أن تَقَرَّ أعينُ المَنْكوحةِ منهن، وذلك مما يدلُّ عليه ظاهرُ التنزيل، بعيدٌ.\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ﴾، يقولُ: هذا الذي جعلتُ لك يا محمدُ مِن إذنى لك أن تَرْجِيَ مَن تشاءُ مِن النساءِ اللَّواتي جعلتُ لك إرجاءَهنَّ، وتُؤْوِيَ مَن تشاءُ مِنهنَّ، ووَضْعِى عنك الحَرَجَ في ابتغائِك إصابةَ مَن ابتغيتَ إصابتَه مِن نسائِك، وعَزْلِك عن ذلك مِن عزَلتَ منهنَّ - أقربُ لنسائِك ﴿أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ (^١) بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ مِن تَفْضِيل مَن فضَّلتَ مِن قَسْم، أو نفقةٍ، وإيثارِ مِن آثَرت منهن بذلك على غيرِه مِن نسائِك إذا هنَّ علِمْنَ أَنه مِن رِضايَ منك بذلك، وإِذْنى لك به، وإطلاقٍ منى لا مِن قِبَلِك.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7431>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ إِذا عَلِمن أن هذا جاء مِن اللهِ الرخصةٍ، كان أطيبَ لأنفسهنّ، وأقلَّ لحُزنهنَّ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله ذلك، نحوَه.\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كلهن\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٠ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٠ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":145},{"text":"والصوابُ مِن القراءةِ في قولِه: ﴿بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ الرفعُ، غير جائزٍ غيره عندَنا، وذلك أن ﴿كُلُّهُنَّ﴾ ليس بنعتٍ للهاءِ في قولِه: ﴿آتَيْتَهُنَّ﴾. وإنما معنى الكلامِ: ويَرْضَيْن كلُّهن، فإنما هو توكيدٌ لما في ﴿وَيَرْضَيْنَ﴾ مِن ذكرِ النساءِ، فإذا جُعِل توكيدًا للهاءِ التي في ﴿آتَيْتَهُنَّ﴾ يَكُنْ له معنًى، والقراءةُ بنصبه غيرُ جائزةٍ لذلك، ولإجماعِ الحجة مِن القرأةِ على تخطِئِة قارئِه كذلك.\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾. يقولُ: واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قلوبِ الرجالِ مِن ميلِها إلى بعضِ مِن عندَه مِن النساءِ دونَ بعضٍ، بالهوى والمحبةِ؛ يقولُ: فلذلك وضَع عنك الحرجَ يا محمدُ فيما وَضِع عنك مِن ابتغاءِ مِن ابْتَغَيْتَ منهنَّ ممن عَزَلتَ؛ تفضُّلًا منه عليك بذلك وتكرمةً. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾. يقولُ: وكان اللهُ ذا علمٍ بأعمالِ عبادِه، وغيرِ ذلك مِن الأشياءِ كلِّها، ﴿حَلِيمًا﴾. يقولُ: ذا حِلْمٍ على عبادِه، أن يُعاجِلَ أهلَ الذنوبِ منهم بالعقوبةِ، ولكنه ذو حِلْمٍ وأَناةٍ عنهم؛ ليتوبَ مَن تاب منهم، ويُنيبَ مِن ذنوبه مَن أناب منهم.\n\n<span id=\"aya-3585\"></span><span data-type='title' id=toc-7433>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لا يحلُّ لك النساءُ مِن بعدِ نسائِك اللاتي خَيَّرْتهنَّ، فاختَرن الله ورسولَه والدارَ الآخرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7432>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن","vol":"19","page":146},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية إلى: ﴿رَقِيبًا﴾. قال: نهى رسولُ اللهِ ﷺ أن يتزوجَ بعدَ نسائِه الأوَلِ شيئًا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ إلى قولِه: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾. قال: لما خيَّرهن، فاخترْنَ اللَّهَ ورسولَه والدارَ الآخرةَ قصَره عليهن، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾. وهُنَّ التسعُ اللاتى اخترْنَ اللَّهَ ورسولَه (^٢).\nوقال آخرون: إنما معنى ذلك: لا يحِلُّ لك النساءُ بعدَ التي أَحْلَلْنا لك بقولِنا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قولِه: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾. وكأن قائلى هذه المقالة وجَّهوا الكلامَ إلى أن معناه: لا يحِلُّ لك مِن النساءِ إلا التي أَحْلَلْناها لك.\n\n<span data-type='title' id=toc-7434>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن محمدِ بن أبي موسى، عن زيادٍ، قال لأبي بن كعبٍ: هل كان للنبيِّ ﷺ لو مات أزواجُه أن يتزوَّج؟ قال: ما كان يحرِّمُ عليه ذلك؟ فقرأتُ عليه هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾. قال: فقال: أحلَّ له ضربًا مِن النساءِ، وحرَّم عليه ما سواهن، أحلَّ له كلَّ امرأةٍ أتى أجرها، وما ملكت يمينُه مما أفاء اللهُ عليه، وبناتِ عمِّه، وبناتِ عمّاتِه، وبناتِ خاله، وبناتِ خالاتِه، وكلَّ امرأةٍ وهَبت نفسَها له، إن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٢ إلى ابن مردويه.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٣٦٦.","vol":"19","page":147},{"text":"أراد أن يستنكحها، خالصةً له مِن دونِ المؤمنين.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن محمدِ بن أبى موسى، عن زيادٍ الأنصاريِّ، قال: قلت لأبيِّ بن كعبٍ: أرأيت لو مات نساءُ النبيِّ ﷺ، أكان يحلُّ له أن يتزوَّجَ؟ قال: وما يحرِّمُ ذلك عليه؟ قال: قلت: قولُه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾. قال: إنما أحلَّ اللهُ له ضربًا مِن النساءِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي موسى، عن زيادٍ، رجلٍ مِن الأنصارِ، قال: قلت لأبي بن كعبٍ: أرأيتَ لو أن أزواجَ النبيِّ ﷺ تُوُفِّين، أما كان له أن يتزوَّجَ؟ فقال: وما يمنَعُه مِن ذلك؟ - وربما قال داودُ: وما يحرِّمُ عليه ذلك؟ - قلت: قولُه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾. فقال: إنما أحلَّ اللهُ له ضربًا مِن النساءِ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾. ثم قيل له: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّامُ بن سَلْمٍ، عَن عَنْبسَةَ، عَمِن ذَكَره، عن أبي صالحٍ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾. قال: أُمِر أن لا يتزوَّجَ أعرابيةً ولا عربيَّةً (^٣)، ويتزوَّجَ بعدُ مِن نساءِ تهامةَ، ومن شاء مِن بناتِ العمِّ والعمَّةِ، والخالِ والخالةِ، إن شاء ثلاثمائةٍ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد اللهُ بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ٣٢ (الميمنية) من طريق يزيد بن زريع وعبد الأعلى به، وأخرجه ابن سعد ٨/ ١٩٦، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٩، والدارمي ٢/ ٢٥٣، ١٥٤، والطحاوي في مشكل الآثار ١/ ٤٥٤ عقب ح (٥٢٤) مِن طريق داود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١١ إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٣٩، وأخرجه الضياء في المختارة (١١٧١) من طريق ابن علية به.\n(^٣) في م، وتفسير ابن كثير: \"غريبة\".\n(^٤) ذكره البغوي في تفسير ٦/ ٣٦٧، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٣٩.","vol":"19","page":148},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عكرمة: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [قال: لا يحلُّ لك النساءُ مِن بعدِ] (^١) هؤلاء اللاتى سمَّى اللَّهُ إلا ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾ الآية (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيد، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾. يعنى: مِن بعدِ التسميةِ. يقولُ: لا يحِلُّ لك امرأةٌ إلا ابنةُ عمٍّ أو ابنةُ عمةٍ، أو ابنةُ خالٍ أو ابنه خالةٍ، أو امرأةٌ وهبت نفسَها لك، مِن كان منهن هاجَر مع نبيِّ اللهِ ﷺ، وفي حرفِ ابن مسعودٍ: (وَاللَّاتِى هاجَرْنَ مَعَكَ) (^٣). يعنى بذلك: كلِّ شيءٍ هاجَر معه، ليس مِن بناتِ العمِّ والعمةِ، ولا من بناتِ الخالِ والخالةِ (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يحِلُّ لك النساءِ مِن غيرِ المسلماتِ، فأما اليهوديَّاتُ والنصرانيَّاتُ والمشركاتُ فحرامٌ عليك.\n\n<span data-type='title' id=toc-7435>ذكرُ مِن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾: لا يهوديَّةٌ، ولا نصرانيَّةٌ، ولا كافرةٌ (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١١ إلى المصنف وأبى داود في ناسخه، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٣٩.\n(^٣) القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٤) أخرجه ابن سعد ٨/ ١٩٧ من طريق عبيد به مختصرًا.\n(^٥) أخرجه الطحاوى في مشكل الآثار ١/ ٤٥٤، ٤٥٥ عقب ح (٥٢٤) من طريق ورقاء به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٢٦٩ من طريق ابن أبي نجيح به نحوه، وأخرجه أيضًا من طريق ليث عن مجاهد، وأخرجه ابن سعد ٨/ ١٩٥، ١٩٦، من طريق أبي الصباح عن مجاهد مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٢ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":149},{"text":"وأولى الأقوالِ عندى بالصحة قولُ مَن قال: معنى ذلك: لا يحِلُّ لك النساءُ مِن بعدِ اللواتي أحللتُهن لك بقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾.\nوإنما قلت ذلك أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لأن قولَه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ عَقِيبَ قوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا﴾. وغيرُ جائز أن يقولُ: قد أَحْلَلتُ لك هؤلاء، ولا يحلُلْنَ لك، إلَّا بنسخِ أحدِهما صاحبَه، وعلى أن يكونَ وقتَ فرض إحدى الآيتين، فعَلَ (^١) الأخرى منهما. فإذ كان ذلك كذلك، ولا برهانَ ولا دلالةَ على نسخِ حكمِ إحدى الآيتين حكمَ الأخرى، ولا تقدُّم تنزيل إحداهما قبلَ صاحبتها، وكان غيرَ مستحيلٍ مخرجُهما على الصحةِ، لم يجْز أن يقالَ: إحداهما ناسخةٌ الأخرى. وإذ كان ذلك كذلك، ولم يكنْ لقول مِن قال: معنى ذلك: لا يحلُّ مِن بعدِ المسلمات، يهوديةٌ ولا نصرانيةٌ ولا كافرةٌ، معنًى مفهومٌ؛ إذ كان قولُه: ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ إنما معناه: مِن بعدِ المسمَّيات المتقدِّمِ ذكرُهن في الآيةِ قبلَ هذه الآيةِ، ولم يكنْ في الآيةِ المتقدِّمِ فيها ذكرُ المسمَّياتِ بالتحليلِ لرسول الله ﷺ ذكرُ إباحةِ المسلمات كلِّهن، بل كان فيها ذكرُ أزواجهِ وملكِ يمينهِ الذي يُفيءُ اللَّهُ عليه، وبناتِ عمِّه وبناتِ عماتهِ، وبناتِ خالِه وبناتِ خالاتِه، اللاتى هاجرْنَ، معه، وامرأةٍ مؤمنةٍ إن وهبَت نفسَها للنبيِّ - فتكونَ الكوافر مخصوصاتٍ بالتحريمِ - صحَّ ما قلْنا في ذلك دونَ قولِ مَن خالف قولنَا فيه.\nواختلَفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ ﴿يَحِلُّ﴾ بالياء (^٢)، بمعنى: لا يحلُّ لك شيءٌ مِن النساءِ\n_________\n(^١) فعل: أي تقدم وسبق.\n(^٢) هي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٢٣.","vol":"19","page":150},{"text":"بعدُ. وقرأ ذلك بعضُ قرأةِ أهل البصرةِ: (لا تَحِلُّ لَكَ النَّسَاءُ) بالتاءِ (^١)، توجيهًا منه إلى أنه فعلٌ للنساءِ، والنساءُ جمعٌ للكثيرِ منهن.\nوأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك: قراءةُ مِن قرأه بالياءِ (^٢)؛ للعلة التي ذكرتُ لهم، ولإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ على القراءةِ بها، وشذوذِ مِن خالفهم في ذلك.\nوقولُه: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، فقال بعضُهم: معنى ذلك: لا يحلُّ لك النساءِ مِن بعدِ المسلماتِ، لا يهوديةٌ ولا نصرانيةٌ ولا كافرةٌ، ولا أن تَبدَّلَ بالمسلماتِ غيرَهن مِن الكوافرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7436>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾: ولا أن تَبدَّلَ بالمسلماتِ غيرَهن مِن النصارى واليهودِ والمشركين، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي رزينٍ في قولِه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾. قال: لا يحلُّ لك أن تتزوَّجَ مِن المشركاتِ إلا مِن سَبَيْتَ، فملَكَتْه يمينُك منهن (^٤).\n_________\n(^١) وهى قراءة أبي عمرو بن العلاء. المصدر السابق.\n(^٢) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٥١، ومن طريقه الطحاوى في المشكل ١/ ٤٥٤، ٤٥٥ بعد رقم (٥٢٤)، وأخرجه ابن سعد ٨/ ١٩٥، ١٩٦ من طريق أبى الصباح عن مجاهد مطولًا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٩ عن جرير به، وأخرجه ابن سعد ٨/ ١٩٦ من طريق منصور به، وعزاه =","vol":"19","page":151},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا أن تبدَّلَ بأزواجِك اللواتي هن في حبالِك أزواجًا غيرهَن، بأن تطلِّقَهن وتنكِحَ غيرَهن.\n\n<span data-type='title' id=toc-7437>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾. يقولُ: لا يصلُحُ لك أن تطلِّقَ شيئًا مِن أزواجِك ليس يعجبُك، فلم يكنْ يصلُحُ ذلك له.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا أن تبادلَ مِن أزواجك غيرَك، بأن تعطيَه زوجتك، وتأخُذَ زوجتَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7438>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾. قال: كانت العربُ في الجاهليةِ يتبادلون بأزواجِهم، يعطى هذا امرأتَه هذا، ويأخُذُ امرأتَه، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾: لا بأسَ أن تبادِلَ بجاريتِك ما شئتَ أن تُبادِلَ، فأما الحرائرُ فلا، قال: وكان ذلك مِن أعمالِهم في الجاهليةِ (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مِن قال: معنى ذلك: ولا أن تُطلِّقَ أزواجَك، فتستبدلَ بهن غيرَهن أزواجًا.\n_________\n= السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٢ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٣٦٧، وينظر تفسير القرطبي ١٤/ ٢٢٠.","vol":"19","page":152},{"text":"وإنما قلنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لما قد بيَّنا قبلُ مِن أن قولَ الذي قال معنى قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾: لا يحِلُّ لك اليهوديةُ و(^١) النصرانيةُ والكافرةُ - قولٌ لا وجهَ له.\nفإذ كان ذلك كذلك، فكذلك قولُه: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ كافرةً لا معنَى له؛ إذ كان من المسلمات مِن قد حُرِّم عليه بقوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ بالذي (^٢) دللَّنا عليه قبلُ. وأما الذي قاله ابن زيدٍ في ذلك أيضًا، فقولٌ لا معنَى له؛ لأنه لو كان بمعنى المبادلة، لكانت القراءةُ والتنزيلُ: ولا أن تُبادِل بهن مِن أزواج، أو: ولا أن تُبَدِّلَ بهن، بضمِّ التاءِ، ولكنَّ القراءةَ المجمعَ عليها: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ بفتحِ التاءِ، بمعنى: ولا أن تستبدلَ بهن. مع أن الذي ذكرُ ابن زيدٍ مِن فعل الجاهليةِ غيرُ معروفٍ في أمةٍ نعلمه الأممِ، أن يبادِلَ الرجلُ آخرَ [امرأته الحرَّةَ] (^٣) بامرأته الحرَّةِ، فيقالَ: كان ذلك مِن فعلهم، فنُهى رسولُ اللهِ ﷺ عن فعلِ مثلهِ.\nفإن قال قائلٌ: أفلم يكنْ الرسول اللهِ ﷺ أن يتزوَّجَ امرأةً على نسائِه اللواتي كنَّ عندَه، فيكونَ موجهًا تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ إلى ما تأوَّلتَ؟ أو قال: وأينَ ذكرُ أزواجه اللواتى كنَّ عندَه في هذا الموضعِ، فتكونَ الهاءُ مِن قوله: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ مِن ذكرِهن وتوهَّمَ أن الهاءَ في ذلك عائدةٌ على ﴿النِّسَاءُ﴾ في قولِه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾؟\nقيل: قد كان لرسولِ اللهِ ﷺ أن يتزوَّجَ مِن شاء مِن النساءِ اللواتي كان اللهُ\n_________\n(^١) في م: \"أو\".\n(^٢) في م: \"الذي\".\n(^٣) سقط من: م.","vol":"19","page":153},{"text":"أحلَّهن له، على نسائه اللاتى كن عنده يوم نزلت هذه الآيةُ، وإنما نُهى ﷺ بهذه الآية أن يفارق كان عنده بطلاقٍ أراد به استبدال غيرها بها؛ لإعجاب حسن المستبدَلة بها إيَّاه؛ إذ كان الله قد جعَلهن أمهات المؤمنين، وخيَّرهن بين الحياة الدنيا والدار الآخرةِ والرضا بالله ورسوله، فاخَتَرن الله ورسوله والدار الآخرة، فحُرِّمن على غيره بذلك، ومُنع من فراقهن بطلاقٍ، فأما نكاح غيرهن فلم يُمنع منه، بل أحلَّ الله له ذلك، على ما بيَّن في كتابه.\nوقد روى عن عائشة أن النبي ﷺ لم يُقبض حتى أحلَّ اللَّهُ له نساءَ أهل الأرض.\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ، عن عائشة، قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحِلَّ له النساءُ. يعنى أهل الأرضِ.\nحدَّثني عبيد بن إسماعيلَ الهَبَّاريُّ، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن عائشة، قالت: ما مات رسولُ الله ﷺ حتى أُحِلَّ له النساءُ (^١).\nحدَّثنا العباس بن أبى طالب، قال: ثنا مُعَلى، قال: ثنا وهيبٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن عُبيد بن عُمير الليثيِّ، عن عائشةَ، قالت: ما تُوفِّى رسولُ الله ﷺ حتى أُحِلَّ له أن يتزوَّجَ من النساءِ ما شاء (^٢).\nحدَّثني أبو زيد عمرُ بنُ شَبَّةَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ابن جريج، عن عطاء،\n_________\n(^١) أخرجه الحميدى (٢٣٥)، وأحمد ٦/ ٤١ (الميمنية) به والترمذى (٣٢١٦)، والنسائى (٣٢٠٤)، وفى الكبرى (٥٣١١)، والطحاوى في المشكل (٥٢١)، والبيهقى ٧/ ٥٤ من طريق سفيان به.\n(^٢) أخرجه الدارمى ٢/ ١٥٤ من طريق المعلى به، وأخرجه أحمد ٦/ ١٨٠ (الميمنية)، والنسائى (٣٢٠٥)، والطحاوى في مشكل الآثار (٥٢٢)، والحاكم ٢/ ٤٣٧، والبيهقى ٧/ ٥٤، من طريق وهيب به.","vol":"19","page":154},{"text":"قال: أحسَبُ عبيد بن عُمير حدَّثنى - قال أبو زيد: وقال أبو عاصمٍ مرة - عن عائشة، قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحلَّ الله له النساءَ. قال: وقال أبو الزُّبير: شهدتُ رجلًا يحدِّثه عطاءٌ (^١).\nحدثنا أحمدُ بن منصورٍ، قال: ثنا، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا همامٌ، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة، قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى حلَّ له النساءُ.\nفإن قال قائلٌ: فإن كان الأمر على ما وصفت، من أن اللَّهَ حَرَّم على نبيِّه بهذه الآية طلاق نسائه اللواتى خيَّرهن فاخْتَرْنَه، فما وجه الخبر الذي رُوى عنه، أنه طلَّق حفصة ثم راجعها، وأنه أراد طلاق سَوْدةً، حتى صالحته على ترك طلاقه إيَّاها، ووهَبَت يومَها لعائشة؟ قيل: كان ذلك قبل نزول هذه الآية.\nوالدليل على صحة ما قلنا، من أن ذلك كان قبل تحريم الله على نبيِّه طلاقهن، الروايةُ الواردةُ أن عمر دخل على حفصة معاتبها (^٢)، حين اعتزل رسولُ اللهِ ﷺ نساءه، كان من قيله لها: قد كان رسولُ اللهِ طلقك (*)، فكلّمته فراجعك، فوالله لئن طلقك - أو لو كان طلَّقك - لا كلَّمتُه فيك (^٣). وذلك لا شكَّ قبل نزولِ\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوى (٥٢٣) من طريق أبي عاصم به بدون ذكر عبيد ابن عمير، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج به، وعنه أحمد ٦/ ٢٠١ (الميمنية)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٢ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه وأبى داود في ناسخه.\n(^٢) في م، ت ١: \"معاقبها\".\n(*) من هنا خرم في مخطوط دار الكتب المصرية المشار إليه بـ \"ص\" وينتهى في ص ٥٧٥.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٤٧٩/ ٣٠)، وابن حبان (٤١٨٨) كلاهما من حديث ابن عباس عن عمر، مطولًا بنحوه.","vol":"19","page":155},{"text":"آية التخيير؛ لأن آيةَ التخيير إنما نزلت حين انقضى وقت يمين رسول الله ﷺ على اعتزالهن.\nوأما أمرُ الدلالة على أن أمرَ سَوْدةَ كان قبل نزول هذه الآية، أن اللَّهَ إنما أمر نبيَّه بتخيير نسائه بين فراقه والمُقام معه على الرضا بأن لا قَسْمَ لهن، وأنه يُرْجِى من يشاءُ منهن، ويُؤوى منهن من يشاءُ، ويُؤْثِرُ من شاء منهن على من شاء، ولذلك قال له تعالى ذكره: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾. ومن المحال أن يكون الصلحُ بينها وبين رسول الله ﷺ جرى على تركها يومها لعائشةَ في حالِ لا يومَ لها منه.\nوغيرُ جائزٍ أن يكونَ كان ذلك منها إلا في حال كان لها منه يومٌ، هو لها حقٌّ، كان واجبًا على رسول الله ﷺ أداؤه إليها، ولم يكن ذلك لهن بعد التخيير؛ لما قد وصفتُ قبلُ فيما مضى من كتابنا هذا (^١). فتأويلُ الكلام: لا يحلُّ لك يا محمدُ النساءُ من بعدِ اللواتى أَحْلَلْتُهن لك في الآية قبلُ، ولا أن تُطلِّق نساءَك اللواتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فتبدل بهن من أزواجٍ، ولو أَعْجَبك حسنُ من أردتَ أن تبدَّل به منهن، إلا ما ملكت يمينُك.\nو﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾. رفعٌ؛ لأن معناها: لا يحلُّ لك النساءُ من بعدُ، ولا الاستبدالُ بأزواجك. و﴿إِلَّا﴾ في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾. استثناءٌ من النساء. ومعنى ذلك: لا يحلُّ لك النساءُ من بعدِ اللواتى أَحْلَلْتُهن لك، إلا ما ملكت يمينُك من الإماء، فإن لك أن تملك من أي أجناس الناسِ شئت من الإماء.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ١٣٨ - ١٤٦.","vol":"19","page":156},{"text":"وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾. يقولُ: وكان الله على كلِّ شيءٍ، ما أحل لك وحرَّم عليك، وغير ذلك من الأشياء كلِّها، حفيظًا لا يعزُبُ عنه علمُ شيءٍ من ذلك، ولا يؤوده حفظ ذلك كلِّه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾. أي: حفيظًا في قول الحسن وقتادة (^١).\n\n<span id=\"aya-3586\"></span><span data-type='title' id=toc-7439>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لأصحاب رسول الله ﷺ: يأيُّها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تدخلوا بيوتَ نبيِّ الله إلا أن تُدْعَوْا إلى طعام تَطْعَمُونه، ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. يعنى: غير مُنتظرين إدراكه وبلوغه، وهو مصدرٌ من قولهم: قد قد أَنَى هذا الشيءُ يَأنِي إنًى وَأَنْيًا وَأَنَاء. قال الحُطَيئةُ (^٢):\nوآنيْتُ العَشاء إلى سُهَيْلٍ … أو الشِّعْرَى فَطال بى الأناءُ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٠٠، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٥٤ (٧٠٥٧) عن معمر عن قتادة بدون ذكر الحسن.\n(^٢) ديوانه ص ٩٨.","vol":"19","page":157},{"text":"وفيه لغةٌ أُخرى، يقالُ: قد آن لك؛ [أي: يَئينُ لك] (^١) أَيْنا، ونال لك، وأنالَ لك. ومنه قولُ رُؤبَةَ بن العَجّاجِ (^٢).\nهاجَتْ وَمِثْلِى نَوْلُه أَن يَرْبَعا (^٣) … حمامةٌ هاجَتْ (^٤) حمامًا سُجَّعًا\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7440>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. قال: مُتَحَيِّنين نُضْجَه (^٥).\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه: عن ابن عباس: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. يقولُ: غير ناظرين الطعامَ أَن يُصْنَعَ (^٦).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. قال: غير مُتحَيِّنين طعامه.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة مثله (^٧).\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"أي تبين لك\"، وفى ت ٢: \"أن تبين لك\". والمثبت كما في التبيان في تفسير غريب القرآن، ١/ ٣٤١، وتفسير البغوي ٣/ ٥٤٠.\n(^٢) ديوانه ص ٨٧.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"يرتعا\".\n(^٤) في م: \"ناحت\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٥٥١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٤ إلى الفريابى وابن أبي شيبة وابن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٣٧٠، والقرطبى في تفسيره ١٤/ ٢٢٥، بنحوه.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢١ عن معمر به، وعزاء السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٣ إلى عبد بن حميد.","vol":"19","page":158},{"text":"ونصْبُ ﴿غَيْرَ﴾ في قولِه: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. على الحالِ من الكافِ والميمِ في قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾. لأن الكافَ والميمَ معرفةٌ، و\"غيرَ\" نكرةٌ، وهي من صفةِ الكافِ، والميمِ.\nوكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: لا يجوزُ في \"غيرُ\" الجرُّ على الطعامِ، إلا أن تقولَ: أنتم. ويقولُ: ألا ترى أنك لو قلت: أبدَى لعبدِ اللَّهِ على امرأةٍ مُبغضًا لها. لم يكَنْ فيه إلا النصبُ، إلا أن تقولَ: مُبْغِضٍ لها هو. لأنك إذا أجريتَ صفتَه عليها، ولم تُظهرِ الضميرَ الذي يدُلُّ على أن الصفةَ له، لم يكنْ كلامًا، لو قلتَ: هذا رجلٌ مع امرأةٍ مُلازمِها. كان لحنًا، حتى ترفَعَ فتقولَ: ملازِمُها. أو تقولَ: مُلازمِها هو. فنجُر.\nوَكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يقول (^١): لو جعَلتَ \"غيرَ\" في قولِه: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. خَفْضًا كان صوابًا؛ لأن قبلَها الطعامَ وهو نكرةٌ، فيُجعَلُ فعلُهم تابعًا للطعامِ، لرجوعِ ذكرِ الطعامِ في \"إناهُ\"، كما تقولُ العربُ: رأيتُ زيدًا مع امرأةٍ مُحسِنًا إليها، ومُحسنِ إليها. فمن قال: محسنًا، جعَله من صفةِ زيدٍ، ومَن خفَضه فكأنه قال: رأيتُ زيدًا مع التي يُحسِنُ إليها. فإذا صارت الصلةُ للنكرةِ أتبعَتْها، وإن كانت فعلًا لغيرِ النكرةِ، كما قال الأعشى (^٢):\nفَقُلْتُ له هذه هاتِها … إِلَيْنَا بِأَدْمَاءَ مُقْتَادِها\nفجعَل المقتادَ تابعًا لإعرابِ \"بأدماءَ\"؛ لأنه بمنزلةِ قولِك: بأدماءَ تقتادُها. فخفَضَه؛ لأنه صلةٌ لها. قال: وقد يُنْشَدُ: \"بأدماءِ مقتادِها\". بخفضِ الأدماءِ،\n_________\n(^١) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٤٦، ٣٤٧.\n(^٢) ديوانه ص ٦٩.","vol":"19","page":159},{"text":"لإضافتِها إلى المقتادِ، قال: ومعناه: هاتِها على يَدَى مَن اقتادَها. وأنشَد أيضًا (^١):\nوإنَّ امْرَأً أَهْدَى إِلَيْكِ ودُونَه … مِن الأَرْضِ مَوْمَاةٌ وبَيْداءُ فَيْهَقُ\nلمَحَقْوقَةٌ أَنْ تَسْتَجيبى لِصَوْتِه … وأن تَعْلَمى أَنَّ المُعَانَ مُوَفَّقُ\nوحُكِى عن بعضِ العربِ سماعًا يُنْشِدُ:\nأرأيْتِ إِذْ أَعْطَيْتُكِ الوُدَّ كُلَّه … ولمْ يَكُ عِنْدِى إِنْ أَبَيْتِ إباءُ\nأمُسْلِمَتِى لِلْمَوْتِ أَنْتِ فَمَيِّتٌ … وَهَل لِلنُّفُوسِ المُسْلَماتِ بَقاءُ\nولم يُقلْ: فميِّتٌ أنا. وقال الكسائيُّ: سمِعتُ العربَ تقولُ: يدُكَ باسِطُها. يريدونَ أنت، وهو كثيرٌ في الكلامِ، قال: فعلَى هذا يجوزُ خفضُ \"غيرُ\".\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا القولُ بإجازةِ جرِّ ﴿غَيْرَ﴾ في: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ في الكلامِ، لا في القراءةِ؛ لما ذكَرنا من الأبياتِ التي حكَيْناها، فأما في القراءةِ فغيرُ جائزٍ في: ﴿غَيْرَ﴾ غيرُ النصبِ؛ لإجماع الحجة من القرأةِ على نصبِها.\nوقولُه: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾. يقولُ: ولكن إذا دعاكم رسولُ الله ﷺ فادخُلوا البيتَ الذي أذِن لكم بدخولِه، ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾. يقولُ: فإذا أكَلتُم الطعامَ الذي دُعِيتُم لأكْلِه فانتشِروا، يعنى فتَفرَّقوا واخرُجوا من منزلِهِ، ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: لا تدخُلوا بيوتَ النبيِّ إلا أن يؤذَنَ لكم إلى طعامٍ غيرَ ناظرين إناهُ وغيرَ مستأنسينَ لحديثٍ] (^٢). وقولُه: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾. في موضعِ خَفْضٍ عطفًا به على ﴿نَاظِرِينَ﴾، كما يقالُ في الكلامِ: أنت غيرُ ساكتٍ ولا ناطقٍ. وقد يَحتمِلُ أن\n_________\n(^١) تقدم تخريجهما في ١٧/ ٥٤٦.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"19","page":160},{"text":"يقالَ: ﴿مُسْتَأْنِسِينَ﴾. في موضعِ نَصْبٍ عطفًا على معنى ﴿نَاظِرِينَ﴾؛ لأن معناه: إلا أن يؤذَنَ لكم إلى طعامٍ لا ناظرين إناهُ، فيكونَ قولُه: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ﴾. نصبًا حينئذٍ. والعربُ تفعَلُ ذلك إذا حالت بينَ الأوّلِ والثاني، فترُدُّ الثانيَ (^١) أحيانًا على لفظِ الأوّلِ، وأحيانًا على معناه، وقد ذكَر الفرَّاءُ أن أبا القمقامِ أنشدَه (^٢):\nأجِدَّك لَسْت الدَّهْرَ رَائِىَ رَامَةٍ (^٣) … ولا عاقِلٍ (^٤) إِلَّا وأَنْتَ جَنِيبُ (^٥)\nولَا مُصْعِدٍ في المُصْعِدِينَ لِمَنْعِجٍ (^٦) … ولا هابطٍ (^٧) ما عشْتَ هَضْبَ شَطِيبٍ (^٨)\nفردَّ مُصعِدٍ على أن رائىَ فيه باءٌ خافضةٌ، إذ حال بينَه وبينَ المُصْعِدِ بما حالَ بينَهما من الكلامِ.\nومعنى قولِه: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾: ولا مُتحَدِّثين بعدَ فراغِكم من أكلِ الطعامِ؛ إيناسًا من بعضِكم لبعضٍ به.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ بعدَ أن تأكُلوا (^٩).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٤٨.\n(^٣) رامة: منزل بينه وبين الرمادة ليلة في طريق البصرة إلى مكة. معجم البلدان ٢/ ٧٣٨.\n(^٤) عاقل: واد لبنى أبان بن دارم من دون بطن الرمة. معجم البلدان ٣/ ٥٨٩.\n(^٥) جنيب: كأمير، ورجل جنيب: كأنه يمشى في جانب متعقبًا. التاج (ج ن ب).\n(^٦) منعج: واد يأخذ بين حفر أبى موسى والنباج ويدفع في بطن فلج. معجم البلدان ٤/ ٦٦٦.\n(^٧) في م: \"هابطًا\".\n(^٨) شطيب: جبل.\n(^٩) تفسير مجاهد ص ٥٥١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٤ إلى الفريابى وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":161},{"text":"واختلَف أهلُ العلمِ في السببِ الذي نزَلت هذه الآيةُ فيه؛ فقال بعضُهم: نزلت بسببِ قومٍ طَعِموا عندَ رسولِ الله ﷺ في وليمةِ زينبَ بنتِ جَحْشٍ، ثم جلَسوا يتحدَّثون في منزلِ رسول الله ﷺ، وبرسول الله ﷺ إلى أهلِه حاجةٌ، فمنَعه الحياءُ من أمْرِهم بالخروجِ من منزلِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7441>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عمرانُ بنُ موسى القزازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ صُهَيبٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: بَنى رسولُ الله ﷺ بزينبَ بنتِ جَحْشٍ، فَبُعِثْتُ داعيًا إلى الطعامِ، فدعوتُ، فيجئُ القومُ يأكلون ويخرُجون، ثم يجِيءُ القومُ يأكلون ويخرُجون، فقلتُ: يا نبيَّ الله قد دَعوتُ حتى ما أجِدُ أحدًا أَدْعُوه. قال: \"ارفَعوا طعامَكم\". وإن زينبَ الجالسةٌ في ناحيةِ البيتِ، وكانت قد أُعطِيتْ جمالًا، وبقِىَ ثلاثةُ نفَرٍ يتحدَّثون في البيتِ، وخرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ مُنطلِقًا نحوَ حجرةِ عائشةَ، فقال: \"السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ\". فقالوا: وعليك السلامُ يا رسولَ اللَّهِ، كيف وجَدتَ أهلَك؟ قال: فأتى حُجَرَ نسائِه، فقالوا مثَل ما قالت عائشةُ، فرجَع النبي ﷺ، فإذا الثلاثةُ يتحدَّثون في البيتِ، وكان النبيُّ ﷺ شديدَ الحياءِ، فخرَج النبيُّ ﷺ مُنطلقًا نحوَ حجرةِ عائشةَ، فلا أدرِى أخبَرتْه، أو أُخبِر أن الرهطَ قد خرَجوا، فرجَع حتى وضَع رجلَه في أُسْكُفَّةٍ (^١) داخلَ البيتِ، والأخرَى خارِجَه، إِذ أَرْخَى السَّترَ بينى وبينَه، وأُنزِلت آيةُ الحجابِ (^٢).\nحدَّثني أبو معاويةَ بشرُ بنُ دِحيةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن أنسِ بن\n_________\n(^١) الأُسكفة: عتبة الباب التي يوطأ عليها. اللسان (س ك ف).\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١٠١٠١) عن عمران بن موسى به، وأخرجه البخاري (٤٧٩٣) من طريق عبد الوارث به.","vol":"19","page":162},{"text":"مالكٍ، قال: سأَلنى أُبيُّ بنُ كَعْبٍ عن الحجابِ، فقلتُ: أنا أعلَمُ الناسِ به، نزَلت في شأنِ زينبَ؛ أَوْلَم النبيُّ ﷺ عليها بتمرٍ وسَوِيقٍ، فنزَلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (^١).\nحدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثني عمى، قال: أخبَرني يونسُ، عن الزهريِّ، قال: أخبَرنى أنسُ بنُ مالكٍ، أنه كان ابنَ عشْرِ سنينَ مَقْدَمَ رسولِ الله ﷺ إلى المدينةِ، فكنتُ أعلَمَ الناسِ بشأنِ الحجابِ حينَ أُنزِلَ، [لقد كان أي: أبيُّ بنُ كعبٍ يسألُنى عنه. قال: وكان أولَ ما أُنزِلَ] (^٢) فِي مُبْتَنَى رسولِ اللَّهِ ﷺ بزينبَ بنتِ جَحْشٍ؛ أصبَح رسولُ الله ﷺ بها عَرُوسًا، فدعا القومَ، فأَصابوا من الطعامِ ثم (^٣) خرَجوا، وبَقِيَ منهم رَهْطٌ عندَ رسولِ الله ﷺ، فأطالوا المُكْثَ، فقامَ رسولُ اللَّهِ ﷺ فخرَج، وخرَجتُ معه، لكي يخرُجوا، فمشَى رسولُ اللهِ ﷺ ومشَيْتُ معه، حتى جاء عَتَبةَ حجرةِ عائشةَ زَوْحِ النبيِّ ﷺ، ثم ظَنَّ رَسولُ اللَّهِ ﷺ أنهم قد خرَجوا، فرجَع ورَجَعْتُ معه، حتى دخَل على زينبَ، فإذا هم جلوسٌ لم يقوموا، فرجَع رسولُ اللهِ ﷺ، ورجَعْتُ معه، فإذا هم قد خرَجوا، فضرَب بينى وبينَه سِترًا، وأُنزِل الحجابُ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، قال: دعوتُ المسلمينَ إلى وليمة رسول الله ﷺ، صبيحةَ بنَى بزينبَ بنتِ جَحْشٍ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/ ١٠٦، ١٧٣، والبخارى (٥٤٦٦)، ومسلم (١٤٢٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٣٠٩٠)، والطبراني ٢٤/ ٤٩ (١٣٠) من طريق الزهرى به.\n(^٢) سقط من: م، ت ١.\n(^٣) في م: \"حتى\".\n(^٤) أخرجه البخارى (٦٢٣٨)، والطبراني ٢٤/ ٤٩ (١٣١) من طريق عبد الله بن وهب به.","vol":"19","page":163},{"text":"فأوسَعهم خبزًا ولحمًا، ثم رجَع كما كان يصنَعُ، فأَتَى حُجَرَ نسائِه فسلَّم عليهنَّ، فَدَعَوْن له، ورجَع إلى بيتِه وأنا معه، فلما انتهَيْنا إلى البابِ إذا رجلان قد جرَى بهما الحديثُ في ناحيةِ البيتِ، فلما أبصَرهما ولَّى راجعًا، فلما رأيا النبيَّ ﷺ ولَّى عن بيتِه، ولَّيا مُسْرِعَين، فلا أَدْرِى أنا أخبَرتُه، أو أُخبِر، فرجَع إلى بيتِه، فأرخَى السِّتْرَ بينى وبينَه، ونزَلت آيةُ الحجابِ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: قلتُ لرسولِ الله ﷺ: لو حَجَبْتَ عن أمهاتِ المؤمنين. فإنه يدخُلُ عليك البَرُّ والفاجِرُ، فنزَلت آيةُ الحجابِ (^٢).\nحدَّثني القاسمُ بنُ بشرِ بن معروفٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: أنا أعلَمُ الناسِ بهذه الآيةِ؛ آيةِ الحجابِ، لمّا أُهدِيَتْ زينبُ إلى رسولِ الله ﷺ صنَع طعامًا، ودَعا القومَ، فجاءوا فدخَلوا، وزينبُ مع رسولِ الله ﷺ في البيتِ، وجعَلوا يتحدَّثون، وجعَل رسولُ الله ﷺ يخرُجُ ثم يدخُلُ وهم قعودٌ، قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ إلى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. قال: فقامَ القومُ، وضُرِب الحجابُ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١٩/ ٨٠ (١٢٠٢٣) من طريق ابن أبي عدى به، وأخرجه ابن سعد ٨/ ١٠٦، ١٠٧، وأحمد ٢٠/ ٣٥٩ (١٣٠٧٢)، والبخارى (٥١٥٤)، والنسائى في الكبرى (٦٩٠٨)، وابن حبان (٤٠٦٢)، والبغوى (٢٣١٣) من طريق حميد به.\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ٢٩٩ (١٦٠) من طريق ابن أبي عدى به، وأخرجه أحمد ١/ ٣٦٣ (٢٥٠)، والنسائي في الكبرى (١٠٩٩٨، ١١٤١٨)، وابن حبان (٦٨٩٦)، وغيرهم من طريق حميد به.\n(^٣) أخرجه ابن سعد ٨/ ١٠٥، ١٠٦، والبخارى (٤٧٩٢)، والطبراني ٢٤/ ٤٨، ٤٩ (١٢٨) من طريق سليمان بن حرب به، وأخرجه أحمد ٢١/ ١٧١ (١٣٥٣٨) من طريق حماد بن زيد به.","vol":"19","page":164},{"text":"حدَّثني عمرُ بنُ إسماعيلَ بن مجالدٍ، قال: ثنا أَبي، عن بيانٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: بنَى رسول الله ﷺ بامرأةٍ من نسائِه، فأرسَلَني، فدعوتُ قومًا إلى الطعامِ، فلما أكَلوا وخرَجوا، قامَ رسولُ الله ﷺ مُنطلقًا قبَلَ بيتِ عائشةَ، فرأى رَجُلَيْن جالِسَيْن، فانصَرف راجعًا، فأنزَل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا المسعوديُّ، قال: ثنا [أبو نَهْشَلٍ] (^٢)، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: أمَر عمرُ نساءَ النبيِّ ﷺ بالحجابِ، فقالت زينَبُ: يا بنَ الخطابِ، إنك لتَغارُ علينا والوحْىُ ينزِل في بيوتِنا. فأنزَل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ مَرزوقٍ، قال: ثنا أَشْهَلُ بنُ حاتمٍ، قال: ثنا ابن عونٍ، عن عمرِو بن سعيدٍ، عن أنسٍ، قال: وكنتُ مع النبيِّ ﷺ، وكان يَمرُّ على نسائِه. قال: فأُتِى بامرأةٍ عَروسٍ، ثم جاءَ وعندَها قومٌ، فانْطلَق فقضَى حاجتَه واحتَبَس، وعادَ وقد خرَجوا، قال: فدخَل، فأَرْخَى بينى وبينَه سِترًا. قال: فحدَّثتُ أبا طلحةَ، فقال: إن كان كما تقولُ، لينزِلَنَّ في هذا شيءٌ، قال: ونزَلت آيةُ الحجابِ (^٤).\nوقال آخرون: كان ذلك في بيتِ أُمِّ سَلَمَةَ.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٢١٩) عن عمر بن إسماعيل به، وأخرجه أحمد ٢١/ ١٥١ (١٣٥٠٢)، والبخارى (٥١٧٠)، والنسائى في الكبرى (١١٤١٧) من طريق بيان به.\n(^٢) في م: \"ابن نهشل\"، وينظر تعجيل المنفعة ٢/ ٥٥١.\n(^٣) أخرجه أحمد ٧/ ٣٧٢ (٤٣٦٢)، والبزار (١٧٤٨)، والطبراني (٨٨٢٨) من طريق المسعودى به.\n(^٤) أخرجه الترمذى (٣٢١٧) من طريق أشهل بن حاتم به.","vol":"19","page":165},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7442>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾. قال: كان هذا في بيتِ أَمِّ سَلَمَةَ، قال: أكَلوا، ثم أَطالُوا الحديثَ، فجعَل النبيُّ ﷺ يدخُلُ ويخرُجُ، ويستَحْيى منهم، والله لا يستَحْيى من الحقِّ (^١).\nقال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. قال: بلَغنا أنهنَّ أُمِرن بالحجابِ عندَ ذلك (^١).\nوقولُه: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾. يقولُ: إن دخولَكم بيوتَ النبيِّ، من غيرِ أن يؤذَنَ لكم، وجلوسَكم فيها مُستأنِسين للحديثِ، بعدَ فراغِكم من أكلِ الطعامِ الذي دُعيتم له - كان يؤذِى النبيَّ، فيستَحْيى منكم أن يُخرجَكم منها، إذا قعَدتُم فيها للحديثِ، بعدَ الفراغِ من الطعامِ، أو يمنعَكم من الدخولِ إذا دخَلتم بغيرِ إذنٍ، مع كراهيتِه لذلك منكم، ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقّ﴾ أَن يَتَبَيَّنَ لكم، وإن استَحْيا نبيُّكم (^٢)، فلم يُبَيَّنْ لكم كراهيتَه (^٣) ذلك؛ حياءً منكم، ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. يقولُ: وإذا سألتم أزواجَ رسولِ الله ﷺ ونساءَ المؤمنين اللواتي لَسْنَ (^٤) لكم بأزواجٍ، متاعًا، ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. يقولُ: من وراءِ سِترٍ بينَكم وبينَهن، ولا تدخُلوا عليهن بيوتَهن؛ ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: سؤالُكم إياهن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"منكم محمد\".\n(^٣) في م، ت ١: \"كراهية\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"ليس\".","vol":"19","page":166},{"text":"المتاع، إذا سألتموهن ذلك من وراء حجابٍ - أطهرُ لقلوبكم وقلوبِهن من عوارضِ العين فيها، التي تعرضُ في صدور الرجال من أَمْرِ النساء، وفي صدور النساء من أمر الرجال، وأحْرى من أن لا يكونَ للشيطان عليكم وعليهنَّ سبيلٌ.\nوقد قيل: إن سبب أمرِ اللهِ النساء بالحجاب، إنما كان من أجل أن رجلًا كان يأكُلُ مع رسولِ الله وعائشةُ معهما، فأصابت يدُها يد الرجل، فكره ذلك رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7443>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: أن رسول الله ﷺ كان يَطعَمُ ومعه بعضُ أصحابه، فأصابت يدُ رجلٍ منهم يدَ عائشةَ، فكره ذلك رسولُ اللهِ ﷺ، فنزلت آيةُ الحجاب (^١).\nوقيل: نزلت من أجل مسألة عمر رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7444>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيب ويعقوبُ، قالا: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا حميدٌ الطويلُ. عن أنسٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطاب: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إن نساءك يدخُلُ عليهنَّ البرُّ والفاجِرُ، فلو أَمَرتَهن أن يحتَجِبْنَ؟ قال: فنزلت آيةُ الحجاب (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ٢٧١ من طريق المصنف، وأخرجه ابن سعد ٨/ ١٧٥ من طريق أبى الصباح عن مجاهد، وأخرجه البخارى في الأدب المفرد (١٠٥٣)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٤٤٥ وغيره من طريق أبى الصباح أيضًا، عن مجاهد، عن عائشة قولها، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/ ١٧٥ من طريق إسحاق بن يحيى عن مجاهد عن ابن عباس به.\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٦١١) عن يعقوب به، وأخرجه أحمد ١/ ٢٩٧ (١٥٧)، والبخارى (٤٠٢، ٤٩١٦)، وابن ماجه (١٠٠٩)، والترمذى (٢٩٦٠) من طريق هشيم به.","vol":"19","page":167},{"text":"حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عليَّةَ، قال: ثنا حميدٌ، عن أنس، عن النبيِّ ﷺ بنحوه.\nحدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنى عمِّي (^١) عبدُ اللَّهِ بنُ وَهْبٍ، قال: ثنى يونسُ، عن الزهرى، عن عروة، عن عائشةَ، قالت: إن أزواج النبيِّ ﷺ كُنَّ يَخرُجن بالليل إذا تبرّزْنَ إلى المناصع، وهو صعيدٌ أفيحُ، وكان عمر يقولُ لرسول الله ﷺ: احجب نساءَك. فلم يكُن رسولُ الله ﷺ، يفعَلُ، فخرَجتْ سَوْدة بنت زمعةَ، زوجُ النبيَّ ﷺ، وكانت امرأةً طويلةً، فناداها عمرُ بصوته الأعلى: قد عرفناكِ يا سودةُ. حرصًا أن ينزِلَ الحجاب، قالت (^٢): فأنزل الله الحجاب (^٣).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نميرٍ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: خرجت سَوْدةُ لحاجتها، بعد ما ضُرِب علينا الحجابُ، وكانت امرأةً تَفْرَعُ النساء طولًا، فأبصرها عمرُ، فناداها: يا سوْدَةُ، إنك والله ما تخفين علينا، فانظُرى كيف تخرُجين، أو كيف تصنعين؟ فانكفأت، فرجعت إلى رسول الله ﷺ وإنه ليتعَشَّى، فأخبرته بما كان، وما قال لها، وإن في يدِه لَعَرْقًا (^٤)، فأُوحِى إليه، ثم رفع عنه، وإن العَرْقَ لفى يده، فقال: \"قد أُذِن لكنَّ أن تخرُجنَ لحاجتكنَّ\" (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"عمرو بن\"، وفى ت ١، ت ٢: \"عمر بن\". وقد تقدم السند مرارًا.\n(^٢) في م: \"قال\".\n(^٣) أخرجه أحمد ٦/ ٢٢٣، ٢٧١ (الميمنية)، والبخارى (١٤٦، ٦٢٤٠)، ومسلم (٢١٧٠) من طريق الزهرى به.\n(^٤) العرق: العظم أخذ عنه معظم اللحم وبقى عليه لحوم رقيقة طيبة. اللسان (ع ر ق).\n(^٥) أخرجه أحمد ٦/ ٥٦ (الميمنية)، ومسلم (٢١٧٠) من طريق ابن نمير به، وأخرجه البخارى (٤٧٩٥، ٥٢٣٧)، ومسلم (٢١٧٠)، وابن خزيمة (٥٤)، وغيرهم من طريق هشام بن عروة به.","vol":"19","page":168},{"text":"حدَّثني أحمدُ بن محمدٍ الطوسيُّ، قال: ثنا عبدُ الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا همامٌ، قال: ثنا عطاءُ بن السائب، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: أمر عمرُ نساء النبيِّ ﷺ بالحجاب، فقالت زينبُ: يا بن الخطاب، إنك لتغارُ علينا والوحى ينزِلُ في بيوتنا؟ فأَنزَل اللَّهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (^١).\nحدَّثني أبو أيوبَ البَهْرانيُّ (^٢) سليمانُ بنُ عبدِ الحميد، قال: ثنا يزيدُ بنُ عبدِ ربِّه، قال: ثنى ابن حربٍ، عن الزُّبَيْديِّ، عن الزهريِّ، عن عروة، عن عائشة: أن أزواج النبيِّ ﷺ، كُنَّ يخرُجن بالليل إذا تَبرَّزنَ إلى المناصع، وهو صعيدٌ أفيحُ، وكان عمرُ بن الخطاب يقولُ لرسول الله ﷺ: احجُب نساءَك، فلم يكُن رسولُ اللهِ ﷺ يفعلُ، فخرجت سَوْدةُ بنتُ زَمعة زوج النبيِّ ﷺ ليلةً من الليالى عشاءً، وكانت امرأةً طويلةً، فناداها عمرُ بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سوْدَةُ. حرصًا على أن ينزل الحجابُ، قالت عائشةُ: فأنزل الله الحجاب، قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ (^٣).\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وما ينبغى لكم أن تُؤذوا رسول الله، وما يصلح ذلك لكم، ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾. يقولُ: وما ينبغى لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا؛ لأنهنَّ أمهاتُكم، ولا يحلُّ للرجُل أن يتزوَّج أُمَّه.\nوذُكر أن ذلك نزل في رجُلٍ كان يدخُلُ قبل الحجاب (^٤)، قال: لئن مات محمدٌ لأتزوَّجَنَّ امرأةٌ من نسائه سمَّاها، فأنزل الله ﵎ في ذلك:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص ١٦٥.\n(^٢) في م، ت ١: \"النهرانى\"، وغير منقوطة في ت ٢، والمثبت هو الصواب، وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٢٢.\n(^٣) تقدم تخريجه ص ١٦٨.\n(^٤) بعده في ت ٢: \"على بعض من بينه وبينها قرابة فلما نزلت آية الحجاب\".","vol":"19","page":169},{"text":"﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-7445>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾. قال: رُبَّما بلغ النبيَّ ﷺ أن الرجُل يقول: لو أن له النبيَّ ﷺ تُوفِّي، تَزوَّجتُ فلانةَ من بعده، قال: فكان ذلك يُؤذِى النبيَّ ﷺ، فنزل القرآنُ: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ الآية (^١).\nحدثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أن النبيَّ ﷺ مات وقد ملك قيلة (^٢) بنت الأشعَثِ، فتزوَّجها عكرمةُ بن أبي جهلٍ بعد ذلك، فشقَّ على أبى بكرٍ مشقةً شديدةً، فقال له عمرُ: يا خليفة رسولِ اللَّهِ، إنها ليست من نسائه، إنها لم يخيِّرها رسول الله ﷺ ولم يَحجُبها، وقدَ برَّأَها منه بالردَّةِ التي ارتدَّت مع قومها، فاطمَأَنَّ أبو بكرٍ وسكن (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أن رسول الله ﷺ تُوفِّى وقد ملك (^٤) بنتَ الأشعث بن قيسٍ، ولم يجامعها. فذكر نحوه (^٣).\nوقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾. يقول: إن أذاكُم رسول الله ﷺ، ونكاحكم أزواجه من بعده، عندَ اللَّهِ عظيم من الإثم.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٤٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ٢: \"قبيلة\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٤٦ عن المصنف، وأخرجه أبو نعيم - كما في الإصابة ٨/ ٨٩ - من طريق داود به، وأخرجه ابن سعد ٨/ ١٤٧ من طريق وهيب عن داود قوله. ووقع في طبقات ابن سعد ٨/ ١٤٥، ١٤٧، وتاريخ المصنف ٣/ ١٦٨، والاستيعاب ٤/ ١٩٠٣، والإصابة، ٨/ ٨٨، ٨٩، والسير ٢/ ٢٥٤ وغيرها: قتيلة بنت قيس أخت الأشعث بن قيس.\n(^٤) بعده في ت ٢: \"قبيلة\".","vol":"19","page":170},{"text":"<span id=\"aya-3587\"></span><span data-type='title' id=toc-7447>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: إن تُظهروا بألسنتكم شيئًا أيُّها الناسُ من مراقبة النساء، أو غير ذلك مما قد (^١) نَهاكم عنه، أو أذى لرسول الله ﷺ بقوله (^٢): لأتزوَّجنَّ زوجته بعد وفاته. ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾. يقولُ: أو تُخْفُوا ذلك في أنفُسِكم، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. يقولُ: فإن الله بكلِّ ذلك وبغيره من أموركم وأمور غيركم، عليمٌ لا يخفى عليه شيءٌ، وهو يُجازيكم على جميع ذلك.\n\n<span id=\"aya-3588\"></span><span data-type='title' id=toc-7448>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لا حرج على أزواج رسول الله ﷺ في آبائهنَّ ولا إثمَ.\nثم اختلف أهلُ التأويل في المعنى الذي وضَع عنهنَّ الجُناحَ في هؤلاء؛ فقال بعضُهم: وضَع عنهنَّ الجناحَ في وَضْعِ جلابيبهنَّ عندَهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-7446>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ الآيةِ كُلِّها، قال: أن تضَعَ الجلباب (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"قول\".\n(^٣) ذكره الطوسى في التبيان ٨/ ٣٢٥، وأبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٢٤٨.","vol":"19","page":171},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾. ومَن ذكر معه أن يَرَوْهِنَّ (^١).\nوقال آخرون: وضَع عنهنَّ الجناحَ فيهم (^٢) في تَرْكِ الاحتجاب [منهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-7449>ذكرُ مَن قال ذلك]</span> (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ﴾ إلى: ﴿شَهِيدًا﴾: فرخَّص لهؤلاء أن لا يحتجِبْنَ منهم (^٤).\nوأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ من قال: ذلك وضعُ الجناح عنهنَّ في هؤلاءِ المسمَّيْنَ أَن لا يَحْتَجِبْنَ منهم، وذلك أن هذه الآية عقيب آية الحجاب، وبعد قولِ اللَّهِ: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. فلأنْ (^٥) يكونَ قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾. استثناءً من جملة الذين أمروا بسؤالِهِنَّ المتاع من وراء الحجاب، إذا سألوهنَّ ذلك - أولى وأشبه من أن يكون خبرًا مبتدأ عن غير ذلك المعنى.\nفتأويل الكلام إذن: لا إثم على نساء النبيِّ ﷺ، وأَمَّهاتِ المؤمنين، في إِذْنِهِنَّ لآبائِهِنَّ، وتَرْكِ الحجاب منهنَّ، ولا لأبنائهنَّ، ولا لإخوانهنَّ، ولا لأبناء إخوانهنَّ، وعَنَى بإخوانهنَّ وأبناء إخوانِهِنَّ إخوتهنَّ وأبناءَ إخوتهنَّ - وخرَجَ جَمْعُهم (^٦) كذلك\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٥١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد وأبى داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"فيهن\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) ذكره الطوسى في التبيان ٨/ ٣٢٥، وأبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٢٤٨.\n(^٥) في م: \"فلا\".\n(^٦) في م، ت ١: \"معهم جمع\".","vol":"19","page":172},{"text":"مخرج جمع فتى إذا جُمِعَ فتيانٌ، فكذلك جَمْعُ أخٍ إذا جُمِعَ إخوانٌ. وأما إذا جُمِعَ إخوةٌ، فذلك نظيرُ جَمْعِ فتًى إذا جُمِعَ فتيةٌ - ولا أبناء أخَواتِهِنَّ (^١)، ولم يذكر في ذلك العمَّ، على ما قال الشعبيُّ؛ حِذارًا من أن يصِفَهنَّ لأبنائه.\nحدَّثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا حجاجُ بنُ المنهال، قال: ثنا حمادٌ، عن داودَ، عن الشعبيِّ وعكرمة في قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾. قلتُ: ما شأن العمِّ والخالِ لم يُذْكَرا؟ قالا (^٢): لأنهما يَنْعَتانِها لأبنائهما. وكَرِها أن تضَعَ خِمارها عند خالها وعمِّها (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حمادٌ، عن داود، عن عكرمة والشعبيِّ نحوه، غير أنه لم يذكُر يَنعَتانها.\nوقوله: ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾. يقولُ: ولا جُناح عليهنَّ أيضًا في أن لا يحتجِبْنَ من نساء المؤمنين.\nكما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾. قال: نساء المؤمناتِ الحرائر، ليس عليهنَّ جناحٌ أن يَريْنَ تلك الزينة. قال: وإنما هذا كلُّه في الزينة، قال: ولا يجوزُ للمرأة أن تنظُر إلى شيءٍ من عورة المرأة. قال: ولو نظر الرجلُ إلى فَخِذِ الرجل، لم أرَ به بأسًا. قال: ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾. فليس ينبغى لها أن تكشِفَ قُرْطَها للرجُل. قال: وأما الكُحْلُ\n_________\n(^١) في م: \"إخوانهن\".\n(^٢) في النسخ: \"قال\". والمثبت موافق لما في مصادر التخريج.\n(^٣) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١٦/ ٢٣٠ من طريق المصنف به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٤٦ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٥ إلى ابن المنذر عن عكرمة.","vol":"19","page":173},{"text":"والخاتمُ والخضابُ. فلا بأس به. قال: والزوج له فَضْلٌ، والآباءٌ من وراء الرجُل لهم فَضْلٌ، قال: والآخرون يتفاضلون، قال: وهذا كلُّه يجمعُه ما ظهر من الزينة. قال: وكان أزواج النبيِّ ﷺ لا يحتجِبْنَ من المماليك (^١).\nوقوله: ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ من الرجال والنساء. وقال آخرون: من النساء.\nوقوله: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾. يقولُ: وخِفْنَ اللَّهَ أَيها النساءُ أن تتعدَيْنَ ما حَدَّ اللَّهُ لكُنَّ، فتُبْدِين من زينتكُنَّ ما ليس لكُنَّ أن تبدِينَه، أو تَترُكن الحجاب الذي أمَرَكُنَّ اللَّه بلزومه، إلا فيما أباح لكُنَّ تركه، والْزَمْنَ طاعته. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾. يقول تعالى ذكره: إن الله شاهدٌ على ما تفعَلْنَه من احتجابِكُنَّ، وترككُنَّ الحجاب لمن أَبَحْتُ لكُنَّ ترك ذلك له، وغير ذلك من أمورِكُنَّ، يقولُ: فاتَّقِينَ اللَّهَ في أَنفُسِكُنَّ؛ لا تلقينَ اللَّهَ وهو شاهد عليكم بمعصيته، وخلافِ أمرِه، ونَهيِه، فتَهْلِكنَ، فإنه شاهدٌ على كلِّ شيءٍ.\n\n<span id=\"aya-3589\"></span><span data-type='title' id=toc-7450>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: إن الله وملائكته يُبرِّكون على النبيِّ محمدٍ ﷺ.\nكما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾. يقولُ: يُبَرِّكون (^٢) على النبي (^٣).\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٢٤٨ مختصرًا.\n(^٢) في م: \"يباركون\".\n(^٣) علقه البخارى (٨/ ٥٣٢ - فتح)، وذكره ابن حجر في تغليق التعليق ٤/ ٢٨٦ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"19","page":174},{"text":"وقد يحتَمِلُ أن يقال: إن معنى ذلك: إن الله يرحَمُ النبيَّ، ويدعو له ملائكتُه ويستغفرون. وذلك أن الصلاة في كلام العرب من غير الله إنما هو دعاءٌ. وقد بيَّنا ذلك فيما مضى من كتابنا هذا بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته (^١).\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾: يقول تعالى ذكره: يأيها الذين آمنوا ادعوا لنبيِّ الله محمد ﷺ، وسلِّموا عليه ﴿تَسْلِيمًا﴾. يقولُ: وحَيُّوه تحية الإسلام.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك (^٢)، جاءت الآثارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7451>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عنبسة، عن عثمانَ بن مَوْهَبٍ، عن موسى بن طلحةَ، عن أبيه، قال: أتى رجُلٌ النبيَّ ﷺ، فقال: سمعتُ الله يقولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: \"قُلِ: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمد وعلى آلِ محمدٍ، كما صَلَّيْتَ على إبراهيمَ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على (^٣) إبراهيم، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ\" (^٤).\nحدَّثني جعفر بن محمدٍ الكوفيُّ، قال: ثنا يعلى بنُ الأجلحِ، عن الحكم بن\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٤٨.\n(^٢) بعده في ت ٢: \"قال أهل التأويل\".\n(^٣) بعده في ت ١: \"آل\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٠٧، وأحمد ٣/ ١٦ (١٣٩٦)، والنسائى (١٢٩٠، ١٢٩١)، والبزار (٩٤١، ٩٤٢)، وأبو يعلى (٦٥٢ - ٦٥٤)، والشاشى (٣)، وابن أبي عاصم - كما في الدر المنثور ٥/ ٢١٦ - ومن طريقه الضياء في المختارة (٨٢٤)، وغيرهم، من طريق عثمان بن موهب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن مردويه.","vol":"19","page":175},{"text":"عُتيبة (^١)، عن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، عن كعب بن عُجْرةً، قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، قمتُ إليه، فقلتُ: السلام عليك قد عَرَفناه، فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال: \"قُل: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صَلَّيْتَ على إبراهيم وآل إبراهيمَ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ، وبارك على محمد وعلى آل محمدٍ، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا أبو إسرائيل، عن يونس بن خَبَّابٍ (^٣)، قال: خطَبَنا بفارس فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية. فقال: أنبأنى من سمع ابن عباسٍ يقولُ: هكذا أُنزِل، فقلنا أو قالوا: يا رسولَ اللهِ، قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: \"اللَّهُمَّ صَلِّ على محمد وعلى آل محمدٍ، كما صَلَّيْتَ على إبراهيم وآل إبراهيم، إنَّك حَميدٌ مَجيدٌ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، إنَّك حَميدٌ مَجِيدٌ\" (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن زياد، عن إبراهيم في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾، قالوا: يا رسول الله هذا السلام قد عرفناه، فكيفَ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"عيينة\".\n(^٢) أخرجه عبد بن حميد (٣٦٨)، والترمذى (٤٨٣) من طريق يعلى بن الأجلح به، وأخرجه الطيالسى (١١٥٧)، وعبد الرزاق (٣١٠٥)، وابن أبي شيبة ٢/ ٥٠٧، وأحمد (١٨١٠٤، ١٨١٠٥)، والبخارى (٦٣٥٧)، ومسلم (٤٠٦)، وأبو داود (٩٧٦، ٩٧٧)، وابن ماجه (٩٠٤)، والترمذى (٤٨٣)، والنسائى ٣/ ٤٧، وغيرهم من طريق الحكم بن عتيبة به، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٤٤٩ - من طريق ابن أبي ليلى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٥، ٢١٦ إلى سعيد بن منصور وابن مردويه.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"حباب\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٥٤ عن المصنف.","vol":"19","page":176},{"text":"الصلاةُ عليك؟ فقال: \"قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ عَبْدِكَ ورَسولِك وأَهْلِ بَيْتِه، كما صَلَّيْتَ على إبراهيمَ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ [وبارك عليه وعلى آل بيته، كما باركت على إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ] (^١) \" (^٢).\nحدثني يعقوبُ الدَّورقيُّ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا أيوب، عن محمدِ بن سيرين، عن عبد الرحمن بن بشرِ بن مسعودٍ الأنصاريِّ، قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قالوا: يا رسولَ اللهِ هذا السلامُ قد عرفناه، فكيف الصلاةُ، وقد غفَر اللَّهُ ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟ قال: \"قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ، كما صَلَّيْتَ على آلِ إبراهيم، اللهم بارك على محمدٍ، كما بارَكْتَ على آل إبراهيم\" (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قال: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، قد علمنا السلام عليك، فكيفَ الصلاة عليك؟ قال: \"قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ، كما صَلَّيْتَ على إبراهيم، وبارك على محمدٍ، كما باركت على إبراهيم\". وقال الحسنُ: \"اللهم اجعَلْ صلواتك وبركاتك على آل محمدٍ كما جعلتها على إبراهيم، إنكَ حَميدٌ مجيدٌ\".\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٦ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه النسائي في الكبرى (٩٨٧٩) من طريق ابن سيرين به، وأخرجه أيضًا (٩٨٧٨)، وفي المجتبى (١٢٨٥)، والمزى في تهذيب الكمال ١٦/ ٥٥١ من طريق ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن بشر، عن أبى مسعود مرفوعًا.","vol":"19","page":177},{"text":"<span id=\"aya-3590\"></span><span data-type='title' id=toc-7453>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾.</span>\nيعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾: إن الذين يُؤذون رَبَّهم بمعصيتهم إياه، وركوبهم ما حرَّم عليهم.\nوقد قيل: إنه عنى بذلك أصحاب التصاوير، وذلك أنهم يرومُون تكوين خَلْقٍ مثلَ خَلْقِ اللَّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7452>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني [محمد بنُ سعدٍ] (^١) القرشيُّ، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سلمة بن الحجاج، عن عكرمةَ، قال: الذين يُؤذون الله ورسوله، هم أصحابُ التصاوير (^٢).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾. قال: يا سبحان الله، ما زالَ أُناسٌ ما زالَ أُناسٌ من جهَلَةِ بني آدم حتى تَعاطَوْا أَذَى رَبِّهم، وأمَّا أَذاهم رسول الله ﷺ فهو طَعْنُهم عليه في نكاحه صفية بنتَ حُيَيٍّ، فيما ذُكِرَ.\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن\n_________\n(^١) في ت:١ \"عمر بن سعيد\"، وفى ت:٢: \"عمرو بن سعيد\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٤٨٥ من طريق يحيى بن سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٠ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"19","page":178},{"text":"أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾. قال: نزلت في الذين طعنوا على النبي ﷺ حين اتخذ صفية بنتَ حُيَيّ بن أَخطَبَ (^١).\nوقوله: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾. يقولُ تعالى ذكره: أبعدهم الله من رحمته في الدنيا والآخرة، وأعد لهم في الآخرة عذابًا يُهينُهم فيه بالخلودِ فيه.\n\n<span id=\"aya-3591\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. كان مجاهدٌ يوجِّهُ معنى قولِه: ﴿يُؤْذُونَ﴾ إلى يَقْفُونَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-7454>ذكرُ الرواية بذلك عنه</span>\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾. قال: يَقْفُونَ (^٣).\nفمعنى الكلام على ما قال مجاهدٌ: والذين يَقْفُون المؤمنين والمؤمنات، ويعيبونهم؛ طلبًا لشَيْنهم.\n﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾. يقولُ: بغير ما عملوا.\nكما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ٢: \"يفسقون\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٥٢.","vol":"19","page":179},{"text":"في قوله: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾. قال: عملوا (^١).\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا عَثّامُ بنُ عليٍّ، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، قال: قرأ ابن عمر: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. قال: فكيف إذا أُوذى بالمعروف، فذلك يُضاعَفُ له العذابُ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثَّامُ بنُ عليٍّ، عن الأعمش، عن ثورٍ، عن ابن عمر: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾. قال: كيف بالذي يأتي إليهم المعروف.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ فإيَّاكم وأذَى المؤمن، فإن الله يحوطه، ويغضَبُ له (^٣).\nوقوله: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. يقولُ: فقد احتملوا زُورًا وكَذِبًا وفريةً شنيعةً. والبهتانُ (^٤): أفحَشُ الكذِبِ، ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. يقولُ: وإِثْمًا يَبِينُ لسامعه أنه إثمٌ وزُورٌ.\n\n<span id=\"aya-3592\"></span><span data-type='title' id=toc-7455>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٥٢ وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/ ١٧٧ من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٠ إلى الفريابى وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٠ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في م، ت ١: \"بهتان\".","vol":"19","page":180},{"text":"يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: يأيُّها النبيُّ قُلْ لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين، لا يتشَبَّهْنَ بالإماء في لباسِهِنَّ، إِذا هُنَّ خَرَجنَ من بيوتهنَّ لحَاجَتِهِنَّ، فكشَفْنَ شُعورَهنَّ ووُجوهَهُنَّ، ولكن ليُدنين عليهنَّ من جَلَابِيبِهِنَّ. لئلا يَعرِضَ لهنَّ فاسِقٌ، إذا علم أنهنَّ حرائرُ، بأذًى من قولٍ.\nثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمَرَهُنَّ اللَّهُ به؛ فقال بعضُهم: هو أن يُغَطِّينَ وُجُوهَهُنَّ ورُءُوسَهنَّ، فلا يُبْدِينَ منهنَّ إلا عينًا واحدةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-7456>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: أمَر اللَّهُ نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهنَّ في حاجةٍ، أن يُغَطِّينَ وجوهَهُنَّ من فوقِ رُءُوسِهِنَّ بالجلابيب، ويُبدِينَ عينًا واحدةً (^١).\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن ابن عونٍ، عن محمدٍ، عن عبيدة في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾. فَلَبِسَها عندَنا ابن عونٍ، قال: ولبسها عندنا محمدٌ، قال محمدٌ: ولَبِسَها عندِى عَبيدةُ. قال ابن عون بردائه، فتقنَّع به، فغطَّى أنفه وعينه اليسرى، وأخرج عينه اليمنى، وأدْنى رداءه من فوق حتى جعله قريبًا من حاجبه أو على الحاجب (^٢).\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٣٧٦، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٧١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢١ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٣٧٦، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٧١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢١ إلى المصنف والفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن سيرين به.","vol":"19","page":181},{"text":"حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن ابن سيرين، قال: سألتُ عَبيدة عن قوله: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾. قال: فقال بثوبه، فغطَّى رأسه ووجْهَه، وأبرز ثوبه عن إحْدَى عينيه (^١).\nوقال آخرون: بل أُمرن أن يَشدُدْنَ جلابيبهنَّ على جباههنَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7457>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الله. إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. قال: كانت الحُرَّةُ تلبسُ لباسَ الأَمَةِ، فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهنَّ من جلابيبهنَّ، وإدناء الجلباب: أن تَقَنَّعَ وتَشُدَّ على جبينها (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أَخَذَ اللَّهُ عليهِنَّ إِذا خَرَجْنَ أَن يَقَنَّعْنَ على الحواجب؛ ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾، وقد كانت المملوكة إذا مَرَّت تناولوها بالإيذاء، فنهَى اللَّهُ الحرائرَ أن يتشَبَّهنَ بالإماءِ (^٣).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: يتجَلْبَيْنَ، فيُعلَمُ أَنهنَّ حرائرُ، فَلا يَعْرِضُ\n_________\n(^١) ذكره الطوسى في التبيان، ٨/ ٣٢٧، وأبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٢٥٠.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢١ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢١ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"19","page":182},{"text":"لهنَّ فاسقٌ بأذى، من قول ولا ريبة (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسة، عمَّن حدَّثه، عن أبي صالحٍ، قال: قدم النبيُّ ﷺ المدينة على غيرِ منزلٍ، فكان نساء النبي ﷺ وغيرهنَّ إذا كان الليلُ خَرَجْنَ يقضينَ حوائجهنَّ، وكان رجال يجلسون على الطريق للغزل، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: يَقَنَّعْنَ بالجلباب، حتى تُعرَفَ الأمةُ من الحرَّةِ (^٢).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾. يقول تعالى ذكره: إدناؤُهُنَّ جلابيبَهنَّ إذا أدنَيْنَها عليهنَّ أَقرَبُ وأحرى أن يُعْرَفنَ ممن مَرَرن به، ويعلموا أنهنَّ لَسْنَ بإماءٍ، فيتنكَّبوا عن أذاهنَّ بقول مكروهٍ، أو تَعرُّضٍ بريبةٍ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لما سلف منهنَّ؛ من تركهنَّ إدناءَهُنَّ الجلابيب عليهنَّ، ﴿رَحِيمًا﴾ بهنَّ أن يُعاقِبَهنَّ بعدَ توبتهنَّ، بإدناء الجلابيب عليهنَّ.\n\n<span id=\"aya-3593\"></span><span data-type='title' id=toc-7458>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: لئن لم ينتهِ أهلُ النفاقِ، الذين يَسْتَسِرُّون الكفر ويُظهرون الإيمانَ، ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. يعني: ريبةٌ من شهوة الزِّنا، وحبِّ الفجور.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٥٢، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٧١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٢ إلى الفريابى وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢١ إلى المصنف.","vol":"19","page":183},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7459>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرِو بن عليٍّ، قال: ثنا أبو عبدِ الصمدِ، قال: ثنا مالكُ بنُ دينارٍ، عن عكرِمةَ في قولِه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: هم الزُّناةُ (^١) (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا [عبدُ الأعْلَى، قال: ثنا سعيدٌ] (^٣)، عن قتادةَ (^٤): ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: شهوةُ الزِّنا.\nقال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا [أبو صالحٍ] (^٥) الثمارُ، قال: سمِعتُ عكرِمةَ في قولِه: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: شهوةُ الزِّنا (^٦).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ عمن حدَّثه، عن أبي صالحٍ: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: الزُّناةُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآية، قال: هؤلاءِ صنفٌ من المنافقين، ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أصحابُ الزِّنا، قال: أهلُ الزِّنا مِن أهلِ النفاقِ الذين يَطلبونَ النساءَ، فيبتَغون الزِّنا، وقرَأ: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٣، وابن أبي شيبة ٤/ ٣٣، ٣٤ من طريق مالك بن دينار به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) بعده في ت ١: \"حدثنا ابن بشار، قال حدثنا أبو عبد الصمد القمى، قال: ثنا مالك بن دينار، عن عكرمة نحوه\".\n(^٣) في ت ٢: \"أبو عبد الصمد القمي، قال: حدثنا مالك\".\n(^٤) بعده في ت ٢: \"عن عكرمة\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢: \"محمد بن صالح\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٤ من طريق إسماعيل بن شروس عن عكرمة بلفظ: \"الزناة\".","vol":"19","page":184},{"text":"مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. قال: والمنافقون أصنافٌ عشَرةٌ في \"براءةَ\"، قال: فالذين في قلوبِهم مرضٌ صِنفٌ منهم؛ مرَضٌ من أمرِ النساءِ.\nوقولُه: ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾. يقولُ: وأهلُ الإرجافِ في المدينةِ بالكذبِ والباطلِ.\nوكان إرجافُهم فيما ذُكِر، كالذى حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ الآية، الإرجافُ: الكذبُ الذي كان نافَقَه أهلُ النفاقِ، وكانوا يقولون: أتاكم عَدَدٌ وعُدَّةٌ. وذُكِر لنا أن المنافقين أرادوا أن يُظهِروا ما في قلوبِهم من النفاقِ، فأوعَدهم اللَّهُ بهذه الآيةِ؛ قولِه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآية. فلما أوعَدهم اللَّهُ بهذه الآيةِ، كتَموا ذلك وأسرُّوه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾: هم أهلُ النفاقِ أيضًا الذين يُرْجِفون برسولِ اللهِ ﷺ وبالمؤمنين.\nوقولُه: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾. يقولُ: لتُسلِّطنَّك عليهم، ولتُحَرِّشَنَّك بهم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7460>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾. يقولُ: لنُسلِّطنَّك عليهم (^١).\n_________\n(^١) علقه البخارى (٨/ ٢٣٥ - فتح)، وذكره ابن حجر في تغليق التعليق ٤/ ٢٨٦ عن المصنف بسنده، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":185},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾.\nأي: لنحمِلَنَّك عليهم، لنُحرِّشَنَّك بهم (^١).\nقولُه: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ: ثم لننفِيَنَّهم عن مدينتِك فلا يَسْكنون معك فيها إلا قليلًا من المدةِ والأجلِ، حتى ننفيَهم عنها، فنُخرِجَهم منها.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي بالمدينةِ (^١).\n\n<span id=\"aya-3594\"></span>وقولُه: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مَطرودِينَ مَنْفِيِّين، ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾. يقولُ: حيثُما لُقُوا من الأرضِ. ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا﴾ لكفرِهم باللَّهِ ﴿تَقْتِيلًا﴾.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7461>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَلْعُونِينَ﴾: على كلَّ حالٍ، ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ إذا هم أظهَروا النفاقَ (^١).\nونصْبُ قولِه: ﴿مَلْعُونِينَ﴾. على الشتْمِ (^٢)، وقد يجوزُ أن يكونَ القليلُ من صفةِ الملعونين، فيكونَ قولُه: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ مردودًا على القليلِ، فيكونُ معناه: ثم لا يُجاوِرُونك فيها إلا أقلَّاءَ، مَلْعونين، يُقَتَّلون حيثُ أُصِيبوا (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ٢: \"الشك\".\n(^٣) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٣٨.","vol":"19","page":186},{"text":"<span id=\"aya-3595\"></span><span data-type='title' id=toc-7463>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذين خَلَوْا (^١) قَبْلَ هؤلاء المنافقين الذين في مدينةِ رسولِ اللَّهِ معه، من ضُرَباءِ هؤلاء المنافقين، إذا هم أظهَروا نفاقَهم، أن يُقَتِّلَهم تَقْتِيلًا، ويلعنَهم لعنًا كثيرًا.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7462>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ الآية. يقولُ: هكذا سنةُ اللَّهِ فيهم، إذا أظهَروا النفاقَ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولن تجدَ يا محمدُ لسنةِ اللَّهِ التي سَنَّها في خلْقِه تغييرًا، فأيقِنْ أنه غيرُ مغيِّرٍ في هؤلاء المنافقين سنَّتَه.\n\n<span id=\"aya-3596\"></span><span data-type='title' id=toc-7464>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يسألُك الناسُ (^٣)، يا محمدُ، عن الساعةِ؛ متى هي قائمةٌ؟ قلْ لهم: إنما علمُ الساعةِ عندَ اللَّهِ، لا يعلمُ وقتَ قيامِها غيرُه. ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾. يقولُ: وما أشْعَرك يا محمدُ، لعلَّ قيامَ الساعةِ يكونُ\n_________\n(^١) بعده في م: \"من\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: ت ٢.","vol":"19","page":187},{"text":"منك قريبًا، قد قَرُبَ وقتُ قيامِها، ودنا حينُ مجيئِها.\n\n<span id=\"aya-3597\"></span><span data-type='title' id=toc-7465>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ اللَّهَ أَبعَدَ الكافرين به من كلِّ خيرٍ، وأقصاهم عنه. ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾. يقولُ: وأعدَّ لهم (^١) في الآخرةِ نارًا تَتَّقِدُ وتَتَسَعَّرُ، ليُصْلِيَهموها.\n\n<span id=\"aya-3598\"></span>﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. يقولُ: ماكثين في السعيرِ أبدًا، إلى غيرِ نهايةٍ. ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يتولاهم، فيَسْتنقذَهم من السعيرِ التي أصلاهموها اللَّهُ ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ لم ينصرُهم، فينجِّيَهم من عقابِ اللَّهِ إياهم.\n\n<span id=\"aya-3599\"></span><span data-type='title' id=toc-7466>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لا يجدُ هؤلاء الكافرون وليًّا ولا نصيرًا في يوم تُقَلَّبُ وجوهُهم في النارِ، حالًا بعدَ حالٍ، يقُولونَ، وتلك حالُهم في النارِ: يا ليتَنا كنَّا (^٢) أطَعْنا اللَّهَ في الدنيا، وأطعْنا رسولَه فيما جاءنا به عنه من أمرِه ونهيِه؛ فكنَّا مع أهلِ الجنةِ في الجنةِ، يا لها حسرةً ونَدامةً، ما أعظمَها وأجلَّها.\n\n<span id=\"aya-3600\"></span><span data-type='title' id=toc-7467>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال الكافرون يومَ القيامةِ في جهنمَ: ربَّنا إِنا أَطَعْنا أئمَّتَنَا في الضلالةِ وكبراءَنا في الشركِ، ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾. يقولُ: فأزَالونا (^٣) عن\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"سعيرا\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١.\n(^٣) في ت ٢: \"فاذلونا\".","vol":"19","page":188},{"text":"محَجَّةِ الحقِّ، وطريقِ الهُدى، والإيمانِ بك، والإقرارِ بوحدانيتِك، وإخلاصِ طاعتِك في الدنيا،\n\n<span id=\"aya-3601\"></span>﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. يقولُ: عَذِّبْهُم مِن العذابِ مِثْلَى عذابِنا الذي تُعذِّبُنا، ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾. يقولُ: وأَخْزِهم خِزْيًا كبيرًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7468>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾. أي: رُءُوسَنا في الشرِّ والشركِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾. قال: هم رءوسُ الأممِ الذين أضَلُّوهم. قال: هو ﴿سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ واحدٌ.\nوقرأتْ عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿سَادَتَنَا﴾ (^٢). ورُوِى عن الحسنِ البصريِّ: (سادَاتِنا) على الجماعِ (^٣). والتوحيدُ في ذلك هي القراءةُ عندَنا؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه.\nواختَلفوا في قراءةِ قولِه: ﴿لَعْنًا كَبِيرًا﴾؛ فقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ بالثاءِ: (كَثِيرًا) مِن الكثرةِ (^٤)، سِوى عاصمٍ؛ فإنه قرَأه: ﴿لَعْنًا كَبِيرًا﴾. مِن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وينظر البحر المحيط ٧/ ٢٥٢.\n(^٢) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٥٢٣.\n(^٣) هي أيضًا قراءة يعقوب وابن عامر. ينظر البحر المحيط ٧/ ٢٥٢، والنشر ٢/ ٣٤٩.\n(^٤) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ونافع وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٥٢٣.","vol":"19","page":189},{"text":"الكِبَرِ (^١).\nوالقراءةُ في ذلك عندَنا بالثاءِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليها (^٢).\n\n<span id=\"aya-3602\"></span><span data-type='title' id=toc-7470>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لأصحابِ نبيِّ اللَّهِ ﷺ: يأيُّها الذين آمنوا باللَّهِ ورسولِه، لا تُؤذوا رسولَ اللَّهِ بقولٍ يكرهُه منكم، ولا بفعلٍ لا يحبُّه منكم، ولا تكونوا أمثالَ الذين آذَوا موسى نبيَّ اللَّهِ، فرَمَوه بعيبٍ كذبًا وباطلًا، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا فيه مِن الكذبِ والزُّورِ، بما أظهَر مِن البرهانِ على كذبِهم، ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. يقولُ: وكان موسى عند اللَّهِ مُشَفَّعًا فيما يسألُ، ذا وجهٍ ومنزلةٍ عندَه، بطاعتِه إياه.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ في الأذَى الذي أُوذِى به موسى، الذي ذكَره اللَّهِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: رَمَوه بأنه آدَرُ (^٣). ورُوِى بذلك عن رسولِ اللَّهِ ﷺ خبرٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7469>ذكرُ الروايةِ التي رُوِيت عنه، ومَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ وعبدِ اللَّهِ بن الحارثِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾. قال: قال له قومُه: إنك آدَرُ. قال: فخرَج ذاتَ يومٍ يغتسلُ، فوضَع ثيابَه على صخرةٍ، فخرَجت الصخرةُ تشتدُّ بثيابِه، وخرَج يتبَعُها عُرْيانًا، حتى انتهَت به إلى مجالسِ بني إسرائيلَ، قال: فرَأَوه ليس بآدَرَ، قال: فذلك قولُه:\n_________\n(^١) هي أيضًا قراءة ابن عامر. المصدر السابق.\n(^٢) وقراءة الباء أيضًا متواترة.\n(^٣) الآدَر: المنتفخة خُصيته. ينظر اللسان (أ د ر).","vol":"19","page":190},{"text":"﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ (^١).\nحدَّثني يحيى بنُ داودَ الواسطيُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ يوسفَ الأزرقُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عِكْرمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾. قال: \"قالُوا: هو آدَرُ. قال: فذهَب موسى يغتسلُ، فوضَع ثيابَه على حَجَرٍ، فمرَّ الحجرُ بثيابِه، فتَبِع موسى قفاه، فقال: ثيابي حجرُ. فمرَّ بمجلسِ بنى إسرائيلَ، فرَأَوه، فبرَّأه اللَّهِ مما قالوا، وكان عندَ اللَّهِ وجيهًا\" (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ إلى: ﴿وَجِيهًا﴾. قال: كان أذَاهم موسى [أنهم قالوا: واللَّهِ ما يمنعُ موسى أن يضَعَ ثيابَه عندَنا إلا أنه آدَرُ. فَآذَى ذلك موسى] (^٣)، فبينَما هو ذاتَ يومٍ يغتسلُ وثوبُه على صخرةٍ، فلما قضَى موسى غُسْلَه وذهَب إلى ثوبِه ليأخذَه، انطلقَت الصخرةُ تَسْعى بثوبِه، وانطلَق يَسْعى في أثَرِها، حتى مَرَّتْ على مجلسِ بني إسرائيلَ وهو يطلبُها، فلما رأَوْا موسى ﷺ مُتَجردًا لا ثوبَ عليه، قالوا: واللهِ ما نَرى بموسى بأسًا، وإنه لبرئٌ مما كُنَّا نقولُ له. فقال اللَّهُ: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ الآية. قال: كان موسى رجلًا شديدَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٣٣، ٥٣٤، والحاكم ٢/ ٤٢٢ من طريق أبى معاوية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) ذكره ابن حجر في الفتح ٦/ ٤٣٧، ٤٣٨ عن عكرمة عن أبي هريرة، وعزاه إلى ابن مردويه، وذكره ابن كثير ٦/ ٤٧٤ نقلًا عن المصنف، وعنده عامر الشعبي بدلًا من عكرمة.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٧٤، والقرطبي في تفسيره ١٤/ ٢٥٠.","vol":"19","page":191},{"text":"المحافظة على فَرْجِه وثيابِه. قال: فكانوا يقولون ما يحمِلُه على ذلك إلا عيبٌ في فرجِه، يكرَهُ أن يُرَى. فقام يومًا يغتسلُ في الصحْراءِ، فوضَع ثيابَه على صخرةٍ، فاشتدَّت بثيابِه، قال: وجاء يطلُبُها عُرْيانًا، حتى اطَّلَع عليهم عُرْيانًا، فرَأَوه بريئًا مما قالوا: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. قال: والوجيهُ في كلامِ العربِ: المُحَبُّ المقبولُ (^١).\nوقال آخرون: بل وصَفوه بأنه أبرصُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7471>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: قال بنو إسرائيلَ: إن موسى آدَرُ. وقالت طائفةٌ: هو أبرصُ. مِن شدةِ تَسَتُّرِه، وكان يأتى كلَّ يوم عَيْنًا، فيغتسلُ ويضعُ ثيابَه على صخرةٍ عندَها، فعدَتِ الصخْرةُ بثيابِه حتى انتهتْ إلى مجلسِ بني إسرائيلَ، وجاء موسى يطلبُها، فلما رَأَوه عُرْيانًا ليس به شيءٌ مما قالوا، لَبِس ثيابَه، ثم أقبَل على الصخرةِ يضربُها بعصاه، فأَثَّرَتِ العصا في الصخرةِ.\nحدَّثنا بحرُ بنُ حبيبِ بن عربيٍّ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عبادةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، في هذه الآيةِ: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ الآية. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إن موسى كان رَجُلًا حَيِيًّا سَتِيرًا، لا يَكادُ يُرَى مِن جِلده شيءٌ، اسْتِحْياءً منه، فآذَاه مَن آذاه من بني إسرائيلَ، وقالوا: ما يَسْتَتِرُ (^٢) هذا التَّسَتُّرَ إلا مِن عيبٍ في جلدِه؛ إما بَرَصٍ، وإما أُدْرَةٍ، وإما آفَةٍ، وإن اللَّهَ\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٧/ ٢٥٣.\n(^٢) في م: \"تستر\".","vol":"19","page":192},{"text":"أرادَ أن يُبَرِّئَه مما قالوا، وإن موسى خَلا يومًا وحدَه، فوضَع ثيابَه على حَجَرٍ، ثم اغْتَسَل، فلما فرَغ مِن غُسْلِه، أقبَل على ثوبِه ليأخُذَه، وإِن الحَجَرَ عَدَا بثوبِه، فأَخَذَ موسى عَصاه، وطَلَب الحجرَ، وجَعَل يقولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، [ثوبي حَجَرُ] (^١). حتى انْتَهَى إلى ملأُ مِن بنى إسرائيلَ، فرَأَوه عُرْيَانًا كَأَحْسَنِ الناسِ خَلْقًا، وبَرَّأه اللَّهِ مما قالوا، وإن الحَجَرَ قامَ، فأخَذ ثوبَه ولَبِسَه، فطَفِقَ بالحجرِ ضَرْبًا بذلك، فواللهِ إن في الحجرِ لَنَدَبًا مِن أَثَرِ ضربِه، ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: بلَغني أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"كان موسى رَجُلًا حَيِيًّا سَتِيرًا\". ثم ذكَر نحوًا منه (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: حدَّث الحسنُ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"إن بني إسرائيلَ كانوا يَغْتَسلون وهُمْ عُرَاةٌ، وكان نبيُّ اللَّهِ موسى [منه الحياءُ والسَّتْرُ، فكان يستترُ] (^٤) إذا اغْتَسَل، فطَعَنوا فيه بعورةٍ. قال: فبَيْنَا نبيُّ اللَّهِ موسى يغتسلُ يومًا، إذ وَضَع ثيابَه على صخرةٍ، فانطلَقت الصخرةُ، واتَّبَعَها نبيُّ اللَّهِ ضَرْبًا بعَصاه: ثَوْبى يا حجرُ، ثَوْبي يا حجرُ. حتى انتَهَت إلى مَلأُ مِن بني إسرائيلَ، و(^٥) تَوَسَّطَتْهم (^٦)، فقامَت، فأَخَذ نبيُّ اللَّهِ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) أخرجه أحمد ١٦/ ٣٩٦ (١٠٦٧٨)، والبخارى (٣٤٠٤،٤٧٩٩)، والترمذى (٣٢٢١)، والطحاوى في مشكل الآثار (٦٧) من طريق روح بن عبادة به.\n(^٣) أخرجه أحمد ١٦/ ٣٩٦ (١٠٦٧٨) من طريق عوف الأعرابي به، والبخارى (٣٤٠٤، ٤٧٩٩)، والترمذى (٣٢٢١) من طريق عوف به موصولًا بذكر أبى هريرة، وينظر الجرح والتعديل ١/ ٢٣٧.\n(^٤) في م: \"حييًّا فكان يتستر\"، وفى ت ١: \"يستتر\"، وفى ت ٢: \"منه والستر يغتسل\". والمثبت من مسند أحمد.\n(^٥) في م، ت ٢: \"أو\".\n(^٦) في م: \"توسطهم\".","vol":"19","page":193},{"text":"ثيابَه، فنَظَروا إلى أحسنِ الناسِ خَلْقًا، وأعْدَ لِه صورةً (^١)، فقال الملأُ: قاتَل اللَّهُ أفَّاكِى (^٢) بني إسرائيلَ. فكانت بَراءَتَه التي بَرَّأَه اللَّهُ منها\" (^٣).\nوقال آخرون: بل كان أَذاهم إياه ادَّعاءَهم (^٤) عليه قتلَ هارونَ أخيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7472>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ مسلمٍ الطُّوسِيُّ، قال: ثنا عَبَّادٌ، قال: ثنا سفيانُ بنُ حسينٍ (^٥)، عن الحكمِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، عن عليٍّ بن أبي طالبٍ ﵁ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ الآية. قال: صَعِد موسى وهارونُ الجبل، فمات هارونُ، فقالت بنو إسرائيلَ: أنت قتلتَه، وكان أشدَّ حبًّا لنا منك، وألينَ لنا منك. فآذَوه بذلك، فأمَر اللَّهُ الملائكةَ فحمَلَتْه،، حتى مَرُّوا به على بني إسرائيلَ، وتكلَّمت الملائكةُ بموتِه، حتى عرَف بنو إسرائيلَ أنه قد مات، فبَرَّأه اللَّهُ من ذلك، فانطلَقوا به فدفَنوه، فلم يطَّلِعْ على قبرِه أحدٌ مِن خلقِ اللَّهِ إلا الرَّخَمُ (^٦)، فجعَله اللَّهُ أصمَّ أبكمَ (^٧).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن بني إسرائيلَ آذَوا نبيَّ اللَّهِ ببعضِ\n_________\n(^١) في م: \"مروءة\"، وفى ت:١ \"مروة\"، وفى ت: \"فروة\"، والمثبت من مسند أحمد.\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"اياكي\".\n(^٣) أخرجه أحمد ١٥/ ٤٤ (٩٠٩١) من طريق قتادة به، وأخرجه البخارى (٤٧٩٩،٣٤٠٤)، والترمذي (٣٢٢١) من طريق الحسن به.\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"ادعاوهم\".\n(^٥) في النسخ: \"حبيب\" وهو تصحيف، والمثبت هو الصواب ينظر تهذيب الكمال ١١/ ١٣٩.\n(^٦) الرخم: نوع من الطير معروف، واحدته رَخَمة، وهو موصوف بالغدر والموق. وقيل بالقذر. النهاية ٢/ ٢١٢.\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٧٥ عن المصنف، وأخرجه أحمد بن منيع - كما في المطالب العالية (٣٨١٩، ٤٠٦٦) - والطحاوى في مشكل الآثار ١/ ٦٨، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٤٧٤، ٤٧٥، - والحاكم ٢/ ٥٧٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"19","page":194},{"text":"ما كان يكرهُ أن يُؤْذَى به، فبَرَّأَه اللَّهِ مما آذَوه به. وجائزٌ أن يكونَ ذلك [ما ذُكر أنَّهم قالوا: إنه آدَرُ. وجائزٌ أن يكونَ] (^١) كان قيلَهم: إنه أبرصُ. وجائزٌ أن يكونَ كان ادّعاءَهم (^٢) عليه قتلَ أخيه هارونَ. وجائزٌ أن يكونَ كلَّ ذلك؛ لأنه قد ذُكر كلُّ ذلك أنهم قد آذَوه به، ولا قولَ في ذلك أولى بالحقِّ مما قال اللَّهُ أنهم آذَوا موسى، فبَرَّأه اللَّهِ مما قالوا.\n\n<span id=\"aya-3603\"></span><span data-type='title' id=toc-7473>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صَدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، اتَّقوا اللَّهَ أن تَعْصُوه، فتستحِقُّوا بذلك عقوبتَه.\nوقولُه: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. يقولُ: قُولوا في رسولِ اللَّهِ والمؤمنين قَوْلًا قاصدًا غيرَ جائرٍ، حقًّا غيرَ باطلٍ.\nكما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ (^٣)، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. يقولُ: سَدادًا (^٤).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا عنبسةُ، عن الكلبيِّ: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. قال: صدقًا.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) في ت ٢: \"ادعاوهم\".\n(^٣) بعده في ت ٢: \"جميعا\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٥٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٤ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":195},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. أي: عَدْلًا. قال قتادةُ: يعني به في مَنْطِقِه، وفي عملِه كلِّه، والسَّديدُ: الصدقُ (^١).\nحدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، عن الحكمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. قولوا: لا إلهَ إلا اللَّهُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3604\"></span>وقولُه: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين: اتَّقوا اللَّهَ وقُولوا السَّدادَ من القولِ، يوفِّقْكم لصالحِ الأعمالِ، فيُصلِحْ أعمالَكم، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. [يقولُ: ويَعْفُ لكم عن ذنوبِكمِ] (^٣)، فلا يُعاقِبْكم عليها، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيعملَ بما أمرَه به ربُّه، وينتهىَ عما نَهاه، ويقولَ السَّديدَ، ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. يقولُ: فقد ظَفِر بالكرامةِ العُظْمى مِن اللَّهِ.\n\n<span id=\"aya-3605\"></span><span data-type='title' id=toc-7474>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: إن اللَّهَ عرَض طاعتَه وفرائضَه على السماواتِ والأرضِ والجبالِ؛ على أنها إن أحسَنت أُثيبت وجُوزِيت، وإن ضَيَّعت عُوقِبت، فأبَت حَمْلَها، شَفَقًا منها ألَّا تقومَ بالواجبِ عليها للهِ (^٤)، وحمَلها آدمُ (^٥)، ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ لنفسِه، ﴿جَهُولًا﴾ بالذي فيه الحَظُّ له.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم مقتصرًا على أوله، وينظر تفسير البغوي ٦/ ٣٧٩.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٣٧٩، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٧٦، وأبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٢٥٣.\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) سقط من: م، ت ١.\n(^٥) في ت ١: \"الإنسان\".","vol":"19","page":196},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7475>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ في قولِه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾. قال: الأمانةُ الفرائضُ التي افتَرضها اللَّهُ على العبادِ (^١).\nقال: ثنا هشيمٌ، عن العوَّامِ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾. قال: الأمانةُ: الفرائضُ التي افتَرضها اللَّهُ على عبادِه (^٢).\nقال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا العوامُ بنُ حَوْشَبٍ وجُوَيبرٌ، كلاهما عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ إلى قولِه: ﴿جَهُولًا﴾. قال: الأمانةُ، الفرائضُ. قال جويبرٌ في حديثِه: فلما عُرضت على آدمَ قال: أي ربِّ، وما الأمانةُ؟ قال: قيل: إن أدَّيتَها جُزِيتَ، وإِن ضَيَّعتَها عوقبتَ. قال: أي ربِّ، حملتُها بما فيها. قال: فما مكَث في الجنةِ إلا قدرَ ما بينَ العصرِ إلى غروبِ الشمسِ حتى عمِل بالمعصيةِ، فأُخرج منها (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾. قال: عُرِضَت على آدمَ، فقال: خُذْها بما فيها، فإن أطعتَ غفرتُ لك، وإن عصيتَ عذَّبتُك. قال: قد قبِلتُ. فما كان إلا قدرَ ما بينَ العصرِ إلى الليلِ مِن ذلك اليومِ حتى أصابَ الخطيئةَ (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٧٧ عن الضحاك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٧٧ عن المصنف، وأخرجه ابن الأنباري في الأضداد ص ٣٨٨، ٣٨٩، والحاكم ٢/ ٤٢٢ من طريق شعبة به، ووقع عند الأنباري عن مجاهد بدلًا من ابن جبير، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٥ إلى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":197},{"text":"حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ إن أدَّوها أثابَهم، وإن ضَيَّعوها عذَّبَهم، فكرِهوا ذلك، وأشفَقوا مِن غيرِ معصيةٍ، ولكن تعظيمًا لدينِ اللَّهِ ألَّا يقوموا بها، ثم عرَضها على آدمَ، فقبِلها بما فيها، وهو قولُه: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ غِرًّا بأمرِ اللَّهِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ [عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إِلى: ﴿جَهُولًا﴾. يعنى بالأمانةِ] (^٢) الطاعةَ عرَضها عليهم (^٣) قبلَ أن يعرِضَها على آدمَ فلم تُطِقْها، فقال لآدمَ: يا آدمُ، إنى قد عرَضتُ الأمانةَ على السماواتِ والأرضِ والجبالِ فلم تُطِقْها، فهل أنت آخِذُها بما فيها؟ فقال: يا ربِّ، وما فيها؟ قال: إن أحسنتَ جُزِيتَ، وإن أسأتَ عُوقبتَ. فأخَذها آدمُ فتَحمَّلَها، فذلك قولُه: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيريُّ (^٥)، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ: عن الضحاكِ بن مُزاحمٍ في قولِه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. قال: آدمُ. قيل له: خُذْها بحقِّها. قال: وما حَقُّها؟ قيل: إن أحسنتَ جُزِيتَ، وإن أسأتَ عُوقِبتَ. فما لَبِثْ إِلَّا (^٦) ما بيَن الظهرِ والعصرِ حتى أُخْرج منها (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الأنباري في الأضداد ص ٣٨٩، ٣٩٠ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٤، ٢٢٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: م، ت ١.\n(^٣) في م: \"عليها\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٧٧ عن العوفى به، والطوسى في تفسيره ٨/ ٣٣٣.\n(^٥) في ت ١: \"الزهرى\".\n(^٦) سقط من: م، ت ١.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٥ عن الثورى عن غير واحد عن الضحاك، وعزاه السيوطي في =","vol":"19","page":198},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ فلم يُطِقْنَ حَمْلَها، فهل أنت يا آدمُ آخِذُها بما فيها؟ قال آدمُ: وما فيها يا ربِّ؟ قال: إن أحسنتَ جُزِيتَ، وإن أسأتَ عُوقبتَ. فقال: تحمَّلتُها. فقال اللَّهُ ﵎: قد حمَّلتُكَها. فما مكَث آدمُ إلا مقدارَ ما بينَ الأولى إلى العصرِ، حتى أخرَجه إبليسُ، لعَنه اللَّهُ، مِن الجنةِ. والأمانةُ: الطاعةُ.\nحدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا بَقِيَّةُ، قال: ثني عيسى بنُ إبراهيمَ، عن موسى بن أبي حبيبٍ، عن الحَكَمِ بن عميرٍ (^١)، وكان مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ قال: قال النبيُّ ﷺ: \"إنَّ الأمانةَ والوفاءَ نَزَلا على ابن آدمَ مع الأنبياءِ، فأُرْسِلوا به؛ فمِنهم رسولُ اللَّهِ، [ومنهم نبيُّ] (^٢)، ومنهم نبيٌّ رسولٌ، ونزَل القرآنُ وهو كلامُ اللَّهِ، ونزلَت العربيةُ والعجميةُ، فعلِموا أمرَ القرآنِ، وعلِموا أمرَ السننِ بألسنتِهم، ولم يَدَعِ اللَّهُ شيئًا مِن أمرِه مما [يأتون ومما يَجْتَنِبون] (^٣)، وهي الحُجَجُ عليهم، إلا بَيَّنه لهم، فليس أهلُ لسانٍ إلَّا وهم يعرِفون الحسنَ مِن القبيحِ، ثم الأمانةُ أوَّلُ شيءٍ يُرْفَعُ، ويَبْقى أثَرُها في جذورِ قلوبِ الناسِ، ثم يُرْفَعُ الوفاءُ والعهدُ والذِّمَمُ، وتَبْقَى الكتبُ، فعالِمٌ يعملُ، وجاهلٌ يعرِفُها ويُنْكِرُها [ولا يحمِلُها] (^٤)، حتى وصَل إليَّ وإلى أُمتى، فلا يَهْلِكُ على اللَّهِ إلَّا هالكٌ، ولا يُغْفِلُه إلَّا تاركٌ، والحذرَ أيُّها\n_________\n= الدر المنثور ٥/ ٢٢٥ إلى عبد بن حميد.\n(^١) في م: \"عمرو\"، وفى ت ١، ت ٢: \"عمر\"، ينظر ما تقدم في ١/ ١٣٦، وقال ابن حجر في الإصابة ٢/ ١٠٨: ولعل أباه كان اسمه عَمْرًا فصغر واشتهر بذلك.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) في ت ١: \"يكون وما يجيبون\"، وفى ت ٢: \"يكون وما يحيون\".\n(^٤) سقط من: م.","vol":"19","page":199},{"text":"الناسُ، وإيَّاكم والوَسواسَ الخناسَ، فإنما يَبْلُوكم أيُّكم أحسنُ عملًا\" (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ خَلَفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ عبدِ المجيدِ الحنفيُّ، قال: ثنا [أبو العَوَّامِ القطانُ] (^٢)، قال: ثنا قتادةُ وأبانُ بنُ أَبي عيَّاشٍ، عن خُلَيدٍ العَصَرِيِّ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"خمسٌ مَن جاء بهنَّ يومَ القيامةِ مع إيمانٍ دخَل الجنةَ؛ مَن حافَظ على الصلواتِ الخمسِ؛ على وُضُوئِهن ورُكُوعِهن وسُجُودِهن ومَواقيتِهن، وأعطَى الزكاةَ مِن مالِه طَيَّبَ النفسِ بها\". وكان يقولُ: \"وايمُ اللَّهِ، لا يفعلُ ذلك إلا مؤمنٌ، وصامَ رمضانَ، وحجَّ البيتَ إن استطاع إلى ذلك سبيلًا، وأدَّى الأمانةَ\". قالوا: يا أبا الدرداءِ، وما الأمانةُ؟ قال: الغُسْلُ مِن الجنابةِ؛ فإن اللَّهَ لم يأمَنِ ابن آدمَ على شيءٍ من دينِه غيرَه (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن أُبَيِّ بن كعبٍ، قال: مِن الأمانةِ أن المرأةَ اؤتُمِنت على فَرْجِها (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّا\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٧٩ عن المصنف، وقال: هذا حديث غريب جدًّا، وله شواهد من وجوه أخرى، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٦ إلى المصنف وضعفه.\n(^٢) في م: \"العوام العطار\"، وفى ت ١، ت ٢: \"أبو العوام العطار\"، وأبو العوام القطان، هو عمران بن دَاوَر العمى أبو العوام القطان البصري. ينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٣٢٨.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٧٩، وأخرجه أبو داود (٤٢٩)، والطبراني في الصغير ٢/ ٥، وأبو نعيم في الحلية ٢/ ٢٣٤ من طريق عبيد الله بن عبد بن المجيد به، وقول أبي الدرداء لم يذكره الطبراني، وأخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان ٢/ ١٨٩ من طريق أبى العوام القطان به، ولم يذكر قول أبي الدرداء.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٥ عن الثورى به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٢٢، والبيهقى ٧/ ٣٧١ من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":200},{"text":"عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾. قال: إن الله عَرَض عليهن الأمانةَ؛ أن يفترضَ عليهن الدينَ، ويجعلَ لهن ثوابًا وعقابًا، ويَسْتأمنَهنَّ على الدينِ، فقلنَ: لا، نحن مسخَّراتٌ لأمرِك، لا نريدُ ثوابًا ولا عقابًا. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"وعَرَضَها اللَّهُ على آدمَ، فقال: بينَ أُذُنى وعاتِقى\". قال ابن زيدٍ: فقال اللَّهُ له: أمَّا إذا تَحَمَّلتَ هذا، فسأُعِينُك؛ أجعلُ لبصرِك حجابًا، فإذا خشيتَ أن تنظرَ إلى ما لا يحلُّ لك، فأَرْخِ عليه حجابَه، وأجعلُ للسانِك بابًا وغَلَقًا، فإذا خَشِيتَ فأغِلقْ، وأجعلُ لفَرْجِك لباسًا، فلا تَكْشِفْه إلَّا على ما أحللتُ لك (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾. يعني به الدينَ [والفرائضَ] (^٢) والحدودَ: ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾. قيل لهن: احمِلْنَها تُؤَدِّين حقَّها، فقُلْنَ: لا نُطِيقُ ذلك، ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. [قيل له: أتحمِلُها؟ قال: نعم. قيل: أتؤدِّى حقَّها؟ قال: نعم. قال اللَّهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾] (^٢) عن حقَّها (^٣).\nوقال آخرون: بل عنَى بالأمانةِ في هذا الموضعِ أماناتِ الناسِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7476>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: ثنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن الأعمشِ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٧٨، ٤٧٩ عن المصنف.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"19","page":201},{"text":"عبد اللَّهِ بن السائبِ، عن زاذانَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: \"القَتْلُ في سبيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ الذنوبَ كلَّها، أو قال: يكفِّرُ كلَّ شيءٍ إلا الأمانةَ، يُؤْتَى بصاحبِ الأمانةِ، فيُقال له: أدِّ أمانتَك. فيقولُ: أي ربِّ، وقد ذهَبَت الدنيا؟ ثلاثًا. فيقالُ: اذهَبوا به إلى الهاويةِ. فيُذْهَبُ به إليها، فيَهْوِى فيها حتى ينتهىَ إلى قعْرِها، فيَجِدُها هناك كهيئتِها، فيَحْمِلُها، فيَضَعُها على عاتقِه، فيَصْعَدُ بها إلى شَفِيرِ جهنمَ، حتى إذا رأى أنه قد خرَج، زَلَّت، فهَوَى في أَثَرِها أبدَ الآبِدين\". قالوا: والأمانةُ في الصلاةِ، والأمانةُ في الصومِ، [والأمانةُ في الوضوءِ] (^١)، والأمانةُ في الحديثِ، وأشدُّ ذلك الودائعُ، فلَقِيتُ البَرَاءَ فقلتُ: ألا تسمعُ إلى ما يقولُ أخوك عبدُ اللَّهِ؟ فقال: صَدَق (^٢).\nقال شَرِيكٌ: وثنى عياشٌ العامِريُّ، عن زاذانَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه، ولم يذكرِ الأمانةَ في الصلاةِ، وفي كلِّ شيءٍ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: أخبرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن ابن أبي هلالٍ، عن أبي حازمٍ، قال: إن اللَّهَ عرَض الأمانةَ على سماءِ الدنيا، فأبَت، ثم التي تَليها، حتى فرَغ منها، ثم الأَرَضين ثم الجبالِ، ثم عرَضها على آدمَ، فقال: نعم، بينَ أُذُنى وعاتِقى. فثلاتٌ آمُرُك بهن، فإنهنَّ لك عونٌ؛ [إنى جعلتُ لك بصرًا وجعلتُ لك شُفْرين (^٣) فغُضَّهما] (^٤) عن [كلِّ شيءٍ نهيتُك عنه] (^٥)،\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه الطبراني (١٠٥٢٧)، وعنه أبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٠١ من طريق تميم بن المنتصر به، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٠١ من طريق شريك به موقوفًا.\n(^٣) الشُّفر: حرف كل شيء، وشفر الجفن حرفه الذي ينبت عليه الهدب. الوسيط (ش ف ر).\n(^٤) سقط من: م، ت ١.\n(^٥) سقط من النسخ، والمثبت من الدر المنثور.","vol":"19","page":202},{"text":"وجعلتُ لك [لسانًا بينَ لَحْيَين، فكُفَّه عن كلِّ شيءٍ نَهَيتُك عنه] (^١)، وجعلتُ لك فَرْجًا وَواريتُه، فلا تكشِفْه إلى ما حرَّمتُ عليك (^٢).\nوقال آخرون: بل ذلك إنما عُنى به ائتمانُ آدمَ ابنَه قابيلَ على أهلِه وولدِه، وخيانةُ قابيلَ إياه في قتلِه أخاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7477>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في خبرٍ ذكرَه عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمدانيِّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ، قال: [\"كان لا يولَدُ لآدمَ مولودٌ إلا وُلِد معة جاريةٌ، فكان يزوِّجُ غلامَ هذا البطنِ جاريةَ هذا] (١) البطنِ الآخرِ، ويزوِّجُ جاريةَ هذا البطنِ غلامَ هذا البطنِ الآخرِ، حتى وُلِد له ابنانِ، يقالُ لهما: قابيلُ، وهابيلُ. وكان قابيلُ صاحب زَرْعٍ، وكان هابيلُ صاحبَ ضَرْعٍ، وكان قابيلُ أكبرَهما، وكان له أختٌ أحسنُ من أختِ هابيلَ، وإن هابيل طلَب أن يَنْكِحَ أختَ قابيلَ، فأبَى عليه، وقال: هي أختى وُلِدتْ معى، وهى أحسنُ من أختِك، وأنا أحقُّ بأختى أن أتزوجَها. فأمَره أبوه أن يزوِّجَها هابيلَ، فأبَى عليه، وإنهما قرَّبا قُربانًا إلى اللَّهِ أيُّهما أحقُّ بالجاريةِ، وكان آدمُ يومَئذٍ قد غاب عنهما، [أتى لمكةَ] (^٣) ينظرُ إليها، قال اللَّهُ لآدمَ: يا آدمُ، هل تعلمُ أن لي بيتًا في الأرضِ؟ قال: اللهم لا. قال: إن لى بيتًا بمكةَ فأْتِه. فقال آدمُ للسماءِ: احفَظى\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م: \"أي بمكة\"، وفي ت ٢: \"بمكة\".","vol":"19","page":203},{"text":"ولَدِى بالأمانةِ. فأبَت، وقال للأرضِ، فأبَت، فقال للجبالِ، فأبَت، فقال لقابيلَ، فقال: نعم. تذهبُ وترجعُ، وتجدُ أهلَك كما يسُرُّك. فلما انطلَق آدمُ وقرَّبا قربانًا، وكان قابيلُ يفخرُ عليه فيقولُ: أنا أحقُّ بها منك، هي أختى، وأنا أكبرُ منك، وأنا وصيُّ والدى. فلما قرَّبا، قرَّب هابيلُ جَذَعَةً سمينةً، وقرَّب قابيلُ (^١) حُزْمةً سُنْبلٍ، فوجَد فيها سُنْبلةً عظيمةً، ففَرَكها فأكَلها، فنزلَت النارُ، فأكَلَت قُرْبَانَ هابيلَ، وتركَت قُربانَ قابيلَ، فغضِب وقال: ﴿لِأَقْتُلَكَ﴾ حتى لا تنكحَ أختى. فقال هابيلُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٢٧ - ٣٠]. فطلَبه ليقتُلَه، فراغَ الغلامُ منه في رءوسِ الجبالِ، وأتاه (^٢) يومًا مِن الأيامِ، وهو يَرْعَى غنمَه في جبلٍ وهو نائمٌ، فرفَع صخرةً، فشَدَخ بها رأسَه فمات، وترَكه بالعَراءِ، ولا يعلمُ كيف يُدْفَنُ، فبعَث اللَّهُ غُرابَين أخَوين (^٣)، فاقْتَتلا، فقتل أحدُهما صاحبَه، فحفَر له، ثم حَثَا عليه، فلما رَآه قال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ [المائدة: ٣١]. فهو قولُ اللَّهِ ﵎: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١]. فرجَع آدمُ، فوجَد ابنَه قد قتَل أخاه، فذلك حينَ يقولُ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٤).\nوأَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ ما قاله الذين قالوا: إنه عُنِى بالأمانةِ في هذا الموضعِ جميعُ معاني الأماناتِ في الدينِ، وأماناتِ الناسِ. وذلك أن اللَّهَ لم يَخُصُّ\n_________\n(^١) في م: \"هابيل\". وهو خطأ طباعي.\n(^٢) في ت ٢: \"لقاه\".\n(^٣) سقط من: ت ١.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٢٥٤، وأبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٢٥٤.","vol":"19","page":204},{"text":"بقولِه: ﴿عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾. بعضَ معاني الأماناتِ لِما وصَفنا.\nوبنحوِ قولِنا قال أهلُ التأويلِ في معنى قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-7478>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. يعنى قابيلَ حينَ حمَل أمانةَ آدمَ لم يحفَظْ له أهلَه (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾. قال: آدمُ، ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.\nقال: ظلومًا لنفسِه، جهولًا فيما احتَمل فيما بينَه وبينَ ربِّه.\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾: غِرًّا (^٢) بأمرِ اللَّهِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. قال: ظلومًا لها - يعنى للأمانةِ - جهولًا عن حقِّها (^٤).\n\n<span id=\"aya-3606\"></span><span data-type='title' id=toc-7479>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وحَمَل الإنسانُ الأمانةَ كيما يعذِّبَ اللَّهُ المنافقين فيها،\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٢٥٤ بنحوه.\n(^٢) في م: \"غر\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٣٧ - وابن الأنباري في الأضداد ص ٣٨٩، ٣٩٠ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٤، ٢٢٥ إلى ابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"19","page":205},{"text":"الذين يُظهِرون أنهم يؤدُّون فرائضَ اللَّهِ، مؤمنين بها، وهم مستسِرُّون الكفرَ بها، والمنافقاتِ، والمشرِكين باللَّهِ في عبادتِهم إيَّاه الآلهةَ والأوثانَ، والمشركاتِ، ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ فيرجِعَ بهم إلى طاعتِه، وأداءِ الأماناتِ التي ألزَمهم إياها حتى يؤدُّوها، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لذنوبِ المؤمنين والمؤمِناتِ، بسترِه عليها وتركِه عقابَهم عليها، ﴿رَحِيمًا﴾ أن يعذِّبَهم عليها بعدَ توبتِهم منها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7480>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ العَنْبَرِيُّ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا أبو الأشهبِ، عن الحسنِ أنه كان يقْرَأُ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾. حتى ينتهىَ: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾. فيقولُ: [اللذانِ خاناها، اللذانِ] (^١) ظلَماها؛ المنافقُ والمشركُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾: هذانِ اللذانِ خاناها، ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: هذانِ اللذانِ أدَّياها، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (^٣).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ الأحزابِ، وللهِ الحمدُ والمنةُ\n_________\n(^١) في ت ١ ت ٢: \"مما الله إن خافاهما الله إن\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"19","page":206},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-3607\"></span>(*)<span data-type='title' id=toc-7481> تفسيُر سورةِ سبأ</span>\n<span data-type='title' id=toc-7482>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ </span>(١)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: الشكرُ الكاملُ والحمدُ التامُّ كلُّه، للمعبودِ الذي هو مالكُ جميعِ ما في السماواتِ السبعِ، وما في الأرَضين السبعِ، دونَ كلِّ ما [يُعبَدُ مِن دونِه] (^١)، ودونَ كلِّ شيءٍ سواه، لا مالكَ لشيءٍ من ذلك غيرُه، بالمعنى (^٢) الذي هو به مالكٌ جميعَه. ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾. يقولُ: وله الشكرُ الكاملُ في الآخرةِ، كالذى هو له (^٣) في الدنيا العاجلةِ؛ لأن منه النعمَ كلَّها، على كلِّ مَنْ في السماواتِ والأرضِ في الدنيا، ومنه يكونُ ذلك في الآخرةِ، فالحمدُ للهِ خالصًا، دونَ [كلِّ أحدٍ] (^٤) سواه، في عاجلِ الدنيا، وآجلِ الآخرةِ؛ لأن النعمَ كلَّها من قِبَلِه، لا يَشرَكُه فيها أحدٌ من دونِه، وهو الحكيمُ في تدبيرِه خلقَه وصرفِه إياهم في تقديرِه، خبيرٌ بهم، وبما يُصلحُهم، وبما عمِلوا، وما هم عاملوه، محيطٌ بجميعِ ذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(*) من هنا يبدأ الجزء السادس والثلاثون من مخطوط خزانة القرويين المشار إليها بـ \"الأصل\".\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"يعبدونه\"، وفى ت ١: \"يعبد دونه\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فالمعني\".\n(^٣) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذلك\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢: \"ما\".","vol":"19","page":207},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7483>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾: حكيمٌ في أمرِه، خبيرٌ بخلقِه (^١).\n\n<span id=\"aya-3608\"></span><span data-type='title' id=toc-7484>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ </span>(٢)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يعلم ما يدخُلُ في الأرضِ وما يغيبُ (^٢) فيها من شيءٍ. من قولِهم: وَلَجْتُ في كذا. إذا دخلتَ فيه، وكما قال الشاعرُ (^٣):\nرأَيْتُ القَوَافِيَ يَتَّلِجْنَ مَوالِجًا … تَضَايَقُ عَنْهَا (^٤) أَنْ تَوَلَّجَها (^٥) الإبَرْ\nيعنى بقولِه: يتَّلجن موالجا: يدخلن مداخلَ.\n﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾. يقولُ: وما يخرجُ من الأرضِ، ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾. يعنى: وما يَصعَدُ في السماءِ، وذلك خبرٌ من اللَّهِ أنه العالمُ الذي لا يخفَى عليه (^٦) شيءٌ في السماواتِ والأرضِ، مما ظهَر فيها وما بطَن، ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾. يقولُ: وهو الرحيمُ بأهلِ التوبةِ مِن عبادِه أن يعذِّبَهم بعدَ توبتِهم، الغفورُ لذنوبِهم إذا تابوا منها.\n_________\n(^١) أخرجه عبد عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٦ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في الأصل: \"يصيب\".\n(^٣) البيت لطرفة بن العبد، وهو في ديوانه ص ١٦١.\n(^٤) في النسخ: \"عنه\".\n(^٥) في النسخ: \"تولجه\".\n(^٦) في الأصل: \"عنه\".","vol":"19","page":208},{"text":"<span id=\"aya-3609\"></span><span data-type='title' id=toc-7485>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ </span>(٢)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ويستعجلُك يا محمدُ الذين جحَدوا قُدرةَ اللَّهِ على إعادةِ خلقِه بعدَ فنائِهم، لهيئتِهم (^١) التي كانوا بها مِن قبلِ فنائِهم، مِن قومِك، بقيامِ الساعةِ، [فقالوا لك: لا تأتينا الساعةُ] (^٢). استهزاءً بوعدَك إياهم ذلك، وتكذيبًا لخبرِك، قُلْ لهم: بلى لتأتينَّكم (^٣) وربِّي، قسمًا به لتأتينَّكم الساعةُ. ثم عادَ ﷻ [إلى الثناءِ] (^٤) على نفسِه وتمجيدِها، فقال: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾.\nواختلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ: (عالمُ الغيبِ) على مثالِ \"فاعل\"، بالرفعِ على الاستئنافِ (^٥)، إذ دخَل بينَ قولِه: ﴿وَرَبِّي﴾ وبينَ قولِه: (عالمُ الغيبِ) كلامٌ حائلٌ بينَه وبينَه. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ، ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ (^٦)﴾ [على مثالِ \"فاعل\"، غيرَ أنهم خفَضوا ﴿عَالِمِ﴾] (^٧) ردًّا منهم له على قولِه: ﴿وَرَبِّي﴾ إذ كان مِن صفتِه (^٨). وقرَأ ذلك بعدُ (^٩) عامةُ قرأةِ الكوفةِ:\n_________\n(^١) في م: \"بهيئتهم\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م، ت ٢: \"تأتيكم\"، وفى ت ١، ت ٣: \"تأتينكم\".\n(^٤) في م: \"بعد ذكره الساعة\"، وفى ت ١: \"إلى الساعة\".\n(^٥) هي قراءة نافع وابن عامر. السبعة ص ٥٢٦.\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) سقط من: ت ٢.\n(^٨) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم. المصدر السابق.\n(^٩) في م، ت ٢، ت ٣: \"بقية\".","vol":"19","page":209},{"text":"(علَّامِ الغيبِ) على مثالِ \"فَعَّال\"، وبالخفضِ ردًّا لإعرابِه على إعرابِ قولِه: ﴿وَرَبِّي﴾. إذ كان مِن نَعْتِه (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن كلَّ هذه القراءاتِ الثلاثِ قراءاتٌ مشهورةٌ في قرأةِ الأمصارِ، مُتقارباتُ المعانى، فبأيَّتِهن قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أن أعجبَ القراءاتِ إليَّ في ذلك إليَّ أن أقرأَ بها: (علَّامِ الغيبِ) على القراءةِ التي ذكرناها عن عامةِ قرأةِ أهلِ الكوفةِ.\nفأما اختياري (علَّامِ الغيبِ (^٢» على ﴿عَالِمِ﴾؛ فلأنها أبلغُ في المدحِ، وأما الخفضُ فيها؛ فلأنها مِن نعتِ الربِّ، وهو في موضعِ الجرِّ، وعَنى بقولِه: (علَّامِ الغَيْبِ): علَّامِ ما يغيبُ عن أبصارِ الخلقِ، فلا يَراه أحدٌ؛ إمَّا مما (^٣) لم يُكوِّنْه مما سيكوِّنُه، أو مما (^٤) قد كوَّنه، فلم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ (^٥) غيرُه، وإنما وصَف جلّ وعزّ في هذا الموضعِ نفسَه بعلمِه الغيبَ؛ إعلامًا منه خلقَه أن الساعةَ لا يعلمُ وقتَ مجيئها أحدٌ سِواه، وإن كانت جائيةً، فقال لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ للذين كفَروا بربِّهم: بلى وربِّي لتأتينَّكم الساعةُ، ولكنه لا يعلمُ وقتَ [[إتيانِها غيرُ علَّامِ] (^٦) الغيوبِ، الذي] (^٧) لا يعرُبُ عنه مثقالُ ذرَّةٍ.\nويعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾: لا يغيبُ عنه، ولكنه ظاهرٌ له.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ما\".\n(^٤) في م: \"ما\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أحدا\".\n(^٦) في م: \"مجيئها أحد سوى علام\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"مجيئها أحد سواه\".\n(^٧) في ت ١: \"مجيئها أحد سواه\".","vol":"19","page":210},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7486>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾. يقولُ: لا يغيبُ عنه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾. قال: لا يغيبُ عنهِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾. أي: لا يغيبُ عنه (^٣).\nوقد بَيَّنَّا ذلك بشواهدِه فيما مضى، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٤).\nوقولُه: ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾. يعنى: زِنَةَ ذَرَّةٍ، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا يغيبُ عنه شيءٌ، مِن زِنَةِ ذَرَّةٍ فما فوقَها وما دونَها، أين كان ذلك؛ في السماواتِ، ولا في الأرضِ، ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾. يقولُ: ولا يعزُبُ عنه أصغرُ مِن مثقالِ ذَرَّةٍ ولا أَكْبَرُ منه، ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: هو مثبَتٌ في كتابٍ، يَبِينُ للناظرِ فيه أن اللَّهَ جلَّ وعزَّ قد أثبَته وأحْصاه وعلِمه، فلم يعزُبْ عنه (^٥) علمُه.\n\n<span id=\"aya-3610\"></span><span data-type='title' id=toc-7487>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا</span>\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٢/ ٢٠٨.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٥٣. ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٨٨.\n(^٣) ينظر ابن كثير ٦/ ٤٨٣.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١٢/ ٢٠٦ - ٢٠٨.\n(^٥) في م: \"عن\".","vol":"19","page":211},{"text":"الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾.\nقال أبو جعفرٍ، رحمةُ اللَّهِ عليه: يقولُ تعالى ذكرُه: أثبتَ ذلك في الكتابِ المبينِ، كي يُثِيبَ الذين آمَنوا باللَّهِ ورسولَه، وعمِلوا بما أمَرهم اللَّهُ ورسولُه به، وانَتَهوا عما نَهاهم عنه - على طاعتَهم ربَّهم، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: لهؤلاء الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ مغفرةٌ مِن ربِّهم لذنوبِهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: وعيشٌ هنئٌ يومَ القيامةِ في الجنةِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾: لذنوبِهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: في الجنةِ (^١).\n\n<span id=\"aya-3611\"></span><span data-type='title' id=toc-7488>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أثبَتَ ذلك في الكتابِ، ليَجْزِيَ [الذين آمنوا] (^٢) ما وصَف، وليَجْزىَ الذين سَعَوا في آياتِنا مُعاجِزين. يقولُ: وكى يُثيبَ (^٣) الذين عمِلوا في إبطالِ أدلَّتِنا وحُجَجِنا مُفاوِتينَ (^٤) ويحسَبون أنهم يَسْبِقوننا بأنفسِهم، فلا نقدرُ عليهم، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ﴾. يقولُ: هؤلاء لهم عذابٌ مِن شديدِ العذابِ الأليمِ. ويعنى بالأليمِ المُوجِعَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المؤمنين\".\n(^٣) في الأصل، ت ٢، ت ٣: \"يثبت\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"معاونين\".","vol":"19","page":212},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7489>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾. أي: لا يُعْجزون، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. قال: الرِّجْزُ سوءُ العذابِ، الأليمُ المُوجِعُ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾. قال: جاهدِين ليُهْبِطوها أو يُبْطِلوها. قال: هم المشركون. وقرَأ: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (^٢) [فصلت: ٢٦].\n\n<span id=\"aya-3612\"></span><span data-type='title' id=toc-7490>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أثبتُّ ذلك في كتابٍ مبينٍ ليُجْزَى الذين آمنوا، والذين سعَوْا في آياتِنا، ما قد بُيِّن لكم (^٣)، وليَرى الذين أُوتوا العلمَ. فـ \"يرى\" في موضعِ نصبٍ عطفًا به على قولِه: \"يَجْزِى\". في قولِه: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وعنَى بالذين أُوتوا العلمَ مُسْلِمةَ أهلِ الكتابِ؛ كعبدِ اللَّهِ بن سَلَامٍ، ونُظَرائِه الذين قد قَرءوا كتبَ اللَّهِ التي أنزلها قبلَ الفرقانِ، يقولُ تعالى ذكرُه: وليَرى هؤلاء الذين أُوتوا العلمَ بكتابِ اللَّهِ، الذي هو التوراةُ، الكتابَ الذي أُنزل إليك يا محمدُ مِن ربِّك هو الحقَّ.\n_________\n(^١) أخرج أوله عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٦ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ينظر تفسير أبي حيان ٧/ ٢٥٩.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لهم\".","vol":"19","page":213},{"text":"وقيل: عنَى بالذين أُوتوا العلم [أصحاب رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7491>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾. قال] (^١): أصحابُ محمدٍ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. يقولُ: ويُرْشِدُ مَن اتَّبَعَه، وعمل بما فيه إلى سبيل الله، ﴿الْعَزِيزِ﴾ في انتقامه من أعدائه، ﴿الْحَمِيدِ﴾ عند خلقه؛ بأيَاديه عندَهم، ونِعَمِه لدَيهم. وإنما يعنى أن الكتاب الذي أُنزل إلى (^٣) محمدٍ يَهْدى إلى الإسلامِ.\n\n<span id=\"aya-3613\"></span><span data-type='title' id=toc-7492>القول في تأويل قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الذين كفَروا بالله وبرسولِه محمدٍ ﷺ، مُتَعجِّبين من وعدِه إيَّاهم البعثَ بعدَ المماتِ، بعضُهم لبعض: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ أيُّها الناسُ، و﴿عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. يقولُ: يخبرُكم أنكم بعدَ تَقَطُّعِكم في الأرضِ بِلًى (^٤)، وبعدَ مصيركم في الترابِ رُفاتًا، عائدون كهيئتكم (^٥) قبل المماتِ خلقًا جديدًا.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م: \"على\".\n(^٤) في م: \"بلاء\".\n(^٥) في ت ٢، ت ٣: \"لهيئتكم\".","vol":"19","page":214},{"text":"كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾. قال: ذلك مُشركو قريش والمشركون من الناسِ، ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾: إذا أكلتكم الأرضُ، وصِرْتُم رُفاتًا وعظامًا، وقطَّعَتكم السباع والطيرُ، ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ستُحْيون وتُبْعَثون (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ إلى: ﴿خَلْقٍ جَدِيد﴾. قال: يقولُ: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾: إذا بَليتُم وكنتم عظامًا وترابًا ورُفاتًا، ذلك ﴿كُلَّ مُمَزَّق﴾، ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.\nوقال: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ﴾ فكسر \"إن\" ولم يُعملْ ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ فيها، ولكن ابتدأ بها (^٢)؛ لأن النبأَ خبرٌ وقولٌ، فالكسرُ في (إن) لمعنى الحكاية في قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾. دونَ لفظه، كأنه قيل: يقول لكم: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. [ويجوز كسرها لدخول اللامِ في الخبر، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ١١]؛ لأن اللام إذا دخَلتْ في الخبر كسَرتِ المفتوح] (^٣).\n\n<span id=\"aya-3614\"></span><span data-type='title' id=toc-7493>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ هؤلاء الذين كفَروا\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٦ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ابتداء\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"19","page":215},{"text":"به، وأنكروا البعثَ بعدَ المماتِ، بعضُهم لبعضٍ، مُعْجَمِين مِن رسول الله ﷺ في وعده إيَّاهم ذلك: أفْتَرى هذا الرجلُ الذي يَعِدُنا [أنا بعدَ] (^١) أَن تُمَزَّقَ كُلَّ مُمَزَّقٍ في خلق جديدٍ، على الله كذبًا، فتَخَلَّقَ عليه بذلك باطلًا مِن القولِ، وتَخَرَّصَ عليه قول الزور، ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾؟ يقول: أم هو مجنونٌ، فيتكلَّمَ بما لا معنى له؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7494>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قالوا تكْذيبًا: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾؟ قال: قالوا: إمَّا أن يكونَ يكذب على الله، ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾؟ وإما أن يكون مجنونًا، ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية (^٢).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ: ثم قال بعضُهم لبعضٍ: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾: أرجل (^٣) مجنون فيتكلَّم بما لا يعقِلُ؟ فقال الله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾.\nوقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ما الأمرُ كما قال هؤلاء المشركون في محمد ﷺ وظَنُّوه به، من أنه افتَرى على الله كذبًا، أو أن به جنَّةٌ، لكن الذين لا يؤمنون بالآخرةِ من هؤلاء المشركين في عذاب الله في الآخرة، وفى الذهاب البعيد عن طريق الحقِّ وقصدِ\n_________\n(^١) في الأصل: \"أبعد\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٦ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٦ إلى ابن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الرجل\".","vol":"19","page":216},{"text":"السبيل، فهم من أجلِ ذلك يقولون فيه ما يقولون.\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: قال الله ﷿: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾، وأمره أن يحلف [لهم ليعتبروا] (^١)، وقرأ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] الآيةَ كلَّها، وقرأ أيضًا: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾.\nوقطعت \"الألفُ\" من قوله: ﴿أَفْتَرَى﴾ في القطع والوصل، ففتحت؛ لأنها ألفُ استفهام. فأما \"الألفُ\" التي بعدها، التي هي ألفُ \"افتعل\" (^٢) فإنها ذهبت؛ لأنها خفيفةٌ زائدة تسقُطُ في اتصال الكلام، ونظيرها: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، ﴿بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ﴾ [ص: ٧٥]، و﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ [الصافات: ١٥٣]، وما أشبه ذلك، [ولا يجوز كسر الألفِ في شيءٍ من ذلك؛ لأن دلالة الاستفهام تسقطُ من الكلام إذا كَسَرْتَ وخالفت هيئتَه. قوله: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] ﴿آلْآنَ﴾ [يونس: ٩١] وما أشبه ذلك] (^٣)، وطُوَّلَتْ هذه، ولم تُطَوَّلْ تلك؛ لأن ألفَ (^٤) ﴿آلْآنَ﴾ و﴿الذَّاكِرِينَ﴾ كانت مفتوحةً، فلو أسقطت لم يكن بين الاستفهام والخبر فرقٌ، فجعل التطويلُ فيها فرقًا بين الاستفهام والخبر، [والألفُ من ﴿أَفْتَرَى﴾ كانت مكسورة] (^٥) وألفُ الاستفهام مفتوحةٌ، فكانتا مفترقتين بذلك، فأغنى ذلك دلالةً على الفرقِ، من التطويل.\n_________\n(^١) في الأصل: \"له لتبعثن\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أفعل\".\n(^٣) سقط من ت ١، ت ٢، وفى م: \"وأما ألف و﴿آلْآنَ﴾ و﴿الذكرين﴾.\n(^٤) سقط من: م، ت ٢.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"19","page":217},{"text":"<span id=\"aya-3615\"></span><span data-type='title' id=toc-7496>القول في تأويل قوله ﷿: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يقولُ تعالى ذِكرُه: أفلم يَنظُرْ هؤلاء المكذِّبون بالمَعادِ. الجاحدون البعث بعد المماتِ، القائلون لرسولِنا محمد ﷺ: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ - إلى ما بيَن أيديهم وما خلفَهم من السماءِ والأرضِ، فيعلَموا أنهم حيثُ كانوا، فإنَّ أرضى وسمائى محيطةٌ بهم؛ مِن بين أيديهم ومن خلفِهم، وعن أيمانهم، وعن شمائِلهم، فيرتدِعوا عن جهلِهم، وينزجِروا عن تكذيبهم بآياتنا حِذَارًا أن نأمرَ الأرضَ فتُخْسَفَ بهم، أو السماء فتُسْقِطَ عليهم قِطَعًا؟! فَإِنَّا إِن نَشَأْ أن نَفعلَ ذلك فعَلنا.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7495>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. قال: لينظُروا (^١) عن أيمانهم، وعن شمائِلِهم، كيف السماء قد أحاطت بهم! ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ كما خَسَفْنا بَمَن كان قبلهم، ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: أي قِطعًا مِن السماءِ (^٢).\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. يقول تعالى ذكرُه: إِنَّ في\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ينظرون\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٦ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم مطولًا.","vol":"19","page":218},{"text":"إحاطة السماء والأرض بعبادِ اللهِ ﴿لَآيَةً﴾. يقول: لدَلالَةٌ، ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ يقولُ: لكلِّ عبدٍ أناب إلى ربِّه بالتوبة، ورجَع إلى معرفةِ توحيده، والإقرار بربوبيته، [والاعتراف بوحدانيته] (^١)، والإذعان لطاعته، على أنَّ فاعلَ ذلك لا يَمتنِعُ عليه فعلُ شيءٍ أراد فِعْلَه، ولا يتعذَّرُ عليه فعلُ شيءٍ شاءَه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7497>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. والمنيبُ: المقبل التائب (^٢).\n\n<span id=\"aya-3616\"></span><span data-type='title' id=toc-7498>القولُ في تأويل قوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾: ولقد أعطَينا داودَ منا، فضلًا، وقلنا للجبال: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾: سبِّحى معه إذا سبَّح. والتأويبُ عندَ العرب: الرجوعُ ومَبِيتُ الرجل في منزِلِه وأهلِه، ومنه قولُ الشاعرِ (^٣):\nيَوْمَانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأَنْدِيَةٍ … ويَوْمُ سَيْرٍ إِلى الأَعْداءِ تَأْوِيبِ\nأي رجوعٍ. وقد كان بعضُهم يقرؤُه (^٤): (اوبِى مَعَهُ). من آبَ يئوبُ، بمعنى: تصرَّفى معه. وتلك قراءةٌ لا أستجيزُ القراءةَ بها؛ لخلافِها قراءةَ الحُجَّةِ.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٦ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) هو سلامة بن جندل، والبيت في المفضليات ص ١٢٠، ومجاز القرآن ٢/ ١٤٢، ولسان العرب (أ وب).\n(^٤) هي قراءة الحسن البصرى وهى شاذة، بهمزة وصل وسكون الواو. ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ٢٢٠.","vol":"19","page":219},{"text":"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7499>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني سليمانُ بنُ عبد الجبارِ، قال: ثنى محمدُ بنُ الصَّلتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، وحدثنا محمد بن سنانٍ القَزّازُ، قال: ثنا الحسينُ (^١) بن الحسن الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدينة، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ قال: سَبِّحى معه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. يقولُ: سَبِّحي معه.\nحدَّثنا أبو عبد الرحمن العلائيُّ، قال: ثنا مِسْعرٌ، عن أبي حُصَينٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. قال: سَبِّحى (^٣).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرة: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. قال: سَبِّحى معه. بلسان الحبشةِ (^٤).\nحدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا فُضيلٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. قال: سَبِّحى معه.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحسن\". وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٣٦٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٥٩ من طريق أبي كدينة به.\n(^٣) بعده في الأصل: \"معه\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٥٩ من طريق مسعر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٦٠ من طريق أبي إسحاق به.","vol":"19","page":220},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ قال: سَبِّحى معه (^١).\nحدَّثنا بشرُ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. أي: سبِّحى معه إذا سبَّح (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾. قال: سبِّحى معه. قال: والطيرُ أيضًا (^٣).\nحُدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. يقولُ: سبِّحى معه (^٤).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال: ثنا مروانُ بن معاويةَ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. قال: سبِّحى معه.\nوقوله: ﴿وَالطَّيْرَ﴾. وفى نصب الطير وجهانِ؛ أحدُهما على ما قاله ابن زيدٍ، من أن الطيرَ نُودِيت كما نُوديت الجبالُ، فتكونُ منصوبةً من أجل أنَّها معطوفةٌ على مرفوعٍ، بما لا يَحسُنُ إعادة رافعه عليه (^٥)، فيكون كالمصروفِ (^٦) عن جهتِه.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٥٣. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٧ إلى الفريابي وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٧ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٧ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٣٤٤.\n(^٥) في الأصل: \"عليها\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كالمصدر\".","vol":"19","page":221},{"text":"والآخَرُ: على (^١) ضميرٍ (^٢) متروكٍ استِغْناءَ بدَلالةِ الكلامِ عليه، فيكونُ معنى الكلام: فقلنا: يا جبالُ أوِّبى معه وسخَّرنا له الطيرَ. وإن رُفِع ردًّا على ما في قولِه: سبِّحى. من ذكر الجبال كان جائزًا، وقد يجوز رَفْعُ الطير وهو معطوفٌ على الجبال، وإن لم يَحسُنْ نداؤُها بالذي نُودِيت به الجبالُ، فيكون ذلك كما قال الشاعر (^٣):\nألا يا عمْرُو والضَّحَّاكَ سيرًا … فَقَدْ جاوَزْتُما خَمَرَ (^٤) الطَّرِيقِ\nوقولُه: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾. ذكر أنَّ الحديد كان في يديه كالطين المبلولِ يُصرِّفُه في يديه كيف شاء بغير إدخالِ نارٍ ولا ضربٍ بحديدٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7500>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾: سخَّر الله له الحديد بغيرِ نارٍ (^٥).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن عَثْمَةَ، قال: ثنا سعيدُ بن بشيرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾: كان يُسوِّيها بيدِه؛ لا يُدخِلُها نارًا، ولا يَضرِبُها بحديدةٍ (^٦).\n\n<span id=\"aya-3617\"></span>وقوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾. يقولُ: وعهدنا إليه أن اعمل سابغاتٍ، وهى التوامُّ الكَوامِلُ مِن الدروعِ.\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"فعل\".\n(^٢) بعده في ت ١: \"فعل\".\n(^٣) البيت في معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٥٥ غير منسوب.\n(^٤) الخمر ما واراك من شجر وغيره. تاج العروس (خ م ر).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٧ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) ذكره الطوسى في التبيان، ٨/ ٣٤٥، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٨٥.","vol":"19","page":222},{"text":"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7501>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾. قال: دروعٌ، وكان أوَّلَ مَن صنَعها داودُ، إنما كان قبلَ ذلك صفائِحُ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾. قال: السابغاتُ: الدروعُ من الحديدِ.\nوقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. اختلَف أهل التأويل في السَّرْدِ؛ فقال بعضُهم: السَّرْدُ: هو مِسمارُ حَلَقِ الدِّرْعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7502>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. قال: كان يجعَلُها بغيرِ نارٍ، ولا يَقْرَعُها بحديد، ثم يَسْرُدُها، والسَّرْدُ: المساميرُ التي في الحَلَقِ (^٢).\nوقال آخرون: بل هو الحَلَق بعينها.\n\n<span data-type='title' id=toc-7503>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه:\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره، ١٤/ ٦٧، وأبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٢٦٤، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٨٥.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٧ عن معمر عن قتادة.","vol":"19","page":223},{"text":"﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. قال: والسَّرْدُ: حَلَقه. أي: قدِّرْ تلك الحَلَق. قال: وقال الشاعرُ (^١):\n* أجاد المُسَدِّي سَرْدَها وأذَالها*\nقال: يقولُ: وسَّعها، وأجاد حَلَقَها (^٢).\n[حدثني عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. يقولُ: حَلَقِ الحديدِ] (^٣).\nوقال بعض أهل العلم بكلام العربٍ: يقالُ: دِرْعُ مَسْرودَةٌ. إذا كانت مسمورةَ الحَلَقِ، واستَشهد لقيلِه ذلك بقولِ الشاعرِ (^٤):\nوَعَلَيْهِما مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُما … دَاوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوَابِغَ تُبَّعُ\nوقيل: إن الله ﷿ إنما قال لداودَ: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. لأنها كانت قبل ذلك صفائحَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7504>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا خالدُ بنُ قَيْسٍ، عن قتادة: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. قال: كانت صفائِحَ، فأُمِر أَن يَسْرُدَها حَلَقًا (^٥).\nوعنَى بقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾: قدِّرِ المساميرَ في حَلَقِ الدِّرْعِ حتى يكونَ\n_________\n(^١) البيت لكُثَيِّر عزة، وهو في اللسان (ذ ى ل).\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٢٦٧ بمعناه، وأبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٢٦٤.\n(^٣) سقط من: م. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) تقدم تخريجه في ٢/ ٤٦٦.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٧ عن معمر عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٧ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم بنحوه.","vol":"19","page":224},{"text":"بمقدار؛ لا تُغلِّظ المسمار وتُضَيِّقِ الحَلَقة فتُفصَمَ الحَلَقةُ، ولا تُوسِّع الحَلَقةً وتُصَغِّرِ المسمار وتُدِقَّه فيَسْلَسَ (^١) في الحَلَقَةِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7505>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. يعنى بالسردِ ثقبَ الدروع حينَ يَشُدُّ قَتيرها (^٢). وعنى بقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾: قدر المسامير (^٣).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. قال: قدِّر المساميرَ والحَلَقَ، لا تُدقَّ المساميرَ فتسْلسَ، ولا تُجِلَّها. قال محمدُ بنُ عمرٍو: فتُقْصَمَ (^٤). وقال الحارثُ: فتُفصَمَ (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) مسمار سَلِسٌ: قَلِقٌ، وكل شيء أُقلق فهو سلس. التاج (س ل س).\n(^٢) القتير: رءوس مسامير حلق الدروع. التاج (ق ت ر).\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٢٦٧ بنحوه.\n(^٤) سقط من: م. وفى الأصل: \"فيفصَم\". وفى ت ٢: \"فيفصم\" وفي ت ٣: \"فيفصم\".\n(^٥) في الأصل: \"فيفصم\". وفى ت ٢: \"فيفصم\". وفي ت ٣: \"فيفصم\". وينظر مصادر التخريج. قال القرطبي ١٤/ ٢٦٧ - وقد ذكر أثرًا عن ابن عباس بلفظ: لا تجعل مسمار الدرع رقيقًا فيقلق ولا غليظًا فيفصم الحلق - \" روى \"يقصم\" بالقاف والفاء أيضًا رواية.\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٥٥٣. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٧ إلى الفريابي وعبد بن حميد.","vol":"19","page":225},{"text":"حدَّثني عليُّ بن سهل، قال: ثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. قال: لا تُصغِّرِ المِسمارَ، وتُعَظِّمِ الحَلَقَةَ فيَسْلَسَ، ولا تُعَظِّمِ المِسمارَ وتُصَغِّرِ الحَلَقَةَ [فتَفْصَمَ الحَلَقَةُ] (^١).\nحدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُيينةَ، قال: ثنا أبي، عن الحكم في قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. قال: لا تُغلِّظ المسمار فيَفْصِمَ الحَلَقَةَ، ولا تُدِقَّه فيَقْلَقَ (^٢).\nوقوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾. يقول تعالى ذكرُه: واعمَلْ يا داودُ أنت وآلك (^٣) بطاعة اللهِ، ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. يقول جلَّ ثناؤُه: إِنِّي بما تَعملُ أنت وأتباعُك ذو بصرٍ، لا يَخفَى عليَّ (^٤) منه شيءٌ، وأنا مُجازيك وإياهم على جميعِ ذلك.\n\n<span id=\"aya-3618\"></span><span data-type='title' id=toc-7506>القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: اختلفت القرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾؛ فقرأته عامة قرأة (^٥) الأمصارِ: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ بنصب \"الريح\"، بمعنى: ولقد آتينا داود منا فضلًا، وسخَّرْنا لسليمانَ الريحَ. وقرأ ذلك عاصمٌ: (ولِسُلَيْمانَ الريحُ) رفعًا بحرفِ الصفةِ، إذ لم يَظهرِ الناصبُ.\n_________\n(^١) في م: \"فيفصم المسمار\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"فيقصم المسمار\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٨٦.\n(^٣) في الأصل: \"ذلك\".\n(^٤) في الأصل: \"عليه\".\n(^٥) بعده في الأصل: \"المدينة و\". وهى قراءة الجميع عدا عاصم في رواية أبي بكر عنه. وينظر السبعة ص ٥٢٧، والتيسير ص ١٤٦.","vol":"19","page":226},{"text":"والصوابُ مِن القراءة في ذلك عندَنا النصبُ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ عليه.\nوقوله: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وسخَّرْنا لسليمانَ الريحَ، غدوُّها إلى انتصافِ النهارِ مَسيرةُ شهرٍ، ورَواحُها من انتصافِ النهارِ إلى الليل مسيرةُ شهرٍ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7507>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾. قال: تغدو مسيرةَ شهرٍ، وتروح مسيرةَ شهرٍ.\nقال: مسيرة شهرين في يومٍ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعض أهلِ العلمِ، عن وهب بن منبِّهٍ: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾. قال: ذُكِر لى أن مَنزِلًا بناحية دِجلَةَ مَكتوبٌ فيه كتابٌ كتبه بعضُ صحابة سليمانَ؛ إما من الجنِّ، وإما من الإنس: نحنُ نزلناه وما بَنيناه، ومبنيًّا وجَدْناه، غدَونا من إصْطَخْرَ فقِلْناه، ونحنُ رائحون منه إن شاء الله، فبائتونَ بالشام (^٢).\nحدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾. قال: كان له مَرْكَبُ مِن خشَبٍ، وكان فيه ألفُ ركن، في كلِّ ركنٍ ألفُ بيتٍ يركب معه فيه الجنُّ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٢٦٩.","vol":"19","page":227},{"text":"والإنسُ، تحتَ كلِّ ركنٍ ألفُ شيطانٍ، يرفعون ذلك المركب هم والعصارُ؛ فإذا ارتفع أقبلتِ الرِّيحُ الرُّخاءُ، فسارت به، وساروا معه، يَقِيلُ عند قوم بينَه وبينهم شهرٌ، ويُمسى عندَ قومٍ بينَه وبينَهم شهرٌ، ولا يَدرى القوم إلا وقد أظلَّهم معه الجيوشُ والجنود. [والعِصَارُ: الريح العاصفة] (^١).\nحدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر (^٢)، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسن في قوله: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾. قال: كان يَغدو فيَقِيلُ بِإِصْطَخْرَ، ثم يَروحُ منها، فيكونُ رواحُها بكابُلَ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا قرَّةُ، عن الحسن بمثلِه.\nوقولُه: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾. يقولُ: وأَذَبْنا له عينَ النُّحاسِ وأَجْرَيناها له.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7508>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾: عينَ النُّحاس، كانت بأرض اليمنِ، وإنما يَنتفِعُ النَّاسُ اليوم مما أخرج اللهُ لسليمان (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ١: \"عاصم\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٧ عن معمر عن الحسن، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٢٢/ ٢٣١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٧ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٧ عن معمر عن قتادة مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٧ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":228},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾. قال: الصُّفْرُ سال كما يَسيلُ الماءُ، كان يَعمَلُ به كما يَعملُ العجين في اللينِ (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾. يقولُ: النحاسِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾. يعنى: عين النحاس أُسِيلَت له (^٣).\nوقوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾. يقول تعالى ذكره: ومن الجنِّ مَن يُطيعُه، ويأتمرُ لأمرِه، وينتَهِى لنهيِه، فيعملُ بينَ يدَيه ما يأْمُرُه به، طاعةً له، ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾. يقولُ: بأمر الله له بذلك، وتسخيره إياه له، ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمرِنَا﴾. يقولُ: ومَن يَزُلْ وَيَعدِلْ مِن الجنِّ عن أمرنا الذي أمَرْناه به من طاعة سليمانَ، ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ في الآخرة، وذلك عذاب نارِ جهنم المُتوقِّدةِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7509>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمرِنَا﴾. أي: يعدِلُ منهم عن أمرِنا، عما أمَره به سليمانُ، ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ\n_________\n(^١) في الأصل، ت ٢: \"اللبن\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٧ إلى المصنف وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"19","page":229},{"text":"السَّعِيرِ﴾ (^١)\n\n<span id=\"aya-3619\"></span><span data-type='title' id=toc-7511>القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذِكرُه: يعملُ الجنُّ لسليمانَ ما يشاءُ؛ مِن مَحاريبَ، وهي جَمعُ مِحْرابٍ، والمحرابُ: مقدَّمُ كلِّ مسجدٍ وبيتٍ ومصلَّى، ومنه قول عديِّ بن زيدٍ (^٢):\nكَدُمَى العاج في المَحَارِيبِ … أوْ كالْبَيضِ في الرَّوْضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِيرُ\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7510>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾. قال: بُنيان دونَ القصورِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾. قال: قصورٌ ومساجدُ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) البيت في التبيان ٨/ ٣٤٨، وتفسير القرطبي ١٤/ ٢٧١.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٥٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٨ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وسيأتي تتمته في الصفحة التالية.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٧ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر مطولًا.","vol":"19","page":230},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾. قال: المحاريب: المساكنُ. وقرأ قول الله جلَّ وعزَّ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ (^١) [آل عمران: ٣٩].\nحدَّثني عمرُو بنُ عبد الحميد الآمُلِيُّ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قول الله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾. قال: المحاريبُ: المساجد (^٢).\nوقوله: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾. يعنى أنهم يعملون له تماثيل من نُحاسٍ وزجاجٍ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾. قال: مِن نحاسٍ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾. قال: مِن زجاج وشَبَهٍ (^٤).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبد الحميدِ، قال: ثنا مروانُ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قول الله جلَّ ثناؤُه ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾. قال: الصُّورُ (^٥).\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٢٦٥، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٨٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٨ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر مطولًا.\n(^٣) تتمة الأثر المتقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٤) الشَّبه: النحاس يصبغ فيَصفَر. اللسان (ش ب هـ). والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٨ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٨ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"19","page":231},{"text":"وقوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَاب﴾. يقولُ: ويَنْحتون له ما يشاءُ مِن جِفانٍ كالجَوابِ، وهي جمعُ جابِيَةٍ، والجابِيَةُ: الحَوْضُ الذي يُجْبَى فيه الماءُ، كما قال الأعشى ميمونُ بنُ قَيسٍ (^١):\n[تروح على] (^٢) آلِ (^٣) المُحَلَّقِ جَفْنَةٌ … كجابية السَّيْحِ (^٤) العراقيِّ تَفْهَقُ (^٥)\nوكما قال الراجزُ (^٦):\nفَصَبَّحَتْ جابيَةً صُهارِجا\nكأنه (^٧) جِلْدُ السَّماءِ خارِجا\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7512>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَاب﴾. يقولُ: كالجَوْبَةِ مِن الأَرضِ (^٨).\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢٢٥.\n(^٢) في الديوان: \"نفى الذم عن\".\n(^٣) سقط من: الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣. وفى م: \"نادى\". وأثبتناه كما في الديوان. وينظر تفسير القرطبي ١٤/ ٢٧٥.\n(^٤) في م: \"الشيخ\". والسيح: الماء الظاهر الجارى على وجه الأرض. التاج (س ى ح). قال القرطبي في التفسير ١٤/ ٢٧٥ - وقد ذكر رواية المصنف، غير أنه قال: الشيخ - ويروى: نفى الذم عن آل المحلق جفنة كجابية السيح ....\n(^٥) الفَهْق: الامتلاء والاتساع. اللسان (ف هـ ق).\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الآخر\". والبيتان في مجاز القرآن ٢/ ١٤٤، والتبيان ٨/ ٣٤٩، والبيت الأول وحده في اللسان (صهرج).\n(^٧) في م: \"كأنها\".\n(^٨) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":232},{"text":"[حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَاب﴾ يعنى بالجواب الحياض] (^١).\nوحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن الحسن: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَاب﴾. قال (^٢): كالحياضٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾. قال: كحياض الإبلِ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾. [أي: كالحِياض (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾] (^٦). قال: جفانٌ كجَوْبَةِ الأرضِ من العِظَمِ. والجَوْبةُ مِن الأرضِ: يُستنقَعُ فيها الماءُ.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ قال: [سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال] (^٧):\n_________\n(^١) سقط من: الأصل. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٨ إلى الطستى مطولًا.\n(^٢) بعده في الأصل: \"هي\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٥٣.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٨ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) سقط من: الأصل، ت ١.","vol":"19","page":233},{"text":"سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾: كالحياضِ (^١).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال ثنا جُويبرٌ، عن الضحاك: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾. قال: كحياضِ الإبل من العِظَمِ.\nوقوله: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾. يقولُ: وقدورٍ ثابتاتٍ، لا يُحَرَّكْنَ عن أماكنِهنَّ، ولا يُحَوَّلْنَ (^٢) لِعِظَمِهِنَّ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7513>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾. قال: عِظامٍ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾. [أي: ثابتاتٍ لا يَزُلْنَ عن أماكنِهنَّ، كنَّ (^٤) يُرَيْنَ بأرض اليمنِ (^٥).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾: قدورٍ] (^٦) عِظامٍ ثابتاتٍ في\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٨ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تحول\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٥٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٨ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في الأصل: \"كى\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٧ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) سقط من: م، ت ١.","vol":"19","page":234},{"text":"الأرضِ لا يَزُلْنَ عن أمْكِنَتِهن (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾. قال: أمثال الجبالِ من عِظَمِهِنَّ، يُعْمَلُ فيها الطعامُ من الكِبَرِ والعِظَمِ، لا تُحَرَّكُ ولا تُنْقَلُ، كما قال للجبال: راسياتٌ.\nوقوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقلْنا لهم: اعمَلوا بطاعةِ اللهِ يا آلَ داودَ، شكرًا له على ما أنعَم عليكم من النعمِ التي خصَّكم بها دونَ (^٢) سائرِ خلقِه، مع الشكرِ له على سائرِ نعمِه، التي عمَّكم بها مع سائر خلقِه، وترَك ذكرَ: \"وقلْنا لهم\"، اكتفاءً بدَلالةِ الكلامِ [عليه، كما ترَك ذِكرَ: \"وسخّرنا\" في قوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾. استغناءً بدَلالة ما ذُكرَ من الكلام] (^٣) على ما تُرك ذكره منه، وأخرج قوله: ﴿شُكْرًا﴾ مصدرًا من قولِه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾؛ لأن معنى قوله: ﴿اعْمَلُوا﴾: اشكُروا ربَّكم بطاعتِكم إياه، وأن العملَ بالذي يُرْضى الله للهِ شكرٌ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7514>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عُبيدةَ (^٤)، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٨ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"عن\".\n(^٣) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣: \"عبادة\". وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ١٠٤.","vol":"19","page":235},{"text":"محمد بن كعبٍ قولَه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾. قال: الشكرُ: تَقْوى اللهِ، والعمل بطاعته (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال (^٢): أخبرني حَيْوَةُ، عن زُهْرَةَ بن معْبَدٍ، أنه سمِع أبا عبدِ الرحمنِ الحُبُلِّيَّ يقولُ: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾: [الصلاةُ شكرٌ، والصيامُ شكرٌ، وكلُّ خير تعملُه لله شكرٌ] (^٣)، وأفضلُ الشكرِ الحمدُ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾. قال: فيما (^٥) أعطاكم وعلَّمكم، وسخَّر لكم ما لم يُسَخِّرْ لغيركم، وعلَّمكم منطقَ الطيرِ، اشكُروا له يا آل داودَ. قال: الحمدُ طرفٌ من الشكرِ.\nوقولُه: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقليلٌ من عبادىَ المخلصو توحيدي، والمفردو طاعتى وشُكْرى على نِعْمَتى عليهم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7515>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال ابن زيد\". وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٤٨٠، ١٦/ ٢٧٨.\n(^٣) سقط من: م، ت ٢، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٨٨.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"19","page":236},{"text":"قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور﴾. يقولُ: قليلٌ من عبادي الموحِّدون توحيدَهم (^١).\n\n<span id=\"aya-3620\"></span><span data-type='title' id=toc-7517>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكره: فلما أمْضَيْنا قضاءَنا على سليمانَ بالموت فمات، ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ﴾. يقولُ: لم يَدُلُّ الجنَّ على موتِ سليمانَ، ﴿إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ وهى الأرضَةُ وقعت في عصاه التي كان مُتَّكِئًا عليها فأكلتها. فذلك قولُ الله ﷿: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7516>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ والمُثنى، قالا: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾. يقولُ: الأَرَضَةُ تَأْكُلُ عصاه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾. قال: عصاه.\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٣٧ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٢٨٠.","vol":"19","page":237},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾. قال: الأَرضَةُ، ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾. قال: عصاه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ (^٢) الله بنُ موسى، قال: أخبرَنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾. قال: عصاه.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن عَثْمَةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشِيرٍ، عن قتادةَ في قوله: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾. [قال: عصاه (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾. قال:] (^٤). أكَلت عصاه حتى خرَّ (^٥).\nحدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: المِنْسأَةُ: العصا، بلسانِ الحبشةِ (^٦).\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: المِنْسأةُ: العصا (^٧).\nواختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرَأةٍ أهل المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ: (منساتَهُ) (^٨) غيرَ مهموزة، وزعم من اعتلَّ لقارئ ذلك\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٥٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣١ إلى الفريابي وعبد بن حميد.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"عبد\". وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ١٦٤.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٢٨ عن معمر عن قتادة.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣١ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣١ إلى المصنف.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٠ إلى ابن أبي حاتم مطولًا بمعناه.\n(^٨) هي قراءة نافع وأبي عمرو. ينظر الكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٢٠٣، والتيسير ص ١٤٦.","vol":"19","page":238},{"text":"كذلك من أهلِ البصرةِ (^١) \"، أن المنسَاةَ العصا، وأن أصلَها من: نَسَأْتُ بها الغنمَ. قال: وهى من الهمزِ الذي ترَكته العربُ، كما ترَكوا همزَ: \"النبيِّ\" و\"البريةِ\" و\"الخابيةِ\". وأنشَد لتركِ الهمزِ في ذلك بيتًا لبعض الشعراءِ.\nإذا دَبَيْتَ على المِنْساةِ من كِبَرٍ (^٢) … فقد تباعَدَ عنكَ اللَّهْوُ والغَزَلُ\nوذكر الفرَّاءُ عن أبي جعفرٍ الرُّؤَاسيِّ، أنه سأل عنها أبا عمرٍو، فقال: (مِنْساتَه) بغير همزٍ (^٣).\nوقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الكوفة: ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾. بالهمز (^٤)، وكأنهم وجَّهوا ذلك إلى أنها مِفْعَلةٌ، من: نَسَأْتُ البعيرَ. إذا زَجَرْتَه ليزدادَ سيرُه، كما يُقالُ: نسَأْتُ اللبنَ. إذا صَبَبْتَ عليه الماءَ، وهو النَّسِيءُ، وكما يقالُ: نَسَأَ الله في أجلِك. أي زاد (^٥) الله في أيامِ حياتِك.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وهما قراءتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرَأةِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتهما قرَأ القارى فمُصيبٌ، وإن كنتُ أخْتارُ الهمز فيها (^٦)؛ لأنه الأصلُ.\nوقولُه: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾. يقولُ ﷿: فلما خرَّ سليمانُ ساقطًا بانكسارِ مِنْسأتِه، تبيَّنت الجنُّ أن لو كانوا يَعلَمون الغيبَ الذي كانوا يَدَّعون عِلْمَه،\n_________\n(^١) هو أبو عبيدة في المجاز ٢/ ١٤٥.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هرم\".\n(^٣) معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٥٧.\n(^٤) وهى قراءة ابن كثير وابن عامر في رواية هشام، وعاصم وحمزة والكسائي. ينظر الكشف ٢/ ٢٠٣، ٢٠٤، والتيسير ص ١٤٦.\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣: \"أدام\"، في ت ١: \"أمد\".\n(^٦) في الأصل: \"فيه\".","vol":"19","page":239},{"text":"﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. يعني: المُذلِّ [مَن عُذِّب به، وكان العذابَ الذي عُذِّبوا به مُكثُهم في الخِدمةِ] (^١) حَوْلًا كاملًا بعدَ موتِ سليمانَ، وهم يَحْسَبون أن سليمانَ حَيٌّ.\nوبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل وجاءت الآثارُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7518>ذكرُ مَن قال ذلك والروايةِ بذلك</span>\nحدَّثنا أحمد بنُ منصورٍ، قال: ثنا موسى بنُ مسعودٍ (^٢) أبو حذيفةَ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ قال: \"كان سليمانُ نبيُّ الله إذا صلَّى رأى شجرةً نابتَةً بينَ يديه، فيقولُ لها: ما اسمُكِ؟ فتقولُ: كذا [وكذا] (١). فيقولُ: لأيِّ شيءٍ أنتِ؟ فإن كانت لغَرْسٍ (^٣) غُرست، وإن كانت لدواءٍ كُتبت، فبينما هو يُصَلِّي ذاتَ يومٍ، إذ رأَى شجرةً بينَ يديه، فقال لها: ما اسمُك؟ قالت: الخرُّوبُ. قال: لأيِّ شيءٍ أنتِ؟ قالت: لخرابِ هذا البيتِ. فقال سليمانُ: اللهم عَمِّ على الجنِّ مَوْتى حتى يَعْلَمَ الإنس أن الجنَّ لا يَعْلَمون الغيبَ. فنحَتها عصًا، فتوَكَّأ عليها حولًا مَيِّتًا، والجنُّ تَعْمَلُ، فأكَلتها الأَرَضَةُ فسقَط، فتبيَّنت الإنسُ أن الجنَّ (لو كانوا يَعْلَمون الغيبَ ما لبثوا حولًا في العذاب المهين) \". قال: وكان ابن عباس يقرؤُها كذلك. قال: \"فشكَرت الجنُّ للأرْضَةِ، فكانت تَأْتيها بالماءِ\" (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في الأصل: \"منصور\". وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ١٤٥.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"تغرس\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥٠١، وأخرجه البزار (٢٣٥٥ - كشف)، والطبراني (١٢٢٨١) من طريق موسى بن مسعود، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٠ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن السني في الطب النبوى وابن مردويه.","vol":"19","page":240},{"text":"حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في حديثٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدَانيِّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ قال: كان سليمانُ يَتَجَرَّدُ في بيت المقدسِ السنةَ والسنتين، والشهرَ والشهرين، وأقلَّ من ذلك وأكثرَ، يُدْخِلُ طعامه وشرابَه، فأدخَله في المرةِ التي مات فيها، [فكان بَدْءُ] (^١) ذلك أنه لم يَكُنْ يومٌ يُصْبحُ فيه إلا [نَبَتَت في بيتِ المقدسِ] (^٢) شجرةٌ، فيأتيها (^٣) فيَسْألُها: ما اسمُكِ؟ فتقولُ الشجرةُ: اسمى كذا وكذا. فيقولُ لها: لأيِّ شيءٍ نَبَتِّ؟ فتقولُ: نَبَتُّ لكذا وكذا. فيَأْمُرُ بها فتَقْطَعُ، فإن كانت نبَتت لغرسٍ غرَسها، وإن كانت نبتَت لدواءٍ قالت: نَبَتُّ دواءً لكذا وكذا. فيَجْعَلُها لذلك، حتى نبتَت شجرةٌ يقالُ لها: الخرُّوبةُ. فسألها: ما اسمُك؟ فقالت: أنا الخرُّوبةُ. قال: ولأيِّ شيءٍ نبَتِّ؟ قالت: لخرابِ هذا المسجدِ. قال سليمانُ: ما كان الله ليُخْرِبه وأنا حيٌّ، أنتِ التي على وَجْهك هلاكى وخرابُ بيت المقدسِ. فنزَعها وغرَسها في حائطٍ له، ثم دخَل المحرابَ، فقام يُصَلِّي مُتَّكِئًا على عصاه، فمات ولا تَعْلَمُ به الشياطينُ في ذلك، وهم يَعْمَلُون له، يَخافون أن يَخْرُجَ فيُعاقِبَهم. وكانت الشياطينُ تَجْتَمِعُ حولَ المحرابِ، وكان المحرابُ له كُوًى بينَ يديه وخلفَه، فكان الشيطانُ الذي يُرِيدُ أن يَخْلَعَ، يَقولُ: ألستُ جَلِيدًا (^٤) إن دخَلتُ فخرَجتُ مِن ذلك الجانب، [فيدخُلُ حتى يخرج من الجانب] (^٥) الآخَرِ، فدخَل شيطانٌ مِن أولئك فمرَّ، ولم يَكُنْ\n_________\n(^١) في م: \"و\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فكان يرى\".\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"تنبت فيه\"، وفى ت ١: \"نبت فيه\".\n(^٣) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) الجلدُ: الشدة والقوة والصبر والصلابة. التاج (ج ل د).\n(^٥) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.","vol":"19","page":241},{"text":"شيطانٌ يَنظُرُ إلى سليمانَ في المحرابِ إلا احترَق، فمرَّ ولم يَسْمَع صوتَ سليمانَ ﵇، ثم رجَع فلم يَسْمَعْ، ثم رجَع فوقَع في البيتِ فلم يَحْتَرِق، ونظَر إلى سليمانَ قد سقَط مَيِّتًا، فخرَج فأخبَر الناسَ أن سليمانَ قد مات، ففتَحوا (^١) عنه، فأخرَجوه، ووجَدوا مِنْسَأتَه، وهى العصا بلسانِ الحبشةِ، قد أكَلتها الأرَضَةُ، ولم يَعْلَموا منذُ كم مات، فوضَعوا الأرَضَةَ على العصا، فأكَلت منها يومًا وليلةً، ثم حسَبوا على ذلك النحو، فوجَدوه قد مات منذ سنةٍ. وهى في قراءةِ ابن مسعودٍ: (فمكَثوا يَدْأبون (^٢) له من بعدِ موتِه حولًا كاملًا) (^٣). فأيْقَن الناسُ عندَ ذلك أن الجنَّ كانوا يَكْذِبونهم، ولو أنهم علِموا الغيبَ لعلِموا بموتِ سليمانَ، ولم يَلْبَثوا في العذابِ سنةً يَعْمَلون له، وذلك قولُ اللهِ ﷿: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. يقولُ: تَبَيَّنُ أمرُهم للناسِ أنهم كانوا يَكْذبونهم. ثم إن الشياطينَ قالوا للأرضَةِ: لو كنتِ تَأْكُلين الطعامَ أتَيْناكِ بأطيبِ الطعامِ، ولو كنتِ تَشْرَبين الشرابَ سَقَيْناكِ أطيبَ الشرابِ، ولكنَّا سَنَنْقُلُ إليكِ الماءَ والطِّينَ، قال: فهم ينقُلون ذلك حيثُ كانت. قال: ألم تَرَ إلى الطين الذي يكونُ في جوفِ الخشبِ فهو ما يأْتيها به الشياطينُ شكرًا لها (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كانت الجنُّ تُخْبِرُ الإنسَ أنهم كانوا يَعْلَمون من الغيبِ أشياءَ، وأنهم يَعْلَمون ما في غدٍ، فابتُلوا بموتِ\n_________\n(^١) في الأصل: \"فتنحوا\".\n(^٢) في تاريخ المصنف: \"يدينون\".\n(^٣) وهي قراءة شاذة.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه،٥٠٢/ ١، ٥٠٣، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٢/ ٣٥٣، ٣٥٤، وعزاه\nالسيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٢٩ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"19","page":242},{"text":"سليمانَ، فمات فلبث سنةً على عصاه، وهم لا يَشْعُرون بموته، وهم مُسَخَّرون تلك السنةَ يَعْمَلُون دائبِين، ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾، [وفى بعض القراءة (فلما خرَّ تَبَيَّنتِ الإنسُ أَنَّ الجنَّ] (^١) لَوْ كَانُوا يعلمون الغيبَ ما لبثوا في العذاب المهين)، ولقد لبثوا يَدْأَبون ويَعْمَلون له حولًا (^٢) حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾. قال: قال سليمانُ لملَكِ الموتِ: يا ملكَ الموتِ، إذا أُمِرتَ بي فَأَعْلِمْنى. قال: فأتاه فقال: يا سليمانُ، قد أُمِرْتُ بك، قد بقِيَت لك سُوَيعَةٌ. فدعا الشياطين، فبنَوا عليه صَرْحًا من قواريرَ، ليس له بابٌ، فقام يُصَلِّي، واتَّكَأ على عَصاه، قال: فدخَل عليه مَلَكُ الموتِ، فقبض رُوحَه وهو مُتَّكِيُّ على عَصاه، ولم يَصْنَعْ ذلك فرارًا مِن مَلكِ الموتِ. قال: والجنُّ تَعْمَلُ بين يديه، ويَنْظُرون إليه، يحسَبون أنه حيٌّ. قال: فبعَث اللهُ دابةَ الأرضِ - قال: دابةٌ تَأْكُلُ العِيدانَ يقالُ لها: القادِحُ - فدخَلت فيها فأكَلتها، حتى إذا أكَلت جوفَ العصا ضعُفت وثقُل عليها، فخرَّ مَيِّتًا. قال: فلما رأَت الجنُّ ذلك، انفَضُّوا وذهَبوا. قال: فذلك قولُه: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾. قال: والمِنْسَأَةُ: العصا (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، قال: كان سليمانُ بنُ داودَ يُصَلِّي فمات وهو قائمٌ يُصَلِّي، والجنُّ يَعْمَلون، لا يَعْلَمون بموته، حتى أكَلت الأَرَضَةُ عصاه فخَرَّ.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره، ٢/ ٣٥٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٠ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"19","page":243},{"text":"و\"أَنْ\" في قوله: ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ في موضعِ رفعٍ بـ \"تَبَيَّنَ\"؛ لأن معنى الكلامِ: فلما خرَّ تَبَيَّنَ وانكشَف، أن لو كان الجنُّ يَعْلَمُون الغيبَ ما لبِثوا في العذابِ المهينِ.\nوأما على التأويلِ الذي تأوَّله ابن عباسٍ؛ مِن أن معناه: تبيَّنت الإنسُ الجنَّ. فإنه يَنْبَغى أن تكونَ ﴿أَنْ﴾ في موضعِ نصبٍ بتكريرِها على ﴿الْجِنُّ﴾، وكذلك يَجِبُ على هذه القراءةِ أن تكونَ ﴿الْجِنُّ﴾ منصوبةً. غيرَ أنى لا أعلمُ أحدًا مِن قرَأةِ الأمصارِ يَقْرَأُ ذلك بنصبِ ﴿الْجِنُّ﴾، ولو نُصِبَت، كان في قولِه: ﴿تَبَيَّنَتِ﴾ ضميرٌ من ذكرِ الإنسِ.\n\n<span id=\"aya-3621\"></span><span data-type='title' id=toc-7520>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ (^١) آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾. أي لولدِ سبإِ في مساكنِهم (^٢) علامةٌ بينةٌ وحجةٌ واضحةٌ، على أنه لا ربَّ لهم إلا اللهُ الذي أنعَم عليهم النعمَ التي كانوا فيها.\nوسبأٌ [فيما روى] (^٣) عن رسولِ اللهِ اسمُ أبي اليَمَنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7519>ذكرُ الرواية بذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي جَنَابٍ (^٤) الكلبيِّ، عن يحيى بن\n_________\n(^١) في الأصل، ت ٢، ت: \"مساكنهم\" وهى قراءة كما سيأتي.\n(^٢) في م: \"مسكنهم\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في الأصل: \"حباب\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حيان\". من مصادر الترجمة، وينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٢٨٤.","vol":"19","page":244},{"text":"هانئِ بن (^١) عروةَ المراديِّ، عن رجلٍ منهم يُقالُ له: فَرْوَةُ بنُ مُسَيْكٍ. قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أخبِرْني عن سبإِ ما كان، رجلًا كان أو امرأةً، أو جبلًا، أو واديًا (^٢)؟ فقال: \"لا، كان رجلًا من العربِ، وله عَشَرَةٌ، فتيمَّن منهم ستةٌ، وتشاءَم أربعةٌ؛ منهم؛ فأما الذين تَيَمَّنوا منهم؛ فكنْدَةُ، وحِمْيرٌ، والأَزْدُ، والأشعرِيُّون ومَذْحِجٌ، وأنْمارٌ الذين منها خَثْعَمٌ وبَجيلَةُ، وأما الذين تشاءَموا؛ فعامِلةٌ، وجُذَامٌ، ولَخْمٌ، وغَسَّانُ\" (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثني الحسنُ بنُ الحكَمِ، قال: ثنا أبو سَبْرَةَ النَّخَعِيُّ، عن فروةَ بن مُسَيْكٍ القطيعيِّ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، أَخْبِرْني عن سبإِ ما هو؛ أرضٌ أو امرأةٌ؟ قال: \"ليس بأرضٍ ولا امرأةٍ، ولكنه رجلٌ ولَد (^٤) عَشَرةً من الولدِ، فتيامَن ستةٌ، وتشاءَم أربعةٌ، فأما الذين تشاءَموا؛ فَلَخْمٌ، وجُذَامٌ، وعامِلةُ، وغَسَّانُ، وأما الذين تيامَنوا؛ فكِندةُ والأشعريُّون والأزْدُ ومَذْحِجٌ وحِمْيَرٌ وأنْمارٌ\". فقال رجلٌ: ما أنمارٌ؟ قال: \"الذين منهم خَثْعَمٌ وبجيلةُ\" (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا العَنْقَرِيُّ، قال: أخبَرني أسباطُ بنُ نَصِرٍ، عن يَحيى بن هانئِ المراديِّ، عن أبيه أو عن عمِّه - أسباطُ شكَّ فيه - قال: قدِم فَرُوةُ بنُ مُسَيكٍ على رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أخْبِرْني عن سبإِ؛ أجبلًا كان أو أرضًا؟\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٣٢.\n(^٢) في م، ت ١: \"دواب\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"دوابا\".\n(^٣) أخرجه أحمد - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٤٩٢، وأطراف المسند ٥/ ١٧٩ - وعبد بن حميد - كما في تفسير ابن كثير - وابن قانع في معجمه ٢/ ٣٣٦، والطبراني ١٨/ ٣٢٣، ٣٢٤ (٨٣٤) من طريق أبي جناب به.\n(^٤) بعده في الأصل: \"له\".\n(^٥) أخرجه الترمذى (٣٢٢٢) عن أبي كريب وعبد بن حميد به، وأخرجه أبو داود (٣٩٨٨)، والطبراني ١٨/ ٢٢٤، ٣٢٥ (٨٣٦) من طريق أبي أسامة به.","vol":"19","page":245},{"text":"فقال: \"لم يَكُنْ جبلًا ولا أرضًا، ولكنه كان رجلًا من العربِ وُلِد له عشْرةُ قبائلَ\". ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال: \"وأنمارٌ الذين يقولون، منهم بَجِيلَةُ وخَثْعَمٌ\" (^١).\nفإذ (^٢) كان الأمرُ كما رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ، من أن سبأً رجلٌ، فإنَّ الإجراءَ فيه وغيرَ الإجراءِ معتدِلان؛ أما الإجراءُ، فعلى أنه اسمُ رجلٍ معروفٍ، وأما تركُ الإجراءِ فعلى أنه اسمُ قبيلةٍ أو أرضٍ. وقد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من أهلِ القراءةِ (^٣).\nواختلفَت القرَأةُ في قراءةِ قوله: (في مساكنِهم)؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين: (في مساكنهم) على الجِماعِ، بمعنى منازلِ آلِ سبأ. وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الكوفيِّين: ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ على التوحيدِ وبكسرِ الكافِ، وهى لغةٌ لأهلِ اليمنِ فيما ذُكِر لى. وقرَأ حمزةُ: (مَسْكَنِهم) على التوحيدِ وفتحِ الكافِ (^٤).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أن كلَّ ذلك قراءاتٌ مشهوراتٌ (^٥) متقارباتُ المعنى، فبأيِّ ذلك قرأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقولُه: ﴿آيَةٌ﴾: قد بيَّنا معناها قبلُ (^٦).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٩٢ عن المصنف، وأخرجه البخارى في تاريخه ٧/ ١٢٦، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٧٠٠، ٢٤٦٩)، والطبرانى ١٨/ ٣٢٦ (٨٣٨)، والحاكم ٢/ ٤٢٤ من طريق سعيد عن فروة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣١ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) في م، ت ١: \"فإن\"، وفى ت ٣: \"فإذا\".\n(^٣) قرأ أبو عمرو وابن كثير في رواية البزِّى \"سبأَ\" بفتح الهمزة من غير تنوين، وقرأ ابن كثير في رواية قنبل بإسكان الهمزة، وقرأ الباقون بالخفض والتنوين. النشر ٢/ ٢٥٣.\n(^٤) قراءة (مساكنهم) بالجمع هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر. وقراءة (مسكِنِهم) على التوحيد وكسر الكاف هي قراءة الكسائي، وقراءة (مسكَنِهم) على التوحيد وفتح الكاف هي قراءة عاصم في رواية حفص وحمزة. ينظر السبعة ص ٥٢٨، والتيسير ص ١٤٦.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت.\n(^٦) ينظر ما تقدم في ١/ ١٠٤ من المقدمة.","vol":"19","page":246},{"text":"وأما قولُه: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾. فإنه يعنى: بستانان كانا بينَ جبلين، عن يمينِ مَن أتاهما وشمالِه.\nوكان من صفتِهما فيما ذُكِر لنا ما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: سمِعتُ قتادةَ في قولِه: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾. قال: كانت جنتان بينَ جبلين، فكانت المرأةُ تَخْرُجُ، بمِكْتَلِها على رأسِها، فتَمْشى بينَ جبلين (^١)، فيَمْتَلِئُ مِكْتَلُها، وما مسَّت بيدِها، فلما طَغَوا بعَث اللهُ عليهم دابةً، يُقالُ لها: جُرَذٌ (^٢). فنقَّبت عليهم، فغرَّقتهم، فما بقى لهم إلا أثلٌ وشيءٌ من سِدْرٍ قليلٍ (^٣).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾. قال: ولم يَكُنْ يُرَى في قريتِهم بَعوضةٌ قطُّ ولا ذُبابٌ ولا بُرْغوثٌ ولا عقربٌ ولا حيةٌ، وإن كان الركبُ ليَأْتون وفى ثيابِهم القَمْلُ والدوابُّ، فما هم إلَّا أن يَنْظروا إلى بيوتِهم، فتَمُوتَ الدوابُّ. قال: وإن كان الإنسانُ ليَدْخُلُ الجنتَين، فيُمْسِكُ القُفَّةَ على رأسِه، فيَخْرُجُ حينَ يَخْرُجُ وقد امتلأت تلك القُفَّةُ (^٤) من أنواعِ الفاكهةِ، ولم يتَنَاولْ منها شيئًا بيدِه. قال: والسَّدُّ يَسْقيها (^٥).\nورُفعِت الجنتان في قولِه: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾. ترجمةً عن الآيةِ؛ لأن معنى الكلامِ: لقد كان لسبأ في مسكنِهم آيةٌ، هي جنتان عن أيمانِهم وشمائلِهم.\n_________\n(^١) في الأصل: \"جنتين\".\n(^٢) في الأصل، ت ٢: \"جرد\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في م، ت ١: \"مقفة\".\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٣٩٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣١ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"19","page":247},{"text":"وقولُه: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾. [يقولُ: وقيل لهم: كُلوا من رزقِ ربِّكم] (^١) الذي رزقكم مِن هاتين الجنتين؛ مِن زُروعِهما وأثمارِهما، ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما أنعمَ به عليكم من رزقِه ذلك. وإلى هذا منتهى الخبرِ، ثم ابتدَأ الخبرَ عن البلدةِ. فقال (^٢): هذه بلدةٌ طيبةٌ. أي: ليست بسَبْخةٍ، ولكنها كما ذكَرْنا من صفتِها عن عبدِ الرحمنِ بن زيدٍ أن كانت كما وصَفها (^٣) به ابن زيدٍ، من أنه لم يكنْ فيها شيءٌ مؤْذٍ من الهَمَجِ (^٤) والدَّبِيبِ والهوامِّ، ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾. يقولُ: وربُّكم (^٥) غفورٌ لذنوبِكم إن أنتم أطَعتموه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7521>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾. [قال: هذه بلدةٌ طيبةٌ] (^٦)، ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾: وربُّكم ربٌّ غفورٌ لذنوبِكم؛ قومٌ أعطاهم اللهُ نِعمَه، وأمَرهم بطاعتِه، ونهاهم عن معصيتِه (^٧).\n\n<span id=\"aya-3622\"></span><span data-type='title' id=toc-7522>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦)</span>\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فقيل\".\n(^٣) في الأصل: \"وصفنا\".\n(^٤) الهمج: ذباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الغنم والحمير وأعينها. تاج العروس (هـ م ج).\n(^٥) في م، ت ١: \"رب\".\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":248},{"text":"ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي (^١) إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فأعرَضت سبأٌ عن طاعةِ ربِّها، وصدَّت عن اتباعِ ما دعتها إليه رُسُلُها، من أمرِ (^٢) خالقِها.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن وهبِ بن منبِّهٍ اليمانيِّ، قال: لقد بعَث اللهُ إلى سبأ ثلاثةَ عَشَرَ نبيًّا فكذَّبوهم (^٣).\n﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فثقَبنا (^٤) عليهم حينَ أعرَضوا عن تصديقِ رسلِنا سدَّهم الذي كان يَحْبِسُ عنهم السيولَ.\nوالعَرِمُ: المُسنَّاةُ التي تَحْبِسُ الماءَ، واحدُها عَرِمةٌ، وإياه عَنَى الأَعْشَى بقولِه (^٥):\nففي ذاك للمُؤْتَسِى أُسْوَةٌ … ومَأْرِبُ قَفَّى (^٦) عليه العَرِمْ\nرِجَامٌ (^٧) بَنَتْه لهم حِمْيَرٌ … إذا جاء ماؤُهُمُ لم يَرِمْ\nوكان العَرِمُ، فيما ذُكِر، مما بنَتْه بِلْقيسُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7523>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ الدَّوْرَقيُّ، قال: حدَّثنا وهبُ بنُ جريرٍ،\n_________\n(^١) في الأصل، ت ٢: \"يجازى\". وهي قراءة كما سيأتي.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أنه\".\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٢٩٣ وابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٩٥ عن محمد بن إسحاق به مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) في الأصل: \"فبعثنا\".\n(^٥) البيتان في ديوانه ص ٤٣.\n(^٦) في الأصل، م: \"عفى\".\n(^٧) في الأصل: \"ركام\"، وفى ت ١، ت ٣: \"رحام\" من غير نقط، وفى الديوان: \"رخام\"، والرخام: حجر أبيض سهل رِخْو. اللسان (ر خ م)، والرِّجام: حجارة ضخام وربما جمعت على القبر ليتَسنَّم. اللسان (ر ج م).","vol":"19","page":249},{"text":"قال: ثنا أبي، قال: سمِعتُ المغيرةَ بنَ حكيمٍ، قال: لما ملَكت بِلْقِيسُ جعَل قومُها يَقْتَتِلون على ماءِ وادِيهم. قال: فجعَلت تَنْهاهم فلا يُطيعونها، فترَكت مُلْكَها، وانطَلَقت إلى قصرٍ لها وترَكتهم، فلما كثرُ الشرُّ بينَهم وندِموا أتَوها، فأرادوها على أن تَرْجِعَ إلى مُلْكِها، فأبَت، فقالوا: لتَرْجِعِنَّ أو لنَقْتُلَنَّك. فقالت: إنكم لا تُطيعونني، وليست لكم عقولٌ (^١). قالوا: فإنَّا نُطيعُكِ، وإنَّا لم نَجِدْ فينا خيرًا بعدَكِ. فجاءت فأمَرت بوادِيهم فسُدَّ بالعَرمِ (^٢).\nقال أحمدُ: قال وهبٌ: قال أبي: فسألتُ المغيرةَ بنَ حَكِيمٍ عن العَرِمِ، فقال: هو بكلامِ حِمْيَرٍ: المُسَنَّاةُ. فسَدَّت ما بينَ الجبلين، فحبَست الماءَ من وراءِ السدِّ، وجعَلت له أبوابًا، بعضُها فوقَ بعضٍ، وبنَت من دونِه بِركةً ضخمةً، فجعَلت فيها اثنى عشَرَ مَخْرَجًا، على عدةِ أنهارِهم، فلما جاء المطرُ احتبَس السيلُ من وراءِ السدِّ. فأمَرت بالبابِ الأعلى ففُتِح، فجرَى ماؤُه في البِرْكةِ، وأمَرت بالبَعْرِ فأُلقى فيها، فجعَل بعضُ البعرِ يخرُجُ أسرعَ مِن بعضٍ، فلم تَزَلْ تُضَيِّقُ تلك الأنهارَ، وتُرْسِلُ البَعْرَ في الماءِ، حتى خرَج جميعًا معًا، فكانت تَقْسِمُه بينَهم على ذلك، حتى كان مِن أمْرِها وأمْرِ سليمانَ ما كان (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البصريُّ، قال: ثنا صالحُ (^٤) بنُ رُزيقٍ (^٥)، قال: أخبَرنا شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ في قولِه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾.\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ولا تطيعوني\".\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٣٩٤ بنحوه.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٣٩٤ عن وهب بنحوه، وذكره أبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٢٧٠ ببعضه.\n(^٤) في م، ت ١: \"أبو صالح\".\n(^٥) في الأصل، م، ت ١، ت ٢: \"زريق\".","vol":"19","page":250},{"text":"قال: المُسَنَّاةِ بلحنِ اليمنِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ قال: سَدٌّ (^٢).\nوقيل: إن العرِمَ اسمُ وادٍ كان لهؤلاء القومِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7524>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾. قال: وادٍ كان باليمنِ، كان يَسِيلُ إلى مكةَ، وكانوا يُسْقَونَ ويَنتَهى سَيلُهم إليه (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾: ذُكِر لنا أن سَيْلَ العرمِ [وادى سبأ] (^٤)، كانت تَجْتَمِعُ إليه مَسايِلُ مِن أوديةٍ شتَّى، فعمَدوا فسدُّوا ما بينَ الجبلين بالقيرِ والحجارةِ، وجعَلوا عليه أبوابًا، وكانوا يَأْخُذون من مائِه ما احتاجوا إليه، ويَسُدُّون عنهم ما لم يُعْنَوا به من مائِه (^٥).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾. [وادٍ في] (^٦) سبإِ\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور عن شريك به كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٨٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"شديد\". والأثر في تفسير مجاهد ص ٥٥٣ بنحوه مطولًا، ومن طريقه الفريابي كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٨٨.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٣ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: م. وفى ت ٢، ت ٣: \"واد\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) في ت ٢، ت ٣: \"وادي\".","vol":"19","page":251},{"text":"يُدْعَى العرِمَ، وكان إذا مُطِرَ سالَت أوديةٌ باليَمنِ إلى العَرِمِ، واجتمَع إليه الماءُ، فعمَدت سبأٌ إلى العَرِمِ فسدُّوا ما بينَ الجبلين، فحجَزوه بالصخرِ والقارِ، فاستدَّ زمانًا من الدهرِ، لا يَرْجون الماءَ. يقولُ: لا يَخافون.\nوقال آخرون: العَرِمُ: صفةٌ للمُسَنَّاةِ التي كانت لهم وليس باسمٍ لها.\n\n<span data-type='title' id=toc-7525>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾. يقولُ: الشديدِ (^١). وكان السببُ الذي سبَّب اللهُ لإرسالِ ذلك السيلِ عليهم - فيما ذُكِر لى - جُرَذًا ابتعَثه اللهُ على سدِّهم، [فنقَب فيه نَقْبًا] (^٢).\nثم اختلَف أهلُ العلمِ في صفةِ ما حدَث عن ذلك النَّقْبِ مما كان به خَرابُ جَنَّتَيْهم؛ فقال بعضُهم: كان صفةُ ذلك أن السيلَ لما وجَد عملًا في السدِّ عمِل فيه فخرَّبه (^٣)، ثم فاض الماءُ على جناتِهم فغرَّقها وخرَّب أرضَهم وديارَهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-7526>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن وهبِ بن مُنبِّهٍ اليمانيِّ، قال: كان لهم، يعنى لسبأ، سَدٌّ قد كانوا بَنَوه بنيانًا أيِّدًا (^٤)، وهو الذي كان يَرُدُّ عنهم السيلَ إذا جاء، أن يَغْشَى أموالَهم. وكان فيما يَزْعُمون في علمِهم من\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره كما في تعليق التعليق ٤/ ٢٨٩، والإتقان ٢/ ٣٨ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٣ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"فثقب فيه ثقبا\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) الأَيْد: القوة. ورجل أيِّد، أي: قوى. ينظر اللسان (أ ي د).","vol":"19","page":252},{"text":"كهانتِهم، أنه إنما يُخَرِّبُ عليهم (^١) سدَّهم ذلك فأرةٌ، فلم يَتْرُكوا فُرْجَةً بينَ حَجَرين، إلا رَبَطوا عندَها هِرَّةً، فلما جاء زمانُه، وما أراد اللهُ بهم من التغريقِ، أقبَلت فيما يَذْكرون فأرةٌ حمراءُ إلى هرةٍ من تلك الهررِ فساوَرتْها حتى استأخَرت عنها الهرةُ، فدخَلت في الفُرجةِ التي كانت عندَها، فتغَلْغَلت في السدِّ فحفَرت فيه، حتى وهَّنته للسيلِ وهم لا يَدْرون، فلما جاء السيلُ وجَد خللًا (^٢)، فدخَل فيه حتى قلَع السدَّ، وفاض على الأموالِ، فاحتمَلها، فلم يُبْقِ منها إلا ما ذكَره اللهُ في كتابِه، فلما تفرَّقوا نزَلوا على كهانةِ عِمرانَ بن عامرٍ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: لما [نزَل بالقومِ] (^٤) أمرُ اللهِ، بعَث اللهُ عليهم جُرَذًا يُسَمَّى الخُلْدَ، فنَقَبَه من أسفلِه، حتى غرَّق اللهُ به جَنَّاتِهم، وخرَّب به أرضَهم؛ عقوبةً بأعمالِهم (^٥).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: لما طغَوا وبغَوا، يعنى سبأً، بعَث اللهُ عليهم جُرَذًا، فخرَّق عليهم السَّدَّ، فأغرَقهم (^٦) اللهُ (^٧).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: بعَث اللهُ عليهم (^٨)\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١: \"عنهم\".\n(^٢) في الأصل، ت ٢: \"عللا\"، وفي ت ١، ت ٣: \"عدلا\".\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٣٩٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ترك القوم\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٨ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) في الأصل: \"فأهلكهم\".\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٩٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٣ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٨) في م: \"عليه\".","vol":"19","page":253},{"text":"جُرَذًا، وسلَّطه على الذي كان يَحْبِسُ الماءَ الذي يَسْقِيهما (^١)، فأخرَب في أجوافِ (^٢) تلك الحجارة وكلِّ شيءٍ منها مِن رَصاصٍ وغيرِه، حتى ترَكها حجارةً، ثم بعَث اللهُ عليها سيلَ العَرمِ، فاقتَلعَ ذلك السدَّ وما كان يَحْبِسُ، واقتلَع تلك الجنتين فذهَب بهما، وقرَأ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾. قال: ذهَب بتلك القُرَى والجنتين.\nوقال آخرون: كانت صفةُ ذلك أن الماءَ الذي كانوا يَعْمُرون به جناتِهم سال إلى موضعٍ غيرِ الموضعِ الذي كانوا يَنْتَفِعون به، فبذلك خرِبت جناتُهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-7527>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: بعَث اللهُ عليه (^٣)، يعنى على العرمِ، دابةً من الأرضِ، فنقَبت فيه نَقْبًا، فسال ذلك الماءُ إلى موضعٍ غيرِ الموضعِ الذي كانوا يَنْتَفِعون به، وأبدَلهم اللهُ مكانَ جنتَيْهم جنتَيْن ذواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وأَثْلٍ، وذلك حينَ عَصَوا، وبَطِروا المعيشةَ (^٤).\nوالقولُ الأولُ أشبهُ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ؛ وذلك أن الله تعالى ذكرُه أخبرَ أنه أرسَل عليهم سيلَ العَرِمِ، ولا يكونُ إرسالُ ذلك عليهم إلا بإسالتِه عليهم، أو على جناتِهم وأرضِهم، لا بصرفِه (^٥) عنهم.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يسقيها\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أفواه\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عليهم\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٩٥.\n(^٥) في الأصل، ت ٢: \"يصرفه\".","vol":"19","page":254},{"text":"وقولُه: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلْنا لهم مكانَ بساتينِهم من الفواكِه والثمارِ، بساتينَ من جَنَى ثمَرِ الأراكِ، والأراكُ: هو الخَمْطُ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7528>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ [قولُه: ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾. يقولُ: الأراكِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمِّي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ] (^٢)، قال: أبدَلهم اللهُ مكانَ جنتَيْهم جنَّتَين ذواتَيْ أُكُلٍ خمْطٍ، والخَمْطُ الأراكُ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ في قولِه: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾. قال: أُراه قال: الخَمْطُ الأراكُ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنى عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾. قال: الخَمْطُ الأراكُ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٨٩، والإتقان ٢/ ٣٨ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٣ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٩٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٩٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٣ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":255},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾. قال: الأراكِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾: والخَمْطُ الأراكُ، وأُكُلُه بَرِيرُه (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾. قال: بدَّلهم اللهُ بجنانِ الفواكهِ والأعنابِ، إذ أصبَحت جناتُهم خَمْطًا، وهو الأراكُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾. قال: ذهَب بتلك القرى والجنتين، وبدَّلهم الذي أخبَرك ذواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ. قال: والخَمْطُ الأراكُ. قال: جعَل مكانَ العنبِ أراكًا، والفاكهةِ أثْلًا، و[بَقِيَ لهم] (^٣) شيءٌ من سدرٍ قليلٍ.\nواختلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ بتنوينِ ﴿أُكُلٍ﴾ غيرَ أبي عمرٍو، فإنه يُضِيفُها إلى \"الخَمْطِ\"، بمعنى: ذَوَاتَيْ ثَمَرِ خَمْطٍ، وأما الذين لم يُضِيفوا ذلك إلى \"الخَمْطِ\"، ونَوَّنُوا \"الأُكُلَ\"، فإنهم جعَلوا\n_________\n(^١) البَرِيرُ: ثمر الأراك إذا اسود وبلغ. اللسان (ب ر ر). والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٨ عن معمر عن قتادة، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٩٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تقدم تخريجه ص ٢٥٣.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"19","page":256},{"text":"\"الخَمْطَ\" هو \"الأُكُلَ\"، فردُّوه عليه في إعرابِه. وبضمِّ الألفِ والكافِ من \"الأُكُلِ\" قرَأت قرَأةُ الأمصارِ غيرَ نافعٍ، فإنه كان يُخَفِّفُ الكافَ منها (^١).\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك عندى قراءةُ من قرَأه: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ بضمِّ الألفِ والكافِ (^٢)؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ عليه، وتنوينِ ﴿أُكُلٍ﴾؛ لاستفاضةِ القراءة بذلك في قرَأةِ الأمصارِ، من غيرِ أن أرَى خطأَ قراءةِ مَن قرَأ ذلك بإضافتِه إلى \"الخَمْطِ\"، وذلك في إضافتِه وتركِ إضافتِه نظيرُ قول العربِ: في بستانِ فلانٍ أعنابُ كَرْمٍ، وأعنابٌ كَرْمٌ. فتُضِيفُ أحيانًا الأعنابَ إلى الكَرْمِ؛ لأنها منه، وتُنَوِّنُ أحيانًا، ثم تُتَرْجِمُ بالكَرمِ عنها؛ إذ كانت الأعنابُ ثمرَ الكَرْم. وأما \"الأَثْلُ\" فإنه يُقالُ: إنه الطَّرْفاءُ. وقيل: إنه شجرٌ شبيهٌ بالطَّرْفاءِ (^٣). غيرَ أنه أعظمُ منها. وقيل: إنه السَّمُرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7529>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَثْلٍ﴾ قال: الأَثْلُ الطَّرْفَاءُ (^٤).\nوقولُه: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾. يقولُ: ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خمطٍ وأَثْلٍ وشيءٍ قليلٍ مِن سدرٍ.\n_________\n(^١) قراءة التنوين للام هي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، وقراءة الإضافة هي قراءة أبي عمرو كما ذكر المصنف، وقراءة سكون الكاف هي قراءة نافع وابن كثير، وقراءة الضم هي قراءة الباقين. ينظر السبعة ص ٥٢٨، والتيسير ص ١٤٦.\n(^٢) القراءات كلها صواب.\n(^٣) الطَّرْفَاءُ: شجر وهى أربعة أصناف منها الأثل، الواحدة طَرفاءة وطرفة محركة. القاموس المحيط (ط ر ف).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٨٩ من طريق أبي صالح به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٩٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٣ إلى ابن المنذر.","vol":"19","page":257},{"text":"وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثني سعيدٌ، قتادةَ: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾. قال: بينَما شجرُ القومِ مِن خيرِ الشجرِ، إذ صيَّره اللهُ من شرِّ الشجرِ بأعمالِهم (^١).\n\n<span id=\"aya-3623\"></span>وقولُه: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي فعَلْنا بهؤلاءِ القومِ مِن سبأ؛ من إرسالِنا عليهم سيلَ العرمِ حتى هلَكت أموالُهم، وخرِبت جناتُهم - جزاءٌ منَّا لهم على كفرِهم بنا وتكذيبِهم رسلَنا، ﴿ذَلِكَ﴾ مِن قولِه: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ﴾. في موضعِ نصبٍ بوقوعِ جزَيْناهم عليه، ومعنى الكلامِ جزَيْناهم ذلك بما كفَروا.\nوقولُه: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءتِه؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: (وَهَلْ يُجازَى) بالياءِ وبفتحِ الزايِ على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، (إِلَّا الكَفُورُ) رفعًا. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾ بالنونِ وبكسرِ الزايِ، ﴿إِلَّا الْكَفُورَ﴾ بالنصبِ (^٢).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتانِ مَشْهُورَتانِ في قرأةِ الأمصارِ، مُتقارِبتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. ومعنى الكلامِ: كذلك كافَأْناهم على كفرِهم باللهِ، وهل يُكافَأُ (^٣) إلا الكفورَ لنعمةِ اللهِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) قراءة النون وكسر الزاى، ونصب الكفور له هي قراءة عاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي، وقراءة الياء وضمها وفتح الزاى ورفع (الكفورُ) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبى بكر. ينظر السبعة ص ٥٢٨، ٥٢٩، والتيسير ص ١٤٧.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"يجازي\".","vol":"19","page":258},{"text":"فإن قال قائلٌ: أو ما يَجْزِى اللهُ أهلَ الإيمانِ به على أعمالِهم الصالحةِ، فيَخُصَّ أهلَ الكفرِ بالجزاءِ، فيُقالُ: (وهل يُجَازَى إلا الكفورُ)؟ قيل: إن المجازاةَ في هذا الموضعِ المكافأةُ، واللهُ تعالى ذكرُه وعَد أهلَ الإيمانِ به التَّفَضُّلَ عليهم، وأن يَجْعَلَ لهم بالواحدةِ من أعمالِهم الصالحةِ عَشْرَ أمثالِها إلى ما لا نهايةَ له من التضعيفِ، ووعَد المسيءَ من عبادِه أن يَجْعَلَ له بالواحدةِ من سيئاتِه مثلَها، مكافأةً به (^١) على جُرْمِه، والمكافأةُ لأهلِ الكبائرِ والكفرِ، والجزاءُ لأهلِ الإيمانِ مع التفضُّلِ؛ فلذلك قال جلَّ ثناؤُه في هذا الموضعِ: (وَهَلْ يُجازَى إِلَّا الكَفُورُ)؛ [لأنه كما قال ﷻ] (^٢) لا يُكافِئُ على عملِه إلا الكفورَ. إذا كانت المكافأةُ مثلَ المكافَإِ عليه، وأنه لا يُغْفَرُ له من ذنوبِه شيءٌ، ولا يُمحَّصُ مِن (^٣) شيءٍ منها في الدنيا، وأما المؤمنُ فإنه يَتَفَضَّلُ عليه على ما وصَفتُ (^٤).\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7530>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ (وهَلْ يُجازَى). [قال: يُعاقَبُ] (^٥).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٣: \"له\". في ت ٢: \"لها\".\n(^٢) في م: \"كأنه قال جل ثناؤه: \"لا يجازي\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"لأنه كما قال جل ثناؤه لا يجازي\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١.\n(^٤) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٥٩.\n(^٥) في م: \"تعاقب\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يعاقب\". والأثر في تفسير مجاهد ص ٥٥٤، وأخرجه الثورى في تفسيره ص ٢٤٣ عن مجاهد. وذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٣٩٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٣ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":259},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (ذلك جزيناهم بما كفروا وهل يُجازى إلا الكَفُورُ): إن الله إذا أراد بعبدِه كرامةً تقبَّل حسناتِه، وإذا أراد بعبدِه هوانًا أمسَك عليه ذنوبَه، حتى يُوَافَى بها (^١) يومَ القيامةِ (^٢).\nقال: وذُكِر لنا أن رجلًا بينما هو في طريقٍ من طرقِ المدينةِ، إذ مرَّت به امرأةٌ، فأتْبَعها بصرَه، حتى أتَى على حائطٍ، فشجَّ وجهَه، فأتى نبيَّ اللهِ ووجهُه يَسِيلُ دمًا، فقال: يا نبيَّ اللهِ، فعَلتُ كذا وكذا. فقال له نبيُّ اللهِ: \"إن الله إذا أراد بعبدٍ كرامةً، عجَّل له عقوبةَ ذنبِه في الدنيا، وإذا أراد اللهُ بعبدٍ هوَانًا، أمسَك عليه ذنْبَه حتى يُوَافَى به يومَ القيامةِ، كأنه عَيْرٌ (^٣) أبترُ\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-3624\"></span><span data-type='title' id=toc-7532>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن نعمتِه التي كان أنعَمها على هؤلاءِ القومِ الذين ظلَموا أنفسَهم: وجعَلنا بينَ بلدِهم وبينَ القرَى التي بارَكْنا فيها، وهى الشامُ، قُرًى ظاهرةً.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7531>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٣: \"به\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) العَيرُ: الحمار الوحشى. النهاية ٣/ ٣٢٨.\n(^٤) أخرجه الطبراني (١١٨٤٢) من طريق شيبان عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا، والحاكم ١/ ٣٤٩، ٤/ ٣٧٦، ٣٧٧ من حديث عبد الله بن مغفل، ٤/ ٦٠٨ من حديث أنس بن مالك.","vol":"19","page":260},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. قال: الشامِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. قال: الشامِ (^٢).\n[حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. قال: الشامِ] (^٣).\nوقيل: عنَى بالقُرَى التي بُورِك فيها بيتَ المقدسِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7533>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾. قال: الأرضُ التي بارَكْنا فيها هي الأرضُ المقدَّسةُ (^٤).\nوقولُه: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾. يعنى قُرًى مُتَّصِلةٌ، وهي قُرًى عربيةٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7534>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ في\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٥٤، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٩ عن معمر، عن أبي يحيى، عن مجاهد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٣٥٤، وأبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٢٧٢، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٩٦.","vol":"19","page":261},{"text":"قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾. قال: قُرًى مُتواصِلةً. قال: كان أحدُهم يَغْدُو فيَقيلُ في قريةٍ، ويَرُوحُ فيَأْوى إلى قريةٍ أخرَى. قال: وكانت المرأةُ تَضَعُ زِنْبِيلَها (^١) على رأسِها، ثم تَمْتَهِنُ بِمِغْزَلها، فلا تَأْتى بيتَها حتى يَمْتَلئَ من كلِّ الثمارِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾: أي مُتَواصِلةً (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾. يعنى قرًى عربيةً بينَ المدينةِ والشامِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾. قال: السَّرَواتِ (^٥).\nحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾. يَعْنى قرًى عربيةً، وهي بينَ المدينةِ والشامِ.\n_________\n(^١) الزنبيل: القُفَّةُ. الوسيط (ز ب ل).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٣٠ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٢٨٩، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٩٦.\n(^٥) السروات جمع سَراة: ما ارتفع من كل شيء وعلا. اللسان (س ر و). والأثر في تفسير مجاهد ص ٥٥٤.","vol":"19","page":262},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾. قال: كان بينَ قريتِهم وبينَ الشامِ قرًى ظاهرةٌ. قال: إن كانت المرأةُ لَتخرُجُ معها مغزَلُها، ومِكْتَلُها على رأسِها، تَرُوحُ مِن قريةٍ وتَغْدُو (^١) وتَبِيتُ في قريةٍ، لا تَحْمِلُ زادًا ولا ماءً؛ لما (^٢) بينَها وبينَ الشامِ.\nوقولُه: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجَعَلْنا السيرَ بينَ قراهم والقرى التي بارَكْنا فيها سيرًا مقدَّرًا مِن منزلٍ إلى منزلٍ، وقريةٍ إلى قريةٍ، لا يَنْزِلون إلَّا في قريةٍ، ولا يَغْدون إلا من قريةٍ.\nوقولُه: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾. يقولُ: وقلْنا لهم: سِيروا في هذه القرى - ما بينَ قراكم والقُرى التي بارَكْنا فيها - لياليَ وأيامًا آمنين، لا تَخافون جُوعًا ولا عَطَشًا، ولا من أحدٍ ظُلْمًا.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7535>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾: لا تَخافون ظلمًا ولا جوعًا، إنما تَغْدون فتَقِيلون في قريةٍ، وتَرُوحون فَتَبِيتون في قريةٍ، أهلُ جنةٍ ونَهَرٍ، حتى لقد ذُكِر لنا أن المرأةَ كانت تَضَعُ مِكْتَلَها على رأسِها، وتَمْتَهِنُ بيدِها، فيَمْتَلئُ مِكْتَلُها من الثمرِ (^٣) قبلَ أن تَرْجِعَ إلى\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"تغدوها\".\n(^٢) في الأصل: \"الماء فيما\".\n(^٣) في الأصل: \"التمر\".","vol":"19","page":263},{"text":"أهلِها، من غيرِ أن تَخْتَرِفَ (^١) بيدِها (^٢) شيئًا، وكان الرجلُ يُسَافِرُ لا يَحْمِلُ معه زادًا ولا سِقاءً، مما بُسِط للقومِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾. قال: ليس فيها خوفٌ.\n\n<span id=\"aya-3625\"></span><span data-type='title' id=toc-7536>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾. على وجهِ الدعاءِ والمسألةِ بالألفِ. وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ مكةَ والبصرةِ: (بعِّد)، بتشديدِ العينِ، على الدعاءِ أيضًا. وذُكِر عن بعضِ المتقدِّمين أنه كان يقرؤه: (رَبُّنا باعَدَ بينَ أسفارِنا) على وجهِ الخبرِ عن (^٤) اللهِ، أن الله فعل ذلك بهم (^٥). وحكى عن آخرَ أنه قرَأه: (ربَّنا بَعُدَ) على وجهِ الخبرِ أيضًا، غيرَ أن الربَّ منادًى (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، ت ٢: \"تحترف\". وفي ت ٣: \"تخترق\". وخرف الثمار جناها. التاج (خ ر ف).\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٠ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في م: \"من\".\n(^٥) قراءة تشديد العين من غير ألف هي قراءة ابن كثير وأبى عمرو وابن عامر في رواية هشام، وقراءة فتح العين والدال وألف على وجه الخبر هي قراءة يعقوب الحضرمى، وقراءة كسر العين وألف على وجه الدعاء هي قراءة نافع، وابن عامر في رواية ابن ذكوان، وعاصم وحمزة والكسائي وأبي جعفر المدني وخلف ينظر النشر ٢/ ٢٦٢، ٢٦٣، وإتحاف فضلاء البشر ص ٢٢١.\n(^٦) وهى قراءة سعيد بن أبي الحسن وسفيان بن حسين وابن السميفع. ينظر البحر المحيط ٧/ ٢٧٣.","vol":"19","page":264},{"text":"والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ﴾ و(بَعِّدْ)؛ لأنهما القراءتان المعروفتان في قرَأةِ الأمصارِ (^١)، وما عداهما فغيرُ معروفٍ فيهم، على أن التأويلَ من أهلِ التأويلِ أيضًا يُحَقِّقُ قراءةَ من قرَأه على وجهِ الدعاءِ والمسألةِ، وذلك أيضًا مما يزيدُ القراءةَ الأخرى بُعدًا من الصوابِ.\nفإذا كان ذلك كذلك وهو الصوابُ من القراءةِ، فتأويلُ الكلامِ: فقالوا: يا ربَّنا، باعدْ بينَ أسفارِنا، فاجعَلْ بينَنا وبينَ الشامِ فَلَواتٍ ومفاوزَ؛ لنَرْكَبَ فيها الرواحلَ، ونتَزَوَّدَ معنا فيها الأزوادَ. وهذا من الدَّلالةِ على بَطَرِ القومِ نعمةَ اللهِ عليهم وإحسانَه إليهم، وجهلِهم بمقدارِ العافيةِ، ولقد عجَّل لهم ربُّهم الإجابةَ، كما عجَّل للقائلين: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]: أعطاهم ما رغِبوا إليه فيه وطلَبوا من المسألةِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7537>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو حُصَينٍ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن يونسَ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ في هذه الآيةِ: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾. قال: كانت لهم قُرًى متصلةٌ باليمنِ، كان بعضُها يَنْظُرُ إلى بعضٍ، فبَطِروا ذلك وقالوا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾. قال: فأرسَلَ اللهُ عليهم سيلَ العرمِ، وجعَل طعامَهم أَثْلًا وخَمْطًا وشيئًا من سدرٍ قليل (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) القراءات كلها صواب.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٩٦ بنحوه.","vol":"19","page":265},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: فإنهم بطِروا عيشَهم، وقالوا: لو كان جَنَى جناتِنا أبعدَ مما هي، كان أجدرَ أن نشتهيَه. فمُزِّقوا بينَ الشامِ وسبإِ، وبُدِّلوا بجنتَيْهم جنتين ذواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وأثْلٍ وشيءٍ من سدرٍ قليلٍ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾: بطِر القومُ نعمةَ اللهِ، وغَمِطوا (^١) كرامةَ اللهِ، قال اللهُ: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ حتى نَبِيتَ في الفَلواتِ والصحارَى: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.\nوقولُه: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: وكان ظلمُهم إيَّاها عَمَلَهم بما يُسْخِطُ الله عليهم مِن معاصيه؛ مما يُوجِبُ [لها عذابَ] (^٣) اللهِ، ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾. يقولُ: صيَّرناهم أحاديثَ للناسِ، يَضْرِبون بهم المثلَ في التَّشْتِيتِ (^٤)، فيُقالُ: تَمزَّق (^٥) القومُ أَيادِيَ سَبَا، وأيْديَ سَبَا. إذا تفرَّقوا وتقطَّعوا (^٦).\nوقولُه: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾. يقولُ: قطَّعناهم في البلادِ كلَّ تَقَطُّعٍ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَظَلَمُوا\n_________\n(^١) الغَمْط: البطر والتحقير. تاج العروس (غ م ط).\n(^٢) تتمة الأثر المتقدم تخريجه في ص ٢٦٢.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لهم عقاب\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"السب\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تفرق\".\n(^٦) ينظر مجمع الأمثال للميداني ٢/ ٤.","vol":"19","page":266},{"text":"أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾. قال قتادةُ: قال عامرٌ الشَّعْبيُّ: أما غسَّانُ فقد لحِقوا بالشامِ، وأما الأنصارُ فلِحقوا بيَثْرِبَ، وأما خزاعةُ فلحِقوا بتِهامةَ، وأما الأزدُ فلحِقوا بعُمانَ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: يَزْعُمون أن عمرَو (^٢) ابنَ عامرٍ، وهو عمُّ القومِ، كان كاهنًا، فرأَى في كَهانتِه أن قومَه سيُمَزَّقون [ويُباعدُ بينَ أسفارِهم] (^٣)، فقال لهم: إنى قد علِمتُ أنكم سَتُمَزَّقون، فمَن كان منكم ذا همٍّ بعيدٍ، وجملٍ شديدٍ، ومَزادٍ جديدٍ، فليَلْحَقْ بكأسٍ أو كرود. قال: فكانت وادعةُ بنُ عمرٍو. ومَن كان منكم ذا همٍّ مُدْنٍ، [وأَمْرٍ ذُعْرٍ] (^٤)، فَليَلْحَقْ بأرضِ شنٍّ (^٥)، فكانت عوفُ بنُ عمرٍو، وهم الذين يُقالُ لهم: بارقٌ. ومَن كان منكم يُريدُ عيشًا آينًا (^٦)، وحَرَمًا آمنًا، فليَلْحَقْ بالأَرْزِينِ (^٧)، فكانت خزاعةُ، ومَن كان يُريدُ الراسياتِ في الوَحْلِ، المُطْعِماتِ في المَحْلِ (^٨)، فَليَلْحَقْ بِيَثْرِبَ ذَاتِ النخلِ، فكانت الأوسُ والخَزرجُ، وهما هذان الحيَّانِ من الأنصارِ، ومن كان منكم يُريدُ خَمْرًا وخميرًا، وذهبًا وحريرًا، ومُلْكًا وتأميرًا، فليَلْحَقْ بِكُوثَى (^٩) وبُصرَى،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٠ من طريق معمر عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في النسخ: \"عمران\". وسيأتي على الصواب. وينظر جمهرة أنساب العرب ص ٣٣١.\n(^٣) في م: \"يتباعدون\"، وفى ت ١: \"تتباعد\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"تباعد\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أمرد عن\".\n(^٥) شَنّ: ناحية بالسَّراة وهى الجبال المتصلة بعضها ببعض الحاجزة بين تهامة واليمن. معجم البلدان ٣/ ٣٢٩.\n(^٦) العيش الآين: الرافه الوادع. القاموس المحيط (أ ون).\n(^٧) في ت ٢: \"بالاردين\"، وفى ت ٣: \"بالادرين\".\n(^٨) المحل: الجوع الشديد وإن لم يكن جدب. اللسان (م ح ل).\n(^٩) كُوثى: ثلاثة مواضع بسواد العراق، وقيل: كوثى العراق كوثيان، كوئى الطريق، والآخر: كوثى رَبَّى. معجم البلدان ٤/ ٣١٧.","vol":"19","page":267},{"text":"فكانت غسَّانُ بنو جَفْنَةَ (^١) ملوكُ الشامِ ومَن كان منهم بالعراقِ. قال ابن إسحاقَ: وقد سمِعتُ بعضَ أهلِ العلمِ يقولُ: إنما قالت هذه المقالةَ طُرَيْفةُ امرأةُ عمرو (^٢) بن عامرٍ، وكانت كاهنةً فرأَت في كهانتِها ذلك، فاللهُ أعلمُ أَيَّ ذلك كان. قال: فلما تفرَّقوا، نزَلوا على كهانةِ عمرِو (^٢) بن عامرٍ (^٣).\nوقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن في تمزيقِناهم كلَّ ممزَّقٍ، ﴿لَآيَاتٍ﴾. يقولُ: لعظةً وعِبْرةً ودَلالةً على واجبِ حقِّ اللهِ على عبدِه من الشكرِ على نِعمِه إذا أنعمَ عليه، وحقِّه من الصبرِ على محنتِه إذا امتحَنه بيلاءٍ ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ [على مِحَنِه] (^٤) ﴿شَكُورٍ﴾ على نعمِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7538>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. قال: كان مُطرِّفٌ يقولُ: نِعم العبدُ الصَّبَّارُ الشَّكُورُ، الذي إذا أُعطِى شكَر، وإذا ابتُلِيَ صَبَر (^٥).\n\n<span id=\"aya-3626\"></span><span data-type='title' id=toc-7539>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾.</span>\n_________\n(^١) في الأصل: \"حنيفة\". وينظر جمهرة أنساب العرب ص ٣٣١.\n(^٢) في م: \"عمران\". وهو مما قيل في اسمه، والمثبت كما تقدم هو الصواب.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٤٩٩.\n(^٤) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":268},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الكوفيين: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ﴾ بتشديدِ الدالِ من ﴿صَدَّقَ﴾، بمعنى أنه قال ظنًّا منه: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]. وقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾. [ص: ٨٢، ٨٣] ثم صدَّق ظنَّه ذلك فيهم، [فحقَّقه بفعلِه] (^١) ذلك بهم، واتِّباعهم إياه. وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ المدينةِ والشامِ والبصرةِ: (ولقد صَدَق عليهم) بتخفيفِ الدالِ، بمعنى: ولقد صدَق عليهم في ظنِّه (^٢).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، وذلك أن إبليسَ قد صدَّق على كفَرةِ بني آدمَ في ظنِّه، وصدَق عليهم ظنُّه الذي ظنَّ حينَ قال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾. وحينَ قال: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩] الآية، قال ذلك عدوُّ اللهِ، ظنًّا منه أنه يفعلُ ذلك لا علمًا، فصار ذلك حقًّا باتباعِهم إياه. فبأيِّ القراءتين قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nفإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ على قراءةِ من قرَأ بتشديدِ الدالِ: ولقد ظنَّ إبليسُ بهؤلاء الذين بدَّلناهم بجنتَيهم جنتَين ذواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ، عقوبةً منَّا لهم - ظنًّا غيرَ يقينٍ؛ عَلِم أنهم يَتَّبعونه ويُطِيعونه في معصيةِ اللهِ، فصدَّق ظنَّه عليهم، بإغوائِه إياهم، حينَ (^٣) أطاعُوه وعَصَوا ربَّهم، إلا فريقًا من المؤمنين باللهِ، فإنهم ثبتوا على طاعة اللهِ ومعصيةِ إبليسَ.\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"فحقق\"، وفى ت ١، ت ٣: \"محققه\".\n(^٢) قراءة تشديد الدال هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي، وقراءة تخفيف الدال هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. السبعة ص ٥٢٩، والكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٢٠٧، والتيسير ص ١٤٧.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"حتى\".","vol":"19","page":269},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7540>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: أخبَرنى عمرُو بنُ مالكٍ، عن أبي الجَوزاءِ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ مُشدَّدةً، وقال: ظنَّ ظنًّا، فصدَّق ظنَّه (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾. قال: ظنَّ ظَنًّا، فاتبَعوا ظنَّه (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾. قال: واللهِ ما كان إلا ظنًّا ظنَّه، وإنَّ الله لا يُصدِّقُ كاذبًا، ولا يُكذِّبُ صادقًا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾. قال: أرأيتَ هؤلاء الذين كرّمتَهم عليَّ، وفضَّلتَهم وشرَّفتَهم؟ لا تَجِدُ أكثرَهم شاكرين. وكان ذلك ظنًّا منه بغيرِ علمٍ، فقال اللهُ: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3627\"></span><span data-type='title' id=toc-7541>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وما كان لإبليسَ على هؤلاء القومِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٥ إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":270},{"text":"الذين وصَف جلَّ ثناؤه صفتَهم من حُجةٍ يُضِلُّهم بها، إلا بتسليطِناه عليهم، [لنَعْلَمَ حزبَنا وأولياءَنا] (^١)، ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾. يقولُ: مَن يُصَدِّقُ بالبعثِ والثوابِ والعقابِ، ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾. [يقولُ: ممن هو مِن الآخرةِ في شكٍّ] (^٢) فلا يُؤْمِنُ (^٣) بالمعادِ، ولا يُصَدِّقُ بثوابٍ ولا عقابٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7542>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾. قال: قال الحسنُ: واللهِ ما ضرَبهم بعضًا ولا سيفٍ ولا سوطٍ، إلا أمانيَّ وغرورًا دعاهم إليها (^٤).\n[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ] (^٥)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾. قال: وإنما كان بلاءً (^٦)؛ ليعلمَ اللهُ الكافرَ مِن المؤمنِ (^٧).\nوقيل: عُنِى بقولِه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾: إلا لنَعْلَمَ ذلك موجودًا ظاهرًا، ليُسْتَحقَّ به الثوابُ أو العقابُ.\n_________\n(^١) في م: \"ليعلم حزبنا وأولياؤنا\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"يوقن\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٠ عن معمر عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) ليس في: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) بعده في الأصل: \"ذلك\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٥ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":271},{"text":"وقولُه: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وربُّك يا محمدُ على أعمالِ هؤلاءِ الكفرةِ به، وغير ذلك مِن الأشياءِ كلِّها ﴿حَفِيظٌ﴾، لا يَعْزُبُ عنه علمُ شيءٍ منه، وهو مجازٍ جميعَهم يومَ القيامةِ، بما كسَبوا في الدنيا من خيرٍ وشرٍّ.\n\n<span id=\"aya-3628\"></span><span data-type='title' id=toc-7543>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فهذا فعلُنا بوليِّنا ومن أطاعَنا داودَ وسليمانَ الذي (^١) فعَلنا بهما؛ مِن إنعامِنا عليهما النعمَ التي لا كِفاءَ لها إذ شكَرانا، وذاك فِعْلُنا بسبأ الذي (^٢) فعلنا بهم، إذ بطروا نعمتَنا، وكذَّبوا رسلَنا، وكفَروا أياديَنا، فقلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين بربِّهم مِن قومِك، الجاحدين نعمَنا عندَهم: ادعوا أيُّها القومُ الذين زعَمتم أنهم للهِ شريكٌ من دونِه، فسلوهم أن يَفْعَلوا بكم بعضَ أفعالِنا بالذين وصَفنا أمرَهم؛ مِن إنعامٍ أو إياسٍ، فإن لم يقدِروا على ذلك، فاعْلَموا أنكم مُبْطِلون؛ لأن الشركةَ في الربوبيةِ لا تَصْلُحُ ولا تجوزُ. ثم وصَف الذين يَدْعون مِن دونِ اللهِ، فقال: إنهم لا يَمْلِكون ميزانَ (^٣) ذرّةٍ في السماواتِ ولا في الأرضِ؛ من خيرٍ ولا شرٍّ، ولا ضرٍّ ولا نفعٍ، فكيف يكونُ إلهًا من كان كذلك؟!\nوقولُه: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا هم إذ لم يَكُونوا يَمْلِكون مثقالَ ذرّةٍ في السماواتِ ولا في الأرضِ منفردين بملكِه مِن\n_________\n(^١) في الأصل: \"اللذين\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"الذين\".\n(^٣) في م: \"مثقال\".","vol":"19","page":272},{"text":"دونِ اللهِ، يملكونه على وجهِ الشَّرِكةِ؛ لأن الأملاكَ في المملوكاتِ، لا تكونُ لمالكيها (^١) إلا على أحدِ وجهين؛ إما مقسومًا، وإما مُشَاعًا. يقولُ: فآلهتُهم التي يَدْعون من دونِ اللهِ لا يَمْلِكون وزنَ ذَرَّةٍ في السماواتِ ولا في الأرضِ، لا مُشَاعًا ولا مقسومًا، فكيف يكونُ مَن كان هكذا شريكًا لمن له ملكُ جميعِ ذلك؟\nوقولُه: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾، يقولُ: وما للهِ مِن الآلهةِ التي يَدْعُون مِن دونِه مُعِينٌ على خلقِ شيءٍ من ذلك، ولا على حفظِه، إذ لم يَكُنْ لها ملكُ شيءٍ منه مُشاعًا ولا مقسومًا، فيقالَ: هو له (^٢) شريكٌ مِن أجلِ أنه أعان، وإن لم يَكُنْ له ملكُ شيءٍ منه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7544>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾. يقولُ: ما للهِ من شريكٍ في السماواتِ ولا في الأرضِ، ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ﴾: من الذين يَدْعون من دونِ اللهِ، ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾. مِن عونٍ بشيءٍ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3629\"></span><span data-type='title' id=toc-7545>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ</span>\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"لمالكها\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"لك\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":273},{"text":"الْكَبِيرُ﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكره: ولا تَنْفَعُ شفاعة شافع [عندَ اللهِ] (^١) كائنا من كان الشافع، لمن شَفَع له، إلا أن يَشْفَعَ لمن أذن الله في الشفاعة له (^٢). يقول تعالى: فإذا كانت الشفاعة (^٣) لا تَنْفَعُ عند الله أحدًا، إلا لمن أذن الله (^٤) في الشفاعة له، والله لا يأذَنُ لأحدٍ من أوليائه في الشفاعةِ لأحدٍ من [أهل الكفر] (^٥) به، وأنتم أهل كفر به أيها المشركون، فكيف تَعْبُدون مَن تَعْبُدونه مِن دونِ الله، زعما منكم أنكم تعبدونه ليقرِّبكم إلى اللهِ زُلْفَى، وليَشْفَعَ لكم عند ربِّكم؟ فـ \"مَن\" - إذ كان هذا معنى الكلام - التي في قوله: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ للمشفوع (^٦) له.\nواختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿أَذِنَ لَهُ﴾؛ فقرأ ذلك عامة القرأة بضمِّ الألف من: ﴿أَذِنَ لَهُ﴾ على وجه ما لم يسمَّ فاعله (^٧). وقرأه بعضُ الكوفيين: ﴿أَذِنَ لَهُ﴾ على اختلاف أيضًا عنه فيه (^٨)، بمعنى أذن الله له.\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾. يقول: حتى إذا جُلِى عن قلوبِهم، وكُشِف عنها الفزَعُ وذهَب.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"الشفاعات\".\n(^٤) بعده في الأصل: \"له\".\n(^٥) في م: \"الكفرة\".\n(^٦) في م: \"المشفوع\".\n(^٧) هي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في رواية الكسائي عن أبي بكر عنه. السبعة لابن مجاهد ص ٥٢٩، ٥٣٠، والتيسير ص ١٤٧.\n(^٨) هي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم في رواية يحيى وحسين وابن أبي أمية عن أبي بكر عنه وحفص عنه. المصدران السابقان.","vol":"19","page":274},{"text":"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7546>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾. يعنى: جُلى (^١).\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾. قال: كُشِف عنها الغطاءُ يومَ القيامةِ (^٢).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ، قال: إذا جُلِى عن قلوبهم (^٣).\nواختلَف أهل التأويل في الموصوفين بهذه الصفة؛ من هم؟ وما السببُ الذي مِن أجلِه فُزِّع عن (^٤) قلوبهم؟ فقال بعضُهم: الذين (^٥) فزِّع عن قلوبهم الملائكة. قالوا: وإنما يُفزَّعُ عن قلوبهم مِن غَشْيةٍ تصيبُهم عند سماعهم كلام (^٦) الله بالوحي.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٣٨ من طريق أبي صالح به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٥٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٧ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٠ عن معمر، عن قتادة والكلبي مطولا، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٦، ٢٣٧ عن قتادة والكلبى مطولا، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في الأصل: \"من\".\n(^٥) في م: \"الذي\".\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"19","page":275},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7547>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن داودَ، عن الشَّعبى، قال: قال ابن مسعود في هذه الآية: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾. قال: إذا حدث أمرٌ عندَ ذى العرشِ، سَمِع مَن دونَه مِن الملائكة صوتًا كجرِّ السلسلة على الصفا، فيُغْشى عليهم، فإذا ذهَب الفزع عن قلوبهم تنادَوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾؟ قال: فيقولُ مَن شاء الله: قال الحق، وهو العلى الكبيرُ (^١).\nحدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت داود، عن عامرٍ، عن مسروق، قال: إذا حدث عندَ ذى العرش أمرٌ، سمِعت الملائكة له (^٢) صوتًا، كجرِّ السلسلة على الصفا، قال: فيُغْشَى عليهم، فإذا فُزِّع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربُّكم؟ قال: فيقولُ مَن شاء الله: الحقَّ، وهو العلى الكبيرُ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامرٍ، عن ابن مسعودٍ، أنه قال: إذا حدث أمرٌ (^٣) عند ذى العرش. ثم ذكر نحو معناه، إلا أنه قال: فيُغْشَى عليهم من الفزع، حتى إذا ذهَب ذلك عنهم، تنادوا: ماذا قال ربُّكم؟\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: يُنَزَّلُ الأمرُ من عندِ ربِّ العزّةِ إلى السماء الدنيا، [فيَسْمعون مثلَ وقعِ الحديد على الصفا] (^٤)، فيفْزَعُ أهل السماءِ الدنيا، حتى يَسْتَبِينَ لهم الأمر الذي نُزِّل فيه، فيقولُ بعضُهم لبعضٍ: ماذا قال ربُّكم؟ فيقولون: قال الحقَّ، وهو العليُّ الكبير. فذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ الآية.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الفتح ١٣/ ٤٥٧ من طريق الشعبي به.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) بعده في الأصل، ت ١، ت ٢، ت: \"من\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢.","vol":"19","page":276},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَينةَ، عن عمرو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، قال: ثنا أبو هريرة، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"إن الله إذا قضَى أمرًا في السماءِ ضَرَبتِ الملائكة بأجْنِحَتِها خُضْعانًا (^١)، لقوله صوتٌ كصوت السلسلة على الصَّفا الصَّفْوانِ\". فذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ (^٢).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾. قال: إن الوحى إذا أُلقى سمع أهلُ السماواتِ صَلْصَلةٌ كصَلْصَلة السلسلة على الصَّفْوانِ، قال: فيتنادون في السماواتِ: ماذا قال ربكم؟ قال: فيتنادون: الحقَّ، وهو العلى الكبيرُ.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضُّحَى عن مسروق، عن عبدِ اللهِ مثله (^٣).\nحدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا أيوب، عن هشام، عن (^٤) عُرْوةَ قال: قال الحارث بن هشامٍ لرسول ﷺ هل الله: كيف يأتيك الوحيُ؟ قال:\n_________\n(^١) في الأصل، م، ت ٢ ت ٣: \"جميعا و\". وفي ت ١: \"جمعا و\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣١، والبخارى (٧٤٨١)، وأبو داود (٣٩٨٩)، والترمذى (٣٢٢٣)، وابن ماجه (١٩٤)، وابن خزيمة في التوحيد ص ٩٧، وابن حبان (٣٦)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٤٣١) ودلائل النبوة ٢/ ٢٣٥ من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٥ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٥٥، وتفسير الثورى ص ٢٤٣، ٢٤٤، وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ٩٦ من طريق منصور به، وأخرجه البخارى في خلق أفعال العباد ص ١٣٨، وأبو داود (٤٧٣٨)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٥٣٦)، وابن حبان (٣٧)، وأبو الشيخ (١٤٦)، والبيهقي في الأسماء (٤٣٢ - ٤٣٤)، والخطيب في تاريخه ١١/ ٣٩٢، ٣٩٣ من طريق أبي الضحى به وجاء عند بعضهم مرفوعًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٦ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤) في النسخ: \"بن\". والمثبت من مصادر التخريج.","vol":"19","page":277},{"text":"\"يَأْتينى في صَلْصَلةٍ كصَلْصَلَةِ الجَرَسِ، فيَفْصِمُ عنى حينَ يَفْصِمُ وقد وَعَيْتُه، ويأتيني (^١) أحيانًا في مِثْلِ صورة الرجل، فيُكَلِّمُنى به كلامًا، وهو أهون عليَّ\" (^٢).\nحدثني زكريا بن [يحيى بن] (^٣) أبان المصريُّ، قال: ثنا نعيم، قال: ثنا الوليد بنُ مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابرٍ، عن ابن أبي زكريا، عن رجاءِ (^٤) بن حَيْوَةَ، عن النَّوَّاس بن سمعانَ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أرادَ الله أن يُوحَى بالأمرِ، تَكَلَّمَ بالوَحْيِ، أَخَذَتِ السَّمَاواتِ منه رَجْفَةٌ - أو قال: رِعْدَةٌ - شديدةٌ؛ [خَوْفًا مِن] (^٥) الله، فإذا سَمِع بذلك (^٦) أهل السماواتِ صَعِقوا، وخَرُّوا للهِ سُجَّدًا، فيكونُ أول مَن يَرْفَعُ رأسه جبريلُ، فيُكَلِّمُهُ اللهُ [مِن وَحْيِه بما] (^٧) (^٨) أرادَ، ثم يمرُّ جبريلُ على الملائكةِ، كُلَّما مَرَّ بسماءٍ سأله (^٩) ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريلُ؟ فيقولُ جبريلُ: قال الحقَّ، وهو العلى الكبيرُ. قال: فيقولون كلُّهم مثل ما قال جبريل، فينتهى جبريلُ بالوحي حيثُ أمره الله\" (^١٠).\n_________\n(^١) في م: \"يأتي\".\n(^٢) أخرجه الطبراني (٣٣٤٤) من طريق أيوب به. وذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٤/ ٥١، ٥٢ عن أيوب به. وأخرجه البخارى (٢)، ومسلم (٢٣٣٣)، وغيرهما من طريق هشام بن عروة عن عائشة عن الحارث.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م، ت ٢: \"جابر\".\n(^٥) في م: \"خوف أمر\".\n(^٦) في الأصل: \"ذلك\".\n(^٧) في الأصل: \"بوحيه ما\".\n(^٨) في ت ١، ت ٢، ت: \"لما\".\n(^٩) في الأصل: \"سما له\".\n(^١٠) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ٩٥ - ومن طريقه البغوي في تفسيره ٦/ ٣٩٨ - من طريق زكريا بن يحيى بن أبان المصرى به. وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٥١٥)، وابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٥٠٤ - ومن طريقه أبو الشيخ في العظمة (١٦٥)، والآجرى في الشريعة (٦٦٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٤٣٥) من طريق نعيم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٦ إلى الطبراني وابن مردويه.","vol":"19","page":278},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عُبَيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ الآية. قال: كان ابن عباسٍ يقولُ: إن الله لما أراد أن يُوحِيَ إلى محمدٍ، دعا جبريل، فلما تكلَّمَ ربُّنا بالوَحْيِ، كان صوته كصوت الحديد على الصَّفا، فلما سمع أهل السماواتِ صوت الحديدِ، خَرُّوا سُجَّدًا، فلما أتى عليهم جبريلُ بالرسالة، رفعوا رُءُوسهم، فقالوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. وهذا قولُ الملائكة.\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ إلى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الكَبِيرُ﴾. قال: لمَّا أوحى الله ﵎ إلى محمد ﷺ، دعا الرسول من الملائكةِ، فبعث بالوَحْي، سمِعَتِ الملائكةُ صوتَ الجَبَّارِ يتكلم بالوحي، فلما كشف عن قلوبهم، سألوا عما قال الله، فقالوا: الحقَّ. وعلموا أن الله لا يقولُ إلا حقًّا، وأنَّه مُنجزٌ ما وعد، قال ابن عباس: وصوت الوحيِ كصوت الحديد على الصفا، فلما سمعوه خرُوا سُجَّدًا، فلما رفعوا رءوسهم ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. ثم أمر الله نبيه أن يسأل الناسَ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مَّن السَّمَوَاتِ [وَالْأَرْضِ﴾ إِلى ﴿أَوْ] (^١) فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (^٢).\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قُرَّةُ، عن عبد الله بن القاسم في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ الآية (^٣). قال: الوحى ينزل (^٤) من السماء، فإذا\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إلى قوله\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٥، ٢٣٧ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) في الأصل: \"قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير\".\n(^٤) بعده في الأصل: الله.","vol":"19","page":279},{"text":"قَضاه، ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مُغيرة، عن إبراهيمَ، عن عبد الله في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾. قال: إن الوحى إذا قُضِي في زَوَايا (^١) السماءِ، كان (^٢) مثل وقع الفولاذِ على الصخرة (^٣)، قال: فيُشْفِقُون، لا يَدْرُون ما حدث، فيفزَعون، فإذا مَرَّت بهم الرسلُ ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.\nوقال آخرون ممن قال: المَوصوفون بذلك الملائكةُ: إنما يُفَزِّعُ عن قلوبهم فَزَعُهم من قضاءِ اللهِ الذي يَقْضِيه؛ حَذَرًا أن يكون ذلك قيام الساعةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7548>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ الآية، قال: يُوحِى الله إلى جبريلَ، فتَفرَّقُ الملائكة، أو تَفَزَّعُ؛ مخافة أن يكونَ شيءٌ مِن أمر الساعة، فإذا جلى عن قلوبهم، وعلموا أن ذلك ليس من أمر الساعة ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (^٤).\nوقال آخرون: بل ذلك من فعل ملائكة السماواتِ إذا مَرَّت بها المُعَقِّباتُ؛ فَزَعًا أن يكون حدث أمرُ الساعة.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٣) بعده في الأصل: \"أو الفولاذ على الصخرة\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٠ عن معمر عن قتادة والكلبى بنحوه. وذكره السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٦، ٢٣٧ عن قتادة والكلبى، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":280},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7549>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، زعم ابن مسعود أن الملائكة المعقبات، الذين يختلفون إلى الأرض يكتبون أعمالهم، إذا أرسلهم الربُّ فانحدروا، سمع لهم صوتٌ شديدٌ، فيحسبُ الذين هم أسفل منهم من الملائكة، أنه من أمر الساعة، فيَخِرُّوا سُجَّدًا، وهذا كلما مَرُّوا عليهم، ويفعلون ذلك من خوفِ ربِّهم (^١).\nوقال آخرون: بل الموصوفون بذلك المشركون، قالوا: وإنما يُفَزِّعُ الشيطانُ عن قلوبهم. قال: وإنما يقولون: ماذا قال ربكم؟ عند نزول المنيَّةِ بهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-7550>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ قال: فَزَّع الشيطانُ عن قلوبهم وفارقهم وأمانيهم، وما كان يُضِلُّهم، ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ قال: وهذا في بني آدمَ، وهذا عند الموتِ، أقرُّوا به حين لم ينفعهم الإقرارُ (^٢).\nوأولى الأقوال في ذلك بالصواب [وأشبهُها بظاهر التنزيل] (^٣)، القولُ الذي ذكره الشَّعْبيُّ، عن ابن مسعودٍ؛ لصحة الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ بتأييده.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٠٢. وذكره السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٧ عن زيد بن أسلم، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"19","page":281},{"text":"فإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: ولا تنفعُ الشفاعة عنده، إلا لمن أذِن له أن يشفع عنده (^١)، فإذا أذن (^٢) اللهُ لَمَن أذن له أن يشفعَ، فزِع لسماعه إِذْنَه، ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ فَجُلىَ عنها، وكُشِف الفزع عنهم، ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ [قَالُوا الْحَقَّ] (^٣)﴾. قالت الملائكةُ: الحقَّ. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ على كلِّ شيءٍ، ﴿الْكَبِيرُ﴾ الذي لا شيء إلا هو دونه.\nوالعرب تستعمل \"فزِّع\" في معنيين، فتقول للشجاع الذي به تنزل الأمورُ التي يُفزَعُ منها: هو مُفَزَّعٌ. وتقولُ للجبانِ الذي يفزَعُ مِن كُلِّ شيءٍ: إنه لمُفَزَّعٌ. وكذلك تقول للرجل الذي يقضى له الناسُ في الأمور بالغَلَبَةِ على من نازله فيها: هو مُغَلَّبٌ. وإذا أُريد به هذا المعنى كان غالبًا، وتقول للرجل أيضا الذي هو مغلوبٌ أبدًا: مُغَلَّبٌ (^٤).\nوقد اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته قرأةُ الأمصار أجمعون: ﴿فُزِّعَ﴾ بالزايِ والعينِ. على التأويل الذي ذكرناه عن ابن مسعودٍ، ومن قال نحو قوله في ذلك. وروى عن الحسن البصرى أنه قرأ ذلك: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عن قُلُوبهم) بالراءِ والغين (^٥). على التأويل الذي ذكرناه عن ابن زيد.\nوقد يُحتمل توجيه معنى قراءة الحسنِ ذلك كذلك، إلى: حتى إذا فُزِّغ عن قُلُوبهم، فصارت فارغةً مِن الفزع الذي كان حَلَّ بها. وذُكر عن مجاهد أنه قرَأ ذلك: (فَزَّع) بمعنى: كشَف اللهُ الفَزَعَ عنها (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: \"له\".\n(^٢) في الأصل: \"كان\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٤) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٦١.\n(^٥) وهى قراءة شاذة.\n(^٦) ينظر المحتسب ٢/ ١٩١، ١٩٢، والبحر المحيط ٧/ ٢٧٨.","vol":"19","page":282},{"text":"والصوابُ من القراءةِ في ذلك القراءة بالزاي والعين؛ لإجماع الحجة من القرأة وأهل التأويل عليها، ولصحة الخبر الذي ذكرناه عن رسول الله ﷺ بتأييدها، والدلالة على صحتها.\n\n<span id=\"aya-3630\"></span><span data-type='title' id=toc-7552>القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بربِّهم الأوثان والأصنام: ﴿مَن يَرْزُقُكُم مَّن السَّمَاوَاتِ﴾ (^١)، بإنزاله الغيث عليكم منها، حياةً لحروثِكم، وصلاحًا لمعايشكم، وتَسْخيرِه الشمسَ والقمرَ والنجوم لمنافعكم، ومنافع أقواتِكم، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ بإخراجه منها أقواتَكم وأقواتَ أنعامكم. وترك الخبر عن جواب القوم استغناءً بدلالة الكلام عليه، ثم (^٢) ذكره وهو: فإن قالوا: لا نَدْرِى. فقُل: الذي يرزقكم ذلك الله.\n﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَاكُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: قُلْ لهم: إنا لعلى هُدًى أو في ضلالٍ (^٣)، أو إنكم على ضلالٍ أو هُدًى.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7551>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، [قال: ثنا يزيد] (^٤)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله (^٥): ﴿قُلْ مَن\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢: \"والأرض\".\n(^٢) في الأصل: \"من\".\n(^٣) بعده في الأصل: \"مبين\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) ليس في: م، ت ١، ت ٢.","vol":"19","page":283},{"text":"يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. قال: قد قال ذلك أصحاب محمد للمشركين: والله ما نحن (^١) وأنتم على أمرٍ واحدٍ، إِنَّ أحد الفريقين مُهْتَدٍ (^٢).\nوقد قال قوم: معنى ذلك: وإنا لعلى هُدًى، وإنكم لفي ضلالٍ مبينٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7553>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني إسحاق بن إبراهيمَ الشَّهيدي، قال: ثنا عَتَّابُ (^٣) بنُ بشيرٍ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمة وزياد [بن أبي مريم] (^٤) في قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. قال: إنا لعلى هُدًى، وإنكم لفي ضلال مبين (^٥).\nواختلف أهل العربية في وَجْهِ دخول \"أو\" في هذا الموضع؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: ليس ذلك لأنَّه شكٌّ، ولكن هذا في كلام العرب على أنه هو المهتدِى. قال: وقد يقولُ الرجلُ لعبده: أحدُنا ضارب صاحبَه. ولا يكون فيه إشكال على السامع، أن المولى هو الضارب.\nوقال آخر (^٦) منهم: معنى ذلك: إنا لعلى هُدًى، وإنكم إياكم في ضلالٍ مبين؛ لأن العرب تضعُ \"أو\" في موضع \"واوِ\" الموالاة. قال جريرٌ (^٧):\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"أنا\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"لمهتد\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) في الأصل: \"غياث\". ينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٢٨٦.\n(^٤) ليس في: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٠٥، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٧ عن عكرمة وحده، وعزاه إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) في الأصل: \"آخرون\". والقائل أبو عبيدة معمر بن المثنى في مجاز القرآن ٢/ ١٤٨.\n(^٧) ذيل ديوان جرير ٢/ ٨١٤.","vol":"19","page":284},{"text":"أثَعْلَبَةَ الفوارسِ أو رياحا … عَدَلْتَ بهم طُهَيَّةَ والخِشابا\nقال: يعنى: أثعلبة ورياحًا.\nقال: وقد [قال قوم: قد يتكلم] (^١) بهذا من لا يَشُكُّ في دينه، وقد علموا أنهم على هُدًى وأولئك في ضلال (^٢)، فيقالُ هذا وإن كان كلاما واحدا، على جهة الاستهزاء، يقال هذا لهم. وقال (^٣):\nفإن يَكُ حُبُّهم رُشْدًا أُصِبْهُ … ولستُ بُمُخْطِئُ إن كان غَيّا\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: معنى \"أو\" معنى \"الواوِ\" في هذا الموضع (^٤)، غيرَ أن العربية (^٥) على غير ذلك؛ لا تكونُ \"أو\" بمنزلة \"الواوِ\"، ولكنها تكون في الأمر المُفَوَّض (^٦)، كما تقولُ: إن شئتَ فخُذْ درهمًا أو اثنين. فله أن يأخُذَ اثنين أو واحدا، وليس له أن يأخذَ ثلاثة. قال: وهو في قولِ مَن لا يبصرُ العربية ويجعلُ \"أو\" بمنزلة \"الواو\" (^٧)، يجوز له أن يأخذ ثلاثةً؛ لأنَّه في قولهم بمنزلة قولك: خُذْ درهما واثنين. قال: والمعنى في: ﴿إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾: إنا لضالون أو مهتدون، وإنكم أيضًا لضالون [أو مهتدون] (^٨)، وهو يعلم أن رسوله المُهْتَدِى، وأن غيره الضالُّ. قال: وأنت تقولُ في الكلام للرجل يُكَذِّبُك: والله إن أحدنا لكاذبٌ.\n_________\n(^١) في م: \"تكلم\".\n(^٢) بعده في الأصل: \"مبين\".\n(^٣) البيت لأبي الأسود الدؤلى، وهو في ديوانه ص ٣٢ (ضمن المجموعة الثانية من نفائس المخطوطات بتحقيق محمد حسن آل ياسين).\n(^٤) بعده في م، ت ١، ت ٢: \"في المعنى\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢: \"القرينة\".\n(^٦) في الأصل: \"المعرض\".\n(^٧) بعده في م: \"و\".\n(^٨) سقط من: النسخ والمثبت من معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٦٢.","vol":"19","page":285},{"text":"وأنت تَعْنِيه، وكذَّبْتَه تَكذيبًا غير مكشوف (^١)، وهو في القرآن وكلام العرب كثيرٌ؛ أن يُوجَّهَ الكلامُ إلى أحسن مذاهبه إذا عُرِف (^٢)، كقول القائل (^٣): والله لقد قدم فلان. وهو كاذبٌ، فيقولُ: قُلْ: إن شاء الله. أو قل: فيما أَظُنُّ. فَيُكَذِّبُه بِأَحْسَنَ من (^٤) تَصْرِيحِ التَّكذيب، قال: ومن كلام العرب أن يقولوا: قاتله الله. ثم يستقبحُ فيقولون: قاتَعه (^٥) الله، وكاتَعه الله. قال: ومن ذلك: وَيْحَكَ، ووَيْسَك. إنما هي في معنى: وَيْلَك. إلا أنها دونَها (^٦).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى (^٧)، أن ذلك أمرٌ مِن الله نبيَّه بتكذيب مَن أمره بخطابه بهذا القول، بأحسن (^٨) التكذيب، كما يقولُ الرجلُ لصاحبٍ له يخاطبه، وهو يريدُ تَكْذيبه في خبر له: أحدنا كاذب. وقائلُ ذلك يعنى صاحبه لا نفسه؛ فلهذا المعنى صَيَّر الكلامَ بـ \"أو\" (^٩).\n\n<span id=\"aya-3631\"></span><span data-type='title' id=toc-7554>القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قُلْ لهؤلاء المشركين: أحد فريقينا على هُدًى، والآخرُ على ضلال، لا تُسألون أنتم\n_________\n(^١) في ت ٢: \"مكتوف\".\n(^٢) في ت ٢: \"عرفه\".\n(^٣) بعده في م: \"لمن قال\"، وبعده في ت ١، ت ٢: \"قال\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢: \"قاتله\".\n(^٦) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٦٢.\n(^٧) في الأصل: \"عندنا\".\n(^٨) في م، ت ١، ت ٢: \"بأجمل\".\n(^٩) في الأصل: \"بالواو\".","vol":"19","page":286},{"text":"عما أَجْرَمْنا نحنُ مِن جُرْمٍ وركبنا (^١) مِن إثمٍ، ولا نُسألُ نحن عما تعملون أنتم من عملٍ. قُلْ لهم: يجمعُ بيننا ربنا يومَ القيامة عندَه، ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: ثم يَقْضِي بيننا بالعدل، فيتبين عند ذلك المهتدِى مِنَّا مِن الضالِّ، ﴿وَهُوَ الْفَتَاحُ الْعَلِيمُ﴾. يقولُ: والله القاضي، العَلِيمُ بالقضاءِ بين خلقه؛ لأنَّه لا تَخْفَى عليه (^٢) خافيةٌ، ولا يحتاج إلى شهود تعرفه المُحِقَّ مِن المُبطلِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span id=\"aya-3632\"></span><span data-type='title' id=toc-7555>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ يومَ القيامةِ، ﴿ثُمَّ يفتحُ بَيْنَنَا﴾، أي: يَقْضِي بيننا (^٣).\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه: ﴿وَهُوَ الْفَتَاحُ الْعَلِيمُ﴾. يقولُ: القاضي (^٤).\n\n<span id=\"aya-3633\"></span><span data-type='title' id=toc-7556>القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ، شُرَكَاة كَلَّا بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.</span>\nالله قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: قُلْ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله الآلهة والأصنامَ: أروني، أَيُّها القومُ، الَّذين\n_________\n(^١) في الأصل: \"ركبناه\".\n(^٢) في م، ت ٢: \"عنه\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٠ عن معمر عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٧ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٣٨ - والبيهقي في الأسماء والصفات (١٠٦) من طريق أبي صالح به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٧ إلى ابن المنذر.","vol":"19","page":287},{"text":"ألْحَقْتُموهم باللهِ، فصَيَّرْتموهم له شركاء في عبادَتِكم إياهم، ماذا خَلَقُوا مِن الأرضِ، أم لهم شِرك في السماواتِ، ﴿كَلَّا﴾. يقول تعالى ذكره: كذبوا، ليس الأمرُ كما وصفوا ولا كما جَعَلوا وقالوا، مِن أنَّ للهِ شَريكًا، بل هو المعبود الذي لا شريك له، ولا يَصْلُحُ أن يكونَ له شَريكٌ في مُلْكِه، العزيز في انتقامِه مِمَّنْ أَشْرَك به معه مِن خَلْقِه، الحكيم في تدبيره خَلْقَه.\n\n<span id=\"aya-3634\"></span><span data-type='title' id=toc-7558>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: وما أَرْسَلْناك يا محمد إلى هؤلاء المشركين بالله من قومك خاصةً، ولَكِنَّا أرسلناك كافَّة للناس أجمعين؛ العرب منهم والعجمُ، والأحمر والأسودُ، بَشِيرًا مَن أطاعَك، ونذيرا من كذَّبَك، ولكن أكثر النَّاسِ لا يعلمون أن الله أرْسَلَك كذلك إلى جميع البشر.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7557>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾. قال: أَرْسَل الله محمدًا إلى العرب والعجم، فأكرمهم على اللهِ أطْوَعُهم له. ذكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ قال: \"أنا سابِقُ العَرَبِ، وصُهَيبٌ سابِقُ الرُّومِ، وبِلالٌ سابِقُ الحَبَشِ (^١)، وسَلْمانُ سابِقُ فارِسَ\" (^٢).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"الحبشة\"، وهو لفظ ابن عدي في الكامل.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٧ - قول قتادة فقط - إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\nأما قول النبي ﷺ فقد أخرجه ابن عدي في الكامل ٧/ ٢٦٢٤، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان ١/ ٤٩ من حديث أنس مرفوعًا.","vol":"19","page":288},{"text":"<span id=\"aya-3635\"></span><span data-type='title' id=toc-7559>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: ويقول هؤلاء المشركون بالله، إذا سمعوا وعيد الله للكفار وما هو فاعِلٌ بهم في مَعادِهم مما أَنْزَلَه في كتابه: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ جائيًا، وفى أي وقت هو كائن ﴿إِن كُنتُمْ﴾ فيما تَعِدُوننا من ذلك ﴿صَادِقِينَ﴾ أنه كائن.\n\n<span id=\"aya-3636\"></span>قال الله لنبيه: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿لَّكُمْ﴾ أيُّها القوم ﴿مِيعَادُ يَومٍ﴾ هو آتِيكُم، ﴿لا تَسْتَئْخِرُونَ عَنْهُ﴾ إذا جاءَكم ﴿سَاعَةً﴾ فتُنْظُرُوا للتوبةِ والإنابة، ﴿وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ قبله بالعذاب؛ لأن الله جعل [لكم ذلك] (^١) أجَلًا.\n\n<span id=\"aya-3637\"></span><span data-type='title' id=toc-7560>القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من مُشْرِكى العرب: ﴿لَن نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ﴾ الذي جاء (^٢) به محمد ﷺ، ولا بالكتاب الذي جاء به [مِنْ قَبْلِه] (^٣) غيرُه مِن بين يَدَيْهِ.\nكما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لَن\n_________\n(^١) في الأصل: \"ذلك\"، وفي ت ١: \"ذلك لكم\".\n(^٢) في م: \"جاءنا\".\n(^٣) سقط من: م.","vol":"19","page":289},{"text":"نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلَا بِالَّذِى بَينَ يَدَيْهِ﴾. قال: قال المشركون: لن نُؤْمِنَ بهذا القرآن، ولا بالذي بينَ يَدَيْهِ مِن الكُتُبِ والأنبياءِ (^١).\nوقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبَّهِمْ﴾. [يقولُ تعالى ذكره: ولو تَرَى يا محمد الظالمين إذ هم موْقوفون عندَ رَبِّهِم] (^٢) يَتَلاوَمُون؛ يُحاوِرُ بعضُهم بعضًا، يقولُ المُسْتَضْعَفون الذين كانوا في الدنيا، للذين كانوا عليهم فيها يَسْتَكْبِرون: لولا أنتم أيُّها الرُّؤساء والكُبَراءُ في الدنيا، لَكُنَّا مؤمنين بالله وآياته.\n\n<span id=\"aya-3638\"></span><span data-type='title' id=toc-7561>القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكره: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ في الدنيا، فتَرَأَّسُوا (^٣) في الضلالة والكفر بالله، ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ فيها فكانوا أتباعًا لأهل الضلالة منهم - إذ قالوا لهم: لولا أنتم لكنَّا مؤمنين -: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى﴾ ومَنَعْناكم (^٤) مِن اتِّباع الحقِّ [بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ من عندِ اللهِ فَتَبَيَّنَ (^٥) لكم، ﴿بَلْ كُنتُم مُجْرِمِينَ﴾ فمنعكم إيثاركم الكفر بالله على الإيمانِ، مِن اتِّباع الهدى والإيمان بالله ورسوله.\n\n<span id=\"aya-3639\"></span><span data-type='title' id=toc-7562>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٧، ٢٣٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٣) في م، ت ٢: \"فرأسوا\".\n(^٤) في الأصل: \"منعنا\".\n(^٥) في م: \"يبين\"، وفى ت ١: \"نبين\"، وفى ت ٢: \"لنبين\".","vol":"19","page":290},{"text":"يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾.\nقال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ مِن الكفرة بالله في الدنيا، فكانوا أتباعًا لرؤسائهم في الضلالة، ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ فيها فكانوا لهم (^١) رؤساء: بل مكرُكم بنا (^٢) بالليل والنهارِ صَدَّنا عن الهدى، [﴿وإِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ باللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا﴾: أمثالًا وأشباها] (^٣) في العبادةِ والألوهية.\n[وأُضيف] (^٤) المكرُ إلى الليل والنهارِ، والمعنى ما ذَكَرْنا مِن مكرِ المُسْتَكْبِرين بالمُسْتَضْعَفِين في الليل والنهار، على اتِّساع العرب في الذي قد عُرف معناها فيه (^٥) مِن مَنْطِقِها؛ مِن نَقْلِ صفة الشيء إلى غيره، فتقولُ للرجل: يا فلان، نهارُك صائمٌ، وليلك قائمٌ. وكما قال الشاعرُ (^٦):\n* ونِمْتِ وما لَيْلُ المَطِيِّ (^٧) بنائمِ *\nوما أشبَه ذلك، مما قد مضى تِبْيانُنا له في غيرِ مَوْضِعٍ مِن كتابنا هذا (^٨).\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) في الأصل، ت ٣: \"بهم\".\n(^٢) في م: \"لنا\".\n(^٣) سقط من: ت ١. وفى م، ت ٢ جاءت العبارة تامة عدا قوله: \"أندادا\".\n(^٤) في م: \"فأضيف\".\n(^٥) ليس في: الأصل.\n(^٦) تقدم تخريجه في ١٢/ ٢٢٨.\n(^٧) المَطِيَّة من الدَّوابِّ: التي تَمطُو في سَيْرِها. وجمعها: مَطَايا ومَطِيّ. اللسان (م ط و).\n(^٨) ينظر ما تقدم في ١٢/ ٢٢٨.","vol":"19","page":291},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7563>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾. قال: يقولُ: بل مكركم بنا في الليل والنهار، أيُّها العُظَماءُ الرُّؤَسَاءُ، حتى أَزَلْتُمونا عن عبادة الله (^١).\nوقد ذُكر في تأويله عن سعيد بن جُبيرٍ، ما حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يَمَانٍ، عن أَشْعَثَ، عن جعفر، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. قال: مرُّ (^٢) الليل والنهار (^٣).\nوقوله: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾. يقولُ: حينَ تَأْمُرُونَنا أن نكفرَ باللهِ.\nوقوله: ﴿وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا﴾. يقولُ: شُركاءَ.\nكما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا﴾: شُركاءَ.\nوقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا العَذَابَ﴾. يقولُ: ونَدِموا على ما فَرَّطوا فيه (^٤) من طاعة الله في الدنيا، حين عايَنوا عذابَ الله الذي أعَدَّه لهم.\nكما حدثنا بشرٌ، [قال: حدثنا يزيد] (^٥)، قال: ثنا سعيد، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٠٧ مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) في الأصل: \"أمر\". والمثبت موافق لما في مصنف ابن أبي شيبة وتفسير القرطبي.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٣٩ عن يحيى - وهو ابن يمان - به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) ليس في: م، ت ١، ت ٢.\n(^٥) سقط من: م، ت: ٢. وهذا إسناد دائر عند المصنف.","vol":"19","page":292},{"text":"قتادةَ: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ بينَهم ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ (^١): غُلَّتْ أَيْدِى الكافرين بالله [في جهنم إلى أعناقهم، في جَوامِعَ مِن نار جهنم؛ جَزاء بما كانوا بالله] (^٢) في الدنيا يَكْفُرون. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ما يَفْعَلُ اللهُ ذلك بهم إلَّا ثوابًا لأعمالهم الخبيثة، التي كانوا في الدنيا يَعْمَلونها، ومُكافَأَةً لهم عليها.\n\n<span id=\"aya-3640\"></span><span data-type='title' id=toc-7565>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: وما بَعَثْنا إلى أهل قريةٍ نَذِيرًا، يُنْذِرُهم بَأْسَنا أَن يَنْزِلَ بهم، على مَعْصِيَتِهم إيانا، إلا قال مُتْرَفوها (^٣)، كُبَرَاؤُها ورؤساؤُها في الضَّلالة، كما قال قوم محمدٍ (^٤) من المشركين له: إِنَّا بما أُرْسِلْتُم به مِن النِّذارَةِ، وبُعِثْتُم به من توحيدِ اللهِ، والبَرَاءَةِ مِن الآلهة والأنْدادِ، كافرون.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7564>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾. قال: هم رُءُوسُهم وقادَتُهم في الشَّرِّ (^٥).\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"و\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) ليس في: م، ت ١، ت ٢.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢: \"فرعون\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٥ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٨ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم، وتقدم بنحوه ١٤/ ٥٣١.","vol":"19","page":293},{"text":"<span id=\"aya-3641\"></span><span data-type='title' id=toc-7566>القول في تأويل قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: وقال أهلُ الاسْتِكْبار على الله من كلِّ قرية أرْسَلْنا فيها نذيرًا؛ [لأنبيائها ورُسُلِها] (^١): نحن أكثر منكم (^٢) أموالًا وأولادًا، وما نحنُ في الآخرةِ بمُعَذَّبِينَ؛ لأن الله لو لم يَكُن راضيًا ما نحن عليه من المِلَّةِ والعملِ، لم يُحَوِّلنا الأموال والأولاد، ولم يبسُطْ لنا في الرِّزْقِ، وإنما أعطانا ما أعطانا ذلك؛ لرضاه أعمالنا، وآثرنا بما آثرنا على غيرنا؛ لفَضْلِنا، من وزُلْفَةً لنا عِندَه.\n\n<span id=\"aya-3642\"></span>يقول الله لنبيِّه محمد ﷺ: قُلْ يا محمد لهم: ﴿إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ مِن المَعَاشِ والرِّياش في الدنيا ﴿لِمَن يَشَاءُ﴾ مِن خَلْقِه، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ فيُضَيقُ على من يشاءُ، لا لفَضْلٍ (^٣) فيمَن يَبْسُطُ ذلك له ولا خير فيه، ولا زُلْفَةٍ له اسْتَحَقَّ بها منه، ولا لبُغْضٍ (^٤) منه لَمَنْ قدر عليه ذلك، ولا مَقْتٍ، ولكنَّه يَفْعَلُ ذلك مِحَنا (^٥) لعباده وابتلاءً، وأكثر الناس لا يَعْلَمون أن الله يَفْعَلُ ذلك اختبارًا لعباده، ولكنَّهم يَظُنُّون أن ذلك منه محبةٌ لَمَنْ يَبْسُطُ له، ومَقْتُ منه (^٦) لمن قدر عليه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"لأنبيائنا ورسلنا\"، وفى ت ٢: \"لأنبيائها ورسلنا\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"لمحبة\".\n(^٤) في الأصل: \"ينقص\"، وفى ت ١: \"لنقص\"، وفي ت ٢: \"نقص\".\n(^٥) في م: \"محنة\"، وفى ت ١: \"مخبرا\"، وفي ت ٢: \"محبة\".\n(^٦) سقط من: م.","vol":"19","page":294},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7567>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\n\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبكُمْ عِندَنَا زُلْفَى﴾ إلى آخر الآيةِ، قال: قالوا: [نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا]. فأَخْبَرَهم الله أنه ليست أموالكم ولا أولادكم بالتي تُقَرِّبُكم عندَنا زُلْفَى، ﴿إلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. قال: هذا (^١) قولُ المشركين لرسول الله ﷺ وأصحابه؛ قالوا: لو لم يكن الله عنا راضيا، لم يُعْطِنا هذا، كما قال قارونُ: لولا أن اللَّهَ رَضِى بى وبحالى، ما أعطانى هذا. قال: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص: ٧٨].\n\n<span id=\"aya-3643\"></span><span data-type='title' id=toc-7569>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: وما أموالكم التي تَفْتَخِرون بها، أيُّها القومُ، على الناسِ، ولا أولادكم الذين تتكبَّرون (^٢) بهم، بالتي تُقَرِّبُكم منا قُرْبَةً.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7568>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"وهذا\".\n(^٢) في ت ١: \"تتكثرون\".","vol":"19","page":295},{"text":"الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿عِندَنَا زُلْفَى﴾، قال: قُرْبَى (^١).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى﴾. لا يُعْتَبَرُ (^٢) الناسُ بِكَثْرَةِ المال أو (^٣) الولد؛ فإن الكافرَ (^٤) يُعْطَى المال، وربما حُبِس عن المؤمن (^٥).\nوقال جل ثناؤُه: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى﴾. ولم يَقُلْ: \"باللَّتَيْن\". وقد ذكر الأموال والأولاد، وهما نَوْعان مُخْتَلِفَانِ؛ لأنَّه ذُكِر مِن كلِّ نوعٍ منهما جمع يَصْلُحُ فيه \"التي\"، ولو قال قائل: أُريد (^٦) بذلك أحد النَّوْعَيْن. لم يُبْعِدْ في قوله، وكان ذلك كقول الشاعر (^٧):\nنحن بما عندنا، وأنت بما … عندكَ راضٍ والرَّأْى مُخْتَلِفُ\nولم يَقُلْ: راضيانِ.\nوقوله: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾. اختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تُقَرِّبُكم عندنا زُلفى، إلا من آمن وعمل صالحًا، فإنه تُقَرِّبُهم أموالهم وأولادهم،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٥٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في الأصل: \"تغضوا\"، وفى ت ١: \"يغتر\"، وفى الدر المنثور: \"تعتبروا\". والاعتبار: الاستدلال بالشيء على الشيء. واعتبر فلانًا: اعتد به. ينظر اللسان والوسيط (ع ب ر).\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"و\".\n(^٤) بعده في م، ت ١، ت ٢: \"قد\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٦) في م: \"أراد\".\n(^٧) تقدم في ١١/ ٤٣٥، ٤٣٦.","vol":"19","page":296},{"text":"بطاعتهم الله في ذلك وأدائهم فيه حَقَّه، إِلى اللَّهِ زُلْفَى، دُونَ أهل الكفرِ بالله.\n\n<span data-type='title' id=toc-7570>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾. قال: لم تَضُرَّهم (^١) أموالهم ولا أولادهم في الدنيا؛ للمؤمنين. وقرَأ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فالحسنى: الجنة. والزِّيادةُ: ما أعْطاهم الله في الدنيا؛ لم يُحاسبهم به، كما حاسب الآخرين. فـ ﴿مَنْ﴾ (^٢) على هذا التأويلِ نَصْبٌ بوقوعِ \"تُقَرِّبُ\" عليه.\nوقد يَحْتَمِلُ أن تكونَ ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع، فيكون كأنه قيل: وما هو إلا من آمن وعمل صالحًا.\nوقوله: ﴿فَأَوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾. يقولُ: فهؤلاء لهم من الله على أعمالهم الصالحة، الضِّعْفُ مِن الثوابِ؛ بالواحدة عَشْرٌ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7571>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾. قال: بأعمالهم؛ [قال: بالواحدة] (^٣) عشرٌ، وفي\n_________\n(^١) في ت ١: \"تقربهم\"، وفي ت ٢: \"يضرهم\".\n(^٢) بعده في م: \"حملًا\". وبعده في ت ١: \"عمل\". وبعده في ت ٢: \"حل\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"الواحد\".","vol":"19","page":297},{"text":"سبيل الله بالواحدة (^١) سبعمائةٍ.\nوقوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾. يقولُ: وهم في غرفات الجنات آمنون من عذابِ اللَّهِ.\n\n<span id=\"aya-3644\"></span><span data-type='title' id=toc-7573>القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكره: والذين يعملون في آياتِنا. يَعْني: في حُجَجنا وآي كتابنا، يبتغون إبطاله، ويريدون إطفاء نورِه مُفَاوِتِينَ (^٢)، يَحْسَبون أنهم يَفُوتُونَنا بأنفسهم ويُعْجِزونَنَا، ﴿أَوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾. يَعْنِي: في عذابِ جهنم مُحْضَرون يومَ القيامةِ.\n\n<span id=\"aya-3645\"></span>وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكره: قُلْ يا محمد: إن ربى يَبْسُطُ الرزق لمن يشاءُ مِن خَلْقِه، فيُوَسِّعُه عليه، تَكْرِمَةً له وغير تكرمةٍ، ويَقْدِرُ على من يشاءُ منهم فيُضَيِّقُه ويُقَتِّرُه، إهانةً له وغيرَ إهانة، بل مِحْنَةً واختبارًا. ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مَّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾. يقولُ: وما أنفقتم أيُّها الناسُ مِن نفقة في طاعة الله، فإن اللَّهَ يُخْلِفُها عليكم.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7572>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، [عن عمرِو بن قيسٍ] (^٣)،\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"بالواحد\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"معاونين\". ومفاوتين: مُسابقين. ينظر تاج العروس (ف وت).\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢. وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٢٠٠، ٢٨/ ٥٦٨.","vol":"19","page":298},{"text":"عن المِنْهالِ بن عمرو عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مَّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخلِفُهُ﴾. قال: ما كان في غير إسرافٍ ولا تَقْتِيرٍ (^١).\nوقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. يقولُ: وهو خيرُ مَن قيل: إنه يَرْزُقُ. ووُصِف به، وذلك أنه قد يُوصَفُ بذلك من دُونَه، فيُقالُ: فلانٌ يَرْزُقُ أهله وعياله.\n\n<span id=\"aya-3646\"></span><span data-type='title' id=toc-7575>القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ (^٢) جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: ويوم نحشر هؤلاء الكفارَ باللهِ جميعًا، ثم نقول للملائكةِ: أهؤلاء كانوا يَعْبُدونَكُم مِن دُونِنا؟\n\n<span id=\"aya-3647\"></span>فتَتَبَرَّأُ منهم الملائكةُ، ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ رَبَّنَا، تَنْزِيهًا لك وتَبْرِئةً مما أضاف إليك هؤلاء من الشُّرَكاءِ والأنْدادِ، ﴿أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ﴾ لا نَتَّخِذُ وَلِيًّا دونَك، ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنِّ﴾.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7574>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: (ويومَ نَحْشُرُهم جميعًا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إيَّاكم كانوا يَعْبُدونَ)؟ استفهامٌ، كقوله لعيسى:\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٢٤٤. وأخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٩٥ من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في الأصل جاءت الكلمة غير منقوطة. وفى ت ١، ت ٢: \"نحشرهم\". بالنون، وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وأبى بكر عن عاصم وحمزة والكسائي، والياء قراءة حفص عن عاصم. ينظر السبعة ص ٥٣٠، والحجة في القراءات ٥٩٠.","vol":"19","page":299},{"text":"أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ (^١) [المائدة: ١١٦].\nوقوله: ﴿أَكْثَرُهُم بِهِم تُؤْمِنُونَ﴾. يقول: أكثرهم بالجنِّ مُصَدِّقون، فزَعَموا (^٢) أنهم بناتُ اللَّهِ، [تعالى الله عما يقولون علوا كبيرًا] (^٣).\n\n<span id=\"aya-3648\"></span><span data-type='title' id=toc-7576>القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكرُه: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ﴾، أيُّها الملائكةُ، للذين كانوا في الدنيا يَعْبُدونكم، [ولا الذين كانوا يَعْبُدونكم لكم] (^٤)، نفعًا يَنْفَعونكم به، ولا ضَرًّا يَنالُونكم به، أو تَنالونهم به. ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. يقولُ: ونقول للذين عَبدوا غيرَ اللَّهِ، فوَضَعوا العبادةَ في غيرِ مَوْضِعِها، وجَعَلوها لغيرِ مَن تَنْبَغى أن تكونَ له: ذُوقُوا عذاب النار التي كنتم بها في الدنيا تُكَذِّبون، فقد وَرَدْتُموها.\n\n<span id=\"aya-3649\"></span><span data-type='title' id=toc-7577>القول في تأويل قوله جل وعزّ: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: وإذا تُتْلى على هؤلاء المشركين آيات كتابنا ﴿بَيِّنَاتٍ﴾. يقولُ: واضحاتٍ أَنَّهُنَّ حَقٌّ مِن عندنا، ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾. يقولُ: قالوا عند ذلك: لا تَتَّبعوا\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٤٠٤ بلفظ: \"هذا استفهام تقرير\"، وذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٣٠٨، ٣٠٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"يزعمون\".\n(^٣) ليست في: الأصل، ت ٣.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢.","vol":"19","page":300},{"text":"محمدًا، فما هو إلا رجلٌ يريد أن يَصُدَّكم عما كان يَعْبُدُ آبَاؤُكُم مِن الأوثان، ويُغَيِّرَ دينَكم ودين آبائكم، ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾. يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون: ما هذا الذي [يَتْلوا علينا محمدٌ] (^١). يَعْنُونَ القرآن. ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾. يقولُ: إِلا كَذِبٌ. ﴿مُفْتَرًى﴾. يقولُ: مُخْتَلَقٌ، مُتَخَرَّصٌ. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. يقول جلَّ ثناؤُه: وقال الكفارُ ﴿لِلْحَقِّ﴾، يعنى محمدًا ﷺ، ﴿لَمَّا جَاءَهُم﴾. يقولُ (^٢): لَمَّا بعثه الله نبيًّا: هذا سحر مبين. [يقولُ: قالوا لِمَا أَتاهم به من الآياتِ والحُجَجِ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (^٣). يقول: ما هذا إلا سحرٌ مُبِينٌ؛ يُبِينُ لِمَنْ رَآهُ وتَأمَّله أنه سحرٌ.\n\n<span id=\"aya-3650\"></span><span data-type='title' id=toc-7578>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وما أنزلنا على هؤلاء المشركين، القائلين لمحمد لمَّا جاءَهم بآياتِنا: هذا سحرٌ مبينٌ، بما يقولون من ذلك، كُتُبًا ﴿يَدْرُسُونَها﴾. يقولُ: يَقْرَءُونَها.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾: أَي يَقْرَءُونها (^٤).\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾. يقول: وما بعثنا (^٥) إلى هؤلاء المشركين من قومك، يا محمد، فيما يقولون ويَعْمَلون، قَبْلَكَ مِن نبيٍّ يُنذِرُهم بَأْسَنا عليه.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"تتلوا علينا يا محمد\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"يعني\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) في م، ت: ٢ \"أرسلنا\".","vol":"19","page":301},{"text":"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7579>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾. قال (^١): ما أَنْزَل الله على العرب كتابًا قَبْلَ القرآنِ، ولا بَعث إليهم نبيًّا قبل محمدٍ ﷺ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3651\"></span>وقوله: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾. يقولُ: وكذَّب الذين من قبلهم من الأمَمِ، رُسُلَنَا وَتَنْزِيلَنا. ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾. يقولُ: ولم يَبْلُغْ قومُك يا محمد المُكَذِّبوك (^٣)، عُشْرَ ما أَعْطَيْنا الذين مِن قَبْلِهِم مِن الأُممِ؛ مِن القُوَّةِ والأَيْدِ والبَطْشِ، وغير ذلك من النِّعمِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7580>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾. يقولُ (^٤): مِن القُوَّةِ في الدُّنيا (^٥).\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾. يقولُ: ما جاوَزوا\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٢٨٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور، ورقة ٣٤٦ من مخطوطة مكتبة الملك عبد العزيز ضمن مجموعة مكتبة المحمودية، إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: م، ت ٢، وفى ت ١: \"المكذبون\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١.\n(^٥) ذكره الطوسى في التبيان ٨/ ٣٦٩، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٥١٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٣٩، ٢٤٠ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم، ووقع في مطبوعة الدر: \"القدرة\"، بدل \"القوة\".","vol":"19","page":302},{"text":"معشارَ ما أنعَمْنا عليهم.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾: يُخيرُكم أنه أَعْطَى القومَ ما لم يُعْطِكُم مِن القُوَّةِ وغير ذلك (^١).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾. قال: ما بلغ هؤلاء؛ أُمَّةُ محمد ﷺ، ﴿مِعْشَارَ مَا [آتَيْنَاهُمْ﴾. يَعْنى] يعني] (^٢): الذين مِن قَبْلِهم، وما أعطَيْناهم مِن الدنيا، وبَسطنا عليهم، ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِير﴾.\n[قولُه: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾] (^٣). يقول: فكَذَّبوا رُسُلى فيما أَتَوْهم به من رسالتي، فعاقَبْناهم بتَغييرنا بهم ما كُنَّا آتَيْناهم مِن النِّعمِ، فانْظُرْ، يا محمدُ ﴿كَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. يقولُ (^٤): كيف كان تَغْييرى بهم وعُقُوبتي إياهم (^٥).\n\n<span id=\"aya-3652\"></span><span data-type='title' id=toc-7581>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: قُلْ، يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك: إنما أَعِظُكم أيُّها القومُ بواحدةٍ، وهى طاعة الله ﷿.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٢ عن معمر عن قتادة نحوه مطولا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٠ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"آتينا\"، وفي ت ٢: \"آتيناهم\".\n(^٣) ليس في: م، ت ١، ت ٢.\n(^٤) ليس في: الأصل.\n(^٥) ليس في: م، ت ١، ت ٢.","vol":"19","page":303},{"text":"كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾. قال: بطاعةِ اللهِ (^١).\nوقولُه: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾. يقولُ: وتلك الواحدةُ التي أعِظُكم بها؛ هي أن تقوموا (^٢) للهِ اثْنَيْن اثنين، [وفَرْدًا فَرْدًا] (^٣)، فـ ﴿أَنْ﴾ في موضعِ خفضٍ، تَرْجَمَةً [عن الواحدةِ] (^٤).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7582>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثني أبو عاصمِ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾. قال: واحدًا واثْنَيْنِ (١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ [قال: هذه الواحدةُ التي وَعَظْتُكم بها؛ أن تقوموا للهِ] (^٥) رَجُلًا ورَجُلَيْنِ (^٦).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٥٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) في الأصل: \"تطيعوا\".\n(^٣) في الأصل: \"وفردا وفردا\"، وفى م: \"وفرادى فرادى\"، وفي ت ٢: \"وفرادا فردا\".\n(^٤) في الأصل: \"على الواحد\".\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٢ عن معمر عن قتادة بلفظ: \"فهذه واحدة وعظهم بها\".","vol":"19","page":304},{"text":"وقيلَ: إنما قِيل: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ وتلك الواحدةُ أن تقوموا للهِ بالنَّصيحة وتَرْكِ الهَوَى، ﴿مَثْنَى﴾. يقولُ (^١): يقومُ الرجلُ منكم مع آخَرَ، فيَتَصادَقانِ (^٢) على المناظرة؛ هل عَلِمْتم بمحمدٍ (^٣) ﷺ جنونًا قَطُّ؟ ثم يَنْفَرِدُ كُلُّ واحدٍ منكم، فيَتَفَكَّرُ ويَعْتَبِرُ فَرْدًا (^٤)؛ هل كان ذلك به (^٥)؟ فتَعْلَموا حينَئذٍ أنه نذيرٌ لكم.\nوقولُه: [﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾. يقولُ] (^٦): [ثم تتفكَّروا في أنفُسِكم، فتعلموا ما بمحمدٍ من جُنونٍ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾. يقولُ: [إن صاحبَكم] (^٧) (^٨) ليس بمجنونٍ.\nوقولُه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. يقولُ: ما محمدٌ إلا نذيرٌ لكم. [﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. يقولُ] (^٩): يُنذِرُكم على كفرِكم باللهِ عِقابَه، أمامَ عذابِ جهنمَ، قَبْلَ أَن تَصْلَوْها.\nوقوله: ﴿هُوَ﴾، كِنايةُ اسمِ محمدٍ ﷺ.\n\n<span id=\"aya-3653\"></span><span data-type='title' id=toc-7583>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧)﴾.</span>\n_________\n(^١) ليس في: الأصل.\n(^٢) في ت ١: \"متصادقا\"، وفى ت ٢: \"فيتصادقا\".\n(^٣) في الأصل: \"لمحمد\"، وفي ت ١: \"محمد\".\n(^٤) في الأصل، ت ١، ت ٢: \"فرادي\".\n(^٥) ليس في: الأصل.\n(^٦) سقط من: ت ٢.\n(^٧) سقط من: م.\n(^٨) في ت ١، ت ٢: \"إنه\".\n(^٩) سقط من: م، ت ١، ت ٢.","vol":"19","page":305},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قُلْ يا محمدُ لقومِك المُكَذِّبِيكَ، الرَّادِّينَ عليك ما أتَيْتَهم به مِن عندِ ربِّك: ما أسْأَلُكم مِن جُعْلٍ على إنذارِكم عذابَ اللهِ، وتَخْويفكم (^١) بأسَه، ونَصِيحتى لكم في أمرى إياكم بالإيمانِ باللهِ، والعملِ بطاعتِه، فهو لكم لا حاجةَ لى به. وإنما معنى الكلامِ: قُلْ لهم: إنى لم أسْأَلُكم على ذلك جُعْلًا فتَتَّهِمونى، وتَظُنُّوا أَنِي إِنما دَعَوْتُكُم إلى اتِّباعي لمالٍ آخُذُه منكم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7584>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾: أي جُعْلٍ، ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾. يقولُ: لم أسْأَلْكم على الإسلامِ جُعْلًا (^٢).\nوقولُه: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: ما ثوابى على دُعائِكم إلى الإيمانِ باللهِ، والعملِ بطاعتِه، وتبليغِكم رسالَتَه، إلا على اللهِ، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. يقولُ: واللهُ على حقيقةِ ما أقولُ لكم، شهيدٌ يَشْهَدُ لى به، وعلى غيرِ ذلك مِن الأشياءِ كُلِّها.\n\n<span id=\"aya-3654\"></span><span data-type='title' id=toc-7585>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ لمشركي قومِك: ﴿إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾؛ وهو الوَحْي. يقولُ: يُنْزِلُه من السماءِ،\n_________\n(^١) بعده في م، ت ١، ت ٢: \"به\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":306},{"text":"فيَقْذِفُه إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. يقولُ: علامُ ما يَغيبُ عن الأبصارِ، [فلا يُظْهرُها] (^١)، وما لم يَكُنْ مما هو كائِنٌ. وذلك مِن صِفَةِ الرَّبِّ ﵎، غيرَ أنه رُفِع لمجيئِه بعدَ الخبرِ، وكذلك تَفْعَلُ العربُ إذا وقع النَّعْتُ بعدَ الخبرِ في \"إِنَّ\" (^٢)؛ أتْبَعوا النعتَ إعرابَ ما في الخبرِ، فقالوا: إن أباك يَقومُ الكريمُ. فيُرْفَعُ (^٣) الكريمُ على ما وَصَفْتُ، والنصبُ فيه جائزٌ؛ لأنه نعتٌ للأبِ، فيَتْبَعُ إعرابَه (^٤).\n\n<span id=\"aya-3655\"></span>وقولُه: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾. يقولُ: قُلْ لهم يا محمدُ: جاء القرآنُ ووَحْى اللهِ ﷿. ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ﴾. يقولُ: وما يُنْشِئُ الباطلُ خَلْقًا. والباطلُ هو فيما فَسَّر أهلُ التأويلِ: إبليسُ. ﴿وَمَا يُعِيدُ﴾. يقولُ: ولا يُعيدُه حَيًّا بعدَ فَنائِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7586>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾: أي بالوَحيِ، ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾: أي القرآنُ، ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾، والباطلُ: إبليسُ؛ أي ما يَخْلُقُ إبليسُ أحدًا، ولا يَبعْثُه (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. فقرأ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]. قال: يُزْهِقُ اللهُ الباطِلَ، ويُثَبِّتُ اللهُ\n_________\n(^١) في م: \"ولا مظهر لها\"، وفى ت ١: \"ولا يظهرها\"، وفى ت ٢: \"ولا مظهر\".\n(^٢) في م: \"أن\".\n(^٣) في م: \"فرفع\".\n(^٤) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٦٤.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٢، ١٣٣ مفرقا عن معمر عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٠ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم. وينظر تفسير القرطبي ١٤/ ٣١٢، ٣١٣.","vol":"19","page":307},{"text":"الحقَّ الذي دمَغ به الباطلَ، فيَدْمَغُ (^١) بالحقِّ على الباطلِ، فيُهْلِكُ الباطلَ، ويُثَبِّتُ الحقَّ، فذلك قولُه: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.\n\n<span id=\"aya-3656\"></span><span data-type='title' id=toc-7587>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قُلْ يا محمدُ لقومِك: إن ضَلَلْتُ عن الهُدَى، فسَلَكْتُ غيرَ طريقِ الحقِّ، فإنما ضلالي عن الصوابِ على نفسى. يقولُ: فإن ضلالي عن الهُدَى على نفسي ضُرُّهُ (^٢). ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ﴾. يقولُ: وإِن اسْتَقَمْتُ على الحقِّ، ﴿فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾. يقولُ: فَبِوَحْيِ اللهِ الذي يُوحِي إِليَّ، وتوفيقِه لى (^٣) للاستقامةِ على مَحَجَّةِ [الطريق؛ طريق الحقِّ و] (^٤) الهُدَى.\nوقولُه: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾. يقولُ: إن ربي سميعٌ لِمَا أقولُ لكم، حافِظٌ له، وهو المُجازى لى (^٥) على صِدْقى في ذلك، قريبٌ (^٦) منى، غيرُ بعيدٍ فيتَعذَّرَ عليه سَماعُ ما أقولُ لكم، وما تقولون، وما يقولُه غيرُنا، ولكنَّه قريبٌ من كلِّ مُتكلِّمٍ، يَسْمَعُ كلَّ ما يَنْطِقُ به، [وهو] (^٧) أقربُ إليه مِن حبلِ الوريدِ.\n\n<span id=\"aya-3657\"></span><span data-type='title' id=toc-7588>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولو تَرَى يا محمدُ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"يدمغ\".\n(^٢) في الأصل: \"ضرٌّ\". كذا مضبوطة بالأصل.\n(^٣) ليس في: م، ت ٢.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢: \"الحق وطريق\".\n(^٥) ليس في: الأصل.\n(^٦) في م: \"وذلك\"، وفى ت ١، ت ٢: \"فذلك\".\n(^٧) سقط من: م، ت ١، ت ٢.","vol":"19","page":308},{"text":"إذ فزِعوا.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المَعْنِيِّينَ بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عنَى بها هؤلاء المشركين (^١) الذين وَصَفهم تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾. قالوا (^٢): وعَنَى بقولِه: ﴿إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: عندَ نزولِ نِقْمةِ اللهِ بهم في الدنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-7589>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: هذا مِن عذابِ الدنيا (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾. قال: هذا عذابُ الدنيا (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ إلى آخرِ السورةِ. قال: هؤلاء قَتْلَى المشركين من أهلِ بدرٍ، نَزَلَتْ فيهم هذه الآيةُ. قال: وهم الذين بدَّلوا نعمةَ اللهِ كفرًا، وأَحَلُّوا قومَهم دارَ البَوَارِ جهنمَ (^٥)، أهلُ بدرٍ مِن المشركين (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"المشركون\".\n(^٢) في م: \"قال\".\n(^٣) ذكره الطوسى في التبيان ٨/ ٣٧٢، والقرطبي في تفسيره ١٤/ ٣١٤، وأبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٢٩٣، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٥١٥.\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٣٧٢، وأبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٢٩٣، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٥١٥.\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٦) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٠ مختصرا، وعزاه إلى المصنف وابن أبي حاتم. وينظر البحر المحيط ٧/ ٢٩٣، وتفسير ابن كثير ٦/ ٥١٥.","vol":"19","page":309},{"text":"وقال آخرون: عُنِى بذلك جيشٌ يُخْسَفُ به (^١) ببَيْداءَ من الأرضِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7590>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾. قال: هم الجيشُ الذين (^٢) يُخْسَفُ بهم بالبَيْدَاءِ، يَبْقَى منهم رجلٌ يُخْبِرُ الناس بما لَقِيَ أصحابُه (^٣).\nحدَّثنا عصامُ بنُ رَوَّادِ بن الجَرَّاحِ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنى منصورُ بنُ المُعْتَمِرِ، عن رِبْعِيِّ بن حِراشٍ، قال: سَمِعتُ حُذَيفةَ بنَ اليَمانِ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ، وذكر فتنةً تكونُ بينَ أهلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، قال: \"فبينما هم كذلك، إذ خرَج عليهم السُّفْيانيُّ من الوادى اليابِسِ، في فَوْرِه ذلك، حتى يَنْزِلَ دمشقَ، فيُبْعَثَ جيشَيْن؛ جيشًا إلى المَشْرِقِ، وجيشًا إلى المدينةِ، حتى يَنْزِلوا بأرضِ بابِلَ في المدينةِ الملعونة والبقْعَةِ الخَبيثةِ، فيَقْتُلون أكثرَ مِن ثلاثةِ آلافٍ، ويَبْقُرون بها أكثرَ مِن مائةِ امرأةٍ، ويَقْتُلون بها ثلاثمائةِ كَبْشٍ (^٤) مِن بنى العباسِ، ثم يَنْحَدِرون إلى الكوفةِ فيُخَرِّبون ما حولَها، ثم يَخْرُجون مُتَوَجِّهين إلى الشأمِ، فتَخْرُجُ رايةُ هدًى (^٥) من الكوفةِ، فتَلْحَقُ ذلك الجيشَ منها على لَيْلَتَيْن (^٦) فيَقْتُلُونهم، لا يُفْلِتُ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"بهم\".\n(^٢) في م، ت ١، والتبيان: \"الذي\".\n(^٣) ذكره الطوسى في التبيان ٨/ ٣٧٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) كبشُ القومِ: رئيسُهم وسيِّدُهم. لسان العرب (ك ب ش)\n(^٥) في النسخ: \"هذا\". والمثبت من مصدرى التخريج؛ لموافقته للسياق. و\"راية هذا\" يمكن أن تكون: \"رايةٌ هذَّاءُ\"؛ في لسان العرب (هـ ذ أ): وسيفٌ هَذَّاءٌ: قاطع. وعلى ما ذكرناه، إلا أنه بعيد، لذا أثبتنا من مصدرى التخريج \"هدى\".\n(^٦) في م: \"الفئتين\"، وفى ت ١: \"البنيتين\"، وفي ت ٢: \"النبيين\".","vol":"19","page":310},{"text":"منهم مخبرٌ، ويَسْتَنْقِذون ما في أيديهم من السَّبْيِ والغنائمِ، ويَحُلُّ (^١) جيشُه الثاني (^٢) بالمدينةِ، فيَنْتَهبونَها (^٣) ثلاثةَ أيامٍ ولَيالِيَها، ثم يَخْرُجون مُتَوَجِّهين إلى مكةَ، حتى إذا كانوا بالبَيْداءِ، بَعَث اللهُ جبريلَ، فيقولُ: يا جبريلُ، اذْهَبْ فَأَبِدهم. فيَضْرِبُها بِرِجْلِهِ ضَرْبَةً، يَحْسِفُ اللهُ بهم. فذلك قولُه في سورةِ سبأ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾. فلا يَنْفَلِتُ منهم إلا رَجُلان؛ أَحَدُهما بَشيرٌ، والآخَرُ نَذِيرٌ، وهما مِن جُهَيْنَةَ\". فلذلك جاءَ القولُ:\n*وعندَ جُهَيْنةَ الخبرُ اليَقينُ (^٤) *\nحدَّثنا محمدُ بنُ خلفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: سألتُ رَوَّادَ بنَ الجَرَّاحِ، عن الحديثِ الذي حُدِّث (^٥) به عنه، عن سفيانَ الثَّوْرِيِّ، عن منصورٍ، عن ربعِيٍّ، عن حُذيفةَ، عن النبيِّ ﷺ، في (^٦) قصةٍ ذكَرها في الفِتَنِ (^٧)، فقلتُ له: أخْبِرْني عن هذا الحديثِ، سَمِعْتَه مِن سفيانَ الثَّوْرِيِّ؟ قال: لا. قلتُ له (^٨): فقَرَأْتُه عليه؟ قال: لا. قلتُ له (^٨): فقُرِئَ عليه\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"يخلى\".\n(^٢) في م، ت ١: \"التالى\"، وفي ت ٢: \"الليالي\".\n(^٣) في الأصل: \"فينتهبوها\"، وفى م، ت ١: \"فينهبونها\".\n(^٤) هذا شطر بيت صار مثلًا، وروى أيضا \"جفينة\" بدل \"جهينة\"، وقيل: \"حفينة\". وشطره الأول:\n*تُسائل عن أبيها كلَّ ركب*\nوفي شطره الأول روايات أخر. وقد نُسب البيت لغصين بن حى. ونسب أيضا للأخنس بن كعب. ينظر كتاب الأمثال لأبي عبيد ص ٢٠١، والفاخر للمفضل بن سلمة ص ١٢٦، ومجمع الأمثال للميداني ٢/ ٣١٩. والأظهر أن هذا المثل من قول أحد الرواة. والأثر ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٣١٤، ٣١٥، وفي التذكرة ٢/ ٥٢٥، ٥٢٦. وقد أشار ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥١٥ إلى إيراد المصنِّف لهذا الحديث؛ فقال: ثم أورد - يعنى الطبري - في ذلك حديثا موضوعًا بالكلية.\n(^٥) في الأصل: \"تحدث\".\n(^٦) في م، ت ٢: \"عن\".\n(^٧) بعده في م، ت ١، ت ٢: \"قال\".\n(^٨) ليس في: م.","vol":"19","page":311},{"text":"وأنت حاضِرٌ؟ قال: لا. قلتُ له (^١): فما قصتُه؟ فما خبرُه؟ قال: جاءَنى قومٌ، فقالوا: معنا حديثٌ عَجيبٌ - أو كلامٌ هذا معناه - [نَقْرَؤُه وتَسْمَعُه] (^٢). قلتُ لهم: هاتوه. فقَرَءُوه عليَّ، ثم ذَهَبوا به (١)، فحَدَّثوا به عنى. أو كلامٌ هذا معناه.\nقال أبو جعفرٍ: وقد حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ ببعضِ هذا الحديثِ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ أَبانٍ، عن سفيانَ الثَّوْرِيَّ، عن منصورٍ، عن ربعيٍّ، عن حُذيفةَ، عن النبيِّ ﷺ، حديثًا طويلًا] (^٣).\n[قال: رأيتُه] (^٤) في كتابِ الحسينِ بن عليٍّ الصُّدَائيِّ، عن شيخٍ له (١)، عن رَوَّادٍ، عن سفيانَ الثوريِّ بطولِه.\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك المشركون، إذا فزِعوا عند خُرُوجهم مِن قبورِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-7591>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ قولَه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾. قال: فزِعوا يومَ القيامةِ، حينَ خَرَجوا مِن قبورِهم (^٥). وقال قتادةُ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: حينَ\n_________\n(^١) ليس في: م، ت ١، ت ٢.\n(^٢) في الأصل: \"لقراءةٍ ولسمعه\"، وفى ت ١: \"تقرأ ونسمعه\"، وفي ت ٢: \"نقرأ وتسمعه\".\n(^٣) في م، ت ١، ت: ٢: \"حديث طويل\".\n(^٤) في الأصل: \"ورويته\". والقائل: \"رأيته … \"، هو المصنف.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٣ عن معمر عن الحسن، وذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٣١٤، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٥١٥، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٠ بلفظ: \"في القبور من الصيحة\"، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":312},{"text":"عايَنوا عذابَ اللهِ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ، عن ابن مَعْقِلٍ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾. قال: أَفْزَعَهم يومُ القيامةِ فلم يَفُوتوا (^٢).\nوالذي هو أوْلَى بالصوابِ في تأويلِ ذلك، وأَشْبَهُ بما دَلَّ عليه ظاهِرُ التنزيلِ، قولُ مَن قال: ذلك (^٣) وعيدُ اللهِ المشركين الذين كَذَّبوا رسولَ اللهِ ﷺ مِن قومِه؛ لأن الآيات قبلَ هذه الآيةِ، بالإخبارِ عنهم، [وعن إساءَتِهم] (^٤)، وبوعيدِ اللهِ إياهم، مَضَتْ (^٥)، وهذه الآيةُ في سياقِ تلك الآياتِ، فَلأَنْ يكونَ ذلك خبرًا عن حالِهم، أشْبَهُ منه بأن يكونَ خبرًا عمَّا لم يَجْرِ له ذِكرٌ، وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: ولو تَرَى، يا محمدُ، هؤلاء المشركين مِن قومِك، فتُعايِنُهم حينَ فزِعوا مِن مُعايَنَتِهم عذابَ اللهِ. ﴿فَلَا فَوْتَ﴾. يقولُ: فلا سبيلَ [لهم حينَئذٍ إلى] (^٦) أن يَفُوتونا (^٧) بأنفسِهم، أو يُعْجِزونا هَرَبًا، أو (^٨) يَنْجُوا مِن عذابِنا.\nكما حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾. يقولُ: فلا نجاةَ (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٣ عن معمر عن قتادة بلفظ: \"أي في الدنيا حين رأوا بأس الله\"، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٠ بلفظ: \"في الدنيا عند الموت حين عاينوا الملائكة\"، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٦٩، ٤١٢ عن جرير به، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤١ بلفظ: \"أخذوا فلم يفوتوا\"، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٤) في م، ت ٢: \"وعن أسبابهم\".\n(^٥) في م: \"مغبته\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢: \"حينئذ\".\n(^٧) في م، ت:٢ \"يفوتوا\"، وفى ت ١: \"يقولوا\".\n(^٨) في م، ت ١، ت ٢: \"و\".\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٣٨ - من طريق أبي صالح به.","vol":"19","page":313},{"text":"حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا مَرْوانُ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾. قال: لا هَرَبَ.\nوقولُه: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾. يقولُ: وأخَذهم اللهُ بعذابِه من مَوْضِعٍ (^١) قريبٍ؛ لأنهم حيثُ كانوا فهم مِن اللهِ قريبٌ، لا يَبْعُدُون عنه.\n\n<span id=\"aya-3658\"></span><span data-type='title' id=toc-7593>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء المشركون حينَ عاينوا عذابَ اللهِ: آمَنَّا به. يَعْنى: آمنَّا باللهِ وبكتابِه ورسولِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7592>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾. قال (^٢): باللهِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ عندَ ذلك. يعنى حينَ عايَنوا عذابَ اللهِ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في\n_________\n(^١) في الأصل: \"مكان\".\n(^٢) في م: \"قالوا آمنا\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٥٦. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤١، ٢٤٢ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) بعده في الأصل: \"فلم يغن عنهم شيئًا حين عاينوا عذاب الله\".","vol":"19","page":314},{"text":"قولِه: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا (^١) بِهِ﴾ بعدَ القتلِ.\nوقولُه: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾. يقولُ: ومِن أيِّ وجهٍ لهم التَّناوُشُ.\nواخْتَلَفَتْ قرَأةُ الأمصارِ في ذلك؛ فقَرَأَتْه عامةُ قَرَأَةِ المدينةِ: ﴿التَّنَاوُشُ﴾، بغيرِ هَمْزٍ (^٢)، بمعنى التَّناوُلِ. وقرأتْه عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ (التَّناؤُشُ) بالهمزِ (^٣)، بمعنى النَّئِيشِ (^٤)، وهو الإبْطاءُ. يُقالُ: انْتَأَشْتُ (^٥) الشيءَ. إذا (^٦) أخذتَه مِن بعيدٍ. ونُشْتُه. إذا (^٦) أخذتَه مِن قريبٍ. ومن النَّئِيشِ (^٧) قولُ الشاعرِ (^٨):\nتَمَنَّى نَئِيشًا أن يكونَ أطاعَني … وقد حَدَثَتْ بعدَ الأُمُورِ أمورُ\nومِن النَّوْشِ قولُ الراجِزِ (^٩):\n* فَهْىَ تَنوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِن عَلَا (^١٠) *\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"قال: قالوا آمنا\".\n(^٢) وهى قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه، وكذلك رواية حسين الجعفى والأعشى والكسائي عن أبي بكر عن عاصم. ينظر السبعة في القراءات ص ٥٣٠.\n(^٣) وهي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في رواية يحيى بن آدم عن أبي بكر عن عاصم، ورواية المفضل عن عاصم. ينظر المصدر السابق.\n(^٤) في م: \"التنؤش\".\n(^٥) في م: \"تناءشت\".\n(^٦) ليس في: م، ت ١.\n(^٧) في م: \"التنؤش\". وينظر اللسان (ن ا ش)\n(^٨) البيت في معاني القرآن ٢/ ٣٦٥ غير منسوب، وفى المستقصى لأمثال العرب ١/ ٣٠٢، واللسان (ن ا ش)، منسوبًا عندهما لنَهْشَل بن حَرِّيٍّ، وفى اللسان: \"ويحدُث من بعد\" مكان \"وقد حدثت بعد\".\n(^٩) في الأصل: \"الآخر\". وهذا الرجز ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ١٥٠ ونسبه لغيلان، وابن السكيت في إصلاح المنطق ١/ ٤٣٢، وابن قتيبة في أدب الكاتب ص ٣٩١، غير منسوب عندهما، واللسان (ن وش) منسوبا لغيلان بن حريث، واللسان (ع ل و) وعنده \"باتت\" مكان \"فهي\" ونسبه لأبي النجم.\n(^١٠) الضمير في قوله: \"فهى\" للإبل. وتنوش الحوض: أي تتناول مِلْئَه. ومن عَلَا: من فوق. يريد أنها عالية الأجسام طِوال الأعناق. ينظر لسان العرب (ن وش).","vol":"19","page":315},{"text":"* نَوْشًا به تَقْطَعُ (^١) أَجْوازَ الفَلَا *\nويُقالُ للقومِ في الحربِ، إذا دَنا بعضُهم مِن (^٢) بعضٍ بالرِّماحِ ولم يَتَلاقَوْا: قد تَناوَشَ القومُ. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يُقالَ: إنهما قِراءتان مَعْروفَتان في قرأةِ الأمصارِ، مُتَقارِبَتا المعنى.\nوذلك أن معنى ذلك: وقالوا آمنَّا بالله (^٣). في حين لا يَنْفَعُهم قِيلُ ذلك. فقال اللهُ: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾. وأَنَّى (^٤) لهم التوبةُ والرَّجْعَةُ التي (^٥) قد بَعُدَتْ [منهم، وصاروا] (^٦) منها بموضعٍ (^٧) بعيدٍ أن يَتَناوَلوها، وإنما وَصَف (^٨) ذلك [المكان بالبُعدِ] (^٩)؛ لأنهم قالوا ذلك في القيامةِ، فقال اللهُ: أَنَّى لهم بالتوبةِ المقبولةِ؟ والتوبةُ المقبولةُ إنما كانتْ في الدنيا، وقد ذهَبت الدنيا، فصارتْ بعيدًا مِن الآخرةِ، فبأيةِ القراءتَيْن اللتَيْن ذكرتُ قرَأ القارئُ، فمصيبٌ الصوابَ في ذلك.\nوقد يجوزُ أن يكونَ الذين قَرَءُوا ذلك بالهمزِ، هَمَزوا وهم يُريدون مَعْنَى مَن لم يَهْمِزْ، ولكنَّهم هَمَزوه؛ لانْضِمامِ الواوِ، فقَلَبوها، كما قِيل: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ\n_________\n(^١) في الأصل، ت ٢: \"يقطع\". والمعنى أنها بتناول ماء الحوض وشربها منه، تستعين بذلك على قَطْع الفلوات. والأجواز: جمع جَوْز، وهو الوسط. ينظر لسان العرب (ن وش).\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"إلى\".\n(^٣) في الأصل، ت ٢: \"به\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢: \"أي وأين\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢: \"أي\".\n(^٦) في م، ت:٢: \"عنهم فصاروا\"، وفى ت ١: \"عنهم وصاروا\".\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢: \"كموضع\".\n(^٨) في م: \"وصفت\".\n(^٩) في م، ت ١، ت ٢: \"الموضع بالبعيد\".","vol":"19","page":316},{"text":"أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١]. فجُعِلَتِ الواو مِن \"وُقِّتَتْ\"؛ إذ كانتْ مضمومةً - همزةً.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7594>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّمِيمِيِّ، قال: قلتُ لابن عباسٍ: أرأيتَ قولَ اللهِ: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾. قال: يَسْأَلُون الرَّدَّ، وليس بحينِ رَدٍّ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسَةَ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ نحوَه.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾. يقولُ: فكيف لهم بالرَّدِّ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾. قال (^٣): الرَّدُ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، [عن قتادةَ] (^٥): ﴿وَأَنَّى لَهُمُ\n_________\n(^١) أخرجه الثورى في تفسيره ص ٢٤٤، ٢٤٥، والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٢٤ من طريق أبي إسحاق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٢ إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٣٨ - من طريق أبي صالح به.\n(^٣) بعده في الأصل: \"التناول\". وبعده في ت ١، ت ٢: \"التناوش\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٥٦، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٨٩ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٢ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"19","page":317},{"text":"التَّنَاوُشُ﴾. قال: التَّناوُلُ (^١) ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. قال: هؤلاء قَتْلَى أهلُ بدرٍ، مَن قُتِل منهم. وقرَأ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ [وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ] (^٣)﴾. قال: التَّناوُشُ، التَّناوُلُ، أَنَّى لهم تناولُ التوبةِ مِن مكانٍ بعيدٍ، وقد ترَكوها في الدنيا. قال: وهذا بعدَ الموتِ في الآخرةِ.\nقال: وقال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ (^٤): بعدَ القتلِ، ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. وقرَأ: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨]. قال: ليس لهم توبةٌ. وقال: عرَض اللهُ عليهم أن يَتُوبوا مَرَّةً واحدةً، فيَقْبَلَها اللهُ منهم، فأَبَوْا، و(^٥) يَعْرِضون التوبةَ بعد الموتِ (^٦). قال: فهم يَعْرِضونها في الآخرةِ خمسَ عَرَضاتٍ، فيَأبى اللهُ أَن (^٧) يَقْبَلَها منهم. قال: والتائبُ عندَ الموتِ ليست له توبةٌ. [وقَرَأ] (^٨): ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ الآية [الأنعام: ٢٧]. وقرَأ: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢].\n_________\n(^١) في الأصل: \"التناوش\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٣ عن معمر عن قتادة بلفظ: \"أنى لهم أن يتناولوا التوبة\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢: \"الآية\".\n(^٤) بعده في الأصل: \"قال: قالوا: آمنا به\".\n(^٥) في م: \"أو\".\n(^٦) بعده في الأصل: \"قال: وهؤلاء عرضوا التوبة بعد الموت\".\n(^٧) سقط من: الأصل، ت ١، ت ٢.\n(^٨) سقط من: م.","vol":"19","page":318},{"text":"حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا مَرْوانُ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحّاكِ في قولِه: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾. قال: وأنى لهم الرَّجْعَةُ (^١).\nوقولُه: ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. يقولُ: مِن آخِرَتِهم إلى الدنيا كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾: مِن الآخرةِ إلى الدنيا (^٢).\n\n<span id=\"aya-3659\"></span><span data-type='title' id=toc-7596>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾. يقولُ: وقد كفَروا بما يَسْأَلُونه ربَّهم عندَ نزولِ العذابِ بهم، ومُعايَنَتِهم إياه، من الإقالةِ له (^٣)، وذلك الإيمانُ باللهِ وبمحمدٍ ﷺ، وبما جاءَهم به من عندِ اللهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7595>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾. أي: بالإيمانِ في الدنيا (^٤).\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٣١٥، ٣١٦.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٥٦ ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٨٩ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٢ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) في الأصل: \"به\".\n(^٤) بعده في الأصل: \"الحامة\".","vol":"19","page":319},{"text":"وقولُه: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. يقولُ: وهم اليوم يَقْذِفون بالغيبِ محمدًا من مكانٍ بعيدٍ. يعنى: أنهم يَرْجُمُونه وما أتاهم مِن كتابِ اللهِ، بالظُّنُونِ والأَوْهامِ، فيقولُ بعضُهم: هو ساحِرٌ. ويقولُ بعضُهم: هو شاعرٌ. وغيرَ ذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7597>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، قال: قولُهم: ساحِرٌ، بل هو كاهِنٌ، بل هو شاعِرٌ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. أي: يَرْجُمون بالظَّنِّ، يقولون: لا بَعْثَ [ولا نُشُورَ] (^٢)، ولا جنةَ ولا نارَ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. قال: بالقرآنِ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٥٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤١، ٢٤٢ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢. والمثبت من الأصل كما في تفسير القرطبي.\n(^٣) ذكره الطوسى في التبيان ٨/ ٣٧٣، والبغوى في تفسيره ٦/ ٤٠٧، والقرطبي في تفسيره ١٤/ ٣١٧، وأبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٢٩٤، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٥١٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٢٩٤ بلفظ: \"طاعنين في القرآن بقولهم: أساطير الأولين\".","vol":"19","page":320},{"text":"<span id=\"aya-3660\"></span><span data-type='title' id=toc-7599>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وحِيلَ بينَ هؤلاء المشركين - حينَ فَزِعوا فلا فَوْتَ، وأُخِذوا من مكانٍ قريبٍ، فقالوا: آمَنَّا به - وبين ما يَشْتَهون حينَئدٍ من الإيمانِ بما كانوا به في الدنيا، قبلَ ذلك، يَكْفُرون، فلا (^١) سبيلَ لهم إليه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7598>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني إسماعيلُ بنُ حَفْصِ الأُبُليُّ (^٢)، قال: ثنا المُعْتَمِرُ [بن سليمانَ] (^٣)، عن أبي الْأَشْهَبِ، عن الحسنُ في قولِه: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾. قال: حِيلَ بينَهم وبينَ الإيمان باللهِ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الصمدِ، قال: سَمِعتُ الحسنَ، وسُئِل عن هذه الآيةِ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾. قال: حِيلَ بينَهم وبينَ الإيمانِ (^٥).\nحدَّثني ابن أبي زيادٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا أبو الأشهبِ، عن الحسنِ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾. قال: حِيلَ بينَهم وبينَ الإيمانِ.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"ولا\".\n(^٢) في الأصل، ت ١، ت ٢: \"الأيلى\". والمثبت من م هو الصواب، وينظر الجرح والتعديل ٢/ ١٦٥، وتهذيب الكمال ٣/ ٦٢، ونصَّ على نسبته بالحروف الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب ١/ ٦٨.\n(^٣) ليس في: م، ت ١، ت ٢.\n(^٤) أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٠ من طريق أبي الأشهب به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥١٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٢ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٣ عن الثورى عمن حدثه عن الحسن.","vol":"19","page":321},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الصمدِ الأنصاريُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شبلٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾. قال: مِن الرُّجوعِ إلى الدنيا ليَتُوبوا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾. قال: كان القومُ يَشْتَهون طاعةَ اللهِ أن يكونوا عملوا بها في الدنيا حينَ عايَنوا ما عايَنوا (^١).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ حَبيبٍ، قال: ثنا أبو الأشهبِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾. قال: حِيلَ بينَهم وبينَ الإيمانِ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: وحِيلَ بينَهم وبينَ ما يَشْتَهون، مِن مالٍ وولدٍ وزَهْرَةِ الدنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-7600>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [وحدَّثني] (^٢) الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾. قال: مِن مالٍ أو ولدٍ أو زَهْرةٍ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَحِيلَ\n_________\n(^١) ينظر تفسير القرطبي ١٤/ ٣١٨.\n(^٢) في م: \"قال: ثني\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٥٦ ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٨٩ - دون قوله: \"أو زهرة\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":322},{"text":"بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾. قال (^١): الدنيا التي كانوا فيها والحياةِ.\nوإنما اخْتَرْنا القولَ الذي اخترْناه في ذلك؛ لأن القومَ إِنما تَمَنَّوْا حِينَ عايَنوا من عذابِ اللهِ ما عايَنوا، ما أخبَر اللهُ عنهم أنهم تَمنَّوه، وقالوا: آمَنّا به. فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه: وأَنَّى لهم تَناوُشُ (^٢) ذلك من مكانٍ بعيدٍ، وقد كفروا مِن قَبْلِ ذلك في الدنيا. فإذ (^٣) كان ذلك كذلك، فلأَنْ يكون قولُه: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾. خبرًا عن أنه لا سبيل لهم إلى ما تَمَنَّوْهِ، أَوْلَى مِن أن يكونَ خبرًا عن غيرِه.\nوقولُه: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: كما (^٤) فَعَلْنا بهؤلاء المشركين، فحُلْنا (^٥) بينَهم وبينَ ما يَشْتَهون من الإيمانِ باللهِ عندَ نُزولِ سَخَطِ اللهِ بهم، ومُعايَنَتِهم بَأْسَهُ (^٦)، فَعَلْنا بأشياعِهم على كفرِهم باللهِ مِن قَبْلِهم، من كفارِ الأُمَمِ، فلم يُقْبَلْ (^٧) منهم إيمانُهم في ذلك الوقتِ، كما لم يُقْبَلْ (^٧) في مثلِ ذلك الوقتِ مِن ضُرَبائهم. والأشْياعُ: جمعُ شِيَعٍ، وشِيَعٌ: جمعُ شِيعَةٍ، فأشياعٌ جمعُ الجمعِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) بعده في م: \"في\".\n(^٢) في الأصل، ت ٢: \"التناوش\".\n(^٣) في الأصل، م: \"فإذا\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٥) في الأصل: \"وحلنا\".\n(^٦) بعده في م: \"كما\".\n(^٧) في م، ت ١: \"نقبل\".","vol":"19","page":323},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7601>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (^١) (^٢): ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: الكفارِ مِن قبلِهم (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾. أي: في الدنيا، كانوا إذا عايَنوا العذابَ لم يُقْبَلُ منهم إيمانٌ.\nوقولُه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وحِيلَ بين هؤلاء المشركين، حين عايَنوا بأسَ اللهِ، وبينَ الإيمانِ، إنهم كانوا قبلَ ذلك في الدنيا في شَكٍّ مِن نزولِ العذابِ الذي نزَل بهم وعايَنوه، وقد أَخْبَرَهم نبيُّهم أنهم إن لم يُنِيبوا مما هم عليه مُقيمون؛ من الكفرِ باللهِ، وعبادةِ الأوثانِ، أن الله مُهلِكُهم ومُحِلٌّ بهم [نِقْمَتَه و] (^٤) عقوبتَه، في عاجلِ الدنيا وآجلِ الآخرةِ، قبلَ نزولِه بهم. ﴿مُرِيبٍ﴾. يقولُ: موجِبٍ لصاحبِه الذي هو به ما يُرِيبُه من مكروهٍ، من قولِهم: قد أراب الرَّجُلُ. إذا أتى رِيبَةً، وركب فاحشةً. كما قال الراجزُ (^٥):\n*يا قومِ ما لى وأبا ذُوَّيْبِ*\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٥٦ مطولًا، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٨٩ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٥) البيت في إصلاح المنطق ١/ ١٤٢ غير منسوب، وفى اللسان (أ ت ى)، (ر ي ب)، (ب ز ز) منسوبًا لخالد بن زهير.","vol":"19","page":324},{"text":"*كنتُ إِذا أَتَوْتُه (^١) من غَيْبِ*\n*يَشْتَمُّ (^٢) عِطْفِى ويَبُزُّ (^٣) ثَوْبى *\n*كأنَّما أَرَبْتُه بَرَيْبٍ*\nيقولُ: كأنما أتَيْتُ إليه ريبةً (^٤).\nآخِرُ تفسيرِ سورةِ سبأٍ\n_________\n(^١) \"أَتَوْتُه\" لغةٌ في \"أَتَيْتُه\". كما في اللسان (أ ت ى).\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ومصدرى التخريج: \"يشم\". وهما بمعنًى.\n(^٣) عطف كل شيء: جانبه. وعطف الإنسان: من لدُن رأسه إلى ورِكه. ويبز ثوبي: أي يَجذِبه إليه. ينظر اللسان (ع ط ف)، (ب ز ز).\n(^٤) بعده في الأصل: \"تم الجزء من أجزاء\" ثم كلمة غير واضحة، ثم \"﵀\".","vol":"19","page":325},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7602>تفسيرُ سورةِ فاطرِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-3661\"></span><span data-type='title' id=toc-7603>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ </span>(١)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذِكرُه: الشكرُ الكاملُ للمعبودِ الذي لا تصلُحُ العبادةُ إلا له، ولا ينبَغى أن تكونَ لغيرِه، خالقِ السماواتِ السبعِ والأرضِ، ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ إلى مَن يشاءُ مِن عبادِه، وفيما شاء من أمرِه ونهيِه، ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. يقولُ: أصحابُ أجنحةٍ. يعنى ملائكةً. فمنهم مَن له اثنانِ مِن الأجنحةِ، ومنهم مَن له ثلاثةُ أجنحةٍ، ومنهم مَن له أربعةٌ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. قال: بعضُهم له جناحانِ، و(^١) بعضُهم ثلاثةٌ، و(^١) بعضُهم أربعةٌ (^٢).\nواختلَف أهلُ العربيةِ في علةِ تركِ إجراءِ مَثْنَى وَثُلاثَ ورُباعَ، وهى ترجمةٌ عن أجنحةٍ، وأجنحةٌ نكرةٌ، فقال بعضُ نحويِّ البصرةِ: تُرِك إجراؤهنَّ؛ لأنهنَّ مصروفاتٌ عن وجوهِهنَّ، وذلك أن ﴿مَثْنَى﴾ مصروفٌ عن اثنين، ﴿وَثُلَاثَ﴾ عن ثلاثةٍ، ﴿وَرُبَاعَ﴾ عن أربعةٍ، فصِرْن (^٣) نظيرَ عُمَرَ، وزُفَرَ، إذ صُرِف هذا عن\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"قال\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٤ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) من م، ت ١، ت ٢: \"فصرف\".","vol":"19","page":326},{"text":"عامرٍ، إلى عمرَ، وهذا عن زافرٍ إلى زُفرَ، وأنشَد بعضُهم في ذلك (^١):\nولقد قتَلتُكمُ ثُناءَ وَمَوْحَدًا … وتركتُ مُرَّةَ مثلَ أمسِ المُدْبِرِ\nوقال آخرُ منهم: لم يصرفْ ذلك؛ لأنه يوهَمُ به الثلاثةُ والأربعةُ. قال: وهذا لا يُستعملُ إلا في حال العددِ. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: هنَّ مصروفاتٌ عن المعارفِ؛ لأن الألفَ واللامَ لا تدخلُها، والإضافةُ لا تدخُلُها. قال: ولو دخَلتْها الإضافةُ والألفُ واللامُ، لكانت نكرةً، وهى ترجمةٌ (^٢) عن النكرةِ (^٣). قال: وكذلك ما كان في القرآنِ، بمثلِه (^٤): ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾. [سبأ: ٤٦]. وكذلك وُحادَ وأُحادَ، وما أشبَهه من مصروفِ العددِ.\nوقوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾. وذلك زيادتُه ﵎ في خلقِ هذا المَلكِ من الأجنحةِ على الآخرِ ما يشاءُ، ونقصانُه [ذلك من هذا] (^٥) الآخرِ ما أحبَّ، وكذلك ذلك في جميعِ خلقِه، يزيدُ ما يشاءُ في خَلقِ ما شاء منه، ويَنقُصُ ما شاء من خَلقِ ما شاء، له الخلقُ والأمرُ، وله القدرةُ والسلطانُ. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ: إن الله تعالى ذكرُه قديرٌ على زيادةِ ما شاء من ذلك فيما شاء، ونقصانِ ما شاء منه ممن شاء، وغير ذلك من الأشياء كلِّها، لا يمتنِعُ عليه فعلُ شيءٍ أراده ﷾.\n\n<span id=\"aya-3662\"></span><span data-type='title' id=toc-7604>القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤه: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ </span>(٢)﴾.\n_________\n(^١) تقدم في ٦/ ٣٧٢.\n(^٢) في ق، ت ١: \"مترجمة\".\n(^٣) في ق، ت ١: \"الأجنحة\".\n(^٤) في م، ت ٢: \"مثل\".\n(^٥) في م، ت ٢: \"وعن\"، وفي ت ١: \"ذلك من\".","vol":"19","page":327},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: مفاتِحُ الخيرِ ومغالِقُه كلُّها بيدِه، فما يفتَحِ اللهُ للناسِ من خيرٍ، فلا مُغلِقَ له، ولا مُمسِكَ عنهم؛ لأن ذلك أمرُه (^١)، ولا يستطيع ردَّ (^١) أمرِه أحدٌ، وكذلك ما يُغْلِقْ من خيرٍ عنهم، فلا يبسُطْه عليهم، ولا يفتحْه لهم، فلا فاتحَ له سواه؛ لأن الأمورَ كلَّها إليه وله.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7605>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾. أي: من خيرٍ، ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ فلا يستطيعُ أحدٌ حبسَها (^٢). ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾.\nوقال تعالى ذكرُه: ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾. فأنَّث ﴿مَا﴾ لذكرِ الرحمةِ من بعدِه، وقال: ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾. فذكَّر للفظ ﴿ما﴾؛ لأن (^٣) لفظَه لفظٌ مذكرٌ، ولو أنَّث في موضعِ التذكيرِ للمعنى، وذكَّر في موضعِ التأنيثِ للَّفظِ جاز، ولكنَّ الأفصحَ من الكلامِ التأنيثُ، إذا ظهَر بعدُ ما يدلُّ على تأنيثِها، والتذكيرُ إذا لم يظهرْ ذلك\nوقولُه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ: وهو العزيزُ في نقمتِه ممن انتقَم منه من خلقِه، بحبسِ رحمتِه عنه وخَيراتِه، الحكيمُ في تدبيرِه خلقَه، وفتحِه لهم الرحمةَ إذا كان فتحُ ذلك صلاحًا، وإمساكِه إياه عنهم إذا كان إمساكُه حكمةً.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) في الأصل: \"و\".","vol":"19","page":328},{"text":"<span id=\"aya-3663\"></span><span data-type='title' id=toc-7606>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ </span>(٢)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه للمشركين به من قومِ رسولِ اللهِ ﷺ من قُرَيشٍ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ التي أنعمَها، ﴿عَلَيْكُمْ﴾ بفتحِه لكم من من خيرِ نعمِه (^١) ما فتَح، وبسْطِه لكم من العيشِ ما بسَط، وفكِّروا فانظُروا ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ لكم سِواىَ (^٢) فاطرِ السماواتِ والأرضِ، الذي بيدِه مفاتحُ أرزاقِكم ومغالقُها، ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ فتعبدوه دونَه، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا معبودَ تنبغى له العبادةُ، إلا الذي فطَر السماواتِ والأرضَ، القادرُ على كلِّ شيءٍ، الذي بيده مفاتحُ الأشياءِ وخزائنُها، ومغالقُ ذلك كلِّه، فلا تعبدوا أيُّها الناسُ شيئًا سواه، فإنه لا يقدِرُ على نفعِكم وضرِّكم سواه، فله فأخلِصوا العبادةَ، وإياه فأفرِدوا بالأُلوهةِ، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ: فأَيُّ وجهٍ عن خالقِكم ورازقِكم الذي بيدِه نفعُكم وضرُّكم تُصرَفون؟\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ الرجلُ: إنه ليُؤْفَكُ عنِّى كذا وكذا. وقد بيَّنتُ معنى الإفكِ، وتأويلَ قولِه: ﴿تُؤْفَكُونَ﴾. فيما مضَى بشواهدِه المغنيةِ عن تكريرِه (^٣).\n\n<span id=\"aya-3664\"></span><span data-type='title' id=toc-7607>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ</span>\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"خيراته\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"سوي\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٨/ ٥٨٣، ٩/ ٤٢٤، ١٠/ ٣٦٠.","vol":"19","page":329},{"text":"بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وإن يكذِّبْك يا محمدُ، هؤلاء المشركون باللهِ مِن قومِك، فلا يحزنَنَّك ذلك، ولا يَعْظُمنَّ (^١) عليك، فإن ذلك سنةُ أمثالِهم من كفرةِ الأممِ باللهِ من قبلهم، في (^٢) تكذيبِهم رسلَ اللهِ التي أرسَلها إليهم من قبلِك، ولن يعدوَ مشركو قومِك أن يكونوا مثلَهم، فيتبِعوا في تكذيبِك منهاجَهم، ويسلُكوا سبيلَهم، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإلى اللهِ مرجِعُ أمرِك وأمرِهم، فيُحِلُّ بهم مِن (^٣) العقوبةِ - إن هم لم يُنيبوا إلى طاعتِنا في اتباعِك، والإقرارِ بنُبَّوتِك، وقَبولِ ما دعوتَهم إليه من النصيحة - نظيرَ ما أحللنا بنظرائهم من الأممِ المكذِّبةِ رسلَها قبلَك، ومنجِّيك وأتباعَك من ذلك؛ سنتَنا بمَن قبلَك في رسلِنا وأوليائِنا.\n[وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ] (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-7608>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾. يُعزِّى نبيَّه كما تسمعون (^٥).\n\n<span id=\"aya-3665\"></span>وقولُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لمشركِي قريشٍ، المكذِّبي رسولَ اللهِ ﷺ: يا أيُّها الناسُ إن وعدَ اللهِ إياكم بأسَه - على إصرارِكم على الكفرِ به، وتكذيبِ رسولِه محمدٍ ﷺ وتحذيرَكم نزولَ سطوتِه بكم على\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"يعظم\".\n(^٢) في م، ت ١: \"و\".\n(^٣) سقط من م، ت ١.\n(^٤) ليس في: الأصل.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٣٢ (٤٦٠٦) من طريق يزيد به.","vol":"19","page":330},{"text":"ذلك - حقٌّ، فأيقِنوا بذلك، وبادِروا حلولَ عقوبتِه بكم بالتوبةِ والإنابةِ إلى طاعةِ اللهِ، والإيمانِ به وبرسولِه. ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: فلا يغرَّنكم ما أنتم فيه من العيشِ في هذه الدنيا، ورياساتِكم التي تترأسون بها على ضعفائِكم فيها، عن اتباعِ محمدٍ ﷺ والإيمانِ به (^١)، ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. يقولُ: ولا يخدَعنَّكم باللهِ الشيطانُ، فيمنِّيَكم الأمانيَّ، ويعدَكم مِن اللهِ العِداتِ الكاذبةَ، ويحملَكم على الإصرارِ على كفرِكم باللهِ.\nكما حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. يقولُ: الشيطانُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3666\"></span><span data-type='title' id=toc-7609>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ﴾ الذي نهيتُكم أيُّها الناسُ أن تغترُّوا بغُرورِه إياكم باللهِ، ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾. يقولُ: فأنزِلوه من أنفسِكم مُنزلَ العدوِّ منكم، واحذَروه (^٣) - بطاعةِ اللهِ واستغشاشِكم إياه - حِذْرَكم من عدوّكم الذي تخافون غائلتَه على أنفسِكم، فلا تطيعوه ولا تتَّبعوا خطواتِه، فإنه ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾. يعنى شيعتَه، ومن أطاعه إلى طاعتِه والقبولِ منه والكفرِ باللهِ، ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. يقولُ: ليكونوا من المخلَّدين في نار جهنمَ، التي تتوقَّدُ على أهلِها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٣٧ - من طريق أبي صالح به.\n(^٣) في الأصل: \"احذروا\".","vol":"19","page":331},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7610>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾. فإنه يحقُّ (^١) على كلِّ مسلمٍ عداوتُه. وعداوتُه: أن تعاديَه بطاعةِ اللهِ، ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ وحزبُه: أولياؤُه. ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. أي: ليسوقَهم إلى النارِ، فهذه عداوتُه (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، [قال: يقولُ: يدعو حزبَه إلى معاصى اللهِ. وأهلُ معاصى اللهِ أصحابُ السعيرِ] (^٣). وقال: هؤلاء حزبُه من الإنسِ. يقولُ: أولئك حزبُ الشيطانِ. قال (^٤): والحزبُ ولاتُه الذين يتولَّاهم ويتولَّونه (^٥). وقرَأ: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ (^٦) [الأعراف: ١٩٦].\n\n<span id=\"aya-3667\"></span><span data-type='title' id=toc-7611>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ، ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ باللهِ ورسولِه، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ﴾ من اللهِ، ﴿شَدِيدٌ﴾، وذلك عذابُ النارِ.\nوقولُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: والذين صدَّقوا الله ورسولَه، وعمِلوا بما\n_________\n(^١) في م: \"لحق\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٠٢، ٢١٠٣ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: م، ت ١.\n(^٤) سقط من: م، ت ١.\n(^٥) في الأصل: \"يتولونهم\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":332},{"text":"أمَرهم اللهُ، وانتَهَوا عما نهاهم عنه، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ من اللهِ لذنوبِهم، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وذلك الجنةُ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: وهى الجنةُ (^١).\n\n<span id=\"aya-3668\"></span><span data-type='title' id=toc-7612>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أفمَن حسَّن له الشيطانُ أعمالَه السيئةَ؛ من معاصى اللهِ والكفرِ به، وعبادةِ ما دونَه من الآلهةِ والأوثانِ، ﴿فَرَآهُ حَسَنًا﴾ فحَسِب سَيِّئَ ذلك حسنًا، وظن أن قبيحه (^٢) جميلٌ؛ لتزيين الشيطانِ ذلك له - ذهَبت نفسُك عليهم حَسَراتٍ؟! [وحُذِف من الكلامِ: ذهبَت نفسُك عليهم حسراتٍ] (^٣)؛ اكتفاءً بدلالةِ قولِه: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ عليه (^٤) منه.\nوقولُه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. يقولُ: فإِن الله يَخذُلُ من يشاءُ عن الإيمانِ به، واتباعِك وتصديقِك، فيُضِلُّه عن الرشادِ إلى الحقِّ [في ذلك] (^٥)، ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. يقولُ: ويوفِّقُ [مَن يشاءُ] (^٥) للإيمانِ به واتباعِك والقَبولِ منك، فيهديه (^٦) إلى سبيلِ الرشادِ، ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٧/ ٢٣٩.\n(^٢) في م، ت ٢: \"قبحه\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) سقط من: الأصل.\n(^٦) في م: \"فتهديه\".","vol":"19","page":333},{"text":"يقولُ: فلا تُهلِك نفسك حُزْنًا على ضلالتهم وكفرهم باللهِ، وتكذيبِهم لك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7613>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. قال قتادةُ والحسنُ: الشيطانُ زيَّن لهم. ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾. أي: لا يَحْزُنْكَ ذلك عليهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾. قال: الحَسَراتُ: الحُزنُ. وقرَأ قولَ الله: [﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠]. قال: يقولُ: نالتهم حسرةً. وقرأ قولَ اللَّهِ] (^٢) ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] [قال: هذا كلُّه الحُزنُ إلا أنه أشدُّ (^٣)] (٢).\nووقَع قولُه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. موقِعَ (^٤) الجوابِ، وإنما هو مُتَّبَعُ (^٥) الجوابِ؛ لأن الجوابَ هو المتروكُ الذي ذكَرتُ، فاكتُفى به من الجوابِ لدَلالتِه على الجوابِ [ومعنى الكلام] (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في الأصل: \"أسوه\".\n(^٤) في م، ت ١: \"موضع\".\n(^٥) في م، ت ١: \"منبع\".\n(^٦) ليس في الأصل.","vol":"19","page":334},{"text":"واختلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾؛ فقرَأتْه قرأةُ الأمصارِ سوى أبى جعفرٍ المدنيِّ: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ﴾. بفتحِ التاءِ من ﴿تَذْهَبْ﴾ و﴿نَفْسُكَ﴾ برفعها. وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ: (فَلَا تُذْهِبْ) بضمِّ التاءِ من (تُذهب)، و(نَفْسَكَ) بنصبها، بمعنى: لا تُذهب أنت يا محمدُ نفسك (^١).\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا، ما عليه قرأةُ الأمصار؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه.\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله يا محمدُ ذو علمٍ بما يصنعُ هؤلاءِ الذين زيَّن لهم الشيطانُ سوءَ أعمالِهم، وهو مُحصِيه عليهم، ومجازيهم به جزاءهم.\n\n<span id=\"aya-3669\"></span><span data-type='title' id=toc-7614>القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ [سَحَابًا﴾. يقولُ: فتنشِيء سحابًا] (^٢) للحَيا (^٣) والغيثِ، ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾. يقولُ: فسُقْناه إلى بلدٍ [مُجْدِبة الأرضِ، مُخْلَى الأهلِ (^٤)، دائرٍ لا نبتَ فيه ولا زرعَ، ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. يقولُ: فأخصَبْنا بغَيثِ ذلك السحابِ الأرضَ، التي سُقْناه إليها بعدَ جُدُوبها، وأنبَتْنا فيها الزرعَ بعدَ المَحْلِ، ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هكذا يُنشِرُ الله الموتى بعد بِلائِهم في قبورِهم،\n_________\n(^١) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٦٧، والنشر ٢/ ٢٦٣، وإتحاف فضلاء البشر ص ٢٢٢.\n(^٢) في م، ت ١: \"السحاب\".\n(^٣) الحيا: الخصب. اللسان (ح ى ى).\n(^٤) في م، ت ١: \"مجدب الأهل محل الأرض\".","vol":"19","page":335},{"text":"فيُحْيِيهم بعدَ فنائِهم، كما أحْيَينا هذه الأرضَ بالغَيْثِ بعدَ مَماتِها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7615>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بن كُهَيلٍ، قال: ثنا أبو الزَّغْراءِ، عن عبدِ اللهِ، قال: يكونُ بينَ النَّفْخَتَين ما شاء اللهُ أن يكونَ، فليس مِن بنى آدمَ خلقٌ (^١) إلا وفى الأرضِ منه شيءٌ. قال: فيرسلُ الله ماءً من تحتِ العرشِ، مَنِيًّا كَمِنيِّ الرجلِ، فتنبُتُ أجسادُهم ولُحمانُهم مِن ذلك، كما تنبُتُ الأرضُ مِن الثَّرَى، ثم قرأ: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ إلى قولِه: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ قال: ثم يقومُ مَلَكُ الصُّورِ (^٢) بينَ السماءِ والأرضِ، فينفُخُ فيه، فتنطلقُ كلُّ نفسٍ إلى جسدِها، فتدخُلُ فيه (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾. قال: يرسلُ الرياحَ فتسوقُ السحابَ، فأَحْيَا اللهُ به هذه الأرضَ الميتةَ بهذا الماءِ، فكذلك يبعثُه يومَ القيامةِ (^٤).\n\n<span id=\"aya-3670\"></span><span data-type='title' id=toc-7616>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"بالصور\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ٣/ ٣٤، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ١٩١، ١٩٢ من طريق سفيان به مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":336},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: اختلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: من كان يريدُ العزَّةَ بعبادةِ الآلهةِ والأوثانِ، فإن العزّةَ لله جميعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-7617>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٌو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾. يقولُ: مَن كان يريدُ العزةَ بعبادته الآلهة فإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جميعًا (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: مَن كان يريدُ العزة فليتَعزَّزْ بطاعةِ اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7618>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾. يقولُ: فليتعزَّزْ بطاعةِ اللهِ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: من كان يريدُ علمَ العزةِ لمن هي؟ فإنها للهِ جميعًا كلَّها، أي: كلُّ وجهٍ من العزةِ فللهِ.\nوالذي هو أولى الأقوال بالصوابِ عندى قولُ من قال: مَن كان يريدُ العزةَ، فباللهِ فليتعزَّزْ، فللهِ العزةُ جميعًا، دونَ كلِّ ما دونه من الآلهةِ والأندادِ (^٣) والأوثانِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٥٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٥ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٦/ ٤١٤ وابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٢٣.\n(^٣) سقط من: م، ت ١.","vol":"19","page":337},{"text":"وإنما قلتُ: ذلك أَولى بالصوابِ؛ لأن الآياتِ التي قبلَ هذه الآيةِ، جَرَت بتَقْريعِ الله المشركين على عبادِتهم الأوثانَ، وتوبيخِه إياهم، ووعيده لهم عليها، فأُولَى بهذه أيضًا أن تكونَ مِن جنسِ الحَثِّ على [فِراقِ ذلك، فكانت] (^١) بقصتُها شبيهةً بقصتِها، وكانت في سياقها.\nوقولُه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إلى اللهِ يصعدُ ذكرُ العبدِ إياه، وثناؤُه عليه، ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. يقولُ: ويرفع ذكرَ العبدِ ربَّه إليه عملُه الصالحُ، وهو العملُ بطاعتِه، وأداءُ فرائضه، والانتهاءُ إلى ما أمَره به.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7619>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحْمُسِيُّ، قال: أخبَرني جعفرُ بنُ عَونٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن عبدِ اللهِ المسعوديِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن المُخارِقِ، عن (^٢) أبيه المُخارقِ بن سُلَيمٍ، قال: قال لنا عبدُ اللَّهِ: إذا حدَّثناكم بحديثٍ أتيناكم بتَصْديقِ ذلك مِن كتابِ اللهِ؛ إن العبدَ المسلمَ إذا قال: سبحانَ اللهِ وبحمدهِ، الحمدُ للهِ، لا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ، تبارَك اللهُ. أَخَذَهنَّ مَلَكٌ، فجعَلهن تحتَ جَناحَيْه، ثم صعِد بهنَّ إلى السماءِ، فلا يمرُّ بهن على جمعٍ من الملائكة إلا استغفروا لقائلهنَّ حتى يجيءَ بهنَّ إلى (^٣) وجهِ الرحمنِ، ثم قرَأ عبدُ اللَّهِ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل: \"قراءة ذلك إذا كانت\".\n(^٢) في الأصل: \"وعن\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٢٣ عن المصنف، وأخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٦٦٧) من طريق جعفر بن عون به، وأخرجه الطبراني (٩١٤٤)، والحاكم ٢/ ٤٢٥، والبغوى في تفسيره ٦/ ٤١٤ =","vol":"19","page":338},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا سعيدٌ الجُرَيريُّ، عن عبدِ اللهِ بن شقيقٍ، قال: قال (^١) كعبٌ: إن لسبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ، لدَوِيًّا [حولَ العرشِ] (^٢)، كدويِّ النحلِ، يُذكِّرنَ (^٣) بصاحبِهنَّ، والعملُ يرفعه (^٤) في الخزائنِ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: ثنا سفيانُ، عن لَيْثِ بن أبي سُلَيم، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ الأشعريِّ قولَه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. قال: العملُ الصالحُ يرفعُ الكَلِمَ الطيب (^٦).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. قال: الكلامُ الطيبُ: ذكرُ اللَّهِ، والعملُ الصالحُ: أداءُ فرائضِه، فمَن ذكَر الله سبحانَه في أداءِ فرائضِه، حمَل عملُه (^٧) ذكرَ اللهِ، فصعدِ به إلى اللهِ، ومَن ذَكَر الله، ولم يؤدِّ فرائضَه، رُدَّ كلامُه على عملِه، فكان أولَى به (^٨).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى\n_________\n= من طريق المسعودى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^١) بعده في الأصل: \"عبد الله عن\".\n(^٢) سقط من الأصل.\n(^٣) في الأصل: \"يذكرون\".\n(^٤) في م، ت، ت، ومصادر التخريج: \"الصالح\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٢٣، ٥٢٤ عن المصنف، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٩٣٢) عن سعيد الجريرى به، وينظر صفة الصفوة ٤/ ٢٠٤.\n(^٦) أخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور ٥/ ٢٤٦ - ومن طريقه البيهقي في الشعب (٦٨٤٧) عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٦ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٧) في م، ت ١: \"عليه\".\n(^٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٣٨ - والبيهقى في الأسماء والصفات (٨٩٩) من طريق أبي صالح به.","vol":"19","page":339},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. قال: العملُ الصالحُ يرفعُ الكلامَ الطيبَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. قال: قال الحسنُ وقتادةُ: لا يقبلُ اللهُ قولًا إلا بعملٍ، من قال وأحسَن العملَ، قبل الله منه (^٢).\nوقولُه: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين يكسِبون السيئاتِ [ويعملون بها، أولئك ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ بمعنى أن] (^٣) لهم عذابَ جهنمَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7620>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثني سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾. [أي: يعملون السيئاتِ] (^٣)، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ (^٤).\n[حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. قال: هؤلاء أهلُ الشركِ (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مجاهدٍ ص ٥٥٧، ومن طريقه البيهقى في الأسماء والصفات (٩٠٠). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٦ إلى آدم بن أبى إياس والبغوى والفريابي وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٣٣٥ من طريق شيبان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) سقط من م، ت ١.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٦ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"19","page":340},{"text":"وقولُه: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾. يقولُ: وعملُ هؤلاءِ المشركين يَبورُ، فيبطُل فيذهَبُ؛ لأنه لم يكنْ للهِ، فلم ينفعْ عاملَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7621>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾. أي: يفسُدُ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن ليثِ بن أَبِي سُلَيْمٍ، عَن شَهْرِ بن حَوْشَبٍ: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾. قال: هم أصحابُ الرياءِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمارة، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا جعفرٌ الأحمرُ عن ليثٍ، عن شَهْرِ بن حَوْشَبٍ في قولِه: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾. قال: هم أصحابِ الرياءِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾. قال: بَارَ فلم ينفعهْم، ولم ينتفعوا به، وضرَّهم (^٣).\n\n<span id=\"aya-3671\"></span><span data-type='title' id=toc-7622>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ</span>\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٤ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور ٥/ ٢٤٦ - ومن طريقه البيهقي في الشعب (٦٨٤٧) عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٦ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"19","page":341},{"text":"مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ أيها الناسُ، ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾. يَعْنى بذلك أنه خلَق أباهم آدمَ مِن ترابٍ، فجعَل خلقَ أبيهم منه لهم خلًقا، ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾. يقولُ: ثم خلَقكم من نطفةِ الرجلِ والمرأةِ، ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾. يعنى أنه زوَّج منهم الأنثى مِن الذكرِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7623>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾. يعني آدمَ، ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾. يعني ذرَّيته، ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾، فزوَّج بعضكم (^١) بعضًا (^٢).\nوقولُه: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما تحملُ مِن أنثى منكم أيُّها الناسُ مِن حمل، ولا تضعُ (^٣) إلا وهو عالمٌ بحملها إياه (^٤). ووضعِها، وما هو ذكرٌ أو أنثى، لا يخفَى عليه شيءٌ مِن ذلك.\nوقولُه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وما يُعمَّرُ مِن معمرٍ فيطولُ عمره، ولا يُنقصُ من عمرٍ آخرَ غيرِه عن عمر هذا الذي عُمِّر عمرًا طويلًا، ﴿إِلَّا فِي\n_________\n(^١) في الأصل: \"بعضهم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٣٣٢ عن سعيد عن قتادة.\n(^٣) في م، ت ١: \"نطفة\".\n(^٤) في الأصل: \"أيضاه\".","vol":"19","page":342},{"text":"كِتَابٍ﴾ عندَه مكتوبٍ قبلَ أن تحِملَ به أمُّه، وقبلَ أن تضَعَه، قد أحصَى ذلك كلَّه، وعلمه قبلَ أن يخلُقَه، لا يُزادُ فيما كتَب له ولا يُنقَصُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7624>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ إلى ﴿يَسِيرٌ﴾. يقولُ: ليس أحدٌ قضيتُ له طولَ العمرِ والحياةِ إلا وهو بالغٌ ما قدَّرتُ له مِن العمرِ، وقد قضَيتُ ذلك له، فإنما (^١) ينتهى إلى الكتابِ الذي قدَّرت له، لا يُزادُ عليه، وليس أحدٌ قضَيتُ له أنه قصيرُ العمرِ والحياةِ ببالغٍ العمرَ، ولكن ينتهى إلى الكتابِ الذي كُتِب (^٢) له، [لا يزادُ عليه] (^٣)، فذلك قولُه: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. يقولُ: كلُّ ذلك في كتابٍ عندَه (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: [أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ الآيةَ، يقولُ] (^٥): مَن قضيتُ له أن يُعمَّرَ حتى يُدركَه الكبرُ، أو يُعَمَّرَ أنْقَصَ من ذلك، فكلٌّ بالغٌ أجلَه الذي قد قُضِى له، كلُّ ذلك في كتابٍ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"وإنما\".\n(^٢) في م، ت ١: \"قدرت\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٢٥ عن العوفي، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) سقط من م، ت ١.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٢٥.","vol":"19","page":343},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. قال: ألا ترى الناسَ (^١)؛ الإنسانُ يعيشُ مائة سنةٍ، وآخرُ يموتُ حين يولدُ؟! فهذا هذا (^٢).\nفالهاءُ التي في قولِه: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ على هذا التأويلِ، وإن كانت في الظاهرِ أنَّها كنايةٌ عن اسمِ المُعمَّرِ الأَوَّلِ، فهي كنايهُ اسمٍ آخرَ غيرِه، وإنما حسُن ذلك؛ لأن صاحبَها لو أظهِر أظهِر (^٣) بلفظِ الأوَّل، وذلك كقولِهم: عندى ثوبٌ ونصفُه، والمعنى: ونصفُ الآخرِ\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وما يُعمَّرُ مِن معمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عمره، بفناءِ ما فنِى من أيامِ حياتهِ، فذلك هو نقصانُ عمرِه. والهاءُ على هذا التأويلِ للمُعَمَّرِ الأَوَّلِ؛ لأن معنى الكلامِ: ما يُطوَّلُ عمرُ أحدٍ، ولا يذهبُ من عمرِه شيءٌ فيُنْقَصَ، إلا وهو في كتابٍ عندَ اللهِ مكتوبٍ، قد [أحصاه وعلمهٍ] (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-7625>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو حَصينٍ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن يونسُ، قال: ثنا عبثْرٌ (^٥)، قال: ثنا حصينٌ، عن أبي مالكٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. قال: ما يُنقصُ (^٦) مِن أيامِه التي عددتُ له إلا في كتابٍ (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ت ١.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٢٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م، ت ١: \"لظهر\".\n(^٤) في الأصل: \"عليه\".\n(^٥) في م: \"عبتر\". وغير منقوطة في ت ١.\n(^٦) في م، ت ١: \"يقضى\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٧ إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":344},{"text":"[حدَّثني [ابن سنانٍ القزازُ] (^١)، قال: حدَّثني الحسينُ بنُ الحسنِ الأشقرُ، قال: حدَّثنا أبو كُدَيْنةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾. قال: يُكتبُ نقَص شهرٌ، نقَص شهران، نقَص ثلاثة أشهر، نقَص سنةٌ، نقَص سنتان، نقَص ثلاثُ سنين، حتى يأتىَ على أجلِه فيموت] (^٢) (^٣).\nوأولى التأويلين في ذلك عندى بالصوابِ التأويلِ الأوّلُ، وذلك أن ذلك هو أظهرُ معنييه، وأشبهُهما بظاهرِ التنزيلِ.\nوقولُه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: إن إحصاءَ أعمارِ خَلْقِه عليه يسيرٌ سهلٌ، طويلُ ذلك وقصيرُه، لا يتعذَّرُ عليه شيءٌ منه.\n\n<span id=\"aya-3672\"></span><span data-type='title' id=toc-7626>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما يعتدِلُ البحرانِ فيستويان؛ أحدُهما ﴿عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾، [والفراتُ هو أعذبُ العذْبِ، ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾: يقولُ] (^٤): والآخرُ منهما ﴿مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾، وذلك هو ماءُ البحرِ الأخضرِ، والأجاجُ: المر، وهو أشدُّ المياهِ ملوحةً.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهَذَا\n_________\n(^١) في الأصل: \"أبو سفيان القرار\". والمثبت هو الصواب.\n(^٢) سقط من: م، ت ١.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٣٣٣ عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بنحوه.\n(^٤) سقط من: الأصل.","vol":"19","page":345},{"text":"مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾. والأُجاجُ: المرُّ (^١).\nوقولُه: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾. يقولُ: ومِن كلِّ البحارِ تأكلون لحمًا طَرِيًّا، وذلك السمكُ؛ من عذبِهما الفراتِ، ومِلْحِهما الأُجاجِ ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ يعنى: الدرَّ والمَرْجانَ، تستخرجونها من الملحِ الأُجاجِ. وقد بيَّنا قبلُ وجهَ ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً﴾، وإنما يُستخرَجُ مِن المِلحِ، فيما مضى، بما أغنَى عن إعادتِه (^٢).\n﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِر﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وترى السفنَ في كلِّ تلك البحارِ مواخرَ، تمخُرُ الماءَ بصدورِها، وذلك خرقُها إياه إذا مرَّت، واحدتُها ماخرةٌ، يقالُ. منه: مَخَرت تمخُرُ وتمخَرُ مَخْرًا، وذلك إذا شقَّت الماء بصدورِها.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7627>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [أي: منهما جميعًا] (^٣)، ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾: هذا اللؤلؤُ، ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾: فيه السفنُ مُقبلة ومُدْبِرةً بريحٍ واحدةٍ (^٤).\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١٤/ ١٨٥، ١٨٦.\n(^٣) سقط من: ت ١.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٥٤، ٢/ ١٣٤ عن معمر، عن قتادة ببعضه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وينظر ما تقدم ١٤/ ١٨٨.","vol":"19","page":346},{"text":"قولَه: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾. يقولُ: جَوارِىَ (^١).\nوقولُه: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾. يقولُ: لتطلُبوا برُكْوبِكم في هذه البحارِ في الفلكِ مِن معايشِكم، ولتتصرَّفوا فيها في تجاراتِكم، وتشكُروا (^٢) الله على تَسْخيرِه ذلك لكم، وما رزَقكم منه مِن طيباتِ الرزقِ، وفاخرِ الحُليِّ.\n\n<span id=\"aya-3673\"></span><span data-type='title' id=toc-7628>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يُدْخِلُ الليل في النهار؛ وذلك ما نقَص من الليلِ أدخَله في النهارِ فزادَه فيه، ويولجُ النهارِ في الليلِ؛ وذلك ما نقَص مِن أجزاءِ النهارِ، زادَ في أجزاء الليلِ فأدخَله فيها.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: زيادةُ هذا في نُقْصَانِ هذا، ونقصانُ هذا في زيادةِ هذا (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. يقولُ: هو انتقاصُ أحدهما مِن الآخرِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ١٢ - من طريق أبي صالح به.\n(^٢) في الأصل: \"لتشكروا\".\n(^٣) تقدم تخريجه ٥/ ٣٠٦، و١٨/ ٥٧٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٧، ٢٤٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) تقدم تخريجه في ٥/ ٣٠٥.","vol":"19","page":347},{"text":"وقولُه: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ [وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: وأَجْرَى لكم الشمسَ] (^١) والقمر؛ نعمةً منه عليكم، ورحمةً منه بكم، لتَعْلَموا عددَ السنينَ والحسابَ، وتعرِفوا الليلَ من النهارِ.\nوقولُه: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: كلُّ ذلك يجرى لوقتٍ معلومٍ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7629>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أجلٍ معلومٍ، وحدٍّ لا يَقْصُرُ دونَه ولا يتعدَّاه (^٢).\nوقولُه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾. يقولُ: الذي يفعلُ هذه الأفعالَ معبودُكم، أيُّها الناسُ، الذي لا تصلحُ العبادةُ إلا له، وهو اللهُ ربُّكم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾. أي: هو الذي يفعلُ هذا (^٣).\nوقولُه: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: له الملكُ التامُّ الذي لا ينبغى (^٤) إلا وهو في مُلْكِه وسلطانِه.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٧، ٢٤٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وينظر ما تقدم في ١٨/ ٥٧٦.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٧، ٢٤٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في م، ت ١: \"شيء\".","vol":"19","page":348},{"text":"وقولُه (^١): ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين تعبُدون أيُّها الناسُ مِن دونِ ربِّكم الذي هذه الصفةُ - التي ذكَرها في هذه الآياتِ؛ الذي له المُلْكُ الكامل الذي لا يُشْبِهُه مُلْكُ - صفتُه (^٢)، ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾. يقولُ: ما يملكون قِشْرَةَ نواةٍ فما فوقَها.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7630>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا عوفٌ، عمن حدَّثه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾. قال: هو [جلدُ النواةِ] (^٣).\n[حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسِ قولِه: ﴿مِنْ قِطْمِيرٍ﴾. يقولُ: الجلد الذي يكونُ على ظهرِ النواةِ] (^٤) (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾. يعنى: قِشرِ النواةِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) في الأصل: \"قرأ\".\n(^٢) ليست في: الأصل.\n(^٣) ليس في: الأصل.\n(^٤) في الأصل: \"الجلد الذي يكون على ظهر النواة\"، ويبدو أن الناسخ قد أدخل سند هذا الأثر في متن الأثر التالي، والله أعلم.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٨ إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":349},{"text":"في قولِ اللهِ: ﴿مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ قال: لِفافَةِ النواةِ كسَحاةِ (^١) البيضةِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾. والقِطْمِيرُ: القشرة التي على رأسِ النواةِ (^٣).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا مرْوانُ بنُ معاويةَ، عن جُوَيبرٍ، عن بعضِ أصحابِه في قولِه: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾. قال: هو القَمْعُ الذي يكونُ على التمرةِ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن عطية، قال: القِطْمِيرُ: قشرُ النواةِ (^٥).\n\n<span id=\"aya-3674\"></span><span data-type='title' id=toc-7631>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾.</span>\nقوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن تَدْعوا أيُّها الناسُ هؤلاء الآلهةَ التي تعبُدونها مِن دونِ اللهِ، لا يسمَعوا دعاءَكم؛ لأنها جمادٌ لا تفهَمُ عنكم ما تقولون، ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾. يقولُ: ولو سمِعوا دعاءَكم إيَّاهم، وفهِموا عنكم أيضًا (^٦) قولَكم، بأن جعَل لهم سمعًا (^٧) يسمَعون به، ما استَجابوا لكم؛ لأنها ليست ناطقةً، وليس كلُّ\n_________\n(^١) السحاة: ما انقشر من الشيء. اللسان (س ح و).\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٥٧ ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٢٩٠ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٢٧.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٨ إلى المصنف وابن المنذر عن الضحاك، وينظر البحر المحيط ٧/ ٣٠٥.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٢٧.\n(^٦) في م، ت ٢: \" أنها\"، وفي ت ١: \"انهاء\".\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢: \"سمع\".","vol":"19","page":350},{"text":"سامعٍ قولًا مُتَيَسِّرًا له الجوابُ عنه. يقولُ تعالى ذكرُه للمشركين به الآلهةَ والأوثانَ: فكيف تعبُدون مِن [دونى ما كانت] (^١) هذه صفته، وهو لا نفعَ لكم عندَه، ولا قُدْرةَ له على ضَرِّكم، وتَدعون عبادةَ الذي بيدِه نفعُكم وضَرُّكم، وهو الذي خلَقكم وأنعَم عليكم؟!\nوبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7632>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾. أي: ما قَبِلوا ذلك عنكم، ولا نفَعوكم فيه (^٢).\nوقولُه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه للمشركين مِن عَبَدةٍ الأوثانِ: ويومَ القيامةِ تَتَبرَّأُ آلهتُكم التي تعبُدونها مِن دونِ اللَّهِ، مِن أن تكونَ كانت للهِ شريكًا في الدنيا.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ إيَّاهم ولا يرضَون (^٣)، ولا يُقِرُّون به (٢).\nوقولُه: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يُخبرك يا محمدُ عن آلهةِ هؤلاء المشركين، وما يكونُ مِن أمرِها وأمرِ عَبَدَتِها يومَ القيامةِ، مِن تَبَرُّئِها منهم وكفرِها بهم - مثلُ ذى خِبْرةٍ بأمرها وأمرِهم، وذلك الخبيرُ هو الله الذي لا\n_________\n(^١) في م: \"من دون الله مِن\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) بعده في الأصل: \"به\".","vol":"19","page":351},{"text":"يَخْفى عليه شيءُ كان أو يكونُ، سبحانَه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7633>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾: واللهُ هو الخبيرُ أنه سيكونُ هذا [مِن أمرِهم] (^١) يومَ القيامةِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3675\"></span><span data-type='title' id=toc-7634>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ، ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيها الناسُ أنتم أُولو الحاجةِ والفقرِ إلى ربِّكم، فإيَّاه فاعبُدوا، وفى رِضاه فسارِعوا، يُغْنِكُم مِن فقركم، ويُنْجِحْ لدَيه حوائجَكم، ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن عبادتكم إيَّاه، وعن خدمتِكم، وعن غيرِ ذلك مِن الأشياء منكم ومِن غيرِكم، ﴿الْحَمِيدُ﴾. يعني: المحمودُ على نِعَمِه؛ فإن كلَّ نعمةٍ بكم وبغيركِم فمنه؛ فله الحمدُ والشكرُ بكلِّ حالٍ.\n\n<span id=\"aya-3676\"></span><span data-type='title' id=toc-7635>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ الله تعالى ذكرُه: إن يشأ يُهْلِكُكم أيُّها الناسُ رَبُّكم؛ لأنه أنشَأكم مِن غيرِ ما حاجةٍ به إليكم، ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. يقولُ: ويأتِ بخلقٍ سواكم يُطِيعونه،\n_________\n(^١) في م: \"منهم\"، وفي ت ١: \"من أمورهم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":352},{"text":"ويَأْتَمرون لأمرِه، ويَنْتَهون عما نَهاهم عنه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. أي: ويأتِ بغيرِكم (^١).\n\n<span id=\"aya-3677\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ يقولُ: وما إذهابُكم والإتيانُ بخلقٍ سِواكم على اللهِ بشديدٍ، بل ذلك عليه يسيرٌ سهلٌ، يقولُ: فاتَّقوا اللَّهَ أَيُّها الناسُ، وأطِيعوه (^٢) قبلَ أن يفعلَ بكم (^٣) ذلك.\n\n<span id=\"aya-3678\"></span>وقولُه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تحمِلُ آثمةٌ إثمَ أخرى غيرِها، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن تسألْ ذاتُ ثِقْلٍ مِن الذنوبِ مَن يحملُ عنها ذنوبَها وتطلب ذلك، لم تَجِدْ مَن يحمِلُ عنها شيئًا منها، ولو كان الذي سألَتْه ذلك ذا قَرابةٍ له مِن أبٍ أو [ابنٍ أو] (^٤) أخٍ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7636>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾. يقولُ: يكون عليه وزْرٌ، لا يجد أحدًا يحمل\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ٧/ ٥٨٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٧٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر: بلفظ: \"بخلق آخر\".\n(^٢) ليست في: الأصل.\n(^٣) ليست في: م.\n(^٤) سقط من: م، ت ١.","vol":"19","page":353},{"text":"عنه مِن وزرِه شيئًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ ذُنوبًا (^٢) ﴿إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾: كنحوِ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾: [إلى ذنوبِها] (^٤)، ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ [وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾. أي] (^٥): قريبَ القرابةِ منها، لا يَحملُ مِن ذنوبه (^٦)، ولا تحملُ على غيرِها مِن ذنوبها شيئًا قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^٧).\nونصبُ ﴿ذَا قُرْبَى﴾ على تمامِ كان؛ لأن معنى الكلامِ: ولو كان الذي تسألُه أن يحملَ عنها ذنوبها ذا قُرْبى لها. وأُنِّثت ﴿مُثْقَلَةٌ﴾؛ لأنه ذهَب بالكلامِ إلى النَّفْسِ، كأنه قيل: وإن تَدْعُ نفسٌ مثقلةٌ مِن الذنوبِ إلى حملِ ذنوبِها. وإنما قيل كذلك؛ لأن النفسَ تؤدِّى عن الذكرِ والأنثى، كما قيل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. يعنى بذلك كلَّ (^٨) ذكرٍ وأنثى (^٩).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم\n(^٢) في الأصل: \"ذنوب\"، وسقطت من: م.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٥٧ ومن طريقه الفرياني - كما في التغليق - ٤/ ٢٩٠ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٨ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) ليس في: الأصل، ت ١.\n(^٥) ليس في: الأصل. وينظر مصدر التخريج.\n(^٦) في الأصل: \"شيء\"، وينظر مصدر التخريج.\n(^٧) بعده في الأصل: \"فيعبد الله\"، والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٨، ٢٤٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٨) في الأصل: \"نفس تدلك على\".\n(^٩) ينظر معاني القرآن ٢/ ٣٦٨.","vol":"19","page":354},{"text":"وقولُه: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمد ﷺ: إنما تنذِرُ يا محمدُ الذين يخافون عذابَ (^١) اللهِ يومَ القيامةِ، مِن غيرِ مُعاينةٍ منهم لذلك، ولكن لإيمانهم بما أتيتَهم به، وتَصْديقِهم لك (^٢) فيما أنبَأتَهم عن اللهِ، فهؤلاء الذين ينفعُهم إنذارُك، ويَتَّعِظون بمَواعظِك، لا الذين طَبَعَ اللهُ على قلوبِهم فهم لا يَفْقَهون.\nكما (^٣) حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾. أي: يَخْشَوْن النارَ والحسابَ (^٤).\nوقولُه: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾. يقولُ: وأدَّوا الصلاةَ المفروضةَ بحدودِها، على ما فرَضها الله عليهم (^٥).\nوقولُه: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يتَطهَّرْ مِن دَنَسِ الكفر والذنوبِ، بالتوبة إلى الله، والإيمان به، والعمل بطاعته، فإنما يتطهَّرُ لنفسه، وذلك أنه يُكسبُها (^٦) به رضا اللهِ، والفوزَ بجِنانِه، والنجاةَ مِن عقابِه الذي أعَدَّه لأهلِ الكفرِ به.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"عقاب\".\n(^٢) في الأصل: \"بذلك\".\n(^٣) في الأصل: \"كلمة\".\n(^٤) سقط مِن: م، ت ١، ت ٢، والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٨، ٢٤٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٥) في الأصل: \"عليه\".\n(^٦) في م ت: \"يثيبها\"، وفى ت ١: \"يلبسها\".","vol":"19","page":355},{"text":"كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾. أي: مَن يعملْ صالحًا فإنما يعملُه لنفسِه (^١).\nوقولُه: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وإلى اللهِ مصيرُ كلِّ عاملٍ منكم أيُّها الناسُ؛ مؤمنكم وكافرِكم، وبَرِّكم وفاجرِكم، وهو مُجازٍ جميعَكم بما قدَّم مِن خيرٍ أو شرٍّ على ما هو (^٢) أهلٌ، منه.\n\n<span id=\"aya-3679\"></span><span data-type='title' id=toc-7637>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى﴾، عن دينِ اللَّهِ الذي به ابتَعث نبيِّه محمدًا ﷺ ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ به (^٣)، الذي قد أبصَر فيه رُشْدَه، واتَّبَع محمدًا وصدَّقه، وقَبِل عن اللهِ ما ابتَعثه به،\n\n<span id=\"aya-3680\"></span>﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾. يقولُ: وما يَستوِى ظلماتُ الكفرِ، ونورُ الإيمانِ،\n\n<span id=\"aya-3681\"></span>﴿وَلَا الظِّلُّ﴾. قيل: ولا الجنةُ. ﴿وَلَا الْحَرُورُ﴾. قيل: النارُ. كأن معناه عندَهم: ولا تَسْتوى الجنةُ ولا النارُ. والحرُورُ بمنزلةِ السَّموم، وهى الرياحُ الحارَّةُ.\nوذكَر أبو عبيدةَ، مَعْمَرُ بنُ المُثَنَّى (^٤)، عن رُؤْبةَ بن العَجَّاجِ، أنه كان يقولُ: الحرورُ بالليلِ والسَّمومُ بالنهارِ. وأما أبو عبيدةَ فإنه قال: الحَرورُ في هذا الموضعِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٨، ٢٤٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) ليست في: م، ت ١، ت ٢.\n(^٤) مجاز القرآن ٢/ ١٥٤.","vol":"19","page":356},{"text":"بالنهارِ مع الشمسِ. وأما الفراءُ فإنه كان يقولُ: الحرورُ يكونُ بالليلِ والنهارِ والسَّموم لا يكونُ بالليلِ، إنما يكونُ بالنهارِ.\nوالصوابُ في ذلك عندنا، أن الحرورَ يكونُ بالليلِ والنهارِ، غيرَ أنه يكونُ (^١) في هذا الموضعِ بأن يكونَ كما قال أبو عُبَيدةَ، أشبهَ، مع الشمسِ؛ لأن الظلَّ إنما يكونُ في يومِ شمسٍ، فذلك يدلُّ على أنه أُريدَ بالحَرورِ: الذي يوجدُ في حالِ وجودِ الظلِّ.\n\n<span id=\"aya-3682\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾. يقولُ: وما يَسْتوى الأحياءُ القلوبِ بالإيمانِ باللهِ ورسولِه، ومعرفةِ تنزيلِ اللهِ، ولا (^١) الأمواتُ القلوبِ لغَلَبةِ الكفرِ عليها، حتى صارت لا تعقلُ عن اللهِ أمرَه ونهيَه، ولا تعرفُ الهُدى مِن الضلالِ. وكلُّ هذه أمثالٌ ضرَبها الله للمؤمنِ والإيمانِ، والكافرِ والكفرِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7638>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: هو مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ لأهلِ الطاعةِ وأهلِ المعصيةِ، يقولُ: وما يَسْتوى الأعمى والظلماتُ، والحرورُ ولا الأمواتُ، فهو مَثَلُ أهلِ المعصيةِ، ولا يَسْتوى البصيرُ ولا النورُ، ولا الظلُّ والأحياء، فهو مَثَلُ أهلِ الطاعةِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي﴾\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.","vol":"19","page":357},{"text":"الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ الآية: خَلْقًا فُضِّل بعضُه (^١) على بعض؛ فأما المؤمنُ فعبدٌ (^٢) حيُّ الأثَرِ، حيُّ البصرِ، حيُّ النيةِ، حيُّ العمل (^٣)، وأما الكافرُ فعبدٌ ميتٌ؛ ميتُ البصرِ: ميتُ القلبِ، ميتُ العملِ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾. قال: هذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ؛ فالمؤمنُ بصيرٌ في دينِ اللهِ، والكافرُ أعمى، كما لا يَسْتوى الظلُّ ولا (^٥) الحرورُ، ولا الأحياءُ ولا الأمواتُ، فكذلك لا يَسْتوى هذا المؤمنُ الذي يُبْصِرُ دينه، ولا هذا الأعمى. وقرَأ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢]. قال: الهُدى الذي هداه اللهُ به، ونوَّره (^٦) له، هذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ لهذا المؤمنِ الذي يُبْصِرُ دينَه، وهذا الكافرِ الأعمى (^٧)، فجعَل المؤمنَ حَيًّا، وجعَل الكافرَ ميتًا؛ ميتَ القلبِ، ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. قال: هَديناه إلى الإسلامِ، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾. أعمى القلبِ، وهو في الظلماتِ، [أهذا وهذا سواءٌ] (^٨)؟!\nواختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ \"لا\" مع حروفِ (^٩) العطفِ في قولِه:\n_________\n(^١) في الأصل: \"بعضها\".\n(^٢) بعده في م، ت ١: \"حي\".\n(^٣) في الأصل: \"العقل\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٦ (٧٣٢٣، ٧٣٢٥) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٨، ٢٤٩ إلى المصنف وعبد بن حميد، وتقدم تخريجه ٩/ ٢٥٧.\n(^٥) ليس في الأصل.\n(^٦) في م، ت ١: \"نور\".\n(^٧) ليس في الأصل، وفي ت ١: \"أعمى\".\n(^٨) في الأصل: \"أهدى وهذا سواه\".\n(^٩) في م، ت ١: \"حرف\".","vol":"19","page":358},{"text":"﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾. فقال بعضُ نحويِّي البصرة: قال: ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾، فيُشْبِهُ أن تكونَ \"لا\" زائدةٌ؛ لأنك لو قلت: لا يَسْتوى عمرٌو ولا زيدٌ. في هذا المعنى، [لم يكنْ] (^١) إلا أن تكونَ (^٢) زائدةً، وكان غيرُه يقولُ: إذا لم تدخل \"لا\" مع \"الواو\"، فإنما لم تدخل اكتفاءً بدخولها في أولِ الكلامِ، وإذا أُدخِلت فإنه يرادُ بالكلامِ أن كلَّ واحدٍ منهما لا يُساوى صاحبَه. فكان معنى الكلامِ إذا أُعيدت \"لا\" مع \"الواو \"عندَ صاحبِ هذا القولِ: لا يُساوى الأعمى البصيرَ، ولا (^٣) البصير الأعمى، فكلُّ واحدٍ منهما لا يُساوى صاحبَه.\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُور﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: [إن الله يعظُ بكتابِه وتنزيلِهَ مِن يشاءُ مِن خلقه؛ حتى يتعظَ به ويعتبرَ وينقاد للحقِّ ويؤمنَ به، وما أنت يا محمدُ بمُسمِعٍ] (^٤) مِن في القبورِ، كتابَ اللهِ فتهديَهم به إلى سبيلِ الرشادِ، فكذلك لا تقدرُ أن تنفعَ بمواعظِ كتابِ (^٥) اللهِ، وبيناتِ (^٦) حُجَجه، مَن كان ميتَ القلبِ مِن أحياءِ عبادِه، عن معرفةِ اللَّهِ، وفَهْمِ كتابه وتنزيله، وأوضحِ (^٧) حُجَجِه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ﴾\n_________\n(^١) في م: \"لم يجز\"، وفي ت ١: \"لا يجوز\".\n(^٢) بعده في م، ت ١: \"لا\"\n(^٣) بعده في م، ت ١: \"يساوى\".\n(^٤) في م: \"كما لا يقدر أن يسمع\"، وفى ت ١: \"كما لا تقدر أن تسمع\".\n(^٥) سقط من: م، ت ١.\n(^٦) في م: \"بيان\".\n(^٧) في م، ت ١: \"واضح\".","vol":"19","page":359},{"text":"مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾: [كما لا يسمع مِن في القبورِ] (^١)، كذلك الكافر لا يسمعُ ولا ينتفع بما يسمعُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3683\"></span>وقولُه: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ما أنت إلا نذيرٌ، تُنْذِرُ هؤلاء المشركين باللهِ، الذين طبَع اللهُ على قلوبِهم، ولم يُرْسِلك ربُّك إليهم إلا لتُبَلِّغ (^٣) رسالتَه، ولم يُكلِّفْك مِن الأمرِ ما لا سبيلَ لك إليه، فأما اهتداؤُهم وقَبولُهم منك ما جئتَهم به، فإن ذلك بيدِ اللهِ لا بيدِك، ولا بيدِ غيرِك مِن الناسِ، فلا تَذهبْ نفسُك عليهم حَسَراتٍ، إن هم لم يَسْتَجيبوا لك.\n\n<span id=\"aya-3684\"></span><span data-type='title' id=toc-7639>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ اللهُ: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد ﴿بِالْحَقِّ﴾. [يعني: بالدِّينِ الحقِّ] (^٤)، وهو الإيمانُ باللهِ، وشرائعِ الدينِ التي افترَضها على عبادِه، ﴿بَشِيرًا﴾. يقولُ: مُبَشِّرًا بالجنةِ مَن صدَّقك، وقَبل منك ما جئتَه (^٥) به مِن عندِ اللهِ مِن النصيحةِ، ﴿وَنَذِيرًا﴾: تُنذِرُ النارَ (^٦) مَن كذَّبك ورَدَّ عليك ما جئتَه (٥) به مِن عندِ اللَّهِ مِن النصيحةِ؛ ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م، ت ١: \"لتبلغهم\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في م، ت ١: \"جئت\".\n(^٦) في م: \"الناس\".","vol":"19","page":360},{"text":"إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (^١). يقولُ: وما مِن أمةٍ مِن الأممِ الحاليةِ (^٢) الدائنةِ بمِلَّةِ، إلا خَلا فيها مِن قبلك [نذيرٌ، ينذرُهم] (^٣) بأسَنا على كفرِهم باللهِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾: كلُّ أمةٍ كان لها رسولٌ (^٤).\n\n<span id=\"aya-3685\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه، مُسَلَّيًا نبيِّه صلى للهُ عليه وسلم فيما يَلْقَى مِن مُشرِكى قومِه مِن التكذيبِ: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ يا محمدُ، مُشرِكو قومِك، ﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مِن الأم الذين (^٥) ﴿جَاءَتْهُمْ﴾ رسلُنا (^٦)، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾. يقولُ: بحُجَجٍ مِن اللهِ واضحةٍ، ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾. يقولُ: وجاءتْهم بالكتبِ مِن عندِ اللَّهِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ﴾. أي: الكتبِ.\nوقولُه: ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾. يقولُ: وجاءهم مِن اللهِ الكتابُ المنيرُ لمَن تأمَّله وتدبرَّه، أنه الحقُّ.\nكما حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾: يُضَعِّفُ (^٧) الشيءَ وهو واحد.\n_________\n(^١) ليس في: الأصل.\n(^٢) سقط مِن: م، ت ١.\n(^٣) في الأصل: \"نذيرا تنذرهم\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٥) ليس في: الأصل.\n(^٦) في م: \"رسلهم\".\n(^٧) قوله: يضعف، يريد التكرار، واللهُ أعلم. وقد ذكر البغوي في تفسيره أن تكرار الكتاب بعد الزبر على طريق التأكيد، وذكر القرطبي أنه تكرار لاختلاف اللفظين. البغوي ٦/ ٤١٨، القرطبي ١٤/ ٣٤١.","vol":"19","page":361},{"text":"<span id=\"aya-3686\"></span>وقولُه: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم أَهْلَكْنا الذين جَحَدوا رسالةَ (^١) رُسُلنا، وحقيقةَ ما دعَوهم إليه مِن آياتِنا، وأصرُّوا على جُحُودِهم، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. يقولُ: فانظُرْ (^٢) يا محمدُ كيف كان تَغْيِيرى لهم (^٣) وحلولُ عُقوبتى بهم (^٤).\n\n<span id=\"aya-3687\"></span><span data-type='title' id=toc-7640>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ألم تر يا محمد أن الله أَنْزَلَ مِن السماءِ ﴿مَاءً﴾ (^٥): غيثًا، ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾. يقولُ: فسقيناه أشجارًا في الأرضِ، فأخرَجْنا به مِن تلك الأشجارِ ثمراتٍ مختلفًا ألوانها؛ منها الأحمرُ، ومنها الأسودُ، والأصفرُ، وغيرُ ذلك مِن ألوانها. ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن الجبالِ طرائقُ، وهى الجُدَدُ؛ وهى الخُطَطُ (^٦) تكونُ في الجبالِ، بيضٌ وحمرٌ وسودٌ، كالطرقِ، واحدتُها جُدَّةٌ، ومنه قوُل امرئ القيسِ (^٧) في صفةِ حمارٍ:\n_________\n(^١) في الأصل: \"رسالته\"، وفي ت ١: \"آياتنا ورسالة\".\n(^٢) في الأصل: \"فانظروا\".\n(^٣) في م، ت ١: \"بهم\"\n(^٤) بعده في ت ١: \"لا رب سواه\".\n(^٥) سقط مِن: م، ت ١.\n(^٦) في الأصل: \"الخلط\"، وعنى بالخطط الجددَ لا الطرائق. وينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٦٩.\n(^٧) ديوانه ص ١٨١.","vol":"19","page":362},{"text":"كأنَّ سَرَاتَهُ وَجُدَّةَ مَتْنِهِ … كَنائِنُ يَجْرى فَوْقَهُنَّ دَلِيصُ (^١).\nيعنى بالجُدَّة: الخُطَّةَ السوداءَ تكونُ في متنِ الحمارِ.\nوقولُه: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾. يعني: مختلفٌ ألوانُ الجُدَدِ، ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾، وذلك مِن المقدَّمِ الذي هو بمعنى التأخيرِ، وذلك أن العربَ تقول: هو أسودُ غربيبٌ. إذا وصَفوه بشدةِ السوادِ، وجُعل ههنا السواد صفةً للغرابيبِ. وقولُه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ [كَذَلِكَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومن الناسِ والدوابِّ والأنعامِ مختلفٌ ألوانُه] (^٢)، كما مِن الثمراتِ والجبالِ مختلِفٌ ألوانُه؛ بالحمرةِ والبياضِ والسوادِ والصفرةِ، وغيرِ ذلا وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7641>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾: أحمرُ وأَخضرُ وأصفرُ، ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾: أي طرائق بيضٌ، ﴿وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾: أي جبالٌ حمرٌ (^٣)، ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾: هو الأسودُ، يعنى لونَه، كما اختلَف ألوانُ هذه و(^٤) اختلَف ألوانُ الناسِ والدوابِّ والأنعامِ كذلك (^٥).\n_________\n(^١) سراته: ظهره، وجدة ظهره: الخط الذي في وسط ظهره، وكنائن، جمع كنانة، وهى الجعاب، ودليص: ذهب له بريق؛ شبَّه الخط الذي على ظهره بجعاب مذهبة. المصدر السابق.\n(^٢) سقط مِن: م، ت ١.\n(^٣) بعده في م: \"وبيص\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٥ عن معمر عن قتادة، مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٩ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"19","page":363},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾: طرائقُ؛ بيضٌ وحمرٌ وسودٌ، وكذلك الناسُ مختلفٌ ألوانُهم.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلِيُّ (^١)، قال: ثنا مَرْوانُ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾. قال: هي طرائقُ؛ حمرٌ وسودٌ.\nوقولُه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنما يخافُ اللَّهَ فيَتَّقِى عقابَه بطاعتِه، العلماءُ؛ بقدرتِه على ما يشاءُ مِن شيءٍ، وأنه يفعلُ ما يريدُ؛ لأن مَن علم ذلك، أيقَن بعقابِه على معصيتِه، فخافه ورهِبه؛ خشيةً منه أن يُعاقِبَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span id=\"aya-3688\"></span><span data-type='title' id=toc-7642>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. قال: الذين يَعْلَمون أن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. قال: كان يقالُ: كفى بالرهبةِ علمًا (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل: \"الابلى\". وقد تقدم في ٣/ ٥٠٠.\n(^٢) أخرجه اللالكائي في السنة (٩٤٥) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢٥٠/ ٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٣٣٥ من طريق آخر عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٤٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"19","page":364},{"text":"وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله ﴿عَزِيزٌ﴾ في انتقامِه ممن كفَر به، ﴿غَفُورٌ﴾ لذنوبِ مَن آمَن به وأطاعَه.\n\n<span id=\"aya-3689\"></span><span data-type='title' id=toc-7643>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين يقرَءون كتاب الله الذي أنزله على محمد ﷺ. ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾. يقولُ: وأدَّوا (^١) الصلاةَ المفروضةَ لمواقيتِها بحدودِها. وقال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾. بمعنى: ويقيمون (^٢) الصلاةَ.\nوقولُه: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾. يقولُ: وتصدَّقوا بما أعطيناهم من الأموالِ، ﴿سِرًّا﴾: في خفاءٍ، ﴿وَعَلَانِيَةً﴾: جهارًا. وإنما معنى ذلك أنهم يؤدُّون زكاةَ ذلك (^٣) المفروضةَ، ويتطوَّعون أيضًا بالصدقةِ منه بعد أداءِ الفرضِ الواجبِ عليهم فيه. وقولُه: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يرجون بفعلِهم (^٤) ذلك تجارةً لن تبورَ. يعنى: لن تكْسُدَ ولن تَهْلِكَ، من قولِهم: بارتِ السوقُ. إذا كسَدتْ، وبار الطعامُ. وقولُه: [﴿تِجَارَةً﴾. جوابٌ لأوَّلِ الكلامِ.\n\n<span id=\"aya-3690\"></span>وقولُه] (^٥) ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾. يقولُ: ويوفيهم اللهُ على فعلِهم ذلك، ثوابَ أعمالِهم التي عمِلوها في الدنيا، ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. يقولُ: وكى يزيدَهم على الوفاءِ مِن فضلِه، ما هو له أهلٌ. وكان مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللَّهِ\n_________\n(^١) في الأصل: \"وأقاموا أدوا\"، وفي ت ١: \"وأداموا\".\n(^٢) في م: \"ويقيموا\"، وبعده في الأصل: \"الصلاة المفروضة لمواقيتها بحدودها\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في الأصل: \"بفعالهم\".\n(^٥) سقط من: الأصل. وينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٦٩.","vol":"19","page":365},{"text":"يقولُ: هذه آيةُ القراءِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ عاصمٍ، قال: ثنا معتمرٌ، عن أبيه، عن قتادةَ، قال: كان مطرفٌ إذا مرَّ بهذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾. يقولُ: هذه آيةُ القراءِ (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ، عن مُطَرِّفُ بن عبدِ اللهِ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: هذه آيةُ القراءِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللَّهِ يقولُ: هذه آيةُ القراءِ: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾.\nوقولُه: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾. يقولُ: إن الله غَفُورٌ لذنوبِ هؤلاء القومِ الذين هذه صفتُهم، شَكُورٌ لحسناتِهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾. إنه غفورٌ لذنوبهِم، شَكُورٌ لحسناتِهم (^٣).\n\n<span id=\"aya-3691\"></span><span data-type='title' id=toc-7644>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)﴾.\n_________\n(^١)</span> أخرجه ابن المبارك في الزهد (٧٩٤)، وأبو نعيم في الحلية ٢/ ٢٠٣ من طريق آخر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥١ إلى عبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٤٧٦، ٤٧٧، وأبو نعيم ٢/ ٢٠٣ من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٧٩٤) من طريق شعبة به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":366},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يا محمدُ، وهو هذا القرآنُ الذي أنْزَله اللهُ عليه، ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾. يقولُ: هو الحقُّ، عليك وعلى أمتِك أن تَعْمَلَ به، وتَتَّبعَ ما فيه دونَ غيِره مِن الكتبِ التي أُوحِيَت إلى غيرِك، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. يقولُ: هو يُصَدِّقُ ما مضَى بين يديْه فصار أمامَه، من الكتبِ التي أنْزَلْتُها إلى مَن قبلَك مِن الرسلِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. للكتبِ التي خلَتْ قبلَه (^١).\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله بعبادِه لَذو علمٍ وخبرةٍ بما يَعْمَلون، بصيرٌ بما يُصْلِحُهم مِن التدبيرِ.\n\n<span id=\"aya-3692\"></span><span data-type='title' id=toc-7645>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾.</span>\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى الكتابِ الذي ذكَر اللهُ في هذه الآيةِ أنه أَوْرَثه الذين اصْطَفاهم مِن عبادِه، ومَن المُصْطَفَوْنَ (^٢) مِن عبادِه، والظالمُ لنفسِه؛ فقال بعضُهم: الكتابُ هو الكتبُ التي أنْزَلها اللهُ مِن قبلِ الفُرقانِ، والمصطَفَوْنَ مِن عبادِه أمةُ محمدٍ، والظالمُ لنفسِه أهلُ الإجرامِ منهم.\n_________\n(^١) تقدم في ٥/ ١٨١.\n(^٢) في الأصل، ت ١: \"المصطفين\".","vol":"19","page":367},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7646>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: [ثني معاويةُ، عن] (^١) عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ إلى قولِه: ﴿الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. هم أمةُ محمدٍ ﷺ ورَّثهم اللهُ كلَّ كتابٍ أنْزَله؛ فظالِمُهم يُغفَرُ له، ومُقْتَصِدُهم يُحاسَبُ (^٢) حسابًا يسيرًا، وسابِقُهم يَدْخُلُ الجنةَ بغيرِ حسابٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن عبدِ اللهِ بن عيسى، عن يزيدَ بن الحارثِ، عن شَقيقٍ (^٤) أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ أنه قال: هذه الأُمَّةُ ثلاثةُ أثلاثٍ يومَ القيامةِ؛ ثُلُثٌ يَدْخُلون الجنةَ بغيرِ حسابٍ، وثلُثٌ يُحاسَبون حسابًا يسيرًا، وثُلُثٌ يَجِيئون بذنوبٍ عِظامٍ، حتى يقولَ: ما هؤلاء؟ وهو أعلمُ ﵎، فتقولُ الملائكةُ: هؤلاء جاءوا بذنوبٍ عِظامٍ، إلا أنهم لم يُشْرِكوا بك. فيقولُ الربُّ: أدْخِلوا هؤلاء في سَعةِ رحمتى. وتلا عبدُ اللهِ هذه الآيةَ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (^٥).\nحدَّثنا [حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ] (^٦)، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا عوفٌ (^٧)، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الحارثِ بن نوفلٍ، قال: ثنا كعبُ الأخبارِ أن الظالمَ لنفسِه مِن هذه الأمةِ،\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في الأصل: \"يحاسبهم\"، وفي ت ١: \"يحاسبه\".\n(^٣) أخرجه البيهقى في البعث والنشور (٧٣) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤) بعده في م: \"عن\"، وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٥٤٨.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٣٤ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥١ إلى المصنف.\n(^٦) في الأصل: \"محمد بن مسعود\"، وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٣٩٥.\n(^٧) في م: \"عون\".","vol":"19","page":368},{"text":"والمُقْتَصِدَ، والسابقَ بالخيراتِ كلُّهم في الجنةِ، ألم تَرَ أن الله قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ إلى قوله: ﴿كُلَّ كَفُورٍ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-3693\"></span>حدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ (^٢) الكِنْديُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن عوفٍ، عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ بن نوفلٍ، قال: سمِعْتُ كعبًا يقولُ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال: كلُّهم في الجنةِ. وتلا هذه الآيةَ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ الفَزاريُّ، عن عوفِ بن أبى جَميلةَ (^٣)، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الحارثِ بن نوفلٍ، قال: ثنا كعبٌ، أن الظالمَ مِن هذه الأمةِ، والمقتصدَ، والسابقَ بالخيراتِ كلُّهم في الجنةِ، ألم تَرَ أن الله قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ إلى قولِه: ﴿لُغُوبٌ﴾، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾. قال: قال كعبٌ: فهؤلاء أهلُ النارِ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن عوفٍ، قال: سَمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ الحارثِ يقولُ: قال كعبٌ: إن الظالمَ لنفسِه، والمقتصدَ، والسابقَ بالخيراتِ مِن هذه الأمةِ كلُّهم في الجنةِ، ألم تَرَ أن الله يقولُ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾. حتى بلَغ قولَه: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾.\n_________\n(^١) أخرجه الحسين المروزى في زوائده على زهد ابن المبارك (١٥٧١) عن يزيد بن زريع به.\n(^٢) في الأصل: \"مسعود\"، وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٥٠.\n(^٣) في م: \"جبلة\".\n(^٤) أخرجه البيهقى في البعث (٧٠) من طريق مروان بن معاوية به، وأخرجه الثوري في تفسيره ص ٢٤٦، والبيهقى في البعث (٧١) من طريق عوف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٢ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"19","page":369},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: أخبَرنا حميدٌ، عن إسحاقَ بن عبدِ اللهِ بن الحارثِ، عن أبيه، أن ابنَ عباسٍ سأَل كعبًا عن قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ إلى قولِه: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. فقال: تَماسَّت مناكبُهم وربِّ الكعبةِ (^١)، ثم أُعْطُوا الفضلَ بأعمالِهم (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن أبي إسحاقَ السَّبِيعيِّ، في هذه الآيةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾. قال: قال أبو إسحاقَ: أمَّا ما سمِعْتُ منذُ ستين سنةً، فكلُّهم ناجٍ (^٣).\n[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا الحكمُ] (^٤)، قال: ثنا عمرٌو، عن محمدِ ابن الحَنَفيةِ، قال: إنها أُمَّةٌ مرحومةٌ؛ الظالمُ مغفورٌ له، والمقتصدُ في الجِنانِ (^٥) عندَ اللهِ، والسابقُ بالخيراتِ في الدرجاتِ عندَ اللهِ (^٦).\nوقال آخرون: الكتابُ الذي أوْرَث هؤلاء القومَ، هو شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ، والمُصْطَفَوْنَ هم أمةُ محمدٍ ﷺ، والظالمُ لنفسِه منهم هو المنافقُ، وهو في النارِ، والمقتصدُ والسابقُ بالخيراتِ في الجنةِ.\n_________\n(^١) في ت ١: \"كعب\". وهو لفظ رواية تفسير ابن كثير.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٣٥ عن المصنف، وأخرجه الحسين المروزي في زوائده علي زهد ابن المبارك (١٤١٣) من طريق حميد به، مطولا، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٦ من طريق عبد الله بن الحارث به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٣ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٣٥ عن المصنف.\n(^٤) سقط من: م، ت ١.\n(^٥) في م: \"الجنات\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٣٥ عن المصنف، ورواه الثورى - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٥٣٦ - من طريق ابن الحنفية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":370},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7647>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو عمارٍ الحسينُ بنُ حُرَيْثٍ (^١) المَرْوزيُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن حسينِ بن واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾. قال: اثنان في الجنةِ، وواحدٌ في النارِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: جعَل أهلَ الإيمانِ على ثلاثةِ منازلَ، كقولِه: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة: ٤١]، ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠، ١١]. فهم على [هذا المثال] (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا [الحسينُ، عن] (^٣) يزيدَ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ الآية، قال: الاثنان في الجنةِ، وواحدٌ في النارِ، وهى بمنزلةِ التي في الواقعةِ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (^٤).\nحدَّثنا سهلُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ المَجيدِ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾.\n_________\n(^١) في الأصل: \"الحارث\"، وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٣٥٨.\n(^٢) في الأصل: \"هذه المنازل\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٢ إلى المصنف وابن مردويه، وأخرجه الثورى في تفسيره ص ٢٤٦ من طريق آخر عن ابن عباس.\n(^٣) في الأصل: \"الحسن بن\".\n(^٤) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٣١٣.","vol":"19","page":371},{"text":"قال: هم أصحابُ المَشْأَمةِ. ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾. قال: هم أصحابُ المَيْمَنةِ. ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾. قال: هم السابقون مِن الناسِ كلِّهم.\nحدَّثنا الحسنُ (^١) بنُ عرفةَ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، قال: قال عوفٌ، قال الحسنُ: أما الظالمُ لنفسِه فإنه هو المنافقُ، سقَط هذا، وأما المقتصدُ والسابقُ بالخيراتِ فهما صاحبا الجنةِ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن عوفٍ، قال: قال الحسنُ: الظالمُ لنفسِه المنافقُ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾: شهادةَ أن لا إلهَ إلا اللهُ، ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾: هذا المنافقُ - في قولِ قتادةَ والحسنِ - ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾. قال: هذا صاحبُ اليمينِ، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾. قال: هذا المُقَرَّبُ. قال قتادةُ: كان الناسُ ثلاثةَ منازلَ في الدنيا، وثلاثةَ منازلَ عندَ الموتِ، وثلاثةَ منازلَ في الآخرةِ، أما الدنيا، فكانوا: مؤمنٌ، ومنافقٌ، ومشركٌ، وأما عندَ الموتِ، فإن الله قال: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩٤]. وأما في الآخرة فكانوا أزواجًا ثلاثة، ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨)\n_________\n(^١) في الأصل: \"الحسين\"، وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٢٠١.\n(^٢) أخرجه البيهقى في البعث (٧٥) من طريق مروان بن معاوية به، وأخرجه في (٧٦) من طريق عوف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٥ عن معمر عن الحسن.","vol":"19","page":372},{"text":"وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (^١)\n[الواقعة: ٨ - ١١].\nحدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾. قال: هم أصحابُ المشْامةِ، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾. قال: أصحابُ الميمنةِ. ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾. قال: فهم السابقون مِن الناسِ كلِّهم (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا [قُرَّةُ، عن الضحاكِ في قولِه] (^٣): ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾. قال: سقط هذا. ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال: سَبَق هذا بالخيراتِ، وهذا مُقْتَصِدٌ على أَثَرِه.\nوأولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ: تأويلُ مَن قال: عُنى بقولهِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾. الكُتُبُ التي أُنزِلَت مِن قَبْلِ الفُرْقانِ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف يجوزُ أن يكونَ ذلك معناه، وأمَّةُ محمد ﷺ لا يَتْلُون غير كتابِهم، ولا يَعْمَلُون إلا بما فيه مِن الأحكامِ والشرائعِ؟ قيل: إن معنى ذلك على غيرِ الذي ذهبتَ إليه، وإنما معناه: ثم أَوْرَثْنا الإيمانَ بالكتابِ، الذين اصْطفَيْنا؛ فمنهم مؤمِنون بكلِّ كتابٍ أنزَله اللهُ مِن السماءِ قبْلَ كتابِهم وعامِلون به؛\n_________\n(^١) أخرج عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٥ قوله: \"هذا منافق\" عن معمر عن الحسن وقتادة، وعزاه - أي اللفظ المطول - السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٥٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م: \"عيسى وحدثني الحارث قال ثنا الحسن قال ثنا ورقاء جميعًا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد\".","vol":"19","page":373},{"text":"لأن كلَّ كتابٍ أُنْزِل مِن السماءِ قبْلَ الفُرْقانِ، فإنه يأْمرُ بالعملِ بالفُرْقانِ عندَ نُزُولِه، وباتِّباع مَن جاء به، وذلك عملُ مَن أقرَّ بمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به، وعَمِل بما دعاه إليه، بما في الفرقانِ وبما في غيرِه من الكُتُبِ التي أُنْزِلت قَبْلَه.\nوإنما قلنا (^١): عُنى بقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾. الكُتُبُ التي ذكَرْنا؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه قال لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. ثم أَتْبَع ذلك قولَه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾. فكان معلُومًا - إذ كان معنى الميراثِ إنما هو انْتِقالُ معنىً مِن قومٍ إلى آخرين، ولم تكن أُمَّةٌ على عَهْدِ نبيِّنا ﷺ انْتَقل إليهم كتابٌ مِن قومٍ كان (^٢) قَبْلَهم غيَر أُمَّتِه - أن ذلك معناه. وإذ كان ذلك كذلك، فَبَيِّنٌ أن المصطفَيْنَ مِن عبادِه هم مؤمِنو أُمَّتِه، وأمَّا الظالمُ لنفْسِه، فإنه لأن يكونَ مِن (^٣) أهلِ الذُّنوبِ والمعاصِي، التي هي دونَ النفاقِ والشِّرْكِ عندِى، أشبَهُ بمعنى الآيةِ، مِن أن يكونَ المنافقَ أو الكافرَ، وذلك أن الله تعالى ذكْرُه أَتْبَع هذه الآيةَ قولَه: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾. فعمَّ بدُخُولِ الجنَّةِ جميعَ الأصنافِ الثلاثةِ.\nفإن قال قائلٌ: فإن قولَه: ﴿ويَدْخُلُونَهَا﴾. إنما عُنى به: المُقتصدُ والسابقُ. قِيل له: وما بُرْهانُك على أن ذلك كذلك مِن خبرٍ أو عقلٍ؟ فإن قال: قيامُ الحُجَّةِ، بأن الظالمَ مِن هذه الأمَّةِ سيدخلُ (^٤) النارَ، ولو لم يَدْخُلِ النارَ من هذه الأصنافِ الثلاثةِ أحدٌ، وجَب ألا يكونَ لأهلِ الإيمانِ وَعيدٌ. قيل: إنه ليس في الآيةِ خبرٌ\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"قيل\".\n(^٢) في م: \"كانوا\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في الأصل، ت ١: \"سيدخلون\".","vol":"19","page":374},{"text":"أنهم لا يَدْخُلون النارَ، وإنما فيها إخبارٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه، أنهم يَدْخُلُون جناتِ عَدْنٍ، وجائزٌ أن يَدْخُلَها الظالمُ لنفسِه بعدَ عقوبةِ اللهِ إياه على ذنوبه التي أصابَها في الدنيا، وظلمِه نفسَه فيها، بالنارِ، أو بما شاء مِن عقابِه، ثم يُدْخِلُه الجنةَ، فيكونُ ممن عمَّه خبرُ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه بقولهِ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾.\nوقد رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِ الذي قلنا مِن ذلك أخبارٌ، وإن كان في أسانيدِها نظرٌ، مع دليلِ الكتابِ على صحتِه، على النحوِ الذي بيَّنتُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7648>ذكرُ الروايةِ الواردةِ بذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ (^١)، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ قال: ذكَر أبو ثابتٍ [قال: دخَل رجلٌ المسجدَ] (^٢)، فجلَس إلى جنبِ أبي الدرداءِ، فقال: اللهم آنِسْ وَحْشَتى، وارْحَمْ غُرْبتي، ويسِّرْ لي جليسًا صالحًا. فقال أبو الدرداءِ: لئن كنتَ صادقًا لأنا أسعدُ به منك، سأُحَدِّثُك حديثًا سمِعْتُه من رسولِ اللهِ ﷺ، لم أُحَدِّثْ به منذُ سمِعْتُه ذكَر هذه الآية، ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾، فأما السابقُ بالخيراتِ فيَدْخُلُها بغيرِ حسابٍ، وأما المُقْتَصِدُ فيُحاسَبُ حسابًا يسيرًا، وأما الظالمُ لنفسِه فيُصِيبُه في ذلك المكانِ من الغمِّ والحزنِ، فذلك قولُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) في ت ١: \"الزهرى\"، وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٤٧٦.\n(^٢) في م: \"أنه دخل المسجد\"، وفى ت ١: \"قال دخل المسجد\".\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ١٩٤، ٦/ ٤٤٤ (الميمنية)، وابن أبي الدنيا في الأهوال (٢٧٦)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٥٣٤ - والبغوى في تفسيره ٦/ ٤٢١ من طريق الثورى به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٢٦، والبيهقي في البعث (٦٢)، من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥١ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والطبراني.","vol":"19","page":375},{"text":"حدَّثنا ابن بشَّارٍ (^١)، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الوليدِ بن العَيزَارِ (^٢)، أنه سمِع رجلًا مِن ثَقِيفٍ، حدَّث عن رجلٍ مِن كنِانةَ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾. قال: \"هؤلاء كلُّهم بمنزلةٍ واحدةٍ، وكلُّهم في الجنةِ\" (^٣).\nوعُنِى بقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾: الذين اخْتَرْناهم لطاعتِنا واجْتَبَيْناهم. وقولُه: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾. يقولُ: فمِن هؤلاء الذين اصْطَفَيْنا مِن عبادِنا، مَن يَظْلِمُ نفسَه؛ بركوبِه المآثمَ، واجترامِه المعاصىَ، واقترافِه الفواحشَ، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾. وهو غيرُ المُبالِغ في طاعةِ ربِّه، وغيرُ المجتهدِ [فيها لربِّه مِن خدمتِه] (^٤)، حتى يكونَ عملُه في ذلك قصدًا، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾. وهو المُبَرِّزُ [في طاعة اللهِ] (^٥) الذي قد تقَدَّم المجتهدين في (^٦) خدمةِ ربِّه، وأداءِ ما ألزَمه (^٧) مِن فرائضِه، فسبَقَهم بصالحاتِ (^٨) الأعمالِ، وهى الخيراتُ التي قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يقولُ: بتوفيقِ اللهِ إياه لذلك.\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"المثنى\".\n(^٢) في م: \"المغيرة\"، وينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٦٤.\n(^٣) أخرجه الترمذى (٣٢٢٥) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أحمد ١٨/ ٢٧٠ (١١٧٤٥) عن محمد بن جعفر به، وأخرجه الطيالسي (٢٣٥٠)، والبيهقى في البعث (٦٢)، كلاهما من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤) في م: \"فيما ألزمه من خدمة ربه\"، وفى ت ١: \"فيها ألزمه من خدمته\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) سقط من: م، ت ١.\n(^٧) في م: \"لزمه\".\n(^٨) في م: \"بصالح\".","vol":"19","page":376},{"text":"وقولُه: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: سبوقُ هذا السابقِ مَن سبَقه بالخيراتِ بإذنِ اللَّهِ؛ هو الفضلُ الكبيرُ الذي فضَل به مَن كان مُقَصِّرًا عن منزلتِه في طاعةِ اللهِ؛ مِن المقتصدِ والظالمِ لنفسِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7650>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: بَساتينُ إقامةٍ، يدخلُها هؤلاء الذين أوْرَثْناهم الكتابَ؛ الذين اصْطَفَيْنا مِن عبادِنا يومَ القيامةِ، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾: يُلْبَسون في جناتِ عدنٍ أَسْوِرةً مِن ذهبٍ ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾، ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾. يقولُ: ولباسُهم في الجنةِ حريرٌ.\n\n<span id=\"aya-3694\"></span>وقولُه: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الحَزَنِ الذي حَمِد الله على إذهابهِ عنهم هؤلاء القومُ، فقال بعضُهم: ذلك الحزَنُ الذي كانوا فيه قبلَ دخولِهم الجنةَ مِن خوفِ النارِ، إذ كانوا خائفين أن يَدْخُلوها.\n\n<span data-type='title' id=toc-7649>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني قتادةُ بنُ سعيدِ بن قتادةَ السَّدوسيُّ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ صاحبُ الدَّسْتُوائيِّ، قال: حدثنى أبي، عن عمرِو بن مالكٍ، عن أبي الجَوْزاءِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. قال: حَزَنَ النارِ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن يحيى بن المختارِ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الهم والحزن (٢٥)، والحاكم ٢/ ٤٢٧ من طريق معاذ بن هشام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٣ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":377},{"text":"الحسنِ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. قال: إن المؤمنين قومٌ ذُلُلٌ، ذلَّت واللهِ الأسماعُ والأبصارُ والجوارحُ، حتى يَحْسَبَهم الجاهلُ مَرْضَى، وما بالقومِ مِن مرضٍ، وإنهم لأصِحَّةُ القلوبِ، ولكن دخَلَهم مِن الخوفِ ما لم يَدْخُلْ غيرَهم، ومنَعَهم من الدنيا علمُهم بالآخرةِ، فقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. واللهِ ما حزَنهم حزَنُ الدنيا، ولا تَعاظَم في أنفسِهم ما طلَبوا به الجنةَ، أبكاهم الخوفُ مِن النارِ، وإنه مَن لا يَتَعَزَّ بعزاءِ اللَّهِ يَقْطَعْ نفسَه على الدنيا حَسَراتٍ، ومَن لم يَرَ للهِ عليه نعمةً إلا في مَطْعَمٍ أو مَشْرَبٍ، فقد قلَّ علمُه، وحضَر عذابُه (^١).\nوقال آخرون: عُنِى به الموتُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7651>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ في قولهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. قال: الموتَ (^٢).\nوقال آخرون: عُنِى به حَزَنُ الخُبْزِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7652>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصٍ - يعني ابنَ حميدٍ - عن شِمْرٍ قال: لما أدْخَل اللهُ أهلَ الجنةِ الجنةَ، قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. قال: حَزَنَ الخُبْزِ (^٣).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٧/ ٤٩٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الهم والحزن (٢٦) من طريق ابن إدريس به.\n(^٣) أخرجه الحسين المروزى في زوائده على ابن المبارك (١٥٧٠) من طريق آخر عن شمر بلفظ: حزن الطعام، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٣ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم والبيهقى في شعب الإيمان.","vol":"19","page":378},{"text":"وقال آخرون: عنَى بذلك الحَزَنَ مِن التعبِ الذي كانوا فيه في الدنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-7653>ذكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. قال: كانوا في الدنيا يعمَلون وينصَبون، وهم في خوفٍ أو يحزنون (^١).\nوقال آخرون: بل عنَى بذلك الحَزَنَ الذي ينالُ الظالمَ لنفْسِه في موقفِ القيامةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7654>ذكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، قال: ذكَر أبو ثابتٍ أن أبا الدرداءِ قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"أمَّا الظَّالِمُ لِنفْسِه، فَيُصيبُه في ذلك المكانِ مِن الغمِّ والحزَنِ، فذلك قولُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ \" (^٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكْرُه أخبَر عن هؤلاء القومِ الذين أكرَمهم بما أكرَمهم به، أنهم قالوا حينَ دخَلوا الجنةَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. وخوفُ دخولِ النارِ مِن الحزَنِ، والجزَعُ مِن الموتِ مِن الحَزَنِ، والجزَعُ مِن الحاجةِ إلى المطْعمِ مِن الحزَنِ، ولم يَخْصُصِ اللَّهُ إِذ أَخبَر عنهم أنهم حمِدوه على إِذْهَابِه الحَزَنَ عنهم، نوعًا (^٣) دونَ نوعٍ، بل أخبَر عنهم أنهم عمُّوا جميعَ أنواعِ الحزَنِ بقولِهم ذلك، وكذلك ذلك؛ لأن مَن دخَل الجنةَ فلا حَزَنَ عليه بعدَ ذلك، فحمْدُهم الله على إِذْهَابِه عنهم جميعَ معاني الحزَنِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٣ إلى عبد بن حميد والمصنف.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣٧٥، مطولًا.\n(^٣) في الأصل، ت ١: \"أن حمدهم ذلك كان منهم على نوع من إذهابه الحزن عنهم\".","vol":"19","page":379},{"text":"وقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. يقولُ تعالى ذكْرُه مخبرًا عن قيلِ هذه الأصنافِ الذين أخبَر أنه اصْطَفاهم مِن عبادِه عندَ دخولِهم الجنةَ: إن ربّنا لغفورٌ لذُنوبِ عبادِه الذين تابوا مِن ذُنوبِهم، فساتِرُها عليهم بعفْوِه لهم عنها، شكورٌ لهم على طاعتِهم إياه، وصالحِ ما قدَّموا في الدنيا مِن الأعمالِ.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7655>ذكْرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. لحسَناتِهم (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصٍ، عن شِمْرٍ: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾: غفَر لهم ما كان مِن ذنبٍ، وشكَر لهم ما كان مِنهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-3695\"></span><span data-type='title' id=toc-7656>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكْرُه مخبرًا عن قيلِ الذين أُدْخِلوا الجنةَ: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾. أي: ربَّنا الذي أنزَلنا هذه الدارَ، يَعْنون الجنةَ، فـ \"دَارُ المقامةِ\" دارُ الإقامةِ التي لا نُقْلَةَ معها عنها ولا تحوُّلَ. والميمُ إذا ضُمَّت من ﴿الْمُقَامَةِ﴾، فهى مِن الإقامةِ، وإذا فُتِحت فهى مِن المَجْلسِ والمكانِ الذي يُقامُ فيه، قال الشاعرُ (^٣):\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وتقدم في ص ٣٦٦.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٢٧٢، ٧١٤٢، ٧١٤٨) من طريق آخر عن شمر بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٣ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم.\n(^٣) تقدم في ص ٢١٩.","vol":"19","page":380},{"text":"يومان يومُ مَقاماتٍ وأنْدِيةٍ … ويومُ سَيْرٍ إلى الأعداءِ تَأْويبِ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7657>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أقاموا فلا يَتَحَوَّلون (^١).\nوقولُه: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾. يقولُ: لا يُصِيبُنا فيها تعبٌ (^٢) ولا وَجَعٌ، ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾. يعنى باللُّغوبِ: العَناءَ والإعْياءَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7658>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا موسى بنُ عميرٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾. قال: [اللَّغوبُ العناء] (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾. أي: وَجَعٌ (^٤).\n\n<span id=\"aya-3696\"></span><span data-type='title' id=toc-7659>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٤،٢٥٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في الأصل: \"نصب\".\n(^٣) في الأصل: \"لغوب العيا\"، والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٤ إلى المصنف.","vol":"19","page":381},{"text":"يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِاللَّهِ ورسولِه، ﴿لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾. يقولُ: لهم نارُ جهنمَ مخلَّدين فيها، لا حظَّ لهم في الجنةِ ولا نعيمِها.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ﴾ بالموتِ فيمُوتوا؛ لأنهم لو ماتوا لاسْتَراحوا، ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾. يقولُ: ولا يُخَفَّفُ عنهم مِن عذابِ نارِ جهنمَ بإماتتِهم، فيُخَفِّفَ ذلك عنهم.\nكما حدَّثني مُطَرْفُ بنُ محمدٍ (^١) الضَّبِّيُّ، قال: ثنا أبو قُتيبةَ، قال: ثنا أبو هلالٍ الراسبيُّ، عن قتادةَ، عن أبي السوداءِ، قال: مساكينُ أهلُ النارِ! لا يموتون، لو ماتوا لاسْتَراحوا.\nحدَّثني عقبةُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ (^٢)، قال: ثنا غَسَّانُ (^٣) بنُ مُضَرَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ يزيدَ، وحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بن يزيدَ، وحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أبو مَسْلَمةَ (^٤)، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أما أهلُ النارِ الذين هم أهلُها، فإنهم لا يَموتون فيها ولا يَحْيَوْن، لكنَّ ناسًا - أو كما قال - تُصِيبُهم النارُ بذنوبِهم - أو قال:\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبد الله\".\n(^٢) جاء في كتاب الأنساب ٥/ ٦٢٩، وتهذيب الكمال ٢٣/ ١٠٨ - ترجمة غسان بن مضر -: \"الهدادى\"، وقد تقدم قبل ذلك في ١/ ٥٩٢ بـ \"البصرى\".\n(^٣) في الأصل: \"عثمان\".\n(^٤) في النسخ: \"سلمة\"، وهذه كنية سعيد بن يزيد، وينظر تهذيب الكمال ١١/ ١١٤.","vol":"19","page":382},{"text":"بخَطاياهم - فتُمِيتُهم (^١) إماتةً، حتى إذا صاروا فَحْمًا أُذِن في الشفاعةِ، فجِيءَ بهم ضَبائرَ ضَبائرَ (^٢)، فبُثُّوا على أنهارِ (^٣) الجنةِ، فيقالُ: يا أهلَ الجنةِ، أفِيضوا عليهم. فيَنْبُتُون كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ (^٤) \". فقال رجلٌ مِن القومِ حينَئذٍ: كأن رسولَ اللهِ ﷺ قد كان بالباديةِ (^٥).\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾، وقد قيل في موضعٍ آخرَ: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]؟ قيل: معنى ذلك: ولا يُخَفَّفُ عنهم من هذا النوعِ مِن العذابِ.\nوقولُه: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي (^٦) كُلَّ كَفُورٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هكذا نُكافِئُ كلَّ جَحودٍ لنعمِ ربِّه يومَ القيامةِ؛ بأن نُدْخِلَه (^٧) نارَ جهنمَ بسيئاتِهم التي قدَّموها في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-3697\"></span>وقولُه: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الكفارُ يَسْتَغِيثون، ويَضِجُّون في النارِ، يقولون: يا ربَّنا، أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالحًا، أي: نعمَلْ (^٨) بطاعتِك غيرَ الذي كنا نعمَلُ\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"فيميتهم\".\n(^٢) الضبائر: هم الجماعات في تفرقة. واحدتها ضُبارة. صحيح مسلم بشرح النووى ٣/ ٣٨.\n(^٣) في م، ت ١: \"أهل\"، وبثوا: فُرِّقوا. المصدر السابق.\n(^٤) الحبة، بكسر الحاء: وهى بزر البقول والعشب تنبت في البراري وجوانب السيول، وجمعها حِبَبٌ، وأما حميل السيل: ما جاء به السيل من طين أو غثاء، ومعناه محمول السيل، والمراد التشبيه في سرعة النبات وحسنه وطراوته. صحيح مسلم بشرح النووى ٣/ ٢٣.\n(^٥) تقدم بسنده ومتنه مختصرًا في ١/ ٥٩٢، فينظر تخريجه هناك.\n(^٦) في ت ١: \"يجزى\"، ويجزى، بضم الياء، قراءة أبي عمرو، وينظر السبعة ص ٥٣٥.\n(^٧) في م، ت ١: \"يدخلهم\". وفى ت ٢: \"تدخلهم\".\n(^٨) في م: \"فعمل\".","vol":"19","page":383},{"text":"قبلُ مِن مَعاصِيك.\nوقولُه: ﴿يَصْطَرِخُونَ﴾: يَفْتَعِلون، مِن الصُّراخِ، حُوِّلَت تاؤُها طاءً؛ لقربِ مخرجِها مِن الصادِ لمَّا ثَقُلَت.\nوقولُه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مبلغِ ذلك؛ فقال بعضُهم: ذلك أربعون سنةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-7660>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ بن خُثَيْم، عن مجاهدٍ، قال: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: العُمُرُ الذي أَعْذَر اللَّهُ إلى ابن آدمَ ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أربعون سنةً (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ (^٢)، عن مجالدٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، أنه كان يقولُ: إذا بلَغ أحدُكم أربعين سنةً، فَلْيَأْخُذُ حِذْرَه مِن اللهِ (^٣).\nوقال آخرون: بل ذلك ستون سنةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-7661>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن خُثَيْمٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٣٩ عن المصنف.\n(^٢) في الأصل: \"هشام\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٣٩ عن هشيم به.","vol":"19","page":384},{"text":"تَذَكَّرَ﴾. قال: ستون سنةً (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عثمانَ بن خُثَيْمٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: العُمُرُ الذي أعْذَر اللَّهُ فيه لابنِ آدمَ ستون سنةً (^٢).\nحدَّثنا عليُّ بنُ شعيبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بن أبي فُدَيْكٍ، عن إبراهيمَ بن الفضلِ، عن ابن (^٣) أبى حسينٍ المكيِّ، عن عطاءِ بن أبي رَباحٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إذا كان يومُ القيامةِ نُودِى: أين أبناءُ الستين؟ \". وهو العمرُ الذي قال اللهُ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (^٤).\nحدَّثني أحمدُ بنُ الفرجِ الحِمْصيُّ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا مُطَرِّفُ بنُ مازنٍ الكِنانيُّ (^٥)، قال: ثنى معمرُ بنُ راشدٍ، قال: سمِعْتُ محمدَ بنَ عبدِ الرحمنِ الغِفاريَّ يقولُ: سمِعْتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ: \"لقد أعْذَر اللهُ إلى\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ٤٧، ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٨، والحاكم ٢/ ٤٢٧، والبيهقى ٣/ ٣٧٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٤ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٣٩ عن ابن إدريس.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٣٩ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٥٣٩ - والطبراني (١١٤١٥)، وفى الأوسط (٩١٣٨)، والرامهرمزى في الأمثال ص ٦٣، والبيهقي ٣/ ٣٧٠، وفي الشعب (١٠٢٥٤) من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فديك به، والطبراني في الأوسط (٧٩٢٥) من طريق إبراهيم بن الفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٤ إلى الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٥) في الأصل: \"الكندى\"، وينظر الجرح والتعديل ٨/ ٣١٤.","vol":"19","page":385},{"text":"صاحبِ الستين سنةً والسبعين\" (^١).\nحدَّثنا أبو صالحٍ الفَزاريُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن عبدٍ (^٢) القارِيُّ الإسْكَنْدَرانيُّ، قال: ثنا أبو حازمٍ، عن سعيدٍ المَقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"مَن عمَّره اللهُ ستين سنةً فقد أعْذَر إليه في العمرِ\" (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنا النضرُ (^٤) بنُ حميدٍ، عن سعدِ (^٥) بن طريفٍ، عن الأصبغِ بن نُباتةَ، عن عليٍّ ﵁ في قولِه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾. قال: العمُرُ الذي عمَّرهم (^٦) اللهُ به ستون سنةً (^٧).\nوأشبهُ القولين بتأويلِ الآيةِ، إذ كان الخبرُ الذي ذكَرْناه عن رسولِ اللهِ ﷺ خبرًا\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٢٧ من طريق مطرف بن مازن به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٤٠ عن المصنف.\n(^٢) في ت ١: \"عبيد\"، وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٣٤٨.\n(^٣) أخرجه أحمد ١٥/ ٢٣٠ (٩٣٩٤) من طريق يعقوب به، وأخرجه البزار - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٥٤٠ - والنسائى في الكبرى - كما في التحفة (١٢٩٥٩) - والرامهرمزي في الأمثال ص ٦٤، والبيهقى ٣/ ٣٧٠، وفي الآداب (١١١٥) من طريق أبي حازم به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٨، وأحمد ١٣/ ١٣٩، ١٤/ ١٤، ١٥/ ١٤٢ (٧٧١٣، ٨٢٦٢، ٩٢٥١)، والبخارى (٦٤١٩)، والبغوى في تفسيره ٦/ ٤٢٥، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٥٤٠ - والحاكم ٢/ ٤٢٧، ٤٢٨، والبيهقى في الشعب (١٠٢٥٢) من طريق سعيد المقبري به. وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٤٠ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٤ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٤) في الأصل: \"محمد\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أسد\". وينظر الجرح والتعديل ٨/ ٤٧٦، وتهذيب الكمال ٢٧٣/ ١٠.\n(^٥) في الأصل: \"سفيان\"، وفى م: \"سعيد\"، وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٢٧١.\n(^٦) في م: \"عمركم\"، وفى تفسير ابن كثير: \"عيرهم\".\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٣٩ عن أصبغ بن نباتة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٤ إلى المصنف.","vol":"19","page":386},{"text":"في إسنادِه بعضُ مَن يَجِبُ التثَبُّتُ في نقلِه (^١) - قولُ مَن قال: ذلك أربعون سنةً؛ لأن في الأربعين يَتَناهى عقلُ الإنسانِ وفهمُه، وما قبلَ ذلك وما بعدَه، مُنْتَقَصٌ عن كمالِه في حالِ الأربعين.\nوقوله: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾.\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى النذيرِ (^٢)؛ فقال بعضُهم: عنَى به محمدًا ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7662>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾. قال: النذيرُ: النبيُّ. وقرَأ: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ (^٣) [النجم: ٥٦].\nوقيل: عنَى به الشيبَ.\nفتأويلُ الكلامِ إذًا: أولم نُعَمِّرُكم يا معشرَ المشركين باللهِ مِن قريشٍ مِن السنين، ما يَتَذَكَّرُ فيه مَن تذَكَّر، مِن ذَوِى الألبابِ والعقولِ، واتَّعَظ منهم مَن اتَّعَظ، وتاب مَن تاب، وجاءكم من اللهِ منذِرٌ يُنْذِرُكم ما أنتم فيه اليومَ مِن عذابِ اللهِ، فلم تَتَذَكَّروا مَواعظَ اللهِ، ولم تَقْبلوا مِن نذيرِ اللهِ الذي جاءكم، ما أتاكم به مِن عندِ ربِّكم.\n_________\n(^١) قال ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٤١ بعد أن ذكر حديث أبى هريرة الماضي بسند المصنف: فقد صح هذا الحديث من هذه الطرق، فلو لم يكن إلا الطريق التي ارتضاها أبو عبد الله البخارى شيخ هذه الصناعة - لكفت، وقول ابن جرير: \"إن في رجاله بعض من يجب التثبت في أمره\"، لا يلتفت إليه مع تصحيح البخاري، والله أعلم.\n(^٢) بعده في الأصل: \"الذي عناه الله في هذا الموضع\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":387},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7663>القولُ في تأويلِ قولهِ ﷿: ﴿فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَذُوقُوا﴾ عذابَ نارِ جهنمَ الذي قد صَلِيتُموه أيُّها الكافرون باللَّهِ، ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾. يقولُ: فما للكافرين الذين ظلَموا أنفسَهم، فأَكْسَبُوها غضبَ اللهِ بكفرِهم باللهِ في الدنيا، من نصيرٍ يَنْصُرُهم اليومَ مِن اللَّهِ فيَسْتنقِذُهم مِن عقابِه.\n\n<span id=\"aya-3698\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله عالمُ ما تُخْفُون أيُّها الناسُ في أنفسِكم وتُضْمِرونه، وما لم تُضْمِروه ولم تَنْوُوه مما ستَنْؤونه، وما هو غائبٌ عن أبصارِكم في السماواتِ والأرضِ، فاتَّقُوه أن يَطَّلِعَ عليكم وأنتم تُضْمِرون في أنفسِكم مِن الشكِّ في وَحْدانيةِ اللهِ، أو في نبوةِ محمدٍ، غيرَ الذي تُبْدونه بألسنتِكم، فإنَّه عَلِيمٌ بذاتِ الصُّدُورِ.\n\n<span id=\"aya-3699\"></span><span data-type='title' id=toc-7664>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: [اللهُ الذي جعَلكم أيُّها الناسُ خَلائِفَ] (^١) في الأرضِ مِن بعدِ عادٍ وثمودَ، ومَن مضَى قبلَكم مِن الأممِ، فجعَلكم تَخْلُفونهم في ديارِهم ومساكنِهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِى\n_________\n(^١) في الأصل: \"الذي خلقكم أيها الناس وجعلكم خلائف\".","vol":"19","page":388},{"text":"جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾: أمةً بعدَ أمةٍ، وقرنًا بعدَ قرنٍ (^١).\nوقولُه: ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فمَن كفَر باللهِ منكم أيُّها الناسُ، فعلى نفسِه ضُرُّ كفرِه، لا يَضُرُّ بذلك غيرَ نفسِه؛ لأنه المُعاقَبُ عليه دونَ غيرِه.\nوقولُه: ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾. يقولُ تعالى: ولا يزيدُ الكافرين كفرُهم عندَ ربِّهم إلا بُعْدًا مِن رحمةِ اللهِ، ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾. يقولُ: ولا يَزِيدُ الكافرين كفرُهم باللهِ إلا هلاكًا.\n\n<span id=\"aya-3700\"></span><span data-type='title' id=toc-7665>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ (^٢) مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لمشركي قومِك: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ (^٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، [أي: تعبدون مِن دونِ اللهِ] (^٤)، ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾. يقولُ: أَرُونى أَيَّ شيءٍ خلَقوا مِن الأرضِ، ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾. يقولُ: أم لشركائِكم شِرْكٌ مع اللهِ في السماواتِ، إن لم يكونوا خَلَقوا مِن الأرضِ شيئًا؟!\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٧ عن معمر عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٤ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) في الأصل: \"بينات\"، وهى قراءة نافع وابن عامر والكسائي وأبى بكر، والمثبت قراءة حفص وابن كثير وأبو عمرو وحمزة. السبعة لابن مجاهد ص ٥٣٥.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"تعبدون\".\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"19","page":389},{"text":"﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ (^١) مِنْهُ﴾. يقولُ: أم آتَيْنا هؤلاء المشركين كتابًا أنْزَلْناه عليهم من السماءِ، بأن يُشْرِكوا باللهِ الأوثانَ والأصنامَ؟! ﴿فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ (^١) مِنْهُ﴾. يقولُ: فهم على برهانٍ مما أمَرْتُهم فيه مِن الإشراكِ بي.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7666>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾: لا شيءَ واللَّهِ خَلقوا منها، ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾: لا واللهِ ما لهم فيها مِن شركٍ، ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾. يقولُ: أم آتَيْناهم كتابًا فهو يَأْمُرُهم أن يُشْرِكوا (^٢).\nوقولُه: ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾. [يقول تعالى ذكرُه: ليس من هذه الخلالِ شيءٌ، ولكنْ ما يعِدُ الكافرون باللهِ بعضُهم بعضًا إلا غرورًا (^٣)، وذلك قولُ بعضِهم لبعضٍ: ما نعْبُدُ الهتنَا إلا لِيُقَرِّبونا إلى اللَّهِ زُلْفَى. خِداعًا مِن بعضِهم لبعضٍ وغُرورًا، وإنما تُزْلِفُهم آلهتُهم إلى النارِ، وتُقْصِيهم مِن اللهِ ورحمتِه.\n\n<span id=\"aya-3701\"></span><span data-type='title' id=toc-7667>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله يُمْسِكُ السماواتِ والأرضَ؛ لئلا تَزُولا مِن أماكنِهما، ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾. يقولُ: ولو زالتا، ﴿إِنْ\n_________\n(^١) في الأصل: \"بينات\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: الأصل، م.","vol":"19","page":390},{"text":"أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾. يقولُ: ما أمْسَكهما أحدٌ سواه.\nووُضِعت \"لَئِن\" في قولِه: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾، في موضعِ \"لو\"؛ لأنهما يُجابان بجوابٍ واحدٍ، فيَتَشابهان في المعنى، ونظيرُ ذلك قولُه: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم: ٥١]. بمعنى: ولو أرْسَلْنا ريحًا. وكما قال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١٤٥]. بمعنى: ولو أتَيْتَ. وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7668>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾: مِن مكانِهما (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، قال: جاء رجلٌ إلى عبدِ اللَّهِ، فقال: مِن أين جئتَ؟ قال: من الشام. قال: مَن لقِيتَ؟ قال: لقِيتُ كعبًا. فقال: ما حدَّثك كعبٌ؟ قال: حدَّثني أن السماواتِ (^٣) تَدورُ على مَنْكِبِ مَلَكٍ. قال: فصدَّقْتَه أو كذَّبْتَه؟ قال: ما صدَّقْتُه ولا كذَّبْتُه. قال: لَودِدْتُ أنك افْتَدَيْتَ مِن رحلتِك إليه براحلتِك ورَحْلِها، كذَب كعبٌ؛ إن الله يقولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) تقدم في ٢/ ٦٦٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) بعده في الأصل: \"والأرض\". وينظر مصدر التخريج.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٤٤ عن المصنف. وقال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح إلى كعب وابن مسعود. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٥ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"19","page":391},{"text":"حدَّثنا [ابن حميدٍ، قال: ثنا] (^١) جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: ذهَب جُنْدَبُ البَجَليُّ إلى كعبِ الأحبارِ، فقدِم عليه، ثم رجَع، فقال له عبدُ اللَّهِ: حدِّثْنا ما حدَّثَك. فقال: حدَّثني أن السماءَ في قُطْبٍ كقُطْبِ الرَّحَى، والقُطْبُ عمودٌ على مَنْكِبِ مَلَكٍ. قال عبدُ اللهِ: لودِدْتُ أنك افْتَدَيْتَ رحلتَك (^٢) بمثلِ راحلتِك. ثم قال: ما سكَنتِ (^٣) اليهوديةُ في قلبِ عبدٍ، فكادَت أن تُفارِقَه. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾، وكفَى بها زوالًا أن تَدورَ (^٤).\nوقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله كان ﴿حَلِيمًا﴾ عمَّن أَشْرَك وكفَر به مِن خلقِه، في تركِه تعجيلَ عذابِه له، ﴿غَفُورًا﴾ لذنوبِ مَن تاب منهم وأناب إلى الإيمانِ به والعملِ بما يُرْضِيه.\n\n<span id=\"aya-3702\"></span><span data-type='title' id=toc-7669>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وأَقْسَم هؤلاء المشركون باللهِ ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾. يقولُ: أشدَّ الأيْمانِ، فبالَغوا فيها، لئن جاءهم مِن اللهِ مُنْذِرٌ يُنذِرُهم بأسَ اللهِ، ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾. يقولُ: ليَكونُنَّ أسلكَ لطريقِ الحقِّ، وأشدَّ قَبولًا لما يَأْتيهم به النذيرُ مِن عندِ اللهِ، مِن إحدى الأممِ التي قد خلَت قبلَهم، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾. يعنى بالنذيرِ محمدًا ﷺ، يقولُ: فلما جاءهم\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في الأصل: \"حينئذٍ\". وينظر الأثر المتقدم.\n(^٣) في م: \"تنتكت\". وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تنتكب\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٥٤٤ عن المصنف.","vol":"19","page":392},{"text":"محمدٌ يُنْذِرُهم عقابَ اللهِ على كفرِهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾. وهو محمدٌ ﷺ (^١).\nوقولُه: ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾. يقولُ: ما زادهم مَجئُ النذيرِ مِن الإيمانِ باللهِ واتِّباعِ الحقِّ وسلوكِ هدى الطريقِ، إلا نفورًا وهربًا.\n\n<span id=\"aya-3703\"></span>وقولُه: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: نفَروا استكبارًا في الأرضِ [وأنفَةً أن يُقرُّوا بنبوَّةِ محمدٍ ﵇ ويَدْعوا باتِّباعِه، ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾. يقولُ: فعَلوا ذلك استكبارًا في الأرضِ (^٢)، وخُدْعةً سيئةً، وذلك أنهم صدُّوا الضعفاءَ عن اتِّباعِه، مع كفرِهم به. والمكرُ هاهنا هو الشركُ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾: وهو الشركُ (١).\nوأُضِيف المكرُ إلى السيئَ، والسيئُ مِن نعتِ المكرِ، كما قيل: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥]. وقيل: إن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وَمَكْرًا سَيِّئًا) (^٣). وفى ذلك تحقيقُ القولِ الذي قلْناه من أن السيئَ في المعنى مِن نعتِ المكرِ.\nوقرَأ ذلك قرأةُ الأمصارِ غيرَ الأعمشِ وحمزةَ [بهمزِ السيئِ وخفضِه. وقرَأه الأعمشُ وحمزةُ بهمزِه (^٤) وتسكينِ الهمزةِ، اعْتِلالًا منهما بأن الحركاتِ لما كثُرَت\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) وهى قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط ٧/ ٣٢٠.\n(^٤) في م: \"بهمزة محركة بالخفض. وقرأ ذلك الأعمش وحمزة بهمزة\". وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بهمز\".","vol":"19","page":393},{"text":"في ذلك ثَقُل، فسكَّنا الهمزةَ (^١)، كما قال الشاعرُ (^٢):\nإذا اعْوَجَجْنَ قلتُ صاحِبْ قَوَّمِ\nفسكَّن الباءَ؛ لكثرةِ الحركاتِ.\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، من تحريكِ الهمزةِ فيه إلى الخفضِ (^٣). وغير جائزٍ في القرآنِ أن يُقْرَأَ بكلِّ ما جاز في العربيةِ؛ لأن القراءةَ إنما هي ما قرَأَت به الأئمةُ الماضيةُ، وجاء به السلفُ على النحوِ الذي أخَذوا عمن قبلَهم.\nوقولُه: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. يقولُ: ولا يَنْزِلُ المكرُ السيئُ إلا بأهلِه، يعني: بالذين يَمْكُرونه. وإنما عنَى أنه لا يحِلُّ مكروهُ ذلك المكرِ الذي مكَره هؤلاء المشركون إلا بهم.\nوقال قتادةُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾: وهو الشركُ (^٤).\nوقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فهل يَنْتَظِرُ هؤلاء المشركون من قومك يا محمدُ إلا سنةَ اللهِ [في الأولين الذين مضَوْا قبلَهم، وذلك إحلالُ اللهِ] (^٥) بهم في عاجلِ الدنيا على كفرهم به، أليمَ العقابِ. يقولُ: فهل يَنْتَظِرُ هؤلاء إلا أن أُحِلَّ بهم من نِقْمتى على شركِهم بي، وتكذيبِهم رسولى، مثلَ الذي أحْلَلْتُ بمَن قبلَهم مِن أشكالِهم مِن الأممِ؟!\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَهَلْ\n_________\n(^١) ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٣٥، ٥٣٦، وإتحاف فضلاء البشر ص ٢٢٣.\n(^٢) البيت لأبي نخيلة السعدى، ينظر الكتاب ٤/ ٢٠٣، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٣٧١، واللسان (ع وم).\n(^٣) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٦ إلى المصنف وعبد بن حميد\n(^٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"19","page":394},{"text":"يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾. أي: عقوبةَ الأولين (^١).\nوقولُه (^٢): ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. يقولُ: فلن تَجِدَ يا محمد لسنةِ اللَّهِ تغييرًا.\nوقولُه: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. يقولُ: ولن تَجِدَ لسنةِ اللهِ في خلقِه تبديلًا (^٣). يقولُ: لن يُغَيِّرَ ذلك ولن يُبَدِّلَه؛ لأنه لا مَرَدَّ لقضائِه.\n\n<span id=\"aya-3704\"></span><span data-type='title' id=toc-7671>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أو لم يَسرْ يا محمدُ هؤلاء المشركون باللهِ، في الأرضِ التي أهْلَكْنا أهلَها بكفرِهم بنا، وتكذيبِهم رسلَنا؛ فإنهم تُجَّارٌ يَسْلُكون طريقَ الشامِ، ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مِن الأممِ التي كانوا بها، ألم نُهْلِكْهم، ونُخْرِبْ مساكنَهم، ونَجْعَلْهم مثلًا لمن بعدَهم، فيتَّعِظوا بهم، ويَنزَجِروا عما هم عليه من عبادة الآلهةِ والشركِ باللهِ، ويَعْلَموا أن الذي فعل بأولئك ما فعَل، وكانوا أشدَّ منهم قوَّةً وبطشًا، لن يَتَعَذَّرَ عليه أن يَفْعَلَ بهم مثلَ الذي فعَل بأولئك، مِن تعجيلِ النِّقْمةِ والعذابِ لهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7670>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ\n_________\n(^١) وتمام الأثر متقدم في الصفحة السابقة.\n(^٢) سقط من: م، ت ١.\n(^٣) في ت ١: \"تحويلا\".","vol":"19","page":395},{"text":"قُوَّةً﴾: يُخْبِرُكم أنه أَعْطَى القومَ ما لم يُعْطِكم.\nوقولُه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ولن يُعْجِزَنا هؤلاء المشركون باللهِ من عَبَدةِ الأوثانِ (^١)، المكذِّبون محمدًا، فيَسْبِقونا هَرَبًا في الأرضِ، إذا نحن أرَدْنا هلاكهم؛ لأن الله لم يَكُنْ لِيُعْجِزَه شيءٌ يُرِيدُه في السماواتِ ولا في الأرضِ، ولن يَقْدِرَ هؤلاء المشركون أن يَنْفُذوا أقطارَ السماواتِ والأرضِ.\nوقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله كان عليمًا بخلقِه، وما هو كائنٌ، ومَن المستحِقُّ منهم تعجيلَ العقوبةِ، ومَن هو عن ضلالتِه منهم راجعٌ، وإلى الهدى آيبٌ، قديرًا (^٢) على الانتقامِ ممن شاء منهم، وتوفيقِ من أراد منهم للإيمانِ.\n\n<span id=\"aya-3705\"></span><span data-type='title' id=toc-7672>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾. يقولُ: ولو يُعاقِبُ اللهُ الناسَ ويُكافِئُهم بما عمِلوا مِن الذنوبِ والمعاصى واجْتَرَحوا من الآثامِ، ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (^٣) يعني: على ظهرِ الأرضِ من دابةٍ تَدِبُّ عليها، ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: ولكن يُؤَخِّرُ عقابَهم ومُؤاخَذْتَهم بما كسَبوا، إلى أجلٍ معلومٍ عنده محدودٍ، لا يَقْصُرون\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"الآلهة\".\n(^٢) في النسخ: \"قدير\".\n(^٣) بعده في الأصل: \"يعنى على ظهر الأرض من دابة\".","vol":"19","page":396},{"text":"دونَه، ولا يُجاوِزونه إذا بلَغوه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7673>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولهَ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. [قال: قد فَعَل ذلك بهم (^١) في زمانِ نوحٍ فأَهلَك ما على ظهرِها من دابَّةٍ] (^٢)، إلا ما حمَل نوحٌ في السفينة (^٣).\nوقولُه: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا جاء أجلُ عقابِهم، فإن الله كان بعبادِه بصيرًا؛ مَن الذي يستحقُّ أن يُعاقَبَ منهم، ومَن الذي يستوجبُ الكرامةَ، ومَن الذي كان منهم في الدنيا له مطيعًا، ومن كان منهم فيها به مشركًا، لا يخفَى عليه أحدٌ منهم، ولا يعزُبُ عليه (^٤) علمُ شيءٍ من أمرِهم.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"فاطر\"\n_________\n(^١) بعده في ت ٢، ت ٣: \"مرة\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٧ عن معمر عن قتادة.\n(^٤) سقط من: ت ٢، ت ٣، وفى م: \"عنه\".","vol":"19","page":397},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-3706\"></span><span data-type='title' id=toc-7674>تفسيرُ سورةِ \"يس\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-7677>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ </span>(٤)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: اخْتلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿يس﴾؛ فقال بعضُهم: هو قسَمٌ أقسَم اللهُ به، وهو من أسماءِ اللهِ ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-7675>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يس﴾. قال: فإنه قسمٌ أَقْسَمه اللهُ، وهو من أسماءِ اللهِ (^١).\nوقال آخرون: معناه: يا رجلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7676>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، قال: ثنا الحسينُ بن واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿يس﴾. قال: يا إنسانُ. بالحَبَشيَّةِ (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن شَرْقيٍّ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ: تفسيرُ ﴿يس﴾: يا إنسانُ (^٣).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١/ ٢٠٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٨ إلى المصنف وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"19","page":398},{"text":"وقال آخرون: هو مِفْتاحُ كلامٍ افْتَتح اللهُ به كلامَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7678>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿يس﴾: مِفتاحُ كلامٍ افْتَتح اللهُ به كلامَه (^١).\nوقال آخرون: بل هو اسمٌ من أسماء القرآن.\n\n<span data-type='title' id=toc-7679>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يس﴾. قال: كلُّ هجاء في القرآن اسمٌ من أسماء القرآن (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وقد بيَّنا القولَ فيما مضَى في نظائرِ ذلك من حروفِ الهجاءِ، بما أغنَى عن إعادتِه وتكريرِه في هذا الموضعِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3707\"></span>وقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾. يقولُ: والقرآن المحكَمِ بما فيه من أحكامِه وبيِّناتِ حُججِه، ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. يقول تعالى ذكرُه مقسمًا بوحيهِ وتنزيلِه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إنك يا محمد لمن المرسلين بوحى اللهِ إلى عبادِه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: قسَمٌ كما تسمَعون،\n\n<span id=\"aya-3708\"></span>﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الثورى في تفسيره ص ٢٤٨ عن ابن أبي نجيح به، وينظر ما تقدم في ١/ ٢٠٥.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٩ عن معمر عن قتادة، وينظر ما تقدم في ١/ ٢٠٤.\n(^٣) تقدم في ١/ ٢٠٤ وما بعدها.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"19","page":399},{"text":"<span id=\"aya-3709\"></span>وقولُه: هو ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: على طريقٍ لا اعوجاجَ فيه من الهُدَى، وهو الإسلامُ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أي: الإسلامِ (^١).\nوفى قولِه: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وجهان؛ أحدُهما أن يكونَ معناه: إنك لمن المرسلين على استقامةٍ من الحقِّ، فيكونَ حينئذٍ ﴿عَلَى﴾ من قولِه: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. من صلةِ الإرسالِ. والآخرُ أن يكون خبرًا مبتدأً، كأنه قيل: إنك لمن المرسلين، إنك على صراطٍ مستقيمٍ.\n\n<span id=\"aya-3710\"></span><span data-type='title' id=toc-7680>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾؛ فقرأته عامة قرأة المدينة والبصرةِ: (تَنزيلُ العزيزِ الرحيمِ) برفعِ \"تنزيل\" (^٢)، والرفعُ في ذلك يتَّجه من وجهين؛ أحدُهما بأن يُجْعَلَ خبرًا؛ فيكونُ معنى الكلامِ حينَئذٍ: إنك (^٣) لمن المرسلين، هذا تنزيلُ العزيزِ الرحيمِ. وقرأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ وبعضُ أهلِ الشامِ: ﴿تَنْزِيلَ﴾ نصبًا على المصدرِ (^٤)، من قولِه: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾؛ لأن الإرسالَ إنما هو عن التنزيلِ، فكأنه قيل: إنك لَمُنَزَّلٌ تنزيلَ العزيزِ الرحيمِ حقًّا.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم في رواية يحيى بن آدم عن أبي بكر. السبعة لابن مجاهد ص ٥٣٩.\n(^٣) في م: \"إنه\".\n(^٤) هي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. المصدر السابق.","vol":"19","page":400},{"text":"والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان في قرأةِ الأمصارِ، متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ.\nومعنى الكلامِ: إنك لمن المرسلين يا محمدُ إرسالَ الربِّ العزيزِ في انتقامِه من أهل الكفرِ به، الرحيمِ بمن تاب إليه (^١)، وأناب من كفرِه وفسوقِه، أن يعاقبَه على سالفِ جُرْمِه بعدَ توبته منه (^٢).\n\n<span id=\"aya-3711\"></span><span data-type='title' id=toc-7683>القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اخْتلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لتُنِذرَ قومًا ما أَنْذَر اللهُ من قبلَهم من آبائِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-7681>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماك، عن عكرمةَ في هذه الآيةِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ قال: قد أُنْذِروا (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: لتنذرَ قومًا [لم يُنْذَرُ] (^٤) آبَاؤُهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-7682>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ\n_________\n(^١) في الأصل: \"وآمن\".\n(^٢) في م: \"له\"، وفي ت ١: \"به\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى المصنف كما في المخطوطة المحمودية ص ٣٥٠.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ما أنذر\".","vol":"19","page":401},{"text":"آبَاؤُهُمْ﴾. قال: قال بعضُهم: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [ما أُنْذِر الناسُ من] (^١) قبلهم. وقال بعضُهم: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾. أي: هذه الأمةُ لم يأتِهم نذيرٌ، حتى جاءهم محمدٌ ﷺ (^٢).\nواخْتَلف أهلُ العربيةِ في معنى ﴿مَا﴾ التي في قولِه: ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾. إذا وُجِّه معنى الكلامِ إلى أن آباءَهم قد كانوا أُنْذِروا، ولم يُرَدُّ بها الجحدُ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معنى ذلك - إذا أُريد به غيرُ الجحدِ -: لتنذرَهم الذي أنْذِر آباؤُهم فَهُم غَافِلُونَ. وقال: ودخولُ الفاء في هذا المعنى لا يجوزُ، واللهُ أعلمُ. قال: وهو على الجحدِ أحسنُ، فيكونُ معنى الكلامِ: إنك لمن المرسلين إلى قومٍ لم يُنْذَرْ آباؤُهم؛ لأنهم كانوا في الفترةِ.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (^٣): إذا لم يُرَدُّ بـ \"ما\" الجحدُ، فإن معنى الكلامِ: لتنذرهم بما أُنْذِر آباؤُهم. فتُلْقَى الباءُ، فتكونُ \"ما\" في موضعِ نصبٍ: [كما قال: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣].\nوقوله] (^٤): ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾. يقولُ: فهم غافلون عما اللهُ فاعلٌ بأعدائِه المشركين به، من إحلالِ نقمتِه وسطوتِه بهم.\n\n<span id=\"aya-3712\"></span>وقولُه: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: لقد وجَب العذاب (^٥) على أكثرِهم؛ بأن (^٦) الله قد حتَم عليهم في أمِّ الكتابِ أنهم لا\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من إنذار الناس\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى المصنف كما في المخطوطة المحمودية ص ٣٥٠.\n(^٣) هو الفراء كما في معاني القرآن ٢/ ٢٧٢.\n(^٤) سقط من: م، ت ١.\n(^٥) في م: \"العقاب\".\n(^٦) في م: \"لأن\".","vol":"19","page":402},{"text":"يُؤْمِنون [فلا يؤمنون] (^١)، باللهِ، ولا يصدِّقون رسولَه.\n\n<span id=\"aya-3713\"></span><span data-type='title' id=toc-7684>القول في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إنا جعَلنا أَيْمانَ هؤلاء الكفارِ مغلولةً إلى أعناقِهم بالأغلالِ، فلا تَنْبسِطُ (^٢) بشيءٍ من الخيراتِ. وهي في قراءةِ عبد اللهِ فيما ذُكِر: (إنا جعَلنا في أيمانِهم أغلالًا فهى إلى الأذقانِ) (^٣).\nوقولُه: ﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾. يعنى: فأيمانهم مجموعةٌ بالأغلال في أعناقِهم، فكنَّى عن الأيمانِ، ولم يجرِ لها ذكرٌ؛ لمعرفةِ السامعين بمعنى الكلامِ، وأن الأغلالَ إذا كانت في الأعناقِ لم تكنْ إلَّا وأَيْمُنُ (^٤) أيدى المغلولين مجموعةٌ بها إليها، فاسْتُغنىَ بذكرِ كونِ الأغلالِ في الأعناقِ من ذكرِ الأيمانِ، كما قال الشاعرُ (^٥):\nوما أَدْرى إذا يمَّمتُ وجهًا … أريدُ الخيرَ أيُّهما يَلِيني\nأَأَلْخيرُ الذي أنا أبْتَغِيهِ … أمِ الشرُّ الذي لا يَأْتليني\nفكنَّى عن الشرِّ، وإنما ذكّر الخيرَ وحدَه؛ لعلم سامعِ ذلك بمعنى قائلِه، إذ كان الشرُّ مع الخيرِ يُذْكَرُ. والأذقانُ: جمعُ ذَقَنٍ، والذَّقَنُ: مجمعُ اللَّحْيَين.\nوقوله: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾. والمُقْمَحُ: هو المُقْنِعُ، وهو أن يَحْدُرَ (^٦) الذقنَ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م، ت ١: \"تبسط\".\n(^٣) وهى قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف. ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٧٣.\n(^٤) سقط من: م، ت ١.\n(^٥) هو المثقب العبدى والبيت في ديوانه، وقد تقدم تخريج البيت الأول في ١٤/ ٣٢٤.\n(^٦) حدر الشيء: أنزله من علو إلى سفل. الوسيط (ح د ر).","vol":"19","page":403},{"text":"حتى يصيرَ في الصدر، ثم يرفَعَ رأسَه، في قولِ بعضِ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ مِن أهل البصرةِ (^١). وفى قولِ بعضِ الكوفيين (^٢): هو الغاضُّ بصرَه بعدَ رفعِ رأسِه وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7685>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾. قال: هو كقولِ اللهِ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]. يعنى بذلك أن أيديَهم مُوثَقةٌ إلى أعناقِهم، لا يستطيعون أن يَبْسُطوها بخيرٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾. قال: رافعو رءوسِهم، وأيديهم موضوعةٌ على أفواهِهم (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾. أي: فهم مغلولون عن كلِّ خيرٍ (^٥).\n_________\n(^١) هو أبو عبيدة كما في مجاز القرآن ٢/ ١٥٧\n(^٢) هو الفراء كما في معاني القرآن ٢/ ٣٧٣\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٤٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٩ إلى ابن أبي حاتم مختصرًا.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٥٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٩ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم، وينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٥٥٠.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٣٩، ١٤٠ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٩ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":404},{"text":"<span id=\"aya-3714\"></span>وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلنا من بين أيدى هؤلاء المشركين سَدًّا، وهو الحاجزُ بين الشيئين؛ إذا فُتح كان من فعلِ بني آدمَ، وإذا كان من فعل اللهِ كان بالضمِّ. وبالضمِّ قرأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين (^١). وقرأه بعضُ المكيين وعامةٌ قرأة الكوفيين بفتحِ السينِ: ﴿سَدًّا﴾ في الحرفين كليهما (^٢). والضمُّ أعجبُ القراءتين إليَّ في ذلك، وإن كانت الأخرى جائزةً صحيحةً.\nوعنى بقولِه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ أنه زُيِّن لهم سوءُ أعمالِهم، فهم يَعْمَهون، ولا يُبْصِرون رَشَدًا، ولا يتبيَّنون (^٣) حقًّا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7686>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾. قال: عن الحقِّ.\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾: عن الحقِّ، فهم يتردَّدون (^٤).\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وأبى بكر عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٥٣٩.\n(^٢) وهي قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. المصدر السابق.\n(^٣) في الأصل، ت ١: \"يثبتون\"، وفى م: \"يتنبهون\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٥٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٩ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم، وينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٥٥٠.","vol":"19","page":405},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾. قال: ضلالاتٍ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنِ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. قال: جعَل هذا السدَّ بينهم وبينَ الإسلامِ والإيمانِ، فهم لا يَخْلُصون إليه. وقرأ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]. وقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية كلها [يونس: ٩٦]. وقال: من منَعه اللهُ لا يستطيعُ (^٢).\nوقوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: فَأَغْشَيْنَا أَبصارَ هؤلاء، أي: جعَلنا عليها غشاوةً، فهم لا يُبْصِرون هُدًى ولا ينتفعون به.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ هُدًى، ولا ينتفعون به (^٣).\nوذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت في أبى جهلِ بن هشامٍ حينَ حلَف أن يقتُلَه، أو يشدَخَ رأسَه بصخرةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7687>ذكرُ الرواية بذلك</span>\nحدَّثني عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبد الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عُمارةُ بنُ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٤٠ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد والمصنف وابن أبي حاتم، كما في المخطوطة المحمودية ص ٣٥٠.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٥٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد والمصنف وابن أبي حاتم، كما في المخطوطة المحمودية ص ٣٥٠.","vol":"19","page":406},{"text":"أبي حفصة، عن عكرمة، قال: قال أبو جهل: لئن رأيتُ محمدًا لأفعَلَنَّ ولأفعلَنَّ. فأُنزلت: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ إلى قولِه: ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. قال: فكانوا يقولون: هذا محمدٌ. فيقولُ: أين هو؟ أين هو؟ [لا يُبْصِرُه] (^١).\nوقد رُوى عن ابن عباسٍ، أنه كان يقرأُ ذلك: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ بالعينِ، بمعنى أَعْشَيناهم عنك، وذلك أن العَشا [بالليل؛ و] (^٢) هو أن يمشىَ بالليلِ ولا يُبْصِرُ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3715\"></span><span data-type='title' id=toc-7688>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وسواءٌ يا محمدُ على هؤلاء الذين حق عليهم القولُ، أيُّ الأمرين كان منك إليهم؛ الإنذار، أو ترك الإنذارِ، فإنهم لا يؤمنون؛ لأن الله قد حكم عليهم بذلك.\n\n<span id=\"aya-3716\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: إنما ينفَعُ إنذارُك يا محمدُ من آمن بالقرآنِ، واتَّبع ما فيه من أحكامِ اللَّهِ، ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾. يقولُ: وخاف الله حينَ يغيبُ عن أبصارِ الناظرين، لا المنافقَ الذي يستخفُّ بدينِ اللهِ إذا خلا، ويُظهرُ الإيمان في الملَا، ولا المشركَ الذي قد طبَع اللهُ على قلبِه.\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١: (أو لا يبصر). ولعل الصواب: (أي لا يبصر). والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٨ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، وفي ت ٢: \"و\".\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ١٠، وابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٥٠.","vol":"19","page":407},{"text":"وقوله: ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾. يقولُ: فبشِّرْ يا محمدُ هذا الذي اتَّبع الذكرَ وخشِيَ الرحمنَ بالغيبِ بمغفرةٍ من اللهِ لذنوبِه، ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾. يقولُ: وثوابٍ منه له في الآخرةِ كريمٍ، وذلك أن يعطيه على عمله ذلك الجنةَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك (^١) قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7689>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾: اتباعُ الذكرِ اتباعُ القرآنِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3717\"></span><span data-type='title' id=toc-7691>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ من خلقِنا، وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ في الدنيا من خيرٍ وشرٍّ، وصالح الأعمال وسيئها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلٌ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7690>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ [من عملٍ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:] (^٤)\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"قوله من اتبع الذكر\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ١١ عن قتادة.\n(^٤) سقط من: الأصل، ت ١.","vol":"19","page":408},{"text":"[﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾] (^١). قال: ما عمِلوا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَا قَدَّمُوا﴾. قال: أعمالَهم (^٣).\nوقولُه: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾. يعنى: وآثارَ خُطاهم بأرجلهم. وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت في قومٍ أرادوا أن يقرَبوا من مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، ليقرَبَ عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-7692>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَميُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيريُّ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت منازلُ الأنصارِ متباعدةً من المسجدِ، فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجدِ، فنزَلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. فقالوا: نثبتُ مكانَنا (^٤).\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت الأنصارُ بعيدةً منازلهم من المسجدِ، فأرادوا أن ينتقلوا. قال: فنزَلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فثبتوا (^٥).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا الجُريريُّ،\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ت ١.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ١١ عن ابن زيد.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٥٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٥٣ عن المصنف.\n(^٥) أخرجه ابن ماجه (٧٨٥) عن وكيع به، وأخرجه الطبراني (١٢٣١٠) من طريق إسرائيل عن سماك عن سعيد، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٠ إلى الفريابي وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.","vol":"19","page":409},{"text":"عن أبي نَضْرةَ، عن جابرٍ، قال: أراد بنو سلِمةَ قربَ المسجدِ. قال: فقال لهم رسولُ اللهِ ﷺ: \"يا بني سلِمةَ، ديارَكم، فإنها (^١) تُكْتَبُ آثارُكم\" (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا معتمرٌ، قال: سمِعتُ كَهْمسًا يحدِّثُ، عن أبي نَضْرةَ، عن جابرٍ، قال: أراد بنو سلِمةَ أن يتحوّلوا إلى قربِ المسجدِ. قال: والبقاعُ خاليةٌ، فبلَغ ذلك النبيَّ ﷺ، فقال: \"يا بني سلِمةَ، ديارَكم، فإنها (١) تُكتب آثارُكم\". قال: فأقاموا وقالوا: ما يَسرُّنا أنَّا كنا تحوَّلنا (^٣).\nحدَّثنا سليمان بن عمر بن خالد الرَّقي، قال: ثنا ابن المبارك، عن سفيانَ، عن طريفٍ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: شكَت بنو سلِمةً بُعدَ منازلِهم إلى النبيِّ ﷺ، فنزَلت: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. فقال: \"عَلَيْكم منازلَكم تُكتَبْ آثارُكم\" (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، قال: ثنا الحسينُ، عن ثابتٍ، قال: مشيتُ مع أنسِ بن مالكٍ، فأسرَعتُ المشىَ، فأخَذ بيدى، فمشَينا رُويدًا، فلما قضَينا الصلاةَ قال أنسٌ: مشيتُ مع زيدِ بن ثابتٍ، فأَسْرعتُ المشيَ، فقال: يا\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"إنها\".\n(^٢) أخرجه أحمد ٢٣/ ٢٤١ (١٤٩٩٢)، وأبو عوانة ١/ ٣٨٧، والبيهقى في الشعب (٢٨٨٨) من طريق عبد الصمد به، ومسلم (٦٦٥/ ٢٨٠)، والبيهقى في الشعب (٢٨٨٩) كلاهما من طريق عبد الصمد عن أبيه عن الجريري به، وأخرجه ابن حبان (٢٠٤٢) عن الجريرى به.\n(^٣) أخرجه البيهقى ٣/ ٦٤ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه مسلم (٦٦٥/ ٢٨١)، وأبو عوانة ١/ ٣٨٨، والطبراني في الأوسط (٤٣٧٩) كلهم من طريق معتمر به، وابن خزيمة (٤٥١) من طريق أبي نضرة به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٩٨٢)، والترمذى (٣٢٢٦)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٥٥٢، والواحدى في أسباب النزول ص ٢٧٤، والحاكم ٢/ ٤٢٨، والبيهقي في الشعب (٢٨٩٠) من طريق سفيان الثورى به، والبزار - كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٥٥٣ - من طريق أبي نضرة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٠ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"19","page":410},{"text":"أنسُ، أما شعَرتَ أن الآثارَ تُكتَبُ؟ [أما شعَرتَ أن الآثارَ تُكْتبُ] (^١)؟\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن يونسَ، عن الحسنِ، أن بني سلِمةَ كانت دُورُهم قاصيةً عن المسجدِ، فهمُّوا أن يتحوّلوا قربَ المسجدِ، فيشهَدوا الصلاةَ مع النبيِّ ﷺ، فقال لهم النبيُّ ﷺ: \"ألا تحتسِبون آثارَكم يا بني سلِمةَ؟ \". فمكثوا في ديارهم (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن محمدِ عبد الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. قال: خُطاهم بأرجلِهم.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾. قال: خُطاهم (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾. قال: قال الحسنُ [وقتادة] (^٤): ﴿وَآثَارَهُمْ﴾: خُطاهم (^٥). وقال قتادةُ: لو كان مُغْفِلًا شيئًا من شأنِك يا بنَ آدمَ، أَغْفَل ما تُعَفِّى الرياحُ من هذه الآثارِ (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١. والأثر ذكره ابن كثير ٦/ ٥٥٣ عن المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٠٧ عن ابن علية به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٥٩، وأخرجه عبد بن حميد في تفسيره - كما في التغليق ٢/ ٢٧٨ - من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٠ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: م، ت ١.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٥٢.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٥٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":411},{"text":"وقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكلَّ شيءٍ كان أو هو كائنٌ أَحْصيناه فأَثْبتناه في أمِّ الكتابِ، وهو الإمامُ المبينُ. وقيل: ﴿مُبِينٍ﴾؛ لأنه يُبِينُ عن حقيقةِ جميعِ ما أُثْبِت فيه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7693>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُّ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهد: ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. قال: في أمِّ الكتابِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾: كلُّ شيءٍ مُحْصى عندَ اللهِ في كتابٍ (^٢)\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. قال: أمُّ الكتابِ الذي (^٣) عند الله فيه (^٤) الأشياءُ كلُّها، هو (^٥) الإمامُ المبينُ (^٦).\n\n<span id=\"aya-3718\"></span><span data-type='title' id=toc-7694>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ</span>\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ٢٤٨ عن ليث عن مجاهد، وأخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (١٥٢) من طريق سفيان عن مجاهد، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٥٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٠، ٢٦١ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٥٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م، ت ١: \"التي\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢: \"فيها\".\n(^٥) في م: \"هي\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٥٣.","vol":"19","page":412},{"text":"مُرْسَلُونَ (١٤)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ومثِّلْ يا محمدُ لمشركي قومك مثلًا أصحاب القرية. ذكر أنها أنطاكية (^١)، ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾، اخْتَلف أهلُ العلمِ في هؤلاء الرسلِ، وفيمن كان أَرْسَلهم إلى أصحابِ القريةِ؛ فقال بعضُهم: كانوا رسلَ عيسى ابن مريمَ، وعيسى الذي كان أَرْسَلهم إليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-7695>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾. قال: ذُكِر لنا أن عيسى ابنَ مريمَ بعَث رجلين من الحواريِّين إلى أنطاكيةَ، مدينةٌ بالرومِ، فكذَّبوهما، فأعزَّهما بثالثٍ، ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ الآية) (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، قال: ثنى السُّديِّ، عن عكرمةَ: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾. قال: أنطاكيةَ (^٣).\nوقال آخرون: بل كانوا رسلًا من عندِ اللَّهِ أَرْسَلهم اللهُ إليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-7696>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، فيما بلَغه،\n_________\n(^١) أنطاكية: مدينة من الثغور الشامية معروفة. معجم ما استعجم للبكرى ١/ ٢٠٠.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ١٩، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٤٠، ١٤١ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره /٦/ ٥٥٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"19","page":413},{"text":"عن ابن عباسٍ، وعن كعبِ الأحبارِ، وعن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: كان بمدينةِ أنطاكيَّة، فرعونُ من الفراعنةِ، يقال له: أبطيحسُ (^١) بنُ أبطيحسَ [بن أبطيحسَ] (^٢). يعبُدُ الأصنامَ، صاحبُ شركٍ، فبعَث اللهُ المرسلين، ثلاثةٌ؛ صادقٌ، و[صدوقٌ، وشلومٌ] (^٣)، فقدَّم الله إليه وإلى أهلِ مدينته منهم اثنين، فكذبوهما، ثم عزَّز اللهُ بثالثٍ، فلما دعتْه الرسلُ، ونادتْه بأمرِ اللهِ، وصدَعت بالذي أُمِرت به، وعابَت دينَه، وما هم عليه، قال لهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٤).\n\n<span id=\"aya-3719\"></span>وقوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: حينَ أَرْسَلنا إليهم اثنين يدعوانِهم إلى اللهِ، فكذَّبوهما فشدَّدناهما بثالثٍ، وقوَّيناهما به.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7697>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾. قال: شدَّدنا (^٥).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبسةً، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ،\n_________\n(^١) في ت ١: \"أنطبخس\"، وفى التاريخ، وتفسير ابن كثير: \"أنطيخس\". والمثبت موافق لما في عرائس المجالس ص ٣٦٣.\n(^٢) سقط من: م، ت ١.\n(^٣) في م، ت:١: \"مصدوق، وسلوم\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ١٨، ١٩.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٥٥٩ ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٢٩١.","vol":"19","page":414},{"text":"عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾. قال: زِدْنا.\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾. قال: جعَلناهم ثلاثةً. قال: ذلك التعزُّزُ. قال: والتعزُّزُ: القوةُ.\nوقولُه: ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾. يقولُ: فقال المرسلون الثلاثةُ لأصحابِ القريةِ: إنا إليكم أيُّها القومُ مرسلون، بأن تُخْلِصوا العبادةَ للهِ وحدَه لا شريكَ له، وتتبرَّءوا مما تعبُدون من الآلهةِ والأصنامِ.\nوبالتشديدِ في قولِه: ﴿فَعَزَّزْنَا﴾. قرأت القرأةُ سوى عاصمٍ، فإنه قرأه بالتخفيفِ (^١)، والقراءة عندنا بالتشديدِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، وأن معناه إذا شُدِّد: فقوَّينا، وإذا خُفِّف: فغلَبنا، وليس لـ \"غلَبنا\" في هذا الموضعِ كثيرُ معنًى.\n\n<span id=\"aya-3720\"></span><span data-type='title' id=toc-7698>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرهُ: قال أصحابُ القريةِ للثلاثةِ الذين أُرْسِلوا إليهم، حينَ أَخْبَروهم أنهم أُرْسلوا إليهم بما أُرْسِلوا به: ما أنتم أيُّها القومُ إلا ناسٌ مثلُنا، ولو كنتم رسلًا، كما تقولون، لكنتم ملائكة، ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: قالوا: وما أَنْزَل الرحمنُ إليكم من رسالةٍ ولا كتابٍ، ولا\n_________\n(^١) قرأ بالتشديد ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم، وقرأ بالتخفيف أبو بكر والمفضل عن عاصم. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٣٩.","vol":"19","page":415},{"text":"أمَركم فينا بشيءٍ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾. [يقولُ: ما أنتم في شيءٍ إلا أنكم تكذِبون] (^١) في قِيلِكم أنكم إلينا مرسلون،\n\n<span id=\"aya-3721\"></span>﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾. يقولُ: قال الرسلُ: ربُّنا يعلَمُ إنا إليكم لمرسلون فيما دَعَوْناكم إليه، وإنا لصادقون،\n\n<span id=\"aya-3722\"></span>﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ: وما علينا إلا أن نبلِّغكم رسالةَ اللَّهِ التي أَرْسَلنا بها إليكم، بلاغًا يبين لكم أنا أَبْلَغنا كموها، فإن قبِلتموها فحظَّ أنفسِكم تُصيبون، وإن لم تقبَلوها فقد أدَّينا ما علينا، واللهُ وليُّ الحكمِ فيه.\n\n<span id=\"aya-3723\"></span><span data-type='title' id=toc-7700>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قال أصحابُ القريةِ للرسلِ: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾: يعنون: إنا تشاءَمنا بكم، فإن أصابَنا بلاءٌ فمن أجلِكم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾: قالوا: إن أصابَنا شر، فإنما هو من أجلِكم (^٢).\nوقولُه: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾. يقولُ: لئن لم تنتهوا عما ذكَرتم من أنكم أُرْسِلتم إلينا بالبراءةِ من آلهتِنا والنهيِ عن عبادتِنا، ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾. قيل: عنى بذلك لنَرْجُمَنَّكم بالحجارةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7699>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٤١، عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":416},{"text":"لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾: بالحجارةِ (^١).\n﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: ولينالَنَّكم منا عذابٌ مُوجِعٌ.\n\n<span id=\"aya-3724\"></span><span data-type='title' id=toc-7702>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قالت الرسلُ لأصحابِ القريةِ: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾. يقولون: أعمالُكم وأرزاقُكم وحظُّكم من الخيرِ والشرِّ معكم، ذلك كلُّه في أعناقِكم، وما ذلك من شؤمِنا؛ إن أصابكم سوءٌ فيما كُتِب عليكم، وسبَق لكم من اللهِ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7701>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾: أي: أعمالُكم معكم (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، فيما بلَغه، عن ابن عباس، وعن كعبٍ، وعن وهبِ بن مُنَبِّهٍ: قالت لهم الرسلُ: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: أعمالُكم معكم (^٢).\nوقولُه: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾. اختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٤١٣، ٤١٤.","vol":"19","page":417},{"text":"الأمصارِ: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾. بكسرِ الألفِ من \"إن\" وفتحِ ألفِ الاستفهامِ (^١)، بمعنى: إنْ ذكَّرناكم فمعكم طائرُكم، ثم أُدْخِل على \"إِنْ\" التي هي حرفُ جزاءٍ أَلفُ استفهامٍ، في قول بعضِ نحويِّى البصرةِ، وفى قولِ بعضِ الكوفيين منويٌّ به التكريرُ، كأنه قيل: قالوا طائرُكم معكم إن ذُكِّرتم فمعكم طائرُكم. فحُذِف الجوابُ اكتفاءً بدلالةِ الكلامِ عليه.\nوإنما أَنْكَر قائلُ هذا القولِ القولَ الأولَ؛ لأن ألفَ الاستفهامِ قد حالت بينَ الجزاءِ وبينَ الشرطِ، فلا تكونُ شرطًا لما قبلَ حرفِ الاستفهامِ.\nوذُكِر عن أبي رَزِينٍ أنه قرَأ ذلك: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾. بمعنى: أَلِأَن ذُكِّرتم، طائرُكم معكم (^٢)؟\nوذُكِر عن بعض قارئِيه أنه قرأه: (قالوا طائرُكم مَعَكُمْ أَيْنَ ذُكِرْتُمْ). بمعنى: حيثُ ذُكِرْتُم، بتخفيفِ الكافِ مِن ﴿ذُكِّرْتُمْ﴾ (^٣):\nوالقراءةُ التي لا نجيزُ القراءةَ بغيرِها القراءةُ التي عليها قرأَةُ الأمصارِ، وهى دخولُ ألفِ الاستفهامِ على حرفِ الجزاءِ، وتشديدِ الكافِ، على المعنى الذي ذكرناه عن قارئيه كذلك؛ لإجماعِ الحجة من القرأةِ عليه\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7703>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾:\n_________\n(^١) قرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائى بهمزتين، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بهمزة بعدها ياء أي بتسهيل الهمزة الثانية. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٤٠.\n(^٢) ذكر هذه القراءة الفراء في معاني القرآن ٢/ ٣٧٤، وهي قراءة شاذة.\n(^٣) ذكرت هذه القراءة عن أبي جعفر والحسن وقتادة وعيسى الهمداني، وهى قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط ٧/ ٣٢٧.","vol":"19","page":418},{"text":"أي: إن ذكَّرناكم الله تطيَّرتم بنا؟! ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (^١).\nوقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. يقولُ: قالوا لهم: ما بكم التطيُّرُ بنا، ولكنكم قومٌ أهلُ معاصٍ للَّهِ وآثامٍ، قد غلَبت عليكم الذنوبُ والآثامُ.\n\n<span id=\"aya-3725\"></span>وقولُه: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾. يقولُ: وجاء من أقصى مدينةِ هؤلاء القومِ الذين أَرْسَلتُ إليهم هذه الرسلَ، رجلٌ يسعى إليهم، وذلك أن أهلَ مدينتِه هذه عزَموا واجْتَمعت آراؤُهم على قتلِ هؤلاء الرسلِ الثلاثةِ، فيما ذُكِر، فبلَغ ذلك هذا الرجلَ، وكان منزلُه أقصى المدينةِ، وكان مؤمنًا، وكان اسمُه، فيما ذُكِر، حبيبَ بنَ مُرَى.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاءت الأخبارُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7704>ذكرُ الأخبار الواردةِ بذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن أبي مِجْلَزٍ، قال: كان اسمُ صاحبِ \"يس\" حبيبَ بنَ مُرَى (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: كان من حديثِ صاحبِ \"يس\" فيما حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، فيما بلَغه، عن ابن عباسٍ، وعن كعبِ الأحبارِ، وعن وهبِ بن منبهٍ اليمانيِّ، أنه كان رجلًا من أهلِ أنطاكيَةَ، وكان اسمُه حبيبًا، وكان يعملُ الجَريرَ (^٣)، وكان رجلًا سقيمًا قد أَسْرَع فيه الجُذامُ، وكان منزلُه\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤١٦.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٢١، وأخرجه سفيان الثورى في تفسيره - كما في فتح البارى ٦/ ٤٦٧ - عن عاصم به.\n(^٣) في ت ١، والتاريخ: \"الحرير\". والجرير: الحبال. ينظر التاج: (ج ر ر).","vol":"19","page":419},{"text":"عندَ بابٍ من أبوابِ المدينةِ قاصيًا، وكان مؤمنًا ذا صدَقةٍ، يجمَعُ كسبَه إذا أَمْسَى، فيما يذكرون، فيقسِمُه نصفين، فيُطعِمُ نصفًا عيالَه، ويتصدَّقُ بنصفٍ، فلم يُهِمَّه سقمُه ولا عملُه ولا ضعفُه عن عملِ ربِّه، قال: فلما أَجْمَع قومُه على قتلِ الرسلِ، بلَغ ذلك حبيبًا وهو على بابِ المدينةِ الأقصى، فجاء يسعى إليهم يذكِّرُهم باللهِ، ويدعوهم إلى اتباعِ المرسلين، فقال: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن عبد الرحمنِ بن معمرِ (^٢) بن حزمٍ، أنه حدَّث عن كعبِ الأحبارِ، قال: ذُكِر له حبيبُ بن زيدِ بن عاصمٍ، أخو بنى مازنِ بن النجَّارِ، الذي كان مُسَيْلِمةُ الكذَّابُ قطَّعه باليمامةِ حين جعَل يسألُه عن رسولِ اللهِ ﷺ، فجعَل يقولُ: أتَشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ؟ فيقولُ: نعم. ثم يقولُ: أتشهدُ أني رسولُ اللهِ؟ فيقولُ له: لا أسمعُ. فيقولُ مسيلِمةُ: أتسمَعُ هذا، ولا تسمَعُ هذا؟ فيقولُ: نعم. فجعَل يقطِّعُه عضوًا عضوًا، كلَّما سأَله لم يزدْه على ذلك حتى مات في يديه. قال كعبٌ حينَ قيل له: اسمُه حبيبٌ: وكان واللهِ صاحبُ (يس) اسمُه حبيبٌ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الحسنِ بن عُمارةَ، عن الحكمِ بن عُتيبةَ، عن مِقْسمٍ أبي القاسمِ، مولى عبدِ اللهِ بن الحارثِ بن نوفلِ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عباسٍ، أنه كان يقولُ: كان اسمُ صاحبِ \"يس\" حبيبًا، وكان الجُذامُ قد أَسْرَع فيه (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص ٤١٣، ٤١٤.\n(^٢) بعده في الأصل، م: \"بن عمرو\"، وبعده في ت:١: \"عن عمرو\". والمثبت من تفسير ابن كثير. وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٢١٧.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٥٨ عن ابن إسحاق به، كما ذكره الحافظ في الفتح ٦/ ٤٦٧ عن عبد الله بن عبد الرحمن أبى طوالة به.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٢١.","vol":"19","page":420},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾. قال: ذُكِر لنا أن اسمَه حبيبٌ، وكان في غارٍ يعبُدُ ربَّه، فلما سمِع بهم أَقْبَل إليهم (^١).\nوقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال الرجلُ الذي جاء من أقصى المدينة لقومِه: يا قومِ، اتَّبِعوا المرسلين الذين أَرْسَلهم اللهُ إليكم، واقْبَلوا منهم ما أَتَوْكم به.\n\n<span id=\"aya-3726\"></span>وذُكر أنه لما أتى الرسلَ سألهم: هل يطلُبون على ما جاءوا به أجرًا؟ فقالت الرسلُ: لا. فقال لقومِه حينَئذٍ: ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ﴾ على نصيحتِهم لكم ﴿أَجْرًا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-7705>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: لما انتهى إليهم، يعنى إلى الرسلِ، قال: هل تسألون على هذا من أجر؟ قالوا: لا. فقال عندَ ذلك: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، فيما بلَغه، عن ابن عباسٍ، وعن كعبِ الأحبارِ، وعن وهبِ بن منبِّهٍ: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾: أي: لا يسألونكم أموالَكم على ما جاءوكم به من الهُدَى، وهم لكم ناصحون، فاتَّبِعوهم تهتدوا بهُداهم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٤١ عن معمر عن قتادة.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٢٠، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٤١ عن معمر عن قتادة مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٢٠، وتقدم أوله ص ٤١٣، ٤١٤.","vol":"19","page":421},{"text":"وقولُه: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. يقولُ: وهم على إستقامةٍ من طريقِ الحقِّ، فاهْتَدوا أيُّها القومُ بهداهم.\n\n<span id=\"aya-3727\"></span><span data-type='title' id=toc-7706>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ هذا الرجلِ المؤمنِ: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾. أي: وأيُّ شيءٍ لى لا أعبُدُ الربَّ الذي خلَقني؟ ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: وإليه تصيرون أنتم أيُّها القومُ، وتُردُّون جميعًا. وهذا حينَ أَبْدَى لقومِه إيمانَه باللَّهِ وتوحيدَه.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، فيما بلَغه، عن ابن عباسٍ، وعن كعبِ الأحبارِ، وعن وهبِ بن منبهٍ قال: ناداهم، يعني نادي قومَه، بخلافِ ما هم عليه من عبادةِ الأصنامِ، وأَظْهر لهم دينَه وعبادةَ ربِّه، وأَخْبَرهم أنه لا يملِكُ نفعَه ولا ضرَّه غيرُه، فقال: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾. ثم عابَها، فقال: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ (^١) لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3728\"></span>وقولُه: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾. يقولُ: أأعبُدُ من دونِ اللَّهِ آلهةً، يعنى: معبودًا سواه، ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ شَيْئًا﴾. يقولُ: إن مسَّنىَ الرحمنُ بضرٍّ وشدَّةٍ ﴿لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ﴾. يقولُ: لا تغن عنى شيئًا بكونِها لى شفعاءَ،\n_________\n(^١) بعده في م: \"وشدة\".\n(^٢) تتمة الأثر السابق.","vol":"19","page":422},{"text":"ولا تقدر على دفع ذلك الضر عنى، وَلَا يُنقِذُونِ؟. يقولُ: ولا يخلصونى من ذلك الضرِّ إذا مسَّنى.\n\n<span id=\"aya-3729\"></span>وقولُه: ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقول: إنى إذا اتخذتُ من دونِ اللَّهِ آلهةً هذه صفتُها، إذن لفي ضلال مبين، لمن تأمَّله، جورُه عن سبيلِ الحقِّ.\n\n<span id=\"aya-3730\"></span>وقولُه: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾. اخْتُلِف في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: قال هذا القولَ هذا المؤمنُ لقومِه، يُعْلِمُهم إيمانَه باللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7707>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، فيما بلَغه، عن ابن عباسٍ، وعن كعبٍ، وعن وهبِ بن منبِّهٍ: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾: إنى آمنت بربِّكم الذي كفَرتم به، فاسمَعوا قولى (^١).\nوقال آخرون: بل خاطَب بذلك الرسلَ وقال لهم: اسْمَعوا قولى، لتشهَدوا لى بما أقولُ لكم عندَ ربي، وأنى قد آمنتُ بكم واتبعتُكم. فَذُكِر أنه لما قال هذا القولَ، ونصَح لقومِه النصيحةَ التي ذكَرها اللهُ في كتابِه، وثَبوا عليه فقتَلوه.\nثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في صفةِ قتلِهم إياه؛ فقال بعضُهم: رجَموه بالحجارةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7708>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: هذا رجلٌ دعا قومَه إلى اللَّهِ، وأَبْدَى لهم النصيحةَ، فقتَلوه على ذلك. وذُكِر لنا أنهم كانوا يرجُمونه بالحجارةِ، وهو يقولُ: اللهمَّ اهدِ قومى،\n_________\n(^١) تتمة الأثر المتقدم في ص ٤٢١.","vol":"19","page":423},{"text":"اللهمَّ اهدِ قومى، اللهمَّ اهدِ قومى. حتى أَقْعَصوه (^١) كذلك (^٢).\nوقال آخرون: بل وثَبوا عليه، فوطِئوه بأقدامِهم حتى مات.\n\n<span data-type='title' id=toc-7709>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، فيما بلَغه، عن ابن عباسٍ، وعن كعبٍ، وعن وهبِ بن منبهٍ، قال: [لما قال] (^٣) لهم: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ إلى قولِه: ﴿فَاسْمَعُونِ﴾. وثَبوا عليه (^٤) وثبةَ رجلٍ واحدٍ، فقتَلوه واستضعفوه، لضعفه وسقمِه، ولم يكنْ أحدٌ يدفَعُ عنه (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ كان يقولُ: وطِئوه بأرجلِهم حتى خرَج قُصْبُه (^٦) من دُبِرِه (^٧).\n\n<span id=\"aya-3731\"></span><span data-type='title' id=toc-7710>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ له إذ قتَلوه كذلك فلقِيه: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾. فلما دخلها وعاين ما أَكْرمه اللهُ به لإيمانِه وصبرِه فيه،\n\n<span id=\"aya-3732\"></span>قال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾. يقولُ: يا ليتهم يعلَمون أن السببَ الذي\n_________\n(^١) ضربه فأقعصه: أي قتله مكانه. اللسان (ق ع ص).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٤١ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) تتمة الأثر المتقدم في ص ٤٢١.\n(^٦) القصب: الأمعاء.\n(^٧) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٢٠.","vol":"19","page":424},{"text":"من أجلِه غفَر لي ربي ذنوبي، وجعَلنى من الذين أَكْرَمهم اللهٌ [بإدخالهم إياهم] (^١) جنتَه، كان إيماني باللهِ وصبرى فيه حتى قُتِلت، فيؤمنوا باللهِ ويَسْتَوجِبوا الجنةَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7711>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، عن بعضِ أصحابهِ، أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ كان يقولُ: قال اللهُ له: ادخلِ الجنةَ. فدخَلها حيًّا يُرْزَقُ فيها، قد أَذْهَب اللهُ عنه سقمَ الدنيا وحزنَها ونصبَها، فلما أَفْضَى إلى رحمةِ اللهِ وجنتِه وكرامتِه قال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾. فلما دخَلها ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾. قال: فلا تَلْقى المؤمنَ إلا ناصحًا، ولا تَلْقاه غاشًّا، فلما عايَن ما عايَن من كرامةِ اللهِ قال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾. تمنَّى على اللهِ أن يعلَمَ قومُه ما عايَن من كرامةِ اللهِ، وما هجَم عليه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾. قال: قيل: قد وجَبت له الجنةُ. قال ذاك حينَ رأى الثوابَ (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"بإدخاله إياه\".\n(^٢) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة\n(^٣) ذكره ابن كثير في البداية ٢/ ١٤. وفي التفسير ٦/ ٥٥٧.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٥٩، ٥٦٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":425},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾. قال: وجَبت لك الجنةُ (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾. قال: وجَبت له الجنةُ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن أبي مِجْلَزٍ في قولِه: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾. قال: إيماني بربِّي، وتصديقى رسلَه (^٢).\n\n<span id=\"aya-3733\"></span><span data-type='title' id=toc-7713>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وما أنزَلنا على قومِ هذا المؤمنِ الذي قتَله قومُه لدعائِه إيَّاهم إلى اللهِ، ونصيحتِه لهم، ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾. يعنى: مِن بعدِ مَهْلِكه، ﴿مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾.\nواختَلف أهلُ التأويلِ في معنى الجندِ الذي أخبَر اللهُ أنه لم يُنْزِلْ إلى قومِ هذا المؤمنِ بعدَ قَتْلِهموه؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك أنه لم يُنْزِلِ اللهُ بعد ذلك إليهم رسالةً، ولا بَعَث إليهم نبيًّا.\n\n<span data-type='title' id=toc-7712>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ٢٤٩.\n(^٢) تفسير الثورى ص ٢٤٩، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٥٧ عن سفيان به.","vol":"19","page":426},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال: رسالةٍ (^١).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3734\"></span>قال: فلا واللهِ ما عاتَب اللهُ قومَه بعدَ قتلِه، ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ (^٢).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك أن الله تعالى ذكرُه لم يَبْعَثُ لهم جنودًا يُقاتِلُهم بها، ولكنه أهلَكهم بصيحةٍ واحدةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7714>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ، قال: غضِب اللهُ له - يعني لهذا المؤمن - لاستضعافِهم إيَّاه، غَضْبَةً لم يُبْقِ (^٣) مِن القوم شيئًا، [فعَجَّل لهم النِّقْمَةَ] (^٤) بما اسْتَحَلُّوا منه، وقال: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾. يقول: ما كابَدْناهم (^٥) بالجُموعِ. أي: الأمرُ أيْسَرُ علينا من ذلك، ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾، فأَهْلَك اللهُ ذلك الملكَ وأهلَ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٦٠.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٤١ عن معمر عن قتادةَ بنحوه.\n(^٣) في م: \"تبق\".\n(^٤) في الأصل: \"فعجل الله النقمة له\"، والمثبت موافق لمصدر التخريج.\n(^٥) في م: \"كاثرناهم\"، وفي ت ١، ت ٢: \"قايدناهم\".","vol":"19","page":427},{"text":"أَنْطَاكِيَةَ، فبادُوا عن وجهِ الأرضِ، فلم تَبْقَ (^١) منهم باقيةٌ (^٢).\nوهذا القولُ الثاني أولى التأويلين بتأويلِ الآية، وذلك أن الرسالةَ لا يقالُ لها جُنْدٌ، إلا أن يكونَ أراد مجاهدٌ بذلك الرسلَ، فيكون وجهًا، وإن كان أيضًا من المفهومِ بظاهرِ الآيةِ بعيدًا، وذلك أن الرسلَ من بنى آدمَ لا يُنْزَلون من السماءِ، والخبرُ في ظاهرِ هذه الآيةِ عن أنه لم يُنْزِلْ من السماءِ بعدَ مَهْلِكِ هذا المؤمنِ على قومِه جندًا، وذلك بالملائكةِ أشبهُ منه بينى آدمَ.\nوقوله: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾. يقولُ: ما كانت هَلَكَتُهم إلا صيحةً واحدةً، أنزلها اللهُ من السماءِ عليهم.\nواختَلَفت القَرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقَرَأته عامةُ قَرَأةِ الأمصارِ: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾، نصبًا على التأويلِ الذي ذكرتُ، وأنّ في ﴿كَانَتْ﴾ مضمرًا، وذُكِر عن أبي جعفرٍ المدنيِّ أنه قرَأه (إلا صيحةٌ واحدةٌ) رفعًا على أنها مرفوعةٌ بـ \"كان\"، ولا مضمَرَ في \"كان\" (^٣).\nوالصوابُ مِن القراءة في ذلك عندى النَّصْبُ (^٤)؛ لإجماعِ الحجةِ على ذلك، [وعلى أن في \"كانت\" مضمرًا] (^٥).\nوقولُه: ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾. يقولُ: فإذا هم هالِكون.\n\n<span id=\"aya-3735\"></span><span data-type='title' id=toc-7715>القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ت ١، والتاريخ: \"يبق\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٢٠، ٢١.\n(^٣) ينظر النشر ٢/ ٢٦٤.\n(^٤) قراءة الرفع والنصب كلتاهما صواب.\n(^٥) سقط من: الأصل.","vol":"19","page":428},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يا حسرةً من العبادِ على أنفسِها، وتَنَدُّمًا وتَلَهُّفًا في استهزائِهم برسلِ الله، ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾ من اللهِ، ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. وذُكِر أن ذلك في بعضِ القراءةِ (^١): (يا حَسْرَةَ العِبادِ علَى أنفُسِها) (^٢).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7716>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾: أي: يا حسرةَ العبادِ على أنفسِها، على ما ضَيَّعَتْ مِن أمرِ اللهِ، وفَرَّطَتْ في جَنْبِ اللهِ. قال: وفى بعضِ القراءةِ (١): (يا حَسْرَةَ العِبادِ على أنْفُسِها) (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾. قال: كانت حسرةً عليهم استهزاؤُهم بالرسلِ (^٤).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) في م: \"القراءات\".\n(^٢) هي قراءة شاذة لمخالفتها المصحف.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٤١ عن معمر به مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٢ إلى عبد بن حميدٍ وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير مجاهدٍ ص ٥٦٠. ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٩١ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":429},{"text":"قولَه: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾. يقولُ: يا وَيْلًا للعبادِ (^١).\nوكان بعضُ أهلُ العربيةِ يقولُ (^٢): معنى ذلك: يا لها حسرةً على العبادِ.\n\n<span id=\"aya-3736\"></span><span data-type='title' id=toc-7718>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ألم يَرَ هؤلاء المشركون باللهِ من قومِك يا محمدُ كم أهلَكنا قبلَهم بتكذيبِهم رسلَنا، وكفرِهم بآياتِنا من القرونِ الخاليةِ: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. يقولُ: ألم يَرَوا أنهم إليهم لا يَرْجِعون.\nوبنحوِ الذي قلنا الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7717>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. قال: عادًا، وثمودَ، وقرونًا بينَ ذلك كثيرًا (^٣).\nو\"كم\" من قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ في موضعِ نصبٍ، إن شئتَ بوقوعِ \"يروا\" عليها - وقد ذُكِر أن ذلك في قراءة عبدِ اللهِ: (أَلَمْ يَرَوْا مَنْ أَهْلَكْنا) - وإن شئتَ بوقوعِ \"أهلكنا\" عليها، وأما \"أنهم\" فإن الألفَ منها فُتِحت بوقوعِ \"يروا\" عليها، وذُكر عن بعضهم أنه كسر الألفَ منها على وجه الاستئناف بها، وتَرْكِ إعمالِ \"يروا\" فيها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٣٨ من طريق أبي صالح به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٦٠ عن علي بن أبي طلحة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٢ إلى ابن المنذر.\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٣٧٥.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":430},{"text":"<span id=\"aya-3737\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإِنَّ كلَّ هذه القرونِ التي أَهْلَكناها والذين لم يُهْلِكُهم وغيرَهم، عندَنا يومَ القيامةِ جميعُهم ﴿مُحْضَرُونَ﴾.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. أي: هم يومَ القيامةِ (^١).\nواختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قَرَأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكُوفيِّين: (وَإِنْ كُلٌّ لَمَا) بالتخفيفِ، توجيهًا منهم إلى أن ذلك \"ما\" أُدخِلت عليها اللامُ التي تَدْخُلُ جوابًا لـ \"إن\"، وأنَّ معنى الكلام: وإِنْ كلٌّ لجميعٌ (^٢) لدينا مُحْضَرون. وقرَأ ذلك عامةُ قَرَأَةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿لما﴾ لما بتشديدِ الميمِ (^٣). ولتشديدِهم ذلك عندَنا وجهان؛ أحدُهما، أن يكونَ الكلامُ عندَهم كان مرادًا به: وإن كلٌّ لمِمَّا جميعٌ. ثم حُذِفت إحدى الميماتِ لَمّا كَثُرْن، كما قال الشاعرُ (^٤):\nغداةَ طَفَتْ عَلْمَاءِ (^٥) بَكْرُ بنُ وائلٍ … وعُجْنا صُدورَ الخيلِ نحوَ تَمِيمِ\nوالآخرُ، أن يَكُونوا أرادوا أن تكونَ \"لَمَّا\" بمعنى إلّا مع \"إنْ\" خاصةً، فتكونَ نَظِيرةَ \"إنما\" إذا وُضِعتْ موضعَ \"إلّا\". وقد كان بعضُ نَحْويِّى الكوفةِ يقولُ: كأنها \"لَمْ\" ضُمَّتْ إليها \"ما\"، فصارتا جميعًا استثناءً، وخرَجتا من حدِّ الجَحْدِ. وكان\n_________\n(^١) تتمة الأثر المتقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٢) في الأصل: \"لما جميع\".\n(^٣) قرأ بالتشديد عاصم وابن عامر وحمزة، والباقون بالتخفيف. ينظر التيسير ص ١٠٣.\n(^٤) نسبه المبرد في الكامل ٣/ ٢٩٧ لقَطَرِيِّ بن الفُجاءة، وذكره الفراء في معاني القرآن ٢/ ٣٧٧ غير منسوب.\n(^٥) قال المبرد ٣/ ٢٩٩: وهو يريد: على الماء. فإن العرب إذا التقت في مثل هذا الموضع لامان، استجازوا حذف أحدهما استثقالًا للتضعيف. اهـ.","vol":"19","page":431},{"text":"بعضُ أهلُ العربية يقولُ (^١): لا أعْرِفُ وجهَ \"لمَّا\" بالتشديدِ.\nوالصواب من القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان، متقارِبَتا المعنى، فبأيِتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-3738\"></span><span data-type='title' id=toc-7719>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ودلالةٌ لهؤلاء المشركين على قدرةِ اللهِ على ما يشاءُ، وعلى إحيائِه من مات من خلقِه، وإعادتِه بعدَ فَنائِه كهيئتِه قبلَ مماتِه - إحياؤُه الأرضَ الميْتةَ التي لا نَبْتَ فيها ولا زرعَ، بالغيثِ الذي يُنْزِلُه من السماءِ، حتى يُخْرج زرعَها، ثم إخراجُه منها الحبَّ، الذي هو قوتٌ لهم وغذاءٌ، فمنه يأكلون.\n\n<span id=\"aya-3739\"></span>وقولُه: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلنا في هذه الأرضِ التي أحْييناها بعدَ موتها، بساتينَ من نخيلٍ وأعنابٍ، ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾. يقولُ: وأنْبَعنا فيها من عيونِ الماءِ.\n\n<span id=\"aya-3740\"></span><span data-type='title' id=toc-7720>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكرُه: أنشأنا هذه الجناتِ في هذه الأرضِ؛ ليَأْكُل عبادى من ثمرِه (وَمَا عَمِلَتْ (^٢) أَيْدِيهِمْ). يقولُ: ليَأْكُلوا من ثمرِ\n_________\n(^١) ذكر الفراء في معاني القرآن ٢/ ٣٧٧ هذا القول ونسبه للكسائي.\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"عملته\". وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: (وما عملت) بغير الهاء - =","vol":"19","page":432},{"text":"الجناتِ التي أنشأنا لهم، وما عَمِلت أيديهم مما غرَسوا هم وزرَعوا.\nو\"ما\" التي في قولِه: (وَما عَمِلَتْ (^١) أيديهم) في موضعِ خفضٍ، عطفًا على الثمرِ، بمعنى: ومِن الذي عَمِلت أيديهم (^٢). وهي في قراءةِ عبدِ اللهِ فيما ذُكِر: (ومِمَّا (^٣) عَمِلَتْهُ) بالهاءِ، على هذا المعنى، فالهاءُ في قراءتِنا مُضمَرةٌ؛ لأن العربَ تُضْمِرُها أحيانًا وتُظْهِرُها في صِلاتِ \"مَن\" و\"ما\" و\"الذي\". ولو قيل: \"ما\" بمعنى المصدرِ، كان مذهبًا، فيكونُ معنى الكلامِ: ومِن عمل أيديهم. ولو قيل: إنها بمعنى الجَحْدِ، ولا موضعَ لها كان أيضًا مذهبًا، فيكونُ معنى الكلامِ: ليَأْكُلوا من ثمرِه، ولم تَعْمَلُه أيديهم.\nوقولُه: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: أفلا يَشْكُرُ هؤلاء القومُ الذين رزَقناهم هذا الرزقَ، من هذه الأرضِ المَيْتَةِ التي أحْيَيْناها لهم، مَن رَزَقهم ذلك وأنعم عليهم به.\n\n<span id=\"aya-3741\"></span><span data-type='title' id=toc-7721>القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: تنزيهًا وتبرِئةً للذى خلَق الألوانَ المختلفةَ كلَّها من نباتِ الأرضِ، ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. يقولُ: وخلَق من أولادِهم ذكورًا وإناثًا، ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ أيضًا من الأشياءِ التي لم يُطْلِعْهم عليها، خلَق كذلك أزواجًا مما يُضِيفُ إليه هؤلاء المشركون، ويَصِفُونه به من الشركاءِ، وغيرَ ذلك.\n_________\n= وهى اختيار المصنف - وقرأ الباقون: ﴿وما عملته﴾ بالهاء. ينظر الكشف عن وجوه القراءات السبع ٢/ ٢١٦، وحجة القراءات ص ٥٩٨.\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"عملته\".\n(^٢) سقط من: م، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في الأصل، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٣٧٧: \"ما\"، والمثبت موافق لما في تفسير ابن كثير ٦/ ٥٦١، وقراءة: (مما عملته) شاذة.","vol":"19","page":433},{"text":"<span id=\"aya-3742\"></span><span data-type='title' id=toc-7722>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ودليلٌ لهم أيضًا على قدرةِ اللهِ على فعلِ كلِّ ما شاء، ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾. يقولُ: نَنْزِعُ عنه النهارَ. ومعنى \"منه\" في هذا الموضعِ: \"عنه\"، كأنه قيل: نَسْلَخُ عنه النهارَ، فتَأْتِى بالظُّلمةِ ونَذْهَبُ بالنهارِ. ومنه قولُه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥]. أي: خرَج منها وترَكها، فكذلك انسلاخُ الليلِ من النهارِ. وقولُه: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾. يقولُ: فإذا هم قد صاروا في ظلمةٍ بمجيءِ الليلِ.\nوقال قتادةُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾. قال: يُولِجُ الليلَ في النهارِ، ويُولِجُ النهارَ في الليلِ (^١).\nوهذا الذي قاله قتادةُ في ذلك عندى، من معنى سلخِ النهارِ من الليلِ - بعيدٌ؛ وذلك أن إيلاجَ الليلِ في النهارِ إنما هو زيادةُ ما نقَص من ساعاتِ هذا في ساعاتِ الآخرِ، وليس السَّلْخُ من ذلك في شيءٍ؛ لأن النهارَ يُسْلَخُ من الليلِ كلِّه، وكذلك الليلُ من النهارِ كلِّه، وليس يُولَجُ كلُّ الليلِ في كلِّ النهارِ، ولا كلُّ النهارِ في كلِّ الليلِ.\n\n<span id=\"aya-3743\"></span>وقولُه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والشمسُ تَجْرِى لموضعِ قرارِها. بمعنى: إلى موضعِ قرارِها. وبذلك جاء الأثرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٣ إلى المصنف وعبد بن حميدٍ وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":434},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7723>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ التيميِّ، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ الغِفاريِّ، قال: كنتُ جالسًا عندَ النبيِّ ﷺ في المسجدِ، فلما غرَبَتِ الشمسُ قال: \"يا أبا ذَرٍّ، هل تَدْرِى أَينَ تَذْهَبُ الشمسُ\"؟ قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: \"فإنها تَذْهَبُ فَتَسْجُدُ بينَ يَدَيْ رَبِّهَا، ثم تَسْتَأْذِنُ بالرجوعِ فيُؤْذَنُ لها، وكأنها قد قيل لها: ارْجِعى من حيث حِئْتِ. فتَطْلُعُ من مكانِها، وذلك مستقَرُّها\" (^١).\nوقال بعضُهم في ذلك بما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾. قال: وقتٌ واحدٌ لا تَعْدُوهُ (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: تَجْرِى لمجْرًى لها إلى مقاديرِ مواضعِها. بمعنى أنها تَجْرى إلى أبعد منازلِها في الغروبِ، ثم تَرْجِعُ ولا تُجاوِزُه. قالوا: وذلك أنها لا تزالُ تَتَقَدَّمُ كلَّ ليلةٍ، حتى تَنْتَهِيَ إلى أبعدِ مغارِبِها، ثم تَرْجِعُ.\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. يقولُ: هذا الذي وصَفْنا من جريِ الشمسِ لمستقَرٍّ لها، تقديرُ العزيزِ في انتقامِه من أعدائِه، العليمِ بمصالحِ خلقِه وغيرِ ذلك من الأشياءِ كلِّها، لا تَخْفَى عليه خافيةٌ.\n\n<span id=\"aya-3744\"></span><span data-type='title' id=toc-7724>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ</span>\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٤٦٢)، وأحمد ٥/ ١٥٢، ١٠٨، ١٧٧ (الميمنية)، والبخاري (٣١٩٩، ٤٨٠٢، ٧٤٢٤)، ومسلم (١٥٩)، والترمذى (٢١٨٦، ٣٢٢٧)، والنسائى في الكبرى (١١٤٣٠)، وابن حبان (٦١٥٤) وغيرهم، من طريق الأعمش به. وأخرجه أحمد (٥/ ١٤٥، ١٦٥ (الميمنية)، ومسلم (١٥٩)، وأبو داود (٤٠٠٢)، وابن حبان (٦١٥٣) وغيرهم، من طريق إبراهيم التيمى به. وينظر ما تقدم ١٠/ ١٥، ٢١.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٣ إلى المصنف وعبد بن حميدٍ وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف.","vol":"19","page":435},{"text":"الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: اختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ قوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾؛ فقرأه بعضُ المَكِّيين وبعضُ المَدَنيين وبعضُ البَصْريين: (والقَمَرُ) رفعًا (^١)، عطفًا بها على \"الشمسِ\"، إذ كانت \"الشمسُ\" معطوفةً على \"الليلِ\"، فأتبَعوا \"القمرَ\" أيضًا \"الشمسِ\" في الإعرابِ؛ لأنه أيضًا من الآياتِ، كما الليلُ والشمسُ (^٢) آيتان، فعلى هذه القراءةِ تأويلُ الكلامِ: وآيةٌ لهم القمرُ قَدَّرناه منازلَ. وقرأ ذلك بعضُ المَكِّيين وبعضُ المَدَنيين وبعضُ البَصْريين وعامةُ قَرَأةِ الكوفةِ نصبًا: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾ (^٣). بمعنى: وقَدَّرنا القمرَ منازلَ، كما فعَلنا ذلك بالشمس. فرَدُّوه على الهاءِ من الشمسِ في المعنى؛ لأن الواوَ التي فيها للفعل المتأخرِ.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان مشهورتان صحيحتا المعنى، فبأيتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ، فتأويلُ الكلامِ: وآيةٌ لهم تقديرُنا القمرَ منازل؛ للنقصانِ بعدَ تناهيه وتمامِه واستوائِه. ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾، والعُرْجونُ: هو (^٤) من العِذْقِ من الموضعِ النابتِ في النخلةِ إلى موضعِ الشَّماريخ.\nوإنما شَبَّهَه جلَّ ثناؤُه بالعرجونِ القديمِ - والقديمُ هو اليابسُ - لأن ذلك من العِذْقِ لا يكادُ يوجَدُ إلا متقوِّسًا منحنيًا إذا قَدُم ويَبِسَ، ولا يكادُ أن يُصابَ مستويًا معتدِلًا كأغصانِ سائر الأشجارِ وفروعِها، فكذلك القمرُ إذا كان في آخرِ الشهرِ قبلَ\n_________\n(^١) قراءة الرفع هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو، ينظر حجة القراءات ص ٥٩٩.\n(^٢) في م: \"النهار\".\n(^٣) قراءة النصب هي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٤) ليست في: م، ت ١، ت ٢.","vol":"19","page":436},{"text":"استسرارِه (^١)، صار في انحنائِه وتَقَوُّسِه نظيرَ ذلك العُرْجونِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7725>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾. يقولُ: أَصلِ العِذْقِ العتيقِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾. يعنى بالعُرْجُونِ: العِذْقَ اليابسَ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾. قال: كعِذْقِ النخلةِ إذا قَدُم فانحنَى (^٣).\nحدَّثني أحمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقيُّ، قال: ثنا أبو يزيدَ الخَرّازُ، يعنى خالدَ بنَ حَيَّانَ الرَّقِّيَّ، عن جعفرِ بن بُرْهَانَ، عن يزيد بن الأصمِّ في قولِه: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾. قال: عِذْقِ النخلة إذا قدم انحنَى.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عيسى بنُ عبيدٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾. قال: النخلةِ القديمةِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا\n_________\n(^١) استسر القمر: خفى ليلة السرار، وهى آخر ليلة في الشهر. الوسيط (س ر ر).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٣٨ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٤ إلى ابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":437},{"text":"إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ قال: العِذْقِ اليابسِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمر بن علي المُقَدَّميُّ، [سَمِعتُ أبا عاصمٍ، يقولُ وحدَّثنا ابن سنانٍ القَزّازُ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ يقولُ] (^٢): سَمِعتُ سليمانَ التيميَّ في قولِه: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾. قال: العِذْقِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾. قال: قَدَّره اللهُ منازلَ، فجعَل يَنْقُصُ حتى كان مِثلَ عِذْقِ النخلةِ، شَبَّهه بعِذْقِ النخلةِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3745\"></span>وقولُه: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا الشمسُ يَصْلُحُ لها إدراكُ القمرِ، فيَذْهَبَ ضوءُها بضوئه، فتكونَ الأوقاتُ كلُّها نهارًا لا ليلَ فيها، ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا الليلُ بفائتٍ النهارَ، حتى تَذْهَبَ ظُلمتُه بضيائه، فتكونَ الأوقاتُ كلُّها ليلًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في ألفاظِهم في تأويلِ ذلك، إلا أن معانيَ عامتِهم الذي قلناه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7726>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ عن عَنْبَسَةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في م، ت ٢: \"وابن سنان القزاز قالا ثنا أبو عاصم والمقدمى قال\"، وفي ت ١: \"وحدثنا ابن سنان القزاز قالا سمعنا أبا عاصم يقول\".\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٦٨٢) من طريق سعيد به. وهو في تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٤١ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"19","page":438},{"text":"عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾. قال: لا يَسْتُرُ (^١) ضوءُها ضوءَ الآخَرِ، لا يَنْبَغِى لها ذلك.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾. قال: لا يَسْتُرُ (^٢) أحدُهما ضوءَ الآخَرِ، ولا يَنْبَغِى ذلك لهما. وفى قولِه: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾. قال: يَتَطالبان حَثِيثَيْن، يُسْلَخُ (^٣) أَحدُهما من الآخَرِ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا الأَشْجَعِيُّ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾. قال: لا يُدْرِكَ هذا ضوءَ هذا، ولا هذا ضوءَ هذا (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾: ولكلٍّ حدٌّ وعلمٌ لا يَعْدُوه، ولا يقصرُ دونَه، إذا جاء سلطانُ هذا ذهَب سلطانُ هذا، وإذا جاء سلطانُ هذا ذهَب سلطانُ هذا (^٦).\n_________\n(^١) في النسخ: \"يشبه\".\n(^٢) في النسخ: \"يشبه. وهو تصحيف. والمثبت من صحيح البخارى موافق للسياق. وبعده في م، وتفسير مجاهد: \"ضوء\".\n(^٣) في م: \"ينسلخ\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٦٠. ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٩١.\n(^٥) تفسير سفيان ص ٢٤٩، ومن طريقه أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٦٧٠) بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٤ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":439},{"text":"ورُوِى عن ابن عباسٍ في ذلك ما حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾. يقولُ: إذا اجتَمعا في السماءِ كان أحدُهما بينَ يَدَى الآخرِ، فإذا غابا غابَ أَحدُهما بينَ يَدَيِ الآخرِ.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾: هذا في ضوءِ القمرِ وضوءِ الشمسِ، إذا طلعت الشمسُ لم يَكُنْ للقمرِ ضوءٌ، وإذا طلَع القمرُ بضوئِه (^١) لم يَكُنْ للشمسِ ضوءٌ، ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾. قال: في قضاءِ اللهِ وعلمِه أن لا يَفُوتَ الليل النهارُ حتى يُدْركَه، فيُذْهِبَ ظُلْمَتَه، وفى قضاءِ اللهِ أن لا يَفُوتَ النهارَ الليلُ حتى يُدْرِكَه، فيَذْهَبَ بضوئِه (^٢).\nو\"أنْ\" مِن قولِه: ﴿أَنْ تُدْرِكَ﴾ في موضعِ رفعٍ بقولِه: ﴿يَنْبَغِي﴾.\nوقولُه: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. يقولُ: وكلُّ ما ذكَرنا (^٣) مِن الشمسِ والقمرِ والليلِ والنهارِ في فَلَكٍ يَجْرُون.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7727>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو النُّعْمانِ الحَكَمُ بنُ عبدِ اللهِ العِجْليُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن مسلمٍ البَطينِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ:\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٣٣٧.\n(^٣) في الأصل، ت ٢: \"ذكرت\".","vol":"19","page":440},{"text":"﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال: في فَلَكٍ كَفَلَكِ المَغْزَلِ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الصَّمَدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا الأعمشُ، عن مسلمٍ البَطينِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: مَجْرَى كلِّ واحدٍ منهما - يعنى الليلَ والنهارَ - ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: يَجْرُون (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. أي: في فَلَكِ السماءِ يَسْبَحون (^٣).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^٤). يقولُ: دَورَانٍ، ﴿يَسْبَحُونَ﴾. يقولُ: يَجْرُون (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. يعنى: كلٌّ في فلكٍ في السماواتِ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٦٥٤)، وإبراهيم الحربى في غريبه - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٥٨ - من طريق الأعمش به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٦/ ٢٦٧.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٦/ ٢٦٦.\n(^٤) بعده في م، ت ٢: \"دورانا\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٢٩ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٨ إلى ابن المنذر.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣١٨ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":441},{"text":"<span id=\"aya-3746\"></span><span data-type='title' id=toc-7729>القولُ في تأويل قولِه ﷿: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ (^١) فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ودليلٌ لهم أيضًا، وعلامةٌ على قُدْرتِنا على كلِّ ما نشاءُ، ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. يعنى: مَن نَجَا مِن ولدِ آدم في سفينةِ نوحٍ، وإيَّاها عنَى جلَّ ثناؤُه بالفُلْكِ المشحونِ، والفلكُ: هي السفينةُ، والمشحونُ: المملوءُ المُوقَرُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7728>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. يقولُ: الممتلئِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. يعنى: المُثَقَّلِ (^٣).\nحدَّثنا سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصلتِ، قال ثنا أبو كُدَينةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. قال: المُوقَرِ (^٤).\nحدَّثنا عِمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: أخبَرنا يونسُ، عن\n_________\n(^١) هنا وفيما سيأتي في الأصل: \"ذرياتهم\". وهى قراءة نافع وابن عامر. وقرأ الباقون؛ وهم ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائى ﴿ذريتهم﴾ على التوحيد. ينظر حجة القراءات ص ٥٩٩، ٦٠٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٣٩ - من طريق أبي صالح به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩١ إلى المصنف.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٦٥.","vol":"19","page":442},{"text":"الحسنِ في قولِه: ﴿الْمَشْحُونِ﴾. قال: المحمولِ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. يعنى سفينةَ نوحٍ ﵇ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾: المُوقَرِ، يعنى سفينةَ نوحٍ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. قال: الفلك المشحونُ: المَرْكَبُ الذي كان فيه نوحٌ، والذرِّيةُ: التي كانت في ذلك المَرْكَبِ، قال: والمشحونُ: الذي قد شُحِن، الذي قد جُعل فيه ليَرْكَبَه أهلُه، جعَلوا فيه ما يُريدون، فربَّما امتَلأ، وربما لم يَمْتَلِئْ.\nحدَّثنا الفضلُ بنُ الصبّاحِ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: أتَدْرون ما الفُلْكُ المشحونُ؟ قلنا: لا. قال: هو المُوقَرُ (^٢).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُليُّ، قال: ثنا مَرْوانُ (^٣)، عن جُوَيبرِ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. قال: المُوقَرِ.\n\n<span id=\"aya-3747\"></span>وقولُه: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وخلَقْنا\n_________\n(^١) ذكرُه ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٦٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٧٩١ من طريق ابن فضيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٩١ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر. ونقله الحافظ في تغليق التعليق ٤/ ٢٩٢ عن المصنف وقال: هذا إسناد حسن وتقدم تخريجه ١٧/ ٦٠٥.\n(^٣) في م: \"هارون\". وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٤٠٣.","vol":"19","page":443},{"text":"لهؤلاء المشركين المُكَذِّبيك يا محمدُ، تَفَضُّلًا منا عليهم، مِن مثلِ ذلك الفُلْكِ الذي كنا حَمَلْنا مِن ذرِّيةِ آدمَ مَن حمَلنا فيه، الذي يَرْكَبونه من المراكبِ.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ في الذي عُنِى بقولِه: ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: هي السفنُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7730>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الفضلُ بنُ الصَّبَّاحِ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جُبيَرٍ، عن ابن عباسٍ قال: أَتَدْرُون ما: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾؟ قلنا: لا. قال: هي السفنُ، جُعِلت لهم (^١) مِن بعدِ سفينةِ نوحٍ على مِثْلِها (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ (^٣)، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. قال: السفنَ الصغارَ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. قال: السفنَ الصغارَ، ألَا تَرَى أنه قال: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾؟\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورِ بن زاذانَ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. قال: السفنَ الصغارَ (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ٢.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٦٦ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) بعده في م: \"قال ثنا يحيى\".\n(^٤) ينظر تفسير القرطبي ١٥/ ٣٥ وتفسير ابن كثير ٦/ ٥٦٦.\n(^٥) ينظر تفسير القرطبي ١٥/ ٣٥.","vol":"19","page":444},{"text":"حدَّثنا حاتمُ بنُ بكرٍ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، عن شعبةَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. قال: السفنَ الصغارَ (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ، يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. يعنى: السفنَ التي اتُّخِذَت بعدها، يعنى بعدَ سفينةِ نوحٍ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. قال: هي السفنُ التي يُنتفعُ بها (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. قال: وهى هذه الفُلُوكُ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبَيدٍ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. قال: نعم مِن مِثْلِ سفينةِ نوحٍ (^٥).\nوقال آخرون: بل عنى بذلك الإبلَ.\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٥٦٦.\n(^٢) ينظر تفسير القرطبي ١٥/ ٣٥، وتفسير ابن كثير ٦/ ٥٦٦.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) كذا في الأصل، ت ١، ت ٢. وفى م: \"الفلك\". ولفظة الفلك تطلق على المفرد والجمع والمذكر والمؤنث. وذكر سيبويه أنها تجمع على \"أفلاك\". ولم نجد فيما بين أيدينا من مراجع أنها تجمع على \"فلوك\". ينظر اللسان وتاج العروس (ف ل ك)، وليس في كلام العرب لابن خالويه ص ٢٦٨، ٢٦٩.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"19","page":445},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7731>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. يعنى: الإبلَ خَلَقها اللهُ كما رأيتَ: فهى سفنُ البَرِّ، يَحْمِلون عليها ويَرْكَبونها (^١).\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا غُنْدَرٌ،، عن عثمانَ بن غِياثٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. قال: الإبلَ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّدِّيِّ، قال: قال عبدُ الله بنُ شَدَّادٍ: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ هي الإبلُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. قال: من الأنعامِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: هي الإبلُ (^٤).\nوأشبهُ القولَين بتأويلِ ذلك قولُ مَن قال: عُنِى بذلك السفنُ. وذلك لدلالةِ قولِه: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾. على أن ذلك كذلك، وذلك أن الغَرَقَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٤، ٢٦٥ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٦٠، ومن طريقه الفريابي في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٩١ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"19","page":446},{"text":"معلومٌ أنه لا يكونُ إلا في الماءِ، ولا غَرَقَ في البرِّ.\n\n<span id=\"aya-3748\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإِن نَشَأْ نُغْرِقْ هؤلاء المشركين إذا ركِبوا الفُلْكَ في البحرِ، ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾. يقولُ: فلا مُغِيثَ لهم إذا نحن غَرَّقْناهم يُغِيثُهم فيُنَجِّيهم من الغرقِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾. أي: فلا مُغِيثَ لهم (^١).\nوقولُه: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾. يقولُ: ولا هو يُنْقِذُهم مِن الغَرَقِ شيءٌ إن نحن أغرَقْناهم في البحرِ، إلا أن تُنْقِذَهم نحن رحمةً مِنَّا لهم، فنُنَجِّيَهم منه.\n\n<span id=\"aya-3749\"></span>وقولُه: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾. يقولُ: ولِيُمَتِّعَهم إلى أجلٍ هم بالِغوه. فكأنه قال: ولا هم يُنْقَذون، إلا أن نَرْحَمَهم فنُمَتِّعَهم إلى أجلٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7732>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾.\nأي: إلى الموتِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3750\"></span><span data-type='title' id=toc-7733>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٤٤ عن معمر عن قتادةَ. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٥ إلى عبد بن حميدٍ وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٥ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":447},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قيل لهؤلاء المشركين باللهِ، المُكذِّبين رسولَه محمدًا ﷺ: احْذَروا ما مضَى بينَ أيديكم مِن نِقَمِ اللهِ ومَثُلاتِه بمَن حلَّ ذلك (^١) به من الأممِ قبلَكم، أن يَحِلَّ مثلُه بكم، بشِرْكِكم وتكْذيبِكم رسولَه، ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾. يقولُ: وما بعدَ هَلاكِكم، مما أنتم لاقُوه إن هَلَكتُم على كفرِكم الذي أنتم عليه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. يقولُ: ليَرْحَمَكُم ربُّكم إن أنتم حذِرتُم ذلك، واتَّقيتُموه بالتوبةِ من شِرْكِكم، والإيمانِ به، ولُزُومِ طاعتِه فيما أوجَب عليكم مِن فرائضِه.\nوينحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7734>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾: وقائعَ اللهِ فيمَن خَلا قبلَهم من الأممِ، وما خلفَهم مِن أمرِ الساعةِ (^٢).\nوكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ (^٣). قال: ما مضَى من ذنوبِهم، [﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ (^٤). قال: ذنوبَهم (^٥)] (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ت ١.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٤٤ عن معمر عن قتادة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في الأصل، ت ١، ت ٢: \"أيديهم\".\n(^٤) في الأصل، الأصل، ت ١، ت ٢: \"خلفهم\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٥٦٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) سقط من: م.","vol":"19","page":448},{"text":"وهذا القولُ قريبُ المعنى من القولُ الذي قلنا؛ لأن معناه: اتَّقوا عقوبةَ ما بينَ أيديكم مِن ذنوبِكم، وما خلفَكم مما تَعْمَلون من الذنوبِ ولم تَعْمَلوه بعد، فذلك بعدَ تخويفٍ لهم العقابَ على كفرِهم.\n\n<span id=\"aya-3751\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾. يَقولُ تعالى ذكرُه: وما تَجِيءُ هؤلاء المشركين من قريشٍ آيةٌ. يعنى حجةٌ مِن حُجَجِ اللهِ، وعلامةً مِن علاماتِه على حقيقةِ توحيدِه، وتَصْديقِ رسولِه، ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾: لا يتفكَّرون فيها، ولا يَتَدَبَّرونها، فيَعْمَلوا (^١) بها، ما احتجَّ اللهُ عليهم بها.\nفإن قال قائلٌ: وأين جوابُ قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾؟ قيل: جوابُه وجوابُ قولِه: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ قولُه: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾؛ لأن الإعراضَ منهم كان عن كلِّ آيةٍ للهِ، فاكْتُفِى بالجوابِ عن قولِه: ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾، وعن قولِه: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ﴾. بالخبرِ عن إعراضِهم عنها لذلك؛ لأن معنى الكلام: وإذا قيل لهم: اتَّقوا ما بينَ أيديكم وما خلفَكم أعرَضوا، وإذا أتَتْهم آيةٌ أعرَضوا.\n\n<span id=\"aya-3752\"></span><span data-type='title' id=toc-7735>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قيل لهؤلاء المشركين باللهِ: أنفِقوا من رزقِ اللهِ الذي رزَقكم، فأدُّوا منه ما فَرض اللهُ عليكم فيه لأهلِ حاجتِكم\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"فيعلموا\".","vol":"19","page":449},{"text":"ومَسْكَنَتِكم. قال الذين أنكَروا وحدانيةَ اللهِ وعبَدوا مَن دونَه، للذين آمنوا باللهِ ورسولِه: أَنُطْعِمُ أموالَنا وطعامَنا مَن لو يشاءُ اللهُ أطعَمه؟!\nوفي قولِه: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وجهان؛ أحدُهما، أن يكونَ مِن قيلِ الكفارِ للمؤمنين، فيكونَ تأويلُ الكلامِ حينَئذٍ: ما أنتم أيُّها القومُ في قبلِكم لنا: أنفِقوا مما رزَقكم اللهُ على مساكينِكم إلا في ذَهابٍ عن الحقِّ، وجَوْرٍ عن الرُّشْدِ، مُبِينٍ لَمَن تَأمَّلَه وتَدَبرَه أنه في ضلالٍ. وهذا أولى وجهَيه بتأويلِه.\nوالوجهُ الآخرُ، أن يكونَ ذلك من قبلِ اللهِ للمشركين، فيكونَ تأويلُه حينَئذٍ: ما أنتم أيُّها الكافرون في قيلِكم للمؤمنين: أَنُطْعِمُ مَن لو يشاءُ اللهُ أطعَمه. إلا في ضلالٍ مبينٍ، عن أن قيلَكم ذلك لهم ضلالٌ.\n\n<span id=\"aya-3753\"></span><span data-type='title' id=toc-7736>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ويقولُ هؤلاء المشركون المُكذِّبون وعيدَ اللهِ، والبعثَ بعدَ المماتِ، يَسْتَعْجِلون ربَّهم بالعذابِ: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾. أي: الوعدُ بقيامِ الساعةِ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أيُّها القومُ، وهذا قولُهم لأهلِ الإيمانِ بالله ورسولِه.\n\n<span id=\"aya-3754\"></span><span data-type='title' id=toc-7737>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ما يَنْتَظِرُ هؤلاء المشركون الذين يَسْتعجِلون بوعيدِ اللهِ إيَّاهم إلا صيحةً واحدةً تأخُذُهم. وذلك نفخةُ الفَزَعِ عندَ قيامِ الساعةِ.","vol":"19","page":450},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ [وجاءت الآثارُ] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-7738>ذكرُ مَن قال ذلك، وما فيه من الأثرِ</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ ومحمدُ بنُ جعفرٍ، قالا: ثنا عوفُ بنُ أبي جميلةَ، عن أبي المغيرةِ القوَّاسِ، عن عبد اللهِ بن عمرٍو، قال: لَيُنْفَخَنَّ في الصورِ والناسُ في طُرُقِهم وأسواقِهم ومجالسِهم، حتى إن الثوبَ لَيَكونُ بينَ الرجلَين يَتَساوَمان، فما يُرْسِلُه أحدُهما من يده حتى يُنْفَخَ في الصورِ، وحتى إن الرجلَ ليَغْدُو مِن بيتِه، فما يَرْجِعُ [إلى بيتِه] (^٢) حتى يُنْفَخَ في الصُّورِ، وهي التي قال اللهُ: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ الآية (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾: ذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"تَهِيجُ الساعةُ بالناسِ؛ والرجلُ يَسْقِي ماشيتَه، والرجلُ يُصْلِحُ حوضَه، والرجلُ يُقِيمُ سِلْعتَه في سوقِه، والرجلُ يَخْفِضُ مِيزانَه ويَرْفَعُه، وتَهِيجُ بهم وهم كذلك، فلا يَسْتطيعون تَوْصِيةً ولا إلى أَهْلِهِم يَرْجِعون\" (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾. قال: النفخةُ نفخةٌ واحدةٌ.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحاربيُّ، عن إسماعيلَ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ت ١.\n(^٢) سقط من: م، ت ٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":451},{"text":"ابن رافعٍ، عمَّن ذكرُه، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إن الله لمَّا فَرَغَ مِن خَلْقِ السماواتِ والأرضِ، خلَق الصُّورَ فأعْطاه إسرافيلَ، فهو واضِعُه على فِيهِ، شاخصٌ ببصرِه إلى العرشِ، يَنْتَظِرُ متى يُؤْمَرُ\". قال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللهِ، وما الصورُ؟ قال: \"قَرْنٌ\". قال: وكيف هو؟ قال: \"قَرْنٌ عظيمٌ يُنْفَخُ فيه ثلاثُ نَفَخَاتٍ؛ الأُولَى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثانيةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثالثةُ نَفْخَةُ القيامِ لربِّ العَالَمين، يأمرُ اللهُ إسرافيلَ بالنَّفْخَةِ الأُولى، فيقولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَع. فيَفْزَعُ أهلُ السماواتِ وأهلُ الأَرضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللهُ، ويأمُرُه اللهُ فَيُدِيمُها ويُطَوِّلُها، فلا يَفْتُرُ، وهى التي يقولُ اللهُ: ﴿مَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥]، ثم يأمرُ اللهُ إسرافيلَ بنَفْخَةِ الصَّعْقِ، فيقولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الصَّعْقِ. فَيَصْعَقُ أهلُ السماواتِ و(^١) الأَرضِ إِلا مَن شاءَ اللهُ، فإذا هم خامِدُون ثم يُمِيتُ مَن بَقِيَ، فإذا لم يَبْقَ إلا اللهُ الواحدُ الصَّمَدُ، بَدَّل الأرضَ غير الأرضِ والسماواتِ، فيَبْسُطُها ويَسْطَحُها، ويَمُدُّها مَدَّ الأديمِ العُكَاظِيِّ، لا تَرَى فيها عِوَجًا ولا أمْتًا، ثم يَزْجُرُ اللهُ الخَلْقَ زَجْرَةً، فإذا هُمْ في هذه المُبَدَّلَةِ في مِثْلِ مواضعهم من الأُولَى، ما كان في بَطْنِها كان في بَطْنِها، وما كان على ظَهْرِها كان على ظهْرِها\" (^٢).\nواختلفَت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾؛ فقرأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينةِ: (وهم يَخْصِّمُون) بسكونِ \"الخاءِ\" وتشديدِ الصادِ، فجمَع بينَ الساكنَين، بمعنى: يَخْتَصِمون، ثم أدغَم التاءَ في الصادِ، فجعَلها صادًا مشددةً، وتركَ الخاءَ على سكونِها في الأصلِ.\n_________\n(^١) بعده في الأصل، ت ١: \"أهل\".\n(^٢) جزء من حديث طويل تقدم تخريجه في ٣/ ٦١١ - ٦١٣.","vol":"19","page":452},{"text":"وقرَأ ذلك بعضُ المكيِّين والبصريِّين: (وهم يَخَصِّمونَ). بفتح الخاءِ وتشديد الصادِ، بمعنى: يَخْتَصِمون، غيرَ أنهم نقلوا حركةَ التاءِ، وهى الفتحةُ التي في \"يَفتَعِلون\" إلى الخاءِ منها، فحَرَّكوها بتَحْريكِها، وأدغَموا التاءَ في الصادِ وشدَّدوها.\nوقرأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ بكسرِ الخاءِ، وتشديدِ الصادِ، فكسَر (^١) الخاء بكسرِ الصادِ، وأدغَم التاءَ في الصادِ وشدَّدها.\nوقرَأ ذلك آخرون منهم: (يَخْصِمُونَ) بسكونِ الخاءِ وتخفيفِ الصادِ، بمعنى \"يَفْعِلون\"، مِن الخصومةِ (^٢)، وكأن معنى قارئِ ذلك كذلك: كأنهم يتكلَّمون، أو يكونُ معناه عندَه: كان عندَ أنفسِهم يَخْصِمون مَن وعَدَهم مجئَ الساعةِ، وقيامَ القيامةِ، ويَغْلِبونه بالجَدَلِ في ذلك.\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن هذه قراءاتٌ مشهوراتٌ معروفاتٌ في قرأةِ الأمصارِ، متقارباتُ المعانى، فبأيَّتهن قرأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-3755\"></span>وقولُه: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلا يستطيعُ هؤلاء المشركون عندَ النفخِ في الصُّورِ أن يُوصُوا في أموالِهم (^٣) أحدًا، ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾. يقولُ: ولا يستطيعُ مَن كان منهم خارجًا عن أهلِه أن يَرجِعَ إليهم، لأنهم لا يُمْهَلون بذلك، ولكن يُعجَّلون بالهلاكِ.\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"فكسروا\" بضمير الجمع، وكذلك في \"أدغم\"، و\"شددها\" الآتيين.\n(^٢) قرأ قالون وأبو عمرو بإخفاء حركة الخاء، والتشديد، وروى عن أبي عمرو الاختلاس، وقرأ ابن كثير وهشام وورش (يَخَصِّمون) بفتح الخاء وتشديد الصاد. وقرأ ابن ذكوان وعاصم والكسائي: ﴿يخِصِّمون﴾ بكسر الخاء وتشديد الصاد. وقرأ حمزة: (يَخْصِمون) بسكون الخاء وتخفيف الصاد. ينظر حجة القراءات ص ٦٠٠، والكشف ٢/ ٢١٧، ٢١٨.\n(^٣) في الأصل: \"أمرهم\"، وفي ت ١: \"أمورهم\".","vol":"19","page":453},{"text":"وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾. أى: فيما في أيديهم، ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾. قال: أُعْجِلوا عن ذلك (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ الآية. قال: هذا مبتدأُ يوم القيامة. وقرَأ: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾، حتى بلغ: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3756\"></span><span data-type='title' id=toc-7739>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾، وقد ذكرنا اختلافَ المختلفين [في معنى الصُّورِ] (^٣)، والصوابَ من القول فيه، بشواهدِه فيما مضَى قبلُ، بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (^٤)، ويَعْنِى بهذه النفخةِ نفخةَ البعثِ.\nوقولُه: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾. يعنى: من أجداثِهم. وهى قبورُهم،\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٥ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٩/ ٣٣٩ وما بعدها.","vol":"19","page":454},{"text":"واحدُها جَدَثٌ، وفيها لغتان؛ فأما أهلُ العالية فتقولُه بالثاء: جَدثٌ، وأما أهلُ السافلةِ فتقولُه بالفاءِ: جَدَفٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾. يقولُ: مِن القبور (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾. أى: مِن القبورِ (^٢).\nوقولُه: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾. يقولُ: إلى ربِّهم يَخْرُجون سراعًا. والنَّسَلانُ: الإسراعُ في المَشْيِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَنْسِلُونَ﴾. يقول: يخرُجون (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره -كما في الإتقان ٢/ ٣٩ - من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٥ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٩٢ - من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٥ إلى ابن المنذر.","vol":"19","page":455},{"text":"يَنْسِلُونَ﴾. أى: يخرُجون (^١).\n\n<span id=\"aya-3757\"></span>وقولُه: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال هؤلاء المشركونَ لمَّا نُفِخ في الصور نفخةُ البعثِ لموقفِ القيامةِ، فرُدَّت أرواحُهم إلى أجسامِهم، وذلك بعدَ نومةٍ نامُوها: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. وقد قيل: إن ذلك نومةٌ بينَ النفختين.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيْرىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن خَيْثمةَ، عن الحسنِ، عن أُبَىِّ بن كعبٍ في قولِه: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. قال: نامُوا نومةً قبل البعثِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن رجلٍ يقالُ له: خَيْثَمَةُ. فى قولِه: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. قال: يَنامُون نومةً قبل البعثِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾: هذا قولُ أهلِ الضلالة. والرَّقْدةُ: ما بينَ النفختَين (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٦٧.","vol":"19","page":456},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾. قال: الكافرون يقولونه (^١).\nويعنى بقوله: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾: مَن أيقَظَنَا مِن مَنامِنَا. وهو من قولِهم: بَعَث فلانٌ ناقتَه فانبعَثَت. إذا أثارَها فثارَت. وقد ذُكر أن ذلك في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (مَن أَهَبَّنا (^٢) مِن مَرْقَدِنَا هَذَا).\nوفى قولِه ﴿هَذَا﴾ وجهان؛ أحدُهما، أن تكونَ إشارةً إلى ﴿مَا﴾، ويكون ذلك كلامًا مبتدأً بعد تَناهى الخبرِ الأوَّلِ بقولِه: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾، فتكونَ ﴿مَا﴾ حينَئذٍ مرفوعةً بـ ﴿هَذَا﴾، ويكونَ معنى الكلام: هذا وعدُ الرحمن، وصدَق المرسلون. والوجهُ الآخرُ: أن تكونَ مِن صفةِ \"المَرْقَدِ\"، وتكونَ خفضًا، ردًّا على \"المرقدِ\"، وعندَها (^٣) تمامُ الخبرِ عن الأوَّلِ، فيكونَ معنى الكلام: مَن بعَثنا مِن مَرْقَدِنا هذا. ثم يَبْتَدِئُ الكلامَ فيقالُ: ما وعَد الرحمنُ. بمعنى: بَعْثُكم وعدُ الرحمنِ. فتكونَ ﴿مَا﴾ حينَئذٍ رفعًا على هذا المعنى.\nوقد اختَلف أهلُ التأويل فى الذى يقولُ حينئذٍ: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾؛ فقال بعضُهم: يقولُ ذلك أهلُ الإيمان بالله.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٦٠.\n(^٢) بياض فى الأصل، والقراءة في تفسير الثوري ص ٢٥٠.\n(^٣) في م: \"عند\".","vol":"19","page":457},{"text":"مجاهدٍ: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾: [ما بَيَّن، المؤمنون يقولونه] (^١)، هذا حينَ البعثِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾. قال: قال أهلُ الهدى: هذا ما وعَد الرحمنُ وصدَق المرسَلون (^٣).\nوقال آخرون: بل كِلا القولين -أعنى: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ - من قول الكفارِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾: ثم قال بعضُهم لبعضٍ: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾، كانوا أخبَرونا أنا نُبعَثُ بعد الموتِ، ونحاسَبُ ونُجازَى (^٤).\nوالقولُ الأوَّلُ أشبهُ بظاهر التنزيلِ، وهو أن يكون من كلام المؤمنين؛ لأن الكفارَ في قيلِهم: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. دليلٌ على أنهم كانوا بمَن بعَثهم من مرْقَدِهم جُهَّالًا؛ وذلك من جَهْلِهم استَثْبَتوا، ومحالٌ أن يكونوا استَثْبَتوا ذلك إلَّا من\n_________\n(^١) فى م: \"مما سر المؤمنون يقولون\"، وفى ت ١: \"ما سر المؤمنون يقولون\"، وفي ت ٢: \"مايتين المؤمنون يقولونه\"، وفى تفسير مجاهد ص ٥٦١ كما في الحاشية: \"ماسر المؤمنين يقولون\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٦٠، ٥٦١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا فى الأهوال (٨٧) من طريق سعيد بمعناه. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٤٤ عن معمر، عن قتادة بمعناه. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) ينظر البحر المحيط ٧/ ٣٤١.","vol":"19","page":458},{"text":"غيرِهم، ممن خالفَت صفتُه صفتَهم في ذلك.\n\n<span id=\"aya-3758\"></span>وقولُه: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن كانت إعادتُهم أحياءً بعدَ مَماتِهم إلا صيحةً واحدةً، وهى النفخةُ الثالثةُ فى الصور، ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. يقولُ: فإذا هم مُجتمعون لدينا قد أُحْضِروا، فأُشْهِدوا مَوْقفَ العرضِ والحسابِ، لم يَتَخَلَّفْ عنه منهم أحدٌ.\nوقد بَيَّنَّا اختلافَ المختلفين في قراءتِهم: ﴿إِلَّا صَيْحَةً﴾ بالنصبِ والرفعِ، فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\n\n<span id=\"aya-3759\"></span><span data-type='title' id=toc-7740>القولُ في تأويل قولِه ﷿: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا (٥٤) إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَالْيَوْمَ﴾. يعنى يوم القيامةِ، ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾، كذلك ربُّنا لا يَظْلِمُ نفسًا شيئًا، فلا يوفِّيها جزاء عملِها الصالحِ، ولا يَحْمِلُ عليها وِزْرَ غيرِها، ولكنه يُوَفِّى كلُّ نفسٍ أجرَ ما عمِلت من صالحٍ، ولا يُعاقِبُها إلا بما اجتَرَمت واكتَسَبت من شيءٍ، ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: ولا تُكافَئُون إلا مكافأةَ أعمالِكم التي كنتم [تعملون بها] (^٢) في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-3760\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. اختلف أهلُ التأويل في معنى الشُّغُلِ الذى وصَف اللهُ جلَّ ثناؤُه أصحابَ الجنةِ أنهم فيه يومَ القيامةِ؛ فقال بعضُهم: ذلك افتضاضُ العَذارَى.\n_________\n(^١) تقدم في ص ٤٢٨.\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢: \"تعملونها\".","vol":"19","page":459},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصِ بنِ حُمَيدٍ، عن شِمْرِ ابن عطيةَ، عن شَقِيقِ بنِ سَلَمةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. قال: شَغَلَهم افتضاضُ العَذارَى (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمِرُ، عن أبيه، عن أبي عمرٍو، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. قال: افتضاضِ الأبكارِ (^٢).\nحدَّثني عُبَيدُ بنُ أَسْباط بن محمدٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. قال: افتضاضِ الأبكارِ (^٣).\nحدَّثني الحسنُ بنُ زُرَيْقٍ الطَّهَوِيُّ، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنى الحسينُ بنُ علىٍّ الصَّدَائىُّ، قال: ثنا أبو النضر، عن الأشجعيِّ، عن وائلِ بن داودَ، عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. قال: فى افتضاضِ العَذارَى (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٧٦)، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد -كما في حادي الأرواح ص ١٨٢ - عن ابن حميد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٧٧) من طريق سليمان التيمى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٦ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه هناد في الزهد (٨٩) عن أسباط، عن أبيه، عن عكرمة من قوله.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٦٩.","vol":"19","page":460},{"text":"وقال آخرون: بل عُنِى بذلك أنهم في نعمةٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾. قال: فى نعمةٍ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم فى شُغُلِ عما فيه أهلُ النارِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا مَرْوانُ، عن جُوَيبرٍ، عن أبي سَهْلٍ، عن الحسنِ فى قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ الآية. قال شَغَلهم النعيمُ عما فيه أهلُ النارِ من العذابِ (^٢).\nحدَّثنا نصرُ بنُ علىٍّ الجَهْضَمِيُّ، قال: ثنا أبي، عن شُعْبَةَ، عَن أَبانِ بنِ تَغْلِبَ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ الآية. قال: في شُغُلٍ عما يَلْقَى أهلُ النارِ (^٣).\nوأَولى الأقوالِ فى ذلك بالصواب أن يقالَ كما قال اللهُ جل ثناؤه: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ وهم أهلُها، ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ بنِعَمٍ بأنهم (^٤) في شُغُلٍ، وذلك\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ٥٦١. ومن طريقه الفريابي في تفسيره -كما فى تغليق التعليق ٤/ ٢٩١ - وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٢٦٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٦٨. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٦ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٦٨.\n(^٤) فى م: \"تأتيهم\".","vol":"19","page":461},{"text":"الشُّغُلُ الذي هم فيه نعمةٌ، وافتضاضُ أبكارٍ، ولَهْوٌ، ولَذَّةٌ، وشُغُلٌ عما يَلْقَى أهلُ النار.\nوقد اختلَفت القَرَأَةُ فى قراءة قولِه: ﴿فِي شُغُلٍ﴾؛ فقرأت ذلك عامةُ قرأة المدينةِ، وبعضُ البَصْريين على اختلافٍ عنه فيه: (فى شُغْلٍ) بضمِّ الشين وتسكينِ الغينِ (^١).\nوقد رُوِى عن أبي عمرٍو الضمُّ فى الشين والتسكينُ في الغينِ، والفتحُ في الشين والغينِ جميعًا (في شَغَلٍ).\nوقَرأ ذلك بعضُ أهل المدينة والبصرة وعامةُ قرأة أهل الكوفة: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ بضمِّ الشينِ والغينِ (^١).\nوالصوابُ في ذلك عندى قراءتُه بضَمِّ الشين والغين، أو بضمِّ الشينِ وسكونِ الغين، بأىِّ ذلك قرَأه القارئُ فهو مصيبٌ؛ لأن ذلك هو القراءةُ المعروفةُ في قرأةِ الأمصارِ مع تقارُبِ معنَيَيهما.\nوأما قراءتُه بفتح الشين والغين فغيرُ جائزةٍ عندى؛ لإجماع الحجةِ من القرأةِ على خلافِها.\nواختلَفوا أيضًا فى قراءة قوله: ﴿فَاكِهُونَ﴾؛ فقرأت ذلك عامةُ قرأة الأمصار: ﴿فَاكِهُونَ﴾ بالألفِ. وذُكر عن أبي جعفرٍ القارئ أنه كان يقرؤُه: (فَكِهُونَ) بغيرِ ألفٍ (^٢).\n_________\n(^١) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (شُغْل) ساكنة الغين -وروى أبو زيد وعلى بن نصر عن أبي عمرو: (شُغْل) و﴿شُغُل﴾ - وقرأ الباقون (شُغُل) بضم الشين والغين. السبعة ص ٥٤١، ٥٤٢. وقراءة أبي عمرو بفتح الشين والغين في الإملاء للعكبرى ٢/ ١١٠، وإعراب القرآن للنحاس ٢/ ٧٢٨، والكشاف ٣/ ٣٢٧، ومعجم القراءات القرآنية ٥/ ٢١٤. وهي قراءة شاذة.\n(^٢) ينظر النشر ٢/ ٢٦٥، ٢٦٦.","vol":"19","page":462},{"text":"والصوابُ من القراءة فى ذلك عندى قراءةُ من قرأه بالألف (^١)؛ لأن ذلك هو القراءةُ المعروفةُ.\nواختلَف أهلُ التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فَرِحون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. يقولُ: فَرِحون (^٢).\nوقال آخرون: معناه: عَجِبون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَاكِهُونَ﴾. قال: عَجِبون (^٣).\nواختلَف أهلُ العلم بكلام العرب فى ذلك؛ فقال بعضُ البَصْريين منهم: الفَكِهُ الذى يَتَفَكَّهُ. وقال: تقولُ العربُ للرجل إذا كان يَتَفكَّهُ بالطعام أو بالفاكهة أو بأعراضِ الناسِ: إن فلانًا لفَكِهٌ بأعراضِ الناسِ. قال: ومَن قرأها: ﴿فَاكِهُونَ﴾ جعَله كثيرَ الفواكهِ (^٤)، صاحبَ فاكهةٍ. واستشهَدَ لقولِه ذلك ببيتِ الحُطَيئةِ (^٥):\n_________\n(^١) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره -كما في الإتقان ٢/ ٣٩ - من طريق أبي صالح به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٦١. ومن طريقه الفريابي في تفسيره -كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٩١.\n(^٤) في الأصل، ت ١: \"الفاكهة\".\n(^٥) ديوانه ص ١٦٨.","vol":"19","page":463},{"text":"ودَعَوتَنِي (^١) وزَعَمْتَ أَنـ … ـك لَابِنٌ بالصيفِ تامِرْ\nأي: عندَه لَبَنٌ كثيرٌ، وتمرٌ كثيرٌ، وكذلك عاسلٌ، ولاحِمٌ، وشاحمٌ (^٢).\nوقال بعضُ الكُوفيِّين: ذلك بمنزلة: حاذِرون وحَذِرون (^٣).\nوهذا القولُ الثاني أشبهُ بالكلمة.\n\n<span id=\"aya-3761\"></span><span data-type='title' id=toc-7741>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعني تعالى ذكرُه جميعًا بقولِه: ﴿هُمْ﴾ أصحابَ الجنةِ، ﴿وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ مِن أهل الجنة فى الجنةِ.\nكما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾. قال: حلائلُهم في ظُلَلٍ (^٤).\nواختلَفت القرأةُ فى قراءة ذلك؛ فقرَأ ذلك بعضُهم: (في ظُلَلٍ) بمعنى: جمعُ ظُلَّةٍ، كما تُجْمَعُ الحُلَّةُ حُلَلًا.\nوقَرَأه آخرون: ﴿فِي ظِلَالٍ﴾. وإذا قُرِئ ذلك كذلك كان له وجهان؛ أحدُهما: أن يكون مُرادًا به جمعُ الظلِّ (^٥) الذى هو بمعنى الكِنِّ، فيكونُ معنى الكلام حينَئذٍ: هم وأزواجُهم في كِنٍّ لا يَضْحَون لشمسٍ كما يَضْحَى لها أهلُ\n_________\n(^١) كذا فى م، ت ١، ت ٢، ومجاز القرآن. وفى الأصل: \"وغررتنى\"، وفي الديوان: \"أغررتني\".\n(^٢) مجاز القرآن ٢/ ١٦٣، ١٦٤.\n(^٣) معانى القرآن ٢/ ٣٨٠.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٦١. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) فى م، ت ١، ت ٢: \"الظلل\".","vol":"19","page":464},{"text":"الدنيا؛ لأنه لا شمسَ فيها. والآخرُ: أن يكون مرادًا به جمعُ ظُلَّةٍ، فيكونُ وجهُ جمعِها كذلك نظيرَ جمعِهم الخُلَّةَ فى الكثرة الخِلالَ، والقُلَّةَ القِلالَ (^١).\n\nوقولُه: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾. فالأرائكُ هى الحِجالُ (^٢) فيها السُّرُرُ والفُرُشُ، واحدتُها أريكةٌ. وكان بعضُهم يَزْعُمُ أَن كلَّ فِراشٍ أريكةٌ، ويَستَشْهِدُ لقولِه ذلك بقولِ ذي الرُّمَّةِ (^٣):\n. . . . . . . . . . . . كأنَّما … يُباشِرْنَ بالمَعْزاءِ مَسَّ الأرائِكِ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\n\n<span id=\"aya-3762\"></span>حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾. قال: هي السُّرُرُ في الحِجَال.\nحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حُصَينٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾. قال: الأرائكُ: السُّرُرُ عليها الحِجالُ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال ثنا سفيانُ، قال: ثنا حُصَينٌ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾. قال: الأرائكُ: السُّرُرُ فى الحِجالِ (^٤).\n_________\n(^١) قرأ حمزة والكسائي: (ظُلَل) بضم الظاء من غير ألف. وقرأ الباقون: ﴿ظِلَالٍ﴾ بكسر الظاء وبألف بعد اللام. ينظر الكشف ٢/ ٢١٩، وحجة القراءات ص ٦٠١.\n(^٢) الحجال والحَجَل: جمع الحَجَلَة، وهو موضع يزين بالثياب والستور والأسرة للعروس. تاج العروس (ح ج ل).\n(^٣) ديوانه ٣/ ١٧٢٩. وتقدم في ١٥/ ٢٥٦.\n(^٤) تفسير الثورى ص ٢٥١.","vol":"19","page":465},{"text":"حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾. قال: سُرُرٌ عليها الحِجَالُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: زعَم محمدٌ أن عكرمة قال: الأرائكُ: السُّرُرُ فى الحِجالِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سَمِعتُ الحسنَ وسأله رجلٌ عن الأرائكِ، فقال: هى الحِجالُ. وأهلُ اليمن يقولون: أريكةُ فلانٍ. وسَمِعتُ عكرمةَ وسُئِل عنها، فقال: هى الحِجالُ على السُّرُر (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾. قال: هى الحِجالُ فيها السُّرُرُ (^٢).\nوقولُه: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾. يقولُ: لهؤلاء -الذين ذكَرهم اللهُ ﵎ من أهلِ الجنةِ- في الجنةِ فاكهةٌ، ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾. يقولُ: ولهم فيها ما يَتَمَنَّون. وذُكر عن العربِ أنها تقولُ: ادَّعِ (^٣) علىَّ ما شئتَ. أى: تَمَنَّ عليَّ ما شئتَ.\n\n<span id=\"aya-3763\"></span>وقولُه: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾. وفي رفعِ ﴿سَلَامٌ﴾ وجهان في قولِ بعضِ نحويِّى الكوفةِ؛ أحدُهما: أن يكونَ خبرًا لـ ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾، فيكون معنى الكلامِ: ولهم فيها (^٤) ما يَدَّعون مُسَلَّمٌ لهم خالصٌ. وإذا وُجِّه معنى الكلامِ إلى ذلك، كان القولُ حينَئذٍ منصوبًا، توكيدًا خارجًا من السلام، كأنه قيل: ولهم فيها\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٥٦٩.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٤٥ عن معمر عن قتادة به.\n(^٣) في الأصل: \"ادعى\"، وفى م: \"دع\".\n(^٤) ليست فى: م، ت ١، ت ٢.","vol":"19","page":466},{"text":"ما يدَّعون مسلَّمٌ خالصٌ حقًّا، كأنه قيل: قاله قولًا. والوجهُ الثاني: أن يكونَ قولُه: ﴿سَلَامٌ﴾ مرفوعًا على المدح، بمعنى: هو سلامٌ لهم قولًا مِن الله. وقد ذُكر أنها في قراءة عبد اللهِ: (سَلامًا قَوْلًا) (^١) على أن الخبرَ مُتَنَاهٍ عندَ قولِه: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾، ثم نصَب (سَلامًا) على التوكيد، بمعنى:: مُسَلَّمًا قولًا.\nوكان بعضُ نحويِّى البصرة يقولُ: انتَصَب ﴿قَوْلًا﴾ على البدل من اللفظِ بالفعلِ، كأنه قال: أقولُ ذلك قولًا. قال: ومَن نصَبها نصَبها على خبر المعرفة على قولِه: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾.\nوالذى هو أولى بالصوابِ -على ما جاء به الخبرُ عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِىِّ- أن يكونَ: ﴿سَلَامٌ﴾ خبرًا لقولِه: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾، فيكونُ معنى ذلك: ولهم فيها ما يدَّعون، وذلك هو سلامٌ من الله عليهم، بمعنى: تسليمٌ من الله، ويكونُ ﴿سَلَامٌ﴾ ترجمةً عما يدَّعون، ويكونُ القولُ خارجًا من قولِه: ﴿سَلَامٌ﴾.\nوإنما قلتُ ذلك أولَى بالصوابِ؛ لما حدَّثنا به إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهرىُّ، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرِئُ، عن حَرْملةَ، عن سليمانَ بن حُمَيدٍ، قال: سمعتُ محمدَ بنَ كعبٍ يحدِّثُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، قال: إذا فرَغ اللهُ مِن أهل الجنةِ وأهلِ النارِ، أقبَل يَمْشِى فى ظُلَلٍ مِن الغَمام والملائكةِ، فيَقِفُ على أول أهل درجةٍ، فيُسَلِّمُ عليهم، فيَرُدُّون عليه¬ السلامَ، وهو في القرآن: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، فيقولُ: سَلُوا. فيقولون: ما نسألُك؟ وعِزَّتِك وجلالِك لو أنك قَسَمْتَ بينَنا أرزاقَ الثَّقَلَين لأطعَمْناهم وسَقَيناهم وكَسَوناهم. فيقولُ: سَلُوا. فيقولون: نسألُك رضاك. فيقولُ: رِضائى أحَلَّكم دارَ كَرامتى. فيَفْعَلُ ذلك بأهلِ كلِّ درجةٍ حتى\n_________\n(^١) ينظر مختصر الشواذ ص ١٢٦، والبحر المحيط ٧/ ٣٤٣.","vol":"19","page":467},{"text":"ينتهىَ. قال: ولو أن امرأةً مِن الحُورِ العِينِ اطَّلعَت (^١)، لأطفأ ضوءُ سِوارَيها الشمسَ والقمرَ، فكيف بالمُسَوَّرةِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا حَرْمَلَةُ، عن سليمانَ بنِ حُمَيدٍ، قال: سمعتُ محمدَ بنَ (*) كعبٍ القُرَظِىَّ يحدِّثُ عمرَ بنَ عبدِ العزيز، قال: إذا فرَغ اللهُ مِن أهل الجنةِ وأهلِ (^٣) النارِ، أقبَل في ظُللٍ مِن الغَمَامِ والملائكةِ. قال: فيُسَلِّمُ على أهل الجنة، فيَرُدُّون عليه¬ السلامَ. قال القُرَظىُّ: وهذا في كتاب الله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ فيقولُ: سَلُونى. فيقولون: ماذا نسألُك أى ربِّ؟ قال: بل سَلُونى. قالوا: نسألُك أى ربِّ رضاك. قال: رضائى أحَلَّكم دارَ كرامتى. قالوا: ياربّ، وما الذى نسألُك؟ فوعزَّتِك وجلالك وارتفاعِ مكانِك، لو قَسَمتَ علينا رزقَ الثَّقَلَين لأطعَمْناهم ولأسقَيناهم ولألبَسْناهم ولأخْدَمناهم، لا يَنْقُصُنا ذلك شيئًا. قال: إن لدىَّ مزيدًا. قال: فيفعلُ الله ذلك بهم في دَرَجِهم، حتى يستوىَ فى مجلسِه. قال: ثم تأتيهم التحفُ مِن اللهِ تَحْمِلُها إليهم الملائكةُ. ثم ذكَر نحوَه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ سنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا أبو عبد الرحمن، قال: ثنا حَرْملةُ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حُمَيدٍ، أنه سمع محمد بن كعبٍ القُرَظِيَّ يحدِّثُ عمر بن عبد العزيز،\n_________\n(^١) في م: \"طلعت\".\n(^٢) أخرجه اللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٧٧١) من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ ببعضه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٧ إلى المصنف وأبى نصر السجزي في الإبانة.\n(*) سقطت اللوحة [١٢٣ ظ، ١٢٤ و] من مصورة الأصل.\n(^٣) سقط من: م، ت ٢.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٧٠ عن المصنف.","vol":"19","page":468},{"text":"قال: إذا فرَغ اللهُ مِن أهل الجنة وأهل النار، أقبَل يَمْشِي في ظُلَلٍ مِن الغَمَامِ ويقفُ.\nقال: ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال: فيقولون: فماذا نسألُك يا ربِّ؟ فوعزَّتِك وجلالك وارتفاع مكانِك، لو أنك قسَمتَ علينا أرزاق الثقلين؛ الجنِّ والإنسِ، لأطعَمْناهم ولسقَيناهم ولأخدَمْناهم، مِن غير أن يَنتقِصَ ذلك شيئًا مما عندنا. قال: بلي فسَلُونى. قالوا: نسألُك رضاك. قال: رضائى أحلَّكم دارَ كرامتى. فيفعلُ هذا بأهل كلِّ درجةٍ، حتى ينتهىَ إلى مجلسه. وسائرُ الحديث مثلُه. فهذا القولُ الذى قاله محمدُ بنُ كعبٍ، يُنْبِئُ عن أن ﴿سَلَامٌ﴾ بيانٌ عن قوله: ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾، وأن \"القول\" خارجٌ من \"السلام\".\nوقولُه: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾. يعني: رحيمٍ بهم، إذ لم يعاقِبْهم بما سلف لهم مِن جُرْمٍ في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-3764\"></span><span data-type='title' id=toc-7742>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾.</span>\nيعنى بقولِه: ﴿وَامْتَازُوا﴾: تَمَيَّزوا، وهى افتَعلوا، مِن مازَ يَميزُ، وفعل يفعلُ، منه: امتازَ يمتازُ امتيازًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾. قال: عُزِلوا عن كلِّ خيرٍ (^١).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٧ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":469},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ محمدٍ المُحاربيُّ، عن إسماعيلَ بنِ رافعٍ، عمَّن حدَّثه، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"إذا كان يوم القيامة أمَر الله جهنمَ، فيَخْرُجُ منها عُنُقٌ ساطِعٌ مُظْلِمٌ، ثم يقولُ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾، امْتَازُوا اليوم أيُّها المجرمون. فيَتَمَيَّزُ الناسُ ويَجْثُون، وهى قولُ اللهِ: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ \" (^١) [الجاثية: ٢٨].\nفتأويلُ الكلام إذن: وتَمَيَّزوا من المؤمنين اليوم أيُّها الكافرون باللهِ، فإنكم واردون غيرَ مَوْرِدِهم، وداخلون غير مَدْخَلِهم.\n\n<span id=\"aya-3765\"></span>وقولُه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، وفى الكلام متروكٌ استُغْنِى بدلالة الكلام عليه منه، وهو: ثُم يقالُ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾. يقولُ: ألم أُوصِكم وآمُرْكم في الدنيا ألا تَعْبُدوا الشيطان، فتُطيعوه في معصية الله؟! ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. يقولُ: وأقولُ لكم: إن الشيطان لكم عدوٌّ مبينٌ، قد أبان لكم عداوتَه، بامتناعه من السجودِ لأبيكم آدمَ؛ حسدًا منه له على ما كان الله أعطاه من الكرامةِ، وغُرورَه إياه، حتى أخرَجه وزوجتَه من الجنةِ.\n\n<span id=\"aya-3766\"></span>وقولُه: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. يقولُ: وألم أَعْهَدْ إليكم أن اعبُدونى دونَ كلِّ ما سواى من الآلهةِ والأنداد، وإياى فأطيعوا؛ فإن إخلاصَ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٧١ عن المصنف. وهو جزء من حديث طويل تقدم تخريجه في ٣/ ٦١١ - ٦١٣.","vol":"19","page":470},{"text":"عبادتي، وإفرادَ طاعتى، ومعصية الشيطان، هو الدينُ الصحيحُ، والطريقُ المستقيمُ؟!\n\n<span id=\"aya-3767\"></span><span data-type='title' id=toc-7743>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾: ولقد صَدَّ الشيطانُ منكم خلقًا كثيرًا عن طاعتى وإفرادى بالأُلوهةِ، حتى عبدوه، واتَّخَذوا من دونى آلهةً يَعْبُدونها.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾. قال: خلقًا (^١).\nواختَلَفت القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قَرَأةِ المدينة وبعضُ الكُوفيين: ﴿جِبِلًّا﴾ بكسر الجيم وتشديد اللام. وكان بعضُ المكيِّين وعامةُ قرأة الكوفة يَقْرَءُونه: (جُبُلًا) بضمِّ الجيمِ والباءِ وتخفيف اللام، وكان بعضُ قرأةِ البصرةِ يَقْرَؤُه: (جُبْلًا) بضمِّ الجيم وتسكين الباء (^٢). وكلُّ هذه لغاتٌ معروفات؛ غير أنى لا أحبُّ القراءة فى ذلك إلَّا بإحدَى القراءتين اللتين إحداهما بكسر الجيم وتشديد اللام، والأخرى: ضمُّ الجيم والباء وتخفيف اللام؛ لأن ذلك هي القراءةُ التي عليها عامةُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٦١.\n(^٢) قرأ نافع وعاصم: ﴿جِبِلًّا﴾ بكسر الجيم والباء تشديد اللام، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: (جُبُلًا) بضم الجيم والباء، وقرأ أبو عمرو وابن عامر: (جُبْلًا) بضم الجيم وتسكين الباء. ينظر حجة القراءات ص ٦٠١، ٦٠٢.","vol":"19","page":471},{"text":"قَرَأةِ الأمصارِ.\nوقولُه: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: أفلم تكونوا تَعْقِلُون أيُّها المشركون -إذ أطَعتم الشيطان فى عبادة غيرِ اللهِ- أنه لا يَنْبَغِى لكم أن تُطِيعوا عدوَّكم وعدوَّ الله، وتَعْبُدوا غير الله.\n\n<span id=\"aya-3768\"></span>وقولُه: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. يقولُ: هذه جهنمُ التي كنتم تُوعَدون بها في الدنيا على كفركم بالله، وتكذيبكم رسله، فكنتم بها تُكَذِّبون. وقيل: إن جهنم أولُ بابٍ من أبواب النارِ.\n\n<span id=\"aya-3769\"></span>وقولُه: ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: احتَرِقوا بها اليومَ ورِدُوها. يعنى باليوم: يوم القيامة، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: بما كنتم تَجْحَدونها في الدنيا، وتُكَذِّبون بها.\n\n<span id=\"aya-3770\"></span><span data-type='title' id=toc-7744>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾: اليومَ نطبعُ على أفْواه المشركين، وذلك يوم القيامةِ، ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ بما عملوا في الدنيا من مَعاصى اللهِ، ﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾. قيل: إن الذى ينطقُ مِن أرجلِهم أفخاذُهم من الرِّجْل اليُسرى، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ في الدنيا من الآثامِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا يونسُ بنُ عُبَيدٍ، عن حُميد بن هلالٍ، قال: قال أبو بُرْدةَ، قال أبو موسى: يُدْعَى المؤمنُ للحسابِ يومَ","vol":"19","page":472},{"text":"القيامةِ، فيَعْرِضُ عليه ربُّه عمله فيما بينَه وبينَه، فيعترفُ، فيقولُ: نعم أى ربِّ، عمِلتُ عمِلتُ عمِلتُ. قال: فيغفرُ الله له ذنوبَه، ويسترُه منها، فما على الأرضِ خليقةٌ يرى من تلك الذُّنوبِ شيئًا، وتَبْدو حسناتُه، فودَّ أن الناس كلَّهم يَرَونها، ويُدْعَى الكافرُ والمنافقُ للحسابِ، فيَعرِضُ عليه ربُّه عمله فيَجْحَدُه، ويقولُ: أى ربِّ، وعِزَّتِك لقد كتَب علىَّ هذا المَلَكُ ما لم أعملْ. فيقولُ له المَلَكُ: أما عمِلتَ كذا في يومِ كذا في مكان كذا؟ فيقولُ: لا وعِزَّتِك، أى ربِّ، ما عملتُه. فإذا فعل ذلك خُتِم على فِيهِ. قال الأشعرىُّ: فإنى أحسَبُ أوَّلَ ما ينطقُ منه لَفَخِذَه اليُمْنى. ثم تلا: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثني يحيى، عن أبي بكر بن عَيَّاشٍ، عن الأعمش، عن الشعبيِّ، قال: يقالُ للرجل يومَ القيامة: عملت كذا وكذا. فيقولُ: ما عملتُ. فيُخْتَمُ على فِيهِ، وتنطقُ جَوارحُه، فيقولُ لجوارحه: أَبْعَدَكُنَّ اللهُ، ما خاصَمتُ إِلا فيكنَّ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية. قال: قد كانت خصوماتٌ وكلامٌ، فكان هذا آخره، وخُتِم على أفواهِهم (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ الطائيُّ (^٤)، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ عَيَّاشٍ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٧٣ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٨ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) في الأصل: \"الطى\".","vol":"19","page":473},{"text":"ضَمْضَمِ بنِ زُرْعةَ، عن شُرَيحِ بنِ عُبَيدٍ، عن عقبة بن عامرٍ، أنه سمع النبيَّ ﷺ يقولُ: \"أوَّلُ شَيْءٍ يتكلمُ من الإنسانِ يومَ يختمُ اللهُ على الأفواهِ، فَخِذُه مِن رِجْلِه اليُسْرَى\" (^١).\n\n<span id=\"aya-3771\"></span><span data-type='title' id=toc-7745>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَف أهلُ التأويل في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾؛ فقال بعضُهم: عنى بذلك: ولو نشاءُ لأعْمَيناهم عن الهُدى، وأَضْلَلْناهم عن قَصْدِ الحُجَّةِ (^٢).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾. يقولُ: أضْلَلتُهم وأعمَيتُهم عن الهُدى (^٣).\nوقال آخرون: معني ذلك: ولو نشاءُ لترَكْناهم عُمْيًا.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٧٣ عن المصنف وأخرجه ابن أبي عاصم في الأوائل (٥٣) والطبراني ١٧/ ٣٣٣ (٩٢١)، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٥٧٢ - من طريق إسماعيل بن عياش به، وأخرجه أحمد ٢٨/ ٦٠٢ (١٧٣٧٤) من طريق إسماعيل بن عياش به موصولًا، عن شريح بن عبيد، عمن حدثه عن عقبة، وينظر علل ابن أبي حاتم ٢/ ٨٧ وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٧ إلى ابن مردويه.\n(^٢) فى م، ت ١: \"المحجة\".\n(^٣) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٣٠٨) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":474},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ، [قال: ثنا] (^١) ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسن في قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾. قال: لو يشاءُ لطَمَس على أعينهم فترَكهم عُمْيًا يتردَّدون (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: ولو شِئْنا لترَكْناهم عُمْيًا يتردَّدون (^٣).\nوهذا القولُ الذي ذكرناه عن الحسن وقتادة أشبهُ بتأويل الكلام؛ لأن الله إنما تهدَّد به قومًا كفارًا، فلا وجه لأن يقال وهم كفارٌ: لو نشاء لأضْلَلْناهم. وقد أضَلَّهم، ولكنه قال: لو نشاءُ لعاقبناهم على كفرهم، فطَمَسْنا على أعينهم فصَيَّرْناهم عُمْيًا لا يُبْصِرون طريقًا، ولا يَهْتَدون له. والطَّمْسُ على العين: هو أَلَّا يكونَ بينَ جَفْنَى العينِ غَرٌّ؛ وذلك هو الشِّقُّ الذى يكونُ بين الجفنَين، كما تَطْمِسُ الريحُ الأَثَرَ، يقال: أعمى مطموسٌ وطَمِيسٌ.\nوقولُه: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾. يقولُ: فابتَدَروا الطريق.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، وينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٥٧٣.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٤٥ عن معمر عن قتادة به.","vol":"19","page":475},{"text":"قولَه: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾. قال: الطريق (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾. أى: الطريق (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾. قال: الصِّراطُ: الطريقُ.\nوقولُه: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: فأَىَّ وَجْهٍ يُبْصرون أن يَسْلُكوه من الطرق، وقد طَمَسْنا على أعينهم!\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ وقد طمَسْنا على أعينهم (^٣).\nوقال الذين وجَّهوا تأويلَ قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ إلى أنه معنىٌّ به العَمَى عن الهدَى: تأويلُ قولِه: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾: فأَنّي يَهْتَدُون للحقِّ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: فكيف يَهْتَدون (^٤)!\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٦١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير ابن كثير ٦/ ٥٧٣.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٦١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٣٠٨) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":476},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: لا يُبْصِرون الحقَّ (^١).\n\n<span id=\"aya-3772\"></span>وقولُه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولو نشاءُ لأقْعَدْنا هؤلاء المشركين من أرجلهم في منازلهم، ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾. يقولُ: فلا يستطيعون أن يَمْضُوا أمامَهم، ولا أن يرجعوا وراءَهم.\nوقد اختلَف أهلُ التأويل فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم بنحو الذي قلنا في ذلك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسن: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾. قال: لو نشاءُ لأقْعَدْناهم (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾. أى: لأقْعَدْناهم على أرجلهم، ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾: فلم يستطيعوا أن يتقدَّموا ولا يتأخَّروا (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ولو نشاءُ لأهلَكْناهم في منازلهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ٦/ ٥٧٣.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم بلفظ: لجعلناهم كسحا لا يقومون. وينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٥٧٣.\n(^٣) أخرج الجزء الأول منه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٤٥ بنحوه، وأما الجزء الآخر فعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٨ إلى المصنف وعبد بن حميد، وينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٥٧٣.","vol":"19","page":477},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾. يقولُ: ولو نشاءُ أهلَكْناهم فى مساكِنهِم (^١).\nوالمكانةُ والمكانُ بمعنًى واحدٍ، وقد بَيَّنَّا ذلك فيما مضى قبلُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3773\"></span><span data-type='title' id=toc-7746>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ﴾ فنَمُدَّ له في العُمُرِ، ﴿نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾. يقولُ: نرُدُّه إلى مثل حاله في الصِّبا مِن الهَرَمِ والكِبَرِ، وذلك هو النَّكسُ فى الخلقِ، فيصيرُ لا يعلمُ شيئًا بعد العلم الذي كان يعلمُه.\nوبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾. يقولُ: مَن نَمُدَّ له في العُمُرِ نُنَكِّسْه في الخلقِ، لكيلا يعلمَ بعدَ علمٍ شيئًا، يعنى الهَرَم (^٣).\nواختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿نُنَكِّسْهُ﴾؛ فقرأه عامةُ قرأة المدينةِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم، وذكره ابن حجر في تغليق التعليق ٤/ ٢٩٢ عن المصنف، وزاد فيه: والمكانة والمكان واحد. وهو من كلام المصنف.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٩/ ٥٦٧.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":478},{"text":"والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين: (نَنْكُسْهُ) بفتح النون الأولى وتَسْكين الثانية (^١). وقرأته عامَّةُ قرأة الكوفة: ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ بضمِّ النون الأولى وفتح الثانية وتشديد الكافِ (^٢).\nوالصوابُ من القولِ فى ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قرأةِ الأمصارِ، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ، غير أن التي عليها عامةُ قرأة الكوفيِّين أعجبُ إليَّ؛ لأن التنكيس من الله فى الخلقِ إنما هو حالٌ بعد حالٍ، وشيءٌ بعد شيءٍ، فذلك [تأكيدُ التشديد] (^٣).\nوكذلك اختلَفوا فى قراءة قوله: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾؛ فقرأته قرأةُ (^٤) المدينةِ: (أَفَلا تَعْقِلُونَ) بالتاء على وَجْهِ الخطابِ (^٥). وقرأته قرأةُ الكوفة بالياء على الخبرِ (^٦)، وقراءةُ ذلك بالياء أشبهُ بظاهر التنزيلِ؛ لأنه احتجاجٌ من الله على المشركين الذين قال لهم (^٧): ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ فإخراجُ ذلك خبرًا على نحو ما خُرِّج قولُه: ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ أعجبُ إلىَّ، وإن كان الآخر غير مدفوعٍ.\nويعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾: أفلا يعقلُ هؤلاء المشركون قُدْرةَ الله على ما يشاءُ بمُعاينتِهم ما يُعايِنون من تَصْريفِ خلقِه فيما شاء وأحبَّ، من\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٥٤٣.\n(^٢) وهى قراءة عاصم وحمزة. إتحاف فضلاء البشر ص ٢٢٥.\n(^٣) في م، ت ١: \"تأييد للتشديد\".\n(^٤) بعده في الأصل: \"عامة\".\n(^٥) وهى قراءة نافع. السبعة لابن مجاهد ص ٥٤٣.\n(^٦) وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٧) سقط من: م، ت ١.","vol":"19","page":479},{"text":"صِغَرٍ إلى كِبَرٍ، ومن تَنْكيسٍ بعد كِبَرٍ في هَرَمٍ؟\n\n<span id=\"aya-3774\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما عَلَّمْنا محمدًا الشعرَ، وما ينبغى له أن يكونَ شاعرًا.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. قال: قيل لعائشةَ: هل كان رسولُ الله ﷺ يَتَمَثَّلُ بشيءٍ مِن الشِّعْرِ؟ قالت: كان أبغض الحديثِ إليه، غير أنه كان يتمثَّلُ ببيت أخي بني قيسٍ، فيجعلُ آخرَه أوَّلَه، وأوَّله آخره، فقال له أبو بكرٍ: إنه (^١) ليس هكذا. فقال نبىُّ الله: \"إنِّى والله ما أنا بشاعرٍ، ولا يَنْبَغى لى\" (^٢).\nوقولُه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما هو إلا ذكرٌ. يعنى بقوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾. أى (^٣): محمدٌ، ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ لكم أيُّها الناسُ، ذكَّركم الله بإرساله إيَّاه إليكم، ونَبَّهَكم به على حَظِّكم، ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ: وهذا الذي جاءكم به محمدٌ قرآنٌ مبينٌ، يقولُ: يَبِينُ لمَن تَدَبَّره بعقلٍ ولُبٍّ، أنه تنزيلٌ من الله، أنزَله إلى محمدٍ، وأنه ليس بشعْرٍ ولا سَجْعِ كاهنٍ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾. قال: هذا القرآنُ (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل: \"لله أنت\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٤٥، ١٤٦ عن معمر عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. والبيت المقصود هو قول طرفة:\nستبدى لك الأيام ما كنت جاهلا … ويأتيك بالأخبار من لم تزود\n(^٣) في الأصل، ت ١: \"يا\".\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":480},{"text":"<span id=\"aya-3775\"></span>وقولُه: ﴿لِيُنْذِرَ (^١) مَنْ كَانَ حَيًّا﴾. يقولُ: إنْ محمدٌ إلا ذكرٌ لكم ليُنْذِرَ منكم أيُّها الناسُ من كان حىَّ القلبِ، يَعْقِلُ ما يقالُ له، ويفهمُ ما يُبَيِّنُ له، غير ميتِ الفؤادِ بَلِيدٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن رجلٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾. قال: مَن كان عاقلًا (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾: حىَّ القلب، حىَّ البصر (^٣).\nوقولُه: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: ويجب (^٤) العذابُ على أهلِ الكفر بالله، المُوَلِّين عن اتِّباعه، المُعْرِضين عما أتاهم به من عند الله.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى\n_________\n(^١) في الأصل: \"لتنذر\"، وهى قراءة نافع وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٥٤٤.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٤٦٥٣) من طريق أبي كريب به، وأخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب العقل (٣١)، والبزار في مسنده (٣٢١١) من طريق أبي معاوية به، ولم يذكر كل من البزار والبيهقي في الإسناد: عن رجل.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، وينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٥٧٨.\n(^٤) فى م: \"يحق\".","vol":"19","page":481},{"text":"الْكَافِرِينَ﴾؛ بأعمالِهم (^١).\n\n<span id=\"aya-3776\"></span><span data-type='title' id=toc-7747>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾؛ هؤلاء المشركون باللهِ الآلهةَ والأوثانَ، ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾. يقولُ: مما خلَقْنا من الخلقِ، ﴿أَنْعَامًا﴾ وهى المواشى التي خلقها الله لبنى آدم، فسَخَّرها لهم من الإبل والبقر والغنم، ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾. يقولُ: فهم لها مُصَرِّفون كيف شاءوا بالقهر منهم لها والضَّبْطِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾. أى: ضابِطون (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ فقيل له: أهى الإبلُ؟ فقال: نعم. قال: والبقرُ من الأنعام، وليست بداخلةٍ (^٣) في هذه الآية. قال: والإبلُ والبقرُ والغنمُ من الأنعامِ. وقرأ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣]. قال: والبقرُ والإبلُ هى النَّعمُ (^٤)، وليست تدخُلُ الشاءُ (^٥) في النَّعمِ (٤).\n_________\n(^١) في ت ١: \"المعرضين عما أتاهم\". والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) فى الأصل، ت ١: \"بداخل\".\n(^٤) في الأصل: \"الغنم\".\n(^٥) في الأصل: \"الشاة\".","vol":"19","page":482},{"text":"<span id=\"aya-3777\"></span>وقولُه: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾. يقولُ: وذَلَّلْنا هذه الأنعام لهم، ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾. يقولُ: فمنها ما يركبون كالإبل يسافرون عليها، يقالُ: هذه دابةٌ رَكُوبٌ. والرُّكُوبُ بالضمِّ: هو الفعلُ، ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ لحومَها.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ يركبونها يسافرون عليها، ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ لحومها (^١).\n\n<span id=\"aya-3778\"></span><span data-type='title' id=toc-7748>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَهُمْ﴾ فى هذه الأنعام، ﴿مَنَافِعُ﴾. وذلك منافعُهم فى أصوافِها وأوبارِها وأشعارها، باتخاذهم من ذلك أثاثًا ومتاعًا، ومن جلودها أكنانًا، ﴿وَمَشَارِبُ﴾ يشربون ألبانها.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾: يَلْبَسون أصوافَها، ﴿وَمَشَارِبُ﴾: يشرَبون ألبانَها (^١).\nوقولُه: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: أفلا يشكُرون نِعْمتى (^٢) هذه، وإحْساني إليهم؛ بطاعتى وإفرادِ الأُلوهةِ لى والعبادة، وترك طاعة الشيطان وعبادة الأصنام؟!.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٢٦٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في الأصل: \"يعني\".","vol":"19","page":483},{"text":"<span id=\"aya-3779\"></span>وقولُه: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾. يقولُ: واتَّخَذ هؤلاء المشركون مِن دونِ اللهِ آلهةً يعبُدونها، ﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾. يقولُ: طَمَعًا أن تنصُرَهم تلك الآلهةُ مِن عقابِ اللهِ وعذابِه.\n\n<span id=\"aya-3780\"></span><span data-type='title' id=toc-7749>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: لا تستطيعُ هذه الآلهة نصرَهم مِن اللهِ إن أراد بهم سُوءًا، ولا تدفعُ عنهم ضُرًّا.\nوقولُه: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾. يقولُ: وهؤلاء المشركون لآلهتِهم جندٌ مُحْضَرون.\nواختلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿مُحْضَرُونَ﴾. وأين حُضُورُهم إياهم؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك: وهم لهم جندٌ مُحْضَرون عندَ الحسابِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾. قال: عندَ الحسابِ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وهم لهم جندٌ مُحْضَرون فى الدنيا يغضَبون (^٢) لهم.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٦١، ومن طريقه الفريابى -كما فى تغليق التعليق ٤/ ٢٩١.\n(^٢) فى الأصل: \"محضرون\".","vol":"19","page":484},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾: الآلهةُ، ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾: والمشركون يغضَبون للآلهةِ فى الدنيا، وهى لا تسوقُ إليهم خيرًا، ولا تدفع عنهم سوءًا (^١)، إنما هي أصنامٌ (^٢).\nوهذا الذى قاله قتادةُ أولى القولَين عندَنا بالصوابِ فى تأويلِ ذلك؛ لأن المشركين عند الحساب تتبرأُ منهم (^٣) الأصنامُ، وما كانوا يعبُدونه، فكيف يكونون لها جندًا حينَئذٍ، ولكنهم فى الدنيا هم لهم جندٌ يغضَبون (^٤) لهم، ويُقاتِلون دونَهم.\n\n<span id=\"aya-3781\"></span>وقولُه تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فلا يَحْزُنْك يا محمدُ قولُ هؤلاء المشركين باللهِ مِن قومِك لك: إنك شاعرٌ، وما جِئتَنا به شعرٌ ولا تكذيبُهم بآياتِ اللهِ وجحودُهم نُبُوَّتَك.\nوقولُه: ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا نعلمُ أن الذى يَدْعُوهم إلى قيلِ ذلك لك الحسدُ، وهم يعلَمون أن الذى جئتَهم به ليس بشعرٍ، ولا يُشْبِهُ الشعرَ، وأنك لستَ بكذَّابٍ، فنعلمُ ما يُسِرُّون مِن معرفتِهم بحقيقةِ ما تدعوهم إليه، وما يُعْلِنُون مِن جُحُودِهم ذلك بألسنتِهم علانيةً.\n\n<span id=\"aya-3782\"></span><span data-type='title' id=toc-7750>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ</span>\n_________\n(^١) فى الأصل: \"شرا\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٦٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٣) فى الأصل: \"منها\".\n(^٤) فى الأصل: \"محضرون\".","vol":"19","page":485},{"text":"رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ﴾. واختُلِف فى الإنسانِ الذى عُنى بقولِه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى به أُبىُّ بنُ خلفٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبى يحيى، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾. قال: أُبىُّ بنُ خَلَفٍ أَتَى رسولَ اللهِ ﷺ بعَظْمٍ (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:\n\n<span id=\"aya-3783\"></span>﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾. قال: أُبىُّ بنُ خلفٍ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ،\n\n<span id=\"aya-3784\"></span>عن قتادةَ قولَه: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾: ذُكِر لنا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أتاه أبىُّ بنُ خلفٍ بعَظْمٍ حائلٍ، فَفَتَّه، ثم ذَرَاه فى الريحِ، ثم قال: يا محمدُ، مَن يُحْيى هذا وهو رميمٌ؟ قال: \"اللهُ يُحْيِيه، ثم يُمِيتُك (^٣)، ثم يُدْخِلُك النارَ\". قال: فقتَله رسولُ اللهِ ﷺ يومَ أُحُدٍ (^٤).\nوقال آخرون: بل عُنِى به العاصُ بنُ وائلٍ السَّهْمِىُّ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٦١.\n(^٣) فى م: \"يميته\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٤٦ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"19","page":486},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: جاء العاصُ بنُ وائلٍ السَّهْمِىُّ إلى رسولِ اللهِ ﷺ بعَظْمٍ حائلٍ، فَفَتَّه بينَ يدَيه، فقال: يا محمدُ، أيبعثُ اللهُ هذا حيًّا بعدَما أرَمَّ (^١)؟ قال: \"نَعَمْ يَبْعَثُ اللهُ هذا، ثم يُمِيتُكَ ثم يُحْيِيكَ، ثم يُدْخِلُك نارَ جهنمَ\". قال: فنزَلت الآياتُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٢).\nوقال آخرون: بل عُنى به عبدُ اللهِ بنُ أُبىٍّ (^٣).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ إلى قولِه: ﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾. قال: جاء عبدُ اللهِ بنُ أُبىٍّ إلى النبىِّ ﷺ بعَظْمٍ حائلٍ، فكسَره بيدِه، ثم قال: يا محمدُ، كيف يبعثُ اللهُ هذا وهو رَمِيمٌ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"يَبْعَثُ اللهُ هذا، ويُمِيتُك، ثم يُدْخِلُك جهنمَ\". فقال اللهُ: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) فى الأصل، ت ١: \"أدى\".\n(^٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦/ ٥٨٠ عن المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم -كما فى تفسير ابن كثير ٦/ ٥٨٠ - والحاكم ٢/ ٤٢٩ من طريق هشيم به موصولا عن ابن عباس.\n(^٣) بعده فى الأصل: \"الزمن\"\n(^٤) أخرجه ابن مردويه -كما فى تخريج الزيلعى ٣/ ١٦٨ - من طريق محمد بن سعد به، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٦/ ٥٨٠ ثم قال: وهذا منكر؛ لأن السورة مكية، وعبد الله بن أبى ابن سلول إنما كان بالمدينة.","vol":"19","page":487},{"text":"فتأويلُ الكلامِ إذن: أو لم يَرَ هذا الإنسانُ الذى يقولُ: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ أنَّا خلَقناه مِن نطفةٍ فسَوَّيناه خلقًا سَوِيًّا، ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ﴾. يقولُ: فإذا هو ذو خُصُومةٍ لربِّه، يُخاصِمُه فيما قال له ربُّه إنى فاعلٌ، وذلك إخبارُ اللهِ إيَّاه أنه مُحْيى خلقِه بعدَ مماتِهم، فيقولُ: مَن يُحْيِى هذه العظامَ وهى رَمِيمٌ؟ إنكارًا منه لقُدرةِ اللهِ على إحْيائِها.\nوقولُه: ﴿مُبِينٌ﴾. يقولُ: يَبينُ لمَن سمِع خُصومتَه وقيلَه ذلك، أنه مخاصمٌ ربَّه الذى خلَقه.\nوقولُه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾. يقولُ: ومَثَّل لنا شَبَهًا بقولِه: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ إذ كان لا يقدِرُ على إحياءِ ذلك أحدٌ، يقولُ: فجعَلَنا كمَن لا يقدرُ على إحياءِ ذلك مِن الخلقِ، ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾. يقولُ: ونسِى خَلْقَنا إيَّاه كيف خلَقناه، وأنه لم يَكُنْ إلا نطفةً، فجعَلناها خَلْقًا سَوِيًّا ناطقًا. [يقولُ: فلم يُفكِّرْ فى خَلْقِناه، فيعلمَ أن مَن خَلَقه مِن نطفةٍ حتى صار بَشَرًا سويًّا ناطقًا] (^١) مُتَصَرِّفًا، لا يَعْجِزُ أن يُعِيدَ الأمواتَ أحياءً، والعظامَ الرَّميمَ بَشَرًا كهيئتِهم التى كانوا بها قبلَ الفناءِ، يقولُ اللهُ ﷿ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ لهذا المشركِ القائلِ لك: مَن يُحْيِى العظامَ وهى رَمِيمٌ: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. يقولُ: يُحْيِيها الذى ابتدَع خَلْقَها أولَ مرةٍ ولم تَكُنْ شيئًا، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: وهو بجميعِ خلقِه ذو علمٍ؛ كيف يميتُ، وكيف يُحْيى، وكيف يُبْدِئُ، وكيف يُعيدُ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن أمرِ خلقه.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.","vol":"19","page":488},{"text":"<span id=\"aya-3785\"></span><span data-type='title' id=toc-7751>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قُلْ يُحْيِيها الذى أنشَأها أوَّلَ مرةٍ، ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾. يقولُ: الذى أخرَج (^١) لكم مِن الشجرِ الأخضرِ نارًا تُحْرِقُ الشجرَ، لا يمتنعُ عليه فعلُ ما أرادَ، ولا يعجِزُ عن إحياءِ العظامِ التى قد رَمَّت، وإعادتِها بَشَرًا سويًّا وخلقًا جديدًا، كما بدَأها أوَّلَ مرةٍ.\nوبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾. يقولُ: الذى أخرَج هذه النارَ مِن هذا الشجرِ الأخضرِ (^٢) قادرٌ أن يبعثَه (^٣).\nقولُه: ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾. يقولُ: فإذا أنتم مِن الشجرِ توقِدون النارَ.\nوقال: ﴿مِنْهُ﴾ و\"الهاءُ\" مِن ذكرِ الشجرِ، ولم يَقُلْ: \"منها\". والشجرُ جمعُ شجرةٍ؛ لأنه خُرِّج (^٤) مخرجَ الثمرِ والحصَى، ولو قيل: \"منها\". كان صوابًا\n_________\n(^١) فى الأصل: \"جعل\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٤) بعده فى الأصل: \"منها\".","vol":"19","page":489},{"text":"أيضًا؛ لأن العربَ تُذكِّرُ مثلَ هذا وتُؤنِّثُه.\n\n<span id=\"aya-3786\"></span>وقولُه: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾. يقوُل تعالى ذكرُه مُنَبِّهًا هذا الكافرُ الذى قال: من يحيى العظامَ وهى رَميمٌ. على خطأِ قولِه وعظيمِ جهلِه: أوَ ليس الذى خلَق السماواتِ السبعَ والأرضَ بقادرٍ على أن يخلُقَ مثلَكم (^١)، فإن خلقَ مثلِكم مِن العظامِ الرَّمِيمِ ليس بأعظمَ مِن خلقِ السماواتِ والأرضِ. يقولُ: فمَن لم يَتعذَّرْ عليه خلقُ ما هو أعظمُ مِن خَلْقِكم، فكيف يَتعذَّرُ عليه إحياءُ العظامِ مِن بعدِ ما قد رَمَّت وبَلِيَت؟\nوقولُه: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ يقولُ: بلى، هو قادرٌ على أن يخلُقَ مثلَهم، وهو الخلّاقُ لِما يشاءُ، الفَعَّالُ لِما يريدُ، العليمُ بكلِّ ما خلَق ويخلُقُ، لا يخفَى عليه خافيةٌ.\n\n<span id=\"aya-3787\"></span><span data-type='title' id=toc-7752>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّما أَمْرُ اللهِ إذا أراد خلقَ شيءٍ أن يقولَ لهُ: كنْ. فيكونُ.\nوكان قتادةُ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾. قال: هذا مِثْلُ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قال: ليس مِن كلامِ العربِ شيءٌ هو أخفَّ مِن ذلك، ولا\n_________\n(^١) فى الأصل: \"مثلهم\" ـ","vol":"19","page":490},{"text":"أهونَ، فأمْرُ اللهِ كذلك (^١).\n\n<span id=\"aya-3788\"></span>وقولُه: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فتَنْزيهٌ للذى (^٢) بيدِه مُلْكُ كلِّ شيءٍ وخزائنُه.\nوقولُه: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: وإليه تُرَدُّون، وتَصِيرون بعدَ مماتِكم.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"يس\".\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٢) فى م، ت ١: \"الذى\".","vol":"19","page":491},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7753>تفسيُر سورةِ الصَّافَّاتِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-3789\"></span><span data-type='title' id=toc-7754>القولُ فى تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا </span>(٣)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: أقسَم اللهُ تعالى ذكرُه بالصَّافَّات، والزّاجِراتِ، والتّالِياتِ الذِّكرَ (^١)؛ فأما الصَّافَّاتُ فإنّها الملائكةُ الصَّافَّاتُ لربِّها فى السماءِ، وهى جمعُ صافَّةٍ، فالصَّافَّاتُ جَمْعُ جَمْعٍ، وبذلك جاء تأويلُ أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى سلمُ بنُ جُنادةَ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، قال: كان مسروقٌ يقولُ فى الصَّافَّاتِ: هى الملائكةُ (^٢).\nحدَّثنا إسحاقُ بنُ أبى إسرائيلَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شُميلٍ، قال: أخبَرنا شُعْبةُ، عن سليمانَ، قال: سمِعتُ أبا الضحى (^٣)، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ بمثلِه (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:\n_________\n(^١) فى م، ت ١: \"ذكرًا\".\n(^٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧/ ٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧١ إلى سعيد بن منصور.\n(^٣) فى الأصل: \"الضحاك\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٤٧، والفريابى -كما فى الدر المنثور ٥/ ٢٧١ - ومن طريقه الطبراني (٩٠٤١)، والحاكم ٢/ ٤٢٩ من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.","vol":"19","page":492},{"text":"﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾. قال: قسمٌ؛ أقسَم اللهُ بخلقٍ ثم خلقٍ ثم خلقٍ. والصَّافَّاتُ: الملائكةُ صُفوفًا فى السماءِ (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قولِه: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾. قال: هم الملائكةُ (^٢).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾. قال: هذا قسمٌ أقسَم اللهُ به.\n\n<span id=\"aya-3790\"></span>واختلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾؛ فقال بعضُهم: هى الملائكةُ تَزْجُرُ السحابَ تَسُوقُه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾. قال: الملائكةُ (^٣).\nحدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قولِه: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾. قال: هم الملائكةُ (^٤).\nوقال آخرون: بل ذلك آىُ القرآنِ التى زجَر اللهُ بها عمّا زجَر بها عنه فى القرآنِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧١ إلى المصنف وابن أبى حاتم.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٦٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) ينظر تفسير القرطبى ٥/ ٦٢، وتفسير ابن كثير ٧/ ٣.","vol":"19","page":493},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾. قال: ما زجَر اللهُ عنه فى القرآنِ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: والذى هو أولى بتأويلِ الآيةِ عندَنا ما قاله مجاهدٌ ومن قال: هم الملائكةُ. لأن اللهَ جلَّ ثناؤه ابتدَأ القسَمَ بنوعٍ من\nالملائكةِ، وهم الصافُّون بإجماعٍ من أهلِ التأويلِ، فلأن يكونَ الذى بعدَه قسمًا بسائرِ أصنافِهم أشبهُ.\n\n<span id=\"aya-3791\"></span>وقولُه: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾. يقولُ: فالقارئاتِ كتابًا.\nواختلَف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بذلك؛ فقال بعضُهم: هم الملائكةُ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾. قال: الملائكةُ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾. قال: هم الملائكةُ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٤٧ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٦٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧/ ٣.","vol":"19","page":494},{"text":"وقال آخرون: هو ما يُتلَى مما (^١) فى القرآنِ من أخبارِ الأممِ قبلَنا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾. قال: ما يُتلَى عليكم فى القرآنِ من أخبارِ الناسِ [والأممِ قبلَكم] (^٢) (^٣).\n\n<span id=\"aya-3792\"></span><span data-type='title' id=toc-7755>القولُ فى تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾: والصَّافَّاتِ صفًّا، إن معبودَكم الذى يَستوجِبُ عليكم أيُّها الناسُ العبادةَ، وإخلاصَ الطاعةِ منكم له، لواحدٌ لا ثانىَ له ولا شريكَ. يقولُ: فله أخْلِصوا العبادةَ، وإياه فأفرِدوا بالطاعةِ، ولا تجعَلوا له فى عبادتِكم إياه شريكًا.\n\n<span id=\"aya-3793\"></span>وقولُه: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾. [يقولُ: هو واحدٌ مدبرٌ (^٤) السماواتِ السبعَ والأرضَ (^٥) وما بينَهما] (٢) من الخَلْقِ، ومالكٌ ذلك كلَّه، والقيِّمُ على جميعِ ذلك.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٤) فى م: \"خالق\".\n(^٥) سقط من: م.","vol":"19","page":495},{"text":"يقولُ: فالعبادةُ لا تَصلُحُ إلا لمَن هذه صفتُه، فلا تَعبُدوا غيرَه، ولا تُشرِكوا معَه فى عبادتِكم إياه من لا يَضُرُّ ولا يَنفَعُ، ولا يَخلُقُ شيئًا ولا يُفْنيه.\nواختلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ رفعِ: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: رُفِع على معنى: إن إلهَكم لربٌّ. وقال غيرُه: هو رَدٌّ على ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾. ثم فسَّر الواحدَ، فقال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ فهو ردٌّ على واحدٍ. وهذا القولُ عندى أشبهُ بالصوابِ فى ذلك؛ لأن الخبرَ هو قولُه: ﴿لَوَاحِدٌ﴾، وقولُه: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ ترجمةٌ عنه، وبيانٌ مردودٌ على إعرابهِ.\nوقولُه: ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾. يقولُ: ومُدبِّرُ مشارقِ الشمسِ فى الشتاءِ والصيفِ، ومغاربِها، والقيِّمُ على ذلك ومُصلِحُه. وترَك ذكرَ المغاربِ، لدلالةِ الكلامِ عليه، واستَغنَى بذكرِ المشارقِ مِن ذكرِها، إذ كان معلومًا أن معَها المغاربَ.\nوبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾: وقَع القسَمُ على هذا؛ إنَّ إلهَكم لواحدٌ، ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾. قال: مشارقِ الشمسِ فى الشتاءِ والصيفِ (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) عزا السيوطى شطره الأول فى الدر المنثور ٥/ ٢٧١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم. وأخرج عبد الرزاق شطره الثانى فى تفسيره ٢/ ١٤٧ عن معمر عن قتادة، وفيه زيادة فى أوله، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧١ إلى ابن المنذر.","vol":"19","page":496},{"text":"السدىِّ قولَه: ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾. قال: المشارقُ ستون وثلاثُمائةِ مشرقٍ، والمغارِبُ مثلُها، عددَ أيامِ السنةِ (^١).\n\n<span id=\"aya-3794\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾. اختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ: (بزينةِ الكواكبِ) بإضافةِ الزينةِ إلى الكواكبِ، وخفضِ الكواكبِ، بمعنى: إنا زيَّنا السماءَ الدنيا التى تليكم أيها الناسُ، وهى الدنيا إليكم، بتزيينِها الكواكبُ. أى بأنْ زيَّنتها الكواكبُ. وقرَأ ذلك جماعةٌ من قرأةِ الكوفة: ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ بتنوينِ الزينةِ، وخفضِ الكواكبِ؛ ردًّا لها على الزينةِ، بمعنى: إنا زينا السماءَ الدنيا بزينةٍ هى الكواكبُ، كأنه قال: زيَّناها بالكواكبِ. ورُوى عن بعضِ قرأةِ الكوفةِ أنه كان يُنوِّنُ الزينةَ، ويَنصِبُ الكواكبَ (^٢)، بمعنى: إنا زينا السماءَ الدنيا بتزيينِنا الكواكبَ. ولو كانت القراءةُ فى الكواكبِ جاءت رفعًا، إذا نُوِّنت الزينةُ، لم يكنْ لحنًا، بَلْ (^٣) كان صوابًا فى العربيةِ، وكان معناه: إنا زيَّنا السماءَ الدنيا بتزيينِها الكواكبُ. أى بأنْ زيَّنتها الكواكبُ. وذلك أن الزينةَ مصدرٌ، فجائزٌ توجيهُها إلى أىِّ هذه الوجوهِ التى وُصِفت فى العربيةِ.\nوأما القراءةُ فأعجبُها إلىَّ بإضافةِ الزينةِ إلى الكواكبِ وخفضِ الكواكبِ؛ لصحةِ معنى ذلك فى التأويلِ والعربيةِ وأنَّها قراءةُ أكثرِ قرأةِ الأمصارِ، وإن كان التنوينُ فى الزينةِ وخفضُ الكواكبِ عندى صحيحًا أيضًا، فأما النصبُ فى\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧١. إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) قرأ عاصم وحمزة بتنوين الزينة، وقرأ الباقون وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكسائى بغير تنوين. وقرأ أبو بكر بنصب الكواكب، وقرأ الباقون بخفضها. التيسير ص ١٥٠.\n(^٣) فى م، ت ١: \"و\".","vol":"19","page":497},{"text":"الكواكبِ والرفعُ، فلا أستجيزُ القراءةَ بهما؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ على خلافِهما، وإن كان لهما فى الإعراب والمعنى وجهٌ صحيحٌ.\nوقد اختلَف أهلُ العربيةِ فى تأويلِ ذلك إذا أضيفت الزينةُ إلى الكواكبِ؛ فكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: إذا قُرئ ذلك كذلك، فليس يعنى بعضَها، ولكنَّ زينتَها حُسنُها، وكان غيرُه يقولُ: معنى ذلك إذا قُرِئ كذلك: إنا زيَّنا السماءَ الدنيا بأن زيَّنتْها الكواكبُ. وقد بيَّنا الصوابَ فى ذلك عندَنا.\n\n<span id=\"aya-3795\"></span>وقولُه: ﴿وَحِفْظًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وحفظًا للسماءِ الدنيا زيَّناها بزينةِ الكواكبِ.\nوقد اختلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ نصبِ قولِه: ﴿وَحِفْظًا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: قال: ﴿وَحِفْظًا﴾؛ لأنه بدلٌ من اللفظِ بالفعلِ، كأنه قال: وحفِظناها حفظًا. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: إنما هو من صلةِ التزيينِ؛ إنا زيَّنا السماءَ الدنيا حفظًا لها. وأدخَل الواوَ على التكريرِ؛ أى: وزيَّناها حفظًا لها. فجعَله من التزيينِ. وقد بيَّنتُ (^١) القولَ فيه عندَنا، وتأويلُ الكلامِ: وحفظًا لها من كل شيطانٍ عاتٍ خبيثٍ زيَّناها.\nكما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَحِفْظًا﴾. يقولُ: جعَلتُها حفظًا من كلِّ شيطانٍ ماردٍ.\n\n<span id=\"aya-3796\"></span>وقولُه: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾. اختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: (لا يسْمَعون) بتخفيفِ السينِ مِن ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾ بمعنى أنهم يَتسمَّعون ولا يَسمعون.\n_________\n(^١) فى م: \"بينا\".","vol":"19","page":498},{"text":"وقرَأه عامةُ قرأةِ الكوفيين بعدُ: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ بمعنى: لا يتسمَّعون، ثم أدغَموا التاءَ فى السينِ فشدَّدوها (^١).\nوأولى القراءتين فى ذلك عندى بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه بالتخفيفِ (^٢)؛ لأن الأخبارَ الواردةَ عن رسولِ اللهِ ﷺ وعن أصحابِه، أن الشياطينَ قد تتسمَّعُ (^٣) الوحىَ، ولكنها تُرْمَى بالشُّهُبِ لئلا تَسْمَعَ.\nذكرُ روايةِ بعضِ ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبى إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت للشياطينِ مقاعدُ فى السماءِ. قال: فكانوا يَسمَعون الوحىَ. قال: وكانت النجومُ لا تُجرَى (^٤)، وكانت الشياطينُ لا تُرْمَى. قال: فإذا سمِعوا الوحىَ نزَلوا إلى الأرضِ، فزادوا فى الكلمةِ تسعًا. قال: فلما بُعِثَ رسولُ اللهِ ﷺ جعَل الشيطانُ إذا قعَد مقعدَه جاءه شهابٌ، فلم يُخْطِه حتى يَحرِقَه. قال: فشكَوا ذلك إلى إبليسَ، فقال: ما هو إلا لأمرٍ حدَث. قال: فبَثَّ (^٥) جنودَه، فإذا رسولُ اللهِ ﷺ قائمٌ يُصلِّى بينَ جَبَلَىْ نخلةَ. قال أبو كريبٍ: قال وكيعٌ: يعنى بطنَ نخلةَ. قال: فرجَعوا إلى إبليسَ فأخبَروه. قال: فقال: هذا (^٦) الذى حدَث (^٧).\n_________\n(^١) قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو، وعاصم فى رواية أبى بكر بتخفيف السين، وقرأ حمزة والكسائى وحفص عن عاصم بالسين مشددة. السبعة ص ٥٤٧.\n(^٢) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٣) فى الأصل: \"تسمع\".\n(^٤) فى الأصل: \"تدرى\".\n(^٥) فى م: \"فبعث\".\n(^٦) فى الأصل: \"هو\".\n(^٧) أخرجه أحمد ٤/ ٢٨٣، ٢٨٤ (٢٤٨٢)، والترمذى (٣٣٢٤)، والطبرانى (١٢٤٣١) من طريق =","vol":"19","page":499},{"text":"حدَّثنا ابنُ وكيعٍ وأحمدُ بنُ يحيى الصوفىُّ، قالا: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ: عن أبى إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت الجنُّ يصعَدون إلى السماءِ الدنيا، يَستمعون الوحىَ، فإذا سمِعوا الكلمةَ زادوا فيها تسعًا، فأما الكلمةُ فتكونُ حقًّا، وأما ما زادوا (^١) فيكونُ باطلًا، فلما بُعِث النبىُّ ﷺ مُنِعوا مقاعدَهم، فذكَروا ذلك لإبليسَ، ولم تكنِ النجومُ يُرْمَى بها قبلَ ذلك، فقال لهم إبليسُ: ما هذا إلا لأمرٍ حدَث فى الأرضِ. فبعَث جنودَه، فوجَدوا رسولَ اللهِ ﷺ قائمًا يُصلِّى، فأتَوه فأخبَروه، فقال: هذا الحدثُ الذى حدَث (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا [عبدُ اللهِ] (^٣) بنُ رجاءٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت الجنُّ لهم (^٤) مقاعدُ. ثم ذكَر نحوَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى الزهرىُّ، عن علىِّ بنِ الحسينِ (^٥)، عن ابنِ عباسٍ، قال: حدَّثنى رهطٌ مِن الأنصارِ، قالوا: بينا نحنُ جلوسٌ ذاتَ ليلةٍ معَ رسولِ اللهِ ﷺ، إذ رأى كوكبًا رُمِى به، فقال: \"ما تقولون فى هذا الكوكبِ الذى رُمِى (^٦) به؟ \". فقلنا: يُولَدُ مولودٌ، أو يَهلِكُ هالِكٌ، ويموتُ مَلِكٌ، ويَملِكُ مَلِكٌ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ:\n_________\n= إسرائيل به. وأخرجه أبو يعلى (٢٥٠٢)، والبيهقى فى الدلائل ٢/ ٢٣٩، ٢٤٠ من طريق أبى إسحاق به.\n(^١) بعده فى الأصل: \"فيها\".\n(^٢) أخرجه النسائى (١١٦٢٦ - كبرى) من طريق عبيد الله به.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) فى الأصل: \"لها\".\n(^٥) بعده فى م: \"عن أبى إسحاق\". وفى ت ١: \"عن ابن إسحاق\". وتنظر مصادر التخريج، وينظر أيضا تهذيب الكمال ٢٠/ ٣٨٢.\n(^٦) فى م، ت ١: \"يرمى\".","vol":"19","page":500},{"text":"\"ليس كذلك، ولكن اللهَ كان إذا قضَى أمرًا فى السماءِ، سبَّح لذلك حَمَلةُ العرشِ، فسبَّح (^١) لتسبيحِهم مَن يَلِيهم مِن تحتِهم مِن الملائكةِ، فما يزالون كذلك حتى يَنتهِىَ التسبيحُ إلى السماءِ الدنيا، فيقولُ أهلُ السماءِ الدنيا لمَن يَلِيهم مِن الملائكةِ: ممَّ سبَّحتُم؟ فيقولون: ما ندرى، سمِعنا مَن فوقَنا مِن الملائكةِ سبَّحُوا، فسبَّحنا اللهَ لتسبيحِهم، ولكنَّا سنَسألُ. فيَسألون مَن فوقَهم، فما (^٢) يزالون كذلك حتى يُنتهَى (^٣) إلى حملةِ العرشِ، فيقولون: قضَى اللهُ كذا وكذا. فيُخبِرون به مَن يَلِيهم حتى يَنتهُوا إلى السماءِ الدنيا، فيَسترِقُ الجنُّ ما يقولون، [فيَنزِلون به] (^٤) إلى أوليائِهم من الإنسِ، فيُلقُونَه على ألسنتِهم، بتوهُّمٍ منهم، فيُخبِرونهم به، فيكونُ بعضُه حقًّا وبعضُه كذبًا، فلم تزَلِ الجنُّ كذلك حتى رُمُوا بهذه الشُّهُبِ\" (^٥).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا عبدُ الأعلى، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، عن علىِّ بنِ حسينٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: بينما النبىُّ ﷺ فى نفرٍ من الأنصارِ، إذ رُمِىَ بنجمٍ، فاستنار، فقال النبىُّ ﷺ: \"ما كنتم تقولون لمثلِ هذا فى الجاهليةِ إذا رأيتُمُوه؟ \". قالوا: كنا نقولُ: يموتُ عظيمٌ، أو يُولَدُ عظيمٌ. قال رسولُ الله ﷺ: \"فإنه لا يُرمَى به لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، ولكنْ ربُّنا تبارك اسمُه إذا قضَى أمرًا سبَّح حملةُ العرشِ، ثم سبَّح أهلُ السماءِ الذين يَلُونَهم، [ثم الذين يَلُونهم] (^٦)\n_________\n(^١) فى م، ت ١: \"فيسبح\".\n(^٢) فى ت ١: \"فلا\".\n(^٣) فى الأصل: \"ينتهوا\".\n(^٤) فى الأصل: \"فينزلونه\". وفى م: \"فينزلون\".\n(^٥) أخرجه أحمد ٣/ ٣٧٣، ٣٧٤ (١٨٨٣)، ومسلم (٢٢٢٩)، والطحاوى فى مشكل الآثار (٢٣٣٢ - ٢٣٣٤)، وابن حبان (٦١٢٩)، وأبو نعيم فى الحلية ٣/ ١٤٣، والبيهقى فى الدلائل ٢/ ٢٣٦ وفى الأسماء والصفات (٤٣٦)، وابن منده فى الإيمان (٧٠١) من طريق الزهرى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٦) سقط من: ت ١.","vol":"19","page":501},{"text":"حتى يَبلُغَ التسبيحُ أهلَ هذه السماءِ، ثم يسألُ أهلُ السماءِ السابعةِ حملةَ العرشِ: ماذا قال ربُّنا؟ فيُخبِرونهم، ثم يَستخبِرُ أهلُ كلِّ سماءٍ سماءً (^١)، حتى يَبلُغَ الخبرُ أهلَ (^٢) السماءِ الدنيا، ويَخطِفُ الشياطينُ السمعَ، فيُرمَون، فيَقذِفونه إلى أوليائِهم، فما جاءوا به على وجهِه فهو حقٌّ، ولكنَّهم يَزِيدون\" (^٣).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: ثنا ابنُ شهابٍ، عن علىِّ بنِ حسينٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ جالسًا فى نفرٍ من أصحابِه. قال: فرُمِى بنجمٍ. ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه زاد فيه: قلتُ للزهرىُّ: أكان يُرْمَى بها فى الجاهليةِ؟ قال: نعم، ولكنها غُلِّظتْ (^٤) حينَ بُعث النبىُّ ﷺ (^٥).\nحدَّثنى علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عاصمُ بنُ علىٍّ، قال: ثنا أبى علىُّ بنُ عاصمٍ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان للجنِّ مقاعدُ فى السماءِ، يَستمِعون الوحىَ، وكان الوحىُ إذا أُوحِى سمِعت الملائكةُ كهيئةِ الحديدةِ يُرْمَى بها على الصَّفْوانِ (^٦)، فإذا سمِعت الملائكةُ صلصلةَ الوحىِ خرُّوا (^٧) لجباهِهم مَنْ فى السماءِ من الملائكةِ، فإذا نزَل عليهم أصحابُ الوحىِ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) فى الأصل: \"إلى\".\n(^٣) أخرجه الترمذى (٣٢٢٤) من طريق عبد الأعلى به.\n(^٤) فى الأصل، ت ١: \"خلطت\". وينظر مسند الإمام أحمد وتفسير عبد الرزاق.\n(^٥) أخرجه أحمد ٣/ ٣٧٢ (١٨٨٢) عن محمد بن جعفر به، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٢١ - ومن طريقه أحمد ٣/ ٣٧٣ إثر رقم (١٨٨٢)، وعبد بن حميد (٦٨٢)، والبيهقى فى الدلائل ٢/ ٢٣٨ - عن معمر به.\n(^٦) فى الأصل: \"الصفر\". والصُّفْر هو النحاس الأصفر. على أن مصادر التخريج مطبقة على أنه الصفوان أو الصفا -كما فى بعضها- وهو الحجر الأملس. وينظر أيضًا فتح البارى ٨/ ٥٣٧، ٥٣٨.\n(^٧) فى م: \"خر\".","vol":"19","page":502},{"text":"قالوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾؟ قالوا: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]. قال: فيتنادَون: قال ربُّكم الحقَّ وهو العلىُّ الكبيرُ. قال: فإذا أُنزِل إلى السماءِ الدنيا قالوا: يكونُ فى الأرضِ كذا وكذا موتًا، وكذا وكذا حياةً، وكذا وكذا جُدوبةً (^١)، وكذا وكذا خِصْبًا. وما يُريدُ أن يَصنَعَ، وما يُريدُ أن يَبتدِئَ ﵎، فنزَلت الجنُّ، فأوحَوا إلى أوليائِهم من الإنسِ بما يكونُ فى الأرضِ، فبينا هم كذلك، إذ بعَث اللهُ النبىَّ ﷺ، فزجَرت (^٢) الشياطينَ من السماءِ ورَمَوهم بالكواكبِ، فجعَل لا يَصعَدُ أحدٌ منهم إلا احترَق، وفزِع أهلُ الأرضِ لِمَا رأَوا فى الكواكبِ (^٣)، ولم يكنْ قبلَ ذلك، وقالوا: هلَك مَنْ فى السماءِ. وكان أهلُ الطائفِ أَوَّلَ مَن فزِع، فيَنطلِقُ الرجلُ إلى إبلِه فيَنحَرُ كلَّ يومٍ بعيرًا لآلهتِهم، ويَنطلِقُ صاحبُ الغنمِ فيَذبَحُ كلَّ يومٍ شاةً، ويَنطلِقُ صاحبُ البقر فيذبَحُ كلَّ يومٍ بقرَةً، فقال لهم رجلٌ: ويْلَكم! لا تُهْلِكوا أموالَكم. فإن معالمَكم من الكواكبِ التى تهتدون بها لم يَسقُطْ منها شيءٌ. فأقلَعوا، وقد أسرَعوا فى أموالِهم، وقال إبليسُ: حدَث فى الأرضِ حدثٌ. فأُتِى مِن كلِّ أرضٍ بتربةٍ، فجعَل لا يُؤتَى بتربةِ أرضٍ (^٤) إلا شمَّها، فلما أُتِى بتربةِ تِهامةَ، قال: هاهنا حدَث الحدثُ. وصرَف اللهُ إليه نفرًا من الجنِّ وهو يقرَأُ القرآنَ، فقالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] حتى ختَم الآيةَ - فولَّوا إلى قومِهم مُنذرِين (^٥).\n_________\n(^١) فى ت ١: \"حزونة\".\n(^٢) فى ت ١: \"فدحرت\". يريد: فزجرت الملائكة الشياطين.\n(^٣) بعده فى الأصل: \"مارأوا\".\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) أخرجه أبو نعيم فى الدلائل (١٧٧)، والبيهقى فى الدلائل ٢/ ٢٤٠، ٢٤١. من طريق عطاء به. وأخرجه أحمد ٣/ ٢٨٣، ٢٨٤ (٢٤٨٢)، والنسائى (١١٦٢٦ - كبرى)، والطحاوى فى المشكل (٢٣٣١) من طريق سعيد به.","vol":"19","page":503},{"text":"حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى ابنُ لَهيعةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنها قالت: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"إن الملائكةَ تَنزِلُ فى العَنانِ وهو السَّحابُ، فتَذكُرُ الأمرَ (^١) قُضِى فى السماءِ، فتَسترِقُ الشياطينُ السمعَ، فتسمَعُه، فتُوحيه إلى الكُهّانِ، فيُكذِبون معَها مائةَ كِذْبةٍ مِن عندِ أنفسِهم\" (^٢). فهذه الأخبارُ تُنْبئُ عن أن الشياطينَ تَتَسمَّعُ، ولكنها تُرْمَى بالشُّهُبِ لئلا تَسمَعَ.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أنه لما كان فى الكلامِ \"إلى\"، كان التسمُّعُ أولى بالكلامِ مِن السمعِ، فإن الأمرَ فى ذلك بخلافِ ما ظنَّ، وذلك أن العربَ تقولُ: سمِعتُ فلانًا يقولُ كذا، وسمِعتُ إلى فلانٍ يقولُ كذا، وسمِعتُ من فلانٍ.\nوتأويلُ الكلامِ: إنا زيَّنَّا السماءَ الدنيا بزينةِ الكواكبِ، وحفظًا من كلِّ شيطانٍ ماردٍ أن لا يَسَّمَّعَ إلى الملأ الأعلى. فحُذِفت \"أن\" اكتفاءً بدلالةِ الكلامِ عليها، كما قيل: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الشعراء: ٢٠٠، ٢٠١]. بمعنى: أن لا يؤمنوا به. ولو كان مكانَ ﴿لَا﴾ \"أن\"، لكان فصيحًا. كما قيل: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. بمعنى: أن لا تَضِلُّوا. وكما قال: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]. بمعنى: أن لا تميدَ بكم. والعربُ قد تَجزِمُ مع \"لا\" فى مثلِ هذا الموضعِ الكلامَ، فتقولُ: ربطتُ الفرسَ لا يَنْفَلِتْ. كما قال بعضُ بنى عُقَيلٍ (^٣):\n_________\n(^١) فى م: \"ما\".\n(^٢) أخرجه البخارى (٣٢١٠) من طريق محمد بن عبد الرحمن به، وأخرجه مسلم (٢٢٢٨)، وابن حبان (٦١٣٦)، وابن منده فى الإيمان (٦٩٩) من طريق عروة به.\n(^٣) البيت من شواهد الفراء فى المعانى ٢/ ٣٨٣، قال: وأنشدنى بعض بنى عقيل. فذكره.=","vol":"19","page":504},{"text":"وحتى رأَينا أحسنَ الوُدِّ بينَنا … مُساكتةً (^١) لا يَقرِفِ الشَّرَّ قارِفُ\nويُروى: لا يَقرِفُ. رفعًا، والرفعُ لغةُ أهلِ الحجازِ، فيما قيل.\nوقال قتادةُ فى ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾. قال: مُنِعوها.\nويعنى بقولِه: ﴿إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾. إلى جماعةِ الملائكةِ التى هم أعلى مِمَّن هم دونَهم.\n\n<span id=\"aya-3797\"></span>وقولُه: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا﴾: ويُرْمَون مِن كلِّ جانبٍ من جوانبِ السماءِ دُحُورًا، والدُّحورُ: مصدرٌ من قولِك: دَحَرْتُه أَدحَرُه دَحْرًا ودُحورًا. والدَّحْرُ هو الدفعُ والإبعادُ، يقالُ منه: ادْحَرْ عنك الشيطانَ. أى ادفَعْه عنك وأَبعِدْه.\nوبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا﴾ قذفًا قدفًا بالشُّهُبِ (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n= وقد ورد هذا البيت فى حماسة أبى تمام ٢/ ١٣١، والتذكرة السعدية ١/ ٤٧٧ من دون عزو فى كليهما، ومعه بيت قبله هو:\nوما برح الواشون حتى ارتموا بنا … وحتى قلوبٌ عن قلوب صوادف\n(^١) فى م، ت ١، والحماسة: \"مساكنة\". وينظر الفراء والتذكرة.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٤٧ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧١ إلى عبد بن حميد.","vol":"19","page":505},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ يُرمَون، ﴿مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾. قال: مِن كلِّ مكانٍ. وقولُه: ﴿دُحُورًا﴾. قال: مطرودين (^١).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا﴾. قال: الشياطينُ يُدْحَرون بها عن الاستماعِ. وقرَأ: ﴿إِلَّا مَنْ [خَطِفَ الْخَطْفَةَ] (^٢) فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾.\nوقولُه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولهذه الشياطينِ المسترِقةِ السمعَ عذابٌ مِن اللهِ واصبٌ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ فى معنى الواصبِ؛ فقال بعضُهم: معناه: المُوجِعُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن أبى صالحٍ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾. قال: مُوجِعٌ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قولِه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾. قال: المُوجِعُ (^٣).\nوقال آخرون: بل معناه: الدائمُ.\n_________\n(^١) تفسيره مجاهد ص ٥٦٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٢) فى النسخ: \"استرق السمع\". وصواب التلاوة ما أثبتنا.\n(^٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٥/ ٦٦.","vol":"19","page":506},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾. أى: دائمٌ (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾. قال: دائمٌ (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾. يقولُ: لهم عذابٌ دائمٌ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةَ، [عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ] (^٤)، عمَّن ذكَره، عن عكرمةَ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾. قال: دائمٌ (^٥).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾. قال: الواصبُ: الدائبُ.\nوأولى التأويلين فى ذلك (^٦) تأويلُ مَن قال: معناه: دائمٌ خالصٌ. وذلك أن اللهَ ﷿ قال: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: ٥٢]. فمعلومٌ أنه لم يَصِفْه بالإيلامِ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٤٧ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٦٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧١ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: م، ت ١.\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧١ إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) بعده فى م: \"بالصواب\".","vol":"19","page":507},{"text":"والإيجاعِ، وإنما وصَفه بالثباتِ والخلوصِ، ومنه قولُ أبى الأسودِ الدُّؤَلىِّ (^١):\nلا أَشترِى الحمدَ القليلَ بقاؤه … يومًا بذمِّ الدهرِ أجمعَ واصِبا\nأى: دائمًا.\n\n<span id=\"aya-3798\"></span>وقولُه: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾. يقولُ: إلا مَن استرَق السمعَ منهم، ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾. يعنى: مضئٌ متوقِّدٌ.\nوبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾: مِن نارٍ، وثُقُوبُه: ضوءُه (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ قولَه: ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾. قال: شهابٌ مضئٌ يَحرِقُه حينَ يُرْمَى به.\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ﴾. قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: لا يُقتَلون بشهابٍ (^٣)، ولا يموتون، ولكنها تَحرِقُهم مِن غيرِ قتلٍ، [وتُخَبِّلُ وتَجرَحُ] (^٤) من غيرِ قتلٍ (^٥).\n_________\n(^١) ديوانه (نفائس المخطوطات) ص ٤٥.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٤٧ عن معمر عن الحسن وقتادة.\n(^٣) فى م: \"الشهاب\".\n(^٤) فى م: \"وتخبل وتخدج\". وفى ت ١: \"وتحبل\".\nوالخَبْل: فساد الأعضاء حتى لا يدرى كيف يمشى. ورجل مُخبَّل: كأنه قد قطعت أطرافه. اللسان (خ ب ل).\n(^٥) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٥/ ٦٧ مختصرًا.","vol":"19","page":508},{"text":"حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾. قال: والثاقبُ: المُستَوقَدُ. قال: والرجلُ يقولُ: أَثقِبْ نارَك. ويقولُ: استثقِبْ نارَك: استوقِد نارَك (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، قال: سُئل الضحاكُ: هل للشياطينِ أجنحةٌ؟ فقال: كيف يطيرون إلى السماءِ إلا ولهم أجنحةٌ.\n\n<span id=\"aya-3799\"></span><span data-type='title' id=toc-7756>القولُ فى تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فاستفتِ يا محمدُ هؤلاء المشركين الذين يُنكِرُون البعثَ بعدَ المماتِ والنشورَ بعد البِلَى (^٢). يقولُ: فسَلْهم: أهم أشدُّ خلقًا؟ يقولُ: أَخَلْقُهم أشدُّ أم خلقُ مَن عدَدْنا خلقه؛ مِن الملائكةِ والشياطينِ والسماواتِ والأرضِ؟\nوذُكر أن ذلك فى قراءةِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: (أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ عَدَدْنا) (^٣).\nوبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٢ إلى ابن أبى حاتم مختصرًا.\n(^٢) فى م: \"البلاء\". والبِلى والبَلاء بمعنى، قال فى اللسان: وبلى الثوبُ يَبْلَى بِلًى وبَلاءً. اللسان (ب ل ى).\n(^٣) وهى قراءة شاذة ينظر البحر المحيط ٧/ ٣٥٤، وتفسير ابن كثير ٧/ ٥.","vol":"19","page":509},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾. قال: السماواتُ والأرضُ والجبالُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ أنه قرَأ: (أهُمْ أشدُّ خَلْقًا أمْ مَنْ عَدَدْنا). وفى قراءةِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: (عَدَدْنا). يقولُ (^٢): ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ٥]. يقولُ: أهم أشدُّ خلقًا أم السماواتُ والأرضُ؟ يقولُ: السماواتُ والأرضُ أشدُّ خلقًا مِنهم.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ [خَلَقْنَا﴾: أم من] (^٣) عدَدْنا (^٤) من خَلْقِ السماواتِ والأرضِ؟ قال اللهُ: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ الآية (^٥) [غافر: ٥٧].\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾. قال: يعنى المشركين، سَلْهم: ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾.\nوقولُه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾. يقولُ: إنا خلَقناهم من طينٍ لاصقٍ. وإنما وصَفه جلَّ ثناؤه باللُّزوبِ؛ لأنه ترابٌ مخلوطٌ بماءٍ، وكذلك خُلِق ابنُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٦٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٢) فى الأصل: \"وقوله ﵎\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١.\n(^٤) فى الأصل، ت ١: \"عندنا\".\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.","vol":"19","page":510},{"text":"آدمَ من ترابٍ وماءٍ ونارٍ وهواءٍ، والترابُ إذا خُلط بماءٍ صار طينًا لازبًا. والعربُ تُبدلُ أحيانًا هذه الباءَ ميمًا، فتقولُ: طينٌ لازمٌ. ومنه قولُ النجاشىُّ الحارثىِّ (^١):\nبَنَى اللُّؤْمُ بيتًا فاستقرَّ (^٢) عِمادُهُ … عليكم بَنِى النَّجَّارِ ضَربةَ لازِمِ\nومن اللازبِ قولُ نابغةِ بنى ذُبيانَ (^٣):\nولا يَحسَبون الخيرَ لا شرَّ بعدَهُ … ولا يَحسَبون الشرَّ ضربةَ لازِبِ\nوربما أبدَلوا الزاىَ التى فى اللازبِ تاءً، فيقولون: طينٌ لاتِبٌ. وذُكِر أن ذلك فى قَيسٍ، زعَم الفراءُ أن أبا الجرَّاحِ أنشَده (^٤):\nصُداعٌ وتَوْصِيمُ العظامِ وفَتْرَةٌ … وغَثْىٌ (^٥) مع الإشراقِ فى الجوفِ لاتبُ\nبمعنى: لازمٌ، والفعلُ مِن لازبٍ: لَزِب يَلزَبُ لَزْبًا (^٦) ولُزوبًا. وكذلك من لاتبٍ: لتَب يَلْتُبُ لُتوبًا.\nوبنحوِ الذى قلنا فى معنى ذلك (^٧) قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى عبيدُ اللهِ بنُ يوسفَ الجُبَيرِىُّ (^٨)، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، قال: ثنا\n_________\n(^١) مجاز القرآن ٢/ ١٦٧، وفيه: ضربة لازب.\n(^٢) فى م: \"فاستقرت\".\n(^٣) ديوانه ص ٤٨.\n(^٤) معانى القرآن للفراء ٢/ ٣٨٤، واللسان (ل ت ب)، وتفسير القرطبى ١٥/ ٦٩.\n(^٥) فى الأصل: \"عين\". وفى ت ١: \"عى\". وفى اللسان وتفسير القرطبى: \"غم\" وينظر معانى القرآن. ويقال: غثت نفسه تَغْثِى غَثْيًا وغَثَيانًا. قال بعضهم: هو تَحلُّب الفم فربما كان منه القئ. اللسان (غ ث ى).\n(^٦) فى الأصل: \"ويلزب\". وينظر اللسان (ل ز ب).\n(^٧) فى م، ت ١: \"لازب\".\n(^٨) فى الأصل: \"الخيبرى\". وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ١٧٩، والأنساب ٢/ ٢٣.","vol":"19","page":511},{"text":"مسلمٌ (^١)، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾. قال: هو الطينُ الحرُّ الجيِّدُ اللَّزِقُ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ البَطينِ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: اللازبُ الجيدُ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: اللازبُ اللَّزِجُ الطيِّبُ.\nحدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾. يقولُ: مُلتصِقٍ (^٤).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال:\nثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾. قال: من الترابِ والماءِ فيَصيرُ طينًا يَلْزَقُ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾. قال: اللازِبُ اللَّزِجُ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾. واللازبُ الطينُ الجيِّدُ.\n_________\n(^١) فى الأصل: \"سلم\".\n(^٢) فى م: \"اللزج\".\n(^٣) تقدم فى ١٤/ ٥٧.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٥) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (١٠١٧) من طريق أبى الأحوص به.","vol":"19","page":512},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾. واللازبُ (^١) الذى يَلْزَقُ باليدِ (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾. قال: لازِمٍ (^٣) (^٤).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾. قال: اللازبُ: الذى يَلتصِقُ كأنه غِراءٌ؛ ذلك اللازبُ.\n[حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلِىُّ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن (^٥) جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ فى قولِه: ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾. قال: هو اللازِقُ] (^٦).\n\n<span id=\"aya-3800\"></span>قولُه: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾. اختلَفت القرأة فى قراءةِ ذلك، فقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ) بضمِّ التاءِ مِن ﴿عَجِبْتَ﴾، بمعنى: بل عظُم عندى وكبُر اتخاذُهم لى شريكًا، وتكذيبُهم تنزيلى وهم يَسْخَرُون. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بفتح التاءِ. بمعنى: بل عجبتَ أنت يا محمدُ، ويسخرون مِن هذا القرآنِ (^٧).\n_________\n(^١) فى الأصل: \"اللازق\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٤٨ عن معمر عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٣) فى الأصل: \"لازق\". وفى ت ١: \"اللازق\". وينظر مصدرى التخريج.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٦٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) فى م: \"قال: ثنا\".\n(^٦) سقط من: م. وقد جاء هذا الأثر فى م قبل سابقه.\n(^٧) قرأ حمزة والكسائى بضم التاء، وقرأ الباقون بفتحها. السبعة ص ٥٤٦.","vol":"19","page":513},{"text":"والصوابُ من القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إنهما قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار، فبأيتِهما قرأ القارئ فمصيبٌ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف يكونُ مصيبًا القارئُ بهما مع اختلاف معنَييْهما؟ قيل: إنهما وإن اختلف معنياهما فكلُّ واحدٍ من معنَييْه صحيحٌ؛ قد عجِب محمدٌ مما أعطاه اللهُ من الفضل، وسخِر منه أهلُ الشركِ باللهِ، وقد عجِب ربُّنا من عظيمِ ما قاله المشركون فى اللهِ، وسَخِر المشركون بما (^١) قالوه.\nفإن قال: أفكان التنزيلُ بإحداهما أو بكلتيهما؟ قيل: التنزيل بكلتيهما. فإن قال: وكيف يكونُ تنزيلُ حرفٍ مرّتين؟ قيل: إنه لم يَنْزِلْ مرّتين، إنما أُنزِل مرّةً، ولكنه أُمِر ﷺ أن يقرَأ بالقراءتين كلتيهما، ولهذا مَوضعٌ سنستقصى إن شاء اللهُ فيه البيانَ عنه، بما فيه الكفايةُ (^٢).\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾. قال: عجِب محمدٌ من هذا القرآنِ حينَ أُعطِيَه، وسخِر منه أهل الضلالةِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3801\"></span><span data-type='title' id=toc-7757>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا</span>\n_________\n(^١) في الأصل: \"مما\".\n(^٢) ينظر كلام المصنف عن القراءات في ١/ ٢٠ - ٦٢.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٤٨ بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٢ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":514},{"text":"آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا ذُكِّر هؤلاء المشركون حُجَجَ الله عليهم، ليعتبروا ويتفكَّروا، فيُنيبوا إلى طاعةِ اللهِ ﴿لَا يَذْكُرُونَ﴾. يقولُ: لا ينتفعون بالتذكيرِ فيتذكَّروا.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾: أى لا ينتفعون ولا يُبْصِرون (^١).\n\n<span id=\"aya-3802\"></span>وقولُه: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾. يقولُ: وإذا رأوا حُجَّةً مِن حجج الله عليهم، ودلالةً على نبوّةِ نبيِّه محمدٍ ﷺ ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾. يقولُ: يَسخَرون منها ويستهزِئون.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾: يَسخَرون منها ويستهزِئون (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) جزء من الأثر السابق.\n(^٢) بقية الأثر السابق.","vol":"19","page":515},{"text":"قولَه: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾. قال: يستهزِئون ويَسخَرون (^١).\n\n<span id=\"aya-3803\"></span><span data-type='title' id=toc-7758>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء المشركون من قريشٍ باللهِ: يا محمد، ما هذا الذي جئتَنا به ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ: يُبينُ (^٢) لمَن تأمَّله ورآه أنه سحرٌ:\n\n<span id=\"aya-3804\"></span>﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. يقولون منكرين بعثَ اللهِ إياهم بعدَ بِلاهم (^٣): أئنا لمبعوثون أحياءً من قبورنا بعد مماتِنا، ومصيرنا ترابًا وعظامًا قد ذهَب عنها (^٤) اللحومُ؟!\n\n<span id=\"aya-3805\"></span>﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ الذين مضوا من قبلنا، فبادُوا وهلكوا؟ يقولُ الله جلّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ ﷺ:\n\n<span id=\"aya-3806\"></span>قل لهم (^٥): نعم، أنتم مبعوثون بعد مصيركم ترابًا وعظامًا، أحياءً كما كنتم قبل مماتِكم، وأنتم داخرون.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾: تكذيبًا بالبعثِ، ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في الأصل: \"يتبين\". وفى ت ١: \"تبين\".\n(^٣) فى م: \"بلائهم\".\n(^٤) في ت ١: \"عنا\".\n(^٥) فى م: \"لهؤلاء\".","vol":"19","page":516},{"text":"وقولُه: ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنتم صاغرون أشدَّ الصَّغارِ (^١). من قولهم: داخرٌ صاغرٌ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾: أى صاغرون (^٢).\nحدَّثني محمدُ بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾. قال: صاغرون (^٢).\n\n<span id=\"aya-3807\"></span>وقولُه: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإنما هي صيحةٌ واحدةٌ، وذلك هو النفخ في الصور، ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾. يقولُ: فإذا هم شاخصةٌ أبصارُهم ينظرون إلى ما كانوا يُوعَدونه من قيام الساعة ويُعاينونه.\nكما حدَّثنا محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قوله: ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. قال: هي النفخةُ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3808\"></span><span data-type='title' id=toc-7759>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء المشركون المكذِّبون إذا زُجِرَتْ زَجْرَةٌ واحدةٌ،\n_________\n(^١) فى م، ت ١، ت ٢: \"الصغر\". وهما بمعنى.\n(^٢) ينظر التبيان ٨/ ٤٤٧.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":517},{"text":"ونُفِخ فى الصور نفخةٌ واحدةٌ: ﴿يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. يقول (^١): يقولون: هذا يوم المجازاةِ (^٢) والمحاسبةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. قال: يَدينُ اللهُ فيه العباد بأعمالهم (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قولِه: ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. قال: يومُ الحسابِ.\n\n<span id=\"aya-3809\"></span>وقولُه: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا يومُ فصلِ اللهِ بينَ خلقِه بالعدلِ من قضائه، الذي كنتم به تكذِّبون في الدنيا فتنكِرونه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. يعنى: يومُ القيامةِ (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) فى م: \"الجزاء\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) بقية الأثر المتقدم عن قتادةَ.","vol":"19","page":518},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾. قال: يومُ يُقضَى بينَ أهلِ الجنةِ وأهلِ النار.\n\n<span id=\"aya-3810\"></span><span data-type='title' id=toc-7760>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾.</span>\nوفي هذا الكلامِ متروكٌ استُغنى بدلالة ما ذُكر عما تُرِك، وهو: فيقالُ: احشُروا الذين ظلَموا. ومعنى ذلك: اجمَعوا الذين كفروا بالله في الدنيا، وعصَوه وأزواجَهم -وهم (^١) أشياعُهم، على ما كانوا عليه من الكفرِ باللهِ- وما كانوا يَعبُدون من دونِ اللهِ من الآلهةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن النعمانِ بنِ بَشيرٍ، عن عمرَ بنِ الخطابِ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. يقولُ: ضُرَباءَهم (^٢).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابنِ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه أحمد بن منيع -كما في المطالب العالية ٩/ ٢٠ - من طريق سفيان به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٤٨، والحاكم ٢/ ٤٣٠ من طريق سماك به، وهو في تفسير عبد الرزاق من قول النعمان بن بشير، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٢، ٢٧٣ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث.","vol":"19","page":519},{"text":"عباسٍ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. يقولُ: نُظَراءَهم (^١).\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. يعنى: أتباعَهم ومَن أشبَههم من الظَّلَمةِ.\n\n<span id=\"aya-3811\"></span>حدَّثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عدىٍّ، عن داودَ، قال: سألتُ أبا العاليةِ عن قولِ اللهِ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. فقال: الذين ظلموا وأشياعَهم (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى عبد الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن أبى العالية، أنه قال في هذه الآية: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. قال: أشياعَهم.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا داود، عن أبي العالية مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾: أى وأشياعَهم الكفارَ مع الكفارِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. قال: وأشباهَهم (٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿احْشُرُوا\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٣ إلى المصنف والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث.\n(^٢) تفسير ابن كثير ٧/ ٦.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٤٨ عن معمر عن قتادةَ بلفظ: \"هم وأشكالهم\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٧٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"19","page":520},{"text":"الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. قال: أزواجَهم فى الأعمالِ، وقرأَ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ٧ - ١٠]. فالسابقون زوجٌ، وأصحابُ الميمنة (^١) زوجٌ، وأصحابُ الشمال زوجٌ. قال: كلُّ مَن كان مِن هذا حشَره الله معه. وقرأ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]. قال: زُوِّجت على الأعمال، لكلِّ واحدٍ من هؤلاء زوجٌ، زوّج اللهُ بعض هؤلاء بعضًا، زوَّج أصحاب اليمين أصحاب اليمين، وأصحاب المشأمة أصحاب المشأمةِ، والسابقين السابقين. قال: فهذا قولُه: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. قال: أزواجُ الأعمال التي زوَّجَهن الله.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. قال: أمثالَهم (^٢).\nوقولُه: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: احشروا هؤلاء المشركين وآلهتهم التى كانوا يعبدونها مِن دونِ اللهِ، فوجِّهوهم إلى طريق الجحيمِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"اليمين\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٦٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"19","page":521},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. قال: الأصنامَ (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ: وجِّهوهم، وقيل: إن الجحيم البابُ الرابع من أبواب النار (^٢).\n\n<span id=\"aya-3812\"></span><span data-type='title' id=toc-7761>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾</span>\nقال أبو جعفرٍ: يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَقِفُوهُمْ﴾: احبسوهم: أى احبسوا أيها الملائكة هؤلاء المشركين الذين ظلموا أنفسهم، وأزواجهم، وما كانوا يَعْبُدون من دونِ اللهِ من الآلهة: ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾.\nواختلف أهلُ التأويل فى المعنى الذى يَأْمُرُ الله تعالى ذكره بوقفهم لمسألتهم عنه؛ فقال بعضُهم: يَسْأَلُهم: هل يُعْجِبُهم ورودُ الماء (^٣)؟.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كُهيلٍ، قال: ثنا أبو الزَّعْراءِ، قال: كنا عند عبد الله، فذكر قصةً، ثم قال: يَتَمَثَّلُ اللهُ للخلقِ فيلقاهم، فليس أحدٌ من الخلق كان يَعْبُدُ من دونِ اللهِ شيئًا إِلَّا وهو\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في الإتقان ٢/ ٣٩ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٧٣ إلى ابن المنذر.\n(^٣) فى م، ت ١: \"النار\".","vol":"19","page":522},{"text":"مرفوعٌ له يَتْبَعُه، قال: فيَلْقى اليهود فيقولُ: مَن تَعْبُدون؟ قال: فيقولون: نَعْبُدُ عُزَيرًا. قال: فيقولُ: هل يَسُرُّكم الماءُ؟ فيقولون: نعم. فيُرِيهم جهنم وهى كهيئة السراب، ثم قرأ: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف: ١٠٠]. قال: ثم يلقى النصارى فيقولُ: مَن تَعْبُدون؟ فيقولون: المسيح. فيقولُ: هل يَسُرُّكم الماء؟ فيقولون: نعم، قال: فيُرِيهم جهنم وهى كهيئة السراب، ثم كذلك لمن كان يَعْبُدُ من دونِ اللهِ شيئًا، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ (^١).\nوقال آخرون: بل ذلك للسؤال عن أعمالهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوب بن إبراهيمَ، قال: ثنا معتمرٌ، عن ليثٍ، عن رجلٍ، عن أنس ابنِ مالكٍ، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"أيُّما رجلٍ دعا رجلًا إلى شيءٍ كان موقوفًا لازمًا [به، لا يُغادِرُه ولا] (^٢) يُفارِقه (^٣)، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ \" (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وَقِفوا هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم وأزواجهم، إنهم مسئولون عما كانوا يَعْبُدون من دونِ اللهِ.\n\n<span id=\"aya-3813\"></span>وقوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾. يقول: ما لكم أيُّها المشركون باللهِ لا يَنْصُرُ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٣/ ٣٤.\n(^٢) سقط من: ت ١، وفى الأصل: \"يغاربه لا\".\n(^٣) فى ت ١: \"يقاد به\".\n(^٤) أخرجه الدارمي ١/ ١٣١، والبخارى في تاريخه ٢/ ٨٦ (١٧٧٨)، والترمذى (٣٢٢٨)، والحاكم ٢/ ٤٣٠ من طريق المعتمر عن ليث، عن بشر، عن أنس به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"19","page":523},{"text":"بعضُكم بعضًا،\n\n<span id=\"aya-3814\"></span>﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾. يقولُ: بل هم اليومَ مُستسلمون لأمر الله فيهم وقضائه، مُوقِنون بعذابِه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾. لا والله لا يتناصرون، ولا يَدْفَعُ بعضُهم عن بعضٍ: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ فى عذابِ اللهِ (^١).\n\n<span id=\"aya-3815\"></span>وقولُه: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾. قيل: معنى ذلك: وأقبل الإنس على الجنِّ يتساءلون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾: الإنس على الجنِّ (^١) (*).\n\n<span id=\"aya-3816\"></span><span data-type='title' id=toc-7762>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قالت الإنس للجنِّ: إنكم أيُّها الجنُّ، كنتم تأْتوننا من قبل الدِّين والحقِّ، فتَخْدَعوننا بأقوى الوجوه. واليمين: القوَّةُ والقدرة في كلام العرب، ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(*) هنا تم السفر السادس والثلاثون من مخطوط خزانة كلية القرويين المشار إليه بـ: \"الأصل\"، وستوضع فيما يأتى أرقام مخطوط آيا صوفيا المشار إليه بـ \"ت ١\".\n(^٢) البيت للشماخ في ديوانه ص ٣٣٦.","vol":"19","page":524},{"text":"إذا ما رايةٌ رُفِعت لمجدٍ … تلقَّاها عَرَابَةُ باليَمينِ\nيَعْنى: بالقوة والقدرة.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾. قال: عن الحقِّ، الكفارُ تَقُولُه للشياطين (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾. قال: [قالت الإنسُ للجنِّ: إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين. قال] (^٢): من قِبَلِ الخير، فتَنْهوننا عنه، وتُثبِّطوننا (^٣) عنه (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ فى قولِه: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾. قال: تَأْتوننا من قِبَلِ الحَقِّ، تُزَيِّنون لنا الباطل، وتَصُدُّوننا عن الحقِّ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾. قال: قال بنو آدم للشياطين الذين كفروا: إنكم كنتم\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٦٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) في ت ١: \"تبطئوننا\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٤٨ عن معمر عن قتادةَ بمعناه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٧٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٨.","vol":"19","page":525},{"text":"تأْتوننا عن اليمينِ، قال: تحُولُون بيننا وبين الخير، وردَدْتمونا عن الإسلام والإيمانِ، والعملِ بالخير الذى أمرنا اللهُ به (^١).\n\n<span id=\"aya-3817\"></span>وقولُه: ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) [وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ] (^٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قالتِ الجنُّ للإنس مجيبةً لهم: بل لم تكونوا بتوحيدِ الله مُقِرِّين، وكنتم للأصنام عابدين: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-3818\"></span>يقولُ: قالوا: وما كان لنا عليكم من حُجَّةٍ، فنَصُدَّكم بها عن الإيمان، ونحولَ بينكم من أجلِها وبين اتِّباع الحقِّ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾. يقولُ: قالوا لهم: بل كنتم أيُّها المشركون قومًا طاغين، على اللهِ مُتَعدِّين إلى ما ليس لكم التعدِّى إليه من معصية الله وخلافِ أمرِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قال: قالت لهم الجنُّ: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، حتى بلغ: ﴿قَوْمًا طَاغِينَ﴾. (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾. قال: الحجة. وفي قوله: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾. قال: كفَّارًا ضُلَّالًا.\n\n<span id=\"aya-3819\"></span><span data-type='title' id=toc-7763>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ</span>\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٨.\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":526},{"text":"بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾: فوجب علينا عذابُ ربِّنا: ﴿إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾. [يقولُ: إنا لذائقون] (^١) العذابَ نحن وأنتم؛ بما قدَّمنا من ذنوبنا ومعصيتِنا فى الدنيا. فهذا خبرٌ من الله عن قيل الجنِّ والإنسِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾ الآية. قال: هذا قولُ الجنِّ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3820\"></span>وقولُه: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾. يقولُ: فأضللناكم عن سبيل الله والإيمان به إنَّا كنا ضالين. وهذا أيضًا خبرٌ من الله عن قيل الجنِّ والإنس.\n\n<span id=\"aya-3821\"></span>قال الله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾. [يقولُ: فإن الإنس الذين كفروا بالله وأزواجَهم، وما كانوا يَعْبُدون من دونِ اللهِ، والذين أغْوَوا الإنس من الجنِّ يوم القيامةِ - في العذابِ مشترِكون] (^٣) جميعًا في النار، كما اشتركوا في الدنيا في معصية الله.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾. قال: هم والشياطينُ.\n\n<span id=\"aya-3822\"></span>﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّا هكذا نَفْعَلُ بالذين اختاروا معاصى الله في الدنيا على طاعته، والكفر به على الإيمانِ، فنُذِيقُهم العذابَ الأليم، ونجمعُ بينهم وبين قرنائهم فى النارِ.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ت ١: \"الحق\".\nوالأثر تقدم أوله ص ٥٢٥.\n(^٣) سقط من: ت ١.","vol":"19","page":527},{"text":"<span id=\"aya-3823\"></span><span data-type='title' id=toc-7764>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن هؤلاء المشركين بالله الذين وصف صفتَهم في هذه الآياتِ، كانوا فى الدنيا إذا قيل لهم: قولوا: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾. يقولُ: يَتَعَظَّمون عن قيل ذلك ويتكَبَّرون. وترك من الكلام \"قولوا\"؛ اكتفاءً بدلالة الكلام عليه من ذكره.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن مُفَضِّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قوله: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾. قال: يعنى المشركين خاصةً.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾. قال: قال عمرُ بن الخطاب ﵁: احضُروا موتاكم ولقِّنوهم لا إلهَ إِلَّا اللهُ، فإنهم يَرَون ويَسْمَعون.\n\n<span id=\"aya-3824\"></span>وقولُه: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويقول هؤلاء المشركون من قريشٍ: أَنَتْرُكُ عبادة آلهتِنا ﴿لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾. [يقولُ: لاتِّباع شاعرٍ مجنونٍ -يَعْنون بذلك نبيَّ اللهِ ﷺ- ونَقولُ: لا إلهَ إِلَّا اللهُ؟!] (^١)\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.","vol":"19","page":528},{"text":"[كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾. يَعْنون محمدًا ﷺ (^١).\n\n<span id=\"aya-3825\"></span>وقولُه: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾] (^٢). وهذا خبرٌ من اللهِ مُكَذِّبًا للمشركين الذين قالوا للنبيِّ ﷺ: شاعرٌ مجنونٌ. كذَبوا، ما محمدٌ كما وصفوه به من أنه شاعرٌ مجنونٌ، بل هو لله نبيٌّ جاء بالحقِّ من عندِه، وهو القرآنُ الذى أنزَله عليه، وصدَّق المرسلين الذين كانوا من قبله.\nوبمثلِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾: بالقرآنِ، ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾. أى: صدَّق من كان قبلَه من المرسَلين.\n\n<span id=\"aya-3826\"></span><span data-type='title' id=toc-7765>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء المشركين من أهل مكةَ، القائلين لمحمدٍ: شاعرٌ مجنونٌ: ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيُّها المشركون ﴿لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾: الموجِع في الآخرةِ،\n\n<span id=\"aya-3827\"></span>﴿وَمَا تُجْزَوْنَ﴾. يقولُ: وما تُثابون في الآخرةِ إذا ذُقتم العذابَ الأليمَ فيها ﴿إِلَّا﴾ ثوابَ ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا من (^٣) معاصِى الله.\n\n<span id=\"aya-3828\"></span>وقولُه: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. يقولُ: إلا عبادَ اللهِ الذين أخلصهم يومَ خَلقهم لرحمتِه، وكتب لهم السعادة في أمِّ الكتابِ، فإنهم لا يذوقون العذابَ؛\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"19","page":529},{"text":"لأنهم أهلُ طاعة الله وأهلُ الإيمانِ به.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال: هذه ثَنيَّةُ (^١) اللهِ.\n\n<span id=\"aya-3829\"></span>وقولُه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾. يقولُ: هؤلاء، وهم عباد الله المخلَصون، لهم رزقٌ معلومٌ، وذلك الرزقُ المعلومُ: هو الفواكهُ التى خلقها الله لهم فى الجنةِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾: في الجنةِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾. قال: في الجنةِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3830\"></span><span data-type='title' id=toc-7766>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾.</span>\nقولُه: ﴿فَوَاكِهُ﴾. ردًّا على الرزقِ المعلومِ، تفسيرًا له؛ ولذلك رُفِعت. وقولُه: ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾. يقولُ: وهم مع الذى لهم من الرزقِ المعلومِ في الجنةِ، مُكرَمون بكرامة اللهِ التى أكرمهم بها،\n\n<span id=\"aya-3831\"></span>﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. يعني: في بساتين النعيمِ،\n\n<span id=\"aya-3832\"></span>﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. يعنى: أن بعضَهم يُقابِلُ بعضًا، ولا يَنْظُرُ بعضُهم في قفا بعضٍ.\n\n<span id=\"aya-3833\"></span>وقوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يطوفُ الخدمُ عليهم بكأسٍ من خمرٍ جاريةٍ، ظاهرةٍ لأعينهم غيرِ غائرةٍ.\n_________\n(^١) الثنية: ما استُثنى. اللسان (ث ن ي).\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٠.","vol":"19","page":530},{"text":"كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ. قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾. قال: كأس من خمرٍ جاريةٍ، والمعين هي الجاريةُ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمة بن نُبَيْطٍ، عن الضحاك بن مزاحمٍ في قوله: ﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾. قال: كلُّ كأسٍ في القرآن فهو خمرٌ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ (^٣) اللهِ بن داودَ، عن سلمة بن نُبَيْطٍ، عن الضحاكِ ابن مزاحمٍ، قال: كلُّ كأسٍ فى القرآنِ فهو خمرٌ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قوله: ﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾. قال: الخمرُ. والكأسُ عند العرب كلُّ إناءٍ فيه شرابٌ، فإن لم يَكُنْ فيه شرابٌ لم يَكُنْ كأسًا، ولكنه يَكونُ إناءً (^٥).\n\n<span id=\"aya-3834\"></span>وقولُه: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾. يعنى بالبيضاءِ: الكأس، ولتأنيث \"الكأس\" أُنِّثت \"البيضاءُ\"، ولم يَقُلْ: \"أبيض\". وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله: (صفراء) (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٤٨ في تفسيره عن معمر، عن قتادةَ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٧٤ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٤ إلى المصنف وابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) فى ت ١: \"عبيد\". ينظر تهذيب الكمال ١١/ ٣٢١.\n(^٤) أخرجه هناد في الزهد (٧٢) من طريق سلمة بن نبيط به.\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٧٧.\n(^٦) وهى قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط ٧/ ٣٥٩.","vol":"19","page":531},{"text":"السديِّ في قوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾. قال السديُّ: في قراءة عبدِ اللهِ: (صفراء) (^١).\nوقولُه: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾. يقولُ: هذه الخمر لذةٌ يَلْتَذُّ بها شاربوها.\n\n<span id=\"aya-3835\"></span>وقولُه: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾. يقولُ: لا فى هذه الخمرِ غَوْلٌ، وهو أَن تَغْتَالَ عقولهم. يقولُ: لا تَذْهَبُ هذه الخمرُ بعقول شاربيها كما تَذْهَبُ بها خمورُ أهل الدنيا إذا شربوها فأكثروا منها، كما قال الشاعرُ (^٢):\nوما زالت الكأسُ تَغْتالُنا (^٣) … وتَذْهَبُ بالأَوَّلِ الأوَّلِ\nوالعربُ تقولُ: ليس فيها غيلَةٌ وغائلةٌ وغَولٌ. بمعنًى واحدٍ. ورُفع \"غَوْلٌ\" ولم يُنْصَبْ بـ \"لا\"؛ لدخول حرفِ الصفةِ بينها وبينَ الغَول، وكذلك تَفْعَلُ العربُ في التبرئة، إذا حالت بين \"لا\" والاسمِ بحرفٍ من حروفِ الصفاتِ، رفعوا الاسمَ ولم يَنْصِبوه. وقد يَحْتَمِلُ قولُه: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾. أن يكونَ مَعْنِيًّا به: ليس فيها ما يُؤْذيهم من مكروهٍ. وذلك أن العرب تقولُ للرجل يُصابُ بأمرٍ مكروهٍ، أو يُنالُ بداهيةٍ عظيمةٍ: غال فلانًا غُولٌ.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضهم: معناه: ليس فيها صداعٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾. يقولُ: ليس فيها صُداعٌ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٤ إلى المصنف.\n(^٢) البيت فى مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/ ١٦٩، واللسان مادة (غ ول)، غير منسوب.\n(^٣) في ت ١: \"تغتالها\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢/ ٣٩ - والبيهقي في البعث (٣٥٧) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٤ إلى ابن المنذر.","vol":"19","page":532},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: ليس فيها أذًى، [فتشكَّى منه بطونُهم] (^١).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾. قال: هي الخمرُ، ليس فيها وَجَعُ بطنٍ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾. قال: وَجَعُ بطنٍ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾. قال: الغَوْلُ ما يُوجِعُ البطونَ، وشاربُ الخمرِ ههنا يَشْتَكى بطنه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ يقولُ: ليس فيها وجعُ بطنٍ ولا صداعُ رأسٍ (^٤).\nوقال آخرون: معنى ذلك: أنها لا تغول عقولهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٤ إلى المصنف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٦٨، وأخرجه عبد بن حميد -كما في تغليق التعليق ٣/ ٥٠٠ - من طريق ابن أبي نجيح به، وأخرجه هناد في الزهد (٧٣) من طريق رجل عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٧٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٤٨، ١٤٩ عن معمر، عن قتادةَ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٧٤ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":533},{"text":"السدىِّ: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾. قال: لا تَغْتال عقولهم (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ليس فيها أذًى ولا مكروهٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثت عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن سالمٍ الأفطس، عن سعيد بن جبيرٍ فى قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾. قال: أذًى ولا مكروهٌ (^٢).\nحدَّثنا محمد بن سنانٍ القزازُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ بَزيعٍ (^٣). قال: أخبرنا إسرائيل، عن سالمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾. قال: ليس فيها أذًى ولا مكروهٌ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ليس فيها إثمٌ.\nقال الإمام أبو جعفرٍ رحِمهُ اللهُ تعالى: ولكلِّ هذه الأقوال التي ذكرناها وجهٌ، وذلك أن الغُول فى كلام العرب: هو ما غال الإنسان فذهب به، فكلُّ مَن ناله أمرٌ يَكْرَهُه ضربوا له بذلك المثل، فقالوا: غالت فلانًا غُولٌ. فالذاهب العقل مِن شُرب الشراب، والمشتكى البطنِ منه، والمصدَّعُ الرأس من ذلك، والذي ناله منه مكروهٌ، كلُّهم قد غالته غُولٌ.\nفإذ كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره قد نفى عن شراب الجنة أن يكون فيه غَوْلٌ، فالذى هو أولى بصفته أن يُقال فيه؛ كما قال جل ثناؤُه: ﴿لَا فِيهَا\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٧٩، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١١.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م: \"بزيعة\". ينظر الكامل لابن عدى ٤/ ١٥٦٦.","vol":"19","page":534},{"text":"غَوْلٌ﴾. فيعمُّ بنفي كلِّ معانى الغَوْلِ عنه، وأعمُّ ذلك أن يُقال: لا أذًى فيها ولا مكروهٌ على شاربيها؛ في جسمٍ، ولا عقلٍ، ولا غير ذلك.\nواختلفت القرأَةُ فى قراءة قوله: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾؛ فقرأته عامة قرأة المدينة والبصرة وبعضُ قرأة الكوفة: ﴿يُنْزَفُونَ﴾. بفتح الزاي (^١)، بمعنى: ولا هم عن شُرْبِها تُنْزَفُ عقولهم.\nوقرأ ذلك عامةُ قرأة الكوفة: (ولا هُمْ عَنْها يُنْزِفُونَ). بكسرِ الزاي (^٢)، بمعنى: ولا هم عن شربها يَنْفَدُ شرابهم.\nوالصوابُ من القول فى ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى غيرُ مختلِفتيه، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ، وذلك أن أهل الجنةِ لا يَنْفَدُ شرابهم، ولا يُسْكرهم شُربُهم إياه فيُذْهِبَ عقولهم.\nواختلف أهل التأويل فى معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: لا تَذْهَبُ عقولُهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾. يقولُ: لا تَذهَبُ عقولهم (^٣).\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم، ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٤٧.\n(^٢) وهى قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٣) أخرجه البيهقي في البعث (٣٥٧) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٧٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":535},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾. قال: لا تُنْزَفُ فَتَذْهَبَ عقولهم.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾. قال: لا تَذْهَبُ عقولهم (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ في قوله: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾. قال: لا تُنْزَفُ عقولهم (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾. قال: لا تُنْزَفُ العقولُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾. قال: لا تَغْلِبُهم على عقولهم (^٣).\nوهذا التأويلُ الذي ذكرْناه عمّن ذكرْنا عنه لم تُفَصِّلْ لنا رواتُه القراءةَ التى (^٤) هذا تأويلُها، وقد يَحْتَمِلُ أن يكون ذلك تأويلَ قراءةِ من قرأها: (يُنْزِفُون) و﴿يُنْزَفُونَ﴾ كلتيهما، وذلك أن العرب تقولُ: قد نُزِف الرجلُ فهو مَنْزوفٌ. إذا ذهَب عقلُه من السُّكْر، و: أنزف فهو مُنْزِفٌ. مَحْكِيَّةٌ عنهم اللغتان كلتاهما،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٦٨، وأخرجه عبد بن حميد -كما في تغليق التعليق ٣/ ٥٠٠ - من طريق ابن أبي نجيح، به، وأخرجه هناد في الزهد (٧٣) من طريق رجل عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٧٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٧/ ١١.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٤٨، ١٤٩ عن معمر، عن قتادةَ قوله، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٢٧٤ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) في م: \"الذي\".","vol":"19","page":536},{"text":"في ذَهَابِ العقلِ من السكر، وأما إذا فَنِيت خمرُ القومِ، فإني لم أَسْمَعْ فيه إلا: أنزف القومُ. بالألفِ، ومن الإنزافِ بمعنى ذَهَابِ العقل من السكرِ، قولُ الأُبَيْرِد:\nلعَمْرى لئن أَنْزَفْتُمُ أو صَحوتُمُ (^١) … لبِئْس النَّدامَى كنتُمُ آل أَبْجَرا (^٢)\n\n<span id=\"aya-3836\"></span><span data-type='title' id=toc-7767>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وعند هؤلاء المخلَصين من عبادي (^٣) في الجنة قاصراتُ الطرفِ، وهنّ النساء اللاتى قصَرن أطرافهن على بُعولتهن، فلا يُرِدْنَ غيرهم، ولا يمدُدْنَ أبصارهن إلى غيرهم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾. يقولُ: عن غيرِ أزواجهن (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾. قال: على أزواجهن. زاد الحارثُ في حديثه:\n_________\n(^١) في ت ١: \"صحيتم\".\n(^٢) البيت في مجاز القرآن ٢/ ١٦٩، ٢٤٩، واللسان والتاج (ن ز ف).\n(^٣) في م: \"عباد الله\".\n(^٤) أخرجه البيهقي في البعث (٣٧٧) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٢٧٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":537},{"text":"لا تَبْغِي غيرهم (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾. قال: قصرن أبصارهن وقلوبهن على أزواجِهن، فلا يُرِدْنَ غيرَهم (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ (^٣)، قال: ذُكِر أيضًا عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلُه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ قال: قصَرن طرفَهن على أزواجهن فلا يُرِدنَ غيرَهم (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾. قال: لا يَنْظُرْنَ إلَّا إلى أزواجهن، قد قصرن أطرافهن على أزواجهن، ليس كما يكونُ نساءُ أهلِ الدنيا (^٥).\nوقولُه: ﴿عِينٌ﴾. يعنى بالعِينِ النُّجْلَ العيونِ عظامَها، وهي جمعُ عيناء، والعيناءُ: المرأة الواسعة العين عظيمتُها، وهى أحسن ما يكون من العيونِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٦٨، وليس فيه زيادة الحارث. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٧/ ١١.\n(^٣) بعده في م: \"عن السدي\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٤٩ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٢٧٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) ينظر البحر المحيط ٧/ ٣٦٠.","vol":"19","page":538},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ فى قوله: ﴿عِينٌ﴾. قال: عظامُ الأعينِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿عِينٌ﴾. قال: العَيناءُ: العظيمةُ العين.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمن بن وهبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ الفرجِ الصَّدَفىُّ الدِّمياطىُّ، عن عمرو بن هاشمٍ، عن ابن أبي كريمة (^٢)، عن هشام بن حسانَ، [عن الحسن، عن أمِّه] (^٣)، عن أمِّ سلمة زوج النبىِّ ﷺ أنها قالت: قلت يا رسول الله، أَخْبِرْني عن قولِ اللهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢]. قال: \"العينُ: الضخام العيون، شَفْرُ الحوراء بمنزلة جناحِ النَّسْرِ\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-3837\"></span>وقولُه: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. اختلف أهل التأويل في الذى به شُبِّهن من البَيْضِ بهذا القولِ؛ فقال بعضُهم: شُبِّهن ببطنِ البَيْضِ في البياضِ وهو الذي داخلَ القشر، وذلك أن ذلك لم (^٥) يَمَسَّه شيءٌ.\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٨٠.\n(^٢) في ت ١: \"ديمة\".\n(^٣) سقط من: ت ٢. وفى م، ت ٣: \"عن أبيه\". وفي ت ١: \"عن الحسن، عن أبيه\". والحسن يروى عن أمه، لا عن أبيه، وسيأتي على الصواب ص ٥٤٢. وينظر مصادر التخريج، وتهذيب الكمال ٦/ ٩٥.\n(^٤) أخرجه العقيلي في الضعفاء ٢/ ١٣٨، والطبراني ٢٣/ ٣٦٧، ٣٦٨ (٨٧٠)، وفى الأوسط (٣١٤١)، وابن عدى فى الكامل ٣/ ١١١٢ من طريق عمرو بن هاشم به.\n(^٥) في ت ١: \"لا\".","vol":"19","page":539},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ فى قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. قال: كأنهن بطنُ البَيْضِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ قال: البَيْضُ حينَ يُقَشَّرُ قبلَ أن تَمَسَّه الأيدى (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾: لم تَمُرَّ به الأيدى ولم تَمَسَّه، يُشْبِهْنَ بياضَه (^٣).\nوقال آخرون: شُبِّهن بالبيض الذى يَحْضُنُه الطائر، فهو إلى الصفرة، فشُبِّه بياضُهن في الصفرةِ بذلك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. قال: البيضُ الذى يُكِنُّه الريشُ، مثلُ بَيْضِ النعام الذي قد أكنَّه الريش من الريح، فهو أبيضُ إلى الصفرة، فكأنه يَبْرُقُ، فذلك المكنونُ (^٤).\nوقال آخرون: بل عَنَى بالبيض فى هذا الموضع اللؤلؤ، وبه شبِّهن في\n_________\n(^١) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٢٧٤، ٢٧٥ إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٨٠، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٢.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٤٨ عن معمر، عن قتادةَ، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٢٧٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٨٠.","vol":"19","page":540},{"text":"بياضِه وصفائِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. يقول: اللؤلؤ المكنونُ (^١).\nوأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ عندى: قولُ مَن قال: شُبِّهن في بياضهن، وأنهن لم يَمَسَّهن قبلَ أزواجِهن إنسٌ ولا جانٌّ - ببياض البيض الذي هو داخل القشر، وذلك هو [الجلدة المُلْبَسةُ] (^٢) المُحَّ (^٣)، قبل أن تمسَّه يَدٌ أو شيءٌ غيرها (^٤)، وذلك لا شكَّ هو المكنونُ؛ فأما القشرةُ العليا فإن الطائرَ يَمَسُّها والأيدى تُباشِرُها والعُشُّ (^٥) يَلْقاها. والعربُ تقولُ لكلِّ مصونٍ: مكنونٌ. ما كان ذلك الشيءُ؛ لؤلؤًا كان أو بيضًا أو متاعًا، كما قال أبو دَهْبَلٍ (^٦):\nوَهْي زهراءُ مثلُ لؤلؤةِ الغَوَّ … اصِ مِيزَت من جَوْهرٍ مكنونِ\nوتقولُ لكلِّ شيءٍ أَضْمَرَتْه الصدورُ: أَكنَّته، فهو مُكَنٌّ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاء الأثرُ عن رسول الله ﷺ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢/ ٣٩، وتعليق التعليق ٤/ ٢٩٣ -، والبيهقي في البعث والنشور (٣٧٧) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٤ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ت ١: \"الجلد الملبسته\".\n(^٣) المح: صفرة البيض، أو ما في البيض كله من أصفر وأبيض. وقيل: المحة: الصفراء، والغِرْقِئُ: البياض الذي يؤكل. ينظر التاج (م ح ح).\n(^٤) فى ت ١: \"أو غيرها\".\n(^٥) في ت ١: \"العس\".\n(^٦) في ت ١: \"الشاعر\"، والبيت في ديوان أبي دهبل الجمحي ص ٦٩.","vol":"19","page":541},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثنا محمد بن الفرجِ الصدفيُّ الدِّمياطىُّ، عن عمرو بن هاشمٍ، عن ابن أبى كريمةَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، عن أمِّه، عن أمِّ سلمة: قلت: يا رسولَ اللهِ، أَخْبِرْني عن قولِه: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. قال: \"رِقَّتُهن (^١) كرِقَّةِ الجلدة التى رأيتها في داخل البيضة التي تلى القِشْرَ، وهي الغِرْقِئُ (^٢) \".\n\n<span id=\"aya-3838\"></span>وقولُه: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾. يقولُ [تعالى ذكرُه: فأقبل بعضُ أهل الجنة على بعضٍ يتساءلون؛ يقولُ] (^٣): يَسْأَلُ بعضُهم بعضًا.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾: أهل الجنة (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾. قال: أهل الجنة.\n\n<span id=\"aya-3839\"></span><span data-type='title' id=toc-7768>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال قائلٌ من أهلِ الجنةِ، إذ أقبل بعضُهم على بعضٍ يتساءلون: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾. واختلف أهل التأويل في القرين الذي ذُكر في\n_________\n(^١) فى ت ١: \"رقهن\".\n(^٢) في ت ١: \"العوقا\". وتقدم تخريجه ص ٥٣٩.\n(^٣) سقط من: ت ١.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":542},{"text":"هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: كان ذلك القرينُ شيطانًا، وهو الذي كان يقولُ:\n\n<span id=\"aya-3840\"></span>﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ بالبعث بعد المماتِ؟\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾. قال: شيطانٌ (^١).\nوقال آخرون: كان ذلك القرينُ شريكًا كان له من بنى آدم، أو صاحبًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾. قال: هو الرجلُ المشرِكُ يكون له الصاحب في الدنيا من أهل الإيمانِ، فيقولُ له المشرك: إنك لتُصَدِّقُ بأنك مبعوثٌ من بعد الموت، أئذا كنا ترابًا؟! فلما صاروا إلى الآخرة، وأُدخل المؤمن الجنة، وأُدخل المشرك النار، فاطَّلَع المؤمنُ فرأى صاحبه في سَواءِ الجحيم قال: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ (^٢).\nحدَّثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بنِ الشهيد، قال: حدَّثنا عتَّابُ (^٣) بنُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٦٨، ومن طريقه الفريابي -كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٩٣ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٧٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٢ مختصرًا.\n(^٣) في ت ١: \"غياث\". ينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٢٨٦.","vol":"19","page":543},{"text":"بشيرٍ، عن خُصيفٍ، عن فُراتِ بن ثعلبةَ البَهْرانىِّ فى قوله: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾. قال: إن رجلين كانا شريكين، فاجتمَع لهما ثمانيةُ آلاف دينارٍ، وكان أحدُهما له حرفةٌ، والآخر ليس له حرفةٌ، فقال الذى له حرفةٌ للآخرِ: ليس عندك (^١) حرفةٌ، ما أُرانى إِلَّا مُفارِقَك ومُقاسِمَك. فقاسَمه وفارَقه، ثم إن الرجلَ اشترى دارًا بألف دينارٍ، كانت لملكٍ مات، فدعا صاحبَه فأراه (^٢)، فقال: كيف ترى هذه الدارَ؟ ابتعتُها بألفِ دينارٍ. قال: ما أحسنَها! فلما خرَج قال: اللهم إن صاحبي هذا قد ابتاع هذه الدارَ بألفِ دينارٍ، وإنى أَسْأَلُك دارًا من دورِ الجنةِ. فتصدَّق بألفِ دينارٍ، ثم مكَث ما شاء اللهُ أن يَمْكُثَ، ثم إنه تزوَّج امرأةً بألفِ دينارٍ، [فدعاه وصنعَ له طعامًا، فلما أتاه قال: إنى تزوَّجت هذه المرأةَ بألفِ دينارٍ] (^٣). قال: ما أحسنَ هذا! فلما انصرَف قال: يا ربِّ، إن صاحبى تزوَّج امرأةً بألفِ دينارٍ، وإنى أَسْأَلُك امرأةً من الحورِ العينِ. فتصدَّق بألفِ دينارٍ، ثم إنه مكَث ما شاء اللهُ أن يَمْكُثَ، ثم اشترى بستانين بألفَى دينارٍ، ثم دعاه فأراه، فقال: إنى ابتَعت هذين البستانين. فقال: ما أحسنَ هذا! فلما خرَج قال: يا ربِّ، إن صاحبي قد اشترى بستانين بألفَي دينارٍ، وإني أَسْأَلُك بستانين من الجنةِ. فتصدَّقَ بألفي دينارٍ، ثم إن الملَكَ أتاهما فتوفَّاهما، ثم انطلَق بهذا المتصدِّقِ (^٤) فَأَدْخَله دارًا تُعْجِبُه، فإذا امرأةٌ تَطْلعُ يُضيءُ ما تحتَها من حُسْنِها، ثم أَدْخَله بستانين وشيئًا اللهُ به عليمٌ، فقال عندَ ذلك: ما أشبَهَ هذا برجلٍ كان من أمرِه كذا وكذا! قال: فإنه ذاك، ولك هذا المنزلُ والبستانان والمرأةُ. قال: فإنه كان لي صاحبٌ\n_________\n(^١) في م: \"لك\".\n(^٢) في ت ١: \"فأتاه\".\n(^٣) سقط من: ت ١.\n(^٤) فى ت ١: \"المصدق\".","vol":"19","page":544},{"text":"<span id=\"aya-3841\"></span>يقولُ: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾؟! قِيل له: [فإنه في الجحيم. قال: فهل أنتم مُطَّلِعون؟ فاطَّلع فرآه في سواء الجحيم، فقال] (^١) [عند ذلك] (^٢): ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ الآياتُ (^٣).\nوهذا التأويلُ الذى تأوَّله فراتُ بنُ ثعلبةَ يُقَوِّى قراءةَ مَن قرأ: (إنك لمن المصَّدِّقين). بتشديد الصادِ بمعنى: لمن المتصدِّقين؛ لأنه يَذْكُرُ أن الله تعالى ذِكْرُه إنما أعطاه ما أعطاه على الصدقةِ لا على التصديقِ (^٤). وقراءةُ قرأةِ الأمصارِ على خلافِ ذلك، بل قراءتُها بتخفيفِ الصادِ وتشديدِ الدالِ، بمعنى إنكارِ قرينِه عليه التصديقَ أنه بعدَ الموتِ مبعوثٌ. كأنه قال: أَتُصَدِّقُ بأنك مبعوثٌ بعدَ مماتِك وتُجرى بعملِك وتُحاسَبُ؟! يَدُلُّ على ذلك قولُ اللهِ ﷿: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾. وهى القراءة الصحيحةُ عندَنا، التي لا يجوزُ خلافُها؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأَةِ عليها.\nوقولُه: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾. يقولُ: أئنا لمحاسَبون ومَجزِيُّون (^٥)، بعدَ مصيرِنا عظامًا ولحومِنا ترابًا؟!\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾. يقول: أئنا لمجازَوْن بالعملِ؟! كما\n_________\n(^١) سقط من ت ١.\n(^٢) فى ت ٢، ت ٣: \"عبد الله\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٥ إلى المصنف وسعيد بن منصور.\n(^٤) البحر المحيط ٧/ ٣٦٠.\n(^٥) فى ت ١: \"مخرجون\".","vol":"19","page":545},{"text":"تَدِينُ تُدَانُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾: أئنا لمحاسَبون (^١)؟!\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾: محاسَبون (^٢)\n\n<span id=\"aya-3842\"></span><span data-type='title' id=toc-7769>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: قال هذا المؤمنُ الذي أُدخل الجنة لأصحابهِ: هل أنتم مُطَّلِعون في النارِ، لعلِّى أرَى قرينىَ الذى كان يقولُ لى: إنك لمن المصدِّقين بأنا مَبْعوثون بعدَ المماتِ!\n\n<span id=\"aya-3843\"></span>وقولُه: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ: فاطَّلع في النارِ فرَآه في وسَطِ الجحيمِ. وفى الكلام متروكٌ استُغنِى بدلالةِ الكلامِ عليه من ذكرِه، وهو: فقالوا: نعمْ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ قولِه: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٣.","vol":"19","page":546},{"text":"قولَه: ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾: في وسَطِ الجحيمِ (^١).\n[حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. يعني: في وسط الجحيم] (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا عبَّادُ بنُ راشدٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. قال: وسَطِ الجحيمِ (^٣).\n[حدَّثنا ابنُ سِنانٍ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا عبَّادُ بنُ راشدٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ، فذكَر مثلَه] (٢).\nحدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا سليمانُ بن حربٍ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: ﴿سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. قال: وسَطِها (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، [قال: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾؟ قال: سأَل ربَّه أن يُطْلِعَه. قال: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. أي: في وسَطِ الجحيمِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ] (٢)، عن خُلَيدٍ العَصَرىِّ، قال: لولا أن اللهَ عرَّفه إياه ما عَرفه، لقد تغيَّر حِبرُه وسِبرُه (^٥) بعدَه، وذُكِر لنا أنه اطَّلَع\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢/ ٣٩ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٧٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٣.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٧ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) حبره وسبره: لونه وهيئته. التاج (ح ب ر).","vol":"19","page":547},{"text":"فرأَى جماجمَ القومِ تَغْلى (^١)، فقال: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ أبى الوزيرِ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن سعيدِ بنِ أبي عروبةَ، عن قتادةَ، عن مطرِّفِ بنِ عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. قال: واللهِ لولا أنه عرَّفه ما عرَفه، لقد غيَّرتِ النارُ حِبرَه وسِبرَه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ قولَه: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾. قال: كان ابنُ عباسٍ يَقْرَؤُها: (هَلْ أَنْتُمْ مُطْلِعونِ (^٤)، فأُطْلِعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الجَحيمِ) (^٥). قال: في وسَطِ الجحيمِ.\nوهذه القراءةُ التي ذكَرها السدىُّ عن ابنِ عباسٍ، أنه كان يَقْرَأُ في: ﴿مُطَّلِعُونَ﴾، إن كانت محفوظةً عنه، فإنها من شواذِّ الحروفِ، وذلك أن العربَ لا تُؤثِرُ في المَكْنِىِّ من الأسماءِ إذا اتصَل بفاعلٍ على الإضافةِ، في جمعٍ أو توحيدٍ، لا يَكادون أن يقولوا (^٦): أنت مُكَلِّمِى. ولا أنتما مُكَلِّماني. ولا أنتم مُكَلِّمونى ولا مُكَلِّموننى. وإنما يقولون: أنت مُكَلِّمى. وأنتما مُكَلِّماىَ (^٧). وأنتم مُكلمِىَّ.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ٢، ت ٣. وينظر مصدرا التخريج.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٤٩ عن معمر عن قتادةَ عن خليد العصرى، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٧٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٢٠١ من طريق سفيان به.\n(^٤) فى م: \"مطلعوني\". وضبطناه بكسر النون -وإن كانت الرواية بفتحها- لمناسبة ما سيأتي من كلام المصنف والظاهر أن الرواية عنده بالكسر. جاء فى البحر المحيط ٧/ ٣٦١: وقرأ أبو عمرو في رواية الجعفى (مطْلعونَ) بإسكان الطاء وفتح النون. قال: وهى قراءة ابن عباس وابن محيصن وعمار بن أبي عمار وأبى سراج. قال: وقرأ أبو البرهسم وعمار بن أبي عمار فيما ذكره خلف عن عمار: (مطْلعونِ) بتخفيف الطاء وكسر النون. قال: ورد هذه القراءة أبو حاتم وغيره. وينظر المحتسب ٢/ ٢٢٠.\n(^٥) ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٢٨، والمحتسب ٢/ ٢١٩، ٢٢٠، والبحر المحيط ٧/ ٣٦١.\n(^٦) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقولون\".\n(^٧) في ت ١: \"مكلماني\".","vol":"19","page":548},{"text":"وإن قال قائلٌ منهم ذلك، قاله على وجهِ الغَلطِ؛ توهمًا به: أنت تُكَلِّمُنى. و: أنتما تُكَلِّمانَنى. و: أنتم تُكَلِّمُونَنى. كما قال الشاعرُ (^١):\nوما أَدْرى وظَنِّى كلَّ ظَنٍّ … أَمُسْلِمُنى إلى قومي شَراحي\nفقال: أمُسْلِمُنى. وليس (^٢) ذلك وجهَ الكلام، بل وجهُ الكلامِ: أَمُسْلِمى. فأما إذا كان الاسمُ (^٣) ظاهرًا ولم يَكُنْ متصلًا بالفاعلِ، فإنهم ربما أضافوا، وربما لم يُضيفوا، فيقال: هذا مكلِّمٌ أخاك ومُكلِّمُ أخيك. و: هذان مُكَلِّما أخيك ومُكلِّمان أخاك. و: هؤلاء مُكَلِّمو أخيك. و: مُكَلِّمون أخاك. وإنما تُختارُ الإضافةُ في المكنىِّ المتصلِ بفاعلٍ؛ لمصيرِ الحرفين باتصالِ أحدِهما بصاحبِه كالحرفِ الواحدِ.\n\n<span id=\"aya-3844\"></span>وقولُه: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾. يقولُ: فلما رأى قرينَه في النارِ قال: تاللَّهِ إن كدتَ في الدنيا لَتُهْلِكُنى بصدِّك إياى عن الإيمان بالبعثِ والثوابِ والعقابِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ قولَه: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾. قال: لَتُهْلِكُنى.\nيقالُ منه: أردَى فلانٌ فلانًا. إذا أهلَكه، و: ردِى فلانٌ. إذا هلَك، كما قال الأَعْشَى (^٤):\n_________\n(^١) هو يزيد بن محمد الحارثى كما في الدرر اللوامع ١/ ٤٣. والبيت بلا نسبة في المحتسب ٢/ ٢٢، ومعاني الفراء ٢/ ٣٨٦.\n(^٢) فى ت ١: \"لم يقل\".\n(^٣) في م: \"الكلام\".\n(^٤) ديوانه ص ٤١.","vol":"19","page":549},{"text":"أفي الطَّوفِ خِفْتِ عَلَىَّ الرَّدَى … وكم مِن رَدٍ أهلَه لم يَرِمْ\nيعنى بقوله: وكم من ردٍ. وكم من هالكٍ.\n\n<span id=\"aya-3845\"></span>وقولُه: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. يقولُ: ولولا أن اللَّهَ أَنعَم علىَّ بهدايتِه والتوفيقِ للإيمانِ بالبعث بعدَ الموتِ، لكنتُ من المحضرين معَك في عذابِ اللهِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. أى: فى عذابِ اللهِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ قولَه: ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. قال: من المعذَّبين\n\n<span id=\"aya-3846\"></span><span data-type='title' id=toc-7770>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِ هذا المؤمنِ الذي أعطاه اللهُ ما أعطاه من كرامتِه في جنتِه، سرورًا منه بما أعطاه فيها: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾.\n\n<span id=\"aya-3847\"></span>يقولُ: أفما نحن بميِّتين غيرَ مَوْتَتِنا الأولى فى الدنيا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾. يقولُ: وما نحن بمعذَّبين بعدَ دخولِنا الجنةَ.\n\n<span id=\"aya-3848\"></span>﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. يقولُ: إن هذا الذى أعطاناه اللهُ من الكرامة في الجنةِ؛ من (^٢) أنَّا لا نُعذِّبُ ولا نَموتُ لهو النَّجاءُ العظيمُ مما كنا فى الدنيا نَحْذَرُ من عقابِ اللهِ، وإدراكُ ما كنا\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٤٩ عن معمر، عن قتادةَ بنحوه، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٢٧٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"19","page":550},{"text":"فيها نَأْمُلُ (^١) بإيمانِنا وطاعتِنا ربَّنا.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ إلى قوله: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. قال: هذا قولُ أهلِ الجنةِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3849\"></span>وقولُه: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: لمثلِ هذا الذى أعطَيْتُ هؤلاء المؤمنين من الكرامةِ في الآخرةِ، فليَعْمَلْ في الدنيا لأنفسِهم العاملون؛ ليُدْرِكوا ما أدرك هؤلاء بطاعة ربِّهم.\n\n<span id=\"aya-3850\"></span><span data-type='title' id=toc-7771>القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: أهذا الذي أَعْطَيْتُ هؤلاء المؤمنين، الذين وصَفْتُ صفتَهم، من كرامتى فى الجنةِ، ورزَقْتُهم فيها من النعيم - خيرٌ، أو ما أعْدَدْتُ لأهل النارِ مِن الزَّقُومِ؟\nوعُنى بالنُّزُلِ: الفضلُ، وفيه لغتان؛ نُزُلٌ ونُزْلٌ، يقالُ للطعام الذى له رَيْعٌ: هو طعامٌ له نُزُلٌ ونُزْلٌ. وقولُه: ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾.\n\n<span id=\"aya-3851\"></span>ذُكِر أن الله تعالى لما أَنْزَل هذه الآية، قال المشركون: كيف يَنْبُتُ الشجرُ في النارِ، والنارُ تُحرِقُ الشجر؟ فقال الله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾. يعنى: لهؤلاء المشركين الذين قالوا في ذلك ما قالوا، ثم أخْبَرهم بصفةِ هذه الشجرةِ، فقال:\n\n<span id=\"aya-3852\"></span>﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾.\n_________\n(^١) في م: \"نؤمل\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٧ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":551},{"text":"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾؟ حتى بلَغ: ﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾. قال: لما ذكَر شجرة الزَّقُّوم افْتَتَن بها الظلمةُ، فقالوا: يُنَبِّئُكم صاحبُكم هذا أن في النارِ شجرةً، والنارُ تأكلُ الشجر. فأنْزَل اللهُ ما تَسْمَعون: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾؛ غُذِّيَت بالنارِ، ومنها خُلِقَت (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: قال أبو جهلٍ: لما نزلت: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣]. قال: تَعْرِفونها فى كلام العرب؟ أنا آتيكم بها. فدعا جاريةً، فقال: ائْتِينى بتمرٍ وزُبْدٍ. فقال: دونَكم تَزَقَّموا، فهذا الزَّقُّومُ الذى يُخَوِّفُكم به محمدٌ. فأنزل اللهُ تفسيرَها: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾. قال: لأبي جهلٍ وأصحابِه.\nحدَّثني محمد بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾. قال: قولُ أبي جهلٍ: إنما الزَّقُّومُ التمرُ والزُّبْدُ أَتَزَقَّمُه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٥٠ عن معمر، عن قتادةَ بنحوه، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٢٧٧ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٦٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"19","page":552},{"text":"<span id=\"aya-3853\"></span>وقوله: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كأن طَلْعَ هذه الشجرة -يعنى شجرةَ الزقومِ- في قُبْحِه وسَماجتِه (^١) رءوسُ الشياطينِ في قُبْحِها.\nوذُكر أن ذلك فى قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (إنها شجرةٌ نابتةٌ فى أصلِ الجحيمِ) (^٢).\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾. قال: شبَّهه بذلك (^٣).\nفإن قال قائلٌ: وما وجه تشبيهه طَلْعَ هذه الشجرة برءوسِ الشياطينِ في القُبْح، ولا علمَ عندنا بمبلغ قبح رءوسِ الشياطينِ، وإنما يُمَثَّلُ الشيءُ بالشيءِ، تعريفًا مِن المُمثِّلِ المُمثَّلَ له، قربَ (^٤) اشتباه الممثَّل أحدِهما بصاحبهِ، مع معرفةِ المُمَثَّلِ له الشيئين كليهما، أو أحدَهما. ومعلومٌ أن الذين خُوطِبوا بهذه الآية من المشركين، لم يكونوا عارفين بشجرةِ الزَّقُّومِ، ولا برءوسِ الشياطينِ، ولا كانوا رأَوْهما، ولا واحدًا منهما؟\nقيل له: أما شجرة الزقُّومِ فقد وصَفَها اللهُ تعالى ذكرُه لهم وبيَّنها، حتى عرَفوها ما هى، وما صفتُها، فقال لهم: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾، فلم يَتْرُكْهم فى عَماءٍ منها. وأما في تمثيله طلعَها برءوسِ الشياطينِ، [فأقوالٌ لكلٍّ منها وجهٌ مفهومٌ. أحدُها: أن يكونَ مثَّل ذلك برءوسِ الشياطينِ] (^٥)، على نحو ما قد جرَى به استعمالُ المخاطبين بالآية بينهم، وذلك\n_________\n(^١) في ت ٢: \"كأنه\".\n(^٢) وهى قراءة شاذة.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٧ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) في ت ١: \"أقرب\".\n(^٥) سقط من: ت ١.","vol":"19","page":553},{"text":"أن استعمالَ الناسِ قد جرى بينَهم فى مبالغتِهم، إذا أراد المبالغة في تقبيح الشيء، قالوا: فكأنه شيطانٌ، فذلك أحدُ الأقوالِ. والثاني: أن يكون مُثِّل برأسِ حيةٍ معروفةٍ عند العرب تُسمى شيطانًا، وهي حيةٌ له عُرْفٌ. فيما ذُكر، قبيحُ الوجهِ - والمنظرِ، وإياه عنى الراجزُ بقولِه:\nعَنْجَرِدٌ (^١) تَحْلِفُ حينَ أحْلِفُ … كمِثلِ شَيْطانِ الحَماطِ (^٢) أَعْرَفُ (^٣)\nويروى عُجَيِّزٌ.\n\n<span id=\"aya-3854\"></span>والثالثُ: أن يكونَ مُثِّل نبتٌ معروف برءوس الشياطينِ، ذُكِر أنه قبيحُ الرأسِ (^٤). ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: فإن هؤلاء المشركين الذين جعَل اللهُ هذه الشجرةَ لهم فتنةً، لآكلون من هذه الشجرةِ التى هى شجرةُ الزَّقومِ، فمالئون من زَقُّومِها بطونَهَم (^٥).\n\n<span id=\"aya-3855\"></span><span data-type='title' id=toc-7772>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾. ثم إن لهؤلاء المشركين على ما يِأْكُلون مِن هذه الشجرةِ؛ شجرةِ الزقومِ - شَوْبًا، وهو الخَلْطُ، مِن قولِ العربِ: شاب فلانٌ طعامَه فهو يَشوبُه شَوْبًا وشِيابًا، ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ والحميمُ: الماءُ\n_________\n(^١) امرأة عنجرد: خبيثة سيئة الخلق. اللسان (عنجرد).\n(^٢) قال الأصمعي: العرب تقول الجنس من الحيات: شيطان الحماط. وقيل: الحماط بلغة هذيل شجر عظام تنبت في بلادهم تألفها الحيات. ينظر تهذيب اللغة، ٤/ ٤٠١، ٤٠٢.\n(^٣) البيتان فى معانى القرآن للفراء، ٢/ ٣٨٧، واللسان (عنجرد، ح م ط، ش ط ن).\n(^٤) فى ت ١: \"الرؤس\".\n(^٥) في ت ١: \"البطون\".","vol":"19","page":554},{"text":"المحمومُ، وهو الذى أُسْخِن فانْتَهَى حرُّه. وأصلُه مفعولٌ، صُرِّف إلى فعيلٍ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾. يقولُ: لَمَزْجًا (^١).\nحدَّثني محمد بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾. يعنى: شربَ الحميمِ على الزقُّومِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾. قال: مِزاجًا من حميمٍ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾. قال: الشَّوبُ الخَلْطُ، وهو المَزْجُ (^٤).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾. قال: حَميمٌ يُشابُ لهم بغَسَّاقٍ مما تَغْسِقُ أعينُهم، وصديدٍ من قَيْحِهم ودمائِهم، مما يَخْرُجُ مِن أجسادهم.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٧.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وذكره ابن رجب في التخويف من النار ص ١٤٨.\n(^٤) فى ت ١: \"المزاج\". والأثر ذكره الحافظ في الفتح ٦/ ٣٣٢، وعزاه إلى المصنف.","vol":"19","page":555},{"text":"<span id=\"aya-3856\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ثم إن مآبَهم ومصيرَهم لإلى الجحيمِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾. فهم في عناءٍ وعذابٍ من نارِ جهنمَ (^١). وتلا هذه الآية: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤].\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾. قال في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (ثمَّ إِنَّ مُنْقَلَبَهُمْ لإلى الجحيم) (^٢). وكان عبدُ اللهِ يقولُ: والذي نفسي بيدِه لا يَنْتَصِفُ النَّهارُ يومَ القيامةِ حتى يَقيلَ أهلُ الجنةِ فى الجنةِ، وأهلُ النارِ فى النارِ، ثم قال: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ (^٣) [الفرقان: ٢٤].\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾. قال: موتَهم.\n\n<span id=\"aya-3857\"></span>وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾. يقولُ: إن هؤلاء المشركين الذين إذا قيل لهم: قولوا: لا إله إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرون، وجدوا آباءَهم ضُلَّالًا عن قصدِ السبيلِ، غيرَ سالكين مَحَجَّةَ الحَقِّ.\n\n<span id=\"aya-3858\"></span>﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾. يقولُ: فهؤلاء يُسْرَعُ بهم في طريقهم؛ ليَقْتَفُوا آثارهم وسُنَّتَهم. يقالُ منه: أُهْرِع فلانٌ: إذا سار سيرًا حثيثًا، فيه شَبَهٌ بالرِّعْدةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ت ١: \"حميم\".\n(^٢) وهى قراءة شاذة.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":556},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾. أى: وجدوا آباءهم ضالِّين (^١).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ﴾. أى: وجَدوا آباءَهم (^٢).\nوبنحوِ الذي قلنا في \"يُهْرَعون\" -أيضًا- قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾. قال: كهيئةِ الهَرْوَلةِ (^٣).\n[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾. أى: يُسْرِعون إسراعًا في ذلك] (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قوله: ﴿يُهْرَعُونَ﴾. قال: يُسرعون.\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يُهْرَعُونَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في الإتقان- ٢/ ٣٩ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٧٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٢٧٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٦٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٨ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: ت ١.","vol":"19","page":557},{"text":"إِلَيْهِ﴾. قال: يَسْتَعجلون إليه.\n\n<span id=\"aya-3859\"></span><span data-type='title' id=toc-7773>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ولقد ضَلَّ يا محمدُ عن قصدِ السبيلِ ومَحَجَّةِ الحقِّ قبلَ مُشْركي قومِك من قريشٍ - أكثرُ الأمم الخاليةِ من قبلِهم:\n\n<span id=\"aya-3860\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾، يقولُ: ولقد أَرْسَلْنا في الأممِ التى خلَت من قبلِ أُمَّتِك، ومِن قبلِ قومِك المكذِّبِيك، مُنْذِرين يُنذرونهم بأسَنا على كفرِهم بنا، فكذَّبوهم، ولم يَقْبَلوا منهم نصائحَهم، فأحْلَلْنا بهم بأسَنا وعقوبتَنا\n\n<span id=\"aya-3861\"></span>﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾. يقولُ: فتأَمَّلْ وتبَيَّنْ كيف كان غِبُّ أمرِ الذين أَنْذَرَتهم أنبياؤنا، وإلامَ (^١) صار أمرُهم؟ وما الذى أعْقَبهم كفرُهم باللَّهِ؟ ألم نُهْلِكُهم فنُصَيَّرَهم للعبادِ عبرةً؟ ولمن بعدَهم عِظَةً؟\n\n<span id=\"aya-3862\"></span>وقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فانْظُرْ كيف كان عاقبةُ المُنْذَرِين، إلا عبادَ اللهِ الذين أخْلَصْناهم للإيمان بالله وبرسلِه. واسْتَثْنَى عبادَ اللَّهِ من المنذَرِين؛ لأن معنى الكلامِ: فانْظُرْ كيف أهْلَكْنا المنذَرِين إلا عبادَ اللهِ المؤمنين، فلذلك حسُن استثناؤُهم منهم.\nوبنحو الذي قلنا في قوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ فى قوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال: الذين\n_________\n(^١) في ت ١: \"إلا ما\".","vol":"19","page":558},{"text":"اسْتَخْلَصَهم الله (^١).\n\n<span id=\"aya-3863\"></span><span data-type='title' id=toc-7774>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ولقد نادانا نوحٌ بمسألتِه إيانا هلاكَ قومِه، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾. [إلى قولِه] (^٢): ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٥ - ٢٦].\nوقولَه: ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾. يقولُ: فلَنعم المجيبون كنا له إذ دعانا، فأجَبْنا له دعاءَه، فأهْلَكُنا قومَه.\n\n<span id=\"aya-3864\"></span>﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾. يعنى: أهلَ نوحٍ الذين ركِبوا معه السفينةَ. وقد ذكَرْناهم فيما مضَى قبلُ، وبيَّنا اختلافَ العلماءِ فى عددِهم (^٣).\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾. قال: أجابه الله (^٤).\nوقوله: ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ: مِن الأذى والمكروهِ الذي كان فيه مِن الكافرين، ومن كربِ الطُّوفانِ والغرقِ الذى هلَك به قومُ نوحٍ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٨ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١٠/ ٢٦٣، و١٢/ ٤٠٩ - ٤١٣.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":559},{"text":"كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. قال: مِن الغرقِ (^١).\n\n<span id=\"aya-3865\"></span>وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾. يقولُ: وجعَلَنا ذريةَ نوحٍ هم الذين بقُوا في الأرضِ بعدَ مَهْلِكِ قومِه. وذلك أن الناسَ كلَّهم مِن بَعدِ مَهْلِكِ قومِ (^٢) نوحٍ إلى اليومِ، إنما هم ذريةُ نوحٍ، فالعَجَمُ والعربُ أولادُ سامِ بنِ نوحٍ، والتُّركُ والصَّقالِبةُ والخَزَرُ أولادُ يافثَ بن نوحٍ، والسُّودان أولادُ حامِ بنِ نوحٍ. وبذلك جاءتِ الآثارُ، وقالتِ العلماءُ.\n[ذكرُ مَن قال ذلك] (^٣)\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ عَثْمةَ، قال: ثنا سعيدُ بن بشيرٍ، عن قتادةَ، عن الحسن، عن سَمُرةَ، عن النبىِّ ﷺ في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾. قال: \"سامٌ، وحامٌ، ويافثُ\" (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾. قال: فالناسُ كلُّهم مِن ذريةِ نوحٍ (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: م، ت ٢.\n(^٣) سقط من: م، ت ١.\n(^٤) أخرجه الترمذى (٣٢٣٠) من طريق ابن عثمة به، وأخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٧/ ١٩ - من طريق سعيد بن بشير به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٨ إلى ابن مردويه.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٩ عن سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٨ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":560},{"text":"حدثنا علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ فى قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾. يقولُ: لم يَبْقَ إلا ذريةُ نوحٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-3866\"></span><span data-type='title' id=toc-7775>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ). وأبقينا عليه -يعنى على نوحٍ- ذكرًا جميلًا، وثناءً حسنا: ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾. يعنى: فيمن تأخَّر بعدَه مِن الناسِ، يَذكُرونه به.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولِه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾. يقولُ: يُذكَرُ بخيرٍ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ (^٣)، قال: ثنا عيسي، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾. يقولُ: جعَلنا لسانَ صدقٍ للأنبياء كلِّهم (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٨ إلى المصنف وابن المنذر، وينظر تفسير ابن كثير ٧/ ١٨.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٨ إلى المصنف وابن المنذر، وينظر تفسير ابن كثير ٧/ ١٩.\n(^٣) في ت ١: \"صالح\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٦٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٨ إلى عبد بن حميد، وينظر تفسير ابن كثير ٧/ ١٩.","vol":"19","page":561},{"text":"الْآخِرِينَ﴾. قال: أبْقَى اللهُ عليه الثناءَ الحسنَ في الآخِرِين (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، [قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ] (^٢)، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾. قال: الثناءَ الحسنَ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3867\"></span>وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: أَمَنَةٌ مِن اللهِ لنوحٍ في العالَمين، أن يَذْكُرَه [أحدٌ بسوءٍ] (^٤).\nو\"سلامٌ\" مرفوعٌ بـ\"على\"، وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ الكوفةِ يقولُ (^٥): معناه: وترَكْنا عليه في الآخِرين. ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾. أى: ترَكْنا عليه هذه الكلمةَ، كما تقولُ: قَرَأْتُ مِن القرآنِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فتكونُ الجملةُ في معنى نصبٍ، وتَرْفَعُها باللام (^٦)، كذلك: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ تَرْفَعُه بـ\"على\" وهو في تأويلِ نصبٍ. قال: ولو كان: ترَكنا عليه سلامًا. كان صوابًا.\n\n<span id=\"aya-3868\"></span>وقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا كما فعَلْنا بنوحٍ، مُجازاةً له على طاعتِنا، وصبرِه على أذَى قومِه فى رِضانا ﴿وَنَجَّيْنَاهُ (^٧) وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، وأبْقَينا عليه ثناءً في\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٥٠ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٢٧٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من النسخ، وهو سند دائر قد تقدم كثيرًا.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٢٠.\n(^٤) في ت ٢: \"آخرون\".\n(^٥) هو الفراء. ينظر معاني القرآن ٢/ ٣٨٧.\n(^٦) في معاني القرآن: \"بالكلام\".\n(^٧) فى م: \"فأنجيناه\".","vol":"19","page":562},{"text":"الآخرين. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي﴾ الذين يُحْسِنون فيُطِيعوننا، وينْتَهون إلى أمرِنا، ويَصْبِرون على الأذى فينا.\n\n<span id=\"aya-3869\"></span>وقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن نوحًا من عبادِنا الذين آمنوا بنا، فوحَّدُونا، وأخْلَصوا لنا العبادةَ، وأفْرَدونا بالأُلوهةِ.\n\n<span id=\"aya-3870\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ثم أَغْرَقُنا حين نجَّيْنا نوحًا وأهلَه من الكربِ العظيمِ، مَن بقِى مِن قومِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾. قال: أنجاه اللهُ ومَن معه في السفينةِ، وأغْرَق بقيةَ قومِه.\n\n<span id=\"aya-3871\"></span><span data-type='title' id=toc-7776>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإن مِن أشياعِ (^١) نوحٍ على مِنْهاجِه وملَّتِه واللهِ، لإبراهيمَ خليلَ الرحمنِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ت ١: \"تباع\"، وفي ت ٢: \"أتباع\".","vol":"19","page":563},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾. يقولُ: مِن أَهلِ دينه (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّة، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾. قال: على مِنْهاجِ نوحٍ وسنَّتِه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾. قال: على مِنْهاجه وسنَّتِه (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾. قال: على دينه وملَّتِه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾. قال: مِن أهل دينِه (^٤).\nوقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ (^٥) أن معنى ذلك: وإن مِن شيعةِ محمدٍ لإبراهيمَ.\nوقال: ذلك مثلُ قولِه: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١]. بمعنى: أَنَّا حَمَلْنا ذريةَ مَن هم منه، فجعَلَها ذريةً لهم، وقد سبَقَتهم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٣٩ من طريق أبي صالح به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٦٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر، وينظر البحر المحيط ٧/ ٣٦٥.\n(^٤) ينظر البحر المحيط ٧/ ٣٦٥.\n(^٥) هو الفراء. ينظر معاني القرآن ٢/ ٣٨٨.","vol":"19","page":564},{"text":"<span id=\"aya-3872\"></span>وقولُه: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إذ جاء إبراهيم ربَّه بقلبٍ سليمٍ من الشركِ، مُخْلِصٍ له التوحيدَ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، واللهِ، مِن الشركِ (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال: سليمٍ من الشركِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.\nقال: لا شكَّ فيه (^٢).\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عَثَّامُ بنُ علىٍّ، قال: ثنا هشامٌ، عن أبيه، قال: يا بَنِىَّ لا تكونوا لَعَّانين، ألم تَرَوْا إلى إبراهيمَ لم يَلْعَنْ شيئًا قطُّ، فقال اللهُ: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3873\"></span>وقولُه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾. [يقولُ: حين قال -يعنى: إبراهيمُ- لأبيه وقومِه: أيَّ شيءٍ تَعْبُدون؟\nوقوله] (^٤):\n\n<span id=\"aya-3874\"></span>﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾. يقولُ: أَكَذِبًا معبودًا غيرَ اللَّهِ تُريدون؟\n\n<span id=\"aya-3875\"></span><span data-type='title' id=toc-7777>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي</span>\n_________\n(^١) أخرجه عبد عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٥٠ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٢٧٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ينظر القرطبي في تفسيره ١٥/ ٩١، والبحر المحيط ٧/ ٣٦٥، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٠.\n(^٤) سقط من: ت ١.","vol":"19","page":565},{"text":"النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢)﴾.\nيقول تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيل إبراهيمَ لأبيه وقومه: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: فأىَّ شيءٍ تَظُنُّون أيُّها القومُ أنه يَصْنَعُ بكم إن لقيتُموه، وقد عبَدتُم غيرَه؟\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: إذا لقِيتُموه، وقد عبَدْتُم غيرَه؟ (^١)\n\n<span id=\"aya-3876\"></span>وقولُه: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾. ذُكر أن قومَه كانوا أهلَ تَنْجيمٍ، فرأَى نجمًا قد طلَع، فعصَب رأسَه.\n\n<span id=\"aya-3877\"></span>وقال: إنى مطعونٌ، وكان قومُه يَهْرُبون مِن الطاعونِ، فأراد (^٢) أن يَتْرُكوه في بيتِ آلهتِهم، ويَخْرُجوا عنه؛ ليُخالِفَهم إليها فيَكْسِرَها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾. قال: قالوا وهو في بيتِ آلهتهم: اخرُجْ. فقال: إني مَطْعونٌ. فترَكوه مَخافةَ الطاعونِ (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر، وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٠، والبداية والنهاية ١/ ٣٣٣.\n(^٢) في ت ١: \"فأرادوا\".\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٢١، والبحر المحيط ٧/ ٣٦٦.","vol":"19","page":566},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ، عن قتادة، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾. قال: رأَى نجمًا طلَع.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أنه رأَى نَجمًا طلَع فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. قال: كايَد (^١) نبيُّ الله عن دينه، فقال: إني سقيمٌ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾: قالوا لإبراهيمَ، وهو في بيتِ آلهتِهم: اخرُجْ معنا. فقال لهم: إنى مطعونٌ. فترَكوه مَخافةَ أن يُعْدِيَهم (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، عن أبيه في قول اللهِ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾. قال: أَرْسَل إليه ملِكُهم، فقال: إن غدًا عيدَنا (^٤)، فاحضُرْ معنا. قال: فنظَر إلى نَجمٍ، فقال: إن ذلك النجمَ لم يَطْلُعْ قطُّ إلا طلَع بسُقمٍ لى (^٥). فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾: يقولُ اللَّهُ: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾. وقولُه: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. أى: طَعِينٌ، أو لسُقْمٍ كانوا يَهْرُبون منه إذا سمِعوا به، وإنما يُرِيدُ إبراهيمُ أن\n_________\n(^١) فى ت ١، ت ٢: \"كابد\".\n(^٢) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٢٧٩ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٩ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن المنذر، وينظر تفسير القرطبي ١٥/ ٩٣.\n(^٤) فى ت ١، ت ٢: \"عيدا\".\n(^٥) سقط من: ت ١.\n(^٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٩ إلى ابن أبي حاتم، وينظر تفسير القرطبي ١٥/ ٩٢.","vol":"19","page":567},{"text":"يَخْرُجوا عنه، ليَبْلُغَ من أصنامِهم الذي يُرِيدُ (^١).\nواخْتُلف فى وجهِ قيلِ إبراهيم لقومه: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. وهو صحيحٌ، فرُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"لم يَكْذِبْ إبراهيمُ إلا ثلاثَ كذباتٍ\".\nذكرُ الروايةِ بذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثني هشامٌ، عن محمدٍ، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: \"لم يَكذِبْ إبراهيمُ غيرَ ثلاثِ كذباتٍ؛ ثِنتَيْن في ذاتِ الله؛ قولِه: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. وقولُه: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]. وقوله فى سارَةً: هى أختى\" (^٢).\nحدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى، قال: ثنا أبى، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثني أبو الزِّناد، عن عبدِ الرحمنِ الأعرجِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: لم يَكذِبْ إبراهيمُ فى شيءٍ قطُّ إلا فى ثلاثٍ\". ثم ذكر نحوَه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن المسيَّب بنِ رافعٍ، عن أبى هريرةَ، قال: ما كذَب إبراهيمُ غيرَ ثلاثِ كذباتٍ؛ قولُه: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. وقولُه: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]. وإنما قاله موعظةً، وقولُه حينَ سأَله\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٣٦.\n(^٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٢٤٥، وأخرجه النسائى (٨٣٧٤ - كبرى) من طريق أبي أسامة به، وأخرجه مسلم (٢٣٧١)، وأبو داود (٢٢١٢)، وأبو يعلى (٦٠٣٩)، وابن حبان (٥٧٣٧) من طريق هشام به، وأخرجه البخارى (٣٣٥٧، ٥٠٨٤)، والبيهقى ٧/ ٣٦٦، وفى الأسماء والصفات (٦١٦) من طريق محمد بن سيرين به.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٤٦، وأخرجه الترمذى (٣١٦٦) عن سعيد بن يحيى به، وأخرجه أحمد ١٥/ ١٣١ - ١٣٣ (٩٢٤١)، والبخاري (٢٢١٧، ٢٦٣٥، ٦٩٥٠)، والنسائى (٨٣٧٣ - كبري) من طريق أبي الزناد به.","vol":"19","page":568},{"text":"الملِكُ، فقال: أختى. لسارَةَ، وكانت امرأتَه (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، قال: إن إبراهيمَ ما كذَب إلا ثلاثَ كذباتٍ؛ ثِنْتان في اللهِ، وواحدةٌ في ذاتِ نفسِه، فأما الثنتان فقولُه: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾. وقصتُه في سارَةَ، وذكَر قصتَها وقصةَ الملِكِ (^١).\nوقال آخرون: إن قولَه: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. كلمةٌ فيها مِعْراضٌ، ومعناها أن كلَّ مَن كان في عُقْبةِ الموتِ فهو سقيمٌ، وإن لم يَكُنْ به حينَ قالها سُقْمٌ ظاهرٌ.\nوالخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ بخلافِ هذا القول وقولُ رسولِ اللهِ ﷺ هو الحقُّ دونَ غيرِه.\n\n<span id=\"aya-3878\"></span>قولُه: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾. يقولُ: فتولَّوْا عن إبراهيمَ مُدْبِرِين عنه؛ خوفًا من أن يُعدِيَهم السُّقْمُ الذى ذكَر أنه به.\nكما حُدِّثْتُ عن يحيى بنِ زكريا عن بعضِ أصحابِه، عن حكيمِ بنِ جبيرٍ، [عن سعيدِ بنِ جبيرٍ] (^٢)، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. يقولُ: مطعونٌ.\n﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾. قال سعيدٌ: إن كان الفرارُ مِن الطاعونِ لَقديمًا (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَتَوَلَّوْا﴾: فنكَصوا عنه مُدبِرِين مُنْطَلِقين (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٤٧.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ص ٣٥٤ (مخطوط المكتبة المحمودية) إلى المصنف.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":569},{"text":"<span id=\"aya-3879\"></span>وقولُه: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: فمال إلى آلهتهم] (^١) بعدَما خرَجوا عنه وأدْبَروا.\nوأرَى أن أصلَ ذلك مِن قولِهم: راغ فلانٌ عن فلانٍ، إذا حاد عنه،، فيكونُ معناه إذا كان كذلك: فراغ عن قومِه، والخروجِ معهم إلى آلهتِهم، كما قال عديُّ بنُ زيدٍ (^٢):\nحينَ لا يَنْفَعُ الرَّواغُ ولا يَنْـ … ــــفَعُ إلا المصادقُ النِّحْريرُ\nيعنى بقولِه: لا يَنْفَعُ الرَّواغُ: الحِيادُ. أما أهلُ التأويلِ فإنهم فسَّروه بمعنى: فمال.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾: أي: فمال إلى آلهتهم. قال: ذهَب (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ قولَه: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾. قال: ذهَب (^٤).\n\n<span id=\"aya-3880\"></span>وقوله: ﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾. هذا خبرٌ مِنَ اللَّهِ عن قيلِ إبراهيمَ للآلهةِ، وفى الكلامِ محذوفٌ اسْتُغْنِى بدَلالة الكلامِ عليه مِن ذكرِه، وهو: فقرَّب إليها الطعامَ، فلم يَرَها تَأْكُلُ، فقال لها: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾. فلمَّا لم يَرَها تَأْكُلُ\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) البيت فى الأمالي الشجرية ١/ ٩٢.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وينظر تفسير القرطبي ١٥/ ٩٤.\n(^٤) ينظر تفسير القرطبي ١٥/ ٩٤.","vol":"19","page":570},{"text":"قال لها: ما لكم لا تأْكُلون؟ فلم يرَها تَنْطِقُ، فقال لها: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾؟ مُسْتَهْزِئًا بها. وكذلك ذكَر أنه فعَل بها، وقد ذكَرْنَا الخبرَ بذلك فيما مضَى قبلُ (^١).\nوقال قتادةُ فى ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾؛ يَسْتَنْطِقُهم: ﴿فَقَالَ أَلَا تَنْطِقُونَ﴾؟ (^٢)\n\n<span id=\"aya-3881\"></span><span data-type='title' id=toc-7778>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فمال على آلهةِ قومِه ضربًا لها باليمينِ، بفأسٍ في يدِه يَكْسِرُهن.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: لما خلا جعَل يَضْرِبُ آلهتَهم باليمين.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخْبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ، فذكَر مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾: فأقبل عليهم يَكْسِرُهم (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ثم أقْبَل عليهم، كما قال اللهُ: ﴿ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾. ثم جعَل يَكْسِرُهن بفأسٍ في يدِه (^٣).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٦/ ٢٩٥.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٣٨.","vol":"19","page":571},{"text":"وكان بعضُ أهل العربيةِ (^١) يَتَأَوَّلُ ذلك بمعنى: فراغ عليهم ضربًا بالقوةِ والقدرةِ، ويقولُ: اليمينُ فى هذا الموضعِ القوةُ. وبعضُهم كان يَتَأَوَّلُ اليمينَ في هذا الموضعِ الحَلِفَ، ويقولُ: جعَل يَضْرِبُهن باليمينِ التي حلَف بها بقولِه: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧].\nوذُكِر أن ذلك فى قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فراغ عليهم صَفْقًا باليمينِ) (^٢). ورُوِى نحوُ ذلك عن الحسنِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا [خالد بنُ عبيدٍ العَتَكيُّ] (^٤)، قال: سمِعْتُ الحسن قرَأ: (فراغ عليهم صفقًا باليمينِ). أى: ضربًا باليمينِ.\n\n<span id=\"aya-3882\"></span>وقولُه: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾. اخْتَلَفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرَأَتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ، وبعضُ قرأةِ الكوفة: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ بفتح الياءِ وتشديدِ الفاءِ (^٥)، من قولِهم: زَفَّت النَّعَامةُ، وذلك أولُ عَدْوِها، وآخرُ مشيها، ومنه قولُ الفَرزدقِ (^٦):\nوجاء قَرِيعُ الشَّوْلِ قبلَ إفالِها … يَزِفُّ وجاءَت خلفَه وَهُيَ زُفَّفُ\n_________\n(^١) نسب القرطبي هذا القول للفراء وثعلب. تفسير القرطبي ١٥/ ٩٤.\n(^٢) وهى قراءة شاذة، ينظر معانى القرآن للفراء ٢/ ٣٨٨.\n(^٣) ينظر المحتسب ٢/ ٢٢١.\n(^٤) فى م: \"خالد بن عبد الله الجشمى\"، وفى ت ١: \"خالد بن عبد الله الجشيمي\"، وفي ت ٢:\n\"خلف بن عبد الله الجشمى\". ينظر تهذيب الكمال ٨/ ١٢٥.\n(^٥) هي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبي عمرو وعاصم والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٤٨.\n(^٦) ديوانه ص ٥٥٩.","vol":"19","page":572},{"text":"وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن أهلِ الكوفة: (يُزِفُّونَ) بضمِّ الياء، وتشديدِ الفاءِ (^١)، مِن أَزَفَّ فهو يُزِفُّ. وكان الفرَّاءُ يَزْعُمُ أَنه لم يَسمَعْ في ذلك إلا زفَفْتُ، ويقولُ: لعل قراءةَ مَن قرَأه: (يُزفُّونَ) بضمِّ الياءِ من قولِ العرب: أطْرَدْتُ الرجل، أي: صيَّرته طَريدًا، وطرَدْتُه. إذا أنت خسَأتَه، إذا قلتَ: اذْهَبْ عنا. فيكونُ (يُزِفُّون) أى: جاءوا على هذه الهيئةِ بمنزلةِ المزفوفةِ على هذه الحالةِ، فَتُدْخِلُ الألفَ، كما تقولُ: أَحْمَدْتُ الرجلَ. إذا أظْهَرْتَ حمدَه، و: هو محمدٌ. إذا رأيْتَ أمرَه إلى الحمدِ، ولم تَنْشُرْ حمدَه. قال: وأَنْشَدَنيَ المُفَضَّلُ (^٢):\nتمَنَّى حُصَيْنٌ أن يَسُودَ جذاعَه … فأمْسَى حُصَينٌ قد أذَلُّ وأَقْهَرَا\nفقال: أَقْهَرَ. وإنما هو قُهِر، ولكنه أراد: صار إلى حالِ قهرٍ. وقرَأ ذلك بعضُهم: (يَزِفُونَ) بفتحِ الياء، وتخفيف الفاءِ (^٣)، مِن وَزَف يَزِفُ. وذُكِر عن الكِسائيِّ أنه لا يَعْرِفُها. وقال الفرَّاءُ: لا أَعْرِفُها إلا أن تكونَ لغةٌ لم أَسْمَعُها (^٤).\nوذُكر عن مجاهدٍ أنه كان يقولُ: الوَزْفُ النَّسَلانُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾. قال: الوزيفُ النَّسَلانُ (^٥)\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة والمفضل عن عاصم. المصدر السابق.\n(^٢) البيت للمخبل السعدى. ينظر معانى القرآن للفراء ٢/ ٣٨٩، واللسان (ق هـ ر).\n(^٣) هي قراءة مجاهد وعبد الله بن يزيد والضحاك ويحيى بن عبد الرحمن المقرئ وابن أبي عبلة، وهي قراءة شاذة. البحر المحيط ٧/ ٣٦٦.\n(^٤) ينظر معانى القرآن للفراء ٢/ ٣٨٩.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٥٦٩، وأخرجه عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح -كما في تعليق التعليق =","vol":"19","page":573},{"text":"والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندَنا: قراءةُ مَن قرَأه بفتحِ الياءِ، وتشديدِ الفاءِ؛ لأن ذلك هو الصحيحُ المعروفُ مِن كلامِ العربِ، والذي عليه قراءةُ الفُصحاءِ مِن القرأةِ.\nوقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معناه؛ فقال بعضُهم: معناه: فأَقْبَل قومُ إبراهيمَ إلى إبراهيمَ يَجْرُون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾: فَأَقْبَلُوا إِلَيهِ يَجْرُونَ (^١).\nوقال آخرون: معناه: أقْبَلوا إليه يَمْشُون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قولِه: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾. قال: يَمْشُونَ (^٢).\nوقال آخرون: معناه: فَأقْبَلوا يَسْتَعْجِلون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، عن أبيه: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾. قال: يَسْتَعْجِلون. قال: يَزِفُّ: يَسْتَعْجِلُ.\n_________\n= ٤/ ٢٩٤ - وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٩ إلى ابن المنذر.\n(^١) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٢٧٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ينظر تفسير القرطبي ١٥/ ٩٥، والتبيان ٨/ ٤٦٩.","vol":"19","page":574},{"text":"<span id=\"aya-3883\"></span>وقولُه: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال إبراهيمُ لقومِه: أتَعْبُدون أيُّها القومُ ما تَنْحِتون بأيديكم مِن الأصنامِ؟! كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾: الأصنامَ (^١).\n\n<span id=\"aya-3884\"></span>وقولُه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قِيلِ إبراهيمَ لقومِه: واللهُ خلَقَكم أيُّها القومُ وما تَعْمَلُون.\nوفي قولِه: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وجهان؛ أحدُهما: أن يكونَ قولُه \"ما\" بمعنى المصدرِ، فيكونَ معنى الكلامِ حينَئذٍ: واللهُ خلَقَكم وعملَكم، والآخرُ: أن يكونَ بمعنى الذي، فيكونَ معنى الكلامِ عندَ ذلك: واللهُ خلَقكم والذي تَعْمَلونه، أي: والذى تَعْمَلون منه الأصنامَ، وهو الخشبُ والنُّحاسُ والأشياءُ التي كانوا يَنْحِتون منها أصنامَهم.\nوهذا المعنى الثاني قصَد، إن شاء اللهُ، قتادةُ (*) بقولِه الذى حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾: بأيديكم (^١).\n\n<span id=\"aya-3885\"></span><span data-type='title' id=toc-7779>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ إبراهيمَ، لمَّا قال لهم إبراهيمُ: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾: ابْنُوا لإبراهيمَ بُنْيانًا. ذُكِر أنهم بَنَوْا له\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(*) إلى هنا انتهى الخرم الموجود فى مخطوط دار الكتب المصرية المشار إليه في ص ١٥٥.","vol":"19","page":575},{"text":"بُنيانًا يُشبهُ التَّنُّورَ، ثم نقَلوا إليه الحطبَ، وأوْقَدوا عليه، ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾.\nوالجحيمُ عندَ العربِ جَمْرُ النارِ بعضُه على بعضٍ، والنارُ على النارِ.\n\n<span id=\"aya-3886\"></span>وقولُه: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأراد قومُ إبراهيمَ بإبراهيمَ كيدًا، وذلك ما كانوا أرادوا مِن إحراقِه بالنارِ. يقولُ اللهُ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ﴾. أى: فجعَلْنا قومَ إبراهيمَ ﴿الْأَسْفَلِينَ﴾ يعنى: الأَذَلِّين حُجَّةٌ، وغلَّبْنا إبراهيمَ عليهم بالحجةِ، وأنقَذْناه مما أرادوا به مِن الكيدِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾. قال: فما ناظَرَهم بعد ذلك حتى أهْلَكَهم (^١).\n\n<span id=\"aya-3887\"></span>وقولُه: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال إبراهيمُ لما أفْلَجَه اللهُ على قومِه، ونجَّاه من كيدِهم: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾. يقولُ: إلى مُهاجِرٌ مِن بلدةِ قومى إلى اللهِ. أى: إلى الأرضِ المقدَّسةِ، ومُفارِقُهم، فمُعْتَزِلُهم لعبادةِ اللهِ.\nوكان قتادةُ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾: ذاهبٌ بعملِه وقلبِه ونيتِه (^٢).\nوقال آخرون في ذلك: إنما قال إبراهيمُ: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾. حينَ أرادوا أن يُلقُوه في النارِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ينظر التبيان ٨/ ٤٧٢.","vol":"19","page":576},{"text":"قال: سمِعْتُ سليمانَ بنَ صُرَدَ يقولُ: لما أرادوا أن يُلقُوا إبراهيمَ في النارِ، قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. فجُمِع الحطبُ، فجاءت عجوزٌ على ظهرِها حطبٌ، فقيل لها: أين تُرِيدين؟ قالت: أُرِيدُ أن أَذهَبَ إلى هذا الرجل الذي يُلقَى في النارِ، فلما أُلقِى فيها قال: حَسْبيَ اللهُ، عليه توكلتُ، أو قال: حسبيَ اللهُ ونعم الوكيلُ. قال: فقال اللهُ: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]. قال: فقال ابنُ لوطٍ، أو ابنُ أخى لوطٍ: إن النارَ لم تُحرِقْه مِن أجلى. وكان بينَهما قَرابةٌ، قال: فأرسَل الله عليه عُنُقًا مِن النارِ (^١)، فأَحْرَقَتْه (^٢).\nوإنما اخْتَرْتُ القولَ الذى قلتُ في ذلك؛ لأن اللهَ ﵎ ذكَر خبرَه وخبرَ قومِه في موضعٍ آخرَ، فأَخْبَر أنه لما نجَّاه مما حاوَل قومُه مِن إحراقِه، قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦]. ففسَّر أهلُ التأويلِ ذلك أن معناه: إنى مهاجرٌ إلى أرضِ الشامِ. فكذلك قولُه: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. لأنه كقولِه: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾. وقوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾. يقولُ: سيُثَبِّتُنى على الهُدَى الذى أبْصَرْتُه، ويُعِينُني عليه.\n\n<span id=\"aya-3888\"></span>وقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. وهذا مسألةُ إبراهيمَ رَبَّه أن يَرْزُقَه ولدًا صالحًا، يقولُ: قال: يا ربِّ، هَبْ لى منك ولدًا يكونُ مِن الصالحين، الذين يُطِيعونك ولا يَعْصُونك، ويُصْلِحون في الأرض ولا يُفْسِدون.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قولِه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال: ولدًا صالحًا (^٣).\n_________\n(^١) عنق من النار: أى طائفة منها. النهاية ٣/ ٣١٠.\n(^٢) ينظر تفسير القرطبي ١٥/ ٩٨، وفيه: \"أبو لوط\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٧٩ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"19","page":577},{"text":"وقال: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. ولم يَقُلْ: صالحًا من الصالحين.\nاجتزاءً [بـ ﴿مِنَ﴾ مِنْ ذكرِ] (^١) المتروكِ، كما قال ﷿: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠]. بمعنى: زاهِدِين مِن الزاهدين.\n\n<span id=\"aya-3889\"></span><span data-type='title' id=toc-7780>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فبشَّرْنا إبراهيمَ ﴿بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾. يعني: يغلامٍ ذى حِلْمٍ إذا هو كَبِر، فأما في طفولتِه فى المَهْدِ، فلا يُوصَفُ بذلك. وذُكِر أن الغلامَ الذي بشَّر اللهُ به إبراهيمَ إسحاقُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾. قال: هو إسحاقُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾: بُشِّر بإسحاقَ. قال: لم يُثْنِ بالحِلْمِ على أحدٍ غيرِ إسحاقَ وإبراهيمَ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3890\"></span>وقولُه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾. يقولُ: فلمَّا بلَغ الغلامُ الذي بُشِّر به إبراهيمُ مع إبراهيمَ، العملَ، وهو السعىُ، وذلك حينَ أطاق معونتَه على عملِه.\n_________\n(^١) فى ص، م، ت ٢: \"بمن ذكر\"، وفى ت ١: \"بذكر عن من\". والمثبت يقتضيه السياق.\n(^٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٧/ ٤٦، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٨، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٢٨٠ إلى المصنف.\n(^٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٧/ ٤٦، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٨، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٢٧٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":578},{"text":"وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قلنا فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾. يقولُ: العملَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾. قال: لما شَبَّ حتى أَدْرَك سعيه سَعْيَ إبراهيمَ في العملِ (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: لما شَبَّ حينَ أَدْرَك سعيَه.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾. قال: سَعْيَ إبراهيمَ.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾. قال: سَعْىٌ لإبراهيمَ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في الإتقان- ٢/ ٣٩ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٨٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٦٩، وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٣، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٢٨٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":579},{"text":"مَعَهُ السَّعْيَ﴾. قال: السعىُ هاهنا العبادةُ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: فلمَّا مشَى مع إبراهيمَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾. أي: لما مشَى مع أبيه (^٢).\nوقولُه: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ﴿قَالَ﴾ إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ لابنِه: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. وكان فيما ذُكِر أن إبراهيمَ نذَر حينَ بشَّرَته الملائكةُ بإسحاقَ ولدًا، أن يَجْعَلَه إذا ولَدَته سارَةُ للَّهِ ذَبيحًا، فلمَّا بلَغ إسحاقُ مع أبيه السعىَ أُرِى إبراهيمُ في المنامِ، فقيل: فِ (^٣) للهِ بنذرِك. ورُؤيا الأنبياء، صلوات الله عليهم، يقينٌ؛ فلذلك مضَى لِما رأَى فى المنامِ، وقال له ابنُه إسحاقُ ما قال.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: قال جبريلُ ﵇ لسارَةَ: أبْشِرِى بولدٍ اسمُه إسحاقُ، ومِن وراءِ إسحاقَ يعقوبُ. فضرَبت جبهتَها عَجَبًا، فذلك قولُه: ﴿[قَالَتْ يَاوَيْلَتَى] (^٤) أَأَلِدُ\n_________\n(^١) ذكره الطوسى فى التبيان ٨/ ٤٧٣، والقرطبي في تفسيره ١٥/ ٩٩.\n(^٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٧/ ٤٦، والقرطبي في تفسيره ١٥/ ٩٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٨٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م: \"أوف\".\n(^٤) في النسخ: \"فصكت وجهها\".","vol":"19","page":580},{"text":"وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. إلى قولِه: ﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٢، ٧٣]. قالت سارَةُ لجبْرِيلَ: ما آيةُ ذلك؟ فأخَذ بيدِه عُودًا يابسًا، فَلَواه بينَ أصابعِه، فاهْتَزَّ أخضرَ، فقال إبراهيمُ: هو للهِ إذن ذبيحٌ. فلما كبِر إسحاقُ أُتِي إبراهيمُ في النومِ، فقيل له: أوْفِ بنذرِك الذى نذَرْتَ؛ إنِ اللهُ رزَقَك غلامًا مِن سارَةً أن تَذْبَحَه. فقال لإسحاقَ: انْطَلِقُ نُقَرِّبْ قُرْبانًا إلى اللهِ. وأخَذ سكينًا وحبلًا، ثم انْطَلَق معه حتى إذا ذهَب به بين الجبالِ، قال له الغلامُ: يا أبتِ، أين قُربانُك؟ قال: يا بُنَيَّ، إني رأيْتُ فى المنامِ أني أَذْبَحُك، فانْظُرْ ماذا تَرَى؟ قال: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ، ستَجِدُنى إن شاء اللهُ مِن الصابرين. فقال له إسحاقُ: يا أَبَتِ، اشْدُدْ رِباطي حتى لا أَضْطَرِبَ، واكْفُفْ عنى ثيابَك، حتى لا يَنْتَضِحَ عليها مِن دمى شيءٌ، فتراه سارَةُ فتَحْزَنَ، وأَسْرِعْ مَرَّ السكين على حَلْقى؛ ليكونَ أهونَ للموتِ عليَّ، فإذا أَتَيْتَ سارَةً، فاقْرَأْ عليها منى السلامَ. فأقْبَل عليه إبراهيمُ يُقبِّلُه، وقد ربَطه، وهو يَبْكي، وإسحاقُ يَبْكى. حتى اسْتَنْقَع الدموعُ تحتَ خدِّ إسحاقَ، ثم إنه جرَّ السكينَ على حَلْقِه، فلم تُحِكِ السكينُ، وضرَب اللهُ صَفيحةً مِن نُحاسٍ على حَلْقِ إسحاق، فلما رأَى ذلك، ضرَب به على جَبينِه، وحزَّ مِن قَفاه، فذلك قولُه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾. يقولُ: سلَّما للَّهِ الأمرَ، ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾. فنُودِى يا إبراهيمُ: قد صدَّقْتَ الرؤيا بالحقِّ. فالْتَفَت فإذا بكبشٍ، فأخَذَه وخلَّى عن ابنِه، فأَكَبَّ على ابنِه يُقبِّلُه وهو يقولُ: اليوم يا بُنَيَّ وُهِبْتَ لى. فلذلك يقولُ اللَّهُ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. فرجَع إلى سارَةً، فأخْبَرها الخبرَ، فجزِعت سارَةُ، وقالت: يا إبراهيمُ، أَرَدْتَ أن تَذْبَحَ ابنى ولا تُعْلِمَنى (^١).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه (١/ ٢٧٢، ١/ ٢٦٧ مختصرًا، وعزاه الحافظ في الفتح ١٢/ ٣٧٧، ٣٧٨، والسيوطى في الدر المنثور (٥/ ٢٨٢، ٢٨٣ إلى ابن أبي حاتم، وذكره البغوى في تفسيره ٧/ ٤٧، ٤٩.","vol":"19","page":581},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. قال: رؤيا الأنبياء حقٌّ، إذا رأوا في المنام شيئًا فعَلُوه (^١).\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عُبيدِ بن عُميرٍ، قال: رؤيا الأنبياءِ وَحْىٌ. ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (^٢).\nوقوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾. اختلفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿مَاذَا تَرَى﴾؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ، وبعضُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ بفتحِ التاءِ (^٣)؛ بمعنى: أيَّ شيءٍ تَأْمُرُ؟ أو فانْظُرْ ما الذي تَأْمُرُ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (ماذا تُرِى) بضمِّ التاءِ (^٤)؛ بمعنى: ماذا تُشِيرُ، وماذا تُرِينى (^٥) مِن صبرِك أو جَزَعِك من الذبحِ؟\nوالذى هو أولى القراءتين فى ذلك عندى بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه: ﴿مَاذَا تَرَى﴾ بفتحِ التاءِ (^٦)، بمعنى: ماذا تَرَى مِن الرأيِ؟\nفإن قال قائلٌ: أوَ كان إبراهيمُ يُؤامِرُ ابنَه في المُضِيِّ لأمرِ اللهِ، والانتهاءِ إلى طاعته؟\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه الحميدى (٤٧٤)، والبخارى (١٣٨، ٨٥٩)، والبيهقى ١/ ١٢٢، وفي الأسماء والصفات (٤٢٠) من طريق ابن عيينة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٠ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني.\n(^٣) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٥٤٨.\n(^٤) هي قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٥) في م: \"ترى\".\n(^٦) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"19","page":582},{"text":"قيل: لم يَكُنْ ذلك منه مُشاوَرةٌ لابنِه في طاعةِ اللهِ، ولكنه كان منه ليَعْلَمَ ما عندَ ابنِه مِن العَزْمِ؛ هل هو مِن الصبرِ على أمرِ اللَّهِ على مثلِ الذي هو عليه، فيُسَرَّ بذلك، أم لا؟ وهو في الأحوالِ كلّها ماضٍ لأمرِ اللهِ.\nوقولُه: ﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال إسحاقُ لأبيه: يا أبتِ، افْعَلْ ما يَأْمُرُك به ربُّكَ مِن ذَبحى، ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. يقولُ: سَتَجِدُنى إن شاء الله صابرًا من الصابرين لِما يَأْمُرُنا به ربُّنا. وقال: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾. ولم يَقُلْ: ما تُؤْمَرُ به. لأن المعنى: افْعَلِ الأمرَ الذى تُؤْمَرُه، وذُكِر أن ذلك فى قراءةِ عبدِ اللهِ: (إنى أرَى فى المنامِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ به) (^١).\n\n<span id=\"aya-3891\"></span><span data-type='title' id=toc-7781>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا أَسْلَما أمرَهما للهِ، وفوَّضاه إليه، واتَّفَقا على التسليمِ لأمرِه، والرضا بقضائِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني سليمانُ بن عبدِ الجبارِ، قال: ثنا ثابتُ بنُ محمدٍ، قال (^٢): ثنا عبدُ اللَّهِ ابنُ المباركِ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾. قال: اتفَقا على أمرٍ واحدٍ (^٣).\n_________\n(^١) وهى قراءة شاذة، ينظر معانى القرآن للفراء ٢/ ٣٩٠.\n(^٢) فى م، ت ٢: \"وحدثنا ابن بشار قال ثنا مسلم بن صالح قالا\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":583},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾. قال: أسْلَما جميعًا لأمرِ اللهِ؛ رضِى (^١) الغلامُ بالذبحِ، ورضِى الأبُ بأن يَذْبَحَه، فقال: يا أبتِ اقْذِقْنى للوجهِ، كيلا تَنْظُرَ إلىَّ فتَرْحَمَنى، وأَنْظُرَ أنا إلى الشَّفْرَةِ فَأَجْزَعَ، ولكن أَدْخِل الشفرةَ مِن تحتى، وامْضِ لأمرِ اللهِ. فذلك قولُ اللهِ: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾.\n\n<span id=\"aya-3892\"></span>فلمَّا فعَل ذلك ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾. قال: أسْلَم هذا نفسَه للهِ، وأَسْلَم هذا ابنَه للهِ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾. قال: أَسْلَما ما أُمِرا به (^٤).\nحدَّثنا موسي، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾. يقولُ: سلَّما لأمرِ اللَّهِ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ أي: سلَّم إبراهيمُ لذبحِه حينَ أُمِر به، وسلَّم ابنُه للصبرِ عليه، حين عرفَ أن اللهَ أمَره بذلك\n_________\n(^١) في م: \"ورضى\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٧٨ عن ابن حميد به.\n(^٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٧/ ٤٨، والقرطبي في تفسيره ١٥/ ١٠٤، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٧٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٧٢، ٢٧٣ عن موسي به مطولًا.","vol":"19","page":584},{"text":"فيه (^١).\nوقولُه: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾. يقولُ: وصرَعه للجَبينِ. والجَبينان ما عن يمينِ الجبهة وعن شمالها (^٢)، وللوجهِ جَبينان، والجبهةُ بينَهما.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾. قال: وضَع وجهَه للأرضِ. قال: لا تَذْبَحْنى وأنت تَنْظُرُ إلى وَجْهى، عسى أن تَرْحَمَنى فلا تُجْهِزَ علىَّ، ارْبِطُ يَدىَّ إلى رَقَبَتى، ثم ضَعْ وَجْهى للأرضِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾: أى: وكَبَّه لِفِيهِ، وأَخَذ الشَّفْرَةَ، ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ حتى بلَغ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾. قال: أكَبَّه على جبهتِه (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٤.\n(^٢) في ص، ت ١: \"يسارها\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٧٠، وأخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٧٦ عن محمد بن عمرو به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٨٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٤، وفي البداية ١/ ٣٦٤.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٤، وفى البداية ١/ ٣٦٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٣ إلى المصنف.","vol":"19","page":585},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾. قال: جبينِه. قال: أَخَذ جبينَه لِيَذْبَحَه.\nحدَّثنا ابنُ سِنانٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن حمادٍ، عن أبي عاصمٍ الغَنَوىِّ، عن أبي الطُّفيْلِ، قال: قال ابنُ عباسٍ: إن إبراهيمَ لما أُمِر بالمناسكِ عرَض له الشيطانُ عندَ المَسْعَى (^١) فسابَقَه، فسبَقه إبراهيمُ، ثم ذهَب به جبريلُ إلى جمرةِ العقبةِ، فعرَض له الشيطانُ، فرماه بسبعِ حَصَياتٍ حتى ذهَب، ثم عرَض له عندَ الجمرةِ الوُسْطى، فرماه بسبعِ حَصَياتٍ حتى ذهَب، ثم تلَّه للجبينِ، وعلى إسماعيلَ قميصٌ أبيضُ، فقال له: يا أبتِ، إنه ليس لى ثوبٌ تُكَفِّتُنى فيه غيرَ هذا، فاخْلَعْه [عنِّي، فكفنِّى] (^٢) فيه. فالتفت إبراهيمُ، فإذا هو بكبشٍ أَعْيَنَ أبيضَ أقرنَ (^٣)، فذبَحه، فقال ابنُ عباسٍ: لقد رأيْتُنا نَتَتَبَّعُ هذا الضَّرْبَ مِن الكِباشِ (^٤).\n\n<span id=\"aya-3893\"></span>وقولُه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾. وهذا جوابُ قولِه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾. ومعنى الكلامِ: فلمَّا أسْلَما وتلَّه للجبينِ نادَيْناه: أن يا إبراهيمُ. وأُدْخِلَت الواوُ فى ذلك كما أُدْخِلَت فى قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]. وقد تَفْعَلُ العربُ ذلك، فتُدْخِلُ الواو في جوابِ \"فلما\" و\"حتى إذا\"، وتلقيها.\nويعنى بقولِه: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾. التى أرَيْناكها في منامِك بأمْرِناك بذبحِ ابنِك.\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"السعى\".\n(^٢) في م: \"حتى تكفنني\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٧٦ عن محمد بن سنان القزاز به، والطيالسي (٢٨٢٠)، وأحمد ٤/ ٤٣٦ - ٤٣٨ (٢٧٠٧)، والطبراني (١٠٦٢٨)، والبيهقي في الشعب (٤٠٧٧) من طريق حماد بن سلمة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٠ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"19","page":586},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: إنا كما جزَيْناك بطاعتِنا يا إبراهيمُ، كذلك نَجْزِى الذين أحْسَنوا، وأطاعوا أمرَنا، وعمِلوا في رضانا.\n\n<span id=\"aya-3894\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ أمرَنا إياك يا إبراهيمُ بذبحِ ابنِك إسحاقَ ﴿لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ: لَهو الاختبارُ الذى يَبِينُ لمن فكَّر فيه، أنه بلاءٌ شديدٌ ومحنةٌ عظيمةٌ. وكان ابنُ زيدٍ يقولُ: البلاءُ في هذا الموضعِ الشرُّ، وليس باختبارٍ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾. قال: هذا فى البلاءِ الذي نزَل به، في أَن يَذْبَحَ ابنَه، ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ ابْتُلِيتَ ببلاءٍ عظيمٍ، أُمِرْتَ أَن تَذْبَحَ ابْنَك. قال: وهذا مِن البلاءِ المكروهِ، وهو الشرُّ، وليس مِن بلاءِ الاختبارِ.\n\n<span id=\"aya-3895\"></span><span data-type='title' id=toc-7782>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١)﴾.</span>\nوقولُه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. يقولُ: وفدَيْنا إسحاقَ بذبْحٍ عظيمٍ.\nوالفِدْيةُ الجزاء، يقولُ: جزَيْناه بأن جعَلْنا مكانَ ذَبْحِهِ ذَبْحَ كبشٍ عظيمٍ، وأَنْقَذْناه مِن الذَّبْحِ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى المَفْدِىِّ بالذِّبحِ (^١)، مِن ابنى إبراهيمَ؛ فقال بعضُهم: هو إسحاق.\n_________\n(^١) فى م: \"من الذبح\".","vol":"19","page":587},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن مباركٍ، عن الحسنِ، عن الأحنفِ بنِ قيسٍ، عن العباسِ بنِ عبدِ المطلبِ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: هو إسحاقُ (^١).\nحدَّثني الحسينُ بنُ يزيدَ الطَّحانُ (^٢)، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الذى أُمِر بذبحِه إبراهيمُ هو إسحاقُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: هو إسحاقُ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن داودَ، عن عكرمةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: الذبيحُ إسحاقُ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن الحسنِ بنِ دينارٍ، عن علىِّ بنِ زيدِ بن جُدْعانَ، عن الحسنِ، عن الأحنفِ بن قيسٍ، عن العباسِ بنِ عبدِ المطلبِ، عن النبيِّ ﷺ في حديثٍ ذكَرَه، قال: هو إسحاقُ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٣، ٢٦٤ عن أبي كريب به، ومجاهد في تفسيره ص ٥٦٩، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٢٨ - من طريق مبارك بن فضالة به، والبخارى في تاريخه ٢/ ٢٩٢ من طريق الحسن به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) في ص، م: \"ابن إسحاق\". وينظر تهذيب الكمال، ٦/ ٥٠١، والجرح والتعديل ٣/ ٦٧.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٤ عن الحسين بن يزيد به، والحاكم ٢/ ٥٥٨ من طريق ابن أبي هند به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٢ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٤ عن ابن المثنى ويعقوب به.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٣ عن أبى كريب به، والبخارى فى تاريخه ٢/ ٢٩٢ من طريق زيد بن الحباب به، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٢٨، والحاكم في المستدرك ٢/ ٥٥٦ من طريق على بن زيد به.","vol":"19","page":588},{"text":"حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبى الأحوصِ، قال: افْتَخَر رجلٌ عندَ ابنِ مسعودٍ، فقال: أنا فلانُ بن فلانٍ، ابنُ (^١) الأشياخِ الكرامِ. فقال عبدُ اللهِ: ذاك يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ ذبيحِ اللَّهِ بنِ إبراهيمَ خليلِ اللهِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بن المختارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي بكرٍ، عن الزهريِّ، عن العلاءِ بنِ جارِيةَ (^٣) الثَّقفيِّ، عن أبي هريرةَ، عن كعبٍ في قولِه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: من ابنه إسحاقَ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: ثنا زكريا وشعبةُ، عن أبي (^٥) إسحاقَ، عن مسروقٍ في قولِه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: هو إسحاقُ (^٦).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن زيدِ بنِ أَسْلَمَ، عن عبيد ابنِ عميرٍ، قال: هو إسحاقُ (^٧).\nحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن زيدِ بنِ أسلمَ،\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١.\n(^٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٢٦٤ عن ابن المثنى، وعبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٥٢، والطبراني (٨٩١٦) من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في النسخ: \"حارثة\"، والصواب ما أثبتناه كما في تاريخ المصنف ١/ ٢٦٥، وينظر الاستيعاب ٣/ ١٠٨٥، وتعجيل المنفعة ٢/ ٨٩، ٩٠.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٥ عن ابن حميد به.\n(^٥) في النسخ: \"ابن\". والمثبت من تاريخ المصنف ١/ ٢٦٧.\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٧ عن يعقوب به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٥٢ عن معمر عن ابن جريج عن عبيد بن عمير.","vol":"19","page":589},{"text":"عن عبد الله [بن عبيد] (^١) بنِ عميرٍ، [عن أبيه] (^٢)، قال: قال موسى: يا ربِّ، يقولون: يا إلهَ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، فبمَ قالوا ذلك؟ قال: إن إبراهيمَ لم يَعْدِلْ بي شيئًا قطُّ إلا اخْتارني عليه، وإن إسحاقَ جاد لى بالذبحِ، وهو بغيرِ ذلك أجودُ، وإن يعقوبَ كلما زِدْتُه بلاءً زادني حسنَ ظنٍّ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبيدِ بنِ عميرٍ، عن أبيه، قال: قال موسى: أىْ ربِّ، بم أَعْطَيْتَ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ ما أعْطَيْتَهم؟ فذكَر معنى حديثِ عمرِو بنِ علىٍّ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن أبي سِنانٍ الشَّيْبانيِّ، عن ابنِ أبي الهُذَيْلِ، قال: الذبيحُ هو إسحاقُ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، أن عمرو بنَ أبي سفيانَ بن أَسِيدِ بنِ جاريةَ (^٦) الثقفىَّ، أخبره أن * كعبًا قال لأبي هريرةَ: ألا أُخْبِرُك عن إسحاقَ بنِ إبراهيمَ النبيِّ؟ قال أبو هريرةَ: بلى. قال كعبٌ: لمَّا رأى (^٧) إبراهيمُ ذبحَ إسحاقَ قال الشيطانُ: واللهِ لئن لم أَفْتِنْ عندَ هذا آلَ إبراهيمَ، لا أفْتِنْ أحدًا منهم أبدًا. فتمَثَّل الشيطانُ لهم رجلًا يَعْرِفونه، فأقْبَل حتى إذا خرَج إبراهيمُ بإسحاقَ ليَذْبَحَه دخَل على سارَةً امرأةِ إبراهيمَ، فقال لها: أين أصْبَح إبراهيمُ غاديًا بإسحاقَ؟\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٦ عن عمرو بن على به، والبيهقى فى الشعب (١٠٠٠٨) من طريق سفيان به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨١ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٦ عن ابن بشار به\n(^٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٢٦٦ عن أبي كريب به.\n(^٦) في النسخ: (حارثة). وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٤٤.\n(*) من هنا يبدأ سقط من المخطوط \"ص\".\n(^٧) في ت ١: \"أرى\".","vol":"19","page":590},{"text":"قالت سارَةُ: غدا لبعضِ حاجتِه. قال الشيطانُ: لا واللهِ ما لذلك غدا به. قالت سارَةُ: فلِمَ غَدا به؟ قال: غدا به ليذْبَحَه. قالت سارَةُ: ليس مِن ذلك شيءٌ، لم يَكنْ لِيَذْبَحَ ابنَه. قال الشيطانُ: بلى واللهِ. قالت سارَةُ: فلِمَ يَذْبَحُه؟ قال: زَعَم أنَّ ربَّه أمَرَه بذلك. قالت سارةُ: فهذا أحسنُ بأن يُطِيعَ ربَّه إن كان أمَرَه بذلك. فخرج الشيطانُ من عِندِ سَارَةَ حتى أدْرَكَ إسحاقَ وهو يَمْشِى على إثْرِ أبيه فقال له: أين أصبحَ أبوك غاديًا بك؟ قال: غدا بي لبعض حاجتِه. قال الشيطانُ: لا واللهِ ما غدا بك لبعضِ حاجتِه، ولكنه غدا بك ليَذْبَحَك. قال إسحاقُ: ما كان أبى ليَذْبَحَنى. قال: بلى. قال: لِمَ؟ قال: زعم أن ربَّه أمَرَه بذلك. قال إسحاقُ: فوالله لئن أمَرَه بذلك ليُطِيعَنَّه. قال: فترَكه الشيطانُ، وأسْرَع إلى إبراهيم، فقال: أين أصْبَحْتَ غاديًا بابنِك؟ قال: غدَوْتُ به لبعضِ حاجتى. قال: أمَا واللهِ ما غدَوْتَ به إلا لتَذْبَحَه، قال: لِمَ أَذْبَحُه؟ قال: زعَمْتَ أن ربَّكَ أَمَرَك بذلك. قال (^١): فوالله لئن كان أمَرَنى بذلك ربي لأَفْعَلَنَّ. قال: فلمَّا أَخَذ إبراهيمُ إسحاقَ ليَذْبَحَه، وسلَّم إسحاقُ، أعْفاه اللهُ، وفداه بذِبْحٍ عظيمٍ. قال إبراهيمُ لإسحاقَ: قُمْ، أى بُنىَّ، فإن اللهَ قد أعْفاك. وأوْحَى اللهُ إلى إسحاقَ: إني قد أعْطَيْتُك دعوةً أَسْتَجِيبُ لك فيها. قال إسحاقُ: اللهم إنى أدْعُوك أن تستجيبَ لي، أيُّما عبدٍ لقيك من الأوَّلين والآخِرِين لا يُشْرِكُ بك شيئًا، فأَدْخِلْه الجنةَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي بكرٍ، عن محمدِ بنِ مسلمٍ الزهرىِّ، عن أبي سفيانَ بنِ العَلاء بنِ جاريةَ (^٣) الثقفيِّ،\n_________\n(^١) بعده في م: \"الله\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٥، ٢٦٦ عن يونس به، والحاكم، ٢/ ٥٥٧، ٥٥٨، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٦/ ٢٠٣، ٢٠٤ من طريق ابن وهب به، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٥٠، ١٥١، ومن طريقه البيهقي في الشعب (٧٣٢٨) وابن عساكر في تاريخه ٦/ ٢٠٢ عن معمر عن الزهري عن القاسم قال: اجتمع أبو هريرة وكعب … فذكره، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في النسخ: \"حارثة\".","vol":"19","page":591},{"text":"حليفِ بني زُهْرةَ، عن أبى هريرةَ، عن كعبِ الأحبارِ: أن الذى أُمِر إبراهيمُ بذبحِه مِن ابنَيْه إسحاقُ، وأن اللهَ لما فرّج له ولابنِه مِن البلاءِ العظيمِ الذي كان فيه، قال اللهُ لإسحاقَ: إني قد أعْطَيْتُك بصبرِك لأمرى دعوةً أُعْطِيك فيها ما سألتَ، فسَلْنى. قال: ربِّ أَسْأَلُك أَلَّا تُعَذِّبَ عبدًا من عبادِك لقِيَك وهو مؤمنٌ بك. فكانت تلك مسألتَه التي سأَل (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن ابنِ سابطٍ قال: هو إسحاقُ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عقبةَ، عن حمزةَ الزَّيَّاتِ، [عن أبي إسحاقَ] (^٣)، عن أبي مَيْسَرَةً، قال: قال يوسفُ للملِكِ في وجهِه: تَرْغَبُ أَن تَأْكُل معى، وأنا واللهِ يوسُفُ بنُ يعقوبَ نبىِّ اللهِ بنِ إسحاقَ ذبيحِ اللهِ بن إبراهيمَ خليلِ اللهِ (^٤)؟!\nقال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي سِنانٍ، عن ابنِ أبي الهُذَيْلِ، قال: قال يوسُفُ للملِكِ، فذكر نحوَه (^٥).\nوقال آخرون: الذى فُدِى بالذِّبْحِ العظيمِ مِن ابنَيْ إبراهيمَ إسماعيلُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ وإسحاقُ بن إبراهيمَ بنِ حبيبِ بنِ الشهيدِ، قالا: ثنا يحيى بنُ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٥ عن ابن حميد به مختصرًا.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٦ عن أبي كريب به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣. وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٣١٤.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٦ عن أبي كريب به.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٧ عن أبى كريب به.","vol":"19","page":592},{"text":"يَمانٍ، عن إسرائيلَ، عن ثويرٍ (^١)، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: الذبيحُ إسماعيلُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، [قال: ثنا يحيى] (^٣)، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثني بيانٌ، عن الشعبيِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: إسماعيلَ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ (^٥) محمدُ بنُ ميمونٍ السُّكَّرىُّ، عن* عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن الذى أُمر بذبحه هو إسماعيل\" (^٦).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن علىِّ بنِ زيدٍ، عن عمارٍ مولى بنى هاشمٍ، أو عن يوسفَ بن مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: هو إسماعيلُ. يعنى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (^٧).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، قال: قال ابنُ\n_________\n(^١) في م: \"ثور\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٧ عن أبى كريب وإسحاق به، والحاكم ٢/ ٥٥٤ من طريق إسرائيل به مطولًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: م، ت ١.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٧ عن ابن بشار به، والحاكم في المستدرك ٢/ ٥٥٤ من طريق يحيى بن يمان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٠، ٢٨١ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٥) بعده فى م، ت ٢، ت ٣: \"عن\".\n(*) هنا ينتهى سقط المخطوطة \"ص\" المشار إليه ص ٥٩٠.\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٧، ٢٦٨ عن ابن حميد به\n(^٧) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٨ عن يعقوب به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨١ إلى عبد بن حميد.","vol":"19","page":593},{"text":"عباسٍ: هو إسماعيلُ (^١).\nوحدَّثنى به يعقوبُ مرةً أخرى، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: سُئِل داودُ بنُ أبي هندٍ: أىُّ ابنى إبراهيمَ الذى أُمِر بذبحِه؟ فزعَم أن الشعبيَّ قال: قال ابنُ عباسٍ: هو إسماعيلُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن بَيانٍ، عن الشعبيِّ، عن ابنِ عباسٍ، أنه قال فى الذى فداه اللهُ بذبْحٍ عظيمٍ، قال: هو إسماعيلُ (^٢).\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا ليثٌ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: هو إسماعيلُ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُ بنُ قيسٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، أنه قال: المَفْدِىُّ إسماعيلُ، وزَعَمت اليهود أنه إسحاقُ، وكذبَت اليهودُ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن مباركٍ، عن علىِّ بنِ زيدٍ، عن يوسُفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ: الذي فداه اللهُ هو إسماعيلُ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٨ عن يعقوب به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٠، ٢٨١ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٢٦٨، والحاكم ٢/ ٥٥٥ من طريق ابن المثنى به.\n(^٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٢٦٨ عن يعقوب به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨١ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٨ عن يونس به، والحاكم ٢/ ٥٥٤، ٥٥٥ من طريق ابن وهب به.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٨ عن محمد بن سنان به، وهو في تفسير مجاهد ص ٥٦٩ من طريق مبارك فضالة بن به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨١ إلى عبد بن حميد.","vol":"19","page":594},{"text":"حدَّثنا ابنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن (^١) حمادٍ، عن أبي عاصمٍ الغَنَوىِّ، عن أبي الطُّفَيلِ، عن ابنِ عباس مثلَه (^٢).\nحدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينَ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودَ، عن عامرٍ، قال: الذي أراد إبراهيمُ ذبحَه إسماعيلُ (^٣).\nحدَّثني ابنُ (^٤) المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أنه قال في هذه الآية: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: هو إسماعيلُ. قال: وكان قَرْنا الكبشِ مَنُوطَيْن بالكعبةِ (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن الشعبىِّ، قال: الذبيحُ إسماعيلُ (^٦).\nقال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن الشعبيِّ، قال: رأيتُ قرنَيِ الكبشِ فى الكعبةِ (^٦).\nقال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن مباركِ بنِ فَضالةَ، عن علىِّ بنِ زيدِ بنِ جُدْعَانَ، عن يوسفَ بن مِهْرانَ، قال: هو إسماعيلُ (^٦).\nقال: ثنا ابنُ يَمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: هو\n_________\n(^١) في م: \"بن\".\n(^٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٢٦٨ عن محمد بن سنان به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٢٨١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٩ عن إسحاق بن شاهين به.\n(^٤) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٩ عن ابن المثنى به.\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٩ عن أبي كريب به.","vol":"19","page":595},{"text":"إسماعيلُ (^١).\n[حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسن: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: هو إسماعيلُ] (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: سَمِعْتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظىَّ وهو يقولُ: إن الذى أمَر اللهُ إبراهيمَ بذبحِه من ابنَيه (^٣) إسماعيلُ، وإنا لَنَجِدُ ذلك في كتابِ اللهِ في قصةِ الخبرِ عن إبراهيمَ، وما أُمِر به مِن ذبحِ ابنِه، إسماعيلَ، وذلك أن اللهَ يقولُ حينَ فرَغ مِن قصةِ المذبوحِ مِن ابنىْ (^٤) إبراهيمَ، قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. يقول: بشَّرْناه بإسحاقَ، ومِن وراءِ إسحاقَ يعقوبَ، يقولُ: بابنٍ وابنِ ابنٍ. فلم يَكُنْ لِيَأْمُرَه بِذَبْحِ إسحاقَ، وله فيه مِن اللَّهِ الموعودُ ما وعَدَه (^٥)، وما الذى أُمِر بذبحِه إلا إسماعيلُ (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ دينارٍ وعمرو بنِ عبيدٍ، عن الحسنِ بنِ أبى الحسنِ البصرىِّ، أنه كان لا يَشُكُّ في ذلك، أن الذي أُمِر بذبحِه من ابنى إبراهيمَ إسماعيلُ (^٧).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال محمدُ بنُ إسحاقَ: سمِعْتُ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٢٦٩ عن أبى كريب به، وهو في تفسير الثورى ص ٢٥٣، ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٥٣.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١. والأثر أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٢٦٩ عن يعقوب به.\n(^٣) فى م: \"بنيه\".\n(^٤) سقط من: ص، م.\n(^٥) بعده في ص، م، ت: \"الله\".\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه (١/ ٢٦٩، ٢٧٠ عن ابن حميد به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٥٥ من طريق ابن إسحاق به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨١ إلى عبد بن حميد.\n(^٧) أخرجه المصنف في تاريخه عن ابن حميد به ١/ ٢٧٠.","vol":"19","page":596},{"text":"محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظىَّ يقولُ ذلك كثيرًا (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن بُرَيْدَةَ بنِ سفيانَ بنِ فَرْوَةَ الأَسْلَمىِّ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظىِّ، أنه حدَّثهم أنه ذكَر ذلك لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وهو خليفةٌ، إذ كان معه بالشامِ، فقال له عمرُ: إن هذا لشَيءٌ ما كنتُ أَنْظُرُ فيه، وإني لأُراه كما قلتَ (^٢). ثم أرْسَل إلى رجلٍ كان عندَه بالشامِ كان يهوديًّا، فأسْلَم فحسُن إسلامُه، وكان يُرَى أنه مِن علماء يهودَ، فسأَله عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ عن ذلك، فقال محمدُ بنُ كعبٍ: وأنا عندَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، فقال له عمرُ: أَيُّ ابنَى إبراهيمَ أُمِر بذبحِه؟ فقال: إسماعيلُ والله يا أميرَ المؤمنين، وإن يهودَ لَتَعْلَمُ بذلك، ولكنهم يَحْسُدونكم معشرَ العرب، على أن يكونَ أباكم الذي كان مِن أمرِ اللهِ فيه، والفضلِ الذى ذكَره اللهُ منه؛ لصبرِه لما أُمِر به، فهم يَجْحَدون ذلك، ويَزْعُمون أنه إسحاقُ؛ لأن إسحاقَ أبوهم. فاللهُ أعلمُ أيُّهما كان، كلٌّ قد كان طاهرًا طيبًا مطيعًا لربِّه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمارٍ الرازىُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبيدٍ بنِ أبي كَريمةَ، قال: ثنا عمرُ بنُ عبدِ الرَّحيمِ الخطابيُّ، عن عبد (^٤) اللهِ بنِ محمدٍ العُتْبىِّ، مِن ولدِ عتبةَ ابنِ أبي سفيانَ، عن أبيه، قال: ثنى عبدُ الله بنُ سعدٍ (^٥)، عن الصُّنابحىِّ، قال: كنا\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٧٠ عن ابن حميد به.\n(^٢) فى م: \"هو\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٧٠ عن ابن حميد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨١ إلى ابن إسحاق.\n(^٤) فى ص، م، ت ١، ت ٣، وتفسير ابن كثير: \"عبيد\". وينظر جمهرة أنساب العرب ص ١١١.\n(^٥) في النسخ والتاريخ والمستدرك: \"سعيد\"، والصواب ما أثبتناه. ينظر التاريخ الكبير ٥/ ١٠٦، وتهذيب الكمال ١٥/ ٢٠.","vol":"19","page":597},{"text":"عندَ معاويةَ بن أبي سفيانَ، فذكَروا الذبيحَ؛ إسماعيلُ أو (^١) إسحاقُ؟ فقال: على الخبيرِ سقَطْتُم؛ كنا عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، فجاءه رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، عُدْ علىَّ مما أفاء اللهُ عليك يا بنَ الذَّبِيحَيْن. فضحِك رسولُ اللهِ ﷺ، فقيل (^٢) له: يا أميرَ المؤمنين، وما الذَّبيحان؟ فقال: إن عبدَ المطلبِ لما أُمِر بحفرِ زمزمَ، نذَر للَّهِ لئن سَهَّل اللهُ له أمرَها، ليَذْبَحَنَّ أحدَ ولدِه. قال: فخرَج السهمُ على عبدِ اللَّهِ، فمنعَه أخوالُه، وقالوا: افْدِ ابنَك بمائةٍ مِن الإبلِ. ففَداه بمائةٍ من الإبلِ، وإسماعيلُ الثاني (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: ثنا ابنُ جريجٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: الذي فُدِى به إسماعيلُ (^٤).\nويعنى تعالى ذكرُه بالذِّبح الكبشَ الذى فُدِى به إسحاقُ، والعربُ تقولُ لكلِّ ما أُعِدَّ للذَّبْحِ: ذِبْحٌ. وأما الذَّبْحُ بفتحِ الذالِ، فهو الفعلُ.\nقال أبو جعفرٍ: وأولى القولين فى ذلك بالصواب في المَفْدِىِّ مِن ابنى إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ، على ظاهرِ التنزيل قولُ مَن قال: هو إسحاقُ؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه قال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. فذكَر أنه فدَى الغلامَ الحليمَ الذي بُشِّر به إبراهيمُ، حينَ سأله أن يَهَبَ له ولدًا صالحًا مِن الصالحين، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. فإذ كان المَفْدِىُّ بالذبحِ مِن ابنيه هو المُبَشِّرَ به، وكان اللهُ تعالى ذكره قد بيَّن في كتابِه أن الذى بُشِّر به هو إسحاقُ، ومِن وراءِ إسحاقَ يعقوبُ، فقال\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٢) في م: \"فقلنا\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٣ عن محمد بن عمار الرازى به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٥٤ من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨١ إلى الأموى فى مغازيه والخلعى فى فوائده وابن مردويه.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦٩ من طريق ابن أبي نجيح به.","vol":"19","page":598},{"text":"جلَّ ثناؤُه: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا (^١) بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]. وكان في كلِّ موضعٍ مِن القرآنِ ذكَر تبشيرَه إياه بولدٍ، فإنما هو معنىٌّ به إسحاقُ - كان بيِّنًا أن تبشيرَه إياه بقولِه: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾. فى هذا الموضعِ، نحو سائرِ أخبارِه في غيرِه مِن آياتِ القرآنِ.\nوبعدُ، فإن اللَّهَ أَخْبَر جلَّ ثناؤُه في هذه الآيةِ عن خليلِه أنه بشَّره بالغلامِ الحليمِ، عن مسألتِه إياه أن يَهَبَ له ولدًا (^٢) مِن الصالحين، ومعلومٌ أنه لم يَسْأَلْه ذلك إلا في حالٍ لم يَكُنْ له فيه ولدٌ مِن الصالحين؛ لأنه لم يَكُنْ له (^٣) مِن ابنَيه إلا إمامُ الصالحين، وغيرُ موهومٍ منه أن يكونَ سأَل ربَّه في هبةِ ما قد كان أعْطاه ووهَبه له، فإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الذى ذكَر تعالى ذكرُه فى هذا الموضع هو الذي ذكَر في سائرِ القرآنِ أنه بشَّره به، وذلك لا شكَّ أنه إسحاقُ، إذ (^٤) كان المفدىُّ هو المبشَّرَ به.\nوأما الذى اعْتَلَّ به من اعْتَلَّ فى أنه إسماعيلُ، أن اللهَ قد كان وعَد إبراهيمَ أن يكونَ له مِن إسحاقَ ابنُ ابنٍ، فلم يَكُنْ جائزًا أن يَأْمُرَه بذبحِه، مع الوعدِ الذي قد تقَدَّم، فإن اللهَ تعالى ذكرُه إنما أمَره بذبحِه بعدَ أن بلَغ معه السعيَ، وتلك حالٌ غير منكرٍ (^٥) أن يكونَ قد كان وُلِد لإسحاقَ فيها أولادٌ، فكيف (^٦) الواحدُ؟ وأما اعتلالُ مَن اعْتَلَّ بأن الله أتْبَع قصةَ المَفْدِىِّ مِن ولدِ إبراهيمَ بقولِه:\n_________\n(^١) في النسخ: \"وبشرناه\". والمثبت نص الآية.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١.\n(^٣) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٤) فى ص: \"وإذا فإنه\"، وفى ت ١: \"وإذا\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"وإذا كافه\".\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣: \"ممكن\".\n(^٦) في ت ٢، ت ٣: \"فيكون\".","vol":"19","page":599},{"text":"﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾. ولو كان المفدىُّ هو إسحاقَ لم [يُبَشِّرْ به] (^١) بعدُ، وقد وُلِد، وبلَغ معه السعىَ، فإن البشارةَ (^٢) بنبوةِ (^٣) إسحاقَ مِن اللهِ فيما جاءت به الأخبارُ، جاءت إبراهيمَ وإسحاقَ بعدَ أن فُدِى؛ تَكْرِمةٌ مِن اللهِ له على صبرِه لأمرِ ربِّه، فيما امْتَحَنَه به مِن الذبحِ، وقد تقَدَّمت الروايةُ قبلُ عمن قال ذلك.\nوأما اعتلالُ مَن اعْتَلَّ بأنَّ قرْنَ الكبشِ كان مُعَلَّقًا في الكعبةِ، فغيرُ مستحيلٍ أن يكونَ حُمِل مِن الشامِ إلى مكةَ. وقد رُوى عن جماعةٍ مِن أهلِ العلمِ، أن إبراهيمَ إنما أُمِر بذبحِ ابنِه إسحاقَ بالشامِ، وبها أراد ذبحَه (^٤).\nواختَلَف أهلُ العلمِ فى الذِّبْحِ الذى فُدِى به إسحاقُ؛ فقال بعضُهم: كان كبشًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن أبي الطُّفيلِ، عن علىٍّ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: كبشٍ أبيضَ أقرنَ أعْينَ،\n_________\n(^١) فى ص، ت ١: \"يبشره\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١.\n(^٣) في ت ١: \"نبوة\".\n(^٤) قال ابن كثير ردًّا على ما قاله ابن جرير من كون المفدى بالذبح إسحاق: ليس ما ذهب إليه بمذهب ولا لازم، بل هو بعيد جدًّا، والذي استدل به محمد بن كعب القرظى على أنه إسماعيل أثبت وأصح وأقوى. وقال ابن قيم الجوزية: وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجهًا، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم، فإن فيه: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره، وفي لفظ: وحيده، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده، والذي غر أصحاب هذا القول أن فى التوراة التى بأيديهم: اذبح ابنك إسحاق، قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم. ينظر تفسير ابن كثير، ٧/ ٣٠، وزاد المعاد ١/ ٧١ وما بعدها.","vol":"19","page":600},{"text":"مربوطٍ بسَمُرٍ (^١) في ثَبِيرٍ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني ابنُ جريجٍ، عن عطاءِ بنِ أبي ربَاحٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: كبشٍ. قال عبيدُ بنُ عميرٍ: ذُبح بالمَقامِ. وقال مجاهدٌ: ذُبِح بمنًى فى المَنْحَرِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ خُثَيَّمٍ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الكبشُ الذى ذبَحه إبراهيمُ هو الكبشُ الذى قرَّبه ابنُ آدم، فتُقُبِّل منه (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا سَيَّارٌ، عن عكرمةَ، أن ابنَ عباسٍ كان أفْتَى الذي جعَل عليه أن يَنْحَرَ نفسَه، فأَمَرَه بمائةٍ مِن الإبلِ، قال: فقال ابنُ عباسٍ بعدَ ذلك: لو كنتُ أفْتَيْتُه بكبشٍ لَأَجْزَاهِ أَن يَذْبَحَ كبشًا، فإِن اللَّهَ قال في كتابِه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: ذِبْحٍ: كبشٍ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ\n_________\n(^١) في م: (بسمرة).\n(^٢) ثبير: أحد جبال مكة. والأثر أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٢٧٦ عن أبي كريب به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٤ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٧٧ عن يونس به.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٧٧ عن محمد بن بشار به، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٢٦ - من طريق ابن خثيم به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٥٩١٠)، والطبراني (١١٤٤٣) من طريق آخر عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٨٤ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"19","page":601},{"text":"عَظِيمٍ﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ: الْتَفَتَ فإذا كبشٌ، فأَخَذه فذبَحه (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: كان الكبشُ الذى ذبَحه إبراهيمُ رعَى في الجنةِ أربعين سنةً، وكان كبشًا أملحَ، صوفُه مثلُ العِهْنِ الأحمرِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: بكبشٍ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: أخبَرنا ليثٌ، قال: قال مجاهدٌ: الذِّبحُ العظيمُ شاةٌ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بِذِبْحٍ﴾. قال: بكبشٍ.\nحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا شَريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: الذِّبْحُ الكبشُ.\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: الْتَفَت - يعنى إبراهيم - فإذا بكبشٍ، فأَخَذَه وخلَّى عن ابنِه (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ (^٥): الذِّبحُ العظيمُ:\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٥٣.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٧٧ عن ابن حميد به.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٢٦.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٧٢، ٢٧٣ عن موسي به مطولًا.\n(^٥) بعده في ص، ت ١: \"فى\".","vol":"19","page":602},{"text":"الكبشُ الذى فدَى اللهُ به إسحاقَ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ دينارٍ، عن قتادةَ بنِ دِعامةَ، عن جعفرِ بنِ إياسٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ العباسِ في قولِه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: خرَج عليه كبشٌ [من الجنةِ] (^١)، قد رَعاها قبلَ ذلك أربعين خريفًا، فأرْسَل إبراهيمُ ابنَه، فاتَّبَع الكبشَ، فأَخْرَجه إلى الجمرةِ الأولى، فرماه (^٢) بسبعِ حَصَياتٍ، فأفْلَته عندَه، فجاء الجمرةَ الوسطى، فأخْرَجه عندَها، فرماه بسبعِ حَصَياتٍ، ثم أفْلَته، فأدْرَكه عندَ الجمرةِ الكبرى، فرماه بسبعِ حَصَياتٍ، فأَخْرَجه عندَها، ثم أخَذه فأتَى به المَنْحَرَ مِن منًى فذبَحه، فوالذي نفسُ ابنِ عباسٍ بيدِه، لقد كان أولَ الإسلامِ، وإن رأسَ الكبشِ لَمُعَلَّقٌ بقرْنَيْه فى مِيزابِ الكعبةِ قد وَخُشَ (^٣). يعني: يَبِس (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ: ويَزْعُمُ أَهلُ الكتابِ الأوَّل وكثيرٌ من العلماءِ، أن ذبيحةَ إبراهيمَ التي فدَى بها ابنَه كبشٌ أملحُ أقرنُ أعينُ.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ فى قولِه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: بكبشٍ.\nوقال آخرون: كان ذلك الذِّبْحُ وَعِلًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن أبى\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١.\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"فرمي\".\n(^٣) في م: \"حشَّ\"، وكلاهما بمعنًى.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٧٥ عن ابن حميد به.","vol":"19","page":603},{"text":"صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: كان وَعِلًا (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن عمرِو بن عبيدٍ، عن الحسنِ، أنه كان يقولُ: ما فُدِى إسماعيل إلا بتَيْسِ مِن الأَرْوَى، أُهْبِط عليه مِن ثَبيرٍ (^٢).\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذى مِن أجلِه قيلَ للذَّبْحِ الذى فُدِى به إسحاقُ: عظيمٌ، فقال بعضُهم: قيل ذلك كذلك لأنه كان رعَى في الجنةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عيسى، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: رعَى في الجنةِ أربعين خريفًا (^٣).\nوقال آخرون: قيل له: عظيمٌ؛ لأنه كان ذِبْحًا مُتَقَبَّلًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابنِ [أبي نجيحٍ] (^٤)، عن مجاهدٍ: ﴿عَظِيمٍ﴾. قال: مُتَقَبَّلٍ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٧٧ عن أبي كريب به.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٧٧ عن ابن حميد به.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جريج\".\n(^٥) تفسير سفيان ص ٢٥٣، ومن طريقه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٥٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٨٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"19","page":604},{"text":"حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا شَريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ فى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: العظيمُ المتقبَّلُ.\n[ثنا ابنُ سنانٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: أخبَرنا ابنُ جريجٍ، عن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: سليمٍ مُتقبَّلٍ] (^١).\nوقال آخرون: قيل له: عظيمٌ؛ لأنه ذبحٌ ذُبح بالحقِّ، وذلك ذَبْحُه بدينِ إبراهيمَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن عمرِو بن عبيدٍ، عن الحسنِ أنه كان يقولُ: ما يقولُ اللهُ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ لذبيحتِه التي ذبَح فقط، ولكنه الذَّبحُ على دينِه، فتلك السُّنَّةُ إلى يومِ القيامةِ، فاعْلَموا أن الذبيحةَ تَدْفَعُ مِيتةَ السَّوْءِ، فضحُّوا عبادَ اللهِ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: ولا قولَ فى ذلك أصحُّ مما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه، وهو أن يقالَ: فداه اللهُ بذِبْحٍ عظيم. وذلك أن اللهَ عَمَّ وصفَه إياه بالعِظَمِ دونَ تخصيصِه، فهو كما عمَّه به.\n\n<span id=\"aya-3896\"></span>وقولُه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾. يقوُل تعالى ذكرُه: وأَبْقَيْنا عليه فيمَن بعدَه إلى يومِ القيامةِ ثناءً حسنًا.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٧٧ عن ابن حميد به.","vol":"19","page":605},{"text":"الْآخِرِينَ﴾. قال: أبْقَى اللهُ عليه الثناءَ الحسنَ في الآخِرِين (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ فى قولِه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾. قال: سأَل إبراهيمُ، فقال: واجْعَلْ لى لسانَ صدقٍ في الآخِرِين. قال: فترَك اللهُ عليه الثناءَ الحسنَ في الآخرين، كما ترَك الثناءَ (^٢) السَّوْءَ على فرعونَ وأشباهِه، كذلك ترَك اللسان الصِّدقَ والثناءَ الصالحَ على هؤلاء.\nوقيل: معنى ذلك: وترَكنا عليه في الآخرين السلامَ، وهو قولُه: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾.\nوذلك قولٌ يُرْوَى عن ابنِ عباسٍ، ترَكْنا ذكرَه؛ لأن في إسنادِه مَن لا نستجيزُ ذكرَه، وقد ذكَرْنا الأخبارَ المرويةَ فى قولِه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾. فيما مضَى قبلُ (^٣).\nوقيل: معنى ذلك: وترَكْنا عليه فى الآخرين أن يقالَ: سلامٌ على إبراهيمَ.\n\n<span id=\"aya-3897\"></span>وقولُه: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أَمَنَةٌ مِنَ اللهِ فِي الأَرضِ لإبراهيمَ، أن (^٤) يُذْكَرَ مِن بعدِه إلا بالجميلِ مِن الذكرِ.\n\n<span id=\"aya-3898\"></span>وقولُه: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: كما جزَيْنا إبراهيم على طاعتِه إيانا، وإحسانِه فى الانتهاءِ إلى أمرِنا، كذلك نَجْزِي المحسنين.\n\n<span id=\"aya-3899\"></span>﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن إبراهيمَ من عبادِنا المُخْلِصِين لنا الإيمانَ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"اللسان\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٥٦١، ٥٦٢.\n(^٤) في م: \"أن لا\".","vol":"19","page":606},{"text":"<span id=\"aya-3900\"></span><span data-type='title' id=toc-7783>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وبشَّرْنا إبراهيمَ بإسحاقَ نبيًّا؛ شكرًا له على إحسانِه وطاعتِه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال: بُشِّر به بعد ذلك نبيًّا، بعد ما كان هذا مِن أمرِه، لما جاد اللهِ بنفسِه (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن داودَ، عن عكرمةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: الذَّبيحُ إسحاقُ. قال: وقولُه: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال: بُشِّر بنبوَّتِه. قال: وقولُه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]. قال: كان هارونُ أكبرَ مِن موسى، ولكن أراد: وهَب اللهُ له نبوَّتَه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ داودَ يُحَدِّثُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ فى هذه الآيةِ: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال: إنما بُشِّر به نبيًّا حين فداه اللهُ مِن الذَّبحِ، ولم تَكُنِ البشارةُ بالنبوةِ عندَ مولدِه (^٣).\nحدَّثني الحسينُ بنُ يزيدَ الطَّحَّانُ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن داودَ، عن عكرمةَ،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٥٤ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٠ عن المصنف.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٠ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٥ إلى المصنف.","vol":"19","page":607},{"text":"عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾. قال: إنما بُشِّر بالنبوَّةِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال: بُشِّر إبراهيمُ بإسحاقَ.\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال: بُشِّر بنبوَّتِه.\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ فُضيلٍ، عن ضِرارٍ، عن شيخٍ مِن أهلِ المسجدِ، قال: بُشِّر إبراهيمُ لسبعَ عشْرةَ ومائةِ سنةٍ.\n\n<span id=\"aya-3901\"></span>وقولُه: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبارَكْنا على إبراهيمَ وعلى إسحاقَ، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾. يعنى بالمحسنِ المؤمنَ المطيعَ للهِ، المحسنَ في طاعتِه إياه، ﴿وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾، ويعنى بالظالمِ لنفسِه الكافرَ باللهِ، الجالبَ على نفسِه بكفره عذابَ اللهِ، وأليمَ عقابِه، ﴿مُبِينٌ﴾ يعنى: الذي قد أبان ظلمه نفسَه بكفرِه باللهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدٌ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ فى قولِه: ﴿مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾. قال: المحسنُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٣٠ - وأخرجه الحاكم في مستدركه ٢/ ٥٥٧ من طريق داود به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٥ إلى عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"19","page":608},{"text":"المطيعُ للهِ، والظالمُ لنفسِه العاصى للهِ.\n\n<span id=\"aya-3902\"></span><span data-type='title' id=toc-7784>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد تفَضَّلْنا على موسى وهارونَ ابنى عمرانَ، فجعَلْناهما نَبِيِّيْن،\n\n<span id=\"aya-3903\"></span>ونجَّيْناهما وقومَهما مِن الغَمِّ، والمكروهِ العظيمِ الذي كانوا فيه، من عُبودةِ آلِ فرعونَ، ومما أَهْلَكْنا به فرعونَ وقومَه من الغرقِ.\nوبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ فى قولِه: ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. قال: من الغرقِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾، أي: من آلِ فرعونَ (^١).\n\n<span id=\"aya-3904\"></span>وقولُه: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾. يقولُ: ونصَرْنا موسى وهارونَ وقومَهما، على فرعونَ وآلِه بتغريقِناهم، ﴿فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾، لهم.\nوقال بعضُ أهلُ العربيةِ: إنما أُرِيد بالهاءِ والميمِ في قولِه: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾: موسى وهارونُ، ولكنها أُخْرِجَت على مخرجِ مُكَنَّى الجمعِ؛ لأن العربَ تَذْهَبُ بالرئيسِ؛ كالنبيِّ والأميرِ وشبهِه، إلى الجمعِ بجنودِه وأتباعِه، وإلى التوحيدِ؛ لأنه\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":609},{"text":"واحدٌ في الأصلِ، ومثلُه: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ [يونس: ٨٣]. وفي موضعٍ آخرَ ﴿وَمَلَئِهِ﴾ [الأعراف: ١٠٣]. قال: وربما ذهَبَتِ العربُ بالاثنين إلى الجمعِ، كما تَذْهَبُ بالواحدِ إلى الجمعِ، فتُخاطِبُ الرجلَ، فتقولُ: ما أَحَسَنتُم ولا أَجْمَلْتُم. وإنما تُرِيدُه بعينِه.\nوهذا القولُ الذى قاله هذا الذى حكَيْنا قولِه في قولِه: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾. وإن كان قولًا غيرَ مدفوعٍ، فإنه لا حاجةَ بنا إلى الاحتيالِ به لقولِه: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾. لأن اللهَ أتْبَع ذلك قولَه: ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. ثم قال: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾. يعنيهما (^١)، وقومَهما؛ لأن فرعونَ وقومَه، كانوا أعداءً الجميعِ بني إسرائيلَ، قد اسْتَضْعَفوهم؛ يُذَبِّحون أبناءَهم، ويَسْتَحْيون نساءَهم، فنصَرهم اللهُ عليهم، بأن غرَّقهم، ونجَّى الآخرين.\n\n<span id=\"aya-3905\"></span><span data-type='title' id=toc-7785>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وآتَيْنا موسى وهارونَ الكتابَ. يعنى: التوراةَ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾: التوراةَ (^٢).\nويعنى بـ ﴿الْمُسْتَبِينَ﴾: المُتَبَيَّنَ هُدَى ما فيه وتفصيلُه وأحكامُه.\n_________\n(^١) في م: \"يعني هما\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":610},{"text":"<span id=\"aya-3906\"></span>وقولُه: ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهدَيْنا موسى وهارونَ الطريقَ المستقيمَ، الذى لا اعْوِجاجَ فيه؛ وهو الإسلامُ، دينُ اللهِ الذى ابْتَعَث به أنبياءَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: الإسلامَ (^١).\n\n<span id=\"aya-3907\"></span>وقولُه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ﴾. يقولُ: وترَكْنا عليهما في الآخِرين بعدَهم الثناءَ الحسنَ عليهما.\n\n<span id=\"aya-3908\"></span>وقولُه: ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾. يقولُ: وذلك أن يقالَ: سلامٌ على موسى وهارونَ.\n\n<span id=\"aya-3909\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: هكذا تَجْزِى أهلَ طاعتِنا، والعاملين بما يُرْضِينا عنهم،\n\n<span id=\"aya-3910\"></span>﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن موسى وهارونَ عبدانِ من عبادِنا المخلِصِين لنا الإيمانَ.\n\n<span id=\"aya-3911\"></span><span data-type='title' id=toc-7786>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":611},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ﴾. وهو إلياسُ بنُ تسبى (^١) بنِ فِنْحاصَ بنِ العَيْزارِ بنِ هارونَ بن عِمْرانَ، فيما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ (^٢).\n\nوقيل: إنه إدريسُ، حدَّثنا بذلك بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان يُقالُ: إلياسُ هو إدريسُ (^٣). وقد ذكرنا ذلك فيما مضَى قبلُ (^٤).\nوقولُه: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. يقول جلَّ ثناؤُه: لمُرْسَلٌ مِن المرسَلِين.\n\n<span id=\"aya-3912\"></span>﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾؟ يقولُ: حينَ قال لقومِه مِن بني إسرائيلَ: أَلا تَتَّقون اللهَ أَيُّها القومُ، فتخافُونه، وتَحْذَرون عقوبتَه على عبادتِكم ربًّا غيرَ اللهِ، وإلهًا سِواه،\n\n<span id=\"aya-3913\"></span>﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾. يقولُ: وتَدَعُون عبادةً أحسنِ مَن قيل له: خالقٌ.\nوقد اخْتُلِف في معنى \"بَعْلٍ\"، فقال بعضُهم: معناه: أتَدْعُون ربًّا؟ وقالوا: هى لغةٌ لأهلِ اليمنِ، معروفةٌ فيهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا حَرَميُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرني عُمارةُ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ قال: إلهًا.\nحدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا عُمارةُ، عن عكرمةَ\n_________\n(^١) فى م، ت:١ \"ياسين\". والمثبت كما تقدم في ٩/ ٣٨٣.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣١، وأبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٣٧٢.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) تقدم في ٩/ ٣٨٣.","vol":"19","page":612},{"text":"في قولِه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ يقولُ: أَتَدْعُون ربًّا؟ وهى لغةُ اليمنِ، تقولُ: مَن بَعْلُ هذا الثَّوْرِ؟ أَى: مَن ربُّه (^١)؟\nحدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ، ومحمدُ بنُ عمرٍو، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ قال: ربًّا (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ قال: هذه لغةٌ باليَمانيةِ، أتَدْعون ربًّا دونَ اللهِ؟ (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ قال: ربًّا (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي يزيدَ، قال: كنتُ عندَ ابنِ عباسٍ، فسأَلوه عن هذه الآيةِ: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ قال: فسكَت ابنُ عباسٍ، فقال رجلٌ: أنا بعلُها (^٥). فقال ابنُ عباسٍ: كفانى هذا الجوابَ (^٦).\nوقال آخرون: هو صنمٌ كان لهم يقالُ له: بَعْلٌ. وبه سُمِّيَت بَعْلَبَكُّ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٧٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرج جه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٥٤ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٦ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ١١٧، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٢.\n(^٥) كذا في النسخ، فلعل هناك سقطا، أو لعل فى الكلام محذوفا، فيكون هذا جوابًا لمن نشد ضالة.\n(^٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"19","page":613},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ يعنى: صنمًا كان لهم يُسَمَّى بَعْلًا (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾؟ قال: بعلٌ صنمٌ لهم كانوا يَعْبُدون، كانوا ببَعْلَبكَّ -وهى وراءَ دمشقَ- وكان بها البعلُ الذى كانوا يَعْبُدون (^٢).\nوقال آخرون: كان بَعْلٌ امرأةٌ كانوا يَعْبُدونها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: سمِعْتُ بعضَ أهلِ العلمِ يقولُ: ما كان بَعْلٌ إلا امرأةٌ يَعْبُدونها مِن دونِ اللهِ (^٣).\nوللبعلِ في كلامِ العربِ أوجهٌ؛ يقولون لربِّ الشيءِ: هو بَعْلُه. يُقالُ: هذا بَعْلُ هذه الدابَّةِ (^٤). يَعنِى به ربَّها، ويقولون لزوجٍ المرأةِ: بعلُها. ويقولون لما كان مِن الغُروسِ والزُّروعِ مُسْتَغْنِيًا بماءِ السماءِ، ولم يَكُنْ سِقْيًا: هو بعلٌ، وهو العَذْىُ.\nوذُكِر أن اللهَ بعث إلى بني إسرائيلَ إلياسَ بعدَ مَهْلِكِ حِزْقِيلَ بنِ بوزى (^٥)، وكان من قصتِه وقصةِ قومِه فيما بلَغَنا ما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٢، وأبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٣٧٣.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٦ إلى ابن أبي حاتم، ولكن عن زيد بن أسلم.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٦١ عن ابن حميد به.\n(^٤) فى م: \"الدار\".\n(^٥) فى م، ت ٢، ت ٣: \"يوزا\"، وفى التاريخ ١/ ٤٦٠، والبداية ٢/ ٢٨٠: \"بوذي\".","vol":"19","page":614},{"text":"محمدِ بنِ إسحاقَ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: إن اللهَ قبَض حِزْقِيلَ، وعظُمَت في بني إسرائيلَ الأحْداثُ، ونَسُوا ما كان مِن عهدِ اللهِ إليهم، حتى نصَبوا الأوثانَ، وعبَدوها دونَ اللهِ، فبعث اللهُ إليهم إلياسَ بنَ تسبى (^١) بنِ فِنْحاصَ بنِ العَيْزارِ بنِ هارونَ بنِ عِمْرانَ نبيًّا. وإنما كانتِ الأنبياءُ من بنى إسرائيلَ بعدَ موسى يُبْعَثون إليهم بتجديدِ ما نَسُوا من التوراةِ، فكان إلياسُ مع مَلِكٍ مِن ملوكِ بني إسرائيلَ، يقالُ له: أحابُ. كان اسمُ امرأتِه أربلَ، وكان يَسْمَعُ منه ويُصَدِّقُه، وكان إلياس يُقِيمُ له أمرَه، وكان سائرُ بني إسرائيلَ قد اتَّخَذوا صنمًا يَعْبُدونه مِن دونِ اللهِ، يقالُ له: بَعْلٌ (^٢). قال ابنُ إسحاق: وقد سمِعْتُ بعض أهلُ العلم يقولُ: ما كان بعلٌ إلا امرأةً يَعْبُدونها مِن دونِ اللهِ، يقولُ الله لمحمدٍ: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. فجعَل إلياسُ يَدْعوهم إلى اللهِ، وجعَلوا لا يَسْمَعون منه شيئًا إلا ما كان مِن ذلك الملك، والملوكُ متفرقةٌ بالشام، كلُّ ملِكٍ له ناحيةٌ منها يَأْكُلُها، فقال ذلك الملكُ الذي كان إلياسُ معه يُقَوِّمُ له أمرَه، ويَراه على هُدًى مِن بين أصحابِه يومًا: يا إلياسُ، واللهِ ما أرَى ما تَدْعُو إليه إلا باطلًا، واللهِ ما أَرَى فلانًا وفلانًا - يُعَدِّدُ مُلوكًا مِن ملوكِ بني إسرائيلَ قد عبَدوا الأوثانَ مِن دونِ اللهِ - إلا على مثل ما نحن عليه، يَأْكُلون ويَشْرَبون ويَنْعَمون مُمَلَّكِين، ما يَنْقُصُ دنياهم أمرُهم الذى تَزْعُمُ أنه باطلٌ، وما نَرَى لنا عليهم مِن فضلٍ. فيَزْعُمون، واللهُ أَعْلَمُ، أن إلياسَ اسْتَرْجَع، وقام شعرُ رأسِه وجلده، ثم رفَضه وخرَج عنه، ففعل ذلك الملكُ فِعْلَ أصحابِه، عبَد الأوثانَ، وصنَع ما يَصْنَعون، فقال إلياسُ: اللهم إنَّ بني إسرائيلَ قد أبَوْا إلا الكفرَ (^٣) بك والعبادةَ لغيرِك،\n_________\n(^١) في م: \"ياسين\".\n(^٢) أخرجه المصنف فى التاريخ ١/ ٤٦١ عن ابن حميد به.\n(^٣) في م: \"أن يكفروا\".","vol":"19","page":615},{"text":"فغَيِّرْ ما بهم مِن نعمتِك. أو كما قال (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: فذُكِر لى أنه أُوحِى إليه: إنا قد جعَلْنا أمرَ أرزاقِهم بيدِك وإليك، حتى تكونَ أنت الذي تَأْذَنُ لهم في ذلك. فقال إلياسُ: اللهم فأَمْسِكْ عنهم (^٢) المطرَ. فحُبِس عنهم ثلاثَ سنينَ، حتى هلَكَت الماشيةُ والدوابُّ والهَوامُّ والشجرُ، وجَهد الناسُ جَهْدًا شديدًا. وكان إلياسُ فيما يَذْكُرون حينَ دعا بذلك على بني إسرائيلَ قد اسْتَخْفَى؛ شَفَقًا على نفسِه منهم، وكان حيثما كان وُضِع له رِزقٌ، وكانوا إذا وجَدوا ريحَ الخبزِ في دارٍ أو بيتٍ، قالوا: لقد دخَل إلياسُ هذا المكانَ. فطلَبوه، ولقِى منهم أهلُ ذلك المنزلِ شرًّا. ثم إنه أوَى (^٣) ليلةً إلى امرأةٍ مِن بنى إسرائيلَ لها ابنٌ يقالُ له: الْيَسَعُ بنُ أخطوبَ. به ضُرٌّ، فَآوَته وأخْفَت أمرَه، فدعا إلياسُ لابنِها، فعُوفِى من الضُّرِّ الذى كان به، واتَّبَعَ الْيَسَعُ إلياسَ، فآمَن به وصدَّقه ولزِمه، فكان يذهبُ معه حيثما ذهَب، وكان إلياسُ قد أسَنَّ وكبرِ، وكان الْيَسَعُ غلامًا شابًّا، فيَزْعُمون، واللهُ أعلمُ، أن اللهَ أوْحَى إلى إلياسَ: إنك قد أهْلَكْتَ كثيرًا مِن الخلقِ ممن لم يَعْصِ، سوى بنى إسرائيلَ [ممن لم أكُنْ أريدُ هلاكَه بخطايا بني إسرائيلَ] (^٤) من البهائمِ والدوابِّ والطيرِ والهوامِّ والشجرِ، بحبسِ المطرِ عن بني إسرائيلَ، فيَزْعُمون، واللهُ أعلمُ، أن إلياسَ قال: أى ربِّ، دَعْنى أكُنْ (^٥) أنا الذى أدْعُو لهم به، وأكونُ أنا الذى آتِيهم بالفرجِ مما هم فيه من البلاءِ الذي أصابهم، لعلهم أن يَرْجِعوا ويَنْزِعوا عما هم عليه مِن عبادةِ غيرِك. قيل له: نعم. فجاء إلياسُ إلى بنى إسرائيلَ، فقال لهم: إنكم قد هلَكْتُم جَهْدًا، وهلَكتِ البهائمُ والدوابُّ والطيرُ والهوامُّ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف فى التاريخ ١/ ٤٦١ عن ابن حميد به.\n(^٢) فى م: \"عليهم\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"أتى\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"19","page":616},{"text":"والشجرُ بخطاياكم، وإنكم على باطلٍ وغرورٍ -أو كما قال لهم- فإن كنتم تُحِبُّون أن تَعْلَموا ذلك، وتَعْلَموا أن اللهَ عليكم ساخطٌ فيما أنتم عليه، وأن الذى أدْعُوكم إليه الحقُّ، فاخرُجوا بأصنامِكم هذه التي تَعْبُدون وتَزْعُمون أنها خيرٌ مما أَدْعُوكم إليه، فإن اسْتَجابَت لكم، فذلك كما تقولون، وإن هى لم تَفْعَلْ علِمْتُم أنكم على باطلٍ، فنزَعْتم، ودعَوْتُ اللهَ، ففرَّج عنكم ما أنتم فيه من البلاءِ. قالوا: أَنْصَفْتَ. فخرَجوا بأوثانِهم، وما يَتَقَرَّبون به إلى اللهِ مِن أحداثِهم التي (^١) لا يَرْضَى، فدعَوْها، فلم تَسْتَجِبْ لهم، ولم تُفَرِّجْ عنهم ما كانوا فيه ما كانوا فيه من البلاءِ، حتى عرَفوا ما هم فيه مِن الضلالةِ والباطلِ، ثم قالوا لإلياسَ: يا إلياسُ، إنا قد هلَكْنا، فادْعُ اللهَ لنا. فدعا لهم إلياسُ بالفرجِ مما هم فيه، وأن يُسْقَوْا، فخَرجَت سَحابةٌ مثلُ التَّرْسِ بإِذنِ اللهِ، على ظهرِ البحرِ، وهم يَنْظُرون، ثم تَرامى إليه السَّحابُ، ثم أَدْجَنت (^٢). ثم أَرْسَل اللهُ المطرَ، فأغاثهم، فحَيِيَت بلادُهم، وفرَّج عنهم ما كانوا فيه من البلاءِ، فلم يَنْزِعوا، ولم يَرْجِعوا، وأقاموا على أخْبَثِ ما كانوا عليه، فلما رأَى ذلك إلياسُ من كفرِهم، دعا ربَّه أن يَقْبِضَه إليه، فيُرِيحَه منهم، فقيل له - فيما يَزْعُمون -: انْظُرْ يومَ كذا وكذا، فاخْرُجْ فيه إلى بلدِ كذا وكذا، فماذا جاءك من شيءٍ، فارْكَبه ولا تَهَبْه. فخرَج إلياسُ، وخرَج معه اليسعُ بنُ أخطوبَ، حتى إذا كان في البلدِ الذي ذُكِر له، في المكانِ الذي أُمِر به، أقْبَل إليه فرسٌ مِن نارٍ، حتى وقَف بينَ يديه، فوثَب عليه، فانْطَلَق به، فناداه الْيَسَعُ: يا إلياسُ، يا إلياسُ، ما تَأْمُرُنى؟ فكان آخرَ عهدِهم به، فكساه اللهُ الريشَ، وأَلْبَسَه النورَ، وقطَع عنه لذةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، وطار في الملائكةِ، فكان إنْسِيًّا مَلَكيًّا، أرضيًّا سماويًّا (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"الذي\".\n(^٢) في م: \"أدحست\"، أدجنت: أضبت فأظلمت. ينظر اللسان (د ج ن).\n(^٣) أخرجه المصنف في التاريخ ١/ ٤٦٢ - ٤٦٤ عن ابن حميد به.","vol":"19","page":617},{"text":"<span id=\"aya-3914\"></span>واخْتَلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ مكةَ والمدينةِ والبصرةِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ: (اللهُ ربُّكم وربُّ آبائِكم الأولين). رفعًا على الاسِتئنافِ (^١)، وأن الخبرَ قد تَناهَى عند قولِه: ﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ نصبًا (^٢)، على الردِّ على قولِه: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾. على أن ذلك كلَّه كلامٌ واحدٌ.\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أنهما قراءتان مُتقارِبتا المعنى، مع استفاضةِ القراءةِ بهما فى القرأةِ، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وتأويلُ الكلامِ: ذلك معبودُكم أيُّها الناسُ، الذي يَسْتَحِقُّ عليكم العبادةَ، ربُّكم الذي خلَقكم، وربُّ آبائِكم الماضِين قبلَكم، لا الصنمُ الذي لا يَخْلُقُ شيئًا، ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ.\n\n<span id=\"aya-3915\"></span>وقولُه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾. يقولُ: فكذَّب إلياسَ قومُه، ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾. يقولُ: فإنهم لَمُحْضرون فى عذابِ اللهِ، فيَشْهَدونه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ،، عن قتادة: ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: في عذابِ اللهِ.\n\n<span id=\"aya-3916\"></span>﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. يقولُ: فإنهم يُحْضَرون فى عذابِ اللهِ، إلا عبادَ اللهِ الذين أخْلَصهم مِن العذابِ،\n\n<span id=\"aya-3917\"></span>﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾. يقولُ: وأَبْقَيْنا عليه الثناءَ الحسنَ فى الآخِرِين مِن الأممِ بعدَه.\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وأبى بكر عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٥٤٩.\n(^٢) هي قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. المصدر السابق.","vol":"19","page":618},{"text":"<span id=\"aya-3918\"></span><span data-type='title' id=toc-7787>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أَمَنَةٌ مِنَ اللهِ لآلِ ياسينَ.\nواختَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾. فقرَأَته عامَّةُ قرأةِ مكةَ والبصرةِ والكوفةِ: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ بكسرِ الألفِ مِن ﴿إِلْ يَاسِينَ﴾ (^١).\nفكان بعضُهم يقولُ: هو اسمُ إلياسَ. ويقولُ: إنه كان يُسَمَّى باسمَيْن؛ إلياسَ، وإلياسينَ، مثلَ إبراهيمَ، وإبراهامَ، يُسْتَشْهَدُ على أن ذلك كذلك، بأن جميعَ ما في السورةِ مِن قوِله: ﴿سَلَامٌ﴾. [فإنما هو] (^٢) سلامٌ على النبيِّ الذي ذُكِر دونَ آلِه، فكذلك إلياسينُ (^٣)، إنما هو سلامٌ على إلياسَ دونَ آلِه.\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: إلياسُ اسمٌ مِن أسماءِ العبْرانيةِ؛ كقولِهم: إسماعيلُ وإسحاقُ. والألفُ واللامُ منه، ويقولُ: لو جَعَلْته عربيًّا مِن الأَلْيَسِ (^٤)، فتَجْعَلُه إفعالًا، مثلَ الإخراجِ، والإدخالِ، أُجْرِى. ويقولُ: قال: سلامٌ على إلْياسينَ، فتَجْعَلُه بالنونِ، والعَجَمِيُّ مِن الأسماءِ قد تَفْعَلُ به هذا العربُ، تقولُ: مِيكالُ وميكائيلُ وميكائينُ، وهى فى بنى أسدٍ تقولُ: هذا إسماعينُ قد جاء. وسائرُ العربِ باللامِ، قال: وأَنْشَدَنى بعضُ بنى نُمَيْرِ لضبٍّ صاده (^٥):\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة والكسائي وابن كثير وأبي عمرو وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٥٤٩.\n(^٢) في م: \"فإنه\".\n(^٣) في ص: \"إلياس\".\n(^٤) في م: \"الألس\". وينظر معانى القرآن للفراء ٢/ ٣٩١.\n(^٥) البيتان بغير نسبة في معانى القرآن للفراء ٢/ ٣٩١، والمعانى الكبير ٢/ ٦٤٦، وليس في كلام العرب لابن خالويه ص ٢٠٤، والسمط ٢/ ٦٨١.","vol":"19","page":619},{"text":"يقول أهلُ (^١) السوقِ لما جِينا … هذا وربِّ البيتِ إسرائينا\nقال: فهذا كقولِه: ﴿إِلْ يَاسِينَ﴾. قال: وإن شئتَ ذَهَبْتَ بـ \"إلياسينَ\" إلى أن تَجْعَلَه جمعًا، فتَجْعَلَ أصحابَه داخلين في اسمِه، كما تقولُ لقومٍ رئيسُهم المُهَلَّبُ: قد جاءَتكم المهالِيةُ والمُهَلَّبون، فيكونُ بمنزلةِ قولِهم: الأشْعَرِين بالتخفيفِ، والسَّعْدِين بالتخفيفِ وشِبهِه، قال الشاعرُ (^٢):\nأنا ابنُ سعدٍ سَيِّدِ السَّعْدِينا\nقال: وهو في الاثنَين أن يُضَمَّ أحدُهما إلى صاحبِه إذا كان أشهرَ منه اسمًا كقولِ الشاعرِ (^٣).\nجَزَانِي الزَّهْدَمَانِ (^٤) جَزاءَ سَوءٍ … وكُنْتُ المَرْءَ يُجْزَى بالكَرامَهْ\nواسمُ أحدِهما زَهْدَمٌ. وقال الآخرُ (^٥):\nجَزَى اللهُ فيها الأَعْوَرَينِ ذمامةً … وفَرْوَةَ ثَفْرَ الثَّوْرِةِ المُتَضاجِمِ (^٦)\nواسمُ أحدِهما أعورُ.\nوقَرأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ: (سَلَامٌ عَلَى آلِ ياسِينَ). بقطعِ آلِ مِن ياسينَ (^٧)؛\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"رب\".\n(^٢) البيت في ملحق ديوان رؤبة ١٩١ برواية: \"أكرم\".\n(^٣) البيت لقيس بن زهير فى مجاز القرآن ٢/ ١٧٣، والأغانى ١١/ ١٥١، والمخصص ١٣/ ٢٢٧، واللسان (ز هدم)، وبلا نسبة فى المقتضب ٤/ ٣٢٦ وأمالي المرتضى ٢/ ١٤٩، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٣٩٢.\n(^٤) الزهدمان: قال أبو عبيدة: هما زهدم وكردم. قال ابن بري في الزهدمان: قال أبو عبيد: ابنا جزء. وقال على بن حمزة: ابنا حزن. وزهدم من أسماء الأسد. اللسان (زهدم).\n(^٥) البيت للأخطل وهو في شرح ديوانه ص ٦٧٤ برواية: \"منعة .. وفروة\".\n(^٦) المتضاجم: المعوج الفم. اللسان (ض ج م).\n(^٧) هي قراءة نافع وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٥٤٩.","vol":"19","page":620},{"text":"فكان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك بمعنى: سلامٌ على آلِ محمدٍ. وذُكِر عن بعضِ القرأةِ أنه كان يقرأُ قولَه: (وَإِنَّ الْيَاسَ) بتَرْكِ الهمزِ فى \"الياسَ\"، ويجعَلُ الألفَ واللامَ داخلتَين على \"ياس\" للتعريفِ، ويقولُ: إنما كان اسمُه \"ياس\"، أُدخلت عليه ألفٌ ولامٌ، ثم يقرأُ على ذلك: (سلامٌ على الياسينَ).\nوالصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندَنا، قراءةُ مَن قرَأه: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ بكسر ألفِها (^١)، على مثال \"إِدْرَاسِينَ\"؛ لأن الله تعالى ذكرُه إنما أخبَر عن كلِّ موضعٍ ذكَر فيه نبيًّا من أنبيائِه، صلواتُ اللهِ عليهم، فى هذه السورةِ، بأن عليه سلامًا، لا على آلِه، فكذلك السلامُ فى هذا الموضعِ، ينبغى أن يكونَ على \"إلياسَ\" كسلامِه على غيرِه من أنبيائِه، لا على آلهِ، على نحوِ ما بَيَّنَّا من معنى ذلك.\nفإن ظَنَّ ظانٌّ أن \"إلياسينَ\" غيرُ \"إلياسَ\"، فإن فيما حكَينا، مِن احتجاجِ مَن احتجَّ بأن \"إلياسينَ\" هو \"إلياسُ\"، غِنًى عن الزيادةِ فيه.\nمع أن فيما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾. قال: إلياسَ.\nوفي قراءة عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ (^٢): (سَلامٌ علَى إِدْرَاسِينَ) دلالةٌ واضحةٌ على خطأِ قولِ مَن قال: عُنى بذلك: سلامٌ على آلِ محمدٍ، وفسادِ قراءةِ مَن قرأ: (وإنَّ الياسَ) بوصلِ النونِ مِن \"إن\" بإلياسَ (^٣)، وتوجيهِ الألفِ واللامِ فيه، إلى أنهما أدخِلَتا تعريفًا للاسْمِ الذى هو \"ياسُ\"، وذلك أن عبدَ اللهِ كان يقولُ: إلياسُ هو إدريسُ، ويقرأُ: (وَإِنَّ إدريسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ)، ثم يقرأُ على ذلك: (سلامٌ علَى إدْرَاسِينَ)، كما قرَأ الآخرون: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾. فلا وجهَ على ما ذكَرنا مِن\n_________\n(^١) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٢) هى قراءة شاذة. وينظر المصاحف ص ٦٩.\n(^٣) هي قراءة شاذة.","vol":"19","page":621},{"text":"قراءةِ عبدِ اللهِ، لقراءةِ مَن قرَأ ذلك: [(سَلامٌ علَى آلِ ياسينَ)] (^١) بقطعِ \"الآلِ\" مِن \"ياسينَ\"، ونظيرُ تَسْميةِ إلياسَ بالياسينَ: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. ثم قال فى موضعٍ آخرَ: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، وهو موضعٌ واحدٌ، سُمِّي بذلك.\n\n<span id=\"aya-3919\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: إنا هكذا نَجْزِى أهلَ طاعتِنا والمحسنين أعمالًا.\n\n<span id=\"aya-3920\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ يَقولُ: إِن إِلياسَ عبدٌ مِن عبادِنا الذين آمَنوا، فوحَّدونا، وأطاعُونا، ولم يُشركوا بِنا شيئًا.\n\n<span id=\"aya-3921\"></span><span data-type='title' id=toc-7788>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإن لوطًا لَمُرسَلٌ (^٢) من المُرْسَلِين،\n\n<span id=\"aya-3922\"></span>﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ: إذ نجَّيْنا لوطًا وأهلَه أجْمعين، مِن العذابِ الذي أحْلَلْناه بقومِه فأَهْلَكْناهم به،\n\n<span id=\"aya-3923\"></span>﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾. يقولُ: إلا عجوزًا في الباقِين؛ وهي امرأةُ لوطٍ، وقد ذكَرْنا خبرَها فيما مضَى، واختلافَ المختَلِفِين في معنى قولِه: ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾، والصوابَ من القولِ فى ذلك عندَنا (^٣).\nوقد حُدِّثْتُ عن المسيَّبِ بنِ شَرِيكٍ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾. يقولُ: إلا امرأتَه تخَلَّفَت، فمُسِخَت حجرًا، وكانت تُسَمَّى هَيْشَفعَ (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١.\n(^٢) فى م، ت ٣: \"المرسل\".\n(^٣) تقدم في ١٠/ ٣٠٨، ٣٠٩.\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"هيسفع\". والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٦ إلى المصنف.","vol":"19","page":622},{"text":"حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولِه: هو ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾. قال: الهالِكين (^١).\n\n<span id=\"aya-3924\"></span>وقولُه: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾. يقولُ: ثم قذَفْناهم بالحجارةِ من فوقِهم، فأهْلَكْناهم بذلك.\n\n<span id=\"aya-3925\"></span><span data-type='title' id=toc-7789>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لمشركي قريشٍ: وإنكم لَتَمرُّون على قومِ لوطٍ الذين دمَّرْناهم، عندَ إصباحِكم نهارًا، وبالليلِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾. قال: نَعَمْ واللهِ [صباح مساءٍ] (^٢)، يَطَئُونَها وَطْئًا، مَن أَخَذَ مِن المدينةِ إلى الشامِ أخَذ على سَدُومَ؛ قريةِ قومِ لوطٍ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ فى قولِه: ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾. قال: في أسفارِكم (^٤).\n\n<span id=\"aya-3926\"></span>وقولُه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: أفليس لكم عقولٌ تتدبَّرون بها وتَتَفَكَّرون، فتَعْلَمون أن مَن سلَك من عبادِ اللهِ فى الكفرِ به وتكذيبِ رسلِه، مَسْلَكَ هؤلاء الذين وصَف صفتَهم من قومِ لوطٍ -نازلٌ بهم من عقوبةِ اللهِ، مثلُ الذى نزَل\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٦، ٢٨٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) فى م: \"صباحًا ومساء\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٥٤ عن معمر عن قتادة مختصرًا بمعناه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٨٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":623},{"text":"بهم على كفرِهم باللهِ وتكذيبِ [رُسلِه (^١)، فيَزْجُرَكم ذلك عما أنتم عليه من الشركِ (^٢) باللهِ وتكذيبِ] (^٣) محمدٍ ﵊؟!\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. قال: أفلا تَتَفَكَّرون ما أصابهم في معاصى اللهِ أن يُصِيبَكم ما أصابَهم؟! قال: وذلك المرورُ أن يَمُرَّ عليهم.\n\n<span id=\"aya-3927\"></span><span data-type='title' id=toc-7790>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: وإن يونس لمرسلٌ [إلى قومِه] (^٤) من المرسَلين إلى أقوامِهم،\n\n<span id=\"aya-3928\"></span>﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. يقولُ: حينَ فرَّ إلى الفلكِ -وهو السفينةُ- المشحونِ. وهو المملوءُ من الحمولةِ الموقَرُ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾: كُنَّا نُحدَّثُ أنه المُوقَرُ من الفُلْكِ (^٥)\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. قال: المُوقَرِ (^٦).\n\n<span id=\"aya-3929\"></span>وقولُه: ﴿فَسَاهَمَ﴾. يقولُ: فقارَع.\n_________\n(^١) في م: \"رسوله\".\n(^٢) فى ت ٣: \"الشك\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٩١ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٤٨٤.","vol":"19","page":624},{"text":"وبنحوِ الذي الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَسَاهَمَ﴾. يقولُ: أَقرَع (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾. قال: فاحْتُبِست السفينةُ، فعلم القومُ أنما احتُبِست من حدثٍ أحدَثوه، فتَساهَموا، فقُرِع يونسٌ، فرمَى بنفسِه فالتقَمه الحوتُ (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَسَاهَمَ﴾. قال: قارَع (^٣).\nوقولُه: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾. يعنى: فكان من المَسْهومِين المَغْلُوبين. يُقالُ منه: أدحَض اللهُ حُجَّةً فلانٍ فدحَضت. أى: أبطلَها فبطَلت. والدَّحْضُ أصلُه الزَّلْقُ في الماءِ والطينِ، وقد ذُكِر عنهم: دحَض اللهُ حُجَّتَه. وهى قليلةٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ١٠/ ٢٨٧ من طريق أبي صالح به بنحوه وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٨٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه البيهقى ١٠/ ٢٨٧ من طريق شيبان عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٧ إلى أحمد في الزهد وعبد بن حميد.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٤٨٤.","vol":"19","page":625},{"text":"قولَه: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾. يقولُ: من المَقْرُوعين (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾. قال: من المَسْهُومين (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾. قال: من المَقْرُوعِين.\n\n<span id=\"aya-3930\"></span>وقولُه: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾. يقولُ: فابْتَلَعه الحوتُ. وهو افْتَعَل، مِن اللَّقْمِ\nوقولُه: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. يقولُ: وهو مُكْتَسِبٌ اللومَ. يقالُ: قد ألام الرجلُ. إذا أتَى ما يُلامُ عليه مِن الأمرِ، وإن لم يُلَمْ، كما يقالُ: أَصْبَحْتَ مُحْمِقًا مُعْطِشًا. أى: عندَك الحمقُ والعطشُ؛ ومنه قولُ لَبيدٍ (^٣):\nسَفَهًا عَذَلْتِ وَلُمْتِ غيرَ مُلِيمٍ … وهَداكِ قبلَ اليومِ غيرُ حَكيمِ\nفأما الملومُ (^٤): فهو الذى يُلامُ باللسانِ، ويُعْذَلُ بالقولِ.\nوبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى ١٠/ ٢٨٧ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٢٨٨ إلى ابن المنذر بلفظ: \"المسهومين\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٧٠.\n(^٣) شرح ديوانه ص ١٠٧، مع بعض اختلاف.\n(^٤) في ت ٢، ت ٣: \"الملام\".","vol":"19","page":626},{"text":"قولَه: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. قال: مُذْيَبٌ (^١)\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أى: في صنيعهِ (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. قال: وهو مُذنِبٌ. قال: والمُلِيمُ المُذْنِبُ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3931\"></span><span data-type='title' id=toc-7791>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلولا أنه -يعنى يونُسَ- كانَ من المُصَلِّين للهِ قبلَ البَلاءِ الذي ابْتُلِى به، من العقوبةِ بالحبسِ فى بطنِ الحوتِ.\n\n<span id=\"aya-3932\"></span>﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. يقولُ: لَبَقِى فى بطنِ الحوتِ إلى يومِ القيامةِ؛ يومٌ يَبْعَثُ اللهُ فيه خلقَه - محبوسًا، ولكنه كان مِن الذاكرِين اللهَ (^٤) قبلَ البلاءِ، فذكَره اللهُ في حالِ البَلاءِ، فأنْقَذه ونجَّاه.\nوقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في وقتِ تَسْبيحِ يونُسَ الذي ذكَره اللهُ به فقال: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قلنا في ذلك، وقالوا\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"هو مذنب\"، والأثر في تفسير مجاهد ص ٥٧٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٨٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في م، ت، ت ٣: \"صنعه\". والأثر أخرجه البيهقى ١٠/ ٢٨٧ من طريق شيبان عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٨ إلى أحمد في الزهد وعبد بن حميد.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٤٨٥.\n(^٤) في ص: \"لله\".","vol":"19","page":627},{"text":"مثلَ قولِنا في معنى قولِه: ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾: كان (^١) كثيرَ الصلاةِ في الرَّخاءِ، فنجَّاه اللهُ بذلك، وقد كان يُقالُ الحكمةِ: إن العملَ الصالحَ يَرْفَعُ صاحبَه إذا ما عثَر، فإذا صُرِع وجَد مُتَّكأً (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن بعضِ أصحابِه، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾. قال: كان طويلَ الصلاةِ في الرَّخاءِ. قال: وإن العملَ الصالحَ يَرفَعُ صاحبَه إذا عثَر، وإذا صُرِع وجَد متكأً (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا أبو صخرٍ، أن يزيدَ الرَّقاشيَّ حدَّثه، قال: سمِعْتُ أنسَ بنَ مالكٍ -قال: ولا أَعْلَمُ إلا أن أنسًا يَرْفَعُ الحديثَ إلى النبيِّ ﷺ-: \"إن يونُسَ النبيَّ حينَ بدا له أن يَدْعُو اللهَ بالكلمات، حينَ ناداه وهو في بطنِ الحوتِ، فقال: اللهم لا إلهَ إلا أنت، [سبحانَك إني كنتُ مِن الظالمين. فأَقْبَلَت الدعوةُ [تَحُفُّ بالعرشِ] (^٤)] (^٥)، فقالت الملائكةُ: يا ربِّ، هذا صوتٌ ضعيفٌ معروفٌ من بلادِ غريبةٍ. قال: أما تَعْرِفون ذلك؟ قالوا: يا ربِّ، ومَن هو؟ قال: ذاك\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"قال\".\n(^٢) فى م، ت ٢، ت ٣: \"متكئًا\". والأثر أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٣٣٩، والبيهقي في سننه ١٠/ ٢٨٧ من طريق شيبان عن قتادة.\n(^٣) أخرجه أحمد في الزهد ص ٣٤ عن ابن علية عن ابن أبي عروبة عن قتادة.\n(^٤) في م، ت ٢: \"تحت العرش\". وفى ت ٣: \"تحز بالعرش\". والمثبت كما في الفرج بعد الشدة وتفسير ابن كثير، الموضعين، والدر المنثور ٤/ ٣٣٤.\nوينظر تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٥٦، والبداية والنهاية ٢/ ٢٣، وفيهما: \"تحن بالعرش\". والغالب أنه تحريف.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١.","vol":"19","page":628},{"text":"عبدى يونُسُ. قالوا: عبدُك يونُسُ الذى لم يَزَلْ يُرْفَعُ له عملٌ مُتَقَبَّلٌ، ودعوةٌ مُجَابَةٌ (^١). قالوا: يا ربِّ، أوَ لا يُرْحَمُ بما كان يَصْنَعُ فى الرخاءِ، فَتُنَجِّيَه من البلاءِ؟ قال: بلى. فأمَر الحوتَ، فطرَحه بالعَراءِ\" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبى رَزِينٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِ﴾. قال: مِن المُصَلِّين (^٣).\n[حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ] (^٤)، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الهيثمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾. قال: مِن المصلِّين (^٥).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾. قال: كان له عملٌ صالحٌ فيما خلا (^٦).\n_________\n(^١) فى ص، ت ١: \"مستجابة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة ص ١٢، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٣٦٢، ٧/ ٣٤، والبداية والنهاية ٢/ ٢٢، ٢٣ - من طريق ابن وهب به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٣٤ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه. وأخرجه مرفوعًا على وجه القطع واليقين عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٥٦، ١٥٧ من طريق أبي صخر حميد بن صخر به، غير أنه سقط من سنده يزيد الرقاشي. وعزاه السيوطي في الدر ٥/ ٢٨٧ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) تفسير الثورى ص ٢٥٤ - وفيه زر بن حبيش بدلًا من أبى رزين- وعنه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٥٥، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٢٨٩ إلى الفريابي وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) ليس في ص، وسقط الأثر كاملًا من ت ١.\n(^٥) تفسير الثورى ص ٢٥٣، ٢٥٤ - وفيه: عن أبى الهيثم عن إبراهيم عن سعيد بن جبير- ومن طريقه ابن أبي الدنيا في العقوبات (١٧٩)، والفرج بعد الشدة ص ١٣ وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٥/ ٢٨٩ إلى أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٤.","vol":"19","page":629},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ فى قولِه: ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾. قال: المصلِّين (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا كثيرُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا جعفرٌ، قال: ثنا ميمونُ بنُ مِهْرانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ بنَ قيسٍ يقولُ على منبرِه: اذْكُروا اللهَ فى الرَّخاءِ يَذْكُرْكم فى الشدةِ؛ إن يونُسَ كان عبدًا للهِ ذاكرًا، فلما أصابتْه الشدةُ دعا اللهَ، فقال اللهُ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ فذكَرَه اللهُ بما كان منه، وكان فرعونُ طاغيًا باغيًا، فلمّا أدرَكه الغرقُ قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩٠، ٩١]. قال الضحاكُ: فاذْكُروا اللهَ فى الرخاءِ يَذْكُرْكم في الشدةِ (^٢).\nوقيل: إنما أحْدَث الصلاةَ -التى أخْبَر اللهُ عنه بها فقال: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ - في بطنِ الحوتِ.\nوقال بعضُهم: كان ذلك تسبيحًا، لا صلاةً.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا عِمْرانُ القَطَّانُ، قال: سَمِعْتُ الحسنَ يقولُ في قولِه: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾. قال: فواللهِ ما كانت إلا صلاةً أحْدَثها في بطنِ الحوتِ. قال عِمرانُ: فذكَرْتُ ذلك لقتادةَ، فأنْكَر ذلك، وقال: كان واللهِ يُكْثِرُ الصلاةَ فى الرَّخاءِ (^٣).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٧٥ من طريق جعفر به.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٩ إلى أحمد في الزهد وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":630},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن المغيرةِ بنِ النعمانِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. فلما قالها، قذَفه الحوتُ وهو مُغْرَبٌ (^١).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: لَصار له بطنُ الحوتِ قبرًا إلى يومِ القيامةِ (^٢)\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: لبِث يونُسُ في بطنِ الحوتِ أربعين يومًا (^٣).\n\n<span id=\"aya-3933\"></span>وقولُه: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾. يقولُ: فقذَفْناه بالفَضاءِ مِن الأرضِ، حيثُ لا يُوارِيه شيءٌ مِن شجرٍ ولا غيرِه، ومنه قولُ الشاعرِ (^٤):\nورفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها … ونبَذْتُ بالبلدِ العَراءِ ثِيابي\n_________\n(^١) في ت ١: \"معرًّى\"، وأُغْرِب الرجل: اشتد وجعه من مرض أو غيره، والتغريب في الأرض الإمعان والإبعاد. وينظر التاج (غ ر ب). والأثر ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ١٢٧ بنحوه مختصرًا.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٨ إلى المصنف وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي.\n(^٣) تفسير الثورى ص ٢٥٤، ومن طريقه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٤٣، وأحمد في الزهد ص ٣٥، وابن أبي الدنيا في العقوبات (١٨٠)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٨٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.\n(^٤) قال فى مجاز القرآن: ٢/ ١٧٥: \"قال الخزاعي\". ثم ذكر البيت. وذكره صاحب اللسان (ع ر ا) غير منسوب. وينظر القرطبي ١٥/ ١٢٩.","vol":"19","page":631},{"text":"يعني: بالبلدِ الفضاء.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾. يقول: الْقَيْناه بالساحلِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾: بأرضٍ ليس فيها شيءٌ ولا نباتٌ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿بِالْعَرَاءِ﴾. قال: بالأرضِ.\nوقولُه: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. يقولُ: وهو كالصبيِّ المنفوسِ، لحمٌ نِئٌ.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾: كهيئةِ الصبيِّ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بن زيادٍ، عن عبدِ اللهِ بن أبي سلمةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: خرَج به -يعني الحوتَ- حتى لفَظه في ساحلِ البحرِ، فطرَحه مِثلَ الصبيِّ المَنْفوسِ، لم يَنْقُصْ مِن خَلْقِه شيءٌ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في الإتقان ٢/ ٣٩، ٤٠ - من طريق أبي صالح به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٥، وفى البداية والنهاية ٢/ ٢٤.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ١٦، وأخرجه ابن أبى شيبة ١٣/ ٥٧٨ مطولًا من طريق سعيد به.","vol":"19","page":632},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ما لفَظه الحوتُ حتى صار مِثلَ الصبيِّ المَنْفوسِ، [قد نُشِر اللَّحمُ والعَظْمُ، فصار مِثلَ الصبيِّ المَنْفوسِ] (^١)، فأَلْقاه في موضعٍ، وأنْبَت اللهُ عليه شجرةً مِن يَقْطِينٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3934\"></span>وقولُه: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنبَتْنا على يونسَ شجرةً مِن الشجرِ الذى لا يقومُ على ساقٍ، وكلُّ شجرةٍ لا تقومُ على ساقٍ؛ كالدُّبَّاءِ والبطَّيخِ والحَنْظَلِ ونحوِ ذلك، فهى عندَ العربِ يَقْطِينٌ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ فى ذلك؛ فقال بعضهم نحوَ الذي قلنا في ذلك\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن القاسمِ بنِ أبي أيوبَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾. قال: هو كلُّ شيءٍ ينْبُتُ على وجهِ الأرضِ ليس له ساقٌ (^٣).\nحدَّثني مطرُ بنُ محمدٍ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، عن القاسمِ بنِ أبي أيوبَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾. قال: كلُّ شيءٍ ينْبُتُ ثم يموتُ مِن عامِه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن حَبيبٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: ﴿شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾. فقالوا عندَه: القَرْعُ.\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٥، وفى البداية والنهاية ٢/ ٢٤.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٥ عن هشيم به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٩١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ١٢٩.","vol":"19","page":633},{"text":"قال: وما يَجْعلُه أَحقِّ مِن البطِّيخِ (^١)؟!\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. قال: غيرَ ذاتِ أصلٍ مِن الدُّبَّاءِ أو غيرِه مِن نحوِه (^٢).\nوقال آخرون: هو القَرْعُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾، قال: القَرْعُ (^٣).\nحدثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، عن عبدِ اللهِ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. قال: القَرْعُ (^٤).\nحدَّثني مطرُ بنُ محمدِ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا عبدُ الله بن داودَ الواسطىُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ الأَوْدِيِّ في قولِه: ﴿وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. قال: القَرْعُ (^٥).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْبَتَنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ٢٥٤ بنحوه، ولم يذكر فيه سعيد بن جبير.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٧٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩١ إلى المصنف وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبي المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) ذكره أبو حيان في تفسيره ٧/ ٣٧٥.","vol":"19","page":634},{"text":"مِّن يَقْطِينٍ﴾: كنَّا نحدَّثُ أنها الدُّبَّاءُ، هذا القَرْعُ الذي رأيتم، أَنْبَتها اللَّهُ عليه يأكلُ منها (^١).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني أبو صخرٍ، قال: ثني ابنُ قُسَيْطٍ، أنه سمِع أبا هريرةَ يقولُ: طُرِح بالعراءِ، فأنبت الله عليه يَقْطِينَةً. فقلنا: يا أبا هريرةَ، وما اليَقْطِينةُ؟ قال: شجرةُ الدُّبَّاء، هيَّا الله له أُرْوِيَّةً (^٢) وحُشِيَّةً، تأكلُ مِن خَشَاشِ الأَرضِ -أو هَشاشِ- فتَفْشَحُ (^٣) عليه، فتزويه من لبنها كلَّ عشيَّةٍ وبُكْرةٍ، حتى نبَت. وقال ابنُ أبى الصلتِ قبلَ الإسلام في ذلك بيتًا من شعرٍ (^٤):\nفأَنْبَتَ يَقْطِينًا عليه برَحْمَةٍ … مِن اللَّهِ لولا اللَّهُ أُلْفِي ضَاحِيا (^٥)\nحدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ عِياضٍ، عن مغيرةَ في قولِه: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. قال: القَرْعُ.\nحدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتَ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. قال: القَرْعُ (^٦).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد: أَنْبَت اللهُ عليه شجرةً مِن يَقْطِينٍ. قال: فكان لا يتناولُ منها ورقةً فيأخذها إلا أرْوَته لبنًا. أو قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩١ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) الأروية: الأنثى من الوعول. اللسان (ر وى).\n(^٣) في ص: \"فتفشخ\". وفشحت الدابة وفشجت إذا فرَّجت بين رجليها. اللسان (ف ش ح).\n(^٤) ديوانه ص ٦٥.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ١٦، ١٧، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٥٧، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٣٤ والبداية والنهاية ٢/ ٢٣ - من طريق أبي صخر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩١ إلى ابن مردويه.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٥، وفى البداية والنهاية ٢/ ٢٤.","vol":"19","page":635},{"text":"شرِب منها ما شاء حتى نَبَت (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ: عن السدى في قولِه: ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. قال: هو القَرْعُ، والعرب تسمِّيه الدُّبَّاء (^٢).\nحدثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن ورقاء، عن سعيدِ ابن جبيرٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. قال: هو القَرْعُ (^٣).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿وَأَنْبَتَنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. قال: القَرْعُ (^٣).\nوقال آخرون: كان اليَقْطِينُ شجرةً أظلت يونسَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ثابتُ بن يزيدَ، عن هلالِ بنِ حَبّابٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: اليَقْطِينُ شجرةٌ سماها اللهُ يَقْطِينا، أظلَّته، وليس بالقَرْعِ. قال: فيما ذُكر، أرسل الله عليه دابَّةَ الأرضِ، فجَعَلتْ تَقْرِضُ عروقَها، وجعل ورقُها يتساقطُ حتى أفضَتْ إليه الشمسُ وشَكاها، فقال: يا يونس، جزِعْتَ من حرِّ الشمسِ، ولم تَجزَعْ لِمائة ألفٍ أو يزيدونَ تابوا إليَّ، فتبتُ عليهم (^٤)؟\n\n<span id=\"aya-3935\"></span>القول في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨) فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩)﴾.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩١ إلى المصنف.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٣٥ والبداية والنهاية ٢/ ٢٤.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم مختصرا.","vol":"19","page":636},{"text":"يقولُ تعالى ذكره: وأرسَلْنا يونسَ إلى مائة ألف من الناسِ، أو يزيدون على مائة ألفٍ. وذُكر عن ابن عباسٍ أنه كان يقولُ: معنى قولِه: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون.\nذكرُ الرواية بذلك\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن سالم بن أبي الجعدِ، عن الحكم بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ الأَزْوَرِ، عن ابنِ عباس في قولِه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. قال: بل يزيدون؛ كانوا مائةَ ألفٍ وثلاثين ألفا (^١).\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيد بن جبير في قولِه: ﴿مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. قال: يزيدون سبعين ألفًا، وقد كان العذاب أُرسِل عليهم، فلما فرَّقوا بين النساء وأولادها، والبهائمِ وأولادها، وعجّوا إلى اللهِ، كشف عنهم العذاب، ومطَرتِ السماءُ دمًا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الرحيم البرقيُّ، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سمِعتُ زُهيرًا، عمّن سمع أبا العالية، قال: ثني أبي بن كعب أنه سأل رسولَ اللَّهِ ﷺ عن قولِه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. قال: \"يزيدون عشرين ألفًا\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ٢٥٤، ٢٥٥ عن منصور، عن الحكم، عن مولى لابن عباس، عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (١٧٤) من طريق الثورى عن عبد الله البصرى، عن رجل، عن ابن عباس، كلاهما بدون لفظ: بل يزيدون، وبدونه أيضًا عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وذكره بتمامه ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٥.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٠، ٢٩١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٥ عن المصنف، وأخرجه الترمذى (٣٢٢٩) من طريق زهير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"19","page":637},{"text":"وكان بعضُ أهل العربية من أهل البصرة يقولُ في معناه: إلى مائة ألف أو كانوا يزيدون عندكم. يقولُ: كذلك كانوا عندكم.\nوإنما عُنِى بقولِه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. أنه أرسله إلى قومه الذين وعدهم العذابَ، فلما أظلَّهم تابوا، فكشَف اللهُ عنهم. وقيل: إنهم أهلُ نِينَوَى.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾: أُرسِل إلى أهلِ نِينَوَى مِن أَرضِ المَوْصِلِ. قال الحسنُ: بعثَه الله قبل أن يُصيبَه ما أصابه، ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. قال: قوم يونسَ الذين أرسل إليهم قبلَ أن يلتقمه الحوتُ (^٢).\nوقيل: إن يونسَ أُرسِل إلى أهل نِينَوَى بعد ما نبذَه الحوتُ بالعراءِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: سمِعتُ أبا هلالٍ محمدَ بنُ سليمٍ (^٣)،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩١ إلى المصنف وعبد بنُ حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن وقتادة.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٧١، وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٥ عن ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩١ إلى عبد بنُ حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"سليمان\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٢٩٢.","vol":"19","page":638},{"text":"قال: ثنا شَهْرُ بنُ حَوْشبٍ، قال: أتاه جبريلُ -يعنى يونسَ- وقال: انطلق إلى أهلِ نِينَوَى، فأنذِرْهم أنّ العذابَ قد حضَرهم. قال: ألتمِسُ دابّةً. قال: الأمرُ أعجلُ مِن ذلك. قال: ألتمِسُ حِذاءً. قال: الأمرُ أعجلُ من ذلك. قال: فغَضب، فانطلق إلى السفينة فركب، فلما ركِب احتبِست السفينةُ؛ لا تُقَدِّمُ ولا تُؤَخِّرُ. قال: فتساهموا. قال: فسُهِم، فجاء الحوتُ يُبصبِصُ بذنَبِه، فنُودِى الحوتُ: أيا حوتُ، إنا لم نَجْعَلْ يونس لك رزقًا، إنما جعلناك له حِرْزًا (^١) ومسجدًا. قال: فالتقمه الحوتُ، فانطلق به من ذلك المكان، حتى مرّ به على الأَيْلَةِ، ثم انطلق به، حتى مرّ به على دِجْلَةَ، ثم انطلق به حتى أَلْقاه في نِينَوَى (^٢).\nحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا شهْرُ بنُ حَوْشبٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إنما كانت رسالة يونسَ بعدما نبَذه الحوتُ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3936\"></span>وقوله: ﴿فَآمَنُوا﴾. يقولُ: [فوحَّد الله الذين] (^٤) أُرسل إليهم يونسُ، وصدّقوا بحقيقةِ ما جاءهم به يونسٌ مِن عنْدِ اللهِ.\nوقوله: ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. يقولُ: فأخَّرنا عنهم العذاب، ومتَّعناهم إلى حين بحياتهم، إلى بلوغ آجالِهم مِن الموتِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n_________\n(^١) في م: \"حوزا\". والحرز: الموضع الحصين. اللسان (ح ر ز).\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ١٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٨٩ إلى عبد بنُ حميد.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ١٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩١ إلى أحمد في الزهد وعبد بنُ حميد وابن مردويه.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فوحدوا الله الذى\".","vol":"19","page":639},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: الموتِ (^١).\nحدَّثني محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. قال: الموتِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3937\"></span>وقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾. يقول تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: سلْ يا محمدُ مشركي قومِك مِن قريشٍ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾: يعني مشرِكي قريشٍ (^٣).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾. قال: سلهم. وقرأ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾ [النساء: ١٢٧]. قال: يسألونك.\nحدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السدي: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾. يقول: يا محمدُ، سلْهم.\nوقولُه: ﴿أَلرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾: ذكر أن مشركي قريشٍ كانوا\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٥٧ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٩٢ إلى عبد بنُ حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٩٠ من طريق أسباط به، بلفظ: \"إلى أجلهم\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":640},{"text":"يقولون: الملائكة بناتُ اللَّهِ. وكانوا (^١) يعبُدونها، فقال الله لنبيِّه محمد ﵊: سلْهم وقلْ لهم: أَلِربِّيَ البناتُ ولكم البنونَ؟!\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾. لأنهم قالوا -يعنى مشركي قريشٍ-: للَّهِ البناتُ، ولهم البنونَ (^٢).\nحدثنا محمد بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ الفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾. قال: كانوا يعبُدون الملائكةَ.\n\n<span id=\"aya-3938\"></span><span data-type='title' id=toc-7792>القول في تأويل قولِه تعالى: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: أم شهد هؤلاء القائلون من المشركين: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ. خَلْقيَ الملائكةَ وأنا أخلقهم إناثًا، فشهدوا هذه الشهادة، ووصفوا الملائكة بأنها إناثٌ؟\n\n<span id=\"aya-3939\"></span>\n\n<span id=\"aya-3940\"></span>وقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إفْكِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألا إن هؤلاء المشركين، من كَذِبهم ﴿لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ في قيلِهم ذلك.\n_________\n(^١) في م: \"كان\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٢ إلى المصنف وعبد بنُ حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":641},{"text":"كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ﴾: [أي: من كذِبِهم ﴿لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ﴾ (^١).\nحدثنا محمد بنُ الحسين، قال: حدثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه] (^٢): ﴿أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ﴾. قال: من كذِبِهم (١).\n\n<span id=\"aya-3941\"></span><span data-type='title' id=toc-7793>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره مُوَبِّخًا هؤلاء القائلين: للَّهِ البناتُ. من مشركي قريشٍ: ﴿أَصْطَفَى البَنَاتِ عَلَى البَنِينَ﴾؟ والعربُ إذا وجَّهوا الاستفهامَ إلى التوبيخِ أثْبَتوا ألفَ الاستفهامِ أحيانًا، وطرحوها أحيانًا، كما قيل: ﴿أَذْهَبْتُمْ (^٣) طَيْبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيا﴾ [الأحقاف: ٢٠]. يُستفهمُ بها، ولا يُستفهمُ بها، والمعنى في الحالينِ واحدٌ، وإذا لم يُسْتفهمْ في قولِه: ﴿أَصْطَفَى البَنَاتِ﴾. ذهبت ألفُ \"اصطفى\" في الوصلِ، ويُبتدأ بها بالكسرِ، وإذا استُفهِم فُتِحَت وقُطِعَت.\nوقد ذكر عن بعض أهل المدينة أنه قرأ ذلك بترك الاستفهام، والوصل. فأما قرأَةُ الكوفةِ والبصرةِ، فإنهم في ذلك على قراءته بالاستفهام، وفتح ألفِه في الأحوالِ كلِّها (^٤)، وهى القراءةُ التي نَختارُ؛ لإجماع الحجة من القرأة عليها.\n\n<span id=\"aya-3942\"></span>وقوله: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. يقولُ: بئس الحكْمُ تحكمون أيُّها القومُ؛\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٤٨٨.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) بعده في م: \"بالقصر\".\n(^٤) قراءة ترك الاستفهام والوصل هى قراءة الأصبهاني عن ورش، وأبى جعفر، وقراءة إثبات الهمز على الاستفهام هى قراءة الباقين وهم قالون وورش في رواية الأزرق، وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٧٠، والإتحاف ص ٢٢٨.","vol":"19","page":642},{"text":"أن يكونَ للهِ البناتُ ولكم البنونَ، وأنتم لا تَرْضَون البنات لأنفسكم، فتجعلون له ما لا تَرْضَونه لأنفسكم؟\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\nذكرُ من قال ذلك\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. يقولُ: كيف يجعلُ لكم البنين، ولنفسِه البناتِ؟ ما لكم كيف تحكُمون (^١)؟!\n\n<span id=\"aya-3943\"></span>وقوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: أفلا تتدَبَّرون ما تقولون، فتعرِفوا خطأَه، فتنتهوا عن قيله؟\n\n<span id=\"aya-3944\"></span>وقوله: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾. يقولُ: ألكم حجةٌ تبين صحتُها لمن سمِعها، بحقيقةِ ما تقولون؟\nكما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾: أي: عذرٌ مبينٌ (^١).\nحدثنا محمد، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديٍّ في قولِه: ﴿سُلطَانٌ مُّبِينٌ﴾. يقولُ: حجةٌ.\n\n<span id=\"aya-3945\"></span>وقوله: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾. يقولُ: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عندِ اللهِ؛ بأن الذى تقولون من أن للهِ البناتِ ولكم البنين، كما تقولون.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٢ إلى المصنف وعبد بنُ حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":643},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾: أي: بعذْرِكم، ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^١).\nحدَّثنا محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ أن هذا كذا؛ بأن له البنات، ولكم البنون.\nوقوله: ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. يقول: إن كنتم صادقين أن لكم بذلك حجةً.\n\n<span id=\"aya-3946\"></span><span data-type='title' id=toc-7794>القول في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وجعل هؤلاء المشركون بينَ الله وبين الجنّة نسبًا.\nواختلَف أهل التأويلِ في معنى النسب الذى أخبرَ اللهُ عنهم أنهم جعلوه للهِ تعالى؛ فقال بعضُهم: هو أنهم قالوا -أعداء الله-: إن الله وإبليسَ أَخَوانِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولِه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ نَسَبًا﴾. قال: زعَم أعداءُ اللَّهِ أَنه ﵎ وإبليس أخَوانِ (^١).\nوقال آخرون: هو أنهم قالوا: الملائكةُ بناتُ اللهِ. وقالوا: الجِنّةُ هي الملائكة.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٢ إلى المصنف.","vol":"19","page":644},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ نَسَبًا﴾. قال: قال كفارُ قريشٍ. قال: قال كفارُ قريشٍ: الملائكة بناتُ اللَّهِ. فقال (^١) أبو بكر: من أمهاتُهنَّ؟! فقالوا: بناتُ سَرَوَاتِ الجِنِّ (^٢)، يحسبون أنهم خُلقوا مما خُلِق منه إبليس (^٣).\nحدثنا عمرُو بنُ يحيى بنُ عمران بنُ عُفْرَةَ، قال: ثنا عمرو بنُ سعيد الأَبَحُّ، عن سعيد بنُ أبي عَرُوبةً، عن قتادة في قولِه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾: قالت اليهودُ: إن اللهَ ﵎ تزوَّج إلى الجِنِّ، فخرج منها (^٤) الملائكة. قال: سبحانه؛ سبّح نفسَه (^٥).\nحدثنا محمد، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولِه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾. قال: الجِنَّةُ الملائكةُ، قالوا: هنَّ بناتُ اللهِ (^٦).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾: الملائكة (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"فسأل\".\n(^٢) سروات الجن: أشرافهم. اللسان (س ر ا).\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٧١، ومن طريقه البيهقي في الشعب (١٤١)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٢ إلى عبد بنُ حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في م: \"منهما\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٧.\n(^٦) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ١٣٠.","vol":"19","page":645},{"text":"حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾. قال: بين الله وبين الجِنَّةِ نسبًا؛ افترَوْا (^١).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجَنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾. اختلف أهلُ التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: ولقد علمتِ الجِنَّةُ إنهم لمُشْهَدون الحسابَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: إنها ستُحضَرُ الحسابَ (^٢).\nوقال آخرون: معناه: إن قائلى هذا القول سيُحضرون العذابَ في النارِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىٍّ: ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: إن هؤلاء الذين قالوا هذا لمُحضَرون: لمعذَّبون (^٣).\nوأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: إنهم لمُحضَرون العذابَ؛ لأن سائرَ الآياتِ التى ذكَر اللهُ فيها الإحضارَ في هذه السورة، إنما عنَى به الإحضارَ في العذابِ، فكذلك في هذا الموضعِ.\n\n<span id=\"aya-3947\"></span>وقوله: ﴿سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: تنزيهًا للهِ، وتبرئةً له مما يُضِيفُ إليه هؤلاء المشركون به، ويفتَرون عليه، ويصِفونه، من أن له\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٧.\n(^٢) تقدم أوله في الصفحة السابقة.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٤٨٩.","vol":"19","page":646},{"text":"بناتٍ، وأن له صاحبةً.\n\n<span id=\"aya-3948\"></span>وقوله: ﴿إلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. [يقولُ: ولقد علمت الجنَّةُ إن الذين قالوا: إن الملائكة بناتُ اللَّهِ. لمُحضَرون العذابَ، إلا عبادَ اللَّهِ] (^١) الذين أخلَصهم لرحمتِه، وخلَقهم لِجَنَّتِه.\n\n<span id=\"aya-3949\"></span><span data-type='title' id=toc-7795>القول في تأويل قولِه تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فإنَّكُم أيها المشركون بالله وما تَعْبُدُون مِن الآلهة والأوثانِ،\n\n<span id=\"aya-3950\"></span>﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾. يقولُ: ما أنتم على ما تعبُدون من دونِ اللهِ بفاتنين؛ أي: بمضلِّين أحدًا، ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الجَحِيمِ﴾. يقولُ: إلا أحدًا سبق في علْمي أنه صالِ الجحيمِ.\nوقد قيل: إن معنى ﴿عَلَيْهِ﴾ في قولِه: ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾. بمعنى به.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾. يقول: لا تُضلُّون أنتم، ولا أُضِلُّ منكم إلا مَن قد قضيتُ عليه (^٢) أنه صال الجحيم (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في الإتقان ٢/ ٤٠، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١٠٠٤) من طريق أبي صالح به.","vol":"19","page":647},{"text":"حدَّثني محمد بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿مَا أَنتُم عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ: ما أنتم بفاتنين على أوثانِكم أحدًا، إلا من قد سبق له أنه صال الجحيم (^١).\nحدَّثني يعقوب بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن خالد، قال: قلتُ للحسنِ قولِه: ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾: إلا من أوجَب الله عليه أن يَصْلى الجحيمَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3951\"></span>حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ أَبي الزَّرْقاءِ، عن حماد بنُ سلمةَ، عن حميدٍ، قال: سألت الحسن عن قول الله: ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾. قال: ما أنتم عليه بمضلِّين إلا من كان في علمِ اللهِ أنه سيَصْلى الجحيمَ.\n[حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيم: ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾: إلا من قُدِّر عليه أنه يَصْلى الجحيمَ] (^٣).\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن العشَرةِ الذين دخَلوا على عمرَ بنُ عبد العزيزِ، [وكانوا متكلِّمين كلُّهم، فتكلَّموا، ثم إن عمرَ بنَ عبد العزيز] (^٤) تكلّم بشيءٍ، فظَننَّا أنه تكلَّم بشيءٍ ردَّ به ما كان في أيدينا، فقال لنا: هل تعرفون تفسير هذه الآية: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٣) إِلَّا مَنْ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٢ إلى المصنف وعبد بنُ حميد.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٢ إلى عبد بنُ حميد.\n(^٤) سقط من: ت ١.","vol":"19","page":648},{"text":"هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾؟ قال: إنكم والآلهة التى تعبدونها لستم بالذي تَفتِنون عليها إلا من قضَيْتُ عليه أنه يَصْلى الجحيم (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الجَحِيمِ﴾. قال: ما أنتم بمضلِّين إلا مَن كُتب عليه أنه يَصْلى الجحيمَ.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ حتى بلَغ ﴿صَالِ الْجَحِيمِ﴾. يقول: ما أنتم بمضلِّين أحدًا من عبادى بباطلكم هذا، إلا من تولَّاكم بعملِ أهلِ (^٢) النارِ.\nحدَّثنا محمد بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عنِ السدىِّ: ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾: بمضلِّين، ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾: إِلا مَن كتَب الله عليه أنه يَصْلى الجحيم.\nحدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: [﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾] (^٣). يقولُ: لا تُضِلُّون بآلهتِكم أحدًا، إلا من سبَقتْ له الشقاوةُ، ومن هو صالِ الجحيم (^٤).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الجَحِيم﴾. [يقولُ: لا تفتِنون به أحدًا، ولا تُضِلُّونه، إلا من قضى الله أنه صالِ الجحيم] (^٣)؛ إلا من\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: م، ت ٢.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"19","page":649},{"text":"قد قضَى أنه مِن أهلِ النار.\nوقيل: ﴿بِفَاتِنِينَ﴾. من: فَتَنتُ أفتِنُ، وذلك لغةُ أهل الحجاز، وأما أهلُ نجدٍ فإنهم يقولون: أفتته فأنا أُفتِنُه.\nوقد ذكر عن الحسن أنه قرأ: (إِلَّا مَن هو صالُ الجحيمِ) (^١)، برفع اللَّامِ مِن ﴿صَالِ﴾، فإن كان أراد بذلك الجمعَ كما قال الشاعرُ (^٢):\nإذا ما حَاتمٌ وُجِد ابْنَ عَمِّى … مَجَدنا مَن تكلَّم أَجْمَعِينا\nفقال: أجمعينا. ولم يقُلْ: تكلَّموا. أو كما يقالُ في الرجالِ: مَن هو إخوتك؟ يذهبُ بـ \"هو\" إلى الاسم المجهولِ ويُخرَّج فعله على الجمعِ، فذلك وجهٌ، وإن كان غيره أفصحَ منه، وإن كان أراد بذلك واحدًا، فهو عند أهل العربيةِ لحنٌ؛ لأنَّه لحنٌ عندهم أن يقال: هذا رامٌ وقاضٌ. إلا أن يكون سُمِع في ذلك من العربِ لغةٌ مقلوبةٌ (^٣)، مثلَ قولِهم: شاكُ السلاحِ، وشاكي السلاحِ، وعاث وعثا، وعاق وعقا. فيكونَ لغةً، ولم أسمعْ أحدًا يذكُر سماعَ ذلك مِن العربِ.\n\n<span id=\"aya-3952\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾. وهذا خبرٌ من اللهِ عن قيلِ الملائكةِ أنهم قالوا: وما منا -معشَرَ الملائكة- إلا مَن له مقامٌ في السماءِ معلومٌ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) وهى قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط ٧/ ٣٧٩.\n(^٢) البيت في معانى القرآن للفراء ٢/ ٣٩٥، غير منسوب.\n(^٣) في ص: \"معلومة\". وينظر معانى القرآن للفراء ٢/ ٣٩٤.","vol":"19","page":650},{"text":"السدى في قولِه: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. قال: الملائكة.\n[حدَّثني يونسُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾. قال الملائكة] (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾. قال: هؤلاء الملائكةُ.\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيد، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: كان مسروقُ بنُ الأجْدعِ يروى عن عائشةَ، أنها قالت: قال نبيُّ الله ﷺ: \"ما في السماء الدنيا مَوْضعُ قَدَمٍ إلا عليه مَلَكٌ ساجدٌ أو قائمٌ\". فذلك قول الملائكة: ﴿وَمَا منا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ المُسبِّحُونَ﴾ (^٢).\nحدثنى موسى بنُ إسحاقَ الكنانيُّ (^٣) المعروفُ بابن القوّاسِ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى الرَّمليُّ، عن الأعمشِ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لو عن أن قطرةً من زَقُومِ جهنمَ أُنزلت إلى الدنيا، لأفسدت على الناس معايشَهم، وإن نارَكم هذه لتَعوَّذُ مِن نارِ جهنمَ.\nحدثنا موسى بنُ إسحاق، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن زيدِ ابن وهبٍ، قال: قال عبد الله بنُ مسعودٍ: إن ناركم هذه لما أُنزِلت، ضُرِبَت في\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) أخرجه المروزى في تعظيم قدر الصلاة ١/ ٢٦٠، وأبو الشيخ في العظمة (٥١٠) من طريق أبي معاذ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٢ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) في م: \"الجبئى\". وفى ت ٢، ت ٣: \"الجبائي\". وله ترجمة في الجرح والتعديل ٨/ ١٣٥، ولم يذكر فيها هذا النسب. وينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٤٩٠.","vol":"19","page":651},{"text":"البحرِ مرّتين، ففتَرَت، فلولا ذلك لم تنتَفِعوا بها (^١).\n\n<span id=\"aya-3953\"></span><span data-type='title' id=toc-7796>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل ملائكتِه: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ﴾ للهِ لعبادتِه،\n\n<span id=\"aya-3954\"></span>﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ له. يعنى بذلك: المصلّون له.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثرُ عن رسول الله ﷺ، وقال به أهلُ التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بنُ عليِّ بنِ الحسنِ بنُ شقيقٍ المَرْوَزِيُّ، قال: ثنا أبو معاذٍ الفضلُ ابنُ خالدٍ، قال: ثنا عبيد بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك بنُ مزاحم يقولُ: قولِه: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾. كان مسروقُ بنُ الأَجْدَعِ يروى عن عائشة أنها قالت: قال نبيُّ الله ﷺ: \"ما في السماء الدنيا مَوضِعُ قَدَم إلا عليه ملكٌ ساجدٌ أو قائمٌ\". فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، [عن مسلمٍ] (^٣)، عن مسروقٍ، قال: قال عبد الله: إن في السماواتِ لسماءً ما فيها مَوضِعُ شِبْرٍ إلا وعليه\n_________\n(^١) أخرجه هناد في الزهد (٢٣٥) من طريق الأعمش به.\n(^٢) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١.","vol":"19","page":652},{"text":"جبهةُ مَلَكٍ أو قدمُه قائمًا. قال: ثم قرَأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبى الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: إن من السماواتِ سماءً ما فيها موضعٌ إلا فيه مَلَكٌ ساجدٌ أو (^٢) قائم. ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبرني الجُرَيْرِيُّ، عن أبي نَضْرةَ، قال: كان عمرُ إذا أُقِيمتِ الصلاةُ أقبَل على الناسِ بوجهِه، فقال: أيُّها الناسُ استَوُوا، إن اللهَ إنما يريدُ بكم هَدْىَ الملائكة؛ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾. استَوُوا، تقدَّم أنت (^٤)، تأخَّرْ أنت أي هذا. فإذا استَوَوْا تقدَّم فكبَّر (^٥).\nحدَّثنى موسى بنُ عبد الرحمنِ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثني الجُرَيْرِىّ سعيدُ ابنُ إياس أبو مسعودٍ، قال: ثنى أبو نَضْرَةَ، قال: كان عمرُ بنُ الخطاب ﵁ إذا أُقيمتِ الصلاةُ استقبل الناسَ بوجهِه، ثم قال: أَقيموا صُفُوفَكم واستَوُوا، فإنما يريدُ الله بكم هَدْىَ الملائكةِ، يقولُ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (١٥٩) من طريق أبي معاوية به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٥٨، والفريابي -كما في الدر المنثور ٥/ ٢٩٣ - ومن طريقه الطبراني (٩٠٤٢) من طريق الأعمش به، وسقط مسروق عند الطبراني، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٣ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١: \"قدماه\". وبعده في ت ٢، ت ٣: \"قدامه\". وينظر مصدر التخريج.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢/ ١٥٨ عن الثورى به.\n(^٤) بعده في م، ت ٢: \"يا فلان\".\n(^٥) أخرجه ابنُ أبي حاتم في تفسيره -كما في تفسير ابنُ كثير ٧/ ٣٩ - من طريق أبي نضرة به، وذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ١٣٨.","vol":"19","page":653},{"text":"الْمُسَبِّحُونَ﴾. ثم ذكَر نحوَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباس قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ﴾. قال: يعنى الملائكة، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾. قال: الملائكةُ صافون تسبِّحُ للَّهِ ﷿ (^١).\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ﴾. قال: الملائكة (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾. قال: الملائكة (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾. قال: صُفُوفٌ في السماءِ، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾. أي: المصلّون، وهذا قولُ الملائكةِ يُثنون بمكانِهم من العبادةِ (^٤).\nحدَّثنا محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ﴾. قال: للصلاةِ.\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، قال: ذكَر السديُّ، [عن عبد الله] (^٥)، قال: ما في السماءِ مَوضِعُ شِبْرٍ إلا عليه جبهةُ مَلَكٍ أو قدماه، ساجدًا أو\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٢ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بنُ حميد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٧١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٥٨ من طريق معمر عن قتادة به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٥) سقط من: ت ١.","vol":"19","page":654},{"text":"قائمًا أو راكعًا. قال: ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ﴾. قال: الملائكة، هذا كلُّه لهم.\n\n<span id=\"aya-3955\"></span>وقوله: ﴿وَإِن كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ الْأَوَّلِينَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وكان هؤلاء المشركون من قريشٍ يقولون، قبلَ أن يُبعثَ إليهم محمدٌ ﷺ نبيًّا:\n\n<span id=\"aya-3956\"></span>﴿لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِين﴾. يعنى كتابًا أُنزِلَ مِن السماء؛ كالتوراةِ يعني والإنجيلِ، أو نبيًّا أتانا، مثلَ الذى أتى اليهودَ والنصارى -\n\n<span id=\"aya-3957\"></span>لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الذين أخلَصهم لعبادِته، واصطفاهم لجنتِه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِن كَانُوا ليَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال: قد قالت هذه الأمّةُ ذاك قبلَ أن يُبعثَ محمد ﷺ: لو كان عندنا ذكرٌ من الأولين، لكنا عبادَ اللَّهِ المخلصين. فلما جاءهم محمد ﷺ كفروا به، فسوف يعلمون (^١).\nحدَّثنا محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ في قولِه: ﴿ذِكْرًا مِّنَ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: هؤلاء ناسٌ من مشركي العرب قالوا: لو أن عندَنا كتابًا من كُتُبِ الأوّلين، أو جاءنا علمٌ من علم الأوّلين. قال: قد جاءكم\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":655},{"text":"محمدٌ بذلك.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيد: رجَع الحديثُ إلى الأولين أهلِ الشركِ: ﴿وَإِن كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ الْأَوَّلِينَ﴾.\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكرًا مِّنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: هذا قولُ مشركي أهلِ مكةَ، فلما جاءهم ذكرُ الأولين وعلمُ الآخرين، كفروا به، فسوف يعلمون.\n\n<span id=\"aya-3958\"></span><span data-type='title' id=toc-7797>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: فلما جاءهم الذكرُ من عندِ اللَّهِ كَفَروا به، وذلك كفرُهم بمحمد ﷺ، وبما جاءهم به من عندِ اللهِ من التنزيلِ والكتابِ، يقولُ اللَّهُ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ إذا ورَدوا عليَّ، ماذا لهم من العذابِ بكفرِهم بذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهُل التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدثني محمد بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباس قوله: ﴿لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال: لما جاء المشركين من أهل مكةَ ذكرُ الأولينَ وعِلمُ الآخرينَ، كفَروا بالكتابِ، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (^١).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٤ إلى المصنف وابن مردويه.","vol":"19","page":656},{"text":"[حدَّثنا محمد بنُ الحسين، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾] (^١). يقولُ: قد جاءكم محمدٌ بذلك، فكفَروا بالقرآنِ وبما جاء به محمدٌ ﵇.\n\n<span id=\"aya-3959\"></span>وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد سبَق منا القولُ لرُسُلنا:\n\n<span id=\"aya-3960\"></span>﴿إِنَّهُمْ هُمُ الْمَنصُورُونَ﴾. أي: مضَى بهذا منّا القضاءُ والحكمُ في أمِّ الكتابِ، وهو أنهم لهم النُّصرةُ والغلبَةُ بالحجج.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ حتى بلَغ: ﴿لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. قال: سبق هذا من اللهِ لهم؛ أن ينصرَهم.\nحدَّثنا محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) [إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾. يقولُ: بالحجج (^٢).\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ يتأولُ ذلك: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾] (^٣) بالسعادةِ. وذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا على عبادِنا المُرْسَلِينَ) (^٤). فجُعِلت \"على\" مكانَ اللامِ، فكأن المعنى: حقَّت عليهم ولهم. كما قيل: على مُلكِ سليمانَ. و: في مُلكِ سليمانَ. إذ كان معنى ذلك واحدًا.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٤٩٢.\n(^٣) سقط من: ت ١.\n(^٤) وهي قراءة شاذة.","vol":"19","page":657},{"text":"<span id=\"aya-3961\"></span>وقوله: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَلِبُونَ﴾. يقولُ: وإن حزبَنا وأهلَ ولايتنا ﴿لَهُمُ (^١) الْغَالِبُونَ﴾. يقولُ: لهم الظفرُ والفَلَحُ (^٢) على أهل الكفرِ بنا والخلافِ علينا.\n\n<span id=\"aya-3962\"></span><span data-type='title' id=toc-7798>القول في تأويل قولِه تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾: فأعرِض عنهم إلى حينٍ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في هذا الحينِ؛ فقال بعضُهم: معناه: إلى الموت.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾. أي: إلى الموتِ (^٣).\nوقال آخرون: إلى يومِ بدرٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾. قال: حتى يومِ بدرٍ (^٤).\nوقال آخرون: معنى ذلك: إلى يوم القيامةِ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١.\n(^٢) في م: \"الفلاح\". وفى ت ٣: \"الفلج\". والفَلَح: أي الفوز والبقاء. والفَلج والفلح بمعنًى. ينظر النهاية ٣/ ٤٦٩، والتاج (ف ل ح).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":658},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنهُم حَتَّى حِينٍ﴾. قال: يومِ القيامةِ.\nوهذا القولُ الذى قاله السدىُّ أشبهُ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ، وذلك أن اللهَ وعَدهم بالعذابِ الذى كانوا يستعجِلونه، فقال: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾. وأمر نبيه ﷺ أن يُعْرِضَ عنهم (^١) إلى مجيءِ حينهِ، فتأويلُ الكلامِ: فتولَّ عنهم يا محمدُ إلى حين مجئِ عذابِنا ونزولِه بهم.\n\n<span id=\"aya-3963\"></span>وقولُه: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: وأنظِرْهم فسوفَ يرَون ما يحِلُّ بهم من عقابِنا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. حين لا ينفعُهم البصرُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قوله: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. [يقولُ: أنظِرْهم فسوفَ يبصِرون ما لهم] (^٣) بعدَ اليومِ، قال: يقولُ: يبصِرون يومَ القيامةِ ما ضيَّعوا من أمرِ اللَّهِ، وكفرهم باللهِ ورسولِه وكتابِه، قال:\n_________\n(^١) في م: \"عليهم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ت ١: \"ما هم فيه\".","vol":"19","page":659},{"text":"فـ: ﴿أَبْصِرْهُمْ﴾ و: ﴿أَبْصِرِ﴾ واحدٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-3964\"></span>وقوله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾. يقولُ: أَفبنزولِ عذابِنا بهم يستعجِلونك يا محمدُ؟! وذلك قولُهم للنبي ﷺ: ﴿ومَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يس: ٤٨].\n\n<span id=\"aya-3965\"></span>وقوله: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾. يقولُ: فإذا نزَل بهؤلاء المشرِكين المستعجِلين بعذابِ اللهِ العذابُ. والعربُ تقولُ: نزَل بساحةِ فلانٍ العذابُ والعقوبةُ. وذلك إذا نزَل به، والساحةُ: هى فناءُ دارِ الرجلِ، ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾. يقولُ: فبئسَ صباحُ القومِ الذين أنذَرهم رسولُنا نزولَ ذلك العذابِ بهم، فلم يصدِّقوا به.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباط، عن السدى في قوله: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾. قال: بدارِهم، ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾. قال: بئسما يُصبحون (^٢).\n\n<span id=\"aya-3966\"></span><span data-type='title' id=toc-7799>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمد ﷺ: وأعرض يا محمدُ عن هؤلاء المشرِكين، وخلِّهم وفِريَتَهم على ربِّهم، ﴿حَتَّى حِينٍ﴾. يقولُ: إلى حينِ يأذن الله بهلاكهم،\n_________\n(^١) ذكره بنحوه الطوسي في التبيان ٨/ ٤٩٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"19","page":660},{"text":"<span id=\"aya-3967\"></span>﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: وأنظِرْهم فسوف يرَوْن ما يحِلُّ بهم من عقابِنا، في حين لا تنفعُهم التوبةُ، وذلك عندَ نزولِ بأسِ اللهِ بهم.\n\n<span id=\"aya-3968\"></span>وقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تنزيهًا لربِّك يا محمدُ، وتبرئةً له، ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾. يقولُ: ربِّ القوةِ والبطشِ، ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾. يقولُ: عما يصفُ هؤلاء المفترُون عليه من مشرِكي قريشٍ، من قولهم: ولَد اللهُ. وقولِهم: الملائكةُ بناتُ اللهِ. وغير ذلك من شركِهم وفِرْيتِهم على ربِّهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّة عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: عما يكذِبون، يسبِّحُ نفسَه إذ (^١) قيل عليه البُهتانُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3969\"></span>وقوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾. يقولُ: وأمَنَةٌ من اللهِ للمرسلين، الذين أرسلهم إلى أممِهم، الذين ذكَرهم في هذه السورة وغيرهم - من فزعِ يومِ العذابِ الأكبرِ، وغيرِ ذلك من مكروهٍ أن ينالَهم من قِبلِ اللهِ ﵎.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ﴾. قال رسول الله ﷺ: \"إذا سلَّمتم عَليَّ فسلِّموا على المرسَلين، فإنما أنا رسولٌ من المرسَلين\" (^٣).\n_________\n(^١) في ص، م: \"إذا\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٥٩ من طريق معمر عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابنُ أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٤١ من طريق سعيد به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير من طريق شيبان عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة مرفوعًا، =","vol":"19","page":661},{"text":"<span id=\"aya-3970\"></span>﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والحمدُ للهِ رَبِّ الثَّقَلَين؛ الجنِّ والإنسِ، خالصًا دون ما سواه؛ لأن كلَّ نعمةٍ لعبادِه فمنه، والحمدُ له خالصٌ، لا شريكَ له فيه، كما لا شريكَ له في نعمِه عندَهم، بل كلُّها من قِبَلِه، ومن عندِه.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ الصافاتِ\n_________\n= وأخرجه أبو الشيخ في طبقات أصبهان ٢/ ١٦٧ من طريق أبى العوام عن قتادة، عن أنس مرفوعًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٤ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"19","page":662},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-3971\"></span><span data-type='title' id=toc-7800>تفسيُر سورةِ \"ص\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-7801>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ </span>(٢)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِ اللهِ ﷿: ﴿ص﴾؛ فقال بعضُهم: هو من المصاداة، من: صادَيتُ فلانًا. وهو أمرٌ من ذلك؛ كأن معناه عندَهم: صادِ بعملك القرآنَ. أي: عارِضه به. ومَن قال: هذا تأويله. فإنه يقرؤُه بكسرِ الدال؛ لأنَّه أمرٌ، وكذلك رُوِى عن الحسنِ (^١).\nذكرُ الروايةِ بذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: (صادِ). قال: حادِثِ القرآنَ (^٢).\nوحُدِّثتُ عن عليِّ بن عاصمٍ، عن عمرِو بن عبيدٍ، عن الحسنِ في قولِه: (صادِ). قال: عارِض القرآن بعملِك.\nحُدِّثتُ عن عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: (صادِ والقرآنِ). قال: عارِضِ القرآن. قال عبدُ الوهابِ: يقولُ: اعرِضه على عملِك،\n_________\n(^١) وكذا قرأ أُبي وابن أبي إسحاق وأبو السمال وابن أبي عبلة ونصر بن عاصم. ينظر مختصر الشواذ ص ١٢٩، والبحر المحيط ٧/ ٣٨٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"20","page":5},{"text":"فانظُرْ أينَ عملُك من القرآنِ (^١).\nحدثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن إسماعيلَ، عن الحسنِ، أنه كان يقرأُ: (صادِ والقرآنِ) بخفضِ الدالِ، وكان يجعلُها من المصاداةِ، يقولُ: عارِضِ القرآن (^٢).\nوقال آخرون: هي حرفُ هجاءٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما ﴿ص﴾ فمن الحروفِ (^٣).\nوقال آخرون: هو قَسمٌ أقسَم اللهُ به.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنُ عباسٍ قوله: ﴿ص﴾. قال: قَسَمٌ أقسَمه اللهُ، وهو من أسماءِ اللهِ (^٤).\nوقال آخرون: هو اسمٌ من أسماء القرآنِ، أقسَم اللهُ به.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ص﴾. قال: هو\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٩٦ إلى المصنف.\n(^٢) ينظر التبيان ٨/ ٤٩٥.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١/ ٢٠٨.\n(^٤) تقدم تخريجه في ١/ ٢٠٧.","vol":"20","page":6},{"text":"اسمٌ من أسماءِ القرآنِ، أقسم الله به (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: صدَق اللهُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثتُ عن المسيبِ بنِ شريكٍ، عن أبى روقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿ص﴾. قال: صدَق اللهُ (^٢).\nواختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ خلا عبدَ اللَّهِ بنَ أبى إسحاق وعيسى بن عمر، بسكونِ الدالِ، فأما عبدُ اللَّهِ بن أبي إسحاقَ فإنه كان يكسِرُها؛ لاجتماعِ الساكِنَين، ويجعلُ ذلك بمنزلِة الأداةِ؛ كقولِ العربِ: تركته حاتِ باثِ، وخازِ بازِ. يُخفضانِ من أجلِ أن الذى يلى آخرَ الحروفِ ألفٌ، فيَخفِضون مع الألفِ، ويَنصِبون مع غيرِها، فيقولون: حيثَ بيثَ. و: لأجعَلنَّك في حيصَ بيصَ. إذا ضيَّق عليه (^٣). وأما عيسى بنُ عمرَ فكان يوفِّقُ بينَ جميعِ ما كان قبل آخر الحروفِ منه ألفٌ، وما كان قبلَ آخرِه ياءٌ أو واوٌ، فيفتَحُ جميعَ ذلك ويَنصِبُه، فيقولُ: (صادَ)، و(قافَ)، و(نونَ)، و(ياسينَ)، فيجعل ذلك مثلَ الأداةِ؛ كقولِهم: ليتَ، وأين. وما أشبَهَ ذلك.\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا السكونُ في كلِّ ذلك؛ لأن ذلك القراءةُ التي جاءت بها قرأةُ الأمصارِ مستفيضةً فيهم، وأنها حروفُ هجاءٍ لأسماءِ المسمياتِ، فيُعرَبْن إعرابَ الأسماءِ والأدواتِ والأصواتِ، فيُسلَكُ بهن مسالكِهن. فتأويلُها إذ كانت كذلك تأويل نظائرِها التي قد تقدَّم بيانُناها قبلُ فيما مضى (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١/ ٢٠٤.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٦ إلى المصنف.\n(^٣) ينظر معاني القرآن ٢/ ٣٩٦.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٢١٣ - ٢٢٨. ومعانى القرآن ١/ ٩، ١٠.","vol":"20","page":7},{"text":"وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: ﴿ص﴾ في معناها كقولِك: وجَب واللهِ. نزَل واللهِ، وحَقَّ واللهِ. وهى جوابٌ لقولِه: ﴿وَالْقُرْءَانِ﴾ كما تقولُ: حقًّا واللهِ، نزل واللهِ (^١).\nوقوله: ﴿وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾؛ وهذا قسَمٌ أقسَمه اللهُ ﵎ بهذا القرآن، فقال: ﴿وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾.\nواختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿ذِى الذِّكْرِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ذى الشرف.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، عن قيسٍ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدٍ: ﴿ص وَالْقُرْءَانِ ذِي الذِّكْرِ﴾. قال: ذى الشرفِ (^٢).\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا أبو أحمدَ، عن مسعرٍ، عن أبي حَصينٍ: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾: ذى الشرفِ (^٢).\nقال: ثنا أبو أحمدَ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ أو (^٣) غيرِه: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾: ذى الشرفِ (^٢).\nحدَّثنا محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، السدىِّ: ﴿وَالْقُرْءَانِ ذِي الذِّكْرِ﴾. قال: ذى الشرفِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن سفيانَ، عن يحيى بنِ عُمارة، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ص وَالْقُرْءَانِ ذِي الذِّكرِ﴾: ذى\n_________\n(^١) ينظر معانى القرآن ٢/ ٣٩٦، ٣٩٧.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٣.\n(^٣) في ت ١: \"و\".","vol":"20","page":8},{"text":"الشرفِ (^١).\nوقال بعضُهم: بل معناه: ذى التذكيرِ؛ ذكَّركم اللهُ به.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثتُ عن المسيبِ بن شريكٍ، عن أبى روقٍ، عن الضحاكِ: ﴿ذِي الذِّكرِ﴾. قال: فيه ذكرُكم. قال: ونظيرتُها: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ (^٢) [الأنبياء: ١٠].\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذِي الذِّكرِ﴾. أي: ما ذكَّر فيه (^٣).\n\n<span id=\"aya-3972\"></span>وأولى القولَين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: ذى التذكير لكم؛ لأن اللهَ أتبَع ذلك قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾. فكان معلومًا بذلك أنه إنما أخبَرعن القرآنِ أنه أنزَله ذكرًا لعبادِه ذكَّرهم به، وأن الكفارَ من الإيمانِ به في عِزَّةٍ وشقاقٍ.\nواختُلِف في الذى وقَع عليه اسمُ القسمِ؛ فقال بعضُهم: وقَع القسمُ على قولِه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةِ وَشِقَاقٍ﴾.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٦ إلى المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٣.\n(^٢) ينظر تفسير البغوى ٧/ ٢٦٩.\n(^٣) ينظر التبيان ٨/ ٤٩٥.","vol":"20","page":9},{"text":"عِزَّةِ\". قال: هاهنا وقَع القَسَمُ (^١).\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: ﴿بَلِ﴾ دليلٌ على تكذيبهم، فاكتُفِى بـ ﴿بَلِ﴾ من جواب القسمِ، وكأنه قيل: ﴿ص﴾ ما الأمرُ كما قلتُم، بل أنتم في عزَّةٍ وشقاقٍ.\nوكان بعضُ نحويِّي البصرةِ (^٢) يقولُ: زعَموا أن موضعَ القسمِ في قولِه: ﴿إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ [ص: ١٤]. وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: قد زعَم قومٌ أن جوابَ ﴿وَالْقُرْءانِ﴾ قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤]. قال: وذلك كلامٌ قد تأخَّر عن قولِه: ﴿وَالْقُرْءَان﴾ تأخُّرًا شديدًا، وجرَت بينهما قصصٌ مختلفةٌ، فلا نجدُ ذلك مستقيمًا في العربيةِ، والله أعلمُ.\nقال: ويقالُ: إن قوله: ﴿وَالْقُرْءانِ﴾ يمينٌ، اعترض كلامٌ دون موقعِ جوابِها، فصار جوابُها جوابًا للمعترِضِ ولليمين، فكأنه أراد: والقرآن ذى الذكرِ، لَكُمْ أهلكنا. فلما اعترض قولُه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾ صارت ﴿كَمْ﴾ جوابًا للعزَّةِ واليمين. قال: ومثله قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]. اعترَض دونَ الجوابِ قولُه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهُمَها﴾. فصارَت ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ تابعةً لقولِه: ﴿فَأَلْهْمَهَا﴾. وكفى من جوابِ القسمِ، فكأنه قال: والشمسِ وضحاها لقد أفلِح (^٣).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندى القولُ الذي قاله قتادةُ، وأن قولَه: ﴿بَلِ﴾\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف، وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٣.\n(^٢) في م، ص، ت ١، ت: \"الكوفة\".\n(^٣) ينظر معانى القرآن للفراء ٢/ ٣٩٧.","vol":"20","page":10},{"text":"لما دلَّت على التكذيب، وحلَّت محلَّ الجواب، استُغْنى بها من الجواب، إذ عُرِف المعنى، فمعنى الكلام إذ كان ذلك كذلك: ﴿ص وَالْقُرْءَانِ ذِي الذِّكْرِ﴾، ما الأمرُ كما يقولُ هؤلاء الكافرون، بل هم في عزّةٍ وشقاقٍ.\nوقولُه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: بل الذين كفَروا بالله من مشرِكي قريشٍ في حميةٍ ومُشاقَّةٍ وفراقٍ لمحمدٍ وعداوةٍ، وما بهم ألاَّ يكونوا أهلَ علمٍ بأنه ليس بساحرٍ ولا كذابٍ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فِي عِزَّةٍ﴾. قال: مُعازِّينَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾. أي: في حميةٍ وفراقٍ (^٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾. قال: يعادُونَ أمرَ اللهِ ورسلَه وكتابَه ويشاقُّون، ذلك عزةٌ وشقاقٌ. فقلتُ له: الشقاقُ الخلافُ؟ فقال: نعم.\n\n<span id=\"aya-3973\"></span><span data-type='title' id=toc-7802>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوا وَلَاتَ حِينَ</span>\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٧٢ ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٩٥ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف، وذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٥٤٥ عن سعيد به وعزاه إلى المصنف.","vol":"20","page":11},{"text":"مَنَاصٍ﴾.\nيقولً تعالى ذكرُه: كثيرًا أهلكنا من قبلِ هؤلاء المشركين من قريشٍ، الذين كذَّبوا رسولنا محمدًا ﷺ فيما جاءهم به من عندِنا من الحقِّ - ﴿مِّن قَرْنٍ﴾. يعني: من الأمم الذين كانوا قبلهَم، فسلَكوا سبيلَهم في تكذيب رسلهم فيما أتَوهم به من عندِ اللهِ، ﴿فَنَادَوا﴾. يقولُ: فعَجُّوا إلى ربِّهم، وضجُّوا واستغاثُوا بالتوبة إليه حين نزَل بهم بأسُ اللَّهِ، وعاينُوا به عذابَه، فرارًا من عقابِه، وهربًا من أليمِ عذابِه، ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. يقولُ: وليس ذلك حينَ فرارٍ ولا هربٍ من العذابِ بالتوبةِ وقد حقَّت كلمة العذابِ عليهم، وتابوا حينَ لا تنفعُهم التوبةُ، واستقالُوا في غيرِ وقت الإقالِة.\nوقوله: ﴿مَنَاصٍ﴾: مَفْعَلٌ من النَّوْصِ، والنوصُ في كلامِ العربِ التأخرُ، والمناصُ المَفْرُ (^١)؛ ومنه قولُ امرئِ القيسِ (^٢):\nأمِنْ ذكرٍ سَلمَى إِذْ نَأَتْكَ تَنُوصُ … فتَقصُرُ عنها خُطوَةً أو تبوصُ\nيقولُ: أو تَقَدَّمُ. يقالُ من ذلك: ناصَنى فلانٌ. إذا ذَهب عنك، وباصَني. إذا سبَقك، وناض في البلادِ. إذا ذَهب فيها، بالضادِ. وذكر الفراءُ أن العقيليَّ أنشَده:\nإذا عاشَ إِسْحَاقٌ وَشَيْخُهُ لم أُبَلْ … فَقِيدًا وَلَمْ يَصْعُبْ عَلَىَّ مَناضُ\nولَوْ أَشْرَفَتْ مِنْ كُفَّةِ السِّتْرِ عاطِلًا … لَقُلْتُ غَزَالٌ ما عَلَيْهِ خُضَاضُ\nوالخضاض: الحليُّ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) بعده في ت ٢، ت ٣: \"يقال منه: قد ناص فلان ينوص نوصا فأما البوص فالتقدم\".\n(^٢) ديوانه ص ١٧٧.","vol":"20","page":12},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال: ليس بحينِ نَزوٍ، ولا حينِ فرارٍ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ علية (^٢)، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: أرأيتَ قولَ اللهِ: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، قال: ليس بحينِ نَزوٍ ولا فرارٍ؛ ضُبط القومُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسة، عن أبي إسحاقَ الهمدانيِّ، عن التميميِّ، قال: سأَلتُ ابنَ عباسٍ عن (^٤) قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال: ليس حينَ نزوٍ ولا فرارٍ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال: ليسَ حينَ نَزو ولا فرارٍ.\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا عبدً اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. يقولُ: ليسَ حينَ مَغاثٍ (^٦).\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ٢٥٦.\n(^٢) في النسخ: \"عطية\". وقد تقدم مرارا.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦٠، والحاكم ٢/ ٤٣٢، ٤٣٣ من طريق إسرائيل به.\n(^٤) سقط من: ص، م.\n(^٥) أخرجه الطيالسي - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٤٤ - من طريق أبي إسحاق به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦٠ من طريق أبي إسحاق عن رجل من بنى تميم أنه سأل ابن عباس …، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٠ من طريق أبي صالح به بلفظ \"فرار\". وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٤ عن على بن أبي طلحة به.","vol":"20","page":13},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال: ليس هذا بحينِ فرارٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَنَادَوا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال: نادى القومُ على غير حين نداءٍ، وأرادُوا التوبةَ حين عايَنوا عذابَ الله، فلم يُقبل منهم ذلك (^٢).\nحدَّثنا محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال: حينَ نزَل بهم العذابُ لم يستطيعوا الرجوعَ إلى التوبةِ، ولا فرارًا من العذابِ.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَنَادَوا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. يقولُ: وليس حينَ فرارٍ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾: ولاتَ حِينَ مَنْجِّى ينجُون منه.\nونُصب ﴿حِينَ﴾ في قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ تشبيها لـ\"لات\" بـ\"ليس\"، وأُضمِر فيها اسمُ الفاعل.\nوحكَى بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ الرفعَ مع \"لاتَ\" في \"حينُ\"، زُعم أن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٦ إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦٠ عن معمر، عن قتادة إلى قوله: \"حين نداء\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٤.","vol":"20","page":14},{"text":"بعضهم رفَع: (وَلَاتَ حِينُ مَناصٍ) فجعَله في قولِه مثلَ (^١) \"ليس\"، كأنه قال: ليس. وأضمَر الخبرَ. قال: وفي الشعرِ (^٢):\nطلَبوا صُلْحَنا ولاتَ أوانِ … فأجَبنا أن ليسَ حينَ بقاءِ\nفجرَّ (أوان)، وأضمَر الحيَن، [وأضاف] (^٣) إلى \"أوان\"؛ لأن \"لاتَ\" لا تكونُ إلا مع الحينِ. قال: ولا تكونُ \"لات\" إلا مع \"حين\" (^٤).\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (^٥): من العرب من يضيفُ \"لاتَ\" فيخفضُ بها، وذكَر أنه أُنْشِد:\n* لاتَ ساعةِ مَندَمِ *\nبخفضِ الساعةِ، قال: والكلام أن يُنصب بها؛ لأنها في معنى \"ليس\". وذكَر أنه أُنشِد:\nتَذَكَّرَ حَبَّ ليلى لاتَ حينا … وأضحَى الشيبُ قد قطع القرينا\nقال: وأنشدني بعضُهم:\nطلبوا صُلْحَنا ولات أوان … فأجَبنا أن ليسَ حيَن بقاءِ\nبخفضِ \"أوان\". قال: وتكونُ \"لات\" مع الأوقات كلِّها.\nواختلَفوا في وجهِ الوقفِ على قولِهِ (^٦) ﴿وَلَاتَ حِينَ﴾؛ فقال بعضُ أهلِ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١.\n(^٢) البيت لأبي زبيد الطائي، وهو في شعره ص ٣٠.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١.\n(^٤) ينظر الكتاب لسيبويه ١/ ٥٨ - ٦٠، والبحر المحيط ٧/ ٣٨٣، ٣٨٤.\n(^٥) هو الفراء، ينظر معاني القرآن ٢/ ٣٩٧.\n(^٦) في م، ت ١: \"قراءة\".","vol":"20","page":15},{"text":"العربية: الوقفُ عليه \"ولاتْ\" بالتاءِ، ثم يُبتدأُ: حينَ مناصٍ. قالوا: وإنما هي \"لا\" التي بمعنى \"ما\" و\"إن\" في الجحدِ، وُصِلَت بالتاءِ، كما وُصِلت \"ثُمَّ\" بها، فقيل: \"ثُمَّت\"، وكما وُصِلَت \"ربَّ\"، فقيل: \"رُبَّت\".\nوقال آخرون منهم: بل هى هاءٌ زيدت في \"لا\"، فالوقفُ عليها \"لاه\"؛ لأنها هاءٌ زيدت للوقفِ، كما زيدَت في قولِهم (^١):\nالعاطِفُونَةَ حِينَ ما مِنْ عاطِفٍ … والمُطْعِمُونَةَ حِينَ أَيْنَ المُطعِمُ\nفإذا وُصِلت صارت تاءً.\nوقال بعضُهم: الوقفُ على \"لا\"، والابتداءُ بعدَها \"تحينَ\"، وزعَم أن حكمَ التاءِ أن تكونَ في ابتداءِ \"حينَ\"، و\"أوانَ\"، و\"الآنَ\"؛ ويَسْتَشْهِدُ لقيلِه ذلك بقولِ الشاعرِ (^٢):\nنَوِّلِي قبل يومِ سَبي جمانا … وصِلينا كما زَعَمْتِ تَلانا\nوأنَّه ليس هاهنا \"لا\"، فيُوصَلَ بها هاءٌ أو تاءٌ. ويقولُ: إن قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ﴾، إنما هي ليس \"حينَ\"، ولم توجد \"لاتَ\" في شيءٍ مِن الكلام (^٣).\nوالصواب من القولِ في ذلك عندَنا، أن \"لا\" حرفُ جحدٍ كـ \"ما\" وإن وُصلت بهاءٍ تصيرُ في الوصلِ تاءً، كما فعلتِ العربُ ذلك بالأدواتِ، ولم تستعملْ ذلك (^٤) للعلةِ التى اعتلَّ بها القائلُ أنه لم يجدْ \"لاتَ\" في شيءٍ من كلامِ العربِ،\n_________\n(^١) البيت لأبي وجزة، وهو مركب من مصراعي بيتين. وهو في اللسان (ل ى ت، ح ى ن)، وخزانة الأدب ٤/ ١٧٥.\n(^٢) البيت لعمرو بن أحمر الباهلي. وهو في اللسان (ح ى ن)، وخزانة الأدب ٤/ ١٧٩.\n(^٣) ينظر القرطبي ١٥/ ١٤٦ - ١٤٩.\n(^٤) بعده في م: \"كذلك مع لا المدة إلا للأوقات دون غيرها، ولا وجه\"، وبعده في ت ٢، ت ٣: \"كذلك مع \"لا\" الأوقات دون غيرها ولا وجه\".","vol":"20","page":16},{"text":"فيجوزَ توجيهُ قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ﴾ إلى ذلك؛ لأنها تستعملُ الكلمةَ في موضعٍ، ثم تستعمِلُها في موضعٍ آخر بخلافِ ذلك، وليس ذلك بأبعدَ في القياسِ من الصحةِ من قولِهم: رأيتُ. بالهمز، ثم قالوا: فأنا أراه. بتركِ الهمزِ؛ لما جرَى به استعمالُهم، وما أشبَه ذلك من الحروف التى تأتى في موضع على صورةٍ، ثم تأتى بخلافِ ذلك في موضعٍ آخر؛ للجارى من استعمال العرب ذلك بينَها. وأما ما استشهَد به من قول الشاعرِ: \"كما زعَمْتِ تَلانا\". فإن ذلك منه غلطٌ في تأويلِ الكلمِة، وإنما أراد الشاعرُ بقولِه: \"وصِلينا كما زعَمْتِ تَلانا\": وصلينا كما زعَمتِ أنتِ الآن، فأسقَط الهمزةَ من \"أنتِ\"، فَلَقِيتِ التاءُ من \"زعمتِ\" النونَ من \"أنت\"، وهى ساكنةٌ، فسقطَت من اللفظِ، وبقيَتِ التاءُ من \"أنت\"، ثم حذفت الهمزة من من \"الآنَ\"، فصارت الكلمة في اللفظ كهيئةِ\" تلانَ\"، والتاء الثانية على الحقيقةِ منفصلةٌ من \"الآنَ\"؛ لأنها تاءُ \"أنتِ\"، وأما زعمُه أنه رأَى في المصحفِ الذي يقالُ له: \"الإمامُ\". التاء متصلةً بـ ﴿حِينَ﴾ (^١)، فإن الذي جاءت به مصاحفُ المسلمين في أمصارِها، هو الحجةُ على أهلِ الإسلامِ، والتاءُ في جميعها منفصلةٌ عن ﴿حِينَ﴾؛ فلذلك اختَرنا أن يكونَ الوقفُ على الهاءِ في قولِه: ﴿وَلَاتَ حِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3974\"></span><span data-type='title' id=toc-7803>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾.</span>\nيقولً تعالى ذكرُه: وعجب هؤلاء المشركون من قريشٍ، أنْ جاءهم منذرٌ يُنذرُهم بأسَ اللهِ على كفرِهم به من أنفسِهم، ولم يأتِهم بملَكٍ من السماءِ بذلك، ﴿وَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾. يقولُ: وقال المنكِرون وحدانيةَ اللهِ: هذا - يعنون محمدا ﷺ - ساحرٌ كذابٌ.\n_________\n(^١) هذا الزعم لأبي عبيد كما في تفسير القرطبي ١٥/ ١٤٨.","vol":"20","page":17},{"text":"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾: يعني محمدًا ﷺ، فـ ﴿قَالَ الكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿سَاحِرٌ كَذَابٌ﴾. يعني محمدًا ﷺ.\n\n<span id=\"aya-3975\"></span>وقولُه: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهَا وَحِدًا﴾. يقولُ: وقال هؤلاء الكافرون الذين لا قالوا: محمدٌ ساحرٌ كذابٌ: أجعل محمدٌ المعبوداتِ كلَّها معبودًا (^٢) واحدًا، يسمَعُ دعاءَ جميعِنا، ويعلمُ عبادةَ كلِّ عابدٍ عبَدَه منا؟! ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. أي: إِن هذا لشيءٌ عجيبٌ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. قال: عجب المشركون أن دُعُوا إلى اللهِ وحدَه، وقالوا: يسمعُ لحاجاتِنا جميعًا إلهٌ واحدٌ؟! ما سمِعنا بهذا في الملةِ الآخرِة.\nوكان سبب قيل هؤلاء المشركين ما أخبَر اللهُ عنهم أنهم قالوه من ذلك، أن رسول الله ﷺ قال لهم: \"أسألُكم أنْ تُجيبونى إلى واحدةٍ تدينُ لكم بها العربُ، وتُعطيكم بها الخَراجَ العَجَمُ\". فقالوا: وما هي؟ فقال: \"تقولون: لا إله إلا الله\". فعندَ ذلك قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾؟! تعجبًا منهم من ذلك.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٦ إلى المصنف وعبد بن حميد مطولا.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"20","page":18},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7804>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثنا الأعمشُ، قال: ثنا عبّادٌ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما مرِض أبو طالبٍ دخَل عليه رهطٌ من قريشٍ فيهم أبو جهلِ بنُ هشامٍ، فقالوا: إن ابنَ أخيك يشتُمُ آلهتنا، ويفعلُ ويفعلُ، ويقولُ ويقولُ، فلو بعَثْت إليه فنهيتَه، فبعَث إليه، فجاء النبي ﷺ، فدخَل البيتَ، وبينَهم وبينَ أبي طالب قدرُ مجلسِ رجلٍ. قال: فخشي أبو جهلٍ إن جلَس إلى جنبِ أبي طالبٍ أن يكون أرقَّ له عليه، فوثَب فجلَس في ذلك المجلسِ، ولم يجِدْ رسولُ اللهِ ﷺ مجلسًا قربَ عمِّه، فجلَس عندَ البابِ، فقال له أبو طالبٍ: أي ابنَ أخي، ما بالُ قومِك يشكُونك؟ يزعُمون أنك تشتُمُ آلهتَهم، وتقولُ وتقولُ! قال: فأكثَروا عليه القولَ. وتكلَّم رسولُ اللهِ ﷺ، فقال: \"يا عَمِّ إني أريدُهم على كلمةٍ واحدةٍ يقولونها، تَدينُ لهم بها العربُ، وتؤدِّى إليهم بها العَجَمُ الجزيةَ\". ففزِعوا لكلمته ولقولِه، فقال القومُ: كلمةً واحدةً؟! نعم وأبيك عشرًا. فقالوا: وما هي؟ فقال أبو طالبٍ: وأيُّ كلمةٍ هى يا بنَ أخي؟ قال: \"لا إله إلا الله\". قال: فقاموا فزِعين ينقُضُون ثيابهم وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾! قال: ونزَلَت من هذا الموضعِ إلى قولِه: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾. اللفظ لأبي كُرِيبٍ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معاويةُ بن هشام، عن سفيانَ، [عن الأعمش] (^٢)، عن يحيى بنِ عُمارةً، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: مرِض أبو طالبٍ، فأتاه رسولُ اللهِ ﷺ يعودُه، وهم حولَه جلوسٌ، وعندَ رأسِه مكانٌ فارغٌ، فقام أبو جهلٍ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٦ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٢٩٩، وأحمد ٥/ ٣٩٣، ٣٩٤ (٣٤١٩)، والنسائي (١١٤٣٧ - كبرى)، والضياء في المختارة (٤١٦، ٤١٧) من طريق أبي أسامة به.\n(^٢) سقط من النسخ. والمثبت من الطرق قبله وبعده. وينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٤٧٥، ٤٧٦.","vol":"20","page":19},{"text":"فجلَس فيه، فقال أبو طالبٍ: يا بن أخي، ما لقومك يشكُونك؟ قال: \"يا عَمِّ، أريدُهم على كلمةٍ تَدِينُ لهم بها العربُ، وتؤدِّى إليهم بها العَجَمُ الجزية\". قال: ما هى؟ قال: \"لا إله إلا الله\". فقاموا وهم يقولون: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾. ونزل القرآنُ: ﴿ص وَالْقُرْءَانِ ذِي الذِّكْرِ﴾: ذى الشرفِ، ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ حتى قوله: ﴿أَجَعَلَ الأَلِهَةَ إِلَهًا وَحِدًا﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن يحيى بن عُمارةً، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: مرض أبو طالبٍ. ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه لم يقلْ: ذى الشرفِ. وقال: إلى قولِه: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٍ عُجَابٌ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن يحيى بنِ عُمارةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، [عن ابنِ عباسٍ] (^٣) قال: مرِض أبو طالبٍ. قال: فجاء النبيُّ ﷺ يعودُه، فكان عندَ رأسِه مَقعَدُ رجلٍ، فقام أبو جهل فجلَس فيه، فشكَوا النبي ﷺ إلى أبي طالبٍ، وقالوا: إنه يقعُ في آلهتنا. فقال (^٤): يا بن أخي، ما تريدُ إلى هذا؟ قال: \"يا عمِّ، إنما (^٥) أريدُهم على كلمةٍ تَدينُ لهم بها العرب، وتؤدى إليهم العَجَمُ الجزية\". قال: وما هى؟ قال: \"لا إله إلا الله\". فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (^٦)!\n_________\n(^١) أخرجه الضياء في المختارة (٤١٤) من طريق أبي كريب به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٥٩، وأحمد ٣/ ٤٥٨ (٢٠٠٨)، والترمذى عقب ح (٣٢٣٢)، والنسائي (١١٤٣٦ - كبرى)، والضياء في المختارة (٤١٦) من طريق يحيى بن سعيد به.\n(^٣) سقط من: النسخ. والمثبت من الطرق قبله ومصدر التخريج.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ \"له\".\n(^٥) في م: \"إني\".\n(^٦) أخرجه أبو يعلى (٢٥٨٣)، ومن طريقه الضياء في المختارة (٤١٥)، من طريق عبد الرحمن بن مهدي به، وأخرجه عبد بن حميد - كما في الدر المنثور ٥/ ٢٩٥، وعنه الترمذى (٣٢٣٢)، والحاكم ٢/ ٤٣٢، والواحدي في أسباب النزول ص ٢٧٥ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"20","page":20},{"text":"<span id=\"aya-3976\"></span><span data-type='title' id=toc-7805>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وانطلق الأشرافُ من هؤلاء الكافرين من قريشٍ، القائلين: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ بأن امضُوا فاصبروا على دينكم وعبادة آلهتِكم ف ﴿أَنِ﴾ من قوله: ﴿أَنِ امْشُوا﴾ في موضع نصبٍ، يتعلق انطلقوا بها، كأنه قيل: انطلِقوا مشيّا، ومُضيًّا على دينِكم. وذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وانطَلَق الملأُ منهم يمشُون، أن اصبِروا على آلهتِكم) (^١).\nوذكِر أن قائلَ ذلك كان عُقْبَةَ ابن أبى مُعَيْطٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾. قال: عقبةُ بن أبي معيطٍ (^٢).\nوقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾. أي: إن هذا القول الذى يقول محمدٌ، ويدعونا إليه، من قول: لا إلهَ إلا اللهُ. شيءٌ يريدُه منا محمدٌ، يطلبُ به الاستعلاءَ علينا، وأن نكونَ له فيه أتباعًا، ولسنا مُجيبيه إلى ذلك.\n\n<span id=\"aya-3977\"></span>وقولُه: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾. اختلفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: ما سمِعنا بهذا الذى يدعونا إليه محمدٌ؛ من البراءةِ من جميعِ الآلهة إلا من اللهِ تعالى ذكرُه، وبهذا الكتابِ الذي جاء به - في الملةِ النصرانية. قالوا: وهى الملةُ الآخرةُ.\n_________\n(^١) القراءة شاذة لمخالفتها المصحف.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٢٥٦. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٦، ٢٩٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":21},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةٌ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾. يقولُ: النصرانية (^١).\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباس قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾: يعنى: النصرانية، فقالوا: لو كان هذا القرآنُ حقًّا، أخبَرَتْنا به النصارى (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ إسحاق، قال: ثنا يحيى بنُ معينٍ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن ابن أبى لبيدٍ، عن القُرظِيِّ في قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾. قال: ملةِ عيسى (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ (^٤): النصرانية (^٥).\nوقال آخرون: بل عَنَوا بذلك: ما سمِعنا بهذا في دينِنا؛ دينِ قريشٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾. قال: ملةِ قريشٍ.\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٥٤٥ عن على بن أبي طلحة به وعزاه إلى المصنف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٧ عن العوفى به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) بعده في ت ٢: \"والملة الآخرة\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٧، والحافظ في الفتح ٨/ ٥٤٥.","vol":"20","page":22},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾. قال: ملةِ قريشٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾. أي: في ديننا هذا، ولا في زماننا قطُّ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ (^٣): الدين الآخِرِ. قال: والملةُ الدينُ.\nوقيل: إن الملأَ الذين انطلَقوا نفرٌ من مشيخةِ قريشٍ؛ منهم أبو جهلٍ، والعاصُ ابنُ وائل، والأسودُ بنُ عبدِ يغوثَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباط، عن السدىٍّ: أن ناسًا من قريش اجتمعوا؛ فيهم أبو جهلِ بنُ هشامٍ، والعاص بنُ وائل، والأسودُ بنُ المطلب، والأسودُ بنُ عبدِ يغوث، في نفرٍ من مشيخة قريشٍ، فقال بعضُهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبى طالب، فلنكلِّمه فيه، فلْيُنصِفْنا منه، فيأمره فَلْيَكُفَّ عن شتم آلهتنا، ونَدَعَه وإلهَه الذي يَعبُدُ، فإنا نخافُ أن يموت هذا الشيخُ، فيكونَ مِنَّا شيء، فتُعَيّرنا العربُ؛ يقولون: تَرَكوه حتى إذا مات عمُّه تناولُوه. قال: فبعثوا رجلًا منهم يُدعَى المطَّلبَ، فاستأذن لهم على أبي طالبٍ، فقال: هؤلاء\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٧٢، ومن طريقه الفريابي، كما في الفتح ٨/ ٥٤٥.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦٠ عن معمر عن قتادة بلفظ: هو الدين الذي نحن عليه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) بعده في م، ت ٢، ت ٣: \"قال: الملة الآخرة\".","vol":"20","page":23},{"text":"مشيخةُ قومك وسَرَواتُهم يستأذنون عليك. قال: أدخلهم. فلما أُدخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمُرْه فليكُفَّ عن شتم آلهتنا، ونَدَعَه وإلهَه. قال: فبعث إليه أبو طالب؛ فلما دخل عليه رسول الله ﷺ قال: يا بنَ أخى، هؤلاء مشيخة قومك وسَرَواتُهم، وقد سألوك النَّصَفَ؛ أن تكفَّ عن شتم آلهتهم، ويَدَعُوك وإلهَك. قال: فقال: \"أي عَمِّ، أَوَ لا أَدْعُوهم إلى ما هو خيرٌ لهم منها؟ \". قال: وإلامَ تدْعُوهم؟ قال: \"أدْعُوهم إلى أن يتكلموا بكلمةٍ تَدين لهم بها العربُ، ويملكون بها العَجَمَ\". قال: فقال أبو جهل من بين القومِ: ما هى وأبيك؟ لنُعطِينَّكَها وعشرَ أمثالِها. قال: \"تقولون: لا إله إلا الله\". قال: فنفَروا وقالوا: سَلْنا غيرَ هذه. قال: \"لو جئتُموني بالشمسِ حتى تضعوها في يدى، ما سألتكم غيرَها\". قال: فغضبوا، وقاموا من عنده غضابًا، وقالوا: واللَّهِ لنشتُمَنَّك وإلهك (^١) الذى يأمرك بهذا. ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى ءَالهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾. وأقبل على عمِّه، فقال له عمِّه: يا بنُ أخى، ما شطَطْتَ عليهم. فأقبل على عمِّه، فدعاه فقال: \"قل كلمةً أَشْهَدُ لك بها يومَ القيامةِ، تقول: لا إله إلا الله\". فقال: لولا أن تعيبَكم بها العربُ، يقولون: جزِع من الموتِ لأعطَيتُكها، ولكن على ملةِ الأشياخِ. قال: فنزلت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ (^٢) [القصص: ٥٦].\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى ءَالهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾. قال: نزلت حين انطلق أشراف قريشٍ إلى أبي طالبٍ، فكلَّموه في\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٥ إلى قوله: ﴿إلا اختلاق﴾. وعزاه إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"20","page":24},{"text":"النبي ﷺ (^١).\nوقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾. يقول تعالى ذكرُه مخبرا عن قيل هؤلاء المشركين في القرآن: ما هذا القرآن إلا اختلاقٌ. أي: كذبٌ اختلقه محمدٌ وتخرَّصه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾. يقولُ: تخريصٌ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾. قال: كذبٌ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسم بنُ أبي بَزَّةَ، عن مجاهد: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾. يقولُ: كذبٌ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾: إلا شيءٌ تَخَلَّقَه (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٦ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) تخريص: يقال: تخرص عليه فلان. إذا افترى وتكذب بالباطل. واخترص القول. إذا افتعله واختلقه. ينظر تاج العروس واللسان (خ ر ص)، والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٠ - من طريق أبي صالح به. وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٧.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٧٢ ومن طريقه الفريابي، كما في الفتح ٨/ ٥٤٥.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"20","page":25},{"text":"السديِّ: ﴿إِن هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ اختلَقه محمدٌ ﷺ.\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾: قالوا: إن هذا إلا كذبٌ.\n\n<span id=\"aya-3978\"></span><span data-type='title' id=toc-7806>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرا عن قيل هؤلاء المشركين من قريش: أَأُنزلَ على محمدٍ الذكرُ من بيننا، فخُصَّ به، وليس بأشرفَ منا حسبًا؟!\nوقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما بهؤلاء المشركين ألَّا يكونوا أهلَ علمٍ بأن محمدًا صادقٌ، ولكنهم في شكّ من وحيِنا إليه، وفي هذا القرآنِ الذى أنزَلناه إليه أنه مِن عندِنا، ﴿بَل لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابٍ﴾. يقولُ: بل لم ينزِلْ بهم بأسُنا، فيَذوقوا وبالَ تكذيبِهم محمدًا، وشكِّهم في تنزيلِنا هذا القرآن عليه، ولو ذاقوا العذابَ على ذلك علِموا وأيقَنوا حقيقةً ما هم به مكذِّبون، حينَ لا ينفعُهم علمُهم.\n\n<span id=\"aya-3979\"></span>﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أم عندَ هؤلاء المشركين المنكرين وحىَ اللهِ إلى محمدٍ ﴿خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾. يعني: مفاتيحُ رحمةِ ربِّك يا محمدُ، ﴿الْعَزِيزِ﴾ في سلطانِه، ﴿الْوَهَّابِ﴾ لمن يشاءُ من خلقِه ما يشاءُ، من مُلكٍ وسلطانٍ ونبوةٍ - فيَمنَعوك يا محمدُ ما منَّ اللهُ به عليك من الكرامةِ، وفضَّلك به من الرسالة.\n\n<span id=\"aya-3980\"></span><span data-type='title' id=toc-7807>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾.</span>","vol":"20","page":26},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: أم لهؤلاء المشركين الذين هم في عِزةٍ وشقاقٍ ﴿مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، فإنه لا يُعازُّنى ويُشاقُّنى [إلا من [كان له] (^١) ذلك. يقولُ: ليس ذلك لأحدٍ غيرى، فكيف يُعازُّنى ويشاقُّني] (^٢) مَن كان في مُلكي وسلطاني!\nوقولَه: ﴿فَلْيَرَتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾. يقولُ: وإن كان لهم مُلكُ السماواتِ والأرض وما بينهما، فلْيَصْعدوا في أبواب السماءِ وطُرقها، فإِنَّ مَن كان له مُلكُ شيءٍ، لم يتعذَّر عليه الإشرافُ عليه وتفقُّدُه وتعهُّدُه.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الأسبابِ التي ذكَرها اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضهم: عُنِى بها أبوابُ السماءِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعُا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾. قال: طُرقِ السماءِ وأبوابِها (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ﴾. يقولُ: في أبوابِ السماءِ (^٤).\n_________\n(^١) في ت ١: كان كذلك له\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"كان له ملك\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٧٢. ومن طريقه الفريابي، كما في تعليق التعليق ٤/ ٢٩٦. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٧ إلى عبد بنُ حميد.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦٠ عن معمر عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":27},{"text":"حدَّثنا محمد بنُ الحسين، قال: ثنا أحمد بنُ المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدى: أما قوله: ﴿فِي الْأَسْبَابِ﴾. قال: أسباب السماوات.\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾. قال: طُرقِ السماواتِ.\nحُدِّثْتُ عن المحاربيٍّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاك: ﴿أَمْ لَهُم مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقول: إن كان لهم ملكُ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما، ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾. يقولُ: فليرتقُوا إلى السماءِ السابعةِ (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَلْيَرَتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾. يقولُ: في السماءِ (^٢).\nوذُكِر عن الربيع بنِ أنسٍ في ذلك ما حُدِّثْتُ عن المسيب بنُ شريكٍ، عن أبى جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيع بنُ أنسٍ، قال: الأسباب أدقُّ من الشعر، وأشدُّ من الحديد، وهو بكلِّ مكان غير أنه لا يُرَى (^٣).\nوأصلُ السببِ عندَ العربِ كلُّ ما تسبَّب به إلى الوصولِ إلى المطلوبِ؛ من حبلٍ، أو وسيلةٍ، أو رَحِمٍ، أو قرابةٍ، أو طريق، أو محجَّة، وغير ذلك.\n\n<span id=\"aya-3981\"></span>وقولُه: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هم ﴿جُندٌ﴾. يعنى الذين في عزة وشقاقٍ، ﴿هُنَالِكَ﴾. يعني: ببدرٍ ﴿مَهْزُومٌ﴾.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٠ - من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٧ إلى ابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٧ إلى المصنف.","vol":"20","page":28},{"text":"وقولُه: ﴿هُنَالِكَ﴾ من صلةِ ﴿مَهْزُومٌ﴾.\nوقولُه: ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾. يعنى: من أحزابِ إبليسَ وأتباعِه، الذين مضَوا قبلَهم فأهلَكهم اللهُ بذنوبِهم.\nو﴿مِّنَ﴾ من قوله: ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾. من صلةِ قوله: ﴿جُندٌ﴾.\nومعنى الكلامِ: هم جندٌ من الأحزاب مهزومٌ هنالِك. ﴿مَّا﴾ في قوله: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ﴾ صلةٌ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ﴾. قال: قريشٌ، ﴿مِّنَ الْأَحْزَابِ﴾. قال: القرون الماضية (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ﴾. قال: وعَده اللَّهُ وهو بمكة يومَئِذٍ أنه سيهزم جندًا من المشركين، فجاء تأويلها يومَ بدرٍ (^٢).\nوكان بعضُ أهل العربية يتأوَّلُ ذلك: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ﴾: مغلوبٌ عن أن يصعدَ إلى السماء.\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٢٧.\n(^٢) ذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٥٤٥ عن سعيد به وعزاه إلى المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦١ عن معمر عن قتادة بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"20","page":29},{"text":"<span id=\"aya-3982\"></span><span data-type='title' id=toc-7808>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبت قبلَ هؤلاء المشركين مِن قريش، القائلين: أجعَل الآلهة إلهًا واحدًا. رسلَها - قومُ نوحٍ، وعادٌ، وفرعونُ ذو الأوتادِ.\nواختلف أهلُ العلم في السبب الذى من أجلِه قيل لفرعونَ: ﴿ذُو الْأَوْتَادِ﴾؛ فقال بعضُهم: قيل ذلك له؛ لأنَّه كانت له ملاعبُ من أوتادٍ، يُلْعَبُ له عليها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدِّثتُ عن عليِّ بنُ الهيثمِ، عن عبد الله بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾. قال: كانت ملاعبُ يُلعب له تحتَها (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾. قال: كان له أوتاد وأرسانٌ (^٢)، وملاعبُ يُلعبُ له عليها (^٣).\nوقال آخرون: بل قيل ذلك له كذلك؛ لتعذيبه الناسَ بالأوتادِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٨، إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد بنحوه. وذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ١٥٤.\n(^٢) الأرسان: جمع رَسَن، وهو الحبل الذى يقاد به البعير وغيره. اللسان (ر س ن).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧١ عن معمر عن قتادةَ. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٧ إلى عبد بنُ حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"20","page":30},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمد بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قوله: ﴿ذُو الْأَوْتَادِ﴾. قال: كان يعذِّبُ الناس بالأوتاد، يعذِّبُهم بأربعةِ أوتادٍ، ثم يرفعُ صخرةً تُمدُّ بالحبالِ، ثم تُلْقَى عليه فتشدَخُه (^١).\nحدِّثت عن عليِّ بنُ الهيثمِ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع بنُ أنسٍ، قال: كان يعذبُ الناس بالأوتادِ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ذو البنيانِ. قالوا: والبنيانُ هو الأوتادُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثتُ عن المحاربيِّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿ذُو الْأَوْتَادِ﴾. قال: ذو البنيان (^٢).\nوأشبه الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بذلك الأوتادُ؛ إما لتعذيبِ الناسِ، وإما للعبٍ كان يُلْعَبُ له بها، وذلك أن ذلك هو المعروفُ من معنى الأوتاد.\n\n<span id=\"aya-3983\"></span>﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ﴾. وقد ذكرنا أخبارَ كلِّ هؤلاء فيما مضَى قبلُ من كتابِنا هذا، ﴿وَأَصْحَبُ لَئَيْكَةِ﴾. يعنى: وأصحابُ الغَيْضةِ.\nوكان أبو عمرو بنُ العلاءِ فيما حُدِّثتُ عن معمرِ بنِ المثنى، عن أبي عمرٍو، يقولُ: الأيكةُ الحَرجةُ من النبعِ والسِّدر وهو الملتفُّ، ومنه قولُ الشاعرِ:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ١٥٤.","vol":"20","page":31},{"text":"أفمِن بكاءِ حمامةٍ في أَيْكَةِ … يَرْفَضُّ دَمْعُكَ فوقَ ظهرِ المِحْمَلِ\nيعنى مِحْمَل السيفِ (^١).\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَصْحَابُ لْئَيْكَةِ﴾. قال: كانوا أصحابَ شجرٍ. قال: وكان عامَّةُ شجرِهم الدَّوْمَ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمد بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباط، عن السدىِّ قوله: ﴿وَأَصْحَابُ لْئَيْكَةِ﴾. قال: أصحابُ الغَيْضةِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3984\"></span>وقوله: ﴿أَوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الجماعاتُ المجتمعةُ، والأحزابُ المتحزِّبةُ على معاصى اللهِ والكفرِ به، الذين منهم يا محمدُ مشرِكو قومِك، وهم مَسْلُوكٌ بهم سبيلُهم، ﴿إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾. يقولُ: ما كلُّ هؤلاء الأمم إلا كذَّب رسلَ اللهِ. وهى في قراءةِ عبدِ اللَّهِ فيما ذُكِر لي: (إِن كُلٌّ ما كَذَّب الرُّسلَ) (^٤)، ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾. يقولُ: فوجَب عليهم عقابُ اللهِ إياهم (^٥).\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقِّ عِقَابِ﴾. قال: هؤلاء كلُّهم قد كذَّبوا الرسلَ، فحقَّ عليهم العذابُ (^٦).\n_________\n(^١) مجاز القرآن ٢/ ١٧٨.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٤/ ١٠٠.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٠/ ٣٢٢، ٣٢٣.\n(^٤) كذا في النسخ، وفى معانى القرآن ٢/ ٤٠٠، ومختصر الشواذ ص ١٣٠: (إن كلهم لما كذب الرسل) وعلى كل فالقراءة شاذة.\n(^٥) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٤٠٠.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وتقدم ص ٢٩.","vol":"20","page":32},{"text":"<span id=\"aya-3985\"></span><span data-type='title' id=toc-7809>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاءِ﴾ المشركون باللَّهِ من قريشٍ، ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾. يعنى بالصيحةِ الواحدةِ النفخةَ الأولى في الصُّورِ، ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾. يقولُ: ما لتلك الصيحةِ (^١) من فِيقةٍ. يعنى: من فتورٍ ولا انقطاعٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا يَنظُرُ هَؤُلَاءِ إلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾. يعنى: أمةً محمد ﷺ ﴿مَّا لَهَا مِن فَواقٍ﴾ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن إسماعيلَ بنُ رافعٍ، عن يزيدَ بن زيادٍ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله لمَّا فرَغ من خلق السماوات والأرض، خلق الصُّورَ، فأعطاه إسرافيلَ، فهو واضعُه على فِيهِ، شاخصٌ ببصره إلى العرشِ، يَنْتَظِرُ متى يُؤْمرُ\". قال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللَّهِ، وما الصُّورُ؟ قال: \"قَرْنٌ\". قال: كيف هو؟ قال: \"قَرْن عظيمٌ، يُنفَخُ فيه ثَلاثُ نفخاتٍ؛ نفخةُ الفزع الأولى، والثانيةُ نفخةُ الصَّعْقِ، والثالثة نفخة القيامِ لربِّ العالمين، يأمرُ الله إسْرافيل بالنفخةِ الأولى، فيقولُ: انفخ نفخةَ الفزعِ. فيَفْزَعُ أهلُ السماواتِ وأهلُ الأرضِ إلا مَن شاء اللهُ، ويأمرُه اللهُ فَيُدِيمُها ويُطَوِّلُها فلا يفتُرُ، وهى التى يقولُ اللَّهُ: ﴿مَا يَنظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"النفخة\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٧ إلى المصنف وعبد بنُ حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"20","page":33},{"text":"صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ (^١).\nواختلَف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾؛ فقال بعضُهم: يعنى بذلك: ما لتلك الصيحة من ارتدادٍ ولا رجوعٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾. يقولُ: مِن تَرْدادٍ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿مَّا لَهَا مِن فَواقٍ﴾. يقولُ: ما لها من رجعةٍ (^٣).\nحدَّثني محمد بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَّا لَهَا مِن فَواقٍ﴾. قال: من رجوعٍ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا لَهَا مِن فَواقٍ﴾. يعنى الساعةَ، ما لها من رجوعٍ [ولا مَثْنَويَّةٍ] (^٥) ولا ارتدادٍ (^٦).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٣/ ٦١٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٠ - من طريق عبد الله بنُ صالح به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٧ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٧٢. ومن طريقه الفريابي، كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٩٦. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٧ إلى عبد بنُ حميد.\n(^٥) سقط من: م. ومثنوية: يقال: حلف فلان يمينا ليس فيها ثُنْيا ولا ثَنْوَى ولا ثنية ولا مثنوية ولا استثناء، كله واحد. وأصل هذا كله من الثنى والكف والرد. ينظر لسان العرب (ث ن ى).\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦١ عن معمر عن قتادةَ مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وتقدم أوله ص ٢٩.","vol":"20","page":34},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما لهؤلاء المشركين بعدَ ذلك إفاقةٌ، ولا رجوعٌ إلى الدنيا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿مَّا لَهَا مِن فَواقٍ﴾. يقولُ: ليس لهم بعدَها إفاقةُ ولا رجوعٌ إلى الدنيا (^١).\nوقال آخرون: الصيحةُ فى هذا الموضعِ العذابُ. ومعنى الكلامِ: ما ينتظرُ هؤلاء المشركون إلا عذابًا يهلكهم، لا إفاقة لهم منه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قوله: ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾. قال: ما ينتظرون إلا صيحةً واحدةً ما لها من فَواقٍ، يالها من صيحةٍ لا يُفيقُون فيها كما يُفيقُ الذي يُغشَى عليه، وكما يفيقُ المريضُ - تهلكهم، ليس لهم فيها إفاقةٌ.\nواختلفت القرأةُ فى قراءة ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأة المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفة: ﴿مِن فَوَاقٍ﴾. بفتحِ الفاءِ (^٢)، وقرَأته عامة قرأة أهل الكوفة: (مِن فُوَاقٍ). بضمِّ الفاءِ (^٣).\nواختلف أهلُ العربية فى معناها إذا قُرِئت بفتحِ الفاءِ، وضمِّها؛ فقال بعضُ\n_________\n(^١) عزاه الحافظ في الفتح ٨/ ٥٤٥ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم. التيسير ص ١٥٢.\n(^٣) هي قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.","vol":"20","page":35},{"text":"البصريين منهم: معناها إذا فُتِحت الفاءُ: ما لها من راحةٍ. وإذا ضُمَّت جعلها [مِن فُواقِ الناقةِ] (^١): ما بينَ الحَلْبَتين.\nوكان بعضُ الكوفيين منهم يقولُ: معنى الفتح والضم فيها واحدٌ، وإنما هما لغتان مثلُ السَّوَافِ (^٢) والسُّوافِ، وجَمامِ المكُّوكِ (^٣) وجُمامِه، وقَصاصِ الشَّعرِ وقُصاصِه.\nوالصوابُ من القول فى ذلك أنهما لغتان، وذلك أنَّا لم نجد أحدًا من المتقدِّمين على اختلافهم في قراءته يفرِّقون بين معنى الضمِّ فيه والفتحِ، ولو كان مختلِفَ المعنى باختلافِ الفتحِ فيه والضمِّ لقد كانوا فرَّقُوا بين ذلك في المعنى. فإذ كان ذلك كذلك، فبأيِّ القراءتين قرأ القارئ فمصيبٌ. وأصلُ ذلك من قولهم: أفاقت الناقةُ، فهي تُفِيقُ إفاقةً. وذلك إذا درَّت (^٤) ما بين الرضعتين ولدَها إلى الرضعةِ الأخرى، وذلك أن تَرضَعَ البَهْمَةُ أمَّها، ثم تتركها حتى ينزل شيءٌ من اللبن، فتلك الإفاقةُ، يقالُ إِذا اجتمع ذلك فى الضَّرْعِ: فِيقةٌ (^٥). كما قال الأعشى (^٦):\nحتى إذا فِيقَةٌ في ضَرْعِها اجتمعت … جاءت لتُرضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لو رضَعا\n\n<span id=\"aya-3986\"></span>وقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء المشركون بالله من قريشٍ: يا ربَّنا عجِّل لنا كُتُبَنا قبلَ يومِ القيامةِ. والقِطُّ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"فواق ناقة\".\n(^٢) السواف: مرض أو وباء يصيب الإبل. ينظر الوسيط (س وف).\n(^٣) المكوك: مكيال معروف لأهل العراق، وجمامه: الكيل إلى رأسه وما علا رأسه فوق طفافه. لسان العرب (م ك ك، ج م م).\n(^٤) فى م، ت ٢، ت ٣: \"ردت\".\n(^٥) ينظر معانى القرآن للفراء ٢/ ٤٠٠.\n(^٦) ديوانه ص ١٠٥.","vol":"20","page":36},{"text":"في كلام العربِ الصحيفةُ المكتوبةُ، ومنه قولُ الأعشى (^١):\nولا الملِكُ النُّعمانُ يومَ لقيتَه … بنِعْمَتِه يُعْطِي القُطوطَ ويأفِقُ\nيعنى بالقُطوطِ: جمعَ القِطِّ، وهي الكتبُ بالجوائزِ.\nواختلف أهلُ التأويلِ فى المعنى الذى أراد هؤلاء المشركون بمسألتِهم ربَّهم تعجيلَ القِطِّ لهم؛ فقال بعضُهم: إنما سألوا ربَّهم تعجيلَ حظِّهم من العذابِ الذي أُعِدَّ لهم في الآخرة في الدنيا، كما قال بعضُهم: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾. يقولُ: العذابُ (^٢)\nحدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾. قال: سألوا الله أن يعجل لهم العذاب قبل يوم القيامةِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنُ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾. قال: عذابَنا.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢١٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٠ - من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٩٧ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"20","page":37},{"text":"قوله: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾. قال: عذابَنا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾. أى: نصيبَنا؛ حظَّنا من العذابِ قبلَ يومِ القيامةِ. قال: قد قال ذلك أبو جهلٍ: اللهمَّ إن كان ما يقولُ محمدٌ حقًّا ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية (^٢).\nوقال آخرون: بل إنما سألوا ربَّهم تعجيلَ أنصِبائِهم [ومنازلِهم] (^٣) من الجنةِ حتى يرَوها، فيعلَموا حقيقةَ ما يَعِدُهم محمدٌ ﷺ، فيؤمنوا حينئذٍ به ويصدِّقوه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قوله: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾. قالوا: أرِنا منازلنا في الجنة حتى نتابعَك (^٤).\nوقال آخرون: مسألتهم نصيبهم من الجنةِ، ولكنهم سأَلوا تعجيلَه لهم في الدنيا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ثابتٍ الحدَّاد، قال: سمِعتُ سعيدَ بنُ جُبَيرٍ يقولُ في قوله: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٧٣. ومن طريقه الفريابي، كما فى تغليق التعليق ٤/ ٢٩٦، وابن خزيمة في التوحيد ص ٦٧. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٩٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٦١ عن معمر، عن قتادة، إلى قوله: \"من العذاب\". وقد تقدم أوله في ص ٢٩.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ١٥٧، والحافظ في الفتح ٨/ ٥٤٦ وعزاه إلى المصنف.","vol":"20","page":38},{"text":"قال: نصيبنا من الجنةِ (^١).\nوقال آخرون: بل سألوا ربَّهم تعجيلَ الرزقِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرَ بنُ عليٍّ، قال: ثنا أشعثُ السِّجِسْتانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن إسماعيلَ بنُ أبي خالدٍ في قولِه: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾. قال: رزقَنا (^٢).\nوقال آخرون: [بل سأَلوا الله] (^٣) أن يعجلَ لهم كتبَهم التي قال اللَّهُ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩]، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥]. في الدنيا، لينظُروا بأيمانِهم يُعْطَوْنها أم بشمائلِهم؟ ولينظُروا من أهلِ الجنةِ هم، أم مِن أهلِ النارِ، قبلَ يومِ القيامةِ، استهزاءً منهم بالقرآنِ وبوعدِ اللهِ.\nوأولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ أن يقالَ: إن القومَ سألوا ربَّهم تعجيلَ صِكاكِهم بحظوظِهم من الخيرِ أو الشرِّ، الذى وعَد اللهُ عبادَه أن يؤتِيَهموها (^٤) في الآخرةِ، قبلَ يومِ القيامةِ في الدنيا، استهزاءً بوعيدِ اللَّهِ.\nوإنما قلنا: إن ذلك كذلك؛ لأن القِطَّ هو ما وصَفتُ من الكتبِ بالجوائزِ والحظوظِ، وقد أخبر اللهُ عن هؤلاءِ المشركين أنهم سأَلوه تعجيلَ ذلك لهم، ثم أتبع ذلك قولَه لنبيِّه: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾. فكان معلومًا بذلك أن مسألتَهم ما سألوا النبي ﷺ لو لم تكن على وجه الاستهزاءِ منهم، لم يكُن بالذي يُتبع (^٥) الأمرَ بالصبرِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ٦٧ من طريق سفيان به.\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ٦٨ عن محمد بنُ عمر به.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"سألوا\".\n(^٤) في ت ١: \"يريهموها\".\n(^٥) بعده في ت ٢، ت ٣: \"ذلك\".","vol":"20","page":39},{"text":"عليه، ولكن لما كان ذلك استهزاءً، وكان فيه لرسول الله ﷺ أَذًى، أمره الله بالصبرِ عليه منهم، حتى يأتيَه قضاؤُه فيهم، ولما لم يكنْ فى قولِه: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾. بيانُ أى (^١) القُطوطِ [أراد بهم] (^٢) لم يكنْ لنا توجيهُ ذلك إلى أنه معنيٌّ به القُطوطُ، ببعضِ معانى الخير أو الشرِّ؛ فلذلك قلنا: إن مسألتهم كانت (^٣) بما ذكرتُ من حظوظِهم من الخير والشرِّ.\n\n<span id=\"aya-3987\"></span><span data-type='title' id=toc-7810>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه لنبيه محمد ﷺ: اصبر يا محمدُ، على ما يقولُ مُشركو قومِك لك مما تَكْرَهُ قِيلَهم لك، فإنَّا مُمتَحِنوك بالمكاره، امْتِحانَنا سائرَ رُسُلِنا قبلك، ثم جاعِلو العُلُوِّ والرِّفْعَةِ والظَّفَرِ لك، على مَن كَذَّبك وشاقَّك، سُنَّتُنا في الرسل الذين أرْسَلْناهم إلى عبادِنا قبلَك؛ فمنهم عبدُنا أيوب وداودُ بنُ إِيشَا فاذكُره، ذا الأيدِ، ويعنى بقوله: ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾: ذا القُوَّةِ والبَطْش الشديد في ذاتِ الله، والصبرِ على طاعتِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص: \"أن\".\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إرادتهم\".\n(^٣) بعده في ص: \"ما سألوا النبي ﷺ التي كانت\".","vol":"20","page":40},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾. قال: ذا القوَّةِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثني أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾. قال (^٢): القوَّةِ فى طاعةِ اللهِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾. قال: أُعْطِى قوةً فى العبادة، وفِقهًا في الإسلام، وقد ذُكر لنا أن داودَ ﷺ كان يقومُ الليل ويصومُ نصفَ (^٤) الدهرِ (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾. [قال: ذو] (^٦) القوة في طاعة الله (^٧).\nحدَّثني يونسُ قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿دَاوُودَ ذَا\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٩٧ إلى المصنف.\n(^٢) بعده فى م، وتفسير مجاهد: \"ذا\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٧٣، وعنده زيادة: \"والبصر فى الحق\". وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٩.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١.\n(^٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٤٧٩، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٦١ عن معمر عن قتادةَ بلفظ: \"ذا القوة في العبادة\"، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٩٧ إلى عبد بن حميد. أما ما أرسله قتادةَ في قوله: \"وقد ذكر لنا … \" فقد أخرجه بنحوه البخارى (١١٣١)، ومسلم (١٨٩، ١٩٠/ ١١٥٩) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا.\n(^٦) في ص: \"ذو\"، وفى م: \"ذا\".\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٩ بلفظ: \"الأيد القوة\".","vol":"20","page":41},{"text":"الْأَيْدِ﴾. قال: ذو (^١) القوَّةِ فى عبادة (^٢) الله. الأيدُ: القوة. وقَرَأَ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧]. قال: بقُوَّةٍ (^٣).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. يقولُ: إن داودَ رَجَاعٌ مِمَّا (^٤) يَكْرَهُهُ اللهُ إِلى مَا يُرْضِيه، تَوَّابٌ (^٥). وهو مِن قولِهم: آبَ الرجلُ إلى أهلِه. إذا رجَع.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. قال: رَجَّاعٌ عن الذنوبِ (^٦).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ (^٧)، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. قال: الراجعُ عن الذنوبِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. أى: كان مُطِيعًا للهِ، كثير الصلاةِ (^٨).\n_________\n(^١) في م، ت ٣: \"ذا\".\n(^٢) في ت ٣: \"طاعة\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٩ بنحوه.\n(^٤) في م: \"لما\".\n(^٥) فى م: \"أواب\"، وصفة \"التواب\" ستأتى من قول ابن زيد في الصفحة التالية.\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٥٧٣، بلفظ: \"الراجع عن الذنب المنيب\"، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٩٨ بلفظ: \"منيب راجع عن الذنوب\" وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(^٧) بعده فى م، ت ٢، ت ٣: \"جميعا\".\n(^٨) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٩٨ إلى المصنف وعبد بن حميد. وقد سقط من مطبوعة الدر =","vol":"20","page":42},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدى قولَه: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. قال: المُسَبِّحُ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. قال: الأَوَّابُ: التوابُ الذى يَتُوبُ إلى طاعةِ اللهِ ويَرْجِعُ إليها، ذلك الأَوَّابُ. قال: والأَوَّابُ المُطِيعُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3988\"></span>وقوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ﴾ يُسَبِّحن (^٣) مع داودَ ﴿بِالْعَشِيِّ﴾، وذلك من وقت العصر إلى الليل، ﴿وَالْإِشْرَاقِ﴾، وذلك بالغَدَاةِ وَقتَ الضُّحَى. ذُكر أن داود كان إذا سَبَّح سبَّحَتْ معه الجبالُ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾: يُسَبِّحْنَ مع داود إذا سبح بالعَشِى والإشراق (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾. قال: حينَ تُشْرِقُ الشمسُ وتَضْحَى (^٥).\nحدَّثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا محمد بنُ بشرٌ، عن مِسْعَرٍ، عن (^٦) عبد الكريم، عن\n_________\n= المنثور ذكر المصنِّف، وهو في مخطوطته.\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٣٩٠.\n(^٢) ذكره الطوسى فى التبيان ٨/ ٥٠٢ بلفظ: تواب.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٩٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) تضحى: تبرز. ينظر تاج العروس (ض ح و).\n(^٦) فى ص، م، ت ١: \"بنُ\"، والمثبت موافق لما في تفسير ابن كثير. وعبد الكريم هو ابن مالك الجزرى =","vol":"20","page":43},{"text":"موسى بنُ أبي كثير، عن ابنِ عباسٍ، أنه بَلَغه أن أمَّ هانئ ذكَرَت أن رسول الله ﷺ يوم فتح مكة صلَّى الضُّحَى ثمانَ رَكَعَاتٍ، فقال ابن عباس: قد ظَنَنْتُ أن لهذه الساعةِ صلاةً؛ يقولُ الله: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن عبد الرحيم البرقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سَلَمَةَ، قال: ثنا صَدَقَةُ، قال: ثنى سعيدٌ بنُ أبي عروبة، عن أبى المتوكل، عن أيوبَ بنِ صَفْوانَ، عن عبدِ الله بنُ الحارثِ بنِ نَوْفلٍ، أن ابنَ عباسٍ كان لا يُصَلِّى الضُّحَى. قال: فأَدْخَلْتُه على أمِّ هانئٍ، فقلتُ: أخبرى هذا بما أخبرتنى به. فقالت أم هانئٍ: دخل عليَّ رسول الله ﷺ يومَ الفتحِ فى بيتى، فأمر بماءٍ فصُبَّ (^٢) في قَصعةٍ، ثم أمر بثوبٍ فأخذ بيني وبينَه، فاغتسل، ثم رَشَّ ناحيةَ البيتِ، فصلَّى ثمانَ ركعاتٍ، وذلك من الضُّحَى؛ قيامُهنَّ وركوعُهنَّ وسُجُودُهنَّ وجُلُوسُهِنَّ سواءٌ (^٣)، قَريبٌ بعضُهن مِن بعضٍ. فخرج ابنُ عباسٍ وهو يقولُ: لقد قرأتُ ما بين اللَّوحَين فما عرَفتُ صلاةَ الضُّحَى إلا الآن: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾، وكنتُ أقولُ: أين صلاةُ الإشراقِ؟ ثم قال بَعْدُ: هُنَّ صلاة الإشراقِ (^٤).\nحدَّثنا عمرو بنُ علي، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ، عن مُتَوكَّل، عن أيوب بنُ صَفْوانَ، مولى عبدِ اللهِ بنِ الحارث، [عن عبدِ اللهِ بنِ الحارث] (^٥)، أن أم هانئ ابنة أبي طالبٍ، حَدَّثَتْ أن رسول الله ﷺ يوم الفتحِ دخَل\n_________\n= أبو سعيد الحراني، ينظر ترجمته في تهذيب الكمال ١٨/ ٢٥٢.\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٩ عن المصنف.\n(^٢) بعده في ص، ت ١: \"عليه\".\n(^٣) زيادة من: م، وتفسير ابن كثير.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٥٠ عن سعيد بن أبي عروبة به وعزاه إلى المصنف، وأخرجه الطبراني ٢٤/ ٤٢٥ (١٠٣٣)، والحاكم ٤/ ٥٣ من طريق سعيد به بدون ذكر أبى المتوكل ووقع تصحيف في مسند الطبراني.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، وينظر ترجمة عبد الله هذا في تهذيب الكمال ١٤/ ٣٩٦، وترجمة أيوب ابن صفوان في التاريخ الكبير ١/ ٤١٨.","vol":"20","page":44},{"text":"عليها. ثم ذكَر [نحوَه (^١).\nوعن] (^٢) ابن عباسٍ في قوله: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ﴾ مثل ذلك (^٣).\n\n<span id=\"aya-3989\"></span>وقوله: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾. يقول تعالى ذكرُه: وسخَّرْنا الطيرَ يُسَبِّحْنَ معه محشورة، يعنى مجموعة له. ذُكر أنه ﷺ كان إذا سبَّح أجابته الجبال، واجْتَمَعَت إليه الطيرُ فَسَبَّحت معه، واجتماعُها إليه كان حَشْرَها (^٤).\nوقد ذكرنا أقوالَ أهلِ التأويلِ في معنى الحشرِ فيما مضَى (^٥)، فكَرِهنا إعادته.\nوكان قتادةُ يقولُ في ذلك في هذا الموضعِ ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾: مُسَخَّرةً (^٦).\nوقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾. يقولُ: كلُّ ذلك له مُطيعٌ، رَجَّاعٌ إلى طاعتِه وأمرِه. ويعنى بالكُلِّ: كلَّ الطير.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾. أي: مُطيعٌ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه البخارى فى تاريخه ١/ ٤١٨ معلقًا عن عبد الأعلى به.\n(^٢) فى ص، ت ١: \"عروة عن\". وفى ت ٢: \"نحوه عن\".\n(^٣) أخرجه الحميدى (٣٣٣)، وإسحاق بن راهويه (٤)، والطبرانى ٢٤/ ٤٢٥ (١٠٣٤) وغيرهم من طريق عبد الله بن الحارث به.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ١٦١ على أنه قول ابن عباس.\n(^٥) تقدم في ٩/ ٢٣٤ - ٢٣٧.\n(^٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٩٩ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦١ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٩٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":45},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾. قال: كلٌّ له مُطِيعٌ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: كلُّ ذلك للهِ مُسَبِّحٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: [﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾. يقولُ: مُسَبِّحٌ للهِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3990\"></span>وقوله] (^٣): ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. [اخْتَلَف أهل التأويل في المعنى الذي به شُدِّد مُلكُه؛ فقال بعضُهم: شُدّد ذلك بالجنودِ والرجالِ] (^٣)؛ فكان يَحْرُسُه كلَّ يومٍ وليلةٍ أربعةُ آلافٍ، [أربعة آلاف.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمد بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. قال: كان يحرُسُه كل يوم وليلةٍ أربعة [آلافٍ، أربعة آلاف]] (^٤) (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٥٠.\n(^٢) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٧/ ٣٩٠.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١.\n(^٤) سقط من: ت ١. وفى ص: \"أربعة آلاف\".\n(^٥) في ت ٣: \"ألف ألف\".\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٧٩، وعنده: \"أربعة آلاف\" فقط، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٨٦، ٥٨٧ من طريق أسباط به، مطولا وعنده: \"أربعة ألف أربعة ألف\"، وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٥٠ بلفظ: \" … في كل يوم أربعة آلاف\".","vol":"20","page":46},{"text":"وقال آخرون: كان الذى شُدَّد به مُلْكُه، أن أُعْطِي هَيبةً مِن الناسِ له؛ لقضيةٍ كان قَضاها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني ابنُ حربٍ، قال: ثنا موسى، قال: ثنا داودُ، عن [عِلْباءَ بنِ أَحمرَ] (^١)، عن عكرمة، عن ابنِ عباسٍ، أن رجلًا من بنى إسرائيل اسْتعْدَى على رجلٍ مِن عظمائِهم، فاجْتمَعا عندَ داودَ النبيِّ ﷺ، فقال المُسْتَعْدِى: إِن هذا اغْتَصَبَنِى بَقَرًا لى. فسأل داودُ الرجلَ عن ذلك، فجحَده، فسأل الآخَرَ البَيِّنَةَ، فلم يَكُنْ له بَيِّنةٌ، فقال لهما داودُ: قُوما حتى أنظرَ فى أمرِكما. فقاما مِن عندِه، فأوحَى اللهُ إلى داودَ فى منامه أن يَقْتُلَ الرجلَ الذي اسْتُعْدِى عليه، فقال: هذه رُؤْيا، ولستُ أعجَلُ حتى أَتَثَبَّتَ. فأوحَى اللهُ إلى داودَ فى منامِه مرةً أخرى أن يقتُلَ الرجلَ، وأوحَى الله إليه الثالثة أن يقتله، أو تَأْتِيَه العقوبةُ مِن الله، فأَرْسَل داود إلى الرجلِ: إن الله قد أوحَى إليَّ أن أقتُلَك. فقال الرجلُ: تَقْتُلُنى بغير بينةٍ [ولا ثَبَتٍ] (^٢)؟ فقال (^٣) داود: نعم، واللهِ لأُنْفِذنَّ أمرَ اللهِ فيك. فلمَّا عرَف الرجلُ أنه قاتِلُه قال: لا تَعْجَلْ علىَّ حتى أُخْبِرَك؛ إنى واللهِ ما أُخِذتُ بهذا الذنبِ، ولكنِّى كنتُ اغْتَلْتُ والدَ هذا فقتلتُه، فبذلك قُتِلتُ. فأمَر به داودُ فقُتِل، فاشْتَدَّتْ هَيبةُ بنى إسرائيلَ عندَ ذلك لداودَ، وشُدِّد به مُلْكُه، فهو قولُ الله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) في تفسير البغوى: \"على بن أحمد\" وينظر ترجمة علباء هذا في تهذيب الكمال ٢٠/ ٢٩٣.\n(^٢) ليست في: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣. وفى م، والدر المنثور: \"ولا تثبت\". والثَّبَت، بالتحريك: الحُجَّة والبَيِّنة. ينظر النهاية ١/ ٢٠٦، وتاج العروس (ث ب ت).\n(^٣) بعده في م، ت ٢، ت ٣: \"له\".\n(^٤) أخرجه البغوي في تفسيره ٧/ ٧٧، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٧/ ١٠٢، ١٠٣ من طريق داود -وهو ابن أبى الفرات- به، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره -كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٥٠ - من طريق علباء به، مختصرا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٩٩، ٣٠٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":47},{"text":"وأَولى الأقوالِ فى ذلك بالصواب أن يقالَ: إن الله ﵎، أخبر أنه شَدَّد مُلْكَ داودَ، ولم يَخُصَّ (^١) ذلك مِن تَشْديده على التشديد بالرجال والجنود، دونَ الهيبةِ مِن الناسِ له، ولا على هيبة الناس له دونَ الجنودِ. وجائزٌ أن يكونَ تشديدُ (^٢) ذلك كان ببعض ما ذَكَرْنا، وجائزٌ أن يكون كان بجميعِه (^٣)، ولا قولَ أوْلَى فى ذلك بالصحةِ من قولِ اللهِ، إذ لم يَخُصَّ (^٤) ذلك على بعضِ معانى التشديدِ خبرٌ يَجبُ التسليم له.\nوقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾، اختَلف أهلُ التأويلِ في معنى الحكمةِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضهم: عُنى بها النُّبوَّةُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾. قال: النُّبُوَّةَ (^٥).\nوقال آخرون: عُنِى بها أنه عُلِّمَ السُّنَنَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾: أى السُّنَّةَ (^٦).\n_________\n(^١) فى م: \"يحصر\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"يحصوا\".\n(^٢) فى م، ت ٢، ت ٣: \"تشديده\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"بجميعهم\"، وفى م: \"بجميعها\".\n(^٤) فى م: \"يحصر\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"يكن يحصر\".\n(^٥) تقدم تخريجه فى ٤/ ٥١٤ من طريق أسباط به.\n(^٦) تقدم تخريجه في ٤/ ٥٧٦.","vol":"20","page":48},{"text":"وقد بَيَّنَّا معنى ذلك (^١) في غيرِ هذا الموضعِ بشواهدِه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ.\nوقوله: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾، اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِى به أنه عُلِّمَ القضاءَ والفَهْمَ به.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. قال: أُعْطِى الفهمَ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريس، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. قال: إصابةُ القَضاءِ وفهمُه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قولِه: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. قال: علمَ القضاءِ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. قال: الخُصوماتُ التي يُخاصِمُ الناسُ إليه؛ فصلُ ذلك الخطابِ: الكلامُ الفَهْمُ، وإصابةُ القضاءِ والبَيِّنَاتِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ،\n_________\n(^١) في م: \"الحكمة\". وينظر ما تقدم في ٢/ ٥٧٥ - ٥٧٧.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٣٠٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٥١ بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٣٠٠ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٣٩٠ بلفظ: \"القضاء بين الناس بالحق وإصابته وفهمه\".","vol":"20","page":49},{"text":"قال: سمعتُ أبا عبدِ الرحمنِ يقولُ: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾: فصلَ (^١) القضاء (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾، بتكليف المُدَّعى البينة، واليمين على المُدَّعَى عليه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا داودُ بنُ أبي هندٍ، قال: ثنى الشعبيُّ أو غيره، عن شُريحٍ، أنه قال في قوله: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. قال: بَيِّنةُ المُدَّعِي، أو يمينُ المُدَّعَى عليه (^٣).\nحدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن داودَ بن أبي هند في قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. قال: نُبِّئتُ عن شُرَيحٍ أنه قال: شاهدان أو يمينٌ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا معتمرٌ، قال: سمِعتُ داودَ يقولُ: بلَغني أن شُرَيحًا قال: فصلُ الخطابِ: الشاهدان على المُدَّعِي، واليمينُ على المُنْكِرِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن كُرْدُوسٍ (^٥)، أن شُرَيحًا قال لرَجُلٍ: إن هذا يَعيبُ عليَّ ما أُعْطِيَ داودُ؛ الشُّهودُ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) تفسير الثورى ص ٢٥٧. وأخرجه البيهقى ١٠/ ١٨١، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٧/ ١٠٢ من طريق أبي حصين به بمعناه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٣٠٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ٢/ ٣٥٥ من طريق ابن سيرين عن شريح، وذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ١٦٢ بلفظ: \"هو البينة على المدعى واليمين على من أنكر\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٥١٩٠) عن معتمر به.\n(^٥) فى ص، م، ت ١: \"طاوس\"، والمثبت موافق لما فى تفسير الثورى، وينظر الجرح والتعديل ٧/ ١٧٥.","vol":"20","page":50},{"text":"والأيمانُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن شُرَيحٍ أنه قال فى هذه الآية: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. قال: الشهودُ والأيمانُ (^٢).\nحدَّثنا عمرانُ بن موسى، قال: ثنا عبدُ الوارث، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ في قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. قال: يمينٌ أو شاهدٌ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾: البينة على الطالبِ، واليمينُ على المطلوبِ، هذا فصلُ الخطاب (^٤).\nوقال آخرون: بل هو قولُ: أَمَّا بَعْدُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا إسماعيل، عن الشعبيِّ فى قولِه: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. قال: قولُ الرجلِ: أمَّا بعدُ (^٥).\n_________\n(^١) تفسير الثوري ص ٢٥٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٢٣٢، والبيهقى ١٠/ ١٨١، وابن عساكر فى تاريخ دمشق ١٧/ ١٠٢، من طريق شعبة به، وأخرجه وكيع في أخبار القضاة ٢/ ٢٦٧ من طريق الحكم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٠٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٥١ بلفظ الأثر السابق.\n(^٤) أخرجه البيهقى ١٠/ ٢٥٣، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٧/ ١٠١ من طريق سعيد به، بلفظ: \"البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه\"، وعبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٦١ عن معمر عن قتادةَ مختصرًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٩٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) ذكره البغوى فى تفسيره ٧/ ٧٨، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٥١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٠٠ إلى المصنف.","vol":"20","page":51},{"text":"وأوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله أخبر أنه آتَى داودَ -صلواتُ الله عليه- فصل الخطاب، والفصلُ هو القَطْعُ، والخطابُ هو المُخاطَبَةُ، ومِن قَطعِ مُخاطبةِ الرجلِ الرجلَ فى حالِ احْتِكامِ أحدهما إلى صاحبه -قَطْعُ المحتكم إليه الحُكْمَ بين المحتكم إليه وخَصْمِه، بصوابٍ مِن الحُكْمِ. ومِن قَطْعِ مُخاطَبَتِه أيضًا صاحبه إلزامُ المخاطَب في الحكم ما يجب عليه؛ إن كان مُدَّعِيًا فإقامة البينة على دَعواه، وإن كان مُدَّعًى عليه فتكليفُه اليمينَ إن طلبَ ذلك خَصْمُه، ومِن قَطْعِ الخطابِ أيضًا، الذى هو خُطْبَةٌ، عندَ انْقِضاءِ قصةٍ وابتداءٍ بأُخرَى، الفصلُ بينَهما بـ: أمَّا بعدُ.\nفإذ كان ذلك كلُّه مُحْتَمِلًا ظاهرَ الخبرِ، ولم تَكُنْ في الآيةِ دَلالةٌ على أيِّ ذلك المرادُ، ولا وَرَدَ به خبرٌ عن الرسول ﷺ ثابتٌ (^١)، فالصواب أن يُعَمَّ الخبرُ كما عَمَّه الله، فيقالُ: أُوتى (^٢) داود فصلَ الخطابِ فى القضاءِ والمُحاورةِ والخُطَبِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3991\"></span><span data-type='title' id=toc-7811>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيه محمد ﷺ: وهل أتاك يا محمدُ خبرُ (^٤) الخَصمِ. وقِيل: إنه عُنِى بالخَصمِ في هذا الموضعِ مَلَكانِ، وخرَج في لفظِ الواحدِ؛ لأنه مصدرٌ، مثلَ الزَّوْرِ والسَّفْرِ (^٥)، لا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ، ومنه\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ت ٣: \"وآتى\".\n(^٣) فى ت ٣: \"الخطاب\".\n(^٤) في م: \"نبأ\".\n(^٥) الزَّور: الذى يزورك. ورجلٌ زورٌ وقومٌ زورٌ وامرأةٌ زورٌ ونساء زورٌ، يكون للواحد والجمع والمذكر =","vol":"20","page":52},{"text":"قولُ لَبيدٍ (^١):\nوخصم [يَعُدُّونَ الذُّحُولَ] (^٢) كأَنَّهم … قُرُومٌ غَيَارَى كُلَّ أَزْهَرَ مُصْعَبِ (^٣)\nوقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾. يقولُ: دخَلوا عليه مِن غيرِ بابِ المحراب، والمحرابُ مُقَدَّمُ كلِّ مجلس وبيتٍ وأَشْرَفُه.\n\n<span id=\"aya-3992\"></span>وقوله: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ﴾؛ فكَرَّر \"إذ\" مرَّتَيْن. وكان بعضُ أهل العربيةِ يقولُ فى ذلك (^٤): قد يكونُ معناهما كالواحدِ؛ كقولِك: ضَرَبْتُكَ إِذ دَخَلْتَ عليَّ إذ اجْتَرَأْت. فيكون الدخولُ هو الاجتراءَ، ويكونُ (^٥) أن تجعلَ إحداهما على مذهبِ \"لمَّا\"، فكأنه قال: إذ تَسَوَّروا المحرابَ لمَّا دخلوا. قال: وإن شئت جعلت \"لمَّا\" في الأول. فإذا كان \"لمَّا\" أولًا أو (^٦) آخرًا، فهى بعد صاحبتها (^٧)، كما تقولُ: أعطيتُه لما سألني. فالسؤال قبلَ الإعطاءِ فى تقدُّمِه وتأخُّرِه.\nوقوله: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾. يقول القائلُ: وما كان وجهُ فزعِه منهما وهما خَصْمان؟\n_________\n= والمؤنث بلفظ واحد. والسَّفْر: جمع سافر وهو المسافر. يقال: رجلٌ سفرٌ وقوم سَفْرٌ. ينظر لسان العرب (ز ور)، (س ف ر).\n(^١) شرح ديوان لبيد ص ١٩، ومجاز القرآن ٢/ ١٨٠، ولسان العرب (خ ص م)، والبحر المحيط ٧/ ٣٩١.\n(^٢) في ص: \"يعدون الدحول\"، وفى ت ١: \"يعدون الذخول\"، وفى ت ٢، ت ٣ واللسان والبحر المحيط: \"يعدون الدخول\". والذحول: جمع ذَحْل، وهو الثأر. ينظر لسان العرب (ذ ح ل).\n(^٣) القروم: جمع قَرْم. وهو فحل الإبل. وغيارى: جمع غَيْران؛ من الغَيْرَة وهى الحمية والأنفة. والأزهر: الأبيض، من الزُّهرة وهى البياض. والمُصْعَب: الصعب غير المُنقاد ولا الذّلُول. يشير به هنا إلى شدته. وقوله: \"كل أزهر مصعب\" كأنه قال: أعنى … إلخ. ينظر لسان العرب (ق ر م)، (غ ي ر)، (ز هـ ر)، (ص ع ب)، شرح الديوان ص ١٩ وحاشية محققه.\n(^٤) ينظر معانى القرآن للفراء ٢/ ٤٠١.\n(^٥) يكون هنا بمعنى \"يَجُوز\".\n(^٦) في ت ١، ومعانى القرآن: \"و\". والمثبت هنا هو المتوجِّه.\n(^٧) يعني بصاحبتها: إذ.","vol":"20","page":53},{"text":"فإِنَّ فَزَعَه منهما كان لدخولِهما عليه [من غير الباب الذى منه (^١) كان المَدْخَلُ عليه] (^٢)، فَراعَه دخولُهما كذلك عليه. وقيل: إن فزعَه كان منهما؛ لأنهما دخَلا عليه ليلًا في غير وقتِ نظره بين الناسِ، ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال له الخصمُ: لا تَخَفْ يا داودُ. وذلك لمَّا رأياه قد ارْتاعَ من دخولِهما عليه من غيرِ البابِ. وفي الكلام محذوفٌ اسْتُغْنِيَ بدَلالة ما ظهَر من الكلام منه، وهو مُرافِعُ (^٣) \"خَصْمان\"، وذلك \"نحن\". وإنما جازَ تركُ إظهار ذلك مع حاجة الخصمين إلى المُرافِعِ؛ لأن قوله: ﴿خَصْمَانِ﴾ فعلٌ للمتكلِّم، والعرب تُضمِرُ للمتكلم والمُكلَّمِ المخاطبِ (^٤) ما يَرْفَعُ أفعالهما، ولا يكادون أن يفعلوا ذلك بغيرِهما، فيقولون للرجلِ يُخاطبونه: أمُنطَلِقٌ يا فلانُ؟ ويقولُ المتكلِّمُ لصاحبِه: أُحْسِنُ إليك ومُجْمِلٌ (^٥). وإنما يفعلون ذلك كذلك فى المتكلم والمكلَّم؛ لأنهما حاضِران يَعْرِفُ السامعُ مرادَ المتكلِّم إذا حُذف الاسمُ، وأكثرُ ما يَجيءُ ذلك في الاستفهام -وإن كان جائزًا في غير الاستفهام- فيُقالُ: أجالسٌ، أراكِبٌ (^٦)؟ فمن ذلك قوله: ﴿خَصْمَانِ﴾، ومنه قول الشاعر (^٧):\nوَقُولا إِذا جاوَزْتُما أَرضَ عامرٍ … وجاوَزْتُما الحَيَّيْنِ نَهْدًا وَخَثْعَما\n_________\n(^١) ليس في: م.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١.\n(^٣) أى هو رافع قوله تعالى: ﴿خصمان﴾. ورافعه بمعنى رفعه، يعنى المصنف أن ﴿خصمان﴾ رُفع بإضمار: نحن خصمان. ينظر معانى القرآن للفراء ٢/ ٤٠١، والوسيط (ر ف ع).\n(^٤) فى م: \"والمخاطب\". وينظر معاني القرآن ٢/ ٤٠١.\n(^٥) في م: \"تجمل\". وذكر الفراء في معانى القرآن ٢/ ٤٠٢ مثلًا أوضح من هذا؛ قال: أو أن يقول المتكلِّم: واصلكم إن شاء الله ومحسنٌ إليكم.\n(^٦) في ص، م، ت ١: \"راكب\". والمثبت موافق لصورة المثل الذى ذكره الفراء في معاني القرآن ٢/ ٤٠٢، فعنده: أجادٌّ، أمنطلقٌ.\n(^٧) معانى القرآن ٢/ ٤٠٢ غير منسوب لقائله.","vol":"20","page":54},{"text":"نَزِيعانِ (^١) مِن جَرْمِ بنِ زَبَّانَ (^٢) إنهم … أبوا أن يُمِيرُوا فى الهَزَاهِزِ مِحْجَما (^٣)\nوقول الآخر (^٤):\nتقولُ ابنةُ الكَعْبيِّ يومَ لَقِيتُها … أمُنْطَلِقٌ في الجيش أمْ مُتَثاقِلُ\nومنه قولُهم: مُحْسِنَةٌ فَهيلى (^٥). وقول النبي ﷺ: \"آيبُون تائِبُون\" (^٦). وقولُه: \"جاءَ يومَ القيامة مكتوبٌ بين عينيه: آيسٌ من رحمة الله\" (^٧). كلُّ ذلك بضميرٍ رَفَعَه.\nوقولُه ﷿: ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾. يقولُ: تَعَدَّى أحدُنا على صاحبه\n_________\n(^١) نَزِيعان: النَّزِيع: الشَّرِيف من القوم الذى نَزَع إلى عِرْقٍ كريم. ينظر لسان العرب (ن ز ع).\n(^٢) في ص: \"رىان\" غير منقوطة، وفى م: \"ربان\"، وفي ت ١، ت ٢: \"زيان\". والمثبت من ت ٢ موافق لما في معاني القرآن. وجرم بن زبان بطن فى قُضاعةَ. وجاء هذا الاسم بالزاي والباء في القاموس المحيط، وتاج العروس (ج ر م)، ومعجم قبائل العرب القديمة والحديثة ١/ ١٨٢، وجاء بالراء والباء في كتاب النسب للقاسم ابن سلام ص ٣٧٠، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم ص ٤٥١، وجاء بالزاى والياء في لسان العرب (ج ر م). وتنظر مصادر أخرى فى هذا في معجم قبائل العرب ١/ ١٨٢.\n(^٣) يميروا: يُسيِّلوا ويُجْروا؛ يقال: مار الدمُ. إذا جَرَى وسال. وأمَرْتُه أنا. والهَزاهِز: الفِتَن يَهْتَزُّ فيها الناس. والمحجم: القارورة التى يُجْمَع فيها دم الحِجامة. يمدحهما أنهما لا يسيلان الدماء في وقت الفتن ولو بقدر محجم. ينظر لسان العرب (م ور)، (هـ ز ز)، (ح ج م).\n(^٤) معانى القرآن ٢/ ٤٠٢ غير منسوب لقائله.\n(^٥) مَثَلٌ، أصله أن امرأة كانت تُفرغ طعامًا من وعاءِ رجلٍ فى وعائها، فلمَّا جاء أخذت تُفرغ من وعائها في وعائه، فقال: ما تصنعين؟ قالت: أُهِيلُ من هذا فى هذا. فقال: محسنةٌ -أى أنتِ محسنةٌ- فهيلي. ويضرب مثلًا لَمن يعمل العمل يكون فيه مُصيبًا. ينظر مجمع الأمثال للميداني ٣/ ٢٤٣.\n(^٦) أخرجه أحمد ١٠/ ٣٩٤، ٣٩٥ (٦٣١١)، ومسلم (١٣٤٢) -وغيرهما- مطولًا من حديث عبد الله ابن عمر مرفوعًا.\n(^٧) أخرجه ابن ماجه (٢٦٢٠)، والعقيلي ٤/ ٣٨٢، والبيهقى ٨/ ٢٢ من حديث أبي هريرة مرفوعًا، والطبراني (١١١٠٢) من حديث ابن عباس مرفوعا، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ٧٤ من حديث عمر مرفوعا.","vol":"20","page":55},{"text":"بغير حقٍّ، ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: فاقض بينَنا بالعَدْلِ، ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾.\nيقولُ: ولا تَجرُ ولا تُسْرف في حُكْمِك، بالمَيْلِ منك مع أحدِنا على صاحبِه.\nوفيه لغتان: أشَطَّ، و: شَطَّ. ومن الإشْطاطِ قولُ الأحوصِ (^١):\nألا يا لَقَومٍ قد أَشَطَّتْ عَوَاذِلي … ويَزْعُمْنَ أَنْ أَوْدَى بِحَقِّى باطِلى (^٢)\nومسموعٌ من بعضهم: شَطَطْتَ عليَّ في السَّومِ. فأما في البُعْدِ فإن أكثرَ كلامهم: شَطَّتِ الدارُ، فهي تَشِطُّ. كما قال الشاعرُ (^٣):\nتَشِطُّ غدًا دارُ جيرانِنا … [وللدَّارُ] (^٤) بَعْدَ غَدٍ أَبْعَدُ\nوقوله: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ يقولُ: وأرشِدْنا إلى قَصْدِ الطريقِ المستقيمِ.\nوبنحوِ الذي قُلْنَا في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾، قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾: أى لا تَمِلْ (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) شعر الأحوص -مجموع- ص ١٧٩، ومجاز القرآن ٢/ ١٨٠، والتبيان ٨/ ٥٠٥، ولسان العرب (ش ط ط). وفى هذه المصادر -عدا مجاز القرآن-: \"لقومي\" بدل \"لقوم\".\n(^٢) أَوْدَى بالشيءِ: ذهَب به. لسان العرب (ود ى). وأصل الكلام هنا: ويزعمن أن أودى باطلى بحقى.\n(^٣) هو عمر بن أبي ربيعة، شرح ديوانه ص ٣٠٨، ومجاز القرآن ٢/ ١٨١، ولسان العرب (ش ط ط).\n(^٤) في ص، ت ١: \"فللدار\".\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ١٧٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٣٠٣ إلى المصنف.","vol":"20","page":56},{"text":"السديِّ: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾. يقولُ: لا تَحِفْ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾: تُخالِفْ عن الحقِّ.\nوكالذي قلنا أيضًا في قوله: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ قالوا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾: إلى عدلِه (^٢) وخيرِه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾: إلى عدلِ القضاءِ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾. قال: إلى الحقِّ الذى هو الحقُّ؛ الطريقِ المستقيمِ: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾: تَذْهَبْ إِلى غيرِها.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعض أهلِ العلمِ، عن وهبِ ابنِ مُنَبِّهِ: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾: أي: احْمِلْنا على الحقِّ، ولا تُخالِفْ بنا إلى غيرِه.\n\n<span id=\"aya-3993\"></span><span data-type='title' id=toc-7812>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ١٧٢ بلفظ: \"لا تَجُر\"، ويأتي مطولا في ص ٦٦.\n(^٢) في ت ٢: \"أعدله\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦١ من طريق يزيد به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٠ عن معمر عن قتادةَ ولفظه عندهما \"قصد السبيل\".\n(^٤) يأتي مطولا في ص ٦٦.","vol":"20","page":57},{"text":"وهذا مَثَلٌ ضرَبه الخَصْمُ المُتسَوِّرُونَ على داودَ مِحْرابَه له؛ وذلك أن داودَ كانت له -فيما قيل- تسعٌ وتسعون امرأةً، وكانت للرجلِ الذى أغْزاه حتى قُتِل امرأةٌ واحدةٌ، فَلَمَّا قُتِل نكَح -فيما ذُكر- داودُ امرأتَه، فقال له أحدُهما: إن هذا أخى (^١): على ديني.\nكما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾. أى: على ديني، ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.\nوذُكر أن ذلك فى قراءةِ عبدِ اللهِ: (إِنَّ هذا أخي (^٢) له تسعٌ وتسعونَ نعجة أُنْثَى). وذلك على سبيلِ توكيدِ العربِ الكلمةَ، كقولِهم: هذا رجلٌ ذكرٌ. ولا يَكادون أن يفعَلوا ذلك إلا فى المؤنثِ والمذكرِ الذي تذكيره وتأنيثُه في نفسه؛ كالمرأةِ والرجل والناقة، ولا يكادون أن يقولوا: هذه دارٌ أُنثى، و: مِلْحَفَةٌ أُنثَى. لأن تأنيثها في اسمها لا في معناها. وقيل: عُنى بقوله: أُنثى. أنها حَسَنةٌ (^٣).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثْتُ عن المُحاربيِّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: (إن هذا أخي له تسعٌ وتسعونَ نعجةً أُنْثَى)؛ يَعْنى بتَأْنيثها حُسْنَها.\n_________\n(^١) بعده في م: \"يقول: أخى\".\n(^٢) بعده فى معانى القرآن ٢/ ٤٠٣، ومختصر الشواذ ص ١٣٠، وتفسير القرطبى ١٥/ ١٧٤: \"كان\". وقراءة عبد الله هذه شاذة.\n(^٣) ينظر معانى القرآن ٢/ ٤٠٣، ٤٠٤.","vol":"20","page":58},{"text":"وقولُه: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾. يقولُ: فقال لى: انْزِلْ عنها لي، وضُمَّها إليَّ.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾. قال: أعْطِنيها؛ طَلِّقْها لى أنْكِحْها، وخَلِّ سبيلها (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن بعض أهلِ العلمِ، عن وهب بن مُنَبِّهِ: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾. أى: احْمِلْنى عليها (^٢).\nوقوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. يقولُ: وصار أعَزَّ مني في مخاطبته إياى؛ لأنه إن تَكلَّم فهو أبْينُ منى، وإن بَطَش كان أشدَّ منى فقَهَرَنى.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمش، عن أبى الضُّحَى، عن مسروق، قال: قال عبد الله فى قوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. قال: ما زادَ داودُ على أن قال: انزِلْ لى عنها (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثني أبي، عن المسعودىِّ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ قال: ما زادَ على أن قال: انْزِلْ لى عنها (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٣٠٣ إلى المصنف.\n(^٢) يأتي مطولا في ص ٧١.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦٣، والطبراني (٩٠٤٣) من طريق الأعمش به بنحوه.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٧٣، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦٣ من طريق المسعودي به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٠٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"20","page":59},{"text":"وحدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعودىُّ، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: ما زادَ داودُ على أن قال: ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ (^١).\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. قال: إن دعوتُ ودَعا كان أكثر، وإن بطشتُ وبطش كان أشدَّ منى. فذلك قوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. أى: ظلمنى وقهرني.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. قال: قهَرني. ذلك (^٢) العزُّ. قال: والخطابُ: الكلامُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقِ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بنِ مُنَبِّهِ: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. [أى: قهَرني في الخطابِ] (^٤)، وكان أقوى منى، فحازَ نعجتي (^٥) إلى نِعاجِه، وترَكني لا شيءَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٦٣، والفريابي -كما في الدر المنثور ٥/ ٣٠٣ ومن طريقه الطبراني (٩٠٤٣) - من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور إلى أحمد في الزهد.\n(^٢) في م: \"وذلك\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٣٠٣ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في م: \"نعجته\".","vol":"20","page":60},{"text":"لي (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. قال: إن تكلَّم كان أبْيَنَ منى، وإن بطَش كان أشدَّ مني، وإن دَعا كان أكثرَ منى (^٢).\n\n<span id=\"aya-3994\"></span><span data-type='title' id=toc-7813>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)﴾</span>\nيقول تعالى ذكرُه: قال داودُ للخَصْمِ المُتظلِّمِ مِن صاحبِه: لقد ظَلَمك [صاحبك بسؤاله] (^٣) نعجتَك إلى نعاجِه.\nوهذا مما حُذِفت منه \"الهاءُ\"، فأُضِيفَ بسقوطِ \"الهاء\" منه إلى المفعول به، ومثله قوله ﷿: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]. والمعنى: من دُعائِه بالخيرِ. فلما أُلقيت \"الهاء\" من الدعاءِ، أُضِيفَ إلى الخيرِ، وأُلْقِيَ مِن الخير \"الباء\"، وإنما كَنَى بالنعجة هاهنا عن المرأةِ، والعربُ تفعلُ ذلك (^٤)، ومنه قولُ الأعشى (^٥):\nقد كنتُ رائِدَها وشاةِ مُحاذِرٍ … حَذَرًا يُقِلُّ بِعَيْنِهِ إِغْفَالَهَا (^٦)\n_________\n(^١) يأتي مطولا في ص ٧١.\n(^٢) ذكره البغوى في تفسيره ٧/ ٨٠، والقرطبي في تفسيره ١٥/ ١٧٤، وأبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٣٩٢، بنحوه.\n(^٣) في ص، ت ١: \"بسؤال\".\n(^٤) ينظر معانى القرآن ٢/ ٤٠٤.\n(^٥) ديوان الأعشى ص ٢٧.\n(^٦) رائدها: تتعلق هذه الكلمة بالبيت الذي قبله، يتكلم عن أرض أصابها المطر كأنها لما أزهرت نُشِر عليها =","vol":"20","page":61},{"text":"يعنى بالشاةِ: امرأةَ رجلٍ يَحْذَرُ الناسَ عليها.\nوإنما يعنى: لقد ظَلَمَك (^١) بسؤالِ امرأتِك الواحدة إلى التسع والتسعين من نسائِه.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. يقولُ: وإن كثيرًا من الشركاءِ لَيَتَعَدَّى بعضُهم على بعض، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: وعمِلوا بطاعةِ اللهِ، وانتهوا إلى أمرِه ونَهْيِه، ولم يَتَجاوَزُوه، ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ وفى \"ما\" التى فى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾، وجهان؛ أحدهما: أن تكون صلةً بمعنى: وقليلٌ، هم، فيكونَ إثباتها وإخراجها من الكلامِ لا يُفسِدُ معنى الكلام. والآخَرُ: أن تكون اسمًا، و\"هم\" صلةً لها، بمعنى: وقليلٌ ما تجدُهم. كما يُقالُ: قد كنتُ أحْسَبُك أعقلَ مما أنت. فتكونَ \"أنت\" صلةً لـ\"ما\"، والمعنى: كنتُ أحسبُ عقلك أكثرَ مما هو. فتكونُ \"ما\" والاسمُ مصدرًا، ولو لم [ترد [المصدر] (^٢) لكان الكلامُ بـ\"مَنْ\"؛ لأن \"مَن\" التي تكونُ للناس وأشباههم. ومَحْكىٌّ عن العربِ: قد كنتُ [أراك أعقل منك] (^٣). مثل كلمة (^٤): قد كنتُ] (^٥) أرى أنه غيرُ ما هو. بمعنى: كنتُ أراه على غير ما رأيتُ.\nوروى عن ابن عباسٍ في ذلك ما حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ،\n_________\n= برود زاهية الألوان. وشاة محاذِرٍ … إغفالها: يعنى ورُبَّ شاةِ محاذِرٍ حذرًا يجعل -في عينه- غفلته عنها قليلة. ينظر ديوان الأعشى ص ٢٦، ٢٧.\n(^١) فى م: \"ظلمت\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"يرد المصادر\".\n(^٣) سقط من: ت ٣.\n(^٤) فى م، ت ٢، ت ٣: \"ذلك و\".\n(^٥) سقط من: ت ١.","vol":"20","page":62},{"text":"عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾. يقولُ: وقليلٌ الذين هم (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾. قال: قليلٌ مَن يَتَّقى (^٢).\nفعلى هذا التأويل الذى تَأَوَّله ابنُ عباس، مَعْنَى الكلام: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ، وقليلٌ الذين هم كذلك. بمَعْنَى: الذين لا يَبغِى بعضُهم على بعضٍ، و\"ما\" على هذا القول بمعنى \"مَنْ\".\nوقوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾. يقولُ: وعلم داود أنما ابتَلَيناه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ﴾: علم داود (^٣).\nحدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسن: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ (^٤) أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾. قال: ظَنِّ أَنمَا [ابْتُغِي بذلك] (^٥) (^٦).\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾: اخْتبَرْناه (^٧).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٣٠٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) فى م: \"لا يبغى\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٣٠٣ إلى المصنف.\n(^٤) بعده في ت ٢: \"وعلم داود\".\n(^٥) فى م: \"ابتلى بذاك\"، وفى ص، ت ١: \"ابتغي بذاك\". والمثبت موافق لما فى مخطوطة الدر المنثور.\n(^٦) بعده في م: \"حدَّثنى على قال ثنا أبو صالح قال ثنى معاوية عن علي ابن عباس: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾. قال: ظن أنما ابتلى بذاك\". وأثر الحسن هذا، عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٣٠٣ إلى المصنف، ووقع في مطبوعة الدر المنثور: \"قتادةَ\" مكان \"الحسن\"، ووقع في لفظ مطبوعته كذلك: \"ابتلى\"، وجاء هذان على الصواب في مخطوطته.\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٣٠٣ إلى ابن المنذر.","vol":"20","page":63},{"text":"والعربُ تُوجِّه الظنَّ -إذا أدخَلَتْه على الإخبار- كثيرًا، إلى العلم الذي هو مِن غيرِ وَجْهِ العيانِ.\nوقوله: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾. يقولُ: فسأل داود ربَّه غفران ذنبه، ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾. يقولُ: وخَرَّ ساجدًا لله، ﴿وَأَنَابَ﴾. [يقولُ: و] (^١) رجع إلى رِضا ربِّه، وتابَ مِن خطيئته.\nواخْتُلِف فى سببِ البَلاءِ الذى ابتُلى به نبي الله داودُ ﷺ؛ فقال بعضُهم: كان سبب ذلك أنه تَذَكَّر ما أعطى اللهُ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ مِن حُسْنِ الثناءِ الباقي لهم فى الناسِ، فتَمَنَّى مثلَه، فقِيل له: إنهم امْتُحِنوا فصَبَرُوا. فسأل أن يُبْتَلى كالذي ابتُلُوا، ويُعْطَى كالذي أعْطُوا إن هو صبَر.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾. قال: إن داودَ قال: يا ربِّ قد أعطيتَ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ من الذِّكرِ ما لوَدِدتُ (^٢) أنك أعطيتني مثله (^٣). قال الله: إنى ابْتَلَيْتُهم بما لم أبْتَلِكَ به، فإن شئتَ ابتليتُك بمثلِ ما ابتليتُهم به، وأعطيتُك كما أعطيتُهم. قال: نعم. قال له: فاعْمَلْ حتى أرَى بلاءَك. فكان ما شاءَ الله أن يكونَ، وطال ذلك عليه، فكاد أن يَنْساه، فبينَا هو في مِحْرابِه، إذ وقعَت عليه حمامةٌ (^٤) فأراد أن يأخُذَها، فطارتْ إلى كُوَّةِ المحراب،\n_________\n(^١) فى ص، ت ١: \"يعني\".\n(^٢) فى ت ١، والدر المنثور: \"لو وددت\".\n(^٣) في مخطوطة الدر المنثور: \"مثلهم\".\n(^٤) بعده فى م: \"من ذهب\".","vol":"20","page":64},{"text":"فذهب ليأخذَها، فطارت، فاطَّلع من الكُوَّةِ، فرأى امرأةً تغتسلُ، فنزل نبي الله ﷺ من المحرابِ، فأرْسَل إليها فجاءَتْه، فسألها عن زوجها وعن شأنها (^١)، فأخبَرَتْه أن زوجها غائبٌ، فكتب إلى أمير تلك السَّرِيَّةِ (^٢) أن يُؤمِّرَه على السَّرايا؛ ليَهْلِكَ زوجُها، ففعل، فكان يُصاب أصحابُه وينجو، وربما نُصِروا، وإن الله ﷿ لما رأى الذى وقع فيه داودُ، أرادَ أن يَسْتَنْقِذَه، فبينما داود ذاتَ يوم في محرابِه، إذ تَسوَّر عليه الخَصمان من قِبَل وجهه، فلما رآهما وهو يقرأُ، فزع وسكت، وقال: لقد استُضْعِفتُ في مُلْكِى، حتى إن الناسَ يَتَسَوَّرون علىَّ مِحْرابي. قالا له: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾، ولم يَكُنْ لنا بدٌّ مِن أن نأتيك، فاسمَعْ مِنَّا. قال أحدهما: (إنَّ هذا أخى له تسعٌ وتسعون نعجةً أُنثَى ولى نعجةٌ واحدةٌ فقال أكفلنيها) (^٣)؛ يريدُ أن [يُتَمِّمَ بها مائةً] (^٤)، ويَتْرُكَنى ليس لى شيءٌ، ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. قال: إن دعوتُ ودَعا كان أكثرَ منى (^٥)، وإن بطَشَتُ وبطش كان أشدَّ منى. فذلك قولُه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. قال له داودُ: أنت كنتَ أحوج إلى نعجتك منه، ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾. ونَسِي نفسه ﷺ، فنظر المَلَكان أحدُهما إلى الآخرِ، حين قال ذلك، فتبسَّم أحدُهما إلى الآخرِ، فرَآه داودُ، فظَنَّ (^٦) أنما فُتِن، ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ أربعين ليلةً، حتى نَبَتَت الخُضْرةُ مِن دموعِ عينيه، ثم\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"شأنه\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"القرية\". وينظر الأثر القادم في الصفحة التالية.\n(^٣) هي قراءة ابن مسعود. مختصر الشواذ ص ١٣٠.\n(^٤) في ص، ت ١: \"يتم بها مائة\"، وفى مطبوعة الدر المنثور: \"يتم مائة\".\n(^٥) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في ص، م: \"وظن\".","vol":"20","page":65},{"text":"شدَّد اللهُ له مُلْكَه (^١) (^٢).\nحدَّثنا محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ في قولِه: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾. قال: كان داودُ قد قَسَم الدهرَ ثلاثةَ أيامٍ؛ يومًا (^٣) يَقْضِى فيه بينَ الناسِ، ويومًا (^٤) يخلو فيه لعبادة ربِّه، ويوما (^٣) يَخْلو فيه لنسائِه، وكان له تسعٌ وتسعون امرأةً، وكان فيما يقرأُ من الكتبِ، أنه كان يجدُ فيه فضلَ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، فلما وجَد ذلك فيما يَقْرأُ مِن الكتبِ، قال: يا ربِّ، أَرَى (^٥) الخير كلَّه قد ذهَب به آبائي الذين كانوا قبلى، فأعطني مثلَ ما أعطيتَهم، وافْعَلْ بي مثلَ ما فعلتَ بهم. قال: فأوحَى اللهُ إليه: إن آباءَكَ ابْتُلُوا ببَلايا لم تُبْتَل بها؛ ابتلى إبراهيمُ بذَبْحِ ابنِه، وابتلى إسحاقُ بذَهابِ بصرِه، وابتُلِى يعقوبُ بحُزْنِه على يوسفَ، وإنك لم تُبْتَلَ مِن ذلك بشيءٍ. قال: يا ربِّ ابْتَلنى بمثلِ ما ابتليتهم به، وأعطنى مثلَ ما أعطيتَهم. قال: فأُوحِى إليه: إنك مُبْتَلى، فاحْتَرِسُ. قال: فمكث بعد ذلك ما شاء اللهُ أن يَمكُثَ، إذ جاءَه الشيطانُ قد تَمَثَّل في صورةِ حمامةٍ من ذهبٍ، حتى وقَع عندَ رِجلَيْه وهو قائمٌ يُصَلِّى. قال: فمَدَّ يدَه ليأخُذَه\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٠١ إلى المصنف.\n(^٢) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره ٧/ ٥١ عند كلامه على هذه الآيات: قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصح سنده؛ لأنَّه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس، ويزيد وإن كان من الصالحين، لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة، فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة -يعنى ابنُ كثير: تلاوة نصها من القرآن الكريم- وأن يُرَدَّ عِلْمُها إلى الله ﷿؛ فإن القرآن حق، وما تضمن فهو حق أيضا. وسيسوق المصنف روايات أُخَر بإسناده عن السدى ووهب بن منبه وغيرهما، ومن ضمنها رواية يزيد الرقاشي عن أنس المذكورة في كلام ابن كثير.\n(^٣) في ص، م، ت ١: \"يوم\".\n(^٤) في م، ت ١: \"يوم\".\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣: \"إن\".","vol":"20","page":66},{"text":"فتَنَحَّى، فتَبِعَه فتَباعَد، حتى وقع في كُوَّةٍ، فذهَب ليأخُذَه فطارَ مِن الكُوَّةِ، فنظَر أين يقعُ فَيَبْعَثَ في أثره. قال: فأبْصَر امرأة تغتسل على سطح [لها، فرأى امرأةً من أجملِ الناسِ خَلْقًا، فحانَتْ منها التفاتةٌ فأبصَرَتْه] (^١)، فألقَتْ شعرَها فاسْتَتَرَتْ به. قال: فزادَه ذلك فيها رغبةً، قال: فسأل عنها فأُخبر أن لها زوجًا، وأن زوجها غائبٌ بمَسْلَحَةِ كذا وكذا. قال: فبعَث إلى صاحب المَسْلَحَةِ يَأْمُرُه (^٢) أن يَبْعَثَ أهريا إلى عدوِّ كذا وكذا، قال: فبعَثه ففُتِح له. قال: وكتب إليه بذلك، فكتب إليه أيضًا: أن ابعثه إلى عدوِّ كذا وكذا، أشدَّ منهم بأسًا. قال: فبعَثه ففُتِح له أيضًا. قال: فكتَب إلى داودَ بذلك. قال: فكتَب إليه: أن ابعثْه إلى عدوِّ كذا وكذا. فبعَثه. قال: فقُتِل المرةَ الثالثةَ. قال: وتَزَوَّج امرأته، فلَمَّا دخَلَتْ عليه لم تَلْبَثْ عندَه إلا يسيرًا حتى بعث اللهُ مَلَكَيْن في صورةِ إنْسِيَّيْن، فَطَلَبا أن يَدْخُلا عليه، فوَجَداه في يوم عبادتِه، فمَنَعَهما الحرسُ أن يدخُلا [عليه، فتَسَوَّرا] (^٣) عليه المحرابَ. قال: فما شَعَر وهو يُصلَّى إِذ (^٤) هو بهما بينَ يَدَيه جالسَيْن. قال: ففَزِع منهما، فقالا: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾؛ يقولُ: لا تَحِفْ (^٥). ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾؛ إلى عدلِ القضاءِ. قال: فقال: قُصَّا على قصتَكما. قال: فقال أحدُهما: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِىَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾، فهو يريدُ أن يأخذَ نَعْجَتي فيُكمل بها نِعاجَه مائةً. قال: فقال للآخرِ: ما تقولُ؟ فقال: إن لي تسعًا وتسعين نعجةً، ولأخى هذا نعجةٌ واحدةً، فأنا أريد أن أخُذَها منه فأُكْمِلَ بها نِعاجى مائةً. قال:\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"فتسوروا\".\n(^٤) في ص، ت ٢، ت ٣: \"إذا\".\n(^٥) في ص، م، ت ٢، ت ٣، والمستدرك: \"تخف\".","vol":"20","page":67},{"text":"وهو كارِهٌ؟ [قال: وهو كارِهٌ] (^١). قال: إذن لا نَدَعُك وذاك. قال: ما أنت على ذلك بقادرٍ. قال: فإن ذهبتَ ترومُ ذلك، أو تريد ذلك (^٢)، ضَرَبْنا منك هذا وهذا [وهذا] (^٣). وفَسَّر أسباطُ؛ طَرَفَ الأنف، [وأصل الأنف] (^٣)، والجبهةَ. قال: يا داودُ، أنت أحقُّ أن يُضربَ منك هذا وهذا [وهذا] (^٣)؛ حيث لك تسعٌ وتسعون (^٤) امرأةً، ولم يَكُنْ لأهريا إلا امرأةٌ واحدةٌ، فلم تَزَلْ به تُعرِّضُه للقتل حتى قَتَلْتَه (^٥)، وتزوَّجتَ امرأتَه. قال: فنظر فلم يَرَ شيئًا، فعَرَف ما قد وقَع فيه، وما قد ابتُلى به. قال: فخَرَّ ساجدًا. قال: فبكَى. قال: فمكَث يَبْكى ساجدًا أربعين يومًا، لا يرفع رأسَه إلا الحاجة [لابدَّ] (^٦) منها، ثم يقعُ ساجدًا يبْكى، ثم يَدْعو، حتى نبَت العُشْبُ مِن دموعِ عينَيه. قال: فأوحَى اللهُ إليه بعدَ أربعين يومًا: يا داودُ، ارفع رأسَك، فقد غفرتُ لك. فقال: يا ربِّ، كيف أعلم أنك قد غفرت لي، وأنت حَكَمٌ عَدْلٌ لا تَحِيفُ في القضاء؛ إذا [جاءَ أهريا] (^٧) يوم القيامة آخذًا رأسه بيمينه أو بشماله، تَشْحُبُ أَوْداجه دما في قِبَلِ عرشِك يقولُ: يا ربِّ، سَلْ هذا فيمَ قَتَلَنى؟ قال: فأوحى [اللهُ إليه] (^٨): إذا كان ذلك دَعوتُ أهريا، فأستَوهِبُك منه، فيهبُك لي، فأُثِيبُه بذلك الجنةَ. قال: ربِّ، الآنَ علمتُ أنك قد غفرتَ لي. قال: فما استطاعَ أن يملأَ عينيه مِن السماءِ حَياءً مِن ربِّه حتى قُبِض ﷺ (^٩).\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، ت ٣. وبعده في ص، م: \"قال وهو كاره\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) ليست في تاريخ المصنف.\n(^٤) بعده في م: \"نعجة\".\n(^٥) في تاريخ المصنف: \"قتل\".\n(^٦) سقط من النسخ. والمثبت من تاريخ المصنف.\n(^٧) في ص، ت ١: \"جاءك هريا\"، وفى م: \"جاءك أهريا\".\n(^٨) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"إليه\".\n(^٩) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٧٩، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٨٦، ٥٨٧ من طريق أسباط به.","vol":"20","page":68},{"text":"حدَّثنى عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن عبدِ الرحمن بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ، قال: ثنى عطاءٌ الخراسانيُّ، قال: نقَش داودُ خطيئته في كفِّه لكيلا يَنْساها، فكان [إذا رآها] (^١) خَفَقَتْ يدُه واضطَرَبَتْ (^٢).\nوقال آخرون: بل كان ذلك لعارضٍ كان عرَض في نفسِه، مِن ظَنِّ أنه يُطِيقُ يومًا (^٣) أن يُتِمَّ يومًا لا يُصيبُ فيه حَوْبَةً (^٤)، فابْتُلى بالفتنةِ التي ابتُلي بها في اليومِ الذي طَمِع في نفسه بإتمامه بغير إصابة ذنبٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن مَطَر، عن الحسن: إن داودَ جَزَّأَ الدهرَ أربعة أجزاء؛ يومًا لنسائِه، ويومًا لعبادتِه، ويومًا لقضاءِ بني إسرائيلَ، ويومًا لبنى إسرائيلَ، يُذاكرهم ويُذاكِرُونه، ويُبْكيهم ويُبْكونه، فلما كان يومُ بنى إسرائيلَ قال: ذَكِّروا. فقالوا: هل يأتى على الإنسان يوم لا يُصيبُ فيه ذنبًا؟ فَأَضْمَر داود في نفسه أنه سيُطيقُ ذلك، فلَمَّا كان يومُ عبادتِه، غَلَّق (^٥) أبوابه، وأمر أن لا يُدْخَلَ عليه أحدٌ، وأكبَّ على التوراةِ، فبينما هو يقرؤُها إذا (^٦) حمامةٌ من ذهبٍ فيها من كلِّ لونٍ حسنٍ، قد وقَعَتْ بين يَدَيْه، فأهْوَى إليها ليأخذَها. قال: فطارَتْ فوقعَتْ غير بعيدٍ، من غير أن تُؤيسَه مِن نفسها. قال: فما زالَ يَتْبَعُها حتى أشرفَ على امرأةٍ\n_________\n(^١) في ص: \"مما إذا رآها\"، وفى ت ١: \"مهما رآها\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"مما إذا أراها\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٨١. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٨٩ - زيادات الحسين)، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ١٩٦ من طريق الوليد به نحوه.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) الحَوْبة، بفتح الحاء، وتُضَمّ: الإثم. ينظر النهاية ١/ ٤٥٥، وتاج العروس (ح وب).\n(^٥) في م: \"أغلق\".\n(^٦) في م: \"فإذا\". وفى ت ١: \"إذ\"، وهو موافق لما في مطبوعة الدر المنثور.","vol":"20","page":69},{"text":"تَغْتَسِلُ، فأَعْجَبَه خَلْقُها وحُسْنُها. قال: فَلَمَّا رأتْ ظِلِّه في الأرضِ، جَللَتْ نفسَها بشَعْرِها، فزاده ذلك أيضًا إعجابًا بها، وكان قد بعث زوجَها على بعضِ جيوشِه، فكتب إليه أن يسيرَ إلى مكان كذا وكذا. مكانٌ إذا سارَ إليه لم يَرْجِعْ. قال: ففعَل فأُصِيب، فخَطَبها فتَزَوَّجها. قال (^١): وقال قتادةُ: بَلَغَنا أنها أُمُّ سليمانَ. قال: فبينَما هو في المحراب إذ تسوَّر الملَكان عليه، وكان الخَصْمان إذا أتَوه يَأْتونه من باب المحرابِ، ففَزِع منهم حينَ تَسَوَّروا المحرابَ، فقالوا: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾. أي: لا تَمِلْ، ﴿وَاهْدِنَا إِلَّى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾. أي: أعدله وخَيْرِه، ﴿إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾، وكان لداود تسعٌ وتسعون امرأةً، ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾. قال: وإنما كان للرجلِ امرأةٌ واحدةٌ. ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. أي: ظلَمنى وقهرني. فقال: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُوَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾. ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ﴾: فعلِم داودُ أنما صُمِدَ (^٢) له، أي: عُنِى به ذلك. فخَرَّ راكعا وأناب. قال: وكان في حديثِ مَطَرٍ، أنه سجَد أربعين ليلةً، حتى أوحَى اللهُ إليه: إنى قد غفرتُ لك. قال: ربِّ، كيف (^٣) تغفرُ لي وأنت حَكَمٌ عدلٌ لا تظلمُ أحدًا؟ فقال: إنى أقضِيك له، ثم أستوهِبُه دمَك، أو ذنبَك (^٤)، ثم أُثِيبُه حتى يرضَى. قال: الآن طابَت نفسى، وعلمتُ أنك قد غفرتَ لي (^٥).\n_________\n(^١) القائل: \"وقال قتادة\" هو سعيد الراوى عن مطر.\n(^٢) في تاريخ المصنف: \"أُضْمِر\". وصمد له: الصَّمْد: القَصْد. صَمَدَه يَصْمُدُه صَمْدًا، وصَمَدَ إِليه، كلاهما: قَصَدَه. وأَضْمَرَه: أخفاه. ينظر تاج العروس (ص م د)، (ض م ر).\n(^٣) في م: \"وكيف\".\n(^٤) في ص، ت ١: \"ذنبه\".\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٨٢ دون قوله: \"قال: وكان في حديث مطر أنه سجد … إلخ\"، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦١ - ١٦٣، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٢١) من طرق عن الحسن بنحوه. وذكره السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٠١، ٣٠٢ بنحوه، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":70},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن مُنَبِّهٍ اليَمَانى، قال: لما اجْتَمَعتْ بنو إسرائيل على داود، أنزَل الله عليه الزَّبورَ، وعَلّمه صَنْعَةَ الحديد فألانه له، وأمر الجبال والطير أن يُسَبِّحْن معه إذا سبَّح، ولم يُعْطِ الله -فيما يذكرون- أحدًا من خلقه مثلَ صوتِه، كان إذا قرَأ الزبور -فيما يَذْكُرون- تَدْنو له الوحوشُ (^١)، حتى يأخُذ بأعناقِها، وإنها لمُصِيخَةٌ تَسمعُ (^٢) لصوتِه، وما صنعت الشياطين المزامير والبَرابط والصُّنُوجَ (^٣)، إلا على أصنافِ صوتِه، وكان شديدَ الاجتهادِ، [دائبَ العبادةِ، [فأقامَ في بني إسرائيلَ يحكمُ فيهم بأمر الله نبيًّا مُسْتَخْلفًا، وكان شديد الاجتهاد] (^٤) من الأنبياء] (^٥)، كثيرَ البكاءِ (^٦)، ثم عرَض من فتنة تلك المرأة ما عرَض له، وكان له مِحْرابٌ يَتَوَحَدُ فيه لتلاوةِ الزَّبورِ، ولصلاته إذا صلَّى، وكان أسْفَلَ منه جُنَيْنَةٌ لرجلٍ من بنى إسرائيلَ، [وكان] (^٧) عند ذلك الرجل المرأةُ التي أصابَ داودُ فيها ما أصابَهُ (^٨).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ، أن داودَ حينَ دخَل محرابَه ذلك اليوم قال: لا يدْخُلَنَّ\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"الوحش\". وهو موافق لأحد نسخ تاريخ المصنف، كما ذكره محققُه في حاشيته.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣: \"تستمع\". ومصيخة: مستمعة منصتة. ينظر تاج العروس (ص ى خ).\n(^٣) البَرَابط: جمع بَرْبَط. والبربط هو العود، من آلات الملاهى. والصنوج: جمع صَنْج. والصنج: شيءٌ يُتخذ من صُفْرٍ يُضْرَب أحدُهما على الآخر، وهو أيضًا آلة ذو أوتار يُضْرب بها. ينظر تاج العروس (بربط)، (ص ن ج).\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) ليس في تاريخ المصنف.\n(^٦) بعده في تاريخ المصنف: \"وكان كما وصفه الله ﷿ لنبيه محمد ﵇ فقال: ﴿واذكر عبدنا داود .... يسبحن بالعشى والإشراق﴾: يعنى بذلك ذا القوة\". وهو آخر لفظ الأثر في التاريخ.\n(^٧) في م: \"كان\".\n(^٨) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٧٨، ٤٧٩ مختصرا نحوه، وأخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢٠) من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق قوله.","vol":"20","page":71},{"text":"عليَّ محرابي اليوم أحدٌ حتى الليلِ، ولا يَشْغَلْنى شيءٌ عما خَلَوتُ له حتى أُمْسِيَ. ودخل مِحْرابَه ونشَر زَبورَه يَقْرَؤُه، وفى المحرابِ كُوَّةٌ تُطْلِعُه على تلك الجنينة، فبَيْنَا هو جالسٌ يقرأُ زبورَه، إذ أقبلت حمامةٌ من ذهب، حتى وقَعَتْ في الكُوَّةِ، فرفَع رأسه فرَآها، فأَعْجَبَتْه. ثم ذكَر ما كان قال؛ لا يَشْغَلُه شَيْءٌ عما دخَل له، فنَكَّس رأسَه وأَقْبَل على زَبورِه، فتَصَوَّبَتِ الحمامةُ، للبلاءِ والاختبارِ، مِن الكُوَّةِ، فوقَعَتْ بين يديه، فتناولها بيده فاسْتَأْخَرَتْ غيرَ بعيدٍ، فَاتَّبَعَها، فنَهَضَت إلى الكُوَّةِ، فتناوَلها في الكُوَّةِ فتصَوَّبَتْ إلى الجنينةِ، فأَتْبَعَها بصرَه أين تَقَعُ، فإذا المرأةُ جالسةٌ تَغْتَسلُ، بهيئةٍ الله أعلمُ بها في [الجمالِ والحُسنِ والخَلْقِ] (^١). فيَزْعُمون أنها لمَّا رَأته نَقَضَتْ رأسَها فوارَتْ به جسدَها منه واختطَفَتْ قلبَه، ورجَع إلى زبورِه ومجلسِه وهى من شأنه، لا يُفارِقُ قلبه ذكرُها، وتَمادَى به البلاءُ حتى أغزَى زوجَها، ثم أمرَ صاحبَ جيشه (^٢) -فيما يزعُمُ أهل الكتابِ- أن يُقدِّم زوجها للمهالكِ، حتى أصابه بعضُ ما أرادَ به من الهلاكِ، ولداودَ تسعٌ وتسعون امرأةٌ، فلمَّا أُصِيب زوجها خطَبها داود، فنَكَحَها، فبعث اللهُ إليه وهو في محرابِه مَلَكَيْن يَخْتَصمان إليه، مثلًا يَضْرِبُه له ولصاحبِه، فلم يُرعْ داود إلا بهما واقفَين على رأسِه في محرابِه، فقال: ما أَدْخَلَكما عليَّ؟ قالا: لا تَخَفْ، لم ندخل لبأسٍ ولا لريبةٍ، ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ فجئناك لتَقْضِيَ بينَنَا، ﴿فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾. أي: احْمِلْنا على الحقِّ، ولا تُخالِف بنا إلى غيره. قال المَلَكُ الذى يتكلَّمُ عن أوريا ابنِ حنانيا، زوجِ المرأة: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي]. أي: على ديني، ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾. أي: احمِلني عليها، ثم ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. أي قهرنى في الخطابِ، وكان أقوى منى هو وأعزَّ، فحازَ نَعْجتي إلى نعاجِه،\n_________\n(^١) في ص: \"الجمال والخلق\"، وفى ت ١: \"الجمال\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"الجيش\".","vol":"20","page":72},{"text":"وترَكني لا شيء لي. فَغَضِب داود، فنظر إلى خَصْمِه الذي لم يتكلَّم، فقال: لئن كان صدَقنى ما يقولُ لأَضْرِبنَّ بين عينيك بالفأسِ. ثم ارْعَوَى داود فعرف أنه هو الذي يُرادُ؛ بما صنَع في امرأة أوريا، فوقع ساجدًا تائبًا مُنِيبًا باكيًا، فسجد أربعين صباحًا صائمًا لا يأكُلُ فيها ولا يشرَبُ، حتى أنْبَت دمعُه الخَضِرَ تحتَ وجهه، وحتى أنْدَب السجود في لحمِ وجهِه، فتابَ اللهُ عليه، وقَبِل منه. فيَزْعُمون أنه قال: أي ربِّ هذا غفرَتَ ما جنيتُ في شأن (^١) المرأةِ، فكيف بدم القتيل المظلومِ؟ فقيل له: يا داود -فيما زعَم أهلُ الكتابِ- أما إن ربَّك لم (^٢) يَظْلِمُه بدمِه، ولكنَّه سيسألُه إيَّاك فيُعْطِيه، فيَضَعُه عنك. فلما فُرِّج عن داودَ ما كان فيه، رسم (^٣) خطيئته في كفِّه اليمنى؛ بطن راحتِه، فما رفَع إلى فِيهِ طعامًا ولا شرابًا قَطُّ إلا بكَى إذا رآها، وما قامَ خطيبًا في الناس قط إلا نشَر راحتَه، فاستقبل بها الناسَ، ليَرَوْا رسم (^٣) خطيئته في يده (^٤).\nحدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمعتُ لَيْثًا يذكرُ عن مجاهد قال: لما أصابَ داود الخطيئة خَرَّ لله ساجدًا أربعين يوما، حتى نبت من دموعِ عينيه من البَقْلِ ما غَطَّى رأسَه، ثم نادَى: ربِّ قَرح الجبين، وجَمَدتِ العينُ، وداود لم يُرجع إليه في خطيئته شيءٌ. فنُودِى: أجائعٌ فتُطْعَمَ، أم مريضٌ فتشفى، أم مظلومٌ فيُنْتَصَرَ لك؟ قال: فنَحَب نَحْبةً هاجَ كلّ شيءٍ كان نَبَت، فعند ذلك غُفِر له، وكانت خطيئته مكتوبةً بكفّه يقرؤُها، وكان يؤتَى بالإناءِ ليشربَ فلا يشربُ إلا ثلثَه أو نصفَه، وكان يذكُرُ خطيئته، فيَنْتَحِبُ (^٥) النَّحْبة تكادُ مفاصلُه يزولُ بعضُها مِن\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"حق\".\n(^٢) في ص: \"لن\".\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"وشم\".\n(^٤) أخرجه المروزى في تعظيم قدر الصلاة (٢٠) من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق قوله.\n(^٥) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"فينحب\".","vol":"20","page":73},{"text":"بعضٍ، ثم ما يُتِمُّ شرابَه حتى (^١) حتى يملأَه من دموعِه، وكان يقالُ: إن دمعةَ داودَ تَعْدِلُ دمعة الخلائقِ، ودمعةَ آدم تعدلُ دمعة داود ودمعة الخلائق. قال: فهو يجيءُ يومَ القيامة خطيئته مكتوبةٌ بكفِّه، فيقولُ: ربِّ ذنبي ذنبي، قَدِّمْني. قال: فيُقَدَّمُ، فلا يَأْمَنُ، فيقولُ: ربِّ أَخُرْنى. فيُؤَخِّرُ فلا يأمن (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني ابن لَهيعةَ، عن أبي صخرٍ، عن يزيد الرَّقاشيِّ، عن أنس بن مالك، سمعه يقولُ: سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: \"إن داود النبي ﷺ حين نَظَر إلى المرأةِ فَأَهِمَّ، قطَع على بني إسرائيلَ بَعْثًا (^٣) فأوصى صاحب البعث فقال: إذا حضر العدوّ، فقَرَّبْ فلانًا بينَ يَدَى التابوتِ. وكان التابوتُ في ذلك الزمانِ يُسْتَنْصَرُ به؛ مَن قُدِّمَ بينَ يَدَى التابوتِ لم يَرْجِعْ حتى يُقْتَلَ أو يَنْهَزِمَ عنه الجيشُ، فقُتِل زوج المرأة، ونزل الملكان على داودَ يَقُصَّانِ عليه قصته، ففَطِن داود، فسجد، فمكث أربعين ليلة ساجدا، حتى نبت الزرعُ مِن دموعِه على رأسه، وأكَلَت الأرضُ جَبينَه، وهو يقولُ في سُجُودِه -فلم أُحْصِ مِن الرَّقاشِيِّ إلا هؤلاء الكلمات-: رَبِّ، زَلَّ داودُ زَلَّةٌ أَبْعَدَ مِمَّا (^٤) بينَ المشرقِ والمغرب (^٥)، إن لم تَرْحَمْ ضعف داودَ وتَغْفِرْ ذنبه، جعلت ذنبه حديثا في\n_________\n(^١) في تاريخ المصنف: \"شربه\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٨٣. وأخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٥٢، وهناد في الزهد (٤٥٤) - من طريق ليث به نحوه مطولا. وذكره السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٠٤ بنحوه، وعزاه إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد\n(^٣) سقط من النسخ والدر المنثور، والمثبت من تاريخ المصنف. وقطع بعثا: أي أَفْرَدَ قومًا يَبْعَثُهم في الغزو ويُعَيِّنهم من غيرهم. ينظر النهاية ٤/ ٨٢.\n(^٤) في م: (ما).\n(^٥) بعده في ت ٢، وتفسير البغوى: \"رب\".","vol":"20","page":74},{"text":"الخُلُوفِ مِن بعدِه. فجاءه جبريلُ مِن بعدِ أربعين (^١) ليلةً، فقال: يا داودُ إن اللهَ قد غفر لك الهَمَّ الذى هَمَمْتَ به. فقال داودُ: قد (^٢) علمتُ أن الربَّ قادرٌ على أن يغفر لي الهَمَّ الذى هَمَمْتُ به، وقد عرَفتُ أن اللهَ عَدْلٌ لا يميلُ، فكيف بفلانٍ إذا جاء يومَ القيامةِ فقال: يا ربِّ دَمِى الذى عند داودَ؟ فقال جبريلُ: ما سألتُ ربَّك عن، ولئن شئتَ لأفْعَلَنَّ. قال: نعم. فعَرَج جبريلُ وسجَد داود، فمكَث ما شاء اللهُ، ثم نزَل فقال: قد سألتُ اللهَ يا داودُ عن الذى أَرْسَلْتَنى فيه. فقال: قُلْ لداودَ: إن اللهَ يَجْمَعُكما يومَ القيامة فيقولُ: هَبْ لي دمَك الذى عندَ داودَ. فيقولُ: هو لك يا ربِّ. فيقولُ: فإن لك في الجنةِ ما شئتَ وما اشتهيتَ عِوَضًا\" (^٣).\nحدَّثني عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بن مسلمٍ، قال: ثنا ابنُ جابرٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، أن كتابَ صاحبِ البعثِ جاء يَنْعِى مَن قُتِلَ، فَلَمَّا قَرَأَ داودُ نَعْيَ رجلٍ منهم رجَّع (^٤)، فلمَّا انتَهى إلى اسمِ الرجلِ قال: كتَب اللهُ على كلِّ نفسٍ الموتَ. قال: فلما انْقَضَتْ عِدَّتُها خَطَبها.\n\n<span id=\"aya-3995\"></span><span data-type='title' id=toc-7814>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ</span>\n_________\n(^١) في م: \"الأربعين\".\n(^٢) سقطت من م، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٨٣، ٤٨٤، وأخرجه البغوى في تفسيره ٧/ ٨٢ من طريق المصنف به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٠٠، ٣٠١ بنحوه مُضعِّفا إسناده إلى الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم. وينظر ما تقدم في صفحة ٦٦.\n(^٤) رجَّع: قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. يقال منه: رجَّع واسترجع. النهاية ٢/ ٢٠٢، والوسيط (ر ج ع)","vol":"20","page":75},{"text":"شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾.\nيعني تعالى ذكرُه بقوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: فَعَفَوْنا عنه، وصَفَحْنا له عن أن نُؤاخِذَه بخطيئته وذنبه ذلك، ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى﴾. يقولُ: وإِن له عندَنا لَلْقُرْبَةَ منَّا يومَ القيامةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\n[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: الذنب (^١).\nوقولُه: ﴿وَحُسْنَ مَتَابٍ﴾. يقولُ: مَرْجعٍ ومُنْقَلَبٍ ينقلبُ إليه يومَ القيامة.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك] (^٢)\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَحُسْنَ مَتَابٍ﴾. أي: حُسْنَ مصيرٍ (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٠٦ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١. وسقط من ت ٢ قوله: \"حدَّثنا بشرٌ، قال\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٠٦ إلى المصنف بلفظ: \"حسن المنقلب\".","vol":"20","page":76},{"text":"حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قوله: ﴿وَحُسْنَ مَئَابٍ﴾. قال: حسنَ المُنْقَلَبِ (^١).\n\n<span id=\"aya-3996\"></span>وقوله: ﴿يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقلنا لداودَ: يا داودُ إنا اسْتَخْلَفْناك في الأرضِ، مِن بعدِ مَن كان قبلَك مِن رُسُلِنَا، حَكَمًا بين أهلها.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾: مَلَّكَه في الأرضِ.\n[وقوله:] (^٢) ﴿فَاحْكُم بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾. يقول (^٣): بالعدل والإنصافِ، ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾. يقولُ: ولا تُؤْثِرُ هَواك، في قضائك بينهم، على [العدلِ والحقِّ] (^٤) فيه، فتَجُورَ عن الحقِّ، ﴿فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: فيميلَ بك اتِّباعُك هَواك، في قضائِك، على العدلِ والعملِ بالحقِّ - عن طريقِ اللهِ الذى جعَله لأهل الإيمان به، فتكونَ مِن الهالكين بضلالك عن سبيل الله.\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين يَميلون عن سبيلِ اللهِ، وذلك: الحقُّ الذى شرَعه لعبادِه وأمَرهم بالعمل به، فيجورُون عنه في الدنيا -لهم في الآخرة، يومَ الحسابِ، عذابٌ شديدٌ على ضلالِهم عن سبيلِ اللهِ؛ ﴿بِمَا نَسُوا﴾ أمرَ الله. يقولُ:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٥/ ٢٦٧، بزيادة: \"وهى الجنة\".\n(^٢) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"يعني\".\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣: \"الحق والعدل\".","vol":"20","page":77},{"text":"بما ترَكوا القضاءَ بالعدلِ، والعملَ بطاعةِ اللهِ [﴿يَوْمَ الْحِسَابِ﴾] (^١). و(^٢) \"يومَ الحسابِ\" من صلةِ العذابِ الشديدِ.\nوبنحو الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا العَوَّامُ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾. قال: هذا من التقديمِ والتأخيرِ، يقولُ: لهم يومَ الحسابِ عذابٌ شديدٌ بما نسُوا (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ قوله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾. قال: نسُوا: ترَكوا (^٤).\n\n<span id=\"aya-3997\"></span><span data-type='title' id=toc-7815>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما خلَقنا السماءَ والأرضَ وما بينهما عَبَثًا ولعبًا (^٥)، ما خلَقناهما إلا ليُعْمَلَ فيهما بطاعتِنا، ويُنتهى إلى أمرِنا ونَهْينا.\n_________\n(^١) ليس في: م، ت، ت ٣.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٠٦ إلى المصنف.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٥٤.\n(^٥) في م: \"لهوا\".","vol":"20","page":78},{"text":"﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقول: [إن ظنًّا] (^١) أنا خلَقنا ذلك باطلا ولَعِبًا ظَنُّ الذين كفروا بالله فلم يوحِّدوه، ولم يعرفوا عظمته، وأنَّه لا ينبغى (^٢) أن يَعْبَثَ، فيَتَيقَّنوا بذلك أنه لا يخلُقُ شيئًا باطلًا، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾. يعنى: مِن نارِ جهنمَ.\n\n<span id=\"aya-3998\"></span>وقوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: أنجعَلُ (^٣) الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه وعمِلوا بما أمَر الله به، وانتهوا عما نهَاهم، ﴿كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: كالذين يُشرِكون بالله ويعضُونه ويُخالفون أمرَه ونهيَه، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: الذين اتَّقوا الله بطاعته وراقَبوه، فحَذِروا معاصيَه، ﴿كَالْفُجَّارِ﴾. يعني: كالكفارِ (^٤) المُنتَهِكِين حرماتِ اللهِ.\n\n<span id=\"aya-3999\"></span>وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمد ﷺ: [وهذا القرآن] (^٥) كتابٌ أنزَلناه إليك يا محمدُ مباركٌ، ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾. يقولُ: ليتَدبَّروا حُجَجَ اللهِ التى فيه، وما شرَع فيه مِن شرائعِه، فيَتَّعِظوا ويعمَلوا به.\nواختلفت القرأة في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ القرأةِ: ﴿لِّيَدَّبَّرُوا﴾ بالياءِ، يعني: ليتَدَبَّرَ هذا القرآنَ مَن أرَسلناك إليه مِن قومِك يا محمدُ. وقَرأه أبو جعفرٍ وعاصمٌ: (لِتَدَبَّرُوا آياته) بالتاءِ (^٦)، بمعنى: لتَتَدبَّرَه (^٧) أنت يا محمدُ وأتباعُك.\n_________\n(^١) في م: \"أي ظن\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"أي ظنا\".\n(^٢) بعده في ت ٢: \"له\".\n(^٣) في ت ٢: \"أم نجعل\".\n(^٤) في ت ٢: \"كالفجار\".\n(^٥) ليس في: ص، ت ١.\n(^٦) قراءة ﴿ليدبروا﴾ بالياء وتشديد الدال هى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي ويعقوب وخلف، وقراءة (لتدَبروا) بالتاء وتخفيف الدال هى قراءة أبي جعفر وجاء كذلك عن عاصم في رواية الكسائي وحسين عن أبي بكر، وينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٥٣، والبحر المحيط ٧/ ٣٩٥، ٣٩٦، والنشر في القراءات العشر ٢/ ٢٧٠، والإتحاف ص ٢٢٩.\n(^٧) فى ت ٢، ت ٣: \"لتتدبر\".","vol":"20","page":79},{"text":"وأَولى القراءتَين عندَنا بالصوابِ في ذلك أن يقالَ: إنهما قراءتان مَشْهورتان صَحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.\n﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبَاب﴾. يقولُ: وليعتبرَ أولو العقولِ والحِجا ما في هذا الكتابِ من الآياتِ، فيَرْتدعوا عما هم عليه مُقيمون مِن الضلالةِ، ويَنْتَهُوا إلى ما دَلَّهم عليه مِن الرشادِ وسبيلِ الصوابِ.\nوبنحو الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿أُولُوا الأَلْبَبِ﴾ قال أهل التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أُولُوا الأَلْبَابِ﴾. قال: أَولو العقولِ مِن الناسِ.\nوقد بَيَّنا ذلك فيما مضَى قبلُ بشواهدِه، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\n\n<span id=\"aya-4000\"></span><span data-type='title' id=toc-7816>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾ ابنَه ولدًا، [﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾. يقولُ (^٢): نعم العبدُ سليمانُ، ﴿إنَّهُ أَوَّابٌ﴾. يقولُ: إنه رجَّاعٌ إلى طاعةِ اللَّهِ،\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٣/ ١٢٣.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١.","vol":"20","page":80},{"text":"توَّابٌ إليه مما يكرهُه منه. وقيل: إنه عُنى به أنه كثيرُ الذكرِ للهِ والصلاةِ (^١).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. قال: الأَوَّابُ المُسبِّحُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. قال: كان مُطِيعًا للهِ، كثيرَ الصلاةِ (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّى قولَه: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. قال: المُسَبِّحُ (^٣).\nوالمُسبِّح قد يكون في الصلاةِ والذكرِ، وقد بَيَّنَّا معنى الأوَّابِ، وذكَرنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيه فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه هاهنا (^٤).\n\n<span id=\"aya-4001\"></span>وقولُه: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: إنه توَّابٌ (^٥) إلى اللهِ مِن خطيئتِه التى أخْطأها إذْ عُرض عليه بالعشيِّ الصافناتُ] (^٦). ف ﴿إِذْ﴾ مِن صلة ﴿أَوَّابٌ﴾، والصَّافنات جمعُ الصَّافِنِ من الخيل، والأنثى صافِنةٌ، والصافن منها عند بعضِ العرب: الذى يجمعُ بين يديه، ويَثْنِي طَرَفَ سُنْبُكِ إحدَى رجلَيه، وعندَ آخرين: الذي يجمعُ يدَيه، وزعَم الفراءُ أن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"الطاعة\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٠٩ إلى المصنف وعبد بن حميد. وستأتى تتمته في ص ٨٢، ٨٤.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٤٣.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ٤٢ وما بعدها.\n(^٥) في ت ٣: \"أواب\".\n(^٦) سقط من: ص، ت ١.","vol":"20","page":81},{"text":"الصافنَ هو القائمُ، يقالُ منه: صَفَنَتِ الخيلُ تَصْفِنُ صُفُونًا (^١).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول اللهِ: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجَيَادُ﴾. قال: صُفُونُ الفرسِ رَفْعُ إحدى يَدَيْه، حتى يَكونَ على طرفِ الحافِرِ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: صَفَن الفرسُ: رفع إحدَى يدَيه، حتى يكونَ على طرَفِ الحافِرِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾. يعنى: الخيلَ، وصُفُونُها: قيامُها وبَسْطُها قوائمها (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿الصَّافِنَاتُ﴾. قال: الخيلُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾. قال: الخيلُ، أخرجها الشيطان لسليمانَ، مِن مَرْج مِن مُرُوج البحر. قال: الخيلُ والبغالُ والحميرُ تَصْفِنُ، والصَّفْنُ أن تقومَ على ثلاثٍ، وترفعَ رجْلًا واحدةً، حتى يكونَ طرَفُ الحافِرِ على الأرضِ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿الصَّافِنَاتُ﴾:\n_________\n(^١) ينظر معاني القرآن ٢/ ٤٠٥.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٧٤ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٠٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تتمة الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ١٩٤ إلى قوله: \"مروج البحر\".","vol":"20","page":82},{"text":"الخيلُ، وكانت لها أجنحةٌ. وأما ﴿الْجِيَادُ﴾ فإنها السِّراعُ، واحدُها جوادٌ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الْجِيَادُ﴾: السِّراعُ (^١).\nوذُكر أنها كانت عشرين فَرَسًا ذواتِ أجنحةٍ.\nذكرُ الخبرِ بذلك\nحدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا مُؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبيه، عن إبراهيمَ التَّيْمِيِّ في قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾. قال: كانت عشرين فرسًا ذواتِ أجنحةٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4002\"></span>وقوله: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾. وفى هذا الكلام محذوفٌ استغنى بدلالةِ الظاهرِ عليه مِن ذكرِه: فلهِىَ عن الصلاةِ حتى فاتَتْه، فقال: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾.\nويعنى بقوله: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾. أي: أحببتُ حبًّا للخيرِ، ثم أُضيف الحبُّ إلى الخيرِ. وعُنِى بالخير في هذا الموضعِ الخيلُ. والعربُ فيما بلَغنى تُسَمِّى الخيلَ الخيرَ، والمالُ أيضًا يُسَمُّونه الخيرَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٧٤. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٠٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٥٦ عن المصنف، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٠٩ بلفظ: \"عشرين ألف فرس\"، وعزاه إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"20","page":83},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾. أي: المالُ والخيلُ، أو الخيرُ مِن المالِ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيان، [عن السُّدِّيِّ] (^٢): ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾. قال: الخيلُ.\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّى قوله: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾. قال: المالُ (^٣).\nوقوله: ﴿عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾. يقولُ: إنى أحببتُ حُبَّ الخيرِ، حتى سَهَوتُ عن ذكرِ ربِّي، وأداءِ فريضتِه (^٤). وقيل: إن ذلك كان (^٥) صلاة العصرِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾: عن صلاة العصر (^٦).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّى: ﴿عَن ذِكْرِ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٠٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٥١٢، وأبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٣٩٦.\n(^٤) في ص، ت ١: \"فرائضه\".\n(^٥) بعده في ت ٢ ت ٣: \"في\".\n(^٦) تتمة الأثر المتقدم في ص ٨١.","vol":"20","page":84},{"text":"رَبِّي﴾. قال: صلاةِ العصرِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبو زُرعةَ، قال: ثنا حيوةُ بنُ شريحٍ، قال: أخبرنا أبو صخرٍ، أنه سمع أبا معاويةَ البَجَليَّ مِن أهل الكوفةِ يقولُ: سمعتُ أبا الصَّهباء البكريَّ يقولُ: سألتُ عليَّ بن أبى طالبٍ عن الصلاةِ الوسطَى، فقال: هى العصرُ، وهى التى فُتِن بها سليمانُ بن داودَ (^٢).\nوقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾. يقولُ: حتى تَوارتِ الشمسُ بالحجابِ، يعني: تَغيَّبت في مَغِيبها.\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ (^٣)، قال: ثنا ميكائيلُ، عن داودَ بن أبى هندٍ، قال: قال ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾. قال: تَوارَت الشمسُ من وراءِ ياقوتةٍ خضراءَ، فخُضْرة السماءِ منها (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَاب﴾: حتى دَلَكَتْ بَرَاحِ (^٥). قال قتادةُ: فوالله ما نازعَته بنو إسرائيلَ ولا كابَروه، ولكن وَلَّوه من ذلك ما ولَّاه اللهُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾: حتى غابَت.\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٥١٢.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٤/ ٣٤٣، ٣٤٤.\n(^٣) بعده في ص، ت ١: \"عن ابن إسحاق\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٠٩ إلى المصنف وابن إسحاق.\n(^٥) بَراحِ بوزن قطامِ: من أسماء الشمس. النهاية ١/ ١١٤.","vol":"20","page":85},{"text":"<span id=\"aya-4003\"></span>وقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾. يقولُ: رُدُّوا عليَّ الخيلَ التي عُرضت عليَّ، فشَغَلَتني عن الصلاة، فكُرُوها عليَّ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾. قال: الخيلَ.\nوقوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾. يقولُ: فجعَل يمسحُ منها السُّوقَ -وهي جمعُ الساقِ- والأعناقَ.\nواختلَف أهلُ التأويل في معنى مَسْحِ سليمانَ بسُوقِ هذه الخيل الجيادِ وأعناقِها؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: أنه عقَرها وضرَب أعناقَها، مِن قولِهم: مَسَح علاوتَه. إذا ضرَب عُنُقَه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والْأَعْنَاقِ﴾. قال: قال الحسنُ: قال (^١): لا، واللهِ لا تَشْغَلَيني عن عبادة ربي آخِرَ ما عليكِ. قال: قولُهما فيه -يعنى قتادةَ والحسنَ- قال: فكَشَف عراقيبَها، وضرَب أعناقها (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾: فضرَب سوقَها وأعناقَها.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه المروزى في تعظيم قدر الصلاة (١٨) من طريق شيبان عن قتادةَ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٠٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. وينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٥٧، وفتح البارى ٦/ ٤٥٩، وأحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٥٨.","vol":"20","page":86},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزيعٍ، قال: ثنا بشرٌ بن المفضلِ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: أمر بها فعُقِرت.\nوقال آخرون: بل جعَل يمسحُ أعرافَها وعراقيبَها بيدِه؛ حُبًّا لها\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾. يقولُ: جعل يمسحُ أعراف الخيلِ وعراقيبَها؛ حُبًّا لها (^١).\nوهذا القولُ الذي ذكَرناه عن ابن عباسٍ أشبه بتأويل الآيةِ؛ لأن نبيَّ اللَّهِ لَم يَكُنْ إن شاء الله ليعذِّبَ حيوانًا بالعَرْقبةِ، ويُهلك مالًا من ماله بغيرِ سببٍ، سِوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظرِ إليها، ولا ذنبَ لها [في اشتغاله] (^٢) بالنظرِ إليها.\n\n<span id=\"aya-4004\"></span><span data-type='title' id=toc-7817>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد ابتَلَينا سليمانَ، وألقينا على كُرْسِيِّه جسدَ شيطانٍ مُمَثَّل بإنسانٍ، ذكروا أن اسمَه صخرٌ. وقيل: إن اسمه آصَفُ. وقيل: إن اسمَه آصر. وقيل: إن اسمَه حبقيقُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٩٧، والإتقان ٢/ ٤٠ - من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٠٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في م: \"باشتغاله\".","vol":"20","page":87},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَأَلْقيْنَا عَلَى كُرسِيِّهِ جَسَدًا﴾. قال: هو صخرٌ الجِنِّيُّ، تمثل على كُرْسِيِّه جسدًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾. قال: الجسدُ الشيطانُ الذى كان دفَع إليه سليمانُ خاتمَه فقذَفه في البحرِ، وكان مُلْكُ سليمانَ في خاتمِه، وكان اسمَ الجنيِّ صخرٌ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسن: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾. قال: شيطانًا (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشار، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبير: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾. قال: شيطانًا (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشار، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾. قال: شيطانًا يقال له: آصرُ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى (^٥) عن ابنِ أبى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٠ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم، وينظر الإتقان ٢/ ٤٠.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٢ إلى المصنف.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٥٧.\n(^٤) ذكره الحافظ في الفتح ٦/ ٤٥٩ وعزاه إلى المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٢ إلى المصنف وفيه \"آصف\".\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١: \"وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا\".","vol":"20","page":88},{"text":"نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿[وَأَلْقِينَا] (^١) عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾. قال: شيطانا يقال له: آصفُ. فقال له سليمانُ: كيف تَفْتِنون الناس؟ قال: أَرِنى خاتَمَكَ أُخْبِرُك. فلما أعطاه إيَّاه نبَذه آصفُ في البحرِ، فساح سليمانُ وذهَب مُلْكُه، وقعَد آصفُ على كُرسيِّه، ومنعه اللهُ نساءَ سليمانَ، فلم يَقْرَبُهِنَّ (^٢) وأنكَرْنه، قال: فكان سليمانُ يَسْتَطْعِمُ فَيَقولُ: أَتَعْرِفُونى؟ أَطْعِمُونى، أنا سليمانُ. فيُكَذِّبُونه، حتى أَعْطَتْه امرأةٌ يومًا حوتًا يُطيب بطنَه، فوجد خاتمه في بطنِه، فرجع إليه مُلْكُه، وفرَّ آصف فدخَل البحرَ فارًّا (^٣).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، غيرَ أنه قال في حديثِه: [ومنَعه الله نساءَ سليمان فلم يقربهن. وقال أيضًا في حديثه] (^٤): فيقولُ: لو تَعْرِفونى أَطْعَمْتُمونى (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾. قال: حدَّثنا قتادةُ أن سليمانَ أُمر ببناءِ بيت المقدس، [فقيل له: ابنه] (^٦) ولا يُسْمَعُ فيه صوتُ حديد. قال: فطلب ذلك فلم يَقْدِرُ عليه. فقيل له: إن شيطانا في البحرِ يُقال له: صَخرٌ. شَبَهُ المارد. قال: فطلَبه: وكانت عينٌ في البحرِ يَرِدُها في كلِّ سبعة أيام مرةً، فنزح ماؤُها، وجُعِل فيها خمرٌ، فجاء يومُ وروده، فإذا هو بالخمرِ، فقال: إنكِ لشرابٌ طيِّبٌ، إلا أنك تُصْبِين الحليمَ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت، ت ٣.\n(^٢) في م: \"يقربنه\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١.\n(^٥) في ص، ت ٢، ت ٣: \"أطعموني\". والأثر في تفسير مجاهد ص ٥٧٤.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١.","vol":"20","page":89},{"text":"وتَزيدين الجاهلَ جهلًا. قال: ثم رجَع حتى عطِش عطشًا شديدًا، ثم أتاها فقال: إنكِ لشرابٌ طيبٌ، إلا أنك تُصْبِين الحليمَ وتَزيدين الجاهلَ جهلًا. قال: ثم شَرِبها حتى غلَبت على عقلِه، قال: فأُرِى الخاتمَ أو خُتِم به بين كتفيه، فذلَّ، قال: فكان مُلكُه في خاتمِه، فأتى به سليمانُ، فقال: إنَّا قد أمِرْنا ببناءِ هذا البيتِ، وقيل لنا: لا يُسْمَعَنَّ فيه صوتُ حديدٍ. قال: فأتى ببيض الهدهدِ، فجعَل عليه زجاجةً. فجاء الهدهُد، فدار حولَها، فجعَل يَرَى بيضه ولا يَقْدِرُ عليه، فذهب فجاء بالماسِ، فوضعه عليه، فقطَعها به، حتى أفضَى إلى بيضِه، فأخذ الماسَ، فجعلوا يَقْطَعون به الحجارةَ، فكان سليمانُ إذا أراد أن يَدْخُلَ الخلاء أو الحمَّامَ لم يَدْخُلُ بخاتمِه، فانطَلَق يومًا إلى الحمَّامِ، وذلك الشيطانُ صخرٌ معه، وذلك عند مقارفةِ ذنب قارَف فيه بعضَ نسائِه. قال: فدخَل الحمَّامَ (^١)، وأعطى الشيطانَ خاتمَه، فألقاه (^٢) في البحرِ، فالتقمَته سمكةٌ، ونُزع مُلكُ سليمانَ منه، وأُلْقِى على الشيطانِ شَبَه سليمان. قال: فجاء فقعد على كرسيِّه وسريره، وسُلِّط على مُلكِ سليمان كله غيرَ نسائِه. قال: فجعَل يَقْضى بينَهم، وجعلوا يُنكرون منه أشياءَ، حتى قالوا: لقد فُتِن نبيُّ الله. وكان فيهم رجلٌ يُشَبِّهونَه بعمرَ بن الخطَّابِ في القوَّةِ، فقال: واللَّهِ لأُجَرِّبَنَّه. قال: فقال له: يا نبيَّ الله، وهو لا يرى إلا أنه نبيُّ الله، أحدنا تُصيبه الجنابة في الليلة الباردة، فيَدَعُ الغُسْل عمدًا حتى تَطْلُعَ الشمسُ، أَتَرى عليه بأسًا؟ قال: لا. قال: فبينا هو كذلك أربعين ليلةً حتى وجد نبيُّ اللهِ خاتمه في بطنِ سمكةٍ، فأقبل فجعَل لا يَسْتَقْبِلُه جنيٌّ ولا طيرٌ إلا سجَد له، حتى انتهَى إليهم: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾. قال: هو الشيطانُ صخرٌ (^٣).\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"يوما\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"فألقى\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٥٨ عن سعيد بن أبي عروبة به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦٤ ومصنفه (٩٧٥٣) عن معمر عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١١، ٣١٢ إلى عبد =","vol":"20","page":90},{"text":"حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾. قال: لقد ابْتَلَيْناه، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾. قال: الشيطان حين جلس على كرسيِّه أربعين يوما. قال: كان لسليمان مائة امرأةٍ، وكانت امرأةٌ مِنْهن يُقال لها: جرادةُ. وهى آثر (^١) نسائِه عندَه، وآمَنُهنَّ عندَه، وكان إذا أجنَب أو أتى حاجةً نزَع خاتمَه، ولم يَأْتَمِن عليه أحدًا من الناسِ غيرَها، فجاءته يومًا من الأيامِ، فقالت: إن أخى بينَه وبينَ فلان خصومةٌ، وأنا أحبُّ أن تَقْضِيَ له إذا جاءك. فقال لها: نعم. ولم يَفْعَلْ، فابتُلِى فأعطاها خاتمه، ودخَل المخرجَ، فخرَج الشيطانُ في صورتِه، فقال (^٢): هاتى الخاتَم. فأعطَته، فجاء حتى جلَس على مَجْلِسِ سليمانَ، وخرَج سليمانُ بعد، فسألها أن تُعْطِيه خاتمه، فقالت ألم تَأْخُذْه قبلُ؟ قال: لا. وخرج من (^٣) مكانه تائهًا، قال: ومكَث الشيطانُ يَحْكُمُ بينَ الناسِ أربعين يومًا. قال: فأنكر الناسُ أحكامَه، فاجتمع قرأةُ بني إسرائيلَ وعلماؤهم، فجاءوا حتى دخَلوا على نسائِه، فقالوا: إنَّا قد أنكَرْنا هذا، فإن كان سليمانَ، فقد ذهَب عقلُه، وأنكَرْنا أحكامَه. قال: فبكى النساءُ عند ذلك. قال: فأقبَلوا يَمشون حتى أَتَوه، فأحدقوا به، ثم نَشَروا فقرءوا التوراةَ. قال: فطار من بين أيديهِم حتى وقَع على شرفةٍ والخاتم معه، ثم طار حتى ذهَب إلى البحرِ، فوقع الخاتم منه في البحرِ، فابتلعه حوتٌ من حِيتانِ البحرِ. قال: وأقبل سليمان في حالِه التي كان فيها حتى انتَهى إلى صيَّادٍ من صيَّادِى البحر وهو جائعٌ، وقد اشتدَّ جوعُه، فاستطعَمه (^٤) مِن صيدِهم (^٥). قال: إني أنا سليمانُ. فقام إليه\n_________\n=ابن حميد وابن المنذر. وستأتي تتمته في ص ٩٣.\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبر\".\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١: \"لها\".\n(^٣) سقط من: النسخ.\n(^٤) في م: \"فاستطعمهم\".\n(^٥) في ت ١: \"صيده\".","vol":"20","page":91},{"text":"بعضُهم فضربه بعضًا فشجَّه، فجعَل يَغْسِلُ دمه وهو على شاطئ البحرِ، فلام الصيَّادون صاحبَهم الذى ضرَبه، فقالوا: بئس ما صنعت حيثُ ضَرَبْتَه. قال: إنه زعَم أنه سليمانُ. قال: فأعطَوه سمَكتَيْنِ، مما قد مذِر (^١) عندَهم، فلم يَشْغَلْه ما كان به من الضرب (^٢) حتى قام إلى شطِّ البحرِ، فشقَّ بطونَهما، وجعَل يَغْسِلُ، فوجَد خاتمه في بطنِ إحداهما، فأخَذه فلبِسه، فردَّ اللهُ عليه بهاءَه ومُلْكَه، وجاءت الطيرُ، حتى حامَت عليه، فعرَف القومُ أنه سليمانُ، فقام القومُ يَعْتَذِرون مما صنَعوا، فقال: ما أَحْمَدُكم على عذرِكم، ولا أَلومُكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بدَّ منه. قال: فجاء حتى أتى، مُلْكَه، فأرسَل إلى الشيطانِ، فجيء به، وسُخِّر له الريحُ والشياطينُ يومئذٍ، ولم تَكُنْ سخّرت له قبلَ ذلك، وهو قولُه: ﴿وَهَبْ لِي مُلكًا لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِى إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾. قال: وبعَث إلى الشيطانِ، فأُتِى به (^٣)، فأمرَ به فجُعِل في صندوق من حديدٍ، ثم أطبق عليه، فأقفَل عليه بقُفْلٍ، وختَم عليه بخاتمِه، ثم أمَر به، فأُلقى في البحرِ، فهو فيه حتى تَقُومَ الساعةُ، وكان اسمُه حبقيقَ (^٤).\nوقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ سليمانُ، فرجَع إلى ملكِه من بعدِ ما زال عنه ملكُه فذهَب.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"صدر\". ومذر: فسد. اللسان (م ذ ر).\n(^٢) في ص، م: \"الضرر\"، وفى ت ١: \"الضر\".\n(^٣) بعده في ص: \"في صندوق فأتى به\".\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٩٩ - ٥٠١.","vol":"20","page":92},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثْتُ عن المحاربيِّ، عن عبدِ الرحمنِ، عن جوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾. قال: دخل سليمانُ على امرأةٍ تَبِيعُ السمكَ، فاشترى منها سمكةً فشقَّ بطنَها، فوجد خاتمه فجعَل لا يَمُرُّ على شجرةٍ (^١) ولا على (^٢) حجرٍ ولا شيءٍ إلا سجَد له، حتى أتى مُلْكَه وأهلَه، فذلك قولُه: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾. يقولُ: ثم رجَع (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، وأقبَل، يعني: سليمانُ (^٤).\n\n<span id=\"aya-4005\"></span>قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلكًا لَّا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال سليمان راغبًا إلى ربِّه: ربِّ استُرْ عليَّ ذنبي الذي أذنَبْتُ بيني وبينك، فلا تعاقبنى به، ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لا يَسْلُبْنِيه أحدٌ كما سلَبنيه قبل هذا (^٥) الشيطانُ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِى﴾. يقولُ: مُلْكًا لا أُسلَبُه كما سُلِبتُه (٤).\n_________\n(^١) في م: \"شجر\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٣ إلى المصنف.\n(^٤) تتمة الأثر المتقدم في ص ٨٩، ٩٠.\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣: \"هذه\".","vol":"20","page":93},{"text":"وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يُوجِّهُ معنى قوله: ﴿لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ إلى: أن لا يكون لأحدٍ من بعدِى، كما قال ابنُ أحمرَ (^١):\nما أُمُّ غُفْرٍ على دَعْجَاءِ ذى عَلَقٍ … يَنْفى القراميدَ عنها الأَعصَمُ الوَقِلُ\nفي رأسِ خَلْقاءَ (^٢) من عَنْقاءَ مُشْرِفَةٍ … لا يَنْبَغِي (^٣) دونَها سَهْلٌ ولا جَبَلٌ\nبمعنى: لا يكونُ فوقها سهلٌ ولا جبلٌ أحصنَ منها.\nوقوله: ﴿إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾. يقولُ: [إنك وهابُ] (^٤) ما تَشاءُ لمن تَشَاءُ، بيدِك خزائنُ كلّ شيءٍ، تَفْتَحُ مِن ذلك ما أردتَ لمن أردتَ.\n\n<span id=\"aya-4006\"></span><span data-type='title' id=toc-7818>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فاستجَبْنا له دعاءه، فأعطيناه مُلكًا لا يَنْبَغى لأحدٍ مِن بعده، ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ مكانَ الخيلِ التي شغَلته عن الصلاةِ، ﴿تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾. يعنى: رَخوةً ليِّنةً، وهى من الرَّخاوةِ.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بَزِيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ، أَنَّ نبيَّ اللهِ سليمانَ لما عُرِضت عليه الخيلُ، فشغَله النظرُ إليها عن صلاةِ العصرِ حتى توارَتْ بالحجابِ، فغضِب للهِ، فأمر بها فعُقِرت، فأبدَلَه الله مكانَها أسرعَ منها؛ سخَّر الريحَ تجرِى بأمرِه رُخاءً حيثُ شَاءَ، فكان يَغدو من إيلياءَ\n_________\n(^١) البيت الأول في اللسان (د ع ج، ع ل ق)، والبيت الثاني تقدم في ١٥/ ٥٣٨، ٦٤١.\n(^٢) في م: \"حلقاء\".\n(^٣) في ت ١: \"يبتغى\".\n(^٤) سقط من: ت ١، وبعده في ص: \"أنت\"، وبعده في ت ٣: \"أنت أنت\".","vol":"20","page":94},{"text":"ويَقِيلُ بقَزْوِينَ، ثم يَرُوحُ من قزوينَ ويَبِيتُ بكابُلَ (^١).\nحدثت عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾: فإنه دعا يومَ دعا، ولم يَكُنْ في مُلكه الريحُ وكلُّ بنّاءٍ وعَوَّاصٍ من الشياطين، فدعا ربَّه عند توبته واستغفارِه، فوهَب الله له ما سأل، فتمَّ مُلكه.\nواختلف أهل التأويل في معنى الرُّخاءِ؛ فقال فيه بعضُهم نحو الذي قلنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7819>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾. قال: طَيِّبةً.\nحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد بنحوه (^٢).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾. قال: سريعةً طيبةً. قال: ليست بعاصفٍ ولا بطيئةٍ (^٣).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿رُخَاءً﴾. قال: الرُّخاءُ اللَّيِّنة (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٢٧ عن معمر عن الحسن بنحوه، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٤ إلى قوله: حيث شاء بمعناه، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر. والشطر الثاني ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٥١٦.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٧٥.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٥١٦.","vol":"20","page":95},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسنِ في قولِ ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾. قال: ليست بعاصفةٍ، ولا الهيِّنةِ، بينَ (^١) ذلك رُخاءٌ (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: مُطيعةٌ لسليمانَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7820>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿رُخَاءً﴾. يقولُ: مُطيعةً له (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾. قال: يعنى بالرُّخاءِ: المطيعةَ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾. قال: مُطيعةً (^٥).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يَقولُ في قولِه: ﴿رُخَاءً﴾. يقولُ: مطيعةً (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿رُخَاءً﴾. قال: طوعًا (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٦٦ من طريق قرة به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٣١٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في الإتقان ٢/ ٤٠ - من طريق أبي صالح به.\n(^٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٢/ ٢٦٩، ٢٧٠ من طريق أبي صالح (باذام) عن ابن عباس.\n(^٥) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٢/ ٢٧٠ من طريق قتادة عن الحسن. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٤ إلى ابن المنذر.\n(^٦) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٥١٦.","vol":"20","page":96},{"text":"وقوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾. يقولُ: حيثُ أراد، من قولِهم: أصاب اللهُ بك خيرًا. أي: أراد اللهُ بك خيرًا.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7821>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾. يقولُ: حيثُ أراد (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾. يقولُ: حيثُ أراد انتَهى عليها (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾. قال: حيثُ شاء (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو النعمانِ الحكمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾. قال: حيثُ أراد (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾.\nقال: إلى حيثُ أراد (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٠ - من طريق أبي صالح به.\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٢٢/ ٢٧٠ من طريق أبي صالح عن ابن عباس.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٧٥.\n(^٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٢٢/ ٢٧٠ من طريق قتادة عن الحسن. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٤ إلى ابن المنذر.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦٦ عن معمر عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":97},{"text":"حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾. يقولُ: حيثُ أراد (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن مُنبِّهٍ: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: أي حيثُ أراد (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾. قال: حيثُ أراد (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾. قال: حيثُ أراد.\n\n<span id=\"aya-4007\"></span>وقولُه: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وسخَّرْنا له الشياطينَ، فسلَّطناه عليها مكانَ ما ابتلَيْناه بالذي ألقَيْنا على كرسيِّه منها، يَسْتَعْمِلُها فيما شاء من أعمالِه، من بنَّاءٍ وغَوَّاصٍ، فالبُناةُ منها يَصْنَعون مَحاريبَ وتماثيلَ، والغاصَةُ يَسْتَخْرِجون له الحُلِيَّ من البحارِ، وآخرون يَنْحِتون له جِفانًا وقُدُورًا، والمردةُ في الأغلالِ مُقَرَّنون.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾. قال: يَعْمَلون له ما يشاءُ من محاريبَ وتماثيلَ، ﴿وَغَوَّاصٍ﴾ يَسْتَخْرِجون الحُلِيَّ من البحرِ، ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. قال: مَرَدَةَ الشياطينِ في الأغلالِ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٣٩٨.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٥١٦.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٤ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":98},{"text":"حُدِّثتُ عن المحاربيِّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾. قال: لم يَكُنْ هذا في مُلْكِ داودَ، أعطاه اللهُ مُلكَ داودَ وزاده الريحَ والشياطينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وغوّاصٍ.\n\n<span id=\"aya-4008\"></span>﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. يقولُ: في السلاسلِ.\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿الْأَصْفَادِ﴾. قال: تَجْمَعُ اليدينِ إلى عنقِه (^١).\nوالأصفادُ جمعُ \"صَفَدٍ\"، وهى الأغلالُ.\n\n<span id=\"aya-4009\"></span>وقولُه: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.\nاختلَف أهلُ التأويلِ في المشارِ إليه بقولِه: ﴿هَذَا﴾ من العطاءِ، وأيُّ عطاءٍ أُرِيد بقولِه: ﴿عَطَاؤُنَا﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى به (^٢) الملكُ الذي أعطاه اللهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7822>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال: قال الحسنُ: الملكُ الذي أعطَيْناك، فأَعْطِ ما شئْتَ، وامنَعْ (^٣) ما شئتَ (^٤).\nحُدِّثتُ عن المحاربيِّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾: هذا مُلْكُنا (^٥).\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٥١٧.\n(^٢) في ص، ت ١: \"بذلك\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"أمسك\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) تفسير القرطبي ١٥/ ٢٠٦.","vol":"20","page":99},{"text":"وقال آخرون: بل عُنِى بذلك تسخيرُه له الشياطينَ. قالوا: ومعنى الكلامِ: هذا الذي أعطَيْناك من كلِّ بنَّاءٍ وغَوَّاصٍ، من الشياطينِ وغيرِهم، عطاؤُنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-7823>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال: هؤلاء الشياطينُ، احبِسْ مَن شئْتَ منهم في وَثاقِك وفي عذابِك، أو سرِّحْ مَن شئْتَ منهم تَتَّخِذْ عندَه يدًا، اصنَعْ ما شئْتَ (^١).\nوقال آخرون: بل ذلك ما كان أُوتى من القوَّةِ على الجِماعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7824>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثتُ عن أبي يوسفَ، عن سعدِ (^٢) بن طريفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان سليمانُ في ظهرِه ماءُ مِائَةِ رجلٍ، وكان له ثلاثُمِائةِ امرأةٍ، وتسعُمِائةِ سُرِّيَّةٍ، ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^٣).\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندِى بالصوابِ القولُ الذي ذكَرْناه عن الحسنِ والضحَّاكِ، من أنه عَنَى بالعطاءِ ما أَعْطَاه من المُلْكِ تعالى ذكرُه؛ وذلك أنه جلَّ ثناؤُه ذكَر ذلك عَقِيبَ خبرِه عن مسألةِ نبيِّه سليمانَ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه إياه مُلْكًا لا يَنْبَغي لأحدٍ من بعدِه، فأخبرَ أنه سخَّر له ما لم يُسَخِّرْ لأحدٍ من بني آدمَ، وذلك تسخيرُه له الريحَ والشياطينَ على ما وصَف (^٤)، ثم قال له عزَّ ذكرُه: هذا الذي\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ١٥/ ٢٠٧.\n(^٢) في ص، م، ت ٣: \"سعيد\". ينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٢٧١.\n(^٣) تفسير القرطبي ٥/ ٢٠٦.\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣: \"وصفت\".","vol":"20","page":100},{"text":"أعطَيْناك من المُلكِ، وتسخيرِنا ما سخَّرنا لك - عطاؤُنا، وهِبَتُنا (^١) لك ما سأَلْتَنا أن نَهِبَه لك من المُلكِ الذي لا يَنْبَغى لأحدٍ من بعدِك، ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فأَعْطِ مَن شئْتَ ما شئتَ من المُلكِ الذي آتيناك، وامنَعْ من شئتَ منه ما شئتَ، لا حسابَ عليك في ذلك (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-7825>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: المُلكُ الذي أعطَيْنَاكَ، فَأَعْطِ ما شئْتَ وامنَعْ ما شئْتَ، فليس عليك (^٣) تَبِعةٌ ولا حسابٌ (^٤).\nحُدِّثتُ عن المحاربيِّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: سأل مُلكًا هنيئًا (^٥)، لا يُحاسَبُ به يومَ القيامةِ، فقال: ما أَعطيتَ وما أَمْسَكْتَ، فلا حرَجَ عليك (^٦).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال: أَعْطِ أو أَمْسِكْ، فلا حسابَ عليك (^٧).\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"وهبنا\".\n(^٢) بعده في ت ١: \"ولا حرج\".\n(^٣) في ص: \"عليه\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٩٩.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"هينا\".\n(^٦) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٥١٧.\n(^٧) تفسير الثورى ص ٢٥٨. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":101},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَامْنُنْ﴾. قال: أعْطِ أو أَمسِكْ بغيرِ حسابٍ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أَعْتِقْ مِن هؤلاء الشياطينِ - الذين سخَّرناهم لك من الخدمةِ أو من الوَثاقِ، ممن كان منهم مُقَرَّنًا في الأصفادِ - مَن شئتَ، واحبِسْ مَن شئتَ، فلا حرَجَ عليك في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-7826>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. يقولُ: هؤلاء الشياطينُ، احبِسْ مَن شئْتَ منهم في وثاقِك وفي عذابِك، وسرِّحْ مَن شئْتَ منهم تتَّخِذْ عندَه يدًا، اصنَعْ ما شئْتَ لا حسابَ عليك في ذلك (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. يقولُ: أَعتِقْ من الجنِّ مَن شئْتَ، وأَمسِكْ مَن شئتَ (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿فَامْنُنْ أَوْ\nأَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال: تَمُنُّ على مَن تشاءُ منهم فتُعْتِقُه، وتُمْسِكُ مَن شئتَ\nفتَسْتَخْدِمُه. ليس عليه في ذلك حسابٌ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٧٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٣٩٩.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٢٠٧.","vol":"20","page":102},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: هذا الذي أعطَيْناك من القوَّةِ على الجماعِ عطاؤُنا، فجامِعْ مَن شئْتَ من نسائِك وجَوَارِيك، ما شئْتَ بغيرِ حسابٍ، واترُكْ جِماعَ مَن شئتَ منهنَّ.\nوقال آخرون: بل (^١) ذلك من المقدَّمِ والمؤخَّرِ، ومعنى الكلامِ: هذا عطاؤُنا بغيرِ حسابٍ، فامْنُنْ أو أَمْسِكْ. وذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (هذا فامنن أو أمسك عطاؤنا بغير حساب).\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من البصريِّين يقولُ (^٢): في قولِه: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^٣) وجهان؛ أحدُهما: بغيرِ جزاءٍ ولا ثوابٍ، والآخرُ: منةٍ ولا قلةٍ.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك ما ذكَرْتُه عن أهلِ التأويلِ من أن معناه: لا يُحاسبُ على ما أُعْطى من ذلك الملكِ والسلطانِ.\nوإنما قلْنا ذلك هو الصوابُ؛ لإجماعِ الحجةِ من أهلِ التأويلِ عليه.\n\n<span id=\"aya-4010\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. يقولُ: وإن لسليمانَ عندَنا لقُربةً؛ بإنابتِه إلينا وتوبتِه وطاعتِه لنا. ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. يقولُ: وحُسنَ مَرْجِعٍ ومصيرٍ في الآخرةِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. أي: مصيرٍ (^٤).\nإن قال لنا قائلٌ: وما وَجْهُ رغبةِ سليمانَ إلى ربِّه في الملكِ وهو نبيٌّ من الأنبياء،\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١.\n(^٢) هو أبو عبيدة. ينظر مجاز القرآن ٢/ ١٨٤.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"له\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"20","page":103},{"text":"وإنما يَرْغَبُ في الملكِ أهلُ الدنيا المؤثِرُون لها على الآخرةِ؟ أم ما وَجْهُ مسألتِه إياه إذ سأَله ذلك مُلْكًا لا يَنْبَغى لأحدٍ من بعدِه؟ وما كان يَضُرُّه أن يكونَ كلُّ مَن بعدَه يُؤْتَى (^١) مثلَ الذي أُوتى من ذلك؟ أكان به بخلٌ بذلك، فلم يَكُنْ مِن مُلكِه، يُعْطَى ذلك مَن يُعْطاه أم حسدٌ للناسِ؟! - كما ذُكِر عن الحجاجِ بن يوسفَ (^٢)؛ فإنه ذُكِرَ أنه قرَأ قولَه: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾. فقال: إن كان لَحَسودًا - فإن ذلك ليس من أخلاقِ الأنبياءِ صلواتُ اللهِ عليهم؟! قيل: أَمَّا رغبَتُه إلى ربِّه فيما رغِب إليه من المُلكِ، فلم تكُنْ إن شاء اللهُ به رغبةٌ في الدنيا، ولكن إرادةٌ منه أن يَعْلَمَ منزلتَه من اللهِ، في إجابتِه فيما رغِبَ إليه فيه، وقبولِه توبتَه وإجابتِه دعاءَه.\nوأما مسألتُه ربَّه مُلكًا لا يَنْبَغى لأحدٍ من بعدِه؛ فإنا قد ذكَرْنا فيما مضى قبلُ قولَ مَن قال: إن معنى ذلك: هبْ لى مُلكًا لا أُسْلَبُه كما سُلِبتُه قبلُ (^٣). وإنما معناه عندَ هؤلاء: هبْ لى مُلْكًا لا يَنْبَغِى لأحدٍ من بعدِى أَن يَسْلُبَنيه. وقد يَتَّجِهُ ذلك أن يكونَ بمعنى: لا يَنْبَغى لأحدٍ سِواىَ من أهلِ زمانى، فيكونَ حجةً وعلَمًا لى على نُبُوَّتى، وأَنِّي [رسولٌ لك] (^٤) إليهم مبعوثٌ؛ إذ كانت الرسلُ لا بدَّ لها من أعلامٍ تُفارقُ بها سائرَ الناسِ سواهم. ويتَّجِهُ أيضًا لأن يكونَ معناه: وهبْ لي مُلْكًا تَخُصُّنى به، لا تُعْطِيه أحدًا غيرِى، تشريفًا منك لى بذلك وتكرمةً؛ لتُبيِّنَ منزلتى منك به من منازلِ مَن سِواىَ. وليس في وجهٍ من هذه الوجوه مما ظنَّه الحجاجُ في معنى ذلك شيءٌ.\n\n<span id=\"aya-4011\"></span><span data-type='title' id=toc-7827>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"أوتى\".\n(^٢) تاريخ دمشق ١٢/ ١٦١.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٩٣.\n(^٤) في م: \"رسول\".","vol":"20","page":104},{"text":"الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَاذْكُرْ﴾ أيضًا يا محمدُ ﴿عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ مستغيثًا به فيما نزَل به من البلاءِ: يا ربِّ، إِنِّي مسَّنِى الشيطانُ بنُصْبٍ.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿بِنُصْبٍ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ خلا أبي جعفرٍ القارئَ: ﴿بِنُصْبٍ﴾، بضمِّ النونِ وسكونِ الصادِ. وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ بضمِّ النونِ والصادِ كليهما، وقد حُكِى عنه بفتحِ النونِ والصادِ (^١). والنُّصْبُ والنَّصَبُ بمنزلةِ الحُزْنِ والحَزَنِ، والعُدْمِ والعَدَمِ، والرُّشْدِ والرَّشَدِ، والصُّلْبِ والصَّلَبِ.\nوكان الفرَّاءُ (^٢) يقولُ: إذا ضُمَّ أولُه لم يُثَقَّلْ؛ لأنهم جعَلوهما على سَمْتَين؛ إذا فتَحوا أولَه ثَقَّلُوا، وإذا ضَمُّوا أولَه خفَّفُوا. قال: وأنشَدني بعضُ العربِ:\nلئن بَعَثَتْ أُمُّ الحُمَيدَينِ مائِرًا … لقد غَنِيَتْ فِي غَيرِ بُؤْسٍ ولا جُحْدِ\nمن قولِهم: جحِد عيشُه. إذا ضاق واشتدَّ، قال: فلما قال: \"جُحْد\" خفَّف.\nوقال بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من البصريين (^٣): النُّصْبُ من العذابِ. وقال: العربُ تقولُ: أَنْصَبني. عذَّبنى وبرَّح بي، قال: وبعضُهم يقولُ: نَصَبَنى.\nواستشهَد لقيلِه ذلك بقولِ بشرِ بن أبى خازمٍ (^٤):\nتعَنَّاكَ نُصْبٌ من أُمَيْمَةَ مُنْصِبُ … كذِى الشَّجْوِ (^٥) لمَّا يَسْلُه وسَيَذْهَبُ\n_________\n(^١) ينظر النشر في القراءات العشر ٢/ ٢٧٠.\n(^٢) في معاني القرآن ٢/ ٤٠٦.\n(^٣) هو أبو عبيدة. ينظر مجاز القرآن ٢/ ١٨٤.\n(^٤) ديوانه ص ٧.\n(^٥) في الديوان: \"الشوق\".","vol":"20","page":105},{"text":"وقال: يعنى بالنُّصْبِ البلاءَ والشرَّ.\nومنه قولُ نابغةِ بني ذُبيانَ (^١):\nكِلِيني لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةَ ناصِبِ … وليلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيءِ الكَوَاكِبِ\nقال: والنَّصَبُ إذا فُتحت وحُرِّكت حروفُها كانت من الإعياءِ، والنَّصْبُ إذا فُتِح أولُه وسُكِّن ثانيه واحدةُ أنصابِ الحرمِ، وكلُّ ما نُصِب علمًا. وكأن معني النُّصْبِ في هذا الموضِعِ العلةُ التي نالته في جسدِه، والعناءُ الذي لاقَى فيه، والعذابُ في ذهابِ مالِه.\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا (^٢) ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وذلك الضمُّ في النونِ، والسكونُ في الصادِ.\nوأما التأويلُ، فبنحوِ الذي قلْنا فيه قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7828>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾، حتى بلَغ: ﴿بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾: ذهابِ المالِ والأهلِ، والضرِّ الذي أصابه في جسدِه، قال: ابتُلي سبعَ سنينَ وأشهرًا، مُلْقًى على كُناسةٍ لبنى إسرائيلَ، تخْتَلِفُ الدوابُّ في جسدِه، ففرَّج اللهُ عنه، وعظَّم له الأجرَ، وأحسَن عليه الثناءَ (^٣).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٣/ ٥٩٥.\n(^٢) القراءتان كلتاهما الصواب.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦٧ عن معمر عن قتادة، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٠/ ٦٥. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":106},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾. قال: نُصْبٍ في جسدى، وعذابٍ في مالي (^١).\nحُدِّثْتُ عن المحاربيِّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ﴾. يعنى: البلاءَ في الجسدِ، ﴿وَعَذَابٍ﴾، قولُه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠].\n\n<span id=\"aya-4012\"></span>وقوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾، ومعنى الكلامِ: إذ نادى ربَّه مُستغِيثًا به، أَنِّي مسَّنى الشيطانُ ببلاءٍ في جسدى، وعذابٍ بذهابِ مالي وولدى، فاستجَبْنا له، وقلْنا له: اركُضْ برجلِك الأرضَ. أي حرِّكْها وادفَعْها برجلِك. والرَّكْضُ حركةُ الرِّجلِ. يقالُ منه: رُكِضَت (^٢) الدابةُ. و: لا تَرْكُضُ ثوبَك برجلِك.\nوقيل: إن الأرضَ التي أُمِر أيوبُ أن يركُضَها برجلِه الجابيةُ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-7829>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾.\nالآية، قال: ضرَب برجلِه الأرضَ؛ أرضًا يقالُ لها: الجابيةُ (^٤).\nوقولُه: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. ذُكِر أنه نبَعَت له حينَ ضرَب برجلِه الأرضَ عينان، فشرِب من إحداهما، واغتَسَل من الأخرى.\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٤٠٠.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ركضته\".\n(^٣) الجابية: قرية من أعمال دمشق. معجم البلدان ٢/ ٣.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"20","page":107},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7830>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ضرَب برجلِه الأرضَ، فإذا عينان تَنْبُعان، فشرِب من إحداهما، واغتَسَل من الأخرى (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. قال: فركَض برجلِه، فانفجَرت له عينٌ، فدخَل فيها واغتَسَل، فأذهَب اللهُ عنه كلَّ ما كان به من البلاءِ.\nحدَّثني بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا أبو قُتَيبةَ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ في قولِ اللهِ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾: فركَض برجلِه، فنبَعت عينٌ، [فاغتَسَل منها، ثم مشى نحوًا من أربعين ذراعًا، ثم ركَض برجلِه، فنبَعت عينٌ] (^٢)، فشرِب منها، فذلك قولُه: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ (^٣).\nوعُنِى بقولِه: ﴿مُغْتَسَلٌ﴾: ما يُغتَسَلُ به من الماءِ، يقالُ منه: هذا مُغْتَسَلٌ وغَسُولٌ. للذى (^٤) يُغْتَسلُ به من الماءِ.\nوقولُه: ﴿وَشَرَابٌ﴾. يعنى: ويَشْرَبُ منه. والموضِعُ الذي يُغْتَسَلُ فيه يُسَمَّى مُغْتَسَلًا.\n\n<span id=\"aya-4013\"></span><span data-type='title' id=toc-7831>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١٦/ ٣٦٤.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذي\".","vol":"20","page":108},{"text":"اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. وقد ذكَرْنا اختلافَهم في ذلك والصوابَ من القولِ عندَنا فيه في سورةِ \"الأنبياءِ\"، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nفتأويلُ الكلامِ: فاغتَسَل وشرِب، ففرَّجنا عنه ما كان فيه من البلاءِ، ووهَبْنا له أهلَه من زوجةٍ وولدٍ: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا﴾ له (^٢) ورأفةً، ﴿وَذِكْرَى﴾. يقولُ: وتذكيرًا لأولى العقولِ؛ ليعتَبِروا بها فيتَّعِظوا.\nوقد حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني نافعُ بنُ يزيدَ، عن عُقيلٍ، عن ابن شهابٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"إن نبيَّ اللهِ أيوبَ لبِث به بلاؤُه ثمانيَ عشْرةَ سنةً، فرفَضه القريبُ والبعيدُ إلا رجلان (^٣) من إخوانِه، كانا من أخصِّ إخوانِه به، كانا يَغْدُوَان إليه ويَرُوحان، فقال أحدُهما لصاحبِه: تَعْلَمُ واللهِ لقد أذنَب أيوبُ ذَنْبًا ما أذنَبه أحدٌ من العالمين. قال له صاحبُه: وما ذاك؟ قال: ثمانيَ عشرةَ سنةً لم يَرْحَمْهُ اللهُ، فيَكْشِفَ ما به. فلما راحا إليه لم يَصبرِ الرجلُ حتى ذكَر ذلك له، فقال أيوبُ: لا أَدْرى ما تَقولُ، غيرَ أن الله يَعْلَمُ أنى كُنْتُ أمُرُّ على الرجلين يَتَنازعان فيَذْكُران الله فَأَرجِعُ إلى بيتى فأُكَفِّرُ عنهما، كراهيةَ أن يُذْكَرَ اللهُ إلا في حقٍّ. قال: وكان يَخرُجُ إلى حاجتِه، فإذا قضاها أَمْسَكَت امرأتُه بيدِه حتى يَبْلُغَ، فلما كان ذاتَ يومٍ أبطَأ عليها، وأُوحِيَ إلى أيوبَ في مكانِه: أن ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. فاستبطَأَته، فتلقَّته تَنْظُرُ، وأقبَل عليها قد أذهَب اللهُ ما به من البلاءِ، وهو على أحسنِ ما كان، فلما رأَته\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٦/ ٣٦٥ - ٣٦٧.\n(^٢) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٣) كذا بالنسخ؛ وفى معظم مصادر التخريج: \"رجلين\".","vol":"20","page":109},{"text":"قالت: أي بارَك اللهُ فيك، هل رأيتَ نبيَّ اللهِ هذا المُبْتَلَى؟ فواللهِ على ذلك ما رَأَيتُ أحدًا أشبهَ به منك إذ كان صحيحًا. قال: فإني أنا هو. قال: وكان له أَنْدَرانِ (^١)؛ أندرٌ للقمحِ، وأندرٌ للشعيرِ، فبعَث اللهُ سحابَتَينِ، فلما كانت إحداهما على أَنْدَرِ القمحِ، أفرَغت فيه الذهبَ حتى فاض، وأفرَغت الأخرى في أندرِ الشعيرِ الورِقَ حتى فاض\" (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. قال: قال الحسنُ وقتادةُ: فأحياهم (^٣) اللهُ بأعيانِهم، وزاده (^٤) مثلَهم معهم (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا صفوانُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ جبيرٍ، قال: لما ابتُلى أيوبُ النبيُّ ﷺ بمالِه وولدِه وجسدِه، وطُرِح في المزبلةِ، جعَلتِ امرأتُه تَخْرُجُ تَكْسِبُ عليه ما تُطْعِمُه، فحسَده الشيطانُ على ذلك، وكان يأتى أصحابَ الخبزِ والشِّواءِ الذين كانوا يَتَصدَّقون عليها، فيقولُ: اطرُدوا هذه المرأةَ التي تَغْشَاكم، فإنها تُعالِجُ صاحبَها وتَلْمَسُه بيدِها، فالناسُ يتَقَذَّرون طعامَكم من أجلِ أنها تَأتيكم وتَغْشَاكم على ذلك، وكان يَلْقاها إذا خرَجت كالمحزونِ لما لقِىَ أيوبُ، فيقولُ: لجَّ صاحبُك، فأبى إلا ما أتى، فواللهِ لو\n_________\n(^١) الأَنْدَرُ: البَيْدَرُ. وهو الموضع الذي تُداس فيه الحبوب. القاموس المحيط (ن د ر).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في البداية والنهاية ١/ ٥١٠ -، وابن عساكر في تاريخه ١٠/ ٧١، ٧٢ من طريق يونس به. وأخرجه البزار (٢٣٥٧ - كشف)، وأبو يعلى (٣٦١٧) - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ١٠/ ٧٣، ٧٤ - وابن حبان (٢٨٩٨)، والحاكم ٢/ ٥٨١، ٥٨٢، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٣٧٤، ٣٧٥ من طريق نافع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٣٠ إلى ابن أبي الدنيا وابن مردويه.\n(^٣) في ت ١: \"قد خباهم\". وبدون نقط في ص.\n(^٤) في م: \"زادهم\".\n(^٥) سقط من: م، ت ٢، ت ٣. والأثر تقدم تخريجه في ١٦/ ٣٦٧.","vol":"20","page":110},{"text":"تَكَلَّمَ بكلمةٍ واحدةٍ لكُشِف عنه كلُّ ضرٍّ، ولرجَع إليه مالُه وولدُه. فتَجِيءُ فتُخْبِرُ أيوبَ، فيقولُ لها: لَقِيَكِ عدوُّ الله فلقَّاك هذا الكلامَ، ويلَكِ إنما مثلُك كمثلِ المرأةِ الزانيةِ إذا جاء صديقُها بشيءٍ، قبَّلته وأدخَلته، وإن لم يَأْتِها بشيءٍ طرَدته وأغلَقت بابَها عنه؛ لمَّا أعطانا اللهُ المالَ والولدَ آمنَّا به، وإذا قبَض الذي له منا نَكْفُرُ به، ونُبَدِّلُ غيرَه؛ إن أقامني اللهُ من مرضى هذا لأجْلِدَنَّك مائةً. قال: فلذلك قال الله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-4014\"></span>وقولُه: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾. يقولُ: وقلْنا لأيوبَ: خُذْ بيدِك ضغثًا. وهو ما يُجْمَعُ من شيءٍ، مثلُ حُزْمَةِ الرُّطْبَةِ، وكملءِ الكفِّ من الشجرِ أو الحشيشِ والشماريخِ، ونحوِ ذلك مما قام على ساقٍ، ومنه قولُ عوفِ بن الخَرِعِ (^٢):\nوأسفلَ مِنِّي نَهْدةً قد ربَطتُها … وأَلْقَيتُ ضِغْثًا من خَلًى (^٣) مُتَطَيَّبِ\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7832>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾. يقولُ: حُزْمةً (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾. قال: أُمِر أن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في الزهد ص ٨٩ عن أبي المغيرة به. وستأتي تتمته في ص ١١٣.\n(^٢) البيت في مجاز القرآن ٢/ ١٨٥.\n(^٣) الخلى: هو الرطب من النبات. الوسيط (خ ل ى).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٠ - من طريق أبي صالح به.","vol":"20","page":111},{"text":"يَأْخُذَ ضِغْثًا من رُطبةٍ بقدرِ ما حلَف عليه، فيَضْرِبَ به.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾. قال: عِيدانًا رَطْبةً.\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا يحيى، عن إسماعيلَ بن إبراهيمَ بن المهاجرِ، عن أبيه، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾. قال: هو الأَثْلُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ الآية، قال: كانت امرأتُه قد عرَضت له بأمرٍ، وأرادها إبليسُ على شيءٍ، فقال: لو تكلَّمتِ بكذا وكذا. وإنما حمَلها عليها الجزَعُ، فحلَف (^٢) لئن شفاه اللهُ ليَجْلِدَنَّها مِائةَ جلدةٍ، قال: فأُمِر بغصنٍ فيه تسعةٌ وتسعون قضيبًا، والأصلُ تكملةُ المِائةِ، فضرَبها ضربةً واحدةً، فأبرَّ نبيُّ اللهِ، وخفَّف اللهُ عن أَمَتِه، واللهُ رحيمٌ (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾. يعنى: ضِغْثًا من الشجرِ الرَّطْبِ، كان حلَف على يمينٍ، فأخَذ من الشجرِ عددَ ما حلَف عليه، فضرَب به ضربةً واحدةً فبرَّت يمينُه، وهو اليومَ في الناسِ يمينُ أيوبَ، مَن أخَذ بها فهو حسنٌ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾. قال: ضِغْثًا واحدًا من الكلأِ فيه أكثرُ من مائةِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) بعده في م، ت ٢، ت ٣: \"نبي الله\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦٧، ١٦٨ عن معمر عن قتادة بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":112},{"text":"عودٍ، فضرَب به ضربةً واحدةً، فذلك مائةُ ضربةٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا صفوانُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ جُبَيرٍ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ﴾. [يعنى بالضِّغْثِ القبضةَ من المكانسِ] (^١) (^٢).\n[وقولُه: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾] (^٣). يقولُ: فاضرِبْ زوجتَك بالضِّغْثِ، لتَبَرَّ في يمينِك التي حلَفت بها عليها أن تَضْربَها. ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾. يقولُ: ولا تحنثْ في يمينِك.\nوقولُه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾. يقولُ: إنا وجَدْنا أيوبَ صابرًا على البلاءِ، لا يحمِلُه البلاءُ على الخروجِ عن طاعةِ اللهِ والدخولِ في معصيتِه: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. يقولُ: إنه إلى طاعةِ اللهِ مقبلٌ، وإلى رِضاه رَجَّاعٌ.\n\n<span id=\"aya-4015\"></span><span data-type='title' id=toc-7833>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا (^٤) إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧)﴾.</span>\nاختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿عِبَادَنَا﴾؛ فقرَأته قرأةُ الأمصارِ: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا﴾. على الجماعِ غيرَ ابن كثيرٍ، فإنه ذُكِر عنه أنه قرَأه: (واذكُرْ عبدَنا). على التوحيدِ (^٥)، كأنه يُوجِّهُ الكلامَ إلى أن إسحاقَ ويعقوبَ من ذرِّيةِ إبراهيمَ، وأنهما\n_________\n(^١) سقط من: النسخ. والمثبت من مصدر التخريج، وهو ما يقتضيه السياق.\n(^٢) تتمة الأثر المتقدم تخريجه في ص ١١١.\n(^٣) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في ت ٢ ت ٣: \"عبدنا\". وهى قراءة كما سيأتي.\n(^٥) ينظر التيسير ص ١٥٢.","vol":"20","page":113},{"text":"ذُكِرا من بعدِه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عيينةَ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، سمِع ابنَ عباسٍ يَقْرَأُ: (واذكُرْ عبدَنا إبراهيمَ (^١». قال: إنما ذكِر إبراهيمُ، ثم ذُكِر ولدُه بعدَه (^٢).\nوالصوابُ عندَنا في ذلك من القراءةِ (^٣) قراءةُ مَن قرَأه على الجماعِ، على أن إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ بيانٌ عن العبادِ، وترجمةٌ عنهم (^٤)؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه.\nوقولُه: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾. ويعنى بالأيدى القوَّةَ، يقولُ: أهلَ القوةِ على عبادةِ اللهِ وطاعتِه. ويعنى بالأبصارِ أنهم أهلُ أبصارِ القلوبِ، يعنى به: أولى العقولِ للحقِّ.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم في ذلك نحوًا مما قلْنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7834>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾. يقولُ: أولى القوةِ والعبادةِ، ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾. يقولُ: الفقهِ في الدينِ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٧، ٣١٨ إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣: \"عنه\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٩٦، والإتقان ٢/ ٤٠ - من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٨ إلى ابن المنذر.","vol":"20","page":114},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾. قال: فُضِّلوا بالقوَّةِ والعبادةِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾. قال: القوَّةِ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾. قال: القوةِ في أمرِ اللهِ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾. قال: الأيدى: القوةُ في أمرِ اللهِ، ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾: العقولِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾. قال: القوةِ في طاعةِ اللهِ. ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾: قال: البصرِ في الحقِّ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾. يقولُ: أُعطوا قوةً في العبادةِ، وبصرًا في الدينِ (^٤).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿أُولِي\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قوة\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٧٣، وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٦٧.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦٨ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":115},{"text":"الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾. قال: الأيدى: القوةُ في طاعةِ اللهِ. ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾: البصرِ بعقولِهم في دينِهم (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾. قال: الأيدى: القوةُ، والأبصارُ: العقولُ.\nفإن قال لنا قائلٌ: وما الأيدى من القوةِ، والأيدى إنما هي جمعُ يدٍ، واليدُ جارحةٌ؟ وما العقولُ من الأبصارِ، وإنما الأبصارُ جمعُ بصرٍ؟ قيل: إن ذلك مَثَلٌ. وذلك أن باليدِ البطشَ، وبالبطشِ تُعرَفُ قوَّةُ القَوِيِّ؛ فلذلك قيل للقويِّ: ذو يَدٍ. وأما البصرُ فإنه عنَى به بصرَ القلبِ، وبه تُنالُ معرفةُ الأشياءِ، فلذلك قيل للرجلِ العالمِ بالشيءِ: بصيرٌ به. وقد يُمكِنُ أن يكونَ عنَى بقولِه: ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾: أولى الأيدى عندَ اللهِ بالأعمالِ الصالحةِ. فجعَل اللهُ أعمالَهم الصالحةَ التي عمِلوها في الدنيا أيديًا لهم عندَ اللهِ، تمثيلًا لها باليدِ تكونُ عندَ (^٢) الرجلِ لآخرَ.\nوقد ذُكِر عن عبدِ اللهِ أنه كان يقرؤُه: (أُولى الأَيدِ) بغيرِ ياءٍ (^٣). وقد يحتمِلُ أن يكونَ ذلك من التأييدِ، وأن يكونَ بمعنى الأيدى، ولكنه أسقَط منه الياءَ، كما قيل: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: ٤١]. بحذفِ الياءِ (^٤).\n\n<span id=\"aya-4016\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا خصَصْناهم بخاصةٍ ذكرى الدارِ.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٦٧.\n(^٢) في ص، ت ١: \"قبل\".\n(^٣) البحر المحيط ٧/ ٤٠٢.\n(^٤) ينظر معاني القرآن ٢/ ٤٠٦، ٤٠٧.","vol":"20","page":116},{"text":"المدينةِ: (بخالِصَةِ ذِكرَى الدَّارِ) (^١). بإضافةِ \"خالصةِ\" إلى \"ذكرى الدارِ\". بمعنى أنهم أُخلِصوا بخالصةِ (^٢) الذكرى، و\"الذكرى\" إذا قُرِئ كذلك غيرُ \"الخالصةِ\"، كما \"المتكبرُ\" إذا قُرِئ: ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ [غافر: ٣٥]. بإضافةِ \"القلبِ\" إلى \"المتكبرِ\"، هو الذي له القلبُ وليس بالقلبِ. وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ العراقِ: ﴿بِخَالِصَةِ ذِكْرَى الدَّارِ﴾. بتنوينِ قولِه: \"خالصةٍ\"، وردِّ ﴿ذِكْرَى﴾ عليها (^٣). على أن الدارَ هي الخالصةُ، فردُّوا \"الذكرى\" وهي معرفةٌ على \"خالصةٍ\" وهى نكرةٌ، كما قيل: ﴿لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ﴾ [ص: ٥٥، ٥٦]. فردَّ \"جهنمَ\" وهى معرفةٌ على \"المآب\" وهى نكرةٌ (^٤).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندِى أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأةِ الأمصارِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: إِنَّا أخلَصْناهم بخالصةٍ هي ذكرى الدارِ، أي أنهم كانوا يُذَكِّرون الناسَ الدارَ الآخرةَ، ويَدْعُونهم إلى طاعةِ اللهِ، والعملِ للدارِ الآخرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7835>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾. قال: بهذه أخلَصَهم اللهُ، كانوا يَدْعون إلى الآخرةِ وإلى اللهِ (^٥).\nوقال آخرون: معنى ذلك أنه أخلَصهم بعملِهم للآخرةِ وذِكْرِهم لها.\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وابن عامر في رواية هشام. التيسير ص ١٥٢.\n(^٢) في ت ١: \"الخالصة\".\n(^٣) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر - في رواية ابن ذكوان - وعاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٤) ينظر معاني القرآن ٢/ ٤٠٧.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦٨ عن معمر عن قتادة.","vol":"20","page":117},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7836>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ الأَزْديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾. قال: بذكرِ الآخرة، فليس لهم همٌّ غيرُها (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾. قال: بذكرِهم الدارَ الآخرةَ وعملِهم للآخرةِ (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: إنا أَخْلَصناهم بأفضلِ ما في الآخرةِ. وهذا التأويلُ على قراءةِ من قرَأه بالإضافةِ، وأما القولان الأوَّلان فعلى تأويلِ قراءةِ من قرَأه بالتنوينِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7837>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾. قال: بأفضلِ ما في الآخرةِ، أخلَصْناهم به وأعطَيْناهم إياه. قال: والدارُ: الجنةُ. وقرَأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٨٣]. قال: الجنةُ. وقرَأ: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]. قال: هذا كلُّه الجنةُ. وقال: أَخْلَصناهم بخيرِ الآخرةِ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: بخالصةٍ عقبى الدارِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٦٧.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٦٧ مختصرا جدًّا.","vol":"20","page":118},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7838>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شريكٍ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾. قال: عُقْبَى الدارِ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: بخالصةٍ أهلِ الدارِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7839>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثتُ عن ابن أبي زائدةَ، عن ابن جريجٍ، قال: ثني ابن أبي نجيحٍ، أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾: هم أهلُ الدارِ، وذو الدارِ، كقولِك: ذو الكَلاعِ، وذو يَزَنٍ.\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من البصريين يَتَأَوَّلُ ذلك على القراءةِ بالتنوينِ: ﴿بِخَالِصَةٍ﴾: عملٍ في ذكرى الآخرةِ (^٢).\nوأولى الأقوالِ بالصوابِ في ذلك على قراءةِ من قرَأه بالتنوينِ - أن يُقالَ: معناه: إِنَّا أَخْلَصْناهُم بخالصةٍ، هي ذكرى الدارِ الآخرةِ، فعمِلوا لها في الدنيا، فأطاعوا الله وراقَبوه، وقد يَدْخُلُ في وصفِهم بذلك، أن يكونَ من صفتِهم أيضًا الدعاءُ إلى اللهِ، وإلى الدارِ الآخرةِ؛ لأن ذلك من طاعةِ اللهِ والعملِ للدارِ الآخرةِ، غيرَ أن معنى الكلمةِ ما ذكَرْتُ.\nوأما على قراءةِ من قرَأه بالإضافةِ، فأن يُقالَ: معناه: إنا أَخْلَصْناهم بخالصةِ ما ذُكِر في الدارِ الآخرةِ؛ فلمَّا لم تُذْكَرْ \"في\" أُضيفت \"الذكرى\" إلى \"الدارِ\"، كما قد بيَّنا قبلُ في معنى قولِه: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ (^٣) [فصلت: ٤٩].\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) ينظر مجاز القرآن ٢/ ١٨٥.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٦١.","vol":"20","page":119},{"text":"وقولِه: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾.\n\n<span id=\"aya-4017\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾. يقولُ: وإن هؤلاء الذين ذكَرْنا، عندَنا، لمن الذين اصطفيناهم لذكرى الآخرةِ، الأخيارِ، الذين اختَرْناهم لطاعتِنا ورسالتِنا إلى خلقِنا.\n\n<span id=\"aya-4018\"></span><span data-type='title' id=toc-7841>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واذكُرْ يا محمدُ إسماعيلَ واليسعَ وذا الكفلِ، وما أبلَوْا في طاعةِ اللهِ، فتأسَّ بهم واسلُكْ مِنهاجَهم في الصبرِ على ما نالَك في اللهِ، والنفاذِ لبلاغِ رسالتِه. وقد بيَّنا قبلُ من أخبارِ إسماعيلَ واليسَعَ وذى الكفلِ فيما مضى من كتابِنا هذا بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nوالكِفلُ في كلامِ العربِ: الحظُّ والجَدُّ.\n\n<span id=\"aya-4019\"></span>وقولُه: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا القرآنُ الذي أنزَلناه إليك يا محمدُ ذِكرٌ لك ولقومِك، ذكَّرناك وإيَّاهم به.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7840>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾. قال: القرآنُ (^٢).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٥٥٤ وما بعدها، ٩/ ٣٨٤، ١٦/ ٣٦٨ - ٣٧٣.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٦٧.","vol":"20","page":120},{"text":"وقولُه: ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾. يقولُ: وإن للمُتَّقين الذين اتقوا الله فخافوه؛ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصِيه - لحسنَ مَرْجِعٍ يَرْجِعون إليه في الآخرة، ومَصيرٍ يَصيرون إليه.\nثم أخبرَ تعالى ذكرُه عن ذلك الذي وعَدهم من حُسْنِ المآبِ ما هو، فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾. قال: لحسنَ مُنْقَلبٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-4020\"></span><span data-type='title' id=toc-7842>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١)﴾.</span>\nقولُه تعالى ذكرُه: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: بيانٌ عن حسنِ المآبِ وترجمةٌ عنه، ومعناه: بساتينُ إقامةٍ. وقد بيَّنا معنى ذلك بشواهدِه، وذكَرْنا ما فيه من الاختلافِ فيما مضَى، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\nوقد حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾. قال: سأَل عمرُ كعبًا: ما عَدْنٌ؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، قصورٌ في الجنةِ من ذهبٍ، يَسْكُنُها النبيُّون والصدِّيقون والشُّهداءُ وأئمةُ العدلِ (^٣).\nوقولُه: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾. يعنى: مُفتَّحَةً لهم أبوابُها. وأُدخِلت الألفُ واللامُ في الأبوابِ بدلًا من الإضافةِ، كما قيل: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٥/ ٢٦٧.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١١/ ٥٥٩ - ٥٦٤.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧٨ عن معمر عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":121},{"text":"[النازعات: ٤١]. بمعنى: هي مَأْوَاه، وكما قال الشاعرُ (^١):\nما ولَدَتكم حَيَّةُ ابنةُ مالكٍ … سِفاحًا وما كانت أحاديثَ كاذِبِ\nولكن نرَى أقدامَنا في نعالِكم … وآنَفَنا بينَ اللِّحَى والحَوَاجِبِ\nبمعنى: بينَ لِحاكم وحواجبِكم. ولو كانت \"الأبوابُ\" جاءت بالنصبِ لم يَكُنْ لحنًا، وكان نصبُه على توجيهِ المُفَتَّحةِ في اللفظِ إلى \"جناتٍ\"، وإن كان في المعنى للأبوابِ، وكان كقولِ الشاعرِ (^١):\nوما قومى بثعلبةَ بن سعدٍ … ولا بفَزَارةَ الشُّعْرِ الرِّقابا\nثم نُوِّنت \"مُفَتَّحة\"، ونُصِبَت \"الأبواب\".\nفإن قال لنا (^٢) قائلٌ: وما في قولِه: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾. من فائدةِ خبرٍ حتى ذُكِر ذلك؟ قيل: فإن الفائدةَ في ذلك إخبارُ اللهِ تعالى عنها أن أبوابَها تُفْتَحُ لهم بغيرِ فتحِ سكانِها إيَّاها بمعاناةٍ بيدٍ ولا جارحةٍ ولكن بالأمرِ، فيما ذُكِر.\nكما حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ الرَّمْليُّ، قال: ثنا ابن نُفَيلٍ، قال: ثنا ابن دَعْلَجٍ (^٣)، عن الحسنِ في قولِه: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾. قال: أبوابٌ تُكَلَّمُ؛ فتُكَلَّمُ: انفتِحى، انغلِقى (^٤).\n\n<span id=\"aya-4021\"></span>وقولُه: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾. يقولُ: مُتَّكِئِين في جناتِ عدنٍ على سُرُرٍ، ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ﴾. يعنى: بثمارٍ من ثمارِ الجنةِ\n_________\n(^١) معاني القرآن ٢/ ٤٠٨.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م: \"دعيج\". ينظر تهذيب الكمال ٨/ ٣٠٧.\n(^٤) تقدم في ١٥/ ٥٧٧.","vol":"20","page":122},{"text":"كثيرةٍ وشرابٍ من شرابِها.\n\n<span id=\"aya-4022\"></span><span data-type='title' id=toc-7844>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وعندَ هؤلاء المتقين الذين أكرمهم اللهُ بما وصَف في هذه الآيةِ من إسكانِهم جناتِ عدنٍ - ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾. يعنى: نساءٌ قصَرت أطرافَهُنَّ على أزواجِهنَّ، فلا يُرِدْنَ غيرَهم، ولا يمدُدْنَ أعْيُنَهُنَّ إلى سِواهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾. قال: قصَرن طرفَهن على أزواجِهن، فلا يُرِدْنَ غيرَهم (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾. قال: قصَرن أبصارَهن (^٢) وقلوبَهن وأسماعَهن على أزواجِهن، فلا يُرِدْنَ غيرَهم (^٣).\nوقوله: ﴿أَتْرَابٌ﴾. يعنى: أسنانٌ واحدةٌ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ على اختلافٍ بينَ أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7843>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٦.\n(^٢) في ت ١: \"أطرافهن\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ص ٥٦، ٥٧.","vol":"20","page":123},{"text":"﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾. قال: أمثالٌ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَتْرَابٌ﴾. سنٌّ واحدةٌ (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَتْرَابٌ﴾.\nقال: مُستَوِياتٌ (^٣).\nقال: وقال بعضُهم (^٤): مُتَواخِياتٌ؛ لا يتَبَاغَضْنَ، ولا يَتَعَادَينَ، ولا يَتَغايَرْنَ، ولا يَتَحاسَدْنَ.\n\n<span id=\"aya-4023\"></span>وقولُه: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي يَعِدُكم اللهُ في الدنيا أيُّها المؤمنون به من الكرامةِ لمن أدخَله الجنةَ منكم في الآخرة.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾. قال: هو في الدنيا ليومِ القيامةِ.\n\n<span id=\"aya-4024\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا الذي أعطَيْنا هؤلاء المتقين في جنَّاتِ عدنٍ من (^٥) الفاكهةِ الكثيرةِ والشرابِ والقاصراتِ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٧٦، ٦٤٣. ومن طريقه البيهقى في البعث والنشور (٣٨٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٩ إلى سفيان بن عيينة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧١، ٣٤٣ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٦٨.\n(^٤) هو مجاهد، كما ذكر ذلك الشوكاني في فتح القدير ٤/ ٤٣٨.\n(^٥) بعده في ت ١: \"الكرامة و\".","vol":"20","page":124},{"text":"الطرفِ، ومكَّنَّاهم فيها من الوصولِ إلى اللذَّاتِ (^١) وما اشتَهته فيها أنفسُهم - ﴿لَرِزْقُنَا﴾ رزَقْناهم فيها كرامةً منَّا لهم، ﴿مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾. يقولُ: ليس له عنهم انقطاعٌ، ولا له فناءٌ، وذلك أنهم كلَّما أخَذوا ثمرةً من ثمارِ شجرةٍ من أشجارِها فأكَلوها، عادت مكانَها أخرى مثلُها، فذلك لهم دائمٌ أبدًا، لا يَنْقَطِعُ انقطاعَ ما كان أهلُ الدنيا أُوتوه في الدنيا، فانقَطَع بالفناءِ، ونَفِد بالإنفادِ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7845>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾. قال: رزقُ الجنةِ، كلما أُخِذ منه شيءٌ عاد مثلُه مكانَه، ورزقُ الدنيا له نفَادٌ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾.\nأي ما له من انقطاعٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4025\"></span><span data-type='title' id=toc-7846>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿هَذَا﴾: الذي وصَفتُ لهؤلاء المتقين. ثم استأنَف جلَّ وعزَّ الخبرَ عن الكافرين به الذين طَغَوا عليه وبَغَوا، فقال: ﴿وَإِنَّ\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"الله\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"20","page":125},{"text":"لِلطَّاغِينَ﴾. وهم الذين تمرَّدوا على ربِّهم فعصَوا أمرَه، مع إحسانه إليهم ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾. يقولُ: لشرَّ مرجِعٍ ومصيرٍ يصيرون إليه في الآخرةِ بعدَ خروجِهم من الدنيا.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾. قال: لشرَّ مُنْقَلبٍ.\n\n<span id=\"aya-4026\"></span>ثم بَيَّن تعالى ذكرُه ما ذلك الذي إليه يَنْقَلبون ويَصيرون في الآخرةِ، فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾. فترجَم بـ [﴿جَهَنَّمَ﴾ عن قولِه] (^١): ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾. ومعنى الكلامِ: وإن للكافرين لشرَّ مصيرٍ يَصِيرون إليه يومَ القيامةِ؛ لأن مصيرَهم إلى جهنمَ، وإليها منقلبُهم بعدَ وفاتِهم: ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبئس الفِراشُ الذي افترَشوه لأنفسِهم جهنَّمُ.\n\n<span id=\"aya-4027\"></span>وقولُه: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا حميمٌ، وهو الذي قد أُغْلِىَ حتى انتهى حرُّه، وغساقٌ فليذوقوه. فالحميمُ مرفوعٌ بـ ﴿هَذَا﴾. وقولُه: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾. معناه التأخيرُ؛ لأن معنى الكلام ما ذكَرتُ، وهو: هذا حميمٌ وغسَّاقٌ فليذُوقوه. وقد يَتَّجِهُ ذلك إلى أن يَكُونَ ﴿هَذَا﴾ مُكْتَفِيًا بقولِه ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾. ثم يُبْتَدَأُ فيُقالُ: حميمٌ وغسَّاقٌ، بمعنى: منه حميمٌ ومنه غسَّاقٌ، كما قال الشاعرُ (^٢):\nحتى إذا ما أضاءَ الصُّبحُ في غَلَسٍ … وغُودِرَ البقلُ مَلْوِيٌّ ومَحْصودُ\nوإذا وُجِّه إلى هذا المعنى، جاز في ﴿هَذَا﴾ النصبُ والرفعُ. النصبُ على أن\n_________\n(^١) في م: \"عن جهنم بقوله\".\n(^٢) البيت في معاني القرآن ٢/ ٤١٠.","vol":"20","page":126},{"text":"يُضْمرَ قبلَها لها ناصبٌ، كما قال الشاعرُ (^١):\nزِيادَتَنا نُعمانُ لا تَحْرِمَنَّها (^٢) … تَقِ الله فينا والكتابَ الذي تَتْلُو\nوالرفعُ بالهاءِ في قولِه: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾. كما يقالُ: الليلَ فبادِرُوه، والليلُ فبادِرُوه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾. قال: الحميمُ: الذي قد انتهى حرُّه (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الحميمُ دموعُ أعينِهم، يجتمِعُ (^٤) في حياضِ النارِ، فيُسْقَونه (^٥).\nوقولُه: ﴿وَغَسَّاقٌ﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءتِه؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ الحجازِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين والشامِ بالتخفيف: ﴿وَغَسَّاقٌ﴾، وقالوا: هو اسمٌ موضوعٌ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ مشددةً، ووجَّهوه إلى أنه صفةٌ من قولِهم: غسَقِ يَغْسِقُ غُسُوقًا. إذا سال، وقالوا: إنما معناه: أنهم يُسْقَون الحميمَ، وما يَسِيلُ من صديدِهم (^٦).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندِى أنهما قراءتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرَأَةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، وإن كان التشديدُ في\n_________\n(^١) البيت لعبد الله بن همام السلولى، وهو في معاني القرآن ٤/ ٤١٠، واللسان (وق ى).\n(^٢) في م: \"تحرمننا\".\n(^٣) ذكره ابن رجب في التخويف من النار ص ١٥٢.\n(^٤) في م: \"تجمع\".\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٢٢٢، وابن رجب في التخويف من النار ص ١٥٢.\n(^٦) قرأ بالتشديد حمزة والكسائي وحفص عن عاصم، وقرأ بالتخفيف ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٥٥.","vol":"20","page":127},{"text":"السِّينِ آثرُ (^١) عندَنا في ذلك؛ لأن ذلك المعروفُ في الكلامِ، وإن كان الآخرُ غيرَ مدفوعةٍ صحتُه.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: هو ما يَسيلُ من جلودِهم من الصديدِ والدمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7847>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾. قال: كنا نُحدَّثُ أن الغسَّاقَ ما يسيلُ من بين جلدِه ولحمِه (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: الغسَّاقُ الذي يَسيلُ من أعينِهم من دموعِهم، يُسْقَونه مع الحميمِ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: الغسَّاقُ: ما يَسيلُ من سُرْمِهم (^٤)، وما ينقطِعُ (^٥) من جلودِهم (^٦).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الغسَّاقُ: الصديدُ يَخْرجُ (^٧) من جلودِهم مما تَصْهَرُهم النارُ في حياضٍ يَجْتَمِعُ فيها فيُسْقَونه.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"أتم\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦٨ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٢٢٢، وابن رجب في التخويف من النار ص ١٥٣.\n(^٤) السرم: مخرج الثُّفْل، وهو طرف المعى المستقيم، كلمة مولدة. الصحاح (س ر م).\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٢: \"يسقط\".\n(^٦) أخرجه البيهقي في البعث (٥٦٨) من طريق جرير به، وأخرجه نعيم بن حماد في زوائده على زهد ابن المبارك (٢٩٧)، وهناد في الزهد (٢٩١) من طريق منصور به.\n(^٧) في ص، م، ت ١: \"يجمع\".","vol":"20","page":128},{"text":"حدَّثني يحيى بنُ عثمانَ بن صالحٍ السَّهْمِيُّ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا ابن لهيعةَ، قال: ثني أبو قَبيلٍ، أنه سمِع أبا هُبيرةَ الزياديَّ يقولُ: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو يقولُ: أيُّ شيءٍ الغسَّاقُ؟ قالوا: اللهُ أعلمُ. فقال عبدُ الله بنُ عمرٍو: هو القيحُ الغليظُ، لو أن قطرةً منه تُهَراقُ في المغربِ لأَنْتَنت أهلَ المشرقِ، ولو تُهَراقُ في المشرقِ لأَنْتَنت أهلَ المغربِ (^١).\nقال يحيى بنُ عثمانَ: قال أبي: ثنا ابن لَهِيعةَ مرةً أخرى، فقال: ثنا أبو قَبِيلٍ، عن عبدِ الله بن هُبيرةَ، ولم يَذْكُرْ لنا أبا هُبَيرةَ.\nحدَّثنا ابن عوفٍ، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا صفوانُ، قال: ثنا أبو يحيى عطيةُ الكَلاعِيُّ، أن كعبًا كان يقولُ: هل تَدْرون ما غسَّاقٌ؟ قالوا: لا والله. قال: عينٌ في جهنم يَسيلُ إليها حُمَةُ كلِّ ذاتِ حُمَةٍ، من حيَّةٍ أو عَقْرَب أو غيرِها، فيَسْتَنْقِعُ، فيُؤْتَى بالآدميِّ، فَيُغْمَسُ فيها غمسةً واحدةً، فيَخْرُجُ وقد سقَط جلدُه ولحمُه عن العظامِ، حتى يَتَعَلَّقَ جلدُه في كعبَيْهِ وعقِبَيْهِ، ويَجُرَّ لحمَه جرَّ الرجلِ ثوبَه (^٢).\nوقال آخرون: هو الباردُ الذي لا يُسْتَطاعُ من برْدِه\n\n<span data-type='title' id=toc-7848>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثتُ عن يحيى بن أبي زائدةَ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَغَسَّاقٌ﴾.\n_________\n(^١) عزاه ابن حجر في الفتح ٦/ ٣٣١ إلى المصنف، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ٤/ ٤٧٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (٩١) من طريق صفوان به، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٦٩.","vol":"20","page":129},{"text":"قال: باردٌ لا يُسْتَطاعُ. أو قال: بَرْدٌ لا يُسْتَطاعُ (^١).\nحدَّثني عليُّ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحِّاكِ: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾. قال: يقالُ: الغسَّاقُ: أَبْرَدُ البرْدِ. ويقولُ آخرون: لا، بل هو أنتنُ النَّتْنِ.\nوقال آخرون: بل هو المُنْتِنُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7849>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثتُ عن المسيِّبِ، عن إبراهيمَ النُّكْريِّ، عن صالحٍ بن حيانَ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بن بريدةَ، قال: الغسَّاقُ: المُنْتِنُ، وهو بالطُّخَارِيَّةِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: ثني عمرُو بنُ الحارثِ، عن درَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ، أن النبيَّ ﷺ، قال: \"لو أن دَلْوًا من غسَّاقِ يُهَراقُ في الدنيا لأنتنَ أهلَ الدنيا (^٣) \".\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: هو ما يَسيلُ من صديدِهم؛ لأن ذلك هو الأغلبُ من معنى الغُسُوقِ، وإن كان للآخَرِ وجهٌ صحيحٌ.\n\n<span id=\"aya-4028\"></span>وقولُه: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته\n_________\n(^١) أخرجه هناد في الزهد (٢٩٠) من طريق ليث عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) بالطخارية، أي: بلغة أهل طَخارستان. ينظر التاج (ط خ ر)، والأثر عزاه ابن حجر في الفتح ٦/ ٣٣١ والسيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٨ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه الحاكم ٤/ ٦٠١، ٦٠٢، والبيهقي في البعث (٦٠٤) من طريق ابن وهب به، وأخرجه الترمذي (٢٥٨٤) من طريق عمرو بن الحارث به، وأخرجه أحمد ١٧/ ٣٣١ (١١٢٣٠)، ١٨/ ٣١٠ (١١٧٨٦)، وأبو يعلى (١٣٨١) من طريق دراج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٨ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"20","page":130},{"text":"عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ على التوحيدِ (^١)، بمعنى: هذا حميمٌ وغساقٌ فليذُوقوه، وعذابٌ آخرُ من نحوِ الحميمِ ألوانٌ وأنواعٌ. كما يُقالُ: لك عذابٌ من فلانٍ ضروبٌ وأنواعٌ. وقد يَحْتَمِلُ أن يكُونَ مرادًا بالأزواجِ، الخبرُ عن الحميمِ والغسَّاقِ وآخَرَ من شَكْلِه، وذلك ثلاثةٌ، فقيل: ﴿أَزْوَاجٌ﴾. يُرادُ أن يُنْعَتَ بالأزواجِ تلك الأشياءُ الثلاثةُ. وقرَأ ذلك بعضُ المكيِّين وبعضُ البصريِّين: (وأُخَرُ) على الجماعِ (^٢)، وكأن مَن قرَأ ذلك، كان عندَه لا يَصْلُحُ أن يكونَ الأزواجُ - وهى جمعٌ - نعتًا لواحدٍ؛ فلذلك جمَع \"آخرَ\" لتكونَ الأزواجُ نعتًا لها، والعربُ لا تمتنِعُ أن تَنْعَتَ الاسمَ إذا كان فعلًا بالكثيرِ والقليلِ والاثنين، كما بيَّنا، فتقُولُ: عذابُ فلانٍ أنواعٌ. و: نوعان مختلفان (^٣).\nوأعجَبُ القراءتين إليَّ أن أَقْرَأَ بها: ﴿وَآخَرُ﴾ على التوحيدِ، وإن كانت الأخرى صحيحةً؛ لاستفاضةِ القراءةِ بها في قرأةِ الأمصارِ، وإنما اختَرنا التوحيدَ؛ لأنه أصَحُّ مَخرجًا في العربيةِ، وأنه في التفسيرِ بمعنى التوحيدِ.\nوقيل: إنه الزَّمهريرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7850>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. قال: الزمهريرُ (^٤).\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٥٥٥.\n(^٢) هي قراءة أبي عمرو. المصدر السابق.\n(^٣) ينظر معاني القرآن ٢/ ٤١١.\n(^٤) تفسير سفيان ص ٢٦٠، ٢٦١، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦٦، ١٦٧، وهناد في الزهد (٢٩٤)، والبيهقي في البعث (٥٧٠)، من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٨ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"20","page":131},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن مرةً، عن عبدِ الله بمثلِه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عمَّن أخبَره، عن عبدِ الله بمثلِه، إلا أنه قال: عذابُ الزمهريرِ.\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن مرةً الهَمْدانيِّ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: هو الزمهريرُ.\nحُدِّثتُ عن يحيى بن أبي زائدةَ، عن مباركِ بن فضالةَ، عن الحسنِ، قال: ذكَر الله العذابَ، فذكَر السلاسلَ والأغلالَ وما يكونُ في الدنيا، ثم قال: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. قال: وآخرُ لم يُرَ في الدنيا (^١).\nوأما قولُه: ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾. فإن معناه: من ضَرْبِه ونحوِه. يقولُ الرجلُ للرجلِ: ما أنت من شَكْلى. بمعنى: ما أنت من ضَرْبي. بفتحِ الشينِ، وأما الشِّكْلُ فإنه من المرأةِ: ما عَلَّقَت مما تَحَسَّنُ به. وهو الدَّلُّ (^٢) أيضًا منها.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7851>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. يقولُ: من نحوِه (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٥٢٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٨ إلى المصنف.\n(^٢) الدل: حسن الهيئة والحديث. ينظر اللسان (د ل ل).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٨ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"20","page":132},{"text":"أَزْوَاجٌ﴾: من نحوِه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. قال: من كلِّ شَكْلِ ذلك العذابِ الذي سمَّى الله، أزواجٌ لم يُسَمِّها الله. قال: والشَّكْلُ: الشَّبِيهُ.\nوقولُه: ﴿أَزْوَاجٌ﴾. يعنى: ألوانٌ وأنواعٌ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7852>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. قال: ألوانٌ من العذابِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَزْوَاجٌ﴾: زوجٌ زوجٌ من العذابِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿أَزْوَاجٌ﴾. قال: أزواجٌ من العذابِ في النارِ.\n\n<span id=\"aya-4029\"></span>وقولُه: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾: يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿هَذَا فَوْجٌ﴾: هذا فرقةٌ وجماعةٌ مُقتحِمةٌ معكم أيُّها الطاغون النارَ. وذلك دخولُ أمةٍ من\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٢٢٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٦٧ عن ابن علية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٨ إلى ابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"20","page":133},{"text":"الأممِ الكافرةِ بعدَ أمةٍ، ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وهذا خبرٌ من اللهِ عن قيلِ الطاغين الذين كانوا قد دخَلوا النارَ قبلَ هذا الفوجِ المقتحمِ للفوجِ المقتحِمِ فيها عليهم: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾. ولكن الكلامَ اتَّصَل، فصار كأنه قولٌ واحدٌ، كما قيل: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠]. فاتصَل قولُ فرعونَ بقولِ ملئه، وهذا كما قال تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن أهلِ النارِ: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨].\nويعنى بقولِه: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِم﴾: لا اتَّسَعت بهم مداخلُهم. كما قال أبو الأسودِ (^١):\n* [ألا مَرْحَبٌ] (^٢) وَادِيكَ غيرُ مَضِيقٍ *\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7853>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ في النارِ ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ حتى بلَغ: ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾. قال: هؤلاء التُّبَّاعُ يقولون للرءوسِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾. قال: الفوجُ: القومُ الذين يَدْخُلون فوجًا بعدَ\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢٩ (نفائس المخطوطات). وهذا عجز بيت وصدره:\n* ولما رآني مقبلًا قال: مرحبًا *\n(^٢) في م: \"لا مرحب\". وفي الديوان: \"ألا مرحبًا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":134},{"text":"فوجٍ. وقرَأ: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾: التي كانت قبلَها.\n\n<span id=\"aya-4030\"></span>وقوله: ﴿إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾. يقولُ: إنهم وارِدو النارِ وداخِلُوها. ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾. يقولُ: قال الفوجُ الوارِدون جهنمَ على الطاغين الذين وصَف جل ثناؤُه صفتَهم لهم: بل أنتم أيُّها القومُ لا مرحبًا بكم. أي: لا اتَّسعت بكم أماكنُكم، ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾. يَعْنون: أنتم قدَّمتم لنا سُكنَى هذا المكانِ وصِلِيَّ النارِ بإضلالِكم إيَّانَا، ودُعائكم لنا إلى الكفر بالله، وتكذيبِ رُسُلِه؛ حتى ضلَلْنا باتباعِكم، فاستَوْجَبْنا سُكْنَى جهنمَ اليومَ. فذلك تقديُمهم لهم ما قدَّموا في الدنيا من عذابِ اللهِ لهم في الآخرةِ، ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾. يقولُ: فبئْس المكانُ يُسْتَقرُّ فيه جهنَّمُ.\n\n<span id=\"aya-4031\"></span><span data-type='title' id=toc-7854>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)﴾.</span>\nوهذا أيضًا قولُ الفوجِ المقتحِمِ على الطاغين، وهم كانوا أتباعَ الطاغين في الدنيا، يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال الأتباعُ: ﴿رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا﴾. يَعْنُون مَن قدَّم لهم في الدنيا بدعائِهم إلى العملِ الذي يُوجِبُ لهم النارَ التي ورَدوها، وسُكْنَى المنزلِ الذي سكَنوه منها. ويَعْنون بقولِهم: ﴿هَذَا﴾: هذا العذابَ الذي ورَدْناه. ﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾. يَقولون: فأَضْعِفُ له العذابَ في النارِ على العذابِ الذي هو فيه فيها، وهذا أيضًا من دعاءِ الأتباعِ للمَتْبوعين.\n\n<span id=\"aya-4032\"></span><span data-type='title' id=toc-7855>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾.</span>","vol":"20","page":135},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الطاغون الذين وصَف جلَّ ثناؤه صفتَهم في هذه الآياتِ، وهم فيما ذُكِر؛ أبو جهلٍ والوليدُ بنُ المغيرةِ وذووهما: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا﴾. يقولُ: ما بالُنا (^١) لا نَرى معنا في النارِ رجالًا ﴿كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾. يقولُ: كنا نَعُدُّهم في الدنيا من أشرارِنا. وعَنَوا بذلك فيما ذُكِر: صُهَيبًا وخَبَّابًا وبِلالًا وسَلْمَانَ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7856>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾: قال: ذاك أبو جهلِ بنُ هشامٍ والوليدُ بنُ المغيرةِ - وذكَر أناسًا؛ صُهَيبًا وعمَّارًا وخبابًا -: كنا نَعُدُّهم من الأشرارِ في الدنيا.\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ ليثًا يَذْكُرُ عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾. قال: قالوا: أينَ سَلْمانُ؟ أينَ خَبَّابٌ؟ أينَ بلالٌ (^٢)؟\n\n<span id=\"aya-4033\"></span>وقولُه: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءتِه؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والشامِ وبعضُ قرأةِ الكوفِة: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ بفتحِ الألفِ من: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"لنا\".\n(^٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٣/ ٢٣٣، وأحمد في فضائل الصحابة ٢/ ٨٥٩ (١٦٠٢)، وابن عساكر في تاريخه ١٠/ ٤٦٥، ٤٦٦ من طريق ليث به مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر مطولًا.","vol":"20","page":136},{"text":"وقطعِها على وجهِ الاستفهامِ (^١). وقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ، وبعضُ قرأةِ مكةَ بوصلِ الألفِ (من الأشرارِ اتَّخَذْناهُمْ) (^٢).\nوقد بيَّنا فيما مضى قبلُ أن كلَّ استفهامٍ كان بمعنى التعجبِ والتوبيخِ، فإن العربَ تَسْتَفهِمُ فيه أحيانًا، وتُخْرِجُه على وجهِ الخبرِ أحيانًا (^٣).\nوأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ (^٤) قراءةُ من قرَأه بالوصلِ على غيرِ وجهِ الاستفهامِ؛ لتقدُّمِ الاستفهامِ قبلَ ذلك في قولِه: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا﴾. فيَصيرُ قولُه: (اتَّخَذْناهُمْ) بالخبرِ أولى، وإن كان للاستفهام وجهٌ مفْهومٌ لما وصَفتُ قبلُ من أنه بمعنى التعجبِ.\nوإذ كان الصوابُ من القراءةِ في ذلك ما اختَرنا؛ لما وصَفْنا، فمعنى الكلامِ: وقال الطاغون: ما لنا لا نرى سَلْمَانَ وبِلالًا وخبَّابًا - الذين كنا نَعُدُّهم في الدنيا أشرارَنا (^٥)، اتَّخذناهم فيها سِخْريًّا نَهْزَأُ بهم فيها - معنا اليومَ في النارِ؟! وكان بعضُ أهلِ العلمِ بالعربيةِ من أهلِ البصرِة يقولُ (^٦): من كسَر السينَ من السِّخْرِيٌّ فإنه يُرِيدُ به الهُزْءَ، يُريدُ: يُسخَرُ به. ومن ضمَّها فإنه يجعَلُه من السُّخْرةِ، يتسَخَّرونهم (^٧)؛ يَسْتَذِلُّونهم - أزاغت عنهم أبصارُنا وهم معنا!\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٥٥٦.\n(^٢) هي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٩/ ٣٦٠.\n(^٤) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٥) في م: \"أشرارا\".\n(^٦) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ١٨٧.\n(^٧) في م: \"يستسخرونهم\".","vol":"20","page":137},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7857>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾. يقولُ: أهم في النارِ، لا نعرِفُ مكانَهم (^١)؟\nوحُدِّثتُ عن المحاربيِّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾. قال: هم قومٌ كانوا يَسْخرون من محمدٍ وأصحابِه، فانطُلِق به وبأصحابِه إلى الجنةِ، وذُهِب بهم إلى النارِ، ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾. يقولون: أزاغت أبصارُنا عنهم، فلا نَدْرِى أينَ هم (^٢)؟\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾. قال: أَخطَأْناهم ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ فلا نراهم (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾. قال: فقَدوا أهلَ الجنةِ، ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ في الدنيا ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ وهم مَعنا في النارِ (^٤).\n\n<span id=\"aya-4034\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا الذي أخبِرتُكم أيُّها\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص ١٣٦.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٨/ ٥٢٨ مختصرًا.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٧٦.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦٨ عن معمر عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":138},{"text":"الناسُ من الخبرِ عن تراجُعِ أهلِ النارِ، ولَعْنِ بعضِهم بعضًا، ودعاءِ بعضِهم على بعضٍ في النارِ ﴿لَحَقٌّ﴾ يقينٌ، فلا تَشُكُّوا في ذلك، ولكن استَيْقِنوه؛ ﴿تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾. وقولُه: ﴿تَخَاصُمُ﴾ رَدُّ على قوله: ﴿لَحَقٌّ﴾. ومعنى الكلامِ: إِنَّ تخاصُمَ أهلِ النارِ الذي أخبَرتُكم به لحقٌّ.\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ (^١) يُوجِّه معنى قولِه: ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾. إلى: بل زاغَت عنهم.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾، فقرَأ: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]. وقرَأ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ حتى بلَغ ﴿إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس: ٢٨، ٢٩]. قال: إن كنتم تَعبُدوننا، كما تقولون، إن كنا عن عبادتِكم لغافلين، ما كنا نَسْمَعُ ولا نُبْصِرُ.\nقال: وهذه الأصنامُ. قال: هذه خصومةُ أهلِ النارِ. وقرَأ: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠]. قال: وضلَّ عنهم يومَ القيامةِ ما كانوا يَفتَرون في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-4035\"></span><span data-type='title' id=toc-7858>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لمشرِكي قومِك: ﴿إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾ لكم يا معشرَ قريشٍ بينَ يدَىْ عذابٍ شديدٍ، أُنْذِرُكم عذابَ اللهِ وسخطَه أن يَحِلَّ بكم، على كفرِكم به، فاحذَروه وبادِروا حلولَه بكم بالتوبةِ. ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. يقولُ: وما من معبودٍ تصلُحُ له العبادةُ، وتَنْبَغِى\n_________\n(^١) هو أبو عبيدة، ينظر مجاز القرآن ٢/ ١٨٦.","vol":"20","page":139},{"text":"له الربوبيةُ إلا الله الذي يَدِينُ له كلُّ شيءٍ، ويعْبُدُه كلُّ خلقٍ، الواحدُ الذي لا ينْبَغي أن يكونَ له في ملكِه شريكٌ، ولا يَنْبَغى أن تكُونَ له صاحبةٌ، القهارُ لكلِّ ما دونَه بقدرتِه،\n\n<span id=\"aya-4036\"></span>﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: مالكُ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما من الخلقِ. يقولُ: فهذا الذي هذه صفتُه، هو الإلهُ الذي لا إلهَ سِوَاه، لا الذي لا يَمْلِكُ شيئًا ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ.\nوقولُه: ﴿الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾.\nيقولُ: العزيزُ في نقمتِه مِن أهلِ الكفرِ به، والمدّعين معه إلهًا غيرَه، الغفارُ لذنوبِ مَن تاب منهم ومِن غيرِهم، من كفرِه ومعاصيه، فأناب إلى الإيمانِ به والطاعةِ له، بالانتهاءِ إلى أمرِه ونهيِه.\n\n<span id=\"aya-4037\"></span><span data-type='title' id=toc-7860>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لقومكِ المكذِّبيك فيما جئتَهم به مِن عندِ الله مِن هذا القرآنِ، القائلين لك فيه: إنْ هذا إلا اختلاقٌ: ﴿هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: هذا القرآنُ خبرٌ عظيمٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7859>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ الأسَدِيُّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن شِبْلِ بن عبَّادٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ","vol":"20","page":140},{"text":"مُعْرِضُونَ﴾. قال: القرآنُ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا هشامٌ، عن ابن سيرينَ، عن شُرَيْحٍ، أن رجلًا قال له: أتقضى عليَّ بالنبأ؟! قال: فقال له شريحٌ: أوَ ليس القرآنُ نبأً؟ قال: وتلا هذه الآيةَ: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾. قال: وقَضَى عليه (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾. قال: القرآنُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4038\"></span>وقولُه: ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾. يقولُ: أنتم عنه منصرِفون، لا تعمَلون به، ولا تُصدِّقون بما فيه من حُججِ الله وآياتِه.\n\n<span id=\"aya-4039\"></span>وقولُه: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾. يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ لمشرِكي قومِك: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ [من الملائكةِ] (^٣)، ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في شأنِ آدمَ مِن قبلِ أن يوحِىَ إليَّ ربِّي، فيُعلِمَنى ذلك. يقولُ: ففى إخبارى لكم عن (^٤) ذلك، دليل واضحٌ على أن هذا القرآنَ وحىٌ مِن اللهِ، وتنزيلٌ مِن عنده؛ لأنكم تعلَمون أن علمَ ذلك لم يكن عندى قبلَ نزولِ هذا القرآنِ، ولا هو مما شاهدتُه فعاينتُه، ولكنى علِمتُ ذلك بإخبارِ اللهِ إيَّاي به.\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ١٠١ وابن كثير في تفسيره ٧/ ٧١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٩ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي نصر السجزي في الإبانة.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٧١.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) ليست في: ص، ت ١.","vol":"20","page":141},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7861>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾. قال: الملأُ الأعلى: الملائكةُ حينَ شووِروا (^١) في خلْقِ آدمَ، فاختَصَموا فيه، وقالوا: لا تجعلْ في الأرضِ خليفةً (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: هو: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠].\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾. قال: هم الملائكةُ، كانت خصومتُهم في شأنِ آدمَ حين قال ربُّك للملائكةِ: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ حتى بلَغ: ﴿سَاجِدِينَ﴾. وحينَ قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ حتى بلَغ: ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. ففي هذا اختصَم الملأُ الأعلى (^٣).\n\n<span id=\"aya-4040\"></span>وقولُه: ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ لمشرِكي قريشٍ: ما يوحِى الله إليَّ علمَ ما لا علْمَ لى به، مِن نحوِ العلمِ بالملأَ الأعلى، واختصامِهم في أمرِ آدمَ إذْ أراد خَلْقَه - إلا لأنى إنما أنا\n_________\n(^١) في ت ١: \"تشاوروا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٩ إلى المصنف وعبد بن حميد ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة.","vol":"20","page":142},{"text":"نذيرٌ مبينٌ. فـ ﴿أَنَّمَا﴾، على هذا التأويلِ، في موضعِ خفضٍ، على قولِ مَن كان يرى أن مثلَ هذا الحرفِ الذي ذَكرْنا (^١) لا بدَّ له من حرفٍ خافضٍ، فسواءٌ إسقاطُ خافضِه منه وإثباتُه. وأما على قولِ مَن رأى أن مثلَ هذا يُنْصَبُ إذا أُسْقِط منه الخَافضُ، فإنه على مذهبِه نَصْبٌ، وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضِعِ (^٢).\nوقد يتجِهُ لهذا الكلامِ وجهٌ آخرُ، وهو أن يكونَ معناه: ما يوحِى الله إليَّ (^٣) إلا إنذارَكم. وإذا وُجِّه الكلامُ إلى هذا المعنى، كانت ﴿أَنَّمَا﴾ في موضعِ رفعٍ؛ لأن الكلامَ يصيرُ حينئذٍ بمعنى: ما يُوحَى إليَّ إلا الإنذارُ.\nوقولُه: ﴿إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ: إلا أني نذيرٌ لكم، مُبِينٌ لكم إنذارَه إياكم. وقيل: ﴿إِلَّا أَنَّمَا أَنَا﴾. ولم يُقَلْ: إلا أنما أنك. والخبرُ مِن محمدٍ عن الله؛ لأن الوحىَ قولٌ، فصار في معنى الحكايةِ، كما يُقالُ في الكلامِ: أخبَروني أني مسئٌ. و: أخبَرونى أنك مسئٌ. بمعنًى واحدٍ، كما قال الشاعرُ (^٤):\nرَجْلَانِ مِن ضَبَّةَ أَخْبَرَانا\nإِنَّا رأيْنا رَجُلًا عُرْيانا\nبمعنى: أخبَرانا أنهما رأيا. وجاز ذلك لأن الخبرَ أصلُه حكايةٌ.\n\n<span id=\"aya-4041\"></span><span data-type='title' id=toc-7862>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ</span>\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١: \"الذي\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ١٦٩، ١٧٠.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) البيت في معاني القرآن للفراء ٢/ ٤١٢، ٣/ ٢٤٠، والمحتسب لابن جنى ١/ ١٠٩، ٢٥٠، والخصائص ٢/ ٣٣٨، وخزانة الأدب للبغدادي ٩/ ١٨٣، غير منسوب.","vol":"20","page":143},{"text":"طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾.\nوقولُه: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾. مِن صلةِ قولِه: ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾. وتأويلُ الكلامِ: ما كان لي مِن علمٍ بالملأَ الأعلى إذ يختصِمون حينَ قال ربُّك يا محمدُ للملائكةِ: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾. يعنى بذلك خَلْقَ آدَمَ.\n\n<span id=\"aya-4042\"></span>وقولُه: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا سوَّيتُ خَلْقَه، وعدَّلْتُ صورتَه، ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾. قيل: عُنِى بذلك: ونَفَخْتُ فيه مِن قُدْرتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-7863>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثتُ عن المسيَّبِ بن شَرِيكٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾. قال: مِن قُدْرتى.\n﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾. يقولُ: فاسجُدوا له وخِرُّوا له سُجَّدًا.\n\n<span id=\"aya-4043\"></span>وقولُه: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلما سوَّى اللهُ خَلْقَ ذلك البشرِ، وهو آدمُ، ونفَخ فيه من رُوحِه، سجَد له الملائكةُ كلُّهم أجمعون، يعنى بذلك: الملائكةُ الذين هم في السماواتِ والأرض، ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ﴾. يقولُ: غيرَ إبليسَ، فإنه لم يسْجُدْ، استكبرَ عن السجودِ له (^١)؛ تعظُّمًا وتكبُّرًا (^٢)، ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: وكان بتعظُّمِه ذلك، وتكبُّرِه على ربِّه، ومعصيتِه أمرَه، ممن كفَر في علمِ الله السابقِ، فَجَحَد ربوبيتَه، وأنكَر ما عليه\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١.\n(^٢) في ص، ت ١: \"كبرا\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"كفرا\".","vol":"20","page":144},{"text":"الإقرارُ له به، مِن الإذعانِ له بالطاعةِ.\n\n<span id=\"aya-4044\"></span>كما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: قال أبو بكرٍ في: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. قال: قال ابن عباسٍ: كان في علمِ الله مِن الكافرين.\n\n<span id=\"aya-4045\"></span><span data-type='title' id=toc-7864>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال الله لإبليسَ، إذ لم يسجُدْ لآدمَ وخالَف أمرَه: ﴿يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾. يقولُ: أيُّ شيءٍ منعك مِن السجودِ، ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. يقولُ: لخَلْقِ يديَّ. يُخْبرُ تعالى ذكرُه بذلك، أنه خلَق آدمَ بيَدَيه.\nكما حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرنى عُبيدٌ المُكْتِبُ، قال: سمعتُ مجاهدًا يحدِّثُ عن ابن عمرَ، قال: خلَق الله أربعةً بيدِه؛ العرشَ، وعَدْنَ، والقلمَ، وآدمَ، ثم قال لكلِّ شيءٍ: كُنْ. فكان (^١).\n\n<span id=\"aya-4046\"></span>وقولُه: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لإبليسَ: أتعظَّمتَ عن السجودِ لآدمَ، فتركت السجود له استكبارًا عليه، ولم تكن من المتكبرين العالين قبل ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾. يقولُ: أم كنتَ كذلك مِن قبلُ ذا عُلوٍّ وتكبُّرٍ على ربِّك؟ ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: قال إبليسُ لربِّه: فعَلتُ ذلك فلم أسجدْ للذي أمرْتني بالسجودِ له؛ لأنى خيرٌ منه، وكنتُ خيرًا لأنك\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٠٣٠) من طريق ابن المثنى به، وأخرجه الدارمي في الرد على المريسي ص ٣٥، ٩٠، والآجرى في الشريعة (٧٥٦) والحاكم ٢/ ٣١٩، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٩٣) من طريق عبيد المكتب به.","vol":"20","page":145},{"text":"خلقتني مِن نارٍ وخلقتَه مِن طينٍ، والنارُ تأكلُ الطينَ وتُحرِقُه، فالنارُ خيرٌ منه. يقولُ: لم أفعلْ ذلك استكبارًا عليك، ولا لأنى كنتُ مِن العالين، ولكني فعَلتُه مِن أجلِ أنى أشرفُ منه.\nوهذا تقريعٌ مِن الله المشركين (^١)، الذين كفَروا بمحمدٍ ﷺ، وأبَوا الانقيادَ له، واتِّباعَ ما جاءهم به مِن عندِ الله؛ استكبارًا عن أن يكونوا تَبَعًا لرجلٍ منهم، حين قالُوا: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨]، و: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣]. فقَصَّ عليهم تعالى ذكرُه قصةَ إبليسَ وهلاكِه (^٢) باستكبارِه عن السجودِ لآدمَ، بدعواه أنه خيرٌ منه، مِن أجلِ أنه خُلِقَ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدمُ مِن طينٍ، حتى صار شيطانًا رجيمًا، وحَقَّت عليه مِن الله لعنتُه - محذِّرَهم بذلك أن يستحِقُوا باستكبارِهم على محمدٍ ﷺ، وتكذيبِهم إياه فيما جاءهم به مِن عندِ الله، حسدًا وتعظُّمًا، مِن اللعنِ منه (^٣) والسُّخْطِ، ما استَحقَّه إبليسُ بتكبُّرِه عن السجودِ لآدمَ.\n\n<span id=\"aya-4047\"></span><span data-type='title' id=toc-7865>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: [قال اللهُ] (^٤) لإبليسَ: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾. يعنى مِن الجنةِ، ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾. يقولُ: فإنك مَرْجومٌ بالقولِ، مشتومٌ ملعونٌ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا\n_________\n(^١) في م: \"للمشركين\".\n(^٢) في م: \"إهلاكه\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) ليس في: ص، م، ت ١.","vol":"20","page":146},{"text":"فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾. قال: والرجيمُ اللعينُ (^١).\nحدِّثتُ عن المُحاربيِّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ بمثلِه.\n\n<span id=\"aya-4048\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾. يقولُ: وإن لك طردى مِن الجنةِ، ﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾. يعنى: إلى يومِ مجازاةِ العبادِ ومحاسبتِهم.\n\n<span id=\"aya-4049\"></span>﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال إبليسُ لربِّه: ربَّ فإذ لعَنْتنى وأخرَجتنى مِن جنتِك، ﴿فَأَنْظِرْنِي﴾. يقولُ: فأخِّرْنى في الأجلِ، ولا تُهْلِكُنى، ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. يقولُ: إلى يومِ تَبْعَثُ خلقَك مِن قبورِهم.\n\n<span id=\"aya-4050\"></span>\n\n<span id=\"aya-4051\"></span><span data-type='title' id=toc-7866>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾.</span>\n\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ لإبليسَ: فإنك ممن أنظَرتُه إلى يومِ الوقتِ المعلومِ، وذلك الوقتُ الذي جعَله الله أجلًا لهلاكِه. وقد بيَّنتُ وقتَ ذلك فيما مضَى، واختلافَ أهلِ العلمِ فيه (^٢).\n\n<span id=\"aya-4052\"></span>﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال إبليسُ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾، أي: بقدرتِك وسلطانِك وقهرِك ما دونَك من خلْقِك، ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ: لأُضِلَّنَّ بني آدمَ أجمعين.\n\n<span id=\"aya-4053\"></span>﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾. يقولُ: إلا مَن أخلَصتَه منهم لعبادتِك، وعصَمتَه مِن إضلالي، فلم تجعَلْ لي عليه سبيلًا، فإني لا أقْدِرُ على إضلالِه وإغوائِه.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٤/ ٦٧.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١٠/ ٩٠، ٩١.","vol":"20","page":147},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال: عَلِم عدوُّ الله أنه ليست له عزّةٌ.\n\n<span id=\"aya-4054\"></span><span data-type='title' id=toc-7867>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾.</span>\nاختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾؛ فقرَأه بعضُ أهلِ الحجازِ وعامةُ الكوفيِّين برفعِ الحقِّ الأوّلِ، ونَصْبِ الثاني (^١). وفي رفعِ الحقِّ الأوّلِ إذا قُرئ كذلك وَجْهان؛ أحدُهما: رَفْعُه بضميرٍ: الله الحقُّ، أو: أنا الحقُّ وأقولُ الحقَّ. والثاني: أن يكونَ مرفوعًا بتأويلِ قولِه:\n\n<span id=\"aya-4055\"></span>﴿لأَمْلأَنَّ﴾. فيكونَ معنى الكلامِ حينئذٍ: فالحقُّ أن أملأَ جهنمَ منك. كما يقالُ (^٢): عَزْمةٌ صادقةٌ لآتينّك. فرفَعَ \"عَزْمةً\" بتأويلِ \"لآتينّك\"؛ لأن تأويلَه: أن آتيَك. كما قال: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥]. ولا بدَّ لقولِه: ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ مِن مرفوعٍ، وهو مضمرٌ في المعنى.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ المكيِّين والكوفيِّين، بنصْبِ الحقِّ الأوّلِ والثانى كليهما (^٣)، بمعنى: حقًّا لأملأنَّ جهنمَ، والحقَّ أقولُ. ثم أُدخِلَتِ الألفُ واللَّامُ عليه وهو منصوبٌ؛ لأن دخولَهما - إذا كان ذلك معنى الكلامِ - وخروجَهما منه سواءٌ، كما سواءٌ قولُهم: حمدًا لله. و: الحمدَ لله. عندهم إذا نُصِبَ. وقد يَحتمِلُ أن يكونَ نصْبُه على وجهِ الإغراءِ، بمعنى: الزموا الحقَّ. أو:\n_________\n(^١) هي قراءة عاصم وحمزة. السبعة لابن مجاهد ص ٥٥٧.\n(^٢) في م: \"يقول\".\n(^٣) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر والكسائي، ورواية المفضل عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٥٥٧.","vol":"20","page":148},{"text":"اتَّبِعوا الحقَّ. والأوّلُ أشبَهُ؛ لأنه خطابٌ مِن اللهِ لإبليسَ، بما هو فاعلٌ به وبتُبَّاعِه.\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندِى بالصوابِ أن يقالَ: إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأةِ الأمصارِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ لصحةِ معنَيَيْهما.\nوأما الحقُّ الثاني فلا اختلافَ في نصبِه بين قرأةِ الأمصارِ كلِّهم، بمعنى: وأقولُ الحقَّ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7868>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾. يقولُ الله: أنا الحقُّ، والحقَّ أقولُ (^١).\nوحدِّثتُ عن ابن أبي زائدةَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾: يقولُ الله: الحقُّ منى، وأقولُ الحقَّ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: ثنا أبانُ بنُ تَغْلِبَ، عن طلحةَ الياميِّ، عن مجاهدٍ، أنه قرَأها: ﴿فَالْحَقُّ﴾، بالرفعِ، ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ نصبًا، وقال: يقولُ الله: أنا الحقُّ، والحقَّ أقولُ (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾. قال: قسمٌ أقسَم الله به (^٤).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٧٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢١ إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٧٦ موقوفًا على ابن جريج، وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٧٢ عن مجاهد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢١ إلى المصنف.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٧٢.","vol":"20","page":149},{"text":"وقولُه: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ﴾. يقولُ لإبليسَ: لأملأَنَّ جهنمَ منك [ومن تُبَّاعِك] (^١) مِن بنى آدمَ أجمعين.\n\n<span id=\"aya-4056\"></span>وقولُه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لمشرِكي قومِك، القائلين لك: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨]: ما أسألُكم على هذا الذكرِ، وهو القرآنُ الذي أتيتُكم به مِن عندِ اللهِ - أجرًا. يعنى: ثوابًا وجزاءً، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾. يقولُ: وما أنا ممن يتكلَّفُ تخرُّصَه وافتراءَه، فتقولوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ [الفرقان: ٤]، و: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧].\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾. قال: لا أسألُكم على القرآنِ أجرًا، تعطوننى شيئًا، وما أنا من المُتكلِّفين؛ أتخرَّصُ وأتكلَّفُ ما لم يأْمُرْنى الله به.\n\n<span id=\"aya-4057\"></span><span data-type='title' id=toc-7869>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ لهؤلاء المشركين مِن قومِك: ﴿إِنْ هُوَ﴾. يعنى: ما هذا القرآنُ، ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾. يقولُ: إلا تذكيرٌ مِن اللهِ ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ مِن الجنِّ والإنسِ، ذكَّرهم ربُّهم؛ إرادةَ استنقاذِ مَن آمَن به منهم من الهلَكةِ.\n\n<span id=\"aya-4058\"></span>وقولُه: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾. يقولُ: ولتعلمُنَّ أَيُّها المشركون باللهِ مِن قريشٍ، ﴿نَبَأَهُ﴾. يعني: نبأَ هذا القرآنِ، وهو خبرُه، يعنى حقيقةَ ما فيه مِن الوعدِ\n_________\n(^١) في م: \"وممن تبعك\".","vol":"20","page":150},{"text":"والوعيدِ - بعدَ حينٍ.\nوبمثْلِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7870>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾. قال: صِدْقَ هذا الحديثِ؛ نبأَ ما كذَّبوا به.\nوقيل: ﴿نَبَأَهُ﴾: حقيقةَ أمرِ محمدٍ ﷺ، أنه نبيٌّ.\nثم اختلَفوا في مدةِ الحينِ الذي ذكَره الله في هذا الموضعِ؛ ما هي، وما نهايتُها؛ فقال بعضُهم: نهايتُها الموتُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7871>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾: أي بعدَ الموتِ، وقال الحسنُ: يا بنَ آدمَ، عندَ الموتِ يأتيك الخبرُ اليقينُ (^١).\nوقال بعضُهم: كانت نهايتُها إلى يومِ بدرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7872>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾: قال بعضُهم (^٢): يومَ بدرٍ. وقال بعضُهم: يومَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٦٩ عن معمر عن قتادة، ولم يذكر قول الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص ٣٦٢ - إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"20","page":151},{"text":"القيامةِ (^١).\nوقال بعضُهم: نهايتُها القيامةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7873>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾. قال: يومَ القيامةِ يعلَمون نبأَ ما كذَّبوا به بعدَ حينٍ مِن الدنيا، وهو يومُ القيامةِ. وقرَأ: ﴿لِكُلِّ نَبَإ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٧]. قال: وهذا أيضًا الآخرةُ؛ يستقِرُّ فيها الحقُّ، ويَبْطُلُ الباطلُ (^٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله أعلَم المشركين المكذِّبين بهذا القرآنِ، أنهم يعلَمون نبأَه بعدَ حينٍ، مِن غيرِ حدٍّ منه لذلك الحينِ بحدٍّ، وقد علِم نبأَه مِن أحيائهم الذين عاشوا إلى ظُهورِ حقيقتِه ووضُوحِ صحتِه في الدنيا، ومنهم مَن علِم حقيقةُ ذلك بهلاِكه ببدرٍ، وقبلَ ذلك، ولا حدَّ عندَ العربِ للحينِ لا يُجاوَزُ ولا يُقصَرُ عنه. فإذ كان ذلك كذلك، فلا قولَ فيه أصحَّ من أن يُطْلَقَ كما أطلَقه الله تعالى، من غيرِ حصرِ ذلك على وقتٍ دونَ وقتٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال (^٣) أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7874>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةً، قال: ثنا أيوبُ، قال: قال عكرمةُ: سُئِلْتُ عن رجلٍ حلَف أن لا يصنعَ كذا وكذا إلى حينٍ، فقلتُ: إن مِن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في مخطوطة المحمودية ص ٣٦٢ - إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٢ إلى المصنف.\n(^٣) بعده في ت ٢، ت ٣: \"جماعة\".","vol":"20","page":152},{"text":"الحينِ حينًا لا يُدْرَكُ، ومِن الحينِ حِينٌ يُدْرَكُ، فالحينُ الذي لا يُدْرَكُ قولُه: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾، والحينُ الذي يُدْرَكُ قولُه: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥]. وذلك مِن حينِ تُصْرَمُ النخلةُ إلى حينِ تُطْلِعُ، وذلك ستةُ أشهرٍ (^١).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"ص\".\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٢٣١.","vol":"20","page":153},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-4059\"></span><span data-type='title' id=toc-7875>تفسيرُ سورةِ \"الزُّمَرِ\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-7876>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: تَنزِيلُ (^١) الكتابِ الذي نزَّلناه عليك يا محمدُ، مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ في انتقامِه مِن أعدائِه، الحَكيمِ في تدبيرِه خلقَه، لا مِن غيرِه، فلا تكوننَّ في شكٍّ من ذلك.\nورُفِع قولُه: ﴿تَنْزِيلُ﴾ بقولِه: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾. وتأويلُ الكلامِ: مِن الله العزيزِ الحكيمِ تنزيلُ الكتابِ. وجائزٌ رفْعُه بإضمارِ \"هذا\"، كما قيل: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١]. غيرَ أن الرفعَ في قولِه: ﴿تَنْزِيلُ﴾ بما بعدَه، أحسنُ مِن رفعِ ﴿سُورَةٌ﴾ بما بعدَها؛ لأن ﴿تَنْزِيلُ﴾ وإن كان فعلًا، فإنه إلى المعرفةِ أقربُ، إذ كان مضافًا إلى معرفةٍ، فحسُن رفعُه بما بعدَه، وليس ذلك بالحسنِ في ﴿سُورَةٌ﴾؛ لأنه نكرةٌ.\n\n<span id=\"aya-4060\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إنا أنزَلنا إليك يا محمدُ الكتابَ. يعنى بالكتابِ القرآنَ، ﴿بِالْحَقِّ﴾.\nيعنى: بالعدلِ. يقولُ: أنزَلنا إليك هذا القرآنَ يأمرُ بالحقِّ والعدلِ، ومِن ذلك الحقِّ والعدلِ أن تعبدَ الله مخلِصًا له الدينَ؛ لأن الدينَ له، لا للأوثانِ التي لا تملِكُ ضَرًّا ولا نفْعًا.\n_________\n(^١) بعده في ت ٢، ت ٣: \"هذا\".","vol":"20","page":154},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿الْكِتَابَ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7877>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾: يعنى القرآنَ (^١).\nوقولُه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاخْشَعْ لله يا محمدُ بالطاعةِ، وأخلِصْ له الألوهةَ، وأفرِدْه بالعبادةِ، ولا تجعَلْ له في عبادتِك إياه شريكًا، كما فعَله (^٢) عَبَدَةُ الأوثانِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7878>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصٍ، عن شِمْرٍ، قال: يُؤْتَى بالرجلِ يومَ القيامةِ للحسابِ، وفي صحيفتِه أمثالُ الجبالِ مِن الحسناتِ، فيقولُ ربُّ العزةِ ﵎: صلَّيتَ يومَ كذا وكذا ليقالَ: صلَّى فلانٌ. أنا الله لا إلهَ إلا أنا، لىَ الدينُ الخالصُ، صُمْتَ يومَ كذا وكذا ليقالَ: صام فلانٌ. أنا الله لا إلهَ إلا أنا، لىَ الدينُ الخالصُ، تصدَّقْتَ يومَ كذا وكذا ليقالَ: تصدَّق فلانٌ. أنا الله لا إلهَ إلا أنا، لىَ الدينُ الخالصُ. فما يزالُ (^٣) يمْحو شيئًا بعدَ شيءٍ، حتى تَبْقَى صحيفتُه ما فيها شيءٌ، فيقولُ ملَكاه: يا فلانُ، ألِغَيرِ اللهِ كنتَ تعملُ؟\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما قولُه:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"فعلت\".\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"زال\".","vol":"20","page":155},{"text":"﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾. فالتوحيدُ.\nو﴿الدِّينَ﴾ منصوبٌ بوقوعِ ﴿مُخْلِصًا﴾ (^١) عليه.\n\n<span id=\"aya-4061\"></span>وقولُه: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألا للهِ العبادةُ والطاعةُ وحدَه لا شريكَ له، خالصةً لا شِركَ لأحدٍ معه فيها، فلا ينبغى ذلك لأحدٍ؛ [لأن كلَّها دونَه ومِلْكُه] (^٢)، وعلى المَمْلوكِ طاعةُ مالِكهِ، لا (^٣) مَن لا يملكُ منه شيئًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7879>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾: شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللهُ (^٤).\nوقولُه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين اتخذوا مِن دونِ اللهِ أولياءَ يَتَولَّونهم، ويعبُدونهم مِن دونِ اللهِ، يقولون لهم: ما نعبُدُكم أيُّها الآلهةُ إلا لتقرِّبونا إلى اللهِ زُلْفَى؛ قربةً ومنزلةً، وتشْفَعوا لنا عندَه في حاجاتِنا.\nوهي فيما ذُكِر في قراءةِ أُبيٍّ: (ما نَعْبُدُكُمْ)، وفي قراءةِ عبدِ اللهِ: (قالُوا ما نَعْبُدُهُمْ) (^٥). وإنما حسُن ذلك لأن الحكايةَ إذا كانت بالقولِ - مضمرًا كان أو\n_________\n(^١) في ت ١، ت،٢، ت ٣: \"مخلص\".\n(^٢) في م: \"لأن كل ما دونه ملكه\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧١ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) معاني القرآن ٢/ ٤١٤، والبحر المحيط ٧/ ٤١٥.","vol":"20","page":156},{"text":"ظاهرًا - جُعِل الغائبُ أحيانًا كالمخاطَبِ، ويُتركُ أخرى كالغائبِ، وقد بيَّنْتُ ذلك في موضعِه فيما مضَى (^١).\nحدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: هي في قراءةِ عبدِ اللهِ: (قالُوا ما نَعْبُدُهُم).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7880>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. قال: قريشٌ تقولُه للأوثانِ، ومَن قَبْلَهم يقولُه للملائكةِ ولعيسى ابن مريمَ ولعُزَيرٍ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. قالوا: ما نعبُدُ هؤلاء إلا (^٣) ليشفَعوا لنا عندَ اللهِ (^٤).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولهِ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. قال: هي منزلةٌ (^٥).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٢٩٤.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٧٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من ت ٢ ت ٣، وبعده في ص، م، ت ١: \"ليقربونا إلا\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧١ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٧٥.","vol":"20","page":157},{"text":"حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وقولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]. يقولُ سبحانه: لو شئتُ لجمعتُهم على الهُدَى أجمعين (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. قال: قالوا: هم شفعاؤنا عندَ اللهِ، وهم الذين يقرِّبوننا إلى اللهِ زُلْفى يومَ القيامةِ، للأوثانِ، والزَّلْفى القُربُ (^٢).\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله يَفْصِلُ بين هؤلاء الأحزابِ الذين اتخذوا في الدنيا مِن دونِ اللهِ أولياءَ - يومَ القيامةِ، ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ في الدنيا من عبادتِهم ما كانوا يعبُدون فيها، بأن يُصْلِيَهم جميعًا جهنمَ، إلا مَن أخلَص الدينَ للهِ، فوحَّده ولم يُشرِكْ به شيئًا.\n\n<span id=\"aya-4062\"></span><span data-type='title' id=toc-7881>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ </span>(٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ إلى الحقِّ ودينهِ الإسلامِ، والإقرارِ بوحدانيتِه، فيوفقَه له، ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ مُفْترٍ على اللهِ، يتقوَّلُ عليه الباطلَ، ويُضيفُ إليه ما ليس مِن صفتِه، ويزعُمُ أن له ولدًا افتراءً عليه، ﴿كَفَّارٌ﴾ لنِعَمِه، جَحُودٌ لربوبيتِه.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٩/ ٢٢٨، ٤٨٠.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٥.","vol":"20","page":158},{"text":"وقولُه: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لو شاء اللهُ اتخاذَ ولدٍ - ولا ينْبغِى له ذلك - ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾. يقولُ: لاختار مِن خَلْقِه ما يشاءُ.\nوقوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. يقولُ: تنزيهًا للهِ عن أن يكونَ له ولدٌ، وعما أضاف إليه المشركون به من شِركِهم، ﴿هُوَ اللَّهُ﴾. يقولُ: هو الذي يعبدُه كلُّ شيءٍ، ولو كان له ولدٌّ لم يكنْ له عبدًا، يقولُ: فالأشياءُ كلُّها له مِلكٌ، فأَنَّى يكونُ له ولدٌ، وهو الواحدُ الذي لا شريكَ له في مُلْكِه وسلطانِه، والقهَّارُ الخَلْقِه بقدرتِه! فكلُّ شيءٍ له متذلِّلٌ، ومن سَطْوتِه خاشعٌ.\n\n<span id=\"aya-4063\"></span><span data-type='title' id=toc-7883>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه واصفًا نفسَه بصفتِها (^١): ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾. يقولُ: يُغْشِى هذا على هذا، وهذا على هذا، كما قال: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7882>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"بصفاتها\".","vol":"20","page":159},{"text":"يحمِلُ الليلَ على النهارِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾. قال: يُدَهُوِرُه (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾. قال: يُغْشِي هذا هذا، ويُغْشِي هذا هذا (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾. قال: يجيءُ بالنهارِ وَيَذهَبُ بالليلِ، ويجيءُ بالليلِ ويَذْهَبُ بالنهارِ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولهِ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾: حينَ يذهبُ بالليلِ ويكوِّرُ النهارَ عليه، ويذهبُ بالنهارِ ويكوِّرُ الليلَ عليه.\nوقولُه: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وسخَّر الشمسَ والقمرَ لعبادِه، ليعلَموا بذلك عددَ السنينَ والحسابَ، ويعرِفوا الليلَ مِن النهارِ لمصلحةِ معاشِهم، ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: كلُّ ذلك، يعنى الشمس والقمر، ﴿يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يعنى: إلى قيام الساعة، وذلك\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤١ - من طريق أبي صالح به.\n(^٢) دهور كلامه: قَحَّم بعضه في إثر بعض. اللسان (د هـ ر). والأثر في تفسير مجاهد ص ٥٧٧.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٧١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٧٦.","vol":"20","page":160},{"text":"إلى أن تُكوَّرَ الشمسُ، وتَنكدِرَ النجومُ. وقيل: معنى ذلك أن لكلِّ واحدٍ منهما منازلَ، لا تَعْدوه ولا تَقْصُرُ دونَه، ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألا إن الله الذي فعل هذه الأفعال، وأنعم على خلقه هذه النعم، هو العزِيزُ في انتقامِه ممن عاداه، الغَفَّارُ لذنوبِ عبادِه التائبِين إليه منها، بعَفْوِه لهم عنها.\n\n<span id=\"aya-4064\"></span><span data-type='title' id=toc-7885>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أيُّها الناسُ، ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. يعني: مِن آدمَ، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾. يقولُ: ثم جعَل مِن آدمَ زوجَه حواءَ، وذلك أن الله خلَقها مِن ضِلَعٍ مِن أضلاعِه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7884>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: يعنى آدمَ، ثم خلَق منها زوجَها حواءَ؛ خلَقها مِن ضِلَعٍ مِن أضْلاعِه (^١).\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾. وإنما خُلِق ولدُ آدمَ من آدمَ وزوجتِه، ولا شكَّ أن الوالدَين قبلَ الولدِ؟\nفإن في ذلك أقوالًا؛ أحدُها: أن يقال: قيل ذلك لأنه روى عن رسول الله ﷺ أن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ٦/ ٣٤١، ١٠/ ٦١٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":161},{"text":"الله لمَّا خَلَقَ آدمَ مسَح ظهرَه، فأخرَج كلَّ نَسَمَةٍ هي كائنةٌ إلى يومِ القيامِة، ثم أسْكَنه بعدَ ذلك الجنةَ، وخَلَق بعدَ ذلك حواءَ من ضِلَعٍ مِن أضْلاعِه (^١)، فهذا قولٌ. والآخرُ: أن العربَ ربَّما أخبَر الرجلُ منهم عن رجلٍ بفعلَين، فيَرُدُّ الأولَ منهما في المعنى بـ \"ثم\"، إذا كان مِن خبرِ المتكلمِ، كما يقالُ: قد بلَغنى ما كان منك اليومَ، ثم ما كان منك أمسِ أعجبُ. فذلك نَسَقٌ من خبر المتكلم، والوجه الآخرُ: أن يكونَ خلقُه الزوجَ مردودًا على ﴿وَاحِدَةٍ﴾ كأنه قيل: خلَقكم من نفسٍ وحدَها، ثم جعَل منها زوجَها. فيكون في ﴿وَاحِدَةٍ﴾ معنى: خلَقها وحدَها، كما قال الراجزُ (^٢):\nأعْدَدْتَه للخضمِ ذى التَّعَدِّى\nكَوَّحْتَه منك بدونِ الجَهْدِ\nبمعنى: الذي إذا تَعَدَّى كوَّحْتَه، ومعنى: كَوَّحْتَه: غَلَبْتَه.\nوالقولُ الذي يقولُه أهلُ العلمِ أَولى بالصوابِ، وهو القولُ الأَوَّلُ الذي ذكرتُ أنه يقالُ: إن الله أخرَج ذريةَ آدمَ مِن صُلْبِه قبل أن يخلُقَ حواءَ، وبذلك جاءت الروايةُ عن جماعةٍ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، والقولان الآخران على مذاهبِ أهلِ العربيةِ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَل لكم مِن الأنعامِ ثمانيةَ أزواجٍ؛ مِن الإبلِ زوجَين، ومِن البقرِ زوجَين، ومِن الضأنِ اثنَين، ومِن المعْزِ اثنَينِ، كما قال جلَّ ثناؤهُ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم من حديث ابن عباس وعمر بن الخطاب وغيرهما في ١٠/ ٥٤٧ وما بعدها.\n(^٢) معاني القرآن للفراء ٢/ ٤١٥، واللسان (ك وح).\n(^٣) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٤١٤، ٤١٥.","vol":"20","page":162},{"text":"اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣].\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾. قال: مِن الإبلِ والبقرِ والضأنِ والمعزِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾: من الإبلِ اثنَين، ومِن البقرِ اثنَين، ومِن الضأنِ اثنَين، ومن المَعْزِ اثنَين، مِن كُلِّ واحدٍ زوجٌ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾. يعنى: مِن المَعْزِ اثنَين، ومِن الضأْنِ اثنَين، ومِن البقرِ اثنَين، ومِن الإبلِ اثنَين (^٣).\nوقولُه: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يبتدئُ خلقَكم أيُّها الناسُ في بُطُونِ أمهاتِكم خلقًا مِن بعدِ خلقٍ. وذلك أنه يُحْدِثُ فيها نُطْفَةً، ثم يجعلُها عَلَقةً، ثم مُضْغَةً، ثم عظامًا، ثم يَكْسو العظامَ لحمًا، ثم يُنْشِئُه خلقا آخرَ، تبارك اللهُ ربُّنا وتعالى، فذلك خَلْقُه إيَّاه خلقًا بعدَ خلقٍ.\nكما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سِماكٍ؛ عن عكرمةَ: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾. قال: نُطْفةً، ثم\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٧٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧١ عن معمر عن قتادة.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٩.","vol":"20","page":163},{"text":"عَلَقةً، ثم مُضْعَةً (^١)\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾. قال: نطفةً، ثم ما يَتْبَعُها، حتى تَمَّ خلقُه (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾: نطفةً، ثم علقةً، ثم مُضْغَةً، ثم عظامًا، ثم لحمًا، ثم أنبتَ الشعرَ؛ أطوارَ الخلقِ (^٣).\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾. قال: يخلقِ (^٤) بعدَ الخلقِ؛ علقةً، ثم مُضْغَةً، ثم عظامًا.\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ في قولِه: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾. قال: يكونون نُطَفًا، ثم يكونون عَلَقًا، ثم يكونون مُضَعًا، ثم يكونون عظامًا، ثم يُنفخُ فيهم الروحُ (^٥).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبَيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾: خُلِق نطفةً، ثم علقةً، ثم مُضْغةً (^٦).\n_________\n(^١) تفسير الثوري ص ٢٦٢.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٧٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في م: \"يعني بخلق\". وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يخلق\".\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٢٣٦.\n(^٦) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٩.","vol":"20","page":164},{"text":"وقال آخرون: بل معني ذلك: يخلُقُكم في بُطُونِ أمهاتِكم مِن بعدِ خلقِه إيَّاكم في ظهرِ آدمَ. قالوا: فذلك هو الخلقُ مِن بعدِ الخلقِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7886>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾. قال: خَلْقًا في البطونِ، مِن بعدِ الخلقِ الأَوَّلِ الذي خلَقكم في (^١) ظهرِ آدمَ.\nوأَولى القولَين في ذلك بالصوابِ، القولُ الذي قالَه عكرمةُ ومجاهدٌ ومَن قال في ذلك مثلَ قولِهما؛ لأن الله جلَّ وعزَّ أخبر أنه يخلقُنا خلقًا مِن بعدِ خلقٍ في بُطُونِ أمهاتِنا في ظُلُماتٍ ثلاثٍ، ولم يخبرْ أنه يخلقُنا في بطونِ أمهاتِنا مِن بعدِ خلقِنا في ظهرِ آدمَ، وذلك نحو قولِه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ الآية [المؤمنون: ١٢ - ١٤].\nوقولُه: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾. يعنى: في ظلمةِ البَطنِ، وظلمةِ الرَّحِمِ، وظُلْمةِ المَشِيمةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7887>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السُّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمة: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾. قال: الظلماتُ الثلاثُ البَطنُ، والرحمُ، والمَشِيمةُ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سِماكٍ، عن\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"خلقهم\".","vol":"20","page":165},{"text":"عكرمةَ: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾. قال: البطنِ، والمشيمةِ، والرحمِ (^١)\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾. قال: يعني بالظلماتِ الثلاث، بطنَ أمِّه، والرَّحِمَ، والمَشِيمةَ (^٢).\nحدَّثني محمد بن عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾. قال: البطنِ، والرحم، والمَشِيمةِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾: المَشِيمةِ، والرحمِ، والبطنِ (^٤).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾. قال: ظلمةِ (^٥) المَشِيمةِ، وظلمةِ الرحمِ، وظلمةِ (^٦) البطنِ (^٧).\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾. قال: المشيمةُ في الرحمِ، والرحمِ في البطنِ (^٧).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾: الرحمِ، والمَشِيمةِ،\n_________\n(^١) تفسير الثورى ص ٢٦٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٣ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٧٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧١ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) في م: \"ظلمات\". وفى ت ٢، ت ٣: \"الظلمة\".\n(^٦) في ت ٢، ت ٣: \"الظلمة\".\n(^٧) ذكره الطوسى في التبيان ٩/ ٩، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٧٧.","vol":"20","page":166},{"text":"والبطن (^١).\nوالمَشِيمةُ: التي تكونُ على الولدِ إذا خرَج، وهى من الدوابِّ: السَّلا.\nوقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي فعَل هذه الأفعالَ أيُّها الناسُ هو ربُّكم، لا مَن لا يجلُبُ لنفسِه نفعًا، ولا يدفعُ عنها ضُرًّا، ولا يسوقُ إليكم خيرًا، ولا يدفعُ عنكم سُوءًا، مِن أوثانِكم وآلهتِكم.\nوقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾. يقولُ جل وعز: لربِّكم أيُّها الناسُ الذي صفتُه ما وصَف لكم، وقُدْرتُه ما بيَّن لكم - المُلْكُ مُلْكُ الدنيا والآخرة وسلطانُهما، لا لغيره، فأما ملوكُ الدنيا فإنما يملكُ أحدُهم شيئًا دونَ شيءٍ، فإنما له خاصٌّ مِن المُلْكِ، وأما المُلْكُ التامُّ الذي هو المُلْكُ بالإِطلاقِ، فللهِ الواحد القهارِ.\nوقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا ينبغى أن يكونَ معبودٌ سِواه، ولا تصلحُ العبادةُ إلا له، ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأَنَّى تُصْرَفون أيُّها الناسُ فتذهَبون عن عبادةِ ربِّكم، الذي هذه الصفةُ صفتُه، إلى عبادةِ مَن لا ضُرَّ عندَه لكم ولا نفعَ؟!\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7888>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾.\nقال: كقولِه: ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ (^٢) [الأنعام: ٩٥].\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٩، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٧٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":167},{"text":"حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾. قال للمشركين: أنَّى تُصْرَفُ عقولُكم عن هذا؟\n\n<span id=\"aya-4065\"></span><span data-type='title' id=toc-7890>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾.</span>\nاختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾؛ فقال بعضُهم: ذلك لخاصٍّ مِن الناسِ، ومعناه: إن تكفُروا أيُّها المشركون باللهِ، فإن الله غنيٌّ عنكم، ولا يَرْضَى لعبادِه المؤمنين الذين أخلَصهم لعبادتِه وطاعتِه - الكفرَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7889>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾. يعنى الكفارَ الذين لم يُرِدِ اللهُ أن يُطَهِّرَ قلوبَهم فيقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ. ثم قال: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾، وهم عبادُه المُخْلِصون الذين قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]. فألزَمهم شهادةَ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وحَبَّبها إليهم (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾. قال: لا يرضَى لعبادِه المؤمنين أن يكفُروا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٣٢٣) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ١٠٩، والقرطبي في تفسيره ١٥/ ٢٣٦.","vol":"20","page":168},{"text":"وقال آخرون: بل ذلك عام لجميع الناس، ومعناه: أيها الناسُ إن تكفروا، فإن الله غنيٌّ عنكم، ولا يرضى لكم أن تكفُروا به.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قال جلَّ ثناؤه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾ باللهِ أَيُّها الكفارُ به، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عن إيمانِكم وعبادتِكم إيَّاه، ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾. بمعنى: ولا يَرْضَى لعبادِه أن يكفُروا به، كما يقالُ: لستُ أحبُّ الظلمَ، وإن أحببتُ أن يظلِمَ فلانٌ فلانًا فيُعاقبَ.\nوقولُه: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾. يقولُ: وإن تؤمِنوا بربِّكم وتُطِيعوه، يَرْضَ شُكْرَكم له. وذلك هو إيمانُهم به وطاعتُهم إياه، فكَنَى عن الشكرِ ولم يُذْكَرْ، وإنما ذَكَر الفعلَ الدالَّ عليه، وذلك نظيرُ قولِ اللهِ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]. بمعنى: فزادَهم قولُ الناسِ لهم ذلك إيمانًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7891>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾. قال: إن تُطِيعوا يَرْضَه لكم.\nوقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. يقولُ: لا تأْثَمُ آثمةٌ إِثمَ آثمةٍ أخرى غيرِها، ولا تؤخَذُ إلا بإثمِ نفسِها. يُعْلِمُ ﷿ عبادَه أن على كلِّ نفسٍ ما جَنَت وأنها لا تؤخَذُ بذنبِ غيرِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-7892>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿وَلَا تَزِرُ","vol":"20","page":169},{"text":"وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. قال: لا يُؤْخَذُ أحدٌ بذنبِ أحدٍ.\nوقولُه: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم بعدَ اجْتراحِكم في الدنيا ما اجْتَرحْتُم مِن صالحٍ وسَيِّئٍ، وإيمانٍ وكفرٍ أَيُّها الناسُ، إلى ربِّكم مصيرُكم من بعد وفاتِكم، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾. يقولُ: فيخبرُكم بما كنتم في الدنيا تعمَلون مِن خيرٍ وشرٍّ، فيُجازِيكم على كلِّ ذلك جزاءَكم؛ المحسنَ منكم بإحسانِه، والمسيءَ بما يَسْتحِقُّه، يقولُ ﷿ لعبادِه: فاتَّقُوا أن تَلْقَوا رَبَّكم وقد عمِلتُم في الدنيا بما لا يَرْضاه منكم فتَهْلِكوا، فإنه لا يخفَى عليه عملُ عاملٍ منكم.\nوقولُه: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله لا يَخْفَى عليه ما أضمرَته صدورُكم، أيُّها الناسُ، مما لا تُدْرِكُه أعينُكم، فكيف بما أدركَته العيونُ، ورأتْه الأبصارُ؟ وإنما يعنى جلّ ثناؤه بذلك، الخبرَ عن أنه لا يخفَى عليه شيءٌ، [وأنه مُحْصٍ على عبادِه أعمالَهم ليجازيَهم بها] (^١)، كي يَتَّقُوه في سِرِّ أمورِهم وعلانيتِها.\n\n<span id=\"aya-4066\"></span><span data-type='title' id=toc-7893>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا مسَّ الإنسانَ بَلاءٌ في جسدِه مِن مرضٍ، أو عاهةٍ، أو شدّةٍ في معيشتِه، وجهدٍ وضيقٍ، ﴿دَعَا رَبَّهُ﴾. يقولُ: استغاثَ بربِّه الذي خلقَه، من شدَّةِ ذلك، ورغِب إليه في كشفِ ما نزَل به من شدةِ ذلك.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١.","vol":"20","page":170},{"text":"وقولُه: ﴿مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾. يقولُ: تائبًا إليه مما كان مِن قبلِ ذلك عليه مِن الكفرِ به، وإشراكِ الآلهة والأوثانِ به في عبادتِه، راجعًا إلى طاعتِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7894>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾. قال: الوجعُ والبلاءُ والشدةُ، ﴿دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾. قال: مُسْتَغِيثًا به.\nوقولُه: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم إذا منَحه ربُّه نعمةً منه، يعنى عافيةً، فكشَف عنه ضُرَّه، وأبدَله بالسَّقمِ صحةً، وبالشدةِ رخاءً. والعربُ تقولُ لكلِّ مَن أعطَى غيرَه مِن مالٍ أو غيرِه: قد خَوَّله. ومنه قولُ أبي النَّجْمِ العِجْلِيِّ (^١):\nأعطَى * فلم يَبْخَلْ ولم يُبَخَّلِ … كُومَ الذُّرَا مِن خَوَلِ المُخَوَّلِ\nوحُدِّثْتُ عن أبي عُبَيدةَ معمرِ بن المثنى أنه قال: سمعتُ أبا عمرٍو يقولُ في بيتِ زُهَيرٍ (^٢):\nهنالك إن يُسْتَخْوَلوا المالَ يُخْوِلوا … وإن يُسْأَلُوا يُعْطُوا وإن يَيْسِروا يُغْلوا\nقال معمرٌ: قال يونسُ: إنما سمِعناه:\n* هنالك إِن يُسْتَخْبَلُوا المالَ يُخْبَلُوا *\n_________\n(^١) تقدم في ٩/ ٤١٥.\n(^٢) مجاز القرآن ٢/ ١٨٨، وتقدم في ٩/ ٤١٥، ٤١٦.\n* من هنا خرم في مخطوطتى مكتبة آيا صوفيا المرموز لهما بـ ت ٢، ت ٣، وينتهي في ص ١٧٤.","vol":"20","page":171},{"text":"قال: وهى معناها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7895>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾: إذا أصابَته عافيةٌ أو خيرٌ.\nوقولُه: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: ترَك دعاءَه الذي كان يَدْعو إلى الله من قبلِ أن يُكشِفَ ما كان به مِن ضُرٍّ، ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾. يعنى: شركاءَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7896>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿نَسِيَ﴾.\nيقولُ: ترك، هذا في الكافرِ خاصةً.\nولـ \"مَا\" التي في قولِه: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ﴾. وجهان؛ أحدُهما: أن يكونَ بمعنى \"الذي\"، ويكونَ معنى الكلامِ حينَئذٍ: ترَك الذي كان يَدْعوه في حالِ الضُّرِّ الذي كان به. يعنى به الله تعالى ذكرُه فتكونُ \"مَا\" موضوعةً عندَ ذلك موضعَ \"مَن\"، كما قيل: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥]. يعنى به الله، وكما قيل: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]. والثاني: أن يكونَ بمعنى المصدرِ على ما ذكرتُ، وإذا كانت بمعنى المصدرِ، كان في \"الهاءِ\" التي في","vol":"20","page":172},{"text":"قولِه: ﴿إِلَيْهِ﴾. وجهان؛ أحدُهما: أن يكونَ مِن ذكرِ ﴿مَا﴾. والآخرُ: مِن ذكرِ الربِّ.\nوقولُه: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾. يقولُ: وجعَل للهِ أمثالًا وأشْباهًا.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي جعَلوها فيه له أندادًا؛ فقال بعضُهم: جعَلوها له أندادًا في طاعتِهم إيَّاهم في معاصى اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7897>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾. قال: الأندادُ مِن الرجال، يُطيعونهم في معاصى اللهِ (^١).\nوقال آخرون: عُنِى بذلك أنه عبَد الأوثانَ، فجعَلها للهِ أندادًا في عبادتِهم إيَّاها.\nوأَولى القولَين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِي به أنه أطاعَ الشيطانَ في عبادةِ الأوثانِ، فجعَل له الأوثانَ أندادًا؛ لأن ذلك في سياقِ عتابِ اللهِ إيَّاهم على عبادتِها.\nوقولُه: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. يقولُ: ليُزيلَ مَن أرادَ أن يُوحِّدَ الله ويؤمنَ به، عن توحيدِه والإقرارِ به والدخولِ في الإسلامِ.\nوقولُه: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُل يا محمدُ لفاعلِ ذلك: تمتَّعْ بكفرِك باللهِ قليلًا إلى أن تَسْتوفىَ أجلَك، فتَأْتِيَك مَنِيَّتُك، ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾. أي: إنك مِن أهلِ النارِ المَاكِثِين فيها.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٣/ ١٨.","vol":"20","page":173},{"text":"وقولُه: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾: وعيدٌ مِن اللهِ وتَهَدُّدٌ.\n\n<span id=\"aya-4067\"></span><span data-type='title' id=toc-7898>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾</span>\nاختلفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَمَّنْ﴾؛ فقَرأ ذلك بعضُ المكيِّين وبعضُ المدنيِّين وعامةُ الكوفيِّين: (أمَنْ) بتخفيفِ الميمِ (^١). ولقراءتِهم ذلك كذلك وجهان؛ أحدُهما: أن يكونَ الألفُ في \"أمَنْ\" بمعنى الدعاءِ، يرادُ بها: يا مَن هو قانتٌ آناءَ الليلِ. والعربُ تُنادى بالألفِ * كما تُنادى بـ \"يا\"، فتقولُ: أزيدُ أقبِلْ. و: يا زيدُ أقِبلْ. ومنه قولُ أوسِ بن حَجَرٍ (^٢):\nأَبَنِي لُبَيْتَى لَسْتُم بِيدٍ … إلا يدٍ ليسَت لها عَضُدُ\nوإذا وُجِّهَتِ الألفُ إلى النداءِ كان معنى الكلامِ: قُلْ تمتعْ أيُّها الكافرُ بكفرِك قليلًا، إنك مِن أصحابِ النارِ، ويا مَن هو قانتٌ آناءَ الليلِ ساجدًا وقائمًا، إنك مِن أهلِ الجنةِ. ويكونُ في [البيانِ عمَّا] (^٣) للفريقِ الكافرِ عندَ اللهِ مِن الجزاءِ في الآخرةِ - الكفايةُ عن بيانِ ما للفريقِ المؤمنِ؛ إذ كان معلومًا اختلافُ أحوالِهما في الدنيا، ومعقولًا أن أحدَهما إذا كان مِن أصحابِ النارِ لكفرِه بربِّه، أن الآخرَ مِن أصحابِ الجنةِ، فحَذَف الخبرَ عما له، اكتفاءً بفَهْمِ السامعِ المرادَ منه مِن ذكرِه، إذ كان قد دلَّ على المحذوفِ بالمذكورِ. والثاني: أن تكونَ الألفُ التي في قولِه: (أمَنْ) ألفَ\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير ونافع وحمزة. السبعة لابن مجاهد ص ٥٦١، والتيسير ص ١٥٣.\n* هنا نهاية الخرم المشار إليه في ص ١٧١.\n(^٢) تقدم في ١٤/ ٢٢٩، ٢٣٠. وينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٤١٦.\n(^٣) في ص: \"التنارعما\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"التنارغما\"، وفى م: \"النار عمى\". وصواب القراءة ما أثبتنا.","vol":"20","page":174},{"text":"استفهامٍ، فيكونَ معنى الكلامِ: أهذا كالذى جعَل للهِ أندادًا ليُضِلَّ عن سبيلِه؟ ثم اكتفَى بما قد سبَق مِن خبرِ اللهِ عن فريقِ الكفرِ به مِن أعدائِه، إذ كان مفهومًا المرادُ بالكلامِ، كما قال الشاعرُ (^١):\nفأُقسِمُ لو شيءٌ أتانا رسولُه … سِواكَ ولكنْ لم نَجِدْ لك مَدْفَعَا\nفحذَف \"لدفَعْناه\" وهو مرادٌ في الكلامِ إذ كان مفهومًا عندَ السامعِ مرادُه.\nوقرأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿أَمَّنْ﴾ بتشديدِ الميمِ (^٢)، بمعنى: أم مَن هو؟ ويقولون: إنما هي ﴿أَمَّنْ﴾ استفهام اعتُرِض في الكلامِ بعدَ كلامٍ قد مضَى، فجاء بـ \"أم\"، فعلى هذا التأويلِ يجبُ أن يكونَ جوابُ الاستفهامِ متروكًا مِن أجلِ أنه قد جرَى الخبرُ عن فريقِ الكفرِ، وما أُعِدَّ له في الآخرةِ، ثم أُتبِع الخبرَ عن فريقِ الإيمانِ، فعُلِم بذلك المرادُ، فاستُغْنِى بمعرفةِ السامعِ بمعناه مِن ذكرِه، إذ كان معقولًا أن معناه: أهذا أفضلُ أم هذا؟\nوالقولُ في ذلك عندنا أنهما قراءتان قرَأ بكلِّ واحدةٍ علماءُ مِن القرأةِ، مع صحةِ كلِّ واحدةٍ منهما في التأويلِ والإعرابِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقد ذكَرنا اختلافَ المختلفِين والصوابَ مِن القول عندَنا، فيما مضَى قبلُ في معنى القانتِ، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣)، غيرَ أنَّا نذكرُ بعضَ أقوالِ أهلِ التأويلِ في ذلك في هذا الموضعِ؛ ليعلمَ الناظرُ في الكتابِ اتفاقَ معنى ذلك في هذا الموضعِ وغيرِه؛ فكان بعضُهم يقولُ: هو في هذا الموضعِ قراءةُ القارئ قائمًا في الصلاةِ.\n_________\n(^١) تقدم في ١٢/ ٣٦٢.\n(^٢) هي قراءة عاصم وأبي عمرو وابن عامر والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٥٦١، والتيسير ص ١٥٣.\n(^٣) تقدم في ١٤/ ٣٩٢.","vol":"20","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7899>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى، عن عُبيد اللهِ، أنه قال: أخبَرنى نافعٌ، عن ابن عمرَ، أنه كان إذا سُئِل عن القُنُوتِ، قال: لا أعلمُ القنوتَ إلا قراءةَ القرآنِ وطولَ القيامِ. وقرَأ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (^١).\nوقال آخرون: هو الطاعةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7900>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾. يعنى بالقنوتِ الطاعةَ، وذلك أنه قال: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ إلى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٥، ٢٦]. قال: مُطِيعون (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ في قولِه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾. قال: القانتُ المُطِيعُ (^٢).\nوقوله: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾. يعنى: ساعاتِ الليلِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾: [ساعاتِ الليل] (^٣)؛ أوَّلَه، وأوسطَه، وآخرَه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام - كما في تخريج الزيلعي ٣/ ١٩٩ - عن يحيى بن سعيد عن عبد الله به.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان. ٩/ ١٢ وينظر ما تقدم في ٢/ ٤٦٢.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) تقدم في ٥/ ٦٩٦.","vol":"20","page":176},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾. قال: ساعاتِ الليلِ (^١).\nوقد مضَى بيانُنا عن معنى \"الآناءِ\" بشواهدِه وحكايةُ أقوالِ أهلُ التأويلِ فيها، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\nوقولُه: ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾. يقولُ: يَقْنُتُ ساجدًا أحيانًا، وأحيانًا قائمًا. يعنى: يطيعُ، والقنوتُ عندَنا: الطاعةُ، ولذلك نُصِب قولُه: ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾. لأن معناه: أمَّن هو يقنُتُ آناءَ الليلِ ساجدًا طورًا، وقائمًا طورًا. فهُما حالٌ مِن قانتٍ.\nوقولُه: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾. يقولُ: يَحْذَرُ عذابَ الآخرةِ.\nكما حدَّثنا عليُّ بنُ الحسنِ الأزْدِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ اليَمانِ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾. قال: يحذرُ عذابَ (^٣) الآخرةِ (^٤).\n﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾. يقولُ: ويَرْجو أن يرحمَه اللهُ، فيُدْخِلَه الجنةَ.\nوقولُه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قُلْ يا محمدُ لقومِك: هل يستوى الذين يعلَمون ما لهم في طاعتِهم لربِّهم مِن الثوابِ، وما عليهم في معصيتِهم إيَّاه مِن التَّبِعاتِ، والذين لا يعلَمون ذلك، فهم\n_________\n(^١) تقدم في ٥/ ٦٩٦ بلفظ: \"أما آناء الله: فجوف الليل\". وينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٧٨.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٥/ ٦٩٥ وما بعدها.\n(^٣) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"عقاب\". وينظر مصدر التخريج.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"20","page":177},{"text":"يَخْبِطون في عَشْواءَ، لا يرجُون بحَسَنِ أعمالهم خيرًا، ولا يَخافون بسيِّئِها شرًّا؟!\nيقولُ: ما هذان بمُتَساوِيَين.\nوقد رُوِى عن أبي جعفرٍ محمدِ بن عليٍّ في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنى نصرُ (^١) بنُ مُزَاحِمٍ، قال: ثنا [سعدانُ الجهني] (^٢)، عن [سعدِ أبى] (^٣) مجاهدٍ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ رضوانُ اللهِ عليه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال: نحن الذين يعلَمون، وعدوُّنا الذين لا يعلَمون (^٤).\nوقولُه: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنما يَعْتَبِرُ حُجَجَ اللهِ فيتّعظُ ويَتفكَّرُ فيها فيتدبَّرُها - أهلُ العقولِ والحِجا، لا أهلُ الجهلِ والنَّقْصِ في العقولِ.\n\n<span id=\"aya-4068\"></span><span data-type='title' id=toc-7901>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ لعباديَ الذين آمَنوا: يا عباديَ الذين آمَنوا باللهِ، وصدَّقوا رسولَه، اتقوا ربكم بطاعتِه، واجتنابِ معاصيه، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾.\nثم اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: للذين أطاعوا الله حسنةٌ في هذه الدنيا. وقال: \"في\" مِن صلةِ \"حسنة\"، وجعَل معنى الحسنةِ: الصحةَ والعافيةَ.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نظر\". وينظر تاريخ بغداد ١٣/ ٢٨٢.\n(^٢) في النسخ: \"سفيان الجريري\".\n(^٣) في ص: \"سعد بن أبي\"، وفى م: \"سعيد بن أبي\"، وفي ت ١: \"سعد بن\". ينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٣١٧.\n(^٤) ذكره الطوسى ٩/ ١٣ من طريق جابر عن أبي جعفر.","vol":"20","page":178},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7902>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾. قال: العافيةُ والصحةُ (^١).\nوقال آخرون: \"في\" مِن صلةِ \"أحسنوا\"، ومعنى الحسنةِ: الجنةُ.\nوقولُه: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأرضُ اللهِ فسيحةٌ واسعةٌ، فهاجِروا مِن أرضِ الشركِ إلى دارِ الإسلامِ.\nكما حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾: فهاجِروا واعتَزِلوا الأوثانَ (^٢).\nوقولُه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنما يُعطِى الله أهلُ الصبرِ على ما لَقُوا فيه في الدنيا أجرَهم في الآخرة، ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. [يقولُ: ثوابَهم بغيرِ حسابٍ] (^٣).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7903>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: لا واللهِ ما هُناك مِكيالٌ ولا ميزانٌ (^٤).\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٩/ ١٣.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٧٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"20","page":179},{"text":"حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال: في الجنةِ (^١).\n\n<span id=\"aya-4069\"></span><span data-type='title' id=toc-7904>[القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ لمُشركي قومِك: إن الله: أمَرني أن أعبدَه مُفْرِدًا له العبادةَ (^٢) دونَ كلِّ ما تَدْعُون مِن دونِه مِن الآلهةِ والأندادِ.\n\n<span id=\"aya-4070\"></span>﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: وأمَرني ربِّي جلّ ثناؤُه بذلك، لأن أكونَ بفعلِ ذلك أوَّلَ مَن أسلَم منكم، فخضَع له بالتوحيدِ، وأخلَص له العبادةَ، وبَرِئَ مِن كُلِّ ما دونَه مِن الآلهةِ.\n\n<span id=\"aya-4071\"></span>وقولُه تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهم: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾] (^٣) فيما أَمَرنى به من عبادتِه مخلصًا له الطاعةَ ومُفْرِدَه بالربوبيةِ - ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. يعني: عذابَ يومِ القيامةِ، وذلك هو اليومُ الذي يَعْظُمُ هولُه] (^٤).\n\n<span id=\"aya-4072\"></span><span data-type='title' id=toc-7905>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ لمشركي\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٨٠.\n(^٢) في م: \"الطاعة\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١.\n(^٤) سقط من: ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":180},{"text":"قومِك: الله أعبدُ (^١) مفرِدًا له طاعتى وعبادتى، لا أجعلُ له في ذلك شريكًا، ولكنى أُفرِدُه بالألوهةِ، وأَبْرأُ مما سواه من الأندادِ والآلهةِ.\n\n<span id=\"aya-4073\"></span>فاعبُدوا أنتم أيُّها القومُ، ما شِئتم من الأوثانِ والأصنامِ وغيرِ ذلك مما تعبُدون من سائرِ خلقِه، فستعلَمون وَبَالَ عاقبةِ عبادتِكم ذلك إذا لقيتُم ربَّكم.\n\nوقولُه: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قل يا محمدُ لهم: إن الهالكِين الذين غَبَنوا أنفسَهم، وهلَكت بعذابِ اللهِ أهْلُوهم مع أنفسِهم، فلم يَكُنْ لهم إذ دخَلوا النارَ فيها أهلٌ، وقد كان لهم في الدنيا أهلون.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7906>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: هم الكفارُ الذين خلَقهم اللهُ للنارِ وخلَق النارَ لهم، فزالت عنهم الدنيا، وحُرّمت عليهم الجنةُ، قال اللهُ: ﴿خَسِرَ (^٢) الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: هؤلاء أهلُ النارِ، خسِروا أنفسَهم في الدنيا، وخسِروا الأهلين، فلم يجِدوا في النارِ أهْلًا، وقد كان لهم في الدنيا أهلٌ.\nحُدِّثتُ عن ابن أبي زائدةَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: غُبنوا أنفسَهم\n_________\n(^١) بعده في م، ت ٣: \"مخلصا\"، وبعده في ت ٢: \"مخلصا له\"\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خسروا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٤ إلى المصنف.","vol":"20","page":181},{"text":"وأهْلِيهم. قال: يخسَرون أهْلِيهم، فلا يكونُ لهم أهلٌ يرجِعون إليهم، ويخسَرون أنفسَهم، فيَهْلكون في النارِ، فيَمُوتون وهم أحياءٌ، فيخسَرونها (^١).\nوقولُه: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أَلَا إِن خُسْرانَ هؤلاء المشركين أنفسَهم وأهْلِيهم يومَ القيامةِ، وذلك هَلَاكُها، ﴿هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هو الهلاكُ الذي يَبِينُ (^٢) لمَن عايَنه وعلِمه أنه الخسرانُ.\n\n<span id=\"aya-4074\"></span><span data-type='title' id=toc-7907>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لهؤلاء الخاسرين يومَ القيامة في جهنمَ ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾؛ وذلك كهيئة الظُّلَلِ المبنيةِ مِن النارِ، ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾. يقولُ: ومن تحتِهم من النارِ ما يَعْلوهم، حتى يصيرَ ما يَعْلُوهم منها من تحتهم ظُلَلًا، وذلك نظيرُ قوله جل ثناؤه: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]. يَغْشاهم مما هو تحتَهم فيها مِن المِهادِ.\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي أخبرتُكم أيُّها الناسُ به، مما للخاسرِين يومَ القيامةِ من العذابِ، تخويفٌ مِن ربِّكم لكم؛ يخوِّفُكم به لتَحْذروه، فتَجْتَنِبوا معاصيَه، وتُنِيبوا مِن كفرِكم إلى الإيمانِ\n_________\n(^١) في م: \"فيخسرونهما\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ت ١: \"تبين\"، وفى ت ٢ ت ٣: \"بين\".","vol":"20","page":182},{"text":"به وتَصْديقِ رسولِه، واتباعِ أمرِه ونَهْيِه، فتَنْجُوا مِن عذابِه في الآخرةِ، ﴿فَاتَّقُونِ﴾. يقولُ: فاتَّقُونِ بأداءِ فَرائضى عليكم، واجتنابِ معاصيَّ، لتَنْجُوا مِن عذابي وسَخَطِى.\n\n<span id=\"aya-4075\"></span>وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا [الطَّاغُوتَ﴾. أي: اجْتَنَبوا] (^١) عبادةَ كلِّ ما عُبد مِن دونِ اللهِ مِن شيءٍ. وقد بَيَّنَّا معنى الطاغوتِ فيما مضَى قبلُ بشواهدِ ذلك، وذكَرنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيه، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢)، وذكَرنا أنه في هذا الموضعِ الشيطانُ، وهو في هذا الموضعِ وغيرِه بمعنًى واحدٍ عندَنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-7908>ذكرُ مَن قال ما ذكرنا في هذا الموضعِ</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾. قال: الشيطانَ (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾. قال: الشيطانَ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾. قال: الشيطانَ، هو هاهنا واحدٌ وهى جماعةٌ (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) تقدم في ٤/ ٥٥٥ وما بعدها، ٧/ ١٨٩ وما بعدها.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٧٨ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) تقدم تخريجه في ٤/ ٥٥٧\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"20","page":183},{"text":"والطاغوتُ على قولِ ابن زيدٍ هذا واحدٌ مؤنثٌ، ولذلك قيل: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾. وقيل: إنما أُنِّثت؛ لأنها في معنى جماعةٍ.\nوقوله: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: وتابوا إلى اللهِ، ورجعوا إلى الإقرارِ بتوحيدِه، والعملِ بطاعته، والبراءةِ مما سِواه مِن الآلهةِ والأندادِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7909>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾: وأقبَلوا إلى اللهِ (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾. قال: أجابُوا إليه.\nوقولُه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. يقولُ: لهم البُشْرَى في الدنيا بالجنةِ في الآخرةِ، ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فبَشَّرْ يا محمدُ عبادىَ الذين يَسْتَمِعون القولَ مِن القائلين، فيَتَّبعون أرشدَه وأهْدَاه إلى الحقِّ، وأدلَّه على توحيدِ اللهِ والعملِ بطاعتِه، ويترُكون ما سِوى ذلك مِن القولِ الذي لا يدُلُّ على رشادٍ، ولا يَهْدى إلى سَدادٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7910>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"20","page":184},{"text":"أَحْسَنَهُ﴾: وأحسنُه طاعةُ اللهِ (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. قال: أحسنَ ما يؤمَرون به فيعمَلون به (^٢).\nوقولُه ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين يَستمعون القولَ فيَتَّبعون أحسنَه، ﴿الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾. يقولُ: وفَّقَهم اللهُ للرشادِ وإصابةِ الصوابِ، لا الذين يُعْرِضون عن سماعِ الحقِّ، ويعبُدون ما لا يضُرُّ ولا ينفعُ.\nوقولُه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. يعنى: أولو العقولِ والحِجا.\nوذُكر أن هذه الآية نزلت في رَهْطٍ معروفين وحَّدوا الله، وبَرِئوا مِن عبادةِ كلِّ ما دونَ اللهِ، قبل أن يُبْعَثَ نبيُّ اللهِ، فأنزَل الله هذه الآية على نبيِّه يمدحُهم.\n\n<span id=\"aya-4076\"></span><span data-type='title' id=toc-7911>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ الآيتين، حدَّثنى أبى أن هاتَين الآيتَين نزَلتا في ثلاثةِ نفرٍ كانوا في الجاهليةِ يقولون لا إله إلا اللهُ؛ زيدِ بن عمرٍو، وأبي ذرٍّ الغِفاريِّ، وسلمانُ الفارسيِّ، نزَل فيهم: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ في جاهليتِهم، ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾؛ لا إله إلا اللهُ، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ بغيرِ كتابٍ ولا نبيٍّ، ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ١١٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"20","page":185},{"text":"<span id=\"aya-4077\"></span><span data-type='title' id=toc-7912>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾: أفمَن وجَبَت عليه كلمةُ العذابِ في سابقِ علم ربِّك يا محمد بكفره به.\nكما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾: بكُفْرِه.\nوقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: أفأنت تنقد يا محمدُ مَن هو في النارِ؛ مَن حقَّ عليه كلمةُ العذابِ، فأنت تُنقِذُه. فاستغنى بقوله: ﴿تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ عن هذا.\nوكان بعض نحويِّي الكوفة يقولُ: هذا مما يراد به استفهام واحد، فيَسبِقُ الاستفهام إلى غير موضعه، فيُرَدُّ الاستفهام إلى موضعه الذي هو له. وإنما المعنى، والله أعلم، أفأنت تنقذُ مَن في النارِ؛ مَن حقَّتْ عليه كلمة العذاب. قال: ومثله من غير الاستفهام: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] فردد ﴿أَنَّكُمْ﴾ مرتين. والمعنى، والله أعلم، أبعدكم أنكم مُخرجون إذا مِتُّم، ومثله قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨].\nوكان بعضُهم يستخطيء القول الذي حكيناه عن البصريين، ويقولُ: لا تكون ﴿من﴾ في قوله ﴿أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ﴾ كناية عمَّن تقدَّم، لا يقال:","vol":"20","page":186},{"text":"القومُ ضربتُ مَن قام. يقولُ: المعنى التقرير (^١): أفأنت تُنقذ من في النار منهم. وإنما معنى الكلمة: أفأنت تَهْدِى يا محمد من قد سبق له في علم الله أنه من أهل النار إلى الإيمانِ، فتُنْقِذَه من النار بالإيمانِ؟ لستَ على ذلك بقادرٍ.\n\n<span id=\"aya-4078\"></span>وقوله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾. يقول تعالى ذكره: لكن الذين اتَّقَوا ربَّهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه، لهم في الجنة غُرفٌ من فوقها غرف مبنيةٌ، عَلاليَّ بعضُها فوق بعض، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقول تعالى ذكره: تَجرى من تحت أشجارها (^٢)؛ جَنَّاتِها الأنهار.\nوقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وعَدْنا هذه الغُرَفَ التي من فوقها غرفٌ مبنية في الجنة، هؤلاء المتقين، ﴿لا يُخلِفُ اللهُ الْمِيعَادَ﴾. يقول جل ثناؤه: والله لا يُخلفهم وعده، ولكنه يُوفي بوعده.\n\n<span id=\"aya-4079\"></span><span data-type='title' id=toc-7913>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمد، ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ وهو المطرُ، ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: فأجراه عيونا في الأرضِ، واحدُها يَنبوعٌ، وهو ما جاشَ (^٣) مِن الأرض.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) في النسخ: \"التجرية\"، ولعله تصحيف. ينظر تفسير القرطبي ١٥/ ٢٤٤، ٢٤٥، والبحر المحيط ٧/ ٤٢١.\n(^٢) في م: \"أشجار\"، ولعل: \"جناتها\" بدلا من: \"أشجارها\".\n(^٣) جاش الماء: تَدَفَّق وجرى. الوسيط (ج ى ش).","vol":"20","page":187},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7914>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيان، عن جابر، عن الشعبي في قوله: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: كل [ندًى وماءٍ] (^١) في الأرض من السماءِ نزل (^٢).\nقال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيان، عن جابر، عن الحسنِ بن مسلم بن يَنَّاقَ (^٣).\nقال: ثم يُنبت (^٤) بذلك الماء الذي أنزله من السماء، فجعله في الأرض عُيُونًا - ﴿زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾. يعنى: أنواعًا مختلفة؛ مين بين حنطة وشعير وسمسم وأُرز، ونحو ذلك من الأنواع المختلفة، ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾. يقولُ: ثم يَيْبَسُ ذلك الزرعُ مِن بعدِ خُضْرتِه، يقالُ للأرضِ إذا يَبِس ما فيها مِن الخَضِرِ وذَوَى (^٥): هاجت الأرضُ. و: هاج الزرعُ.\nوقوله: ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾. يقول: فتراه من بعدِ خُضْرته ورطوبته قد يبس فصار أصفر، وكذلك الزرعُ إذا يبس اصفر، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾، والحطام: فتاتُ التِّبْنِ والحشيش، يقولُ: ثم يجعل ذلك الزرع بعد ما صار يبَسًا فُتاتًا مُتكسِّرًا.\n_________\n(^١) في ص: \"ند وماء\"، وفي ت ١: \"بذر ماء\"، وفى كتاب العظمة: \"بذر وماء\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"بدو ماء\".\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٣٨) من طريق ابن يمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٥ إلى الخرائطي في مكارم الأخلاق.\n(^٣) في م، ت ٢ ت ٣: \"بيان\"، وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٣٢٥، ولعل هنا سقطت تكملة الأثر.\n(^٤) في م: \"أنبت\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذرى\"، وذرى: طار في الهواء وتفرق. وأما: \"ذوى\": يبس وضعف. ينظر الوسيط (ذرى، ذوى).","vol":"20","page":188},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. يقول تعالى ذكره: إن في فعل الله ذلك - كالذي وصف - لتذكرةً وموعظةً لأهل العقول والحجا، يتذكرون به، فيعلمون أن من فعل ذلك فلن يتعذر عليه إحداث ما شاء من الأشياء، وإنشاء ما أرادَ مِن الأجسام والأغراض، وإحياءُ مَن هلَك مِن خلقه مِن بعد مماته، وإعادته من بعدِ فَنائِه كهيئته قبلَ فَنائِه، كالذى فعل بالأرض التي أنزل عليها من بعد موتها الماءَ، فأنبت بها الزرع المختلف الألوانِ بقدرته.\n\n<span id=\"aya-4080\"></span><span data-type='title' id=toc-7916>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: أفمَن فَسَح الله قلبه لمعرفته والإقرار بوحدانيته والإذعان لربوبيته والخضوع لطاعتِه، ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. يقولُ: فهو على بصيرة مما هو عليه ويقين؛ بتنوير الحقِّ في قلبه، فهو لذلك لأمرِ اللهِ مُتَّبعٌ، وعما نهاه عنه مُنْتَهٍ، فيما يُرْضِيه - كمَن أقسى الله قلبه وأخْلَاه مِن ذكرِه وضيَّقَه عن استماع الحقِّ واتباع الهُدى والعمل بالصوابِ. وترك ذكر الذي أقسى الله قلبه، وجوابَ الاستفهام، اجتزاءً بمعرفة السامعين المراد من الكلام، إذ ذكر أحد الصنفين، وجعَل مكانَ ذكرِ الصنف الآخرِ الخبر عنه، بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7915>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: يعني كتابَ اللهِ، هو المؤمِنُ، به يأخُذُ،","vol":"20","page":189},{"text":"وإليه ينتهي (^١).\nحدثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ قولَه: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾. قال: وسَع صدره للإسلام، والنورُ الهُدَى (^١).\nحُدِّثْتُ عن ابن أبي زائدة، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهد: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾. قال: ليس المنشرحُ صدرُه مثل القاسى قلبه (^٢).\nقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. يقول تعالى ذكره: فويلٌ للذين جفت قلوبهم ونَأَتُ عن ذكر الله وأعرضَت، يعني عن القرآن الذي أنزله تعالى ذكرُه، مُذكِّرًا به عبادَه - فلم يؤمن به، ولم يُصدِّق بما فيه. وقيل: ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. والمعنى: عن ذكرِ اللهِ، فوُضِعت \"مِن\" مكانَ \"عن\"، كما يقالُ في الكلام: اتَّخَمْتُ مِن طعام أكلتُه، و: عن طعامٍ أكلته. بمعنى واحدٍ.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقول تعالى ذكره: هؤلاء القاسية قلوبهم من ذكر الله في ضلال مبين، لمن تأمله وتدبره بفهم، أنه ضلال عن الحق جائز.\n\n<span id=\"aya-4081\"></span><span data-type='title' id=toc-7917>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾. يعني به القرآنَ، ﴿مُتَشَابِهًا﴾. يقولُ: يُشبهُ بعضه بعضا، لا اختلاف فيه ولا تضاد.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ٩/ ٥٣٥، ٥٣٦.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٥ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"20","page":190},{"text":"كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾: الآية تُشبه الآية، والحرفُ يُشبه الحرف (^١).\nحدثنا محمد، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾. قال: المتشابهُ يُشبهُ بعضُه بعضًا.\nحدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جرير، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾. قال: يُشبهُ بعضه بعضا، ويُصَدِّقُ بعضه بعضا، ويدلّ بعضُه على بعضٍ (^٢).\nوقوله: ﴿مَثَانِيَ﴾. يقولُ: تُثْنَى فيه الأنباء والأخبار والقضاء والأحكام والحُجَجُ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7918>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاء، عن الحسن في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾. قال: ثنَّى الله فيه القضاء، تكونُ السورةُ فيها الآية في سورة أخرى آيةٌ تُشْبهها (^٣). وسُئِل عنها عكرمة (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧٢ عن معمر عن قتادة.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٥ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٥ إلى المصنف وعبد بن حميد. وينظر ما تقدم في ١٤/ ١١٨.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٥ إلى عبد بن حميد عن أبي رجاء.","vol":"20","page":191},{"text":"حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾. قال: في القرآن كله (^١).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿مَثَانِيَ﴾. قال: ثنَّى الله فيه الفرائضَ والقضاء والحدودَ (^٢).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿مَثَانِيَ﴾. قال: كتابُ اللهِ مَثانى، ثنَّى فيه الأمرَ مِرارًا (^٣).\nحدثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط،، عن السُّديِّ في قوله: ﴿مَثَانِيَ﴾. قال: كتابُ اللهِ مَثانى، ثنّى فيه الأمر مرارًا.\nحدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ في قوله: ﴿مَثَانِيَ﴾: ثَنَّى في غير مكانٍ.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿مَثَانِيَ﴾: مُرَدَّدٌ؛ رُدِّد موسى في القرآن وصالحٌ وهود والأنبياء في أمكنةٍ كثيرةٍ (^٤).\nوقوله: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾. يقول تعالى ذكره: تقشعر من سماعه إذا تُلِي عليهم، جلود الذين يخافُون ربَّهم، ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٤/ ١٢٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧٢ عن معمر عن قتادة به.\n(^٣) تقدم تخريجه ١٤/ ١٢٠، ١٢١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٥ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٨٤.","vol":"20","page":192},{"text":"وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. يعنى إلى العمل بما في كتاب الله والتصديق به.\nوذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ من أجل أن أصحابه سألوه الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-7919>ذكرُ الرواية بذلك</span>\nحدثنا نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عَن أَيُّوبَ بِنِ موسى، عن عمرو الملائي (^١)، عن ابن عباس، قالوا: يا رسول الله لو حدثتنا؟ قال: فنزلت: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ (^٢).\nحدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حكّام، عن أيوب بن سيَّارٍ أبي عبدِ الرحمنِ، عن عمرو بن قيس، قال: قالوا: يا نبي الله. فذكر مثله.\n﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. يقول تعالى ذكره: هذا الذي يصيب هؤلاء القوم الذين وصفت صفتهم عند سماعهم القرآنَ؛ مِن اقشعرارِ جلودهم، ثم لينها ولين قلوبهم إلى ذكرِ اللهِ مِن بعدِ ذلك - ﴿هُدَى اللهِ﴾. يعني: توفيق الله إيَّاهم، وفَّقهم له، ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. يقولُ: يَهْدِى ﵎ بالقرآنِ مَن يَشَاءُ مِن عباده.\nوقد يتوجه معنى قوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى﴾ الله إلى أن يكونَ ﴿ذَلِكَ﴾ مِن ذكرِ القرآن، فيكون معنى الكلام: هذا القرآن بيانُ اللهِ يَهْدِى بِه مَن يَشَاءُ؛ يوفِّقُ للإيمان به مَن يشاءُ.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. يقول تعالى ذكره: ومَن يَخْذُلْه\n_________\n(^١) في م: \"الملئى\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٢٠٠.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٥ إلى المصنف.","vol":"20","page":193},{"text":"الله عن الإيمان بهذا القرآن والتصديق بما فيه، فيُضِلَّه عنه - ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. يقولُ: فما له من مُوفِّقٍ له، ومسدِّدٍ يُسَدِّدُه في اتِّباعه.\n\n<span id=\"aya-4082\"></span><span data-type='title' id=toc-7921>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥)﴾.</span>\nاختلف أهل التأويل في صفة اتِّقاء هذا الضالِّ بوجهه سُوء العذابِ؛ فقال بعضُهم: هو أن يُرْمَى به في جهنم مَكْبوبًا على وجهه، فذلك اتِّقاؤُه إيَّاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7920>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾. قال: يَخِرُّ على وَجْهه في النار، يقول: هو مِثْلُ: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^١) [فصلت: ٤٠].\nوقال آخرون: هو أن يُنْطَلَقَ به إلى النارِ مكتوفًا، ثم يُرْمَى به فيها، فأَوَّلُ ما تَمَسُّ النار وجهه. وهذا قولٌ يُذكرُ عن ابن عباس من وجه كرهت ذكره؛ لضعف سَنَدِه (^٢)، وهذا أيضًا مما تُرِك جوابه، استغناءً بدلالة ما ذُكر من الكلام عليه عنه. ومعنى الكلام: أفمَن يَتَّقِي بوجهه سُوء العذاب يومَ القيامة خيرٌ، أم مَن ينعَمُ في الجنانِ؟\nوقوله: ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾. يقولُ: ويقالُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٧٨، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٢٩٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٦ إلى المصنف.","vol":"20","page":194},{"text":"يومئذ للظالمين أنفسهم بإكسابهم (^١) إيَّاها سَخَطَ اللهِ: ذُوقوا اليومَ أَيُّها القومُ وَبالَ ما كنتم في الدنيا تكسبون من معاصى الله.\n\n<span id=\"aya-4083\"></span>وقوله: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يقول تعالى ذكره: كذَّب الذين من قبلِ هؤلاء المشركين من قريش، من الأمم الذين مَضَوا في الدهورِ الخالية - رُسُلَهم، ﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: فجاءهم عذابُ اللهِ مِن الموضع الذي لا يشعُرون؛ أي لا يعلمون بمجيئه منه.\n\n<span id=\"aya-4084\"></span><span data-type='title' id=toc-7922>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فعجل الله لهؤلاء الأمم الذين كذَّبوا رُسُلَهم الهوانَ في الدنيا والعذاب قبل الآخرة، ولم يُنْظِرْهم إذ عَتَوا عن أمرِ ربِّهم، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾. يقولُ: ولعذابُ اللهِ إيَّاهم في الآخرة إذا أدخلهم النار، فعذَّبهم بها - أكبرُ من العذابِ الذي عذَّبهم به في الدنيا، ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: لو علم هؤلاء المشركون من قريشٍ ذلك.\n\n<span id=\"aya-4085\"></span><span data-type='title' id=toc-7923>القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ولقد مَثَّلنا لهؤلاء المشركين باللهِ مِن كُلَّ مَثَلٍ مِن أمثالِ القُرون (^٢) الخالية؛ تخويفًا مِنَّا لهم وتحذيرًا، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: ليتذكروا فيَنْزَجروا عما هم عليه مُقيمون من الكفر بالله.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"باكتسابهم\".\n(^٢) بعده في ص، م: \"للأمم\"، وفي ت ١: \"والأمم\".","vol":"20","page":195},{"text":"<span id=\"aya-4086\"></span>وقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. يقول تعالى ذكره: ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كلِّ مثلٍ قرآنًا عربيًا، ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾. يعنى (^١): ذى لَبْسٍ.\nكما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾: غيرَ ذِي لَبْسٍ (^٢).\nونُصِب قوله: ﴿قُرْآنًا﴾ على الحال من قوله (^٣): ﴿هَذَا الْقُرْآنِ﴾؛ لأن القرآن معرفةٌ، وقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ نكرة.\nوقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. يقولُ: جعلنا قرآنا عربيا، إذ كانوا عَرَبًا، ليفهموا ما فيه من المواعظ، حتى يَتَّقوا ما حَذَّرهم الله فيه من بأسه وسَطوتِه، فيُنيبوا إلى عبادته، وإفرادِ الألوهة له، ويَتَبرَّءُوا مِن الأَنْدادِ والآلهة.\n\n<span id=\"aya-4087\"></span><span data-type='title' id=toc-7924>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا (^٤) لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: مَثَّل الله مثلا للكافر بالله، الذي يعبدُ آلهةً شَتَّى، ويطيعُ جماعة من الشياطين، والمؤمن الذي لا يعبد إلا الله الواحد. يقول تعالى ذكره: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا﴾ لهذا الكافر، ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ﴾. يقولُ: هو بين جماعةٍ مالكين متشاكسين، يعنى مختلفين متنازعين، سيئةً أخلاقهم، من قولهم: رجلٌ شَكِسٌ. إذا كان سيِّئ الخُلُق، وكل واحد منهم يستخدمه بقدر نصيبه وملكه فيه، ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾. يقولُ: ورجلا خُلُوصًا لرجلٍ، يعنى المؤمنَ الموحد، الذي\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت،٢، ت: \"ذي عوج\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٧٨ ومن طريقه الفريابي - كما في التغلق ٤/ ٢٩٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قولهم\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سالما\"، وهي قراءة كما سيأتي.","vol":"20","page":196},{"text":"أخلص عبادته لله لا يعبد غيره، ولا يدين لشيءٍ سواه بالربوبية.\nواختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا﴾؛ فقرأ ذلك بعضُ قرأةِ أهل مكة والبصرة: (ورَجُلًا سالمًا لرجلٍ) (^١)، وتأوَّلوه بمعنى: رجلا خالصا لرجلٍ. وقد روى ذلك أيضًا عن ابن عباس.\nحدثنا أحمد بن يوسفَ، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن جرير بن حازم، عن حميد، عن مجاهد، عن ابن عباس، أنه قرأها: (سالمًا لرَجُل). يعني بالألف، وقال: ليس فيه لأحد شيءٌ (^٢).\nوقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والكوفة: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ (^٣) بمعنى: صُلْحًا.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماءُ من القرأَةِ، مُتقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فهو مصيبٌ، وذلك أن السَّلَمَ مصدرٌ، مِن قول القائل: سَلِمَ فلانٌ للهِ سَلَمًا. بمعنى: خَلَص له خُلُوصًا. تقولُ العرب: ربح فلانٌ في تجارته رِبْحًا ورَبَحًا. وسَلِمَ سِلْمًا وسَلَمًا وسلامةً، وأن السالم من صفة الرجل، وسَلَمٌ مصدرٌ من ذلك. وأما الذي توهَّمه مَن رغب عن قراءة ذلك ﴿سَلَمًا﴾ من أن معناه صُلحًا، فلا وجه للصُّلح في هذا الموضع؛ لأن الذي تقدم من صفة الآخرِ، إنما تقدَّم بالخبر عن اشتراك جماعةٍ فيه دونَ الخبر عن حربه بشيءٍ مِن الأشياء، فالواجب أن يكون الخبرُ عن مخالفه بخلوصه لواحد لا شريك له، ولا موضع للخبر عن الحرب والصُّلْحِ\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير وأبى عمرو. ينظر السبعة ص ٥٦٢، والتيسير ص ١٣٥.\n(^٢) أخرجه الفراء في معاني القرآن ٢/ ٤١٩ من طريق إبراهيم التيمي عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) هي قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. ينظر السبعة ص ٥٦٢. والتيسير ص ١٣٥.","vol":"20","page":197},{"text":"في هذا الموضعِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7925><span data-type='title' id=toc-7926>ذكرُ مَن قال ذلك</span></span>\nحدثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: (رجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشَاكِسونَ ورَجُلًا سالمًا لرجل). قال: هذا مَثَلُ إلهِ الباطل وإله الحق (^١).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾. قال: هذا المُشْرِكُ تتنازعه الشياطين، لا يُقر به بعضُهم لبعضٍ، (ورَجُلًا سالمًا لرَجُلٍ). قال: هو المؤمنُ، أخلَص الدعوة لله والعبادة (^٢).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ إِلى قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال: الشركاء المتشاكسون: الرجلُ الذي يعبد آلهةٌ شَتَّى، كلُّ قوم يعبدون إلها يرضونه، ويكفرون بما سواه من الآلهة، فضرب الله هذا المثل لهم، وضرب لنفسه مثلا، يقول. رجُلٌ سَلَمٌ لرجل (^٣). يقولُ: يعبدون إلها واحدًا لا يختلفون فيه (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٧٩ ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٢٩٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧٢ عن معمر عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رجلا\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"20","page":198},{"text":"حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط،، عن السُّديِّ في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾. قال: مَثَلٌ لأوثانهم التي كانوا يعبدون (^١).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: (ضَرَبَ اللهُ مثَلًا رَجُلًا فيهِ شُرَكاءُ متشاكِسُونَ ورَجُلًا سالما لرَجُلٍ). قال: أرأيتَ الرجل الذي فيه شركاءُ مُتشاكسون، كلهم سيء الخُلُقِ، ليس منهم واحدٌ [يَلْقاه إلَّا أخذ بطَرَفٍ مِن مال - إلَّا استخدمه - أسَواءٌ هم] (^٢) والذي لا يملكه إلا واحدٌ؟ فإنما هذا مَثَلٌ ضرَبه الله لهؤلاء الذين يعبدون الآلهة، وجعلوا لها في أعناقهم حقوقا، فضربه الله مثلا لهم، وللذى يعبُدُه وحدَه، ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وفى قوله: (ورَجُلًا سالما لرَجُلٍ). يقولُ: ليس معه شِرْكٌ (^٣).\nوقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾. يقول تعالى ذكره: هل يَستوي مَثَلُ هذا الذي يخدِمُ جماعةً شركاء سيئةً أخلاقهم مختلفةً فيه لخدمته، مع مُنازعته شركاءه فيه، والذي يخدِمُ واحدًا لا ينازعه فيه مُنازعٌ، إذا أطاعه عرف له موضعَ طاعته وأكرمه، وإذا أخطأ صفح له عن خَطَئِه. يقولُ: فأيُّ هذين أحسن حالًا، وأروح جسمًا، وأقلُّ تَعَبًا ونَصَبًا.\nكما حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: مَن اختلف فيه خيرٌ، أم من لم يُخْتلَف فيه؟\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٢٥.\n(^٢) في م: \"إلا تلقاه آخذا بطرف من مال لاستخدامه أسواؤهم\".\n(^٣) ذكره الطوسى في التبيان ٩/ ٢٥ بنحوه مختصرا.","vol":"20","page":199},{"text":"وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. يقولُ: الشكر الكامل، والحمد التام لله وحده، دون كل معبود سواه.\nوقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقول جل ثناؤه: وما يَستوى هذا المُشْتَرَكُ فيه، والذي هو منفردٌ مِلْكُه لواحدٍ، بل أكثر هؤلاء المشركين بالله لا يعلمون أنهما لا يستويان، فهم بجهلهم بذلك يعبدون آلهة شتَّى مِن دونِ الله. وقيل: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾. ولم يُقَلْ: مَثَلين. لأنهما كليهما ضُرِبا مثلا واحدًا، فجرَى المَثَلُ فيهما بالتوحيد، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] إذ كان معناهما واحدا في الآية. والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-4088\"></span><span data-type='title' id=toc-7927>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢)﴾</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: إنك يا محمد ميت عن قليل، وإن هؤلاء المُكَذِّبيكَ مِن قومك والمؤمنين منهم ميتون،\n\n<span id=\"aya-4089\"></span>﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾. يقولُ: ثم إن جميعكم؛ المؤمنين والكافرين يوم القيامة عند ربكم تختصمون، فيأخذ للمظلوم منكم من الظالم، ويَفْصِلُ بين جميعكم بالحق.\nواختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنى به اختصام المؤمنين والكافرين، واختصام المظلوم به (^١) والظالم.\n_________\n(^١) سقط من: م.","vol":"20","page":200},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7928>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾. يقولُ: يُخاصِمُ الصادقُ الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدى الضال، والضعيفُ المستكبر (^١).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾. قال: أهل الإسلام وأهل الكفر (^٢).\nحدثنا ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا ابن الدَّراوَرْدِيِّ، قال: ثنى محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبدِ الرحمن بن حاطب، عن عبدِ اللهِ بن الزبير، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾. قال الزبير: يا رسولَ اللهِ، أَيُكَرَّرُ (^٣) علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواصِّ الذنوبِ؟ فقال النبيُّ ﷺ: \"نَعَمْ، حتى يُؤدَّى إلى كلِّ ذِي حَقٌّ حقُّه\" (^٤).\nوقال آخرون: بل عُنِي بذلك اختصام أهل الإسلام.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٨٨ عن علي بن أبي طلحة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٨ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٨٩.\n(^٣) في م: \"أينكر\"، وفى ت ٣: \"أنكر\"، وفي ت ١، ت ٢، ص: \"ابكر\" غير منقوطة، والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٩١ من طريق الدراوردى به، وأخرجه الحميدى (٦٠)، وأحمد (١٤٠٥، ١٤٣٤)، والترمذى (٣٢٣٦)، والبزار (٩٦٤، ٩٦٥)، وأبو يعلى (٦٦٨)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٨٧ - والطبرانى في الكبير قطعة من الجزء (١٣) (٣٠٣)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٣٧، والحاكم ٢/ ٤٣٥ وغيرهم من طريق محمد بن عمرو به.","vol":"20","page":201},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7929>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفرٍ، عن سعيد، عن ابن عمر، قال: نزلت علينا هذه الآية وما ندرى ما تفسيرها، حتى وقعت الفتنةُ، فقلنا: هذا الذي وَعَدَنا ربُّنا أن نخْتَصِمَ فيه: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (^١).\nحدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابن عون، عن إبراهيم، قال: لما نزلت: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ الآية، قالوا: ما خُصومتنا بينَنا [ونحن إخوان] (^٢)؟ قال: فلما قُتِل عثمان بن عفان، قالوا: هذه خصومتنا بيننا (^٣).\nحُدِّثْتُ عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾. قال: هُم أهل القبلة (^٤).\nوأَولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: عُنى بذلك: إنك يا محمد ستموتُ، وإنكم أيُّها الناسُ ستموتون، ثم إن جميعكم أيُّها الناسُ تَخْتَصِمون عندَ ربِّكم؛ مؤمنكم وكافرُكم، ومُحِقُّوكم ومُبْطِلُوكم، وظالموكم ومظلوموكم،\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٤٤٧)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٨٩ - وأبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (١٨) من طريق يعقوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٧ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٢) في ص، ت ١: \"وبين إخوان\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"وبين إخواننا\".\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٧٢ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ترجمة عثمان بن عفان ص ٥٠٢ - من طريق إسماعيل بن عبد الله بن الحارث عن ابن عون، به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٨٩.","vol":"20","page":202},{"text":"حتى يؤخذ لكلِّ [من كلٍّ منكم] (^١) ممن لصاحبِه قِبَلَه حَقٌّ - حقُّه.\nوإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب؛ لأن الله عمَّ بقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ خطابَ جميعِ عباده، فلم يَخْصُصْ بذلك منهم بعضًا دونَ بعضٍ، فذلك على عمومه على ما عَمَّه الله به، وقد تنزلُ الآية في معنًى، ثم يكون داخلًا في حكمها كلُّ ما كان في حكم (^٢) معنى ما (^٣) نزلت به.\n\n<span id=\"aya-4090\"></span>وقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: فمَن مِن خلق الله أعظمُ فِرْيَةً ممن كذب على الله، فادَّعَى أن له ولدا وصاحبة، أو أنه حرَّم ما لم يُحَرَّمه من المطاعم، ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ يقول: وكذب بكتاب الله إذ أنزله على محمد، وابتعثه الله به رسولا، وأنكر قول لا إله إلا الله.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7930>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾. أي: بالقرآن (^٤).\nوقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾. يقولُ ﵎: أليس في النار مأوى ومسكنٌ لمن كفر باللهِ، وامتنع من تصديق محمد ﷺ، واتباعه على\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"منكم\"، وفي ت ٢: \"منكم من كل\"، وفى ت ٣: \"منكم من كل لما\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"بما\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"20","page":203},{"text":"ما يَدعوه إليه، مما أتاه به مِن عندِ الله من التوحيد، وحكم القرآن.\n\n<span id=\"aya-4091\"></span><span data-type='title' id=toc-7933>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)﴾</span>\nاختلف أهل التأويل في الذي جاء بالصدقِ وصدق به، وما ذلك؟ فقال بعضُهم: الذي جاء بالصدق رسول الله ﷺ، قالوا: والصدق الذي جاء به: لا إله اللَّهِ إلا الله، والذي صدق به أيضًا، هو رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7931>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾. يقولُ: مَن جاء بـ \"لا إله إلا الله\"، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾. يعني رسوله (^١).\nوقال آخرون: الذي جاء بالصدق رسول الله ﷺ، والذي صدق به أبو بكر اللَّهِ ﵁.\n\n<span data-type='title' id=toc-7932>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني أحمد بن منصورٍ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُصعبٍ (^٢) المَرْوَزِيُّ، قال: ثنا عمر بن إبراهيم بن خالد، عن عبد الملكِ بن عُمَيرٍ، عن أَسِيدِ بن صفوان، عن (^٣) علي ﵁ في قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾. قال: محمد ﷺ،\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٢٠٦) من طريق أبي صالح به مطولا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(^٢) في م: \"مصعد\". وينظر تهذيب الكمال ١/ ٤٩١، والثقات ٨/ ٣٧، ولسان الميزان ١/ ٣١١.\n(^٣) في م، ت ٢: \"على\".","vol":"20","page":204},{"text":"﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾. قال: أبو بكر ﵁ (^١).\nوقال آخرون: الذي جاء بالصدق: رسول الله ﷺ، والصدقُ القرآن، والمُصَدِّقون به المؤمنون.\n\n<span data-type='title' id=toc-7934>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾. قال: هذا رسول الله ﷺ ما جاء بالقرآن، وصدَّق به المؤمنون (^٢).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾: رسولُ الله ﷺ، وصدَّق به المسلمون (^٣).\nوقال آخرون: الذي جاء بالصدقِ جبريلُ، والصدقُ: القرآنُ الذي جاء به من عند الله، وصدق به رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7935>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي في قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾: محمد ﷺ (^٤).\nوقال آخرون: الذي جاء بالصدقِ المؤمنون، والصدقُ القرآنُ، وهم المصدِّقون به.\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٠/ ٤٤٠ من طريق أحمد بن منصور به، وفي ٣٠/ ٤٣٨ من طريق عمر بن إبراهيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٨ إلى الباوردي في معرفة الصحابة.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٧٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٨ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٢٥٦، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٩٠.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٨ إلى المصنف، وابن أبي حاتم.","vol":"20","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7936>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾. قال: الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة، فيقولون: هذا الذي أعطيتُمونا، فاتَّبَعْنا ما فيه (^١).\nقال: ثنا حكامٌ، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهدٍ ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾. قال: هم أهل القرآن، يجيئون به يوم القيامة يقولون: هذا الذي أعطيتُمونا، فاتَّبَعْنا ما فيه.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره عنى بقوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾. كلَّ مَن دَعا إلى توحيدِ اللَّهِ، وتصديق رسوله، والعمل بما ابتعث به رسوله؛ من بين رسول (^٢) الله وأتباعه والمؤمنين به، وأن يقال: الصدقُ هو القرآنُ، وشهادة أن لا إله إلا الله، والمُصَدِّقُ به المؤمنون بالقرآنِ، مِن جميع خلق الله كائنا من كان من نبي الله وأتباعه.\nوإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن قوله تعالى ذكرُه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ عَقِيبَ قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾، وذلك ذمّ مِن اللَّهِ المُفْتَرِين عليه، المُكذَّبين بتنزيله ووَحْيِه، الجاحدين وحدانيته، فالواجب أن يكون عقيب ذلك مدحُ مَن كان بخلافِ صفة هؤلاء\n_________\n(^١) أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (١٠٤) من طريق جرير به، وابن المبارك في الزهد (٨٠٥)، وابن عيينة في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٩٨ - وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧٣، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٨١ من طريق منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٨ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"رسل\".","vol":"20","page":206},{"text":"المذمومين، وهم الذين دَعوهم إلى توحيدِ اللهِ، ووصفه بالصفة التي هو بها، وتصديقهم بتنزيلِ اللهِ ووَحْيِه، والذين هم كانوا كذلك يوم نزلت هذه الآيةُ؛ رسول الله ﷺ وأصحابه ومن بعدهم، القائمون في كل عصر وزمان بالدعاء إلى توحيد الله، وحكم كتابه؛ لأن الله تعالى ذكره، لم يَخُصَّ وصفه بهذه الصفة التي في هذه الآية، على أشخاصٍ بعينهم (^١)، ولا على أهل زمانٍ دون غيرهم، وإنما وصفهم بصفة، ثم مدحهم بها، وهى المجيء بالصدق والتصديق به، فكلُّ مَن كان ذلك وصفه، فهو داخلٌ في جملة هذه الآية، إذا كان من بنى آدم.\nومن الدليل على صحة ما قلنا، أن ذلك كذلك في قراءة ابن مسعود: (وَالَّذِى (^٢) جاءُوا بالصِّدْقِ وصدَّقُوا به) (^٣)، فقد بُيِّن ذلك من قراءته، أن \"الذي\" من قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ لم يُعْنَ بها واحد بعينه، وأنه مراد بها جماع، ذلك صفتهم، ولكنها أُخرجت بلفظ الواحد، إذ لم تَكُنْ موقتة (^٤)، وقد زعم بعضُ أهل العربية من البصريين، أن (الذي) في هذا الموضع، جُعِل في معنى جماعة، بمنزلة \"من\"، ومما يؤيدُ ما قلنا أيضًا قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ فَجُعِل الخبرُ عن \"الذي\" جماعًا؛ لأنها في معنى جماع، وأما الذين قالوا: عُنِي بقوله: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾. غيرُ \"الذي جاء بالصدقِ\"، فقول بعيد من المفهوم؛ لأن ذلك لو كان كما قالوا، لكان التنزيل: والذي جاء بالصدقِ، والذي صدق به، أولئك هم المُتَّقُون، فكانت تكونُ \"الذي\" مكررةً مع التصديق، ليكونَ المصدَّقُ غيرَ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"بأعيانهم\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"والذين\".\n(^٣) ينظر البحر المحيط ٧/ ٤٢٨، وقد ورد القراءة في مختصر الشواذ ص ١٣٢: \"والذي جاء\"، وفى البغوي ٧/ ١٢٠: \"والذين جاءوا\".\n(^٤) أي محددة. ينظر تاج العروس (وق ت).","vol":"20","page":207},{"text":"المصدِّقِ، فأما إذا لم يُكَرَّر، فإن المفهوم من الكلام، أن التصديق من صفة الذي جاء بالصدقِ لا وجه للكلام غيرُ ذلك (^١).\nوإذا كان ذلك كذلك، وكانت \"الذي\" في معنى الجماعِ، بما قد بَيَّنَّا، كان الصواب من القول في تأويله ما بَيَّنَّا.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. يقول جل ثناؤه: هؤلاء الذين هذه صفتهم، هم الذين اتَّقَوا الله، بتوحيده والبراءة من الأوثان والأنداد، وأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، فخافوا عقابه.\nكما حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. يقولُ: اتَّقَوا الشرك (^٢).\n\n<span id=\"aya-4092\"></span>وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. يقول تعالى ذكره: لهم عند ربهم يوم القيامة، ما تَشْتَهِيه أنفسهم، وتَلَذَّه أعينهم، ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: هذا الذي لهم عند ربهم، جزاء من أحسن في الدنيا، فأطاع الله فيها، وائْتَمَر لأمره، وانتهى عما نهاه فيها عنه.\n\n<span id=\"aya-4093\"></span><span data-type='title' id=toc-7937>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وجَزَى هؤلاء المحسنين ربُّهم بإحسانهم، كى يكفِّرَ عنهم أسوأ الذي عملوا في الدنيا من الأعمال، فيما بينهم وبين ربهم، بما كان منهم فيها من توبةٍ، وإنابةٍ مما اجترحوا من السيئات فيها: ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ﴾. يقول:\n_________\n(^١) ينظر معاني القرآن ٢/ ٤١٩، والبحر المحيط ٧/ ٤٢٨.\n(^٢) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٢٠٦) من طريق أبي صالح به، وتقدم أوله في ص ٢٠٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"20","page":208},{"text":"ويُثيبهم ثوابهم، ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا مما يُرْضِى الله عنهم، دون أسوئها.\nكما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾: ألهم (^١) ذنوب؟ أي ربِّ نَعَمْ: ﴿لَهُم﴾ فيها ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ وقرأ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]؛ لئلا يَيْأَسَ مَن لهم الذنوبُ ألا يكونوا منهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. وقرأ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] إلى آخر الآية.\n\n<span id=\"aya-4094\"></span><span data-type='title' id=toc-7938>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧)﴾.</span>\nاختلفت القرأة في قراءةِ قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾؛ فقرأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينة وعامة قرأة الكوفة: (أليس الله بكافٍ عبادَه) على الجماع (^٢)، بمعنى: أليس الله بكافٍ محمدًا وأنبياءه من قبله ما خوَّفَتْهم أممهم، من أن تنالهم آلهتهم بسُوءٍ.\nوقرأ ذلك عامةُ قرأة المدينة والبصرة، وبعضُ قرأة الكوفة: ﴿بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾. على التوحيد، بمعنى: أليس الله بكاف عبده محمدًا.\n_________\n(^١) في م: \"أي ولهم\".\n(^٢) هي قراءة أبي جعفر وحمزة والكسائي وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٧١.","vol":"20","page":209},{"text":"والصواب من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قرأةِ الأمصار، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ؛ لصحة معنيَيهما، واستفاضة القراءةِ بهما في قرأةِ الأمصار.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7939>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾. يقول: محمدا ﷺ (^١).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾. قال: بلى، واللَّهِ ليَكْفِينَّه الله، ويُعِزُّه وينصُرُه كما وعده (^٢).\nوقوله: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ويُخوَّفُك هؤلاء المشركون يا محمد، بالذين مِن دونِ اللَّهِ مِن الأوثان والآلهة، أن تُصِيبَك بسُوءٍ، ببراءتك منها، وعيبك لها، والله كافيك ذلك.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7940>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: الآلهة، قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى شعبٍ بسُقَامٍ (^٣) ليكسر العُزَّى، فقال سادِنُها (^٤)، وهو قَيِّمُها: يا خالدُ، إِنِّي أُحَذِّرُكَها، إن لها\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٢٨.\n(^٣) سقام: واد بالحجاز. معجم ما استعجم ٣/ ٧٤١.\n(^٤) في ت ٢: \"ساداتها\"، وفي ت ٣: \"ساديها\".","vol":"20","page":210},{"text":"شدّةً لا يقومُ إليها شيء. فمشى إليها خالدٌ بالفأس، فهَشَّم أنفها (^١).\nحدثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾. يقولُ: بآلهتهم التي كانوا يعبدون (^٢).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾. قال: يُخوِّفونك بآلهتهم التي مِن دونِه (^٢).\n\n<span id=\"aya-4095\"></span>وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. يقول تعالى ذكره: ومَن يَخْذُله الله، فيُضله عن طريق الحق وسبيل الرشد، فما له سواه مِن مُرشدٍ ومُسَدِّدٍ إلى طريق الحق، ومُوَفِّقٍ للإيمان بالله، وتصديق رسوله، والعمل بطاعته، ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾. [يقولُ: ومَن يوفِّقه الله للإيمان به والعمل بكتابه، ﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾] (^٣). يقولُ: فما له مِن مُزِيعٍ يُزِيغُه عن الحق الذي هو عليه إلى الارتداد إلى الكفرِ، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: أليس الله يا محمد بعزيز في انتقامه مِن كَفَرة خلقه، ذى انتقام من أعدائه، الجاحدين وحدانيته.\n\n<span id=\"aya-4096\"></span><span data-type='title' id=toc-7941>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧٣ عن معمر عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٨ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٢٨.\n(^٣) سقط من: ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":211},{"text":"العادلين بالله الأوثان والأصنام: من خلق السموات والأرضَ؟ ليقولُنَّ: الذي خلقهنَّ اللَّهُ. فإذا قالوا ذلك، فَقُلْ: أفرأيتُم أيُّها القومُ، هذا الذي تعبدون مِن دونِ اللَّهِ من الأصنام والآلهة، ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾. يقولُ: بشدةٍ في معيشتي، هل هنَّ كاشفاتٌ عنِّي ما يُصِيبُني به ربِّي مِن الضُّرِّ؟ ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾. يقول: إن أرادَني ربِّي أن يُصِيبَني سَعَةٌ في معيشتي، وكثرة مالي، ورخاءٌ وعافيةٌ في بَدَني، هل هنَّ ممسكاتٌ عنِّي ما أراد أن يُصِيبَني به من تلك الرحمة؟ وترك الجواب لاستغناء السامع بمعرفة ذلك، ودلالة ما ظهر من الكلام عليه. والمعنى: فإنهم سيقولون: لا. فقل: حسبي الله مما سواه من الأشياء كلِّها، إيَّاه أعبد، وإليه أفزَع في أموري، دونَ كلِّ شيءٍ سواه،، فإنه الكافي، وبيده الضُّرُّ والنفعُ، لا إلى الأصنام والأوثان التي لا تضُرُّ ولا تنفَعُ، ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكَّلُونَ﴾. يقولُ: على الله يتوكل من هو متوكلٌ، وبه فليثق لا بغيره.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7942>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ حتى بلغ: ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾. يعنى الأصنامَ، ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ (^١).\nواختلفت القرأةُ في قراءةِ: ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾: ﴿مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾؛ [فقرأه بعضُهم] (^٢) بالإضافة، وخفض الضُّرِّ والرحمة (^٣). وقرأه بعض قرأة المدينة\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) هي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. التيسير ص ١٥٤.","vol":"20","page":212},{"text":"وعامة قرأة البصرة بالتنوين، ونصبِ الضُّرِّ والرحمة (^١).\nوالصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قِراءتان مشهورتان، متقاربتا المعنى، فبأيّتِهما قرأ القارئ فمصيبٌ، وهو نظيرُ قوله: ﴿مُوهِنُ (^٢) كَيْدِ الكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨]. في حال الإضافة والتنوين (^٣).\n\n<span id=\"aya-4097\"></span><span data-type='title' id=toc-7943>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمد لمُشْركي قومك، الذين اتَّخَذوا الأوثان والأصنام آلهةً يعبدونها من دونِ اللَّهِ: اعملوا أَيُّها القومُ على تمكُّنِكم من العمل الذي تعملون ومنازلكم.\nكما حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. قال: على ناحيتكم (^٤).\n﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ كذلك على تُؤَدَةٍ، على عمل مَن سَلَفَ مِن أنبياءِ اللَّهِ قبلي، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا جاءكم بأسُ اللَّهِ، من المُحَقُّ مِنَّا مِن المُبْطِلِ، والرشيدُ مِن الغَوِيِّ.\n\n<span id=\"aya-4098\"></span>وقوله: ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾. يقول تعالى ذكره: مَنْ يأتيه عَذَابٌ يُخْزِيه ما أتاه من ذلك العذاب، يعنى يُذِلُّه ويُهِينُه، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ\n_________\n(^١) هي قراءة أبي عمرو. ينظر التيسير ص ١٥٤.\n(^٢) سقط من: النسخ. والمثبت من معاني القرآن.\n(^٣) ينظر معاني القرآن ٢/ ٤٢٠.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٧٩.","vol":"20","page":213},{"text":"مُقِيمٌ﴾. يقولُ: ويَنزِلُ عليه عذابٌ دائمٌ لا يُفارِقُه.\n\n<span id=\"aya-4099\"></span><span data-type='title' id=toc-7944>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: إنا أنزلنا عليك يا محمد الكتابَ تِبْيانًا للناس بالحقِّ، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾. يقولُ: فمَن عمل بما في الكتاب الذي أنزلناه إليك واتَّبَعه، ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾، يقولُ: فإنما عمل بذلك لنفسه، وإياها بغَى الخير لا غيرها؛ لأنه أكسبها رضا الله والفوز بالجنة، والنجاةَ مِن النارِ، ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾. يقولُ: ومَن جار عن الكتاب الذي أنزلناه إليك، والبيان الذي بَيَّناه لك، فضَلَّ عن قصدِ المَحَجَّةِ (^١)، وزال عن سواء السبيل، فإنما يجورُ على نفسه، وإليها يسوقُ العَطَبَ والهلاك؛ لأنه يُكْسِبُها سَخَطَ اللَّهِ، وأليم عقابه، والخزي الدائم، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. يقول تعالى ذكره: وما أنت يا محمد على من أرسلتك إليه من الناسِ، برقيبٍ تَرقُبُ أعمالهم، وتحفَظُ عليهم (^٢) أفعالهم، إنما أنت رسولٌ، وإنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب.\nكما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. أي: بحفيظ (^٣).\nحدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ قال: بحفيظ (^٤).\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"الحجة\".\n(^٢) في ٢، ت ٣: \"إليهم\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٩٩٣ من طريق أحمد بن المفضل به.","vol":"20","page":214},{"text":"<span id=\"aya-4100\"></span><span data-type='title' id=toc-7946>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ومن الدلالة على أن الألوهةَ لله الواحد القهار خالصةٌ، دونَ كلِّ ما سواه - أنه يُمِيتُ ويُحْيِي، ويفعَلُ ما يشاء، ولا يقدِرُ على [شيء من ذلك] (^١) سواه. فجعل ذلك خبرًا يُنبِّههم به على عظيم قُدرتِه، فقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، فيَقْبِضُها عند فناء أجلها، وانقضاء مدة حياتها، ويَتَوفَّى أيضًا التي لم تمت في منامها، كما التي ماتت عند مماتِها، ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾. ذكر أن أرواح الأحياء والأمواتِ تلتقى في المنام، فيتعارفُ ما شاء الله منها، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى أجسادِها، أمسك الله أرواح الأموات عنده وحبسها، وأرسل أرواح الأحياء حتى ترجع إلى أجسادِها، إلى أجل مسمى، وذلك إلى انقضاء مدة حياتها.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7945>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جُبَيرٍ في قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية. قال: يَجمعُ بين أرواح الأحياء وأرواح الأموات، فيتعارفُ منها ما شاء الله أن يتعارف، فيُمسك التي قضى عليها الموتَ، ويُرْسِلُ الأخرى إلى أجسادِها (^٢).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"ذلك شيء\".\n(^٢) أخرجه بقي بن مخلد - كما في التمهيد ٥/ ٢٤١ - وأبو الشيخ في العظمة (٤٣١) من طريق يعقوب به.","vol":"20","page":215},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾. قال: تُقْبَضُ الأرواحُ عندَ نيامِ النائمِ، فيَقبِضُ روحَه في منامِه، فيَلقَى الأرواحُ بعضُها بعضًا؛ أرواحُ الموتى وأرواحُ النيامِ، فتَلتقِي فتَساءَلُ. قال: فيُخلَّى عن أرواحِ الأحياءِ، فترجعُ إلى أجسادِها، وتريدُ الأخرى أن ترجِعَ، فيَحبِسُ التي قضَى عليها الموتَ، ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: إلى بقية آجالِها (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾. قال: فالنومُ وفاةٌ، ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ التي لم يَقبِضْها، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (^٢).\nوقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن في قبضِ اللهِ نفسَ النائمِ والميتِ، وإرسالِه بعدُ نفسَ هذا ترجِعُ إلى جسمِها، وحبسِه لغيرِها عن جسمِها - لعبرةً وعظةً لَمن تفكَّر وتدبَّر، وبيانًا له أَن الله يُحيي مَن يَشَاءُ من خلقِه إذا شاء، ويُمِيتُ مَن شاء إذا شاء.\n\n<span id=\"aya-4101\"></span><span data-type='title' id=toc-7947>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أَتَّخَذ هؤلاء المشركون باللهِ مِن دونِه آلهتَهم التي يعبُدونها\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٣٢، وذكر آخره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٩٣.\n(^٢) تفسير القرطبي ١٥/ ٢٦١.","vol":"20","page":216},{"text":"شفعاءَ تشفعُ لهم عندَ اللهِ في حاجاتِهم؟!\nوقولُه: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ لهم: أتتخِذون هذه الآلهةَ شفعاءَ كما تزعُمون، ولو كانوا لا يملِكُون لكم نفعًا ولا ضرًّا ولا يعقِلون شيئا؟! قل لهم: إن تكونوا تعبُدونها لذلك، وتشفَعُ لكم عندَ اللهِ، فأخلِصوا عبادتكم للهِ، وأفرِدوه بالألوهةِ؛ فإن الشفاعةَ جميعًا له، لا يشفَعُ عنده إلا مَن أذِن له، ورضِى له قولًا، وأنتم متى أخلَصتم له العبادةَ فدَعوتموه، شفَّعَكم. ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: للهِ سلطانُ السماواتِ والأرضِ ومُلكُها، وما تعبُدون أيُّها المشرِكون من دونِه مِلْكٌ له. يقولُ: فاعبُدوا المَلِكَ لا المملوكَ الذي لا يملِكُ شيئًا، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: ثم إلى الله مصيرُكم، وهو معاقِبُكم على إشراكِكم به إن مُتُّم على شركِكم.\nومعنى الكلامِ: للهِ الشفاعةُ جميعًا، له مُلكُ السماواتِ والأرضِ، فاعبُدوا المالكَ الذي له مُلكُ السماواتِ والأرضِ، الذي يقدِرُ على نفعِكم في الدنيا، وعلى ضرِّكم فيها، وعندَ مرجعِكم إليه بعدَ مماتِكم، فإنكم إليه تُرجَعون.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7948>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾: الآلهة، ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾: الشفاعة (^١).\n\n<span id=\"aya-4102\"></span>حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٧٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٩ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"20","page":217},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. قال: لا يشفعُ عندَه أحدٌ إلا بإذنه (^١).\n\n<span id=\"aya-4103\"></span><span data-type='title' id=toc-7949>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا أُفْرِد اللهُ جلَّ ثناؤُه بالذكرِ، فدُعِي وحدَه، وقيل: لا إلهَ إلا اللهُ. اشْمَأَزَّت قلوبُ الذين لا يؤمِنون بالمعادِ والبعثِ بعدَ المماتِ. وعُنِي بقولِه: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾: نفَرَت من توحيدِ اللهِ، ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾. يقولُ: وإذا ذُكِر الآلهةُ التي يدْعُونها من دونِ اللهِ مع اللهِ، فقيل: تلك الغرانيقُ العُلَى، وإن شفاعتَها لتُرْتجَى (^٢) - إذا الذين لا يؤمِنون بالآخرةِ، يستبشِرون بذلك ويفرَحون.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾. أي: كفَرَت (^٣) قلوبُهم واستكبَرت، ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: الآلهةُ، ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٧٩، ومن طريقه البيهقي في البعث والنشور (٢)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لترجى\".\n(^٣) في م: \"نفرت\". والمثبت موافق لما في مصدري التخريج.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧٤ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":218},{"text":"قولَه: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾. قال: انقبَضت. قال: وذلك يومَ قرَأ عليهم \"النجم\"، عندَ بابِ الكعبةِ (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾. قال: نفَرَت، ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: أوثانُهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-4104\"></span><span data-type='title' id=toc-7951>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ: اللهمَّ (^٣) خالقَ السماواتِ والأرضِ ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ﴾، الذي لا تراه الأبصارُ، ولا تُحِسُّه العيونُ، ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: الذي تشهَدُه أبصارُ، خلقِه، وتراه أعينُهم، ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾ فتفصِلُ بينَهم بالحقِّ يومَ تجمعُهم لفصلِ القضاءِ بينَهم فيما كانُوا فيه في الدنيا يختلِفون من القولِ فيك وفي عظمتِك وسلطانِك، وغيرِ ذلك من اختلافِهم بينَهم، فتقضِي يومَئذٍ بينَنا وبينَ هؤلاء المشركين، الذين إذا ذُكِرْتَ وحدَك اشمأزَّت قلوبُهم، وإذا ذُكِر مَن دونَك استبشَروا - بالحقِّ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7950>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿فَاطِرَ﴾. قال: خالقَ (^٤). وفى قولِه: ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ﴾. قال: ما غاب عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٧٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٢٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٩٣.\n(^٣) في النسخ: \"الله\". والمثبت هو الصواب.\n(^٤) تقدم تخريجه في ٩/ ١٧٦.","vol":"20","page":219},{"text":"العبادِ، فهو يعلمُه، ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: ما عرَف العبادُ وشهِدوا، فهو يعلمُه.\n\n<span id=\"aya-4105\"></span><span data-type='title' id=toc-7952>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولو أن لهؤلاء المشركين باللهِ يومَ القيامةِ، وهم الذين ظلَموا أنفسَهم، ﴿مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ في الدنيا من أموالِها وزينتِها، ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ مضاعفًا، فقُبِل ذلك منهم عوضًا من أنفسِهم، لفَدَوا بذلك كلِّه أنفسَهم عِوضًا منها؛ لينجُوا من سوءِ عذابِ اللهِ، الذي هو معذِّبُهم به يومَئذٍ، ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: وظهَر لهم يومَئذٍ من أمرِ اللهِ وعذابِه، الذي كان أعدَّه لهم، ﴿مَا لَمْ يَكُونُوا﴾ قبلَ ذلك ﴿يَحْتَسِبُونَ﴾ أنه أعدَّه لهم.\n\n<span id=\"aya-4106\"></span><span data-type='title' id=toc-7953>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وظهَر لهؤلاءِ المشركين يومَ القيامةِ ﴿سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ من الأعمالِ في الدنيا، إذ أُعطُوا كتبَهم بشمائلِهم، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: ووجَب عليهم حينَئذٍ، فلزِمهم، عذابُ اللهِ الذي كان نبيُّ اللهِ ﷺ في الدنيا يعدِهُم على كفرِهم بربِّهم، فكانوا به يسخَرون؛ إنكارًا أن يصيبَهم ذلك أو ينالَهم؛ تكذيبًا منهم به، وأحاط ذلك بهم.\n\n<span id=\"aya-4107\"></span><span data-type='title' id=toc-7954>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فإذا أصاب الإنسانَ بؤسٌ وشدَّةٌ دعانا مستغيثًا بنا من جهةِ","vol":"20","page":220},{"text":"ما أصابه من الضرِّ، ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا﴾. يقولُ: ثم إذا أعطَيناه فرَجًا مما كان فيه من الضرِّ؛ بأن أبدَلْناه بالضرِّ رخاءً وسَعَةً، وبالسَّقمِ صحةً وعافيةً، فقال: إنما أُعطِيتُ الذي أُعطِيتُ؛ من الرخاءِ والسَّعَةِ في المعيشةِ، والصحةِ في البدنِ والعافيةِ، ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي (^١)﴾ [القصص: ٧٨]. يعني: على علمٍ الله بأنى له أهلٌ؛ لشرفى ورضاه بعملي، ﴿عِنْدِي﴾. يعني: فيما عندي، كما يقالُ: أنت محسنٌ في هذا الأمرِ عندي. أي: فيما أظنُّ وأحسَبُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-7955>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا﴾. حتى بلَغ: ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي (^١)﴾. أي: على خيرٍ عندي (^٢).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا﴾. قال: أعطَيناه (^٣).\nوقولُه: ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ (^٤)﴾. أي: على شرفٍ أعطانيه.\nوقولُه: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: بل عَطِيَّتُنا إياهم تلك النعمةَ\n_________\n(^١) ليست لفظة \"عندي\" ضمن هذه الآية التي يفسرها المصنف. وإنما هي جزء من آية في سورة القصص. ولعل ما وقع، في هذا الموضع وما سيأتي، هو سبق قلم من المصنف ﵀.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧٤ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. وليس فيه لفظة: ﴿عندي﴾.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٧٩، ٥٨٠، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٩٨ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عندي\".","vol":"20","page":221},{"text":"من بعدِ الضرِّ الذي كانوا فيه فتنةٌ لهم. يعني: بلاءٌ ابتلَيْناهم به، واختبارٌ اختبَرناهم به، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾؛ لجهلِهم وسوءِ رؤياهم، ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ لأيِّ سببٍ أُعْطُوا ذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7956>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾. أي: بلاءٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-4108\"></span><span data-type='title' id=toc-7957>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قد قال هذه المقالةَ - يعني قولَهم لنعمةِ اللهِ التي خوَّلهم وهم مشرِكون: أوتيناه على علمٍ عندَنا - ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يعني: الذين من قبلِ مشركي قُرَيشٍ من الأممِ الخاليةِ لرسلِها؛ تكذيبًا منهم لهم، واستهزاءً بهم.\nوقولُه: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. يقولُ: فلم يُغْنِ عنهم حينَ أتاهم بأسُ اللهِ على تكذيبِهم رسلَ اللهِ، واستهزائِهم بهم - ما كانوا يكسبون من الأعمالِ، وذلك عبادتُهم الأوثانَ. يقولُ: لم ينفَعْهم خدمتُهم إياها، ولم تشفَعْ آلهتُهم لهم عندَ اللهِ حينَئذٍ، ولكنها أسلَمَتهم، وتبرَّأَت منهم.\n\n<span id=\"aya-4109\"></span>وقولُه: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾. يقولُ: فأصاب الذين قالوا هذه المقالةَ من الأممِ الخاليةِ، وبالُ سيئاتِ ما كسَبوا من الأعمالِ، فعوجِلوا بالخزي في دارِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر، وتقدم أوله في الصفحة السابقة.","vol":"20","page":222},{"text":"الدنيا؛ وذلك كقارونَ الذي قال حينَ وُعِظ: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]. فخسَف اللهُ به وبدارِه الأرضَ، ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١]. يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ﴾. يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: والذين كفَروا باللهِ يا محمدُ من قومِك، وظلَموا أنفسَهم وقالوا هذه المقالةَ، ﴿سَيُصِيبُهُمْ﴾ أيضًا وبالُ سيئاتِ ما كسَبوا، كما أصاب الذين من قبلهم بقيلِهموها، ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. يقولُ: وما يفُوتون ربَّهم، ولا يسبِقونه هربًا في الأرضِ من عذابِه إذا نزَل بهم، ولكنه يصيبُهم، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢]، ففعَل اللهُ ذلك بهم، فأحلَّ بهم خِزْيَه في عاجلِ الدنيا، فقتَلهم بالسيفِ يومَ بدرٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7958>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، السديِّ: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: الأممُ الماضيةُ، ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ﴾. قال: من أُمةِ محمدٍ ﷺ (^١).\n\n<span id=\"aya-4110\"></span><span data-type='title' id=toc-7959>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أو لم يَعلَمْ يا محمدُ هؤلاء الذين كشَفْنا عنهم ضُرَّهم، فقالوا: إنما أوتيناه على علمٍ منا. أن الشدَّةَ والرخاءَ والسَّعَةَ والضيقَ والبلاءَ بيدِ اللهِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٠ إلى المصنف.","vol":"20","page":223},{"text":"دونَ كُلِّ مَن سواه، يَبْسطُ الرزقَ لمَن يشاءُ، فيوسِّعُه عليه، ويَقدِرُ ذلك على مَن يشاءُ من عبادِه فيضيقُه، وأن ذلك من حُججِ الله على عبادِه؛ ليعتبِروا به ويتذكَّروا، فيعلَموا أن الرغبةَ إليه والرهبةَ دونَ الآلهةِ والأندادِ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾. يقولُ: إن في بسطِ اللهِ الرزقَ لمَن يشاءُ، وتقتيرِه على مَن أراد، ﴿لَآيَاتٍ﴾. يعني: دلالاتٍ وعلاماتٍ، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يعني: يصدِّقون بالحقِّ، فيُقرُّون به إذا تبيَّنوه وعلِموا حقيقتَه، أن الذي يفعلُ ذلك هو اللهُ دونَ كلِّ ما (^١) سواه.\n\n<span id=\"aya-4111\"></span><span data-type='title' id=toc-7961>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بها قومٌ من أهلِ الشركِ، قالوا لما دُعوا إلى الإيمانِ باللهِ: كيف نؤمنُ وقد أشرَكنا وزنَينا، وقتَلنا النفسَ التي حرَّم اللهُ، واللهُ يعِدُ فاعلَ ذلك النارَ، فما ينفعُنا مع ما قد سلَف منا الإيمانُ؟! فنزَلت هذه الآيةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7960>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾: وذلك أن أهلَ مكةَ قالوا: يزعمُ محمدٌ أنه مَن عبَد الأوثانَ، ودعَا مع اللهِ إلهًا آخرَ، وقتَل النفسَ التي حرَّم اللهُ، لم يُغفَرْ له، فكيف نهاجرُ ونُسلِمُ، وقد عبَدنا الآلهةَ، وقتَلنا النفسَ التي حرَّم اللهُ، ونحنُ أهلُ الشركِ؟! فأنزَلَ اللهُ: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. يقولُ: لا تيأَسوا من رحمتي،\n_________\n(^١) في ت ١: \"من\".","vol":"20","page":224},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. قال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤]، وإنما يعاتبُ اللهُ أولي الألبابِ، وإنما الحلالُ والحرامُ لأهلِ الإيمانِ، فإياهم عاتَب، وإياهم أمَر إن أسرَف أحدُهم على نفسِه، أن لا يقْنَطَ من رحمةِ اللهِ، وأن يُنيبَ ولا يُبِطئَ بالتوبةِ من ذلك الإسرافِ والذنبِ الذي عمِل، وقد ذكَر اللهُ في سورةِ \"آلِ عمرانَ\" المؤمنين، حينَ سأَلوا الله المغفرةَ فقالوا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧]. فينبَغي أن يُعلمَ أنهم قد كانوا يُصيبون الإسرافَ، فأمَرهم بالتوبةِ من إسرافِهم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: قَتْلُ النفسِ في الجاهليةِ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءِ بن يسارٍ، قال: نزَلت هذه الآيات الثلاثُ بالمدينةِ في وحْشيٍّ وأصحابِه: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، قال: قال زيدُ بن أسلمَ في قولِه تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. قال: إنما هي للمشركين.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣١ إلى المصنف وابن مردويه، وينظر أسباب النزول ص ٢٧٧.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٨٠.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣١ إلى المصنف.","vol":"20","page":225},{"text":"أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ حتى بلَغ: ﴿الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. قال: ذُكِر لنا أن ناسًا أصابوا ذنوبًا عظامًا في الجاهليةِ، فلما جاء الإسلامُ أشفَقوا أن لن (^١) يُتابَ عليهم، فدعاهم اللهُ بهذه الآيةِ: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: هؤلاء المشركون من أهلِ مكةَ. قالوا: كيف نجيبُك وأنت تزعُمُ أنه من زَنَى، أو قَتَل، أو أشرَك بالرحمنِ، كان هالكًا من أهلِ النارِ، فكلُّ هذه الأعمالِ قد عمِلناها؟! فأُنزِلت فيهم هذه الآيةُ: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الآية. قال: كان قومٌ مسخوطون (^٣) في أهلِ الجاهليةِ، فلما بَعث اللهُ نبيَّه قالوا: لو أتَينا، محمدًا ﷺ، فآمَنَّا به واتَّبَعْناه. فقال بعضُهم لبعضٍ: كيف يقبلُكم اللهُ ورسولُه في دينِه؟ فقالوا: ألَا نبعثُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ رجلًا؟ فلما بعَثوا نزَل القرآنُ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، فقرَأ حتى بلَغ: ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الشعبيِّ، قال: تَجالَس شُتَيْرُ بنُ شَكَلٍ ومسروقٌ، فقال شُتَيرٌ: إما أن تحدِّثَ ما سمعت من ابن مسعودٍ فأصدِّقَك، وإما أن أحدِّثَ فتصدِّقَني. فقال مسروقٌ: لا، بل حدِّثْ فأصدَّقَك.\n_________\n(^١) في م: \"لا\".\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٧٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"مسخوطين\": والمسخوط: المكروه. التاج (س خ ط).","vol":"20","page":226},{"text":"فقال: سمِعتُ ابنَ مسعودٍ يقولُ: إِنَّ أكبرَ آيةٍ فَرَحًا (^١) في القرآنِ: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. فقال مسروقٌ: صدَقْتَ (^٢).\nوقال آخرون: بل عُنِي بذلك أهلُ الإسلامِ. وقالوا: تأويلُ الكلامِ: إِنَّ الله يغفِرُ الذنوبَ جميعًا لمن يشاءُ. قالوا: وهي كذلك في مصحفِ عبدِ اللهِ. وقالوا: إنما نزَلَتْ هذه الآيةُ في قومٍ صدَّهم المشركون عن الهِجْرةِ وفتَنوهم، فأشفَقوا ألَّا يكونَ لهم توبةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7962>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجَوْهريُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيد الأُمويُّ، عن ابن إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: قال - يعني عمرَ -: كنا نقولُ: ما لمن افتتن من توبةٍ. وكانوا يقولون: ما اللهُ بقابلٍ منا شيئًا، ترَكْنا الإسلامَ ببلاءٍ أصابَنا بعدَ معرفتِه. فلما قدِم رسولُ اللهِ المدينةَ، أنزَل اللهُ فيهم: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال عُمرُ: فكتبتُها بيدي، ثم بعثتُ بها إلى هشامِ بن العاصِ. قال هشامٌ: فلما جاءتني جعلتُ أقرَؤُها ولا أفهمُها، فوقَع في نفسي أنها أُنزلت فينا؛ لما كنا نقولُ، فجلستُ على بعيري، ثم لحِقتُ بالمدينةِ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثني محمدُ بنُ إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: إنما أُنزِلت هذه الآياتُ في عَيَّاشِ بن أبي ربيعةَ، والوليدِ بن الوليدِ، ونفرٍ من المسلمين، كانوا قد أسلَموا ثم فُتِنوا وعُذِّبوا، فافتُتِنوا، كنا نقولُ: لا يقبَلُ اللهُ من هؤلاء صَرفًا ولا عَدْلًا أبدًا؛ قومٌ أسلَموا ثم ترَكُوا دينَهم بعذابٍ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فرجا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله (٧٥) من طريق جرير به. والطبراني (٨٦٥٨) من طريق منصور به مطولا، وفي (٨٦٥٩، ٨٦٦٠) من طريقين آخرين عن الشعبي.\n(^٣) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ٢٧٧، ٢٧٨ من طريق ابن إسحاق به، بنحوه.","vol":"20","page":227},{"text":"فنزَلت هؤلاء الآياتُ، وكان عمرُ بن الخطابِ كاتبًا، قال: فكتَبها بيدِه، ثم بعَث بها إلى عَيّاشِ بن أبي ربيعةَ، والوليدِ بن الوليدِ، وإلى أولئك النفرِ، فأسلَموا وهاجروا (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: ثنا يونسُ، عن ابن سيرينَ، قال: قال عليٌّ ﵁: أيُّ آيةٍ في القرآنِ أوسعُ؟ فجعلوا يذْكُرون آياتٍ من القرآنِ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. ونحوَها. فقال عليٌّ: ما في القرآنِ آيةٌ أوسعَ من قولِه: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٢).\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي سعدٍ (^٣) الأزديِّ، عن أبي الكَنودِ، قال: دخَل عبدُ اللهِ المسجدَ، فإذا قاصٌّ يُذَكِّرُ النارَ والأغلالَ، قال: فجاء حتى قام على رأسِه، فقال: [يا مُذَكِّرُ] (^٤) أتقنِّطُ الناسَ؟ ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، عن القُرَظيِّ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. قال: هي للناسِ أجمعين.\nحدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا ابن لَهِيعةَ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣١ إلى المصنف، وينظر تفسير البغوي ٧/ ١٢٦، وأسباب النزول للواحدي ص ٢٧٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله (٦٩) من طريق إسماعيل بن إبراهيم به.\n(^٣) في م، ت ٣: \"سعيد\"، وكلاهما صواب. ينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ٣٤٤.\n(^٤) في م: \"ما يذكر\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٨٥ من طريق أبي معاوية به، وابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله (٥٠)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٩٩ - والبيهقي في الشعب (١٠٥٣) من طريق الأعمش به، والطبراني (٨٦٣٥) من طريق الأعمش عن ابن مسعود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣١ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":228},{"text":"عن أبي قَبيلٍ (^١)، قال: سمعتُ أبا عبدِ الرحمنِ المرادي (^٢) يقولُ: ثني أبو عبدِ الرحمنِ الجُبْلانيُّ (^٣)، أنه سمِع ثَوْبانَ مولى رسولِ اللهِ ﷺ يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"ما أُحِبُّ أنَّ ليَ الدُّنْيا وما فيها بهذه الآيةِ: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الآية. فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، ومَن أشرَك؟ فسكَت النبيُّ ﷺ، ثم قال: \"ألا ومَن أشْرَك، ألا ومَن أَشْرَك\". ثلاثَ مَرَّاتٍ (^٤).\nوقال آخرون: نزَل ذلك في قومٍ كانوا يَرَوْن أهلَ الكبائرِ (^٥) من أهلِ النارِ، فأعلَمَهم اللهُ بذلك أنه يغفِرُ الذنوبَ جميعًا لمن يشاءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7963>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني ابن البرقيِّ، قال: ثنا عمرُو بن أبي سلمةَ، قال: ثنا أبو معاذٍ الخراسانيُّ، عن مقاتلِ بن حيانَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: كنا معشرَ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ نرى أو نقولُ: إنه ليس شيءٌ من حسناتِنا إلا وهي مقبولةٌ، حتى نزلت هذه الآيةُ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. فلما نزلت هذه الآيةُ قُلْنا: ما هذا الذي يُبطلُ أعمالَنا؟ فقلنا: الكبائرُ والفواحشُ. قال: فكنا إذا\n_________\n(^١) في م: \"قنبل\". ينظر تهذيب الكمال ٧/ ٤٩٠.\n(^٢) سقط من: ت ١، وفي ص، م، ت ٢، ت ٣: \"المزني\". وينظر كنى البخاري ٩/ ٥١، والجرح ٧/ ٣٢٣، ٩/ ٤٠٣، والتعجيل ٢/ ٤٩٤.\n(^٣) في ص: \"الجلاني\". وفي ت ١: \"الجيلاني\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"الحلالي\"، وفي م: \"الجلائي\".\nينظر تهذيب الكمال ٤/ ٤١٥.\n(^٤) أخرجه أحمد ٥/ ٢٧٥ (الميمنية)، وابن أبي الدنيا في حسن الظن (٤٩)، والبيهقي في الشعب (٧١٣٧) من طريق حجاج به، والطبراني في الأوسط (١٨٩٠) من طريق ابن لهيعة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣١ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الكتاب\".","vol":"20","page":229},{"text":"رأينا مَن أصاب شيئًا منها قلنا: قد هلَك. حتى نزلت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. فلما نزَلت هذه الآيةُ كَفَفْنا عن القولِ في مثلِ (^١) ذلك، فكُنَّا إذا رأَيْنا أحدًا أصاب منها شيئًا خِفْنا عليه، وإن لم يُصِبْ منها شيئًا رجَونا له (^٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عَنى اللهُ تعالى ذكرُه بذلك جميعَ من أسرَف على نفسِه من أهلِ الإيمانِ والشركِ؛ لأن الله عمَّ بقولِه: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ جميعَ المسرفين، فلم يخصُصْ به مسرفًا دونَ مسرفٍ.\nفإن قال قائلٌ: يغفرُ اللهُ الشركَ؟ قيل: نعم، إذا تاب منه المشركُ. وإنما عنَى بقولِه: (إن الله يغفرُ الذنوبَ جميعًا لمن يشاءُ) (^٣)، كما قد ذكَرنا قبلُ أنَّ ابنَ مسعودٍ كان يقرؤه، وأنَّ الله قد استثنى منه الشركَ إذا لم يُتبْ منه صاحبُه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فأخبَر أنه لا يغفرُ الشركَ إلا بعدَ توبةٍ بقولِه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠]. فأما ما عدَاه، فإن صاحبَه في مشيئةِ ربِّه، إن شاء تفضَّل عليه، فعفا له عنه، وإن شاء عدَل عليه، فجازاه به.\nوأما قولُه: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. فإنه يعني: لا تيأسوا من رحمةِ اللهِ، كذلك حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس.\n_________\n(^١) زيادة من: ت ١، ت ٢.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ١٢٦ عن مقاتل به.\n(^٣) ينظر مختصر الشواذ ص ١٣٢.","vol":"20","page":230},{"text":"وقد ذكَرنا ما في ذلك من الرواياتِ قبلُ، فيما مضى، وبيَّنا معناه.\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. يقولُ: إن الله يستُرُ على الذنوبِ كلِّها، بعفوِه عن أهلِها، وتَركِه عقوبتَهم عليها إذا تابوا منها، إنه هو الغفورُ الرحيمُ بهم، أن يعاقبَهم عليها بعدَ توبتِهم منها.\n\n<span id=\"aya-4112\"></span><span data-type='title' id=toc-7964>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأقبِلوا أيُّها الناس إلى ربِّكم بالتوبةِ، وارجِعوا إليه بالطاعةِ له، واستجيبوا له إلى ما دعاكم إليه من توحيدِه، وإفرادِ الأُلوهةِ له، وإخلاصِ العبادةِ له.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾: أي أَقْبِلوا إِلى رَبِّكم (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَنِيبُوا﴾.\nقال: أجِيبوا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾. قال: الإنابةُ الرجوعُ إلى الطاعةِ، والنزوعُ عما كانوا عليه، ألا تراه يقولُ: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ [الروم: ٣١].\nوقولُه: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾. يقولُ: واخْضَعوا له بالطاعةِ والإقرارِ بالدينِ؛: الحنيفيةِ ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ من عندِه على كفرِكم به، ﴿ثُمَّ لَا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"20","page":231},{"text":"تُنْصَرُونَ﴾. يقولُ: ثم لا ينصُرُكم ناصرٌ، فينقِذُكم من عذابِه النازلِ بكم.\n\n<span id=\"aya-4113\"></span>وقولُه: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واتَّبعوا أيُّها الناسُ ما أمَركم به ربُّكم في تنزيلِه، واجْتَنِبوا ما نهاكم فيه عنه، وذلك هو أحسنُ ما أُنزِل إلينا من ربِّنا.\nفإن قال قائلٌ: ومِن القرآنِ شيءٌ هو أحسنُ مِن شيءٍ؟ قيل له: القرآنُ كلُّه حسنٌ، وليس معنى ذلك ما توهَّمْتَ، وإنما معناه: واتَّبِعوا مما أُنزِلَ إليكم من ربِّكم من الأمرِ والنهي والخبرِ والمَثَلِ والقَصَصِ والجَدَلِ والوعدِ والوعيد، أحسنَه، وأحسنُه أن تَأْتَمِروا لأمرِه، وتنتَهوا عما نهَى عنه؛ لأن النهيَ مما أُنزِل في الكتابِ، فلو عمِلوا بما نُهوا عنه كانوا عاملين بأقبحِه، فذلك وجهُه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7965>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: ما أُمِرتُم به في الكتابِ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ (^١).\nوقولُه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾. يقولُ: من قبلِ أن يأتيَكم عذابُ اللهِ فجأةً، ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: وأنتم لا تَعْلَمون به حتى يَغْشاكم فجأةً.\n\n<span id=\"aya-4114\"></span><span data-type='title' id=toc-7966>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ</span>\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ١٢٨.","vol":"20","page":232},{"text":"الْمُتَّقِينَ (٥٧)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأنيبوا إلى ربِّكم، وأسلِموا له؛ ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾. بمعنى: لئلَّا تقولَ نفسٌ: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾. وهو نظيرُ قولِه: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]. بمعنى: ألَّا تميدَ بكم، [فـ \"أن\" - إذ] (^١) كان ذلك معناه - في موضعِ نصبٍ.\nوقولُه: ﴿يَاحَسْرَتَا﴾. يعني أن تقولَ: يا نَدَما.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿يَاحَسْرَتَا﴾. قال: الندامةُ (^٢).\nوالألفُ في قولِه: ﴿يَاحَسْرَتَا﴾. هي ياءُ كنايةِ المتكلمِ (^٣)، وإنما أريد: يا حسرتِي، ولكن العربُ تحوِّلُ الياءَ التي في كنايةِ اسمِ المتكلمِ في الاستغاثةِ ألفًا، فتقولُ: يا ويلتا، ويا ندما. فيُخرِجون ذلك على لفظِ الدعاءِ، وربما قيل: يا حسرتِ (^٤) على العبادِ. كما قيل: يا لَهْفِ عليه (^٥)، ويا لهفَا عليه. وذكَر الفرَّاءُ أن أبا ثَرْوانَ أَنشَدَه (^٦):\nتَزُورُونها ولا أزورُ نساءَكمْ … ألَهْفِ لأوْلادِ الإماءِ الحواطِبِ\nخفضًا كما يُخفضُ في النداءِ إذا أضافه المتكلمُ إلى نفسِه، وربما أدخلوا الهاءَ\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"فأراد\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ٩/ ٢١٥.\n(^٣) في ت ١: \"بالكناية\"، وفي ص، ت ٢، ت ٣: \"ياء الكناية\".\n(^٤) في ص، ت ١: \"يالحسرة\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"بالحسرة\"، وفي م: \"ياحسرة\". والمثبت من معاني القرآن ٢/ ٤٢١.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) معاني القرآن للفراء ٢/ ٤٢١.","vol":"20","page":233},{"text":"بعد هذه الألفِ، فيخفِضونها أحيانًا، ويرفعونها أحيانًا؛ وذكَر الفرَّاءُ أن بعضَ بني أسدٍ أنشده (^١):\nيا رَبِّ يَا رَبَّاه إِيَّاكَ أَسَلْ … عَفْرَاءَ يا رَبَّاهِ مِنْ قَبْلِ الأَجَلْ\nخفضًا، قال: والخفضُ أكثرُ في كلامِهم، إلا في قولِهم: يا هنَاهُ، ويا هَنْتَاهُ. فإن الرفعَ فيهما أكثرُ من الخفضِ؛ لأنه كثيرٌ في الكلامِ، حتى صار كأنه حرفٌ واحدٌ.\nوقولُه: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾. يقولُ: على ما ضيَّعْتُ من العملِ بما أمَرني اللهُ به، وقصَّرْتُ في الدنيا في طاعةِ اللهِ.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7967>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال (^٢): ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾. يقولُ: في أمرِ اللهِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾. قال: في أمرِ اللهِ (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق ٢/ ٤٢٢.\n(^٢) بعده في ت ١: \"ثنا سلمة قال\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٨٠، ومن طريقه أخرجه البيهقي في الأسماء الصفات (٧٧٢)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر بلفظ: \"في ذكر الله\".","vol":"20","page":234},{"text":"حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾. قال: تركتُ من أمرِ اللهِ.\nوقولُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾. يقولُ: وإن كنتُ لمن المستهزئين بأمرِ اللهِ وكتابِه ورسولِه والمؤمنين به.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7968>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَة في قولِه: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦)﴾. قال: فلم يكفِه أَنْ ضيَّع طاعةَ اللهِ، حتى جعَل يَسْخرُ بأهلِ طاعةِ اللهِ. قال: هذا قولُ صِنْفِ منهم (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾. يقولُ: من المستهزئينَ بالنبيِّ، وبالكتابِ، وبما جاء به (^٢).\n\n<span id=\"aya-4115\"></span><span data-type='title' id=toc-7969>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأنيبوا إلى ربِّكم أيُّها الناسُ، وأَسْلِموا له، ألَّا تقولَ نفسٌ يومَ القيامةِ: يا حسرتا على ما فرَّطتُ في أمرِ الله.\n\n<span id=\"aya-4116\"></span>وألَّا تقولَ نفسٌ أخرى: لو أنَّ الله هداني للحقِّ، فوفَّقَني للرشادِ، لَكُنْتُ ممن اتَّقاه بطاعتِه واتِّباعِ رضاه. أو\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٣٩.","vol":"20","page":235},{"text":"ألَّا تقولَ أخرى حينَ تَرى عذابَ اللهِ فتُعاينُه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾. تقولُ: لو أنَّ لي رَجعةً إلى الدنيا، ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين أَحْسَنوا في طاعتِهم ربَّهم، والعملِ بما أمرَتْهم به الرسلُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7970>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾. الآية. قال: هذا قولُ صِنْفِ منهم، [﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ الآية. قال: هذا قولُ صِنْفٍ آخرَ] (^١)، ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾ الآية. يعني بقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾: رَجْعَةً إلى الدنيا. قال: هذا صِنْفٌ آخرُ (^٢).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾. قال: أخبَر اللهُ ما العبادُ قائلوه قبلَ أنْ يقولوه، وعملَهم قبلَ أن يعمَلوه، قال - ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]-: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾، ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ إلى: ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: من المهتدين. فأخبَر اللهُ سبحانَه أنَّهم لو رُدُّوا لم يَقْدِروا على الهدى، وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]. وقال: ولو رُدُّوا إلى الدنيا\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"20","page":236},{"text":"لحِيلَ بينَهم وبين الهدى، كما حُلْنا بينَهم وبينَه أَوَّلَ مرّةٍ وهم في الدنيا (^١).\nوفي نصبِ قولِه: ﴿فَأَكُونَ﴾. وجهان؛ أحدُهما: أن يكونَ نصبُه على أنه جوابُ ﴿لَوْ﴾. والثاني: على الردِّ على موضعِ الكرّةِ، وتوجيهُ الكرّةِ في المعنى إلى: لو أنَّ لي (^٢) أن أكِرَّ، كما قال الشاعرُ (^٣):\nفما لك منها غيرُ ذِكْرَى وحَسْرةٍ (^٤) … وتَسْأَلَ عن رُكْبانِها أَينَ يَمَّمُوا\nفنصَب \"تسأل\" عطفًا بها على موضعِ الذكرى؛ لأن معنى الكلامِ: فما لك (^٥) بـ: \"يرسل\" على موضعِ \"الوحي\" في قولِه: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١].\n\n<span id=\"aya-4117\"></span><span data-type='title' id=toc-7971>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مكذَّبًا للقائلِ: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. وللقائلِ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: ما القولُ كما تقولون، ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ﴾ - أيها المتمنَّي على اللهِ الردَّ إلى الدنيا؛ لتكونَ فيها من المحسنين - ﴿آيَاتِي﴾. يقولُ: قد جاءتك حُجَجي من بين رسولٍ أرسلْتُه إليك، وكتابٍ أنزلتُه يتلى عليك ما فيه من الوعدِ والوعيدِ والتذكيرِ، فكذَّبت\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٩/ ٤٩١.\n(^٢) بعده في ت ١: \"كرة لي\".\n(^٣) معاني القرآن ٢/ ٤٢٣.\n(^٤) في ص، ت ١: \"حسية\"، وفي ت ٢: \"حينه\"، وفي ت ٣: \"حديثه\". والمثبت موافق لما في البحر المحيط ٧/ ٤٣٦.\n(^٥) كذا في النسخ، ولعل سقطا وقع من النسخ، لعله: \"فمالك غير أن تذكر وتسأل، كما عطف\". وينظر معاني القرآن ٢/ ٤٢٢، ٤٢٣.","vol":"20","page":237},{"text":"بآياتي، واستكبرت عن قَبولها واتَّباعِها، ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: وكنتَ ممن يعملُ عملَ الكافرين، ويستنُّ بسنتِهم، ويتبعُ منهاجَهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7972>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: يقولُ اللهُ ردًّا لقولِهم، وتكذيبًا لهم - يعني لقولِ القائلين: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾. والصنفِ الآخرِ - ﴿قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ الآية (^١).\nوبفتحِ الكافِ والتاءِ من قولِه: ﴿قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ﴾ على وجهِ المخاطبةِ للذكورِ، قرأه القرأةُ في جميعِ أمصارِ الإسلامِ. وقد رُوِي عن رسولِ اللهِ ﷺ، أنه قرَأ ذلك بكسرِ جميعِه، على وجهِ الخطابِ للنفسِ، كأنه قال: أن تقولَ نفسٌ: يا حسرتا على ما فرَّطتُ في جنبِ اللهِ. بلى قد جاءتكِ أَيُّها النفسُ آياتي، فكذَّبتِ بها. أجرى الكلامَ كلَّه على النفسِ، إذ كان ابتداءُ الكلامِ بها جرى، والقراءةُ التي لا أستجيزُ خلافَها، ما جاءت به قرأةُ الأمصارِ مُجْمِعةً عليه به، نقلًا عن رسولِ اللهِ ﷺ، وهو الفتحُ في جميعِ ذلك.\n\n<span id=\"aya-4118\"></span><span data-type='title' id=toc-7973>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ القيامَةِ تَرَى يا محمدُ، هؤلاء الذين كَذَبوا على اللهِ من قومِك، فزعَموا أنَّ له ولدًا، وأنَّ له شركاءَ (^٢)، وعبَدُوا آلهةً وعبدوا آلهة من دونِه،\n_________\n(^١) وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"شريكا\".","vol":"20","page":238},{"text":"﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾.\nوالوجوهُ وإن كانت مرفوعةً بـ ﴿مُسْوَدَّةٌ﴾، فإن فيها معنى نصبٍ؛ لأنها مع خبرِها تمامُ ﴿تَرَى﴾، ولو تقدَّم قولُه: ﴿مُسْوَدَّةٌ﴾ قبلَ الوجوهِ، كان نصبًا، ولو نصَبَ \"الوجوهَ المسودَّةَ\"، ناصبٌ في الكلامِ لا في القرآنِ، إذا كانت المسودّةُ متأخرةً، كان جائزًا، كما قال الشاعرُ (^١):\nذَرِيني إِنَّ أمرَكِ لن يُطاعَا … وما ألفيتِني حلمى (^٢) مُضاعا\nفنصَبَ الحلمَ والمضاعَ على تكريرِ \"ألفيتِني\"، وكذلك تفعلُ العربُ في كلِّ ما احتاج إلى اسمٍ وخبرٍ، مثلَ \"ظنَّ وأخواتِها\".\nوفي ﴿مُسْوَدَّةٌ﴾ للعربِ لغتان: \"مسودّةٌ\"، و\"مسوادّةٌ\"، وهي في أهلِ الحجازِ، يقولون فيما ذُكِر عنهم: قد اسوادَّ وجهُه، واحمارَّ، واشهابَّ. وذكَر بعضُ نحويِّي البصرةِ عن بعضِهم، أنه قال: لا يكونُ \"افعالَّ\" إلا في ذي اللونِ (^٣) الواحدِ، نحوَ الأشهبِ (^٤). قال: ولا يكونُ في نحوِ الأحمرِ؛ لأن الشهَبَ (^٥) لونٌ يحدُثُ، والأحمرَ لا يحدثُ.\nوقولُه: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾. يقولُ: أليس في جهنمَ مَأْوًى ومسكنٌ لمن تكبَّر على اللهِ، فامتنَع من توحيدِه، والانتهاءِ إلى طاعتِه، فيما أمَره ونهاه عنه؟\n_________\n(^١) هو عدي بن زيد العبادي، وقد تقدم البيت في ١٣/ ٦٢٢.\n(^٢) في ص، ت ١: \"حكمي\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"النون\".\n(^٤) في ت ١: \"شهاب\".\n(^٥) في ت ٢: \"أشهب\" وفي م، ت ٣: \"الأشهب\".","vol":"20","page":239},{"text":"<span id=\"aya-4119\"></span><span data-type='title' id=toc-7975>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويُنَجِّي اللهُ من جَهَنَّمَ وعذابِها الذين اتَّقَوه بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه في الدنيا، ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾. يعني: بفوزِهم. وهي \"مَفْعَلَةٌ\" منه.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن خالفَت ألفاظُ بعضِهم الألفاظَ (^١) التي قلناها في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-7974>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾. [قال: بفضائلِهم.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾] (^٢). قال: بأعمالِهم. قال: والآخَرُون يحمِلُون أوزارَهم يومَ القيامةِ ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (^٣) [النحل: ٢٥].\nواختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ قرأةِ مكةَ والبصرةِ: ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾. على التوحيدِ (^٤). وقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ:\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"اللفظة\".\n(^٢) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٣ إلى المصنف.\n(^٤) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم وأبي جعفر ويعقوب. النشر ٢/ ٢٧٢.","vol":"20","page":240},{"text":"(بمَفازاتِهم). على الجماعِ (^١).\nوالصوابُ عندي من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ لاتفاقِ معنَيَيْهما، والعربُ توحِّدُ مثلَ ذلك أحيانًا وتجمعُ، بمعنًى واحدٍ، فيقولُ أحدُهم: سمِعتُ صوتَ القومِ، وسمِعتُ أصواتَهم. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]. ولم يقُلْ: أصواتُ الحميرِ. ولو جاء ذلك كذلك كان صوابًا.\nوقولُه: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا يمَسُّ المتقين من أذَى جَهَنَّمَ شيءٌ، وهو السوءُ الذي أخبَر جلّ ثناؤُه أنه لن يَمسَّهم، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. يقولُ: ولا هم يحزنون على ما فاتهم من آرابِ (^٢) الدنيا، إذ صاروا إلى كرامةِ اللهِ، ونعيمِ الجنانِ.\n\n<span id=\"aya-4120\"></span>وقولُه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ الذي له الألوهةُ من كلِّ خلقِه، الذي لا تصلُحُ العبادةُ إلا له، خالقُ كلِّ شيءٍ لا ما لا يقدِرُ على خلقِ شيءٍ، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. يقولُ: وهو على كلَّ شيءٍ قَيِّمٌ بالحفظِ والكَلاءةِ.\n\n<span id=\"aya-4121\"></span><span data-type='title' id=toc-7976>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: له مفاتيحُ خزائنِ السماواتِ والأرضِ، يفتَحُ منها على مَن\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة والكسائي وخلف وشعبة عن عاصم. المصدر السابق.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣: \"آداب\". والأَرب: الحاجة والبغية والأمنية. الوسيط (أ ر ب).","vol":"20","page":241},{"text":"يشاءُ، ويُمسِكُها على (^١) مَن أحبَّ من خلقِه. واحدُها مِقْليدٌ. وأما الإقليدُ فواحدُ الأقاليدِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7977>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مفاتيحُها (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. أي: مفاتيحُ السماواتِ والأرضِ (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: خزائنُ السماواتِ والأرضِ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: المقاليدُ المفاتيحُ. قال: له مفاتيحُ خزائنِ السماواتِ والأرضِ (^٥).\nوقولُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين كفَروا بحججِ اللهِ فكذَّبوا بها وأنكَروها، أولئك هم المَغبُونون\n_________\n(^١) في م: \"عن\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٠ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٢٧٤، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٠٢.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٤ إلى المصنف.","vol":"20","page":242},{"text":"حظوظَهم [من خيرِ السماواتِ] (^١) التي بيدِه مفاتيحُها؛ لأنهم حُرِموا ذلك كلَّه في الآخرةِ بخلودِهم في النارِ، وفي الدنيا بخِذلانِهم عن الإيمانِ باللهِ ﷿.\n\n<span id=\"aya-4122\"></span><span data-type='title' id=toc-7978>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قلْ يا محمدُ لمشركي قومِك، الداعِيك إلى عبادةِ الأوثانِ: أَفَغَيرَ اللهِ أَيُّها الجاهِلون باللهِ تأمُرُونِّي أن أعبُدَ؟ ولا تصلحُ العبادةُ لشيءٍ سواه.\nواختلَف أهلُ العربيةِ في العاملِ في قولِه: ﴿أَفَغَيْرَ﴾. النصبَ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: قيل (^٢): ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي﴾. يريدُ (^٣): أفغيرَ اللهِ أعبدُ، تأمُرُونِّي؟! كأنه أراد به الإلغاءَ، واللهُ أعلمُ، كما تقولُ: ذهَب فلأن يدرِى. جعَله على معنى: فما (^٤) يدرِي. وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: \"غير\" منتصبةٌ بـ \"أعبدُ\"، و\"أن\" تحذفُ وتدخلُ؛ لأنها علمٌ للاستقبالِ، كما تقولُ: أريدُ أن أضربَ، وأريدُ أضربُ، وعسى أن أضربَ، وعسى أضربُ، فكانت في طلبِها الاستقبالَ كقولِك: زيدًا سوفَ أضربُ. فلذلك حُذِفت وعمِل ما بعدَها فيما قبلَها، ولا حاجةَ بنا إلى اللغوِ.\n_________\n(^١) في ص: \"خيرات خزائن الله\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"خيرات خزائن السماوات\".\n(^٢) في م، ت ١: \"قل\".\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"يقول\".\n(^٤) سقط من: ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":243},{"text":"<span id=\"aya-4123\"></span>وقولُه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد أوحَى إليك ربُّك يا محمدُ، وإلى الذين من قبلِك من الرسلِ، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. يقولُ: لَئِنْ أَشرَكتَ باللهِ شيئًا يا محمدُ، ليَبطُلَنَّ عملُك ولا تنالُ به ثوابًا، ولا تدركُ به جزاءً إلا جزاءَ مَن أشرَك باللهِ. وهذا من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ. ومعنى الكلامِ: ولقد أوحِي إليك لئن أشرَكتَ ليحبطنَّ عملُك، ولتكونَنَّ من الخاسِرين، ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. بمعنى: وإلى الذين مِن قبلِك من الرسلِ من ذلك، مثلُ الذي أوحِي إليك منه، فاحذَرْ أن تشركَ باللهِ شيئًا فتَهلِكَ.\nومعنى قولِه: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ولتكونَنَّ من الهالِكين بالإشراكِ باللهِ، إن أشرَكتَ به شيئًا.\n\n<span id=\"aya-4124\"></span><span data-type='title' id=toc-7979>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: لا تعبدْ ما أمَرك به هؤلاء المشركون من قومِك يا محمدُ بعبادتِه، بل الله فاعبُدْ دونَ كلِّ ما (^١) سواه من الآلهةِ والأوثانِ والأندادِ، ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ للهِ على نعمتِه عليك، بما أنعَم عليك من الهدايةِ لعبادتِه (^٢)، والبراءةِ من عبادةِ الأصنامِ والأوثانِ، ونُصِبَ اسمُ ﴿اللَّهَ﴾ بقولِه: ﴿فَاعْبُدْ﴾. وهو بعدَه؛ لأنه ردُّ كلامٍ، ولو نُصِب بمضمرٍ قبلَه، إذ كانت العربُ تقولُ: زيدٌ فليقُمْ، [وزيدًا فليقُمْ] (^٣). رفعًا ونصبًا؛ الرفعُ على: فليُنظَرْ زيدٌ\n_________\n(^١) في ت ١: \"من\".\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"لعباده\".\n(^٣) سقط من: ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":244},{"text":"فليقُمْ. والنصبُ على: انظُروا زيدًا فليقُمْ - كان صحيحًا جائزًا.\n\n<span id=\"aya-4125\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما عظَّم الله حَقَّ عظمتِه، هؤلاء المشركون باللهِ، الذين يدعونك إلى عبادةِ الأوثانِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7980><span data-type='title' id=toc-7981>ذكرُ مَن قال ذلك</span></span>\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. قال: هم الكفارُ الذين لم يؤمِنوا بقدرةِ اللهِ عليهم؛ فمن آمَن أن الله على كلَّ شيءٍ قديرٌ، فقد قدَر الله حَقَّ قدرِه، ومَن لم يُؤْمِنْ بذلك، فلم [يقدُرِ الله] (^١) حقَّ قدرِه (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديّ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: ما عظَّموا الله حقَّ عظمتِه (^٣).\nوقولُه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والأرضُ كلُّها قبضتُه في يومِ القيامةِ، ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ كلُّها ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. فالخبرُ عن الأرضِ متناهٍ عندَ قولِه: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، و﴿وَالْأَرْضُ﴾ مرفوعةٌ بقولِه: ﴿قَبْضَتُهُ﴾، ثم استأنَف (^٤) الخبرَ عن السماواتِ فقال: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. وهي مرفوعةٌ بـ ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"يؤمن بالله\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ٩/ ٣٩٧.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٠٣.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"استؤنف\".","vol":"20","page":245},{"text":"ورُوِى عن ابن عباسٍ وجماعةٍ غيرِه أنهم كانوا يقولون: الأرضُ والسماواتُ جميعًا في يمينِه يومَ القيامةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7982>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ: قد قبَض الأرَضينَ والسماواتِ جميعًا بيمينِه، ألم تسمَعْ أنه قال: ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ يعنى: الأرضُ والسماواتُ بيمينِه جميعًا. قال ابن عباسٍ: وإنما يستعينُ بشمالِه المشغولةُ يمينُه (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بن هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن عمرِو بن مالكٍ، عن أبي الجوزاءِ، عن ابن عباسٍ، قال: ما السماواتُ السبعُ والأَرَضُونَ السبعُ في يدِ اللهِ، إلا كخردلةٍ في يدِ أحدِكم (^٢).\nقال: ثنا معاذُ بن هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، قال: ثنا النضرُ بنُ أنسٍ، عن ربيعةَ الجُرَشيِّ (^٣)، قال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. قال: ويدُه الأخرى خِلْوٌ ليس فيها شيءٌ.\nحدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ الأزديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن عمارِ بن عمرَ (^٤)، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾. قال: كأنها\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٣: \"بيمينه\".\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٣٧) من طريق أبي الجوزاء به.\n(^٣) في م، ت ١: \"الجرسى\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"الحرسى\". وينظر الأنساب ٢/ ٤٥.\n(^٤) في م: \"عمرو\". قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: أخطأ يحيى بن يمان فيما قال: عمار بن عمر وإنما هو عمار بن عمارة. ينظر الجرح والتعديل ٦/ ٣٩١.","vol":"20","page":246},{"text":"جوزةٌ [بقَضِّها وقَضِيضها] (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ: السماواتُ والأرضُ مطوياتٌ بيمينِه جميعًا (^٢).\nوكان ابن عباسٍ يقولُ: إنما يستعينُ (^٣) بشمالِه المشغولةُ يمينُه (^٤)، وإنما الأرضُ والسماواتُ كلُّها بيمينِه، وليس في شمالِه شيءٌ.\nحدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني أسامةُ بنُ زيدٍ، عن أبي حازمٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، أنه رأى رسولَ اللهِ ﷺ على المنبرِ يخطبُ الناسَ، فمرَّ بهذه الآيةِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"يأخُذُ السماواتِ السبعَ (^٥) والأرضينَ السبعَ فيجعلُها في كفَّيه (^٦)، ثم يقولُ [بهما كما يقولُ الغلامُ بالكرةِ] (^٧): أنا اللهُ الواحدُ، أنا اللهُ العزيزُ\". لقد رأَينا المنبرَ، وإنه ليكادُ أن يسقطَ به (^٨).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، قال: ثنى منصورٌ وسليمانُ،\n_________\n(^١) في ت ١: \"يقبضها فقبضها\". والأثر أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٣٥) من طريق يحيى بن اليمان به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) في ت ٢: \"يستغنى\".\n(^٤) في ت ١، ت ٣: \"بيمينه\".\n(^٥) سقط من: ص، م.\n(^٦) في م، ت ١: \"كفه\".\n(^٧) في ص، ت ٢، ت ٣: \"الغلام بهما كما يقول الكرة\"، وفى ت ١: \"الغلام بهما يقول الكرة\"، وفي مصدر التخريج: \"بهم هكذا كما يقول الغلام بالكرة\".\n(^٨) أخرجه ابن منده في الرد على الجهمية (٥٧) من طريق الربيع به.","vol":"20","page":247},{"text":"عن إبراهيمَ، عن عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ، عن عبدِ اللهِ، قال: جاء يهوديٌّ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا محمدُ، إن الله يُمسِكُ السماواتِ على إصبَعٍ، والأرَضينَ على إصبعٍ، والجبالَ على إصبعٍ، والخلائقَ على إصبعٍ، ثم يقولُ: أنا الملكُ. قال: فضحِك النبيُّ ﷺ حتى بدَت نواجذُه، وقال: \" ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ \" (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا فُضَيلُ بن عياضٍ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَبِيدةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: فضحِك النبيُّ ﷺ تعجبًا وتصديقًا (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن منصورٍ، عن خيثمةَ بن [عبدِ الرحمنِ] (^٣)، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: كنا عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، حينَ جاءه حَبرٌ من أحبارِ اليهودِ فجلَس إليه، فقال له النبيُّ ﷺ: \"حَدَّثْنا\". قال: إن الله ﵎ إذا كان يومُ القيامةِ، جعَل السماواتِ على إصبعٍ، [والأَرْضِينَ على إصبعٍ، والجبالَ على إصبعٍ] (^٤)، والماءَ والشجرَ على إصبعٍ، وجميعَ الخلائقِ على إصبعٍ، ثم يهزُّهنَّ، ثم يقولُ: أنا الملكُ. قال: فضحِك رسولُ اللهِ ﷺ حتى بدت نواجذُه؛ تصديقا لما قال، ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، الآية (^٥).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ نحوَ ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٢٣٨) عن ابن بشار به، وأحمد ٧/ ١٦٤ (٤٠٨٧)، والبخارى (٧٤١٤)، والنسائى في الكبرى (١١٤٥١) من طريق يحيى بن سعيد به.\n(^٢) أخرجه الترمذى (٣٢٣٩) عن ابن بشارٍ به، ومسلم (١٩/ ٢٧٨٦) من طريق فضيل به، وأحمد ٧/ ٣٧٧ (٤٣٦٨) والبخاري (٧٥١٣، ٤٨١١)، والنسائي في الكبرى (١١٤٥٠) من طريق منصور به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبد الرحيم\". وينظر تهذيب الكمال ٨/ ٣٧٠.\n(^٤) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٧٣٥) من طريق أحمد بن المفضل عن أسباط عن منصور به، بإسقاط السدى بين أحمد وأسباط. ينظر ما يأتي.","vol":"20","page":248},{"text":"حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ وعباسُ بنُ أبى طالبٍ، قالا: ثنا محمدُ بنُ الصلتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبي الضحى، عن ابن عباسٍ، قال: مرَّ يهوديٌّ بالنبيِّ ﷺ وهو جالسٌ، فقال: \"يا يهوديُّ، حدِّثْنا\". فقال: كيف تقولُ يا أبا القاسمِ يومَ يجعلُ اللهُ السماءَ على ذِهِ، والأَرضَ على ذِهِ، والجبالَ على ذِهِ، وسائر الخلقِ على ذِهِ؟ فَأَنزَلَ اللهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، الآية (^١).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: أتَى النبيَّ ﷺ رجلٌ من أهلِ الكتابِ، فقال: يا أبا القاسم، أَبْلَغك أن الله يحملُ الخلائقَ على إصبعٍ، والسماواتِ على إصبعٍ، والأَرَضينَ على إصبعٍ، والشجرَ على إصبعٍ، والثَّرَى على إصبعٍ؟! قال: فضحِك النبيُّ ﷺ حتى بدَتْ نواجذُه، فأنزَل اللهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٢).\nوقال آخرون: بل السماواتُ في يمينِه، والأَرَضونَ في شمالِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-7983><span data-type='title' id=toc-7984>ذكرُ مَن قال ذلك</span></span>\nحدَّثنا عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: أخبَرنا ابن أبي حازمٍ، قال: ثنى أبو حازمِ، عن عبيدِ اللهِ بن (^٣) مِقْسَمٍ، أنه سمِع عبدَ اللهِ بن عمرَ يقولُ: رَأَيْتُ\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٢٤٠)، وابن خزيمة في التوحيد ص ٥٣، وابن منده في الرد على الجهمية (٦٥) من طريق محمد بن الصلت به، وأخرجه أحمد ٤/ ١٢٦، ٥/ ١٢٩ (٢٢٦٧، ٢٩٨٨) من طريق أبى كدينة به.\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ٥٢ عن أبي السائب سلم بن جنادة به، وأحمد ٦/ ٦٩ (٣٥٩٠)، ومسلم (٢٧٨٦/ ٢٢) من طريق أبى معاوية به. والبخارى (٧٤١٥، ٧٤٥١)، ومسلم (٢٧٨٦/ ٢١، ٢٢)، والنسائى في الكبرى (١١٤٥٢) كلهم من طريق الأعمش به.\n(^٣) في ص، ت ١: \"عن\".","vol":"20","page":249},{"text":"رسولَ اللهِ ﷺ وهو على المنبرِ يقولُ: \"يأخُذُ الجبارُ سماواتِه وأرضَه بيدَيْه\". وقبَض رسولُ اللهِ ﷺ يدَيه، وجعل يقبضُهما ويسطُهما، قال: \"ثم يقولُ: أنا الرحمنُ، أنا المَلِكُ، أين الجبَّارون، أينَ المتكَبِّرون؟ \". وتمايَلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن يمينِه، وعن شمالِه، حتى نظَرتُ إلى المنبرِ يتحرَّكُ من أسفلِ شيءٍ منه، حتى إنى لأقولُ: أساقطٌ هو برسولِ اللهِ ﷺ (^١).\nحدَّثني أبو علقمةَ الفَرْوِيُّ عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ نافعٍ، عن عبدِ العزيزِ بن أبي حازمٍ، عن أبيه، عن عُبيدِ (^٢) بن عميرٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، أنه قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"يأخذُ الجبَّارُ سماواتِه وأرضَه بيدِه (^٣) \". وقبض يدَه، فجعَل يقبِضُها ويبسطُها، ثم يقولُ: أنا الجبَّارُ، أنا المَلِكُ، أينَ الجبَّارون، أينَ المتكبِّرون؟ \". قال: ويميلُ رسولُ اللهِ ﷺ عن يمينِه وعن شمالِه، حتى نظَرتُ (^٤) إلى المنبرِ يتحرَّكُ من أسفلِ شيءٍ منه، حتى إنى لأقولُ: أساقِطٌ هو برسولِ اللهِ ﷺ (^٥).\nحدَّثني الحسنُ بنُ عليّ بن عياشٍ (^٦) الحِمْصيُّ، قال: ثنا بشرُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبَرني أبي، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمِ بن شهابٍ، قال: أخبَرني سعيدُ بنُ المسيبِ، عن أبي هريرةَ، أنه كان يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"يقبِضُ اللهُ ﷿ الأرضَ يومَ القيامةِ، ويطوِى السماواتِ بيمينِه، ثم يقولُ: أنا الملكُ، أينَ ملوكُ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٨٨/ ٢٦)، والنسائى في الكبرى (٧٦٨٩)، وابن ماجه (١٩٨، ٤٢٧٥)، وابن منده في الرد على الجهمية (٤٦) من طريق عبد العزيز بن أبي حازم به، ومسلم (٢٧٨٨/ ٢٥) من طريق آخر عن أبي حازم به.\n(^٢) في ت ٣: \"عبيد الله\". ينظر تهذيب الكمال ٩/ ٢٢٣.\n(^٣) في ص: \"يديه\".\n(^٤) في ص، ت ٣: \"نظر\".\n(^٥) أخرجه الطبراني (١٣٤٣٧) من طريق عبد العزيز به.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عباس\". ينظر ما تقدم في ١٥/ ٣٧.","vol":"20","page":250},{"text":"الأرضِ؟ \" (^١).\nحُدِّثتُ عن حرملةَ بن يحيى، قال: ثنا إدريسُ بنُ يحيى القائدُ، قال: أخبَرنا حَيْوَةُ، عن عقيلٍ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرني نافعٌ مولى ابن عمرَ، عن عبدِ اللهِ ابن عمرَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"إن الله يَقبِضُ الأرضَ يومَ القيامةِ بيدِه، ويطوِى السماءَ بيمينِه، ويقولُ: أنا المَلِكُ\" (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ (^٣)، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ ثَوْبانَ الكُلاعيُّ، عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، قال: أتى رسولَ اللهِ ﷺ حَبرٌ من اليهود، فقال: أرأيتَ إذ يقولُ اللهُ في كتابِه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. فأينَ الخلقُ عند ذلك؟ قال: \"هم فيها كرَقْمِ الكتابِ\" (^٤).\nحدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهريُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثنا عمرُ (^٥) بنُ حمزةَ، قال: ثنى سالمٌ، عن أبيه، أنه أخبرَه، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"يَطوِى اللهُ السماواتِ، فيأخذُهن بيمينِه، ويَطوِى الأرضَ، فيأخذُها بشمالِه، ثم يقولُ: أنا المَلِكُ، أينَ الجبَّارون، أينَ المتكبِّرون؟ \" (^٦).\nوقيل: إن هذه الآية نزَلت من أجلِ يهوديٍّ سأل رسولَ اللهِ ﷺ عن صفةِ الربِّ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١٤/ ٤٥١ (٨٨٦٣)، والبخارى (٦٥١٩، ٧٣٨٢)، ومسلم (٢٧٨٧/ ٢٣)، والنسائي في الكبرى (٧٦٩٢، ١١٤٥٥)، وابن ماجه (١٩٢) من طريق ابن شهاب الزهري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٥ إلى ابن المنذر وعبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه البخارى (٧٤١٢) من طريق نافع به.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"عون\". ينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٢٣٦.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٦ إلى المصنف.\n(^٥) في م: \"عمرو\". ينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٣١١.\n(^٦) أخرجه أبو داود (٤٧٣٢)، وعبد بن حميد (٧٤٠ - منتخب)، وأبو الشيخ في العظمة (١٤١) من =","vol":"20","page":251},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7985>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، عن محمدٍ، عن سعيدٍ، قال: أتى رهطٌ من اليهودِ نبيَّ اللهِ ﷺ، فقالوا: يا محمدُ، هذا اللهُ خلَق الخلقَ، فمن خلقَه؟ فغضِب النبيُّ ﷺ حتى انتُقِع لونُه (^١)، ثم ساوَرَهم (^٢) غضبًا لربِّه، فجاءه جبريلُ فسكَّنه، وقال: اخفِضْ عليك جَناحَك يا محمدُ. وجاءه من اللهِ جوابُ ما سأَلوه عنه. قال: يقولُ اللهُ ﵎: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الصمد ١ - ٤]. قال: فلما تلاها عليهم النبيُّ ﷺ قالوا: صِفْ لنا ربَّك، كيف خَلْقُه؟ وكيفَ عَضُده؟ وكيف ذراعُه؟ فغضِب النبيُّ ﷺ أشدَّ من غضبِه الأولِ، ثم ساوَرَهم (^٢)، فأتاه جبريلُ، فقال مثلَ مقالتِه، وأتاه بجوابِ ما (^٣) سأَلوه عنه، [قال: يقولُ اللهُ] (^٤): ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: تكلَّمت اليهودُ في صفةِ الربِّ، فقالوا ما لم يعلَموا ولم يرَوا، فأنزَل اللهُ على نبيِّه ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، ثم بيَّن للناسِ عظمتَه، فقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فجعَل صفتَهم التي وصَفوا الله بها شِركًا (^٦).\n_________\n= طريق أبي أسامة به.\n(^١) يقال: انتقع لونه وامتقع، إذا تغيَّر من خوف أو ألم ونحو ذلك. النهاية ٥/ ١٠٩.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شاورهم\". وساورهم: واثبهم. ينظر الوسيط (س ور).\n(^٣) في ت ٢: \"مثل ما\".\n(^٤) زيادة من: ت ٣.\n(^٥) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧١.\n(^٦) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٨٣) من طريق يعقوب به، والبيهقى في الأسماء والصفات (٧٣٧) =","vol":"20","page":252},{"text":"وقال بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. يقولُ: في قدرتِه؛ نحوَ قولِه: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]. أي: وما كانت لكم عليه (^١) قدرةٌ. وليس المِلكُ لليمينِ دونَ سائرِ الجسدِ. قال: وقولُه: ﴿قَبْضَتُهُ﴾. نحوُ قولِك للرجلِ: هذا في يدِك، وفى قبضتِك. والأخبارُ التي ذكَرناها عن رسولِ اللهِ ﷺ وعن أصحابِه وغيرِهم، تشهدُ على بُطُولِ هذا القولِ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرِة، عن عَنْبسةَ، عن حبيبِ بن أبى عمْرةً، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، عن عائشةَ قالت: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن قولِه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. فأينَ الناسُ يومَئذٍ؟ قال: \"على الصِّراطِ\" (^٢).\nوقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تنزيهًا وتبرئةً للهِ، وعلوًّا وارتفاعًا عما يُشركُ به هؤلاء المشركون من قومِك يا محمدُ، القائِلون لك: اعبُدِ الأوثانَ مِن دونِ اللهِ، واسجُدْ لآلهتِنا.\n\n<span id=\"aya-4126\"></span><span data-type='title' id=toc-7986>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا (^٣) مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾.</span>\n_________\n= من طريق يعقوب موصولًا عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^١) سقط من: ص، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ١١٦ (الميمنية)، والترمذى (٣٢٤١)، والنسائى في الكبرى (١١٤٥٣)، والحاكم ٢/ ٤٣٦، والبيهقى في البعث والنشور (٦٢٩) من طريق عنبسة به مطولا ومختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٥ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"20","page":253},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ونفَخ إسرافيلُ في القَرْنِ، وقد بيَّنا معنى الصُّورِ فيما مضَى بشواهدِه، وذكَرْنا اختلافَ أهلِ العلمِ فيه والصوابَ من القولِ فيه بشواهدِه، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nوقولُه: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: مات، وذلك في النفخةِ الأولى.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: مات (^٢).\nوقولُه: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذي عنَى اللهُ بالاستثناءِ في هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عنَى به جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ وملكَ الموتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7987><span data-type='title' id=toc-7988>ذكرُ مَن قال ذلك</span></span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قال: جبريلُ ومكيائيلُ وإسرافيلُ وملكُ الموتِ (^٢).\nحدَّثني هارونُ بنُ إدريسَ الأصَمُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحارِبيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا الفضلُ بنُ عيسى، عن عمِّه يزيدَ الرَّقَاشيِّ، عن أنسِ بن مالكٍ قال: قرأ رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. فقيل: مَن هؤلاء الذين اسْتَثْنى اللهُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: \"جبريلُ وميكائيلُ وملكُ الموتِ، فإذا قبَض أرواحَ الخلائقِ قال:\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٩/ ٣٣٩ - ٣٤١.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٨ إلى المصنف.","vol":"20","page":254},{"text":"يا مَلَكَ الموتِ، مَن بقِى؟ وهو أعلمُ. قال: يقولُ: سبحانَك تبارَكْتَ ربي ذا الجَلَالِ والإكرامِ، بقِى جبريلُ وميكائيلُ وملكُ الموتِ. قال: يقولُ: يا ملكَ الموتِ، خُذ نفسَ ميكائيلَ. قال: فيَقَعُ كالطَّوْدِ العظيمِ. قال: ثم يقولُ: يا ملكَ الموتِ، مَن بقِى؟ قال: فيقولُ: سبحانَك ربي ياذا الجلالِ والإكرامِ، بقى جبريلُ وملكُ الموتِ. قال: فيقولُ: يا ملكَ الموتِ، مُتْ. قال: فيموتُ. قال: ثم يقولُ: يا جبريلُ، مَن بقِى؟ قال: فيقولُ جبريلُ: سبحانَك ربي يا ذا الجلالِ والإكرامِ، بقِى جبريلُ. وهو مِن اللهِ بالمكانِ الذي هو به. قال: فيقولُ: يا جبريلُ، ما (^١) بدٌّ مِن مَوْتةٍ. قال: فيَقَعُ ساجدًا يُخْفِقُ بجَناحَيْه. يقولُ: سبحانَك ربي، تبارَكْتَ وتعالَيْتَ ياذا الجلالِ والإكرامِ، أنت الباقى، وجبريلُ الميتُ الفاني. قال: ويَأْخُذُ رُوحَه في الخَلْقةِ (^٢) التي خُلق منها. قال: فيَقَعُ على ميكائيلَ أن فضلَ خلقِه على خلقِ مِيكائيلَ، كفضلِ الطَّوْدِ العظيمِ على الظَّرِبِ (^٣) مِن الظِّرابِ\" (^٤).\nوقال آخرون: عنى بذلك الشهداءَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7989>[ذكرُ مَن قال ذلك]</span> (^٥)\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عُمارة، عن ذى حُجْرِ اليَحْمَديِّ (^٦)، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي\n_________\n(^١) في م: \"لا\".\n(^٢) في ت ١: \"الحلقة\".\n(^٣) الظرب: الجبل المنبسط. الوسيط (ظ ر ب).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد وأبي نصر السجزي في الإبانة وابن مردويه.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) كذا ورد اسمه في النسخ، وجاء في سنن سعيد بن منصور: \"حجر الهجرى\"، ووقع في النسختين المخطوطتين لمصنف ابن أبي شيبة: \"صخر\"، وأثبته محقق المصنف - كما في نسخنا -. وذكره البخاري في تاريخه وابن أبي حاتم =","vol":"20","page":255},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. قال: الشهداءُ ثَنِيَّةُ (^١) اللهِ حولَ العرشِ، مُتَقَلَّدين السيوفَ (^٢).\nوقال آخرون: عنَى بالاستثناءِ في الفَزَعِ الشهداءَ، وفي الصَّعْقِ جبريلَ وملكَ الموتِ وحَمَلةَ العرشِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7990>ذكرُ مَن قال ذلك، والخبرِ الذي جاء فيه عن رسولِ اللهِ ﷺ</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ، عن إسماعيلَ بن رافعٍ (^٣) المَدَنيِّ، عن يزيدَ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن أبي هريرةَ أنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"يُنْفَخُ في الصُّورِ ثلاثُ نَفَخاتٍ؛ الأولى: نفخةُ الفَزَعِ، والثانيةُ: نفخةُ الصَّعْقِ، والثالثةُ: نفخةُ القيامِ لربِّ العالمين، ﵎. يَأْمُرُ اللهُ إسرافيلَ بالنفخةِ الأولى، فيقولُ: انْفُخُ نفخةَ الفزعِ. فيَفْزَعُ أهلُ السماواتِ وأهلُ الأرضِ، إلا مَن شاء اللهُ\". قال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللهِ، فمَنِ اسْتَثْنى اللهُ حينَ يقولُ: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾] النمل: ٨٧]؟ قال: \"أولئك الشهداءُ، وإنما يَصِلُ الفَزَعُ إلى الأحياءِ، أولئك أحياءٌ عندَ ربِّهم يُرْزَقون، وقَاهم اللهُ فَزَعَ ذلك اليومِ وأمَّنَهم. ثم يَأْمُرُ اللهُ إسرافيلَ بنفخةِ الصعقِ، فيقولُ: انْفُخُ نفخةَ الصعقِ. فيُصْعَقُ أَهلُ\n_________\n= في الجرح باسم: \"حجر الهجري\"، وقال: ابن أبي حاتم: ويقال: الأصبهاني. سئل عنه أبو زرعة، فقال: رجل من أهل هجر لا أعرفه. ينظر التاريخ الكبير ٣/ ٧٣، والجرح والتعديل ٣/ ٢٦٧.\n(^١) في ت ١: \"ثبتة\". وثنية الله: هم الذين استثناهم الله من الصعق. ينظر النهاية ١/ ٢٢٥.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٥٦٨)، وهناد في الزهد (١٦٤)، وابن أبي الدنيا في الأهوال (٦١) من طريق شعبة به، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٢٩٨ من طريق عمارة به، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧٥ من طريق شعبة عن عمارة بن أبي حفصة عن رجل عن سعيد بن جبير قوله.\n(^٣) في ت ١: \"نافع\" وقد تقدم على الصواب في ٣/ ٦١١، وينظر البداية والنهاية ١٩/ ٣٢٣.","vol":"20","page":256},{"text":"السماواتِ والأرضِ إلا مَن شاء اللهُ، فإذا هم خامِدون، ثم يأتى ملكُ الموتِ إلى الجبارِ ﵎، فيقولُ: يا ربِّ، قد مات أهلُ السماواتِ والأرضِ إلا مَن شئْتَ. فيقولُ له، وهو أعلمُ: فمَن بقِى؟ فيقولُ: بقِيتَ أنت الحيُّ (^١) الذي لا تَموتُ (^٢)، وبقى حَمَلةُ عرِشك، وبقِى جبريلُ وميكائيلُ. فيقولُ اللهُ له: اسْكُتْ، إنى كتَبْتُ الموتَ على من كان تحتَ (^٣) عرشى. ثم يأتى ملكُ الموتِ فيقولُ: يا ربِّ، قد مات جبريلُ وميكائيلُ. فيقولُ اللهُ، وهو أعلمُ: فمن بقِى؟ فيقولُ: بقيتَ أنت الحيُّ الذي لا تَموتُ (٢)، وبقى حَمَلةُ عرشِك، وبقيتُ أنا. فيقولُ اللهُ: فلْيَمُتْ حَمَلةُ العرش. فيَموتون، ويَأْمُرُ اللهُ تبارك تعالى العرشَ فيَقْبِضُ الصُّورَ، فيقولُ: يا (^٤) ربِّ، قد مات حملةُ عرشِك. فيقولُ: ومَن بقِى؟ وهو أعلمُ، فيقولُ: بقِيتَ أنت الحيُّ الذي لا تَموتُ (٢)، وبقِيتُ أنا. قال: فيقولُ اللهُ: أنت مِن خلقى خلَقْتُك لما رأيْتَ، فمُتْ لا تَحْىَ. فيَموتُ\" (^٥).\nوهذا القولُ الذي رُوِى في ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ أولى بالصحةِ؛ لأن الصَّعقَ (^٦) في هذا الموضعِ الموتُ، والشهداءُ وإن كانوا أحياءً عندَ اللهِ، كما أخْبَر تعالى ذكرُه، فإنهم قد ذاقوا الموتَ قبلَ ذلك.\nوإنما عنى جلَّ ثناؤُه بالاستثناءِ في هذا الموضعِ الاستثناءَ من الذين صَعِقوا عندَ نفخةِ الصعقِ، لا مِن الذين قد ماتوا قبلَ ذلك بزمانٍ ودهرٍ طويلٍ، وذلك أنه لو جاز\n_________\n(^١) بعده في: ت ٢، ت ٣: \"القيوم\".\n(^٢) في م: \"يموت\".\n(^٣) في ت ٣: \"تحتى تحت\".\n(^٤) في م: \"أي\".\n(^٥) تقدم حديث الصور في ٣/ ٦١١ - ٦١٣.\n(^٦) في م: \"الصعقة\".","vol":"20","page":257},{"text":"أن يكونَ المرادُ بذلك مَن قد هلَك وذاق الموتَ قبلَ وقتِ نفخةِ الصَّعْقِ، وجَب أن يكونَ المرادُ بذلك مَن قد هلَك فذاق الموتَ مِن قبلِ ذلك؛ لأنه ممن (^١) لا يُصْعَقُ في ذلك الوقتِ، إذ (^٢) كان الميتُ لا يُجَدَّدُ له موتٌ آخرُ في تلك الحالِ.\nوقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. قال الحسنُ: يَسْتَثْنِى اللهُ، وما يَدَعُ أحدًا مِن أهلِ السماواتِ ولا أهلِ الأرضِ، إلا أذاقه الموتَ. قال قتادةُ: قد اسْتَثْنَى اللهُ، واللهُ أعلمُ إلى [ما صارت ثَنِيَّتُه] (^٣). قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: \"أتاني مَلَكٌ فقال: يا محمدُ، اخْتَرْ؛ نبيًّا مِلكًا، أو نبيًّا عبدًا. فَأَوْمَأ إليَّ أن تواضَعْ، قال: نبيًّا عبدًا. قال: فأُعطِيتُ خَصْلتين؛ أَن جُعِلْتُ أُولَ مَن تَنْشَقُّ عنه الأرضُ، وأول شافعٍ، فأَرْفَعُ رأسى، فَأَجِدُ موسى آخِذًا بالعرشِ، فاللهُ أعلمُ أصَعِق بعد الصعقةِ الأولى أم لا؟ \" (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال يهوديُّ بسوقِ المدينةِ: والذي اصْطَفَى موسى على البشرِ. قال: فرفَع رجلٌ من الأنصارِ يدَه، فصكَّ (^٥) وجهَه، فقال: تقولُ هذا، وفينا رسولُ اللهِ ﷺ؟! فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ونُفِخَ في الصور، فصعق من في السماواتِ، ومَن في الأرضِ إلا من شاء اللهُ، ثم نُفِحَ فيه أخرى، فإذا هم قيامٌ\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"مما\".\n(^٢) في م، ت ٢: \"إذا\".\n(^٣) في ص: صار ثنيته\"، وفى ت ١: \"ذا يثتثنيه\"، وفى ت ٣: \"صار تنشيته\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧٥ عن معمر عن قتادة دون قول الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والجزء المرفوع في هذا الأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٥) بعده في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"بها\".","vol":"20","page":258},{"text":"يَنْظُرون، فأكونُ أول مَن يَرْفَعُ رأسَه، فإذا موسى أخذٌ بقائمةٍ من قوائمِ العرشِ، فلا أدْرِى أرفع رأسَه قبلى، أو كان ممن اسْتَثْنى اللهُ؟ \" (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن الحسنِ، قال: قال النبيُّ ﷺ: \"كأنى أنْفُضُ رأسى مِن الترابِ أولَ خارجٍ، [فأَلْتَفِتُ فلا أَرَى أحدًا] (^٢) إلا موسى مُتَعَلِّقًا بالعرشِ، فلا أَدْرِى أممن (^٣) اسْتَثْنى اللهُ أَن لا تُصِيبَه النفخةُ، أو بُعِث قبلي؟ \" (^٤).\nوقولُه: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم نُفِخ في الصورِ نفخةٌ أخرى. والهاءُ التي في ﴿فِيهِ﴾ مِن ذكرِ الصورِ.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾. قال: في الصُّورِ، وهى نفخةُ البعثِ (^٥).\nوذُكِر أن بينَ النفختين أربعين سنةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-7991>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ (^٦)، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ما بينَ النفختين أربعون (^٧) \". قالوا: يا أبا\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٢٤٥) عن أبي كريب به، وابن ماجه (٤٢٧٤) من طريق محمد بن عمرو به. وزادا في آخره: \"ومن قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب\".\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"فالتقم فلا أدرى آخذا\".\n(^٣) في ت ٢: \"ممن\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٨ إلى المصنف.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٨ إلى المصنف، وهو جزء من الأثر المتقدم ص ٢٥٤.\n(^٦) بعده في ت ٣: \"عن صالح\".\n(^٧) بعده في ت ٢، ت ٣: \"سنة\".","vol":"20","page":259},{"text":"هريرةَ، أربعون يومًا؟ قال: أَبَيْتُ. قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبَيْتُ. قالوا: أربعون سنةً؟ قال: أبَيْتُ. \"ثم يُنْزِلُ اللهُ مِن السماءِ ماءً، فيَنْبُتون كما يَنْبُتُ البَقْلُ\". قال: \"وليس من الإنسانِ شيءُ إلا (^١) يَبْلَى، إلا [عظمًا واحدًا] (^٢)، وهو عَجْبُ الذَّنَبِ (^٣)، ومنه يُرَكَّبُ الخَلْقُ يومَ القيامةِ\" (^٤).\nحدَّثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا البَلْخِيُّ بنُ إياسٍ، قال: سَمِعْتُ عكرمةَ يقولُ في قولِه: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. قال: الأُولى من الدنيا، [والأخيرةُ مِن] (^٥) الآخِرةِ (^٦).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. قال نبيُّ اللهِ: \"بينَ النفختين أربعون\". قال: قال أصحابُه: فما سأَلْناه عن ذلك، ولا زادَنا على ذلك. غيرَ أنهم كانوا يَرَوْن من رأيِهم أنها أربعون سنةً. وذُكِر لنا أنه يُبْعَثُ في تلك الأربعين مطرٌ، يقالُ له: مطرُ (^٧) الحياةِ. حتى تَطِيبَ الأرضُ وتَهْتَزَّ، وتَنْبُتُ أجسادُ الناسِ نباتَ البَقْلِ، ثم يُنْفَخُ فيه الثانيةُ: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (^٨).\n_________\n(^١) في ت ١، ص: \"لا\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عظم واحد\".\n(^٣) عجب الذنب: العظم الذي في أسفل الصلب عند العجز. النهاية ٣/ ١٨٤.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٩٥٥/ ١٤١) عن أبي كريب به، والبخارى (٤٩٣٥)، والنسائي في الكبرى (١١٤٥٩) من طريق أبي معاوية به، والبخارى (٤٨١٤) من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٧ إلى ابن مردويه.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٩ إلى المصنف.\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مطرا\".\n(^٨) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٣٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":260},{"text":"قال: ذُكِر لنا أن معاذَ بنَ جبلٍ سأَل نبيَّ اللهِ ﷺ: كيف يُبْعَثُ المؤمنون يومَ القيامةِ؟ قال: \"يُبْعَثون جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلين بنى ثلاثين سنةً\" (^١).\nوقولُه: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. يقولُ: فإذا مَن صَعِق عند النفخةِ التي قبلَها وغيرُهم، من جميع خلقِ اللهِ تعالى الذين كانوا أمواتًا قبل ذلك - قيامٌ مِن قبورِهم وأماكنِهم مِن الأرضِ، أحياءٌ كهيئتِهم قبلَ مَماتِهم، يَنْظُرون أمرَ اللهِ فيهم.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. قال: حينَ يُبْعَثون.\n\n<span id=\"aya-4127\"></span><span data-type='title' id=toc-7993>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فأضاءَت الأرضُ بنورِ ربِّها. يقال: أَشْرَقَت الشمسُ؛ إذا صَفَت وأضاءَت. وشرَقَت (^٢)؛ إذا طلعت. وذلك حين يَبْرُزُ الرحمنُ لفصلِ القضاءِ بينَ خلقِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7992>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾. قال: فما يَتَضارُّون في نوره إلا كما يَتَضارُّون في الشمسِ في اليومِ الصَّحْوِ الذي لا دَخَنَ فيه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٣٢ (الميمنية)، والبيهقى في البعث والنشور (٤٦٧)، (٤٦٨) من طريق قتادة عن شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل به.\n(^٢) في م: \"أشرقت\". وينظر اللسان (ش ر ق).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":261},{"text":"حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسبْاطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾. قال: أضاءَت (^١).\nوقولُه: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾. يعنى: كتابُ أعمالِهم لمحاسبتِهم ومُجازاتِهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾. قال: كتابُ أعمالِهم.\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾. قال: الحسابُ (^١).\nوقولُه: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾. يقولُ (^٢): وجِيء بالنَبيِّين ليَسْأَلَهم ربُّهم عما أجابَتهم به أمُمهم، وردَّت عليهم في الدنيا، حين أتَتْهم رسالةُ اللهِ، ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾. يعنى بالشهداءِ (^٣) أمةَ محمدٍ ﷺ، يَسْتَشْهِدُهم ربُّهم على الرسلِ، فيما ذكَرَت مِن تبليغِها رسالةَ اللهِ التي أرْسَلَهم بها ربُّهم إلى أمِمها، إذا (^٤) جحَدَت أممُهم أن يكونوا أبْلَغوهم رسالةَ اللهِ.\nوالشهداءُ جمعُ شهيدٍ، وهذا نظيرُ قولِ اللهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\nوقيل: عَنَى بقولِه: ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾: الذين قُتِلوا في سبيلِ اللهِ. وليس لما قالوا مِن ذلك في هذا الموضعِ كبيرُ معنًى؛ لأن عقيبَ قولِه: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٢ إلى المصنف.\n(^٢) في ص، ت ١: \"وقبل\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"وقيل\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بالشهود\".\n(^٤) في م: \"إذ\".","vol":"20","page":262},{"text":"وَالشُّهَدَاءِ﴾؛ ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾. وفى ذلك دليلٌ واضحٌ على صحةِ ما قلْنا، مِن أنه إنما دُعِى بالنبيين والشهداءِ، للقضاء بين الأنبياءِ وأممِها، وأن الشهداءَ إنما هي جمعُ شهيدٍ، الذين يَشْهَدون للأنبياءِ على أممِهم، كما ذكَرْنا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7994>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾. فإنهم لَيْشْهَدون للرسلِ بتبليغِ الرسالةِ، وبتكذيبِ الأممِ إياهم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-7995>ذكرُ مَن قال ما حكَيْنا قولَه من القولِ الآخرِ</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾: الذين اسْتُشْهِدوا في طاعةِ اللهِ.\nوقولُه: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقُضِى بينَ النبيين وأممِها بالحقِّ، [وقضاؤُه بينَهم بالحقِّ] (^٢) أَلَّا يَحْمِلَ على أحدٍ ذنبَ غيرِه، ولا يُعاقِبَ نفسًا إلا بما كسَبَت.\n\n<span id=\"aya-4128\"></span><span data-type='title' id=toc-7996>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٢ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) سقط من: ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":263},{"text":"وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ووفَّى اللهُ حينَئذٍ كلَّ نفسٍ جزاءَ عملِها من خيرٍ وشرٍّ، وهو أعلمُ بما يَفْعَلون في الدنيا، مِن طاعةٍ أو معصيةٍ، ولا يَعْزُبُ عنه علمُ شيءٍ مِن ذلك، وهو مُجازِيهم عليه يومَ القيامةِ، فمثيبٌ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ بما يَشاءُ (^١).\n\n<span id=\"aya-4129\"></span>وقولُه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾. يقولُ: وحُشِر الذين كفَروا باللهِ، إلى نارِه التي أعَدَّها لهم يومَ القيامةِ جماعاتٍ؛ جماعةً جماعةً، وحزبًا حزبًا.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿زُمَرًا﴾. قال: جماعاتٍ. وقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ السبعةُ، ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾: قُوَّامُها: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾. يعنى: كتابَ اللهِ المُنزَّلَ على رسلِه (^٢)، وحججَه التي بعَث بها رسلَه إلى أممِهم، ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾. يقولُ: ويُنْذِرونكم ما تَلْقَوْن في يومِكم هذا وقد يَحْتَمِلُ أن يكون معناه: ويُنْذِرونكم مصيرَكم إلى هذا اليومِ، ﴿قَالُوا بَلَى﴾. يقولُ: قال الذين كفروا مُجِيبين لخَزَنةِ جهنمَ: بلى، قد أتَتْنا الرسلُ منا، فأَنْذَرَتْنا (^٣) لقاءَنا هذا اليومَ، ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: قالوا:\n_________\n(^١) في م: \"أساء\".\n(^٢) في ت ١: \"رسوله\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فأنذروننا\".","vol":"20","page":264},{"text":"ولكن وجبَت (^١) كلمةُ اللهِ، أن عذابَه لأهلِ الكفر به علينا، بكفرِنا به.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. بأعمالِهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-4130\"></span><span data-type='title' id=toc-7997>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فيَقولُ خَزَنةُ جهنمَ للذين كفَروا حينَئذٍ: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ السبعةَ، على قدرِ منازِلكم (^٣) فيها، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: ماكِثين فيها، لا تُنْقَلُون (^٤) عنها إلى غيرِها. ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. يقولُ: فبئس مسكنُ المتكبِّرِين على اللهِ في الدنيا، أن يُوَحِّدوه ويُفْرِدوا له الأُلوهةَ - جهنمُ يومَ القيامةِ.\n\n<span id=\"aya-4131\"></span><span data-type='title' id=toc-7998>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وحُشِر الذين اتَّقَوا ربَّهم بأداءِ فرائضِه واجتنابِ مَعاصِيه في الدنيا، وأخْلَصوا له فيها الأُلوهةَ، وأفْرَدوا له العبادةَ، فلم يُشْرِكوا في عبادتِهم إياه شيئًا - ﴿إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾. يعنى جماعاتٍ، فكان سَوْقُ هؤلاء إلى منازلِهم من\n_________\n(^١) في ت ١: \"حقت\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"منازلهم\".\n(^٤) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"ينقلون\".","vol":"20","page":265},{"text":"الجنةِ وفدًا، على ما قد بيَّنا قبلُ في سورةِ \"مريمَ\" (^١)، على نَجائبَ مِن نجائبِ الجنةِ، وسَوقُ الآخرين إلى النارِ دَعًّا ووِرْدًا، كما قال اللهُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وقد ذكَرْنا ذلك في أماكنِه من هذا الكتابِ.\nوقد حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوِله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾. وفي قولِه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾. قال: كان سَوْقُ أولئك عُنْفًا وتَعَبًا ودَفْعًا. وقرَأ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]. قال: يُدفعون دفعًا. وقرَأ: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]. قال: يَدْفَعُه. وقرَأ: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]. و﴿نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]. ثم قال: فهؤلاء وفدُ اللهِ.\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا شَرِيكُ بنُ عبدِ اللهِ، عن أبى إسحاقَ، عن عاصمِ بن ضَمْرَةَ، عن عليٍّ رضِى اللهُ قولَه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾. حتى إذا انْتَهَوا إلى بابِها، إذا هم بشجرةٍ يَخْرُجُ مِن أصلِها عينان، فعمَدوا إلى إحداهما، فشرِبوا منها، كأنما أُمِروا بها، فخرَج ما في بطونِهم مِن قَذَرٍ أو (^٢) أذًى أو قَذًى، ثم عمَدوا إلى الأخرى، فتوَضَّئوا منها كأنما أُمِروا بها (^٣)، فجرَت عليهم نَضْرِةُ النعيمِ، فلن تَشْعَثَ رءوسُهم بعدَها أبدًا، ولن تَبْلَى ثيابُهم بعدَها، ثم دخَلوا الجنةَ، فتلَقَّتْهم الوِلْدانُ كأنهم اللؤلؤُ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٥/ ٦٢٩ - ٦٣١.\n(^٢) في ت ٢: \"أي\".\n(^٣) في م: \"به\".","vol":"20","page":266},{"text":"المكنونُ، فيقولون: أبْشِرْ [عبدَ اللهِ] (^١)، أَعَدَّ اللهُ لك كذا، وأعَدَّ لك كذا وكذا. ثم يَنْظُرُ إلى تأسيسِ بنيانِه؛ جَنْدَلُ (^٢) اللؤلؤِ الأحمرِ والأصفرِ والأخضرِ، يتلأْلأُ كأنه البرقُ، فلولا أن الله قضَى أَلا يَذْهَبَ بصرُه لَذَهَب، ثم يَأْتى بعضُهم إلى بعضِ أزواجِه، فيقولُ: أَبْشِرِى، قد قدِم فلانُ بنُ فلانٍ. فيُسَمِّيه باسمه واسم أبيه، فتقولُ: أنت رأيْتَه؟ أنت رأيْتَه؟ فيَسْتَخِفُّها الفرحُ حتى تقومَ، فتَجْلِسُ على أُسْكُفَّةِ بابِها، فيَدْخُلُ فيَتَّكئُ على سريرِه، ويَقْرَأُ هذه الآيةَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. الآية (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ذكَر أبو إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ ﵁ قال: يُساقُون إلى الجنةِ، فيَنْتَهُون إليها، فيَجِدون عندَ بابِها شجرةً، في أصلِ ساقِها عينان تَجْرِيان، فيَعْمِدون إلى إحداهما، فيَغتَسِلون منها، فتَجْرِى عليهم نضرةُ النعيمِ، فلن تَشْعَثَ رءوسُهم بعدَها أبدًا، ولن تَغْبَرَّ جلودُهم بعدَها أبدًا، كأنما دُهِنوا بالدِّهانِ، ويَعْمِدون إلى الأخرى، فيَشْرَبون منها، فيُذْهَبُ ما في بطونِهم من قَذًى أو أذًى، ثم يَأتون بابَ الجنةِ فيَسْتَفْتِحون، فيُفْتَحُ لهم، فتَلَقَّاهم خزنةُ الجنةِ، فيقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]. قال: وتَتَلَقَّاهم (^٤) الوِلْدانُ المُخَلَّدون، يُطِيفون بهم كما يُطِيفُ وِلْدانُ أهلُ الدنيا بالحَميمِ إذا جاء مِن الغَيْبةِ،\n_________\n(^١) زيادة من: ت ١.\n(^٢) في م: \"جنادل\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧٦، وابن أبي شيبة ١٣/ ١١٢ والحسين المروزي في زوائده على زهد ابن المبارك (١٤٥٠)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ١٤٤ - والبيهقي في البعث (٢٧٢) من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٢ إلى عبد بن حميد وإسحاق بن راهويه والضياء في المختارة.\n(^٤) في ص، ت ١: \"فتلقاهم\".","vol":"20","page":267},{"text":"يقولون: أبْشِرْ أَعَدَّ اللهُ لك كذا، وأعَدَّ لك كذا. فيَنْطَلِقُ أحدُهم إلى زوجتِه، فيُبَشِّرُها به، فيقولُ: قدِم فلانٌ. باسمِه الذي كان يُسَمَّى به في الدنيا. قال: فيَسْتَخِفُّها الفرحُ، حتى تقومَ على أُسْكُفَّةِ بابِها، وتقولُ: أنت رأيْتَه؟ أنت رأيْتَه؟ قال: فيقولُ: نعم. قال: فيَجِيءُ حتى يَأْتىَ منزلَه، فإذا أصولُه مِن جَنْدلِ اللؤلؤِ، مِن بين أصفرَ وأحمرَ وأخضَر. قال: فيَدْخُلُ، فإذا الأكوابُ موضوعةٌ، والنَّمارِقُ مصفوفةٌ، والزَّرابيُّ مَبْثوثةٌ. قال: ثم يَدْخُلُ إلى زوجتِه مِن الحُورِ العِينِ، فلولا أن الله أَعَدَّها له، لَالْتُمِع (^١) بصرُه مِن نوِرها وحسنِها. قال: فاتَّكَأ عند ذلك، ويقولُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. قال: فتُنادِيهم الملائكةُ: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣].\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، قال: ذكر السديُّ نحوَه أيضًا، غيرَ أنه قال: لهو أهْدَى إلى منزلِه في الجنةِ، منه إلى منزلِه في الدنيا. ثم قرأ السديُّ: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦].\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في موضعِ جوابِ \"إذا\" التي في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: يقالُ: إن قولَه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾. في معنى: قال لهم، كأنه يُلْغِى الواوَ، وقد جاء في الشعرِ شيءٌ يُشْبِهُ أن تكونَ الواوُ زائدةً، كما قال الشاعرُ (^٢):\nفإذا وذلك يا كُبَيْشَةُ لم يَكُنْ … إلا توهُّمُ (^٣) حالمٍ بخَيَالِ\nفيُشْبِهُ أن يكونَ يُرِيدُ: فإذا ذلك لم يَكُنْ. قال: وقال بعضُهم: فأُضْمِر الخبرُ، وإضمارُ الخبرِ أيضًا أحسنُ في الآيةِ، وإضمارُ الخبرِ في الكلامِ كثيرٌ. وقال آخرُ\n_________\n(^١) التُمع: اختُلس. النهاية ٤/ ٢٧١.\n(^٢) هو ابن مقبل. والبيت في ديوانه ص ٢٥٩.\n(^٣) في الديوان: \"كحلمة\".","vol":"20","page":268},{"text":"منهم: هو مكفوفٌ (^١) عن خبرِه. قال: والعربُ تَفْعَلُ مثلَ هذا، قال عبدُ مَنافِ بنُ رِبْعٍ في آخرِ قصيده (^٢):\nحتى إذا أسْلَكُوهم في قُتائِدةٍ … شَلًّا كما تَطْرُدُ الجَمَّالةُ الشُّرُدا\nوقال الأخطلُ في آخرِ قصيده (^٣):\nخَلَا أن حيًّا من قريشٍ تفَضَّلوا … على الناسِ أو أنَّ الأكارمَ نَهَشَلا\nوقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: أُدْخِلَت في \"حتى إذا\" وفى \"فلما\" الواوُ، في (^٤) جوابِها، وأُخْرِجَت، فأما مَن أَخْرَجها فلا شيءَ فيه، ومَن أَدْخَلَها شَبَّه الأوائلَ بالتعجبِ، فجعَل الثاني نسَقًا على الأولِ، وإن كان الثاني جوابًا، كأنه قال: أَتَعَجَّبُ لهذا وهذا.\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: الجوابُ متروكٌ. وإن كان القولُ الآخرُ غيرَ مدفوعٍ، وذلك أن قولَه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾. يَدُلُّ على أن في الكلام متروكًا، إذ (^٥) كان عَقِيبَه ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾. وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الكلامِ: حتى إذا جاءُوها، وفُتِحَت أبوابُها، وقال لهم خزنتُها: سلامٌ عليكم طِبْتُم، فادْخُلوها خالدين. دخَلوها وقالوا: الحمدُ للهِ الذي صَدَقنا وعدَه. وعَنَى بقولِه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾: أَمَنَةٌ من اللهِ لكم، أن ينالكم بعدُ مكروهٌ أو أذًى\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"معكوف\".\n(^٢) تقدم في ١/ ٤٦٧.\n(^٣) البيت في مجاز القرآن ١/ ٣٣١، ٢/ ١٩٢، والخزانة ١٠/ ٤٦١، ولم نجده في ديوان الأخطل.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"وفي\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إذا\".","vol":"20","page":269},{"text":"وقولُه: ﴿طِبْتُمْ﴾. يقولُ: طابت أعمالُكم في الدنيا، فطابَ اليومَ مَثْواكم.\nوكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك، ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهِدٍ قولَه: ﴿طِبْتُمْ﴾. قال: كنتم طيِّبين في طاعةِ اللهِ (^١).\n\n<span id=\"aya-4132\"></span>وقولُه: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾. يقولُ: وقال الذين سِيقوا زُمَرًا، وادَّخَلُوها (^٢): الشكرُ خالصٌ للهِ تعالى، الذي صدَقَنا وعدَه، الذي كان وعَدَناه في الدنيا على طاعتِه، فحقَّقه بإنجازِه لنا اليومَ، ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾. يقولُ: وجعَل أرضَ الجنةِ التي كانت لأهلِ النارِ - لو كانوا أطاعوا الله في الدنيا، فدَخَلُوها - لنا ميراثًا عنهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾. قال: أرضَ الجنةِ (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ أَرضَ الجنة.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾. قال: أرضَ الجنةِ. وقرَأ: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥].\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٨١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"دخلوها\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":270},{"text":"وقولُه: ﴿نَتَبَوَّأُ [مِنَ الْجَنَّةِ] (^١) حَيْثُ نَشَاءُ﴾. يقولُ: نَتَّخِذُ مِن الجنةِ بيتًا، ونَسْكُنُ منها حيث نُحِبُّ ونَشْتَهِى.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿نَتَبَوَّأُ [مِنَ الْجَنَّةِ] (^٢) حَيْثُ نَشَاءُ﴾ نَنْزِلُ منها حيث نشاءُ.\nوقولُه: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. يقولُ: فنعم ثوابُ المُطِيعين للهِ، العامِلِين له في الدنيا، الجنةُ لمن أعْطاه الله إياها في الآخرةِ.\n\n<span id=\"aya-4133\"></span><span data-type='title' id=toc-8000>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وتَرَى يا محمدُ الملائكةَ مُحْدِقين من حولِ عرشِ الرحمنِ، ويعنى بالعرشِ السريرَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-7999>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾. مُحْدِقِين (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ [مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾. قال] (^٤): مُحْدِقين حولَ العرشِ. قال: العرشُ السريرُ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منها\".\n(^٢) في النسخ: \"منها\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":271},{"text":"واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾. والمعنى: حافِّين حولَ العرشِ. وفي قولِه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أُدْخِلَت \"مِن\" في هذين الموضعين توكيدًا، واللهُ أعلمُ، نحوَ قولِك: ما جاءني مِن أحدٍ.\nوقال غيرُه: \"قبل\" و\"حول\" وما أشبهَهما ظروفٌ تَدْخُلُ فيها \"مِن\" وتَخْرُجُ، نحوَ: أَتَيْتُك قبل زيدٍ، ومِن قبل زيدٍ، وطُفْنا حولَك، ومن حولِك. وليس ذلك مِن نوعِ: ما جاءنى مِن أحدٍ. لأن موضعَ \"مِن\" في قولِهم: ما جاءنى من أحدٍ. رفعٌ، وهو اسمٌ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن ﴿مِنْ﴾ في هذه الأماكنِ، أعنى في قولِه: ﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾. و﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾، وما أشْبَه ذلك، وإن كانت دخَلَت على الظروفِ، فإنها بمعنى التوكيدِ.\nوقولُه: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: يُصَلُّون حول عرشِ اللهِ؛ شكرًا له. والعربُ تُدْخِلُ الباءَ أحيانًا في التسبيحِ، وتَحْذِفُها أحيانًا، فتقولُ: سَبِّحْ بحمدِ اللهِ، وسبِّحْ حمدَ اللهِ. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١].\nوقال في موضعٍ آخرَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤].\nوقولُه: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: وقضَى اللهُ بينَ النبيِّين الذين جيء بهم، والشهداءِ وأممِها بالعدلِ، فأسْكَن أهلَ الإيمانِ باللهِ وبما جاءت به رسلُه، الجنةَ، وأهلَ الكفرِ به وبما جاءت به رسلُه، النارَ.\n﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: وخُتِمَت خاتمةُ القضاءِ بينَهم بالشكرِ للذى ابْتَدَأ خلقَهم، الذي له الأُلوهةٌ، وملكُ جميعِ ما في السماواتِ","vol":"20","page":272},{"text":"والأرضِ مِن الخلقِ، مِن مَلَكِ وجنٍّ وإنسٍ، وغيرِ ذلك من أصنافِ الخلقِ.\nوكان قتادةَ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ الآيةَ كلَّها. قال: فتَح أولَ الخلقِ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]. وختَم بالحمدِ فقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١).\nآخرُ تفسير سورةِ \"الزُّمَر\"، يتلوه سورةُ \"المؤمن\".\nوالحمدُ للهِ وحدَه، وصلى وحده، وصلى اللهُ على محمدٍ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧٧ عن معمر عن قتادةَ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":273},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-4134\"></span><span data-type='title' id=toc-8001>تفسيرُ سورةِ حم المؤمنِ</span>\n<span data-type='title' id=toc-8004>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ </span>(٣)﴾.\nاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿حم﴾، فقال بعضُهم: هي حروفٌ مُقَطَّعَةٌ مِن اسمِ اللهِ، الذي هو الرحمنُ (^١)، وهو، وهو الحاءُ والميمُ منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8002>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبد اللهِ بنُ أحمدَ بن شَبُّويَهْ المَرْوَزيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ الحسينِ، قال: ثنى أبي، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿الر﴾، و﴿حم﴾، و﴿ن﴾، حروفُ \"الرحمنِ\" مُقَطَّعةً (^٢).\nوقال آخرون: هو قسمٌ أقْسَمه اللهُ، وهو اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8003>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿حم﴾ قسمٌ أقْسَمه اللهُ، وهو اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n= من هنا يبدأ الجزء الرابع والأربعون من مخطوط خزانة القرويين والمشار لها بالرمز \"الأصل\".\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الرحيم\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٢/ ١٠٤، وسيأتي في سورة \"القلم\" الآية (١).\n(^٣) تقدم تخريجه في ١/ ٢٠٧.","vol":"20","page":274},{"text":"السديِّ قولَه: ﴿حم﴾: من حروفِ أسماءِ اللهِ (^١).\nوقال آخرون: بل هو اسمٌ من أسماءِ القرآنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8005>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حم﴾. قال: اسمٌ من أسماءِ القرآنِ (^٢).\nوقال آخرون: هو حروفُ هجاءٍ.\nوقال آخرون: بل هو اسمٌ. واحْتَجُّوا لقولِهم ذلك بقولِ شُرَيْحٍ بن أَوْفَى العَبْسيِّ (^٣):\nيُذْكِّرُني حَامِيمَ والرُّمْحُ شَاجِرٌ … فهلَّا تلا حاميمَ قبلَ التقَدُّمِ\nوبقولِ الكُمَيْتِ (^٤):\nوجَدْنا لكم في آلِ حامِيمَ آيةٌ … تأوَّلها منا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ\nوحُدِّثْتُ عن معمرِ بن المثنى أنه قال: قال يونُسُ - يعنى يونسَ الجَرْميَّ -: ومَن قال هذا القول فهو مُنْكَرٌ (^٥) عليه؛ لأن السورةَ \"حم\" ساكنةُ الحروفِ، فخرَجَت مخرجَ التَّهَجِّى، وهذه أسماءُ سورٍ خرَجَت متحركاتٍ، وإذا سُمِّيت سورةٌ بشيءٍ من هذه الأحرفِ المجزومةِ، دخَلَه الإعرابُ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١/ ٢٠٨.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧٨ عن معمر عن قتاده، وينظر ما تقدم تخريجه في ١/ ٢٠٤، ١٠/ ٥٣، ١٢/ ١٠٤، ١٥/ ٤٥٢.\n(^٣) البيت في مجاز القرآن ٢/ ١٩٣، واللسان (ح م م).\n(^٤) البيت في مجاز القرآن ٢/ ١٩٣، وخزانة الآدب ٤/ ٣١٤.\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منكسر\".","vol":"20","page":275},{"text":"والقولُ في ذلك عندى نظيرُ القول في أخواتِها، وقد بيَّنا ذلك في قولِه: ﴿الم﴾، ففى ذلك كفايةٌ عن إعادته في هذا الموضعِ (^١)، إذ كان القولُ في ﴿حم﴾، وجميعِ ما جاء في القرآن على هذا الوجهِ - أغنى حروف التَّهَجِّي - قولًا واحدًا.\n\n<span id=\"aya-4135\"></span>وقولُه: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مِن اللهِ العزيزِ في انتقامِه من أعدائِه، العليم بما تَعْمَلون مِن الأعمالِ وغيرِه (^٢) تنزيلُ هذا الكتابِ. فالتنزيلُ مرفوعٌ بقولِه: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾.\n\n<span id=\"aya-4136\"></span>وفي قولِه: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾. وجهان؛ أحدهما: أن يكونَ بمعنى: يَغْفِرُ ذنوبَ العبادِ. وإذا أُرِيد هذا المعنى كان خفضُ ﴿غَافِرِ﴾ و﴿وَقَابِلِ﴾ مِن وجهين؛ أحدِهما: مِن نيةِ تكريرِ \"من\"، فيكونُ معنى الكلامِ حينَئذٍ: تنزيلُ الكتابِ من اللهِ العزيزِ العليمِ، من غافرِ الذنبِ وقابلِ التوب؛ لأن ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ نكرةٌ، وليس بالأفصحِ أن يكونَ نعتًا للمعرفةِ وهو نكرةٌ.\nوالآخرِ: أن يكونَ أُجْرِى في إعرابِه، وهو نكرةٌ، على إعرابِ الأولِ، كالنعتِ له، لوقوعِه بينَه وبينَ قوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾، وهو معرفةٌ. وقد يَجوزُ أن يكونَ أُتبِع إعرابُه، وهو نكرةٌ، إعرابَ الأولِ، إذ كان مدحًا، وكان المدحُ يُتْبَعُ إعرابُه ما قبلَه أحيانًا، ويُعْدَلُ به عن إعرابِ الأوّلِ أحيانًا، بالنصبِ والرفعِ، كما قال الشاعرُ (^٣):\nلا يَبْعَدَنْ قومى الذين هُمُ … سَمُّ العُداة وآفةُ الجُزْرِ\nالنازلين بكلِّ مُعْتَرَكٍ … والطَّيِّبِين مَعاقِدَ الأَزْرِ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٠٤ - ٢٢٨.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"غيرها\".\n• من هنا خرم بالمخطوط الأصل ينتهي في ص ٣٢٢.\n(^٣) البيتان لخرنق بنت بدر بن هفان، وقد تقدم تخريجهما في ١/ ٣٤٦.","vol":"20","page":276},{"text":"وكما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٦]. فرفَع ﴿فَعَّالٌ﴾ وهو نكرةٌ محضةٌ، وأُتْبِع إعرابَ (^١) ﴿الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾.\nوالآخرُ: أن يكونَ معناه أن ذلك مِن صفتِه تعالى ذكرُه، إذ كان [لم يَزَلْ] (^٢) لذنوبِ العبادِ غفورًا مِن قبلِ نزولِ هذه الآيةِ، وفى حالِ نزولِها، ومن بعدِ ذلك، فيكونَ عندَ ذلك معرفةً صحيحةً، ونعنًا على الصحةِ. وقال: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾، ولم يَقُلِ: \"الذنوب\". لأنه أُرِيد به الفعلُ.\nوأما قولُه: ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾. فإن التوبَ قد يكونُ جمعَ توبةٍ، كما يُجْمَعُ الدَّوْمةُ دَوْمًا، والعَومةُ عَوْمًا، مِن عَومةِ السفينةِ، كما قال الشاعرُ (^٣):\n* عَوْمَ السَّفِينِ فلمَّا حالَ دونَهمُ *\nوقد يكونُ مصدرَ (^٤): تاب يَتوبُ توبًا.\nوقد حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المُحاربيُّ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، عن أبي إسحاقَ، قال: جاء رجلٌ إلى عمرَ، فقال: إنى قتَلْتُ، فهل لي من توبةٍ؟ قال: نعم، اعْمَلْ ولا تَيْأَسْ. ثم قرَأ: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) في ت ١: \"إعرابه\".\n(^٢) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٣) صدر بيت لزهير بن أبي سلمى، وعجزه: * فيد القريات فالعتكان فالكرم *\nوهو في شرح ديوانه ص ١٤٨.\n(^٤) في ص، ت ٣: \"مصدرا\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ١١٨ - من طريق أبي بكر بن عياش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٥ إلى ابن المنذر.","vol":"20","page":277},{"text":"وقولُه: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: شديدٌ عقابُه لمن عاقَبه مِن\nأهلِ العصيانِ له، فلا تَتَّكِلوا على سَعةِ رحمتِه، ولكن كونوا منه على حذرٍ،\nباجتنابِ مَعاصيه، وأداءِ فرائضِه، فإنه كما أنه لا يُؤيِسُ أهل الإجرامِ والآثامِ مِن\nعفوِه، وقبولِ توبةِ مَن تاب منهم مِن جُرْمِه، كذلك لا يُؤَمِّنُهم مِن عقابِه وانتقامِه\nمنهم، بما اسْتَحَلُّوا (^١) منِ محارمِه، وركِبوا من معاصِيه.\nوقولُه: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾. يقولُ: ذى الفضلِ والنِّعمِ المبسوطةِ على مَن شاء مِن خلقِه. يقالُ منه: إن فلانًا لَذو طَوْلٍ على أَصحابِه. إذا كان ذا فضلٍ عليهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8006>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾. يقولُ: ذى السَّعةِ والغِنى (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾: الغِنى (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾:\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"استحلوه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤١ - والبيهقى في الأسماء والصفات (٦٩) من طريق عبد الله بن صالح، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٥ إلى ابن المنذر.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٨٢ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٥ إلى عبد بن حميد","vol":"20","page":278},{"text":"أي: ذى النِّعَمِ (^١).\nوقال بعضُهم: الطَّوْلُ: القُدْرةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8007>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾. قال: الطولُ: القدرةُ، ذاك الطَّوْلُ (^٢).\nوقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: لا معبودَ تَصْلُحُ له العبادةُ إلا اللهُ العزيزُ العليمُ، الذي صفتُه ما وصَف جلَّ ثناؤُه، فلا تَعْبُدوا شيئًا سواه.\n﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إلى اللهِ مصيرُكم ومَرْجِعُكم أيُّها الناسُ، فإياه فاعْبُدوا، فإنه لا يَنْفَعُكم شيءٌ عبَدْتُموه عند ذلك سواه.\n\n<span id=\"aya-4137\"></span><span data-type='title' id=toc-8008>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ما يُخاصِمُ في حججِ اللهِ وأدلتِه على وحْدانيتِه بالإنكارِ لها، إلا الذين جحَدوا توحيدَه.\nوقولُه: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فلا يَخْدَعْك يا محمدُ تصرُّفُهم في البلادِ، وبقاؤُهم ومُكثُهم فيها، مع كفرِهم بربِّهم،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٤٤٩.","vol":"20","page":279},{"text":"فتَحْسَبَ أنهم إنما أُمْهِلوا وتقَلَّبوا، فتصَرَّفوا في البلادِ مع كفرِهم باللهِ، ولم يُعاجَلوا بالنِّقْمةِ والعذابِ على كفرِهم، لأنهم على شيءٍ مِن الحقِّ، فإنا لم نُمْهِلْهم لذلك، ولكن ليَبْلُغَ الكتابُ أجلَه، ولتَحِقَّ عليهم كلمةُ العذابِ؛ عذابِ ربِّك.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾: أسفارُهم فيها، ومجيئُهم وذَهابُهم (^١).\nثم قصَّ على رسولِ اللهِ ﷺ قَصَصَ الأممِ المكذِّبةِ رسلَها، وأخْبَره (^٢) أنهم كانوا مِن جدالِهم لرسلِه (^٣) على مثلِ الذي عليه قومُه الذين أُرْسِل إليهم، وأنه أحَلَّ بهم مِن نِقْمته عندَ بلوغِهم أمَدَهم، بعدَ إِعْذارِ رسلِه إليهم وإنذارِهم بأسَه، ما قد ذكَر في كتابِه، إعلامًا منه بذلك نبيَّه أن سنتَه في قومِه الذين سلَكوا سبيلَ أولئك في تكذيبِه وجِدالِه، سنتُه من إحلالِ نقمتِه بهم، وسَطْوتِه بهم، فقال تعالى ذكرُه: كذَّبَت قبلَ قومِك المكذِّبين لرسالتِك إليهم رسولًا، المُجادِليك بالباطلِ، قومُ نوحٍ والأحزابُ مِن بعدِهم؛ وهم الأممُ الذين تحَزَّبوا وتجَمَّعوا على رسلِهم بالتكذيبِ لها، كعادٍ، وثمودُ، وقومِ لوطٍ، وأصحابِ مَدْيَنَ، وأشباهِهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span id=\"aya-4138\"></span><span data-type='title' id=toc-8009>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿كَذَّبَتْ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧٨ عن معمر عن قتادة، عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"أخبرهم\".\n(^٣) في ص، ت ٢، ت ٣: \"أرسله\".","vol":"20","page":280},{"text":"قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. قال: الكفارُ (^١).\nوقولُه: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهمت كلُّ أمةٍ من هذه الأممِ المكذِّبةِ رسلَها، المُتَحزِّبةِ على أنبيائِها، برسولِهم (^٢) الذي أُرْسِل إليهم، ليَأْخُذوه فيَقْتُلوه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ (^٣)﴾. أي: ليَقْتُلُوه (١).\nوقيل: ﴿بِرَسُولِهِمْ﴾، وقد قيل قبلُ (^٤): ﴿كُلُّ أُمَّةٍ﴾. فوُجِّهَتِ الهاءُ والميمُ إلى الرجلِ دون لفظِ الأمَّةٍ، وقد ذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (برسولها) (^٥). بمعنى (^٦): برسولِ الأمةِ.\nوقولُه: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾. يقولُ: وخاصَموا رسولَهم بالباطلِ مِن الخُصومةِ، ليُبْطِلوا بجِدالِهم إياه وخُصومتِهم له، الحقَّ الذي جاءهم به من عندِ اللهِ؛ من الدخولِ في طاعتِه، والإقرارِ بتوحيدِه، والبراءةِ مِن عبادةِ ما سواه، كما يُخاصِمُك كفارُ قومِك يا محمدُ بالباطلِ.\nوقولُه: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧٨ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ت ٢: \"برسلهم\".\n(^٣) سقط من: ت ٣، وفي ت ٢: \"الذي أرسل إليهم\".\n(^٤) سقط من: ص، م.\n(^٥) البحر المحيط ٧/ ٤٤٩.\n(^٦) في م: \"يعني\".","vol":"20","page":281},{"text":"فأَخَذْتُ (^١) الذين همُّوا برسولِهم ليأْخُذوه، بالعذابِ مِن عندى، فكيف كان عقابي إياهم؟ ألم أُهْلِكْهم، فأَجْعَلْهم للخلقِ عِبْرةً، ولمن بعدَهم عِظَةً، وأَجْعَلْ ديارَهم ومساكنَهم منهم خَلاءً، وللوحوشِ ثَوَاءً؟\nوقد حدَّثنا حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾. قال: شديدٌ [واللهِ] (^٢).\n\n<span id=\"aya-4139\"></span><span data-type='title' id=toc-8010>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: وكما حقَّ على الأممِ التي كذَّبَت رسلَها - التي قصَصْتُ عليك يا محمدُ قصصَها - عذابي، وحلَّ بها عقابي، بتكذيبِهم رسلَهم، [وجِدالِهم إياهم بالباطلِ] (^٣) ليُدْحِضوا به الحقَّ، كذلك وجَبَت كلمةُ ربِّك على الذين كفروا باللهِ مِن قومِك الذين يُجادِلون في آياتِ اللهِ.\nوقولُه: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾. اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في موضعِ قولِه: ﴿أَنَّهُمْ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ (^٤): معنى ذلك: حقَّت كلمةُ ربِّك على الذين كفَروا أنهم أصحابُ النارِ. أي: لأنهم، أو بأنهم (^٥)، وليس \"أنهم\" في موضعِ مفعولٍ، ليس مثلَ قولِك: [أحْقَقْتُ أنهم. لو كان كذلك كان أيضًا] (^٦):\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"فاتخذت\".\n(^٢) في ت ٣: \"العقاب\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٤) هو الأخفش. ينظر تفسير البغوي ٧/ ١٣٩، وفتح القدير ٤/ ٤٨٢.\n(^٥) في ت ٢، ت ٣: \"فأنهم\".\n(^٦) سقط من: ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":282},{"text":"أحْقَقْتُ لأنهم.\nوكان غيرُه يقولُ: ﴿أَنَّهُمْ﴾ بدلٌ من الكلمةِ، كأنه: حقَّت (^١) الكلمةُ حقًّا أنهم أصحابُ النارِ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن قولَه: ﴿أَنَّهُمْ﴾. ترجمةٌ عن الكلمةِ، بمعنى: وكذلك حقَّ عليهم عذابُ النارِ، الذي وعَد اللهُ أهلَ الكفرِ به.\n\n<span id=\"aya-4140\"></span><span data-type='title' id=toc-8011>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: الذين يَحْمِلون عرشَ اللهِ من ملائكتِه، ومَن حولَ عرشِه ممن يَحُفُّ به من الملائكةِ، ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: يُصَلُّون لربِّهم بحمدِه وشكرِه، ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. يقولُ: ويُقِرُّون باللهِ أنه لا إلهَ لهم سواه ويَشْهَدون بذلك، لا يَسْتَكْبِرون عن عبادتِه، ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: ويَسْأَلُون ربَّهم أن يَغْفِرَ للذين أَقَرُّوا بمثلِ إقرارِهم مِن توحيدِ اللهِ، والبراءةِ مِن كلِّ معبودٍ سواه - ذنوبَهم، فيَعْفُوها عنهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: لأهلِ لا إلهَ إلا اللهُ.\nوقولُه: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾. وفى هذا الكلامِ محذوفٌ، وهو: يقولون. ومعنى الكلامِ: ويَسْتَغْفِرون للذين آمنوا يقولون: يا ربَّنا وسِعْتَ كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا. ويعنى بقولِه: ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣: \"أحققت\".","vol":"20","page":283},{"text":"وَعِلْمًا﴾: وسِعَتْ رحمتُك وعلمُك كلَّ شيءٍ مِن خلقك، فعلِمْتَ كُلَّ شيءٍ، فلم يَخْفَ عليك شيءٌ، ورحِمْتَ خلقَك، ووسِعْتَهم برحمتِك.\nوقد اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ الرحمةِ والعلمِ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: انتصابُ ذلك كانتصابِ: لك مثلُه عبدًا. لأنك قد جَعَلْتَ: ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وهو مفعولٌ له، والفاعلُ التاءُ، وجاء بالرحمةِ والعلمِ تفسيرًا، وقد شغَلْتَ عنهما الفعلَ، كما شغَلْتَ المثلَ بالهاءِ، فلذلك نصَبْتَه، تشبيهًا بالمفعولِ بعدَ الفاعلِ.\nوقال غيرُه: هو مِن المنقولِ، وهو مُفَسَّرٌ: وسِعَت رحمتُه وعلمُه، ووسِع هو كلَّ شيءٍ رحمةً، كما تقولُ: طابَت به نفسى، وطبتُ به نفسًا. وقال: أمّا: لك مثُله عبدًا. فإن المقاديرَ لا تكونُ إلا معلومةً، مثلَ: عندى رِطْلٌ زيتًا. والمثلُ غيرُ معلومٍ، ولكنَّ لفظه لفظُ المعرفةِ، والعبدُ نكرةٌ، فلذلك نصَب العبدَ، وله أن يَرْفَعَ، واسْتَشْهَد لقيلِه ذلك بقولِ الشاعرِ:\nما في مَعَدٍّ والقبائلِ كلِّها … قحطانُ مثلُك واحدٌ معدودُ\nوقال: ردَّ الواحدَ على \"مثل\"؛ لأنه نكرةٌ. قال: ولو قلتَ: ما مثلُك رجلٌ. و: مثلُك رجلٌ. و: مثلُك رجلًا. جاز؛ لأن \"مثل\" يكونُ نكرةً، وإن كان لفظُها (^١) معرفةً.\nوقولُه: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾. يقولُ: فَاصْفَحْ عن جُرْمِ مَن تاب مِن الشركِ بك مِن عبادِك، فرجَع إلى توحيدِك واتباعِ (^٢) أمرِك ونهيِك.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ\n_________\n(^١) في ت ٣: \"لفظهما\".\n(^٢) في م: \"اتبع\".","vol":"20","page":284},{"text":"تَابُوا﴾: من الشركِ (^١).\nوقولُه: ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾. يقولُ: وسلَكوا الطريقَ الذي أمَرْتَهم أن يَسْلُكوه، ولزِموا المِنْهاجَ الذي أمَرْتَهم بلزومِه، وذلك الدخولُ في الإسلامِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8012>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾. أي: طاعتَك (^١).\nوقولُه: ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ: واصْرِفْ عن الذين تابوا من الشركِ، واتَّبَعوا سبيلك، عذابَ النارِ يومَ القيامةِ.\n\n<span id=\"aya-4141\"></span><span data-type='title' id=toc-8013>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن دعاءِ ملائكتِه لأهلِ الإيمانِ به من عبادِه: تقولُ: يا ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾. يعنى: بساتينَ إقامةٍ، ﴿الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾. يعني: التي وعَدْتَ أهلَ الإنابةِ إلى طاعتِك أن تُدْخِلَهُمُوها، ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾. يقولُ: وأَدْخِلْ مع هؤلاء الذين تابوا واتَّبَعوا سَبِيلَك جناتِ عَدْنٍ، من صلَح من آبائِهم وأزواجِهم وذرياتِهم فعمِل بما يُرْضِيك عنه\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧٩ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":285},{"text":"من الأعمالِ الصالحةِ في الدنيا. وذُكِر أنه يَدْخُلُ مع الرجلِ أبواه (^١) وولدُه وزوجتُه\nالجنةَ، وإن لم يكونوا عمِلوا عملَه (^٢)؛ بفضلِ رحمةِ اللهِ إياه.\nكما حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ العِجْليُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سعيدٍ، قال: يَدْخُلُ الرجلُ الجنةَ، فيقولُ: أين أبى؟ أين أمي؟ أين ولدى؟ أين زوجتى؟ فيقالُ: لم يَعْمَلُوا مثلَ عملِك. فيقولُ: كنتُ أَعْمَلُ لى ولهم. فيقالُ: أَدْخِلوهم الجنةَ. ثم قرَأ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ (^٣).\nفـ ﴿مَنْ﴾ إذن إذ كان ذلك معناه، في موضع نصبٍ عطفًا على الهاءِ والميمِ في قولِه: ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾. وجائزٌ أن يكونَ نصبًا على العطفِ على الهاءِ والميمِ في: ﴿وَعَدْتَهُمْ﴾.\n﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ: إنك أنت، يا ربَّنا، العزيزُ في انتقامِه من أعدائِه، الحكيمُ في تدبيرِه خلقَه.\n\n<span id=\"aya-4142\"></span><span data-type='title' id=toc-8014>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقوله مُخبِرًا عن قيلِ ملائكتِه: ﴿وَقِهِمُ﴾: اصرِفْ عنهم سوء عاقبةِ سيئاتِهم التي كانوا أتَوْها قبلَ توبتِهم وإنابتِهم. يقولون: لا تُؤَاخِذْهم (^٤) بذلك، فتُعَذِّبَهم به، ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾. يَقولُ: ومَن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبوه\".\n(^٢) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ١٤١، ١٤٢، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٢٢.\n(^٤) في ص، ت ٢، ت ٣: \"تأخذهم\".","vol":"20","page":286},{"text":"تَصْرِفْ عنه سوءَ عاقبةِ سيئاتِه (^١) بذلك يومَ القيامةِ، فقد رحِمْتَه، فنجَّيْتَه من عذابِك، ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾؛ لأنه مَن نجا مِن النارِ وأُدْخِل الجنةَ، فقد فاز، وذلك لا شكَّ هو الفوزُ العظيمُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في [معنى السيئاتِ] (^٢) قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8015>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾. أي: العذابَ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا [يَعْمَرُ بنُ بشرٍ] (^٤) قال: ثنا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن مُطَرِّفٍ، قال: وجَدْنا أنصحَ العبادِ للعبادِ الملائكةَ، وأغَشَّ العبادِ للعبادِ الشياطينَ. وتلا: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ الآية (^٥).\n\n<span id=\"aya-4143\"></span>حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال مُطَرِّفٌ: وجَدْنا أغَشَّ عبادِ اللهِ لعبادِ اللهِ الشياطينَ، ووجَدْنا أنصحَ عبادِ الله لعبادِ اللهِ الملائكةَ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سيئاتهم\".\n(^٢) في ت ٢: \"ذلك\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧٩ عن معمر عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في م، ت ١: \"معمر بن بشير\"، وفى ت ٣: \"معمر بن بشر\". ينظر الجرح والتعديل ٩/ ٣١٣.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧٨، ١٧٩، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٢٠٨ من طريق معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":287},{"text":"مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين كفروا باللهِ يُنادَوْن في النارِ يومَ القيامةِ إذ (^١) دخَلوها، فمقَتوا بدخولهِمُوها أنفسَهم، حينَ عاينَوا ما أعَدَّ اللهُ لهم فيها مِن أنواعِ العذابِ، فيقالُ لهم: لمقْتُ اللهِ إياكم أيُّها القومُ في الدنيا إذ تُدْعَوْن فيها إلى الإيمانِ بالله فتَكْفُرون - أكبرُ مِن مقتِكم اليومَ أنفسَكم، لمَا حَلَّ بكم مِن سَخَطِ اللهِ عليكم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8016>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: مقَتوا أنفسَهم حينَ رأَوْا أعمالَهم، ومَقْتُ اللهِ إياهم في الدنيا، إذ يُدْعَوْن إلى الإيمانِ فيَكْفُرون - أكبرُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: لمقتُ اللهِ أهلَ الضَّلالةِ، حينَ عُرِض عليهم الإيمانُ في الدنيا، فتَركوه، وأبَوا أن يَقْبَلوا - أكبرُ مما مقَتوا أنفسَهم، حينَ عايَنوا عذابَ اللهِ يومَ القيامةِ (^٣).\n_________\n(^١) في م، ت ٣: \"إذا\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٨٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧٩ عن معمر عن قتادة.","vol":"20","page":288},{"text":"حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ في النارِ، ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ﴾ في الدنيا، ﴿فَتَكْفُرُونَ﴾ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ الآية. قال: لما دخَلوا النارَ مقَتوا أنفسَهم في معاصى اللهِ التي ركِبوها، فنُودُوا: إن مقتَ اللهِ إياكم حينَ دعاكم إلى الإسلامِ أشدُّ من مقتِكم أنفسَكم اليومَ حينَ دخلْتم النارَ (^١).\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ هذه اللامِ في قولِه: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾؛ فقال بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ (^٢): هي لامُ الابتداءِ، كأنَّ ﴿يُنَادَوْنَ﴾: يُقالُ لهم؛ لأن (^٣) النداء قولٌ. قال: ومثلُه في الإعرابِ يقالُ: لزيدٌ أَفضلُ مِن عمرٍو.\nوقال بعضُ نحويى الكوفةِ (^٤): المعنَى فيه: يُنادَوْن أنَّ مقتَ اللهِ إياكم. ولكنَّ اللامَ تَكْفِى مِن أن تقولَ في الكلامِ: نادَيْتُ أنَّ زيدًا قائمٌ. قال: ومثلُه قولُه: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥]. اللامُ (^٥) بمنزلةِ \"أنَّ\" في كلِّ كلامٍ ضارَع القولَ، مثلَ: يُنادَون ويُخْبَرون، وأشباهِ ذلك.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٢٢.\n(^٢) هو الأخفش. ينظر تفسير القرطبي ١٥/ ٢٩٦، وفتح القدير ٤/ ٤٨٣.\n(^٣) بعده في م: \"في\".\n(^٤) هو الفراء. ينظر معاني القرآن ٣/ ٦.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الكلام\".","vol":"20","page":289},{"text":"وقال آخرُ غيرُه منهم: هذه لامُ اليمينِ، تَدْخُلُ مع الحكايةِ، وما ضارَع الحكايةَ؛ لتَدُلَّ على أن ما بعدَها ائتنافُ (^١). قال: ولا يجوزُ في (^٢) جواباتِ الأيمانِ أن تقوم مقامَ اليمينِ؛ لأن اللامَ - كانت معها النونُ أو لم تَكُنْ - اكتفى (^٣) بها مِن اليمينِ؛ لأنها لا تَقَعُ إلا معها.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: دخَلَت لتُؤْذِنَ أن ما بعدَها ائْتِنافٌ (^٤)، وأنها لامُ اليمينِ.\n\n<span id=\"aya-4144\"></span>وقولُه: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾. قد أتَينا عليه في سورةِ \"البقرة\"، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٥)، ولكنا نَذْكُرُ بعضَ ما قال بعضُهم فيه:\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾. قال: كانوا أمواتًا في أصلابِ آبائِهم، فأحْياهم اللهُ في الدنيا، ثم أماتهم الموتةَ التي لا بدَّ منها، ثم أحْياهم للبعثِ يومَ القيامةِ، فهما حياتان وموتتان (^٦).\nوحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخْبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾. هو قولُ اللهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ\n_________\n(^١) في ت ١: \"استئناف\".\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٣) في النسخ: \"فاكتفى\".\n(^٤) في ت ٣: \"استئناف\".\n(^٥) تقدم في ١/ ٤٤٣ - ٤٥١.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وينظر ما تقدم في ١/ ٤٤٦.","vol":"20","page":290},{"text":"إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (^١) [البقرة: ٢٨].\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾. قال: هو كقولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ الآية (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبد اللهِ في قولِه: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾. قال: هي كالتي في البقرة: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ (^٣).\nحدَّثني أبو حَصِينٍ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن يونُسَ، قال: ثنا عَبْثَرٌ (^٤)، قال: ثنا حُصَيْنٌ، عن أبي مالكٍ في هذه الآية: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾. قال: خلَقْتَنا، ولم نَكُنْ شيئًا، ثم أمَتَّنا، ثم أحْيَيْتَنا (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن حُصَينٍ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾. قال (^٦): كانوا أمواتًا فأحْياهم اللهُ، ثم أماتهم، ثم أحْياهم (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٢٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) تقدم في ١/ ٤٤٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٧٣ (٣٠٠) من طريق عبد الرحمن بن مهدي به، والطبراني (٩٠٤٥)، والحاكم ٢/ ٤٣٧ من طريق أبي إسحاق به، وأخرجه الطبراني (٩٠٤٤) من طريق أبي إسحاق عن أبي الضحى عن ابن مسعود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٧ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"بشر\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٨ إلى عبد بن حميد، وتقدم في ١/ ٤٤٣.\n(^٦) في م: \"قالوا\".","vol":"20","page":291},{"text":"وقال آخرون فيه ما حدَّثنا محمدٌ؛ قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾. قال: أُمِيتوا في الدنيا، ثم أُحْيُوا في قبورِهم فسُئِلوا أو خُوطِبوا، ثم أُميتوا في قبورِهم، ثم أُحْيُوا في الآخرةِ (^١).\nوقال آخرون في ذلك ما حدَّثني يونُسُ؛ قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾. قال: خلَقَهم من ظهرِ آدمَ، حين أخذ عليهم الميثاقَ. وقرَأ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (^٢)﴾، فقرَأ حتى بلَغ: ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. قال: فنسَّاهم الفعلَ، وأخَذ عليهم الميثاقَ. قال: وانتزَعَ ضِلَعًا مِن أضلاعِ آدمَ القُصْرَى، فخلَق منه حَوَّاءَ. ذكَره عن النبيِّ ﷺ. قال: وذلك قولُ اللهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]. قال: بثَّ منهما بعدَ ذلك في الأرحامِ خلقًا كثيرًا. وقرَأ: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦]. قال: خلقًا بعدَ ذلك. قال: فلمَّا أَخَذ عليهم الميثاقَ أماتهم، ثم خلَقَهم في الأرحامِ، ثم أماتهم، ثم أحْياهم يومَ القيامةِ، فذلك قولُ اللهِ: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾. وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤، الأحزاب: ٧]. قال: يومئذٍ. وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (^٣) [المائدة: ٧].\nوقولُه: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾. يقولُ: فأَقْرَرْنا بما عمِلْنا من الذنوبِ في\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٢٩٧، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٢٣.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذرياتهم\". وهما قراءتان تقدم تخريجهما في ١/ ٤٣٦.\n(^٣) تقدم في ١/ ٤٤٦، ٤٤٧.","vol":"20","page":292},{"text":"الدنيا، ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾. يقولُ: فهل إلى خروجٍ مِن النارِ لنا سبيلٌ؛ لنَرْجِعَ إلى الدنيا، فنَعْمَلَ غير الذي كنا نَعْمَلُ فيها؟\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾: فهل إلى كَرَّةٍ إلى الدنيا؟ (^١).\n\n<span id=\"aya-4145\"></span><span data-type='title' id=toc-8017>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾.</span>\nوفي هذا الكلامِ متروكٌ، اسْتُغْنِى بدلالةِ الظاهرِ من ذكرِه عليه، وهو: فأُجِيبوا ألَّا سبيلَ إلى ذلك، هذا الذي لكم من العذابِ أيُّها الكافرون؛ ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾، فأَنْكَرْتُم أن تكونَ الأُلوهةُ له خالصةً، وقلتُم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥].\n﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾. يقولُ: وإِن يُجْعَلْ للهِ شَرِيكٌ تُصَدِّقُوا مَن جَعَل ذلك له، ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾. يقولُ: فالقضاءُ للهِ العليِّ على كلِّ شيءٍ، الكبير الذي كلُّ شيءٍ دونَه مُتَصاغرٌ (^٢) له اليومَ.\n\n<span id=\"aya-4146\"></span><span data-type='title' id=toc-8018>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: الذي يُريكم أيُّها الناسُ حُجَجَه وأدِلَّته على وَحْدانيَّتِه ورُبوبِيَّتِه، ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾. يقولُ: يُنَزِّلُ لكم مِن أرزاقِكم مِن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"متصاغرا\".","vol":"20","page":293},{"text":"السماءِ، بِإِدْرارِ الغَيْثِ - الذي يُخْرِجُ به أقْواتَكم مِن الأرضِ، وغِذاءً أَنْعامِكم - عليكم، ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾. يقولُ: وما يَتَذَكَّرُ حُجَجَ اللهِ التي جعلها أدِلَّةً على وَحْدانيَّتِه، فيَعْتَبِرَ بها ويَتَّعِظُ، ويَعلَمَ حقيقة ما تَدُلُّ عليه - ﴿إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾. يقولُ: إِلا مَن يَرْجِعُ إلى توحيده، ويُقْبِلُ على (^١) طاعتِه.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾. قال: مَن يُقْبِلُ إلى طاعةِ اللهِ.\n\n<span id=\"aya-4147\"></span>وقولُه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ وللمؤمنين به: فاعْبُدوا الله، أَيُّها المؤمنون له، مُخْلِصِين له الطاعةَ، غيرَ مُشْرِكين به شيئًا مما دونَه، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. يقولُ: ولو كَرِه عبادتَكم إياه مخلصين له الطاعةَ - الكافرون المشرِكون في عبادتهم إياه الأوثانَ والأندادَ.\n\n<span id=\"aya-4148\"></span><span data-type='title' id=toc-8019>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هو رفيعُ الدرجاتِ. ورُفِع قولُه: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾. على الابْتِداءِ، ولو جاء نصبًا على الرَّدِّ على قوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ﴾، كان صوابًا. ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾. يقولُ: ذو السَّريرِ المُحيطِ بما دونَه.\nوقولُه: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. يقولُ: يُنْزِلُ الوَحْىَ مِن أمرِه على مَن يَشَاءُ مِن عبادِه.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الرُّوحِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عَنَى به\n_________\n(^١) في ت ٢ ت: \"إلى\".","vol":"20","page":294},{"text":"الوحيَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8020>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾. قال: الوحيَ مِن أَمرِه (^١).\nوقال آخرون: عَنَى به القرآنَ والكتابَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8021>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني هارونٌ بن إدريسَ الأصَمُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحارِبيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. قال: يَعْنى بالرُّوحِ الكتابَ، يُنْزِلُه على مَن يَشَاءُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. وقرَأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. قال: هذا القرآنُ هو الرُّوحُ، أوْحاه اللهُ إلى جبريلَ، وجبريلُ روحٌ نزَل به على النبيِّ ﷺ. وقرَأ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]. قال: فالكُتُبُ التي أنْزَلها اللهُ على أنبيائِه هي الرُّوحُ، ليُنْذِرَ بها ما قال اللهُ يومَ التَّلاقِ، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]. قال: الرُّوحُ؛ القرآنُ. كان أبي يقولُه. قال ابن زيدٍ: يَقومون له صَفًّا بين السماءِ والأرضِ، حينَ يَنْزِلُ ﷻ (^٢).\nوقال آخرون: عَنَى به النُّبوَّةَ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٧٩ عن معمر عن قتادةَ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٢٩٩ مختصرا.","vol":"20","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8022>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِ اللهِ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. قال: النُّبوَّةَ على مَن يَشَاءُ (^١).\nوهذه الأقوالُ مُتَقارِباتُ المَعانى، وإن اختلَفت ألفاظُ أصحابِها بها.\nوقولُه: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾. يقولُ: لِيُنْذِرَ مَن يُلْقَى (^٢) الرُّوحُ عليه مِن عبادِه، مَن أمَر اللهُ بِإِنْدَارِه مِن خَلْقِه - عذابَ يوم يَلْتَقى فيه أهلُ السماءِ وأهلُ الأرضِ، وهو يومُ التَّلاقِ، وذلك يومُ القيامةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8023>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾: من أسماءِ يومِ القيامةِ، عَظْمه اللهُ، وحَذَّرَه عبادَه (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾: يومٌ يَلْتَقى فيه أهلُ السماءِ وأهلُ (^٤) الأرضِ، والخالِقُ والخَلْقُ (^٥).\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٧/ ٤٥٥.\n(^٢) في ص، ت ١: \"ألقى\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٢٥ عن علي بن أبي طلحة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٨ إلى ابن المنذر.\n(^٤) سقط من: ص ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٠ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":296},{"text":"حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾: يومَ (^١) يَلْتَقى أهلُ السماءِ وأهلُ الأرضِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾. قال: يومَ القيامةِ. قال: يومَ يتَلاقَى العبادُ (^٣).\n\n<span id=\"aya-4149\"></span>وقولُه: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾. يَعْنى بقولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾، يَعْنى: المُنْذَرون الذين أَرْسَل اللهُ إليهم رسله ليُنْذِروهم (^٤) ظاهِرون - يعنى للناظرين - لا يحولُ بينَهم وبينَهم جبلٌ ولا شجرٌ، ولا يَسْتُرُ بعضَهم عن بعضٍ ساتِرٌ، ولكنَّهم بقاعٍ صَفْصَفٍ، لا أُمَّتَ فيه ولا عِوَجَ.\n﴿هُمْ﴾ من قوله: ﴿يَوْمَ هُمْ﴾، في موضعِ رفعٍ بما بعدَه، كقولِ القائلِ: فَعَلْتُ ذلك يومَ الحَجَّاجُ أَميرٌ.\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في العِلَّة التي من أجلِها لم تُخْفَضُ ﴿هُمْ﴾ بـ ﴿يَوْمَ﴾، وقد أُضِيفَ إليه؛ فقال بعضُ نَحْويِّى البصرةِ: أضاف ﴿يَوْمَ﴾ إلى ﴿هُمْ﴾ في المعنى، فلذلك لا يُنَوَّنُ اليومُ، كما قال: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣]. وقال: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥]. ومعناه: هذا يومُ فتنتِهم. ولكنْ لمَّا ابْتَدَأَ الاسمُ (^٥)، وبُنِي عليه، لم يُقْدَرْ على جرِّه، وكانت الإضافةُ في المَعْنَى إلى الفتنةِ، وهذا إنما يكونُ إذا كان \"اليوم\" في معنى \"إذ\"، وإلا فهو\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١.\n(^٢) ذكرُه أبو حيان في البحر المحيط ٤٥٥٧، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٢٥.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ١٤٣، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٢٥.\n(^٤) بعده في النسخ: \"وهم\".\n(^٥) في م: \"بالاسم\".","vol":"20","page":297},{"text":"قبيحٌ؛ ألا تَرَى أنك تقولُ: لَقِيتُك زمن زيدٌ أميرٌ. أيْ: إذ زيدٌ أميرٌ. ولو قُلتَ: ألقاك زمنَ زيدٌ أميرٌ. لم يَحْسُنْ.\nوقال غيرُه: مَعْنَى ذلك أن الأوقاتَ جُعِلَتْ بمعنى \"إذ\" و\"إذا\"، فلذلكَ بَقِيَتْ على نصبِها في الرفعِ والخفضِ والنصبِ، فقال: (ومن خزي يومَئذٍ) (^١) [هود: ٦٦] فَنَصبوا، والموضعُ خفضٌ، فذلك (^٢) دليل على أنه جُعِل موضعَ الأداةِ، ويَجوزُ أن يُعْرَبَ بوجوهِ الإعرابِ؛ لأنه ظهر ظُهورَ الأسماءِ؛ ألا ترى أنه لا يعودُ عليه العائِدُ كما يعودُ على الأسماءِ، فإن عاد العائدُ نُوِّن وأُعْرِب ولم يُضَفْ، فقِيل: أعْجَبَنى يومٌ فيه تقومُ (^٣). لَمَّا أن خرَج من معنى الأداةِ، وعاد عليه الذِّكرُ صار اسمًا صحيحًا. قال: وجائزٌ في \"إذ أن تقولَ: أَتَيْتُك إذ تقومٌ. كما تقولُ: أتيتُك يومَ يَجْلِسُ القاضي. فيكونُ زمنًا معلومًا، فأَمَّا: آتِيكَ (^٤) يومَ تقومُ. فلا مَئُونَة (^٥) فيه، وهو جائزٌ عندَ جميعِهم. قال: وهذه التي تُسَمَّى إضافةً غيرَ مَحْضَةٍ.\nوالصوابُ مِن القولِ عندى في ذلك أنَّ نصبَ \"يَوْم\" وسائرِ الأزمنةِ في مثلِ هذا الموضعِ، نظيرٌ نصبِ الأدواتِ؛ لوقوعِها مواقعَها، وإذ أُعْرِبَتْ بوجوهِ الإعراب؛ فلأنها ظَهَرَتْ ظهورَ الأسماءِ، فعُومِلَتْ معاملَتَها.\nوقولُه: ﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ﴾. [يقولُ: لا يخفى على اللهِ منهم] (^٦) ولا مِن\n_________\n(^١) يومَئذٍ، بفتح الميم، وهى قراءة نافع والكسائي، وقرأ الباقون بكسرها. يُنظر التيسير في القراءات السبع ص ١٠٢.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وذلك\".\n(^٣) سقط من: ت ٢. وفى م: \"تقول\".\n(^٤) في م: \"أتيتك\".\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣: \"مؤنة\". وهما بمعنًى.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣. وفى م: \"أي\". والمثبت ما يقتضيه السياق.","vol":"20","page":298},{"text":"أعمالِهم التي عمِلوها في الدنيا ﴿شَيْءٌ﴾.\nوكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾: ولكنَّهم برَزوا له يومَ القيامةِ، فلا يَسْتَتِرون بجبلٍ ولا مَدَرٍ (^١).\nوقولُه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾. يعنى بذلك: يقولُ الرَّبُّ: لمن الملكُ اليومَ؟ وترَك ذِكْرَ \"يقولُ\" اسْتِغْناءً بدَلالةِ الكلامِ عليه.\nوقولُه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. وقد ذَكَرْنا الروايةَ الواردةَ بذلك فيما مضَى قبْلُ (^٢)، ومعنى الكلامِ: يقولُ الرَّبُّ: لمن السلطانُ اليومَ؟ وذلك يومَ القيامةِ، فيُجيبُ نفسَه، فيقولُ: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ﴾ الذي لا مِثْلَ له ولا شَبِيةَ، ﴿الْقَهَّارِ﴾ لكلِّ شيءٍ سواه بقُدْرَتِه، الغالبِ بعزَّتِه.\n\n<span id=\"aya-4150\"></span><span data-type='title' id=toc-8024>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قِيلِه يومَ القيامةِ، حينَ يَبْعَثُ خَلْقَه مِن قبورِهم لموقفِ الحسابِ: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾. يقولُ: اليومَ يُتَابُ كلُّ عاملٍ بعملِه، فيُوَفَّى أجرَ عملِه، فعامِلُ الخيرِ يُجْزَى الخيرَ، وعاملُ الشَّرِّ يُجَزى جزاءَه.\nوقولُه: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾. يقولُ: لا بَخْسَ على أحدٍ فيما اسْتَوْجَبَه مِن أجرِ عملِه في الدنيا، فيُنْقَصَ منه إن كان محسنًا، ولا حَمْلَ على مُسئٍ إِثْمَ ذنبٍ لم\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٠ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تقدم في ١٣/ ١٦٤،١٦٥، ٤٩٦، ٧٤٠، وينظر أيضًا ص ١٣٩، ١٤٠.","vol":"20","page":299},{"text":"يَعْمَلْه، فيُعاقب عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. يقولُ: إِن الله ذو سرعةٍ في مُحاسَبةِ عبادِه يومَئذٍ على أعمالِهم التي عمِلوها في الدنيا، ذُكِر أن ذلك اليومَ لا يَنْتَصِفُ حتى يَقِيلَ أهلُ الجنةِ في الجنةِ، وأهلُ النارِ في النارِ، وقد فُرغ مِن حسابِهم والقضَاءِ بينَهم.\n\n<span id=\"aya-4151\"></span><span data-type='title' id=toc-8026>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: وأنْذِرْ يا محمدُ مشركي قومِك يومَ الآزِفَةِ - يَعْنى يومَ القيامةِ - أن يُوافُوا الله فيه بأعمالِهم الخبيثةِ، فيَسْتَحِقُوا مِن اللهِ عقابَه الأليمَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8025>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾. قال: يومَ القيامةِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾: يومَ القيامةِ (^٢).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٨٢. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٠ عن معمر عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٩ إلى عبد بن حميد بنحوه.","vol":"20","page":300},{"text":"حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾. قال: يومَ القيامةِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾. قال: يومَ القيامةِ. وقرأ: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ (^١) [النجم: ٥٧، ٥٨].\nوقولُه: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إذ قلوبُ العبادِ من مخافةِ عقابِ اللهِ لَدَى حناجِرِهم، قد شَخَصَتْ مِن صُدورِهم فتَعَلَّقَتْ بحُلوقِهم، كاظِمِيها، يَرومون رَدَّها إلى مَواضِعها مِن صدورِهم فلا تَرْجِعُ، ولا هي تَخْرُجُ مِن أبدانِهم فيموتوا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8027>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾. قال: قد وَقَفَتِ (^٢) القلوبُ في الحناجرِ مِن المخَافةِ، فلا هي تَخْرُجُ، ولا تعودُ إلى (^٣) أمْكِنَتِها (^٤).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٧/ ٤٥٦.\n(^٢) في النسخ: \"وقعت\"، والمثبت من تفسير ابن كثير ٧/ ١٢٦، والدر المنثور (المخطوطة المحمودية) ص ٣٦٨.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٠ عن معمر عن قتادةَ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":301},{"text":"لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾. قال: شَخَصَتْ أَفْئِدَتُهم عن أَمْكِنَتِها، فتشَّبثتْ (^١) في حُلوقِهم، فلم تَخْرُجْ مِن أجوافِهم فيموتوا، ولم تَرْجِعْ إلى أمكنتها فتَسْتَقِرَّ.\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ ﴿كَاظِمِينَ﴾؛ فقال بعضُ نَحْويِّي البصرةِ: انْتِصابُه على الحالِ. كأنه أراد: إذ القلوبُ لدى الحناجرِ في هذه الحالِ. وكان بعضُ نَحْويِّى الكوفةِ يقولُ: الألفُ واللامُ بَدَلٌ مِن الإضافةِ، كأنه قال: إذ قلوبُهم لدى حناجرِهم في حالِ كَظْمِهم. وقال آخَرُ منهم (^٢): هو نصبٌ على القطعِ من المَعْنى الذي يَرْجِعُ مِن ذكرِهم في القلوبِ والحناجرِ، المَعْنى: إذ قلوبُهم لدى حناجِرِهم كاظِمينَ. قال: فإن شئتَ جَعَلتَ قَطْعَه مِن الهاءِ التي في قولِه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾. قال: والأَوَّلُ أجْوَدُ في العربيةِ. وقد تَقَدَّم بيانُ وجهِ ذلك.\nوقولُه: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: ما للكافرين باللهِ يومَئذٍ مِن حميمٍ يُحِمُّ لهم، فيَدْفَعَ عنهم عظيمَ ما نزَل بهم مِن عذابِ، اللهِ، ولا شفيعٍ يَشْفَعُ لهم عندَ ربِّهم، فيُطاعَ فيما شفَع، ويُجابَ فيما سأَل.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8028>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ﴾. قال: مَن يَعْنِيه أمرُهم، ولا شفيعَ لهم.\nوقولُه: ﴿يُطَاعُ﴾. صلةٌ للشفيعِ، ومعنى الكلامِ: ما للظالمينَ مِن حميمٍ، ولا شفيعٍ إذا شفَع أطِيعَ فيما شفَع، فأُجِيب وقُبِلَتْ شَفاعتُه (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"فنشبت\".\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٦.\n(^٣) بعده في م: \"له\".","vol":"20","page":302},{"text":"<span id=\"aya-4152\"></span>وقولُه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾. يقولُ جلَّ ذكرُه مُخْبِرًا عن صفةِ نفسِه: يَعْلَمُ ربُّكم ما خانتْ أعيُنُ عبادِه، وما أخْفَتْه صدورُهم. يعنى: وما أَضْمَرَتْه قلوبُهم. يقولُ: لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن أُمورِهم، حتى ما تُحَدِّثُ به نفسُه، ويُضْمِرُه قلبُه؛ إذا نظر ماذا يُريدُ بنَظَرِه، وما يَنْوِى ذلك بقلبِهِ، ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: واللهُ تعالى ذكرُه يَقْضِى في الذي خانَتْه الأَعْيُنُ بنظرِها، وأَخْفَتْه الصُّدورُ عند نظرِ العيونِ، بالحقِّ؛ فيَجْزِى الذين أغْمَضوا أبصارَهم وصرَفوها عن محارمِه، حِذَارَ الموقِفِ بينَ يَدَيْهِ، ومَسْأَلَتِه عنه، بالحُسنى، والذين ردُّوا (^١) النظرَ، وعَزَمتْ قلوبُهم على مُواقعَةِ الفَواحِشِ إِذا قَدَرَتْ، جزاءَها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8029>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ المَرْوَزِيُّ، قال: ثنا عليُّ بن حسينِ بن واقِدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنا الأعمشُ، قال: ثنا سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾: إذا نَظَرْتَ إليها؛ تُريدُ الخيانةَ أمْ لا؟ ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾: إذا قَدَرْتَ عليها؛ أتَزْنى بها أمْ لا؟ قال: ثم سكَت، ثم قال: ألا أُخبِرُكم بالتي تَلِيها؟ قلتُ: نعم. قال: واللهُ يَقْضى بالحقِّ، قادرٌ على أن يَجْزِيَ بالحسنةِ الحسنةَ، وبالسيئةِ السيئةَ، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قال الحسينُ (^٢): فقلتُ للأعمشِ: حدَّثني به الكَلْبِيُّ، إلا أنه قال: إن الله قادرٌ على أن يَجْزِيَ بالسيئةِ السيئةَ، وبالحسنةِ عَشْرًا. فقال الأعمشُ: لو (^٣) أن الذي عندَ الكلبيِّ عندى، ما خرَج\n_________\n(^١) في م: \"رددوا\". وهما بمعنًى.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"الحسن\". والحسين هو ابن واقد.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"20","page":303},{"text":"منى إلا بخفير (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾. قال: نَظَرَ الأعْيُنِ إلى ما نهَى اللهُ عنه (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾: أي يَعْلَمُ هَمْزَه بعينِه وإغْماضَه، فيما لا يُحِبُّ اللهُ ولا يَرْضاه (^٣).\n\n<span id=\"aya-4153\"></span>وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾. يقولُ: والأوثانُ والآلهةُ التي يَعْبُدُها هؤلاء المشركون باللهِ مِن قومِك من دونِه، لا يقْضون بشيءٍ؛ لأنها لا تَعْلَمُ شيئًا، ولا تَقْدِرُ على شيءٍ. يقولُ جلَّ ثناؤُه لهم: فاعْبُدوا الذي يَقْدِرُ على كلِّ شيءٍ، ولا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن أعمالِكم، فيَجْزِى مُحْسِنَكم بالإحسانِ، والمسيءَ بالإساءةِ، لا ما لا يَقْدِرُ على شيءٍ، ولا يَعْلَمُ شيئًا، فيَعْرِفَ المحسنَ مِن المسيءِ، فيُثيبَ المحسنَ، ويُعاقِبَ المسيءَ.\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. يقولُ: إن الله هو السميعُ لِمَا تَنْطِقُ به ألسنتُكم أيها الناسُ، البصيرُ بما تَفْعلون مِن الأفعالِ، مُحيطٌ بكلِّ ذلك، مُحْصِيهِ\n_________\n(^١) في م: \"بحقير\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"بحفر\". والمثبت كما تقدم في ١/ ٨٧. والأثر أخرجه الطبراني في الأوسط (١٢٨٣) من طريق عبد الله بن أحمد به، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٣٢٣، والبيهقي في الشعب (٥٤٤٣)، من طريق على بن الحسين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٩ إلى ابن أبي حاتم. وقوله: \"قال الحسين: فقلت للأعمش .. إلخ\" تقدم في ١/ ٨٧.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٨٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٧٤) من طريق يزيد به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٠ عن معمر عن قتادةَ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":304},{"text":"عليكم، ليُجازِىَ جميعَكم جزاءَه يومَ الجزاءِ.\nواخْتَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾؛ فقَرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ: (وَالَّذِينَ تَدْعُون مِن دُونِه). بالتاءِ على وجهِ الخِطابِ، وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ بالياءِ على وجهِ الخبرِ (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قِراءَتان مَعْروفَتان، صحيحتا المَعْنَى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ\n\n<span id=\"aya-4154\"></span><span data-type='title' id=toc-8030>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أو لم يَسِرْ هؤلاء المُقِيمون على شركِهم بالله، المُكَذِّبون رسولَه من قُريشٍ، في البلادِ، ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يقولُ: فيَرَوْا ما الذي كان خاتمةً أُمَمِ الذين كانوا مِن قبلِهم، من الأُممِ الذين سَلَكوا سبيلَهم؛ في الكفرِ باللهِ وتكذيبِ رُسُلِهِ، ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾. يقولُ: كانت تلك الأُممُ الذين كانوا مِن قبلِهم، أشَدَّ منهم بطشًا، وأبْقَى في الأرضِ آثارًا، فلم تَنْفَعْهم شِدَّهُ قُواهم، وعِظَمُ أجسامِهم، إذ جاءَهم أمرُ اللهِ، وأخَذَهم بما أجْرَموا مِن مَعاصِيهِ واكْتَسَبوا من الآثامِ، ولكنَّه أبادَ جَمْعَهم، وصارتْ مساكنُهم خاويةً منهم بما ظَلَموا، ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾. يقولُ: وما كان لهم مِن عذابِ اللهِ إذ جاءَهم، مِن واقٍ يَقِيهم، فيَدْفَعَه عنهم.\n_________\n(^١) قرأ نافع وابن عامر: (والذين تدعون). بالتاء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾. بالياء، ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٦٨.","vol":"20","page":305},{"text":"كالذى حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾: يَقِيهم ولا يَنْفَعُهم (^١).\n\n<span id=\"aya-4155\"></span><span data-type='title' id=toc-8031>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي فَعَلْنا (^٢) بهؤلاء الأُمَمِ الذين مِن قبلِ مشركي قُريشٍ، من إهلاكِناهم بذنوبِهم، فَعلْنا بهم بأنهم كانتْ تأتيهم رسلُ اللهِ إليهم بالبَيَّنَاتِ؛ يعنى بالآياتِ الدَّالّاتِ على حقيقةِ ما تَدْعوهم إليه مِن توحيدِ اللهِ، والانْتِهاء إلى طاعتِه، ﴿فَكَفَرُوا﴾. يقولُ: فأنْكَروا رِسالَتها، وجحَدوا توحيدَ اللهِ، وأبَوْا أن يُطِيعوا الله، ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾. يقولُ: فأخَذهم اللهُ بعذابِه فأهْلَكهم، ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\n\n<span id=\"aya-4156\"></span>يقولُ: إن الله ذو قوةٍ، لا يَقْهَرُه شيءٌ ولا يَغْلِبُه، ولا يُعْجِزُه شيءٌ أَرادَه، شديدٌ عقابُه مَن عاقَب مِن خَلْقِه. وهذا وعيدٌ مِن اللهِ مشركي قُريشٍ، المُكَذِّبين رسولَه محمدًا ﷺ، يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: فاحْذَروا أيُّها القومُ أن تَسْلُكوا سبيلَهم في تكذيبِ محمدٍ ﷺ، وجحودِ توحيد اللهِ ومخالفةِ أمرِه ونهيِه، فيَسْلُكَ بكم في تَعْجيلِ الهلاكِ لكم مَسْلَكَهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه مُسَلِّيًا نبيَّه محمدًا ﷺ، عمَّا كان يَلْقَى مِن مشركي قومِه مِن قريشٍ، بإعلامِه ما لَقِى موسى مِمَّن أُرْسِل إليه مِن التكذيبِ، ومُخْبِرَه أَنه مُعْلِيهِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٤٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"فعلت\".","vol":"20","page":306},{"text":"عليهم، وجاعِلٌ دائرةَ السَّوْءِ على من حادَّه وشاقَّه، كسُنَّتِه في موسى صلواتُ اللهِ عليه، إذ أعْلاه وأهْلَك عدوَّه فرعونَ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ - يَعْنى بأدِلَّتِه - ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. أي: عُذْرِ مبينٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-4157\"></span>يقولُ: وحُجَجُه المُبينةُ لَمَن يَرَاها أنها حُجَّةٌ مُحَقِّقَةٌ ما يَدْعو إليه موسى، ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾. يقولُ: فقال هؤلاء الذين أُرْسِل إليهم موسى لموسى: هو ساحرٌ يَسْحَرُ العصا، فيَرَى الناظِرُ إليها أنها حَيَّةٌ تَسْعَى، ﴿كَذَّابٌ﴾. يقولُ: يَكْذِبُ على اللهِ، ويَزْعُمُ أَنه أَرْسَلَه إلى الناسِ رسولًا.\n\n<span id=\"aya-4158\"></span><span data-type='title' id=toc-8032>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا جاء موسى هؤلاء الذين أرْسَلَه اللهُ إليهم بالحقِّ مِن عندِنا؛ وذلك مجيئُه إياهم بتوحيدِ اللهِ والعملِ بطاعتِه، مع إقامةِ الحُجَّةِ عليهم، بأن الله ابْتَعَثَه إليهم بالدعاءِ إلى ذلك، ﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللهِ ﴿مَعَهُ﴾ مِن بنى إسرائيلَ، ﴿وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾. يقولُ: واسْتَبْقُوا نساءَهم للخِدْمةِ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل: فلَمَّا جاءَهم موسى بالحقِّ مِن عندِنا قالوا اقْتُلوا أبناءَ الذين آمَنوا معه، واسْتَحْيوا نِساءَهم؟ وإنما كان قتلُ فرعونَ الوِلْدَانَ مِن بنى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٨٠ من طريق سعيد به.","vol":"20","page":307},{"text":"إسرائيلَ، حِذارَ المولودِ الذي كان أُخْبِر أنه على رأسِه ذَهابُ مُلْكِه وهلاكُ قومِه، وذلك كان - فيما يقالُ - قبل أن يَبْعَثَ اللهُ موسى نبيًّا؟ قيل: إن هذا الأمرَ بقتلِ أبناءِ الذين آمنوا مع موسى، واستحياءِ نسائِهم، كان أمرًا من فرعونَ ومَلَئِه مِن بعدِ الأمرِ الأَوَّلِ الذي كان مِن فرعونَ قبَل مَوْلدِ موسى.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾.\nقال: هذا قتلٌ (^١) غيرُ القتلِ (^٢) الأوَّلِ الذي كان (^٣).\nوقولُه: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾. يقولُ: وما احتيالُ أهلِ الكفرِ لأهلِ الإيمانِ باللهِ إلا في جَوْرٍ عن سبيلِ الحقَّ، وصَدٍّ عن قَصْدِ المَحَجَّةِ، وأخْذٍ على غير هُدًى.\n\n<span id=\"aya-4159\"></span><span data-type='title' id=toc-8033>القولٌ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ (^٤) أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ لمَلَئِهِ: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ الذي يَزْعُمُ أنه أرْسَله إلينا، فيَمْنَعَه منا، ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾. يقولُ: إنى أخافُ أن يُغَيِّرَ دينَكم الذي أنتم عليه بسحرِه.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قيل\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"القيل\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٠ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (و). وينظر الصفحة القادمة.","vol":"20","page":308},{"text":"واخْتَلَفَتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَوْ (^١) أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والشامِ والبصرةِ: (وأنْ يُظْهِرَ في الأرضِ الفسادَ). بغيرِ ألفٍ، وكذلك ذلك في مصاحف أهلِ المدينةِ.\nوقرأ ذلك عامّة قرأةِ الكوفةِ: ﴿أَوْ أَنْ﴾ بالألفِ، وكذلك ذلك في مصاحفِهم، (يَظْهَرَ في الأرضِ) بفتحِ الياءِ ورفعِ الفسادِ (^٢).\nوالصوابُ مِن القول في ذلك عندَنا أنهما قِراءَتان مَشْهورتان في قَرَأَةِ الأمصارِ، مُتَقارِبَتا المعنى؛ وذلك أن الفسادَ إذا أظْهَرَه مُظْهِرٌ، كان ظاهرًا، وإذا ظهَر فبإظهارِ مُظْهِرٍ (^٣) يَظْهَرُ، ففى القراءةِ بإحدى القراءتَيْن في ذلك دليل (^٤) على صحةِ معنى الأُخرى. وأمَّا القراءةُ في ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ﴾ بالألفِ وبحذفِها، فإنهما أيضًا مُتَقارِبَتا المعنى؛ وذلك أن الشيءَ إذا بُدِّل إلى خِلافِه، فلا شكَّ أن خِلافَه المبدَّلَ إليه الأوَّلُ هو الظاهرُ دُونَ المبدَّلِ، فَسَوَاءٌ عُطِفَ على خبرِه عن خوفِه من موسى أن يُبَدِّلَ دينَهم، بالواوِ أو بـ \"أو\"؛ لأن تبديلَ دينِهم كان عندَه هو ظهورُ الفسادِ، وظهورُ الفسادِ كان عندَه هو تبديلَ الدينِ.\nفتأويلُ الكلامِ إذن: إني أخافُ مِن موسى أن يُغيِّر دينَكم الذي أنتم عليه، أو أن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٢) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: \"وأنْ يظهرَ\" بغير ألفٍ قبل واو. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: (أو أنْ يظهرَ) بألفٍ قبل الواو. وقرأ نافع وأبو عمرو: (يُظْهِرَ) مضمومة الياء، (الفسادَ) نصبًا. وقرأ ابن كثير وابن عامر: (يُظْهَرَ) منصوبة الياء، (الفسادُ) رفعًا. وقرأ عاصمٍ في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي: (يَظْهَرَ) بفتح الياء، (الفسادُ) رفعًا. وقرأ حفص عن عاصم: (يُظْهِرَ) برفع الياء، (الفسادَ) نصبا. ينظر السبعة في القراءات ص ٥٦٩.\n(^٣) في م: \"مظهره\".\n(^٤) بعده في م: \"واضح\".","vol":"20","page":309},{"text":"يُظهِرَ في أرضِكم، أرضِ مصرَ، عبادةَ ربِّه الذي يَدْعوكم إلى عبادتِه. وذلك كان عندَه هو الفسادَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8034>[ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾. أي: أمْرَكم الذي أنتم عليه، ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾، والفسادُ عندَه: أن يُعْملَ بطاعةِ اللهِ] (^١) (^٢).\n\n<span id=\"aya-4160\"></span><span data-type='title' id=toc-8035>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧) وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال موسى لفرعونَ ومَلَئِه: إني اسْتَجَرْتُ، أَيُّها القومُ، بربي وربِّكم مِن كلِّ مُتَكبِّرٍ عليه؛ تَكَبَّر عن توحيدِه والإقرارِ بأُلوهيَّتِه وطاعتِه، لا يؤمنُ بيومٍ يُحاسِبُ اللهُ فيه خَلْقَه، فيُجازِى المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ بما أساء (^٣). وإنما خصَّ موسى صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه الاستعاذةَ باللهِ مِمَّن لا يُؤْمِنُ بيومِ الحسابِ؛ [لأن مَن لم يُؤْمِنْ بيومِ الحسابِ] (^٤) مُصدَّقًا، لم يكنْ للثوابِ على\n_________\n(^١) سقط من: ت ٣.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٠ عن معمر عن قتادةَ. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٣: \"شاء\"، وفي ت ٢: \"ساء\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":310},{"text":"الإحسانِ راجيًا، ولا للعقابِ على الإساءِة وقبيحِ ما يَأْتى من الأفعالِ خائفًا، ولذلك كانت اسْتِجارَتُه من هذا الصِّنْفِ مِن الناسِ خاصَّةً.\n\n<span id=\"aya-4161\"></span>وقولُه: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾. اخْتَلَف أهلُ العلمِ في هذا الرجلِ المؤمنِ؛ فقال بعضُهم: كان من قومِ فرعونَ غيرَ أنه كان قد آمن بموسى، وكان يُسِرُّ إيمانَه مِن فرعونَ وقومِه خوفًا على نفسِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8036>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدٌ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. قال: هو ابن عمِّ فرعونَ، ويُقالُ: هو الذي نَجا مع موسى (^١).\nفمن قال هذا القول وتَأَوَّل هذا التأويلَ، كان صوابًا الوقفُ - إذا أراد القارئُ الوقوفَ (^٢) - على قولِه: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾؛ لأن ذلك خبرٌ مُتَناهٍ قد تَمَّ.\nوقال آخرون: بل كان الرجلُ إسرائيليًّا، ولكنَّه كان يَكْتُمُ إيمانَه مِن آلِ فرعونَ.\nوالصوابُ على هذا القولِ، لمن أراد الوقفَ، أن يَجْعَلَ وقفَه على قولِه: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾؛ لأن قولَه: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ صلةٌ لقولِه: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾، فتمامُه قولُه: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾.\nوذُكِر أن اسمَ هذا الرجلِ المؤمنِ من آلِ فرعونَ: خبرك (^٣). كذلك حدَّثنا ابن\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ١٤٦، والقرطبي في تفسيره ١٥/ ٣٠٦، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٢٩.\n(^٢) في م: \"الوقف\".\n(^٣) في م: \"جبريل\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"حمويل\". وفي مصدر التخريج: \"حبرك\".","vol":"20","page":311},{"text":"حميدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاقَ (^١).\nوأَوْلَى القولَيْن في ذلك بالصوابِ عندى القولُ الذي قاله السُّديُّ، مِن أن الرجلَ المؤمنَ كان من آلِ فرعونَ، قد أصْغَى لكلامِه واسْتَمَع منه ما قاله، وتَوَفَّف عن قتل موسى عندَ نَهْيِه عن قتلِه وقيلِه ما قال، وقال له: ما أُريكم إلا ما أَرَى، وما أَهدِيكم إلَّا سبيلَ الرشادِ. ولو كان إسرائيليًّا لكان حَرِيًّا أن يُعاجِلَ هذا القائلَ له ولمَلَئِه ما قال، بالعقوبة على قولِه؛ لأنه لم يكنْ يَسْتَنْصِحُ بني إسرائيلَ؛ لاعْتدادِه إياهم أعداءً له، فكيف بقولِه عن قتلِ موسى لو وَجَد إليه سبيلًا، ولكنَّه لمَّا كان مِن مَلإِ قومِه، اسْتَمَع قولَه وكفَّ عمَّا كان همَّ به في موسى.\nوقولُه: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾. يقولُ: أَتَقْتُلُونَ، أَيُّها القومُ، موسى؛ لِأَنْ يقولَ ربيَ اللهُ؟! فـ \"أنْ\" في موضعِ نصبٍ؛ لِمَا وَصَفْتُ، ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾. يقولُ: وقد جاءَكم بالآياتِ الواضحاتِ على حقيقةِ ما يقولُ مِن ذلك، وتلك البيناتُ من الآياتِ يدُه وعصاه.\nكما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: بعصاه وبيدِه (^١).\nوقولُه: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾. يقولُ: وإن يَكُ موسى كاذبًا في قِبلِه أن الله أرْسَله إليكم يَأْمُرُكم بعبادتِه، وتركِ دينِكم الذي أنتم عليه، فإنما إثمُ كَذِبِه عليه دونَكم، ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾.\nيقولُ: وإن يَكُ صادقًا في قِيلِه ذلك، أصابكم الذي وعَدَكم من العقوبةِ على\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٠٧ عن ابن حميد به، لكن عنده أن ابن إسحاق قال: حدثت عن وهب.","vol":"20","page":312},{"text":"مُقامِكم على الدينِ الذي أنتم عليه مُقيمون، فلا حاجةَ بكم إلى قتلِه، فتَزِيدوا ربَّكم بذلك إلى سُخْطِه عليكم بكفرِكم سُخْطًا، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾. يقول: إن الله لا يُوَفِّقُ للحقِّ من هو مُتعدٍّ (^١) إلى فِعْلِ ما ليس له فِعلُه، ﴿كَذَّابٌ﴾: عليه يَكْذِبُ، ويقولُ عليه الباطلَ وغيرَ الحقِّ.\nوقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى الإسرافِ الذي ذكَره المؤمنُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عَنَى به الشركَ، وأراد: إن الله لا يهدى مَن هو مشركٌ به، مُفْتَرٍ عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8037>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾: مشركٌ أسرَف على نفسِه بالشركِ (^٢).\nوقال آخرون: عَنَى به مَن هو قَتَّالٌ سَفَّاكٌ للدماءِ بغيرِ حقٍّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8038>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾. قال: المسرفُ هو صاحبُ الدمِ. ويُقالُ: هم المشركون (^٣).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يُقالَ: إن الله أَخْبَر عن هذا المؤمنِ أنه عَمَّ بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾. والشركُ مِن الإسرافِ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"معتد\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ينظر البحر المحيط ٧/ ٤٦١.","vol":"20","page":313},{"text":"وسفكُ الدمِ بغيرِ حقٍّ مِن الإسرافِ، وقد كان مُجْتَمِعًا في فرعونَ الأمران كلاهما، فالحقُّ أن يُعَمَّ ذلك، كما أخبَر جلَّ ثناؤُه عن قائلِه، أنه عَمَّ القولَ بذلك.\n\n<span id=\"aya-4162\"></span><span data-type='title' id=toc-8039>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قِيلِ المؤمنِ مِن آلِ فرعونَ لفرعونَ ومَلَئِهِ: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾. يَعْنى أرضَ مصرَ. يقولُ: لكم السلطانُ اليومَ والملكُ، ظاهرين أنتم على بني إسرائيلَ في أرضِ مصرَ، ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾. يقولُ: فمن يَدْفَعُ عنا بَأْسَ اللهِ وسَطْوَتَه إِن حَلَّ بنا، [وعقوبتَه] (^١) إن جاءَتْنا؟ ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾. يقول: قال فرعونُ مجيبًا لهذا المؤمنِ الناهي عن قتلِ موسى: ما أُرِيكم، أيُّها الناسُ، مِن الرَّأْيِ والنصيحةِ إلا ما أَرَى لنفسي ولكم صلاحًا وصوابًا، ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾. يقولُ: وما أَدْعُوكم إلا إلى طريقِ الحقِّ والصوابِ في أمرِ موسى وقتلِه، فإنكم إن لم تَقْتُلوه بَدَّل دينَكم، وأظْهَر في أرضِكم الفسادَ.\n\n<span id=\"aya-4163\"></span><span data-type='title' id=toc-8040>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال المؤمنُ مِن آلِ فرعونَ لفرعونَ ومَلَئِه: يا قومِ، إني أخافُ عليكم بقتلِكم موسى، إن قَتَلتُموه، مِثْلَ يومِ الأحزابِ الذين تَحَزَّبوا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"وعقوبة منه\".","vol":"20","page":314},{"text":"على رُسُلِ اللهِ؛ نوحٍ وهودٍ وصالحٍ، فأهْلَكَهم اللهُ بتَحَزُّبِهم (^١) عليهم، فيُهْلِكُكم كما أَهْلَكَهم.\n\n<span id=\"aya-4164\"></span>وقولُه: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾. يقولُ: يَفْعَلُ ذلك بكم فيُهْلِكُكُم مِثْلَ سُنَّتِه في قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وفِعْلِه بهم.\nوقد بَيَّنا مَعْنَى الدَّأْبِ فيما مضَى بشواهدِه المُغْنِيَةِ عن إعادتِه، مع ذكرِ أقوالِ أهلِ التأويلِ فيه (^٢).\nوقد حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾. يقولُ: مثلَ حالِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾. قال: مثلَ ما أصابَهم.\nوقولُه: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. يَعْنى قومَ إبراهيمَ، وقومَ لوطٍ، وهم أيضًا من الأحزابِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. قال: هم الأحزابُ (^٤).\nوقولُه: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قِيلِ المؤمِنِ من آلِ فرعونَ لفرعونَ ومَلَئِه: وما أَهْلَك اللهُ هذه الأحزابَ مِن هذه الأممِ ظُلمًا منه\n_________\n(^١) في م: \"بتجرئهم\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٥/ ٢٣٥ - ٢٣٧.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤١ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٠ إلى ابن المنذر.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨١ عن معمر عن قتادة.","vol":"20","page":315},{"text":"لهم، بغيرِ جُرْمٍ اجْتَرَموه بينَهم وبينَه؛ لأنه لا يُريدُ ظلمَ عبادِه ولا يَشاؤُه، ولكنَّه أهْلَكَهم بإجرامِهم وكفرِهم به وخِلافِهم أمْرَه.\n\n<span id=\"aya-4165\"></span><span data-type='title' id=toc-8042>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قِيلِ هذا المؤمنِ لفرعونَ وقومِه: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ بِقَتْلِكم موسى إن قَتَلْتُموه عقابَ اللهِ ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾.\nواختَلفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾؛ فقرأ ذلك عامَّةُ قرأَةِ الأمصارِ: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ بتخفيفِ الدالِ، وتركِ إثباتِ الياءِ (^١)، بمعنى التَّفاعُلِ، مِن: تَنادَى القومُ تَنادِيًا. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤]. وقال: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ [الأعراف: ٥٠]. فكذلك (^٢) تَأَوَّلَه قارئو ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-8041>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصاريُّ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾. قال: يومَ يُنَادِى (^٣) أهلُ النارِ أهلَ الجنةِ ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي\n_________\n(^١) قرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائى وخلف بغير ياء. السبعة لابن مجاهد ص ٥٦٨، والنشر ٢/ ٢٧٤.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"فلذلك\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"ينادون\".","vol":"20","page":316},{"text":"أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾: يومَ ينادى أهلُ الجنةِ أهلَ النارِ ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾. ويُنادِى أهلُ النارِ أهلَ الجنةِ ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾. قال: يومَ القيامةِ، يُنادى أهلُ الجنةِ أهلَ النارِ (^٢).\nوقد رُوى عن رسولِ اللهِ ﷺ في مَعْنَى ذلك على هذه القراءةِ، تأويلٌ آخرُ على غير هذا الوجهِ.\nوهو ما حدَّثنا به أبو كُريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ محمدٍ المُحاربيُّ، عن إسماعيلَ بن رافعٍ المدنيِّ، عن يزيدَ بن زيادٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرظيِّ، عن رجلٍ مِن الأنصارِ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"يَأْمُرُ اللهُ إِسرافِيلَ بالنَّفْحَةِ الأُولى فيقولُ: انْفُخُ نَفْخَةَ الفزعِ. ففَزِع أهلُ السماواتِ وأهلُ الأَرضِ إِلَّا مَن شاء اللهُ، ويَأْمُرُه الله فيدِيمُها (^٣) ويُطَوِّلُها فلا يَفْتُرُ، وهى التي يقولُ اللهُ: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥]. فَيُسيِّرُ اللهُ الجبالَ فتكونُ سرابًا، فَتُرَجُّ الأرضُ بأهلِها رَجًّا، وهى التي يقولُ اللهُ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النازعات: ٦ - ٨]. فتكونُ كالسفينةِ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨١ عن معمر عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٥١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ٩/ ٧٣، ٧٤.\n(^٣) في م، ت ١: \"أن يديمها\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"يديمها\". وفى الأهوال والبعث والنشور والبداية والنهاية: \"فيمدها\"، وفى تفسير ابن أبي حاتم: \"فيمد بها\"، وفى الدر المنثور: \"أن يمدها\". والمثبت موافق لما في الأحاديث الطوال والعظمة.","vol":"20","page":317},{"text":"المُرَنِّقَةِ (^١) في البحرِ، تَضْرِبُها الأمْواجُ (^٢) تَكَفَّأُ بِأَهلِها، أو كالقِنْدِيلِ المُعَلَّقِ بِالعَرْشِ تَرُجُّه (^٣) الأَرْوَاحُ (^٤)، فيَمِيدُ الناسُ على ظَهْرِها، فتَذْهَلُ المَراضِعُ، وتَضَعُ الحوامِلُ، وتشِيبُ الوِلْدانُ، وتطيرُ الشياطينُ هاربةً حتى تأتى الأقطارَ، فتَلَقَّاها الملائكةُ فتَضْرِبُ وُجُوهَها فتَرْجِعُ، ويُوَلِّي النَّاسُ مُدبِرِين، يُنادى بعضُهم بعضًا، وهو الذي يقولُ اللهُ: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ \" (^٥).\nفعلى هذا التأويلِ معنى الكلامِ: ويا قومِ إني أخافُ عليكم يومَ يُنادى الناسُ بعضُهم بعضًا مِن فَزَع نَفْخَةِ الفَزَعِ.\nوقرأ ذلك آخرون: (يومَ التَّنادِّ). بتشديدِ الدالِ (^٦)، بمعنى التَّفاعُلِ مِن النَّدِّ، وذلك إذا هرَبوا فنَدُّوا في الأرضِ، كما تَنِدُّ الإبلُ إذا شَرَدَتْ على أربابِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-8043>ذكرُ مَن قال ذلك كذلك، وذكرُ المَعْنَى الذي قصد بقراءَتِه ذلك كذلك</span>\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن الأَجْلَحِ،\n_________\n(^١) في م: \"المرتعة\"، وفى الأهوال: \"المرفأة\"، وفى الأحاديث الطوال والبداية والنهاية: \"الموبقة\"، وفى العظمة: \"المرتفعة\"، وفى البعث والنشور: \"الموقرة\"، وفى الدر المنثور: \"الموسقة\". والمُرَنِّقَة: يقال رَنَّقَتِ السفينةُ. إذا دارتْ في مكانها ولم تَسِرْ. النهاية ٢/ ٢٧٠.\n(^٢) في الدر المنثور: \"الرياح\".\n(^٣) في ص: \"نرححه\"، وفى ت ١، وتفسير ابن أبي حاتم: \"ترججه\"، وفى ت ٣: \"ترحمه\". وفي الأحاديث الطوال، والعظمة، والبعث والنشور، والبداية والنهاية: \"ترجحه\". وفى الدر المنثور: \"تميلها\".\n(^٤) في ت ١، ت ٣: \"الأرياح\". وفي الأحاديث الطوال: \"الرياح الأرْواح\"، وفي الدر المنثور: \"الرياح\". وتُجمع الرِّيح على أرواح، كما تجمع على رياح. ينظر تاج العروس (ر وح).\n(^٥) تقدم تخريجه في ٣/ ٦١٣.\n(^٦) هي قراءة ابن عباس والضحاك وأبي صالح والكلبى. ينظر مختصر الشواذ ص ١٣٣، والمحتسب ٢/ ٢٤٣.","vol":"20","page":318},{"text":"قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحِمٍ، قال: إذا كان يومُ القيامةِ، أمر اللهُ السماءَ الدنيا فتشقَّقَتْ بأهلِها، ونزَل من فيها مِن الملائكةِ فأحاطوا بالأرضِ ومَن عليها، ثم الثانيةَ، ثم الثالثةَ، ثم الرابعةَ، ثم الخامسةَ، ثم السادسةَ، ثم السابعةَ، فصَفُّوا صَفًّا دونَ صفٍّ، ثم يَنْزِلُ المَلِكُ الأعلى، على مُجَنّبَتِهِ اليُسرى جَهَنمُ، فإذا رآها أهلُ الأرضِ نَدُّوا، فلا يَأْتون قُطرًا مِن أقطارِ الأرضِ إلا وجَدوا سبعةَ صفوفٍ مِن الملائكةِ، فيَرْجِعون إلى المكانِ الذي كانوا فيه، فذلك قولُ اللهِ: (إني أخافُ عليكم يوم التَّنادِّ * يومَ تولُّون مُدبْرِين). وذلك قولُه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٢، ٢٣]. وقولُه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]. وذلك قولُه: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ (^١) [الحاقة: ١٦، ١٧].\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: (يومَ التنادِّ). قال: يَندُّون (^٢).\nورُوى عن الحسنِ البصريِّ أنه قرَأ ذلك: (يومَ التَّنادِى) بإثباتِ الياءِ وتخفيفِ الدالِ (^٣).\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وهو تخفيفُ الدالِ، وبغير إثباتِ الياءِ. وذلك أن ذلك هو القراءةُ التي عليها الحُجَّةُ مُجْمِعَةٌ مِن قرأةِ\n_________\n(^١) أخرجه نعيم في زوائده على الزهد لابن المبارك (٣٥٤) من طريق جويير عن الضحاك نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"تندون\".\n(^٣) أثبت الحسن الياء في الوصل فقط، وأثبتها وصلًا أيضًا ورش وابن وردان وقالون بخُلف عنه. وأثبتها وصلًا ووقفًا ابن كثير ويعقوب، وكلهم يخفف الدال. النشر ٢/ ٢٧٤، والإتحاف ص ٢٣٣.","vol":"20","page":319},{"text":"الأمصارِ، وغيرُ جائزٍ خِلافُها فيما جاءتْ به نَقْلًا. فإذْ كان ذلك هو الصوابَ، فمعنى الكلامِ: ويا قومِ إني أخافُ عليكم يومَ يُنادِى الناسُ بعضُهم بعضًا؛ إِمَّا مِن هَوْلِ ما قد (^١) عَايَنوا من عظيمِ سلطانِ اللهِ، وفَطَاعةِ ما غَشِيَهم مِن كَرْبِ ذلك اليومِ، وإمَّا لتذكير بعضهم بعضًا إنجازَ اللهِ إياهم الوعدَ الذي وعدهم في الدنيا، واسْتِغاثةً مِن بعضِهم ببعضٍ، مما لَقِى مِن عظيمِ البلاءِ فيه.\n\n<span id=\"aya-4166\"></span>وقولُه: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾. فتأويلُه على التأويلِ الذي ذَكَرْنا مِن الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ: يومَ يُوَلُّون (^٢) هارِبين في الأرضِ؛ حِذَارَ عذابِ اللهِ وعقابِه عندَ مُعايَنَتِهم جهنمَ.\nوتأويلُه على التأويلِ الذي قاله قتادةُ في معنى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾: يومَ تولُّون مُنصرِفين عن موقفِ الحسابِ إلى جهنمَ.\nوبنحوِ ذلك رُوِى الخبرُ عنه وعمَّن قال نحوَ مقالتِه في معنى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-8044>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾. أي: مُنْطَلَقًا بكم إلى النارِ (^٣).\nوأَوْلَى القولَيْنِ في ذلك بالصوابِ القولُ الذي رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ، وإن كان الذي قاله قتادةُ في ذلك غيرَ بعيدٍ مِن الحقِّ، وبه قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"به\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢ ت ٣: \"تولون\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨١ عن معمر عن قتادة.","vol":"20","page":320},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8045>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾. قال: فارِّينَ غَيْرَ مُعْجِزين (^١).\nوقولَه: ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾. يقولُ: ما لكم مِن الله مانعٌ يَمْنَعُكم، وناصرٌ ينصُرُكم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8046>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾: أي مِن ناصرٍ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. يقولُ: ومَن يَخْذُلْه اللهُ فلم يُوَفِّقْه لرُشْدِه، فما له مِن مُوَفِّقٍ يُوفِّقُه له.\n\n<span id=\"aya-4167\"></span><span data-type='title' id=toc-8047>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد جاءَكم يوسفُ بنُ يعقوبَ، يا قومِ، مِن قبلِ موسى بالواضِحاتِ مِن حُجَجِ اللهِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٨٣.\n(^٢) ينظر البحر المحيط ٧/ ٤٦٤.","vol":"20","page":321},{"text":"كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: قبلِ موسى.\nوقولُه: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾. يقولُ: فلم تَزَالُوا مُرْتابين فيما أتاكم به يوسفُ من عندِ ربِّكم، غير مُوقِنى القلوبِ بحقيقتِه، ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ﴾. يقولُ: حتى إذا مات يوسفُ قلتم أيُّها القومُ: لن يَبْعَثَ اللهُ مِن بعدِ يوسفَ إليكم رسولًا بالدُّعاءِ إلى الحقِّ، ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾. يقولُ: هكذا يَصُدُّ اللهُ عن إصابةِ الحقِّ وقصدِ السبيلِ مَن هو كافرٌ به، ﴿مُرْتَابٌ﴾ شاكٌّ في حقيقةِ أخبارِ رسلِه.\n\n<span id=\"aya-4168\"></span><span data-type='title' id=toc-8048>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ المؤمنِ مِنْ آلِ فرعونَ: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾.\nفقولُه: ﴿الَّذِينَ﴾ مَرْدودٌ على ﴿مَنْ﴾ في قولِه: ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾.\nوتأويلُ الكلامِ: كذلك يُضِلُّ اللهُ أهل الإسرافِ والغُلُوِّ فِي ضَلالِهم، بكفرِهم باللهِ واجْتِرائِهم على معاصيه، المُرْتابين في أخبارِ رسلِه، الذين يُخاصِمون في حُجَجِه التي أَتَتْهم بها رسلُه؛ ليُدْحِضوها بالباطلِ مِن الحُجَج، ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾. يقولُ: بغيرِ حُجَّةٍ أَتَتْهم من عندِ ربِّهم يَدْفَعون بها حقيقةَ الحُجَجِ التي أَتَتْهم بها الرسلُ، ﴿الَّذِينَ﴾ - إذا كان معنى * الكلامِ ما ذَكَرْنا - في\n_________\n* إلى هنا ينتهى الخرم في مخطوط الأصل والذي بدأ في ص ٢٧٦.","vol":"20","page":322},{"text":"موضعِ نصبٍ رَدًّا على ﴿مَنْ﴾.\nوقولُه: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾. يقولُ: كبُر ذلك الجدالُ الذي يُجادِلُونَه في آياتِ اللهِ مقتًا عندَ اللهِ، وعند الذين آمنوا باللهِ، وإنما نُصِبَ قولُه: ﴿مَقْتًا﴾، لِمَا في قولِه: ﴿كَبُرَ﴾. مِن ضميرِ الجِدالِ، وهو نظيرُ قولِه: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥]. فنَصَب ﴿كَلِمَةً﴾ مَنْ نَصَبها؛ لأنه جعَل في قولِه: ﴿كَبُرَتْ﴾ ضميرَ قولِهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف: ٤]. وأما مَن لم يُضْمِرْ ذلك فإنه رفَع الكلمةَ.\nوقولُه: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾. يقولُ: كما طبَع اللهُ على قلوبِ المسرفين الذين يُجادِلون في آياتِ اللهِ بغيرِ سلطانٍ أَتَاهم، كذلك يَطْبَعُ اللهُ على كلِّ قلبِ متكبِّرٍ على اللهِ أَن يُوَحِّدَه ويُصَدِّقَ رسلَه، ﴿جَبَّارٍ﴾. يَعْنى: مُتَعَظِّمٍ عن اتِّبَاعِ الحَقِّ.\nواخْتَلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فَقَرَأَتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ، خلا أبي عمرِو بن العلاءِ (^١): ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾. بإضافةِ \"القلبِ\" إلى \"المتكبرِ\"، بمعنى الخبرِ عن أن الله طبَع على قلوبِ المتكبِّرين كلِّها، ومَن كان ذلك قراءتَه، كان قولُه: ﴿جَبَّارٍ﴾ مِن نعتِ ﴿مُتَكَبِّرٍ﴾.\nوقد رُوِى عن ابن مسعودٍ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (كذلكَ يَطْبَعُ اللهُ على قلبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (^٢).\nحدَّثني بذلك ابن يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثني حجاجٌ، عن هارونَ،\n_________\n(^١) قرأ أبو عمرو: (على كلِّ قلبٍ متكبرٍ) بتنوين قلبٍ، واختلف في ذلك عن ابن عامر. النشر ٢/ ٢٧٣.\n(^٢) مختصر الشواذ ص ١٣٣.","vol":"20","page":323},{"text":"أنه كذلك في حرفِ ابن مسعودٍ (^١).\nوهذا الذي ذُكِر عن ابن مسعودٍ مِن قراءتِه، يُحَقِّقُ قراءةَ مَن قرأ ذلك بإضافةِ \"قَلْب\" إلى \"المتكبِر\"؛ لأن تقديمَ \"كُلّ\" قبلَ \"القلبِ\"، وتأخيرَها بعدَه، لا يُغَيِّرُ المعنَى، بل مَعْنَى ذلك في الحالتَيْن واحدٌ. وقد حُكِى عن بعضِ العربِ سَماعًا: هو يُرَجِّلُ شعرَه يومَ كلِّ جمعةٍ. يَعْنى: كلَّ يومِ جمعةٍ. وأما أبو عمرٍو فقرَأ ذلك بتنوين \"القلبِ\" وتَرْكِ إضافتِه إلى \"متكبرٍ\"، وجعَل \"المتكبرَ\" و\"الجبارَ\" من صفةِ \"القلبِ\".\nوأَوْلَى القراءتَيْن في ذلك عندى بالصوابِ قراءةُ مَن قرأَه بإضافةِ \"القلبِ\" إلى \"المتكبرِ\"؛ لأن التكبُّرَ فِعْلُ الفاعلِ بقلبهِ، كما أن القاتلَ إذا قتَل قتيلًا، وإن كان قَتَلَه بيدِه، فإن الفِعْلَ مضافٌ إليه، وإنما القلبُ جارِحَةٌ مِن جَوارحِ المتكبرِ، وإن كان بها التَّكَبُّرُ، فإن الفعلَ إلى فاعِلِه مضافٌ، نظيرُ الذي قُلْنا في القتلِ. وذلك وإن كان كما قُلْنا فإن الأُخْرَى غيرُ مَدْفوعةٍ؛ لأن العربَ لا تَمْتَنِعُ (^٢) أن تقولَ: بَطَشَتْ يدُ فلانٍ، ورَأَتْ عَيْناهُ كذا، وفَهِم قلبُه. فتُضِيفُ الأفعالَ إلى الجوارحِ، وإن كانتْ في الحقيقةِ لأصحابِها.\n\n<span id=\"aya-4169\"></span><span data-type='title' id=toc-8049>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (٣٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال فرعونُ - لمَّا وعظَه المؤمنُ مِنْ آلِه بما وعظَه به، وزجَره عن قتلِ موسى نبيِّ اللهِ، وحَذَّره مِن بأسِ اللهِ على [قَتْلِهِ إِنْ قَتَلَهُ] (^٣) ما حَذَّره - لوزيرِه\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٨٣ عن الحجاج به.\n(^٢) في م: \"تمنع\".\n(^٣) في م: \"قيله اقتله\".","vol":"20","page":324},{"text":"وزيرِ السَّوءِ هامانَ: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾. يعني بِناءً. وقد بَيَّنا معنَى الصَّرْحِ فيما مضَى بشواهدِه (^١)، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ. ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى الأسبابِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: أسبابُ السماواتِ: طُرُقُها.\n\n<span id=\"aya-4170\"></span><span data-type='title' id=toc-8051>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا [عُبَيدُ اللهِ] (^٢) بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي صالحٍ: ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾. قال: طُرُقَ السماواتِ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾. قال: طُرُقَ السماواتِ (^٤).\nوقال آخرون: عَنَى بأسبابِ السماواتِ أبوابَ السماواتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8050>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾. وكان أوَّلَ مَن بنَى بهذا الآجُرِّ وطَبَخَه، ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾. أي: أبوابَ السماواتِ (^٥).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٨/ ٨١ - ٨٤، ٢٥٠، ٢٥٦.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"عبد الله\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) ينظر التبيان ٩/ ٧٦.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٠٥ عن بشر به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩١، ١٨١ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥١ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":325},{"text":"وقال آخرون: بل عَنَى به مَنْزِلَ السماءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8052>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾. قال: مَنْزِلَ السماءِ.\nوقد بَيَّنَا فيما مضَى قبلُ (^١)، أن السببَ هو كلُّ ما تُسُبِّبَ به إلى الوصولِ إلى ما يُطْلَبُ؛ مِن حبلٍ وسُلَّمٍ وطريقٍ، وغيرِ ذلك.\nفأَوْلَى قول بالصوابِ في ذلك أن يقالَ: مَعْناه: لَعَلِّى أَبْلُغُ مِن أسبابِ السماواتِ أسبابًا أَتَسَبَّبُ بها إلى رؤيةِ إله موسى، طُرُقًا كانت تلك الأسبابُ منها، أو أبوابًا، أو منازلَ، أو غيرَ ذلك.\nوقولُه: ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾. اخْتَلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَأَطَّلِعَ﴾؛ فقرأَتْ ذلك عامة قرأة الأمصارِ: (فأطَّلِعُ) بضَمِّ العينِ، رَدًّا به على قولِه: ﴿أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾، وعطفًا به عليه (^٢). وذُكِر عن حُميدٍ الأعرجِ أنه قَرَأه: ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ (^٣). نصبًا، جوابًا لـ \"لعل\" (^٤)، وقد ذكَر الفَرَّاءُ أن بعضَ العربِ أَنْشَدَه (^٥):\n_________\n(^١) تقدم في ١٥/ ٣٧١ - ٣٧٤، ٣٨١، ٣٨٤، ١٦/ ٤٧٨ - ٤٨٢.\n(^٢) قرأ عاصم في رواية حفص عنه: ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ نصبًا، وقرأ الباقون وعاصم في رواية أبي بكر عنه: (فأطَّلِعُ) رفعًا. السبعة لابن مجاهد ص ٥٧٠، وينظر النشر ٢/ ٢٧٣.\n(^٣) ينظر تفسير البغوي ٧/ ١٤٩، وتفسير القرطبي ١٥/ ٣١٥، والبحر المحيط ٧/ ٤٦٥.\n(^٤) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"لعلي\".\n(^٥) معاني القرآن للفراء ٣/ ٩، وينظر شرح شواهد المغنى للسيوطى ١/ ٤٥٤.","vol":"20","page":326},{"text":"عَلَّ (^١) صُرُوفَ الدَّهْرِ أو دُولاتِها\nيُدِلْنَنَا اللَّمَّةَ مِن لَمَّاتِها\nفتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِن زَفْراتِها\nفنَصَب \"تستريحَ\" على أنها جوابٌ لـ \"لَعَلَّ\".\nوالقراءةُ التي لا أَسْتَجِيزُ غيرَها الرفعُ في ذلك؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأَةِ عليه.\nوقولُه: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾. يقولُ: وإني لأَظُنُّ موسى كاذبًا فيما يقولُ ويَدَّعى من أن له في السماءِ ربًّا أَرْسَلَه إلينا.\nوقولُه: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: وهكذا زَيَّن اللهُ لفرعونَ حينَ عَنا عليه وتَمَرَّد قبيحَ عملِه، حتى سَوَّلَتْ له نفسُه بلوغَ أسبابِ السماواتِ؛ ليَطَّلِعَ إلى إلهِ موسى.\nوقولُه: ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾. اخْتَلَفتِ القرأةُ في قراءة ذلك؛ فَقَرَأَتُه عامةُ قرأَةِ البصرةِ (^٢) والكوفةِ: ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ بضمِّ الصادِ، على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه (^٣).\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾. قال: فُعِل ذلك به، زُيِّن له سوءُ عملِه، وصُدَّ عن السبيلِ (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: على. والدُّولات: جمع دُولَة وهو ما يُتداول. وكذلك الغَلَبة.\nويُدلننا: ينصُرننا. واللَّمَّة: الشِّدَّة. ينظر شرح شواهد المغنى ١/ ٤٥٤، وتاج العروس (ز ف ر).\n(^٢) في النسخ: \"المدينة\". وهو خطأ دلت عليه مصادر القراءات، وينظر ما سيأتي بعد قليل.\n(^٣) هي قراءة عاصم وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف. النشر ٢/ ٢٢٣.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥١ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد.","vol":"20","page":327},{"text":"وقرَأ ذلك حُميدٌ وأبو عمرٍو وعامةُ قرأَةِ المدينةِ (^١): (وَصَدَّ) بفتحِ الصادِ، بمعنى: وأَعْرَض فرعونُ عن سبيلِ اللهِ التي ابُتُعِثَ بها موسى اسْتِكْبارًا (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقال: إنهما قِراءَتان مَعْروفَتان في قرأَةِ الأمصارِ، فبأيَّتِهما قرأ القارئٌ فمصيبٌ.\nوقولُه: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما احتيالُ فرعونَ الذي كان يختالُه للاطِّلاعِ إلى إلهِ موسى، إلا في خَسارٍ وذَهَابِ مالٍ وغَبْنٍ؛ لأنه ذهَبَتْ نفقتُه التي أنْفَقَها على الصَّرْحِ باطلًا، ولم يَنَلْ بما أنفَق شيئًا مما أرادَه، فذلك هو الخَسارُ والتَّبابُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8053>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾. يقولُ: في خُسرانٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فِي تَبَابٍ﴾. قال: خَسارٍ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كَيْدُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"البصرة\".\n(^٢) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وأبى جعفر. السبعة ص ٥٧١ النشر ٢/ ٢٢٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤١ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥١ إلى ابن المنذر.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٨٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥١ إلى عبد بن حميد","vol":"20","page":328},{"text":"فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾. أي: في خَسارٍ وضلالٍ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾. قال: التَّبابُ والضَّلال واحدٌ.\n\n<span id=\"aya-4171\"></span><span data-type='title' id=toc-8054>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩)﴾.</span>\n\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخبرًا عن المؤمنِ باللهِ مِن آل فرعونَ: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ مِن قومِ فرعونَ لقومِه: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾. يقولُ: إن اتَّبَعْتُمونى فقَبِلْتم منى ما أقولُ لكم، بَيَّنْتُ لكم طريقَ الصوابِ الذي تَرْشُدون إذا أَخَذْتم فيه وسَلَكْتُموه، وذلك هو دينُ اللهِ الذي ابْتَعَث به موسى،\n\n<span id=\"aya-4172\"></span>﴿[يَاقَوْمِ] (^٢) إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾. يقولُ لقومِه: ما هذه الحياةُ (^٣) العاجلةُ التي عُجِّلَتْ لكم في هذه الدارِ، إلا متاعٌ تَسْتَمْتعون بها إلى أجلٍ أنتم بالِغوه، ثم تموتون وتزولُ عنكم، ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾. يقولُ: وإن الدارَ الآخرةَ هي (^٤) دارُ القرارِ التي تَسْتَقِرُّون فيها فلا تموتون ولا تزولُ عنكم. يقولُ: فلها فاعْمَلوا، وإياها فاطْلُبوا.\nوبنحوِ الذي قُلْنا في معنى قولِه: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾. قال\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨١ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"يقول\".\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الدنيا\".\n(^٤) في م: \"وهى\".","vol":"20","page":329},{"text":"أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8055>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾: اسْتَقَرَّتِ الجنةُ بأهلِها، واستقرَّتِ النارُ بأهلِها (^١).\n\n<span id=\"aya-4173\"></span><span data-type='title' id=toc-8057>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾.</span>\nيقولُ: مَن عمِل بمعصيةِ اللهِ في هذه الحياةِ الدنيا، فلا يَجْزيه اللهُ في الآخرةِ إلا سيئةً مثلَها، وذلك أن يعاقبَه بها، ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾. يقولُ: ومَن عمِل بطاعةِ اللهِ في الدنيا، وأْتَمَر لأمرِه، وانتهى فيها عمّا نهاه عنه؛ من رجُلٍ أو امرأةٍ، وهو مؤمنٌ باللهِ، ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾.\nيقولُ: فالذين يعملون ذلك من عبادِ اللهِ يدخلون في الآخرةِ الجنةَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8056>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾. أي: شِرْكًا، السيئةُ عندَ قتادةَ شركٌ، ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾؛ أي: خيرًا، ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (^١).\nوقولُه: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. يقولُ: يرزقُهم اللهُ في الجنةِ من\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥١ عبد بن حميد.","vol":"20","page":330},{"text":"ثمارِها، وما فيها من نعيمِها ولذّاتِها، بغيرِ حسابٍ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال: لا واللهِ ما هُناكُم مكيالٌ ولا مِيزانٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-4174\"></span><span data-type='title' id=toc-8059>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ هذا المؤمنِ لقومِه من الكفرةِ: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ﴾ [يا قومِ] (^٢) ﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾ مِن عذابِ اللهِ وعقوبتهِ، بالإيمانِ به واتّباعِ رسولِه موسى، وتصديقِه فيما جاءكم به من عندِ رَبِّه (^٣)، ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾. يقولُ: وتدعونني إلى عملِ أهلِ النارِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8058>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾. قال: الإيمانِ باللهِ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَا لِي\n_________\n(^١) تتمة الأثر السابق.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"ربكم\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٨٣، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢٩٩ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥١ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.","vol":"20","page":331},{"text":"أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾. قال: هذا مؤمنُ آلِ فرعونَ. قال: يدعونه إلى دينِهم والإقامةِ معهم (^١).\n\n<span id=\"aya-4175\"></span>وقولُه: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾. [يقولُ لهم: تدعونني إلى أن أكفرَ باللهِ] (^٢)، ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾. يقولُ: وأُشرِكَ باللهِ في عبادتِه أوثانًا، لستُ أعلمُ أنه يصلُحُ لى عبادتُها وإشراكُها في عبادةِ اللهِ؛ لأن الله لم يأذنْ لي في ذلك بخبرٍ ولا عقلٍ.\nوقولُه: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾. يقول: وأنا أدعوكم إلى عبادةِ العزيزِ في انتقامِه ممّن كفَر به، الذي لا يمنعُه إذا انتقم من عدوِّ له شيءٌ، الغفارِ لمن تاب إليه بعدَ معصيتِه إياه، بعفوِه (^٣) عنه، فلا يضرُّه شيءٌ مع عفوِه عنه، يقولُ: فهذا الذي هذه الصفةُ صفتُه، فاعبدوا؛ لا ما لا ضُرَّ عندَه ولا نفعَ.\n\n<span id=\"aya-4176\"></span><span data-type='title' id=toc-8061>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: حقًّا أن الذي تدعونني إليه من الأوثانِ، ليس له دعاءٌ في الدنيا ولا في الآخرةِ؛ لأنه جمادٌ لا ينطِقُ، ولا يفهم شيئًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8060>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٩/ ٧٩.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م: \"لعفوه\".","vol":"20","page":332},{"text":"قولَه: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا﴾. قال: الوثَنُ؛ ليس بشيءٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾. أي: لا يضرُّ ولا ينفعُ (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا﴾. [يقولُ: هذا الصنمُ لا يستجيبُ لأحدٍ في الدنيا] (^٣) ﴿وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ (^٤).\nوقولُه: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: وأن مرجعَنا ومنقلبَنا بعدَ مماتِنا إلى اللهِ، ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾. يقولُ: وأن المشركين باللهِ المتعدِّين حدودَه، القَتَلَةَ النفوسَ التي حرّم اللهُ قتلَها، هم أصحابُ نارِ جهنمَ، عندَ مرجعِنا إلى اللهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في معنى المسرفين في هذا الموضعٍ؛ فقال بعضُهم: هم سفَّاكو الدماءِ بغير حقِّها.\n\n<span data-type='title' id=toc-8062>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٨٣، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٢٩٩ -، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥١ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) بعده في ت ١: \"لأنه جماد\".\nوالأثر ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ١٥٠، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٣٥.","vol":"20","page":333},{"text":"النَّارِ﴾. قال: السفَّاكون (^١) الدماءَ بغيرِ حِلِّها (^٢).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه ﷿ ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾. قال: هم السفَّاكون للدماءِ بغيرِ حقِّها.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ﴾. قال: السفَّاكون الدماءَ بغيرِ حقِّها، ﴿هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾. قال: سمّاهم اللهُ مسرفين؛ فرعونَ ومَن معه.\nوقال آخرون: هم المشركون.\n\n<span data-type='title' id=toc-8063>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾. أي: المشركين (^٤).\nوقد بيَّنا معنى الإسرافِ فيما مضى قبلُ (^٥) بما فيه الكفايةُ من إعادتِه في هذا\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"السافكون\".\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"حقها\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٨٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥١ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٨١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥١ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":334},{"text":"الموضعِ (^١).\nوإنما اختَرنا في تأويلِ ذلك في هذا الموضعِ ما اختَرنا؛ لأن قائلَ هذا القولِ لفرعونَ وقومِه، إنما قصَد به فرعونَ؛ لكفرِه (^٢)، وما كان همَّ به من قتلِ موسى، وكان فرعونُ عاليًا عاتيًا في كفرِه باللهِ، سفَّاكًا للدماءِ التي كان محرَّمًا عليه سفكُها، وكلُّ ذلك مِن الإسرافِ، فلذلك اختَرنا ما اختَرنا من التأويلِ في ذلك.\n\n<span id=\"aya-4177\"></span><span data-type='title' id=toc-8065>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيل هذا المؤمنِ مِن آل فرعونَ لفرعونَ وقومِه: فستذكرون أيُّها القومُ إذا عاينتم عقاب اللهِ قد حلَّ بكم، [ولقِيتم ما] (^٣) لقيتموه - صِدْقَ ما أقولُ، وحقيقةَ ما أُخبرُكم به، من أن المسرفين هم أصحابُ النارِ.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدِ في قولِه: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾. فقلتُ له: أذلك في الآخرةِ؟ قال: نعم.\nوقولُه: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: وأُسلِمُ أمرِى إلى اللهِ، وأجعلُه إليه، وأتوكلُ عليه، فإنه الكافي مَنْ تَوَكَّلَ عليه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8064>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأُفَوِّضُ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٦/ ١١٩، ٤٠٨، ٤٠٩.\n(^٢) سقط من الأصل.\n(^٣) في الأصل: \"إذا\".","vol":"20","page":335},{"text":"أَمْرِى إِلَى اللَّهِ﴾، قال: أجعلُ أمرى إلى اللَّهِ.\nوقوله: ﴿إِنَّ الله بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، يقولُ: إن الله عالمٌ بأمور عبادِه، ومنِ المطيعُ منهم له والعاصى، والمستحقُّ جميل الثواب، والمستوجِبُ سيِّئَ العقابِ.\n\n<span id=\"aya-4178\"></span>وقوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾، يقول تعالى ذكره: فدفع الله عن هذا المؤمن من آل فرعونَ بإيمانِه به وتصديقه (^١) رسوله موسى - مَكْرُوهَ ما كان فرعونُ ينالُ به أهلَ الخلافِ عليه من العذابِ والبلاء، فنجَّاه منه.\n[وذكر أنه نجا مع موسى من الغرق] (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-8066>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾، قال: وكان قبْطِيًّا من قوم فرعون، فنجا مع موسى، قال: وذُكر لنا أنه كان بين يدَيْ موسى يومئذٍ يسير ويقولُ: أين أُمِرتَ يا نبيَّ اللهِ؟ فيقول له موسى: أمامَك. فيقول له المؤمنُ: وهل أمامى إلا البحرُ؟! فيقولُ موسى: أما (^٣) والله ما كَذَبتُ ولا كُذِبْتُ، ثم يَسيرُ ساعةً ويقولُ: أين أُمرتَ يا نبيَّ اللَّهِ؟ فيقولُ: أمامَك، فيقولُ: وهل أمامى إلا البحرُ؟! فيقولُ: لا والله ما كَذَبتُ ولا كُذِبْتُ. حتى [انتهى إلى] (^٤) البحر (^٥)، فانفلق اثنَىْ عشر طريقا، لكلِّ سبط طريقٌ (^٦).\nوقوله: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾، يقولُ: وحلَّ بآل فرعونَ، ووجب عليهم.\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"تصديق\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ٢، ٣: \"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل\".\n(^٣) في م: \"لا\".\n(^٤) في ص، ت ٢، ٣: \"أتى إلى\"، وفى م: \"أتى على\"، وفى ت ١: \"أتى\".\n(^٥) بعده في م: \"بعصاه\".\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٨١ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":336},{"text":"وغنَى بـ: ﴿آالِ فِرْعَونَ﴾، في هذا الموضعِ تُبَّاعه وأهل طاعته من قومه.\nكما حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي في قول الله ﷿: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾، قال: قوم فرعون.\nوعنى بقوله: ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾: ما ساءَهم من عذابِ الله، وذلك نار جهنم.\n\n<span id=\"aya-4179\"></span><span data-type='title' id=toc-8068>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره مبيِّنًا عن سوء العذابِ الذي حلَّ بهؤلاء الأشقياءِ مِن قوم فرعونَ: ذلك الذي حاق بهم من سوء عذاب اللهِ ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا [غُدُوا وَعَشِيًّا﴾، وإذا كان ذلك معناه كانت النار مرفوعةً بالردِّ على السوء إن شئتَ، وإن شئتَ بالراجع من ذكره في قوله: ﴿عَلَيْهَا﴾.\nقيل: عنى بقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾] (^١)، أنهم لما هلكوا وغرقهم الله، جعلت أرواحهم في أجوافٍ طَيْرٍ سودٍ، فهى تُعرَضُ على النارِ كلّ يوم مرَّتين؛ ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ إلى أن تقوم الساعةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8067>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن أبي قيسٍ، عن الهزيل (^٢) بن شرحبيل، قال: أرواح آل فرعون في أجواف طير سُودٍ، تَغْدو وتَرُوحُ على النارِ، وذلك عرضها (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"الهذيل\"، وفى ت: \"الهذلي\"، وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ١٧٢.\n(^٣) تفسير سفيان ص ٢٦٣، ومن طريقه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٦٥، ١٦٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥١ إلى هناد وعبد بن حميد.","vol":"20","page":337},{"text":"حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: بلغني أن أرواحَ قوم فرعونَ في أجوافِ طيرِ سُودٍ، تُعرَضُ على النارِ غدوًّا وعشيًّا، حتى تقومَ الساعة (^١).\nحدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، قال: ثنا حماد بن محمدٍ الفَزَارِيُّ البَلْخِيُّ، قال: سمعتُ الأوزاعيَّ وسأله رجلٌ فقال: رحمك الله، رأينا طيورًا تخرُجُ مِن البحرِ، تأخذُ ناحيةَ الغربِ، بيضًا، فوجًا فوجًا، لا يَعلَمُ عددَها إِلا اللَّهُ، فإذا كان العشيُّ رجع مثلها سودٌ (^٢). قال: وفَطِنتم إلى ذلك؟ قال (^٣): نعم. قال: إن ذلك (^٤) لطيورٌ (^٥) في حواصلِها أرواحُ آل فرعونَ، يُعرَضُون على النارِ غدوا وعشيًّا، فترجِع إلى وكورها وقد احترقت رياشُها، وصارت سوداءَ، فتَنبُتُ عليها من الليل رياشٌ بيضٌ، و[تتناثر السودُ] (^٦)، ثم تغدُو، ويُعرَضُون على النارِ غدوا وعشيًّا، ثم ترجِع إلى وكورها، فذلك دأبهم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة، قال الله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. قال (^٧): وكانوا يقولون: إنهم ستُّمائةِ ألفِ مقاتلٍ (^٨).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنى حرملة، عن سليمانَ بن حميدٍ، قال: سمعتُ محمد بن كعبٍ القرظيَّ يقولُ: ليس في الآخرة ليلٌ ولا نصف نهارٍ، وإنما هو بكرةٌ وعشيٌّ، وذلك في القرآن في آلِ فرعونَ: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، وكذلك قال لأهلِ الجنة: ﴿لَهَمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً\n_________\n(^١) ينظر تفسير البغوي ٧/ ١٥١.\n(^٢) في م: \"سودا\".\n(^٣) في م، ت ١: \"قالوا\".\n(^٤) في م: \"تلك\".\n(^٥) في م، ت ١: \"الطيور\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢: \"يتناثر السواد\"، وفى ت ٣: \"تتناثر السواد\".\n(^٧) في م: \"قالوا\".\n(^٨) أخرجه ابن أبي الدنيا في من عاش بعد الموت (٤٨) من طريق حماد به.","vol":"20","page":338},{"text":"وَعَشِيًّا﴾ (^١) [مريم: ٦٢].\nوقيل: عُنِى بذلك: أنهم يُعرَضون على منازلهم في النارِ؛ تعذيبًا لهم، غدوا وعشيًّا.\n\n<span data-type='title' id=toc-8069>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾. قال: يُعرضون عليها صباحًا ومساءً، يُقال لهم: يا آل فرعونَ، هذه منازلكم. توبيخًا ونقمةً وصغارًا لهم (^٢).\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾. قال: ما كانت الدنيا (^٣).\nوأولى الأقوال في ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن الله أخبر أن آلَ فرعونَ يُعرضون على النار غدوا وعشيا. وجائز أن يكون ذلك العرضُ على النار على نحو ما ذكرناه عن الهزيل (^٤) بن شُرحبيلَ ومَن قال مثلَ قوله، وأن يكونَ كما قال قتادة، ولا خبَرَ بذلك يُوجِبُ الحجة بأن ذلك المعنيُّ به؛ فلا قول في ذلك إلا ما دلَّ عليه ظاهرُ القرآنِ، وهو أنهم يُعرضون على النارِ غدوا وعشيًّا. وأصلُ الغدوِّ والعشى (^٥) مصادرُ جُعِلت أوقاتا.\nوكان بعض نحويِّى البصرةِ يقولُ في ذلك: إنما هو مصدرٌ، كما تقولُ: أتيتُه ظلامًا. جعله ظرفًا وهو مصدرٌ. قال: ولو قلتَ: موعدك غدوةٌ. أو: موعدُك\n_________\n(^١) ينظر تفسير القرطبي ١٥/ ٣١٩، والبحر المحيط ٧/ ٤٦٨.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٨٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣ \"الهذيل\"، وينظر ما تقدم في ص ٣٣٧.\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ويوم تقوم الساعة\".","vol":"20","page":339},{"text":"ظلامٌ. فرفعتَه، كما تقولُ: موعدك يوم الجمعة. لم يحسُن؛ لأن هذه المصادر وما أشبَهَها من نحو \"سَحَر\"، لا تُجعَلُ إلا ظرفًا. قال: والظرف كله ليس بمتمكنٍ.\nوقال نحويو (^١) الكوفة: لم نسمَع (^٢) في هذه الأوقات، وإن كانت مصادر، إلا التعريب؛ موعدك يومٌ، وموعدك صباحٌ ورواحٌ، كما قال جل ثناؤه: ﴿غُدُوهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]. فرفَع، وذكَروا أنهم سمِعوا: إنما الطيلسان شهران. قالوا: ولم نسمع (^٢) في الأوقاتِ النكرات إلا الرفع، إلا قولهم: إنما سخاؤُك أحيانًا. وقالوا: إنما جاز ذلك؛ لأنَّه بمعنى: إنما سخاؤُك الحين بعد الحين. فلما كان تأويله الإضافةَ نُصِب.\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾.\nاختلفتِ القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق، سوى عاصم وأبى عمرو: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾. بفتح الألفِ مِن ﴿أَدْخِلُوا﴾ في الوصل والقطع (^٣)، بمعنى الأمرِ بإدخالهم النارَ. وإذا قُرِئ ذلك كذلك كان الآل (^٤) نصبًا بوقوع ﴿أدْخِلُوا﴾ عليه. وقرأ ذلك عاصمٌ وأبو عمرٍو: (ويومَ تقُومُ السَّاعَةُ ادخُلُوا). [على وجه الأمرِ لآلِ فرعون بالدخولِ إذا قامت الساعة] (^٥)، بوصلِ الألف وسقوطها في الوصل من اللفظ، وبضمِّها إذا ابتُدئ بعد الوقفِ على الساعة (^٦). ومَن قرأ ذلك كذلك كان الآلُ] (^٤) على قراءته نصبا بالنداءِ؛ لأن معنى الكلام على قراءته: ادْخُلُوا يا آل فرعون أشدَّ العذاب.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣: \"نحوى\"، وفى ت ١: \"بعض نحويي\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يسمع\".\n(^٣) هي قراءة نافع وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٧٢.\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأول\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٧٢.","vol":"20","page":340},{"text":"والصوابُ من القولِ في ذلك عندى أن يُقالَ: إنهما قراءتانِ معروفتانِ، متقاربنا المعنى، قد قرَأ بكلِّ واحدة منهما جماعةٌ من القرأة، فبأيتِهما قرأ القارئ فمصيبٌ. فمعنى الكلام إذن: ويوم تقومُ الساعةُ يقالُ لآلِ فرعونَ: ادْخلوا يا آلَ فرعونَ أشد العذاب. فهذا على قراءةِ مَن وصل الألفَ مِن ﴿أَدْخِلُوا﴾ ولم يقطَعْ، ومعناه على القراءة الأخرى: ويوم تقومُ الساعةُ يقولُ الله لملائكته: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾.\n\n<span id=\"aya-4180\"></span><span data-type='title' id=toc-8070>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨]، ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾. يقولُ: وإذ يَتخاصَمون في النارِ. وعُنِى بذلك: إذ يتخاصَمُ الذين أمَر رسولُ الله ﷺ بإنذارهم مِن مُشْرِكى قومه في النارِ، ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ﴾ منهم [في الدنيا] (^١)، وهم التُّبَّاعُ (^٢) [﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ منهم وهم المتبوعون] (^٣) على الشركِ باللهِ: ﴿إنا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾. تقولُ لرُؤسائهم الذين اتَّبَعوهم على الضلالةِ: إنا كنا لكم في الدنيا تبعا على الكفر باللهِ، ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ﴾ اليومَ ﴿عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾. يَعْنُون: حَظًّا، فَتُخَفِّفونه (^٤) عَنَّا، فقد كُنَّا نسارع في محبتكم في الدنيا، ومن قبلكم أُتينا، لولا أنتم لكُنَّا في الدنيا مؤمنين، فلم يُصِبْنا اليومَ هذا البلاءُ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المبتدعون\"، وفى م: \"المتبعون\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م: \"فتخففوه\".","vol":"20","page":341},{"text":"والتَّبَعُ يكون واحدًا وجماعةً في قول بعض نحويِّى البصرةِ، وفي قولِ بعضِ نحويِّى الكوفةِ جمعٌ لا واحدَ له؛ لأنَّه كالمصدر. قال: وإن شئت كان واحده \"تابع\"، فيكون مثل خائل وخَوَلٍ، وغائب وغَيَبٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-4181\"></span>والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنه جمعٌ، واحده تابع، وقد يجوز أن يكون واحدًا، فيكون جمعه \"أتباع\".\nفأجابهم [المتبوعون بما أخبر الله عنهم؛ ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهم الرؤساء المَتْبُوعون] (^٢) على الضلالة في الدنيا: إنَّا أيُّها القوم وأنتم، كُلُّنا في هذه النارِ مُخَلَّدون، لا خلاص لنا منها، ﴿إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ بِفَصْلِ قضائِه، فأسكن أهل الجنة الجنةَ، وأهل النارِ النارَ، فلا نحن مما نحن فيه من البلاءِ خارجون، ولا هم مما هم فيه من النعيم مُنْتَقِلون.\nورفع قوله: ﴿كُلٌّ﴾. بقوله: ﴿فِيهَا﴾. ولم يُنْصَبْ على النعتِ.\nوقد اختلف في جواز النصب في ذلك في الكلام. وكان بعضُ نحويِّي البصرةِ يقولُ: إذا لم تُضَفْ \"كلّ\" لم يجز الإتباعُ.\nوكان بعض نحويِّى الكوفة يقولُ: ذلك جائزٌ في الحذفِ وغير الحذفِ؛ لأن أسماءَها إذا حذفت اكتفى بها منها.\nوقد بَيَّنا الصوابَ من القول في ذلك فيما مضَى، بما أغنى عن إعادته (^٣).\n\n<span id=\"aya-4182\"></span><span data-type='title' id=toc-8071>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ</span>\n_________\n(^١) ينظر اللسان (ت ب ع).\n(^٢) في ت ٢، ت: ٣ \"المتبعون\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٦/ ١٦٨.","vol":"20","page":342},{"text":"بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠)﴾.\nيقول تعالى ذكرُه: وقال أهل جهنم لخزنتها وقُوَّامِها؛ استغاثةً بهم من عظيم ما هم فيه من البلاء، ورجاءً أن يجدوا من عندهم فَرَجًا: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ لنا، ﴿يُخَفَّفَ عَنَّا يَوْمًا﴾ واحدًا، يعنى: قَدْرَ يوم واحدٍ من أيامٍ الدنيا، ﴿مِّنَ الْعَذَابِ﴾ الذي نحن فيه.\nوإنما قلنا: معنى ذلك: قَدْرَ يومٍ من أيامِ الدنيا؛ لأن (^١) الآخرة يوم لا ليلَ بعده (^٢) فيقال: خَفِّف عنهم يوما واحدا.\n\n<span id=\"aya-4183\"></span>وقوله: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيَّنَتِ﴾. يقول تعالى ذكره: قالت خَزَنةُ جهنم لهم: أو لم تَكُ تأتيكم في الدنيا رُسُلُكم بالبينات من الحججِ على توحيدِ اللهِ، فتُوحِّدوه وتؤمِنوا به وتَتبرَّءُوا مما دونَه مِن الآلهة؟ قالوا: بلى، قد أتثنا رُسُلُنا بذلك.\nوقوله: ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: قالت الخزنة لهم: فادْعُوا إذن ربَّكم الذي أَتَتكم الرسلُ بالدعاء إلى الإيمان به.\nوقوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠)﴾. يقولُ: فَدَعَوا (^٣)، وما دعاؤُهم إلا في ضلال؛ لأنَّه دعاء لا ينفعهم ولا يجاب (^٤) لهم، بل يقال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلَّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].\n\n<span id=\"aya-4184\"></span><span data-type='title' id=toc-8072>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فِي</span>\n_________\n(^١) بعده في م: \"يوم\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيه\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ٢، ت ٣: \"قد دعوا\".\n(^٤) في م: \"يستجاب\".","vol":"20","page":343},{"text":"الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾.\nيقول القائل: وما معنى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. وقد علمنا أن منهم من قتله أعداؤُه ومَثَّلوا به؛ كشَعْيا (^١) ويحيى بن زكريا وأشباههما، ومنهم مَن هَمَّ بقتله (^٢) قومه، فكان أحسنَ أحواله أن تَخلَّص (^٣) منهم حتى فارَقهم ناجيًا بنفسه؛ كإبراهيم الذي هاجر إلى الشامِ من أرضِه، مفارقًا لقومِه، وعيسى الذي رُفع إلى السماءِ إذ أراد قومه قتله؟ فأين النُّصْرَةُ التي أخبرنا أنه ينصُرُها رُسُلَه والمؤمنين به في الحياة الدنيا، وهؤلاء أنبياؤُه قد نالهم من قومهم ما قد علِمتَ، وما نُصِروا على من نالهم بما نالهم به؟\nقيل: إن لقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. وجهَين، كلاهما صحيحٌ معناه؛ أحدهما: أن يكون معناه: إنا لنَنْصُرُ رُسُلَنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا؛ إما بإغلائِناهم على مَن كَذَّبَنا وإظفارِناهم (^٤) بهم، حتى يَقْهَروهم غَلَبَةً (^٥)، ويُذِلُّوهم بالظَّفَرِ ذِلَّةً - كالذى فعل من ذلك بداود وسليمانَ، فأَعْطَاهما مِن المُلْكِ والسلطانِ ما قَهَرا به كلَّ كافرٍ، وكالذي فعل بمحمد ﷺ من إظهارِه على مَن كذَّبه مِن قومه - وإمَّا بانتقامنا ممن حادَّهم وشاقَّهم؛ بإهلاكهم وإنجاءِ الرسلِ ممن كذَّبهم وعاداهم - كالذي فعَل تعالى ذكره بنوحٍ وقومه من تَغْريقِ قومه وإنجائه منهم، وكالذي فعل بموسى وفرعون وقومه إذ أهلكهم غَرَقًا، ونجَّى موسى ومن آمن به (^٦) من بني إسرائيل وغيرهم، ونحو ذلك - أو بانتقامنا في الحياة\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"كشعيبا\".\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"به\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يخلص\".\n(^٤) في م: \"وإظفارنا\"، وفى ت ٢، ت: \"وأظفرناهم\".\n(^٥) في الأصل: \"عليه\"، وسقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في ت ٢، ت ٣: \"معه\".","vol":"20","page":344},{"text":"الدنيا من مُكَذِّبِيهم بعد وفاةِ رسولنا من بعدِ مَهْلِكهم، كالذي فعلنا مِن نُصْرتِنا شَعْيا بعدَ مَهْلكه، بتَسْليطنا على قَتَلتِه مَن سلَّطنا حتى انتصَرنا بهم من قَتلته، وكفعلنا بقتلة يحيى، مِن تَسْليطنا بُخْتَنَصَّرَ عليهم حتى انتصرنا به [وبجنده] (^١) من قتلته (^٢) له، وكانتصارنا لعيسى مِن مُريدى قتله بالروم حتى أهلكناهم بهم.\nفهذا أحد وجهَيه. وقد كان بعض أهل التأويل يُوجِّه معنى ذلك إلى هذا الوجه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8073>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ قولَ اللهِ: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: قد كانت الأنبياء والمؤمنون يُقْتَلون في الدنيا، وهم مَنْصُورون، وذلك أن تلك الأمة التي تفعل ذلك بالأنبياء والمؤمنين لا تذهب حتى يبعث الله قومًا، فينتصر بهم لأولئك الذين قتلوا منهم (^٣).\nوالوجه الآخرُ أن يكون هذا الكلام على وجه الخبر عن الجميع من الرسل والمؤمنين، [والمعنيُّ به خاصٌّ من الرسل والمؤمنين] (^٤)، فيكون تأويل الكلام حينئذٍ: إنا لننصُرُ رسولنا (^٥) محمدًا ﷺ والذين آمنوا به في الحياة الدنيا، ويوم يقومُ الأشهادُ، كما قد بيَّنا فيما مضَى أن العرب تُخرج الخبر بلفظ الجميعِ، والمراد واحدٌ إذا لم تَنْصِبْ للخبرِ شخصًا بعَيْنِه (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"قتله\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت: ٣: \"والمراد واحد\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رسلنا\".\n(^٦) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٣٤.","vol":"20","page":345},{"text":"<span id=\"aya-4185\"></span>واختلفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأة المدينة والكوفةِ: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ بالياء، و: ﴿يَنفَعُ﴾ أيضًا بالياء (^١). وقرأ ذلك بعضُ أهل مكة وبعضُ قرأةِ البصرة: (تَقُومُ) بالتاءِ، و: (تَنْفَعُ) بالتاء) (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ. وقد بينا فيما مضَى أن العرب تذكُرُ فعلَ جمع الرجل وتُؤَنِّثُ إذا تقدَّم، بما أغنى عن إعادته (^٣).\nوعنى بقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾: يومَ يقوم الأشهادُ من الملائكةِ والأنبياء والمؤمنين على الأممِ المُكَذِّبِةِ رُسُلَها، بالشهادة بأن الرسل قد بلغتهم رسالاتِ ربِّهم، وأن الأم كذَّبَتهم. والأشهاد جمعُ شهيدٍ، كما الأشرافُ جمعُ شريفٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8074>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾: من ملائكة الله وأنبيائه والمؤمنين به (^٤).\nحدَّثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (^٥): يوم القيامة.\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٥٧٢.\n(^٢) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. المصدر السابق.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٥/ ٣٦٣ - ٣٦٥.\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٨٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) بعده في ت ٢ ت ٣: \"من ملائكة الله وأنبيائه والمؤمنين\".","vol":"20","page":346},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيان، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ في قولِ الله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. قال: الملائكة (^١).\nوقولُه: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾. يقول تعالى ذكره: ذلك يوم لا ينفعُ أهلَ الشركِ اعتذارهم؛ لأنهم لا يعتذرون إن اعتذروا إلا باطلٍ، وذلك أن الله قد أعذر إليهم في الدنيا، وتابع عليهم الحُجَجَ فيها، فلا حُجَّةَ لهم في الآخرة إلا الاعتصام بالكذب، [وأن] (^٢) يقولوا: ﴿واللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].\nوقوله: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾. يقولُ: وللظالمين اللَّعْنَةُ، وهي البُعْدُ مِن رحمةِ اللهِ، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾. يقولُ: ولهم مع اللعنة مِن اللهِ شَرُّ ما في الدارِ الآخرة، وهو العذاب الأليم.\n\n<span id=\"aya-4186\"></span><span data-type='title' id=toc-8075>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ولقد آتينا موسى البيان للحقِّ الذي بعثناه به، كما آتينا ذلك محمدًا ﷺ، فكذَّب به فرعون وقومه، كما كذَّبَت قريش محمدا ﷺ، ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَاءِيلَ الْكِتَابَ﴾. يقولُ: وأورثنا بني إسرائيل التوراة، فعَلَّمناهموها، وأنزَلْناها إليهم، ﴿هُدًى﴾.\n\n<span id=\"aya-4187\"></span>يعنى: بيانًا لأمرِ دينهم، وما ألزمناهم من فرائضنا (^٣)، ﴿وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ﴾. يقولُ: وتَذْكيرًا مِنا لأهلِ الحجا والعقول منهم بها.\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٢٦٣، ومن طريقه أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٣٤٢).\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بأن\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فرائضها\".","vol":"20","page":347},{"text":"<span id=\"aya-4188\"></span>وقولُه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. يقولُ تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فاصبر يا محمد لأمرِ ربِّك، وانفذ لما أرسَلك به من الرسالةِ، وبلِّغْ قومك ومَن أُمرتَ بإبلاغه ما أُنزل إليك، وأيقن بحقيقة وعد الله الذي وعدك؛ مِن نُصْرَتِكَ ونُصْرَةِ مَن صدَّقكَ وآمن بك، على مَن كذَّبك وأنكَر ما جئتَه به مِن عندِ ربِّك، إن وعد الله حقٌّ لا خُلْفَ له، وهو [منجزه لك] (^١)، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾. يقولُ: وسَلْه غفران ذنبِك، وعفوه لك عنه، ﴿وَسَبَّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾. يقولُ: وصَلِّ بالشكر منك لربك، ﴿بِالْعَشِيِّ﴾، وذلك من زوال الشمس إلى الليلِ، ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾، وذلك من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس.\nوقد وَجَّه قومُ الإبكار إلى أنه من طلوع الشمسِ إلى ارتفاعِ الضُّحَى، وخُرُوجِ وقتِ الضُّحَى، والمعروف عند العرب القول الأول.\nواختلف أهلُ العربية في وَجْهِ عطف الإبكارِ، والباء غيرُ حسن دخولها فيه؛ على العَشِيِّ، والباءُ تحسُنُ فيه؛ فقال بعضُ نحويى البصرة: معنى ذلك: وسبِّح بحمد ربك بالعشيِّ وفى الإبكارِ. وقال: قد يقالُ: بالدار زيدٌ. يراد: في الدارِ زيد. وقال غيره: إنما قيل ذلك كذلك؛ لأن معنى الكلام: صلِّ بالحمدِ بهذين الوقتَين، وفى هذين الوقتين. فإدخال \"الباءِ\" و\"في\" واحدٌ فيهما.\n\n<span id=\"aya-4189\"></span><span data-type='title' id=toc-8076>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: إن الذين يُخاصمونك يا محمد فيما أتيتهم به من عندِ ربِّك مين الآيات، ﴿يغيرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾. يقولُ: بغيرِ حُجَّةٍ جَاءَتْهم من عندِ اللهِ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"منجز له\".","vol":"20","page":348},{"text":"بمخاصمتك فيها، ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبَرٌ﴾. يقولُ: ما في صُدُورِهم إلا كبرٌ يتكبرون مِن أجله عن اتباعِك وقبول الحقِّ الذي أتيتهم به؛ حسدًا منهم على الفضلِ الذي آتاك الله، والكرامة التي أكرمك بها مِن النُّبُوةِ، ﴿ما هُم بِبَالِغِيهِ﴾. يقول: الذي حسدوك عليه أمرٌ ليسوا بمدُرِكيه ولا نائليه؛ لأن ذلك فضلُ اللهِ يُؤتيه من يشاءُ، وليس بالأمر الذي يُدْرَكُ بالأمانيِّ.\nوقد قيل: إن معناه: إن في صدورهم إلا عظمةٌ، ما هم يبالغى تلك العظمةِ؛ لأن الله مُذِلُّهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-8077>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِن في صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾. قال: عَظَمةٌ (^١).\nوبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِي ءَايَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾. قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8078>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾: لم يأتِهم بذلك سلطان.\nوقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. يقولُ تعالى ذكره: فاسْتَجِرْ بالله يا محمد، من شرِّ هؤلاء الذين يُجادِلون في آيات الله بغيرِ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٨٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":349},{"text":"سلطانٍ، ومن الكبْرِ؛ أن يَعْرِضَ في قلبك منه شيء، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. يقولُ: إن الله هو السميع لما يقولُ هؤلاء المجادلون في آياتِ اللهِ وغيرهم من قول، البصير بما تعمَلُه جَوارحُهم، لا يخفى عليه من ذلك شيءٌ.\n\n<span id=\"aya-4190\"></span><span data-type='title' id=toc-8079>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: لَابْتِداعُ السماوات والأرضِ وإنشاؤها من غيرِ شيء، أعظم أيُّها الناسُ عندكم - إن كنتم مُسْتَعْظِمى خلقِ الناس وإنشائهم من غير شيءٍ - من خلق الناس، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون أن خلق جميع ذلك هَيِّنٌ على الله.\n\n<span id=\"aya-4191\"></span><span data-type='title' id=toc-8080>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (^١) (٥٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وما يَسْتَوى الأعْمَى الذي لا يُبْصِرُ شيئًا، وهو مَثَلُ الكافر الذي لا يتأمَّلُ حُجَجَ اللهِ بعَيْنَيه فيتَدبَّرَها ويعتبر بها، فيعلم وحدانيته وقدرته على خلقِ ما شاء من شيء، ويؤمِنَ به ويُصدِّقَ، ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ الذي يرى بعينيه ما شَخَص لهما ويُبصِرُه، وذلك مَثَلٌ للمؤمن الذي يرى بعينيه حُجَجَ اللهِ، فيُفكِّرُ (^٢) فيها ويتَّعِظُ بها (^٣)، ويعلمُ ما دلَّت عليه من توحيد صانعه، وعظيمِ سلطانِه، وقدرته على خلق ما يشاءُ. يقولُ جلَّ ثناؤه: كما لا يَسْتَوِى هذا الأعمى الذي وصفنا صفته وهذا البصير، كذلك لا يَسْتَوى الكافرُ والمؤمنُ.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقول جل ثناؤه: ولا يَسْتوى أيضًا كذلك المؤمنون بالله ورسوله المطيعون لربهم، ﴿وَلَا الْمُسِيءْ﴾، وهو الكافرُ\n_________\n(^١) هنا وفيما يأتى في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يتذكرون\"، وسيأتي بيان القراءة بها.\n(^٢) في م، ت ٣: \"فيتفكر\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":350},{"text":"بربِّه، العاصي له، المخالفُ أمرَه، ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾. يقول جل ثناؤه: قليلا ما تتذكَّرون أيها الناسُ حُجَجَ الله، فتعتبرون وتتَّعظون. يقولُ: لو تَذَكَّرتم آياته واعتبرتم، لعرفتم خطأ ما أنتم عليه مقيمون من إنكاركم قدرة الله على إحيائه من فَنِيَ من خلقه من بعدِ الفَناءِ، وإعادته (^١) لحياتهم من بعد وفاتهم، وعلمتم قُبْحَ شرككم من تُشْرِكون في عبادة ربِّكم.\nواختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾؛ فقرأت ذلك عامة قرأة المدينة والبصرةِ: (يَتَذَكَّرون) بالياء على وجه الخبر (^٢). وقرأته عامة قرأة الكوفة: ﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾ بالتاءِ على وجه الخطاب (^٣)، والقولُ في ذلك عندنا أن القراءة بهما صوابٌ.\n\n<span id=\"aya-4192\"></span><span data-type='title' id=toc-8081>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: إن الساعة التي يُحيى الله فيها الموتى للثواب والعقاب لجائيةٌ أيُّها الناسُ، لا شكَّ في مجيئها. يقولُ: فأيقنوا بمجيئها، وأنكم مبعوثون من بعدِ مماتكم، ومُجازَوْن بأعمالكم، فتوبوا إلى ربِّكم، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: ولكن أكثر قريشٍ لا يُصَدِّقون بمجيئِها.\n\n<span id=\"aya-4193\"></span>وقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. يقول تعالى ذكره: يقولُ ربُّكم أيها الناسُ لكم: ﴿ادْعُونِي﴾. يقولُ: اعبدوني وأخلصوا لي العبادةَ، دونَ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إعادتهم\".\n(^٢) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب. النشر ٢/ ٢٧٣.\n(^٣) هي قراءة عاصم وحمزة والكسائى وخلف. المصدر السابق.","vol":"20","page":351},{"text":"ما (^١) تعبدون من دونى؛ من الأوثانِ والأصنام وغير ذلك، ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.\nيقولُ: أَجِبْ دعاءَكم، فأعفُو عنكم وأرحمُكم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8082>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. يقولُ: وَحِّدونى أغفرْ لكم (^٢).\nحدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا عبد الله بن داودَ، عن الأعمش، عن ذَرٍّ (^٣)، عن يُسَيْعٍ الحضرميِّ، عن النعمان بن بشيرٍ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"والدُّعاءُ هو (^٤) العبادة\". وقرأ رسولُ الله ﷺ: \" ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ \" (^٥).\nحدثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ والأعمش، عن ذَرٍّ (^٣)، عن يُسَيْع الحَضْرَميِّ، عن النعمان بن بشيرٍ، قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: \"الدعاءُ هو (^٤) العبادةُ، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ \" (^٦).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"من\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤١ - من طريق أبي صالح به، وأبو الشيخ في العظمة (١٦٩) من طريق آخر عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٥ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في م: \"زر\". وينظر تهذيب الكمال ٨/ ٥١١.\n(^٤) في الأصل: \"هي\".\n(^٥) أخرجه النَّسَائِي في الكبرى (١١٤٦٤)، والطبراني في الدعاء (٤)، (٦) من طريق عبد الله عن الأعمش به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٢٠٠، وأحمد ٣٠/ ١٣٨٠ (١٨٤٣٢)، وابن ماجه (٣٨٢٨)، والترمذى (٢٩٦٩، ٣٣٧٢)، والطبراني في الصغير (٢/ ٩٧)، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ١٢٠، والبزار (٣٢٤٢) من طريق الأعمش عن ذر به.\n(^٦) أخرجه أحمد ٣٠/ ٣٨٢ (١٨٤٣٦)، والبزار (٣٢٤٣)، والحاكم ١/ ٤٩٠، ٤٩١، والبيهقي في شعب الإيمان (١١٠٥) من طريق عبد الرحمن به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٢، ١٨٣ - ومن طريقه أحمد ٣٠/ ٢٩٧ (١٨٣٥٢) - والطبراني في الدعاء (١)، والبغوى في السنة (١٣٨٤) وغيرهم من طريق سفيان به.","vol":"20","page":352},{"text":"حدَّثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصورٍ، عن [ذَرٍّ، عن يُسَيْعٍ، قال أبو موسى: هكذا قال غُنْدَرٌ، عن شعبة (^١)، عن منصورٍ، عن ذَرٍّ] (^٢)، عن يُسَيعٍ، عن النعمان بن بشيرٍ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الدعاء هو (^٣) العبادةُ، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ \" (^٤).\nحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بنُ مَهدِيٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصور، عن ذَرٍّ (^١)، عن يُسَيعٍ، عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ مثله.\nحدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا يوسف بن الغَرقِ (^٥) الباهليُّ، عن الحسن بن أبى جعفر، عن محمد بن جحادَةَ، عن يُسَيْعٍ الحضرميِّ، عن النعمان بن بشيرٍ، قال: قال رسول الله ﷺ: \" [قال الله] (^٦) ﵎: إن عِبادَتي دُعائى\". ثم تلا هذه الآية: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾. قال: \"عن دعائى\".\nحدثنا عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا عُمارة، عن ثابتٍ، قال: قلتُ لأنسٍ: يا أبا حمزةَ، أبَلَغَك أن الدعاء نصفُ العبادة؟ قال: لا، بل هو (^٧) العبادة كلُّها.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سعيد\"، والمثبت هو الصواب.\n(^٢) في م: \"زر\".\n(^٣) في الأصل: \"هي\".\n(^٤) أخرجه أحمد ٣٠/ ١٣٨٢ (١٨٤٣٧) عن محمد بن جعفر به، وابن المبارك في الزهد (١٢٩٨)، والطيالسي (٨٣٨)، والبخارى في الأدب المفرد (٧١٤) وأبو داود (١٤٧٩)، والطبراني في الدعاء (٢)، والبيهقي في الشعب (١١٠٥) من طريق شعبة عن منصور به، وأخرجه ابن حبان (٨٩٠)، والطبراني في الدعاء (٣) وغيرهم من طريق منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٥ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) في م: \"العرف\". وينظر، الإكمال ٧/ ١٠، والجرح والتعديل ٩/ ٢٢٧.\n(^٦) سقط من: ص، م، وفى ت ٢: \"قال\".\n(^٧) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هي\".","vol":"20","page":353},{"text":"حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال ثنا أسباط (^١)، قال: أخبرنا منصور، عن ذَرٍّ (^٢)، عن يُسَيْعٍ الحَضْرميِّ، عن النعمان بن بشيرٍ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"الدعاء هو العبادةُ\". ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ \".\nحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن الأشجعيِّ، قال: قيل لسُفْيانَ: ادعُ الله. قال: إِنَّ تركَ الذنوب هو الدعاءُ (^٣).\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾. يقولُ: إن الذين يَتَعظَّمون عن إفْرادى بالعبادة وإخلاص (^٤) الألوهة لي، ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. بمعنى: صاغرين. وقد دلَّلنا فيما مضى قبلُ على معنى الدَّخَرِ بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (^٥).\nوقد قيل: إن معنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾: إن الذين يَسْتكبِرون عن دُعائى.\n\n<span data-type='title' id=toc-8083>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضلِ، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾. قال: عن دُعائى. [وقوله] (^٦): ﴿دَاخِرِينَ﴾. قال: صاغِرِين (^٧).\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن السدى\". وينظر تهذيب الكمال ٣/ ١٣٢.\n(^٢) في م: \"زر\".\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٣٩٣ من طريق أبي النضر هاشم بن القاسم به.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إفراد\".\n(^٥) ينظر ما تقدم في ١٤/ ٢٤٢، ٢٤٣.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط عن السدي\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٥، ٣٥٦ إلى المصنف.","vol":"20","page":354},{"text":"<span id=\"aya-4194\"></span><span data-type='title' id=toc-8084>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: الله الذي لا تصلُحُ الألوهة إلا له، ولا تنبغى العبادة لغيره، الذي صفته أنه جعل لكم أيُّها الناسُ الليلَ سَكَنَا لتَسْكُنوا فيه، فتَهْدَءُوا مِن التصرُّفِ والاضطراب للمعاشِ، والأسباب التي كنتم تتصرفون لها (^١) في نهاركم، ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾. يقولُ: وجعَل النهارَ مُبْصِرًا لمن (^٢) اصطَرف (^٣) فيه لمعاشِه، وطلَبِ حاجاتِه؛ نعمةً منه بذلك عليكم، ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾.\nيقولُ: إن الله لمتفضِّلٌ عليكم أيُّها الناسُ بما لا كُفْءَ له مِن الفضلِ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: ولكن [أكثركم لا تشكُرونه] (^٤) بالطاعة له، وإخلاص الألوهة والعبادة له، [ولكنه يَعْبُدُ معه ما يَضُرُّه ولا يَنْفَعُه، من غير نعمةٍ قد سلفت له إليه] (^٥)، ولا يد تقدَّمَت له عندَه استوجب بها منه الشكرَ عليها.\n\n<span id=\"aya-4195\"></span><span data-type='title' id=toc-8085>القول في تأويل قوله جلَّ وعزَّ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: الذي فعل هذه الأفعال، وأنعَم عليكم هذه النعم أيها الناسُ، الله مالِكُكم ومُصْلِحُ أموركم، وهو خالقكم وخالق كلِّ شيءٍ، ﴿لَا إِلَهَ\n_________\n(^١) في م: \"فيها\".\n(^٢) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٣) في م: \"اضطرب\"، وفى ت ١: \"اضطر\"، ويقال: فلان يصرف ويتصرف ويصطرف لعياله. أي: يكتسب لهم. ينظر اللسان (ص ر ف).\n(^٤) في م: \"أكثرهم لا يشكرون\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":355},{"text":"إلَّا هُوَ﴾. يقول: لا معبود تصلح له العبادة غيره، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ: فَأَيَّ وجهٍ تأخُذون؟ وإلى أين تذهبون عنه فتعبُدون سواه؟\n\n<span id=\"aya-4196\"></span>وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣)﴾. يقولُ: كذَهابكم عنه أيُّها القومُ، وانصرافكم عن الحق إلى الباطل، والرشد إلى الضلال، ذهب عنه الذين كانوا من قبلكم من الأمم ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ - يعنى: بحُجَجِ اللهِ وأدلته - يُكذَّبون فلا يؤمنون. يقولُ: فسلكتُم أنتم معشر قريش مسلكهم، وركبتُم مَحَجَّتَهم في الضلالِ.\n\n<span id=\"aya-4197\"></span><span data-type='title' id=toc-8086>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ﴿اللَّهُ﴾ الذي له الألوهةُ خالصةً أيُّها الناسُ، ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ﴾ التي أنتم على ظهرها سكان، ﴿قَرَارًا﴾ تستقرون عليها، وتسكنون فوقها، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾، بناها فرقعها فوقكم بغيرِ عَمَدٍ تَرَونها، لمصالحكم، وقوام دنياكم إلى بلوغ آجالِكم، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾. يقولُ: وخلقكم فأحسن خلقكم، ﴿وَرَزَقَكُم مَّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾. يقولُ: ورزقكم من حلال الرزق ولذيذات المطاعمِ والمشاربِ.\nوقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ﴾. يقول تعالى ذكره: فالذي فعل هذه الأفعال، وأنعم عليكم أيها الناس هذه النعم، هو الله الذي لا تَنْبَغى الألوهةُ إلا له، وربُّكم الذي لا تصلُحُ الربوبية لغيره، لا الذي لا ينفعُ ولا يضُرُّ، ولا يخلُقُ ولا يرزُقُ، ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. يقول: فتبارك الله مالك جميعِ","vol":"20","page":356},{"text":"الخلقِ؛ جنِّهم وإنسهم، وسائر أجناس الخلقِ غيرهم، ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾. يقولُ: هو الحيُّ الذي لا يموتُ، الدائم الحياةِ، وكلُّ شيءٍ سواه فمنقطع الحياة غير دائمها، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا معبودَ (^١) تجوز عبادتُه، وتصلُحُ الألوهة له، إلا الله الذي هذه الصفات [صفته، ﴿فَادْعُوهُ (^٢) مُخْلِصِينَ لَهُ الدَّين﴾. يقولُ، فاعْبُدوا الإله الذي هذه الصفاتُ] (^٣) صفاتُه [أيُّها الناسُ] (^٤) مخلصين له الطاعة، مفردين له الألوهةَ، لا تشركوا في عبادته شيئًا سواه؛ مِن وَثَن وصنمٍ، ولا تجعلوا له نِدًّا ولا عدلًا.\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: الشكرُ للهِ الذي هو مالك جميع أجناسِ الخلقِ؛ مِن مَلَكِ وجنٍّ وإنسٍ وغيرهم، لا للآلهة والأوثان التي لا تملك شيئًا، ولا تقدرُ على ضُرٍّ ولا نفعٍ، بل هو مملوكٌ، إن ناله نائل بسوءٍ لم يقدر له عن نفسه دفعًا.\nوكان جماعةٌ مِن أهل العلم يأمرون من قال: لا إلهَ إلا الله. أن يُتبعَ ذلك: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين. تأولًا منهم هذه الآية بأنها أمرٌ من الله بقيل ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-8087>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي، قال: أخبرنا الحسين بن واقد، قال: ثنا الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: من قال: لا إلهَ إلا الله. فليَقُلْ على إثرها: الحمد لله ربِّ العالمين. قال: فذلك قوله: ﴿فَادْعُوهُ (^٥)\n_________\n(^١) بعده في م: \"بحق\".\n(^٢) في الأصل: \"فادعوا الله\". وهو سهو.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ادعوا الله أيها الناس مخلصين له الدين\"، وفى م: \"فادعوه أيها الناس مخلصين له الدين\".\n(^٥) في الأصل: \"فادعوا الله\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ادعوا الله\".","vol":"20","page":357},{"text":"مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-4198\"></span>حدثنا عبد الحميد بن بيان السُّكّريُّ، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيلَ، عن سعيدِ بن جبير، قال: إذا قال أحدكم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. فليَقُلْ: الحمدُ لله رب العالمين. ثم قرأ: ﴿فَادْعُوهُ (^٢) مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٣).\nحدثني موسى (^٤) بن عبد الرحمن، قال: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جُبيرٍ، أنه كان يَسْتَحِبُّ إذا قال: لا إلهَ إلا الله. [أن يُتبعَها: الحمد لله رب العالمين] (^٥). ثم قرأ هذه الآية: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٣).\nحدثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بن موسى، قال: أخبرنا إسماعيلُ\nبن أبي خالد، عن عامر، عن سعيد بن جبير، قال: إذا قال أحدكم: لا إله إلا الله\nوحدَه. فليَقُلْ بإثْرِها: الحمد لله ربِّ العالمين. ثم قرأ: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4199\"></span><span data-type='title' id=toc-8088>القول في تأويل قوله ﷿: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: قُلْ يا محمد لمُشْرِكي قومك من قريشٍ: ﴿إِنِّي نُهِيتُ﴾ أيُّها القومُ، ﴿أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ من الآلهةِ\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٣٨، والبيهقى في الأسماء والصفات (١٩٤) عن علي بن الحسن بن شقيق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٧ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فادعوا الله\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٤٥ عن إسماعيل بن أبي خالد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في م: \"محمد\"، وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٩٨، ٩٩.\n(^٥) في ص، م: \"يتبعها الحمد لله\".","vol":"20","page":358},{"text":"والأوثان، ﴿لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي﴾. يقولُ: لما جاءني الآيات الواضحات من عند ربِّي. وذلك آيات كتاب الله الذي أنزَله عليه (^١)، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: وأمرنى ربى أن أَذِلَّ لربِّ [العالمين ربِّ] (^٢) كلِّ شيءٍ، ومالكِ كلِّ خلقٍ بالخضوع، وأَخْضَعَ له بالطاعةِ دون غيره من الأشياءِ.\n\n<span id=\"aya-4200\"></span><span data-type='title' id=toc-8089>القول في تأويل قوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ [غافر: ٦٧].</span>\nيقول تعالى ذكرُه، آمرًا نبيّه محمدا ﷺ بتنَبْيِهِ مُشركي قومه على حُجَجه عليهم في وحدانيته: قُلْ يا محمد لقومِك: أُمِرتُ أن أُسلِمَ لربِّ العالمين، الذي صفته هذه الصفاتُ، وهى أنه خلق أباكم آدمَ من ترابٍ، ثم خلقكم من نُطْفَةٍ، ثم من علَقَةٍ بعد أن كنتم نُطَفًا، ثم يُخْرِجُكم طفلًا مِن بُطُونِ أمهاتكم صغارًا، ثم لتبلغوا أَشُدَّكم، فتتكاملَ قُوَاكم، ويَتناهَى شبابكم وتمام خلقكم، [ثم لتكونوا من بعد ما تَناهَى كمالُ قُواكم وتمام خلقكم] (^٢) شُيوخًا، ومنكم من يُتوفّى من قبل أن يبلغ الشيخوخة، ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمَّى﴾. يقولُ: ولتَبْلُغُوا ميقاتًا مؤقَّتًا لحياتكم، وأجلا محدودًا لا تُجاوزونه، ولا تتقدَّمون قبله، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: وكى تَعْقِلُوا حجَجَ الله عليكم بذلك، وتتدبَّروا آياته، فتعرفوا بها أنه لا إله غيرُه فعل ذلك.\n\n<span id=\"aya-4201\"></span><span data-type='title' id=toc-8090>القول في تأويل قوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":359},{"text":"يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: قُلْ لهم يا محمد: ﴿هُوَ الَّذِى يُحيِ وَيُمِيتُ﴾. يقولُ: قُلْ لهم: ومِن صفتِه جلَّ ثناؤه أنه هو الذي يُحْيِي مَن يَشَاءُ بعد مماتِه، ويُميتُ مَن يشاءُ من الأحياءِ بعد حياتِه، ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾. يقولُ: وإذا قضَى كونَ أمرٍ مِن الأمور التي يريد تكوينها، ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ﴾. يعنى: للذى يريد تكوينه: ﴿كُن﴾. فيكون ما أراد تكوينه موجودا بغير مُعاناةٍ ولا كُلفةِ مؤنةٍ.\n\n<span id=\"aya-4202\"></span>وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾. يقول لنبيِّه محمد ﷺ: ألم تَرَ يا محمد إلى (^١) هؤلاء المشركين من قومِك، الذين يُخاصمونك في حُجَحِ الله وآياته، ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾. يقولُ: أَيَّ وجهٍ يُصْرَفون عن الحقِّ، ويَعْدِلون عن الرُّشْدِ.\nكما حدثنا بشرٌ، قال ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾: أنى يُكَذِّبون ويَعْدِلُونَ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾. قال: يُصْرَفون عن الحقِّ.\nواختلف أهل التأويلِ في الذين عُنُوا بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنى بها أهلُ القَدَرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8091>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن بشارٍ ومحمد بن المثنى، قالا: ثنا مُؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن داود بن أبي هند، عن محمد بن سيرين، قال: إن لم تَكُنْ هذه الآية نزلت في القَدَريةِ فإنى لا أدرى فيمَن نزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٥٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":360},{"text":"يُصْرَفُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لَمْ نَكُن نَدْعُوا مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكَافِرِينَ﴾ (^١).\nحدثني علي بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبى الزرقاءِ، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن ابن سيرين، قال: إن لم يَكُنْ أهل القدر الذين يخوضون في آياتِ اللهِ فلا علم لنا به.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن (^٢) الخير الزبادى (^٣)، عن أبي قبيل، قال: أخبرني عقبة بن عامر الجُهَنيُّ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"سَيَهْلِكُ من أُمتى أهل الكتاب وأهلُ اللَّبَنِ (^٤). فقال عقبة: يا رسول الله، وما أهل الكتاب؟ قال: \"قوم يتَعلَّمون كتاب الله يُجادِلون الذين آمنوا\". فقال عقبةُ: يا رسول الله، وما أهلُ اللَّبَنِ (^٤)؟ قال: \"قومٌ يَتَّبِعون الشَّهَواتِ، ويُضَيِّعون الصَّلَواتِ\" (^٥).\nقال أبو قَبِيل: لا أحسَبُ المُكذِّبين بالقَدَرِ إلا الذين يجادلون الذين آمنوا، وأما أهلُ اللَّبَن (^٤) فلا أحسبهم إلا أهل العمود (^٦)، ليس عليهم إمام جماعةٍ، ولا يعرفون شهر رمضان.\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك أهل الشركِ.\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ١٥٨، والقرطبي في تفسيره ١٥/ ٣٣١.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبي\". وينظر الجرح والتعديل ٨/ ٢٠٨.\n(^٣) في الأصل، م، ت ٢، ت ٣: \"الزيادي\"، وغير منقوطة في ص، ت ١. والزبادي: نسبة إلى زَبَاد وهو موضع بالمغرب. الأنساب ٣/ ١٢٧، وينظر الإكمال ٤/ ٢١٠.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"اللين\"، وأهل اللبن: أناس يحبون اللبن، فيتبعون الشهوات ويدعون الجماعات والجمع، وينظر مصادر التخريج الآتية.\n(^٥) أخرجه الطبراني في الكبير ١٧/ ٢٩٦ (٨١٧)، والحاكم ٢/ ٣٧٤، والبيهقى في الشعب (٢٩٦٤) من طريق ابن وهب به، وأخرجه أحمد ٢٨/ ٥٥٥، ٦٣٢، ٦٣٦ (١٧٣١٨، ١٧٤١٥، ١٧٤٢١)، والطبراني في الكبير ١٧/ ٢٩٥، ٢٩٦ (٨١٥، ٨١٦)، وأبو يعلى في مسنده (١٧٤٦)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٣٥٩)، والفسوى في المعرفة والتاريخ ٢/ ٥٠٧، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٩٣ من طريق أبي قبيل به.\n(^٦) في ت ١: \"العهود\". ويقال لأصحاب الأخبية الذين لا ينزلون غيرها: هم أهل محمود، وأهل عماد. ينظر تاج العروس (ع م د).","vol":"20","page":361},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8092>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾. قال: هؤلاء المشركون (^١).\nوالصوابُ مِن القول في ذلك ما قاله ابن زيد، وقد بيَّن الله حقيقة ذلك بقولِه: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾.\n\n<span id=\"aya-4203\"></span><span data-type='title' id=toc-8093>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾، بكتابِ اللهِ، وهو هذا القرآنُ، و﴿الَّذِينَ﴾ الثانيةُ في موضعِ خفضٍ ردًّا لها على ﴿الَّذِينَ﴾ الأُولى، على وجهِ النعتِ، ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾. يقولُ: وكذَّبوا أيضًا - مع تَكْذيبِهم بكتابِ اللهِ - بما أرسلنا به رُسُلَنا مِن إخلاصِ العبادة لله، والبراءةِ مما يُعبد من دونِه مِن الآلهة والأندادِ، والإقرارِ بالبعث بعدَ المماتِ للثواب والعقابِ.\n\n<span id=\"aya-4204\"></span>وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾. وهذا تهديد من الله المشركين، يقولُ جلَّ ثناؤه: فسوف يعلم هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله، المكذِّبون بالكتاب، حقيقةَ ما تخبرهم به يا محمد، وصحةَ ما هم به اليوم\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٩/ ٩٢، وتفسير القرطبي ١٥/ ٣٣١.","vol":"20","page":362},{"text":"مُكَذِّبون من هذا الكتاب، حينَ تُجعل الأغلال والسلاسل في أعناقهم في جهنم.\nوقرأت قرأةُ الأمصار: ﴿وَالسَّلَاسِل﴾ برفعها، عطفًا بها على ﴿الأَغْلَالُ﴾، على المعنى الذي بيَّنتُ، وذُكر عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤه: (والسَّلاسِلَ يَسْحَبون) بنصب السلاسلِ [وفتح (يَسْحَبُون)، بمعنى: ويَسْحَبون السلاسلَ] (^١)، ﴿فِي الْحَمِيمِ﴾ (^٢).\nوقد حكى أيضًا عنه أنه كان يقولُ: إنما هو: وهم في السلاسلِ يُسْحَبون (^٣). ولا يُجيرُ أهل العلم بالعربية خفض الاسم والخافض مضمرٌ. وكان بعضهم (^٤) يقول في ذلك: لو أن مُتَوَهِّمًا قال: إنما المعنى: إذ أعناقهم في الأغلال وفي (^٥) السلاسلِ يُسْحَبون. جازَ الخفضُ في \"السلاسلِ\" على هذا المذهب. وقال: مثله مما رُدَّ إلى المعنى قول الشاعر (^٦):\nقد سالَمَ الحيَّاتُ منه القَدَما … الأُفْعُوانَ والشُّجَاعَ الأَرْقَما (^٧)\nفنصب الشُّجاعَ، والحياتُ قبل ذلك مرفوعةٌ؛ لأن المعنى: قد سالَمت رِجْلَه الحياتُ وسالمتها، فلما احتاجَ إلى نصب القافيةِ، جعل الفعلَ من القدم واقعا على الحيَّاتِ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) وهى قراءة ابن مسعود وابن عباس وزيد بن علي وابن وثاب والمسيّبى في اختياره. وقال ابن عباس: إذا كانوا يجرونها فهو أشد عليهم، يكلفون ذلك وهم لا يطيقون. البحر المحيط ٧/ ٤٧٤، ٤٧٥.\n(^٣) ينظر البحر المحيط ٧/ ٤٧٥.\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ١١.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) هو من أرجوزة لأبي حيان الفقعسى، وقيل: لمساور بن هند العبسى. وبه جزم الترمذى والبطليوسي، وقيل: للعجاج، وقال السيرافي: قائله التدمرى. وقال الصغاني: قائله عبد بني عبس. شرح شواهد المغني ٢/ ٩٧٣.\n(^٧) كتب فوق هذه الكلمة في الأصل: \"الشجعما\". وهي رواية البيت في شرح شواهد المغنى ٢/ ٩٧٤ والشجعم ذكر الحيات الجرئ المسلط.","vol":"20","page":363},{"text":"والصوابُ من القراءةِ عندَنا في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماع الحجةِ عليه، وهو رفع \"السلاسلِ\" عطفًا بها على ما في قوله: ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ مِن ذكرِ ﴿الْأَغْلَالُ﴾.\n\n<span id=\"aya-4205\"></span>وقوله: ﴿يُسْحَبُونَ﴾. يقولُ: يَسحب هؤلاء الذين كذَّبوا في الدنيا بالكتاب زبانية العذاب يوم القيامة ﴿فِي الْحَمِيمِ﴾؛ وهو ما قد انتهى حرُّه، وبلَغ غايتَه.\nوقوله: ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾. يقولُ: ثم هم (^١) في نار جهنم يُحرقون، يقولُ: تُسْجَرُ بهم (^٢) جهنم. أي: توقَدُ بهم.\nوبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8094>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿يُسْجَرُونَ﴾. قال: تُوقَدُ بهم النارُ (^٣).\nحدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ: عن السُّديِّ: ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾. قال: يُحْرَقون في النارِ (^٤).\nحدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ثُمَّ فِي\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"بها\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٨٤، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٠٠ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) ينظر البحر المحيط ٧/ ٤٧٥.","vol":"20","page":364},{"text":"النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾. قال: يُسْجَرون في النارِ؛ يُوقَدُ عليهم فيها.\n\n<span id=\"aya-4206\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِن دُونِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ثم قيل لهم (^١): أين الذين كنتم تُشركون بعبادتكم إياهم (^٢) من دونِ اللهِ، مِن آلهتِكم وأوثانِكم، حتى يُغيثوكم فيُنْقِذوكم مما أنتم فيه من البلاء والعذابِ، فإن المعبود يُغِيثُ مَن عبَده وخدَمه؟! وإنما يقالُ لهم هذا توْبيخًا وتَقْريعًا على ما كان منهم في الدنيا من الكفر بالله وطاعة الشيطانِ، فأجاب المساكين عند ذلك فقالوا: ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾. يقولون (^٣): عَدَلوا عنا، فأخذوا غير طريقنا، وتركونا في هذا البلاء، بل ما ضَلُّوا عَنَّا، ولكنا لم نَكُنْ نَدْعُو من قبل في الدنيا شيئًا. أي: لم نكن نعبد شيئًا.\n\n<span id=\"aya-4207\"></span>يقول الله تعالى ذكرُه: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكَفِرِينَ﴾. يقولُ: كما أضلَّ هؤلاء الذين ضَلَّ عنهم في جهنم ما كانوا يعبدون في الدنيا من دونِ الله من الآلهة والأوثان آلهتهم وأوثانهم، كذلك يُضِلُّ الله أهل الكفر به عنه، وعن رحمته وعبادته، فلا يرحمهم فيُنَجِّيَهم من النارِ، ولا يُغِيتُهم فيُخَفِّفَ عنهم ما هم فيه من البلاء.\n\n<span id=\"aya-4208\"></span><span data-type='title' id=toc-8095>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: هذا الذي فعلنا بكم أيها القومُ اليومَ؛ مِن تَعْذيبناكم العذابَ الذي أنتم فيه - بفَرَحِكم الذي كنتم تفرَحونه في الدنيا، بغير ما أذِن الله لكم به من الباطلِ والمعاصى، وبمرحكم فيها. والمرحُ: هو الأمرُ والبَطَرُ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إياها\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقول\".","vol":"20","page":365},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8096>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ إلى: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. قال: الفَرحُ والمَرحُ: الفَخْرُ والخُيَلاءُ، والعملُ في الأرضِ بالخطيئةِ، وكان ذلك في الشركِ، وهو مثلُ قولِه لقارونَ: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]. وذلك في الشركِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾. قال: تَبْطَرون وتَأْشَرُون (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿تَمْرَحُونَ﴾. قال: تَبْطَرون.\n\n<span id=\"aya-4209\"></span>وقولُه: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يقالُ (^٣)\nلهم: ادخُلوا أبوابَ جهنمَ السبعةَ، من كلِّ بابٍ منها جزءٌ مقسومٌ منكم خالدين فيها، ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. يقولُ: فبئسَ مَنْزِلُ المُتَكبرين في الدنيا على اللهِ أن يُوَحِّدوه ويؤمِنوا برُسُلِه اليومَ - جهنمُ.\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٧/ ٤٧٥.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٨٤، ومن طريقه الفريابي كما في التغليق ٤/ ٣٠٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":366},{"text":"<span id=\"aya-4210\"></span><span data-type='title' id=toc-8098>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فاصبِرْ يا محمدُ على ما يُجادِلُك به هؤلاء المشركون في آياتٍ اللهِ التي أنزَلْناها عليك، وعلى تَكْذيبهم إياك، فإن الله مُنْجِزٌ لك فيهم ما وَعَدك؛ مِن الظَّفَرِ بهم (^١) والعُلُوِّ عليهم، وإحلالِ العذابِ (^٢) بهم، سُنَّتَنا (^٣) في موسى بن عمرانَ ومَن كذَّبه، ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فإما نُرِيَنَّك يا محمدُ في حياتِك بعض الذي نَعِدُ هؤلاء المشركين من العذابِ والنِّقْمةِ أن يَحِلَّ بهم، ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبلَ أن يَحِلَّ ذلك بهم، ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: فإلينا مصيرُك ومصيرُهم، فنحكُمُ عند ذلك بينَك وبينَهم بالحقِّ؛ بتَخْليدِناهم في النارِ، وإكرامِناك بجوارِنا في جناتِ النعيمِ.\n\n<span id=\"aya-4211\"></span><span data-type='title' id=toc-8097>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ يا محمدُ، ﴿رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى أممِها، ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾. يقولُ: مِن أولئك الرسلِ (^٤) الذين أرسلناهم (^٥) إلى أممِهم مَن قَصَصْنا عليك نبأَهم، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ نبأَهم.\n_________\n(^١) في م: \"عليهم\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"العقاب\".\n(^٣) في م: \"كسنتنا\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في م: \"أرسلنا\".","vol":"20","page":367},{"text":"وذُكر عن أنسٍ أنهم ثمانيةُ آلافٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8099>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثنا عليُّ بنُ شعيبٍ السِّمْسَارُ، قال: ثنا معنُ بنُ عيسى، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ المهاجرِ بن مِشمارٍ، عن محمدِ بن المُنْكَدرِ، عن يزيدَ بن أبانٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: بُعِث النبيُّ ﷺ بعدَ ثمانيةِ آلافٍ مِن الأنبياء؛ منهم أربعةُ آلافٍ مِن بني إسرائيلَ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن عُتْبَةَ بن عُتيبةَ البصريِّ العَبْدِيِّ، عن (^٢) أبي سهلٍ، عن وهبِ بن عبدِ اللهِ بن كعبِ بن سَورٍ الأَزْدِيِّ، عن سَلْمَى (^٣)، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"بعَث اللهُ أربعةَ آلافٍ نبيٍّ\" (^٤).\nحدَّثني أحمدُ بنُ الحسينِ التِّرمِذِيِّ، قال: ثنا آدمُ بن أبي إياسٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن عبدِ الله بن نُجِيٍّ (^٥)، عن عليّ بن أبي طالبٍ في قولِه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾. قال: بعَث اللهُ عبدًا حَبَشِيًّا نَبِيًّا، فهو الذي لم نَقْصُصْ (^٦) عليك (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٩٧ من طريق إبراهيم به، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٧٧٤) من طريق إبراهيم عن صفوان عن يزيد عن أنس به، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ١٦٢ من طريق محمد عن صفوان عن أنس، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ١/ ١٩٢ من طريق محمد عن أنس، وأخرجه أبو يعلى (٤١٣٢)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٥٣، والقزوينى في التدوين في أخبار قزوين ١/ ٢٧٠ من طريق يزيد عن أنس به.\n(^٢) سقط من: الأصل. ولم أجد ترجمة عتبة بن عتيبة البصرى ولا ترجمة أبي سهل، فيما بين يدى من المصادر.\n(^٣) في النسخ: \"سليمان\"، وترجمتها في مصدرى التخريج غير منسوبة.\n(^٤) أخرجه ابن منده وأبو نعيم - كما في أسد الغابة ٧/ ١٥١ - من طريق وهب به، وذكره ابن حجر في الإصابة ٧/ ٧١٠، ٧١١ وعزاه إلى ابن منده.\n(^٥) في النسخ: \"يحيى\"، وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٢١٩.\n(^٦) في الأصل: \"يقص\".\n(^٧) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩٣١٩)، وابن مردويه - كما في تخريج الزيلعي ٣/ ٢٢٢ - من طريق آدم ابن أبي إياس به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١١٩ (٦٢٨٤) من طريق إسرائيل به.","vol":"20","page":368},{"text":"وقولُه: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما جعَلنا لرسولٍ ممن أرسَلناه من قبلِك، الذين قَصَصْناهم عليك، والذين لم نَقْصُصْهم عليك، إلى أممِها، أن يأتىَ قومَه بآيةٍ فاصلةٍ بينَه وبينَهم، إلا بإذنِ اللهِ له بذلك، فيأتِيَهم بها، يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه: فلذلك لم نجعلْ لك أن تأتىَ قومَك بما يَسْألونك من الآياتِ دونَ إذْننِا لك بذلك، كما لم نجعلْ لمَن قبلَك مِن رُسُلِنا، إلا أن نأذنَ له به، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾. [يقولُ: فإذا جاء قضاءُ اللهِ بينَ رسلِه وأممِها قُضِى بالحقِّ] (^١). يعنى: بالعدلِ، وهو أن يُنَجِّيَ رُسُلَه والذين آمنَوا معهم، ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾. يقولُ: وهَلَك هنالك الذين أَبطَلوا؛ في قيلِهم الكذبَ، وافترائِهم على اللهِ، وادعائِهم له شريكًا.\n\n<span id=\"aya-4212\"></span><span data-type='title' id=toc-8100>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿اللَّهُ﴾ الذي لا تصلُحُ الأُلوهةُ إلا له، أيُّها المشركون به مِن قريشٍ، ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾؛ مِن الإبلِ والبقرِ والغنمِ والخيلِ، وغيرِ ذلك مِن البهائمِ التي يَقْتَنيها أهلُ الدنيا (^٢)؛ لمَرْكَبٍ أو لَمَطْعَمٍ، ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾. يعنى الخيلَ [والبغالَ] (١) والحميرَ، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. يعنى الإبلَ والبقرَ والغنمَ. وقال: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾. ومعناه: لتركَبوا منها بعضًا، ومنها بعضًا تأكُلون. فحُذِف (^٣) استغناءً بدلالةِ الكلامِ على ما حُذف.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الإسلام\".\n(^٣) بعده في ت ١: \"بعضا\".","vol":"20","page":369},{"text":"<span id=\"aya-4213\"></span>وقولُه: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾. [يقولُ: ولكم في الأنعامِ التي جعَلها لكم منافعُ] (^١)، وذلك أنْ جعَل لكم من جلودِها ﴿بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠].\nوقولُه: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾. يقولُ: ولتَبْلُغوا بالحَمُولةِ على بعضِها؛ وذلك الإبلُ، ﴿حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾، لم تكونوا لِتَبْلُغوها (^٢)، لولا هي، إلا بشِقِّ أنفسِكم. كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧].\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8101>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾. يعنى: الإبلُ تحملُ أثقالَكم إلى بلدٍ (^٣).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾: لحاجتِكم ما كانت (^٤).\n\n<span id=\"aya-4214\"></span>قولُه: ﴿وَعَلَيْهَا﴾. يعنى: على هذه الإبل وما جانسها من الأنعامِ المركوبةِ، ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾. يعني: وعلى السفنِ، ﴿تُحْمَلُونَ﴾. يقولُ: نحملُكم على هذه في البَرِّ، وعلى هذه في البحرِ، ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾. يقولُ: ويُرِيكُم حُجَجَه، ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾. يقولُ: فأَيَّ حُجَجِ اللهِ التي يُرِيكم أيُّها الناسُ في السماءِ وفي\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: ت ٢، ت ٣. وفى ص، م: \"بالغيها\"، وفي ت ١: \"بالغيه\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٣ عن معمر عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٨٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":370},{"text":"الأرضِ تُنْكِرون صحتَها، فتكذِّبون من أجل فسادِها بتوحيدِ اللهِ، وتَدْعون مِن دونِه إلهًا.\n\n<span id=\"aya-4215\"></span><span data-type='title' id=toc-8102>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أفلم يَسِرْ يا محمدُ هؤلاء المُجادِلوك (^١) في آياتِ اللهِ مِن مُشركي قومِك في البلادِ، فإنهم أهلُ سفرٍ إلى الشامِ واليمنِ - رحلتُهم في الشتاءِ والصيفِ - فينظُروا فيما وَطِئوا من البلادِ إلى وقائِعنا بمَن أوقَعنا به مِن الأممِ قبلَهم، ويَرَوا ما أَحْلَلْنا بهم من بأسِنا بتكْذيبِهم رُسُلَنا وجُحُودِهم آياتِنا، كيف كان عُقْبَى تَكْذيبِهم؟ ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: كان أولئك الذين من قبلِ هؤلاء المُكَذِّبيك مِن قريشٍ أكثرَ عددًا مِن هؤلاء، وأشدَّ بَطْشًا، وأقوى قوةً، وأبقَى في الأرضِ آثارًا؛ لأنهم كانوا يَنْحِتون مِن الجبالِ بيوتًا، ويتخِذون مصانعَ.\nوكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾: المَشْيَ بأرجلِهم (^٢).\n﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. يقولُ: فلما جاءهم بأسُنا وسطوتُنا، لم يُغْنِ عنهم الذي كانوا يعمَلون من البيوتِ في الجبالِ، ولم يدفَعْ ذلك عنهم شيئًا، ولكنهم بادُوا جميعًا فهلَكوا. وقد قيل: إن معنى قولِه: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾: فأَيُّ شيءٍ أغنَى عنهم؟ وعلى هذا التأويلِ يجبُ أن تكونَ \"ما\" الأولى في موضعِ نصبٍ، والثانيةُ في موضعِ رفعٍ. يقولُ: فلهؤلاء المُجادِليك مِن قومِك يا محمدُ في أولئك مُعْتَبَرٌ إِن اعْتَبَروا، ومُتَّعَظٌ إِن اتَّعَظوا، وإِنَّ بِأسَنا إذا حلَّ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"المجادلون\"، وفى ت ٣: \"الذين يجادلون\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٨٤، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٣ عن ابن جريج عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٠٧، ٣٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":371},{"text":"بالقومِ المجرمين لم يدفعه دافعٌ، ولم يمنعْه مانعٌ، وهو بهم إن لم يُنِيبوا إلى تَصْديقِك واقعٌ.\n\n<span id=\"aya-4216\"></span><span data-type='title' id=toc-8103>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاءت هؤلاء الأممَ الذين مِن قبلِ قريشٍ المُكذِّبةَ رُسُلَها - رُسُلُهم الذين أرسَلهم اللهُ إليهم ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، يعنى: بالواضحاتِ مِن حُجَجِ اللهِ ﷿، ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾. يقولُ: فرِحوا، جهلًا منهم، بما عندَهم من العلمِ، وقالوا: لن نُبْعَثَ، ولن يُعَذِّبَنا اللهُ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾. قال: قولُهم: نحن أعلمُ منهم، لن نُعَذَّبَ، ولن نُبْعَثَ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾: بجهالتِهم (^٢).\nوقولُه: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يقولُ: وحَلَّ (^٣) بهم مِن عذابِ اللهِ ما كانوا يَسْتَعْجِلون رُسُلَهم به؛ استهزاءً به وسخريةً.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٨٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٧، ٣٥٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٤٩.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حاق\".","vol":"20","page":372},{"text":"كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: ما جاءتهم به رُسُلُهم مِن الحقِّ (^١).\n\n<span id=\"aya-4217\"></span><span data-type='title' id=toc-8104>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلما رَأَت هذه الأممُ المُكَذِّبةُ رُسُلَها ﴿بَأْسَنَا﴾. يعنى: عقابَ اللهِ الذي وَعَدتْهم رُسُلُهم قد حَلَّ بهم.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾. قال: النَّقِمات التي نزَلت بهم.\nوقولُه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. يقولُ: قالوا: أقرَرْنا بتوحيدِ اللهِ، وصَدَّقْنا أنه لا إلهَ غيرُه، ﴿وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: قالوا (^٢): وجَحَدنا الآلهةَ التي كُنَّا قبلَ وقتِنا هذا تُشْرِكُها في عبادتِنا الله، ونعبدُها معه، ونتخذُها آلهةً، فبَرِئْنا منها.\n\n<span id=\"aya-4218\"></span><span data-type='title' id=toc-8105>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلم يَكُ ينفعُهم تَصْدِيقُهم في الدنيا بتوحيدِ اللهِ، عندَ معاينتِهم عقابَه قد نزَل، وعذابَه قد حَلَّ؛ لأنهم صدَّقوا حين لا ينفعُ التَّصْدِيقُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٨٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٧، ٣٥٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ٢.","vol":"20","page":373},{"text":"مُصَدِّقًا، إذ كان قد مضَى حكمُ اللهِ في السابقِ من علمِه أن مَن تَابَ بعدَ نزولِ العذابِ به (^١) مِن اللهِ على تكذيبِه، لم تنفعْه توبتُه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8106>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾: لمَّا رَأَوا عذابَ اللهِ في الدنيا، لم ينفعْهم الإيمانُ عندَ ذلك (^٢).\nوقولُه: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾. يقولُ: تَرَك اللهُ ﵎ إقالتَهم، وقبولَ التوبةِ منهم، ومراجعتَهم الإيمانَ باللهِ، وتصديقَ رُسُلِهم، بعدَ مُعاينتِهم بأسَه قد نزَل بهم؛ سُنَّتَه التي قد مضَت في خلقِه، فلذلك لم يُقِلْهم، ولم يقبلْ توبتَهم في تلك الحالِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾. يقولُ: كذلك كانت سنةُ اللهِ في الذين خَلَوا مِن قبلُ، إذا عايَنوا عذابَ اللهِ لم ينفعْهم إيمانُهم عندَ ذلك (^٢).\nوقولُه: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾. يقولُ: وهلَك عندَ مجيءِ بأسِ اللهِ، فغَبِنت صَفْقتُه، ووَضُع في بيعِه الآخرةَ بالدنيا، والمغفرةَ بالعذابِ، والإيمانَ بالكفرِ - الكافرون بربِّهم، الجاحِدون توحيدَ خالقِهم، المُتَّخِذون مِن دونِه آلهةً يعبُدونها مِن دونِ بارئِهم.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"حم المؤمن\"\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٣ عن معمر عن قتادةَ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٥٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":374},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-4219\"></span><span data-type='title' id=toc-8107>تفسير سورةِ \"فصلت\"</span> (^١)\n<span data-type='title' id=toc-8108>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ </span>(٤)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: قد تقدَّم القولُ مِنَّا فيما مضَى قبلُ في معنى: ﴿حم﴾، والقولُ في هذا الموضعِ كالقولِ في ذلك (^٢).\n\n<span id=\"aya-4220\"></span>وقولُه: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا القرآنُ تنزيلٌ من عندِ الرحمنِ الرحيمِ، نزَّله على نبيِّه محمدِ ﷺ.\n\n<span id=\"aya-4221\"></span>﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾. يقولُ: كتابٌ بُيِّنَت آياتُه.\n[كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾. قال: بُيِّنَت آياتُه] (^٣).\nوقولُه: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فُصِّلت آياتُه هكذا.\nوقد اختَلف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ \"القرآنِ\"؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: قولُه: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ﴾: الكتابُ خبرٌ (^٤) لمبتدإ، أخبَر أن التنزيلَ\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، ت ٢: \"حم السجدة\". وفي ص، ت ٣: \"السجدة\".\n(^٢) تقدم في ١/ ٢٠٦، وفى ص ٢٧٤ - ٢٧٦ من هذا الجزء.\n(^٣) سقط من: ت ١.\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خبرا\".","vol":"20","page":375},{"text":"كتابٌ، ثم قال: ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ شغَل الفعلَ بالآياتِ حتى صارَت بمنزلةِ الفاعلِ، فنصَب \"القرآنَ\". وقال: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. على أنه صفةٌ (^١)، وإن شئتَ جعلتَ نصبَه على المدحِ، كأنه حينَ ذكَره أقبَل في مدحِه (^٢)، فقال: ذكَرنا قرآنًا عربيًّا بشيرًا ونذيرًا، وذكَرناه قرآنًا عربيًّا. وكان فيما مضَى مِن ذكرِه، دليلٌ على ما أضمرَ.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: نصَب ﴿قُرْآنًا﴾ على الفعلِ، أي: فُصِّلت آياتُه كذلك. قال: وقد يكونُ النصبُ فيه على القطعِ؛ لأن الكلامَ تامٌّ عندَ قولِه: ﴿آيَاتُهُ﴾. قال: ولو كان رفعًا على أنه مِن نعتِ \"الكتابِ\" كان صوابًا، كما قال في موضعٍ آخرَ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: ٢٩].\n\n<span id=\"aya-4222\"></span>قال (^٣): وكذلك قولُه: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ فيه ما في ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (^٤).\nوقولُه: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: فُصِّلت آياتُ هذا الكتابِ قرآنًا عربيًّا لقومٍ يعلَمون اللسانَ العربيَّ، ﴿بَشِيرًا﴾ لهم يُبَشِّرُهم إن هم آمَنوا به، وعمِلوا بما أُنزل فيه مِن حدودِ اللهِ وفرائضِه - بالجنةِ، ﴿وَنَذِيرًا﴾. يقولُ: ومُنْذِرًا مَن كذَّب به ولم يعملْ بما فيه، بأسَ (^٥) اللهِ في عاجلِ الدنيا، وخلودَ الأبدِ في نارِ جهنمَ في آجلِ الآخرةِ.\nوقولُه: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاستكبَر عن الإصْغاءِ له، وتَدبُّرِ ما فيه مِن حُجَجِ اللهِ، وأعرَض عنه، أكثرُ هؤلاء القومِ الذين أَنزل [اللهُ إليهم] (^٦) هذا القرآنَ بشيرًا لهم ونذيرًا، وهم قومُ رسولِ اللهِ ﷺ، ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾. يقولُ: فهم لا يُصْغُون له فيسْمَعوه؛ إعراضًا عنه واستكبارًا.\n_________\n(^١) في ت ١: \"صفته\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مدحته\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وقال\".\n(^٤) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ١٢.\n(^٥) في ص، م، ت ٢: \"بأمر\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":376},{"text":"<span id=\"aya-4223\"></span><span data-type='title' id=toc-8109>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء (^١) المُعرضون عن آياتِ اللهِ مِن مُشْركي قريشٍ إذ دَعاهم محمدٌ نبيُّ اللهِ إلى الإقرارِ بتوحيدِ اللهِ، و[التصديقِ بما] (^٢) في هذا القرآنِ مِن أمرِ اللهِ ونهيِه، وسائرِ ما أُنزل فيه: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾. يعني: في أَغْطيةٍ مما تَدْعُونا يا محمدُ إليه مِن توحيدِ اللهِ، وتَصْديقِك فيما جِئْتَنا به، لا نفقَهُ ما تقولُ، ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾، وهو الثِّقْلُ، لا نسمعُ ما تَدْعُونا إليه. استثقالًا لِما يَدْعو إليه وكراهةً له.\nوقد مضَى البيانُ قبلُ عن معاني هذه الأحرفِ بشواهدِه، وذكرُ ما قال أهلُ التأويلِ فيه، فكَرِهنا إعادةَ ذلك في هذا الموضعِ (^٣).\nوقد حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾. قال (^٤): كالجَعْبةِ للنَّبْلِ (^٥).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾. قال: عليها أَغْطِيةٌ، ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾. قال: صَمَمٌ (^٦).\nوقولُه: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾. يقولون: ومِن بينِنا وبينِك يا محمدُ\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المشركون\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تصديق ما\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٩/ ١٩٧، ١٩٨، ١٤/ ٦٠٩.\n(^٤) بعده في م: \"عليها أغطية\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٥٨٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) تقدم في ٩/ ١٩٨.","vol":"20","page":377},{"text":"ساترٌ، لا نجتمعُ مِن أجلِه نحن وأنت فيَرى بعضُنا (^١) بعضًا، وذلك الحجابُ هو اختلافُهم في الدينِ؛ لأن دينَهم كان عبادةَ الأوثانِ، ودينَ محمدٍ ﷺ عبادةُ اللهِ وحدَه لا شريكَ له، فذلك هو الحجابُ الذي زعَموا أنه بينَهم وبينَ نبيِّ اللهِ، وذلك هو خِلافُ بعضِهم بعضًا في الدينِ.\nوقولُه: ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾. يقولُ: قالوا له ﷺ: فاعمَلْ يا محمدُ بدينِك وما تقولُ إنه الحقُّ، إننا عامِلون بدينِنا وما نقولُ إنه الحقُّ، ودَعْ دعاءَنا إلى ما تَدْعونا إليه مِن دينِك، فإنا نَدَعُ دعاءَك إلى دينِنا. وأُدخلت \"من\" في قولِه: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾. والمعنى: وبينَنا وبينَك حجابٌ، توكيدًا للكلامِ.\n\n<span id=\"aya-4224\"></span><span data-type='title' id=toc-8110>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المُعرِضين عن آياتِ اللهِ مِن قومِك: أَيُّها القومُ، ما أنا إلا بشرٌ مِن بنى آدمَ مثلُكم في الجنسِ والصورةِ والهيئةِ (^٢)، لستُ بمَلَكٍ، ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾. يقولُ: يوحِى اللهُ إليَّ ألَّا معبودَ لكم تصلُحُ عبادتُه إلا معبودٌ واحدٌ، ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾. يقولُ: فاستقيموا إليه بالطاعةِ، ووَجِّهوا إليه وجوهَكم بالرغبةِ والعبادةِ، دونَ الآلهةِ والأوثانِ، ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾. يقولُ: وسَلُوه العفوَ لكم عن ذنوبِكم التي سلَفت منكم بالتوبةِ (^٣) مِن شركِكم، يَتُبْ عليكم، ويغفرْ لكم.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢ ت ٣: \"بعضها\".\n(^٢) في ت ١: \"الصفة\".\n(^٣) بعده في الأصل: \"منكم\".","vol":"20","page":378},{"text":"<span id=\"aya-4225\"></span>وقولُه: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وصديدُ أهلُ النارِ، وما يسيلُ منهم للمُدَّعِين للهِ شريكًا، العابدين الأوثانَ دونَه، الذين لا يُؤتون الزكاةَ.\nفاختَلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: الذين لا يُعْطُون الله الطاعةَ التي تُطَهِّرُهم وتزكِّى، أبدانَهم، ولا يوحِّدونه، وذلك قولٌ يُذْكَرُ عن ابن عباسٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8111>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. قال: هم الذين لا يَشْهَدون ألّا إلهَ إلا اللهُ (^١).\nحدَّثني سعدُ (^٢) بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحَكَمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: الذين لا يقولون: لا إله إلا اللهُ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: الذين لا يُقِرُّون بزكاةِ أموالِهم التي فرَض (^٤) اللهُ فيها، ولا يعطُونها أهلَها. وقد ذكَرنا أيضًا قائلى ذلك قبلُ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢٠٥) من طريق عكرمة عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٠ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"سعيد\". وينظر الجرح والتعديل ٤/ ٩٢.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٥٣، والطوسى في التبيان ٩/ ١٠٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٠ إلى المصنف وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فرضها\".\n(^٥) بعده في ت ٣: \"الذين لا يقولون لا إله إلا الله\".","vol":"20","page":379},{"text":"وقد حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. قال: لا يقرُّون بها ولا يؤمِنون بها، وكان يقالُ: إن الزكاةَ قَنْطرةُ الإسلامِ، فمَن قطَعها نجا، ومَن تخَلَّف عنها هلَك. وقد كان أهلُ الرِّدَّةِ بعد نبيِّ اللهِ قالوا: أما الصلاةُ فنصلِّي، وأما الزكاةُ فواللهِ لا نُغْصَبُ (^١) أموالَنا. قال: فقال أبو بكرٍ: واللهِ لا أفرِّقُ بَينَ شَيءٍ جمَع اللهُ بينَه، واللهِ لو منَعونا (^٢) عِقالًا مما فرَض اللهُ ورسولُه، لقاتَلْناهم عليه (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. قال: لو زكَّوا وهم مشرِكون لم ينفَعْهم.\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قاله الذين قالوا: معناه: لا يؤدُّون زكاة أموالِهم. وذلك أن ذلك هو الأشهرُ من معنى الزكاةِ، وإن في قولِه: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. دليلًا على أن ذلك كذلك؛ لأن الكفارَ الذين عُنُوا بهذه الآية كانوا لا يشهَدون ألّا إله إلا اللهُ، فلو كان قولُه: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. مرادًا به الذين لا يشهَدون ألّا إله إلا اللهُ، لم يكُنْ لقولِه: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. معنًى؛ لأنه معلومٌ أَنَّ مَن لا يشهدُ ألّا إِلهَ إِلَّا اللهُ لا يؤْمِنُ بالآخرة، وفي إتْباعِ اللهِ قولَه: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. قولَه: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. ما يُنبِئُ عن أن الزكاةَ في هذا الموضعِ معنيٌّ بها زكاةُ الأموالِ.\nوقولُه: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. يقولُ: وهم بقيامِ الساعةِ وبعْثِ اللهِ خلْقَه أحياءً من قبورِهم مِن بعدِ بلائِهم وفنائِهم (^٤) - منكِرُون.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تغصب\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منعونى\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٤ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في ت ٢، ت ٣: \"قيامهم\".","vol":"20","page":380},{"text":"<span id=\"aya-4226\"></span><span data-type='title' id=toc-8112>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين صدَّقوا الله ورسولَه، وعمِلوا بما أمرَهم اللهُ به ورسولُه، وانتهَوا عما نهَيَاهم (^١) عنه، وذلك هو الصالحاتُ من الأعمالِ - ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. يقولُ: لَمَن فعَل ذلك أجرٌ غيرُ منقوصٍ عما وعَدهم أن يأجُرَهم عليه.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، وقد بيَّناه فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه (^٢).\nوقد حدَّثنا محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: قال بعضُهم: غير منقوصٍ. وقال بعضُهم: غيرُ ممنونٍ عليهم (^٣).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. يقولُ: غيرُ منقوصٍ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٣: \"نهياه\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٦/ ٢٠٨، ١٢/ ٥٨٨ - ٥٩٢.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٥٣.\n(^٤) ذكرُه الحافظ في الفتح ٨/ ٥٥٩، عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٠ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"20","page":381},{"text":"قولَه: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. قال: محسوبٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-4227\"></span>وقولُه: ﴿قُلْ (^٢) أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المعرِضين عن آياتِنا من قومِك: إنكم أيُّها القوم لتكفرون بالذي خلَق الأرضَ في يومين] (^٣). وذلك يومُ الأحدِ ويومُ الاثنينِ، وبذلك جاءت الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ، وقالَته العلماءُ، وقد ذكَرنا كثيرًا من ذلك فيما مضَى قبلُ (^٤)، ونذكرُ بعضَ ما لم نذكُرْه قبلُ إن شاء اللهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8113>ذكرُ بعضِ ما لم نذكُرْ فيما مضَى من الأخبارِ بذلك</span>\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو بكرِ بن عيَّاشٍ، عن أبي سعدٍ (^٥) البقالِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ - قال هنادٌ: قرأتُ سائرَ الحديثِ على (^٦) أبي بكرٍ - أن اليهودَ أتَتِ النبيَّ ﷺ فسأَلته عن خلقِ السماواتِ والأرضِ، قال: \"خلَق اللهُ الأرضَ يومَ الأحَدِ والاثنينِ، وخلَق الجبالَ يومَ الثلاثاءِ وما فيهنَّ من منافِعَ، وخلَق يومَ الأربعاءِ الشجرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمْرانَ والخرابَ، فهذه أربعَةٌ\". ثم قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾. لِمَن سأل\". قال: \"وخلَق يومَ الخميسِ السماءَ، وخلَق يومَ الجُمُعةِ النجومَ والشمسَ والقمرَ والملائكةَ إلى ثلاثِ ساعاتٍ بقيَتْ منه، [فخلَق في أولِ ساعةٍ من هذه الثلاثةِ الآجالَ؛ حينَ يموتُ مَنْ ماتَ] (^٧)، وفى الثانيةِ ألْقَى\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٨٥، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٢.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٦٢ - ٤٦٥، ١٠/ ٢٤٥، ٢٤٦، ١٢/ ٣٢٨ - ٣٣٠.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سعيد\"، وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٥٢.\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\".\n(^٧) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢.","vol":"20","page":382},{"text":"الآفةَ (^١) على كلِّ شيءٍ مما يَنتفِعُ به الناسُ، وفى الثالثة آدمَ وأسْكَنه الجنةَ، وأمَر إبليسَ بالسجودِ له، وأخرَجه منها في آخرِ ساعةٍ\". ثم قالت اليهودُ: ثم ماذا يا محمدُ؟ قال: \"ثم اسْتَوَى على العرشِ\". قالوا: قد أصَبتَ لو أتْمَمتَ. قالوا: ثم استراحَ. فغضِب النبيُّ ﷺ غضبًا شديدًا، فنزَل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن شريكٍ، عن غالبِ بن غيلانَ (^٣)، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إن الله خلَق يومًا واحدًا فسمَّاه الأحدَ، ثم خلَق ثانيًا فسمَّاه الاثنينِ، ثم خلَق ثالثًا فسمَّاه الثلاثاءَ، ثم خلَق رابعًا فسمَّاه الأربعاء، ثم خلَق خامسًا فسمَّاه الخميسَ. قال: فخَلَق الأرضَ في يومين؛ الأحد والاثنين، وخلَق الجبالَ يومَ الثلاثاءِ، فذلك قولُ الناسِ: هو يومٌ ثقيلٌ. وخلَق مواضعَ الأنهارِ والشجرَ (^٤) يومَ الأربعاءِ، وخلَق الطيرَ والوحوشَ والهوامَّ والسباعَ يومَ الخميسِ، وخلَق الإنسانَ يومَ الجُمعةِ، [ففرَغ من خلقِ كلِّ شيءٍ يومَ الجمعةِ] (^٥).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾: في الأحدِ والاثنينِ.\nوقد قيل غيرُ ذلك، وذلك ما حدَّثنى القاسمُ بنُ بشرِ بن معروفٍ والحسينُ بنُ عليٍّ، قالا: ثنا حجاجٌ، قال ابن جريج: أخبَرني إسماعيلُ بنُ أميةَ، عن أيوبَ بن خالدٍ، عن عبدِ اللهِ بن رافعٍ مولى أمِّ سلمة، عن أبي هريرةَ، قال: أخَذ\n_________\n(^١) في الأصل: \"الأمر\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٢، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٨٨٠)، والحاكم ٢/ ٥٤٣ من طريق هناد به، وتصحف هناد إلى حماد عند الحاكم، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٠ إلى النحاس في ناسخه وابن مردويه.\n(^٣) في النسخ: \"غلاب\"، والمثبت من مصدر التخريج. وينظر الجرح والتعديل ٧/ ٤٧.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأشجار\".\n(^٥) سقط من: ت ٢، ت ٣. والأثر أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٨٨٣) من طريق شريك به.","vol":"20","page":383},{"text":"رسولُ اللهِ ﷺ بيدى، فقال: \"خلَق اللهُ التربةَ (^١) يومَ السبتِ، وخلَق فيها الجبالَ يومَ الأحدِ، وخلَق الشجرَ يومَ الاثنينِ، وخلَق المكروهَ يومَ الثلاثاءِ، وخلَق النورَ يومَ الأربعاءِ، وبثَّ فيها الدوابَّ يومَ الخميسِ، وخلَق آدمَ بعدَ العصرِ مِن يوم الجُمُعةِ آخِرَ خلْقٍ، في آخرِ ساعةٍ من ساعاتِ الجُمُعةِ، فيما بينَ العصرِ إلى الليلِ\" (^٢)\nوقولُه: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾. يقولُ: وتجعَلون لمَن خلَق ذلك كذلك أندادًا. وهم الأكْفَاءُ مِن الرجالِ، [كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾. قال: أكفاءً من الرجالِ] (^٣)، تطيعُونهم في معاصى اللهِ (^٤).\nوقد بيَّنا معنى النِّدِّ بشواهدِهِ فيما مضَى قبلُ (^٥).\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: الذي فعل هذا الفعلَ، وخلَق الأرضَ في يومين، مالكُ جميعِ الجنِّ والإنسِ، وسائرِ أجناسِ الخلقِ، وكلُّ ما دونَه مملوكٌ له، فكيف يجوزُ أن يكونَ له نِدٌّ، وهل يكونُ المملوكُ العاجزُ الذي لا يقدرُ على شيءٍ نِدًّا لمالكِه القادرِ عليه؟!\n\n<span id=\"aya-4228\"></span><span data-type='title' id=toc-8114>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وجعَل في الأرضِ التي خلَق في يومين جبالًا رواسيَ، وهى الثوابتُ في الأرضِ، ﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾. يعني: من فوقِ الأرضِ على ظهرِها.\n_________\n(^١) في ص: البرية، وفى ت ٢، ت ٣: \"الربة\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٣، وأخرجه أحمد ١٤/ ٨٢ (٨٣٤١)، ومسلم (٢٧٨٩) والنسائي (١١٠١٠)، وابن حبان (٦١٦١) من طريق حجاج.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٣٩١.\n(^٥) تقدم في ١/ ٣٩٠ - ٣٩٣.","vol":"20","page":384},{"text":"وقولُه: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾. يقولُ: وبارَك في الأرضِ، فجعَلها دائمةَ الخيرِ لأهلِها.\nوقد ذُكِر عن السديِّ في ذلك ما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾. قال: أنبَت شجرَها.\n﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: وقدَّر فيها أقواتَ أهلِها، يعنى أرزاقَهم ومعايشَهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-8115>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. قال: أرزاقَها (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. قال: قدَّر فيها أرزاقَ العبادِ؛ تلك الأقواتُ (^٢).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. يقولُ: [أقواتَ أهلِها] (^٣).\nوقال آخرون: بل معناه: وقدَّر فيها ما يُصلِحُها.\n\n<span data-type='title' id=toc-8116>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن خُلَيدِ بن دَعْلَجٍ، عن قتَادةَ قولَه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. قال: صلاحَها (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٤ عن معمر به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٥٥ بنحوه، والطوسى في التبيان ٩/ ٣٠٦.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أقواتها لأهلها\".\nوالأثر ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٣٤٢.\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ١٠٦.","vol":"20","page":385},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقدَّر فيها جبالَها وأنهارَها وأشجارَها.\n\n<span data-type='title' id=toc-8117>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾: خلَق فيها جبالَها وأنهارَها وبحارَها وشجرَها، وسكانَها من الدوابِّ كلِّها.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. قال: جبالَها ودوابَّها وأنهارَها وبحارَها (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وقدَّر فيها أقواتَها من المطرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8118>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. قال: من المطرِ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وقدَّر في كلِّ بلدةٍ منها ما (^٣) لم يجعَلْه في الآخرِ منها؛ ليعيشَ (^٤) بعضُهم من بعضٍ بالتجارةِ من بلدةٍ إلى بلدةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8119>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحسينُ بنُ محمدٍ الذارعُ، قال: ثنا أبو محصنٍ، قال: ثنا حصينٌ (^٥)،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٤ عن معمرٍ به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٨٥ ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٢.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في ص، م، ت ١: \"لمعاش\"، وفى ت ٢ ت ٣: \"يعيش\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حصن\"، وفى م: \"حسين\"، وسيأتي على الصواب في الإسناد التالي.","vol":"20","page":386},{"text":"عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. قال: اليمانيُّ باليمنِ، والسابِريُّ بسابورَ (^١). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا أبو محصنٍ، عن حصينٍ، قال: قال عكرمةُ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾: اليمانيةُ باليمنِ، والسابريةُ بسابورَ، وأشباهُ هذا.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ حصينًا، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. قال: في كلِّ أرضٍ قوتٌ لا يصلُحُ في غيرِها؛ اليمانيُّ باليمنِ، والسابريُّ بسابورَ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حصينٌ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. قال: البلدُ يكونُ فيه القوتُ أو الشيءُ لا يكونُ لغيرِه، ألَا ترى أن السابريَّ إنما يكونُ بسابورَ، وأن العَصْب (^٣) إنما يكونُ باليمنِ، ونحوُ ذلك.\nحدَّثني إسماعيلُ بنُ سيفٍ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ (^٤) بنُ زيادٍ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. قال: السابريُّ بسابورَ، والطيالِسةُ (^٥) من\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٤ من طريق حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٠ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر. والسابرى: نسبة إلى نوع من الثياب يقال لها: السابرية. وقد ضبطه السمعانى بفتح الموحدة وتعقبه الرضى الشاطبي فقال: الصواب بالكسر. ينظر الأنساب ٣/ ١٩٤، والتاج (س ب ر).\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٥٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٠ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) العصب: ضرب من البرود اليمنية يعصب غزله، أي يدرج، ثم يحاك. التاج (ع ص ب).\n(^٤) في ص، م: \"ابن عبد الواحد\"، ينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٤٥٠.\n(^٥) الطيالسة هي التي تكون فوق العمامة، وهو ما يعرف في العامية المصرية بـ \"الشال\" وهو فارسي معرب. ينظر الأنساب ٤/ ٩١، والوسيط (ط ل س).","vol":"20","page":387},{"text":"الرَّيِّ (^١).\nحدَّثني إسماعيلُ، قال: ثنا أبو النضرِ (^٢) صاحبُ البصريِّ، قال: ثنا أبو عَوانة، عن مُطَرِّفٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. قال: السابريُّ بسابورَ، والطِيالسةُ من الرَّيِّ، والحِبَرُ من اليمنِ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخبرَ أنه قدَّر في الأرضِ أقواتَ أهلِها، وذلك ما يَقوتُهم من الغذاءِ، ويُصلحُهم من المعاشِ، ولم يخصُصْ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. أنه قدَّر فيها قوتًا دونَ قوتٍ، بل عمَّ الخبرَ عن تقديرِه فيها جميعَ الأقواتِ، ومما يقوتُ أهلَها ما لا يُصلحُهم غيرُه من الغذاءِ، وذلك لا يكونُ إلا بالمطرِ والتصرفِ في البلادِ؛ لما خصَّ به بعضًا دونَ بعضٍ، ومما أخرَج من الجبالِ من الجواهرِ، ومن البحرِ من المآكلِ والحليِّ، ولا قولَ في ذلك أصحُّ مما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ قدَّر في الأرضِ أقواتَ أهلِها. لما وصَفنا من العلةِ.\nوقال جلَّ ثناؤُه: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾؛ لما ذكَرنا قبلُ من الخبرِ الذي رُوِّينا عن ابن عباسٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ، وأن الله فرَغ من خلقِ الأرضِ وجميعِ أسبابِها ومنافِعها؛ من الأشجارِ والماءِ والمدائنِ والعمرانِ والخرابِ في أربعةِ أيامٍ، أولُهن يومُ الأحدِ، وآخرُهن يومُ الأربِعاءِ (^٤).\nحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: خلَق الجبالَ فيها وأقواتَ أهلِها وشجرَها وما ينبغِى لها في يومين؛ في الثلاثاءِ والأربِعاءِ (^٥).\n_________\n(^١) ذكرُه القرطبي في تفسيره ١٥/ ٣٤٣، وابن كثير ٧/ ١٥٥.\n(^٢) في ت ٢: \"النصر\".\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٣٤٣. والحبر: نوع من الثياب. ينظر الأنساب ٢/ ١٦٧.\n(^٤) تقدم في ٣٨٢، ٣٨٣.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٧ بسنده المعروف.","vol":"20","page":388},{"text":"وقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: قال: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾. ثم قال: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾. لأنه يعنى أن هذا مع الأوّلِ أربعةُ أيامٍ، كما تقولُ: تزوَّجتُ أمسِ امرأةً، واليومَ ثِنتَينِ. وإحداهما التي تزوَّجتَها أمسِ.\nوقولُه: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: سواءٌ لمَن سأَل عن مبلغِ الأجلِ الذي خلَق اللهُ فيه الأرضَ، وجعَل فيها الرواسيَ من فوقِها والبرَكةَ، وقدَّر فيها الأقواتَ لأهلِها (^١)، وجَده كما أخبَر اللهُ أربعةَ أيامٍ، لا يزِدْنَ على ذلك ولا يَنقُصْنَ منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8120>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾: مَن سأَل عن ذلك وجَده كما قال اللهُ تعالى.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾. قال: مَن سأَل فهو كما قال اللهُ (^٢).\nحدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾. يقولُ: مَن سأَل فهكذا الأمرُ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: سواءٌ لَمَن سأَل ربَّه شيئًا مما به الحاجةُ إليه من الرزقِ، فإن الله قد قدَّرَ له من الأقواتِ في الأرضِ، على قدرِ مسألةِ كلِّ سائلٍ منهم لو سأَله؛ [لما نفَذ] (^٤) من عليه فيهم قبلَ أن يخلُقَهم.\n_________\n(^١) في م، ت ٣: \"بأهلها\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٤ عن معمرٍ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٥٥، والبغوى في تفسيره ٧/ ١٦٥.\n(^٤) في ص، ت ٢: \"المناقذ\".","vol":"20","page":389},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8121>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾. قال: قدَّر ذلك على قدرِ مسائلِهم؛ يعلمُ ذلك أنه لا يكونُ من مسائِلهم شيءٌ، إلا شيءٌ قد علِمه قبلَ أن يكونَ.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الأمصارِ، غيرَ أبي جعفرٍ والحسنِ البصريِّ: ﴿سَوَاءً﴾ بالنصبِ. وقرَأه أبو جعفرٍ القارئُ: (سَوَاءٌ) بالرفعِ. وقرأ الحسنُ (سَوَاءٍ) بالخفضِ (^١).\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وذلك قراءتُه بالنصبِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، ولصحةِ معناه، وذلك أن معنى الكلامِ: وقدَّر فيها أقواتَها سواءً لسائلِيها، على ما بهم إليه الحاجةُ، وعلى ما يُصلحُهم.\nوقد ذُكِر عن ابن مسعودٍ أنه كان يقرَأُ ذلك: (وَقَسَّم فيها أَقْوَاتَها) (^٢).\nوقد اختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ ﴿سَوَاءً﴾؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: من نصَبه جعَله مصدرًا، كأنه قال: استواءً. قال: وقد قُرِئ بالجرِّ، وجُعِل اسمًا للمستوياتِ، أي: في أربعةِ أيامٍ تامَّةٍ. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: مَن خفَض ﴿سَوَاءً﴾ جعَلها من نعتِ الأيامِ، وإن شئتَ من نعتِ الأربعةِ، ومَن نصَبها جعَلها متصلةً بالأقواتِ. قال: وقد تُرفعُ كأنه ابتداءٌ، كأنه قال: ذلك سَوَاءٌ للسائلينَ. يقولُ: لمن أراد علمَه.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يكون نصبُه إذا نُصِب حالًا من الأقواتِ، إذ كانت ﴿سَوَاءً﴾ قد شُبِّهت بالأسماءِ النكرةِ، فقيل: مرَرتُ بقومٍ سواءٍ. فصارت\n_________\n(^١) قرأ نافع وابن كثير وحمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وخلف \"سواءً\". بالنصب، وقرأ أبو جعفر \"سواء\". بالرفع، وقرأ يعقوب والحسن بالخفض. النشر ٢/ ٢٧٤، والإتحاف ص ٢٣٥.\n(^٢) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ١٢.","vol":"20","page":390},{"text":"تتبعُ النكراتِ، وإذا تبِعت النكراتِ انقطَعت من المعارفِ، فنُصِبت، فقيل: مرَرتُ بإخوتِك سواءً. وقد يجوزُ أن يكونَ إذا لم يدخُلْها تثنيةٌ ولا جمعٌ أن تُشبَّهَ بالمصادرِ. وأما إذا رُفِعت، فإنما تُرفعُ ابتداءً بضميرِ ذلك ونحوِه. وإذا جُرَّت فعلى الإتباعِ للأيامِ، أو للأربعةِ.\n\n<span id=\"aya-4229\"></span><span data-type='title' id=toc-8122>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: ثم ارتفَع إلى السماءِ. وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى قبلُ (^١).\n[﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾. قيل إن ذلك الدخانَ من تنفس الماءِ حين تنفَّس. وقد بينَّا أقوالَ أهلِ العلمِ في ذلك فيما مضى قبلُ] (^٢).\nوقولُه: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فقال اللهُ للسماءِ والأرضِ: جيئا بما خَلَقْتُ فيكما؛ أمَّا أنتِ يا سماءُ فَأَطْلِعي ما خلَقتُ فيكِ من الشمسِ والقمرِ والنجومِ، وأمَّا أنتِ يا أرضُ فأخرِجى ما خلَقتُ فيكِ من الأشجارِ والثمارِ والنباتِ، وتشقَّقى عن الأنهارِ، ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾: جئنا بما أحْدَثَتَ فينا من خلقِكَ، مستجِيبينَ لأمرِكَ، لا نعصِى أمرَكَ.\nكما (^٣) حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جريجٍ، عن سليمانَ بن موسى، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. قال: قال اللهُ للسماواتِ: أطلعِي شمسي وقمرى، وأطلعِي نجومي. وقال للأرضِ: شقِّقى أنهارَك، وأخرِجي ثمارَك. فقالتا: أعْطَيْنا (^٤)\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٤٥٤ - ٤٦٥.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣. ينظر ما تقدم في ١/ ٤٦٢، ٤٦٣.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ ذكر من قال ذلك\".\n(^٤) في ت ٣: \"أتينا\".","vol":"20","page":391},{"text":"طائِعين (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليَّةَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن سليمانَ الأحولِ، عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿ائْتِيَا﴾: أعطِيَا، وفي قولِه: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾: قالتا: أعطَينا (^٢).\nوقيل: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. ولم يُقَلْ: طائِعتَين. والسماءُ والأرضُ مؤنَّثتان (^٣)؛ لأن النونَ والألفَ اللتين هما كنايةُ أسمائِهما في قولِه: ﴿أَتَيْنَا﴾. نظيرةُ كنايةِ أسماءِ المخبِرين من الرجالِ عن أنفسِهم، فأُجْرِىَ قولُه: ﴿طَائِعِينَ﴾ على ما جرَى به الخبرُ عن الرجالِ كذلك.\nوقد كان بعضُ أهلُ العربيةِ يقولُ: ذهَب به إلى السماواتِ والأرضِ ومَن فيهن.\nوقال آخرون منهم: قيل ذلك كذلك؛ لأنهما لما تكلَّمتا أشبَهتا الذكورَ من بني آدمَ.\n\n<span id=\"aya-4230\"></span><span data-type='title' id=toc-8123>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ففرَغ من خلقِهن سبعَ سماواتٍ في يومين، وذلك يومُ الخميسِ ويومُ الجُمعةِ.\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦، وأخرجه الحاكم ١/ ٢٧، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨١٤) من طريق ابن يمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٠ - من طريق ابن جريج به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"مؤنثتين\".","vol":"20","page":392},{"text":"كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: استوَى إلى السماءِ وهى دخانٌ، من تنفُّسِ (^١) الماءِ حينَ تنفَّس، فجعَلها سماءً واحدةً، [ثم فتَقَها] (^٢) فجعَلها سبعَ سماواتٍ في يومين؛ في الخميسِ والجمعةِ، وإنما سُمِّيَ يومَ الجُمعةِ؛ لأنه جُمِع فيه خلقُ السماواتِ والأرضِ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾. يقولُ: وألقَى في كلِّ سماءٍ من السماواتِ السبعِ ما أراد من الخلقِ.\n[وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8124>ذكرُ مَن قال ذلك]</span> (^٤)\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾. قال: ما أمَر به وأرادَه (^٥).\nحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾. قال: خلَق في كلِّ سماءً خلْقَها من الملائكةِ والخلقِ الذي فيها؛ من البحارِ وجبالِ البَرَدِ، وما لا يُعلمُ (^٦).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ\n_________\n(^١) في ت ١: \"متنفس\".\n(^٢) في ص، ت: \"ففقها\"، وفى م، ت ١، ت ٣: \"ففتقها\".\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ١١٠.\n(^٤) في الأصل: \"كما\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٥٨٥، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦١ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٣٤٥.","vol":"20","page":393},{"text":"سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾. قال: خلَق فيها شمسَها وقمرَها ونجومَها وصلاحَها (^١).\nوقولُه: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وزيَّنا السماءَ الدنيا إليكم أيُّها الناسُ بالكواكبِ، وهى المصابيحُ.\nكما (^٢) حدَّثنا، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ قال: ثم زيَّن السماءَ الدنيا (^٣) بالكواكبِ، فجعَلها زينةً، ﴿وَحِفْظًا﴾ من الشياطينِ.\nواختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ قولِه: ﴿وَحِفْظًا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: نُصِب بمعنى: وحفِظناها حِفْظًا، كأنه قال: ونحفظُها حفظًا. لأنه حينَ قال: زيَّنَّاها بمصابيحَ. قد أخبرَ أنه قد نظَر في أمرِها وتعهَّدها، فهذا يدلُّ على الحفظِ، كأنه قال: وحفظِناها حفظًا. وكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ (^٤) يقولُ: نُصِب ذلك على معنى: وحفظًا زيَّنَّاها؛ لأن الواوَ لو سقَطَت لكان: إنا زيَّنَّا السماءَ الدنيا حفظًا. وهذا القولُ الثاني أقربُ عندَنا إلى الصحةِ من الأولِ.\nوقد بيَّنا العلةَ في نظيرِ ذلك في غيرِ موضعٍ من هذا الكتابِ، فأغنَى ذلك عن إعادتِه.\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي وصَفتُ لكم من خَلْقىَ السماءَ والأرضَ وما فيهما، وتزيينيَ السماءَ الدنيا بزينةِ الكواكبِ، على ما بيَّنتُ (^٥) - تقديرُ العزيزِ في نقمتِه من أعدائِه، العليمِ بسرائرِ عبادِه وعلانيتِهم، وتدبيرِهم على ما فيه صلاحُهم.\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) بعده في ت ٢، ت ٣: \"حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في ت ١: \"البصرة\".\n(^٥) ينظر ما تقدم في ١٩/ ٤٩٧، ٤٩٨.","vol":"20","page":394},{"text":"<span id=\"aya-4231\"></span><span data-type='title' id=toc-8127>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فإن أعرَض هؤلاء المشركون عن هذه الحُججِ (^١) التي بيَّنتَها لهم يا محمدُ، ونبَّهتَهم عليها، فلم يؤمِنوا بها، ولم يقِرُّوا أن فاعلَ ذلك هو اللهُ الذي لا إلهَ غيرُه، فقل لهم: أنْذَرتُكم أيُّها الناسُ صاعقةً تهلكُكم، مثلَ صاعقةِ عادٍ وثمودَ.\nوقد بيَّنا فيما مضَى أن معنى الصاعقةِ (^٢) كلُّ ما أفسَد الشيءَ وغيَّرَه عن هيئتِه.\nوقيل: في هذا الموضع غنى بها وقيعةٌ (^٣) من اللهِ وعذابٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8125><span data-type='title' id=toc-8126>ذكرُ مَن قال ذلك</span></span>\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾. قال: يقولُ: أَنذَرْتُكم وقيعةٌ مثلَ وقيعةِ عادٍ وثمودَ (^٤).\n[حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾] (^٥). قال: عذابٌ مثلُ عذابِ عادٍ وثمودَ (^٦).\n\n<span id=\"aya-4232\"></span>وقولُه: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾. يقولُ: فقل: أنذَرْتُكم صاعقةً مثلَ صاعقةِ عادٍ وثمودَ التي أهلكَتهم، إذ جاءت عادًا وثمودَ الرسلُ مِن بين أيديهم. فقولُه: ﴿إِذْ﴾ من صلةِ: ﴿صَاعِقَةِ﴾، وعُنِى بقولِه: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾\n_________\n(^١) في م: \"الحجة\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٩٠، ٦٩١.\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وقعة\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣:\n(^٦) ذكره الطوسى في التبيان ٩/ ١١١.","vol":"20","page":395},{"text":"الرسلُ التي أَتَتْ إلى (^١) الذين هلَكوا بالصاعقةِ من هاتين الأمَّتين، وعُنِى بقولِه: ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: من خلفِ الرسلِ الذين بُعِثوا إلى آبائِهم رسلًا إليهم، وذلك أن اللَّهَ بعث إلى عادٍ هودًا، فكذَّبوه من بعدِ رسلٍ [كانت قد جاءت آباءَهم فأهلكهم اللهُ ثم بعث صالحًا إلى ثمودَ من بعد رسلٍ] (^٢) قد كانت تقدَّمَتْه إلى آبائِهم أيضًا، فكذبوهم (^٣) فأُهلِكوا.\n[وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8128>ذكرُ مَن قال ذلك]</span> (^٤)\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ قال: الرسلُ التي كانت قبلَ هودٍ، والرسلُ الذين كانوا بعدَه، بعَث اللَّهُ قبلَه رسلًا، وبعَث من بعدِه رسلًا.\nوقولُه: هو ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: جاءتهم الرسلُ بألَّا تعبُدوا إلا اللَّهَ وحدَه لا شريكَ له، ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فقالوا لرسلِهم إذ دعَوهم إلى الإقرارِ بتوحيدِ اللَّهِ: لو شاء ربُّنا أن نوحِّدَه، ولا نعبُدَ من دونِه شيئًا غيرَه (^٥)، لأنزَل إلينا ملائكةً من السماءِ، رسلًا بما تدعوننا أنتم إليه، ولم يرسِلْكم وأنتم بشرٌ مثلُنا، ولكنه رضِى عبادتَنا ما نعبُدُ؛ فلذلك لم يرسِلْ إلينا بالنهى عن ذلك ملائكةً.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢ \"آباء\"، وفي ت ٣: \"أما\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"فكذبوه\".\n(^٤) في الأصل: \"كما\".\n(^٥) ليس في: الأصل.","vol":"20","page":396},{"text":"وقوله: ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾. يقول: قالوا لرسلهم: فإنا بالذي أرسَلَكم به ربُّكم إلينا جاحدون غير مصدِّقين به.\n\n<span id=\"aya-4233\"></span><span data-type='title' id=toc-8130>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: ﴿فَأَمَّا عَادٌ﴾ قومُ هودٍ، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ على ربِّهم، وتجبَّروا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ تكبُّرًا وعُتُوًّا بغيرِ ما أذِن اللَّهُ لهم به، وقالوا: مَنْ أشدُّ منَّا [بطشًا وأقوى أجسامًا. يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤه] (^١): ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾، وأعطاهم ما أعطاهم من عظَمِ الخلق وشدَّةِ البطشِ، ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ به فيحذَروا عقابَه، ويتَّقُوا سطوتَه بهم (^٢)، لكفرِهم به، وتكذيبهم رسلَه، ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. يقولُ: وكانوا بأدلتنا وحججِنا عليهم يجحَدون.\n\n<span id=\"aya-4234\"></span><span data-type='title' id=toc-8131>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فأرسَلنا على عادٍ ريحًا صرصرًا.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الصرصرِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك أنها ريحٌ شديدةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8129>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى (^٣)، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال: شديدةً.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قوة\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) بعده في ت:١: \"وحدثني الحارث\".","vol":"20","page":397},{"text":"حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾: شديدةَ السمومِ عليهم (^١).\nوقال آخرون: بل عُنِى بها أنها باردةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8132>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال: الصرصر: الباردةُ.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال: باردةً (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال: باردةً ذاتَ الصوت (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾. يقولُ: ريحٌ فيها بردٌ شديدٌ.\nقال أبو جعفرٍ: وأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مجاهدٍ؛ وذلك أن قولَه: ﴿صَرْصَرًا﴾. إنما هو صوتُ الريحِ إذا هبَّت بشدةٍ، فسُمِع لها (^٤)، كقولِ قائلٍ: \"صرَّر\" (^٥). ثم جُعِل ذلك من أجلِ التضعيفِ الذي في الراءِ، فقال: ثم أُبدِلت إحدى الراءاتِ صادًا لكثرةِ الراءاتِ، كما قيل في ردَّده: ردْرَده. وفي نهَّهه (^٦):\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٨٥ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره الطوسى في التبيان ٩/ ١١٣، والقرطبي في تفسيره ١٥/ ٣٤٧ بنحوه.\n(^٤) بعده في ت ١: \"صوت\".\n(^٥) في الأصل: \"صر\"، وفى ص، ت ١، ت ٢: \"صريم\"، ينظر التاج (ص ر ر).\n(^٦) في ت:١ \"نهنهه\". والنهنهة: الكفُّ والمنع. اللسان (نهنه).","vol":"20","page":398},{"text":"نهنهه. كما قال رؤبة (^١):\nفَالْيَوْمَ قَدْ نَهْنَهَنِي تَنَهْنُهى\nوأَوْلُ حِلْمٍ لَيْسَ بالمُسَفَّهِ\nوكما قيل في كفَّفَه: كفْكَفه. كما قال النابغةُ (^٢):\nأُكَفْكِفُ عَبْرَةً غَلَبَتْ عَزَائي (^٣) … إِذا نَهْنَهْتُها عادَتْ ذُباحا (^٤)\nوقد قيل: إن النهَرَ الذي يُسمَّى صَرْصرًا، إنما سُمِّي بذلك لصوتِ الماءِ الجارِى فيه، وإنه \"فعلل\" مِن \"صرَّر\" [نظيرُ الريحِ الصرصرِ] (^٥).\nوقولُه: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ النَّجِسات؛ فقال بعضُهم: غُنِى بها: المتتابِعاتُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8133>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾. قال: أيامٍ متتابِعاتٍ، أَنزَلَ اللَّهُ فيهنَّ (^٦) العذابَ.\nوقال آخرون: عُنِى بذلك: المشائيمُ (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-8134>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) تقدم في ٦/ ١٧٧، ١٧٨.\n(^٢) ديوانه ص ٢٥٠.\n(^٣) في ص، م: \"عُداتى\".\n(^٤) الذُّباج: القتل. وأخذوهم بالذباح، أي ذبحوهم. اللسان (ذ ب ح).\n(^٥) سقط من: ت ٢ ت ٣.\n(^٦) في ص، ت،٢ ت: \"فيه\"، وفى ت ١: \"فيها\".\n(^٧) في ص، ت،٢، ت ٣: \"المشائم\".","vol":"20","page":399},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾. قال: مشائيمَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾: أيامٍ واللَّهِ كانت مشئوماتٍ على القومِ.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: النحِساتُ: المشئوماتُ النَّكِداتُ (^٢)\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾. قال: أيام مشئوماتٍ عليهم (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: أيامٍ ذاتِ شرٍّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8135>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾. قال: النَّحْسُ: الشرُّ، أرسل عليهم ريحَ شرٍّ، ليسَ فيها من الخيرِ شيءٌ.\nوقال آخرون: النَّحِساتُ: الشِّدادُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8136>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾. قال: شِدادٍ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٨٥، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٢.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ١١٣.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٣٤٨.","vol":"20","page":400},{"text":"وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بها أنها (^١) مشائيمُ ذاتُ نحوسٍ؛ لأن ذلك هو المعروفُ من معنى النحسِ في كلامِ العربِ.\nوقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّة قرأةِ الأمصارِ، غيرَ نافعٍ وأبى عمرٍو: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ بكسرِ الحاءِ. وقرَأه نافعٌ وأبو عمرٍو: (نَحْساتٍ) بسكونِ الحاء. وكان أبو عمرٍو، فيما ذُكر لنا عنه، يحتجُّ لتسكينهِ الحاءَ بقولِه: ﴿يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩]. وأن الحاءَ فيه ساكنةٌ (^٢).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ مع اتفاقِ معنيَيهما، وذلك أن تحريكَ الحاءِ وتسكينَها في ذلك لغتانِ معروفَتانِ، يقالُ: هذا يوم نحِسٌ، ويومٌ نَحْسٌ. بكسرِ الحاءِ وسكونِها، قال الفرَّاءُ: أنشَدني بعضُ العربِ:\nأبْلِغْ جُذَامًا وَلَخْمًا أنَّ إخْوَتَهُمْ … طَيًّا وبَهْرَاءَ قَوْمٌ نَصْرُهُمْ نَحِسُ (^٣)\nوأما من السكون فقولُ اللَّهِ: ﴿يَوْمِ نَحْسٍ﴾، ومنه قولُ الراجزِ:\nيَوْمَيْنِ غَيْمَيْنِ وَيَوْمًا شَمْسًا\nنَجْمَيْنِ بالسَّعْدِ ونَجْمًا نَحْسا\nفمن كان من (^٤) لغتِه: يوْمُ نَحْسٌ. قال: (فِي أيامٍ نَحْساتٍ). ومن كان من (^٤) لغتِهِ: يَوْمٌ نَحِسٌ قال: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾. وقد قال بعضُهم: النحِسَ بسكونِ الحاءِ: هو الشؤمُ نفسه، وإن إضافةَ اليومِ إلى النحْسِ، إنما هو إضافةٌ إلى الشؤمِ، وأن النحِسَ بكسرِ الحاءِ نعتٌ لليومِ بأنه مشئومٌ؛ ولذلك قيل: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾؛ لأنها أيامٌ مشائيمُ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أيام\".\n(^٢) ينظر حجة القراءات ص ٦٣٥.\n(^٣) معاني القرآن للفراء ٣/ ١٤.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".","vol":"20","page":401},{"text":"وقوله تعالى ذكرُه: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه لننالَهم بهوانٍ في حياتِهم الدنيا بما نزَل بهم من العذابِ، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾] (^١). يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولَعذابُنا إياهم في الآخرةِ أخزَى لهم وأشدُّ إهانةً وإذلالًا، ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾. يقولُ: وهم، يعنى عادًا، لا ينصرُهم من اللَّهِ يومَ القيامةِ إذا عذَّبهم ناصرٌ، فينقِذَهم منه، أو ينتصرَ لهم.\n\n<span id=\"aya-4235\"></span><span data-type='title' id=toc-8137>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: [وأمَّا ثمود] (^١) فبينا لهم سبيلَ الحقِّ وطريقَ الرشدِ.\nكما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾. يقولُ: بيَّنا لهم (^٢).\n[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾. أي: بيَّنا لهم سبيلَ الخيرِ والشرِّ] (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾: بيَّنا لهم (^٤).\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) بعده في ت ٢ ت ٣: \"سبيل الخير والشر\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٢ من طريق أبي صالح به - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٢ إلى ابن المنذر.\n(^٣) سقط من ت ٢، ت ٣. والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٥٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ١١٤، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٥٨.","vol":"20","page":402},{"text":"﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾. قال: أعلَمْناهم الهدى والضلالة، ونهيناهم أن يتَّبعوا الضلالةَ، وأمرناهم أن يتَّبِعوا الهدى.\nوقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿ثَمُودُ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ غيرَ الأعمشِ وعبد اللَّهِ بن أبي إسحاقَ برفعِ \"ثمودُ\"، وتركِ إجرائِها، على أنها اسمٌ للأمةِ التي تُعرَفُ بذلك. وأما الأعمشُ فإنه ذُكِر عنه أنه كان يُجرِى ذلك في القرآنِ كلِّه إلا في قولِه: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩]. فإنه كان لا يُجريه في هذا الموضعِ خاصةً من أجلِ أنه في خطِّ المصحفِ في هذا الموضعِ بغيرِ ألفٍ، وكان يوجهُ \"ثمودَ\" إلى أنه اسمُ رجلٍ بعينِه معروفٍ، أو اسمُ جبلٍ (^١) معروفٍ. وأما ابن إسحاقَ فإنه كان يقرؤُه: (وأما ثمود) نصبًا بغيرِ إجراءٍ (^٢).\nوذلك وإن كان له في العربية وجهٌ (^٣)، فإن أفصحَ منه وأصحَّ في الإعرابِ عندَ أهلِ العربيةِ الرفعُ؛ لطلبِ \"أمّا\" الأسماءَ، وأن الأفعالَ لا تليها، وإنما تُعمِلُ العربُ الأفعالَ التي بعدَ الأسماءِ فيها إذا حسُن تقديمُها قبلَها، والفعلُ في \"أمَّا\" لا يحسُنُ تقديمهُ قبلَ الاسمِ، ألا ترَى أنه لا يقالُ: وأما هدَينا فثمودَ. كما يقالُ: (وأمَّا ثَمُودَ فَهَديْناهُمْ).\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك عندنا الرفعُ وتركُ الإجراءِ، أما الرفعُ فلِما وصَفتُ، وأما تركُ الإجراءِ فلأنه اسمُ الأمةِ (^٤).\nوقولُه: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. يقولُ: فاختاروا العمَى على البيانِ الذي بيَّنتُ لهم، والهدى الذي عرَّفتُهم، بأخذِهم طريقَ الضلالِ ﴿عَلَى الْهُدَى﴾.\nيعنى: على البيانِ الذي بيَّنْتُه (^٥) لهم، من توحيدِ اللَّهِ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"جيل\".\n(^٢) ينظر مختصر الشواذ ص ١٣٤، والإتحاف ص ٢٣٥.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"معروف\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣ \"للأمة\".\n(^٥) في الأصل: \"بينه\".","vol":"20","page":403},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8138>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. قال: اختارُوا الضلالةَ والعمَى على الهدى.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾.\nقال: أرسَل اللَّهُ إليهم الرسلَ بالهدى، فاستحَبُّوا العمَى على الهدى.\nحَّدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾. يقولُ: بيَّنا لهم، فاستحبُّوا العمَى على الهدى (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. قال: استحبُّوا الضلالةَ على الهدى. وقرَأ: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾. إلى آخر الآية [الأنعام: ١٠٨]. قال: فزُيِّن لثمودَ عملُها القبيحُ. وقرَأ: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ [فاطر: ٨].\nوقولُه: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. يقولُ: فأهَلَكتهم من العذابِ المذلِّ المهينِ لهم مُهْلكةٌ أَذلَّتْهم وأَخْزَتْهم. والهُونُ: هو الهوانُ.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٤، ١٨٥ عن معمر به.","vol":"20","page":404},{"text":"﴿الْعَذَابِ الْهُونِ﴾. قال: الهوانُ (^١).\nوقولُه: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: من الآثامِ بكفرِهم باللَّهِ قبلَ ذلك، وخلافِهم إياه، وتكذيبِهم رسلَه.\n\n<span id=\"aya-4236\"></span>وقولُه: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: ونجَّينا (^٢) من العذابِ الذي أخَذهم بكفرِهم باللَّهِ الذين وحَّدوا اللَّهَ، وصدَّقوا رسلَه ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يقولُ: وكانوا يخافون اللَّهَ أن يُحِلُّ بهم من العقوبةِ على كفرِهم لو كفَروا، ما حلَّ بالذين هلَكوا منهم، فآمَنوا اتِّقاءَ اللَّهِ وخوفَ وعيدِه، وصدَّقوا رسلَه، وخلَعوا الآلهةَ والأندادَ.\n\n<span id=\"aya-4237\"></span><span data-type='title' id=toc-8139>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ يُجْمَعُ هؤلاء المشرِكون، ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾: إلى نارِ جهنمَ، فهم يُحْبَسُ أَوَّلُهم على آخرِهم.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. قال: يُحبسُ أوَّلُهم على آخرِهم (^٣).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. قال: عليهم وَزَعَةٌ تردُّ أُولاهم على أُخراهم (^٤).\n_________\n(^١) ذكره الطوسى في التبيان ٩/ ١١٤.\n(^٢) بعده في م، ت ١: \"الذين آمنوا\".\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٣٥٠، وابن حجر في الفتح ٨/ ٥٦٠، والبغوي في تفسيره ٧/ ١٦٩.\n(^٤) تقدم تخريجه في ١٨/ ١٣٠.","vol":"20","page":405},{"text":"<span id=\"aya-4238\"></span>وقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ﴾. يقولُ: حتى إذا ما جاءوا النارَ، شهِد عليهم سمعُهم بما كانوا يُصغُون به في الدنيا إليه ويستمِعون له، وأبصارُهم بما كانوا يُبصِرون به، وينظُرون إليه في الدنيا، ﴿وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nوقد قيل: عُنِى بالجلودِ في هذا الموضعِ الفروجُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8140>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن الحَكَمِ الثقفيِّ، عن (^١) رجلٍ من آلِ أبى عَقِيلٍ رَفَع الحديثَ: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾: إنما عَنَى فروجَهم، ولكن كنَّى عنها.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنا حرملةُ، أنه سمِع عبيدَ اللَّهِ بنَ أبى جعفرٍ يقولُ: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ﴾. قال: جلودُهم: الفروجُ (^٢).\nوهذا القولُ الذي ذكَرنا عمن ذكَرنا عنه في معنى الجلودِ، وإن كان معنًى يحتمِلُه التأويلُ، فليس بالأغلبِ على معنى الجلودِ، ولا بالأشهَرِ، وغيرُ جائزٍ نقلُ معنى ذلك المعروفِ على [ألسنِ العربِ] (^٣) إلى غيرِه، إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها.\n\n<span id=\"aya-4239\"></span><span data-type='title' id=toc-8141>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٣٥٠.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الشيء الأقرب\".","vol":"20","page":406},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء الذين يُحشَرون إلى النارِ من أعداءِ اللَّهِ ﷾ لجلودِهم، إذ شهِدت عليهم بما كانوا في الدنيا يعمَلون من معاصى اللهِ (^١): ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ بما كنا نعملُ في الدنيا؟ فأجابتهم جلودُهم: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فنطَقنا. وذُكِر أن هذه الجوارحَ تشهدُ على أهلِها عندَ استشهادِ اللَّهِ إيَّاها (^٢) عليهم، إذا هم أنكَروا الأفعالَ التي كانوا فعَلوها في الدنيا مما (^٣) يُسخط اللَّهَ، وبذلك جاء الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8142>ذكرُ الأخبارِ التي رُوِيت بذلك عن رسولِ اللَّهِ ﷺ </span>-\nحدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغفاريُّ، قال: أخبَرنا عليُّ بنُ قادمٍ الخُزاعيُّ (^٤)، قال: أخبَرنا شريكٌ، عن عبيدٍ المُكْتِبِ، عن الشعبيِّ، عن أنسٍ، قال: ضحِك رسولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يومٍ حتى بدَتْ نواجذُه، ثم قال: \"ألا تسألُونى مِمَّ ضحِكتُ؟ \". قالوا: ممَّ ضحِكتَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: \"عجِبتُ من مجادلةِ العبد ربَّه تعالى ذكره يومَ القيامةِ\". قال: \"يقولُ: يا ربِّ، أليسَ وعَدْتَنى أن لا تظلِمَني؟ \". قال: فإِنَّ لك ذلك. قال: فإنى لا أقبلُ عَلى شاهدًا إلا من نفسى. قال: أوَ ليس كفَى بى شهيدًا، وبالملائكةِ الكرامِ الكاتِبين؟ \". قال: \"فيُختَمُ على فِيهِ، وتتكلَّمُ أركانُه بما كان يعملُ\". قال: \"فيقولُ لهن: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، عنكُنَّ كنتُ أجادِلُ\" (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عبيدٍ المُكْتِبِ، عن\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إياهم\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بما\".\n(^٤) في النسخ: \"الفزارى\"، والمثبت من مصادر ترجمته وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ١٠٦، وتاريخ الإسلام (حوادث) ووفيات ٢١١ - ٢٢٠) ص ٣١٣.\n(^٥) أخرجه أبو يعلى (٣٩٧٥)، والحاكم ٤/ ٦٠١ من طريق على بن قادم به.","vol":"20","page":407},{"text":"فضيلِ (^١) بن عمرٍو، عن الشعبيِّ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه (^٢).\nحدَّثني عباسُ بنُ أبى طالبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى بكيرٍ (^٣)، عن شبلٍ، قال: سمِعت أبا قَزَعةَ يحدِّثُ عمرَو بنَ دينارٍ، عن حكيمٍ بن معاويةَ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ أنه قال، وأشار بيدِه إلى الشامِ، قال: \"هاهُنا إلى هاهُنا تُحْشَرون رُكبانًا ومشاةً على وجوهِكم يومَ القيامةِ، على أفواهِكم الفِدامُ (^٤)، تُوَفُّون سبعين (^٥) أُمةً أنتم آخِرُها وأكرمُها على اللَّهِ، وإن أولَ ما يُعْرِبُ من أحدِكم فَخِذُه\" (^٦).\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرَنا الجُرَيريُّ، عن حكيمِ بن معاويةَ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"تجيئون يومَ القيامةِ على أفواهِكم الفِدامُ، وإنَّ أولَ ما يتكلَّمُ من الآدميِّ (^٧) فَخِذه وكَفُّه\" (^٨).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن بَهْزِ بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ما لي أُمسِكُ بحُجَزِكم من النارِ؟ ألا إن ربى\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"فضل\".\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٦٩)، والنسائى (١١٦٥٣ - كبرى)، وأبو يعلى (٣٩٧٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٥٩، والبيهقى في الأسماء والصفات (٤٦٧) من طريق سفيان.\n(^٣) في ص، م، ت:١ \"بكر\"، وينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٢٤٥، والجرح والتعديل ٦/ ٢١٥.\n(^٤) في ت ١: \"القدام\"، والفدام: ما يشد على فم الإبريق والكوز من خرقة لتصفية الشراب الذي فيه: أي أنهم يمنعون من الكلام بأفواههم حتى تتكلم جوارحهم، فشبه ذلك بالفدام. النهاية ٣/ ٤٢١.\n(^٥) في ت ٢: \"سبعون\".\n(^٦) أخرجه أحمد ٤/ ٤٤٦، ٤٤٧ (الميمنية)، والنسائى (١١٤٣١ - (كبرى) والطبراني (١٠٣٨) من طريق يحيى بن أبى بكير به مطولا، وهو جزء من حديث طويل. وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٤٠، ٤/ ٥٦٥ من طريق أبى قزعة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٢ إلى ابن المنذر.\n(^٧) في الأصل، ص، ت ٢، ت ٣: \"الآدميين\".\n(^٨) أخرجه أحمد ٥/ ٣ (الميمنية)، والطبراني (١٠٣١)، والحاكم ٢/ ٤٣٩، ٤٤٠ من طريق يزيد به.","vol":"20","page":408},{"text":"داعيَّ، وإنه سائلى: هل بَلَّغتُ عبادَه؟ وإنى قائلٌ: رَبِّ قد بَلْغتُهم، فَيُبَلِّغُ شَاهِدُكم غائِبَكم، ثم إنكم مَدْعوُّون (^١) مُفَدَّمةً أفواهُكم بالفِدامِ، ثم إن أولَ ما يُبِينُ عن أحدِكم لَفَخِذه وكَفُّه\" (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنا الهيثمُ بنُ خارجةَ، عن إسماعيلَ بن عياشٍ، عن ضمضمِ بن زُرْعةَ، عن شريحِ بن عبيدٍ، عن عقبةَ، سمِع النبيَّ ﷺ يقولُ: \"إن أولَ عَظْمٍ يتكلَّمُ من الإنسانِ يومَ يُختمُ على الأفواهِ، فَخِذُه من الرِّجُلِ الشِّمالِ\" (^٣).\nوقولُه: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ خلَقكم الخلقَ الأوَّلَ ولم تكونوا شيئًا، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: وإليه مصيرُكم من بعدِ مماتِكم.\n\n<span id=\"aya-4240\"></span>﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ في الدنيا ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾ يومَ القيامةِ ﴿سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾.\nواخْتلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وما كنتم تَسْتَخْفُون.\n\n<span data-type='title' id=toc-8143>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾. أي: تَسْتَخْفُون منها (^٤).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"مدعون\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٥ من طريق بهز بن حكيم به.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١٩/ ٤٧٤.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٢ إلى المصنف، وذكره الطوسى في التبيان ٩/ ١١٦.","vol":"20","page":409},{"text":"وقال آخرون: معناه: وما كنتم تتَّقون.\n\n<span data-type='title' id=toc-8144>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾. قال: تتَّقون (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وما كنتم تظنُّون.\n\n<span data-type='title' id=toc-8145>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾. يقولُ: وما كنتم تظنُّون ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُ﴾ حتى بلَغ: ﴿كَثِيرًا مِمَّا (^٢) تَعْمَلُونَ﴾. واللَّهِ إن عليك يا بنَ آدمَ لشهودًا (^٣) غير مُتَّهمةٍ من بدنِك، فراقِبْهم، واتقِ اللَّهِ في سرِّ أمرِك وعلانيتِك، فإنه لا يخفَى عليه خافيةٌ، الظلمةُ عنده ضوءٌ، والسرُّ عندَه علانيةٌ، فمن استطاع أن يموتَ وهو باللَّهِ حسَنُ الظنِّ فليفعَلْ، ولا قوةَ إلا باللَّهِ (^٤).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: معنى ذلك: وما كنتم تَسْتَخفُون، فتترُكوا ركوبَ محارمِ اللَّهِ في الدنيا، حَذارَ (^٥) أن يشهَدَ عليكم\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٨٥.\n(^٢) بعده في الأصل: \"كنتم\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت،٢، ت ٣: \"لشهود\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٥٨، ٢٥٥٩ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في م: \"حذرا\".","vol":"20","page":410},{"text":"سمعُكم وأبصارُكم اليومَ.\nوإنما قلنا ذلك أولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ؛ لأن المعروفَ من معاني الاستتارِ (^١) الاستخفاءُ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف يستخفِى الإنسانُ عن نفسِه بما (^٢) يأتى؟ قيل: قد بيَّنا أن معنى ذلك إنما هو ألَّا يأتى الذنبَ (^٣)، وفى تركِه إتيانَه إخفاؤُه عن نفسِه.\n\nوقولُه: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولكن حسِبتم حينَ ركِبتم في الدنيا ما ركِبتم من معاصى اللَّهِ، أَن اللَّهَ لا يعلَمُ كثيرًا مما تعمَلون من أعمالِكم الخبيثةِ؛ فلذلك لم تَسْتَتِروا أن يشهَدَ عليكم سمعُكم وأبصارُكم وجلودُكم، فتتركوا ركوبَ ما حرَّم اللَّهُ عليكم.\nوذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت من أجلِ نفرٍ تَدَارءُوا بينَهم في علمِ اللَّهِ، بما يقولونه ويتكلَّمون به سرًّا.\n\n<span data-type='title' id=toc-8146>ذكرُ الخبرِ بذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن يحيى القُطَعيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا قيسٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ الأزديِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، قال: كنتُ مستتِرًا بأستارِ الكعبةِ، فدخَل ثلاثةُ نفرٍ، ثَقَفِيَّان وقُرشيٌّ، أو قُرَشِيَّان وثَقَفيٌّ، كثيرٌ شحومُ بطونِهما، قليلٌ فقهُ قلوبِهما، فتكلَّموا بكلامٍ لم أفهَمْه، فقال أحدُهم: أتُرَون أن اللَّهَ يسمعُ ما نقولُ؟ فقال الرجلانِ: إذا رفَعنا أصواتَنا سمِع، وإذا لم نرفَعْ أصواتَنا (^٤) لم يسمَعْ. فأتَيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فذكَرْتُ له ذلك، فنزَلت هذه الآيةُ:\n_________\n(^١) في ت:٢ \"الاستار\" وفي ت ٣: \"الاستغفار\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ٣: \"مما\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأمانى\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":411},{"text":"﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى الأعمشُ، عن عُمارةَ بن عميرٍ، عن وهبِ بن ربيعةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، قال: إنى لمستتِرٌ بأستارِ الكعبةِ، إذ دخَل ثلاثةُ نفرٍ؛ ثقفيٌّ وخِتناه قُرَشِيَّان، قليلٌ فقهُ قلوبِهما، كثيرةٌ شحومُ بطونِهما، فتحدَّثوا بينَهم بحديثٍ، فقال أحدُهم: أتَرى اللَّهَ يسمعُ ما قلنا؟ فقال الآخرُ: إنه يسمعُ إذا رفَعنا، ولا يسمعُ إذا خفَضنا. وقال الآخرُ إن كان يسمعُ منه شيئًا فإنه يسمعه كلَّه، قال: فأتَيتُ رسولَ اللَّهَ ﷺ، فذكَرتُ ذلك له، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾، فقرأ حتى بلَغ: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى منصورٌ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنحوِه (^٣).\n\n<span id=\"aya-4241\"></span><span data-type='title' id=toc-8147>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: وهذا الذي كان منكم في الدنيا، من ظنِّكم أن اللَّهَ لا يعلمُ كثيرًا مما تعمَلون من قبائحٍ أعمالِكم ومساوئِها - هو ظنُّكم الذي ظَننتم بربِّكم في\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٣٦١)، والطبراني (١٠١٣٩) من طريق قيس به.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧٧٥)، وأبو يعلى (٥٢٤٥) من طريق يحيى بن سعيد به، وتفسير سفيان ص ٢٦٥، ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٥، وأحمد ٧/ ٢٦٥، ٢٧٢ (٤٢٢١، ٤٢٣٨)، والترمذي عقب (٣٢٤٩)، والطحاوى في المشكل (١٢٩)، والطبراني في الكبير (١٠١٣٢).\n(^٣) أخرجه النسائي (١١٤٦٨ - كبرى عن محمد بن بشار به، وأخرجه أحمد ٧/ ٢٧٢، ٢٧٣ (٤٢٣٨)، والبخارى (٤٨١٧)، ومسلم (٢٧٧٥) / ٥، وأبو يعلى (٥٢٤٦)، والطحاوى في المشكل (١٣٠) من طريق يحيي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٢ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.","vol":"20","page":412},{"text":"الدنيا، ﴿أَرْدَاكُمْ﴾. يعنى: أهلَككم. يقالُ منه: أردَى فلانًا كذا وكذا. إذا أهلَكه، ورَدِيَ هو: إذا هلَك (^١) فهو يردَى رَدًى، ومنه قولُ الأعشى (^٢):\nأفى الطَّوفِ خِفتِ عليَّ الرَّدَى … وكم من ردٍ أهلَه لم يَرِمْ\nيعني: وكم من هالكٍ أهله لم يَرِمْ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8148>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾. قال: أهلَككم.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمر، قال: تلَا الحسنُ: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾. فقال: [قال الله جل ثناؤه: \"عبدي أنا عند ظنِّه بي، وأنا معه إذا دعانى\". ثم نطق الحسنُ فقال] (^٣): إنما عملُ [ابن آدمَ] (^٤) على قدرِ [ظنَّه بربِّه] (^٥)، فأما المؤمنُ فأحسَن باللَّهِ الظنَّ، فأحسَن العملَ، وأما الكافرُ والمنافقُ، فأساء الظنَّ، فأساء العملَ، قال ربُّكم: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ حتى بلَغ: ﴿الْخَاسِرِينَ﴾ (^٦).\nقال معمر: وحدَّثني رجلٌ: إنه يؤمَرُ برجلٍ إلى النارِ، فيلتفتُ فيقولُ: يا ربِّ ما كان هذا ظني بك. قال: \"وما كان ظنُّك بى\"؟ قال: كان ظني أن تغفرَ لي ولا تعذِّبَنى. قال: \"فإني عندَ ظنِّك بي\" (^٧).\n_________\n(^١) في الأصل: \"أهلك\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٩/ ٥٤٩.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الناس\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ظنونهم بربهم\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٥ عن معمر به.\n(^٧) المصدر السابق ٢/ ١٨٦.","vol":"20","page":413},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الظنُّ ظنَّان؛ فظنٌّ منجٍ، وظنٌّ مُرْدٍ؛ قال: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]. قال: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]. وهذا الظنُّ المنجى، ظنَّ (^١) ظنًّا يقينًا، وقال هاهنا: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾. هذا ظنٌّ مُرْدٍ (^٢).\nوقوله: وَقالَ الكافِرُونَ: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]. وذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ ويروِى ذلك عن ربِّه: \"عبدى عندَ ظنِّه بي، وأنا معه إذا دعاني\" (^٣). وموضعُ قولِه: ﴿وَذَلِكُمْ﴾. رفعٌ بقولِه: ﴿ظَنُّكُمُ﴾. وإذا كان ذلك كذلك، كان قولُه: ﴿وَذَلِكُمْ﴾. في موضعِ نصبٍ، بمعنى: مُردِيًا لكم. وقد يحتمِلُ أن يكون في موضعِ رفع بالاستئنافِ، بمعنى: مُردٍ لكم، كما قال: (تلكَ آيَاتُ الكِتابِ الحَكيمِ هُدًى وَرَحْمَةٌ) [لقمان: ٢، ٣]. في قراءةِ من قرَأه بالرفعِ (^٤). فمعنى الكلام: وهذا الظنُّ الذي ظنَنتم بربِّكم من أنه لا يعلمُ كثيرًا مما تعمَلون، هو الذي أهلَككم؛ لأنكم من أجلِ هذا الظنِّ اجترَأتم على محارمِ اللَّهِ، فتقدَّمْتم (^٥) عليها، وركِبتم ما نهاكم اللَّهُ عنه، فأهلَككم ذلك وأرداكم، ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. يقولُ: فأصبَحتم اليومَ من الهالِكين؛ قد غُبِنتم ببيعِكم منازلَكم من الجنةِ بمنازلِ أهلِ الجنةِ، من النارِ.\n\n<span id=\"aya-4242\"></span><span data-type='title' id=toc-8149>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٣٥٣ بنحوه.\n(^٣) أخرجه أحمد ١٦/ ٥٦٤ (١٠٩٦١)، والبخارى في الأدب المفرد (٦١٦)، ومسلم (٢٦٧٥)، والترمذى (٢٣٨٨) من حديث أبي هريرة.\n(^٤) أي برفع (رحمة). وهى قراءة حمزة وحده والباقون على نصبها. السبعة لابن مجاهد ص ٥١٢.\n(^٥) في ص، م: \"فقدمتم\"، وفي ت ٢: \"فتقدمهم\".","vol":"20","page":414},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: فإن يصبِرْ هؤلاء الذين يُحْشَرُون إلى النارِ [على النارِ] (^١)، فالنارُ مسكنٌ لهم ومنزلٌ، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾. يقولُ: وإن يسأَلوا العُتْبَى، وهى الرجْعةُ، لهم إلى الذي يُحِبُّون بتخفيف العذاب عنهم. ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾. يقولُ: فليسوا بالقومِ الذين يُرجَعُ بهم إلى الجنة، فيُخَفَّفُ عنهم ما هم فيه من العذابِ، وذلك كقوله جلَّ ثناؤُه مخبرًا عنهم: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. إلى قوله: ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٨]. وكقولِهم الخَزَنَةِ جهنمَ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٤٩، ٥٠].\n\n<span id=\"aya-4243\"></span><span data-type='title' id=toc-8151>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرهُ بقوله: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾: وبعَثنا لهم نُظراءَ من الشياطيِن، فجعَلْناهم لهم قرناءَ قرناهم بهم، يُزَيِّنون لهم قبائحَ أعمالهم، فزيَّنوا لهم ذلك.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8150>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾. قال: الشياطيَن (^٢).\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م: \"الشيطان\".","vol":"20","page":415},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾. قال: شياطينَ (^١).\nوقولُه: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: فزيَّن لهؤلاء الكفارِ قرناؤُهم من الشياطينِ ما بينَ أيديهم من أمرِ الدنيا، فحسَّنوا ذلك لهم، وحبَّبوه إليهم، حتى آثَروه على أمرِ الآخرةِ. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: وحسَّنوا لهم أيضًا ما بعدَ مماتِهم؛ بأن دعَوهم إلى التكذيبِ بالمعادِ، وأن من هلَك منهم فلن يُبْعَثَ، وألَّا ثوابَ ولا عقابَ حتى صدَّقوهم على ذلك، وسهُل عليهم فعلُ كلِّ ما يَشْتَهونه، وركوبٌ كلَّ ما يَلْتَذُّونه من الفواحشِ، باستحسانِهم ذلك لأنفسِهم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8152>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمرِ الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمرِ الآخرةِ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ووجَب لهم (^٣) العذابُ بركوبِهم ما ركِبوا مما زيَّن لهم قرناؤُهم، وهم من الشياطينِ.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَحَقَّ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٨٦، ومن طريقه الفريابى - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٢ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ٩/ ١١٨.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"عليهم\".","vol":"20","page":416},{"text":"عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾. قال: العذابُ، ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وحقَّ على هؤلاء الذين قيَّضنا لهم قُرَناءَ من الشياطينِ، فزيَّنوا لهم ما بيَن أيديهم وما خلفَهم - العذابُ في أممٍ قد مضَت قبلَهم من ضُرَبائِهم، حقٌّ عليهم من عذابِنا مثلُ الذي حقَّ على هؤلاء، بعضِهم من الجنِّ وبعضِهم من الإِنسِ. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾. يقولُ: إن تلك الأممَ الذين حقَّ عليهم عذابُنا من الجنِّ والإنسِ - كانوا مغبونين ببيعِهم رضا اللَّهِ [بسخطِه ورحمتَه بعذابِه] (^١).\n\n<span id=\"aya-4244\"></span><span data-type='title' id=toc-8153>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال الذين كفَروا باللَّهِ ورسولِه من مشرِكي قريشٍ: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾. يقولُ: قالوا للذين يُطِيعونَهم من أوليائِهم من المشرِكين: لا تَسْمَعوا لقارِئُ هذا القرآنِ إذا قرَأه، ولا تُصْغُوا له، ولا تَتَّبِعوا ما فيه، فتَعْمَلوا به.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾. قال: هذا قولُ المشرِكين، قالوا: لا تَتَّبعوا هذا القرآنَ والغَوْا (^٢) عنه (^٣).\nوقولُه: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾. يقولُ: الغَطُوا بالباطلِ من القولِ إذا سمِعتُم قارِئَه يَقْرَؤُه؛ كَيْما لا يَسْمَعوه (^٤) ولا يَفْهَموا (^٥) ما فيه.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"برحمته وسخطه بعذابه\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الهوا\".\n(^٣) في ت:٢: \"فيه\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٢ إلى ابن أبي حاتم مطولا بنحوه.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تسمعوه\".\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تفهموا\".","vol":"20","page":417},{"text":"وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8154>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبى بزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾. قال: المُكاءُ والتصفيرُ وتخليطٌ من القولِ على رسولِ اللَّهِ ﷺ، إذا قرَأ، قريشٌ تَفْعَلُه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾. قال: بالمُكاءِ والتصفيرِ والتخليطِ في المنطقِ على رسولِ اللَّهِ ﷺ، إذا قرَأ القرآنَ، قريشٌ تَفْعَلُه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾. أي: اجحَدوا به وأَنْكِروه وعادُوه، قال: هذا قولُ مشرِكى العربِ (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، قال: قال بعضُهم في قولِه: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾. قال: تَحَدَّثوا وضِجُّوا (^٣) كَيْما لا يَسْمَعوه (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٨٦، وذكره البغوي في تفسيره ٧/ ١٧١، والقرطبى في تفسيره ١٥/ ٣٥٦، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٦٣.\n(^٢) في ٢: \"قريش\". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٦٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"صيحوا\".\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تسمعوه\"، والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٦ عن معمر عن الكلبي.","vol":"20","page":418},{"text":"وقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾. يقولُ: لعلكم بفعِلكم ذلك تَصُدُّون من أراد استماعَه عن استماعِه، فلا يَسْمَعُه، وإذا لم يَسْمَعْه ولم يَفْهَمْه لم يَتَّبِعْه، فتَغْلبون بذلك من فعلِكم محمدًا ﷺ.\n\n<span id=\"aya-4245\"></span>قال اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ باللَّهِ من مشرِكى قريشٍ الذين قالوا هذا القولَ - عذابًا شديدًا في الآخرةِ، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: ولنُثِيبَنَّهم على فعِلهم ذلك وغيرِه من أفعالِهم بأقبحِ جزاءِ أعمالِهم التي عمِلوها في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-4246\"></span><span data-type='title' id=toc-8155>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هذا الجزاءُ الذي نَجْزِى به هؤلاء الذين كَفروا بآياتِنا (^١) من مشرِكى قريشٍ - جزاءُ أعداءِ اللَّهِ.\nثم ابتَدَأ جل ثناؤه الخبرَ عن صفةِ ذلك الجزاءِ، وما هو؟ فقال: هو النارُ. فالنارُ بيانٌ عن الجزاءِ، وترجمةٌ عنه، وهى مرفوعةٌ بالردِّ عليه، ثم قال: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾. يعني: لهؤلاء المشرِكين باللَّهِ في النارِ ﴿دَارُ الْخُلْدِ﴾. يعني: دارُ المَكْثِ واللُّبثِ إلى غيرِ نهايةٍ ولا أمدٍ. والدارُ التي أخبَر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أنها لهم في النارِ، هي النارُ، وحسُن ذلك لاختلافِ اللفظين، كما يُقالُ: لك من بلدتِك دارٌ صالحةٌ، ومن الكوفةِ دارٌ كريمةٌ. والدارُ: هي الكوفةُ والبلدةُ، فيَحْسُنُ ذلك لاختلافِ الألفاظِ. وقد ذُكِرَ (^٢) أنها في قراءةِ ابن مسعودٍ: (ذَلكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ دَارُ الخُلْدِ). ففى ذلك تصْحيحُ ما قلْنا من التأويلِ في ذلك، وذلك أنه تَرْجَمَ بالدارِ عن النارِ.\nوقولُه: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. يقولُ: فِعْلُنا هذا الذي فعَلْنا\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣: \"ذكرنا\"، وفى م، ت ١: \"ذكر لنا\".","vol":"20","page":419},{"text":"بهؤلاء، من مُجازاتِنا إيَّاهم النارَ على فعلِهم - جزاءٌ منا لهم بجحودِهم في الدنيا بآياتِنا التي احتَجَجْنا بها عليهم.\n\n<span id=\"aya-4247\"></span><span data-type='title' id=toc-8157>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال الذين كفَروا باللَّهِ ورسولِه يومَ القيامةِ بعدَ ما أُدْخِلُوا جهنمَ: يا ربَّنا أَرِنا اللذَيْنِ أَضَلَّانا من خلقِك؛ من جنِّهم وإنسِهم. وقيل: إن الذي هو من الجنِّ إبليسُ، والذي هو من الإنسِ ابن آدمَ الذي قتَل أخاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8156>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ثابتٍ الحدادِ، عن حَبَّةَ العُرَنيِّ (^١)، عن عليّ بن أبى طالبٍ ﵁ في قولِه: ﴿أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. قال: إبليسَ الأبالسةِ وابنَ آدمَ الذي قتَل أخاه (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ عن سلمةَ، عن مالكِ بن حصينٍ، عن أبيه، عن عليٍّ ﵁ في قولِه: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. قال: إبليسَ، وابنَ آدمَ الذي قتَل أخاه (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سَلَمةَ بن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ٢، ت ٣ \"العوفى\". ينظر تهذيب الكمال ٥/ ٣٥١.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٢٦٦، وأخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٣٦٣ من طريق سفيان به، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٤٩/ ٤٧، ٤٨ من طريق حبة العرني به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٦، والحاكم ٢/ ٤٤٠، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٩/ ٤٧ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٣ إلى الفريابى وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"20","page":420},{"text":"كُهَيلٍ، عن أبي مالكٍ أو (^١) ابن مالكٍ، عن أبيه، عن عليٍّ ﵁: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. قال: ابنَ آدمَ الذي قتَل أخاه، وإبليسَ الأبالسةِ.\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن عليّ بن أبى طالبٍ ﵁ في قولِه: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ الآية، فإنهما ابن آدمَ القاتلُ، وإبليسُ الأبالسِ (^٢). فأما ابن آدمَ، فيَدْعو به كلُّ صاحبِ كبيرةِ دخَل النارَ من أهلِ (^٣) الدعوةِ، وأما إبليسُ فيَدْعو به كلُّ صاحبِ شركٍ، [يدعو بهما] (^٤) في النارِ (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ هو الشيطانُ، وابنُ آدمَ الذي قتَل أخاه (^٦).\nوقولُه: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)﴾. يقولون: نَجْعَلْ هَذَيْنِ اللذَيْنِ أضلَّانا تحتَ أقدامنا؛ لأن أبوابَ جهنمَ بعضُها أسفلَ من بعضٍ، وكلٌّ ما سفَل منها فهو أشدُّ على أهلِه، وعذابُ أهلِه أغلظُ، ولذلك سأَل هؤلاء الكفارُ ربَّهم أن يُرِيَهم اللذَيْنِ أضلَّاهم، ليَجْعَلُوهما أسفلَ منهم؛ ليَكونا في أشدِّ العذابِ في الدركِ الأسفلِ من النارِ.\n\n<span id=\"aya-4248\"></span><span data-type='title' id=toc-8158>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾.</span>\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٢) في ص، م: \"الأبالسة\"، وفي ت ١: \"الأباليس\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أجل\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يدعوانهما\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٦٣ بنحوه.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٦.","vol":"20","page":421},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وحدَه لا شريكَ له، وتبرءوا من الآلهةِ والأندادِ، ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على توحيدِ اللَّهِ، ولم يَخْلِطوا توحيدَ اللَّهِ بشركِ غيرِه به، وانتَهوا إلى طاعتِه فيما أمَر ونهَى.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك جاء الخبرُ عن رسول اللَّهِ ﷺ، وقاله أهلُ التأويلِ على اختلافِ منهم في معنى قولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-8159>ذكرُ الخبرِ بذلك عن رسولِ اللَّهِ ﷺ </span>-\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا سَلْمُ (^١) بنُ قتيبةَ [أبو قتيبةَ] (^٢)، قال: ثنا سُهَيْلُ (^٣) ابن أبى حزمٍ القُطَعِيُّ، عن ثابتٍ البنانيِّ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ ما قرَأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال: قد قالها الناسُ، ثم كفَر أكثرُهم، فمن مات عليها فهو ممن استَقامَ (^٤).\n[واختلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾] (^٥)؛ فقال بعضُهم: معناه: ثم (^٦) لم يُشْرِكوا به شيئًا، ولكن بَقُوا (^٧) على التوحيدِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8160>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ،\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"سالم\"، ينظر تهذيب الكمال ١١/ ٢٣٢.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ٢ ت ٣ \"سهل\"، ينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٢١٧.\n(^٤) أخرجه الترمذى (٣٢٥٠) والنسائى في الكبرى (١١٤٧٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٠) عن عمرو بن علي، وأخرجه أبو يعلى (٣٤٩٥)، وعنه ابن عدى ٣/ ١٢٨٨ من طريق سلم بن قتيبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٣ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تموا\".","vol":"20","page":422},{"text":"عن عامرِ بن سعدٍ، عن سعيدِ بن نِمْرانَ (^١)، قال: قرَأَتُ عندَ أبى بكرٍ الصدِّيقِ ﵁ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال: هم الذين لم يُشْرِكوا باللَّهِ شيئًا (^٢).\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ بإسنادِه، عن أبي بكرٍ الصدِّيقِ ﵁ مثلَه.\nقال: ثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، وعبدُ اللَّهِ بنُ إدريسَ، عن الشيبانيِّ، عن أبي بكرِ بن أبى موسى، عن الأسودِ بن هلالٍ، عن أبي بكرٍ ﵁ أنه قال لأصحابِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال: قالوا: ربُّنا اللَّهُ ثم عمِلوا بها، قال: لقد حمَلْتُمُوها على غيرِ المَحْمَلِ: ﴿الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ الذين لم يَعْدِلُوها بشركٍ ولا غيرِه (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا الشيبانيُّ، عن أبى بكرِ بن أبى موسى، عن الأسودِ بن هلالٍ المحاربيِّ، قال: قال أبو بكرٍ ﵁: ما تَقولون في هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: فقالوا: ربُّنا اللَّهُ ثم استَقاموا من ذنبٍ، قال: فقال أبو بكرٍ: لقد حمَلتُم على غيرِ المحمَلِ، قالوا ربُّنا اللَّهُ ثم استقاموا، فلم يَلْتَفِتوا إلى إلهٍ غيرِه.\n_________\n(^١) في الأصل: \"نهران\"، وفى ص، م، ت ١: \"عمران\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"نمير\"، ووقع في تفسير \"عبد الرزاق: \"نجران\"، والمثبت من مصادر التخريج الأخرى. وينظر ميزان الاعتدال ٣/ ٤٦، وأسد الغابة ٢/ ٣٩٩.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٢٦٦، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٧، ومسدد - كما في الدر المنثور ٥/ ٣٦٣ ومن طريقه ابن مردويه كما في الدر أيضًا ومن طريقهما ابن عساكر ٢١/ ٣١٣، وابن سعد في الطبقات ٦/ ٨٤ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٣ إلى الفريابى وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٤٠، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٠ من طريق عبد الله بن إدريس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٣ إلى إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول.","vol":"20","page":423},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: أي على لا إلهَ إلا اللَّهُ (^١).\nقال: ثنا حكَّامٌ عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال: أسلَموا ثم لم يُشْرِكوا به حتى لحِقوا به (^٢).\nقال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال: هم الذين قالوا ربُّنا اللَّهُ ثم لم يُشْرِكوا به حتى لقُوه.\nقال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن جامعِ بن شدادٍ، عن الأسودِ بن هلالٍ مثلَ ذلك.\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال: تَمُّوا على ذلك.\nحدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللَّهِ (^٣) بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال: استَقاموا على شهادةِ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم استَقاموا للهِ على طاعتِه.\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ١٧٢، والقرطبى في تفسيره ١٥/ ٣٥٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٣٠٠ من طريق ليث عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في ت ٢: \"عبد الرحمن\"، ينظر الجرح والتعديل ٤/ ٩٢.\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٣٣٣، ٣٣٤ من طريق الحكم بن أبان به، ووقع عنده: \"الحسن بن أبان\". وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٦٥، وعزاه إلى ابن أبي حاتم من طريق حفص عن الحكم عن عكرمة عن ابن عباس قوله.","vol":"20","page":424},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8161>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، قال: ثنا يونسُ بنُ يزيدَ، عن الزهريِّ، قال: تلا عمرُ ﵁ على المِنبَرِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال: استَقاموا واللَّهِ للهِ (^١) بطاعتِه، ولم يَرُوغوا روغانَ الثعالبِ (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال: استَقاموا على طاعةِ اللَّهِ. وكان الحسنُ إذا تَلاها قال: اللَّهُمَّ أنت ربُّنا فارزُقْنا الاستقامةَ (^٣).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. يقولُ: على أداءِ فرائضِه (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال: استقاموا على عبادةِ اللَّهِ وطاعتِه (^٥).\nوقولُه: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. يقولُ: تتهبَّطُ عليهم الملائكةُ [من عندِ اللهِ] (^٦) عندَ نزولِ الموتِ بهم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) الزهد لابن المبارك (٣٢٥)، وأخرجه أحمد في الزهد ص ١١٥ من طريق يونس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٣ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٤٤٦)، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٦ عن معمر به.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ١٧٢، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٦٥ عن علي بن أبى طلحة به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) ذكره الطوسى في التبيان ٩/ ١٢١، والقرطبى في تفسيره ١٥/ ٣٥٨.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":425},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8162>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبى بزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾. قال: عندَ الموتِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. قال: عندَ الموتِ (^٢).\nوقولُه: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾. يقولُ: تَتَنَزَّلُ عليهم الملائكةُ بألَّا تَخافوا ولا تَحْزَنوا، فـ \"أن\" في موضعِ نصبٍ إذ (^٣) كان ذلك معناه.\nوقد ذُكِر عن عبدِ اللَّهِ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ لا (^٤) تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ بمعنى: تَتَنَزَّلُ عليهم قائلةً: لا تَخافوا ولا تَحْزَنوا. وعَنَى بقولِه: [﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾] (^٥). ما تَقْدَمون عليه من بعدِ مماتِكم، ولا تحزنوا على ما تُخَلِّفونه وراءَكم.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٨٦، ومن طريقه الفريابى - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٢ - وذكره البيهقى في الشعب ١/ ٣٥٤، والقرطبى في تفسيره ١٥/ ٣٥٨، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٦٥.\n(^٢) ذكره ابن حجر في الفتح ٨/ ٥٦٠، وعزاه إلى المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٦٥.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"إذا\".\n(^٤) في ص، م: \"ألا\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":426},{"text":"وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8163>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾. قال: لا تَخافوا ما أمامَكم، ولا تَحْزَنوا على ما بعدَكم.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ حسانَ، عن مسلمِ بن خالدٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾. قال: لا تَخافوا ما تَقْدَمون عليه من أمرِ الآخرةِ، ولا تَحْزَنوا على ما خَلَّفتم من دنياكم من أهلٍ [أو ولدٍ أو دينٍ] (^١)، فإنا نَخْلُقُكم في ذلك كلِّه (^٢).\nوقيل: إن ذلك في الآخرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8164>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ فذلك في الآخرةِ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. يقولُ: وسُرُّوا بأن لكم في الآخرةِ الجنةَ التي كنتم تُوعَدُونَها في الدنيا، على إيمانِكم باللَّهِ واستقامتِكم على طاعتِه.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وولد\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٦٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن حجر في الفتح ٨/ ٥٦٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم.","vol":"20","page":427},{"text":"كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-4249\"></span><span data-type='title' id=toc-8166>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِ ملائكتِه التي تتنَزَّلُ على هؤلاء المؤمنين به الذين استَقاموا على طاعتِه عندَ موتِهم: نحن أولياؤُكم * أيُّها القومُ، في الحياةِ الدنيا كنا نتولَّاكم فيها.\nوذُكر أنهم الحفَظَةُ الذين كانوا يَكْتُبون أعمالَهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-8165>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: نحن الحَفَظةُ الذين كنَّا معَكم في الدنيا، ونحن أولياؤُكم في الآخرةِ (^١).\nوقولُه: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾. يقولُ: وفي الآخرةِ أيضًا نحن أولياؤُكم كما كنا لكم في الدنيا أولياءَ. ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾. يقولُ: ولكم في الآخرةِ عندَ اللَّهِ ما تَشْتَهى أنفسُكم من اللذّاتِ والشهواتِ. وقولُه: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾؟. يقولُ: ولكم في الآخرةِ ما تدَّعون.\n\n<span id=\"aya-4250\"></span>وقولُه: ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾. يقولُ: أعطاكم ذلك ربُّكم، نزلًا لكم من ربِّ غفورٍ لذنوبِكم، رحيمٍ\n_________\n* من هنا خرم في مخطوطة جامعة القرويين المشار إليها بالأصل وسينتهي في ص ٤٨٣.\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ١٧٣، والقرطبى في تفسيره ١٥/ ٣٥٩.","vol":"20","page":428},{"text":"بكم أن يُعَاقِبَكم بعدَ توبِتكم. ونصَب \"نُزُلًا\" على المصدرِ من معنى قولِه: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾. لأن في ذلك تأويلَ أنزَلكم ربُّكم بما تَشْتَهون من النعيمِ \"نُزُلًا\".\n\n<span id=\"aya-4251\"></span><span data-type='title' id=toc-8168>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومن أحسنُ أيُّها الناسُ قولًا ممن قال: ربُّنا اللَّهُ، ثم استَقام على الإيمانِ به، والانتهاءِ إلى أمرِه ونهيِه، ودعا عبادَ اللَّهِ إلى ما قال وعمِل به من ذلك.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8167>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، قال: تلا الحسنُ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾. قال: هذا حبيبُ اللَّهِ، هذا وليُّ اللَّهِ، هذا صفوةُ اللَّهِ، هذا خِيرةُ اللَّهِ، هذا أحبُّ الخلقِ إلى اللَّهِ، أَجابَ اللَّهَ في دعوتِه، ودعا الناسَ إلى ما أجاب اللَّهَ فيه من دعوتِه، وعمِل صالحًا في إجابتِه، وقال: إنني من المسلمين، فهذا خليفةُ اللَّهِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٤٤٦)، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٧ عن معمر به، وذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٣٦٠، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٦٩.","vol":"20","page":429},{"text":"قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾. الآية، قال: هذا عبدٌ صدَّق قولَه عملُه، ومولجَه مخرجُه، وسرَّه علانيتُه، وشاهدَه مغيبُه، وإن المنافقَ عبدٌ خالَف قولَه عملُه، ومولجَه مخرجُه، وسرَّه علانيتُه وشاهدَه مغيبُه (^١).\nواختلَف أهلُ العلمِ في الذي أُريد بهذه الصفةِ من الناسِ، فقال بعضُهم: عُنِى بها نبيُّ اللَّهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8169>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾. قال: محمدٌ ﷺ حينَ دعا إلى الإسلامِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال: هذا رسولُ اللَّهِ ﷺ (^٣).\nوقال آخرون: عُنِى به المؤذِّنُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8170>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني داودُ بنُ سليمانَ بن يزيدَ المُكْتِبُ البصريُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ جريرٍ البَجَليُّ، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن قيسِ بن أبى حازمٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾. قال: المؤذنُ. ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ١٧٣، والقرطبى في تفسيره ١٥/ ٣٦٠، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٦٨.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٣٦٠، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٦٨.","vol":"20","page":430},{"text":"الصلاة ما بيَن الأذانِ إلى الإقامةِ (^١).\nوقولُه: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾. يقولُ: وقال: إننى ممن خضَع للَّهِ بالطاعةِ، وذلَّ له بالعبودةِ، وخشَع له بالإيمانِ بوحدانيتِه.\n\n<span id=\"aya-4252\"></span>وقوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَسْتَوِى حسنةُ الذين قالوا: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، فأحسَنوا في قولِهم، وإجابتِهم ربَّهم إلى ما دعاهم إليه من طاعتِه، ودعَوا عبادَ اللَّهِ إلى مثلِ الذي أجابوا ربَّهم إليه، وسَيِّئةُ الذين قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ [فصلت: ٢٦]. فكذلك لا تَسْتَوِى عندَ اللَّهِ أحوالُهم ومنازلُهم، ولكنها تَخْتَلِفُ كما وصَف جل ثناؤُه أنه خالَف بينَهما، وقال جل ثناؤُه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾. فكرَّر \"لا\"، والمعنى: لا تَسْتَوى الحسنةُ والسيئةُ؛ لأن كلَّ ما كان غيرَ مساوٍ شيئًا، فالشيءُ الذي هو له غيرُ مُساوٍ؛ غيرُ مُساوِيه، كما أن كلَّ [ما كان غيرَ مساويًا لشيءٍ] (^٢) فالآخرُ الذي هو له مساوٍ له، فيقالُ: فلانٌ مساوٍ فلانًا، وفلانٌ له مساوٍ، فكذلك فلانٌ ليس مساويًا لفلانٍ، ولا فلانٌ مساويًا له، فلذلك كُرِّرت \"لا\" مع السيئةِ، ولو لم تَكُنْ مكررةً معها كان الكلامُ صحيحًا. وقد كان بعضُ نحويِّى البصرةِ يَقُولُ: يجوزُ أن يُقالَ: الثانيةُ زائدةٌ؛ يُريدُ: لا يَسْتَوِى عبدُ اللَّهِ وزيدٌ، فزِيدَت \"لا\" توكيدًا، كما قال: لِئَلَّا ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾ [الحديد: ٢٩]. أي: لأن يَعْلَمَ، وكما قال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ [القيامة: ١، ٢]. وقد كان بعضُهم يُنكِرُ قولَه هذا ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾، وفى قولِه: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾، فيقول: \"لا\" الثانيةُ في قولِه:\n_________\n(^١) أخرجه الخطيب في تاريخه ٨/ ٤٧١، ٤٧٢ من طريق داود بن سليمان به.\n(^٢) في ت ١: \"مساوٍ بالشيء\".","vol":"20","page":431},{"text":"﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾ رُدَّت إلى موضعِها؛ لأن النفىَ إنما لحِق \"يَقْدِرون\" لا العلمَ، كما يُقالُ: لا أظنُّ زيدًا لا يقومُ، بمعنى: أظنُّ زيدًا لا يقومُ؛ قال: وربما استوثَقوا فجاءوا به أوَّلًا وآخرًا، وربما اكتَفَوا بالأولِ من الثاني. وحُكِى سماعًا من العربِ: ما كأنى (^١) أَعْرِفُها: أي كأني لا أُعْرِفُها. قال: وأما \"لا\" في قولِه: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾. فإنما هي (^٢) جوابٌ، والقسمُ بعدَها مُسْتَأْنَفٌ، ولا يَكونُ حرفُ الجحدِ مُبْتَدأ صلةٍ.\nوإنما عَنَى بقولِه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾: ولا يَسْتَوِى الإيمانُ باللَّهِ والعملُ بطاعتِه، والشركُ به والعملُ بمعصيتِه.\nوقولُه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ادفَعْ يا محمدُ بحلمِك جهلَ مَن جهِلَ عليك، وبعفوِك عمَّن أساءَ إليك إساءةَ المسئِ، وبصبِرك عليهم مكروهَ ما تَجِدُ منهم ويَلْقاك من قِبَلِهم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ على اختلافٍ منهم في تأويلِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8171>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال: أمَر اللَّهُ المؤمنين بالصبرِ عندَ الغضبِ، والحلمِ والعفوِ عند الإساءةِ، فإذا فعَلوا ذلك عصَمهم اللَّهُ من الشيطانِ، وخضَع لهم عدوُّهم، كأنه وليٌّ حميمٌ (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢ ت ٣: \"كان\".\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"هو\".\n(^٣) أخرجه البيهقى في سننه ٧/ ٤٥، وابن حجر في التغليق ٤/ ٣٠٣ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"20","page":432},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك: ادفَعْ بالسلامِ على مَن أساءَ إليك إساءتَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8172>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن طلحةَ بن (^١) عمرٍو، عن عطاءٍ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال: بالسلامِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن عبدِ الكريمِ الجَزَريِّ، عن مجاهدٍ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال: السلامُ عليك (^٣) إذا لقيتَه (^٤).\nوقولُه: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: افعَلْ هذا الذي أمَرتُك به يا محمدُ، من دفعِ سيئةِ المسئِ إليك بإحسانِك الذي أمَرْتُك به إليه، فيصيرَ المسئُ إليك الذي بينَك وبينَه عداوةٌ كأنه من ملاطفتِه إيَّاك وبرِّه لك وليٌّ لك من بنى أعمامِك، قريبُ النسبِ بك. والحميمُ هو القريبُ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ: ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾: أي كأنه وليٌّ قريبٌ (^٥).\n\n<span id=\"aya-4253\"></span><span data-type='title' id=toc-8173>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو</span>\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"عن\".\n(^٢) تفسير سفيان ص ٢٦٧ بلفظ: \"الإسلام\".\n(^٣) في ص، ت ٢، ت ٣: \"عليكم\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٧، وفي مصنفه (٢٠٢٢٥) ومن طريقه البيهقى في شعب الإيمان (٦٦٢٣) عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٥ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٧ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":433},{"text":"حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما يُعْطَى دفعَ السيئةِ بالحسنةِ إلا الذين صبَروا للَّهِ على المكارِه والأمورِ الشاقةِ وقال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾. ولم يَقُلْ: وما يُلَقَّاه؛ لأن معنى الكلامِ: وما يُلَقَّى هذه الفعلةَ من دفعِ السيئةِ بالتي هي أحسنُ.\nوقولُه: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾. يقولُ: وما يُلَقَّى هذه إلا ذو نصيبٍ وجَدٍّ، له سابقٌ في المَبَرَّاتِ (^١) عظيمٌ.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾: ذو جَدٍّ (^٢).\nوقيل: إن ذلك الحظَّ الذي أخبَر اللَّهُ جل ثناؤُه في هذه الآيةِ أنه لهؤلاء القومِ، هو الجنةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8174>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾. والحظُّ العظيمُ: الجنةُ (^٣).\nذُكِر لنا أن أبا بكرٍ ﵁ شتَمه رجلٌ، ونبيُّ اللَّهِ ﷺ شاهدٌ، فعفا عنه ساعةً، ثم إن أبا بكرٍ جاش به الغضبُ فردَّ عليه، فقام النبيُّ ﷺ، فاتَّبعه أبو بكرٍ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت،٢، ت ٣: \"الميراث\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٣٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٨ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":434},{"text":"فقال: يا رسولَ اللَّهِ شتَمنى الرجلُ، فعفَوتُ وصفَحتُ وأنت قاعدٌ، فلما أخَذتُ أَنْتَصِرُ قُمْتَ يا نبيَّ اللَّهِ. فقال نبيُّ اللَّهِ ﷺ: \"إنه كان يَرُدُّ عنك مَلَكٌ من الملائكةِ، فلما قرِبتَ تَنْتَصِرُ ذهَب المَلكُ وجاء الشيطانُ، فواللَّهِ ما كُنتُ لأُجالِسَ الشيطانَ يا أبا بكرٍ\" (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. يقولُ: الذين أعدَّ اللَّهُ لهم الجنةَ.\n\n<span id=\"aya-4254\"></span>وقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية، يقولُ تعالى ذكرُه: وإما يُلْقِيَنَّ الشيطانُ يا محمدُ في نفسِك وسوسةً من حديثِ النفسِ، إرادةَ حملِك على مجازاةِ المسيءِ بالإساءةِ، ودعائِك إلى مساعتِه، فاستَجِرْ باللَّهِ، واعتَصِمْ من خُطُواتِه، إن اللَّهَ هو السميعُ لاستعاذتِك منه واستجارتِك به من نزغاتِه، ولغيرِ ذلك من كلامِك وكلامِ غيرِك، العليمُ بما أَلقي في نفسِك من نزغاتِه، وحدَّثَتْك به نفسُك، وبما (^٢) يُذْهِبُ ذلك من قلبِك، وغيرِ ذلك من أمورِك وأمورِ خلقِه.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾. قال: وسوسةٌ وحديثُ النفسِ، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ من الشيطان الرجيم.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِمَّا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١٥/ ٣٩٠ (٩٦٢٤)، وأبو داود (٤٨٩٧)، والطبرانى في الأوسط (٧٢٣٥)، والبيهقي في السنن ١٠/ ٢٣٦ وغيرهم من حديث أبي هريرة.\n(^٢) في م، ت ١: \"مما\".","vol":"20","page":435},{"text":"يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾. قال: هذا الغضبُ.\n\n<span id=\"aya-4255\"></span><span data-type='title' id=toc-8175>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومن حُجَجِ اللَّهِ تعالى على خلقِه، ودَلالتِه على وحدانيَّتِه وعظيمِ سلطانِه - اختلافُ الليلِ والنهارِ، ومعاقبةُ كلِّ واحدٍ منهما صاحبَه، والشمسُ والقمرُ، لا الشمسُ تُدْرِكُ القمرَ ولا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. ﴿لَا تَسْجُدُوا﴾ أَيُّها الناسُ ﴿لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾، فإنهما وإن جرَيا في الفلَكِ بمنافعِكم، فإنما يَجْرِيان بها لكم بإجراءِ اللَّهِ إياهما لكم، طائعَين له في جَرْيِهما ومسيرِهما، لا بأنهما يَقْدِران بأنفسِهما على سَيْرٍ وجَرْىٍ، دونَ إجراءِ اللَّهِ إياهما وتسييرِهما، أو يَسْتَطيعان لكم نفعًا أو ضَرًّا، وإنما اللَّهُ مُسَخِّرُهما لكم لمنافعِكم ومصالحِكم، فله فاسجُدوا، وإياه فاعبُدوا دونَهما، فإنه إن شاء طمَس ضوءَهما، فترَككم حيارَى في ظلمةٍ لا تَهْتَدون سبيلًا، ولا تُبْصِرُون شيئًا.\nوقيل: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾. فجُمِع بالهاءِ والنونِ؛ لأن المرادَ من الكلام: واسجُدوا للَّهِ الذي خلَق الليلَ والنهارَ والشمسَ والقمرَ. وذلك جمعٌ وأنَّث كنايتَهنَّ، وإن كان من شأنِ العربِ إذا جمَعوا الذكرَ إلى الأنثى أن يُخْرِجوا كنايتَهما بلفظِ كنايةِ المذكرِ، فيَقُولوا: أخَواك وأُخْتاك كلَّمونى، ولا يَقُولوا: كلَّمْتَنى؛ لأن من شأنِهم أن يُؤَنِّثوا أخبارَ الذكورِ من غيرِ بني آدمَ في الجمعِ، فيَقولوا: رأَيتُ مع عمرٍو أثوابًا فَأَخَذْتُهنَّ منه، وأعجَبني خواتيمُ لزيدٍ فقبَضتُهن منه.\nوقولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. يقول: إن كنتم تَعْبُدون اللَّهَ","vol":"20","page":436},{"text":"وتَذِلُّون له بالطاعةِ، وإنَّ من طاعتِه أَن تُخْلِصوا (^١) له العبادةَ، ولا تُشْرِكوا في طاعتِكم إياه وعبادتِكموه شيئًا سِوَاه، فإن العبادةَ لا تَصْلُحُ لغيرِه، ولا تَنْبَغى لشيءٍ سِواه.\n\n<span id=\"aya-4256\"></span><span data-type='title' id=toc-8177>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: فإن استكبَر يا محمدُ هؤلاء الذين أنت بينَ أَظْهُرِهم من مشرِكي قريشٍ، وتَعَظَّموا عن أن يَسْجُدوا للَّه الذي خلَقهم وخلقَ الشمسَ والقمرَ، فإن الملائكةَ الذين عندَ ربِّك لا يَسْتَكْبِرون عن ذلك، ولا يَتَعَظَّمون عنه، بل يسبحون له، ويُصَلُّون ليلًا ونهارًا، ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾. يقولُ: وهم لا يَفْتُرون عن عبادتِهما، ولا يَمَلُّون الصلاةَ له.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8176>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. قال: يعنى محمدًا، يقولُ: عبادي ملائكةٌ صافُّون، يُسَبِّحون ولا يَسْتَكْبِرون (^٢).\n\n<span id=\"aya-4257\"></span><span data-type='title' id=toc-8178>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومن حُجَجِ اللَّهِ أيضًا وأدلتِه على قدرتِه على نشرِ الموتى من\n_________\n(^١) في ت ٢: \"تتخلصوا\"، وفى ت ٣: \"يخلصوا\".\n(^٢) تقدم بنحوه في ١٩/ ٦٥٤.","vol":"20","page":437},{"text":"بعدِ بِلَاها، وإعادتِها لهيئتِها كما كانت من بعدِ فَنائِها - أنك يا محمدُ ترى الأرضَ دارِسةً غبراءَ، لا نباتَ فيها (^١) ولا زرعَ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾: أي غبراءَ مُتهشِّمةً (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾. قال: يابسةً مُهَشِّمةٌ (^٣).\n﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا أنزَلْنا من السماءِ غيثًا على هذه الأرضِ الخاشعةِ، اهتزَّت بالنباتِ. يقولُ: تحرَّكت به.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿اهْتَزَّتْ﴾. قال: بالنباتِ (^٤).\n﴿وَرَبَتْ﴾. يقولُ: انتفَخت.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَرَبَتْ﴾: انتفَخت (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"بها\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٨ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ١٢٧.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٨٦، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ١٢٧.","vol":"20","page":438},{"text":"الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾: يُعْرَفُ الغيثُ في سَحْتِها ورَبوها (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، [قال: ثنا الحسنُ] (^٢)، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَرَبَتْ﴾: للنباتِ، قال: ارتفَعت قبلَ أن تَنْبُتَ (^٣).\nوقولُه: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذي أحيا هذه الأرضَ الدارِسةَ فأخرَج منها النباتَ، وجعلَها تهتزُّ بالزرعِ من بعدِ يَبَسِها ودُثورِها بالمطرِ الذي أُنْزِل عليها - القادرُ أن يُحْيِيَ أَمواتَ بني آدمُ من بعدِ مماتِهم، بالماءِ الذي يَنزِلُ من السماءِ لإحيائِهم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8179>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: كما يُحْيى الأرضَ بالمطرِ كذلك يُحْيي (^٤) الموتى بالماءِ يومَ القيامةِ بينَ النفختين. يعنى بذلك تأويلَ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾.\nوقولُه: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّك يا محمدُ على إحياءِ خلقه بعدَ مماتِهم، وعلى كلِّ ما يَشاءُ ذو قدرةٍ، لا يُعجِزُه شيءٌ أراده، ولا\n_________\n(^١) سحتَ الشيءَ سحتا: قشره. وربو الأرض: ما ارتفع منها. اللسان (س ح ت)، والوسيط (ر ب و). والأثر تقدم في ١٦/ ٤٦٦ بنحوه.\n(^٢) سقط من: ص، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تفسير مجاهد ص،٥٨٦، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في ص، ت ٢، ت ٣: \"يخرج\".","vol":"20","page":439},{"text":"يَتَعَذَّرُ عليه فعلُ شيءٍ شَاءَه.\n\n<span id=\"aya-4258\"></span><span data-type='title' id=toc-8182>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾.</span>\nيعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾: إن الذين يمَيلون عن الحقِّ في حُجَجِنا وأدلَّتِنا، ويَعْدِلون عنها؛ تكذيبًا بها وجحودًا لها.\nوقد بيَّنتُ فيما مضَى معنى اللَّحْدِ بشواهدِه المغنيةِ عن إعادتِها في هذا الموضع (^١). وسنَذْكُرُ بعضَ اختلافِ المختلفِين في المرادِ به من معناه في هذا الموضعِ.\nاختلَف أهلُ التأويلِ في المرادِ من معنى الإلحادِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: أُريدَ به معارضةُ المشركين القرآنَ باللُّغَطِ والصفيرِ استهزاءً به.\n\n<span data-type='title' id=toc-8180>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾. قال: المُكَا، وما ذُكر معه (^٢).\nوقال آخرون: أُريد به الخبرُ عن كذبِهم في آياتِ اللَّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8181>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٠/ ٥٩٨.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٨٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - ص ٣٧١ كما في المخطوطة المحمودية - إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":440},{"text":"فِي آيَاتِنَا﴾. قال: يُكَذِّبون في آياتِنا (^١).\nوقال آخرون: أُريدَ به يُعانِدون.\n\n<span data-type='title' id=toc-8183>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾. قال: يُشَاقُّون، يُعانِدون (^٢).\nوقال آخرون: أُريد به الكفرُ والشركُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8184>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾. قال: هؤلاء أهلُ الشركِ. وقال: الإلحادُ الكفرُ والشركُ (^٣).\nوقال آخرون: أُريد به الخبرُ عن تبديِلهم معانىَ كتابِ اللَّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8185>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾. قال: هو أن يُوضَعَ الكلامُ على غيرِ موضعِه (^٤).\nوكلُّ هذه الأقوالِ التي ذكَرْناها في تأويلِ ذلك قريباتُ المعانى، وذلك أن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٨ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ١٧٥، والقرطبى في تفسيره ١٥/ ٣٦٦.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٣٦٦ بنحوه.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٦ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"20","page":441},{"text":"اللَّحْدَ والإلحادَ هو الميلُ، وقد يكونُ مَيْلًا عن آياتِ اللَّهِ وعُدولًا عنها بالتكذيبِ بها، ويَكونُ بالاستهزاءِ مُكَاءً وتَصْدِيَةً، ويكونُ مفارَقةً لها وعِنادًا، ويَكونُ تحريفًا لها وتغييرًا لمعانيها، ولا قولَ أولى بالصحةِ في ذلك مما قلْنا، وأن يُعَمَّ الخبرُ عنهم بأنهم ألحَدوا في آياتِ اللَّهِ، كما عمَّ ذلك ربُّنا ﵎.\nوقوله: ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: نحن بهم عالمون لا يَخْفَون علينا، ونحن لهم بالمِرصادِ إذا ورَدوا علينا، وذلك تهديدٌ من اللَّهِ جل ثناؤُه لهم بقولِه: سيَعْلَمون عندَ ورودِهم علينا ماذا يَلْقَون من أليمِ عذابِنا.\nثم أخبَر جلَّ ثناؤُه عما هو فاعلٌ بهم عندَ ورودِهم عليه، فقال: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لهؤلاء الذين يُلحِدون في آياتِنا اليومَ في الدنيا يومَ القيامةِ عذابُ النارِ. ثم قال اللَّهُ: أفهذا الذي يُلْقَى في النارِ خيرٌ أم من يأتى آمنا يومَ القيامة من عذابِ اللَّهِ، لإيمانه بالله ﷻ؟ هذا الكافرُ، إنه إن آمَن بآياتِ اللَّهِ، واتَّبَع أمرَ اللَّهِ ونهيَه، أمَّنه يومَ القيامةِ مما حذَّره منه من عقابِه، إن ورَد عليه يومئذٍ به كافرًا.\nوقولُه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾. وهذا أيضًا وعيدٌ من اللَّهِ لهم خرَج مَخْرَجَ الأمرِ، وكذلك كان مجاهدٌ يقولُ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾. قال: هذا وعيدٌ (^١).\nوقولُه: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾. يقولُ جل ثناؤُه: إن اللَّهَ أَيُّها الناسُ\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد - كما في التغليق ٤/ ٣٠٣ - عن سفيان به، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٩ عن معمر عن رجل عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.","vol":"20","page":442},{"text":"بأعمالِكم التي تَعْمَلونها ذو خبرةٍ وعلمٍ لا يَخْفَى عليه منها ولا من غيرِها شيءٌ.\n\n<span id=\"aya-4259\"></span><span data-type='title' id=toc-8187>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين جحَدوا هذا القرآنَ وكذَّبوا به لما جاءهم، وعَنَى بالذكرِ القرآنَ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾: كفَروا بالقرآنِ (^١).\nوقولُه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيز﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن هذا الذكرَ لكتابٌ عزيزٌ بإعزازِ اللَّهِ إيَّاه، وحفظِه من كلِّ من أراد له تبديلًا أو تحريفًا أو تغييرًا، من إنسيٍّ وجنيٍّ وشيطانٍ ماردٍ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8186>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيز﴾: أعزَّه اللَّهُ لأنه كلامُه، وحفِظه من الباطلِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيز﴾. قال: عزيزٌ من الشيطانِ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٨ عن معمر به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٧١.\n(^٢) أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (١٢٢) من طريق يزيد به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٣٦٧.","vol":"20","page":443},{"text":"<span id=\"aya-4260\"></span>وقولُه: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: لا يَأْتيه النكيرُ (^١) من بين يدَيْه ولا من خلفِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8188>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾. قال: النكيرُ (^٢) من بين يدَيْهِ ولا من خلفِه.\nوقال آخرون: معنى ذلك: لا يَسْتَطيعُ الشيطانُ أن يَنْقُصَ (^٣) منه حقًّا، ولا يَزيدَ فيه باطلًا. قالوا: والباطلُ هو الشيطانُ.\nوقولُه: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾. من قِبَلِ الحقِّ، ﴿وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾. من قِبَلِ الباطلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8189>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾: الباطلُ إبليسُ، لا يَسْتَطِيعُ أن يَنتقِصَ منه حقًّا، ولا يَزِيدَ فيه باطلًا (^٤).\nوقال آخرون: معناه: أن الباطل لا يَطيقُ أن يَزِيدَ فيه شيئًا من الحروفِ ولا يَنْقُصَ منه شيئًا منها.\n_________\n(^١) في ت ١: \"التكبر\".\n(^٢) في ص: \"الكبر\"، وفى ت ١: \"التكبر\".\n(^٣) في ت ١، ت ٣: \"ينقض\".\n(^٤) أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (١٢٢) من طريق يزيد به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٨ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":444},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8190>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾. قال: الباطلُ هو الشيطانُ، لا يَسْتطيعُ أن يَزِيدَ فيه حرفًا ولا يَنْقُصَ (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ أن يُقال: معناه: لا يَسْتطيعُ ذو باطلٍ بكَيْدِه تغييرَه (^٢) وتبديلَ شيءٍ من معانيه عما هو به، وذلك هو الإتيانُ من بين يدَيْه، ولا إلحاقَ ما ليس منه فيه، وذلك إتيانُه من خلفِه.\nوقولُه: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هو تنزيلٌ من عندِ ذى حكمةٍ بتدبيرِ عبادِه، وصرفِهم فيما فيه مصالِحُهم. ﴿حَمِيدٍ﴾. يقولُ: محمودٍ على نعمِه عليهم بأياديه عندَهم.\n\n<span id=\"aya-4261\"></span><span data-type='title' id=toc-8191>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ما (^٣) يقولُ لك هؤلاء المشرِكون المكذِّبون ما جِئتهم به من عندِ ربِّك، إلا ما قد قاله من قبلَهم من الأممِ لرسلِهم الذين كانوا من قبلِك. يقولُ له: فاصبِر على ما نالك من أذًى منهم، كما صبَر أولو العزمِ من الرسلِ ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨].\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) ذكره الطوسى في التبيان ٩/ ١٢٩، والبغوى في تفسيره ٧/ ١٧٦، والقرطبى في تفسيره ١٥/ ٣٦٧.\n(^٢) بعده في م، ص، ت ١، ت ٢: \"بكيده\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٣.","vol":"20","page":445},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8192>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾: يُعزِّى نبيَّه ﷺ كما تَسْمَعون، يقولُ: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ (^١) [الذاريات: ٥٢].\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال: ما يَقُولون إلا ما قد قال المشرِكون للرسلِ من قبلِك (^٢).\nوقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾. يقولُ: إن ربَّك لذو مغفرةٍ لذنوبِ التائبين إليه من ذنوبِهم، بالصفحِ عنهم، ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾. يقولُ: وهو ذو عقابٍ مؤلمٍ لمن أصرَّ على كفرِه وذنوبِه، فمات على الإصرارِ على ذلك قبلَ التوبةِ منه.\n\n<span id=\"aya-4262\"></span><span data-type='title' id=toc-8193>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولو جعَلْنا هذا القرآنَ الذي أنزَلْناه يا محمدُ أعجميًّا، لقال قومُك من قريشٍ: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾. يعني: هلَّا بُيِّنتْ أدلتُه وما فيه من آيةٍ، فنَفْقَهَه ونعلمَ ما هو وما فيه. ﴿أَأَعْجَمِيٌّ﴾؟ يعنى أنهم كانوا يَقُولون إنكارًا له: أأعجميٌّ هذا القرآنُ ولسانُ الذي أُنزِل عليه عربيٌّ؟!\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٨ عن معمر عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد مختصرا.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ٩/ ١٣٠، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٧١.","vol":"20","page":446},{"text":"وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8194>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾. قال: لو كان هذا القرآنُ أعجميًّا لقالوا: القرآنُ أعجميٌّ ومحمدٌ عربيٌّ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى عديٍّ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن جعفرِ بن أبى وحشيةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾. قال: الرسولُ عربيٌّ واللسانُ أعجميٌّ؟! (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾: قرآنٌ أعجميٌّ ولسانٌ عربيٌّ؟!\nحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن محمدِ بن أبى موسى، عن عبدِ اللَّهِ بن مطيعٍ بنحوِه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾: فَجُعِلَ عربيًّا، أعجميُّ الكلامِ وعربيُّ الرجلِ؟! (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصفهان ٣/ ١٦٢، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ١/ ١٠٦، ١٠٧ من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٨٧ من طريق أبى بشر به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٨٦، ٥٨٧.","vol":"20","page":447},{"text":"حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾. يقولُ: بُيِّنت آياتُه، أأعجميٌّ وعربيٌّ، نحن قومٌ عربٌ ما لنا وللعُجْمةِ؟\nوقد خالف هذا القولَ الذي ذكَرْناه عن هؤلاء آخرون، فقالوا: معنى ذلك: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾؛ بعضُها عربيٌّ، وبعضُها عجميٌّ. وهذا التأويلُ على تأويلِ مَن قرَأ: (أَعْجَمِيٌّ). بتركِ الاستفهامِ فيه (^١)، وجعَله خبرًا من اللَّهِ تعالى عن قيلِ المشرِكين ذلك، يَعْنى: هلَّا فصِّلت آياتُه؛ منها عجميٌّ تَعْرِفُه العجمُ، ومنها عربيٌّ تَفْقَهُه العربُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8195>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: قالت قريشٌ: لولا أُنزِل هذا القرآنُ أعجميًّا وعربيًّا. فأنزَل اللَّهُ: (وقَالوا لولا فُصِّلَتْ آيَاتُه أعْجَميٌّ وعربيٌّ قل هو للذين آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ). فأنزَل اللَّهُ بعدَ هذه الآيةِ كُلَّ لسانٍ، فيه: هو ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢]. قال: فارسيةٌ أُعرِبت: سنكَك وكَل (^٢).\nوقرَأت قرأةُ الأمصارِ: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾. على وجهِ الاستفهامِ، وذُكِر عن الحسنِ البصريِّ أنه قرَأ ذلك: (أَعْجَميٌّ). بهمزةٍ واحدةٍ (^٣)، على غيرِ مذهبِ\n_________\n(^١) سيأتي قريبًا بيان من قرأ بهذه القراءة.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٧ إلى المصنف وعبد بن حميد، وتقدم في ١٢/ ٥٢٦ وينظر ما تقدم من كلام المصنف عن وجود أحرف غير عربية في القرآن في ١/ ١٤ - ٢٠.\n(^٣) هي قراءة الحسن وأبى الأسود والجحدرى وسلام والضحاك، ورواية قنبل وهشام ورويس باختلاف عنهم. ينظر المحتسب ٢/ ٢٤٧، والنشر ١/ ٢٨٥.","vol":"20","page":448},{"text":"الاستفهامِ، على المعنى الذي ذكَرْناه عن جعفرِ بن أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ.\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا القراءةُ التي عليها قرأَةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ (^١) الحجةِ عليها، على مذهبِ الاستفهامِ.\nوقولُه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قُلْ يا محمدُ لهم: ﴿هُوَ﴾، ويَعْنى بقولِه: ﴿وَهُوَ﴾. القرآنَ، ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللَّهِ ورسولِه، وصدَّقوا بما جاءهم به من عندِ اللَّهِ (^٢)، ﴿هُدًى﴾. يَعْنى: بيانٌ للحقِّ، ﴿وَشِفَاءٌ﴾. يَعْنى أنه شفاءٌ من الجهلِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8196>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾. قال: جعَله اللَّهُ نورًا وبركة وشفاءً للمؤمنين.\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾. قال: القرآنُ.\nوقولُه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين لا يُؤْمِنون باللَّهِ ورسولِه، وما جاءهم به من عندِ اللَّهِ، في آذانِهم ثِقَلٌ عن استماعِ هذا القرآنِ وصَمَمٌ، لا يَسْتَمِعُونه، ولكنهم يُعْرِضون عنه، ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾. يقولُ: وهذا القرآنُ على قلوبِ هؤلاء المكذبين به عمًى عنه، فلا\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"ولإجماع\"، وفى ت ٢، ت: \"والإجماع\".\n(^٢) في م: \"ربهم\".","vol":"20","page":449},{"text":"يُبْصرون حُججَه عليهم، وما فيه من مواعظِه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8197>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾: عَمُوا وصمُّوا عن القرآنِ، فلا يَنْتَفِعون به، ولا يَرْغَبون فيه (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾. قال: صَمَمٌ، ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾. قال: عَمِيَت قلوبُهم عنه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾. قال: العمَى الكفرُ.\nوقرَأت قرأَةُ الأمصارِ: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾. بفتحِ الميمِ، وذُكر عن ابن عباسٍ أنه قرَأ: (وهو عليهم عمٍ) بكسرِ الميمِ (^٢)، على وجهِ النعتِ للقرآنِ.\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ.\nوقولُه: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معناه؛ فقال بعضُهم: معناه (^٣): ذلك تشبيهٌ من اللَّهِ جلَّ ثناؤُه لعمَى قلوبِهم عن فهمِ ما أَنزَل في القرآنِ من حُجَجِه ومواعظِه ببعيدٍ، فهم سامعُ صوتٍ من بعيدٍ نُودِى فلم\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٩ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - ص ٣٧١ كما في المخطوطة المحمودية - إلى عبد بن حميد.\n(^٢) مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٣٤.\n(^٣) في م: \"معنى\".","vol":"20","page":450},{"text":"يَفْهَمْ (^١) ما نُودِى، كقولِ العربِ للرجلِ القليلِ الفَهْمِ: إنك لتُنادَى من بعيدٍ، وكقولِهم للفَهِمِ: إنك لتَأْخُذُ الأمورَ من قريبٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8198>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جريجٍ، عن بعضِ أصحابِه، عن مجاهدٍ: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. قال: بعيدٍ من قلوبِهم (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. قال: ضيَّعوا أن يَقْبَلُوا الأمرَ من قريبٍ؛ يَتوبون ويُؤْمِنون فيُقْبَلُ منهم، فأَبَوا.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إنهم يُنَادَون يومَ القيامةِ من مكانٍ بعيدٍ منهم بأشنعِ أسمائِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-8199>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أجلحَ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. قال: يُنادى الرجلُ\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت: \"عن فهم\".\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٣٧٠، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٧٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - ص ٣٧١ كما في المخطوطة المحمودية - إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":451},{"text":"بأشنعِ اسمِه (^١).\nواختلَف أهلُ العربية في موضعِ تمامِ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: تمامُه: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. وجعل قائلو هذا القولِ خبرَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾، ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. وقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: يَجوزُ ذلك، ويَجوزُ أن يكونَ على الأخبارِ التي في القرآنِ يُستَغْنى بها، كما استَغنَت أشياءُ عن الخبرِ إذا طال الكلامُ، وعُرِف المعنى، نحوَ قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ [الرعد: ٣١]. وما أَشْبَهُه (^٢).\nقال: وحدَّثنى شيخٌ من أهلِ العلمِ، قال: سمِعتُ عيسى بنَ عمرَ يَسْأَلُ عمرَو بنَ عبيدٍ: هو ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾، أين خبرُه؟ فقال عمرٌو: معناه في التفسيرِ: إن الذين كفَروا بالذكرِ لما جاءهم كفَروا به، وإنه لكتابٌ عزيزٌ. فقال عيسى: أجَدتَ يا أبا عثمانَ.\nوكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يَقولُ: إن شِئْت جعِلت جوابَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾، ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، وإن شِئْت كان جوابُه في قولِه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾. فيكونُ جوابهُ معلومًا فتُرِك، فيكونُ أعربَ (^٣) الوجهَيْن، وأشبهَه بما جاء في القرآنِ.\nوقال آخرون: بل ذلك مما انصرَف عن الخبرِ عما ابتُدِئ به إلى الخبرِ عن الذي\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٣٧٠، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٧٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - ص ٣٧١ كما في المخطوطة المحمودية - إلى سعيد بن منصور.\n(^٢) في م: \"أشبه ذلك\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٣: \"إعراب\".","vol":"20","page":452},{"text":"بعدَه من الذكرِ. فعلى هذا القولِ تُرِك الخبرُ عن الذين كفَروا بالذكرِ، وجُعِل الخبرُ عن الذكرِ، فتمامُه على هذا القولِ: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾. فكان معنى الكلامِ عندَ قائل هذا القول: إن الذكرَ الذي كفَر به هؤلاء المشرِكون لما جاءهم، وإنه لكتابٌ عزيز. وشبَّهه بقولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤].\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندِى بالصواب أن يُقالَ: هو مما تُرِك خبرُه اكتفاءً بمعرفةِ السامِعين بمعناه، لما تطاولَ الكلامُ.\n\n<span id=\"aya-4263\"></span><span data-type='title' id=toc-8200>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يا محمدُ - يَعْنى التوراةَ - كما آتَيْناك الفُرْقانَ، ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾. يقولُ: فاختلف في العمل بما فيه الذين أوتوه من اليهود، ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾. [يقولُ: ولولا ما سبَق من قضاءِ اللَّهِ وحُكمِه فيهم؛ أنه أخَّر عذابَهم إلى [قيامِ الساعةِ] (^١)، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: لعجَّل الفصل بينهم] (^٢) فيما اختلَفوا فيه بإهلاكِه المُبِطلين منهم.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾. قال: أُخِّروا إلى يوم القيامةِ.\nوقولُه: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾. يقولُ: وإن الفريقَ المبطِلَ منهم لفى شكٍّ مما قالوا فيه ﴿مُرِيبٍ﴾: يقولُ: يُريبُهم قولهم فيه ما قالوا، لأنهم قالوه (^٣)\n_________\n(^١) في م: \"يوم القيامة\".\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) في م: \"قالوا\".","vol":"20","page":453},{"text":"بغيرِ ثَبَتٍ، وإنما قالوه ظنًّا.\n\n<span id=\"aya-4264\"></span><span data-type='title' id=toc-8201>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرهُ: من عمِل بطاعةِ اللَّهِ في هذه الدنيا، فأْتمَر لأمرِه، وانتَهى عما نهاه عنه، ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾. يقولُ: فلنفسه عمل ذلك الصالحَ من العملِ؛ لأنه يُجازَى عليه جزاءَه، فيَسْتَوجِبُ في المعادِ من اللَّهِ الجنةَ والنجاةَ من النارِ، ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾. يقولُ: ومن عمل بمعاصِى اللَّهِ فيها، فعلى نفسِه جنَى؛ لأنه أكسَبها بذلك سخطَ اللَّهِ والعقابَ الأليمَ، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما ربُّك يا محمدُ بحاملِ عقوبةِ ذنبِ مُذْنِبٍ على غيرِ مُكتسِبِه، بل لا يُعاقِبُ أحدًا إلا على جُرْمِه الذي اكتَسَبه في الدنيا، أو على سببٍ استحقَّه به منه. واللَّهُ أعلم.\n\n<span id=\"aya-4265\"></span><span data-type='title' id=toc-8202>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ (^١) مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إلى اللَّهِ يَرُدُّ العالمون به علمَ الساعةِ، فإنه لا يَعْلَمُ متى (^٢) قيامُها غيرُه، ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ (١) مِنْ أَكْمَامِهَا﴾. يقولُ: وما تَظْهَرُ مِن ثمرةِ شجرةٍ من أكمامِها التي هي مُتَغيِّبةٌ فيها، فتَخْرُجُ منها بارزةً، ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾. يقولُ: وما تَحْمِلُ من أنثى مِن حَمْلِ حِينَ تَحْمِلُه، ولا تَضَعُ ولدها - إلا بعلمٍ مِن اللَّهِ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ من ذلك.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٣: \"ثمرة\".\n(^٢) في ص، م، ت: \"ما\".","vol":"20","page":454},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ (^١) مِنْ أَكْمَامِهَا﴾.\nقال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8203>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾. قال: حينَ تَطْلُعُ (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ (١) مِنْ أَكْمَامِهَا﴾. قال: من طَلْعِها. والأكمام جمعُ كُمَّةٍ (^٣)، وهو كلُّ ظُرْفٍ لماءٍ أو غيرِه، والعربُ تَدْعُو قشرَ الكُفُرَّاةِ (^٤) كُمًّا.\nواخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾؛ فقَرَأَت ذلك قرأةُ المدينةِ: ﴿مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾ على الجِماع، وقرأَته قرأةُ الكوفةِ: (مِنْ ثمَرةٍ) (^٥)، على لفظِ الواحدةِ، وبأيِّ القراءتين قُرِئ ذلك، فهو عندَنا صوابٌ؛ لتَقارُبِ مَعْنَييْهما مع شهرتِهما في القراءةِ.\nوقولُه: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٣: \"ثمرة\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٨٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ت ٣: \"كم\".\n(^٤) كذا في النسخ ومعاني القرآن للفراء ٣/ ٢٠. و\"الكُفُرَّى\" مقصور كما قال في النهاية. و\"الكفرَّى\" بتثليث الكاف والفاء معًا وتشديد الراء هو وعاء طلع النخل وقشره الأعلى، وقيل: هو الطلع حين ينشق. ينظر النهاية ٤/ ١٨٩ والتاج (ك ف ر).\n(^٥) في م: \"ثمرات\"، وقد قرأ على الجماع نافع وابن عامر وحفص عن عاصم وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم على الإفراد. السبعة لابن مجاهد ص ٥٧٧.","vol":"20","page":455},{"text":"يُنادِى اللهُ هؤلاء المشركين به في الدنيا الأوثانَ والأصنامَ: أين شركائى الذين كنتم تُشْرِكونهم في عبادتِكم إياي؟ ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ﴾ يقولُ: قالوا: أعْلَمْناك ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ يقولُ: قال هؤلاء المشركون لربِّهم يومَئِذٍ: ما منا مِن شهيدٍ يَشْهَدُ أَن لك شريكًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8204>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿آذَنَّاكَ﴾. يقولُ: أَعْلَمْناك (^١).\nحدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ (^٢)، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾. قالوا: أطعْناك ما منا مِن شهيدٍ على أن لك شريكًا (^٣).\n\n<span id=\"aya-4266\"></span><span data-type='title' id=toc-8205>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وضلَّ عن هؤلاء المشركين يومَ القيامةِ آلهتُهم التي كانوا يعبدونها في الدنيا، فأخَذْتها (^٤) طريقٌ غيرُ طريقِهم، فلم تَنْفَعُهم، ولم تَدْفَعْ عنهم\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٦٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"أبو صالح\".\n(^٣) ذكره الطوسى في التبيان ٩/ ١٣٤ مختصرًا.\n(^٤) في ت ١، م: \"فأخذ بها\".","vol":"20","page":456},{"text":"شيئًا من عذابِ اللَّهِ الذي حلَّ بهم.\nوقوله: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. يقولُ: وأيْقَنوا حينَئذٍ ما لهم مِن مَلْجَأ، أي: ليس لهم ملجأٌ يَلْجَئون إليه مِن عذابِ اللَّهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8206>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ اسْتَيقَنوا أنه ليس لهم ملجأٌ.\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في المعنى الذي من أجلِه أُبْطِل عملُ الظَّنِّ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُ أهلِ البصرةِ: فُعِل ذلك؛ لأن معنى قولِه: ﴿وَظَنُّوا﴾. اسْتَيْقَنوا. قال: و﴿مَا﴾ ههنا حرفٌ وليس باسمٍ، والفعلُ لا يَعْمَلُ في مثلِ هذا، فلذلك جُعِل الفعلُ مُلْغًى. وقال بعضُهم: ليس يُلْغَى الفعلُ وهو عاملٌ في المعنى إلا لعلةٍ. قال: والعلُة أنه حكايةٌ، فإذا وقَع على ما لم يَعْمَلْ فيه، كان حكايةً وتَمَنِّيًا، وإذا عمِل فهو على أصلِه.\n\n<span id=\"aya-4267\"></span>وقوله: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْر﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا يَمَلُّ الكافرُ باللَّهِ ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾. يعنى: مِن دعائِه بالخيرِ، ومسألتِه إياه ربَّه، والخيرُ في هذا الموضع المالُ وصحةُ الجسمِ، يقولُ: لا يَمَلُّ من طلبِ ذلك ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾. يقولُ: وإن ناله ضرٌّ في نفسِه؛ مِن سُقْمٍ أو جَهْد في معيشَةٍ، أو احتباسٍ مِن رزقٍ، ﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾. يقولُ: فإنه ذو إياسٍ مِن رَوْحِ اللَّهِ وفرجِه، قَنوطٌ مِن رحمتِه، ومن أن يَكْشِفَ ذلك الشرَّ النازلَ به عنه.","vol":"20","page":457},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8207>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾. يقولُ: الكافرُ، ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾. قانطٌ من الخيرِ.\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ﴾. قال: لا يَمَلُّ (^١).\nوذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (لا يَسْأَمُ الإِنسانُ مِن دعاءٍ بالخيرِ) (^٢).\n\n<span id=\"aya-4268\"></span><span data-type='title' id=toc-8208>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولئن نحن كشَفْنا عن هذا الكافرِ ما أصابه من سُقْمٍ في نفسه وضُرٍّ، وشدةٍ في معيشتِه وجَهْدٍ؛ رحمةً منا، فوهَبْنا له العافيةَ في نفسِه بعدَ السُّقْمِ، ورزَقْناه مالًا، فوسَّعْنا عليه في معيشتِه مِن بعدِ الجهدِ والضرِّ، ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ عندَ اللَّهِ؛ لأن اللَّهَ راضٍ عنى برضاه عملى، وما أنا عليه مقيمٌ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٩/ ١٣٤.\n(^٢) ينظر مختصر الشواذ ص ١٣٤.","vol":"20","page":458},{"text":"﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾. أي: بعملي، وأنا محقوقٌ بهذا (^١).\n﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾. يقولُ: وما أَحْسَبُ القيامةَ تَقومُ، ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾. يقولُ: وإن قامت أيضًا القيامة، ورُدِدْتُ إلى اللَّهِ حيًّا بعدَ مماتي ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾. يقولُ: إن لى عندَه غنًى ومالًا.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾. يقولُ: غنًى.\n﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فَلَنُخْبِرَنَّ هؤلاء الكفارَ باللَّهِ، المتُمَنِّين عليه الأباطيلَ يومَ يَرْجِعون إليه بما عملوا في الدنيا من المعاصي، واجْتَرَحوا من السيئاتِ، ثم لنُجازيَنَّ جميعَهم على ذلك جزاءَهم، ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، وذلك العذابُ الغليظُ تخليدُهم في نارِ جهنمَ، لا يَموتون فيها ولا يَحْيَوْن.\n\n<span id=\"aya-4269\"></span><span data-type='title' id=toc-8209>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا نحن أَنْعَمْنا على الكافرِ، فكشَفْنا ما به من ضُرٍّ، ورزَقْناه غنًى وسَعةً، ووهَبْنا له صحةَ جسمٍ وعافيةً، أعْرَض عما دعَوْناه إليه من طاعتِنا (^٢)، وصدَّ عنه، ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾. يقولُ: وبَعد من إجابتِنا إلى ما دعَوْناه إليه. ويعنى بجانبِه: بناحيتِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٨٧.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"طاعته\". وفي ت ٢: \"طاعاته\".","vol":"20","page":459},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8210>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾. يقولُ: ﴿أَعْرَضَ﴾: صدَّ بوجهِه، ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾. يقولُ: تَباعَد.\nوقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾. يعنى بالعريضِ: الكثيرِ (^١).\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾. يقولُ: كثيرٍ (^٢)، وذلك نحُو (^٣) قولِ الناسِ: أطال فلانُ الدعاءَ. إذا أكْثَر، وكذلك: أعْرَض دعاءَه.\n\n<span id=\"aya-4270\"></span><span data-type='title' id=toc-8211>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ للمكذِّبين بما جئتَهم به من عندِ ربِّك من هذا القرآنِ: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿إِنْ كَانَ﴾ هذا الذي تُكَذِّبون به ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾، ألستُم في فِراقٍ للحقِّ وبُعْدٍ من الصوابِ؟ فجعَل مكان التفريقِ الخبرَ، فقال: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. إذ (^٤) كان مفهومًا معناه.\nوقوله: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. يقولُ: قلْ لهم: مَن أَشدُّ\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"الكبير\"، وينظر المعجم الوسيط (ع ر ض).\n(^٢) في ص، ت ١: \"كبير\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"إذا\".","vol":"20","page":460},{"text":"ذَهابًا عن قصد السبيل، وأَسْلَكُ لغيرِ طريقِ الصوابِ، ممن هو في فراقٍ لأمرِ اللَّهِ وخلافٍ له، بعيدٍ مِن الرَّشادِ.\n\n<span id=\"aya-4271\"></span><span data-type='title' id=toc-8213>القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: سنُرِى هؤلاء المكذِّبين ما أَنْزَلْنا على محمدٍ عبدِنا مِن الذكرِ، آياتِنا في الآفاقِ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى الآياتِ التي وعد اللَّهُ؛ هؤلاء القومَ أن يُرِيَهم؛ فقال بعضُهم: عُنِى بالآياتِ في الآفاقِ وقائعُ النبيِّ ﷺ بنواحي بلدِ المشركين من أهلِ مكةَ وأطرافِها، وبقولِه: ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ فتحُ مكةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8212>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عمرِو بن قيسٍ (^١)، عن المِنْهالِ في قولِه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾. قال: ظهورَ محمدٍ ﷺ على الناسِ (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾. يقولُ: ما نَفْتَحُ لك يا محمدُ من الآفاقِ. ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾: في أهلِ مكةَ، يقولُ: نَفْتَحُ لك مكةَ (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك أنه يُرِيهم نجومَ الليلِ وقمرَه، وشمسَ النهارِ،\n_________\n(^١) في م: \"أبى قيس\"، ينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٢٠٠.\n(^٢) ينظر تفسير القرطبي ١٥/ ٣٧٤، والبحر المحيط ٧/ ٥٠٥.\n(^٣) ينظر تفسير القرطبي ١٥/ ٣٧٤، وتفسير البغوي ٧/ ١٧٩.","vol":"20","page":461},{"text":"وذلك ما وعَدَهم أنه يُرِيهم في الآفاقِ. وقالوا: عُنِى بالآفاق آفاقُ السماءِ، وبقولِه: ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾. سبيلُ الغائطِ والبولِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8214>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: آفاقِ السماواتِ، نجومِها وشمسِها وقمرِها اللاتى يَجْرِين، وآياتٍ في أنفسهم أيضًا (^١).\nوأولى القولين في ذلك بالصوابِ القولُ الأولُ، وهو ما قاله السديُّ، وذلك أن اللَّهَ ﷿ وعَد نبيَّه ﷺ أن يُرِىَ هؤلاء المشركين الذين كانوا به مُكذِّبين - آياتٍ في الآفاقِ، وغيرُ معقولٍ أن يكونَ تَهدَّدهم بأن يُريَهم ما هم رأَوْه، بل الواجبُ أن يكونَ ذلك وعدا منه لهم أن يُريَهم ما لم يكونوا رأَوْه قبل مِن ظهورِ نبيِّ اللَّهِ ﷺ على أطرافِ بلدِهم وعلى بلدِهم، فأما النجومُ والشمسَ والقمرُ، فقد كانوا يَرَوْنها كثيرًا قبلُ وبعدُ، ولا وجهَ لتهدُّدِهم بأنه يُريهم ذلك.\nوقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: أَرِى هؤلاء المشركين وقائعَنا بأطرافِهم وبهم، حتى يَعْلَموا حقيقةَ ما أَنْزَلْنَا إلى محمدٍ، وأَوْحَيْنا إليه مِن الوعدِ له بأنا مُظْهِرو ما بعَثْناه به مِن الدينِ على الأديانِ كلِّها، ولو كرِه المشركون.\nوقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أوِ لم يَكْفِ بربِّك يا محمدُ، أنه شاهدٌ على كلِّ شيءٍ مما يَفْعَلُه خلقُه، لا يَعْزُبُ عنه علمُ شيءٍ منه، وهو مُجازِيهم على أعمالِهم؛ المحسنَ بالإحسانِ،\n_________\n(^١) ينظر تفسير القرطبي ١٥/ ٣٧٤، وتفسير البغوي ٧/ ١٧٩.","vol":"20","page":462},{"text":"والمسيءَ جزاءَه.\nوفى قوله: ﴿أَنَّهُ﴾. وجهان؛ أحدُهما: أن يكونَ في موضعِ خفضٍ، على وجهِ تكريرِ الباءِ، فيكونَ معنى الكلامِ حينَئذٍ: أو لم يَكْفِ بربِّك، بأنه (^١) على كلِّ شيءٍ شهيدٌ؟ والآخرُ: أن يكونَ في موضعِ رفعٍ، رفعًا بقولِه: ﴿يَكْفِ﴾. فيكونَ معنى الكلامِ: أولم يَكْفِ بربِّك شهادتُه على كلِّ شيءٍ.\n\n<span id=\"aya-4272\"></span><span data-type='title' id=toc-8215>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ألَا إن هؤلاء المكذِّبين بآياتِ اللَّهِ في شكٍّ ﴿مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾. يعنى: أنهم في شكٍّ مِن البعث بعدَ المَماتِ، ومَعادِهم إلى ربِّهم.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: في شكٍّ [من لقاء ربِّهم] (^٢).\nوقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ألَا إن اللَّهَ بكلِّ شيءٍ مما خلَق محيطٌ علْمًا بجميعِه وقُدْرةً عليه، لا يَعْزُبُ عنه علمُ شيءٍ منه أراده فيَفوتَه، ولكنه المقتدرُ عليه، العالمُ بمكانِه.\nآخرُ تفسير سورِة \"حم السجدة\"\nوالحمدُ للهِ وحدَه\n_________\n(^١) في ت ٢: \"شهادته\". وفى ت ٣: \"يا محمد بأنه\".\n(^٢) سقط من: م.","vol":"20","page":463},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-4273\"></span><span data-type='title' id=toc-8216>تفسيرُ سورةِ \"حم عسق\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-8217>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ </span>(٣)﴾.\nقد ذكَرْنا اختلافَ أهلِ التأويلِ في معاني حروفِ الهِجاءِ التي افْتُتِحَت بها أوائلُ ما افْتُتِح بها مِن سورِ القرآنِ، وبيَّنا الصوابَ من قولِهم في ذلك عندَنا، بشواهدِه المغنيةِ عن إعادتها في هذا الموضعِ، إذ كانت هذه الحروفُ نظيرةَ الماضيةَ منها (^١).\nوقد ذُكِر عن حُذيفةَ في معنى هذه خاصةً قولٌ، وهو ما حدَّثنا به أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ بنُ نَجدةَ الحَوْطيُّ، قال: ثنا أبو المغيرةِ عبدُ القُدُّوسِ بنُ الحجاجِ الحِمْصيُّ، عن أرْطاةَ بن المنذرِ قال: جاء رجلٌ إلى ابن عباسٍ، فقال له، وعندَه حُذيفةُ بنُ اليَمانِ: أَخْبِرْني عن تفسيرِ قولِ اللَّهِ:\n\n<span id=\"aya-4274\"></span>﴿حم (١) عسق﴾. قال: فأطْرَق، ثم أعْرَض عنه، ثم كرَّر مقالتَه، فأعْرَض، فلم يُجِبْه بشيءٍ، وكرِه مقالتَه، ثم كرَّرها الثالثةَ، فلم يُجِبْه شيئًا، فقال له حذيفةُ: أنا أُنَبِّئُك بها، قد عرَفْتُ لمَ (^٢) كرِهها (^٣)؛ نزَلَت في رجلٍ مِن أهلِ بيتِه يقالُ له: عبدُ الإلهِ. أو: عبدُ اللَّهِ. يَنْزِلُ على نهرٍ مِن أنهارِ المشرقِ، يُبْنَى عليه مدينتان (^٤)، يَشُقُّ النهرَ بينَهما شقًّا، فإذا\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ٢٠٤ وما بعدها.\n(^٢) في النسخ: \"بم\" والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٣) في ت: \"كررها\".\n(^٤) كذا في النسخ، وفى كتاب الفتن، وفيما نقله ابن كثير في تفسيره عن ابن جرير، وفى الدر المنثور: \"مدينتين\". وعندى أنه الصواب.","vol":"20","page":464},{"text":"أذِن اللَّهُ في زَوالِ ملكِهم، وانقطاعِ دولتِهم ومدتِهم، بعَث اللَّهُ على إحداهما نارًا ليلًا، فتُصْبحُ سوداءَ مظلمةً قد احْتَرَقَت، كأنها لم تَكُنْ مكانَها، وتُصْبحُ صاحبتُها مُتَعَجِّبةٌ كيف أفْلَتَت، فما هو إلا بياضُ يومِها ذلك حتى يَجْتَمِعَ (^١) فيها كلُّ جبارٍ عنيدٍ منهم، ثم يَخْسِفُ اللَّهُ بها وبهم جميعًا، فذلك قولُه: ﴿حم (١) عسق﴾. يعنى: عزيمةٌ من الله وفتنة وقضاءٌ حُمَّ. \"عينٌ\" يعنى: عَدْلًا منه. \"سينٌ\" يعني: سيكونُ. و\"قافٌ\" (^٢) يعنى: واقعٌ بهما (^٣)؛ بهاتين المدينتين (^٤).\nوذكر عن ابن عباس أنه كان يَقْرَؤُه: (حم * سق) بغير عينٍ، ويقولُ: إن السينَ عُمْرُ كلِّ فرقةٍ كائنةٍ، وإن القافَ كلُّ جماعةٍ كائنةٍ، ويقولُ: إن عليًّا إنما كان يَعْلَمُ العينَ بها. وذُكِر أن ذلك في مصحفِ عبدِ اللَّهِ على مثلِ الذي ذُكر عن ابن عباسٍ، مِن قراءتِه بغيرِ عينٍ (^٥).\n\n<span id=\"aya-4275\"></span>وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هكذا يُوحِى إليك يا محمدُ وإلى الذين مِن قبلِك من أنبيائِه. وقيل: إن (حم عين سين ق) أُوحِيَت إلى كلِّ نبيٍّ بعث، كما أُوحِيَت إلى نبيِّنا ﷺ، ولذلك قيل: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. في انتقامِه مِن أعدائِه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيرِه خلقَه.\n_________\n(^١) في ص، ت، ت: (يجمع).\n(^٢) سقط من: ص، ت ٢ ت ٣.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (٥٦٨) - ومن طريقه الخطيب البغدادى في تاريخه ١/ ٤٠ - عن أبي المغيرة به، وفيه: عن أرطاة عمن حدثه. وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٧٧ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) ينظر مختصر الشواذ ص ١٣٤.","vol":"20","page":465},{"text":"<span id=\"aya-4276\"></span><span data-type='title' id=toc-8219>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: للَّهِ ملكُ ما في السماواتِ وما في الأرضِ مِن الأشياءِ كلِّها، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾. يقولُ: وهو ذو علوٍّ وارتفاعٍ على كلِّ شيءٍ، والأشياءُ كلُّها دونَه؛ لأنهم في سلطانِه، جاريةٌ عليهم قدرتُه، ماضيةٌ فيهم مشيئتُه، ﴿الْعَظِيمُ﴾ الذي له العظمةُ والكِبْرياءُ والجَبَرِيَّةُ (^١).\n\n<span id=\"aya-4277\"></span>وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تكادُ السماواتُ يَتَشَفَّقْنَ مِن فوقِ الأَرَضِينَ (^٢)، مِن عظمةِ الرحمنِ وجَلالِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8218>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾. قال: يعنى: من ثِقَلِ الرحمنِ وعظمتِه ﵎ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾. أي: مِن عظمةِ اللَّهِ وجَلالِه.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢: \"الخيرة\"، وغير منقوطة في ت ٣. والجبرية: الكبر. اللسان (ج ب ر).\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"الأرض\".\n(^٣) أخرجه محمد بن عثمان بن أبى شيبة العبسي في العرش ص ٥٨، وأبو الشيخ في العظمة (٢٣٧، ٢٣٨)، والحاكم ٢/ ٤٤٢ من طرق عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":466},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾. قال: يَتَشَفَّقْنَ. في قوله: ﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]. قال: مُنْشَقٌّ به (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾. يقولُ: يَتَصَدَّعْنَ من عظمةِ اللَّهِ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطُّوسِيُّ، قال: ثنا حسينُ بنُ محمدٍ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن قيسٍ قال: جاء رجلٌ إلى كعبٍ، فقال: يا كعبُ، أين ربُّنا؟ فقال له الناسُ: اتق اللَّهَ، أفتَسْأَلُ (^٤) عن هذا؟ فقال كعبٌ: دَعُوه، فإِن يَكُ عالمًا ازْدادَ علمًا، وإن يَكُ جاهلًا تعَلَّمَ؛ سأَلْتَ أين ربُّنا، وهو على العرشِ العظيمِ مُتَّكِئٌ، واضعٌ إحدى رجليه على الأخرى، ومسافةُ هذه الأرضِ التي أنت عليها مسيرةُ (^٥) خمسِمائةِ سنةٍ، [ومِن الأرضِ إلى الأرضِ مسيرةُ خمسِمائةِ سنةٍ] (^٦)، وكثافتُها خمسِمائةِ سنةٍ، حتى تمَّ سبعُ أرَضِينَ، ثم مِن الأرضِ إلى السماءِ مسيرةُ خمسِمائةِ\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٩٦) من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٠ - ومن طريقه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب العرش ص ٥٩ - عن معمر عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٧٩، والقرطبي في تفسيره ١٦/ ٤.\n(^٣) في ص، م، ت، ت: \"د ق\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت:٣ \"فقال أتسأل\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢.\n(^٦) سقط من: ت ١، ت ٣.","vol":"20","page":467},{"text":"سنةٍ، وكثافتُها خمسُمائةِ سنةٍ، واللَّهُ ﷿ على العرشِ متكئٌ، ثم تفَطَّرُ السماواتُ. ثم قال كعبٌ: اقْرَءوا إن شِئْتم: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ الآيةَ (^١)\nوقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والملائكةُ يُصَلُّون بطاعةِ ربِّهم وشكرِهم له، من هَيْبَةِ جَلالِه وعظمتِه.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾. قال: والملائكةُ يُسَبِّحون له من عظمتِه (^٢).\nوقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: ويَسْأَلُون ربَّهم المغفرةَ لذنوبِ مَن في الأرضِ مِن أهلِ الإيمانِ به.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: للمؤمنين (^٢).\nيقولُ الله ﷿: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ﴾ لذنوبِ مؤمنى عبادِه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم أن يُعاقِبَهم بعدَ توبتِهم منها.\n\n<span id=\"aya-4278\"></span><span data-type='title' id=toc-8220>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ يا محمدُ مِن\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢٣٦) من طريق آخر عن كعب.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٤.","vol":"20","page":468},{"text":"مشركي قومِك من دونِ اللَّهِ آلهةً يَتَوَلَّوْنها ويَعْبُدونَها، ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ يُحْصِى عليهم أفعالَهم ويَحْفَظُ أعمالَهم؛ ليُجازِيهم بها يومَ القيامةِ جزاءَهم، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. يقولُ: ولسْتَ أنت يا محمدُ بالوكيلِ عليهم بحفظِ أعمالِهم، وإنما أنت منذرٌ، فبلِّغْهم ما أُرْسِلْتَ به إليهم، فإنما عليك البلاغُ، وعلينا الحسابُ.\n\n<span id=\"aya-4279\"></span><span data-type='title' id=toc-8222>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وهكذا ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمدُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ بلسانِ العربِ؛ لأن الذين أرْسَلْتُك إليهم قومٌ عربٌ، فأَوْحَيْنا إليك هذا القرآنَ بألسنتِهم؛ ليَفْهَموا ما فيه من حججِ اللَّهِ وذكرِه؛ لأنا لا نُرْسِلُ رسولًا إلا بلسانِ قومِه؛ ليُبَيِّنَ لهم - ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ وهى مكةُ، ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. يقولُ: ومَن حولَ أمِّ القرى مِن سائرِ الناسِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8221>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾. قال: مكةَ (^١).\nوقولُه: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾. يقولُ ﷿: وتُنْذِرَ عقابَ اللَّهِ في يومِ جمعِ (^٢) عبادِه لموقفِ الحسابِ والعَرْضِ. وقيل: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾. والمعنى:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٩/ ٤٠٣، ٤٠٤.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الجمع\".","vol":"20","page":469},{"text":"وتُنْذِرَهم يومَ الجمعِ، كما قيل: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، والمعنى: يُخَوِّفُكم أولياءَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8223>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾. قال: يومَ القيامةِ (^١).\nوقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. يقولُ: لا شكَّ فيه.\nوقوله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾. يقولُ: منهم فريقٌ في الجنةِ، وهم الذين آمنوا باللَّهِ، واتَّبَعوا ما جاءَهم به رسولُه ﷺ، ﴿وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾. يقولُ: ومنهم فريقٌ في المُوقَدةِ مِن نارِ اللَّهِ المسعورةِ على أهلِها، وهم الذين كفَروا باللَّهِ، وخالَفوا ما جاءهم به رسولُه.\nوقد حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن أبي قَبِيلٍ المَعَافريِّ، عن شُفَيٍّ الأَصْبَحَيِّ، عن رجلٍ مِن أصحابِ رسولِ الله ﷺ قال: خرَج علينا رسولُ الله ﷺ وفي يدِه كتابان، فقال: \"هل تدرون ما هذا؟ \". فقلْنا: لا، إلا أن تُخْبِرَنا يا رسولَ اللَّهِ. قال: \"هذا كتابٌ مِن ربِّ العالَمين، فيه أسماءُ أهلِ الجنةِ، وأسماءُ آبائِهم وقبائلِهم، ثم أُجْمِل على آخرِهم، فلا يُزادُ فيهم، ولا يُنْقَصُ منهم أبدًا، وهذا كتابُ أهلِ النارِ بأسمائِهم وأسماء آبائِهم، ثم أُجْمِل على آخرِهم، فلا يُزادُ ولا يُنْقَصُ منهم أبدًا\". قال أصحابُ رسولِ الله ﷺ: ففيمَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣ إلى المصنف.","vol":"20","page":470},{"text":"إذن نَعْمَلُ إن كان هذا أمرًا (^١) قد فُرِغ منه؟ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"بل سَدِّدوا وقارِبوا، فإن صاحبَ الجنةِ يُخْتَمُ له بعملِ أهلِ الجنةِ، وإن عمِل أيَّ عملٍ، وإن صاحبَ النارِ يُخْتَمُ له بعملِ النارِ، وإن عمل أيَّ عملٍ، فرَغ ربُّكُم مِن العبادِ\". ثم قال رسول اللَّهِ ﷺ بيديه فنبَذَهما: \"فرَغ ربُّكم مِن الخلقِ، فريقٌ في الجنةِ، وفريقٌ في السعيرِ\". قالوا: سبحانَ اللَّهِ! فلمَ نَعْمَلُ ونَنْصَبُ؟ فقال رسولُ الله ﷺ: \"العملُ إلى خَواتِمه\" (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ وحَيْوَةُ بنُ شُريحٍ، عن [يحيى بن أبى أَسِيدٍ] (^٣)، أن أبا فِراسٍ حدَّثه أنه سمِع عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو يقولُ: إن الله تعالى ذكْرُه لما خلَق آدمَ نفَضه نفضَ المِزُودِ، فأخْرَج منه كلَّ ذريةٍ، فخرَج أمثالُ النَّغَفِ (^٤)، فقبَضَهم قبضتين، ثم قال: شقيٌّ وسعيدٌ. ثم ألْقاهما، ثم قبَضَهما فقال: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (^٥).\nقال: أَخْبَرَنى عمرُو بنُ الحارثِ، عن أبي سويدٍ (^٦)، حدَّثه عن ابن حُجَيْرةَ، أنه\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، وغالب نسخ مسند أحمد: \"أمر\". قال السندي: هكذا في نسخ المسند، فإما أن يجعل \"أمر\" بدلًا من \"هذا\"، ويدل عليه رواية الترمذي: \"إن كان أمر\" بدون \"هذا\". وإما أن يجعل منصوبًا خبرًا لكان، بناء على شيوع ترك الألف في المنصوب كتابة في كتب الحديث، صرح به شراح الحديث. مسند أحمد ١١/ ١٢١ حاشية (١).\n(^٢) أخرجه أحمد ١١/ ١٢١ (٦٥٦٣)، والترمذي (٢١٤١)، والنسائي في الكبرى (١١٤٧٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٣٤٨)، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ١٦٨، والطبراني قطعة من الجزء (١٣) رقم (١٧) من طريق أبى قبيل به. وذكروا جميعًا الرجل المبهم في سند الطبرى فقالوا: عبد الله بن عمرو بن العاص. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) في ت ١: \"حيوة بن أسيد\"، وفى ص، ت ٢، ت ٣: \"يحيى بن أسد\". ينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ١٢٠.\n(^٤) في ص: \"النعف\"، وفى ت: \"النفق\" والنغف: الدود. ينظر التاج (ن غ ف).\n(^٥) ذكرُه ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٨١.\n(^٦) سقط من: ت ٣، وفي ص، م: \"شبويه\" وفى ت ١: \"شوذب\"، وفى ت ٢: \"توته\"، وقد جاء على الصواب في تفسير ابن كثير، وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٢١٣.","vol":"20","page":471},{"text":"بلغَه أن موسى قال: يا ربِّ، خلْقُك الذين خَلَقْتَهم، جعَلْتَ منهم فريقًا في الجنةِ، وفريقًا في السَّعيرِ، لو ما أدْخَلْتَهم كلَّهم الجنةَ؟ قال: يا موسى، ارْفَعْ زرعَك. فرفَع، قال: قد رفَعْتُ. قال: ارْفَعْ. فرفَع، فلم يَتْرُكْ شيئًا، قال: يا ربِّ، قد رفَعْتُ. قال: ارْفَعْ. قال: قد رفَعْتُ إلا ما لا خيرَ فيه. قال: كذلك أُدْخِلُ خلقى كلَّهم الجنةَ إلا ما لا خيرَ فيه (^١).\nوقيل: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾. فرفَع. وقد تقدَّم الكلامُ قبلَ ذلك بقولِه: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ بالنصبِ؛ لأنه أُرِيد به الابتداءُ، كما يقالُ: رأَيْتُ العسكرَ؛ مقتولٌ أو منهزمٌ. بمعنى: منهم مقتولٌ، ومنهم منهزمٌ.\n\n<span id=\"aya-4280\"></span><span data-type='title' id=toc-8224>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولو أراد الله أن يَجْمَعَ خلقه على هُدًى، ويَجْعَلَهم على ملةٍ واحدةٍ لَفعَل، ولجعَلَهم ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. يقولُ: أهلَ ملةٍ واحدةٍ، وجماعةً مجتمعةً على دينٍ واحدٍ، ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. يقولُ: لم يَفْعَلْ ذلك فيَجْعَلَهم أمةً واحدةً، ولكن يُدْخِلُ مَن يَشاءُ مِن عباده في رحمتِه. يعني أنه يُدْخِلُه في رحمته بتوفيقه إياه للدخولِ في دينه الذي ابْتَعَث به نبيَّه محمدًا ﷺ ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. يقولُ: والكافرون باللَّهِ ما لهم مِن وليٍّ يَتَوَلَّاهم يومَ القيامةِ، ولا نصيرٍ يَنْصُرُهم من عقابِ اللَّهِ حِينَ يُعاقِبُهم، فيُنْقِذَهِم مِن عذابِه، ويَقْتَصَّ لهم ممن عاقَبَهم. وإنما قيل هذا الرسولِ الله ﷺ؛ تسليةً له عما كان يَنالُه مِن الهمِّ بتوليةِ قومِه عنه، وأمرًا له بتركِ إدخالِ المكروهِ على نفسِه، من أجلِ إدبارِ مَن أَدْبَر عنه منهم، فلم يَسْتَجِبْ لما دعاه إليه من الحقِّ، وإعلامًا له أن أمورَ عبادِه\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٨١ عن المصنف.","vol":"20","page":472},{"text":"بيدِه، وأنه الهادى إلى الحقِّ من شاء، والمُضِلُّ مَن أراد دونَه ودونَ كلِّ أحدٍ سواه.\n\n<span id=\"aya-4281\"></span><span data-type='title' id=toc-8225>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أتَّخَذ (^١) هؤلاء المشركون باللَّهِ من دونِ اللَّهِ أولياءَ يَتَوَلَّوْنهم، ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾. يقولُ: فاللَّهُ هو وليُّ أوليائِه، وإياه فلْيَتَّخِذوا وليًّا، لا الآلهةَ والأوثانَ، ولا ما لا يَمْلِكُ لهم ضرًّا ولا نفعًا، ﴿وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾. يقولُ: واللَّهُ يُحْيِي الْمَوتى مِن بعدِ مَماتِهم، فيَحْشُرُهم يومَ القيامةِ، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾. يقولُ: واللَّهُ القادرُ على إحياءِ خلقِه مِن بعدِ مماتِهم، وعلى غيرِ ذلك، إنه ذو قدرةٍ على كلِّ شيءٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4282\"></span>وقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما اخْتَلَفْتُم أيُّها الناسُ فيه من شيءٍ، فتنازَعْتُم بينَكم، ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: فإن اللَّهَ هو الذي يَقْضِى فيه بينَكم، ويَفْصِلُ فيه الحكمَ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. قال ابن عمرٍو في حديثِه: فهو يَحْكُمُ فيه. وقال الحارثُ: فاللَّهُ يَحْكُمُ فيه (^٣).\nوقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾. يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ\n_________\n(^١) في م: \"أم اتخذ\".\n(^٢) بعده في ت ٢: \"قدير شاء\"، وبعده في ت ٣: \"شاء\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٨٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":473},{"text":"لهؤلاء المشركين باللَّه: هذا الذي هذه الصفاتُ صفاته ربي، لا [هذه الآلهةُ] (^١) التي تَدْعُون مِن دونِه، التي لا تَقْدِرُ على شيءٍ، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في أمورى، وإليه فوَّضْتُ أسبابي، وبه وثقْتُ، ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. يقولُ: وإليه أَرْجِعُ في أمورى، وأتوبُ من ذنوبى.\n\n<span id=\"aya-4283\"></span><span data-type='title' id=toc-8226>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، خالقُ السماواتِ السبعِ والأرضِ.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: خالقُ (^٢).\nوقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: زوَّجكم ربُّكم مِن أنفسِكم أزواجًا. وإنما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾. لأنه خلَق حَوَّاءَ مِن ضِلَعِ آدمَ، فهن (^٣) مِن الرجالِ. ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وجعَل لكم مِن الأنعامِ أزواجًا؛ من الضأنِ اثنين، ومِن المَعْزِ اثنين، ومِن الإبلِ اثنين، ومِن البقرِ اثنين، ذُكورًا وإناثًا، ومن كلَّ جنسٍ من ذلك، ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾. يقولُ: يَخْلُقُكم فيما جعَل لكم من أزواجِكم، ويُعِيشُكم فيما جعَل لكم من الأنعامِ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"آلهتكم\".\n(^٢) تقدم في ٩/ ١٧٥، ١٧٦.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"فهو\".","vol":"20","page":474},{"text":"وقد اختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾. في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: يَخْلُقُكم فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8227>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾. قال: نَسْلٌ بعدَ نَسْلٍ مِن الناسِ والأنعامِ (^١).\nحدَّثنا محمدٌ (^٢)، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾. قال: يَخْلُقُكم (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾. قال: نَسْلٌ (^٤) بعدَ نَسْلٍ من الناسِ والأنعامِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾. قال: يَخْلُقُكم.\nوقال آخرون: بل معناه: يُعِيشُكم فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8228>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٨٨، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٤ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣ إلى عبد بن حميدٍ وابن المنذر.\n(^٢) بعده في م: \"ابن المثنى\". وهو محمد بن الحسين، وهو إسناد دائر.\n(^٣) عزاه الحافظ في الفتح ٨/ ٥٦٣، والسيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣ إلى المصنف.\n(^٤) في م: \"نسلا\".","vol":"20","page":475},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾. يقولُ: يَجْعَلُ لكم فيه معيشةً تَعِيشون بها (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾. قال: يُعِيشُكم فيه (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾. قال: عيش من اللَّهِ يُعِيشُكم فيه.\nوهذان القولان وإن اخْتَلَفا في اللفظِ مِن قائلَيْهما، فقد يَحْتَمِلُ توجيهُهما إلى معنًى واحدٍ، وهو أن يكونَ القائلُ في معناه: يُعِيشُكم فيه. أراد بقولِه ذلك: يُحْيِيكم بعيشِكم به كما يُحْيِي مَن لم يَخْلُق بتكوينه إياه، ونفخِه الروحَ فيه حتى يَعِيشَ حيًّا.\nوقد بيَّنْتُ معنى: ذرَأ اللَّهُ الخلقَ. فيما مضَى بشواهدِه المغنيةِ عن إعادتِه (^٣).\nوقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. فيه وجهان؛ أحدُهما: أن يكونَ معناه: ليس [كهو شيءٌ] (^٤). وأُدْخِل الْمِثلُ في الكلامِ توكيدًا للكلامِ؛ إذِ اخْتَلَف اللفظُ به وبالكافِ، وهما بمعنًى واحدٍ، كما قيل (^٥):\n* ما إن نَدِيتُ بشيءٍ أنت تَكْرَهُهُ (^٦) *\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٧/ ٥١٠.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٠ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١٠/ ٥٩١.\n(^٤) في م: \"هو كشيء\".\n(^٥) الشطر الأول من بيت للنابغة الذيباني، ديوانه ص ٢٠.\n(^٦) يقال: ما ندينى من فلان بشيء أكرهه. أي: ما بلَّنى ولا أصابني. اللسان (ن د ى).","vol":"20","page":476},{"text":"فأُدْخِل على \"ما\" وهى حرفُ جَحْدٍ \"إن\"، وهي أيضًا حرفُ جَحْدٍ؛ لاختلافِ اللفظِ بهما، وإن اتَّفَق معنياهما (^١) توكيدًا للكلامِ. وكما قال أَوْسُ بنُ حَجَرٍ (^٢):\nوقَتْلَى كَمِثْل جُذوعِ النَّخيلِ … تَغَشَّاهُمُ مُسْبِلٌ مُنْهَمِرْ\nومعنى ذلك: كجذوعِ النخيلِ، وكما قال الآخرُ:\nسعدُ بنُ زيدٍ إذا أبْصَرْتَ فضلَهُمُ … ما إنْ كمثلِهِمُ في الناسِ مِن أحدِ\nوالآخرُ: أن يكونَ معناه: ليس مثلَه شيءٌ. وتكونَ الكافُ هي المُدْخَلةَ في الكلامِ، كقولِ الراجزِ (^٣):\nوصالياتٍ ككَمَا يُؤَثْفَيْنْ\nفأدْخَل على الكافِ كافًا؛ توكيدًا للتشبيهِ، وكما قال الآخرُ (^٤):\nتنْفِي الغَيادِيقَ على الطريقِ\nقَلَّصَ عَن كبيضةٍ في نيقِ (^٥)\nفأَدْخَل الكافَ مع \"عن\".\nوقد بيَّنا هذا في موضعٍ غيرِ هذا المكانِ، بشرحٍ هو أبلغُ من هذا الشرحِ، فلذلك تجَوَّزْنا في البيانِ عنه في هذا الموضعِ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"معناهما\".\n(^٢) ديوانه ص ٣٠.\n(^٣) البيت في كتاب سيبويه ١/ ٣٢، ٤٠٨، ونسبه إلى خطام المجاشعي.\n(^٤) الرجز في الحيوان للجاحظ ٦/ ١٣٥ غير منسوب.\n(^٥) الغياديق: جمع الغيداق، هو ولد الضب فوق المُطَبِّخ، وقيل: هي الحيات، وقلص: ارتفع وصعد. والنيق: أرفع موضع في الجبل. اللسان (غ د ق، ق ل ص، ن ي ق).\n(^٦) تقدم في ١٣/ ٥٥٣، ٥٥٤.","vol":"20","page":477},{"text":"وقولُه: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه واصفًا نفسَه بما هو به: وهو - يعنى نفسه - السميعُ لما يَنْطِقُ (^١) به خلقُه مِن قولٍ، البصيرُ لأعمالِهم، لا يَخْفَى عليه من ذلك شيءٌ، ولا يَعْرُبُ عنه علمُ شيءٍ منه، وهو محيطٌ بجميعِه، مُحْصٍ صغيرَه وكبيرَه؛ لتُجْزَى (^٢) كلُّ نفسٍ بما كسَبَتْ مِن خيرٍ أو شرٍّ.\n\n<span id=\"aya-4284\"></span><span data-type='title' id=toc-8230>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: له مفاتيحُ خزائنِ السماواتِ والأرضِ، وبيدِه مَغاليقُ الخيرِ والشرِّ ومفاتيحُها، فما يَفْتَحْ من رحمةٍ فلا مُمْسِكَ لها، وما يُمْسِكْ فلا مُرْسِلَ له من بعدِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8229>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: مفاتيحُ، بالفارسيةِ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: مفاتيح السماوات والأرض. وعن الحسنِ بمثل ذلك (^٤).\n_________\n(^١) في م: (تنطق).\n(^٢) في ت ١: \"ليجزى\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٨٨.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٠ عن معمر به. وينظر ما تقدم ص ٢٤٢.","vol":"20","page":478},{"text":"حدَّثنا محمدُ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: خزائنُ السماواتِ والأرضِ (^١).\nوقولُ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾. يقولُ: يُوسِّعُ رزقَه وفضلَه على على من يشاءُ مِن خلقه، ويَبْسُطُ له، ويُكْثِرُ مالَه ويُغْنِيه، ﴿وَيَقْدِرُ﴾. يقولُ: ويُقَتِّرُ على مَن يشاءُ منهم، فيُضيقُه ويُفْقِرُه، ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: إِن اللَّهَ ﵎ بكلِّ ما يَفْعَلُ؛ مِن توسيعه على مَن يُوَسِّعُ، وتَقْتِيرِه على مَن يُقَتِّرُ، ومَن الذي يُصْلِحُه البَسْطُ عليه في الرزق ويُفْسِدُه مِن خلقِه، والذي يُصْلِحُه التقتيرُ عليه ويُفسده، وغير ذلك من الأمورِ، ذو علمٍ، لا يَخْفَى عليه موضعُ البسطِ والتقتيرِ وغيرُه مِن صلاحِ تدبيرِ خلقِه.\nيقولُ تعالى ذكرُه: فإلى مَن له مقاليدُ السماواتِ والأرضِ، الذي صفتُه ما وصَفْتُ لكم في هذه الآياتِ أيُّها الناسُ فارْغَبوا، وإياه فاعْبُدوا، مُخْلِصين له الدينَ، لا الأوثانَ والآلهةَ والأصنامَ، التي لا تَمْلِكُ لكم ضرًّا ولا نفعًا.\n\n<span id=\"aya-4285\"></span><span data-type='title' id=toc-8231>القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ ربُّكم أيُّهَا النَّاسُ، ﴿مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ أن يَعْمَلَهُ، ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وشرَع لكم مِن الدينِ الذي أوحينا إليك يا محمدُ [وأمَرْناك] (^٢) به، ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص ٢٤٢.\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"فأمرناك\".","vol":"20","page":479},{"text":"إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ يقولُ: شرَع لكم من الدينِ أن أقيموا الدينَ. فـ ﴿أَنْ﴾ إذ كان ذلك معنى الكلام - في موضعِ نصبٍ على الترجمةِ بها عن ﴿مَا﴾ التي في قولِه: ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾. ويَجوزُ أن تكونَ في موضعِ خفضٍ ردًّا على الهاءِ التي في قولِه: ﴿بِهِ﴾، وتفسيرًا عنها، فيكونُ معنى الكلام حينئذٍ: شرَع لكم مِن الدينِ ما وصَّى به نوحًا، بأن (^١) أقِيموا الدينَ ولا تَتَفَرَّقوا فيه. وجائزٌ أن تكونَ في موضعِ رفعٍ على الاستئنافِ، فيكونَ معنى الكلام حينَئذٍ: شرَع لكم من الدينِ ما وصَّى به، وهو أن أَقِيموا الدينَ. وإذ كان معنى الكلامِ ما وصَفْتُ، فمعلومٌ أن الذي أوْصَى به جميع هؤلاء الأنبياءِ وصيةٌ واحدةٌ، وهى إقامةُ الدينِ الحقِّ، ولا تَتَفَرَّقوا فيه.\nوبنحوِ الذي قلنا الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8232>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾. قال: ما (^٢) أوْصاك به وأنبياءَه كلَّهم دينٌ واحدٌ (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ في قولِه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾. قال: هو الدينُ كلُّه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولِه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"أن\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٨٨. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣ إلى الفريابي وعبد بن حميدٍ وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"20","page":480},{"text":"الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾: بُعث نوحٌ حينَ بُعث (^١) بالشريعةِ بتحليلِ الحلالِ، وتحريمِ الحرامِ، ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال (^٣): ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾. قال: الحلالَ والحرامَ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: حَسْبُك ما قيل لك.\nوعُنى بقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾: اعْمَلوا به على ما شرَع لكم وفرَض. كما قد بيَّنا فيما مضَى قبلُ في قولِه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (^٥) [البقرة: ٤٣].\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8233>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾. قال: اعْمَلُوا به (^٦).\nوقوله: ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. يقولُ: ولا تَخْتلِفوا في الدين الذي أُمِرْتُم بالقيام به كما اخْتَلَف الأحزابُ مِن قبلِكم.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٣: \"بعثه\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) بعده في م، ت ١: \"ثنا أحمد قال\"، وهو خطأ.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٠ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٤٧، ٦١١.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤ إلى المصنف.","vol":"20","page":481},{"text":"كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. تَعَلَّموا أن الفُرْقةَ هَلَكَةٌ، وأن الجماعةَ ثقةٌ (^١).\nوقوله: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: كَبُر على المشركين باللَّهِ مِن قومِك يا محمدُ ما تَدْعُوهم إليه مِن إخلاصِ العبادة للَّهِ، وإفرادِه بالأُلوهَةِ، والبراءةِ مما سواه مِن الآلهةِ والأندادِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8234>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾. قال: أَنْكَرَها المشركون، وكبر عليهم شهادةُ أن لا إله إلا اللَّهُ، فصادَمها إبليسُ وجنودُه، فأبَى اللَّهُ ﵎ إلا أن يُمْضِيَها، ويَنْصُرَها، ويُفْلِجَها، ويُظْهِرَها على مَن ناوَأَها (^١).\nوقوله: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾. يقولُ: اللَّهُ يَصْطَفِي إِليه مَن يشاءُ مِن خلقه، ويَخْتارُ لنفسه ووَلايتِه مَن أَحَبَّ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8235>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجَاهِدٍ قولَه: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾. يقولُ: ويُوَفِّقُ للعملِ بطاعتِه، واتباعِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":482},{"text":"ما بعَث به نبيَّه ﷺ مِن الحقِّ من أقْبَل إلى طاعتِه، وراجَع التوبةَ مِن مَعاصِيه (^١).\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾: مَن يُقبلُ إلى طاعة اللَّهِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4286\"></span><span data-type='title' id=toc-8236>[القولُ في تأويلِ قولِه] (^٣): ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما تفَرَّق المشركون باللَّهِ في أديانِهم فصاروا أحزابًا، إلا مِن بعدِ ما جاءهم العلم بأن الذي أمَرَهم اللَّهُ به، وبعَث به نوحًا، هو إقامةُ الدينِ الحقَّ، وأَلّا يَتَفَرَّقوا فيه.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، [قال: تلا] (^٤) قتادةُ: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾. فقال: إياكم والفُرْقةَ، فإنها هَلَكَةٌ (^٥).\n﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: بغيًا مِن بعضِهم (^٦) على بعضٍ، وحسدًا وعداوةً على طلبِ الدنيا، ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولولا قولٌ سبَق يا محمدُ مِن ربِّكَ أَلَّا (^٧) يُعاجِلَهم بالعذابِ، ولكنه أخَّر ذلك إلى أجلٍ مُسَمًّى. وذلك الأجلُ المُسَمَّى فيما ذُكِر يومَ القيامةِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٨٨. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: م.\n• هنا ينتهى الخرم الذي في الأصل والمشار إليه في ص ٤٢٨.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٩٠ عن معمر به.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بعضكم\".\n(^٧) في م: \"لا\".","vol":"20","page":483},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8237>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: يومِ القيامةِ.\nوقوله: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: لَفرَغ ربُّك من الحُكْمِ بينَ هؤلاء المختلفين في الحقِّ الذي بعَث به نوحًا نبيَّه من بعدِ عليهم به، بإهلاكِه أهلَ الباطلِ منهم، وإظهارِه أهلَ الحقِّ عليهم.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. يقولُ: وإن الذين آتاهم اللَّهُ، مِن بعدِ هؤلاء المختلفين في الحقِّ، كتابَه؛ التوراةَ والإنجيلَ، ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾. يقولُ: لفى شكٍّ مِن الدين الذي وصَّى اللَّهُ به نوحًا، وأوحاه إليك يا محمدُ، وأمر كُما بإقامته - ﴿مُرِيبٍ﴾.\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8238>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولِه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. قال: اليهودَ والنصارى (^١).\n\n<span id=\"aya-4287\"></span><span data-type='title' id=toc-8239>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤ إلى المصنف.","vol":"20","page":484},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: فإلى ذلك الدين الذي شرع لكم ربُّكم (^١)، ووصَّى به نوحًا، وأوْحاه إليك يا محمدُ - فادْعُ عباد الله، واسْتَقِمْ على العملِ به، ولا تَزِغْ عنه، واثْبُتْ عليه كما أمَرَك ربُّك بالاستقامةِ. وقيل: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾. والمعنى: فإلى ذلك. فوُضِعَت اللامُ موضع \"إلى\"، كما قيل: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]. وقد بيَّنا ذلك في غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا (^٢).\nوكان بعضُ أهل العربيةِ يُوَجِّهُ معنى \"ذلك\" في قولِه: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ إلى معنى \"هذا\"، ويقولُ: معنى الكلامِ: فإلى هذا القرآنِ فادْعُ واسْتَقِمْ. والذي قال مِن (^٣) هذا القول قريبُ المعنى مما قلْناه، غيرَ أن الذي قلنا في ذلك أولى بتأويلِ الكلامِ؛ لأنه في سياق خبرِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه عما شرَع (^٤) مِن الدين لنبيِّه محمد ﷺ وأمتِه (^٥)، ولم يَأْتِ مِن الكلامِ ما يَدلُّ على انصرافِه عنه إلى غيرِه.\nوقولُه: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَتَّبِعْ يا محمدُ أهواءَ [هؤلاء الذين] (^٦) الذي شكُّوا في الحقِّ الذي شرَعه اللَّهُ لكم، مِن الذين أُورِثوا الكتابَ مِن بعدِ القرونِ الماضيةِ قبلَهم، فتَشُكَّ فيه كالذى شكُّوا فيه.\nوقولُه: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقل لهم يا محمدُ: صدَّقْتُ بما أَنْزَل اللَّهُ من كتاب كائنًا ما كان ذلك الكتابُ، توراةً كان أو إنجيلًا أو زَبورًا أو صحفَ إبراهيمَ، لا أُكَذَّبُ بشيءٍ من ذلك تكذيبَكم ببعضِه معشرَ الأحزابِ، وتصدِيقَكم ببعضٍ.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٦/ ٣١٦، ١٢/ ٣٧٥.\n(^٣) بعده في الأصل: \"قال\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لكم\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بإقامته\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذي\".","vol":"20","page":485},{"text":"وقولُه: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقلْ لهم يا محمدُ: وأمرني ربى أن أعْدِلَ بينكم معشرَ الأحزابِ، فأَسِيرَ فيكم جميعًا بالحقِّ الذي أمَرَنى به، وبعَثَنى بالدعاءِ إليه.\nكالذي حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾. قال: أُمِر نبيُّ اللهِ ﷺ أن يَعْدِلَ، فعدل حتى مات صلواتُ اللهِ عليه والعدلُ ميزانُ اللهِ في الأرضِ، به يُأخُذُ (^١) للمظلومِ مِن الظالم، وللضعيفِ من الشديدِ، وبالعدل يُصَدِّقُ اللهُ الصادقَ، ويُكَذِّبُ الكاذبَ، وبالعدلِ يَرُدُّ المعتدىَ ويُوَبِّخُه (^٢). ذُكِر لنا أن [نبيَّ اللهِ داودَ ما كان يقولُ] (^٣): ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه أَعْجَبَنى (^٤) جدًّا؛ القصدُ في الفاقةِ والغِنَى، والعدلُ في الرضا والغضبِ، والخشيةُ في السرِّ والعَلانيةِ، وثلاثٌ مَن كُنَّ فيه أَهْلَكْنَه؛ شُحٌ مُطَاعٌ، وهَوَى مُتَّبَعٌ، وإعجابُ المرءِ بنفسِه، وأربعٌ مَن أُعْطِيهن فقد أُعْطِى خيرَ الدنيا والآخرة؛ لسانٌ ذاكرٌ، وقلبٌ شاكرٌ، وبدنٌ صابرٌ، وزوجةٌ مؤمنةٌ (^٥).\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في معنى اللامِ التي في قولِه: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾. فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معناها: \"كى\"، وأُمِرْتُ كى أَعْدِلَ. وقال غيرُه: معنى الكلامِ وأُمِرْتُ بالعدلِ. والأمرُ واقعٌ على ما بعدَه، وليست اللامُ التي في ﴿لِأَعْدِلَ﴾ بشرط. قال: ﴿وَأُمِرْتُ﴾ تَقَعُ على \"أن\"، وعلى \"كى\" واللام؛ أُمِرْتُ أَن أَعْبُدَ، وكى أَعْبُدَ، ولأَعْبُدَ. قال: وكذلك كلُّ ما طالَب الاستقبالُ ففيه (^٦) هذه الأوجهِ الثلاثة.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يؤخذ\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) في الأصل: \"رسول الله ﷺ قال\".\n(^٤) في مصدر التخريج: (أعجنني).\n(^٥) أخرجه معمر في جامعه ١١/ ٣٠٤ قتادة به.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ففي\".","vol":"20","page":486},{"text":"والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن الأمرَ عاملٌ في معنى ﴿لِأَعْدِلَ﴾؛ لأن معنَاه: وأُمِرْتُ بالعدلِ بينكم.\nوقولُه: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾. يقولُ: الله مالِكُنا ومالِكُكم معشرَ الأحزابِ مِن أهلِ الكتابين؛ التوراةِ والإنجيلِ، ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾. يقولُ: لنا ثوابُ ما اكْتَسَبْناه مِن الأعمالِ، ولكم ثوابُ ما اكْتَسَبْتُم منها.\nوقولُه: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾. يقولُ: لا خصومةَ بينَنا وبينَكم. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾. قال: لا خُصومة (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾. قال: [نهاه الله أن يجادِل، ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾] (^٢): لا خُصومةَ بينَنا وبينَكم. وقرَأ: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٣) [العنكبوت: ٤٦].\nوقولُه: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾. يقولُ: اللَّهُ يَجْمَعُ بينَنا يومَ القيامةِ، فيَقْضِى بينَنا بالحقِّ فيما اختَلَفْنا فيه، ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وإليه المَعادُ والمَرْجِعُ بعدَ مَماتِنا.\n\n<span id=\"aya-4288\"></span><span data-type='title' id=toc-8240>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٨٩ ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٤ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ينظر التبيان ٩/ ١٥٠.","vol":"20","page":487},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: والذين يُخاصِمون في دينِ اللهِ الذي ابْتَعَث به نبيَّه محمدًا ﷺ مِن بعد ما اسْتَجاب له الناسُ فدخلوا فيه، من الذين أُورثِوا الكتابَ - ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾. يقولُ: خصومتُهم التي يُخاصِمون فيه، باطلةٌ ذاهبةٌ عندَ ربِّهم، ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾. يقولُ: وعليهم مِن اللهِ غضبٌ، ولهم في الآخرةِ عذابٌ شديدٌ، وهو عذابُ النارِ.\nوذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلَت في قوِم مِن اليهودِ، خاصَموا أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ دينِهم، وطمِعوا أن يَصُدُّوهم عنه، ويَرُدُّوهم عن الإسلامِ إلى الكفرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8241>ذكرُ الروايةِ بذلك عمن ذُكِر ذلك عنه</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ، كانوا يُجادِلون المسلمين، ويَصُدُّونهم عن الهدى مِن بعدِ ما اسْتَجابوا للهِ. وقال: هم قومٌ مِن أهل الضلالةِ، كان اسْتُجيب لهم على ضلالتِهم، وهم يَتَرَبَّصون بأن تَأْتِيَهم الجاهليةُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾. قال: طمِع رجالٌ بأن تعودَ الجاهليةُ (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٨٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٨٩. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":488},{"text":"مجاهدٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾. قال: بعدما دخل الناسُ في الإسلامِ (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى، قالوا: كتابُنا قبلَ كتابِكم، ونبيُّنا قبلَ نبيِّكم، ونحن خيرٌ منكم (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ﴾ الآيةِ، قال: هم اليهودُ والنصارى، حاجُّوا أصحابَ النبي ﷺ فقالوا: كتابنا قبلَ كتابِكم، ونبيُّنا قبلَ نبيِّكم، ونحن أولى باللهِ منكم.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: نهاه عن الخصومةِ.\n\n<span id=\"aya-4289\"></span><span data-type='title' id=toc-8242>القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: الله الذي أَنزَلَ هذا الكِتابَ. يعني: القرآنَ ﴿بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾. يقولُ: وأنزل الميزانَ، وهو العدلُ؛ ليَقْضِيَ بينَ الناسِ بالإنصافِ، ويَحْكُم فيهم بحكمِ اللهِ الذي أمَر به في كتابِه.\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ١٤.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩١ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":489},{"text":"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8243>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾. قال: العدَل (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾. قال: الميزانُ العدلُ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأيُّ شيءٍ يُدْرِيك ويُعْلِمُك، لعلَّ الساعةَ التي تقومُ فيها القيامةُ قريبٌ\n\n<span id=\"aya-4290\"></span>﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾. يقولُ: يَسْتَعْجِلُك يا محمدُ بمجيئِها الذين لا يُوقنون بمجيئها؛ ظنًّا منهم أنها غيرُ جائيةٍ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾. يقولُ: والذين صدَّقوا بمجيئِها، ووعْدِ اللَّهِ إياهم الحشرَ فيها، ﴿مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾. يقولُ: وَجِلون من مجيئِها، خائفون مِن قيامها؛ لأنهم لا يَدْرون ما اللهُ فاعلٌ بهم فيها، ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾. يقولُ: ويُوقنون أن مجيقها الحقُّ اليقينُ، لا يَمْتَرون في مجيئِها، ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألا إن الذين يُخاصِمون في قيامِ الساعةِ ويُجادِلون فيه، ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾. يقولُ: لَفَي جَوْرٍ عن طريق الهُدَى، وزَيْغٍ عن سبيلِ الحقِّ والرشادِ، بعيدٍ من الصوابِ.\n\n<span id=\"aya-4291\"></span><span data-type='title' id=toc-8244>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ</span>\n_________\n(^١) في الأصل: \"بالعدل\".\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٥٨٩ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩١ عن معمر به.","vol":"20","page":490},{"text":"الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: الله ذو لطفٍ بخلقِه (^١)، يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ فَيُوَسِّعُ عليه، ويَقتُرُ على مَن يَشَاءُ منهم، ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ﴾ الذي لا يَغْلِبُه ذو [أَيْدٍ لشدتِه] (^٢)، ولا يَمتَنِعُ عليه إذا أراد عقابه بقدرته، ﴿الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه إذا انْتَقَم مِن أهلِ معاصِيه.\n﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: من كان يُرِيدُ بعمله الآخرة، ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾. يقولُ: نَزِدْ له في عمله الحسنِ، فنَجْعَلْ له بالواحدةِ عَشْرًا، إلى ما شاء ربُّنا من الزيادةِ، ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾. يقولُ: ومَن كان يُرِيدُ بعمله الدنيا، ولها يَسْعَى، لا للآخرةِ، نُؤْتِه منها ما قسَمْنا له منها، ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾. يقولُ: وليس لمن طلب بعملِه الدنيا، ولم يُرِدِ الله به، في ثوابِ اللهِ لأهلِ الأعمالِ التي أرادوه بأعمالهم في الدنيا - حظٌّ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span id=\"aya-4292\"></span><span data-type='title' id=toc-8245>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ إلى: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾. قال: يقولُ: مَن كان إنما يَعْمَلُ للدنيا نُؤْتِه منها (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بعباده\".\n(^٢) في الأصل: \"يد بشدته\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"20","page":491},{"text":"حَرْثَ الْآخِرَةِ (^١) نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا﴾ الآيةِ، يقولُ: مَن آثَر دنياه على آخرته، لم نَجعَل (^٢) له نصيبًا في الآخرة إلا النارَ، ولم نَزِدْه بذلك مِن الدنيا شيئًا، إلا رزقًا قد فُرِغ منه، وقُسِم له (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾. قال: مَن كان يُرِيدُ الآخرة وعملها نَزِدْ له في عمله، ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: مَن أراد الدنيا وعملَها آتَيْناه منها، ولم نَجْعَل له في الآخرةِ من نصيبٍ. الحرثُ: العملُ، مَن عمِل للآخرةِ أعطاه اللهُ، ومَن عمل للدنيا أعطاه اللهُ.\nحدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّى قولَه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾. قال: مَن كان يُرِيدُ عمل الآخرةِ نَزِدْ له في عملِه، [ومن كان يُريدُ عمل الدنيا نُؤتِه (^٤) منها] (^٥)، ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ [مِنْ نَصِيبٍ] (^٦)﴾. قال: للكافرِ عذابٌ أليمٌ.\n\n<span id=\"aya-4293\"></span><span data-type='title' id=toc-8246>القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أم لهؤلاء المشركين باللهِ شركاءُ في شركِهم وضَلالتهم، ﴿شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ﴾. يقولُ: ابْتَدَعوا لهم من الدينِ ما لم يُبِح اللهُ لهم ابتداعَه، ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"أي عمل الآخرة\".\n(^٢) في الأصل: \"يجعل الله\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) في ت ١: \"يؤته\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ٢، ت ٣، وفى م: \"قوله\".\n(^٦) سقط من: الأصل.","vol":"20","page":492},{"text":"تعالى ذكرُه: ولولا السابقُ مِن اللهِ في أنه لا يُعَجِّلُ لهم العذابَ في الدنيا، وأنه مضَى مِن قيلهِ أنهم مُؤَخَّرون بالعقوبة إلى قيامِ الساعةِ، لَفُرِغ من الحكمِ بينَكم وبينَهم، بتعجيلِنا العذابَ لهم في الدنيا، ولكن لهم في الآخرةِ العذابُ الأليمُ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: وإن الكافرين باللهِ لهم يومَ القيامةِ عذابٌ مُؤلِمٌ مُوجِعٌ.\n\n<span id=\"aya-4294\"></span><span data-type='title' id=toc-8247>القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: تَرَى يا محمدُ الكافرين باللهِ يوم القيامةِ و﴿مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا﴾. يقولُ: وَجِلين خائفين من عقابِ اللهِ على ما كسَبوا في الدنيا مِن أعمالِهم الخبيثةِ، ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾. يقولُ: والذي هم مُشْفِقون منه مِن عذابِ اللهِ نازلٌ بهم، وهم ذائِقوه لا محالة.\nوقولُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين آمنوا باللهِ وأطاعوه فيما أمَر ونهى في الدنيا في رَوْضاتِ البساتينِ في الآخرةِ. ويعنى بالروضاتِ: جمع رَوْضة، وهى المكانُ الذي يَكْثُرُ نَبْتُه، ولا تقولُ العربُ لمواضعِ الأشجارِ: رياضٌ. ومنه قولُ أبى النَّجْمِ (^١):\nوالنِّغْضُ مِثلَ الأَجْرب المُدَجَّل … حدائقَ الرَّوْضِ التي لم تُحْلَلِ (^٢)\n_________\n(^١) ديوانه ص ١٧٨.\n(^٢) النِّغض والنَّغض: الظليم، وهو ذكر النعام، والمدجل: البعير المطلى بالقطران ولم تحلل: أي لم توطأ ولم ترعها الحيوانات فيقل نبتها. ينظر اللسان (ن غ ض، د ج ل، ح ل ل).","vol":"20","page":493},{"text":"ويعنى بالروضِ: جمعَ رَوْضةٍ. وإنما عنى جلَّ ثناؤُه بذلك الخبرَ عما هم فيه من السرورِ والنَّعيمِ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: في رياضِ الجنةِ ونعيمِها.\nوقولُه: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يقولُ: للذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ عند ربِّهم في الآخرةِ ما تَشْتَهِيه أنفسهم، وتَلَذُّه أعينُهم، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي أعطاهم اللهُ مِن هذا النعيمِ وهذه الكرامةِ في الآخرة ﴿هُوَ الْفَضْلُ﴾ مِن اللهِ عليهم، ﴿الْكَبِيرُ﴾ الذي يَفْضُلُ كلَّ نعيمٍ وكرامةٍ في الدنيا، من بعضِ أهلِها على بعضٍ.\n\n<span id=\"aya-4295\"></span><span data-type='title' id=toc-8248>القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي أخْبَرْتُكم أيُّها الناسُ أنى أعْدَدْتُه للذين آمنوا وعملوا الصالحات في الآخرةِ من النعيمِ والكرامة - البُشْرَى التي يُبَشِّرُ اللهُ بها عبادَه الذين آمنوا به في الدنيا، وعمِلوا بطاعتِه فيها، ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ للذين يُمارُونك في الساعةِ من مُشْرِكي قومِك: لا أسْألكم أيُّها القومُ على دِعايتِكم (^١) إلى ما أدْعُوكم إليه من الحقِّ الذي جئتُكم به، والنصيحةِ التي أنْصَحُكم - ثوابًا وجزاءً وعِوَضًا من أموالِكم تُعْطُونَنِيهِ (^٢) ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾.\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"دعائكم\"، وكلاهما بمعنى.\n(^٢) في الأصل: \"تعطونيه\".","vol":"20","page":494},{"text":"واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولَه: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: إلا أن تَوَدُّونى في قَرابتى منكم، وتَصِلوا رَحِمى بينى وبينَكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-8249>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن الشعبيِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ قال: لم يَكُنْ بطنٌ مِن بطونِ قريشٍ إلا وبينَ رسول اللهِ ﷺ وبينَهم قرابةٌ، فقال: قل: لا أسْأَلُكم عليه أجرًا إلا أن تَوَدُّونى في القرابةِ التي بينى وبينَكم (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن (^٢) شعبةُ، عن عبد الملك بن مَيْسَرةَ، عن طاوس في قولَه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: سُئِل عنها ابن عباسٍ، فقال ابن جبيرٍ: هم قُرْبَى آلِ محمدٍ. فقال ابن عباسٍ: عجِلْتَ (^٣)، إن رسولَ اللهِ ﷺ لم يَكُنْ بطنٌ من بطونِ قريشٍ إلا وله فيهم قَرابةٌ. قال: فنزَلَت: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ قال: إلا القرابةَ التي بيني وبينَكم أن تَصِلوها (^٤) حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: كان لرسولِ اللهِ ﷺ قَرابةٌ في جميعِ قريشٍ، فلما كذَّبوه وأبَوْا أن يُبايعوه، قال: \"يا قومِ، إذ أبَيْتُم أن تُبايعونى فاحْفَظوا قَرابتي فيكم، لا يَكُنْ غيرُكم من العربِ أولى بحفظى ونُصْرتى منكم\" (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (١٢٥٦٩)، والحاكم ٢/ ٤٤٤ من طريق داود به.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال ثنا\".\n(^٣) في الأصل: \"عجل\".\n(^٤) أخرجه أحمد ٣/ ٤٦٨ (٢٠٢٤)، والبخارى (٤٨١٨)، والترمذى (٣٢٥١)، والنسائي (١١٤٧٤)، وابن حبان (٦٢٦٢) من طريق شعبة به.\n(^٥) أخرجه الطبراني (١٣٠٢٦) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"20","page":495},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. يعنى: محمدًا ﷺ، قال لقريشٍ: ولا أسْأَلُكم مِن أموالِكم شيئًا، ولكن أسْأَلكم أن لا تُؤذونى؛ لقرابة ما بينى وبينَكم، فإنكم قومى وأحقُّ من أطاعنى وأجابني\" (^١).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن عكرمةَ، قال: إن النبيَّ ﷺ كان واسطًا في قريشٍ، وكان له في كلِّ بطنٍ مِن قريشٍ نسبٌ، فقال: \"لا أسْأَلُكم (^٢) على ما أدْعُوكم إليه إلا أن تَحفظُونى في قَرابتي، ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (^٣).\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ واسطَ النسبِ من قريشٍ، ليس حيٌّ من أحياءِ قريشٍ إلا وقد ولَدوه. قال: فقال اللهُ ﷿: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ [عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى] (^٤)﴾: إلا أن تَوَدُّونى؛ لقَرابتي منكم وتَحْفَظونى (^٥).\nحدَّثني أبو حَصِينٍ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن يونُسَ، قال: ثنا عَبْرٌ، قال: ثنا حُصَيْنٌ، عن أبي مالكٍ في هذه الآيةِ: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: كان رسولُ الله ﷺ من بنى هاشمٍ، وأمُّه مِن بني زُهْرَةَ، وأمُّ أبيه من بني مَخْزومٍ، فقال: \"احْفظُوني في قَرابتي\".\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا حَرَميٌّ (^٦)، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبرني عُمارة، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٢) بعده في الأصل: \"عليه أجرا\".\n(^٣) ذكرُه البغوي في تفسيره ٧/ ١٩١، والقرطبي في تفسيره، ١٦/ ٢١، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٨٧.\n(^٤) في الأصل: \"على ما أدعوكم إليه أجرا\".\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ٢١/ ١٦، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٨٧.\n(^٦) في الأصل: \"جرمى\". وينظر تهذيب الكمال ٥/ ٥٥٦.","vol":"20","page":496},{"text":"عكرمةَ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: تَعْرِفون قَرابتي، وتُصَدِّقُونى بما جئتُ به، وتَمْنَعونى.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. وإن الله ﵎ أمَر محمدًا ﷺ أن لا يَسْأَل الناسَ على هذا القرآنِ أجرًا إلا أن يَصِلوا ما بينَه وبينَهم من القَرابةِ، وكلُّ بُطُونِ قريشٍ قد ولَدَته، وبينَه وبينَهم قرابةٌ (^١)\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾: قال: أن تَتَّبِعونى، وتُصَدِّقونى، وتصلوا قَرابتي (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: [ثنا أحمدُ، قال] (^٣): ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: لم يَكُنْ بطنٌ مِن بُطُونِ قريشٍ إلا الرسولِ اللهِ ﷺ ما فيهم ولادةٌ، فقال: قل لا أسْأَلكم عليه أجرًا إلا أن تَوَدُّوني؛ لقَرابتي منكم (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، يعنى قريشًا. يقولُ: إنما أنا رجلٌ منكم، فأعِينونى على عدوِّى، واحْفَظوا قَرابتي، وإن الذي جئتُكم به لا أسْألُكم عليه أجرًا إلا المودةَ فى القربي، أن تَوَدُّوني لقَرابتي،\n_________\n(^١) ذكره الطوسى في التبيان ٩/ ١٥٦ بمعناه.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رحمي\".\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٥٨٩ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ١٩١، والقرطبي في تفسيره ١٦/ ٢١، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٨٧.","vol":"20","page":497},{"text":"وتُعينوني على عدوِّى (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: يقولُ: إلا أن تَوَدُّوني في قَرابتي (^٢)، كما تَوادُّون في قَرابتِكم، وتَواصَلون بها، ليس هذا الذي جئتُ به يَقْطَعُ ذلك عنى، فلسْتُ أبْتَغِى على هذا الذي جئتُ به أجرًا آخُذُه على ذلك منكم (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: أخبرني سعيدُ بنُ أبي أيوبَ، عن عطاءِ بن دينارٍ في قولَه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. يقولُ: لا أسْأَلكم على ما جئتُكم به أجرًا، إلا أن تَوَدُّونى في قَرابتى منكم، وتَمْنَعونى من الناسِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنَ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: كلُّ قريشٍ قد كانت بينَهم (^٤) وبينَ رسول الله ﷺ قرابةٌ، فقال: قل: لا أسْأَلكم عليه أجرًا إلا أن تَوَدُّونى بالقرابةِ التي بينى وبينَكم (^٥).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: قلْ لمن اتَّبَعك من المؤمنين: لا أسْأَلكم على ما جئتُكم به أجرًا، إلا أن تَوَدُّوا قَرابتى.\n\n<span data-type='title' id=toc-8250>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عُمارةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بن أبان، قال: ثنا الصَّبَّاحُ بن يحيى\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٨٧.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لقرابتي\".\n(^٣) ينظر التبيان للطوسى ٩/ ١٥٧\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١ ت ٢: \"بينه\". والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩١ عن معمر به.","vol":"20","page":498},{"text":"المُزَنِيُّ (^١)، عن السديِّ، عن أبي الدَّيْلَمِ قال: لمَّا جِئ بعليٍّ بن الحسينِ ﵄ أسيرًا، فأُقيم على دَرَج دمشقَ، قام رجلٌ من أهلِ الشامِ فقال: الحمدُ للهِ الذي قتَلكم واسْتَأْصَلَكم، وقطَع قَرْنَ (^٢) الفتنةِ. فقال له عليُّ بنُ الحسينِ: أقرَأْتَ القرآنَ؟ قال: نعم. قال: أقرأْتَ \"آلَ حم\"؟ قال: قرأتُ القرآنَ ولم أقْرَأْ \"آل حم؟!. قال: ما قرَأْتَ: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾؟ قال: وإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا عبدُ السلامِ، قال: ثنى يزيدُ بنُ أبي زيادٍ، عن مِقْسَم، عن ابن عباسٍ قال: قالت الأنصارُ: فعَلْنا وفعَلْنا، فكأنهم فخَروا، فقال ابن عباسٍ، أو العباسُ - شكٍّ عبدُ السلامِ -: لنا الفضلُ عليكم. فبلَغ ذلك رسولَ اللهِ ﷺ، فأتاهم في مجالسِهم فقال: \"يا معشرَ الأنصارِ، ألم تكونوا أذِلَّةٌ فأَعَزَّكم الله بي؟ \"قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ. قال: \"ألم تكونوا ضُلَّالًا فهداكم اللهُ بي؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ. قال: \"أفلا تُجِيبُونى؟ \" قالوا: ما نقولُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: \"ألا تقولون: ألم يُخْرِجُك قومُك فَآوَيْناك، أو لم يُكَذِّبوك فصدَّقْناك، أو لم يَخْذُلوك فنصرناك؟ \". قال: فما زال يقولُ حتى جثوا على الرُّكَب وقالوا: أموالُنا وما في أيدينا للهِ ولرسولِه. قال: فنزَلَت: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مَرْوانُ، عن يَحْيَى بن كثيرٍ، عن أبي العاليةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِ اللهِ: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: هي قُرْبَى رسولَ اللهِ ﷺ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المرى\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٣: \"قرني\" وفى م: \" قربى\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ١١/ ١٩٣، ١٤/ ٥٦٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧ إلى المصنف.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣٨٦٤)، وابن أبي حاتم وابن مردويه - كما في تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي ٣/ ٢٣٧ - من طريق عبد السلام به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٧/ ٦ إلى سعيد بن منصور.","vol":"20","page":499},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ ومحمدُ بنُ خلفٍ، قالا: ثنا عُبيدُ اللهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، قال: سأَلْتُ عمرَو بنَ شعيبٍ عن قول الله ﷿: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: قُرْبَى النبيِّ ﷺ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: قل لا أسْأَلكم أيها الناسُ على ما جئتُكم به أجرًا، إلا أن تَوَدَّدُوا إلى اللهِ، وتَتَقَرَّبوا بالعملِ الصالحِ والطاعةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8251>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ [ومحمدٌ ابنا داودَ] (^٢) قالا: ثنا عاصمُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا قَرَعةُ بنُ سُوَيْدٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ قال (^٣): ولا أَسْأَلُكم على ما أتَيْتُكم به مِن البيناتِ والهدى أجرًا، إلا أن تَودُّدُوا (^٤) للهِ وتَتَقَرَّبوا إليه بطاعتِه (^٥).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ بن زاذان، عن الحسنِ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: القُرْبَى إلى اللهِ.\nحدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: إلا التقربَ إلى اللهِ، والتودُّدَ إليه بالعملِ الصالحِ (^٦).\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ١٩١، والقرطبي في تفسيره ٢١/ ١٦، وابن كثير في تفسيره ٧/ ١٨٩.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بن داود أخوه أيضا\".\n(^٣) في النسخ: \"قل\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٤) في الأصل: \"تودوا\".\n(^٥) أخرجه أحمد ٤/ ٣٨ (٢٤١٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ١٨٨، والطبراني (١١١٤٤)، والحاكم ٢/ ٤٤٤،٤٤٣ من طريق قزعة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦ إلى ابن مردويه.\n(^٦) ذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٥٦٥ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":500},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قل: لا أَسْأَلُكم على ما جئتُكم به، وعلى هذا الكتاب أجرًا، ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾: إلا أن تَوَدَّدُوا (^١) إلى الله بما يُقَرِّبُكم إليه، وعملٍ بطاعتِه.\nقال بشرٌ: قال يزيدُ: وحدثنيه يونُسُ، عن الحسن.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثَوْرِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. [قال: قال الحسنُ: قل لا أسْأَلكم عليه أجرً] (^٢) إلا أن تَوَدَّدُوا إلى اللهِ فيما يُقَرِّبُكم إليه (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إلا أن تَصِلوا قرابتكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-8252>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا [ابن بشارٍ] (^٤)، قال ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن عبدِ اللهِ بن القاسمِ في قولِه: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: أُمِرتَ أن تصلَ قرابتَك.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ، وأشبهُها بظاهر التنزيلِ قولُ مَن قال: معناه: قل لا أسْأَلكم عليه أجرًا يا معشرَ قريشٍ، إلا أن تودُّوني في قَرابتي منكم، وتَصِلوا الرحمَ التي بيني وبينَكم.\n_________\n(^١) في الأصل: \"تودوا\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩١ عن معمر به.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بشر\". وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٣٦٧.","vol":"20","page":501},{"text":"وإنما قلتُ: هذا القولُ (^١) أولى بتأويلِ هذه الآيةِ؛ لدخولِ \"في\" في قولِه: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. ولو كان معنى ذلك على ما قاله من قال: إلا أن تَودُّوا قَرابتي. [أو على ما قاله من قال: إلا أن تَودَّدُوا وتَقرّبوا إلى اللهِ] (^٢). لم يَكُنْ لدخولِ \"في\" في الكلامِ في هذا الموضعِ وجهٌ معروفٌ، ولَكان التنزيلُ: \"إلا مودة القربَى\". إن عُنِى به الأمرُ بمودةِ قَرابةِ رسولَ اللهِ، أو: \"إلا المودة بالقربى\"، أو: \"و(^٣) القربَي\". إن عُنى به التودُّدُ بالتقرُّبِ (^٤) [إلى اللهِ جلَّ وعزَّ بصالحِ الأعمالِ، أو عُنى به: إلا التودُّد والتقرُّبِ] (^٥).\nوفي دخولِ (في) في الكلامِ أوضحَ الدليلِ على أن معناه: إلا مودَّتي في قَرابتي منكم. وأن الألفَ واللامَ في ﴿الْمَوَدَّةَ﴾ أُدْخِلَتَا بدلًا من الإضافةِ، كما قيل: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]. ﴿إِلَّا﴾: إلَّا في هذا الموضع واستثناءٌ منقطعٌ. ومعنى الكلامِ: قل لا أسْأَلُكم عليه أجرًا، لكني أَسْأَلُكم المودةَ في القربى. فالمودةُ منصوبةٌ على المعنى الذي ذكَرْتُ. وقد كان بعضُ نحويِّي البصرة يقولُ: هي منصوبةٌ بمضمرٍ من الفعلِ، بمعنى: إلا أن أَذْكُرَ مودةً قَرابتِي.\nوقولُه: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾. يقولُ جلَّ وعزَّ: ومَن يعملْ حسنةً - وذلك أن يَعمَلَ عملا يُطِيعُ الله فيه - من المؤمنين ﴿نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾. يقولُ جلَّ وعزَّ: نُضاعِفْ عمله ذلك الحسنَ، فَنَجْعَلْ له مكان الواحد عشرًا إلى ما شئْنا من الجزاءِ والثوابِ.\n_________\n(^١) في ص، ص، م: \"التأويل\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أو تقربوا إلى الله\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذا\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٢: \"والتقرُّب\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":502},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8253>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، في قولِ اللهِ: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾. قال: يَعْمَلْ حَسَنةً.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾. قال: مَن يَعْمَلْ خيرًا نَزِدْ له. الاقترافُ العملُ.\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾. يقولُ: إن الله غفورٌ لذنوبِ عبادِه، شكورٌ لحسناتِهم وطاعتهم إياه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾: للذنوبِ، ﴿شَكُورٌ﴾: للحسناتِ يُضاعِفُها (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾. قال: غفر لهم الذنوبَ، وشكر لهم نعمًا هو أعْطاهم إياها وجَعَلها فيهم.\n\n<span id=\"aya-4296\"></span><span data-type='title' id=toc-8254>القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ وعزَّ: أم يقولُ هؤلاء المشركون بالله: افْتَرى محمدٌ على الله كذبًا، فجاء بهذا الذي يَتْلُوه علينا اخْتِلاقًا من قِبَلِ نفْسِه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":503},{"text":"وقولُه: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ [يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾. يقولُ جل ثناؤه لنبيِّه محمدٍ، ﵇ فإن يشأ اللهُ] (^١) يا محمدُ يَطْبَعْ على قلبك، فتنسى هذا القرآن الذي أُنزِل (^٢) إليك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8255>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾، فيُنْسِيَك القرآنَ (^٣).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾. قال: إن شاء (^٤) أنساك ما قد آتاك (^٥).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾. قال: يَطبَعْ.\nوقولُه: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ﴾. يقولُ: ويذهَبُ اللهُ بالباطل فيَمْحَقُه، ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾، التي أنزلها إليك يا محمدُ فيُثْبتُه.\nوقولُه: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ﴾. في موضعِ رفعٍ بالابتداءِ، ولكنه حُذِفَت منه الواوُ في المصحفِ، كما حُذِفَت من قولَه: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، ومن قولَه: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١]. وليس يُجزم (^٦) على العطفِ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في الأصل: \"أنزلت\".\n(^٣) ينظر تفسير البغوي ٧/ ١٩٢.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يشأ\".\n(^٥) أخرج جه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩١ عن معمر به\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بجزم\".","vol":"20","page":504},{"text":"على ﴿يَخْتِمْ﴾.\n\n<span id=\"aya-4297\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله ذو علمٍ بما في صدورِ خَلْقِه، وما تَنْطَوِى عليه ضمائرهم، لا يَخْفَى عليه من أمورهم شيءٌ. يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: لو حدَّثْتَ نفسك أن تَفْتَرىَ عليَّ كذبًا، لطَبَعْتُ على قلبك، وأذْهَبْتُ الذي آتيتُك من وحيِى؛ لأنى أَمْحُو الباطل فأُذْهِبُه، وأُحِقُّ الحقَّ. وإنما هذا إخبارٌ مِن اللهِ الكافرين به، الزاعمين أن محمدًا افْتَرَى هذا القرآنَ مِن قِبل نفسه، فأَخْبَرهم أنه لو فعَل ذلك (^١) لفَعَل به ما أَخْبَر في هذه الآيةِ. القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (^٢) (٢٥)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: والله الذي يَقْبَلُ مُراجعةَ العبدِ إذا راجَع (^٣) توحيدَ اللهِ وطاعتَه من بعدِ كفرِه، ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾. يقولُ: ويَعْفُو له أن يُعاقبه على سيئاتِه مِن الأعمال؛ وهى معاصيه التي قد تاب منها.\n(ويعلَمُ ما يَفْعَلُونَ). اختَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرة: (يَفْعَلون) بالياء، بمعنى: ويَعْلَمُ ما يَفْعَلُ عباده. وقَرَأَته عامة قرأةِ الكوفةِ: ﴿تَفْعَلُونَ﴾ بالتاءِ، على وجهِ الخطابِ (^٤).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان في قرأةِ الأمصار،\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) هنا وفيما سيأتي في الأصل، ص، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"يفعلون\". وهى القراءة التي اختارها المصنف، وسنثبتها بالياء فيما يأتى بعد إن شاء الله.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"رجع\".\n(^٤) قرأ حمزة والكسائى وخلف وحفص عن عاصم بالتاء، والباقون بالياء. النشر ٢/ ٢٧٥.","vol":"20","page":505},{"text":"مُتَقارِبنا المعنى، فبأيِتهما قرَأ القارئُ فَمُصيبٌ، غير أن الياءَ أعجبُ إليَّ؛ لأن الكلامَ من قَبْلِ ذلك جرَى على الخبرِ، وذلك قولُه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾. ويعنى جلَّ ثناؤُه بقولَه: (ويعْلَمُ ما يَفْعَلُونَ): ويَعْلَمُ ربُّكم أيُّها الناسُ مَا تَفْعَلون من خيرٍ وشرٍّ، لا يَخْفَى عليه من ذلك شيءٌ، وهو مُجازيكم على كلِّ ذلك جزاءه، فاتَّقوا الله في أنفسِكم، واحْذَروا أن تَرْكَبوا ما تَسْتَحِقُّون به منه العقوبةَ.\nحدَّثنا تميمُ بن المنتصرِ، قال: أخبَرنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، عن شَريكٍ، عن إبراهيمَ بن مُهاجِرٍ، عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ، عن همامِ بن الحارثُ قال: أتَينا عبدَ اللهِ هذه الآيةِ: (وهو الذي يقبلُ التوبةَ عن عباده ويعفو عن السيئاتِ، ويعْلَمُ ما يفعلونَ). قال: فوجَدْنا عندَه أُناسًا أو رجالًا يَسْأَلونه عن رجلٍ أصاب من امرأةٍ حَرامًا ثم تزَوَّجَها، فتلا هذه الآيةَ: (وهو الذي يقبلُ التوبةَ عن عبادِه ويعفو عن السيئاتِ ويعْلَمُ ما يَفْعَلونَ (^١).\n\n<span id=\"aya-4298\"></span><span data-type='title' id=toc-8256>القولُ في تأويلِ قولَه: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويُجِيبُ اللهُ (^٢) الذين آمنوا باللهِ ورسولهِ، وعمِلوا بما أمرَهم اللهُ به وانْتَهَوْا عما نهاهم عنه، لبعضهم دعاءَ بعضٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ١٩٢ - من طريق شريك به، وأخرجه البيهقى ٧/ ١٥٦ من طريق إبراهيم بن مهاجر بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق (١٢٧٨٩ - ١٢٨٠٠)، وسعيد بن منصور في سننه (٩٠٢، ٩٠٣)، وابن أبي شيبة (٤/ ٢٤٩، والطبراني (٩٦٧٠) من طرق عن عبد الله بن مسعود بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن سعد.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":506},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8257>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عَثَّامٌ، قال: ثنا الأعمشُ، عن شَقِيقٍ بن سَلَمَةَ، عن سَلَمةَ بن سَبْرةَ، قال: خطَبَنا معاذٌ فقال: أنتم المؤمنون، وأنتم أهلُ الجنةِ، واللهِ إنى لأَرْجُو أن مَن تُصِيبون مِن فارسَ والرومِ يَدْخُلون الجنةَ؛ ذلك بأن أحدَهم إذا عمِل لأحدِكم العملَ قال: أحسنتَ رحِمك اللهُ، أَحْسَنتَ غَفَر الله لك. ثم قرَأ: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^١).\nوقولُه: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويزيدُ الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ - مع إجابتِه إياهم دعاءَهم، وإعطائِه إياهم مسألتَهم - من فضلِه، على مسألِتهم إياه؛ بأن يُعْطِيَهم ما لم يَسْأَلُوه.\nوقيل: إن ذلك الفضلَ الذي ضمِن جلَّ ثناؤُه أَن يَزِيدَهموه، هو أن يُشَفِّعَهم في إخوانِ إخوانهم إذا هم شُفِّعوا في إخوانهم، فشَفَعوا فيهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-8258>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أَبي سَلَمَةَ، عن سعيدِ بَشيرٍ، عن قتادةَ، عن [أبى إبراهيمَ اللخميِّ] (^٢)، في قولِ اللهِ: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال: يُشَفَّعون في إخوانِهم، ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال: يُشَفَّعون في إخوانِ إخوانهم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ١٩٣، والحاكم ٢/ ٤٤٤ من طريق الأعمش به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في م: \"إبراهيم النخعي\"، وفى ت ٢ ت ٣: \"ابن أبي إبراهيم\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨ إلى المصنف.","vol":"20","page":507},{"text":"وقولُه: ﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: والكافرون باللهِ لهم يومَ القيامةِ عذابٌ شديدٌ على كفرِهم به.\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في معنى قولِه: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. فقال [بعضُ نحويِّى البصرةِ: ويَستجيبُ الذين آمنوا] (^١): أي: استجابوا (^٢). فجعَلَهم هم الفاعلين، فـ ﴿الَّذِينَ﴾ في قولِه رفعٌ، والفعلُ لهم. وتأويلُ الكلامِ على هذا المذهبِ: واسْتَجاب الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ لربِّهم إلى الإيمانِ به، والعملِ بطاعتهِ إذ دعاهم إلى ذلك.\nوقال آخرُ منهم: بل معنى ذلك: ويُجيبُ الذين آمنوا. وهذا القولُ يَحْتَمِلُ وجهين؛ أحدُهما النَّصبُ (^٣)، بمعنى: ويُجِيبُ الله الذين آمنوا. والآخرُ ما قاله صاحبُ القولِ الذي ذكَرناه.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (^٤): ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يكونُ ﴿الَّذِينَ﴾ في موضعِ نصبٍ بمعنى: ويُجِيبُ الله الذين آمنوا. وقد جاء في التنزيلِ: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، والمعنى، [واللهُ أعلمُ: فأجابهم] (^٥). ربُّهم، إلا أنك إذا قلتَ: استجاب. أدْخَلْتَ اللامَ في المفعولِ، وإذا قلتَ: أجاب. حذَفْتَ اللامَ، ويكونُ \"اسْتَجابهم\" بمعنى: اسْتَجاب لهم. كما قال: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]. والمعنى، والله أعلم: وإذا كالوا لهم أو وزَنوا لهم يُخْسِرُون. قال: ويكون ﴿الَّذِينَ﴾ في موضعِ رفعٍ إن يُجْعَلِ الفعلُ لهم، أي:\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بعضهم\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"استجاب\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الرفع\".\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٤.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فأجاب لهم\"","vol":"20","page":508},{"text":"الذين آمنوا يَسْتَجِيبون لله، ويزيدُهم على إجابِتهم والتصديقِ من فضلِه. وقد بيَّنا أن الصوابَ في ذلك مِن القولِ على ما تأوَّله معاذٌ ومَن ذكَرْنا قولَه فيه.\n\n<span id=\"aya-4299\"></span><span data-type='title' id=toc-8260>القولُ في تأويلِ قولَه: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾.</span>\nذُكِر أن هذه الآيةِ نزَلَت مِن أجلِ قومٍ مِن أهلِ الفاقَةِ من المسلمين تمَنَّوا سَعَةَ الدنيا والغنى، فقال جلَّ ثناؤُه: ولو بسَط اللهُ الرزقَ لهم (^١) فوسَّعه وكثَّره عندَهم لبَغَوْا، فتَجاوزَوا الحدَّ الذي حدَّه الله لهم إلى غيرِ الذي حدَّه لهم في بلادِه، بركوِبهم في الأرضِ ما حظره عليهم، ولكنه يُنَزِّلُ رزقهم بقَدَرٍ لكفايتهم الذي يشاء منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8259>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال أبو هانئ: سمِعْتُ عمرَو بنَ حُرَيْثٍ وغيره يقولون: إنما أُنزِلت هذه الآيةُ في أصحابِ الصَّفّةِ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾. ذلك بأنهم قالوا: لو أن لنا! فتمَنَّوُا الدنيا (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سنان القَزَّازُ، قال: ثنا أبو عبدِ الرحمنِ المُقْرِئُ، قال: ثنا حَيْوَةُ، قال: أخبَرني أبو هانئ، أنه سمِع عمرَو بن حُرَيْثٍ يقولُ: إنما نزَلَت هذه الآيةِ. ثم ذكر مثله (^٣).\n_________\n(^١) في م، ت ٣: \"لعباده\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. والأثر أخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٣٣٨ من طريق ابن وهب به.\n(^٣) أخرجه البيهقى في الشعب (١٠٣٣٣٢) من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ به. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٥٥٤)، والواحدى في أسباب النزول ص ٢٨١، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٣٨ من طريق حيوة به. =","vol":"20","page":509},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ الآيةَ. قال: كان يقالُ: خيرُ الرزقِ ما لا يُطْغيك ولا يُلْهِيك. وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: \"أخوفُ ما أخافُ على أمتى زهرةُ الدنيا وكثرتُها\". فقال له قائلٌ: يا نبيَّ اللهِ، هل يأتى الخيرُ بالشرِّ؟ فقال النبيُّ ﷺ: \"هل يأتى الخيرُ بالشرِّ؟ \" فأنْزَل اللهُ عليه عندَ ذلك، وكان إذا نزل عليه كُرِب لذلك وترَبَّد وجهُه، حتى إذا سُرَّى عن نبيِّ اللهِ ﷺ قال: \"هل يأتى الخيرُ بالشرِّ؟ \". يقولُها ثلاثًا، وإن الخيرَ لا يأتى إلا بالخير\". يقولُها ثلاثًا، وكان ﷺ وَتِرَ الكلامِ - \"ولكنه والله ما كان رَبيعٌ قطُّ إلا أحْبَط أو أَلَمَّ (^١)؛ فأما عبدٌ أعْطاه اللهُ مالًا، فوضَعَه في سبيلِ اللهِ التي افْتَرَض وارْتَضَى، فذلك عبدٌ أريد به خيرٌ، وعُزِم له على الخيرِ؛ وأما عبدٌ أعْطاه اللهُ مالًا فوضعه في شَهَواتِه ولَذَّاتِه، وعدله (^٢) عن حقِّ اللهِ عليه، فذلك عبدٌ أُرِيد به شرٌّ، وعُزم له على شرٍّ\" (^٣).\nوقولُه: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله بما يُصْلِحُ عبادَه ويُفْسِدُهم؛ مِن غنًى وفقرٍ، وسَعَة وإقتارٍ، وغيرِ ذلك مِن مصالحِهم ومضارِّهم، ذو خبرةٍ وعلمٍ، بصيرٌ بتدبيرِهم وصرفِهم فيما فيه صلاحُهم.\n_________\n= وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني وابن مردويه.\n(^١) الربيع: الجدول، وهو النهر الصغير. وأحبط: من حبطت الدابة حَبَطًا، إذا أصابت مرعى طيبا فأمعنت في الأكل حتى تنتفخ فتموت. وألم: قارب الهلاك. فتح البارى ١١/ ٢٤٧ بتصرف.\n(^٢) في م: \"عدل\".\n(^٣) عزاه الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف ٣/ ٢٤٠، والسيوطى في الدر المنثور ٦/ ٨ إلى المصنف.\nوالحديث المرفوع أخرجه أحمد (١٧/ ٨٣، ٨٥، ٢٤٨، ٢٤٩، ١٨/ ٣٧١، ٣٧٢ (١١٠٣٥، ١١١٥٧، ١١٨٦٥، ١١٨٦٦)، والبخارى (١٤٦٥، ٢٨٤٢، ٦٤٢٧)، ومسلم (١٠٥٢) وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدرى بنحوه.","vol":"20","page":510},{"text":"<span id=\"aya-4300\"></span><span data-type='title' id=toc-8262>القولُ في تأويلِ قولَه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: والله الذي يُنَزَّلُ المطر من السماءِ فيُغِيثُكم به أيُّها الناسُ، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾. يقولُ: مِن بعدِ ما يَئِس الناسُ من نزولِه ومجيئِه، ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾. يقولُ: ويَنْشُرُ في خلقِه رحمتَه. ويعنى بالرحمةِ الغيثَ الذي يُنزِّلُه من السماءِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8261>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثَورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ أنه قيل لعمرَ بن الخطابِ ﵁: أجْدَبَت الأرضُ وقنَطَ الناسُ. قال: مُطِروا إذن (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾. قال: يئسوا (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قال: ذُكر لنا أن رجلًا أتَى عمرَ بنَ الخطابِ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، قحط المطرُ وقنط الناسُ. قال: مُطِرْتُم، ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾.\nوقولُه: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾. يقولُ: وهو الذي يَلِيكم أيها الناسُ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩١ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٩٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":511},{"text":"بإحسانِه وفضلِه، الحميدُ بأياديه عندَكم، ونعمِه عليكم في خلقِه.\n\n<span id=\"aya-4301\"></span><span data-type='title' id=toc-8263>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومِن حُجَجه عليكم أيُّها الناسُ بأنه القادرُ على إحيائِكم بعدَ فَنائِكم، وبعثِكم من قبورِكم من بعدِ بِلائِكم - خلقُه السماواتِ والأرضَ، ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. يعنى: وما فرَّق في السماواتِ والأرضِ من دابةٍ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. قال: الناسُ والملائكةُ (^١)\n﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾. يقولُ: وهو على جمْعِ ما بثَّ فيهما مِن دابة إذا يشاءُ جمعَه ذو قدرةٍ، لا يَتَعذَّرُ عليه، كما لم يَتَعذَّر عليه خلقُه وتفريقُه. يقولُ: فكذلك هو القادرُ على جمعِ خلقِه الحشرِ (^٢) يوم القيامةِ بعد تفرُّقِ أوصالِهم في القبورِ.\n\n<span id=\"aya-4302\"></span><span data-type='title' id=toc-8264>القول في تأويلِ قولَه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٣١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما يُصِيبُكم أيُّها الناسُ من مصيبةٍ في الدنيا في أنفسِكم أو أهليكم أو أموالِكم، ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. يقولُ: فإنما يُصِيبُكم\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٩٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٩/ ٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، م، ت ٢: \"بحشر\"، وفى ت ١: \"يحشرهم\".","vol":"20","page":512},{"text":"ذلك عقوبةً من اللهِ لكم بما اجْتَرَمْتُم مِن الآثامِ فيما بينَكم وبينَ ربِّكم، ويَعْفُو لكم ربُّكم عن كثيرٍ من إجرامِكم، ولا يُعاقبكم بها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8265>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوب بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا أيوبُ، قال: قرأتُ في كتابِ أبي قلابة قال: نزَلَت: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، وأبو بكرٍ يَأْكُلُ، فأمْسَك فقال: يا رسولَ اللهِ، إنى لَراءٍ ما عمِلتُ مِن خيرٍ أو شرٍّ؟ فقال: \"أرأيتَ ما رأيْتَ مما تَكْرَهُ، فهو من مَثاقيلِ ذرِّ (^١) الشرِّ، وتُدَّخَرُ مثاقيلُ الخيرِ حتى تُعْطاه (^٢) يوم القيامةِ\" قال: قال أبو إدريسَ: فأَرَى مِصْداقها في كتابِ اللهِ. قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (^٣).\nقال أبو جعفر: وحدَّث بهذا الحديثِ الهيثمُ بنُ الربيعِ؛ فقال فيه: أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسِ، أن أبا بكرٍ كان جالسًا عند النبيِّ ﷺ. فذكَر الحديثَ، وهو غلطٌ، والصوابُ عن أبي إدريسَ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ الآيةِ، ذُكِر لنا أن نبيّ اللهِ ﷺ ما كان يقولُ: \"لا\n_________\n(^١) في ت ٢: \"ذل\"، في ت ٣: \"ذاك\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يعطاه\"\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٩٥ عن المصنف، وذكر بعضه الدارقطني في علله ١/ ٢٢٧.\n(^٤) أخرجه العقيلي ٤/ ٣٥٣، والطبراني في الأوسط (٨٤٠٧)، والبيهقى في الشعب (٩٨٠٨) من طريق الهيثم عن سماك بن عطية عن أيوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٠ إلى الحاكم وابن مردويه. وسيأتي في تفسير سورة الزلزلة.","vol":"20","page":513},{"text":"يُصِيبُ ابنَ آدَمَ خَدْشُ عُودٍ، ولا عَثْرةُ قدَمٍ، ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ، إلا بذنْبٍ، وما يَعْفُو عنه أكثرُ\" (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. قال: تُعَجَّلُ للمؤمنين عقوبتُهم بذنوبِهم [في الدنيا] (^٢)، ولا يُؤاخذون بها في الآخرةِ.\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك: وما عُوقِبْتُم به في الدنيا من عقوبةٍ، بحدٍّ حُدِدْتُموه على ذنبٍ اسْتَوْجَبْتُموه عليه، ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. يقولُ: فيما عمِلْتُم مِن معصية اللهِ، ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، فلا يُوجِبُ عليكم فيها حدًّا.\n\n<span data-type='title' id=toc-8266>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن عن الحسنِ ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. قال: هذا في الحدودِ. وقال قتادةُ: بلَغَنا أنه ما مِن رجلٍ تُصيبه عَثْرةُ قدم، ولا خَدْشُ عودٍ أو كذا أو كذا، إلا بذنبٍ، أو يَعْفُو، وما يَعْفُو أَكثرُ (^٣).\n\n<span id=\"aya-4303\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: وما أنتم أيُّها الناسُ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الشعب (٩٨١٥) من طريق آخر عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، م.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر","vol":"20","page":514},{"text":"بمُفيتي (^١) ربِّكم بأنفسكم إذا أراد عقوبتَكم على ذنوبِكم التي أذْنَبْتُموها، ومعصيتِكم إياه التي ركِبْتُموها؛ هربًا في الأرضِ، فمُعْجِزِيه حتى لا يَقْدِرَ عليكم، ولكنكم حيث كنتم في سلطانِه وقبضته، جاريةٌ فيكم مشيئتُه، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾: يليكم بالدفاعِ عنكم إذا أراد عقوبتَكم على معصيتِكم إياه، ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾. يقولُ: ولا لكم من دونه نصيرٌ يَنْصُرُكم إذا هو عاقَبَكم، فيَنْتَصِرَ لكم منه. يقولُ (^٢): فاحْذَروا أيُّها الناسُ معاصيَه، واتقوه أن تُخالفوه فيما أمَرَكم أو نهاكم، فإنه لا دافعَ لعقوبتِه عمن أحَلَّها به.\n\n<span id=\"aya-4304\"></span><span data-type='title' id=toc-8267>القول في تأويلِ قولَه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ (^٣) فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومِن حُجَج الله أيُّها الناسُ عليكم بأنه القادرُ على كلِّ ما يَشاءُ، وأنه لا يَتعَذَّرُ عليه فعلُ شيءٍ أراده - السفنُ الجاريةُ في البحرِ. والجَوارى جمعُ جاريةٍ، وهى السائرةُ في البحرِ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْجَوَارِ (^٤) فِي الْبَحْرِ﴾. قال: السفن (^٥).\n_________\n(^١) في ت ٢: \" بمعيبي\"، وفى ت ٣: \"بمعيين\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في الأصل: \"الرياح\"، وهى قراءة نافع وأبي جعفر، والمثبت قراءة الباقين. ينظر النشر ٢/ ٢٧٥، والإتحاف ص ٢٣٧.\n(^٤) في الأصل: \"الجوارى\"، وهى من ياءات الزوائد. وأثبت الياء فيها وصلا نافع وأبو عمرو وأبو جعفر، وفي الحالين ابن كثير ويعقوب، والباقون بالحذف في الحالين ينظر النشر ٢/ ١٣٧، والإتحاف ص ٢٣٧.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٥٩٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":515},{"text":"حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْر﴾. قال: الجوارى: السفنُ (^١).\nوقوله: ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾: يعنى: كالجبال. واحدُها عَلَمٌ، ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):\n[وإنَّ صخرًا لتأتمُّ الهُداةُ به] (^٣) … كأنه عَلَمٌ في رأسِه نارُ\nيعني: جبلٌ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8268>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾. قال: كالجبالِ (^٤).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: الأعلامُ: الجبالُ (^٥).\n\n<span id=\"aya-4305\"></span>وقولُه: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن يَشَأ اللهُ الذي جرَت (^٦) هذه السفنُ في البحرِ بقدرتِه (^٧) أن لا تَجْرِيَ فيه، أسْكَن الريحَ التي تَجْرِى بها فيه، فثبَتْنَ (^٨) في موضعٍ واحدٍ ووقَفْنَ على\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٩/ ١٦٤.\n(^٢) هي الخنساء. وينظر أنيس الجلساء في ملخص ديوان الخنساء ص ٤٢.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣. وفى مصدر التخريج: \"* أغر أبلج تأتم الهداة به *\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٩٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) ينظر التبيان ٩/ ١٦٤.\n(^٦) في ص، م: \"قد أجرى\".\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٨) في ت ٢ ت ٣: \"فيسكن\".","vol":"20","page":516},{"text":"ظهرِ الماءِ، لا تَجْرِى فتتقَدَّمَ ولا تَتَأَخَّرَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8269>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾: سفنُ هذا البحرِ تَجْرِى بالريحِ، فإذا أُمْسِكَت عنها الريحُ رَكَدَت، قال اللهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ﴾: لا تَجْرِى.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ﴾ (^٢). يقولُ: وقوفًا (^٣).\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. يقولُ: إن في جَرْي هذه الجَوارِي في البحر بقُدرةِ اللهِ، لَعظةً وعبرةً وحجةً بينةً على قُدرةِ اللهِ على ما يَشاءُ، لكلِّ ذى صبرٍ على طاعتِه، شكورٍ لنعمه وأيادِيه عندَه.\n\n<span id=\"aya-4306\"></span><span data-type='title' id=toc-8270>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥) فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠ إلى عبد بن حميد والمصنف.\n(^٢) بعده في ت: \"لا تجرى\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ركودا\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٢ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠ إلى ابن المنذر.","vol":"20","page":517},{"text":"خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: أو يُوبِقْ هذه الجوارىَ في البحرِ؛ بما كسَبَتْ رُكْبانُها مِن الذنوبِ، واجْتَرَموا من الآثامِ. وجزَم ﴿يُوبِقْهُنَّ﴾، عطفًا على ﴿يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾. ومعنى الكلامِ: إن يَشَأْ يُسْكِنِ الريحَ فيظْلَلنَ رَواكدَ على ظهرِه، ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾. ويعنى بقوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾. أو يُهْلِكُهن بالغرقِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8271>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾. يقولُ: يُهْلِكُهن (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾. أو يُهْلِكُهن (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾. قال: يُغْرقُهن (^٣) بما كسَبوا (^٤).\nوبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾. قالوا أيضًا.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٢ من طريق أبي صالحٍ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٩٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في ت ٣: \"يعوقهن\".\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ١٦٤.","vol":"20","page":518},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8272>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾. أي: بذنوبِ أهلِها.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾. قال: بذنوب أهلِها (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾. قال: يُوبِقْهن بما كسَب أصحابُهن.\nوقوله: ﴿وَيَعْفُ (^٢) عَنْ كَثِير﴾. يقولُ: ويَصْفَحُ تعالى ذكرُه عن كثيرٍ من ذنوبِكم، فلا يُعاقِبْ عليها.\n\n<span id=\"aya-4307\"></span>وقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويَعْلَمَ اللَّهُ الذين يُخاصِمون رسولَه محمدًا ﷺ مِن المشركين في آياتِه وعبرِه وأدلتِه على توحيدِه. واخْتَلَفت القرأةُ في قراءتِه، فقرأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ: (ويعْلَمُ الذين). رفعًا على الاستئنافِ، كما قال في سورةِ \"براءة\": ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: ١٥].\nوقرأَته عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرة: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ﴾. نصبًا، كما قيلَ في سورةِ \"آل عمران\": ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] على الصرفِ (^٣)، وكما قال\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) قال القرطبي في تفسيره ١٦/ ٣٣: \"قال القشيري: والقراءة الفاشية: ﴿وَيَعْفُ﴾ بالجزم، وفيها إشكال؛ لأن المعنى إن يشاء يسكن الريح فتبقى تلك السفن رواكد ويهلكها بذنوب أهلها. فلا يحسن عطف ﴿يعف﴾ على هذا؛ لأنه يصير المعنى: إن يشأ يعف. وليس المعنى ذلك، بل المعنى الإخبار عن العفو من غير شرط المشيئة، فهو إذا عطف على المجزوم من حيث اللفظ لا من حيث المعنى. وقد قرأ قوم (ويعفو) بالرفع وهي جيدة في المعنى. اهـ.\n(^٣) قرأ نافع وابن عامر: (ويعلمُ الذين) بالرفع على الاستئناف، وقرأ الباقون: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ﴾ بالنصب على الصرف. الكشف ٢/ ٢٥١، ٢٥٢.","vol":"20","page":519},{"text":"النابغةُ الذُّبيانيُّ (^١):\nفإِن يَهْلِكُ أبو (^٢) قابُوسَ يَهْلِكْ … رَبيعُ الناسِ والشهرُ الحرامُ\nونُمْسِكُ بعدَه بذِنابٍ عَنْسٍ (^٣) … أَجَبِّ الظَّهْرِ ليس له سَنامُ\n[ويُروَى: \"عيش\"] (^٤).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان مُتَقارِبنا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما لهم مِن مَحيدٍ عن (^٥) عقابِ اللهِ، إذا عاقَبَهم على ذنوبِهم وكفرِهم به، ولا لهم منه ملجأٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8273>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. قال: ما لهم مِن مَلْجأٍ (^٦).\n\n<span id=\"aya-4308\"></span>وقوله: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فما أُعْطِيتُم أَيُّها الناسُ مِن شيءٍ مِن رِياشِ الدنيا، من المالِ والبنينَ ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: فهو متاعٌ\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢٣١، ٢٣٢.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"أبا\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، والديوان: \"عيش\". وعَنْس: الناقة القوية شبهت بالصخرة، وهى العَنس؛ لصلابتها. التاج (ع ن س).\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في م: \"من\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠ إلى المصنف.","vol":"20","page":520},{"text":"لكم تتمَتعون به في الحياةِ الدنيا، وليس مِن دارِ الآخرةِ، ولا مما يَنْفَعُكم في مَعادِكم.\n﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذي عندَ اللهِ لأهلِ طاعتِه والإيمانِ به في الآخرةِ، خيرٌ مما أُوِتيتُموه في الدنيا من متاعِها وأَبْقَى؛ لأن ما أُوتِيتُموه في الدنيا فانٍ نافدٌ، وما عندَ اللهِ مِن النعيمِ في جِنانِه لأهلِ طاعتِه باقٍ غيرُ نافدٍ، ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: وما عندَ اللهِ للذين آمنوا به، وعليه يتوكلون في أمورِهم، وإليه يُفَوِّضون (^١) أسبابَهم، وبه يَثِقون - خيرٌ وأبقى مما أُوتِيتُموه مِن متاعِ الحياةِ الدنيا.\n\n<span id=\"aya-4309\"></span><span data-type='title' id=toc-8275>القولُ في تأويل قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما عندَ اللهِ للذين آمَنوا، وللذين (^٢) يجتَنبُونَ كبَائرَ الإثمِ. وكبائرُ (^٣) الإثمِ قد بيَّنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيها، وبيَّنا الصوابَ مِن القولِ عندَنا فيها في سورةِ \"النساء\" (^٤)، فأغْنَى ذلك عن إعادته ههنا. ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾. قيل: إنها الزنى.\n\n<span data-type='title' id=toc-8274>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، السديِّ:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقومون\"، وفى م: \"يقومون في\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذين\".\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فواحش\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٦/ ٦٤٠ - ٦٦٠.","vol":"20","page":521},{"text":"﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾. قال: الفَواحِشُ الزنى (^١).\nواختلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولَه: ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾. فقرَأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ: ﴿كَبَائِرَ﴾ (^٢) على الجِماعِ، وكذلك التي في \"النجمِ\" (^٣)، وقرأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (كبيرَ الإثمِ) على التوحيدِ فيهما جميعًا (^٤)، وكأن مَن قرَأ ذلك كذلك عنَى بكبيرِ الإثمِ الشركَ. و(^٥) كان الفراءُ يقولُ: كأني أَسْتَحِبُّ لمن قرَأ ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ أن يَخْفِضَ \"الفواحش\"؛ لتكونَ الكبائرُ مضافةً إلى مجموعٍ إذ كانت جمعًا. قال: وما سمِعتُ أحدًا من القرأةِ خفَض \"الفواحشَ\" (^٦).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَى أنهما قراءتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، على تقارُبِ معنييهما، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقولُه: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا ما غضِبوا على مَن اجْتَرَم إليهم جُرْمًا، هم يَغفِرون لمن اجتَرم إليهم ذنبَه، ويَصْفَحون عنه عقوبةَ ذنبِه.\n\n<span id=\"aya-4310\"></span>وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وللذين أجابوا لربِّهم حينَ دعاهم إلى توحيدِه، والإقرارِ بوحدانيتِه، والبراءةِ مِن\n_________\n(^١) ذكرُه البغوي في تفسيره ٧/ ١٩٧، والقرطبي في تفسيره ١٦/ ٣٥.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) يعني قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ [النجم: ٣٢].\n(^٤) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وأبو جعفر ويعقوب: ﴿كبائر﴾، وقراءة حمزة والكسائي وخلف: (كبير). ينظر النشر ٢/ ٢٧٥، والإتحاف ص ٢٣٧.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كما\".\n(^٦) ينظر معاني الفراء ٣/ ٢٥.","vol":"20","page":522},{"text":"عبادةِ كلِّ ما يُعْبَدُ مِن دونِه، وأقامُوا الصلاةَ المفروضةَ بحدودِها في أوقاتِها، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: وإذا حزَبهم أمرٌ تَشاوَرُوا بينَهم، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. يقولُ: ومِن الأموالِ التي رزَقْناهم يُنْفِقون في سبيلِ اللهِ، ويُؤَدُّون ما فرَض اللَّهُ عليهم فيها (^١) مِن الحقوقِ لأهلها؛ من زكاةٍ ونفقةٍ على من يَجِبُ عليه نفقتُه. وكان ابن زيدٍ يقولُ: عُنِى بقولِه: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ الآية: الأنصارُ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زِيدٍ، وقرأَ: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. قال: فبدَأ بهم ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾: الأنصارُ، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: وليس فيهم رسولُ اللهِ ﷺ، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾: ليس فيهم رسولُ اللهِ ﷺ أيضًا.\n\n<span id=\"aya-4311\"></span><span data-type='title' id=toc-8277>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: والذين إذا بغَى عليهم باغٍ واعْتَدَى * عليهم هم يَنْتَصِرون.\nاختَلَف أهلُ التأويلِ في الباغى الذي حِمد تعالى ذكرُه المنتصرَ منه بعدَ بغيِه عليه؛ فقال بعضُهم: هو المشرِكُ إذا بغَى على المسلمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8276>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ: ذكَر المهاجرين\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n* من هنا خرم في مخطوطة الأصل المرموز لها بـ (ق)، ينتهي في ص ٥٢٩.","vol":"20","page":523},{"text":"صنفين؛ صنفًا عفا، وصنْفًا انْتَصَر. وقرَأ: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. قال: فبدَأ بهم: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ إلى قولِه: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: وهم الأنصارُ. ثم ذكَر الصنفَ الثالثَ فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ من المشركين (^١).\nوقال آخرون: بل هو كلُّ باغٍ بغَى، فحمِد المنتصرَ منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8278>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾. قال: ينتَصِرون ممن بغَى عليهم مِن غيرِ أن يَعْتَدُوا (^٢).\nوهذا القولُ الثاني أولى في ذلك بالصوابِ؛ لأن الله ﷿ لم يَخْصُصْ مِن ذلك معنًى دون معنًى، بل حمِد كلَّ منتصِرٍ بحقٍّ مَمَن بغَى عليه.\nفإن قال قائلٌ: وما في الانتصارِ مِن المدحِ؟ قيل: إن في إقامةِ الظالمِ على سبيلِ الحقِّ وعقوبتِه بما هو له أهلٌ تقويمًا (^٣) له، وفى ذلك أعظمُ المدحِ.\n\n<span id=\"aya-4312\"></span>وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. وقد بيَّنَّا فيما مضَى معنى ذلك (^٤)، وأن معناه: وجزاءُ سيئةِ المسئِ عقوبتُه بما أوْجَبه اللهُ عليه، فهي وإن كانت عقوبةً مِن اللهِ أوْجَبها عليه فهى مَساءةٌ له. والسيِّئة إنما هي الفَعْلةُ مِن السُّوءِ، وذلك نظيرُ قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].\n_________\n(^١) ذكرُه البغوي في تفسيره ٧/ ١٩٧، والقرطبي في تفسيره ١٦/ ٣٦.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"يبغوا\"، والأثر ذكره النحاس في ناسخه ص ٦٥٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تقويم\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٣١٤.","vol":"20","page":524},{"text":"وقد قيل: إن معنى ذلك: أن يُجابَ القائلُ الكلمةَ القَزِعةَ (^١) بمثلِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-8279>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: قال لى أبو بشرٍ: سمِعتُ ابن أبي نَجيحٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. قال: يقولُ: أخْزاه الله. فيقولُ: أخْزاه اللهُ (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. قال: إذا شتَمَك بشَتِيمةٍ فاشْتُمْه مثلَها، مِن غيرِ أن تَعتَدِيَ (^٣).\nوكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك بما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ مِن المشركين، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا﴾ الآية: ليس أمَرَكم أن تَعْفُوا عنهم لأنه أحَبَّهم، ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾، ثم نسَخ هذا كلَّه، وأمَرَه بالجهادِ (^٤).\nفعلى قولِ ابن زيدٍ هذا تأويلُ الكلامِ: وجزاءُ سيئةٍ مِن المشركين إليكم سيئةٌ مثلُها منكم إليهم، وإن عفَوتُم وأَصْلَحْتُم في العفوِ، فأجرُكم في عفوِكم عنهم إلى\n_________\n(^١) في ت ٢: \"القديمة\" وأقزع له في المنطق: تعدى في القول. الوسيط (ق ز ع).\n(^٢) أخرجه النحاس في ناسخه ص ٦٥٩، ٦٦٠ من طريق إسماعيل ابن علية أبى بشر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١ إلى المصنف.\n(^٤) ينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٦٦٠، ونواسخ القرآن لابن الجوزي ص ٤٥٢.","vol":"20","page":525},{"text":"اللهِ، إنه لا يُحِبُّ الظالمين (^١). وهذا على قولِه كقولِ اللهِ ﷿: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٤]. وللذى قال مِن ذلك وجهٌ. غيرَ أن الصوابَ عندَنا أن تُحمَل (^٢) الآية على الظاهرِ ما لم يَنْقُلْه إلى الباطنِ ما يَجِبُ التسليمُ له، وأن لا يُحْكَمَ بحكمٍ (^٣) في آيةٍ بالنسخِ إلا بخبرٍ يَقْطَعُ العذرَ، أو حجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها، ولم تَثْبُتْ حجةٌ في قولِه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، يَجِبُ أنه مرادٌ به المشركون دونَ المسلمين، ولا بأنَّ هذه الآية منسوخةٌ، فنُسلِّمَ لها بأنَّ ذلك كذلك.\nوقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فمَن عفا عمن أساء إليه إساءتَه إليه، فغفرَها له ولم يُعاقِبْه بها، وهو على عقوبتِه عليها قادرٌ، ابتغاءَ وجهِ اللهِ، فأجرُ عفوِه ذلك على اللهِ، واللهُ تعالى مُثِيبُه عليه ثوابَه.\n﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: إن الله لا يُحِبُّ أهلَ الظلمِ الذين يَتَعدَّوْن على الناسِ، فيُسِيئون إليهم بغيرِ ما أذِن اللهُ لهم فيه.\n\n<span id=\"aya-4313\"></span><span data-type='title' id=toc-8280>القولُ في تأويلِ قولَه تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولَمَن انتصَرَ ممَّن ظلمَه مِن بعدِ ظلمِه إياه، ﴿فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾. يقولُ: فأولئك المُنْتَصِرون منهم، لا سبيلَ للمُنتَصَرِ منهم عليهم بعقوبةٍ ولا أذىً؛ لأنهم انْتَصَروا منهم بحقٍّ، ومَن أخذ حقَّه ممن وجَب ذلك له.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"الكافرين\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"نحكم\".\n(^٣) في م: \"لحكم\".","vol":"20","page":526},{"text":"عليه، [فلم يَتَعدَّ ولم يَظلِمْ] (^١)، فيكونَ عليه سبيلٌ.\nوقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِى به كلُّ مُنْتَصِرٍ ممن أساء إليه، مسلمًا كان المسيءُ أو كافرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-8281>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا معاذٌ، قال: ثنا ابن عونٍ، قال: كنتُ أَسألُ عن الانتصارِ، ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ الآيةَ، فحدَّثني عليُّ بنُ زِيدِ بن جدعانَ، عن أمِّ محمدٍ امرأةِ أبيه (^٢) - قال ابن عونٍ: زعَموا أنها كانت تدْخُلُ على أم المؤمنين - قالت: قالت أمُّ المؤمنين: دخَل علينا (^٣) رسولُ الله ﷺ وعندَنا زينبُ بنتُ جَحْشٍ، فجعَل يَصْنَعُ بيدِه شيئًا، ولم يَفْطَنْ لها، فقلتُ بيدِه حتى فطَّنْتُه فأَمْسَك، وأَقْبَلَت زينبُ تَقَحَّمُ (^٤) لعائشةَ، فنهاها فأبَتْ أَن تَنْتَهِيَ، فقال لعائشةَ: \"سُبِّيها\"، فسبَّتْها فغلَبَتها، وانْطَلَقَتْ زينب فأتَت عليًّا، فقالت: إن عائشةَ تَقَعُ بكم وتَفْعَلُ بكم. فجاءت فاطمةُ، فقال لها: \"إنها حِبَّةُ أبيك وربِّ الكعبةِ\". فانْصَرَفَت وقالت لعليٍّ: إنى قلتُ له كذا وكذا، فقال كذا وكذا. قال: وجاء عليٌّ إلى النبيِّ ﷺ فكلَّمه في ذلك (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ\n_________\n(^١) في م: \"ولم يتعد لم يظلم\".\n(^٢) في ت ١: \"ابنه\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢.\n(^٤) أي تتعرض لشتمها. ينظر النهاية ٤/ ١٩.\n(^٥) أخرجه أبو داود (٤٨٩٨) من طريق معاذ به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٩٩ عن المصنف، وقال: هكذا ورد هذا السياق، وعلى بن زيد بن جدعان يأتى في رواياته بالمنكرات غالبًا، وهذا فيه نكارة، والحديث الصحيح خلاف هذا السياق. ثم أورد حديثًا من طريق خالد بن سلمة الفأفاء، أخرجه أحمد ٦/ ٩٣ (ميمنية)، والبخاري في الأدب المفرد (٥٥٨)، وابن ماجه (١٩٨١)، والنسائي في الكبرى (٨٩١٤، ٨٩١٥، ١١٤٧٦).","vol":"20","page":527},{"text":"بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾. الآيةَ، قال: هذا في الخَمْشِ (^١) يكونُ بينَ الناسِ (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾. قال: هذا فيما يكونُ بينَ الناسِ مِن القِصاصِ، فأما لو ظلَمَك رجلٌ لم يَحِلُّ لك أن تَظْلِمه (^٢).\nوقال آخرون (*): بل عُنِى به الانتصارُ مِن أهلِ الشركِ، وقال: هو منسوخٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8282>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾. قال: لَمَنِ انْتَصَر بعد ظلمِه؛ من المؤمنين انتَصَر مِن المشركين. قال: وهذا قد نُسِخ، وليس هذا في أهلِ الإسلامِ، ولكن في أهل الإسلامِ الذي قال اللهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤].\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إنه معنيٌّ به كلُّ منتِصرٍ مِن ظالمِه.\nوإن الآيةَ مُحْكَمةٌ غيرُ مَنْسوخةٍ؛ للعلةِ التي بيَّنْتُ في الآيةِ قبلَها.\n\n<span id=\"aya-4314\"></span>وقوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنما الطريقُ لكم أيُّها الناسُ على الذين يَتَعَدَّون على الناسِ ظلمًا وعُدْوانًا، بأن\n_________\n(^١) الخمش: الجراحات والجنايات. ينظر النهاية ٢/ ٨٠.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٣ عن معمر به، والبيهقى في الشعب (٨٠٩٨) من طريق آخر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١ إلى عبد بن حميد.\n(*) إلى هنا ينتهى السقط من مخطوطة الأصل والمشار إليه في ص ٥٢٣.","vol":"20","page":528},{"text":"تُعاقبوهم (^١) بظلمِهم، لا على مَن انتَصَر ممن ظلَمَه وأخَذ منه حقَّه.\nوقوله: ﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. يقولُ: ويتَجاوَزون في أرضِ اللهِ الحدَّ الذي أباح لهم ربُّهم إلى ما لم يَأْذَنْ لهم فيه، فيُفْسِدون فيها بغير الحقِّ، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: فهؤلاء الذين يَظْلِمون الناسَ ويَبْغُون في الأرض بغير الحقِّ، لهم عذابٌ مِن اللهِ يومَ القيامةِ في جهنمَ مُؤْلِمٌ مُوجعٌ.\n\n<span id=\"aya-4315\"></span><span data-type='title' id=toc-8283>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولمن صبَر على إساءةِ مَن أساء إليه، وغفَر للمسيءِ إليه جُرْمَه إليه، فلم يَنْتَصِر منه، وهو على الانتصارِ منه قادرٌ، ابتغاءَ وجهِ اللهِ وجزيلِ ثوابِه، ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. يقولُ: إن صبرَه ذلك وغفرانَه ذنبَ المسيءِ إليه ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. [يقولُ: لَمن الأمورِ] (^٢) التي ندَب إليها عبادَه، وعزَم عليهم العملَ بها (^٣).\n\n<span id=\"aya-4316\"></span>﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾. يقولُ جل ثناؤه: ومَن خذَله اللهُ عن الرَّشادِ، فليس له مِن وليٍّ يَلِيه، فيَهْدِيَه لسبيلِ الصوابِ، ويُسَدِّدَه لها (^٤) من بعدِ إضلالِ اللهِ إياه، ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وتَرَى الكافرين بالله يا محمدُ يومَ القيامة لمّا عايَنوا عذابَ اللهِ يقولون لربِّهم: هَلْ لنا يا ربُّ إلى مرَدٍّ [إلى الدنيا] (٢) مِنْ سبيلٍ؟ وذلك كقولِه:\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يعاقبوهم\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"به\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":529},{"text":"﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]. اسْتَعتَب المساكينُ في غيرِ حينِ الاستعتابِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8284>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾. يقولُ: إلى الدنيا (^١).\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ \"إنَّ\" في قولِه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، مع دخولِ اللامِ في قولِه: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾. فكان بعضُ (^٢) نحويِّ أهلِ البصرةِ يقولُ في ذلك: أما اللامُ التي في: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ فلامُ الابتداءِ، وأمّا ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾، فمعناه واللهُ أعلمُ: إنَّ ذلك منه مِن عزمِ الأمورِ. وقال: قد تقول: مرَرْتُ بالدارِ الذراعُ بدرهمٍ. أي: الذراعُ منها بدرهمٍ، ومرَرْتُ ببُرٍّ قَفيزٌ بدرهمٍ. أي: قفيزٌ منه بدرهمٍ. قال: وأما ابتداءُ \"إِنَّ\" في هذا الموضعِ فمثلُ: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]، يجوزُ ابتداءُ الكلامِ، وهذا إذا طال الكلامُ في هذا الموضعِ.\nوكان بعضُهم يَسْتَخْطِئُ هذا القولَ، ويقولُ: إِنَّ العربَ إذا أَدْخَلَت اللامَ في أوائلِ الجزاءِ أجابَته بجواباتِ الأيمانِ؛ بـ \"ما\"، و\"لا\"، و\"إنَّ\"، و\"اللامِ\"، قال: وهذا مِن ذاك، كما قال: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":530},{"text":"يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر: ١٢]. فجاء بـ \"لا\"، وبـ \"اللام\" جوابًا للامِ الأولى. قال: ولو قال: لئن قُمْتَ إني لَقائمٌ. لجاز، ولا حاجةَ به إلى العائدِ؛ لأن الجوابَ في اليمينِ قد يكونُ فيه العائدُ وقد لا يكونُ، ألا ترَى أنك تقولُ: لكن قمتَ لأقُومَنَّ، ولا أقومُ، و: إني لَقائمٌ. فلا تَأْتى بعائدٍ. قال: وأما قولُهم: مررْتُ بدار الذراعُ بدرهمٍ، و: ببُرٍّ قَفِيرٌ بدرهمٍ، فلابد مِن أن يَتَّصِلَ بالأولِ (^١) بالعائدِ، وإنما يُحْذَفُ (^٢) العائدُ فيه؛ لأن الثانيَ تبعيضٌ للأولِ؛ مرَرْتُ ببُرٍّ بعضٌ (^٣) بدرهمٍ و: بعضُه، بدرهمٍ، فلما كان المعنيُّ التبعيضَ حذَف العائدَ. قال: وأما ابتداءُ \"إنّ\" في كلِّ موضعٍ إذا طال الكلامُ، فلا يَجوزُ أَن يُبْتَدأَ [إلا لمعنى] (^٤): ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾، فإنه جوابٌ للجزاءِ، كأنه قال: ما فرَرْتُم منه من الموتِ فهو مُلاقِيكم.\nوهذا القولُ الثاني عندى أولى بالصوابِ في ذلك، للعلل التي قد ذكَرْناها.\n\n<span id=\"aya-4317\"></span><span data-type='title' id=toc-8285>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وتَرَى يا محمد الظالمين يُعْرَضون على النارِ، ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾. يقولُ: حَاضِعِين مُتَذَلِّلين.\nكما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الخشوعُ:\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"الأول\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يخاف\".\n(^٣) في م: \"بعضه\".\n(^٤) في ص، م، ت ١: \"إن بمعنى\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"إلا بمعنى\".","vol":"20","page":531},{"text":"الخوفُ والخشيةُ اللهِ. وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ إلى قولَه: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾. قال: قد أذَلَّهم الخوفُ الذي نزَل بهم، وخشَعوا له (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿خَاشِعِينَ﴾. قال: خاضِعِين من الذلِّ.\nوقوله: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. يقولُ: يَنْظُرُ هؤلاء الظالمون إلى النارِ حينَ يُعْرَضون عليها من طَرْفِ خَفِيٍّ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ الله؛ فقال بعضُهم: معناه: من طرْفٍ ذَليلٍ. وكأن معنى الكلام: مِن طَرْفٍ قد خَفِى مِن ذُلِّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8286>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ إلى قولِه: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. يعني بالخَفيِّ: الذليلَ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، الحارثُ، وحدَّثني قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. قال: ذليلٍ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم كانوا يُسارِقون النَّظَرَ.\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ٦٢٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢ إلى المصنف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٩١، ومن طريقه الفريابي كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":532},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8287>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. قال: يُسارِقون النَّظرَ (^١).\n[حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. قال: يُسارِقون النظرَ] (^٢).\nواختَلَف أهلُ العربيةِ في ذلك، فقال بعضُ نحويى أهلِ البصرةِ في ذلك: جعَل الطرْفَ العينَ، كأنه قال: ونظرُهم مِن عينٍ ضعيفةٍ. واللهُ أعلمُ. قال: وقال يونُسُ (^٣): إِنَّ ﴿مِنْ طَرْفٍ﴾ مثلُ \"بطرْفٍ\"، كما تقولُ العربُ: ضرَبْتُه في السيفِ، و: ضرَبْتُه بالسيفِ.\nوقال آخرُ منهم: إنما قيل: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. لأنه لا يَفْتَحُ عينَه، إِنما يَنْظُرُ ببعضِها.\nوقال آخرون منهم: إنما قيل: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. لأنهم ينْظُرون إلى النارِ بقلوبهم؛ لأنهم يُحْشَرون عُمْيًا.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك القولُ الذي ذكَرْناه عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ، وهو أن معناه: أنهم يَنْظُرون إلى النارِ مِن طرْفٍ ذليلٍ، وصَفه اللهُ جلَّ ثناؤُه بالخَفاءِ؛ للذلةِ التي قد ركِبَتهم، حتى كادت أعينُهم أَن تَغور فتَذْهَبَ.\nوقولُه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: ت ٢، ت ٣. والأثر ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٤٥.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"أبو نصير\".","vol":"20","page":533},{"text":"يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الذين آمَنوا باللهِ ورسولِه: إن المَغْبُونين الذين عُبِنوا أنفسَهم وأهليهم يومَ القيامةِ (^١) الجنةَ.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: غُبِنوا أنفسَهم وأهليهم في الجنةِ.\nوقولُه: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألا إن الكافرين يومَ القيامِة في عذابٍ لهم من اللهِ مُقيمٍ عليهم ثابتٍ، لا يَزولُ عنهم، ولا يَبِيدُ، ولا يَخِفُّ.\n\n<span id=\"aya-4318\"></span><span data-type='title' id=toc-8288>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولم يَكُنْ لهؤلاء الكافرين حينَ يُعَذَّبُهم الله يومَ القيامةِ أولياءُ يَمْنَعونهم من عذابِ اللهِ، ولا يَنْتَصِرون لهم من ربِّهم على ما نالهم به مِن العذابِ، مِن دونِ اللهِ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾. يقولُ: ومَن يَخْذُلْه اللهُ عن (^٢) طريقِ الحقِّ فما له من طريقٍ إلى الوصولِ إليه؛ لأن الهدايةَ والإضلالَ بيدِه دونَ كلِّ أحدٍ سواه.\n\n<span id=\"aya-4319\"></span>وقولُه: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للكافرين به: أَجِيبوا أيُّها الناسُ داعىَ اللهِ وآمِنوا به، واتَّبِعوه على ما جاءكم به مِن عندِ رَبِّكُم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: لا شيءَ يَرُدُّ مجيئَه إذا جاء اللهُ به، وذلك\n_________\n(^١) بعده في م: \"في\".\n(^٢) في الأصل: \"من\".","vol":"20","page":534},{"text":"يومَ القيامةِ، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ما لكم أيُّها الناسُ مِن مَعقِلٍ تَحْتَرزون فيه وتَلْجَئون إليه، فتَعْتَصِمون به مِن النازلِ بكم مِن عذابِ اللهِ، على كفرِكم به [في الدنيا] (^١)، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾. يقولُ: ولا أنتم تَقْدِرون لِمَا يَحِلُّ بكم مِن عقابِه يومَئذٍ على تغييرٍ، ولا على انتصارٍ منه، إذا عاقَبَكم بما عاقَبَكم به.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8289>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾. قال: مَحْرَزٍ. وقولَه: ﴿مِنْ نَكِيرٍ﴾. قال: ناصرٍ يَنْصُرُكم (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإ يَوْمَئِذٍ﴾ تَلْجَئون إليه، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾. يقولُ: مِن [غَيْرٍ تُغَيِّرون] (^٣).\n\n<span id=\"aya-4320\"></span><span data-type='title' id=toc-8290>القول في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨)﴾</span>\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، وفي ص، م، ت ٢، ت ٣: \"كان في الدنيا\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٩١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عز تعتزون\".","vol":"20","page":535},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: فإن أعْرَض هؤلاء المشركون يا محمدُ، عما أتيْتَهم به مِن الحقَّ، ودعَوْتَهم إليه من الرُّشْدِ، فلم يَسْتَجِيبوا لك، وأَبَوْا قَبوله منك - فدَعْهم؛ فإنَّا لم (^١) نُرْسِلْك إليهم رقيبًا عليهم تحْفَظْ عليهم أعمالَهم وتُحْصِيها، ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾. يقولُ: ما عليك يا محمدُ إلا أن تُبَلِّغَهم ما أَرْسَلْناك به إليهم من الرسالةِ، فإذا بلَّغْتَهم ذلك فقد قضَيْتَ ما عليك، ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإنا إذا أَغْنَيْنا ابنَ آدَمَ وأَعْطَيْناه من عندنا سَعَةً - وذلك هو الرحمةُ التي ذكَرها جلَّ ثناؤُه - ﴿فَرِحَ بِهَا﴾. يقولُ: سُرَّ بما أعْطَيْناه من الغِنَى، ورزَقْناه من السَّعةِ وكثرةِ المالِ، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾. يقولُ: وإن أصابتهم فاقةٌ وفقرٌ وضيقٌ عيشٍ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. يقولُ: بما أسْلَفَ مِن معصيةِ اللهِ عقوبةً له على معصيتِه إياه - جحَد نِعَمَ اللهِ، ويَئِسَ من الخيرِ، ﴿فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن الإنسانَ جحودٌ نعمَ ربِّه، يُعَدِّدُ المصائبَ، ويَجْحَدُ النعَمَ. وإنما قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾. فأخرَج الهاءَ والميمَ مُخْرَجَ كنايةِ جمعِ الذكورِ، وقد ذكَر الإنسانَ قبلَ ذلك بلفظِ (^٢) الواحدِ؛ لأنه بمعنى الجمعِ.\n\n<span id=\"aya-4321\"></span><span data-type='title' id=toc-8291>القول في تأويلِ قولِه: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: للهِ سلطانُ السماواتِ السبعِ والأرضِ (^٣)، يَفعَلُ في سلطانِه ما يَشاءُ، ويَخْلُقُ ما يُحِبُّ خلقَه، يَهَبُ لمن يشاءُ مِن خلقِه من الولدِ الإناثَ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لن\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بمعنى\".\n(^٣) في م: \"الأرضين\".","vol":"20","page":536},{"text":"دونَ الذكورِ، بأن يَجْعَلَ كلَّ ما حَمَلتْ زوجتُه من حَمْلٍ منه أنثَى، ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾. يقولُ: ويَهَبُ لمن يَشاءُ منهم الذكورَ، بأن يَجْعَلَ كُلَّ حملٍ حَمَلتْه امرأتُه ذكرًا لا أنثَى فيهم. [﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾] (^١). يقولُ: أو يجعلُ له ذُكرانُا وإناثًا؛ بأن يجعلَ حَمْلَ زوجتِه مرةً ذكرًا ومرةَ أنثى، فذلك هو التزويجُ، ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾. يقولُ: ويجعلُ مَن يَشَاءُ منهم لا لقاحَ له ولا ولدَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8292>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عيسى، قال ثنا عوفٌ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عَبيدةَ في قولِه: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾. قال: يَهَب لمن يشاءُ ذكورًا كلَّها لا إناثَ فيهم، ويهبُ لَمن يشاء إناثًا لا ذكورَ فيهم، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾. قال: عقيمًا لا يولدُ له.\n\n<span id=\"aya-4322\"></span>حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾. يقولُ: لا يولدُ له إلا الجوارى، ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾. يقولُ: لا يولدُ له إلا الغلمانُ، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾: يولدُ له الجوارى والغلمانُ فذلك تزويجُهم (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه] (١):\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ١٧٢.","vol":"20","page":537},{"text":"[﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾. قال: يهبُ لمن يشاءُ إناثًا فلا يكونُ له إلا أنثى، وولدُه كلُّهم إناثٌ، ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ فلا يكونُ له إلا ذكورٌ، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾. يقولُ: يجمعُ لهم الذكرانَ والإناثَ، فيهبُ لمن يشاءُ ذُكرانًا وإناثًا، ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ لا يولدُ له (^١)] (^٢).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾. قال: يَخْلِطُ بينَهم. يقولُ: التزويجُ أَن تَلِدَ المرأةُ غلامًا ثم تَلِدَ جاريةً، ثم تَلِدَ غلامًا ثم تَلِدَ جاريةً (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُور﴾: قادرٌ واللهِ ربُّنا على ذلك؛ أَن يَهَبَ للرجلِ [ذكورًا ليست معهم أنثى، وأن يَهَب للرجل إناثًا ليس معهنَّ ذكورٌ ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ فيهَبُ] (^٤) للرجلِ ذُكْرانًا وإناثًا، فيَجْمَعُهم له جميعًا، ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ له.\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، في قولِ الله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾: ليس معهم إناثٌ، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾. قال: يَهَبُ لهم إناثًا وذكرانًا، ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٣ عن معمر به، وذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٤٨.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٩١.\n(^٤) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"ذكور ليست معهم أنثى وأن يهب\"، وفي ت ١: \"إناثًا ليس فيهم ذكرٌ، وذكرانًا ليس فيهم أنثى وأن تهب\".","vol":"20","page":538},{"text":"عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ له (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾. يقولُ: لا يُلْقِحُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:\n﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾: لا يلدُ واحدًا ولا اثنين.\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾. [يقولُ: ليس فيهنَّ ذكَرٌ] (^٣)، ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾: ليست فيهم أنثى، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾: تلدُ المرأةُ ذكرًا مرَّةً وأنثى مرَّةً، ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾: لا يُولَدُ له (^٤).\nوقال ابن زيدٍ في معنى قولِه: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾. ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾. قال: أو يجعَلُ في البطنِ الواحدِ ذكرًا وأنثى توءَمًا، هذا قولُه: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ (^٥).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله ذو علم بما يخلُقُ، وقُدرةٍ على خلقِ ما يشاءُ، لا يعزُبُ عنه علمُ شيءٍ مِن خلقِه، ولا يُعجِرُه خَلْقُ شيءٍ\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٩/ ١٧٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في التغليق ٤/ ٣٠٤ - من طريق أبي صالح به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٤٨ بشطره الأول فقط.\n(^٥) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ١٧٢.","vol":"20","page":539},{"text":"أراد خلْقَه.\n\n<span id=\"aya-4323\"></span><span data-type='title' id=toc-8294>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما ينبَغى لبشرٍ مِن وَلَدِ آدمَ أن يكلمه ربُّه إلا وحيًا يُوحِى إليه كيف شاء؛ إمّا (^١) إلهامًا، وإما غيرَه، ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. يقولُ: أو يكلِّمه بحيث يسمَعُ كلامَه ولا يراه، كما كلَّم موسى نبيَّه ﵇، ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾. يقولُ: أو يرسِلَ إليه مِن ملائكتِه رسولًا؛ إما جبريلَ، وإما غيرَه، ﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾. يقولُ: فيوحىَ ذلك الرسولُ (^٢) المُرْسَلُ إليه بإذنِ ربِّه الذي أرسلَه ﴿مَا يَشَاءُ﴾. يعنى: ما يشاءُ ربُّه أن يوحيَه إليه مِن أمرٍ ونهيٍ، وغيرِ ذلك من الرسالةِ والوحْيِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8293>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قَولِ اللهِ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾: يُوحِي إليه، ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: موسى كلَّمه اللهُ مِن وراءِ حجابٍ، ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾. قال: جبريلُ يأتى بالوحِي.\nواختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ﴾؛ فقرأَته عامةُ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أو\".\n(^٢) بعده في م: \"إلى\".","vol":"20","page":540},{"text":"قرأَةِ الأمصارِ: ﴿فَيُوحِيَ﴾ بنصبِ الياءِ، عطفًا على ﴿يُرْسِلَ﴾، ونصَبوا ﴿يُرْسِلَ﴾ (^١) عطفًا بها على موضعِ الوحيِ ومعناه، لأن معناه: وما كان لبشرٍ أن يكلِّمَه اللهُ إلا أن يوحِىَ إليه، أو يرسِلَ إليه رسولًا، فيوحِيَ بإذنِه ما يشاءُ.\nوقرَأ ذلك نافعٌ المدنيُّ: (فيُوحِي) بإرسالِ الياءِ، بمعنى الرفعِ، عطفًا به على (يُرْسِل)، وبرفعِ (يُرْسِلُ) على الابتداءِ (^٢).\nقولِه: ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنه - يعنى نفسَه جلّ وعزّ -: ذو علوٍّ على كلِّ شيءٍ وارتفاعٍ عليه واقتدارٍ، ﴿حَكِيمٌ﴾: يقولُ: ذو حكمةٍ في تدبيرِه خلْقَه.\n\n<span id=\"aya-4324\"></span><span data-type='title' id=toc-8295>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾. وكما كنا نوحِي إلى (^٣) سائرِ رسلِنا، كذلك أوحَينا إليك يا محمدُ هذا القرآنَ، ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾. يقولُ: وحيًا ورحمةً مِن أمرِنا.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الرُّوحِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى به الرحمةُ.\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ٦٤٤.\n(^٢) ينظر المصدر السابق.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".","vol":"20","page":541},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8296>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾. قال: رحمةً مِن أمرِنا (^١).\nوقال آخرون: معناه: وحيًا مِن أمرِنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-8297>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾. قال: وحيًا مِن أمرِنا (^٢).\nوقد بيَّنا معنى \"الرُّوحِ\" فيما مضى بذكرِ اختلافِ أهلِ التأويلِ فيها بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\nوقولُه: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ما كنتَ تدرى يا محمدُ أيَّ شيءٍ الكتابُ ولا الإيمانُ اللَّذَين أعطَيناكهما، ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾. يقولُ: ولكن جعَلنا هذا القرآنَ، وهو الكتاب ﴿نُورًا﴾. يعنى ضياءً للناس يستضيئون بضوئِه الذي بيَّن اللَّهُ فيه، وهو بيانُه الذي بيَّن فيه مما لهم، في (^٤) العمل به الرشادُ، ومِن النارِ النجاةُ، ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾. يقولُ: نهدى بهذا القرآنِ. والهاءُ في قولِه: ﴿بِهِ﴾ مِن ذكرِ الكتابِ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٣ عن معمر عن قتادة به، وينظر تفسير القرطبي ١٦/ ٥٤.\n(^٢) ذكرُه البغوي في تفسيره ٧/ ٢٠١، والقرطبي في تفسيره ١٦/ ٥٤.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٢/ ٢٢١ - ٢٢٤، ١٥/ ٧٠ وما بعدها.\n(^٤) في ت ١: \"من\".","vol":"20","page":542},{"text":"ويعنى بقولِه: ﴿نَهْدِي﴾: نُرشِدُ به ونسدِدُ إلى سبيلِ الصوابِ، وذلك الإيمانُ باللَّهِ، ﴿مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾. يقولُ: نهدِى به مَن نشاءُ هدايتَه إلى الطريقِ المستقيمِ مِن عبادِنا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8298>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾: يعني محمدًا ﷺ، ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾: يعنى القرآن (^١).\nوقال جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ﴾. فوحَّد الهاءَ، وقد ذكَر قبلُ الكتابَ والإيمانَ؛ لأنه قصَد به الخبرَ عن الكتابِ. وقد قال بعضُهم: عَنى به الإيمانَ والكتابَ، ولكنه وحَّد الهاءَ؛ لأن أسماءَ الأفعالِ يجمعُ جميعَها الفعلُ، كما يقالُ: إقبالُك وإدبارُك يعجبُنى. فيوحَّدُ وهما اثنان.\nوقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وإنك يا محمدُ لتهدِى إلى طريقٍ مستقيمٍ عبادَنا، بالدعاءِ إلى اللَّهِ، والبيان لهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: قال اللهُ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]: داعٍ يدعوهم إلى اللَّهِ تعالى ذِكرُه (^٢).\n_________\n(^١) ينظر تفسير البغوي ٧/ ٢٠١، وتفسير القرطبي ١٦/ ٦٠.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"20","page":543},{"text":"حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قال: لكلِّ قومٍ هادٍ (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: تدعو إلى دينٍ مستقيمٍ.\n\n<span id=\"aya-4325\"></span>﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: وإنك لتهدى إلى صراطٍ مستقيمٍ، وهو الإسلامُ؛ طريقُ اللَّهِ الذي دعا إليه عبادَه، الذي له مُلكُ جميع ما في السماواتِ وما في الأرضِ، لا شريكَ له في مُلْكِ ذلك، والصراطُ الثاني ترجمةٌ عن الصراطِ الأوّل.\nوقوله: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُور﴾. يقولُ ﷻ: أَلَا إِلى اللَّهِ أَيُّها الناسُ تصيرُ أمورُكم في الآخرةِ، فيقضِى بينَكم بالعدلِ.\nفإن قال قائلٌ: أو ليست أمورُهم في الدنيا إليه؟ قيل: هي وإن كان إليه تدبيرُ جميع ذلك، فإن لهم حُكَّامًا ووُلاةً ينظرون بينَهم، وليس لهم يومَ القيامةِ حاكمٌ ولا سلطانٌ غيرُه؛ فلذلك قيل: إليه تصيرُ الأمورُ هنالك، وإن كانت الأمورُ كلُّها له، وبيدِه قضاؤُها وتدبيرُها في كل حالٍ.\nآخر تفسير سورة \"حم * عسق * \"\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٣ عن معمر به.","vol":"20","page":544},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8299>تفسير سورة \"الزُّخْرُفِ\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4326\"></span><span data-type='title' id=toc-8300>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ </span>(٣)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: قد بيَّنا فيما مضى معنى قولِه: ﴿حم﴾. بما أغنى عن إعادته في هذا الموضعِ (^١).\n\n<span id=\"aya-4327\"></span>وقوله: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. قسمٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه أقسَم بهذا الكتابِ الذي أنزلَه على نبيِّه محمدٍ ﷺ، فقال: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ لمن تدبَّره وفكَّر في عبرِه وعظاتِه؛ هُداه ورُشْدِه وأدلَّتِه على حقيقتِه (^٢)، وأنه تنزيلٌ مِن حكيمٍ حميدٍ، لا اختلاقٌ من محمدٍ ﷺ، ولا افتراءٌ مِن أحدٍ.\n\n<span id=\"aya-4328\"></span>﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. يقولُ: إنا أنزلناه قرآنًا عربيًّا بلسانِ العربِ، إذ كنتم أيُّها المنذَرون به مِن رهطِ محمدٍ ﷺ عَرَبًا، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: لتعقِلوا (^٣) معانيَه وما فيه من مواعظَ، ولم يُنزِلْه بلسانِ العجمِ فيجعلَه أعجميًّا، فتقولوا (^٤): نحن عربٌ، وهذا كلامٌ أعجميٌّ لا نفقهُ معانيَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ٢٠٦، وفى ص ٢٧٤ - ٢٧٦ من هذا الجزء.\n(^٢) في م، ت ٣: \"حقيته\".\n(^٣) في ت ٣: \"لتفقهوا\".\n(^٤) في الأصل: \"فيقولون\".","vol":"20","page":545},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8301>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: [هو هذا الكتابُ المبينُ.\nحدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾] (^١): مُبينٌ والله بركته وهُداه ورشدَه.\n\n<span id=\"aya-4329\"></span><span data-type='title' id=toc-8303>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ </span>(٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإن هذا الكتاب في (^٢) أصل الكتاب الذي نُسخ منه هذا الكتابُ عندنا، ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: لذو علوٍّ ورفعةٍ، ﴿حَكِيمٌ﴾: قد أُحكمت آياتُه ثم فصِّلت، فهو ذو حكمةٍ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8302>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن هشام الدَّسْتُوائيِّ، عن القاسم بن أبى بَزَّةَ، قال: ثنا عروةُ بنُ عامرٍ، أنه سمع ابن عباسٍ يقولُ: إِنَّ أول ما خلق الله القلم، فأَمَره أن يكتب ما يريدُ أن يخلُقَ، قال: فالكتاب (^٣) عنده، قال: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"والكتاب\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"20","page":546},{"text":"حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمعتُ أبى، عن عطية بن سعد في قول الله ﵎: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾: يعنى: القرآن في أمِّ الكتاب الذي عند الله منه نُسِخَ.\nحدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعتُ مالكًا يروى عن عمران، عن عكرمة: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا﴾. قال: أمُّ الكتاب القرآنُ.\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا﴾. قال: أم الكتاب: أصل الكتاب وجُملتُه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾. أي: جملة الكتاب؛ أي: أصل الكتاب.\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾. يقولُ: في الكتاب الذي عند الله في الأصل.\nوقوله: ﴿لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. وقد ذكَرْنا معناه (^٢).\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8304>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿لَدَيْنَا﴾: [أي: عندنا] (^٣)، ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾: يخبرُ عن منزلته وفضلِه وشرفِه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٤ عن معمر به.\n(^٢) تنظر الصفحة السابقة.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٢٠٥، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٠٥.","vol":"20","page":547},{"text":"<span id=\"aya-4330\"></span><span data-type='title' id=toc-8306>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)﴾.</span>\nاختلف أهلُ التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: أفنُعرضُ (^١) عنكم ونتركُكم أيُّها المشركون فيما تحسبون، فلا نُذكِّرُكم بعقابنا من أجل أنكم قومٌ مشركون.\n\n<span data-type='title' id=toc-8305>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله ﷿: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾. قال: تكذِّبون بالقرآنِ، ثم (^٢) لا تعاقبون عليه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيد الله بنُ موسى، قال: أخبرنا سفيانُ، إسماعيل، عن أبي صالحٍ قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾. قال: بالعذاب (^٤).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾. قال: أفنَضْرِبُ عنكم العذاب (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٣: \"أفنضرب\"، وفي ت ١، ت ٢: \"أفنحرص\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٩٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣ إلى الفريابى وعبد بن حميد.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣ إلى المصنف وعبد بن حميد، وقد سقط قول أبى صالح من مطبوعة الدر، واستدركناه من المخطوطة المصورة بالجامعة الإسلامية برقم ١٣٥.\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٦٢.","vol":"20","page":548},{"text":"حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾. يقولُ: أفحَسبتم أن نصفح عنكم ولمَّا تفعلوا ما أُمرتم به (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أفنتركُ تذكيرَكم بهذا القرآن، ولا نذكِّركم به، لأن كنتم قومًا مشركين (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-8307>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾: أي: مشركين، والله لو كان هذا القرآنُ رُفع حين ردّه أوائلُ هذه الأمة لهلكوا، [ولكنَّ الله عاد بعائدته ورحمته، فكرره عليهم] (^٣) فدعاهم إليه عشرين سنةً، أو ما شاء اللَّهُ مِن ذلك (^٤).\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾. قال: لو أن أول (^٥) هذه الأمة لم يؤمنوا، لضرب عنهم الذكرُ صفحًا.\n[حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾] (^٦). قال: الذكرُ ما أُنزِل عليهم مما أمرهم الله\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣ إلى المصنف، وذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٦٢.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مسرفين\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٩ - من طريق سعيد به بنحوه.\n(^٥) سقط من: م، ت ١.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":549},{"text":"به ونهاهم، ﴿صَفْحًا﴾، لا نذكرُ لكم منه شيئًا (^١).\nوأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويلُ من تأوّله: أفنَضْرِبُ عنكم العذاب فنترككم ونُعرِضَ عنكم؛ لأن كنتم قومًا مشركين (^٢)، لا تؤمنون بربِّكم.\nوإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية؛ لأن الله ﵎ أتبع ذلك خبره عن الأمم السالفة قبل الأمة (^٣) التي توعَّدها بهذه الآية في تكذيبها رسلها، وما أحلَّ بها من نقمته، ففى ذلك دليل على أن قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ وعيدٌ منه للمخاطبين به من أهل الشرك، إذ سلكوا في التكذيب بما جاءهم عن الله رسولهم مسلك الماضين قبلهم.\nواختلفت القرأَةُ في قراءة ذلك؛ فقرأَتْه عامة قرأة المدينة والكوفة: (إِنْ كُنتُمْ قومًا مُسرفين) بكسر الألف من \"إن\" (^٤) بمعنى: أفنَضْرِبُ عنكم الذكر صفحًا إذ كنتم قومًا مسرفين. وقرأه بعضُ قرأَةِ (^٥) أهل مكة والكوفة، وعامةُ قرأَةِ البصرة: ﴿أَنْ﴾ بفتح الألف من ﴿أَنْ﴾ (^٦)، بمعنى: لأن كنتم.\nواختلف أهلُ العربية في وجه فتح الألف من ﴿أَنْ﴾ في هذا الموضع؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرة: فُتحت لأن معنى الكلام: لأن كنتم.\nوقال بعض نحويى الكوفة (^٧): مَن فَتحها فكأنه أراد شيئًا ماضيًا. قال: وأنت\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٦٢.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مسرفين\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأمم\".\n(^٤) هي قراءة نافع وحمزة والكسائى. ينظر حجة القراءات ص ٦٤٤.\n(^٥) بعده في الأصل: \"الأمصار\".\n(^٦) هي قراءة عاصم وأبى عمرو وابن عامر وحمزة. ينظر الحجة، الموضع السابق.\n(^٧) الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٧، ٢٨.","vol":"20","page":550},{"text":"تقولُ في الكلام: أتيتُك (^١) أَنْ حَرَمْتَنى. تريدُ: إِذ حَرَّمْتَنى. وتَكْسِرُ إِذا أَردْتَ: أتيتُك إن تَحْرِمْنى. قال: ومثلُه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ [المائدة: ٢]. و: (إِنْ صَدُّوكُمْ). يُكْسَرُ، ويُفْتحُ، وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ [الكهف: ٦]. [و(أن لم يؤمنوا)] (^٢). قال: والعربُ تُنْشِدُ قول الفرزدق (^٣):\nأَتَجْزَعُ أَنْ أُذْنَا قُتَيْبَةَ حُزَّتا … جهارًا ولَمْ تَجْزَعْ لَقَتْلِ ابن حَازِمِ\nقال: ويُنْشَدُ (^٤):\nأتَجْزَعُ أَنْ بانَ الخَلِيطُ المُوَدِّعُ … وَحَبْلُ الصَّفا مِنْ عَزَّةَ المُتَقَطِّعُ\nقال: وفي كلِّ واحدٍ من البيتين ما في صاحبه، من الكسر والفتح.\nوالصواب من القول في ذلك عندنا أن الكسر والفتح في الألف في هذا الموضع قراءتان مشهورتان في قرأَةِ الأمصار، صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ، وذلك أن العرب إذا تقدَّم \"أن\" - وهى بمعنى الجزاء - فعلٌ مستقبلٌ كسروا ألِفَها أحيانًا فمحَّضوا لها الجزاء، فقالوا: أقومُ إن قمْتَ. وفتحوها أحيانًا وهم ينوون ذلك المعنى، فقالوا: أقوم أن قمتَ. بتأويل: لأن قمتَ. فإذا كان الذي تقدمها من الفعل ماضيا لم يتكلَّموا إلَّا بفتح الألفِ مِن \"أَنْ\" فقالوا: قمتُ أَنْ قمتَ. وبذلك جاء التنزيلُ وتتابع شعرُ الشعراء.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أتيت\"، وفى معاني القرآن: \"أسبُّك\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣. وينظر معاني القرآن ٣/ ٢٧.\n(^٣) ديوانه ص ٨٥٥.\n(^٤) معاني القرآن للفراء ٢/ ١٣٤، ٣/ ٢٨.","vol":"20","page":551},{"text":"<span id=\"aya-4331\"></span><span data-type='title' id=toc-8308>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: وكم أرسلنا من نبيٍّ يا محمد في القرون الأوّلين، الذين مضوا قبل قرنك الذي بُعثت فيه، كما أرسلناك في قومك من قريش،\n\n<span id=\"aya-4332\"></span>﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يقولُ: وما كان يأتى قرنًا من أولئك القرون، وأمةً من تلك (^١) الأمم الأوّلين لنا، من نبيٍّ يدعوهم إلى الهدى وطريق الحقِّ، إلا كان الذين يأتيهم ذلك النبيُّ (^٢) من تلك الأم يُنِّبئُهم (^٣) الذي أُرسلُه إليهم، يستهزئون سُخرية منهم به (^٤)، كاستهزاء قومك بك يا محمدُ. يقولُ: فلا يَعْظُمَن عليك ما يفعل بك قومُك، ولا يَشُقَّنَّ عليك؛ فإنهم إنما سلكوا في استهزائهم بك مَسْلكَ سُلَّافهم، ومنهاج أئمتهم الماضين من أهل الكفر بالله.\n\n<span id=\"aya-4333\"></span><span data-type='title' id=toc-8309>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: فأهلكنا أشدَّ من هؤلاء المستهزئين بأنبيائهم بطشًا إذا بطشوا، فلم يعجزونا بقواهم وشدَّة بطشهم، ولم يقدروا على الامتناع من بأسنا إذ أتاهم، فالذين هم أضعفُ منهم قوةً أحرى أن لا يقدروا على الامتناع مِن غِيَرِنا (^٥) إذا حلّت بهم، ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه: ومضى لهؤلاء المشركين.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أولئك\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نبيهم\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بهم\".\n(^٥) في م: \"نقمنا\"، وفى ت ١: \"بأسنا\". وغيرُ الدهر: أحواله وأحداثه المتغيرة. الوسيط (غ ى ر).","vol":"20","page":552},{"text":"المستهزئين بك ولمن قبلهم مِن ضُربائهم - مَثَلُنا الذي مثَّلناه لهم في أمثالهم من مكذبي رسلنا الذين أهلكناهم، يقولُ: فليتوقع هؤلاء الذين يستهزئون بك يا محمدُ من عقوبتنا مِثْلَ الذي أحللناه بأولئك إن (^١) أقاموا على تكذيبك.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8310>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: عقوبة الأولين (^٢).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: سُنَّتُهم (^٣).\n\n<span id=\"aya-4334\"></span><span data-type='title' id=toc-8311>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا (^٤) وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك: مَن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذين\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٤ عن معمر عن قتادة، وعنه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٩ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٩٢، ومن طريقه الفريابى - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٦ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مهادا\". وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. والمثبت قراءة عاصم وحمزة والكسائى، ينظر حجة القراءات ص ٦٤٥.","vol":"20","page":553},{"text":"خلق السماوات [السبع والأرضين] (^١)، فأحدثهنّ وأنشأهنَّ؟ ليقولُنَّ: خلَقهنَّ العزيز في سلطانه وانتقامه من أعدائه، العليمُ بهنّ وبما فيهنّ مِن الأشياء، لا يخفى عليه شيءٌ.\n\n<span id=\"aya-4335\"></span>﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ (^٢). يقول: الذي مهد لكم الأرضَ، فجعلها لكم وطاءً تَطَئُونها بأقدامكم، وتمشون عليها بأرجُلِكم، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾. يقولُ: وسهل لكم فيها طرُقًا تتطرّقونها من بلدة إلى بلدة؛ لمعايشكم ومتاجركم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾: أي: طرقًا (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾. قال: بِساطًا، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾. قال: الطُّرُق.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. يقولُ: لكى تهتدوا بتلك السبل إلى حيثُ أردتم من البلدان والقُرى والأمصار، ولولا ذلك لم تُطيقوا براع أفنيتكم ودوركم، ولكنها نعمةٌ أنعم بها عليكم.\n\n<span id=\"aya-4336\"></span><span data-type='title' id=toc-8312>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾. يعنى: ما نزّل\n_________\n(^١) في الأصل: \"والأرض\".\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مهادا\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٤ عن معمر عن قتادة.","vol":"20","page":554},{"text":"جلّ ثناؤه من الأمطار من السماء، ﴿بِقَدَرٍ﴾. يقول: بمقدار حاجتكم إليه، فلم يجعله كالطوفان، فيكون عذابًا مغرقًا (^١)، كالذى أنزَل على قومِ نوحٍ، ولا جعَله قليلًا لا ينبتُ به النباتُ والزرعُ من قلَّتِه، ولكنه جعَله غينًا مُغِيثًا، وحَيًّا للأرضِ الميتة مُحييًا، ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً (^٢) مَيْتًا﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: فأحيينا به بلدةً من بلادِكم ميتًا، يعنى: مُجْدِبةً لا نباتَ بها (^٣) ولا زرْعَ، قد درست من الجُدُوبِ، وتعفَّت من القُحُوطِ، ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: كما أخرجنا بهذا الماء الذي نزّلناه من السماءِ مِن هذه البلدة الميتة بعد جُدُوبها وقُحُوطِها - النبات والزرع، كذلك أيُّها الناسُ تُخْرَجون من بعدِ فنائكم ومصيركم في الأرضِ رفاتًا، بالماء الذي أنزله إليها؛ لإحيائكم من بعد مماتكم - منها أحياءً كهيئتكم التي كنتم بها قبل مماتكم.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8313>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾: كما أحيا الله هذه الأرض الميتة بهذا الماء، فكذلك تُبعثون يوم القيامة.\nوقيل: أنشرنا به؛ لأن معناه: أحيينا به. ولو وصفت الأرضَ بأنها حييت، قلتَ: نَشَرَتِ الأرضُ. كما قال الأعشى (^٤):\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) بعده في ت ٣: \"من بلادكم\".\n(^٣) في ت ٢ ت ٣: \"فيها\".\n(^٤) تقدم في ٤/ ٦١٨.","vol":"20","page":555},{"text":"حتى يَقُولَ النَّاسُ مُمَّا رأَوْا … يا عجبا للْمَيِّتِ النَّاشِرِ\n\n<span id=\"aya-4337\"></span>وقوله: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾. يقول تعالى ذكره: والذي خلق كلَّ شيءٍ فزوَّجه؛ بأن خلق للذكور (^١) من الإناث أزواجًا، وللإناث (^٢) من الذكور أزواجًا، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾. وهى السفن، ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾. وهى البهائم، ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾. يقولُ: جعَل لكم من السفن ما تركبونه في البحار، إلى حيث قصدتم واعتمدتم في سيركم فيها لمعايشكم ومطالبكم، ومن الأنعام ما تركبونه في البرِّ، إلى حيث أرَدتم من البُلدانِ؛ كالإبل والخيل والبغال والحمير.\n\n<span id=\"aya-4338\"></span><span data-type='title' id=toc-8314>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾.</span>\nيقول جلَّ ثناؤه: كي تستووا على ظهور ما تركبون.\nواختلف أهل العربية في وجهِ توحيدِ الهاء في قوله: ﴿عَلَى ظُهُورِهِ﴾ وتذكيرها؛ فقال بعض نحويِّى البصرة: تذكيرُه يجوز (^٣) على ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾، وما هو مذكرٌ، كما تقولُ: عندى من النساءِ من يوافقُك ويسرُّك. وقد تُذكَّرُ الأنعام وتؤنَّثُ، وقد قال في موضعٍ آخرَ: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦]. وقال في موضعٍ آخر: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ [المؤمنون: ٢١].\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفة (^٤): أُضِيفَتِ \"الظهورُ\" إلى الواحد؛ لأن ذلك\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"الذكور\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"من الذكور\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الإناث\".\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٣، وفى م: \"يعود\".\n(^٤) معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٨.","vol":"20","page":556},{"text":"الواحد في معنى جمع، بمنزلة الجُندِ والجيش. قال: فإن قيل: فهلَّا قلتَ: لتستووا على ظهره. فجعلت الظهر واحدًا إذا أضفته إلى واحدٍ؟ قلتُ: إن الواحد فيه معنى الجمع، فرُدَّتِ \"الظهورُ\" إلى المعنى، ولم يقل: ظهره. فيكون كالواحد الذي معناه ولفظه واحدٌ. وكذلك تقولُ: قد كثُر نساءُ الجند. وقلت: ورفع الجندُ أعينه. ولا تَقُل: عينه. قال: وكذلك كلُّ ما أضفت إليه من الأسماء الموصوفة، فأخْرِجُها على الجمع، فإذا أضفت إليه اسمًا في معنى فعلٍ، جاز جمعه وتوحيده، مثل قولك: رفع العسكر صوته، وأصواته أجود، وجاز هذا لأن الفعل لا صورة له في الاثنين إلا كصورته في الواحد.\nوقال آخر منهم: قيل: لتستووا على ظهوره؛ لأنه وصفٌ للفُلْكِ، ولكنه وحَّد الهاءَ؛ لأن الفُلكَ بتأويل جمعٍ، فجمع الظهور ووحَّد الهاء، لأن أفعال كلِّ واحدٍ تأويله الجمعُ تُوحَّدُ وتُجمَعُ، مثل: الجند منهزمٌ، ومُنْهزمون. فإذا جاءتِ الأسماء خرج على العددِ (^١) لا غير، فقلت: الجندُ رجالٌ. فلذلك جمعت \"الظهورُ\" ووحِّدت الهاء، ولو كان مثل الصوتِ وأشباهه، جاز: الجندُ رافعٌ صوته، وأصواته.\nوقوله: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾. يقول تعالى ذكره: ثم تذكروا نعمة ربِّكم التي أنعمها عليكم بتسخيره ذلك لكم مراكب في البرِّ والبحر، ﴿إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾، فتعظِّموه وتُمجِّدوه، وتقولوا تنزيها للهِ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ الذي ركبناه من هذه الفُلك والأنعام، مما يصفه به المشركون ويُشرَكُ به معه في العبادة من الأوثان والأصنام، ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأسماء\".","vol":"20","page":557},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8315>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريب وعبيدُ بن إسماعيلَ الهَبَّاريُّ، قالا: ثنا المحاربيُّ، عن عاصمٍ الأحول، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، قال: ركبتُ دابة فقلتُ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾. فسمعنى رجلٌ من أهل البيت - قال أبو كُريب (^١) والهبَّاريُّ: قال المحاربيُّ: فسمعتُ سفيان يقولُ: هو الحسنُ بنُ عليٍّ رضوان الله تعالى عليهما - فقال: أهكذا أُمِرتَ؟ قال: قلتُ: كيف أقولُ؟ [قال: أُمِرْتُم أن تذكروا نعمة ربكم إذا استويتُم عليه. قال: قلتُ: كيف أقولُ] (^٢)؟ قال: تقول: الحمدُ للهِ الذي هدانا للإسلام، الحمد لله الذي مَنَّ علينا بمحمد ﵊، الحمد لله الذي جعلنا في خير أُمَّةٍ أُخرجت للناس. فإذا أنت قد ذكرت نعما عظامًا، ثم تقولُ بعد ذلك: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشمٍ، عن أبى مجْلَز، أن الحسن بن عليٍّ ﵄، رأى رجلًا ركب دابةٌ، فقال: الحمد لله الذي سخَّر لنا هذا. ثم ذكر نحوه (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾: يعلمكم كيف تقولون إذا ركبتم؛ في\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"بكر\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٣٩١، والطبرانى في الدعاء (٧٧٥) من طريق سفيان به، ووقع فيهما: \"الحسين بن علي\"، وينظر تهذيب الكمال ٣١/ ١٧٦.","vol":"20","page":558},{"text":"الفلك تقولون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١].\nوإذا ركبتم الإبل قلتم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾. ويعلِّمكم ما تقولون إذا نزلتم من الفلك والأنعام جميعًا، تقولون: اللهمَّ أَنزِلْنا مُنزلًا مباركًا وأنت خير المُنزلين.\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه أنه كان إذا ركب قال: اللهم هذا مِن مَنّك وفضلك. ثم يقولُ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (^١).\nوقوله: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ يقولُ: وما كنا له مُطِيقين ولا ضابطين. من قولهم: قد أقرنتَ (^٢) لهذا. إذا صرت له قرنًا وأطقته، وفلانٌ مُقْرِنٌ لفلانٍ، أي: ضابطٌ له مُطيقٌ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8316>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنى أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾. يقولُ: مُطِيقين (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ت ٢: \"اقترنت\"، وفي ت ٣: \"اقتربت\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٢ - من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤ إلى ابن المنذر.","vol":"20","page":559},{"text":"في قولِ اللَّهِ: ﴿مُقْرِنِينَ﴾. قال: الإبل والخيل والبغال والحميرُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: أي مُطِيقين، لا والله، لا في الأيدى، ولا في القوة (^٢).\nحدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾. قال: في القوة (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾. قال: مُطِيقين (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾. قال: لسنا له بمُطيقين. قال: لا نُطِيقُها إلا بك، لولا أنت ما قوينا عليها ولا أطقناها (^٤).\n\n<span id=\"aya-4339\"></span>وقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: ولتقولوا أيضًا: وإنا إلى ربِّنا بعد مماتنا لصائرون، وإليه راجعون.\n\n<span id=\"aya-4340\"></span><span data-type='title' id=toc-8317>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وجعَل هؤلاء المشركون للَّهِ مِن خلقه نصيبًا، وذلك قولهم\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٩٢، ومن طريقه الفريابى - كما في تعليق التعليق ٤/ ٣٠٦ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، دون قوله: \"أي مطيقين\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٤ عن معمر به.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٠٧.","vol":"20","page":560},{"text":"للملائكة: هم بناتُ اللهِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8318>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾. قال: ولدًا، وبنات من الملائكة (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾. قال: البنات.\nوقال آخرون: عُنى بالجزء في هذا الموضع: العِدْلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8319>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾. أي: عِدْلًا (^٢).\nحدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن، ثورٍ، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾. أي: عِدْلًا (^٣).\nوإنما اخترنا القول الذي اخترناه في تأويل ذلك؛ لأن اللَّهَ جَلَّ ثناؤُه أَتبع ذلك\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٩٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه البخارى في خلق أفعال العباد (١٢٤) من طريق يزيد به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":561},{"text":"<span id=\"aya-4341\"></span>قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾. توبيخًا لهم على قولهم ذلك، فكان معلومًا أن توبيخَه إياهم بذلك إنما هو عمَّا أخبر عنهم من قيلهم ما قالوا في إضافةِ البناتِ إِلى اللهِ ﷿.\nوقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾. يقول تعالى ذكره: إن الإنسان لذو جَحْدٍ لنعَمِ ربِّه التي أنعَمها عليه، ﴿مُبِينٌ﴾. يقولُ: يَبِينُ كفرانُه نِعمَه عليه لمن تأمَّله بفكرِ قلبِه، وتدبُّرِ حالِه.\nوقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾. يقولً جلّ ثناؤُه مُوَبِّخًا هؤلاء المشركين الذين وصفوه بأن الملائكةَ بناتُه: أتَّخذ ربُّكم أيُّها الجاهلون مما يخلُقُ بناتٍ، وأنتم لا تَرضَونهن لأنفسِكم؟ ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾. يقولُ: وأَخلَصكم بالبنينَ، فجعَلهم لكم؟\n\n<span id=\"aya-4342\"></span>﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا بُشِّر أحدُ (^١) هؤلاء الجاعلين لله من عبادِه جُزءًا، ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾. يقولُ: بما مثَّل للهِ، فشبَّههُ شَبَهًا، وذلك ما وصَفه به مِن أن له بَناتٍ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾. قال: ولدًا (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾: بما جعَل للَّهِ.\n_________\n(^١) بعده في م: \"المشركين\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٩٢ بلفظ: \"البنات\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":562},{"text":"وقولُه: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ظلَّ وجهُ هذا الذي بُشِّر بما ضَرَب للرحمنِ مثلًا من البناتِ، مُسْودًا من سوءِ ما بُشِّر به، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. يقولُ: وهو حَزينٌ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. يقولُ: وهو حَزينٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-4343\"></span><span data-type='title' id=toc-8321>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: أَوَ مَن يُنَبَّتُ [ويربَّى] (^٢) في الحِلْيَةِ ويُزِيَّنُ بها، ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ﴾. يقولُ: وهو في مخاصمة من خاصمه عند الخصام غيرُ مبين مَن (^٣) خصمه ببرهان وحجة، لعجزه وضعفه، جعلتموه جُزْءًا للَّهِ مِن خَلْقِه، وزعمتم أنه نصيبُه منهم؟! وفى الكلام متروكٌ استُغنى بدلالة ما ذُكر منه، وهو ما ذكرتُ.\nواختلف أهل التأويل في المعنيِّ بقوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك الجوارى والنساءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8320>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾. قال: يعنى المرأة (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ص، م: \"ومن \".\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٧١ بنحوه.","vol":"20","page":563},{"text":"حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن علقمة بن مَرْثَدٍ، عن مجاهدٍ، قال: رُخص للنساء في الحرير والذهب. وقرأ: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾. قال: الجوارى، جعلتموهنَّ للرحمن ولدًا، كيف تحكمون (^٢)؟!\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾. قال: الجوارى، يُسفِّهُهُنَّ بذلك، ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾. بضعفهنَّ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾. يقولُ: جعلوا له البنات، وهم إذا بُشِّر أحدهم بهنَّ [ولى على] (^٣) وجهه مُسودًّا وهو كظيمٌ. قال: وأما قوله: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾. يقولُ: قلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها (^٤).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿أَوَمَنْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ١٩٤ من طريق سفيان به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٩٣، ومن طريقه الفريابى - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٦ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في م: \"ظل\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":564},{"text":"يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾. قال: النساء.\nوقال آخرون: عُنى بذلك أوثانُهم التي كانوا يعبدونها مِن دونِ اللَّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8322>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾. قال: هذه تماثيلُهم التي يضربونها من فضةٍ وذهبٍ يعبدونها، هم الذين أنشئوها، ضربوها من تلك الحلية ثم عبدوها، ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾. قال: لا يتكلَّم. وقرأ: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (^١) [يس: ٧٧].\nوأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عُنى به الجوارى والنساءُ. لأن ذلك عقيب خبرِ اللَّهِ عن إضافة المشركين إليه ما يكرهونه لأنفسهم من البنات، وقلَّةِ معرفتهم بحقِّه، ونحلتهم (^٢) إياه من الصفاتِ والنِّحَلِ (^٣)، وهو خالقُهم ومالكُهم ورازقُهم، والمنعمُ عليهم النعم التي عدَّدها في أوَّلِ هذه السورة - ما لا يرضونه لأنفسهم؛ فإتباع ذلك من الكلام ما كان نظيرًا له، أشبه وأولى مِن إتباعه ما لم يَجْرِ له ذكرٌ.\nواختلفت القرأَةُ في قراءةِ قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأَةِ المدينة والبصرة وبعضُ المكيِّين والكوفيِّين: (أو مَنْ يَنشَأُ). بفتح الياء والتخفيف (^٤)، من: نشَأ ينشَأُ. وقرأته عامة قرأة الكوفة: ﴿يُنَشَّأُ﴾. بضمِّ الياء\n_________\n(^١) ذكره الطوسى في التبيان ٩/ ١٨٧ مختصرًا.\n(^٢) في م، ت ١: \"تحليتهم\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"تحليهم\"، وغير منقوطة في ص.\n(^٣) في م: \"البخل\".\n(^٤) هي قراءة ابن كثير، ونافع، وعاصم في رواية أبي بكر، وأبى عمرو، وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٥٨٤.","vol":"20","page":565},{"text":"وتشديد الشين (^١)، من: نَشَّأتُه فهو يُنشَّأُ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قرأَةِ الأمصار، متقاربتا المعنى؛ لأن المُنَشَّأ من الإنشاء ناشيءٌ، والناشئُ مُنْشَأٌ، فبأيَّتهما قرأ القارئ فمصيبٌ. وقد ذكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (أَوْ مَنْ لا يُنَشَّأُ إِلَّا فِي الْحِلْيَةِ) (^٢).\nوفى ﴿مَنْ﴾ وجوه من الإعراب؛ الرفعُ على الاستئناف به، والنصبُ على إضمار \"يجعلون\"؛ كأنه قيل: أو مَن يُنشَّأُ في الحليةِ يُجعلون بناتِ اللَّهِ؟ وقد يجوزُ النصبُ فيه أيضًا على الردّ على قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾. فيُردُّ ﴿مَنْ﴾ على البنات، والخفضُ على الردِّ على \"ما\" التي في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾.\n\n<span id=\"aya-4344\"></span><span data-type='title' id=toc-8323>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا (^٣) خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وجعل هؤلاء المشركون بالله ملائكته الذين هم عبادُ الرحمن.\nواختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ المدينة: (الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ الرَّحْمَنِ) (^٤) بالنون، وكأنهم تأوَّلوا في ذلك قول الله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. فتأويل الكلام على هذه القراءة: وجعلوا ملائكة الله الذين هم عنده ويسبِّحونه ويقدِّسونه إناثًا، فقالوا: هم بناتُ اللهِ. جهلًا\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة والكسائى وحفص عن عاصم. المصدر السابق.\n(^٢) ينظر مختصر الشواذ ص ١٣٥.\n(^٣) في الأصل: \"أأشهدوا\". وهي قراءة كما سيأتي.\n(^٤) هي قراءة نافع وابن عامر وابن كثير. ينظر الحجة ص ٦٤٧.","vol":"20","page":566},{"text":"منهم بحقِّ الله، وجُرْأَةً منهم على قيل الكذب والباطل. وقرأ ذلك عامة قرأَةِ الكوفة والبصرة: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾. بمعنى: جمعُ عَبْدٍ. فمعنى الكلام على قراءة هؤلاء: وجعلوا ملائكة الله الذين هم خَلْقُه وعبادُه، بناتِ الله، فأنثوهم بوصفهم إياهم بأنهم إناثٌ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان في قرأة الأمصار، صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ، وذلك أن الملائكة عباد الله وعنده.\nواختلفوا أيضًا في قراءة قوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾، فقرأ ذلك بعضُ قرأَةِ المدينة: (أشْهِدُوا (^١) خَلْقَهُمْ)؟ بضمِّ الألف، على وجه ما لم يسمَّ فاعلُه، بمعنى: أَأَشْهَد الله هؤلاء المشركين الجاعلين ملائكة الله إناثًا خَلْقَ ملائكته الذين هم عندَه، فعلموا ما هم وأنهم إناثٌ، فوصفوهم بذلك لعلمهم بهم، وبرؤيتهم إياهم؟! ثم رُدَّ ذلك إلى ما لم يُسمَّ فاعلُه، [وقرأه بعد عامةُ قرأة الحجاز والكوفة والبصرة: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾] (^٢). بفتح الألفِ، بمعنى: أشهدوا هم ذلك فعلموه؟\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتِهما قرأ القارئ فمصيبٌ.\nوقوله: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ستُكتبُ شهادة هؤلاء القائلين: الملائكةُ بناتُ اللهِ - في الدنيا، بما شهدوا به عليهم، ويُسْئَلون عن شهادتهم تلك في الآخرة، أن يأتوا ببرهان على حقيقتها، ولن يجدوا إلى\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أشهدوا\". وقرأ نافع وأبو جعفر بهمزتين؛ الأولى مفتوحة والثانية مضمومة مسهلة. ينظر حجة القراءات ص ٦٤٧، ٦٤٨، والنشر ٢/ ٢٧٦.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣: \"وقرأه\"، وفى م، ت ١: \"وقرئ\". وهى قراءة ابن كثير وعاصم وابن عامر وأبي عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف. ينظر المصادر السابقة.","vol":"20","page":567},{"text":"ذلك سبيلًا.\n\n<span id=\"aya-4345\"></span><span data-type='title' id=toc-8324>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿(١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون من قريشٍ: لو شاء الرحمن ما عبدنا أوثاننا التي نعبدها من دونه، وإنما لم تَحِلَّ بنا منه عقوبةٌ على عبادتنا إياها، لرضاه منا بعبادتناها.\nكما حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾: للأوثان، يقولُ اللَّهُ: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ (^١).\n[وقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾] (^٢). يقول: ما لهم من علمٍ بحقيقة ما يقولون من ذلك، وإنما يقولونه تخرُّصًا وتكذُّبًا؛ لأنهم لا خبر عندهم منى بذلك ولا برهان، وإنما يقولونه ظنًّا وحُسْبانًا. ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. يقولُ: ما هم إلا متخرِّصون هذا القول الذي قالوه، وذلك قولُهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾.\nوكان مجاهدٌ يقول في تأويل ذلك، ما حدَّثني به محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٩٣، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٦ -، والبيهقى في الأسماء والصفات (٣٧٨)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"20","page":568},{"text":"جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: ما يعلمون قدرةَ اللهِ على ذلك (^١).\n\n<span id=\"aya-4346\"></span>وقوله: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾. يقول تعالى ذكره: أآتينا (^٢) هؤلاء المتخرِّصين القائلين: لو شاء الرحمنُ ما عبدنا الآلهة - [كتابًا بحقيقة] (^٣) ما يقولون من ذلك، من قبل هذا القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد، ﴿فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾؟ يقولُ: فهم بذلك الكتاب الذي جاءهم من عندى من قبل هذا القرآن مستمسكون؛ يعملون به، ويدينون بما فيه، ويحتجُّون به عليك؟\n\n<span id=\"aya-4347\"></span><span data-type='title' id=toc-8325>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ما آتينا هؤلاء القائلين: لو شاء الرحمنُ ما عبدنا هؤلاء الأوثان، بالأمر بعبادتها - كتابًا من عندنا، ولكنهم قالوا: وجدنا آباءنا الذين كانوا قبلنا يعبدونها، فنحن نعبدُها كما كانوا يعبدونها.\nوعَنى جلَّ وعزَّ بقوله: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ﴾: بل وجدنا آباءنا على دين وملةٍ، وذلك هو عبادتهم الأوثان.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٩٣ ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٦ -، والبيهقى في الأسماء والصفات (٣٧٨)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"ما آتينا\".\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"فإما تحقيقه\".","vol":"20","page":569},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8326>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿عَلَى أُمِّةٍ﴾. قال: مِلةٍ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ﴾. يقولُ: وجَدنا آباءنا على دين (^٢).\n[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ﴾. قال: قد قال ذلك مشركو قريشٍ؛ قالوا: إنا وجدنا آباءنا على دين] (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ عن السديِّ قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ﴾. قال: على دين (^٤).\nواختلفت القراةُ في قراءة قوله: ﴿عَلَى أُمِّةٍ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأَةِ الأمصار ﴿عَلَى أُمِّةٍ﴾ بضمِّ الألف، بالمعنى الذي وصفتُ، من الدين والملة والسنة.\nوذكر عن عمر بن عبد العزيز ومجاهدٍ أنهما قرآه (على إمَّةٍ) بكسرِ الألف (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٩٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: ت ١. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) ذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٥٦٦.\n(^٥) ينظر مختصر الشواذ ص ١٣٦.","vol":"20","page":570},{"text":"وقد اختُلف في معناها إذا كُسرت ألفُها؛ فكان بعضُهم (^١) يوجِّه تأويلها إذا كُسرت، إلى (^٢) أنها الطريقةُ، وأنها مصدرٌ من قول القائل: أممتُ القومَ فأنا أؤمُّهم إمّةً. وذُكر عن العرب سماعًا: ما أحسنَ عِمَّتَه وإمَّتَه وجلسته. إذا كان مصدرًا، ووجَّهه بعضُهم إذا كُسِرتْ ألفُها إلى أنها الإمَّةُ التي بمعنى النعيم والملكِ، كما قال عَدِيُّ بنُ زِيدٍ (^٣):\nثُمَّ بَعْدَ الفَلَاحِ وَالمُلْكِ والإمَّـ … ـــة وَارَتْهُمُ هُناكَ القُبورُ\nوقال (^٤): أراد إمامة الملكِ ونعيمه.\nوقال بعضُهم: الأُمَّةُ بالضمِّ والإمَّةُ بالكسْرِ بمعنًى واحدٍ.\nوالصوابُ من القراءة في ذلك، الذي لا أستجيزُ غيره، الضمُّ في الألفِ؛ لإجماع الحجّة من قرأة الأمصار عليه. وأما الذين كسروها فإني لا أُراهم قصدوا بكسرها إلا معنى الطريقة والمنهاج، على ما ذكرنا قبلُ، لا النعمة والملك؛ لأنه لا وجه لأن يقال: إنا وجدنا آباءنا على نعمةٍ، ونحن لهم مُتَّبعون في ذلك؛ لأن الاتباع إنما يكون في الملل والأديان وما أشبه ذلك، لا في المُلكِ والنعمةِ؛ لأن الاتَّباع في المُلكِ ليس بالأمر الذي يصِلُ إليه كلُّ مَن أراده.\nوقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾. يقولُ: وإنا على آثارِ آبائنا فيما كانوا عليه من دينهم مهتدون. يعنى: لهم مُتَّبعون على منهاجهم.\n_________\n(^١) الفراء في معاني القرآن ٣/ ٣٠.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"على\".\n(^٣) البيت في الأغانى ٢/ ١٣٩، ومعاني القرآن للفراء ٣/ ٣٠، ولسان العرب (أ م م).\n(^٤) هو الفراء. ينظر معاني القرآن الموضع السابق.","vol":"20","page":571},{"text":"كما حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾. يقولُ: ونحن على دينهم.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾. يقول: وإنا مُتَّبعوهم على ذلك (^١).\n\n<span id=\"aya-4348\"></span><span data-type='title' id=toc-8327>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾.</span>\nيقول جلَّ وعزَّ: وهكذا كما فعل هؤلاء المشركون من قريشٍ، فعل من قبلهم من أهل الكفر بالله، وقالوا مثل قولهم، لم نُرسل من قبلك يا محمد ﴿فِي قَرْيَةٍ﴾. يعني: إلى أهلها - ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾] (^٢) ينذرهم عقابنا على كفرهم بنا، فأنذروهم وحذّروهم سُخطنا، وحلول عقوبتنا بهم، ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾، وهم رؤساؤهم وكبراؤهم.\nكما حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾. قال: رؤساؤهم وأشرافُهم (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾: قاداتُهم ورءوسُهم في الشرك (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى م: \"رسلا\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٥ عن معمر به.\n(^٤) تقدم في ١٩/ ٢٩٣.","vol":"20","page":572},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ﴾. يقولُ: قالوا: إنا وجدنا آباءنا على ملَّةٍ ودينٍ، ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ﴾. يعنى: وإنا على منهاجهم وطريقتهم مقتدون بفعلهم؛ نفعلُ كالذى فعلوا، ونعبد ما كانوا يعبدون. يقولُ جلَّ وعزَّ لمحمد ﷺ: فإنما سلك مشركو قومك مِنهاج من قبلهم من إخوانهم من أهل الشرك بالله في إجابتهم إياك بما أجابوك به، وردِّهم ما ردَّوا عليك من النصيحة، واحتجاجهم بما احتجُّوا به لمُقامهم على دينهم الباطل.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8328>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد قوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾. قال: بفعلهم (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾: فاتَّبعوهم على ذلك.\n\n<span id=\"aya-4349\"></span><span data-type='title' id=toc-8329>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ (^٢) أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك، القائلين: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (^٣): أَوَلَوْ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٩٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قل\". وهى قراءة كما سيأتي.\n(^٣) في الأصل، ت ٢، م: \"مقتدون\".","vol":"20","page":573},{"text":"جئتُكم أيها القوم من عندِ ربِّكم بأهْدَى لكم إلى طريق الحقِّ، وأدلُّ لكم على سبيل الرشادِ ﴿مِمَّا وَجَدْتُمْ﴾ أنتم عليه آباءَكم من الدين والملةِ. ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾. يقولُ: فقال لهم ذلك، فأجابوه بأن قالوا له كما قال الذين من قبلهم من الأمم المكذبة رُسُلَها لأنبيائها: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أَيُّها القومُ، ﴿كَافِرُونَ﴾ يعني: جاحدون مُنكرون.\nوقرأ ذلك قرأةُ الأمصار سوى أبى جعفرٍ القارئ: ﴿قَالَ (^١) أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ بالتاء.\nوذكر عن أبي جعفر القارئ، أنه قرأه: (قُلْ أَوَلَوْ جِئناكُمْ) بالنونِ والأَلفِ (^٢).\nوالقراءة عندنا ما عليه قرأة الأمصار؛ لإجماع الحجة من القرأة عليه (^٣).\n\n<span id=\"aya-4350\"></span><span data-type='title' id=toc-8330>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾.</span>\nيقول جلَّ ثناؤه: فانْتَقَمْنا من هؤلاء المكذِّبةِ رُسُلَها، من الأم الكافرة بربِّها، بإحلالنا العقوبة بهم، فانظر يا محمدُ كيف كان عُقْبَى أمرِهم، إذ كذَّبوا بآياتِ الله. ويعنى بقوله: ﴿عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: [آخِرُ أمر] (^٤) الذين كذَّبوا رسل الله، إلامَ صارَ! يقولُ: ألم نهلكهم فنجعلهم عبرةً لغيرهم؟!\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُم\n_________\n(^١) في الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢: \"قل\". والمثبت قراءة ابن عامر وحفص عن عاصم، وقرأ الباقون: \"قل\". النشر ٢/ ٢٧٦.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) القراءتان متواترتان.\n(^٤) في ت ٢: \"اجترار\"، وفى ت ٣: \"اجتراء\".","vol":"20","page":574},{"text":"فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. قال: شرٌّ واللهِ، أَخَذَهم بخَسْفٍ وغرقٍ، ثم أهلكهم فأدخلهم النار (^١).\n\n<span id=\"aya-4351\"></span><span data-type='title' id=toc-8331>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾.</span>\nيقول جلَّ ثناؤه: وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه الذين كانوا يعبدون ما يعبده مُشركو قومك يا محمدُ: إنَّنى بَرَاءٌ ممَّا تَعبُدونَ مِن دونِ اللهِ، فكذَّبوه، فانتقمنا منهم كما انتقمنا ممن قبلهم من الأم المكذِّبةِ رُسُلَها.\nوقيل: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾. فوضع البراء، وهو مصدرٌ، موضع النعت، والعربُ لا تُثَنَّى البراء ولا تجمع ولا تؤنِّثُ، فتقولُ: نحن البراء والخلاء؛ لما ذكرتُ من أنه مصدرٌ، وإذا قالوا: هو برئٌ منك، ثنَّوا وجمعوا وأنَّثوا، فقالوا: هما بريئان منك، وهم بريئون منك. وذُكر أنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (إِنَّنِي بَرِيءٌ) بالياء (^٢)، وقد يُجمعُ بَرِئُ: [بُرَآء أو بُراء] (^٣).\n\n<span id=\"aya-4352\"></span>﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾. يقولُ: إننى برئ مما تعبدون من شيء إلا من الذي فطرنى، يعنى: الذي خلقنى، ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾. يقولُ: فإنه سيقوِّمُنى للدين الحقِّ، ويوفِّقُنى لاتباع سبيل الرشدِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n_________\n(^١) بعده في ت ٣: \"بتكذيبهم رسل الله والله أعلم\"، والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) ينظر مختصر الشواذ ص ١٣٦.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"براء وأبراء\". وينظر اللسان (ب ر أ).","vol":"20","page":575},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8332>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾. قال: كايَدهم؛ كانوا يقولون: إن الله ربُّنا ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]. فلم يَبرأْ مِن ربِّه.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾. يقولُ: إننى برئٌ مما تعبدون إلَّا الذي خَلَقَنِي (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾. قال: خلَقنى.\n\n<span id=\"aya-4353\"></span>وقوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وجعلَ قولَه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾. وهو قولُ: لا إلهَ إلا اللَّهُ - كلمةً باقيةً في عقبهِ، وهم ذُرِّيتُه، فلم يَزَلْ فِي ذُرِّيتِه مَن يقولُ ذلك مِن بعدِه.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الكلمةِ التي جعَلها خليلُ الرحمنِ باقيةً في عقبه؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذي قلنا في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-8333>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهد: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾. قال: لا إله إلا اللَّهُ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٥ عن معمر به.\n(^٢) تفسير الثوري ص ٢٧٠، وأخرجه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٦ - من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":576},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾. قال: شهادة أنَّ لا إلهَ إلا اللَّهُ، والتوحيدَ، لم يَزَلْ في ذريته مَن يقولُها مِن بعدِه (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾. قال: التوحيدَ والإخلاصَ، ولا يزالُ في ذُرِّيتِه مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ ويعبدُه (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾. قال: لا إله إلا اللَّهُ (^٣).\nوقال آخرون: الكلمةُ التي جعَلها باقيةً (^٤) في عقبِه اسمُ الإسلامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8334>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾. [قال: الإسلامُ] (^٥) وقَرأَ: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]. قال: جعَل هذه كلمةً باقيةً في عَقِبه، وقال: الإسلامُ، وقرَأ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]. وقرأ: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ (^٦) [البقرة: ١٢٨].\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢٠٩) من طريق شيبان عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٦ عن معمر به.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٢.\n(^٤) في م: \"الله\"، وسقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٢١١، والقرطبي في تفسيره ١٦/ ٧٧، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٢١٢.","vol":"20","page":577},{"text":"وبنحوِ ما قلنا أيضًا في معنى العَقِبِ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8335>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فِي عَقِبِهِ﴾. قال: في ولده (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾. قال: يعنى مَن خَلَفَه (^٢).\nحدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فِي عَقِبِهِ﴾. قال: في عَقِبِ إبراهيمَ، [آلِ محمدٍ محمد ﷺ] (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الله بن عبدِ الحكم، قال: ثنا ابن أبي فُدَيكٍ، قال: ثنا (^٤).\nابن أبي ذئبٍ، عن ابن شِهابٍ، أنه كان يقولُ: العَقِبُ: الولدُ، وولدُ الولدِ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: و﴿فِي عَقِبِهِ﴾. قال: عَقِبُه ذُرِّيتُه (^٤).\nوقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. يقول: ليرجِعوا إلى طاعةِ ربِّهم، ويُنيبوا (^٥) إلى\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٩٣ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ١٩٢.\n(^٣) سقط من: ت ٢ ت ٣. والأثر ذكره الطوسي في التبيان الموضع السابق.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٨٠.\n(^٥) في م: \"يثوبوا\"، وفى ت ٢ ت ٣: \"يثبتوا\"، وفى ت ١: \"يتوبوا\"، وغير منقوطة في ص.","vol":"20","page":578},{"text":"عبادتِه، ويَتوبوا من كفرِهم وذنوبِهم.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8336>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: أي: يَتوبون، أو: يذَّكَّرون (^١).\n\n<span id=\"aya-4354\"></span><span data-type='title' id=toc-8337>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: بل مَتَّعْتُ يا محمدُ هؤلاء المُشركين من قومِك وآبَاءَهُم مِن قبلِهم بالحياةِ، فلم أعاجلْهم (^٢) بالعقوبةِ على كفرِهم، ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾. يعني جل وعزَّ بالحقِّ هذا القرآنَ. يقولُ: لم أُهْلِكهم بالعذابِ حتى أَنزَلتُ عليهم الكتابَ، وبعثتُ فيهم رسولًا مُبينًا.\n\n<span id=\"aya-4355\"></span>يعني بقوله: ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يعني محمدًا ﷺ، وبالمبين: أنه يُبَيِّنُ لهم يُبَيِّنُ بالحُجَجِ التي يحتجُّ بها عليهم، أنه للَّهِ رسولٌ مُحِقٌّ فيما يقولُ، ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولمَّا جاء هؤلاء المشركين القرآنُ مِن عندِ اللَّهِ، ورسولٌ مِنْ الله أرسَله إليهم بالدعاءِ إليه ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ﴾. يقول: قالوا (^٣): هذا الذي جاءَنا به هذا الرسولُ سحرٌ يَسْحَرُنا به، ليس بوحيٍ مِن اللَّهِ، ﴿وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾. يقولُ: قالوا: وإنا به جاحِدون، ننكر أن يكونَ هذا مِن عندِ (^٤) الله.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٢٠٩) من طريق شيبان عن قتادة.\n(^٢) في الأصل: \"أعالجهم\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) ليس في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":579},{"text":"وبنحو الذي قلنا في معنى الحقِّ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8338>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمد، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾. قال: هؤلاء قريشٌ، قالوا للقرآنِ الذي جاء به محمدٌ: هذا سحرٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-4356\"></span><span data-type='title' id=toc-8340>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤه: وقال هؤلاء المُشركون باللَّهِ مِن قريشٍ، لمَّا جاءَهم القرآنُ مِن عند الله: هذا سحرٌ، فإن كان حقًّا، فهَلَّا نزَل على رجلٍ عظيمٍ مِن إحدى هاتَين القريتيَن؛ مكةَ أو الطائفِ.\nواختُلف في الرجلِ الذي وصَفوه بأنه عظيمٌ؛ وقالوا: هَلَّا نزَل عليه هذا القرآنُ؛ فقال بعضُهم: قالوا (^٢): هلَّا نزَل على الوليدِ بن المُغيرةِ المخزوميِّ، مِن أهلِ مكةَ، أو حبيبِ بن عمرِو بن عُمَيرِ الثَّقَفيِّ، مِن أهلِ الطائفِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8339>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":580},{"text":"أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. قال: يعنى بالعظيمِ: الوليد بن المغيرةِ القُرَشيَّ، وحبيبَ بنَ عمرِو بن عُمَيرٍ الثقفيَّ، وبالقريتَين: مكةَ والطائفَ (^١).\nوقال آخرون: بل عُنِى به عُتْبةُ بن ربيعةَ مِن أهلِ مكةَ، وابنُ عبدِ يالِيلِ مِن أهلِ الطائفِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8341>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. قال: عتبةُ بن ربيعةَ مِن مكةَ، وابنُ عبدِ يالِيلَ الثقفيُّ مِن الطائفِ (^٢).\nوقال آخرون: بل عُنى به مِن أهلِ مكةَ الوليدُ بنُ المُغيرةِ، ومن أهلِ الطائفِ عروةُ (^٣) بنُ مسعودٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8342>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. قال: الرجلُ: الوليدُ بنُ المغيرةِ، قال (^٤): لو كان ما يقولُ محمدٌ حقًّا، أُنزِل عليَّ هذا أو على ابن مسعودٍ الثقفيِّ، والقريتان: الطائفُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٩٣.\n(^٣) ليس في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في الأصل، ت ٣: \"قالوا\".","vol":"20","page":581},{"text":"ومكةُ، وأبو (^١) مسعودٍ الثقفيُّ من الطائفِ، اسمُه عُرْوةُ بنُ مسعودٍ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾: والقريتان: مكةُ والطائفُ. قال: قد قال ذلك مُشركو قريشٍ، قال: بلَغنا أنه ليس فخِذٌ من قريشٍ إلا قد ادَّعَته، وقالوا: هو مِنَّا. فكُنَّا نُحدَّثُ أن الرجلين الوليدُ بنُ المُغيرةِ، وعُرُوةُ الثقفيُّ أبو مسعودٍ، يقولون: فهلا كان أُنزل على أحد هذين الرجلين.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. قال: كان أحدُ العظيمَين عُرُوةَ بنَ مسعودٍ الثقفيُّ، كان عظيمَ أهلِ الطائفِ.\nوقال آخرون: بل عُنى به مِن أهلُ مكةَ الوليدُ بنُ المغيرةِ، ومن أهلِ الطائفِ كنانةُ بنُ عبدِ بن عمرٍو.\n\n<span data-type='title' id=toc-8343>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. قال: الوليدُ بنُ المغيرةِ القُرَشيُّ، أو كِنانةُ بنُ عبدِ بن عمرِو بن عُمَيرٍ عظيمُ أهلُ الطائفِ (^٣).\nوأَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ، أن يقالَ كما قال ﷿، مخبِرًا عن\n_________\n(^١) في م: \"ابن\"، وتنظر ترجمته في الاستيعاب ٣/ ١٠٦٦، والإصابة ٤/ ٤٩٢.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن حجر في الإصابة ٤/ ٤٩٢، وفيه \"عبد عمرو\" كما في ت ٣، وكذلك وقع في تفسير ابن كثير ٧/ ٢١٣.","vol":"20","page":582},{"text":"هؤلاء المشركين: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.\nإذ كان جائزًا أن يكونَ بعضَ هؤلاء، ولم يَضَعِ اللَّهُ جلَّ وعزَّ لنا الدلالةَ على الذين عُنُوا منهم في كتابِه، ولا على لسانِ رسولِه ﷺ، والاختلافُ فيه موجودٌ على ما بَيَّنْتُ.\n\n<span id=\"aya-4357\"></span>وقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾. يقول جلَّ وعزَّ: أهؤلاء القائلون: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. يا محمدُ، يَقْسِمون رحمةَ ربِّك بينَ خلقِه، فيجعَلون كرامتَه لمَن شاءوا، وفضلَه [عند مَن] (^١) أرادوا، أم الله الذي يَقسِمُ ذلك، فيُعْطِيه مَن أحبَّ، ويحرِمُه مَن شاء؟\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8344>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بن سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: لما بَعَث الله محمدًا ﷺ رسولًا، أنكَرتِ العربُ ذلك - أو مَن أنكر منهم - فقالوا: اللَّهُ أعظمُ مِن أن يكونَ رسولُه بشرًا مثلَ محمدٍ. قال: فأنزَل اللَّهُ ﷿: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [يونسُ: ٢]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي (^٢) إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]. يعنى: أهلَ الكتبِ الماضيةِ: أبشرًا كانت الرسلُ التي أَتَتْكم أم ملائكةً؟ فإن كانوا ملائكةً أتَتْكم، وإن كانوا بشرًا فلا تُنْكِروا أن يكونَ محمدٌ رسولًا، قال: ثم قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لمن\".\n(^٢) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يوحى\"، والمثبت قراءة حفص عن عاصم. وينظر ما تقدم في ١٤/ ٢٢٦.","vol":"20","page":583},{"text":"رِجَالًا نُوحِي (^١) إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]. أي: ليسوا مِن أهلِ السماءِ كما قلتم. قال: فلما كَرَّر اللَّهُ عليهم الحُجَجَ قالوا: فإذ كان بشرًا فغير محمدٍ كان أحقَّ بالرسالةِ، و﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. يقولون: أشرفَ مِن محمدٍ ﷺ، يَعْنون الوليدَ بنَ المغيرةِ المخزوميَّ، وكان يُسَمَّى ريحانةَ قريشٍ، هذا مِن مكةَ، ومسعودَ بن عمرِو بن عبيدِ اللَّهِ الثقفيَّ، مِن أهلِ الطائفِ، قال: يقولُ اللَّهُ ﷿ ردًّا عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾؟ أنا أفعلُ ما شئتُ (^٢).\nوقولُه: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. يقولُ جلَّ وعزَّ: بل نحن نقسِمُ رحمتَنا وكرامتَنا بينَ مَن شِئْنا مِن خلقِنا، فنجعَلُ مَن شِئْنا رسولًا، ومَن أرَدْنا صِدِّيقًا، ونتَّخِذُ مَن أرَدْنا خليلا، كما قسمنا بينهم معيشتهم التي يعيشون بها في حياتِهم الدنيا مِن الأرزاقِ والأقواتِ، فجعَلنا بعضَهم فيها أرفعَ مِن بعضٍ درجةً، بأن جعَلنا هذا غَنِيًّا وهذا فقيرًا، وهذا مَلِكًا وهذا مملوكًا؛ ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8345>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال اللَّهُ: ﴿يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ فتَلْقَاه ضعيفَ الحيلةِ، عَيِيَّ اللسانِ وهو مبسوطٌ له في الرزقِ، وتَلْقَاه شديدَ الحيلةِ، بسيطَ (^٣) اللسانِ\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يوحى\"، والمثبت قراءة حفص عن عاصم. وينظر ما تقدم ١٣/ ٣٨٠.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٩٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٣) في م: \"سليط\".","vol":"20","page":584},{"text":"وهو مقتورٌ عليه، قال الله جل ثناؤُه: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.\nكما قَسَم بينَهم صورَهم وخلقَهم (^١)، تبارَك ربُّنا وتعالى (^٢).\nوقوله: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾. يقولُ: ليَسْتسخِرَ هذا هذا في خدمتِه إيَّاه، وفى عَوْدِ هذا على هذا بما في يدِه من فضلٍ، يقولُ: جعل تعالى ذكرُه بعضًا لبعضٍ سببًا للمعاشِ في الدنيا.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ فيما عُنِى بقولِه: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ما قلنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8346>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباط، السُّدِّيِّ: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾. قال: يستخدِمُ بعضُهم بعضًا في السُّخْرةِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾. قال: هم بنو آدمَ جميعًا، قال: وهذا عبدُ هذا، ورفع اللَّهُ هذا على هذا درجةً؛ فهو يُسَخِّرُه بالعملِ، يستعمِلُه به، كما يقالُ: سخَّر فلانٌ فلانًا (^٤).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك: ليملكَ بعضُهم بعضًا.\n_________\n(^١) في ص: \"حجلهم\"، وفى م: \"أخلاقهم\"، وفى ت ١: \"حبلهم\"، وفي ت ٢: \"جعلهم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦، ١٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٨٣، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٢١٣.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٨٣ بنحوه.","vol":"20","page":585},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8347>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾. يعنى بذلك: العبيدَ والخَدَمَ سخَّرهم لهم (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾: مَلَكَةٌ (^٢).\nوقوله: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. يقول جلَّ وعزَّ: ورحمةُ رَبِّك يا محمدُ، بإدخالِهم الجنةَ خيرٌ لهم مما يَجْمَعون مِن الأموالِ في الدنيا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8348>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: يعنى الجنةَ (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. يقولُ: الجنةُ ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. يقولُ: خيرٌ مما يجمَعون في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-4358\"></span><span data-type='title' id=toc-8349>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢١٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦، ١٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":586},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ولولا أن يكون الناس جماعةً واحدةً.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي لم يُؤْمَنْ اجتماعُهم عليه، لو فعَل ما قال جلَّ ثناؤه أنه (^١) لم يفعلْه من أجلِه؛ فقال بعضُهم: ذلك اجتماعُهم على الكفرِ. وقالوا: معنى الكلامِ: ولولا أن يكونَ الناسُ أمةً واحدةً على الكفرِ، فيصيرَ جميعُهم كفارًا، لجعَلنا لمَن يكفرُ بالرحمنِ لبُيُوتِهم سُقْفًا مِن فضةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8350>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. يقولُ الله سبحانَه: لولا أن أجعَلَ الناسَ كلَّهم كفارًا، لجعَلتُ للكفارِ لبيوتِهم سُقُفًا مِن فضةٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوذةُ بن خليفةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال: لولا أن يكونَ الناسُ كفارًا أجمَعون، يمَيلون إلى الدنيا (^٣)، لجعل اللَّهُ ﵎ الذي قال. ثم قال: واللَّهِ لقد مالَت الدنيا بأكثرِ أهلِها، وما فعَل ذلك، فكيف لو فعَله (^٤)؟!\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أي: كفارًا كلَّهم.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وما به\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٣: \"الناس\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":587},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال: لولا أن يكونَ الناسُ كفارًا (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. يقولُ: كفارًا على دينٍ واحدٍ (^٢).\nوقال آخرون: ذلك اجتماعُهم على طلبِ الدنيا وتركِ طلبِ الآخرةِ. وقال: معنى الكلامِ: ولولا أن يكونَ الناسُ أمةً واحدةً على طلبِ الدنيا ورفْضِ الآخرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8351>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال: لولا أن يختارَ الناسُ دُنياهم على دينهم، لجعَلنا هذا لأهل الكفرِ (^٣).\nوقولُه: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لجعلنا لبيوتِ مَن يكفرُ بالرحمنِ في الدنيا سُقُفًا، يعنى أعالىَ بُيُوتِهم، وهو السطوحُ مِن فضةٍ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾: السُّقُفُ أعالى البيوتِ (^٤).\nواختلف أهلُ العربيةِ في تَكْريرِ اللامِ التي في قولِه: ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٦ عن معمر به.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٨٤، والطوسي في التبيان ٩/ ٩٥.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٨٤.\n(^٤) تقدم ١٤/ ٢٠٥.","vol":"20","page":588},{"text":"وفى قوله: ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾. فكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يزعُمُ أنها أُدخِلت في البيوتِ على البدلِ.\nوكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يقولُ (^١): إن شئتَ جعلتَها في: ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ مُكَرَّرةً، كما قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وإن شئتَ جعلتَ اللامَين مختلفتَين، كأن الثانيةَ في معنى \"على\"، كأنه قال: جعَلنا لهم على بيوتِهم سُقُفًا. قال: وتقولُ العربُ للرجلِ في وجهِه: جعَلتُ لك لقومِك الأُعطيةَ. أي جعَلتُه مِن أجلِك لهم.\nواختلفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿سُقُفًا﴾، فقرَأته عامةُ قرأةٍ أهلُ مكةَ وبعضُ المدنيِّين وعامةُ البصريِّين: (سَقْفًا). بفتح السين وسكون القافِ (^٢)، اعتبارًا منهم ذلك بقولِه: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]. وتَوْجِيهًا منهم ذلك إلى أنه بلفظ واحدٍ معناه الجمعُ.\nوقرَأه بعضُ قرأةِ المدينةِ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿سُقُفًا﴾، بضَمِّ السينِ والقافِ (^٣)، ووجَّهوها إلى أنها جمْعُ سَقِيفةٍ أو سُقُوفٍ. وإذا وُجِّهتْ إلى أنها جمعُ سُقُوف كانت جمعَ الجمعِ؛ لأن السُّقُوفَ جمعُ سَقْفٍ، ثم تُجمَعُ السُّقُوفُ سُقْفًا، فيكونُ ذلك نظيرَ قراءةِ مَن قرأه: (فرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ) [البقرة:٢٨٣] بضمِّ الراءِ والهاءِ (^٤)، وهى جمعُ (^٥) الجمعِ، واحدُها رِهانٌ ورُهُونٌ، وواحدُ الرُّهونِ والرِّهانِ:\n_________\n(^١) هو الفراء. ينظر معاني القرآن ٣/ ٣١.\n(^٢) هي قراءة ابن كثير وأبى عمرو. ينظر السبعة ص ٥٨٥.\n(^٣) هي قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر السبعة ص ٥٨٥.\n(^٤) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. ينظر المصدر السابق ص ١٩٤.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":589},{"text":"رَهْنٌ وكذلك قراءةُ مَن قَرأ: (كُلُوا مِنْ ثُمُرِهِ) [الأنعام: ١٤١]. بضمِّ الثاءِ والميمِ (^١)، ونظيرُ قولِ الراجزِ (^٢):\nحتى إذا بُلَّتْ حَلاقِيمُ الحُلُقْ\nوقد زعَم بعضُهم أن السُّقُفَ بضمِّ السينِ والقافِ، جمعُ سَقْفٍ، والرُّهُنَ بضمِّ الراءِ والهاءِ، جمعُ رَهْنٍ، فأغفَل وجهَ الصوابِ في ذلك، وذلك أنه غيرُ موجودٍ في كلامِ العربِ اسمٌ على تقدير (فَعْلِ) بفتح الفاء وسكونِ العينِ مجموعًا على (فُعُلٍ)، فيُجعلَ السُّقُفُ والرَّهُنُ منه.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان مُتقاربتا المعنى، معروفتان في قَرَأةِ الأمصار، فبأيَّتِهما قَرأ القارئُ فمُصِيبٌ.\nوقوله: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾. يقولُ: ومَرَاقىَ ودَرَجًا عليها يَصْعَدون، فيَظْهَرون على السُّقُفِ. والمعارجُ: هي الدَّرَجُ نفسها، كما قال المُثَنَّى بن جَنْدَلٍ (^٣):\nيا ربِّ ربَّ البيتِ ذى المعارجِ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8352>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٩/ ٤٤٩، ٤٥٠ في تفسير قوله: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩].\n(^٢) معاني القرآن للفراء ٣/ ٣٢، واللسان (ح ل ق).\n(^٣) صوابه: جندل بن المثنى كما نسب في مجاز القرآن ٢/ ٢٠٤، وينظر سمط اللآلئ ٢/ ٦٤٤.","vol":"20","page":590},{"text":"عباسٍ: ﴿وَمَعَارِجَ﴾. قال: معارجُ مِن فضةٍ، وهى دَرَجٌ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾. أي: ودَرَجًا (^٢) عليها يَصْعَدون.\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾. قال: المعارجُ المَراقى (^٣).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾. قال: دَرَجٌ عليها يَرْتقون (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾. قال: دَرَجٌ عليها يَصْعَدون إلى الغُرَفِ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَعَارِجَ﴾. قال: المعارجُ: دَرَجٌ مِن فضةٍ (^٦).\n\n<span id=\"aya-4359\"></span><span data-type='title' id=toc-8353>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٢ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"درجات\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢١٣ بنحوه.\n(^٤) في م، ت ١: \"يرفعون\". والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢١٣.","vol":"20","page":591},{"text":"يقول تعالى ذكرُه: وجعَلنا لبيوتِهم أبوابًا مِن فضةٍ، وسُرُرًا مِن فضةٍ.\nكما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَسُرُرًا﴾. قال: سُرُرٌ من فضةٍ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾. قال: الأبوابُ مِن فضةٍ، والسُّرُرُ مِن فضةٍ ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾. يقولُ: على السُّرُرِ يَتَّكِئون (^١).\nوقوله: ﴿وَزُخْرُفًا﴾. يقول جلَّ وعزَّ وجعَلْنا لهم مع ذلك زُخْرُفًا، وهو الذهبُ.\nوبنحوِ ما قلنا قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8354>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَزُخْرُفًا﴾: وهو الذهبُ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَزُخْرُفًا﴾. قال: الذهبُ. وقال الحسنُ: بيتٌ مِن زُخرفٍ، قال: من ذهبٍ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَزُخْرُفًا﴾. قال: والزخرفُ الذهبُ. قال: قد واللَّهِ كانت تُكْرَهُ ثيابُ الشُّهْرةِ. وذُكر لنا أن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢١٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":592},{"text":"نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: \"إيَّاكم والحُمْرَةَ، فإنها مِن أحبِّ الزينةِ إلى الشيطانِ\" (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَزُخْرُفًا﴾. قال: الذهبُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4360\"></span>حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَزُخْرُفًا﴾: لجعَلنا هذا لأهلِ الكفرِ، يعنى لبُيُوتِهم سُقُفًا مِن فضةٍ وما ذُكر معها.\nقال: والزخرفُ: سوى (^٣) هذا الذي سَمَّى؛ السُّقُفَ، والمعارجَ، والأبوابَ، والسرُرَ، مِن الأثاثِ والفُرُشِ والمتاعِ (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَزُخْرُفًا﴾. يقولُ: ذَهَبًا (^٥).\nوالزخرفُ على قول ابن زيد هذا: هو ما يتخذُه الناسُ في منازِلهم مِن الفُرُشِ والأمتعةِ والأَثاثِ (^٦).\nوفي نصبِ الزخرفِ وجهان؛ أحدُهما، أن يكونَ معناه: لجعَلنا لَمن يكفرُ بالرحمنِ لبُيُوتِهم سُقفًا مِن فضةٍ ومِن زخرفٍ، فلما لم يُكَرِّرْ عليه \"مِن\" نُصِب على إعمالِ الفعلِ فيه ذلك، والمعنى فيه فكأنه قيل: وزُخْرُفًا يُجعلُ ذلك لهم منه. والوجهُ\n_________\n(^١) المرفوع أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٢٧٨٩)، والحسن بن سفيان في مسنده - كما في الإصابة ٤/ ٣٦٧ - من حديث عبد الرحمن بن يزيد، والطبرانى في الكبير ١٨/ ١٤٨ (٣١٧) من حديث عمران بن حصين.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢١٣.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سمي\".\n(^٤) ذكره الطوسى في التبيان ٩/ ١٩٥، والقرطبي في تفسيره ١٦/ ٨٧.\n(^٥) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ١٩٥.\n(^٦) في ص: \"لات\"، وفى م، ت ٢: \"الآلات\"، وفى ت ١، ت ٣: \"آلات\".","vol":"20","page":593},{"text":"الآخرُ: أن يكونَ معطوفًا على السُّرُرِ، فيكونَ معناه: لجعَلنا لهم هذه الأشياءَ مِن فضةٍ، وجعَلنا لهم مع ذلك ذَهَبًا يكونُ لهم غِنًى يَسْتَغْنون (^١) بها، ولو كان التنزيلُ جاء بخفضِ الزخرفِ [كان صحيحًا على معنى] (^٢)؛ لجعَلنا لَمن يكفرُ بالرحمنِ لبيوتهم سُقُفًا مِن فضةٍ ومِن زخرفٍ. فكان الزخرفُ يكونُ معطوفًا على الفضةِ (^٣).\nوأما المعارجُ فإنها جُمعت على مفاعلَ، وواحدُها مِعْراجٌ، على جمعِ مِعْرَجٍ، كما يُجمعُ المِفْتاحُ مفاتحَ، على جمعِ مِفْتَحٍ؛ لأنهما لغتان: مِعْرَجٌ، ومِفْتَحٌ، ولو جُمع مَعاريجَ كان صوابًا، كما يجمعُ المفتاحُ مفاتيحَ، إذ كان واحدَه مِعْراجٌ.\nوقولُه: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. يقولُ جلَّ وعزَّ: وما كلُّ هذه الأشياء التي ذكر؛ مِن السُّقُفِ مِن الفضةِ، والمعارجِ، والأبوابِ، والسُّرُرِ مِن الفضةِ والزخرفِ - إلا متاعٌ يَسْتمتعُ به أهلُ الدنيا في الدنيا، ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾. يقول جلَّ وعزَّ: وزَيْنُ الدارِ الآخرةِ وبهاؤُها عندَ ربِّك للمتقين؛ الذين اتَّقَوْا اللَّهَ فخافوا عقوبتَه (^٤)، فجَدُّوا في طاعتِه، وحَذِروا معاصيَه - خاصةً دونَ غيرهم من خلقِ اللَّهِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾: خُصوصًا (^٥).\n\n<span id=\"aya-4361\"></span><span data-type='title' id=toc-8355>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا</span>\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"يستعينون\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفي م: \"لكان\".\n(^٣) ينظر معاني القرآن ٣/ ٣٢.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عقابه\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":594},{"text":"فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾.\nيقولُ جلَّ وعزَّ: ومَن يُعْرِضْ عن ذكرِ اللَّهِ، فلم يَخَفْ سَطُوتَه، ولم يخشَ عقابَه، ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾. يقولُ: نجعلْ له شيطانًا يُغْوِيه، ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. يقولُ: فهو للشيطانِ قرينٌ، أي يصيرُ كذلك. وأصلُ العَشْوِ: النظرُ بغيرِ ثَبَتٍ لعلةٍ في العينِ، يقالُ منه: عَشا فلانٌ يَعْشُو عُشُوا وعَشْوًا. إذا ضَعُف بصرُه، وأظلمَت عينُه كأن عليها غشاوةً، كما قال الشاعرُ (^١):\nمتي تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِه … تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا\nيقولُ: متى تفتقرْ فتَأْتِه يغنِك (^٢).\nوأما إذا ذهَب البصرُ فلم يُبْصِرُ، فإنه يقالُ منه (^٣): قد عَشِيَ فلانٌ يَعْشَى عَشًى. منقوصٌ، ومنه قولُ الأعشَى (^٤):\nرَأَتْ رَجُلًا غائبَ الوافدَيـ … ـن مُخْتَلِفَ الخَلْقِ أَعْشَى ضَرِيرًا\nيقالُ منه: رجلٌ أعشَى، وامرأَةٌ عَشْواءُ.\nوإنما معنى الكلامِ: ومَن لا ينظر في حُجَجِ اللَّهِ بالإعراضِ منه عنه إلا نظرًا ضعيفًا، كنَظَرِ مَن قد عَشِيَ بصرُه، ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾.\n_________\n(^١) كذا أورد سيبويه هذا الشاهد غير منسوب. والشطر الأول للحطيئة في ديوانه ص ١٦١ وعجزه:\n* تجد خير نار عندها خير موقد *\nوالشطر الثاني لعبد بن الحر كما في الخزانة ٩/ ٩٠، وصدره:\n* متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا *\n(^٢) في ص، ت ١: \"يغثك\"، وفى م، ت ٢، ت ٣: \"يعنك\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيه\".\n(^٤) ديوانه ص ٩٥.","vol":"20","page":595},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8356>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾. يقولُ: إذا أعرَض عن ذكرِ الله نقيضُ له شيطانًا ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي في قولِه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾. قال: يُعْرِضُ.\nوقد تأوَّله بعضُهم بمعنى: ومَن يَعْمَ، ومَن تأوَّل ذلك كذلك، فيجبُ أن تكونَ قراءتُه: (ومَنْ يَعْشَ) بفتحِ الشينِ (^٢)، على ما بَيْتُ قبلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8357>ذكرُ مَن تأوَّله كذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾. قال: مَن يَعْمَ عن ذكرِ الرحمنِ.\n\n<span id=\"aya-4362\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾. يقولُ جلَّ وعزَّ: وإن الشياطينَ ليصُدُّون هؤلاء الذين يَعْشُون عن ذكرِ اللَّهِ، عن سبيل الحقِّ، فيُزَيِّنون لهم الضلالةَ، ويُكَرِّهون إليهم الإيمانَ باللَّهِ، والعملَ بطاعتِه، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. يقولُ: ويظنُّ المشركون باللَّهِ، بتَحْسينِ الشياطينِ لهم ما هم عليه مِن الضلالةِ، أنهم على الحقِّ والصوابِ، يخبرُ ﷿ عنهم، أنهم مِن الذي\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) وهى قراءة يحيى بن سلام البصري. البحر المحيط ٨/ ١٥ - ١٦.","vol":"20","page":596},{"text":"هم عليه من الشرك على شكٍّ، وعلى غير بصيرةٍ. وقال جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾. فأخرَج ذكرَهم مُخرجَ ذكرِ الجميعِ، وإنما ذكَر قبلُ واحدًا فقال: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾؛ لأنَّ الشيطانَ وإن كان لفظُه واحدًا، ففى معنى جمعٍ.\n\n<span id=\"aya-4363\"></span><span data-type='title' id=toc-8358>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾.</span>\nاختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ سِوى ابن مُحَيْصِنٍ، وبعضُ الكوفيِّين وبعضُ الشاميِّين: (حتى إذَا جاءانا) (^١) على التثنيةِ، بمعنى: حتى إذا جاءانا هذا الذي عَشِيَ عن ذكر الرحمنِ، وقرينُه الذي قُيِّضَ له من الشياطينِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ وابنُ مُحيْصِنٍ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ (^٢) على التوحيدِ، بمعنى: حتى إذا جاءنا هذا العاشِي مِن بنى آدمَ عن ذكرِ الرحمنِ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان مُتقاربتا المعنى، وذلك أن في خبرِ اللَّهِ ﵎ عن حالِ أحدِ الفريقَين عندَ مَقْدَمِه عليه، فيما اقترنا (^٣) فيه في الدنيا، الكفايةَ للسامعِ عن خبرِ الآخرِ، إذ كان الخبرُ عن حالِ أحدهما معلومًا به خبرُ حالِ الآخرِ، وهما مع ذلك قراءتان مُسْتفيضتان في قرأةِ الأمصارِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي بكر عن عاصم وأبي جعفر. ينظر السبعة ص ٥٨٦.\n(^٢) هي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. ينظر السبعة ص ٥٨٦. وقراءة ابن محيصن كما في البحر المحيط ٨/ ١٦. وفى الإتحاف ص ٢٣٨ أن ابن محيصن قرأ: (جاءانا). بخلاف ما ههنا.\n(^٣) في ص، م، ت ١: \"أقرنا\".","vol":"20","page":597},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8359>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (حتى إذا جاءانا). قال: هو وقرينُه جميعًا (^١).\nوقولُه: ﴿قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال أحدُ هذَين القريتَين لصاحبهِ الآخرِ: وَدِدتُ أنَّ بينى وبينَك بُعْدَ المشرقَين. أي: بُعْدَ ما بينَ المشرقِ والمغربِ، فغَلَّب اسمَ أحدِهما على الآخرِ، كما قيل: [سُنَّةُ العُمَرَين] (^٢). وكما قال الشاعرُ (^٣):\nأَخَذْنا بآفاقِ السماءِ عليكُمُ … لنا قَمَراها والنجومُ الطوالعُ\nوكما قال الآخرُ (^٤):\nفَبَصْرَةُ (^٥) الأَزْدِ مِنَّا والعراقُ لنا … والمَوْصِلانِ ومِنَّا مِصْرُ فالحَرَمُ\nيعني: الموصلَ والجزيرةَ، فقال: المَوْصِلان. فغَلَّب الموصِلَ.\nوقد قيل: عُنِى بقولِه: ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾: مشرقُ الشتاءِ، ومشرقُ الصيفِ؛ وذلك أن الشمسَ تطلعُ في الشتاءِ مِن مشرقٍ، وفى الصيفِ مِن مشرقٍ غيرِه، وكذلك المغربُ، تغربُ في مغربَين مختلفَين، كما قال جلَّ وعزَّ: ﴿رَبُّ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"شبه القمرين\"، وفى ت ٢: \"شبه العمرين\"، وفى ت ٣: \"شبه العميرين\". ويعنى بالعمرين أبا بكر وعمر، فغلب عمر.\n(^٣) هو الفرزدق. والبيت في ديوانه ص ٥١٩، وينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٣٣.\n(^٤) البيت في معاني القرآن للفراء ٣/ ٣٤ غير منسوب.\n(^٥) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢: \"وبصرة\".","vol":"20","page":598},{"text":"الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧].\nوذُكِر أن هذا قولُ أحدِهما لصاحبِه، عندَ لُزُوم كلِّ واحدٍ منهما صاحبَه، حتى يُورِدَه جهنمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8360>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن سعيدٍ الجُرَيرِيِّ. قال: بلَغنى أن الكافرَ إذا بُعِث يومَ القيامةِ مِن قبرِه، سَفَع (^١) بيدِه شيطانٌ، فلم يُفارِقْه حتى يُصيِّرَهما اللَّهُ إلى النارِ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾. وأما المؤمنُ فيُوَكَّلُ به مَلَكٌ، فهو معه، حتى قال: إما يفصلُ بين الناس، أو يصيرُ إلى ما شاء اللَّهُ.\n\n<span id=\"aya-4364\"></span>وقوله: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ [إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾. يقولُ جلَّ وعزَّ: ولن ينفعَكم اليومَ] (^٢) أيُّها العاشُون عن ذكرِ اللَّهِ في الدنيا، ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾. [يقولُ: إذ أشركتم فيها بربّكم] (^٣)، ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ يقولُ: لن يخفِّفَ عنكم مِن عذابِ الله اليومَ اشتراكُكم فيه؛ لأنَّ لكلِّ أحدٍ منكم نصيبَه الأوفرَ منه. و\"أنَّ\" مِن قولِه: ﴿أَنَّكُمْ﴾. في موضعِ رفعٍ؛ لِما ذكَرتُ من أن معناه: لن ينفعَكم اليومَ اشتراكُكم.\n\n<span id=\"aya-4365\"></span><span data-type='title' id=toc-8361>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢)﴾.</span>\n_________\n(^١) في مصدر التخريج: \"يشفع\"، وسفع بيده أي: أخذ بيده. النهاية ٢/ ٣٧٥.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧ إلى ابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":599},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أفأنت تُسْمِعُ مَن قد سَلَبَه اللَّهُ استماعَ حُجَجه التي احتجَّ بها في هذا الكتابِ، وأصَمَّه عنه، أو تَهْدِى إلى طريقِ الهُدى مَن أعمَى الله قلبَه عن إبصاره، واستحوَذ عليه الشيطانُ فزَيَّن له الرَّدَى، ﴿وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: أو تَهْدِى مَن كان في جَوْرٍ عن قَصْدِ السبيلِ، سالِكَ غيرِ سبيلِ الحقِّ، قد أبانَ ضلالُه أنه عن الحقِّ زائلٌ، وعن قصدِ السبيلِ جائزٌ. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ليس ذلك إليك، إنما ذلك إلى اللَّهِ الذي بيدِه صرفُ قلوبِ خلقِه كيف شاء، وإنما أنت مُنذِرٌ، فبَلِّغْهم النِّذارةَ.\n\n<span id=\"aya-4366\"></span>وقوله: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّين بهذا الوعيدِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى به أهلُ الإسلامِ من أُمة نبيِّنا محمدٍ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8362>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ العَنْبَرِيُّ، قال: ثنى أبي، عن أبي الأشْهَبِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾. قال: لقد كانت بعدَ نبيِّ اللَّهِ ﷺ نِقْمةٌ شديدةٌ، فأكرَم اللَّهَ نبيَّه ﷺ أن يُرِيَه في أمتِه ما كان مِن النقمة بعدَهُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾: فذهَب الله بنَبِيِّه ﷺ، ولم يُره في أمتِه إلا الذي تَقَرُّ به عينُه، وأبقَى اللَّهُ النقمةَ بعدَه، وليس مِن نبيٍّ إلا وقد رأى في أمتِه العقوبةَ - أو قال: ما لا يَشْتَهِي - ذُكِر لنا أن النبيَّ ﷺ أُرِىَ الذي لَقِيتُ أُمتُه من بعدِه، فما زال لا منقبضًا، ما استبسَط ضاحكًا حتى لَقِى اللَّهَ ﵎.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تَلا قتادةَ: ﴿فَإِمَّا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"20","page":600},{"text":"نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾. فقال: ذهَب النبيُّ ﷺ، وبقيت النِّقْمةُ، ولم يُرِ اللَّهُ نَبِيَّه ﷺ في أمتِه شيئًا يَكْرَهُه حتى مضَى، ولم يَكُنْ نبيٌّ قَطُّ إلا رأى العقوبةَ في أمتِه، إلا نبيَّكم ﷺ. قال: وذُكِر لنا أن النبيَّ ﷺ أُرِىَ ما يُصِيبُ أمتَه بعده، فما رُئِى ضاحكًا مستبسِطًا حتى قبَضه اللَّهُ (^١).\nوقال آخرون: بل عُنى به أهلُ الشركِ مِن قريشٍ. وقالوا: قد أَرَى اللَّهُ نبيَّه ذلك (^٢) فيهم.\n\n<span id=\"aya-4367\"></span><span data-type='title' id=toc-8363>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي في قولِه: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾: كما انتقَمنا مِن الأممِ الماضيةِ، ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾: فقد أَراه اللَّهُ ذلك وأظهَره عليه (^٣).\nوهذا القولُ الذي قاله السديُّ أولى التأويلَين في ذلك بالصوابِ؛ وذلك أن ذلك في سياقِ خبرِ اللَّهِ عن المشركين، فلأن يكونَ ذلك تهديدًا لهم، أَولى مِن أن يكونَ وعيدًا لمن لم يَجْرِ له ذكرٌ. فمعنى الكلامِ إذ كان ذلك كذلك: فإن نذهَبْ بك يا محمدُ مِن بين أظهُرِ هؤلاءِ المشركين، فنُخْرِجْكَ مِن بينِهم، ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾، كما فعَلنا ذلك بغيرِهم من الأممِ المُكَذِّبِةِ رُسُلَها، ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾، يا محمدُ من الظُّفَرِ بهم، وإعلائِك عليهم، ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾، أن نُظْهِرَك عليهم، ونخزيَهم بيدِك وأيدى المؤمنين بك.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٧ عن معمر به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٤٧ من طريق ابن ثور عن معمر عن قتادة عن أنس قوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في الأصل: \"عليهم\".","vol":"20","page":601},{"text":"<span id=\"aya-4368\"></span><span data-type='title' id=toc-8364>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فتَمَسَّكْ يا محمدُ بما يأمُرُك به هذا القرآنُ الذي أوحاه إليك ربُّك، ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، [يقول: إنك في تمسُّكِك به على طريقٍ مستقيمٍ] (^١) ومنهاجٍ سَديدٍ؛ وذلك هو دينُ اللَّهِ الذي أمَر به، وهو الإسلامُ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. أي: الإسلامُ (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾: بالقرآنِ؛ ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. [قال: على دينٍ مستقيمٍ] (١).\n\n<span id=\"aya-4369\"></span>وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وإن هذا القرآنَ الذي أُوحِيَ إليك يا محمدُ، الذي أمَرناك أن تستمسكَ به، لشَرَفٌ لك ولقومِك مِن قريشٍ، ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾. يقولُ: وسوف يسألُك ربُّك وإيَّاهم: عما عمِلتُم فيه، وهل عمِلتُم بما أمَرَكم ربُّكم فيه، وانتَهَيتُم عما نَهاكم عنه فيه؟\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":602},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8365>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. يقولُ: إن القرآنَ شَرَفٌ لك (^١).\nحدَّثنا عمرُو بنُ مالكٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. قال: يُقالُ للرجلِ: مِمَّن (^٢) أنت؟ فيقولُ: مِن العربِ. فيقالُ: مِن أيِّ العربِ؟ فيقولُ: مِن قريشٍ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾: وهو هذا القرآنُ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. قال: شَرَفٌ لك ولقومِك، يعنى القرآنَ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. قال: أو لم تَكُنِ النبوةُ والقرآنُ الذي أنزَل على نبيِّه ﷺ ذكرًا له ولقومِه.\n\n<span id=\"aya-4370\"></span><span data-type='title' id=toc-8366>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٢ - والطبراني (١٣٠٣٠) من طريق أبي صالح به، وأخرجه البيهقي في الشعب (١٣٩٤) من طريق سليمان بن قتة عن ابن عباس بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨ إلى ابن مردويه.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٣) أخرجه الشافعي في الرسالة ١/ ١٣، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٩، وابن أبي شيبة في مصنفه ١١/ ٤٥٦، وأبو نعيم في الحلية ٩/ ٦٥. والبيهقي في الشعب (١٣٩٥) من طريق سفيان بن عيينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"20","page":603},{"text":"دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾.\nاختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾. ومَن الذين أُمِر رسولُ الله ﷺ بمسألتِهم ذلك؟ فقال بعضُهم: الذين أُمِر بمسألتهم ذلك رسولُ الله ﷺ، مُؤمنو أهلِ الكتابين؛ التوراةِ والإنجيلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8367>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن ابن عُيَينةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قال: في قراءة عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ: (وسَلِ الَّذِينَ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلَنَا) (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾. إنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وسَلِ الَّذِينَ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلَنا) (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾. يقولُ: سَلْ أهلُ التوراةِ والإنجيلِ: هل جاءتْهم الرسلُ إلا بالتوحيدِ أن يوحِّدوا اللَّهَ وحدَه؟ قال: وفى بعضِ القراءةِ: (وَاسْأَلِ الَّذِينَ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلَنا قَبْلَك أَجعلَنا مِن دونِ الرحمن آلهَةً يُعْبَدُون).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في بعضِ الحروفِ: (وسَلِ الَّذِينَ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا). يقولُ: سَلْ أهلُ الكتاب؛\n_________\n(^١) هي قراءة شاذة. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في مخطوط مكتبة المحمودية لوحة ٣٧٥ - إلى المصنف وسعيد بن منصور. وذكر القرطبي في تفسيره أنها قراءة مفسرة.\n(^٢) ينظر تفسير البغوي ٧/ ٢١٦، وتفسير القرطبي ١٦/ ٩٥.","vol":"20","page":604},{"text":"أمَا كانت الرسلُ تأتيهم بالتوحيد؟ أمَا كانت تأتى بالإخلاصِ (^١)؟\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتَ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبَيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾: في قراءةِ ابن مسعودٍ: (وسَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُون الكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ)، يعنى: مؤمنى أهلِ الكتابِ (^٢).\nوقال آخرون: بل الذين أُمِر بمسئلتِهم ذلك الأنبياءُ، الذين جُمِعوا له ليلةَ أُسْرِى به ببيتِ المقدسِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8368>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ الآية. قال: جُمِعوا له ليلةَ أُسْرِى به ببيتِ المقدسِ، فأمَّهم وصلَّى بهم. فقال اللَّهُ له: سَلْهُمْ. قال: فكان أشدَّ إيمانًا ويقينًا باللَّهِ وبما جاءه مِن اللَّهِ مِن أن يسألَهم. وقرأ: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]. قال: فلم يَكُنْ فِي شَكٍّ، ولم يسألِ الأنبياءَ، ولا الذين يقرءُون الكتابَ. قال: \"ونادَى جبريلُ ﵇. فقلتُ في نفسى: الآنَ يَؤُمُّنا أبونا إبراهيمُ\". قال: \"فدفَع جبريلُ في ظَهْرِى، وقال: تقدَّمْ يا محمدُ فصَلِّ\"، وقرَأ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، حتى بلغ: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ (^٣) [الإسراء: ١].\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٧، وفى مصنفه (١٠٢١٠) عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في مخطوطة مكتبة المحمودية لوحة ٣٧٥ - إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩ إلى المصنف.","vol":"20","page":605},{"text":"وأولى القولين بالصواب في تأويل ذلك قولُ مَن قال: عُنى به: سَلْ مؤمنى أَهلِ الكتابين.\nفإن قال قائل: وكيف يجوز أن يقال: سَل الرسل، فيكون معناه: سَل المؤمنين بهم وبكتابهم؟ قيل: جاز ذلك من أجل أن المؤمنين بهم وبكتبهم أهل بلاغ عنهم ما أَتَوهم به عن ربهم، فالخبرُ عنهم وعما جاءوا به من ربهم، إذا صح، بمعنى خبرهم، والمسألة عما جاءوا به بمعنى مسألتهم، إذا كان المسئولُ مِن أهل العلم بهم، والصدقِ عليهم، وذلك نظيرُ أمرِ اللهِ إيَّانا بِرَدِّ ما تَنَازَعْنا فيه إلى الله والرسول، يقولُ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. ومعلوم أن معنى ذلك: فرُدُّوه إلى كتاب اللهِ وسُنَّةِ الرسولِ؛ لأن الردَّ إلى ذلك رَدٌّ إلى الله والرسول. وكذلك قولُه: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾. إنما معناه: فاسأل كتب الذين أرسلنا من قبلك من الرسل، فإنك تعلم صحة ذلك من قبلها (^١)، فاسْتُغْنى بذكرِ الرسلِ مِن ذكرِ الكتب، إذ كان ذلك معلومًا معناه.\nوقوله: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾. يقولُ: أمرناهم بعبادة الآلهة من دونِ اللهِ، فيما جاءوهم به، أو أتوهم بالأمر بذلك من عندنا؟\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8369>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾: أَتتهم الرسلُ يأمرونهم بعبادة أحدٍ (^٢) مِن دونِ اللَّهِ؟\n_________\n(^١) في م: \"قبلنا\".\n(^٢) في ص: \"آلهة\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الآلهة\".","vol":"20","page":606},{"text":"وقيل: ﴿آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، فأخرج الخبر عن الآلهة مُخرج الخبر عن ذكور بنى آدم، ولم يَقُلْ: تُعْبَدُ. ولا: يُعْبَدْنَ. فتؤنث وهى حجارةٌ، أو بعض الجماد، كما تفْعَلُ بالخبر (^١) عن بعض الجمادِ، وإنما فُعِل ذلك كذلك، إذ كانت تُعبدُ وتُعَظَّمُ تعظيمَ الناسِ ملوكهم وسَرَاتَهم، فأُجْرِى الخبرُ عنها مُجْرَى الخبر عن الملوك والأشراف من بنى آدم (^٢).\n\n<span id=\"aya-4371\"></span><span data-type='title' id=toc-8370>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤه: ولقد أرسلنا موسى يا محمد بحججنا إلى فرعون وأشراف قومه، كما أرسلناك إلى هؤلاء المشركين من قومك، فقال لهم موسى: إني رسولُ رب العالمين. كما قلت أنت لقومك من قريش: إنى رسول الله إليكم.\n\n<span id=\"aya-4372\"></span>﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾. يقولُ: فلما جاء موسى فرعون وملأه بحججنا وأدلتنا على [حقيقة ما دعاهم إليه كما جئتَ أنتَ قومك بحججنا على] (^٣) صدق [قولك فيما تدعوهم] (^٤) إليه من توحيدِ اللهِ، والبراءةِ من عبادة الآلهة - إذا فرعون وقومه مما جاءهم به موسى من الآياتِ والعِبَرِ يضحكون، كما أن قومك مما جئتهم به مِن الآيات والعبر يَسْخَرون. وهذا تَسْليةٌ من الله، ﷿، نبيه ﷺ عما كان يَلْقَى من مشركي قومه، وإعلامٌ منه له أن قومه من أهل الشرك لن يَعْدُوا أن يكونوا كسائر الأمم الذين كانوا على منهاجهم في الكفر بالله وتكذيب رُسُلِه، ونَدْبٌ منه نبيَّه ﷺ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في الخبر\".\n(^٢) ينظر معاني القراء ٣/ ٤٣.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م: \"قوله فيما يدعوهم\".","vol":"20","page":607},{"text":"إلى الاستنانِ في الصبر عليهم بسُنَنِ ذوى (^١) العزم من الرسل، وإخبارٌ منه له أن عُقْبَى مَرَدَتِهم إلى البَوارِ والهلاكِ، كسُنَّتِه في المتمرِّدين عليه قبلهم، وإظفارِه بهم، وإعلائِه أمره، كالذى فعل بموسى ﵇، وقومه الذين آمنوا به؛ مِن إظهارهم على فرعون وملئه.\n\n<span id=\"aya-4373\"></span><span data-type='title' id=toc-8372>القولُ في تأويل قوله ﷿: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨)﴾.</span>\nيقولُ ﷿: وما نُرِى فرعون وملاه آيةً، يعني: حُجَّةٌ لنا عليه بحقيقة ما يدعوه إليه رسولنا موسى، ﴿إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾. يقولُ: إلا التي نُرِيهِ مِن ذلك أعظم في الحجَّةِ عليهم، وأَؤكدُ مِن التي مَضَت قبلَها مِن الآياتِ، وأدلُّ على صحة ما يأمُرُه به موسى مِن توحيدِ اللهِ.\nوقوله: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾. يقولُ: وأنزلنا بهم العذابَ. وذلك كأخذه تعالى ذكره إياهم بالسنين، ونقص من الثمرات، وبالجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدمِ؛ ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ [الأعراف: ١٣٣].\nوقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. يقولُ: ليرجعوا عن كفرهم بالله، إلى توحيده وطاعته، والتوبة مما هم عليه مُقيمون من معاصيهم.\nكما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: أي: يتوبون، أو: يَذَّكَّرون (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-8371>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ</span>\n_________\n(^١) في م: \"أولى\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٥٧٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":608},{"text":"إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾.\n\n<span id=\"aya-4374\"></span>يقول تعالى ذكره: قال فرعون ومَلَؤُه لموسى: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾. وعَنَوا بقولهم: ﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: بعهده الذي عهد إليك، أنَّا إنْ آمَنَّا بك واتَّبَعْناك، كشف عنا الرِّجُزُ.\nكما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قولِ اللهِ ﷿: ﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾. قال: لئن آمَنَّا ليكشفنَّ عنا العذابُ (^١).\nإن قال لنا قائل: وما وجه قيلهم: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾؟ وكيفَ سَمَّوه ساحرًا وهم يَسْألونه أن يَدْعُو لهم ربَّه؛ ليكشف عنهم العذابَ؟ قيل: إن الساحر عندهم كان معناه: العالم، ولم يَكُن السحرُ عندَهم ذَمًّا، وإنما دَعوه بهذا الاسم؛ لأن معناه عندهم كان: يا أيها العالم.\nوقوله: ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾. يقولُ: قالوا: إننا لمتَّبِعوك فمُصَدِّقوك فيما جئتنا به، ومُوَحِّدو الله، فمُبْصِرو سبيل الرشادِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8373>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾. قال: قالوا: يا موسى ادع لنا ربك\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٩٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":609},{"text":"لئن كشفتَ عَنَّا الرجزَ لنُؤمِنَنَّ لك.\n\n<span id=\"aya-4375\"></span>وقوله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: فلما رفعنا عنهم العذابَ الذي أنزَلْنا بهم، الذي وعدوا أنهم إن كُشف عنهم اهْتَدَوا لسبيل الحقِّ، إذا هم بعد كشفنا ذلك عنهم يَنْكُثون العهد الذي عاهَدونا. يقولُ: يغدرون ويُصِرُّون على ضلالهم، ويَتمادون في غَيِّهم.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8374>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾. إذا هم: يَغْدِرون (^١).\n\n<span id=\"aya-4376\"></span><span data-type='title' id=toc-8375>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾: مِن القِبْطِ، فقال: ﴿يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ يعنى بقوله: ﴿مِنْ تَحْتِي﴾: مِن بين يَدَيَّ في الجنانِ.\nكما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾. قال: كانت لهم جنانٌ وأنهارُ ماءٍ (^٢).\nوقوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: أفلا تبصرون أيها القومُ ما أنا فيه من\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد.","vol":"20","page":610},{"text":"النعيم والخير، وما فيه موسى من الفقر وعيِّ اللسان؟ افتخر بملكه مصر عدو الله، وما قد مُكِّنَ له في الدنيا، استدراجًا مِن الله له، وحَسِب أن الذي هو فيه من ذلك ناله بأيده (^١) وحَوْلِه (^٢)، وأن موسى إنما لم يَصِل إلى الذي [هو فيه لضعفه] (^٣)، فنسبه من أجل ذلك إلى المهانة، مُحْتَجا على جَهَلة قومِه بأن موسى ﵇ لو كان مُحِقًّا فيما يأتى به من الآيات والعبر، ولم يَكُنْ ذلك سِحْرًا، لأكسَبَ نفسَه مِن الملكِ والنعمة، مثل الذي هو فيه من ذلك، جهلا بالله، واغترارًا منه بإملائه إياه.\n\n<span id=\"aya-4377\"></span><span data-type='title' id=toc-8377>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ (^٤) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قيل فرعون لقومه، بعد احتجاجه عليهم بملكه وسُلْطانِه، وبيان لسانه، وتمام خلقه، وفضل ما بينه وبين موسى؛ بالصفات التي وصف بها نفسَه وموسى: أنا خيرٌ أيُّها القوم، وصفتى هذه الصفة التي وصفت لكم، أم هذا الذي هُو مَهينٌ لا شيء له مِن المُلْكِ والأموال، مع العلة التي به في جسده، والآفة التي به بلسانه، فلا يكادُ مِن أجلها يُبينُ كلامه؟\nوقد اختلف في معنى قوله: ﴿أم﴾ في هذا الموضع؛ فقال بعضهم: معناها: بل أنا خيرٌ، وقالوا: ذلك خبرٌ، لا استفهامٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8376>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى قوله: ﴿أَمْ أَنَا\n_________\n(^١) في م: \"بيده\"، وأيده: قوته. الوسيط (أ ى د).\n(^٢) في الأصل: \"قوته\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يصفه\".\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٣: \"أساورة\". وهما قراءتان متواترتان كما سيأتي في ص ٦١٤.","vol":"20","page":611},{"text":"خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾. قال: بل أنا خيرٌ من هذا.\nوبنحو ذلك كان يقولُ بعضُ أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة.\nوقال بعض نحويّي الكوفة: هو من الاستفهام الذي جعل بـ \"أم\"؛ لاتصاله بكلامٍ قبله. قال: وإن شئتَ رَدَدْتَه على قوله: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾؟ وإذا وُجِّه الكلام إلى أنه استفهام، وجب أن يكون في الكلام محذوف استغنى بذكر ما ذكر مما تُرك ذكره، ويكون معنى الكلام حينئذ: أنا خيرٌ أيُّها القومُ من هذا الذي هو مَهِينٌ، أم هو؟\nوذكر عن بعض القرأة أنه كان يقرأُ ذلك: (أَمَا (^١) أنا خَيْرٌ)؟\nحُدِّثْتُ بذلك عن الفراءِ، قال: أخبرني بعضُ المشيخة، أنه بلغه أن بعض القرأة قرأه كذلك (^٢).\nولو كانت هذه القراءةُ قراءةً مُسْتفيضةً في قَرَأةِ الأمصار، لكانت صحيحة، وكان معناها حَسَنًا، غير أنها خلافُ ما عليه قرأة الأمصار، فلا أستجيز القراءة بها، وعلى هذه القراءة، لو صحت، لا كُلْفةَ له في معناها ولا مُؤْنةَ.\nوالصوابُ مِن القراءة في ذلك ما عليه قرأة الأمصار.\nفأولى التأويلات بالكلام، إذ كان ذلك كذلك، تأويلُ مَن جَعَل: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ من الاستفهام الذي جعل بـ ﴿أم﴾؛ لاتصاله بما قبله من الكلام، ووَجهَه إلى أنه بمعنى: أأنا خيرٌ من هذا الذي هو مهين أم هو؟ ثم ترك ذكره \"أم هو\"؛ لما في الكلام من الدليل عليه.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٣: \"أم\" وقراءة (أما) شاذة. ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٣٥.\n(^٢) معاني القرآن للفراء ٣/ ٣٥.","vol":"20","page":612},{"text":"وعنى بقوله: ﴿مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾: من هذا الذي هو ضعيف لقِلَّةِ ماله، وأنه ليس له (^١) من الملك والسلطان ما له.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8378>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾. قال: ضعيفٌ (^٢).\nحدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾. قال: المهينُ: الضعيف.\nوقوله: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾. يقولُ: ولا يكادُ يُبينُ الكلامَ مِن عِي لسانه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8379>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾.\nأي: عَييُّ اللسان (^٣).\nحدثنا محمد، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباط،، عن السدى: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾: الكلام.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد.\n(^٣) في ت ٢: \"عن لسانه\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد.","vol":"20","page":613},{"text":"<span id=\"aya-4378\"></span>وقوله: (فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسَاوِرَةٌ (^١) مِنْ ذَهَبٍ). يقولُ: فهَلا أُلْقِيَ على موسى إن كان صادقًا أنه رسولُ ربِّ العالمين، أسورَةٌ مِن ذَهَبٍ، وهو جمعُ سوار، وهو [القَلْبُ الذي يُجْعَلُ] (^٢) في اليدِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8380>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾. يقولُ: أَقْلِبَةٌ مِن ذهب.\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾. أي: أَقْلِبَةٌ مِن ذهب (^٣).\nواختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة المدينة والبصرة والكوفة: (فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَساوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ) (^٤).\nوذكر عن الحسن البصرى أنه كان يقرؤُه: ﴿أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ (^٥).\nوأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندى ما عليه قَرَأَةُ الأمصار، وإن كانت الأخرى صحيحة المعنى.\n_________\n(^١) في م: \"أسورة\".\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"العليا الذي تجعل\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩ إلى المصنف وعبد الرزاق.\n(^٤) هي قراءة الجميع إلا يعقوب وعاصمًا في رواية حفص. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٨٧، والنشر ٢/ ٢٧٦.\n(^٥) وهى قراءة حفص عن عاصم، ويعقوب ووافقهما الحسن. ينظر النشر ٢/ ٢٧٦، وإتحاف فضلاء البشر ص ٢٣٨.","vol":"20","page":614},{"text":"واختلف أهل العربية في واحدِ الأساورة، والأسورةِ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرة: الأسورة جمعُ إسْوارٍ، قال: والأساورة جمع الأسْورةِ، وقال: ومَن قرأ ذلك: (أساورةٌ)، فإنه أراد أساوير، والله أعلم، فجعل \"الهاء\" عوضًا من الياء، مثل الزنادقة، صارت \"الهاءُ\" فيها عوضًا مِن الياء التي في زناديق.\nوقال بعضُ نحويى الكوفة (^١): مَن قَرأ: (أساورةٌ) جعَل واحدها: إسوارٌ، ومن قرأ: ﴿أَسْوِرَةٌ﴾ جعل واحدها: سوارٌ. وقال: قد تكونُ الأَساورةُ جمع أَسْورة، كما يقالُ في جمعِ الأسْقية: الأساقي. وفى جمعِ الأَكْرُعِ: الأَكَارِعُ. وقال آخر منهم: قد قيل في سوار اليد: يجوز فيه أُسْوارٌ وإسْوارٌ، قال: فيجوز على هذه اللغة أن يكونَ \"أساورةٌ\" جمعه. وحُكى عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقولُ: واحد الأساورة إسوارٌ. قال: وتصديقه في قراءةِ أُبَى بن كعبٍ: (فَلَولا أُلْقِيَ عليه أساورة من ذهب) فإن كان ما حكى من الرواية، مِن أنه يجوز أن يقال في سِوارِ اليد: إسوارٌ، فلا مُؤنةَ في جمعِه أَسَاوِرَةٌ، ولستُ أعلم ذلك صحيحًا عن العرب برواية عنها، وذلك أن المعروف في كلامهم من معنى الإسْوار: الرجلُ الرامي؛ الحاذق بالرَّمْي، من رجالِ العَجَمِ. وأما الذي يُلْبَسُ في اليدِ، فإن المعروف مِن أسمائه عندهم سوار.\nفإذا كان ذلك كذلك، فالذى هو أولى بالأساورة أن يكون جمع أَسْورةٍ على ما قاله الذي ذكرنا قوله في ذلك.\nوقوله: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾. يقولُ: أَو هَلَّا إن كان صادقًا جاء معه الملائكةُ مقترنين، قد اقترن بعضُهم ببعض، فَتَتابعوا يشهدون له بأنه للَّهِ رسول إليهم؟\n_________\n(^١) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٣٥.","vol":"20","page":615},{"text":"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في العبارة على تأويله؛ فقال بعضُهم: يمشون معًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-8381>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ قال: يمشون معا (^١).\nوقال آخرون: متتابعين.\n\n<span data-type='title' id=toc-8382>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾. أي: مُتتابعين.\nحدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة مثله (^٢).\nوقال آخرون: يُقارِنُ بعضُهم بعضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-8383>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾. قال: يُقارِنُ بعضُهم بعضًا.\n\n<span id=\"aya-4379\"></span><span data-type='title' id=toc-8384>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا</span>\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٩٤، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٧ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":616},{"text":"فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾.\nيقول تعالى ذكره: فاستَخَفَّ فرعون حلوم (^١) قومِه مِن القِبْطِ، بقوله الذي أخبر الله ﵎ عنه أنه قاله لهم، فقبلوا ذلك منه، فأطاعوه وكذَّبوا موسى. قال الله: وإنما أطاعوا فاسْتَجابوا لما دعاهم إليه عدو اللَّهِ مِن تَصْدِيقِه، وتَكذيب موسى؛ لأنهم كانوا قومًا عن طاعة الله خارِجين؛ بخذلانِه إيَّاهم، وطَبْعِه على قلوبهم. يقولُ الله ﵎: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾. يعنى بقوله: آسَفُونا: أغضبونا (^٢).\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8385>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾. يقولُ: أسخطونا (^٣).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾. يقولُ: لما أغضَبونا (^٤).\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خلق\"، وفى م: \"خلق من \"، والحلوم: جمع حلم، وهو العقل. اللسان (ح ل م).\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عصونا\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٦ - من طريق أبي صالح به.\n(^٤) في ت ٢، ت ٣: \"عصونا\".","vol":"20","page":617},{"text":"<span id=\"aya-4380\"></span>قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾. قال: أغضَبونا (^١).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾. قال: أغضَبوا ربهم.\nحدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾.\nقال: أغضَبونا (^٢).\nحدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾. قال: أغضبونا (^٣)، وهو على قول يعقوب: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]. قال: يا حَزَنى على يوسفَ.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾. قال: أغضَبونا (^٤).\nوقوله: ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾. يقولُ: انتقمنا منهم بعاجل العذاب الذي عجلناه لهم، فأغرقناهم أجمعين في البحرِ.\n\n<span id=\"aya-4381\"></span><span data-type='title' id=toc-8386>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦) وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾.</span>\nاختلفت القرأة في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامة قرأة الكوفة غير عاصمٍ: (فجعلناهم سُلُفا) بضم السين واللام (^٥)؛ توجيهًا ذلك منهم إلى جمع سليفٍ من\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٩٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢١٩.\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٣٠٦.\n(^٥) هي قراءة حمزة والكسائى. ينظر حجة القراءات ص ٦٥١.","vol":"20","page":618},{"text":"الناس، وهو المتقدم أمام القوم، وحكى الفراء أنه سمع القاسم بنَ مَعْنٍ يَذكُرُ أنه سمع العرب تقولُ: مضَى سَلِيفٌ مِن الناسِ (^١).\nوقرأته عامة قرأة المدينة والبصرة وعاصم: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾ بفتح السين واللام (^٢). وإذا قُرِئ ذلك كذلك احتمل أن يكونَ مُرادًا به الجماعةُ والواحد، والذكر والأنثى؛ لأنه يقال للقوم: أنتم لنا سَلَفٌ. وقد يُجمعُ الخبر الذي روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"يذهب الصالحون أسلافًا\" (^٣).\nوكان حميدٌ الأعرج يقرأُ ذلك: (فَجَعَلْناهُمْ سُلَفا) (^٤) بضم السين، وفتح اللام؛ توجيهًا منه ذلك إلى سلفةٍ من الناس، مثل (^٥) أمةٍ منهم، وقطعةٍ.\nوأولى القراءاتِ في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بفتح السين واللام (^٦)؛ لأنها اللغة الجودى، والكلام المعروف عند العرب. وأحقُّ اللغاتِ أن يُقرأ بها كتابُ اللهِ من لغاتِ العرب أفصحُها وأشهرُها فيهم. فتأويل الكلام إذن: فجعلنا هؤلاء الذين أغرقناهم من قوم فرعونَ في البحرِ، مُقَدَّمَةً يَتَقَدَّمون إلى النارِ كفار قومك يا محمد من قريش، وكفارُ قومك لهم بالأَثَرِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) ينظر معاني القرآن ٣/ ٣٦.\n(^٢) ينظر حجة القراءات ص ٦٥٢.\n(^٣) أخرجه الدارمي في سننه ٢/ ٣٠١، والبخارى في التاريخ الكبير ٧/ ٤٣٤، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٢٣٦٨، ٢٣٦٩)، والحاكم ٤/ ٤٠١، وغيرهم من حديث مرداس الأسلمى.\n(^٤) هي قراءة مجاهد وحميد. مختصر الشواذ ص ١٣٦.\n(^٥) سقط من: م. وينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٣٦.\n(^٦) القراءتان الأولى والثانية متواترتان.","vol":"20","page":619},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8387>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾. قال: قوم فرعون كفارهم سلفٌ (^١) لكفار أمة محمد ﷺ (^٢).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾: في النار.\nحدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن مَعْمَرٍ، [عن قتادة] (^٣): ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾. قال: سَلَفًا إلى النار (^٤).\nوقوله: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾. يقولُ: وعِبْرةً وعِظَةً يتعظ بهم من بعدهم من الأمم، فينتهوا عن الكفر بالله.\nوبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8388>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سلفا\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٩٤، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٧ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":620},{"text":"﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ (^١). قال: عبرةً لَمَن بعدهم (^٢).\nحدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾. أي: عِظَةً للآخرين (^٣).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾. أي: عِظَةً لَمَن بعدهم.\nحدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا﴾. قال: عبرةً.\n\n<span id=\"aya-4382\"></span>وقوله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ولما شَبَّه الله عيسى - في إحداثه وإنشائه إياه من غيرِ فَحْلٍ - بآدم، فمثَّله به بأنه خلقه من تراب من غيرِ فَحْلٍ، إذا قومك يا محمد من ذلك يَضِجُّون (^٤) ويقولون: ما يريدُ محمدٌ مِنَّا إلا أن نتخِذَه إلها نعبده، كما عبدت النصارى المسيح.\nواختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم الذي قلنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8389>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثنى\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"هي عظة للآخرين\"، وفى ت ٣: \"أي أي عظة للآخرين\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٩٤، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٧ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في ت ١: \"يصدون\".","vol":"20","page":621},{"text":"الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يَضِجُّون. قال: قالت قريش: إنما يريد محمدٌ أن نعبده كما عبدَ قومُ عيسى عيسى (^١).\nحدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة قال: لما ذُكر عيسى ابن مريم جزعت قريشٌ من ذلك، وقالوا: يا محمد ما ذكرك (^٢) عيسى ابن مريم؟ وقالوا: ما يريدُ محمد إلا أن نصنع به كما صنعت النصارى بعيسى ابن مريم. فقال الله ﷿: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ (^٣).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: لما ذكر عيسى في القرآن قال مُشركو قريش: يا محمد ما أردتَ إلى ذكر عيسى؟ قال: وقالوا: إنما يريد أن نُحبّه كما أحَبَّت النصارى عيسى.\nوقال آخرون: بل عُنى بذلك قول الله ﷿: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء: ٩٨]. [وقيل المشركين] (^٤) عند نزولها: قد رَضِينا بأن تكون آلهتنا مع عيسى وعُزير والملائكة؛ لأن كلَّ هؤلاء مما يُعبدُ مِن دونِ اللهِ. فقال الله ﷿: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٩٤، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٧ - بنحوه مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في النسخ: \"ذكرت\"، والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وقال المشركون\".","vol":"20","page":622},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8390>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾. قال: يعنى قريشًا لما قيل لهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء: ٩٨]. فقالت له قريشٌ: فما ابن مريم؟ قال: ذاك عبد الله ورسوله. فقالوا: والله ما يريدُ هذا إلا أن نتخذه ربًّا، كما اتَّخَذَت النصارى عيسى ابن مريمَ رَبًّا. فقال الله ﷿: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ (^١).\nواختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿يَصِدُّونَ﴾؛ فقرأته عامة قرأة المدينة، وجماعةٌ مِن قرأةِ الكوفة: (يَصِدُّونَ) بضمِّ الصادِ (^٢).\nوقرأ ذلك بعضُ قرأة الكوفة والبصرة ﴿يَصِدُّونَ﴾ الله بكسر الصادِ (^٣).\nواختلف أهل العلم بكلام العرب في فرقِ ما بين ذلك، إذا قُرِئَ بضم الصادِ، وإذا قُرِئ بكسرها؛ فقال بعض نحويى البصرة، ووافقه عليه بعضُ الكوفيين: هما لغتان بمعنى واحدٍ، مثلَ يَشِدُّ ويَشُدُّ، ويَنمُ ويَنُمُ مِن النميمة.\nوقال آخرُ منهم: مَن كسر الصادَ فمجازها: يَضِجُّون، ومَن ضَمَّها فَمَجازُها: يَعْدِلون (^٤). وقال بعضُهم: مَن كسرها فإنه أرادَ يَضِجُّون، ومَن ضَمَّها فإنه أراد الصدودَ عن الحقِّ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٢١ عن العوفى به، وعزاه إلى المصنف.\n(^٢) هي قراءة نافع وابن عامر والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ٦٥٢.\n(^٣) وهى قراءة ابن كثير وعاصم وأبي عمرو وحمزة. ينظر حجة القراءات الموضع السابق.\n(^٤) ينظر مجاز القرآن ٢/ ٢٠٥.","vol":"20","page":623},{"text":"وحدثت عن الفرَّاءِ، قال: ثني أبو بكر بن عياشٍ، أن عاصمًا ترك (يَصُدُّون) من قراءة أبي عبد الرحمن، وقرأ: ﴿يَصِدُّونَ﴾. قال: وقال أبو بكر: حدثني عاصم، عن أبي رزين، عن أبي يحيى، أن ابن عباس قرأ: ﴿يَصِدُّونَ﴾. أي: يَضِجُّون (^١).\nقال: وفي حديث آخر أن ابن عباس لَقِى ابن أخي عُبَيدِ بن عُمَيرٍ، فقال: إن عمَّك (^٢) لعربيٌّ، فماله يَلحَنُ في قوله: (إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّون) إنما هي ﴿يَصِدُّونَ﴾ (^٣)؟\nوالصوابُ مِن القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، ولغتان مشهورتان بمعنى واحدٍ، ولم نجد أهل التأويل فرَّقوا بين معنى ذلك إذا قُرئ بالضمِّ والكسر، ولو كان مختلفًا معناه، لقد كان الاختلافُ في تأويله بين أهله موجودًا وجودَ اختلافِ القراءة فيه باختلاف اللغتين، ولكن لما لم يكن مختلف المعنى لم يختلفوا في أن تأويله: يَضِجُّون ويجزعون، فبأى القراءتين قرأ القارئ فمصيبٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8391>ذكر [من قال] (^٤) ما قلنا في تأويل ذلك</span>\nحدثني على، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يضجُّون.\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٧، ١٩٨ من طريق عاصم به بدون ذكر أبي يحيى، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) في معاني القرآن: \"ابن عمك\".\n(^٣) معاني القرآن للفراء ٣/ ٣٦، ٣٧، والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":624},{"text":"أبيه، عن ابن عباس (^١): ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يَضِجُّون.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو حمزة، عن المغيرة الضبي، عن الصعب بن عثمان قال: كان ابن عباس يقرأُ: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. وكان يفسرها، يقولُ: يَضِجُّون.\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن (^٢)، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبى رزين، عن ابن عباس: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يَضِجُّون (^٣).\nحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدى، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس بمثله.\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قولِ الله ﷿: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يضجُّون (^٤).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يجزعون ويضجُّون (^٥).\n_________\n(^١) في ت ٢: \"مسعود\".\n(^٢) في ت ٢ ت ٣: \"ابن عبد الرحمن\".\n(^٣) تفسير الثورى ص ٢٧٣ بلفظ \"يضحكون\"، وأخرجه الطبراني (١٢٧٤٠) من طريق سفيان به مطولا، وأخرجه أحمد ٥/ ٨٥ (٢٩١٨)، والحارث بن أبي أسامة (٧١٩ - بغية) من طريق عاصم به مطولا، وزادا في الإسناد أبا يحيى بين أبى رزين وابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩، ٢٠ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٥٩٤، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٧ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٢٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":625},{"text":"حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر (^١)، عن عاصم بن أبى النَّجودِ، عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قرأها: ﴿يَصِدُّونَ﴾. أي: يضجُّون (^٢). وقرأ على ﵁: ﴿يَصِدُّونَ﴾ (^٣).\nحدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يضجُّون (^٤).\nحدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يضجُّون (^٥).\n\n<span id=\"aya-4383\"></span><span data-type='title' id=toc-8392>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وقال مُشركو قومك: يا محمد آلهتنا التي نعبُدُها خيرٌ أم محمد، فنعبد محمدا ونترك آلهتنا؟\nوذُكر أن ذلك في قراءةِ أُبَيِّ بن كعبٍ: (أآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هَذَا).\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"عن قتادة\".\n(^٢) في ت ٢: \"يضجرون\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٧، ١٩٨ عن معمر به، وفيه أبو رزين بدل أبي صالح. وليس فيه قراءة عليّ. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٤) في ت ٢: \"يهجرون\". والأثر ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٢١٨، والقرطبي في تفسيره ١٦/ ١٠٣، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٢٠ بلفظ: \"يضحكون\".\n(^٥) في ت ٢: \"يضجرون\". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٢٠. بلفظ \"يضحكون\".","vol":"20","page":626},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8393>ذكرُ الرواية بذلك</span>\nحدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة أن في حرفِ أُبَيٍّ بن كعب: (وَقَالُوا أَآلهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هَذَا). يَعْنون محمدًا ﷺ.\nوقال آخرون: بل عُنى بذلك: آلهتنا خيرٌ أم عيسى؟\n\n<span data-type='title' id=toc-8394>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ في قوله: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا (^١) جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. قال: خاصَمُوه. فقالوا: تزعُمُ أن كلَّ مَن عُبِد مِن دونِ اللَّهِ في النارِ، فنحن نرضى أن تكون آلهتُنا مع عيسى وعُزيرٍ والملائكة، هؤلاء قد عُبدوا مِن دونِ اللهِ. قال: فأنزل الله ﷿ براءةَ عيسى (^٢).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ﴾. قال: عبد هؤلاء عيسى، ونحن نعبد الملائكة. وقرأ (^٣): ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ إِلى: ﴿فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾.\nوقوله تعالى ذكره: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾. يقول تعالى ذكره: ما مَثَّلُوا لك هذا المثل يا محمد، ولا قالوا لك هذا القول إلا جدلًا وخصومةً يُخاصمونك به، ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. يقول جل ثناؤه: ما بقومك يا محمد هؤلاء\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"مثلا\".\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٢١٨.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قوله\".","vol":"20","page":627},{"text":"المشركين، في محاجَّتهم إياك بما يُحاجُّونك به طلب الحقِّ: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾: يَلْتَمِسون الخصومة بالباطل.\nوذُكر عن النبي ﷺ أنه قال: \"ما ضَلَّ قوم عن الحقِّ إلا أُوتوا الجدل\".\n\n<span data-type='title' id=toc-8395>ذكرُ الرواية بذلك</span>\nحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يعْلى، قال: ثنا الحجاج بن دينار، عن أبي غالب، عن أبي أمامة قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ما ضَلَّ قوم بعدَ هُدًى كانوا عليه إلا أُوتوا الجدل\". ثم قرأ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (^١).\nحدثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ الكِنْدِى وأبو كريب، قالا: ثنا محمد بن بشرٍ، قال: ثنا حجاج بن دينارٍ، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ بنحوه (^٢).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن عبَّادِ بن عبَّادٍ، عن جعفر، عن (^٣) القاسم، عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ، خرج على الناس وهم يتنازعون في القرآن، فغضب غضبًا شديدًا، حتى كأنما صُبَّ على وجهه الخلّ ثم قال ﷺ: \"ولا تَضْرِبوا كتابَ اللهِ بعضه ببعضٍ، فإنه ما ضَلَّ قومٌ قط إلا أُوتوا\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٢٥٣)، وابن أبي عاصم في السنة (١٠١)، والطبراني (٨٠٦٨) من طريق يعلى به، وأخرجه أحمد ٥/ ٢٥٢، ٢٥٦ (الميمنية)، وابن أبي الدنيا في الصمت (١٣٦)، والعقيلي في الضعفاء ١/ ٢٨٦، والحاكم ٢/ ٤٤٧، ٤٤٨، والبيهقى في الشعب (٨٤٣٨)، والبغوي في تفسيره ٧/ ٢١٩ من طريق الحجاج بن دينار به.\n(^٢) أخرجه عبد بن حميد - كما في الدر المنثور ٦/ ٢٠ وعنه الترمذى (٣٢٥٣)، وابن ماجه (٤٨) من طريق محمد بن بشر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) في النسخ: \"بن\"، والمثبت من مصدرى التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٥/ ٣٢، ٢٣/ ٣٨٣.","vol":"20","page":628},{"text":"الجدل\". ثم تلا: \" ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ \" (^١).\n\n<span id=\"aya-4384\"></span>وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾. يقول تعالى ذكره: فما عيسى إلا عبدٌ من عبادنا، أنعَمنا عليه بالتوفيق والإيمانِ، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يقولُ: وجعلناه آيةً لبنى إسرائيل، وحُجَّةً لنا عليهم، بإرسالناه إليهم بالدعاء إلينا، وليس هو كما تقولُ فيه النصارى من أنه ابن اللهِ، [تَعالى الله عن ذلك] (^٢).\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8396>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾: يعنى بذلك عيسى ابن مريم، ما عدا ذلك عيسى ابن مري [أن كان] (^٣) عبدا أنعم الله عليه، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. أي: آيةً.\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، [عن معمرٍ] (^٤)، عن قتادة: ﴿مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. أحسبه قال: آية لبنى إسرائيل (^٥).\n\n<span id=\"aya-4385\"></span>وقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: ولو نشاء معشرَ بني آدم أهلكناكم، فأفْنَينا جميعكم، وجعلنا بَدَلًا منكم في\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٢٢ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٢٢٢ - من طريق القاسم به بنحوه.\n(^٢) في الأصل: \"﷿\"، وفى ص، ت ١ ت ٢: \"تعالى الله\"، وفي ت ٣: \"تعالى ذكره\".\n(^٣) في م: \"إن كان إلا\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إذ كان\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠ إلى عبد حميد.","vol":"20","page":629},{"text":"الأرضِ ملائكة يخلُفُونكم فيها يعبدوننى. وذلك نحو قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾ [النساء: ١٣٣].\nوكما قال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٣].\nالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، غير أن منهم من قال: معناه: يخلُفُ بعضُهم بعضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-8397>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾. يقولُ: يخلُفُ بعضُهم بعضًا (^١).\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾. قال: يَعْمُرُون الأرضَ بدلا منكم (^٢).\nحدثنا ابن عبدِ الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾. قال: يخلُفُ بعضُهم بعضًا، مكانَ بنى آدم (^٣).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٢٢.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٩٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":630},{"text":"مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾: لو شاء الله لجعل في الأرض ملائكة يخلُفُ بعضُهم بعضًا.\nحدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾. قال: خلفًا منكم (^١).\n\n<span id=\"aya-4386\"></span><span data-type='title' id=toc-8399>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢)﴾.</span>\nاختلف أهل التأويل في \"الهاءِ\" التي في قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾، وما المعنى بها، ومِن ذِكْرِ ما هي؛ فقال بعضُهم: هي من ذكر عيسى، وهى عائدة عليه. وقالوا: معنى الكلام: وإن عيسى ظهوره عَلَمٌ يُعلَمُ به مجئ الساعة؛ لأن ظهوره من أشراطها، ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا، وإقبال الآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-8398>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزِينٍ، عن أبي (^٢) يحيى، عن ابن عباس: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة). قال: خروج عيسى ابن مريم (^٣).\nحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدى، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٢٢.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تفسير الثوري ص ٢٧٣ - وعنده الحسن بدلًا من عاصم، وأخرجه الطبراني (١٢٧٤٠) من سفيان به، وأحمد ٥/ ٨٥ (٢٩١٨)، والحارث بن أسامة (٧١٩ - بغية) من طريق عاصم به، ولم يذكر \"أبا رزين\".","vol":"20","page":631},{"text":"رزين، عن ابن عباس بمثله، إلا أنه قال: نزول عيسى ابن مريم (^١).\nحدثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الأَحْمَسِيُّ، قال: ثنا غالب بن فائد (^٢)، قال: ثنا قيس، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة) (^٣). قال: نزول عيسى ابن مريم.\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، عن فُضَيل بن مرزوق، عن جابر، قال: كان ابن عباس يقولُ: ما أَدْرِى أعلم الناسُ تفسير هذه الآية، أم لم يفطنوا لها؟ (وإنه لعلمٌ للساعةِ). قال: نزول عيسى ابن مريم.\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة). قال: يعنى (^٤): عيسى ابن مريم.\nحدثني يعقوب، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالكٍ، وعوفٌ، عن الحسن أنهما قالا في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾. قالا: نزول عيسى ابن مريم. وقرأها أحدهما: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة) (^٥).\nحدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) أخرجه مسدد - كما في المطالب العالية (٤٠٩٤) من طريق شعبة به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٤٨ من طريق عكرمة عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"قائد\"، وقد تقدم في ١٦/ ٥٩٢. وينظر الجرح والتعديل ٧/ ٤٩.\n(^٣) ينظر مختصر الشواذ ص ١٣٦.\n(^٤) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"نزول\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٢٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠ إلى المصنف وعبد بن حميد من قول الحسن وحده.","vol":"20","page":632},{"text":"قوله: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة). قال: آية للساعة؛ خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة (^١).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة).\nقال: نزول عيسى ابن مريمَ عَلَمٌ للساعة؛ القيامةِ (^٢).\nحدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادة في قوله: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة). قال: نزول عيسى ابن مريمَ عَلَمٌ للساعةِ (^٣).\nحدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة). قال: خروج عيسى ابن مريمَ قبل يوم القيامةِ (^٤).\nحدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عُبَيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة). يعنى خروج عيسى ابن مريم ونزوله من السماء قبل يوم القيامة (^٥).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة). قال: نزول عيسى ابن مريمَ عَلَمٌ للساعة حينَ يَنزِلُ (^٦).\nوقال آخرون: \"الهاءُ\" التي في قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ مِن ذكرِ القرآن. وقالوا: معنى الكلام: وإن هذا القرآنَ لعَلَمٌ للساعةِ يُعْلِمُكم بقيامها، ويخبركم عنها وعن أهوالها.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٩٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه أبو عمرو الدانى في السنة الواردة في الفتن (٦٩٢) من طريق سعيد به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ١٠٥.\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ١٠٥، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٢٣.\n(^٦) ينظر البحر المحيط ٨/ ٢٥.","vol":"20","page":633},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8400>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقولُ: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾: هذا القرآنُ (^١).\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: كان ناس يقولون: القرآنُ عَلَمٌ للساعة (^٢).\nواجتمعت قرأةُ الأمصار في قراءةِ قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾. على كسرِ العين من العلم.\nوروى عن ابن عباس ما ذكرتُ عنه من فتحها، وعن قتادة والضحاكِ.\nوالصواب من القراءة في ذلك الكسر في العين؛ لإجماع الحجة من القرأة عليه. وقد ذُكر أن ذلك في قراءةِ أُبيٍّ: (وإنه لذكر للساعة)، فذلك مُصحح قراءةَ الذين قرءوا بكسر العين من قوله: ﴿لَعِلْمٌ﴾.\nوقوله: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾. يقول: فلا تَشُكُّنَّ فيها وفى مجيئها أيُّها الناس.\nكما حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾. قال: تَشُكون فيها (^٣).\nوقوله: ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾. يقول تعالى ذكره: وأطيعون فاعملوا بما أمرتكم به،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ١٠٧ بلفظ: \"فلا تكذبون بها\".","vol":"20","page":634},{"text":"وانتهوا عما نهيتكم عنه، ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. يقولُ: اتباعكم إِيَّاى أَيُّهَا النّاسُ في أمرى ونَهْيِي، ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. يقولُ: طريق لا اعوجاج فيه، بل هو قويمٌ.\n\n<span id=\"aya-4387\"></span>وقوله: ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾. يقول جل ثناؤه: ولا يَعْدِلَنَّكم الشيطان عن طاعتي فيما آمركم وأنهاكم، فتخالفوه إلى غيره، وتجوروا عن الصراط المستقيم فتَضِلُّوا، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. يقولُ: إن الشيطان لكم عدوٌّ يدعُوكم إلى ما فيه هلاككم، ويَصُدُّكم عن قصد السبيل؛ ليُوردَكم المهالك، ﴿مُبِينٌ﴾: قد أبانَ لكم عداوته، بامتناعه من السجودِ لأبيكم آدم ﵇، وإدلائه إياه بالغرور حتى أخرجه من الجنة حسدًا وبغيًا.\n\n<span id=\"aya-4388\"></span><span data-type='title' id=toc-8402>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ولما جاء عيسى بني إسرائيل، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾. يعنى: بالواضحات من الأدلة. وقيل: عُنى بالبيِّنات الإنجيل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8401>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾. أي: بالإنجيل (^١).\nوقوله: ﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾. قيل: عُنى بالحكمة في هذا الموضع النبوة.\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ١٠٧، ١٠٨.","vol":"20","page":635},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8403>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾. قال: النبوة (^١).\nوقد بينت معنى الحكمة فيما مضى من كتابنا هذا بشواهده، وذكرتُ اختلاف المختلفين في تأويله، فأغنَى ذلك عن إعادته في هذا الموضع (^٢).\nوقوله: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فيه﴾. يقولُ: ولأبين لكم معشر بني إسرائيل بعضَ الذي تختلفون فيه من أحكام التوراة.\nكما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. قال: من تبديل التوراة (^٣).\nوقد قيل: إن معنى \"البعض\" في هذا الموضع بمعنى الكُلِّ، وجعلوا ذلك نظير قول لبيد (^٤):\nتراك أمكنة إذا لم أرْضَها … أو يَعْتَلِق بعض النُّفُوسِ حِمامُها\nقالوا: الموتُ لا يعتلقُ بعض النفوس، وإنما المعنى: أو يعتلق (^٥) النفوس حمامها. وليس لما قال هذا القائلُ كبيرُ معنى؛ لأن عيسى إنما قال لهم: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾؛ لأنه قد كان بينهم اختلاف كثير في أسباب\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ١٠٨.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٥٧٥ - ٥٧٧.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٥٩٥.\n(^٤) شرح ديوانه ص ٣١٣.\n(^٥) في ت ٢ ت ٣: \"تعالق\".","vol":"20","page":636},{"text":"دينهم ودنياهم، فقال لهم: أُبيِّنُ لكم بعض ذلك. وهو أمر دينهم دون ما هم فيه مختلفون من أمر دنياهم؛ فلذلك خَصَّ ما أخبرهم أنه يُبَيِّنُه لهم.\nوأما قولُ لبيد: أو يَعْتَلِق بعض النفوس. فإنه إنما قال ذلك أيضا كذلك؛ لأنه أراد: أو يعتلق نفسه حِمامُها، فنفسه من بين النفوسِ لا شك أنها بعض لا كلٌّ.\nوقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. يقولُ: فاتَّقُوا رَبَّكم أيها الناسُ بطاعته، وخافوه باجتناب معاصيه، وأطيعون فيما أمرتكم به مِن اتِّقاءِ اللَّهِ واتباع أمرِه، وقبولِ نَصيحتي لكم.\n\n<span id=\"aya-4389\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾. يقول: إن الله الذي يستوجب علينا إفراده بالألوهة، وإخلاص الطاعة له، ربِّي وربُّكم جميعا، فاعبدوه وحده، لا تُشْرِكوا معه في عبادته شيئًا، فإنه لا يصلح، ولا ينبغى أن يُعبد شيءٌ سواه.\nوقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. يقولُ: هذا الذي أمرتكم به؛ مِن اتقاء الله وطاعتى وإفرادِ اللَّهِ بالألوهةِ، هو الطريق المستقيم، وهو دينُ اللَّهِ الذي لا يقبلُ مِن أحدٍ مِن عبادِه غيره.\n\n<span id=\"aya-4390\"></span><span data-type='title' id=toc-8404>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾.</span>\nاختلف أهل التأويل في المعنيِّين بالأحزاب، الذين ذكرهم الله في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك الجماعةُ التي تناظرت في أمر عيسى فاختلفت فيه.","vol":"20","page":637},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8405>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾. قال: هم الأربعةُ الذين أخرجهم بنو إسرائيل، يقولون في عيسى (^١).\nوقال آخرون: بل هم اليهود والنصارى.\n\n<span data-type='title' id=toc-8406>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي في قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾. قال: اليهود والنصارى (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقال: معنى ذلك: فاختلف الفِرَقُ المختلفون في عيسى ابن مريمَ مِن بين مَن دَعاهم عيسى إلى ما دَعاهم إليه؛ مِن اتقاء الله والعمل بطاعته، وهم اليهود والنصارى، ومَن اختلف فيه من النصارى؛ لأن جميعهم كانوا أحزابا متشتتين (^٣)، مُختلفى القول (^٤)، مع بيانه لهم أمر نفسه، وقوله لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.\nوقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾. يقول تعالى ذكره: فالوادى السائلُ مِن القَيْحِ والصَّديدِ في جهنم للذين كفروا بالله، الذين قالوا في عيسى ابن مريم بخلاف ما وصف عيسى به نفسه في هذه الآية، ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٨ عن معمر به.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ١٠٨.\n(^٣) في ص، م: \"مبتسلين\"، وفى ت ١: \"منسلبين\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"متسلين\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأهواء\".","vol":"20","page":638},{"text":"أَلِيمٍ﴾. يقول: من عذاب يوم [أليم عذابه] (^١) عذابه، ووصف اليوم بالإيلام، إذ (^٢) كان العذاب الذي يؤلمهم فيه، وذلك يوم القيامة.\nكما حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾. قال: من عذاب يوم القيامة.\n\n<span id=\"aya-4391\"></span>وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾. يقولُ: هل ينظرُ هؤلاء الأحزاب المختلفون في عيسى ابن مريم، القائلون فيه الباطل من القول، إلا الساعةَ التي فيها تقوم (^٣) القيامة [أن تأتيهم] (^٤) فجأةً، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: وهم لا يعلمون بمجيئها؟\n\n<span id=\"aya-4392\"></span><span data-type='title' id=toc-8408>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: المُتَخالُّون يومَ تقومُ الساعةُ على معاصى الله في الدنيا، بعضهم لبعض عدو، يتبرأ بعضُهم من بعض، إلا الذين كانوا تَخالُّوا فيها على تقوى الله.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8407>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أليم\"، وفى م: \"مؤلم\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"فإذ\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"فإذا\".\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"يوم\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":639},{"text":"الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. قال (^١): على معصية الله في الدنيا مُتَعادُون (^٢).\nحدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾؛ فكلُّ خُلَّةٍ في عداوةٌ إلا خُلَّةَ المتقين.\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن أبي إسحاق، أن عليًّا ﵁ قال: خليلان مؤمنان، وخَليلان كافران، فمات أحد المؤمنين فقال: يا رب إن فلانًا كان يأمرنى بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرنى بالخيرِ، ويَنْهاني عن الشَّرِّ، ويخبرُنى أنى مُلاقيك، يا ربِّ، فلا تُضِلَّه بعدى، واهْدِه كما هَديتنى، وأكرمه كما أكرمتنى. فإذا مات خليله المؤمن مجمع بينهما فيقول: ليُثْنِ أحدكما على صاحبه. فيقولُ: يا ربِّ، إنه كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرنى بالخير، ويَنْهانى عن الشَّرِّ، ويخبرني أنى مُلاقيك. فيقولُ: نعم الخليل، ونعم الأخ، ونعم الصاحب. قال: ويموتُ أحد الكافرين فيقولُ: يا ربِّ، إن فلانا كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك، ويأمُرُنى بالشَّرِّ، ويَنْهاني عن الخير، ويخبرني أنى غيرُ مُلاقيك. فيقولُ: بئس الأخُ، وبئسَ الخليل، وبئسَ الصاحبُ (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"فكل خلة\".\n(^٢) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٢: \"متعادين\". والأثر في تفسير مجاهد ص ٥٩٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه البغوي في تفسيره ٧/ ٢٢١ من طريق المصنف، وزاد في الإسناد بين معمر وأبي إسحاق: \"قتادة\"، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٩، والبيهقى في الشعب (٩٤٤٣) من طريق أبي إسحاق عن الحارث عن علي. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١ إلى عبد بن حميد وحميد بن زنجويه وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"20","page":640},{"text":"<span id=\"aya-4393\"></span>وقوله: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾. وفى هذا الكلام محذوفٌ استغنى بدلالة ما ذكر عليه. ومعنى الكلام: الأخلاء يومئذٍ بعضُهم لبعضٍ عدوٌّ إلا المُتَّقِين؛ فإنهم يقال لهم: يا عبادي، لا خوفٌ عليكم اليوم مِن عِقابي، فإني قد أمَّنْتُكم منه برِضَاى عنكم، ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا، فإن الذي قَدِمتُم عليه خيرٌ لكم مما فارَقتُموه منها.\nوذُكِر أن الناسَ يُنادون هذا النداء يوم القيامة، فيطمع فيها من ليس من أهلها، حتى يسمع قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. فَيَيْئَسُ منها عندَ ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-8409>[ذكرُ من قال ذلك]</span> (^١)\nحدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال (^٢): ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: سمعتُ أن الناس حينَ يُبعثون ليس منهم أحدٌ إلا فزع، فيُنادى منادٍ: يا عبادي (^٣)، لا خوفٌ عليكم اليومَ ولا أنتم تحزنون، فيرجوها الناسُ كلهم. قال: فيُتبَعُها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. قال: فييئسُ الناسُ منها غير المسلمين (^٤).\n\n<span id=\"aya-4394\"></span><span data-type='title' id=toc-8410>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾.</span>\nوقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا﴾. يقول تعالى ذكره: يا عباد الذين آمنوا.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حدثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة قال\". وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٥٠.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عباد الله\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢ إلى المصنف.","vol":"20","page":641},{"text":"وهم الذين صدقوا بكتب الله ورُسُلِه، وعملوا بما جاءتهم به أنبياؤُهم، ﴿وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. يقول: وكانوا أهلَ خُضُوع لله بقلوبهم، وقبول منهم لما جاءتهم به رُسُلُهم عن ربِّهم على دين إبراهيم خليل الرحمن ﷺ، حُنَفَاءَ لا يهود ولا نصارى، ولا أهل أوثان.\n\n<span id=\"aya-4395\"></span>وقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾. يقول جل ثناؤه: ادخلوا الجنةَ أنتم أيها المؤمنون وأزواجُكم مَغبوطين بكرامة الله، مسْرورين بما أعطاكم اليوم ربُّكم.\nوقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿تُحْبَرُونَ﴾. وقد ذكرنا ما قد قيل في ذلك فيما مضى، وبينا الصحيح من القول فيه عندنا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضعِ (^١)، غير أنا نذكُرُ بعضَ ما لم نَذْكُرْ هنالك مِن أقوال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8411>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾: أي تنعمون.\nحدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿تُحْبَرُونَ﴾. قال: تنعمون (^٢).\nحدثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي في قوله: ﴿تُحْبَرُونَ﴾. قال: تُكرمون (^٣).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٨/ ٤٧١ - ٤٧٣.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٢ عن معمر به.\n(^٣) ذكره الطوسي في تفسيره ٩/ ٢١٢.","vol":"20","page":642},{"text":"حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾. قال: تَنْعَمون.\n\n<span id=\"aya-4396\"></span><span data-type='title' id=toc-8413>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ (^١) الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: يُطافُ على هؤلاء الذين آمنوا بآياته في الدنيا إذا دخلوا الجنةَ في الآخرة بصحافٍ من ذهب. وهي جمع للكثير من الصحفة، والصحفة: القصعةُ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8412>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾. قال: القِصَاعُ (^٢).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن أشْعَثَ بن إسحاق، عن جعفر، عن سعيدٍ (^٣)، قال: إن أدنى أهل الجنة منزلةً [مَن له] (^٤) قصرٌ فيه سبعون ألف خادمٍ، في يدِ كلِّ خادمٍ منهم صحفةٌ سوى ما في يد صاحبها (^٥)، لو فتح بابه فَضَافَه أهل الدنيا لأوسعهم (^٦).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تشتهى\"، وهما قراءتان كما سيأتي. وينظر الحجة ٦٥٤.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شعبة\". ينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٣٥٨.\n(^٤) في ت ٢: \"منزله\".\n(^٥) في الأصل: \"صاحبتها\"، وفى السنة لعبد الله: \"صاحبه\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٠٤، وعبد الله بن أحمد في السنة (١٢٠١) من طريق ابن يمان به.","vol":"20","page":643},{"text":"حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوب القُمِّيُّ، عن جعفر، عن سعيد، قال: إن أخسَّ (^١) أهل الجنة منزلا من له سبعون ألفَ خادمٍ، مع كلِّ خادمٍ صحْفةٌ من ذهب، لو نزل به جميعُ أهل الأرض لأوسعهم، لا يستعين عليهم بشيءٍ مِن غيره، وذلك في قول الله ﵎: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا (^٢)﴾ [ق: ٣٥]. ولهم فيها ما تَشْتَهى (^٣) الأنفس.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ، عن أبي أيوبَ الأَزْدِيّ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: ما من أحدٍ من أهل الجنة إلا يَسعى عليه ألفُ غلامٍ، كلُّ غلام على عمل ما (^٤) عليه صاحبه.\nوقوله: ﴿وَأَكْوَابٍ﴾. وهي جمع كوب، والكوب الإبريق المستدير الرأس، الذي لا أُذُنَ له ولا خُرطوم، وإياه عنى الأَعْشَى بقوله (^٥):\nصريفيَّةً (^٦) طَيِّبًا (^٧) طَعْمُها … لها زَبَدٌ بينَ كُوبٍ ودَنْ\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8414>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأَكْوَابٍ﴾.\n_________\n(^١) في الأصل، ت ٣: \"أحسن\".\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ولدينا مزيد\".\n(^٣) في م: \"تشتهيه\".\n(^٤) بعده في ت ٢، ت ٣: \"عمل\".\n(^٥) ديوانه ص ١٧.\n(^٦) في الديوان: \"صليفية\".\n(^٧) في م: \"طيب\".","vol":"20","page":644},{"text":"قال: الأكواب التي ليست لها آذان (^١).\nومعنى الكلامِ: يُطافُ عليهم فيها بالطعام في صحاف (^٢) مِن ذَهَبٍ، وبالشراب في أكواب من ذهب. فاستُغنى بذكرِ الصِّحافِ والأكواب من ذكر الطعام والشرابِ، الذي يكون فيها لمعرفة السامعين بمعناه.\n(وَفِيها ما تَشْتَهِي الأَنْفُسُ وتَلَذُّ الْأَعْيُنُ): يقول تعالى ذكره: لهم (^٣) في الجنة ما تَشْتَهِي نفوسكم أيها المؤمنون، وتَلَذُّ أعينكم.\n﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يقولُ: وأنتم فيها ماكثون، لا تخرجون منها أبدًا.\nكما حدثنا [ابن بشار] (^٤)، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن علقمة بن مَرْثَدٍ، عن [ابن سابط] (^٥)، أن رجلا قال: يا رسول الله، إنى أُحِبُّ الخيل، فهل في الجنة خَيْلٌ؟ فقال: \"إن يُدْخِلْك الله الجنة إن شاء، فلا تشاء أن تَرْكَبَ فَرَسًا مِن ياقوتة حمراءَ تَطِيرُ بك في أي الجنة شئتَ، إِلا فَعَلْتَ\". فقال أعرابي: يا رسولَ اللَّهِ، إنى أحبُّ الإبل، فهل في الجنة إبل؟ فقال: \"يا أعرابي إن يُدْخِلْك اللَّهُ الجنةَ إن شاء اللَّهُ، ففيها ما اشْتَهَت نفسُك، ولَذَّتْ عَيناك\" (^٦).\nحدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا عمرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَبَارُ، عن محمدِ بن\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ١١٤.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"صحائف\".\n(^٣) في م، ت ٢: \"لكم\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بشر\". ينظر ما تقدم في ٣/ ١٩٧، ٤٦١.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٣: \"أسباط\". ينظر تهذيب الكمال ١٧/ ١٢٣.\n(^٦) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٧١ - زوائد نعيم بن حماد)، والترمذى عقب ح (٢٥٤٣)، والبيهقي في البعث والنشور (٤٣٨)، والبغوى في شرح السنة (٤٣٨٥)، وفى تفسيره ٧/ ٢٢٢ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":645},{"text":"سعد الأنصارى، عن [أبي ظَبْيَةَ السُّلَفى] (^١)، قال: إن الشَّرْبَ (^٢) مِن أهل الجنةِ لَتُظِلُّهم السحابة. قال: فتقول: ما أُمْطِرُكم؟ قال: فما يَدْعُو داعٍ من القومِ بشيءٍ إلا أمْطَرَتهم، حتى إن القائل منهم ليقولُ: أمْطِرِينا كواعب أترابًا (^٣).\nحدثنا ابن عرفة، قال: ثنا مروان بن معاويةَ، عن علي بن [أبي الوليد] (^٤)، قال: قيل لمجاهد: في الجنة سماعٌ؟ قال: فقال مجاهدٌ: إن فيها لشَجَرًا يقال له: العيص (^٥). له سَماعٌ لم يسمع السامعون إلى مثله (^٦).\nحدثني موسى بن عبد الرحمن، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبَابٍ، قال: أخبرنا معاويةُ بنُ صالح، قال: ثني سليم (^٧) بن عامرٍ، قال: سمعت أبا أمامةَ يقولُ: إن الرجل من أهل الجنةِ لَيَشْتَهى الطائر وهو يطيرُ، فيقعُ مُتَفَلِّقًا (^٨) نضيجًا في كفِّه، فيأكل منه حتى تنتهى نفسُه، ثم يطيرُ، ويَشْتَهى الشرابَ، فيقعُ الإبريق في يَدِه، ويشرب منه ما يريد، ثم يرجع إلى مكانه (^٩).\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١: \"أبى طيبة السلمي\"، وفى ص، ت ٢: \"أبي ظبية السلمي\"، وهو أبو ظبية السلفى يقال عنه: أبو طيبة السلفى. ينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ٤٤٧.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"السرب\"، والشَّرْب: القوم يشربون، ويجتمعون على الشراب. اللسان (ش ر ب).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣ إلى المصنف.\n(^٤) وقع في ابن أبي شيبة: \"الوليد\". ينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٥٥.\n(^٥) سقط من ص، وفى ت ١: \"الغيض\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"القبض\"، والعيص: أصول الشجر. النهاية ٣/ ٣٢٩.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٠٣، وهناد في الزهد (٧) عن مروان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٣ إلى البيهقي.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سليمان\". ينظر تهذيب الكمال ١١/ ٣٤٤.\n(^٨) في ص، ت ٢، ت ٣: \"متعلقا\"، ومتفلق: متشقق. ينظر الوسيط (ف ل ق).\n(^٩) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١١٢) من طريق زيد بن الحباب به.","vol":"20","page":646},{"text":"واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأة المدينة والشام: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ﴾ بزيادة \"هاءٍ\"، وكذلك ذلك في مصاحفهم (^١). وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ العراقِ: (تَشْتَهِي) بغير \"هاء\"، وكذلك هو في مصاحفهم (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمُصِيبٌ.\n\n<span id=\"aya-4397\"></span><span data-type='title' id=toc-8415>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: يقال لهم: وهذه الجنةُ التي أورثكموها الله عن أهل النارِ الذين أدخلهم جهنم، بما كنتُم في الدنيا تعملون من الخيرات.\n\n<span id=\"aya-4398\"></span>﴿لَكُمْ فِيهَا﴾. يقولُ: لكم في الجنةِ، ﴿فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ مِن كُلِّ نوعٍ، ﴿مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. يقولُ: من الفاكهة تأكلون ما اشتهيتم.\n\n<span id=\"aya-4399\"></span><span data-type='title' id=toc-8416>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾. وهم الذين اجترموا في الدنيا الكفر باللَّهِ، فأُجْرِموا (^٣) به في الآخرةِ ﴿فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾. يقولُ: هم فيه ماكثون.\n\n<span id=\"aya-4400\"></span>﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾. يقولُ: لا يُخفَّفُ عنهم العذاب. وأصلُ الفُتُورِ:\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وأبى جعفر وابن عامر وحفص. النشر ٢/ ٢٧٦.\n(^٢) هي قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وأبى عمرو ويعقوب وخلف وأبى بكر عن عاصم. المصدر السابق.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فاجترموا\".","vol":"20","page":647},{"text":"الضعفُ، ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. يقولُ: وهم في عذاب جهنم مُبْلسون، والهاء في ﴿فيه﴾ من ذكر العذاب. ويُذكَرُ أن ذلك في قراءة عبدِ اللَّهِ: (وهُمْ فيها مُبْلِسون) (^١). بمعنى: وهم في جهنم مُبْلسون، والمُبْلس في هذا الموضع: هو: هو الآيس من النجاة، الذي قد قنط فاستسلم للعذاب والبلاء.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8417>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. أي: مستسلمون.\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة قوله: ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ قال: آيسون (^٢).\nوقال آخرون بما حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّى: ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾: متغير حالهم (^٣).\nوقد بينا فيما مضى قبلُ معنى الإبلاس بشواهده، وذكر اختلاف المختلفين فيه، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.\n\n<span id=\"aya-4401\"></span>وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وما ظلَمْنا هؤلاء المجرمين بفعلنا بهم ما أخبرناكم أيها الناسُ أنا فعلنا بهم، من التعذيب بعذاب جهنم، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾؛ بعبادتهم في الدنيا غيرَ مَن كان\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٨/ ٢٧.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) تقدم في ٩/ ٢٤٨.","vol":"20","page":648},{"text":"عليهم عبادته، وكفرهم باللَّهِ وجُحُودِهم توحيده.\n\n<span id=\"aya-4402\"></span><span data-type='title' id=toc-8419>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ونادى هؤلاء المجرمون بعد ما أدخلهم الله جهنم، فنالهم فيها من البلاء ما نالهم، مالكًا خازن جهنم: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. قالوا (^١): ليمتنا ربُّك، فيَفْرُغ من إماتتنا. فذكر أن مالكًا لا يجيبهم وقت قيلهم له ذلك، ويَدَعُهم ألف عام بعد ذلك، ثم يجيبهم فيقول لهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-8418>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبي الحسن، عن ابن عباس: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾، فأجابهم بعد ألف سنة: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (^٢).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاء بن السائب، عن رجل من جيرانه يقال له: الحسنُ، عن نَوْفٍ في قوله: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. قال: يتركهم مائة سنة مما تعدون، ثم يناديهم فيقولُ: يا أهل النار، إنكم ماكثون (^٣).\nحدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدى، عن سعيد، عن قتادة،\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٢) تفسير الثورى ص ٢٧٤، ٢٧٥، وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٢٠٢، وابن أبي الدنيا في صفة النار (٨٥) من طريق الثوري به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٤٨، والبيهقى في البعث والنشور (٤٥) من طريق سفيان عن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ١١٧.","vol":"20","page":649},{"text":"عن [أبي أيوب، عن] (^١) عبدِ الله بن عمرٍو، قال: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. قال: فخلَّى عنهم أربعين عامًا لا يجيبهم، ثم أجابهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾. قالُوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ [المؤمنون: ١٠٧].\nفخلَّى عنهم مثلي الدنيا، ثم أجابهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. قال: فوالله ما نَبَس القومُ [بعدها بكلمة] (^٢)، إن كان إلا الزفير والشهيق.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي أيوبَ الأَزْدى، عن عبد الله بن عمرو، قال: إن أهل جهنم يدعون مالكًا أربعين عاما فلا يجيبهم، ثم يقولُ: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾، ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾. فيدَعُهم أو يخلّى عنهم مثل الدنيا، ثم يَردُّ عليهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. قال: فما نَبَس القومُ بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم (^٣).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكّام، عن عمرو، عن عطاء، عن الحسن، عن نَوْفٍ: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. قال: يتركهم مائة سنة مما تعدون، ثم ناداهم، فاستجابوا له، فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (^٤).\nحدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي في قوله:\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣. وهو أبو أيوب المراغى الأزدي، واسمه يحيى - ويقال: حبيب - بن مالك. تنظر ترجمته في تهذيب الكمال ٣٣/ ٦٠.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بعد الكلمة\".\n(^٣) أخرجه البيهقى في البعث والنشور (٦٤٩) من طريق يزيد به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٥٢، ١٥٣، وابن أبي الدنيا في صفة النار (١٦٨) من طريق سعيد به.\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٢١٥.","vol":"20","page":650},{"text":"﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. قال: مالكٌ (^١) خازن النار. قال: فمكثوا ألف سنة مما تعدُّون. قال: فأجابهم بعد ألف عام: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. قال: يُميتنا - القضاء ههنا: الموتُ - فأجابهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4403\"></span>وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: لقد أرسلنا إليكم يا معشر قريش رسولنا محمدًا بالحق.\nكما حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾. قال: الذي جاء به محمدٌ ﷺ.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: ولكن أكثركم لما جاءكم به محمد ﷺ من الحق [والهُدَى] (^٢) كارهون.\n\n<span id=\"aya-4404\"></span><span data-type='title' id=toc-8420>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾</span>\nيقول تعالى ذكره: أم أبرم هؤلاء المشركون من قريش أمرًا فأحكموه، يكيدون به الحق الذي جئناهم به، فإنا مُحكمون لهم ما يُخْزِيهم ويُذِلُّهم من النكال.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) في الأصل: \"ملك\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"20","page":651},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8421>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾. قال: مُجْمِعون، إن كادوا شرًّا كدنا مثله (^١).\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾. قال: أم أَجمعوا أمرًا فإنا مُجْمِعون (^٢).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾. قال: أم أحكموا أمرًا فإنا مُحكمون لأمرنا (^٣).\n\n<span id=\"aya-4405\"></span>وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾. يقولُ: أم يظنُّ هؤلاء المشركون بالله أنا لا نسمعُ ما أَخْفَوا عن الناسِ مِن مَنطقهم، وتَسَارُّوه (^٤) بينهم، وتناجوا به دون غيرهم، فلا نعاقبهم عليه لخفائه علينا؟\nوقوله: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: بلى (^٥)، نحن نعلم ما تناجوا به بينهم، وأخفوه عن الناس من سرّ كلامهم، وحَفَظَتُنا ﴿لَدَيْهِمْ﴾. يعني: عندهم، يكتبون ما نطقوا به من منطق، وتكلموا به من كلام (^٦).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٩٥، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٧ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٢ عن معمر به.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ١١٨ بنحوه.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تشاوروا\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بل\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كلامهم\".","vol":"20","page":652},{"text":"وذكر أن هذه الآية نزلت في نفر ثلاثة، تدارءوا في سماع الله ﵎ كلام عبادِه، جل الله وعزَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8422>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني عمرو بن سعيد بن يسار القرشي، قال: ثنا أبو قتيبة، قال: ثنا عاصم بن محمد العُمَرى، عن محمد بن كعب القُرَظى، قال: بينا ثلاثة بين الكعبة وأستارها؛ قُرَشيانِ وثَقَفى، أو ثَقَفِيان وقُرَشى، فقال واحدٌ مِن الثلاثة: ترون اللَّهَ يسمع كلامنا؟ فقال الأول: إذا جهرتم سمع، وإذا أسرَرْتم لم يسمع. قال الثاني: إن كان يسمعُ إذا أعلنتم، فإنه يسمعُ إذا أسررتم. قال فنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (^١).\nوبمثل الذي قلنا في معنى قوله: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8423>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. قال: الحفَظَة (^٢).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. أي: عندهم.\n\n<span id=\"aya-4406\"></span><span data-type='title' id=toc-8424>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٢١٦.","vol":"20","page":653},{"text":"اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: قل يا محمد: إن كان للرحمن ولد، في قولكم وزعمكم أيها المشركون، فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم، والجاحدين ما قلتم من أن له ولدا.\n\n<span data-type='title' id=toc-8425>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾: كما تقولون، ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: المؤمنين بالله، فقولوا ما شئتم (^١).\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾. قال: قل: إن كان لله ولد في قولكم، فأنا أوَّلُ مَن عبد الله ووحده وكذَّبكم (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: قل: ما كان للرحمن ولد، فأنا أول العابدين له بذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-8426>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾. يقول: لم يكن للرحمن ولد،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٩٥، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٠٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"20","page":654},{"text":"فأنا أولُ الشاهدين (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك نفى، ومعنى \"إن\" الجَحْدُ، وتأويل ذلك: ما كان ذلك، ولا ينبغى أن يكونَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8427>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾. قال قتادة: هذه كلمة من كلام العرب، ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾؛ أي: إنَّ ذلك لم يكن، ولا ينبغى (^٢).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾. قال: هذا الإنكافُ (^٣)، ما كان للرحمن ولدٌ، نكف الله أن يكون له ولد. و\"إن\" مثل \"ما\" إنما هي: ما كان للرحمن ولد؛ ليس للرحمن ولد. مثل قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦]. إنما هي: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال، فالذي أنزل الله من كتابه وقضَى مِن قضائه أثبتُ مِن الجبالِ. و\"إن\" هي \"ما\"، إن كان ما كان. تقولُ العرب: إن كان وما كان الذي تقول. وفي قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: أوّلُ مَن تَعَبَّدَ (^٤) الله بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمنِ ولد، على هذا أعبد الله.\nحدثنا ابن عبدِ الرحيم البرقى، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سألتُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤ إلى المصنف.\n(^٣) في ت ٢: \"الإيكاف\"، والإنكاف: التنزيه. ينظر الوسيط (ن ك ف).\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يعبد\".","vol":"20","page":655},{"text":"زهير (^١) بن محمد عن قول الله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾. قال: ما كان.\nحدثنا ابن عبد الرحيم البرقى، قال: ثنا عمرو، قال: سألتُ (^٢) ابن زيد بن أسلم عن قول الله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾. قال: هذا من (^٢) قول العربِ معروفٌ، إن كان ما كان، إن كان هذا الأمرُ قَطُّ، ثم قال: وقوله: وإن كان: ما كان (^٣).\nوقال آخرون: معنى \"إنْ\" في هذا الموضع معنى المجازاة. قالوا: وتأويل الكلام: لو كان للرحمن ولد، كنتُ أول من عبده بذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-8428>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾. قال: لو كان له ولدٌ، كنتُ أَوّلَ مَن عَبَده بأنَّ له ولدا، ولكن لا ولد له (^٤).\nوقال آخرون: معنى ذلك: قل: إن كان للرحمن ولد، فأنا أوّلُ الآنفين من (^٥) ذلك. ووجهوا معنى \"العابدين\" إلى: المنكرين الآبين، من قول العرب: قد عبد فلانٌ من هذا الأمر. إذا أَنف منه وغَضب وأباه، فهو يَعْبَدُ عَبَدًا، كما قال الشاعرُ:\nأَلَّا هَزِئَتْ (^٦) أَمُّ الوَلِيدِ وأَصْبَحَتْ … لما أَبْصَرَتْ في الرأس مِنِّي تَعَبَّدُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣. ينظر تهذيب الكمال ٩/ ٤١٤.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤ إلى المصنف.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٢٩.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هويت\". وهزأ بالأمر ومنه وهَزِئ: سخر به ومنه. ينظر الوسيط (هـ ز أ).","vol":"20","page":656},{"text":"وكما قال الآخرُ (^١):\nمتى ما يَشَأْ ذُو الوُدِّ يَصْرِمْ خَلِيلَهُ … ويَعْبَدُ عليهِ لا مَحَالَةَ ظَالِمًا\nوقد حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنى ابن أبي ذئبٍ، عن ابن (^٢) قُسَيْط، عن بَعْجةَ بن زيد (^٣) الجهني، أنّ امرأةً منهم دخلت على زوجها، وهو رجلٌ منهم أيضًا، فولدت له في ستة أشهر، فذكر ذلك زوجها (^٤) لعثمان بن عفان، فأمر بها أن تُرْجَمَ، فدخل عليه عليُّ بن أبى طالب، فقال: إن الله يقولُ في كتابه: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]. قال: فواللهِ ما عَبد عثمانُ أَن بعث إليها تُرَدُّ. قال يونس: قال ابن وهبٍ: عَبِدَ: اسْتَنكَف (^٥).\nوأولى الأقوال في ذلك عندى بالصواب قول من قال: معنى \"إن\" الشرط الذي يقتضى الجزاء، على ما ذكرناه عن السديِّ، وذلك أنّ \"إِنْ\" لا تَعْدو في هذا الموضع أحد معنييْنِ؛ إما أن يكونَ الحرفُ الذي هو بمعنى الشرط، الذي يَطلُبُ الجزاء، أو تكونَ بمعنى الجَحْدِ، وهى إذا وُجِّهت إلى الجَحْدِ، لم يكن للكلام كبيرُ معنًى؛ لأنه يَصيرُ بمعنى: قل: ما كان للرحمن ولد. وإذا صار بذلك المعنى، أوهم\n_________\n(^١) البيت للمرقش الأصغر، ينظر المفضليات ص ٢٤٦ والشعر والشعراء ١/ ٢١٥.\n(^٢) في ص، م، ت ٣، وتفسير ابن كثير: \"أبى\". وهو خطأ. وهو يزيد بن عبد الله بن مسيط. ينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ١٧٧.\n(^٣) كذا ورد اسمه في النسخ وفى تفسير ابن كثير. وهو بعجة بن عبد الله بن بدر. ولعله خلط بينه وبين بعجة بن زيد الجذامى، وقد ورد اسمه في الدر المنثور على الصواب. وينظر تهذيب الكمال ٤/ ١٩٠، والإصابة ١/ ٣٢٠، ٣٦٣.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٢٨ عن المصنف، وقال: هذا القول فيه نظر. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠ إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر.","vol":"20","page":657},{"text":"أهل الجهلِ مِن أهل الشرك باللَّهِ أنه إنما نفى بذلك عن الله ﷿ أن يكونَ كان (^١) له ولدٌ قبل بعض الأوقاتِ، ثم حدث (^٢) له الولد بعد أن لم يكن. مع أنه لو كان ذلك معناه، لقدر الذين (^٣) أمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يقول لهم: ما كان للرحمن ولد، فأنا أوّلُ العابدين. أن يقولوا له: صَدَقْتَ، وهو كما قُلْتَ، ونحن لم نَزْعُمُ أَنه لم يَزَلْ له ولدٌ. وإنما قلنا: لم يكن له ولدٌ، ثم خلق الجن فصاهَرهم، فحدث له منهم ولد. كما أخبر الله ﷿ عنهم أنهم كانوا يقولونه، ولم يكن الله تعالى ذكره ليحتج لنبيه ﷺ على (^٤) مكذبيه من الحجَّةِ بما يَقْدِرون على الطعن فيه، وإذ كان في توجيهنا \"إِنْ\" إلى معنى الجَحْدِ ما ذكرنا، فالذى هو أشبه المعنيين بها الشرط. وإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنةٌ صحة ما نقولُ من أنّ معنى الكلام: قل يا محمد لمشركي قومك الزاعمين أنّ الملائكة بناتُ اللهِ: إن كان للرحمن ولد فأنا أوَّلُ عابدِيه بذلك منكم، ولكنه لا ولدَ له، فأنا أعبده بأنه لا ولد له، ولا ينبغى أن يكون له (^٥).\nوإذا وجِّه الكلام إلى ما قلنا من هذا الوجه، لم يكن على وجه الشك، ولكن على وجه الإلطاف في الكلام، وحُسنِ الخطاب، كما قال الله جل ثناؤه: ﴿قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. وقد علم أن الحق معه، وأن مخالفيه في الضلالِ المبين.\n\n<span id=\"aya-4407\"></span>وقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يقول تعالى ذكره: تَبْرِئةٌ وتنزيها لمالك السماوات والأرض، ومالك العرش، المحيط بذلك كله، وما في ذلك من\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣.\n(^٢) في م، ت ٣: \"أحدث\".\n(^٣) في ص، ت ٢: \"الذي\".\n(^٤) في ص، م، ت ٣: \"وعلى\".\n(^٥) بعده في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ولد\".","vol":"20","page":658},{"text":"خلق، مما يصفه به هؤلاء المشركون من الكَذِبِ، ويُضيفون إليه من الولد، وغير ذلك من الأشياء التي لا ينبغى أن تُضاف إليه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8429>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: يَكْذِبون (^١).\n\n<span id=\"aya-4408\"></span><span data-type='title' id=toc-8430>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: فَذَرْ يا محمد هؤلاء المفترين على ربهم، الواصفيه بأن له ولدًا، يخوضوا في باطلهم، ويلعبوا في دنياهم، ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾. وذلك يومَ يُضليهم الله - بفريتهم عليه - جهنم، وهو يومُ القيامة.\nكما حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾. قال: يوم القيامةِ.\n\n<span id=\"aya-4409\"></span>وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وهو الذي له الألوهةُ؛ في السماء معبود، وفى الأرض (^٢) كما هو في السماء معبودٌ، لا شيء سواه تصلح عبادته. يقول تعالى ذكره: فأَفردوا لمن هذه صفته العبادة، ولا تشركوا به شيئًا غيره.\n_________\n(^١) تقدم في ٩/ ٤٥٥.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"معبود\".","vol":"20","page":659},{"text":"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8431>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾. قال: يُعبد في السماءِ، ويُعبد في الأرض (^١).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾. أي: يُعبد في السماءِ وفى الأرضِ (^٢).\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾. يقولُ: وهو الحكيم في تدبيره خَلْقَه، [وتسخيرهم لما يشاء] (^٣)، العليم بمصالحهم.\n\n<span id=\"aya-4410\"></span><span data-type='title' id=toc-8432>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وتبارك الذي له سلطان السماوات السبع والأرض، وما بينهما من الأشياء كلِّها، جارٍ على جميع ذلك حكمه، ماضٍ فيهم قضاؤُه. يقولُ: فكيف يكون له شريكًا مَن كان في سلطانه، وحكمه فيه نافذ؟! ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. يقولُ: وعنده علم الساعة التي تقوم فيها القيامة، ويُحشَرُ فيها الخَلْقُ من قبورهم لموقف الحساب.\nوقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: وإليه أيُّها الناسُ تُرَدُّون من بعدِ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٣ عن معمر به.\n(^٢) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٩١١) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في الأصل: \"ويستنجزهم لما شاء\".","vol":"20","page":660},{"text":"مماتكم، فتصيرون إليه، فيُجازِى المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته.\n\n<span id=\"aya-4411\"></span><span data-type='title' id=toc-8434>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾.</span>\nاختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: ولا يملك عيسى وعُزَيرٌ والملائكةُ الذين يَعْبُدوهم هؤلاء المشركون بالله (^١) - الشفاعة عند الله لأحدٍ، ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [يعني به عندَهم: إلا لمن شَهِد بالحقِّ] (^٢)، فوحد اللَّهَ جل وعز وأطاعه، [على علمٍ منه ويقين بتوحيد الله، وصحة ما] (^٣) جاءت به رسله.\n\n<span data-type='title' id=toc-8433>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾. قال: عيسى وعُزيرٌ والملائكةُ (^٤)، ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾. قال: كلمة الإخلاص، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن الله حقٌّ؛ [عيسى] (^٥) وعُزير والملائكة. يقول: لا يشفع عيسى وعُزيرٌ والملائكة إلا لمن (^٦) شهد بالحقِّ، وهو يعلم الحق (^٧).\n_________\n(^١) في ص، م، ت، ت ١، ت ٣: \"بالساعة\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ص، ت ٢، ت ٣: \"علم علم منه بتوحيد وصحة بما\"، وفى م: \"بتوحيد علم منه وصحة بما\"، وفى ت ١: \"علم منه بتوحيد وصحة بما\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قوله\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٧) تفسير مجاهد ص ٥٩٦، ومن طريقه البيهقى في البعث (٣). وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"20","page":661},{"text":"وقال آخرون: عُنى بذلك: ولا تملك الآلهة التي يدعوها المشركون، ويعبدونها من دونِ الله - الشفاعة، إلا عيسى وعُزيرٌ وذووهما والملائكة الذين شهدوا بالحقِّ، فأقروا به، وهم يعلمون حقيقة ما شهدوا به.\n\n<span data-type='title' id=toc-8435>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾: الآلهة (^١)، ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: الملائكة وعيسى وعزيز، قد عُبدوا مِن دونِ اللهِ، ولهم شفاعةٌ عند الله تعالى ومنزلةٌ.\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قوله: هو ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾. قال: الملائكة وعيسى ابن مريم وعُزيرٌ، فإن لهم عند الله شهادة (^٢).\nوأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه لا يملك الذين يعبدهم المشركون مِن دونِ اللَّهِ الشفاعة عنده لأحدٍ، إِلَّا مَن شهد بالحقِّ، وشهادته بالحق هو إقراره بتوحيدِ اللَّهِ، وإنما يعنى بذلك: إلا من آمن بالله، وهم يعلمون حقيقة توحيده. ولم يَخصُصْ بأن الذي لا يملك تلك (^٣) الشفاعة منهم بعض مَن كان يُعْبدُ مِن دونِ اللهِ [دونَ بعضٍ] (^٤)، فذلك على جميع من كان تعبُدُ قريشٌ مِن دون الله يوم نزلت هذه الآية، وغيرهم، وقد كان منهم (^٥) من يعبدُ مِن دونِ اللهِ الآلهة، وكان منهم (^٦) من يعبد من دونِه الملائكة وغيرهم، فجميع أولئك داخلون\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ملك\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيهم\".\n(^٦) في م، ت ١، ت ٣: \"فيهم\".","vol":"20","page":662},{"text":"في قوله: ولا يملك الذين تدعو قريش وسائر العرب مِن دونِ اللَّهِ الشفاعة عندَ اللَّهِ. ثم استثنى جلّ ثناؤه بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: وهم الذين يشهدون شهادة الحقِّ، فيوحدون الله، ويُخلصون له الوحدانية، على علمٍ منهم ويقينٍ بذلك أنهم يملكون الشفاعة عنده بإذنه لهم بها، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. فأَثْبت تعالى ذكره للملائكة وعيسى وعُزيرٍ (^١) ملكهم من الشفاعة ما نفاه عن الآلهة والأوثان، باستثنائه الذي استثناه.\n\n<span id=\"aya-4412\"></span><span data-type='title' id=toc-8436>القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك: من خلقهم؟ ليقولُن: خلقنا الله. ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ يقولُ: فَأَيَّ وجهٍ يُصْرَفون عن عبادة الذي خلقهم، ويُحرمون (^٢) إصابة الحقِّ في عبادتِه.\n\n<span id=\"aya-4413\"></span>وقوله: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. اختلفتِ القرأة في قراءة قوله: ﴿وَقِيلِهِ﴾؛ فقرأته عامه قرأَةِ المدينة ومكة والبصرة: (وَقيله) بالنصب (^٣). وإذا قُرى ذلك كذلك، كان له وجهان في (^٤) التأويل؛ أحدهما: العطف على قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠]، ونسمعُ قيلَه: يا ربِّ؟ والثانى: أن يُضْمَر له ناصبٌ، فيكون معناه حينئذ: وقال قوله: يا ربِّ إنّ هؤلاء قوم لا يؤمنون. وشكا محمد شكواه إلى ربِّه. وقرأته عامةُ\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"من\".\n(^٢) في الأصل: \"يحربون\".\n(^٣) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر والكسائي. حجة القراءات ص ٦٥٥.\n(^٤) في الأصل: \"مع\".","vol":"20","page":663},{"text":"قرأَةِ الكوفة: ﴿وَقِيلِهِ﴾ بالخفض على معنى: وعنده علم الساعة، وعلم قيله (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار، صحيحتا المعنى، فبأيَّتهما قرأ القارئ فمصيبٌ. فتأويل الكلام إذن: وقال محمدٌ قيله شاكيًا إلى ربِّه قومه الذين كذَّبَوه، وما يَلْقى منهم: يا رب إن هؤلاء الذين أمرتني بإنذارهم، وأرسلتنى إليهم لدعائهم إليك - قومٌ لا يؤمنون.\nكما حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال: فأبَّر الله قول محمدٍ ﷺ (^٢).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال: هذا قول نبيكم يشكو قومه إلى ربِّه (^٣).\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾. قال: هو قول النبي ﷺ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٤).\n\n<span id=\"aya-4414\"></span><span data-type='title' id=toc-8437>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، جوابًا له عن دعائه إياه إذ قال: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ يا محمد، وأَعرِضْ عن أذاهم لك،\n_________\n(^١) هي قراءة عاصم وحمزة. حجة القراءات ص ٦٥٥.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٩٦.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ٣٧٦ - إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٣ عن معمر به.","vol":"20","page":664},{"text":"وقل لهم: سلام عليكم. ورُفع \"سلامٌ\" بضمير: عليكم، أو: لكم.\nواختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؛ فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة: (فَسَوْفَ تَعْلَمونَ) بالتاءِ (^١)، على وجه الخطاب، بمعنى أمر الله نبيه ﷺ أن يقول ذلك للمشركين، مع قوله: ﴿سَلَامٌ﴾. وقرأَ ذلك عامة قرأَةِ الكوفة وبعضُ قرأَةِ مكةَ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ بالياء (^٢) على وجه الخبر، وأنه وعيدٌ من الله للمشركين. فتأويله على هذه القراءةِ: فاصفَحْ عنهم يا محمد، وقُل: سلامٌ. ثم ابتدأ تعالى ذكره الوعيد لهم، فقال: فسوف يعلمون ما يَلْقَون مِن البلاء والنَّكال والعذاب على كفرهم. ثم نسخ الله جل ثناؤُه هذه الآيةَ، وأَمر نبيَّه ﷺ بقتالهم.\nكما حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾: قال: اصفح عنهم. ثم أمره بقتالهم (^٣).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: قال اللَّهُ يُعزِّى نبيَّه محمدًا ﷺ: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.\nآخرُ تفسير سورة الزُّخْرُفِ\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن عامر. حجة القراءات ص ٦٥٦.\n(^٢) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٣ عن معمر به.","vol":"20","page":665},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-4415\"></span>\n\n<span id=\"aya-4416\"></span>أولُ<span data-type='title' id=toc-8438> سورةِ الدخانِ</span>\n<span data-type='title' id=toc-8440>القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)﴾.</span>\n\nقال أبو جعفرٍ: قد تقدَّم بيانُنا (^١) معنى قولِه: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4417\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. أقسَم ربُّنا جلّ ثناؤُه بهذا الكتابِ أنه أنزَله في ليلةٍ مباركةٍ.\nواختُلِف (^٣) في تلك الليلةِ أيُّ ليلةٍ من ليالى السنةِ هي؛ فقال بعضُهم: هي ليلةُ القدرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8439>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾: ليلةِ القدرِ (^٤). نزَلتْ صحفُ إبراهيمَ في أَوَّلِ ليلةٍ مِن رمضانَ، ونزلتْ التوراةُ لستٍّ ليالٍ مضَيْن (^٥) مِن رمضانَ، ونزَل الزَّبورُ لثنتَىْ (^٦) عشْرةَ مضَتْ مِن رمضانَ، ونزَل الإنجيلُ لثمانِ عَشْرَةَ مضَتْ مِن رمضانَ، ونزَل الفرقانُ لأربعٍ وعشرين\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"في\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢٠/ ٢٧٤ - ٢٧٦، ٥٤٢.\n(^٣) بعده في م: \"أهل التأويل\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٥) في م: \"مضت\".\n(^٦) في م: \"لست\". وينظر تفسير القرطبي ١٦/ ١٢٦.","vol":"21","page":5},{"text":"مضَتْ (^١) مِن رمضانَ (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. قال: هي ليلةُ القدرِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾. قال: تلك الليلةُ ليلةُ القدرِ، أَنزَلَ اللَّهُ هذا القرآنَ من أُمِّ الكتابِ في ليلةِ القدرِ، ثم أنزَله على نبيِّه (^٤) في الليالي والأيامِ، وفي غيرِ ليلةِ القدرِ (^٥).\nوقال آخرون: بل هي ليلةُ النصفِ من شعبانَ.\nوالصوابُ من القولُ في ذلك قولُ مَن قال: عُنِى بها ليلةُ القدرِ. لأنّ الله أخبرَ تعالى ذكره أن ذلك كذلك بقوله (^٦): [﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١].\nوقولُه: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه] (^٧): إنا كُنَّا مُنْذِرِين خَلْقَنا بهذا الكتابِ الذي أنزَلناه في الليلةِ المباركةِ عقوبتَنا أن تحُلَّ بمن كفَر منهم، فلم يتبْ (^٨) إلى توحيدِنا وإفرادِ الأُلوهةِ لنا.\n\n<span id=\"aya-4418\"></span>وقولُه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في هذه الليلةِ التي\n_________\n(^١) في الأصل: \"مضين\".\n(^٢) ذكره البيهقى في الأسماء والصفات (٤٩٤) عن إبراهيم بن طهمان عن قتادة معلقًا، وينظر ما تقدم تخريجه في ٣/ ١٨٩.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥ إلى عبد بن حميد\n(^٤) في النسخ: \"الأنبياء\". والمثبت موافق لما في تفسير القرطبي.\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ١٢٦، وأبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٣٢.\n(^٦) في م: \"لقوله\".\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٨) في م: \"ينب\".","vol":"21","page":6},{"text":"يُفْرَقُ فيها كلُّ أمرٍ حكيمٍ نحوَ اختلافِهم في الليلةِ المباركةِ، وذلك أن الهاءَ التي في قولِه: ﴿فِيهَا﴾. عائدةٌ على الليلةِ المباركةِ؛ فقال بعضُهم: هي ليلةُ القدرِ، يُقْضَى فيها أمْرُ السنةِ كلُّها؛ مَن يموتُ، ومَن يولدُ، ومن يُعزُّ، ومن يُذلُّ، وسائرُ أمورِ السنةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8441>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا ربيعةُ بنُ كُلْثومٍ، قال: كنتُ عندَ الحسنِ فقال له رجلٌ: يا أبا سعيدٍ، ليلةُ القدرِ في كلِّ رمضانَ هي؟ قال: إى واللهِ، إنها لفى كلِّ رمضانَ، وإنها لليلةٌ (^١) يُفْرَقُ فيها كلُّ أمرٍ حكيمٍ، فيها يَقْضِى اللهُ كلَّ أجلٍ وأملٍ ورزقٍ إلى مثلِها (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليَّةَ، قال: ثنا ربيعةُ بنُ كُلْثومٍ، قال: قال رجلٌ للحسنِ وأنا أسمَعُ: أرأَيتَ ليلةِ القدرِ، أفى كلِّ رمضان هي؟ قال: نعم واللهِ الذي لا إلهَ إلَّا هو، إنها لفي كلِّ رمضانَ، وإنها لليلةٌ يُفْرَقُ فيها كلُّ أمرٍ حكيمٍ، يَقْضِى اللَّهُ كلَّ أجلٍ [وعملٍ] (^٣) وخَلْقٍ ورزقٍ إلى مثلِها.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال [ابن زيدٍ: حدَّثني] (^٣) عبدُ الحميدِ بنُ سالمٍ، عن [عمر مولى غُفْرة] (^٤)، قال: يقالُ: يُنْسَخُ لملكِ الموتِ مَن يموتُ ليلةِ القدرِ إلى مثلِها، وذلك لأن الله ﷿ يقولُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. وقال: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال: فتجدُ الرجلَ ينكِحُ النساءَ، ويغرِسُ الغرسَ واسمُه في الأمواتِ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ٣، ت ٣: \"الليلة التي\".\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ١٢٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥ إلى المصنف وعبد بن حميد ومحمد بن نصر.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عمرو مولى عفرة\". وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٤٢٠.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥ إلى المصنف.","vol":"21","page":7},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانَ، عن سلمةَ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال: أمرُ السنةِ إلى السنةِ، ما كان من خلقٍ أو رزقٍ أو أجلٍ أو مصيبةٍ، أو نحوِ هذا (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانَ، عن حبيبٍ، عن هلالِ بن يسَافٍ، قال: كان يقالُ: انْتَظِروا القضاءَ في شهرِ رمضانَ (^٢).\nحدَّثنا الفضلُ بنُ الصَّباحِ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن حُصَينٍ، عن سعدِ (^٣) بن عُبيدةَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ في قولِه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال: يُدَبَّرُ أمرُ السنةِ في ليلةِ القدرِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال: في ليلةِ القدرِ كلُّ أمرٍ يكونُ في السنةِ إلى السنةِ؛ إِلَّا (^٥) الحياة والموتَ، يُقَدَّرُ فيها المعايشُ والمصائبُ كلُّها (^٦).\nحدَّثنا بشرٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾: ليلةِ القدرِ. ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾: كُنَّا نُحدَّثُ أَنه يُفْرَقُ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الشعب (٣٦٦٢) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥، ٢٦ إلى عبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"سعيد\". وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٢٩٠.\n(^٤) أخرجه البيهقي في الشعب (٣٦٦٣) من طريق ابن فضيل به، وهو في تفسير مجاهد ص ٥٩٧ من طريق حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦ إلى عبد بن حميد ومحمد بن نصر.\n(^٥) سقط من النسخ. والمثبت من مصدرى التخريج.\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٥٩٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥ إلى سعيد وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":8},{"text":"فيها أمرُ السنةِ إلى السنةِ (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: هي ليلةُ القدرِ، فيها يُقْضَى ما يكونُ مِن السنةِ إلى السنةِ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، قال: سألتُ مجاهدًا فقلتُ: أرأَيتَ دعاءَ أحدِنا يقولُ: اللَّهمّ إن كان اسمى في السعداءِ فأَثْبِته فيهم، وإن كان في الأشقياءِ فامْحُه منهم واجعلْه في السعداءِ. فقال: حسَنٌ. ثم لقِيتُه بعدَ ذلك بحولٍ أو أكثرَ من ذلك، فسأَلْتُه عن هذا الدعاءِ، فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٢) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال: يُقضَى في ليلةِ القدرِ ما يكونُ في السنةِ من رزقٍ أو مصيبةٍ، ثم يقدِّمُ ما يشاءُ، ويؤخَّرُ ما يشاءُ، فأما كتابُ السعادةِ والشقاءِ فهو ثابتٌ لا يُغَيَّرُ.\nوقال آخرون: بل هي ليلةِ النصفِ مِن شعبانَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8442>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الفضلُ بنُ الصَّباح والحسنُ بنُ عرفةَ، قالا: ثنا النَّضْرُ (^٣) بنُ إسماعيلَ البَجَليُّ، عن محمدِ بن سُوقةَ، عن عكرمةَ في قولِ اللَّهِ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال: في ليلةِ النصفِ مِن شعبانَ؛ يُرَمُ فيه أمرُ السنةِ، ويُنْسَخُ (^٤) الأحياء مِن الأمواتِ، ويُكتَبُ الحاجُّ فلا يُزادُ فيهم (^٥)، ولا يُنْقَصُ منهم\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الشعب (٣٦٦٥) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦ إلى عبد بن حميد ومحمد بن نصر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٥ عن معمر به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحسن\". ينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٣٧٢.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تنسخ\".\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أحد\".","vol":"21","page":9},{"text":"أحدٌ (^١).\nحدَّثني عبيدُ بنُ آدمَ بن أبي إياسٍ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا الليثُ، عن عُقَيلِ بن خالدٍ، عن ابن شهابٍ، عن عثمانَ بن محمدِ بن المغيرةِ بن الأَخْنَسِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"تُقْطَعُ الآجالُ مِن شعبانَ إلى شعبانَ، حتى إِنَّ الرجلَ ليَنْكِحُ ويُولد له وقد خرج اسمه في المَوْتى\" (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، قال: ثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا عثمانُ بنُ حكيمٍ، قال: ثنا سعيدٌ بن جبيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ: إن الرجلَ ليمشى في الناسِ وقد رُفِع (^٣) في الأمواتِ. قال: ثم قرَأ هذه الآية: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال: ثم قال: فيها يُفْرقُ أمرُ الدنيا من السنةِ إلى السنةِ (^٤).\nوأولى القولينِ في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: ذلك ليلةُ القدرِ. لما قد تقدَّم مِن بيانِنا عن أنّ المعنِيَّ بقولِه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. ليلةُ القدرِ. والهاءُ في قولِه: ﴿فِيهَا﴾ من ذكرِ الليلةِ المباركةِ.\nوعُنِى بقولِه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾: في هذه الليلةِ المباركةِ يُقْضَى ويُفْصَلُ كُلُّ أمرٍ أَحكمه الله تعالى ذكرُه في تلك السنةِ، إلى مثلِها مِن السنةِ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٥ من طريق محمد بن سوقة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه البيهقى في الشعب (٣٨٣٩) من طريق الليث به.\n(^٣) في مصادر التخريج: \"وقع\".\n(^٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٨٨٧)، والحاكم ٢/ ٤٤٨، ٤٤٩، والبيهقي في الشعب (٣٦٦١) من طريق عثمان بن حكيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"21","page":10},{"text":"الأُخرى.\nووُضِع: ﴿حَكِيمٍ﴾ موضعَ مُحْكَمٍ، كما قال: ﴿الر (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢،١]. يعنى: المحكَمِ.\n\n<span id=\"aya-4419\"></span>وقولُه: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: في هذه الليلةِ المباركةِ يُفْرَقُ كُلُّ أمرٍ حكيمٍ، أمرًا مِن عندِنا.\nواختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ قولِه: ﴿أَمْرًا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ (^١): نُصِب على معنى: إنا أنزَلناه أمرًا ورحمةً؛ على الحالِ. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (^٢): نُصِب على معنى: يُفْرقُ كلُّ أمرٍ فَرْقًا وأمرًا.\n\n<span id=\"aya-4420\"></span>قال: وكذلك قوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾. قال: ويجوز أن تُنصبَ الرحمةُ بوقوعِ ﴿مُرْسِلِينَ﴾ عليها، فجعَل الرحمةَ النبيَّ ﷺ.\nوقولُه: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا كنا مُرْسِلى رسولِنا محمدٍ ﷺ إلى عبادِنا رحمةً من ربك يا محمدُ، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يقولُ إن الله ﵎ هو السميعُ لما يقولُ هؤلاء المشركون فيما أنزَلنا من كتابِنا، وأرسَلنا من رسُلِنا (^٣) إليهم، وغيرِ ذلك من مَنطقِهم ومنطقِ غيرِهم، العليمُ بما تَنطوى عليه ضمائرهم، وغيرِ ذلك من أمورِهم وأمورِ غيرِهم.\n\n<span id=\"aya-4421\"></span><span data-type='title' id=toc-8443>القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ</span>\n_________\n(^١) في الأصل، ص، م، ت ١: \"الكوفة\" وهو خطأ. والبصرى هو الأخفش. ينظر قوله في تفسير القرطبي ١٦/ ١٢٨.\n(^٢) في الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"البصرة\"وهو خطأ. والكوفي هو الفراء. ينظر قوله في معاني القرآن ٣/ ٣٩.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رسولنا\".","vol":"21","page":11},{"text":"هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)﴾.\nاختلَفت القرأَةُ في قراءةِ قوِله: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ فقرأَتْه عامةُ قرأَةِ المدينة والبصرة: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ) بالرفع (^١) على إتْباعِ إعرابِ \"الربِّ\" إعرابَ ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقرأَتْه عامةُ قرأَةِ الكوفةِ وبعضُ المكيِّين: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ﴾ خفضًا (^٢)، ردًّا على \"الربِّ\" ﷻ في قولِه: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئ فمصيبٌ.\nويعنى بقولِه: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الذي أنزَل هذا الكتابَ يا محمدُ عليك، وأرسَلك إلى هؤلاء المشركين رحمةً مِن ربِّك - مالكُ السماواتِ السبعِ (^٣) والأرضِ وما بينهما من الأشياء كلِّها.\nوقولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم توقنون بحقيقةِ ما أخبَرْتُكم مِن أنَّ ربَّكم ربُّ السماوات والأرضِ، فإن الذي أخبَرْتُكم من (^٤) أن الله (^٥) الذي هذه الصفاتُ صفاتُه، وأن هذا القرآنَ تنزيله، ومحمدًا ﷺ رسولُه - حقٌّ يقينٌ، فأيقِنوا به، كما أيقَنتم بما توقنون به (٤) من حقائقِ الأشياءِ غيرِه.\n\n<span id=\"aya-4422\"></span>وقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا معبود لكم أيُّها الناسُ غير ربِّ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما، فلا تعبُدوا غيرَه؛ فإنه لا تصلُحُ العبادةُ لغيرِه، ولا تنبغي لشيءٍ سواه، ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. يقولُ: هو الذي يُحْيى ما يشاءُ، ويُميتُ ما\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٢.\n(^٢) وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٣) سقط من: ت ٢، ت ٣\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هو\".","vol":"21","page":12},{"text":"يشاءُ مما كان حيًّا.\nوقولُه: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: هو مالكُكم ومالكُ مَن مضَى قبلكم من آبائِكم الأوّلين. يقولُ: فهذا الذي هذه صفتُه هو الربُّ فاعبُدوه دونَ آلهتكم التي لا تقدِرُ على ضرٍّ ولا نفعٍ.\n\n<span id=\"aya-4423\"></span>وقولُه: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما هم بموقنين بحقيقةِ ما يقالُ لهم ويُخْبَرون من هذه الأخبارِ، يعنى بذلك مشركي قريشٍ، ولكنهم في شكٍّ منه، فهم يَلْهُون بشكِّهم (^١) في الذي يُخْبَرون به مِن ذلك.\n\n<span id=\"aya-4424\"></span><span data-type='title' id=toc-8445>القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَارْتَقِبْ﴾: فانْتظِرْ يا محمدُ بهؤلاء المشركين من قومِك الذين هم في شكٍّ يَلْعبون. وإنما هو \"افتعَل\"، من: رقَبْتُه: إذا انتظَرْتَه وحرَسْتَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8444>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَارْتَقِبْ﴾. أي: فانْتظِرْ (^٢).\nوقولُه: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في هذا اليوم (^٣) الذي أمَر اللهُ نبيِّه محمدًا ﷺ أن يرتقبَه، وأخبرَه أن السماءَ تأتى فيه بدخانٍ\n_________\n(^١) في الأصل: \"لشكهم\".\n(^٢) أخرجه عبد بن حميد - كما في التغليق ٤/ ٣١٠، ٣١١ من طريق شيبان عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":13},{"text":"مبينٍ؛ أيُّ يومٍ هو؟ ومتى هو؟ وفى معنى الدُّخانِ الذي ذكُر في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: ذلك حينَ دعا رسولُ اللهِ على قريشٍ ربَّه أن يأخذَهم بسنين كسِنى يوسفَ، فأُخِذوا بالمجاعة. قالوا: وعُنى بالدُّخانِ ما كان يُصيبُهم حينَئذٍ في أبصارِهم من شدَّةِ الجوعِ؛ مِن الظُلمةِ كهيئةِ الدُّخانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8446>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عيسى بن عثمانَ بن عيسى الرَّمْليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: دخَلْنا المسجدَ، فإذا رجلٌ يقُصُّ على أصحابِه ويقولُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. تدرون ما ذلك الدُّخانُ؟ ذلك دُخانٌ يأتى يومَ القيامةِ، فيأخُذُ بأسماعِ المنافقين وأبصارِهم، ويأخُذُ المؤمنين منه شِبهُ الزُّكامِ. قال: فأَتيْنا ابنَ مسعودٍ، فذكَرْنا ذلك له، وكان مُضْطَجِعًا، ففزِع فقعَد، فقال: إن الله قال لنبيِّكم: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. إن من العِلم أن يقولَ الرجلُ لما لا يعلَمُ: اللهُ أعلمُ. سأحدِّثُكم عن ذلك؛ إن قريشًا لما أبطأَت عن الإسلامِ، واستعصَتْ على رسولِ اللهِ، دعا عليهم بسنين كسِنى يوسفَ، فأصابهم من الجَهْد والجوع حتى أكَلوا العظامَ والميتةَ، وجعَلوا يرفعون أبصارَهم إلى السماءِ، فلا يَرَوْن إِلا الدُّخَانَ، قال اللهُ ﵎: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فقالوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾. قال اللَّهُ: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٥، ١٦]. قال: فعادوا يومَ بدرٍ، فانتقَم اللهُ منهم (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٢٩١، ٢٩٢)، والحميدى (١١٦)، وأحمد ٧/ ١٧٩ (٤١٠٤)، والبخارى (٤٨٢٢ - ٤٨٢٣)، ومسلم (٢٧٩٨/ ٤٠)، والطحاوى في مشكل الآثار (٩٦٣)، والطبراني في الكبير (٩٠٤٦)، والبيهقى في الدلائل،٢/ ٣٢٤، ٣٢٥، والبغوى في تفسيره ٧/ ٢٢٩ من طريق الأعمش به.","vol":"21","page":14},{"text":"حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الزهريُّ، قال: ثنا مالكُ بنُ سُعَيرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: كان في المسجدِ رجلٌ يُذكِّرُ الناسَ. فذكرَ نحوَ حديثِ عيسى، عن يحيى بن عيسى، إلا أنه قال: فانتقَم يومَ بدرٍ، وهى البطشةُ الكبرى.\nحدَّثنا ابن حميدٍ وعمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحى مسلمِ بن صُبَيْحٍ، عن مسروقٍ، قال: كنا عندَ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ جلوسًا، وهو مُضْطَجَعٌ بينَنا. قال: فأتاه رجلٌ فقال: يا أبا عبدِ الرحمنِ، إن قاصًّا عندَ أبوابِ كِنْدَةَ يقُصُّ، ويزعُم أن آيةَ الدُّخانِ تجئُ، فتأخذُ بأنفاسِ الكفارِ، ويأخذُ المؤمنين منه كهيئةِ الزُّكامِ *. فقام عبدُ اللهِ وجلَس وهو غضبانُ، فقال: يا أَيُّها الناسُ، اتقوا اللَّهَ فمن علِم شيئًا فليَقُلْ بما يعلَمُ، ومَن لا يعلمُ فليقُل: اللهُ أعلمُ. وقال عمرٌو: فإنه أعلمُ لأحدِكم أن يقولُ لما لا يعلمُ: اللهُ أعلمُ. وما على أحدِكم أن يقولُ لما لا يعلمُ: لا أعلمُ. فإنّ الله ﷿ يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. إن النبيَّ ﷺ لما رأى مِن الناسِ إدبارًا، قال: \"اللَّهمّ سبعًا كسبع يوسفَ\". فأخذَتْهم سَنَةٌ حَصَّتْ (^١) كل شيءٍ، حتى أكَلوا الجلودَ والمَيتةَ والجِيَفَ، ينظُرُ أحدُهم إلى السماءِ فيرى دُخانًا من الجوعِ، فأتاه أبو سفيانَ بنُ حربٍ، فقال: يا محمدُ، إنك جئتَ تأمُرُنا بالطاعةِ وبصلةِ الرَّحِم، وإنّ قومَك قد هلكوا، فادعُ الله لهم. قال اللهُ ﷿: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾. قال: فكُشِف عنهم، ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾: فالبَطْشة يومَ بدرٍ، وقد مضَتْ آيةُ الرومِ، وآيةُ الدُّخانِ، والبَطْشة،\n_________\n* بعده خرم في نسخة خزانة القرويين، وينتهي في ص ٧٠.\n(^١) حصَّت: أذهبت. اللسان (ح ص ص).","vol":"21","page":15},{"text":"واللِّزام (^١).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: خمسٌ قد مَضَين؛ الدُّخانُ، واللِّزامُ، والبطشةُ، والقمرُ، والرومُ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن عاصمٍ، قال: شهِدتُ جِنازةً فيها زيدُ بنُ عليٍّ، فأنشأ يُحدِّثُ يومئذٍ فقال: إن الدُّخانَ يجيءُ قبلَ يومِ القيامةِ، فيأخُذُ بأَنْفِ المؤمنِ الزُّكامُ، ويأخذُ بمسامعِ الكافرِ. قال: قلتُ: رحِمك اللَّهُ، إن صاحبَنا عبدَ اللَّهِ قد قال غيرَ هذا، قال: إن الدُّخان قد مضَى. وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: أصاب الناسَ جَهْدٌ، حتى جعَل الرجلُ يَرى ما بينَه وبينَ السماءِ دخانًا، فذلك قولُه: ﴿فَارْتَقِبْ﴾. وكذا قرَأ عبدُ اللَّهِ إلى قولِه: ﴿مُؤْمِنُونَ﴾. قال: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]. قلتُ لزيدٍ: فعادوا، فأعاد اللَّهُ عليهم بدرًا، فذلك قولُه: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨]. فذلك يومَ بدرٍ. قال: فقيلَ واللَّهِ، قال عاصمٌ، فقال رجلٌ يردٌّ عليه، فقال زيدٌ رحمة اللَّهِ عليه: أمَا إِنّ رسول اللَّهِ ﷺ قد قال: \"إنكم سَيَجِيئُكم رُواةٌ، فما وافَق القُرآنَ فخُذُوا به، وما كان غير ذلك فَدَعُوه\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٠٧)، ومسلم (٢٧٩٨/ ٣٩)، وأبو يعلى (٥١٤٥) من طريق جرير به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٥، وأحمد ٧/ ٢٥٧ (٤٢٠٦)، والبخارى (٤٨٢٤)، والترمذي (٣٢٥٤)، وابن حبان (٦٥٨٥)، والطبراني في الكبير (٩٠٤٨)، وأبو نعيم في الدلائل (٣٦٩)، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٣٢٦، والبغوى في تفسيره ٧/ ٢٢٩ من طريق منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٧/ ٥٣٨.\n(^٣) آخره المرفوع أخرجه الدارقطني في السنن ٤/ ٢٠٨، ٢٠٩ من طريق أبي بكر بن عياش، وقال: الصواب =","vol":"21","page":16},{"text":"حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن ابن مسعودٍ أنه قال: البَطْشةُ الكبرى يومَ بدرٍ، وقد مضَى الدُّخانُ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن عوفٍ، قال: سمِعتُ أبا العاليةِ يقولُ: إنّ الدُّخان قد مضَى (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن عمرٍو، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: مضَى الدُّخانُ لسنينَ أصابتهم (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن محمدٍ، قال: نُبِّئتُ أنّ ابنَ مسعودٍ كان يقولُ: قد مضَى الدُّخانُ، كان سنينَ كسِني يوسفَ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. قال: الجَدْبُ وإمساكُ المطرِ عن كفارِ قريشٍ. إلى قوله: ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. قال: كان ابن مسعودٍ يقولُ: قد مضَى الدُّخانُ، وكان سنينَ\n_________\n= عن عاصمٍ عن زيد عن علي بن الحسين مرسلًا عن النبي ﷺ.\n(^١) تقدم مطولًا من طريق آخر عن ابن مسعود ص ١٤.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٣٣.\n(^٤) تفسير مجاهد ٥٩٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة الأحمدية ص ٣٧٧ - إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":17},{"text":"كسِنى يوسفَ، ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nحدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾: قد مضَى شأنُ الدُّخانِ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ الله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾. قال: يومَ بدرٍ (^٢).\nوقال آخرون: الدُّخانُ آيةٌ من آياتِ اللَّهِ، مرسَلةٌ على عبادِه قبلَ مجيءِ الساعةِ، فيدخُلُ في أسماعِ أهلِ الكفرِ به، ويعترِى أهلَ الإيمانِ به كهيئةِ الزُّكامِ. قالوا: ولم يأْتِ بعد، وهو آتٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8447>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن الوليدِ بن جُميعٍ، عن عبدِ الملكِ بن المغيرةِ، عن عبدِ الرحمنِ بن البيلمانيِّ (^٣)، عن ابن عمرَ، قال: يخرُجُ الدُّخانُ، فيأخذُ المؤمنَ كهيئةِ الزَّكْمةِ (^٤)، ويدخُلُ في مسامعِ الكافرِ والمنافقِ حتى يكونَ كالرأْسِ الحَنيذِ (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٣٣.\n(^٢) تقدم تخريجه ١٧/ ٥٤٠.\n(^٣) في م: \"البيلمان\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"السليماني\".\n(^٤) في ت ٢، وتفسير ابن كثير: \"الزكام\".\n(^٥) عزاه ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٣٥ إلى المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى المصنف.","vol":"21","page":18},{"text":"ذات أبي مُليكةَ، قال: غدوتُ على ابن عباسٍ يومٍ، فقال: ما نمتُ الليلةَ حتى أصبحتُ. قلتُ: لمَ؟ قال: قالوا: طلَع الكوكبُ ذو الذَّنَبِ، فخشِيتُ أن يكونَ الدُّخانُ قد طَرَق، فما نمتُ حتى أصبحتُ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَزيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضّلِ، عن عوفٍ، قال: قال الحسنُ: إنّ الدُّخان قد بَقى مِن الآياتِ، فإذا جاء الدُّخانُ نَفَخ الكافرَ حتى يَخْرُجَ مِن كلِّ سمعٍ من مسامعِه، ويأخذُ المؤمنَ كزَكْمةٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عثمانُ، يعنى ابنَ الهيثمِ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ بنحوِه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن أبي سعيدٍ، قال: يَهِيجُ الدُّخانُ بالناسِ؛ فأمّا المؤمنُ فيأخذُه منه كهيئةِ الزَّكْمةِ، وأما الكافرُ فيهيجُه حتى يخرُجَ من كلِّ مِسْمَع منه. قال: وكان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ فما مَثَلُ الأرضِ يومَئِذٍ إلا كمَثَلِ بيتٍ أُوقِد فيه ليس فيه خَصاصةٌ (^٣).\nحدَّثني عصامُ بنُ رَوَّادِ بن الجُرَّاحِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ الثوريُّ، قال: ثنا منصورُ بنُ المعتمرِ، عن رِبْعيِّ بن حِراشٍ، قال: سمعتُ حُذيفةَ بنَ اليمانِ يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ: \"أوّلُ الآياتِ الدَّجَّالُ، ونُزُولُ عيسى ابن مريمَ،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٦، والحاكم ٤/ ٤٥٩ من طريق ابن جريج به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٢٣٥ - من طريق ابن أبي مليكة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) الخصاصة: الفرجة أو الخلل. اللسان (خ ص ص).\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٢٣٤ - من طريق الحسن به مرفوعًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"21","page":19},{"text":"ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنِ أَبْيَنَ، تَسُوقُ الناسَ إلى الْمَحشَرِ، تَقِيلُ معهم إذا قالوا، والدُّخانُ\". قال حذيفةُ: يا رسولَ اللَّهِ، وما الدُّخانُ؟ فتلا رسولُ اللَّهِ ﷺ الآيةَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ - يملأُ ما بينَ المشرقِ والمغربِ، يَمكُثُ أربعينَ يومًا وليلةً؛ أما المؤمنُ فيصيبُه منه كهيئةِ الزُّكام، وأما الكافرُ كمنزلةِ السَّكرانِ يخرُجُ مِن مَنْخَرَيْهِ وأُذُنَيْه ودُبُرِه\" (^١).\nحدَّثني محمدُ بن عوفٍ، قال: ثنا محمدُ بن إسماعيلَ بن عياشٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى ضَمْضَمُ بنُ زُرْعَةَ، عن شريح بن عُبيد، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"إنّ ربَّكم أنْذَركم ثلاثًا؛ الدُّخانُ يأخذُ المؤمنَ كالزَّكْمَةِ، ويأخذُ الكافرَ فيَنْتَفِخُ حتى يخرُجَ مِن كُلَّ مِسْمَعٍ منه، والثانيةُ الدَّابَّةُ، والثالثةُ الدَّجَّالُ\" (^٢).\nوأولى القولين بالصواب في ذلك ما رُوى عن ابن مسعودٍ، من أنّ الدُّخانَ الذي أمر اللَّهُ نبيِّه ﷺ أن يرتقبَه، هو ما أصاب قومَه من الجَهْدِ بدعائِه عليهم، على ما وصفه ابن مسعودٍ مِن ذلك، إن لم يكنْ خبرُ حذيفةَ الذي ذكَرْناه عنه عن رسولِ اللَّهِ ﷺ صحيحًا، وإن كان صحيحًا، فرسولُ اللَّهِ ﷺ أعلم بما أنزَل الله عليه، وليس لأحدٍ مع قولِه الذي يَصِحُّ عنه قولٌ.\nوإنما لم أشهدْ له بالصِّحةِ؛ لأن محمدَ بنَ خلفٍ العسقلانيَّ حدَّثني أنه سأل روّادًا عن هذا الحديثِ، هل سمِعه من سفيانَ؟ فقال له: لا. فقلتُ له: فقرأْتَه\n_________\n(^١) أخرجه البغوي في تفسيره ٧/ ٢٣٠ من طريق المصنف به، وتقدم أوله ١٦/ ٣٩٧، ٣٩٨.\n(^٢) أخرجه الطبراني (٣٤٤٠)، وفي مسند الشاميين ٢/ ٤٤٢ من طريق محمد بن إسماعيل به.","vol":"21","page":20},{"text":"عليه؟ فقال: لا. فقلتُ له: فقُرئَ عليه وأنت حاضرٌ فأَقرَّ بِهِ؟ فقال: لا. فقلتُ له: فمن أين جئتَ به؟ قال: جاءني به قومٌ فعرَضوه عليّ، وقالوا لي: اسمعْه منا. فقرءُوه عليَّ، ثم ذهبوا، فحدَّثوا به عنى. أو كما قال، فلِمَا ذكَرْتُ من ذلك لم أشهدْ له بالصِّحةِ.\nوإنما قلتُ: القولُ الذي قاله عبد الله بن مسعودٍ هو أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لأنَّ اللَّهَ جلّ ثناؤه توعد بالدُّخَانِ مشركي قريشٍ، وأن قوله لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. في سياقِ خطابِ اللَّهِ كفارِ قريشٍ وتقريعه إياهم بشركهم بقولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٨، ٩]. ثم أَتْبع ذلك قولَه لنبيِّه ﵊: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ - أمرًا منه له بالصبر إلى أن يأتيهم بأشه، وتهديدا للمشركين، فهو بأن يكون إذ كان وعيدا لهم قد أحَلَّه بهم، أشبه مِن أنْ يكونَ أَخَرَه عنهم لغيرهم.\nوبعد، فإنه غيرُ مُنكَرٍ أن يكونَ أحلَّ بالكفارِ الذين توعَّدهم بهذا الوعيدِ ما توعَّدهم، ويكونَ مُحِلًّا فيما يُستأنف بعد بآخرين دُخَانًا، على ما جاءت به الأخبارُ عن رسول الله ﷺ عندَنا كذلك؛ لأن الأخبارَ عن رسولِ الله ﷺ قد تَظَاهَرَتْ بأن ذلك كائنٌ، فإنه قد كان ما رَوى عنه عبدُ اللَّهِ بن مسعودٍ، فكلا الخبَرين اللذَين رُويا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ صحيح. وإن كان تأويلُ الآيةِ في هذا الموضعِ ما قلنا.\nفإذ كان الذي قلنا في ذلك أولى التأويلينِ، فبيِّنٌ أن معناه: فانتظر يا محمدُ لمشركي قومِك يومَ تأتيهم السماءُ مِن البلاء الذي يحُلُّ بهم على كفرِهم، بمثلِ الدُّخان المُبِيِن لمن تأمَّله أنه دُخانٌ.\n\n<span id=\"aya-4425\"></span>﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾. يقولُ: يغشى أبصارَهم من الجَهْدِ الذي يُصِيبُهم،","vol":"21","page":21},{"text":"﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يعنى أنهم يقولون مما ينالُهم من ذلك الكربِ والجَهْدِ: هذا عذابٌ أليمٌ. وهو الموجعُ، وتُرِك من الكلامِ \"يقولون\"، اسْتِغْناءً بمعرفةِ السامعين معناه مِن ذكرِها.\n\n<span id=\"aya-4426\"></span>وقولُه: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾. يعنى أن الكافرين الذين يُصيبُهم ذلك الجَهْدُ يَضْرعون إلى ربِّهم، بمسْألتِهم إياه كشفَ ذلك الجَهْدِ عنهم، ويقولون: إنك إنْ كشَفْتَه عنا آمنّا بك وعبَدناك من دونِ كلِّ معبودٍ سواك. كما أخبَر عنهم جلَّ ثناؤُه: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4427\"></span><span data-type='title' id=toc-8449>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: مِن أيِّ وجهٍ لهؤلاء المشركين التَّذكُّرُ (^١) مِن بعدِ نزولِ البلاءِ بهم، وقد تولَّوا عن رسولِنا حينَ جاءهم، مُدبِرين عنه، لا يتذكَّرون بما يُتلى عليهم مِن كتابِنا، ولا يتَّعِظون بما يعظُهم به مِن حُجَجنا، ويقولون: إنما هو مجنونٌ عُلِّم (^٢) هذا الكلامَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولهِ: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8448>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"التذكير\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"على\". والمثبت من: م، وقد أثبته مراجع المطبوعة هكذا ليستقيم السياق، على اعتبار أن لفظة (على) محرفة عن (علم) في نسخته المخطوطة.","vol":"21","page":22},{"text":"في قولِه: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾. يقولُ: كيف لهم (^١)؟\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾: بعدَ وقوعِ هذا البلاءِ (^٢).\nوبنحوِ الذي قلنا أيضًا في قولِه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ قَالَ أَهلُ التأويل.\n\n<span id=\"aya-4428\"></span><span data-type='title' id=toc-8450>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾. قال: تولُّوا عن محمدٍ ﵇، وقالوا: معلَّمٌ مجنونٌ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4429\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء المشركين الذين أخبَر عنهم أنهم يستغيثون به مِن الدُّخانِ النازلِ، والعذابِ الحالِّ بهم مِن الجَهْدِ، وأخبَر عنهم أنهم يعاهِدونه أنه إن كشف العذابَ عنهم آمنوا: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾. يعنى: الضرِّ النازلِ بهم، بالخِصْبِ الذي نُحدثُه لهم قليلًا، ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾. يقولُ: إنكم أيُّها المشركون إذا كشَفْتُ عنكم ما بكم من ضرٍّ، لم تفُوا بما تعِدون وتعاهِدون عليه ربَّكم من الإيمانِ، ولكنَّكم تعوُدون في ضلالِكم وغيِّكم، كما كنتم قبلَ أن يُكْشَفَ عنكم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٩/ ٣١٥.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٩٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":23},{"text":"وكان قتادةَ يقولُ: معناه: إنكم عائدون في عذابِ اللهِ. حدَّثنا بذلك ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عنه (^١).\nوأما الذين قالوا: عُنِى بقولِه: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. الدخانُ نفسُه. فإنهم قالوا في هذا الموضعِ: عُنِى بالعذابِ الذي قال: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾. الدخانُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8451>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾. يعنى: الدُّخانِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾. قال: قد فعَل، كشَف الدُّخانَ حينَ كان. قولَه: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾. قال: كُشِف عنهم فعادوا.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾: إلى عذاب اللَّهِ (١).\n\n<span id=\"aya-4430\"></span><span data-type='title' id=toc-8452>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٧ من طريق معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":24},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: إنكم أيُّها المشركون إن كشفْتُ عنكم العذابَ النازلَ بكم، والضرَّ الحالَّ بكم (^١)، ثم عُدتم في كفركِم، ونقَضْتم عهدَكم الذي عاهَدْتم ربَّكم، انتقمْتُ منكم يومَ أبطشُ بكم بَطْشتى الكبرى في عاجلِ الدنيا، فأُهلِكُكم. وكشَف الله عنهم، فعادوا، فبطَش بهم جلّ ثناؤُه بطشته الكبرى في الدنيا، فأهلكهم قتلًا بالسيفِ.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في البطشةِ الكبرى؛ فقال بعضُهم: هي بطشةُ الله بمشركي قريشٍ يومَ بدرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8453>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن ابن مسعود أنه قال: البطشة الكبرى يومَ بدرٍ.\nحدَّثني عبد الله بن محمد الزهريُّ، قال: ثنا مالكٍ بنُ سُعيرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: قال [عبدُ اللهِ] (^٢): يومَ بدرٍ، يومَ البطشةِ الكبرى (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا أيوب، عن محمد، قال: نُبِّئتُ أنّ ابن مسعودٍ كان يقولُ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾: يومَ بدرٍ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾. قال: يومَ بدرٍ.\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"في عاجل الدنيا\".\n(^٢) سقط من: م، ت ١.\n(^٣) تقدم في ص ١٤، ١٥.","vol":"21","page":25},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إ﴾. قال: يومَ بدرٍ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن عوفٍ، قال: سمِعتُ أبا العاليةِ في هذه الآيةِ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾. قال: يومَ بدرٍ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾. قال: يعنى يومَ بدرٍ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عَثَّامُ بنُ عليٍّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: قلتُ: ما (^٤) البطشة الكبرى؟ قال: يومَ القيامةِ. فقلتُ: إنّ عبد الله كان يقولُ: يومَ بدرٍ. قال: فبلَغني أنه سُئِل بعدُ، فقال: يومَ بدرٍ.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ بنحوِه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي الخليلِ، عن مجاهدٍ، عن أبي بن كعبٍ، قال: يومَ بدرٍ (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٩٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٨٧ من طريق ابن عون، عن أبي العالية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى ابن مردويه.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢ ت ٣.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"21","page":26},{"text":"حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾: يومَ بدرٍ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾. قال: هذا يومَ بدرٍ (^٢).\nوقال آخرون: بل هي بطشةُ اللهِ بأعدائهِ يومَ القيامةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8454>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا خالدٌ الحذَّاءُ، عن عكرمةَ، قال: قال ابن عباسٍ: قال ابن مسعودٍ: البطشةُ الكبرى يومَ بدرٍ. وأنا أقولُ: هي يوم القيامةِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنَ إدريسَ، قال: ثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، قال: مرَّ بي عكرمةَ، فسأْلتُه عن البطشةِ الكبرى، فقال: يومَ القيامةِ. قال: قلتُ: إن عبد الله بن مسعودٍ كان يقولُ: يومَ بدرٍ. وأخبَرني مَن سأله بعدُ، فقال: يومَ بدرٍ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾. قال قتادةُ عن الحسنِ: إنه يومُ القيامةِ (^٥).\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ١٣٤.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٢٢٦.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٣٧ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) ذكره الذهبي في السير ٥/ ٢٨، والحافظ في هدى السارى ص ٤٢٦ عن الأعمش، عن إبراهيم.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"21","page":27},{"text":"وقد بيَّنا الصواب في ذلك فيما مضَى، والعلةَ التي من أجلها اختَرْنا ما اختَرْنا من القولِ فيه (^١).\n\n<span id=\"aya-4431\"></span>وقولُه: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾. يعنى تعالى ذكره: ولقد اختبَرْنا وابتلَينْا يا محمدُ قبل مشركي قومِك مثالَ (^٢) هؤلاء؛ قومَ فرعونَ مِن القبطِ، ﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: وجاءَهم رسولٌ من عندِنا أرسَلناه إليهم، وهو موسى بنُ عمران صلواتُ اللَّهِ عليه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾: يعني موسى.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾. قال: موسى ﵇ (^٣).\nووصَفه جلّ ثناؤُه بالكرمِ لأنه كان كريمًا عليه، رفيعًا عندَه مكانُه. وقد يجوزُ أن يكونَ وصَفه بذلك لأنه كان في قومِه شريفًا وسيطًا.\n\n<span id=\"aya-4432\"></span>وقولُه: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجاء قومَ فرعونَ رسولٌ من الله كريمٌ عليه بأن ادفعوا إليَّ. ومعنى ﴿أَدُّوا﴾: ادفَعوا إليَّ، فأَرِسلوا معى واتبعونِ. وهو نحوُ قولِه: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٢٠.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣: \"فقال\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":28},{"text":"إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]. فـ ﴿أَنْ﴾ في قولِه: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ﴾. نَصْبٌ، ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ نُصِب بقولِه: ﴿أَدُّوا﴾. وقد تأوَّله قوم: أن أدّوا إليَّ يا عبادَ اللَّهِ. فعلى هذا التأويلِ ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ نَصْبٌ على النداءِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8455>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾. قال: يقولُ: اتَّبِعوني إلى ما أدعوكم إليه من الحقِّ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾. قال: أَرْسِلوا معى بنى إسرائيل (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ قال: بنى إسرائيلَ (^٣)\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٩٧.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\nـ","vol":"21","page":29},{"text":"اللَّهِ﴾: يعني به (^١) بنى إسرائيلَ، قال لفرعونَ: علامَ تَحْبِسُ هؤلاء القوم؟ قومًا أحرارًا اتَّخذتهم عبيدًا، خَلِّ سبيلَهم.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾. قال: يقولُ: أَرْسِلْ عبادَ اللهِ معى. يعنى بني إسرائيلَ. وقرَأ: ﴿فَأَرْسِلْ (^٢) مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧]. قال: ذلك قولُه: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾. قال: وَدِّهم إلينا (^٣).\nوقولُه: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾. يقولُ: إني لكم أيُّها القومُ رسولٌ مِنَ اللَّهِ، أرسلنى إليكم؛ لا يُدركُكم (^٤) بأسه على كفرِكم به، ﴿أَمِينٌ﴾. يقولُ: أمينٌ على وحيِه ورسالتِه التي أوفَدنيها (^٥) إليكم.\n\n<span id=\"aya-4433\"></span><span data-type='title' id=toc-8456>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وجاءهم رسولٌ كريمٌ: أن أدّوا إليَّ عبادَ الله، وبأنْ لا تَعْلوا على اللَّهِ.\nوعُنِى بقولِه: ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾: ألا تَطْغَوا وتَبْغُوا على ربِّكم، فتكفروا به وتعصُوه، فتُخالفوا أمرَه، ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: إني آتيكم بحجةٍ على حقيقةِ ما أدعوكم إليه، وبرهانٍ على صحتِه، مُبينٍ لمن تأمَّلها وتدبَّرها أنها\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢ ت ٣.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣: \"أن أرسل\".\n(^٣) ينظر البحر المحيط ٨/ ٣٥.\n(^٤) في ت ١: \"لأنذركم\".\n(^٥) في النسخ: \"أوعدنيها\".","vol":"21","page":30},{"text":"حجةٌ لي على صحةِ ما أقولُ لكم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8457>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾. أي: لا تَبْغُوا على اللَّهِ، ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. أي: بعذرٍ مُبينٍ (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: لا تَفْتَرُوا على الله (^٢).\n\n<span id=\"aya-4434\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾. يقولُ: وإنى اعتصمتُ بربِّي وربِّكم، واستجَرْتُ به منكم أن ترجمونِ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الرَّجُمِ الذي استعاذه موسى نبيُّ اللَّهِ ﵇ بربِّه منه؛ فقال بعضُهم: هو الشَّتْمُ باللسان.\n\n<span data-type='title' id=toc-8458>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾. قال: يعنى رَجْمَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٧، ٢٠٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"21","page":31},{"text":"القولِ (^١).\nحدَّثني ابن المثنى، قال: ثنا عثمانُ بن عمرَ بن فارسٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾. قال: الرَّجمُ بالقول (^٢).\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾. قال: أن تقولوا: هو ساحرٌ.\nوقال آخرون: بل هو الرَّجمُ بالحجارةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8459>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾. أي: أن ترجُمونِ بالحجارةِ.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾. قال: أن ترجُمونى بالحجارة (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنى بقولِه: ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾: أن تقتُلوني.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ ما دلَّ عليه ظاهرُ الكلام، وهو أنَّ موسى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه بلفظ \"تشتمون\".\n(^٢) في ص، ت ٢، ت، ٢، ت ٣: \"القول\".\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٣٨.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":32},{"text":"﵇ استعاذ باللهِ من أن يرجُمَه فرعونُ وقومُه، والرَّجُمُ قد يكونُ قولًا باللسانِ، وفعلًا باليدِ. والصوابُ أن يقالَ: استعاذ موسى بربِّه بربه مِن كلِّ معاني رجْمِهم، الذي يصلُ منه إلى المرجومِ أذًى ومكروهٌ؛ شتمًا كان ذلك باللسانِ، أو رجمًا بالحجارةِ باليدِ.\n\n<span id=\"aya-4435\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل نبيِّه موسى ﵇ لفرعونَ وقومه: وإنْ أنتم أيُّها القومُ لم تُصدِّقونى على ما جئتُكم به من عندِ ربِّي، ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾. يقولُ: فخلُّوا سبيلي غيرَ مرْجومٍ باللسانِ ولا باليدِ.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾. أي: فخلّوا سبيلى (^١).\n\n<span id=\"aya-4436\"></span><span data-type='title' id=toc-8460>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَدَعَا﴾ موسى ﴿رَبَّهُ﴾ إذ كذَّبوه ولم يؤمنوا به، ولم يؤدُّوا إليه عبادَ اللَّهِ، وهمُّوا بقتله، بـ ﴿أَنَّ هَؤُلَاءِ﴾. يعني: فرعونَ وقومَه، ﴿قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾. يعنى: أنهم مشركون باللهِ كافرون.\n\n<span id=\"aya-4437\"></span>وقولُه: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾. وفي الكلام محذوفٌ استُغْنِىَ بدلالةِ ما ذُكر عليه منه، وهو: فأجابه ربُّه بأن قال له: ﴿فَأَسْرِ﴾ إذ كان الأمرُ كذلك ﴿بِعِبَادِي﴾. وهم بنو إسرائيلَ. وإنما معنى الكلامِ: فأَسْرِ بعبادى الذين صدَّقوك وآمَنوا بك\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":33},{"text":"واتَّبعوك، دونَ الذين كذّبوك منهم وأبَوْا قبولَ ما جئتهم به من النصيحةِ منك، وكان الذين كانوا بهذه الصفةِ يومَئذٍ بني إسرائيلَ، وقال: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾؛ لأن معني ذلك: سِرْ بهم بليلٍ قبلَ الصباحِ.\nوقولُه: ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾. يقولُ: إن فرعون وقومه من القِبْطِ مُتَّبِعوكم إذا شَخَصْتم (^١) عن بلدِهم وأرضِهم، في آثارِكم.\n\n<span id=\"aya-4438\"></span>وقولُه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. يقولُ: وإذا قطعتَ البحرَ أنت وأصحابُك، فاترُكْه ساكنًا على حالِه التي كان عليها حينَ دخلْتَه. وقيل: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه قال لموسى هذا القولَ بعدَ ما قطَع البحرَ ببني (^٢) إسرائيلَ، فإذ كان ذلك كذلك ففى الكلامِ محذوفٌ، وهو: فسَرَى موسى بعبادى ليلًا، وقطَع بهم البحرَ، فقلنا له بعدَ ما قطَعه وأراد ردَّ البحر إلى هيئتِه التي كان عليها قبلَ انفلاقه: اتركْه رهْوًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-8461>ذكرُ مَن قال ما ذكَرْنا، مِن أَنَّ اللَّهَ ﷿ قال لموسى هذا القولُ، بعد ما قطَع البحرَ بقومه </span>(^٣).\nحدَّثنا بشرٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُون﴾ حتى بلَغ: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾. قال: لما خرَج آخرُ بنى إسرائيلَ أراد نبيُّ اللَّهِ موسى ﵇ أن يضربَ البحر بعصاه حتى يعودَ كما كان؛ مخافةَ آلِ فرعونَ أن يُدركوهم، فقيل له: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾.\n_________\n(^١) شخص: أي: خرج. اللسان (ش خ ص).\n(^٢) في ص: \"بين بني\".\n(^٣) بعده في ت ٢ ت ٣: \"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ \".","vol":"21","page":34},{"text":"حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: لما قطَع البحرَ، عطَف ليضربَ البحرَ بعصاه ليلتئِمَ، وخاف أن يتْبِعه فرعونُ وجنودُه، فقيل له: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ كما هو، ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ (^١).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الرهْوِ؛ فقال بعضُهم: معناه: اتركْه على هيئتِه وحالِه التي كان عليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-8462>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. يقولُ: سَمْتًا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾. قال: الرهْوُ: أن يُتْركَ كما كان، فإنهم لن (^٣) يَخلُصوا مِن ورائِه (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: أخبَرنا حميدٌ، عن إسحاقَ [بن عبدِ] (^٥) اللهِ بن الحارثِ، عن أبيه، أن ابنَ عباسٍ سأل كعبًا عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. قال: طريقًا (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) السمت الطريق. اللسان (س م ت).\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٢ - وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٤ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لم\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى المصنف.\n(^٥) في ص: \"بن عبيد\"، وفى م: \"عن عبد\". وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٤٤٢.\n(^٦) أخرجه الحسين المروزى في زوائده على زهد ابن المبارك (١٤١٣) من طريق حميد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"21","page":35},{"text":"وقال آخرون: بل معناه: اترُكْه سهلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-8463>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. قال: سهلًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. قال: يقالُ: الرهْوُ السهلُ (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا حَرَميُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرني عُمارة، عن الضحاكِ بن مُزاحمٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. قال: دَمِثًا.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. قال: سهلًا دَمِثًا (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. قال: هو السهلُ (^٤).\nوقال آخرون: بل معناه: واتركْه (^٥) يَبَسًا جَدَدًا (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩، ٣٠ إلى المصنف. بلفظ: \"دمثا\". وكلاهما بمعنًى.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ١٣٧ وأبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٣٥.\n(^٤) ذكره ابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٤ معلقًا، وينظر البحر المحيط ٨/ ٣٦.\n(^٥) في ت ٢: \"وأنزله\".\n(^٦) الجدد: الطريق. اللسان (ج د د).","vol":"21","page":36},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8464>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى عبيدُ اللَّهِ بنُ معاذٍ، قال: ثنى أبي، عن شعبةَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. قال: جَدَدًا (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى عبيدُ اللَّهِ بنُ معاذٍ، قال: ثنى أبي، عن شعبةَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. قال: يابسًا كهيئتِه بعدَ أن ضربَه، يقولُ: لا تأمرْه يَرْجِعْ، اتركْه حتى يدخُلَ آخرُهم (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿رَهْوًا﴾. قال: طريقًا يَبَسًا (^٣).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. قال: كما هو طريقًا يابسًا (^٤).\nوأولَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: اتركْه على هيئتِه كما هو، على الحالِ التي كان عليها حينَ سلَكْتَه. وذلك أَنَّ الرهْوَ في كلامِ العربِ السكونُ، كما قال الشاعرُ (^٥):\n_________\n(^١) أخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٤ من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة بلفظ: طريقًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٣٨.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٨ عن معمر به، وهو في تفسير مجاهد ص ٥٩٨ - ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١٠ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) البيتان بدون نسبة في معاني القرآن للفراء ٣/ ٤١، والأول في اللسان (ب د د، ن د د).","vol":"21","page":37},{"text":"كأنَّما أَهلُ حُجْرٍ يَنْظُرون متى … يَرَوْنَني خارِجًا طيرٌ ينادِيدُ (^١)\nطيرٌ رأَتْ بازيًا نَضْحُ (^٢) الدماءِ بِهِ … وأمُّهُ (^٣) خرجَتْ رهْوًا إلى عيدِ (^٤)\nيعني: على سكونٍ. وإذا كان ذلك معناه، كان لا شكَّ أنه متروكٌ سهلًا دَمِثًا، وطريقًا يَبَسًا؛ لأن بنى إسرائيلَ قطَعوه حينَ قطَعوه وهو كذلك، فإذا تُرِك البحرُ رهْوًا كما كان حينَ قطَعه موسى، ساكنًا لم يُهَج، كان لا شكَّ أنه بالصفةِ التي وصفْتُ.\nوقولُه: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾. يقولُ: إِنَّ فرعونَ وقومَه جندٌ اللَّهُ مُغْرِقُهم في البحرِ.\n\n<span id=\"aya-4439\"></span><span data-type='title' id=toc-8465>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: كم ترك فرعونُ وقومُه من القبطِ بعدَ مهلِكِهم وتغريقِ اللَّهِ إياهم من بساتينِ أشجارٍ (^٥)، وهى الجناتُ، ﴿وَعُيُونٍ﴾. يعنى: ومنابعِ ماءٍ كان ينفجِرُ في جنانِهم.\n\n<span id=\"aya-4440\"></span>﴿وَزُرُوعٍ﴾ قائمةٍ في مزارِعهم، وَ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾. يقولُ: ومَوضعٍ كانوا يقومونه، شريفٍ كريمٍ.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى وصفِ اللَّهِ ذلك المقامَ بالكرمِ؛ فقال بعضُهم: وصَفه بذلك لشرفِه، وذلك أنه مَقامُ الملوكِ والأمراءِ، قالوا: وإنما أُريد به المنابرُ.\n_________\n(^١) طير يناديد وأناديد: متفرقة. اللسان (ن د د).\n(^٢) في المعاني: \"نضخ\". والمثبت موافق لنسختين من نسخه.\n(^٣) في المعانى: \"أو أمة\". والمثبت موافق لإحدى نسخه.\n(^٤) في البيتين إقواء، وهو اختلاف حركة الروى في قصيدة واحدة. ينظر الكافي في العروض والقوافي للتبريزي ص ١٦٠.\n(^٥) في م: \"وأشجار\".","vol":"21","page":38},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8466>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني جعفرُ بنُ ابنةِ إسحاقَ الأزرقِ، قال: ثنا سعيدُ بنُ محمدٍ الثقفيُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن أبيه، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾. قال: المنابرِ (^١).\nحدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ داودَ الواسطيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾. قال: المنابرِ (^١).\nوقال آخرون: وُصِف ذلك المَقامُ بالكرمِ؛ لحسنِه وبهجتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8467>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾. أي: حسَنٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4441\"></span>وقولُه: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأُخْرِجوا مِن نَعْمَةٍ كانوا فيها فاكهين؛ مُتفكِّهين ناعمين.\nواختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَاكِهِينَ﴾ فقرَأ ذلك عامةُ قرأَةِ الأمصارِ خلا أبي جعفرٍ القارئ: ﴿فَاكِهِينَ﴾. على المعنى الذي وصَفت. وقرَأه أبو رجاءٍ العُطارديُّ، والحسنُ، وأبو جعفرٍ المدنيُّ: (فَكِهِينَ). بمعنى: أَشِرِين بَطِرِين (^٣).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٣٨.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ينظر البحر المحيط ٨/ ٣٦، وإتحاف فضلاء البشر ص ٢٢٥.","vol":"21","page":39},{"text":"والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندى القراءةُ التي عليها قرأةُ الأمصارِ، وهى ﴿فَاكِهِينَ﴾ بالألفِ، بمعنى: ناعمين.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8468>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾: ناعمين. قال: إىْ واللَّهِ، أخرَجه اللَّهُ مِن جنانِه وعيونِه وزروعِه، حتى ورَّطه في البحرِ (^١).\n\n<span id=\"aya-4442\"></span>وقولُه: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هكذا كما وصَفتُ لكم أيُّها الناسُ، فعلنا بهؤلاءِ الذين ذكَرتُ لكم أمرَهم، الذين كذَّبوا رسولَنا موسى ﷺ.\nوقولُه: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأورَثْنا جنانَهم وعيونَهم وزروعَهم ومقاماتِهم، وما كانوا فيه من النعمةِ - عنهم قومًا آخرين بعدَ مهلِكِهم. وقيل: عُنِى بالقومِ الآخرين بنو إسرائيلَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8469>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾: يعنى بني إسرائيلَ (^١).\n\n<span id=\"aya-4443\"></span><span data-type='title' id=toc-8470>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":40},{"text":"مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: فما بكَت على هؤلاء الذين غرَّقهم اللَّهُ في البحرِ، وهم فرعونُ وقومُه، السماءُ والأرضُ. وقيل: إن بكاءَ السماءِ حمرةُ أطرافِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-8471>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحمَسيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حمادٍ، عن الحكمِ بن ظُهيرٍ، عن السديِّ، قال: لما قُتل الحسينُ بنُ عليٍّ رضوانُ اللَّهِ عليهم بكَتِ السماءُ عليه، وبكاؤُها حمرتُها (^١).\nحدَّثني عليٌّ بنُ سهلٍ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾. قال: بكاؤُها حمرةُ أطرافِها (^٢).\nوقيل: إنما قيل: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾؛ لأن المؤمنَ إذا مات بكَت عليه السماءُ والأرضُ أربعين صباحًا، ولم يبكيا على فرعونَ وقومِه؛ لأنه لم يكنْ لهم عملٌ يصعَدُ إلى اللَّهِ صالحٌ فتبكيَ عليهمُ السماءُ (^٣)، ولا مسجِدٌ في الأرضِ فتبكيَ عليهمُ الأرضُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ (^٤).\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٢٣٢، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٤٠.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٣: \"والأرض\".\n(^٤) بعده في ت ٣: \"السماء تبكى على المؤمن الصالح والأرض تبكى على المؤمن الساجد عليها لله قال أهلُ التأويلِ\".","vol":"21","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8472>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طلقُ بْنُ غَنَّامٍ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: أتَى ابنَ عباسٍ رجلٌ، فقال: يا أبا عباسٍ، أرأَيتَ قولَ اللَّهِ ﵎: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾. فهل تبكى السماءُ والأرضُ على أحدٍ؟ قال: نعم، إنه ليس أحدٌ مِن الخلائقِ إلا له بابٌ في السماءِ، منه ينزلُ رزقُه، وفيه يصعَدُ عملُه، فإذا مات المؤمنُ فأُغلِق بابُه مِن السماءِ الذي كان يصعدُ عملُه وينزلُ منه رزقُه، بكَى عليه، وإذا فقَده مُصلَّاهُ مِن الأرضِ التي كان يُصلِّى فيها ويذكرُ اللَّهِ فيها، بكَت عليه، وإنّ قومَ فرعونَ لم يكنْ لهم في الأرضِ آثارٌ صالحةٌ، ولم يكنْ يصعدُ إلى السماءِ منهم خيرٌ، قال: فلم تَبْكِ عليهم السماءُ والأرضُ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ويحيى، قالا: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان يقالُ: تَبْكى الأرضُ على المؤمنِ أربعين صباحًا (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي يحيى القَتَّاتِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ بمثلِه (^٣).\nحدَّثني يحيى بنُ طلحةَ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ عياضٍ، عن منصورٍ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٤٠ عن المصنف، وأخرجه البيهقى في شعب الإيمان (٣٢٨٨) من طريق زائدة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٣٢٨٩) من طريق سفيان به، وابن أبي شيبة ١٣/ ٥٧٠، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٩٧ من طريق منصور به.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٣٨)، وابن أبي شيبة ١٣/ ٣٧٣ من طريق سفيان به، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (١١٨٣) من طريق إسرائيل به، وأخرجه البيهقى في الشعب (٣٢٩٠) من طريق مجاهد به.","vol":"21","page":42},{"text":"مجاهدٍ، قال: حدَّثتُ أنَّ المؤمنَ إذا مات بكَت عليه الأرضُ أربعينَ صباحًا.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إسحاقَ الحضرميُّ، قال: ثنا بُكَيْرُ بنُ أَبي السَّميطِ، قال: ثنا قتادةُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه كان يقولُ: إن بقاعَ الأرضِ التي كان يصعَدُ عملُه منها إلى السماءِ، تَبْكى عليه بعدَ موتِه، يعنى المؤمنَ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾. قال: إنه ليس أحدٌ إلا له بابٌ في السماءِ ينزلُ فيه رزقُه، ويصعَدُ فيه عملُه، فإذا فُقِد بكَت عليه مواضعُه التي كان يسجُدُ عليها، وإنَّ قومَ فرعونَ لم يكنْ لهم في الأرضِ عملٌ صالحٌ يُقْبَلُ منهم فيصعَدَ إلى اللَّهِ ﷿. فقال مجاهدٌ: تَبْكى الأرضُ على المؤمنِ أربعين صباحًا.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان يُقالُ: إِنَّ المؤمنَ إذا مات بكَت عليه الأرضُ أربعين صباحًا.\nحدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن صفوانَ بن عمرٍو، عن شريحِ بن عُبيدٍ الحضرميِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِنَّ الإسلامَ بدَأ غريبًا، وسيعودُ غريبًا، أَلَا لا غُربة على المؤمنِ، ما مات مؤمنٌ في غُربةٍ غابت عنه فيها بَواكِيه، إلا بكَت عليه السماءُ والأرضُ\". ثم قرَأ رسولُ اللَّهِ ﷺ: \" ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ \". ثم قال: \"إنهما لا يَبْكيان على الكافرِ\" (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) ذكرُه القرطبي في تفسيره ١٦/ ١٤٠.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٣٩ عن المصنف، وأخرجه البيهقى في الشعب (٩٨٨٨) من طريق صفوان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠ إلى ابن أبي الدنيا. وينظر كشف الخفاء ١/ ٢٨٢.","vol":"21","page":43},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ الآية. قال: ذلك أنه ليس على الأرضِ مؤمنٌ يموتُ إلا بكَى عليه ما كان يُصلِّى فيه مِن المساجدِ حينَ يفقِدُه، وإلا بكَى عليه من السماءِ الموضعُ الذي كان يُرفَعُ منه كلامُه، فذلك قولُه لأهلِ معصيتِه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾؛ لأنهما يبكيان على أولياءِ اللَّهِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ (^٢).\nحدَّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾. يقولُ: لا تَبْكى السماءُ والأرضُ على الكافرِ، وتَبْكى على المؤمنِ الصالحِ معالُمه مِن الأرضِ، ومقرُّ عملِه مِن السماءِ.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾. قال: بِقاعُ المؤمنِ التي كان يُصلَّى عليها مِن الأرضِ تَبْكى عليه إذا مات، وبقاعُه من السماءِ التي كان يُرفعُ فيها عملُه (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: سُئِل ابن عباسٍ: هل تَبْكى السماءُ والأرضُ على أحدٍ؟ فقال: نعم، إنه\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٤٠ عن العوفي به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠ إلى المصنف وعبد بن حميد، ولفظه: هم كانوا أهون على الله من ذلك. قال: وكنا نحدث أن المؤمن تبكى عليه بقاعه التي كان يصلى فيها من الأرض ومصعد عمله السماء.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٨ عن معمر به.","vol":"21","page":44},{"text":"ليس أحدٌ مِن الخَلْقِ إلا له بابٌ في السماءُ يصعَدُ فيه عملُه وينزِلُ منه رزقُه، فإذا مات بكَى عليه مكانُه مِن الأرضِ الذي كان يذكُرُ اللَّهِ فيه ويُصلِّى فيه، وبكَى عليه بابُه الذي كان يصعَدُ فيه عملُه وينزِلُ منه رزقُه، وأما قومُ فرعونَ فلم يكنْ لهم آثارٌ صالحةٌ، ولم يصعَدُ إلى السماءِ منهم خيرٌ، فلم تبْكِ عليهم السماءُ والأرضُ (^١).\nوقولُه: ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾. يقولُ: وما كانوا مؤخَّرين بالعقوبةِ التي حلَّت بهم، ولكنهم عُوجِلوا بها إذ أسْخَطوا ربَّهم ﷿ عليهم.\n\n<span id=\"aya-4444\"></span>﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد نجَّيْنا بني إسرائيلَ مِن العذابِ الذي كان فرعونُ وقومُه يعذِّبونهم به ﴿الْمُهِينِ﴾.\nيعني: المذلِّ لهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8473>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾: يُقَتَّلُ أبناءَهم، ويستحيى نساءَهم.\n\n<span id=\"aya-4445\"></span>وقولُه: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد نجَّيْنا بني إسرائيلَ من العذابِ مِن فرعونَ.\nفقولُه: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾. مكرَّرةٌ على قولِه: ﴿مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.\nمُبْدَلَةٌ مِن ﴿مِنَ﴾ الأولى.\nويعنى بقولِه: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾: إنه كان جبَّارًا مستعليًّا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤٢.","vol":"21","page":45},{"text":"مستكبرًا على ربِّه، ﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. يعنى: مِن المتجاوِزين ما ليس لهم تجاوزُه. وإنما يعنى جلَّ ثناؤُه أنه كان ذا اعتداءِ في كفرِه، واستكبارٍ (^١) على ربِّه جلَّ ثناؤُه.\n\n<span id=\"aya-4446\"></span><span data-type='title' id=toc-8475>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (٣٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد اختَرْنا بني إسرائيلَ على علمٍ منَّا بهم، على عالَمى (^٢) أهلِ زمانِهم يومَئذٍ، وذلك زمانَ (^٣) موسى ﵇.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8474>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. أي: اختيروا على أهلِ زمانِهم ذلك، ولكلِّ زمانٍ عالَمٌ.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. قال: عالَمِ ذلك الزمانِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"واستكبارًا\".\n(^٢) في ص، ت ٣: \"عالي\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"امام\"، ولعل صوابها: \"أيام\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":46},{"text":"قولَه: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. قال: على مَن هم بينَ ظَهْرَانَيه (^١).\n\n<span id=\"aya-4447\"></span>قولُه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأعطَيْناهم مِن العِبَرِ والعِظاتِ ما فيه اختبارٌ يَبِينُ لمن تأمَّله أنه اختبارٌ اختبَرهم اللَّهُ تعالى به.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك البلاءِ؛ فقال بعضُهم: ابتلاهم بنعَمِه عندَهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-8476>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾: أنجَاهم اللَّهُ من عدوِّهم، ثم أقطَعهم البحرَ، وظلَّل عليهم الغمامَ وأنزَل عليهم المنَّ والسلوى (^٢).\nوقال آخرون: بل ابتلاهم بالرخاءِ والشدَّةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8477>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾. وقرأ: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وقال: بلاءٌ مُبِينٌ لمن آمن بها وكفَر بها، بَلْوى نبتليهم بها؛ نُمحِّصُهم، بَلْوى اختبارٍ نختبرُهم بالخيرِ والشرِّ، نختبرُهم لننظُرَ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٥٩٨، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١٠ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":47},{"text":"فيما أتاهم مَن الآياتِ مَن يؤمنُ بها وينتفِعُ بها ويضيِّعُها (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إنّ اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبرَ أنه آتى بنى إسرائيلَ مِن الآيات ما فيه ابتلاؤُهم واختبارُهم، وقد يكونُ الابتلاءُ والاختبارُ بالرخاءِ، ويكونُ بالشدَّةِ، ولم يضَعْ لنا دليلًا مِن خبرٍ ولا عقلٍ أنه عَنى بعضَ ذلك دونَ بعضٍ، وقد كان اللَّهُ اختبرَهم (^٢) بالمعنَيَيْن كليهما جميعًا، وجائزٌ أن يكونَ عَنى اختبارَه (^٣) إياهم بهما. فإذ كان الأمرُ على ما وصفْنا، فالصوابُ مِن القولِ فيه أن نقولَ كما قال جلَّ ثناؤُه: إِنَّه اختبَرهم.\n\n<span id=\"aya-4448\"></span><span data-type='title' id=toc-8479>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ مشرِكي قريشٍ لنبيِّ (^٤) اللَّهِ ﷺ: إِنَّ هؤلاء المشرِكين من قومِك يا محمدُ ليقولون:\n\n<span id=\"aya-4449\"></span>ما هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى التي نموتُها، وهى الموتةُ الأولى، فما نحن بمُنْشرين بعدَ مماتِنا، ولا بمبعوثين. تكذيبًا منهم بالبعثِ والثوابِ والعقابِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8478>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾. قال: قد قال\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٢٣٣، والقرطبي في تفسيره ١٦/ ١٤٣ مختصرًا.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣: \"أخبرهم\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"اختبارهم\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نبي\".","vol":"21","page":48},{"text":"مشرِكو (^١) العربِ: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾. أي: بمبعوثين (^٢).\n\n<span id=\"aya-4450\"></span>وقولُه: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قالوا لمحمدٍ ﵊: فأتوا بآبائِنا الذين قد ماتوا، إن كنتم صادقين أنَّ الله باعثُنا من بعدِ بِلانا في قبورِنا، ومُحْيِينا من بعدِ مماتِنا. وخُوطِب ﷺ هو وحده خطابَ الجميعِ، كما قيل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]. وكما قال: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]. وقد بيَّنتُ ذلك في غيرِ موضعٍ من كتابِنا (^٣).\n\n<span id=\"aya-4451\"></span><span data-type='title' id=toc-8480>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أهؤلاء المشرِكون يا محمدُ من قومِك خيرٌ، ﴿أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾. يعنى: تُبَّعًا الحِمْيَرِيَّ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾. قال: الحِمْيَرِيِّ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾: ذُكِر لنا أن تُبَّعًا كان رجلًا من حِمْيَرَ، سارَ بالجيوشِ حتى حيَّر الحِيرةَ، ثم أتَى سَمَرْقَند فهدَمها. وذُكِر لنا أنه كان إذا كَتَب كتَب: باسمِ الذي تسمَّى، وملَك\n_________\n(^١) بعده في ت ٣: \"قريش و\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) بعده في ت ١: \"هذا\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"هذا بما أغنى عن إعادته\". ينظر ما تقدم ٢/ ٤٠٤ وما بعدها.","vol":"21","page":49},{"text":"برًّا وبحرًا، وصَحًا (^١) وريحًا. وذُكِر لنا أن كعبًا كان يقولُ: نُعِت نَعْتَ الرجلِ الصالحِ، ذمَّ اللَّهِ قومَّه ولم يَذُمَّه. وكانت عائشةُ تقولُ: لا تَسُبُّوا تُبَّعًا، فإنَّه كان رجلًا صالحًا (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قالت عائشةُ: كان تُبَّعٌ رجلًا صالحًا. وقال كعبٌ: ذم اللَّهِ قومَه ولم يَذُمَّه (^٣).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن، ثورٍ، عن معمرٍ، عن تميمِ بن عبدِ الرحمنِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، أن تبَّعًا كسا البيتَ. ونهَى سعيدٌ عن سبِّه (^٤).\nوقولُه: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أهؤلاء المشرِكون من قُريشٍ [خيرٌ أم] (^٥) قومُ تُبَّعٍ والذين من قبلِهم من الأممِ الكافرةِ بربِّها؟ يقولُ: فليس هؤلاء بخيرٍ من أولئك فنَصْفَحَ عنهم ولا نُهْلِكَهم، وهم باللَّهِ كافرون، كما كان الذين أَهْلَكْنا من الأممِ قبلَهم كفارًا.\nوقولُه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: إن قومَ تُبَّعٍ والذين من قبلِهم من الأممِ الذين أَهْلَكناهم؛ إنما أهلَكْناهم لإجرامِهم، وكفرِهم بربِّهم.\nوقيل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. فكُسِرت أَلفُ \"إن\" على وَجْهِ الابتداءِ وفيها\n_________\n(^١) من الصحو وهو ذهاب الغيم. ينظر اللسان (ص ح و).\n(^٢) ذكره ابن كثير ٧/ ٢٤٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١ إلى المصنف وعبد بن حميد، وليس عندهما قول قتادة.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٨، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ١١/ ٦ - عن معمر به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٥٠ من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٨، ٢٠٩، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٧/ ١١ - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١ إلى ابن المنذر.\n(^٥) في ص، ت ٣: \"خيرًا من\".","vol":"21","page":50},{"text":"معنى الشرطِ، استغناءً بدلالةِ الكلامِ على معناها.\n\n<span id=\"aya-4452\"></span><span data-type='title' id=toc-8481>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما خَلَقْنا السماواتِ السبعَ والأرَضِين وما بينَهما من الخلقِ لعِبًا.\n\n<span id=\"aya-4453\"></span>وقولُه: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: ما خلَقْنا السماواتِ والأرضَ إلا بالحقِّ الذي لا يَصْلُحُ التدبيرُ إلا به.\nوإنما يَعْنى بذلك تعالى ذكرُه التنبيهَ على صحةِ البعثِ والمجازاةِ، يقولُ تعالى ذكرُه: لم نَخْلُقِ الخلقَ عَبَثًا، بأن نُحدِثَهم فنُحْيِيَهم ما أردنا، ثم نُفْنِيَهم من غيرِ الامتحانِ بالطاعةِ والأمرِ والنهيِ، من غيرِ مجازاةِ المطيعِ على طاعتهِ، والعاصى على المعصيةِ، ولكنَّا خَلَقْنا ذلك لنَبْتَلِىَ من أردنا امتحانَه من خلِقنا، بما شِئْنا من امتحانِه من الأمرِ والنهى، ولِنَجْزِيَ الذين أساءوا بما عمِلوا ولنَجْزِىَ الذين أحسَنوا بالحُسْنَى.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولكن أكثرَ هؤلاء المشرِكين بالله، لا يَعْلَمون أنَّ اللَّهِ خلَق ذلك لهم، فهم لا يخافون على ما يَأْتون من سخَطِ اللَّهِ، عقوبةً، ولا يَرْجُون على خيرٍ إنْ فعَلوه، ثوابًا؛ لتكذيبِهم بالمعاد.\n\n<span id=\"aya-4454\"></span><span data-type='title' id=toc-8482>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ يومَ فصلِ اللهِ القضاءَ بينَ خلقِه، بما أسلَفوا في دنياهم","vol":"21","page":51},{"text":"من خيرٍ أو شرٍّ، بجزائهِ المحسنَ بالإحسانِ، والمسيءَ بالإساءةِ، ﴿مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ: ميقاتُ اجتماعِهم أجمعين.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: يومَ يَفْصِلُ فيه بينَ الناسِ بأعمالِهم (^١).\n\n<span id=\"aya-4455\"></span>وقولُه: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾. يقولُ: لَا يَدْفَعُ ابْنُ عَمٍّ عن ابن عمٍّ ولا صاحبٌ عن صاحبِه شيئًا، من عقوبةِ اللَّهِ التي حلَّت بهم (^٢) من اللَّهِ، ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. يقولُ: ولا يَنصُرُ بعضُهم بعضًا، فيَسْتَعيذوا ممن نالهم بعقوبةٍ، كما كانوا يَفْعَلُون في الدنيا.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ الآية: انقَطَعت الأسبابُ يومَئذٍ بابنِ آدمَ، وصار الناسُ إلى أعمالِهم، فمن أصاب يومَئذٍ خيرًا سعِد به آخرَ ما عليه، ومن أصاب يومَئذٍ شرًّا شقِي به آخرَ ما عليه (١).\n\n<span id=\"aya-4456\"></span>وقولُه: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾. اختلَف أهلُ العربيةِ في موضعِ ﴿مَنْ﴾ في قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾. فجعَله بدلًا من الاسمِ المضمرِ في: ﴿يُنْصَرُونَ﴾. وإن شِئْتَ جعَلتَه مبتدأً، وأضمَرتَ خبرَه، تُريدُ به: إلا من رحِم اللَّهُ فيُغْنى عنه.\nوقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ (^٣) قولَه: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾. قال: المؤمنون يَشْفَعُ بعضُهم في بعضٍ، فإن شِئْتَ فاجعَلْ ﴿مَنْ﴾ في موضعِ رفعٍ، كأنك قُلْتَ:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣: \"به\".\n(^٣) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٤٢.","vol":"21","page":52},{"text":"لا يقومُ أحدٌ إلا فلانٌ. وإن شِئْتَ جَعَلتَه نصبًا على الاستثناءِ والانقطاعِ عن أولِ الكلامِ، تُريدُ: اللهمَّ إِلَّا مَن [رحِم اللَّهُ] (^١).\nوقال آخرُ (^٢) منهم: معناه: لا يُغْنى مولًى عن مولًى شيئًا، إِلَّا من أذِن اللَّهُ له أن يَشْفَعَ. قال: لا يكونُ بدلًا مما في ﴿يُنْصَرُونَ﴾؛ لأن ﴿إِلَّا﴾ محقَّقٌ، والأولَ مَنْفيٌّ، والبدلُ لا يكونُ إلا بمعنى الأولِ. قال: وكذلك لا يجوزُ أن يكون مُسْتأنفًا؛ لأنه لا يُسْتأْنفُ بالاستثناءِ.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يكونَ في موضعِ رفعٍ، بمعنى: يومَ لا يُغْنى مولًى عن مولًى شيئًا إلا من رحِم اللَّهُ منهم، فإنه يُغْنى عنه، بأن يَشْفَعَ له عندَ ربِّه.\nوقولُه: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه واصفًا نفسَه: إِنَّ اللَّهَ هو العزيزُ في انتقامِه من أعدائِه، الرحيمُ بأوليائِه وأهلِ طاعتِه.\n\n<span id=\"aya-4457\"></span><span data-type='title' id=toc-8483>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾.</span>\n\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن شَجَرَةَ الزَّقُّومِ التي أخبَر أنها تَنبُتُ في أصلِ الجحيمِ، التي جعَلها طعامًا لأهلِ الجحيمِ، ثمرُها في الجحيمِ -\n\n<span id=\"aya-4458\"></span>طعامُ الآثمِ في الدنيا بربِّه. والأثيمُ ذو الإثمِ، والإثمُ مِن: أَثِم يَأْثَمُ فهو أَثِيمٌ. وعُنِى به في هذا الموضعِ الذي إثمُه الكفرُ بربِّه دونَ غيرِه من الآثامِ.\nوقد حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن\n_________\n(^١) في المعاني: \"رحِمت\".\n(^٢) في م: \"آخرون\".","vol":"21","page":53},{"text":"الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن همَّامِ بن الحارثِ، أنَّ أبا الدرداءِ كان يُقْرِئُ رجلًا: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾. فقال: طعامُ اليتيمِ. فقال أبو الدرداءِ: قُلْ: إِنَّ شجرةَ الزقومِ طعامُ الفاجرِ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمش، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ قال: لو أن قطرةٌ من زَقُومِ جهنمَ أُنزِلت إلى الدنيا لأفسَدت على الناسِ معايشَهم (^٢).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن همامٍ، قال: كان أبو الدرداءِ يُقْرِئُ رجلًا: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾. قال: فجعَل الرجلُ يقولُ: إن شجرةَ الزقومِ طعامُ اليتيمِ. قال: فلما أكثَر عليه أبو الدرداءِ، ورآه لا يَفْهَمُ قال: إنَّ شجرةَ الزقومِ طعامُ الفاجرِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾. قال: أبو جهلٍ (^٣).\n\n<span id=\"aya-4459\"></span>وقولُه: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ شجرةَ الزقومِ التي جعَل ثمرتَها طعامَ الكافرِ في جهنمَ، كالرَّصاصِ أو الفضةِ أو ما يُذَابُ في النارِ إذا أُذيبَ بها فتناهَتْ حرارتُه وشدَّةُ حِمْيتِه - في شدةِ السوادِ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٣/ ٣٦٤ عن الثورى به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٥١ من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٦١، وابن أبي الدنيا في صفة النار (٧٩)، والبيهقي في البعث (٥٩٧) من طريق يحيى به، وأخرجه أحمد ٥/ ٢٣٧ (٣١٣٧) من طريق الأعمش به.\n(^٣) ينظر البحر المحيط ٨/ ٣٩.","vol":"21","page":54},{"text":"وقد بيَّنا معنى \"المُهلِ\" فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ، من الشَّواهدِ، وذكرِ اختلافِ أهلُ التأويلِ فيه (^١)، غيرَ أَنَّا نَذْكُرُ من أقوالِ أهلُ العلمِ في هذا الموضعِ ما لم نَذْكُره هناك.\nحدَّثنا سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصلتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، عن قابوسَ، عن أبيه، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿كَالْمُهْلِ﴾. قال. كدُرْدِيِّ الزيتِ.\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ (^٢)، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾. يقولُ: أسودُ كمُهْلِ الزيتِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالوا: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ مطرِّفًا، عن عطيةَ بن سعدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿كَالْمُهْلِ﴾. قال: ماءٌ غليظٌ كدُرْدِيِّ الزيتِ (^٤).\nحدَّثني يحيى بنُ طلحةَ، قال: ثنا شريكٌ، عن مطرِّفٍ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿كَالْمُهْلِ﴾. قال: كدُرْدِيِّ الزيتِ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا خليدٌ، عن الحسنِ، عن ابن عباسٍ أنه رأى فضةً قد أُذِيبت، فقال: هذا المُهْلُ (^٥).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٥/ ٢٤٨.\n(^٢) كذا في النسخ، وتقدم مرارًا أنه على بن داود.\n(^٣) أخرجه البيهقى في البعث (٦٠٦) من طريق أبي صالح به، وينظر ما تقدم تخريجه ١٥/ ٢٤٩.\n(^٤) أخرجه هناد في الزهد (٢٨٣)، وابن أبي حاتم - كما في التغليق ٤/ ٣١٠ - من طريق مطرف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢١ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٥) ينظر التبيان ٩/ ٢٣٧، والبحر المحيط ٨/ ٣٩.","vol":"21","page":55},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ ميمونٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّهِ في قولِه: ﴿كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩]. قال: دخَل عبدُ اللَّهِ بيتَ المالِ، فأخرَج سِقَايةً (^١) كانت فيه، فأوقَد عليها النارَ حتى تلألأت، قال: أينَ السائلُ عن المهلِ؟ هذا المهلُ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، وحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: بلَغنى أن ابنَ مسعودٍ سُئل عن المهلِ الذي يقولون يومَ القيامةِ: شرابُ أهلُ النار. وهو على بيتِ المالِ، قال: فدعَا بذهبٍ وفضةٍ فأذابَهما، فقال: هذا أشبهُ شيءٍ في الدنيا بالمهلِ الذي هو لونُ السماءُ يومَ القيامةِ، وشرابُ أهلِ النارِ، غيرَ أنَّ ذلك هو أشدُّ حرًّا من هذا. لفظُ الحديثِ لابنِ بشارٍ، وحديثُ ابن المثنى نحوُه.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا أشعثُ، عن الحسنِ، قال: كان من كلامِه، أن عبدَ اللَّهِ بن مسعودٍ رجلٌ أكرَمه اللَّهُ بصحبةِ محمدٍ ﷺ، فإن عمرَ استعمَله على بيتِ المالِ، قال: فعمِد إلى فضةٍ كثيرةٍ مُكَسَّرةٍ، فخدَّ لها أُخدودًا، ثم أمَر بحطبٍ جَزْلٍ فأوقَد عليها، حتى إذا امَّاعت وتزبَّدت وعادت ألوانًا، قال: انظُروا مَن بالبابِ. فأُدخِل القومُ، فقال لهم: هذا أشبهُ ما رأينا في الدنيا بالمُهْلِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ الآية: ذُكِر لنا أن ابنَ مسعودٍ أُهديَت له سقايةٌ من ذهبٍ وفضةٍ، فأمَر بأخدودٍ فخُدَّت في الأرضِ، ثم قُذف فيها من جَزْلِ الحطبِ، ثم قُذِفت فيها تلك السقايةُ، حتى إذا أزبَدت وأنْماعت قال لغلامِه: ادعُ مَن بحضرتِنا\n_________\n(^١) في م: \"بقايا\"، وفى ت ١: \"نفاية\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"بقاية\".","vol":"21","page":56},{"text":"من أهلِ الكوفةِ. فدعا رهطًا، فلما دخَلوا قال: أتَرَون هذا؟ قالوا: نعمْ. قال: ما رأينا في الدنيا شبيهًا للمُهْل أدنى من هذا الذهبِ والفضةِ حينَ أزبَد وأنماع (^١).\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابن يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عبد اللَّهِ بن سفيانَ الأسَديِّ، قال: أذاب عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ فضةً، ثم قال: مَن أراد أن يَنْظُرَ إلى المهلِ فليَنْظُرْ إلى هذا (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ (^٣)، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨]. قال: كدُرْدِيِّ الزيتِ.\nحدَّثني يحيى بنُ طلحةَ، قال: ثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿كَالْمُهْلِ﴾. قال: كدُرْدِيِّ الزيتِ (^٤).\nحدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا يَعْمَرُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، قال: ثنا أبو الصبَّاح، قال: سمِعتُ يزيدُ بن أبى سُمية يقولُ: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: هل تَدرون ما المهلُ؟ المهلُ: مُهْلُ الزيتِ. يعنى آخرَه (^٥).\nقال: ثنا إبراهيمُ أبو إسحاق الطالقانيُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، قال: أخبَرنا أبو الصبَّاح الأيليُّ، عن يزيدَ بن أبي سميةَ، عن ابن عمرَ بمثلِه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا رِشدِينُ بنُ سعدٍ، عن عمرِو بن الحارثُ، عن درَّاجٍ أبى السمحِ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]: \"كعكَرِ الزيتِ، فإذا قرَّبه إلى وجهِه سقَطت فروةُ وجهِه\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٥/ ٢٤٨.\n(^٢) أخرجه الطبراني - كما في مجمع الزوائد ٧/ ١٠٥ من طريق الضحاك، عن ابن مسعود نحوه.\n(^٣) بعده في ت ١، ت ٣: \"قال: حدثنا سعيد عن قتادة\".\n(^٤) أخرجه هناد في الزهد (٢٨٤) من طريق شريك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٢١ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه ابن المبارك - زوائد نعيم - (٣١٥) عن أبي الصباح به.","vol":"21","page":57},{"text":"فيه\" (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا يعمرُ بنُ بشرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، قال: أخبَرنا رِشدِينُ بنُ سعدٍ، قال: ثني عمرُو بنُ الحارثِ، عن أبي السمحِ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (^٢).\nوقولُه: ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾. اختلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ والكوفةِ: (تَغْلِي) بالتاءِ (^٣)، بمعنى أن شجرةَ الزقومِ تَغْلى في بطونِهم، فأنَّثوا \"تَغْلى\" لتأنيثِ الشجرةِ. وقرَأ ذلك بعضُ قرَأةِ أهلُ مكةَ (^٤): ﴿يَغْلِي﴾. بمعنى: طعامُ الأثيمِ يَغْلى. أو: المُهْلُ يَغْلى. فذكَّره بعضُهم لتذكيرِ الطعامِ، ووجَّه معناه إلى أن الطعامَ هو الذي يَغْلى في بطونِهم، وبعضُهم لتذكيرِ المهلِ، ووجَّهه إلى أنَّه صفةٌ للمهلِ الذي يَغْلى.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنَّهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-4460\"></span>﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾. يقولُ: يَغْلى ذلك في بطونِ هؤلاء الأشقياءِ، كَغَلْيِ الماءِ المحمومِ، وهو المسخَّنُ الذي قد أُوقِد عليه حتى تناهت شدَّةُ حرِّه.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٢٥٨١) عن أبي كريب به، وأخرجه الحاكم ٤/ ٦٠٤ من طريق عبد اللَّهِ بن وهب، عن عمرو به، وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (٧٦)، وابن حبان (٧٤٧٣)، والحاكم ٢/ ٥٠١، والبيهقي في البعث (٦٠٤) من طريق عمرو به، وأخرجه أحمد ٢١٠/ ١٨ (١١٦٧٢)، وأبو يعلى (١٣٧٥) من طريق دراج به. وتقدم في ١٥/ ٢٥٠.\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣١٦) - زوائد نعيم - ومن طريقه عبد بن حميد في المنتخب (٩٢٨).\n(^٣) وهي قراءة عاصم في رواية أبي بكر وأبي عمرو وابن عامر ونافع وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٢.\n(^٤) في م: \"الكوفة\"، وهى قراءة ابن كثير، وحفص عن عاصم. المصدر السابق.","vol":"21","page":58},{"text":"وقيل: حميمٌ. وهو محمومٌ؛ لأنه مصروفٌ من \"مفعولٍ\" إلى \"فعيلٍ\"، كم يُقالُ: قَتيلٌ. من مقتولٍ.\n\n<span id=\"aya-4461\"></span><span data-type='title' id=toc-8485>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿خُذُوهُ﴾. يعنى هذا الأثيمَ بربِّه الذي أخبَر جلَّ ثناؤُه أن له شجرةَ الزقومِ طعامٌ، ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فادفَعوه وسُوقوه. يُقالُ منه: عتَله يَعْتِلُه عَثْلًا، إذا ساقه بالدفعِ والجذبِ، ومنه قولُ الفرزدقِ (^١):\nليس الكِرامُ بناحِلِيكَ أباهُمُ … حتى تُرَدَّ إِلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ\nأي: تُسَاقُ دَفْعًا وسَحْبًا.\nوقولُه: ﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. يعنى: إلى وَسَطِ الجحيمِ. ومعنى الكلامِ: يُقالُ يومَ القيامةِ: خذُوا هذا الأثيمَ، فسُوقوه دفعًا في ظهرِه، وسحبًا إلى وسَطِ النارِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في معنى قولِه: ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8484>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. قال: خُذُوه فادفَعوه (^٢).\n_________\n(^١) ديوانه ٢/ ٧٢٢.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٩٨، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":59},{"text":"وفى قولِه: ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ لغتان؛ كسرُ التاءِ، [وهى قراءةُ عامةِ أهلِ الكوفةِ والبصرةِ، وبعضِ أهلِ المدينةِ، ورفعُ التاءِ] (^١)، وهى قراءةُ بعضِ قرَأةِ أهلِ المدينةِ وبعضِ أهلِ مكةَ.\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا أنَّهما لغتان معروفتان في العربِ، يُقالُ منه: عتَل يَعْتِلُ ويَعْتُلُ. فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾: إلى وَسَطِ النَّارِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4462\"></span>وقولُه: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم صبُّوا على رأسِ هذا الأثيمِ ﴿مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾. يعنى: من الماءِ المُسَخَّنِ الذي وصَفْنا صفتَه، وهو الماءُ الذي قال اللَّهُ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج: ٢٠]. وقد بيَّنتُ صفتَه هنالك (^٣).\n\n<span id=\"aya-4463\"></span><span data-type='title' id=toc-8486>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يُقالُ لهذا الأثيمِ الشقيِّ: ذُقْ هذا العذابَ الذي تُعذَّبُ به اليومَ، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ في قومِك، ﴿الْكَرِيمُ﴾ عليهم.\nوذُكِر أن هذه الآياتِ نزَلت في أبي جهلِ بن هشامٍ.\n_________\n(^١) سقط من النسخ، وأثبتناه ليستقيم السياق، وبالكسر قرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي وأبي جعفر وخلف، وبالضم قرأ نافع وابن كثير وابن عامر ويعقوب. النشر ٢/ ٢٧٧.\n(^٢) ينظر التبيان للطوسي ٩/ ٢٣٨.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١٦/ ٤٩٥.","vol":"21","page":60},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8487>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾: نزَلت في عدوِّ اللَّهِ أبي جهلٍ، لقِى النبيَّ ﷺ، فأخَذه فهزَّه، ثم قال: \"أولى لك يا أبا جهلٍ فأولى، ثم أولى لك فأولى، ذُقْ إنك أنت العزيزُ الكريمُ\". وذلك أنه قال: أَيُوعِدُني محمدٌ؟! واللَّهِ لأنا أعزُّ مَن مشَى بينَ جبلَيْها. وفيه نزَلت: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. وفيه نزَلت: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]. وقال قتادةُ: نزَلت في أبي جهلٍ وأصحابِه الذين قتَل اللَّهُ ﵎ يومَ بدرٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ (^١) [إبراهيم: ٢٨].\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: نزَلت في أبى جهلٍ: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾. قال قتادةُ: قال أبو جهلٍ: ما بينَ جبلَيْها رجلٌ أعزَّ ولا أكرمَ منى. فقال اللَّهُ ﷿: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. قال: هذا لأبي جهلٍ.\nفإن قال قائلٌ: وكيف قيل وهو يُهانُ بالعذابِ الذي ذكرَه اللَّهُ، ويُذَلُّ بالعَتْلِ إلى سواءِ الجحيمِ: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾؟ قيل: إنَّ قولَه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ غيرُ وصفٍ مِن قائلِ ذلك له بالعزّةِ والكرمِ، ولكنه تقريعٌ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣ إلى المصنف وعبد بن حميد مختصرًا.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٠٩ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":61},{"text":"منه له بما كان يَصِفُ به نفسَه في الدنيا، وتوبيخٌ له بذلك على وجهِ الحكايةِ؛ لأنه كان في الدنيا يقولُ: إنك أنت العزيزُ الكريمُ. فقيل له في الآخرةِ، إذ عُذِّب بما عُذِّب به في النارِ: ذُقْ هذا الهوانَ اليومَ، فإنَّك كنتَ تَزْعُمُ أنك أنت العزيزُ الكريمُ، وإنَّك أنت الذليلُ المَهِينُ، فأينَ الذي كنتَ تقولُ وتدَّعى من العزِّ والكرمِ، هلَّا تَمْتَنِعُ من العذابِ بعزَّتِك!!\nحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عيسى، قال: ثنا ابن عَجْلانَ، عن سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال كعبٌ: للَّهِ ثلاثةُ أثوابٍ؛ اتَّزر بالعزِّ، وتسَرْبَل الرحمةَ، وارْتَدَى الكِبرياءَ، تعالَى ذكرُه، فمَن تعزَّز بغيرِ ما أعزَّه اللَّهُ، فذاك الذي يُقالُ له (^١): ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾، ومن رحِم الناسَ فذاك الذي سرْبَل اللَّهِ سربالَه الذي يَنْبَغى له، ومن تكبَّر فذاك الذي نازَع اللَّهَ رِداءَه، إن اللَّهِ تعالى ذكرُه يقولُ: لا يَنْبَغى لمن نازَعنى ردائِى أن أُدْخِلَه الجنةَ (^٢).\nوأجمَعت قرأةُ الأمصارِ جميعًا على كسرِ الألفِ مِن قولِه: ﴿ذُقْ إِنَّكَ﴾. على وجهِ الابتداءِ (^٣)، وحكايةِ قولِ هذا القائلِ: إنى أنا العزيزُ الكريمُ. وقرَأ ذلك بعضُ المتأخِّرين: (ذُقْ أَنَّكَ) بفتحِ الألفِ على إعمالِ قولِه: ﴿ذُقْ﴾ في قولِه: (أَنَّكَ) (^٤). كأن معنى الكلامِ عندَه: ذُقْ هذا القولَ الذي قُلتَه في الدنيا.\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا (^٥) كسْرُ الألفِ من: ﴿إِنَّكَ﴾ على\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٣: \"جل وعز\".\nوالأثر أخرجه الحاكم ٢/ ٤٥١ - ومن طريقه البيهقى في الشعب (٨١٥٩) - من طريق صفوان، عن ابن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة رفعه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣٧ إلى ابن مردويه.\n(^٣) وهي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبى عمرو وعاصم وحمزة. السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٣.\n(^٤) وهى قراءة الكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٣.\n(^٥) القراءتان كلتاهما صواب، فهما متواترتان، فلا شذوذ في إحداهما.","vol":"21","page":62},{"text":"المعنى الذي ذكَرتُ لقارئِه؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه وشذوذِ ما خالَفه، وكفى دليلًا على خطأ قراةٍ خِلافُها ما مضَت عليه الأئمةُ من المتقدِّمين والمتأخِّرين، مع بُعْدِها من الصحةِ في المعنى وفراقِها (^١) تأويلَ أهلِ التأويلِ.\n\n<span id=\"aya-4464\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يُقالُ له: إن هذا العذابَ الذي يُعذَّبُ به اليومَ هو العذابُ الذي كنتم في الدنيا تَشُكُّون، فتَخْتَصِمون فيه ولا تُوقِنون به، فقد لقِيتُموه فذوقوه.\n\n<span id=\"aya-4465\"></span><span data-type='title' id=toc-8488>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين اتَّقَوُا اللَّهَ بأداءِ طاعتِه واجتنابِ معاصِيه، في موضعِ إقامةٍ، آمِنين في ذلك الموضعِ مما كان يُخافُ منه في مقاماتِ الدنيا؛ من الأوصابِ والعللِ، والأنصابِ والأحزانِ.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ: (في مُقامٍ أمينٍ) بضمِّ الميمِ (^٢)، بمعنى: في إقامةٍ أمينٍ من الظَّعْنِ. وقرَأتْه عامةُ قرأةِ المِصْرَين؛ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿فِي مَقَامٍ﴾ بفتحِ الميمِ (^٣)، على المعنى الذي وصَفْنا، وتوجيهًا إلى أنهم في مكانٍ وموضعٍ أمينٍ.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأةِ الأمصارِ، صحيحتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ت ٢: \"قربها\"، وفي ت ٣: \"قرابها\".\n(^٢) وبها قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر. النشر ٢/ ٢٧٧.\n(^٣) وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف. المصدر السابق.","vol":"21","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8489>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾: إىْ واللَّهِ، أمينٍ من الشيطانِ والأنصابِ والأحزانِ (^١).\n\n<span id=\"aya-4466\"></span>وقولُه: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾. فـ \"الجناتُ والعيونُ\" ترجمةٌ عن \"المقَامِ الأمينِ\"، والمقامُ الأمينُ هو الجناتُ والعيونُ، والجناتُ البساتينُ، والعيونُ عيونُ الماءِ المطردِ في أصولِ أشجارِ الجناتِ.\n\n<span id=\"aya-4467\"></span>وقولُه: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ﴾. يقولُ: يَلْبَسُ هؤلاء المتقون في هذه الجناتِ من سندسٍ، وهو ما رقَّ من الديباجِ، ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾. وهو ما غلُظ من الديباجِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾. قال: الإستبرقُ الديباجُ الغليظُ (^٢).\nوقيل: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾. ولم يقلْ: لباسًا. استغناءً بدلالةِ الكلامِ على معناه.\nوقولُه: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾. يعنى أنهم في الجنةِ يُقابِلُ بعضُهم بعضًا بالوجوهِ، ولا يَنْظُرُ بعضُهم في (^٣) قفا بعضٍ. وقد ذكَرْنا الروايةَ بذلك فيما مضَى، فأغنى ذلك عن إعادتِه (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٧، والحسين المروزي في زوائده على زهد ابن المبارك (١٥٣٤) من طريق قتادة به.\n(^٣) في ت ١: \"من\"، وفى ت ٣: \"إلى\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١٤/ ٨٠.","vol":"21","page":64},{"text":"<span id=\"aya-4468\"></span><span data-type='title' id=toc-8490>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: كما أعطَيْنا هؤلاء المتقين في الآخرة من الكرامة؛ بإدخالناهم الجنات، وإلباسناهم فيها السندسَ والإستبرقَ، كذلك أكرَمْناهم بأن زوَّجناهم أيضًا فيها حُورًا من النساء. وهن النقيَّاتُ البَياضِ، واحدتُهنَّ (^١) حَوْراءُ.\nوكان مجاهدٌ يقولُ في معنى الحُورِ ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾. قال أنكَحْناهم حُورًا. قال: والحُورُ اللاتى يحارُ فيهِنَّ الطرْفُ، بادٍ مُخُّ سُوقِهنَّ من وراء ثيابهن، ويرى الناظرُ وجهَه في كبد إحداهنَّ كالمرآة من رقةِ الجلدِ وصفاء اللونِ (^٢).\nوهذا الذي قاله مجاهدٌ من أن الحورَ إنما معناها أنه يَحارُ فيها الطرْفُ، قولٌ لا معنى له في كلام العرب؛ لأن الحُورَ إنما هو جمعُ حَوْراءَ، كما الحُمْرُ جمعُ حمراءَ، والسُّودُ جمعُ سوداءَ، والحَوْراءُ إنما هي فَعْلاءُ من الحَوَرِ، وهو نَقاءُ البياض، كما قيل للنقيِّ البياضِ من الطعام: الحُوَّارَى. وقد بيَّنا معنى ذلك بشواهده فيما مضى قبلُ (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣: \"واحدهن\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٥٩٨، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣١٠ - والبيهقي في البعث (٣٩٦)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٠٥) من طريق آخر عن مجاهد مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٥/ ٤٤٣ وما بعدها.","vol":"21","page":65},{"text":"وبنحو الذي قلْنا في معنى ذلك قال سائرُ أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8491>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾. قال: بيضاءُ عيناءُ. قال: وفي قراءة ابن مسعود: (بعيسٍ عينٍ).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قوله: ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾. قال: بيضٍ عينٍ. قال: وفى حرفِ ابن مسعودٍ: [(بعيسٍ عينٍ) (^١).\nوقراءةُ (^٢) ابن مسعود هذه [تُنبِئُ عن] (^٣) أن معنى الحورِ غيرُ الذي ذهب إليه مجاهدٌ؛ لأن العيسَ] (^٤) عند العرب جمعُ عَيْساءُ، وهى البيضاءُ من الإبلِ، كما قال الأعشى (^٥):\nومَهْمَةٍ نازحٍ تَعْوِى الذئابُ به … كَلَّفْتُ أَعْيَسَ تَحتَ الرَّحْلِ نَعَّابا\nيعنى بالأعْيَسِ جملًا أبيضَ. فأمَّا العِينُ؛ فإنها جمعُ عيناءَ، وهى العظيمةُ العينَيْن من النساء.\n\n<span id=\"aya-4469\"></span>وقولُه: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا﴾ الآية. يقولُ: يَدْعو هؤلاء المتقون في الجنة بكلِّ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٠ عن معمر به، وهو في تفسير سفيان ص ٢٨٣ قال: في قراءة عبد الله. فذكره، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في النسخ: \"قرأ\". والمثبت ما يقتضيه السياق.\n(^٣) في م: \"يعني\"، وفى ت ١: \"تنبئ على\".\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) ديوانه ص ٣٦١.","vol":"21","page":66},{"text":"نوعٍ من فواكه الجنةِ اشتَهَوْه، ﴿آمِنِينَ﴾ فيها من انقطاع ذلك عنهم ونفادِه وفنائِه، ومن غائلةِ أذاه ومكروهِه. يقولُ: ليست تلك الفاكهةُ هنالك كفاكهة الدنيا التي نَأْكُلُها، وهم يَخافون مكروه عاقبتها وغِبَّ أذاها، مع نفادِها من عندِهم وعدمِها في بعضِ الأزمنةِ والأوقاتِ.\nوكان قتادةُ يوجِّهُ تأويل قوله: ﴿آمِنِينَ﴾. إلى ما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾: أمنوا (^١) من الموتِ والأوصابِ والشيطانِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4470\"></span>وقولُه: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا يَذُوقُ هؤلاء المتقون في الجنة الموتَ بعد الموتِة الأولى التي ذاقوها في الدنيا.\nوكان بعضُ أهل العربية (^٣) يُوَجِّهُ ﴿إلَّا﴾ في هذا الموضع إلى أنها في معنى \"سوى\"، ويقولُ: معنى الكلام: لا يَذُوقون فيها الموت سِوَى الموتةِ الأولى. ويُمَثِّلُه بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]. بمعنى: سِوَى ما قد فعل آباؤُكم.\nوليس للذى قال من (^٤) ذلك عندى وجهٌ مفهومٌ؛ لأن الأغلب من قول القائل: لا أذوقُ اليومَ الطعامَ إلا الطعامَ الذي ذُقْتُه قبل اليوم. أنه يُريدُ الخبرَ عن قائِله أن عندَه طعامًا في ذلك اليوم، ذائقُه وطاعمُه، دون سائر الأطعمة غيره. وإذا كان ذلك\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"آمنون\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) هو الفراء في معاني القرآن ٢/ ٤٤.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".","vol":"21","page":67},{"text":"الأغلبَ من معناه، وجَب أن يكونَ قد أثبَت بقولِه: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ موتةً من نوع الأولى هم ذائقوها، ومعلومٌ أن ذلك ليس كذلك؛ لأن الله ﷿ قد آمن أهلَ الجنة في الجنة إذا هم دخَلوها من الموتِ، ولكن ذلك كما وصَفتُ من معناه. وإنما جاز أن تُوضَعَ \"إلَّا\" في موضع \"بعد\"؛ لتقارُب معنَيْيهما في مثل (^١) هذا الموضع، وذلك أن القائل إذا قال: لا أكلِّمُ اليوم رجلًا إلا رجلًا عندَ عمرٍو. قد أوجَب على نفسِه ألَّا يُكَلِّمَ ذلك اليوم رجلًا بعد كلام الرجل الذي عند عمرٍو. وكذلك إذا قال: لا أُكَلِّمُ اليوم رجلًا بعد رجلٍ عندَ عمرٍو. قد أوجَب على نفسه ألَّا يُكَلِّمَ ذلك اليومَ رجلًا إلا رجلًا عند عمرٍو، فـ \"بعد\" و\"إلَّا\" مُتَقارِبتا المعنى في هذا الموضع. ومن شأن العرب أن تَضَعَ الكلمة مكانَ غيرها إذا تقارب معنياهما، وذلك كوَضْعِهم الرجاء مكانَ الخوفِ، لما في معنى الرجاء من الخوف؛ لأن الرجاءَ ليس بيقين وإنما هو طمعٌ، وقد يَصْدُقُ ويَكْذِبُ، كما الخوفُ يَصْدُقُ أحيانًا ويَكْذِبُ، فقال في ذلك أبو ذُؤَيْبٍ (^٢):\nإذا لَسَعَتهُ الدَّبْرُ لم يَرْجُ لَسْعَها … وخالَفَها في بيتِ نُوبٍ عَوَامِلِ\nفقال: لم يَرْجُ لَسْعَها. ومعناه في ذلك: لم يَخَفْ لَسْعَها. وكوضعهم الظنَّ موضعَ العلمِ الذي لم يُدْرَكُ من قِبَلِ العِيانِ وإنما أُدرِك استدلالًا أو (^٣) خبرًا، كما قال الشاعرُ (^٤):\nفقلتُ لهم ظُنُّوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ … سَرَاتُهُمُ في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ\nبمعنى: أَيقنوا بألْفَيْ مُدَجَّجٍ واعلموا. فوضَع الظنَّ موضع اليقين، إذ لم يَكُنِ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٧/ ٤٥٦.\n(^٣) في ت ٢ ت ٣: \"و\".\n(^٤) هو دريد بن الصمة، وتقدم البيت في ١/ ٦٢٣، ٦٢٤.","vol":"21","page":68},{"text":"المقولُ لهم ذلك عاينوا ألفَى (^١) مُدَجَّجٍ ولا رأوْهم، وإنَّ ما أخبرهم به هذا المخبرُ - فقال لهم: ظُنُّوا - العلمُ بما لم يُعايَنْ، من فعل القلب، فوضَع أحدَهما موضعَ الآخرِ؛ لتقارُب معنَيَيْهما، في نظائرَ لما ذَكَرْتُ يَكْثُرُ إحصاؤُها، كما يَتَقارَبُ معنى الكلمتين في بعض المعانى، وهما مختلفتا المعنى في أشياءَ أُخَرَ، فَتَضَعُ العربُ إحداهما مكانَ صاحبتها في الموضع الذي يَتَقاربُ (^٢) معنياهُما (^٣) فيه، فكذلك قولُه: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾. وُضِعت \"إِلَّا\" في موضع \"بعد\"؛ لما وُصِفَ من تقارُب معنى \"إِلَّا\" و\"بعد\" في هذا الموضع، وكذلك: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]. إنما معناه: بعد الذي سلف منكم في الجاهلية، فأما إذا وُجِّهتْ \"إِلَّا\" في هذا الموضع إلى معنى \"سوى\"، فإنما هو ترجمةٌ عن المكان، وبيانٌ عنها بما هو أشدُّ التباسًا على من أراد علم معناها منها.\n\n<span id=\"aya-4471\"></span>وقولُه: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ووقى هؤلاء المتقين ربُّهم يومئذٍ عذابَ النارِ؛ تفضُّلًا يا محمدُ من ربِّك عليهم وإحسانًا منه إليهم بذلك ولم يُعاقِبْهم بجُرْمٍ سلف منهم في الدنيا، ولولا تفضُّلُه عليهم بصفحه لهم عن العقوبة لهم على ما سلَف منهم من ذلك، لم يَقِهم عذابَ الجحيم، ولكن كان ينالُهم ويُصيبُهم ألمهُ ومكروهُه.\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي أعطَيْنا هؤلاء المتقين في الآخرة، من الكرامة التي وصفتُ في هذه الآياتِ، ﴿هُوَ الْفَوْزُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"تتفاوت\".\n(^٣) في ت ١: \"معناهما\"، وفي ت ٢: \"معنييهما\".","vol":"21","page":69},{"text":"الْعَظِيمُ﴾. يقولُ: هو الظَّفَرُ العظيم (*) بما كانوا يَطْلُبون إدراكَه في الدنيا بأعمالِهم وطاعتِهم ربَّهم واتقائِهم إياه، فيما امتحَنَهم به من الطاعاتِ والفرائضِ، واجتنابِ المحارمِ.\n\n<span id=\"aya-4472\"></span><span data-type='title' id=toc-8492>القولُ في تأويل قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فإنما سهَّلْنا قراءة هذا القرآن الذي أنزَلْناه إليك يا محمدُ بلسانِك؛ ليتذكَّر هؤلاء المشركون الذين أرْسَلْتُك إليهم بعِبَرِه وحُجَجه، ويتَّعظوا بعظاتِه، ويتفكَّروا في آياتِه، إذا أنت تَلَوْتَه عليهم، فيُنِيبوا إلى طاعة ربِّهم، ويُذْعنوا للحقِّ عند تبيُّنِهموه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾. أي: هذا القرآنَ؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾. قال: القرآن، ﴿يَسَّرْنَاهُ﴾: أطلق به لسانَه.\n\n<span id=\"aya-4473\"></span>وقولُه: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فانتَظِرْ أنت يا محمدُ الفتحَ من ربِّك، والنصرَ على هؤلاء المشركين بالله من قومك من قريشٍ، إنهم مُنتَظِرون عندَ أنفسِهم قهرَك وغلبتَك، بصدِّهم عما أَتَيْتَهم به من الحقِّ، مَن أراد قبوله منك واتباعَك عليه.\nوبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n_________\n(*) إلى هنا ينتهى الخرم الموجود في نسخة خزانة القرويين، والمشار إليه في ص ١٥.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"21","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8493>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾. أي: فانتظِرْ إنهم مُنتَظِرون (^١).\nآخرُ تفسير سورة \"الدخان\"\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد في تفسيره - كما في تعليق التعليق ٤/ ٣١٠، ٣١١ - من طريق شيبان، عن قتادة.\nوبعده في الأصل: \"تم السفر والحمد لله حق حمده، يتلوه إن شاء الله تفسير سورة الجاثية\". وبه ينتهى الجزء الرابع والأربعون، وسيجد القارئ أرقام النسخة ت ١ بين معكوفين.","vol":"21","page":71},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8494>تفسيرُ سورة \"الجاثية\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4474\"></span>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾.\nقد تقدَّم بيانُنا معنى قوله: ﴿حم﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-4475\"></span>وأما قولُه: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾. فإن معناه: هذا تنزيلُ القرآن من عندِ الله، ﴿الْعَزِيزِ﴾ في انتقامه من أعدائه، ﴿الْعَلِيمِ﴾ في تدبيره أمر خلقه.\n\n<span id=\"aya-4476\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن في السماوات السبع اللاتى منهنَّ نزولُ الغيث، والأرض التي منها خروجُ الخلق أيُّها الناسُ، ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: لأدلةً وحُجَجًا للمُصَدِّقين بالحجج، إذا تبيَّنُوها ورأَوْها.\n\n<span id=\"aya-4477\"></span><span data-type='title' id=toc-8496>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ </span>(٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وفى خلقِ (^٢) اللهِ إيَّاكم أيُّها الناسُ، وخلقه ما تفرَّق في الأرض من دابة تَدبُّ عليها، من غير جنسِكم، ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. يعني: حُجَجًا وأدلةً لقومٍ يُوقنون بحقائق الأشياء، فيُقرُّون بها ويَعْلَمون صحتَها.\nواختلَفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. وفى التي بعد ذلك؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأة المدينة والبصرة وبعضُ قرأة الكوفة: ﴿آيَاتٌ﴾ رفعًا (^٣) على\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٠٥ - ٢١٠، ٢٠/ ٢٧٤ - ٢٧٦.\n(^٢) في ص، ت ١: \"حبر\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"خبر\".\n(^٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبي عمرو وأبى جعفر وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٧٨.","vol":"21","page":72},{"text":"الابتداء، وتَرْكَ ردِّها على قوله: ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقرَأته عامةُ قرأة الكوفة: (آياتٍ) خفضًا بتأويل النصب، ردًّا على قوله: ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١). وزعم قارئو ذلك كذلك من المتأخِّرين، أنهم اختاروا قراءته كذلك؛ لأنه في قراءةِ أُبَيٍّ في الآياتِ الثلاث (لآياتٍ) باللام (^٢)، فجعَلوا دخولَ اللام في ذلك في قراءته دليلًا لهم على صِحة قراءةِ جميعهِ بالخفضِ، وليس الذي اعتمَدوا عليه من الحجة في ذلك بحجةٍ؛ لأنه لا رواية بذلك عن أُبَيٍّ صحيحةٌ، وأُبَيٌّ لو صحَّت به عنه روايةٌ، ثم لم يُعْلَمُ كيف كانت قراءتُه بالخفض أو بالرفع، لم يَكُنِ الحكمُ عليه بأنه كان يَقْرَؤُه خفضًا بأَوْلَى من الحكم عليه بأنه كان يَقْرَؤُه رفعًا، إذ كانت العربُ قد تُدْخِلُ اللام في خبر المعطوفِ على جملة كلامٍ تامٍّ، قد عملت في ابتدائِها \"إن\"، مع ابتدائِهم إياه، كما قال حُميدُ بنُ ثورٍ الهلاليُّ (^٣):\nإِنَّ الخلافةَ بعدَهم لذميمةٌ … وخلائفٌ طُرُفٌ لَمَّا أَحْقِرُ\nفأدخل اللامَ في خبر مبتدأ بعد جملة خبرٍ قد عملت فيه \"إنَّ\"، إذ كان الكلامُ وإن ابتُدِئ، منويًّا فيه \"إنَّ\".\nوالصوابُ من القول في ذلك إن كان الأمرُ على ما وصَفْنا، أن يُقال: إن الخفضَ في هذه الأحرف والرفعَ قراءتان مُسْتفيضتان في قرأةِ الأمصارِ قد قرَأ بهما علماءُ من القرأة، صحيحتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-4478\"></span><span data-type='title' id=toc-8497>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) وهى قراءة حمزة والكسائى ويعقوب. النشر ٢/ ٢٧٨.\n(^٢) معاني القرآن للفراء ٣/ ٤٥، والبحر المحيط ٨/ ٤٢.\n(^٣) البيت في معاني القرآن للفراء ٢/ ٤٥ غير منسوب.","vol":"21","page":73},{"text":"يقولُ ﵎: وفى اختلافِ الليل والنهار أيُّها الناسُ، وتعاقُبهما عليكم؛ هذا بظلمته وسوادِه، وهذا بنوره وضيائه، ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ﴾ وهو الغيثُ الذي به تُخْرِجُ الأرضُ أرزاق العبادِ وأقواتهم، [﴿فَأَحْيَا بِهِ] (^١) الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. [يقولُ: فأنبت ما أنزل من السماء من الغيثِ ميتَ (^٢) الأرضِ، حتى اهتزَّت بالنبات والزرع من بعد موتها. يعنى: من بعدِ جُدوبها وقُحوطِها ومصيرها دائرةً لا نبْتَ فيها ولا زرْعَ.\nوقولُه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾. يقولُ] (^٣): وفى تصريفه الرياح لكم؛ شمالًا مرَّةً، وجنوبًا أُخرى (^٤)، وصَبًا أحيانًا، ودَبُورًا أُخرى (^٥)، لمنافعكم.\nوقد قيل: عُنِى بتصريفِها: بالرحمة مرةً، وبالعذاب أخرى.\n\n<span data-type='title' id=toc-8498>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾. قال: تصريفُها؛ إن شاء جعَلها رحمةً، وإن شاء جعَلها عذابًا (^٦).\nوقولُه: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: في ذلك أدلةٌ وحججٌ للهِ على خلقِه، لقومٍ يَعْقِلون عن الله حُججَه، ويَفْهَمون عنه ما وعظَهم به من الآياتِ والعِبر.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"وإحيائه\".\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٣) سقط من: ت ١.\n(^٤) في ت ٢ ت ٣: \"مرة\".\n(^٥) الصبا: ريح مهبُّها من مشرق الشمس إذا استوى الليل والنهار. والدبور: ريح تهب من المغرب، وتقابل القبول وهى ريح الصبا. الوسيط (ص ب ي، د ب ر).\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٢ عن معمر به.","vol":"21","page":74},{"text":"<span id=\"aya-4479\"></span><span data-type='title' id=toc-8499>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هذه الآياتُ والحججُ يا محمدُ [من ربِّك] (^١) على خلقه، ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: نُخْبِرُك عنها بالحقِّ، لا بالباطل كما يُخْبِرُ مشركو قومِك عن آلهتِهم بالباطل أنها تُقَرِّبُهم إلى اللهِ زُلْفَى، (فبأيِّ حديثٍ بعدَ اللَّهِ وَآيَاتِه تُؤْمِنون (^٢»؟ يقولُ تعالى ذكرُه للمشركين به: فبأيِّ حديثٍ أيُّها القومُ بعدَ حديثِ الله هذا الذي يَتْلوه عليكم، وبعد حُجَجه عليكم، وأدلته التي دلَّكم بها على وحدانيتِه، من أنه لا ربَّ لكم سواه - تُصَدِّقون، إن أنتم كذَّبتم بحديثه وآياته؟\nوهذا التأويلُ على مذهب قراءَةِ من قرأ: (تُؤْمِنُونَ) على وجه الخطاب من الله بهذا الكلام للمشركين، وذلك قراءةُ عامة قرأة الكوفيين (^٣). وأما على قراءة من قرَأه: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ بالياء، فإن معناه: فبأيِّ حديثٍ يا محمدُ بعدَ حديثِ اللَّهِ الذي يَتْلوه عليك، وآياته هذه التي نبَّه هؤلاء المشركين عليها وذكَّرهم بها، يُؤْمِنُ هؤلاء المشركون؟ وهى قراءةُ عامة قرأة أهل المدينة والبصرة (^٤). ولكلتا القراءتين وجهٌ صحيحٌ وتأويلٌ مفهومٌ، فبأية القراءتين قرأ ذلك القارئ فمصيبٌ عندنا، وإن كنتُ أَمِيلُ إلى قراءتِه، بالياءِ، إذ كانت في سياق آياتٍ قد مَضَين قبلها على وجه الخبر، وذلك قولُه: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، و: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4480\"></span><span data-type='title' id=toc-8500>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"ربك\"، وفي ت ١: \"لله\".\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣: \"يؤمنون\"، وهما قراءتان كما سيأتي.\n(^٣) هي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وأبى بكر ورويس وخلف، النشر ٢/ ٢٧٨.\n(^٤) هي قراءة ابن كثير ونافع وحفص وأبي عمرو وأبي جعفر وروح. المصدر السابق.","vol":"21","page":75},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه (^١): الوادى السائلُ من صديد أهل جهنمَ لكلِّ كذابٍ ذى إثم بربِّه، مفترٍ عليه.\n\n<span id=\"aya-4481\"></span>﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ﴾. يقولُ: يَسْمَعُ آياتِ كتابِ اللَّهِ تُقرأ عليه، ﴿ثُمَّ يُصِرُّ﴾ على كفره وإثمه، فيُقيمُ عليه غير تائبٍ منه، ولا راجِعٍ عنه، ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ على ربِّه أن يُدْعِنَ لأمره ونهيه، ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾. يقولُ: كأن لم يَسْمَعْ ما تُلى عليه من آيات الله بإصراره على كفره، ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. يقولُ: فَبَشِّرْ يا محمدُ هذا الأفَّاكَ الأثيم الذي هذه صفتُه، بعذابٍ من الله له، ﴿أَلِيمٍ﴾.\nيعني: مُوجعٍ في نارِ جهنمَ يومَ القيامةِ.\n\n<span id=\"aya-4482\"></span><span data-type='title' id=toc-8501>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا عَلِمَ هذا الأفاكُ الأثيمُ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ شيئًا، ﴿اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾. [يقولُ: اتخَذَ (^٢) تلك الآيات التي علمها هزُوًا] (^٣)، يَسْخَرُ منها، وذلك كفعل أبي جهلٍ حين نزَلت: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣، ٤٤]. إذ دعا بتمرٍ وزُيْدٍ، فقال: تَزَقَّموا من هذا، ما يَعِدُكم محمدٌ إلا شُهْدًا (^٤). وما أشبه ذلك من أفعالهم.\nوقولُه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين يَفْعَلون هذا الفعلَ، وهم الذين يَسْمَعون آياتِ اللَّهِ تُتْلَى عليهم، ثم يُصرُّون على كفرهم استكبارًا، ويَتَّخِذون آياتِ اللهِ التي علموها هزوًا - لهم يوم القيامةِ من الله عذابٌ\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"ويل\".\n(^٢) في م: \"اتخذنا\".\n(^٣) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في ت ١: \"بهذا\". وينظر ما تقدم في ١٤/ ٦٤٨.","vol":"21","page":76},{"text":"مُهِينٌ يُهينُهم ويُذِلُّهم في نارِ جهنمَ، بما كانوا في الدنيا يَسْتَكْبِرون عن (^١) طاعةِ اللَّهِ واتِّباع آياتِه.\nوإنما قال تعالى ذكرُه: ﴿أُولَئِكَ﴾ فجمَع، وقد جرَى الكلامُ قبل ذلك (^٢)، ردًّا للكلام إلى معنى \"الكلِّ\" في قوله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-4483\"></span><span data-type='title' id=toc-8502>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومن وراءِ هؤلاء المستهزئين بآياتِ اللهِ. يعنى: من بين أيديهم. وقد بيَّنا العلةَ التي من أجلها قيل لما أمامك: هو وراءَك. فيما مضى، بما أغنى عن إعادته (^٣). يقولُ: من بين أيديهم نارُ جهنمَ هم وارِدوها، ﴿وَلَا [يُغْنِي عَنْهُمْ] (^٤) مَا كَسَبُوا شَيْئًا، يقولُ: ولا يُغْنى عنهم من عذاب جهنم إذا هم عُذِّبوا به ما كسَبوا في الدنيا من مالٍ وولدٍ - شيئًا.\nوقولُه: ﴿وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾. يقولُ: ولا آلهتهم التي عبدوها من دونِ اللهِ، ورؤساؤُهم، وهم الذين أطاعوهم في (^٥) الكفر بالله واتخذوهم نُصراء في الدنيا - تُغْنى عنهم يومَئذٍ من عذابِ جهنمَ شيئًا، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم من الله يومَئذٍ عذابٌ في جهنمَ عظيمٌ.\n\n<span id=\"aya-4484\"></span><span data-type='title' id=toc-8503>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)﴾.\n_________\n(^١)</span> في ت ٣: \"على\".\n(^٢) أي: على الإفراد.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١٥/ ٣٥٤، ٣٥٥.\n(^٤) في م: \"يغنيهم\".\n(^٥) في ت ٣: \"إلى\".","vol":"21","page":77},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: هذا القرآنُ الذي أنزَلْناه إلى (^١) محمد ﴿هُدًى﴾. يقولُ: بيانٌ ودليلٌ على الحقِّ، يَهْدى إلى صراطٍ مستقيمٍ من اتَّبعه، وعمل بما (^٢) فيه، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: والذين جحَدوا ما في القرآن من الآياتِ الدالاتِ على الحقِّ، ولم يُصدِّقوا بها ويَعْمَلوا بها، لهم [عذابٌ يوم القيامة من عذابٍ مُوجِعٍ] (^٣).\n\n<span id=\"aya-4485\"></span><span data-type='title' id=toc-8504>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: اللَّهُ أَيُّها القومُ الذي لا تَنْبَغى الألوهةُ إِلَّا له، الذي أنعم عليكم هذه النعم التي (^٤) بيَّنها لكم في هذه الآيات، وهو أنه سَخَّرَ لكم البَحْرَ لِتَجْرِى السفنُ فيه بِأمْرِه لمعايِشكم وتصرُّفكم في البلاد، لطلبِ فضلِه فيها، ولتَشْكُروا ربَّكم على تسخيره ذلك لكم، فتَعْبُدوه وتُطِيعوه فيما يَأْمُرُكم به ويَنْهاكم عنه.\n\n<span id=\"aya-4486\"></span><span data-type='title' id=toc-8505>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وسَخَّرَ لكم ما في السماوات من شمسٍ وقمرٍ ونجومٍ، وما في الأرْضِ من دابةٍ وشجرٍ وجبلٍ وجمادٍ وسُفُنٍ (^٥) لمنافِعكم ومصالِحكم، ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: جميعُ ما ذكرتُ لكم أيُّها الناسُ من هذه النعم؛ نعمٌ\n_________\n(^١) في م: \"على\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م: \"عذاب أليم يوم القيامة موجع\".\n(^٤) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٥) بياض في: ص، وسقط من: ت ٢، ت ٣، وفي ت ١: \"غير ذلك\".","vol":"21","page":78},{"text":"عليكم من الله أنعم بها عليكم، وفضلٌ منه تفضَّل به عليكم، فإياه فاحمَدوا لا غيرَه؛ لأنه لم يَشْرَكْه في إنعام هذه النعم عليكم شريكٌ، بل تفرَّد بإنعامِها عليكم، وجميعُها منه ومن نعمِه، فلا تَجْعَلوا له في [شكركم له] (^١) شريكًا، بل أفْرِدوه بالشكر والعبادةِ، وأَخْلصوا له الألوهة، فإنه لا إلهَ لكم سِوَاه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8506>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾. يقولُ: كلُّ شيءٍ هو من الله، وذلك الاسمُ فيه اسمٌ من أسمائه، فذلك جميعًا (^٢) منه، ولا يُنازِعُه (^٣) فيه المنازعون، واسْتَيقِنْ أنه كذلك (^٤).\nوقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن في تسخير الله لكم ما أنبأَكم أيُّها الناسُ أنه سخَّره (^٥) لكم في هاتين الآيتين، ﴿لَآيَاتٍ﴾. يقولُ: لعلاماتٍ ودلالاتٍ على أنه لا إلهَ لكم غيرُه، الذي أنعم عليكم هذه النعمَ، وسخَّر لكم هذه الأشياء التي لا يَقْدِرُ على تسخيرها (^٦) غيرُه، ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في آياتِ اللهِ وحُجَجه وأدلته، فيَعْتَبرون بها، ويَتَّعِظون إذا تَدَبَّروها وفكَّروا (^٧) فيها.\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"شكره\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جميع\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ينازعنك\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٥١ عن العوفى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤ إلى المصنف.\n(^٥) في ت ٣: \"سخرها\".\n(^٦) بعده في ت ٣: \"أحد\".\n(^٧) في ت ٣: \"تفكروا\".","vol":"21","page":79},{"text":"<span id=\"aya-4487\"></span><span data-type='title' id=toc-8508>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ للذين صدَّقوا اللَّهَ واتَّبعوك، يَغْفِروا للذين لا يَخافون بأسَ اللَّهِ ووقائعَه ونِقمَه، إذا هم نالوهم بالأذى والمكروه، ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. يقولُ: ليجزى اللهُ هؤلاء الذين يُؤْذونهم من المشركين في الآخرة، فيثيبَهم (^١) عذابَه بما كانوا في الدنيا يَكْسبون من الإثم، ثم بأذاهم أهل الإيمان بالله.\nوبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8507>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال: كان نبيُّ الله ﷺ يُعْرِضُ عن المشركين إذا آذوه، وكانوا يَسْتَهْزِئُون به ويُكَذِّبونه، فأمَره الله ﷿ أن يُقاتِلَ المشركين كافَّةً، فكان هذا من المنسوخ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى (^٣)، عن ابن أبي، نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾. قال: لا يُبالون (^٤)\n_________\n(^١) في م: \"فيصبهم\"، وفي ت ١: \"فيتبعهم\".\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص ٢٧٢ من طريق على بن أبي طلحة، عن ابن عباس بمعناه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٣) بعده في ت ١: \"وحدثني الحارث قال ثنا الحسن قال ثنا ورقاء جميعًا\".\n(^٤) غير منقوطة في: ص، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ينالون\".","vol":"21","page":80},{"text":"نِعمَ اللَّهِ، أو نقمَ اللَّهِ.\n[حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ (^١) عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾. قال: لا يُبالون (^٢) نِعمَ اللَّهِ] (^٣).\nوهذه الآيةُ منسوخةٌ بأمرِ الله بقتالِ المشركين. وإنما قُلْنا: هي منسوخةٌ؛ لإجماع أهل التأويل على أن ذلك كذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-8509>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nقد ذكَرْنا الرواية في ذلك عن ابن (^٤) عباسٍ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾. قال: نسَخَتها ما في \"الأنفال\": ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]. وفى \"براءة\": ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. أمر بقتالهم حتى يَشْهَدوا ألَّا إله إلا الله وأن محمدًا رسولُ الله.\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾. قال: نسختها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٥) [التوبة: ٥].\n_________\n(^١) بعده في م: \"جميعا\".\n(^٢) غير منقوطة في: ص، وفى ت ١، ت ٢: \"ينالون\".\n(^٣) سقط من: ت ٣.\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٦٠٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤ إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر.\n(^٤) بعده في م: \"أبى\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥ إلى ابن الأنباري في المصاحف.","vol":"21","page":81},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾. قال: هذا منسوخٌ أمر الله بقتالِهم في سورة \"براءةَ\" (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عَنْبَسةُ، عمن ذكَره، عن أبي صالحٍ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾. قال: نسَختها التي في \"الحجِّ\": ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ (^١) [الحج: ٣٩].\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾. قال: هؤلاء المشركون. قال: وقد نُسِخ هذا، وفُرِض جهادُهم والغلظةُ عليهم (^١).\nوجُزِم قولُه: ﴿يَغْفِرُوا﴾. تشبيهًا له بالجزاء والشرط، وليس به، ولكن لظهوره في الكلام على مثاله، فعُرِّب (^٢) تعريبَه، وقد مضَى البيانُ عنه قبلُ (^٣).\nواختلَفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا﴾؛ فقرأه بعضُ قرأة المدينة والبصرةِ والكوفةِ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ بالياء (^٤) على وجهِ الخبرِ عن الله أنه يَجْزِيهم ويُثيبُهم. وقرأ ذلك بعدُ عامةُ قرأة الكوفيين: (لِنَجْزِيَ) بالنون (^٥) على وجه الخبر من الله عن نفسِه. وذُكر عن أبي جعفر القارئ أنه كان يَقْرَؤُه: (لِيُجْزَى قَوْمًا) على مذهب ما لم يُسَمَّ فاعلُه (^٦)، وهو على مذهب كلام العرب لحنٌ، إلا أن يَكونَ أراد: ليُجْزَى\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٩/ ٢٥٠.\n(^٢) في ص، ت ١، ت،٢، ت ٣: \"فعرف\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٥٧، ٥٥٨.\n(^٤) هي قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبي عمرو ويعقوب. النشر ٢/ ٢٧٨.\n(^٥) هي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائى وخلف. المصدر السابق.\n(^٦) المصدر السابق.","vol":"21","page":82},{"text":"الجزاءُ قومًا. بإضمار الجزاءِ، وجَعْلِه مرفوعًا لِـ (يُجْزَى)، فيكونُ وجهًا من القراءة وإن كان بعيدًا.\nوالصوابُ من القول في ذلك عندنا أن قراءته بالياء والنون، على ما ذكرتُ من قرأة قراءة الأمصار، جائزةٌ بأيِّ تَيْنك القراءتين قرأ القارئُ. فأما قراءتُه على ما ذكَرتُ عن أبي جعفر، فغيرُ جائزةٍ عندِى لمعنيين؛ أحدُهما، أنها (^١) خلافٌ لما عليه الحجةُ من القرأة، وغيرُ جائزٍ عندِى خلافُ ما جاءت به مستفيضًا فيهم. والثاني، بُعْدُها من الصحة في العربية إلَّا على استكراه الكلام على غير المعروف من وجهه (^٢).\n\n<span id=\"aya-4488\"></span><span data-type='title' id=toc-8510>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: مَن عَمِل من عبادِ اللهِ بطاعته، فانتهى إلى أمره، وانزجر لنهيِه - فلنفسِه عمِل ذلك الصالحَ من العمل، وطلَب خلاصِها من عذابِ الله أطاع (^٣)، لا لغير ذلك؛ لأنه لا يَنْفَعُ ذلك غيره، واللَّهُ عن عملِ كلِّ عاملٍ غنيٌّ، ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾. يقولُ: ومن أساء عمله في الدنيا، بمعصيته فيها ربَّه، وخلافِه فيها أمرَه ونهيَه، فعلى نفسه جنَى؛ لأنه أوبَقها بذلك، وأكسبها به سُخْطَه، ولم يضرَّ أحدًا (^٤) سوى نفسه. ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: ثم أنتم أيُّها الناسُ أجمعون إلى ربِّكم تَصِيرون من بعد مماتكم، فيُجازِى المحسنَ منكم بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه، فمن ورَد عليه منكم بعمل صالحٍ، جُوزِىَ من\n_________\n(^١) في م: \"أنه\".\n(^٢) قال ابن الجزرى في النشر ٢/ ٢٧٨ عن قراءة أبي جعفر: وكذا قرأ شيبة، وجاءت أيضًا عن عاصم. وهذه القراءة حجة على إقامة الجار والمجرور وهو (بما) مع وجود المفعول به الصريح وهو (قوما) مقام الفاعل كما ذهب إليه الكوفيون وغيرهم.\n(^٣) بعده في م: \"ربه\".\n(^٤) في ت ١، ت ٣: \"أحد\".","vol":"21","page":83},{"text":"الثواب صالحًا، ومن ورد عليه منكم بعمل سيِّئٍ جُوزِى من الثوابِ سَيْئًا.\n\n<span id=\"aya-4489\"></span><span data-type='title' id=toc-8511>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ولقد آتينا يا محمد، ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾. يعنى: التوراة والإنجيل، ﴿وَالْحُكْمَ﴾. يعنى الفهم بالكتاب، والعلم بالسُّنن التي لم تَنْزِل في الكتاب، ﴿والنُّبُوَّةَ﴾. يقولُ: وجعَلْنا منهم أنبياء ورسلًا إلى الخلق، ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾. يقولُ: وأطعَمْناهم من طيبات أرزاقِنا، وذلك ما أطعَمَهم من المنِّ والسلوى، ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: وفَضَّلْناهم على عالمى أهل زمانهم في أيام فرعونَ وعهده، في ناحيتهم بمصر والشام.\n\n<span id=\"aya-4490\"></span><span data-type='title' id=toc-8512>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وأعطينا بني إسرائيل واضحاتٍ من أمرنا بتنزيلنا إليهم التوراةَ، فيها تفصيلُ كلِّ شيءٍ، ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. طلبًا للرياساتِ، وتركًا منهم لبيانِ الله ﵎ في تنزيله.\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.\nيقول تعالى ذكره لنبيه محمدٍ ﷺ: إن ربَّك يا محمدُ يَقْضِي بين المختلفين من بني إسرائيل بغيًا بينهم، يوم القيامة، فيما كانوا فيه في الدنيا يختَلِفون بعد العلم الذي أتاهم، والبيان الذي جاءهم منه، فيُفْلِجُ المحِقَّ حينئذٍ على المبطِلِ بفصلِ الحُكمِ بينهم.","vol":"21","page":84},{"text":"<span id=\"aya-4491\"></span><span data-type='title' id=toc-8514>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: ثم جَعَلْناك يا محمد، من بعدِ أنبياءِ (^١) بني إسرائيل الذين وصفتُ لك صفتهم ﴿عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾. يقولُ: على طريقةٍ وسنةٍ ومنهاجٍ من أمرنا الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا، ﴿فَاتَّبِعْهَا﴾. يقولُ: فاتَّبِعْ تلك الشريعة التي جعلناها لك، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولا تَتَّبع ما دعاك إليه الجاهلون باللهِ الذين لا يعرفون الحقَّ من الباطل فتعمل به فتَهْلِكَ إِن عملت به.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8513>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾. قال: يقولُ: على هدًى من الأمرِ وبينةٍ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾: والشريعةُ الفرائضُ والحدود والأمر والنهيُ، ﴿فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿ثُمَّ\n_________\n(^١) غير منقوطة في: ص، وفى م: \"الذي آتينا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥ إلى المصنف.","vol":"21","page":85},{"text":"جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾. قال: الشريعةُ الدينُ. وقرأ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣]. قال: فنوحٌ أَوَّلُهم، وأنت آخرُهم (^١).\n\n<span id=\"aya-4492\"></span>وقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. يقول تعالى ذكرُه: إن هؤلاء الجاهلين بربِّهم الذين يدعونك يا محمد إلى اتِّباع أهوائهم، لن يُغنوا عنك إن أنت اتَّبعتَ أهواءَهم، وخالفت شريعةَ ربَّك التي شرعها لك - من عقاب الله شيئًا، فيَدْفَعوه عنك إن هو عاقَبك، ويُنقذوك منه.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. يقولُ: وإن الظالمين بعضُهم أنصارُ بعض، وأعوانهم على الإيمان باللهِ (^٢) وأهل طاعتِه، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: واللهُ يلى مَن اتَّقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصِيه، بكفايته ودفاع من أراده بسوءٍ. يقول جلَّ ثناؤه لنبيِّه ﵊: فكُنْ من المتقين، يَكْفِك (^٣) اللهُ ما بغاك وكادك به هؤلاء المشركون، فإنه وليُّ مَن اتَّقاه، ولا يَعْظُمُ عليك خلافُ مَن خالف أمرَه وإن كثُر عددُهم؛ لأنهم لن يَضُرُّوك ما كان اللهُ وليِّك وناصرَك.\n\n<span id=\"aya-4493\"></span><span data-type='title' id=toc-8515>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: هذا الكتاب الذي أنزَلْناه إليك يا محمد، ﴿بَصَائِرُ\n_________\n(^١) ينظر تفسير القرطبي ١٦/ ١٦٤، والبحر المحيط ٨/ ٤٦.\n(^٢) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ت ٣: \"يكفيك\".","vol":"21","page":86},{"text":"لِلنَّاسِ﴾ يُنصرون به الحقَّ من الباطلِ، ويعرفون به سبيل الرشاد. والبصائرُ جمعُ بصيرةٍ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك [كان ابن زيدٍ يقولُ] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-8516>ذكرُ (^٢) ذلك</span>\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾. قال: القرآنُ. قال: هذا كلُّه إنما هو في القلب. قال: والسمع والبصرُ (^٣) في القلب. وقرأ: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وليس ببصر الدنيا ولا بسمعها.\nوقوله: ﴿وَهُدًى﴾. يقولُ: ورشادٌ، ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بحقيقةِ صحةِ هذا القرآن، وأنه تنزيلٌ من الله العزيز الحكيم. وخصَّ جل ثناؤُه الموقنين (^٤) بأنه لهم بصائرُ وهدًى ورحمةٌ؛ لأنهم الذين انتفعوا به دون من كذَّب به من أهل الكفر، فكان عليه عمًى وله حزنًا.\n\n<span id=\"aya-4494\"></span>وقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾. [يقول تعالى ذكره: أم ظنَّ الذين اجترحوا السيئات] (^٥) من الأعمال في الدنيا، فكذَّبوا رُسلَ اللهِ، وخالفوا أمرَ ربِّهم، وعبدوا غيره - أن نَجعَلَهم في الآخرة كالذين آمنوا بالله وصدَّقوا رسلَه وعملوا الصالحات فأطاعوا الله، وأخلصوا له العبادةَ، دون ما سواه من الأندادِ والآلهة؟!\n_________\n(^١) في ت ١: \"قال أهل التأويل\".\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من قال\".\n(^٣) بعده في ت ١: \"في القرآن\".\n(^٤) في ت ٢، ت ٣: \"المؤمنين\".\n(^٥) سقط من: ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":87},{"text":"كلَّا، ما كان اللهُ لِيَفْعَلَ ذلك، لقد ميَّز بين الفريقين، فجعل حزب الإيمان في الجنة، وحزب الكفر في السعير.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ الآية: لعَمْرِي لقد تفرَّق القوم في الدنيا، وتفرَّقوا عندَ الموت، فتباينوا في المصير.\nوقوله: ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾. اختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿سَوَاءً﴾؛ فقرأت ذلك عامة قرأة المدينة والبصرة وبعضُ قرأة الكوفة: (سَوَاءٌ) بالرفع (^١)، على أن الخبر مُتَناهٍ عندهم عند قوله: ﴿كَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. وجعلوا (^٢) خبر قوله: ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ﴾ قوله: ﴿كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. ثم ابتدءوا الخبر عن استواء حال محيا المؤمن ومماته، ومحيا الكافر ومماته، فرفعوا قوله: (سَوَاءٌ) على وجه الابتداء بهذا المعنى. وإلى هذا المعنى وجه تأويل ذلك جماعةٌ من أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8517>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: (سَوَاءٌ مَحْياهُمْ ومَماتُهُمْ). قال: المؤمنُ في الدنيا والآخرة مؤمنٌ، والكافرُ في الدنيا والآخرة كافرٌ (^٣).\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر. السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٥.\n(^٢) في ت ١: \"جعل\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٠٠.","vol":"21","page":88},{"text":"حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا حسينٌ، عن شيبانَ، عن ليثٍ في قوله: (سَوَاءٌ مَحْيَاهُمْ ومَماتُهُمْ). قال: بُعث المؤمنُ مؤمنًا حيًّا وميتًا، والكافرُ كافرًا حيًّا وميتًا.\nوقد يَحْتَمِلُ الكلامُ إذا قُرئ: (سواءٌ) رفعا وجهًا آخر غير هذا المعنى الذي ذكَرْناه عن مجاهدٍ وليثٍ، وهو أن يُوجَّهَ إلى: أم حسِب الذين اجترَحوا السيئات أن نجعَلَهم والمؤمنين سواءً في الحياةِ والموتِ، بمعنى: أنهم لا يَسْتوون. ثم يُرْفَعُ (سواءٌ) على هذا المعنى، إذ كان لا يَنْصَرِفُ، كما يُقالُ: مررَتُ برجلٍ خيرٌ منك أبوه، و: حسبُك أخوه. فرفَع \"حسبُك\"، و\"خيرٌ\" إذ كان في مذهبِ الأسماء، ولو وقَع موقعَهما فعلٌ في لفظِ اسمٍ لم يَكُنْ إلا نصبًا، فكذلك قولُه: (سواءٌ).\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿سَوَاءً﴾ به نصبًا (^١)، بمعنى: أَحَسبوا أن نجعَلَهم والذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ سواءً.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان في قرَأةِ الأمصار، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما أهلُ العلم بالقرآن، صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nواختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ قوله: ﴿سَوَاءً﴾ ورفعه؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرة: (سَوَاءٌ مَحْيَاهُمْ ومَماتُهُمْ) [رفعٌ. وقال بعضُهم: إن المحيا والمماتَ للكفارِ كلَّه. قال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. ثم قال: سواءٌ محيا الكفار ومماتُهم. أي: محياهم محيا سَوْءٍ (^٢)، ومماتُهم] (^٣) مماتُ سَوْءٍ (^٢). فرُفِع \"السواءُ\" على الابتداء. قال: ومن فسَّر\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٥.\n(^٢) في م، ت ١: \"سواء\".\n(^٣) سقط من: ت ٣.","vol":"21","page":89},{"text":"المحيا والمماتَ للكفارِ والمؤمنين، فقد يَجوزُ في هذا المعنى نصبُ \"السواء\" ورفعُه؛ لأن من جعل \"السواءَ\" مستويًا، فيَنْبَغى له في القياس أن يُجْرِيَه على ما قبلَه؛ لأنه صفةٌ. ومن جعَله الاستواء، فيَنْبَغِى له أن يَرْفَعَه لأنه اسمٌ، إلا أن يَنْصِبَ المحيا والمماتَ على البدلِ، ويَنْصِبَ \"السواءَ\" على الاستواء، وإن شاء رفَع \"السواء\" إذا كان في معنى \"مستوٍ\"، كما تقولُ: مرَرتُ برجلٍ خيرٌ منك أبوه. لأنه صفةٌ لا يُصْرَفُ، والرفعُ أجودُ.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفِة (^١): قولُه: ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ﴾ بنصب \"سواء\" وبرفعِه، والمحيا والمماتُ في موضع رفع بمنزلة قوله: رأيتُ القومَ سواءً صغارُهم وكبارُهم. بنصب \"سواء\"؛ لأنه يَجْعَلُه فعلًا لما عاد على الناس من ذكرهم. قال: وربما جعَلت العربُ \"سواء\" في مذهبِ اسمٍ بمنزلة \"حسبك\"، فيقولون: رأيتُ قومَك سواءً صغارُهم وكبارُهم. فيكونُ كقولِك: مررتُ برجلٍ حسبُك أبوه. قال: ولو جعَلت مكانَ \"سواء\" \"مستوٍ\" لم يُرْفَعْ، ولكن تَجْعَلُه مُتَّبِعًا لما قبله، مخالفًا لـ \"سواءٍ\"؛ لأن \"مستوٍ\" (^٢) من صفةِ القومِ، ولأن \"سواءً\" كالمصدر، والمصدرُ اسمٌ. قال: ولو نصَبت المحيا والمماتَ كان وجهًا. يُريدُ: أَن نَجْعَلَهم سواءً في محياهم ومماتِهم.\nوقال آخرُ (^٣) منهم: المعنى: أنه لا يُساوِى من اجترَح السيئاتِ المؤمنَ في المحيا (^٤) ولا المماتِ. إلا (^٥) أنه وقَع موقعَ الخبر، فكان خبرًا لـ \"جَعَلْنا\". قال:\n_________\n(^١) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٤٧.\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"مستوى\".\n(^٣) في م: \"آخرون\".\n(^٤) في م، ت ٣: \"الحياة\".\n(^٥) في م، ت ٢: \"علي\".","vol":"21","page":90},{"text":"والنصبُ للأخبار (^١)، كما تقولُ: جعَلت إخوتَك سواءً؛ صغيرَهم وكبيرَهم. ويجوزُ أن يُرْفَعَ؛ لأن \"سواءً\" لا يَنْصَرِفُ. وقال: مَن قال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فجعَل ﴿كَالَّذِينَ﴾ الخبرَ، استأنَف بـ \"سواءٍ\" ورفَع ما بعدَها، وإن نصَب \"المحيا والمماتَ\" نصَب \"سواءً\" لا غيرَ.\nوقد تقدَّم بيانُنا الصوابَ من القولِ في ذلك.\nوقولُه: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: بئْسَ الحكمُ الذي (^٢) حسِبوا (^٣) أَنَّا نَجْعَلُ الذين اجترَحوا السيئاتِ والذين آمنوا وعملوا الصالحات، سواءً محياهم ومماتُهم.\n\n<span id=\"aya-4495\"></span><span data-type='title' id=toc-8518>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ للعدلِ والحقِّ، لا لما حسِب هؤلاء الجاهلون باللهِ؛ من أنه يَجْعَلُ مَن اجترَح السيئاتِ، فعصاه وخالَف أمرَه، كالذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ في المحيا والمماتِ، إذ كان ذلك من فعلِ غير أهلِ العدلِ والإنصاف، يقولُ جل ثناؤُه: فلم يَخْلُقِ اللهُ السماواتِ والأَرضَ للظلمِ والجورِ، ولكنا خلَقْناهما للحقِّ والعدلِ، ومن الحقِّ أن نُخالِفَ بينَ حكمِ المسيءِ والمحسنِ في العاجلِ والآجلِ.\nوقولُه: ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه:\n_________\n(^١) في ص: \"الأخبار\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"الذين\".\n(^٣) في ت ٣: \"حكموا\".","vol":"21","page":91},{"text":"وليُثيبَ اللهُ كلَّ عاملٍ بما عمِل من عملٍ (^١)، خَلَقَ السماوات والأرضَ؛ المحسنَ بالإحسانِ، والمسيءَ بما هو أهلُه، لا لِنَبْخَسَ المحسنَ ثوابَ إحسانِه، ونَحْمِلَ عليه جُرْمَ غيره فنُعاقِبَه، أو نَجْعَلَ للمسيءِ ثوابَ إحسانِ غيرِه، فنُكْرِمَه (^٢)، ولكن لنَجْزِيَ كلًّا بما كسَبت يداه، وهم لا يُظْلَمون جزاءَ أعمالِهم.\n\n<span id=\"aya-4496\"></span><span data-type='title' id=toc-8520>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويل في تأويل قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: أفرأيتَ من اتخَذ دينَه بِهواه، فلا يَهْوَى شيئًا إلا ركبه؛ لأنه لا يُؤْمِنُ باللهِ، ولا يُحرِّمُ ما حرَّم، ولا يُحِلُّ (^٣) ما أحلَّ (^٤)، إنما دينُه ما هوِيتْه (^٥) نفسُه يَعْمَلُ به.\n\n<span data-type='title' id=toc-8519>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾. قال: ذلك الكافرُ، اتخذ دينَه بغير هدًى من الله ولا برهانٍ (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ت ٣: \"فيلزمه\".\n(^٣) في م: \"يحلل\"، وفي ت ٢: \"يجعل\".\n(^٤) في م: \"حلل\".\n(^٥) في ت ١: \"عملته\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم واللالكائي في السنة والبيهقي في الأسماء والصفات.","vol":"21","page":92},{"text":"حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾. قال: لا يَهْوَى شيئًا إلا ركبه، لا يخافُ الله (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أفرأَيْتَ مَن اتخَذ معبودَه ما هوِيتْ عبادتَه نفسُه من شيءٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8521>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: كانت قريشٌ تَعْبُدُ العُزَّى - وهو حجرٌ أبيضُ - حينًا من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسنُ منه، طرَحوا الأوَّلَ وعبَدوا (^٢) الآخرَ، فأنزَل الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (^٣).\nوأولى التأويلين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: أفرأيتَ يا محمدُ من اتخَذ معبودَه هواه، فيَعْبُدُ ما هَوِى من شيءٍ دونَ إله الحقِّ الذي له الألوهةُ من كلِّ شيءٍ؟ لأن ذلك هو الظاهرُ من معناه دونَ غيرِه.\nوقولُه: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وخذَله عن مَحَجَّةِ الطريق وسبيل الرشادِ، في سابقِ علمِه، على علمٍ منه بأنه لا يَهْتَدى ولو جاءته كلُّ آيةٍ.\nوبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8522>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٢ عن معمر به.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"عبد\".\n(^٣) تفسير سفيان ص ٢٧٥ عن جعفر به.","vol":"21","page":93},{"text":"عباسٍ: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾. يقولُ: أضلَّه الله في سابقِ علمِه (^١).\nوقولُه: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وطبَع على سمعِه أن يَسْمَعَ مواعظَ الله وآى كتابه، فيَعْتَبِرَ بها ويَتَدَبَّرَها، ويَتَفَكَّرَ فيها، فيَعْقِلَ ما فيها من النور والبيانِ والهُدَى.\nوقولُه: ﴿وَقَلْبِهِ﴾. يقولُ: وطبَع أيضًا على قلبه، فلا يَعْقِلُ به شيئًا، ولا يَعِى به حقًّا.\nوقولُه: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾، يقولُ: وجعَل على بصرِه غشاوةً أن يُبْصِرَ به حججَ الله، فيَسْتَدلَّ بها على وحدانيتِه، ويَعْلَمَ بها ألَّا إِلهَ غيرُه.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾؛ فقرأته عامةُ قرأة المدينةِ والبصرةِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿غِشَاوَةً﴾، بكسر الغينِ، وإثباتِ ألفٍ فيها (^٢)، على أنها اسمٌ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأة الكوفة: (غَشْوَةً) بمعنى أنه غَشاه شيئًا في دفعةٍ واحدةٍ ومرةٍ واحدةٍ؛ بفتحِ الغين بغير ألفٍ (^٣). وهما عندى قراءتان صحيحتان، فبأيتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقولُه: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فمَن يُوفِّقُه لإصابة الحقِّ، وإبصار محجَّةِ الرشد، بعدَ إضلالِ اللهِ إياه؟ ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أَيُّهَا النَّاسُ، فتَعْلَموا أن من فعَل اللَّه به ما وصَفْنا فلن يَهْتَدِى أبدًا، ولن يَجِدَ لنفسِه وليًّا مُرْشِدًا.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٣ - واللالكائي في السنة ٢/ ٤٩١ (١٠٠٣)، والبيهقى في الأسماء والصفات (٢٣٤) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥ إلى ابن المنذر.\n(^٢) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٥.\n(^٣) هي قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.","vol":"21","page":94},{"text":"<span id=\"aya-4497\"></span><span data-type='title' id=toc-8523>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء المشرِكون الذين تقدَّم خبرُه عنهم: ما حياةٌ (^١) إلا حياتُنا الدنيا التي نحن فيها، لا حياةَ سِواها. تكذيبًا منهم بالبعثِ بعدَ المماتِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾: إِى (^٢) لعَمْرِى، هذا قولُ مشرِكى العربِ (^٣).\nوقولُه: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾. نموتُ نحن ويحيا أبناؤُنا بعدَنا. فجعَلوا حياةَ أبنائِهم بعدَهم حياةً لهم؛ لأنهم منهم وبعضُهم، فكأنهم بحياتِهم أحياءٌ، وذلك نظيرُ قولِ الناسِ: ما مات مَن خَلَّف ابنًا مثلَ فلانٍ. لأنه بحياةِ ذكرُه به (^٤) كأنه حيٌّ غيرُ ميِّتٍ.\nوقد يَحْتَمِلُ وجهًا آخرَ؛ وهو أن يكونَ معناه: [نحيا ونموتُ] (^٥). على وجهِ تقديمِ الحياةِ قبلَ المماتِ، كما يُقالُ: قُمْتُ وقعَدتُ. بمعنى: فَعَدتُ وقُمْتُ. والعربُ تَفْعَلُ ذلك في الواوِ خاصةً، إذا أرادوا الخبرَ عن شيئين أنهما كانا أو يكونان، ولم تَقْصِدِ الخبرَ عن كونِ أحدِهما قبلَ الآخرِ، تُقدِّمُ المتأخرَ حدوثًا على المتقدِّمِ حدوثُه منهما أحيانًا، فهذا من ذلك؛ لأنه لم يَقْصِدْ فيه إلى الخبرِ عن كونِ الحياةِ قبلَ المماتِ، فقدَّم ذكرَ المماتِ قبلَ ذكرِ الحياةِ، إذ كان القصدُ إلى (^٦) الخبرِ عن أنهم يكونون مرَّةً أحياءً وأخرى أمواتًا.\n_________\n(^١) في ت ٣: \"هي\".\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٢ عن معمر، عن قتادة نحوه.\n(^٤) سقط من: ت ٢.\n(^٥) في ت ٢: \"يحيي ويميت\".\n(^٦) في ت ٢: \"عن\".","vol":"21","page":95},{"text":"وقولُه: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن هؤلاءِ المشرِكين أنهم قالوا: وما يُهْلِكُنا فيُفْنِينَا إلا مَرُّ الليالي والأيامِ وطولُ العمرِ. إنكارًا منهم أن يكونَ لهم ربٌّ يُفنِيهم ويُهْلِكُهم.\nوقد ذُكِر أنها في قراءةِ عبدِ اللهِ: (وَمَا يُهْلِكُنا إِلَّا دَهْرٌ يمُرُّ) (^١).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8524>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾. قال: الزمانُ (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾: قال ذلك مشرِكو قريشٍ ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾: إلا العمرُ (^٣).\nوذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت من أجلِ أن أهلَ الشركِ كانوا يقولون: الذي يُهْلِكُنا ويُفْنِينا الدهرُ والزمانُ. [ثم يَسُبُّون ما يُفْنِيهم ويُهْلِكُهم، وهم يرَوَن أنهم يَسُبُّون بذلك الدهرَ والزمانَ] (^٤)، فقال اللهُ ﷿ لهم: أنا الذي أُفنِيكم وأُهْلِكُكم، لا الدهرُ والزمانُ، ولا علمَ لكم بذلك.\n_________\n(^١) وهى قراءة شاذة، قال أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٤٩ وقرأ عبد الله \"إلا دهر\" وتأويله: إلا دهر يمر. وينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٣٩.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٠٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٢ عن معمر به.\n(^٤) سقط من: ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":96},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8525>ذكرُ [الروايةِ بذلك عمن قاله]</span> (^١)\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عيينةَ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"كان أهلُ الجاهليةِ يقولون: إنما يُهْلِكُنا الليلُ والنهارُ (^٢)؛ هو الذي يُهْلِكُنا ويُميتُنا ويُحْيِينا. فقال اللهُ في كتابِه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ \". قال: فيَسُبُّون الدهرَ، فقال اللهُ ﵎: \"يُؤذِيني ابن آدمَ؛ يَسُبُّ الدهرَ، وأنا الدهرُ، بِيَدِيَ الأمرُ، أُقَلِّبُ الليلَ والنهارَ\" (^٣).\nحدَّثنا عمرانُ بنُ بكارٍ الكَلَاعيُّ، قال: ثنا أبو رَوْحٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه.\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني يونسُ بنُ يزيدَ (^٤)، عن ابن شهابٍ، قال: أخبَرنى أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: قال أبو هريرةَ: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"قال اللهُ تعالى: يَسُبُّ ابْنُ آدمَ الدهرَ، وأنا الدهر، بيَدِيَ الليلُ والنهارُ\" (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقِ، عن العلاءِ بن\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"من قال ذلك\".\n(^٢) بعده في م، ت ١: \"و\".\n(^٣) أخرجه الدارقطني في العلل ٨/ ٨١ من طريق سفيان به، وقوله: \"كان أهل الجاهلية … فيسبون الدهر\". موقوف على سفيان كما في صحيح ابن حبان (٥٧١٥)، والمستدرك ٢/ ٤٥٣، وأخرج المرفوع منه الحميدى (١٠٩٦)، وأحمد ١٢/ ١٨٧ (٧٢٤٥)، والبخارى (٤٨٢٦)، ومسلم (٢/ ٢٢٤٦)، وأبو داود (٥٢٧٤)، والنسائي في الكبرى (١١٤٨٧)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٢٥٤ - والبيهقى ٣/ ٣٦٥ من طريق سفيان به.\n(^٤) في ت ٢: \"زيد\".\n(^٥) أخرجه مسلم (٢٢٤٦/ ١)، والنسائى في الكبرى (١١٤٨٦)، والبيهقى ٣٦٥/ ٣ من طريق ابن وهب به، وأخرجه البخارى (٦١٨١) من طريق يونس بن يزيد به.","vol":"21","page":97},{"text":"عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أن النبيَّ ﷺ قال: \"يقولُ اللهُ: استقرَضتُ عبدى فلم يُعْطِنى، وسبَّنى عبدِى، يقولُ: وادَهْراه. وأنا الدهرُ\" (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ (^٢)، عن الزهريِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ \"إنَّ الله قال: لا يَقُولَنَّ أحدُكم: يا خيبةَ الدهرِ؛ فإنى أنا الدهرُ. أقلِّبُ ليلَه ونهارَه، وإذا شِئْتُ قبَضتُهما\" (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن هشامٍ، [عن ابن سيرينَ] (^٤)، عن أبي هريرةَ، قال: لا تَسُبُّوا الدهرَ، فإن الله هو الدهرُ (^٥).\n﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما لهؤلاء المشركين القائلين: ما هي إلا حياتُنا الدنيا نموتُ ونحيا، وما يُهْلِكُنا إلا الدهرُ. بما يقولون من ذلك ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾. يعنى: من يقينِ علمٍ؛ لأنهم يقولون ذلك تخرُّصًا بغيرِ خبرٍ أتاهم من اللهِ، ولا برهانٍ عندَهم بحقيقتِه. ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: ما هم إلا في ظنٍّ من ذلك وشكٍّ. يُخْبِرُ عنهم أنهم في حَيْرةٍ من اعتقادِهم حقيقةَ ما يَنْطِقون من ذلك بألسنِتهم.\n\n<span id=\"aya-4498\"></span><span data-type='title' id=toc-8526>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١٣/ ٣٦٨ (٧٩٨٨)، والبخارى في خلق أفعال العباد (٣٤٣)، وابن خزيمة (٢٤٧٩)، والحاكم ١/ ٤١٨ من طريق ابن إسحاق به، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٥٩٨) من طريق العلاء به مختصرا.\n(^٢) بعده في النسخ: \"عن قتادة\". وينظر مصدر التخريج.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٢ عن معمر به.\n(^٤) سقط من النسخ، والمثبت كما تقدم في ١٠/ ٥٩٦، وهو كذلك في مصدر التخريج.\n(^٥) أخرجه مسلم (٢٢٤٦/ ٥) من طريق جرير، عن هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.","vol":"21","page":98},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا تُتْلى على هؤلاء المشرِكين المكذِّبين بالبعثِ آياتُنا بأن الله باعثُ خلقِه من بعدِ مماتِهم، فجامِعُهم يومَ القيامةِ عندَه للثوابِ والعقابِ. ﴿بَيِّنَاتٍ﴾. يعني: واضحاتٍ جلياتٍ، تَنْفى الشكَّ عن قلبِ (^١) أهلِ التصديقِ باللهِ في ذلك، ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: لم يَكُنْ لهم حجةٌ على رسولِنا الذي يَتْلُو ذلك عليهم إلا قولهم له (^٢): ائتِنا (^٣) بآبائِنا (^٤) الذين قد هلكوا، أحياءً، وانْشُرهم لنا إن كنتَ صادقًا فيما تَتْلو علينا وتُخْبِرُنا، حتى نصدِّقَ بحقيقةِ ما تقولُ بأن الله باعثُنا من بعدِ مماتنِا، و(^٥) مُحْيِينا من بعدِ فنائِنا.\n\n<span id=\"aya-4499\"></span><span data-type='title' id=toc-8527>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المشرِكين المكذِّبين بالبعثِ، القائلين لك: ائتِنا بآبائِنا إن كنتَ (^٦) صادقًا: اللهُ أيُّها المشرِكون يُحْيِيكم ما شاء أن يُحْيِيَكم في الدنيا، ثم يُميتُكم فيها إذا شاء، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. يقولُ: ثم] (^٧) يَجْمَعُكم جميعًا أَوَّلَكم وآخرَكم، وصغيرَكم وكبيرَكم، ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ: ليوم القيامةِ، يَعْني أَنه يَجْمَعُكم جميعًا أحياءً\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) في ت ١: \"لهم\"، وسقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"ائتوا\".\n(^٤) بعده في ت ٢، ت ٣: \"إن كنتم صادقين أي\".\n(^٥) في ص، ت ٢: \"من\".\n(^٦) بعده في ت:٢: \"من الصادقين إن كنت\"، وفى ت ٣: \"من الصادقين أي كنت\".\n(^٧) في م: \"يعني أنه\".","vol":"21","page":99},{"text":"ليومِ القيامةِ، ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. يقولُ: لا شكَّ فيه. يقولُ: فلا تَشُكُّوا في ذلك، فإن الأمرَ كما وصَفتُ لكم، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكن أكثرَ الناسِ الذين هم أهلُ تكذيبٍ (^١) بالبعثِ لا يَعْلَمون حقيقةً ذلك، وأن الله مُحْيِيهم من بعد ممَاتِهم.\n\n<span id=\"aya-4500\"></span><span data-type='title' id=toc-8528>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وللهِ سلطانُ السماواتِ السبعِ والأرضِ دونَ ما (^٢) تدعُونه (^٣) له شريكًا، وتعبُدونه من دونِه، والذي (^٤) تدعُونه (^٥) من دونِه من الآلهةِ والأندادِ في مُلكِه وسلطانِه، جارٍ عليه حكمُه، فكيف يكونُ ما كان كذلك له شريكًا؟ أم كيف تعبُدونه، وتترُكون عبادةَ مالكِكم ومالكِ ما تعبُدونه من دونِه؟ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويوم تجيءُ الساعةُ التي يَنْشُرُ اللهُ فيها الموتى من قبورِهم، ويجمعُهم لموقفِ العرضِ، ﴿يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾. يقولُ: يُغْبَنُ (^٦) فيها الذين أبطَلوا في الدنيا في أقوالِهم ودعواهم للهِ شريكًا، وعبادتِهم آلهةً دونَه، بأن يفوزَ بمنازلِهم من الجنةِ المحقُّون، ويُبْدلوا بها منازلَ من النارِ كانت للمُحِقِّين، فجُعِلت لهم بمنازِلهم (^٧) من الجنةِ، ذلك هو الخسرانُ المبينُ.\n\n<span id=\"aya-4501\"></span><span data-type='title' id=toc-8529>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ</span>\n_________\n(^١) في ت ٣: \"التكذيب\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"من\".\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"يدعون\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"الذين\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تدعون\".\n(^٦) في ت ١: \"يفتن\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منازلهم\".","vol":"21","page":100},{"text":"تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وترَى يا محمدُ يومَ تقومُ الساعةُ أهلَ كلِّ ملةٍ ودينٍ ﴿جَاثِيَةً﴾. يقولُ: مجتمعةً مستوفِزَةً على رُكبِها من هولِ ذلك اليومِ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قِوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾. قال: على الركبِ مستوفِزِين (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾. قال: هذا يومَ القيامةِ ﴿جَاثِيَةً﴾ على ركبِهم (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾. يقولُ: على الركبِ عندَ الحسابِ (^٣).\nوقولُه: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَانَ﴾. يقولُ: كلُّ أهلِ ملةٍ ودينٍ تُدعَى إلى كتابِها الذي أمْلَت على حَفَظَتِها.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾: تعلَمون أنه ستُدعَى أُمةٌ قبلَ أُمةٍ، وقومٌ (^٤) قبلَ قومٍ، ورجلٌ قبلَ رجلٍ؟ ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"يُمَثَّلُ لكلِّ أُمَّةٍ يومَ القيامةِ ما كانت تعبدُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٠٠، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ينظر التبيان ٩/ ٢٥٩.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦ إلى المصنف.\n(^٤) في ت ٢: \"قيل\".","vol":"21","page":101},{"text":"من حجَرٍ، أو وثنٍ، أو خشبةٍ، أو دابةٍ، ثم يقالُ: من كان يعبدُ شيئًا فَلْيَتْبَعْه. فتكونُ - أو تُجعلُ - تلك الأوثانُ قادةً إلى النارِ حتى تقذِفَهم فيها، فتبقَى أُمَّةُ محمدٍ ﷺ وأهلُ الكتابِ، فيقولُ لليهودِ: ما كنتم تعبُدون؟ فيقولون: كنا نعبدُ الله وعُزَيْرًا. إلا قليلًا منهم، فيقالُ لها: أمَّا عُزَيْرٌ فليس منكم ولَستُم منه، فيؤخذُ بهم ذاتَ الشِّمالِ، فينطَلِقون ولا يستطِيعون مكوثًا، ثم يُدعَى بالنصارى، فيقالُ لهم: ما كنتم تعبُدون؟ فيقولون: كنَّا نعبدُ الله والمسيحَ. إلا قليلًا منهم، فيقالُ: أَمَّا عيسى فليس منكم ولَستُم منه. فيؤخَذُ بهم ذاتَ الشِّمالِ، فينطَلِقون ولا يستطيعون مكوثًا، وتبقَى أمَّةُ محمدٍ ﷺ، فيقالُ لهم: ما كنتُم تعبُدون؟ فيقولون: كنَّا نعبدُ الله وحدَه، وإنما فارَقْنا هؤلاء في الدنيا مخافةَ يومِنا هذا. فيؤذنُ للمؤمنين (^١) في السجودِ، فيسجدُ المؤمنون، وبينَ كلِّ مؤمنٍ منافقٌ، فيقسُو ظهرُ المنافقِ عن السجودِ، ويجعلُ اللهُ سجودَ المؤمنين عليه (^٢) توبيخًا وصغارًا وحسرةً وندامةً\" (^٣).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ (^٤)، عن الزهريِّ، عن عطاءِ بن يزيدَ الليثيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال الناسُ: يا رسولَ اللهِ، هل نرَى ربَّنا يومَ القيامةِ؟ فقال: \"هل تُضامُّون في الشمسِ ليس دونَها سحابٌ؟ \". قالوا: لا يا رسولَ اللهِ. قال: \"هل تُضارُّون في القمرِ ليلةَ البدرِ ليس دونَه سحابٌ؟ \" قالوا: لا يا رسولَ اللهِ. قال: \"فإنكم ترَوْنه يومَ القيامةِ كذلك، يجمعُ الله الناسَ، فيقولُ: مَن كان يعبدُ شيئًا فَلْيَتْبَعْه. فيتْبعُ مَن كان يعبدُ القمرَ القمرَ، ومن كان يعبدُ الشمسَ الشمسَ، ويَتَّبَعُ مَن كان يعبدُ الطواغيتَ الطواغيتَ، وتبقَى هذه الأمةُ\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"للمؤمن\".\n(^٢) في ت ٢ ت ٣: \"عليها\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦ إلى المصنف.\n(^٤) بعده في النسخ: \"عن قتادة\"، وينظر مصادر التخريج.","vol":"21","page":102},{"text":"فيها منافِقوها، فيأتيهم ربُّهم في صورةٍ، ويُضرَبُ جسرٌ على جهنمَ\". قال النبيُّ ﷺ: \"فأكونُ أولَ من يُجِيزُ (^١)، ودعوةُ الرسلِ يومئذٍ: اللهمَّ سَلِّمْ، اللهمَّ سَلِّمْ. وبها كلاليبُ كشوكِ السَّعْدانِ (^٢)، هل رأَيتم شوكَ السَّعْدانِ؟ \". قالوا: نعم يا رسولَ اللهِ. قال: \"فإنها مثلُ شوكِ السَّعْدانِ، غيرَ أنه لا يَعلمٌ (^٣) قدرَ عِظَمِها إلا اللهُ، ويُخْطَفُ (^٤) الناسُ بأعمالِهم؛ فمنهم المُوبَقُ بعملِه، ومنهم المُخَردَلُ (^٥) ثم يَنْجُو\". ثم ذكَر الحديثَ بطولِه (^٦).\nوقولُه: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إلى كِتابِها، يقالُ لها (^٧): ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾. أي: تُثابُون وتُعطَون أجورَ ما كنتم في الدنيا من جزاءِ الأعمالِ تعمَلون؛ بالإحسانِ الإحسانَ، وبالإساءةِ جزاءَها.\n\n<span id=\"aya-4502\"></span><span data-type='title' id=toc-8530>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يقالُ (^٨) لكلِّ أمةٍ دُعِيت في القيامةِ إلى كتابِها الذي أمْلَت\n_________\n(^١) في ت ٢: \"يخير\".\n(^٢) السعدان: نبت ذو شوك، وهو من جيِّد مراعى الإبل تسمن عليه. النهاية ٢/ ٣٦٧.\n(^٣) بعده في م: \"أحد\".\n(^٤) في ت ٢، ت ٣: \"يحفظ\".\n(^٥) المخردل: المصروع المرميّ، وقيل: المقطع تقطِّعه كلاليب الصراط حتى يهوِى في النار. اللسان (خردل).\n(^٦) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٦٣٧) عن محمد بن عبد الأعلى به، وابن منده في الإيمان (٨٠٦)، والآجرى في الشريعة (٥٩٨) من طريق ابن ثور به مختصرًا، وأخرجه معمر في جامعه (٢٠٨٥٦) ومن طريقه أحمد ١٣/ ١٤٣ - ١٤٦ (٧٧١٧)، والبخارى (٦٥٧٣)، وابن أبي عاصم (٤٥٥)، وابن حبان (٧٤٢٩).\n(^٧) في ت ١، ت ٣: \"لهم\".\n(^٨) سقط من: م.","vol":"21","page":103},{"text":"على حَفَظتِها في الدنيا: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فلا تَجَزَعوا من ثوابِناكم (^١) على ذلك، فإنكم ينطقُ عليكم إن أنكَرْتموه بالحقِّ فاقرَءوه، ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إنا كنا نستكتِبُ حَفَظَتَنا أعمالَكم، فتثبتُها في الكتبِ وتكتبُها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8531>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا طلقُ بنُ عَنَّامٍ، عن زائدةَ، عن عطاءٍ، عن (^٢) مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾. قال: هو أمُّ الكتابِ، فيه أعمالُ بني آدمَ، ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: نَعم، الملائكةُ يستنسِخون أعمالَ بني آدَم (^٣).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، قال: ثني أخى عيسى بنُ عبدِ اللهِ، عن (^٤) ثابتٍ الثُّماليِّ (^٥)، عن ابن عباسٍ، قال: إن الله خلَق النونَ وهى الدواةُ، وخلَق القلمَ، فقال: اكتبْ. قال: ما أكتبُ؟ قال: اكتبْ ما هو كائنٌ إلى يوم القيامةِ من عملٍ معمولٍ؛ بِرٍّ (^٦) أو فجورٍ، أو (^٧) رزقٍ مقسومٍ؛ حلالٍ أو حرامٍ. ثم ألزَم (^٨) كلَّ شيءٍ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"ثوابنا لكم\".\n(^٢) في م: \"بن\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٠٠، ٦٠١ من طريق عطاء به.\n(^٤) في م: \"بن\". وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٣٥٧.\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"اليماني\".\n(^٦) سقط من: ت ٢.\n(^٧) في ت ٣: \"من\".\n(^٨) في ت ١: \"أكرم\"، وفى ت ٢: \"إلزام\".","vol":"21","page":104},{"text":"من ذلك شأنَه (^١): دخولَه في الدنيا، ومُقامَه فيها كم؟ وخروجَه منها كيف؟ ثم جعَل على العبادِ حَفَظَةً، وعلى الكتابِ خُزَّانًا، فالحفظةُ ينسَخون كلَّ يومٍ من الخُزَّانِ عملَ ذلك اليومِ، فإذا فَنِى الرزقُ وانقطَع الأثرُ، وانقَضى الأجلُ، أتَتِ الحفظةُ الخزنةَ يطلبون عملَ ذلك اليوم، فتقولُ لهم الخزنةُ: ما نجدُ لصاحبِكم عندَنا شيئًا. فترجعُ الحفظةُ [فيجِدونهم قد ماتوا] (^٢). قال: فقال ابن عباسٍ: ألستم قومًا عربًا؟ تسمعون الحَفَظةَ يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وهل يكونُ الاستِنساخُ إلا من أصلٍ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن الحكمِ، عن مقسمٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾. قال: الكتابُ الذكرُ، ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: نستنسخُ الأعمالَ.\nوقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا النضرُ بنُ إسماعيلَ، عن أبي سنانٍ (^٤) الشيبانيِّ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السلميِّ، عن عليّ بن أبي طالبٍ ﵁ أنه قال: إن للهِ ملائكةً ينزِلون في كلِّ يومٍ بشيءٍ؛ يكتُبون فيه أعمالَ بني آدَمَ (^٣).\n\n<span id=\"aya-4503\"></span>وقولُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأما الذين آمَنوا باللهِ في الدنيا فوحَّدوه، ولم يشرِكوا به شيئًا، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: وعمِلوا بما أمَرهم اللهُ به، وانتهَوا عما نهاهم اللهُ عنه، ﴿فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾. يعني: في جنتِه برحمتِه.\n_________\n(^١) في ص: \"شامه\"، وفى ت ٢: \"سامة\"، وفي ت ٣: \"سامه\".\n(^٢) في ت ١: \"فيجدونه قد مات\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦ إلى المصنف.\n(^٤) في ت ١، ت ٢: \"شيبان\".","vol":"21","page":105},{"text":"وقولُه: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ: دخولُهم في رحمةِ اللهِ يومَئذٍ هو الظفرُ بما كانوا يطلبونه، وإدراكُ ما كانوا يسعَون في الدنيا له، المبينُ غايتَهم فيها أنه هو الفوزُ.\n\n<span id=\"aya-4504\"></span><span data-type='title' id=toc-8532>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأما الذين جحَدوا وحدانيةَ اللهِ، وأبَوا إفرادَه في الدنيا بالألوهةِ، فيقالُ لهم: ألم تكُنْ آياتِي في الدنيا تُتلى عليكم؟\nفإن قال قائلٌ: أوَ لَيست \"أمَّا\" تجابُ بالفاءِ، فأينَ هي؟ فإن الجوابَ أن يقالَ: هي الفاءُ التي في قولِه: ﴿أَفَلَمْ﴾. وإنما وجْهُ الكلامِ في العربيةِ لو نُطِق به على بيانِه وأصلِه أن يقالَ: وأما الذين كفروا، فألم (^١) تكن آياتي تُتلَى عليكم. لأن معنى الكلامِ: وأما الذين كفَروا فيقالُ لهم: ألم. فموضعُ الفاءِ في ابتداءِ المحذوفِ الذي هو مطلوبٌ في الكلامِ، فلما حُذِفت \"يقالُ\"، وجاءت ألِفُ استفهامٍ حكمُها أن تكونَ مبتدَأةً بها، ابتُدِئ بها وجُعِلت الفاءُ بعدَها، وقد تُسقِطُ العربُ الفاءَ التي هي جوابُ \"أما\" في مثلِ هذا الموضعِ أحيانًا إذا أسقَطوا الفعلَ الذي هو في محلِّ جوابِ \"أما\"، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. فحُذِفتِ الفاءُ (^٢)، إذ كان الفعلُ الذي هو في جوابِ \"أمَّا\" محذوفًا وهو \"فيقال\"، وذلك أن معنى الكلامِ: فأما الذين اسودَّت وجوهُهم فيقالُ لهم: أكفَرتم؟ فلما أُسقِطت \"يقالُ\" الذي به تتصلُ الفاءُ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"فإن لم\"، وفي ت ٣: \"فلم\".\n(^٢) بعده في ت ٢: \"جواب\".","vol":"21","page":106},{"text":"سقَطت الفاءُ التي هي جوابُ \"أما\"\nوقولُه: ﴿فَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾. يقولُ: فاستكبَرتم عن استماعِها والإيمانِ بها، و﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: وكنتم قومًا تكسِبون (^١) الآثامَ والكفرَ باللهِ، لا تصدِّقون بمعادٍ، ولا تؤمنون بثوابٍ ولا عقابٍ.\n\n<span id=\"aya-4505\"></span><span data-type='title' id=toc-8533>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويقالُ لهم حينَئذٍ: وإذا قيل لكم: إِنَّ وَعْدَ اللهِ الذي وعَد عبادَه أنه مُحيِيهم من بعد مماتِهم، وباعثُهم من قبورِهم، حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ التي أخبَرهم أنه يقيمُها لحشرِهم، وجمِعهم للحسابِ والثوابِ على الطاعةِ، والعقابِ على المعصيةِ، آتيةٌ (^٢) ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾. يقولُ: لا شكَّ فيها. يعني: في الساعةِ، والهاءُ في قولِه: ﴿فِيهَا﴾. من ذكرِ الساعةِ. ومعنى الكلامِ: والساعةُ لا ريبَ في قيامِها، فاتَّقوا الله وآمِنوا بالله ورسولِه، واعمَلوا لما يُنجِيكم من عقابِ اللهِ فيها، ﴿قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾. تكذيبًا منكم بوعدِ اللهِ جلَّ ثناؤُه، وردًّا لخبرِه، وإنكارًا لقُدرتِه على إحيائِكم من بعدِ مماتِكم.\nوقولُه: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾. [يقولُ: وقلتم: ما نظنُّ أن الساعةَ آتيةٌ إلا ظنًّا] (^٣)، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أنها جائيةٌ، ولا أنها كائنةٌ.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾؛ فقرَأت ذلك عامةُ\n_________\n(^١) في ت ٣: \"تلبسون\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لآتية\".\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":107},{"text":"قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ، ﴿وَالسَّاعَةُ﴾ رفعًا على الابتداءِ (^١). وقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (والسَّاعَةَ) نصبًا (^٢)، عطفًا بها على قولِه: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان مستفيضتان في قَرَأةِ الأمصارِ، صحيحتا المخرجِ في العربيةِ، متقارِبتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-4506\"></span><span data-type='title' id=toc-8534>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وبدَا لهؤلاء الذين كانوا في الدنيا يكفُرون بآياتِ اللهِ - سيئاتُ ما عمِلوا في الدنيا من الأعمالِ. يقولُ: ظهر لهم هنالك قبائحُها وشرارُها، لمَّا قرَءوا كتب أعمالِهم التي كانت الحفظةُ تنسخُها في الدنيا، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يقولُ: وحاق بهم من عذابِ اللهِ حينَئذٍ ما كانوا به يستهزِئون، إذا قيل لهم: إن الله مُحِلُّه بمَن (^٣) كذَّب به، على سيئاتِ ما في الدنيا عمِلوا من الأعمالِ.\n\n<span id=\"aya-4507\"></span><span data-type='title' id=toc-8535>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقيل لهؤلاء الكفرة الذين وصَف صفتَهم: اليومَ نتركُكم في عذابِ جهنمَ، كما ترَكتم العملَ للقاء ربِّكم يومَكم هذا.\nكما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ﴾: نتركُكم (^٤).\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٥.\n(^٢) هي قراءة حمزة. المصدر السابق.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"ممن\".\n(^٤) بعده في ت ٢: \"في عقاب الله\".","vol":"21","page":108},{"text":"وقولُه: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾. يقولُ: ومأْواكم [التي تأوون إليها] (^١) نارُ جهنمَ، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. يقولُ: ومالكم من مستنقذٍ يستنقذُكم (^٢) اليومَ من عذابِ اللهِ، ولا منتصرٍ ينتصرُ لكم ممن يعذِّبُكم، [فيَستنقِذَ لكم] (^٣) منه.\n\n<span id=\"aya-4508\"></span><span data-type='title' id=toc-8536>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يقالُ لهم: هذا الذي حلَّ بكم من عذابِ اللهِ اليومَ بأنكم في الدنيا اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللهِ هُزُوًا. وهى حججُه وأدلتُه وآىُ كتابِه التي أنزلها على رسولِه ﷺ، ﴿هُزُوًا﴾. يعنى: سخريةً تسخَرون منها، ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: وخدَعتكم زينةُ الحياةِ الدنيا، فآثَرتموها على العملِ بما (^٤) يُنجِيكم اليومَ من عذابِ اللهِ. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾: من النارِ، ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾. يقولُ: ولا هم يُردُّون إلى الدنيا ليتوبوا ويراجِعوا الإنابةَ مما عوقِبوا عليه.\n\n<span id=\"aya-4509\"></span><span data-type='title' id=toc-8537>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فللهِ الحمدُ على نعَمِه وأياديه عندَ خلقِه، فإياه فاحمَدوا أيُّها الناسُ، فإن كلَّ ما بكم من نعمةٍ فمنه دونَ ما تعبُدون من دونِه من آلهةٍ\n_________\n= والأثر عزاه الحافظ في الفتح ٨/ ٥٧٤ إلى ابن المنذر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٧ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^١) في ت ١: \"الذي تأوون إليه\".\n(^٢) في م: \"ينقذكم\".\n(^٣) في ت ٣: \"فيستنقذكم\".\n(^٤) في ص، م: \"لما\".","vol":"21","page":109},{"text":"ووثنٍ، ودون ما تتخِذونه (^١) من دونِه ربًّا، وتشرِكون به معه (^٢)، ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ﴾. يقولُ: مالكِ السماواتِ السبعِ، ومالكِ الأرَضينَ السبعِ (^٣)، ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: مالكِ جميعِ ما فيهن من أصنافِ الخلقِ.\n\n<span id=\"aya-4510\"></span>﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: وله العظمةُ والسلطانُ في السماواتِ والأرضِ دونَ ما سواه من الآلهةِ والأندادِ، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في نقمتِه من أعدائِه، القاهرُ كلَّ ما دونَه، ولا يقهرُه شيءٌ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيرِه خلقَه، وتصريفِه إياهم فيما شاء كيفَ شاء واللهُ أعلمُ.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"الجاثيةِ\"\n_________\n(^١) في ت ٣: \"تتخذون\".\n(^٢) في ت ٢: \"بعد\".\n(^٣) بعده في ص، م: \"و\".","vol":"21","page":110},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8538>تفسيرُ سورةِ الأحقافِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4511\"></span>\n\n<span id=\"aya-4512\"></span><span data-type='title' id=toc-8539>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ </span>(٣)﴾.\n\nقد تقدَّم بيانُنا معنى قولِه: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\n\n<span id=\"aya-4513\"></span>وقولُه: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما أحدَثْنا السماواتِ والأرضَ، فأوجَدناها (^٢) خلقًا مصنوعًا، ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من أصنافِ العالمِ، ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. يعنى: إلا لإقامةِ الحقِّ والعدلِ في الخلقِ.\nوقولُه: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: وإلا بأجلٍ لكلِّ ذلك معلومٍ عندَه، يُفنِيه إذا هو بلَغه، ويُعدِمُه بعدَ أن كان موجودًا بإيجادِه إياه.\nوقولُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين جحَدوا وحدانيةَ اللهِ عن إنذارِ اللهِ إياهم - مُعرِضون، لا يتَّعِظون به، ولا يتفكَّرون فيعتبِرون.\n\n<span id=\"aya-4514\"></span><span data-type='title' id=toc-8540>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ </span>(٤)﴾.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢٠/ ٢٧٤ - ٢٧٦.\n(^٢) في م: \"فأوجدناهما\".","vol":"21","page":111},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: قل يا محمدُ لهؤلاء المشركين باللهِ من قومِك: أرأَيتم أيُّها القومُ الآلهةَ والأوثانَ التي تعبُدون من دونِ اللهِ، أرُونى أيَّ شيءٍ خلَقوا من الأرضِ؟ فإنَّ ربي خلَق الأرضَ كلَّها، فدعَوتموها من أجلِ خلِقها ما خلَقَتْ من ذلك آلهةً وأربابًا، فيكونَ لكم بذلك في عبادتِكم إياها حجةٌ! فإن من حُجَّتي على عبادتي إلهى وإفرادى له الألوهةَ، أنه خلَق الأرضَ فابتدَعها من غيرِ أصلٍ.\nوقولُه: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أم لآلهتِكم التي تعبُدونها أيُّها الناسُ، شركٌ مع اللهِ في السماواتِ السبعِ، فيكونَ لكم أيضًا بذلك حجةٌ في عبادتِكموها، فإن من حجَّتى على إفرادى العبادة لربِّى، أنه لا شريكَ له في خلقِها، وأنه المنفرِدُ بخلقِها دونَ كلِّ ما سواه.\nوقولُه: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: بكتابٍ جاء من عندِ اللهِ من قبلِ هذا القرآنِ الذي أُنزِل عليَّ، بأن ما تعبُدون من الآلهةِ والأوثانِ خلَقوا من الأرضِ شيئًا، أو أنَّ لهم مع اللهِ شِركًا في السماواتِ، فيكونَ ذلك حجةً لكم على عبادِتكم إياها؛ لأنها إذا صحَّ لها ذلك صحَّت لها الشركةُ في النِّعمِ التي أنتم فيها، ووجَب لها عليكم الشكرُ، واستحقَّت منكم الخدمةَ؛ لأن ذلك لا يقدِرُ أن يخلُقَه إلا إلهٌ.\nوقولُه: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾. اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ بالألفِ، بمعنى: أو ائتونى ببقيةٍ من علم. ورُوِى عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلميِّ أنه كان يقرؤُه: (أَوْ أَثَرَةٍ من علمٍ) (^١). بمعنى: أو خاصَّةٍ من علمٍ أوتِيتُموه، وأوثِرْتم به على غيرِكم.\n_________\n(^١) وبها قرأ عليّ وابن عباس - بخلاف عنه - والحسن وعكرمة وقتادة وعمرو بن ميمون، ورويت عن الأعمش. وهى قراءة شاذة. ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٣٨، والمحتسب ٢/ ٢٦٤.","vol":"21","page":112},{"text":"والقراءةُ التي لا أستجيزُ غيرَها: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ بالألفِ؛ لإجماعِ قرأةِ الأمصارِ عليها.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِها؛ فقال بعضُهم: معناه: أو ائتوني بعلمٍ بأن آلهتكم خَلَقَتْ من الأرضِ شيئًا، وأن لها شركًا في السماواتِ، من قبل الخطِّ الذي تخطُّونه في الأرضِ (^١)، فإنكم معشرَ العربِ أهلُ عِيافةٍ (^٢) وزجرٍ وكهانةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8541>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن سفيانَ، عن صفوانَ بن سُليمٍ، عن أبي سلمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾. قال: خطٍّ كان يخطُّه العربُ في الأرضِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: قال أبو بكرٍ، يعنى ابنَ عياشٍ: الخطُّ هو العِيافةُ (^٤).\n_________\n(^١) قال ابن الأثير: قال ابن عباس: الخط هو الذي يخطه الحازى، وهو علم قد تركه الناس، يأتى صاحب الحاجة إلى الحازى فيعطيه حُلْوانًا - أجرة - فيقول له: اقعد حتى أخطَّ لك، وبين يدى الحازى غلام له معه ميل ثم يأتى إلى أرض رخوة فيخط فيها خطوطا كثيرة بالعجلة لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها على مَهَل خَطَّين خطين، وغلامه يقول للتفاؤل: ابْنَى عيان أسْرِعا البيان. فإن بقى خطان فهما علامة النُّجح، وإن بقى خط واحد فهو علامة الخيبة. قال ابن الأثير: الخط المشار إليه علم معروف. النهاية ٢/ ٤٧.\n(^٢) العيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرِّها. وهو من عادة العرب كثيرًا. النهاية ٣/ ٣٣٠.\n(^٣) أخرجه ابن المقريء في معجمه (٢٤٦)، والحاكم ٢/ ٤٥٤، والخطيب في تاريخه ٤/ ٣٥٥ من طريق سفيان به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٥ من طريق صفوان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٧ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن مردويه، وأخرجه أحمد ٣/ ٤٤٩ (١٩٩٢) عن سفيان به مرفوعا، وأخرجه الطبراني (١٠٧٢٥) من طريق صفوان به مرفوعًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٥٩.","vol":"21","page":113},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو خاصَّةٍ من علمٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8542>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾. قال: أو خاصةٍ من علمٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾. قال: أي: خاصةٍ من علمٍ.\nحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ عبدِ الصمدِ بن عبدِ الوارثِ، قال: ثنى أبي، عن الحسينِ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾. قال: خاصةٍ من علمٍ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أو علمٍ تُثِيرونه فتستخرِجونه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8543>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾. قال: ﴿أَثَارَةٍ﴾: شيءٍ يستخرِجونه فِطْرةً (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أو تأثِرون ذلك علمًا عن أحدٍ ممن قبلَكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-8544>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٥ عن معمر، عن من سمع الحسن.","vol":"21","page":114},{"text":"﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾. قال: أحدٌ يأثِرُ علمًا (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أو ببيِّنةٍ من الأمرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8545>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾. يقولُ: بينةٍ من الأمرِ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ببقيةٍ من علمٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8546>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: سُئِل أبو بكرٍ، يعنى ابنَ عياشٍ، عن: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾. قال: بقيةٍ من علمِ (^٣).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الأثارةُ البقيةُ من علمٍ؛ لأنَّ ذلك هو المعروفُ من كلامِ العربِ، وهو مصدرٌ من قولِ القائلِ: أثُر الشيءُ أثارةً، مثلَ: سمُج سماجةً، وقبُح قباحةً، كما قال راعى الإبلِ (^٤):\n* وذَاتِ أثارةٍ أكَلَت عَلَيْها *\nيعنى: وذاتِ بقيةٍ من شحمٍ.\nفأما من قرَأه: (أوْ أَثَرَةٍ) فإنه جعله أثرةً من الأثَرٍ، كما قيل: قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٠٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٥٩.\n(^٤) ديوان الراعي النميرى (مجموع) ص ١٤٩، ومجاز القرآن ٢/ ٢١٢، ونسبه في اللسان والتاج (أ ث ر) إلى الشماخ، وينظر ديوان الشماخ ص ٤٤٥ والتعليق عليه فيه.","vol":"21","page":115},{"text":"وقد ذُكر عن بعضِهم أنه قرَأه: (أوْ أثْرَةٍ) بسكونِ الثاءِ (^١)، مثلَ الرَّجْفَةِ والخَطْفةِ، وإذا وُجِّه ذلك إلى ما قلنا فيه مِن أنه بقيةٌ من علمٍ، جاز أن تكونَ تلك البقيةُ من علمِ الخطِّ، ومن علمٍ اسْتُثِير مِن كُتُبِ الأوَّلين، ومن خاصة علمٍ كانوا أُوثِروا به.\nوقد رُوى عن رسولِ اللهِ ﷺ في ذلك خبرٌ بأنه تأوَّله أنه بمعنى الخطِّ، سنذكُرُه إن شاء اللهُ تعالى. فتأويلُ الكلامِ إذن: ائْتُونى أيُّها القومُ بكتابٍ مِن قبلِ هذا الكتابِ، بتحقيقِ ما سألتُكم تحقيقَه مِن الحُجَّةِ على دَعْواكم ما تدَّعون لآلهتِكم، أو ببقيةٍ من علمٍ يُوصَلُ بها إلى علمِ صحةِ ما تقولون مِن ذلك، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دَعْواكم لها ما تَدَّعون، فإن الدَّعْوى إذا لم يَكُنْ معها حُجَّةٌ لم تُغْنِ عن المُدَّعِى شيئًا.\n\n<span id=\"aya-4515\"></span><span data-type='title' id=toc-8547>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأيُّ عبدٍ أَضَلُّ مِن عبدٍ يَدْعو مِن دونِ اللهِ آلهةً، ﴿لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ: لا يُجِيبُ دعاءَه أبدًا؛ لأنها حَجَرٌ أَو خَشَبٌ أو نحوُ ذلك.\nوقولُه: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وآلهتُهم التي يَدْعونهم عن دُعائِهم إياهم في غفلةٍ؛ لأنها لا تسمعُ ولا تنطقُ، ولا تعقلُ. وإنما عنَى بوصفِها بالغفلةِ، تمثيلَها بالإنسانِ السَّاهِي عما يقالُ له، إذ كانت لا تفهمُ مما يقالُ لها شيئًا، كما لا يفهمُ الغافلُ عن الشيءِ ما غفَل عنه. وإنما هذا توبيخٌ مِن اللهِ لهؤلاء المشركين لسُوءِ رأيِهم، وقُبْحِ اختيارِهم في عبادتِهم من لا يعقلُ شيئًا ولا يفهمُ،\n_________\n(^١) وبها قرأ عليّ وأبو عبد الرحمن السلمي وقتادة. وهي قراءة شاذة. مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٤٠، والمحتسب ٢/ ٢٦٤.","vol":"21","page":116},{"text":"وتَرْكِهم عبادةَ مَن جميعُ ما بهم مِن نعمتِه، ومَن به استغاثتُهم عندَ ما ينزلُ بهم مِن الحوائجِ والمصائبِ.\nوقيل: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾. فأخرَج ذكرَ الآلهةِ وهى جمادٌ مُخرجَ ذِكْرِ بنى آدمَ ومَن له الاختيارُ والتمييزُ، إذ كانت قد مَثَّلَتها عبدَتُها بالملوكِ والأمراءِ التي تخدُمُ في خدمتِهم إيَّاها، فأجرَى الكلامَ في ذلك على نحوِ ما كان جاريًا فيه عندَهم.\n\n<span id=\"aya-4516\"></span><span data-type='title' id=toc-8548>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا جُمع الناسُ يومَ القيامةِ لموقفِ الحسابِ، كانت هذه الآلهةُ التي يَدْعونها في الدنيا لهم أعداءً؛ لأنهم يتَبرَّءُون منهم، ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكانت آلهتُهم التي يعبُدونها في الدنيا بعبادتِهم جاحِدِين؛ لأنهم يقولون يومَ القيامةِ: ما أمَرناهم بعبادتِنا، ولا شَعرنا بعبادتِهم إيَّانا، تبَرَّأنا إليك منهم يا ربَّنا.\n\n<span id=\"aya-4517\"></span>وقولُه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا تُقرأُ على هؤلاء المشركين باللهِ من قومِك ﴿آيَاتُنَا﴾. يعنى: حُجَجُنا التي احْتَجَجْناها عليهم، فيما أنزَلناه من كتابِنا على محمدٍ ﷺ. يعني: واضحاتٍ نَيِّراتٍ، ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال الذين جَحَدوا وحدانيةَ اللهِ وكذَّبوا رسولَه للحقِّ لما جاءَهم مِن عندِ اللهِ، فأنزَله على رسولِه ﷺ: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. يعنون: هذا القرآنُ خداعٌ يخدَعُنا، ويأخذُ بقلوبِ من سمِعه، فعلَ السحرِ، ﴿مُبِينٌ﴾. يقولُ: يَبِينُ لمن تأمَّله ممن سمِعه أنه سحرٌ مبينٌ.","vol":"21","page":117},{"text":"<span id=\"aya-4518\"></span><span data-type='title' id=toc-8550>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أمْ يقولُ هؤلاء المُشركون باللهِ مِن قريشٍ: افتَرى محمدٌ هذا القرآنَ، فاختَلَقه وتَخَرَّصه كذِبًا. قُلْ لهم يا محمدُ: إنِ افتَريتُه وتخرَّضْتُه على اللهِ (^١)، ﴿فَلَا تَمْلِكُونَ لِي﴾. يقولُ: فلا تُغْنون عنى مِن اللهِ إن عاقَبَني على افْتِرائى إياه وتَخَرُّصِى عليه شيئًا، ولا تقدرون أن تَدْفَعوا عنى سُوءًا إن أصابَنى به.\nوقولُه: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. يقولُ: رَبِّي أَعلَمُ مِن كُلِّ شيءٍ سِواه، بما تقولون بينَكم في هذا القرآنِ.\nوالهاءُ مِن قولِه: ﴿تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ مِن ذكرِ القرآنِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿تُفِيضُونَ فِيهِمُ﴾، قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8549>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]. قال: تقولون (^٢).\nوقولُه: ﴿كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. يقولُ: كفى بالله شاهدًا عليَّ وعليكم بما تقولون من تَكْذيبِكم لي فيما جئتُكم به مِن عندِ اللهِ، الغفورِ الرحيمِ لهم، بألا يُعَذِّبَهم عليها بعدَ توبتِهم منها.\n_________\n(^١) بعده في م: \"كذبا\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٠٢، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣١١ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":118},{"text":"<span id=\"aya-4519\"></span><span data-type='title' id=toc-8552>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ لمُشْركي قومِك مِن قريشٍ: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾. يعنى: ما كنتُ أوَّلَ رسلِ اللهِ التي أرسَلها إلى خَلْقِه، قد كان مِن قَبْلى له رسلٌ كثيرةٌ أُرسلت إلى أممٍ قبلَكم.\nيقالُ منه: هو بِدْعٌ في هذا الأمرِ، وبديعٌ فيه. إذا كان فيه أوَّلَ. ومن البِدْعِ قولُ عَدِيِّ بن زيدٍ (^١):\nفَلا أنا بِدْعٌ مِن حَوادثَ تَعْتَرِى … رِجالًا عَرَتْ مِن بَعْدِ بُؤْسَى وأَسْعُدِ\nومن البديعِ قولُ الأحوصِ (^٢):\nفَخَرَتْ فانْتَمَتْ فقلتُ انظُرِينى … ليس جَهْلٌ أُتيتِه ببَديعِ\nيعنى بأوَّلَ. يقالُ: هو بِدْعٌ مِن قومٍ أبداعٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8551>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾. يقولُ: لستُ بأوَّلِ الرسلِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يزيد\". والبيت في تفسير القرطبي ١٦/ ١٨٥.\n(^٢) شعر الأحوص الأنصاري ص ١٥٧.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١١ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"21","page":119},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾. قال: يقولُ: ما كنتُ أولَ رسولٍ أُرسِل.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾. قال: ما كنتُ أوَّلَهم (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ بنُ معاويةَ، عن أبي هُبَيرةَ، قال: سألتُ قتادةَ: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾. قال: أي: قد كانت قبلي رسلٌ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾. يقولُ: أي: إن الرسلَ قد كانت قبلى.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾. قال: قد كانت قبلَه رُسُلٌ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: عَنَى به رسولَ اللهِ ﷺ. وقيل له: قُلْ للمؤمنين بك: ما أدْرِى ما يُفْعَلُ بي ولا بكم يومَ القيامةِ، وإلى ما نصيرُ هنالك. قالوا: ثم بَيَّن اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ وللمؤمنين به حالَهم في الآخرةِ، فقيل له: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١، ٢]. وقال: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الفتح: ٥].\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٠٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"21","page":120},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8553>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾: فأنزَل اللهُ بعدَ هذا: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا: قال في \"حم الأحقاف\": ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. فنسخَتها الآيةُ التي في سورة \"الفتح\": ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ الآية [الفتح: ١، ٢]. فخرَج نبيُّ اللهِ ﷺ حينَ نزلت هذه الآيةُ، فبَشَّرهم بأنه غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر، فقال له رجالٌ مِن المؤمنين: هَنِيئًا لك يا نبيَّ اللهِ، قد عَلِمنا ما يُفعَلُ بك، فماذا يُفعَلُ بِنا؟ فأنزَل اللهُ ﷿، في سورةِ \"الأحزابِ\"، فقال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧]. وقال: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ﴾ الآية [الفتح: ٥، ٦]. فبَيَّن الله ما يَفْعَلُ به وبهم (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾: ثم دَرَى أو علِم مِن اللهِ ﷺ بعدَ ذلك ما يُفْعَلُ به؛ يقولُ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨ إلى المصنف.","vol":"21","page":121},{"text":"أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾. قال: قد بُيِّن له أنه قد غُفِر مِن ذنبِه ما تقدَّم وما تأخَّر (^١).\nوقال آخرون: بل ذلك أمرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه نبيَّه ﵊ أن يقولَه للمشركين مِن قومِه، ويعلمَ أنه لا يَدْرِى إلامَ يصيرُ أمرُه وأمرُهم في الدنيا؛ أيصيرُ أمرُه معهم أن يقتُلوه أو يُخرِجوه مِن بينِهم، أو يؤمِنوا به فيَتَّبِعوه، وأمرُهم إلى الهلاكِ كما أُهلِكت الأممُ المُكذِّبةُ رُسُلَها من قبلِهم، أو إلى التصديقِ له فيما جاءهم به من عندِ اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8554>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الهُذَليُّ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾. فقال: أمَّا في الآخرةِ فمعاذَ اللهِ، قد علِم أنه في الجنةِ حينَ أُخِذ ميثاقُه في الرسلِ، ولكن قال: ما أدْرِى ما يُفعلُ بي ولا بكم في الدنيا؛ أَخْرَجُ كما أُخرِجت الأنبياءُ قَبْلى، أو أُقْتَلُ كما قُتِلت الأنبياءُ مِن قَبْلى، ولا أدْرِى ما يُفْعَلُ بكم؛ أُمَّتى المُكذِّبةُ أم أُمَّتى المُصدِّقَةُ، أم أُمَّتي المَرْمِيَّةُ بالحجارةِ مِن السماءِ قَدْفًا، أم مخسوفٌ بها خَسْفًا، ثم أُوحى إليه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]. يقولُ: أحَطْتُ لك بالعربِ ألا يقتُلوك. فعرَف أنه لا يُقْتَلُ، ثم أنزَل اللهُ ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨]. يقولُ: أشهَد لك على نفسِه أنه سيُظْهِرُ دينَك على الأديانِ، ثم قال له في أمتِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٥، ٢١٦ عن معمر به.","vol":"21","page":122},{"text":"اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]. فأخبَره اللهُ ما يصنَعُ به وما يصنَعُ بأمتِه (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وما أدْرِى ما يُفْتَرَضُ عليَّ وعليكم، أو ينزِلُ مِن حكمٍ. وليس يعني: ما أَدْرِى ما يُفعل بي ولا بكم غدًا في المعادِ، مِن ثوابِ اللهِ مَن أطاعَه، وعقابِه مَن كَذَّبه.\nوقال آخرون: إنما أُمِر أن يقولَ هذا في أمر كان ينتظرُه من قِبَلِ اللهِ ﷿ في غيرِ الثوابِ والعقابِ.\nوأولى الأقوال في ذلك بالصحةِ وأشْبَهُها بما دلَّ عليه التنزيلُ، القولُ الذي قاله الحسنُ البصريُّ، الذي رَواه عنه أبو بكرٍ الهُذَليُّ.\nوإنما قلنا: ذلك أَوْلاها بالصوابِ؛ لأن الخطابَ من مبتدأِ هذه السورةِ إلى هذه الآيةِ، والخبرَ، خرَج مِن اللهِ ﷿ خطابًا للمشركين، وخبرًا عنهم،، وتوبيخًا لهم، واحْتجاجًا منِ اللهِ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ. فإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن هذه الآيةَ أيضًا سبيلُها سبيلُ ما قبلَها وما بعدَها في أنها احْتِجاجٌ عليهم وتوبيخٌ لهم، أو خبرٌ عنهم. وإذا كان ذلك كذلك، فمحالٌ أن يقالَ للنبيِّ ﷺ: قُلْ للمشركين: ما أَدْرِى ما يُفْعَلُ بى ولا بكم في الآخرة. وآياتُ كتابِ اللهِ ﷿ في تنزيلِه ووحيِه إليه مُتتابِعةٌ، بأن المشركين في النارِ مُخَلَّدون، والمؤمنون به في الجِنانِ مُنَعَّمون، وبذلك يُرَهِّبُهم مَرَّةً، ويُرَغِّبُهم أخرى، ولو قال لهم ذلك، لقالوا له: فعلامَ نَتَّبِعُك إذن وأنت لا تَدْرِى إلى أي حالٍ تصيرُ غدًا في القيامةِ؛ إلى خَفْضٍ\n_________\n(^١) أخرجه النحاس في ناسخه ص ٦٦٥ من طريق أبي بكر الهذلي به مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨ إلى المصنف بطوله.","vol":"21","page":123},{"text":"ودَعَةٍ، أم إلى شِدَّةٍ وعذابٍ، وإنما اتِّباعُنا إياك إن اتَّبَعْناك، وتصديقُنا بما تَدْعونا إليه، رغبةً في نِعْمةٍ وكرامةٍ نصيبُها، أو رهبةً من عقوبةٍ وعذابٍ نهرُبُ منه. ولكن ذلك كما قال الحسنُ: ثم بَيَّن اللهُ لنبيِّه ﷺ ما هو فاعلٌ به، وبمَن كذَّب بما جاء به من قومِه وغيرِهم.\nوقولُه: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾. يقولُ تعالى ذكره: قُلْ لهم: ما أَتَّبِعُ (^١) فيما آمُرُكم به وفيما أفعلُه مِن فعلٍ، إلا وحيَ اللهِ الذي يُوحِيه إليَّ، ﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ: وما أنا لكم إلا نذيرٌ، أنذرُكم عقابَ اللهِ على كفرِكم به، ﴿مُبِينٌ﴾. يقولُ: قد أبانَ لكم إنذارَه، وأظهرَ لكم دعاءَه إلى ما فيه نصيحتُكم. يقولُ: فكذلك أنا.\n\n<span id=\"aya-4520\"></span><span data-type='title' id=toc-8555>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المُشركين القائِلين لهذا القرآنِ لمَّا جاءهم: هذا سحرٌ مُبينٌ: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أيها القومُ، ﴿إِنْ كَانَ﴾ هذا القرآنُ هو ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أنزَله عليَّ ﴿وَكَفَرْتُمْ﴾ أنتم ﴿بِهِ﴾. يقولُ: وكذَّبتم أنتم به.\nوقولُه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: وهو له موسى بنُ عمرانَ ﵇ ﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾. يعني: على مثلِ القرآنِ. قالوا: ومِثْلُ القرآنِ الذي شهِد عليه موسى بالتَّصْديقِ التوراةُ.\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إلا ما يوحى إلى\".","vol":"21","page":124},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8556>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر، عن مسروق في هذه الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مَّنْ بَنِي إِسْرَاءِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾، فخاصم به الذين كفروا من أهل مكة، ﴿مِثْلِهِ﴾ (^١): التوراة مثلُ القرآنِ، وموسى مثل محمد صلَّى الله عليهما وسلَّم.\nحدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: سُئِل داود عن قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ﴾ الآية، قال داود: قال عامر: قال مسروق: والله ما نزلت في عبدِ اللَّهِ بن سَلَام، ما نزلت إلا بمكةَ، وما أسلم عبد الله إلا بالمدينة، ولكنها خصومة خاصم محمد ﷺ بها قومه، قال: فنزلت: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾، قال: فالتوراة مثل القرآن، وموسى مثل محمد ﵉، فآمنوا بالتوراة وبرسولهم، وكفَرتُم (^٢).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعتُ داود بن أبي هندٍ، عن الشعبي، قال: أناس يزعمون أن شاهدًا من بنى إسرائيل على مثله، عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ، وإنما أسلم عبد اللهِ بنُ سَلَام بالمدينة، وقد أخبرني مسروق أن \"آل حم\" إنما نزلت بمكةَ، وإنما كانت مُحاجَّة رسول الله ﷺ قومه، فقال: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، يعنى القرآنَ، ﴿وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾، فآمن موسى ومحمد ﵉ على الفرقانِ.\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن داود، عن الشعبيِّ، قال: إن\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"21","page":125},{"text":"ناسًا يزعُمون أن الشاهدَ على مثله عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ، وأنا أعلم بذلك، وإنما أسلَم عبد الله بالمدينة، وقد أخبرني مسروقٌ أن \"آل حم\" إنما نزلت بمكةَ، وإنما كانت مُحاجَّةَ رسول الله ﷺ، لقومه، فقال: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، يعني الفرقان، ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾. فمثل التوراة الفرقان؛ التوراة شهِد عليها موسى، ومحمدٌ على الفرقان، صلّى الله عليهما وسلّم.\nحدثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: أخبرنا داودُ، عن الشعبي، عن مَسْروقٍ في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الآية، قال: كان إسلامُ ابن سلَام بالمدينةِ، ونزلت هذه السورة بمكة، إنما كانت خصومةً بين محمد ﵇ وبين قومه، فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾. قال: التوراة مثل الفرقانِ، وموسى مثل محمد، فآمن به واستكبَرتُم، ثم قال: آمَن هذا الذي من بني إسرائيل بنبيه وكتابه، واستكبرتُم أنتم، فكَذَّبْتُم أنتم نبيكم وكتابكم، ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ إلى قوله: ﴿هَذَا إِفَكٌ قَدِيمٌ﴾ (^١). وقال آخرون: عنَى بقوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ عبد اللهِ بنَ سَلَام، قالوا: ومعنى الكلام: وشهد شاهدٌ من بنى إسرائيل على مثل هذا القرآن بالتصديقِ، قالوا: ومثل القرآن التوراة.\n\n<span data-type='title' id=toc-8557>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسفَ التِّنِّيسِيُّ، قال: سمِعتُ مالكَ بنَ أنسٍ يحدِّثُ عن أبي النَّضْرِ، عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاصٍ، عن أبيه، قال: ما سمِعتُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر مختصرا.","vol":"21","page":126},{"text":"رسول الله ﷺ يقولُ لأحدٍ يَمشى على الأرض إنه مِن أهل الجنةِ، إلا لعبدِ اللَّهِ بن سَلَامٍ، قال: وفيه نزلت: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ (^١).\nحدثنا الحسينُ بنُ عليٍّ الصدائيُّ، قال: ثنا أبو داود الطيالسيُّ، قال: ثنا شعيب بن صَفْوَانَ، قال: ثنا عبد الملكِ بنُ عُمَيرٍ، أن محمد بن يوسفَ بن عبد اللَّهِ بن سلامٍ، قال: قال عبد الله بن سلام: أُنزل فيَّ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ (^٢).\nحدثني على بن سعيدِ بن مَسْروقٍ الكنديُّ، قال: ثنا أبو المحيَّاةِ (^٣) يحيى بن يَعْلَى، عن عبد الملك بن عُمَيرٍ، عن ابن أخى عبدِ اللَّهِ بن سَلامٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ سلامٍ: نزلت فيَّ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٤).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الآية، قال: كان\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٣٨١٢)، والفسوى في المعرفة والتاريخ ١/ ٢٧٩ وابن منده في الإيمان (٢٦٩)، وابن حبان (٧١٦٣)، والخطيب في المدرج ١/ ٣٧٨، والبغوى في شرح السنة (٣٩٩٠)، وفي تفسيره ٧/ ٢٥٥، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٩/ ١١٧، ١١٨، من طريق عبد الله بن يوسف به، وأخرجه أحمد ٣/ ٥٩، ١١٥ (١٤٥٣، ١٥٣٣)، ومسلم (٢٤٨٣)، والنسائى في الكبرى (٨٢٠٢)، وابن منده في الإيمان (٢٦٩)، وأبو زرعة في تاريخه (١٩٢١)، والبزار (١٠٩٣، ١٠٩٤)، وأبو يعلى (٧٦٧، ٧٧٦)، وابن حبان (٧١٦٣)، والخطيب في المدرج ١/ ٣٧٨، ٣٧٩، ٣٨١ - ٣٨٣، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٩/ ١١٥ - ١١٨ من طريق مالك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه البخارى في التاريخ الصغير ١/ ٢٣١ من طريق الطيالسي به عن شعيب بن صفوان عن عبد الملك بن عتبة به.\n(^٣) في ص: \"المحماه\"، وفى م: \"محمد\"، وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٤٨، ٤٩.\n(^٤) أخرجه الترمذى (٣٢٥٦، ٣٨٠٣) عن علي بن سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩ إلى ابن مردويه.","vol":"21","page":127},{"text":"رجلٌ من أهل الكتاب آمن بمحمد ﷺ، فقال: إنا نجِدُه في التوراةِ، وكان أفضلَ رجل منهم، وأعلمهم بالكتاب، فخاصَمَتِ اليهودُ النبيَّ ﷺ، فقال: \"أَتَرْضَون أن يَحْكُمَ بينى وبينَكم عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ، أَتُؤْمِنون؟ \"، قالوا: نعم. فأرسل إلى عبدِ اللَّهِ بن سَلامٍ، فقال: \"أَتَشْهَدُ أَني رسولُ اللَّهِ مَكْتوبًا في التوراة والإنجيل؟ \"، قال: نعم، فأعرضت اليهود، وأسلم عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامٍ، فهو الذي قال الله جل ثناؤُه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾. يقولُ: فَآمَن عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامٍ (^١).\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَاءِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾، قال: عبدُ الله بن سلامٍ (^٢).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الآية: كنا نُحَدَّثُ أنه عبد الله بن سلامٍ، آمن بكتاب الله وبرسوله وبالإسلام، وكان من أحبار اليهود.\nحدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابْنُ ثَوْرِ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾. قال: هو عبدُ اللَّهِ بنُ سلام (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه مختصرا.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٠٢، وأخرجه ابن سعد ٢/ ٣٥٣، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٩/ ١٣٠، ١٣١ من طرق عن مجاهد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٥، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٩/ ١٣٠ من طريق معمر به.","vol":"21","page":128},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذٍ يقول: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾: الشاهدُ عبد الله بن سلام، وكان من الأحبارِ مِن عُلماء بنى إسرائيل، بعث رسول الله ﷺ إلى اليهود فأتوه، فسألهم فقال: \"أتعلمون أني رسولُ اللهِ، تَجدوننى مكتوبًا عندكم في التوراة؟ \"، قالوا: لا نعلم ما تقولُ، وإنا بما جئتَ به كافرون، فقال: \"أيُّ رجلٍ عبدُ اللهِ بنُ سَلام عندكم؟ \"، قالوا: عالِمُنا وخَيرُنا، قال: \"أَتَرْضَون به بينى وبينكم؟ \"، قالوا: نعم، فأرسَل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن سلامٍ، فجاءه فقال: \"ما شهادتُك يا بنَ سَلام؟ \"، قال: أشهد أنك رسولُ اللَّهِ، وأن كتابَك جاء من عندِ اللَّهِ، فَآمَن وكفروا، يقولُ الله ﵎: ﴿فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُم﴾ (^١).\nحدثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ، قال: بلَغَنى أنه لمَّا أرادَ عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامِ أَن يُسْلِمَ قال: يا رسولَ اللَّهِ، قد عَلِمَتِ اليهودُ أنى مِن عُلمائِهم، وأن أبى كان من عُلمائهم، وإنى أشهدُ أنك رسولُ اللهِ، وأنهم يجدونك مكتوبًا عندهم في التوراةِ، فأرسل إلى فلان وفلانٍ - ومَن سمَّاه من اليهودِ - وأخبثني (^٢) في بيتِك، وسَلْهم عنِّي وعن أبي، فإنهم سيُحَدِّثونك أني أعلمهم وأن أبى من أعلمهم، وإني سأخرج إليهم، فأشهَدُ أنك رسولُ الله، وأنهم يجدونك مكتوبًا عندهم في التوراةِ، وأنك بُعِثتَ بالهدى ودين الحقِّ، قال: ففعل رسولُ الله ﷺ، فخَبَّأَه في بيته وأرسل إلى اليهودِ فدخلوا عليه، فقال رسولُ الله ﷺ: \"ما عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامٍ فيكم؟ \"، قالوا: أَعْلَمُنا نفسًا، وأَعْلَمُنا أبًا، فقال\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٣/ ٤١٤ من طريق أبي معاذ به مختصرًا، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٩/ ١١٠، ١٣١ من طريق جويبر، عن الضحاك، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩ إلى عبد حميد.\n(^٢) في ت ٢: \"وأحبارهم\"، وفي ت ٣: \"وأحباهم\".","vol":"21","page":129},{"text":"رسول الله ﷺ: \"أَرَأَيْتُم إِن أَسْلَمَ تُسْلِمون؟ \"، قالوا: لا يُسْلِمُ (^١)، ثلاث مرارٍ، فدَعاه فخرَج، ثم قال: أشهد أنك رسولُ الله، وأنهم يَجِدونك مكتوبًا عندهم في التوراةِ، وأنك بعثتَ بالهُدى ودين الحقِّ، فقالت اليهودُ: ما كُنَّا نَخْشاك على هذا يا عبد اللهِ بنَ سَلامِ! قال: فخرَجوا كفارًا، فأنزل الله ﷿ في ذلك: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ الآية (^٢).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾، قال: هذا عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ، شهِد أن رسول الله ﷺ وكتابه حَقٌّ، وهو في التوراةِ حَقٌّ، فَآمَن واستكبَرْتُم (^٣).\nحدثني أبو شُرَحبيلَ الحِمْصِيُّ، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا صفوان بن عمرو، عن عبدِ الرحمنِ بن جُبَيرِ بن نُفَيرٍ، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعيِّ، قال: انطلَق النبي ﷺ وأنا معه، حتى دخَلنا كنيسةَ اليهود بالمدينة يوم عيدٍ لهم، فكَرِهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول الله ﷺ: \"يا معشرَ اليهودِ، أَرُونِى اثْنَى عشَرَ رجلًا يَشْهَدون أنه لا إله إلا هو وأن محمدًا رسولُ اللهِ، يُحْبِطُ اللَّهُ عَن كُلِّ يَهُودِيٍّ تحتَ أَديمِ السماءِ الغضبَ الذي غَضِبَ عليه\". قال: فأُسْكِتوا، فما أجابَه منهم أحدٌ، ثم ثَلَّث فلم يُجبه أحدٌ، فانصرف وأنا معه، حتى إذا كِدنا أن نخرجَ، نادَى رجلٌ مِن خَلْفِنا: كما أنت يا محمد، قال: فأقبَل، فقال ذلك الرجلُ: أَي رجلٍ تَعْلَمُونى\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"نسلم\".\n(^٢) أخرجه ابن سعد - كما في الدر المنثور ٦/ ٣٩ ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٩/ ١١٤ - والحارث بن أبي أسامة (١٠٣١ - بغية الباحث) من طريق عوف به، وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٦٢.","vol":"21","page":130},{"text":"فيكم يا معشرَ اليهود؟ قالوا: والله ما نعلم أنه كان فينا رجلٌ أعلم بكتاب اللهِ ولا أفقهُ منك، ولا من أبيك، ولا مِن جَدِّك قبلَ أبيك، قال: فإني أشهدُ بالله أنه النبيُّ الذي تَجدونه في التوراةِ والإنجيلِ، قالوا: كذبتَ، ثم رَدُّوا عليه قوله وقالوا له شرًّا، فقال لهم رسول الله ﷺ: \"كَذَبْتُم لن يُقبَلَ قولُكم، أمَّا آنفًا فتُثْنُون عليه من الخيرِ ما أثنيتُم، وأما إذ آمَن كَذَّبْتُموه، وقلتُم ما قلتُم، فلن يُقبل قولكم\"، قال: فخَرَجنا ونحن ثلاثةٌ؛ رسول الله ﷺ، وأنا، وعبدُ اللَّهِ بنُ سَلامٍ، فأَنزَل الله فيه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (^١) الآية.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا أن الذي قاله مسروقٌ في تأويل ذلك أشبه بظاهرِ التنزيل؛ لأن قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾، في سياق توبيخ الله تعالى ذكرُه مُشركي قريشٍ، واحتجاجًا عليهم لنبيِّه ﷺ.\nوهذه الآية نظيرةُ سائرِ الآيات قبلَها، ولم يَجْرِ لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذكرٌ فتوجَّهَ هذه الآية إلى أنها فيهم نزلَت، ولا دَلَّ على انصراف الكلام عن قَصَصِ الذين تقدَّم الخبرُ عنهم معنًى، غيرَ أن الأخبار قد وَرَدَت عن جماعةٍ مِن أصحاب رسول الله ﷺ بأن ذلك غنى به عبد الله بن سلامٍ، وعليه أكثر أهل التأويلِ، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أُريدَ به، فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك: وشهِد عبد اللهِ بنُ سَلامٍ، وهو الشاهد من بني إسرائيل، ﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾، يعني: على مثل القرآنِ، وهو التوراة، وذلك شهادته أن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٢٥ (الميمنية)، وأبو يعلى في مسنده - كما في الإتحاف بذيل المطالب العالية (٥٣٩٩) - وابن حبان (٧١٦٢)، والطبرانى ١٨/ ٤٦ (٨٣)، والحاكم ٣/ ٤١٥، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٩/ ١١٢ من طريق أبي المغيرة به.","vol":"21","page":131},{"text":"محمدًا مكتوبٌ في التوراة أنه نبيٌّ، تَجِدُه اليهودُ مكتوبًا عندهم في التوراةِ، كما هو مكتوبٌ في القرآن أنه نبيٌّ.\nوقولُه: ﴿فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرتُمْ﴾، يقولُ: فَآمَن عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ، وصدَّق بمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به من عندِ اللهِ، واسْتَكْبَرتُم أنتم على الإيمان بما آمَن به عبدُ اللَّهِ بن سَلام معشر اليهود، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، يقولُ: إن الله لا يوفِّقُ لإصابة الحقِّ، وهَدْيِ الطريق المستقيم، القوم الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بإيجابهم لها سَخَطَ اللَّهِ بكفرهم به.\n\n<span id=\"aya-4521\"></span><span data-type='title' id=toc-8559>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِنَّكَ قَدِيرٌ﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وقال الذين جَحَدوا نبوةَ محمد ﷺ من يهود بني إسرائيل، للذين آمنوا به: لو كان تصديقكم محمدًا على ما جاءكم به خيرا، ما سبَقتُمونا إلى التصديق به، وهذا التأويلُ على مذهب مَن تأوَّل قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾، أنه معنيٌّ به عبد الله بن سلام، فأما على تأويلِ من تأوَّل أنه عُنى به مُشركو قريشٍ، فإنه ينبغى أن يوجَّهَ تأويلُ قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾، أنه عُنِى به مشركو قريشٍ، وكذلك كان يتأوَّلُه قتادةُ، وفى تأويلِه إيَّاه كذلك تركٌ منه تأويله قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾، أنه معنيٌّ به عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8558>ذكرُ الرواية عنه بذلك</span>\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾، قال: قال ذاك أناسٌ من","vol":"21","page":132},{"text":"المشركين؛ نحن أعزُّ، ونحن ونحن، فلو كان خيرًا ما سبَقَنا إليه فلانٌ وفلانٌ، فإن الله يختصُّ برحمتِه مَن يشاءُ (^١).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾. قال: قد قال ذلك قائلون من الناسِ، كانوا أعزَّ منهم في الجاهليةِ، قالوا: والله لو كان هذا خيرًا ما سبقنا إليه بنو فلان وبنو فلانٍ، ويختص الله برحمته من يشاءُ، ويُكرِمُ الله برحمته من يشاءُ، ﵎.\nوقوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾، يقول تعالى ذكره: وإذ لم يَبْصُروا بمحمدٍ وبما جاء به من عند الله من الهُدَى، فيَرْشُدوا به الطريق المستقيمَ، ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾، يقول: فسيقولون: هذا القرآن الذي جاء به محمدٌ ﷺ أكاذيب من أخبار الأولين قديمةٌ، كما قال جلَّ ثناؤُه مخبرًا عنهم: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥].\n\n<span id=\"aya-4522\"></span><span data-type='title' id=toc-8560>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِن قَبْلِهِ كَتَبُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومن قبل هذا الكتاب ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾، وهو التوراة، ﴿إمَامًا﴾ لبنى إسرائيلَ، يأتَمُّون (^٢) به، ﴿وَرَحْمَةً﴾ لهم أنزلناه عليهم، وخَرَج الكلامُ مَخْرجَ الخبرِ عن الكتاب بغير ذكر تمام الخبرِ، اكتفاءً بدلالة الكلام على تمامِه، وتمامُه: ومِنْ قَبلِه كِتابُ مُوسَى إمامًا ورَحْمةً أنزلناه عليه، وهذا كتاب أنزلناه لسانًا عربيًا.\nاختلف في تأويلِ ذلك وفى المعنى الناصبِ ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ أهلُ العربية؛\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣: \"يأتمرون\".","vol":"21","page":133},{"text":"فقال بعضُ نحويِّى البصرة: نُصب \"اللسانُ\" و\"العربيُّ\"؛ لأنَّه من صفة \"الكتابِ\"، فانتَصَب على الحالِ، أو على فعل مُضْمَرٍ، كأنه قال: أعنى لسانا عربيا، قال: وقال بعضُهم: على: ﴿مُصَدِّقٌ﴾، جعَل الكتابَ مُصَدِّقَ اللسان، فعلى قول مَن جعَل اللسان نصبًا على الحالِ، وجعَله من صفة الكتابِ، ينبغى أن يكون تأويل الكلام: وهذا كتاب بلسان عربيٍّ، مُصَدِّقُ التوراة كتاب موسى، بأن محمدًا الله رسولٌ، وأن ما جاء به من عند الله حقٌّ، وأما القولُ الثاني الذي حكيناه عن بعضهم أنه جعل الناصب للسانِ ﴿مُصَدِّقٌ﴾، فقول لا معنى له؛ لأن ذلك يصيرُ إِذا يُؤَوَّلُ كذلك، إلى أن الذي يصدِّقُ القرآن نفسُه، ولا معنى لأن يُقالَ: وهذا كتابٌ يُصَدِّقُ نفسه. لأن اللسان العربيَّ هو هذا الكتابُ، إلا أن يُجعل اللسان العربيُّ محمدا ﵇، ويُوجَّهَ تأويلُه إلى: وهذا كتابٌ، وهو القرآنُ، يصدقُ محمدًا، وهو اللسان العربيُّ، فيكون ذلك وجها من التأويل.\nوقال بعض نحويِّي الكوفة: قوله: ﴿لِسَانًا عَرَبيًّا﴾، من نعتِ \"الكتاب\"، وإنما نُصب لأنَّه أُريدَ به: وهذا كتابٌ يُصدِّقُ التوراة والإنجيل لسانًا عربيًا، فخرج ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ من \"يُصَدِّقُ\"؛ لأنَّه فعلٌ، كما تقولُ: مَرَرْتُ برجلٍ يقومُ مُحْسِنًا، ومررتُ برجلٍ قائمٍ مُحْسِنًا، قال: ولو رفع \"لسانٌ عربيٌّ\"، جاز على النعت لـ \"الكتاب\".\nوقد ذُكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود: (وهذا كتابٌ مُصَدِّقٌ لِما بين يديه لسانًا عربيًّا) (^١) فعلى هذه القراءةِ يتوجّه النصب في قوله: ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ مِن وجهين؛ أحدهما، على ما بيَّنتُ مِن أن يكون اللسانُ خارجًا مِن قوله: ﴿مُصَدِّقٌ﴾، والآخرُ، أن يكون قطعًا من \"الهاء\" التي في (بينَ يدَيه).\n_________\n(^١) والقراءة شاذة، ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٥١.","vol":"21","page":134},{"text":"والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يكونَ منصوبًا على أنه حالٌ مما في ﴿مُصَدِّقُ﴾ من ذكرِ الكتابِ؛ لأن قوله: ﴿مُصَدِّقٌ﴾ فعلٌ، فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك: وهذا القرآنُ يُصَدِّقُ كتاب موسى بأن محمدًا نبي مرسلٌ، لسانًا عربيًّا.\nوقوله: ﴿ليُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، يقولُ: لينذِرَ هذا الكتابُ الذي أنزلناه إلى محمدٍ ﵊، الذين ظلموا أنفسهم بكفرِهم بالله، بعبادتهم غيره.\nوقوله: ﴿وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾، يقولُ: وهو بُشْرَى للذين أطاعُوا اللَّهَ، فأحسَنوا في إيمانهم وطاعتهم إيَّاه في الدنيا، فحسُن الجزاء مِن الله لهم في الآخرة على طاعتهم إياه.\nوفى قوله: ﴿وَبُشْرَى﴾ وجهان مِن الإعرابِ؛ الرفع على العطف على الكتاب بمعنى: وهذا كتابٌ مُصَدِّقٌ وبُشْرَى للمُحْسِنين، والنصب على معنى: ليُنْذِرَ الذين ظلموا ويُبَشِّرَ، فإذا جُعِل مكانَ \"يُبَشِّرَ\" \"وبُشْرَى\" أو \"وبشارةً\" نُصبَتْ، كما تقولُ: أَتيتُك لأَزُورَك وكرامةً لك وقضاءً لحقِّك، بمعنى: لأَزُورَك وأُكرِمَك وأقضىَ حقَّك، فتُنصَبُ الكرامة والقضاءُ بمعنًى مضمرٍ.\nواختلَفت القرأة في قراءة: ﴿ليُنذِرَ﴾؛ فقرأ ذلك عامة قرأةِ الحجازِ: (لِتُنْذِرَ) بالتاء، بمعنى: لتنذرَ أنت يا محمد، وقرأته عامة قرأة العراق بالياء؛ بمعنى: ليُنذر الكتابُ (^١)، وبأى القراءتين قرَأ ذلك القارئُ فمُصيبٌ.\n_________\n(^١) قراءة التاء قرأ بها نافع وابن كثير - في رواية البزى - وابن عامر، وقراءة الياء قرأ بها ابن كثير - في رواية قنبل - وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي، السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٦، والتيسير ص ١٦١.","vol":"21","page":135},{"text":"<span id=\"aya-4523\"></span><span data-type='title' id=toc-8561>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أَوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ خَلِدِينَ فِيهَا جَزَاءُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: إن الذين قالوا: ربُّنا الله الذي لا إله غيرُه، ثم اسْتَقاموا على تصديقهم بذلك، فلم يَخْلِطوه بشركٍ، ولم يخالفوا الله في أمره ونهيِه: فلا خوفٌ عليهم من فزعِ يومِ القيامةِ وأهوالِه، ولا هم يَحْزنون على ما خَلَّفوا وراءهم بعدَ مماتِهم.\n\n<span id=\"aya-4524\"></span>وقولُه: ﴿أَوَلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: هؤلاء الذين قالوا هذا القولَ واستقاموا، أهل الجنة وسكَّانها، ﴿خَلِدِينَ فِيهَا﴾، يقولُ: ماكِثين فيها أبدًا، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، يقولُ: ثوابًا مِنَّا لهم، آتيناهم ذلك على أعمالهم الصالحةِ التي كانوا في الدنيا يعملونها.\n\n<span id=\"aya-4525\"></span><span data-type='title' id=toc-8562>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا (^١) حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ووصَّينا ابنَ آدمَ بوالديه الحُسْنَ في صُحْبته إياهما أيامَ حياتِهما، والبِرَّ بهما في حياتهما، وبعدَ مماتهما.\nواختلفت القرأةُ في قراءةِ قوله: (حُسْنًا)؛ فقرأته عامة قرأةِ المدينة والبصرة (حُسْنًا) بضمِّ الحاء (^٢)، على التأويل الذي وصفتُ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت: \"حسنًا\"، وهما قراءتان.\n(^٢) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر، ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٦.","vol":"21","page":136},{"text":"وقرَأ ذلك عامة قرأة الكوفة: ﴿إِحْسَانًا﴾ بالألفِ (^١)، بمعنى: ووصَّيناه بالإحسانِ إليهما، وبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ لتَقاربِ معاني ذلك، واستفاضةِ القراءةِ بكلِّ واحدة منهما في القرأةِ.\nوقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمَّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾، يقول تعالى ذكره: ووَصَّينا الإنسانَ بوالدَيه إحْسانًا بِرًّا بهما؛ لما كان منهما إليه حَمْلا ووليدًا وناشِئًا، ثم وصَف جل ثناؤُه ما لديه من نعمةِ أمِّه، وما لاقَت منه في حال حمله ووضعِه، ونَبَّهه على الواجب لها عليه من البرِّ، واستحقاقها عليه من الكرامةِ، وجميلِ الصُّحبةِ، فقال: ﴿حَمَلَتَهُ أُمُّهُ﴾، يعنى في بطنها، ﴿كُرْهًا﴾، يعنى: مشقةً، ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾، يقولُ: وولَدته كُرْهًا، يعنى: مشقةً.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾، يقولُ: حمَلَته مشقةً، ووضَعَته مشقةً.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ والحسنِ في قولِه: ﴿حَمَلَتْهُ أَمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾، قالا: حمَلَته في مشقةٍ، ووضَعَته في مشقةٍ (^٢).\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾، قال: مشقةً عليها (^٣).\nواختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿كُرْهًا﴾؛ فقرأته عامةُ قرأة المدينة\n_________\n(^١) وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائي، السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٦.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٦ عن معمر به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٠٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":137},{"text":"والبصرةِ: (كَرْهًا) بفتحِ الكافِ، وقرَأته عامة قرأةِ الكوفةِ: ﴿كُرْهًا﴾ بضَمِّها (^١)، وقد بيَّنتُ اختلاف المُختلفين في ذلك قبل إذا فُتح وإذا ضُمَّ، في سورةِ \"البقرةِ\"، بما أغنَى عن إعادته في هذا الموضعِ (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان، متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصيبٌ.\nوقولُه: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، يقول تعالى ذكره: وحَمْلُ أمِّه إيَّاه جَنينًا في بطنِها، وفصالُها إيَّاه من الرَّضاعِ وفَطْمُها إِيَّاه شرب اللبن، ثلاثون شهرًا.\nواختلَفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿وَفِصَالُهُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامة قرأةِ الأمصارِ غيرَ الحسن البصريِّ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾، بمعنى: فاصَلَتْه أمُّه فصالًا ومُفاصلةً.\nوذُكر عن الحسن البصريِّ أنه كان يقرؤُه: (وحَمْلُهُ وفَصْلُهُ) بفتح الفاء بغيرِ ألف (^٣)، بمعنى: وفَصْلُ أمِّه إيَّاه.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماع الحجةِ مِن القرأةِ عليه، وشُذُوذِ ما خالَفه.\nوقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾، اختلَف أهل التأويلِ في مبلغ حدِّ ذلك مِن السنينَ؛ فقال بعضُهم: هو ثلاثٌ وثلاثون سنةً.\n_________\n(^١) قرأ بفتح الكاف كل من ابن كثير ونافع وأبي عمرو، وقرأ بضمها كل من عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي، ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٦.\n(^٢) تقدم في ٣/ ٦٤٦.\n(^٣) هي قراءة يعقوب، وهو من العشرة، ينظر النشر ٢/ ٢٧٩، وإتحاف فضلاء البشر ص ٢٤٢، وينظر البحر المحيط ٨/ ٦١.","vol":"21","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8563>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمعتُ عبدَ اللَّهِ بن عثمانَ بن خثَيمٍ، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: أَشُدُّه: ثلاث وثلاثون سنةً، واسْتَواؤُه: أربعون سنةً، والعمرُ الذي أعذَر الله فيه إلى ابن آدمَ: ستون (^١).\nحدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى إذا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾، قال: ثلاثًا وثلاثين (^٢).\nوقال آخرون: هو بلوغ الحُلُمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8564>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يعقوب بن إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا مجالدٌ، عن الشعبيِّ، قال: الأشُدُّ: الحُلُمُ، إذا كُتبتْ له الحسناتُ، وكُتبتْ عليه السيئاتُ (^٣).\nوقد بَيَّنا فيما مضَى الأَشدَّ جمعَ شَدُّ، وأنَّه تناهى قُوَّتِه واستوائه (^٤)، وإذا كان ذلك كذلك، كان الثلاثُ والثلاثون به أشبهَ من الحُلُمِ؛ لأن المرءَ لا يبلغُ في حالِ حُلُمِه كمالَ قُواه ونهايةَ شِدَّتِه، فإن العربَ إذا ذكَرَت مثلَ هذا من الكلامِ، فعطفت ببعض على بعضٍ، جعَلَت كِلا الوقتَين قريبًا أحدهما من صاحبِه، كما قال جلَّ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٣/ ٦٧، وأخرجه ابن الأنبارى في الأضداد ص ٢٢٤، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٥١ من طريق ابن إدريس به، وأخرجه ابن مردويه في تفسيره - كما في نصب الراية ٤/ ١٦٦ - من طريق عبد الله بن عثمان به، بلفظ: \"تسعا وثلاثين سنة\"، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٦٨٢٩) من طريق عبد الله بن عثمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٧ عن معمر به.\n(^٣) تقدم في ٩/ ٦٦٤.\n(^٤) تقدم في ٩/ ٦٦٣.","vol":"21","page":139},{"text":"ثناؤُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنَصْفَهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، ولا تكادُ تقولُ: أنا أعلمُ أنك تقوم قريبًا من ساعة من الليل وكُلَّه، ولا: أخذتُ قليلًا من مالٍ أو كُلَّه، ولكن تقولُ: أخَذتُ عامة مالى أو كلَّه، فكذلك ذلك في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾، لا شكَّ أن نَسَقَ الأربعين على الثلاث والثلاثين أحسنُ وأشبه، إذ كان يُرَادُ بذلك تقريبُ أحدهما من الآخرِ، مِن النَّسَقِ على الخمسَ عشرةَ أو الثمانِ عشرةَ.\nوقوله: ﴿وبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾، ذلك حين تكامَلَت حُجَّةُ اللَّهِ عليه، وسَرَتْ (^١) عنه جَهالةُ شبابِه، وعَرَف الواجبَ اللَّهِ مِن الحقِّ في بِرِّ والدَيه.\nكما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾: وقد مضى من سيئِ عملهِ.\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ حتى بلغ: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: وقد مضى من سيئِ عملِه ما مضَى (^٢).\nوقوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾. يقول تعالى ذكره: قال هذا الإنسانُ الذي هَداه اللهُ لرُشْدِه، وعرَف حقَّ اللهِ عليه فيما ألزَمه مِن بِرِّ والدَيه: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، يقولُ: أَغْرِنى بشُكْرِ نعمتِك التي أنعمتَ عليَّ في تعريفك إيَّاى توحيدَك، وهِدايتِك لي للإقرار بذلك، والعملِ بطاعتك - ﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ مِن قَبْلى، وغير ذلك من نِعَمِك علينا، وألهمنى ذلك، وأصله من: وَزَعْتُ الرجل على كذا، إذا دفَعتَه عليه.\n_________\n(^١) في م: \"سير\"، وسرت: زالت وانكشفت، اللسان (س ر ي).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٧ عن معمر به.","vol":"21","page":140},{"text":"وكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، قال: اجعلنى أشكرُ نعمتك.\nوهذا الذي قاله ابن زيدٍ في قوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾، وإن كان يَقُولُ إليه معنى الكلمةِ، فليس بمعنى الإيزاع على الصحة.\nوقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾، يقول تعالى ذكره: أوزعنى أن أعملَ صالحًا من الأعمال التي ترضاها؛ وذلك العمل بطاعته وطاعة رسوله ﷺ. وقوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾، يقولُ: وأصلِحْ لي أُمُورى في ذُرِّيتي الذين وُهِبْتُهم بأن تجعلَهم هُدَاةً للإيمانِ بك، واتِّباع مَرْضاتِك، والعمل بطاعتك، فوصَفه جلّ ثناؤُه بالبِرِّ بالآباء والأمهات والبنين والبناتِ، وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ (^١).\nوقوله: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيلِ هذا الإنسانِ: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾، يقولُ: تُبْتُ مِن ذُنُوبِي التي سَلَفَت مني في سالفِ أيامي، إليك، ﴿وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، يقولُ: وإنى من الخاضعين لك بالطاعة، المُسْتَسْلِمين لأمرك ونَهْيك، المُنقادِين لحُكْمِك.\n\n<span id=\"aya-4526\"></span><span data-type='title' id=toc-8565>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ (^٢) عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ (^٣) عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤١ إلى ابن مردويه عن ابن عباس، وذكره الواحدى في أسباب النزول ص ٢٨٤.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت: \"يتقبل\"، هما قراءتان كما سيأتي.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت: \"يتجاوز\"، هما قراءتان كما سيأتي.","vol":"21","page":141},{"text":"يقول تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين هذه الصفةُ صفتهم، هم الذين نَتقبَّلُ عنهم أحسنَ ما عمِلوا في الدنيا من صالحات الأعمالِ، فنُجازيهم به، ونُثيبهم عليه، ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِم﴾، يقولُ: ونَصفحُ لهم عن سيئات أعمالهم التي عملوها في الدنيا، فلا نُعاقبهم عليها، ﴿فِي أَصْحَابِ الجَنَّةِ﴾، يقولُ: نفعل ذلك بهم فعلنا مثل ذلك في أصحابِ الجنةِ وأهلها الذين هم أهلها.\nكما حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمان، عن الحكم بن أبانٍ، عن الغِطْريفِ، عن جابرِ بن زيد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، عن الروح الأمينِ، قال: \"يُؤْتَى بحَسَناتِ العبدِ وسيئاتِه، فَيُقتصُّ بعضُها ببعضٍ، فإن بَقِيَتْ حَسَنَةٌ وَسَّع الله له في الجنة\". قال: فدخلتُ على يزدادَ، فحدث بمثلِ هذا الحديث، قال: قلتُ: فإن ذهَبَت الحسنةُ؟ قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِم﴾ الآية (^١).\nحدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ، قال: دعا أبو بكرٍ عمرَ ﵄، فقال له: إنِّي أُوصِيك بوصيةٍ أن تحفظَها؛ إن لله في الليل حقًّا لا يقبله بالنهارِ، وبالنهارِ حقًّا لا يقبله بالليلِ، إنه ليس لأحدٍ نافلةٌ حتى يؤدي الفريضة، إنه إنما ثَقُلت موازينُ مَن ثَقُلَت مَوازِينُه يومَ القيامة باتباعهم الحقَّ في الدنيا وثقل ذلك عليهم، وحُقَّ لميزانٍ لا يوضعُ فيه إلا الحقُّ أن يَثْقُلَ، وخَفَّت موازين مَن خَفَّت موازينه يومَ القيامةِ، لاتِّباعهم الباطلَ في الدنيا وخفَّتِه عليهم، وحُقَّ لميزانٍ لا يوضع فيه إلا الباطلُ أن يَخِفَّ؛ ألم تَرَ أن الله ذكر أهلَ الجنةِ بأحسنِ أعمالِهم،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٦٥ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٢٦٥، ٢٦٦ - والطبراني (١٢٨٣٢)، والحاكم ٤/ ٢٥٢ من طريق المعتمر به، وأخرجه عبد بن حميد (٦٦٠)، والحاكم ٤/ ٢٥٢ من طريق الحكم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤١ إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":142},{"text":"فيقول قائل: أين يبلغ عملى من عملِ هؤلاء! وذلك أن الله ﷿ تجاوز عن أَسْوَأَ أعمالهم فلم يُبْدِه، ألم تَرَ أن الله ذكر أهل النارِ بأسوأِ أعمالهم، حتى يقول قائلٌ: أنا خيرٌ عملًا من هؤلاء، وذلك بأن الله رَدَّ عليهم أحسن أعمالهم، ألم ترَ أن الله ﷿ أنزل آيةَ الشِّدَّةِ عند آية الرخاءِ، وآية الرخاءِ عند آية الشدة، ليكون المؤمن راغبًا راهبًا؛ لئلا يُلْقِىَ بيدِه إلى التَّهْلُكَةِ، ولا يَتَمَنَّى على اللَّهِ أُمنيةً يَتَمَنَّى على اللَّهِ فيها غيرَ الحقِّ (^١).\nواختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ﴾؛ فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والبصرة وبعضُ قرأة الكوفة: (يُتَقَبَّلُ)، (وَيُتَجاوَزُ) بضَمِّ الياء منهما على ما لم يُسَمَّ فاعله، ورفع: (أَحْسَنُ) (^٢)، وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿نَتَقَبَّلُ﴾، ﴿وَنَتَجَاوَزُ﴾ بالنون وفتحها، ونصب ﴿أَحْسَنَ﴾ (^٣). على معنى إخبار الله جل ثناؤُه عن نفسِه أنه يفعل ذلك بهم، وردًّا للكلام على قولِه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ﴾، ونحن نتقبل منهم أحسن ما عملوا ونتجاوزُ، وهما قِراءتان مَعروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قَرأ القارئُ فمُصيبٌ.\nوقوله: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُوا يُوعَدُونَ﴾، يقولُ: وعدهم الله هذا الوعدَ، وَعْدَ الحقَّ، لا شكَّ فيه أنه مُوفٍ لهم به، الذي كانوا إياه في الدنيا يَعِدُهم الله تعالى.\nونُصب قوله: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾؛ لأنَّه مصدرٌ خارجٌ مِن قوله: ﴿نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِم﴾، وإنما أخرج من هذا الكلام مصدرُ: وَعَد\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤١ إلى المصنف.\n(^٢) قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٧.\n(^٣) قرأ بها حفص عن عاصم وحمزة والكسائي، المصدر السابق.","vol":"21","page":143},{"text":"وَعْدًا؛ لأن قوله: ﴿نَتَقَبَّلُ عَنهُمْ﴾، ﴿وَنَتَجَاوَزُ﴾ وعدٌ من اللهِ لهم، فقال: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾، على ذلك المعنى.\n\n<span id=\"aya-4527\"></span><span data-type='title' id=toc-8566>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧)﴾.</span>\nوهذا نَعْتٌ مِن الله تعالى ذكره، نَعْتُ ضالٍّ؛ به كافرٌ وبوالديه عاقٌّ، وهما مجتهدان في نصيحته ودعائه إلى الله، فلا يَزيدُه دعاؤُهما إياه إلى الحقِّ ونصيحتهما له إلا عُتُوًّا وتَمَرُّدًا على اللهِ، وتَمادِيًا في جهله، يقولُ الله جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾؛ أَنْ دَعَوَاه إلى الإيمان بالله، والإقرار ببَعْثِ اللهِ خلقَه من قُبُورِهم، ومجازاته إيَّاهم بأعمالهم: ﴿أُفٍّ لَكُمَا﴾، يقولُ: قَذَرًا لكما ونَتْنًا، ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾، يقولُ: أَتَعِدانِنِي أَن أَخرَجَ مِن قَبْرى مِن بَعدِ فَنائِي وبَلائي فيه، حَيًّا!\nكما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أَخْرَجَ﴾: أن أُبَعَثَ بعدَ الموتِ.\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة في قولِه: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾، قال: يعنى البعث بعد الموتِ (^١).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ إلى آخرِ الآية، قال: الذي قال هذا ابنٌ لأبي بكر ﵁، قال: ﴿أَتَعِدَانِنِي\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٢ إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":144},{"text":"أَنْ أَخْرَجَ﴾: أَتَعِدَانِني أن أُبعثَ بعد الموتِ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾، قال: هو الكافرُ الفاجرُ، العاقُّ لوالديه، المكذِّبُ بالبعثِ (^٢).\nحدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ، قال: ثم نعت عبدَ سُوءٍ عاقًّا لوالديه فاجرًا، فقال: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾، إلى قوله: ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ (^٢).\nوقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبلي﴾، يقولُ: أَتَعِداننى أن أُبَعَثَ وقد مضَت قرونٌ من الأمم قَبْلى فهَلكوا، فلم يَبْعَثْ منهم أحدًا؟! ولو كنتُ مَبْعوثًا بعدَ وَفاتى كما تقولان، لكان قد بُعِث مَن هلَك قَبْلى مِن القرونِ، ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ﴾، يقول تعالى ذكرُه: وَوَالدَاهِ يَسْتَصْرِخان الله عليه ويَسْتَغِيثانه عليه أن يؤمنَ باللهِ ويُقرَّ بالبعثِ، ويقولان له: ﴿وَيْلَكَ آمِنْ﴾، أي: صدِّقْ بوعدِ اللَّهِ، وأقِرَّ أنك مبعوثٌ مِن بعدِ وفاتِك، إنَّ وعد الله الذي وعد خلقه أنه باعثهم مِن قُبُورِهم، ومُخْرِجُهم منها إلى موقف الحسابِ، لمُجازاتهم بأعمالهم، حقٌّ لا شكَّ فيه، فيقولُ عدو اللهِ مُجِيبًا لوالديه ورَدًّا عليهما نصيحتهما، وتكذيبًا بوَعْدِ اللهِ: ما هذا الذي تقولان لي وتَدْعُوانى إليه؛ من التصديق بأنى مبعوثٌ مِن بعدِ وَفَاتى مِن قَبْرى، إلا ما سَطَره الأوَّلون من الناسِ مِن الأباطيل فكتبوه، فأَصَبْتُماه أنتما فصَدَّقتما.\n\n<span id=\"aya-4528\"></span><span data-type='title' id=toc-8567>القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ</span>\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٦٦ عن العوفى به، وقال: وفى صحة هذا نظر، والله أعلم.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٢٦٧.","vol":"21","page":145},{"text":"مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾.\nيقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه الصفةُ صفتُهم، الذين وجَب عليهم عذابُ اللَّهِ، وحَلَّت بهم عقوبته وسَخَطُه، في من حلَّ به عذابُ اللهِ، على مثلِ الذي حَلَّ بهؤلاء من الأممِ الذين مَضَوا قبلهم مِن الجنِّ والإنسِ، الذين كذَّبوا رُسُلَ الله وعَتَوا عن أمر ربِّهم.\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾، يقول تعالى ذكره: إنهم كانوا المَغبُونين بَبَيْعِهم الهُدى بالضلالِ والنعيمَ بالعقابِ.\nحدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا معاذ بن هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: الجن لا يَموتون، قال قتادةُ: فقلتُ: ﴿أَولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَرٍ قَدْ خَلَتْ﴾ الآية (^١).\n\n<span id=\"aya-4529\"></span>وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾، يقول تعالى ذكره: ولكلِّ هؤلاء الفريقين؛ فريق الإيمان بالله واليومِ الآخرِ والبر بالوالدين، وفريق الكفرِ بالله واليوم الآخر وعقوق الوالدين، الذين وصف صفتهم ربُّنا ﷿ في هذه الآياتِ - منازل ومراتب عند الله يوم القيامة، ﴿مِمَّا عَمِلُوا﴾، يعني: من عملهم الذي عملوه في الدنيا؛ من صالح وحَسَنٍ وسَيِّئِ، يُجازيهم الله به.\nوقد حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلِكُلِّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾، قال: دَرَجُ أهل النارِ يذهبُ سَفالًا، ودَرَجُ أهل الجنةِ يذهب عُلُوًّا.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٨٣ إلى عبد بن حميد، وينظر البحر المحيط ٨/ ٦٢.","vol":"21","page":146},{"text":"﴿وَلِيُوفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾، يقولُ جل ثناؤه: وليعطيَ جميعَهم أجور أعمالهم التي عملوها في الدنيا؛ المحسنَ منهم بإحسانِه، ما وعد اللَّهُ مِن الكرامة، والمسيءَ منهم بإساءته، ما أعدَّه مِن الجزاء، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، يقولُ: وجميعهم لا يُظْلَمون؛ لا يُجازَى المسئُ منهم إلا عقوبةً على ذنبه، لا على ما لم يعمل، ولا يُحمَلُ عليه ذنب غيرِه، ولا يُبْخَسُ المحسنُ منهم ثوابَ إحسانِه.\n\n<span id=\"aya-4530\"></span><span data-type='title' id=toc-8568>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ويومَ يُعْرَضُ الذين كَفَروا بالله على النارِ، يقال لهم: أذهبتم طيباتِكم في حياتكم الدنيا واستَمْتعتم بها فيها؟!\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾، قَرأ يزيدُ حتى بلغ: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ﴾: تعلَمون والله إن أقوامًا يشترطون (^١) حسناتهم! فاستَبْقَى رجلٌ طيباتِه إن استطاعَ، ولا قوةَ إلا بالله، ذكر أن عمر بن الخطابِ كان يقولُ: لو شئتُ كنتُ أطيبكم طعامًا وألينكم لباسًا، ولكنى أسْتَبْقى طَيَّباتي، وذكر لنا أنه لمَّا قدم الشامَ، صُنع له طعام لم يَرَ قبله مثلَه، قال: هذا لنا! فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبَعون مِن خبزِ الشعير؟ قال خالد بن الوليدِ: لهم الجنة، فاغْرَوْرَقت عينا عمرَ، وقال: لئن كان حَظُّنا في الحُطامِ، وذهَبوا - قال أبو جعفرٍ: فيما أرَى أنا - بالجنةِ، لقد بايَنونا بَوْنًا بعيدًا (^٢).\n_________\n(^١) سَرَطه واسترطه: بَلَعه، التاج (س ر ط).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٧ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"21","page":147},{"text":"وذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ دخَل على أهلِ الصُّفَّةِ - مكانا يجتمع فيه فقراءُ المسلمين - وهم يَرْقَعون ثيابَهم بالأَدَمِ ما يجِدون لها رقاعًا، قال: \"أنتم اليومَ خيرٌ، أو يومَ يَغْدُو أحدُكم في حلَّةٍ ويروح في أُخرى، ويُغْدَى عليه بجفنةٍ ويُراح عليه بأُخرى، ويُستَرُ بيتُه كما تُسترُ الكعبةُ؟ \"، قالوا: نحن يومئذ خير، قال: \"بل أنتم اليومَ خيرٌ\" (^١).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: حدثنا صاحبٌ لنا عن أبي هريرةَ، قال: إنما كان طعامنا مع النبي ﷺ الأسودين (^٢)؛ الماءَ والتمرَ، واللهِ ما كُنَّا نَرى سمراءَكم (^٣) هذه، ولا نَدْرى ما (^٤).\nقال: ثنا سعيد، عن قتادةَ، عن أبي بُرْدَةَ بن عبدِ اللَّهِ بن قيسٍ الأَشْعَريِّ، عن أبيه، قال: أي بنيَّ لو شهِدْتَنا مع رسول الله ﷺ ونحن مع نبيِّنا، إذا أصابَتنا السماءُ حسِبتَ أن ريحنا ريحُ الضَّأْنِ، إنما كان لباسُنا الصوفَ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في الزهد ص ٢٥، ٢٦، والبيهقى ٢/ ٤٤٥ من حديث طلحة النصري - وليس هو ابن عبيد الله - مرفوعًا، وأخرجه الترمذى (٢٤٧٦)، وأبو يعلى (٥٠٢) من حديث على مرفوعًا، وأخرجه البيهقي في الشعب (١٠٣٣٤) من حديث جابر مرفوعًا، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٣٤٠، والبيهقي في الشعب (١٠٣٣٣) عن الحسن مرسلا.\n(^٢) في ص، ت ذ، ت ٢، ت ٣: \"الأسودان\".\n(^٣) السمراء: الحنطة، النهاية ٢/ ٣٩٩.\n(^٤) أخرجه أحمد ١٤/ ٢٩٣ (٨٦٥٣) من طريق قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، وأخرجه أحمد أيضا ١٣/ ٣٤٢ (٧٩٦٢)، وابن حبان (٦٨٣، ٥٨٠٥) وغيرهما من طريق داود بن فراهيج، عن أبي هريرة.\n(^٥) أخرجه ابن سعد ٤/ ١٠٨، وأحمد ٤/ ٤١٩ (الميمنية)، والبيهقى ٢/ ٤١٩ والخطيب ٥/ ٣٢٣ من طريق سعيد به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٢٢٤، وأحمد ٤/ ٤٠٧، ٤١٩ (الميمنية)، وأبو داود (٤٠٣٣)، والترمذى (٢٤٧٩)، وابن ماجه (٣٥٦٢)، والبزار (٣١٣٥)، وأبو يعلى (٧٢٦٦)، والروياني (٤٥٥)، وابن حبان (١٢٣٥)، والطبراني في الأوسط (١٩٤٦)، وابن علي ٦/ ٢٢٦٥، والحاكم ٤/ ١٨٧، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٥٩، والبيهقى في الشعب (٦١٥٩) من طرق عن قتادة به، وأخرجه البزار (٣١٣٤) من طريق أبي بردة به.","vol":"21","page":148},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ، ثم قرأ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾ [هود: ١٥]. وقرَأ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [الشورى: ٢٠]. وقرَأ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ إلى آخرِ الآية [الإسراء: ١٨]، وقال: هؤلاء الذين أذهَبوا طَيَّباتِهم في حياتهم الدنيا.\nواختلفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿أَذْهَبْتُم طَيِّبَاتِكُمْ﴾؛ فقرأته عامة قرأةِ الأمصار: ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ بغير استفهامٍ، سِوى أبى جعفر القارئِ، فإنه قرأه بالاستفهام (^١)، والعربُ تستفهم بالتوبيخِ، وتتركُ الاستفهام فيه، فتقولُ: أَذَهَبْتَ ففعلتَ كذا وكذا؟ وذهَبتَ ففعلت وفعلت؟ وأعجب القراءتين إلى ترك الاستفهام فيه؛ لإجماع الحجة من القرأة عليه، ولأنه أفصحُ اللغتَين.\nوقوله: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾، يقول تعالى ذكرُه: يقال لهم: فاليوم أيُّها الكافرون الذين أذهَبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، ﴿تُجْزَوْنَ﴾ أي: تُتابون ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾، يعنى عذابَ الهَوانِ؛ وذلك عذابُ النارِ الذي يُهينُهم.\nكما حدثنا محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن\n_________\n(^١) قرأه بغير استفهام - بهمزة واحدة، على الخبر - نافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وخلف، وقرأه بالاستفهام - بهمزتين - ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب، ينظر النشر ١/ ٢٨٥.","vol":"21","page":149},{"text":"مجاهدٍ: ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾، قال: الهَوانُ (^١).\n﴿بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، يقولُ: بما كنتُم تَتكَبَّرون في الدنيا على ظهر الأرضِ، على ربِّكم، فتَأْبون أن تُخْلصوا له العبادةَ، وأن تُذْعِنوا لأمره ونَهْيِه، ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. أي: بغيرِ ما أباحَ لكم ربُّكم، وأَذِن لكم به، ﴿وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ﴾، يقولُ: بما كنتُم فيها تُخالفون طاعته فتَعْصُونه.\n\n<span id=\"aya-4531\"></span><span data-type='title' id=toc-8570>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيه محمدٍ ﷺ: واذكر يا محمد لقومِك الرَّادِّين عليك ما جئتَهم به من الحقِّ - هودًا أخا عادٍ؛ فإن الله بعَثك إليهم كالذي بعثه إلى عادٍ، فخَوِّفهم أن يَحِلَّ بهم مِن نِقْمَةِ اللَّهِ على كفرهم ما حَلَّ بهم إذ كذَّبوا رسولنا هودًا إليهم، إذ أنذر قومه عادًا بالأحقافِ، والأحقافُ جمعُ حِقْفٍ، وهو من الرمل ما استطالَ ولم يبلُغ أن يكونَ جبلًا، وإياه عنى الأعشى (^٢).\nفَبَاتَ إِلى أَرْطَاةِ حِقْفٍ تَلُفُّه … خَرِيقُ شَمالٍ يَتْرُكُ الوَجْهَ أَقْتَما\nواختلف أهل التأويل في الموضع الذي به هذه الأحقافُ؛ فقال بعضهم: هي جبل بالشام.\n\n<span data-type='title' id=toc-8569>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٠٢.\n(^٢) ديوانه ص ٢٩٥.","vol":"21","page":150},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾، قال: الأحقافُ جبلٌ بالشام (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قوله: ﴿إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾: جبلٌ يُسَمَّى الأحقاف (^٢).\nوقال آخرون: بل هي وادٍ بينَ عُمانَ ومَهَرَةَ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-8571>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾، قال: فقال: الأحقافُ الذي أنذَر هودٌ قومه، وادٍ بينَ عُمانَ ومَهَرَةَ (^٤).\nحدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كانت منازل عادٍ وجماعتهم حيثُ بعث الله إليهم هودًا، الأحقافَ؛ الرمل فيما بينَ عُمان إلى حَضرَمَوتَ، فاليمنِ كلِّه، وكانوا مع ذلك قد فَشَوا في الأرضِ كلِّها، قهروا أهلها بفضلِ قوَّتِهم التي أتاهم الله (^٥).\nوقال آخرون: هي أرضٌ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٢ إلى المصنف.\n(^٣) يرويه عامة الناس بتسكين الهاء والصواب التحريك، وهي قبيلة، وهي مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وباليمن لهم مخلاف بينه وبين عمان نحو شهر، وكذلك بينه وبين حضرموت، ينظر معجم البلدان ٤/ ٧٠٠.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٢٦٢.\n(^٥) تقدم في ١٠/ ٢٦٩.","vol":"21","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8572>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: الأحقافُ الأرضُ (^١).\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ: عن مجاهد: ﴿إِذ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾، قال: حِشَافٌ، أو كلمةٌ تُشْبِهُها، قال أبو موسى: يقولون: مُسْتَحْشِفٌ.\nحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ: ﴿إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾: حِشَافٌ مِن حِسْمَى (^٢) (^٣).\nوقال آخرون: هي رمالٌ مُشْرِفةٌ على البحرِ بالشِّحْرِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-8573>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾: ذُكر لنا أن عادًا كانوا حيًّا باليمنِ أهلَ رملٍ مُشْرِفين على البحرِ، بأرض يقال لها: الشِّحْرُ.\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾، قال: بَلَغنا أنهم كانوا على أرضٍ يقالُ\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٢٧٧.\n(^٢) الحشاف: الحجارة في الموضع السهل. والحسمى: اسم أرض بالبادية فيها جبال شواهق ملس الجوانب لا يكاد القتام - الغبار الأسود - يفارقها، معجم ما استعجم ١/ ١١٩، وينظر تفسير القرطبي ١٦/ ٢٠٤.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٠٣.\n(^٤) الشحر: ساحل اليمن، وهو ممتد بينها وبين عمان، معجم ما استعجم ٤/ ٧٨٣.","vol":"21","page":152},{"text":"لها: الشِّحْرُ، مُشرِفين على البحرِ، وكانوا أهلَ رملٍ (^١).\nحدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن سعيدِ بن أبي هلالٍ، عن عمرِو بن عبدِ اللَّهِ، عن قتادةَ أنه قال: كان مساكن عادٍ بالشِّحْرِ.\nوأولى الأقوال في ذلك بالصوابِ أن يقال: إن الله ﵎ أخبر أن عادًا أنذَرهم أخوهم هودٌ بالأحقافِ، والأحقافُ ما وصَفتُ مِن الرمالِ المستطيلةِ المشرفةِ، كما قال العَجَّاجُ (^٢):\nباتَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ أَحْقَفا\nوكما حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَاذْكُرْ أَنَا عَادٍ إذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾، قال: الأحقافُ الرملُ الذي يكونُ كهيئة الجبل، تَدْعُوه العربُ الحِقْفَ، ولا يكونُ أحْقافًا إلا من الرملِ، قال: وأخو عاد هود (^٣).\nوجائزٌ أن يكونَ ذلك جبلًا بالشامِ، وجائزٌ أن يكونَ واديًا بين عُمانَ وحَضْرَموت. وجائزٌ أن يكونَ الشِّحْرَ، وليس في العلمِ به أداء فرْضٍ، ولا في الجهل به تضييعُ واجبٍ، وأين كان فصفتُه ما وصفنا؛ من أنهم كانوا قوما منازلهم الرمالُ المُسْتَعْلِيةُ المستطيلة.\nوقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وقد مَضَت الرسلُ بإنذار أُمَمِها، ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾، يعنى: مِن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٧ عن معمر به.\n(^٢) ديوانه ص ٤٩٨.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٢٦٢.","vol":"21","page":153},{"text":"قَبلِ هودٍ، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾، يعنى: ومِن بعدِ هود.\nوقد ذُكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (وقد خلتِ النُّذُرُ مِن بين يَديْه ومِن بَعْدِه) (^١).\n﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، يقولُ: لا تُشْرِكوا مع الله شيئًا في عبادتكم إيَّاه، ولكن أخْلِصوا له العبادة، وأفرِدوا له الألوهةَ؛ إنه لا إلهَ غيره، وكانوا، فيما ذُكِرَ، أهلَ أوثان يعبدونها مِن دونِ اللهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8574>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا مُعاذ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، قال: لن يَبْعَثَ الله رسولًا إلا بأن يُعبد الله (^٢).\nوقوله: ﴿إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيلِ هودٍ لقومه: إنى أخافُ عليكم أيُّها القومُ بعبادتكم غيرَ اللهِ عذابَ اللهِ في يومٍ عظيمٍ، وذلك يومٌ يَعْظُمُ هَوْلُه، وهو يوم القيامة.\n\n<span id=\"aya-4532\"></span><span data-type='title' id=toc-8575>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: قالت عادٌ لهودٍ إذ قال لهم: لا تعبدوا إلا الله إني أخافُ\n_________\n(^١) ينظر تفسير القرطبي ١٦/ ٢٠٤.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٣ إلى المصنف.","vol":"21","page":154},{"text":"عليكم عذابَ يومٍ عظيمٍ: أجئتَنا يا هودُ لتَصْرِفَنا عن عبادةِ آلهتِنا إلى عبادةِ ما تَدْعُونا إليه، وإلى اتِّباعِك على قولِك؟\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8576>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾. قال: لِتُزِيلَنا. وقرَأ: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: ٤٢]. قال: يُضِلُّنا ويُزِيلُنا ويَأْفِكُنا (^١).\n﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾: مِن العذابِ على عبادتِنا ما نعبدُ من الآلهةِ، إن كنتَ مِن أهلُ الصدقِ في قولِه وعِدَاتِه.\n\n<span id=\"aya-4533\"></span><span data-type='title' id=toc-8577>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال هودٌ لقومِه عادٍ: إِنَّما العِلمُ بوقتِ مجيءِ ما أعِدُكم به من عذابِ اللهِ على كفرِكم به - عندَ اللهِ، لا أَعْلمُ عند الله، لا أعلمُ مِن ذلك إلا ما علَّمنى، ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾. يقولُ: وإنما أنا رسولٌ إليكم مِن اللهِ، مُبَلِّغٌ أُبَلِّغُكم عنه ما أرسَلنى به من الرسالةِ، ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ مواضِعَ حظوظِ أنفسِكم، فلا تعرِفون ما عليها مِن المَضَرَّةِ بعبادتِكم غيرَ اللهِ، وفي استعجالِ عذابِه.\n\n<span id=\"aya-4534\"></span><span data-type='title' id=toc-8578>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤)﴾.</span>\n_________\n(^١) بعده في الدر المنثور: \"واحد\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٣ إلى المصنف.","vol":"21","page":155},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا جاءَهم عذابُ اللهِ الذي استعجَلوه، فرأوه سحابًا عارضًا في ناحيةٍ مِن نَواحِى السماءِ مُستَقبِلَ أوديتِهم، والعربُ تُسَمِّي السحابَ الذي يُرَى في بعض أقطارِ السماءِ عَشِيًّا ثم يصبِحُ مِن الغدِ قد استوى وحَبَا (^١) بعضُه إلى بعضٍ - عارِضًا؛ وذلك لعرضِه في بعضِ أرجاءِ السماءِ حينَ نشَأ، كما قال الأعشى (^٢):\nيا مَنْ يَرَى عارِضًا قد بتُّ أَرْمُقُه … كأنما البَرْقُ في حَافَاتِه الشُّعَلُ\n﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾. ظَنًّا منهم برؤيتِهم إيَّاه أَن غَيْثًا قد أتاهم يَحْيَون به، فقالوا: هذا الذي كان هودٌ يَعِدُنا، وهو الغيثُ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ الآية: ذُكِر لنا أنه (^٣) حُبِس عنهم المطرُ زمانًا، فلمَّا رَأَوا العذابَ مُقْبِلًا، ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾. وذُكر لنا أنهم قالوا: كذَب هودٌ، كذَب هودٌ. فلما خرَج نبيُّ اللهِ ﷺ فَشَامَه (^٤)، قال: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ساقَ اللهُ السحابةَ السوداءَ التي اختارَ قَيْلُ بنُ عنزٍ بما فيها مِن النِّقْمَةِ إلى عادٍ، حتى تخرُجَ عليهم مِن وادٍ لهم يقالُ له: المُغِيثُ، فلما رَأوها استَبْشَروا وقالُوا: هذا عارِضٌ مُمطِرُنا. يقولُ اللهُ ﷿: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) حبا السحاب: تراكم. اللسان (ح ب ي).\n(^٢) ديوانه ص ٥٧.\n(^٣) في م: \"أنهم\".\n(^٤) شام السحابَ والبرقَ شيما: نظر إليه أين يقصد وأين يُمطر. اللسان (ش ى م).\n(^٥) تقدم في ١٠/ ٢٦٩ وما بعدها مطولًا.","vol":"21","page":156},{"text":"وقولُه: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ نبيِّه ﷺ هودٍ لقومِه - لمَّا قالوا له عندَ رؤيتِهم عارضَ العذابِ قد عرَض لهم في السماءِ: هذا عارضٌ مُمْطِرُنا نَحْيا به -: ما هو بعارضِ غيثٍ، ولكنه عارضُ عذابٍ لكم، بل هو ما استَعْجَلْتم به. أي: هو العذابُ الذي استَعْجَلْتم به فقلتُم: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. والريحُ مكررةٌ على ﴿مَا﴾ في قولِه: ﴿هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾. كأنه قيل: بل هو ريحٌ فيها عذابُ أليمٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8579>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، قال: كان هودٌ جلدًا في قومِه، وإنه كان قاعدًا في قومِه فجاء سحابٌ مُكْفَهِرٌ، فقالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾. فقال هودٌ: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: فجاءت ريحٌ، فجعَلَتْ تُلْقِى الفسطاطَ، وتجيءُ بالرجلِ الغائبِ فتُلْقِيه (^١).\nحدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال سليمانُ: ثنا أبو إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، قال: لقد كانت الريحُ تحمِلُ الظعينةَ فترفَعُها حتى تُرَى كأنها جَرادةٌ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٥١ عن محمد بن جعفر به، وهو في تفسير سفيان ص ٢٧٧ عن أبي إسحاق به.","vol":"21","page":157},{"text":"قال: هي الريحُ إذا أثارَت سحابًا. قالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾. فقال نبيُّهم: بل ريحٌ فيها عذابٌ أليمٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-4535\"></span><span data-type='title' id=toc-8580>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾.</span>\nوقولُه: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾. يقولُ تعالى ذكره: تُخَرِّبُ كُلَّ شيءٍ، وتَرْمى بعضَه على بعضٍ فتُهْلِكُه، كما قال جريرٌ (^٢):\nوكان لكم كَبكْرِ ثَمُودَ لمَّا … رغا ظُهْرًا فَدَمَّرَهُمْ دَمارا\nيعنى بقولِه: دمَّرهم: ألقَى بعضهم على بعضٍ صَرْعَى هَلْكَى.\nوإنما عَنَى بقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، مما أُرسِلَتْ بهلاكِه؛ لأنها لم تدمِّرْ هودًا ومَن كان آمَن به.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا طَلْقٌ، عن زائدةَ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ما أرسَل اللهُ على عادٍ مِن الريحِ إلا قدْرَ خاتَمى هذا. فنزع خاتمَه (^٣).\nوقولُه: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾. يقولُ: فأصبَح قومُ هودٍ وقد هلَكوا وفَنَوْا، فلا يُرَى في بلادِهم شيءٌ إلا مساكنُهم التي كانوا يسكُنونها.\nواختلفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (لا ترى إلَّا مَساكنَهم) بالتاءِ نصبًا (^٤). بمعنى: فأصبَحوا\n_________\n(^١) عزاه الحافظ في الفتح ٨/ ٥٧٨ إلى المصنف.\n(^٢) البيت للفرزدق، كما تقدم في ١٤/ ٥٣٣.\n(^٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٥٥ من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) هي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبي عمرو والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٨.","vol":"21","page":158},{"text":"لا تَرَى أنت يا محمدُ إلا مساكنَهم.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ بالياءِ في: ﴿يُرَى﴾، ورفعِ \"المساكنِ\" (^١). بمعنى ما وصَفتُ قبلُ أنه لا يُرَى في بلادِهم شيءٌ إلا مساكنُهم. وروى الحسنُ البصريُّ: (لا تُرَى) بالتاءِ (^٢). وبأيِّ القراءتَين اللتين ذكَرتُ من قراءةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ قرَأ ذلك القارئُ فمصيبٌ، وهو القراءةُ برفعِ \"المساكنِ\" إذا قُرئ قولُه: ﴿يُرَى﴾ بالياءِ وضمِّها، وبنصبِ \"المساكنِ\" إذا قُرئ قولُه: (تَرَى) بالتاءِ وفتحِها. وأما التي حُكيت عن الحسنِ فهي قبيحةٌ في العربيةِ، وإن كانت جائزةً، وإنما قبُحَت لأن العرب تُذَكِّرُ الأفعالَ التي قبلَ \"إِلَّا\" وإن كانت الأسماءُ التي بعدَها أسماءَ إناثٍ، فتقولُ: ما قامَ إلا أختُك، ما جاءَني إلا جاريتُك. ولا يَكادون يقولون: ما جاءتْني إلا جاريتُك. وذلك أن المحذوفَ قبلَ (إِلَّا): \"أحدٌ\" أو \"شيءٌ\"، و\"أحدٌ\" و\"شيء\" تُذَكِّرُ فعلهما (^٣) العربُ وإِن عُنِي بهما المؤنثُ، فتقولُ: إن جاءك منهنَّ أحدٌ فأكرِمْه. ولا يقولون: إن جاءتْك. وكان الفرَّاءُ (^٤) يجيزُها على الاستكراهِ، ويذكرُ أن المفضَّلَ أنشَده:\nونارُنا لم تُرَ نارًا مِثْلُها … قد عَلِمَت ذَاكَ مَعَدٌّ أَكْرَمَا\nفأنَّث فعْل \"مِثل\"؛ لأنه للنارِ. قال: وأجودُ الكلامِ أن تقولَ: ما رُئِى مثلُها.\nوقولُه: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كما جَزَينا عادًا بكفرِهم باللهِ من العقابِ في عاجلِ الدنيا، فأهلَكْناهم بعذابِنا، كذلك نَجْزِى القومَ الكافرين باللهِ مِن خلقِنا، إذا تَمادَوا في غَيِّهم، وطَغَوا على ربِّهم.\n_________\n(^١) وهى قراءة عاصم وحمزة. السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٨.\n(^٢) وهى قراءة شاذة، ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ٢٤٢.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فعلها\".\n(^٤) معاني القرآن ٣/ ٥٥.","vol":"21","page":159},{"text":"<span id=\"aya-4536\"></span><span data-type='title' id=toc-8582>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لكفارِ قريشٍ: ولقد مَكَّنَّا أَيُّها القومُ عادًا الذين أهلَكناهم بكفرِهم، فيما لم تُمكِّنْكم فيه مِن الدنيا، وأعطَيناهم منها الذي لم تُعْطِكم منها؛ من كثرةِ الأموالِ، وبسطةِ الأجسامِ، وشدةِ الأبدانِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8581>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثني أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾. يقولُ: لم نُمَكِّنْكم (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾: أنبَأكم أنه أعطَى القومَ ما لم يُعْطِكم.\nوقولُه: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا﴾ يسمَعون به مواعظَ ربِّهم، ﴿وَأَبْصَارًا﴾ يُبصِرون بها حُجَجَ اللهِ، ﴿وَأَفْئِدَةً﴾ يَعقِلون بها ما يضرُّهم وينفعُهم، ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: فلم ينفعْهم ما أعْطاهم مِن السمعِ والبصرِ والفؤادِ؛ إذ لم يستعمِلوها فيما أُعْطُوها له، ولم يُعْمِلوها فيما يُنَجِّيهم مِن عقابِ اللهِ، ولكنهم استعملوها فيما يُقَرِّبُهم مِن سَخَطِه؛ ﴿إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. يقولُ: إذ كانوا يُكذِّبون بحُجَجِ اللهِ، وهم رُسُلُه، ويُنْكِرون نبوَّتَهم، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يقولُ: وعادَ عليهم ما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٢ - من طريق أبي صالح به.","vol":"21","page":160},{"text":"استَهْزَءوا به، ونزَل بهم ما سَخِروا به فاستَعْجَلوا به من العذاب. وهذا وعيدٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه لقريشٍ، يقولُ لهم: فاحْذَروا أن يحِلَّ بكم من العذابِ على كفرِكم باللهِ وتَكْذيبكم رُسُلَه - ما حَلَّ بعادٍ، وبادروا بالتوبة قبلَ النِّقْمَةِ.\n\n<span id=\"aya-4537\"></span><span data-type='title' id=toc-8583>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لكفارِ قريشٍ، مُحذِّرَهم بأسَه وسَطْوتَه أن يَحِلَّ بهم على كفرِهم: ولقد أهْلَكْنا أيُّها القومُ مِن القُرَى ما حولَ قريتِكم، كحِجْرِ ثمودَ، وأرضِ سَدُومَ، ومأرِبَ، ونحوِها، فأنذَرْنا أهلَها بالمَثُلاتِ، وخَرَّبنا ديارَها، فجعَلناها خاويةً على عروشِها.\nوقولُه: ﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾. يقولُ: ووَعَظْناهم بأنواعِ العِظاتِ، وذكَّرْناهم بضُرُوبٍ مِن الذِّكْرِ والحَجَجِ، وبَيَّنَّا لهم ذلك.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾. قال: بَيَّناها.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. يقولُ: ليرجعِوا عما كانوا عليه مُقِيمين، مِن الكفرِ باللهِ وآياتِه. وفى الكلامِ متروكٌ، تُرِك ذكرُه استغناءً بدلالةِ الكلامِ عليه، وهو: فأبَوا إلا الإقامةَ على كفرِهم، والتمادىَ في غَيِّهم، فأهلَكْناهم، فلن ينصرَهم مِنَّا ناصرٌ.\n\n<span id=\"aya-4538\"></span>يقولُ جلَّ ثناؤُه: فلولا نصَر هؤلاء الذين أهلكناهم من الأممِ الخاليةِ قبلَهم أوثانُهم وآلهتُهم التي اتَّخَذوا عبادتَها قُرْبانًا يتقرَّبون بها، فيما زعَموا، إلى ربِّهم - مِنَّا، إذ جاءهم بأسُنا، فتُنْقِذَهم من عذابِنا إن كانت تشفعُ لهم عندَ ربِّهم كما","vol":"21","page":161},{"text":"يزعُمُون.\nوهذا احتجاجٌ مِن اللهِ لنبيِّه محمدٍ ﷺ على مشركي قومِه، يقولُ لهم: لو كانت آلهتُكم التي تعبُدون مِن دونِ اللهِ تُغْنى عنكم شيئًا، أو تنفعُكم عندَ اللهِ، كما تزعمُون أنكم إنما تعبُدونها لتُقَرِّبَكم إلى اللهِ زُلْفَى - لأغْنَت عمن كان قبلكم مِن الأممِ التي أهلكتُها بعبادتِهم إيَّاها، فدَفَعَت عنها العذابَ إذا نزَل، أو لشفَعَت لهم عندَ ربِّهم، فقد كانوا مِن عبادتِها على مثلِ الذي عليه أنتم، ولكنها ضَرَّتْهم ولم تنفعْهم. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾. يقولُ: بل تركَتهم آلهتُهم التي كانوا يعبُدونها، فأخَذَت غير طريقِهم؛ لأنَّ عَبَدَتَها هلَكت، وكانت هي حجارةً أو نُحاسًا، فلم يُصِبْها ما أصابَهم، ودَعَوها فلم تُجِبْهم، ولم تُغِثْهم، وذلك ضلالُها عنهم، ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾. يقولُ ﷿: هذه الآلهةُ التي ضَلَّت عن هؤلاء الذين كانوا يعبُدونها من دونِ اللهِ، عندَ نُزُولِ بأسِ اللهِ بهم، وفي حالِ طمعِهم فيها أن تُغِيثَهم، فخَذَلَتهم - هو ﴿إِفْكُهُمْ﴾. يقولُ: هو كذِبُهم الذي كانوا يَكذِبون ويقولون: هؤلاء آلهتُنا. ﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. يقولُ: وهو الذي كانوا يَفْتَرون فيقولون: هي تُقَرِّبُنا إلى اللهِ زُلْفى، وهى شفعاؤُنا عندَ اللهِ. وأُخرج الكلامُ مُخرجَ الفعلِ، والمَعْنيُّ المفعولُ به، فقيل: وذلك إفْكُهم. والمَعْنيُّ فيه: المأفُوكُ به؛ لأنَّ الإفكَ إنما هو فعْلُ الآفِكِ، والآلهةُ مأفوكٌ بها. وقد مضَى البيانُ عن نظائرِ ذلك قبلُ. قال: وكذلك قولُه: ﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\nواختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ بكسرِ الألفِ، وسكونِ الفاءِ، وضمِّ الكافِ، بالمعنى الذي بَيَّنَّا.","vol":"21","page":162},{"text":"ورُوِى عن ابن عباسٍ ﵁ في ذلك ما حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن عوفٍ، عمَّن حدَّثه، عن ابن عباسٍ، أنه كان يقرؤُها: (وذلك أَفَكَهُمْ). يعنى: بفتحِ الألفِ والكافِ، وقال: أضَلُّهم (^١).\nفمَن قرَأ القراءةَ الأولى التي عليها قرَأةُ الأمصارِ، فالهاءُ والميمُ في موضعِ خفضٍ. ومَن قرَأ هذه القراءةَ التي ذكَرناها عن ابن عباسٍ، فالهاءُ والميمُ في موضعِ نصبٍ؛ وذلك أن معنى الكلامِ على ذلك: وذلك صَرَفَهم عن الإيمانِ باللهِ.\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا القراءةُ التي عليها قرَأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحُجَّة عليها.\n\n<span id=\"aya-4539\"></span><span data-type='title' id=toc-8585>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُقَرِّعًا كفارَ قريشٍ بكفرِهم بما آمَنت به الجنُّ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمدُ ﴿نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾. ذُكِر أنهم صُرِفوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ بالحادثِ الذي حدَث من رجْمِهم بالشُّهُبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8584>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرةً، عن زيادٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: كانت الجنُّ تَسْتَمِعُ، فلما رُجِموا قالوا: إنَّ هذا الذي حدث في السماءِ لشيءٍ حدَثَ في الأرضِ، فذهَبوا يَطْلُبون، حتى رأَوا النبيَّ ﷺ خارِجًا من سوقِ عكاظٍ يُصلِّى بأصحابِه الفجرَ، فذهَبوا إلى قومِهم.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٤ إلى المصنف، وينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٤٠.","vol":"21","page":163},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: لما بُعث النبيُّ ﷺ حُرِسَت السماءُ، فقال الشيطانُ: ما حُرِسَت إلا لأمرٍ قد حدَث في الأرضِ، فبعَث سراياه في الأرضِ، فوجَدوا النبيَّ ﷺ قائمًا يُصَلِّي صلاة الفجرِ بأصحابه بنَخْلَةً (^١) وهو يَقْرَأُ، فاستمعوا حتى إذا فرَغ ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: لم تَكُنِ السماءُ تُحْرَسُ في الفترةِ بينَ عيسى ومحمدٍ صلَّى اللهُ عليهما، وكانوا يَقْعُدون مقاعِدَ للسمْعِ، فلمَّا بعَث اللهُ محمدًا ﷺ حُرِست السماءُ حَرَسًا شديدًا ورُجِمت الشياطينُ، فأنكَروا ذلك، وقالوا: ﴿لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]. فقال إبليسُ: لقد حدَث في الأرضِ حدَثٌ. واجتمَعت إليه الجنُّ، فقال: تفرَّقوا في الأرضِ، فأَخْبِرُونى ما هذا الخبرُ الذي حدَثٌ في السماءِ. وكان أولَ بعْثٍ ركبٌ من أهلِ نَصِيبينَ (^٣)، وهى أشرافُ الجنِّ وساداتُهم، فبعَثهم اللهُ إلى تِهامةَ فاندفَعوا حتى بلَغوا الوادِيَ؛ وادىَ نخلةَ، فوجَدوا نبيَّ الله ﷺ يُصَلِّى صلاةَ الغداةِ ببطنِ نخلةَ، فاستمَعوا، فلما سمِعوه يتلو القرآنَ قالوا: ﴿أَنْصِتُوا﴾، ولم يَكُنْ نبيُّ اللهِ ﷺ علِم أنهم استمَعوا إليه وهو يَقْرَأُ القرآنَ، ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (^٤).\nواختَلف أهلُ التأويلِ في مبلَغِ عددِ النفَرِ الذين قال اللهُ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾؛ فقال بعضُهم: كانوا سبعةَ نفَرٍ.\n_________\n(^١) نخلة: موضع على ليلة ليلة من مكة. معجم ما استعجم ٤/ ١٣٠٤.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٨ عن معمر به.\n(^٣) نصيبين: مدينة من بلاد الجزيرة في الطريق من الموصل إلى الشام. معجم البلدان ٤/ ٧٨٧.\n(^٤) ذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٦٧٢.","vol":"21","page":164},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8586>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ، قال: ثنا [النضرُ بنُ عربيٍّ] (^١)، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ الآية. قال: كانوا سبعةً نَفَرٍ مِن أهلِ نَصِيبين، فجعَلهم رسولُ اللهِ ﷺ رُسُلًا إلى قومهم (^٢).\nوقال آخرون: بل كانوا تسعةَ نفَرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8587>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كانوا تسعةَ نفَرٍ، فيهم زَوْبعةُ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن زِرِّ بن حُبَيشٍ، قال: أُنزِل على النبيِّ ﷺ وهو ببطن نخلةَ، ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾، قال: كانوا تسعةً، أحدُهم زَوْبَعَةُ (^٤).\nوقولُه: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾. يقولُ: فلمَّا حضر هؤلاء النفَرُ مِن الجنِّ الذين صرَفهم اللهُ إلى رسولِه نبيِّ اللهِ ﷺ.\n_________\n(^١) كذا في النسخ، وفى مصدرى التخريج: \"النضر أبي عمر\".\n(^٢) أخرجه الطبراني (١١٦٦٠)، وابن عدى في الكامل ٧/ ٢٤٨٨ من طريق أبى كريب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٤ إلى ابن مردويه، وعند الطبراني والسيوطى بلفظ: \"تسعة\" بدلا من: \"سبعة\".\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الدلائل (٢٥٣) من طريق يحيى بن يمان به.\n(^٤) أخرجه البزار (١٨٤٦) من طريق أبى أحمد به بلفظ: سبعة. وينظر علل الدارقطني ٥/ ٥٤ وأخرجه ابن أبي شيبة - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٢٧٣ - ومن طريقه الحاكم ٢/ ٤٥٦، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٢٢٨، وأحمد بن منيع في مسنده - كما في الدر المنثور ٦/ ٤٤ ومن طريقه الدارقطني في العلل ٥/ ٥٥ من طريق أبي أحمد عن سفيان عن عاصم عن زر بن حبيش عن ابن مسعود، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٤ إلى ابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل.","vol":"21","page":165},{"text":"واختَلف أهلُ العلمِ في صفةِ حُضُورِهم كان (^١) رسولَ اللهِ ﷺ؛ فقال بعضُهم: حضَروا رسولَ اللهِ ﷺ يَتَعرَّفون الأمرَ الذي حدَث مِن قِبَلِه ما حدَث في السماءِ، ورسولُ اللهِ ﷺ لا يَشْعُرُ بمكانِهم، كما قد ذكَرنا عن ابن عباسٍ قبلُ.\nوكما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: ما شعَر بهم رسولُ اللهِ ﷺ حتى جاءوا، فأوحَى اللهُ ﷿ إليه فيهم، وأخبَر عنهم.\nوقال آخرون: بل أُمِر نبيُّ اللهِ ﷺ أن يَقْرَأَ عليهم القرآنَ، وأنما جُمِعوا له بعدَ أن تقدَّمَ اللهُ إليه بإنذارِهم، وأمَره بقراءةِ القرآنِ عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-8588>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾. قال: ذُكِر لنا أنهم صُرِفوا إليه من نِينَوَى. قال: فإن نبيَّ اللهِ - صلى الله عليه وسل - قال: \"إنى أُمِرْتُ أن أقرَأَ القرآنَ على الجنِّ، فأيُّكم يَتْبَعُنى؟ \" فأطرَقوا، ثم استتبَعَهم فأطرَقوا، ثم استتَبعهم الثالثةَ فأطرَقوا، فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ [إنك لذو بَدِيئةٍ] (^٢). فاتَّبَعَه عبدُ الله بنُ مسعودٍ، فدخَل رسولُ اللهِ ﷺ شِعْبًا يُقالُ له شِعبُ الحَجُونِ. قال: وخَطَّ نبيُّ اللهِ ﷺ على عبدِ اللهِ خَطًّا ليُثْبِتَه (^٣) به. قال: فجعَلتْ تهوِى بى، وأرى أمثالَ النُّسورِ تَمْشِي في دُفوفِها، وسمِعتُ\n_________\n(^١) سقط من: م، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مكان\".\n(^٢) في م: \"بدئة\"، وكذا رسمت في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، والمثبت موافق لما في مخطوطة ابن كثير ففيه: \"إن ذاك لذو بدأة\"، وإنك لذو بديئة: أي لك أن تبدأ قبل غيرك. ينظر اللسان (ب د أ).\n(^٣) أثبت فلانًا: حبسه. اللسان (ث ب ت).","vol":"21","page":166},{"text":"لَغَطًا شديدًا، حتى خِفْتُ على نبيِّ اللهِ ﷺ، ثم تلا القرآنَ، فلما رجع نبيُّ اللهِ قلتُ: يا يا نبيَّ اللهِ، ما اللغَطُ الذي سمِعتُ؟ قال: \"اجتمَعوا إليَّ في قتيلٍ كان بينَهم\". فقَضَى بينَهم بالحقِّ (^١).\nذُكِر لنا (^٢) أن ابنَ مسعودٍ لما قدِم الكوفةَ رأى شيوخًا شُمْطًا من الزُّطِّ فراعُوه (^٣)، قال: مَن هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء نفرٌ مِن الأعاجمِ، قال: ما رأيتُ لِلَّذين قرَأ عليهم النبيُّ ﷺ الإسلامَ من الجنِّ شَبَهًا أدنى من هؤلاء.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة أن نبيَّ اللهِ ﷺ ذهَب وابنُ مسعودٍ ليلة دعا الجنَّ، فخطَّ النبيُّ ﷺ على ابن مسعودٍ خطًّا، ثم قال له: \"لا تَخْرُج منه\". ثم ذهَب النبيُّ ﷺ إلى الجنِّ، فقرَأ عليهم القرآنَ، ثم رجَع إلى ابن مسعودٍ فقال: \"هل رأَيْتَ شيئًا؟ \". قال: سمِعتُ لَغَطًا شديدًا. قال: \"إن الجنَّ تدارَأت في قتيلٍ قُتِل بينَها\". فقَضَى بينهم بالحقِّ، وسألوه الزادَ، فقال: \"كلُّ عَظمٍ لكم عَرْقٌ، وكلُّ رَوْثٍ لكم خَضِرةٌ\". قالوا: يا رسولَ اللهِ تُقذِّرها الناسُ علينا. فنهَى النبيُّ ﷺ أن يُسْتَنْجَى بأحدِهما. فلما قدِم ابن مسعودٍ الكوفةَ رأى الزُّطِّ، وهم قومٌ طِوالٌ سودٌ، فأفزَعوه، فقال: أظَهَروا؟! فقيل له: إن هؤلاء قومٌ من الزُّطِّ. فقال: ما أشبَههم بالنفرِ الذين صُرِفوا إلى النبيِّ ﷺ (^٤).\nقال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرِو بن غَيلانَ الثقفيِّ، أنه قال لابنِ مسعودٍ: حُدِّثتُ أنك كنتَ مع رسولِ اللهِ ﷺ ليلةَ وفْدِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٢٧٩ من طريق سعيد به.\n(^٢) القائل هو قتادة. وينظر تفسير البغوي ٧/ ٢٦٨.\n(^٣) الشمَط: بياضُ شعر الرأس يخالط سواده. والزط: جيل من الناس، من السودان، وقيل: من الهند.\nطوال مع نحافة، وراعوه: أفزعوه. وينظر التاج (ش م ط، ز ط ط، ر وع).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٨، ٢١٩ عن معمر به.","vol":"21","page":167},{"text":"الجنِّ. قال: أجَلْ، قال: فكيفَ كان؟ فذكر الحديثَ كلَّه، وذكَر أن النبيَّ ﷺ خطَّ عليه خطًّا وقال: \"لا تَبْرَحْ منها\". فذكَر أن مثلَ العَجاجةِ (^١) السوداءِ غشِيَت رسولَ اللهِ ﷺ، فذُعِر ثلاثَ مرَّاتٍ، حتى إذا كان قريبًا من الصبحِ أتاني النبيُّ ﷺ، فقال: \"أنِمْتَ؟ قلتُ: لا والله، ولقد همَمتُ مِرارًا أن أَسْتَغِيثَ بالناسِ، حتى سمِعتُك تَقْرَعُهم بعصاك، تقولُ: \"اجلِسوا\". قال: \"لو خرَجتَ لم آمَنْ أن يتخطَّفَك (^٢) بعضُهم\". ثم قال: \"هل رأيْتَ شيئًا؟ \". قال: نعمْ، رأيتُ رجالًا سودًا مُسْتَثْفِرى (^٣) ثِيابٍ بياضٍ. قال: \"أولئكِ جنُّ نَصِيبينَ، سألوني المتاعَ - والمتاعُ الزادُ - فمتَّعتُهم بكلِّ عظْمٍ حائلٍ (^٤) أو بعْرةٍ أو رَوْثةٍ\". فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، وما يُغنى ذلك عنهم؟ قال: \"إنهم لا يجِدون عَظْمًا إِلَّا وجَدوا عليه لحمَه يومَ أُكِل، ولَا رَوْثَةً إلا وجَدوا فيها حَبَّها يومَ أُكِلتْ، فلا يَسْتَنقِيَنَّ أَحدٌ منكم إذا خرَج من الخلاءِ بعظْمٍ ولا بَعْرةٍ ولا رَوْثةٍ\" (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: أخبَرنا أبو زُرْعةً وهبُ اللهِ بنُ راشدٍ، قال: قال، يونسُ، قال ابن شهابٍ: أخبَرنى أبو عثمانَ بنُ سَنَّةَ (^٦) الخزاعيُّ - كان من أهلِ الشامِ - أنَّ ابنَ مسعودٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ لأصحابِه وهو بمكةَ: \"من أحبَّ منكم أن يَحْضُرَ أمرَ الجنِّ الليلةَ فليَفْعَلْ\". فلم يَحْضُرُ منهم أحدٌ غيرِى. قال: فانطلَقْنا حتى إذا كنَّا بأعلى مكةَ خطَّ لى برجلِه خطًّا، ثم أمَرني أن أجْلِسَ فيه،\n_________\n(^١) العجاج: الغبار، واحدته عجاجة. التاج (ع ج ج).\n(^٢) في م: \"يختطفك\".\n(^٣) في م: \"مستشعرى\". والاستثفار: أن يدخل الرجل ثوبه بين رجليه كما يفعل الكلب بذنبه. النهاية ١/ ٢١٤.\n(^٤) الحائل: المتغير اللون من كل شيء من حال لونُه، إذا تغير واسودَّ. التاج (ح ول).\n(^٥) ذكرُه ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٧٦ عن المصنف، وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده - كما في المطالب العالية ٩/ ٦٥ من طريق معمر به.\n(^٦) في م: \"شبة\"، وفى ت ١: \"شينة\". وينظر المشتبه ١/ ٣٨٩.","vol":"21","page":168},{"text":"ثم انطلَق حتى قامَ، فافتتَح القرآنَ، فغشِيتْه أسْوِدَةٌ كثيرةٌ (^١) حالت بيني وبينَه حتى ما أسْمَعُ صوتَه. ثم طفِقوا يتَقَطَّعون مثلَ قِطعِ السحابِ ذاهبين، حتى بقِىَ منهم رهطٌ، ففرَغ رسولُ اللهِ ﷺ مع الفجر، فانطلَق مُتَبرِّزًا، ثم أتاني فقال: \"ما فعَل الرَّهْطُ؟ \" قلتُ: هم أولئك يا رسولَ اللهِ. فأخَذ عظْمًا أو روْثًا أو حُمَمَةً (^٢)، فأعطاهم إياه زادًا، ثم نهَى أن يَسْتطِيبَ أحدٌ بعظمٍ أو روثٍ (^٣).\nحدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثنا عمى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى يونسُ، عن ابن شهابٍ، عن أبي عثمانَ بن سَنَّةَ (^٤) الخُزاعيِّ - وكان من أهلِ الشامِ - أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ. فذكَر مثلَه سواءً، إلا أنه قال: فأعطاهم رَوْثًا أو عظمًا زادًا. ولم يَذْكُرِ الحَمَمَةَ (^٥).\nحدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثنى عمي، قال: أخبَرني يونسُ، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد اللهِ، أن ابن مسعودٍ قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"بِتُّ الليلةَ أقرَأُ على الجنِّ رُبُعًا بالحَجُونِ\" (^٦).\nواختلَفوا في الموضعِ الذي تَلا عليهم رسولُ اللهِ ﷺ فيه القرآنَ؛ فقال عبدُ اللهِ\n_________\n(^١) في م: \"كبيرة\". وأسودة: جمع سواد، وهو الشخص؛ لأنه يُرى من بعيد أسود. التاج (س ود).\n(^٢) في م: \"جمجمة\". والحممة: الفحمة، جمعها حمم. النهاية ١/ ٤٤٤.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٧٥ عن المصنف، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٠٣، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٢٣٠ من طريق يونس به، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (١١١٤)، وأبو نعيم في الدلائل (٢٦٣) من طريق ابن شهاب به.\n(^٤) في م: \"شبة\".\n(^٥) في م: \"الجمجمة\".\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٧٥ عن المصنف، وأخرجه النسائي (٣٩)، والطحاوي في شرح المعانى ١/ ١٢٣ من طريق ابن وهب به مختصرا.\n(^٦) الحجون: موضع بمكة عند المُحَصَّب. ويقال: مقبرة أهل مكة، تجاه دار أبي موسى الأشعرى. معجم ما استعجم ٢/ ٤٢٨.\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٧٥ عن المصنف، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (١١١٦) من =","vol":"21","page":169},{"text":"ابن مسعودٍ: قرَأ عليهم بالحَجُونِ. وقد ذكَرْنا الروايةَ عنه بذلك.\nوقال آخرون: قرَأ عليهم بنَخلةَ. وقد ذكَرْنا بعضَ مَن قال ذلك، ونَذْكُرُ مَن لم نَذْكُرْه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا خلادٌ، عن زهيرِ بن معاويةَ، عن جابرٍ الجُعْفيِّ، عن عكرمةً، عن ابن عباسٍ، أن النَّفَرَ الذين أتَوا رسولَ اللهِ ﷺ من جنِّ نَصِيبينَ أتَوه وهو بنَخلةَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: لقِيَهم بنَخلةَ ليلتَئذٍ (^٢).\nوقولُه: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا حضَروا القرآنَ ورسولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ، قال بعضُهم لبعضٍ: أَنصِتوا لنَسْتَمِعَ القرآنَ.\nكما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾. قالوا: صَهٍ (^٣).\nقال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن زرٍّ بن حبُيَشٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾: قد علِم القومُ أنهم لن يَعْقِلوا حتى يُنْصِتوا.\nوقولُه: ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾. يقولُ: فلما فرَغ رسولُ اللهِ ﷺ من القراءةِ وتلاوةِ القرآنِ.\n_________\n= طريق ابن شهاب به.\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٤ إلى المصنف وابن المنذر وأبي نعيم في الدلائل.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٠٣.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ١٦٥.","vol":"21","page":170},{"text":"وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8589>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾. يقولُ: فلما فرَغ من الصلاةِ، ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾.\nوقولُه: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾. يقولُ: انصرَفوا مُنذِرين عذابَ اللهِ على الكفرِ به.\nوذُكِر عن ابن عباسٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ جعلهم رُسُلًا إلى قومِهم.\nحدَّثنا بذلك أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، قال: ثنا النضرُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ (^١).\nوهذا القولُ خلافُ القولُ الذي رُوِى عنه أنه قال: لم يَكُنْ نبيُّ اللهِ ﷺ علِم أنهم استمعوا إليه وهو يَقْرَأُ القرآنَ (^٢). لأنَّه محالٌ أن يُرْسِلَهم إلى آخرِين إلا بعدَ علمِه بمكانِهم. إلا أن يُقالَ: لم يَعْلَمْ بمكانِهم في حالِ استماعِهم للقرآنِ، ثم علِم بعدُ قبلَ انصرافِهم إلى قومِهم، فأرسَلهم رُسُلًا حينَئذٍ إلى قومِهم، وليس ذلك في الخبرِ الذي رُوِى.\n\n<span id=\"aya-4540\"></span><span data-type='title' id=toc-8590>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِ هؤلاء الذين صُرِفوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ من الجنِّ لقومِهم لمَّا انصرَفوا إليهم من عندِ رسولِ اللهِ ﷺ: يا قومَنا من الجنِّ، إِنَّا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١٦٥.\n(^٢) ينظر الأثر المتقدم في ص ١٦٤.","vol":"21","page":171},{"text":"سمِعْنا كتابًا أُنزِل من بعدِ كتابِ موسى، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. يقولُ: يُصَدِّقُ ما قبلَه من كتبِ اللهِ التي أنزَلها على رُسُلِه.\nوقولُه: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾. يقولُ: يُرْشِدُ إلى الصوابِ ويَدُلُّ على ما فيه للهِ رضًا، ﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: وإلى طريقٍ لا اعْوجاجَ فيه، وهو الإسلامُ.\nوكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أنه قرأ: ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فقال: ما أسرَعَ ما عقَل القومُ! ذُكِر لنا أنَّهم صُرِفوا إليه من نِينَوَى (^١).\n\n<span id=\"aya-4541\"></span><span data-type='title' id=toc-8591>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِ هؤلاء النَّفَرِ من الجنِّ لقومِهم: يا قومَنا من الجنِّ، ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾. قالوا: أجِيبوا رسولَ اللهِ محمدًا إلى ما يَدْعوكم إليه من طاعةِ اللهِ، ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾. يقولُ: وصَدَّقوه فيما جاءكم به وقومَه من أمرِ اللهِ ونهيِه وغيرِ ذلك مما دعاكم إلى التصديقِ به، ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾. يقولُ: يَتَغَمَّد لكم ربُّكم من ذنوبِكم فيَسْتُرُها عليكم (^٢) ولا يَفْضَحُكم بها في الآخرةِ، بعقوبتِه إيَّاكم عليها، ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. يقولُ: ويُعِذْكم (^٣) من عذابٍ موجعٍ إذا أنتم\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١٦٦، ١٦٧.\n(^٢) في م: \"لكم\".\n(^٣) في م: \"ينقذكم\".","vol":"21","page":172},{"text":"تُبْتُم من ذنوبِكم، وأنَبتم من كفرِكم إلى الإيمانِ باللهِ وبداعِيه.\n\n<span id=\"aya-4542\"></span>وقولُه: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ هؤلاء النَّفَرِ لقومِهم: ومَن لا يُجِبْ أَيُّها القومُ رسولَ اللهِ ﷺ محمدًا وداعيَه إلى ما بعَثه بالدعاءِ إليه؛ من توحيدِه والعملِ بطاعتِه، ﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: فليس بمعجِزٍ ربَّه بهربِه، إذا أراد عقوبتَه على تكذيبِه داعيَه وترْكِه تصديقَه، وإِنْ ذهَب في الأرضِ هاربًا؛ لأنه حيثُ كان فهو في سلطانِه وقبضتِه، ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾. يقولُ: وليس لمن لم يُجِبْ داعيَ اللهِ من دونِ ربِّه نُصراءُ يَنْصُرونه من اللهِ، إذا عاقبه ربُّه على كفرِه به وتكذيبِه داعيَه.\nوقولُه: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين [لا يُجِيبون] (^١) داعيَ اللهِ فيُصَدِّقوا به وبما دعاهم إليه من توحيدِ اللهِ والعملِ بطاعتِه - في جَوْرٍ عن قصدِ السبيلِ، وأخذٍ على غيرِ استقامةٍ، ﴿مُبِينٍ﴾. يقولُ: يَبِينُ لمن تأمَّله أنه ضلالٌ وأخْذٌ على غيرِ قصدٍ.\n\n<span id=\"aya-4543\"></span><span data-type='title' id=toc-8592>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أو لم يَنْظُر هؤلاء المُنكِرون إحياءَ اللهِ خلقَه مِن بعدِ وفاتِهم، وبعثَه إيَّاهم من قبورِهم بعدَ بِلاهم القائلون لآبائِهم وأمهاتِهم: ﴿أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ [الأحقاف: ١٧] فلم يُبْعَثوا - بأبصارِ قلوبِهم، فيَرَوا ويَعْلَموا أنَّ الله الذي خلَق السماواتِ السبعَ والأرضَ، فابتدعهُنَّ من غيرِ شيءٍ، ولم يَعْىَ بإنشائِهن فيَعْجِزَ عن اختراعِهن وإحداثِهن، ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ\n_________\n(^١) في م: \"لم يجيبوا\".","vol":"21","page":173},{"text":"يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ فيُخْرِجَهم مِن بعدِ بِلاهم في قبورِهم أحياءً كهيئتِهم قبلَ وفاتِهم.\nواختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ الباءِ في قولِه: ﴿بِقَادِرٍ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: هذه الباءُ كالباءِ في قولِه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ [الرعد: ٤٣، الإسراء: ٩٦، العنكبوت: ٥٢]. وهو مِثلُ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠].\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (^١): دخَلت هذه الباءُ لـ \"لَمْ\". قال والعربُ تُدْخِلُها مع الجحودِ إذا كانت رافعةً لما قبلَها، وتُدْخِلُها إذا وقَع عليها فعلٌ يَحْتَاجُ إلى اسمين، مثلَ قولِك: ما أظنُّك بقائمٍ، وما أظنُّ أنك بقائمٍ، وما كنتَ بقائمٍ. فإذا خَلَعْت الباءَ نصَبْت الذي كانت تعملُ فيه [بما يعملُ فيه] (^٢) من الفعلِ. قال: ولو أُلْقِيت الباءُ من \"قادرٍ\" في هذا الموضعِ رفع؛ لأنه خبرٌ لـ \"أن\". قال: وأنشَدني بعضُهم:\nفما رجَعت بخائبةٍ (^٣) ركابٌ … حَكِيمُ بنُ المسيَّبِ مُنْتَهاها\nفأدخَل الباءَ في فعلٍ لو أُلقيت منه نُصِب (^٤) بالفعلِ لا بالباءِ، يُقاسُ على هذا ما أشبَهه.\nوقال بعضُ مَن أنكَر قولَ البصريِّ الذي ذكَرْنا قولَه: هذه الباءُ دخَلت للجحدِ؛ لأنَّ المجحودَ في المعنى - وإن كان قد حال بينَهما بـ \"أَنَّ\" -: أَوَ لَمْ يَروا أَنَّ الله قادرٌ على أن يُحْيِيَ المَوْتَى. قال: فـ \"أن\" اسمُ \"يَرَوا\"، وما بعدَها في صلتِها، ولا تَدْخُلُ فيه الباءُ، ولكنَّ معناه جَحْدٌ، فدخَلت للمعنى.\n_________\n(^١) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٥٦، ٥٧.\n(^٢) سقط من ت ١، وفى ص، ت ٢، ت ٣: \"تعمل\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بجانية\".\n(^٤) في ت ١: \"نصبته\"، وفى ت ٢، ص: \"نصبت\".","vol":"21","page":174},{"text":"وحُكِى عن البصريِّ أنه كان يَأبَى إدخالَ \"إلَّا\"، وأنَّ النحويين من أهلِ الكوفةِ يُجيزونه، ويَقولون: ما ظننتُ أنَّ زيدًا إلَّا قائمًا، وما ظننتُ أنَّ زيدًا بعالمٍ. ويُنْشِدُ:\nولستُ بحالفٍ لَوَلَدْتُ مِنهم … على عمِّيَّةٍ إِلَّا زيادا\nقال: فأدخل \"إلَّا\" بعدَ جوابِ اليمينِ. قال: فأمَّا: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾. فهذه لم تَدْخُلْ إِلَّا لمعنًى صحيحٍ، وهي للتعجُّبِ، كما تقولُ: لظَرُفَ بزيدٍ. قال: وأمَّا: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾. فأجمَعوا على أنها صلةٌ.\nوأشبهُ الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: دخَلت الباءُ في قولِه: بِقَدِرٍ للجَحْدِ؛ لما ذكرنا لقائلي ذلك من العِلل.\nواختلَفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿بِقَادِرٍ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الأمصارِ غيرَ أبي إسحاقَ والجَحْدَريِّ والأعرجِ: ﴿بِقَادِرٍ﴾. وهى الصحيحةُ عندَنا؛ لإجماعِ قرَأةِ الأمصارِ عليها.\nوأما الآخرون الذين ذكَرْتُهم فإنهم فيما ذُكِر عنهم كانوا يَقْرَءُون ذلك: (يقدِرُ) بالياءِ (^١).\nوقد ذُكِر أنه في قراءةِ عبد اللهِ بن مسعودٍ: (أنَّ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ قادرٌ) بغيرِ باءٍ (^٢). ففى ذلك حجةٌ لمن قرَأه: ﴿بِقَادِرٍ﴾ بالباءِ والألفِ.\nوقولُه: ﴿بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: بلى، يَقْدِرُ الذي خلَق السماواتِ والأرضَ على إحياءِ الموتى. أي: الذي خلَق ذلك على كلِّ شيءٍ شاء خلْقَه وأراد فعْلَه، ذو قدرةٍ لا يُعْجِزُه شيءٌ أرادَه، ولا يُعْيِيه شيءٌ أراد فِعْلَه\n_________\n(^١) وهى قراءة يعقوب من العشرة، وهى قراءة متواترة. النشر ٢/ ٢٦٦، وبها قرأ أيضا زيد بن علي وعمرو بن عبيد وعيسى. البحر المحيط ٨/ ٦٨.\n(^٢) ينظر تفسير القرطبي ١٦/ ٢١٩.","vol":"21","page":175},{"text":"فيُعييَه إنشاءُ الخلقِ بعدَ الفناءِ؛ لأن مَن عجَز عن ذلك فضعيفٌ، فلا يَنْبَغى أن يكونَ إلهًا من كان عمَّا أراد ضعيفًا.\n\n<span id=\"aya-4544\"></span><span data-type='title' id=toc-8593>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ يُعْرَضُ هؤلاء المكذِّبون بالبعثِ وثوابِ اللهِ عبادَه على أعمالِهم الصالحةِ، وعقابِه إياهم على أعمالِهم السيئةِ - على النارِ، نارِ جهنمَ، يُقالُ لهم حينَئذٍ: أليس هذا العذابُ الذي تُعذَّبونه اليومَ، وقد كنتم تُكَذِّبون به في الدنيا - بالحقِّ؟ توبيخًا من اللهِ لهم على تكذيبِهم به كان في الدنيا، ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾. يقولُ: فيُجِيبُ هؤلاء الكفرةُ من فورِهم بذلك، بأن يَقولوا: بلى، هو الحقُّ واللهِ، ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: فقال لهم المقرِّرُ بذلك: فذوقوا عذابَ النارِ الآنَ؛ بما كنتم تَجْحَدونه في الدنيا وتُنْكِرُونه، وتَأْبون الإقرار إذا دُعيتم إلى التصديقِ به.\n\n<span id=\"aya-4545\"></span><span data-type='title' id=toc-8594>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ، مُثَبِّتَه على المُضِيِّ لما قلَّده من عِبْءِ الرسالةِ وثقلِ أحمالِ النبوَّةِ ﷺ، وآمِرَه بالائتساءِ في العزمِ على النفوذِ لذلك بأُولِى العزمِ من قبلِه من رسلِه الذين صبَروا على عظيمِ ما لَقُوا فيه من قومِهم من المكارِه، ونالهم فيه منهم من الأذى والشدائدِ: ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمدُ على ما أصابك في اللهِ من أذى مكذِّبيك من قومِك الذين أرسَلْناك إليهم بالإنذارِ، ﴿كَمَا صَبَرَ أُولُو","vol":"21","page":176},{"text":"الْعَزْمِ﴾ على القيامِ بأمرِ اللهِ، والانتهاءِ إلى طاعتِه، من رسلِه الذين لم يَنْهَهم عن النفوذِ لأمرِه ما نالهم فيه من شدَّةٍ.\nوقيل: إن أُولى العزم منهم كانوا الذين امتُحِنوا في ذاتِ اللهِ في الدنيا بالمحنِ، فلم تَزِدْهم المحنُ إلا جِدًّا في أمرِ اللهِ، كنوحٍ وإبراهيمَ وموسى ومن أشبَهَهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8595>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى ثوابةُ بنُ مسعودٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ أنه قال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾: نوحٌ وإبراهيمُ وموسى وعيسى ومحمدٌ صلَّى اللهُ عليهم وسلَّم.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾: كنا نحدَّثُ أن إبراهيمَ كان منهم (^١).\nوكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾. قال: كلُّ الرسلِ كانوا أولى عزمٍ، لم يَتَّخِذِ اللهُ رسولًا إلا كان ذا عزمٍ، فاصبِرْ كما صبَروا.\nحدَّثنا ابن سنانٍ القزازُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾. قال: سمَّاه اللهُ من شدتِه العزمَ.\nوقولُه: ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾. يقولُ: ولا تَسْتَعْجِلُ عليهم العذابَ. يقولُ:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٩ عن معمر عن قتادةَ بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":177},{"text":"لا تَعْجَلْ بمسألتِك ربَّك ذلك لهم، فإن ذلك نازلٌ بهم لا محالةَ، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾، يقولُ: كأنهم يومَ يَرون عذابَ اللهِ الذي يَعِدُهم أنه منزلُه بهم، لم يَلْبَثوا في الدنيا إلا ساعةً من نهارٍ؛ لأنه يُنْسِيهم شَدَّهُ ما يَنْزِلُ بهم من عذابِه قدر ما كانوا في الدنيا لبِثوا، ومبلغَ ما فيها مكَثوا من السنين والشهورِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢، ١١٣].\nوقولُه: ﴿بَلَاغٌ﴾. فيه وجهان؛ أحدُهما: أن يكونَ معناه: لم يَلْبَثوا إلا ساعةً من نهارٍ، ذلك لُبْثُ بلاغٍ. بمعنى: ذلك بلاغٌ لهم في الدنيا إلى أجلِهم. ثم حُذِفت: ذلك لُبْثُ. وهى مرادةٌ في الكلامِ؛ اكتفاءً بدلالةِ ما ذُكِر من الكلامِ عليها. والآخرُ: أن يكونَ معناه: هذا القرآنُ والتذكيرُ بلاغٌ لهم وكفايةٌ إن فكَّروا واعتَبروا فتذكَّروا.\nوقولُه: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فهل يُهْلِكُ اللهُ بعذابِه إذا أنزَله إلَّا القومَ الذين خالَفوا أمرَه، وخرَجوا عن طاعتِه وكفَروا به؟ ومعنى الكلامِ: وما يُهْلِكُ اللهُ إلا القوم الفاسقين.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8596>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾: تَعلَّموا، ما يَهْلِكُ على اللهِ إلا هالكٌ ولَّى الإسلامَ ظهرَه، أو منافقٌ صدَّق بلسانِه وخالَف بعملِه (^١). ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"أيُّما\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"21","page":178},{"text":"عبدٍ من أمتى همَّ بحسنةٍ كُتِبت له واحدةً، وإن عمِلها كُتِبت له عشرَ أمثالِها، وأيُّما عبدٍ همَّ بسيئةٍ لم تُكْتَبْ عليه، فإن عمِلها كُتِبت سيئةً واحدةً، ثم كان يُتْبِعُها ويَمْحُوها اللهُ، ولا يَهْلِكُ إلا هالكٌ\" (^١).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"الأحقافِ\"\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٣١٥ (٢٥١٩)، ومسلم (١٣١) من حديث ابن عباس.","vol":"21","page":179},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8597>تفسيرُ سورةِ محمدٍ ﷺ </span>-\n﷽\n\n<span id=\"aya-4546\"></span><span data-type='title' id=toc-8599>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ </span>(٢)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه: الذين جَحَدوا توحيدَ اللهِ وعبَدوا غيرَه، وصدُّوا من أراد عبادتَه والإقرارَ بوحدانيتِه، وتصديقَ نبيِّه محمدٍ ﷺ عن الذي أراد من الإسلامِ والإقرارِ والتصديقِ، ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾. يقولُ: جعَل اللهُ أعمالَهم ضلالًا على غيرِ هدًى وغيرٍ رشادٍ؛ لأنها عُمِلت في سبيلِ الشيطانِ، وهى على غيرِ استقامةٍ.\n\n<span id=\"aya-4547\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين صدَّقوا الله، وعمِلوا بطاعتِه، واتَّبعوا أمرَه ونهيَه، ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾. يقولُ: وصدَّقوا بالكتاب الذي أنزل اللهُ على محمدٍ، ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾. يقولُ: محَا اللهُ عنهم بفعلِهم ذلك سيّئَ ما عمِلوا من الأعمالِ، فلم يؤاخِذْهم به، ولم يعاقِبْهم عليه، ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾. يقولُ: وأصلَح شأنَهم وحالَهم في الدنيا عندَ أوليائِه، وفى الآخرةِ بأن أورَثهم نعيمَ الأبدِ والخلودَ الدائمَ في جناتِه.\nوذُكر أنه عُنِى بقولِه: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، أهلُ مكةَ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية، أهلُ المدينةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8598>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني إسحاقُ بن وهبٍ الواسطيُّ، قال: ثنا عبيدُ الله بنُ موسى، قال: أخبَرنا","vol":"21","page":180},{"text":"إسرائيلُ، عن أبي القتَّاتِ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: نزَلت في أهلِ مكةَ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال: الأنصارُ (^١).\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8600>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني إسحاقُ بنُ وهبٍ الواسطيُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى القتّاتِ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ: ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾. قال: أمْرَهم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾. قال: شأنَهم (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾.\nقال: أصلَح حالَهم.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾. قال: حالَهم (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَصْلَحَ\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٥٧ من طريق عبيد الله بن موسى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) تفسير مجاهد ٦٠٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٠ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"21","page":181},{"text":"بَالَهُمْ﴾. قال: حالَهم (^١).\nوالبالُ كالمصدرِ مثلُ الشأنِ، لا يُعرفُ منه فعلٌ، ولا تكادُ العربُ تجمعُه إلا في ضرورةِ شعرٍ، فإذا جمَعُوه قالوا: بالاتٌ.\n\n<span id=\"aya-4548\"></span><span data-type='title' id=toc-8601>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ </span>(^٣)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي فعَلنا بهذين الفريقين من إضلالِنا أعمالَ الكافِرين، وتكفيرِنا عن الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ - جزاءٌ منا لكلِّ فريقٍ منهم على فعِله؛ أما الكافِرون فأضلَلْنا أعمالَهم، وجعَلناها على غيرِ استقامةٍ وهدًى؛ بأنهم اتَّبعوا الشيطانَ فأطاعوه، وهو الباطلُ.\nكما حدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ وعباسُ بنُ محمدٍ، قالا: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: أخبَرنى خالدٌ أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾. قال: الباطلُ الشيطانُ (^٢).\nوأما المؤمنون فكفَّرنا عنهم سيئاتِهم، وأصلَحنا لهم حالَهم؛ بأنهم اتَّبعوا الحقَّ الذي جاءَهم من ربِّهم، وهو محمدٌ ﷺ، وما جاءَهم به من عندِ ربِّه من النورِ والبرهانِ (^٣)، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾. يقولُ ﷿: كما بيَّنتُ لكم أيُّها الناسُ فِعلى بفريقِ الكفرِ والإيمانِ، كذلك نمثِّلُ للناسِ الأمثالَ، ونشبِّهُ لهم الأشباهَ، فتُلحِقُ بكلِّ قومٍ من الأمثالِ أشكالًا.\n\n<span id=\"aya-4549\"></span><span data-type='title' id=toc-8602>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا</span>\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٨٩.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٣: \"وهو\".","vol":"21","page":182},{"text":"أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه لفريقِ الإيمانِ به وبرسولِه: فإذا لقِيتم الذين كَفَروا باللهِ ورسولِه من أهلِ الحربِ، فاضرِبوا رقابَهم.\nوقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾. يقولُ: حتى إذا غلَبتموهم وقهَرتم من لم تضربوا رقبته منهم، فصاروا في أيديكم أسرَى، ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾. يقولُ: فشُدُّوهم في الوثاقِ؛ كيلا يقتُلوكم، فيهرُبوا منكم.\nوقولُه: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾. يقولُ: فإذا أسَرتموهم بعدَ الإثخانِ؛ فإما أن تَمُنُّوا عليهم بعدَ ذلك بإطلاقِكم إياهم من الأسرِ، وتحرِّروهم بغيرِ عوضٍ ولا فِدْيةٍ، وإما أن يُفادوكم (^١) فداءً؛ بأن يُعطوكم من أنفسِهم عوضًا حتى تطلِقوهم وتخلُّوا لهم السبيلَ.\nواختلَف أهلُ العلمِ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾؛ فقال بعضُهم: هو منسوخٌ نسَخه قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وقولُه: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-8603>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ وابنُ عيسى الدَّامَغانيُّ، قالا: ثنا ابن المباركِ، عن ابن جُرَيجٍ أنه كان يقولُ في قولِه: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾: نسَخها قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ\n_________\n(^١) في ت ١: \"تفاوهم\".","vol":"21","page":183},{"text":"حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾. قال: نسَخها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾: نسَخها قولُه: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قولِه: ﴿وَإِمَّا فِدَاءً﴾: كان المسلمون إذا لقُوا المشرِكين قاتَلوهم، فإذا أسَروا منهم أسيرًا، فليس لهم إلا أن يُفادُوه، أو يَمُنُّوا عليه ثم يرسِلوه، فنَسَخ ذلك بعدُ قولُه: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾. أي: عِظْ بهم مَن سواهم من الناسِ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن عبد الكريمِ الجَزَريِّ، قال: كُتِب إلى أبي بكرٍ ﵁ في أسيرٍ أُسِر، فذُكِر أنهم التمَسوه بفداءٍ كذا وكذا، فقال أبو بكرٍ: اقتُلوه، لَقَتْلُ رجلٍ من المشركين أحبُّ إليَّ من كذا وكذا (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٦٦٨ من طريق ابن المبارك به.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٠٠، وفى الأموال (٣٤٣) عن عبد الرحمن به. وأخرجه ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٢٦٧، ٤٦٨ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢١ - ومن طريقه النحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٦٧١ - عن معمر به.\n(^٤) أخرجه ابن الجوزى في النواسخ ص ٤٦٧ من طريق سعيد به، وأخرجه أبو داود في ناسخه - كما في الدر المنثور ٦/ ٤٦ ومن طريقه ابن الجوزى في النواسخ ص ٤٦٧ - من طريق الحجاج، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٣٩١)، وفى تفسيره ٢/ ٢٢٠، وأبو عبيد في الأموال (٣٥٢) من طريق معمر به.","vol":"21","page":184},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: الفداءُ منسوخٌ، نسَختها: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] إلى: ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥]. قال: فلم يبقَ لأحدٍ من المشركين عهدٌ ولا حرمةٌ بعدَ \"براءة\"، وانسلاخِ الأشهرِ الحُرمِ (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾: هذا منسوخٌ، نسَخه قولُه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. فلم يبقَ لأحدٍ من المشركين عهدٌ ولا ذمَّةٌ بعدَ \"براءة\" (^٢).\nوقال آخرون: هي محكمةٌ، وليست بمنسوخةٍ. وقالوا: لا يجوزُ قتلُ الأسيرِ، وإنما يجوز المن عليه والفداءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8604>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو عتَابٍ سهلُ بنُ حمادٍ، [قال: ثنا شعبةُ] (^٣)، قال: ثنا خُلَيدُ (^٤) بن جعفرٍ، عن الحسنِ، قال: أُتِىَ الحجاج بأُسارَى، فدفَع إلى ابن عمرَ رجلًا يقتُلُه، فقال ابن عمرَ: ليس بهذا أُمرنا، قال الله ﷿: ﴿إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾. قال (^٥): البكاءُ بين يديه. فقال الحسنُ: لو كان\n_________\n(^١) أخرجه ابن الجوزى في نواسخ القرآن ص ٤٦٧ عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٦ إلى ابن مردويه، كلاهما إلى قولِه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ الآية.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٤٠٥) من طريق جويبر عن الضحاك، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٤٧٩.\n(^٤) في النسخ: \"خالد\". وينظر تهذيب الكمال ٨/ ٣٠٤.\n(^٥) كذا في النسخ، ولعله سقط: فكثر. أو كلمة نحوها.","vol":"21","page":185},{"text":"هذا وأصحابُه لابتدَروا إليهم (^١).\nحدَّثنا ابن حميد وابن عيسى الدامغانيُّ، قالا: ثنا ابن المباركِ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ أنه كان يكره قتل المشركِ صَبْرًا. قال ويتلو هذه الآيةَ: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ، قال: لا تُقتَلُ الأُسارى إلا في الحرب؛ يُهيَّبُ بهم العدوُّ (^٣).\nقال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، قال: كان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يَفديهم الرجلَ بالرجلِ (^٤)، وكان الحسنُ يكرَهُ أن يُفادَى بالمالِ (^٥).\nقال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن رجل من أهلِ الشامِ ممن كان يحرُسُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، وهو من بني أسدٍ، قال: ما رأيتُ عمرَ ﵀ قتل أسيرًا إلا واحدًا من التُّركِ؛ كان جِيء بأُسارى من التركِ، فأمَر بهم أن يُسترَقُّوا، فقال رجلٌ ممن جاء بهم: يا أمير المؤمنين، لو كنتَ رأيتَ هذا - لأحدِهم - وهو يقتل المسلمين لكثُر بكاؤُك عليهم. فقال عمرُ: فدونَك فاقتُلْه. فقام إليه فقتَله (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٤٢٢ من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٦ إلى ابن مردويه.\n(^٢) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٦٧٢ من طريق ابن المبارك به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٣٨٩)، وأبو عبيد في ناسخه ص ٣٠٢، وفى الأموال (٣٢٣)، وابن أبي شيبة ١٢/ ٤٢١ من طريق ابن جريج به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٠ عن معمر به وأخرجه في مصنفه (٩٣٩٣) عن معمر، عمن سمع الحسن.\n(^٤) كذا في النسخ. وفي مصدر التخريج: \"بالرجلين\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢١ عن معمر به.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٣٩٢)، وفى تفسيره ٢/ ٢٢٠ عن معمر به.","vol":"21","page":186},{"text":"والصوابُ مِن القولِ عندَنا في ذلك أن هذه الآيةَ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ، وذلك أن صفة الناسخ والمنسوخ ما قد بينا في غير موضعٍ [مِن كُتُبِنا] (^١) أنه ما لم يَجْزِ اجتماعُ حكمَيْهما في حالٍ واحدةٍ، أو ما قامت الحجة بأنَّ أحدهما ناسخٌ الآخرَ، وغيرُ مستنكَرٍ أن يكون جَعْلُ الخيارِ في المنِّ والفداءِ والقتلِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، وإلى القائمين بعده بأمر الأمةِ، وإن لم يكنِ القتلُ مذكورًا في هذه الآيةِ؛ لأنه قد أُذِن بقتلِهم في آيةٍ أخرى، وذلك قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية. بل ذلك كذلك؛ لأن رسولَ اللهِ ﷺ كذلك كان يفعَلُ في من صار أسيرًا في يدِه من أهلِ الحربِ، فيقتُلُ بعضًا، ويُفادِى ببعضٍ، ويمُنُّ على بعضٍ، مثلَ يومِ بدرٍ؛ قتَل عقبةَ بنَ أبي مُعَيطٍ وقد أُتِى به أسيرًا، وقتَل بني قُرَيظةَ وقد نزَلوا على حكمِ سعدٍ، وصاروا في يدِه سِلمًا، وهو على فدائِهم والمنِّ عليهم قادرٌ، وفادَى بجماعةٍ أُسارى المشركين الذين أُسروا ببدرٍ، ومنَّ على ثُمامةَ بن أُثَالٍ الحنفىٍ وهو أسيرٌ في يده، ولم يزَلْ ذلك ثابتًا من سِيَرِه في أهل الحربِ، من لَدُنْ أذِن اللهُ له بحربِهم إلى أن قبَضه إليه ﷺ، دائمًا ذلك فيهم. وإنما ذكر جلَّ ثناؤُه في هذه الآيةِ المنَّ والفداءَ في الأُسارى، فخصَّ ذكرَهما فيها؛ لأن الأمرَ بقتلِهما والإذنَ منه بذلك قد كان تقدَّم في سائرِ آيِ تنزيلِه مكرَّرًا، فأعلَم نبيَّه ﷺ بما ذكَر في هذه الآيةِ من المنِّ والفداءِ ما له فيهم، مع القتلِ.\nوقولُه: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا لقِيتم الذين كفَروا فاضرِبوا رقابَهم، وافعَلوا بأَسراهم ما بيَّنتُ لكم، حتى تضعَ الحربُ آثَامَها (^٢) وأثقالَ أهلِها المشرِكين بالله، بأن يتوبوا إلى الله من شركِهم فيؤمنوا به وبرسولِه،\n_________\n(^١) في م: \"في كتابنا\"، وفي ت ١: \"من كتابنا هذا\". وينظر ما تقدم في ٢/ ٤٥٨.\n(^٢) في ت ١: \"أثقالها\". وفى ت ٢، ت ٣: \"أثاثها\".","vol":"21","page":187},{"text":"ويطيعوه في أمرِه ونهيِه، فذلك وضعُ الحربِ أوزارَها. وقيل: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾. والمعنى: حتى تُلْقِىَ الحربُ أوزارَ أهلِها. وقيل: معنى ذلك: حتى يضعَ المحاربُ أوزارَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8605>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾. قال: حتى يخرج عيسى ابن مريمَ، فيُسلمَ كلُّ يهوديٍّ ونصرانيٍّ وصاحبِ ملةٍ، وتأمَنَ الشاةُ من الذئبِ، ولا تَقرِضَ فأرةٌ جرابًا، وتذهبَ العداوةُ من الأشياءِ كلِّها؛ ذلك ظهور الإسلامِ على الدينِ كلِّه، وينعَمَ الرجلُ المسلمُ، حتى تقطُرَ (^١) رجلُه دمًا إذا وضَعها (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾: حتى لا يكونَ شركٌ.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾. قال: حتى لا يكونَ شركٌ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-8606>ذكرُ مَن قال: عُنِى بالحربِ في هذا الموضعِ المحاربون</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى تَضَعَ\n_________\n(^١) في ص: \"ينفطر\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تتقطر\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٠٤، ومن طريقه البيهقى ٩/ ١٨٠ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٧ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابنُ المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢١ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"21","page":188},{"text":"الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾. قال: الحربُ: مَن كان يقاتِلُهم، سمَّاهم حربًا (^١).\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي أمَرتُكم به أيُّها المؤمنون من قتلِ المشركين إذا لقيتموهم في حربٍ، وشدِّهم وثاقًا بعدَ (^٢) قهرِهم، وأسرِهم، و(^٣) المنِّ والفداءِ حتى تَضَعَ الحربُ أوزارَها - هو الحقُّ الذي ألزَمكم ربُّكم، ولو يشاءُ ربُّكم ويريدُ لانتَصَر من هؤلاء المشركين الذين بيَّن هذا الحكمَ فيهم بعقوبةٍ منه لهم عاجلةٍ، وكفاكم ذلك كلَّه، ولكنه تعالى ذكرُه كرِه (^٤) الانتصارَ منهم وعقوبتَهم عاجلًا، إلا بأيديكم أيُّها المؤمنون؛ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾. يقولُ: ليختبرَكم بهم فيعلمَ المجاهدين منكم والصابرين، ويبلوَهم بكم فيعاقبَ بأيديكم مَن شاء منهم، [ويَعِظَ (^٥) مَن شَاء منهم] (^٦) بمَن أهلَك بأيديكم (^٧) من شاء منهم حتى يُنيبَ إلى الحقِّ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8607>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾: أي واللهِ، بجنودِه الكثيرةِ، كلُّ خلقِه له جندٌ، ولو سلَّط أضعفَ خلقِه لكان جندًا (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢١ عن معمر به.\n(^٢) في ت ٢ ت ٣: \"و\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذكر\".\n(^٥) في م: \"يتعظ\".\n(^٦) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٧) في ت ٢، ت ٣: \"بأيديهم\".\n(^٨) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"21","page":189},{"text":"وقولُه: (والذين قاتَلوا في سبيلِ اللهِ). اختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والكوفةِ: (والذين قاتَلوا) (^١). بمعنى: حارَبوا المشركين وجاهَدوهم. بالألفِ. وكان الحسنُ البصريُّ فيما ذُكِر عنه يقرؤه: (قُتِّلوا) بضمِّ القافِ وتشديدِ التاءِ (^٢). بمعنى أنه قتلهم المشركون بعضَهم بعدَ بعضٍ، غيرَ أنه لم يُسمَّ الفاعلون. وذُكِر عن الجحدريِّ عاصمٍ أنه كان يقرَأُ: (قَتَلُوا) بفتحِ القافِ وتخفيف التاءِ (^٣). بمعنى: والذين قتَلوا المشركين باللهِ. وكان أبو عمرٍو يقرؤُه: وَالَّذِينَ قُتِلُوا بضمِّ القافِ وتخفيفِ التاءِ (^٤). بمعنى: والذين قتَلهم المشركون. ثم أسقَط الفاعلين، فجعَلهم لم يسمَّ فاعلُ ذلك بهم.\nوأولى القراءاتِ بالصوابِ قراءةُ من قرَأه: (وَالَّذِينَ قاتَلُوا)؛ لاتفاقِ الحجةِ من القرأةِ، وإن كان لجميعِها وجوهٌ مفهومةٌ.\nوإذ كان ذلك أولى القراءاتِ عندَنا بالصوابِ، فتأويلُ الكلامِ: والذين قاتَلوا منكم أيها المؤمنون أعداءَ اللهِ من الكفارِ في دينِ اللهِ، وفى نُصرةِ ما بُعِث به رسولُه محمدٌ ﷺ من الهدى، فجاهَدوهم في ذلك، ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ فلن يجعَلَ اللهُ أعمالَهم التي عمِلوها في الدنيا ضلالًا عليهم، كما أضلَّ أعمالَ الكافرين.\nوذُكِر أن هذه الآيةَ عُنِى بها أهلُ أُحدٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8608>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية أبى بكر وحمزة والكسائي. التيسير ص ١٦٢.\n(^٢) وهى قراءة شاذة، ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ٢٤٣.\n(^٣) وهى قراءة شاذة. ينظر تفسير القرطبي ١٦/ ٢٣٠.\n(^٤) وبها قرأ عاصم في رواية حفص. التيسير ص ١٦٢.","vol":"21","page":190},{"text":"اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾: ذُكِر لنا أن هذه الآيةَ أُنزِلت يومَ أُحدٍ ورسولُ اللهِ ﷺ في الشِّعبِ، وقد فَشَت فيهم الجراحاتُ والقتلُ، وقد نادَى المشركون يومَئذٍ: اعْلُ هُبَلُ. فنادَى المسلمون: اللهُ أعلى وأجلُّ. فنادَى المشركون: يومٌ بيومٍ، إن الحرب سِجالٌ، إن لنا عُزَّى ولا عُزَّى لكم. قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"اللَّهُ مَوْلانا ولَا مَوْلَى لكم، إن القَتْلَى مختلِفَةٌ؛ أمَّا قتلانا فأحياءٌ يُرزَقون، وأما قتلاكم ففى النارِ يُعذبون\" (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾. قال: الذين قُتِلوا يومَ أُحدٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4550\"></span><span data-type='title' id=toc-8609>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: سيوفِّقُ (^٣) اللهُ تعالى ذكرُه للعملِ بما يرضَى ويحبُّ - هؤلاء الذين قاتَلوا في سبيلِه، ﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾: ويُصلِحُ أمرَهم (^٤) وحالَهم في الدنيا والآخرةِ.\n\n<span id=\"aya-4551\"></span>﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾. يقولُ: ويُدخِلُهم اللهُ جنتَه، ﴿عَرَّفَهَا (^٥)﴾. يقولُ: عرَّفها لهم وبيَّنها، حتى إن الرجلَ لَيأتى منزلَه منها إذا دخَلها كما كان يأتى منزله في الدنيا، لا يُشكِلُ عليه ذلك.\nكما حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، قال: إذا نجَّى اللهُ المؤمنين من النارِ حُبِسوا على قنطرةٍ بينَ الجنةِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢١ عن معمر به.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"سيوفقهم\".\n(^٤) في ت ٣: \"بالهم\".\n(^٥) بعده في ت ٣: \"لهم\".","vol":"21","page":191},{"text":"والنارِ، فاقتصَّ بعضُهم من بعضٍ مظالمَ كثيرةً كانت بينَهم في الدنيا، ثم يُؤذَنُ لهم بالدخولِ في الجنةِ. قال: فما كان المؤمنُ بأدلَّ بمنزلِه في الدنيا منه بمنزلِه في الجنةِ حينَ يدخُلُها (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾. قال: أي منازلَهم فيها (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾. قال: يهتدِى أهلُها إلى بيوتِهم ومساكنِهم وحيثُ قسَم اللهُ لهم، لا يُخطِئون، كأنهم (^٣) سكانُها (^٤) منذُ خُلِقوا، لا يستدِلُّون عليها أحدًا (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾. قال: بلَغنا عن غيرِ واحدٍ، قال: يدخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ، ولهم أَعْرَفُ بمنازلِهم فيها من منازلِهم في الدنيا التي يختلِفون إليها في عُمُرِ الدنيا. قال: فتلك قولُ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١٨/ ١٠٦ (١١٥٤٨) من طريق معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾. قال حدَّثنا أبو المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ. وتقدم تخريجه مرفوعا في ١٤/ ٧٩.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) في ت ١: \"كأنها\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سكانهم\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٦٠٤، ٦٠٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٩٢.","vol":"21","page":192},{"text":"<span id=\"aya-4552\"></span>وقولُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين صدَّقوا الله ورسولَه، إن تنصُروا الله؛ بنصركم (^١) رسولَه محمدًا ﷺ على أعدائِه من أهلِ الكفرِ به، وجهادِكم إياهم معه لتكونَ كلمتُه العُليا - ينصُرْكم عليهم، ويُظفِرْكم بهم، فإنه ناصرٌ دينَه وأولياءَه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾: إنه (^٢) حقٌّ على اللهِ أن يعطىَ مَن سأَله، وينصُرَ مَن نصَره (^٣).\nوقولُه: ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. يقولُ: ويُقوِّكم (^٤) عليهم ويُجرِّئْكم؛ حتى لا تَوَلَّوْا عنهم، وإن كثُر عددُهم وقلَّ عددُكم.\n\n<span id=\"aya-4553\"></span><span data-type='title' id=toc-8610>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: والذين كَفَروا باللهِ، فجحدوا توحيدَه، ﴿فَتَعَسًا لَهُمْ﴾. يقولُ: فخِزيًا لهم وشقاءً وبلاءً.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾. قال: شقاءً لهم (^٥).\nوقولُه: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾. [يقولُ: وجعَل أعمالَهم] (^٦) معمولةً على غيرِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"ينصركم\"، وفى م: \"ينصركم بنصركم\".\n(^٢) في م: \"لأنه\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) في ص، ت ٢، ت ٣: \"يقويكم\".\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٢٨١.\n(^٦) سقط من: ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":193},{"text":"هدًى ولا استقامةٍ؛ لأنها عُمِلتْ في طاعةِ الشيطانِ لا في طاعةِ الرحمنِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8611>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾. قال: الضلالةُ التي أضلَّهم اللهُ؛ لم يهدِهم كما هدَى الآخرين، فإن الضلالةَ التي أخبرك اللهُ: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣، فاطر: ٨]. قال: وهؤلاء ممن جعَل اللهُ (^١) عمله ضلالًا.\nورُدَّ قولُه: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾. على قولِه: ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾. وهو فعلٌ ماضٍ، و\"التعْسُ\" اسمٌ؛ لأن \"التَعْسَ\" وإن كان اسمًا ففى معنى الفعلِ؛ لما فيه من معنى الدعاءِ، فهو بمعنى: أتعَسَهم اللهُ. فلذلك صلَح ردُّ ﴿وَأَضَلَّ﴾ عليه؛ لأن الدعاءَ يَجرِى مَجرَى الأمرِ والنهيِ، وكذلك قولُه: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾. مردودةٌ على أمرٍ مضمَرٍ ناصبٍ لـ \"ضَرْبَ\".\n\n<span id=\"aya-4554\"></span>وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي فعَلنا بهم من الإتعاسِ وإضلالِ الأعمالِ؛ من أجلِ أنهم كرِهوا كتابَنا الذي أنزَلناه إلى نبيِّنا محمدٍ ﷺ وسخِطوه، فكذَّبوا به وقالوا: هو (^٢) سحرٌ مبينٌ.\nوقولُه: ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. يقولُ: فأبطَل أعمالَهم التي عمِلوها في الدنيا، وذلك عبادتُهم الآلهةَ، لم ينفَعْهم اللهُ بها في الدنيا ولا في الآخرةِ، بل أوبَقَهم بها فأصْلاهم سعيرًا، وهذا حكْمُ اللهِ ﷻ في جميعِ مَن كفَر به من\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"هذا\".","vol":"21","page":194},{"text":"أجناس الأممِ، كما قال قتادةُ.\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾. قال: هي عامةٌ للكفارِ (^١).\n\n<span id=\"aya-4555\"></span><span data-type='title' id=toc-8612>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أفلم يَسِرْ هؤلاء المكذَّبون محمدًا ﷺ، المنكِرو ما أَنزَلْنا عليه من الكتاب، في الأرضِ سَفْرًا؟ وإنما هذا توبيخٌ من الله لهم؛ لأنهم قد كانوا يسافِرون إلى الشامِ فيرَون نقمةَ اللهِ التي أحلَّها بأهلِ حِجْرٍ مِن (^٢) ثمودَ، ويرون في سَفَرِهم إلى اليمنِ ما أحلَّ اللهُ بسَبَأٍ، فقال لنبيِّه ﵊ وللمؤمنين به: أفلم يَسِرْ هؤلاء المشركون سَفْرًا في البلادِ، فينظُروا كيف كان عاقبةُ تكذيبِ (^٣) الذين من قبلهم من الأمم المكذبة رسلها، الرادَّةِ نصائحها، ألم نُهلكها فندمِّرْ عليها منازلها ونخربها، فيتعظوا بذلك، ويحذروا أن يفعل الله ذلك في تكذيبِهم إياه، فيُنيبوا إلى طاعةِ اللهِ في تصديقِك؟ ثم توعَّدَهم جلَّ ثناؤُه، وأخبَرهم [إن هم] (^٤) أقاموا على تكذيبِهم رسولَه، أنه مُحِلٌّ بهم من العذابِ ما أحلَّ بالذين كانوا من قبلِهم من الأممِ، فقال: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. يقولُ: وللكافرين من قريشٍ المكذِّبي رسولِ اللهِ ﷺ من العذابِ العاجلِ، أمثالُ عاقبةِ تكذيبِ الأممِ الذين كانوا من قبلِهم رسلَهم، على تكذيبِهم رسولَه محمدًا ﷺ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: م، ت ١.\n(^٣) سقط من: ت ١.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"أنهم\".","vol":"21","page":195},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8613>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولهِ: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. قال: مِثلُ ما دُمِّرَت به القرونُ الأولى. وعيدٌ من اللهِ لهم (^١).\n\n<span id=\"aya-4556\"></span><span data-type='title' id=toc-8614>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هذا الفعلُ الذي فعَلنا بهذين الفريقين؛ فريقِ الإيمانِ وفريقِ الكفرِ؛ من نُصرتِنا فريقَ الإيمانِ بالله وتثبيتِنا أقدامَهم، وتدميرِنا على فريقِ الكفرِ، ﴿بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: من أجلِ أن اللَّهَ وليُّ مَنْ آمَن به وأطاع رسولَه.\nكما حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: وَلِيُّهم (^٢).\nوقد ذكر لنا أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (ذلكَ بأنَّ الله وَلِيُّ الَّذِين آمَنُوا) (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٠٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١٢ - من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٢٣٤، والقراءة شاذة.","vol":"21","page":196},{"text":"وأنَّ التي في \"المائدةِ\"، التي هي في مصاحفِنا: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥]: (إنَّمَا مَوْلاكُمُ اللَّهُ) في قراءتِه.\nوقولُه: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾. يقولُ: وبأن الكافرين باللهِ لا وليَّ لهم ولا ناصرَ.\n\n<span id=\"aya-4557\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله له الألوهةُ التي لا تنبغِي لغيرِه، يُدخِلُ الذين آمَنوا باللهِ وبرسولِه بساتينَ تجرِى من تحتِ أشجارِها الأنهارُ، يفعَلُ ذلك بهم تكرِمةً على إيمانهم به وبرسولِه.\nوقولُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: والذين جحَدوا توحيدَ اللهِ وكذَّبوا رسولَه ﷺ، يتمتَّعون في هذه الدنيا بحُطامِها ورِياشِها وزينتِها الفانيةِ الدارسةِ، ويأكُلون فيها غيرَ مفكِّرين في المعادِ، ولا معتبِرين بما وضَع اللهُ لخلقِه من الحججِ المؤدِّيةِ لهم إلى علمِ توحيدِ اللهِ، ومعرفةِ صدْقِ رسلِه، فمَثَلُهم في أكلِهم ما يأكُلون فيها من غيرِ علمٍ منهم بذلك وغيرِ معرفةٍ، مَثَلُ الأنعامِ من البهائمِ المسخَّرةِ التي لا همَّةَ لها إلا في الاعتلافِ دونَ غيرِه، ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: والنارُ نارُ جهنمَ مسكنٌ لهم ومأوًى، إليها يصيرون من بعدِ مماتِهم.\n\n<span id=\"aya-4558\"></span><span data-type='title' id=toc-8615>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وكَمْ يا محمدُ من قريةٍ ﴿هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ﴾. يقولُ: أهلُها أشدُّ بأسًا وأكثرُ جمعًا وأعدُّ عديدًا من أهلِ قريتِك، وهى","vol":"21","page":197},{"text":"مكةُ. وأُخرِج الخبرُ عن القريةِ والمرادُ به أهلُها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8616>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾. قال: هي مكةُ.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ﴾. قال: قريَتُه مكةُ (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن حَنَشٍ (^٢)، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أن نبيَّ اللهِ ﷺ لما خرَج من مكةَ إلى الغارِ، أُراه قال: التفَت إلى مكةَ، فقال: \"أنتِ أحبُّ بلادِ اللهِ إلى اللهِ، وأنتِ أحبُّ بلادِ اللهِ إليَّ، فلو أنَّ المشركين لم يُخرِجونى لم أَخْرُجُ منكِ، فأعتى الأعداءِ مَن عتا على اللهِ في حرَمِه، أو قتَل غيرَ قاتلِه، أو قتَل بذُّحولِ (^٣) الجاهلِيةِ\". فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ (^٤).\nوقال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَخْرَجَتْكَ﴾. فأُخرِج الخبرُ عن القريةِ؛ فلذلك أُنِّث، ثم قال: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾؛ لأن المعنى في قولِه: ﴿أَخْرَجَتْكَ﴾. ما وصَفتُ من أنه أُريدَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٨، ٤٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م، ت ١: \"حبيش\". ينظر تهذيب الكمال ٦/ ٤٦٥.\n(^٣) الذحول: جمع ذحْل؛ وهو الحقد، والثأر. الوسيط (ذ ح ل).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٢٩٤ - من طريق ابن عبد الأعلى به، وأخرجه أبو يعلى - كما في المطالب العالية (٤١٠٣) - عن المعتمر بن سليمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٨ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.","vol":"21","page":198},{"text":"به أهل القرية، فأخرج الخبرُ مرةً على اللفظِ ومرةً على المعنى.\nوقوله: هو ﴿فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾. فيه وجهان من التأويلِ؛ أحدُهما: أن يكونَ معناه، وإن كان قد نُصِب \"الناصرُ\" بالتبرئةِ: فلم يكُنْ لهم ناصرٌ. وذلك أن العربَ قد تُضمِرُ \"كان\" أحيانًا في مثلِ هذا. والآخرُ: أن يكونَ معناه: فلا ناصرَ لهم الآنَ من عذابِ اللَّهِ يَنصُرُهم.\n\n<span id=\"aya-4559\"></span><span data-type='title' id=toc-8617>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أفمن كان على برهانٍ وحجةٍ وبيانٍ مِن أمرِ ربِّه والعلمِ بوحدانيتِه، فهو يعبُدُه على بصيرةٍ منه، بأن له ربًّا يُجازيه على طاعته إياه الجنةَ، وعلى إساءتِه ومعصيتِه إياه النارَ، ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾. يقولُ: كَمَن حسَّن له الشيطانُ قبيحَ عملِه وسيئَه، فأُراه جميلًا، فهو على العملِ به مقيمٌ، ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾. يقولُ: واتَّبَعوا ما دعَتْهم (^١) إليه أنفسُهم من معصيةِ اللهِ وعبادةِ الأوثانِ، من غيرِ أن يكونَ عندَهم بما يعمَلون من ذلك برهانٌ وحجةٌ. وقيل: إن الذي عُنِى بقولِه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. نبيُّنا ﵊، وإن الذي عُنِي بقولِه: ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾. هم المشركون.\n\n<span id=\"aya-4560\"></span><span data-type='title' id=toc-8618>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾</span>\n_________\n(^١) في ت ١: \"دعوته\".","vol":"21","page":199},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: صفةُ الجنةِ التي وُعِدَها المتقون، وهم الذين اتَّقَوا في الدنيا عقابَه؛ بأداءِ فرائضِه واجتنابِ معاصيه، ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: في هذه الجنةِ التي ذكَرها أنهارٌ مِن ماءٍ غيرِ متغيِّرِ الريحِ. يقالُ منه: قد أسِن ماءُ هذه البئرِ، إذا تغيَّرت ريحُ مائِها فأنتَنت، فهو يَأْسَنُ أَسَنًا. وكذلك يُقالُ للرجلِ إذا أصابَته ريحٌ منتِنةٌ: قد أَسِنَ، فهو يأْسَنُ. وأما إذا أَجَن الماءُ وتغيَّر، فإنه يقالُ له: أَسَن، فهو يأسِنُ، ويأسُنُ أُسونًا، وماءٌ آسنٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8619>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾. يقولُ: غيرِ متغيِّرٍ (^١).\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾. قال: من ماءٍ غيرِ مُنْتَنٍ (^٢).\nحدَّثني عيسى بنُ عمرٍو، قال: أخبرنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ سلَّامٍ، عن سعدِ بن طَرِيفٍ، قال: سألتُ أبا إسحاقَ عن: ﴿مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾، قال: سألتُ عنها الحارثَ، فحدَّثني أن الماءَ الذي غيرُ آسنٍ \"تسنيم\"، قال: بلَغنى أنه لا تمسُّه يدٌ، وأنه يجئُ الماءُ هكذا حتى يدخُلَ في فيه (^٣).\nوقولُه: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وفيها أنهارٌ من\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في التغليق ٤/ ٣١٢ والإتقان ٢/ ٤٣ - من طريق أبي صالح به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٩ إلى المصنف.","vol":"21","page":200},{"text":"لبنٍ لم يتغيَّرْ طعمُه؛ لأنه لم يُحْلَبُ من حيوانٍ فيتغيَّر طعمُه بالخروجِ من الضُّروعِ، ولكنه خلَقه اللهُ ابتداءً في الأنهارِ، فهو بهيئتِه لم يتغيَّر عما خلَقه عليه.\nوقولُه: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾. يقولُ: وفيها أنهارٌ من خمرٍ لذةٍ للشاربين يلتذُّون بشربِها.\nكما حدَّثني عيسى، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا مصعبٌ، عن سعدِ بن طريفٍ، قال: سأَلت عنها الحارثَ، فقال: لم تَدُسْه المجوسُ، ولم ينفُخُ فيه الشيطانُ، ولم تؤذِها شمسٌ، ولكنها فَوْحَاءُ. قال: قلتُ لعكرمةَ: ما الفوحاءُ؟ قال: الصفراءُ.\nوكما حدثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾. قال: لم يُحلَبْ (^١).\nوخُفِضت \"اللذةُ\" على النعتِ \"للخمرِ\"، ولو جاءت رفعًا على النعتِ \"للأنهار\" جاز، أو نصبًا على: يتلذَّذُ بها لذَّةً. كما يقالُ: هذا لك هبةً. كان جائزًا؛ فأما القراءةُ فلا أستجيزُها فيها إلا خفضًا؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليها.\nوقولُه: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾. يقولُ: وفيها أنهارٌ من عسلٍ قد صُفِّي من القَذَى وما يكونُ في عسلِ أهل الدنيا قبلَ التصفيةِ. وإنما أعلَم تعالى ذكرُه عبادَه بوصفِه ذلك العسلَ بأنه مُصَفًّى، أنه خُلِق في الأنهارِ ابتداءً سائلًا جاريًا سيلَ الماءِ واللبنِ المخلوقَينِ فيها، فهو من أجلِ ذلك مُصفًّى، قد صفَّاه اللهُ من الأقذاءِ التي تكونُ في عسلِ أهلِ الدنيا، الذي لا يصفو من الأقذاءِ إلا بعدَ التصفيةِ؛ لأنه كان في شمعٍ فصُفِّى منه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٩ إلى المصنف وعبد بن حميد عن عكرمة، عن ابن عباس.","vol":"21","page":201},{"text":"وقولُه: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولهؤلاء المتقين في هذه الجنةِ من هذه الأنهارِ التي ذكَرنا، من جميعِ الثمراتِ التي تكونُ على الأشجارِ، ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: وعفوٌ مِن اللهِ لهم عن ذنوبِهم التي أذنَبوها في الدنيا ثم تابوا منها، وصَفْحٌ منه لهم عن العقوبةِ عليها.\nوقولُه: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أمَن هو في هذه الجنةِ التي صفتُها ما وصَفْنا، كمَن هو خالدٌ في النارِ؟ وابتُدئ الكلامُ بصفةِ الجنةِ، فقيل: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾. ولم يُقَل: أمَن هو في الجنةِ. ثم قيل بعدَ انقضاءِ الخبر عن الجنةِ وصفتِها: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾. إنما قيل ذلك كذلك استغناءً بمعرفةِ السامعِ معنى الكلامِ، ولدلالةِ قولِه: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾. على معنى قولِه: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ.\nوقوله: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وسُقِىَ هؤلاء الذين هم خلود في النارِ ماءً قد انتَهَى حرُّه، فقطَّع ذلك الماءُ من شدَّةِ حرِّه أمعاءَهم.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ العَسْقلانيُّ، قال: ثنا حَيْوَةُ بنُ شُريحٍ الحِمصِيُّ، قال: ثنا بقيَّةُ، عن صفوانَ بن عمرٍو، قال: ثنى عبيدُ اللَّهِ بنُ بُسرٍ (^١)، عن أبي أُمامةَ الباهليِّ، عن رسولِ اللهِ ﷺ في قولِه: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٦، ١٧]. قال: \"يُقَرَّبُ إليه فيَتَكَرَّهُه (^٢)، فإِذا أُدْنىَ مِنه شَوَى وجْهَه، ووقَعت فروةُ رأسِه، فإذا شَرِب قطَّع أمعاءَه حتى يَخرُجَ من دُبُرِه. يقولُ اللَّهُ ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾. يقولُ اللهُ ﷿: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بشر\". وقد تقدم على الصواب في ١٣/ ٦٢٠.\n(^٢) في ت ١: \"فيكرهه\".","vol":"21","page":202},{"text":"الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (^١) [الكهف: ٢٩].\n\n<span id=\"aya-4561\"></span><span data-type='title' id=toc-8621>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومن هؤلاء الكفار يا محمدُ ﴿مَنْ يَسْتَمِعُ (^٢) إِلَيْكَ﴾، وهو المنافِقُ، فيسمَعُ (^٣) ما تقولُ فلا يعِيه ولا يفهمُه؛ تهاونًا منه بما تتلو عليه من كتابِ ربَّك، وتغافُلًا عما تقولُه وتدعو إليه من الإيمانِ، حتى إذا خرَجوا من عندِك، قالوا إعلامًا منهم لمن حضَر معهم مجلسَك مِن أهلِ العلمِ بكتابِ اللهِ، وتلاوتِك عليهم ما تلوتَ، وقِيلِك لهم ما قلتَ أنهم لن يُصْغوا أسماعَهم لقولِك وتلاوتِك: ماذا قال لنا محمدٌ آنِفًا؟\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8620>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾: هؤلاء المنافقون، دخَل رجلان؛ رجلٌ ممَّن عقَل عن اللهِ وانتفَع بما سمِع، ورجلٌ لم يعقِلْ عن اللهِ فلم ينتفِعْ بما سمِع. كان يقالُ: الناسُ ثلاثةٌ؛ فسامعٌ عاملٌ، وسامعٌ عاقلٌ (^٤)، وسامعٌ تاركٌ (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٣/ ٦٢٠، ٦٢١.\n(^٢) في ص: \"يشفع\".\n(^٣) في م، ت ١: \"فيستمع\".\n(^٤) في م، ت ١: \"غافل\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٩، ٥٠ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"21","page":203},{"text":"حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾. قال: هم المنافقون. وكان يقالُ: الناسُ ثلاثةٌ؛ سامعٌ فعاملٌ، وسامعٌ فعاقلٌ (^١)، وسامعٌ فتاركٌ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: ثنا شريكٌ، عن عثمانَ أبي اليقظانِ، عن يحيى بن الجزَّارِ، أو سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولهِ: ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾. قال ابن عباسٍ: أنا منهم، وقد سُئلتُ في من سُئل (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية. قال: هؤلاء المنافقون، والذين أُوتُوا العلم الصحابةُ ﵃ (^٤).\nوقولُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين هذه صفتُهم هم القومُ الذين ختم اللهُ على قلوبِهم، فهم لا يهتدون للحقِّ الذي بعَث اللهُ به رسولَه ﵊، ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾. يقولُ: ورفَضوا أمرَ اللَّهِ، واتَّبَعوا ما دعَتْهم إليه أنفسُهم، فهم لا يرجِعون مما هم عليه إلى حقيقةٍ ولا بُرْهانٍ. وسوَّى جلَّ ثناؤُه بينَ صفةِ هؤلاء المنافقين وبينَ المشركين، في أن جميعَهم إنما يتبعون فيما هم عليه من فراقِهم دينَ اللهِ الذي ابتعَث به محمدًا ﷺ أهواءَهم، فقال في هؤلاء المنافقين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"فغافل\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٢ عن معمر به.\n(^٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٥٧ من طريق يحيى بن آدم به، ولم يذكر يحيى بن الجزار.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٢٣٨.","vol":"21","page":204},{"text":"أَهْوَاءَهُمْ﴾. وقال في أهلِ الكفرِ به من أهلِ الشركِ: ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾.\n\n<span id=\"aya-4562\"></span><span data-type='title' id=toc-8623>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأما الذين وفَّقهم اللهُ لاتِّباعِ الحقِّ، وشرَح صدورَهم للإيمانِ به وبرسولِه، من الذين استمَعوا إليك يا محمدُ، فإن ما تلَوتَه عليهم وسمِعوه منك، ﴿زَادَهُمْ هُدًى﴾. يقولُ: زادهم اللهُ بذلك إيمانًا إلى إيمانِهم، وبيانًا لحقيقةِ ما جئتَهم به من عندِ اللَّهِ إلى البيانِ الذي كان عندَهم. وقد ذُكِر أن الذي تلا عليهم رسول الله من القرآن، فقال أهل النفاقِ منهم لأهل الإيمانِ: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾. وزاد اللهُ أهلَ الهدى منهم هدًى - كان بعضَ ما أنزَل الله من القرآنِ، ينسَخُ بعضَ ما قد كان الحكمُ مضى به قبلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8622>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾. قال: لمَّا أنزَل اللهُ القرآنَ آمَنوا به، فكان هدًى، فلمَّا تبيَّن (^١) الناسخُ والمنسوخُ زادهم هدًى (^٢).\nوقولُه: ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأعطى اللهُ هؤلاء المهتدين تقواهم، وذلك استعمالُه إياهم تقواهم إياه.\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"بين\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٥٠ إلى المصنف وابن مردويه.","vol":"21","page":205},{"text":"<span id=\"aya-4563\"></span>وقولُه: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فهل ينظُرُ هؤلاء المكذِّبون بآياتِ الله من أهلِ الكفرِ والنفاقِ، إلا الساعة التي وعد الله خلقه بعثهم فيها من قبورهم أحياء، أن تجيئَهم فجأةً لا يشعرون بمجيئها. والمعنى: هل ينظُرون إلا الساعةَ، هل ينظُرون إلا أن تأتيهم بغتةً.\nو\"أنْ\" من قولِه: \"إِلَّا أَنْ\" في موضعِ نصبٍ بالردِّ على \"الساعةِ\".\nوعلى فتحِ الألفِ من ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾. ونصْبِ ﴿تَأْتِيَهُمْ﴾ بها قرأةُ أهلِ الكوفةِ.\nوقد حُدِّثتُ عن الفرَّاءِ، قال: حدَّثني أبو جعفرٍ الرُّؤاسيُّ، قال: قلتُ لأبي عمرو بن العلاءِ: ما هذه الفاءُ التي في قولِه: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾؟ قال: جوابُ الجزاءِ. قال: قلتُ: إنها: (إنْ تأتيهم)؟ قال: فقال: معاذَ اللهِ، إنما هي: (إن تَأْتِهِمْ). قال الفرَّاءُ: فظَنَنتُ أنه أخَذها عن أهلِ مكةَ؛ لأنه عليهم (^١) قرَأ. قال الفرَّاءُ: وهى أيضًا في بعضِ مصاحفِ الكوفيِّين (^٢) بسِينَةٍ (^٣) واحدةٍ: (تَأْتِهِمْ). ولم يقرَأْ بها أحدٌ منهم (^٤).\nوتأويلُ الكلامِ على قراءةِ مَن قرأ ذلك بكسرِ ألفِ \"إن\" وجزمِ \"تأتهم\": فهل ينظُرون إلا الساعةَ؟ فيُجعلُ الخبرُ عن انتظارِ هؤلاء الكفارِ الساعةَ متناهيًا عندَ قولِه: ﴿إِلَّا السَّاعَةَ﴾. ثم يُبْتدأُ الكلامُ فيقالُ: إن تأتِهم الساعةُ بغتةً فقد جاء أشراطُها. فتكونُ الفاءُ من قولِه: ﴿فَقَدْ جَاءَ﴾ بجوابِ الجزاءِ. وقولُه: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾. يقولُ: فقد جاء هؤلاء الكافرين باللهِ الساعةُ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ينظر المصاحف لابن أبي داود ص ٤٠، ٤١.\n(^٣) في م، ت ١: \"بسنة\". وفى ت ٢: \"نسبته\"، وفى ت ٣،: \"نسبة\". والمثبت موافق لما في معاني القرآن.\n(^٤) معاني القرآن ٣/ ٦١.","vol":"21","page":206},{"text":"وأدلتها ومقدَّماتُها. وواحد الأشراطِ شَرَطٌ، كما قال جريرٌ (^١):\nترَى شَرَط المِعْزَى مُهُورَ نسائِهم … وفي شَرَطِ (^٢) المِعْزَى لهن مُهورُ\nويُروى: ترى قَزَمَ المِعَزى. يقالُ منه: أشرَط فلانٌ نفسَه، إذا علَّمها بعلامةٍ، كما قال أوسُ بنُ حُجرٍ (^٣):\nفأشْرَط فيها نفسَه وهو مُعْصِمٌ … وألْقَى بأسبابٍ له وتَوَكَّلا\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8624>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾: يعنى: أشراطُ الساعةِ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾: قد دنَتِ الساعةُ، ودنا من اللهِ فراغٌ للعباد (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾. قال: أشراطُها آياتُها.\nوقولُه: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فمن أيِّ وجهٍ لهؤلاء المكذِّبين بآياتِ اللهِ ذكرَى ما قد ضيَّعوا وفرَّطوا فيه من طاعةِ اللَّهِ إذا جاءَتهم الساعةُ. يقولُ: ليس ذلك بوقت ينفعُهم التذكُّرُ (^٦) والندمُ؛ لأنه وقتُ مُجازاةٍ، لا\n_________\n(^١) ديوانه ٢/ ٨٧٦ بالرواية التي سيذكرها المصنف بعد.\n(^٢) في الديوان: \"قزم\".\n(^٣) ديوانه ص ٨٧.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٥٠ إلى ابن المنذر، بلفظ: \"أول الساعات\".\n(^٥) في ص، م، ت: ١ \"العباد\"، عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٥٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٦) في ت ٢، ت ٣: \"التذكير\".","vol":"21","page":207},{"text":"وقت استعتابٍ ولا استعمالٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8625>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾. يقولُ: إذا جاءَتهم الساعةُ أنَّى لهم أن يتذكَّروا ويعرِفوا ويعقِلوا؟\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾. قال: أنَّى لهم أن يتذكَّروا أو يتوبوا إذا جاءتهم الساعةُ (^١)؟\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾. قال: الساعةُ، لا ينفعُهم عند الساعة ذكراهم.\nو\"الذِّكْرى\" في موضعِ رفعٍ بقولِه: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ﴾. لأن تأويلَ الكلامِ: فأَنَّى لهم ذكراهم إذا جاءتهم الساعةُ؟\n\n<span id=\"aya-4564\"></span><span data-type='title' id=toc-8626>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فاعلَمْ يا محمدُ أنه لا معبودَ تنبغى أو تصلُحُ له الألوهةُ، ويجوز لك وللخلق عبادتُه، إلا اللهُ الذي هو خالقُ الخلقِ، ومالكُ كلِّ شيءٍ، يَدينُ له بالربوبيةِ كلُّ ما دونَه، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾. وسَلْ رَبَّكَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"21","page":208},{"text":"غفرانَ سالفِ ذنوبِك وحادثها، وذنوبِ أهلِ الإيمانِ بك من الرجالِ والنساءِ، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾. يقولُ: فإن اللَّهَ يعلَمُ متصرَّفكم فيما تتصرَّفون فيه في يقظتكم من الأعمالِ، ومثواكم إذا ثَوَيتم في مضاجعِكم للنومِ ليلًا، لا يخفَى عليه شيءٌ من ذلك، وهو مجازِيكم على جميعِ ذلك.\nوقد حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ سليمانَ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن عبدِ اللهِ بن سَرْجِسَ، قال: أَكَلتُ (^١) مع رسولِ الله ﷺ، فقلت: غفرَ اللهُ لك يا رسولَ اللهِ (^٢). فقال رجلٌ من القومِ: أستَغْفَر لك (^٣) رسولُ اللهِ؟ قال: نعم ولك. ثم قرَأ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^٤).\n\n<span id=\"aya-4565\"></span><span data-type='title' id=toc-8627>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: ويقولُ الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه: هلَّا نُزِّلت سورةٌ من اللهِ (^٥) تَأْمُرُنا بجهادِ أعداءِ الله من الكفارِ، ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾. يعنى: أنها\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٣: \"دخلت\".\n(^٢) بعده في مصادر التخريج: \"قال: ولك\".\n(^٣) بعده في النسخ والدر المنثور: \"يا\". والمثبت من بقية مصادر التخريج.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة - كما في الإتحاف بذيل المطالب (٥٤٠٠) -، وأحمد ٥/ ٨٢ (الميمنية)، ومسلم (٢٣٤٦)، والترمذى في الشمائل (٢٢)، والنسائى في الكبرى (١٠١٢٧) ١٠٢٥٤، ١٠٢٥٥، ١١٤٩٦) من طريق عاصم الأحول به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٥) في ت ١: \"القرآن\".","vol":"21","page":209},{"text":"محكَمةٌ بالبيان والفرائضِ. وذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْدَثَةٌ) (^١).\nوقولُه: ﴿وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾. يقولُ: وذُكِر فيها الأمْرُ بقتالِ المشرِكين.\nوكان قتادةَ يقولُ في ذلك ما حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾ (^٢). قال: كلُّ سورةٍ ذُكِر فيها الجهادُ فهي محكمةٌ، وهى أشدُّ القرآنِ على المنافقين (^٣).\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾. قال: كلُّ سورةٍ ذُكِر فيها القتالُ فهي محكَمةٌ (^٤).\nوقولُه: ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. يقولُ: رأَيتَ الذين في قلوبِهم شكٌّ في دينِ الله وضعفٌ، ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ يا محمدُ ﴿نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾؛ خوفًا أن تُغْزِيَهم وتَأْمُرَهم بالجهادِ مع المسلمين، فهم خوفًا من ذلك، وتجبُّنًا (^٥) عن لقاءِ العدوِّ، يَنْظُرون إليك نظرَ المغشيِّ عليه الذي قد صُرِع.\nوإنما عَنَى بقولِه: ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾: من خوفِ الموتِ. وكان هذا فعلَ أهلِ النفاقِ.\nكالذي حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾. قال: هؤلاء المنافقون طبَع\n_________\n(^١) وهى قراءة شاذة.\n(^٢) بعده في ت ١: \"يقول وذكر فيها الأمر بقتال المشركين\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٣ إلى المصنف وعبد بن حميد\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٣ عن معمر به.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٣: \"تجنبا\".","vol":"21","page":210},{"text":"اللهُ على قلوبِهم، فلا يَفْقَهون ما يقولُ النبيُّ ﷺ.\nوقولُه: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأولى لهؤلاء الذين في قلوبِهم مرضٌ.\nوقولُه: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾. وعيدٌ توعَّد اللهُ به هؤلاء المنافقين.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾. قال: هذه وعيدٌ، فأولى لهم، ثم انقطَع الكلامُ، فقال: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾. قال: وعيدٌ كما تَسْمَعون.\n\n<span id=\"aya-4566\"></span>وقولُه: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾. وهذا خبرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه عن قيلِ هؤلاء المنافقين من قبلِ أن تَنْزِلَ سورةٌ محكمةٌ ويُذْكَرَ فيها القتالُ، وأنهم إذا قيل لهم: إن الله مفترِضٌ عليكم الجهادَ. قالوا: سمْعٌ وطاعةٌ. فقال اللهُ ﷿ لهم: فإذا أُنزلت سورةٌ، وفُرِض القتالُ فيها عليهم، فشقَّ ذلك عليهم وكرِهوه - ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾. قبلَ وجوبِ الفرضِ عليكم، فإذا عزَم الأمرُ كرِهتموه وشقَّ عليكم.\nوقولُه: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾. مرفوعٌ بمضمَرٍ، وهو: قولُكم - قبلَ نزولِ فرضِ القتالِ - طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ.\nورُوِى عن ابن عباسٍ بإسنادٍ غيرِ مُرْتَضًى (^٢) أنه قال: قال اللهُ تعالى: ﴿فَأَوْلَى\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ٩/ ٢٩٨، والقرطبي في تفسيره ١٦/ ٢٤٤.","vol":"21","page":211},{"text":"لَهُمْ﴾. ثم قال للذين آمنوا منهم: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾.\nفعلى هذا القولِ تمامُ الوعيدِ ﴿فَأَوْلَى﴾، ثم يَسْتأْنِفُ بعدُ، فيُقالُ: ﴿لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾. فتكونُ \"الطاعةُ\" مرفوعةً بقولِه ﴿لَهُمْ﴾.\nوكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾. قال: أمَر اللَّهُ بذلك المنافقين (^١).\nوقولُه: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾. يقولُ: فإذا وجَب القتالُ وجاء أمرُ اللَّهِ بفرضِ ذلك كرِهتموه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8628>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾. قال: إذا جاء (^٢) الأمرُ. هكذا قال محمدُ بنُ عمرٍو في حديثِه عن أبي عاصمٍ. وقال الحارثُ في حديثِه عن الحسنِ: يقولُ: جدَّ الأمرُ (^٣).\nوقولُه: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلو صدَقوا الله ما وعَدوه، قبلَ نزولِ السورةِ، بالقتالِ، بقولِهم، إذ قيل لهم: إن الله سَيَأْمُرُكم\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٠٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٤ إلى الفريابي وعبد بن حميد.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"جد\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٠٥ ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣١٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"21","page":212},{"text":"بالقتال. طاعةٌ، فَوَفَّوا له بذلك - لكان خيرًا لهم في عاجلِ دنياهم وآجلِ معادِهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾. يقولُ: طواعيةُ اللهِ ورسولِه وقولٌ معروفٌ عندَ حقائقِ الأمورِ، خيرٌ لهم.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: يقولُ: طاعةُ اللهِ وقولٌ بالمعروفِ عندَ حقائقِ الأمورِ، خيرٌ لهم (^١).\n\n<span id=\"aya-4567\"></span><span data-type='title' id=toc-8630>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء الذين وصَف أنهم إذا أُنزِلت سورةٌ محكَمةٌ وذُكِر فيها القتالُ نظَروا إلى رسولِ اللهِ ﷺ نظرَ المغشيِّ عليه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ أَيُّهَا القومُ. يقولُ: فلعلَّكم إن تولَّيتُم عن تنزيلِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه، وفارَقتُم أحكامَ كتابِه، وأدبَرتم عن محمدٍ ﷺ وعما جاء كم به، ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: أن تَعْصُوا الله في الأرضِ فتَكْفُرُوا به وتَسْفكوا فيها الدماءَ، ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾، وتَعودوا لما كنتُم عليه في جاهليتِكم من التشتُّتِ والتفرُّقِ، بعدَما قد جمَعكم اللهُ بالإسلامِ وألف به بينَ قلوبِكم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال [جماعةٌ مِن] (^٢) أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8629>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ الآية. يقولُ: فهل عسَيْتُم كيفَ رأَيتم القومَ حينَ تولُّوا عن كتابِ اللهِ،\n_________\n(^١) تتمة الأثر المتقدم تخريجه في ص ٢١١.\n(^٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":213},{"text":"ألم يَسفِكوا الدمَ الحرامَ، وقطَّعوا الأرحام، وعَصَوا الرحمن؟ (^١)\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾. [قال: فعَلوا] (^٢).\nحدَّثني محمدُ بن عبد الرحيم البرقيُّ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: أخبَرنا محمد بن جعفر وسليمانُ (^٣) بنُ بلالٍ، قالا: ثنا معاويةُ بنُ أبي المُزَرِّدِ المدينيُّ، عن سعيدِ بن يسارٍ، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: \"خلَق اللهُ الخلقَ، فلمَّا فرغ منهم تعلَّقت الرحمُ بحَقْوِ الرحمن، فقال: مَهْ. فقالت: هذا مقامُ العائذِ بك من القطيعةِ. قال: فما تَرْضَيْنَ أَن أَقْطَعَ مَن قطَعكِ، وأَصِلَ مَن وصَلكِ؟ قالت: نعمْ. قال: فذلك لك\" (^٤).\nقال سليمان في حديثه: قال أبو هريرةَ: اقرَءُوا إن شِئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾.\nوقد تأوَّله بعضُهم: فهل عسَيتم إن تولَّيتم أمورَ الناسِ أن تُفْسِدوا في الأرضِ؟ بمعنى الولاية.\nوأجمَعت القرأةُ غير نافعٍ على فتحِ السين من: ﴿عَسَيْتُمْ﴾. وكان نافعٌ يَكْسِرُها: (عَسِيتم) (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: ت ٢، ت ٣.\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٤ عن معمر به.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"سليم\".\n(^٤) أخرجه البخارى (٤٨٣٠)، وفي الأدب المفرد (٥٠)، والبغوى في السنة (٣٤٣١) من طريق سليمان بن بلال به، وأخرجه أحمد ١٤/ ١٠٣ (٨٣٦٧)، ومسلم (٢٥٥٤)، والنسائى في الكبرى (١١٤٩٧)، وابن حبان (٤٤١)، والحاكم ٤/ ١٦٢، والبيهقى ٧/ ٢٦، وفى الشعب (٧٩٣٤) من طريق معاوية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٤ إلى عبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن مردويه.\n(^٥) النشر ٢/ ١٧٣، والقراءتان متواترتان.","vol":"21","page":214},{"text":"والصوابُ عندَنا قراءةُ ذلك بفتحِ السينِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليها، وأنه لم يُسْمَعْ في الكلامِ: عَسِىَ أخوك يَقُومُ. بكسرِ السينِ وفتحِ الياءِ، ولو كان صوابًا كسرُها إذا اتَّصل بها مكنيٌّ، جاءت بالكسرِ مع غيرِ المكنيِّ، وفى إجماعِهم على فتحِها مع الاسمِ الظاهرِ، الدليلُ الواضحُ على أنها كذلك مع المكنِيِّ.\nو﴿إِنَّ﴾ التي تِلى ﴿عَسَيْتُمْ﴾ مكسورةٌ، وهى حرفُ جزاءٍ، و﴿أَن﴾ التي مع ﴿تُفْسِدُوا﴾ في موضعِ (^١) نصبٍ بـ ﴿عَسَيْتُمْ﴾.\n\n<span id=\"aya-4568\"></span>وقولُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين يَفْعَلون (^٢) هذا، يَعْنى الذين يُفْسِدون ويَقْطَعون الأرحامَ، الذين لعَنهم اللَّهُ فأبعَدهم من رحمتِه، ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾. يقولُ: فسلَبهم فهْمَ ما يَسْمَعون بآذانِهم من مواعظِ اللَّهِ في تنزيلِه، ﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾. يقولُ: وسلَبهم عقولَهم، فلا يَتَبيَّنون (^٣) حُججَ اللَّهِ، ولا يَتَذَكَّرون ما يَرَون من عِبَرِه وأدلتِه.\n\n<span id=\"aya-4569\"></span><span data-type='title' id=toc-8631>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أفلا يَتَدَبَّرُ هؤلاء المنافقون مواعظَ اللَّهِ التي يَعِظُهم بها في آى القرآنِ الذي أنزَله على نبيِّه ﵊، ويَتَفَكَّرون في حججِه التي بيَّنها لهم في تنزيلِه، فيَعْلَموا بها خطأَ ما هم عليه مُقيمون؟ ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾. يقولُ: أم أَقْفَل اللَّهُ على قلوبِهم، فلا يَعْقِلون ما أنزَل اللَّهُ في كتابِه من المواعظِ والعِبرِ.\n_________\n(^١) في ت ٣: \"الأرض\".\n(^٢) في ت ٣: \"يعقلون\".\n(^٣) في ت ٣: \"يتثبتون\".","vol":"21","page":215},{"text":"وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8632>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾. إذنْ واللَّهِ يَجِدُون في القرآنِ زاجرًا عن معصيةِ اللَّهِ، لو تدبَّره القومُ فعقَلوه، ولكنهم أخَذوا بالمتشابهِ فهلَكوا عندَ ذلك (^١).\nحدَّثنا إسماعيلُ بنُ حفصٍ الأَيليُّ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن ثورِ بن يزيدَ، عن خالدِ بن مَعدانَ، قال: ما من آدميٍّ إلا وله أربعُ أعينٍ؛ عينان في رأسِه لدنياه وما يُصْلِحُه من معيشتِه، وعينان في قلبِه لدينِه وما وعَد اللَّهُ من الغيبِ، فإذا أراد اللَّهُ بعبدٍ خيرًا أبصَرت عيناه اللتان في قلبِه، وإذا أراد اللَّهُ به غيرَ ذلك طمَس عليهما، فذلك قولُه: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا ثورُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا خالدُ بنُ معدانَ، قال: ما من الناسِ أحدٌ إلا وله أربعُ أعينٍ؛ عينان في وجهِه لمعيشتِه، وعينان في قلبِه. وما من أحدٍ إلا وله شيطانٌ متبطِّنٌ فَقَارَ ظهرِه، عاطفٌ عنقَه على عنقِه، فاغرٌ فاه إلى ثمرةِ قلبِه، فإذا أراد اللَّهُ بعبدٍ خيرًا أبصَرت عيناه اللتان في قلبِه ما وعَد اللَّهُ من الغيبِ فعمِل به، وهما غيبٌ، فعمِل بالغيبِ، وإذا أراد اللَّهُ بعبدٍ شرًّا ترَكه. ثم قرَأ: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ، قال: ثنا عمرٌو، عن ثورٍ، عن خالدِ بن مَعْدَانَ بنحوِه، إلا أنه قال: ترَك القلبَ على ما فيه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٦٦) إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٦٦) إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"21","page":216},{"text":"حدَّثنا بشرٌ (^١)، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، قال: تلا رسولُ اللَّهِ ﷺ يومًا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾. فقال شابٌّ من أهلِ اليمنِ: بل عليها أقفالُها، حتى يكونَ اللَّهُ ﷿ يَفْتَحُها أو يُفَرِّجُها. فما زال الشابُّ في نفس عمرَ ﵁ حتى ولِى فاستعان به (^٢).\n\n<span id=\"aya-4570\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾. يقولُ اللَّهُ ﷿: إن الذين رجَعوا القَهْقَرَى على أعقابِهم كفارًا باللَّهِ من بعدِ ما تَبَيَّن لهم الحقُّ وقصْدُ السبيلِ، فعرَفوا واضحَ الحجةِ، ثم آثَروا الضلالَ على الهدَى، عنادًا لأمرِ اللَّهِ تعالى ذكرُه من بعدِ العلمِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾: هم أعداءُ اللَّهِ أهلُ الكتابِ، يَعْرِفون [نعتَ النبيِّ] (^٣) ﷺ وأصحابِه عندَهم، ثم يَكْفُرون به (^٤).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾: إنهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم (^٥).\nوقال آخرون: عُنِى بذلك أهلُ النفاقِ.\n_________\n(^١) بعده في ص، م: \"قال: ثنا يزيد، قال ثنا سعيد\"، وبعده في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا قتادة\". وهذه الزيادة أثبتها محققو تفسير ابن كثير بين معكوفين من تفسير الطبرى. والمثبت كما في تفسير البغوي، وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٢٣٩.\n(^٢) أخرجه البغوي في تفسيره ٧/ ٢٨٧ من طريق المصنف. به. وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٠٣ عن المصنف به. وأخرجه إسحاق بن راهويه - كما في المطالب العالية (٤١٠٥) من طريق هشام به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) في ص، ت ١: \"بعث نبى الله محمد\"، وفى م: \"بعث محمد نبى الله\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٤، وفى مصنفه (١٠٢١٢) عن معمر به.","vol":"21","page":217},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8633>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ إلى قولِه: ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾: هم أهلُ النفاقِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ إلى: ﴿إِسْرَارَهُمْ﴾: هم أهلُ النفاقِ (^٢).\nوهذه الصفةُ بصفةِ (^٣) أهلِ النفاقِ عندَنا، أشبهُ منها بصفةِ أهلِ الكتابِ، وذلك أن اللَّهَ جلَّ ثناؤه أخبَر أن ردَّتَهم كانت بقيلِهم للذين كرِهوا ما نزَّل اللَّهُ: ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾. ولو كانت من صفةِ أهلِ الكتابِ لكان في وصفِهم بالتكذيبِ (^٤) محمدٍ ﷺ الكفايةُ من الخبرِ عنهم بأنهم إنما ارتدُّوا من أجلِ قيلِهم ما قالوا.\nوقولُه: ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الشيطانُ زيَّن لهم ارتدادَهم على أدبارِهم من بعدِ ما تَبَيَّن لهم الهدَى.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8634>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿الشَّيْطَانُ\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٢٨٨، والقرطبى في تفسيره ١٦/ ٢٤٩.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٦ إلى المصنف.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"صفة\".\n(^٤) في م: \"بتكذيب\".","vol":"21","page":218},{"text":"سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾. يقولُ: زيَّن لهم (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾. يقولُ: زيَّن لهم.\nوقولُه: ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾. يقولُ: ومدَّ اللَّهُ لهم في آجالِهم مُلاوةً (^٢) من الدهرِ. ومعنى الكلامِ: الشيطانُ سوَّل لهم، واللَّهُ أَمْلَى لهم.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والكوفةِ: ﴿وَأَمْلَى لَهُم﴾ بفتحِ الألفِ منها (^٣)، بمعنى: وأَمْلَى اللَّهُ لهم. وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: (وأُملِىَ لهم) على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه (^٤). وقرَأ مجاهدٌ فيما ذُكِر عنه: (وأُمْلِى). بضمِّ الألفِ وإرسالِ الياءِ (^٥)، على وجهِ الخبرِ من اللَّهِ - جلَّ ثناؤُه عن نفسِه أنه يَفْعَلُ ذلك بهم.\nوأولى هذه القراءاتِ (^٦) بالصوابِ التي عليها عامةُ قرأةِ الحجازِ والكوفةِ، من فتحِ الألفِ في ذلك؛ لأنها القراءةُ المستفيضةُ في قرأةِ الأمصارِ، وإن كان يَجْمَعُها مَذْهَبٌ تَتَقارَبُ معانيها فيه.\n\n<span id=\"aya-4571\"></span><span data-type='title' id=toc-8635>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) المِلاوة والمُلاوة والمَلاوة والمَلا والمَلِى كله: مدة العيش. اللسان (م ل و).\n(^٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى وأبى جعفر وخلف. النشر ٢/ ٢٨٠.\n(^٤) وهى قراءة أبى عمرو. المصدر السابق.\n(^٥) هي قراءة يعقوب، وهو من العشرة. المصدر السابق.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"القراءة\"، والقراءات المذكورة كلها صواب.","vol":"21","page":219},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: أَمْلَى اللَّهُ لهؤلاء المنافقين وترَكهم، والشيطانُ سوَّل لهم، فلم يُوفِّقْهم للهدَى من أجلِ أنهم قالوا للذين كرِهوا ما نزَّل اللَّهُ مِن الأمرِ بقتالِ أهلِ الشركِ به من المنافقين: سنُطِيعُكم في بعضِ الأمرِ الذي هو خلافٌ لأمرِ اللَّهِ ﵎ وأمرِ رسولِه ﷺ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾: فهؤلاء المنافقون (^١).\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ يعلَمُ إسرارَ هذين الحزبَين المتظاهِرَين من أهلِ النفاقِ على خلافِ أَمرِ اللَّهِ وأمرِ رسولِه، إذ يَتَسَارُّون فيما بينَهم بالكفرِ باللَّهِ ومعصيةِ الرسولِ، ولا يَخْفَى عليه ذلك ولا غيرُه من الأمورِ كلِّها.\nواختلَفتِ القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ المدينةِ والبصرةِ: (أَسْرَارَهُمْ) بفتحِ الألفِ من: (أسْرارَهم) (^٢) على وجهِ جماعِ \"سرٍّ\". وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الكوفةِ: ﴿إِسْرَارَهُمْ﴾ بكسرِ الألفِ (^٣)، على أنه مصدرٌ من: أَسرَرتُ إسرارًا.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان مَعروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-4572\"></span><span data-type='title' id=toc-8636>القولِ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ</span>\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٤ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) وهى قراءة عاصم في رواية حفص وحمزة والكسائى. التيسير ص ١٦٣.\n(^٣) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبى بكر. المصدر السابق.","vol":"21","page":220},{"text":"فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾.\n[يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ يَعْلَمُ إسرارَ هؤلاء المنافقين؛ فكيفَ لا يَعْلَمُ حالَهم إذا توفَّتهم الملائكةُ وهم يَضْرِبون وجوهَهم وأدبارَهم؟ يقولُ: فحالُهم أيضًا لا يَخْفَى عليه في ذلك الوقتِ. ويَعْنى بالأدبارِ الأعجازَ، وقد ذكَرْنا الروايةَ في ذلك فيما مضَى قبلُ (^١).\n\n<span id=\"aya-4573\"></span>وقولُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تَفْعَلُ الملائكةُ هذا الذي وصَفتُ بهؤلاء المنافقين؛ من أجلِ أنهم اتَّبعوا ما أسخَط اللَّهَ فأغضَبه عليهم من طاعةِ الشيطانِ، ﴿وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾. يقولُ: وكرِهوا ما يُرْضِيه عنهم من قتالِ الكفارِ به بعدَ ما افترَضه عليهم.\nوقولُه: ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. يقولُ: فأبطَل اللَّهُ ثوابَ أعمالِهم وأذهَبه؛ لأنها عُمِلت في غيرِ رِضاه ولا محبتِه، فبطَلت ولم تَنْفَعْ عاملَها.\n\n<span id=\"aya-4574\"></span><span data-type='title' id=toc-8637>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠)﴾]</span> (^٢).\nيقولُ تعالى ذكرُه: أحسِب هؤلاء المنافقون الذين في قلوبِهم شكٌّ في دينِهم وضعفٌ في يقينِهم، فهم حيارَى في معرفةِ الحقِّ - أن لن (^٣) يُخْرِجَ اللَّهُ ما في قلوبِهم من الأضغانِ على المؤمنين فيُبْدِيَه لهم ويُظْهِرَه، حتى يَعْرِفُوا نِفاقَهم وحَيرتَهم في دينِهم، ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولو نشاءُ\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١١/ ٢٢٩ - ٢٣١.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":221},{"text":"يا محمدُ لعرَّفناك هؤلاء المنافقين حتى تَعْرِفَهم. من قولِ القائلِ: سأُريك ما أصنَعُ. بمعنى: سأُعْلِمُك.\nوقولُه: ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾. يقولُ: فلتَعْرِفَنَّهم بعلاماتِ النفاقِ الظاهرةِ منهم في فحوَى كلامِهم وظاهِر أفعالِهم. ثم إن اللَّهَ تعالى ذكرُه عرَّفه إياهم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8638>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: هم أهلُ النفاقِ، وقد عرَّفه إياهم في \"براءة\" فقال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]. وقال: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ (^١) [التوبة: ٨٣].\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآية: هم أهلُ النفاقِ، ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾. فعرَّفه اللَّهُ إِياهم في سورةِ \"براءة\"، فقال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾. وقال: قل لهم: لن تَنفِروا معى أبدًا ولن تقاتلوا معى عدوًّا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَمْ\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٢٥٢.","vol":"21","page":222},{"text":"حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾. قال: هؤلاء المنافقون. قال: والذي أسَرُّوا من النفاقِ هو الكفرُ.\n\n<span id=\"aya-4575\"></span>قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: هؤلاء المنافقون. قال: وقد أراه اللَّهُ إياهم، وأمَر بهم أن يَخرُجوا من المسجدِ. قال: فأبَوا إلا أن تَمَسَّكوا بلا إلهَ إلا اللَّهُ، فلما أبَوا إلا أن تَمَسَّكوا بلا إلهَ إلا اللَّهُ، حُقِنت دماؤُهم، ونكَحوا ونُوكِحوا بها (^١).\nوقولُه: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾. يقولُ: ولتَعْرِفَنَّ هؤلاء المنافقين في معنى قولِهم نحوَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾. قال: قولِهم.\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾: لا يَخْفَى عليه العاملُ منكم بطاعتِه، والمخالفُ ذلك، وهو مُجازِى جميعِكم عليها.\n\n<span id=\"aya-4576\"></span><span data-type='title' id=toc-8639>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لأهلِ الإيمانِ به من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: ولَنَبْلُوَنَّكم أيُّها المؤمنون بالقتلِ وجهادِ أعداءِ اللَّهِ، ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾. يقولُ: حتى يَعْلَمَ حزبِى وأوليائى أهلَ الجهاد في اللَّهِ منكم، وأهلَ الصبرِ على قتالِ أعدائِه، فيَظْهَرَ ذلك لهم، ويُعْرَفَ ذوو البصائرِ منكم في دينِه من ذوى الشكِّ والحَيرةِ فيه،\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٢٥٢.","vol":"21","page":223},{"text":"وأهلُ الإيمانِ من أهلِ النفاقِ، ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ فنَعْرِفَ الصادقَ منكم من الكاذبِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8640>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾. وقولَه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥]. ونحوَ هذا، قال: أخبَر اللَّهُ سبحانه المؤمنين أن الدنيا دارُ بلاءٍ، وأنه مُبْتَلِيهم فيها، وأمَرهم بالصبرِ وبشَّرهم، فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. ثم أخبَرهم أنه هكذا فعَل بأنبيائِه وصفوتِه؛ لتَطِيبَ أنفسُهم، فقال: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤]. فالبأساءُ الفقرُ، والضراءُ السَّقَمُ، وزُلزلوا بالفتنِ وأذَى الناسِ إيَّاهم (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه ﷿: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾. قال: نَخْتَبِرُكم. البلوى الاختبارُ. وقرَأ: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢،١]. قال: لا يُختَبرون، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية [العنكبوت: ٣].\nواختلَفت القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ بالنونِ \"ونَبْلُو\"\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الشعب (٩٦٨٧) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٥٦، ٢٤٣ إلى ابن المنذر. وقد تقدم تخريجه عند ابن أبي حاتم في ٢/ ٧٠٤.","vol":"21","page":224},{"text":"و﴿نَعْلَمَ﴾، و﴿وَنَبْلُوا﴾ على وجهِ الخبرِ من اللهِ ﷻ عن نفسِه، سوى عاصمٍ؛ فإنه قرَأ جميعَ ذلك بالياءِ (^١). والنونُ هي القراءةُ عندَنا؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ عليها، وإن كان للأخرى وجةٌ صحيحٌ.\n\n<span id=\"aya-4577\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين جحَدوا توحيدَ اللَّهِ، وصدُّوا الناسَ عن دينِه الذي ابتَعث به رسلَه، ﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾. يقولُ: وخالَفوا رسولَه محمدًا ﷺ، فحارَبوه وآذَوه من بعدِ ما علِموا أنه نبيٌّ مبعوثٌ، ورسولٌ مرسَلٌ، وعرَفوا الطريقَ الواضحَ بمعرفتِه، وأنه للَّهِ رسولٌ.\nوقولهُ: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾. لأن اللَّهَ بالغُ أمرِه، وناصرُ رسولِه ومُظهِرُه على مَن عاداه وخالَفه، ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾. يقولُ: وسيُذْهِبُ أعمالَهم التي عمِلوها في الدنيا فلا يَنْفَعُهم بها في الدنيا و(^٢) الآخرةِ، ويُبْطِلُها إلا مما يَضُرُّهم.\n\n<span id=\"aya-4578\"></span><span data-type='title' id=toc-8641>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿*يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين آمنوا باللَّهِ ورسولِه، أطِيعُوا الله وأطِيعوا الرسولَ في أمرِهما ونهيِهِما، ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾. يقولُ: ولا تُبْطِلوا بمعصيتِكم إياهما وكفرِكم بربِّكم ثوابَ أعمالِكم؛ فإن الكفرَ باللَّهِ يُحْبِطُ السالفَ من العملِ الصالحِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في رواية أبى بكر عنه. النشر ٢/ ٢٨٠.\n(^٢) بعده في م: \"لا\".","vol":"21","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8642>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ الآية: من استطاعَ منكم ألَّا يُبْطِلَ عملًا صالحًا عمِله بعملٍ سيِّئَ فَلْيَفْعَلْ، ولا قوّةَ إلا باللَّهِ، فإن الخيرَ يَنْسَخُ الشرَّ، وإن الشرَّ يَنْسَخُ الخيرَ، وإن مِلاكَ الأعمالِ خواتيمُها (^١).\n\n<span id=\"aya-4579\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّار﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين أنكَروا توحيدَ اللَّهِ، وصدُّوا مَن أراد الإيمانَ باللَّهِ وبرسولِه عن ذلك، ففتَنوهم عنه، وحالوا بينَهم وبينَ ما أرادوا من ذلك، ﴿ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. يقولُ: ثم ماتوا وهم على ذلك من كفرِهم، ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. يقولُ: فلن يَعْفُوَ اللَّهُ عما صنَع من ذلك، ولكنه يُعاقِبُه عليه، ويَفْضَحُه به على رءوسِ الأشهادِ.\n\n<span id=\"aya-4580\"></span><span data-type='title' id=toc-8643>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلا تَضْعُفوا أيُّها المؤمنون باللَّهِ عن جهادِ المشرِكين وتَجْبُنوا عن قتالِهم.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾. قال: لا تَضْعُفوا (^٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٠٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧٩، ٦/ ٦٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وتقدم تخريجه في ٦/ ٧٧.","vol":"21","page":226},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾: لا تَضْعُفْ أَنتَ (^١).\nوقولُه: ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾. يقولُ: لا تَضْعُفوا عنهم وتَدْعوهم إلى الصلحِ والمسالمةِ، وأنتم القاهرون لهم والعالون عليهم، ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾. يقولُ: واللَّهُ معكم بالنصرِ لكم عليهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، غيرَ أنهم اختلَفوا في معنى قولِه: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وأنتم أولى باللَّهِ منهم. وقال بعضُهم مثلَ الذي قلْنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8644>ذكرُ مَن قال ذلك وقال: معنى قولِه: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾: أنتم أولى باللَّهِ منهم</span>\nحدَّثني أحمدُ بنُ المقدامِ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ أبى يُحَدِّثُ عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾. قال: أي: لا تكونوا أُولى الطائفتين تُصْرَعُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾. قال: لا تكونوا أُولى الطائفتين صُرِعت لصاحبتِها ودعَتها إلى الموادعةِ، وأنتم أَولى باللَّهِ منهم، واللَّهُ معكم.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾. قال: لا تكونوا أُولى الطائفتين صُرِعت إلى صاحبتِها،\n_________\n(^١) ذكره الطوسى في التبيان ٩/ ٣٠٦.","vol":"21","page":227},{"text":"﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾. قال: يقولُ: وأنتم أَولى باللَّهِ منهم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-8645>ذكرُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾: أنتم الغالبون الأعزُّ منهم</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾. قال: الغالبون، مثلَ يومِ أحدٍ تكونُ عليهم الدائرةُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾. قال: هذا منسوخٌ. قال: نسَخه القتالُ والجهادُ. يقولُ: لا تَضْعُفْ أنت وتَدْعوَهم أنت إلى السلمِ وأنت الأعلى. قال: وهذا حينَ كانت العهودُ والهدنةُ فيما بينَه وبينَ المشرِكين قبلَ أن يكونَ القتالُ، يقولُ: لا تَهُنْ فتَضْعُفَ فيَرى أنك تَدْعوه إلى السلمِ، وأنت فوقَه وأعزُّ منه، ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾: أنتم أعزُّ منهم، ثم جاء القتالُ بعدُ فنسَخ هذا أجمَعَ، فأمَره بجهادِهم والغلظةِ عليهم.\nوقد قيل: عُنِى بقولِه: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾: وأنتم الغالبون آخرَ الأمرِ، وإن غلَبوكم في بعضِ الأوقاتِ، وقهَروكم في بعضِ الحروبِ.\nوقولُه: ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾ جُزِم بالنهى.\nوفى قولِه: ﴿وَتَدْعُوا﴾ وجهان؛ أحدُهما: الجزمُ على العطفِ على: ﴿تَهِنُوا﴾. فيكونُ معنى الكلامِ فلا تَهِنوا ولا تَدْعوا إلى السلمِ. والآخرُ:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٠٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"21","page":228},{"text":"النصبُ على الصرفِ (^١).\nوقولُه: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾. يقولُ: ولن يَظْلِمَكم أجورَ أعمالِكم فيَنقُصَكم ثوابَها. من قولِهم: وتَرتُ الرجلَ. إذا قتَلتَ له قتيلًا، فأخَذتَ له مالًا غصبًا.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8646>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾. يقولُ: لن يَظْلِمَكم (^٢) أعمالَكم (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾. قال: لن يَنقُصَكم (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾. أي: لن يَظْلِمَكم أعمالَكم.\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنِ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَن\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٦/ ٩٢.\n(^٢) بعده في م: \"أجور\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٧ إلى المصنف.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦٠٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"21","page":229},{"text":"يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾. قال: لن يَظْلِمَكم أعمالَكم، ذلك ﴿يَتِرَكُمْ﴾ (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾. قال: لن يَظْلِمَكم أعمالَكم (^٢).\n\n<span id=\"aya-4581\"></span><span data-type='title' id=toc-8647>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه حاضًّا عبادَه المؤمنين على جهادِ أعدائِه، والنفقةِ في سبيلِه، وبذلِ مُهجهم في قتالِ أهلِ الكفرِ به: قاتِلوا أيُّها المؤمنون أعداءَ اللَّهِ وأعداءَكم من أهلِ الكفرِ، ولا تَدْعُكم الرغبةُ في الحياةِ إلى ترِك قتالِهم، فإنما الحياةُ الدنيا لعبٌ ولهوٌ، إلا ما كان منها للَّهِ؛ من عملٍ في سبيلِه، وطلبِ رضاه، فأما ما عدا ذلك فإنما هو لعبٌ ولهوٌ، يَضْمَحِلُّ فَيَذْهَبُ، ويَنْدَرِسُ فَيَنْمَحى (^٣)، أو إثمٌ يَبْقَى على صاحبِه عارُه وخِزْيُه، ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾. يقولُ: وإِن تَعْمَلُوا في هذه الدنيا التي ما كان فيها مما هو لها فلعبٌ ولهوٌ، فتُؤْمِنوا به، وتَتَّقوه بأداءِ فرائضِه واجتنابِ معاصيه، وهو الذي يَبْقَى لكم منها، ولا يَبْطُلُ بُطُولَ اللهوِ واللعبِ، ثَمَّ يُؤْتِكم ربُّكم عليه أجورَكم، فيعوِّضْكم منه ما هو خيرٌ لكم منه يومَ فقرِكم وحاجتِكم (^٤) إلى أعمالِكم، ﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾. يقولُ: ولا يسألْكم ربُّكم\n_________\n(^١) ذكره الطوسى في التبيان ٩/ ٣٠٦.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٢٩٠.\n(^٣) في ص، ت ١: \"فينمى\"، وفى م: \"فيمر\".\n(^٤) بعده في ت ١: \"إليه\".","vol":"21","page":230},{"text":"أموالَكُم، ولكنه يُكَلِّفُكم توحيدَه، وخلْعَ ما سِواه من الأندادِ، وإفرادَ الألوهةِ والطاعةِ له،\n\n<span id=\"aya-4582\"></span>﴿إِن يَسْئَلْكُمُوهَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: إن يَسْأَلْكم ربُّكم أموالَكم، ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾. يقولُ: فيُجْهِدْكم بالمسألةِ، ويُلِحَّ عليكم بطلبِها منكم فيُلْحِفْ، ﴿تَبْخَلُوا﴾. يقولُ: تَبْخَلوا بها، وتَمْنَعوها إياه؛ ضنًّا (^١) منكم بها، ولكنه علِم ذلك منكم ومن ضِيقِ أنفسِكم، فلم يَسْأَلْكموها.\nوقولُه: ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ﴾. يقولُ: ويُخْرِجْ جلَّ ثناؤُه لو سأَلكم أموالَكم بمسألتِه ذلك منكم، أضغانَكم. قال: قد علِم اللَّهُ أن في مسألتِه المالَ خروجَ الأضغانَ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾. قال: الإحفاءُ أن تَأْخُذَ كلَّ شيءٍ بيدَيْك.\n\n<span id=\"aya-4583\"></span><span data-type='title' id=toc-8648>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين: هأنتم أيُّها الناسُ، ﴿هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: تُدْعَون إلى النفقةِ في جهادِ أعداءِ اللَّهِ ونُصرةِ دينِه، فمنكم من يَبْخَلُ: بالنفقةِ فيه.\nوأُدخلت \"ها\" في موضعين؛ لأن العربَ إذا أرادت التقريبَ جعَلت المكنيَّ بينَ \"ها\" وبين \"ذا\"، فقالت: ها أنت ذا قائمًا. لأن التقريبَ جوابُ الكلامِ، فربما أعادت \"ها\" مع \"ذا\"، وربما اجتزَأت بالأولى وقد حُذِفت الثانيةُ، ولا يُقدِّمون\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"منا\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"ما\".","vol":"21","page":231},{"text":"\"أنتم\" قبل \"ها\"؛ لأن \"ها\" جوابٌ، فلا تُقرِّبُ بـ \"ها\" بعدَ الكلمةِ.\nوقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: جعَل التنبيةَ في موضعين للتوكيدِ.\nوقولُه: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يَبْخَلُ بالنفقةِ في سبيلِ اللَّهِ، فإنما يَبْخَلُ عن بُخلِ نفسِه؛ لأن نفسَه لو كانت جوادًا لم تَبْخَلْ بالنفقةِ في سبيلِ اللَّهِ، ولكن كانت تجودُ بها، ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا حاجةَ للَّهِ أيُّها الناسُ إلى أموالِكم ولا نفقاتِكم، لأنه الغنيُّ عن خلقِه، والخلقُ الفقراءُ إليه، وأنتم من خلقِه، فأنتم الفقراءُ إليه؛ وإنما حضَّكم على النفقةِ في سبيلِه ليُكْسِبَكم بذلك الجزيلَ من ثوابِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8649>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾. قال: ليس باللَّهِ تعالى ذكرُه إليكم حاجةٌ، وأنتم أحوجُ إليه.\nوقولُه تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن تَتَوَلَّوْا أيُّها الناسُ عن هذا الدين الذي جاءَكم به محمدٌ ﷺ فتَرْتَدُّوا راجعين عنه ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾. يقولُ: يُهْلِكْكم ثم يَجِئْ بقومٍ آخرين غيرِكم بدلًا منكم، يُصَدِّقون به ويَعْمَلون بشرائعِه، ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾. يقولُ: ثم لا يَبْخَلوا بما أُمِروا به من النفقةِ في سبيلِ اللَّهِ، ولا يُضَيِّعوا شيئًا مِن حدودِ دينِهم، ولكنهم يقومون بذلك كلِّه على ما يُؤْمَرون به.","vol":"21","page":232},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8650>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾. يقولُ: إن توَلَّيْتُم عن كتابى وطاعتى أَسْتَبْدِلْ قومًا غيرَكم. قادرٌ واللَّهِ ربُّنا على ذلك؛ على أن يُهْلِكَ (^١) ويَأْتىَ مِن بعدِهم مَن هو خيرٌ منهم.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾. قال: إن توَلَّوا عن طاعةِ الله (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾.\nوذُكِر أنه عُنِى بقولِه: ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾. العَجَمُ مِن عجمِ فارسَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8651>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بَزِيعٍ البغداديُّ أبو سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقَ بنُ منصورٍ، عن مسلمِ بن خالدٍ، عن العلاءِ بن عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: لما نزَلَت: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾: كان سلمانُ إلى جنبِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، مَن هؤلاء القومُ الذين إن توَلَّيْنا اسْتُبْدِلوا بنا؟ قال: فضرَب النبيُّ ﷺ على مَنْكِبِ سلمانَ، فقال: \"مِن هذا وقومِه، والذي نفسى بيدِه لو أن الدينَ تعَلَّق بالثُّرَيَّا لنالَته رجالٌ مِن أهلِ فارسَ\".\n_________\n(^١) في م: \"يهلكهم\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٤ عن معمر به.","vol":"21","page":233},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنى مسلمُ بنُ خالدٍ، عن العلاءِ بن عبدِ الرحمنِ عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ تلا هذه الآيةَ: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾. قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، مَن هؤلاء الذين إن تَوَلَّيْنا اسْتُبْدِلوا بنا ثم لا يَكونوا أمثالَنا؟ فضرَب على فَخِذِ سلمانَ، قال: \"هذا وقومُه، ولو كان الدينُ عندَ الثُّرَيَّا لَتَناوَله رجالٌ مِن الفرس\") (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الترمذيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الوليدِ العَدَنيُّ، قال: ثنا مسلمُ بنُ خالدٍ، عن العلاءِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: نزَلَت هذه الآيةُ وسلمانُ الفارسيُّ إلى جنبِ رسولِ اللَّهِ ﷺ تَحُكُّ ركبتُه ركبتَه: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾. قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ومَن الذين إن توَلَّيْنا اسْتُبْدِلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالَنا؟ قال: فضرَب فَخِذَ سلمانَ، ثم قال: \"هذا وقومُه\".\nوقال مجاهدٌ في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾: مَن شاء (^٢).\nوقال آخرون: هم أهلُ اليمنِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٣٠٦ -، والبغوى في تفسيره ٧/ ٢٩١، وفى شرح السنة (٤٠٠٠) من طريق يونس به، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٨٨٣٨) من طريق مسلم بن خالد به، وأخرجه الترمذى (٣٢٦٠، ٣٢٦١)، والحاكم ٢/ ٤٥٨، والبيهقى في الدلائل ٦/ ٣٣٤ من طريق العلاء بن عبد الرحمن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٧ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) تفسير مجاهد ٦٠٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"21","page":234},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8652>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ الطائيُّ، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا راشدُ بنُ سعدٍ وعبدُ الرحمنِ بنُ جبيرٍ وشريحُ بنُ عبيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ قال: أهلُ اليمنِ (^١).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ محمدٍ ﷺ.\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٢٥٨ عن شريح بن عبيد.","vol":"21","page":235},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8653>تفسيرُ سورةِ \"الفتحِ\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4584\"></span><span data-type='title' id=toc-8654>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا </span>(٣)﴾.\nيَعْنى بقولِه تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾. يقولُ: إنا حَكَمْنا لك يا محمدُ حُكمًا يَبِينُ (^١) لمن سَمِعه أو بَلَغه، على مَن خَالَفَك وناصَبَك مِن كفارِ قومِك، وقَضَيْنا لك عليهم بالنصرِ والظَّفَرِ، لتَشْكُرَ ربَّك، وتَحْمَدَه على نعمتِه بقضائِه لك عليهم، وفتحِه ما فتَح لك، ولتُسَبِّحَه وتَسْتَغْفِرَه، فيَغْفِرَ لك بفِعالِك ذلك ربُّك، ما تقَدَّم مِن ذنبِك قبلَ فتحِه لك ما فتَح، وما تأخَّر بعدَ فتحِه لك ذلك، ما شَكَرْتَه واسْتَغْفَرْتَه.\nوإنما اخْتَرْنا هذا (^٢) القولَ في تأويلِ هذه الآيةِ؛ لدَلالةِ قولِ اللهِ ﷿: ﴿ذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر:١ - ٣]. على صحتِه، إذ أمَرَه تعالى ذكرُه أن يُسَبِّحَ بحمدِ ربِّه إذا جاءه نصرُ اللهِ وفتحُ مكةَ، وأن يَسْتَغْفِرَه (^٣)، وأعْلَمه أنه توابٌ على مَن فعَل ذلك. ففى ذلك بيانٌ واضحٌ أن قولَه تعالى ذكرُه:\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م: \"يستغفروه\".","vol":"21","page":236},{"text":"<span id=\"aya-4585\"></span>﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. إنما هو خيرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه نبيَّه ﵊ عن جزائِه له على شكرِه له على النعمةِ التي أنْعَم بها عليه، من إظهارِه له ما فتَح؛ لأن جزاءَ اللهِ تعالى عبادَه على أعمالِهم دونَ غيرِها.\nوبعدُ، ففى صحةِ الخبرِ عنه ﷺ أنه كان يَقومُ حتى تَرِمَ قدماه، فقيل له: يا رسولَ اللهِ، تَفْعَلُ هذا وقد غُفِر لك ما تقَدَّم مِن ذنبِك وما تأخَّر؟ فقال: \"أفلا أكُونُ عبدًا شَكورًا؟ \" (^١). الدَّلالُة الواضحةُ على أن الذي قلنا من ذلك هو الصحيحُ مِن القولِ، وأن الله ﵎ إنما وعَد نبيَّه محمدًا ﷺ غفرانَ ذنوبِه المتقدمةِ فَتْحَ ما فَتَح عليه، وبعده، على شكرِه له على نِعَمِه التي أَنْعَمَها عليه.\nوكذلك كان يقولُ ﷺ: \"إنى لأَسْتَغْفِرُ اللهِ وأتوبُ إليه في كلِّ يومٍ مائةَ مرةٍ\" (^٢). ولو كان القولُ في ذلك أنه مِن خبرِ اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه أنه قد غفَر له ما تقَدَّم من ذنبِه وما تأخَّر، على غيرِ الوجهِ الذي ذكَرْنا، لم يَكُنْ لأمرِه إياه بالاستغفارِ بعدَ هذه الآيةِ، ولا لاستغفارِ نبيِّ اللهِ ﷺ ربَّه ﷻ مِن ذنوبِه بعدَها - معنًى يُعْقَلُ؛ إذ الاستغفارُ معناه طلبُ العبدِ مِن ربِّه ﷿ غفرانَ ذنوبِه، فإذا لم يَكُنْ ذنوبٌ تُغْفَرُ، لم يَكُنْ لمسألتِه إياه غفرانَها معنًى؛ لأنه من المُحالِ أن يُقالَ: اللهمَّ اغْفِرْ لى ذنبًا لم أَعْمَلُه.\nوقد تأوَّل ذلك بعضُهم بمَعْنى: ليَغْفِرَ لك ما تقدَّم مِن ذنبِك قبلَ الرسالةِ، وما تأخَّر إلى الوقتِ الذي قال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ الله\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسى (٧٢٨)، والبخارى (١١٣٠، ٤٨٣٦، ٦٤٧١)، ومسلم (٢٨١٩)، وغيرهما من حديث المغيرة بن شعبة، وأخرجه مسلم (٢٨٢٠) من حديث عائشة.\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٩/ ٣٩٠، ٣٩١ (١٧٨٤٧، ١٧٨٤٨)، ومسلم (٢٧٠٢)، من حديث الأغر المزنى.","vol":"21","page":237},{"text":"مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾.\nوأما الفتحُ الذي وعَد الله جلَّ ثناؤُه نبيَّه ﷺ هذه العِدَةَ على شكرِه إياه عليه، فإنه - فيما ذُكِر - الهُدْنةُ التي جَرَتْ بينَ رسولِ اللهِ ﷺ [ومشركى] (^١) قريشٍ بالحُدَيْبِيَةِ.\nوذُكِر أن هذه السورة أُنْزِلَت على رسولِ اللهِ ﷺ مُنْصَرَفَه عن الحُدَيْبِيَةِ، بعدَ الهدنةِ التي جَرَتْ بينَه وبينَ قومِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8655>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾. قال: قضَيْنا لك قضاءً مبينًا (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾: والفتحُ القضاءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8656>ذكرُ الروايةِ عمَّن قال: نزَلَت هذه السورةُ على رسولِ اللهِ ﷺ في الوقتِ الذي ذَكَرْتُ</span>\nحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾. قال: الحُدَيْبِيَةَ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) في م: \"وبين مشركى\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن سعد ٢/ ١٠٤ من طريق داود به نحوه.","vol":"21","page":238},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾. قال: نَحْرَه بالحُديبِيَةِ وحَلْقَه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا أبو بَحْرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا جامعُ بنُ شَدَّادٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبى عَلْقمةَ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ يقولُ: لمَّا أَقْبَلْنا مِن الحُدَيبيَةِ أَعْرَسْنا فنِمْنا، فلم نَسْتَيْقِظْ إلا بالشمسِ قد طَلَعَتْ، فاسْتَيْقَظْنا ورسولُ اللهِ ﷺ نائمٌ. قال: فقلْنا: أهْضِبُوا (^٢). فاسْتَيْقَظ رسولُ اللهِ ﷺ فقال: \"افْعَلوا كما كنتم تَفْعَلون، فكذلك مَن نام أو نسِى\". قال: وفَقَدْنا ناقةَ رسولِ اللهِ ﷺ، فوَجَدْناها قد تَعَلَّق خِطامُها بشجرةٍ، فأَتَيْتُه بها، فركِب، فبَيْنا نحن نَسيرُ إذ أتاه الوحيُ. قال: وكان إذا أتاه اشْتَدَّ عليه، فلَمَّا سُرِّي عنه أَخْبَرنا أنه أُنزِل عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعْتُ أبى يُحَدِّثُ، عن قتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: لما رجَعْنا مِن غزوةِ الحديبيةِ وقد حِيل بينَنا وبينَ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٠٧، وأخرجه ابن سعد ٢/ ١٠٤ من طريق ابن جريج، عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"أيقظوه\"، وفى ت ٢: \"اقضوه\"، وفى ت ٣: \"افضوا\".\nوأهضِبوا: تَكَلَّموا وامْضُوا. يقال: هَضَب في الحديث وأهْضَبَ. إذا انْدَفَع فيه. كرِهوا أن يوقظوه، فأرادوا أن يستيقظ بكلامهم. ينظر النهاية ٥/ ٢٦٥.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٠٩ عن المصنف، وأخرجه الطيالسى (٣٧٥)، وابن أبي شيبة ٢/ ٦٤، ١٤/ ١٦١، ٤٥٣، ٤٥٤، وأحمد ٦/ ١٧٠، ٧/ ٤٢٦، ٤٢٧ (٣٦٥٧، ٤٤٢١)، والبخارى في الكبير ٥/ ٢٥١، وأبو داود (٤٤٧)، والنسائى في الكبرى (٨٨٥٣)، والطبرانى (١٠٥٤٩)، والبيهقى ٢/ ٢١٨ من طريق شعبة به، وأخرجه الطبراني (١٠٥٤٩، ١٠٥٤٩)، والبيهقى في الدلائل ٤/ ١٥٥ من طريق جامع ابن شداد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٨ إلى ابن مردويه.","vol":"21","page":239},{"text":"نُسُكِنا. قال: فنحن بينَ الحزنِ والكآبةِ. قال: فأنْزَل اللهُ ﷿: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. أو كما شاء اللهُ، فقال نبيُّ اللهِ ﷺ: \"لقد أُنْزِلَتْ عليَّ آيةٌ أَحَبُّ إليَّ مِن الدنيا جميعًا\" (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عدى، عن سعيدِ بن أبى عَروبةَ، عن قتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ في قولِه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾. قال: نزَلَت على النبيِّ ﷺ مَرْجِعَه من الحديبيةِ، وقد حِيل بينَهم وبينَ نسكِهم، فنَحَر الهَدْىَ بالحديبيةِ، وأصحابُه مُخالِطو الكآبةِ والحزنِ، فقال: \"لقد أُنْزِلَت عليَّ آيةٌ أحَبُّ إلىَّ مِن الدنيا جميعًا\". فقرَأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ إلى قولِه: ﴿عَزِيزًا﴾. فقال أصحابُه: هَنيئًا لك يا رسولَ اللهِ، قد بيَّن اللهُ لنا ماذا يَفْعَلُ بك، فماذا يَفْعَلُ بنا؟ فأنْزَل اللهُ هذه الآيةَ بعدَها: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ إلى قولِه: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا همامٌ، قال: ثنا قتادةُ، عن أنسٍ قال: أُنزِلَت هذه الآيةُ. فذكَر نحوَه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧٨٦)، والواحدى في أسباب النزول ص ٢٨٥ من طريق المعتمر به.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢٠/ ٤٥٢ (١٣٢٤٦)، ومسلم (١٧٨٦)، وأبو يعلى (٣٢٠٢)، وابن حبان (٣٧٠)، والبيهقى ٩/ ٢٢٢ من طريق سعيد بن أبى عروبة به.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٧٨٦) عن ابن المثنى به، وأخرجه البيهقى في الدلائل ٤/ ١٥٨، والواحدى في أسباب النزول ص ٢٨٥، ٢٨٦، والبغوى في تفسيره ٧/ ٢٩٥ من طريق همام به.","vol":"21","page":240},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنسٍ بنحوِه، غيرَ أنه قال في حديثِه: فقال رجلٌ مِن القومِ: هَنيئًا لك مريئًا يا رسولَ اللهِ. وقال أيضًا: فبيَّن اللهُ ماذا يَفْعَلُ بنبيِّه ﵊، وماذا يَفْعَلُ بهم (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: نزَلَت على النبيِّ ﷺ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. مَرْجِعَه مِن الحديبيةِ، فقال النبيُّ ﷺ: \"لقد نزَلَتْ عليَّ آيةٌ أحبُّ إلىَّ مما على الأرضِ\". ثم قرَأها عليهم، فقالوا: هَنيئًا مَريئًا يا نبيَّ اللهِ، قد بيَّن اللهُ تعالى ذكرُه لك ماذا يَفْعَلُ بك، فماذا يَفْعَلُ بنا؟ فنزَلَت عليه: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. إلى قولِه: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. قالوا: هَنيئًا مريئًا لك يا رسولَ اللهِ، فماذا لنا؟ فنزَلَت: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٢٩٣٢، ٣٢٠٤)، والواحدى في أسباب النزول ص ٢٨٦، من طريق يزيد به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٥ - ومن طريقه الترمذى (٣٢٦٣) - عن معمر، عن قتادة، عن أنسٍ.\n(^٣) أخرجه أحمد ٢٠/ ١٧٦،١٧٧ (١٢٧٧٩)، والبخارى (٤١٧٢)، وأبو يعلى (٣٢٥٢)، والبيهقى ٩/ ٢٢٢، وفى الدلائل ٤/ ١٥٧، ١٥٨ من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧١ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه.","vol":"21","page":241},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعْتُ قتادةَ يُحَدِّثُ عن أنسٍ في هذه الآيةِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، قال: الحديبيةَ (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ حمادٍ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، قال: ما كنا نَعُدُّ فتحَ مكةَ إلا يومَ الحديبيةِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يَعْلَى بنُ عُبيدٍ، عن عبدِ العزيزِ بن سِياهٍ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن أبي وائلٍ، قال: تكَلَّم سهلُ بنُ حُنَيْفٍ يومَ صِفِّينَ، فقال: أيُّها الناسُ اتَّهِموا أنفسَكم، لقد رَأيْتُنا يومَ الحديبيةِ - يَعْنى الصلحَ الذي كان بينَ رسولِ اللهِ ﷺ وبينَ المشركين - ولو نَرَى قتالًا لَقاتَلْنا، فجاء عمرُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، ألسْنا على حقٍّ وهم على باطلٍ؟ أليس قَتْلانا في الجنةِ وقَتْلاهم في النارِ؟ قال: \"بلى\". قال: ففِيمَ نُعْطِى الدَّنِيَّةَ في دينِنا، ونَرْجِعُ ولَمَّا يَحْكُمِ اللهُ بينَنا وبينَهم؟ فقال: \"يا بنَ الخطابِ، إنى رسولُ اللهِ، ولن يُضَيِّعَنى أبدًا\". قال: فرجَع وهو مُتَغَيِّظٌ، فلم يَصْبِرْ حتى أتَى أبا بكرٍ، فقال: يا أبا بكرٍ، ألَسْنا على حقٍّ وهم على باطلٍ؟ أليس قَتلانا في الجنةِ وقَتلاهم في النارِ؟ قال: بلى. قال: ففيمَ نُعْطِى الدنيةَ في دينِنا، ونَرْجِعُ ولمَّا يَحْكُمِ اللهُ بينَنا وبينَهم؟ فقال: يا بن الخطابِ، إنه رسولُ اللهِ، لن يُضَيِّعَه اللهُ أبدًا. قال: فنزَلَت سورةُ (الفتحِ)،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٤٢٩، والبخارى (٤٨٣٤)، والبيهقى في الدلائل ٤/ ١٥٧، من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه ابن سعد ٢/ ١٠٤، وأبو يعلى (٣٢٥٣) من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٨ إلى ابن مردويه.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٠٧ عن الأعمش به.","vol":"21","page":242},{"text":"فأَرْسَل رسولُ اللهِ ﷺ إلى عمرَ، فأقْرَأه إياها، فقال: يا رسولَ اللهِ، أو فتحٌ هو؟ قال: \"نعم\" (^١).\nحدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، قال: ما كنا نَعُدُّ الفتحَ إلا يومَ الحديبيةِ.\nحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ قال: تَعُدُّون أنتم الفتحَ فتْحَ مكةَ، وقد كان فتْحُ مكةَ فتحًا، ونحن نَعُدُّ الفتحَ بيعةَ الرضوانِ يومَ الحديبيةِ، كنا مع رسولِ اللهِ ﷺ [خمسَ عشرةَ] (^٢) مائةً. والحديبيةُ بئرٌ (^٣).\nحدَّثني موسى بنُ سهلٍ الرَّمْليُّ، ثنا محمدُ بنُ عيسى، قال: ثنا مُجَمِّعُ بنُ يعقوبَ الأنصاريُّ، قال: سَمِعْتُ أبى يُحَدِّثُ، عن عمِّه عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ، عن عمِّه مُجَمِّعِ بن جاريةَ الأنصاريِّ، وكان أحدَ القُرَّاء الذين قرَءوا القرآنَ، قال: شَهِدْنا الحديبيةَ مع رسولِ اللهِ ﷺ، فلمَّا انْصَرَفْنا عنها، إذا الناسُ يَهُزُّون الأباعِرَ، فقال بعضُ الناسِ لبعضٍ: ما للناس؟ قالوا: أُوحِى إلى رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢٥/ ٣٤٨،٣٤٩ (١٥٩٧٥) والبخارى (٤٨٤٤)، والنسائى في الكبرى (١١٥٠٤)، والبيهقى ٩/ ٢٢٢، ٢٢٣ من طريق يعلى بن عبيد به. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٤٣٨، ٤٣٩، ١٥/ ٣١٧ - ٣١٩، ومسلم (١٧٨٥)، والطبرانى (٥٦٠٤) (٦/ ١٠٩ من طريق عبد العزيز بن سياه به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٩ إلى ابن مردويه.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣. وفى مصادر التخريج، عدا طبقات ابن سعد: (أربع عشرة).\n(^٣) أخرجه أحمد (٣٠/ ٥٣٢، ٥٣٣، ٦١٣ (١٨٥٦٣، ١٨٥٦٤، ١٨٦٧١) عن وكيع به، وأخرجه البخارى (٤١٥٠)، وابن حبان (٤٨٠١)، والبغوى في شرح السنة (٣٨٠١)، والبيهقى ٩/ ٢٢٣ من طريق إسرائيل به، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٢/ ١٠٥ من طريق أبى إسحاق به مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٨ إلى ابن مردويه.","vol":"21","page":243},{"text":"لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾. فقال رجلٌ: [وفتْحٌ] (^١) هو يا رسولَ اللهِ؟ قال: (نعم، والذي نفسى بيدِه، إنه لَفتحٌ). قال: فقُسِّمَت خيبرُ على أهلِ الحديبيةِ، لم يَدْخُلْ معهم فيها أحدٌ إلا مَن شَهِد الحديبيةَ، وكان الجيشُ ألفًا وخمسَمائةٍ، فيهم ثلاثُمائةِ فارسٍ، فقسَّمها رسولُ اللهِ ﷺ على ثمانيةَ عشَرَ سهمًا، فأعْطَى الفارسَ سهمين، وأعْطَى الراجلَ سهمًا (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: نزَلَت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾. بالحديبيةِ، وأصاب في تلك الغزوةِ ما لم يُصِبْ (^٣) في غَزوةٍ؛ أصاب أن بويِع بَيعةَ الرضوانِ، وغُفِر له ما تقَدَّم من ذنبِه وما تأخَّر، وظهَرَت الرومُ على فارسَ، وبلَغ الهَدْىُ مَحِلَّه، وأُطْعِموا نخلَ خيبرَ، وفرِح المؤمنون بتصديقِ النبيِّ ﷺ، وبظهورِ الرومِ على فارسَ (^٤).\nوقولُه تعالى: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾. بإظهارِه إياك على عدوِّك، ورفعِه ذكرَك في الدنيا، وغفرانِه ذنوبَك في الآخرةِ، ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾.\n_________\n(^١) في م: (أو فتح). وهو موافق لبعض مصادر التخريج. والمثبت من سائر النسخ موافق لما في مسند أحمد.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٧٣٦)، والحاكم ٢/ ١٣١، والبيهقى ٦/ ٣٢٥، وفى الدلائل ٤/ ٢٣٩ من طريق محمد بن عيسى به، وأخرجه ابن سعد ٢/ ١٠٥، وابن أبي شيبة ١٤/ ٤٣٧، ٤٣٨، وأحمد ٢٤/ ٢١٢،٢١٣ (١٥٤٧٠)، والدارقطنى ٤/ ١٠٥، ١٠٦ من طريق مجمع بن يعقوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٨ إلى ابن مردويه.\n(^٣) في م: \"يصبه\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٥، والبيهقى في الدلائل ٤/ ١٦٢، ١٦٣ من طريق مغيرة به، وأخرجه سعيد بن منصور - كما في الفتح ٧/ ٤٤٢ - من طريق الشعبى، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٨ إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":244},{"text":"<span id=\"aya-4586\"></span>يقولُ: ويُرْشِدَك طريقًا من الدين لا اعْوِجاجَ فيه، يَسْتَقِيمُ بك إلى رضا ربِّك، ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾. يقولُ: ويَنْصُرَك الله على سائرِ أعدائِك ومَن ناوَاك، نصرًا لا يَغْلِبُه غالبٌ ولا يَدْفَعُه دافع؛ للبأسِ الذي يُؤَيِّدُك الله به، وبالظَّفَرِ الذي يَمُدُّك به.\n\n<span id=\"aya-4587\"></span><span data-type='title' id=toc-8658>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا </span>(٤)﴾.\nيعنى جلَّ ذكرُه بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: الله الذي (^١) أَنْزَل السكون والطُّمأنينةَ في قلوب المؤمنين بالله ورسوله، إلى الإيمان والحقِّ الذي بعَثَك الله به يا محمدُ.\nوقد مضَى ذكرُ اختلافِ أهلِ التأويلِ في معنى السكينة قبلُ، والصحيح من القولِ في ذلك، بالشواهد المُغنِيَة عن إعادتها في هذا الموضع (^٢).\n﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾. يقولُ: ليَزْدادوا بتصديقهم بما جدَّد (^٣) الله من الفرائض التي ألْزَمَهموها، التي لم تَكُنْ لهم لازمةً، إيمانًا (^٤) ﴿مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾. يقولُ: ليَزْدادوا إلى إيمانهم بالفرائض التي كانت لهم لازمةً قبل ذلك.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8657>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) ينظر تقدم في ٤/ ٤٦٧ - ٤٧٢.\n(^٣) في ص، ت ١، ت،٢، ت ٣: \"حدد\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":245},{"text":"في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: السكينةُ الرحمةُ، ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾. قال: إن الله جلَّ ثناؤُه بعَث نبيَّه ﷺ بشهادةِ ألا إلهَ إلا اللهُ، فَلَمَّا صدَّقوا بها زادَهم الصلاةَ، فلمَّا صدَّقوا بها زادَهم الصيامَ، فلمَّا صدَّقوا به زادهم الزكاةَ، فلما صدَّقوا بها زادهم الحجَّ، ثم أكْمَل لهم دينَهم فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]. قال ابن عباسٍ: فأَوْثَقُ إيمانِ أهلِ الأرضِ وأهل السماواتِ، وأصْدَقُه وأكملُه، شهادةُ ألا إله إلا الله (^١).\nوقولُه: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولله جنودُ السماواتِ والأرض أنصارٌ، يَنْتَقِمُ بهم ممن يَشاءُ مِن أعدائه، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولم يَزَلِ اللهُ ذا عِلمٍ بما هو كائنٌ قبل كونه، وما خَلْقُه عامِلوه، حكيمًا في تدبيره.\n\n<span id=\"aya-4588\"></span><span data-type='title' id=toc-8659>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إنا فتَحْنا لك فتحًا مبينًا؛ لتَشْكُر ربَّك وتَحْمَدَه على ذلك، فيَغْفِرَ لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، وليَحْمَدَ ربَّهم المؤمنون بالله، ويَشْكُروه على إنعامه عليهم بما أنْعَم به عليهم، من الفتح الذي فتَحَه وقضاه بينَهم وبينَ أعدائهم من المشركين، بإظهاره إياهم عليهم - فيُدْخِلَهم بذلك جناتٍ تَجْرِى مِن تحتها الأنهارُ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٣٠٢٨)، والبيهقى في الدلائل ٤/ ١٦٨، من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧١ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"21","page":246},{"text":"ماكثين فيها إلى غير نهايةٍ، ولِيُكَفِّرَ عنهم سيِّئَ أعمالهم، بالحسناتِ التي يَعْمَلونها شكرًا منهم لربِّهم على ما قضَى لهم، وأنْعَم عليهم به، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكان ما وعدهم الله (^١) من هذه العِدَةِ؛ وذلك إدخالُهم جناتٍ تَجْرى من تحتها الأنهارُ، وتكفيرُه سيئاتِهم بحسناتِ أعمالِهم التي يَعْمَلونها - عندَ اللهِ، لهم، ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾. يقولُ: ظَفَرًا منهم بما كانوا تأمَّلوه ويَسْعَوْن له، ونجاةً مما كانوا يَحْذَرونه (^٢) من عذاب الله، عظيمًا.\nوقد تقَدَّم ذكرُ الرواية أن هذه الآية نزَلَت لمَّا قال المؤمنون الرسول الله ﷺ إذ (^٣) تلا عليهم قولَ الله ﷿: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ -: هذا لك يا رسول الله، فماذا لنا؟ تَبْيينًا من الله لهم ما هو فاعلٌ بهم.\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. إلى قوله: ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: فأَعْلَم الله سبحانه نبيَّه ﵊ (^٤).\nقوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. على اللام من قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾. بتأويل تكرير الكلام: إنَّا فَتَحْنا لك فتحًا مُبِينًا ليَغْفِرَ لك الله، إنا فتَحْنا لك ليُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جناتٍ تَجْرِى مِن تحتها الأنهارُ. ولذلك لم تَدْخُل الواوُ التي تَدْخُلُ في الكلام للعطف، فلم يَقُلْ: ولِيُدْخِلَ المؤمنين.\n_________\n(^١) بعده في م: \"به\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يجدونه\".\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"أو\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، بلفظ: \" … فأعلم الله سبحانه نبيه ما يفعل به وبالمؤمنين جميعًا\".","vol":"21","page":247},{"text":"<span id=\"aya-4589\"></span><span data-type='title' id=toc-8660>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: إنا فتَحْنا لك فتحًا مبينًا ليَغْفِرَ لك الله، ولِيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جناتٍ تَجْرِى مِن تحتها الأنهارُ، ولِيُعَذِّبَ المنافقين والمنافقات، بفتح (^١) الله لك يا محمدُ ما فتَح لك، من نصرك على مشركي قريش، فيُكْبَتوا (^٢) لذلك ويَحْزَنوا، ويُخَيِّبَ رجاءَهم (^٣) الذي كانوا يَرْجُونَ مِن رؤيتهم في أهلِ الإيمانِ بك مِن الضعفِ والوَهْنِ والتولِّى عنك في عاجل الدنيا، وصليِّ النار والخلودِ فيها في أجل الآخرةِ، ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾. يقولُ: ولِيُعَذِّبَ كذلك أيضًا المشركين والمشركاتِ، الظَّانِّينَ باللهِ أنه لن يَنْصُرَك وأهل الإيمان بك على أعدائك، ولن يُظْهِرَ كلمتَه فيَجْعَلَها العليا على كلمة الكافرين به، وذلك كان السَّوءَ مِن ظُنونهم التي ذكَرها الله تعالى ذكرُه في هذا الموضعِ. يقولُ تعالى ذكرُه: على المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الذين ظنُّوا هذا الظَّنَّ، ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾. يعني: دائرةُ العذابِ تَدُورُ عليهم به.\nواختَلَفَت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأة الكوفة: ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بفتح السين (^٤). وقرأه بعضُ قرأة البصرة: (دائرةُ السُّوء) بضمِّ السين (^٥).\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"يفتح\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"فيكتئبون\".\n(^٣) في م: \"رجاؤهم\"، وفي ت ١: \"رجالهم\".\n(^٤) وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر السبعة لأبي مجاهد ص ٦٠٣.\n(^٥) وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو. المصدر السابق.","vol":"21","page":248},{"text":"وكان الفَرَّاءُ يقولُ (^١): الفتحُ أفْشَى في السين. قال: وقلما تقولُ العربُ: دائرةُ السُّوء. بضَمِّ السين، والفتحُ في السين أعْجَبُ إليَّ مِن الضَّمِّ؛ لأن العرب تقولُ: هو رجلُ سَوْءٍ. بفتح السينِ، ولا تقولُ: هو رجلُ سُوءٍ.\nوقولُه: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: ونالهم الله بغضب منه، ﴿وَلَعَنَهُمْ﴾. يقولُ: وأبْعَدهم فأقْصاهم من رحمته، ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾. يقولُ: وأعَدَّ لهم جهنمَ يَصْلَوْنها يومَ القيامةِ، ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. يقولُ: وساءَت جهنمُ مَنْزِلًا يَصِيرُ إليه هؤلاء المنافقون والمنافقاتُ والمشركون والمشركاتُ.\n\n<span id=\"aya-4590\"></span>وقولُه: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولله جنودُ السماوات والأرض أنصارًا على أعدائه، إن أمرهم بإهلاكهم أهْلكوهم، وسارَعوا إلى ذلك بالطاعة منهم له، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولم يَزَلِ الله ذا عزةٍ، لا يَغْلِبُه غالبٌ، ولا يَمْتَنِعُ عليه مما أراده به مُمتنعٌ؛ لعِظَمِ سلطانِه وقدرتِه، حكيمٌ في تدبيرِه خلقَه.\n\n<span id=\"aya-4591\"></span><span data-type='title' id=toc-8661>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) [لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ] (^٢) بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إنَّا أَرْسَلْناك يا محمدُ شاهدًا على أُمَّتِك بما أجابوك فيما دَعَوْتَهم إليه، مما أرْسَلْتُك به إليهم من الرسالة، ومُبشِّرًا لهم بالجنة إن أجابوك إلى ما دَعَوْتَهم إليه من الدين القيِّمِ، ونذيرًا لهم عذابَ اللهِ، إن هم تَوَلَّوْا عما\n_________\n(^١) معاني القرآن ٣/ ٦٥.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ليؤمنوا بالله ورسوله ويعزروه ويوقروه ويسبحوه\". وهما قراءتان، سيأتي تخريجهما في الصفحة التالية.","vol":"21","page":249},{"text":"جئْتَهم به مِن عندِ ربِّك.\n\n<span id=\"aya-4592\"></span>ثم اختَلَفت القَرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾. فقرَأ جميعَ ذلك عامةُ قرأة الأمصار خلا أبي جعفرٍ المَدَنيِّ وأبي عمرو بن العلاء بالتاءِ: ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾، ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ (^١). بمعنى: لتُؤْمنوا بالله ورسوله أنتم أيُّها الناسُ. وقرأ ذلك أبو جعفرٍ وأبو عمرٍو كلَّه بالياء: (ليُؤمنوا)، (ويُعَزِّرُوه ويُوَقِّرُوه ويُسَبِّحُوه) (^٢) بمعنى: إنا أَرْسَلْناك شاهدًا إلى الخلقِ ليُؤْمِنوا بالله ورسولِه ويُعَزِّروه.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8662>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾. يقولُ: شاهدًا على أمته على أنه قد بلَّغهم، ومُبَشِّرًا بالجنةِ لمن أطاع الله، ونذيرًا مِن النارِ (^٣).\nوقولُه: [(ويُعَزِّرُوه ويُوَقِّرُوه)] (^٤). اخْتَلَف أهلُ التأويل في تأويله؛ فقال\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف، وبالتاء أيضًا قرأ أبو جعفر خلافا لما ذكر المصنف. ينظر النشر ٢/ ٢٨٠، وتقريب النشر ص ١٧٤.\n(^٢) وبها قرأ ابن كثير. النشر ٢/ ٢٨٠. وقراءة أبي جعفر بالياء، ذكرها عنه أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٩١، وليست متواترة عنه.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧١ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) في م: \"وتعزروه وتوقروه\". وأثبتناه بالياء في هذا الموضع والمواضع بعده، إذ جاءت كلها بالياء في جميع النسخ.","vol":"21","page":250},{"text":"بعضُهم: [يُجِلُّوه ويُعَظِّموه] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-8663>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (ويُعَزِّرُوه). يعنى: الإجلالَ. (ويُوَقِّرُوه). يعنى: التعظيمَ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: (ويُعَزِّرُوه ويُوَقِّرُوه): كلُّ هذا تعظيمٌ وإجلالٌ (^٣).\nوقال آخرون: معنى قوله: (ويُعَزِّرُوه): ويَنْصُروه، ومعنى: (ويُوَقِّرُوه): ويُفَخِّموه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8664>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (ويُعَزِّرُوه): يَنْصُروه، (ويُوَقِّرُوه): أَمَرَ اللهُ بتَسْوِيدِه وتفخيمه.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: (ويُعَزِّرُوه). قال: يَنْصُروه، (ويُوَقِّروه). أي: ليُعَظِّموه (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"تجلوه وتعظموه\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٢٦٧ بنحوه.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧١ إلى عبد بن حميد.","vol":"21","page":251},{"text":"حدَّثني أبو هريرةَ الضُّبعيُّ، قال: ثنا حَرَميٌّ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ جعفر بن أبي وَحْشِيَّةَ، عن عكرمة: (ويُعَزِّزُوه). قال: يُقاتلون معه بالسيف (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنى هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن عكرمةَ، مثلَه.\nحدَّثني أحمدُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمر، عن سعيدٍ، عن أبي بشرٍ، عن عكرمةَ بنحوِه.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى ومحمدُ بن جعفرٍ، قالا: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن عكرمة مثله.\nوقال آخرون: معنى ذلك: ويُعظِّموه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8665>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (ويُعَزِّرُوه ويُوَقِّرُوه). قال: الطاعةُ لله.\nوهذه الأقوالُ متقارباتُ المعانى (^٢) وإن اخْتَلَفت ألفاظُ أهلها بها. ومعنى التَّعْزِيرِ في هذا الموضع التقويةُ بالنُّصرةِ والمعونة، ولا يكونُ ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال.\nوقد بَيَّنَّا معنى ذلك بشواهده فيما مضى (^٣)، بما أغْنَى عن إعادته في هذا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٨٥ (٨٣٥٧) من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧١ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"المعنى\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٨/ ٢٤٤ - ٢٤٦.","vol":"21","page":252},{"text":"الموضع.\nفأما التوقيرُ فهو التعظيمُ والإجلالُ والتفخيمُ.\nوقولُه: (ويُسَبِّحُوه (^١) بُكرَةً وأصِيلًا). يقولُ: ويُصَلُّوا (^٢) له. يعنى: لله بالغَدَواتِ والعَشِيَّاتِ.\nوالهاءُ في قوله: (ويُسَبِّحُوه (١» مِن ذِكْرِ الله وحدَه دونَ الرسولِ. وقد ذُكر أن ذلك في بعض القراءاتِ: (ويُسَبِّحوا الله بُكْرةً وأصِيلًا).\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8666>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (ويُسَبِّحوه بُكْرةً وأصيلًا): في بعض القراءةِ: (ويُسَبِّحوا الله بكرةً وأصيلًا) (^٣).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: في بعض الحروفِ: (ويُسَبِّحوا الله بكرةً وأصِيلًا) (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخْبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاك يقولُ في قولِه: (ويُسَبِّحوه بُكْرة وأصيلًا): يقولُ: يُسبِّحون الله. رجع إلى نفسه (^٥).\n_________\n(^١) في م: \"تسبحوه\".\n(^٢) في م: \"تصلوا\"، وفي ت ٣: \"صلوا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧١ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٦ عن معمر به، وعنده \"عشيا\" بدل \"أصيلا\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٢ إلى المصنف.","vol":"21","page":253},{"text":"<span id=\"aya-4593\"></span><span data-type='title' id=toc-8668>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إن الذين يُبايعونَك بالحديبية من أصحابك، على ألا يَفِرُّوا عند لقاءِ العدوِّ، ولا يُوَلُّوهم الأدبارَ، ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾. يقولُ: إنما يُبايِعون ببيعتهم إياك الله؛ لأن الله ضمن لهم الجنة بوَفائِهم له بذلك.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8667>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾. قال: يوم الحديبية (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾: وهم الذين بايعوا يومَ الحديبية (^٢).\nوفي قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وجهان من التأويل؛ أحدُهما: يدُ اللهِ فوق أيديهم عند البَيْعة؛ لأنهم كانوا يُبايعون الله ببيعتهم نبيَّه ﷺ. والآخَرُ: قوةُ الله\n_________\n(^١) أخرجه سُنيد - كما في التمهيد ١٦/ ٣٥١ - من طريق ابن جريج عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٢ إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٢ إلى المصنف. وعبد بن حميد.","vol":"21","page":254},{"text":"فوقَ قوتِهم في نصرة رسوله ﷺ؛ لأنهم إنما بايَعوا رسول الله ﷺ على نُصْرَته على العدوِّ (^١).\nوقولُه: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فمن نكَث بيعتَه إياك يا محمدُ ونَقَضها، فلم يَنْصُرُك على أعدائك، وخالَف ما وعَد ربَّه، ﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾. يقولُ: فإنما يَنْقُضُ بيعته؛ لأنه بفعله ذلك يَخْرُجُ ممن وعَدَه الله الجنة بوفائِه بالبيعةِ، فلم يَضُرَّ بنَكْثِه غيرَ نفسِه، ولم يَنْكُثْ إلا عليها، فأما رسولُ الله ﷺ فإن الله ﵎ ناصِرُه على أعدائِه، نكَث الناكثُ منهم أو وفي ببيعتِه.\nوقولُه: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ الآية. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن أَوْفَى بما عاهَد الله عليه من الصبر عندَ لقاء العدوِّ في سبيل الله، ونُصرة نبيِّه على أعدائِه، ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. يقولُ: فسيُعْطِيه الله ثوابًا عظيمًا، وذلك أن يُدْخِلَه الجنةَ؛ جزاءً له على وفائه بما عاهَد عليه الله، ووَثَّق لرسولِه على الصبرِ معه عند البأس، بالمُؤَكَّدة من الأيمان.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8669>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: وهى الجنةُ.\n_________\n(^١) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣١٢ عند كلامه على هذه الآية: أي هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى هو المُبايَع بواسطة رسوله ﷺ، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ....﴾.","vol":"21","page":255},{"text":"<span id=\"aya-4594\"></span><span data-type='title' id=toc-8670>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: سيقولُ لك يا محمدُ الذين خَلَّفَهم الله في أهْلِيهم عن صُحْبَتِك، والخروج معك في سفرك الذي سافَرْتَ، ومسيرك الذي سرْتَ إلى مكة معتمرًا، زائرًا بيتَ الله الحرام - إذا انْصَرَفْتَ إليهم، فعاتَبْتَهم على التخلُّفِ عنك: شغَلَتْنا عن الخروج معك معالجةُ أموالِنا، وإصلاحُ معايشنا، وأهْلونا، فاسْتَغْفِرْ لنا رَبَّك (^١) لتَخَلُّفِنا عنك. قال الله جلَّ ثناؤُه مُكَذِّبَهم في قيلِهم ذلك: يقولُ هؤلاء الأعرابُ المخلَّفون عنك بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. وذلك مسألتهم رسول الله ﷺ الاستغفارَ لهم. يقولُ: يَسْألونه بغيرِ توبةٍ منهم، ولا ندمٍ على ما سلَف منهم من معصية الله في تخلُّفِهم عن صحبة رسول الله ﷺ والمسير معه.\n﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قل لهؤلاء الأعراب الذين يَسْألونك أن تَسْتَغْفِرَ لهم لتخلُّفِهم عنك: إن أنا اسْتَغْفَرْتُ لكم أيُّها القومُ، ثم أراد الله هلاكَكم أو هلاكَ أموالِكم وأهليكم، أو أراد بكم نفعًا، بتَثْميره أموالَكم وإصلاحِه لكم أهْلِيكم، فمَن ذا الذي يَقْدِرُ على دفعِ ما أراد الله بكم مِن خيرٍ أو شرٍّ، والله لا يُعازُّه (^٢) أحدٌ، ولا يُغالبُه غالبٌ؟.\nوقولُه: ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما الأمرُ كما يَظُنُّ هؤلاء المنافقون من الأعراب؛ أن الله لا يَعْلَمُ ما هم [عليه مُنْطَوُون] (^٣) من\n_________\n(^١) في م: \"ربنا\".\n(^٢) يُعَازُّه: يُغالِبه. يقال: عَازَّني فَعَزَزْتُه. أي غالبَنى فغلبتُه. ينظر التاج (ع ز ز).\n(^٣) في م: \"عليها منطوون\"، وفى ت ٢: \"منظرون عليه\"، وفى ت ٣: \"منطوون من غليه\".","vol":"21","page":256},{"text":"النفاقِ، بل لم يَزَلِ اللهُ بما يَعْمَلُون مِن خيرٍ وشرٍّ خبيرًا، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن أعمال خلقه؛ سرِّها وعلانِيَتِها، وهو مُحْصِيها عليهم حتى يُجازِيَهم بها. وكان رسولُ الله ﷺ فيما ذُكِر عنه، حينَ أراد المسيرَ إلى مكة عام الحديبيةِ معتمرًا، اسْتَنْفَر العربَ ومَن حولَ مدينته من أهل البوادى والأعراب، ليَخْرُجوا معه؛ حذرًا من قومه من (^١) قريشٍ أن يَعْرِضوا له الحربَ أو يَصُدُّوه عن البيت، وأحْرَم هو ﷺ بالعمرة، وساق معه الهَدْيَ ليَعْلَمَ الناسُ أنه لا يريدُ حربًا، فتَثاقَل عنه كثيرٌ من الأعراب وتخلَّفوا خِلافَه، فهم الذين عَنَى الله ﵎ بقوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ الآية.\nوكالذي قلنا في ذلك قال أهلُ العلمِ بسِيَرِ رسول الله ﷺ ومَغازيه، منهم ابن إسحاقَ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ بذلك (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال ثنا، قال ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾. قال: أعراب المدينةِ؛ جُهَينةَ ومُزَيْنةَ، اسْتَتْبَعَهم لخروجه إلى مكةَ، قالوا: نَذْهَبُ معه إلى قومٍ قد جاءوه، فقتَلوا أصحابَه فنُقاتِلُهم (^٣)؟ فاعْتَلُوا بالشُّغْلِ (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٨، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٢٠.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣، والدلائل: \"فيقاتلهم\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦٠٧، ومن طريقه البيهقى في دلائل النبوة ٤/ ١٦٤، ١٦٥ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٢ إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"21","page":257},{"text":"واختَلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾. فقرأته قرأةُ المدينة والبصرة وبعضُ قرأةِ الكوفة: ﴿ضَرًّا﴾ بفتح الضادِ (^١)، بمعنى الضَّرِّ الذي هو خلافُ النفعِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأة الكوفيين: (ضُرًّا) بضمِّ الضادِ (^٢)، بمعنى البُؤْسِ والسُّقْمِ.\nوأعْجَبُ القراءتين إليَّ الفتحُ في الضادِ في هذا الموضع؛ لقولِه (^٣): ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾. فمعلومٌ أن خلاف النفعِ الضَّرُ، وإن كانت الأخرى صحيحًا معناها.\n\n<span id=\"aya-4595\"></span><span data-type='title' id=toc-8671>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء الأعراب المُعْتَذِرين إلى رسول الله ﷺ عندَ مُنْصَرَفه من سفرِه إليهم بقولهم: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾: ما تَخَلَّفْتُم خلاف رسول الله ﷺ حينَ شخَص عنكم، وقعَدْتُم عن صحبتِه، مِن أجل شغلكم بأموالِكم وأهليكم، بل تخَلَّفْتُم بعدَه في منازلكم، ظنًّا منكم أن رسول الله ﷺ ومن معه مِن أصحابه سيَهْلِكون فلا يَرْجِعون إليكم أبدًا، باستئصال العدوِّ إياهم، ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ﴾: وحسَّن الشيطانُ ذلك في قلوبكم، وصحَّحه عندكم، حتى حسُن عندكم التخلفُ عنه، فقعَدْتُم عن صحبتِه، ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾. يقولُ: وظننتُم أن الله لن ينْصرَ محمدًا وأصحابه المؤمنين على أعدائهم، وأن العدوَّ سيقهَرونهم ويغلبونهم فيقْتلونهم.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب. ينظر النشر ٢/ ٢٨٠.\n(^٢) وبها قرأ حمزة والكسائي وخلف. المصدر السابق.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"بقوله\".","vol":"21","page":258},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8672>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾. قال: ظنُّوا بنبيِّ الله ﷺ وأصحابه أنهم لن يرجعوا من وجههم ذلك، وأنهم سيَهْلكون، فذلك الذي خلَّفهم عن نبيِّ الله ﷺ (^١).\nوقولُه: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾. يقولُ: وكنتم قومًا هَلَكَى لا تَصْلُحون لشيءٍ من الخير.\nوقيل: إن البُور في لغةِ [أَزْدِ عُمانَ] (^٢): الفاسدُ. فأما عند العرب فإنه: لا شيء. ومنه قولُ أبي الدرداءِ: فأَصْبَح ما جمَعوا بُورًا (^٣). أي: ذاهبًا قد صار باطلًا لا شيءَ منه. ومنه قولُ حسانَ بن ثابتٍ (^٤):\nلا يَنْفَعُ الطُّولُ مِن نُوكِ (^٥) القُلوبِ وقدْ … يَهْدِى الإلهُ سبيلَ المَعْشَرِ البُورِ\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8673>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾. قال: فاسدين (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"أذرعات\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"أردغان\". وينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٦٦.\n(^٣) جزء من أثر أخرجه ابن المبارك في الزهد (٨٤٧)، وابن أبي شيبة ١٣/ ٣٠٥، ٣٠٦، والخطيب في تاريخ بغداد ٤/ ٩٦، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢١٣، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٧/ ١٣١ يعظ فيه أبو الدرداء أهل دمشق.\n(^٤) ديوانه ص ١٧٩.\n(^٥) النُّوك: جمع الأَنْوَك، وهو الأحمق. ينظر اللسان (ن وك).\n(^٦) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٢٦٩، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٣١٩.","vol":"21","page":259},{"text":"وحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾. قال: البُورُ الذي ليس فيه من الخير شيءٌ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾. قال: هالِكين (^١).\n\n<span id=\"aya-4596\"></span><span data-type='title' id=toc-8674>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء المنافقين من الأعراب: ومَن لم يُؤْمِنْ أَيُّها الأعرابُ بالله ورسوله منكم ومن غيركم، فيُصَدِّقَه على ما أخْبَر به، ويُقرَّ بما جاء به من الحقِّ من عندِ ربِّه، فإنا أَعْدَدْنا (^٢) لهم جميعًا سعيرًا من النارِ، تَتَسَمَّرُ (^٣) عليهم في جهنمَ إذا ورَدُوها يوم القيامة.\nيقالُ من ذلك: سعَرْتُ النارَ، إذا أَوْقَدْتَها، فأنا أَسْعَرُها سَعْرًا. ويقال: سَعَرْتُها أيضًا إذا حرَّكْتَها. وإنما قيل للمسْعَرِ: مسْعَرٌ؛ لأنه يُحَرَّكُ به النارُ، ومنه قولُهم: إنه لمِسْعَرُ حربٍ: يرادُ به مُوقِدُها ومُهَيِّجُها.\n\n<span id=\"aya-4597\"></span>وقولُه: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولله سلطانُ السماواتِ والأرضِ، فلا أحدَ يَقْدِرُ أَيُّها المنافقون على دفعه عما أراد بكم من تعذيبٍ على نفاقِكم إن أصْرَرْتُم عليه، أو منعِه من عفوِه عنكم إن عفا، إن أنتم تُبْتُم من نفاقكم وكفركم.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٠٨.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أعتدنا\".\n(^٣) في م: \"تستعر\"، وفى ت ١، ت ٣: \"يتسعر\"، وفى ت ٢: \"تسعر\".","vol":"21","page":260},{"text":"وهذا من الله جلَّ ثناؤُه حثٌّ لهؤلاء الأعراب المتخلِّفين عن رسول الله ﷺ على التوبة والمراجعة إلى أمر الله، في طاعة رسولِه ﷺ. يقولُ لهم: بادرُوا بالتوبة من تخلُّفِكم عن رسول الله ﷺ، فإن الله يَغْفِرُ للتائبين، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يقولُ: ولم يَزَلِ اللَّه ذا عفوٍ عن عقوبة التائبين إليه من ذنوبِهم ومَعاصِيهم من عباده، وذا رحمةٍ بهم أن يُعاقِبَهم على ذنوبهم بعدَ توبتِهم منها.\n\n<span id=\"aya-4598\"></span><span data-type='title' id=toc-8676>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: سيقولُ يا محمدُ المُخَلَّفون في أهليهم عن صحبتك إذا سِرْتَ معتمرًا تُرِيدُ بيتَ اللَّهِ الحرام، إذا انْطَلَقْتَ أنت ومَن صَحِبك في سفرِك ذلك إلى ما أفاء الله عليك وعليهم من الغَنيمة لتأخُذوها، وذلك ما كان الله وعَد أهلَ الحديبية من غنائمَ خيبرَ: ذرونا نتَّبِعْكم إلى خيبر، فنَشْهَدَ معكم قتال أهلها، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾.\nيقولُ: يُريدون أن يُغَيِّروا وعدَ اللَّهِ الذي وعَد أهلَ الحديبية، وذلك أن الله جعل غنائمَ خيبرَ لهم، ووعَدَهم ذلك عوضًا من غنائم أهل مكة، إذ (^١) انْصَرفوا عنهم على صلحٍ، ولم يُصيبوا منهم شيئًا.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8675>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إذا\".","vol":"21","page":261},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: رجَع - يعنى رسول الله ﷺ عن مكةَ، فوعَدَه اللَّهُ مَغانمَ كثيرةً، فعُجِّلت له خيبرُ، فقال المخلَّفون: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾. وهى المغانمُ ليَأْخُذُوها، التي قال الله جلَّ ثناؤُه: ﴿إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾. وعُرِض عليهم قتالُ قومٍ أُولى بأسٍ شديدٍ (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن رجلٍ من أصحابه، عن مِقْسَمٍ، قال: لما وعَدَهم الله أن يَفْتَحَ (^٢) عليهم خيبرَ، وكان الله قد وعَدَها مَن شهد الحديبية، لم يُعْطِ أحدًا غيرَهم منها شيئًا، فلما علم المنافقون أنها الغَنيمةُ قالوا: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ - ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾. يقولُ: ما وعَدَهم (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ﴾ الآية: وهم الذين تخَلَّفوا عن رسول الله ﷺ من الحديبية. ذُكر لنا أن المشركين لما صدُّوا رسول الله ﷺ من الحديبية عن المسجد الحرام والهَدْيَ، قال المِقْدادُ: يا نبيَّ الله، إنا واللَّهِ لا نَقولُ كالملا من بنى إسرائيل إذ قالوا لنبيِّهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]. ولكن نقولُ: اذْهَبْ أنت وربُّك فقاتلا، إنا معكما مُقاتِلون. فلما سمع ذلك أصحابُ نبيِّ الله ﷺ تتابَعُوا (^٤) على ما قال، فلمَّا رأى ذلك نبيُّ الله ﷺ صالح قريشًا، ورجع من عامه ذلك (^٥).\n_________\n(^١) تتمة الأثر المتقدم في ص ٢٥٧.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"تفتح\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٦ عن معمر، عن عثمان الجزري، عن مقسم.\n(^٤) في النسخ: \"تبايعوا\". والمثبت مما تقدم.\n(^٥) تقدم تخريجه في ٨/ ٣٠٤.","vol":"21","page":262},{"text":"وقال آخرون: بل عُنى بقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾. إرادتُهم الخروج مع نبيِّ الله ﷺ في غزوه، وقد قال الله ﵎: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-8677>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ الآية. قال الله له ﷿ حينَ رجَع من غزوه: ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] الآية. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾. أرادوا أن يُغَيِّروا كلام الله الذي قال لنبيِّه ﷺ ويَخرُجوا معه، وأبى الله ذلك عليهم ونبيُّه ﷺ (^١).\nوهذا الذي قاله ابن زيدٍ قولٌ لا وجه له؛ لأن قولَ اللَّهِ ﷿: ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣]. إنما أُنزِل على رسولِ اللهِ ﷺ مُنصَرَفَه مِن تبوك، وعُنى به الذين تخَلَّفوا عنه حينَ توَجَّه إلى تبوكَ لغزو الروم، ولا اختلافَ بينَ أهلِ العلم بمغازى رسول الله ﷺ أن تبوك كانت بعدَ فتح خيبرَ، وبعدَ فتحِ مكة أيضًا، فكيف يَجوزُ أن يكون الأمرُ على ما وصَفْنا مَعْنيًّا بقولِ اللهِ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾. وهو خبرٌ عن المتخلِّفين عن المسير مع رسول الله ﷺ إذ شخَص معتمرًا يُرِيدُ البيتَ، فصدَّه المشركون عن البيت - الذين تخلَّفوا عنه في غزوة تبوكَ، وغزوةُ تبوكَ لم تَكُنْ كانت يومَ نزَلَت هذه الآيةُ، ولا كان أُوحِى إلى رسول الله ﷺ قوله: ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾.\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٣٠٢، والقرطبي في تفسيره ١٦/ ٢٧١، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٢٠.","vol":"21","page":263},{"text":"فإذ كان ذلك كذلك، فالصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قاله مجاهدٌ وقتادةُ، على ما قد بيَّنَّا.\nواختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدَّلُوا كَلَامَ اللهِ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ، وبعضُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿كَلَامَ اللهِ﴾ على وجهِ المصدر بإثباتِ الألفِ (^١). وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة: (كَلِمَ اللهِ) بغير ألفٍ (^٢)، بمعنى جمع كلمةٍ. وهما عندنا قراءتان مستفيضتان في قرأةِ الأمصار، مُتقارِبتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئُ فمصيبٌ، وإن كنتُ إلى قراءته بالألف أَميلَ.\nوقوله: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾. يقول تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل لهؤلاء المُخَلَّفين عن المسير معك يا محمد: لن تَتَّبعونا إلى خيبرَ إذا أرَدنا السير إليهم لقتالهم، ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: هكذا قال اللهُ لنا مِن قبلِ مَرْجِعِنا إليكم أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية معنا، ولستُم ممن شهدها، فليس لكم أن تتَّبعونا إلى خيبر؛ لأن غنيمتها لغيركم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8678>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾. أي: إنما جُعِلت الغنيمة لأهل الجهاد، وإنما كانت غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ليس لغيرهم فيها نصيبٌ (^٣).\n_________\n(^١) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب. ينظر النشر ٢/ ٢٨٠.\n(^٢) وبها قرأ حمزة والكسائى وخلف. المصدر السابق.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"21","page":264},{"text":"وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾. [يقول تعالى ذكره: فسيقولُ لك ولأصحابك يا محمد هؤلاء المخلَّفون من الأعراب - إذا قلتم لهم: لن تَتَّبعونا إلى الجهاد وقتال العدوِّ بخيبرَ، كذلكم قال اللهُ من قبلُ -: بل تَحْسُدوننا] (^١) أن نُصيب معكم مغنمًا إن نحن شهدنا معكم؛ فلذلك تمنعوننا من الخروج معكم.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8679>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾: أن نُصِيبَ معكم غنائم.\nوقوله: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقول تعالى ذكره لنبيِّه ﷺ وأصحابه: ما الأمر كما يقول هؤلاء المنافقون من الأعراب؛ مِن أنكم إنما تمنَعونهم من اتباعكم حسدًا منكم لهم على أن يُصيبوا (^٢) معكم من العدوِّ مَغْنَمًا، بل كانوا لا يفقَهون عن اللهِ ما لهم وعليهم من أمر الدين، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾: يسيرًا، ولو عقَلوا ذلك ما قالوا لرسولِ اللهِ والمؤمنين به وقد أخبروهم عن الله تعالى ذكره أنه حرَمَهم غنائمَ خيبرَ: إنما تمنَعوننا من صحبتكم إليها لأنكم تحسُدُوننا.\n\n<span id=\"aya-4599\"></span><span data-type='title' id=toc-8680>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمد للمُخَلَّفين من الأغراب عن\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نصرا\".","vol":"21","page":265},{"text":"المسير معك: ستُدعون إلى قتال قومٍ أُولى بأس في القتال شديدٍ.\nواختلف أهل التأويل في هؤلاء الذين أخْبَر اللهُ ﷿ عنهم أن هؤلاء المخلَّفين من الأعراب يُدْعَوْن إلى قتالهم؛ فقال بعضُهم: هم أهل فارس.\n\n<span data-type='title' id=toc-8681>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبدِ اللهِ بن أبي نجيح، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: أهل فارسَ (^١).\nحدَّثنا إسماعيل بن موسى الفَزاريُّ، قال: أخبرنا داودُ بنُ الزِّبْرِقانِ، عن ثابتٍ البنانيِّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. قال: فارس والروم (^٢).\nقال: أخبرنا داود، عن سعيدٍ، عن الحسنِ مثلَه.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، قال: قال الحسن في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. قال: هم فارسُ والرومُ (^٣).\nحدثنا محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٢٠، ٣٢١. وأخرجه البيهقى في الدلائل ٤/ ١٦٦ من طريق على بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن سعد ٢/ ١١٥، والبيهقى في الدلائل ٤/ ١٦٣ من طريق الحكم عن ابن أبي ليلى.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٦ عن معمر به، وهو في تفسير مجاهد ص ٦٠٨ عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، وأخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور ٦/ ٧٣ - ومن طريقه البيهقي في الدلائل ٤/ ١٦٥ عن هشيم، عن منصور، عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٣ إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":266},{"text":"قولَه: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. قال: هم فارسُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. قال: قال الحسن: دُعُوا إلى فارس والروم.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. قال: فارس والروم.\nوقال آخرون: هم هَوازِنُ بحُنَينٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8682>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبيرٍ وعكرمة في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال: هَوازِنَ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبيرٍ وعكرمة في هذه الآية: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. قال: هوازنَ وثَقيفٍ.\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾. قال: هي هَوازِنُ وغَطَفانُ يومَ حُنينٍ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: فدُعُوا يومَ حُنينٍ إلى هَوازِنَ وثَقيفٍ،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٠٨، ومن طريقه البيهقى في الدلائل ٤/ ١٦٤، ١٦٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور ٦/ ٧٣ - ومن طريقه البيهقي في الدلائل ٤/ ١٦٧ - عن هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٣ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٦ عن معمر به.","vol":"21","page":267},{"text":"فمنهم من أحْسَن الإجابة ورغب في الجهادِ (^١).\nوقال آخرون: بل هم بنو حنيفة.\n\n<span data-type='title' id=toc-8683>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الزهريِّ: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. قال: بنو حَنيفةً مع مُسَيْلِمةَ الكَذَّابِ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن هُشَيْم، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ وعكرمة، أنهما كانا يزيدان فيه هَوازن وبنى حنيفةَ (^٣).\nوقال آخرون: لم تَأْتِ هذه الآية بعد.\n\n<span data-type='title' id=toc-8684>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن أبي هريرة: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: لم تأتِ هذه الآيةُ (^٤).\nوقال آخرون: هم الرومُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8685>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن عوفٍ، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا صَفْوانُ بنُ عمرٍو،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٣/ ٣٢١. وأخرجه أحمد في فضائل الصحابة (١٥١٧) من طريق سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٣ إلى ابن المنذر والطبراني.\n(^٣) أخرجه البيهقى في الدلائل ٤/ ١٦٧ من طريق محمد بن بشار به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٦ عن معمر به.","vol":"21","page":268},{"text":"قال: ثنا الفرج بن محمد الكلاعيُّ، عن كعبٍ، قال: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. قال: الروم (^١).\nوأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكرُه أخْبَر عن هؤلاء المخلفين من الأعرابِ أنهم سيُدْعَوْن إلى قتال قوم أُولى بأس في القتال، ونجدة في الحروب. ولم يُوضع لنا الدليلُ من خبرٍ ولا عقل على أن المعنى بذلك هَوازن، ولا بنو حنيفةَ، ولا فارسُ، ولا الروم، ولا أعيانٌ بأعيانهم، وجائز أن يكونَ عُنى بذلك بعضُ هذه الأجناس، وجائزٌ أن يكونَ عُنى بهم غيرُهم، ولا قول فيه أصحُّ من أن يقال كما قال الله جلَّ ثناؤه: إنهم سيدعون إلى قوم أُولى بأسٍ شديدٍ.\nوقوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾. يقول تعالى ذكره للمخلَّفين من الأعراب: تُقاتِلون هؤلاء الذين تُدْعَوْن إلى قتالهم، أو يُسلمون من غير حرب ولا قتالٍ.\nوقد ذكر أن ذلك في بعض القراءاتِ: (تُقاتِلونهم أو يُسْلِموا) (^٢). وعلى هذه القراءة - وإن كانت على خلافِ مصاحف أهل الأمصار، وخلافًا لما عليه الحجةُ من القرأة، وغير جائزةٍ عندى القراءةُ بها لذلك (^٣) - تأويل ذلك: تُقاتِلونهم أبدًا إلا أن يُسْلِموا، أو: حتى يُسْلِموا.\nوقوله: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾. يقول تعالى ذكره: فإن تطيعوا الله في إجابتكم إياه إذا دعاكم إلى قتال هؤلاء القوم الأولى البأس الشديد، فتُجيبوا إلى قتالهم والجهادِ مع المؤمنين، ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٣٠٣، والقرطبي في تفسيره ١٦/ ٢٧٢، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٢٠.\n(^٢) ينظر البحر المحيط ٨/ ٧٤.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كذلك\".","vol":"21","page":269},{"text":"يُعْطِكم اللهُ على إجابتكم إياه إلى حربهم الجنةَ، وهى الأجرُ الحسنُ، ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: وإِن تَعْصُوا ربَّكم؛ فتُدبروا عن طاعته، وتُخالفوا أمره، فتترُكوا قتال الأولى الباسِ الشديد إذا دعيتم إلى قتالهم، ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾. يقول: كما عصيتموه في أمره إياكم بالمسير مع رسول الله ﷺ إلى مكة، من قبل أن تُدْعَوْا إلى قتالِ أُولى البأس الشديد، و﴿يُعَذَّبَكُمْ﴾ اللهُ ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ يعنى: وَجيعًا، وذلك عذابُ النارِ على عِصْيانِكم إياه، وترككم جهادَهم وقتالهم مع المؤمنين.\n\n<span id=\"aya-4600\"></span><span data-type='title' id=toc-8687>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: ليس على الأعمى منكم أيُّها الناس ضيقٌ، ولا على الأعرج ضيقٌ، ولا على المريض ضِيقٌ، أن يَتَخَلَّفوا عن الجهاد مع المؤمنين، وشهودِ الحرب معهم إذا هم لقُوا عدوَّهم، للعلل التي بهم، والأسباب التي تمنَعهم من شهودها.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-8686>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾. قال: هذا كلُّه في الجهاد (^١).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٦ عن معمر به.","vol":"21","page":270},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثم عذَر اللهُ أَهلَ العُذرِ من الناس فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾. قال: في الجهاد في سبيل الله.\nحُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية. يعنى: في القتال.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ومَن يُطع الله ورسوله فيجيب إلى حرب أعداء الله من أهل الشرك، وإلى القتال مع المؤمنين، ابتغاء وجهِ اللهِ إذا دُعِى إلى ذلك، يُدْخِلْهُ اللهُ يومَ القيامةِ جنَّاتٍ تَجرى من تحتها الأنهارُ، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾. يقولُ: ومَن يَعْص الله ورسوله، فيَتَخَلَّفْ عن قتال أهل الشرك باللهِ إذا دُعِى إليه، ولم يَسْتَجِبْ لدعاءِ اللهِ ورسوله، يُعَذِّبه (^٢) عذابًا مُوجِعًا، وذلك عذابُ جهنم يومَ القيامة.\n\n<span id=\"aya-4601\"></span><span data-type='title' id=toc-8688>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يدخله\".","vol":"21","page":271},{"text":"يقول تعالى ذكرُه: لقد رضي الله يا محمد عن المؤمنين بك ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. يعنى: بيعةَ أصحاب رسول الله ﷺ رسول الله بالحديبيةِ حين بايعوه على مُناجزة قريشٍ الحرب، وعلى ألا يَفِرُّوا ولا يُوَلُّوهم الدُّبُرَ ﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. وكانت بيعتُهم إياه هنالك فيما ذُكر تحتَ شجرةٍ.\nوكان سبب هذه البيعة ما قيل: إن رسول اللهِ ﷺ كان أَرْسَل عثمانَ بن عفانَ برسالةٍ إلى الملأِ من قريشٍ، فأبْطَأ عثمان عليه بعض الإبطاءِ، فظنَّ أنه قد قُتِل، فدعا أصحابه إلى تجديد البيعة على حربهم على ما وصفتُ، فبايعوه على ذلك، وهذه البيعةُ التي تُسَمَّى بيعةَ الرِّضوانِ. وكان الذين بايعوه هذه البيعة فيما ذُكر في قول بعضهم ألفًا وأربعمائةٍ. وفى قول بعضهم ألفًا وخمسمائةٍ. وفى قول بعضهم ألفًا وثلاثمائة.\n\n<span data-type='title' id=toc-8689>ذكرُ الرواية بما وصفنا مِن سبب هذه البيعة</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمد بن إسحاق، قال: ثنى بعضُ أهل العلم، أن رسول الله ﷺ دعا خراش بن أمية الخُزاعيَّ، فبعثه إلى قريشٍ بمكةَ، وحمله على جملٍ له يقال له: الثعلبُ. ليُبَلِّغَ أشرافهم عنه ما جاء له، وذلك حين نزل الحديبية، فعقروا به جمل رسول الله ﷺ، وأرادوا قتله، فمنَعَتْه الأحابيش، فخلَّوا سبيله، حتى أتى رسولَ اللهِ ﷺ (^١).\nقال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: فحدَّثنى مَن لا أَتَّهِمُ، عن عكرمة مولى ابن عباس، أن رسول الله ﷺ دعا عمر بن الخطابِ ليَبْعَثَه إلى مكةَ، فيُبَلِّغَ عنه أشرافَ قريشٍ ما جاء له، فقال: يا رسول اللهِ إنى أخافُ قريشًا على نفسى، وليس\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٣١٤، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٣١.","vol":"21","page":272},{"text":"بمكةَ من بنى عَدِيٍّ بن كعبٍ أحدٌ يمنعُنى، وقد عرفت قريشٌ عداوتي إياها، وغلظتى عليهم، ولكنى أدلُّك على رجل هو أعزُّ بها مني، عثمان بن عفان. فدعا رسولُ الله ﷺ عثمان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يُخْبِرُهم أنه لم يَأْتِ لحربٍ، وإنما جاء زائرًا لهذا البيت، مُعَظِّمًا لحرمتِه، فخرج عثمان إلى مكةَ، فلقيه أبانُ بنُ سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يَدْخُلَها، فنزل عن دابته، فحمله بين يديه، ثم ردفه وأجاره، حتى بلَّغ رسالةَ رسول الله ﷺ، فانْطَلَق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلَّغهم عن رسول الله ﷺ ما أَرْسَله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله ﷺ إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيتِ فطُفْ به. قال: ما كنتُ لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ. فاحْتَبَسَته قريشٌ عندها، فبلغ رسولَ اللهِ ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قُتِل (^١).\nقال: ثنا سلمةُ، عن محمد بن إسحاق، قال: فحدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ، أن رسول الله ﷺ حين بلغه أن عثمان قد قُتِل، قال: \"لا نَبْرَحُ حتى نُناجِزَ القومَ\". ودعا الناس إلى البيعةِ، فكانت بيعةُ الرِّضوانِ تحتَ الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله ﷺ على الموت. فكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله ﷺ لم يبايعنا على الموت، ولكنه بايعنا على ألا نَفِرَّ، فبايع رسول الله ﷺ الناسُ، ولم يَتَخَلَّفْ عنه أحدٌ من المسلمين حضرها، إلا الجدُّ بن قيسٍ أخو بني سلمةَ، كان جابرُ بنُ عبدِ اللهِ يقولُ: لَكأنى أَنْظُرُ إليه لاصقًا بإبط ناقتِه، قد اخْتَبَأَ إليها، يَسْتَتِرُ بها من الناسِ، ثم أتى رسول الله ﷺ أن الذي ذُكِر مِن أمرِ عثمانَ باطلٌ (^٢).\nحدَّثنا محمد بن عُمارة الأسديُّ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بن موسى، قال: أخبرنا\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٣١٥. وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٣١.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٣١٥، ٣١٦، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٣٢، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٤/ ١٣٥ من طريق محمد بن إسحاق به.","vol":"21","page":273},{"text":"موسى بنُ عُبيدةَ، عن إياس بن سلمة، قال: قال سلمةُ: بينما نحن قائلون زمن الحديبية؛ نادى منادى رسول الله ﷺ أيها الناسُ: البيعةَ البيعةَ، نزل روحُ القدس صلواتُ اللهِ عليه. قال: فتُنا إلى رسول الله الله وهو تحت شجرة سمرة. قال: فبايَعناه، وذلك قولُ اللهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (^١).\nحدَّثنا عبد الحميد بنُ بَيانِ اليَشْكُريُّ، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن عامرٍ، قال: كان أولَ مَن بايع بيعة الرضوانِ رجلٌ مِن بني أسدٍ يقال له: أبو سِنانِ بن وهبٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن حمادٍ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن سعيد بن المسيب، قال: كان جَدِّى يقال له: حَزْنٌ. وكان ممن بايع تحتَ الشجرةِ (^٣). قال (^٤): فأتَيْناها مِن قابلٍ، فعُمِّيَت علينا (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٣٢، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٤٤٢، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٣٢٢ من طريق عبيد الله بن موسى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٣ إلى ابن مردويه.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٣٢، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٢/ ١٠٠ من طريق إسماعيل بن أبي خالد به.\n(^٣) كذا روي المصنف في هذا الأثر أن جد سعيد كان ممن بايع تحت الشجرة، وهو خطأ، فإن المصادر مجمعة على أن أباه المسيب بن حزن هو الذي بايع تحت الشجرة. ولعل أحد رجال سند هذا الأثر خلط بينه وبين الأثر المروى عن سعيد بن المسيب قال: كان اسم جدى حزنا، فقال له النبي ﷺ: \"ما اسمك؟) قال: حزن. قال: \"لا، بل أنت سهل\". قال: لا أغير اسمى .... تنظر ترجمة حزن في الاستيعاب ١/ ٤٠١.\nوأسد الغابة ٢/ ٤، والإصابة ٢/ ٦١، ٦٢. وترجمة المسيب بن حزن في الاستيعاب ٣/ ١٤٠٠، وأسد الغابة ٥/ ١٧٧، والإصابة ٦/ ١٢١.\n(^٤) سقط من النسخ، وأثبتناها ليستقيم السياق.\n(^٥) بعده في النسخ: \"حدَّثنا ابن المثنى قال حدَّثنا يحيى بن حماد قال\".","vol":"21","page":274},{"text":"حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن بُكيرِ بن الأشَجِّ أنه بلَغه أن الناسَ بايَعوا رسولَ اللهِ ﷺ على الموتِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"على ما استَطَعتم\". والشجرةُ التي بُويع تحتَها بفَجٍّ نحوَ مكةَ، وزعَموا أن عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ مرَّ بذلك المكانِ بعدَ أن ذهَبَت الشجرةُ، فقال: أين كانت؟ فجعلَ بعضُهم يقولُ: ههنا. وبعضُهم يقولُ: ههنا. فلما كثُر اختلافُهم قال: سيروا، هذا التكلفُ. فذهَبَت الشجرةُ، وكانت سَمُرةً (^١)، إما ذهَب بها سَيْلٌ، وإما شيءٌ سوى ذلك (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-8690>ذكرُ عددِ الذين بايعوا هذه البيعةَ</span>\nوقد ذكَرْنا اختلافَ المختلفين في عددِهم، ونَذْكُرُ الرواياتِ عن قائلى المقالاتِ التي ذكَرْناها إن شاء اللهُ تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-8691>ذكرُ مَن قال: عددُهم ألفٌ وأربعُمائةٍ</span>\nحدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، قال: كنا يومَ الحديبيةِ ألفًا وأربعمائة، فبايعنا رسولَ اللهِ ﷺ على ألَّا نَفِرَّ، ولم نبايعه على الموتِ. قال: فبايَعْناه كلُّنا إلا الجدَّ بن قيسٍ، اخْتَبأ تحتَ إبطِ ناقتِه (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال (^٤): أخبَرني القاسمُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن\n_________\n= والأثر أخرجه البخارى (٤١٦٢)، ومسلم (١٨٥٩) من طريق قتادة به بنحوه. وأخرجه أحمد ٥/ ٤٣٣ (الميمنية)، والبخارى (٤١٦٣) - (٤١٦٥)، وابن سعد ٢/ ٩٩، والبيهقى في الدلائل ٤/ ١٤٢، ١٤٣ من طريق آخر عن سعيد بن المسيب بنحوه.\n(^١) في م: \"سمراء\".\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٣٠٤/ ٣٠٥\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (١٩٠٨، ٢٣٠١) من طريق الأعمش به.\n(^٤) بعده في النسخ: \"قال ابن زيد\". والمثبت من مصدر التخريج","vol":"21","page":275},{"text":"عُمرَ (^١)، عن محمدِ بن المنكدرِ، عن جابرٍ بن عبدِ اللهِ أنهم كانوا يومَ الحديبيةِ أربعَ عشْرةَ مائةً، فبايَعْنا رسولَ اللهِ ﷺ وعمرُ آخِذٌ بيدِه تحتَ الشجرةِ، وهي سَمُرَةٌ، فبايَعْناه (^٢) غيرَ الجدِّ بن قيسٍ الأنصاريِّ، اخْتَبأ تحتَ إبطِ بعيرِه. قال جابرٌ: بايَعْنا رسولَ اللهِ ﷺ على ألا نَفِرَّ، ولم نُبايِعْه على الموتِ (^٣).\nحدَّثنا يوسفُ بنُ موسى القَطَّانُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عبدِ الملكِ وسعيدُ بنُ شُرَحْبِيلَ المصريُّ، قالا: ثنا ليثُ بنُ سعدٍ المصريُّ، قال: ثنا أبو الزبيرِ، عن جابرٍ، قال: كنا يومَ الحديبيةِ ألفًا وأربعمائةٍ، فبايَعْناه وعمرُ آخذٌ بيدِه تحتَ الشجرةِ، وهى سَمُرةٌ، فبايَعْناه على ألا نَفِرَّ، ولم نُبايِعْه على الموتِ (^٤). يعنى: النبيَّ ﷺ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنَّى، قالا: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ أنه قيل له: إن جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ يقولُ: إن أصحابَ الشجرةِ كانوا ألفًا وخمسَمائةٍ. قال سعيدٌ: نسِى جابرٌ، هو قال لى: كانوا ألفًا وأربعَمائةٍ (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، قال: كنا أصحابَ الحديبيةِ أربعَ عشْرةَ مائةً (^٦)\n_________\n(^١) في النسخ: \"عمرو\". والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٣٧٥، ٣٧٦.\n(^٢) في م، ت ١: \"فبايعنا\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٣٢.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٢١ وأخرجه البيهقى ٨/ ١٤٦ من طريق أبي الوليد هشام بن عبد الملك به، وأخرجه أحمد ٢٣/ ١٢٥ (١٤٨٢٣)، والدارمي ٢/ ٢٢٠، ومسلم (٦٧/ ١٨٥٦)، والنسائي في الكبرى (١١٥٠٩)، وابن حبان (٤٨٧٥)، والبيهقى في الدلائل ٤/ ٩٨، ١٣٦ من طريق الليث به.\n(^٥) أخرجه البخاري (٤١٥٣) من طريق سعيد به بنحوه. وأخرجه الإسماعيلي - كما في تغليق التعليق ٤/ ١٢٤ - والبيهقي في الدلائل ٤/ ٩٧ من طريق قتادةَ به بنحوه. والذي في المصادر أن قتادة ذكر لسعيد بن المسيب أنه بلغه أن جابرا كان يقول: كانوا أربع عشرة مائة. فقال سعيد: يرحمه الله، وهم، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة.\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٢١.","vol":"21","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8692>ذكرُ مَن قال: كانت عِدَّتُهم ألفًا وخمسمائةٍ وخمسةً وعشرين</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. قال: كان أهلُ البيعةِ تحتَ الشجرةِ ألفًا وخمسمائة وخمسةً وعشرين (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الذين بايَعوا رسولَ اللهِ ﷺ تحتَ الشجرةِ فجُعِلَت لهم مَغانمُ خيبرَ كانوا يومَئِذٍ خمسَ عشرةَ مائةً، وبايَعوا على ألا يَفِرُّوا عنه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-8693>ذكرُ مَن قال: كانوا ألفًا وثلاثَمائةٍ</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن مرةَ، قال: سمعْتُ عبدَ اللهِ بنَ أبي أوْفَى يقولُ: كنا (^٣) يومَ الشجرةِ ألفًا وثلاثَمائةٍ، وكانت أسلمُ يومَئِذٍ ثُمُنَ (^٤) المهاجرين (^٥).\nوقولُه: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فعلم ربُّك يا محمدُ ما في قلوبِ المؤمنين مِن أصحابِك، إذ يُبايعونك تحتَ الشجرةِ، من صدقِ النيةِ، والوفاءِ بما يُبايِعونك عليه، والصبرِ معك، ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: فَأَنْزَل\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٢١. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٤ إلى ابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٤ إلى المصنف وعبد بن حميد. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٦ عن معمر عن قتادة، وفيه أنهم كانوا أربع عشرة مائة.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"كانوا\".\n(^٤) في النسخ: \"من\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٥) أخرجه مسلم (١٨٥٧)، والمصنف في تاريخه ٢/ ٦٢١ عن محمدِ بن المثنى به، وأخرجه الطيالسي (٨٥٨) - ومن طريقه ابن سعد ٢/ ٩٨، والإسماعيلى - كما في التغليق ٤/ ١٢٥ - والبيهقي في الدلائل ٤/ ٩٥، وأخرجه البخارى (٤١٥٥) من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٣ إلى ابن مردويه.","vol":"21","page":277},{"text":"الطمأنينةَ والثباتَ على ما هم عليه مِن دينِهم، وحسنِ بَصيرتِهم بالحقِّ الذي هداهم اللهُ له.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8694>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾. أي: الصبرَ والوَقارَ (^١).\nوقولُه: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. يقولُ: وعرَّضهم في العاجلِ مما رجَوُا الظَّفَرَ به مِن غنائمِ أهلِ مكةَ، بقتالهم أهلَها فتحًا قريبًا، وذلك فيما قيل: فتحُ خيبرَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8695>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن ابن أبي ليلى: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. قال: خيبرَ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾: وهى خيبرُ.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. قال: بلَغَنى أنها خيبرُ (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن سعد ٢/ ١١٥، والبيهقي في الدلائل ٤/ ١٦٣ من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٤ إلى سعيد به منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٦ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"21","page":278},{"text":"<span id=\"aya-4602\"></span>وقولُه: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأثاب اللهُ هؤلاء الذين بايعوا رسولَ اللهِ ما تحتَ الشجرةِ، مع ما أَكْرَمَهم به مِن رضاه عنهم، وإنزالِه السكينةَ عليهم، وإثابتِه إياهم فتحًا قريبًا - معه مغانمَ كثيرةً يَأْخُذونها مِن أموالِ يهودِ خيبرَ، فإن الله جعَل ذلك خاصةً لأهلِ بيعةِ الرضوانِ دونَ غيرِهم.\nوقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. يقولُ: وكان اللهُ ذا عزةٍ في انتقامِه ممن انْتَقَم مِن أعدائِه، حكيمًا في تدبيرِه خلقَه، وتصريفه إياهم فيما شاء من قضائِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8697>القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لأهلِ بيعةِ الرضوانِ: وَعَدكم الله أيُّها القومُ مغانِمَ كثيرةً تأخُذونها.\nاختلَف أهلُ التأويلِ في هذه المغانمِ التي ذكَر الله أنه وعَدَها هؤلاء القومَ أَيُّ المغانمِ هي؛ فقال بعضُهم: هي كلُّ مَغْنَمٍ غنَّمها الله المؤمنين به مِن أموالِ أهلِ الشرك مِن لَدُن أَنْزَل هذه الآية على لسانِ نبيِّه ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8696>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾. قال: المغانمُ الكثيرةُ التي","vol":"21","page":279},{"text":"وُعِدوا، ما [يَأْخُذون حتى] (^١) اليومِ (^٢).\nوعلى هذا التأويلِ يَحْتَمِلُ الكلامُ أن يكونَ مُرادًا بالمغانم الثانيةِ المغانمُ الأولى، ويكونَ معناه عندَ ذلك: فأثابهم فتحًا قريبًا، ومغانمَ كثيرةً يَأْخُذونها، وعَدَكم اللهُ أيُّها القومُ هذه المغانمَ التي تَأْخُذونها، وأنتم إليها واصِلون عِدَةً، فجعَل لكم الفتحَ القريبَ مِن فتحِ خيبرَ. ويَحْتَمِلُ أن تكونَ الثانيةُ غيرَ الأولى، وتكونَ الأولى من غنائمِ خيبرَ، والغنائمُ الثانيةُ التي وعَدَهموها مِن غنائمِ سائرِ أهلِ الشركِ سِواهم.\nوقال آخرون: هذه المغانمُ التي وعَد الله هؤلاء القومَ هي مغانمُ خيبرَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8698>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾. قال: يومَ خيبرَ. قال: كان أبي يقولُ ذلك (^٣).\nوقولُه: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في التي عُجِّلَت لهم؛ فقال جماعةٌ: غنائمُ خيبرَ، والمؤَخَّرةُ سائرُ فتوحٍ المسلمين بعدَ ذلك الوقتِ إلى قيامِ الساعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-8699>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾. قال: عجَّل لكم خيبرَ (٢).\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"يأخذونها إلى\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٠٨.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٢٧٨.","vol":"21","page":280},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾: وهي خيبرُ (^١).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك الصلحُ الذي كان بينَ رسولَ ﷺ وبينَ قريشٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8700>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾. قال: الصلحَ (^٢).\nوأولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ ما قاله مجاهدٌ، وهو أن الذي أثابَهم اللهُ مِن مسيرِهم ذلك مع الفتحِ القريبِ، المغانمُ الكثيرةُ مِن مغانمِ خيبرَ. وذلك أن المسلمين لم يَغْنَموا بعد الحديبيةِ غَنيمةً، ولم يَفْتَحوا فتحًا أقربَ مِن بيعتهم رسولَ اللهِ ﷺ بالحديبيةِ إليها، من فتحِ خيبرَ وغنائمِها.\n\n<span id=\"aya-4603\"></span>وأما قولُه: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾. فهي سائرُ المغانمِ التي غنَّمهموها اللهُ بعد خيبرُ؛ كغنائمِ هَوازنَ، وغَطَفان، وفارسَ والرومِ.\nوإنما قُلنا: ذلك كذلك دونَ غنائمِ خيبرَ؛ لأن الله أخْبَر أنه عجَّل لهم هذه التي أثابَهم من مسيرِهم الذي سارُوه مع رسولَ اللهِ ﷺ إلى مكةَ، ولِمَا عُلِم مِن صحةِ نيتِهم في قتالَ أهلِها، إذ بايَعوا رسولَ اللهِ ﷺ على ألا يَفِرُّوا عنه، ولا شكَّ أن التي عُجِّلت لهم غيرُ التي لم تُعَجَّل لهم.\nوقولُه: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لأهلِ بيعةِ الرضوانِ:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٢٧٨، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٢٢.","vol":"21","page":281},{"text":"وكفَّ اللهُ أيدىَ المشركين عنكم.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين كُفَّت أيديهم عنهم مَن هم؟ فقال بعضُهم هم اليهودُ، كفَّ اللهُ أيديَهم عن عِبالِ الذين ساروا من المدينةِ مع رسولِ اللهِ ﷺ إلى مكةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8701>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾: عن بَيْضتهِم (^١)، وعن عِيالِهم بالمدينةِ، حينَ ساروا إلى الحديبيةِ وإلى خيبرَ، وكانت خيبرُ في ذلك الوجهِ (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾. قال: كفَّ أيدىَ الناسِ عن عِيالهم بِالمدينةِ (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنى بذلك أيدى قريشٍ، إذ حبسهم اللهُ عنهم، فلم يَقْدِروا لهم (^٤) على مكروهٍ.\nوالذي قاله قتادةُ في ذلك عندى أشبهُ بتأويلِ الآية، وذلك أن كفَّ اللَّهِ أيدىَ المشركين مِن أهلِ مكةَ عن أهلِ الحديبيةِ قد ذكَره اللهُ بعد هذه الآيةِ في قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤]. فعُلِم بذلك أن الكفُّ الذي ذكَرَه اللهُ تعالى ذكرُه في قوله: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ غَيرُ الكفُّ الذي ذكَر اللهُ بعدَ هذه الآيةِ في قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ\n_________\n(^١) في م: \"بيوتهم\". وبيضة القوم: حوزتهم وحماهم. الوسيط (ب ي ض).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٧ عن معمر به.\n(^٤) في م، ت ٣: \"له\".","vol":"21","page":282},{"text":"وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾\nوقولُه: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وليَكونَ كفُّه تعالى ذكرُه أيديَهم عن عِيالِهم آيةً وعِبرةً للمؤمنين به، فيَعْلَموا أن الله هو المتولى حِياطتَهم وكِلاءتَهم، في مشهدِهم ومَغِيبهم، ويَتَّقوا الله في أنفسِهم وأموالهم وأهليهم، بالحفظِ وحُسْنِ الوَلايةِ، ما كانوا مُقيمين على طاعتِه، مُنْتَهين إلى أمرِه ونهيِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8702>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وذلك آية للمؤمنين، كفُّ أيدى الناسِ عن عيالهم (^١).\n﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. يقولُ: ويُسَدِّدَكم أيُّها المؤمنون طريقًا واضحًا، لا اعْوِجاجَ فيه، فيُبَيِّنهُ لكم، وهو أن تثقوا في أموركم كلِّها بربِّكم، فتتوكلَّوا عليه في جميعها؛ ليَحوُطَكم حياطته إياكم في مسيرِكم إلى مكةَ مع رسول اللهِ ﷺ في أنفسكم وأهلِيكم وأموالِكم، فقد رأيْتُم أثر فعلِ اللهِ بكم، إذ وثِقْتُم به (^٢) في مسيركم هذا.\n\n<span id=\"aya-4604\"></span>وقولُه: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ووعدكم أيُّها القومُ ربُّكم فتح بَلْدةٍ أُخرى لم تَقْدِروا على فتحِها، قد أحاط اللهُ بها\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٧ عن معمر به.\n(^٢) سقط من: م، ت ٢ ت ٣.","vol":"21","page":283},{"text":"لكم حتى يَفْتَحَها لكم.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في هذه البلدةِ الأُخرى والقريةِ الأُخرى التي وعَدَهم فتحَها، التي أخبرهم أنه مُحيطٌ بها؛ فقال بعضُهم: هي أرضُ فارسَ والرومِ، وما يَفْتَحُه المسلمون من البلاد إلى قيامِ الساعةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8703>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ الحَنَفيِّ، قال: سَمِعْتُ ابن عباسٍ يقولُ: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾: فارسُ والرومُ.\nقال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن ابن أبي ليلى أنه قال في هذه الآيِة: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾. قال: فارسُ والرومُ (^١).\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَشروقى، قال: ثنا زيدُ بن حُبابٍ، قال: ثنا شعبةُ بنُ الحجاجِ، عن الحكمِ، عن عبد الرحمنِ بن أبي ليلى مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾. قال: حدَّث عن الحسنِ، قال: هي فارسُ والرومُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد ٢/ ١١٥، والبيهقي في الدلائل ٤/ ١٦٣ من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٥ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٢٣.","vol":"21","page":284},{"text":"قوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾: ما فتَحوا حتى اليومِ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن عبدِ الرحمنِ ابن أبي ليلى في قولِه: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾. قال: فارسُ والرومُ.\nوقال آخرون: بل هي خيبرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8704>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ الآية. قال: هي خيبرُ (^١).\nحدثت عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾: يعنى خيبرُ، يبعثَهم رسولُ اللهِ ﷺ يومَئذٍ فقال: \"لا تُمَثِّلوا، ولا تَغْلُّوا، ولا تَقْتُلوا وَليدًا (^٢).\nحدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾. قال: خيبرُ. قال: لم يكونوا يَذْكُرونها، ولا يَرْجُونها، حتى أَخْبَرهم اللهُ بها (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾: يعنى أهلَ خيبرُ (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٥ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) ينظر تفسير البغوي ٧/ ٣١٢، وتفسير القرطبي ١٦/ ٧٩٦.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٢٧٩.","vol":"21","page":285},{"text":"وقال آخرون: بل هي مكةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8705>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾: كنا نُحَدَّثُ أنها مكة.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾. قال: بلغنا أنها مكةُ (^١).\nوهذا القولُ الذي قاله قتادةُ أشبه بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ، وذلك أن اللَّهَ أَخْبَر هؤلاء الذين بايعوا رسولَ اللهِ ما تحتَ الشجرةِ أنه مُحيطٌ بقريةٍ لم يَقْدِروا عليها، ومعقولٌ أنه لا يقالُ لقومٍ: لم يَقْدِروا على هذه المدينةِ. إلا أن يكونوا قد رامُوها فتعَذَّرَت عليهم، فأمَّا وهم لم يَرُوموها فتَتَعذَّرَ عليهم، فلا يقالُ: إنهم لم يَقْدِروا عليها.\nفإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أن رسولَ اللهِ ﷺ لم يَقْصِد قبلَ نزولِ هذه الآيةِ عليه خيبرَ لحربٍ، ولا وجَّه إليها لقتالِ أهلِها جيشًا ولا سريةً، عُلِم أن المعنيَّ بقوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾، غيرُها، وأنها هي التي قد عالَجها ورامَها فتعَذَّرَت، فكانت مكةُ وأهلُها كذلك، وأخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه نبيَّه ﷺ والمؤمنين أنه قد أحاط بها وبأهلها، وأنه فاتِحُها عليهم، وكان اللهُ على كلِّ ما يشاءُ من الأشياءِ ذا قُدْرةٍ، لا يَتَعَذَّرُ عليه شيءٌ شَاءَه.\n\n<span id=\"aya-4605\"></span><span data-type='title' id=toc-8706>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ</span>\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"21","page":286},{"text":"اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به من أهلِ بيعةِ الرضوانِ: ولو قاتَلَكم الذين كَفَروا باللهِ أيُّها المؤمنون بمكةَ، ﴿لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾. يقولُ: لَانْهَزَموا عنكم، فولَّوْكم أعْجازَهم، وكذلك يَفْعَلُ المنهزمُ مِن قِرْنِه في الحرب. ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. يقولُ: ثم لا يَجْدُ هؤلاء الكفارُ المنهزِمون عنكم، المُوَلُّوكم الأدبارَ، وليًّا يُوالِيهم على حربِكم، ولا نصيرًا يَنصُرُهم عليكم؛ لأن الله تعالى ذكرُه معكم، ولن يُغْلَبَ حزبٌ اللهُ ناصرهُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8707>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾. يعني: كفارُ قريشٍ، قال اللهُ: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُهم من اللهِ (^١).\n\n<span id=\"aya-4606\"></span>وقولُه: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لو قاتلكم هؤلاء الكفارُ مِن قريشٍ، خَذَلَهم اللهُ حتى يَهْزِمَهم عنكم، خِذْلانَه أمثالهم مِن أهلِ الكفرِ به الذين قاتَلوا أولياءَه من الأممِ الذين مضَوْا قبلَهم.\nوأُخْرِج قولُه: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾. نصبًا من غيرِ لفظهِ؛ وذلك أن في قولِه: ﴿لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ معنى: سَنَنْتُ فيهم الهزيمةَ والخِذْلانَ. فلذلك قيل: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾. مصدرًا من معنى الكلامِ لا مِن لفظِه. وقد يَجوزُ أن تكون تفسيرًا لما قبلَها مِن الكلامِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"21","page":287},{"text":"وقولُه: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولن تَجِدَ يا محمد لسنةِ اللهِ التي سنَّها في خلقه تغييرًا، بل ذلك دائمٌ، للإحسانِ جزاؤُه مِن الإحسانِ، وللإساءةِ والكفرِ العقابُ والنَّكالُ.\n\n<span id=\"aya-4607\"></span><span data-type='title' id=toc-8709>القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لرسوله ﷺ والذين بايعوا بيعةَ الرضوانِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾. يعنى: أن الله كفَّ أيدىَ المشركين الذين كانوا خرَجوا على عسكرِ رسولَ اللهِ ﷺ بالحديبيةِ يَلْتَمِسون غِرَّتَهم؛ ليُصيبوا منهم، فبعَث رسولَ اللهِ ﷺ فأُتِى بهم أسْرَى، فخلَّى عنهم رسولُ اللهِ ﷺ، ومنَّ عليهم ولم يَقْتُلُهم، فقال اللهُ للمؤمنين: وهو الذي كفَّ أيدى هؤلاء المشركين عنكم ﴿أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاءت الآثار.\n\n<span data-type='title' id=toc-8708>ذكرُ الرواية بذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بن الحسنِ بن شَقيقٍ، قال: سمِعْتُ أبي يقولُ: أَخْبَرنا الحسينُ بنُ واقد، قال: ثنى ثابتٌ البُنانيُّ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُغَفَّلٍ، أَن رسولَ اللَّهِ ﷺ كان جالسًا في أصلِ شجرةٍ بالحديبيةِ، وعلى ظهرهِ غصنٌ مِن أغصانِ الشجرةِ، فرفَعْتُها عن ظهرِه، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁ بينَ يديه، وسهيلُ بنُ عمرٍو، وهو صاحبُ المشركين، فقال رسولُ اللهِ ﷺ لعليٍّ: \"اكْتُبْ: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ\". فأمْسَك سهيل بيدِه فقال: ما نَعْرِفُ الرحمنَ، اكْتُبْ في قضيتِنا ما نَعْرِفُ. فقال رسولُ الله ﷺ: \"اكْتُبْ: باسمك اللهمَّ\". فكتَب، فقال: \"هذا","vol":"21","page":288},{"text":"ما صالَح محمدٌ رسولُ اللهِ أهلَ مكةَ\". فأمْسَك سهيلٌ بيدِه فقال: لقد ظلَمْناك إن كنتَ رسولًا، اكْتُبْ في قضيتِنا ما نَعْرِفُ. قال: \"اكْتُبْ: هذا ما صالَح عليه محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ عبد المطلبِ. وأنا رسولُ اللَّهِ\". فخرَج علينا ثلاثون شابًّا عليهم السلاحُ، فثاروا في وُجوهنا، فدعا عليهم رسولُ الله ﷺ، فأَخَذ اللهُ بأبصارِهم، فقمْنا إليهم فأخَذْناهم، فقال لهم رسولُ اللهِ ﷺ: \"هل خَرَجْتُم في أمانِ أحدٍ؟ \". [فقالوا: لا] (^١). قال: فخلَّى عنهم. قال: فأنْزَل اللهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن ثابتٍ، عن عبدِ اللهِ بن مُغَفَّلٍ، قال: كنا مع النبيِّ ﷺ بالحديبيةِ في أصلِ الشجرةِ التي قال اللهُ في القرآن، وكان غصنٌ مِن أغصانِ تلك الشجرةِ على ظهرِ النبيِّ ﷺ، فرفَعْتُه عن ظهرِه. ثم ذكَر نحوَ حديثِ محمدُ بنُ على، عن أبيه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى مِن لا أتَّهمُ، عن عكرمةَ مولى ابن عباسٍ، أن قريشًا كانوا بعَثوا أربعين رجلًا منهم أو خمسين، وأمَروهم أن يُطِيفوا بعسكرِ رسولَ اللهِ ﷺ؛ ليُصيبوا لهم (^٣) من أصحابه أحدًا، فأُخِذوا أخْذًا، فأُتى رسولَ اللهِ ﷺ، فعفا عنهم، وخلَّى سبيلهم، وقد كانوا رمَوْا في عسكرِ رسول اللهِ ﷺ بالحجارة والنَّبْلِ.\nقال ابن حميدٍ: قال سلمةُ: قال ابن إسحاقَ: ففى ذلك قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي\n_________\n(^١) سقط مِن النسخ، والمثبت مِن مصادر التخريج.\n(^٢) أخرجه الحاكم ٢٢/ ٤٦٠، ٤٦١ - وعنه البيهقى ٦/ ٣١٩ - من طريق على بن الحسن بن شقيق، وأخرجه أحمد ٢٧/ ٣٥٤ (١٦٨٠٠)، والنسائى في الكبرى (١١٥١١) مِن طريق الحسين بن واقد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٨ إلى أبي نعيم في الدلائل وابن مردويه.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"21","page":289},{"text":"كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآيةِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: أقَبْل معتمرًا نبيُّ الله ﷺ، فأخذ أصحابُه ناسًا مِن أهل الحرمِ غافِلين، فأَرْسَلَهم النبيُّ ﷺ، فذلك الإظفار ببطنِ مكةَ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ عائشةَ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن ثمانين رجلًا مِن أهلِ مكةَ هبَطوا على رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابه مِن جبلِ التنعيمِ، عندَ صلاةِ الفجرِ ليَقْتُلوهم، فأَخَذَهم رسولُ اللهِ ﷺ، فأَعْتَقَهم، فأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٣).\nوكان قتادةَ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآيةِ. قال: بطنُ مكةَ الحديبيةُ، [ذُكِر لنا أن رجلًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ] (^٤) يقال له: زُنَيْمٌ (^٥). اطَّلَع الثنية مِن الحديبيةِ، فرماه المشركون بسهمٍ فقتَلوه، فبعَث رسولُ اللهِ ﷺ خيلًا، فأتَوْه باثنَيْ عشر فارسًا مِن الكفار، فقال لهم نبيُّ اللهِ ﷺ له: \"هل لكم عليَّ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٣١ عن ابن حميد به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٠٧.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٤٩٢، ٤٩٣، وأحمد ١٩/ ٢٥٨ (١٢٢٢٧)، وعبد بن حميد (١٢٠٦ - منتخب)، ومسلم (١٨٠٨)، وأبو داود (٢٦٨٨)، والترمذى (٣٢٦٤)، والنسائي في الكبرى (١١٥١٠)، والبيهقى ٦/ ٣١٨، وفى الدلائل ٤/ ١٤١، والبغوى في تفسيره ٧/ ٣١٣ من طريق حماد بن سلمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٤) سقط مِن النسخ. والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٥) في م: \"رهم\".","vol":"21","page":290},{"text":"عهدٌ؟ هل لكم عليَّ ذمةٌ؟ \" قالوا: لا. فأَرْسَلَهم، فأنْزَل اللهُ في ذلك القرآنَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (١).\nوقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا به ابن حميد، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن ابن أَبْزَى، قال: لمَّا خرَج النبي ﷺ بالهَدْي وانْتَهَى إلى ذي الحُلَيفةِ، قال له عمرُ: يا نبيَّ اللَّهِ، تَدْخُلُ على قومٍ لك حربٌ بغيرِ سلاحٍ ولا كُراعٍ (^٢)؟ قال: فبعَث إلى المدينةِ، فلم يَدَعْ بها كُراعًا ولا سلاحًا إلا حمَله، فلمَّا دنا مِن مكةَ منَعوه أن يَدْخُلَ، فسار حتى أتَى مِنًى، فنزَل بمنًى، فأتاه عَيْنُه أن عكرمةَ بنَ أبي جهلٍ قد خرَج عليك (^٣) في خمسمائةٍ، فقال لخالدِ بن الوليدِ: \"يا خالدُ، هذا ابن عمِّك قد أتاك في الخيلِ\". فقال خالدٌ: أنا سيفُ اللَّهِ وسيفُ رسولِه - فيومئذٍ سُمِّى سيفَ اللَّهِ - يا رسولَ اللهِ، ارْمِ بي حيث شئتَ. فبعَثه على خيلٍ، فلقِى عكرمَة في الشَّعْبِ، فهزَمه حتى أدْخَله حِيطانَ مكةَ، ثم عاد في الثانيةِ، فهزمه حتى أدْخَله حيطان مكةَ، ثم عاد في الثالثة، فهزمه (^٤) حتى أدْخَله حيطان مكةَ، فأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾. قال: فكفَّ اللَّهُ النبيَّ عنهم مِن بعد أن أظْفَره عليهم؛ لبَقايا مِن المسلمين كانوا بقُوا فيها مِن بعدِ أن أظْفَره عليهم، كراهيةَ أن تَطَأَهم الخيلُ بغيرِ علمٍ (^٥).\n_________\nأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٣٠. وأخرجه عبد بن حميد - كما في الإصابة ٢/ ٥٧٠ - من طريق شيبان عن قتادة.\n(^٢) الكراع: اسم يجمع الخيل والسلاح. الوسيط (ك ر ع).\n(^٣) في م: \"علينا\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٢٢، ٦٢٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"21","page":291},{"text":"وقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكان اللهُ بأعمالِكم وأعمالِهم بصيرًا، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ.\n\n<span id=\"aya-4608\"></span><span data-type='title' id=toc-8710>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء المشركون مِن قريشٍ هم الذين جحَدوا توحيدَ اللهُ، وصدُّوكم أيُّها المؤمنون باللهِ عن دخولِ المسجدِ الحرامِ، وصدُّوا الهَدىَ ﴿مَعْكُوفًا﴾. يقولُ: محبوسًا عن أن يَبْلُغَ مَحِلَّه. فموضعُ \"أن\" نصبٌ؛ لتعلُّقِه إن شئت بـ \"معكوفٍ\"، وإن شئتَ بـ \"صدوا\". وكان بعضُ نحويي البصرةِ يقولُ في ذلك: وصدُّوا الهدىَ معكوفًا، كراهية أن يَبْلُغَ مَحِلَّه.\nوعُنِى بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾: أَن يَبْلُغَ مَحِلَّ نحرِه. وذلك دخولُ الحرمِ، والموضعُ الذي إذا (^١) صار إليه حَلَّ نحرُه، وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ ساق معه حينَ خرَج إلى مكةَ في سَفْرته تلك سبعين بدنةً.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بن مسلمٍ الزهريِّ، عن عروةَ بن الزبيرِ، عن المِسْوَرِ بن مَحْرَمةً ومَرْوانَ بن الحكمِ، أنهما حدَّثاه قالا: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ عامَ الحديبيةِ يُرِيدُ زيارةَ البيتِ، لا يُرِيدُ قتالًا، وساق (^٢) معه سبعين بَدَنةً، وكان الناسُ سبعمائةِ\n_________\n(^١) سقط مِن: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) بعده في م: \"الهدى\".","vol":"21","page":292},{"text":"رجلٍ، فكانت كلُّ بدنة عن عشرةٍ (^١).\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8711>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾. أي: محبوسًا ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾. وأقَبْل نبيُّ اللهِ ﷺ وأصحابُه معتمرين في ذي القَعْدةِ، الهدىُ، ومعهم حتى إذا كانوا بالحديبيةِ صدَّهم المشركون، فصالَحهم نبيُّ اللهُ ﷺ على أن يَرْجِعَ مِن عامِه ذلك، ثم يَرْجِعَ مِن العامِ المُقْبِلِ، فيكونَ بمكَّة ثلاثَ ليالٍ، ولا يَدْخُلَها إلا بسلاحِ الراكبِ، ولا يَخْرُج بأحدٍ مِن أهلِها، فنحَروا الهدىَ، وحلَقوا، وقصَّروا، حتى إذا كان مِن العامِ المُقْبِلِ، أَقْبَل نبيُّ اللهُ ﷺ وأصحابُه، حتى دخَلوا مكةَ معتمرين في ذى القَعْدَةِ، فأقام بها ثلاثَ ليالٍ، وكان المشركون قد فخَروا (^٢) عليه حينَ رَدُّوه، فأقَصَّه اللهُ منهم فأدْخَله مكةَ في ذلك الشهرِ الذي كانوا ردُّوه فيه، فأنْزَل اللهُ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (^٣) [البقرة: ١٩٤].\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ وأحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، واللفظُ لابنِ عُمارةَ، قالا: حدَّثنا عبيد اللهُ بن موسى، قال: أَخْبَرنا موسى بن عُبيدةَ، عن إياسِ بن سلمةَ بن الأكوعِ، عن أبيه، قال: بعَثَت قريشٌ سُهَيْل بنَ عمرٍو، وحُوَيْطِبَ بنَ عبدِ العُزَّى، وحفصَ بنَ فلانٍ، إلى النبي ﷺ ليُصالحوه، فلما رآهم رسول اللهِ ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٢٠، وتقدم جزء من هذا الحديث في ٣/ ٣٦٢، ٣٦٣.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فجروا\"، وغير منقوطة في ص. والمثبت مما تقدم في ٣/ ٣٠٦.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٣/ ٣٠٦.","vol":"21","page":293},{"text":"فيهم سُهَيْلُ بنُ عمرٍو، قال: \"قد سهَّل اللهُ لكم مِن أمرِكم، القومُ ماتُّون إليكم بأرحامِهم وسائلوكم الصلحَ، فابعثوا الهَدْىَ، وأظْهرِوا التلبيةَ، لعل ذلك يُليِنُ قلوبَهم\". فلبَّوا مِن نَواحى العسكرِ حتى ارْتَجَّت أصواتُهم بالتلبيةِ. قال: فجاءوا فسأَلوه الصلحَ. قال: فبينما الناسُ قد تَوادَعوا، وفي المسلمين ناسٌ مِن المشركين، [وفى المشركين ناسٌ مِن المسلمين] (^١). قال: ففتَك (^٢) به أبو سفيانَ. قال: فإذا الوادى يَسِيلُ بالرجالِ. قال: قال إياسٌ: قال سلمةُ: فجئتُ بستةٍ مِن المشركين مُتَسَلِّحين أَسُوقُهم، ما يَمْلِكون لأنفسِهم نفعًا ولا ضرًّا، فأتَيْتُ بهم النبيَّ ﷺ، فلم يَسْلُبْ ولم يَقْتُلْ، وعَفا. قال: فشدَدْنا على مَن في أيدى المشركين منا، فما ترَكْنا في أيديهم منا رجلًا إلا اسْتَنْقَذْناه. قال: وعَلَبْنا على مَن في أيدينا منهم، ثم إن قريشًا بعَثُوا سُهَيْلَ بن عمرٍو، وحُوَيْطِبًا، فوَلُوا صلحَهم، وبعَث النبيُّ ﷺ عليًّا في صلحه، فكتب عليٌّ بينَهم: بسم اللهُ الرحمن الرحيمِ، هذا ما صالَح عليه محمد رسولَ اللهِ ﷺ قريشًا، صالَحهم على أنه [لا إغلالَ ولا إسلالَ] (^٣)، وعلى أنه مِن قدم مكة مِن أصحابِ محمد ﷺ حاجًّا أو معتمرًا أو يَبْتَغِى مِن فضلِ اللَّهِ، فهو آمِنٌ على دمِه ومالِه، ومَن قدِم المدينةَ مِن قريش مُجْتازًا إلى مصرَ أو إلى الشامِ يَبْتَغِي مِن فضلِ اللهِ، فهو آمنٌ على دمِه ومالِه، وعلى أنه مِن جاء محمدًا ﷺ مِن قريشٍ فهو إليهم رَدُّ، ومَن جَاءَهم مِن أصحابِ محمدٍ فهو لهم، فاشْتَدَّ ذلك على المسلمين، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"مَن جَاءَهم منا فأَبْعَدَه اللَّهُ،\n_________\n(^١) سقط من النسخ، والمثبت من تاريخ المصنف\n(^٢) في م، ت ٢: \"فقيل\".\n(^٣) في ص، م، ت: \"لا إهلال ولا امتلال\"، وفى ت ٣: \"لا إهلاك ولا امتلال\". والإغلال: الخيانة أو السرقة الخفية. والإسلال: السرقة الخفية. قيل: الإغلال والإسلال: الغارة الظاهرة. وقيل: الإغلال: لبس الدروع، والإسلال: سل السيوف. ينظر النهاية ٢/ ٣٩٢، ٣/ ٣٨٠ واللسان (س ل ل، غ ل ل).","vol":"21","page":294},{"text":"ومَن جاءَنا منهم فرَدَدْناه إليهم، فعلِم اللهُ الإسلامَ مِن نفسه، جعَل له مخرجًا\". فصالَحوه على أنه يَعْتَمِرُ في عامِ قابلٍ في هذا الشهرِ، لا يَدْخُلُ علينا بخيلٍ ولا سلاحٍ إلا ما يَحْمِلُ المسافرُ في قرابه، يَثْوِى فينا ثلاثَ ليالٍ، وعلى أن هذا الهدْىَ حيثما حبسناه مَحِلُّه (^١) لا يُقْدِمُه علينا. فقال لهم رسولُ اللهُ ﷺ: \"نحن نَسُوقُه، وأنتم تَرُدُّون وُجوهَه\". فسار رسولُ اللهُ ﷺ مع الهلايِ، وسار الناسُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيد اللهُ بن موسى، قال: أخبَرنا موسى، قال: أخبَرني أبو مُرَّةَ مولى أمِّ هانيء عن ابن عمرَ، قال: كان الهدىُ دونَ الجبالِ التي تَطْلُعُ على وادى الثنية، عرَض له المشركون، فردُّوا وجوهَه. قال: فنحَر النبيُّ ﷺ الهدىَ حينَ حبَسوه، وهى الحديبيةُ، وحلَق، وتأَسَّى به أُناسٌ حينَ رأَوْه حلَق، وتربَّص آخرون فقالوا: لعلنا نَطوفُ بالبيتِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"رحِم اللهُ المُحَلِّقين\". قيل: والمُقَصِّرين. قال: \"رحم اللهُ المُحَلِّقين\". قيل: والمُقَصِّرين. قال: \"والمُقَصِّرِين\" (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ ذَرٍّ الهَمْدانيُّ، عن مجاهدٍ، أن النبيَّ ﷺ اعْتَمر ثلاثَ عُمَرٍ، كلُّها في ذى القَعْدَةِ، يَرْجِعُ في كلِّها إلى المدينةِ، منها العمرةُ التي صُدَّ فيها الهدىُ، فنحَره في مجلِّه عندَ الشجرةِ، وشارَطوه أن يأْتىَ في العامِ المقبلِ معتمرًا فيَدْخُلَ مكةَ، فيَطوفَ بالبيتِ ثلاثةَ أيامٍ ثم يَخْرُجَ، ولا يَحْبسون عنه أحدًا قَدِم معه، ولا يَخْرُجَ مِن مكةَ بأحدٍ كان فيها قبلَ قدومِه مِن المسلمين، فلما كان مِن العامِ المقبل دخَل مكةَ، فأقام بها ثلاثًا يَطوفُ بالبيتِ، فلما كان اليومُ الثالثُ قريبًا مِن الظهرِ أرْسَلوا إليه: إن قومَك قد\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"لا يكفكفه\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٢٩، ٦٣٠.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٣/ ٣٦٢.","vol":"21","page":295},{"text":"آذاهم مُقامُك. فنُودِى في الناسِ: لا تَغْرُبُ الشمس وفيها أحدٌ مِن المسلمين قدِم مع رسولِ اللهِ ﷺ (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عروةَ بن الزبيرِ، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمةَ، قال: خرَج النبيُّ ﷺ زمنَ الحديبيةِ في بضعَ عشْرةَ مائةً مِن أصحابِه، حتى إذا كانوا بذى الحُلَيْفَةِ قلَّد الهدىَ وأَشْعَره، وأَحْرَم بالعمرةِ، وبعَث بينَ يديه عينًا له مِن خُزاعةَ يُخْبِرُه عن قريشٍ، وسار النبيُّ ﷺ، حتى إذا كان بغَديرِ الأشْطاطِ قريبًا مِن عُشفانَ (^٢) أتاه عينه الخُزاعيُّ، فقال: إني ترَكْتُ كعبَ بنَ لُوَّيٍّ وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ قد جمَعوا لك الأحابيشَ، وجمَعوا لك جُموعًا، وهم مُقاتِلوك وصادُّوك عن البيتِ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أَشِيروا عليَّ، أَتَرَوْن أَن تَمِيلَ على ذَراريِّ هؤلاء الذين أعانوهم فنُصِيبَهم، فإن قعَدوا قعَدوا مَوْتُورين مخروبين (^٣)، وإن نجوا (^٤) تَكُنْ عُنُقًا قطَعَها اللَّهُ؟ أم تَرَوْن أنا نَؤُمُّ البيتَ، فَمَن صدَّنا عنه قاتَلْنا؟ \" فقام أبو بكرٍ فقال: يا رسولَ اللهِ، إنا لم نَأْتِ لقتال أحدٍ، ولكنْ مِن حال بينَنا وبين البيتِ قاتَلْناه، فقال النبيُّ ﷺ: \"فرُوحوا إذن\" - وكان أبو هريرةَ يقولُ: ما رأيتُ أحدًا قطُّ كان أكثرَ مشاورةً لأصحابِه مِن النبيِّ ﷺ فراحوا حتى إذا كانوا ببعضِ الطريقِ قال النبي ﷺ: \"إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَميمِ في خيلٍ لقريشٍ طليعةً، فخُذوا ذاتَ اليمينَ\". فوالله ما شعَر بهم خالدٌ حتى إذا هو بَقَتَرةِ الجيشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ، وسار النبيُّ ﷺ اللهُ حتى إذا كان بالثَّنِيَّة التي يُهْبَطُ عليهم منها برَكَت به\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٢٠. وأخرجه البيهقى ٥/ ٢١٧ من طريق عمر بن ذر به\n(^٢) في م: قعيقعان\"، وفى ت ١: \"عقيعان\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت،٢ ت ٣ \"مخزيين\"، وفى م: \"محزونين\". ومحروبين: مسلوبين منهوبين. النهاية ١/ ٣٥٨.\n(^٤) في م: \"لحوا\".","vol":"21","page":296},{"text":"راحلتُه، فقال الناسُ: حَلْ حَلْ (^١). فقال: \"ما حَلْ؟ \". فقالوا: خَلأتِ (^٢) القَصْواءُ. فقال النبيُّ ﷺ: \"ما خَلأتُ، وما ذاك لها بخُلُقٍ، ولكنها حبسَها حابسُ الفيل\". ثم قال: \"والذي نفسي بيده لا يَسْأَلُونى خُطَّةً يُعَظِّمون بها حرماتِ اللَّهِ إلا أعْطَيْتُهم إياها\". ثم زُجِرَتْ فوثَبَتْ، فعدل عنهم، حتى نزل بأقصى الحديبيةِ، على ثَمَدٍ (^٣) قليل الماءِ، إنما يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا (^٤)، فلم يُلْبِته (^٥) الناسُ (^٦) أن نزَحوه، فشُكِي إلى رسولِ اللهِ ﷺ العطشُ، فنزَع سهمًا مِن كِنانته، ثم أَمَرَهم أن يَجْعَلوه فيه، فواللهِ ما زال يَجِيشُ لهم بالرِّيِّ حتى صدَروا عنه، فبينا هم كذلك جاء بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزاعيُّ في نفرٍ مِن خُزاعةَ. وكانوا عَيْبةً نُصح رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن أهلِ تِهامةَ - فقال: إنى ترَكْتُ كعبَ بنَ لُوَّيٍّ، وعامر بن لؤيٍّ، قد نزلوا أعداد (^٧) مياهِ الحديبيةِ، معهم العُوذُ المَطافيلُ (^٨)، وهم مُقاتِلوك وصادُّوك عن البيت. فقال النبيُّ ﷺ: \"إنا لم نأت لقتال أحدٍ، ولكنا جِئْنَا مُعْتَمِرين، وإن قريشًا قد نهِكَتْهم الحربُ وأضَرَّت بهم، فإن شاءوا مادَدْناهم مدةً، ويُخَلُّوا بيني وبين الناس، فإن أَظْهَرْ فإن شاءوا أن يَدْخَلوا فيما دخل فيه الناسُ فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا (^٩)، وإن هم\n_________\n(^١) حل: كلمة تقال للناقة إذا تركت السير. فتح البارى ٥/ ٣٣٥. وينظر اللسان (ح ل و).\n(^٢) خلأت: وقفت عن السير. اللسان (خ ل أ).\n(^٣) الثَّمَد والثَّمْد: المكان يجتمع فيه الماء. الوسيط (ث م د).\n(^٤) تَبَرَّض الماءَ: اغترفه كلما اجتمع منه شيء. الوسيط (ب رض).\n(^٥) في م: \"يلبث\"، وفي ت ٢، ت ٢: \"ينتبه\".\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت.٣.\n(^٧) الأعداد بالفتح: جمع عِدِّ بالكسر والتشديد، وهو الماء الكثير الذي لا انقطاع له. فتح البارى ٥/ ٣٣٨.\n(^٨) العوذ: جمع عائذ، وهى الناقة ذات اللبن، والمطاقيل: الأمهات اللاتى معها أطفالها، يريد أنهم خرجوا معهم بذوات الألبان من الإبل ليتزودوا بألبانها ولا يرجعوا حتى يمنعوه، أو كنى بذلك عن النساء معهن الأطفال. فتح البارى ٥/ ٣٣٨.\n(^٩) جموا: استراحوا وقووا. فتح البارى ٥/ ٣٣٨.","vol":"21","page":297},{"text":"أبَوْا، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَتَّهم على أمرِى هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفَتى (^١)، أو ليُنْفِذَنَّ اللهُ أمره: فقال بُديلٌ: سنُبَلِّغُهم ما تقولُ. فانْطَلَق حتى أتَى قريشًا، فقال: إنا قد جئْناكم مِن عندِ هذا الرجلِ، وسمِعْناه يقولُ قولًا، فإن شئتُم أَن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنا قال سفهاؤُهم: لا حاجةَ لنا في أن تُحَدِّثَنَا عنه بشيءٍ. وقال ذَوُو الرأي منهم: هاتِ ما سمِعْتَه يقولُ. قال: سمِعْتُه يقولُ كذا وكذا. فحدَّثهم بما قال النبيُّ ﷺ، فقام عروةُ بن مسعودٍ الثَّقَفيُّ فقال: أي قومِ، ألستم بالوالدِ (^٢)؟ قالوا: بلى. قال: أوَلستُ بالولدِ (^٣)؟ قالوا: بلى. قال: فهل تَتَّهِمونى؟ قالوا: لا. قال: ألستم تَعْلَمون أنى اسْتنْفَرتُ أهلَ عُكاظٍ، فلما بَلَّحوا (^٤) عليَّ جئتُكم بأهلى وولدى ومَن أطاعنى؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا الرجلَ قد عرَض عليكم خُطَّةَ رُشْدٍ فاقْبَلُوها، ودَعُونى آتِه. فقالوا: ائتِه. فأتاه فجعَل يُكَلِّمُ النبيَّ ﷺ، فقال النبيُّ ﷺ نحوًا مِن مقالتِه لبُدَيْلٍ، فقال عروةُ عندَ ذلك: أي محمدُ، أرأيْتَ إن استأصَلتَ قومَك، فهل سمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجْتاح أصله قبلك؟ وإن تَكُن الأخرى، فوالله إنى لأَرَى وجُوهًا وأَشْوابًا (^٥) مِن الناس خليقًا أن يَفرُوا ويَدَعُوك. فقال أبو بكرٍ: امصصْ بَظْرَ اللَّاتِ (^٦) واللاتُ طاغيةُ ثَقيف التي (^٧) كانوا يَعْبُدون - أنحن نَفِرُّ ونَدَعُه؟\n_________\n(^١) السالفة: صفحة العنق، وكنى بذلك عن القتل؛ لأن القتيل تنفرد مقدمة عنقه. فتح البارى ٥/ ٣٣٨.\n(^٢) في م: \"بالولد\".\n(^٣) في م: \"بالوالد\".\n(^٤) بلحوا: بفتح الباء واللام وتشديدها: امتنعوا. فتح البارى ٥/ ٣٣٩.\n(^٥) في م: \"أوباشا\". والأشواب: الأخلاط مِن أنواع شتى. والأوباش: الأخلاط مِن السِّفْلة، فالأوباش أخص مِن الأشواب. فتح البارى ٥/ ٣٤٠. وقال ابن الأثير: الأشواب والأوباش والأوشاب: الأخلاط الناس والرعاع. النهاية ٢/ ١٨٧.\n(^٦) البظر: قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة … وكانت عادة العرب الشتم بذلك، لكن بلفظ الأم، فأراد أبو بكر المبالغة في سب عروة بإقامة من كان يعبد مقام أمه. فتح البارى ٥/ ٣٤٠.\n(^٧) في م: \"الذي\"، وفى ت ٢ ت ٣: \"الذين\".","vol":"21","page":298},{"text":"فقال: مَن هذا؟ فقالوا: أبو بكرٍ. فقال: أما والذي نفسي بيده لولا يدٌ كانت لك (^١) عندى لم أَجْزِك بها لأجَبتُك (^٢). وجعل يُكَلِّمُ النبيَّ ﷺ، فكلما كلَّمه أخَذ بلحيتِه، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأس النبيِّ ﷺ، ومعه السيفُ وعليه المغْفَرُ، فكلما أهْوَى عروةُ إلى لحيةِ رسولِ اللهِ ﷺ ما ضرب يدَه بنَعْل (^٣) السيفِ وقال: أخِّرْ يدَك عن لحيتِه. فرفَع رأسه فقال: مَن هذا؟ قالوا: المغيرةُ بن شعبةَ. قال: أي غُدَرُ، أوَ لستُ أسْعَى في غَدْرتِك! - وكان المغيرةُ بن شعبةَ صحِب قومًا في الجاهليةِ، فقتَلَهم وأخَذ أموالَهم، ثم جاء فأسْلَم. فقال النبيُّ ﷺ: وأمَّا الإسلامُ فقد قبلناه، وأمَّا المالُ فإنه مالُ غَدْرٍ، لا حاجةَ لنا فيه\" - وإن عروةَ جعَل يَرْمُقُ أصحابِ النبي ﷺ بعينِه، فواللهِ إن تنخَّم النبيُّ ﷺ نُخامةً إلا وقَعت في كفِّ رجلٍ منهم، فدلَك بها وجهَه وجلدَه، وإذا أمرَهَم ابْتَدَروا أمرَه، وإذا توَضَّأ كادوا يَقْتَتِلون على وَضوئِه، وإذا تكَلَّم خفَضوا أصواتَهم عنده، وما يُحدُّون النظرَ إليه تعظيمًا له، فرجع عروةُ إلى أصحابِه فقال: أي قومِ، والله لقد وفَدْتُ على الملوكِ، ووفَدْتُ على قيصرَ وكِشرى والنجاشيِّ، والله إن رأَيْتُ ملكًا قطُّ يُعَظِّمُه أصحابُه ما يُعَظِّمُ أصحابُ محمدٍ محمدًا، واللَّهِ إِن تَنَخَّم نُخامةً إلا وقَعَت في كفٌ رجلٍ منهم، فدلَك بها وجهَه وجلدَه، وإذا أمَرَهم ابْتَدَروا أمره، وإذا توَضَّأ كادوا يَقْتَتلون على وَضوئِه، وإذا تكَلَّموا عنده خفَضوا أصواتَهم، وما يُحِدُّون النظرَ إليه تعظيمًا له، وإنه قد عرَض عليكم خُطَّةَ رُشد فاقْتِلُوها. فقال رجلٌ مِن كِنانةَ: دَعُونى آيِهِ. فقالوا: ائْتِه. فلما أشْرَف على النبيِّ ﷺ وأصحابِه، قال النبيُّ ﷺ: \"هذا فلانٌ: \"هذا فلانٌ، وهو مِن قومٍ يُعَظِّمون البُدْنَ، فابْعَثُوها له\". فبُعِثَت له، واسْتَقْبله قومٌ يُلَبُّون فلمَّا رأَى ذلك قال:\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) وذلك أن عروة كان تحمّل بديةٍ فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن. فتح البارى ٥/ ٣٤٠.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بنصل\".","vol":"21","page":299},{"text":"سبحانَ اللَّهِ، ما يَنْبَغِي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت. [فلما رجَع إلى أصحابِه قال: رأيتُ البُدْنَ قد قُلِّدَت وأُشعرت، فما أَرَى أن يُصَدُّوا عن البيت] (^١). فقام رجلٌ منهم يقالُ له: مِكْرَزُ بنُ حفصٍ. فقال: دعوُني آته. فقالوا: ائتِه. فلما أَشْرَف على النبيِّ ﷺ وأصحابِه قال النبيُّ ﷺ: \"هذا مِكْرَزُ بنُ حفصٍ، وهو رجلٌ فاجرٌ\". فجاء فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ ﷺ، فبينا هو يُكَلِّمُه إذ جاء سُهَيْلُ بن عمرٍو - قال أيوبُ: قال عكرمةُ: إنه لما جاء سُهَيلٌ قال النبيُّ ﷺ: \"قد سَهُل لكم مِن أمرِكم\" - قال الزهريُّ: فجاء سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ نَكْتُبْ بيننا وبينك كتابًا. فدعا الكاتبَ. فقال النبيُّ ﷺ: اكْتُبْ: \"بسم اللهُ الرحمن الرحيم\". فقال: ما الرحمنُ؟ فواللهِ ما أدْرِى ما هو، ولكن اكتُبِ: باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبُ. فقال المسلمون: واللَّهِ لا نَكْتُبُها إلا بسمِ اللهُ الرحمنِ الرحيمِ. فقال النبيُّ ﷺ \"اكتُبْ: باسمِك اللهمَّ\". ثم قال: \"اكتُبْ: هذا ما قاضَى عليه محمدٌ رسولُ اللَّهِ\". فقال سهيلٌ: واللهِ لو كنا نَعلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صدَدْناك عن البيت ولا قاتَلْناك، ولكن اكتُبْ: محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ. فقال النبيُّ ﷺ: \"واللهِ إنى لرَسولُ اللَّهِ وإِن كَذَّبْتُموني، ولكن اكتُبْ: محمدُ بنُ عبد اللهِ\". قال الزهريُّ: وذلك لقوله: \"واللهِ لا يَسْأَلُونى خُطَّةً يُعَظِّمون بها حُرُماتِ اللَّهِ إلا أعْطَيْتُهم إياها\". فقال النبيُّ ﷺ: \"على أن تُخَلُوا بيننا \"وبينَ البيتِ، فنطوفَ به\". قال سهيلٌ: واللهِ لا تَتَحَدَّثُ العربُ أنا أُخِذْنَا ضُغطةً، ولكن لك مِن العام المُقْبِلِ. فكتَب، فقال سهيلٌ: وعلى أنه لا يَأْتيك منا رجلٌ، وإن كان على دينِك، إلا ردَدْتَه إلينا. فقال المسلمون: سبحانَ اللهِ! وكيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاءَ مسلما؟! فبينا هم كذلك، إذ جاء أبو جندلِ بنُ سهيلٌ بن عمرٍو يرسُفُ في قُيوده، قد خرَج مِن أسفلِ مكةَ، حتى رمَى بنفسِه بينَ أَظْهُرِ المسلمين، فقال سهيلٌ: هذا يا\n_________\n(^١) سقط مِن النسخ، والمثبت من مصادر التخريج","vol":"21","page":300},{"text":"محمدُ أولُ مِن أُقاضِيك عليه أن تَردَّه إلينا. فقال النبيُّ ﷺ: \"فَأَجِزه (^١) لى\". فقال: ما أنا بمُجِيزِه لك. قال: بلى فافعَل\". قال: ما أنا بفاعلٍ. قال صاحبُه مِكْرزٌ - وسهيلٌ إلى جنبِه -: قد: قد أَجَزناه لك. فقال أبو جندلٍ: أي معاشرَ المسلمين، أأُرَدُّ إلى المشركين وقد جئتُ مسلمًا؟! ألا تَرَون ما قد لقيتُ؟ وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في اللَّهِ.\nقال عمرُ بنُ الخطابِ: واللهِ ما شكَكْتُ منذ أسلَمتُ إلا يومَئذٍ، فأَتَيْتُ النبيَّ ﷺ فقلتُ: ألسْنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطلِ؟ قال: \"بلى\". قلتُ: فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنا إذن؟ قال: \"إنى رسولُ اللَّهِ، ولسْتُ أَعْصِيه، وهو ناصِرِى\". قلتُ: أَلسْتَ تُحدِّثنا أنا سنَأْتى البيتَ فتَطوفُ به؟ قال: \"بلي\". قال: فأَخْبَرْتُك أنك تَأْتيه العام؟ \"قلتُ: لا. قال: \"فإنك آتِيه ومُتَطَوِّفٌ به\". قال: ثم أتَيْتُ أبا بكرٍ فقلت: أليس هذا نبيَّ اللهُ حقًّا؟ قال: بلى. قلتُ: ألسْنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطل؟ قال: بلى. قلتُ: فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنا إذن؟ قال: أيُّها الرجلُ، إنه رسولُ اللَّهِ، وليس يَعْصِى ربَّه، فاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِه حتى تموتَ، فواللهِ إنه لعلى الحقِّ قلتُ: أو ليس كان يُحَدِّثُنا أنا ستَأْتى البيتَ ونَطوفُ به؟ قال: بلى، أفَأَخْبَرك أنك تَأْتيه العام؟ قال: لا. قال: فإنك آتِيه ومُطوِّفٌ (^٢) به - قال الزهريُّ: قال عمر: فعمِلْتُ لذلك أعمالًا - فلمَّا فرغ مِن قضيتِه (^٣) قال النبيُّ ﷺ لأصحابه: \"قُوموا فانْحَروا ثم احْلِقوا\". قال: فواللهِ ما قام منا رجلٌ حتى قال ذلك\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"فأجره\" بالراء، وكذلك فيما يأتى \"بمجيره\"، \"أجرناه\". قال الحافظ ابن حجر: من الإجازة، أي أمض لي فعلى فيه فلا أرده إليك، أو استثنيه من القضية. ووقع في الجمع للحميدي: \"فأجره\"، بالراء، ورجح ابن الجوزى الزاي. فتح البارى ٥/ ٣٤٥.\n(^٢) في م: \"متطوف\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"قصته\".","vol":"21","page":301},{"text":"ثلاثَ مراتٍ، فلمَّا لم يَقُمْ منهم أحدٌ، قام فدخَل على أمِّ سلمةَ، فذكَر لها ما لقِى مِن الناسِ، فقالت أمُّ سلمةَ: يا نبيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذلك؟ اخْرُجْ، ثم لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً حتى تَنْحَرَ بُدْنَك، وتَدْعُوَ حالِقَك فيَحْلِقَك. فقام فخرَج، فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً حتى نحَر بدنَه، ودعا حالِقَه فحلَقه، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنحَروا وجعَل بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا، حتى كاد بعضُهم يَقْتُلُ بعضًا غَمَّا، ثم جاءه نِسوةٌ مؤمناتٌ، فأنْزَل اللهُ ﷿ عليه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلَغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. قال: فطلَّق عمر يومَئذٍ امرأتين كانتا له في الشركِ. قال: فنهاهم أن يَرُدُّوهن، وأَمَرَهم أن يَرُدُّوا الصداقَ حينَئذٍ - قال رجلٌ للزهريُّ: أمن أجلِ الفروجِ؟ قال: نعم - فتزوَّج إحداهما معاويةُ بن أبي سفيانَ، والأخرى صفوانُ بن أميةَ، ثم رجَع النبيُّ ﷺ إلى المدينةِ، فجاءه أبو بَصيرٍ - رجلٌ مِن قريشٍ - وهو مسلمٌ، فأُرسِل في طلبِه رجلان، فقالا: العهدَ الذي جعَلْتَ لنا. فدفَعه (^١) إلى الرجلين، فخرَجا به، حتى إذا بلَغا ذا الحُلَيْفَةِ، فنزَلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم، فقال أبو بَصيرٍ لأحدِ الرجلين: واللهِ إني لأَرَى سيفك هذا يا فلانُ جيدًا. فاسْتَلَّه الآخرُ فقال: واللهِ إنه لجيدٌ، لقد جرَّبْتُ به وجرَّبْتُ. فقال أبو بَصِيرٍ: أَرِنِى أَنْظُرْ إليه. فأمْكنه منه، فضربه به حتى برَد (^٢)، وفَرَّ الآخرُ حتى أتَى المدينةَ، فدخَل المسجد يَعْدُو، فقال النبيُّ ﷺ: \"رأى هذا ذُعْرًا\". فقال: قُتِل واللهِ صاحبي، وإني واللهِ لمَقتولٌ. فجاء أبو بَصيرٍ فقال: قد وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذمتك، وردَدْتَني إليهم، ثم أَنجانى (^٣) اللَّهُ فقال النبيُّ ﷺ: \"وَيْلُ امِّه، مِسْعَرَ حربٍ، لو كان له أحدٌ\". فلما سمع عرف أنه سيَرُدُّه إليهم. قال: فخرَج حتى أتَى سيِفَ البحرِ، وتفَلَّت أبو جَنْدَلِ بن سهيلٌ بنُ عمرِو فلحِق بأبي بَصيرٍ، فجعَل لا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت،٢، ت: \"فدفعوه\".\n(^٢) برد: خمدت حواسه، وهى كناية عن الموت. فتح البارى ٥/ ٣٤٩.\n(^٣) في م، ت ٢: \"أغاثني\"، وفي ت ٣: \"أعاذني\".","vol":"21","page":302},{"text":"يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسْلَم إلا لحِق بأبي بَصيرٍ، حتى اجتمَعت منهم عصابةٌ، فواللهِ ما يسمَعون بِعِيرٍ خرَجَت لقريشٍ إلى الشامِ إلا اعْتَرَضوا لهم فقتَلُوهم وأخَذوا أموالَهم فأرْسَلَت قريشٌ إلى النبيِّ ﷺ يُناشِدونه الله والرَّحِمَ لَمَا أَرْسَل إليهم، فمَن أتاه فهو آمِنٌ، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ الفتح: ٢٤ - ٢٦]، وكانت حَمِيَّتُهم أنهم لم يُقرُّوا أنه نبيٌّ، ولم يُقِرُّوا بسمِ اللهُ الرحمنِ الرحيمِ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ (^١).\nحدَّثني يعقوب بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عروةُ، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمةَ ومروانَ بن الحكمِ، قالا: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ مِن الحديبيةِ في بضعَ عشْرةَ. ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال في حديثهِ: قال الزهريُّ: فحدَّثنى القاسمُ بنُ محمدٍ، أن عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ قال: فأَتَيْتُ النبيَّ ﷺ فقلتُ: ألست برسولِ اللَّهِ؟ قال: \"بلى\" قال أيضًا: وخرج أبو بَصيرٍ والذين أسْلَموا مِن الذين ردَّ رسولَ اللهِ ﷺ، حتى لحِقوا بالساحل على طريقِ عيرِ قريشٍ، يقتُلون (^٢) مَن كان فيها مِن الكفارِ ويَغْنمونها، فلمَّا رأَى ذلك كفارُ قريشٍ ركِب نفرٌ منهم إلى رسولَ اللهِ ﷺ، فقالوا له: إنها لا تُغْنِى مدتُك شيئًا، ونحن نُقَتَّلُ وتُنْهَبُ أموالُنا، وإِنا نَسْأَلُك أَن تُدْخِلَ هؤلاء الذين أسْلَموا منا في صلحِك وتَمْنَعَهم، وتَحْجِزَ عنا قتالَهم. ففعَل ذلك رسولَ اللهِ ﷺ، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾. ثم\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٢١، ٦٢٥ - ٦٢٨، ٦٣٧، ٦٤٠ مفرقًا، وأخرجه أبو داود (٢٧٦٥، ٤٦٥٥) من طريق محمد بن ثور به ببعضه.\n(^٢) في م: \"فقتلوا\".","vol":"21","page":303},{"text":"ساق الحديثَ إلى آخرِه، نحوَ حديثِ ابن عبدِ الأعلى (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةَ، عن ابن إسحاق، عن محمدِ بن مسلم بن شهابٍ الزهريِّ، عن عروةَ بن الزبيرِ، عن المشورِ بن مَخْرَمةَ ومروان بن الحكمِ، أنهما حدَّثاه، قالا: خرج رسول اللهِ ﷺ عام الحديبيةِ يُرِيدُ زيارةَ البيتِ، لا يُرِيدُ قتالًا، وساق معه هديَه سبعين بَدَنةً، حتى إذا كان بعُسْفانَ لقِيه بشرُ بن سفيانَ الكعبيُّ، فقال له: يا رسولَ اللهِ، هذه قريشٌ قد سمِعَت بمسيرِك، فخرَجوا معهم العُوذُ المطافيلُ، قد لبِسوا جلودَ النمورِ، ونزَلوا بذِى طُوًى، يُعاهدون اللَّهَ لا تَدْخُلُها عليهم أبدًا، وهذا خالدُ بنُ الوليدَ في خيلِهم، قد قدَّموها إلى كُراعِ الغَميم. قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"يا ويحَ قريشٍ، لقد أهلَكتْهم (^٢) الحربُ، ماذا عليهم لو خَلَّوْا بينى وبينَ سائرِ العربِ، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظْهَرَنى اللهُ عليهم دخَلوا في الإسلامَ وافِرين (^٣)! \". ثم ذكَر نحوَ حديثِ معمرٍ، بزياداتٍ فيه كثيرة على حديثِ معمرٍ، ترَكتُ ذكرِها (^٤). حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾. قال: كان الهدىُ بذى طُوًى، والحديبية خارجةٌ مِن الحرمِ، نزَلَها رسولَ اللهِ ﷺ حين غَوَّرَت قريشٍ عليه الماءَ.\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٢١، ٦٢٥ - ٦٢٨، ٦٣٧، ٦٤٠ مفرقا، وأخرجه النسائي في الكبرى (٨٨٤٠) مختصرًا عن يعقوب بن إبراهيم به. وأخرجه أحمد (٤/ ٣٣١ - الميمنية) من طريق يحيى بن سعيد القطان به. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٧٢٠) - ومن طريقه أحمد ٤/ ٣٢٨ (الميمنية) والبخاري (٢٧٣١، ٢٧٣٢)، وابن حبان (٤٨٧٢)، والطبراني ٢٠/ ٩ (١٣)، والبيهقى ٩/ ٢١٨ - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٦ إلى ابن المنذر وعبد بن حميد، وتقدم تخريجه في ٣/ ٣٦٢.\n(^٢) في تاريخ المصنف ومسند أحمد: \"أكلتهم\".\n(^٣) في النسخ: \"داخرين\". والمثبت مِن مصادر التخريج.\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٨ وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٢٠ - ٦٢٣ مفرقا عن ابن حميد به، وأخرجه ابن خزيمة (٢٩٠٦) مِن طريق سلمةَ ببعضه. وأخرجه أحمد (٤/ ٣٢٣ - الميمنية)، وأبو داود (٢٧٦٦)، والبيهقى ٩/ ٢٢١، ٢٢٧ من طريق محمد بن إسحاق به مطولا ومختصرا.","vol":"21","page":304},{"text":"وقولُه: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولولا رجالٌ مِن أهلِ الإيمانِ ونساءٌ منهم، أيُّها المؤمنون باللهِ، أن تَطَئوهم بخَيْلِكم ورجلكم، لم تَعْلَموهم بمكةَ، وقد حبَسهم المشركون بها عنكم، فلا يستطيعون مِن أجلِ ذلك الخروجَ إليكم - فتقتُلوهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾. حتى بلَغ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: هذا حينَ رُدَّ محمدٌ ﷺ وأصحابُه أن يدخُلوا مكةَ، فكان بها رجالٌ مؤمنون ونساءٌ مؤمناتٌ، فكرِه الله أن يُؤذوا أو يُوطَئوا بغيرِ علمٍ، ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (^١).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في المعَرَّةِ التي عناها اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم عُنِي بها الإثمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8712>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: إثمٌ بغيرِ علمٍ (^٢).\nوقال آخرون: عُنِى بها غُرْمُ الدِّيةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8713>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٩ إلى المصنف.","vol":"21","page":305},{"text":"بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: [والمعرةُ الغُرْمُ. أي: أن تُصِيبُوا منهم معرةً بغير علمٍ] (^١) فتُخرِجوا دِيَتَه، فأمّا إثمٌ فلم يَخْشَه (^٢) عليهم (^٣).\nوالمَعَرَّةُ هي المَفْعَلَة من العُرِّ، وهو الجَرَبُ.\nوإنما المعنى: فتُصيبَكم من قِبَلِهم معرَّةٌ تُعَرُّون بها، يَلْزَمُكم من أجلِها كفارةُ قتلِ الخطأ،؛ وذلك عِتْقُ رقبةٍ مؤمنةٍ مَن أطاق ذلك، ومَن لم يُطِق فصيامُ شهرين.\nوإنما اختَرْتُ هذا القولَ دونَ القولِ الذي قاله ابن إسحاقَ؛ لأنّ الله إنما أوجَب على قاتلِ المؤمنِ في دارِ الحربِ إذا لم يكنْ هاجَر منها، ولم يكنْ قاتِلُه عَلم إيمانَه - الكفارةَ دونَ الدِّيَةِ، فقال: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. ولم يُوجِبْ على قاتلِه خطأ دِيَةً (^٤)، فلذلك قلنا: عُنِى بالمعرَّةِ في هذا الموضعِ الكفارةُ.\nو﴿أَنْ﴾ مِن قولِه: ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ في موضعِ رفعٍ، ردًّا على \"الرجال\"؛ لأن معنى الكلامِ: ولولا أن تطَئوا رجالًا مؤمنين ونساءً مؤمناتٍ لم تَعْلموهم، فتُصيبَكم منهم مَعَرَّةٌ بغيرِ علمٍ - لأذِن اللهُ لكم أيُّها المؤمنون في دخولِ مكةَ، ولكنه حال بينَكم وبينَ ذلك؛ ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. يقولُ: ليُدْخِلَ اللهُ في الإسلامِ مِن أهلِ مكةَ مَن يشاءُ قبل أن تَدْخُلوها. وحُذِف جوابُ \"لولا\" استغناءً بدلالةِ الكلامِ عليه.\nوقولُه: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾. يقولُ: لو تَميَّز الذين في مشركي مكةَ مِن الرجالِ المؤمنين والنساءِ المؤمناتِ، الذين لم تَعْلموهم منهم، ففارَقوهم وخرَجوا مِن بين\n_________\n(^١) سقط من النسخ والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٢) في م: \"يحسبه\"، وفى ت:٢ \"يحببه\"، وفى ت: \"يحبسه\".\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٢١.\n(^٤) في ص، م، ت ٢ ت ٣: \"ديته\".","vol":"21","page":306},{"text":"أظْهُرِهم ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يقولُ: لقتَلْنا مَن بَقِى فيها بالسيفِ، أو: لأهلَكْناهم ببعضِ ما يُؤلِمُهم مِن عذابِنا العاجلِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8714>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ الآية: إنّ الله يَدفعُ بالمؤمنين (^١) عن الكفارِ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾: يعنى أهلَ مكةَ، كان فيهم مؤمنون مُستضعَفون، يقولُ اللهُ: لولا أولئك المُستَضْعَفون، لو قد تَزَيَّلوا لعذَّبنا الذين كفَروا مِنهم عذابًا أَلِيمًا.\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾: لو تَفرَّقوا، فَتَفرَّق المؤمنُ مِن الكافرِ، ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4609\"></span><span data-type='title' id=toc-8715>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المؤمنين\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٩ إلى المصنف.","vol":"21","page":307},{"text":"الْجَاهِلِيَّةِ﴾: حينَ جعَل سُهَيلُ بنُ عمرٍو في قلبه الحمِيَّةَ، فامتنَع أن يكتُبِ في كتابِ المقاضاةِ الذي كُتِب بينَ يدَىْ رسولِ اللهِ ﷺ والمشركين: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. وأن يكتُبَ فيه: محمدٌ رسولُ اللهِ، وامتنَع هو وقومُه مِن دخولِ رسولِ اللهِ ﷺ العامَه ذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8716>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزُّهريِّ، قال: كانت حميَّتُهم التي ذكَر الله: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾. أنهم لم يُقِرُّوا [بـ \"بسم] (^١) اللهِ الرحمنِ الرحيمِ\"، وحالوا بينهم وبينَ البيتِ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ بنحوِه (^٣).\nحدَّثني عمرُو بنُ محمدٍ العثمانيُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ، قال: ثنى أخى، عن سليمانَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بن المسيِّبِ أن أبا هريرةَ أخبَره أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتى يَقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ. فمن قال: لا إلهَ إلا اللهُ. فقد عصَم منِّي مالَه ونَفْسَه، إلا بحقِّه، وحسابُه على اللهِ\". وأنزَل اللهُ في كتابِه، فذكَر قومًا استكبَروا، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أنه بسم\"، وفى م: \"بسم\" والمثبت مما تقدم.\n(^٢) جزء من الحديث الطويل المتقدم في ص ٢٩٦ - ٣٠٣.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٣٠٤.","vol":"21","page":308},{"text":"قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥]. وقال اللهُ: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾. وهى: لا إلهَ إلا الله، محمدٌ رسولُ اللهِ، استكبَر عنها المشركون يومَ الحديبيةِ؛ يومَ كاتَبهم رسولُ اللهِ ﷺ على قضيَّة المُدَّة (^١).\nو﴿إِذْ﴾ مِن قولِه: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. من صلِة قولِه: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾. وتأويلُ الكلامِ: لعذَّبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليمًا، حينَ جعَل الذين كفروا في قلوبِهم الحَميَّةَ.\nوالحَمِيَّةُ فَعِيلَةٌ، من قولِ القائلٍ: حَمَى فلانٌ أَنْفَه حَمِيَّةٌ ومَحْمِيَّةً، ومنه قولُ المُتَلمِّسِ (^٢):\nأَلَا إِنَّنِي منهم وعِرْضِيَ عِرْضُهُمْ … كذا الرأسُ يَحْمِي أَنْفَه أن يُكَشَّما (^٣)\nيعنى بقولِه: يَحْمِي: يمنعُ.\nوقال: ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾؛ لأن الذي فعَلوا من ذلك كان جميعُه من أخلاقِ أهلِ الكفرِ، ولم يكنْ شيءٌ منه مما أذِن الله لهم به، ولا أحدٌ رسلِه.\nوقولُه: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأنزل اللهُ الصبرَ والطُّمَأنينة والوقارَ على رسولِه وعلى المؤمنين؛ إذْ حَمِي\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (١٩٦) من طريق إسماعيل بن أبي أويس به، وأخرجه ابن حبان (٢١٨) من طريق الزهرى به.\n(^٢) ديوانه ص ٢١.\n(^٣) كشم أنفَه: قطعه باستئصال. الوسيط (ك ش م).","vol":"21","page":309},{"text":"الذين كفروا حمِيَّةَ الجاهليةِ، ومنَعوهم مِن الطوافِ بالبيتِ، وأبَوا أن يَكْتُبوا في الكتابِ بينَه وبينَهم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، ومحمدٌ رسولُ اللهِ. ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. يقولُ: ألزَمهم قولَ: لا إلهَ إلا الله، [الذي يتَّقون به] (^١) النارَ وأليمَ العذابِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ في ذلك منهم، ورُوِى به الخبر عن رسولِ اللهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8717>ذكرُ قائلى ذلك بما قلنا فيه، والخبرِ الذي ذكَرْنا عن رسولِ اللهِ ﷺ</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ قَزَعةَ الباهليُّ، قال: ثنا سفيانُ بنُ حَبيبٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن ثُوَيْرِ (^٢) بن أبى فاختةَ، عن أبيه، عن الطفيلِ، عن أبيه، سمِع رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ\" (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بن خداشٍ العَتَكيُّ، قال: سمِعتُ سَلْمًا (^٤)، سمِع شعبةَ، سمِع سلمةَ بنَ كهيلٍ، سمِع عَبايةَ، سمِع عليًّا ﵁ في قولِه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ (^٥).\nحدَّثني ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ، عن عبايةَ بن رِبعيٍّ، عن عليٍّ ﵁ في قولِه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ\n_________\n(^١) في م: \"التي يتقون بها\".\n(^٢) في م: \"ثور\". وتنظر ترجمته في تهذيب الكمال ٤/ ٤٢٩.\n(^٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ١٣٨، والترمذى (٣٢٦٥) والطبراني (٥٣٦)، والبيهقى في الأسماء والصفات (٢٠٠) عن الحسن بن قزعة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٠ إلى الدارقطني في الأفراد وابن مردويه.\n(^٤) في النسخ: \"سالما\". وهو سلم بن قتيبة، وقد تقدم على الصواب في ١٤/ ٢٩٨، ٢٩٩، ١٥/ ٤٥١.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٩، والطبراني في الدعاء (١٦٠٨) من طريق شعبة به.","vol":"21","page":310},{"text":"التَّقْوَى﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عيسى الدامَغَانيُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن سفيانَ وشعبةَ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن رجلٍ، عن عليٍّ ﵁ قال: لا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، عن شعبةَ، عن سلمة، عن عَبايةَ (^٢) - رجل من بني تميمٍ - عن عليٍّ ﵁: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. يقولُ: شهادةَ ألا إلهَ إلا اللهُ، فهي كلمةُ التقوى. يقولُ: فهى رأسُ التقوى (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ أبا إسحاقَ يُحَدِّثُ عن عمرُو بنُ ميمونٍ أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ (^٤).\nحدَّثني محمد بنُ عيسى، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرُو بنُ ميمونٍ مثلَه (^٥).\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٢٧٨، ومن طريقه الطبراني في الدعاء (١٦٠٧)، والحاكم ٢/ ٤٦١، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٩٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) بعده في م: \"عن\".\n(^٣) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٦١١)، والبيهقى في الأسماء والصفات (١٩٩) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٠ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٤/ ١٤٩ من طريق محمد بن جعفر به\n(^٥) تفسير سفيان ص ٢٧٨، ومن طريقه الطبراني في الدعاء (١٦١٤).","vol":"21","page":311},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ.\nقال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾.\nقال: لا إلهَ إلا اللهُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾: وهى شهادةُ ألا إلهَ إلا اللهُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال: هي لا إلهَ إلا اللهُ (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾: هي لا إلهَ إلا اللهُ (^٤).\nحدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال: شهادة ألا إلهَ إلا اللهُ (^٥).\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٢٧٨، ومن طريقه عبد بن حميد في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٥/ ٢٠٢ - وأخرجه الطبراني في الدعاء (١٦٢٠) من طريق ليث، عن مجاهد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٩ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكرُه البغوي في تفسيره ٧/ ٣٢١.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٦١٦) من طريق جويبر، عن الضحاك به.\n(^٥) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٦٢١) من طريق الحكم بن أبان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"21","page":312},{"text":"حدَّثني ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، عن سعيدِ بن عبدِ العزيزِ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ، محمدٌ رسولُ اللهِ (^١).\nحدَّثني الضِّراريُّ (^٢) محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ سَوارٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن يزيدَ (^٣) أبي خالدٍ المكيِّ، عن عليٍّ الأزْديِّ، قال: كنتُ مع ابن عمرَ بينَ مكةَ ومِنًى بالمَأْزِمَيْن (^٤)، فسمِع الناسَ يقولون: لا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ. فقال: هي هي. فقلتُ: ما هي؟ قال: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ (^٥).\nوقال آخرون: [بل كلمةُ التقوى الإخلاصُ] (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-8718>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ الحسينِ الأزْديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال: الإخلاصَ (^٧).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٦١٨) من طريق سعيد بن عبد العزيز به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"الصوارى\". وتقدم على الصواب في ١٦/ ١٩٥.\n(^٣) بعده في النسخ: \"بن\"، وهو يزيد أبو خالد المؤذن مولى ابن مشاطة. تنظر ترجمته في التاريخ الكبير ٨/ ٣٢٨.\n(^٤) المأزمان: موضع بمكة بين المشعر الحرام وعرفة. معجم البلدان ٤/ ٣٩١، ٣٩٢.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره، ٢/ ٢٢٩، والطبراني في الدعاء (١٦١٢)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٩٨) من طريق سفيان بن عيينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٠ إلى سعيدِ بن منصور وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٦) في م، ت ٢، ت ٣: \"بل هي كلمة التقوى للإخلاص\":\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٠ إلى المصنف.","vol":"21","page":313},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾: كلمةَ الإخلاصِ (^١).\nوقال آخرون: هي قولُه: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8719>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عيسى، قال: ثنا ابن المبارك، عن معمرٍ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ (^٢).\nوقال آخرون: هي قولُ: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8720>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، قال: أخبَرنا ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال أحدُهما: الإخلاصَ. وقال الآخرُ: كلمةُ التقوى: لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكان رسولُ اللهِ ﷺ والمؤمنون أحقَّ بكلمةِ التقوى من المشركين، ﴿وَأَهْلَهَا﴾. يقولُ: وكان\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٠٨.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٩ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٦٢٢) من طريق ابن يمان، عن ابن جريج، عن عطاء. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٠ إلى المصنف بتمامه.","vol":"21","page":314},{"text":"رسولُ اللهِ ﷺ والمؤمنون أهل كلمة التقوى دونَ المشركين.\nوذُكر أنها في قراءة عبدِ اللهِ: (وكانُوا أَهْلَها وَأحَقَّ بِها) (^١).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8721>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾: وكان المسلمون أحقَّ بها، وكانوا أهلَها - أي: التوحيدِ وشهادةِ ألا إلهَ إلا اللهُ، وأن محمدًا عبدهُ ورسولُه (^٢).\nوقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولم يَزَلِ اللهُ بكلِّ شيءٍ ذا علمٍ، لا يخفى عليه شيءٌ هو كائنٌ، ولِعِلْمِه أَيُّها الناسُ بما يَحْدُثُ مِن دخولِكم مكةَ وبها رجالٌ مؤمنون ونساءٌ مؤمناتٌ لم تَعْلموهم - لم يأذنْ لكم بدخولِ مكةَ في سَفْرتِكم هذه.\n\n<span id=\"aya-4610\"></span><span data-type='title' id=toc-8722>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لقد صدَق اللهُ رسولَه محمدًا رُؤْياه التي أرَاها إيَّاه؛ أنه يدخلُ هو وأصحابُه بيتَ اللهِ الحرامَ آمنين، لا يخافُون أهلَ الشركِ، مقصرًا بعضُهم رأسَه، ومُحلِّقًا بعضُهم.\nوبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) قال الفراء في معاني القرآن ٣/ ٦٨: ورأيتها في مصحف الحارث بن سويد التيمي من أصحاب عبد الله: (وكانوا أهلها وأحق بها). وهو تقديم وتأخير، وكان مصحفه دفن أيام الحجاج.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٠ إلى المصنف.","vol":"21","page":315},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8723>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. قال: هو دخولُ محمدٍ ﷺ البيتَ، والمؤمنون مُحلِّقين رءوسَهم ومُقصِّرين (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ قال: أُرِى بالحُديبيةِ أنه يدخلُ مكةَ وأصحابُه محلِّقين، فقال أصحابُه حينَ نَحر بالحُديبيةِ: أين رُؤيا محمدٍ ﷺ (^٢)؟\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾. قال: رأى رسولُ الله ﷺ أنه يطوفُ بالبيتِ وأصحابُه، فصدَّق الله رُؤياه فقال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾. حتى بلَغ: ﴿لَا تَخَافُونَ﴾.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾. قال: أُرِى في المنامِ أنَّهم يَدْخُلون المسجدَ الحرامَ، وأنهم آمِنون، محلِّقين رءوَسهم ومُقصِّرين (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٠، ٨١ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٠٨، ٦٠٩. ومن طريقه البيهقى في الدلائل ٤/ ١٦٤. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨١ إلى عبد بن حميد.","vol":"21","page":316},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: قال لهم النبيُّ ﷺ: \"إنِّي قد رأيتُ أنَّكم ستدخُلون المسجدَ الحرامَ محلِّقين رءوسَكم ومقصِّرين\". فلمّا نزَل بالحُديبيةِ ولم يَدْخُلْ ذلك العام، طعَن المنافقون في ذلك فقالوا: أين رُؤياه؟ فقال اللهُ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾: إِنِّي لم أُرِهْ أنه يدخُلُها هذا العامَ، وليكوننَّ ذلك (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾: الرؤيا رسولِ اللهِ ﷺ التي أُرِيها أنه سيدخلُ مكةَ آمِنًا لا يخافُ، يقولُ: مُحلِّقين ومقصِّرين لا تَخافون (^٢).\nوقولُه: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فعَلِم اللهُ جلَّ ثناؤُه ما لم تَعْلَموا. وذلك عِلْمُه تعالى ذكرُه بما بمكةَ من الرجالِ والنساءِ المؤمنين الذين لم يَعْلَمُهم المؤمنون، ولو دخَلوها في ذلك العامِ لوَطِئوهم بالخيلِ والرَّحِل، فأصابتهم منهم مَعَرَّةٌ بغيرِ علمٍ، فردَّهم الله عن مكةَ من أجلِ ذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8724>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾. قال: ردَّه لمكانِ مَن بينَ أَظْهُرِهم من المؤمنين والمؤمناتِ، وأخَّرَه ليُدخلَ اللهُ في رحمتِه مَن يَشَاءُ؛ مَن يريدُ أَن يَهْدِيَه (١).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨١ إلى المصنف.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٢٢.","vol":"21","page":317},{"text":"وقولُه: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في الفتحِ القريبِ الذي جعَله اللهُ للمؤمنين، دون دخولهم المسجدَ الحرامَ محلِّقين رءوسِهم ومُقصِّرين؛ فقال بعضُهم: هو الصلحُ الذي جرَى بينَ رسولِ اللهِ ﷺ وبينَ مُشرِكي قريشٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8725>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. قال: النحرُ بالحُديبيةِ، ورجَعوا فافتَتَحوا خيبرَ، ثم اعتَمر بعدَ ذلك، فكان تصديقُ رؤياه في السنةِ القابلةِ (^١).\nحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الزهريِّ قولَه: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. يعنى: صلحَ الحُديبيةِ، وما فُتِح في الإسلامِ فتحٌ كان أعظَمَ منه، إنما كان القتالُ حيث التَقَى الناسُ، فلمّا كانت الهدنةُ وُضِعت الحربُ، وأمِن الناسُ كلُّهم بعضُهم بعضًا، فالتقوا، فتفاوَضُوا في الحديثِ والمنازعةِ، فلم يُكَلَّمْ أحدٌ بالإسلام يَعْقِلُ شيئًا إلا دخَل فيه، فلقد دخَل في تَيْنك السَّنتَين في الإسلامِ مثلُ مَن كان في الإسلامِ قبلَ ذلك وأكثرُ (^٢).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. قال: صلحَ الحُديبيةِ (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٠٩. ومن طريقه البيهقي في الدلائل ٤/ ١٦٤. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٣٨ عن ابن حميد به.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٢٢.","vol":"21","page":318},{"text":"وقال آخرون: عُنى بالفتحِ القريبِ في هذا الموضعِ فتحُ خيبرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8726>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. قال: خيبرَ، حين رجَعوا من الحُديبيةِ، فتَحها اللهُ عليهم، فقسَّمَها على أهلِ الحديبيةِ كلِّهم إلَّا رجلًا واحدًا من الأنصارِ يقالُ له: أبو دُجانة سِماكُ بنُ خَرَشةَ. كان قد شَهِد الحديبيةَ وغاب عن خيبرَ (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصواب أن يُقالَ: إن الله أخبر أنَّه جعَل لرسولِه والذين كانوا معه مِن أهلِ بيعة الرضوانِ فتحًا قريبًا من دون دخولهم المسجدَ الحرامَ، ودون تصديقه رُؤيا رسول الله ﷺ، وكان صلحَ الحُديبيةِ وفتحُ خيبرَ دونَ ذلك، ولم يَخْصصِ اللهُ تعالى ذكرُه خبرَه ذلك عن فتحٍ من ذلك دونَ فتحٍ، بل عمَّ ذلك، وذلك كلُّه فتحٌ جعَله اللهُ مِن دونِ ذلك.\nوالصوابُ أن يَعُمَّه كما عمَّه، فيقالُ: جعَل اللهُ مِن دونِ تصديقهِ رُؤيا رسولِ اللهِ ﷺ بدخولِه وأصحابِه المسجدَ الحرامَ مُحلِّقين رءوسَهم ومقصِّرين، لا يخافون المشركِين - صُلح الحُديبية وفَتْحَ خيبر.\n\n<span id=\"aya-4611\"></span><span data-type='title' id=toc-8727>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨١ إلى المصنف.","vol":"21","page":319},{"text":"آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾.\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾: اللهُ (^١) الذي (^٢) أرسَل رسولَه محمدًا ﷺ بالبيانِ الواضحِ، ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾، وهو الإسلامُ، الذي أرسَله داعيًا خَلْقَه إليه، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. يقولُ: ليُبطِلَ به المِلَلَ كلَّها حتى لا يكونَ دينٌ سِواه، وذلك كان كذلك، حتى ينزلَ عيسى ابن مريمَ، فيقتُلَ الدجالَ، فحينئذٍ تبطُلُ الأديانُ كلُّها، غيرَ دينِ اللَّهِ الذي بعَث به محمدًا ﷺ، ويظهرُ الإسلامُ على الأديانِ كلِّها.\nوقولُه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أشْهَدَك يا محمدُ ربُّك على نفسِه، أنه سيُظهِرُ الدينَ الذي بعَثكَ به، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. يقولُ: وحَسْبُك به شاهدًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8728>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الهُذَليُّ، عن الحسنِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. يقولُ: أَشْهَدَ لك على نفسه أنَّه سيظهرُ دينَك على الدِّينِ كلِّه.\nوهذا إعلامٌ من اللهِ تعالى نبيِّه ﷺ، والذين كرِهوا الصُّلحَ يومَ الحديبيةِ من أصحابهِ، أن الله فاتحٌ عليهم مكةَ وغيرَها من البلدانِ، مُسَلِّيهم بذلك عمَّا نالَهم من\n_________\n(^١) في م: \"ودين الحق\".\n(^٢) سقط من: ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":320},{"text":"الكآبةِ والحزنِ، بانْصِرافِهم عن مكةَ قبلَ دُخولِهمُوها، وقبلَ طوافِهم بالبيتِ.\n\n<span id=\"aya-4612\"></span>وقولُه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: محمدٌ رسولُ اللَّهِ، وأتباعُه مِن أصحابِه الذين هم معه على دينِه، أشداءُ على الكفارِ، غليظةٌ عليهم قلوبُهم، قليلةٌ بهم رحمتُهم، ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: رقيقةٌ قلوبُ بعضُهم لبعضٍ، ليِّنةٌ أنفسهم لهم، هيِّنةٌ عليهم لَهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾: ألْقَى اللَّهُ في قلوبهم الرحمةَ، بعضُهم لبعضٍ (^١).\n﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾. يقولُ: تراهم رُكَّعًا أحيانًا للهِ في صلاتِهم، سُجَّدًا أحيانًا، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: يلتمسون بركوعِهم وسُجودهم وشدَّتِهم على الكفارِ، ورحمةِ بعضُهم بعضًا، ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾، وذلك رحمتُه إيَّاهم، بأن يتفضَّلَ عليهم فيُدخلَهم جنَّتَه، ﴿وَرِضْوَانًا﴾. يقولُ: وأن يرضَى عنهم ربُّهم.\nوقولُه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. يقولُ: علامتُهم في وجوهِهم من أثرِ السُّجودِ في صلاتِهم.\nثم اختَلَف أهلُ التأويلِ في \"السِّيما\" الذي عَنَاهِ اللَّهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: ذلك علامةٌ يجعَلُها اللهُ في وجوهِ المؤمنين يومَ القيامةِ، يُعْرَفون بها؛ لِمَا كان من سجودِهم له في الدُّنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-8729>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٣ إلى المصنف وعبد بن حميد","vol":"21","page":321},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: صلاتُهم تَبْدُو في وجوهِهم يومَ القيامةِ (^١).\nحدَّثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ العَتَكِيُّ، عن خالدٍ الحنفيِّ قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: يُعرَفُ ذلك يومَ القيامةِ في وجوهِهم، من أثرِ سجودِهم في الدنيا، وهو كقولِه: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ (^٢) [المطففين: ٢٤].\nحدَّثني عبيدٌ بن أسباط بن محمد، قال: ثنا أبي، عن فُضَيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: مواضعُ السجودِ من وجوهِهم يومَ القيامةِ أشدُّ وجوههم بياضًا (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بن موسى، قال: أخبَرنا ابن فُضَيلٍ، عن فُضَيلٍ، عن عطيةَ بنحوِه.\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن فُضَيل، عن فضيلٍ، عن عطيةَ بنحوِه.\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا فُضَيلٌ، عن عطيةَ مثلَه.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ شبيبًا يقولُ عن مُقاتلِ بن حيان، قال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: النورُ يومَ القيامةِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٣ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ١٠٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨ إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد ومحمد بن نصر في الصلاة.","vol":"21","page":322},{"text":"حدَّثنا ابن سنان القزَّازُ، قال: ثنا هارونُ بنُ إسماعيل، قال: قال عليُّ بنُ المبارَكِ: سمِعتُ غيرَ واحدٍ عن الحسنِ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: بياضًا في وجوهِهم يومَ القيامةِ (^١).\nوقال آخرون: بل ذلك سيما الإسلامِ وسَمْتُه وخشوعُه، وعُنى بذلك أنه يُرَى من ذلك عليهم في الدُّنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-8730>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾. قال: السَّمْتُ الحسَنُ (^٢).\nحدَّثنا (^٣) مجاهدٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا الحسنُ بن عُمارةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: أما إنه ليس بالذي تَرَوْن، ولكنه سيما الإسلامِ وسَخْنتُه (^٤) وسَمْتُه وخشوعُه (^٥).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: الخشوعُ والتواضعُ (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٢ إلى المصنف ومحمد بن نصر في الصلاة وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه البيهقى ٢/ ٢٨٦ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٢ إلى محمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"قال ثنا\".\n(^٤) في ص: \"سحيته\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"سجيته\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٢ إلى المصنف.\n(^٦) تفسير سفيان ص ٢٧٨، ومن طريقه ابن المبارك في الزهد (١٧٤)، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٨، والفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣١٣ - والحافظ في نفس الموضع، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٢ إلى عبد بن حميد ومحمد بن نصر في الصلاة.","vol":"21","page":323},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: الخشوعُ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا (^٢) محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ في هذه الآية: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: السَّحْنةُ (^٣).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: هو الخشوعُ. فقلتُ: هو أثرُ السجودِ؟ فقال: إنه يكونُ بين عينَيْه مثلَ ركبةِ العَنْزِ، وهو كما شاء اللهُ (^٤).\nوقال آخرون: ذلك أثرٌ يكون في وجوه المُصَلِّين مثلَ أَثَرِ السَّهَرِ الذي يَظْهَرُ في الوجْهِ مثلَ (^٥) الكَلفِ، والتهيُّجِ، والصَّفْرة، وما أشْبَه ذلك مما يُظهِرُه السَّهَرُ والتَّعبُ في الوجه. ووجُّهوا التأويلَ في ذلك إلى أنه سيما في الدنيا.\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٢٧٨، ومن طريقه ابن المبارك في الزهد (١٧٣)، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٨ وعبد بن حميد - كما في الفتح ٨/ ٥٨٢ - والحافظ في التغليق ٤/ ٣١٤، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٣٤٢، والفتح ٨/ ٥٨٢ - وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٨٢، من طريق منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٢ إلى سعيد بن منصور ومحمد بن نصر في الصلاة.\n(^٢) بعده في ت ٢ ت ٣: \"أبو عاصم\".\n(^٣) في ص: \"السحية\"، وفي ت ٣: \"السجية\"\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم - كما في التغليق ٤/ ٣١٣ - من طريق شعبة به.\n(^٤) أخرجه البيهقى (٢/ ٢٨٧، والحافظ في التغليق ٤/ ٣١٣ من طريق جرير به.\n(^٥) في ص، ت ١: \"من\".","vol":"21","page":324},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8731>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن رجل، عن الحسنِ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: الصُّفرةُ.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال: زعَم الشيخُ الذي كان يقُصُّ في عُسْرٍ، وقرَأ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. فزعَم أنه السَّهَرُ يُرى في وجوههم.\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرِ بن عَطيةَ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾. قال: تهيُّجٌ في الوجْهِ مِن سَهَرِ الليل (^١).\nوقال آخرون: ذلك آثارٌ تُرَى في الوجْهِ مِن ثَرَى الأَرضِ، أو نَدَى الطَّهُورِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8732>ذِكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا حَوْثَرَةُ بنُ محمدٍ المنْقَرى، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسْعَدَةَ، وحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، جميعًا عن ثعلبةَ بن سُهَيلٍ، عن جعفرِ بن أبي المُغيرة، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: ثَرَى الأرض، ونَدَى الطَّهُورِ (^٢).\nحدَّثنا ابن سنان القزَّازُ، قال: ثنا هارونُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا عليُّ بنُ المبارَكِ، قال: ثنا مالكُ بنُ دينارٍ، قال: سمِعتُ عكرِمة يقولُ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي\n_________\n(^١) ذكرُه القرطبي في تفسيره ١٦/ ٢٩٤.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور ٦/ ٨٢ - ومن طريقه البيهقى ٢/ ٢٨٧ من طريق جرير وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر ومحمد بن نصر في الصلاة.","vol":"21","page":325},{"text":"وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: هو أثرُ الترابِ (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخبَرنا أن سيما هؤلاء القومِ الذين وصف صفتَهم في وجوهِهم من أثرِ السُّجودِ، ولم يخُصَّ ذلك على وقتٍ دونَ وقتٍ. وإذ كان ذلك كذلك، فذلك على كلِّ الأوقاتِ، فكان سيماهم الذي كانوا يُعرفون به في الدنيا آثارَ (^٢) الإسلامِ، وذلك خشوعُه وهَدْيُه (^٣) وسَمْتُه، وآثارُ عناءِ (^٤) فرائضِه وتطوُّعِه، وفى الآخرةِ ما أخبَر أنهم يُعرفون به، وذلك الغُرَّةُ في الوجْهِ والتَّحجيل في الأيْدِى والأَرْجُلِ من أثرِ (^٥) الوضوءِ، وبياضُ الوجوهِ من أثرِ (^٥) السُّجودِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في معنى السِّيما قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8733>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. يقولُ (^٦): علامتُهم - أو أعلِمتُهم - الصلاةُ (^٧).\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾. يقولُ: هذه الصفةُ التي وصَفتُ لكم من صفة تُبَّاعِ محمد ﷺ الذين معه صفِتُهم في التوراةِ.\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٣٢٤.\n(^٢) في م: \"أثر\".\n(^٣) بعده في م: \"وزهده\".\n(^٤) في م: \"أداء\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"آثار\".\n(^٦) في ص، ت ١: \"يقال\".\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٣ إلى عبد بن حميد.","vol":"21","page":326},{"text":"وقولُه: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾. يقولُ: وصفتُهم في إنجيلِ عيسى صفةُ زرعٍ أخرَج شَطْأَه. وهو فِراخُه، يقالُ منه: قد أَشْطَأ الزرعُ. إذا أفرَخ، فهو يُشْطِيُّ إِشْطَاءً. وإنما مَثْلَهم بالزرع المُشْطِيُّ؛ لأنهم ابتَدَءوا في الدخولِ في الإسلامِ وهم عددٌ قليلون، ثم جعَلوا يتزايدون، ويدخلُ فيه الجماعةُ بعدَهم، ثم الجماعةُ بعدَ الجماعةِ، حتى كَثُرَ عددُهم، كما يحدثُ في أصلِ الزرعِ الفرخُ منه، ثم الفرخُ بعدَه، حتى يَكْثُرَ ويَنْمِيَ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8734>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾: أصحابُه، ﴿مَثَلُهُمْ﴾. يعني: نعتُهم مكتوبٌ (^١) في التوراةِ والإنجيلِ قبلَ أن يَخلُقَ السماواتِ والأرضَ (^٢).\nحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ إلى قولِه: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾. ثم قال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ الآية.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾. أي: هذا المثلُ في التوراة، ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾: فهذا مثلُ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في الإنجيل (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"مكتوبا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٣ إلى المصنف وابن مردويه وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"21","page":327},{"text":"حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. قال: ذلك مَثَلُهم في التَّوارةِ، ومَثَلُهم في الإنجيلِ كَزرعٍ أخرَج شَطأه (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾. يعنى: السِّيما في الوجوهِ مَثَلُهم في التوراةِ، وليس بمَثَلِهِم في الإنجيلِ، ثم قال ﷿: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ الآية: هذا مَثَلُهم في الإنجيلِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾: ذلك مَثَلُهم في التَّوراةِ، ومَثَلُهم في الإنجيلِ كزرعٍ أخرَج شطأه.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِ اللهِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ الآية. قال: هذا مَثَلُهم في التوراةِ، ومَثَلٌ آخرُ في الإنجيلِ: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ الآية (^٢).\nوقال آخرون: هذان المَثَلانِ في التوراةِ والإنجيل مَثَلُهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-8735>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٨ عن معمر به.\n(^٢) ينظر زاد المسير ٧/ ٤٨٤.","vol":"21","page":328},{"text":"في قولِه: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ والإنجيلِ واحدٌ (^١).\nوأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: مَثَلُهم في التوراةِ غيرُ مَثَلِهم في الإنجيلِ، وأن الخبرَ عن مَثَلِهم في التوراةِ مُتَناهٍ عند قولِه: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾. وذلك أن القولُ لو كان كما قال مجاهدٌ مِن أن مَثَلَهم في التوراةِ والإنجيلِ واحدٌ، لكان التنزيلُ: ومَثَلُهم في الإنجيلِ وكزرعٍ أخرَج شَطْأَه. فكان تمثيلُهم بالزرع معطوفًا على قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. حتى يكونَ ذلك خبرًا عن أن ذلك مَثَلُهم في التوراةِ والإنجيلِ، وفى مجيءِ الكلامِ بغيرِ واوٍ في قولِه: ﴿كَزَرْعٍ﴾ دليل بَيِّنٌ على صحَّةِ ما قُلنا، وأن قولِه: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾. خبرٌ مبتدأٌ عن صفتِهم التي هي في الإنجيلِ دونَ ما في التوراةِ منها.\nوبنحوِ الذي قُلنا في قولِه: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8736>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن خَيثمةَ، قال: بَيْنا عبدُ اللَّهِ يُقْرِئُ رجلًا عند غروبِ الشمسِ، إذ مرَّ بهذه الآيةِ: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾. قال: أنتم الزرعُ، وقد دنا حصادُكم (^٢).\nقال: ثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن حُميدٍ الطويلِ، قال: قرَأ أنسُ بن مالكٍ: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾. قال: أتدرون ما شَطْؤُه؟ قال: نباتُه (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٠٩.\n(^٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٦١، والبيهقى ٩/ ٥ من طريق الأعمش به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٥/ ١٥٣ من طريق الأعمش، عن طلحة، عن خيثمة به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"تمامه\".\nوالأثر أخرجه عبد بن حميد - كما في التغليق ٤/ ٣١٤ - من طريق حميد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"21","page":329},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾. قال: سُنْبلَه حين يتسلعُ نباتُه عن حباتِه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾. قال: هذا مَثَلُ أصحاب محمدٍ ﷺ في الإنجيلِ، قيل لهم: إنه سيخرجُ قومٌ يَنبُتون نباتَ الزرعِ؛ منهم قومٌ يأمرون بالمعروفِ ويَنْهَون عن المنكر (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ والزهريِّ: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾. قالا: أخرج نباتُه (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾. يعني: أصحابَ محمدٍ ﷺ، يكونون قليلًا، ثم يزدادون ويكثُرون ويستَغْلِظون (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنِ زيدٍ في قولِه: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾: أولادَه، ثم كثُرت أولادُه (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٣ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٨ عن معمر به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٣ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٢٩٤.","vol":"21","page":330},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾. قال: ما يخرُجُ بجنبِ الحَقْلةَ، فيتمُّ ويَنمِي (^١).\nوقولُه: ﴿فَآزَرَهُ﴾. يقولُ: فقَوَّاه. أي: قوَّى الزرع شَطوه وأعانَه، وهو من المؤازَرةِ التي بمعنى المعاونةِ، ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾. يقولُ: فغَلُظ الزرعُ ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾. والسوقُ: جمعُ ساقٍ، وساقً الزرعِ والشجرِ: حاملتُه.\nوبنحوِ الذي قلُنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8737>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَآزَرَهُ﴾. يقولُ: نباتُه مع التفافِه (^٢) حينَ يُسَنبِلُ، ﴿ذَلِكَ مَ ثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾: فهو مَثَلٌ ضرَبه لأهلِ الكتابِ إذا خرَج قومٌ ينْبُتون كما يَنبُتُ الزرعُ، فيبلغُ فيهم رجالٌ يأمرون بالمعروفِ ويَنْهَون عن المنكرِ، ثم يَغْلُظون، فهم أولئك الذين كانوا معهم. وهو مَثَلٌ ضرَبه اللهُ لمحمدٍ ﷺ، يقولُ: بعَث اللهُ النبي ﷺ وحده، ثم اجتَمَع إليه ناسٌ قليلٌ يؤمنون به، ثم يكونُ القليلُ كثيرًا ويَسْتَغلِظون، ويغيظُ اللَّهُ بهم الكفارَ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٠٩، ومن طريقه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١٤ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٣ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الساقه\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٣ إلى المصنف وابن مردويه.","vol":"21","page":331},{"text":"في قولِه: ﴿فَآزَرَهُ﴾. قال: فشَدَّه وأعانَه. وقولُه: ﴿عَلَى سُوقِهِ﴾. قال: أصولِه (^١).\nحدَّثنى ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ والزهريِّ: ﴿فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾. يقولُ: فتلاحقَ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَآزَرَهُ﴾: اجتمع ذلك فالتفَّ. قال: وكذلك المؤمنون؛ خرَجوا وهم قليلٌ ضعفاءُ، فلم يَزَلِ اللَّهُ يَزيدُ فيهم، ويؤيدُهم بالإسلامِ، كما أيَّدَ هذا الزرعَ بأولادِه فآزَرَه، فكان مَثَلًا للمؤمنين.\nحدَّثني عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا مروانُ بن معاويةَ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكَ: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾. يقولُ: [حبُّ بُرٍّ نُثِر] (^٣) متفرِّقًا، فتُنبِتُ كلُّ حبةٍ واحدةً، ثم أنبَتت كلُّ واحدةٍ منها حتى اسْتَغْلَظ فاستَوى على سُوقِه، قال: يقولُ: كان أصحابُ محمدٍ ﷺ قليلًا، ثم كَثُروا، ثم اسْتَغلَظوا، ليَغيِظَ اللهُ بهم الكفارَ (^٤).\nوقولُه: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يعجبُ هذا الزرعُ الذي اسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى على سوقه، في تمامه وحُسنِ نباتُه، وبلُوغه وانتهائِه، الذين زَرَعوه؛ ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾. يقولُ: فكذلك مَثَلُ محمدٍ ﷺ وأصحابُه، واجتماعِ عددِهم، حتى كَثُروا ونَمَوا، وغَلُظ أمرُهم، كهذا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٠٩، ومن طريقه عبد بن حميد - كما في التغليق ٤/ ٣١٤ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٣ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٨ عن معمر به.\n(^٣) في ص، ت ١ ت ٢: \"حيث يثر يثر\"، وفى ت: \"حيث ثير ثير\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٣ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"21","page":332},{"text":"الزرعِ الذي وصف جلَّ ثناؤُه صفته، ثم قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾. فدلَّ ذلك على متروكٍ من الكلامِ، وهو أن الله تعالى فعل ذلك بمحمدٍ ﷺ وأصحابِه ليَغيظَ بهم الكفارَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8738>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾. يقولُ اللهُ: مَثَلُهم كمثلِ زرعٍ أَخْرَج شَطْأَهُ فَآزَرَه، فاسْتَغلظَ، فاستوى على سوقه، حتى بلَغ أحسنَ النباتِ، يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ من كثرتِه وحُسْنِ نباتِه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾. قال: يعجب الزُّرَّاعَ حُسنُه، ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾: بالمؤمنين، لكثرتِهم، فهذا مَثَلُهم في الإنجيلِ.\nوقولُه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وعَدَ الله الذين صدَّقوا الله ورسولَه، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: وعَمِلوا بما أمرهم اللهُ به من فرائضِه التي أوجَبها عليهم.\nوقولُه: ﴿مِنْهُمْ﴾. يعنى: من الشَّطْءِ الذي أخرَجه الزرعُ؛ وهم الدَّاخلون في الإسلامِ بعد الزرعِ الذي وصَف ربنا ﵎ صفَتَه.\nوالهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿مِنْهُمْ﴾ عائدةٌ على معنى الشَّطْءِ لا على لفظِه،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٣ إلى المصنف وابن مردويه.","vol":"21","page":333},{"text":"ولذلك جُمِع فقيل: ﴿مِنْهُمْ﴾. ولم يُقَلْ: منه. وإنما جُمِع الشَّطءُ لأنه أُريد به مَن يدخلُ في دينِ محمدٍ ﷺ إلى يومِ القيامةِ بعدَ الجماعةِ الذين وصَف اللَّهُ صفتَهم بقولِه: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾.\nوقولُه: ﴿مَغْفِرَةً﴾. يعني: عفوًا عمَّا مضَى من ذنوبِهم وسيِّئِ أعمالِهم، بحَسَنِها.\nوقولُه: ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. يعني: وثوابًا جزيلًا، وذلك الجنةُ.\nآخرُ تفسير سورةِ \"الفتحِ\"","vol":"21","page":334},{"text":"بسمِ * اللهِ الرحمنِ الرحيمِ\n\n<span id=\"aya-4613\"></span><span data-type='title' id=toc-8739>تفسيرُ سورةِ \"الحجراتِ\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-8740>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ </span>(١)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: يا أيُّها الذين أقَرُّوا بوحدانيةِ اللَّهِ، ونبوَّةِ نبيِّه (^١) محمدٍ ﷺ، ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. يقولُ: لا تُعجِّلوا بقضاءِ أمرٍ في حروبِكم أو دينِكم، قبلَ أن يقضِيَ اللَّهُ لكم فيه ورسولُه، فتَقضُوا بخلافِ أمرِ اللَّهِ وأمرِ رسولِه. ومَحْكِيٌّ عن العربِ: فلانٌ يقدِّمُ بينَ يدى إمامِه. بمعنى: يعجِّلُ بالأمرِ والنَّهيِ دونَه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اختَلَفت ألفاظُهم بالبيانِ (^٢) عن معناه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قولَه: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. يقولُ: لا تقولوا خلافَ الكتابِ والسُّنةِ (^٣).\n_________\n* من هنا يبدأ الجزء السادس والأربعون من نسخة جامعة القرويين والمشار إليها بالأصل، وسيجد القارئ أرقام صفحاتها بين معكوفين.\n(^١) ليس في: الأصل.\n(^٢) بعده في الأصل: \"عنه\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٣ -، وأبو نعيم في الحلية ١٠/ ٣٩٨، من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٤ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"21","page":335},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال: نُهُوا أن يتكلَّموا بين يدَى كلامِه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. قال: لا تفْتاتوا على رسولِ اللَّهِ ﷺ بشيءٍ، حتى يقضِيَه اللَّهُ على لسانِه (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: ذُكِر لنا أن أناسًا كانوا يقولون: لو أُنزِل فيَّ كذا، [أو صُنِع] (^٣) كذا وكذا. قال: فكَرِه اللَّهُ ﷿ ذلك، وقَدَّم فيه. وقال الحسنُ: أناسٌ من المسلمين ذَبَحوا قبلَ صلاةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ يومَ النحرِ، فأمرَهم نبيُّ اللَّهِ ﷺ أن يُعيدوا ذبحًا آخرَ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: ثنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. قال: إن أُناسًا كانوا يقولون: لو أُنزِل فيَّ (^٤) كذا، لو أُنزِل فيَّ كذا. وقال الحسنُ: هم قومٌ نحَروا قبلَ أن\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٣٠١، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٤٥ عن العوفي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦١٠، ومن طريقه الفريابي وعبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١٥ - والبيهقي في الشعب (١٥١٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٤ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لو صنع\"، وفي م: \"لوضع\".\n(^٤) في الأصل: \"فينا\".","vol":"21","page":336},{"text":"يُصلِّيَ النبيُّ ﷺ، فأمَرهم النبيُّ ﷺ أن يُعيدوا الذَّبحَ (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. يعني بذلك في القتالِ وما (^٢) كان من أمورِهم لا يصلحُ أن يُقضَى إلا بأمرِه؛ ما كان من شرائعِ دينِهم (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. قال: لا تَقْطَعوا الأمرَ دونَ اللَّهِ ورسولِه.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. قال: لا تَقْضُوا أمرًا دونَ رسولِ اللهِ (^٤).\nوبضم التاءِ مِن قولِه: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾. قرَأ قرَأةُ الأمصارِ، وهي القراءةُ التي لا أسْتَجيزُ القراءةَ بخلافِها؛ لإجماعِ الحجةِ من القَرَأةِ عليها، وقد حُكِي عن العربِ: قَدَّمتُ في كذا، وتقدَّمتُ في كذا. فعَلى هذه اللغةِ لو كان قيل: (لا تَقَدَّمُوا). بفتحِ التاءِ (^٥)، كان جائزًا.\nوقولُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: وخافوا اللَّهَ أَيُّها المؤمنون (^٦) في\n_________\n(^١) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٣/ ٣٢٥ عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٠، ومن طريقه الجصاص في أحكام القرآن ٥/ ٢٧٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٣٣٤، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٤٥.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٤٥.\n(^٥) وهي قراءة ليعقوب الحضرمي، بفتح التاء والدال المشددة. ينظر النشر ٢/ ٢٢٨.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذين آمنوا\".","vol":"21","page":337},{"text":"قولِكم، أن تقولوا ما لم يأذنِ اللَّهُ لكم به ولا رسولُه، وفي غيرِ ذلك من أمورِكم، فراقِبوه، إن اللَّهَ سميعٌ لما تقولون، عليمٌ بما تُريدُون بقولكم إذا قُلتُم. لا يَخْفى عليه شيءٌ من ضمائرِ صدورِكم، وغيرِ ذلك من أمورِكم وأمورِ غيرِكم.\n\n<span id=\"aya-4614\"></span><span data-type='title' id=toc-8741>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ </span>(٢)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه لا ترفَعوا أصواتَكم فوقَ صوتِ النبيِّ ﷺ؛ تَتجَهَّمونه بالكلامِ، وتُغْلِظون له في الخطابِ، ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. يقولُ: ولا تنادُوه كما يُنادِي بعضُكم بعضًا باسمِه (^١)؛ يا محمدُ، يا محمدُ. [ولكن قولًا ليِّنًا وخطابًا حسنًا، بتعظيمٍ له وتوقيرٍ وإجلالٍ] (^٢)؛ يا نبيَّ اللَّهِ، يا رسولَ اللَّهِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. قال: لا تُنادُوه نداءً، ولكِنْ قولًا لَيِّنًا؛ يا رسولَ اللَّهِ (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦١٠، ومن طريقه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٧٢٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٥١٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":338},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. كانوا يَجْهَرون له بالكلامِ ويرفَعون أصواتَهم، فوعَظهم اللَّهُ ونهَاهم عن ذلك.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، قال: قال قتادةُ: كانوا يرفَعون ويَجْهَرون عندَ النبيِّ ﷺ، فوُعِظوا ونُهوا عن ذلك (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية: هو كقولِه: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]. نهاهم اللَّهُ أن يُنادُوه كما يُنادِي بعضُهم بعضًا، وأمَرهم أن يُشَرِّفوه ويُعَظِّموه، ويدْعوه إذا دَعوه باسمِ النبوَّةِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، قال: ثنا أبو ثابتِ بنُ (^٣) ثابتِ بنِ قيسِ بنِ الشَّمَّاسِ، قال: ثنى عمي إسماعيلُ بنُ محمدِ بنِ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ الشَّمَّاسِ، عن أبيه، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾. قال: قعَد ثابتُ بنُ قيسٍ في الطريقِ يَبْكي، قال: فمرَّ به عاصمُ بنُ عديٍّ، مِن بني العَجْلانِ، فقال: ما يُبْكِيكَ يا ثابتُ؟ قال: هذه الآيةُ، أَتَخوَّفُ أن تكونَ نزَلت فيَّ، وأنا صيِّتٌ رفيعُ الصوتِ. قال: فمضَى عاصمُ بن عديٍّ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، قال: وغلَبه البكاءُ، قال: فأتى امْرأتَه جميلةَ بنتَ عبدِ اللَّهِ بنِ أُبيٍّ ابنِ سَلولَ. فقال لها: إذا دخَلتُ بيتَ فرَسى فشُدِّي عليَّ الضَّبةَ بمِسْمارٍ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣١ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٦٥٤، ٢٦٥٥ من طريق أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قوله.\n(^٣) في ص، ت ٢، ت ٣: \"عن\".","vol":"21","page":339},{"text":"فضرَبَتْه بمسمارٍ حتى إذا خرج عطَفه (^١)، وقال: لا أخرُجُ حتى يتوفَّاني اللَّهُ أَو يَرْضَى عنِّي رسولُه. فأتَى عاصمٌ رسولَ اللَّهِ ﷺ فأخبَره خبرَه، فقال: \"اذْهَبْ فَادْعُه لي\". فجاء عاصمٌ إلى المكانِ فلم يجِدْه، فجاء إلى أهلِه، فوجَده في بيتِ الفَرَسِ، فقال له: إن رسولَ اللَّهِ ﷺ يدْعُوك. فقال: اكْسِرِ الضبَّةَ. قال: فخرَجا فأتَيا رسولَ اللَّهِ ﷺ، فقال له رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ما يُبْكِيكَ يا ثابتُ؟ \". فقال: أنا صَيِّتٌ، وأتخوَّفُ أن تكونَ هذه الآيةُ نزلت فيَّ؛ ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: \"أما تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حميدًا، وتُقْتَلَ شَهِيدًا، وتَدْخُلَ الجَنَّةَ؟ \". فقال: رضِيتُ ببُشْرَى اللَّهِ ورسولِه، لا أرفَعُ صوتي على رسولِ اللَّهِ أبدًا. فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ الآية (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصٍ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، قال: جاء ثابتُ بنُ قيسِ بن الشَّمَّاسِ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ وهو محزونٌ، فقال: \"يا ثابتُ، ما الذي أرَى بك؟ \". قال: آيةٌ قرأتُها الليلةَ، فأخْشَى أن يكونَ قد حَبِط عمَلي؛ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ - وكان في أُذنِه صَمَمٌ - فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، إني أخْشَى أن أكونَ قد رفَعتُ صوتي وجَهَرتُ لك بالقولِ، وأن أكونَ قد حَبِط عمَلي وأنا لا أشْعُرُ. فقال النبيُّ ﷺ: \"امْشِ على الأرضِ بِسْطًا (^٣) فإنَّكَ مِن أهلِ الجَنَّةِ\" (^٤).\n_________\n(^١) عطف الشيء: حناه وأماله. ينظر اللسان (ع ط ف).\n(^٢) أخرجه ابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة ٢/ ٧٠٠ من طريق المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٤٧، ٣٤٨ عن المصنف، وأخرجه الطبراني (١٣١٦) من طريق أبي كريب عن زيد بن الحباب عن أبي ثابت بن ثابت بن قيس بن شماس قال: ثنى أبي ثابت بن قيس عن أبيه، وأخرجه الحاكم ٣/ ٢٣٤، والبيهقي في الدلائل ٦/ ٣٥٥ من طريق إسماعيل به نحوه.\n(^٣) في م: \"نشيطا\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"نشطا\"، وبسطا: منبسطا منطلقا. النهاية ١/ ١٢٨.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٥ إلى المصنف.","vol":"21","page":340},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: أخبَرنا أيوبُ، عن عكرِمةَ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية. قال ثابتُ بنُ قيسٍ: فأنا كُنتُ أرفَعُ صَوتي فوقَ صوتِ النبيِّ ﷺ وأجْهَرُ له بالقولِ، فأنا من أهلِ النارِ. فقعَد في بيتِه، فتفقَّده رسولُ اللَّهِ ﷺ، [وسأل عنه] (^١)، فقال رجلٌ: إنه لجَارِي، ولئن شِئتَ لأَعْلَمَنَّ لك عِلْمَه. فقال: \"نعم\". فأتاه فقال: إن رسولَ اللَّهِ ﷺ قد تفقَّدك وسأل عنك. فقال: نزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية. وأنا كُنتُ أرفَعُ صَوْتي فوقَ صوتِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وأجْهَرُ له بالقولِ، فأنا من أهلِ النارِ. فرجَع إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فأخْبَره، فقال: \"بلْ هُوَ مِن أهلِ الجَنَّةِ\". فلما كان يومُ اليمامةِ انهزَم الناسُ، فقال: أفٍّ لهؤلاء وما يعبُدون، وأفٍّ لهؤلاء وما يصنَعون، يا معشرَ الأنصارِ، خَلُّوا لي بشيءٍ لعَلِّي أصْلَى بحرِّها ساعةً. قال: ورجلٌ قائمٌ على ثُلْمةٍ، فقَتَله (^٢) وقُتِل (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن الزُّهريِّ، أن ثابتَ بنَ قيسِ بن شَمَّاشٍ، قال: لما نزَلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾. قال: يا نبيَّ اللَّهِ، لقد خَشِيتُ أن أكونَ قد هَلَكتُ، نهانا اللَّهُ أن نرفَعَ أصواتَنا فوقَ صوتِك، وإنِّي امرؤٌ جَهِيرَ الصوتِ، ونهَى اللَّهُ المرءَ أن يحبَّ أن يُحمَدَ بما لم يفعَلْ فأجِدُني أحِبُّ الحمدَ (^٤)، ونَهَى اللَّهُ عن الخُيَلاءِ وأَجِدُني أُحبُّ الجمالَ. قال: فقال النبيُّ ﷺ: \"يا ثابِتُ، أما تَرْضَى أن تعيشَ حميدًا، وتُقتَلَ شَهِيدًا،\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، وفي ص: \"وسأل عنده\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"فقتل\".\n(^٣) ذكره الحافظ في الفتح ٦/ ٦٢١ وعزاه إلى ابن سعد وصحح إسناده.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أحمد\"، وفي م: \"أن أحمد\".","vol":"21","page":341},{"text":"وتَدخُلَ الجَنَّةَ؟ \". فعاش حميدًا، وقُتِل شهيدًا يومَ مُسَيلِمةَ (^١).\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا نافعُ بنُ عمرَ بنِ جميلٍ الجُمَحِيُّ، قال: ثنى ابنُ أبي مُلَيْكَةَ، عن ابنِ (^٢) الزبيرِ، قال: قَدِم وفدُ - أُرَاه قال: تميمٍ - على النبيِّ ﷺ، مِنهم الأقرعُ بنُ حابسٍ، فكَلَّم أبو بكرٍ النبيَّ ﷺ أَن يَسْتَعْمِلَه على قومِه، قال: فقال عمرُ: لا تفعَلْ يا رسولَ اللَّهِ. قال: فتَكلَّما حتى ارْتفَعتْ أصواتُهما عندَ النبيِّ ﷺ. قال: فقال أبو بكرٍ لعمرَ: ما أردتَ إِلَّا خِلافي. قال: ما أردتُ خلافَك. قال: فنزَل القرآنُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قولِه: ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. قال: فما حدَّث عمرُ النبيَّ ﷺ بعدَ ذلك فسمِع (^٣) النبيُّ [كلامَه يستفهمَه؛ مما يَخفِضُ صوتَه للنبيِّ ﷺ] (^٤). قال: وما ذكَر ابنُ الزُّبيرِ جَدَّه. يعني أبا بكرٍ (^٥).\nوقولُه: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾. يقولُ: أَلَّا تحبَطَ أعمالُكم فتذهَبَ باطلةً، لا ثوابَ لكم عليها ولا جزاءَ؛ برفعِكم أصواتَكم فوقَ صوتِ نبيِّكم، وجَهْرِكم له بالقولِ كجَهْرِ بعضِكم لبعضٍ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٠، وفي المصنف (٢٠٤٢٥)، ومن طريقه البيهقي في الدلائل ٦/ ٣٥٥ عن معمر به، وأخرجه الطبراني (١٣١٤، ١٣١٥)، وفي الأوسط (٢٢٤٣)، وابن حبان (٧١٦٧)، وأبو نعيم في الدلائل (٥٢٠) وفي المعرفة (١٣٠١) من طريق الزهري عن إسماعيل بن محمد به مرسلًا، وأخرجه الطبراني (١٣١٢)، وابن عبد البر في الاستيعاب ١/ ٢٠١ من طريق إسماعيل بن محمد عن ثابت بن قيس، وأخرجه الطبراني (١٣١٣)، وابن مردويه في تفسيره - كما في الفتح ٦/ ٦٢١ - من طريق الزهري عن محمد بن ثابت به مرسلًا، وأخرجه ابن قانع ١/ ١٢٦، والطبراني (١٣١٠، ١٣١١) من طريق الزهري عن محمد بن ثابت بن قيس عن ثابت بن قيس.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيسمع\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه الترمذي (٣٢٦٦) من طريق مؤمل به، وأخرجه البخاري (٤٣٦٧، ٤٨٤٧)، والنسائي (١١٥١٤ - كبرى)، وأبو يعلى (٦٨١٦)، والواحدي في أسباب النزول ص ٢٨٧ من طريق ابن أبي مليكة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"21","page":342},{"text":"وقد اختلَف أهلُ العربيةِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ (^١): معناه: لا تحبَطُ أعمالُكم. قال: وفيه الجزمُ والرفعُ إذا وُضِعت \"لا\" مكانَ \"أنْ\". قال: وهي في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فتَحْبَطَ أعمالُكم). [وهو دليلٌ على جوازِ الجزمِ.\nوقال بعضُ نحويِّي البصرةِ (^٢): قال: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾] (^٣). أي مخافَةَ أن تحبَطَ أعمالُكم. وقد يقالُ: أَسْنَدَ الحائطَ أن يميلَ.\nوقولُه: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: وأنتم لا تعلَمون ولا تَدْرُون.\n\n<span id=\"aya-4615\"></span><span data-type='title' id=toc-8742>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ </span>(٣)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين يكُفُّون رفْعَ أصواتِهم عنْدَ رسولِ اللَّهِ. وأصلُ الغَضِّ: الكَفُّ في لينٍ. ومنه غَضُّ البصرِ، وهو كَفُّه عن النَّظَرِ، كما قال جريرٌ (^٤):\nفَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّك من نُمَيْرٍ … فلا كَعْبًا بَلَغْتَ ولا كِلابا\nوقولُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين يغضُّون أصواتَهم عندَ رسولِ اللَّهِ، هم الذين اخْتَبر اللَّهُ قلوبَهم بامتحانِه إيَّاها، فاصْطَفاها وأخْلَصها، ﴿لِلتَّقْوَى﴾. يعني لاتِّقائِه بأداءِ طاعتِه واجتنابِ معاصيه، كما يُمتَحنُ الذهبُ بالنارِ، فيَخْلُصُ جيِّدُها، ويبطُلُ خَبَثُها.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) الفراء في معاني القرآن ٣/ ٧٠.\n(^٢) ينظر الكتاب ٣/ ٥٣، ١٥٤.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) ديوانه ٢/ ٨٢١.","vol":"21","page":343},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾. قال: أخْلَص (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. قال: أخْلَص اللَّهُ قلوبَهم فيما أحبَّ (^٢).\nوقولُه: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾. يقولُ: لهم من اللَّهِ عفوٌ عن ذنوبِهم السَّالفةِ، وصَفْحٌ منه عنها لهم، ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: وثوابٌ جزيلٌ، وهو الجَنَّةُ.\n\n<span id=\"aya-4616\"></span><span data-type='title' id=toc-8743>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إن الذين ينادُونك يا محمدُ من وراءِ حُجُراتِك (^٣). والحُجُراتُ جمعُ حُجْرةٍ، والثلاثُ: حُجَرٌ، ثم تُجمَعُ الحُجَرُ فيقالُ: حُجُراتٌ وحُجراتٌ. وقد تَجْمَعُ بعضُ العربِ الحُجَرَ حُجَراتٍ؛ بفتحِ الجيمِ، وكذلك كلُّ جمعٍ كان من ثلاثةٍ إلى عشرةٍ على فُعَلٍ، يَجْمَعونه على فُعَلاتٍ بفتحِ ثانيه، والرفعُ أفصَحُ وأجودُ (^٤)، ومنه قولُ الشاعرِ (^٥):\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦١٠، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣١٥ -، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٧٢٥)، والبيهقي في الشعب (١٥١٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣١ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في الأصل: \"حجرتك\".\n(^٤) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٧٠.\n(^٥) البيت في الكامل للمبرد ١/ ٦٤، ٢/ ٦٨، وفي مجاز القرآن ٢/ ٢١٩ غير منسوب فيهما.","vol":"21","page":344},{"text":"أما كان عَبَّادٌ كَفِيئًا لِدَارِمٍ … بلى ولأبياتٍ بها الحُجُرَاتُ\nيقولُ: بلى، ولِبني هاشمٍ.\nوقولُه: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: أكثرُهم جُهَّالٌ بدينِ اللَّهِ، واللازمِ لهم مِن حقِّك وتعظِيمِك.\nوذُكِر أن هذه الآيةَ والتي بعدَها نزَلت في قومٍ مِن الأعرابِ جاءوا يُنادُون رسولَ اللَّهِ ﷺ من وراءِ حجرتِه (^١): يا محمدُ، اخْرُجْ إلينا.\nذِكرُ الروايةِ بذلك\nحدَّثنا [أبو عَمَّارٍ الحسينُ بنُ الحُريثِ المروزيُّ] (^٢)، قال (^٣): ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن الحسينِ بنِ واقدٍ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾. قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا محمدُ، إن حَمدِي زَيْنٌ، وإن ذَمِّي شَيْنٌ. فقال: \"ذاكَ اللَّهُ ﵎\" (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن أبي إسحاقَ، عن البَراءِ بمثلِه، إلا أنَّه قال: \"ذاكُم اللَّهُ ﷿\".\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عَرَفةَ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ التيميُّ، قال: سمِعتُ داودَ الطُّفاويَّ يقولُ: سمِعتُ أبا مسلمٍ البَجَليِّ يحدِّثُ عن زيدِ بنِ أَرْقَمَ، قال: جاء (^٥)\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حجراته\".\n(^٢) في م: \"أبو عمار المروزي والحسن بن الحارث\". وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٣٥٨.\n(^٣) في م: \"قالا\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٤٩ عن المصنف، وأخرجه الترمذي (٣٢٦٧) عن أبي عمار به، والنسائي في الكبرى (١١٥١٥) من طريق الحسين بن واقد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حدثنا\".","vol":"21","page":345},{"text":"أُناسٌ من العربِ إلى النبيِّ ﷺ، فقال بعضُهم لبعضٍ: انْطَلِقوا بنا إلى هذا الرجلِ؛ فإن يَكُنْ نبيًّا فنحن أسعدُ الناسِ به، وإن يَكُنْ مَلِكًا نَعِشْ فِي جَناحِه. قال: فأَتيتُ النبيَّ ﷺ فأَخْبَرتُه بذلك. قال: ثم جاءوا إلى حُجَرِ النبيِّ ﷺ، فجَعَلُوا يُنادُونه: يا محمدُ، يا محمدُ. فأنزل اللَّهُ ﷿ على نبيِّه ﷺ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. قال: فأخَذ النبيُّ ﷺ بأُذُني فمدَّها، فجَعَل يقولُ: \"قد صدَّق اللَّهُ قولَك يا زَيدُ، قد صدَّق اللَّهُ قولَك يا زيدُ\" (^١).\nحدَّثنا الحسنُ (^٢) بنُ أبي يحيى المُقَدَّميُّ (^٣)، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا وُهَيبٌ (^٤)، قال: ثنا موسى بنُ عقبةَ، عن أبي سَلَمةَ، قال: ثنى الأقرعُ بنُ حابسٍ التميميُّ، أنه أتَى النبيَّ ﷺ، فناداه فقال: يا محمدُ، [اخرُجْ إلينا] (^٥)، [إن مَدْحِي زَيْنٌ، وإن شَتْمِي شَيْنٌ. فخرَج إليه النبيُّ ﷺ فقال: \"وَيْلَكَ، ذلكَ اللَّهُ] (^٦) \". فنزَلتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (^٧).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٤٩ عن المصنف، وأخرجه إسحاق بن راهويه ومسدد - كما في المطالب (٤١٠٩)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير (٧/ ٣٤٩ - والطبراني (٥١٢٣)، والواحدي في أسباب النزول ص ٢٨٨، ٢٨٩ من طريق المعتمر بن سليمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٦ إلى أبي يعلى.\n(^٢) في الأصل: \"الحسين\".\n(^٣) في الأصل: \"المقدسي\".\n(^٤) في الأصل: \"وهب\"، وينظر مصادر التخريج الآتية.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) أخرجه أحمد ٢٥/ ٣٦٩ (١٥٩٩١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١١٧٨)، والطبراني (٨٧٨)، وابن الأثير في أسد الغابة ١/ ١٣٠ من طريق عفان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى أبي القاسم البغوي وابن مردويه.","vol":"21","page":346},{"text":"قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾. قال: أعرابُ بني تميمٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أن رجلًا جاء إلى النبيِّ ﷺ، فناداه من وراءِ الحُجَرِ فقال: يا محمدُ، إِن مَدْحِي زَينٌ، وإن شتمِي شَيْنٌ. فخرج إليه النبيُّ ﷺ، فقال: \"ويلَك، ذلك اللَّهُ\". فأنزَل اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: ذُكِر لنا أن رجلًا جعَل يُنادِي: يا نبيَّ اللَّهِ، يا محمدُ. فخرَج إليه نبيُّ اللَّهِ، فقال: \"ما شأنُكَ؟ \". فقال: واللَّهِ إن حَمدَه لزَيْنٌ، وإن ذَمَّه لشَيْنٌ. فقال نبيُّ اللَّهِ ﷺ: \"ذَاكُمُ اللَّهُ، ذاكُمُ اللَّهُ\". فأدبَر الرجلُ، وذُكِر لنا أن الرجلَ كان شاعرًا.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنُ أبي عَمْرةَ، قال: كان بشرُ بنُ غالبٍ، ولَبيدُ بنُ عُطاردٍ، أو بشرُ بنُ عُطاردٍ، ولَبيدُ بنُ غالبٍ، وهما عندَ الحجَّاجِ جالسان، يقولُ بشرُ بنُ غالبٍ للَبيدِ بنِ عُطاردٍ: نزَلتْ في قومِك بني تميمٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾. فذُكِر ذلك لسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، فقال: أمَا إِنَّه لو عَلِم بآخرِ الآيةِ أجابَه ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾. قالوا: أسْلَمنا ولم نُقاتِلْك. بنو أسدٍ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن المبارِك بنِ فَضالةَ، عن الحسنِ، قال:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦١٠، ومن طريقه البيهقي في الشعب (١٥١٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣١ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٤٩ عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٧ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"21","page":347},{"text":"أتَى أعرابيٌّ إلى النبيِّ ﷺ من وراءِ حُجراتِه. فقال: يا محمدُ، يا محمدُ. فخرَج إليه النبيُّ ﷺ، فقال: \"ما لك ما لك\"؟ فقال: تعلَّمْ، إن مَدْحي لزَينٌ، وإِن ذَمِّي لشَيْنٌ. فقال النبيُّ ﷺ: \"ذَاكُمُ اللَّهُ\". فنزَلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ (^١).\nواختَلَفتِ القَرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾؛ فقرَأته قرَأةُ الأمصارِ بضمِّ الحاءِ والجيمِ من ﴿الْحُجُرَاتِ﴾، سوى أبي جعفرٍ القارئِ، فإنه قرَأ بضمِّ الحاءِ وفتحِ الجيمِ (^٢)، على ما وصَفتُ من جمعِ الحُجْرةِ حُجَرٍ ثم جمعِ الحُجَرِ حُجَراتٍ.\nوالصوابُ من القراءةِ عندَنا الضمُّ في الحرفين كلَيهما؛ لما وصَفتُ قبلُ (^٣).\n\n<span id=\"aya-4617\"></span>وقولُه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولو أن هؤلاء الذين يُنادُونك يا محمدُ من وراءِ الحجراتِ صبَروا، فلم يُنادُوك حتى تخرُجَ إليهم إذا خرَجْت، لكان خيرًا لهم عندَ اللَّهِ؛ لأن اللَّهَ قد أمَرهم بتوقيرِك وتعظيمِك، فهم بتركِهم نداءَك تارِكُون لما قد نَهاهُم اللَّهُ عنه، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ ذو عَفْوٍ عمَّن ناداك من وراءِ الحجابِ، إن هو تاب من معصيةِ اللَّهِ بندائِك كذلك، ورَاجَعَ أمْرَ اللَّهِ في ذلك وفى غيرِه، رحيمٌ به أن يعاقبَه على ذنبِه ذلك، من بعدِ تَوبتِه منه.\n\n<span id=\"aya-4618\"></span><span data-type='title' id=toc-8744>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٤٩.\n(^٢) ينظر النشر ٢/ ٢٨١.\n(^٣) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"21","page":348},{"text":"إنْ جاءكم فاسِقٌ بخبرٍ (^١) عن قومٍ، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾.\nواختَلَفتِ القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ (^٢): (فتثبتوا) بالثاءِ (^٣)، وذُكِر أنها في مصحفِ عبدِ اللَّهِ منقوطةٌ بالثاءِ (^٤). وقرَأ ذلك [القرأةُ بعدُ] (^٥): ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾. بالياءِ (^٦)، بمعنى: أمْهِلُوا حتى تَعرِفوا صحَّتَه، لا تعَجَلوا بقبولِه. وكذلك معنى: (فَتَثَبَّتُوا).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتانِ معروفتانِ، متقارِبَتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.\nوذُكِر لنا (^٧) أن هذه الآيةَ نزَلت في الوليدِ بنِ عُقْبَةَ بنِ أبي مُعَيطٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك وذكرُ السببِ الذي من أجْلِه قيل ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن موسى بنِ عبيدةَ، عن ثابتٍ مولى أمِّ سَلَمةَ، عن أمِّ سَلَمةَ، قالت: بعثَ رسولُ اللَّهِ ﷺ رجلًا في صَدَقَاتِ بني المُصْطَلِقِ بعدَ الوقيعةِ (^٨)، فسَمِع بذلك القومُ فتَلقَّوه يُعظِّمون أَمْرَ رسولِ اللَّهِ ﷺ، قال: فحدَّثه الشيطانُ أنهم يُريدُونَ قتلَه. قالت: فرجَع إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال:\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بنبأ\".\n(^٢) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"أهل المدينة\"، وفي ت ١: \"المدينة\".\n(^٣) هي قراءة حمزة والكسائي. ينظر التيسير ص ٨٠، والسبعة لابن مجاهد ص ٢٣٦.\n(^٤) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٧١.\n(^٥) في م: \"بعض القرأة\".\n(^٦) في م: \"بالباء\". وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٣٦.\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الوقعة\".","vol":"21","page":349},{"text":"إن بني المُصْطلِقِ قد منَعوا صَدَقاتِهم. فغَضِب رسولُ اللَّهِ ﷺ والمسلمون، قال: فبلَغ القومَ رجوعُه، قال: فأتَوا رسولَ اللَّهِ ﷺ فصفُّوا له حينَ صلَّى الظُّهرَ، فقالوا: نعوذُ باللَّهِ من سَخَطِ اللَّهِ وسَخَطِ رسولِه، بعَثتَ إلينا رجلًا مُصَدِّقًا (^١)، فسُرِرْنا بذلك وقرَّت به أعيُنُنا، ثم إنه رجَع من بعضِ الطريقِ، فخَشِينا أن يكونَ ذلك غضَبًا من اللَّهِ ومِن رسولِه، فلم يزالوا يُكلِّمونه حتى جاء بلالٌ وأذَّن بصلاةِ العصرِ. قال: ونزَلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ بعَث الوليدَ بنُ عُقْبَةَ بنِ أبي مُعَيطٍ، ثم أحدَ بني عمرِو بنِ أميةَ، ثم أحدَ بني أبي مُعَيطٍ إلى بني المُصْطَلِقِ، ليأخُذَ منهمُ الصَّدقاتِ، وإنهم (^٣) لما أتاهم الخبرُ فَرِحوا، وخَرَجوا لِيَتَلقَّوا رسولَ رسولِ اللَّهِ ﷺ، وإنه لمّا حُدِّث الوليدُ أنهم خرَجوا يتلَقَّونه رجَع إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إن بني المُصطَلِقِ قد منَعوا الصَّدقةَ. فغَضِب رسولُ اللَّهِ ﷺ [من ذلك] (^٤) غضَبًا شديدًا، فبَينا هو يُحدِّثُ نفسَه أن يغزُوَهم، إذ أتاه الوفدُ، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنا حُدِّثنا أن رسولَك رجَع مِن نصفِ الطريقِ، وإنَّا خَشِينا أن يكونَ إِنما رَدَّه كتابٌ جاء منك. لِغَضَبٍ غَضِبتَه علَيْنا، وإنا نعوذُ باللَّهِ من غضبِه وغضَبِ\n_________\n(^١) المُصَدِّق: هو عامل الزكاة الذي يستوفيها من أربابها. النهاية ٣/ ١٨.\n(^٢) أخرجه إسحاق بن راهويه - كما في المطالب (٤١١١) - والطبراني ٢٣/ ٤٠١ (٩٦٠) من طريق موسى بن عبيدة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٨ إلى ابن مردويه.\n(^٣) في م، ت ٢ ت ٣: \"وإنه\".\n(^٤) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":350},{"text":"رسولِه. [وإن رسولَ اللَّهِ ﷺ استغَشَّهم وهَمَّ بهم] (^١)، فأنزَلَ اللَّهُ عُذرَهم في الكتابِ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾. قال: الوليدُ بنُ عُقبَةَ بنِ أبي مُعَيطٍ، [أرسَله رسولُ] (^٣) اللَّهِ ﷺ إلى بني المُصطَلِقِ لِيُصَدِّقَهم، فتَلَقَّوه بالهَدِيَّةِ، فرجَع إلى محمدٍ ﷺ فقال: إن بني المُصطَلِقِ قد (^٤) جمَعَت لك (^٤) لتُقاتِلَك (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾: هو ابنُ أبي مُعَيطٍ الوليدُ بنُ عُقْبَةَ، بعَثه نبيُّ اللَّهِ ﷺ مُصَدِّقًا إلى بني المصطَلِقِ، فلمَّا أبصَروه أقْبَلوا نحوَه، فهَابَهم، فرجَع إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فأخْبَره أنَّهم قد ارتَدُّوا عن الإسلامِ، فبعَث نبيُّ اللَّهِ ﷺ خالدَ بنَ الوليدِ، وأمرَه أن يَتَثَبَّتَ ولا يعْجَلَ، فانطلَق حتى أتاهم ليلًا، فبعث عيونَه، فلمَّا جاءوا أخبَروا خالدًا أنهم مُستَمسِكون بالإسلامِ، وسمِعوا أذانَهم وصلاتَهم، فلمَّا أصبَحوا أتاهم خالدٌ، فرأى الذي يُعْجِبُه، فرجع إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فأخبرَه الخبرَ، فأنزَلَ اللَّهُ ﷿ ما\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه البيهقي ٩/ ٥٤، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٦٣/ ٢٢٩، ٢٣٠ من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٨ إلى ابن مردويه.\n(^٣) في م: \"بعثه نبي\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٦١٠، ومن طريقه الطبراني ٢٢/ ١٥٠ (٤٠٤)، والبيهقي ٩/ ٥٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":351},{"text":"تسمَعون، فكان نبيُّ اللَّهِ يقولُ: \"التَّبَيُّنُ من اللَّهِ، والعَجَلةُ من الشَّيطانِ\" (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾، فذكَر نحوَه (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن هلالٍ الوزَّانِ، عن ابنِ أبي ليلى في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾. قال: نزَلت في الوليدِ بنِ عُقْبَةَ بنِ أبي مُعَيطٍ.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن حُمَيدٍ، عن هلالٍ الأنصاريِّ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾. قال: نزَلت في الوليدِ بنِ عُقْبَةَ. قال: حينَ أُرسِل إلى بني المُصطَلِقِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ بَعث إلى بني المُصطَلِقِ بعدَ إسلامِهم الوليدَ بنَ عقبةَ بنِ أبي مُعَيطٍ، فلمَّا سمِعوا به ركِبوا إليه، فلمَّا سمِع بهم خافَهم، فرجَع إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فأخبَره أن القومَ قد همُّوا بقتلِه، ومنَعوا ما قِبَلَهم من صَدَقاتِهم، فأكثرَ المسلمون في ذكرِ غَزْوتِهم (^٤)، حتى همَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ أن (^٥) يَغْزُوَهم، فبيَنا هم في ذلك قَدِم وفْدُهم على رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، سَمِعنا برسولِك حين بَعثتَه إلينا، فخرَجنا إليه لِنُكْرِمَه ولِنؤدِّيَ إليه ما قِبَلَنا من الصَّدقةِ، فانشمَر (^٦) راجعًا،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٩ إلى المصنف وعبد بن حميد، وذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٣١١، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٥٢.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣١ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٥٢.\n(^٤) في م: \"غزوهم\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بأن\".\n(^٦) انشمر: مرَّ جادًّا. اللسان (ش م ر).","vol":"21","page":352},{"text":"فبلَغَنا أنَّه يزعمُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ أنَّا خرَجنا إليه لنُقاتِلَه، واللَّهِ ما جئنا (^١) لذلك. فأنزَل اللَّهُ في الوليدِ بنِ عقبةَ وفيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى آخر الآيةِ (^٢).\n[حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ، أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ إلى آخرِ الآيةِ] (^٣)، قال: بعَث رسولُ اللَّهِ ﷺ رجلًا من أصحابِه إلى قومٍ يُصَدِّقُهم، فأتاهم الرجلُ، وكان بينَهم وبينَه حِنَةٌ (^٤) في الجاهليةِ؛ فلمَّا أتاهم رحَّبوا به، وأقرُّوا بالزكاةِ وأعْطَوْا ما عليهم من الحقِّ، فرجَع الرجلُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، منَع بنو فلانٍ الزَّكاةَ (^٥) ورجَعوا عن الإسلامِ. فغَضِب رسولُ اللَّهِ ﷺ، وبَعث إليهم، فأَتَوْه، فقال: \"أَمَنَعتُم الزَّكاةَ، وَطَرَدْتُم رَسُولي؟ \". فقالوا: واللَّهِ ما فعَلْنا، وإنا لنَعْلَمُ إنك لرسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليك، ولا بَدَّلْنا، ولا مَنَعْنا حقَّ اللَّهِ في أموالِنا. فلم يُصَدِّقْهم رسولُ اللَّهِ ﷺ، فأنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ، فعَذَرَهم (^٦).\nوقولُه: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فتبيَّنوا كيلا تُصيبوا قومًا برآءَ مما قُرِفوا (^٧) به، بخيانةٍ (^٨)، بجهالةٍ منكم بحالِهم (^٩)، ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خرجنا\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٦، وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٥٢.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) بياض في الأصل، وفي م: \"إحنة\"، والحنة: العداوة، وهي لغة في الإحنة. ينظر النهاية ١/ ٤٥٣.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الصدقة\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٥٢.\n(^٧) في م: \"قذفوا\"، وقرفتُ الرجلَ، أي عبتُه، ويقال: هو يُقرف بكذا. أي: يُرمى به ويُتهم. اللسان (ق ر ف).\n(^٨) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بجناية\".\n(^٩) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفي ص: \"بجهالة\".","vol":"21","page":353},{"text":"فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. يقولُ: فتَندموا على إصابتِكم إيَّاهم، بالخيانةِ (^١) التي تُصيبونَهم بها.\n\n<span id=\"aya-4619\"></span><span data-type='title' id=toc-8745>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لأصحابِ نبيِّ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ أيُّها المؤمنون باللَّهِ ورسولِه، ﴿أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾، فاتَّقُوا اللَّهَ أَن تقولوا الباطلَ، وتفتَروا الكذِبَ، فإن اللَّهَ يخبِرُه أخبارَكم، ويعرِّفُه أنباءَكم، ويقوِّمُه على الصوابِ في أمورِه.\nوقولُه: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لو كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يعملُ في الأمورِ بآرائِكم، ويَقْبَلُ منكم ما تقولون له فيطيعُكم، ﴿لَعَنِتُّمْ﴾. يقولُ: لنالَكم عنَتٌ. يعني: الشدَّةَ والمشقةَ في كثيرٍ من الأمورِ، بطاعتِه إياكم لو أطاعَكم؛ لأنه كان يخطئُ في أفعالِه، كما لو قَبِل من الوليدِ بنِ عقبةَ قولَه في بني المُصطَلِقِ: إنهم قد ارتَدُّوا، ومنَعوا الصَّدَقةَ، وجمَعوا الجموعَ لغَزوِ المسلمين. فغزاهم فقتَل منهم، وأصاب من دمائِهم وأموالِهم - كان قد قَتَل وقتَلْتُم من لا يحلُّ له ولكم (^٢) قَتْلُه، وأَخَذَ وأخَذتُم من المالِ ما لا يحلُّ له ولكم أخْذُه من أموالِ قومٍ مسلمين، فنالَكم بذلك من اللَّهِ عَنَتٌ، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بالجناية\".\n(^٢) في م: \"ولا لكم\".","vol":"21","page":354},{"text":"الْإِيمَانَ﴾ باللَّهِ ورسولِه، فأنتم تُطيعُون [اللَّهَ ورسولَه] (^١)، وتأتمون به، فيَقيكُم اللَّهُ بذلك من العَنَتِ ما لو لم تُطِيعوه وتتَّبِعوه و(^٢) كان يُطيعُكم لَنَالَكُم وأصابَكُم.\nوقولُه: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. يقولُ: وحسَّن الإيمانَ في قلوبِكم فآمَنتم، ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾ باللَّهِ، ﴿وَالْفُسُوقَ﴾. يعني الكذبَ، ﴿وَالْعِصْيَانَ﴾. يعني: ركوبَ ما نهَى (^٣) اللَّهُ عنه في خلافِ أمرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، وتضييعِ ما أمَر اللَّهُ به، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين حبَّب اللَّهُ إليهم الإيمانَ، وزيَّنه في قلوبِهم، وكرَّه إليهم الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ (^٤)، هم الرَّاشِدون، السَّالِكون طريقَ الحقِّ.\n\n<span id=\"aya-4620\"></span>وقولُه: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾. يقولُ: ولكِنَّ اللَّهَ حبَّب إليكم الإيمانَ، وأنعَم عليكم هذه النعمَ (^٥) التي عدَّها؛ فضلًا منه وإحسانًا، ونعمةً منه أنعَمَها عليكم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ ذو علمٍ بالمُحسنِ مِنكم من المُسيءِ، ومَنْ هو لنِعَمِ اللَّهِ وفَضْلِه أهلٌ، ومَن هو لذلك غيرُ أهلٍ، وحكمةٍ في تدبيرِه خَلْقَه، وصَرْفِه إيَّاهم فيما شاءَ مِن قضائِه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ قال قتادةُ (^٦).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رسول الله\".\n(^٢) في الأصل: \"ولكنه\".\n(^٣) في الأصل: \"نهانا\".\n(^٤) بعده في م، ت ٢، ت ٣: \"أولئك\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"النعمة\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أهل التأويل\"، وبعده: \"ذكر من قال ذلك\".","vol":"21","page":355},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾. حتى بلَغ: ﴿لَعَنِتُّمْ﴾: [هؤلاء أصحابُ نبيِّ اللَّهِ ﷺ، لو أطاعهم نبيُّ اللَّهِ في كثيرٍ من الأمرِ لعنِتوا (^١)] (^٢)، فأنتم واللَّهِ أسخفُ رأيًا، وأطيشُ عقولًا، فاتَّهم (^٣) رجلٌ رأيَه، وانْتَصح كتابَ اللَّهِ، فإن كتابَ اللَّهِ ثقةٌ لمن أخَذ به، وانتهَى إليه، وإن ما سوى كتابِ اللَّهِ تغريرٌ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: قال معمرٌ: تلا قتادةُ: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. قال: فأنتم أسخفُ رأيًا، وأطيشُ أحلامًا، فاتَّهم رجلٌ رأيَه، وانتصَح كتابَ اللَّهِ (^٥).\n[وكالذي] (^٦) قُلنا أيضًا في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ [وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. قال ابنُ زيدٍ] (^٧).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. قال: حبَّبه إليهم، وزَيَّنه: وحسَّنه في قلوبِهم، ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ﴾. قال: الكذبَ والعصْيانَ؛ قال: عصيانُ النبيِّ ﷺ، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾. مِن أين كان هذا؟ قال: فضلٌ مِن اللَّهِ ونعمةٌ. قال: والمنافقون سمَّاهم اللَّهُ أجمعين في القرآنِ الكَاذِبين. والفاسقُ: الكاذبُ في كتابِ اللَّهِ كلِّه.\n_________\n(^١) في النسخ: \"لعنتم\". والمثبت من الدر المنثور ٦/ ٨٩.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في الأصل: \"ما اتهم\"، وفي ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"اتهم\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٢ عن معمر به، وذكره الجصاص في أحكام القرآن ٥/ ٢٧٨.\n(^٦) في ص، م، ت ١: \"وكذلك كما\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"وكذلك\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قالوا\"، وبعده: \"ذكر من قال ذلك\".","vol":"21","page":356},{"text":"<span id=\"aya-4621\"></span><span data-type='title' id=toc-8746>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩].</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وإن طائفتان من أهلِ الإيمانِ اقْتَتلوا، فأصْلِحوا أيُّها المؤمنون بينَهما، بالدعاءِ إلى حكمِ كتابِ اللَّهِ، والرِّضا بما فيه لهما وعليهما، وذلك هو الإصلاحُ بينَهما بالعدلِ. ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾. يقول: فإن أبَت إحدَى هاتين الطائفتين الإجابةَ إلى حكمِ كتابِ اللَّهِ [لها وعليها] (^١)، وتعدَّت ما جعَل اللَّهُ عدلًا بينَ خَلْقِه، وأجابت الأُخْرى منهما، ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾. يقولُ: فقاتِلوا التي تتعدَّى (^٢)، وتأبَى الإجابةَ إلى حكمِ كتابِ (^٣) اللَّهِ، [﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. يقولُ: حتى ترجِعَ إلى حكمِ اللَّهِ] (^٤) الذي حكَم في كتابِه بينَ خلقِه، ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾. يقولُ: فإن رجَعت الباغيةُ بعدَ قتالِكم إيَّاهم إلى الرِّضا بحكمِ اللَّهِ في كتابِه، فأصْلِحوا بينَها وبينَ الطائفةِ الأخرى التي قاتَلَتْها ﴿بِالْعَدْلِ﴾: يعني بالإنصافِ بينَهما، وذلك حكمُ اللَّهِ في كتابِه الذي جعَله عدلًا بينَ خَلْقِه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"له وعليه\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٣: \"تعدى\"، وفي م: \"تعتدى\"، وفي ت ٢: \"تفدى\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) سقط من: الأصل، ت ١.","vol":"21","page":357},{"text":"قولَه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾: فإن اللَّهَ سبحانه أمَر النبيَّ ﷺ والمؤمنين إذا اقْتَتَلَت طائفتانِ من المؤمنين أن يَدْعُوَهم إلى حكمِ اللَّهِ، ويُنصِفَ بعضَهم مِن بعضٍ، فإن أجابوا حكَم فيهم بكتابِ اللَّهِ، حتى يُنصِفَ المظلومَ من الظالمِ، فمَن أبى مِنهم أن يجيبَ فهو باغٍ، وحَقٌّ على إمامِ المؤمنين أن يجاهدَهم ويقاتِلَهم حتى يَفيئوا إلى أمرِ اللَّهِ، ويُقرُّوا بحكمِ اللَّهِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: هذا أمْرٌ [أمَر اللَّهُ] (^٢) به الوُلاةَ كهيئةِ ما تكونُ العصبيةُ (^٣) بينَ الناسِ، وأمَرهم أن يُصْلِحوا بينَهما، فإِن أَبَوْا قَاتَلَ الفئةَ الباغيةَ حتى ترجعَ إلى أمرِ اللَّهِ، فإذا رجَعوا (^٤) أصْلَحوا بينَهما، وأخبَروهم أن المؤمنين إخوةٌ؛ ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾. قال: ولا يقاتلُ الفئةَ الباغيةَ إِلَّا الولاةُ (^٥).\nوذُكِر أن هذه الآية نزلَت في طائفتين من الأوسِ والخزرجِ اقْتَتلا (^٦) في بعضِ ما تَنازَعا (^٧) فيه، مما سأذكُرُه إِن شاءَ اللَّهُ تعالى.\nذكرُ مَن قال ذلك والروايةِ به\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا مُعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٠ إلى المصنف وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) في م: \"من الله أمر\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"العصبة\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رجعت\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الإمام\".\n(^٦) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"اقتتلنا\".\n(^٧) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"تنازعتا\".","vol":"21","page":358},{"text":"أنسٍ، قال: قيل للنبيِّ ﷺ: لو أتَيتَ عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيٍّ ابنَ سلولَ. قال: فانطلَق إليه وركِب حمارًا، وانطلَق المسلمون، وهي أرضٌ سَبِخةٌ، فلما أتاه رسولُ اللَّهِ ﷺ قال: إليك عنِّي، فواللَّهِ لقد آذاني نَتْنُ حِمارِكَ. فقال رجلٌ من الأنصارِ: واللَّهِ لحمارُ (^١) رسولِ اللَّهِ ﷺ أطيبُ ريحًا مِنك. قال: فغَضِب لعبدِ اللَّهِ بنِ أُبيٍّ رجلٌ مِن قومِه. قال: فغَضِب لكلِّ واحدٍ منهما أصحابُه، قال: فكان بينَهم ضَرْبٌ بالجَريدِ والأيدي والنِّعالِ، فبلَغَنا أنه نزَلت فيهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (^٢).\nحدَّثني أبو حَصِينٍ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ يونسَ، قال: ثنا عَبْثرٌ، قال: ثنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. قال: رجلانِ اقْتَتلا، فغَضِب لذا قومُه، ولذا قومُه، فاجْتَمَعوا حتى اضَّرَبوا بالنِّعالِ، حتى كاد يكونُ بينَهم قتالٌ، فأنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن حُصَينٍ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾. قال: كان بينَهم قتالٌ بغيرِ سلاحٍ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. قال: كانا حيَّيْن من أحياءِ الأنصارِ، كان بينَهما تنازعٌ بغيرِ سلاحٍ.\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"لنتن حمار\".\n(^٢) أخرجه مسلم (١٧٩٩) عن محمد بن عبد الأعلى به، وأحمد ٢٠/ ٥٦ (١٢٦٠٧)، والبخاري (٢٦٩١)، وأبو يعلى (٤٠٨٣)، والبيهقي ٨/ ١٧٢، والواحدي في أسباب النزول ص ٢٩٣، ٢٩٤ من طريق معتمر بن سليمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٠ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٠ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر.","vol":"21","page":359},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. قال: كان قتالُهم بالنِّعالِ والعِصِيِّ، فأمرَهم أن يُصْلِحوا بينَهم (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، قال: ثنا المُباركُ بنُ فَضَالةَ، عن الحسنِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾. قال: كانت تكونُ الخصومةُ بينَ الحَيَّين، فيَدعُونهم إلى الحُكمِ، فيأبَوْن أن يُجِيبوا، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ادْفَعوهم إلى الحُكمِ. فكان قتالُهم الدَّفعَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. قال: كانت امرأةٌ من الأنصارِ يُقال لها: أمُّ زيدٍ. تحتَ رجلٍ، فكان بينَها وبينَ زوجِها شيءٌ، فرَقَّاها إلى عِلِّيَّةٍ (^٣)، فقال لهم (^٤): احْفَظوا. فبلَغ ذلك قومَها فجاءوا، وجاء قومُه، فاقْتَتلوا بالأيدي والنِّعال، فبلَغ ذلك النبيَّ ﷺ، فجاء ليُصلِحَ بينَهم، فنزل القرآنُ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾. قال: تَبْغِي: لا تَرْضَى بصلحِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، أو بقضاءِ رسولِ اللَّهِ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٠ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٠ إلى المصنف.\n(^٣) العِلِّيَّة والعُلِّيَّة: الغرفة. اللسان (ع ل و).\n(^٤) أي لأهله: لا يدخل عليها أحد من أهلها. كما في الدر المنثور.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٠. إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"21","page":360},{"text":"قولَه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾. قال: الأوسُ والخزرجُ اقْتَتلوا بالعِصِيِّ بينَهم (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. الآية، ذُكِر لنا أنها أنزِلت في رجلين من الأنصارِ كانت بينَهما مُدَارأَةٌ (^٢) في حقٍّ بينَهما، فقال أحدُهما للآخرِ: لآخذَنَّ (^٣) عَنْوَةً، لكثرةِ عشيرتِه، وأن الآخرَ دعاه ليُحاكِمَه إلى نبيِّ اللَّهِ ﷺ فأبى أن يتَّبِعَه، فلم يَزَلِ الأمرُ حتى تَدافَعوا، وحتى تناولَ بعضُهم بعضًا بالأيدي والنِّعالِ، ولم يكُنْ قتالٌ بالسيوفِ، فأمرَ اللَّهُ أن تُقاتَلَ حتى تَفِيءَ إلى (^٤) كتابِ (^٥) اللَّهِ وإلى حكمِ نبيِّه ﷺ، وليست كما تأوَّلها أهلُ الشُّبهات، وأهلُ البدعِ، وأهلُ الفِرَى (^٦) على اللَّهِ وعلى كتابِه، أنه المؤمنُ يحِلُّ لك قتلُه، فواللَّهِ لقد عظَّم اللَّهُ حُرْمَةَ المؤمنِ حتى نهاك أن تظُنَّ بأخيك إلَّا خيرًا، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الآية (^٧).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ، أن قومًا من المسلمين كان بينَهم تنازعٌ، حتى اضْطَرَبوا بالنِّعالِ والأيدي، فأنزَل اللَّهُ فيهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. قال قتادةُ: كان رجلان\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦١١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد.\n(^٢) المدارأة: المخالفة والمدافعة. اللسان (د ر أ).\n(^٣) في م: \"لآخذنَّه\".\n(^٤) بعده في م: \"أمر الله\".\n(^٥) في ت ١: \"أمر\".\n(^٦) في م: \"الفراء\"، والفرى: جمع فرية وهي الكذبة. اللسان (ف ر ى).\n(^٧) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٣٤٠، والجصاص في أحكام القرآن ٥/ ٢٧٩، والقرطبي في تفسيره ١٦/ ٣١٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":361},{"text":"بينَهما حقٌّ، فتَدَارَءا (^١) فيه، فقال أحدُهما: لآخذَنَّه عَنْوَةً. لكثرةِ عشيرتِه، وقال الآخرُ: بيني وبينَك رسولُ اللَّهِ ﷺ. فتنازَعا حتى كان بينَهما ضَرْبٌ بالنِّعالِ والأيدي (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: [وأخبَرني عبدُ اللَّهِ بنُ عيَّاشٍ، قال] (^٣): قال زيدٌ في قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، وذلك الرجلان يَقتتلان من أهلِ الإسلام، أو النَّفَرُ والنَّفَرُ، أو القبيلُ والقبيلةُ، فأمَر اللَّهُ أئمةَ المسلمين أن يَقضُوا بينهم بالحقِّ الذي أنزَله في كتابِه؛ إما القِصاصُ والقَوَدُ، وإمَّا العقْلُ والعِيرُ، وإمَّا العَفْوُ، ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ بعدَ ذلك، كان المسلمون مع المظلومِ على الظالمِ حتى يفيءَ إلى حكمِ (^٤) اللَّهِ، ويرضَى به.\nحدَّثنا ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبَرنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: أخبَرنا ابنُ جريجٍ، قال: ثنى ابنُ شهابٍ وغيرُه - يَزِيدُ في الحديثِ بعضُهم على بعضٍ، قال: جلَس رسولُ اللَّهِ ﷺ في مجلسٍ فيه عبدُ اللَّهِ بنُ رواحةَ وعبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابنُ سَلُولَ، فلمَّا ذهَب رسولُ اللَّهِ ﷺ، قال عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابنُ سَلُولَ: لقد آذانا بولُ حمارِه، وسدَّ عنا (^٥) الرَّوْحَ. وكان بينَه وبين ابنِ رواحةَ شيءٌ، حتى خرَجوا بالسلاحِ، فأتَى رسولُ اللَّهِ ﷺ (^٦) فحجزَ بينَهم، فلذلك يقولُ عبدُ اللَّهِ بنُ\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تداريا\"، وفي م: \"تدارأ\"، وتدارءا: تدافعا. ينظر اللسان (د ر أ).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٢ عن معمر به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: قال ابن زيد قال ثنى عبد الله قال\". وينظر ترجمة عبد الله بن عياش في تهذيب الكمال ١٥/ ٤١٠.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أمر\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"علينا\".\n(^٦) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فأتاهم\".","vol":"21","page":362},{"text":"أُبيٍّ (^١):\nمَتى ما يَكُنْ مولاك خَصمُك جاهدًا … تُظَلَّمْ ويَصْرَعْك الذين تُصارِعُ\nقال: فأُنزِلت فيهم هذه الآيةُ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.\nوقولُه: ﴿وَأَقْسِطُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واعْدِلوا أيُّها المؤمنون في حُكمِكم بينَ مَن حَكَمْتُم بينَهم، بأن لا تَجاوَزوا في أحكامِكم حُكمَ اللَّهِ وحُكمَ رسولِه ﷺ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [من خلقِه] (^٢). يقولُ: إِن اللَّهَ يُحِبُّ العادلين في أحكامِهم، القائمين (^٣) بينَ خلقِه بالقِسْطِ.\n\n<span id=\"aya-4622\"></span><span data-type='title' id=toc-8747>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لأهلِ الإيمانِ به: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ في الدينِ، ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ إذا اقتَتلا، بأن تَحْمِلوهما على حُكمِ اللَّهِ وحُكمِ رسولِه.\nومعنى الأخَوين في هذا الموضعِ: كلُّ مُقْتَتِلين من أهلِ الإيمانِ. وبالتثنيةِ قرَأ ذلك قرَأةُ الأمصارِ، وذُكِر عن ابن سيرينَ أنه قرأَه: (بينَ إخوانِكم) بالنونِ (^٤)، على مذهبِ الجمعِ، وذلك من جهةِ العربيةِ صحيحٌ (^٥)، غير أنه خلافٌ لِمَا عليه قرَأةُ\n_________\n(^١) البيت في الدر الفريد ٥/ ٩٧، وسيرة ابن هشام ١/ ٥٨٧.\n(^٢) ليس في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"القاضين\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وهي قراءة زيد بن ثابت وابن مسعود، وهي قراءة شاذة. ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٤٤.\n(^٥) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٧١.","vol":"21","page":363},{"text":"الأمصارِ، فلا أُحبُّ القراءةَ بها.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وخافوا اللَّهَ أَيُّها الناسُ بأداءِ فرائضِه عليكم، في الإصلاحِ بين المُقْتَتِلين من أهلِ الإيمانِ بالعدلِ، وفي غيرِ ذلك من فرائضِه، واجتنابِ معاصِيه؛ ليرحَمَكم ربُّكم، فيصفَحَ لكم عن سالفِ إجرامِكم إذا أنتم أطَعْتُموه، واتَّبعتم أمرَه ونهيَه، واتَّقَيتموه بطاعتِه.\n\n<span id=\"aya-4623\"></span><span data-type='title' id=toc-8748>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، لا يهزَأْ قومٌ مؤمنون من قومٍ مؤمنين، ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾. يقولُ: لعلَّ (^١) المهزوءَ منهم خيرٌ من الهازئين، ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾. يقولُ: ولا يهزَأْ نساءٌ مؤمناتٌ من نساءٍ مؤمناتٍ، عسى المهزوءُ مِنهنَّ أن يكُنَّ خيرًا من الهازئاتِ.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في السُّخريةِ التي نهَى اللَّهُ المؤمنين عنها في هذه الآية؛ فقال بعضُهم: هي سُخريةُ الغنيِّ مِن الفقيرِ، نُهِيَ أن يُسخرَ من الفقيرِ لِفَقْرِه.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":364},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\n[حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾. قال: لا يستهزئُ (^١) قومٌ بقومٍ؛ أَن يَسأَلَ رجلٌ فقيرٌ غنيًّا أو فقيرًا، وإن تَفضَّلَ رجلٌ عليه بشيءٍ فلا يستهزئْ به (^٢).\nوقال آخرون: بل ذلك نَهيٌ مِن اللَّهِ مَن سَتَر عليه من أهلِ الإيمانِ، أن يسخَرَ ممن كُشِف في الدنيا سِترُه منهم.\nذكرُ مَن قال ذلك] (^٣)\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾: قال: ربما عُثِر على المرءِ عندَ خَطيئَتِه، ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾. فإن كان ظُهِر على عَثْرَتِه هذه، وسُتِرْتَ أنت على عَثْرَتِك، لعلَّ هذه التي ظَهَرت خيرٌ له في الآخرةِ عندَ اللَّهِ، وهذه التي سُتِرْتَ أنتَ عليها شرٌّ لك، ما يُدرِيكَ لَعلَّه [لا تُغفرُ] (^٤) لك. قال: فنَهى [اللَّهُ الرجالَ] (^٥) عن ذلك فقال: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾. وقال في النساءِ مثلَ ذلك (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"يهزأ\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦١١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في م: \"ما يغفر\"، وفي ت ١: \"يغفر\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الرجل\".\n(^٦) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٣٢٥.","vol":"21","page":365},{"text":"والصوابُ من القولِ في ذلك عندنا أن يُقالَ: إِن اللَّهَ عَمَّ بنَهيِه المؤمنينَ (^١) أن يسخَرَ بعضُهم من بعضٍ جميعَ معاني السُّخريةِ، فلا يحِلُّ لمؤمنٍ أن يسْخَرَ من مؤمنٍ لا لفقرِه، ولا لذنبٍ ركِبَه، ولا لغيرِ ذلك.\nوقولُه: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يَعِبْ (^٢) بعضُكم بعضًا أَيُّها المؤمنون، ولا يطعَنْ بعضُكم على بعضٍ وقال: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فجعَل اللَّامزَ أخاه لامزَ (^٣) نفسِه؛ لأن المؤمنين كرجلٍ واحدٍ، فيما يَلزمُ بعضُهم لبعضٍ؛ من تحسينِ أمرهِ، وطلَبِ صلاحِه، ومحبةِ (^٤) الخيرِ.\nوكذلك (^٥) رُوِي الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: \"إنما (^٦) المؤمنون كالجسدِ الواحدِ، إذا اشتكى منه عُضوٌ تَداعى له سائرُ جسدِه بالحُمَّى والسَّهرِ\" (^٧). وهذا نظيرُ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. [النساء: ٢٩]. بمعنى: ولا يقتلْ بعضُكم بعضًا.\nوبنحوِ الذي قُلنا في معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يغتب\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لامزًا\".\n(^٤) في م: \"محبته\".\n(^٥) في م: \"لذلك\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) أخرجه الطيالسي (٨٢٧)، وأحمد ٣٠/ ٣٠٣ (١٨٣٥٥)، والبخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦)، وغيرهم من حديث النعمان بن بشير.","vol":"21","page":366},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوِله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: لا (^١) تَطْعُنُوا (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. يقولُ: ولا يَطْعُنْ بعضُكم على بعضٍ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. يقولُ: لا يطعُنْ بعضُكم على بعضٍ (^٤).\nوقولُه: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. يقولُ: ولا تَداعَوا بالألقابِ. والنَّبزُ واللَّقَبُ معنًى (^٥) واحدٌ، يُجمَعُ النَّبزُ أَنبازًا، واللَّقَبُ ألقابًا.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في الألقابِ التي نَهى اللَّهُ عن التَّنابزِ بها في هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُني بها الألقابُ التي يَكْرَهُ النبزَ بها الملقَّبُ. وقالوا: إنما نزَلَت هذه الآيةُ في قومٍ كانت لهم أسماءٌ في الجاهليةِ، فلمَّا أسلَموا نُهُوا أن يدعوَ بعضُهم بعضًا بما يكرَهُ من أسمائِه التي كان يُدعَى بها في الجاهليةِ.\n_________\n(^١) ليس في الأصل.\n(^٢) تفسير مجاهد ٦١١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٢ عن معمر به، وذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٣٢٧، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٥٦.\n(^٤) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٣٢٩)، والحاكم ٢/ ٤٦٣، والبيهقي في الشعب (٦٧٥١) من طريق عكرمة عن ابن عباس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩١ إلى عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن المنذر.\n(^٥) في م: \"بمعنى\".","vol":"21","page":367},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: قال أبو جَبِيرةَ بنُ الضحاكِ: فينا نزَلت هذه الآيةُ؛ في بني سَلِمةَ، قدِم رسولُ اللَّهِ ﷺ المدينةَ (^١) وما مِنَّا (^٢) رجلٌ إلَّا وله اسمان أو ثلاثةٌ، فكان إذا دعا الرجلَ بالاسمِ، قُلنا: يا رسولَ اللَّهِ، إنه يغضَبُ من هذا. فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾، الآيةُ كلُّها (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال (^٤): ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن أبي جَبِيرةَ بنِ (^٥) الضحاكِ، قال: كان أهلُ الجاهليةِ يُسمُّون الرجلَ بالأسماءِ، فدعا النبيُّ ﷺ رجلًا باسمٍ من تلك الأسماءِ، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنه يغضَبُ من هذا. فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: ثنى أبو جَبِيرةَ بنُ الضحاكِ. فذكَر عن النبيِّ ﷺ نحوَه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا داودُ، عن الشَّعبيِّ، قال: ثنى أبو جَبيرةَ بنُ الضحاكِ، قال: نزَلت في بني سَلِمةَ: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في الأصل: \"فينا\".\n(^٣) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٥١٦) عن حميد بن مسعدة به، وأخرجه الترمذي عقب الأثر (٣٢٦٨)، والطبراني ٢٢/ ٣٨٩، ٣٩٠ (٩٦٨)، من طريق بشر به، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٣٣٠)، وأبو داود (٤٩٦٢)، وابن ماجه (٣٧٤١)، وابن حبان (٥٧٠٩)، والطبراني ٢٢/ ٣٩٠ (٩٦٩)، والبيهقي في الشعب (٦٧٤٧)، والواحدي في أسباب النزول ص ٢٩٥ من طريق داود به.\n(^٤) في الأصل: \"و\".\n(^٥) في الأصل: \"عن\".","vol":"21","page":368},{"text":"بِالْأَلْقَابِ﴾. قال: قَدِم رسولُ اللَّهِ ﷺ وليس مِنَّا رجلٌ إِلَّا وله اسمان أو ثلاثةٌ، فكان يدعو الرجلَ، [فتقولُ أُمَّةٌ] (^١): إنه يغضَبُ من هذا. قال: فنزَلت: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. وقال مرَّةً: كان (^٢) إذا دعا باسمٍ من هذا، قيل: يا رسولَ اللَّهِ، إنه يغضَبُ من هذا. فنزَلت الآيةُ.\nوقال آخرون: بل ذلك قولُ الرجلِ المسلمِ للرجلِ المسلمِ: يا فاسقُ، يا زاني.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن حُصَينٍ، قال: سألتُ عِكرِمةَ عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. قال: هو قولُ الرجلِ للرجلِ: يا منافقُ، يا كافرُ (^٣).\nحدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن عكرِمةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. قال: هو قولُ الرجلِ للرجلِ: يا فاسقُ، يا منافقُ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن حُصَينٍ، عن عكرِمةَ: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. قال: يا فاسقُ، يا كافرُ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) في الأصل: \"فيقول أمه\"، وفى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فتقول أمه\"، وفي سنن أبي داود (٤٩٦٢): \"فيقولون: مه\"، وعند الحاكم ٤/ ٢٨١: \"فيقولون: مه مه مه\". وما في النسخ تحريف واضح.\n(^٢) في الأصل: \"ثانية\".\n(^٣) أخرجه البيهقي في الشعب (٦٧٤٨) من طريق أبى الأحوص به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":369},{"text":"و(^١) عكرِمةَ: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. قال: يقولُ الرجلُ للرجلِ: يا فاسقُ، يا كافرُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. قال: [يُدْعَى الرجلُ] (^٢) بالكفرِ وهو مسلمٌ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. يقولُ (^٤): لا تقلْ لأخيكَ المسلمِ: ذاك فاسقٌ، ذاك منافقٌ. نهَى اللَّهُ المسلمين (^٥) عن ذلك، وقدَّم فيه.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. يقولُ: [لا تقلْ لأخيك] (^٦) المسلمِ: يا فاسقُ، يا منافقُ (^٧).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. قال: تسميتُه بالأعمالِ السيئة بعدَ الإسلامِ؛ زانٍ، فاسقٍ (^٨).\nوقال آخرون: بل ذلك تسميةُ الرجلِ الرجلَ بالكفرِ بعدَ الإسلامِ، وبالفسوقِ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"أو\".\n(^٢) في م: \"دعى رجل\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦١١، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١٥ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الرجل\"، وفي م: \"للرجل\".\n(^٥) في م: \"المسلم\"، وسقط من: ت ٣.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقولن لأخيه\".\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٨) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٣٢٨.","vol":"21","page":370},{"text":"و(^١) الأعمالِ القبيحةِ بعدَ التوبةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ الآية. قال: التنابزُ بالألقابِ: أن يكونَ الرجلُ عمِل السيئاتِ ثم تاب منها، وراجَعَ الحقَّ، فنَهى اللَّهُ أن يُعَيَّرَ بما سلَف من عمَلِه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ: كان اليهوديُّ والنصرانيُّ يُسلِمُ، فيلقَّبُ؛ فيُقالُ له: يا يهوديُّ، يا نصرانيُّ. فنُهُوا عن ذلك (^٣).\nوالذي هو أولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك عندي بالصوابِ أن يُقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه نَهَى المؤمنين أن يتَنابزوا بالألقابِ. والتنابزُ بالألقابِ: هو دعاءُ المرءِ صاحبَه بما يَكْرهُه من اسمٍ أو صفةٍ، وعمَّ اللَّهُ بنهيِه ذلك، ولم يَخْصُصْ به بعضَ الألقابِ دونَ بعضٍ، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ من المسلمين أن يَنْبِزَ أخاه باسمٍ يَكْرهُه، أو صِفةٍ يَكْرهُها، وإذا كان ذلك كذلك، صحَّت الأقوالُ التي قالها أهلُ التأويلِ في ذلك، التي ذكَرْناها كلَّها، ولم يكنْ بعضُ ذلك أولى بالصوابِ من بعضٍ؛ لأن كلَّ ذلك مما قد (^٤) نهَى اللَّهُ المسلمين أن ينبِزَ بعضُهم بعضًا به (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل: \"في\"، وسقط من: ت ٣.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٣٤٤، والقرطبي في تفسيره ١٦/ ٣٢٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩١ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٢ عن معمر به، وذكره الجصاص في أحكام القرآن ٥/ ٢٨٦، والبغوي في تفسيره ٧/ ٣٤٣، والقرطبي في تفسيره ١٦/ ٣٢٨.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":371},{"text":"وقولُه: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومن فعَل ما نَهَيْنا عنه، وتقدَّم على مَعْصيتِنا بعدَ إيمانِه، فسَخِرَ من المؤمنين، ولَمز أخاه المؤمنَ، ونَبَزه بالألقابِ - فهو فاسقٌ، ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾. يقولُ: فلا تفعَلوا ذلك (^١) فتَستحِقُوا إن فعلتُموه أن تُسَمَّوا فُسَّاقًا، بئسَ الاسمُ الفسوقُ. وترَك ذِكْرَ ما وصَفْنا من الكلامِ؛ اكتفاءً بدلالةِ قولِه: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ﴾. عليه.\nوكان ابنُ زيدٍ يقولُ في ذلك، ما حدَّثنا به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وقرَأ: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ﴾. قال: بئس الاسمُ الفسوقُ حينَ تُسَمِّيه بالفسقِ بعدَ الإسلامِ، وهو على الإسلامِ. قال: وأهلُ هذا الرأيِ هم المعتزلةُ، قالوا: لا نُكَفِّرُه كما كَفَّرَه أهلُ الأهواءِ، ولا نقولُ له: مؤمنٌ، كما قالت الجماعةُ، ولكِنَّا نُسمِّيه باسمِه، إن كان سارقًا فهو سارقٌ، وإن كان خائنًا سَمَّوْه خائنًا، وإن كان زانيًا سَمَّوْه زانيًا. قال: فاعْتَزلوا الفريقين؛ أهل الأهواءِ وأهلَ الجماعةِ، فلا بقولِ هؤلاءِ قالوا، ولا بقولِ هؤلاءِ، فسُمُّوا بذلك المعتزلةَ.\nفوجَّه ابنُ زيدٍ تأويلَ قولِه: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ﴾. إلى من دُعِي فاسِقًا، وهو تائبٌ من فِسْقِه، فبئسَ الاسمُ ذلك له مِن أسمائِه. وغيرٌ ذلك من التأويلِ أولى بالكلامِ، وذلك أن اللَّهَ تقدَّم بالنَّهْيِ عما تقدَّم بالنَّهْيِ عنه في أوَّلِ هذه الآيةِ، فالذي هو أولى أن يختمَها بالوعيدِ لمَن تقدَّم على نَهْيِه (^٢)، أو بقبيحِ ركوبِه ما رَكِب مما (^٣) نهَى عنه، لا بالخبرِ (^٤) عن قُبحِ ما كان التائبُ أتاه قبلَ توبتِه، إذ كانت الآيةُ لم تُفْتَتَحْ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بغيه\".\n(^٣) في الأصل: \"ما\".\n(^٤) في م: \"أن يخبر\".","vol":"21","page":372},{"text":"بالخبرِ عن ركوبِه ما كان ركِب قبلَ التوبةِ من القبيحِ، فيُختمَ آخرُها بالوعيدِ عليه أو بالقبيحِ.\nوقولُه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ومن لم يتُبْ من نَبْزِه أخاه بما نَهَى اللَّهُ [عنه؛ من] (^١) نَبْزِه بالألقابِ، أو لمزِه إيَّاه، أو بسخريتِه منه - فأولئك هم الذين ظلَموا أنفسَهم، [بما كسَّبوها] (^٢) عقابَ اللَّهِ، بركوبِهم ما نَهاهم عنه.\nوكان ابنُ زيدٍ يقولُ في ذلك، ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال: ومن لم يتبْ من ذلك الفسوقِ، فأولئك هم الظَّالمون.\n\n<span id=\"aya-4624\"></span><span data-type='title' id=toc-8749>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، لا تقرَبوا كثيرًا من الظنِّ بالمؤمنين، وذلك أن تظُنُّوا بهم سوءًا، فإن الظانَّ غيرُ مُحِقٍّ. وقال جلَّ ثناؤُه: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾. ولم يقُلْ: اجتنِبوا (^٣) الظَّنَّ كلَّه. إذ كان قد أذِن للمؤمنين أن يظنَّ بعضُهم ببعضٍ الخيرَ، فقال: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢]. فأذِن اللَّهُ جلَّ ثناؤُه للمؤمنين أن يظنَّ بعضُهم ببعضٍ الخيرَ، وأن يقولوه، وإن لم\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت، ت ٣: \"فأكسبوها\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":373},{"text":"يكونوا مِن قيلِه فيهم على يقينٍ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾. يقولُ: نهَى اللَّهُ المؤمنَ أن يظُنَّ بالمؤمنِ شرًّا (^١).\nوقولُه: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. يقولُ: إِنَّ ظنَّ المؤمنِ بالمؤمنِ الشرَّ لا الخيرَ إثمٌ؛ لأن اللَّهَ قد نَهاه عنه، ففعْلُ ما نَهَى اللَّهُ عنه إثمٌ.\nوقولُه: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾. يقولُ: ولا يَتَتَبَّعْ بعضُكم عَوْرَةَ أخيه (^٢)، ولا يبحثْ عن سرائرِه، يبتغي بذلك الظُّهورَ على عيوبِه، ولكن اقْنَعوا بما (^٣) ظهَر لكم من أمرِه، وبه فاحْمَدوا أو ذُمُّوا، [لا على ما لا تَعْلَمونه] (^٤) من سرائرِه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾. يقولُ: نَهَى اللَّهُ المؤمنَ أَن يَتَتبَّعَ عَوْرَاتِ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٦٧٥٤) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بعض\".\n(^٣) في الأصل: \"ما\".\n(^٤) في الأصل: \"على ما تعلمونه\"، وفي ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لا على ما تعلمونه\".","vol":"21","page":374},{"text":"المؤمنِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾. قال: خُذُوا ما ظهرَ لكم ودَعُوا ما سَتَر اللَّهُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾: هل تدرون ما التجسُّسُ أو التجسيسُ؟ هو أن تتبعَ، أو تبتغيَ غيبَ (^٣) أخيك، لتطَّلعَ على سرِّهِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾. قال: البحثُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوِله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾. قال: حتى أنْظُرَ في ذلك وأسألَ عنه، حتى أعرِفَ حقٌّ هو أو (^٥) باطلٌ؟ قال: فسمَّاه اللَّهُ تجسُّسًا (^٦). قال: يتجَسَّسُ كما يتجسَّسُ الكلابُ. وقرأ قولَ اللَّهِ: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٣ -، والبيهقي في الشعب (٦٧٥٤) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٢ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عيب\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أم\". ينظر مغني اللبيب ١/ ٤٢.\n(^٦) في الأصل: \"تجسيسا\".","vol":"21","page":375},{"text":"وقولُه: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. يقولُ: ولا يقُلْ بعضُكم في بعضٍ بظَهْرِ الغيبِ، ما يكرَهُ المقولُ (^١) فيه (^٢) ذلك أن [يقالَ له] (^٣) في وَجْهِه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك جاء الأثرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، وقال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك وذكرُ (^٤) الأثرِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ.\nحدَّثني يزيدُ بنُ مَخْلدٍ الواسطيُّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الطحَّانُ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاقَ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: سُئل رسولُ اللَّهِ ﷺ عن الغِيبةِ، فقال: \"هو أن تقولَ لأخيك ما فيه، فإن كنتَ صادقًا فقد اغتَبتَه، وإن كنتَ كاذبًا فقد بَهَتَّه\".\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بَزيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفَضَّلِ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، عن العلاءِ بن عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ العلاءَ يحدِّثُ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"هل تدرون ما \"الغِيابَةُ؟ \" (^٥). قال: قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: \"ذكرُك أخاكَ بما ليس فيه\" (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: \"القول\".\n(^٢) بعده في الأصل: \"و\".\n(^٣) في الأصل: \"يقاله\"\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في م، ت ١: \"الغيبة\". والمثبت كما في مسند أحمد، وقال محققا المسند: قال السندي: المشهور في هذا المعنى: الغيبة، وهو الواقع في رواية أبي داود وغيره.\n(^٦) كذا في النسخ، وهي كذلك في مسند أحمد، وهذا لا يوافق ما بعده، وفي صحيح ابن حبان: \"بما فيه\" بإسقاط: \"ليس\"، وعند غير أحمد وابن حبان: \"ذكرك أخاك بما يكره\".","vol":"21","page":376},{"text":"قال: أرأيتَ إن كان في أخي ما أقولُ له؟ قال: \"إن كان فيه ما تقولُ (^١) فقدِ اغْتَبتَه، وإن لم يكُنْ فيه ما تقولُ فقد بَهَتَّه\" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا شعبةُ، عن العباسِ، عن رجلٍ سمع ابنَ عمرَ يقولُ: إذا ذكَرتَ الرجلَ بما فيه فقد اغْتَبْتَه، وإذا ذكَرتَه بما ليس فيه فقد بَهَتَّه. وقال شعبةُ مَرَّةً أُخْرَى: وإذا ذكَرتَه بما ليس فيه، فهي فِرْيةٌ (^٣). قال أبو موسى: هو عباسٌ الجُرَيريُّ.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مُرَّةَ، عن مسروقٍ، قال: إذا ذكَرتَ الرجلَ بأسْوإِ ما فيه فقد اغْتَبْتَه، وإذا ذكَرتَه بما ليس فيه فقد بَهَتَّه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، قال: إذا قلتَ في الرجلِ أسوأَ ما فيه فقد اغتَبْتَه، وإذا قلتَ ما ليس فيه فقد بَهَتَّه.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عبيدٍ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، قال: الغِيبةُ أن تقولَ للرجلِ أسوأَ ما تعلَمُ فيه، والبهتانُ أن تقولَ ما ليس فيه.\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"له\".\n(^٢) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٣/ ٢٠ من طريق ابن المثنى به، وأخرجه أحمد ١٢/ ٥٦ (٧١٤٦)، ١٦/ ٦ (٩٩٠١)، وابن حبان (٥٧٥٨) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه مسلم (٢٥٨٩)، وأبو داود (٤٨٧٤)، والترمذي (١٩٣٤)، والنسائي (١١٥١٨)، والبيهقي ١٠/ ٢٤٧ من طريق العلاء بن عبد الرحمن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٤ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه الخرائطي في مساوئ الأخلاق ص ١٠٤ من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٦ إلى ابن مردويه.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٥٩.","vol":"21","page":377},{"text":"حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن كثيرِ بن الحارثِ، عن القاسمِ مولى معاويةَ، قال: سمِعتُ ابنَ أمِّ عبدٍ يقولُ: ما الْتَقَم أحدٌ لُقمَةً شرًّا (^١) مِن اغتيابِ مؤمنٍ (^٢)؛ إن قال فيه ما يعلَمُ (^٣) فقد اغْتابَه، وإن قال فيه ما لا يعلمُ فقد بَهَتَه (^٤).\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: إذا ذكَرتَ الرجلَ بما فيه فقد اغتَبْتَه، وإذا ذكَرتَه بما ليس فيه فذلك البُهتانُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ يونسَ، عن الحسنِ، أنَّه قال في الغِيبةِ: أن تذكُرَ من أخِيكَ ما تعلَمُ فيه من مساوئِ أعمالِه، فإذا ذكَرْتَه بما ليس فيه فذلك البُهتانُ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ أبي الشواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا سليمانُ الشيبانيُّ، قال: ثنا حسانُ بنُ المخارقِ، أن امرأةً دخَلت على عائشةَ، فلمَّا قامَت لتَخرُجَ أَشارَت عائشةُ بيدِها إلى النبيِّ ﷺ (^٦)؛ إنها قصيرةٌ، فقال النبيُّ ﷺ: \"اغْتَبْتِها\" (^٧).\n_________\n(^١) في الأصل: \"شر\"، وفي م: \"أشر\".\n(^٢) في ص، ت ٣: \"لمؤمن\"، وفي م، ت ١: \"المؤمن\".\n(^٣) في الأصل: \"فعل\".\n(^٤) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٧٣٤) من طريق معاوية بن صالح به.\n(^٥) أخرجه البيهقي في الشعب (٦٧٧٠ - مكرر) من طريق معمر عن الحسن.\n(^٦) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أي\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"اغتبتيها\". والأثر أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٠٧)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٢٠٥)، والبيهقي في الشعب (٦٧٣٠) من طريق أبي إسحاق سليمان الشيباني به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٦ إلى ابن مردويه.","vol":"21","page":378},{"text":"حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: لو مرَّ بك أقطَعُ فقلتَ: ذاك الأقطَعُ. كانت منك غِيبَةً. قال: وسمِعتُ معاويةَ بنَ قُرَّةَ يقولُ ذلك.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ معاويةَ بنَ قُرَّةَ يقولُ: لو مَرَّ بك (^١) رجلٌ أقطعُ، فقلتَ (^٢): إنه أقطعُ. كنتَ قد اغْتَبْتَه. قال: فذكَرتُ ذلك لأبي إسحاقَ الهَمْدانيِّ فقال: صدَق (^٣).\nحدَّثني جابرُ بنُ الكُردِيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي أُوَيسٍ، قال: ثنى أخي أبو بكرٍ، عن حمادِ بن أبي حميدٍ، عن موسى بن وَرْدانَ، عن أبي هريرةَ، أن رجلًا قام مِن (^٤) عندِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، فرَأوا في قيامِه عَجْزًا، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ما أعْجزَ فلانًا؟! فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أَكَلْتُم أخاكُم واغْتَبتُمُوه\" (^٥).\n[حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو موسى بنُ داودَ، قال: ثنا ابنُ لهيعةَ، عن عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ نحوَه] (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: \"عليك\".\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"له\".\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٦/ ٣٣٥، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٥٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٤، ٩٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٥٨) من طريق إسماعيل بن أبي أويس به، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٠٨)، وأبو يعلى (٦١٥١)، والبيهقي في الشعب (٦٧٣٣) من طريق حماد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٦ إلى ابن مردويه.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣. والحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٠٥) من طريق عمرو بن شعيب به.","vol":"21","page":379},{"text":"حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا [حِبانُ بنُ عليٍّ العَنَزِيُّ] (^١)، عن مُثَنَّى بنِ صبَّاحٍ، عن عمرِو بنِ شُعيبٍ، عن معاذِ بنِ جبلٍ، قال: كنا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ، فذكَر القومُ رجلًا، فقالوا: ما يأكلُ إلا ما أُطعِم، وما يَرْحلُ إلا ما رُحِّل له، وما أَضْعَفَه! فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"اغْتَبتُم أخاكُم\". قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، وغِيبةٌ (^٢) أن تُحدِّثَ بما فيه؟ قال: \"بِحَسْبِكُم أن تُحدِّثوا عن أخِيكُم بما (^٣) فيه\" (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مخلدٍ (^٥)، عن محمدِ بنِ جعفرٍ، عن العلاءِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إذا ذكَرتَ أخاكَ بما يَكرَهُ، فإن كان فيه ما تقولُ فقد اغْتَبْتَه. وإن لم يَكُنْ فيه ما تقولُ فقد بَهَتَّه\" (^٦).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كنا نُحدِّثُ أن الغِيبةَ أن تَذكُرَ أخاكَ بما يَشِينُه، وتعيبَه بما فيه، وإن كذَبتَ عليه فذلك البُهْتانُ (^٧).\nوقولُه: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به (^٨): أيُحِبُّ أحدُكم أيُّها القومُ أن يأكلَ لحمَ أخيه بعدَ مماتِه مَيْتًا، فإن لم تُحبُّوا ذلك وكَرِهْتُموه لأنَّ اللَّهَ حرَّم ذلك عليكم، فكذلك لا تُحبُّوا أن تَغْتابوه في حياتِه، فاكْرَهوا غِيبتَه حَيًّا كما كَرِهْتُم أكلَ (^٨) لحمِه مَيْتًا؛ فإِنَّ اللَّهَ حَرَّم\n_________\n(^١) في الأصل: \"حسان بن علي الغنوي\"، وينظر تهذيب الكمال ٥/ ٣٣٩.\n(^٢) في م: \"غيبته\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ما\".\n(^٤) أخرجه الطبراني ٢٠/ ٣٩ (٥٧)، والبيهقي في الشعب (٦٧٣٤) من طريق المثنى بن صباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن معاذ.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"محمد\". وينظر تهذيب الكمال ٨/ ١٦٣.\n(^٦) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٨) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":380},{"text":"غِيبَتَه حيًّا كما حرَّم أكلَ لحمِه مَيْتًا.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾. قال: حرَّم اللَّهُ على المؤمنِ أن يغتابَ المؤمنَ بشيءٍ، كما حرَّم المَيْتةَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾. قالوا: نكْرَهُ ذلك. قال: فكذلك فاتَّقوا اللَّهَ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. يقولُ: كما أنت كارهٌ لو وجَدتَ جِيفةً مُدَوَّدَةً أن تأكلَ منها، فكذلك فاكْرَه غِيبتَه وهو حيٌّ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واتَّقوا اللَّهَ أيُّها الناسُ، فخَافوا عقوبتَه، بانتهائِكم عمَّا نهاكُم عنه؛ من ظنِّ أحدِكم بأخيهِ المؤمنِ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٦٧٥٤) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦١٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"21","page":381},{"text":"ظنَّ السُّوْءِ، وتَتَبُّعِ عَوْراتِه، والتَّجسُّسِ عما استتَر (^١) عنه من أمورِه (^٢)، واغْتيابِه بما يكْرهُه، تُريدُون (^٣) شَينَه وعَيبَه (^٤)، وغيرِ ذلك من الأمورِ التي نَهاكم عنها ربُّكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: إِن اللَّهَ راجعٌ لعبده إلى ما يحبُّه، إذا [راجَع العبدُ ربَّه] (^٥) إلى ما يحبُّه منه، رحيمٌ به أن (^٦) يعاقِبَه على ذنبٍ أذْنَبَه بعدَ توبتِه منه.\nواختَلَفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾؛ فقرَأتْه عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ بالتَّثقيلِ: (مَيِّتًا). وقرَأتْه عامَّةُ قرَأةِ أهلِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿مَيْتًا﴾ بالتَّخفيفِ (^٧). وهما قراءتان عندنا معروفَتان متقارِبَتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-4625\"></span><span data-type='title' id=toc-8750>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الناسُ إنا أنشأنا خَلْقَكُم من ماءِ ذَكَرٍ من الرجالِ، وماءِ أنثى من النساءِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص: \"انستر\"، وفي م: \"ستر\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أمره\".\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"به\".\n(^٤) في الأصل: \"غيبته\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رجع العبد لربه\".\n(^٦) في م: \"بأن\".\n(^٧) قرأ نافع: (ميِّتًا). بالتشديد، وقرأ الباقون؛ وهم ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي: ﴿مَيْتًا﴾. ساكنة الياء. السبعة لابن مجاهد ص ٦٠٦.","vol":"21","page":382},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو (^١) هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا عثمانُ بنُ الأسودِ، عن مجاهدٍ، قال: خلَق اللَّهُ الولدَ من ماءِ الرجلِ وماءِ المرأةِ، وقد قال ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، قال: ثنا عثمانُ بنُ الأسودِ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾. قال: ما خَلَقَ اللَّهُ الولدَ إِلَّا مِن نطفةِ الرجلِ والمرأةِ جميعًا؛ لأنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. يقولُ: وجَعَلْناكم مُتناسبِين؛ فبعضُكم يناسِبُ بعضًا نسبًا بعيدًا، وبعضُكم يناسِبُ بعضًا نسبًا قريبًا، فالمتناسِبُ (^٣) النَّسَبَ البعيدَ مَن نَاسَبَه (^٤) أهلُ الشُّعوبِ، وذلك أنه (^٥) إذا قيل للرَّجُلِ من العربِ: مِن أيِّ شَعْبٍ أنتَ؟ قال: أنا من مُضَرَ. أو (^٦): ربيعةَ. وأما أهلُ المناسبةِ القريبةِ فأهلُ القبائلِ؛ وهم كتميمٍ مِن مُضرَ، وبكرٍ من ربيعةَ، وأقربُ من (٥) القبائلِ الأفْخَاذُ؛ وهما كشيبانَ من بكرٍ، ودارمَ من تميمٍ، ونحوِ ذلك، ومن الشَّعْبِ قولُ ابنِ أَحمرَ الباهليِّ (^٧):\nمِن شَعْبِ همدانَ أو سعدِ العَشِيرَةِ أو … خَوْلانَ أو مَذْحِجٍ هاجُوا له طَرَبا\n_________\n(^١) في الأصل: \"ابن\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فالمناسب\".\n(^٤) في م: \"لم ينسبه\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٧) البيت في مجاز القرآن ٢/ ٢٢٠ منسوبًا إلى ابن أحمر.","vol":"21","page":383},{"text":"وبنحوِ الذي قُلنا في معنى قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، قال: ثنا أبو حُصَينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾. قال: الشُّعوبُ الجُمَّاعُ، والقبائلُ البطونُ.\nحدَّثنا خلادُ بنُ أَسْلَمَ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيّاشٍ، عن أبي حُصَينٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. قال: الشُّعوبُ الجُمَّاعُ - قال خلادٌ: قال أبو بكرٍ: القبائلُ العظامُ، مثلُ بني تميمٍ - والقبائلُ الأفخاذُ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي حُصَينٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾. قال: الشُّعوبُ الجمهورُ، والقبائلُ الأفخاذُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿شُعُوبًا﴾. قال: النَّسَبُ البعيدُ، ﴿وَقَبَائِلَ﴾: دونَ ذلك (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٨٩) من طريق أبي بكر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٨ إلى الفريابي وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٨ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦١٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"21","page":384},{"text":"وَقَبَائِلَ﴾. قال: الشُّعوبُ النسبُ البعيدُ، والقبائلُ كقولِه: فلانٌ من بني فلانٍ. و: فلانٌ من بني فلانٍ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا﴾. قال: هو النَّسَبُ البعيدُ، ﴿وَقَبَائِلَ﴾: كما تسمَعُه، يقال: فلانٌ مِن بني فلانٍ (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا﴾. قال: أمَّا الشعوبُ: فالنَّسَبُ البعيدُ.\nوقال بعضُهم: الشعوبُ الأفخاذُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حُصَينٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾. قال: الشعوبُ الأفخاذُ، والقبائلُ القبائلُ (^٢).\nوقال آخرون: الشعوبُ البطونُ، والقبائلُ الأفخاذُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن أبي حُصَينٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾. قال:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير سفيان ص ٢٧٩.","vol":"21","page":385},{"text":"الشعوبُ البطونُ، والقبائلُ الأفخاذُ الكبارُ.\nوقال آخرون: الشُّعوبُ الأنسابُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾. قال: الشعوبُ الأنسابُ.\nوقولُه: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾. يقولُ: ليعرفَ بعضُكم بعضًا في النَّسَبِ. يقولُ تعالى ذكرُه: إنما جعَلْنا هذه الشعوبَ والقبائلَ لكم أيُّها الناسُ؛ ليعرفَ بعضُكم بعضًا في قربِ القرابةِ منه وبعدِه، لا لِفَضيلةٍ لكم في ذلك، وقُربةٍ تقرِّبُكم إلى اللَّهِ، بل أكرمُكم عندَ اللَّهِ أتقاكم.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. قال: جعَلْنا هذا لِتَعارَفوا؛ فلانُ بنُ فلانٍ من كذا وكذا (^١).\nوقولُه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن أكرمَكم أيُّها الناسُ عندَ رَبِّكم، أشدُّكُم اتِّقاءً له بأداءِ فرائضِه واجتنابِ معاصيهِ، لا أعظمُكم بيتًا، ولا أكثرُكم عَشِيرةً.\n_________\n(^١) تمام الأثر المتقدم في ٣٨٤.","vol":"21","page":386},{"text":"كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى ابنُ لَهِيعَةَ، عن الحارثِ بن يزيدَ، عن عُلَيِّ بنِ رَبَاحٍ، عن عُقْبَةَ بن عامرٍ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"النَّاسُ لآدمَ وحوَّاءَ كطَفِّ الصَّاعِ لم يَملَئوهُ، إِنَّ اللَّهَ لا يسألُكم عن أحسابِكم ولا عن أنسابِكم يومَ القيامةِ، أكرمُكم عندَ اللَّهِ أتقاكم\" (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى ابنُ لَهيعةَ، عن الحارثِ بنِ يزيدَ، عن عُلَيِّ بنِ رَباحٍ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"إِنَّ مسابَّكم (^٢) هذه ليستْ بمَسابٍّ على أحدٍ، وإنما أنتم ولَدُ آدمَ، طَفُّ الصَّاعِ (^٣) لم تَملَئوه، ليس لأحدٍ على أحدٍ فضلٌ إلَّا بِدِينٍ أو عملٍ صالحٍ، حَسْبُ الرجلِ أن يكونَ فاحِشًا بَذِيًّا بخيلًا جَبانًا\" (^٤)\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: سمِعتُ عطاءً يقولُ: قال ابنُ عباسٍ: ثلاثُ آياتٍ جَحَدَهُنَّ الناسُ؛ الإذْنُ كلُّه، وقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وقال الناسُ: أكرمُكم أعظمُكم بيتًا. وقال عطاءٌ: ونَسِيتُ الثالثةَ (^٥).\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللَّهَ أيُّها الناسُ ذو علمٍ\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات ١/ ٣٤، والروياني في مسنده (٢٠٧) من طريق ابن وهب به.\n(^٢) في م: \"أنسابكم\".\n(^٣) أي: قريب بعضكم من بعض، والمعنى: كلكم في الانتساب إلى أب واحد بمنزلة واحدة في النقص والتقاصر عن غاية التمام، وشبههم في نقصانهم بالمَكِيل الذي لم يبلغ أن يملأ المكيال، ثم أعلمهم أن التفاضل ليس بالنسب ولكن بالتقوى. النهاية ٣/ ١٢٩.\n(^٤) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣٤٥٩) عن يونس به، وأخرجه الروياني في مسنده (٢٠٨) من طريق ابن وهب به، وأخرجه أحمد ٢٨/ ٥٤٨ (١٧٣١٣)، والطبراني ١٧/ ٢٩٥ (٨١٤)، والبيهقي في الشعب (٥١٤٦، ٦٦٧٧) من طريق ابن لهيعة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٨ إلى ابن مردويه.\n(^٥) تقدم تخريجه في ١٧/ ٢٤٤، ٣٥٤.","vol":"21","page":387},{"text":"بأَتقَاكُم عندَ اللَّهِ، وأكْرمِكم عندَه، ذو خبرةٍ بكم وبمصالِحكم، وغيرِ ذلك من أمورِكم [وأمورِ (^١) غيركم من خلقِه، فاتَّقوه، فإنه] (^٢) لا تَخْفَى عليه خافيةٌ.\n\n<span id=\"aya-4626\"></span><span data-type='title' id=toc-8751>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: قَالَتِ ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ (^٣) مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قالت الأعرابُ: صدَّقنا باللَّهِ ورسولِه، فنحنُ مؤمنون. قال اللَّهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهم: لم تُؤمنوا، ولَسْتم مؤمنين، ولكن قولوا: أسلمنا.\nوذُكر أن هذه الآيةَ نزَلت في أعرابِ (^٤) بني أسدٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوِله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾. قال: أعرابُ بني أسدِ بنِ خُزَيمةَ (^٥).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي من أجلِه قيل للنبيِّ ﷺ: قلْ لهؤلاء الأعرابِ: [قولوا: أسلَمْنا] (^٦)، ولا تقولوا: آمَنَّا. فقال بعضُهم: إنما أُمِر\n_________\n(^١) في الأصل: \"لأمور\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ت ٣: في هذا الموضع وما سيأتي من مواضع: \"يألتكم\"، وسيأتي بيان أنها قراءة في ص ٣٩٣.\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٦١٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٩٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) في الأصل: \"آمنا\"، وفي ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أسلمنا\".","vol":"21","page":388},{"text":"النبيُّ ﷺ بذلك؛ لأنّ القومَ كانوا صدَّقوا بألسنتِهم، ولم يصدِّقوا قولَهم بفعْلِهم، فقيل لهم: قولوا: أسْلَمنا؛ لأن الإسلامَ قولٌ، والإيمانَ قولٌ وعملٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. قال: إن الإسلامَ الكلمةُ، والإيمانَ العملُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، وأخبَرني الزهريُّ، عن عامرِ بن سعدِ بن أبي وقاصٍ، عن أبيه، قال: أعطَى النبيُّ ﷺ رجالًا، ولم يُعْطِ رجلًا منهم شيئًا، فقال سعدٌ: يا رسولَ اللَّهِ، أعطَيت فلانًا وفلانًا، ولم تُعْطِ فلانًا شيئًا، وهو مؤمنٌ. فقال النبيُّ ﷺ: \"أَوْ مُسلِمٌ\". حتَّى أعادَها سعدٌ ثلاثًا، والنبيُّ ﷺ يقولُ: \"أوْ مُسلِمٌ\". ثم قال النبيُّ ﷺ: \"إِنِّي أُعطِي رجالًا، وأدَعُ مَن هو أحَبُّ إليَّ منهم لا أُعْطيه شيئًا؛ مخافَةَ أَنْ يُكَبُّوا في النَّارِ على وُجُوهِهِم\" (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾. قال: لم يُصدِّقوا إيمانَهم بأعمالِهم، فردَّ اللَّهُ ذلك عليهم، ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، وأخبَرهم أن المؤمنين\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٦٨٤) من طريق ابن ثور به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٣، وعنه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٢/ ٣٣ - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه النسائي (٥٠٠٧) عن ابن عبد الأعلى به، وأخرجه أبو داود (٤٦٨٣) من طريق ابن ثور به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٤، والحميدي (٦٨)، وأحمد ٣/ ١٠٧ (١٥٢٢)، وأبو يعلى (٧٧٨)، وابن حبان (١٦٣)، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ١٩١ من طريق معمر به، وأخرجه البخاري (٢٧)، ومسلم (١٥٠/ ٢٣٧)، وأبو يعلى (٧١٤) من طريق الزهري به.","vol":"21","page":389},{"text":"﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾: صدَّقوا إيمانَهم بأعمالِهم، فمن قال منهم: أنا مؤمنٌ. فقد صدَق. قال: وأمَّا مَن انْتَحل الإيمانَ بالكلامِ ولم يعمَلْ فقد كذَب، وليس بصادقٍ.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيان، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. قال: هو الإسلامُ (^١).\nوقال آخرون: إنما أمَر اللَّهُ ﷿ النبيَّ ﷺ بقيلِ ذلك لهم؛ لأنهم أرادوا أن يتَسمَّوا بأسماءِ المهاجرين قبلَ أن يهاجِروا، فأعْلَمَهم اللَّهُ أن لهم أسماءَ الأعرابِ، لا أسماءَ المهاجرين.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ الآية. وذلك أنهم أرادوا أن يتسَمَّوا باسم الهجرةِ، وألا يتسَمَّوا بأسمائِهم التي سمَّاهم اللَّهُ، وكان هذا (^٢) في أوَّلِ الهجرةِ قبلَ أن تنزلَ المواريثُ لهم (^٣).\nوقال آخرون: قيل ذلك لهم؛ لأنهم مَنُّوا على رسولِ اللَّهِ ﷺ بإسلامِهم، فقال اللَّهُ لنبيِّه ﷺ: قلْ لهم: لم تُؤمِنوا، ولكن اسْتَسلَمتم خوفَ السِّباءِ والقَتْلِ.\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٣٦٨.\n(^٢) في م: \"ذلك\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٠ إلى المصنف وابن مردويه.","vol":"21","page":390},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾: ولَعَمْرِي ما عمَّت هذه الآيةُ الأعرابَ، إن من الأعرابِ مَن يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ، ولكن إنما أُنزِلت في حيٍّ من أحياءِ الأعرابِ (^١) امْتَنُّوا بإسلامِهم على نبيِّ اللَّهِ ﷺ، فقالوا: أسْلَمنا، ولم نُقاتِلك كما قاتَلك بنو فلانٍ وبنو فلانٍ. فقال اللَّهُ: لا تقولوا: آمنَّا، ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ حتى بلَغ: ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. قال: لم تعمَّ هذه الآيةُ الأعرابَ، إن من الأعرابِ مَن يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ ويَتَّخِذُ ما ينفقُ قُرُباتٍ عندَ اللَّهِ، ولكنها (^٣) طوائفُ من الأعرابِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن رَباحِ بنِ (^٥) أبي معروفٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. قال: اسْتَسْلَمْنا لخوفِ السِّباءِ والقتلِ (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١: \"من العرب\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٦٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٠ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) بعده في م: \"في\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٠ إلى ابن المنذر.\n(^٥) في م: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٤٧.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٦٨.","vol":"21","page":391},{"text":"﴿قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. قال: اسْتَسْلَمْنا (^١).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وقرَأ قولَ اللَّهِ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾: اسْتَسْلَمْنا؛ دخَلْنَا فِي السِّلْمِ، وترَكْنا المحاربةَ والقتالَ بقولِهم: لا إلهَ إِلَّا اللَّهُ. وقال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أُمِرتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ حتى يقولوا لا إلهَ إِلَّا اللَّهُ، فإذا قالوا لا إلهَ إِلَّا اللَّهُ، عصَموا مني دماءَهم وأموالَهم إلَّا بحقِّها، وحسابُهم على اللَّهِ\" (^٢).\nوأولى الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ ذلك القولُ الذي ذكَرْناه عن الزهريِّ، وهو أن اللَّهَ تقدَّم إلى هؤلاء الأعرابِ الذين دخَلوا في الملَّةِ إقرارًا منهم بالقولِ، ولم يُحقِّقوا قولَهم بعمَلِهم أن يقولوا بالإطلاقِ: آمنَّا. دونَ تقييدِ قولِهم ذلك بأن يقولوا: آمنَّا باللَّهِ ورسولِه. ولكن أمَرهم أن يقولوا القولَ الذي لا يُشْكِلُ على سامِعيهِ، والذي قائلُه (^٣) فيه مُحِقٌّ، وهو أن يقولوا: أسْلَمنا. بمعنى: دخَلْنا في الملةِ، [وحقَنَّا الدماءَ] (^٤) والأموالَ، بشهادةِ (^٥) الحقِّ.\nوقولُه: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولمَّا يدخلِ العلمُ بشرائعِ الإيمانِ وحقائقِ معانِيه في قلوبِكم.\nوقولُه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾. يقولُ تعالى\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٢٧٩.\n(^٢) الحديث المرفوع أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ١٢٢، والبخاري (١٣٩٩)، ومسلم (٢١/ ٣٥)، وأبو داود (٢٦٤٠)، والترمذي (٢٦٠٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٥٨٥١ - ٥٨٦١)، والبيهقي ٣/ ٩٢ وغيرهم من حديث أبي هريرة.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٣: \"قائلهم\".\n(^٤) سقط من ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في ص، ت ٣: \"الشهادة\"، وفي م، ت ١: \"والشهادة\".","vol":"21","page":392},{"text":"ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ لهؤلاء الأعرابِ القائلين: آمنَّا. ولمَّا يدخلِ الإيمانُ في قلوبِهم (^١): إن تُطِيعوا اللَّهَ ورسولَه أيُّها القومُ، فتأتَمِروا لأمْرِه وأمرِ رسولِه، وتعمَلوا بما فرَض عليكم، وتنتَهوا عمَّا نهاكم عنه ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾. يقولُ: لا يَظْلِمْكم من أجورِ أعمالِكم شيئًا، ولا يَنْقُصْكم من ثوابِها شيئًا\nوبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ (^٢) ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾: لا يَنقُصْكم (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾. يقولُ: لن يظلِمَكم من أعمالِكم شيئًا (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال: إن تُصَدِّقوا إيمانَكم بأعمالِكم يَقْبَلْ ذلك منكم.\nوقرَأت قرَأةُ الأمصارِ: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾. بغيرِ همزٍ ولا ألفٍ، سِوَى أبي عمرٍو، فإنَّه قرَأ ذلك: (لا يأْلِتْكُمْ). بألفٍ (^٥)، اعتبارًا منه في ذلك بقولِه: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]. فمن قال: ألَت. قال: يَأْلَتُ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قلوبكم\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦١٢، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١٥ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) السبعة لابن مجاهد ص ٦٠٦.","vol":"21","page":393},{"text":"وأمّا الآخرون فإنهم جعَلوا ذلك من لاتَ يَلِيتُ، كما قال رُؤْبةُ بنُ العجَّاجِ (^١):\nوَلَيْلَةٍ ذَاتِ نَدًى سَرَيْتُ\nولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُرَاها لَيْتُ\nوالصوابُ من القراءةِ عندَنا في ذلك ما عليه قرَأةُ المدينةِ والكوفةِ: ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾. بغيرِ ألفٍ ولا همزٍ (^٢)، على لغةِ مَن قال: لاتَ يَلِيتُ. لعِلَّتَين: إحْدَاهما: إجماعُ الحُجَّةِ من القرَأةِ عليها. والثانيةُ: أنها في المصحفِ بغيرِ ألفٍ، ولا تسقطُ الهمزةُ في مثلِ هذا الموضعِ؛ لأنها ساكنةٌ، والهمزةُ إذا سكَنت ثَبَتت، كما يقالُ: تأمُرون وتأكُلون. وإنما تسقطُ إذا سكَن ما قَبْلَها، ولا يُحْمَلُ حرفٌ في القرآنِ أتَى بلغةٍ على آخَرَ جاء بلغةٍ خلافِها إذا كانت اللغتان (^٣) معروفتين من (^٤) كلام العرب. وقد ذكَرنا أن ألَتَ ولاتَ لغتانِ معروفتان مِن كلامِهم.\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللَّهَ ذو عَفْوٍ أَيُّها الأعرابُ لمن (^٥) أطاعَه وتاب إليه مِن سالفِ ذنوبِه، فأطِيعوه وانْتَهُوا إلى أمرِه ونَهْيِه يَغْفرْ لكم ذنوبَكم، رحيمٌ بخَلقِه التائبين إليه أن يعاقِبَهم بعدَ توبتهم مِن ذنوبِهم على ما قد (^٦) تابوا منه، فتُوبوا إليه يَرْحَمْكُم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: غفورٌ للذنوبِ الكثيرةِ، أو الكبيرةِ - شكَّ يزيدُ - رحيمٌ بعبادِه (^٧).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٤/ ٤١٣، ١٥/ ٤٧٩.\n(^٢) بل القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٣) في الأصل: \"اللغتين\"، وهو خطأ بين.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".\n(^٥) في الأصل: \"من\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر","vol":"21","page":394},{"text":"<span id=\"aya-4627\"></span><span data-type='title' id=toc-8752>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه للأعرابِ الذين قالوا: آمنَّا. ولم يدخُلِ الإيمانُ في قلوبِهم: إنما المؤمنون، أيُّها القومُ، الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾. يقولُ: ثم لم يشكُّوا في وحدانيةِ اللَّهِ، ولا (^١) نبوَّةِ نبيِّه ﷺ، وألزَم نفسَه طاعةَ اللَّهِ وطاعةَ رسولِه، والعملَ بما وجَب عليه من فرائضِ اللَّهِ، بغيرِ شكٍّ منه في وجوبِ ذلك عليه، ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: وجاهَدوا المشركين بإنْفاقِ أموالِهم وبذْلِ مُهَجِهم في جهادِهم، على ما أمَرَه (^٢) اللَّهُ به من جهادِهم، وذلك سبيلُه، لتكونَ كلمةُ اللَّهِ العُلْيا وكلمةُ الذين كفَروا السُّفْلَى.\nوقولُه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين يفعَلون ذلك هم الصادقون في قولِهم: إنا مؤمنون. لا مَن دخَل في الملةِ خوفَ السَّيفِ، ليَحْقِنُ دَمَه ومالَه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. قال: صدَّقوا إيمانَهم بأعمالِهم.\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".\n(^٢) في م: \"أمرهم\".","vol":"21","page":395},{"text":"<span id=\"aya-4628\"></span><span data-type='title' id=toc-8753>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاءِ الأعرابِ القائلين: آمنَّا. ولمَّا يدخلِ الإيمانُ في قلوبِهم: ﴿أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ﴾ أيُّها القومُ، ﴿بِدِينِكُمْ﴾. يعني: بطاعتِكم ربَّكم، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: واللَّهُ الذي تُعَلِّمونه أنكم مؤمنون، عَلَّامُ جمِيعِ ما في السماواتِ السبعِ والأرَضِينَ السبعِ، لا يَخْفى عليه شيءٌ منه فكيف تُعلِّمونه بدينِكم والذي أنتم عليه من الإيمانِ، وهو لا تخفَى عليه خافيةٌ في سماءٍ ولا أرضٍ، فيخفى عليه ما أنتم عليه من الدينِ؟ ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ بكلِّ ما كان، وما هو كائنٌ، وما (^١) يكونُ - ذو علمٍ. وإنما هذا تقدُّمٌ من اللَّهِ إلى هؤلاء الأعرابِ بالنَّهْيِ عن أن يكذِّبوا ويقولوا غيرَ الذي هم عليه في دينِهم. يقولُ: اللَّهُ محيطٌ بكلِّ شيءٍ، عالمٌ به، فاحْذَروا أن تقولوا خلافَ ما يعلمُ مِن ضمائرِ صدورِكم، فَتَنالَكم عقوبتُه، فإنَّه لا يَخْفَى عليه شيءٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8754>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يَمُنُّ عليك هؤلاء الأعرابُ يا محمدُ أنْ أسلَموا، قلْ لهم (^٢): ﴿لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾. يقولُ: بل اللَّهُ يَمُنُّ عليكم أيُّها القومُ أَنْ وفَّقَكم للإيمانِ به وبرسولِه، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم صادقين في قولِكم: آمنَّا.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بما\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":396},{"text":"فإن اللَّهَ هو الذي يَمُنُّ عليكم بأن هدَاكم له، فلا تَمُنُّوا عليَّ بإسلامِكم.\nوذُكِر أن هؤلاء الأعرابَ مِن بني أسدٍ، امْتَنُّوا على رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقالوا: آمنَّا من غيرِ قتالٍ، ولم نقاتِلْك كما قاتَلك غيرُنا. فأَنزَلَ اللَّهُ فيهم هذه الآياتِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾: أهم بنو أسدٍ؟ قال: قد قيل ذلك.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، قال: قلتُ لسعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾: أهم بنو أسدٍ؟ قال: يزعُمون ذلك.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي عَمْرةَ، قال: كان بشرُ بنُ غالبٍ ولَبيدُ بنُ عُطارَدٍ، [أو بشرُ بنُ عُطَارِدٍ، ولَبيدُ بنُ غالبٍ] (^١)، عندَ الحَجاجِ جالسَين، فقال بشرُ بنُ غالبٍ للبيدِ بن عُطَاردٍ: نزَلت في قومِك من (^٢) بني تميمٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾. فذكَرتُ ذلك لسعيدِ بنِ جُبيرٍ، فقال [له: أمَا] (^٣) إنه لو عَلِم بآخرِ الآيةِ أجابَه؛ ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾، قالوا: أسْلَمْنا ولم نُقاتِلْك. بنو أسدٍ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَا تَمُنُّوا\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٣٤٧.","vol":"21","page":397},{"text":"[عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾. قال: مَنُّوا على النبي ﷺ، حيث جاءوه فقالوا] (^١): إِنَّا أَسْلَمْنَا بِغَيْرِ قتالٍ، لم نُقاتِلْك كما قاتَلك بنو فلانٍ وبنو فلانٍ. فقال اللَّهُ لنبيِّه ﷺ: ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4629\"></span>حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾. قال: فهذه الآياتُ نزلت في الأعرابِ.\n\n<span id=\"aya-4630\"></span><span data-type='title' id=toc-8755>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن اللَّهَ أيُّها الأعرابُ لا يَخْفَى عليه الصادقُ منكم من الكاذبِ، ومَن الداخلُ منكم في ملةِ الإسلامِ رغبةً فيه، ومَن الداخلُ فيه رَهْبَةً مِن رسولِنا محمدٍ ﷺ وجُندِه، فلا تعلِّمونا دينَكم وضمائرَ صدورِكم، فإن اللَّهَ يعلمُ ما تُكِنُّه ضمائرُ صدورِكم وتحدِّثون به أنفسَكُم، ويعلمُ ما غاب عنكم، فاسْتَسَرَّ في خبايا السماواتِ والأرضِ، لا يَخْفى عليه شيءٌ مِن ذلك، ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: واللَّهُ ذو بَصَرٍ بأعمالِكم التي تَعملونها؛ أجَهْرًا تعمَلون أم سِرًّا، طاعةً تعمَلون أو معصيةً، وهو مجازيكم على جميعِ ذلك، إنْ خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ وكُفُؤُه.\nو﴿أَنْ﴾ في قولِه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ في موضعِ نصبٍ، بوقوعِ ﴿يَمُنُّونَ﴾ عليها. وذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ إسْلامَهُمْ)، وذلك دليلٌ على صحَّةِ ما قُلنا. ولو قيل: هي نصبٌ بمعنى: يَمُنُّون عليك لأن\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٣ عن معمر به.","vol":"21","page":398},{"text":"أسْلَموا. لكان وجْهًا يتَّجِهُ. وقال بعضُ أهلِ العربيةِ: هي في موضعِ خفضٍ، بمعنى: لأن أسْلموا.\nوأما ﴿أَنْ﴾ التي في قولِه: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ﴾؛ فإنها في موضعِ نصبٍ بسقوطِ الصِّلةِ. لأن معنى الكلامِ: بل اللَّهُ يَمُنُّ عليكم بأن هَدَاكم للإيمانِ.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"الحجراتِ\"","vol":"21","page":399},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-4631\"></span><span data-type='title' id=toc-8756>تفسيرُ سورةِ \"ق\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-8757>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ </span>(٢)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قوله: ﴿ق﴾؛ فقال بعضُهم: هو اسمٌ من أسماءِ اللَّهِ تعالى أقْسَم به.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿ق﴾، و﴿ن﴾ وأشباهِ هذا: فإنه قَسَمٌ [أقسَم اللَّهُ به] (^١)، وهو اسمٌ من أسماءِ اللَّهِ (^٢).\nوقال آخرون: هو اسمٌ من أسماءِ القرآنِ.\n[ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿ق﴾. قال: اسمٌ من أسماءِ القرآنِ] (^٣) (^٤).\n[وقال آخرون: معنَى ذلك: قُضِي واللَّهِ. كما قيل في ﴿حم﴾: حُمَّ واللَّهِ] (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أقسمه اللَّه\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠١ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":400},{"text":"وقال آخرون: ﴿ق﴾. اسمُ الجبلِ المحيطِ بالأرضِ.\nوقد تقدَّم بيانُنا (^١) تأويلَ حروفِ المعجمِ التي في أوائلِ سورِ القرآنِ، بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾. يقولُ: والقرآنِ الكريمِ.\nكما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن أشعثَ بنِ إسحاقَ، عن جعفرِ بنِ أبي المغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾. قال: الكريمِ.\nواختلَف أهلُ العربيةِ في موضعِ جوابِ هذا القَسَمِ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾. قَسَمٌ على قولِه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾.\nوقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ (^٣): ﴿ق﴾ فيها المعنى الذي أقْسَم به. وقال: ذُكِر أنها: قُضِيَ واللَّهِ. وقال: يقالُ: إن \"قاف\" جبلٌ محيطٌ بالأرضِ. فإن يكنْ كذلك فكأنَّه في موضعِ رفعٍ، أي: هو قافٌ واللَّهِ، قال: وكان يَنْبَغي لرفعِه أن يَظْهَرَ؛ لأنه اسمٌ وليس بهجاءٍ. قال: ولعلَّ القافَ وحْدَها ذُكِرت من اسْمِه، كما قال الشاعرُ (^٤):\n* قلتُ لها قِفِي فقالت (^٥) قافْ *\nذَكَرت القافَ إرادةَ القافِ من الوقفِ، أي: إنِّي واقفةٌ.\nوهذا القولُ الثاني عندنا أولى القولين بالصوابِ؛ لأنه لا يُعرفُ في أجوبةِ\n_________\n(^١) بعده في م: \"في\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٠٤ - ٢٢٨.\n(^٣) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٧٥.\n(^٤) تقدم في ١/ ٢١٦.\n(^٥) في م، واللسان: \"لنا قالت\".","vol":"21","page":401},{"text":"الأَيْمانِ \"قد\"، وإنما تجابُ الأيمانُ إذا أُجِيبت بأحدِ الحروفِ الأربعةِ: \"اللامُ\"، و\"إن\"، و\"ما\"، و\"لا\"، أو يُتْرَكُ (^١) جوابُها، فيكونُ ساقطًا.\n\n<span id=\"aya-4632\"></span>وقولُه: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ما كذَّبك يا محمدُ مشرِكو قومِك ألَّا يكونوا عالِمين بأنَّك صادقٌ محقٌّ، ولكِنَّهم كذَّبوك تعجُّبًا مِن أن جاءهم منذرٌ يُنْذِرُهم عقابَ اللَّهِ منهم؛ يعني بشرًا منهم من بني آدمَ، ولم يأْتِهم مَلَكٌ برسالةٍ من عندِ اللَّهِ.\nوقولُه: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فقال المكذِّبون باللَّهِ ورسولِه من قريشٍ إذ جاءهم منذرٌ مِنهم: ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. أي: مجيءُ رجلٍ منَّا من بني آدمَ برسالةِ اللَّهِ إلينا (^٢) [شيءٌ عجيبٌ] (^٣)، هَلَّا أُنزِل إليه مَلَكٌ فيكونَ معه نذيرًا!\n\n<span data-type='title' id=toc-8758>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ </span>(٤)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ القائلُ: لم يَجْرِ للبعثِ ذكرٌ فيُخْبِرَ عن هؤلاء القومِ بكفرِهم ما دُعُوا إليه مِن ذلك، [فما وجهُ] (^٤) الخبرِ عنهم بإنكارِهم ما لم يُدعَوا إليه، وجوابِهم (^٥) عما لم يُسألوا عنه؟ قيل: قد اختَلَف أهلُ العربيةِ في ذلك، فنذكُرُ ما قالوا في ذلك، ثم نُتْبِعُه البيانَ إن شاءَ اللَّهُ تعالى؛ فقال في ذلك بعضُ نحويِّي\n_________\n(^١) في م: \"بترك\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"ترك\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في الأصل: \"فيما وجهوا\".\n(^٥) في الأصل: \"جاوبهم\".","vol":"21","page":402},{"text":"<span id=\"aya-4633\"></span>البصرةِ: قال: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. ولم يَذْكُرْ أنّه راجعٌ، وذلك - واللَّهُ أعلمُ - لأنه كان على جوابٍ؛ كأنه قيل لهم: إنَّكم ترجِعون. فقالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾.\nوقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ (^١): قولُه: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾. كلامٌ لم يَظْهَرْ قبلَه ما يكونُ هذا جوابًا له، ولكن معناه مضمَرٌ، إنما كان - واللَّهُ أعلمُ -: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، لَتُبْعَثُنَّ بعدَ الموتِ. فقالوا: أإذا كنا ترابًا بُعِثنا؟ جحَدوا البعثَ، ثم قالوا: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. جحَدوه أصلًا، قولُه: ﴿بَعِيدٌ﴾. كما تقولُ للرجلِ يُخَطِئُ في المسألةِ: لقد ذهَبتَ مذهبًا بعيدًا من الصوابِ. أي: أخطَأتَ.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أن في هذا الكلامِ متروكًا، اسْتُغنِيَ بدلالةِ ما ذُكِر عليه من ذِكْرِه؛ وذلك أن اللَّهَ دلَّ بخبرِه عن تكذيبِ هؤلاء المشركين، الذين ابتَدَأ هذه السورةَ بالخبرِ عن تكذيبِهم رسولَه محمدًا ﷺ، بقولِه: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾؛ على وعيدِه إيَّاهم على تكذيبِهم محمدًا ﷺ، فكأنَّه قال لهم - إذ قالوا مُنكِرين رسالةَ اللَّهِ رسولَه محمدًا ﷺ: ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ -: ستَعْلَمون أيها القومُ إذا أنتم بُعِثتُم يومَ القيامةِ، ما يكونُ حالُكم في تكذيبِكم محمدًا ﷺ وإنكارِ كم نبوَّتَه. فقالوا مُجِيبين رسولَ اللَّهِ ﷺ: أإذا مِتْنا وكنا ترابًا نَعْلَمُ ذلك، ونَرَى ما تَعِدُنا على تكذيبِك؟ ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾! أي: إن ذلك غيرُ كائنٍ، ولَسْنا راجِعين أحياءً بعدَ مماتِنا. فاسْتُغنى بدلالةِ قولِه: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ مِن ذِكْرِ ما ذكَرتُ من الخبرِ عن وعيدِهم.\nوفيما حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال:\n_________\n(^١) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٧٥، ٧٦.","vol":"21","page":403},{"text":"سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾: قالوا: كيف يُحيينا اللَّهُ وقد صِرْنا عظامًا ورُفاتًا وضلَلْنا في الأرضِ؟ - دلالةٌ على صحةِ ما قلنا مِن أنهم أنكَروا البعثَ إذ تُوعِّدوا به.\n\n<span id=\"aya-4634\"></span>وقولُه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قد علِمنا ما تأكُلُ الأرضُ من أجسامِهم بعدَ مماتِهم، وعندَنا كتابٌ بما تأكلُ الأرضُ وتُفْنِي من أجسامِهم، ولهم كتابٌ مكتوبٌ، مع عِلْمِنا بذلك، حافظٌ لذلك كلِّه. وسمَّاه تعالى ذكرُه حفيظًا؛ لأنه لا يَدْرُسُ ما كُتِب فيه ولا يتغيَّرُ ولا يَتبدَّلُ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: ما تأكُلُ الأرضُ من لحومِهم وأبشارِهم وعظامِهم وأشعارِهم (^١).\nوحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. قال: من عظامِهم (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: ما تأكُلُ الأرضُ منهم.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٢ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦١٣.","vol":"21","page":404},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. قال: يعني الموتَ. يقولُ: مَن يموتُ منهم، أو قال: ما تأكُلُ الأرضُ منهم إذا ماتوا (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ. قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِ اللَّهِ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: ما أَكَلَتِ الأرضُ منهم ونحن به عالِمون، وهم عندي، مع عِلْمي فيهم، في كتابٍ حفيظٍ.\n\n<span id=\"aya-4635\"></span><span data-type='title' id=toc-8759>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه: ما أصابَ هؤلاء المشركون القائلون: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. في قِيلِهم هذا، ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾، وهو القرآنُ ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ من اللَّهِ.\nكالذي حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾. أي: كذَّبوا بالقرآنِ.\n﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾. يقولُ: فهم في أمرٍ مختلِطٍ عليهم ملتبِسٍ، لا يعرِفون حقَّه من باطلِه. [من قولِهم] (^٢): قد مَرِج أمرُ الناسِ. إذا اخْتَلَط وأُهْمِلَ.\nوقد اختلَفت عباراتُ أهلِ التأويلِ في تأويلِها، وإن كانت متقارباتِ المعاني؛ فقال بعضُهم: معناها: فهم في أمرٍ مُنكَرٍ. وقال: المَرِيجُ هو الشيءُ المنكَرُ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٦ عن معمر به.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفي م: \"يقال\".","vol":"21","page":405},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بنِ خِدَاشٍ، قال: ثنى سَلْمُ بنُ قُتيبةَ، عن وهَبِ بنِ حبيبٍ الأَسَدِيِّ (^١)، عن [أبي جَمْرةَ] (^٢)، عن ابنِ عباسٍ، أنه سُئل عن قولِه: ﴿أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾. قال: المريجُ: الشيءُ المُنكَرُ، أما سمِعتَ قولَ الشاعرِ (^٣):\nفجالَتْ والْتَمَسْتُ به حَشاها … فخَرَّ (^٤) كأنه خُوطٌ (^٥) مَرِيجُ (^٦)\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: في أمرٍ مختلِفٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾. يقولُ: مختلِفٍ (^٧).\nوقال آخرون: بل معناه: في أمرٍ ضلالةٍ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"الآمدي\". وقد تقدم على الصواب في ١٤/ ٢٩٨. وينظر ثقات ابن حبان ٧/ ٥٥٨.\n(^٢) في م: \"أبي حمزة\".\n(^٣) البيت في ديوان الهذليين ٣/ ١٠٣ في شعر عمرو بن الداخل. ونسبه الأزهري في تهذيب اللغة ١١/ ٧٢ إلى الهذلي ولم يسمه. ونسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٢٢٣ إلى أبي ذؤيب الهذلي، وليس في ديوانه.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فحط\".\n(^٥) الخوط: الغصن. والخوط المريج: أي غصن له شعب قصار قد التبست. تهذيب اللغة ١١/ ٧٢.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٧) في الأصل: \"مختلط\". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٣ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٢ إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":406},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾. قال: هم في أمرٍ ضلالةٍ (^١).\nوقال آخرون: بل معناه: في أمرٍ مُلْتَبِسٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن أشعثَ بنِ إسحاقَ، عن جعفرِ بنِ أبي المغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾. قال: مُلْتَبِسٍ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ. قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾. قال: مُلْتَبِسٍ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ مُلْتَبِسٍ عليهم أمرُه.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: [تَلا قتادةُ هذه الآيةَ: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾. قال: مَن ترَك الحقَّ مرَج عليه رأيُه] (^٤)، والْتَبَس عليه دينُه (^٥).\nوقال آخرون: بل هو المختلِطُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٢ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٣٥٦.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦١٣. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٦ عن معمر به.","vol":"21","page":407},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾. قال: المَرِيجُ المختلِطُ (^١).\nوإنما قلتُ: هذه العباراتُ وإن اختَلَفت ألفاظُها (^٢) فهي في المعنى متقارباتٌ؛ لأن الشيءَ المختلِفَ (^٣) ملتبِسٌ معناه مُشْكِلٌ، وإذ كان كذلك كان منكَرًا؛ لأن المعروفَ واضحٌ بَيِّنٌ، وإذ كان غيرَ معروفٍ، كان لا شكَّ ضلالةً؛ لأن الهُدَى بَيِّنٌ لا لَبْسَ فيه.\n\n<span id=\"aya-4636\"></span>وقولُه: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفلم يَنْظُرُ هؤلاء المكذبون بالبعثِ بعدَ الموتِ، المنكِرون قدرتَنا على إحيائِهم بعدَ بِلاهم، ﴿إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ فسَوَّيناها سقفًا محفوظًا، ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ بالنجومِ، ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾. يعني: وما لها من صُدوعٍ وفُتُوقٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْ فُرُوجٍ﴾. قال: شَقٍّ (^٤).\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٥.\n(^٢) في الأصل: \"الألفاظ بها\".\n(^٣) في م: \"مختلف\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦١٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":408},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ (^١) في قولِه: ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾. قلتُ له - يعني لابنِ زيدٍ -: الفروجُ: الشيءُ المُتَبرِّئُ بعضُه من بعضٍ؟ قال: نعم.\n\n<span id=\"aya-4637\"></span><span data-type='title' id=toc-8760>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكره: والأرضَ بسَطناها، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾. يقولُ: وجعَلنا فيها جبالًا ثوابتَ رسَتْ في الأرضِ، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأَنْبَتْنا في الأرضِ من كلِّ نوعٍ من نباتٍ حسنٍ. وهو البهيجُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿بَهِيجٍ﴾. يقولُ: حسنٍ.\nحدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾: الرواسي الجبالُ، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. أي: من كلِّ زوجٍ حسنٍ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قلتُ لابنِ زيدٍ: البَهيجُ هو\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال: قال ابن زيد\".\n(^٢) أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢١٩ شطره الأول من طريق سعيد به، وتقدم أيضًا في ١٦/ ٢٦١، وأخرج شطره الثاني عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٣ عن معمر عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"21","page":409},{"text":"الحسنُ المنظرِ؟ قال: نعَمْ (^١).\n\n<span id=\"aya-4638\"></span>وقولُه: ﴿تَبْصِرَةً﴾. يقولُ: فعَلْنا ذلك تبصرةً لكم أيُّها الناسُ نُبَصِّرُكم (^٢) بها قدرةَ ربِّكم على ما يَشاءُ، ﴿وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. يقولُ: وتذكيرًا من اللَّهِ عظمتَه وسلطانَه، وتنبيهًا على وحدانيتِه، ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. يقولُ: لكلِّ عبدٍ رجَع إلى الإيمان باللَّهِ والعملِ بطاعتِه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَبْصِرَةً﴾: نعمةً من اللَّهِ يُبَصِّرُها العبادَ، ﴿وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. أي مُقْبِلٍ بقلبِه إلى اللَّهِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى﴾. قال: تبصرةً من اللَّهِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تَبْصِرَةً﴾. قال: بصيرةً (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا، مِهرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عطاءٍ\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٣٥٧.\n(^٢) في الأصل: \"يبصركم\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"تبصركم\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦١٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد.","vol":"21","page":410},{"text":"ومجاهدٍ: ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. قالا: مخْبِتٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-4639\"></span><span data-type='title' id=toc-8761>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ونزَّلنا من السماءِ مطرًا مباركًا، فأنبَتنا به بساتينَ أشجارٍ، وحبَّ الزرعِ المحصودِ من البُرِّ والشعيرِ وسائرِ أنواعِ الحبوبِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾: هذا البُرُّ والشعيرُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾. قال: هو البُرُّ والشعيرُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾. قال: الحِنْطةُ (^٣).\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ في قولِه: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾: الحبُّ وهو الحصيدُ، وهو مما أُضِيفَ إلى نفسِه، مثلَ قولِه: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥].\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مجيب\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٦، ٢٣٧ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦١٣. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد.","vol":"21","page":411},{"text":"<span id=\"aya-4640\"></span>وقولُه: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾. يقولُ: وأنبَتْنا بالماءِ الذي أنزَلنا من السماءِ النخلَ طوالًا. والباسقُ هو الطويلُ، يُقالُ للنخلِ (^١) الطويلِ: نخيلٌ (^٢) باسقٌ. كما قال أبو نوفلٍ لابنِ هُبَيرةَ (^٣):\nيا بنَ الذين بفَضلِهمْ … بَسْقَتْ على قَيْسٍ فَزارَهُ\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿بَاسِقَاتٍ﴾. يقولُ: طِوَالًا (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾. قال: النخلَ الطِّوَالَ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن شدَّادِ في قولِه: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾. قال: بُسوقُها: طُولُها في إقامةٍ (^٥).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ في قولِه:\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"للجبل\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جبل\".\n(^٣) البيت في اللسان (ب س ق).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٤ - من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٢ إلى ابن المنذر.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٢ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"21","page":412},{"text":"﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾. قال: الباسقاتُ: الطِّوَالُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بَاسِقَاتٍ﴾. قال: الطِّوَالَ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾. قال: بُسوقُها: طولُها.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾. قال: يعني طولَها (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾. قال: البُسوقُ: الطولُ.\nوقولُه: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾. يقولُ: لهذا النخلِ الباسقاتِ طَلْعٌ، وهو الكُفُرَّى (^٤)، ﴿نَضِيدٌ﴾. يقولُ: منضودٌ بعضُه على بعضٍ متراكبٌ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾. قال: يقولُ: بعضُه على\n_________\n(^١) أخرجه مسدد - كما في المطالب (٤١١٣) - عن أبي الأحوص به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦١٣.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٦، ٢٣٧ عن معمر به.\n(^٤) الكُفُرَّى والكَفَرَّى والكِفِرَّى والكُفَرَّى: وعاء طلع النخل. اللسان (ك ف ر).","vol":"21","page":413},{"text":"بعضٍ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿نَضِيدٌ﴾. قال: المنضَّدُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾. يقولُ: بعضُه على بعضٍ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾: نُضِّدَ (^٣) بعضُه على بعضٍ.\n\n<span id=\"aya-4641\"></span>وقولُه: ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾. يقولُ: أنبَتْنا بهذا الماءِ الذي أنزَلْناه من السماءِ هذه الجناتِ والحبَّ والنخلَ قوتًا للعبادِ بعضُها وغذاءً، وبعضُها فاكهةً ومتاعًا.\nوقولُه: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأحيَيْنا بهذا الماءِ الذي أنزَلْناه من السماءِ بلدةً ميتًا قد أجدَبت وقحَطت، فلا زرعَ فيها ولا نبتَ.\nوقولُه: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كما أنبَتْنا بهذا الماءِ هذه الأرضَ الميتةَ، فأحيَيْناها به فأخرَجْنا نباتَها وزرعَها، كذلك نُخرِجُكم يومَ القيامةِ أحياءً من قبورِكم من بعدِ بِلاكم فيها، بما نُنَزِّلُ عليها من الماءِ.\n\n<span id=\"aya-4642\"></span><span data-type='title' id=toc-8762>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٦، ٢٣٧ عن معمر به.\n(^٣) في م: \"ينضد\".","vol":"21","page":414},{"text":"وَعِيدِ (١٤)﴾.\n\n<span id=\"aya-4643\"></span>قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبت قبلَ هؤلاء المشرِكين الذين كذَّبوا محمدًا من قومِه - قومُ نوحٍ وأصحابُ الرَّسِّ [وثمودُ وعادٌ وفرعونُ وإخوانُ لوطٍ وأصحابُ الأيكةِ. وهم قومُ شعيبٍ] (^١).\nوقد مضى ذكرُنا قبلُ أمرَ أصحابِ الرسِّ، وأنهم قومٌ رسُّوا (^٢) نبيَّهم في بئرٍ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي بُكَيْرٍ (^٤)، عن عكرِمةَ بذلك (^٥).\n\n<span id=\"aya-4644\"></span>حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾: والرسُّ بئرٌ قُتِل فيها صاحبُ يس (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾. قال: بئرٌ (^٧).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا عمرُو بنُ الحارثِ، عن سعيدِ بن أبي هلالٍ، عن عمرِو بنِ عبدِ اللَّهِ، عن قتادةَ أنه قال: إن أصحابَ الأيكةِ - والأيكةُ: الشجرُ الملتَفُّ - وأصحابَ الرسِّ كانتا أمَّتين، فبعَث اللَّهِ إليهما (^٨) نبيًّا\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) رسُّوا: دفنوا. اللسان (ر س س).\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١٧/ ٤٥١ - ٤٥٥.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبو بكر\". وهو أبو بكير مرزوق التيمي الكوفي. تهذيب الكمال ٢٧/ ٣٧٥.\n(^٥) تقدم تخريجه في ١٧/ ٤٥٢.\n(^٦) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٣٥٣.\n(^٧) تقدم في ١٧/ ٤٥٢.\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إليهم\".","vol":"21","page":415},{"text":"واحدًا؛ شعيبًا، وعذَّبهما اللَّهُ بعذابين (^١) (^٢).\n\n﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾: وكان قومُ تُبَّعٍ أهلَ أوثانٍ يَعْبُدونها، فيما حدَّثنا به ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ (^٣).\nوكان من خبرِه وخبرِ قومِه، ما حدَّثنا به مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا عمرانُ بنُ حُدَيرٍ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه سأَل عبدَ اللَّهِ بنَ سلامٍ عن تُبَّعٍ ما كان؟ فقال: إن تُبَّعًا كان رجلًا من العربِ، وإنه ظهَر على الناسِ، فاختار فِتيةً من الأحبارِ (^٤) فاستبطَنهم واستدخَلهم، حتى أخَذ منهم وتابَعهم (^٥)، وإن قومَه استَنكَروا (^٦) ذلك وقالوا: قد ترَك دينَكم وتابَع (^٧) الفِتيةَ. فلما فشا ذلك قال للفتيةِ، [فقال الفتيةُ] (^٨): بينَنا وبينَهم النارُ؛ تَحرِقُ الكاذبَ، ويَنْجو منها الصادقُ. ففعَلوا، فعلَّق الفتيةُ مصاحفَهم في أعناقِهم ثم غدَوا إلى النارِ، فلما ذهَبوا أن يَدْخُلوها سفَعت النارُ (^٩) وجوهَهم، فنكَصوا عنها، فقال لهم: لتَدْخُلُنَّها. فلما دخَلوها أفرَجت عنهم حتى قطَعوها، وأنه قال لقومِه: ادخُلوها. فلما ذهَبوا يَدْخُلونها سفَعت النارُ وجوهَهم، فنكَصوا عنها، فقال لهم تُبَّعٌ: لتَدْخُلُنَّها. فلما\n_________\n(^١) تقدم في ١٧/ ٦٣٧، ٦٣٨ بنحوه، وفيه: \"أهل مدين\". بدل: \"أصحاب الرس\".\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وهم قوم شعيب وقد مضى خبرهم قبل\". وينظر في خبر هؤلاء جميعًا ١٠/ ٣١٠ - ٣٢٧، ١٢/ ٥٣٧ - ٥٦١، ١٧/ ٦٣٢ - ٦٤١.\n(^٣) سيرة ابن هشام ١/ ٢٣.\n(^٤) في م، ت ١: \"الأخيار\".\n(^٥) في م، ت ١: \"بايعهم\".\n(^٦) في م، ت ٢، ت ٣: \"استكبروا\".\n(^٧) في م، ت ٢، ت ٣: \"بايع\".\n(^٨) سقط من: ت ١. وفي الأصل: \"فقال للفتية\".\n(^٩) بعده في م: \"في\".","vol":"21","page":416},{"text":"دخَلوها أفرَجت عنهم، حتى إذا توسَّطوها أحاطت بهم فأحرَقتهم، فأسلَم تُبَّعٌ، وكان رجلًا صالحًا (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن أبي مالكِ بنِ ثعلبةَ بنِ أبي مالكٍ القُرَظيِّ، قال: سمِعتُ إبراهيمَ بنَ محمدِ (^٢) بنِ طلحةَ بنِ عبيدِ (^٣) اللَّهِ يُحدِّثُ أن تُبَّعًا لما دنا من اليمنِ ليَدْخُلَها، حالت حِمْيَرُ دينِه وبينَ ذلك، وقالوا: لا تَدْخُلْها علينا وقد فارَقتَ دينَنا. فدعاهم إلى دينِه وقال: إنه (^٤) خيرٌ من دينِكم. قالوا: فحاكِمْنا إلى النارِ. قال: نعَمْ. قال: وكانت باليمنِ - فيما يَزْعُمُ أهلُ اليمنِ - نارٌ تَحْكُمُ فيما بينَهم فيما يَخْتَلِفون فيه؛ تَأْكُلُ الظالمَ ولا تَضُرُّ المظلومَ، فلما قالوا ذلك لتُبَّعٍ، قال: أنصَفتُم. فخرَج قومُه بأوثانِهم وما يتقرَّبون به في دينِهم. قال: وخرَج الحَبْران بمصاحفِهما في أعناقِهما مُتَقلِّدَيها، حتى قعَدوا للنارِ عندَ مخرجِها التي تَخْرُجُ منه، فخرَجت النارُ إليهم، فلما أقبَلت نحوَهم حادُوا عنها وهابوها، فذَمَرهم (^٥) مَن حضَرهم من الناسِ، وأمَروهم بالصبرِ لها، فصبَروا حتى غشِيتْهم، فأكَلت الأوثانَ وما قرَّبوا معها ومن حمَل ذلك من رجالِ حِميَرَ، وخرَج الحبرانِ بمصاحفِهما في أعناقِهما، تَعْرَقُ جباهُهما، لم تضرَّهما، فأَصْفَقَت (^٦) حِمْيَرُ عندَ ذلك على دينِه. فمن هنالك وعن (^٧) ذلك كان أصلُ اليهوديةِ باليمنِ (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١١/ ٧ من طريق يزيد بن زريع به بنحوه. وأخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٦٦ من طريق عمران بن حدير بنحوه.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"القرظي قال سمعت إبراهيم بن محمد\"، وهو تكرار.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبد\". وتنظر ترجمته في تهذيب الكمال ٢/ ١٧٢.\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، وتاريخ المصنف: \"دين\".\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣: \"فرموهم\"، وفي ص، ت ١: \"فزبرهم\". والذَّمْر: الحث مع لوم واستبطاء. اللسان (ذ م ر)\n(^٦) في م: \"فأطبقت\"، وأصفقوا على الأمر وأطبقوا عليه: اجتمعوا عليه. اللسان (ص ف ق، ط ب ق).\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"غير\".\n(^٨) سيرة ابن هشام ١/ ٢٧. وأخرجه المصنف في التاريخ ٢/ ١٠٨.","vol":"21","page":417},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ عن بعضِ أصحابِه: إن الحَبْرَيْنِ ومَن خرَج معهما من حِمْيَرَ إنما اتَّبعوا النارَ لِيَرُدُّوها، وقالوا: من ردَّها فهو أولى بالحقِّ. فدنا منهم رجالٌ من حِمْيَرِ بأوثانِهم لِيَرُدُّوها، فدنَت منهم لتَأْكُلَهم، فحادوا فلم يَسْتَطيعوا ردَّها، ودنا منها الحَبرانِ بعدَ ذلك، وجعَلا يَتْلُوَانِ التوراةَ وتَنْكِصُ، حتى ردَّاها إلى مخرجِها الذي خرَجت منه، فأَصْفَقَت (^١) عندَ ذلك حِمْيَرُ (^٢) على دينِهما، وكان رئامُ بيتًا لهم يُعَظِّمونه، ويَنْحَرون عندَه، ويُكَلَّمون منه، إذ كانوا على شركِهم، فقال الحبرانِ لتُبَّعٍ: إنما هو شيطانٌ يَفْتِنُهم (^٣) ويَلْعَبُ بهم، فخَلِّ بينَنا وبينَه. قال: فشأنَكما به. فاستخرَجا منه - فيما يَزْعُمُ أهلُ اليمنِ - كلبًا أسودَ، فذبحاه، ثم هدَما ذلك البيتَ، فبقاياه اليومَ باليمنِ كما ذُكِر لي (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ لَهِيعةَ، عن عمرِو بنِ جابرٍ الحضرميِّ، حدَّثه قال: سمِعتُ سهلَ بنَ سعدٍ الساعديَّ، يُحدِّثُ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: \"لا تَلْعَنوا تُبَّعًا، فإنه قد كان أَسْلَمَ\" (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني ابنُ لَهِيعَةَ، عن الحارثِ بنِ يزيدُ، أن شعيبَ بنَ زرعةَ المَعافِرِيَّ حدَّثه، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرِو بنِ العاصِ وقال له رجلٌ: إِن حِمْيَرَ تَزْعُمُ أَن تُبَّعًا منهم. فقال: نعَمْ والذي نفسي بيدِه، وإنه في العربِ كالأنفِ بينَ العينينِ، وقد كان منهم سبعون مَلِكًا.\n_________\n(^١) في م: \"فأطبقت\".\n(^٢) زيادة لَازمة من مصدرى التخريج.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يعينهم\".\n(^٤) سيرة ابن هشام ١/ ٢٧، ٢٨. وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ١٠٩.\n(^٥) أخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (٦٥٩) من طريق ابن وهب به. وأخرجه أحمد ٥/ ٣٤٠ (الميمنية)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ١١/ ٥، والطبراني في الأوسط (٣٢٩٠)، وابن عساكر في تاريخه ١/ ٥، ٦ من طريق ابن لهيعة به.","vol":"21","page":418},{"text":"وقولُه: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كلُّ هؤلاء الذين ذكَرْناهم كذَّبوا رسلَ اللَّهِ الذين أرسَلهم، ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾. يقولُ: فوجَب لهم الوعيدُ الذي أوْعَدْناهم على كفرِهم باللَّهِ، وحلَّ بهم العذابُ والنِّقمةُ. وإنما وصَف ربُّنا جلَّ ثناؤُه ما وصَف في هذه الآيةِ من إحلالِه عقوبتَه بهؤلاء المكذِّبين الرسلَ؛ ترهيبًا منه بذلك مشرِكي قريشٍ، وإعلامًا منه لهم أنهم إن لم يُنِيبوا من تكذيبِهم رسولَه محمدًا ﷺ، أنه مُحِلٌّ بهم من العذابِ مثلَ الذي أحلَّ بهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾. قال: ما أُهْلِكوا به، تخويفًا لهؤلاء (^١).\n\n<span id=\"aya-4645\"></span><span data-type='title' id=toc-8763>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وهذا تقريعٌ من اللَّهِ جلَّ ثناؤُه مشرِكي قريشٍ الذين قالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ٣]. يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: أفعَيِينا بابتداعِ الخلقِ الأولِ الذي خلَقْناه ولم يَكُنْ شيئًا، فنَعْيَى بإعادتِهم خلقًا جديدًا بعدَ بِلاهم في الترابِ، وبعدَ فنائِهم؟ يقولُ: ليس يُعْيِينا ذلك، بل نحن عليه\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٣ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"21","page":419},{"text":"قادِرون.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾. يقولُ: لم يُعْيِنا الخلقُ الأولُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾. يقولُ: أَفَعَيِيَ علينا حينَ أَنشَأْناكم خلقًا جديدًا، فتَمْتَروا بالبعثِ (^٢)؟\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن أبي ميسرةَ: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾. قال: إنا خلَقْناكم.\nوقولُه: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما يَشُكُّ هؤلاء المشرِكون المكذِّبون بالبعثِ أنَّا لم نَعْيَ بالخلقِ الأولِ، ولكنهم في شكٍّ من قدرتِنا على أن نَخْلُقَهم خلقًا جديدًا بعدَ فنائِهم وبِلاهم في قبورِهم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦١٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٣ إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":420},{"text":"قولَه: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. يقولُ: في شكٍّ من البعثِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن أبي ميسرةَ: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ﴾. قال: الكفارُ، ﴿مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. قال: أن يُخلَقوا من بعدِ الموتِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: أي: شكٍّ، والخلقُ الجديدُ البعثُ بعدَ الموتِ، فصار الناسُ بينَ (^٢) رجلين؛ مُصدِّقٍ ومُكذِّبٍ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. قال: البعثُ من بعدِ الموتِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-4646\"></span>وقولُه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد خلَقْنا الإنسانَ ونعلمُ ما تُحدِّثُ به نفسُه، فلا تَخْفَى (^٤) علينا سرائرُه وضمائرُ قلبِه، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. يقولُ: ونحنُ أقربُ إلى الإنسانِ من حبلِ العاتقِ، والوريدُ: عِرْقٌ بينَ [الحُلْقُومِ والعِلْباوَيْنِ] (^٥). والحبلُ: هو الوريدُ، فأُضِيفَ إلى نفسِه؛ لاختلافِ لفظِ اسمَيْهِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٤ - من طريق أبي صالح به.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيه\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٧ عن معمر به.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يخفى\".\n(^٥) في الأصل: \"الحلق والعلبان\". والعلباوان: مثنى العِلْباء، وهما عصبا العنق عن يمينه وشماله، بينهما منبت العنق. ينظر اللسان (ع ل ب).","vol":"21","page":421},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. قال: الذي يَكونُ في الحلْقِ (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. يقولُ: عِرْقِ العُنُقِ (^٢).\nوقد اختلَف أهلُ العربيةِ في معنى قولِه: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: نحن أَمْلَكُ به وأَقْرَبُ إليه في المقدرةِ عليه.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ بالعلمِ بما تُوَسْوِسُ به نفسُه.\n\n<span id=\"aya-4647\"></span><span data-type='title' id=toc-8764>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ونحن أقربُ إلى الإنسانِ مِن وريدِ حلْقِه، حينَ يَتَلَقَّى المَلَكانِ - وهما المُتَلَقِّيانِ - عن اليَمِينِ، وعن الشِّمالِ قَعِيدٌ.\nوقيل: عَنَى بالقعيدِ الرَّصَدَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦١٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٣ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٤ - من طريق أبي صالح به.","vol":"21","page":422},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَعِيدٌ﴾. قال: رَصَدٌ (^١).\nواختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ توحيدِ ﴿قَعِيدٌ﴾. وقد ذُكر مِن قبلُ المتلقِّيانِ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾. ولم يَقُلْ: عن اليمينِ قعيدٌ، وعن الشمالِ قعيدٌ. أي أحدُهما، ثم استَغْنى، كما قال: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]، و(^٢) استغنى بالواحدِ عن الجميعِ، كما قال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤].\nوقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ (^٣): ﴿قَعِيدٌ﴾. يريدُ: قعودٌ عن اليمينِ وعن الشِّمالِ. فجعَل ﴿قَعِيدٌ﴾ (^٤) جمعًا، كما يُجْعَلُ الرسولُ للقومِ وللاثنينِ؛ قال اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]. لموسى وأخيه. وقال الشاعرُ (^٥):\nأَلِكْنِي إليها وخَيرُ الرسو … لِ أَعلَمُهُمْ بِنواحِي الخبَرْ (^٦)\nفجعَل \"الرسولَ\" للجمعِ، فهذا وجهٌ، وإن شئْتَ جَعَلتَ \"القعيدَ\" واحدًا، اكتفاءً به مِن صاحبِه، كما قال الشاعرُ (^٧):\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦١٤. ومن طريقه الفريابي، كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١٧.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ثم\".\n(^٣) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٧٧.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فعيل\".\n(^٥) البيت لأبي ذؤيب الهذلي. شرح ديوان الهذليين ١/ ١١٣.\n(^٦) ألكني: أبلغ عني أَلُوكي، والألوك: الرسالة. ونواحى الخبر: أي حروف الكلام وجوانبه وما أشكل منه. شرح ديوان الهذليين ١/ ١١٣.\n(^٧) تقدم في ١١/ ٤٣٥.","vol":"21","page":423},{"text":"نحنُ بما عندَنا وأنتَ بما … عندَك راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ\nومثلُه قولُ الفَرَزْدَقِ (^١):\nإِنِّي ضَمِنتُ لمَنْ أَتَانِيَ مَا جَنَى … وأبَى فكان وكنتُ غيرَ غَدُورِ\nولم يَقُلْ: غَدُورَينِ.\n\n<span id=\"aya-4648\"></span>وقولُه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما يَلْفِظُ الإنسانُ من قولٍ، فيَتَكَلَّمُ به، إلا عندَ ما يَلْفِظُ به من قولٍ (^٢)، ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. يعني: حافظٌ يَحْفَظُه، عَتِيدٌ مُعَدٌّ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾. قال: عن اليمينِ الذي يَكْتُبُ الحسناتِ، وعن الشمالِ الذي يَكْتُبُ السيئاتِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ (^٤)، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ التَّيْمِيِّ في قولِه: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾. قال: إن صاحبَ اليمينِ أميرٌ أو أمينٌ على صاحبِ الشِّمالِ، فإذا عمِل العبدُ سيئةً قال صاحبُ اليمينِ لصاحبِ الشمالِ: أَمْسِكْ؛ لعلَّه يَتُوبُ.\n_________\n(^١) البيت في كتاب سيبويه ١/ ٧٦، وغير موجود في ديوان الفرزدق.\n(^٢) بعده في الأصل: \"إلا لديه\".\n(^٣) أخرجه سنيد في تفسيره - كما في التمهيد لابن عبد البر ٢١/ ٣٨ - من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٣ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبد الرحمن\". ومؤمل هو ابن إسماعيل. ينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ١٧٦.","vol":"21","page":424},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ﴾. قال: مَلَكٌ عن يمينِه، وآخرُ عن شمالِه (^١)، فأما الذي عن يمينِه فيَكْتُبُ الخيَر، وأما الذي عن شمالِه فيَكْتُبُ الشرَّ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قال: مع كلِّ إنسانٍ ملكان؛ ملَكٌ عن يمينِه، وآخرُ (^٢) عن يسارهِ (^٣)؛ فأما الذي عن يمينِه فيَكْتُبُ الخيرَ، وأما الذي عن يسارِه فيَكْتُبُ الشرَّ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ إِلَى ﴿عَتِيدٌ﴾. قال: جعَل اللَّهُ على ابنِ آدمَ حافِظَين في الليلِ وحافِظَين في النهارِ، يَحْفَظان عليه عمله ويَكْتُبان أثرَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ حتى بلَغ: ﴿عَتِيدٌ﴾. قال الحسنُ وقتادةُ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾. أي: ما يَتَكَلَّمُ به من شيءٍ إلا كُتِبَ عليه. وكان عكرِمةُ يقولُ: إنما ذلك في الخيرِ والشرِّ يُكْتَبان عليه.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ (^٥)، قال: تلا الحسنُ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾. قال: فقال: يا بنَ آدمَ، بُسِطت لك صحيفةٌ، ووُكِّل بك ملَكان كرِيمان؛ أحدُهما عن يمينِك، والآخَرُ عن شمالِك؛ فأما الذي عن يمينِك\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يساره\".\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"ملك\".\n(^٣) في الأصل: \"شماله\"، وبعده في ص، م، ت ١: \"قال\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٣ إلى المصنف.\n(^٥) بعده في م، ت ٢، ت ٣: \"عن قتادة\".","vol":"21","page":425},{"text":"فيَحْفَظُ حسناتِك، وأما الذي عن شمالِك فيَحْفَظُ سيئاتِك، فاعْمَلْ ما شِئْتَ، أَقَلِلْ أو أَكْثِرْ، حتى إذا مِتَّ طُوِيتْ صحيفتُك، فجُعِلت في عُنقِك معك في قبرِك، حتى تَخْرُجَ يومَ القيامةِ. فعندَ ذلك يقولُ: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ حتى بلَغ: ﴿حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤]، عدَلَ واللَّهِ عليك (^١) مَن جعَلك حسيبَ نفسِك (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾. قال: كاتبُ الحسناتِ عن يمينِه، وكاتبُ السيئاتِ عن شمالِه (^٣).\nقال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، قال: بلَغَني أن كاتبَ الحسناتِ أميرٌ على كاتبِ السيئاتِ، فإذا أذنَب قال له: لا تَعْجَلْ؛ لعله يَسْتَغْفِرُ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. قال: جعَل معه مَن يَكْتُبُ كلَّ ما لفَظ به، وهو معه رقيبٌ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن هشامٍ الحِمْصِيِّ، أنه بلَغه أن الرجلَ إذا عمِل سيئةً قال كاتبُ اليمينِ لصاحبِ الشمالِ: اكتُبْ. فيقولُ: لا، بل أنت اكتُبْ. [ويَمْتَنِعان] (^٥)، فينادِي منادٍ: يا صاحبَ الشمالِ، اكتُبْ ما ترَك صاحبُ اليمينِ.\n_________\n(^١) في تفسير عبد الرزاق: \"لك\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٧ عن معمر به.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٤٢٤.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٩، ١٠.\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣: \"فيمتنعان\".","vol":"21","page":426},{"text":"<span id=\"aya-4649\"></span><span data-type='title' id=toc-8765>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وفي قولِه: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ (^١) وجهان من التأويلِ؛ أحدُهما: وجاءت سكرةُ الموتِ - وهي شدَّتُه وغلبتُه على فهمِ الإنسانِ، كالسكرةِ من النومِ أو الشرابِ - بالحقِّ من أمرِ الآخرةِ، [فتَبيَّنه الإنسانُ حتى تَثَبَّته] (^٢) وعرَفه. والثاني: وجاءت سكرةُ الموتِ بحقيقةِ الموتِ.\nوقد ذُكِر عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أنه كان يَقْرَأُ: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بالْمَوْتِ) (^٣).\nذكرُ الروايةِ بذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن واصلٍ، عن أبي وائلٍ، قال: لما كان أبو بكرٍ ﵁ يَقْضِي، قالت عائشةُ ﵂: هذا كما قال الشاعرُ (^٤):\n* إذا حشرَجَت يومًا وضاقَ بها الصدرُ *\nفقال أبو بكرٍ: [يا بُنَيَّةُ] (^٥)، لا تَقُولي ذلك، ولكنه كما قال اللَّهُ ﷿:\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"ذلك ما كنت منه تحيد\".\n(^٢) في الأصل: \"فنسه الإنسان حين ينتبه\"\n(^٣) مختصر الشواذ ص ١٤٥. وقال القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٢: رُويت عنه - أبي بكر - روايتان؛ إحداهما موافقة للمصحف فعليها العمل، والأخرى مرفوضة؛ تجري مجرى النسيان منه إن كان قالها، أو الغلط من بعض مَن نقل الحديث.\n(^٤) تقدم تخريجه في ١٣/ ٢٧٥.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"21","page":427},{"text":"(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ [الْحَقِّ بِالْمَوْتِ] (^١) ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ).\nوقد ذُكِر أن ذلك كذلك في قراءةِ ابنِ مسعودٍ (^٢)، ولقراءةِ مَن قرَأ ذلك كذلك وجهان من التأويلِ؛ أحدُهما: وجاءت سكرةُ اللَّهِ بالموتِ، فيَكونُ الحقُّ هو اللَّهَ تعالى ذكرُه. والثاني: أن تكونَ السكرةُ هي الموتُ، أُضِيفت إلى نفسِها، كما قيل: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥]. ويكونُ تأويلُ الكلامِ: وجاءت السكرةُ الحقُّ بالموتِ.\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾. يقولُ: هذه السكرةُ التي جاءتك أيُّها الإنسانُ بالحقِّ هو الشيءُ الذي كنتَ منه تَهْرُبُ، وعنه تَرُوغُ.\n\n<span id=\"aya-4650\"></span>وقولُه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾. قد تقدَّم بيانُنا عن معنى \"الصُّورِ\"، وكيفَ النَّفْخُ فيه، بذكرِ اختلافِ المختلفين، والذي هو أولى الأقوالِ عندَنا فيه بالصوابِ، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾. يقولُ: هذا اليومُ الذي يُنْفَخُ فيه (^٤) [في الصورِ] (^٥) هو يومُ الوعيدِ الذي وعَده اللَّهُ ﷿ الكفارَ أن يُعَذِّبَهم فيه.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الموت بالحق\".\nوالأثر أخرجه ابن الأنباري - كما في تفسير القرطبي ١٧/ ١٢ - من طريق منصور بن المعتمر عن أبي وائل عن مسروق قوله، وأخرجه ابن سعد ٣/ ١٩٥، ١٩٦ من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله البهي عن عائشة، وأخرجه أحمد في الزهد ص ١٠٩، وابن أبي الدنيا في كتاب المحتضرين (٣٦) من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله البهي قوله. وينظر فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٨٤، ١٨٥، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٥ عن عبد الله بن البهي، وعزاه إلى المصنف وأحمد. وجميعهم ساق الآية كما هي في المصحف.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٢.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٩/ ٣٣٩ - ٣٤١.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":428},{"text":"<span id=\"aya-4651\"></span><span data-type='title' id=toc-8766>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وجاءت يومَ يُنْفَخُ في الصُّورِ كلُّ نفسٍ ربَّها، معها سائقٌ يَسُوقُها إلى اللَّهِ، وشهيدٌ يَشْهَدُ عليها بما عمِلت في الدنيا من خيرٍ أو شرٍّ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن يحيى بنِ رافعٍ مولًى لثقيفٍ، قال: سمِعتُ عثمانَ بنَ عفانَ ﵁ يَخْطُبُ، فقرَأ هذه الآيةَ: ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. قال: سائقٌ يَسُوقُها إلى اللَّهِ، وشاهدٌ يَشْهَدُ عليها بما عمِلت (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن إسماعيلَ، عن أبي عيسى، قال: سمِعتُ عثمانَ بنَ عفانَ يخطُبُ، فقرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. قال: السائقُ يَسوقُها إلى أمرِ اللَّهِ، والشهيدُ (^٢) يَشْهَدُ عليها بما عمِلت.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦٥ - زوائد نعيم)، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٧، وابن أبي شيبة ١٣/ ٥٥٨، وابن عساكر في تاريخه ٤٦/ ٢٤١ (مجمع اللغة العربية بدمشق) من طريق إسماعيل بن أبي خالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٥ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى والبيهقي في البعث والنشور.\n(^٢) في ص، ت ١: \"الشاهد\".","vol":"21","page":429},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. قال: السائقُ من الملائكةِ، والشهيدُ شاهدٌ عليه من نفسِه (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا [مِهرانُ، عن سفيانَ] (^٢)، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾: سائقٌ يسوقُها إلى أمرِ اللَّهِ، وشاهدٌ يَشْهَدُ عليها بما عمِلت (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. قال: الملكان؛ كاتبٌ وشهيدٌ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾: سائقٌ يَسُوقُها إلى ربِّها، وشاهدٌ يَشْهَدُ عليها بعملِها (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: أخبَرنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةَ في قولِه: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. قال: سائقٌ يسوقُها إلى حسابِها، وشهيدٌ (^٦) يشهدُ عليها بما عمِلت.\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿مَعَهَا سَائِقٌ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٦ إلى المصنف.\n(^٢) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"سفيان عن مهران\".\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢: \"حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾: سائق يسوقها إلى أمر الله، وشاهد يشهد عليها بما عملت\".\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٧٩.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦١٤. ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١٧ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٦ إلى ابن المنذر.\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٤، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٧٩.\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شاهد\".","vol":"21","page":430},{"text":"وَشَهِيدٌ﴾. قال: سائقٌ يَسُوقُها، وشاهدٌ يَشْهَدُ عليها بعملِها (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. قال: سائقٌ يَسُوقُها، وشاهدٌ يَشْهَدُ عليها بعملِها.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. السائقُ من الملائكةِ، والشاهدُ من أنفسِهم؛ الأيدي والأرجلُ، والملائكةُ أيضًا شهداءُ عليهم (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. قال: مَلَكٌ وُكِّل به يُحْصِي (^٣) عليه عملَه، ومَلَكٌ يَسُوقُه إلى محشرِه حتى يُوَافِيَ مَحْشَرَه يومَ القيامةِ (^٤).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بهذه الآياتِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بها النبيُّ ﷺ. وقال بعضُهم: عُنِي أهلُ الشركِ. وقال بعضُهم: عُنِي بها كلُّ أحدٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمنِ الزهريُّ، قال: سألتُ زيدَ بنَ أسلمَ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ (^٥)﴾ [ق: ١٩] الآية، إلى قولِه: ﴿مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. فقلتُ له: من يُرَادُ بهذا؟ فقال:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٧ عن معمر به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٦ إلى المصنف.\n(^٣) في ت: \"يحصر\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٧٩ بمعناه.\n(^٥) بعده في الأصل: \"ذلك ما كنت منه تحيد\".","vol":"21","page":431},{"text":"رسولُ اللَّهِ ﷺ فقلتُ له: رسولُ اللَّهِ؟ فقال: وما تُنْكِرُ؟ قال اللَّهُ ﷿: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٦، ٧]. قال: ثم سألتُ صالحَ بنَ كيسانَ عنها، فقال لي: هل (^١) سأَلتَ عنها أحدًا؟ فقلت: نعَمْ، قد سألتُ زيدَ بنَ أسلمَ. فقال: ما قال لك؟ فقلتُ: بل تُخْبِرُني ما تقولُ. فقال: [لأُخْبِرَنَّك برأيي الذي] (^٢) عليه رأيي، فأخبِرْني ما قال لك. قلتُ: قال: يُرَادُ بهذا رسولُ اللَّهِ ﷺ. فقال: وما علمُ زيدٍ؟! واللَّهِ ما سنٌّ عاليةٌ، ولا لسانٌ فصيحٌ، ولا معرفةٌ بكلامِ العربِ، إنما يُرَادُ بهذا الكافرُ. ثم قال: اقرَأْ ما بعدَها يَدُلُّك على ذلك. قال: ثم سأَلتُ حسينَ بنَ عبدِ اللَّهِ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، فقال لي مثلَ ما قال صالحٌ؛ هل سأَلت أحدًا؟ فأخبِرْني به. قلتُ: إني قد سأَلتُ زيدَ بنَ أسلمَ، وصالحَ بنَ كيسانَ. فقال: ما قالا لك؟ قلتُ: بل تُخْبِرُني بقولِك. قال لأُخْبِرَنَّك بقولي. فأَخبرتُه بالذي قالا (^٣) لي، فقال: أُخالِفُهما جميعًا؛ يريدُ بهذا (^٤) البرَّ والفاجرَ، قال اللَّهُ ﷿: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. قال: فانكشَف الغطاءُ عن البرِّ والفاجرِ، فرأَى (^٥) كلٌّ ما يَصِيرُ إليه (^٦).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾: يعني\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في ت ١: \"لا أخبرنك بالذي\". وفي ت ٢، ت ٣: \"لا أخبرك برأيي الذي\".\n(^٣) في ت ٣: \"قال\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بها\".\n(^٥) في الأصل: \"فذلك\". وينظر ما سيأتي في ص ٤٣٥.\n(^٦) ينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٣٧٩.","vol":"21","page":432},{"text":"المشرِكين (^١).\nوأولى الأقوالِ عندي في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِي بذلك البَرُّ والفاجرُ. لأن اللَّهَ ﷿ أَتْبَع هذه الآياتِ قولَه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾. والإنسانُ في هذا الموضعِ بمعنى الناسِ كلِّهم، غيرَ مخصوصٍ منهم بعضٌ دونَ بعضٍ. فمعلومٌ إن كان ذلك كذلك أن معنى قولِه: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾: وجاءتك أيُّها الإنسانُ سكرةُ الموتِ بالحقِّ، ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾. وإذا كان ذلك كذلك، كانت بينةً صحةُ ما قلنا.\n\n<span id=\"aya-4652\"></span>وقولُه: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يُقالُ له (^٢): لقد كنتَ في غفلةٍ [في الدنيا] (^٣) من هذا الذي عايَنت اليومَ أَيُّها الإنسانُ من الأهوالِ والشدائدِ، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾. يقولُ: فجلَّينا ذلك لك، وأظهَرْناه لعينَيْك حتى رأَيتَه وعايَنتَه، فزالَت الغفلةُ عنك.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ وإن اختلَفوا في المقولِ ذلك له؛ فقال بعضُهم: المقولُ ذلك له الكافرُ.\nوقال آخرون: هو نبيُّ اللَّهِ ﷺ.\nوقال آخرون: هو جميعُ الخلقِ من الجنِّ والإنسِ.\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٤، بلفظ: \"الكافر\".\n(^٢) في الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لها\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":433},{"text":"ذكرُ مَن قال: هو الكافرُ\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾: فذلك الكافرُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾. قال: للكافرِ، يومَ القيامةِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾. قال: في الكافرِ.\nذكرُ مَن قال: هو نبيُّ اللَّهِ ﷺ\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾. قال: هذا رسولُ اللَّهِ ﷺ، قال: لقد كنتَ في غفلة من هذا الأمرِ يا محمدُ، كنتَ مع القومِ في جاهليَّتِهم، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وعلى هذا التأويلِ الذي قاله ابنُ زِيدٍ، يجبُ أن يكونَ هذا الكلامُ خطابًا من اللَّهِ ولرسولِه ﷺ؛ أنه كان في غفلةٍ في الجاهليةِ من هذا الدينِ الذي بعَثه به، فكشَف عنه غطاءَه الذي كان عليه في الجاهليةِ، فنفَذ بصرُه بالإيمانِ وتبيَّنه، حتى تقرَّر ذلك عندَه، فصار حادَّ البصرِ به.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦١٤.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٧٩.","vol":"21","page":434},{"text":"ذكرُ مَن قال: هو جميعُ الخلقِ من الجنِّ والإنسِ\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمنِ الزهريُّ، قال: سأَلتُ عن ذلك الحسينَ بنَ عبدِ اللَّهِ بنِ عبيدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، فقال: يُريدُ به البرَّ والفاجرَ. ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. قال: انكشَف الغطاءُ عن البرِّ والفاجرِ، فرأَى كلٌّ ما يَصِيرُ إليه (^١)\nوبنحوِ الذي قلْنا في معنى قولِه: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾. قال: الحياةُ بعدَ الموتِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾. قال: عايَن الآخرةَ (^٣).\nوقولُه: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. يقولُ: فأنت اليومَ نافذُ البصرِ، عالمٌ بما كنتَ عنه في الدنيا في غفلةٍ. وهو من قولِهم: فلانٌ بصيرٌ بهذا الأمرِ. إذا كان ذا علمٍ به، و: له بهذا الأمرِ بصرٌ. أي علمٌ.\nوقد رُوِي عن الضحاكِ أنه قال: معنى ذلك: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾: كلسانِ (^٤) الميزانِ.\n_________\n(^١) تقدم في ص ٤٣٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لسان\".","vol":"21","page":435},{"text":"وأحسَبُه أراد بذلك أن معرِفَته وعلمَه بما أسلَف في الدنيا شاهدُ عدلٍ عليه، فشبَّه بصرَه بذلك بلسانِ الميزانِ، الذي يُعدلُ به الحقُّ في الوزنِ، ويُعرَفُ مبلغُه الواجبُ لأهلِه، عما زاد على ذلك أو نقَص، فكذلك علمُ مَن وافى القيامةَ بما اكتسَب في الدنيا، شاهدُ عدلٍ (^١) عليه كلسانِ الميزانِ.\n\n<span id=\"aya-4653\"></span><span data-type='title' id=toc-8767>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وقال قرينُ هذا الإنسانِ الذي جاء ربَّه (^٢) يومَ القيامةِ معه سائقٌ وشهيدٌ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾: الملَكُ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: هذا سائقُه الذي وكِّل به، وقرَأ: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾.\nوقولُه: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِ قَرينِ هذا الإنسانِ عندَ موافاتِه ربَّه به: ربِّ هذا ما لديَّ عتيدٌ. يقولُ: هذا الذي هو عندِي مُعَدٌّ محفوظٌ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م: \"به\".\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٦.","vol":"21","page":436},{"text":"كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾. قال: والعتيدُ الذي قد أخَذه، وجاء به السائقُ والحافظُ معه جميعًا.\n\n<span id=\"aya-4654\"></span>وقولُه: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. فيه متروكٌ استُغنِي بدلالةِ الظاهرِ عليه منه، وهو: يُقالُ: ألقِيا في جهنمَ. و(^١) قال تعالى ذكرُه: أَلْقِيا. فأخرَج الأمرَ للقرينِ - وهو بلفظِ واحدٍ - مُخرَجَ خطابِ الاثنين. وفي ذلك وجهان من التأويلِ؛ أحدُهما: أن يَكونَ القرينُ بمعنى الاثنين، كالرسولِ والاسمِ الذي يكونُ بلفظِ الواحدِ في الواحد والتثنيةِ والجمعِ، فردَّ قولَه: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾. إلى المعنى.\nوالثاني: أن يكونَ كما كان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ (^٢)؛ وهو أن العربَ تَأْمُرُ الواحدَ والجماعةَ بما تَأْمُرُ به الاثنين، فتَقولُ للرجلِ: ويلَك ارحَلَاها وازْجُراها. وذكَر أنه سمِعها من العربِ، قال: وأنشَدني بعضُهم (^٣):\nفقلتُ لصاحِبي لا تَحْبِسانا … بِنَزْعِ أُصولِهِ واجتزَّ شِيحا\nقال: وأَنشَدني أبو ثَرْوانَ:\nفإن تَزْجُرَاني يابنَ عفانَ أَنْزَجِرْ … وَإِنْ تَدَعَاني أَحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا\nقال: ونرى (^٤) أن ذلك منهم أن الرجلَ أدنى أعوانِه في إبلِه وغنمِه اثنان،\n_________\n(^١) في م: \"أو\".\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٧٨.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٢/ ٢٧١.\n(^٤) في الأصل، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يروى\".","vol":"21","page":437},{"text":"وكذلك الرُّفْقةُ أدنى ما تكونُ ثلاثةً، فجرى كلامُ الواحدِ على صاحِبَيْه (^١). وقال: ألا ترَى الشعراءَ أكثرَ شيءٍ قِيلًا: يا صاحِبَيَّ، يا خَليلَيَّ. وقال امرُؤ القيسِ (^٢):\nخَلِيلَيَّ مُرَّا بي على أمِّ جُنْدَبِ … نُقَضِّ لُباناتِ الفؤادِ المعذَّبِ\nثم قال:\nألم [تَرَ أني] (^٣) كُلَّما جئتُ طارِقًا … وجَدتُ بها طِيبًا وإن لم تَطَيَّبِ\nفرجَع إلى الواحدِ، وأوّلُ الكلامِ اثنان. قال: وأنشَدني بعضُهم (^٤):\nخَلِيلَيَّ قُومَا في عَطالةَ فانظُرَا … أنارًا (^٥) ترَى مِن [نحوِ بابَيْنِ] (^٦) أَمْ بَرْقا\nوبعضُهم يَرْوِي: أنارًا نَرَى؟\n﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. يعني: كلَّ جاحدٍ وحدانيةَ اللَّهِ، ﴿عَنِيدٍ﴾: وهو العاندُ (^٧) عن الحقِّ وسبيلِ الهدى.\n\n<span id=\"aya-4655\"></span>وقولُه: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾. كان قتادةَ يقولُ في \"الخيرِ\" في هذا الموضعِ: هو الزكاةُ المفروضةُ.\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"صاحبه\".\n(^٢) ديوانه ص ٤١.\n(^٣) في الأصل، والديوان: \"ترياني\". والمثبت هو موضع الاستشهاد وهو موافق لما في معاني القرآن للفراء.\n(^٤) البيت لسويد بن كراع العكلي، وهو في معاني القرآن للفراء ٣/ ٧٩، واللسان (ع ط ل)\n(^٥) في النسخ: \"أنار\". والمثبت موافق لمصادر التخريج.\n(^٦) في م واللسان: \"ذي أبانين\".\n(^٧) في الأصل: \"المعاند\".","vol":"21","page":438},{"text":"حدَّثنا بذلك بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ (^١).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندِي أنه كلُّ حقٍّ وجَب للَّهِ، أو لآدميٍّ في مالِه. و\"الخيرُ\" هو المالُ في هذا الموضِع.\nوإنما قلْنا ذلك هو الصوابُ من القولِ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذِكْرُه عمَّ بقولِه: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾. الخبرَ (^٢) عنه، أنه يَمْنَعُ الخَيْرَ، ولم يَخْصُصْ منه شيئًا دونَ شيءٍ، فذلك على كلِّ خيرٍ يُمْكِنُ منعُه طالبَه.\nوقولُه: ﴿مُعْتَدٍ﴾. يقولُ: مُعْتَدٍ على الناسِ بلسانِه بالبَذاءِ والفحْشِ في المنطقِ، وبيدِه بالسطوةِ والبطشِ ظلمًا.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: مُعتدٍ في منطقِه وسيرتِه وأمرِه (^٣).\nوقولُه: ﴿مُرِيبٍ﴾ يعني: شاكٍّ في وحدانيةِ اللَّهِ وقُدرتِه على ما يَشَاءُ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مُرِيبٍ﴾: أي شاكٍّ (^٤).\n\n<span id=\"aya-4656\"></span><span data-type='title' id=toc-8768>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: الذي أشرَك باللَّهِ فعبَد معه معبودًا آخرَ من خلقِه، ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾. يقولُ: فألقياه في عذابِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٧.","vol":"21","page":439},{"text":"جهنمَ الشديدِ.\n\n<span id=\"aya-4657\"></span><span data-type='title' id=toc-8769>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قال قرينُ هذا الإنسانِ الكَفَّارِ المنَّاعِ للخيرِ، وهو شيطانُه الذي كان مُوكَّلًا به في الدنيا.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. قال: قرينُه شيطانُه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾. قال: الشيطانُ قُيِّض له (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَر﴾: هو المشركُ، ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. قال: قرينُه الشيطانُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. قال: وهو الشيطانُ (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٦ إلى المصنف\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦١٥، ومن طريقه الفريابي كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١٧.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، إلى قوله: هو المشرك.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٨ عن معمر به.","vol":"21","page":440},{"text":"الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. قال: قرينُه شيطانُه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. قال قرينُه من الجنِّ: ربَّنا ما أطغيتُه. تبرَّأَ منه.\nوقولُه: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. يقولُ: ما أنا جعَلتُه طاغيًا مُتَعدِّيًا إلى ما ليس له.\nوإنما يَعْني بذلك الكفرَ باللَّهِ، ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾. يقولُ: ولكن كان في طريقٍ جائرٍ عن سبيلِ الهدى جَوْرًا بعيدًا.\nوإنما أخبر تعالى ذكرُه هذا الخبرَ عن قولِ قرينِ الكافرِ له يومَ القيامةِ؛ إعلامًا منه عبادَه تَبرُّؤَ بعضِهم من بعضٍ يومَ القيامةِ.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. قال: تبرَّأَ منه (^٢).\n\n<span id=\"aya-4658\"></span>وقولُه: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللَّهُ لهؤلاء المشرِكين الذين وصَف صفتَهم وصفةَ قرنائِهم من الشياطينِ: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ اليومَ ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ﴾ في الدنيا قبلَ اختصامِكم هذا، ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ لمن كفَر بي وعصَاني، وخالَف أمْري ونَهيي في كتبي وعلى ألسنِ رُسُلي.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ أبي زيادٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي بكرٍ، قال: ثنا جعفرٌ،\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٣٦٦.\n(^٢) بعده في م: \"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك. حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال: ثنا عبد الله بن أبي بكر، قال: ثنا جعفر، قال: سمعت أبا عمران يقول في قوله: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ تبرأ منه\".","vol":"21","page":441},{"text":"قال: سمِعتُ أبا عمران يقولُ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾. قال: بالقرآنِ.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾. قال: إنهم اعتَذروا بغيرِ عذرٍ، فأبطَل اللَّهُ حجتَهم، وردَّ عليهم قولَهم (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾. قال: يقولُ: قد أمرتُكم ونهَيتُكم. قال: هذا ابنُ آدمَ وقرينُه من الجنِّ.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، قال: قلتُ لأبي العاليةِ: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾. [أحسَبُه أنا] (^٢) قال: هم أهلُ الشركِ. وقال في آيةٍ أخرى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١]. قال: هم أهلُ القبلةِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-4659\"></span><span data-type='title' id=toc-8770>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِه للمشرِكين وقُرَنائِهم من الجنِّ يومَ القيامةِ، إذ (^٤) تبرَّأَ بعضُهم من بعضٍ: ما يُغَيَّرُ القولُ الذي (^٥) قلتُه لكم في\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، م، ت ١ ت ٢، ت ٣: \"قال أبو جعفر الطبري أحسبه\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر. وتقدم شطره الثاني في ٢٠/ ٢٠٢.\n(^٤) في الأصل: \"إذا\".\n(^٥) في الأصل: \"لدى\".","vol":"21","page":442},{"text":"الدنيا، وهو قولُه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، ولا قضائي الذي قضَيتُه فيهم فيها.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾: قد قضَيْتُ ما أنا قاضٍ (^١)\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾. قال: قد قضَيْتُ ما أنا قاضٍ.\n[وقولُه] (^٢): ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. يقولُ: ولا أنا بمعاقبٍ أحدًا من خَلْقي بجرمِ غيرهِ، ولا حاملٍ على أحدٍ منهم ذنبَ غيرِه، فمُعَذِّبِه به.\n\n<span id=\"aya-4660\"></span>وقولُه: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾. يقولُ: وما أنا بظلَّامٍ للعبيدِ في يومِ نقولُ لِجهنَّمَ: هل امتلأتِ؟ وذلك يوم القيامةِ، \"ويومَ نقولُ\" من صلةِ \"ظلَّامٍ\". وقال تعالى ذكرُه لجهنم يومَ القيامةِ: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾؟ لما سبَق من وعدِه إيَّاها أنه يَمْلَؤُها من الجِنَّةِ والناسِ أجمعين.\nوأما قولُه: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾. فإن أهلَ التأويلِ (^٣) اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: ما من مزيدٍ. قالوا: وإنما يقولُ اللَّهُ لها جلَّ ثناؤه: هل امتلأتِ بعدَ أن يَضَعَ قدمَه فيها، فيَنْزَوِيَ بعضُها إلى بعضٍ، وتقولُ: قَطْ، قَطْ. من تَضَايُقِها، فإذا قال لها وقد صارت كذلك: هل امتلأتِ؟ قالت حينَئذٍ: هل من\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦١٥. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في الأصل: \"التوراة\".","vol":"21","page":443},{"text":"مزيدٍ؟ أي: ما من مزيدٍ. لشدَّةِ امتلائِها، وتضايُقِ بعضِها إلى بعضٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾. قال ابنُ عباسٍ: إنَّ اللَّهَ الملكَ ﵎ قد سبَقت كلمتُه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. فلما بُعِث الناسُ وأُحْضِروا، وسِيقَ أعداءُ اللَّهِ إلى النارِ زُمَرًا، جعَلوا يَقْتَحِمون في جهنمَ فوجًا فوجًا، لا يُلْقَى في جهنمَ شيءٌ إلا ذهَب فيها، ولا يَمْلَؤُها شيءٌ. قالت: ألستَ قد أقْسَمتَ لتَملأنِّي من الجِنَّةِ والناسِ أجمعين؟ فوضَع قدمَه عليها (^١)، فقالت حينَ وضَع قدمَه عليها (^٢): قَدْ، قَدْ، فإني قد امتلأتُ، فليس فيَّ (^٣) مزيدٌ. ولم يَكُنْ يَمْلَؤُها شيءٌ، حتى وجَدت مسَّ ما وُضِع عليها، فتضايَقت حينَ (^٤) جعَل عليها ما جعَل فامتلأت، فما فيها موضعُ إبرةٍ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾. قال: وعَدها اللَّهُ ليَملأنَّها، فقال: [هل أَوفَيْتُكِ] (^٦)؟ قالت: وهل من مَسْلَكٍ (^٧)؟\n_________\n(^١) سقط من: م، وفي ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيها\".\n(^٢) في م: \"فيها\"\n(^٣) في م، ت ٣: \"لي\".\n(^٤) في الأصل: \"حتى\".\n(^٥) ذكر ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٨٣ الجملة الأخيرة منه عن العوفي به.\n(^٦) في م: \"هلا وفيتك\". وفي ت ٣: \"هل لا وفيتك\".\n(^٧) تفسير مجاهد ص ٦١٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٧ إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":444},{"text":"حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾. كان ابنُ عباسٍ يقولُ: إِن اللَّهَ الملِكَ قد سبَقت منه كلمةٌ: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾. لا يُلْقَى فيها شيءٌ إلا ذهَب فيها، لا يَمْلَؤُها شيءٌ، حتى إذا لم يَبْقَ من أهلِها أحدٌ إلا دخَلها، وهي لا يَمْلَؤُها شيءٌ، أتاها الربُّ فوضَع قدمَه عليها، ثم قال لها: هل امتلأتِ يا جهنمُ؟ فتقولُ: قَطْ، قَطْ، قد امتلأتُ، ملأتَني من الجنِّ والإنسِ فليس فيَّ (^١) مزيدٌ. قال ابنُ عباسٍ: ولم يَكُنْ يَمْلَؤُها شيءٌ، حتى وجَدت مسَّ قدمِ اللَّهِ تعالى ذكرُه، فتضايَقت، فما فيها موضِعُ إبرةٍ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: زِدْني، إنما هو: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾. بمعنى الاستزادةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن (^٢) ثابتٍ، عن أنسٍ، قال: يُلْقَى في جهنمَ، [وتقولُ: هل من مزيدٍ؟ ثلاثًا، حتى يَضَعَ قدمَه فيها، فينزَوِيَ بعضُها إلى بعضٍ] (^٣)، فتقولُ: قَطْ، قَطْ. ثلاثًا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾. لأنها قد امتَلأَتْ، وهل من مزيدٍ: هل بَقِي أحدٌ؟ قال: هذان الوجهان في هذا، واللَّهُ أعلمُ. قال: قالوا هذا وهذا.\n_________\n(^١) في الأصل: \"من\"\n(^٢) في م: \"بن\". ينظر تهذيب الكمال ٤/ ٣٤٢.\n(^٣) سقط من: الأصل.","vol":"21","page":445},{"text":"وأولى القولينِ في ذلك عندِي بالصوابِ قولُ مَن قال: هو بمعنى الاستزادةِ، هل من شيءٍ أُزادُه؟\nوإنما قلْنا ذلك أولى القولينِ بالصوابِ؛ لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بما حدَّثني أحمدُ بنُ المِقَدامِ العِجْليُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ الطَّفَاوِيُّ، قال: ثنا أيوبُ، عن محمدٍ، عن أبي هريرةَ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"إذا كان يومُ القيامةِ، لم يَظْلِمِ اللَّهُ أحدًا من خلقِه شيئًا، ويُلْقَى في النارِ، تقولُ: هل من مَزِيدٍ. حتى يَضَعَ عليها قدمَه، فهنالك يَمْلَؤُها، ويُزْوَى بعضُها إلى بعضٍ، وتقولُ: قَطْ، قَطْ\" (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ المقدامِ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت أبي يُحدِّثُ عن قتادةَ، عن أنسٍ، قال: ما تزالُ جهنمُ تقولُ: هل من مزيدٍ؟ حتى يَضَعَ اللَّهُ عليها قدمَه، فتقولُ: قَدْ، قَدْ. وما يزالُ في الجنةِ فضلٌ حتى يُنْشِئَ اللَّهُ خلقًا، فيُسْكِنَه فضولَ الجنةِ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا أيوبُ وهشامُ بنُ حسانَ، عن محمدِ بنُ سِيرِينَ، عن أبي هريرةَ، قال: اختصَمت الجنةُ والنارُ، فقالت الجنةُ: ما لي إنما يَدْخُلُني فقراءُ الناسِ وسَقَطُهم؟ وقالت النارُ: ما لي إنما يَدْخُلُني الجبارون والمتكبِّرون؟ فقال: أنتِ رحمتي أُصِيبُ بكِ من أشاءُ، وأنتِ عذابي أُصِيبُ بك من أشاءُ، ولكلِّ واحدةٍ منكما مِلْؤُها. فأما الجنةُ فإن اللَّهَ يُنْشِئُ لها من خلقِه ما شاء. وأما النارُ فيُلْقَون فيها، وتقولُ: هل من مَزيدٍ؟ ويُلْقَون فيها، وتقولُ: هل من مزيدٍ؟ حتى يضَعَ فيها قدمَه، فهنالك (^٣) تُملَأُ، ويُزْوَى\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٧٤٧٦)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٧٢٠) من طريق أحمد بن المقدام به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٥٣٣)، وابن خزيمة في التوحيد ص ٦٤ من طريق المعتمر به\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فهناك\".","vol":"21","page":446},{"text":"بعضُها إلى بعضٍ، وتقول: قَطْ، قَطْ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن [أيوبَ، عن] (^٢) ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ أن النبيَّ ﷺ قال: \"احتجَّتِ الجنةُ والنارُ، فقالت الجنةُ: [يا ربِّ] (^٣)، ما لي لا يَدْخُلُني إِلَّا فقراءُ الناسِ؟ وقالت النارُ: [يا ربِّ] (^٣) ما لي لا يَدْخُلُني إلا الجبَّارون والمتكَبِّرون؟ فقال للنارِ: أنتِ عذابي أُصِيبُ بِكِ مَن أشاءُ، وقال للجنةِ: أنتِ رحمتي أُصِيبُ بكِ مَن أشاءُ، ولكل واحدةٍ منكما مِلؤُها (^٤)؛ فأما الجنةُ فإن اللَّه ﷿ يُنشِئُ لها ما شاءَ، وأما النارُ فيُلْقَونَ فِيها، وتقولُ: هل من مزيدٍ؟ حتى يضعَ قدمَه فيها، [هنالك تَمْتَلئُ] (^٥)، ويَنْزَوِي بعضُها إلى بعضٍ، وتقولُ: قَطْ، قَطْ، قَطْ (^٦) \".\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"لا يزالُ جهنمُ يُلْقَى فيها، وتقولُ: هل من مزيدٍ؟ حتى يَضَعَ ربُّ العالمين قدمَه، فيَنْزَوِيَ بعضُها إلى بعضٍ، وتقولُ: قَدْ، قَدْ، بعزتِك\n_________\n(^١) أخرجه موقوفًا ابن خزيمة في التوحيد ص ٦٢، والعقيلي ١/ ١١١، ١١٢ من طريق محمد بن سيرين به، وأخرجه مرفوعا أحمد ١٦/ ٣٤٦ (١٠٥٨٨)، وابن خزيمة في التوحيد ص ٦١ من طريق هشام به.\n(^٢) في ص، م: \"ثور، عن محمد\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"ابن ثور، عن محمد\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣. وينظر مسند أحمد وسنن النسائي.\n(^٤) في الأصل: \"أهلها\".\n(^٥) في الأصل: \"فتمتلئ\".\n(^٦) سقط من: م. والحديث في جامع معمر (٢٠٨٩٤) - ومن طريقه مسلم (٢٨٤٦/ ٣٤) - وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٨ - وعنه أحمد ١٣/ ١٥٠ (٧٧١٨) - عن معمر به. وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٥٢٦)، والنسائي في الكبرى (١١٥٢٢) عن ابن عبد الأعلى به، وأخرجه البخاري (٤٨٤٩)، والدارمي في الرد على بشر المريسي ص ٧٠، وابن خزيمة في التوحيد ص ٦١، ٦٢، والطبراني في الأوسط (٦٨٣٧) من طريق محمد بن سيرين به وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٥٩، ١٦٠، والبخاري (٤٨٥٠، ٧٤٤٩)، وأبو يعلى (٦٢٩٠)، وابن حبان (٧٤٤٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٣٣١)، وغيرهم من طرق عن أبي هريرة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٧ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"21","page":447},{"text":"وكرمِك. ولا يزالُ في الجنةِ فضلٌ حتى يُنشِئَ اللَّهُ لها خَلْقًا، فيُسْكِنَهم فضلَ الجنَّةِ\" (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا أبانٌ العطارُ، قال: ثنا قتادةُ، عن أنسٍ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ، قال: \"لا تزالُ جهنمُ تقولُ: هل من مزيدٍ؟ [فيقولُ لها ربُّ العالمين، فيضعُ] (^٢) فيها قدمَه، فيَنْزَوِيَ بعضُها إلى بعضٍ، فتقولَ: بِعزَّتِكَ قَطْ، قَطْ. وما يزالُ في الجنةِ فضلٌ حتى يُنْشِئَ اللَّهُ خَلْقًا فيُسْكِنَه في فُضولِ (^٣) الجنةِ\" (^٤).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عاصمٍ الكلابيُّ، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: ثنا قتادةُ، عن أنسٍ، قال: ما تزالُ جهنمُ تقولُ: هل من مزيدٍ؟ فذكَر نحوَه، غيرَ أنه قال: أو كما قال (^٥).\nحدَّثنا زيادُ بنُ أيوبَ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ بنُ عطاءٍ الخفَّافُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: \"احتجَّتِ الجنةُ والنارُ،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٣٨٤)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٣١)، والنسائي في الكبرى (٧٧٢٥) من طريق يزيد به، وأخرجه أحمد ٢١/ ١٢٤ (١٣٤٥٧)، ومسلم (٢٨٤٨/ ٣٨)، وابن خزيمة في التوحيد ص ٦٥، والخطيب في تاريخ بغداد ٥/ ١٢٧ من طريق سعيد به.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حتى يضع رب العالمين\". وينظر مسند أحمد ١٩/ ٤٢٨ (١٢٤٤٠)\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فضل\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٥٣٤)، وابن خزيمة في التوحيد ص ٦٤ عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أحمد ١٩/ ٤٢٨، ٤٢٩ (١٢٤٤٠)، ومسلم (٢٨٤٨) من طريق عبد الصمد به، وأخرجه أحمد ١٩/ ٣٧٣ (١٢٣٨٠)، والدارمي في الرد على بشر المريسي ص ٦٩، وابن خزيمة في التوحيد ص ٦٤، ٦٥ من طريق أبان العطار به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٧ إلى النسائي وابن مردويه.\n(^٥) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ٦٤ عن محمد بن المثنى عن عقبة عن عمرو بن عاصم به، وأخرجه البخاري (٧٣٨٤) من طريق المعتمر به.","vol":"21","page":448},{"text":"فقالت النارُ: يَدْخُلُني الجبَّارون والمتكبِّرون. وقالت الجنةُ: يَدْخُلُني الفقراءُ والمساكينُ. فأوحَى اللَّهُ إلى الجنةِ: أنتِ رحمتي، أُصِيبُ بِكِ مَن أشَاءُ، وأوحَى إلى النارِ: أنتِ عذابي، [أَنْتَقِمُ بك ممن شِئتُ] (^١)، ولكلِّ واحدةٍ منكما مِلْؤُها. فأما النارُ فتقولُ: هل من مزيدٍ؟ حتى يَضَعَ قدمَه فيها، فتقولُ: قَطْ، قَطْ\" (^٢).\nقال أبو جعفرٍ ﵀: ففي قولِ النبيِّ ﷺ: \"لا تزالُ جهنمُ تقولُ: هل من مزيدٍ\". دليلٌ واضحٌ على أن ذلك بمعنى الاستزادةِ لا بمعنى النفيِ؛ لأن قولَه \"لا تزالُ\" دليلٌ على اتصالِ قولٍ بعدَ قولٍ.\n\n<span id=\"aya-4661\"></span><span data-type='title' id=toc-8771>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ [غَيْرَ بَعِيدٍ] (^٣)﴾. وأدنِيَتِ الجنةُ وقرِّبت للذين اتَّقَوا ربَّهم، فخافوا عقوبتَه بأداء فرائضِه واجتنابِ معاصِيه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: وأُدنِيَت، غيرَ بعيدٍ (^٤).\n\n<span id=\"aya-4662\"></span>وقولُه: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾. يقولُ: يُقالُ لهم: هذا الذي تُوعَدون أيُّها\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أصيب بك من أشاء\".\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ٦٥، والضياء في المختارة (٢٤٨٦) من طريق زياد به.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":449},{"text":"المتقون، أن تَدْخُلُوها وتَسْكُنوها. وقولُه: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾. يَعْني: لكلِّ رجّاعٍ (^١) من معصيةِ اللَّهِ إلى طاعتِه، تائبٍ من ذنوبِه.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: هو المسبِّحُ (^٢). وقال بعضُهم: هو التائبُ. وقد ذكَرْنا اختلافَهم في ذلك فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه، غيرَ أنا نذكُرُ في هذا الموضعِ ما لم نَذْكُرْه هنالك (^٣).\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبد الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصلتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾. قال: لكلِّ مُسَبِّحٍ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن مسلمٍ الأعورِ، عن مجاهدٍ، قال: الأوّابُ المسبِّحُ (٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنى يحيى بنُ عبد الملكِ بنِ أبي غَنِيَّةَ (^٥)، قال: ثنى أبي، عن الحكمِ بنِ عُتَيبةَ (^٦) في قولِ اللَّهِ: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾. قال: هو الذاكرُ [اللَّهَ في الخلاءِ] (^٧) (^٨).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"راجع\".\n(^٢) في الأصل، ت ٢: \"المسيح\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١٤/ ٥٥٦ - ٥٦٢.\n(^٤) في الأصل، ت ٢: \"مسيح\". والأثر تقدم في ١٤/ ٥٥٦، ٥٥٧.\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عيينة\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عيينة\".\n(^٧) سقط من: ت ٣.\n(^٨) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٠.","vol":"21","page":450},{"text":"[حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن يونسَ بنِ خبابٍ (^١)، عن مجاهدٍ: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾. قال: الذي] (^٢) يَذْكُرُ ذنوبَه فيَسْتَغْفِرُ منها (^٣).\n[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن خارجةَ، عن عيسى الخياطِ (^٤)، عن الشعبيِّ، قال: هو الذي يَذْكُرُ ذنوبَه في خلاءٍ فيَسْتَغْفِرُ منها] (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾. أي (^٦) مُطِيعٍ للَّهِ كثيرِ الصلاةِ (^٧).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾. قال: الأوَّابُ: التوَّابُ، الذي يَئُوبُ إلى طاعةِ اللَّهِ، ويَرْجِعُ إليها (^٨).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن يونسَ بنِ خبابٍ (^٩) في قولِه: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾. قال: الرجلُ يَذْكُرُ ذنوبَه، فيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لها.\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ٣: \"حباب\". ينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٥٠٣.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٢٦، ٢٧ من طريق يونس بن خباب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٧ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في ص، م: \"الحناط\" وكلاهما صواب، ينظر الطبقات الكبرى القسم المتمم ص ٤٢٤.\n(^٥) سقط من: ت ٣.\n(^٦) بعده في الأصل: \"كل\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر. وينظر ما تقدم في ٢٠/ ٤٢.\n(^٨) تقدم في ٢٠/ ٤٣.\n(^٩) في ت ٢: \"حيان\"، وفي ت ٣: \"حبان\".","vol":"21","page":451},{"text":"وقولُه: ﴿حَفِيظٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: حفِظ ذنوبَه حتى تاب منها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي سنانٍ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، قال: سألت ابنَ عباسٍ عن الأوابِ الحفيظِ، فقال: حفِظ ذنوبَه حتى رجَع عنها (^١).\nوقال آخرون: معناه: أنه حفيظٌ على فرائضِ اللَّهِ وما ائتَمَنه عليه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَفِيظٍ﴾. قال: حفيظٍ لما استودَعه اللَّهُ من حقِّه ونعمتِه (^٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه وصَف هذا التائبَ الأوّابَ بأنه حفيظٌ، ولم يُحصَرْ (^٣) به على (^٤) نوعٍ من أنواعِ الطاعاتِ دونَ نوعٍ، فالواجبُ أن يُعَمَّ كما (^٥) عمَّ جلَّ ثناؤُه، فيُقالَ: هو حفيظٌ لكلِّ ما قرَّبَه إلى ربِّه من الفَرائضِ والطاعاتِ، والذنوبِ التي سلَفَت منه للتوبةِ منها والاستغفارِ.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٧١٩٣) من طريق مهران عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن يحيى بن وثاب، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٧ عن التميمي إلى المصنف والبيهقي في شعب الإيمان.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يخص\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حفظ\".\n(^٥) في الأصل: \"كل\".","vol":"21","page":452},{"text":"<span id=\"aya-4663\"></span>وقولُه: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾. يقولُ: مَن خاف اللَّهَ في الدنيا من قبلِ أن يَلْقاه، فأطاعَه واتَّبَع أمرَه.\nوفي \"مَن\" التي (^١) في قولِه: ﴿مَنْ خَشِيَ﴾. وجهان من الإعرابِ؛ الخفضُ على إتْباعِه \"كلّ\" في قولِه: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾. والرفعُ على الاستئنافِ، وهو مرادٌ به الجزاءُ: \"مَن خشِي الرحمنَ بالغيبِ، قيل له ادخُلِ الجنةَ\"؛ فيكونُ حينئَذٍ قولُه: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾. جوابًا للجزاءِ، أُضْمِر قبلَه القولُ، وجُعِل فعلًا للجميع؛ لأن \"مَن\" قد تكونُ في مذهبِ الجميعِ.\nوقولُه: ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾. يقولُ: وجاء اللَّهَ بقلبٍ تائبٍ من ذنوبِه، راجعٍ مما يَكْرَهُه اللَّهُ إلى ما يُرْضِيه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾. أي مُنيبٍ إلى ربِّه مُقبِلٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4664\"></span><span data-type='title' id=toc-8772>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾. ادخُلوا هذه الجنةَ بأمانٍ من الهمِّ والنصَبِ (^٣) والعذابِ وما كنتم تَلقَونه في الدنيا من المكارِه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ادْخُلُوهَا\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٩/ ٢١٩.\n(^٣) في ص: \"العضب\"، وفي م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الغضب\".","vol":"21","page":453},{"text":"بِسَلَامٍ﴾. قال: سلِموا من عذابِ اللَّهِ، وسُلِّم عليهم (^١).\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾. يقولُ: هذا الذي وصَفتُ لكم أيُّها الناسُ صفتَه من إدخالي الجنةَ مَن أُدخِلُه، هو يومُ دخولِ الناسِ الجنةَ، ماكِثين فيها إلى غيرِ نهايةٍ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾. خلَدوا واللَّهِ فلا يَموتُون، وأقاموا فلا يَظْعَنون، ونعِموا فلا يَبْأَسون (^٢).\n\n<span id=\"aya-4665\"></span>وقولُه: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾. يقولُ: لهؤلاء المتقين ما يُرِيدون في هذه الجنةِ التي أُزْلِفت لهم - من كلِّ ما تَشْتَهيه نفوسُهم وتَلَذُّه (^٣) عيونُهم.\nوقولُه: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾. يقولُ: وعندَنا لهم على (^٤) ما أعطَيْناهم من هذه الكرامةِ التي وصَف جلَّ ثناؤُه صفتَها - مزيدٌ يزيدُهم إياه (^٥). وقيل: إن ذلك المزيدَ النظرُ إلى وجهِ (^٦) اللَّهِ ﷻ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني أحمدُ بنُ سهيلٍ الواسطيُّ، قال: ثنا قرةُ بنُ عيسى، قال: ثنا النضرُ [بنُ عرَبيٍّ، حدَّثه] (^٧) عن أنسٍ: إن اللَّهَ إذا أسكَن أهلَ الجنةِ الجنةَ، وأهلَ النارِ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٩ عن معمر، عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٨ إلى قوله: فلا يموتون. وعزاه إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في الأصل: \"تلذ\".\n(^٤) سقط من: الأصل، ت ١.\n(^٥) في الأصل: \"إياها\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) في الأصل: \"عن عدي حدثه\"، وفي ص، م: \"بن عربي جده\"، وفي ت ١: \"بن عربي عن جده\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"بن عربي\". ولعلها \"عمن حدثه، عن أنس\" فهو يروي عن أنس بواسطة. ينظر شعب الإيمان (٦٤٩)","vol":"21","page":454},{"text":"النارَ، هبَط إلى مَرْجٍ من الجنةِ أَفْيَحَ، فمدَّ بينَه وبينَ خلقِه حُجُبًا مِن لؤلؤٍ، وحُجُبًا من نورٍ، ثم وُضِعت منابرُ النورِ وسُرُرُ النورِ، وكراسيُّ النورِ، ثم أُذِن لرجلٍ على اللَّهِ، بينَ يديه أمثالُ الجبالِ من النورِ، يُسْمَعُ دوِيُّ تسبيحِ الملائكةِ معه، وصفقُ أجنحتِهم، فمدَّ أهلُ الجنةِ أعناقَهم، فقيل: مَن هذا الذي قد أُذِن له على اللَّهِ؟ فقيل: هذا المجبولُ (^١) بيدِه، والمُعَلَّمُ الأسماءَ، والذي أُمِرت الملائكةُ فسجَدت له، والذي أُبيحت له الجنةُ؛ آدمُ (^٢)، قد أُذِن له على اللَّهِ تعالى. قال: ثم يُؤْذَنُ لرجلٍ آخرَ، بينَ يديه أمثالُ الجبالِ مِن النورِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ تسبيحِ الملائكةِ معه، وصَفْقُ أجنحتِهم، فمدَّ أهلُ الجنةِ أعناقَهم، فقيل: مَن هذا الذي قد أُذِن له على اللَّهِ؟ فقيل: هذا الذي اتَّخذه اللَّهُ خليلًا، وجعَل عليه النارَ بردًا وسلامًا؛ إبراهيمُ، قد أُذِن له على اللَّهِ. قال: ثم أُذِن لرجلٍ آخرَ على اللَّهِ، بينَ يدَيْهِ أمثالُ الجبالِ من النورِ، يُسْمَعُ دوِيُّ تسبيحِ الملائكةِ معه، وصفقُ أجنحتِهم؛ فمدَّ أهلُ الجنةِ أعناقَهم، فقيل: مَن هذا الذي قد أُذِن له على اللَّهِ؟ فقيل: هذا الذي اصطَفاه اللَّهُ برسالتِه (^٣)، وقرَّبه نجِيًّا، وكلَّمه تكليمًا (^٤)؛ موسى، قد أُذِن له على اللَّهِ. قال: ثم يُؤْذَنُ لرجلٍ آخرَ، معه مثلُ جميعِ مواكبِ (^٥) النبيين قبلَه، بينَ يدَيْهِ أَمثالُ الجبالِ، من النورِ، يُسْمَعُ دويُّ تسبيحِ الملائكةِ معه (^٦)، وصَفْقُ أجنحتِهم؛ فمدَّ أهلُ الجنةِ أعناقَهم، فقيل: مَن هذا الذي قد أُذِن له على اللَّهِ؟ فقيل: هذا أوّلُ شافعٍ، وأوّلُ مُشَفَّعٍ، وأكثرُ الناسِ واردةً، وسيدُ ولدِ آدمَ، وأوّلُ مَن تَنْشَقُّ عن ذُؤابتِه الأرضُ، وصاحبُ لواءِ الحمدِ؛ أحمدُ ﷺ، قد قد أُذِن له\n_________\n(^١) في م: \"المجعول\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المحبول\". والمجبول: المجتمع الخلق. النهاية ١/ ٢٣٦.\n(^٢) بعده في الأصل: \"و\".\n(^٣) في الأصل: \"لرسالته\"، وفي ص، ت ١: \"برسالاته\".\n(^٤) في ص، ت ٢، ت ٣: \"كلام\"، وفي م، والدر المنثور: \"كلاما\".\n(^٥) في الأصل، ت ٢، ت ٣: \"مراكب\".\n(^٦) في الأصل: \"معهم\".","vol":"21","page":455},{"text":"على اللَّهِ. قال: فجلَس النبيون على منابرِ النورِ، [والصدِّيقون على سُرُرِ النورِ، والشهداءُ على كراسيِّ النور] (^١)، وجلس سائرُ الناسِ على كُثْبانِ المسكِ الأذْفَرِ الأبيضِ، ثم ناداهم الربُّ تعالى من وراءِ الحجُبِ: مرحبًا بعبادِي وزَوْرِي (^٢) وجيرَاني ووفدِي. يا (^٣) ملائكتي انهَضوا إلى عبادِي، فأطعِموهم. قال: فقُرِّبت إليهم من لحومِ طيرٍ، كأنها البختُ لا ريشَ (^٤) ولا عظمَ، فأكَلوا. قال: ثم ناداهم الربُّ من وراءِ الحُجُبِ: مرحبًا بعبادِي وزَوْرِي (^٢) وجيراني ووفدي، أكَلوا؟ اسقُوهم. قال: فنهَض إليهم غلمانٌ كأنهم اللؤلؤُ المكنونُ بأباريقِ الذهبِ والفضةِ، بأشربةٍ مختلفةٍ لذيذةٍ، لذةُ آخرِها كلذةِ أولِها، لا يُصَدَّعون عنها ولا يُنزِفون، ثم ناداهم الربُّ من وراءِ الحُجُبِ: مرحبًا بعبادِي وزَوْرِي (^٢) وجِيراني ووفدي، أَكَلوا وشرِبوا؟ فَكِّهوهم. قال: فقُرِّب إليهم على أطباقٍ مكللةٍ بالياقوتِ والمرجانِ، من الرطبِ الذي سمى اللَّه، أشدُّ بياضًا من اللبنِ، وأطيبُ عذوبةً من العسلِ. قال: فأكَلوا، ثم ناداهم الربُّ من وراءِ الحجبِ: مرحبًا بعبادِي وزَورِي (^٥) وجيراني، ووفدِي، أكَلوا وشرِبوا، وفَكِهوا؟ اكسُوهم. قال: فتفتحت لهم ثمارُ الجنةِ بحُللٍ مصقولةٍ بنورِ الرحمنِ فأُلْبِسُوها. قال: ثم ناداهم الربُّ ﵎ من وراءِ الحجبِ: مرحبًا بعبادِي وزَوْرِي (^٥) وجِيراني ووفدِي، أكَلوا وشرِبوا، وفكهوا، وكُسوا؟ طيِّبوهم. قال: فهاجَت عليهم ريحٌ، يُقالُ لها: المثيرةُ. بأنابيرِ (^٦) المسكِ الأبيضِ (^٧) الأذْفَرِ، فنفَحت\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"زواري\". والزور: الزائر، وهو مصدر وضع موضع الاسم، وقد يكون \"الزور\" جمع \"زائر\". ينظر النهاية ٢/ ٣١٨.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) بعده في م: \"لها\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"زواري\".\n(^٦) في م، والدر: \"بأباريق\". والأنابير: جمع الجمع لـ \"نِبْر\"، وهي الأكداس. ينظر التاج (ن ب ر).\n(^٧) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":456},{"text":"على وجوههم من غيرِ غبارٍ ولا قَتامٍ. قال: ثم ناداهم الربُّ ﷿ من وراءِ الحُجُبِ: مرحبًا بعبادِي وزَوري وجِيراني ووفدي، أكَلوا وشرِبوا، وفكِهوا، وكسُوا، وطُيِّبوا، وعزَّتي لأتَجَلَّين لهم حتى يَنْظُروا إليَّ. قال: فذلك انتهاءُ العطاءِ وفضلُ المزيدِ، قال: فتجَلَّى (^١) لهم الربُّ، ثم قال: السلامُ عليكم عبادي، انظُروا إليَّ فقد (^٢) رَضِيتُ عنكم. قال: فتدَاعت قصورُ الجنةِ وشجرُها: \"سبحانَك\". أربعَ مراتٍ، وخرَّ القومُ سُجَّدًا؛ قال: فناداهم الربُّ ﵎: عبادِي ارفَعوا رءوسَكم، فإنها ليست بدارِ عملٍ، ولا دارِ نصَبٍ، إنما هي دارُ جزاءٍ وثوابٍ، وعِزَّتي (^٣) ما خلَقتُها إلَّا من أجلِكم، وما من ساعةٍ ذكَرتُموني فيها في دارِ الدنيا، إلا ذكَرتُكم فوقَ عرشِي\" (^٤).\nحدَّثنا عليُّ بنُ الحسينِ [بنِ الحُرِّ] (^٥)، قال: ثنا عمرُ بنُ يونسَ اليماميُّ، قال: ثنا جَهْضَمُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي الطُّفَيلِ، قال: ثنى أبو طَيْبةَ، عن معاويةَ العَبْسيِّ، عن عثمانَ بنِ عميرٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أتاني جبريلُ ﵇ وفي كفِّه مِرْآةٌ بيضاءٌ، فيها نكتةٌ سوداءُ، فقلتُ: يا جبريلُ ما هذه؟ قال: هذه الجمعةُ. قلتُ: فما هذه النكتةُ السوداءُ فيها؟ قال: هي الساعةُ، تقومُ يومَ الجمعةِ، وهو سيدُ الأيامِ عندَنا، ونحنُ ندْعُوه في الآخرةِ يومَ المزيدِ. قلت: ولِمَ تَدْعُونَهُ (^٦) يومَ المزيدِ؟ قال: إن ربَّك ﵎ اتَّخَذ في الجنةِ وادِيًا أفيحَ من مسكٍ أبيضَ، فإذا كان يومُ الجمعةِ نزَل من علِيِّين على كُرْسِيِّه، ثم\n_________\n(^١) في الأصل: \"فيتجلى\".\n(^٢) في الأصل: \"فإني قد\".\n(^٣) بعده في الأصل: \"وجلالي\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٨ إلى المصنف. قال ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٨٥: فيه غرائب كثيرة.\n(^٥) سقط من: ت ١، وفي م: \"بن أبجر\"، وفي ت ٢: \"بن أبحر\"، وفي ت ٣: \"بن الحرث\". ينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٣٧٩.\n(^٦) في م: \"تدعون\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"تدعوه\".","vol":"21","page":457},{"text":"حُفَّ الكُرْسِيُّ بمنابرَ من نورٍ، ثم جاء النبيون حتى يَجْلِسوا عليها، [ثم حُفَّ المنابرُ بكراسيَّ مِن ذهبٍ، ثم جاء الصدِّيقون والشهداءُ حتى يَجْلِسوا عليها] (^١) ثم يَجِيءُ أهلُ الجنةِ حتى يَجْلِسوا على الكَثيبِ، فيتَجَلَّى لهم ربُّهم ﷿، حتى يَنْظُروا إلى وجْهِهِ وهو يقولُ: أنا الذي صدَقتُكم عِدَتي، وأتممتُ عليكم نِعْمَتي، فهذا محلُّ كرامَتي، فسَلوني. فيَسْأَلونه الرِّضا، فيقولُ: رِضاي أَحَلَّكم داري، وأنالَكم كرامَتي، سَلوني. فيَسأَلونه حتى تَنْتَهِيَ رغبَتُهم، فيُفْتَحُ لهم عندَ ذلك ما لا عينٌ رأَت، ولا أذنٌ سمِعت، ولا خطَر على قلبِ بشرٍ - إلى مِقدَارِ مُنصَرَفِ الناسِ من الجمُعةِ، ثم (^٢) يَصْعَدُ على كرسِيِّهِ، فيَصْعَدُ معه الصدِّيقون والشهداءُ، ويَرْجِعُ أهلُ الجنةِ إلى غُرَفِهم درةً بيضاءَ، لا قَصْمَ (^٣) فيها ولا فَصْمَ، أو ياقوتةً حمراءَ، أو زبرجدةً خضراءَ منها غرفُها وأبوابُها، [مطردةً فيها أنهارُها، متدليةً فيها ثمارُها، فيها أزواجُها] (١)، فليسوا إلى شيءٍ أحوج منهم إلى يومِ الجمعةِ، ليزدادوا منه كرامةً، وليَزْدادوا نظرًا إلى وجْهِهِ، ولِذلك دُعِيَ يومَ المزيدِ\" (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا [جريرٌ، عن ليثِ بنِ أبي سليمٍ، عن عثمانَ بنِ عميرٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ، نحوَ حديثِ عليِّ بنِ الحسينِ] (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م: \"حتى\".\n(^٣) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"نظم\"، وفي ت ١: \"خمر\".\n(^٤) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٤/ ١٦ عن المصنف، وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٤٦٠)، والبزار (٣٥١٩ - كشف)، والآجري (٦١٢)، والخطيب في الموضح ٢/ ٢٩٥ من طريق عمر بن يونس، عن جهضم، عن أبي طيبة، عثمان بن عمير به، ونص الخطيب على أن رواية جهضم بدون واسطة بين أبي طيبة وعثمان بن عمير، وأخرجه أيضًا في الموضح ٢/ ٢٩٦ من طريق أبي طيبة عن عاصم عن عثمان بن عمير عن أنس.\n(^٥) في ت ٢، ت ٣: \"يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة بنحوه\".\n(^٦) أخرجه الخطيب في الموضح ٢/ ٢٩٤ من طريق جرير به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٠، والدارمي في الرد على الجهمية ص ٣٨، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٩١)، والعقيلي ١/ ٢٩٢، وابن منده في الرد على الجهمية (٩٢)، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ٢٦٣، والخطيب في الموضح ٢/ ٢٩٤ من طريق ليث به، وأخرجه =","vol":"21","page":458},{"text":"حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، [عن صالحِ بنِ حيَّانَ، عن ابنِ (^١) بريدةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوه.\nحدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ] (^٢)، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا ابنُ عونٍ، عن محمدٍ، قال: حُدِّثنا - أو قال: قالوا - أن أدنى أهلِ الجنةِ منزلةً، الذي يُقالُ له تمَنَّ، ويُذَكِّرُه أصحابُه فيتَمَنَّى، ويُذَكِّرُه أصحابُه، فيُقالُ له: ذلك لك ومثلُه معه. قال ابنُ عمرَ: ذلك لك وعشرةُ أمثالِه، وعند اللَّهِ مزيدٌ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا عمرُو بنُ الحارثِ، أن درَّاجًا أبا السمحِ حدَّثه عن أبي الهيْثَمِ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، أنه قال عن رسولِ اللَّهِ ﷺ: \"إن الرجلَ في الجنةِ ليتَّكِئُ سبعين سَنَةً قبلَ أن يَتَحَوَّلَ، ثم تَأْتِيهِ امرأةٌ (^٣) فتَضْرِبُ على مَنْكِبَيْهِ (^٤)، فيَنْظُرُ وجهَه في خَدِّها أصفى من المرآةِ، وإن أدنى لؤلؤةٍ عليها لَتُضِيءُ ما بينَ المشرِقِ والمغربِ - فَتُسَلِّمُ عليه، فيَرُدُّ السلامَ، ويَسْأَلُها: مَن أنتِ؟ فتَقُولُ: أنا من المزيدِ. وإنه ليَكُونُ عليها سبعون ثوبًا أدناها مثلُ النعمانِ من طُوبى فيَنْفُذُها بصرَه، حتى يَرَى مخَّ ساقِها من وراءِ ذلك، وإن عليهم (^٥) التِّيجانُ، وإن أدنى لؤلؤةٍ فيها (^٦) لتُضِيءُ ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ\" (^٧).\n_________\n= الشافعي في مسنده (٣٧٤)، وأبو يعلى (٤٢٢٨)، والطبراني في الأوسط (٦٧١٧)، والخطيب في الموضح ٢/ ٢٩٥ من طرق أخرى عن أنس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٨ إلى ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الرؤية وأبي نصر السجزي في الإبانة.\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"أبي\". ينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٣٢٨.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ومسند أحمد: \"امرأته\".\n(^٤) في الأصل، ت ١، ص: \"منكبه\".\n(^٥) في م، ومسند أحمد: \"عليها من\"، وفي مسند أبي يعلى: \"عليهن\".\n(^٦) في الأصل: \"منها\". وفيها، أي: في التيجان.\n(^٧) أخرجه ابن حبان (٧٣٩٧) من طريق عبد الله بن وهب به، وأخرجه أحمد ١٨/ ٢٤٣ (١١٧١٥)، =","vol":"21","page":459},{"text":"<span id=\"aya-4666\"></span>وقولُه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مَن قَرْنٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكثيرًا أهلَكْنا قبلَ هؤلاء المشرِكين من قريشٍ من القرونِ، هُم أَشَدُّ من قريشٍ الذين كذَّبوا محمدًا بَطشَا ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾. يقولُ: فخرَقوا (^١) في البلادِ فساروا فيها، وطافوا وتوغَّلوا إلى الأقاصِي منها؛ قال امرُؤُ القَيسِ (^٢):\n[لقد نقَّبتُ] (^٣) في الآفاقِ حتى … رَضِيتُ من الغنيمةِ بالإيابِ\nوبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾. قال: أثَّروا (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ (^٥)، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾. [قال: ضرَبوا في البلادِ (^٦).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾] (^٧). قال: يقولُ: عمِلوا في البلادِ، ذاك النقبُ (^٨).\n_________\n= وأبو يعلى (١٣٨٦) من طريق دراج به.\n(^١) في ت ١، ت ٣: \"فخربوا\"، وفي ت ٢: \"تحزبوا\".\n(^٢) ديوانه ص ٩٩.\n(^٣) في الديوان: \"وقد طوفت\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٩ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) في الأصل: \"صالح\".\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٦١٥، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١٧.\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٨) بعده في م: \"ذكر من قال ذلك\".","vol":"21","page":460},{"text":"وقولُه: ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فهل كان لهم بتنقيبهم (^١) في البلادِ من مَعْدِلٍ عن الموتِ، ومَنْجًى من الهلاكِ إذ جاءهم أمرُنا؟ وأُضمِرت \"كان\" في هذا الموضعِ، كما أُضْمِرت في قولِه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣]. بمعنى: فلم يَكُنْ لهم ناصرٌ عندَ إهلاكِناهم. وقرَأت القرأةُ قولَه: ﴿فَنَقَّبُوا﴾. بالتشديدِ وفتحِ القافِ، على وجهِ الخبرِ عنهم. وذُكِر عن يحيى بنِ يَعْمَرَ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (فَنَقِّبُوا) بكسرِ القافِ (^٢) على وجهِ [الأمرِ، بمعنى] (^٣) التهديدِ والوعيدِ. أي: طُوفوا في البلادِ وتردَّدوا فيها، فإنكم لن تَفُوتُونا بأنفسِكم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ قولِه: ﴿مِنْ مَحِيصٍ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾، حتى بلَغ: ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. قد حايَص (^٤) الفجَرةُ، فوجَدوا أمرَ اللَّهِ منيعًا (^٥).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. قال: حاص أعداءُ اللَّهِ، فوجَدوا أمرَ اللَّهِ لهم مُدْرِكًا (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"بتنقبهم\".\n(^٢) وهي قراءة شاذة، ينظر البحر المحيط ٨/ ١٢٩.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م: \"حاص\".\n(^٥) في م: \"متبعا\"، وفي ت ١: \"ننعا\"، وفي ت ٣: \"نسا\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٩ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٩ إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":461},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. قال: هل من مَنجًى.\n\n<span id=\"aya-4667\"></span><span data-type='title' id=toc-8773>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إن في إهلاكِنا القرونَ التي أهلَكْناها مِن قبلِ قريشٍ، ﴿لَذِكْرَى﴾ يُتَذَكَّرُ بها، ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. يعني: لمن كان له عقلٌ من هذه الأمة، فيَنْتَهِي عن الفعلِ الذي كانوا يَفْعَلونه، من كفرِهم بربِّهم، خوفًا من أن يَحُلَّ بهم مثلُ الذي حلَّ بهم من العذابِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. أي من هذه الأمةِ، يعني بذلك القلبِ القلبَ الحيَّ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. قال: مَن كان له قلبٌ من هذه الأمةِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. قال: قلبٌ يَعْقِلُ ما قد سمِع من الأحاديثِ التي عذَّب (^٢) اللَّهُ بها مَن عصاه من الأممِ.\nوالقلبُ في هذا الموضعِ العقلُ، وهو من قولِهم: ما لفلانٍ قلبٌ. و: ما قلبُه\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٩ عن معمر به.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ضرب\".","vol":"21","page":462},{"text":"معه. أي: ما عقلُه معه. و: أين ذهَب قلبُك؟ يعني: أين ذهَب عقلُك؟\nوقولُه: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. يقولُ: أو أَصْغَى لإخبارِنا إيَّاه عن هذه القرونِ التي أهلَكْناها بسمعِه، فيَسْمَعُ الخبرَ عنهم، كيفَ فَعَلْنا بهم، حينَ كفَروا بربِّهم، وعصَوْا رسلَه، ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. يقولُ: وهو مُتَفهِّمٌ لما يُخْبَرُ به عنهم، شاهدٌ له بقلبِه، غيرُ غافلٍ عنه ولا ساهٍ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اختلَفت ألفاظُهم فيه.\nذكرُ [ما قالوا في] (^١) ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ (^٢) قولَه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. يقولُ: إن استمَع الذكرَ وشهِد أمرَه، فإن (^٣) في ذلك [تجربةً لمن] (^٤) عقِله.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ [وَهُوَ شَهِيدٌ] (^٥)﴾. قال: وهو لا يُحَدِّثُ نفسَه، شاهدُ القلبِ (^٦).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال:\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"من قال\".\n(^٢) في الأصل: \"مسعود\".\n(^٣) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٤) في م، ت ٣: \"يجزيه إن\"، وفي ت ٢: \"يحزمه إن\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ٢.\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٦١٥، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١٧.","vol":"21","page":463},{"text":"سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. قال: العربُ تقولُ: ألقَى فلانٌ سمعَه، أي: استمع بأذنَيْهِ، وهو شاهدٌ، يقول: غيرُ غائبٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. قال: يَسْمَعُ ما يقولُ، وقلبُه في غيرِ ما يَسْمَعُ.\nوقال آخرون: عَنَى بالشهيدِ في هذا الموضعِ الشهادةَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. يعني بذلك أهلَ الكتابِ، وهو شهيدٌ على ما يَقْرَأُ في كتابِ اللَّهِ من بَعْثِ محمدٍ ﷺ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾. [قال: هو رجلٌ مِن أهلِ الكتابِ استمَع إلى القرآنِ] (^٢)، ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ على ما في يده من كتابِ اللَّهِ، أنه يَجِدُ النبيَّ ﷺ مكتوبًا (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: قال معمرٌ: وقال الحسنُ: هو منافقٌ استمَع (^٤) ولم يَنْتَفِعْ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٨٦.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٩ عن معمر به.\n(^٤) بعده في م، ت ٢، ت ٣: \"القول\".","vol":"21","page":464},{"text":"قال: المؤمنُ يَسْمَعُ القرآنَ، وهو شهيدٌ على ذلك (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. قال: ألقَى السمعَ فسمِع ما قد كان مما لم يُعَايِنْ من الأحاديثِ عن الأممِ التي قد مضَت، كيفَ عذَّبهم اللَّهُ وصنَع بهم حينَ عصَوا رسلَه.\n\n<span id=\"aya-4668\"></span><span data-type='title' id=toc-8774>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد خلَقْنا السماواتِ السبعَ والأرضَ وما بينهما من الخلائقِ في ستةِ أيامٍ، وما مسَّنا (^٢) من إعياءٍ.\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي سنانٍ، عن أبي بكرٍ قال: جاء اليهودُ إلى النبيِّ ﷺ، فقالوا: يا محمدُ أَخْبِرْنا ما خلَق اللَّهُ من الخلقِ في هذه الأيامِ الستةِ؟ فقال: \"خلَق اللَّهُ الأرضَ يومَ الأحدِ والاثنين، وخلَق الجبالَ يومَ الثلاثاءِ، وخلَق المدائنَ والأقواتَ والأنهارَ وعمرانَها وخرابَها يومَ الأربِعاءِ، وخلَق السماواتِ والملائكةَ يومَ الخميسِ، إلى ثلاثِ ساعاتٍ؛ يَعْني من يومِ الجمعةِ، وخلَق في أولِ الثلاثِ الساعاتِ الآجالَ، وفي الثانيةِ الآفةَ، وفي الثالثةِ آدمَ\". قالوا: صدَقتَ إن أتممتَ. فعرَف النبيُّ ﷺ ما يُرِيدون، فغضِبَ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُغُوبٍ﴾.\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٣ بمعناه.\n(^٢) بعده في الأصل: \"من لغوب\".","vol":"21","page":465},{"text":"قال: من سآمةٍ.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾. يقولُ: من إزحافٍ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾. يقولُ: وما مسَّنا من نَصَبٍ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾. قال: نَصَبٍ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾] (^٤). أكذَب اللَّهُ اليهودَ والنصارى وأهلَ الفِرَى على اللَّهِ؛ وذلك أنهم قالوا: إن اللَّهَ خلَق السماواتِ والأرضَ في ستةِ أيامٍ ثم استراح يومَ السابعِ، وذلك عندَهم يومُ السبتِ، وهم يُسَمُّونه يومَ الراحةِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مِنْ لُغُوبٍ﴾. قالت اليهودُ: إن اللَّهَ خلَق السماواتِ والأرضَ\n_________\n(^١) أزحف البعير: أعيا. والإزحاف: الإعياء. التاج (ز ح ف).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٠ إلى المصنف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦١٥، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١٧ - والبيهقي في الأسماء والصفات (٧٦٦).\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الآية\".","vol":"21","page":466},{"text":"في ستةِ أيامٍ، ففرَغ من الخلقِ يومَ الجمعةِ واستراح يومَ السبتِ. فأكذَبهم اللَّهُ، وقال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (^١).\nحدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. كان مقدارُ كلِّ يومٍ ألفَ سنةٍ مما تَعُدُّون.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾. قال: لم يَمَسَّنا في ذلك عناءٌ؛ ذلك اللغوبُ.\n\n<span id=\"aya-4669\"></span><span data-type='title' id=toc-8775>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فاصبِرْ يا محمدُ على ما يقولُ (^٢) هؤلاء اليهودُ (^٣)، وما يَفْتَرون على اللَّهِ، وما يَكْذِبون عليه، فإن اللَّهَ لهم بالمِرْصادِ، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾. يقولُ: وصلِّ بحمدِ ربِّك صلاةَ الصبحِ قبلَ طلوعِ الشمسِ، وصلاةَ العصرِ قبلَ الغروبِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ لصلاةِ الفجرِ، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]: العصرُ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ قبلَ طلوعِ الشمسِ: الصبحُ، وقبلَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٣٩ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"يقولون\".\n(^٣) بعده في الأصل: \"ذلك\".\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٣٧٣ أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ١٢٩.","vol":"21","page":467},{"text":"الغروبِ: العصرُ (^١).\n\n<span id=\"aya-4670\"></span>وقولُه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في التسبيحِ الذي أُمِر به من الليلِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي به صلاةُ العَتَمةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: العَتَمةِ (^٢).\nوقال آخرون: هي الصلاةُ بالليلِ في أيِّ وقتٍ صلَّى.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾. قال: من الليلِ كلِّه (^٣).\nوالقولُ الذي قاله مجاهدٌ في ذلك أقربُ إلى الصوابِ، وذلك أن اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾. فلم يَحُدَّ وقتًا من الليلِ دونَ وقتٍ. وإذا كان ذلك كذلك، كان على جميعِ ساعاتِ الليلِ. وإذا كان الأمرُ في ذلك على ما وصَفْنا، فهو بأن يكونَ أمرًا بصلاةِ المغربِ والعشاءِ، أشبهُ منه بأن يكونَ أمرًا بصلاةِ العَتَمةِ؛ لأنهما يُصَلَّيان ليلًا.\nوقولُه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. يقولُ: وسَبِّحْ بحمدِ ربِّك أدبارَ السجودِ\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٣٧٣، وأبو حيان في البحر المحيط ٨/ ١٢٩.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٠ إلى المصنف، وذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٣٧٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٠ إلى المصنف.","vol":"21","page":468},{"text":"مِن صلاتِك.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى التسبيحِ الذي أمَر اللَّهُ نبيَّه أن يُسَبِّحَه أدبارَ السجودِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي به الصلاةُ، قالوا: وهما الركعتانِ اللتانِ يُصَلَّيان بعدَ صلاةِ المغربِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عنبسةُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، قال: سألتُ عليًّا عن أدبارِ السجودِ فقال: الركعتانِ بعدَ المغربِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا ابنُ [أبي نجيحٍ] (^٢)، عن مجاهدٍ، قال: قال عليٌّ: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: الركعتانِ بعدَ المغربِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ سلامٍ، عن الأجلحِ (^٣)، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، قال: سمِعتُ عليًّا يقولُ: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: الركعتان بعدَ المغربِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. قال: الركعتان بعدَ المغربِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ (^٤)، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٢٣، وتفسير مجاهد ص ٦١٦ من طريق أبي إسحاق به.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جريج\". وينظر ما سيأتي في ص ٤٧٣.\n(^٣) في ت ١: \"الأشج\". ينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٨.\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن الحارث\". وينظر مصدرا التخريج.","vol":"21","page":469},{"text":"عاصمِ بنِ ضمرةَ، عن الحسنِ بنِ عليٍّ ﵄، قال: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: الركعتان بعدَ المغربِ (^١).\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا عليُّ بن زيد، عن أوسِ بنِ خالدٍ، عن أبي هُريرةَ قال: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: ركعتان بعدَ صلاةِ المغربِ (^٢).\n[حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا] (^٣) سفيانُ، عن علوانَ بنِ أبي مالكٍ، عن الشعبيِّ قال: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: الركعتان بعدَ المغربِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ وإبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: الركعتان بعدَ المغربِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن إبراهيمَ، مثلَه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن إبراهيمَ في هذه الآيةِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]، قال: الركعتان قبلَ الصبحِ، والركعتان بعدَ المغربِ، قال شعبةُ: لا أدري أيَّتُهما أدبارُ السجودِ، ولا أدري أيَّتُهما إدبارُ النجومِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٢٣ عن يحيى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٠ من طريق أبي إسحاق به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٢٣ من طريق حماد به.\n(^٣) في الأصل: \"حدثنا ابن حميد، قال حدثنا مهران، عن\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٢٣ عن عبد الرحمن به.","vol":"21","page":470},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. قال: كان مجاهدٌ يقول: ركعتان بعدَ المغربِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. قال: هما السجدتانِ بعدَ صلاةِ المغربِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ (^٣) فضيلٍ، عن رِشْدِينَ بنِ كريبٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قال: قال لي رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"يا ابنَ عباسٍ، ركعتانِ بعدَ المغرب: أدبارُ السجودِ\" (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: أخبَرنا أبو زُرْعةَ وهبُ (^٥) اللَّهِ بنُ راشدٍ، قال: أخبَرنا حيوةُ بنُ شريحٍ، قال: أخبَرنا أبو صخرٍ، أنه سمِع أبا معاويةَ البجليَّ من أهلِ الكوفةِ يقولُ: سمعتُ أبا الصهباءِ البكريَّ يقولُ: سألتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁ عن: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. قال: هما ركعتان بعدَ المغربِ.\nحدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو (^٦) السَّكونيُّ، قال: ثنا بقيةُ، قال: ثنا جريرٌ (^٧)، قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٠ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٥ عن العوفي به.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"أبو\". ينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٢٩٣.\n(^٤) أخرجه الترمذي (٣٢٧٥)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٣٨٧ - والطبراني في الأوسط (٧٤٥٨)، والحاكم ١/ ٣٢٠ من طريق ابن فضيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٠ إلى ابن مردويه.\n(^٥) في م: \"وهبة\". وفي ت ٢، ت ٣: \"وعبد\". وينظر ما تقدم في ٥/ ١٣١.\n(^٦) في الأصل: \"عوف\". ينظر تهذيب الكمال ١١/ ١٧.\n(^٧) في ت ٢: \"جويبر\".","vol":"21","page":471},{"text":"[ثنى يزيدُ بنُ خُمَيرٍ] (^١) الرَّحْبيُّ، عن كُرَيبِ بنِ يزيدَ الرَّحْبيِّ - قال: وكان جُبَيرُ بنُ نفيرٍ يَمْشِي إليه - قال: كان إذا صلَّى الركعتين قبلَ الفجرِ، والركعتين بعدَ المغربِ أخفَّ، وفسَّر إدبارَ النجومِ، وأدبارَ السجودِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن عيسى بنِ يزيدَ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدانيِّ، عن الحسنِ ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: الركعتان بعدَ المغربِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عنبسةُ، عن المُغيرةِ، [عن إبراهيمَ] (^٤)، قال: كان يُقالُ: أدبارُ السجودِ الركعتان بعدَ المغربِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: الركعتان بعدَ المغربِ.\n[قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، قال: قال عليٌّ: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: الركعتان بعدَ المغربِ] (^٤).\nحدَّثنا ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، قال: سُئل الأوْزاعيُّ عن الركعتين بعدَ المغربِ، قال: هما في كتابِ اللَّهِ: ﴿فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن حميدٍ، عن الحسنِ، عن عليٍّ ﵁ في قولِه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. قال: الركعتان بعدَ المغربِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَدْبَارَ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"حمير بن يزيد\". وفي ت ٢، ت ٣: \"عمر بن يزيد\". ينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ١١٦.\n(^٢) عزاه الحافظ في الفتح ٨/ ٥٩٨ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٠ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: الأصل.","vol":"21","page":472},{"text":"السُّجُودِ﴾. قال: ركعتان بعدَ المغربِ (^١).\nوقال آخرون: عُنِي بقولِه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: التسبيحُ في أدبارِ الصلواتِ المكتوباتِ، دونَ الصلاةِ بعدَها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في: ﴿فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. قال: هو التسبيحُ بعدَ الصلاةِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: التسبيحُ. قال ابنُ عمرٍو (^٣) في حديثِه: في إثرِ الصلواتِ كلِّها. وقال الحارثُ في حديثِه: في دُبرِ الصلاةِ كلِّها (^٤).\nوقال آخرون: هي النوافلُ في أدبارِ المكتوباتِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني (^٥) يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: النوافلَ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٠ عن معمر به.\n(^٢) ذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٥٩٨ عن ابن علية به، وعزاه إلى المصنف.\n(^٣) في الأصل: \"عمر\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦١٦، ومن طريقه البخاري (٤٨٥٢)، وهو في مختصر قيام الليل لابن نصر ص ٨٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٠ إلى ابن أبي حاتم وابن نصر وابن مردويه.\n(^٥) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"حدثنا بشر، قال: ثنا\"، وفي ت ١: \"حدثنا بشر، قال ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ثنا\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٠ إلى المصنف.","vol":"21","page":473},{"text":"وأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ قولُ مَن قال: هما الركعتانِ بعدَ المغربِ؛ لإجماعِ الحجةِ من أهلِ التأويلِ على ذلك، ولولا ما ذكَرتُ من إجماعِها عليه، لرأَيتُ أن القولَ في ذلك ما قاله ابنُ زيدٍ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه لم يَخْصُصْ بذلك صلاةً دونَ صلاةٍ، بل عمَّ أدبارَ الصلواتِ كلِّها، فقال: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. ولم تَقُمْ (^١) بأنه معنِيٌّ به دُبُرُ صلاةٍ دونَ صلاةٍ - حجةٌ يَجِبُ التسليمُ لها من خبرٍ ولا عقلٍ.\nواختلَفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. فقرَأته عامةُ قرَأةِ الحجازِ والكوفةِ، سوى عاصمٍ والكسائيِّ: (وإدْبارَ السُّجُودِ) بكسر الألفِ، على أنه مصدرٌ من أدبَر يُدْبِرُ إدبارًا. وقرَأه عاصمٌ والكسائيُّ وأبو عمرٍو (وأدْبارَ) بفتحِ الألفِ، بمعنى (^٢) جمعِ دُبُرٍ وأدبارٍ (^٣).\nوالصوابُ عندى الفتحُ، على جمعِ دُبُرٍ (^٤).\n\n<span id=\"aya-4671\"></span><span data-type='title' id=toc-8776>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واسْتَمِع يا محمدُ صيحةَ يومِ القيامةِ، يومَ ينادِي بها مُناديها (^٥) من موضعٍ قريبٍ.\nوذُكِر أنه يُنادِي بها من صخرةِ بيتِ المقدسِ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"يعم\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"على مذهب\".\n(^٣) قرأ المدنيان وابن كثير وحمزة وخلف بكسر الهمزة، والباقون بفتحها. النشر ٢/ ٢٨١.\n(^٤) القراءتان كلتاهما صواب، قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرأة. وينظر النشر ٢/ ٢٨١.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منادينا\".","vol":"21","page":474},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بنِ بشيرٍ (^١)، عن قتادةَ، عن كعبٍ، قال: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾. قال: مَلكٌ قائمٌ على صخرةِ بيتِ المقدسِ ينادِي: أيتها العظامُ الباليةُ والأوصالُ المتقطعةُ، إن اللَّهَ يأمرُكُنَّ أن تجتَمِعن لفصْلِ القضاءِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾. قال: كنَّا نُحدَّثُ أنَّه ينادِي من بيتِ المقدسِ من الصخرةِ، وهي أوسطُ الأرضِ، وحُدِّثنا أن كعبًا قال: هي أقربُ الأرضِ إلى السماءِ بثمانيةَ عشرَ مِيلًا (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾. قال: بلَغني أنَّه ينادِي من الصخرةِ التي في بيتِ المقدِس (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾. قال: هي الصيحةُ (٢).\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنى بعضُ أصحابِنا،\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"بشر\". ينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٣٤٨.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٠ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١١ إلى المصنف وابن أبي حاتم والواسطي.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٠ عن معمر به.","vol":"21","page":475},{"text":"عن الأغرِّ، عن مسلمِ (^١) بنِ حيانَ، عن ابن يُرَيدةَ، عن أبيه بُرَيدةَ، قال: ملَكٌ قائمٌ على صخرةِ بيتِ المقدسِ، واضعٌ أُصْبُعَيْه في أُذنَيهِ ينادِي. قال: قلتُ: بماذا ينادِي؟ قال: يقولُ: يا أيها الناسُ هلُمُّوا إلى الحسابِ. قال: فيُقبِلُون كما قال اللَّهُ: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ (^٢) [القمر: ٧].\n\n<span id=\"aya-4672\"></span>وقولُه: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يومَ يسمعُ الخلائقُ صيحةَ البعثِ من القبورِ بالحقِّ، يعني بالأمرِ بالإجابةِ للَّهِ إلى موقفِ الحسابِ.\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾. يقولُ: ذلك يومُ خروجِ أهلِ القبورِ من قبورِهم.\n\n<span id=\"aya-4673\"></span><span data-type='title' id=toc-8777>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤)﴾.</span>\n\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إنّا نحن نُحيي الموتَى ونميتُ الأحياءَ، وإلينا مصيرُ جميعِهم يومَ القيامةِ،\n\n<span id=\"aya-4674\"></span>﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: وإلينا مصيرُهم يومَ تَشَقَّقُ الأرضُ، فـ \"اليومَ\" من صلةِ \"مصير\".\n[وقولُه: ﴿تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾. يقولُ: تصَدَّعُ الأرضُ عنهم] (^٣). وقوله: ﴿سِرَاعًا﴾. ونصَب ﴿سِرَاعًا﴾ على الحالِ مِن الهاءِ والميمِ في قولِه: ﴿عَنْهُمْ﴾. والمعنى: يومَ تَشَقَّقُ الأرضُ عنهم، فيخرجون منها سِراعًا (^٤)،\n_________\n(^١) في الأصل: \"سليمان\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١١ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) سقط من: الأصل.","vol":"21","page":476},{"text":"فاكتفى بدلالة قولِه: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ﴾. على ذلك من ذكرِه.\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾. يقولُ: جَمعُهم ذلك [جمعٌ في موقفِ الحسابِ] (^١)، علينا سهلٌ يسيرٌ.\n\n<span id=\"aya-4675\"></span><span data-type='title' id=toc-8778>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: نحن، يا محمدُ، أعلمُ بما يقولُ هؤلاءِ المشركون باللَّهِ من فِريتِهم على اللَّهِ، وتكذيبِهم بآياتِه، وإنكارِهم قُدرةَ اللَّهِ على البعثِ بعدَ الموتِ، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾. يقولُ: وما أنت عليهم بمسلَّطٍ.\nكما حدَّثني محمدُ بن عمرٍو*، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾. قال: لا تتجَبَّرْ عليهم (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾: فإن اللَّهَ ﷿ كَرِه الجَبريَّةَ، ونهَى عنها، وقدَّم فيها (^٣).\nوقال الفرّاءُ (^٤): وضَع الجبارَ في موضعِ السلطانِ من الجَبريةِ. وقال: أنشَدني المفضّلُ:\nويَوْمَ الحَزْنِ إِذْ حَشَدَتْ مَعَدٌّ … وكان النّاسُ إلا نحن دِينا\n_________\n(^١) في ت ١: \"في يوم الحساب وموقفه\".\n* من هنا خرم في مخطوط جامعة القرويين المشار إليه بالأصل وينتهي في ص ٥٠٠.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦١٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١١ إلى ابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) معاني القرآن ٣/ ٨١.","vol":"21","page":477},{"text":"عصَيْنَا عَزْمَةَ الجَبَّارِ حتَّى … صَبَحْنا الجَوْفَ أَلْفًا مُعْلمِينا\nويُرْوَى: \"الخوف\". وقال: أراد بالجبارِ المنذرَ لولايتِه.\nقال: وقيل: إن معنى قولِه: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾: لم تُبعَثْ لتُجْبِرَهم على الإسلام، إنما بُعِثتَ مذكِّرًا، فذكِّرْ. وقال: العربُ لا تقولُ: فعَّالٌ من أَفْعَلت؛ لا يقولون: هذا خَرَّاجٌ. يريدون: مُخْرِجٌ، ولا يقولون: دَخَّالٌ. يريدون: مُدْخِلٌ، إنما يقولون: فعَّالٌ. من فعَلتَ؛ ويقولون: خرَّاجٌ. من خرَجتَ، و: دخَّالٌ. من دخَلتَ؛ و: قَتَّالٌ. من قتَلْتَ. قال: وقد قالت العربُ في حرفٍ واحدٍ: دَرّاكُ. من أدرَكْتَ، وهو شاذٌّ. قال: فإن قلتَ: الجبارُ على هذا المعنى، فهو وَجْهٌ. قال: وقد سمِعت بعضَ العربِ يقولُ: جَبَره على الأمرِ. يريدُ: أجْبَره، فالجَبّارُ من هذه اللغةِ صحيحٌ، يرادُ به: يَقهَرُهم ويُجبرُهم.\nوقولُه: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فذكِّرْ يا محمدُ بهذا القرآنِ الذي أنزلتُه إليك مَن يخافُ الوعيدَ الذي أوْعَدتُه مَن عصَاني، وخالَف أمرِي.\nحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْديُّ، قال: ثنا حكامٌ الرازيُّ، عن أيوبَ، عن عمرٍو المُلائيِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قالوا: يا رسولَ اللَّهِ لو خوَّفتَنا. فنزَلت: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أيوبَ بنِ سيَّارٍ أبي عبدِ الرحمنِ، عن عمرِو بنِ قيسٍ، قال: قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، لو ذكَّرتنا. فذكَر مثلَه.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"ق\"\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١١ إلى المصنف، وذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٨.","vol":"21","page":478},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8779>تفسيرُ سورةِ الذارياتِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4676\"></span><span data-type='title' id=toc-8780>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾. يقولُ: والرياحُ التي تَذْروا الترابَ ذَرْوًا. يقالُ: ذَرَتِ الريحُ الترابَ وأذْرَت.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن خالدِ بنِ عُرْعُرةَ، قال: قام رجلٌ إلى عليٍّ ﵁، فقال: ما ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾؟ فقال: هي الريحُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، قال: سمِعتُ خالدَ بنَ عرعرةَ، قال: سمِعتُ عليًّا ﵁ وخرَج إلى الرَّحْبةِ (^٢)، وعلَيه بُرْدانِ، فقال (^٣): لو أنَّ رجلًا سأل، وسمِع القومُ. قال: فقام ابنُ الكَوَّاءِ، فقال: ما ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾؟ فقال: هي الرِّياحُ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٣٩٩١) من طريق أبي الأحوص به، وأخرجه إسحاق بن راهوية - كما في المطالب (٤١١٨) - والحارث بن أبي أسامة (٣٨٥ - بغية) من طريق سماك به، مطولًا.\n(^٢) الرحبة: رحبة خنيس محلة بالكوفة، تنسب إلى خنيس بن سعد. معجم البلدان ٢/ ٧٩٣.\n(^٣) في م: \"فقالوا\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩٠ عن شعبة به.","vol":"21","page":479},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ (^١) اللَّهِ بنِ عبيدٍ الهلاليُّ ومحمدُ بنُ بشَّارٍ، قالا: ثنا محمدُ بنُ خالدٍ ابنُ عَثْمةَ، قال: ثنا موسى بنُ يعقوبَ الزَّمَعِيُّ قال: ثنا أبو الحُوَيْرثِ، عن محمدِ بنِ جُبيرِ بنِ مُطعِمٍ، أَخْبَره، قال: سمِعتُ عليًّا ﵁ يخطُبُ الناسَ، فقام عبدُ اللَّهِ بنُ الكَوَّاءِ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أَخْبِرْني عن قولِ اللَّهِ ﵎: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾؟ فقال: هي الرياحُ.\nحدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن أبي الطُّفَيلِ، قال: سُئل عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁ عن ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾. فقال: الريحُ.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن أبي الطُّفَيلِ، عن عليٍّ: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾. قال: الريحُ (^٢).\nقال مهرانُ: حُدِّثنا عن سِماكٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةَ، قال: سألتُ عليًّا ﵁ عن: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾. فقال: الريحُ.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، قال: سمِعتُ أبا الطُّفيلِ، قال: سمِعتُ عليًّا ﵁ يقولُ: لا تسألوني عن كتابٍ ناطقٍ، ولا سُنَّةٍ ماضيةٍ، إلا حدَّثتُكم. فسأله ابنُ الكَوَّاءِ عن ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾، فقال: هي الريحُ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا طَلْقٌ، عن زائدةَ، عن عاصمٍ، عن عليِّ بنِ ربيعةَ، قال: سأل ابنُ الكَوَّاءِ عليًّا ﵁، فقال: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾.\n_________\n(^١) في ت ١: \"عبيد\".\n(^٢) أخرجه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١٨ - عن سفيان به.\n(^٣) أخرجه الشاشي في مسنده (٦٢٠)، والحاكم ٢/ ٤٦٦ من طريق أبي الطفيل به مطولًا، وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩٠ عن شعبة به.","vol":"21","page":480},{"text":"قال: هي الريحُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ رُفَيعٍ، عن أبي الطُّفَيلِ، قال: قال ابنُ الكَوَّاءِ لعليٍّ ﵁: ما ﴿وَالذَّارِياتِ ذَرْوًا﴾؟ قال: الريحُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى (^٢) يحيى بنُ أيوبَ، عن أبي صخرٍ، عن أبي معاويةَ البَجَليِّ، عن أبي الصهباءِ البكريِّ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁، قال وهو على المنبرِ: لا يسألُني أحدٌ عن آيةٍ من كتابِ اللَّهِ إلا أخبَرتُه. فقام ابنُ الكَوَّاءِ، وأراد أن يسألَه عمَّا سأل عنه صُبَيغٌ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁، فقال: ما ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾؟ قال عليٌّ: الرياحُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن رجلًا سأل عليًّا عن ﴿وَالذَّارِياتِ﴾. فقال: هي الرياحُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن وهبِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن أبي الطُّفَيلِ، قال سأل ابنُ الكَوَّاءِ عليًّا، فقال: ما ﴿وَالذَّارِياتِ ذَرْوًا﴾؟ قال: الرياحُ (^٣).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾. قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: هي الرياحُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١٨، والضياء المقدسي في المختارة (٦٧٨) من طريق علي بن ربيعة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١١ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"قال ابن زيد قال\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤١ عن معمر به مطولًا.","vol":"21","page":481},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾. قال: الرياحُ (^١).\n\n<span id=\"aya-4677\"></span>وقولُه: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾. يقولُ: فالسَّحابُ التي تحملُ وِقْرَها (^٢) مِن الماءِ.\n\n<span id=\"aya-4678\"></span>وقولُه: ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾. يقولُ: فالسفنُ التي تجري في البحارِ سهلًا يسيرًا.\n\n<span id=\"aya-4679\"></span>﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾. يقولُ: فالملائكةُ التي تُقَسِّمُ أمرَ اللَّهِ في خلقِه.\nوبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةَ، قال: قام رجلٌ إلى عليٍّ ﵁، فقال: ما ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾؟ قال: هي السفنُ. قال: فما ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾؟ قال: هي السحابُ. قال: فما ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾؟ قال: هي الملائكةُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، قال: سمِعتُ خالدَ بنَ عرعرةَ، قال: سمعتُ عليًّا ﵁ وقيل له: ما ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾؟ قال: هي السحابُ. قال: فما ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾؟ قال: هي السُّفنُ. قال: فما ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾؟ قال: هي الملائكةُ (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦١٧ مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٢ إلى أبي الشيخ في العظمة.\n(^٢) الوقر: الحمل الثقيل. اللسان (وق ر).\n(^٣) تقدم ص ٤٧٩.","vol":"21","page":482},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن سِماكٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةَ، عن عليٍّ بنحوِه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ [بنِ عبيدٍ] (^١) الهلاليُّ ومحمدُ بنُ بشارٍ، قالا: ثنا محمدُ بنُ خالدٍ ابنُ عَثْمةَ، قال: ثنا موسى الزَّمَعِيُّ، قال: ثنى أبو الحُوَيرثِ، عن محمدِ بنِ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ أخبَره، قال: سمِعتُ عليًّا يخطبُ الناسَ، فقام عبدُ اللَّهِ بنُ الكَوَّاءِ فقال: يا أميرَ المؤمنين، أخْبِرْني عن قولِ اللَّهِ ﵎: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾. قال: هي السَّحابُ. ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾. قال: هي السفنُ، ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾. قال: الملائكةُ.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، قال: سمِعتُ أبا الطُّفَيلِ، قال: سمِعتُ عليًّا ﵁. فذكَر نحوَه.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيعٍ، عن أبي الطُّفيلِ، قال: قال (^٢) ابنُ الكَوَّاءِ لعليٍّ. فذكَر نحوَه.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن وهبِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن أبي الطُّفَيلِ، قال شَهِدتُ عليًّا ﵁، وقام إليه ابنُ الكَوَّاءِ. فذكَر نحوَه (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ، عن زائدةَ، عن عاصمٍ، عن عليِّ بنِ ربيعةَ، قال: سأل ابنُ الكَوَّاءِ عليًّا. فذكَر نحوَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى يحيى بنُ أيوبَ، عن\n_________\n(^١) في م: \"بن عبيد الله\"، وسقط من: ت ٢، ت ٣. وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٥٠٦.\n(^٢) بعده في ت ٢: \"شهدت عليا ﵁ وقام إليه\".\n(^٣) تقدم في ص ٤٨١.","vol":"21","page":483},{"text":"أبي صَخْرٍ، عن أبي معاويةَ البَجَليِّ، عن أبي الصهباءِ البكريِّ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁. نحوَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ؛ أن رجلًا سأل عليًّا، فذكَر نحوَه (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن أبي الطُّفيلِ، عن عليٍّ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن أبي الطُّفيلِ، قال: سُئل عليُّ. فذكر مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾. قال: السحابُ. قولُه: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ قال: الملائكةُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾. قال: السحابُ تحملُ المطرَ، ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾. قال: السفنُ، ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾. قال: الملائكةُ يُنَزِّلُها بأمرِه على مَن يشاءُ (^٣).\n\n<span id=\"aya-4680\"></span>قولُه: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ الذي توعدون أيُّها الناسُ من قيامِ الساعةِ، وبَعْثِ الموتى من قبورِهم، ﴿لَصَادِقٌ﴾. يقولُ: لكائنٌ حقٌّ يقينٌ.\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧١٥) من طريق سعيد به.\n(^٢) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٣/ ٣٦٦ عن المصنف وزاد في أوله (والذاريات ذروًا) قال: هي الرياح، وليست هذه الزيادة عندنا.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦١٧، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧١٦) من طريق ابن أبي نجيح مختصرًا.","vol":"21","page":484},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ (^١).\nوالمعنى: لصدقٌ، فوضَع الاسمَ مكانَ المصدرِ.\n\n<span id=\"aya-4681\"></span>﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾. يقولُ: وإن الحسابَ والثوابَ والعقابَ لواجبٌ، واللَّهُ مجازٍ عبادَه بأعمالِهم.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾. قال: الحسابُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ وذلك يومَ القيامةِ، يومَ يُدانُ الناسُ فيه بأعمالِهم.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾. قال: يومَ يُدِينُ اللَّهُ العبادَ بأعمالِهم (^٣).\n_________\n(^١) لعل هنا سقطًا، والأثر في تفسير مجاهد ص ٦١٧ وفيه: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾. يقول: إن يوم القيامة لكائن.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦١٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤١ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٢ إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":485},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾. قال: لكائنٌ.\n\n<span id=\"aya-4682\"></span><span data-type='title' id=toc-8781>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: والسماءِ ذاتِ الخَلْقِ الحَسَنِ، وعنَى بقولِه: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. ذاتِ الطرائقِ. وتكسُّرُ كلِّ شيءٍ حُبُكُه، وهو جمعُ حِباكٍ وحَبِيكَةٍ؛ يُقالُ لتكسيرِ الشعرةِ الجعدةِ: حُبُكٌ. وللرملةِ إذا مرَّت بها الريحُ الساكنةُ، والماءِ القائمِ، والدرعُ من الحديدِ لها حُبُكٌ (^١)، ومنه قولُ الراجزِ (^٢):\nكأنَّما جلَّلها الحُوَّاكُ\nطِنْفِسَةً في وَشْيِها حِباكُ\nأَذْهَبَها الخفُوقُ والدِّراكُ (^٣)\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اختلَفت ألفاظُ قائلِيه فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني أبو حصينٍ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ يونسَ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حصينٌ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: ذاتِ الخَلْقِ الحسنِ (^٤).\n_________\n(^١) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٨٢.\n(^٢) البيتان الأول والثاني في القرطبي ١٧/ ٣٢، وفتح القدير ٥/ ٨٣ بدون نسبة.\n(^٣) في ص: \"الذاك\"، وفي ت ١: \"الدين الذاكى\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"الذين الذاك\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الدر المنثور ٦/ ١١٢ - وعنه أبو الشيخ في العظمة (٥٤٧) من طريق عكرمة به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":486},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: حُسنُها واستواؤُها (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: حُبُكُها حسنُها واستواؤُها.\nقال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن عمرَ بنِ سعيدِ بنِ مسروقٍ أخى سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: ذاتِ الزينةِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بَزِيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، عن عوفٍ، عن الحسنِ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: حُبِكت بالخَلْقِ الحَسَنِ؛ حُبِكت بالنجومِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: حُبِكت بالخَلْقِ الحسنِ؛ حُبِكت بالنُّجومِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: ذاتِ الخَلْقِ الحَسَنِ؛ حُبِكَت بالنجومِ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا عمرانُ بنُ حُديرٍ، قال: سُئل\n_________\n(^١) أخرجه الفريابي وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١٩، وأبو الشيخ في العظمة (٥٥٦)، ومجاهد في تفسيره ص ٦١٧ من طريق عطاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٢ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٣٧١، والقرطبي في تفسيره ١٧/ ٣١، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩١.\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٥٤٨) من طريق عوف به.","vol":"21","page":487},{"text":"عكرمةُ عن قولِه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: ذاتِ الخَلْقِ الحسَنِ، ألم ترَ إلى النسَّاجِ إذا نسَج الثوبَ قال: ما أحسنَ ما حبَكه (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، عن رجلٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ عن النبيِّ ﷺ قال: \"إنَّ من ورائِكم الكذَّابَ (^٢) المُضِلَّ، وإنَّ رأسَه من ورائِه حُبُكٌ حُبُكٌ\". يعني بالحُبُكِ الجُعُودةَ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: استواؤُها وحسنُها (^٤).\nقال: ثنا مهرانُ، عن عليِّ بنِ جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: ذاتِ الخَلْقِ الحسنِ (^٥).\nقال: ثنا مهرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قال: حُبُكُها نجومُها، وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: ﴿الْحُبُكِ﴾: ذاتُ الخَلْقِ الحَسَنِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾: أي ذاتِ الخلقِ الحسنِ، وكان الحسنُ يقولُ: حبكُها نجومُها.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ذَاتِ\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٥٥٥) من طريق عمران به.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣: \"الكتاب\".\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٤١٠ (الميمنية) من طريق إسماعيل به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩١ عن المصنف.\n(^٤) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٣١، وأبو حيان في البحر المحيط ٨/ ١٣٤، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩١.","vol":"21","page":488},{"text":"الْحُبُكِ﴾. قال: ذاتِ الخَلْقِ الحَسَنِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: المتقَنِ البُنيانِ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. يقولُ: ذاتِ الزينةِ، ويُقالُ أيضًا: حُبُكُها مثلَ حُبُكِ الرملِ، ومثلَ حُبُكِ الدرعِ، ومثلَ حُبُكِ الماءِ إذا ضرَبته الريحُ، فنسَجته طرائقَ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ قال: الشدةِ؛ حُبِكت: شُدَّت، وقرَأ قولَ اللَّهِ ﵎: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ (^٤) [النبأ: ١٢].\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: ذاتِ الخَلْقِ الحسَنِ؛ ويقالُ: ذاتِ الزينةِ (^٥).\nوقيل: عُنِيَ بذلك السماءُ السابعةُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ وأبو داودَ، قالا: ثنا عمرانُ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤١ عن معمر به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦١٧، وذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٣٧١، والقرطبي في تفسيره ١٧/ ٣١.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩١.\n(^٤) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ١٣٤.\n(^٥) تقدم ص ٤٨٦.","vol":"21","page":489},{"text":"القَطَّانُ، عن قتادةَ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ، عن معدانَ بنِ أبي طلحةَ، عن عمرٍو البَكاليِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: السماءِ السابعةِ (^١).\nحدَّثني القاسمُ بنُ بشرِ (^٢) بنِ معروفٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا عمرانُ القطانُ، عن قتادةَ، عن سالمِ بن أبي الجعدِ، عن مَعدانَ، عن عمرٍو البَكاليِّ - هكذا قال القاسمُ - عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو نحوَه\n\n<span id=\"aya-4683\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾. يقولُ: إنكم أيُّها الناسُ لفي قولٍ مختلفٍ في هذا القرآنِ، فمن مُصدِّقٍ به ومُكذِّبٍ.\nكما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾. قال: مصدقٌ بهذا القرآنِ ومكذبٌ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾. قال: يَتَخَرَّصون؛ يقولون (^٤): هذا سحرٌ. ويقولون (^٤): هذا أساطيرُ (^٥). فبأيِّ قولِهم يُؤْخَذُ؟! قُتِل الخرَّاصون، هذا الرجلُ لا بدَّ له من أن يكونَ فيه أحدُ هؤلاءِ، فما لكم لا تَأْخُذون أحدَ هؤلاء، وقد رَمَيتُموه بأقاويلَ شتَّى، فبأيِّ هذا القولِ تَأْخُذون [هذا الرجل الآنَ] (^٦)، فهو قولٌ مختلفٌ. قال: فذكَر أنه تخرُّصٌ منهم،\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٥٦٥) من طريق أبي داود به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩١ عن قتادة به.\n(^٢) في م: \"بشير\". وتقدم مرارًا.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٢ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقول\".\n(^٥) في ص: \"سماء ويقول هذا شيئا\"، وفي ت ١: \"شيئا ويقول هذا شيئا\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"شيئا\".\n(^٦) سقط من: م.","vol":"21","page":490},{"text":"ليس لهم بذلك علمٌ. قالوا: فما منَع هذا القرآنَ أن يَنْزِلَ باللسانِ الذي نزَلت به الكتبُ من قبلِك. فقال اللَّهُ: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾؟ لو جعَلنا هذا القرآنَ أعجميًّا لقلتم: نحن عربٌ. وهذا القرآنُ أعجميٌّ، فكيفَ يَجْتَمِعانِ (^١).\n\n<span id=\"aya-4684\"></span>وقولُه: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾. يقولُ: يُصْرَفُ عن الإيمانِ بهذا القرآنِ مَن صُرِف، ويُدْفَعُ عنه مَن يُدْفَعُ، فيُحْرَمُه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾. قال ابنُ عمرٍو في حديثِه: يُوفَّى (^٢)، أو يُؤفَنُ. أو كلمةً تُشْبِهُها. وقال الحارثُ: يُؤفَنُ. بغيرِ شكٍّ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾. قال: يُصْرَفُ عنه مَن صُرِف (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ (^٥). فالمأفوكُ عنه اليومَ، يعني كتابَ اللَّهِ (١).\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٨/ ١٣٤.\n(^٢) في ت ١: \"أوفى\"، وفي ت ٣: \"يوقى\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦١٧، وذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٣٣، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩٣.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٣ عن معمر عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٢ إلى ابن المنذر.\n(^٥) بعده في ت ٢، ت ٣: \"قال: يصرف عنه من صرف\".","vol":"21","page":491},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾. قال: يُؤْفَكُ عنه المشرِكون.\n\n<span id=\"aya-4685\"></span><span data-type='title' id=toc-8782>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لُعِن المتكهِّنون الذين يَتَخَرَّصون الكذِبَ والباطِلَ فيتطيَّبونه (^١).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنوا بقولِه: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِي به المُرتابون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾. يقولُ: لُعِن المُرتابون (^٢).\nوقال آخرون في ذلك بالذي قلْنا فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾. قال: الكَهنةُ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) في م: \"فيتظننونه\"، وفي ت ١: \"فيطيبونه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٤ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٢ إلى ابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم مطولًا.","vol":"21","page":492},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾. قال: الذين يَخَرَّصون (^١) الكذبَ؛ كقولِه في \"عبس\": ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ [عبس: ١٧].\nوقد حدَّثني كلُّ واحدٍ منهما بالإسنادِ الذي ذكَرتُ عنه، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾. قال: الذين يقولون: لا نُبعَثُ، ولا يُوقِنون (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾: أهلُ الظنونِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾. قال: القومُ الذين كانوا يَتَخَرَّصون الكذِبَ (^٤) على رسولِ اللَّهِ ﷺ، قالت طائفةٌ: إنما هو ساحرٌ، والذي جاء به سحرٌ. وقالت طائفةٌ: إنما هو شاعرٌ، والذي جاء به شعرٌ. وقالت طائفةٌ: إنما هو كاهنٌ، والذي جاء به كَهانةٌ. وقالت طائفةٌ: [﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ] (^٥) اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]. يتخرَّصون على رسولِ اللَّهِ ﷺ.\n\n<span id=\"aya-4686\"></span>وقولُه: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الذين هم في غمرةِ الضلالةِ وغلَبتِها عليهم مُتَمادون، وعن الحقِّ الذي بعَث اللَّهُ به محمدًا ﷺ ساهون، قد لَهُوا عنه.\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"يتخرصون\". والمثبت موافق لتفسير مجاهد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦١٨.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر مطولًا.\n(^٤) سقط من: ص، ت، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":493},{"text":"وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ وإن اختلَفت ألفاظُهم في البيانِ عنه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. يقولُ: في ضلالتِهم يَتمادَون (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. قال: في غفلةٍ لاهون (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. يقولُ: في غمرةٍ وشُبهةٍ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ: ﴿فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. قال: في غفلةٍ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. قال: ساهون عما أتاهم، وعما نزَل عليهم، وعما أمَرهم اللَّهُ ﵎. وقرَأ قولَ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ الآية [المؤمنون: ٦٣]. وقال: ألا ترَى الشيءَ إِذا أخَذْتَه ثم غمَرتَه في الماءِ؟\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٠، والإتقان ٢/ ٤٤ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٢ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم مطولًا.","vol":"21","page":494},{"text":"عن مجاهدٍ: ﴿فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. قال: قلبُه في كِنانةٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-4687\"></span>وقولُه: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يسألُ هؤلاء الخرَّاصون الذين وصَف صفتَهم: متى يومُ المجازاةِ والحسابِ، ويومُ يُدِينُ اللَّهُ العبادَ بأعمالِهم؟\nكما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾. قال: الذين كانوا يَجْحَدون أنهم يُدَانون، أو يُبْعَثون.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾. قال: يَقولون: متى يومُ الدين، أَوَ يكونُ يومُ الدينِ؟ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4688\"></span>وقولُه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يومَ هم على نارِ جهنمَ يُفْتَنون.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿يُفْتَنُونَ﴾ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عنَى به أنهم يُعذَّبون بالإحراقِ بالنارِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. يقولُ: يُعذَّبون (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦١٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر بلفظ: \"كآبة\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦١٨ بزيادة: \"متى الحساب\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٤ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٢ إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":495},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال: فِتنتُهم أنهم سألوا عن يومِ الدينِ، وهم مَوْقُوفون على النارِ، ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾. فقالوا حينَ وُقِفوا: ﴿يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾، قال اللَّهُ ﵎: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢٠، ٢١].\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُفْتَنُونَ﴾. قال: كما يُفتَنُ الذهبُ في النارِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنى هشيمٌ، قال: أخبَرنا حصينٌ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُعَذَّبون في النارِ، يُحْرَقون فيها، ألم ترَ أن الذهبَ إذا أُلْقِي في النارِ، قِيل: فُتِن.\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصلتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن حصينٍ، عن عكرِمةَ: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُعَذَّبون.\nحدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا فضيلُ بنُ عياضٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. يقولُ: يُنْضَجون بالنارِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن الحصينِ، عن عكرِمةَ:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦١٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦١٨، وأخرجه الذهبي في السير ٥/ ٤١٠ من طريق فضيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر مطولًا.","vol":"21","page":496},{"text":"﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُحْرَقون (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. يقولُ: يُحْرَقون (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُطْبَخون، كما يُفْتَنُ الذهبُ بالنارِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُحْرَقون بالنارِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُحْرَقون (^٤).\nوقال آخرون: بل عُنِي بذلك أَنَّهم يُكَذَّبون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. يقولُ: يُطْبَخون. ويقالُ أيضًا: ﴿يُفْتَنُونَ﴾: يُكَذَّبون، كلُّ هذا يُقالُ.\nواختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ \"اليوم\" في قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ﴾؛\n_________\n(^١) تفسير سفيان ص ٢٨١.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩٣.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٣٨٠.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦١٨، وأخرجه الذهبي في السير ٥/ ٤١٠ من طريق فضيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر مطولًا.","vol":"21","page":497},{"text":"فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: نُصِبت على الوقتِ. والمعنَى في: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾. أي: متى يومُ الدينِ؟ فقِيل لهم: في ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾؛ لأن ذلك اليومَ يومٌ طويلٌ، فيه الحسابُ، وفيه فِتنتُهم على النارِ.\nوقال بعضُ نَحويِّي الكوفةِ (^١): إنما نُصِبت: ﴿يَوْمَ هُمْ﴾؛ لأنك أضَفتَه إلى شَيْئَينِ، وإذا أُضِيف \"اليوم\" و\"الليلة\" إلى اسمٍ له فعلٌ، وارتفَعا، نُصِب \"اليوم\"، وإن كان في موضعِ خفضٍ أو رَفعٍ، و(^٢) إذا أُضِيفَ إلى \"فعَل\" أو \"يفعَل\"، [أو إذا كان كذلك] (^٣)، ورفَعه في موضعِ الرفعِ، وخفَضَه في موضعِ الخفضِ [يجوز، فلو] (^٤) قيل: (يَوْمُ هُم عَلَى النَّارِ يُفْتَنُون): فرُفِع \"يومُ\"، لكان وجهًا، ولم يَقْرَأْ به أحدٌ من القراءِ.\nوقال آخرُ منهم: إنَّما نصَب ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾؛ لأنه إضافةٌ غيرُ محضةٍ؛ فنُصب والتأويلُ رفعٌ، ولو رفَع لجاز؛ لأنك تقولُ: متى يومُك؟ فتقولُ: يومُ الخميسِ، ويومُ الجمعةِ. والرفعُ الوجهُ؛ لأنه اسمٌ قابَل اسمًا، فهذا الوجهُ.\nوأولى القولَيْن بالصوابِ في تأويلِ قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قولُ مَن قال: يُعَذَّبون بالإحراقِ. لأن الفتنةَ أصلُها الاختبارُ، وإنما يُقالُ: فتنتُ الذهبَ بالنارِ. إذا طبَختَها بها لتعرفَ جودتَها فكذلك قولُه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ يُحْرَقون بها كما يُحْرَقُ الذهبُ بها، وأما النصبُ في اليومِ فلأنها إضافةٌ غيرُ محضةٍ، على ما وصَفنا من قولِ قائلِ ذلك.\n_________\n(^١) هو قول الفراء في معاني القرآن ٣/ ٨٣.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وإذا قال\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقول لو\".","vol":"21","page":498},{"text":"<span id=\"aya-4689\"></span><span data-type='title' id=toc-8783>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾. يقالُ لهم: ذُوقوا فِتنتَكم، وترَك: \"يُقالُ لهم\"؛ لدلالةِ الكلامِ عليها، ويعني بقولِه: ﴿فِتْنَتَكُمْ﴾: عذابَكم وحريقَكم.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك، فقال بعضُهم بالذي قلْنا فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فِتْنَتَكُمْ﴾. قال: حريقَكم (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾: ذوقوا عذابَكم هذا الذي كنتُم به تَسْتَعْجِلون.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾. يقولُ: يومَ يُعَذَّبون، فيقولوا: ذُوقوا عذابَكم (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾. يقولُ: حريقَكم.\nحدَّثنا ابنُ حمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٣٥، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩٣.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٢ عن معمر به.","vol":"21","page":499},{"text":"احتراقَكم.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾. قال: ذوقوا عذابَكم (^١).\nوقال آخرون: عنَى بذلك: ذُوقوا تَعذِيبَكم أو كَذِبَكم.\nذكرُ مَن قال ذلك (*)\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ رحمهما اللَّهُ قولَه: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾. يقولُ: تكذيبَكم (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾. يقولُ: حريقَكم. ويُقالُ: كذِبَكم.\nوقولُه: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يُقالُ لهم: هذا العذابُ الذي تُوَفَّونه اليومَ، هو العذابُ الذي كنتُم به تَسْتَعْجِلون في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-4690\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين اتَّقوا اللَّهَ ﷿ بطاعتِه، واجتنابِ معاصِيه في الدنيا، في بساتينَ وعيونِ ماءٍ في الآخرةِ.\n\n<span id=\"aya-4691\"></span>وقولُه: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: عاملِين ما أمَرهم به ربُّهم مؤدِّين فرائضَه.\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٣٥.\n(*) هنا ينتهي الخرم في مخطوط جامعة القرويين والمرموز له بـ \"الأصل\" المشار إليه في ص ٤٧٧.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٣٥.","vol":"21","page":500},{"text":"كما (^١) حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي عمرَ، عن مسلمٍ البطينِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾. قال: الفرائضَ.\nوقولُه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: إنهم كانوا قبلَ أن يَفْرِضَ عليهم الفرائضَ، ﴿مُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: كانوا للَّهِ قبلَ ذلك مُطِيعِين.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي عمرَ، عن مسلمٍ البطينِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾. قال: قبَل الفرائضِ محسِنين يَعْملون (^٢).\n\n<span id=\"aya-4692\"></span><span data-type='title' id=toc-8784>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: كانوا قليلًا مِن الليلِ لا يَهْجَعون. وقالوا: ﴿مَا﴾ كان بمعنى الجَحْدِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وابنُ أبي عديٍّ، عن سعيدِ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩٣ عن المصنف وضعفه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٢ إلى المصنف والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم مطولًا.","vol":"21","page":501},{"text":"ابن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: يَتَيَقَّظون يُصلُّون ما بينَ هاتين الصلاتين، ما بينَ المغربِ والعشاءِ (^١).\nحدَّثني زُرَيقُ بنُ السَّخْتِ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ بنُ عطاءٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، بنحوِه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا بُكيرُ بنُ أبي السَّميطِ، عن قتادةَ، عن محمدِ بنِ عليٍّ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: كانوا لا يَنامون حتى يُصلُّوا العَتَمَةَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن مُطَرِّفٍ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: قَلَّ ليلةٌ أَتَتْ عليهم إلا صلَّوا فيها (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللَّهِ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾: قَلَّ ليلةٌ تأتي عليهم لا يُصلُّون فيها للَّهِ؛ إما مِن أوَّلِها، وإما من وَسَطِها.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا ابنُ أبي ليلى، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ رحِمهما اللَّهُ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٣٢٣)، ومن طريقه البيهقي ٣/ ١٩ عن ابن المثنى به، وأخرجه ابن أبي الدنيا في التهجد (٣٠٦)، والحاكم ٢/ ٤٦٧، والبيهقي ٣/ ١٩، وفي الشعب (٣١١٠) من طريق سعيد به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٣ من طريق قتادة به بلفظ: \"يتنفلون\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٣ إلى ابن نصر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٣٨ من طريق بكير به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في التهجد (٣٠٥) من طريق محمد بن جعفر به","vol":"21","page":502},{"text":"يَهْجَعُونَ﴾. قال: لم يكنْ يَمْضِي عليهم ليلةٌ إلا يأْخُذون منها ولو شيئًا (^١).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سعيدٍ قال: ثنا حفصٌ، عن عاصمٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: لا يَنامون بينَ المغربِ والعشاءِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ ومِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: كانوا يُصِيبون من الليلِ حظًّا (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: كانوا يُصِيبون فيها حظًّا (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن سعيدِ بنِ أبي عَروبةَ، [عن قتادةَ] (^٥)، عن مُطَرِّفٍ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: قلَّ ليلةٌ أَتَتْ عليهم هجَعوها كلَّها (^٦).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: كان لهم قليلٌ من الليلِ ما يَهْجَعون، كانوا يُصلُّونه (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في التهجد (٣٠٣)، والبيهقي في الشعب (٣١٠٩) من طريق ابن أبي ليلى به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٣٩ من طريق ابن أبي ليلى عن الحكم عن سعيد به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٦٧ من طريق سعيد به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٢، ١١٣ إلى ابن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٣٨، وابن أبي الدنيا في التهجد (٤٩١) من طريق حفص به، وذكره المروزي في قيام الليل ص ١٠.\n(^٣) ينظر البحر المحيط ٨/ ١٣٥.\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في التهجد (٣٠٤) من طريق أبي جعفرٍ به.\n(^٥) سقط من: م، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٣٨، ١٣/ ٤٧٩ عن ابن علية به.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٣ عن معمر به.","vol":"21","page":503},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قال: سمِعتُ ابنَ أبي نجيحٍ، يقولُ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: كانوا قليلًا ما يَنامون ليلةً حتى الصباحِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: قليلٌ ما يَرْقُدون ليلةً حتى الصباحِ لا يَتهجَّدون (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: كانوا قليلًا من الليلِ (^٣) يَهْجَعون، ووجَّهوا ﴿مَا﴾ التي في قولِه: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ إلى أنها صِلَةٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: قال الحسنُ: كَابَدوا قيامَ الليلِ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: لا يَنامون منه إلا قليلًا (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن بعضِ أصحابِنا، عن الحسنِ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: لا يَنامون من الليلِ إلا أقلَّه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٣٩ عن ابن علية به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦١٨.\n(^٣) بعده في ت ٢، ت ٣: \"ما\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في التهجد (٣٠٥) من طريق محمد بن جعفر به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٣٨ من طريق قتادة به.","vol":"21","page":504},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا عوفٌ، عن سعيدِ بنِ أبي الحسنِ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: قلَّ ليلةٌ أَتَتْ عليهم هَجَعوها (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الأَحْنَفُ بنُ قَيسٍ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: كانوا لا يَنامون إلا قليلًا (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ عطيةَ، عن قتادةَ، قال: قال الأَحْنَفُ بنُ قَيسٍ، وقرأ هذه الآيةَ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: لستُ مِن أهلِ هذه الآيةِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: قيامُ الليلِ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن يونسَ، عن الحسنِ، قال: نَشِطوا فمدُّوا إلى السَّحَرِ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن يونسَ بنِ عُبيدٍ، عن الحسنِ، قال: مدُّوا في الصلاةِ ونَشِطوا، حتى كان الاستغفارُ بسَحَرٍ (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدِ بن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٣٨، وابن أبي الدنيا في التهجد (٣٠١) من طريق عوف به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩٤.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٣٨ بمعناه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في التهجد (٣٠٥) من طريق قتادة به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٣٨ من طريق رجل عن الحسن.\n(^٦) أخرجه ابن أبي الدنيا (٢٩٩) من طريق هشام عن الحسن.","vol":"21","page":505},{"text":"الحسنِ، قال: كانوا لا يَنامون مِن الليلِ إلا قليلًا.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: كان الحسنُ والزهريُّ يقولان: كانوا كثيرًا مِن الليلِ ما يُصلُّون (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: ما يَنامون (^٢).\nوقد يجوزُ أن يكون ﴿مَا﴾ على هذا التأويلِ في موضعِ رفعٍ، ويكونُ تأويلُ الكلامِ: كانوا قليلًا من الليل هجُوعُهم، وأما مَن جعَل ﴿مَا﴾ صلةً، فإنه لا مَوْضِعَ لها، ويكونُ تأويلُ الكلامِ على مذهبِه: كانوا يَهْجَعون قليلَ الليلِ، وإذا كانت ﴿مَا﴾ صلةً كان القليلُ منصوبًا بـ ﴿يَهْجَعُونَ﴾ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم كانوا يصلُّون العَتَمَةَ. وعلى هذا التأويلِ ﴿مَا﴾ في معنى الجَحْدِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: قال رجلٌ مِن أهلِ مكةَ سمَّاه قتادةُ، قال: صلاةُ العَتَمَةِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٣ عن معمر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٣٩ من طريق منصور به بلفظ: \"ينامون\".\n(^٣) في الأصل: \"ما يتهجعون\"، وفي ت ٢: \"يهجعون\"، وفي ت ٣: \"يتهجعون\"، والمثبت من: م. وهذا القول هو قول الفراء في معاني القرآن ٣/ ٨٤.\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في التهجد (٣٠٥) من طريق محمد بن جعفر به.","vol":"21","page":506},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: كان هؤلاء المحسنون قبلَ أنْ تُفْرضَ عليهم الفرائضُ قليلًا مِن الناسِ. وقالوا: الكلامُ بعدَ قولِه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾، ﴿كَانُوا قَلِيلًا﴾: مُستَأْنَفٌ بقولِه: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. فالواجبُ أن تكونَ ﴿مَا﴾ على هذا التأويلِ بمعنى الجَحْدِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. يقولُ: إن المحسنينَ كانوا قليلًا، ثم ابتُدِئ فقيل: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. كما قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾. ثم قال: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩].\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الزبيرِ، يعني ابنَ عديٍّ، عن الضحاكِ بنِ مزاحمٍ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: كانوا مِن الناسِ قليلًا (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن الزبيرِ بنِ عديٍّ، عن الضحاكِ بنِ مزاحمٍ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: كانوا قليلًا من الناسِ مَن يفعلُ ذلك.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الزبيرِ بنِ عديٍّ، عن الضحاكِ بنِ مزاحمٍ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: كانوا قليلًا مِن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في التهجد (٣٠٨) من طريق عبد الرحمن به. وهو في تفسير سفيان ص ٢٨١، ومن طريقه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٣٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٣ إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":507},{"text":"الناسِ [إذ ذاك] (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال اللَّهُ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ إلى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا﴾. يقولُ: المحسنون كانوا قليلًا، هذه مفصولةٌ، ثم اسْتَأْنَف فقال: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (^٢).\nوأما قولُه: ﴿يَهْجَعُونَ﴾. فإنَّه يعني: يَنامون. والهُجُوعُ النومُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، رحمهما اللَّهُ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. يقولُ: يَنامون (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا [عبدُ الرحمنِ] (^٤)، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: يَنامون (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ،، مثلَه.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ\n_________\n(^١) في الأصل: \"ذلك\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٣ إلى المصنف وابن نصر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٣ إلى المصنف وابن نصر وابن المنذر.\n(^٤) في الأصل: \"يحيى\".\n(^٥) تفسير سفيان ص ٢٨١، ومن طريقه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٣٩، وابن أبي الدنيا في التهجد (٣٠٢)، وذكره المروزي في قيام الليل ص ١٠.","vol":"21","page":508},{"text":"الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: الهُجُوعُ النومُ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: كانوا قليلًا ما يَنامون مِن الليلِ، قال: ذلك الهَجْعُ. قال: والعربُ تقولُ إذا سافَرَتْ: اهْجَعْ بنا قليلًا. قال: وقال رجلٌ مِن بني تميمٍ لأبي: يا أبا أُسامةَ، صفةٌ لا أجدُها فينا، ذكَر اللَّهُ ﷿ قومًا فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. ونحنُ واللَّهِ قليلًا مِن الليلِ ما نقومُ. قال: فقال أبي: طُوْبَى لمن رقَد إذا نَعَس، واتقى (^٢) اللَّهَ إذا اسْتَيْقَظ (^٣).\nوأولى الأقوالِ بالصحةِ في تأويلِ قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قولُ مَن قال: كانوا قليلًا مِن الليلِ هُجُوعُهم. لأنَّ اللَّهَ ﷿ وصَفهم بذلك مدحًا لهم، وثناءً عليهم (^٤) به؛ فوصْفُهم بكثرةِ العملِ، وسَهَرِ الليلِ: ومُكَابَدَتِه فيما يقرِّبُهم منه، ويُرضيه عنهم، أولى وأشبهُ من وصْفِهم بقلَّةِ العملِ، وكثرةِ النومِ، مع أن الذي اختَرْنا في ذلك هو أغلبُ المعاني على ظاهرِ التنزيلِ.\n\n<span id=\"aya-4693\"></span>وقولُه: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: وبالأسحارِ هم يُصلُّون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعِتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. يقولُ: يَقومون فيُصلُّون.\n_________\n(^١) تتمة الأثر المتقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٢) في م: \"القى\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩٤.\n(^٤) بعده في الأصل: \"وما علمهم\".","vol":"21","page":509},{"text":"يقولُ: كانوا يَقومون ويَنامون، كما قال اللَّهُ ﷿ لمحمدٍ ﷺ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ﴾: فهذا نومٌ، وهذا قيامٌ، ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾: كذلك يَقومون ثُلُثًا ونِصْفًا وثُلثَيْن. يقولُ: يَنامون ويَقومون (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ (^٢)، عن سفيانَ، عن جَبَلَةَ بنِ سُحَيمٍ، عن ابنِ عمرَ رحمهما اللَّهُ قولَه: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: يُصلُّون (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: يُصلُّون (^٤).\nوقال آخرون: بل عُنِي بذلك أنهم أَخَّروا الاستغفارَ من ذنوبِهم إلى السَّحَرِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن يونسَ بنِ عُبيدٍ، عن الحسنِ، قال: مَدُّوا في الصلاةِ ونَشِطوا، حتى كان الاستغفارُ بسَحَرٍ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: هُم المؤمنون. قال: وبلَغَنا أنّ يعقوبَ نبيَّ اللَّهِ\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ١٣٦.\n(^٢) في الأصل: \"معمر\". ينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٩٦.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٥، وابن أبي شيبة ١٣/ ٣٢٧ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦١٩.\n(^٥) تقدم في ص ٥٠٥ بسنده ومتنه.","vol":"21","page":510},{"text":"﵇ حينَ سأَلوه أن يستغفِرَ لهم: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٧، ٩٨]. قال: قال بعضُ أهلِ العلمِ: إنه أخَّر الاستغفارَ لهم إلى السَّحَرِ. قال: وذكَر بعضُ أهلِ العلمِ أنَّ الساعةَ التي تُفْتَحُ فيها أبوابُ الجنةِ السَّحَرُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: سمِعتُ ابنَ زيدٍ يقولُ: السَّحَرُ هو السُّدُسُ الآخرُ (^١) مِن الليلِ.\n\n<span id=\"aya-4694\"></span>وقولُه: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وفي أموالِ هؤلاء المحسنين الذين وصَف صفتَهم، حقٌّ لسائلِهم المحتاجِ إلى ما في أيديهِم والمحرومِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى السائلِ قال أهلُ التأويلِ، وهم في معنى المَحْرُومِ مختلِفون؛ فَمِن قائلٍ: هو المُحارَفُ (^٢) الذي ليس له في الإسلامِ سهمٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن قيسِ بنِ كُركُمٍ، عن ابنِ عباسٍ سأَلْتُه عن \"السَّائِلِ والمَحْرُومِ\". قال: السائلُ الذي يسألُ الناسَ بكفّه (^٣)، والمحرومُ الذي ليس له في الإسلامِ سَهْمٌ، وهو المحارَفُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه ﷿: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. قال:\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٣: \"الأخير\".\n(^٢) المحارَف: الذي لا يصيب خيرًا من وجهٍ توجّه له. ينظر اللسان (ح ر ف)\n(^٣) سقط من: م، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":511},{"text":"المحرومُ المُحارَفُ (^١).\nحدَّثنا سهلُ بنُ موسى الرازيُّ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن قيسِ بنُ كُركُمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: السائلُ السائلُ، والمحرومُ المُحارَفُ الذي ليس له في الإسلامِ سَهْمٌ.\nحدَّثنا سهلُ بنُ موسى، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن قيسِ بنِ كُركُمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: المحرومُ المحارَفُ الذي ليس له في الإسلامِ سَهْمٌ (^٢).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن قيسِ بنِ كُركُمٍ، عن ابنِ عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. قال: السائلُ الذي يسألُ، والمحرومُ المحارَفُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ أبا إسحاقَ يُحدِّثُ، عن قيسِ بنِ كُركُمٍ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾. قال: المحارَفِ (^٤).\nوحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٤).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٤١٢، ٤١٣ عن وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٣ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٤١٢ من طريق أبي إسحاق به.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦١٩، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٤ من طريق ابن أبي نجيح به.","vol":"21","page":512},{"text":"حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾: هو الرَّجُلُ المُحارَفُ الذي لا يكونُ له مالٌ إلا ذَهَب، قَضَى اللَّهُ، ﷿، له ذلك (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن قيسِ بنِ كُركُمٍ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ ﵀ عن قولِه: ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. قال: السائلُ الذي يسألُ، والمحرومُ المُحارَفُ الذي ليس له في الإسلام سَهْمٌ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرَ المُقَدَّميُّ، قال: ثنا قريشُ بنُ أنسٍ، عن سليمانَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ: المحرومُ المُحارَفُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال في ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾: هو المحارَفُ الذي ليس له أَحدٌ يَعْطِفُ عليه، أو يُعطِيه شيئًا (^٤).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى [وهبُ بنُ جريرٍ] (^٥)، قال: ثنا شعبةُ، عن عاصمٍ، عن أبي قلابةَ، قال: جاء سَيْلٌ باليمامةِ، فذهَب بمالِ رجلٍ، فقال رجلٌ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: هذا المحرومُ (^٦).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩٥.\n(^٢) أخرجه أبو عبيدة في الأموال (١٧٥٧) عن عبد الرحمن به\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٣٨، والجصاص في أحكام القرآن ٥/ ٢٩٥، والبغوي في تفسيره ٧/ ٣٧٤.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٤ بنحوه، وابن أبي شيبة ١٢/ ٤١٣ من طريق منصور به.\n(^٥) في الأصل: \"ابن وهب بن جريج\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٣ إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":513},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أيوبُ، عن نافعٍ، قال: المحرومُ المُحارَفُ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى مسلمُ بنُ خالدٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: المحرومُ المُحارَفُ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حجَّاجٌ، عن الوليدِ بنُ العَيْزارِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال: المحرومُ هو المُحارَفُ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، قال: سأَلْتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ عن ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾، فلم يَقُلْ فيه شيئًا. قال: وقال عطاءٌ: هو المحدودُ (^٣) المُحارَفُ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا نافعُ بنُ يزيدَ، عن عمرِو بنِ الحارثِ، عن بُكَيرِ بنِ الأَشَجِّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أنه سُئِل عن ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾، فقال: المُحارَفُ (^١).\nومن قائلٍ: هو المُتعَفِّفُ الذي لا يسأَلُ الناسَ شيئًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني بشرٌ، قال: ثنى يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩٥.\n(^٢) أخرجه أبو عبيدة في الأموال (١٧٥٦) عن هشيم به.\n(^٣) في الأصل: \"المجهود\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"21","page":514},{"text":"حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. هذان فقيرا أهلِ الإسلامِ، سائلٌ يسألُك في كفِّه، وفقيرٌ مُتَعفِّفٌ، ولكليهما عليك حقٌّ يا بنَ آدمَ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ: ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. قال: السائلُ الذي يسألُك، والمحرومُ المُتَعفِّفُ الذي لا يسألُك (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: قال معمرٌ، وحدَّثني الزهريُّ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: \"ليس المسكينُ الذي تَرُدُّهُ التَّمرةُ والتَّمْرَتان والأكْلَةُ والأَكْلَتان\". قالوا: فمَن المسكينُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: \"الذي لا يَجِدُ غِنًى، ولا يُعْلمُ بحاجَتِه، فيُتَصَدَّقَ عليه، فذلك المحرومُ\" (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. قال: السائلُ الذي يسألُ بكفِّه، والمحرومُ المُتَعفِّفُ، ولكليهما عليك حقٌّ يا بنَ آدمَ (^٢).\nوقائلٍ: هو الذي لا سَهْمَ له في الغنيمةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن الحسنِ بنِ محمدٍ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ بَعَث سَرِيَّةً، فَغَنِموا، فجاء قومٌ لم (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٣ عن معمر به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٣ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: م، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":515},{"text":"يَشهدوا (^١) الغنيمةَ، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ (^٢) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بن أبي زائدةَ، عن سفيانَ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ الجَدَليِّ، عن الحسنِ بن محمدٍ، قال: بُعِثَتْ سَرِيَّةٌ فَغنِموا، ثم جاء قومٌ مِن بعدِهم، قال: فنزَلت: ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن إبراهيمَ أنَّ أُناسًا قَدِموا على عليٍّ، ﵀، الكوفةَ بعدَ وَقْعَةِ الجَمَلِ، فقال: اقْسِموا لهم. وقال: هذا المحرومُ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، عن سفيانَ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن الحسنِ بنِ محمدٍ أنَّ قومًا في زمانِ النبيِّ ﷺ أصابوا غنيمةً، فجاء قومٌ بعدُ، فنزَلت: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: قال: ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾. الذي لا فَيْءَ له في الإسلامِ، وهو مُحارَفٌ مِن الناسِ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ قولَه: ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. قال: المحرومُ: الذي لا يجرِي عليه شيءٌ مِن الفَيءِ، وهو مُحارَفٌ مِن الناسِ (^٥).\nوقائلٍ: هو الذي لا يَنْمِي له مالٌ.\n_________\n(^١) في م: \"يشهدون\".\n(^٢) بعده في الأصل، ص: \"معلوم\".\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في الأموال (١٧٥٨) عن عبد الرحمن به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٤، وابن أبي شيبة ١٢/ ٤١٢ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٤١٢ من طريق شعبة به.\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ٥١٣.","vol":"21","page":516},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن حُصينٍ، قال: سألتُ عكرمةَ، عن السائلِ والمحرومِ؟ قال: السائلُ الذي يسألُك، والمحرومُ الذي لا يَنْمِي له مالٌ (^١).\nوقائلٍ: هو الذي قد ذهبَ ثمرُه وزرعُه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، في قولِه: [﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾] (^٢). قال: المحرومُ المصابُ ثمرُه وزرعُه، وقرَأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾. حتى بلَغ: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٧]. وقال أصحابُ الجنةِ: ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٦، ٢٧].\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عبدُ اللَّهِ بنُ عياشٍ (^٣)، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ في قولِ اللَّهِ: [﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾] (٢). قال: ليس ذلك بالزكاةِ، ولكن ذلك مما يُنْفِقون من أموالِهم بعدَ إخراجِ الزكاةِ. والمحرومُ الذي يُصابُ زرعُه أو ثمرُه أو نسلُ ماشيتِه، فيكونُ له حقٌّ على من لم يُصِبْه ذلك من المسلمين، كما قال لأصحابِ الجنةِ حينَ أهلَك جنتَهم، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. وقال أيضًا: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (^٤) [الواقعة: ٦٥ - ٦٧].\n_________\n(^١) ذكره الجصاص في أحكام القرآن ٥/ ٢٩٥، والقرطبي في تفسيره ١٧/ ٣٨.\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم\".\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عباس\". ينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٤١٠.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٣٧٥.","vol":"21","page":517},{"text":"وكان الشعبيُّ يقولُ في ذلك ما حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن ابنِ عونٍ، قال: قال الشعبيُّ: أعياني أنْ أعْلمَ ما المحرومُ (^١)؟\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أنه الذي قد حُرِم الرزقَ فاحتاجَ؛ وقد يكونُ ذلك بذَهابِ مالِه وثمرِه، فصار ممن حرَمه اللَّهُ ذلك، وقد يكونُ بسببِ تعفُّفِه وتَرْكِه المسألةَ، ويكونُ بأنه لا سَهْمَ له في الغنيمةِ، لغَيْبَتِه عن الوقعةِ، فلا قولَ في ذلك أولى بالصوابِ مِن أن يُعَمَّ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.\n\n<span id=\"aya-4695\"></span><span data-type='title' id=toc-8785>القولُ (*) في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وفي الأرضِ عِبَرٌ وعِظاتٌ لأهلِ اليقينِ بحقيقةِ ما عايَنوا ورأَوْا إذا ساروا فيها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾. قال: يقولُ: مُعْتَبَرٌ لمن اعْتَبَر (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٤ إلى عبد بن حميد.\n(*) من هنا خرم في مخطوطة جامعة القرويين التي يرمز لها بـ \"الأصل\" وينتهي في الصفحة القادمة.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٧)، من طريق ابن عبدِ الأعلى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٤ إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":518},{"text":"لِلْمُوقِنِينَ﴾: إذا سار في أرضِ اللَّهِ رأى عِبَرًا وآياتٍ عظامًا (^١).\n\n<span id=\"aya-4696\"></span>وقولُه: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وفي سبيلِ الخلاءِ والبولِ في أنفسِكم عِبْرَةٌ لكم، ودليلٌ لكم على ربِّكم، أفلا تُبْصِرون إلى ذلك منكم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الصمدِ الأنصاريُّ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن ابنِ جريجٍ، عن ابنِ المرتفعِ، قال: سمعتُ ابنَ الزبيرِ يقولُ: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. قال: سبيلُ الغائطِ والبولِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابنِ جريجٍ، عن محمدِ بنِ المرتفعِ، عن عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. قال: سبيلُ الخلاءِ والبولِ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وفي تسويةِ اللَّهِ ﵎ مَفَاصِلَ أبدانِكم وجوارحِكم، دَلالةٌ لكم على أنْ خُلِقْتُم لعبادتِه.\nذكرُ مَن قال ذلك (*)\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. وقرَأ قولَ اللَّهِ ﷿: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٤٠.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٤، والبيهقي في الشعب (٨٢٠٨) من طريق ابن جريج به، وعزاه ابن حجر في الفتح ٨/ ٥٩٩ إلى المصنف، والسيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٤ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(*) هنا ينتهي الخرم في مخطوطة جامعة القرويين التي يرمز لها بـ \"الأصل\" المشار إليه في الصفحة السابقة.","vol":"21","page":519},{"text":"مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠]. قال: وفينا آياتٌ كثيرةٌ، هذا السمعُ والبصرُ واللسانُ والقلبُ، [لا يَدْري أحدٌ ما هو أسودُ أو أحمرُ، وهذا الكلامُ الذي يَتَلَجْلَجُ به، وهذا القلبُ] (^١) أيُّ شيءٍ هو، إنما هو بِضْعَةٌ (^٢) في جوفِه، يجعلُ اللَّهُ فيه العقلَ، أفيَدْري أحدٌ ما ذاك العقلُ، وما صفتُه، وكيف هو (^٣)؟!\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: معنى ذلك: وفي أنفسِكم أيُّها الناسُ أيضًا آياتٌ وعِبَرٌ، تدُلُّكم على وحدانيةِ صانِعكم، وأنه لا إلهَ لكم سواه، إذ كان لا شيءَ يَقْدِرُ أن يخلقَ مثلَ خَلْقِه إيَّاكم. ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: أفلا تَنْظُرون في ذلك، فتَتَفَكروا فيه، فتعلَموا حقيقةَ وحدانيةِ خالقِكم.\n\n<span id=\"aya-4697\"></span>وقولُه: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وفي السماءِ المطرُ والثَّلْجُ اللذان بهما تُخرِجُ الأرضُ رزقَكم، وقوتَكم من الطعامِ والثمارِ وغيرِ ذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بزيعٍ، قال: ثنا النَّضْرُ (^٤)، قال: ثنا جوَيبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾. قال: المطرُ (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه ﷿: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾. قال: الثَّلْجُ،\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في م، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مضغة\". والبضعة القطعة من اللحم. اللسان (ب ض ع).\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٤٠.\n(^٤) بعده في الأصل: \"بن خلد\". ينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٤٥٣.\n(^٥) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٤٦) من طريق جويبر به","vol":"21","page":520},{"text":"وكلُّ عينٍ ذائبةٍ من الثلجِ لا تَنْقُصُ (^١).\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الكريمِ، عن الحسنِ، قال: في السحابِ، فيه واللَّهِ رزقُكم، ولكنكم تُحْرَمُونه بخطاياكم وأعمالِكم (^١).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرني سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ أميةَ، قال: أحسَبُه قال: أو غيرَه، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ سمِع رجلًا ومُطِروا، يقولُ: مُطِرْنا ببعضِ عثانينِ (^٢) الأسدِ. فقال: \"كَذَبْتَ بل هو رزْقُ اللَّهِ\" (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾. قال: رزقُكم المطرُ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾. قال: رزقُكم المطرُ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ومِن عندِ اللَّهِ الذي في السماءِ رزقُكم، وممن تأوَّله كذلك واصلٌ الأحدبُ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ من أهلِ الرَّيِّ (^٥)، عن سفيانَ الثوريِّ، قال: قرَأ واصلٌ الأحدبُ هذه الآيةَ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾. فقال: ألا إنَّ رزقي في السماءِ وأنا أطلبُه في الأرضِ، فدخَل خَرِبةً فمكَث ثلاثًا لا\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٤١.\n(^٢) قال سفيان: عثانين الأسد الذراع والجبهة. التمهيد ١٦/ ٢٨٤، والقرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٣٠.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٤ عن المصنف، وذكره ابن عبدِ البر في التمهيد ١٦/ ٢٨٤، والقرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٣٠ عن سفيان به.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٣٧٥، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩٦.\n(^٥) في م، ص: \"الرأي\".","vol":"21","page":521},{"text":"يُصيبُ شيئًا، فلما كان اليومُ الثالثُ إذا هو بدَوْخَلَّةٍ (^١) من رُطَبٍ، وكان له أخٌ أحسنُ نِيَّةً منه، فدخل معه، فصارتا دَوْخَلَّتَيْن، فلم يَزَلْ ذلك دأْبَهما، حتى فرَّق الموتُ بينَهما (^٢).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾. فقال بعضُهم: معنى ذلك: وما توعدون من خيرٍ، أو شرٍّ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾. قال: وما توعدون من خيرٍ أو شرٍّ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾. يقولُ: الجنةُ في السماءِ، وما توعدون من خيرٍ أو شرٍّ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وما توعدون من الجنةِ والنارِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بزيعٍ، قال: ثنا النَّضْرُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾. قال: الجنةُ والنارُ (^٤).\n_________\n(^١) الدَّوْخلَّة: سفيفة تنسج من خوص يوضع فيها التمر. التاج (د وخ ل).\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٤١، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩٦.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٤ إلى ابن المنذر.\n(^٤) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٤٦) من طريق جويبر به.","vol":"21","page":522},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾: الجنةُ.\nوأولى القولين بالصوابِ في ذلك عندي القولُ الذي قاله مجاهدٌ؛ لأنَّ اللَّهَ عمَّ الخبرَ بقولِه: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ عن كلِّ ما وعَدَنا مِن خيرٍ أو شرٍّ، ولم يَخْصُصْ بذلك بعضًا دونَ بعضٍ، فهو على عمومِه كما عمَّه اللَّهُ جلَّ ثناؤُه.\n\n<span id=\"aya-4698\"></span><span data-type='title' id=toc-8786>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه وجلَّ اسمُه مُقْسِمًا لخَلْقِه بنفسِه: فوربِّ السماءِ والأرضِ، إنَّ الذي قلتُ لكم أيُّها الناسُ: إنَّ في السماءِ رزقَكم وما توعدون - لحقٌّ، كما حقٌّ أنكم تَنْطِقون.\nوقد حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾. قال: بلَغَني أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"قاتَل اللَّهُ أقوامًا أَقْسَم لهم ربُّهم بنفسِه فلم يُصدِّقوه\" (^١).\nوقال الفرَّاءُ (^٢): للجمعِ بينَ \"ما\" و\"أنَّ\" في هذا الموضعِ وجهان: أحدُهما: أن يكونَ ذلك نظيرَ جمعِ العربِ بينَ الشَّيْئَين مِن الأسماءِ والأدواتِ [إذا اختَلَفَ لفظُهما] (^٣)، كقولِ الشاعرِ في الأسماءِ (^٤):\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩٦ وعزاه لمسدد عن ابن أبي عدي به، والقرطبي في تفسيره ١٧/ ٤٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) معاني القرآن للفراء ٣/ ٨٤، ٨٥.\n(^٣) سقط من: النسخ. والمثبت من معاني القرآن.\n(^٤) لم ينسبه الفراء، ونسبه البغدادي في خزانة الأدب ٦/ ٧٧ إلى أبي الرُّبيس المازني.","vol":"21","page":523},{"text":"مِن النَّفَرِ اللَّائي الَّذين إذا همُ … يَهابُ اللِّئامُ حَلْقَةَ البابِ قَعْقَعُوا\nفجمَع بينَ \"اللَّائي\" \"والَّذين\"، وأحدُهما مُجْزِئٌ مِن الآخرِ، وكقولِ الآخرِ في الأدواتِ (^١):\nما إِنْ رأَيْتُ ولا سمِعتُ بِهِ … كاليومِ (^٢) طَالِيَ أَيْنُقٍ جُرْبِ\nفجمَع بينَ \"ما\" وبينَ \"إن\"، وهما جَحْدان يُجْزِئُ أَحدُهما مِن الآخرِ. وأما الآخرُ: فهو لو أن ذلك أَفْرد بـ \"ما\"، لكان خبرًا عن أنه حقٌّ لا كَذِبٌ، وليس ذلك المعنيَّ به. وإنما أُريدَ به: إنه لحقٌّ كما حقٌّ أَنَّ الآدميَّ ناطقٌ. ألا ترى أنَّ قولَك: أَحَقٌّ مَنْطِقُك. معناه: أحقٌّ هو أم كَذِبٌ، وأن قولَك: أحقٌّ أَنَّكَ تَنْطِقُ. معناه [أللإنسانِ (^٣) النطقُ] (^٤) لا لغيرِه، فأُدْخِلَت \"أَنَّ\" ليُفَرَّقَ بها بينَ المَعْنَيَيْن. قال: فهذا أعجبُ الوجْهينِ إليَّ.\nواختلَفت القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرَأَةِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿مِثْلَ مَا﴾. نصبًا (^٥). بمعنى: إنه لحقٌّ حقًّا يقينًا؛ كأنَّهم وجَّهوها إلى مذهبِ المصدرِ. وقد يجوزُ أن يكونَ نصبُها من أجْلِ أن العربَ تَنْصِبُها إذا رفعَتْ بها الاسمَ، فتقولُ: مثلَ مَن عبدُ اللَّهِ؟ وعبدُ اللَّهِ مثلَك، وأنت مثلُه، ومثلَه أنت رفعًا ونصبًا. وقد يجوزُ أن يكونَ نصبُها على مذهبِ المصدرِ، إنه لحقٌّ كنُطْقِكم. وقرَأ ذلك عامةُ قرَأَةِ الكوفةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ رفعًا: (مِثْلُ ما أَنَّكُمْ) (^٦).\n_________\n(^١) هو دريد بن الصمة كما في شرح العيون ٣٦٧، ومعاني القرآن للفراء ٣/ ٨٥.\n(^٢) بعده في الأصل: \"هانئ\".\n(^٣) في الأصل: \"الإنسان\". والمثبت من معاني القرآن.\n(^٤) في م: \"للاستثبات\"، وفي ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"للإنسان\".\n(^٥) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي جعفرٍ وأبي عمرو بن العلاء ويعقوب الحضرمي وعاصم في رواية حفص، وابن عامر. ينظر النشر ٢/ ٢٨٢.\n(^٦) هي قراءة حمزة والكسائي وخلف وأبي بكر. المصدر السابق.","vol":"21","page":524},{"text":"على وجهِ النعتِ للحقِّ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أنهما قراءتان مستفيضتان في قرَأةِ الأمصارِ، متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-4699\"></span><span data-type='title' id=toc-8787>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ، يُخبرُه أنه مُحِلٌّ بمن تمادى في غَيِّه، وأَصرَّ على كفرِه فلم يَتُبْ منه مِن كفارِ قومِه، ما أحَلَّ بمَن قبلَهم مِن الأممِ الخاليةِ، ومُذكِّرًا قومَه مِن قريشٍ بإخبارِه إيَّاهم أخبارَهم وقصصَهم، وما فعَل بهم: هل أتاك يا محمدُ حديثُ ضيفِ إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ المُكْرَمِين.\nيعني بقولِه: ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾: أنَّ إبراهيمَ ﵇ وسارةَ خَدَماهم بأنفسِهما.\nوقيل: إنما قيل: ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾. ما حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾. قال: أكرَمهم إبراهيمُ، وأمَر أهلَه لهم بالعِجْلِ؛ حَسيلٍ (^١) (^٢).\n\n<span id=\"aya-4700\"></span>وقولُه: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾. يقولُ: حينَ دخَل ضيفُ إبراهيمَ عليه،\n_________\n(^١) في م: \"حينئذٍ\"، وفي ت ١: \"الحنيذ\"، وفي ت ٣: \"حنيذ\". والحسيل: ولد البقرة الأهلية، وعم به بعضهم فقال: هو ولد البقرة. اللسان (ح س ل).\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر مختصرًا.","vol":"21","page":525},{"text":"﴿فَقَالُوا﴾ له: ﴿سَلَامًا﴾. أي سَلَّموا سَلَامًا، ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾.\nواختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرَأَةِ المدينةِ والبصرةِ (^١): ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ بالألفِ، بمعنى: قال إبراهيمُ لهم: سلامٌ عليكم. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ (^٢): (قال سِلْمٌ) بغيرِ ألفٍ، بمعنى: قال: أنتم سِلْمٌ.\nوقولُه: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾. يقولُ: قومٌ لا نعرِفُكم، ورُفِع ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ بإضمارِ أنتم.\n\n<span id=\"aya-4701\"></span>وقولُه: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾. يقولُ: عدَل إلى أهلِه ورجَع. وكان الفرَّاءُ يقولُ (^٣): الرَّوْغُ وإن كان على هذا المعنى فإنه لا يُنْطَقُ به حتى يكونَ صاحِبُه مُخْفِيًا لذهابِه أو مجيئِه، وقال: ألا تَرى أنك لا (^٤) تقولُ: قد راغ أهلُ مكةَ. وأنتَ تريدُ رجَعوا أو صدَروا، فلو أَخْفَى راجِعٌ رجُوعَه حسُنَت فيه: راغ ويروغُ.\nوقولُه: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾. يقولُ: فجاء ضيفَه بعِجْلٍ سمينٍ قد أَنْضَجَه شيًّا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾. قال: كان عامةُ مالِ نبيِّ اللَّهِ خليلِ الرحمنِ إبراهيمَ ﵇ البَقَرَ (^٥).\n\n<span id=\"aya-4702\"></span><span data-type='title' id=toc-8788>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ</span>\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو بن العلاء وعاصم وابن عامر. ينظر حجة القراءات ٦٧٩.\n(^٢) هي قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٣) معاني القرآن للفراء ٣/ ٨٦.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"21","page":526},{"text":"وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وقولُه: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾. وفي الكلامِ متروكٌ اكْتُفِي بدَلالةِ الظاهرِ عليه منه، وهو: فقَرَّبه إليهم، فأمسَكوا عن أكلِه، فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4703\"></span>﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [يقولُ: فأوجَس في نفسِه إبراهيمُ مِن ضَيْفِه خِيْفَةً] (^١) وأضمَرها، ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾. يعني: بإسحاقَ، وقال: ﴿عَلِيمٍ﴾. بمعنى عالمٍ إذا كَبِر.\nوذكَر الفرَّاءُ (^٢) أنَّ بعضَ المشيخةِ كان يقولُ: إذا كان العلمُ (^٣) منتظَرًا قيل (^٤): إنه لَعالِمٌ عن قليلٍ وفاقِهٌ (^٥)، وفي السيدِ: سائِدٌ، والكريمِ: كارِمٌ. قال: والذي قال حسَنٌ. قال: وهذا أيضًا كلامٌ عربيٌّ حسَنٌ قد قاله اللَّهُ في: عليمٍ وحليمٍ (^٦) وميِّتٍ (^٧).\nورُوِي عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾. قال: إسماعيلَ (^٨).\nوإنما قلتُ: عُنِي به إسحاقُ؛ لأن البشارةَ كانت بالولدِ مِن سارةَ، وإسماعيلُ لهاجَرَ لا لسارةَ.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) معاني القرآن للفراء ٣/ ٨٦، ٨٧.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"للعلم\".\n(^٤) في معاني القرآن: \"لمن يوصف به قلت في العليم إذا لم يعلم\".\n(^٥) في م، ت ٢: \"غاية\".\n(^٦) في م: \"حكيم\".\n(^٧) في الأصل: \"منيب\".\n(^٨) تفسير مجاهد ص ٦١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"21","page":527},{"text":"<span id=\"aya-4704\"></span>وقولُه: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾. يعني: سارةُ، وليس ذلك إقبالَ نُقْلَةٍ مِن موضعٍ إلى موضعٍ، ولا تَحوُّلٍ مِن مكانٍ إلى مكانٍ، وإنما هو كقولِ القائلِ: أَقبَل يَشْتُمُني. بمعنى: أَخَذ في شتْمِي. وقولُه: ﴿فِي صَرَّةٍ﴾. يعني: في صَيْحَةٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فِي صَرَّةٍ﴾. يقولُ: في صَيْحَةٍ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾. يعني بالصَّرَّةِ الصَّيْحَةَ.\nوحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فِي صَرَّةٍ﴾. قال: صَيْحَةٍ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾. أي: أقبَلَت في رَنَّةٍ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٤ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٤ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٢٠، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٤ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر مطولًا.\n(^٣) الرنة: الصيحة الحزينة. اللسان (ر ن ن).","vol":"21","page":528},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فِي صَرَّةٍ﴾. قال: أَقْبَلَت تَرِنُّ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الكريمِ الإياميِّ، عن ابنِ سابطٍ قولَه: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾. قال: في صَيْحَةٍ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾. قال: الصَّرَّةُ الصيحةُ.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي صَرَّةٍ﴾. يعني: في صيحةٍ (^٢).\nوقد قال بعضُهم: إنَّ تلك الصيحةَ \"أوْهِ\" مقصورةَ الألفِ.\nوقولُه: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في معنى صَكِّها، والموضعِ الذي ضَرَبَتْه من وجْهِها؛ فقال بعضُهم: معنى صَكِّها وجْهَها لطمُها إيَّاه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾. يقولُ: لَطَمَت (^٣).\nوقال آخرون: بل ضَرَبَتْ بيدِها جَبْهَتَها تعجُّبًا.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٤ عن معمرٍ به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩٨.\n(^٣) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"21","page":529},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لما بَشَّر جبريلُ سارةَ بإسحاقَ، ومن وراءِ إسحاقَ يعقوبَ، ضَرَبَت جَبْهَتَها عجَبًا، فذلك قولُه: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾. قال: جَبْهَتَها (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن العلاءِ بن عبدِ الكريمِ الإياميِّ، عن ابنِ سابطٍ قولَه: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾. قال: قالت هكذا، وضَرَب سفيانُ بيدِه على جَبْهتِه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾. قال: وضَعَت يدَها على جَبْهَتِها تعجُّبًا (^٤).\nوالصَّكُّ عند العربِ هو الضَّرْبُ. وقد قِيل (^٥): إن صَكَّها وجْهَها كان أَنْ جَمَعَت أصابعَها، فَضَرَبَت بها جَبْهَتَها، ﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾. يقولُ: وقالت: أتَلِدُ عجوزٌ عقيمٌ؟!، وحُذِفت \"أتَلِدُ\" لدلالةِ الكلامِ عليه، وبضميرِ \"أَتَلِدُ\" رُفِعَت، ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾. وعُنِي بالعقيمِ التي لا تَلِدُ.\n_________\n(^١) عزاه الحافظ في الفتح ٨/ ٥٩٩ إلى المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩٨ بمعناه.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٢٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٤ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩٨.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣٩٨، والقرطبي في تفسيره ١٧/ ٤٧، وعزاه الحافظ في الفتح ٨/ ٥٩٩ إلى المصنف.\n(^٥) معاني القرآن للفراء ٣/ ٨٧.","vol":"21","page":530},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا سليمانُ أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن مُشَاشٍ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾. قال: لا تَلِدُ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنى هشيمٌ، قال: أخبَرنا شيخٌ (^١) مِن أهلِ خُراسانَ مِن الأَزدِ، يُكْنَى أبا ساسانَ، قال: سألتُ الضحاكَ عن: ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾. قال: التي ليس لها ولدٌ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4705\"></span><span data-type='title' id=toc-8789>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ ضيفِ إبراهيمَ صلواتُ اللَّهِ عليهم، لزوجتِه إذ قالت لهم، وقد بشَّروها بغلامٍ عليمٍ: أتلدُ عجوزٌ عقيمٌ؟! ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾. يقولُ: هكذا قال ربُّك. أي: كما أخبَرْناكِ وقُلنا لكِ: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾. فالهاءُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ﴾. من ذكرِ الربِّ، هو الحكيمُ في تدبيرِه خَلْقَه، العليمُ بمصالحِهم، وبما كان، وبما هو كائنٌ.\n\n<span id=\"aya-4706\"></span>وقولُه: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾. يقولُ: قال إبراهيمُ لضَيفِه: فما شأنُكم أيُّها المُرسلون.\n\n<span id=\"aya-4707\"></span>﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾. قد أجرَموا بالكفرِ (^٣) باللَّهِ ﷿.\n\n<span id=\"aya-4708\"></span><span data-type='title' id=toc-8790>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ</span>\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"رجلٌ\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٤ إلى سعيد بن منصورٍ وابن المنذر مطولًا.\n(^٣) في ص: \"الكفر\"، وفي م: \"لكفرهم\".","vol":"21","page":531},{"text":"لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥)﴾.\n\n<span id=\"aya-4709\"></span>قال أبو جعفرٍ: يقولُ ﷿: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾. يقولُ: لنُمطِرَ عليهم من السماءِ حجارةً من طينٍ، ﴿مُسَوَّمَةً﴾. يعني: مُعْلَمةً.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾. قال: المسوَّمَةُ: الحجارةُ المختومةُ (^١)؛ يكونُ الحجرُ أبيضَ فيه نقطةٌ سوداءُ، أو (^٢) يكونُ الحجرُ أسودَ فيه نقطةٌ بيضاءُ، فذلك تسويمُها، ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يا إبراهيمُ ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾. يعني: للمتَعَدِّين حدودَ اللَّهِ، الكافرين به من قومِ لوطٍ، ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4710\"></span>يقولُ تعالى ذكرُه: فأخرَجنا مَن كان في قريةِ سَدومَ - قريةِ قومِ لوطٍ - مِن أهلِ الإيمانِ باللَّهِ، وهم لوطٌ وابْنَتاه، وكَنَّى عن القريةِ بقولِه: ﴿مَنْ كَانَ فِيهَا﴾. ولم يَجْرِ لها ذِكْرٌ قبلَ ذلك.\n\n<span id=\"aya-4711\"></span><span data-type='title' id=toc-8791>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذِكرُه: فما وجَدْنا في تلك القريةِ التي أخرَجْنا منها مَن كان فيها من المؤمنين، غيرَ بيتٍ من المسلمين، وهو بيتُ لوطٍ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال: لو كان فيها أكثرُ مِن ذلك لأنْجاهمُ اللَّهُ؛ لتَعلَموا (^٣) أن\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في الأصل، ت ١: \"و\".\n(^٣) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"ليعلموا\".","vol":"21","page":532},{"text":"الإيمانَ عندَ اللَّهِ محفوظٌ لا ضيعةَ على أهلِه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال: هؤلاء قومُ لوطٍ، لم يَجِدوا فيها غيرَ لوطٍ.\nحدَّثني ابنُ عوفٍ، قال: ثنا [أبو المغيرةِ] (^٢)، قال: ثنا صفوانُ، قال: ثنا أبو المثنى ومسلمٌ أبو حِسْبَةَ (^٣) الأشجعيُّ: قال اللَّهُ: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: لوطًا وابنَتَيْه. قال: فحلَّ بهمُ العذابُ. قال اللَّهُ: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4712\"></span>وقولُه: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وترَكنا في هذه القريةِ التي أخْرَجنا من كان فيها من المؤمنين آيةً، وقال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾. والمعنى: وترَكْناها آيةً؛ لأنها هي التي ائتفَكَت بأهلِها، فهي الآيةُ، وذلك كقولِ القائلِ يرى الشيءَ (^٤): في هذا الشيءِ عبرةٌ وآيةٌ. ومعناه: هذا الشيءُ عبرةٌ وآيةٌ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]. وهم كانوا الآياتِ وفعلُهم، ويعني بالآيةِ العظةَ والعبرةَ، للذين يخافون عذابَ اللَّهِ الأليمَ في الآخرةِ.\n\n<span id=\"aya-4713\"></span><span data-type='title' id=toc-8792>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٥ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"المعتمر\"، وفي ت ١، ت ٣: \"أبو المعر\"، وفي ت ٢: \"أبو العز\".\n(^٣) في الأصل: \"الحنبل\"، وفي ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحيل\". والمثبت من التاريخ الكبير ٧/ ٢٥٤، وتاريخ دمشق ٢٤/ ١٤٨، ٢٥/ ٤٧٨، وتهذيب الكمال ١٣/ ٢٠٣، وهو مسلم بن أكيس أبو حسبة، وذكره ابن حبان في الثقات ٥/ ٣٩٤ فقال: مسلم أبو أكيس.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"21","page":533},{"text":"بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذِكرُه: وفي موسى بن عمرانَ إذ أَرْسَلْناه إلى فرعونِ مصرَ بحجَّةٍ تَبِينُ لمَن رآها أنها حجةٌ لموسى على حقيقةِ ما يقولُ ويَدْعُو إليه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: بعذرٍ مبينٍ.\n\n<span id=\"aya-4714\"></span>وقولُه: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾. يقولُ: فَأَدبَر فرعونُ عما (^١) أَرْسَلْنا به (^٢) إليه موسى بقومِه من جندِه وأصحابِه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اختلَفت ألفاظُ قائليه فيه.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾. يقولُ: بقوتِه (^٣) أو بقومِه (^٤). [أبو جعفرٍ يشكُّ] (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾. قال: بعضُدِه وأصحابِه (^٦).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كما\".\n(^٢) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لقومه\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٥ إلى المصنف وابن المنذر، بلفظ: \"بقومه\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أنا أشك\".\n(^٦) تفسير مجاهد ٦٢٠.","vol":"21","page":534},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ [قال: بقومِه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾] (^١): غلَب عدوُّ اللَّهِ على قومِه.\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللَّهِ ﵎: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾. قال: بجُموعِه التي معه. وقَرأ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]. قال: إلى قوَّةٍ من الناسِ؛ إلى رُكنٍ أجاهدُكم به. قال: وفرعونُ وجنودُه ومَن معه (^٢) ركْنُه. قال: وما كان مع لوطٍ مؤمنٌ واحدٌ. قال: وعرَض عليهم أن يُنكحَهم بناتِه؛ رجاءَ أن يكونَ له منهم عَضُدٌ يعينُه، أو يَدْفعُ عنه. وقرَأ: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]. قال: يريدُ النكاح، فأبَوْا عليه. وقرَأ قولَ اللَّهِ ﵎: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩]. وأصلُ الرُّكنِ الجانبُ والناحيةُ التي يعتمِدُ عليها ويَقْوَى بها.\nوقولُه: ﴿وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾. يقولُ: وقال: موسى (^٣) هو ساحرٌ يَسْحَرُ عيونَ الناسِ، أو مجنونٌ به جِنَّةٌ. وكان معمرُ بنُ المثنَّى يقولُ (^٤): \"أو\" في هذا الموضعِ بمعنى \"الواوِ\" التي للمُوَالاةِ؛ لأنهم قد قالوهما جميعًا له، وأنشَد في ذلك\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٤ عن معمر به.\n(^٢) بعده في الأصل: \"وهم\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لموسى\".\n(^٤) مجاز القرآن ٢/ ٢٢٧.","vol":"21","page":535},{"text":"بيتَ جريرٍ الخَطَفَى (^١):\nأَثَعلَبَةَ الفَوارسَ [أو رِياحا] (^٢) … عَدَلْتَ بهِم طُهَيَّةَ والخِشابا\n\n<span id=\"aya-4715\"></span><span data-type='title' id=toc-8793>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذِكرُه: فأَخَذْنا فرعونَ وجنودَه بالغضبِ مِنَّا (^٣) والأسَفِ، ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾. يقولُ: فألْقَيناهم في البحرِ، فغَرَّقناهم فيه، ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. يقولُ: وفرعونُ مُليمٌ. والمُليمُ هو الذي قد أتى ما يُلامُ عليه من الفِعلِ.\nوكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: مُليمٌ في نِقْمَةِ (^٤) اللَّهِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. قال: مُليمٌ في عبادِ اللَّهِ (^٥)\nوذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُ (^٦».\n\n<span id=\"aya-4716\"></span><span data-type='title' id=toc-8794>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾.</span>\n_________\n(^١) ديوانه ٢/ ٨١٤.\n(^٢) في الأصل: \"أم رباحا\".\n(^٣) في الأصل: \"بنا\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نعمة\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٥ إلى ابن المنذر.\n(^٦) في الأصل: \"فنبذناهم\".","vol":"21","page":536},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذِكْرُه: وفِي عادٍ أيضًا وما فعَلْنا بهم آيةٌ لهم وعبرةٌ: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾. يعني بالريحِ العقيمِ: التي لا تُلْقِحُ الشجرَ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن خَصِيفٍ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الريحُ العقيمُ الريحُ الشديدةُ التي لا تُلْقِحُ شيئًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾. قال: لا تُلْقِحُ الشجرَ، ولا تُثيرُ السَّحابَ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ (^٣): ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾. قال: ليس فيها رحمةٌ ولا نباتٌ، ولا تُلْقِحُ نباتًا (^٤).\nحدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا سليمانُ أبو داودَ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن مُشَاشٍ (^٥)، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾. قال: لا\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٦٧ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٥ إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٥ إلى المصنف.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هذا\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦٢٠، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١٩ -، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٥ إلى ابن المنذر.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مساس\"، وفي م: \"شاس\". ينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٥.","vol":"21","page":537},{"text":"تُلْقِحُ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا شيخٌ مِن أهلِ خُراسانَ من الأزدِ (^٢)، يُكنى أبا ساسانَ، قال: سألتُ الضحاكَ بنَ مزاحمٍ عن قولِه: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾. قال: الريحَ التي ليس فيها (^٣) بركةٌ، ولا تُلْقِحُ الشجرَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الهلاليُّ، قال: ثنا أبو عليٍّ الحنفيُّ، قال: ثنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن الحارثِ [بنِ عبدِ الرحمنِ] (^٤)، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أنه كان يقولُ: الرّيحُ العَقِيمُ الجنوبُ.\n[حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثني ابنُ أبي ذئبٍ (^٥)، عن الحارثِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ أنه كان يقولُ: الريحُ العقيمُ الجنوبُ] (^٦).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ الفرجِ، قال: ثنا ابنُ أبي فُدَيكٍ، قال: ثنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن خالِه الحارثِ بنِ عبدِ الرحمنِ، [أنه سَمِع سعيدَ بنَ المسيَّبِ] (^٧)، يقولُ: العَقِيمُ (^٨) الجنوبُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٤، ١١٥ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"بها\".\n(^٤) سقط من: الأصل، ت ٢، وفي ت ١: \"بن أبي عبد الرحمن\"، وفي ت ٣: \"عن عبد الرحمن\".\n(^٥) في الأصل: \"زيد\". ينظر تهذيب الكمال ٥/ ٢٥٥.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٨٥٠) من طريق ابن وهب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٥ إلى ابن المنذر.\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٨) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يعني\".","vol":"21","page":538},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾: إن من الريحِ عقيمًا وعذابًا حينَ تُرسَلُ، لا تُلْقِحُ شيئًا، ومن الريحِ رحمةً يثيرُ اللَّهُ ﵎ بها السَّحابَ، ويُنزِلُ بها الغَيْثَ. وذُكِر لنا أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: \"نُصِرتُ بالصَّبا، وأُهلِكت عادٌ بالدَّبورِ\" (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا [شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ] (^٢)، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾. قال: الريحَ التي لا تُنبِتُ (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾: التي لا تُلْقِحُ شيئًا.\nحدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾: التي لا تُلْقِحُ (^٥) شيئًا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾. قال: إن اللَّهَ ﵎ يُرسِلُ [الرياحَ نَشْرًا] (^٦)\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٨٣٢) من طريق سعيد به، والمرفوع أخرجه الطبراني في الأوسط (٧٨٤١)، وفي الصغير (١٠٦٩)، والخطيب في تاريخه ٦/ ٥، ٢٠٧ وغيرهما من طريق قتادة عن أنس.\n(^٢) في م: \"سعيد عن قتادة\".\n(^٣) أخرجه الطيالسي (٢٧٦٣)، وأحمد ٣/ ٤٦١ (٢٠١٣)، والبخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠)، وابن حبان (٦٤٢١)، والطبراني (١١٠٤٤)، والبيهقي ٣/ ٣٦٤ من طريق شعبة به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٥ عن معمر به\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تنبت\".\n(^٦) في م: \"الريح بشرا\". وينظر ما تقدم في ١٠/ ٢٥١ - ٢٥٣.","vol":"21","page":539},{"text":"بينَ يَدَى رحمتِه، فيُحيى بها (^١) الأصلَ والشَّجرَ، وهذه لا تُحيى ولا تُلقِحُ، هي عقيمٌ ليس فيها مِن الخيرِ شيءٌ، إنما هي عذابٌ، لا تُلْقِحُ شيئًا، وهذه تُلْقِحُ. وقرَأ: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢].\n\n<span id=\"aya-4717\"></span>وقولُه: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: ما تدَعُ هذه الريحُ شيئًا أتتْ عليه إلا جعَلتْه كالرميمِ] (^٢). والرَّميمُ في كلامِ العربِ: ما يَبِس من نباتِ الأرضِ ودِيسَ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اختلَفت ألفاظُهم بالعبارةِ عنه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾. قال: كالشيءِ الهالِكِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَالرَّمِيمِ﴾. قال: الشيءِ (^٤) الهالِكِ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَالرَّمِيمِ﴾: رميمِ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"به\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٥ إلى المصنف.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كالشيء\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٦٢٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٥ إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":540},{"text":"الشجرِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾. قال: كرميمِ الشجرِ (^١).\n\n<span id=\"aya-4718\"></span><span data-type='title' id=toc-8795>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذِكرُه: وفي ثمودَ أيضًا لهم عبرةٌ ومُتَّعَظٌ، إذ قال لهم ربُّهم: [﴿تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾. يعني: إلى [وقتِ فناءِ آجالِكم] (^٢).\n\n<span id=\"aya-4719\"></span>وقولُه: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾] (^٣). يقولُ: فتكَبَّروا عن أمرِ ربِّهم، وعَلَوا استكبارًا عن طاعةِ اللَّهِ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾. قال: عَلَوْا (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾. قال العاتي العاصي التاركُ لأمْرِ اللَّهِ ﷿.\nوقولُه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأخذَتهم صاعقةُ (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٥ عن معمر به.\n(^٢) غير واضحة في الأصل، والمثبت من تفسير ابن كثير من قول المصنف. ينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٤٠٠.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦٢٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٥ إلى عبدِ بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) في الأصل: \"الصاعقة\".","vol":"21","page":541},{"text":"العذابِ (^١) فجأةً.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (^٢): وهم ينتَظِرون، وذلك أن ثمودَ وُعِدَتِ العذابَ قبلَ نزولِه بهم بثلاثةِ أيامٍ، وجُعِل لِنُزولِه عليهم علاماتٌ في تلك الثلاثةِ، فظهَرتِ العلاماتُ التي جُعِلت لهم، الدالةُ على نُزولِها في تلك الأيامِ، فأصبَحوا في اليومِ الرابعِ مُوقنين بأنَّ العذابَ بهم نازلٌ، يَنْتَظِرون حلولَه بهم (^٣).\nوقرَأت قرَأةُ الأمصارِ خلا الكسائيِّ: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ بالألفِ (^٤). ورُوِي عن عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ أنَّه قرَأ ذلك: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ). بغيرِ ألفٍ.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ الأودِيِّ، أن عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ قرَأ: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ) (^٥).\n_________\n(^١) بعده في ت ٣: \"فماتوا\".\n(^٢) بعده في الأصل كلام غير واضح بمقدار خمس كلمات، وبعده في ت ٣: \"قال\".\n(^٣) البحر المحيط ٨/ ١٤١.\n(^٤) ينظر حجة القراءات ص ٦٨٠.\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٥١، وأبو حيان في البحر المحيط ٨/ ١٤١.","vol":"21","page":542},{"text":"وكذلك قرَأ الكسائيُّ. وبالألفِ نقرَأُ: ﴿الصَّاعِقَةُ﴾. لإجماعِ الحجَّةِ من القرَأةِ عليها (^١).\n\n<span id=\"aya-4720\"></span><span data-type='title' id=toc-8796>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذِكرُه: فما استَطاعوا من دفاعٍ لما نزَل بهم من عذابِ اللَّهِ، ولا قَدَروا على نَهوضٍ به.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾. يقولُ: فما استَطاع القومُ نهوضًا لعقوبةِ (^٢) اللَّهِ ﵎ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾. [قال: من نُهوضٍ (^٤).\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ (^٥): معنى قولِه: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾] (^٦): فما قاموا بها. قال: ولو كانت فما استطاعوا من إقامةٍ. لكان صوابًا، وطَرْحُ الألفِ منها كقولِه: ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧].\nوقولُه: ﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾. يقولُ: وما كانوا قادِرين على أن\n_________\n(^١) وقراءة الكسائي متواترة.\n(^٢) في الأصل، ت ٣: \"بعقوبة\".\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٣٧٩ بمعناه.\n(^٤) أخرجه عبدِ الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٥ عن معمر به.\n(^٥) هو الفراء، ينظر معاني القرآن ٣/ ٨٨.\n(^٦) سقط من: الأصل.","vol":"21","page":543},{"text":"يستَقِيدوا (^١) ممَّن أَحلَّ بهم العقوبةَ التي حلَّت بهم.\nوكان قتادةُ يقولُ في تأويلِ ذلك ما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾. قال: ما كانت عندَهم من قُوَّةٍ يمتَنِعون بها من (^٢) اللَّهِ ﷿ (^٣).\n\n<span id=\"aya-4721\"></span>وقولُه: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. اختَلَفَتِ القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾؛ [فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾] (^٤) نصبًا (^٥). ولنَصْبِ ذلك وجوهٌ؛ أحدُها: أن يكونَ \"القومُ\" عطفًا على الهاءِ والميمِ في قولِه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾. إذ كان كلُّ عذابٍ مُهلكٍ تُسَمِّيه العربُ صاعقةً، فيكونَ معنى الكلامِ حينَئذٍ: فأخذَتهم الصاعقةُ، وأخذَت قومَ نوحٍ من قبلُ. والثاني: أن يكونَ منصوبًا بمعنى الكلامِ، إذ كان فيما مضَى من أخبار الأممِ قبلُ دلالةٌ على المرادِ من الكلامِ، وأن (^٦) معناه: أهْلَكنا هذه الأممَ، وأهْلَكنا قومَ نوحٍ من قبلُ. والثالثُ أن يُضْمِرَ (^٧) له فعلًا ناصبًا، فيكونَ معنى الكلامِ: واذكُر لهم (^٨) قومَ نوحٍ، كما قال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [العنكبوت: ١٦]. ونحوِ ذلك، بمعنى: أخْبِرْهم واذْكُر لهم. وقرَأ ذلك عامَّةُ\n_________\n(^١) في الأصل: \"يستقيلوا\"، وفي ص: \"يستعيدوا\" غير منقوطة، وفي ت ١: \"يستعيذوا\"، وفي ت ٢: \"يستفيدوا\"، وفي ت ٣: \"يستعيدوا\".\n(^٢) بعده في ت ٣: \"عذاب\".\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٣٧٩.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) هي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٦٠٩.\n(^٦) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كان\".\n(^٧) في الأصل: \"يصير\".\n(^٨) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"له\".","vol":"21","page":544},{"text":"قرَأةِ الكوفةِ والبصرةِ (وقَوْمِ نُوحٍ) بخفضِ \"القومِ\" على معنى: وفي قومِ نوحٍ. عطفًا بالقومِ على موسى في قولِه: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ (^١) [الذاريات: ٣٨].\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قرأةِ الأمصارِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وتأويلُ ذلك في قراءةِ من قَرأه خفضًا: وفي قومِ نوحٍ لهم أيضًا عبرةٌ، إذ أهْلَكناهم من قبلِ ثمودَ لمَّا كذَّبوا رسولَنا نوحًا.\n﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. يقولُ: إنهم كانوا قومًا (^٢) مُخالِفين أمرَ اللَّهِ، خارِجين عن طاعتِه.\n\n<span id=\"aya-4722\"></span><span data-type='title' id=toc-8797>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذِكرُه: والسماءَ رفَعناها سقفًا بقُوَّةٍ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾. يقولُ: بقُوَّةٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) هي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٤ -، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٥٢) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٥ إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":545},{"text":"قولَه: ﴿بِأَيْدٍ﴾. قال: بقُوَّةٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾. أي: بقُوَّةٍ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾. قال: بِقُوَّةٍ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾. قال: بِقُوَّةٍ، بشدَّةٍ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾. قال: بقُوَّةٍ (^٤).\nوقولُه: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾. يقولُ: [وإنا] (^٥) لذو سَعةٍ، بخَلْقِها وخَلْقِ مَا شِئْنا أن نخلُقَه، وقدرةٍ عليه. ومنه قولُه: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. يريدُ (^٦) به القويَّ.\nوقال ابنُ زيدٍ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾. قال: أوسَعَها\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٢١، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (٢٥٣).\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٤٠٠.\n(^٣) سقط من: م. والأثر ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٣٩٣.\n(^٤) بعده في ت ٢، ت ٣: \"بشدة\".\n(^٥) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يراد\".","vol":"21","page":546},{"text":"ﷻ (^١).\n\n<span id=\"aya-4723\"></span>وقولُه: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: والأرضَ جَعَلْناها فِراشًا للخَلْقِ، ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾. يقولُ: فنِعمَ الماهِدُون لهم نحنُ.\n\n<span id=\"aya-4724\"></span><span data-type='title' id=toc-8798>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وخلَقنا (^٢) مِن كلِّ شيءٍ خلَقنا زوجين، وترَك \"خلَقنا\" الأولَ (^٣) استغناءً بدلالةِ الكلامِ عليه (^٤).\nواختُلِف في معنى قولِه: ﴿خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِي به: ومن كلِّ شيءٍ خَلَقْنا نوعين مُختلِفين؛ كالشقاءِ والسعادةِ، والهُدَى والضلالةِ، ونحوِ ذلك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا ابنُ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ في قولِه: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾. قال: الكفرَ والإيمانَ، والشقاءَ والسعادةَ، والهُدَى، والضلالةَ والليلَ والنَّهارَ، والسماءَ والأرضَ، والجنَّ والإنسَ، [والشمسَ والقمرَ] (^٥).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ أبي الوزيرِ، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٨/ ١٤٢.\n(^٢) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأولى\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عليها\".\n(^٥) سقط من: الأصل، ص، م، ت ١.\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٥، ١١٦ إلى المصنف وابن المنذر، وينظر التبيان ٩/ ٣٩٣، وتفسير القرطبي ١٧/ ٥٣.","vol":"21","page":547},{"text":"الفزاريُّ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾. قال: الشمسَ والقمرَ (^١).\nوقال آخرون: بل (^٢) عُنِي بالزوجين الذَّكرُ والأنثى.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾. قال: ذكرًا (^٣) وأنثى، ذاك الزوجان. وقرَأ: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. قال: امرأتَه (^٤).\nوأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مجاهدٍ، وهو أن اللَّهَ ﵎ خلَق لكلِّ ما خلَق مِن خَلْقِه ثانيًا له (^٥) مخالِفًا في معناه، فكلُّ واحدٍ منهما زوجٌ للآخرِ، ولذلك قيل: ﴿خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾. وإنما نبَّه جلَّ ثناؤُه بذلك مَن (^٦) خلَقه على قُدرتِه على خَلْقِ ما يشاءُ خَلْقَه من شيءٍ، وأنه ليس كالأشياءِ التي شأنُها فعلُ نوعٍ واحدٍ دونَ خلافِه، إذ كلُّ ما صفتُه فعلُ نوعٍ واحدٍ دونَ ما عداه، كالنارِ التي شأنُها التَّسخينُ ولا تصلحُ للتبريدِ، وكالثلجِ الذي شأنُه التبريدُ ولا يصلحُ للتسخينِ - فلا\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٩/ ٣٩٣.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في الأصل، ت ١، ت ٢: \"ذكر\".\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٣٩٣، والقرطبي في تفسيره ١٧/ ٥٣، وأبو حيان في البحر المحيط ٨/ ١٤٢.\n(^٥) ليس في: الأصل.\n(^٦) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قوله\".","vol":"21","page":548},{"text":"يجوزُ أن يوصفَ بالكمالِ، وإنما كمالُ المدحِ للقادرِ (^١) على فعلِ كلِّ ما يشاءُ فِعْلَه من الأشياءِ المتفقةِ والمختلفةِ.\nوقولُه - جلَّ وعزَّ -: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: لِتَذَكَّروا وتَعتَبروا بذلك، فتَعلَموا، أيها المشرِكون باللَّهِ، أن ربَّكم الذي يستوجبُ عليكم العبادةَ، هو الذي يقدرُ على خلقِ الشيءِ وخلافِه، وابتداعِ زوجين من كلِّ شيءٍ، لا ما لا يقدرُ على ذلك.\n\n<span id=\"aya-4725\"></span><span data-type='title' id=toc-8799>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فاهْربُوا أيُّها الناسُ من عقابِ اللَّهِ إلى رحمتِه بالإيمانِ به، واتِّباعِ أمْرِه، والعملِ بطاعتِه: ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ﴾. يقولُ: إني لكم من اللَّهِ نذيرٌ (^٢) أُنذرُكم عقابَه، وأُخوِّفُكم عذابَه الذي أحَلَّه بهؤلاء الأممِ الذين قصَّ عليكم قَصَصَهم (^٣)، والذي هو مُذيقُهم في الآخرةِ.\nوقولُه: ﴿مُبِينٌ﴾. يقولُ: تَبينُ لكم نذارتُه.\n\n<span id=\"aya-4726\"></span>وقولُه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولا تجعلوا أيها الناسُ، مع مَعْبودِكم الذي خلقَكم معبودًا آخر سِواه؛ فإنه لا معبودَ تصلحُ له العبادةُ (^٤) غيرُه. ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ: إني لكم أيُّها الناسُ نذيرٌ من عقابِه على عبادتِكم إلهًا غيرَه، مبينٌ (^٥) قد أبان لكم النَّذَارةَ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"فعل القادر\".\n(^٢) بعده في ت ٢: \"مبين\".\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"قصصه\".\n(^٤) في ت: \"العبودة\".\n(^٥) ليس في: الأصل.","vol":"21","page":549},{"text":"<span id=\"aya-4727\"></span><span data-type='title' id=toc-8800>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذِكرُه: كما كذَّبتْ قريشٌ نبيَّها محمدًا ﷺ، وقالت: هو شاعرٌ أو ساحرٌ أو مجنونٌ. كذلك فعَلتِ الأممُ المُكذِّبةُ رُسُلَها (^١)، الذين أحلَّ اللَّهُ بهم نِقْمَتَه؛ كقومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وفرعونَ وقومِه، ما أتَى هؤلاء (^٢) الذين ذكَرناهم ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يعني: من قبلِ قريشٍ قومِ محمدٍ ﷺ، ﴿مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ كما قالت قريشٌ لمحمدٍ ﷺ.\n\n<span id=\"aya-4728\"></span>وقولُه: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أأوصَى هؤلاء المكذِّبين مِن قريشٍ محمدًا ﷺ على ما جاءَهم به من الحقِّ - أوائلُهم وآباؤهم الماضون (^٣) من قبلِهم، بتكذيبِ محمدٍ ﷺ، فقَبِلوا ذلك عنهم؟\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾. قال: أوصَى أُولاهم أُخْراهم بالتكذيبِ؟ (^٤)\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾. أي: كأَنَّ الأوّلَ قد أوصَى الآخِرَ بالتكذيبِ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"لرسلها\".\n(^٢) بعده في م، ت ٢: \"القوم\".\n(^٣) في ت ١: \"الماضين\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٦ إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":550},{"text":"وقولُه: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ما أوصَى أولُ (^١) هؤلاء المشركين (^٢) آخرَهم بذلك، ولكنهم قومٌ طغاةٌ متعَدُّون عن أمْرِ ربِّهم، لا يأتَمِرون لأمْرِه، ولا ينتَهون عما نَهاهم عنه.\n\n<span id=\"aya-4729\"></span><span data-type='title' id=toc-8801>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ، فتولَّ يا محمدُ عن هؤلاء المشرِكين باللَّهِ من قريشٍ. يقولُ: فأَعْرِض عنهم حتى يأتيَك فيهم أمرُ اللَّهِ. يقالُ: وَلَّى فلانٌ عن فلانٍ: إذا أعْرَض عنه وترَكه، كما قال حصينُ بنُ ضَمْضَمٍ (^٣):\nأما بَنو عبسٍ فإِنَّ هَجِينَهم … وَلَّى فَوارِسُه وأَفْلَتَ أعْوَرا\nوالأعورُ في هذا الموضعِ الذي عَوِر فلم يقْضِ حاجتَه، ولم يُصِبْ ما طلَب.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾. قال: فأَعْرِض عنهم (^٤).\nوقولُه: ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فما أنت يا محمدُ بملومٍ،\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"المشركون\".\n(^٣) البيت في مجاز القرآن ٢/ ٢٢٨.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٦ إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":551},{"text":"لا يلومُك ربُّك على تفريطٍ كان مِنكَ في الإنذارِ، فقد أنذَرتَ قومَك (^١)، وبلَّغتَ ما أُرسِلتَ به.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾. قال: محمدٌ ﷺ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾. قال: قد بلَّغْتَ ما أرْسَلْناك به، فلستَ بملومٍ. قال: وكيف يَلومُه وقد أدَّى ما أُمِر به.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾. ذُكِر لنا أنها لما نزَلَت هذه الآيةُ اشْتَدَّ على أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، ورأَوْا أن الوحيَ قد انْقَطَع، وأن العذابَ قد حضَر (^٣)، فأنْزَل اللَّهُ ﵎ بعدَ ذلك: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبَرنا ابنُ عُليةَ، قال: أخبَرنا أيوبُ، عن مجاهدٍ قال: خرَج عليٌّ مُعْتَجِرًا بِبُرْدٍ، مُشْتَمِلًا بخَميصةٍ، فقال: لما نزَلَت: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ أحْزَننا ذلك وقلنا: أُمِر رسولُ اللَّهِ ﷺ أن\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٢١.\n(^٣) في ت ٢: \"حصل\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٦ إلى المصنف.","vol":"21","page":552},{"text":"يَتَوَلَّى عنا. حتى نزَل: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-4730\"></span>وقولُه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وعِظْ يا محمدُ مَن أُرْسِلْتَ إليه، فإن العِظةَ تَنْفَعُ أَهلَ الإيمانِ باللَّهِ.\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: وعِظْهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-4731\"></span><span data-type='title' id=toc-8802>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فقال بعضُهم: معنى ذلك: وما خَلَقْتُ السُّعداءَ مِن الجنِّ والإنسِ إلَّا لعبادتي، والأشقياءَ منهم إلَّا (^٣) لمعصيتي.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابنِ جريجٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. قال: ما جُبِلوا عليه مِن الشقاءِ والسعادةِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد بن منيع - كما في المطالب العالية (٤١١٧) -، والبيهقي في الشعب (١٧٥٠) من طريق ابن علية به، وأخرجه إسحاق بن راهويه - كما في المطالب العالية (٤١١٦) - والضياء المقدسي في المختارة (٧١٤) من طريق أيوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) جزء من أثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٦ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٥ عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٦ إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":553},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جريجٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ بنحوهِ.\nحدَّثني عبدُ الأعلى [بنُ واصلٍ] (^١)، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن ابنِ جريجٍ، عن زيدِ بن أسلمَ بمثلِه.\nحدَّثنا حميدُ بنُ الربيعِ الخَزَّازُ (^٢)، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، قال: ثنا ابنُ جريجٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ في قولِه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. قال: جَبَلهم على الشقاءِ والسعادةِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. قال: مَن خُلِق للعبادةِ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وما خلَقْتُ الجنَّ والإنسَ إلا ليُذْعِنوا لي (^٤) بالعُبوديةِ (^٥)، [ويعترِفوا بها] (^٦).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: إلا ليُقِرُّوا بالعُبوديةِ طَوْعًا وكَرْهًا (^٧).\n_________\n(^١) في الأصل: \"قال حدثنا واصل\"، وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٣٧٩.\n(^٢) في م: \"الخراز\"، وغير منقوطة في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣. ينظر الجرح والتعديل ٣/ ٢٢٢.\n(^٣) ينظر تفسير البغوي ٧/ ٣٨٠، والبحر المحيط ٨/ ١٤٣.\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"بالعبودة\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"21","page":554},{"text":"وأولى القولين في ذلك بالصوابِ القولُ الذي ذكَرْنا عن ابنِ عباسٍ، وهو: ما خَلَقْتُ الجنَّ والإنسَ إلا (^١) لعبادتِنا والتذللِ لأمرِنا.\nفإن قال قائلٌ: فكيف كفَروا، وقد خَلَقَهم للتذللِ لأمرِه؟\nقيل: لأنهم (^٢) قد تذَلَّلوا لقضائِه الذي قَضاه عليهم؛ لأن قضاءَه جارٍ عليهم، لا يَقْدِرون مِن الامتناعِ منه إذا نزَل بهم، وإنما خالَفه مَن كفَر به [في العملِ] (^٣) بما أمَرَه به، فأما التذللُ لقضائِه، فإنه غيرُ ممتنعٍ منه.\nوقولُه: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما أُرِيدُ ممن خلَقْتُ مِن الجنِّ والإنسِ من رزقٍ يَرْزُقونه خَلْقى، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾. يقولُ: وما أُرِيدُ منهم مِن قُوتٍ أن يَقُوتوهم، ومِن طعامٍ أن يُطْعِموهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\n\n<span id=\"aya-4732\"></span>حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن عمرِو بنِ مالكٍ، عن أبي الجَوْزاءِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾. قال: يُطْعِمون أنفسَهم (^٤).\n\n<span id=\"aya-4733\"></span><span data-type='title' id=toc-8803>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إنهم\".\n(^٣) في الأصل: \"بالعمل\".\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٥٦.","vol":"21","page":555},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللَّهَ هو الرزاقُ خلقَه، المُتَكَفِّلُ بأقواتِهم ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾.\nاختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿الْمَتِينُ﴾؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ الأمصارِ خلا يحيى بنِ وثابٍ والأعمشِ: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ رفعًا، بمعنى: ذو القوةِ الشديدُ، فجعَلوا \"المتين\" مِن نعتِ \"ذى\"، ووجَّهوه إلى وصفِ (^١) اللَّهِ به. وقرَأه يحيى والأعمشُ: (المَتِين) خفضًا (^٢)، فجعَلاه مِن نعتِ «القوةِ»، وإنما اسْتَجاز خفضَ ذلك مَن قرَأَه بالخفضِ، ويُصَيِّرُه مِن نعتِ القوةِ، والقوةُ مؤنثةٌ، والمتينُ في لفظٍ مذكرٍ؛ لأنه ذهَب بالقوةِ [إلى القوةِ] (^٣) مِن قُوَى الحبلِ والشيءِ المفتولِ (^٤) المُبْرَمِ الفَتْلِ، فكأنه قال على هذا المذهبِ: ذو الحبلِ القويِّ. وذكَر الفرَّاءُ أن بعضَ العربِ أَنْشَدَه (^٥):\nلكلِّ دهرٍ قد لبِسْتُ أَثْؤُبا\nمن رَيْطةٍ واليُمْنَةَ المُعَصَّبا\nفجعَل \"المُعَصَّبَ\" نعتَ \"اليُمْنةِ\"، وهي مؤنثةٌ في اللفظِ؛ لأن \"اليمنةَ\" ضربٌ وصنفٌ مِن الثيابِ، فذهَب بها إليه.\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ رفعًا على أنه من صفةِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليها، وأنه لو كان من نعتِ القوةِ،\n_________\n(^١) في الأصل: \"وجه\".\n(^٢) وهي قراءة شاذة، ينظر البحر المحيط ٨/ ١٤٣، وإتحاف فضلاء البشر ٢٤٧.\n(^٣) سقط من: م\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣، وفي ت ١: \"المتبرم\".\n(^٥) البيتان في معاني القرآن للفراء ٣/ ٩٠.","vol":"21","page":556},{"text":"لكان التأنيثُ به أولى، وإن كان للتذكيرِ وجهٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. يقولُ: الشديدُ (^١).\n\n<span id=\"aya-4734\"></span>وقولُه: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن للذين أشْرَكوا باللَّهِ مِن قريشٍ وغيرِهم ﴿ذَنُوبًا﴾. وهي الدَّلْوُ العظيمةُ، وهو السَّجْلُ أيضًا إذا مُلِئَت أو قارَبَت المِلْءَ، وإنما أُرِيد بالذَّنوبِ في هذا الموضعِ الحظُّ والنصيبُ، ومنه قولُ علقمةَ بنِ عَبَدَةَ (^٢):\nوفي كلِّ قومٍ قد خَبَطْتَ بنعمةٍ … فحُقَّ لشأسٍ مِن نَداك ذَنوبُ\nأي: نصيبٌ، وأصلُه ما ذكَرْتُ، ومنه قولُ الراجزِ (^٣):\nلنا ذَنوبٌ ولكم ذَنوبُ\nفإن أبَيْتُمْ فلنا القَلِيبُ\nومعنى الكلامِ: فإن للذين ظلَموا نصيبًا من عذابِ اللَّهِ وحظًّا نازلًا بهم، مثلَ نصيبِ أصحابِهم الذين مضَوْا مِن قبلِهم مِن الأممِ، على مِنهاجِهم مِن العذابِ، فلا يَسْتَعْجِلون به.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٤ -، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٨) من طريق أبي صالح به.\n(^٢) ديوانه ص ٤٨.\n(^٣) البيتان في معاني القرآن للفراء ٣/ ٩٠.","vol":"21","page":557},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا﴾. يقولُ: دلوًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾. قال: يقولُ: للذين ظَلَموا عذابًا مثلَ عذابِ أصحابِهم فلا يَسْتَعْجِلون.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾. قال: سَجْلًا مِن العذابِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عفانُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا شهابُ بنُ شُرْنُفَة (^٢)، عن الحسنِ في قولِه ﴿ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾. قال: دلوًا مثلَ دلوِ أصحابِهم.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ذَنُوبًا﴾. قال: سَجْلًا (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٤ - من طريق أبي صالح به.\n(^٢) في الأصل: \"شرنقة\"، وفي ص: \"سرنفة\"، وفي م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سريعة\". والمثبت من الجرح والتعديل ٤/ ٣٦٢، وتبصير المنتبه ص ٧٨١.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٢١، بلفظ: \"سبيلا\"، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣١٩ - بلفظ: \"سجلًا\".","vol":"21","page":558},{"text":"ذَنُوبًا﴾. أي: سَجْلًا مِن عذابِ اللَّهِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنى محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾. قال: عذابًا مثلَ عذابِ أصحابِهم (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾. قال: يقولُ: ذَنُوبًا مِن العذابِ (^٣). يقولُ: لهم سَجْلٌ مِن عذابِ اللَّهِ، وقد فُعِل هذا بأصحابِهم مِن قبلِهم، [فلهم عذابٌ] (^٤) مثلُ عذابِ أصحابِهم فلا يَسْتَعْجِلون.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾. قال: طَرَفًا مِن العذابِ.\n\n<span id=\"aya-4735\"></span><span data-type='title' id=toc-8804>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فالوادي السائلُ في جهنمَ مِن قَيْحٍ وصَديدٍ للذين كفَروا باللَّهِ، وجحَدوا وَحْدانيتَه مِن يومِهم الذي يُوعَدون فيه نزولَ عذابِ اللَّهِ بهم (^٥)، إذا نزَل ذلك (^٥) بهم ماذا يَلْقَون فيه مِن البلاءِ والجَهْدِ.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ «الذارياتِ»\n_________\n(^١) البحر المحيط ٨/ ١٤٣.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٥ عن معمر به.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٤) في الأصل: \"عذابا\".\n(^٥) سقط من: م.","vol":"21","page":559},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8805>تفسيرُ سورة «الطُّور»</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4736\"></span><span data-type='title' id=toc-8806>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَالطُّورِ﴾: والجبلِ الذي يُدْعَى الطورَ.\nوقد بيَّنْتُ معنى الطورِ بشواهدِه، وذكَرْنا اختلافَ المختَلِفين فيه فيما مضَى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^١).\nوقد حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ - جلَّ وعزَّ -: ﴿وَالطُّورِ﴾. قال: الجبلُ بالسُّرْيانيةِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4737\"></span>وقولُه: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾. يقولُ: وكتابٍ مكتوبٍ. ومنه قولُ رُؤْبَةَ بنِ العجّاجِ (^٣):\nإني وآياتٍ سُطِرْنَ سَطْرَا\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ٤٨ - ٥١.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٢٢، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٠ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ملحقات ديوانه ص ١٧٤.","vol":"21","page":560},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَكِتَابٍ﴾. قال: صحفٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾: والمسطورُ المكتوبُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَسْطُورٍ﴾. قال: مكتوبٍ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَسْطُورٍ﴾. قال: مكتوبٍ (^٤).\n\n<span id=\"aya-4738\"></span>وقولُه: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾. يقولُ: في وَرَقٍ (^٥) مَنْشورٍ.\nوقولُه: ﴿فِي﴾ مِن صلةِ ﴿مَسْطُورٍ﴾. ومعنى الكلامِ: وكتابٍ سُطِر وكُتِب في ورقٍ (^٦) منشورٍ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٢٢، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٠ - والبخاري في خلق أفعال العباد (٩٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٥٧٠)، (٥٧٣)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (٩٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٥٧٠) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٧ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٦ عن معمر به.\n(^٤) ينظر التبيان للطوسي ٩/ ٤٠٠.\n(^٥) في ص، ت ٢، ت ٣: «رق».\n(^٦) في ت ٢، ت ٣: \"رق\".","vol":"21","page":561},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾: وهو الكتابُ (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي رَقٍّ﴾. قال: الرقُّ صحيفةٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-4739\"></span>وقولُه: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾. يقولُ: والبيتِ الذي يَعْمُرُ بكثرةِ غاشيتِه، وهو بيتٌ فيما ذُكِر في السماءِ، بحِيالِ الكعبةِ من الأرضِ، يَدْخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفًا مِن الملائكةِ، ثم لا يَعودون إليه (^٢) أبدًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صَعْصَعةَ؛ رجلٍ من قومِه، قال: قال نبيُّ اللَّهِ ﷺ: \"رُفِع لي (^٣) البيتُ المعمورُ، فقلتُ: يا جبريلُ، ما هذا؟ قال: هذا (^٤) البيتُ المعمورُ، يَدْخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ مَلَكٍ، إذا خرَجوا منه لم يَعُودوا آخرَ ما عليهم\" (^٥).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا سعيدٌ (^٦)، عن قتادةَ، عن\n_________\n(^١) تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيه\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إلى\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) تقدم تخريجه في ١٤/ ٤١٥.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شعبة\". وينظر ما تقدم في ١٤/ ٤١٥.","vol":"21","page":562},{"text":"أنسِ بنِ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صَعْصَعةَ، رجلٍ مِن قومِه، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه (^١).\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن خالدِ بنِ عرعرَةَ، أن رجلًا قال لعليٍّ ﵁: ما البيتُ المعمورُ؟ قال: بيتٌ في السماءِ يقالُ له: الضُّرَاحُ. وهو بحِيالِ الكعبةِ من* فوقِها، حُرْمتُه في السماءِ كحرمةِ البيتِ في الأرضِ، يُصَلِّي فيه كلَّ يومٍ سبعون ألفًا مِن الملائكةِ، ولا يعودون فيه أبدًا (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، قال: سمِعْتُ خالدَ بنَ عرعرةَ، قال: سَمِعْتُ عليًّا ﵁، وخرَج إلى الرَّحْبةِ، فقال له ابنُ الكَوَّاءِ أو غيرُه: ما البيتُ المعمورُ؟ قال: بيتٌ في السماءِ السادسةِ، يقالُ له: الضُّراحُ. يَدْخلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملَكٍ، لا يعودون فيه أبدًا.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ، عن زائدةَ، عن عاصمٍ، عن عليِّ بنِ ربيعةَ، قال: سأَل ابنُ الكَوَّاءِ عليًّا ﵁ عن البيتِ المعمورِ، قال: مسجدٌ في السماءِ يقالُ له: الضُّراحُ. يَدْخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفًا مِن الملائكةِ، ثم لا يَرْجِعون فيه أبدًا (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عَن عُبَيدٍ المُكْتِبِ، عن أبي الطُّفَيْلِ، قال: سأَل ابنُ الكَوَّاءِ عليًّا عن البيتِ المعمورِ، قال: بيتٌ بحِيالِ البيتِ\n_________\n(^١) تقدم في ١٤/ ٤١٥.\n* من هنا خرم في مخطوط جامعة القرويين ينتهي في ص ٥٧٠.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٠٤ عن المصنف، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣٩٩١) من طريق أبي الأحوص به مطولا، وأخرجه إسحاق بن راهويه - كما في المطالب (٤١٢٢)، والحارث بن أبي أسامة (٣٨٥ - بغية)، والضياء في المختارة (٤٣٨) من طريق سماك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٠٤ عن المصنف.","vol":"21","page":563},{"text":"العَتيقِ في السماءِ، يَدْخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ مَلَكٍ [على راياتِهم] (^١)، [يقالُ له: الضُّراحُ. يَدْخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفًا من الملائكةِ] (^٢)، ثم لا يَرْجِعون فيه أبدًا (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ (^٤)، قال: ثنا سفيانُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةَ، عن عليٍّ ﵁، قال: سأَله رجلٌ عن البيتِ المعمورِ، قال: بيتٌ في السماءِ يقالُ له: الضَّريحُ. قَصْدَ البيتِ، يَدْخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ مَلَكٍ، ثم لا يعودون فيه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾. قال: هو بيتٌ حِذاءَ العرشِ تَعْمُرُه الملائكةُ، يُصَلِّي فيه كلَّ ليلةٍ (^٥) سبعون ألفًا من الملائكةِ، ثم لا يعودون إليه (^٦).\nحدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُّويَه، قال: ثنا عليُّ بنُ الحسنِ، قال: ثنا حسينٌ، قال: سُئِل عكرمةُ وأنا جالسٌ عندَه عن البيتِ المعمورِ، قال: بيتٌ في السماءِ بحِيالِ الكعبةِ (^٧).\n[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن عكرمةَ: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾. قال: بيتٌ في السماءِ] (^٨).\n_________\n(^١) في م: \"على رسم راياتهم\". ولم ترد هذه العبارة في مصادر التخريج.\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٠٤ عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٨٧٥)، والضياء المقدسي (٥٥٧) من طريق أبي الطفيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٧ إلى ابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف.\n(^٤) في م: \"بهرام\"، ينظر تهذيب الكمال ١١/ ١٥٤.\n(^٥) في ص، م: \"يوم\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٠٤ عن عطية العوفي به.\n(^٧) ينظر البحر المحيط ٨/ ١٤٦.\n(^٨) سقط من: م، ت ١.","vol":"21","page":564},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾. قال: بيتٌ في السماءِ يقالُ له: الضُّراحُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال يومًا لأصحابِه: \"هل تَدْرُون ما البيتُ المعمورُ؟ \". قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: \"فإنه مسجدٌ في السماءِ بحيالِ (^١) الكعبةِ، لو خَرَّ لخَرَّ عليها، أو عليه، يُصَلِّي فيه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملكٍ، إذا خرَجوا منه لم يَعُودوا آخرَ ما عليهم\" (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾: يَزْعُمون أنه يَرُوحُ إليه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملكٍ مِن قبيلةِ إبليسَ، يقالُ لهم: الجنُّ (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾. قال: بيتُ اللَّهِ الذي في السماءِ. وقال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إن بيتَ اللَّهِ في السماءِ لَيَدْخُلُه كلَّ يومٍ طَلَعَت شمسُه سبعون ألفَ ملكٍ، ثم لا يَعُودون فيه أبدًا بعد ذلك\".\nحدَّثنا محمدُ بن مرزوقٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"البيتُ المعمورُ في السماءِ السابعةِ، يَدْخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملكٍ، ثم لا يَعُودون إليه حتى تقومَ الساعةُ\" (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣: \"تحت\"، وفي م: \"تحته\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٦ عن معمر به، وهو في تفسير مجاهد ص ٦٢٢، ٦٢٣، وأخرجه البيهقي في الشعب (٣٩٩٤) من طريق قتادة، عن مسلم بن أبي الجعد، عن سعدان بن أبي طلحة، عن عبد الله بن عمرو قوله.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه أحمد ٢٠/ ٢٧، ٢٨ (١٢٥٥٨)، وعبد بن حميد (١٢٠٨)، والنسائي في الكبرى (١١٥٣٠)، =","vol":"21","page":565},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سليمانُ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"لما عرَج بيَ الملكُ إلى السماءِ السابعةِ انْتَهَيْتُ إلى بناءٍ، فقلتُ للملكِ: ما هذا؟ قال: هذا بناءٌ بناه اللَّهُ للملائكةِ. يَدْخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملكٍ، يُقَدِّسون اللَّهَ ويُسَبِّحونه، لا يَعُودون فيه\" (^١).\n\n<span id=\"aya-4740\"></span>وقولُه: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾. يعني بالسقفِ في هذا الموضعِ السماءَ، وجعَلها سقفًا؛ لأنها سماءٌ للأرضِ، كسماءِ البيتِ الذي هو سقفُه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةَ، أن رجلًا قال لعليٍّ ﵁: ما السقفُ المرفوعُ؟ قال: السماءُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سِماكٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةَ، عن عليٍّ ﵁، قال: السقفُ المرفوعُ السماءُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةَ، عن عليٍّ ﵁، قال: سأَله رجلٌ عن السقفِ المرفوعِ،\n_________\n= والحاكم ٢/ ٤٦٨، وتفسير مجاهد ص ٦٢٢، والبيهقي في الشعب (٣٩٩٣) من طريق حماد به.\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٨ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٣٩٩١) عن أبي الأحوص به، وأخرجه إسحاق بن راهويه - كما في المطالب (٤١٢٢) - من طريق سماك به مطولا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٥٥٠)، والحاكم ٢/ ٤٦٨ من طريق سفيان به، وهو في تفسير مجاهد ص ٦٢٣ من طريق سماك به.","vol":"21","page":566},{"text":"فقال: السماءُ.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، قال: سمِعْتُ خالدَ بن عرعرةَ، قال: سمِعْتُ عليًّا يقولُ: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾: هو السماءُ، قال: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ (^١) [الأنبياء: ٣٢].\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾. قال: السماءُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾: سقفٌ، السماءُ (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾: سقفٌ والسماءُ (^٤).\n\n<span id=\"aya-4741\"></span>وقولُه: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى البحرِ المسجورِ؛ فقال بعضُهم: المُوقَدُ. وتأَوَّل ذلك: والبحرِ المُوقَدِ المَحْمِيِّ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن داودَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٠٥ عن شعبة به.\n(^٢) أخرجه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٠ - من طريق ورقاء به، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٥٤٩) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٦ عن معمر، عن قتادة.\n(^٤) ينظر التبيان ٩/ ٤٠٠، وتفسير ابن كثير ٧/ ٤٠٥.","vol":"21","page":567},{"text":"قال عليٌّ ﵁ لرجلٍ مِن اليهودِ: أين جهنمُ؟ فقال: البحرُ. فقال: ما أُراه إلا صادقًا، ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾، (وَإِذَا البِحارُ سُجِرَتْ) [التكوير: ٦] مخففةً (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصِ بنِ حميدٍ، عن شِمْرِ بنِ عطيةَ في قولِه: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. قال: بمنزلةِ التَّنُّورِ المسجورِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. قال: المُوقَدِ (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. قال: المُوقَدِ. وقرَأ قولَ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]. قال: أُوقِدَت (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وإذا البحارُ مُلِئَت. وقال: المسجورُ المملوءُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾: الممتلئِ (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٢٣، ومن طريقه البيهقي في البعث والنشور (٤٩٥) من طريق داود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره ابن حجر في الفتح ٨/ ٦٠٢ وعزاه إلى المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وسيأتي في تفسير الآية (٦) من سورة \"التكوير\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٢٣، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢١.\n(^٤) ينظر التبيان للطوسي ٩/ ٤٠١.\n(^٥) ذكره ابن حجر في الفتح ٨/ ٦٠٢ وعزاه إلى المصنف، وينظر تفسير القرطبي ١٧/ ٦١، وتفسير ابن كثير ٧/ ٤٠٥.","vol":"21","page":568},{"text":"وقال آخرون: بل المسجورُ الذي قد ذهَب ماؤُه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. قال: سَجْرُه حِينَ يَذْهَبُ مَاؤُه ويُفْجَرُ (^١).\nوقال آخرون: المسجورُ المحبوسُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. يقولُ: المحبوسِ (^٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندي بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: والبحرِ المملوءِ المجموعِ ماؤُه بعضُه في بعضٍ، وذلك أن الأغلبَ مِن معاني السجرِ الإيقادُ، كما يقالُ: سَجَرْتُ التَّنُّورَ. بمعنى: أَوْقَدْتُ، أو الامتلاءُ على ما وصَفْتُ، كما قال لَبيدٌ (^٣):\nفتوسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ وصَدَّعا … مَسْجُورةً مُتَجاورًا قُلَّامُها\nوكما قال النَّمِرُ بنُ تَوْلَبٍ العُكْليُّ (^٤):\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٦١، وأبو حيان في البحر المحيط ٨/ ١٤٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٥ - من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٥/ ٥١٠.\n(^٤) البيتان في مجاز القرآن ٢/ ٢٣٠، ٢٣١، والبيت الثاني في الكتاب ١/ ٢٦٧، وخزانة الأدب ١١/ ٩٣ - ٩٥، وينظر تخريجه في حواشيهما.","vol":"21","page":569},{"text":"إذا شاء طالَعَ مَسْجورةً … تَرَى حولَها النَّبعَ والسَّاسَما\nسقَتها رواعدُ مِن صيِّفٍ … وإنْ من خريفٍ فلن يَعْدَما\nفإذا كان ذلك الأغلبَ مِن معاني السَّجْرِ، وكان البحرُ غيرَ مُوقَدٍ اليومَ، وكان اللَّهُ تعالى ذكرُه قد وصَفَه بأنه مسجورٌ، فبطَل عنه (^١) إحدى الصفتين، وهو الإيقادُ، صحَّت الصفةُ الأخرى التي هي له اليومَ، وهو الامتلاءُ؛ لأنه كلَّ وقتٍ مُمْتلئٌ.\nوقيل: إن هذا البحرَ المسجورَ الذي أقْسَم به ربُّنا ﵎، بحرٌ في السماءِ تحتَ العرشِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ، عن عليٍّ: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. قال: بحرٌ في السماءِ تحتَ العرشِ (^٢).\nقال: ثنا مِهْرانُ، قال: وسمِعْتُه أنا مِن إسماعيلَ.\nقال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو*: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. قال: بحرٍ تحتَ العرشِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. قال: بحرٌ\n_________\n(^١) في ت ١: \"عنده\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٨ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم.\n* هنا ينتهي الخرم الموجود في مخطوط جامعة القرويين المشار إليه في ص ٥٦٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٨ إلى المصنف.","vol":"21","page":570},{"text":"تحتَ العرشِ (^١).\n\n<span id=\"aya-4742\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إنَّ عذابَ ربِّك يا محمدُ لكائنٌ حالٌّ بالكافرين به يومَ القيامةِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾: وقَع (^٢) القسمُ ههنا، ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ وذلك يومَ القيامةِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-4743\"></span>وقولُه: ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾. يقولُ: ما لذلك العذابِ الواقعِ بالكافرين مِن دافعٍ يَدْفَعُه عنهم فيُنْقِذَهم منه إذا وقَع.\n\n<span id=\"aya-4744\"></span><span data-type='title' id=toc-8807>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إن عذابَ رَبِّكَ لَواقعٌ يومَ تمورُ السماءُ مورًا. فـ ﴿يَوْمَ﴾ مِن صلةِ ﴿لَوَاقِعٌ﴾.\nويعني بقولِه: ﴿تَمُورُ﴾: تَدورُ وتُكْفَأُ. وكان معمرُ بنُ المُثَنَّى (^٤) يُنْشِدُ بيتَ الأعْشَى:\nكأن مِشْيَتَها مِن بيتِ جارتِها … مَوْرُ السَّحابةِ (^٥) لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ\nفالمورُ على روايتِه: التَّكَفُّؤُ والتَّرَهْيُؤُ (^٦) في المِشْيةِ. وأما غيرُه فإنه\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٦ من طريق إسماعيل به.\n(^٢) في الأصل: \"ويعني به\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في مجاز القرآن ٢/ ٢٣١.\n(^٥) في الأصل، ت ٢، ت ٣: \"السحائب\".\n(^٦) في ص، م: \"الترهبل\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"الترهيل\". وقال أبو عبيدة في الموضع السابق: وهو أن ترهيأ في مشيتها، أي: تكفّأ كما ترهيأ النخلة العيدانة. وينظر اللسان (رهيأ).","vol":"21","page":571},{"text":"كان يَرْوِيه (^١): مَرُّ (^٢) السَّحابةِ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم فيه نحوَ الذي قلنا فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾. قال: يقولُ: تحريكًا (^٣).\nحدَّثنا ابنُ المثنى (^٤) وعمرُو بنُ مالكٍ، قالا (^٥): حدَّثنا أبو معاويةَ الضَّريرُ، عن سفيانَ بنِ عُيَيْنةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾. قال: تَدورُ السماءُ دَوْرًا.\nحدَّثنا الحسينُ (^٦) بنُ عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، قال: أخْبَروني عن أبي (^٧) معاويةَ الضَّريرِ، عنى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ قال: تَدُورُ دَوْرًا (^٨).\nحدَّثنا هارونُ بنُ حاتمٍ المُقْرِي، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، [قال: ثنى أبو معاويةَ، عنى] (^٩)، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾. قال:\n_________\n(^١) وهي رواية الديوان ص ٥٥.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٥ - من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٨ إلى ابن المنذر.\n(^٤) بعده في ت ١: \"قال حدثنا\".\n(^٥) في ت ٣: \"قال\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحسن\".\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٨) ذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٦٠٢ عن المصنف، وأخرجه الخليلي في الإرشاد ١/ ١٧٥، ١٧٦ من طريق إبراهيم بن بشار به، وأخرجه ابن عدي ١/ ١٣٨ من طريق ابن عيينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٨ إلى ابن المنذر.\n(^٩) في ت ١: \"عن معاوية\".","vol":"21","page":572},{"text":"تَدُورُ دَوْرًا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾: مَوْرُها تحريكُها.\n[حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾. قال: مورُها تحرُّكُها] (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾: يعني اسْتِدارتَها وتحريكَها لأمرِ اللَّهِ، وموجَ بعضِها في بعضٍ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: قال الضحاكُ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ (^٣). قال: يموجُ بعضُها في بعضٍ، وتحرُّكُها لأمرِ اللَّهِ\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابُن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾. قال: هذا يومَ القيامةِ، وأما المَوْرُ فلا علمَ لنا به.\nوقال آخرون: مورُها تشققُها\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٧ عن معمر به.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٦٣، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٠٦.\n(^٣) بعده في الأصل: \"قال يقول حدثنا عبيد قال سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ \".","vol":"21","page":573},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾. قال: يومَ تَشَقَّقُ السماءُ (^١).\n\n<span id=\"aya-4745\"></span>وقولُه: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾. يقولُ: وتسيرُ الجبالُ عن أماكنِها مِن الأرضِ (^٢) فتَصِيرُ هباءً مُنْبَثًّا.\n\n<span id=\"aya-4746\"></span><span data-type='title' id=toc-8808>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فالوادي الذي يَسِيلُ مِن قَيْحٍ ومن صَديدٍ في جهنمَ، يومَ تَمورُ السماءُ مورًا، وذلك يومَ القيامةِ للمُكَذِّبين (^٣) بوقوعِ عذابِ اللَّهِ للكافرينِ، يومَ تمورُ السماءُ مورًا.\nوكان بعضُ نحويِّي البصرةِ يقولُ: أُدْخِلَت الفاءُ في قولِه: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾. لأنه في معنى: إذا كان كذا وكذا. فأشْبَه المُجازاةَ؛ لأن المجازاةَ يكونُ خبرُها بالفاءِ.\nوقال بعضُ نحويي (^٤) الكوفةِ: الأوقاتُ كلُّها تكونُ جزاءً مع الاستقبالِ، فهذا مِن ذاك؛ لأنهم قد شبَّهوا «إن» (^٥) وهي أصلُ الجزاءِ بـ «حين». وقال: إن مع «يوم» إضمارَ فعلٍ، وإن كان التأويلُ جزاءً؛ لأن الإعرابَ يأخُذُ ظاهرَ الكلامِ، وإن كان المعنى جزاءً.\n\n<span id=\"aya-4747\"></span>وقولُه: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾. يقولُ: الذين هم في فتنةٍ واختلاطٍ في الدنيا يَلْعَبون، غافلين عما هم صائرون إليه من عذابِ اللَّهِ في الآخرةِ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٠٦، وأبو حيان في البحر المحيط ٨/ ١٤٧.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: «سيرا»\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) بعده في ت ٢، ت ٣: «البصرة و»\n(^٥) في ت ٣: «إذ».","vol":"21","page":574},{"text":"<span id=\"aya-4748\"></span>وقولُه: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فويلٌ يومَئذٍ للمكذِّبين يومَ يُدَعُّون.\nوقولُه: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾. ترجمةٌ عن قولِه: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾. وإبدالٌ منه.\nوعُنِي بقولِه: ﴿يُدَعُّونَ﴾: يُدْفَعون بإرهاقٍ وإزعاجٍ، يقالُ منه: دعَعْتُ في قَفاه. إذا دفَعْتَ فيه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، [قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الصلتِ] (^١)، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾. قال: يُدْفَعُ في أعناقِهم حتى يَرِدوا النارَ (^٢).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾. يقولُ: يُدْفَعون (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾. قال: يُدفَعون فيها دفعًا.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾. يقولُ: يُدْفَعون إلى نارِ جهنمَ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٥ - والحافظ في التغليق ٣/ ٥٠٩ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٨ إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":575},{"text":"دفعًا.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾. قال: يُدْفَعون (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾: يُزْعَجون إليها إزْعاجًا.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾: الدَّعُّ الدفعُ والإرهاقُ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾. قال: يُدْفَعون دفعًا. وقرَأ قولَ اللَّهِ ﷿: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾. قال: يَدْفَعُه ويُغْلِظُ عليه.\n\n<span id=\"aya-4749\"></span>وقولُه: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: يقالُ لهم: هذه النارُ التي كنتم بها] (^٣) في الدنيا تكذِّبون، فتَجحَدون أن تَرِدُوها، وتُصلَوْها، أو يعاقبَكم بها ربُّكم. وترَك ذِكْرَ \"يُقالُ لهم\"، اجتزاءً بدلالةِ الكلامِ عليه.\n\n<span id=\"aya-4750\"></span><span data-type='title' id=toc-8809>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٢٣.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٧ عن معمر به.\n(^٣) سقط من: ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":576},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عما يقالُ لهؤلاء المكذِّبين الذين وصَف صفتَهم إذا ورَدوا جَهَنَّمَ يومَ القيامةِ: أفسحرٌ أيُّها القومُ هذا الذي ورَدتُموه الآنَ، أم أنتم لا تُعاينونه ولا تُبصِرونه؟ وقيل هذا لهم توبيخًا لا استفهامًا.\n\n<span id=\"aya-4751\"></span>وقولُه: ﴿اصْلَوْهَا﴾. يقولُ: ذوقوا حرَّ هذه النارِ التي كُنتم بها تكَذِّبون، وَرِدُوها، فاصْبِروا على ألمِها وشدَّتِها، أو لا تَصْبِروا على ذلك، سواءٌ عليكم صبرتُم أو لم تَصْبِروا، ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: ما تُجْزَوْن إلا أعمالَكم: أي لا تعاقَبون إلَّا على معصيتِكم في الدنيا ربَّكم وكفرِكم به.\n\n<span id=\"aya-4752\"></span><span data-type='title' id=toc-8810>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكْرُه: إن الذين اتقَوا اللَّهَ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾. يقولُ: في بساتينَ ونعيمٍ فيها، وذلك في الآخرةِ.\n\n<span id=\"aya-4753\"></span>وقولُه: ﴿فَاكِهِينَ﴾. يقولُ: عندَهم فاكهةٌ كثيرةٌ. وذلك نظيرُ قولِ العربِ للرجلِ يكونُ عندَه تمرٌ كثيرٌ: رجلٌ تامِرٌ. أو يكونُ عندَه لبنٌ كثيرٌ، فيقالُ: هو لابنٌ. كما قال الحُطَيئةُ (^١):\nأغَرَرْتَني وزعَمْتَ أَنَّـ … ــك لابِنٌ في الصيفِ تامِرْ\nوقولُه: ﴿بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾. يقولُ: عندَهم فاكهةٌ كثيرةٌ بإعطاءِ اللَّهِ إِيَّاهم ذلك: ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ: ورفَع عنهم ربُّهم عقابَه الذي عذَّب به أهلَ الجحيمِ.\n\n<span id=\"aya-4754\"></span><span data-type='title' id=toc-8811>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩)</span>\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٩/ ٤٦٣، ٤٦٤.","vol":"21","page":577},{"text":"مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾: يقالُ لهؤلاء المتَّقين في الجناتِ: كُلوا أيُّها القومُ مما (^١) آتاكم ربُّكم، واشرَبوا من شرابِها هنيئًا، لا تخافون مما تأكُلون أو تشرَبون فيها أذًى ولا غائلةً، بما كنتم تعمَلون في الدنيا للَّهِ من الأعمالِ.\n\n<span id=\"aya-4755\"></span>وقولُه: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾. [يقولُ: مُتَّكِئين على نَمارِقَ على سُررٍ مصفوفةٍ] (^٢)، قد جُعِلت صفوفًا. وترَك قولَه: على نمارقَ. اكتفاءً بدلالةِ] (^٣) الكلامِ عليه.\nوقولُه: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلنا (^٤) الذكورَ من هؤلاء المتقين أزواجًا بحورٍ عينٍ من النساءِ. يقولُ الرجلُ: زوِّجْ هذا الخُفَّ الفردَ أو النعلَ الفردَ بهذا الفردِ. بمعنى: اجْعَلْهما زوجًا. وقد بيَّنا معنى الزوجِ* فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه ههنا (^٥).\nوالحُورُ جمعُ حَوْراءَ، وهي الشديدةُ بياضِ مُقلةِ العينِ في شدَّةِ سوادِ الحَدَقةِ. وقد ذكَرتُ اختلافَ أهلِ التأويلِ في ذلك، وبيَّنتُ الصوابَ فيه عندَنا، بشواهدِه المغنيةِ عن إعادتِها في هذا الموضعِ (^٦).\nوالعِينُ جمعُ عَيْناءَ، وهي العظيمةُ العَيْنِ في حُسْنٍ وسَعةٍ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"ما\"، وفي ت ٣: \"بما\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ما ذكر من\".\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣: \"زوجنا\".\n* بعده خرم في المخطوط الأصل ينتهي في أثناء ص ٥٨٤.\n(^٥) ينظر ما تقدم في ١/ ٤١٩، ٥٤٩.\n(^٦) ينظر ما تقدم في ص ٦٥، ٦٦.","vol":"21","page":578},{"text":"<span id=\"aya-4756\"></span><span data-type='title' id=toc-8812>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ (^١) ذُرِّيَّتُهُمْ (^٢) بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: والذين آمنوا وأتبعناهم ذرِّيَّاتِهم بإيمانٍ، ألْحقْنا بهم ذرِّيَّاتِهم المؤمنين في الجنة، وإن كانوا لم يبلغوا بأعمالِهم درجاتِ آبائِهم، تَكْرِمةً لآبائِهم المؤمنين، وما ألَتْنا آباءَهم المؤمنين من أجورِ أعمالِهم من شيءٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ (^٣)، عن سعيدِ بنُ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في هذه الآيةِ: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وأَتْبَعْناهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ بإيمانٍ). فقال: إن اللَّهَ ﵎ يرفعُ للمؤمنِ ذرِّيتَه، وإن كانوا دونَه في العملِ، ليُقِرَّ اللَّهُ بهم عينَه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرِو بنُ مرَّةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: إن اللَّهَ ﵎ لَيَرفعُ ذرِّيةَ المؤمنِ في درجتِه، وإن كانوا دونَه في العملِ، ليُقرَّ بهم عينه. ثم قرَأ: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بإيمَانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرّياتِهِم ومَا ألَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وأتبعناهم\". وهما قراءتان كما سيأتي.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذرياتهم\". وهما قراءتان كما سيأتي في ص ٥٨٣، ٥٨٤.\n(^٣) في ت ٢: \"عروة\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٢٣٢.\n(^٤) أخرجه هناد في الزهد (١٧٩)، والطحاوي في مشكل الآثار ٣/ ١٠٥، والبيهقي في ١٠/ ٢٦٨ من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٩ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^٥) تفسير الثوري ص ٢٨٣، ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٧، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٤٠٨ -، والنحاس في ناسخه ص ٦٩٠، والحاكم ٢/ ٤٦٨، والبيهقي ١٠/ ٢٦٨، وأخرجه الطحاوي في المشكل ٣/ ١٠٧ من طريق عمرو بن مرة به.","vol":"21","page":579},{"text":"حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن عمرِو بنِ مرَّةَ الجَمَليِّ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن اللَّهَ ﵎ لَيَرفعُ ذرِّيَّةَ المؤمنِ معه في درجتِه. ثم ذكَر نحوَه، غيرَ أنه قرَأ: (وأَتْبَعْناهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ بِإِيمَانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ).\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، عن سماعةَ، عن عمرِو بنُ مرَّةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ نحوَه (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بنِ مرَّةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في هذه الآيةِ: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وأَتْبَعْناهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ بإيمَانٍ) قال: المؤمنُ تُرفَعُ له ذرِّيتُه، فيَلحَقون به، وإن كانوا دونَه في العملِ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: والذين آمنوا وأتْبَعناهم ذُرِّيَّاتِهم التي بلَغت الإيمانَ بإيمانٍ، ألْحَقْنا بهم ذُرِّيَّاتِهم الصغارَ التي لم تبلُغِ الإيمانَ، وما ألَتْنا الآباءَ من عملِهم من شيءٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ بِإِيمَانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهمْ). يقولُ: الذين أدرَك ذريَّتُهم الإيمانَ، فعَمِلوا بطاعتِي، ألحقتُهم بإيمانِهم\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (١٠٧٥)، والنحاس في ناسخه ص ٦٩٠ من طريق محمد بن بشر به مرفوعًا، وأخرجه الطحاوي في ٣/ ١٠٧ من طريق سفيان به موقوفًا.","vol":"21","page":580},{"text":"إلى الجنةِ، وأولادُهم الصِّغارُ نلحِقُهم بهم (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وأَتْبَعْناهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ بِإِيمَانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ). يقولُ: من أدرَك ذريَّتُه الإيمانَ، فعَمِلوا بطاعتِي، ألْحقتُهم بآبائِهم في الجنةِ، وأولادُهم الصِّغارُ أيضًا على ذلك (^٢).\nوقال آخرون نحوَ هذا القولِ، غيرَ أنهم جعَلوا الهاءَ والميمَ في قولِه: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ﴾ مِن ذِكرِ الذرِّيةِ، والهاءَ والميمَ في قولِه: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الثانيةِ من ذِكرِ \"الذين\". وقالوا: معنى الكلامِ: والذين آمنوا واتَّبعَتهم ذُرِّيَّتُهُمْ الصغارُ، وما ألَتْنا الكبارَ من عمَلِهم من شيءٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وأَتْبَعْنَاهم ذُرِّيَّاتِهِمْ بِإِيمَانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ). قال: أدرَك أبناؤهم الأعمالَ التي عَمِلوا، فاتَّبَعوهم عليها، واتَّبَعتْهم ذرِّيَّاتُهم التي لم يُدرِكوا الأعمالَ، فقال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: يقولُ: لم نَظلِمْهم من عَمَلِهم من شيءٍ فنُنقِصَهم، فنُعْطيَه ذرِّيَّاتِهم الذين ألْحَقناهم بهم، الذين لم يبلُغوا الأعمالَ، ألحقتُهم بالذين قد بلَغوا الأعمالَ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: والذين آمنوا واتَّبعَتْهم ذرِّيتُهم بإيمانٍ أَلْحَقْنا بهم\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٣٨٨، والقرطبي في تفسيره ١٧/ ٦٧، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٠٨.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٣٨٨، وأبو حيان في تفسيره ٨/ ١٤٨، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٠٨.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٦٧، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٠٨.","vol":"21","page":581},{"text":"ذريتَهم، فأدخَلْناهم الجنةَ بعملِ آبائهم، وما ألَتْنا الآباءَ من عمَلِهم من شيءٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ داودَ يُحدِّثُ عن عامرٍ أنه قال في هذه الآيةِ: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَأَتْبَعْنَاهُم ذُرِّيَّاتِهِمْ بِإِيمَانٍ ألحَقنا بهم ذرِّيَّاتِهم ومَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ) فأدخَلَ اللَّهُ الذرِّيةَ بعملِ الآباءِ الجنةَ، ولم يَنْقُصِ اللَّهُ الآباءَ من عمَلِهم شيئًا. قال: هو قولُه: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن داودَ، عن سعيدِ بنُ جُبَيرٍ أنه قال في قولِ اللَّهِ: (أَلحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِم مِن شيءٍ). قال: ألْحَق اللَّهُ ذريَّاتِهم بآبائِهم، ولم يَنقُصِ الآباءَ من أعمالِهم فيردَّه على أبنائِهم (^١).\nوقال آخرون: إنما عنَى بقولِه: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾: أَعطَيْناهم من الثوابِ ما أعْطَينا الآباءَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، قال: سمِعتُ إبراهيمَ في قولِه: (وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ بِإِيمَانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ). قال: أُعْطوا مثلَ أجورِ آبائِهم، ولم يَنْقُصْ مِن أجورِهم شيئًا (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن إبراهيمَ: (وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ بِإِيمَانٍ ألْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ) قال: أُعْطوا مثلَ أجورِهم،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٠٨.\n(^٢) أخرجه هناد في الزهد (١٨٠) من طريق سفيان به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٩ إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":582},{"text":"ولم يَنْقُصْ مِن أجورِهم.\nقال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: (وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُريَّاتِهِمْ بِإِيمَانٍ). يقولُ: أعْطَيناهم من الثوابِ ما أعْطَيناهم، ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: ما نقَصْنا آباءَهم شيئًا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وأَتْبَعْناهُمْ ذُرِّيَاتِهِمْ) كذلك قالها يزيدُ: (ذُرِّياتِهِمْ بإيمَانٍ ألْحَقْنَا بِهِمْ ذرّيَّاتِهِمْ). قال: عمِلوا بطاعةِ اللَّهِ، فألْحَقهم اللَّهُ بآبائِهم (^١).\nوأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ وأشْبَهُها بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ، القولُ الذي ذكَرنا عن سعيدِ بنُ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، وهو: والذين آمَنوا باللَّهِ ورسولِه، وأتْبَعْناهم ذرِّيَّاتِهم الذين أدرَكوا الإيمانَ بإيمانٍ، وآمنوا باللَّهِ ورسولِه، ألْحَقنا بالذين آمنوا ذرِّيَّتهم الذين أدرَكوا الإيمانَ فآمَنوا، في الجنةِ، فجَعَلْناهم معهم في درجاتِهم، وإن قَصَرت أعمالُهم عن أعمالِهم، تَكْرِمةً مِنَّا لآبائِهم، وما ألَتْناهم من أجورِ عَمَلِهم شيئًا.\nوإنما قلتُ: ذلك أولى التأويلاتِ به؛ لأن ذلك الأغلبُ من معانيه، وإن كان للأقوالِ الأُخَرِ وجوهٌ.\nواختَلَفَتِ القرَأةُ في قراءةِ قولِه: (وأتْبَعْناهم ذرِّيَّاتِهم بإيمانٍ ألْحَقْنا بهم ذُرِّيَّاتِهم)؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ: (واتبعَتْهم ذريتُهم) على التوحيد (بإيمانٍ ألْحَقْنا بهم ذُرِّيَّاتِهم) على الجمعِ (^٢). وقرَأته قرَأةُ الكوفةِ: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ كلتَيْهما بإفرادٍ (^٣). وقرَأ بعضُ قرَأةِ البصرةِ وهو أبو عمرٍو:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٠٨.\n(^٢) وهي قراءة نافع. حجة القراءات ص ٦٨٢.\n(^٣) وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي وابن كثير المكي. المصدر السابق.","vol":"21","page":583},{"text":"(وأتْبَعْناهم ذُرِّيَّاتِهم بإِيمانٍ ألْحَقْنا بهم ذُرِّيَّاتِهم) (^١).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن جميعَ ذلك قراءاتٌ معروفاتٌ مستفيضاتٌ في قَرَأةِ الأمصارِ، متقارباتُ المعاني، فبأيَّتِها قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقولُه: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وما ألَتْنا الآباءَ. يعني بقولِه: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾: وما نقَصْناهم من أجورِ أعمالِهم شيئًا، فنأخذَه منهم، فنجعلَه لأبنائِهم الذين ألْحَقناهم بهم، ولكِنَّا وفَّيْناهم أجورَ أعمالِهم، وألْحَقنا أبناءَهم بدرجاتِهم، تفَضُّلًا مِنا عليهم.\nوالأَلْتُ في كلامِ العربِ: النَّقصُ والبَخْسُ، وفيه لغةٌ أخرى: [(ومَا لِتْنَاهم)] (^٢). ولم يقرَأْ بها أحدٌ نعلمُه. ومن الأَلْتِ قولُ الشاعرِ (^٣):\nأبلِغْ بني ثُعَلٍ عنِّي مُغَلغَلَةً (^٤) … جَهدَ الرسالةِ لا ألْتًا ولا كَذِبا\nيعني: لا نُقصانَ ولا زيادةَ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرِو بنِ مرَّةَ، عن\n_________\n(^١) حجة القراءات ص ٦٨١، وقرأ ابن عامر: (واتبعتهم ذرياتُهم ألحقنا بهم ذرياتِهم).\n* إلى هنا ينتهي السقط المشار إليه في ص ٥٧٨ من مخطوط جامعة القرويين والمسماة بالأصل.\n(^٢) سقط من: م، وفي الأصل، ت ٣: \"ألِتْناهم\". وهذه قراءة ابن كثير، واختلف عن قنبل في حذف الهمزة، فروى ابن شنبوذ عنه إسقاط الهمزة واللفظ بلام مكسورة، وهي قراءة أُبي والحسن وطلحة بن مصرف، وجاءت عن الأعمش، وروى ابن مجاهد إثبات الهمزة. ينظر النشر ٢/ ٢٨٢، وإتحاف فضلاء البشر ص ٢٤٧.\n(^٣) هو الحطيئة، والبيت في ديوانه ص ١٣٥، ورواية الشطر الأول فيه: \"أبلغ سراة بني سعد مغلغلة\". ورواية المصنف هي رواية الفراء في معاني القرآن ٣/ ٩٢.\n(^٤) المغَلغَلة بفتح الغينين: الرسالة المحمولة من بلد إلى بلد، وبكسر الغين الثانية: المسرعة، من الغلغلة؛ سرعةِ السير. اللسان (غ ل ل).","vol":"21","page":584},{"text":"سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: وما نَقَصْناهم [من عملهم من شيءٍ] (^١).\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، [عن عليٍّ] (^٢)، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾. يقولُ: ما نَقَصْناهم (^٣).\nوحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ (^٤) بنُ بشرٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، عن سماعةَ، عن عمرِو بنُ مرَّةَ، عن سعيدِ بنُ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: وما نَقَصْناهم (^٥).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: ما نَقَصْنا الآباءَ للأبناءِ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ما نَقَصْنا الآباءَ للأبناءِ، ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾. قال: وما نَقَصْناهم.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) سقط من: م.\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٧، والحاكم ٢/ ٤٦٨ من طريق سفيان الثوري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سقط من: الأصل، ص، م، ت ٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٥ - من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"موسى\". وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٥٢٠، ٥٢١.\n(^٥) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤٠٦.","vol":"21","page":585},{"text":"قولَه: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال: نَقَصْناهم (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: ما نَقَصْنا آباءَهم شيئًا (^٢).\n[حدَّثنا ابنُ حميدٍ] (^٣)، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي المعلَّى (^٤)، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾. قال: وما ظَلَمْناهم.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: وما ظَلَمناهم من عملِهم من شيءٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾. يقولُ: وما ظَلَمْناهم (^٥).\nوحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾. يقولُ: وما ظَلَمْنَاهم.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: يقولُ: لم نَظْلِمُهم مِن عملِهم من شيءٍ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٢٤، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤٠/ ٣١٥، ٣١٦ - .\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤٠٦.\n(^٣) ليس في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في الأصل، ت ٢: \"العلى\". وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٣٦١.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٨ عن معمر به.","vol":"21","page":586},{"text":"فنَنْتَقِصَهم (^١) فنعطيَه ذرِّيَّاتِهم الذين ألْحَقناهم بهم، الذين (^٢) لم يبلُغوا الأعمالَ ألْحَقهم بالذين قد بَلَغوا الأعمالَ: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: لم نأخذْ عملَ الكبارِ فَنَجْزِيَه الصِّغارَ، أدخَلَهم برحمتِه، والكبارَ عَمِلوا، فدخَلوا بأعمالِهم.\nوقولُه: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾. يقولُ: كلُّ نفسٍ بما كسَبت وعَمِلت من خيرٍ وشرٍّ مُرْتَهَنةٌ لا يؤاخَذُ أحدٌ منهم بذنبِ غيرِه، وإنما يُعاقَبُ بذنبِ نفسِه.\n\n<span id=\"aya-4757\"></span><span data-type='title' id=toc-8813>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ﴾ وأمدَدنا الذين آمنوا باللَّهِ ورسولِه، واتَّبعَتْهم ذرِّيتُهم بإيمانٍ في الجنةِ، بفاكهةٍ ولحمٍ مما يشتَهون من اللُّحْمانِ.\n\n<span id=\"aya-4758\"></span>وقولُه: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾. يقولُ: يتعاطَون فيها كأسَ الشرابِ، ويَتَداولونها بينَهم، كما قال الأخطلُ (^٣):\nنازَعْتُه طَيِّبَ الراحِ الشَّمولِ وقدْ … صاحَ الدجاجُ وحانَت وَقْعَةُ السَّارِي\nوقولُه: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا﴾. يقولُ: لا باطلَ في الجنةِ.\nوالهاءُ في قولِه: ﴿فِيهَا﴾. من ذِكْرِ الكأسِ، ويكونُ المعنى: لما فيها من الشرابِ. بمعنى: أن أهلَها لا لغوٌ عندَهم فيها ولا تأثيمٌ. واللغوُ الباطلُ.\nوقولُه: ﴿وَلَا تَأْثِيمٌ﴾. يقولُ: ولا فعلٌ فيها يُؤْثِمُ (^٤) صاحبَه. وقيل: عنَى\n_________\n(^١) في م: \"لم تنتقصهم\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) شرح ديوانه ص ٨٠.\n(^٤) في الأصل، ت ٢: \"يأثم\".","vol":"21","page":587},{"text":"بالتَّأثيمِ الكذبَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا﴾. يقولُ: لا باطلٌ فيها. وقولَه: ﴿وَلَا تَأْثِيمٌ﴾. يقولُ: كذبٌ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا﴾. قال: لا يَسْتَبُّون، ﴿وَلَا تَأْثِيمٌ﴾. يقولُ: ولا يُؤَثَّمون (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾. أي: لا لغوٌ فيها ولا باطلٌ، إنما كان الباطلُ في الدنيا مع الشيطانِ.\nحدَّثنا (^٣) ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾. قال: ليس فيها لغوٌ ولا باطلٌ، إنما (^٤) اللغوُ والباطلُ في الدنيا (^٥).\nواختَلَفتِ القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٥ - من طريق أبي صالح به مقتصرًا على آخره.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٢٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٩ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"وحدثنا\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كان\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٨ عن معمر به.","vol":"21","page":588},{"text":"قرَأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ (^١) بالرفعِ والتنوينِ على وَجْهِ الخبرِ على أنه ليس في الكأسِ لغوٌ ولا تأْثيمٌ. وقرَأه بعضُ قرَأةِ البصرةِ: (لا لَغْوَ فيها ولا تَأْثيمَ) (^٢) نصبًا غيرَ منوَّنٍ، على وَجْهِ التَّبرئةِ.\nوالقولُ في ذلك عندي أنهما قراءتانِ معروفتانِ، فبأيَّتِهِما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، وإن كان الرفعُ والتنوينُ أعجبَ القراءتين إليَّ؛ لكثرةِ القَرَأةِ بها، وأنها أصحُّ المَعْنَيَيْن.\n\n<span id=\"aya-4759\"></span><span data-type='title' id=toc-8814>القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ويطوفُ على هؤلاء القومِ الذين وصَف صفتَهم في الجنةِ غِلْمانٌ لهم، كأنهم لؤلؤٌ في بياضِه وصفائِه، ﴿مَكْنُونٌ﴾. يعني: مَصُونٌ في كِنٍّ، فهو أنْقَى له، وأصْفَى لبياضِه. وإنما عنَى بذلك أن هؤلاء الغلمانَ يطوفون على هؤلاء المؤمنين في الجنةِ بكُئُوسِ الشرابِ التي وصَف جلَّ ثناؤُه صفتَها.\nوقد حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾: ذُكِر لنا أن رجلًا قال: يا نبيَّ اللَّهِ، هذا الخادمُ، فكيف المخدومُ؟ قال: \"والذي نفسُ محمدٍ بيدِه، إن فضلَ المخدومِ على الخادمِ، كفَضْلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ\".\nوحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾. قال: بلَغني أنَّه قيل: يا رسولَ اللَّهِ، هذا الخادِمُ مثلُ\n_________\n(^١) وهي قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ٦٨٣.\n(^٢) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. المصدر السابق","vol":"21","page":589},{"text":"اللؤلؤِ، فكيف المخدومُ؟ قال: \"والَّذي نَفْسِي بيدِه، إن فضْلَ ما بينَهما كفضلِ القمرِ لَيلةَ البدرِ على النُّجومِ\" (^١).\n\n<span id=\"aya-4760\"></span>وقولُه: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ الآية. يقولُ تعالى ذِكرُه: وأقبلَ بعضُ هؤلاء المؤمنين في الجنةِ على بعضٍ، يسألُ بعضُهم بعضًا. وقد قيل: إن ذلك يكونُ منهم عندَ البعثِ من قبورِهم.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾. قال: إذا بُعِثوا في النفخةِ الثانيةِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4761\"></span><span data-type='title' id=toc-8815>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)﴾.</span>\n\nقال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه: قال بعضُهم لبعضٍ: إنا أيُّها القومُ كُنا في أهْلِنا، في الدنيا، ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين من عذابِ اللَّه، وَجِلين أن يعذِّبَنا ربُّنا اليومَ،\n\n<span id=\"aya-4762\"></span>﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بفضلِه، ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾. يعني: عذابَ النارِ. يعني: فنَجَّانا مِن النارِ وأَدْخَلَنا الجنةَ.\nكما (^٣) حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿عَذَابَ السَّمُومِ﴾. قال: عذابَ النارِ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٧٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك\".","vol":"21","page":590},{"text":"<span id=\"aya-4763\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾. يقولُ: إنا كُنَّا في الدنيا من قبلِ يومِنا هذا، ﴿نَدْعُوهُ﴾. يقولُ: نعبُدُه مُخْلَصًا له الدينُ، لا نُشرِكُ به شيئًا، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ﴾. يعني: اللطيفُ (^١) بعبادِه.\nكما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ﴾. يقولُ: اللطيفُ (^٢).\nوقولُه: ﴿الرَّحِيمُ﴾. يقولُ: الرحيمُ بخَلْقِه أن يعذِّبَهم بعدَ توبتِهم.\nواختَلَفتِ القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ﴾؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ المدينةِ: (أنَّهُ). بفتحِ الألفِ (^٣)، بمعنى: إنا كُنَّا من قبلُ نَدْعوه لأنَّه هو البرُّ. أو: بأنَّه. وقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿إِنَّهُ﴾ على الابتداءِ (^٤).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-4764\"></span><span data-type='title' id=toc-8816>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فذكِّرْ يا محمدُ مَن أُرسِلتَ إليه مِن قومِك وغيرِهم، وعِظْهم بنعمِ اللَّهِ عندَهم، ﴿فَمَا أَنْتَ\n_________\n(^١) بعده في ت ٣: \"الخبير\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢١ - من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٠ إلى ابن المنذر.\n(^٣) هي قراءة نافع وأبي جعفر والكسائي. النشر ٢/ ٢٨٢.\n(^٤) هي قراءة ابن كثير وعاصم وابن عامر وأبي عمرو وحمزة ويعقوب وخلف. المصدر السابق.","vol":"21","page":591},{"text":"بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾. يقولُ: فَلَسْتَ بنعمةِ اللَّهِ عليك بكاهنٍ تتكهَّنُ عليه (^١)، ولا مجنونٍ له رَئِيٌّ (^٢) يخبرُ عنه قومَه ما أخبَره به، ولكِنَّك رسولُ اللَّهِ، واللَّهُ لا يخذُلُك، ولكِنَّه ينصرُك.\n\n<span id=\"aya-4765\"></span>وقولُه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: بل يقولُ المُشرِكون لك يا محمدُ: هو شاعرٌ نتربَّصُ به حوادثَ الدَّهرِ تَكْفِيناه بموتٍ أو حادثةٍ مُتْلِفةٍ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اخْتَلَفت عباراتُهم عنه؛ فقال بعضُهم فيه كالذي قُلنا، وقال بعضُهم: هو الموتُ.\nذكرُ مَن قال: عنَى بقولِه: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾. حوادثَ الدَّهرِ\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾. قال: حوادثَ الدهرِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾: حوادثَ الدهرِ.\nذكرُ مَن قال: عنَى به الموتَ\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في الأصل: \"دين\". والرّئيُّ بفتح الراء وكسرها: الجنى يراه الإنسان. وقيل: جنى يتعرض للرجل يريه كهانة وطبًّا. ينظر اللسان (ر أ ى).\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٢٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٠ إلى ابن المنذر.","vol":"21","page":592},{"text":"قولَه: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾. يقولُ: الموتَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾. يقولُ: يتربَّصون به الموتَ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾. قال: قال ذلك (^٢) قائلون مِن الناسِ: تربَّصوا بمحمدٍ (^٣) الموتَ، يَكفيكُموه، كما كَفاكم شاعرَ بني فلانٍ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾. قال: هو الموتُ، نتربصُ به الموتَ، كما مات شاعرُ بني فلانٍ، وشاعرُ بني فلانٍ (^٥).\nحدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأُمويُّ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ أن قريشًا لما اجتمَعوا في دارِ الندوةِ في أمرِ النبيِّ ﷺ قال قائلٌ منهم: احبِسُوه في وَثاقٍ، ثم تربَّصوا به ريبَ (^٦) المنونِ حتى يَهلِكَ كما هَلَك مَن قبلَه من الشُّعراءِ؛ زهيرٌ والنابغةُ، إنما هو كأحدِهم. فأنزَل اللَّهُ في ذلك من قولِهم: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٥ - من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في الأصل: \"لمحمد\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وشاعر بني فلان\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٨ عن معمر به.\n(^٦) سقط من: م، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤١١، وابن حجر في الفتح ٨/ ٦٠٢ عن ابن إسحاق به، وهو في سيرة ابن هشام ١/ ٤٨٠، ٤٨١. قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم من أصحابنا، عن عبد الله بن أبي نجيح. به فذكره.","vol":"21","page":593},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾. قال: المنونُ الموتُ، وقال الشاعرُ (^١):\nتربَّصْ بها ريبَ المَنونِ لعلَّها … سيُهلِكُ عنها بَعلُها [أو سيَجنَحُ] (^٢)\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ريبَ الدنيا. وقالوا: المنونُ الموتُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي سنانٍ: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾. قال: ريبَ الدُّنيا، والمنونُ الموتُ.\n\n<span id=\"aya-4766\"></span>وقولُه: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المُشرِكين الذين يقولون لك: إِنَّكَ شاعرٌ نتربَّصُ بك ريبَ المنونِ -: تربَّصوا. أي: انْتظِروا وتمهَّلوا بي (^٣) ريبَ المنونِ، فإني معكم من المتربِّصين بكم حتى يأتيَ أمرُ اللَّهِ فيكم.\n\n<span id=\"aya-4767\"></span><span data-type='title' id=toc-8817>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أتأمرُ هؤلاء المشركين\n_________\n(^١) اللسان (ر ب ص)، وتفسير القرطبي ١٧/ ٧٢، والبحر المحيط ٨/ ١٥١. ورواية الشطر الثاني فيها جميعًا: تُطلَّق يومًا أو يموت حليلُها. على أن رواية البيت في التبيان ٩/ ٤١٠ كرواية المصنف في بعض النسخ حال تحريفها كما سيتضح بعد.\n(^٢) في الأصل، ص: \"أو سيحيح\". وفي م: \"أو تُسرَّحُ\" - استبدلوا بها لفظة الأصل الذي معهم \"وشحيح\"؛ لمناسبة رواية المصادر السابقة وعلقوا ذلك في حاشية - وفي ت ١: \"أو سيحيح\". وفي ت ٢، ت ٣: \"وسحيح\". وفي التبيان: \"وشحيح\". وقوله: \"سيجنح\". أي عنها، يريد: يميل عنها ويتركها.\n(^٣) في م: \"في\".","vol":"21","page":594},{"text":"أحلامُهم بأن يقولوا لمحمدٍ: هو شاعرٌ وأنَّ ما جاء به شعرٌ، ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ما تأمرُهم أحلامُهم بذلك وعقولُهم، بل هم قومٌ طاغون قد طَغَوا على ربِّهم، فتجاوزوا ما أذِن اللَّهُ لهم وأمَرهم به من الإيمانِ إلى الكفرِ.\nكما (^١) حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾. قال: كانوا يُعَدُّون في الجاهليةِ أهلَ الأحلامِ، فقال اللَّهُ: أم تأمرُهم أحلامُهم بهذا؛ أن يعبُدوا أصنامًا بُكمًا صُمًّا، ويَترُكوا عبادةَ اللَّهِ؟ فلم تَنفَعْهم أحلامُهم حين كانت لدُنْياهم، ولم تكنْ عقولُهم في دينِهم، لم تَنْفَعْهم أحلامُهم (^٢).\nوكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ (^٣)، يتأوَّلُ قولَه: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ﴾: بل تأمرُهم.\nوبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ قولِه: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [قال مجاهدٌ] (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عثمانَ بنُ الأسودِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾. قال: بل هم قومٌ طاغون (^٥).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، عن مجاهدٍ: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾. قال: بل هم قومٌ طاغون.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"به وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٠ إلى المصنف بلفظ: العقول.\n(^٣) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٢٣٣.\n(^٤) في ص، م، ت ١: \"أيضًا قال أهلُ التأويل. ذكر من قال ذلك\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٠ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"21","page":595},{"text":"<span id=\"aya-4768\"></span>وقولُه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أم يقولُ هؤلاء المُشرِكون: تقوَّل محمدٌ هذا القرآنَ وتَخلَّقَه.\nوقولُه: ﴿بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: كذَبُوا فيما قالوا من ذلك، بل لا يُؤمنون فيصدِّقوا بالحقِّ الذي جاءهم مِن عندِ ربِّهم.\n\n<span id=\"aya-4769\"></span>وقولُه: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾. يقولُ: جلَّ ثناؤُه: فليأتِ قائلو ذلك له مِنَ المُشرِكين بقرآنٍ مثلِه، فإنَّهم من أهلِ لسانِ محمدٍ، ولن يتعذَّرَ عليهم أن يأتوا من ذلك بمثلِ الذي أتَى به محمدٌ، إن كانوا صادقين في أن محمدًا تقوَّلَه وتَخلَّقَه.\n\n<span id=\"aya-4770\"></span><span data-type='title' id=toc-8818>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أَخُلِق هؤلاء المُشرِكون مِن غيرِ (^١) آباءٍ ولا أمَّهاتٍ، فهم كالجمادِ لا يَعقِلُون ولا يَفقَهون (^٢) للَّهِ حجةً، ولا يعتَبِرون له بعبرةٍ، ولا يتَّعِظون بموعظةٍ؟\nوقد قيل: إن معنى ذلك: أم خُلِقوا لغيرِ شيءٍ؟ كقولِ القائلِ: فعَلتُ كذا وكذا من غيرِ شيءٍ. بمعنى: لغيرِ شيءٍ.\n\n<span id=\"aya-4771\"></span>وقولُه: ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ يقولُ: أم هم الخالِقون هذا الخَلْقَ، فهم لذلك لا يأتمِرون لأمرِ اللَّهِ، ولا ينتَهون عمَّا نهاهم عنه؛ لأنَّ للخالقِ الأمرَ والنَّهيَ؟ ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. يقولُ: أَخَلقوا السماواتِ والأرضَ، فيكونوا هم الخالقين؟ وإنما معنَى ذلك: لم يَخلُقوا السماواتِ والأَرضَ. ﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾. يقولُ: لم يترُكوا أن يأتَمِروا لأمرِ ربِّهم، وينتَهوا إلى طاعتِه فيما أمَر\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"شيء أي من غير\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يفهمون\".","vol":"21","page":596},{"text":"ونهَى لأنَّهم خَلَقوا السماواتِ والأرضَ فكانوا لذلك أربابًا، ولكِنَّهم فعَلوا ذلك (^١) لأنَّهم لا يُوقِنون بوعيدِ اللَّهِ وما أعدَّ لأهلِ الكفرِ به من العذابِ في الآخرةِ.\n\n<span id=\"aya-4772\"></span><span data-type='title' id=toc-8819>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أعندَ هؤلاء المكذِّبين بآياتِ اللَّهِ خزائنُ ربِّك يا محمدُ، فهم لاسْتِغْنائِهم بذلك عن آياتِ ربِّهم مُعرِضون؟\n﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: أم هم المُسَلَّطون؟!\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾. يقولُ: المُسَلَّطون (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أم هم المُنْزِلون؟!\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾. قال: يقولُ: أم هم المُنزِلون؟ (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٥ - من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٠ إلى ابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"21","page":597},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: أم هم الأربابُ؟ وممن قال ذلك معمرُ بنُ المثنى (^١)، و(^٢) يقالُ: تَسيطَرْتَ (^٣) عليَّ. أي: اتَّخذْتَني خَوَلًا لك.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: أم هم الجبَّارون المُتَسلِّطون المُستَكبرون على اللَّهِ؟ وذلك أن المسيطرَ في كلامِ العربِ الجبارُ المتسلِّطُ، ومنه قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]. يقولُ: لستَ عليهم بجبَّارٍ مُتسلِّطٍ (^٤).\n\n<span id=\"aya-4773\"></span>وقولُه: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾. يقولُ: أم لهم سُلَّمٌ يَرتَقون فيه إلى السماءِ، يستَمِعون عليه الوحيَ، فيدَّعون أنهم سَمِعوا هنالك من اللَّهِ أن الذي هم عليه حقٌّ، فهم لذلك مُتمسِّكون بما هم عليه؟\nوقولُه: ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: فإن كانوا يدَّعون ذلك، فليأتِ مَن يزعُمُ أنَّه استمَع ذلك فسمِعَه ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، يعني الحجةَ (^٥) يَبِينُ أنها حقٌّ، كما أتى محمدٌ بها على حقيقةِ قولِه، وصِدْقِه فيما جاءهم به من عندِ اللَّهِ.\nوالسُّلَّمُ في كلامِ العربِ: السَّببُ والمَرْقاةُ، ومنه قولُ ابنِ مقبلٍ (^٦):\nلا تُحرِزُ المرءَ أحجاءُ البلادِ ولا … تُبنَى له في السماواتِ السَّلالِيمُ\nومنه قولُهم: جعَلتُ فلانًا سُلَّمًا لحاجتي. إذا جعَلْتَه سببًا لها\n_________\n(^١) مجاز القرآن ٢/ ٢٣٣.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢: \"تسطرت\"، وفي م: \"سيطرت\"، وفي ت ٣: \"سطرت\". وينظر مجاز القرآن ٢/ ٢٣٣، وتفسير القرطبي ١٧/ ٧٥.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مسلط\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بحجة\".\n(^٦) تقدم في ٩/ ٢٢٦.","vol":"21","page":598},{"text":"<span id=\"aya-4774\"></span><span data-type='title' id=toc-8820>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه للمشركين به من قريشٍ: ألربِّكم أيُّها القومُ البناتُ ولكم البنونَ؟ ذلك إذن قسمةٌ ضِيزَى.\n\n<span id=\"aya-4775\"></span>وقولُه: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أتسألُ هؤلاء المشركين الذين أرسَلْناك إليهم يا محمدُ، على ما تَدْعوهم إليه من توحيدِ اللَّهِ وطاعتِه، ثوابًا وعِوَضًا من أموالِهم، فهم من ثِقَلِ ما حمَّلْتَهم مِن الغُرمِ لا يقدرون على إجابتِك إلى ما تَدْعوهم إليه؟\nكما (^١) حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾. يقولُ: هل سألتَ هؤلاء القومَ أجرًا جهِدهم (^٢)، فلا يستطيعون الإسلامَ؟\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهبٍ، قال: قال ابنُ زيدِ في قولِه: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾. قال: يقولُ: أسأَلهم على هذا أجرًا، فأثقَلهم الذي [يَبْتَغِي أَجْرَه] (^٣) منهم؟\n\n<span id=\"aya-4776\"></span>وقولُه: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أم عندَهم علمُ الغيبِ، فهم يكتُبون ذلك للناسِ، [فيُثبِتون ما] (^٤) شاءوا، ويُخبِرونهم بما أرادوا؟\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يجهدهم\".\n(^٣) في ص: \"يبتغي بأخذه\"، وفي م: \"يُبتغى أخذه\"، وفي ت ١: \"ينبغي أخذه\"، وفي ت ٢: \"ينبغي تأخذ\"، وفي ت ٣: \"ينبغي نأخذه\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فينبئونهم بما\".","vol":"21","page":599},{"text":"<span id=\"aya-4777\"></span><span data-type='title' id=toc-8821>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: بل يريدُ هؤلاء المشرِكون يا محمدُ بكَ وبدينِ اللَّهِ كيدًا، فالذين كَفَروا هم (^١) المَكيدون الممكورُ بهم دونَك، فثِقْ باللَّهِ، وامْضِ لما أَرْسَلَكَ (^٢) به.\n\n<span id=\"aya-4778\"></span>وقولُه: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: أَلَهُم (^٣) معبودٌ يستحِقُّ عليهم العبادةَ غيرُ اللَّهِ فيجوزَ لهم عبادتُه؟ يقولُ: ليس لهم إلهٌ غيرُ اللَّهِ الذي له العبادةُ مِن جميعِ خَلْقِه، ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: تنزيهًا للهِ عن شِركِهم وعبادتِهم معه غيرَه.\n\n<span id=\"aya-4779\"></span><span data-type='title' id=toc-8822>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وإن يرَ هؤلاء المُشرِكون قِطْعًا من السماءِ ساقطًا. والكِسْفُ جمْع كِسْفةٍ، مثلُ: التَّمرُ جَمْعُ تَمْرةٍ، والسِّدرُ جَمعُ سِدْرةٍ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المكيدون. يقول: هم\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أمرك\".\n(^٣) في م: \"أم لهم\".","vol":"21","page":600},{"text":"قولَه: ﴿كِسْفًا﴾. يقولُ: قِطْعًا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾. يقولُ: وإن يَرَوا قِطْعًا من السماءِ ساقطًا (^٢).\n﴿يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: يقولوا لذلك الكِسْفِ من السماءِ الساقطِ: هذا سحابٌ مركومٌ. يعني بقولِه: ﴿مَرْكُومٌ﴾: بعضُه على بعضٍ.\nوإنَّما عنَى بذلك جلَّ ثناؤه المُشرِكين من قريشٍ الذين سألوا رسولَ الله ﷺ الآياتِ، فقالوا له: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [سورة الإسراء: ٩٠ - ٩٢]. فقال اللَّهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وإن يَرَ هؤلاء المشركون ما سألوا من الآياتِ، فعايَنوا كِسْفًا من السماءِ ساقِطًا، لم ينتَقلوا عمَّا هم عليه من التكذيبِ، ولقالوا: إنَّما هذا سحابٌ بعضُه فوقَ بعضٍ؛ لأنَّ اللَّهَ قد حتَم عليهم أنهم لا يؤمنون.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾. يقولُ: لا يُصَدِّقوا (^٣) بحديثٍ، ولا يؤمِنوا (^٤) بآيةٍ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾. قال: حين سألوا الكِسْفَ قالوا: أسْقِطْ علينا كِسْفًا مِن السماءِ إن كنتَ من الصادقين. قال: يقولُ: لو أنَّا فعَلْنا لقالوا:\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٦٠٢ عن علي بن أبي طلحة به، وعزاه إلى المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٠٣ إلى المصنف\n(^٢) عزاه الحافظ في الفتح ٨/ ٦٠٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) في الأصل: \"يعذبون\".\n(^٤) في الأصل: \"يؤمنون\".","vol":"21","page":601},{"text":"سحابٌ مركومٌ.\n\n<span id=\"aya-4780\"></span>وقولُه: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾. يقولُ - جلَّ وعزَّ - لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فدَعْ يا محمدُ هؤلاء المشركين حتى يُلاقوا يومَهم الذي فيه يَهْلِكون. وذلك عندَ النَّفخةِ الأولى.\nواختَلَفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿يُصْعَقُونَ﴾؛ فقرَأته عامَّةُ قرَأةِ الأمصارِ سوى عاصمٍ بفتحِ الباءِ من (يَصْعَقُونَ). وقرَأه عاصمٌ: ﴿يُصْعَقُونَ﴾ بضمِّ الياءِ (^١). والفتحُ أعجبُ القراءتين إلينا؛ لأنه أفصَحُ اللغتين وأشهرُهما، وإن كانت الأخرى جائزةً، وذلك أن العربَ تقولُ: صَعِق الرجلُ وصُعِق، وسَعِد وسُعِد.\nوقد بيَّنا معنى الصَّعْقِ بشواهدِه وما قال فيه أهلُ التأويلِ فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه (^٢).\n\n<span id=\"aya-4781\"></span><span data-type='title' id=toc-8823>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعني ﷻ: يومَ لا يُغنى عنهم كيدُهم شيئًا (^٣) يومَ القيامةِ حتى يُلاقوا يومَهم الذي فيه يُصْعقون. ثم بَيَّن عن ذلك اليومِ، أيُّ يومٍ هو، فقال: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾. يعني: مكرُهم أنه لا يدفَعُ عنهم مِن عذابِ اللَّهِ شيئًا. فاليومُ الثاني ترجمةٌ عن اليومِ الأوَّلِ.\nوقولُه: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. يقولُ: ولا هم ينصُرُهم ناصرٌ، فيَستَقيدَ لهم ممَّن عذَّبهم وعاقَبهم.\n_________\n(^١) قرأ ابنُ عامر وعاصم بضم الياء والباقون بفتحها. النشر ٢/ ٢٨٣.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٩٠، ٦٩١.\n(^٣) بعده في ت ١: \"يغنى مكرهم\".","vol":"21","page":602},{"text":"<span id=\"aya-4782\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في العذابِ الذي توعَّد اللَّهُ به هؤلاء الظلمةَ من دونِ يومِ الصَّعْقةِ؛ فقال بعضُهم: هو عذابُ القبرِ (^١).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى الفزاريُّ، قال: أخبَرنا شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ: ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾. قال: عذابَ القبرِ (^١) (^٢).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾. يقولُ: عذابَ القبرِ قبلَ عذابِ يومِ القيامةِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: إنَّكم لَتجِدون عذابَ القبرِ في كتابِ اللَّه: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ، أن ابنَ عباسٍ قال (^٣): عذابُ القبرِ في القرآنِ. ثم تلا: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ (^٤).\nوقال آخرون: عُنِي بذلك الجوعُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) في الأصل: \"القبور\".\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤١٧، والبغوي في تفسيره ٧/ ٣٩٤، والقرطبي في تفسيره ١٧/ ٧٨.\n(^٣) في م: \"كان يقول إن\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٨ عن معمر به.","vol":"21","page":603},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾. قال: الجوعُ (^١).\nوقال آخرون: بل عُنِي به المصائبُ التي تصيبُهم في الدُّنيا؛ من ذهابِ الأموالِ والأولادِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾. قال: دونَ الآخرةِ، في هذه الدنيا؛ ما يُعذِّبُهم به من ذهابِ الأموالِ والأولادِ. قال: فهي للمؤمنين أجرٌ وثوابٌ عندَ اللَّهِ غدًا (^٢) بمصائبِهم (^٣) ومصائبُ هؤلاء عجَّلَهم (^٤) اللَّهُ إيَّاها في الدنيا. وقرَأ: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٥) [التوبة: ٥٥].\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندي أن يُقالَ: إن اللَّه تعالى ذِكرُه أخبرَ أن للذين ظلَموا أنفسهم بكفرِهم به، عذابًا دونَ يومِهم الذي فيه يُصْعَقون، وذلك يومُ القيامةِ، فعذابُ القبرِ دونَ يومِ القيامةِ؛ لأنه في البرزَخِ، والجوعُ الذي أصاب كفارَ قريشٍ، والمصائبُ التي تصيبُهم في أنفسِهم وأموالِهم وأولادِهم - دونَ يومِ القيامةِ، ولم يخصُصِ اللَّهُ نوعًا من ذلك أنه لهم دونَ يومِ القيامةِ دونَ نوعٍ، بل عمَّ فقال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾. فكلُّ ذلك لهم عذابٌ، وذلك لهم دونَ يومِ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٢٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"عدا\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مصائبهم\".\n(^٤) في الأصل: \"عجلها\".\n(^٥) ذكرُه القرطبي في تفسيره ١٧/ ٧٨، وأبو حيان في البحر المحيط ٨/ ١٥٣ عن ابن زيد مختصرًا.","vol":"21","page":604},{"text":"القيامةِ. فتأويلُ الكلامِ: وإن للذين كَفروا باللهِ عذابًا من اللهِ دونَ يومِ القيامةِ، ولكنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمون بأنَّهم ذائقُو ذلك العذَابِ.\n\n<span id=\"aya-4783\"></span><span data-type='title' id=toc-8824>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واصْبِرْ لحُكْم ربِّك يا محمدُ الذي حكَم به عليكَ، وامْضِ لأمْرِه ونهيه، وبلِّغْ رسالاتِه، ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: فإنك بمرأًى مِنَّا، نرَاك (^١) ونرَى عملَك، ونحن نَحوطُك ونحفظُك، فلا يصلُ إليك مَن أرادك بسوءٍ من المشركين.\nوقولُه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إذا قُمْتَ من نومِك فقُلْ: سبحانَ اللهِ وبحمدِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبى الأحوص في قولِه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾. قال: من كلِّ منامِه (^٢)، يقولُ حين يريدُ أن يقومَ: سبحانَك وبحمدِك (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي\n_________\n(^١) ليس في: الأصل.\n(^٢) في م: \"منامة\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٩، وابن أبي شيبة ١٠/ ٢٥٧ من طريق سفيان به، وأخرجه النحاس في ناسخه ص ٦٨٧ من طريق سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود. وليس عند أحد منهم تخصيص ذلك بالقيام من النوم. وذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤١٧ مقيدًا بالقيام من النوم.","vol":"21","page":605},{"text":"الأحوصِ (^١) عوفِ بنِ مالكٍ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾. قال: سبحانَ اللَّهِ وبحمدِه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾. قال: إذا قام لصلاةٍ من ليلٍ أو نهارٍ. وقرَأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]. قال: من نومٍ. ذكَره عن أبيه (^٢).\nوقال بعضُهم: بل معنى ذلك: إذا قُمْتَ إلى الصلاةِ المفروضةِ فقُلْ: سبحانَك اللهمَّ وبحمدِك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾. قال: إذا قام إلى الصلاةِ قال: سبحانَك اللهمَّ وبحمدِك، وتبارَك اسْمُك، [وتعالَى جَدُّكَ] (^٣)، ولا إلهَ غيرُك (^٤).\nوحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾: إلى الصلاةِ المفروضةِ.\nوأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: وصلِّ بحمدِ ربِّك حين تقومُ مِن مَنامِك، وذلك نومُ القائلةِ، وإنما عُنِي بذلك (^٥) صلاةُ الظُّهرِ.\n_________\n(^١) بعده في الأصل، ت ١: \"عن\".\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤١٧، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٤١٤.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٣٢ من طريق جويبر به، وأخرجه النحاس في ناسخه ص ٦٨٥، ٦٨٦ من طريق أبي مصلح، عن الضحاك، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٠، ١٢١ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"21","page":606},{"text":"وإنما قلتُ: هذا القولُ أولى القولين بالصوابِ؛ لأن الجميعَ مُجمِعون على أنه غيرُ واجبٍ أن يُقالَ في الصلاةِ: سُبحانَك اللهمَّ (^١) وبحمدِك، وما رُوِي عن الضحاكِ عندَ القيامِ إلى الصلاةِ، فلو كان القولُ كما قاله الضحاكُ لكان فرضًا أن يُقالَ ذلك (^٢)؛ لأن قولَه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أمرٌ من اللهِ بالتَّسبيحِ، وفي إجماعِ الجميعِ على أن ذلك غيرُ واجبٍ الدليلُ الواضحُ على أن القولَ في ذلك غيرُ الذي قاله الضحاكُ.\nفإن قال قائلٌ: لعله أُرِيد به (^٣) الندبُ والإرشادُ (^٤). قيل: لا دلالةَ في الآيةِ على ذلك، ولم تَقُمْ حجةٌ بأن ذلك معنيٌّ به ما قاله الضحاكُ، فيُجْعلَ إجماعُ الجميعِ على أن التسبيحَ عندَ القيامِ إلى الصلاةِ مما خُيِّر المسلمون فيه، دليلًا لنا على أنَّه أُرِيد به الندبُ والإرشادُ.\nوإنما قُلنا: عُنِي به القيامُ من نومِ القائلةِ؛ لأنه لا صلاةَ تجبُ فرضًا بعد وقتٍ من أوقاتِ نومِ الناسِ المعروفِ، إلَّا بعدَ نومِ الليلِ، وذلك صلاةُ الفجرِ، أو بعدَ نومِ القائلةِ، وذلك صلاةُ الظُّهرِ؛ فلما أمَر بعدَ قولِه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾. بالتَّسبيحِ بعدَ إدبارِ النجومِ، وذلك ركْعَتا الفجرِ، بعدَ قيامِ الناسِ من نومِهم ليلًا - عُلِم أن الأمرَ بالتسبيحِ بعدَ القيامِ من النومِ هو أمرٌ بالصلاةِ التي تجِبُ بعدَ قيامٍ من نومِ القائلةِ، على ما ذكَرْنا، دونَ (^٥) القيامِ من نومِ الليلِ.\n\n<span id=\"aya-4784\"></span>وقولُه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾. يقولُ: ومن الليلِ فعَظِّم ربَّك يا محمدُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ت ٣: \"منه\".\n(^٤) في الأصل: \"الرشاد\".\n(^٥) في الأصل: \"من\". وفي ت ٢: \"بعد\".","vol":"21","page":607},{"text":"بالصلاةِ له (^١) والعبادةِ، وذلك صلاةُ المغربِ والعشاءِ.\nوكان ابنُ زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾. قال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾: صلاةُ العشاءِ، ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾. يعني: حينَ تُدبِرُ النجومُ للأُفُولِ، عندَ إقبالِ النَّهارِ.\n[وقيل] (^٢): عُنِي بذلك ركعتا الفجر.\nذكرُ (^٣) مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾. قال: هما السجدتان قبلَ صلاةِ الغَداةِ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾: كنَّا نُحدَّثُ أنَّهما الرَّكعتان عندَ طلوعِ الفجرِ. قال: وذُكر لنا أن عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ كان يقولُ: لَهُمَا أَحبُّ إليَّ من حُمْرِ النَّعَمِ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن زُرَارَةَ بنِ أَوْفَى، عن سعيدِ بنِ هشامٍ، عن عائشةَ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال في ركعَتَي الفجرِ: \"هما خَيرٌ مِنَ الدُّنيا جمِيعًا\" (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في الأصل: \"يقال\".\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١: \"بعض\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢١ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٤٧٧٩) عن عبد الله بن محرر عن قتادة عن أنس، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٤١ من طريق سعيد بن جبير عن عمر.\n(^٦) أخرجه أحمد ٦/ ٥٠، ٥١، ١٤٩، ٢٦٥ (الميمنية)، والنسائي في الكبرى (١٤٥٢)، وابن خزيمة =","vol":"21","page":608},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾. قال: ركعتان قبلَ صلاةِ الصُّبحِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ وحمادُ بنُ مَسْعدةَ، قالا: ثنا حميدٌ، عن الحسنِ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾. قال: الرَّكعتان قبلَ صلاةِ الصُّبحِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، قال: قال عليٌّ ﵁: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾: الرَّكعتان قبلَ الفجر.\nوقال آخرون: عُنِي بالتَّسبيحِ إدبارَ النجوم صلاةُ الصُّبحِ الفريضةُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾. قال: صلاةُ الغَداةِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾. قال: صلاةُ الصُّبحِ (^٤).\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وأولى القولَين في ذلك بالصوابِ عندي قولُ مَن قال: عُنِي بها الصلاةُ المكتوبةُ، صلاةُ الفجرِ. وذلك أن اللهَ أمَر فقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾. والركعتان قبلَ الفريضةِ غيرُ واجبتين، ولم تَقُمْ حُجَّةٌ\n_________\n= (١١٠٧) من طريق سعيد به، وأخرجه مسلم (٧٢٥)، والترمذي (٤١٦) من طريق قتادة به.\n(^١) في الأصل: \"الفجر\".\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٩ عن معمر به.\n(^٢) أخرجه النحاس في ناسخه ص ٦٨٨ من طريق الحارث عن علي. وينظر علل الدارقطني ٣/ ١٧٦، ١٧٧.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢١ إلى المصنف.\n(^٤) ذكره النحاس في ناسخه ص ٦٨٨، والقرطبي في تفسيره ١٧/ ٨٠.","vol":"21","page":609},{"text":"يحبُ التَّسليمُ لها أن قولَه: ﴿فَسَبِّحْهُ﴾ على النَّدبِ، وقد دلَّلنا في غيرِ موضعٍ من كتابِنا (^١) على أن أمرَ اللهِ على الفرضِ، حتى تقومَ حجةٌ بأنَّه مرادٌ به الندبُ أو غيرُ الفرضِ، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"الطورِ\"\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"كتبنا\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٥/ ٧٨ - ٨٠.","vol":"21","page":610},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-8825>تفسيرُ سورةِ \"والنجمِ\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4785\"></span><span data-type='title' id=toc-8826>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى </span>(٢)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِي بالنَّجمِ الثُّريَّا، وعُنِي بقولِه: ﴿إِذَا هَوَى﴾: إذا سقَط. قالوا: وتأويلُ الكلامِ: والثُّريَّا إذا سقَطت.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾. قال: إذا سقَطَتِ الثُّريَّا مع الفجرِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾. قال: الثُّريَّا (^٢). وقال مجاهدٌ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾. قال: سقوطُ الثُّريَّا.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾. قال: إذا انْصَبَّ (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٢٥، وأخرجه ابن عيينة في تفسيره - كما في الفتح ٨/ ٦٠٤ - وعنه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٠ عن ابن أبي نجيح به بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق أيضًا في تفسيره عن ابن مجاهد، عن أبيه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤١٧.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢١ إلى المصنف.","vol":"22","page":5},{"text":"وقال آخرون: بل (^١) معنى ذلك: والقرآنِ إذا نزَل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني زيادُ بنُ عبدِ اللهِ الحسَّانيُّ (^٢) أبو الخطابِ، قال: ثنا مالكُ بنُ سُعَيْرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾. قال: القرآنِ إذا نزَل (^٣).\n\n<span id=\"aya-4786\"></span>حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾. قال: قال عُتْبةُ بنُ أبي لهبٍ: كَفَرتُ بربِّ النَّجمِ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أمَا تخافُ أن يأكُلَك كَلْبُ اللَّهِ\". قال: فخرَج في تجارةٍ إلى اليمنِ، فبينا (^٤) هم قد عرَّسوا (^٥)، إذ سمِع صوتَ الأسدِ، فقال لأصحابِه: إنِّي مأكولٌ. فأحْدَقوا به، وضُرِب على أَصْمِخَتِهم (^٦) فناموا، فجاء حتى أَخَذَه، فما سَمِعوا إلَّا صوتَه (^٧).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أن النبيَّ ﷺ تلا: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾. فقال ابنٌ لأبي لَهبٍ - حَسِبتُه قال: اسمُه عُتبةُ -: إني (^٨) كفَرتُ بربِّ النَّجمِ. فقال النبيُّ ﷺ: \"احْذرْ لا يأْكُلْكَ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في الأصل: \"الجنابي\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٥٢٣.\n(^٣) عزاه ابن حجر في الفتح ٨/ ٦٠٤، والسيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢١ إلى المصنف.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فبينما\".\n(^٥) في ت ١: \"عرشوا\"، وفي ت ٣: \"سرعوا\".\n(^٦) في الأصل: \"أسمختهم\". والصِّماخ: ثقب الأذن، والسماخ لغةٌ فيه. ينظر اللسان (ص م خ).\n(^٧) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٢/ ٣٣٩ من طريق سعيد به بنحوه.\n(^٨) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":6},{"text":"كَلْبُ اللَّهِ\". قال: فضرَب هامتَه. قال: وقال ابنُ طاوسٍ عن أبيه: إن النبيَّ ﷺ قال: \"ألَا تخافُ (^١) أن يُسَلِّطَ اللَّهُ عليك كلبَه؟ \". فخرَج ابنُ أبي لهبٍ مع ناسٍ في سفرٍ، حتى إذا كانوا ببعضِ الطريقِ سَمِعوا صوتَ الأسدِ فقال: ما هو إلا يُريدُني. فاجْتَمَع أصحابُه حولَه، وجعَلوه في وَسَطِهم، حتى إذا ناموا جاء الأسدُ (^٢)، فأخَذه من بينِهم (^٣).\nوكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ (^٤) يقولُ: عُني بقولِه: ﴿وَالنَّجْمِ﴾: والنُّجومِ. وقال: ذهَب إلى لفظِ الواحدِ وهو في معنى الجميعِ. واستَشْهَد لقولِه ذلك ببيتِ (^٥) راعي الإبلِ (^٦):\nفباتَت تَعُدُّ النَّجمَ في مُستَحِيرَةٍ (^٧) … سريعٌ بأيدِي الآكِلِين جمودُها\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي ما قاله مجاهدٌ، مِن أنه عُنِي بالنجمِ في هذا الموضعِ الثُّريَّا، وذلك أن العربَ تدعوها النجمَ. والقولُ الذي قاله من حَكينا عنه من أهلِ البصرةِ قولٌ لا نعلَمُ أحدًا من أهلِ التأويلِ قاله، وإن كان له وَجْهٌ؛ فلذلك ترَكْنا القولَ به.\nوقولُه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما جار (^٨)\n_________\n(^١) في الأصل: \"تخف\".\n(^٢) بعده في الأصل: \"حوله\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٢٥٠ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٢٣٥.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بقول\".\n(^٦) ديوانه ص ١١٢.\n(^٧) المستحيرة: الجفنة الودِكة، الكثيرة الوَدَك، وهو الشحم. ينظر التاج (ود ك).\n(^٨) في م: \"حاد\".","vol":"22","page":7},{"text":"صاحبُكم محمدٌ أيُّها الناسُ عن الحقِّ، ولا زال عنه، ولكِنَّه على استقامةٍ وسَدادٍ.\nويعني بقولِه: ﴿وَمَا غَوَى﴾: وما صار غَوِيًّا؛ ولكِنَّه رشيدٌ سديدٌ. يقالُ (^١): غَوَى يَغْوِي، من الغَيِّ، وهو غاوٍ، وغَوِيَ يَغْوَى من اللَّبنِ: إِذا بَشِم (^٢).\nوقولُه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾: جوابُ قسمِ ﴿وَالنَّجْمِ﴾.\n\n<span id=\"aya-4787\"></span><span data-type='title' id=toc-8827>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وما ينطِقُ محمدٌ بهذا القرآنِ عن هَواه، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.\n\n<span id=\"aya-4788\"></span>يقولُ: ما هذا القرآنُ إلَّا وَحْيٌ مِن اللَّهِ يوحِيه إليه.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﷿: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾. أي: ما يَنطِقُ عن هَواه، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. قال: يُوحِي اللَّهُ ﵎ إلى جِبْريلَ، ويوحِي جبريلُ إلى محمدٍ ﷺ (^٣).\nوقيل: عُنِي بقولِه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾: بالهوى.\n\n<span id=\"aya-4789\"></span>وقولُه: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: عَلَّم\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"يقول\".\n(^٢) البَشَم: التخمة. اللسان (ب ش م).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":8},{"text":"محمدًا ﷺ هذا القرآنَ جبريلُ ﵇.\nوعُنِي بقولِه: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾: شديدُ الأسبابِ. والقُوى جمعُ قوَّةٍ، كما الجُثَى جمعُ جُثْوةٍ، والحُبَى جمعُ حُبْوةٍ. ومن العربِ مَن يقولُ: القِوَى (^١). بكسرِ القافِ، كما تُجمَعُ الرِّشوةُ رِشًا، بكسرِ الراءِ، والحِبْوةُ حِبًا. وقد ذُكِر عن العربِ أنها تقولُ: رُشوةٌ. بضمِّ الراءِ، ورِشوةٌ. بكَسرِها. فيجِبُ أن يكونَ جمعُ مَن جمَع ذلك رِشًا بكسرِ الراءِ على لغةِ مَن قال في (^٢) واحِدِها: رِشْوةٌ. [بكسرِ الراءِ] (^٣). وأن يكونَ جَمْعُ مَنْ جَمَع ذلك بضمِّ الراءِ على (^٤) لغةِ مَن ضمَّ الراءَ في واحدِها. فإن جمَع بالكسرِ مَن كان مِن لغتِه الضمُّ في الواحدةِ، أو بالضمِّ مَن كان مِن لغتِه الكسرُ فإِنَّما هو حَمْلُ إحدى اللغتين (^٥) على الأُخْرَى.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ في قولِه: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾. يعني: جبريلُ (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾. قال: جبْريلُ (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢: \"من\".\n(^٥) في الأصل: \"المعنيين\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"22","page":9},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ مثلَه.\n\n<span id=\"aya-4790\"></span>وقولُه: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ذو خَلْقٍ حسَنٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾: ذو مَنظَرٍ حسَنٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾: ذو خَلْقٍ طويلٍ حَسَنٍ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ذو قُوَّةٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾. قال: ذو قُوَّةٍ؛ جبريلُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾. قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٥ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص ٣٩٦ - إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٢٥، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٢، والفتح ٨/ ٦٠٤ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":10},{"text":"ذو قُوَّةٍ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾. قال: ذو قُوَّةٍ. المِرَّةُ: القُوَّةُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾. قال: جبريلُ (^٣).\nوأَولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِي بالمِرَّةِ صحةُ الجسمِ وسلامتُه من الآفاتِ والعاهاتِ. والجسمُ إذا كان كذلك (^٤) من الإنسانِ كان قوِيًّا. وإنما قُلنا: إن ذلك كذلك؛ لأن المِرَّةَ واحدُ المِرَرِ، وإنما أُريدَ به: ذو مِرَّةٍ سَوِيَّةٍ. وإذا كانت المِرَّةُ صحيحةً، كان الإنسانُ صحيحًا. ومنه قولُ النبيِّ ﷺ: \"لا تَحِلُّ الصَّدقَةُ لِغَنيٍّ، ولَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ\" (^٥).\nوقولُه جل ثناؤُه: ﴿فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾. يقولُ: فاسْتَوى هذا الشديدُ القُوَى وصاحبُكم محمدٌ بالأُفُقِ الأعلى (^٦). وذلك لمَّا أُسْرِي برسولِ اللَّهِ ﷺ، اسْتَوى هو وجبريلُ ﵉ بمَطْلِعِ الشَّمسِ الأعلى. وعَطَف الأعلى. وعَطَف بقولِه: ﴿وَهُوَ﴾. على ما في قولِه: ﴿فَاسْتَوَى﴾ من ذكرِ محمدٍ ﷺ، [وأكثرُ] (^٧) كلامِ العربِ إذا أرادوا العطفَ في مثلِ هذا الموضعِ أن\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤٢٠.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤٢٠، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٤١٩.\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٣٦٨) من طريق أبي جعفر به\n(^٤) في ص، ت ٢، ت ٣: \"ذلك\".\n(^٥) تقدم تخريجه في ١١/ ٥١٨.\n(^٦) قال ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤١٩: وقد قال ابن جرير ههنا قولا لم أره لغيره، ولا حكاه هو عن أحد .. ولم يوافقه أحد على ذلك. وينظر فيه بقية كلامه على اختيار المصنف.\n(^٧) في ص، ت ٢، ت ٣: \"وأكثر من\"، وفي م: \"والأكثر من\"، وفي ت ١: \"فأكثر من\".","vol":"22","page":11},{"text":"يُظهِروا كنايةَ المعطوفِ عليه، فيقولوا: اسْتَوى هو وفلانٌ. وقلَّما يقولون (^١): استوَى وفلانٌ. وقد ذكَر الفرَّاءُ (^٢) عن بعضِ العربِ أنَّه أنشَده:\nألم ترَ أنَّ النَّبعَ يصلُبُ (^٣) عودُه … ولا يَستَوِي والخِرْوعُ المتقصِّفُ\nفرَدَّ \"الخِرْوعَ\" على ما في \"يستوى\" من ذكر \"النَّبعِ\"، ومنه قولُ اللَّهِ: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا﴾ [النمل: ٦٧]. فعطَف بالآباءِ على المُكنَّى في: ﴿كُنَّا﴾ من غيرِ إظهارِ (^٤) \"نحنُ\"، فكذلك قولُه: ﴿فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ﴾.\nوقد قيل: إن المسْتَوِيَ هو جبريلُ. فإن كان ذلك كذلك فلا مُؤْنةَ في ذلك؛ لأن قولَه: ﴿وَهُوَ﴾. مِن ذكرِ اسمِ جبريلَ. وكأن قائلَ ذلك وجَّه معنى قولِه: ﴿فَاسْتَوَى﴾. أي: ارْتَفَع واعْتَدَل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾: هو (^٥) جبريلُ ﵇.\nوبنحوِ الذي قُلنا في [تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾] (^٦). قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"تقول\"، وفي ت ٣: \"يقول\".\n(^٢) في معاني القرآن ٣/ ٩٥.\n(^٣) في معاني القرآن: \"يخلق\".\n(^٤) بعده في الأصل كلمة غير واضحة ولعلها: \"المكنى\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":12},{"text":"<span id=\"aya-4791\"></span>ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾: والأُفُقُ الذي يأتي منه النهارُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾. قال: بأُفقِ المَشرِقِ الأعلى بينَهما (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾. يعني: جبريلُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾. قال: السماءِ الأعلى، يعني: جبريلُ.\n\n<span id=\"aya-4792\"></span><span data-type='title' id=toc-8828>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذِكرُه: ثم دنا جبريلُ من محمدٍ صلَّى اللَّهُ عليهما وسلَّم فتَدلَّى إليه، وهذا من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، وإنما هو: ثم تَدَلَّى فدَنا (^٤). ولكِنَّه حَسُن تقديمُ قولِه: ﴿دَنَا﴾. إذ كان الدُّنوُّ يدلُّ على التَّدَلِّي، والتَّدَلِّي على الدُّنوِّ. كما يقالُ: زارنى فلانٌ فأحسَن، [وأَحْسَن] (^٥) إليَّ فزارني. و: شتَمني\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٨٨، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٤١٩.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٠ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ١١.\n(^٤) في الأصل: \"فتدنى\"، وفي ت ١: \"قددنا\".\n(^٥) سقط من: الأصل، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":13},{"text":"فأساء، وأساء فشَتَمني. لأن الإساءةَ هي الشَّتمُ، والشَّتمَ هو الإساءةُ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾. قال: جبريلُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾. يعني: جبريلُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾. قال: هو جبريلُ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنَى ذلك: ثم دنا الربُّ - جلَّ وعزَّ - مِن محمدٍ ﷺ فتَدَلَّى.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ الأُمويُّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، عن أبي سَلَمَةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾. قال: دنا ربُّه فتَدَلَّى (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٠ - ومن طريقه أبو الشيخ في العظمة (٣٦٩) - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٠، ومن طريقه أبو الشيخ في العظمة (٣٦٩) - عن معمر، عن قتادة.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ١١.\n(^٤) أخرجه الطبراني (١١٣٢٨) من طريق عطاء، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٣ إلى ابن مردويه.","vol":"22","page":14},{"text":"حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن شَريكِ بنِ أبي نَمِرٍ، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يُحدِّثُنا عن ليلةِ أُسْرِيَ (^١) برسولِ اللَّهِ ﷺ، أنه عَرَج جبريلُ برسولِ اللَّهِ ﷺ إلى السماءِ السابعةِ، ثم علا به فيما لا يعلمُه إِلَّا اللَّهُ، حتى جاء سِدْرةَ المُنتَهَى، ودنا الجبارُ ربُّ العِزَّةِ فتَدلَّى حتى كان منه قابَ قَوْسَين أو أدنى، فأوحَى اللَّهُ إليه ما شاء، فأوحَى اللَّهُ إليه فيما أَوْحَى خَمسين صلاةً على أمَّتِه كلَّ يومٍ وليلةٍ. ثم ذكَر الحديثَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4793\"></span>وقولُه: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. يقولُ: فكان جبريلُ من محمدٍ ﷺ على قدرٍ قَوْسَين أو أَدْنَى من ذلك. يعني: أو أقْرَبَ منه. يُقالُ فيه (^٣): هو منه قابَ قَوْسَين، وقِيبَ قَوْسَين، وقِيدَ قَوْسَين، وقاد قَوْسَين، وقِدَى قَوْسَين. كلُّ ذلك بمعنى: قدرَ قَوْسَين.\nوقيل: إن معنى قولِه: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾: أنه كان منه حيثُ الوَتَرُ مِن القوسِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾. قال: حيثُ الوَتَرُ مِن القَوْسِ (^٤).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المسرى\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٤/ ٤٢٠.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦٢٥، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (٩٢٧)، وعزاه السيوطي في =","vol":"22","page":15},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾. قال: قِيدَ قَوْسَين. وقال ذلك قتادةُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾. قال: قِيدَ، أو قدرَ قَوْسَين (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إبراهيمَ بنِ طَهْمانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. [قال: دنا] (^٣) جبريلُ ﵇ منه، حتى كان قدرَ ذِراعٍ أو ذِراعين (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عاصمٍ، عن أبي رَزينٍ: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. قال: ليست بهذه القَوْسِ، ولكن قَدْرَ الذِّراعَيْن أو أدْنَى. [والقَابُ هو القِيدُ (^٥).\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾] (^٣)؛ فقال بعضُهم في ذلك بنحوِ الذي قُلنا فيه.\n_________\n= الدر المنثور ٦/ ١٢٣ إلى الفريابي.\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٠ عن معمر به، وقول الحسن عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٣ إلى الطبراني في السنة، وقول قتادة عزاه إلى عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٣ إلى الطبراني في السنة.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢٦٠٣) من طريق إبراهيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٣ إلى ابن المنذر.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٦٢٥ من طريق عاصم به.","vol":"22","page":16},{"text":"[ذكرُ مَن قال ذلك] (^١)\nحدَّثنا ابنُ أبي الشَّواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا سليمانُ الشَّيبانيُّ، قال: ثنا زِرُّ بنُ حُبَيشٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ في هذه الآيةِ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"رأيتُ جبريلَ له سِتُّمائةِ جَناحٍ\" (^٢).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ [بيانٍ السُّكَّريُّ] (^٣)، قال: ثنا خالدُ بنُ (^٤) عبدِ اللَّهِ، عن الشَّيبانيِّ، عن زِرٍّ، عن ابنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. قال: رأى جِبريلَ له ستُّمائةِ جناحٍ في صورتِه (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا قَبِيصةُ بنُ ليثٍ الأسَديُّ، عن الشَّيبانيِّ، عن زِرِّ بنِ حُبَيشٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. قال: رأى النبيُّ ﷺ جبريلَ ﵇ له ستُّمائةِ جَناحٍ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا ابنُ لَهيعةَ، عن أبي (^٦) الأسودِ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان أوّلُ شأنِ رسولِ اللَّهِ ﷺ أنَّه رأى في\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٢٢ عن المصنف، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٩١٦) من طريق ابن أبي الشوارب به، وأخرجه ابن منده في الإيمان (٧٤٣) من طريق عبد الواحد بن زياد به.\n(^٣) في الأصل: \"بنان السكوني\". وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٤١٣.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٥٠١) من طريق خالد بن عبد الله به، وأخرجه الطيالسي (٣٥٦)، وأحمد ٦/ ٣٢٠ (٣٧٨٠)، والبخاري (٣٢٣٢، ٤٨٥٦، ٤٨٥٧)، ومسلم (١٧٤)، والترمذي (٣٢٧٧)، والنسائي في الكبرى (١١٥٣٤)، وأبو يعلى (٥٣٣٧)، وابن خزيمة في التوحيد ص ١٣٢ - ١٣٤، والطبراني (٩٠٥٥)، وأبو الشيخ في العظمة (٣٦٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩١٧، ٩١٨)، وفي الدلائل ٢/ ٣٦٦، ٣٦٧، ٣٧١، وابن منده في الإيمان (٣٤٢، ٣٤٤، ٣٤٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٢، ١٢٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣. وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ١٥.","vol":"22","page":17},{"text":"منامِه جبريلَ ﵇ بأَجْيادَ (^١)، ثم إنه خرَج ليقضِيَ حاجتَه، فصرَخ به جبريلُ: يا محمدُ، يا محمدُ. فنظَر رسولُ اللَّهِ ﷺ يمينًا وشمالًا فلم يرَ شيئًا، ثلاثًا، ثم خرَج فرَآه، فدخَل في الناسِ، ثم خرَج، [فرآه، فدخَل في الناسِ، ثم خرَج] (^٢)، أو قال: ثم نظَر - [الطبريُّ يشكُّ] (^٣) - فرآه، فذلك قولُه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾. قال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ إلى قولِه: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ جبريلُ إلى محمدٍ صلى اللَّهُ عليهما، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. يقولون: القَابُ نصفُ الإصبعِ. وقال بعضُهم: ذراعين كان بينَهما (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن الشَّيبانيِّ، عن زِرِّ بنِ حُبَيشٍ، عن ابنِ مسعودٍ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. قال: له ستُّمائةِ جَناحٍ. يعني جبريلَ ﵇ (^٥).\nحدَّثنا (^٦) إبراهيمُ بنُ سعيدٍ (^٧)، قال: ثنا أبو أُسامةَ، قال: ثنا زكريا، عن ابنِ أشرعَ (^٨)، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، قال: قلتُ لعائشةَ: ما قولُه: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾؟ فقالت: إنما ذلك جبريلُ، كان يأتِيه في صورةِ الرجالِ، وإنه أتاه هذه المرَّةَ في صورتِه، فسَدَّ أُفُقَ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"بأجناح\". وأجياد: موضع بمكة يلي الصفا. معجم البلدان ١/ ١٣٨.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أنا أشك\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٤٢٢ - من طريق ابن وهب به، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٢/ ٣٦٨ من طريق ابن لهيعة به.\n(^٥) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٥٤٠)، والطبراني (٩٠٥٥) من طريق سفيان به.\n(^٦) في الأصل: \"قال حدثنا\".\n(^٧) في الأصل: \"سعد\". وتقدم في ٢/ ٢٧٨.\n(^٨) في الأصل، ت ٢: \"أسرع\". وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٣٢، ٣٤/ ٤٢٤.","vol":"22","page":18},{"text":"السماءِ (^١).\nوقال آخرون: بل الذي دنا فتدَّلى فكان قابَ قَوْسَين أو أَدْنى، جبريلُ من رَبِّه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. قال: اللَّهُ مِن جبريلَ ﵇ (^٢).\nوقال آخرون: بل (^٣) الذي كان قابَ قوسين أو أدنى محمدٌ مِن ربِّه.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن موسى بنِ عُبَيدَةَ (^٤) الحميريِّ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ، عن بعضِ أصحابِ النبيِّ ﷺ، قال: قُلْنا: يا نبيَّ اللَّهِ، هل رأيتَ ربَّكَ؟ قال: \"لَم أرَه بعَيْنِي، ورَأيتُه بفؤادِي مرَّتَين\". ثم تَلا: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ \" (^٥).\nحدَّثنا خلّادُ بنُ أَسْلَمَ، قال: أخبَرنا النَّضرُ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عمرِو بنِ\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٣٤٦) من طريق إبراهيم بن سعيد به، وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (١٤٢٦)، والبخاري (٣٢٣٥)، ومسلم (١٧٧)، وأبو عوانة ١/ ١٥٥، وابن منده في الإيمان (٧٦٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩٢١)، وفي الدلائل ٢/ ٣٦٧، ٣٦٨ من طريق أبي أسامة به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٢٥.\n(^٣) بعده في م: \"كان\".\n(^٤) في م: \"عبيد\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٣٤٠.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٢٥ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٤٢٤ - من طريق موسى بن عبيدة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":19},{"text":"علقمةَ بنِ وقاصٍ اللَّيْثيُّ، عن كثيرٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"لما عُرِج بِي مضَى جبريلُ حتى جاء الجنةَ\". قال: \"فدخَلتُ فأُعطِيتُ الكَوْثَرَ، ثم مضَى حتى جاء سدرَةَ المُنتهَى، فدَنا رَبُّك فتدَلَّى، فكان قابَ قَوسَين أو أدْنَى، فأوحَى إلى عَبدِه ما أوحَى\" (^١).\n\n<span id=\"aya-4794\"></span>وقولُه: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فأوحَى اللَّهُ إلى عبدِه محمدٍ وحْيَه. وجعَلوا قولَه: ﴿مَا أَوْحَى﴾. بمعنى المصدرِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه (^٢): ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. قال: عبدِه محمدٍ ﷺ (^٣).\n[وقال آخرون: بل معنى ذلك: فأوحَى جبريلُ إلى عبدِه محمدٍ ﷺ] (^٤) ما أوحَى إليه ربُّه.\nوقد يتوجَّهُ على هذا التأويلِ ﴿مَا﴾ لوجهين؛ أحدُهما: أن تكونَ بمعنى \"الذي\"، فيكونَ معنى الكلامِ: فأوحَى إلى عبدِه الذي أوحاه إليه ربُّه. والآخرُ: أن\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ١٣٩، ١٤٠ من طريق محمد بن عمرو به، وتقدم في ١٤/ ٤١٥.\n(^٢) في الأصل: \"قول أبي ذر\".\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ١٣١ عن ابن بشار به، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٥٣٨) من طريق معاذ بن هشام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":20},{"text":"تكونَ بمعنى المصدرِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. قال: قال الحسنُ: جبريلُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. قال: على لسانِ جبريلَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ مثلَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. قال: أوحَى جبريلُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ما أوحَى اللَّهُ إليه (^٣).\nوأولى القولين في ذلك عندنا بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: فأوحَى جبريلُ إلى عبدِه محمدٍ ﷺ ما أوحَى إليه ربُّه. لأن افتتاحَ الكلامِ جرَى في أوَّل السورةِ بالخبرِ عن محمدٍ وعن جبريلَ ﵇، وقولُه: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ في سِياقِ ذلكَ، ولم يأتِ ما يَدلُّ على انصرافِ الخبرِ عنهما فيوجَّهَ ذلك إلى ما صُرِف إليه.\n\n<span id=\"aya-4795\"></span>وقولُه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما كذَب فؤادُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ١٣١ عن ابن بشار به، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٣٦٣) من طريق معاذ بن هشام به.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٣٦٨) من طريق أبي جعفر به.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٤٠٢.","vol":"22","page":21},{"text":"محمدٍ ﷺ محمدًا الذي رأى، ولكِنَّه صَدَقه.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في الذي رآه فؤادُه فلم يَكْذِبْه؛ فقال بعضُهم: الذي رآه فؤادُه ربُّ العالمين. وقالوا: جعَل (^١) بصَرَه في فؤادِه، فرآه بفؤادِه، ولم يَرَه بعينِه.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا سعيدُ بنُ يَحيى، قال: ثنى عمِّي (^٢) عبدُ الرحمنِ بنُ سعيدٍ، عن إسرائيلَ بنِ يونسَ بنِ أبي إسحاقَ السَّبِيعيِّ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. قال: رآه بقلبِه ﷺ (^٣).\nحدَّثنا خلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شُمَيلٍ، قال: أخبَرنا عبّادٌ - يعني ابنَ منصورٍ - قال: و(^٤) سألتُ عكرِمةَ عن قولِه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. قال: أتريدُ أن أقولَ لك: قد رآه؟ نعم قد رآه، ثم قد رآه، ثم قد رآه، حتى ينقطِعَ النَّفَسُ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عيسى بنُ عبيدٍ (^٦)، قال: سمِعتُ عكرِمةَ وسُئل: هل رأى محمدٌ ربَّه؟ فقال: نعم، قد رأى ربَّه.\n_________\n(^١) في الأصل: \"جعلوا\".\n(^٢) بعده في م: \"سعيد بن\". وفي تهذيب الكمال ١١/ ١٠٤ - ترجمة سعيد بن يحيى - روى عن … وعمِّه عبد الله بن سعيد الأموي. وينظر التاريخ الكبير ٥/ ١٠٤.\n(^٣) أخرجه عبد بن حميد - كما في الدر المنثور - ٦/ ١٢٤ - وعنه الترمذي (٣٢٨١) - وابن خزيمة في التوحيد ص ١٣١، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٩١١) من طريق إسرائيل به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥١، وابن منده في الإيمان (٧٦٠) من طريق سماك به، وأخرجه الطبراني (١٢٩٤١) من طريق يوسف بن مهران، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) أخرجه عبد الله في السنة (٢٢١)، والآجري في الشريعة (١٠٣٨)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٩٠٧) من طريق عباد بن منصور به.\n(^٦) في الأصل: \"عبيدة\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٦٣٤.","vol":"22","page":22},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا سالمٌ مَولى معاويةَ، عن عكرِمةَ مثلَه.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عيسى التميميُّ، قال: ثنى سليمانُ بنُ عمرَ (^١) بنِ سيَّارٍ، قال: ثنى أبي، عن سعيدِ بنِ زَرْبيٍّ (^٢)، عن عمرَ (^٣) بنِ سليمانَ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال النبيُّ ﷺ: \"رأيتُ ربِّي في أحسنِ صورةٍ، فقال لي: يا محمدُ، هل تدرِي فيمَ يَختَصِمُ الملأُ الأعلَى؟ فقلتُ: لا يا ربِّ. فوضَع يدَه بينَ كَتِفَيَّ، فوجَدتُ بردَها (^٤) بينَ ثَدْيَيَّ، فعَلِمتُ ما في السماواتِ (^٥) والأرْضِ، فقلتُ: يا ربِّ، في الدَّرجاتِ والكفارات، ونَقْلِ الأقدامِ إلى الجُمُعاتِ، وانتظارِ الصلاةِ بعدَ الصلاةِ. فقلتُ: يا ربِّ، إِنَّكَ اتخَذتَ إبراهيمَ خليلًا، وكلَّمتَ موسى تَكْلِيمًا، وفعَلتَ وفعَلتَ. فقال: ألم أشرَحْ لك صدرَكَ؟ ألم أضَعْ عنك وزرَك؟ ألم أفعَلْ بِك؟ ألم أفعَلْ؟ قال: فأفضَى إليَّ بأشياءَ لم يؤذَنْ لي أن أُحدِّثَكُموها. قال: فذلك قولُه في كتابِه يُحدِّثُكُموه (^٦): ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. فَجَعَل نورَ بَصري في فؤادِي، فنَظَرتُ إليه بفُؤَادِي\" (^٧).\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"عمرو\". والمثبت موافق لما في مخطوط تفسير ابن كثير ٧/ ٤٢٦. وينظر ضعفاء العقيلي ٣/ ١٧١، وميزان الاعتدال ٥/ ٢٤٤.\n(^٢) في الأصل، ت ٢، ت ٣: \"رزين\".\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"عمرو\".\n(^٤) في الأصل: \"بردهما\".\n(^٥) في الأصل، ص، م، ت ١: \"السماء\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لحدثتكموه\".\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٢٦ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٤ إلى المصنف، وقال ابن كثير: إسناده ضعيف، وأصل الحديث بدون زيادة: \"فقلت يا رب إنك اتخذت إبراهيم … \" أخرجه أحمد ٥/ ٤٣٧ (٣٤٨٤) وغيره.","vol":"22","page":23},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ وأحمدُ بنُ هشامٍ، قالا: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. قال: رآه مرَّتَين بفُؤادِه (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، عن قيسٍ، عن عاصمٍ الأحول، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن اللَّهَ اصطَفى إبراهيمَ بالخُلَّةِ، واصْطَفى موسى بالكلامِ، واصْطَفى محمدًا بالرؤيةِ، صلواتُ اللَّهِ عليهم (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن زيادِ بنِ الحُصَينِ، عن أبي العاليةِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. قال: رآه بفُؤادِه (^٣).\nقال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عمَّن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. قال: رأى محمدٌ ربَّه (^٤).\nقال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾: فلم\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله في السنة (١٠٦٢) من طريق عبيد الله بن موسى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) بعده في الأصل: \"حدثنا أبو العالية عن ابن عباس: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. قال: رآه بفؤاده\".\nوالأثر أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ١٣٠. والآجري في الشريعة (٦٨٦، ٦٨٧، ١٠٣١)، وابن عساكر في تاريخه ٦/ ٢١٦ من طريق قيس به، وأخرجه عبد الله في السنة (٥٧٧) من طريق عاصم الأحول به، وأخرجه عبد الله أيضًا (٥٧٨، ٥٧٩)، والنسائي في الكبرى (١١٥٣٩)، وابن منده في الإيمان (٧٦٢)، والحاكم ٢/ ٤٦٩، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٩٠٥) من طريق عكرمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٤ إلى ابن مردويه.\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ٤٢٥ (١٩٥٦)، ومسلم (١٧٦)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٤٢)، وابن خزيمة في التوحيد ص ١٣١، وابن منده في الإيمان (٧٥٤ - ٧٥٦)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٩١٦، ٩١٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩٢٦) من طريق الأعمش به.\n(^٤) أخرجه عبد الله في السنة (٥٦٣)، والآجري في الشريعة (١٠٣٢، ١٠٣٣)، وابن خزيمة في التوحيد ص ١٣٠، ١٣١ من طريق عكرمة، عن ابن عباس.","vol":"22","page":24},{"text":"يَكْذِبْه، ﴿مَا رَأَى﴾. قال: رأى ربَّه.\nقال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. قال: رأى محمدٌ ربَّه بفُؤادِه.\nوقال آخرون: بل الذي رآه فؤادُه فلم يَكْذبْه جبريلُ ﵇.\nذِكرُ مَن قال ذلك\n[حدَّثني ابن بَزِيعٍ البغداديُّ] (^١) قال: ثنا إسحاقُ (^٢) بنُ منصورٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ (^٣)، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. قال: رأى رسولُ اللَّهِ ﷺ جبريلَ عليه حُلَّتا رفرفٍ، قد ملأَ ما بينَ السماءِ والأرضِ (^٤).\nحدَّثنا إبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوزْجانيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ عاصمٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عاصمٍ، عن زِرِّ بنِ حُبَيشٍ، عن عبدِ اللَّهِ، أن النبيَّ ﷺ قال: \"رأيتُ جبريلَ عندَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى، له سِتُّمائةِ جَناحٍ، يَنفُضُ من رِيشِه التَّهاويلَ (^٥)؛ الدُّرَّ والياقوتَ\" (^٦).\n_________\n(^١) سقط من الأصل، وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ١٦.\n(^٢) في الأصل: \"أبو إسحاق\"، وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٤٧٨.\n(^٣) في الأصل، ت ٢: \"زيد\". وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ١٣.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٢٣ عن المصنف، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٢/ ٣٦٧ من طريق إسحاق بن منصور به، وأخرجه الفريابي - كما في الدر المنثور ٦/ ١٢٣ - ومن طريقه الطبراني (٩٠٥٠) - وأحمد ٦/ ٢٨٥، ٧/ ٨١ (٣٧٤٠، ٣٩٧١)، وعبد بن حميد - كما في الدر - وعنه الترمذي (٣٢٨٣) - والنسائي في الكبرى (١١٥٣١)، وابن خزيمة في التوحيد ص ١٣٣، وأبو الشيخ في العظمة (٣٤٣، ٣٤٤)، وابن منده في الإيمان (٧٥١)، وأبو يعلى (٥٠١٨)، وفي تفسير مجاهد ص ٦٢٥، والحاكم ٢/ ٤٦٨، ٤٦٩، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩٢٠) من طريق إسرائيل به، وأخرجه الطيالسي (٣٢١) من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن مردويه وأبي نعيم في دلائل النبوة.\n(^٥) التهاويل: الأشياء المختلفة الألوان. النهاية ٥/ ٢٨٣.\n(^٦) أخرجه أحمد ٧/ ٣١، ٤٠٤ (٣٩١٥، ٤٣٩٦)، والنسائي في الكبرى (١١٥٤٢)، وابن خزيمة =","vol":"22","page":25},{"text":"حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ وإبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوزْجانيُّ، قالا: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، أن الحسينَ بنَ واقدٍ حدَّثه، قال: حدَّثني عاصمُ بنُ أبي النَّجودِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"رأيتُ جبريلَ عندَ سِدْرَةِ المُنتَهَى، له سِتُّمائةِ جَناحٍ\". زاد الرِّفاعيُّ في حديثِه: فسألتُ عاصمًا عن الأجنحةِ فلم يُخبِرْني، فسألتُ أصحابي فقالوا: كلُّ جناحٍ ما بينَ المَشْرِقِ والمَغرِبِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. قال: رأى جبريلَ في صورتِه التي هي صورتُه. قال: وهو الذي رَآه نزلَةً أُخرى (^٢).\nواختَلَفتِ القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ ومكةَ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿كَذَبَ﴾ بالتخفيفِ، غيرَ عاصمٍ الجَحْدَريِّ وأبي جعفرٍ القارئِ والحسنِ البصرىِّ، فإنهم قرءوه: (كذَّب) بالتشديدِ (^٣)، بمعنى أن الفؤادَ لم يُكذِّبِ الذي رَآه (^٤)، ولكِنَّه جعَله حقًّا وصدقًا. وقد\n_________\n= في التوحيد (١٣٣، ١٣٤)، وأبو الشيخ في العظمة (٥٠٢، ٥٠٣)، وأبو يعلى (٤٩٩٣)، وفي تفسير مجاهد ص ٦٢٦، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٣٧٢ من طريق حماد به، وأخرجه الطبراني (٩٠٥٤)، وأبو الشيخ في العظمة (٣٤٧) من طريق عاصم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وأبي نعيم في دلائل النبوة.\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٤١٠ (٣٨٦٢)، والطبراني (١٠٤٢٣)، وأبو الشيخ في العظمة (٣٥٦) من طريق زيد بن الحباب به، وأخرجه أحمد ٦/ ٢٩٤ (٣٧٤٨)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ٢/ ٣٣٩ من طريق عاصم بن أبي النجود بنحوه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥١ - ومن طريقه أبو الشيخ في العظمة (٣٧٠) - عن معمر به.\n(^٣) قراءة التخفيف هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر في رواية ابن ذكوان وعاصم بن أبي النجود وحمزة والكسائي ويعقوب الحضرمي وخلف، وقراءة التشديد هي قراءة ابن عامر في رواية هشام وأبي جعفر المدني والحسن البصري وعاصم الجحدري. ينظر النشر ٢/ ٢٨٣، والبحر المحيط ٨/ ١٥٩، وإتحاف فضلاء البشر ص ٢٤٨.\n(^٤) في ص، م، ت ١: \"رأى\".","vol":"22","page":26},{"text":"يحتَمِلُ أن يكونَ معناه إذا قُرِئَ كذلك: ما كذَّب صاحبُ الفؤادِ ما رأَى. وقد بيَّنا معنى مَن قرَأ ذلك بالتخفيفِ.\nوالذي هو أولى القراءتين في ذلك عندي بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه بالتخفيفِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ عليه، والأُخرى غيرُ مدفوعةٍ [صحَّتُها؛ لصحَّةِ] (^١) معناها.\n\n<span id=\"aya-4796\"></span><span data-type='title' id=toc-8829>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اختَلَفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾؛ فقرَأ ذلك عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ وعامَّةُ أصحابِه: (أفتَمْرُونه) بفتحِ التاءِ بغيرِ ألفٍ، وهي قراءةُ عامَّةِ قرَأةِ أهلِ الكوفةِ (^٢)، ووجَّهوا تأويلَه إلى: أفتَجْحدونَه.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ أنه كان يقرَأُ: (أَفَتَمْرُونَه) (^٣). يقولُ: أفتَجحَدونه، ومَن قرَأ: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾. قال: أفتُجادلونه (^٤).\nوقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ ومكةَ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ بضمِّ التاءِ والألفِ (^٥)، بمعنى: أفتُجادِلونه.\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"صحته لصحة\"، وفي ت ٢: \"صحبة بصحة\".\n(^٢) وهي قراءة حمزة والكسائي ويعقوب وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٨٣.\n(^٣) بعده في م: \"بفتح التاء بغير ألف\".\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور ٦/ ١٢٤ - ومن طريقه الحافظ في التغليق ٤/ ٣٢٣، وعبد بن حميد - كما في التغليق - عن هشيم به بلفظ: \"أفتجادلونه\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر.\n(^٥) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وأبي جعفر. ينظر النشر ٢/ ٢٨٣.","vol":"22","page":27},{"text":"والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي (^١) أنهما قراءتان معروفتان صَحيحَتا المعنى، وذلك أن المشرِكين قد جحَدوا أن يكونَ رسولُ اللَّهِ ﷺ رأَى ما أَراه اللَّهُ ليلةَ أُسْرِي به وجادَلوه في ذلك، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوتأويلُ الكلامِ: أفتُجادِلون أيها المُشرِكون محمدًا على ما يرَى مما أَراه اللَّهُ مِن آياتِه.\n\n<span id=\"aya-4797\"></span>وقولُه: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. يقولُ: ولقد رآه مرَّةً أُخرى.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في الذي رآه محمدٌ نَزْلةً أُخرَى نحوَ اختلافِهم في قولِه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾.\nذكرُ بعضِ ما رُوِي في ذلك مِن الاختلافِ\nوذِكرُ مَن قال فيه: رأَى جبريلَ ﵇\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ الثَّقفيُّ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، أن عائشةَ قالت: يا أبا عائشةَ، مَن زعَم أن محمدًا رأى ربَّه فقد أعظَم الفِرْيةَ على اللَّهِ. قال: وكُنتُ متَّكِئًا فجلَستُ، فقلتُ: يا أمَّ المؤمنين، أنْظِريني ولا تُعجلِيني، أرأيتِ قولَ اللَّهِ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣]؟ قالت: إنما هو جبريلُ؛ رآه مرَّةً على خَلْقِه وصورتِه التي خُلِق عليها، ورآه مرَّةً أخرى حين هبَط مِن السماءِ إلى الأرضِ سادًّا عِظَمُ خَلْقِه ما بينَ السماءِ و(^٢) الأرضِ. قالت: أنا أَوَّلُ مَن سأَل\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في الأصل: \"إلى\".","vol":"22","page":28},{"text":"النبيَّ ﷺ عن هذه الآيةِ، قال: \"هو جبريلُ\" (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ وعبدُ الأعلى، عن داودَ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ بنحوِه (^٢).\n[حدَّثنا ابنُ المثنى، قال] (^٣): حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرَنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، قال: كنتُ عندَ عائشةَ. فذكَر نحوَه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن داودَ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ ﵂، قالت له: يا أبا عائشةَ، مَن زعَم أن محمدًا رأَى ربَّه فقد أعْظَمَ الفِرْيَةَ على اللَّهِ، واللَّهُ يقولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]. قال: وكُنتُ متَّكِئًا فجلستُ، وقلتُ: يا أمَّ المؤمنين، [انْتَظرِيني ولا تُعْجِليني] (^٥)، ألم يَقُلِ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾؟ فقالت: أنا أوَّلُ هذه الأُمَّةِ سألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ عن ذلك، فقال: \"لم أرَ جبريلَ على صورته إلَّا هاتَينِ المرَّتينِ؛ رأيتُه (^٦) مُنهَبِطًا مِن السماءِ سادًّا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧٧)، والنسائي في الكبرى (١١٤٠٨) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أبو عوانة ١/ ١٥٤ من طريق عبد الوهاب به، وأخرجه الترمذي (٣٠٦٨) من طريق داود به، وأخرجه أحمد ٦/ ٤٩ (الميمنية)، والبخاري (٧٣٨٠، ٧٥٣١) من طريق عامر به.\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٤٠٩) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أحمد ٦/ ٢٤١ (الميمنية)، وابن خزيمة في التوحيد ص ١٤٦ من طريق ابن أبي عدي به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٤٠٩) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أحمد ٦/ ٢٣٦، وابن خزيمة في التوحيد ص ١٤٦، وأبو عوانة في مسنده ١/ ١٥٣، وابن منده في الإيمان (٧٦٣)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩٢٣) من طريق يزيد بن هارون به.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"انتظري ولا تعجلي\".\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":29},{"text":"عِظَمُ خَلْقِه ما بينَ السماءِ والأرضِ\".\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبَرنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، قال: كنتُ متَّكِئًا عندَ عائشةَ، فقالت: يا أبا عائشةَ. ثم ذكَر نحوَه (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، عن ابنِ مسعودٍ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. قال: رأى جبريلَ في رَفْرفٍ قد ملأَ ما بينَ السماءِ والأرضِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن قيسِ بنِ وهبٍ، عن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ (^٣): ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. قال: رأى جبريلَ، في وَبَرِ رِجْلَيه كالدُّرِّ مثلُ القَطرِ على البَقْلِ (^٤).\nحدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن سفيانَ، عن قيسِ بن وهبٍ، عن مرَّةَ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. ثم ذكَر نحوَه (^٥).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. قال: رأَى جبريلَ في صورتِه مرَّتين (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ١٤٥، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (٩٢٣) عن يعقوب بن إبراهيم به، وأخرجه ابن منده في الإيمان (٧٦٥) من طريق ابن علية به.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٢٥، وأخرجه ابن منده في الإيمان (٧٥٢) من طريق سفيان به.\n(^٣) بعده في ت ٢: \"وعن أبي مرة\"، وفي ت ٣: \"عن أبي مرة\".\n(^٤) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٣٤٩، ٣٥٠) من طريق محمد بن حميد به.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٦٢٦ من طريق حصين بن عبد الرحمن عن مرة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٢٩.","vol":"22","page":30},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ الحضرميِّ، عن مجاهدٍ، قال: رأَى النبيُّ ﷺ جبريلَ في صورتِه مرَّتَين.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. قال: جبريلَ (^١).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ بنُ الحارثِ بنِ نَوفَلٍ، عن قَوْلِ (^٢) كعبٍ أنه أخبَره أن اللَّهَ ﵎ قَسَم رؤيتَه وكلامَه بينَ محمدٍ وموسى، فكلَّمَه موسى مرَّتَين، ورآه محمدٌ مرَّتين. قال: فأتَى مسروقٌ عائشةَ، فقال: يا أمَّ المؤمنين، هل رأَى محمدٌ ربَّه؟ فقالت: سبحانَ اللَّهِ! لقد قَفَّ شَعَرِي لما قلتَ، أين أنتَ مِن ثلاثٍ مَن حدَّثكَ بهنَّ فقد كذَب؛ مَن أخبَرك أن محمدًا رأَى ربَّه فقد كذَب. ثم قرَأت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]. ومَن أخبَرك بما (^٣) في غدٍ فقد كذَب. ثم تلَت آخرَ سورةِ \"لقمانَ\": ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]. ومن أخبَرك أن محمدًا كتَم شيئًا [مِن الوحْيِ] (^٤) فقد كذَب. ثم قرَأت: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]. قالت: ولكِنَّه رأَى جبريلَ في صورتِه مرَّتين (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١١.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ما\".\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) أخرجه عبد الله في السنة (٥٤٨)، والحاكم ٢/ ٥٧٥، ٥٧٦، وابن مردويه - كما في الفتح ٨/ ٦٠٦، =","vol":"22","page":31},{"text":"حدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، قال: ثنى إسماعيلُ، عن عامرٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الحارثِ بن نَوْفَلٍ، قال: سمِعتُ كعبًا ثم ذكَر نحوَ حديثِ عبدِ الحميدِ بنِ بَيانٍ، غيرَ أنه قال في حديثِه: فرآه محمدٌ مرَّةً، وكلَّمه موسى مرَّتين.\nذكرُ مَن قال فيه: إنه (^١) رأَى ربَّه\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن\nسِماكٍ، عن (^٢) عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. قال: إن رسولَ اللَّهِ ﷺ رأى ربَّه بقلبِه. فقال له رجلٌ عندَ ذلك: أليس: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾؟ قال له عكرِمةُ: أليس ترَى السماءَ؟ قال: بلى. قال: أَفَكُلَّها تَرَى (^٣)؟\nحدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى، قال: ثنا أبي، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾. قال: دنا ربُّه فتَدلَّى، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ: قد رآه النبيُّ ﷺ (^٤).\n_________\n= ٦٠٧ - من طريق إسماعيل به مقتصرًا على قول كعب، وأخرجه الترمذي (٣٢٧٨)، وابن خزيمة في التوحيد ص ١٣٢، ١٤٩ من طريق الشعبي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. وسقط ذكر عامر الشعبي من مستدرك الحاكم.\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م: \"ابن\".\n(^٣) أخرجه الآجري في الشريعة (٦٢٧) من طريق عمرو بن حماد به، وأخرجه اللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٩١٠) - مقتصرًا على قول ابن عباس، وفي (٩٢٠) مطولًا بنحوه - من طريق أسباط به، وأخرجه الترمذي (٣٢٧٩)، وابن خزيمة في التوحيد ص ١٣٠ من طريق عكرمة به بنحوه.\n(^٤) أخرجه الترمذي (٣٢٨٠)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٩٠٦)، والبيهقي في الأسماء =","vol":"22","page":32},{"text":"<span id=\"aya-4798\"></span>وقولُه: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد رآه عندَ سدرةِ المُنتَهى. فـ ﴿عِنْدَ﴾ مِن صلةِ قولِه: ﴿رَآهُ﴾. والسدرةُ: شجَرةُ النَّبْقِ.\nوقيل لها: سدرةُ المُنتَهى - في قولِ بعضِ أهلِ العلمِ من أهلِ التأويلِ - لأنه يَنتَهِي إليها علمُ كلِّ عالمٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\n\n<span id=\"aya-4799\"></span>حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصِ بنِ حميدٍ، عن شِمْرٍ، قال: جاء ابنُ عباسٍ إلى كعبِ الأحبارِ، فقال له: حَدِّثْني عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾. فقال كعبٌ: إنها سدرةٌ في أصلِ العرشِ، إليها يَنْتَهِي علمُ كلِّ عالمٍ؛ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، أو نبيٍّ مُرسلٍ، ما خَلْفَها غيبٌ، لا يعلمُه إِلَّا اللَّهُ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني جريرُ بنُ حازمٍ، عن الأعمشِ، عن شِمْرِ بنِ عطيةَ، عن هلالِ بنِ يِسافٍ، قال: سأَل ابنُ عباسٍ كعبًا عن سِدرةِ المُنتَهى وأنا حاضرٌ، فقال كعبٌ: إنها سدرةٌ على رءوسِ حَمَلةِ العرشِ، وإليها يَنتَهِي علمُ الخلائقِ، ثم ليس لأحدٍ وراءَها علمٌ، فلذلك سُمِّيت سدرةَ المُنتَهَى، لانتهاءِ العلمِ إليها (^٢).\n_________\n= والصفات (٩٣٣) من طريق سعيد بن يحيى به، وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ١٣١، وابن حبان (٥٧)، والطبراني (١٠٧٢٧)، والآجري في الشريعة (١٠٣٢)، واللالكائي (٩١٣) من طريق محمد بن عمرو به.\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٥٠ من طريق عكرمة، عن ابن عباس بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٥ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٥ إلى المصنف.","vol":"22","page":33},{"text":"وقال آخرون: قيل لها: سِدْرةُ المُنتَهى لانتِهاءِ (^١) ما يَهبِطُ مِن فوقِها ويَصْعَدُ مِن تحتِها من أمرِ اللَّهِ إليها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكٌ، عن الزُّبيرِ بنِ (^٢) عديٍّ، عن طلحةَ الياميِّ (^٣)، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لما أُسرِي برسولِ اللَّهِ ﷺ انْتُهِي به إلى سدرةِ المُنتَهَى، وهي في السماءِ السادسةِ، إليها يَنتَهِي مَن يَعرُجُ مِن الأَرضِ أو مِن تحتِها فيُقْبَضُ منها، وإليها يَنتهِي ما يَهبِطُ من فوقِها فيُقْبَضُ منها (^٤).\nحدَّثني جعفرُ بنُ محمدٍ البُزُورِيُّ (^٥)، قال: ثنا يَعلَى، عن الأجلحِ، قال: قلتُ للضَّحاكِ: لم تُسمَّى سدرةَ المُنتَهَى (^٦)؟ قال: لأنه يَنتَهِي إليها كلُّ شيءٍ مِن أمرِ اللَّهِ لا يَعْدُوها (^٧).\nوقال آخرون: قيل لها: سِدرةُ المُنَتَهى لأنه إليها يَنتَهِي كلُّ مَن كان على سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ومِنهاجِه.\n_________\n(^١) في م: \"لأنها ينتهى\".\n(^٢) في م: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٣١٥.\n(^٣) في الأصل: \"اليماني\". وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٤٣٤.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيها\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٤٦٠، وأحمد ٦/ ١٨١ (٣٦٦٥)، ومسلم (١٧٣)، والترمذي (٣٢٧٦)، والنسائي (٤٥٠)، وأبو يعلى (٥٣٠٣)، وابن منده في الإيمان (٧٤١)، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٣٧٢، ٣٧٣، ٥/ ٤٧٤ من طريق مالك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المروزي\". وتقدم في ١/ ٥٠٨.\n(^٦) بعده في ت ٢، ت ٣: \"سدرة المنتهى\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٤٢٦ من طريق الأجلح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":34},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾. قال: إليها يَنْتَهِي كلُّ أحدٍ خَلا على سُنَّةِ محمدٍ (^١)؛ ولذلك سُمِّيتِ المُنتَهَى (^٢).\nحدَّثني عليُّ بنُ سَهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ الرِّياحيِّ، عن أبي هريرةَ أو غيرِه - شكَّ أبو جعفرٍ الرازيُّ - قال: لما أُسرِي بالنبيِّ ﷺ، انتَهَى إلى السدرةِ، فقيل له: هذه السدرةُ يَنتَهِي إليها كلُّ أحدٍ خَلا مِن أُمَّتِكَ على سُنَّتِك (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن معنى المُنتَهى الانتهاءُ. فكَأنَّه قال (^٤): عندَ سدرةِ (^٥) الانتهاءِ. وجائزٌ أن يكونَ قيل لها (^٦): سدرةُ المُنتَهَى. لانتهاءِ علمِ كلِّ عالمٍ مِن الخَلْقِ إليها، كما قال كعبٌ. وجائزٌ أن يكونَ قيل لها ذلك لانتهاءِ ما يَصْعَدُ مِن تحتِها وينزلُ مِن فوقِها إليها، كما رُوِي عن عبدِ اللَّهِ. وجائزٌ أن يكونَ قيل ذلك كذلك لانتهاءِ كلِّ مَن خلا مِن الناسِ على سُنَّةِ رسول اللَّهِ ﷺ إليها. وجائزٌ أن يكونَ قيل لها ذلك لجميعِ ذلك، ولا خبرَ يَقطَعُ العذرَ بأنه قيل ذلك لها لبعضِ ذلك دونَ بعضٍ، فلا قولَ فيه أصحُّ مِن القولِ الذي قال ربُّنا جلَّ ثناؤُه، وهو أنَّها سِدْرةُ المُنتَهَى.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أحمد\".\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٩٥.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٤/ ٤٣٦ مطولًا.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قيل\".\n(^٥) بعده في الأصل: \"المنتهى\".\n(^٦) في ت ٢، ت ٣: \"له\".","vol":"22","page":35},{"text":"وبالذي قُلنا في أنها شجرةُ النَّبقِ تتابعتِ الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ وقال أهلُ العلمِ.\nذكرُ ما في ذلك من الآثارِ وقولِ أهلِ العلمِ\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"انتَهَيْتُ إلى السدرةِ، فإِذا نَبقُها مثلُ الجِرَارِ، وإذا ورقُها مثلُ آذانِ الفِيلَةِ، فَلَمَّا غَشِيَها مِن أمرِ اللَّهِ ما غَشِيَها، تحوَّلت ياقوتًا وزُمُرُّدًا ونحوَ ذلك\" (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن مالكِ بن صَعْصَعةَ، رجلٍ من قومِه، قال: قال نبيُّ اللَّهِ ﷺ: \"لما انتهَيتُ إلى السماءِ السابعةِ أتَيتُ على إبراهيمَ، فقلتُ: يا جبريلُ، مَن هذا؟ قال: هذا أبوكَ إبراهيمُ. فسلَّمتُ عليه، فقال: مرحبًا بالابنِ الصالحِ والنبيِّ الصالحِ. قال: ثم رُفِعتْ إليَّ سدرةُ المُنتَهَى\". فحَدَّث نبيُّ اللَّهِ أن نَبْقَها مثلُ قِلالِ هَجَرَ، وأن ورقَها مثلُ آذانِ الفِيَلةِ.\nوحدَّثنا ابنُ المثَّنى، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صعصعةَ، رجلٍ من قومِه، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، قال: ثنا أنسُ بنُ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صعصعةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال. فذكَر نحوَه (^١).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٤/ ٤١٥.","vol":"22","page":36},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي سُرَيجٍ (^١) الرازيُّ (^٢)، قال: ثنا الفضلُ بنُ عنبَسةَ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"رَكِبتُ البُراقَ، ثم ذُهِب بي إلى سِدرةِ المُنتَهَى، فإذا ورقُها كآذانِ الفِيلَةِ، وإذا ثمرُها كالقِلالِ. قال: فلمَّا غشِيَها مِن أمرِ اللَّهِ ما غَشِيَها تغَيَّرت، فما أحدٌ يَستطيعُ أن يَصِفَها مِن حُسنِها. قال: فأوحَى اللَّهُ إليَّ ما أوحَى\" (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ أَبي سُرَيجٍ، قال: ثنا أبو النَّضرِ، قال: ثنا سليمانُ بنُ المُغيرةِ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"عرَج بي الملَكُ. قال: ثم انتهَيتُ (^٤) إلى السِّدرةِ وأنا أعرِفُ أنها سِدرةٌ، أعرِفُ ورَقَها وثمرَها. قال: فلما غَشِيَها مِن أمرِ اللَّهِ ما غَشِيَها تحوَّلتْ، حتى ما يستطيعُ أحدٌ أن يصِفَها\" (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا يونسُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سليمانُ بنُ المغيرةِ، عن ثابتٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ مثلَه، إلَّا أنه قال: \"حتى ما أستطيعُ أن أصِفَها\".\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازِيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ الرِّياحيِّ، عن أبي هريرةَ أو غيرِه - شكَّ أبو جعفرٍ الرازيُّ - قال: لما أُسرِي بالنبيِّ ﷺ انتَهَى إلى السِّدرةِ، فقيل له: هذه السِّدرةُ ينتَهِي إليها كلُّ\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، ت ٣: \"شريح\". وينظر سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٦٩.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣.\n(^٣) أخرجه أحمد ١٩/ ٤٨٥ (١٢٥٠٥)، ومسلم (١٦٢)، وأبو يعلى (٣٤٥٠، ٣٤٩٩)، وأبو عوانة ١/ ١٢٦، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٣٨٢ - ٣٨٤، والبغوي في شرح السنة (٣٧٥٣)، من طريق حماد بن سلمة به\n(^٤) في الأصل: \"أتيت\".\n(^٥) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٣/ ٤٩٣ - ٤٩٥ من طريق أبي النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان، عن ثابت، عن أنس.","vol":"22","page":37},{"text":"أحدٍ خَلا من أمَّتِك على سُنَّتِك. فإذا هي شجرةٌ يَخرُجُ من أصلِها أنهارٌ من ماءٍ غيرِ آسنٍ، وأنهارٌ من لبنٍ لم يتغيرْ طَعمُه، وأنهارٌ مِن خَمْرٍ لذَّةٍ للشاربين، وأنهارٌ من عسلٍ مُصَفًّى، وهي شجرةٌ يسيرُ الراكبُ في ظلِّها سبعين عامًا لا يقْطَعُها، والورقةُ منها مُغَطِّيةٌ (^١) الأمةَ كلَّها (^٢).\nوحدَّثنا ابنُ حمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ الحضرميِّ، عن الحسنِ العُرَنيِّ، أُراه عن هُزيلِ (^٣) بنِ شُرحبيلَ، عن ابنِ مسعودٍ: ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾. قال: من صُبْرِ (^٤) الجنةِ عليها، أو عليه، فضولُ السُّندسِ والإستبرقِ، أو جُعِلَ عليها فضولٌ (^٥).\nوحدَّثنا به ابنُ حُميدٍ مرَّةً أُخرى، عن مِهرانَ، فقال: عن الحسنِ العُرنيِّ، عن الهُزيلِ، عن ابنِ مسعودٍ - ولم يَشُكَّ فيه - وزاد في الحديثِ: فقال: صُبْرُ الجنَةِ يعني وسطَها. وقال أيضًا: عليها فضولُ السُّندسِ والإستبرقِ.\nوحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ، عن الحسنِ العُرَنيِّ، عن الهُزَيلِ بنِ شُرحبيلَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾. قال: صُبْرُ الجنةِ عليها السندسُ والإستبرقُ.\nوحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تغطية\"، وفي م: \"تغطى\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٤/ ٤٣٦.\n(^٣) في م: \"هذيل\"، وفي ت ٣: \"الهذيل\". وينظر الإكمال ٧/ ٤٠٧، وتهذيب الكمال ٣٠/ ١٧٢.\n(^٤) في الأصل: \"صبرة\"، وفي ت ٢: \"عبر الحسنة\"، وفي ت ٣: \"خبر\"، وصُبْر الجنة: أي أعلى نواحيها، وصُبْر كل شيء أعلاه. النهاية ٣/ ٩.\n(^٥) أخرجه الفريابي - كما في الدر المنثور ٦/ ١٢٥ - ومن طريقه الطبراني (٩٠٥٦)، وابن أبي شيبة ١٣/ ٩٧ من طريق سفيان به.","vol":"22","page":38},{"text":"يحيى بنِ عبَّادِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن أبيه، عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، قالت: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ وذكَر سِدرةَ المُنتَهَى، فقال: \"يَسيرُ في ظِلِّ الفَننِ (^١) منها مائةُ راكبٍ - أو قال: يَستظِلُّ في الفَننِ منها مائةُ راكبٍ. شَكَّ يحيى - فيها فَرَاشُ الذَّهَبِ، كأَنَّ ثمرَهَا القِلالُ\" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾. قال: السِّدرةُ شجرةٌ يسيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يقطَعُها (^٣)، وإن ورقةً منها غَشِيت (^٤) الأمةَ كلَّها.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾: أن النبيَّ ﷺ قال: \"رُفِعَت لي سِدرةٌ، مُنتَهاها (^٥) في السماءِ السابعةِ، نَبْقُها مثلُ قِلالِ هَجَرَ، وورَقُها مثلُ آذانِ الفِيلَةِ، يخرُجُ مِن ساقِها نَهرانِ ظاهِرانِ ونَهرانِ باطِنانِ. قال: قلتُ لجبريلَ: ما هذان النَّهرانِ أزواجٌ (^٦)؟ قال: أما النَّهرانِ الباطِنانِ ففي الجنَّةِ، وأما النَّهرانِ الظَّاهرانِ فالنيلُ والفراتُ\" (^٧).\n_________\n(^١) الفَنَن: غُصْن الشجرة. النهاية ٣/ ٤٧٦.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٥٤١) عن أبي كريب به - ووقع فيه زيادة عائشة بين عباد بن عبد الله بن الزبير وأسماء وهو خطأ، وينظر تحفة الأشراف ١١/ ٢٤٢، وتحفة الأحوذي ٣/ ٣٢٨ - وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣١٤١)، والطبراني ٢٤/ ٨٧، ٨٨ (٢٣٤)، والحاكم ٢/ ٤٦٩ من طريق يونس بن بكير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٥ إلى ابن مردويه.\n(^٣) في الأصل: \"يقطعه\".\n(^٤) في م: \"غشت\".\n(^٥) في الأصل: \"منتهى\".\n(^٦) بعده في م، ت ٢، ت ٣: \"أرواح\".\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥١ - ومن طريقه أحمد ٢٠/ ١٠٧ (١٢٦٧٣)، وأبو يعلى (٣١٨٥)، والدارقطني ١/ ٢٥، والحاكم ١/ ٨١ - عن معمر، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا.","vol":"22","page":39},{"text":"وقولُه: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: عندَ سِدرةِ المنتَهى جنةُ مأْوَى الشهداءِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾. قال: هي عن (^١) يمينِ العرشِ، وهي منزلُ الشهداءِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن داودَ، عن أبي العاليةِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾. قال: هو كقولِه: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٩].\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾. قال: منازلُ الشهداءِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-4800\"></span>وقولُه: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد رآه نَزْلةً أُخرَى، إذ يَغْشَى السِّدرةَ ما يَغْشَى. فـ ﴿إِذْ﴾ مِن صلةِ ﴿رَآهُ﴾.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في الذي غَشِي (^٤) السِّدرةَ؛ فقال بعضُهم: غَشِيَها فرَاشُ الذهبِ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٣ عن معمر به.\n(^٤) في م: \"يغشى\".","vol":"22","page":40},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكٌ، عن الزبيرِ بنِ عديٍّ، عن طلحةَ الياميِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. قال: غَشِيَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ (^١).\nوحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ أو طلحةَ - شكَّ الأعمشُ - عن مسروقٍ في قولِه: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. قال: غَشِيَها فَرَاشٌ (^٢) من ذَهَبٍ.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"رأيتُها - يعنِي (^٣) سدرةَ المُنتَهَى - حتى اسْتَثبتُّها، ثم حالَ دونَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ\" (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"رأيْتُها حتى اسْتَثبَتُّها، ثم حالَ دونَه (^٥) فَراشُ الذهَبِ\".\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن مجاهدٍ وإبراهيمَ في قولِه: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. قال: غَشِيَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ.\n_________\n(^١) جزء من الحديث المتقدم في ص ٣٤.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في م: \"بعيني\"\n(^٤) أخرجه أبو يعلى (٢٦٥٦) من طريق أبي خالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٥ إلى الحكيم الترمذي.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"دونها\"","vol":"22","page":41},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن موسى - يعني ابنَ عُبَيدةَ - عن يعقوبَ بنِ زيدٍ، قال: سُئلَ النبيُّ ﷺ: ما رأيتَ يَغْشَى السِّدرةَ؟ قال: \"رأيتُها يَغْشاها فَراشُ من ذَهَبٍ\" (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. قال: قيل له: يا رسول اللَّهِ، أيُّ شيءٍ رأيتَ يغْشَى تلك السِّدرةَ؟ [قال: \"رأيْتُها] (^٢) يَغْشاها فَراشُ الذهَبِ، ورأيتُ على كلِّ ورقةٍ من ورقِها مَلَكًا قائمًا يُسبِّحُ اللَّهَ\" (^٣).\nوقال آخرون: الذي غَشِيَها ربُّ العزَّةِ وملائكتُه.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. قال: غَشِيَها اللَّهُ، فرأَى محمدٌ مِن آياتِ ربِّه الكُبْرى.\nوحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. قال: كان أَغْصَانُ السِّدرةِ لُؤلؤًا وياقوتًا وزَبَرْجَدًا، فرآها محمدٌ، ورأَى محمدٌ بقلبِه ربَّه (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٣/ ٣٨١ عن المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٢٩.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦٢٧، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (٩٢٧).","vol":"22","page":42},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. قال: غَشِيَها نورُ الربِّ وغَشِيَتها الملائكةُ مِن حُبِّ اللَّهِ مثلَ الغِربانِ حينَ يقَعْنَ على الشَّجرِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنحوِه.\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازِيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ الرِّياحيِّ، عن أبي هريرةَ أو غيرِه - شكَّ أبو جعفرٍ الرازيُّ - قال: لما أُسرِي بالنبيِّ ﷺ انتَهَى إلى السِّدرة، [فقيل له: هذه السدرةُ] (^٢). قال: فغَشِيَها نورُ الخَلَّاقِ، وغَشِيَتها الملائكةُ أمثالَ الغِربانِ حينَ يقَعْنَ على الشجرِ. قال: فكَلَّمَه عندَ ذلك، فقال له: سَلْ (^٣).\n\n<span id=\"aya-4801\"></span><span data-type='title' id=toc-8830>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ما مال بصرُ محمدٍ فعَدَل (^٤) يمينًا ولا (^٥) شمالًا عما رأَى (^٦)، ولا جاوَز ما أُمِر به فطَغى. يقولُ: فارْتَفَع عن الحدِّ الذي حُدَّ له.\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٩٦.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٤/ ٤٣٥.\nوإلى هنا ينتهي الجزء السادس والأربعون من نسخة جامعة القرويين ويبدأ الجزء السابع والأربعون من نفس النسخة.\n(^٤) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"يعدل\".\n(^٥) سقط من: الأصل، م، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) بعده في م: \"أي\".","vol":"22","page":43},{"text":"وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مسلمٍ البَطينِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾. قال: ما زاغ يمينًا ولا شمالًا، ﴿وَمَا طَغَى﴾: وما (^١) جاوز ما أُمِر به (^٢).\n[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ في قولِه: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾. قال: ما مَال وما ارتفَع] (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن موسى بنِ عبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾. قال: رأى جبريلَ في صورةِ الملَكِ (^٤).\nقال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مسلمٍ البَطينِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾. قال: ﴿مَا زَاغَ﴾: ما (^٥) ذهَب يمينًا ولا شمالًا، ﴿وَمَا (^٦) طَغَى﴾: ما جاوز.\n\n<span id=\"aya-4802\"></span>وقولُه: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لقد رأَى\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لا\".\n(^٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٦٩ من طريق سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، ومسلم البطين قال عنه أبو حاتم: لم يدرك ابن عباس، كان يروي عن سعيد بن جبير. المراسيل ص ٢١٨.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٣٧٠) من طريق موسى به.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في ص، م، ت ٣: \"لا\".","vol":"22","page":44},{"text":"محمدٌ هنالك من أعلامِ ربِّه وأدلتِه، [الأعلامَ و] (^١) الأدلةَ الكُبرى.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تلك الآياتِ الكُبرَى؛ فقال بعضُهم: رأَى رَفْرفًا أخضرَ قد سدَّ الأُفُقَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، قال: ثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾. قال: رَفْرفًا أخضرَ من الجنةِ قد سدَّ الأُفُقَ (^٢).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللَّهِ. فذكَر مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن ابنِ مسعودٍ: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾. قال: رَفْرفًا أخضرَ قد سدَّ الأُفُقَ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن الأعمشِ، أن ابنَ مسعودٍ قال: رأى النبيُّ ﷺ رَفرفًا أخضرَ من الجنةِ قد سدَّ الأُفُقَ.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور ٦/ ١٢٦ - ومن طريقه الطبراني (٩٠٥٣) عن أبي معاوية به، وأخرجه الطيالسي (٢٧٦)، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٣، والبخاري (٣٢٣٣)، وابن خزيمة في التوحيد ص ١٣٣، ١٣٤، وابن منده في الإيمان (٧٤٦، ٧٤٧، ٧٤٩، ٧٥٠)، والبغوي في تفسيره ٧/ ٤٠٧ من طريق الأعمش به.\n(^٣) أخرجه الفريابي - كما في الدر المنثور ٦/ ١٢٦ - ومن طريقه الطبراني (٩٠٥١)، والبخاري (٤٨٥٨)، والنسائي في الكبرى (١١٥٤٣)، وابن منده في الإيمان (٧٤٨)، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٣٧٢ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل.","vol":"22","page":45},{"text":"وقال آخرون: رأى جبريلَ في صورتِه.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾. قال: رأَى جبريلَ في خَلْقِه الذي يكونُ به في السماوات، قدرَ قَوْسَين من رسولِ اللَّهِ ﷺ، فيما بينَه وبينَه (^١).\n\n<span id=\"aya-4803\"></span><span data-type='title' id=toc-8831>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أفرأيتم أيُّها المشركون اللاتَ. وهي من (^٢) \"اللَّهِ\"، أُلْحِقَت فيه التاءُ فأُنِّثَت، كما قيل: عمرٌو. للذَّكرِ، [ثم قيل] (^٣) للأنثَى: عَمْرةُ. وكما قيل للذَّكرِ: عباسٌ. ثم قيل للأنثَى: عَبَّاسَةُ. فكذلك سَمَّى المشركون أوثانَهم بأسماءِ اللَّهِ تعالى ذكرُه وتقَدَّست أسماؤُه، فقالوا مِن \"اللَّهِ\": اللاتَ. ومِن \"العزيزِ\": العُزَّى.\n\n<span id=\"aya-4804\"></span>وزعَموا أنهن بناتُ اللَّهِ، تعالى اللَّهُ عما يقولون [وافْتَرَوْا؛ فقال جلَّ ثناؤُه لهم: أفرأيتم أيُّها الزاعمون أن اللاتَ والعُزَّى ومناةَ] (^٤) الثالثةَ الأخرى بناتُ اللَّهِ، ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ﴾. يقولُ: أتَخْتارون لأنفسِكم الذَّكرَ مِن الأولادِ وتَكْرَهون لها الأنثَى، وتَجْعَلون له الأنثَى التي لا تَرْضَوْنها لأنفسِكم، ولكنكم تَقْتُلونها؛ كراهةً منكم لهن.\nواختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿اللَّاتَ﴾؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ الأمصارِ\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٩٨.\n(^٢) بعده في الأصل: \"أمر\".\n(^٣) في م: \"و\".\n(^٤) سقط من: الأصل.","vol":"22","page":46},{"text":"بتخفيفِ التاءِ، على المعنى الذي وصَفْتُ.\nوذُكِر أن اللاتَ بيتٌ كان بنَخْلةَ تَعْبُدُه قريشٌ. وقال بعضُهم: كان بالطائفِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾: أما اللاتُ فكانت (^١) بالطائفِ (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾. قال: اللاتُ بيتٌ كان بنَخْلةَ، تَعْبُدُه قريشٌ (^٣).\nوقرَأ ذلك ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ وأبو صالحٍ: (اللَّاتَّ). بتشديدِ التاءِ (^٤)، وجعَلوه صفةً للوَثَنِ الذي عبَدُوه. وقالوا: كان رجلًا يَلُتُّ السَّوِيقَ (^٥) للحاجِّ، فلمَّا مات عكَفوا على قبرِه فعبَدُوه.\nذكرُ [الخبرِ عمن قاله] (^٦)\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَّ والعُزَّى). قال: كان يَلُتُّ السَّوِيقَ للحاجِّ، فعُكِف\n_________\n(^١) في م: \"فكان\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٣ عن معمر، عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٦، ١٢٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٤٠٧.\n(^٤) وهي قراءة رويس عن يعقوب وهو من العشرة، ورويت عن ابن كثير وطلحة وأبي الجوزاء. وقرأ الباقون (اللاتَ) بتخفيف التاء. النشر ٢/ ٢٨٣، والإتحاف ص ٢٤٨.\n(^٥) السويق: طعام يتخذ من مدقوق الحنطة والشعير، سمي بذلك لانسياقه في الحلق. ولت السويق: خلطه بسمن أو غيره. الوسيط (س وق، ل ت ت).\n(^٦) في ص، م، ت ١: \"الخبر بذلك عمن قاله\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"من قال ذلك\".","vol":"22","page":47},{"text":"على قبرِه (^١).\nوحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَّ). قال: اللَّاتُّ كان يَلُتُّ السَّوِيقَ للحاجِّ.\nوحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: (اللَّاتَّ). قال: كان يَلُتُّ السَّوِيقَ لهم (^٢)، فمات، فعكَفوا على قبرِه فعبَدوه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: (اللَّاتَّ والعُزَّى). قال: رجلٌ يَلُتُّ للمشركين السَّويقَ، فمات فعكَفوا على قبرِه.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه: (اللَّاتَّ). قال: اللَّاتُّ الذي كان يَقومُ على آلهتِهم، ويَلُتُّ لهم السَّويقَ، وكان بالطائفِ (^٣).\nحدَّثني أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا أبو عبيدٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، عن أبي الأشْهَبِ، عن أبي الجَوزاءِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان يَلُتُّ السويقَ للحاجِّ (^٤).\nوأولى القراءتين (^٥) بالصوابِ عندَنا في ذلك قراءةُ مَن قرَأَه بتخفيفِ التاءِ، على\n_________\n(^١) أخرجه الفراء في معاني القرآن ٣/ ٩٧، ٩٨ من طريق منصور به بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه الفراء في معاني القرآن ٣/ ٩٨ من طريق أبي صالح، عن ابن عباس بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٨٥٩) من طريق أبي الأشهب به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٥) في الأصل: \"القولين\".","vol":"22","page":48},{"text":"المعنى الذي وصَفْتُ لقارئِه كذلك؛ لإجماعِ الحجةِ مِن قرأةِ الأمصارِ عليه.\nوأما العُزَّى فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا فيها؛ فقال بعضُهم: كانت شَجَراتٍ يَعْبُدونها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْعُزَّى﴾. قال: العُزَّى شُجَيْراتٌ (^١).\nوقال آخرون: كانت العُزَّى حَجَرًا أبيضَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قال: العُزَّى حجرٌ أبيضُ (^٢).\nوقال آخرون: كان بيتًا بالطائفِ تَعْبُدُه ثقيفٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْعُزَّى﴾. قال: العُزَّى بيتٌ بالطائفِ تَعْبُدُه ثقيفٌ.\nوقال آخرون: بل كانت ببطنِ نَخْلةَ (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٠٠.\n(^٣) بطن نخلة: موضع بين مكة والطائف. ينظر تاج العروس (ن خ ل).","vol":"22","page":49},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\n[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْعُزَّى﴾. قال: أما العُزَّى فكانت ببطنِ نَخْلَةَ.\nوأما مناةُ فإنها كانت فيما ذُكِر لخُزاعةَ.\nذكرُ مَن قال ذلك] (^١)\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. قال: أما مَناةُ فكانت بقُدَيْدٍ، آلهةٌ كانوا يَعْبُدونها. يعني اللاتَ والعُزَّى ومَناةَ (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. قال: مناةُ بيتٌ كان بالمُشَلَّلِ (^٣)، يَعْبُدُه بنو كعبٍ (^٤).\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ الوقفِ على اللاتِ ومناةَ (^٥)؛ فكان بعضُ نحويِّي البصرةِ يقولُ: إذا سكَتَّ قلتَ: اللاتْ (^٦). وكذلك مناهُ تقولُ: مَناه (^٧). قال: وقال بعضُهم: اللَّاتُّ. فجعَله مِن اللتِّ الذي يَلُتُّ، ولغةٌ (^٨) للعربِ يَسْكُتون على ما فيه الهاءُ بالتاءِ، يقولون: رأيْتُ طَلْحَتْ.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٣ عن معمر عن قتادة بنحوه.\n(^٣) المشلَّل: جبل يهبط منه إلى قديد. تاج العروس (ش ل ل).\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٤٠٨.\n(^٥) في ص، م، ت ١: \"منات\".\n(^٦) في الأصل: \"اللاه\".\n(^٧) في م: \"منات\".\n(^٨) في الأصل: \"لغاة\".","vol":"22","page":50},{"text":"وكلُّ شيءٍ [في القرآنِ] (^١) مكتوبٌ بالتاءِ (^٢) فإنما (^٣) تَقِفُ عليه بالتاء، نحوَ: ﴿بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٢٩]، و﴿شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣].\nوكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ (^٤) يَقِفُ على ﴿اللَّاتَ﴾ بالهاءِ: (أفَرأيْتُمُ اللاه).\nوكان غيرُه منهم يقولُ: الاختيارُ في كلِّ ما لم يُضَفْ أن يكونَ بالهاءِ: ﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨]. ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. وما كان مضافًا فجائزٌ بالهاءِ والتاءِ، فالتاءُ للإضافةِ، والهاءُ لأنه يُفْرَدُ ويُوقَفُ عليه دونَ الثاني.\nوهذا القولُ الثالثُ أَقْيَسُ (^٥) اللغاتِ، وأكثرُها في العربِ، وإن كان للأخرى وجهٌ معروفٌ. وكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ (^٦) يقولُ: اللاتُ والعزَّى ومناةُ الثالثةُ أصنامٌ مِن حجارةٍ، كانت في جوفِ (^٧) الكعبةِ يَعْبُدونها.\n\n<span id=\"aya-4805\"></span>وقولُه: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾. يقولُ: أتَزْعُمون أن لكم الذكرَ الذي تَرْضَوْنه، وللَّهِ الأُنثى التي لا تَرْضَوْنها لأنفسِكم، ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قِسْمتُكم هذه قسمةٌ جائزةٌ غيرُ مستويةٍ، ناقصةٌ غيرُ تامةٍ؛ لأنكم جعَلْتُم لربِّكم من الولدِ ما تَكْرَهون لأنفسِكم، وآثَرْتُم أنفسَكم بما تَرْضَوْنه. والعربُ تقولُ: ضِزْتُه حقَّه. بكسرِ الضادِ، وضُزْتُه، بضمِّها، فأنا أَضِيزُه، وأَضُوزُه. وذلك إذا نقَصْتَه حقَّه ومَنَعْتَه.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بالهاء\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فإنها\".\n(^٤) هو الكسائي، كما في معاني القرآن للفراء ٣/ ٩٧.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أفشى\".\n(^٦) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٢٣٦.\n(^٧) في الأصل: \"وجوه\".","vol":"22","page":51},{"text":"وحُدِّثْتُ عن معمرِ بنِ المثنى قال: أنْشَدَني الأخفشُ (^١):\nفإن تَنْأَ عنا نَنْتَقِصْك (^٢) وإن تَغِبْ … فسهمُك مَضْئُوزٌ وأنْفُك راغمُ\nومِن العربِ مَن يقولُ: ضَيْزَى. بفتحِ الضادِ وتركِ الهمزِ منها (^٣)، ومنهم مَن يقولُ: ضَأْزَى. بالفتحِ والهمزِ، وضُؤْزَى. بالضمِّ والهمزِ، ولم يَقْرَأْ أحدٌ بشيءٍ من هذه اللغاتِ (^٤). وأما الضِّيزَى بكسرِ الضادِ فإنها \"فُعْلَى\" بضمِّ الفاءِ، وإنما كُسِرَت الضادُ منها كما كُسِرَت مِن قولِهم: قومٌ بِيضٌ وعِينٌ. وهي فُعْلٌ (^٥)؛ لأن واحدَها بيضاءُ وعيناءُ، ليُؤَلِّفوا بين الجمعِ والاثنين والواحدِ، وكذلك كرِهوا ضمَّ الضادِ مِن ضِيزَى، فتقولُ: ضُوزَى. مخافةَ أن تَصيرَ بالواوِ، وهي من الياءِ.\nوقال الفَرَّاءُ (^٦): إنما قَضَيتُ على أولِها بالضمِّ؛ لأن النُّعوتَ للمؤنثِ تأتي إما بفتحٍ وإما بضمٍّ، فالمفتوحُ: سَكْرَى وعَطْشَى، والمضمومُ: الأُنثى والحُبْلَى، فإذا كان اسمًا ليس بنعتٍ كُسِر أولُه كقولِه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]. كُسِر أولُها لأنها اسمٌ ليس بنعتٍ، وكذلك الشَّعْرَى، كُسِر أُولُها لأنها اسمٌ ليس بنعتٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ قال أهلُ التأويلِ، وإن اختَلَفت ألفاظُهم بالعبارةِ عنها؛ فقال بعضُهم: قِسمةٌ عَوْجاءُ.\n_________\n(^١) البيت في تهذيب اللغة ١٢/ ٥٢، وفي اللسان وتاج العروس (ض أ ز) غير منسوب.\n(^٢) في الأصل، ت ١، ت ٢: \"نقتنصك\"، وفي ص: \"نقصك\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيها\".\n(^٤) قرأ ابن كثير من السبعة: (ضِئْزَى)، وقرأ باقي السبعة بغير همز، وقرأ زيد بن علي: (ضَيْزَى). وهي قراءةٌ شاذة. ينظر حجة القراءات ص ٦٨٥، ٦٨٦، والبحر المحيط ٨/ ١٦٢.\n(^٥) في الأصل، ت ٢: \"فعلى\".\n(^٦) معاني القرآن ٣/ ٩٩.","vol":"22","page":52},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا] (^١) عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. قال: عَوجاءُ (^٢).\nوقال آخرون: قِسمةٌ جائرةٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. يقولُ: قسمةٌ جائزةٌ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. قال (^٣): جائرةٌ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بن حفصٍ أبو عُبيدٍ الوَصَّابيُّ (^٥)، قال: ثنا ابنُ حِمْيَرٍ (^٦)، قال: ثنا ابنُ لَهيعةَ، عن ابنِ أبي (^٧) عَمْرةَ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. قال: تلك إذن قسمةٌ جائرةٌ، لا حقَّ فيها (^٨).\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٢٧. ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٢ - . وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص ٣٩٧ - إلى عبد بن حميد.\n(^٣) بعده في م، ت ٢، ت ٣: \"قسمة\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٥ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في م: \"الوصائي\". وينظر الأنساب ٥/ ٦٠٦.\n(^٦) في الأصل، م، ت ٢، ت ٣: \"حميد\" وهو محمد بن حمير السُّلَيْحي. ينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ١١٦.\n(^٧) سقط من: م. وهو سلام بن أبي عمرة الخراساني. ينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٢٩٣.\n(^٨) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٧ إلى المصنف.","vol":"22","page":53},{"text":"وقال آخرون: قِسمةٌ منقوصةٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\n\n<span id=\"aya-4806\"></span>حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. قال: منقوصةٌ (^١).\nوقال آخرون: قِسمةٌ مُخالِفةٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. قال: جعَلوا للَّهِ ﵎ بناتٍ، وجعَلوا الملائكةَ للَّهِ بناتٍ، وعبَدوهم. وقرَأ: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف: ١٦، ١٧]. وقرَأ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ [النحل: ٥٧]. وقال: دعَوْا للَّهِ ولدًا كما دعَتِ (^٢) اليهودُ والنصارى. وقرَأ: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٨]. قال: والضِّيزى في كلامِ العربِ المخالَفةُ. وقرَأ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾.\n\n<span id=\"aya-4807\"></span><span data-type='title' id=toc-8832>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ما هذه الأسماءُ (^٣)، وهي اللاتُ\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤٢٧.\n(^٢) في الأصل: \"زعمت\".\n(^٣) بعده في م: \"التي سميتموها\".","vol":"22","page":54},{"text":"والعُزَّى ومَناةُ الثالثةُ الأخرى، إلا أسماءٌ سمَّيتُموها أنتم أيُّها المشركون باللَّهِ، وآباؤكم مِن قبلِكم، ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا﴾. يعني بهذه الأسماءِ، [﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾. يقولُ: من حُجةٍ لكم بصحةِ ما افتَرَيتم من هذه الأسماءِ] (^١). يقولُ: لم يُبحِ اللَّهُ لكم ذلك، ولا أذِن لكم به.\nكما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: [﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾: ما كذلكم قال اللهُ: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا] (^٢) مِنْ سُلْطَانٍ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.\nوقولُه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما يَتَّبِعُ هؤلاء المشركون في هذه الأسماءِ التي سمَّوْا بها آلهتَهم إلا الظنَّ بأن (^٣) ما يقولون حقٌّ، لا اليقينَ، ﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾. يقولُ: وهَوَى أنفسِهم؛ لأنهم لم يأْخُذوا ذلك عن وحيٍ جاءهم مِن اللَّهِ، ولا عن [رسولٍ للَّهِ] (^٤) أخبَرهم به، وإنما هو اختراقٌ اختَرَقوه (^٥) من قِبَلِ أنفسِهم، أو أَخَذوه عن آبائِهم الذين كانوا مِن الكفرِ باللَّهِ على مثلِ ما هم عليه منه.\nوقولُه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾. يقولُ: ولقد جاء هؤلاء المشركين باللَّهِ مِن ربِّهم البيانُ فيما (^٦) هم منه على غيرِ يقينٍ، وذلك تسميتُهم اللاتَ والعُزَّى ومناةَ هذه الأسماءَ وعبادتُهم إيَّاها. يقولُ: لقد جاءهم مِن ربِّهم الهُدى في ذلك (^٧)\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في قوله\".\n(^٣) في ص: \"كان\".\n(^٤) في الأصل: \"رسول الله\"، وفي ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رسوله\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مما\".\n(^٧) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".","vol":"22","page":55},{"text":"البيانِ بالوحيِ الذي أوحَيْناه إلى محمدٍ ﷺ، أن عبادتَها لا تَنْبَغِي [لأحدٍ، و] (^١) لا تصلُحُ العبادةُ إلا للَّهِ الواحدِ القهارِ.\nوقال ابنُ زيدٍ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾: فما انتَفَعوا به.\n\n<span id=\"aya-4808\"></span><span data-type='title' id=toc-8833>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أم اشتَهى محمدٌ ما (^٢) أعطاه اللَّهُ مِن هذه الكرامةِ التي أَكرَمه بها؛ من النبوَّةِ، والرسالةِ، وإنزالِ (^٣) الوحيِ عليه، وتمنَّى ذلك، فأعطاه إياه ربُّه.\n\n<span id=\"aya-4809\"></span>فللهِ ما في الدارِ الآخرةِ والأُولى - وهى الدنيا - يُعطِي مَن يشاءُ (^٤) مِن خَلْقِه ما شاء، ويَحْرِمُ مَن يشاءُ (^٤) منهم ما شاء.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾. قال: وإن كان محمدٌ تَمَنَّى هذا، فذلك له؟\n\n<span id=\"aya-4810\"></span>وقولُه: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه (^٥): كثيرٌ مِن ملائكةِ اللَّهِ لا تَنْفَعُ شفاعتُهم عندَ اللَّهِ لمن شَفَعوا له شيئًا، إلا أن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وأنه\".\n(^٢) في الأصل: \"بما\".\n(^٣) في الأصل، م، ت ١: \"أنزل\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شاء\".\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وكم من ملك في السماوات\"، وفي م: \"وكم من ملك في =","vol":"22","page":56},{"text":"يَشْفَعوا له مِن بعدِ أنْ يأذنَ اللَّهُ لهم بالشفاعةِ لمن يشاءُ منهم أن يَشْفَعوا له، ﴿وَيَرْضَى﴾. يقولُ: ومن بعدِ أنْ يَرْضَى لملائكتِه الذين يَشْفَعون له أنْ يَشْفَعُوا له، فتَنْفَعَه حينَئذٍ شفاعتُهم. وإنما هذا توبيخٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه لعبدةِ الأوثانِ والملإِ مِن قريشٍ وغيرِهم، الذين كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. فقال اللَّهُ ﷿ لهم: ما تَنْفَعُ شفاعةُ ملائِكتي الذين هم عندي لمن شَفَعوا له، إلا مِن بعدِ إذنِي لهم بالشفاعةِ (^١) له ورِضائي، فكيف بشفاعةِ مَن دونَهم؟ فَأَعْلَمهم أن شفاعةَ ما يَعبُدون مِن دونِه غيرُ نافعتِهم.\n\n<span id=\"aya-4811\"></span><span data-type='title' id=toc-8834>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ الذين لا يُصدِّقون بالبعثِ في الدارِ الآخرةِ - وذلك يومُ القيامةِ - ليُسَمُّون ملائكةَ اللَّهِ تسميةَ الإناثِ. وذلك أنهم كانوا يقولون: هم بناتُ اللَّهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا] (^٢) عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾. قال: الإناثِ.\n_________\n= السماوات لا تغنى\".\n(^١) بعده في الأصل: \"لا\".\n(^٢) سقط من: الأصل.","vol":"22","page":57},{"text":"<span id=\"aya-4812\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما لهم بما يقولون مِن تسميتِهم الملائكةَ تسميةَ الأُنثى مِن حقيقةِ علمٍ، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾. يقولُ: ما يتَّبِعون في ذلك إلا الظَّنَّ. يعني أنهم إنما يقولون ذلك ظنًّا بغيرِ يقينِ (^١) علمٍ.\nوقولُه: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾. يقولُ: وإِنَّ الظَّنَّ لا يَنْفَعُ مِن الحقِّ شيئًا فيقومَ مقامَه.\n\n<span id=\"aya-4813\"></span>وقولُه: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فدَعْ مَن أدبَر يا محمدُ عن ذكرِ اللَّهِ، ولم يؤمِنْ به فيوحِّدَه.\nوقولُه: ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: ولم يَطْلُبْ ما عندَ اللَّهِ في الدارِ الآخرةِ، ولكنه طلَب (^٢) الحياةَ الدنيا، والتَمس البقاءَ فيها.\n\n<span id=\"aya-4814\"></span><span data-type='title' id=toc-8835>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرِ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي يقولُه هؤلاء الذين لا يؤمِنون بالآخرةِ في الملائكةِ، من تسميتِهم إيَّاها تسميةَ الأُنثى، ﴿مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾. يقولُ: ليس لهم علمٌ إلا هذا الكفرُ باللَّهِ والشركُ به، على وجْهِ الظَّنِّ بغيرِ يقينِ علمٍ.\nوكان ابنُ زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾. قال: يقولُ: ليس لهم علمٌ إلا الذي هم فيه مِن الكفرِ [باللَّهِ وبرسولِه] (^٣)،\n_________\n(^١) ليست في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"زينة\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"برسول الله ﷺ\".","vol":"22","page":58},{"text":"ومُكابَرتُهم (^١) لِمَا جاء مِن عندِ اللَّهِ. قال: وهؤلاء أهلُ الشركِ.\nوقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ ربَّك يا محمدُ هو أعلمُ بمن جار عن طريقِه - في سابقِ علمِه - فلا يؤمِنُ. وذلك الطريقُ هو الإسلامُ، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾. يقولُ: وربُّك أعلمُ بمن أصاب طريقَه فسلَكه في سابقِ علمِه. وذلك الطريقُ أيضًا الإسلامُ.\n\n<span id=\"aya-4815\"></span><span data-type='title' id=toc-8836>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وللَّهِ مُلكُ ما في السماواتِ وما في الأرضِ من شيءٍ، وهو يُضِلُّ مَن يشاءُ [ويَهْدِي من يشاءُ] (^٢)، وهو أعلمُ بهم، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾. يقولُ: ليَجْزِيَ الذين عَصَوه مِن خَلْقِه فأساءوا بمعصيتِهم إيَّاه، فيُثِيبَهم بها النارَ، ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾. يقولُ: وَلِيَجْزِيَ الذين أطاعوه فأحسَنوا بطاعتِهم إيَّاه في الدنيا بالحُسنى، وهي الجنةُ، فيُثيبَهم بها.\nوقيل: عُنِي بذلك أهلُ الشركِ والإيمانِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عبدُ اللَّهِ بنُ عياشٍ، قال: قال (^٣) زيدُ بنُ أسلمَ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا [بِالْحُسْنَى﴾: الذين أساءُوا المشركون، والذين أَحسَنوا] (٢)\n_________\n(^١) في ص، م: \"مكايدتهم\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"مكايدهم\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢: \"ابن\".","vol":"22","page":59},{"text":"المؤمنون.\n\n<span id=\"aya-4816\"></span>وقولُه: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾. يقولُ: الذين يَبْعُدون (^١) عن كبائرِ الإثمِ التي نهَى اللَّهُ عنها وحرَّمها عليهم فلا يقرَبونها. وذلك الشركُ باللَّهِ، وما قد بيَّناه في قولِه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١].\nوقولُه: ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾. وهي الزِّنى وما أشبَهه مما أوجَب اللَّهُ فيه حدًّا.\nوقولُه: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى: ﴿إِلَّا﴾ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هي بمعنى الاستثناءِ المنقطعِ. وقالوا: معنى الكلامِ: الذين يَجتَنِبُون كبائرَ الإثمِ والفواحشَ، إلا اللَّمَمَ الذي ألمُّوا به من الإثمِ والفواحشِ في الجاهليةِ قبلَ الإسلامِ، فإن اللَّهَ قد عفا لهم عنه، فلا يُؤاخِذُهم به.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. يقولُ: إلا ما قد سلَف (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: قال (^٣) المشركون: إنما كانوا بالأمسِ يَعْمَلون معنا. فأنزَل اللَّهُ ﷿: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾: ما كان منهم\n_________\n(^١) في م: \"يبتعدون\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٧ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"22","page":60},{"text":"في الجاهليةِ. قال: واللَّمَمُ: الذي ألمُّوا به مِن تلك الكبائرِ والفواحشِ في الجاهليةِ قبلَ الإسلامِ، وغفَرها لهم حين أسلَموا (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ عياشٍ، عن ابنِ عونٍ، عن محمدٍ، قال: سأل رجلٌ زيدَ بنَ ثابتٍ عن هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. فقال: حرَّم اللَّهُ عليك (^٢) الفواحشَ، ما ظهَر منها وما بطَن (^٣).\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: [أخبَرني عبدُ اللَّهِ بنُ عياشٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ] (^٤) في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: كبائرَ الشركِ. ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾: الزِّنى؛ ترَكوا ذلك حينَ دخَلوا في الإسلامِ، فغفَر اللَّهُ لهم ما كانوا ألمُّوا به وأصابوا مِن ذلك قبلَ الإسلامِ (^٣).\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ (^٥) ممن يوجِّهُ تأويلَ ﴿إِلَّا﴾ في هذا الموضعِ إلى هذا الوجهِ الذي ذكَرْتُه عن ابنِ عباسٍ يقولُ في تأويلِ ذلك: لم يُؤذَنْ لهم في اللَّمَمِ، وليس هو مِن الفواحشِ، ولا مِن كبائرِ الإثمِ، وقد يُسْتَثْنى الشيءُ مِن الشيءِ وليس منه، على ضميرٍ قد كُفَّ عنه، فمجازُه: إلا أنْ يُلِمَّ مُلِمٌّ (^٦) بشيءٍ ليس مِن الفواحشِ ولا مِن الكبائرِ. قال الشاعرُ (^٧):\nوبَلْدَةٍ (^٨) ليس بِها أنيسُ … إلا اليعافيرُ وإلا العِيسُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٧ إلى المصنف.\n(^٢) في الأصل: \"عليكم\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٨ إلى المصنف\n(^٤) في ت ٢، ت ٣: \"قال ابن زيد\"\n(^٥) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٢٣٧.\n(^٦) سقط من: م.\n(^٧) هو جران العود النميري. وتقدم البيت في ٧/ ٤٨٣، ١٢/ ٤١٧.\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بلد\".","vol":"22","page":61},{"text":"واليعافيرُ الظباءُ، والعِيسُ الإبلُ، وليسا مِن الناسِ، فكأنه قال: ليس به أنيسٌ، غيرَ أنَّ به ظِباءً وإبِلًا. وقال بعضُهم: اليَعْفُورُ من الظباءِ الأحمرُ، والأعيسُ الأبيضُ.\nوقال بنحوِ هذا القولِ جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحى، أنَّ ابنَ مسعودٍ قال: زنى العينين النظرُ، وزنى الشَّفَتَيْن التَّقْبِيلُ، وزنى اليدين البطْشُ، وزنى الرِّجلَين المشيُ، ويُصدِّقُ ذلك الفرجُ أو يُكذِّبُه، فإن تقدَّم بفرجِه كان زانيًا، وإلا فهو اللَّمَمُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: وأخبَرنا ابنُ طاوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قال: ما رأيتُ شيئًا أشبَهَ باللَّمَمِ مما قال أبو هريرةَ عن النبيِّ ﷺ: \"إنّ اللَّهَ كتَب على ابنِ آدمَ حظَّه من الزِّنى أَدْرَكه ذلك لا محالةَ؛ فزنى العَيْنَينِ النظرُ، وزنى اللسانِ المَنْطِقُ، والنَّفْسُ تَتَمَنَّى وتَشْتَهِي، والفَرْجُ يُصدِّقُ ذلك أو يُكذِّبُه\" (^٢).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ في قولِه: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: إن تقدَّم كان زنًى، وإن تأخَّر كان لَمَمًا (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا منصورُ بنُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٣٥ عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٥ - ومن طريقه الحاكم ٢/ ٤٧٠، والبيهقي في الشعب (٧٠٦٠) - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢١٥٢) من طريق محمد بن ثور به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٣ - ومن طريقه أحمد ٣/ ١٥٢، ١٥٣ (٧٧١٩)، والبخاري (٦٦١٢)، ومسلم (٢٦٥٧)، والنسائي في الكبرى (١١٥٤٤)، وابن حبان (٤٤٢٠)، والبيهقي ٧/ ٨٩، ١٠/ ١٨٦، وفي الشعب (٥٤٢٧) - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٧ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٣٥.","vol":"22","page":62},{"text":"عبدِ الرحمنِ، قال: سألتُ الشَّعْبيَّ عن قولِه: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: [هو ما] (^١) دونَ الزنى. ثم روَى (^٢) لنا عن ابنِ مسعودٍ، قال: زنى العينين ما نظَرَتْ إليه، وزنى اليدِ ما لَمَسَتْ، وزنى الرِّجْلِ ما مَشَت، والتحقيقُ بالفَرْجِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنا يعقوبُ، قال: ثنا وُهَيْبٌ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ بنِ خُثَيْمِ بنِ عمرٍو القارِيُّ، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ نافعٍ - الذي يقالُ له: ابنُ لبابةَ الطائفيُّ - قال: سألتُ أبا هريرةَ عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: القُبْلَةُ، والغَمْزَةُ، والنَّظْرَةُ، والمباشَرةُ، إذا مسَّ الختانُ الختانَ فقد وجَب الغسلُ، وهو الزنى (^٤).\nوقال آخرون: بل ذلك استثناءٌ صحيحٌ، ومعنى الكلامِ: الذين يَجْتَنِبون كبائرَ الإثمِ والفواحشَ (^٥) إلا أن يُلِمَّ بها ثم يتوبَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا زكريا بنُ إسحاقَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: هو الرَّجُلُ يُلِمُّ بالفاحشةِ ثم يتوبُ. قال: وقال رسولُ اللَّهِ ﷺ (^٦):\n_________\n(^١) في الأصل: \"إن تقدم كان زنى مما هو\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذكر\".\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٤٣٥.\n(^٤) أخرجه مسدد - كما في المطالب العالية (٤١٢٣) - من طريق عبد الله بن عثمان به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٣٦ عن عبد الرحمن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) بعده في م، ت ٢: \"إلا اللمم\".\n(^٦) البيت لأمية بن أبي الصلت، ديوانه ص ٥٨.","vol":"22","page":63},{"text":"\"إِنْ تَغْفِرِ اللهمَّ تَغْفِرْ جَمّا … وأَىُّ عَبْدٍ لك لا أَلمَّا\" (^١)\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: الذي يُلِمُّ بالذنبِ ثم يدَعُه، وقال الشاعرُ:\nإِنْ تَغْفِرِ اللهمَّ تَغْفِر جمّا … وأيُّ عَبْدٍ لك لا أَلمَّا (^٢)\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بزيعٍ، قال: [حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال] (^٣): ثنا يونسُ، عن الحسنِ، عن أبي هريرةَ، أُراه رفعَه، في: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: اللَّمةُ مِن الزنى، ثم يتوبُ ولا يعودُ، واللَّمةُ مِن السرقةِ، ثم يتوبُ ولا يعودُ، واللَّمةُ مِن شربِ الخمرِ، [إن شاء اللَّهُ] (^٤)، ثم يتوبُ ولا يعودُ. قال: فتلك الإلمامُ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: اللَّمةُ مِن الزنى، أو\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٣٦ عن المصنف، وأخرجه الترمذي (٣٢٨٤)، والبيهقي ١٠/ ١٨٥، وفي الشعب (٧٠٥٥)، والبغوي في تفسيره ٧/ ١٢٨ من طريق أبي عاصم به. وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٦٩، والبيهقي في الشعب (٧٠٥٦) من طريق زكريا بن إسحاق به. وأخرجه الحاكم ٤/ ٢٤٥ من طريق زكريا بن إسحاق به موقوفًا.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٣٦ عن المصنف، وأخرجه البيهقي ١٠/ ١٨٥، وفي الشعب (٧٠٥٧) من طريق شعبة عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٣٦ عن المصنف، وأخرجه البيهقي في الشعب (٧٠٥٨، ٧٠٥٩) من طريق يزيد بن زريع به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٠٩٥ - زيادات الحسين) من طريق يونس عن الحسن قوله. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٨ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"22","page":64},{"text":"السرقةِ، أو شربِ الخمرِ، ثم لا يعودُ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (^٢). كان أصحابُ النبيِّ ﷺ يقولون: هو (^٣) الرجلُ يُصيبُ اللَّمةَ مِن الزنى، واللَّمةَ مِن شربِ الخمرِ، فيُخْفِيها فيتوبُ منها (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾: يُلِمُّ بها في الحينِ. قلتُ: الزنى؟ قال: الزنى ثم يتوبُ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: قال معمرٌ: كان الحسنُ يقولُ في اللَّممِ: تكونُ اللَّمةُ مِن الرجلِ بالفاحشةِ ثم يتوبُ (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ، قال: الزنى ثم يتوبُ (^٧).\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن في قول الله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: اللمة من الزنى أو السرقة أو شرب الخمر ثم لا يعود\".\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٦٢٧ من طريق عقبة الأصم، عن الحسن.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال قد\".\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"هذا\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٣٧. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٣٧. عن ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٦ عن معمر به.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٨ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"22","page":65},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾: قال: أَن يَقَعَ الوقعةَ ثم يَنتَهِيَ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ عيينةَ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿اللَّمَمَ﴾. الذي [يُلِمُّ المرَّةَ] (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ (^٢)، قال: أخبَرني يحيى بنُ أيوبَ، عن المُثنَّى بنِ الصَّباحِ، عن عمرٍو بنِ شعيبٍ، [أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرِو بنِ العاصِ، قال: اللَّمَمُ ما دونَ الشركِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ] (^٤)، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ (^٥)، عن عبدِ اللَّهِ بنِ القاسمِ في قولِه: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: اللَّمةُ يُلِمُّ بها مِن الذنوبِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: الرجلُ يُلِمُّ بالذنبِ ثم يَنْزِعُ عنه. قال: وكان أهلُ الجاهليةِ يَطوفون بالبيتِ وهم يقولون:\nإِنْ تَغْفِرِ اللهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا … وأيُّ عَبْدٍ لك لا أَلمَّا\nوقال آخرون ممن وجَّه معنى ﴿إِلَّا﴾ إلى الاستثناءِ المنقطعِ: اللَّمَمُ هو ما دونَ حدِّ الدنيا وحدِّ الآخرةِ، قد تجاوز اللَّهُ عنه.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣: \"يلم المرأة\"، وفي م: \"تلم المرة\".\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٣٧ عن المصنف، وأخرجه البيهقي في الشعب (٧٠٥٦) من طريق عمرو به مطولًا بمعناه.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال قال ابن زيد\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٣٧ عن المثنى بن الصباح وعزاه إلى المصنف، وعزاه السيوطي الدر المنثور ٦/ ١٢٨ إلى المصنف.\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مرة\". وهو قرة بن خالد السدوسي. ينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٥٧٧.","vol":"22","page":66},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ الزبيرِ: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: ما بينَ الحدَّين؛ حدِّ الدنيا وعذابِ الآخرةِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ المُثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةُ، عن الحكمِ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في اللَّمَمِ: ما دونَ الحدَّين؛ حدِّ الدنيا والآخرةِ.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن الحكمِ وقتادةَ، عن ابنِ عباسٍ بمثلهِ، إلا أنه قال: حدِّ الدنيا وحدِّ الآخرةِ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن الحكمِ بن عُتَيْبةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: اللَّمَمُ ما دونَ الحدَّين؛ حدِّ الدنيا وحدِّ الآخرةِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: كلُّ شيءٍ بين (^٣) الحدَّين - حدِّ الدنيا وحدِّ الآخرةِ - تُكفِّرُه الصلواتُ وهو اللَّمَمُ، وهو دونَ كلِّ موجِبٍ، فأما حدُّ الدنيا فكلُّ حدٍّ فرَض اللَّهُ عقوبتَه في الدنيا، وأما حدُّ الآخرةِ فكلُّ شيءٍ ختَمه اللَّهُ بالنارِ وأخَّر عقوبتَه إلى الآخرةِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾. يقولُ: ما بينَ الحدَّين؛ كلُّ ذنبٍ ليس فيه حدٌّ في الدنيا\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٣٧ عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه البغوي في الجعديات (٢٧٢) من طريق شعبة به.\n(^٣) في الأصل: \"من\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٣٧ عن العوفي عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":67},{"text":"ولا عذابٌ في الآخرةِ فهو اللَّمَمُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾: واللَّمَمُ ما كان بينَ الحدَّين لم يَبْلُغْ حدِّ الدنيا ولا حدَّ الآخرةِ؛ موجِبةً قد أوجَب اللَّهُ لأهلِها النارَ، أو فاحشةً يقامُ بها (^١) الحدُّ في الدنيا (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن قتادةَ، قال: قال بعضُهم: اللَّمَمُ ما بينَ الحدَّين؛ حدِّ الدنيا وحدِّ الآخرةِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوبُ، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبي عروبةَ، عن قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: اللَّمَمُ ما بينَ الحدَّين؛ حدِّ الدنيا وحدِّ الآخرةِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: قال الضحاكُ: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: كلُّ شيءٍ بينَ حدِّ الدنيا والآخرةِ فهو اللَّمَمُ، يَغْفِرُه اللَّهُ (^٣).\nوأَوْلى الأقوالِ في ذلك عندي بالصوابِ قولُ مَن قال: ﴿إِلَّا﴾ بمعنى الاستثناءِ المنقطعِ. ووجَّه معنى الكلامِ إلى: الذين يَجتَنِبُون كبائرَ الإثمِ والفواحشَ إلا اللَّمَمَ بما دونَ كبائرِ الإثمِ، ودونَ الفواحشِ الموجِبةِ الحدودَ (^٤) في الدنيا والعذابَ في الآخرةِ، فإن ذلك معفوٌّ لهم عنه. وذلك عندي نظيرُ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. فوعَد جلَّ ثناؤُه باجتنابِ الكبائرِ العفوَ عما (^٥) دونَها مِن\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفي م، والدر المنثور: \"عليه\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٠٨، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٣٧.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"للحدود\".\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":68},{"text":"السيئاتِ، وهو اللَّمَمُ الذي قال النبيُّ ﷺ: \"العينان تَزنِيان، واليَدَان تَزنِيان، والرِّجلان تَزنِيان، ويُصدِّقُ ذلك الفَرْجُ أو يُكَذِّبُه\". وذلك أنه لا حدَّ فيما دونَ وُلُوجِ الفرجِ في الفرجِ يَجِبُ (^١)، وذلك هو العفوُ من اللَّهِ في الدنيا عن عقوبةِ العبدِ عليه، واللَّهُ جلَّ ثناؤُه أكرَمُ من أن يعودَ فيما قد عفا عنه، كما رُوِي عن النبيِّ ﷺ (^٢).\nواللَّمَمُ في كلامِ العربِ المقاربةُ للشيءِ، ذكَر الفرّاءُ (^٣) أنه سمِع العربَ تقولُ: ضَرَبه ما لَمَم القتلَ. يريدون: ضَرْبًا مُقارِبًا للقتلِ. قال: وسمِعتُ مِن آخرَ: ألمَّ يفعَلُ. في معنى: كاد يفعَلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-8837>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إنَّ ربَّك يا محمدُ ﴿وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾: واسعٌ عفوُه للمُذْنِبين الذين لم تَبْلُغْ ذنوبُهم الفواحشَ وكبائرَ الإثمِ. وإنما أعلَم جلَّ ثناؤُه بقوله هذا عبادَه أنه يَغْفِرُ اللَّمَمَ - بما وصَفْنا مِن الذنوبِ - لمن اجتَنَب كبائرَ الإثمِ والفواحشَ.\nكما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾: قد غفَر (^٤) ذلك لهم.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٦٥ (٧٧٥)، وعبد بن حميد (٨٧)، وابن ماجه (٢٦٠٤)، والترمذي (٢٦٢٦)، وأبو يعلى (٤٥٣) من حديث علي مرفوعًا، ولفظ أحمد: \" … ومن أذنب ذنبًا في الدنيا، فستر الله عليه، وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه\". وينظر تفسير ابن كثير ٧/ ١٩٥.\n(^٣) في معاني القرآن ٣/ ١٠٠.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"غفرت\".","vol":"22","page":69},{"text":"وقولُه: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ربُّكم أعلمُ بالمؤمنِ منكم مِن الكافرِ، والمحسنِ منكم مِن المسيءِ، والمطيعِ مِن العاصي، حينَ ابْتَدَعكم مِن الأرضِ فَأَحْدَثكم منها، بخلْقِ أبيكم آدمَ منها، وحينَ ﴿أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾. يقولُ: وحينَ أنتم حَمْلٌ لم تُولَدوا، منكم بأنفسِكم (^١) بعدما صِرْتم رجالًا ونساءً.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: كنحوِ قولِه: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (^٢) [الأنعام: ١١٧، النحل: ١٢٥، القصص: ٥٦، القلم: ٧].\nوحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: حينَ خلَق آدمَ مِن الأرضِ، ثم خلَقكم مِن آدمَ. وقرَأ: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (^٣).\nوقد بيَّنا فيما مضى قبلُ معنى الجَنِينِ، ولِمَ قيل له: جَنِينٌ. بما أَغْنى عن إعادِته في هذا الموضعِ.\nوقولُه: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فلا تشهَدوا لأنفسِكم\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣: \"فأنفسكم\"، وفي م: \"وأنفسكم\". وهي متعلقة بقوله: ربكم أعلم بالمؤمن منكم …\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٢٨.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٨ إلى المصنف","vol":"22","page":70},{"text":"بأنها زكيةٌ بريئةٌ مِن الذنوبِ والمعاصي.\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: سمِعتُ زيدَ بنَ أسلمَ يقولُ: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾. يقولُ: فلا تُبرِّئوها (^١).\nوقولُه: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وربُّك يا محمدُ أعلمُ بمن خاف عقوبةَ اللَّهِ فاجتَنَب معاصيَه مِن عبادِه.\n\n<span id=\"aya-4817\"></span><span data-type='title' id=toc-8838>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أفرأَيتَ يا محمدُ الذي أدْبَر عن الإيمانِ باللَّهِ، وأعرَض عنه وعن دينِه، وأعطى صاحبَه قليلًا من مالِه، ثم منَعه [فبَخِل عليه فلم يُعْطِه] (^٢).\nوذُكِر أنَّ هذه الآيةَ نزَلت في الوليدِ بنِ المغيرةِ؛ مِن أجْلِ أنه عاتَبه بعضُ المشركين، وكان قد اتَّبع رسولَ اللَّهِ ﷺ على دينِه، فضَمِن له الذي عاتَبه إن هو أعطاه شيئًا مِن مالِه ورجَع إلى شِرْكِه، أن يَتَحمَّلَ عنه عذابَ الآخرةِ، ففَعَل، فأعطى الذي عاتَبه على ذلك بعضَ ما كان ضَمِن له، ثم بَخِل (^٣)، ومنَعه تمامَ ما ضَمِن له.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فلم يعطه فبخل عليه\".\n(^٣) بعده في م، ت ٢، ت ٣: \"عليه\".","vol":"22","page":71},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَكْدَى﴾. قال: الوليدُ بن المغيرةِ أعطَى قليلًا ثم أَكْدَى (^١).\n\n<span id=\"aya-4818\"></span>حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ إلى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾. قال: هذا رجلٌ أسلَم، فلقِيه بعضُ مِن يُعَيِّرُه، فقال: أتَرَكْتَ دينَ الأشياخِ وضَلَّلتَهم وزعَمتَ أنهم في النارِ؟ كان يَنْبَغِي لك أن تَنْصُرَهم، فكيف تَفْعَلُ (^٢) بآبائِك؟ فقال: إني خَشِيتُ عذابَ اللَّهِ. فقال: أَعطِني شيئًا وأنا أَحْمِلُ كلَّ عذابٍ كان عليك عنك. فأعطاه شيئًا، فقال: زِدْني. فتعاسَرا، حتى أعطاه شيئًا وكتَب له كتابًا وأشهَد له، فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾: عاسَره، ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾. نزَلت فيه هذه الآيةُ (^٣).\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿وَأَكْدَى﴾ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سنانٍ الشيبانيِّ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾. قال: أعطَى قليلًا ثم انقطَع.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٢٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٩ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"يفعل\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٩ إلى المصنف","vol":"22","page":72},{"text":"يقولُ: أعطَى قليلًا ثم انقطَع (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾. قال: انقطَع فلا يُعْطِي شيئًا، ألم تَرَ إلى البئرِ يقالُ لها: أَكْدَتْ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَكْدَى﴾: انقطَع عطاؤُه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابنِ طاوسٍ وقتادةَ في قولِه: ﴿وَأَكْدَى﴾. قال: أعطَى قليلًا، ثم قطَع ذلك (^٣).\nقال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن عكرمةَ مثلَ ذلك (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَكْدَى﴾. أي: بَخِل وانقطَع عطاؤُه.\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَكْدَى﴾. يقولُ: انقطَع عطاؤُه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٢٨. ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٢. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٤ عن معمر، عن قتادة\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٤ عن معمر، عن رجل، عن عكرمة.","vol":"22","page":73},{"text":"﴿وَأَكْدَى﴾: عاسَره.\nوالعربُ تقولُ: حفَر فلانٌ فأَكْدى. وذلك إذا بلَغ الكُدْيَةَ، وهو أن يَحفِرَ الرَّجلُ في السَّهلِ، ثم يَسْتقبِلَه جبلٌ فيُكْدِيَ، يقالُ: قد أَكْدى يُكْدِي (^١) كِداءً. و: كَدِيَتْ أظفارُه وأصابعُه كِدًى شديدًا. منقوصٌ، إِذا غَلُظَت. و: كَدِيَتْ أصابعُه. إذا كَلَّت فلم تَعْمَلْ شيئًا. و: كَدَأ النَّبْتُ. إذا قلَّ رَفْعُه (^٢)، يُهْمَزُ ولا يُهْمَزُ.\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ (^٣) يقولُ: اشتُقَّ قولُه: ﴿وَأَكْدَى﴾. مِن كُدْيةِ الرَّكِيَّةِ (^٤)، وهو أن يَحْفِرَ حتى يَيْأَسَ مِن الماءِ، فيُقالُ حينئذٍ: بلَغْنا كُدْيَتَها.\n\n<span id=\"aya-4819\"></span>وقولُه: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أعندَ هذا الذي ضَمِن له صاحبُه أنه يتَحمَّلُ عنه عذابَ اللَّهِ في الآخرةِ - علمُ الغيبِ، فهو يرى حقيقةَ قولِه، ووفائِه بما وعَده؟!\n\n<span id=\"aya-4820\"></span>وقولُه: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أم لم يُخْبَرْ هذا المضمونُ له أنه يُتحمَّلُ عنه عذابُ اللَّهِ في الآخرةِ - بالذي في صحفِ موسى بنِ عمرانَ صلواتُ اللَّهِ عليه.\n\n<span id=\"aya-4821\"></span>وقولُه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. يقولُ: وإبراهيمَ الذي وَفَّى مَن أُرسِل إليه ما أُرسِل به.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي وَفَّى؛ فقال بعضُهم: وفَّاه (^٥) بما عَهِد إليه\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ريعه\".\n(^٣) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٢٣٨.\n(^٤) الركية: البئر التي لم تُطْو، أي: لم تبطن بالحجارة. ينظر اللسان (ر ك ى).\n(^٥) في م: \"وفاؤه\".","vol":"22","page":74},{"text":"ربُّه مِن تبليغِ رسالتِه (^١)، وهو: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.\nذكرُ مَن قال ذلك\n\n<span id=\"aya-4822\"></span>حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قال: كانوا قبلَ إبراهيم يأخُذون الوليَّ بالوليِّ، حتى كان إبراهيمُ فبَلَّغ، ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: لا يُؤاخَذُ أَحدٌ بذنبِ غيرِه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ و(^٣) عكرمةَ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قالا (^٤): فبلَّغ هذه الآياتِ، ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قال: وَفَّى طاعةَ اللهِ، وبلَّغ رسالاتِ ربِّه إلى خَلْقِه. وكان عكرمةُ يقولُ: وَفَّى هؤلاءِ الآياتِ العشرَ: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ حتى بلَغ: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨ - ٤٧].\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾: أَوْفَى (^٥) طاعةَ اللَّهِ ورسالتَه (١) إلى خَلْقِه (^٦).\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"رسالاته\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٩ إلى المصنف.\n(^٣) في م، ت ٢: \"عن\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قالوا\".\n(^٥) سقط من: ت ٢، وفي م، ت ٣: \"وفى\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٩ إلى المصنف.","vol":"22","page":75},{"text":"حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا أبو بَكرٍ (^١)، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قال: بلَّغ ما أُمِر به (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قال: بلَّغ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قال: ﴿وَفَّى﴾: بلَّغ رسالاتِ ربِّه؛ بلَّغ ما أرسَله (^٤) به، كما يُبلِّغُ الرجلُ ما أَرْسَلْتَه (^٥) به.\nوقال آخرون: بل وفَّى بما رأى في المنامِ مِن ذبحِ ابنِه. وقالوا: قولُه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ. وقالوا: معنى الكلامِ: أم لم يُنَبَّأْ بما في صحفِ موسى، ألَّا تَزِرُ وازرةٌ وزرَ أخرى، وبما في صحف إبراهيمَ الذي وفَّى.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. يقولُ: إبراهيمُ الذي استَكْملَ الطاعةَ فيما فعَل بابنِه حينَ رأَى الرُّؤْيا، [والذي] (^٦) في صحفِ موسى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٧).\n_________\n(^١) في م: \"أبو بكير\". وهو أبو بكر بن عياش، تقدم في ١٣/ ١٠٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١١/ ٥١٧ عن أبي بكر به.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٣٩.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أرسل\".\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣: \"أرسل\".\n(^٦) في الأصل: \"التي\"\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٩ إلى المصنف.","vol":"22","page":76},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني ابنُ لهيعةَ، عن أبي صخرٍ، عن القُرَظيِّ، وسُئل عن هذه الآيةِ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قال: وفَّى (^١) بذبحِ ابنِه.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أنَّه وَفَّى رَبَّه جميعَ شرائعِ الإسلامِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عبدُ اللَّهِ بن أحمدَ بنِ شَبُّويَه، قال: ثنا عليُّ بنُ الحسنِ، قال: ثنا خارجةُ بنُ مصعبٍ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الإسلامُ ثلاثون سهمًا، وما ابْتُلِي بهذا الدينِ أحدٌ فأَقامه إلا إبراهيمُ، قال اللَّهُ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. فكتَب اللهُ له براءةً مِن النارِ (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾: ما فُرِض عليه (^٣).\nوقال آخرون: وفَّى بما رُوي عن رسولِ اللهِ ﷺ في الخبرِ الذي حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا رِشْدِينُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى زَبّانُ (^٤) بنُ فائدٍ، عن سهلِ بنِ معاذِ بنِ (^٥) أنسٍ، عن أبيه، قال: كان النبيُّ ﷺ يقولُ: \"ألا أُخْبِرُكم لِمَ سمَّى اللَّهُ إبراهيمَ خليلَه الذي وفَّى؟ لأنَّه كان يقولُ كلَّما أصبَح وكلَّما أمسى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، وفي الأصل: \"أوفى\".\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٠. وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٧٠ من طريق داود به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٩ إلى ابن مردويه.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٢٨، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٢ - . وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في م: \"زيان\" وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ريان\". وتقدم على الصواب في ٢/ ٥٠٧.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\".","vol":"22","page":77},{"text":"تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]. حتى ختَم الآيةَ (^١).\nوقال آخرون: بل وفَّى ربَّه عملَ يومِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا حسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جعفرِ بنِ الزبيرِ، عن القاسمِ، عن أبي أُمامةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \" ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ \". قال: \"أتَدْرون ما وفَّى؟ \". قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: \"وفَّى عملَ يومِه أربعَ رَكَعَاتٍ في النهارِ\" (^٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: وفَّى جميعَ شرائعِ الإسلامِ، وجميعَ ما أُمِر به مِن الطاعةِ. لأنّ اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبَر عنه أنَّه وفَّى، فعَمَّ بالخبرِ عنه (^٣) عن تَوْفِيَتِه جميعَ الطاعةِ، ولم يَخْصُصْ بعضًا دونَ بعضٍ.\nفإن قال قائلٌ: فإنه قد خَصَّ ذلك بقولِه: ﴿وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. فإن ذلك مما أخبَر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أنه في صحفِ موسى وإبراهيمَ، لا مما خَصَّ به الخبرَ عن أنه وفَّى، وأما التَّوْفيةُ فإنها على العمومِ، ولو صَحَّ الخبران اللَّذان\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٦. وأخرجه الطبراني ٢٠/ ١٩٢ (٤٢٨)، وابن عدي في الكامل ٣/ ١٠١١ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٦/ ٢١٢ -، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٣/ ٣٨٥ - من طريق رشدين بن سعد به. وأخرجه أحمد ٢٤/ ٣٨٨ (١٥٦٢٤) - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٦/ ٢١١ - والطبراني ٢٠/ ١٩٢ (٤٢٧)، وابن عساكر في تاريخه ٦/ ٢١٢ من طريق زبان به. وقد تقدم هذا الحديث في ٢/ ٥٠٧.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٨٦، وأخرجه البغوي في تفسيره ٧/ ٤١٥ من طريق إسرائيل به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٣/ ٣٨٤ -، وابن عساكر ٦/ ٢١٣، ٢١٤ من طريق جعفر بن الزبير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٩ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد والشيرازي في الألقاب والديلمي. وضعف إسناده. وتقدم في ٢/ ٥٠٨.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"22","page":78},{"text":"ذكَرْناهما أو أحدُهما عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، لم نَعْدُ (^١) القولُ به إلى غيرِه، ولكن في إسنادِهما نظرٌ، يجِبُ التثبُّتُ فيهما مِن أَجْلِه.\nوقولُه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: فـ \"أنْ\" من قولِه: ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾. على التأويلِ الذي تأوَّلناه في موضعِ خفضٍ، ردًّا على \"ما\" التي في قولِه: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾.\nويعني بقولِه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: [أَلَّا تَحْمِلُ حاملةٌ إثمَ حاملةٍ] (^٢) غيرِها؛ بل كلُّ آثمةٍ فإنما إثمُها عليها.\nوقد بيَّنا تأويلَ ذلك باختلافِ أهلِ العلمِ فيه فيما مضى قبلُ (^٣).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ المُحاربيُّ، قال: ثنا أبو مالكٍ الجَنْبيُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ الغِفاريِّ في قولِه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ إلى قولِه: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾. قال: هذا في صحفِ إبراهيمَ وموسى.\nوإنما عَنَى بقولِه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. الذي ضَمِن للوليدِ بنِ المغيرةِ أنْ يتحمَّلَ عنه عذابَ اللَّهِ يومَ القيامةِ، يقولُ: ألم يُخْبَرْ قائلُ هذا القولِ وضامنُ هذا الضمانِ، بالذى في صحفِ موسى وإبراهيمَ مكتوبٌ؛ ألَّا تأْثمُ آثمةٌ إثمَ أخرى غيرِها، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: أَوَلم يُنَبَّأْ أنه لا يُجازَى\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يعد\"، وغير منقوطة في ص.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١٤/ ٥٢٦، ١٩/ ٣٥٣، ٣٥٤.","vol":"22","page":79},{"text":"عاملٌ إلا بعملِه، خيرًا كان ذلك أو شرًّا.\n\n<span id=\"aya-4823\"></span>كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. وقرَأ: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤] قال: أعمالَكم.\nوذُكِر عن ابنِ عباسٍ أنه قال: هذه الآيةُ منسوخةٌ.\n[ذكرُ الرواية بذلك عنه] (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. قال: فأنزَل اللَّهُ بعدَ هذا: (والذين آمَنوا و[أتْبَعناهم ذُرِّيَّاتِهم] (^٢) بإيمانٍ ألْحَقْنا بهم ذُرِّيَّاتِهم) [الطور: ٢١]. فَأَدْخَل اللهُ الأبناءَ بصلاحِ الآباء الجنةَ (^٣).\n\n<span id=\"aya-4824\"></span><span data-type='title' id=toc-8839>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: قولُه جلّ ثناؤُه: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنَّ عملَ كلِّ عاملٍ سوف يَراه يومَ القيامةِ مَن وَرَد القيامةَ، بالجزاءِ الذي يُجازَى عليه؛ خيرًا كان أو شرًّا، لا يُؤْخَذُ (^٤) بعقوبةِ ذنبٍ غيرُ عاملِه، ولا يُثابُ على صالحِ عملٍ (^٥) عاملٌ غيرُه. وإنما عَنَى بذلك الذي رجَع عن إسلامِه، بضمانِ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، وفي ت ٢، ت ٣: \"ذكر من قال ذلك\".\n(^٢) في الأصل: \"واتبعتهم ذريتهم\". وينظر ما تقدم في ٢١/ ٥٨٣، ٥٨٤.\n(^٣) أخرجه النحاس في ناسخه ص ٦٨٩، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٤٧٦ من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٠ إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٤) في م، ت ٣: \"يؤاخذ\".\n(^٥) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"عمله\".","vol":"22","page":80},{"text":"صاحبِه له أن يَتَحمَّلَ عنه العذابَ، أن ضمانَه ذلك لا ينفعُه، ولا يُغنى عنه يومَ القيامةِ شيئًا؛ لأنَّ كلَّ عاملٍ فبعملِه مأخوذٌ.\n\n<span id=\"aya-4825\"></span>وقولُه: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم (^١) يُثابُ بسَعْيِه ذلك الثوابَ الأَوْفى. وإنما قال جلّ ثناؤُه: ﴿الْأَوْفَى﴾؛ لأنه أَوْفى ما وعَد خَلْقَه عليه مِن الجزاءِ. والهاءُ في قولِه: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ﴾. مِن ذكرِ \"السَّعْيِ\"، وعليه عادَت.\n\n<span id=\"aya-4826\"></span>وقولُه: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وأنّ إلى ربِّك يا محمدُ انتهاءَ جميعِ خَلْقِه ومرجِعَهم، وهو المُجازِي جميعَهم بأعمالِهم؛ صالحَهم وطالحَهم، ومُحسنَهم ومُسيئَهم.\n\n<span id=\"aya-4827\"></span>وقولُه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنّ ربَّك هو أَضْحَكَ أهلَ الجنةِ في الجنةِ؛ بدخولِهم إياها، وأَبْكى أهلَ النارِ في النارِ؛ بدخولِهموها، وأَضْحَك مَن شاء مِن أهل الدنيا، وأَبْكى من أراد أن [يُبْكيَه منهم] (^٢).\n\n<span id=\"aya-4828\"></span><span data-type='title' id=toc-8840>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وأنه هو أمات مَن مات (^٣) مِن خَلْقِه، وهو أحيا مَن حَيِيَ (^٤) منهم.\nوعَنى بقولِه: ﴿وَأَحْيَا﴾ نفخَ الرُّوحِ في النطفةِ المَيِّتةِ، فجعَلها حيةً بتصييرِه\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في الأصل: \"يبكيهم معهم\".\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"أمات\".\n(^٤) في الأصل: \"أحيا\".","vol":"22","page":81},{"text":"الروحَ فيها.\n\n<span id=\"aya-4829\"></span>وقولُه: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: وأنه ابْتدَع إنشاءَ الزوجينِ الذكرِ والأنثى، وجعَلهما زوجين. لأن الذكرَ زوجُ الأنثى، والأنثى له زوجٌ، فهما زوجان، يكونُ كلُّ واحدٍ منهما زوجًا للآخرِ.\n\n<span id=\"aya-4830\"></span>وقولُه: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾. و﴿مِنْ﴾ مِن صلةِ ﴿خَلَقَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: خلَق ذلك مِن نطفةٍ إذا أمناه الرجلُ والمرأةُ.\n\n<span id=\"aya-4831\"></span>وقولُه: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنَّ على ربِّك يا محمدُ أنْ يخلُقَ هذين الزوجين بعدَ مماتِهم وبِلاهم في قبورِهم، الخلقَ الآخرَ، وذلك إعادتُهم أحياءً خَلْقًا جديدًا كما كانوا قبلَ مماتِهم.\n\n<span id=\"aya-4832\"></span><span data-type='title' id=toc-8841>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وأَنَّ رَبَّك هو أَغنى مَن أَغنَى مِن خَلْقِه بالمالِ وأَقْناه، فجعَل له قُنْيةً أصولَ أموالٍ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم بالذي قلنا في ذلك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسَديُّ، قال: ثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، [قال: أخبَرنا إسرائيلُ] (^١)، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ قولَه: ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. قال: أَغنى بالمالِ (^٢)، وأَقنى القُنْيةَ (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"المال\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣١ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":82},{"text":"وقال آخرون: عنى بقولِه: ﴿وَأَقْنَى﴾: أَخْدَم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. قال: ﴿أَغْنَى﴾: موَّل، و﴿وَأَقْنَى﴾ (^١): أَخْدَم (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. قال: أَخْدَم (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. قال: أَغْنَى وأَخْدَم (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. قال: أَعطَى وأَرْضى وأَخْدَم.\nوقال آخرون: بل عَنَى بذلك أَنه أَغْنَى مِن المالِ، وأَقْنَى (^٥): رضَّى.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. قال: فإنه أَغْنَى وأَرْضَى.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أغنى\".\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١١٨، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٤٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٤ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) في الأصل: \"أنه\".","vol":"22","page":83},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. قال: ﴿أَغْنَى﴾: موَّل، و﴿وَأَقْنَى﴾: رضَّى.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَغْنَى﴾. قال: موَّل، ﴿وَأَقْنَى﴾. قال: رضَّى (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. يقولُ: أعطاه وأَرضاه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَ حديثِ ابنِ بشارٍ، عن عبد الرحمنِ، عن سفيانَ.\nوقال آخرون: بل عَنَى بذلك أنه أَغْنَى نفسَه، وأَفْقَر خَلْقَه إليه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. قال: زعَم حضرميٌّ أنه ذُكِر له أنه أَغْنى نفسَه، وأَفْقَر الخلائقَ إليه (^٣).\nوقال آخرون: بل عَنَى بذلك أنه أَغْنى مَن شاء مِن خَلْقِه، وأَفْقَر مَن شاء.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٢٨. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٤، والإتقان ٢/ ٤٥ - من طريق أبي صالح به.\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٧٦) من طريق ابن عبد الأعلى به.","vol":"22","page":84},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. قال: ﴿أَغْنَى﴾ فأَكثَر، و﴿وَأَقْنَى﴾ أقلَّ. وقرَأ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ (^١) [العنكبوت: ٦٢].\n\n<span id=\"aya-4833\"></span>وقولُه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾. يقولُ جل ثناؤُه: وأنَّ ربَّك يا محمدُ هو ربُّ الشِّعْرى. يعني بالشِّعْرى النَّجْمَ الذي يُسَمَّى هذا الاسمَ، وهو نَجْمٌ كان بعضُ أهلِ الجاهليةِ يعبدُه مِن دونِ اللَّهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾. قال: هو الكوكبُ الذي يُدعى الشِّعْرَى (^٢).\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾. قال: الكوكبُ الذي خَلْفَ الجوزاءِ، كانوا يعبُدونه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١١٨، والبغوي في تفسيره ٧/ ٤١٩.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣١ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٦٩٥) من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣١ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":85},{"text":"﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾. قال: نجمٌ (^١) كان يُعْبَدُ في الجاهليةِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾. قال: مِرْزَمُ (^٢) الجوزاءِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾: كان حيٌّ مِن العربِ يَعْبُدون الشِّعْرَى، هذا النَّجْمُ الذي رأَيتم. قال بشرٌ: قال يزيدُ (^٤): النَّجْمُ الذي يَتْبَعُ الجوزاءَ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾. قال: كان ناسٌ في الجاهليةِ يعبُدون هذا النَّجْمَ الذي يُقالُ له الشِّعْرى (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾: كانت تُعبَدُ في الجاهليةِ، فقال: تعبُدون هذه وتَترْكون ربَّها! اعبُدوا ربَّها. قال: والشِّعْرَى النَّجْمُ الوَقَّادُ الذي يَتْبَعُ الجوزاءَ، يقالُ له: المِرْزَمُ (^٦).\n\n<span id=\"aya-4834\"></span>وقولُه: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾. يعني تعالى ذكرُه بعادٍ الأُولى: عادَ بنَ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) المرزمان: نجمان، وهما مع الشِّعْرَيين، فالذراع المقبوضة في إحدى المِرْزمين، ونظم الجوزاء أحد المِرْزمين، ونظمهما كواكب معهما، فهما مرزما الشعريين، والشعريان نجماهما اللذان معهما الذراعان يكونان معهما. اللسان (ر ز م).\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٢٨. ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٢.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يريد\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٤ عن معمر به. وعزاه الحافظ في الفتح ٨/ ٦٠٤ إلى عبد الرزاق. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) ينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٤٤٢.","vol":"22","page":86},{"text":"إرمَ بنِ عَوْصِ بن سامِ بنِ نوحٍ، وهم الذين أهلَكهم اللَّهُ بريحٍ صرصرٍ عاتيةٍ، وإيَّاهم عنَى بقولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ﴾ [الفجر: ٦، ٧].\nواختلفتِ القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأَةِ المدينةِ وبعضُ قرأَةِ البصرةِ: (عادًا لُّولَى) بتركِ الهمزِ، وجزمِ النونِ (^١)، حتى صارت اللامُ في ﴿الْأُولَى﴾ كأنَّها لامٌ مُثقَّلةٌ، والعربُ تَفْعَلُ ذلك في مثلِ هذا، حُكِي عنها سماعًا منهم: قُمْ لَانَ عنا. يريدُ: قُمِ الآنَ. جزَموا الميمَ لما حُرِّكت اللامُ التي مع الأَلِفِ في \"الآن\". وكذلك تقولُ: صُمْ لِثْنَينِ. يريدون: صُمِ الإثنينِ. وأما عامةُ قرأَةِ الكوفةِ وبعضُ المكيِّين، فإنهم قرَءُوا ذلك بإظهارِ النونِ وكسرِها وهمزِ ﴿الْأُولَى﴾ (^٢)، على اختلافٍ في ذلك عن الأعمشِ، فرَوَى أصحابُه عنه - غيرَ القاسمِ بنِ مَعْنٍ - موافقةَ أهلِ بلدِه في ذلك. وأما القاسمُ بنُ مَعْنٍ فحُكِي عنه عن الأعمشِ أنه وافَق في قراءتِه ذلك قرأةَ (^٣) المدنيِّين (^٤).\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا ما ذكَرْنا مِن قراءةِ الكوفيِّين؛ لأن ذلك هو الفصيحُ مِن كلامِ العربِ، وأن قراءةَ مَن كان مِن أهلِ السَّلِيقةِ فعلى البيانِ والتفخيمِ، وأن الإدغامَ في مثلِ هذا الحرفِ وتركَ البيانِ، إنما يُوسَّعُ فيه لمن كان ذلك سجيَّتَه وطبعَه مِن أهلِ البوادِي. فأما المُوَلَّدون (^٥) فإِن حُكْمَهم أَن يَتَحَرَّوا أَفصحَ القراءاتِ وأعذبَها وأثبتَها، وإن كانت الأخرى جائزةً غيرَ مردودةٍ.\nوإنما قيلَ لعادِ بنِ إِرمَ: ﴿عَادًا الْأُولَى﴾. لأن بني لُقَيْمِ بنِ هَزَّالِ بنِ هُزَيلِ [بنِ عُتَيْلِ بنِ صَدِّ] (^٦) بنِ عادٍ الأكبرِ، كانوا أيامَ أَرْسَلَ اللَّهُ على عادٍ الأكبرِ عذابَه سُكَّانًا\n_________\n(^١) وهي قراءة نافع وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب. الإتحاف ص ٢٤٩.\n(^٢) وهي قراءة ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وخلف. المصدر السابق.\n(^٣) في م: \"قراءة\".\n(^٤) ينظر معاني القرآن ٣/ ١٠٢.\n(^٥) المولد من الرجال: العربي غير المحض. الوسيط (ول د)\n(^٦) في م: \"عبيل بن ضد\".","vol":"22","page":87},{"text":"بمكةَ مع إخوانِهم مِن العمالقةِ، ولدِ عِمْليقَ بنِ لاوذَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ، ولم يكونوا مع قومِهم مِن عادٍ بأرضِهم، فلم يُصِبْهم مِن العذابِ ما أصاب قومَهم، وهم عادٌ الآخرةُ، ثم هلكوا بعدُ.\nوكان هلاكُ عادٍ الآخرةِ بِبَغْيِ بعضِهم على بعضٍ، فتفانَوا بالقتلِ، فيما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ (^١).\nفلِما (^٢) ذكَرْنا قيل لعادٍ الأكبرِ الذي أهلَك اللهُ ذرِّيتَه بالريحِ: ﴿عَادًا الْأُولَى﴾. لأنها أُهْلِكت قبلَ عادٍ الآخرةِ.\nوكان ابنُ زيدٍ يقولُ: إنما قيلَ لعادٍ: ﴿الْأُولَى﴾. لأنها أوَّلُ الأممِ هلاكًا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾. قال: يقالُ: هي مِن أوَّلِ الأممِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-4835\"></span>وقولُه: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولم يُبْقِ اللهُ ثمودَ فيَتْرُكَها على طُغْيانِها وتمرُّدِها على ربِّها مقيمةً، ولكنه عاقَبها بكفرِها وعُتُوِّها فأهلَكها.\nواختلفتِ القرأَةُ في قراءةِ [قولِه: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾] (^٤) فقرَأتْه عامةُ قرأَةِ الأمصارِ (^٥)؛ البصرةِ وبعضِ الكوفيِّين: (وثَمُودًا فَمَا أبْقَى) بالإجراءِ (^٦)، اتِّباعًا [الخطِّ المصحفِ] (^٧)، إذ كانت الألِفُ مُثبَتةً فيه. وقرأه بعدُ (^٨) عامةُ الكوفيين بتركِ الإجراءِ (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢١٩.\n(^٢) في م: \"فيما\".\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٢٠.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذلك\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر والكسائي وأبي جعفر وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢١٧.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"للمصحف\".\n(^٨) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بعض\".\n(^٩) وهي قراءة يعقوب وحمزة وعاصم. النشر ٢/ ٢١٧.","vol":"22","page":88},{"text":"وذُكِر أنه في مصحفِ عبدِ اللَّهِ بغير أَلِفٍ (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ لصحتِهما في الإعرابِ والمعنى.\nوقد بيَّنا قصةَ ثمودَ وسببَ هلاكِها فيما مضَى، بما أَغْنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4836\"></span><span data-type='title' id=toc-8842>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وأنه أهلَك قومَ نوحٍ قبلَ عادٍ وثمودَ، إنهم كانوا هم أشدَّ ظلمًا لأنفسِهم، وأعظمَ كفرًا بربِّهم، وأشدَّ طُغْيانًا وتمرُّدًا على اللَّهِ مِن الذين أهلَكهم مِن بعدِهم (^٣) مِن الأممِ.\nوكان طُغْيانُهم الذي وصَفهم اللَّهُ به (^٤) أنهم كانوا بذلك أكثرَ طُغْيانًا [على ربِّهم] (^٥) مِن الأممِ، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾: لم يكنْ قَبِيلٌ مِن الناسِ هم أظلمَ وأَطْغى مِن قومِ نوحٍ، دعاهم نبيُّ اللَّهِ نوحٌ ﵇ ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا، كلما هلَك قرنٌ نشَأ قرنٌ دعاهم نبيُّ اللهِ، حتى ذُكِر لنا أنَّ الرجلَ كان يأخُذُ بيدِ ابنِه فيمْشِي به فيقولُ: يا بُنيَّ، إنَّ أبي قد مَشَى بي إلى هذا وأنا مثلُك يومَئذٍ. تتايُعًا (^٦) في\n_________\n(^١) المصاحف لابن أبي داود ص ٧١.\n(^٢) تقدم في ١٠/ ٢٨٢، وما بعدها، ١٢/ ٤٥٢ وما بعدها.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بعد\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من غيرهم\".\n(^٦) التتايع: الوقوع في الشر من غير فكرة ولا روية والمتابعة عليه ولا يكون في الخير. النهاية ١/ ٢٠٢.","vol":"22","page":89},{"text":"الضلالةِ، وتكذيبًا بأمرِ (^١) اللَّهِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾. قال: دعاهم (^٣) ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا (^٤).\n\n<span id=\"aya-4837\"></span>وقولُه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والمخسوفَ بها المقلوبَ أعلاها أسفلَها. وهي قريةُ سَدُومَ قومِ لوطٍ، أَهْوَى اللَّهُ بها (^٥)، فأمرَ اللَّهُ جبريلَ فرفَعها مِن الأرضِ السابعةِ بجَناحِه، ثم [أهوَى بها] (^٦) مقلوبةً.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾. قال: أهواها جبريلُ، قال: رفَعها إلى السماءِ ثم أهواها (^٧).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي عيسى يحيى بنِ رافعٍ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾. قال: قريةَ لوطٍ (^٨) أَهْوَى بها.\n_________\n(^١) في الأصل: \"لأمر\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) بعده في م: \"نبي الله\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٤ عن معمر به.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أهواها\".\n(^٧) تفسير مجاهد ص ٦٢٩. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٣٧١) من طريق أبي عاصم به، وأخرجه (٣٧٢) من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣١ إلى عبد بن حميد.\n(^٨) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حين\".","vol":"22","page":90},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾. قال: قريةَ لوطٍ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾. قال: هم قومُ لوطٍ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾. قال: قريةَ لوطٍ أهواها مِن السماءِ، ثم أَتْبَعها ذاك الصَّخْرَ؛ اقتُلِعت مِن الأرضِ، ثم هَوَى بها في السماءِ، ثم قُلِبت.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾. قال: المُكذِّبين أهلَكهم اللَّهُ.\n\n<span id=\"aya-4838\"></span>وقولُه: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فغَشَّى اللَّهُ المؤتفكةَ مِن الحجارةِ المنضودةِ المُسوَّمةِ ما غشّاها، فأَمطَرها إيَّاه (^٢) مِن سِجِّيلٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾: غشّاها صخرًا منضودًا.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾. قال: الحجارةَ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٤ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٥ عن معمر به. وهو تمام الأثر قبله.","vol":"22","page":91},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾. قال: الحجارةَ التي رماهم بها من السماءِ.\n\n<span id=\"aya-4839\"></span><span data-type='title' id=toc-8843>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: قولُه ﷿: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾. يقولُ جل ثناؤُه: فبأيِّ نَعْماءِ (^١) ربِّكَ يا بنُ آدمَ التي أَنعَمها عليك، ترتابُ وتَشُكُّ وتُجادِلُ.\nوالآلاءُ جمعُ إِلًى. وفي واحدِها لغاتٌ ثلاثٌ: أَلًى على مِثالِ \"عَلًى\"، وإِلْيٌ على مثالِ \"عِلْيٌ\"، وإلًى على مثالِ \"عِلًى\" (^٢).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾. يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ اللَّهِ تَتَمارى يا بنَ آدمَ (^٣)؟\nوحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾. قال: بأيِّ نِعَمِ ربِّك تَتَمارى (^٤).\n\n<span id=\"aya-4840\"></span>وقولُه: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه جلَّ ثناؤُه لمحمدٍ ﷺ: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾، وَوَصْفِه إيَّاه بأنه مِن النُّذُرِ\n_________\n(^١) في م: \"نعمات\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"علا\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٤٣ بلفظ: فبأي نعم الله عليك أيها الإنسان تمتري.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٥ عن معمر به، وهو تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.","vol":"22","page":92},{"text":"الأُولى، وهو آخِرُهم؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك أنه نذيرٌ لقومِه كما (^١) كانتِ النُّذُرُ الذين قبلَه نُذُرًا لقومِهم. كما يقالُ: هذا واحدٌ مِن بني آدمَ، وواحدٌ مِن الناسِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾. قال: أنْذَر محمدٌ ﷺ كما أَنْذَرَتِ الرسلُ مِن قبلِه (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾: إنما بُعِث محمدٌ ﷺ بما بُعِث به (^٣) الرسلُ قبلَه (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمَانٍ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾. قال: [هو محمدٌ ﷺ] (^٥).\nوقال آخرون: بل (^٦) معنى ذلك غيرُ هذا كلِّه. وقالوا: معناه: هذا الذي أَنْذَرتُكم به أيُّها القومُ مِن الوقائِع التي ذكرْتُ لكم أَنِّي أوْقَعْتُها بالأممِ قبلَكم، مِن النُّذُرِ التي أَنْذَرتُها الأممَ قبلَكم في صحفِ إبراهيمَ وموسى.\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"و\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٥ عن معمر به.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وفي المخطوطة المحمودية ص ٣٩٨ عزاه إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٥) في الأصل: \"في أم الكتاب\". وينظر البحر المحيط ٨/ ١٧٠.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":93},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي مالكٍ: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾. قال: مما أَنْذَرُوا به قومَهم في صحفِ إبراهيمَ وموسى (^١).\nوهذا [القولُ الذي ذُكِر] (^٢) عن أبي مالكٍ أَشْبَهُ بتأويلِ الآيةِ؛ وذلك أن اللَّهَ جل ثناؤُه ذكَر ذلك في سياقِ الآياتِ التي أخْبَر عنها أنها في صحفِ إبراهيمَ وموسى نذيرٌ مِن النُّذُرِ الأولى، التي جاءتِ الأممَ قبلَكم كما جاءَتْكم، فقولُه: ﴿هَذَا﴾، بأن يكونَ (^٣) إشارةً إلى ما تقَدَّمَه (^٤) مِن الكلامِ، أَوْلَى وأشْبَهُ منه بغيرِ ذلك.\n\n<span id=\"aya-4841\"></span>وقولُه: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾. يقولُ: دَنَتِ الدانيةُ. وإنما يعني: دنَتِ القيامةُ القريبةُ منكم أيُّها الناسُ. يقالُ منه (^٥): أزِف رَحيلُ فلانٍ. إذا دنا وقرُب، كما قال نابغةُ بني ذُبيانَ (^٦):\nأَزِف التّرَحُّلُ غيرَ أن رِكابَنا … لمَّا (^٧) تَزُلْ برِحالِها (^٨) وكَأَن قَدِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣١ إلى المصنف، بلفظ: محمد ﷺ أنذر ما أنذر الأولون. وفي المخطوطة المحمودية ص ٣٩٨ بلفظ: هذا في صحف إبراهيم وموسى.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذي ذكرت\".\n(^٣) في الأصل: \"لكون\"، وفي م، ت ١: \"تكون\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تقدمها\".\n(^٥) ليس في: الأصل.\n(^٦) ديوانه ص ٣٠، وفيه: \"أفِد\" مكان \"أزف\". وهما روايتان بمعنًى.\n(^٧) في ص: \"لم\".\n(^٨) في الأصل: \"برحالنا\". وهما روايتان.","vol":"22","page":94},{"text":"وكما قال كعبُ بنُ زُهَيْرٍ (^١):\nبان الشبابُ وأَمْسَى الشَّيْبُ قد أزِفا … ولا أرَى لشبابٍ ذاهبٍ خَلَفَا\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾: من أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه اللَّهُ وحذَّره عبادَه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾. قال: اقْتَرَبَت الساعةُ (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال (^٤): قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾. قال: الساعةُ، ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ (^٥).\n\n<span id=\"aya-4842\"></span>وقولُه: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾. يقولُ: ليس للآزفةِ التي قد أزِفَت؛ وهي الساعةُ التي قد دَنَت، مِن دونِ اللَّهِ كشفٌ (^٦). يقولُ: ليس تَنْكَشِفُ فتقومَ إلا بإقامةِ اللَّهِ إياها وكشْفِها دونَ مَن سِواه مِن خلقِه؛ لأنه لم يُطْلِعْ عليها مَلَكًا مُقَرَّبًا\n_________\n(^١) شرح ديوانه ص ٧٠.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣١ إلى المصنف، دون قوله: \"عظمه … إلخ\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٢٩، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٢ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في م: \"قالا\".\n(^٥) تقدم بنحوه في ٢٠/ ٣٠١.\n(^٦) في م: \"كاشف\".","vol":"22","page":95},{"text":"ولا نبيًّا مرسلًا.\n[وقال: ﴿كَاشِفَةٌ﴾. فأنَّثَ] (^١)، وهي بمعنى الانكشافِ. كما قيل: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]. [بمعنى: فهل تَرَى لهم من بقاءٍ] (^٢)؟ وكما قيل: العاقبةُ. وما له من ناهيةٍ. وكما قال (^٣): ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]. بمعنى: تكذيبٌ. ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]. بمعنى: خيانةٍ.\n\n<span id=\"aya-4843\"></span><span data-type='title' id=toc-8844>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لمشركي قريشٍ: أفمِن هذا القرآنِ أيُّها الناسُ تَعْجَبون، أن نَزَل على محمدٍ ﷺ.\n\n<span id=\"aya-4844\"></span>وتَضْحَكون منه اسْتِهزاءً به، ولا تَبْكُون مما فيه مِن الوعيدِ لأهلِ مَعاصي اللَّهِ، وأنتم مِن أهلِ مَعاصيه.\n\n<span id=\"aya-4845\"></span>﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. يقولُ: وأنتم لاهُون عَمَّا فيه من العِبَرِ والذِّكْرِ، مُعْرِضون عن آياتِه. يقالُ للرجلِ: دَعْ عنا سُمودَك. يُرادُ به: دَعْ عنا لهوَك. يقالُ منه: سمَد فلانٌ يَسْمُدُ سُمُودًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اخْتَلَفَت ألفاظُهم بالعبارةِ عنهم (^٤)؛ فقال بعضُهم: [معناه: لاهون. وقال بعضُهم] (^٥): غافلون. وقال\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"وقيل كاشفة. فأنثت\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"وقيل: كاشفة. فأثبت\".\n(^٢) سقط من: ت ٢، ت ٣. وفي الأصل: \"بمعنى هل ترى لهم مَنْ بقى\"، وينظر ما سيأتي في تفسير هذه الآية في موضعه من التفسير.\n(^٣) في م: \"قيل\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عنه\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":96},{"text":"بعضُهم: مُغَنُّون (^١). وقال بعضُهم: مُبَرْطِمون (^٢).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿سَامِدُونَ﴾. قال: هو الغِناءُ، كانوا إذا سمِعوا القرآنَ تَغَنَّوْا ولعِبوا، وهي لغةُ أهلِ (^٣) اليمنِ، قال اليَمانيُّ: اسْمُدْ (^٤).\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿سَامِدُونَ﴾. قال: لاهُون (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿سَامِدُونَ﴾. يقولُ: لاهُون.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبيه، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: هي يَمانيةٌ: اسْمُدْ لنا (^٦)؛ تَغَنَّ لنا (^٧).\n_________\n(^١) في الأصل: \"مقيمون\"، وفي ت ٢: \"مضون\".\n(^٢) في الأصل: \"مرطمون\"، وفي ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مترطمون\". والبرطمة عبوس في انتفاخ وغيظ. والبرطمة: الانتفاخ من الغضب. اللسان (برطم).\n(^٣) ليس في: الأصل.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٥ عن معمر عن إسماعيل بن شروس عن عكرمة به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٥ - من طريق أبي صالح به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٥، والطبراني (١١٧٢٢) من طريق عكرمة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣١ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٠٥ عن عبد الرحمن بن مهدي به، ومن طريقه الحافظ في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٣، وأخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (٣٣)، والبزار (٢٢٦٤ - كشف)، والبيهقي ١٠/ ٢٢٣ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"22","page":97},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا الأَشْجَعيُّ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: هو الغناءُ، وهي يَمانيةٌ، يقولون: اسْمُدْ لنا؛ تَغَنَّ لنا.\nقال: ثنا [عبيدُ اللَّهِ] (^١) الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن حَكيمِ بنِ الدَّيْلَمِ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال: كانوا يَمُرُّون على النبيِّ ﷺ شامخين، ألم تَرَوْا إلى الفَحْلِ في الإبلِ يَخْطِرُ (^٢) شامخًا (^٣)!\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال: غافلون (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال: كانوا يَمُرُّون على النبيِّ ﷺ غِضابًا مُبَرْطِمِين. وقال عكرمةُ: هو الغِناءُ بالحِمْيَرِيَّةِ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ ووكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نجِيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: هي البَرْطَمَةُ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال: البَرْطَمةُ.\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبد الله\".\n(^٢) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"عطنا\"، وفي ت ١: \"عطبا\". وخطَرَ الفَحْلُ بذَنَبه يَخْطِر، بالكسر: رفعه مرة بعد مرة وضرب به حاذَيْه، وهو ما ظهر من فخذَيْه، وقيل: ضرب به يمينًا وشمالًا. والفحل يخطِر بذَنَبه عند الوعيد من الخُيَلاء. ينظر تاج العروس (خ ط ر).\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (٢٦٨٥) عن أبي كريب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٤٣.","vol":"22","page":98},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ [قولَه: ﴿سَامِدُونَ﴾. قال: البَرْطَمةُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن (^٢) عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ] (^٣)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: السامِدون: المُغَنُّون، بالحِمْيَريةِ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ (^٤)، قال: كان عكرِمةُ يقولُ: السامدون: يُغَنُّون؛ بالحِمْيَريةِ (^٥). ليس فيه ابنُ عباسٍ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَامِدُونَ﴾. أي: غافلون.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿سَامِدُونَ﴾. قال: غافلون (^٦).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعْتُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٢٩، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٢ -، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"قال: ثنا\".\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) بعده في م: \"عن مجاهد\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٦٢٩، وأخرجه ابن عيينة في تفسيره - كما في التغليق ٤/ ٣٢٢ - وعنه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٠/ ٤٧١ - عن ابن أبي نجيح به، وأخرجه عبد بن حميد - كما في التغليق ٤/ ٣٢٣ من طريق إسماعيل بن شروس عن عكرمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٢ إلى سعيد بن منصور.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣١، ١٣٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":99},{"text":"الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾: السُّمودُ اللهوُ واللَّعِبُ.\nحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، عن فِطْرٍ، عن أبي خالدٍ الوالبيِّ، عن عليٍّ ﵁، قال: رآهم قيامًا يَنْتَظِرون الإمامَ، فقال: ما لكم سامِدين (^١)!\n[وحدَّثني أحمدُ بنُ منصورٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ أبي يحيى، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن فِطْرٍ، قال: حدَّثني زائدةُ بنُ نَشِيطٍ، عن أبي خالدٍ الراسِبيِّ (^٢)، قال: خَرَج علينا عليٌّ رحمةُ اللَّهِ عليه ونحن قِيامٌ، فقال: ما لكم سامدين] (^٣)!\nحدَّثني ابنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عمرانَ بنِ زائدةَ بنِ نَشِيطٍ، عن أبيه، عن أبي خالدٍ، قال: خرَج علينا عليٌّ ﵁ ونحن قيامٌ، فقال: ما لي أراكم سامدِين!\n[حدَّثنا ابنُ سنانٍ] (^٤)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن فِطرٍ، عن زائدةَ، عن أبي خالدٍ بمثلِه.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، والدر المنثور: \"سامدون\".\nوالأثر أخرجه ابن سعد ٦/ ١٢٨ من طريق فطر به.\n(^٢) كذا في الأصل: والمعروف من ترجمته أنه الوالبي، كما في الجرح والتعديل ٩/ ١٢٠، وتهذيب الكمال ٣٣/ ٢٧٥. \"فالراسبي\" هذه إن لم تكن تصحيفا، فقد تكون نسبة غير مشهورة له. والله تعالى أعلم.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٤٠٥ من طريق فطر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٢ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد.\n(^٤) ليس في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":100},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال: قيامُ القومِ قبلَ أن يَجيءَ الإمامُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن عِمْرانَ الخَيَّاطِ، عن إبراهيمَ في القومِ يَنْتَظِرون الصلاةَ قيامًا، قال: كان يقالُ: ذاك السُّمودُ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن ليثٍ والعَرْزَميِّ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال: البَرْطَمةُ. [قلتُ: ما البرطمةُ؟ قال: الإعراضُ] (^٢).\n[حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال: البرطمةُ] (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال: الغناءُ باليَمانيةِ؛ اسْمُدْ لنا.\nحدَّثنا يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال: السامدُ الغافلُ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: كانوا يَكْرَهون أن يقوموا إذا أقام المؤذنُ الصلاةَ (^٣) وليس عندَهم الإمامُ، وكانوا يَكْرَهون أن\n_________\n(^١) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٢ مطولا من طريق سعيد به، وعزاه إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٤٢١.\n(^٣) في م: \"للصلاة\".","vol":"22","page":101},{"text":"يَنْتَظِروه قيامًا، وكان يقالُ: ذلك (^١) السُّمودُ، أو مِن السُّمودِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4846\"></span>وقولُه: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاسْجُدوا للهِ أيُّها الناسُ في صلاتِكم دونَ مَن سِواه مِن الآلهةِ والأندادِ، وإياه فاعْبُدوا دونَ غيرِه، فإنه لا يَنْبَغي أن تكونَ العبادةُ إلا له، فأخْلِصوا له العبادةَ والسجودَ، ولا تَجْعَلُوا له شريكًا في عبادتِكم إياه.\nآخِرُ تفسيرِ سورةِ \"والنَّجمِ\".\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، والدر المنثور: \"ذاك\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٤٠٥ عن جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٢ من طريق منصور به، إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":102},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-4847\"></span><span data-type='title' id=toc-8845>تفسيرُ سورةِ اقتربتِ الساعةُ</span>\n<span data-type='title' id=toc-8846>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ </span>(٢)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾: دنَت الساعةُ التي تقومُ فيها القيامةُ.\nوقولُه: ﴿اقْتَرَبَتِ﴾: افْتَعَلتْ؛ مِن القُرْبِ. وهذا مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه إنذارٌ لعبادِه بدُنُوِّ القيامةِ، وقربِ فناءِ الدنيا، وأمرٌ لهم بالاستعدادِ لأهوالِ القيامةِ قبلَ هجومِها عليهم، وهم عنها في غفلةٍ ساهون.\nوقولُه: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وانْفَلَق القمرُ. وكان ذلك فيما ذُكِر على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، وهو بمكةَ، قبلَ هجرتِه إلى المدينةِ، وذلك أن كفارَ أهلِ مكةَ سأَلوا آيةً، فأراهم ﷺ انشقاقَ القمرِ؛ آيةً وحُجَّةً له على صدقِ قولِه وحقيقةِ نبوتِه، فلمَّا أراهم ذلك أعْرَضوا وكذَّبوا، وقالوا: هذا سحرٌ مستمرٌّ، سَحَرنا محمدٌ. فقال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاءت الآثارُ، وقال به أهلُ التأويلِ.\nذكرُ الأخبارِ المَرْوِيَّةِ والآثارِ بذلك عمَّن قاله مِن أهلِ التأويلِ\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن أنسَ بنَ مالكٍ","vol":"22","page":103},{"text":"حدَّثهم، أن أهلَ مكةَ سأَلوا رسولَ اللَّهِ ﷺ أن يُرِيَهم آيةً، فأراهم انشقاقَ القمرِ مرَّتين (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ قتادةَ يُحَدِّثُ عن أنسٍ، قال: انْشَقَّ القمرُ فِرْقتين (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى والحسنُ بنُ أبي يحيى المُقَدَّمِيُّ (^٣)، قالا (^٤): ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، قال: سمِعْتُ أنسًا يقولُ: انشَقَّ القمرُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ (^٥).\n[حدَّثني يعقوبُ الدَّوْرقيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ (^٦)، عن قتادةَ: سمِعْتُ أنسًا يقولُ. فذكَر مثلَه.\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن شعبةَ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، قال: انشَقَّ القمرُ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ] (^٧) مرتين (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٣٧)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (١٤٦٣)، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٢٦٣ من طريق يزيد به.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨٠٢/ ٤٧) عن ابن المثنى به، وأخرجه أحمد ٢١/ ٣٦٩ (١٣٩١٨) عن محمد بن جعفر به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المقدسي\".\n(^٤) في الأصل: \"قال\".\n(^٥) الطيالسي (٢٠٧٢)، ومن طريقه أحمد ٢١/ ٣٧٠ (١٣٩١٩) ومسلم (٢٨٠٢)، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٢٦٤.\n(^٦) في م، ت ٣: \"سعيد\".\n(^٧) سقط من: ت ١.\n(^٨) أخرجه أحمد ٢١/ ٣٦٩ (١٣٩١٨)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (١٤٦١) من طريق حجاج به، وأخرجه البخاري (٤٨٦٨)، والطحاوي في المشكل (٧٠٨) من طريق شعبة به، وقوله: مرتين. ليس عند اللالكائي.","vol":"22","page":104},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بَزِيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أن أهلَ مكةَ سأَلوا رسولَ اللَّهِ ﷺ أن يُرِيَهم آيةً، فأراهم القمرَ شِقَّتَيْن حتى رأَوْا حِراءً بينَهما (^١).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: انْشَقَّ القمرُ ونحن مع رسولِ اللَّهِ ﷺ بمنًى حتى ذهَبَت منه فِرْقةٌ خلفَ الجبلِ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"اشْهَدوا\" (^٢).\nحدَّثني إسحاقُ بنُ أبي إسرائيلَ، قال: ثنا النضرُ بنُ شُمَيْلٍ المازنيُّ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن سليمانَ، قال: سمِعْتُ إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: انْفَلَق (^٣) القمرُ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ فِرقَتين، فكانت فرقةٌ على الجبلِ، وفرقةٌ مِن ورائِه، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"اللهمَّ اشْهَدْ\" (^٤).\nحدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيلَ، قال: ثنا النضرُ بنُ شُميلٍ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن سليمانَ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عمرَ مثلَ حديثِ إبراهيمَ في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٨٦٨) من طريق بشر بن المفضل به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٧، وعبد بن حميد (١١٨٢) والترمذي (٣٢٨٦)، من طريق قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٢ إلى ابنُ المنذر وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه أحمد ٧/ ٣٧١ (٤٣٦٠)، ومسلم (٤٤/ ٢٨٠٠)، وأبو يعلى (٥١٩٦)، والطحاوي في مشكل الآثار (٧٠٣)، وابن حبان (٦٤٩٥)، من طريق أبي معاوية به، وأخرجه البخاري (٣٨٦٩، ٣٨٧١)، والترمذي (٣٢٨٥)، وأبو يعلى (٥٠٧٠) من طريق الأعمش به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٧١، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٢٦٤، ٤٦٥، ٤٦٧ من طريق أبي معمر به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تفلق\". وفي مصادر التخريج: \"انشق\".\n(^٤) أخرجه أحمد ٧/ ٣٠٣ (٤٢٧٠)، والبخاري (٤٨٦٤)، ومسلم (٤٥/ ٢٨٠٠)، والنسائي في الكبرى (١١٥٥٢)، والطحاوي في مشكل الآثار (٦٦٩)، من طريق شعبة به، وأخرجه ابن مردويه في تفسيره - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٣/ ٣٨٩ من طريق زيد بن وهب عن ابن مسعود وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٣ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":105},{"text":"القمرِ (^١).\nحدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بنِ عيسى الرَّمْليُّ، قال: ثنى عمي يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن رجلٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: كنا مع رسولِ اللهِ ﷺ بمنًى فانْشَقَّ القمرُ، فأخَذَت فِرْقَةٌ خلفَ الجبلِ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"اشْهَدُوا، اشْهَدُوا (^٢) \".\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لقد رأيْتُ الجبلَ مِن فَرْجِ (^٣) القمرِ حينَ انْشَقَّ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ أبي (^٥) يحيى المُقَدَّميُّ (^٦)، قال: ثنا يحيى بنُ حمادٍ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن المغيرةِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: انْشَقَّ القمرُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقالت قريشٌ: هذا\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٢٠٠٣)، ومسلم (٢٨٠١)، والترمذي (٢١٨٢، ٣٢٨٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (٧٠٠)، وابن حبان (٦٤٩٦)، والحاكم ٢/ ٤٧٢، وأبو نعيم في الدلائل (٢٠٨)، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٢٦٧، من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالحديث ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٩٩ عن المصنف.\n(^٣) الفَرْج: الخَلَل بين الشيئين. تاج العروس (ف ر ج).\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٥٠ عن المصنف، وأخرجه الطيالسي (٢٧٨)، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٧، وأحمد ٧/ ٣٩ (٣٩٢٤)، والبزار (١٥٤١)، والطحاوي في مشكل الآثار (٧٠١)، والحاكم ٢/ ٤٧١ من طريق سماك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٣ إلى عبد بن حميد وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل، وهو عند الطيالسي والبزار بنحوه.\n(^٥) سقط من: م. وتقدم ذكره في ص ١٠٤.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المقدسي\".","vol":"22","page":106},{"text":"سحرٌ، و(^١) ابنُ أبي كَبْشةَ سَحَرَكم، فاسألوا (^٢) السُّفَّارَ. فسأَلوهم، فقالوا: نعم قد رأَيْناه. فأنْزَل اللَّهُ ﵎: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ (^٤)، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قد مضَى انشقاقُ القمرِ.\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: خمسٌ قد مضَيْن؛ الدُّخانُ، واللِّزامُ، والبَطْشةُ، والقمرُ، والرومُ (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: [أخبَرنا أيوبُ] (^٦)، عن محمدٍ (^٧)، قال: نُبِّئْتُ أن ابنَ مسعودٍ كان يقولُ: قد انْشَقَّ القمرُ (^٨).\n[حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ] (^٩)، قال: أخبَرنا ابنُ عليةَ، قال: أخبرنا\n_________\n(^١) ليس في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"فسلوا\".\n(^٣) أخرجه البزار (١٩٧١) من طريق يحيى بن حماد به، وأخرجه الطيالسي (٢٩٣)، وأبو نعيم في الدلائل (٢١١)، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٢٦٦ من طريق أبي عوانة به، وأخرجه أبو نعيم في الدلائل (٢١٢)، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٢٦٦، ٢٦٧، من طريق المغيرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مغيرة\". وجرير هو ابن عبد الحميد، يروي عن الاثنين؛ منصور بن المعتمر، ومغيرة بن مقسم. ينظر تهذيب الكمال ٤/ ٥٤٠.\n(^٥) تقدم في ١٨/ ٤٥٠، ٢١/ ١٥، ١٦.\n(^٦) سقط من: الأصل.\n(^٧) في الأصل: \"عمر\".\n(^٨) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٥٠ عن المصنف، وأخرجه الفاكهي في أخبار مكة ٤/ ٤١ عن ابن علية به مطولًا.\n(^٩) ليس في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":107},{"text":"عطاءُ (^١) بنُ السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، قال: نَزَلْنا المدائنَ، فكنا منها على فَرْسَخٍ (^٢)، فجاءتِ الجمعةُ، فحضَر أبي، وحضَرْتُ معه، فخطَبَنا حذيفةُ، فقال: ألا إن اللهَ يقولُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. ألا وإن الساعةَ قد اقْتَرَبَت، ألا وإن القمرَ قد انشَقَّ، ألا وإن الدنيا قد آذَنَت بفِراقٍ، ألا وإن اليومَ المِضْمارَ وغدًا السباقَ. فقلتُ لأبي: أَيَسْتَبِقُ الناسُ غدًا؟ فقال: يا بُنيَّ، إنك لجَاهلٌ، إنما هو السباقُ بالأعمالِ. ثم جاءتِ الجمعةُ الأخرى، فحَضَرْنا، فخطَب حذيفةُ، فقال: ألا إن اللهَ ﵎ يقولُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. ألا وإن الساعةَ قد اقْتَرَبَت، ألا وإن القمرَ قد انْشَقَّ، ألا وإن الدنيا قد آذَنَت بفراقٍ، ألا وإن اليومَ المِضْمارَ وغدًا السباقَ، ألا وإن الغايةَ النارُ، والسابقَ مَن سبَق إلى الجنةِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: كنتُ مع أبي بالمدائنِ. قال: فخطَب أميرُهم، وكان عطاءٌ يَرَى (^٤) أنه حذيفةُ، فقال في هذه الآيةِ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾: قد اقْتَرَبَت الساعةُ وانْشَقَّ القمرُ، قد اقتَرَبَت الساعةُ وانشَقَّ القمرُ، اليومَ المِضْمارُ، وغدًا السباقُ، والسابقُ مَن سبَق إلى الجنةِ، والغايةُ النارُ. قال: فقلتُ لأبي: غدًا السباقُ؟ قال: فأخْبَره (^٥).\n_________\n(^١) في الأصل: \"عمر\".\n(^٢) الفرسخ: مقياس قديم من مقاييس الطول بقدر بثلاثة أميال. الوسيط (فرسخ).\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٤٧ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ١١٥ عن ابن علية به مختصرًا جدًّا، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٥٢٨٥)، وابن أبي شيبة ١٣/ ٣٧٨، والطحاوي في مشكل الآثار (٧٠٦، ٧٠٧)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٨٠، ٢٨١، من طريق عطاء به نحوه مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٤ إلى عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن مردويه بنحوه مختصرًا.\n(^٤) في م: \"يروى\".\n(^٥) في الأصل: \"فأسره\".","vol":"22","page":108},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ فُضَيْلٍ، عن حُصَيْنٍ، عن محمدِ بنِ جُبيرِ بنِ مُطْعِمٍ، عن أبيه، قال: انشَقَّ القمرُ ونحن مع رسولِ اللَّهِ ﷺ بمكةَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن خارجةَ، عن الحُصينِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن ابنِ جُبيرٍ، عن أبيه: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. قال: انشَقَّ ونحن (^٢) بمكةَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عَسْكَرٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ صالحٍ وعبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ الحكمِ، قالا: ثنا بكرُ بنُ مُضَرَ (^٣)، عن جعفرٍ بنِ ربيعةَ، عن عِراكٍ، عن [عبيدِ اللَّهِ] (^٤) بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عتبةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: انشَقَّ القمرُ في عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ (^٥).\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، [قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عليِّ] (^٦) بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: انشق القمرُ قبلَ الهجرةِ. أو قال: قد مضَى\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٦٤٩٧) من طريق ابن فضيل به. وأخرجه أحمد ٢٧/ ٣١٤، ٣١٥ (١٦٧٥٠)، والترمذي (٣٢٨٩)، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٢٦٨، من طريق حصين به مطولًا دون ذكر مكة فيه. وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٧٢، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٢٦٨، من طريق حصين، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه محمد بن جبير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٣ مطولًا إلى عبد بن حميد وأبي نعيم.\n(^٢) في الأصل: \"هو\".\n(^٣) في الأصل: \"نصر\".\n(^٤) في الأصل: \"عبد الله\"، وفي ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبيد\".\n(^٥) أخرجه البخاري (٤٨٦٦)، ومسلم (٢٨٠٣)، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٢٦٧، من طريق بكر بن مضر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٣ إلى ابن مردويه.\n(^٦) سقط من: الأصل.","vol":"22","page":109},{"text":"ذاك (^١).\nحدَّثنا إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عليٍّ (^٢)، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. قال: ذاك قد مضَى؛ كان قبلَ الهجرةِ، انْشَقَّ حتى رأَوْا شِقَّيْه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ إلى قولِه: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾. قال: قد مضَى، كان قد انشَقَّ القمرُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بمكةَ، فأعْرَض المشركون وقالوا: سحرٌ مستمرٌّ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. قال مجاهدٌ: رأَوْه (^٥) مُنْشَقًّا (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ وليثٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد بن منيع - كما في المطالب العالية (٤١٢٨) - من طريق داود به، بلفظ: مضى انشقاق القمر بمكة.\n(^٢) بعده في الأصل: \"عن ابن أبي طلحة عن علي\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٤٨ عن المصنف.\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٤٤٨.\n(^٥) في الأصل: \"رآه\".\n(^٦) أخرجه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٧ - عن ورقاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":110},{"text":"مجاهدٍ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. قال: انْفَلَق القمرُ فِلْقَتين، فَثَبَتَتْ فِلْقَةٌ، وذهَبَت (^١) فِلْقَةٌ مِن وراءِ الجبلِ، فقال النبيُّ ﷺ: \"اشْهَدُوا\".\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سِنانٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: انشَقَّ القمرُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، فصار فِرْقتين، فقال النبيُّ ﷺ لأبي بكرٍ: \"اشْهَدْ يا أبا بكرٍ\". فقال المشركون: سحَرَ القمرَ حتى انْشَقَّ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سِنانٍ، قال: قدِم رجلٌ المدائنَ، فقام فقال: إن اللَّهَ ﵎ يقولُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. وإن القمرَ قد انْشَقَّ، وقد آذَنَت الدنيا بفِراقٍ، اليومَ المضْمارُ، وغدًا السباقُ، والسابقُ مَن سبَق إلى الجنةِ، والغايةُ النارُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾: يُحْدِثُ اللَّهُ في خلقِه ما يَشَاءُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، قال: سأَل أهلُ مكةَ النبيَّ ﷺ آيةً، فانْشَقَّ القمرُ بمكةَ مرتين، فقال: \" ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ \" (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾: قد مَضَى، كان انْشَقَّ\n_________\n(^١) في الأصل: \"رست\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٥٠ عن ليث به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٧، وأحمد ٢٠/ ١١٨ (١٢٦٨٨)، وعبد بن حميد - كما في الدر المنثور ٦/ ١٣٢ - وعنه الترمذي (٣٢٨٦)، ومسلم (٤٦/ ٢٨٠٢)، والنسائي في الكبرى (١١٥٥٤)، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٢٦٣، من طريق معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"22","page":111},{"text":"على عهدِ النبيِّ ﷺ، بمكةَ، فأعْرَض عنه المشركون، وقالوا: سِحرٌ مستمرٌّ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن عمرٍو، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: مضَى، [وانْشَقَّ] (^٢) القمرُ بمكةَ.\n\n<span id=\"aya-4848\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن يَرَ المشركون علامةً تَدُلُّهم على حقيقةِ نبوةِ نبيِّه (^٣) محمدٍ ﷺ، ودلالةً تَدُلُّهم على صدقِه فيما جاءَهم به [مِنْ عندِ] (^٤) ربِّهم - يُعْرِضوا عنها، [فتَوَلَّوْا مُنْكِرين لها، مُكَذِّبين] (^٥) أن تكونَ (^٦) حقًّا يقينًا، ويقولوا (^٧) تكذيبًا منهم بها، وإنكارًا لها أن تكونَ (^٨) حقًّا: هذا سحرٌ سحَرَنا به محمدٌ، حتَى (^٩) خَيَّل إلينا أنا نَرَى القمرَ مُنْفَلِقًا باثنين بسحرِه، وهو سحرٌ مستمرٌّ. يَعْني بقولِه (^١٠): ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾: ذاهبٌ. مِن قولِهم: قد مرَّ هذا السحرُ (^١١). إذا ذهَب.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٤ إلى ابن المنذر مطولًا.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"انشقاق\".\n(^٣) ليست في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"عن\"، وفي ت ١: \"من\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيولوا مكذبين بها منكرين\".\n(^٦) في م، ت ٢، ت ٣: \"يكون\".\n(^٧) في الأصل: \"يقول\".\n(^٨) في الأصل، ت ٢، ت ٣: \"يكون\".\n(^٩) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حين\".\n(^١٠) في ص، م، ت ١: \"يقول سحر\".\n(^١١) في الأصل: \"النبي\".","vol":"22","page":112},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾. قال: ذاهبٌ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾. قال: إذا رأَى أهلُ الضلالةِ آيةً مِن آياتِ اللَّهِ قالوا: إنما هذا عملُ السحرِ، يُوشِكُ هذا أن يَسْتَمِرَّ ويَذْهَبَ\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾. يقولُ: ذاهبٌ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾: كما يقولُ أهلُ الشركِ إذا كُسِف القمرُ، يقولون: هذا عملُ السَّحَرَةِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ قولَه: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾. قال: حينَ انْشَق القمرُ بفِلْقتين؛ فِلْقةٍ مِن وراءِ الجبلِ، وبَقِيَتْ (^٤) فلقةٌ أخرى، فقال المشركون حينَ رأَوْا ذلك: سحرٌ مستمرٌّ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٣٣ من طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٧ -، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٧، وعبد بن حميد - كما في الدر المنثور ٦/ ١٣٢ وعنه الترمذي (٣٢٨٦) - والنسائي في الكبرى (١١٥٥٤)، والبيهقي في الدلائل ٢/ ٢٦٣ من طريق معمر عن قتادة، عن أنس مرفوعًا. وكذا عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٤ إلى ابن المنذر بنحوه مطولا.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذهب\"، وفي م: \"ذهبت\".","vol":"22","page":113},{"text":"وكان بعضُ أهلِ المعرفةِ [والعلمِ] (^١) بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ (^٢) يُوَجِّهُ قولَه: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾. إلى أنه مُسْتَفْعِلٌ من الإمرارِ (^٣)، من قولِهم: قد مرَّ الحبلُ. إذا قَوِي وصَلُب واشْتَدَّ، وأمْرَرْتُه أنا. إذا فَتَلْتَه فَتْلًا شديدًا. ويقولُ: ومعنى قولِه: ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾: سحرٌ شديدٌ.\n\n<span id=\"aya-4849\"></span><span data-type='title' id=toc-8847>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وكذَّب هؤلاء المشركون مِن قريشٍ بآياتِ اللَّهِ من بعدِ ما أتَتْهم حقيقتُها، وعايَنوا الدلالةَ على صحتِها [برؤيتِهم القمرَ مُنْفَلِقًا فِلْقتين] (^٤)، ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾. يقولُ: وآثَروا اتِّباعَ ما دَعَتْهم إليه أهواءُ أنفسِهم، مِن تكذيبِ ذلك، على التصديقِ [بما قد] (^٥) أيْقَنوا صحتَه مِن نبوةِ محمدٍ ﷺ وحقيقةِ ما جاءَهم به مِن ربِّهم.\nوقولُه: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكلُّ أمرٍ مِن خيرٍ أو شرٍّ مُستَقِرٌّ قرارُه ومُتَناهٍ نهايتُه؛ فالخيرُ (^٦) مستقرٌّ بأهلِه في الجنةِ، والشرُّ مستقرٌّ بأهلِه في النارِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكُلُّ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) هو الأخفش كما في تفسير القرطبي ١٧/ ١٢٧.\n(^٣) في الأصل: \"الأمر أو\".\n(^٤) في الأصل: \"منهم متفلقًا فلقين\".\n(^٥) في الأصل: \"لما\".\n(^٦) في الأصل: \"في الخير\".","vol":"22","page":114},{"text":"أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾. أي: بأهلِ الخيرِ الخيرُ، وبأهلِ الشرِّ الشرُّ (^١).\n\n<span id=\"aya-4850\"></span>وقولُه ﷿: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد جاء هؤلاء المشركين من قريش الذين كذَّبوا بآياتِ اللَّهِ واتَّبعوا أهواءَهم، مِن الأخبارِ عن الأممِ السالفةِ الذين كانوا من تكذيبِ رسلِ اللَّهِ على مثلِ الذي هم عليه، فأحَلَّ اللَّهُ بهم من عقوباتِه ما قصَّ في هذا القرآنِ - ما فيه لهم ﴿مُزْدَجَرٌ﴾. يعني: ما يَرْدَعُهُم ويَرُدُّهم (^٢) عما عليه مُقيمون مِن التكذيبِ بآياتِ اللَّهِ. وهو \"مُفْتَعَلٌ\" مِن الزَّجْرِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مُزْدَجَرٌ﴾. قال: مُنْتَهًى (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾. أي: هذا القرآنُ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾. قال: المُزْدَجَرُ المُنْتَهَى.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يزجرهم\".\n(^٣) في الأصل: \"منتهاها\"، وفي ص: \"مساها\"، وفي ت ١: \"نياها\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"متناهيا\". والأثر في تفسير مجاهد ص ٦٣٤ بلفظ: \"يعني موعظة يعني منتهى\"، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٧ - بلفظ \"متناه\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":115},{"text":"<span id=\"aya-4851\"></span>وقولُه: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾. يعني بالحكمةِ البالغةِ هذا القرآنَ. ورُفِعَت \"الحكمةُ\" ردًّا على ﴿مَا﴾ التي في قولِه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾.\nوتأويلُ الكلامِ: ولقد جاءهم مِن الأنباءِ النبأُ الذي فيه مُزْدَجَرٌ، حكمةٌ بالغةٌ.\nولو رُفِعَت الحكمةُ على الاستئنافِ كان جائزًا، فيكونُ معنى الكلامِ حينَئِذٍ: ولقد جاءهم من الأنباءِ النبأُ الذي فيه مزدجرٌ، ذلك حكمةٌ بالغةٌ. أو هو حكمةٌ بالغةٌ. فتكونُ و\"الحكمةُ\" كالتفسيرِ [لـ ﴿مَا﴾] (^١).\nوقولُه: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾. وفي \"ما\" التي في قولِه: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾. وجهان؛ أحدُهما، أن تكونَ بمعنى الجَحْدِ، فيكونَ - إذا وُجِّهتْ إلى ذلك - معنى الكلامِ: فليست تُغْنِي عنهم النُّذُرُ، ولا يَنْتَفِعون بها؛ لإعراضِهم عنها وتكذيبِهم بها. والآخَرُ، أن تكونَ بمعنى: أنَّى. فيكون معنى الكلامِ إِذا وُجِّهَت إلى ذلك: فأيَّ شيءٍ تُغْنِي عنهم النُّذُرُ.\nوالنُّذُرُ جمعُ نَذِيرٍ، كما الجُدُدُ جمعُ جديدٍ، والحُصُرُ جمعُ حَصِيرٍ.\n\n<span id=\"aya-4852\"></span><span data-type='title' id=toc-8848>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا (^٢) أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: فأعْرِضْ يا محمدُ عن هؤلاء المشركين مِن قومِك، الذين إن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضوا ويقولوا: سحرٌ مستمرٌّ. فإنهم يومَ يَدْعو الداعي (^٣)؛ داعي اللَّهِ إلى موقِف القيامةِ، وذلك هو\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لها\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خاشعا\"، وهي قراءة كما سيأتي.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":116},{"text":"الشيءُ النُّكُرُ، ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾. يقولُ: ذليلةً أبصارُهم خاضعةً [لأمرِ ربِّها] (^١)، ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ وهي جمعُ جَدَثٍ، وهي القبورُ. وإنما وصَف جلَّ ثناؤُه بالخشوعِ الأبصارَ دونَ سائرِ أجسامِهم، والمرادُ به جميعُ أجسامِهم؛ لأن أثرَ ذِلةِ كلِّ ذليلٍ، وعِزةِ كلِّ عزيزٍ، تَتَبَيَّنُ في ناظِرَيه دونَ سائرِ جسدِه، فلذلك خصَّ الأبصارَ [بوصفِها بالخشوعِ] (^٢).\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\n\n<span id=\"aya-4853\"></span>حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾. أي: ذليلةً أبصارُهم (^٣).\nواخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿خُشَّعًا (^٤) أَبْصَارُهُمْ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ المكيين و(^٥) الكوفيين: ﴿خُشَّعًا﴾ بضمِّ الخاءِ وتشديدِ الشينِ (^٦)، بمعنى: خاشعٌ. وقرَأه عامةُ قرأةِ الكوفةِ وبعضُ البصريين: (خاشِعًا أبصارُهم) بالألفِ على التوحيدِ (^٧)؛ اعتبارًا بقراءةِ عبدِ اللَّهِ، وذلك أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (خاشعةً أبصارُهم) (^٨). وألْحَقوه وهو بلفظِ الاسمِ في التوحيدِ، إذ كان (^٩) صفةً،\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ٢، ت ٣: \"خاشعة لا ضرر بها\".\n(^٢) في الأصل: \"بوصف هذا الخشوع\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٤ إلى المصنف.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خاشعا\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) هي قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وأبي جعفرٍ. ينظر النشر ٢/ ٢٨٤.\n(^٧) وهي قراءة أبي عمرٍو وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف. المصدر السابق.\n(^٨) المصاحف لابن أبي داود من ٧٢، ومعاني القرآن للفراء ٣/ ١٠٥.\n(^٩) في الأصل: \"جاء\".","vol":"22","page":117},{"text":"بحكمِ \"فعَل\" و\"يَفْعَلُ\" في التوحيدِ إذا تقَدَّم الأسماءَ، كما قال الشاعرُ (^١):\nوشبابٍ حسنٍ أوجهُهم … من ايادِ بنِ نِزارِ بنِ مَعَدّ\nفوحَّد حسنًا وهو صفةٌ للأوجهِ وهي جمعٌ، وكما قال الآخرُ (^٢):\nيَرْمِي الفِجاجَ بها الركبانُ مُعْتَرِضًا … أعناقَ بُزَّلِهَا مُرْخًى لها الجُدُلُ (^٣)\nفوحَّد مُعْتَرِضًا، وهي (^٤) من صفةِ الأعناقِ، والجمعُ والتأنيثُ فيه جائزان على ما بيَّنا.\nوقولُه ﷿: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يَخْرُجون مِن قبورِهم، كأنهم في انتشارِهم وسعيِهم إلى موقفِ الحسابِ جرادٌ منتشرٌ.\n\n<span id=\"aya-4854\"></span>وقولُه: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾. يقولُ: مُسْرِعين، نَظَرُهم (^٥) قِبَلَ داعِيهم إلى ذلك الموقفِ. وقد بيَّنا معنى الإهطاعِ بشواهدِه المغنيةِ عن الإعادةِ (^٦)، ونَذْكُرُ بعضَ ما لم نَذْكُرْه فيما مضَى مِن الروايةِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن عثمانَ بنِ يَسَارٍ، عن تَمِيمِ بنِ حَذْلَمٍ قولَه: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾. قال: هو التَّحْميجُ (^٧).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ (^٨)، عن سفيانَ، [عن أبيه] (^٩)، عن أبي الضُّحَى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾. قال: التَّحْمِيجُ (٧).\n_________\n(^١) البيت في ديوان أبي دؤاد الإيادي ص ٣٠٥، ونسبه في العمدة ٢/ ٦٧، إلى الحارث بن دوس الإيادي.\n(^٢) معاني القرآن للفراء ٣/ ١٠٥.\n(^٣) قال الفراء في معاني القرآن ٣/ ١٠٦: الجدل جمع الجديل، وهو الزمام.\n(^٤) في الأصل: \"هو\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بنظرهم\".\n(^٦) ينظر ما تقدم في ١٣/ ٧٠٤ - ٧٠٧.\n(^٧) تقدم تخريجه في ١٣/ ٧٠٥.\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سفيان\".\n(^٩) سقط من الأصل.","vol":"22","page":118},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾. [قال: هكذا، أبصارُهم شاخصةٌ إلى السماءِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾. أي] (^١): عامِدِين إلى الداعِ (^٢).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿مُهْطِعِينَ﴾. يقولُ: ناظِرِين (^٣).\nوقولُه: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يقولُ الكافرون باللهِ يومَ يَدْعُ الداعي إلى شيءٍ نُكُرٍ: هذا يومٌ عَسِرٌ. وإنما وصَفه بالعُسْرِ لشدةِ أهوالِه وبَلْبالِه.\n\n<span id=\"aya-4855\"></span><span data-type='title' id=toc-8849>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وهذا وعيدٌ مِن اللهِ ﷿، وتهديدٌ للمشركين مِن أهلِ مكةَ وسائرِ مَن أرْسَل إليه رسولَه محمدًا ﷺ، على تكذيبِهم إياه، وتقدُّمٌ منه إليهم أنهم إن لم يُنِيبوا مِن تكذيبِهم إياه، أنه مُحِلٌّ بهم ما أَحَلَّ بالأممِ الذين قصَّ قصصَهم في هذه السورةِ مِن الهلاكِ والعذابِ، ومُنَجٍّ نبيَّه محمدًا والمؤمنين به، كما نجَّى مَن قبلَه مِن الرسلِ وأتباعِهم مِن نِقَمِه التي أحَلَّها بأممِهم، فقال جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: كذَّبَت يا محمدُ قبلَ هؤلاء الذين كذَّبوك مِن قومِك، الذين إذا رأَوْا آيةً أعْرَضوا وقالوا: سحرٌ مستمرٌّ - قومُ نوحٍ، فكذَّبوا عبدَنا نوحًا إذ أَرْسَلْناه إليهم - كما كذَّبَتْك قريشٌ إذ أَتَيْتَهم بالحقِّ مِن عندِنا - وقالوا: [﴿مَجْنُونٌ﴾. يقولُ] (^٤) هو\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) تقدم في ١٣/ ٧٠٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٢٢ من طريق أبي صالح به، وتقدم في ١٣/ ٧٠٥.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":119},{"text":"مجنونٌ وازْدُجِر. وهو (^١) \"افْتُعِل\" من \"زجَرْتُ\"، وكذلك تَفعَلُ العربُ بالحرفِ إذا كان أولُه زايًا، صيَّروا تاءَ الافْتِعالِ منه دالًا؛ من ذلك قولُهم: ازْدُجِر. مِن زجَرْتُ، وازْدُلِف. مِن زَلَفْتُ، وازْدِيد. مِن زِدْتُ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي زجَروه (^٢)؛ فقال بعضُهم: كان زجرُهم إياه أن قالوا: استُطِير جنونًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾. قال: اسْتُطِير جُنونًا.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهد مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَازْدُجِرَ﴾. قال: اسْتُطِير جنونًا (^٣).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾. قال: اسْتُعِر (^٤) جنونًا (^٥).\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، قال:\n_________\n(^١) أي ازدُجِر.\n(^٢) في الأصل: \"له زجره\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٣٤، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٧ -، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في الأصل: \"استطر\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"استطير\".\n(^٥) أخرجه البغوي في الجعديات (٢٥٧) من طريق شعبة به.","vol":"22","page":120},{"text":"وأخبَرني شعبةُ بنُ الحجاجِ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخرون: بل كان زجرُهم إياه وعيدَهم له بالشتمِ والرجمِ بالقولِ القبيحِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾. قال: اتَّهَموه وزجَروه وأوْعَدوه لئن لم يَفْعَلْ ليَكُونَنَّ مِن المرجومين. وقرَأ: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ (^١) [الشعراء: ١١٦].\n\n<span id=\"aya-4856\"></span>وقولُه: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فدعا نوحٌ ربَّه: إن قومي قد غلَبوني، تمرُّدًا وعُتُوًّا، ولا طاقةَ لي بهم، فانْتَصِرْ منهم بعقابٍ مِن عندِك على كفرِهم بك.\n\n<span id=\"aya-4857\"></span><span data-type='title' id=toc-8850>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ففتَحْنا لما دعانا نوحٌ مستغيثًا بنا على قومِه، ﴿أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ وهو المتدفِّقُ، كما قال امرؤُ القيسِ (^٢) في صفةِ غَيْثٍ:\nراحَ تَمْرِيه الصَّبا ثم انْتَحَى … فيه شُؤْبُوبُ (^٣) جَنوبٍ (^٤) مُنْهَمِرْ\n[يعني بالمنهمرِ: المتدفِّقَ المُنْصَبَّ] (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٥١.\n(^٢) ديوانه ص ١٤٥.\n(^٣) الشؤبوب: الدُّفعة من المطر. اللسان (ش أ ب).\n(^٤) في الأصل، ت ٣: \"صبوب\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":121},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك (^١)\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾. قال: يَنْصَبُّ انصبابًا.\n\n<span id=\"aya-4858\"></span>وقولُه: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وأَسَلْنا (^٢) الأرضَ [عُيُونًا بالماءِ] (^٣).\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ في قولِه: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾. قال: فجَّرنا الأرضَ بالماءِ (^٤)، وجاء مِن السماءِ [ماءٌ، فالتقى الماءُ والماءُ.\nوقولُه] (^٥): ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فالْتَقَى ماءُ السماءِ وماءُ الأرضِ على أمرٍ قد قدَّره اللهُ وقَضاه.\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾. قال: ماءُ السماءِ وماءُ الأرضِ.\nوإنما قيل: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾، والالتقاءُ لا يكونُ مِن واحدٍ، وإنما يكونُ من اثنين فصاعدًا؛ لأن الماءَ قد يكونُ جمعًا وواحدًا، وأُرِيد به في هذا الموضعِ مياهُ السماءِ ومياهُ الأرضِ، فخرَج بلفظِ الواحدِ، ومعناه الجمعُ.\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"حدثنا مرة\".\n(^٢) في الأصل: \"وأمر\"، وفي ص، ت ١: \"وأرسلنا\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"وأرسلت\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عيون الماء\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الماء\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":122},{"text":"وقيل: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾. لأن ذلك كان أمرًا قد قَضاه اللهُ في اللوحِ المحفوظِ.\nكما حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بنِ عُبَيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، قال: كانت الأقواتُ (^١) قبلَ الأجسادِ، وكان القدَرُ قبلَ البلاءِ. وتلا: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ (^٢)\n\n<span id=\"aya-4859\"></span><span data-type='title' id=toc-8851>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وحَملْنا نوحًا إذ الْتَقَى الماءُ على أمرٍ قد قُدِر؛ على سفينةٍ ذاتِ ألواحٍ ودُسُرٍ. والدُّسُرُ جمعُ دِسارٍ، وقد يقالُ في واحدِها: دَسِيرٌ. كما يُقالُ: [حَبِيكٌ وحِباكٌ] (^٣). والدِّسارُ المسمارُ الذي تُشَدُّ به السفينةُ، يقالُ منه: دسَرْتُ السفينةَ. إذا شدَدْتَها بمساميرَ أو غيرِها (^٤).\nوقد اختَلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم في ذلك بنحوِ الذي قلْنا فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال (^٥): أَخْبَرَني ابنُ لَهيعةَ، عن أبي صخرٍ، عن القرظيِّ، وسُئِل عن هذه الآيةِ: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾. قال: الدُّسُرُ المساميرُ (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: \"الأبواب\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في الأصل: \"حسر وحىار\"، وفي ت ٣: \"حبيل وحبال\".\n(^٤) بعده في الأصل: \"فيه\".\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال ابن زيد\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٥٢.","vol":"22","page":123},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾: حُدِّثنا أن دُسُرَها مساميرُها التي شُدَّت بها (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ (^٢)﴾. قال: مَعاريضُ السفينةِ. قال: ﴿وَدُسُرٍ﴾. قال: دُسِرت بمساميرَ (^٣).\nحدَّثنا يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَدُسُرٍ﴾. قال: الدُّسُرُ: المساميرُ التي دُسِرَت بها السفينةُ؛ ضُرِبَت فيها، شُدَّت بها (^٤).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَدُسُرٍ﴾. يقولُ (^٥): المساميرِ (^٦).\nوقال آخرون: بل الدُّسُرُ صَدْرُ السفينةِ. قالوا: وإنما وُصِف بذلك لأنه يَدْفَعُ الماءَ ويَدْسُرُه (^٧).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾. قال: تَدْسُرُ الماءَ بصدرِها. أو قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٥ إلى المصنف.\n(^٢) بعده في الأصل، ت ١: \"ودسر\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في الأصل: \"فيها\". وينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٤٥٢.\n(^٥) سقط من: الأصل\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٥ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٧) الدسر: الدفع الشديد، يقال: دسرت السفينة الماء بصدرها: عانَدَتْه. التاج (د س ر).","vol":"22","page":124},{"text":"بجُؤْجُؤِها (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ في قولِه: ﴿وَدُسُرٍ﴾: جُؤْجُؤُها تَدسُرُ به الماءَ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ أنه قال: تَدْسُرُ الماءَ بصدرِها (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَدُسُرٍ﴾. قال: الدُّسُرُ كَلْكَلُ (^٣) السفينةِ (^٤).\nوقال آخرون: بل الدُّسُرُ عَوارضُ السفينةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الحُصَيْنِ، عن مجاهدٍ: ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾. قال: ألواحِ السفينةِ، ﴿وَدُسُرٍ﴾: عوارِضها.\nوقال آخرون: الألواحُ جانباها، والدُّسُرُ طَرَفاها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾: أما الألواحُ فجانبا\n_________\n(^١) جؤجؤ السفينة والطائر: صدرهما. اللسان (جأجأ).\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٨ عن معمر به.\n(^٣) الكلكل: الصدر من كل شيء. اللسان (ك ل ل).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"22","page":125},{"text":"السفينةِ، وأما الدُّسُرُ فطَرَفاها وأصلُها (^١).\nوقال آخرون: بل الدُّسُرُ أضلاعُ السفينةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَدُسُرٍ﴾. قال: أضلاعِ السفينةِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4860\"></span>وقولُه: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: تَجْرِي السفينةُ التي حمَلْنا نوحًا فيها بمرأًى منا ومَنْظَرٍ.\nوذُكِر عن سفيانَ في تأويلِ ذلك ما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ في قولِه: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾. يقولُ: بأمرِنا (^٣).\nوقولُه: ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: فعَلْنا ذلك ثوابًا لمن كان كَفَر فيه. بمعنى: كفَر باللهِ فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى (^٤) عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: (لِمَن كانَ كَفَر (^٥». قال: كفَر باللهِ.\n_________\n(^١) في م: \"أصلاها\"، والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٥٢.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٣٤، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٧ - .\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٤٢٩.\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا\". وليس في ص قوله: \"جميعا\".\n(^٥) بفتح الكاف والفاء، وهي قراءة شاذة، وقرأ بها يزيد بن رومان وقتادة وحميد. تفسير القرطبي ١٧/ ١٣٣.","vol":"22","page":126},{"text":"وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: (جَزَاءً لِمَنْ كانَ كَفَر). قال: لمن كان كفَر فيه (^١).\nووجَّه آخرون معنى \"مَن\" إلى معنى \"ما\" (^٢) في هذا الموضعِ، وقالوا: معنى الكلامِ: جزاءً لمن (^٣) كان كُفر مِن أيادِي اللهِ ونعمِه، عندَ الذين أهْلَكَهم وغرَّقهم مِن قومِ نوحٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾. قال: لمن كان كفَر نعمَ اللهِ، وكفَر [بآلاءِ ربِّه] (^٤) وكتبِه ورسلِه، فإن ذلك جزاءٌ له.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي ما قاله مجاهدٌ، وهو أن معناه: ففتَحْنا أبوابَ السماءِ بماءٍ منهمرٍ، وفجَّرْنا الأرضَ عُيونًا، فغرَّقْنا قومَ نوحٍ ونجَّيْنا نوحًا؛ عقابًا مِن اللهِ وثوابًا للذي جحَد وكفَر - لأن معنى الكفرِ الجحودُ - وهو (^٥) الذي جحَد أُلُوهتَه ووحدانيتَه قومُ نوحٍ، فقال بعضُهم لبعضٍ: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]. ومَن ذهَب به إلى هذا التأويلِ، كانت \"مَن\" \"اللهُ\"، كأنه قيل: [غُرِّقتْ للهِ بكفرِهم به] (^٦). وإن وَجَّه مُوَجِّهٌ \"مَن\" (^٧) إلى أنها مرادٌ بها نوحٌ ﵇ والمؤمنون به كان مذهبًا، فيكونُ معنى\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٣٤، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٧.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بل\".\n(^٣) في م: \"ما\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"بأياديه وآلائه\"، وغير واضحة في ت ٢.\n(^٥) سقط من: م، ت ٣.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عوقبوا لله ولكفرهم به\".\n(^٧) سقط من: م.","vol":"22","page":127},{"text":"الكلامِ حينَئذٍ: فعَلْنا ذلك فِعْلَنا (^١) جزاءً لنوحٍ، ولمن كان معه في الفُلْكِ. كأنه قيل: غرَّقْناهم لنوحٍ ولصنيعِهم بنوحٍ ما صنَعوا به مِن كفرِهم.\n\n<span id=\"aya-4861\"></span><span data-type='title' id=toc-8852>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد ترَكنا السفينةَ التي حَملْنا فيها نوحًا ومَن كان معه، ﴿آيَةً﴾. يعني: عِبْرةً وعِظةً لمَن بعدَ قومِ نوحٍ مِن الأممِ؛ ليَعْتَبِرُوا بها ويَتَّعِظوا، فيَنْتَهُوا عن أن يَسْلُكوا مَسْلكَهم في الكفرِ باللهِ وتكذيبِ رسلِه، فيُصِيبَهم مثلُ ما أصابهم مِن العقوبةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. قال: أبْقاها اللهُ بباقِرْدَى (^٢) من أرضِ الجزيرةِ عبرةً وآيةً (^٣)، حتى نظَرَت إليها أوائلُ هذه الأمةِ نظرًا، وكم مِن سفينةٍ كانت بعدَها قد صارت رَمادًا (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾. قال: ألْقَى اللهُ سفينةَ نوحٍ على الجُودِيِّ حتى أدْرَكها أوائلُ هذه الأمةِ (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) باقردى: موضع بالجزيرة تقع شرقى دجلة بالقرب من جبل الجودي. معجم ما استعجم ١/ ٢٢٢، ومعجم البلدان ١/ ٤٦٦، ٤٧٦.\n(^٣) في الأصل: \"عظة\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٨ - من طريق سعيد به.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٨ وعنه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٨ - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٥ إلى ابن المنذر.","vol":"22","page":128},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن مجاهدٍ، أن اللهَ حينَ غرَّق الأرضَ جعَلَت الجبالُ تَشْمَخُ، وتواضَع الجُودِيُّ، فرفعه اللهُ على الجبالِ، وجعَل قَرارَ السفينةِ عليه (^١).\nوقولُه: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. يقولُ: فهل مِن [ذِي تَذَكُّرٍ يَتَذَكَّرُ] (^٢) ما قد فعَلْنا بهذه الأُمَّةِ (^٣) التي كفَرَت بربِّها، وعصَت رسولَه نوحًا وكذَّبَته فيما أتاهم به عن ربِّهم من النصيحةِ، فيَعْتَبِرَ بهم، ويَحْذَرَ أن يَحِلَّ به مِن عذابِ اللَّهِ بكفرِه به (^٤)، وتكذيبِه رسولَه محمدًا ﷺ، مثلُ الذي حَلَّ بهم، فيُنِيبَ إلى التوبةِ، ويُراجِعَ الطاعةَ.\nوأصلُ ﴿مُدَّكِرٍ﴾ مُفْتَعِلٌ مِن \"ذكَر\"، اجْتَمَعَت فاءُ الفعلِ، وهي ذالٌ، وتاؤها (^٥)، وهي بعدَ الذالِ، فصُيِّرتا دالًا مشددةً، وكذلك تَفْعَلُ العربُ فيما كان أولُه ذالًا يَتْبَعُها تاءُ الافتعالِ، يَجْعَلونهما جميعًا دالًا مشددةً، فيقولون: ادَّكَرْتُ ادِّكارًا. وإنما هو: اذتكَرْتُ اذتِكارًا. وهل مِن مُذتَكِرٍ. ولكن قيل: ادَّكَرْتُ ومُدَّكِرٌ. لما ذَكَرَتُ. وقد ذُكِر عن بعضِ بني أسدٍ أنهم يقولون في ذلك: مُذَّكِرٌ. فيُغَلِّبون (^٦) الذال، ويَعْتَبِرون الدالَ والتاءَ ذالًا مشددةً. وذُكِر عن الأسودِ بنِ يزيدَ أنه قال: قلتُ لعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، أو (مُذَّكِرٍ)؟ فقال: أقْرَأَني رسولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿مُدَّكِرٍ﴾ (^٧). يعني: بدالٍ (^٨) مشددةٍ (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٨ عن معمر، عن يونس بن خباب، عن مجاهد.\n(^٢) في الأصل: \"حجة ذكر فيذكر\".\n(^٣) في الأصل: \"الأمم\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بربه\".\n(^٥) في م: \"تاء\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيقلبون\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"مذكر\".\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"بالذال\".\n(^٩) أخرجه الفراء في معاني القرآن ٣/ ١٠٧، وأحمد ٦/ ٢٩٨ (٣٧٥٥)، والبخاري (٣٣٤٥، ٤٨٦٩، ٤٨٧٠)، ومسلم (٨٢٣)، وأبو داود (٣٩٩٤)، والترمذي (٢٩٣٧)، والنسائي في الكبرى (١١٥٥٥)، =","vol":"22","page":129},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. قال: المُدَّكِرُ الذي يَتَذَكَّرُ، وفي كلامِ العربِ: المُدَّكِرُ المُتَذَكِّرُ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. قال: فهل مِن مُذَّكِرٍ.\n\n<span id=\"aya-4862\"></span>وقولُه: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فكيف كان عذابي لهؤلاء الذين كفَروا بربِّهم من قومِ نوحٍ، وكذَّبوا رسولَه نوحًا، إذ تَمادَوْا في غَيِّهم وضلالِهم، وكيف كان إنْذاري بما فعَلْتُ بهم من العقوبةِ التي أحْلَلْتُ بهم، بكفرِهم بربِّهم، وتكذيبِهم رسولَه نوحًا ﵇ [من أنذرتُه به، وهذا سنةُ اللهِ ﷿ لمكذِّبي رسولِه] (^١) ﷺ مِن قومِه من قريشٍ، وتحذيرٌ منه لهم، أن يَحِلَّ بهم على تَمادِيهم في غيِّهم، مثلُ الذي حَلَّ بقومِ نوحٍ من العذابِ.\nوقولُه: ﴿وَنُذُرِ﴾. يعني: وإنذاري، وهو مصدرٌ.\n\n<span id=\"aya-4863\"></span>وقولُه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد سهَّلْنا القرآنَ بتَبيينِنَاه وتفصيلِناه للذكرِ، لمن أراد أن يَتَذَكَّرَ ويَعْتَبِرَ بِه ويَتَّعِظَ، وهَوَّنَّاه.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n= وابن حبان (٦٣٢٧)، والحاكم ٢/ ٢٤٩، ٢٥٠، من طرق عن الأسود بن يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٥ إلى عبد بن حميد، وابن مردويه، وينظر علل الدارقطني ٥/ ٣٩.\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفي م: \"وهو إنذار لمن كفر\".","vol":"22","page":130},{"text":"قولَه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾. [قال: هوَّنَّا (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾] (^٢). قال: يسَّرْنا، بيَّنَّا.\nوقولُه: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. يقولُ: فهل مِن معتبِرٍ و(^٣) مُتَّعِظٍ يَتَذَكَّرُ فيَتعِظَ (^٤) بما فيه مِن العبرِ والذِّكْرِ.\nوقد قال بعضُهم في تأويلِ ذلك: هل مِن طالبِ علمٍ أو خَيرٍ فيُعانَ عليه. وذلك قريبُ المعنى مما قلْناه، ولكنا اخْتَرْنا العبارةَ التي عبَّرْناها في تأويلِه؛ لأن ذلك هو الأغلبُ مِن مَعانيه على ظاهرِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. يقولُ: فهل مِن طالبِ خيرٍ يُعانُ عليه (^٥).\nحدَّثنا الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدَائيُّ، قال: ثنا يعقوبُ، قال: ثنى الحارثُ بنُ عبيدٍ الإياديُّ، قال: سمِعْتُ قتادةَ يقولُ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. قال: هل مِن طالبِ خيرٍ يُعانُ عليه.\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ رَبيعةَ، أو أيوبُ بنُ سُوَيْدٍ، أو\n_________\n(^١) في م: \"هوناه\".\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٦٣٤، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (٥٧٣)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيعتبر\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"22","page":131},{"text":"كلاهما، عن ابنِ شَوْذَبٍ، عن مَطَرٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. قال: هل مِن طالبِ علمٍ فيُعانَ عليه (^١).\n\n<span id=\"aya-4864\"></span><span data-type='title' id=toc-8853>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبَت أيضًا عادٌ نبيَّهم هودًا ﵇ فيما أتاهم به عن اللهِ، كالذي كذَّبت قومُ نوحٍ، وكالذي كذَّبْتُم معشرَ قريشٍ نبيَّكم محمدًا صلَّى اللهُ عليه وعلى جميعِ رسلِه. ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. يقولُ: فانْظُروا معشرَ كفرةِ قريشٍ باللهِ كيف كان عذابي إياهم، وعقابي لهم على كفرِهم باللهِ وتكذيبِهم رسولَه هودًا، وإنذاري بفعلي بهم ما فعَلتُ مَن سلَك طرائقَهم، وكانوا على مثلِ ما كانوا عليه مِن التَّمادِي في الغَيِّ والضَّلالةِ.\n\n<span id=\"aya-4865\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا بعَثْنا على عادٍ، إذ تَمادَوْا في طُغْيانِهم وكفرِهم باللهِ، ريحًا صَرْصَرًا، وهي الشديدةُ العُصُوفِ في بردٍ، التي لصوتِها صَريرٌ، وهي مأخوذةٌ مِن شدةِ صوتِ هبوبِها، إذا سُمِع منها، كهيئةِ قولِ القائلِ: صَرْصَرَ (^٢). فقيل منه: صَرْصَرٌ. كما قيل: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ [الشعراء: ٩٤]. من \"كُبُّوا\"، ونَهْنَهْتُ مِن \"نَهَّهتُ\" (^٣).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه الدارمي ١/ ٩٩، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٤٥٣ - وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٧٦، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١٩٤٥) من طريق ضمرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٥ إلى ابن أبي الدنيا وابن المنذر، ووقع عند الدارمي: مطرف بدلا من: مطر.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"صر\".\n(^٣) في الأصل، ت ١، ت ٣: \"نهت\"، وفي ت ٢: \"نهنه\".","vol":"22","page":132},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾. [قال: ريحًا باردةً] (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال: الصرصرُ: الباردةُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال: الصرصرُ: الباردةُ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾: باردةً (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال: شديدةً، والصرصرُ: الباردةُ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال: الصَّرصرُ: الشديدةُ (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل: \"والصرصر الباردة\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٥ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٥٤.\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤٤٨.","vol":"22","page":133},{"text":"وقولُه: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: في يومِ شرٍّ وشُؤْمٍ لهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: النَّحْسُ الشؤمُ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾. قال: النحسُ الشرُّ، ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾: في يومِ شرٍّ.\nوقد تأَوَّل ذلك آخرون بمعنى: شديدٍ. ومَن تأَوَّل ذلك كذلك، فإنه يَجْعَلُه مِن صفةِ اليومِ، ومَن جعَله مِن صفةِ اليومِ، فإنه يَنْبَغي أن يكونَ قراءتُه بتنوينِ اليومِ، وكسرِ الحاءِ مِن النَّحسِ، فيكونُ (في يومٍ نَحِسٍ). كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦]. ولا أَعْلَمُ أحدًا قرَأ ذلك كذلك في هذا الموضعِ، غيرَ أن الروايةَ التي ذُكِرَت في تأويلِ ذلك عمن ذُكِرَت عنه، على ما وصَفْنا، تَدُلُّ على أن ذلك كان قراءتَه (^٢).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾. قال: أيامٍ شِدادٍ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) وهي قراءة الحسن. مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٤٨، والبحر المحيط ٨/ ١٧٩.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٥ إلى المصنف.","vol":"22","page":134},{"text":"وحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾: يومٍ شديدٍ.\nوقولُه: ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾. يقولُ: في يومِ شرٍّ وشؤمٍ، استَمَرَّ بهم البلاءُ والعذابُ فيه إلى أن وافَى بهم جهنمَ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾: يَسْتَمرُّ بهم إلى نارِ جهنمَ (^١).\n\n<span id=\"aya-4866\"></span>وقولُه: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾. يقولُ: تَقلَعُ (^٢) الناسَ وتَرْمِي بهم على رءوسِهم، فتَنْدَقُّ رقابُهم وتَبِينُ مِن أجسادِهم (^٣).\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لما هاجَت الريحُ قام نفَرٌ من عادٍ سبعةٌ، [سُمِّي لنا] (^٤) منهم ستةٌ مِن أيِّدِ (^٥) عادٍ وأجسمِها، منهم عمرُو بنُ الحليِّ (^٦)، والحارثُ بنُ شدادٍ، والهِلْقامُ، [وابنا تيقنَ] (^٧)، وخَلَجَانُ بنُ سعدٍ (^٨)، فأَوْلَجوا (^٩) العِيالَ في شِعْبٍ بينَ جبلين، ثم اصْطَفُّوا على بابِ الشِّعْبِ ليَرُدُّوا الريحَ عمن بالشِّعْبِ من العيالِ، فجعَلَت الريحُ تَجْعَفُهم (^١٠) رجلًا رجلًا،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تقتلع\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أجسامهم\".\n(^٤) في ص، ت ٢، ت ٣: \"سمالنا\"، وفي م، ت ١: \"شماليا\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أشد\"، والأيِّد: القوي. التاج (أ ي د).\n(^٦) في الأصل: \"الحل\".\n(^٧) غير واضحة في الأصل، وفي تفسير القرطبي: \"تقن\".\n(^٨) في م: \"أسعد\".\n(^٩) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فأدلجوا\".\n(^١٠) في ص، م: \"تخفقهم\"، وجَعَفه: صَرَعه وضرب به الأرض. اللسان (ج ع ف).","vol":"22","page":135},{"text":"فقالت امرأةٌ مِن عادٍ:\nذهَب الدهرُ بعمرِو بـ … ــنِ حليٍّ (^١) والهَنِيَّاتِ\nثم بالحارثِ والهِلْـ … ــقامِ طَلَّاعِ الثَّنِيَّاتِ\nوالذي سَدَّ مَهَبَّ (^٢) الر … يحِ أيامَ البَلِيَّاتِ (^٣)\nحدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ البَيْروتيُّ، قال: أخْبَرني أبي، قال: ثنى إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: لما هبَّت الريحُ قام سبعةٌ مِن عادٍ فقالوا: نَرُدُّ الريحَ. فأَتَوْا فمَ الشِّعْبِ الذي يَأتي منه الريحُ، فوقَفوا عليه، فجعَلَت الريحُ تَهُبُّ فتَدْخُلُ تحتَ واحدٍ منهم، تَقْتَلِعُه مِن الأرضِ، فتَرْمِي به على رأسِه، فتَنْدَقُّ رقبتُه، ففعَلَت ذلك بستةٍ منهم، وترَكَتْهم كما قال اللهُ: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (^٤)﴾ [الحاقة: ٧]. وبقِيَ الخَلَجانُ، فأتَى هودًا، فقال: يا هودُ، ما هذا الذي أَرَى في السَّحابِ كهيئةِ البَخَاتيِّ؟ قال: تلك (^٥) ملائكةُ ربي. فقال: ما لي إن أَسْلَمْتُ؟ قال: تَسْلَمُ. قال: أيُعيذُني (^٦) ربُّك إن أَسْلَمْتُ مِن هؤلاء؟ فقال: ويلك، أرأيْتَ مَلِكًا يُعيذُ (^٧) مِن جندِه (^٨)؟ فقال: وعزتِه لو فعَل ما رضِيتُ. قال: ثم مال إلى جانبِ الجبلِ، فأخَذ برُكنٍ منه فهزَّه، فاهْتَزَّ في يدِه، ثم جعَل يقولُ:\nلم يَبْقَ إِلا الخَلَجانُ نفسُه … يا لك مِن يومٍ دهاني أمسُه\n_________\n(^١) في الأصل: \"خل\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفي م: \"علينا\".\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٣٦.\n(^٤) في م: \"منقعر\".\n(^٥) بعده في الأصل: \"الملائكة\".\n(^٦) في الأصل، م: \"أيقيدني\".\n(^٧) في الأصل، م: \"يقيد\".\n(^٨) في م: \"جنوده\".","vol":"22","page":136},{"text":"بثابتِ الوَطْءِ شديدٍ وَطْسُه … لو لم يَجِئْني جئتُه أَجُسُّه (^١)\nقال: ثم هبَّت الريحُ (^٢) فألْحَقَته بأصحابِه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ سيفٍ، عن الحسنِ، قال: لما أقْبَلَت الريحُ قام إليها قومُ عادٍ، [فأَخَذ بعضُهم بأيدي بعضٍ] (^٤) كما تَفْعَلُ الأعاجمُ (^٥)، فرَغَموا (^٦) أقدامَهم في الأرضِ، وقالوا: يا هودُ، مَن يُزِيلُ أقدامَنا عن الأرضِ إن كنتَ صادقًا؟ فأَرْسَل اللهُ عليهم الريحَ، [تَنْزِعُ الناسَ] (^٧) كأنهم أعجازُ نخلٍ مُنْقَعِرٍ (^٨).\nحدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مسلمٌ، قال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، قال: ثنا أشعثُ بنُ جابرٍ، عن شهرِ بنِ حَوْشَبٍ، عن أبي هريرةَ، قال: إن كان الرجلُ مِن قومِ عادٍ لَيَتَّخِذُ المِصْراعين مِن حِجارةٍ، لو اجْتَمَع عليها خمسُمائةٍ مِن هذه الأمةِ لم يَسْتَطِيعوا أن يَحْمِلوها، وإن كان الرجلُ منهم [ليَغْمِزُ قدمَه] (^٩) في الأرضِ فتَدْخُلُ في\n_________\n(^١) في الأصل، ص: \"أحتسه\"، وفي ت ١: \"أجتسه\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"أحبسه\"، وفي عرائس المجالس: \"وحبسته\"، والمثبت من تاريخ المصنف.\n(^٢) بعده في الأصل: \"فحملته\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٢٤ بنحوه مطولًا.\n(^٤) في الأصل: \"فأخبر بعضهم بما يرى بعضهم\".\n(^٥) بعده في الأصل كلمة غير واضحة.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٣: \"وعمروا\"، وفي ت ٢: \"وعمرا\"، وفي م: \"وغمزوا\". ورغم الشيءَ ألصقه في التراب. الوسيط (ر غ م).\n(^٧) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفي الأصل: \"فنزع الناس\"، وفي م: \"فصيرتهم\"، والمثبت من الدر المنثور.\n(^٨) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٥، ١٣٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٩) في الأصل: \"ليعد قدميه\"، وفي ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ليعمر قدميه\".","vol":"22","page":137},{"text":"الأرضِ (^١).\nوقال (^٢): ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾. ومعنى الكلامِ: فتَرَكتْهم (^٣) كأنهم أعجازُ نخلٍ مُنْقَعِرٍ. فترَك ذكرَ \"فترَكتْهم\"، استغناءً بدَلالةِ الكلامِ عليه.\nوقيل: إنما شبَّههم بأعجازِ نخلٍ مُنْقَعِرٍ لأن رءوسَهم كانت تَبِينُ من أجسادِهم (^٤)، فتَذْهَبُ لذلك رقابُهم، مِن (^٥) أجسادِهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا خلفُ بنُ خَليفةَ، عن هلالِ بنِ خَبَّابٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾. قال: سقَطَت رءوسُهم كأمثالِ الأخْبِيةِ (^٦)، و[تفَرَّدَت، أو تفرَّقَت] (^٧) أعناقُهم - قال أبو جعفرٍ: أَنا أَشُكُّ - فشبَّهها بأعجازِ نخلٍ منقعرٍ (^٨).\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾. قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) في الأصل: \"وقوله\"، وفي ت ٢: \"قال\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"فتتركهم\"، وفي م: \"فيتركهم\"، وفي ت ٢: \"نتركهم\"، وفي ت ٣: \"فنتركهم\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أجسامهم\".\n(^٥) في ص، م، ت ١: \"وتبقى\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"وتبلى\".\n(^٦) الأخبية جمع خباء، والخباء من الأبنية ما كان من وبر أو صوف ولا يكون من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة. اللسان (خ ب ى).\n(^٧) في الأصل: \"تفردت أو تعددت\".\n(^٨) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٦ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر.","vol":"22","page":138},{"text":"هم قومُ عادٍ حينَ صرَعَتهم الريحُ، كأنهم فِلْقُ نخلٍ مُنْقَعِرٍ.\n\n<span id=\"aya-4867\"></span>﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: [فانْظُروا معشرَ] (^١) كفارِ قريشٍ، كيف كان عذابي قومَ عادٍ حين كفَروا بربِّهم وكذَّبوا رسولَه (^٢)، فإن ذلك سنةُ اللَّهِ ﷿ في أمثالِهم، وكيف كان إنذاري بهم مَن أَنْذَرْتُ.\n\n<span id=\"aya-4868\"></span><span data-type='title' id=toc-8854>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد سهَّلْنا القرآنَ وهوَّنَّاه لمن أراد التذكرَ به (^٣) والاتعاظَ، ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. يقولُ: فهل مِن مُتَّعِظٍ ومُنْزَجِرٍ بآياتِه.\n\n<span id=\"aya-4869\"></span>وقولُه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبَت ثمودُ قومُ صالحٍ بنُذُرِ اللَّهِ التي أتَتْهم من عندِه، فقالوا تكذيبًا منهم لصالحٍ رسولِ ربِّهم ﷿:\n\n<span id=\"aya-4870\"></span>﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾، ونحن الجماعةُ الكبيرةُ، وهو واحدٌ؟\nوقولُه: ﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾. يقولُ: قالوا إنا إذن باتباعِنا صالحًا إن اتَّبَعْناه، وهو بشرٌ منا واحدٌ، ﴿لَفِي ضَلَالٍ﴾ (^٤). يَعْنون: لفي ذَهابٍ عن الصوابِ، وأخْذٍ على غيرِ استقامةٍ، ﴿وَسُعُرٍ﴾. يعنون بالسُّعُرِ جمعَ سَعيرٍ.\nوكان قتادةُ يقولُ: عُنِي بالسُّعُرِ العَناءُ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"فانظر يا معشر\"، وفي م: \"فانظروا يا معشر\".\n(^٢) في الأصل: \"رسله\".\n(^٣) بعده في ص: \"للتذكر\".\n(^٤) بعده في الأصل: \"وسعر\".","vol":"22","page":139},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾: في عَناءٍ وعذابٍ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾. قال: ضلالٍ وعَناءٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-4871\"></span><span data-type='title' id=toc-8855>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبرًا عن قيلِ مُكَذِّبي رسولِه ﵇ مِن قومِه ثمودَ: أَأُلقِيَ عليه الذِّكرُ من بينِنا. يعنون بذلك: أَأُنْزِل الوحيُ عليه وخُصَّ بالنبوةِ من بينِنا، وهو واحدٌ منا؟ إنكارًا منهم أن يكونَ اللهُ ﷿ يُرْسِلُ رسولًا مِن بني آدمَ.\nوقولُه: ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾. [يقولُ: قالوا: ما ذلك كذلك، بل هو كذابٌ أشِرٌ] (^٢). يعنون بالأشِرِ المَرِحَ ذا التَّجَبُّرِ والكبرياءِ. فالمَرَحُ مِن النشاطِ.\nوقد حدَّثني الحسنُ بنُ محمدِ بنِ سعيدٍ القرشيُّ، قال: قلتُ لعبدِ الرحمنِ بنِ أبي حمادٍ: ما الكذابُ الأَشِرُ؟ قال: الذي لا يُبالي ما قال.\nوبكسرِ الشينِ مِن: ﴿الْأَشِرُ﴾ وتخفيفِ الراءِ قرَأَت قرأةُ الأمصارِ. وذُكِر عن مجاهدٍ أنه كان يَقْرَؤُه: (كذابٌ أَشُرٌ) (^٣) بضمِّ الشينِ وتخفيفِ الراءِ، وذلك في الكلامِ نظيرُ الحَذِرِ والحَذُرِ، والعَجِلِ والعَجُلِ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٠، ٢٦١ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) وهي قراءة شاذة، ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ١٠٨، ومختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٤٨.","vol":"22","page":140},{"text":"والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندي ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ عليه.\n\n<span id=\"aya-4872\"></span>وقولُه: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ لهم: ستَعْلَمون غدًا في القيامةِ مَن الكذابُ الأشِرُ؛ منكم معشرَ ثَمودَ ومِن رسولِنا صالحٍ، حينَ تَرِدون على ربِّكم. وهذا التأويلُ على قراءةِ من قرَأ قولَه: (ستَعْلَمون) بالتاءِ، وهي قراءةُ عامةِ أهلِ الكوفةِ سوى عاصمٍ والكِسائيِّ (^١). وأما تأويلُ ذلك على قراءةِ مَن قرَأه بالياءِ - وهي قراءةُ عامةِ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وعاصمٍ والكِسائيِّ (^٢) - فإنه: قال اللهُ: سيَعْلَمون غدًا من الكذَّابُ الأشِرُ. وتُرِك مِن الكلامِ ذكرُ: \"قال اللهُ\"؛ استغناءً بدَلالةِ الكلامِ عليه.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبُ؛ لتقارُبِ معنييهما، وصحتِهما في الإعرابِ والتأويلِ.\n\n<span id=\"aya-4873\"></span><span data-type='title' id=toc-8856>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إنا باعِثو الناقةِ التي سأَلَتها ثمودُ صالحًا، من الهَضْبةِ التي سأَلوه بَعْثتَها لهم منها، آيةً لهم، وحُجَّةً لصالحٍ على حقيقةِ نبوتِه وصدقِ قولِه.\nوقولُه: هو ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾. يقولُ: ابْتلاءً لهم واختبارًا، هل يُؤْمنون باللهِ ويَتَّبِعون\n_________\n(^١) وبها قرأ ابن عامر وحمزة. النشر ٢/ ٢٨٤.\n(^٢) وبها قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو الكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف. المصدر السابق.","vol":"22","page":141},{"text":"صالحًا، ويُصَدِّقونه بما دعاهم إليه (^١)، من توحيدِ اللهِ [إذا أرْسَل الناقةَ، أم] (^٢) يُكذِّبونه ويَكْفرُون باللهِ؟!\nوقولُه: ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾. يقولُ: قال اللهُ لصالحٍ: إنا مُرْسِلو الناقةِ فتنةً لهم، فانْتَظِرْهم، وتبَصَّرْ ما هم صانعوه بها، ﴿وَاصْطَبِرْ﴾. يقولُ له: فاصبِرْ على ارتقابِهم، [فاصبِرْ على ارتِقابِهم] (^٣)، ولا تعجَلْ، وانتظِرْ ما يصنَعون بناقةِ اللهِ ﷿.\nوقيل: ﴿وَاصْطَبِرْ﴾. وأصلُ الطاءِ تاءٌ، فجُعِلَت طاءً، وإنما هو \"افْتَعِلْ\" مِن الصبرِ.\n\n<span id=\"aya-4874\"></span>وقولُه: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأخْبِرْهم أن الماءَ قسمةٌ بينَهم يومَ غِبِّ الناقةِ (^٤). وذلك أنها كانت تَرِدُ الماءَ يومًا وتَغِبُّ يومًا، فقال جلَّ وعز لصالحٍ: أخْبِرْ قومَك مِن ثمودَ أن الماءَ يومَ غِبِّ الناقةِ قسمةٌ بينَهم. فكانوا يَقْتَسِمون ذلك يومَ غِبِّها، فيَشْرَبون منه ذلك اليومَ، ويَتَزَوَّدون فيه منه ليومِ وُرودِها.\nوقد وجَّه تأويلَ ذلك قومٌ إلى أن الماءَ قسمةٌ بينَهم وبينَ الناقةِ؛ يومًا لهم ويومًا لها، وأنه إنما قيل: ﴿بَيْنَهُمْ﴾. والمعنى ما ذكَرْتُه عندَهم؛ لأن العربَ إذا أرادت الخبرَ عن فعلِ جماعةِ بني آدمَ مُخْتَلِطًا بهم البهائمُ، جعَلوا الفعلَ خارجًا مخرجَ فعلِ\n_________\n(^١) في الأصل: \"إلى الله\".\n(^٢) في الأصل: \"إذا أرسل الناقة آية\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) يوم غبها: اليوم الذي لا تشرب فيه. وينظر التاج (غ ب ب).","vol":"22","page":142},{"text":"جماعةِ (^١) بني آدمَ، لتَغْليبِهم فعلَ بني آدمَ على فعلِ البهائمِ.\nوقولُه: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كلُّ شِرْبٍ [مِن ماءٍ يومَ] (^٢) غِبِّ الناقةِ، ومِن لبنٍ يومَ وُرودِها، مُحْتَضَرٌ يَحْتَضِرُونه.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾. قال: يَحْضُرونهم (^٣) الماءَ إذا غابت، وإذا جاءت حضَروا اللبنَ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾. قال: يَحْضُرون هم (^٣) الماءَ إذا غبَّتْ، وإذا جاءت حضَروا اللبنَ (^٤).\n\n<span id=\"aya-4875\"></span><span data-type='title' id=toc-8857>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فنادَت ثمودُ صاحبَهم عاقِرَ الناقةِ قُدارَ بنَ سالفَ، لِعقْرِ الناقةِ؛ حضًّا له على ذلك.\nوقولُه: ﴿فَتَعَاطَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فتَناوَل الناقةَ بيدِه، فعقَرها.\n\n<span id=\"aya-4876\"></span>وقولُه: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لقريشٍ: فكيفَ كان عذابي إياهم معشرَ قريشٍ حينَ عذَّبْتُهم، ألم أُهْلِكْهم بالرَّجْفَةِ؟ ﴿وَنُذُرِ﴾. يقولُ\n_________\n(^١) في الأصل: \"كالخبر عن\".\n(^٢) في الأصل: \"يوما بيوم\".\n(^٣) في م: \"يحضرون بهم\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦٣٥، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٢٧ -، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":143},{"text":"تعالى ذكرُه: وكيف كان إنذاري مَن أَنْذَرْتُ مِن الأممِ بعدَهم، بما فعَلْتُ بهم وأحْلَلْتُ بهم مِن العقوبةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾. قال: تَناوَلها بيدِه، ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. قال: يقالُ: إنه ولدُ زِنْيةٍ. فهو مِن التسعةِ الذين كانوا يُفْسِدون في الأرضِ ولا يُصْلِحون، وهم الذين قالوا لصالحٍ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] فَتَقْتُلُهم (^١).\n\n<span id=\"aya-4877\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: إنا بعَثنا على ثمودَ صيحةً واحدةً] (^٢). وقد بيَّنا فيما مضَى أمرَ الصيحةِ، وكيف أتَتْهم، وذكَرنا ما رُوِي في ذلك مِن الآثارِ، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٣).\nوقولُه: ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فكانوا بهلاكِهم بالصيحةِ بعدَ غضارتِهم (^٤) أحياءً، وحُسْنِهم قبلَ بَوارِهم، كيَبِيسِ (^٥) الشجرِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم مقتصرًا على شطره الأول بلفظ: فتعاطى قال: تناول. وينظر ما تقدم في ١٨/ ٩٠.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١٠/ ٣٠٢، ٣٠٣.\n(^٤) في م: \"نضارتهم\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عصارتهم\". والغضارة: النعمة والخير والسَّعة في العيش والخصب والبهجة. وغضارة العيش: طِيبُه ونَضرته. التاج (غ ض ر).\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كيبس\".","vol":"22","page":144},{"text":"الذي [حَظَرَه مُحْظِرُ حَظِيرتِه] (^١)، بعدَ حسنِ نباتِه، وخضْرةِ ورقِه قبلَ يُبْسِه.\nوقد اختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك العظامُ المحترقةُ. وكأنهم وجَّهوا معناه إلى أنه مثَّل هؤلاء القومَ بعدَ هلاكِهم وبِلَاهُم بالشيءِ الذي أحْرَقه مُحْرِقٌ في حَظيرتِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، قال: ثنا قابوسُ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾. قال: كالعظامِ المحترقةِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾. قال: المُحْتَرِقِ.\nولا بيانَ عندَنا في هذا الخبرِ عن ابنِ عباسٍ كيف كانت قراءتُه ذلك، إلا أنا وجَّهْنا معنى قولِه هذا على النحوِ الذي جاءنا مِن تأويلِه قولَه: ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ إلى (^٣) أنه كان يَقْرَأُ ذلك كنحوِ قراءةِ الأمصارِ، وقد يَحْتَمِلُ تأويلُه ذلك كذلك، أن يكونَ قراءتُه كانت بفتحِ الظاءِ من (المحتظَرِ) على أن المُحْتَظَرَ نعتٌ لـ \"الهشِيمِ\"، ثم أُضِيف إلى نعتِه، كما قيل: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥]، [كما قيل: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩]. والمعنى: وللدارُ الآخرةُ، ولهو الحقُّ اليقينُ] (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"حصرته محصر حصيرته\"، وفي م: \"حظرته بحظير حظرته\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"حظرته فحظير حظيرته\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٦ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) في الأصل، ت ٣: \"إلا\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":145},{"text":"وقد ذُكِر عن الحسنِ وقتادةَ أنهما كانا يَقْرآن ذلك كذلك (^١)، ويَتَأَوَّلَانه هذا التأويلَ الذي ذكَرْناه عن ابنِ عباسٍ.\nحدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ بنِ عبدِ الوارثِ، قال: ثنى أبي (^٢)، [قال: ثنى أبي] (^٣)، عن الحسينِ (^٤)، قال: كان قتادةُ يَقْرَأُ: (كهشيمِ المُحْتظَرِ). يقولُ: المُحْتَرقِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: (فكانوا (^٥) كهشيمِ المُحتظَرِ)، يقولُ: كهشيمٍ مُحْتَرقٍ.\nوقال آخرون: بل عُنِي بذلك الترابُ الذي يَتَناثَرُ مِن الحائطِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾. قال: الترابُ الذي يَتَناثَرُ مِن الحائطِ (^٦).\nوقال آخرون: بل هو حَظيرةُ الراعي للغنمِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ وأسْنَده،\n_________\n(^١) وبها قرأ أبو العالية وأبو حيوة وأبو السمال وأبو رجاء. ينظر تفسير القرطبي ١٧/ ١٤٢، والبحر المحيط ٨/ ١٨١.\n(^٢) بعده في الأصل: \"بن عبد الوارث\". وينظر ما تقدم في ٩/ ٥٤٦.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحسن\".\n(^٥) ليس في الأصل، وفي م: \"فكأنه\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٦ إلى المصنف وعبد بن حميد، وقال ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٥٥: هذا قول غريب.","vol":"22","page":146},{"text":"قال: ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾: حظيرةُ الراعي للغنمِ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ قولَه: ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾: المُحْتَظِرُ، الحظيرةُ تُتَّخَذُ للغنمِ فتَيْبَسُ، فتَصِيرُ [هشيمًا (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه] (^٢): ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾. قال: هذا الشوكُ الذي تَحْظُرُ به العربُ حولَ مَواشِيها مِن السِّباعِ، والهشيمُ: يابسُ الشجرِ الذي فيه شوكٌ، ذلك الهشيمُ (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنِي به هَشيمُ الخَيْمةِ، وهو ما تَكَسَّر مِن خشبِها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [عن ابنِ أبي نجيحٍ] (^١)، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾. قال: الرجلُ يَهْشِمُ الخَيْمةَ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾. [قال: كهشيمِ] (^٤) الخَيْمةِ (^٥).\nوقال آخرون: بل هو الورقُ الذي يَتَناثَرُ مِن خشبِ الحطبِ.\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤٥٣.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٤٢، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٥٥.\n(^٤) في م: \"الهشيم\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٦ إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد.","vol":"22","page":147},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿كَهَشِيمِ﴾. قال: الهَشيمُ، إذا ضرَبْتَ الحَظيرةَ بالعصا تهَشَّم ذاك الورقُ فيَسْقُطُ (^١).\nوالعربُ تُسَمِّي كلَّ شيءٍ كان رطبًا فيبِس هشيمًا.\n\n<span id=\"aya-4878\"></span><span data-type='title' id=toc-8858>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ﴾: هوَّنَّا القرآنَ بتبيينِناه، ﴿لِلذِّكْرِ﴾. يقولُ: لمن أراد أن يَتَذَكَّرَ به فيَتَّعِظَ، ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. يقولُ: فهل مِن مُتَّعِظٍ به ومُعْتَبرٍ يَعْتَبِرُ به، فيَرْتَدِعَ عما يَكْرَهُه اللهُ منه.\n\n<span id=\"aya-4879\"></span>وقولُه: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبَت قومُ لوطٍ بآياتِ اللهِ التي أَنْذَرَهم وذكَّرهم بها.\n\n<span id=\"aya-4880\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا أَرْسَلْنا عليهم حجارةً.\n\n<span id=\"aya-4881\"></span>وقولُه: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: غيرَ آلِ لوطٍ الذين صدَّقوه واتَّبَعوه على دينِه، فإنا نجَّيْناهم مِن العذابِ الذي عذَّبْنا به قومَه الذين كذَّبوه، والحاصبِ الذي حصَبْناهم به - بسَحَرٍ، ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾. يقولُ: نعمةً أَنْعَمْناها على لوطٍ وآلِه، وكرامةً أَكْرَمْناهم بها مِن عندِنا.\nوقولُه: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾. يقولُ: كما أثَبْنا لوطًا وآلَه، وأَنْعَمْنا\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٤٢.","vol":"22","page":148},{"text":"عليه، فأنْجَيْناهم مِن عذابنِا بطاعتِهم إيانا، كذلك نُثِيبُ مَن شَكَرَنا على نعمتِنا عليه، فأطاعَنا وانْتَهَى إلى أمرِنا ونهيِنا، مِن جميعِ خلقِنا.\nوأُجْرِيَ قولُه ﴿بِسَحَرٍ﴾؛ لأنه نكرةٌ (^١). وإذا قالوا: فعَلْتُ هذا سحَرَ. بغيرِ باءٍ، لم يُجْرُوه.\n\n<span id=\"aya-4882\"></span><span data-type='title' id=toc-8859>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد أَنْذَر لوطٌ قومَه بطشتَنا بهم التي بطَشْناها قبلَ ذلك، ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾. يقولُ: فكذَّبوا بإنذارِه ما أنْذَرهم مِن ذلك؛ شكًّا منهم فيه.\nوقولُه: ﴿فَتَمَارَوْا﴾. تَفاعَلوا، مِن المِرْيةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾: لم يُصَدِّقوه (^٢).\n\n<span id=\"aya-4883\"></span>وقولُه: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد راوَد لوطًا (^٣) قومُه عن ضيفِه الذين نزَلوا به، حينَ أراد اللَّهُ إهلاكَهم؛ [ليُخَلِّيَهم وفعْلَ ما كانوا يفعلون بمَن دخَل قريتَهم من الذُّكرانِ] (^٤)، ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾. يقولُ: فطمَسْنا\n_________\n(^١) الإجراء: الصرف. وينظر مصطلحات النحو الكوفي ص ٩٨.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٩ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في الأصل: \"لوط\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":149},{"text":"على أعينِهم، حتى صيَّرْناها كسائرِ الوجهِ، لا تَرَى لها شَقًّا (^١) شُقَّ، فلم يُبْصِروا ضيفَه. والعربُ تقولُ: قد طمَسَت الريحُ الأعلامَ. إذا دفنَتْها بما تُسْفِي عليها مِن الترابِ، كما قال كعبُ بنُ زُهَيْرٍ (^٢):\nمِن كُلِّ نَضَّاخةِ الذِّفْرَى إِذا عَرِقَت (^٣) … عُرْضَتُها طامسُ الأعلاِم مجهولُ\nيعني بقولِه: طامِسُ الأَعْلامِ: مُنْدَفِنُ الأعلامِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾. قال: عمَّى اللَّهُ عليهم الملائكةَ حينَ دخَلوا على لوطٍ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾: وذُكِر لنا أن جبريلَ ﵇ اسْتَأْذن ربَّه ﷿ في عقوبتِهم ليلةَ أتَوْا لوطًا، وأنهم عالَجوا البابَ ليَدْخُلوا عليه، فصفَقهم بجناحِه، وترَكَهم عُمْيًا يَتَرَدَّدون (^٤).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾. قال: هؤلاء قومُ لوطٍ حينَ راوَدُوه (^٥)\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) تقدم في ٤/ ١١.\n(^٣) في م: \"اعترقت\".\n(^٤) تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة، وينظر ما تقدم في ١٢/ ٥١٧ - ٥١٩.\n(^٥) في الأصل، ت ٣: \"أرادوه\".","vol":"22","page":150},{"text":"عن ضيفِه، طمَس اللَّهُ أعينَهم، فكان يَنْهاهم عن عملِهم الخبيثِ الذي كانوا يَعْمَلون، فقالوا له: إنا لا نَتْرُكُ عملَنا، فإياك أن تُنْزِلَ أحدًا أو تُضِيفَه، أو تَدَعَه يَنْزِلُ عليك، فإنا لا [نَدَعُه بَتَّةً] (^١)، ولا نَتْرُكُ عملَنا. قال: فلما جاءه المُرْسَلون، خرَجَت امرأتُه الشقيَّةُ مِن الشَّقِّ، فأتَتْهم فدعَتْهم، وقالت لهم: تعالَوْا، فإنه قد جاء قومٌ لم أرَ قومًا قطُّ أحسنَ وجوهًا، ولا أحسنَ ثيابًا، ولا أطيبَ أرْواحًا منهم. قال: فجاءوه يُهْرَعون إليه، فقال: إن هؤلاء ضيفي، فاتَّقوا اللَّهَ ولا تُخْزوني في ضيفي. قالوا: أوَ لم نَنْهَكَ عن العالَمين؟ أليس قد تقدَّمنا إليك وأعْذَرْنا فيما بينَنا وبينَك؟ قال: هؤلاء بناتي هنَّ أطهرُ لكم. فقال له جبريلُ ﵇: ما يَهُولُك مِن هؤلاء؟ قال: أما تَرَى ما يُريدون؟ فقال: إنا رُسُلُ ربِّك، لن يَصِلُوا إليك، لا تَخفْ ولا تَحْزَنْ، إنا مُنَجُّوك وأهلَك إلا امرأتَك، لتَصْنَعَنَّ هذا الأمرَ سرًّا (^٢)، وليكونَنَّ فيه بلاءٌ. قال: فنشَر جبريلُ ﵇ جناحًا مِن أجنحتِه، فاخْتَلَس به أبصارَهم، فطمَس أعينَهم، فجعَلوا يَجولُ (^٣) بعضُهم في بعضٍ، فذلك قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾: جاءت الملائكةُ في صُوَرِ الرجالِ، وكذلك كانت تَجِيءُ، فرآهم قومُ لوطٍ حينَ دخَلوا القريةَ. وقيل لهم (^٤): نزَلوا بلوطٍ. فأقْبَلوا يُرِيدُونهم، فتلَقَّاهم لوطٌ يُناشِدُهم اللَّهَ ألَّا (^٥) يُخْزُوه في ضيفِه،\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نتركه\".\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شرا\".\n(^٣) في الأصل، ص: \"يحول\"، وفي ت ٢: \"يجور\". قال ابن الأثير: يقال: جال واجتال: إذا ذهب وجاء، ومنه الجولان في الحرب، واجتال الشيءَ إذا ذهب به وساقه. والجائل: الزائل عن مكانه. ورُويَ بالحاء المهملة، والمشهور بالجيم. النهاية ١/ ٣١٧، ٤٦٣.\n(^٤) في م: \"إنهم\".\n(^٥) في الأصل، ص، ت ١: \"أن\".","vol":"22","page":151},{"text":"فأبَوْا عليه، وجاءوا إليه (^١) ليَدْخُلوا عليهم (^٢)، فقالت الرسلُ للوطٍ: خَلِّ بينَهم وبينَ الدخولِ، فإنا رسلُ ربِّك، لن يَصِلُوا إليك. فدخَلوا البيتَ، وطمَس اللَّهُ على أبصارِهم، فلم يَرَوْهم. وقالوا: قد رأَيْناهم حينَ دخَلوا البيتَ، فأين ذهَبوا؟ فلم يَرَوْهم ورجَعوا (^٣).\nوقولُه: ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فذُوقوا معشرَ قومِ لوطٍ مِن سَدُومَ (^٤) عذابي الذي حَلَّ بكم، وإنذاري الذي أَنْذَرْتُ به غيرَكم مِن الأممِ، مِن النَّكالِ والمَثُلاتِ.\n\n<span id=\"aya-4884\"></span><span data-type='title' id=toc-8860>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد صُبِّح قومُ (^٥) لوطٍ بُكْرةً. ذُكِر أن ذلك كان عندَ طلوعِ الفجرِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿بُكْرَةً﴾. قال: عندَ طلوعِ الفجرِ.\nوقولُه: ﴿عَذَابٌ﴾. وذلك قلبُ الأرضِ بهم، وتصييرُ أعلاها أسفلَها بهم، ثم إتْباعُهم بحجارةٍ مِن سِجِّيلٍ مَنْضودٍ.\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عليه\".\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤٥٥ بنحوه مختصرا.\n(^٤) في م: \"سذوم\".\n(^٥) في الأصل: \"قرية\".","vol":"22","page":152},{"text":"عَذَابٌ﴾. قال: حجارةٌ رُمُوا بها.\nوقولُه: ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾. يقولُ: اسْتَقَرَّ ذلك العذابُ فيهم إلى يومِ القيامةِ، حتى يُوافُوا عذابَ اللَّهِ الأليمَ (^١) الأكبرَ في جهنمَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾. يقولُ: صبَّحهم عذابٌ مستقرٌّ، اسْتَقَرَّ بهم إلى نارِ جهنمَ (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً﴾ الآية. قال: ثم صبَّحَهم بعدَ هذا. يعني: بعدَ أن طمَس اللَّهُ أعينَهم، فهم في ذلك العذابِ إلى يومِ القيامةِ. قال: وكلُّ قومِه كانوا كذلك، ألا تَسْمَعُ قولَه حينَ يقولُ: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨]؟.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾: اسْتَقَرَّ.\n\n<span id=\"aya-4885\"></span>وقولُه: ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لهم: فذُوقوا معشرَ قومِ لوطٍ عذابي الذي أحْلَلْتُه بكم؛ بكفرِكم باللَّهِ وتكذيبِكم رسولَه، وإنذاري بكم الأممَ سِواكم، بما أَنْزَلْتُه بكم مِن العقابِ.\n\n<span id=\"aya-4886\"></span>وقولُه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد سهَّلْنا القرآنَ للذكرِ، لمن أراد التذكرَ به، فهل من مُتَّعِظٍ ومُعْتَبرٍ به، فيَنْزَجِرَ به عما نهاه اللَّهُ عنه، إلى ما أمَرَه به وأَذِن له فيه.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) تمام الأثر المتقدم في ص ١٤٩.","vol":"22","page":153},{"text":"<span id=\"aya-4887\"></span><span data-type='title' id=toc-8861>[القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد جاء تباعَ فرعونَ وقومَه إنذارُنا بالعقوبةِ، بكفرِهم بنا وبرسولِنا موسى ﷺ.\n\n<span id=\"aya-4888\"></span>﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: كذَّب آلُ فرعونَ بأدلتِنا التي جاءَتهم مِن عندِنا، وحُجَجِنا التي أتَتْهم بأنه لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَه، كلِّها، ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فعاقَبْناهم بكفرِهم باللَّهِ عقوبةَ شديدٍ لا يُغْلَبُ، مقتدرٍ على ما يَشاءُ، غير عاجزٍ ولا ضعيفٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾. يقولُ: عزيزٍ في نقمتِه إذا انْتَقَم] (^١) (^٢).\n\n<span id=\"aya-4889\"></span><span data-type='title' id=toc-8862>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أكفّارُ (^٣) قريشٍ الذين أَخْبَرَ اللَّهُ عنهم أنهم ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]: أكفارُكم معشرَ قريشٍ خيرٌ مِن أولئكم الذين أحْلَلْتُ بهم نِقْمتي من قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وقومِ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) تقدم أوله في ص ١٤٩.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لكفار\".","vol":"22","page":154},{"text":"لوطٍ [وآلِ فرعونَ] (^١)، فهم بذلك يأْمُلون أن يَنْجُوا من [عِقابي ونِقْمتي] (^٢) على كفرِهم بي وتكذيبِهم رسولي. يقولُ: إنما أنتم في كفرِكم باللَّهِ وتكذيبِكم رسولي (^٣)، كبعضِ هذه الأممِ التي وصَفْتُ لكم أمرَهم، وعقوبةُ اللَّهِ [بكم نازلةٌ] (^٤) على كفرِكم به، كالذي نزَل بهم إن لم [تَتُوبوا وتُنِيبوا] (^٥).\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾. أي: ممن مضَى (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ (^٧)، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾. يقولُ: أكفارُكم يا معشرَ قريشٍ خيرٌ من أولئكم الذين مضَوْا (^٨).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾. قال: أكفارُكم خيرٌ من الكفارِ الذين عذَّبْناهم على مَعاصي اللَّهِ؛ أهؤلاء الكفارُ خيرٌ من أولئك؟! وقال: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾: أَسْتَبْقاها (^٩)؟\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عذابي ونقمي\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رسوله\".\n(^٤) في الأصل: \"لكم فأنزله\".\n(^٥) في الأصل: \"يتوبوا وينيبوا\".\n(^٦) تقدم أوله في ص ١٤٩.\n(^٧) في النسخ: \"الحسن\". وهو الحسين بن واقد. تقدم في ٢/ ٢٩٦، ٤٦٣.\n(^٨) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٦ إلى المصنف.\n(^٩) في ص: \"استنقاها\"، وفي م: \"استنفاها\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"استفهاما\". واستبقاها: صَفَح عن زَلَلِها. ينظر الوسيط (ب ق ى).","vol":"22","page":155},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾. يقولُ: ليس كفارُكم خيرًا مِن قومِ نوحٍ وقومِ لوطٍ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾. قال: أكفارُ هذه الأمةِ (^١).\nوقولُه: ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أم لكم براءةٌ مِن عقابِ اللَّهِ معشرَ قريشٍ، أن يُصِيبَكم بكفرِكم بما جاءكم من (^٢) الوَحْيِ مِن اللَّهِ، ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ وهي الكتبُ.\nكما حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: [حدَّثنا عبيدٌ] (^٣)، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي الزُّبُرِ﴾. يقولُ: في الكتبِ (^٤).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [يقولُ: في الكُتُبِ] (^٥)، في كتابِ اللَّهِ براءةٌ مما تَخافُون (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾. يعني: في الكتبِ (^٦).\n\n<span id=\"aya-4890\"></span>وقولُه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أيقولُ هؤلاء الكفارُ مِن قريشٍ: نحن جميعٌ منتصرٌ ممن قصَدَنا [بسوءٍ ومكروهٍ] (^٧)، وأراد حربَنا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"به\".\n(^٣) في م: \"أخبرنا أبو عبيد\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٦ إلى المصنف.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) ينظر البحر المحيط ٨/ ١٨٢.\n(^٧) في الأصل: \"بشر ومكر\".","vol":"22","page":156},{"text":"وتفريقَ جمعِنا. فقال اللَّهُ ﷿:\n\n<span id=\"aya-4891\"></span>﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾. يعني: جمعُ كفارِ قريشٍ، ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. يقولُ: ويُوَلُّون أدبارَهم المؤمنين باللَّهِ، عندَ انهزامِهم عنهم.\nوقيل: ﴿الدُّبُرَ﴾ فوحَّد، والمرادُ به الجمعُ، كما يقالُ: [ضرَبْنا منهم الرءوسَ. و: ضرَبْنا منهم الرأسَ] (^١). إذا كان الواحدُ يُؤَدِّي عن معنى جميعِه (^٢). ثم إن اللَّهَ ﷿ صدَق وعدَه المؤمنين به، فهزَم جمعَ المشركين به مِن قريشٍ يومَ بدرٍ، وولَّوْهم الدبرَ.\nكما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، قال: لا أَعْلَمُه إلا عن عكرمةَ، [أن عمرَ] (^٣) قال: لما نزَلَت: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ [جعَلْتُ أقولُ] (^٤): أيُّ جمعٍ يُهْزَمُ؟ فلما كان يومُ بدرٍ رأَيْتُ النبيَّ ﷺ يَثِبُ في الدِّرعِ وهو يقولُ: \" ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ \" (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: حدَّثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾. يعني: جمعُ بدرٍ، ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. قال: يومَ بدرٍ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَيُهْزَمُ\n_________\n(^١) في م: \"شربنا منهم الرأس: أي ضربنا منهم الرءوس\".\n(^٢) في م: \"جمعه\".\n(^٣) في الأصل: \"﵀\".\n(^٤) في الأصل: \"قلت أين\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٩ - ومن طريقه ابن راهويه - كما في المطالب العالية (٤١٢٧)، وابن مردويه - كما في تخريجه الكشاف للزيلعي ٣/ ٣٩١ - عن معمر به وأخرجه ابن سعد ٤/ ٢٤، ٢٥، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٤٥٧ - من طريق أيوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٧ إلى عبد بن حميدٍ وابن المنذر.","vol":"22","page":157},{"text":"الْجَمْعُ﴾ الآية: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال يومَ بدرٍ: \"هُزِموا ووَلَّوْا الدبرَ\" (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. قال: هذا يومُ بدرٍ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن عكرمةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يَثِبُ في الدِّرْعِ [يومَ بدرٍ] (^٢) ويقولُ: \"هُزِم الجمعُ، وولَّوُا الدُّبُرَ\" (^٣).\nحدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ، [عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾: قد مضَى، كان يومَ بدرٍ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: حدَّثنا داودُ] (٢)، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في هذه الآية: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. قال: كان ذلك يومَ بدرٍ. قال: قالوا: نحن جميعٌ منتصرٌ. قال: فنزَلَت هذه الآيةُ (^٥).\n\n<span id=\"aya-4892\"></span><span data-type='title' id=toc-8863>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ما الأمرُ كما يَزْعُمُ هؤلاء\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٥٧ عن ابن علية به.\n(^٤) تقدم تخريجه في ١٧/ ٩٤.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٤/ ٣٥٧ من طريق داود به، وينظر ما تقدم في ١٧/ ٩٤.","vol":"22","page":158},{"text":"المشركون مِن أنهم لا يُبْعَثون بعدَ مَماتِهم، بل الساعةُ نعِدُهم (^١) للبعثِ والعقابِ، والساعةُ أدْهَى وأمَرُّ عليهم مِن الهزيمةِ التي يُهْزَمونها عندَ التقائِهم مع المؤمنين ببدرٍ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن عمرِو بن مرةَ، عن شهرِ بنِ حَوْشَبٍ، قال: إِنْ هذه [الأمةُ بهلاكٍ] (^٢)، إِنَّمَا مَوْعِدُهُمُ السَّاعَةُ. ثم قرَأ: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾.\n\n<span id=\"aya-4893\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن المجرمين في ذَهابٍ عن الحقِّ، وأخْذٍ على غيرِ هُدًى، ﴿وَسُعُرٍ﴾. يقولُ: في احْتراقٍ مِن شدةِ العَناءِ والنَّصَبِ في الباطلِ.\nكما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾. قال: في عَناءٍ (^٣).\n\n<span id=\"aya-4894\"></span>وقولُه: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يومَ يُسْحَبُ هؤلاء المجرمون في النارِ على وجوهِهم.\nوقد تأَوَّل بعضُهم قولَه: ﴿فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾: إلى النارِ. وذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (يومَ يُسْحَبون إلى النارِ على وجوهِهم) (^٤).\nوقولُه: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يومَ يُسْحَبون في النارِ على وجوهِهم، يقالُ لهم: ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ. وترَك ذكرَ \"يقالُ لهم\" استغناءً بدَلالةِ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"موعدهم\".\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"إن هذه الآية نزلت بهلاك\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"إن هذه الآية نزلت لهلاك\"، و(الباء) في \"بهلاك\" بمعنى \"إلى\" أي: ليست هذه الأمة إلى هلاك. وينظر مغني اللبيب ص ٩٨.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٠، ٢٦١ عن معمر به.\n(^٤) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ١١٠، والقراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.","vol":"22","page":159},{"text":"الكلامِ عليه مِن ذكرِه.\nفإن قال قائلٌ: وكيف [يُذاقُ مَسُّ سَقَرَ، أَوَ لَه طعمٌ فيُذاقَ] (^١)؟ فإن ذلك مختلَفٌ فيه؛ فقال بعضُهم: قيل ذلك كذلك على مجازِ الكلامِ، كما يقالُ: كيف وجَدْتَ طعمَ الضربِ؟ وهو مجازٌ. وقال آخرون: ذلك كما يقالُ: وجَدْتُ مسَّ الحُمَّى. يُرادُ به أولُ ما نالني منها، وكذلك يقالُ: وجَدْتُ طعمَ عفوِك (^٢).\nوأما \"سَقَرُ\" فإنها اسمُ بابٍ مِن أبوابِ جهنمَ، وتُرِك إجراؤُها لأنها اسمٌ لمؤنثٍ معرفةٍ.\n\n<span id=\"aya-4895\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا خلَقْنا كلَّ شيءٍ بمقدارٍ قدَّرْناه وقضَيْناه. وفي هذا بيانٌ أن اللَّهَ ﷿ توعَّد هؤلاء المجرمين على تكذيبِهم بالقَدَرِ (^٣) مع كفرِهم به (^٤).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا هشامُ بنُ سعدٍ، عن أبي ثابتٍ، عن إبراهيمَ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ: إني أَجِدُ في كتابِ اللَّهِ - جل وعز - قومًا يُسْحَبون في النارِ على وجوهِهم، يقالُ لهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾. لأنهم كانوا يُكَذِّبون بالقَدَرِ، وإني لا أراهم، فلا أَدْرِي أشيءٌ كان قبلَنا، أم شيءٌ فيما بقِي (^٥)؟\n_________\n(^١) في الأصل: \"يذاقوا مس سقر ولا طعم فيذاقوا\".\n(^٢) بعده في الأصل: \"اسرارها\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في القدر\".\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٨ إلى المصنف.","vol":"22","page":160},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن زيادِ (^١) بنِ إسماعيلَ السَّهْميِّ، عن محمدِ بنِ عبادِ بنِ جعفرٍ، عن أبي هريرةَ، أن مشركي قريشٍ خاصَمَت النبيَّ ﷺ في القَدَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى وأبو كريبٍ، قالوا: ثنا وكيعُ بنُ الجراحِ، قال: ثنا سفيانُ، عن زيادِ بن إسماعيلَ السَّهْميِّ، عن محمدِ بنِ عبادِ بن جعفرٍ المخزوميِّ، عن أبي هريرةَ، قال: جاء مشركو قريشٍ إلى النبيِّ ﷺ يُخاصِمونه في القَدَرِ، فنزَلَت: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن سفيانَ، عن زيادِ بنِ إسماعيلَ السَّهْميِّ، عن محمدِ بنِ عبادِ بن جعفرٍ المخزوميِّ، عن أبي هريرةَ بنحوِه.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَيْنٌ، عن سعدِ (^٣) بنِ عُبيدةَ، عن أبي عبد الرحمنِ السُّلمَيِّ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ قال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، ففيمَ العملُ؟ أفي شيءٍ نَسْتَأْنِفُه، أو في شيءٍ قد فُرِغ منه؟ قال: فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"اعْمَلوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ (^٤)؛ سنُيَسِّرُه\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يزيد\". وهو مما قيل فيه. وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٤٢٩.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢١٥٧، ٣٢٩٠) عن أبي كريب وابن بشار به، وأخرجه مسلم (٢٦٥٦) عن أبي كريب به، وأخرجه أحمد ١٥/ ٤٥٩، ١٦/ ١٤٠، ١٤١ (٩٧٣٦، ١٠١٦٤)، وابن ماجه (٨٣)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٩١٨)، والمزي في تهذيب الكمال ٩/ ٤٣٠ من طريق وكيع به، وأخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (١٠٤)، والفسوي في المعرفة ٣/ ٢٦٣، وابن أبي عاصم في السنة (٩٤٦)، وابن حبان (٦١٣٩)، واللالكائي في السنة (٩٤٦، ٩٤٧)، والبيهقي في الشعب (١٨٣) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) في الأصل، ت ٢: \"سعيد\". وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٢٩٠.\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لما خلق له\".","vol":"22","page":161},{"text":"لليُسْرَى، وسنُيَسِّرُه للعُسْرَى\" (^١).\nحدَّثنا ابنُ أبي الشَّواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا حُصَيْفٌ، قال: سمِعْتُ محمدَ بنَ كعبٍ القرظيَّ يقولُ: لما تكَلَّم الناسُ في القَدَرِ نظَرْتُ، فإذا هذه الآيةُ أُنزِلَت فيهم: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ ويزيدُ بنُ هارونَ، قالا: ثنا سفيانُ، عن سالمٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، قال: ما نزَلَت هذه الآيةُ إلا تَعْيِيرًا لأهلِ القَدَرِ: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سالمِ بنِ أبي حَفْصةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القرظيِّ: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾. قال: نزَلَت تعييرًا (^٣) لأهلِ القَدَرِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن زيادِ بنِ إسماعيلَ السَّهْميِّ، عن محمدِ بنِ عبادِ بنِ جعفرٍ المخزوميِّ، عن أبي هريرةَ، قال: جاء مشركو قريشٍ إلى النبيِّ ﷺ يُخاصِمونه في القَدَرِ، فنزَلَت: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٩ إلى المصنف، وأخرجه البيهقي في الشعب (١٨٥) من طريق سعد عن أبي عبد الرحمن، عن علي ﵁، بنحوه مطولًا.\n(^٢) أخرجه الفريابي في القدر (٤٠٩) من طريق عبد الواحد به، وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٩١٩) من طريق خصيف به.\n(^٣) في الأصل: \"معتبرا\".\n(^٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٩٤١)، والفريابي في القدر (٢٤٦)، والآجري في الشريعة (٣١٨، ٤٨٦)، وأخره ابن عيينة في جامعه - كما في الدر المنثور ٦/ ١٣٨ - ومن طريقه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١٢٦٠) عن عاصم بن محمد عن محمد بن كعب القرظي.","vol":"22","page":162},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن خارجةَ (^١)، عن أسامةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القرظيِّ مثلَه.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. قال: خلَق اللَّهُ الخلقَ كلَّهم بقَدَرٍ، وخلَق لهم الخيرَ والشرَّ بقدرٍ، فخيرُ الخيرِ السعادةُ، وشرُّ الشرِّ الشقاءُ، وبئس الشرُّ الشقاءُ (^٢).\nواختَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ قولِه: ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: نصَبَ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ في لغةِ مَن قال: عبدَ اللَّهِ ضربتُه. قال: وهي في كلامِ العربِ كثيرٌ. قال: وقد رُفِعَت (كلُّ) في لغةِ مَن رفَع، ورُفِعَت على وجهٍ آخرَ. قال: (إِنَّا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (^٣). فجعَل \"خلقناه\" مِن صفةِ الشيءِ.\nوقال غيرُه: إنما نصَب ﴿كُلَّ﴾ لأن قولَه: ﴿خَلَقْنَاهُ﴾. فعلٌ لقولِه: ﴿إِنَّا﴾. وهو أولى بالتقديمِ إليه من المفعولِ، فلذلك اخْتِير النصبُ، وليس قبلَ: \"عبدَ اللَّهِ\" في قولِك: عبدَ اللَّهِ ضربتُه. شيءٌ هو أولى بالفعلِ، وكذلك: إنا طعامَك أكَلْناه. الاختيارُ النصبُ؛ لأنك تُرِيدُ: إنا أكَلْنا طعامَك. الأكلُ أولى بـ \"إنا\" مِن الطعامِ. قال: وأما قولُ مَن قال: \"خَلْقناه\" وصفٌ للشيءِ فبعيدٌ؛ لأن المعنى: إنا خلَقْنا كلَّ شيءٍ بقدرٍ.\nوهذا القولُ الثاني أولى بالصوابِ عندي مِن الأولِ؛ للعللِ التي ذكَرْناها لصاحبِها.\n\n<span id=\"aya-4896\"></span><span data-type='title' id=toc-8864>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي</span>\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حازم\" وتقدم على الصواب في: ٢٦/ ١٧٢، ٢٧/ ٨٦.\n(^٢) أخرجه اللالكائي في السنة (٩٤٩) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٨ إلى ابن المنذر.\n(^٣) قرأ بالرفع أبو السمال، وهي قراءة شاذة. مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٤٨.","vol":"22","page":163},{"text":"الزُّبُرِ (٥٢)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وما أمرُنا للشيءِ إِذا أَمَرْنا وأَرَدْنا أن نُكَوِّنَه إلا قولةٌ واحدةٌ: كُنْ. فيَكونُ، لا مراجعةَ فيها ولا مُرادَّةَ، ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فيُوجَدُ ما أمَرْناه وقلْنا له: كُنْ. كسرعةِ اللُّمْحِ بالبصرِ، لا يُبْطِئُ ولا يَتَأَخَّرُ.\n\n<span id=\"aya-4897\"></span>وقولُه: [﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾] (^١). يقولُ تعالى ذكرُه لمشركي قريشٍ الذين كذَّبوا رسولَه محمدًا ﷺ: ولقد أهْلَكْنا أشياعَكم معشرَ كفارِ (^٢) قريشٍ مِن الأممِ السالفةِ والقرونِ الخاليةِ، على مثلِ الذي أنتم عليه مِن الكفرِ باللَّهِ، وتكذيبِ رسولِه (^٣)، ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. يقولُ: فهل منكم مُتَّعِظُ يتعِظُ (٢) بذلك، ومُنْزَجِرٌ يَنْزَجِرُ به؟\nكما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. قال: أشياعَهم (^٤) مِن أهلِ الكفرِ مِن الأممِ الماضيةِ، يقولُ: فهل مِن أحدٍ (^٥) يَتَذَكَّرُ (^٦)؟\n\n<span id=\"aya-4898\"></span>وقولُه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكلُّ شيءٍ فعَله (^٧) أشياعُكم الذين مضَوْا قبلَكم معشرَ كفارِ قريشٍ، ﴿فِي الزُّبُرِ﴾. يعني: في الكتبِ التي كتَبَتْها الحَفَظةُ عليهم. وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ مُرادًا به: في أمِّ الكتابِ.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رسله\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أشياعكم\".\n(^٥) في الأصل: \"مدكر\"، وفي ت ٢: \"واحد\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٨ إلى المصنف.\n(^٧) في الأصل: \"فعلوا\".","vol":"22","page":164},{"text":"كما حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي الزُّبُرِ﴾. يقولُ: الكتبِ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾. قال: في الكتابِ (^١).\n\n<span id=\"aya-4899\"></span><span data-type='title' id=toc-8865>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ [مُسْتَطَرٌ﴾: كلُّ صغيرٍ من الأشياءِ وكبيرٍ. يقولُ: وكلُّ: صغيرٍ وكبيرٍ منهم ﴿مُسْتَطَرٌ﴾] (^٢). يقولُ: مُثْبَتٌ في الكتابِ مكتوبٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾. يقولُ: مكتوبٌ، فإذا أرادَ اللَّهُ أن يُنْزِلَ كتابًا نسَخَته السَّفَرةُ (^١).\n[حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا مسلمٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في] (^٣) قولِه: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾. قال: مكتوبٌ (^٤).\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤٥٩.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣: \"من الأشياء وكبير مستطر\"، وفي م: \"من الأشياء مستطر\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٨ إلى المصنف.","vol":"22","page":165},{"text":"حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ مُعاذٍ، عن أبيه، عن عِمْرانَ بنِ حُدَيْرٍ، عن عكرمةَ، قال: مكتوبٌ في كلِّ سطرٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مُسْتَطَرٌ﴾. قال: محفوظٌ مكتوبٌ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾. أي: محفوظٌ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مُسْتَطَرٌ﴾. قال: مكتوبٌ (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾. قال: مكتوبٌ. وقرَأ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]. وقرَأ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. إنما هو \"مُفْتَعَلٌ\" مِن: سَطَرْتُ. إِذا كتَبْتَ سطرًا (^٤).\n\n<span id=\"aya-4900\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين اتَّقَوْا عقابَ اللَّهِ؛ بطاعتِه وأداءِ فرائضِه واجتنابِ مَعاصِيه، في بَساتينَ يومَ القيامةِ وأنهارٍ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٨ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦١ عن معمر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤٥٩.\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤٥٩ بنحوه مختصرا.","vol":"22","page":166},{"text":"ووحَّد النهرَ في اللفظِ ومعناه الجمعُ، كما وحَّد الدُّبرَ ومعناه الأدبارُ في قولِه: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥].\nوقد قيل: إن معنى ذلك: إن المتقين في سَعةٍ يومَ القيامةِ وضياءٍ. فوجَّهوا معنى قولِه: ﴿وَنَهَرٍ﴾. إلى معنى النهارِ. وزعَم الفَرَّاءُ أنه سمِع بعضَ العربِ يُنْشِدُ (^١).\nإن تَكُ لَيْلِيًّا فإني نَهِرُ … متى أتَى الصبحُ فلا أَنْتَظِرُ\nفقولُه: ﴿وَنَهَرٍ﴾. على هذا التأويلِ مصدرٌ مِن قولِهم: نهِرْتُ أَنْهَرُ نَهَرًا. وعنَى بقولِه: فإني نَهِرٌ. أي: إني لَصاحبُ نَهارٍ. أي: لستُ بصاحبِ ليلٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4901\"></span>وقولُه: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾. يقولُ: في مجلسِ حقٍّ، لا لغوَ فيه ولا تأثيمَ، ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾. يقولُ: عندَ ذي مُلْكٍ، مُقْتَدِرٍ على ما يَشاءُ، وهو اللَّهُ ذو القوةِ المتينُ، وتعالى ﷿ عما يقولُ الظالمون علوًّا كبيرًا.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"اقتربتِ الساعةُ\"\n_________\n(^١) معاني القرآن ٣/ ١١١.\n(^٢) في م: \"ليلة\".","vol":"22","page":167},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8866>تفسيرُ سورةِ الرحمنِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4902\"></span>\n\n<span id=\"aya-4903\"></span><span data-type='title' id=toc-8867>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذِكرُه: الرحمنُ أيُّها الناسُ برحمتِه إيَّاكم علَّمكم القرآنَ، فأنعَمَ بذلك عليكم، إذ بصَّركم به ما فيه رضا ربِّكم، وعرَّفكم ما فيه سَخطُه، لتُطِيعوه باتِّباعِكم ما يُرضِيه عنكم، و[عمَلِكم بما] (^١) أمرَكم به، وبتجنبِكم (^٢) ما يُسخِطُه عليكم، فتَستَوجِبوا بذلك جزيلَ ثوابِه، وتَنجوا به من أليمِ عقابِه.\nورُوي عن قتادةَ [في ذلك ما] (^٣) حدَّثنا به ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ العُقَيْليُّ، قال: أخبَرنا أبو العوامِ العِجْليُّ، عن قتادةَ أنه قال في تفسيرِ: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾. قال: نعمةٌ واللَّهِ عظيمةٌ (^٤).\n\n<span id=\"aya-4904\"></span>وقولُه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: خَلَق آدمَ. وهو الإنسانُ في قولِ بعضِهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ (^٥)، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:\n_________\n(^١) في الأصل: \"علمكم ما\".\n(^٢) في الأصل: \"تجنبه\".\n(^٣) في الأصل: \"فيما\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٠ إلى المصنف، عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(^٥) في الأصل: \"ابنُ بشار\".","vol":"22","page":168},{"text":"﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾: والإِنسانُ: آدمُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾. قال: الإنسانُ: آدمُ.\nوقال آخرون: بل عُنِي به الناسُ جميعًا، وإنما وُحِّد في اللفظِ لأدائِه عن جنسِه، كما قيل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]. والقولان كلاهما غيرُ بعيدٍ من الصوابِ؛ لاحتمالِ ظاهرِ الكلامِ إيَّاهما.\n\n<span id=\"aya-4905\"></span>وقولُه: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: علَّم الإنسانَ البيانَ (^٢).\nثم اختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالبيانِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي به بيانُ الحلالِ والحرامِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾: علَّمَه اللَّهُ بيانَ الدُّنيا والآخرةِ، بيَّن حلالَه وحرامَه؛ ليحتجَّ بذلك على خَلْقِه (١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾: الدُّنيا والآخرةِ؛ ليحتجَّ بذلك عليه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. قال: بيَّن له الخيرَ والشرَّ، وما يأتي وما يدَعُ (^٣).\n_________\n(^١) جزء من الأثر المتقدم.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"البين\".\n(^٣) ذكره ابنُ كثير في تفسيره ٧/ ٤٦٤.","vol":"22","page":169},{"text":"وقال آخرون: عُنِي به الكلامُ، أي أن اللَّهَ ﷿ علَّم الإنسانَ الكلامَ (^١).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. قال: البيانُ الكلامُ (^٢).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يُقالَ: إن معنى ذلك أن اللَّهَ علَّم الإنسانَ بيانَ (^٣) ما به إليه الحاجةُ من أمرِ دينِه ودنياه؛ من الحلالِ والحرامِ، والمعاشِ والمنطقِ، وغيرِ ذلك، مما به الحاجةُ إليه؛ لأنه ﷿ لم يَخصُصْ بخبرِه ذلك أنه علَّمه من البيانِ بعضًا دونَ بعضٍ، بل عمَّ فقال: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. فهو كما عمَّ جلَّ ثناؤُه.\n\n<span id=\"aya-4906\"></span>وقولُه: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: الشمسُ والقمرُ بحسابٍ (^٤) ومنازلَ لهما، يَجريان ولا يَعْدُوانِها\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ خلفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا الفِرْيابيُّ، قال: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا سِماكُ بنُ حربٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾. قال: بحسابٍ ومنازلَ يُرْسَلان (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"البيان\".\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٤٤١، وأبو حيان في البحر المحيط ٨/ ١٨٨.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣: \"بحسبان\".\n(^٥) أخرجه إبراهيم الحربي في غريبه - كما في التغليق ٣/ ٤٩٢ - والحاكم ٢/ ٤٧٤ من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"22","page":170},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾. قال: يجريانِ بعددٍ وحسابٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾. أي: بحسابٍ ومنازلَ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾. أي: بحسابٍ وأَجَلٍ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾. قال: يَجريان في حسابٍ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾. قال: يُحسَبُ بهما الدهرُ والزمانُ؛ لولا الليلُ والنهارُ والشمسُ والقمرُ، لم يَدرِ (^٤) أحدٌ كيف يَحسُبُ شيئًا؟ لو كان الدهرُ ليلًا كلُّه كيف يُحسَبُ، أو نهارًا كلُّه كيف يُحسَبُ (^٥)؟\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ:\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٤٤٢.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٦٥٥) من طريق سفيان به، وأخرجه عبد بن حميدٍ - كما في التغليق ٣/ ٤٩٢ - من طريق إسماعيل بن أبي خالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٠ إلى ابن المنذر بنحوه.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٢ من طريق معمر به.\n(^٤) في م: \"يدرك\".\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٤٤٢، وأبو حيان في البحر المحيط ٨/ ١٨٨.","vol":"22","page":171},{"text":"﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾. قال: بحسابٍ وأجَلٍ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهما يجريان بقَدَرٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ داودَ، عن أبي الصهباءِ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾. قال: يجريان بقَدَرٍ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أنهما يدوران في مثلِ قُطْبِ الرَّحا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ خَلَفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثني ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بِحُسْبَانٍ﴾. قال: كحسبانِ الرَّحا (^٣).\nقال (^٤): حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، قال: أخبَرنا أبو يحيَى، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾. قال: [يدوران في مثلِ قطبِ الرَّحا] (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ١٦٨.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٣٦، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٣/ ٤٩١.\n(^٤) ليس في الأصل.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كحسبان الرحا\".","vol":"22","page":172},{"text":"في قولِه ﷿: ﴿بِحُسْبَانٍ﴾. قال: كحُسْبانِ الرَّحا.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: الشمسُ والقمرُ يجريان بحسابٍ ومنازلَ. لأنَّ الحُسْبانَ (^١) مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: حسَبتُه حُسْبانًا وحِسَابًا. مثلَ قولِهم: كَفَرْتُه كُفْرانًا، وغَفَرْتُه غُفْرَانًا. وقد قيل: إنه جمعُ حِسابٍ، كما الشُّهبانُ جمعُ شِهابٍ.\nواختَلَفَ أهلُ العربيةِ فيما رُفِع به \"الشمسُ\" و\"القمرُ\"؛ فقال بعضُهم: رُفِعا بـ \"حُسْبانٍ\". أي: بحسابٍ. وأُضْمِر الخبرُ، وقال: أظُنُّ - واللَّهُ أعلمُ - أنه أراد (^٢): يَجريان بحسابٍ.\nوقال بعضُ مَن أنكَر هذا القولَ مِنهم: هذا غَلَطٌ، ﴿بِحُسْبَانٍ﴾ يُرَافِعُ \"الشمسَ\" و\"القمرَ\"، أي: هما بحسابٍ. قال: و\"البيانُ\" يأتي على هذا: علَّمه البيانَ أن الشمسَ والقمرَ بحُسْبانٍ. قال: ولا يُحذفُ الفعلُ ويُضمَرُ إِلَّا شَاذًّا في الكلامِ.\n\n<span id=\"aya-4907\"></span><span data-type='title' id=toc-8868>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: اختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى النَّجْمِ في هذا الموضعِ، مع إجماعِهم على أن الشَّجَرَ ما قام على ساقٍ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بالنَّجمِ في هذا الموضعِ من النباتِ ما نجَم مِن الأرضِ، مما يَنْبَسطُ عليها، ولم يكنْ على ساقٍ، مثلَ البقلِ ونحوِه.\n_________\n(^١) في ت ١: \"الحساب\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".","vol":"22","page":173},{"text":"ذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَالنَّجْمُ﴾. قال: النَّجمُ ما يَنبَسِطُ على الأرضِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿وَالنَّجْمُ﴾. قال: النَّجمُ كلُّ شيءٍ ذهَب مع الأرضِ فَرْشًا. قال: والعرب تُسمِّي الثِّيلَ نَجْمةً (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ خَلَفٍ العَسْقلانيُّ، قال: ثنا رَوَّادُ بنُ الجرَّاحِ، عن شَريكٍ، عن السديِّ: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾. قال: النَّجمُ نباتُ الأرضِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَالنَّجْمُ﴾. قال: النَّجمُ الذي ليس له ساقٌ (^٣).\nوقال آخرون: عُنِي بالنَّجمِ في هذا الموضعِ نجمُ السماءِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالنَّجْمُ﴾. يعني: نجومُ السماءِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٦ - من طريق أبي صالح به، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٢٢٢)، والحاكم ٢/ ٤٧٤ من طريق عطاء، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في م، ت ٢: \"نجما\". والثيل: نبات يَفْرِش على شطوط الأنهار. التاج (ث ي ل).\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٠ إلى المصنف وابن المنذر، وأبي الشيخ.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٦٤.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦٣٦. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤١ إلى ابن المنذر.","vol":"22","page":174},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالنَّجْمُ﴾. يعني: نجمُ السماءِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾. قال: إنما يريدُ النجمَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ بنحوِه (^٢).\nوأولى القولين في ذلك عندي بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِي بالنَّجم ما نَجَم من الأرضِ من نَبْتٍ، لعطفِ الشَّجَرِ عليه، فكان بأن يكونَ معناه لذلك: ما قام على ساقٍ وما لا يقومُ على ساقٍ يسجدان للَّهِ، بمعنى أنه تسجدُ له الأشياءُ المختلفةُ الهيئاتِ من خَلْقِه - أوْلى وأشْبَهَ بمعنى الكلامِ من غيرِه.\nوأما قولُه: ﴿وَالشَّجَرُ﴾: [فإنَّ الشجرَ ما قد] (^٣) وصَفتُ صِفتَه قبلُ.\nوبالذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾. [يقولُ: ما يَنْبُتُ] (^٤) على ساقٍ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿وَالشَّجَرُ﴾: كلُّ شيءٍ قام على ساقٍ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٢ عن معمر به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٦٥.\n(^٣) في الأصل: \"هو ما\".\n(^٤) في م: \"قال: الشجر كل شيء قام\".\n(^٥) تقدم أوله في الصفحة السابقة.","vol":"22","page":175},{"text":"حدَّثنا بشرٌ (^١)، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالشَّجَرُ﴾. قال: الشَّجرُ شَجَرُ الأرضِ.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾. قال: الشَّجرُ الذي له سُوقٌ.\nوأما قولُه: ﴿يَسْجُدَانِ﴾. فإنه عُنِي به سجودُ ظلِّهما. كما قال اللَّهُ - جلَّ وعزَّ -: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥].\nكما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا تميمُ بنُ عبدِ المؤمنِ، عن زِبْرِقانَ، عن أبي رَزينٍ وسعيدٍ: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾. قالا: ظلُّهما سجودُهما (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾. قال: ما [ترَك اللَّهُ] (^٣) شَيئًا مِن خَلْقِه إلا عَبَّدَه له طوعًا وكَرهًا.\n[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾. قال: لم يَدَعِ اللَّهُ شيئًا إلا عبَّده له] (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ. وهو قولُ قتادةَ.\n_________\n(^١) في الأصل، ت ٢: \"ابن حميد\".\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٢٢٣) من طريق الزبرقان عن أبي رزين وحده، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص ٤٠٠ - إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ما نزل الله من السماء\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":176},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: أخبَرنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾. قال: يسجدُ بكرةً وعَشِيًّا (^١).\nوقيل: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ فثنَّى وهو خبرٌ عن جَمعين. وقد زعَم الفراءُ (^٢) أن العرب إذا جمَعَتِ الجَمْعَين من غيرِ الناسِ، مثلَ السِّدرِ والنَّخلِ، جعَلوا فِعْلَهما واحدًا، فيقولون: الشاءُ والنَّعمُ قد أقبَل، والنَّخلُ والسِّدرُ قد ارْتَوَى. قال: وهذا أكثرُ كلامِهم، وتثنيتُه جائزةٌ.\n\n<span id=\"aya-4908\"></span>وقولُه: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾. يقولُ تعالى [ذكرُه: والسماءَ رفَعها فوقَ الأرضِ.\nوقولُه: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾. يقولُ: ووضَع العدلَ بينَ خَلْقِه في الأرضِ.\nوذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وخَفَضَ المِيزَانَ) (^٣). والخفضُ و(^٤) الوضعُ متقارِبا المعنى في كلامِ العربِ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك] (^٥)\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٣٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) معاني القرآن ٣/ ١١٢.\n(^٣) ذكرها الفراء في معاني القرآن ٣/ ١١٢، وهي قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٤) في الأصل: \"هو\".\n(^٥) ما بين القوسين جاء في الأصل عقب الأثر التالي.","vol":"22","page":177},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾. قال: العدلَ (^١).\n\n<span id=\"aya-4909\"></span>وقولُه: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألَّا تَظلِموا وتبخَسُوا في الوزنِ (^٢).\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾: اعْدِلْ يا بنَ آدمَ كما تُحِبُّ أن يُعدَلَ عليك، وأَوْفِ كما تُحِبُّ أن يُوفَى لك؛ فإن بالعدلِ صلاحَ الناسِ (^٣). وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: يا معشرَ المَوالِي، إنكم قد وُلِّيتُم أمْرَين، بهما هَلَك من كان قَبْلَكم؛ هذا المكيالُ والميزانُ.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا مَروانُ بنُ معاويةَ، عن مغيرةَ بنِ (^٤) مسلمٍ، عن أبي المغيرةِ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ في سُوقِ المدينةِ: يا معشرَ المَوالي، إنكم قد ابتُلِيتُم بأمْرَين أُهلِكَتْ فيهما أمَّتان من الأممِ؛ الكيلُ (^٥) والمِيزانُ (^٦).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُليُّ، قال: ثنا مَرْوانُ، عن مغيرةَ، قال: رأى ابنُ عباسٍ رجلًا يَزِنُ قد أَرْجَحَ، فقال: أَقمِ اللسانَ، أليسَ قد قال اللَّهُ ﷿: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (^٧)؟\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٣٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص: \"الرزق\"، وفي ت ٢: \"الميزان\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤١ إلى المصنف وابن المنذر. ينظر تفسير القرطبي ١٧/ ١٥٥.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\". ينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٩٥.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المكيال\".\n(^٦) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٥٥.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤١ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"22","page":178},{"text":"<span id=\"aya-4910\"></span>وقولُه: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾. يقولُ: وأقيموا لسانَ الميزانِ بالعدلِ.\nوقولُه: ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَنقُصوا الوزنَ إذا وزَنتُم للناسِ وتَظْلِموهم.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾. قال قتادةُ: قال ابنُ عباسٍ: يا معشرَ المَوالِي، إنكم قد وُلِّيتُم أمْرَين، بهما هَلَك من كان قبلَكم؛ اتَّقى اللَّهَ رجلٌ [عندَ مِيزانِه] (^١)، اتَّقى اللَّهَ رجلٌ عندَ مِكيالِه، فإنما يعدلُه شيءٌ يسيرٌ، ولا يَنقصُه ذلك، بل يَزِيدُه اللَّهُ إِن شاء اللَّهُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾. قال: نَقْصُه، إذا نَقَصَه فقد خَسَره؛ تخسُّرُه: نَقْصُه.\n\n<span id=\"aya-4911\"></span><span data-type='title' id=toc-8869>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعني بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾: وَطَّأها للخَلْقِ، وهم الأنامُ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"عندهم أنه\".","vol":"22","page":179},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لِلْأَنَامِ﴾. يقولُ: للخَلْقِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾. قال: كلُّ شيءٍ فيه الرُّوحُ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّة، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾. قال: للخَلْقِ؛ الجنِّ والإنسِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لِلْأَنَامِ﴾. قال: للخلقِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لِلْأَنَامِ﴾. قال: للخَلْقِ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾، قال: الأنامُ الخَلقُ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٦ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤١ إلى المصنف\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤١ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦٣٦.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٢ عن معمر به.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٦٥.","vol":"22","page":180},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾. قال: للخَلْقِ\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ مثلَه.\n\n<span id=\"aya-4912\"></span>وقولُه: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: في الأرضِ فاكهةٌ.\nوالهاءُ والألفُ في ﴿فِيهَا﴾ مِن ذِكْرِ الأرضِ.\n﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾. والأكمامُ جمعُ كِمٍّ، وهو ما تَكَمَّمتْ فيه.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك تَكمُّمُ النَّخلِ في الليفِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سألتُ الحسنَ عن قولِه: ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾. فقال: سَبيبةٌ (^١) مِن لِيفٍ عُصِبتْ بها.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ: ﴿ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾: أكْمامُها لِيفُها (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ\n_________\n(^١) في ص، م: \"سعفة\"، وفي ت ٢: \"سلعة\"، والسبيبة: الثوب الرقيق، والجمع سبائب. ينظر اللسان (س ب ب).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٢ عن معمر به.","vol":"22","page":181},{"text":"الْأَكْمَامِ﴾: الليفُ الذي يكونُ عليها.\nوقال آخرون: يعني بالأكمامِ الرُّفَاتَ (^١).\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بن مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ: ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾. قال: أَكْمامُها رُفاتُها (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى الكلامِ: والنخلُ ذاتُ الطَّلعِ المتكَمِّمِ في أَكمامِه (^٣).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾. وقيل له: هو الطَّلعُ؟ قال: نعم. قال: وهو في كِمٍّ منه حتى يَنفَتِقَ عنه. قال: والحبُّ أيضًا في أكْمامٍ. وقرَأ: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ (^٤) مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ (^٥) [فصلت: ٤٧].\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللَّهَ جلّ ثناؤُه وصَف النخلَ بأنها ذاتُ أكْمامٍ، وهي مُتَكَمِّمةٌ (^٦) في ليفِها، وطَلْعُها متَكمِّمٌ في جُفِّهِ (^٧)، ولم يخصُصِ اللَّهُ - جل وعز - الخبرَ عنها بتَكَمُّمِها في لِيفِها، ولا تَكَمُّمِ طَلْعِها فِي جُفِّه، بل\n_________\n(^١) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الرقاب\".\n(^٢) في الأصل، ت ١، ت ٣: \"رقابها\"، وفي ت ٢: \"قلبها\". وينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٤٦٦.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كمامه\".\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ثمرة\". وهما قراءتان كما تقدم في ٢٠/ ٤٥٥.\n(^٥) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤٦٤، والبغوي في تفسيره ٧/ ٤٤٢، ٤٤٣، والقرطبي في تفسيره ١٧/ ١٥٦.\n(^٦) في ت ٢: \"متكمنة\"، وفي ت ٣: \"متمكنة\".\n(^٧) الجف: غشاء الطلع. الوسيط (ج ف ف).","vol":"22","page":182},{"text":"عمَّ الخبرَ عنها بأنها ذاتُ أكْمامٍ.\nوالصوابُ أن يقالَ: عُنِي بذلك أنَّها ذاتُ لِيفٍ، وهي فيه (^١) مُتَكَمِّمةٌ، وذاتُ طَلْعٍ، وهو في جُفِّه مُتَكَمِّمٌ. فيُعَمَّ كما عَمَّ ذلك جلَّ ثناؤُه.\n\n<span id=\"aya-4913\"></span>وقولُه: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وفيها الحبُّ، وهو حبُّ الشعيرِ والبُرِّ ذو الورقِ؛ [التِّبنِ، و] (^٢) هو العَصْفُ، وإياه عنَى علقمةُ بنُ عَبَدَةَ (^٣):\nتَسْقِي مَذَانِبَ قَدْ مَالَتْ عَصِيفَتُها … حَدُورُها مِنْ أتِيِّ المَاءِ مَطْمومُ\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾. يقولُ: التَّبنُ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾. قال: العصفُ ورقُ الزرعِ الأخضرِ الذي قُطِع رءوسُه، فهو يسمَّى العَصْفَ إِذا يَبِس (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَالْحَبُّ ذُو\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، ت ٣، وفي ص، ت ١: \"له\"، وفي م: \"به\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"والتبن\".\n(^٣) ديوانه ص ٥٥.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٦ - والبيهقي في الدلائل ١/ ١٢٣ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٠، ٣٩٦ إلى ابن المنذر\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤١ إلى المصنف.","vol":"22","page":183},{"text":"الْعَصْفِ﴾. قال: العصفُ البقلُ من الزَّرعِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾: وعصفُه تبنُه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: العصفُ التِّبنُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن الضحاكِ: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾. قال: الحبُّ البُرُّ والشَّعيرُ، والعَصْفُ التِّبنُ (^٤).\nحدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأُمويُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن المباركِ الخُراسانيُّ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ قولَه: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾. قال: الحبُّ أوّلُ ما يَنبُتُ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾. قال: [ورقُ الحنطة (^٦).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿وَالْحَبُّ] (^٧)\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٥٦.\n(^٢) في الأصل: \"نبته\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٢، ٣٩٧ عن معمر به.\n(^٤) أخرجه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٢٩ - عن سفيان بلغني عن الضحاك، وعزاه الحافظ في الفتح ٨/ ٦٢١ إلى ابن المنذر.\n(^٥) أخرجه عبد بن حميد - كما في التغليق ٤/ ٣٢٩ - من طريق ابن المبارك بزيادة: \"تسميه النبط هبورا\".\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٦٣٦، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٢٩ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٧) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":184},{"text":"[ذُو الْعَصْفِ﴾] (^١). قال: العصفُ الورقُ من كلِّ شيءٍ (^٢). قال: يُقالُ للزرعِ إذا قطِع: عُصافةٌ (^٣). قال: وكلُّ ورقٍ فهو عصافةٌ.\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنى يونسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنى أبو رَوْقٍ عطيةُ بنُ الحارثِ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾. قال: العصفُ التِّبنُ (^٤).\nحدَّثنا سليمانُ بنُ عبدِ الجبَّارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلتِ، قال: قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾. قال: العصفُ الزرعُ (^٥).\nوقال بعضُهم: العصفُ هو الحبُّ من البُرِّ والشَّعيرِ بعينِه\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾: أما العصفُ فهو البُرُّ والشَّعيرُ.\nوأما قولُه: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾. فإنَّ أهلَ التأويلِ اخْتَلفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: هو الرزقُ (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) بعده في الأصل: \"قال قال ابن زيد في قوله: والحب ذو العصف. قال: العصف الورق من كل شيء\".\n(^٣) العصافة: ما سقط من التبن. وقيل: هو الورق الذي ينفتح عن الثمرة، وقيل: هو رءوس سنبل الحنطة. التاج (ع ص ف).\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٤٤٣، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٦٦.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الورق\".","vol":"22","page":185},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني زيدُ بنُ أخزمَ الطائيُّ، قال: ثنا عامرُ بنُ مُدركٍ، قال: ثنا عتبةُ بنُ يقظانَ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كلُّ ريحانٍ في القرآنِ فهو الرزقُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾. قال: الرزقُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن الضحاكِ: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾: الرزقُ، ومنهم من يقولُ: ريحانُنا (^٣).\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنى محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾. قال: الرِّيعُ (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنى يونسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا أبو روقٍ عطيةُ بن الحارثِ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾. قال: الرزقُ والطعامُ (^٥).\nوقال آخرون: هو الريحانُ الذي يُشَمُّ.\n_________\n(^١) أخرجه المحاملي - كما في التغليق ٤/ ٢٣٩ - ومن طريقه الحافظ - عن زيد بن أخزم به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٣٦، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٢٩.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤٦٥، والقرطبي في تفسيره ١٧/ ١٥٧.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الريح\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤١ إلى المصنف.","vol":"22","page":186},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿الرَّيْحَانُ﴾: ما أنْبتَتِ الأرضُ من الريحانِ (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾: أما الريحانُ، فما أنبتَتِ الأرضُ من ريحانٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾. قال: ريحانُكم هذا (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾: الرياحينُ التي توجدُ ريحُها (^٢).\nوقال آخرون: هو خضرةُ الزرعِ.\nذِكْرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾. يقولُ: خضرةُ الزرعِ (^٣).\nوقال آخرون: هو ما قام على ساقٍ.\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٥٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤١ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٦ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤١ إلى ابن المنذر.","vol":"22","page":187},{"text":"ذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾: ما قام على ساقٍ (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِي به الرزقُ، وهو الحَبُّ الذي يُؤكلُ منه.\nوإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ بالصوابِ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه أخبَر عن الحَبِّ أنَّه ذو (^٢) العَصْفِ، وذلك ما وصَفْنا من الورقِ الحادثِ منه والتِّبنِ إذا يَبِس، فالذي هو أولى بالريحانِ أن يكونَ حبَّه الحادثَ (^٣) منه؛ إذ كان من جنس الشيءِ الذي منه العَصْفُ، ومسموعٌ من العربِ تقولُ: خرَجْنا نطلبُ رَيْحَانَ اللَّهِ ورزقَه. ويقالُ: سبحانَك وريحانَك. أي: ورزقَك. ومنه قولُ النمِرِ بنِ تَوْلبٍ (^٤):\nسَلامُ الإلهِ وَرَيْحانُهُ … وجَنَّتُهُ (^٥) وسَماءٌ دِرَرْ\nوذُكِر عن بعضِهم أنه كان يقولُ: العصفُ: المأكولُ من الحبِّ، والريحانُ: الصحيحُ الذي [لم يُؤكَلْ] (^٦).\nواختَلَفتِ القَرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ المكِّيين وبعضُ الكوفيين بالرفعِ (^٧)، عطفًا به على \"الحبِّ\"،\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٥٧.\n(^٢) في الأصل: \"هو\".\n(^٣) في م: \"الحارث\".\n(^٤) ديوانه ص ٥٥.\n(^٥) في الديوان: \"رحمته\".\n(^٦) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يؤكل\". وينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ١١٤.\n(^٧) وبها قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو وأبي جعفر ويعقوب. ينظر النشر ٢/ ٢٨٤.","vol":"22","page":188},{"text":"بمعنى: وفيها الحبُّ ذو العَصْفِ، وفيها الريحانُ أيضًا. وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: (والريحانِ) بالخفضِ (^١)، عطفًا به على العَصْفِ، بمعنى: والحبُّ ذو العصفِ وذو الريحانِ.\nوأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ (^٢) قراءةُ مَن قرَأَه بالخفضِ؛ للعلةِ التي بيَّنتُ في تأويلِه، وأنه بمعنى الرزقِ. وأما الذين قرءوه رفعًا، فإنهم وجَّهوا تأويلَه فيما أرَى إلى أنه الريحانُ الذي يُشَمُّ، فلذلك اخْتاروا الرفعَ فيه، وكونُه خفضًا بمعنى: وفيها الحبُّ ذو الورقِ والتبنِ، وذو الرزقِ المطعومِ - أولى وأحسنُ لما قد بيَّناه قبلُ.\n\n<span id=\"aya-4914\"></span><span data-type='title' id=toc-8870>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: فبأىِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الجنِّ والإنسِ من هذه النعمِ تُكَذِّبان؟\nكما حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سهلٌ السَّرّاجُ، عن الحسنِ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قال: فبأيِّ نعمةِ ربِّكما تُكذِّبان (^٣)؟\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قال: لا بأيَّتِها يا ربِّ.\n_________\n(^١) وبها قرأ حمزة والكسائي وخلف، ولم يذكر المصنف قراءة ابن عامر: (والحبَّ ذا العصفِ والريحانَ). بنصب الثلاثة. النشر ٢/ ٢٨٤.\n(^٢) القراءات الثلاثة متواترة.\n(^٣) ذكره الحافظ في التغليق ٤/ ٣٣١ عن المصنف.","vol":"22","page":189},{"text":"حدَّثنا محمدُ بن عبّادِ بنِ موسى وعمرُو بنُ مالكٍ البَصْرِيُّ (^١)، قالا: ثنا يحيى بنُ سُليمٍ (^٢) الطائفيُّ، عن إسماعيلَ بنِ أميةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قرَأ سورةَ \"الرحمنِ\"، أو قُرِئت عندَه، فقال: \"ما لي أسْمَعُ الجِنَّ أحسنَ جوابًا لرَبِّها (^٣) مِنكُم؟ \". قالوا: وما ذاك يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: \"ما أتَيتُ على قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إِلَّا قالتِ الجِنُّ: لا بِشَيءٍ مِن نِعمةِ ربِّنا نُكذِّبُ\" (^٤).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ: بأيِّ نعمةِ اللَّهِ تُكَذِّبان (^٥)؟\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ للجنِّ والإنسِ: فبأيِّ نِعَمِ اللَّهِ تُكَذِّبان (^٦)؟\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ [أو غيرِه] (^٧)، عن\n_________\n(^١) في م، ص: \"النضري\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٢١١.\n(^٢) بياض في الأصل، وفي ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سليمان\". وتقدم في ٤/ ١٧١، ١٠/ ٨٧، وينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٣٧٢.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"لردها\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر (٦٨) عن محمد بن عباد بن موسى به، وزاد عمرو بن سعد بن العاص بين إسماعيل ونافع، وأخرجه البزار (٢٢٦٩ - كشف) من طريق يحيى به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٦ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤١ إلى ابن المنذر.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في التغليق ٤/ ٣٣١ - من طريق سعيد به.\n(^٧) في م: \"وغيره\".","vol":"22","page":190},{"text":"مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان إذا قرَأ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قال: لا بأيتِها ربَّنا (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قال: الآلاءُ القدرةُ، فبأيِّ آلائِه تكذِّبُ؟ خَلَقَكم كذا وكذا، فبأيِّ قُدرةِ اللَّهِ تُكذِّبان أيها الثَّقَلان، الجنُّ والإنسُ (^٢)؟\nفإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فخاطَب اثنين، وإنما ذُكِر في أوَّلِ الكلامِ واحدٌ، وهو الإنسانُ؟ قيل: عاد بالخطابِ في قولِه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلى الإنسانِ والجانِّ، ويدلُّ على أن ذلك كذلك ما بعدَ هذا من الكلامِ، وهو قولُه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾. وقد قيل: إنما جُعِل الكلامُ خطابًا لاثنين وقد ابتُدِئ الخبرُ عن واحدٍ، لِما قد جرَى من فعلِ العربِ بمثلِ (^٣) ذلك، وهو أن يخاطبوا الواحدَ بفعلِ الاثنين، فيقولوا: ارْحلاها (^٤) يا غلامُ. وما أشْبَه ذلك مما قد بيَّناه في كتابِنا هذا في غيرِ موضعٍ (^٥).\n\n<span id=\"aya-4915\"></span>وقولُه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: خلق اللَّهُ الإنسانَ وهو آدمُ، ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾ وهو الطينُ اليابسُ الذي لم يُطْبَخْ، فله من يُبسِه صلصلةٌ إذا حُرِّك ونُقِر، ﴿كَالْفَخَّارِ﴾. يعني أنه من يُبسِه وإن لم يكنْ مطبوخًا، كالذى قد طُبِخ بالنارِ، فهو يُصَلصِلُ كما يصلصلُ الفَخَّارُ. والفخارُ هو\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٦٦.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٥٩.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"تفعل\". وفي ت ٢: \"بفعل\".\n(^٤) في م: \"خلياها\". وفي ت ١، ت ٣: \"خلاها\".\n(^٥) ينظر ما تقدم في ١/ ٣٨٣، ٢/ ٢٠١، ٣/ ٥٣١، ٥٣٢، ٦٠٧.","vol":"22","page":191},{"text":"الذي قد طُبِخ مِن الطينِ بالنارِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عبيدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ الجُبَيْريُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، قال: ثنا مسلمٌ، يعني المُلائيَّ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾. قال: هو من الطينِ الذي إذا مطَرتِ السماءُ فيبِسَتِ الأرضُ كأنه خزفُ الرقاقِ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بن عمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: خلَق اللَّهُ آدمَ من طينٍ لازبٍ، واللَّازبُ اللَّزِجُ الطيبُ، من بعدِ حمإٍ مسنونٍ مُنْتنٍ (^٢). قال: وإنما كان حَمأً مسنونًا بعدَ الترابِ. قال: فخلَق منه آدمَ بيدِه. قال: فمَكَث أربعين (^٣) ليلةً جسدًا مُلْقًى، فكان إبليسُ يأتِيه فيضرِبُه برجلِه، فيُصَلْصِلُ فيصوِّتُ. قال: فهو قولُ اللَّهُ ﷿: ﴿كَالْفَخَّارِ﴾. يقولُ: كالشيءِ المنفرجِ الذي ليس بمُصمَتٍ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ويَحيَى (^٤) بنُ سعيدٍ، قالا: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ البطينِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الصَّلصالُ الترابُ المدقَّقُ (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٤/ ٥٧، ٥٨.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١٩/ ٥١٢.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أربعون\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"محمد\"\n(^٥) في الأصل: \"المرقوق\".\nوالأثر تقدم تخريجه في ١٤/ ٥٧. =","vol":"22","page":192},{"text":"حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾. يقولُ: من الطينِ اليابسِ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾. قال: الصَّلصالُ طينٌ قد خُلِط برملٍ فكان كالفَخّارِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾. قال: [كما يصنعُ الفخارُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾] (^٢): والصلصالُ الترابُ اليابسُ الذي تُسمعُ له صلصلةٌ، وهو كالفخارِ كما قال اللَّهُ ﷿ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾. قال: من طينٍ له صلصلةٌ كان يابسًا، ثم خلَق الإنسانَ منه (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه:\n_________\n= وبعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حدثني علي قال: ثنا أبو صالح قال ثنى معاوية، قال: ثنا علي عن ابن عباس، قال الصلصال التراب المدقق\".\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٣٦، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٣٠.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تقدم في ١٤/ ٥٧.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٢، ٢٦٣ عن معمر به، وتقدم في ١٤/ ٥٧.","vol":"22","page":193},{"text":"﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾. قال: يَبِس آدمُ في الطينِ في الجنةِ حتى صار كالصَّلْصالِ، وهو الفخارُ. والحمأُ المسنونُ المُنتنُ الريحِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ، قال: ثنا أبو العوّامِ، عن قتادةَ: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾. قال: من ترابٍ يابسٍ له صلْصلةٌ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا شبيبُ بنُ بشرٍ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾. قال: ما عُصِر فخرَج مِن بينِ الأصابعِ.\nولو وجَّه موجِّهٌ قولَه: ﴿صَلْصَالٍ﴾ إلى أنَّه فَعْلالٌ من قولِهم: صلَّ اللَّحمُ. إذا أَنْتَن وتَغيَّرتْ ريحُه. كما قيل مِن: صرَّ البابُ: صَرْصَرَ، و: كَبْكَب. من كَبَّ - كان وجْهًا ومذهَبًا.\n\n<span id=\"aya-4916\"></span>وقولُه: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وخلَق الجانَّ من مارجٍ؛ وهو ما اخْتَلَط بعضُه ببعضٍ، من بينِ أحمرَ وأصفرَ وأخضرَ، من قولِهم: مَرِج أمرُ القومِ. إذا اختَلَط، ومن قولِ النبيِّ ﷺ لعبدِ اللَّهِ بن عمرٍو (^٢): \"كيف بكَ إذا كنتَ في حُثالَةٍ مِن النَّاسِ قد مَرِجَتْ عُهودُهم وأماناتُهم\" (^٣).\n- وذلك هو لَهبُ النَّارِ ولسانُه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٥١.\n(^٢) في الأصل: \"عمر\".\n(^٣) تقدم في ١٧/ ٤٧١.","vol":"22","page":194},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ الجُبيريُّ أبو حفصٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ كَثيرٍ (^١)، قال: ثنا مسلمٌ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾. قال: من أَوْسَطِها وأَحْسَنِها (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾. يقولُ: خَلَقه من لَهبِ النَّارِ، من أحسنِ النَّارِ (^٣).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾. يقولُ: خالصُ النارِ (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: خُلِقتِ الجنُّ الذين ذُكِروا في القرآنِ من مارجٍ من نارٍ، وهو لسانُ النارِ الذي يكونُ في طرفِها إذا أُلهبَت (^٥).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ في قولِه: ﴿مِنْ\n_________\n(^١) في الأصل: \"جبير\".\n(^٢) أخرجه هناد في الزهد (٢٧٢) عن ابن فضيل، عن مسلم، عن مجاهد قوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤١ إلى المصنف والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم من قول ابن عباس.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٦٧ عن العوفي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٦ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤١ إلى ابن المنذر.\n(^٥) في الأصل: \"التهبت\".\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٦٧، عن الضحاك، عن ابن عباس.","vol":"22","page":195},{"text":"مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾. قال: من [حيث تلتهبُ النارُ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا أبو بحرٍ البَكْراويُّ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ قيسٍ المكيُّ، عن عكرمةَ: ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾. قال: من] (^١) أحسنِ النارِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾. قال: اللهبُ الأصفرُ والأخضرُ الذي يعلو النارَ إذا أُوقِدَت (^٢).\nوحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلَّا أنه قال: والأحمرُ.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾. قال: هو اللَّهبُ المُنقطِعُ الأحمرُ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾. قال: من أحسنِ النارِ (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾. قال: من لهبِ النارِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٣٧، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٢٩ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٦٧.","vol":"22","page":196},{"text":"مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾. أي: من لهبِ النارِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾. قال: من لَهبِ النارِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾. قال: المارِجُ اللَّهبُ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ، قال: ثنا أبو العَوّامِ، عن قتادةَ: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾. قال: من لهبٍ من نارٍ.\n\n<span id=\"aya-4917\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ: فبأيِّ نعمةِ ربِّكما معشرَ الثَّقَلَين من هذه النعمِ تُكذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4918\"></span><span data-type='title' id=toc-8871>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ذلكم أيُّها الثَّقَلان ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ﴾. يعني بالمشرقين مشرقَ الشمسِ في الشتاءِ، ومشرقَها في الصيفِ.\nوقولُه: ﴿وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾. يعني: وربُّ مغربِ الشمسِ في الشتاءِ، ومغربِها في الصيفِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٢ عن معمر به.","vol":"22","page":197},{"text":"وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n<span data-type='title' id=toc-8872>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن ابنِ أبْزَى قولَه: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾. قال: مشارقُ الصيفِ ومغاربُ الصيفِ، مَشْرقانِ تجرِي فيهما الشمسُ ستين (^١) وثلاثَمائةِ يومٍ (^٢) في ستين وثلاثِمائةِ برجٍ، لكلِّ بُرْجٍ مَطْلِعٌ، لا تَطْلُعُ يومين من مكانٍ واحدٍ، وفي المغربِ ستون وثلاثُمائةِ بُرْجٍ، لكلِّ برجٍ مَغيبٌ، لا تغيبُ يومين في بُرْجٍ واحدٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾. قال: مشرقُ الشتاءِ ومغربُه، ومشرقُ الصيفِ ومغربُه (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾: فمَشرِقُها في الشتاءِ، ومَشرِقُها في الصيفِ، [ومغربُها في الشتاءِ، ومغربُها في الصيفِ] (^٥).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ،\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ستون\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٦٤٨) من طريق يعقوب به.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦٣٤، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٣٠ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":198},{"text":"عن قتادةَ قولَه: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾. قال: مشرقُ الشتاءِ ومغربُه، ومشرقُ الصيفِ ومَغْربُه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾. قال: أقصرُ مَشْرقٍ في السنةِ، وأطولُ مشرقٍ في السنةِ، وأقصرُ مغربٍ في السنةِ، وأطولُ مغربٍ في السنةِ (^١).\n\n<span id=\"aya-4919\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الجنِّ والإنسِ، من هذه النِّعَمِ التي أنعَم بها عليكم من تسخيرِه الشمسَ لكم في هذين المشرقَين والمغربَين تجرِي لكما دائبةً بمنافعِكما (^٢) ومصالحِ دنياكُما ومعايشِكُما، تُكَذِّبان؟.\n\n<span id=\"aya-4920\"></span>وقولُه: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مَرَج ربُّ المشرقين وربُّ المغربين البحرين يلتقيان. يعني بقولِه: ﴿مَرَجَ﴾: أرسَل وخَلَّى، من قولِهم: مَرَج فلانٌ دابتَه. إذا خلَّاها وترَكَها.\nكما (^٣) حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾. يقولُ: أرسَل (^٤).\nواختَلَف أهلُ العلمِ في البحرين اللذين ذكَرهما اللَّهُ جلَّ ثناؤُه في هذه الآيةِ، أيُّ بحرين هما؛ فقال بعضُهم: هما بحران؛ أحدُهما في السماء، والآخرُ في الأرضِ.\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤٦٧.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بما فوقكما\"، وفي م: \"بمرافقكما\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٦ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٢ إلى ابن المنذر.","vol":"22","page":199},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن ابنِ أبزَى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾. قال: بحرٌ في السماءِ، وبحرٌ في الأرضِ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾. قال: بحرٌ في السماءِ، وبحرٌ في الأرضِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾. قال: بحرٌ في السماءِ والأرضِ، يلتقيان كلَّ عامٍ (^٣).\nوقال آخرون: عُنِي بذلك بحرُ فارسَ وبحرُ الرومِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن زيادٍ مولى مصعبٍ، عن الحسنِ: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾. قال: بحرُ الرومِ وبحرُ فارسَ واليمنِ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾: فالبحران بحرُ فارسَ وبحرُ الرومِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٤٦٨.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٢ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٢ إلى المصنف.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٣ عن معمر، عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":200},{"text":"يَلْتَقِيَانِ﴾. قال: بحرُ فارسَ وبحرُ الرومِ (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندي بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِي به بحرُ السماءِ وبحرُ الأرضِ. وذلك أن اللَّهَ جل ثناؤُه قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ واللؤلؤُ والمَرجانُ إنما يخرجُ من أصدافِ بحرِ الأرضِ عن قَطْرِ ماءِ السماءِ، فمعلومٌ أن ذلك بحرُ الأرضِ وبحرُ السماءِ.\n\n<span id=\"aya-4921\"></span>وقولُه: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: بينهما حاجزٌ وبُعْدٌ، لا يُفسِدُ أحدُهما صاحبَه، فيَبغِي بذلك علَيه. وكلُّ شيءٍ كان بين شيئين فهو بَرْزخٌ عندَ العربِ، وما بينَ الدنيا والآخرةِ بَرْزَخٌ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، قال: ثنا جعفرٌ، عن ابنِ أَبْزَى: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾. [يقولُ: بينهما بُعدٌ، ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾] (^٢)؛ لا يَبغِي أحدُهما على صاحبِه.\nوقال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا فِطْرٌ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾. قال: بينهما حاجزٌ من اللَّهِ، لا يَبغِي أحدُهما على الآخرِ (^٣).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":201},{"text":"قولَه: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾. يقولُ: حاجزٌ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾: والبرزخُ هذه الجزيرةُ، هذا اليَبَسُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾، قال: البرزخُ الذي بينَهما: الأرضُ التي بينَهما (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾. قال: حَجَز المالحَ عن العذْبِ، والعذبَ عن المالحِ، والماءَ عن اليَبَسِ، واليَبَسَ عن الماءِ، فلا يَبغِي بعضُه على بعضٍ، بقُوَّتِه ولُطفِه وقُدرتِه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾. قال: منَعهما أن يَلْتَقيا بالبرزخِ الذي جَعَل بينهما من الأرضِ. قال: والبرزخُ بُعْدُ الأرضِ الذي جُعِل بينَهما (^٣).\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لا يَبغِي أحدُهما على صاحبِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحَدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن ابنِ أبزَى: ﴿لَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في التغليق ٤/ ٣٣٣، والإتقان ٢/ ٤٦ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٢ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٣ عن معمر به.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٦٧.","vol":"22","page":202},{"text":"يَبْغِيَانِ﴾: لا يَبغِي أحدُهما على صاحبِه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا فِطْرٌ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ، قال: ثنا أبو العَوَّامِ، عن قتادةَ مثلَه (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أنهما لا يَخْتَلِطان.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾. قال: لا يَخْتَلِطان (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يَبْغِيان على الناسِ (^٤).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾: لا يبغيانِ على الناسِ (^٤)، وما أخَذ أحدُهما مِن صاحبِه فهو بَغْيٌ، فحجَز أحدَهما عن صاحبِه، بقدرتِه ولطفِه وجلالِه ﵎ (^٥).\nوقال آخرون: بل معناه: لا يَبْغِيان أن يَلْتَقِيا.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢٠١.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤٦٧.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٣٧، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٣٠ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في م: \"اليبس\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٣ عن معمر، عن قتادة مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":203},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾. قال: لا يَبْغِي أحدُهما أن يَلْقى صاحبَه (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندي بالصوابِ أن يقالَ: إن اللَّهَ وصَف البحرين اللذين ذكَرَهما في هذه الآيةِ أنهما لا يَبغيان، ولم يَخْصُصْ وصفَهما بذلك في شيءٍ دون شيءٍ، بل عمَّ الخبرَ عنهما بذلك، فالصوابُ أن يُعَمَّ كما عمَّ جلَّ ثناؤُه، فيقالَ: إنهما لا يَبْغِيان على شيءٍ، ولا يَبْغِي أحدُهما على صاحبِه، ولا يَتَجاوزان حدَّ اللَّهِ الذي حدَّه لهما.\n\n<span id=\"aya-4922\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، يقولُ تعالى ذكرُه: فبأىِّ نعمِ ربِّكما معشرَ الجنِّ والإنسِ، مِن هذه النعمِ التي أنْعَم عليكم مِن مَرْجِه البحرين، حتى جعَل لكم بذلك حِلْيَةً تَلْبَسونها - تُكذِّبان (^٢)؟\n\n<span id=\"aya-4923\"></span><span data-type='title' id=toc-8873>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يَخْرُجُ مِن هذين البحرين اللذين مرَجَهما اللَّهُ، وجعَل بينَهما بَرْزَخًا - اللؤلؤُ والمَرْجانُ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ اللؤلؤِ والمرجانِ؛ فقال بعضُهم: اللؤلؤُ ما عظُم مِن الدُّرِّ، والمَرْجانُ ما صغُر منهما (^٣).\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٦٢.\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"كذلك\".\n(^٣) في م: \"منه\".","vol":"22","page":204},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\n[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ نُجَيٍّ (^١)، عن عليٍّ، قال: ﴿اللُّؤْلُؤُ﴾: العظامُ] (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾. قال اللؤلؤُ العظامُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾: أما اللؤلؤُ فعِظامُه، وأما المرجانُ فصِغارُه، وإن للَّهِ فيهما خِزانةً دُلَّ عليها عامةُ بني آدمَ، فأخْرَجوا متاعًا ومنفعةً وزِينةً، وبُلْغةً إلى أجلٍ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾. قال: اللؤلؤُ الكِبارُ من اللؤلؤِ والمَرْجانُ الصِّغارُ منه (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: [أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ] (^٤) يقولُ في قولِه: ﴿اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾: أما المرجانُ فاللؤلؤُ الصَّغارُ، وأما اللؤلؤُ فما عظُم منه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) في الأصل: \"يحيى\". وينظر ما تقدم في ٣/ ٢٨٢.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٢ إلى عبد بن حميد\n(^٤) سقط من: الأصل.","vol":"22","page":205},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾. قال: اللؤلؤُ ما عظُم منه، والمرجانُ اللؤلؤُ الصغارُ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: المرجانُ هو اللؤلؤُ الصِّغارُ.\nحدَّثنا عمرُو بنُ سعيدِ بنِ يَسَارٍ (^٢) القرشيُّ، قال: ثنا أبو قُتيبةَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَيْسرةَ الحَرَّانيُّ، قال: ثنى شيخٌ بمكةَ مِن أهلِ الشامِ، أنه سمِع كعبَ الأحبارِ يُسْأَلُ عن المرجانِ، فقال: هو البُسَّذُ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: البُسَّذُ (^٣) له شُعَبٌ ثلاثٌ (^٤) وهو جنسٌ (^٥) مِن اللؤلؤِ.\nوقال آخرون: المَرْجانُ مِن اللؤلؤِ الكبارُ، واللؤلؤُ منه الصغارُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، أو قيسِ بنِ وهبٍ، عن مُرَّةَ، قال: المَرْجانُ اللؤلؤُ العِظامُ (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا الحسينُ بنُ الحسنِ الأشْقَرُ، قال: ثنا زهيرٌ، عن جابرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ نُجَيٍّ (^٧)، عن عليٍّ، وعن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٢ إلى المصنف.\n(^٢) في م: \"بشار\". وتقدم في ٢٠/ ٦٥٣، وسيأتي في ٢٤/ ٣٧٩.\n(^٣) في الأصل، ص: \"السبر\"، وفي ت ١: \"السير\". والبُسَّذ: جوهر أحمر. ينظر اللسان (م ر ج).\nوينظر تعليق الشيخ أحمد شاكر في المعرب للجواليقي ص ٣٧٧ حاشية (٣).\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في م: \"أحسن\".\n(^٦) ينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٤٦٨.\n(^٧) في النسخ: \"يحيى\". تنظر الصفحة السابقة","vol":"22","page":206},{"text":"قالا: المَرْجانُ عظامُ اللؤْلُؤِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالْمَرْجَانُ﴾. قال: ما عظُم من اللؤلؤِ.\nوقال آخرون: المرجانُ جيدُ اللؤلؤِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: [ثنا عبدُ الرحمنِ، قال] (^٢): ثنا شَريكٌ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، قال: سأَلْتُ مُرَّةَ عن اللؤلؤِ والمرجانِ، قال: المرجانُ جيدُ اللؤلؤِ (^٣).\nوقال آخرون: المرجانُ حَجَرٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ الأوْديِّ، عن ابنِ مسعودٍ: ﴿اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾. قال: المرجانُ حَجَرٌ (^٤).\n_________\n(^١) قول علي في تفسير مجاهد ص ٦٣٧ من طريق جابر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٢ إلى عبد بن حميد.\nوقول ابن عباس أخرجه هناد في الزهد (١٩) من طريق جابر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٣ من طريق موسى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه هناد (١٠، ١١)، والترمذي (٢٥٣٤) من طريق عطاء به مطولًا، وعند هناد: الياقوت حجر. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٣ من طريق مسروق، عن ابن مسعود بلفظ: المرجان الخرز الأحمر.","vol":"22","page":207},{"text":"والصوابُ مِن القولِ في اللؤلؤِ أنه هو الذي قد عرَفه الناسُ مما يَخْرُجُ مِن أصدافِ البحرِ مِن الحبِّ، وأما المرجانُ، فإني رأيتُ أهلَ المعرفةِ بلسانِ (^١) العربِ لا يدافِعون (^٢) أنه جمعُ مَرْجانةٍ، وأنه الصغارُ من اللؤلؤِ، وقد ذكَرْنا ما فيه مِن الاختلافِ بينَ مُتَقَدِّمي أهلِ العلمِ، واللَّهُ أعلمُ بصوابِ ذلك.\nوقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ (^٣) أن اللؤلؤَ والمرجانَ يَخْرُجُ مِن أحد البحرين، ولكن قيل: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ كما يقالُ: أكَلْتُ خبزًا ولبنًا. وكما قيل (^٤):\nورأيْتِ زوجَك في الوَغَى … مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحَا\nوليس ذلك كما ذهَب إليه، بل ذلك كما وصَفْتُ قبلُ مِن أن ذلك يَخْرُجُ مِن أصدافِ البحرِ عن قطرِ السماءِ، فلذلك قيل: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾. يعني [به البحرين] (^٥).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ الرازيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن السماءَ إذا أمْطَرَت فتَحَت الأصدافُ أفواهَها، فمنها اللؤلؤُ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"بكلام\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يتدافعون\".\n(^٣) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٢٤٤.\n(^٤) تقدم تخريجه في ١/ ١٤٠.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"به البحران\"، وفي م: \"بهما البحران\"، وفي ت ٣: \"به البحر\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٤٦٨ - من طريق عبد الرحمن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٢ إلى ابن أبي الدنيا في كتاب المطر وابن المنذر.","vol":"22","page":208},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحْمَسيُّ، قال: ثنا أبو يحيى الحِمَّانيُّ، قال: ثنا الأعمشُ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا نزَل القطرُ مِن السماءِ تفَتَّحَت له الأصدافُ، فكان لؤلؤًا.\nحدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بنِ عمرٍو الغَزِّيُّ، قال: أخبرنا الفِرْيابيُّ، قال: ذكَر سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: إن السماءِ إذا أمْطَرَت تفَتَّحَت لها الأصدافُ، فما وقَع فيها (^١) مِن مطرٍ فهو لؤلؤٌ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الضِّراريُّ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ سوّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ سليمانَ الكوفيُّ، ابنُ أخي عبدِ الرحمنِ بنِ الأصبهانيِّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأصبهانيِّ، عن عكرمةَ، قال: ما نزَلت قطرةٌ من السماءِ في البحرِ إلا كانت بها لُؤْلؤةٌ، أو نَبَتَتْ بها عنبرةٌ. فيما يحسَبُ الطبريُّ (^٢).\nواختَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (يُخْرَجُ) على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه (^٣). وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ وبعضُ المكيين: ﴿يَخْرُجُ﴾ بفتحِ الياءِ (^٤).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٣: \"منها\".\n(^٢) جاء هذا الأثر في الأصل قبل قوله: والصواب من القول. المتقدم في الصفحة السابقة باختلاف يسير عما في هذه النسخ، ومكانه هنا أوفق للسياق. وينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٤٦٨.\n(^٣) وبها قرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب. النشر ٢/ ٢٨٤\n(^٤) وبها قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وخلف. ينظر المصدر السابق.","vol":"22","page":209},{"text":"فمصيبٌ؛ لتقارُبِ معنييهما.\n\n<span id=\"aya-4924\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأىِّ نِعَمِ رَبِّكما معشرَ الثَّقَلِين، التي أنْعَم بها عليكم ربُّكم، فيما أخْرَج لكم مِن منافعِ هذين البحرين، تُكَذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4925\"></span>وقولُه: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾. يقولُ جلّ وعزّ: ولِربِّ المشرقَيْن والمغربَيْن ﴿الْجَوَارِ﴾. وهي السفنُ الجاريةُ في البحارِ.\nوقولُه: ﴿الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ﴾. اخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (المُنْشِئات) بكسرِ الشينِ (^١)، بمعنى: الظاهراتُ السَّيْرِ اللاتي يُقْبِلْنَ ويُدْبِرْنَ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ البصرةِ والمدينةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿الْمُنْشَآتُ﴾ بفتحِ الشينِ (^٢)، بمعنى: المرفوعاتُ (^٣) القِلاعِ (^٤)، اللاتي تُقْبِلُ بهن وتُدْبِرُ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان، صحيحتا المعنى مُتَقارِبتاه، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ\nذكرُ مَن قال في تأويلِ ذلك ما ذكَرْناه فيه\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: أخبَرنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة، والوجهان عن أبي بكر. النشر ٢/ ٢٨٤.\n(^٢) هي قراءة ابن كثير ونافع وحفص وأبي عمرو وابن عامر والكسائي وأبى جعفر ويعقوب وخلف. المصدر السابق.\n(^٣) في الأصل: \"المرفعات\".\n(^٤) مفرد قلع وهو الشراع. الوسيط (ق ل ع).","vol":"22","page":210},{"text":"قولَه: ﴿الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ﴾. قال: ما رُفِع قِلْعُه من السفنِ فهي مُنْشَآتٌ، وإذا لم يُرْفَعْ قِلعُها فليست بمُنْشَأَةٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾. يعني: السفنُ (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾. يعني: السفنُ.\nوقولُه: ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾. يقولُ: كالجبالِ، شبَّه السفنَ بالجبالِ، والعربُ تُسَمِّي كلَّ جبلٍ طويلٍ عَلَمًا، ومنه قولُ جَريرٍ (^٣):\n* إذا قطَعنا علَمًا بَدا علَمْ *\n\n<span id=\"aya-4926\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الجنِّ والإنسِ التي أنْعَمَها عليكم، بإجرائِه الجواريَ المُنْشَآتِ في البحرِ، جاريةً بمنافعِكم - تُكَذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4927\"></span><span data-type='title' id=toc-8874>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: كلُّ مَن على ظهرِ الأَرضِ مِن جِنٍّ وإنسٍ فإنه فانٍ هالكٌ،\n\n<span id=\"aya-4928\"></span>ويَبْقَى وجهُ ربِّك يا محمدُ، ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٣٧، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٣٠ -، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) ديوانه ١/ ٥١٢.","vol":"22","page":211},{"text":"و﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ مِن نعتِ \"الوجهِ\"، فلذلك رُفِع ﴿ذُو﴾. وقد ذُكِر أنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ بالياءِ: (ذِي الجلالِ) (^١) على أنه مِن نعتِ \"الربِّ\" وصفتِه.\n\n<span id=\"aya-4929\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الثَّقَلَين مِن هذه النعمِ تُكَذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4930\"></span>وقولُه: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: إليه يَفْزَعُ بمسألةِ الحاجاتِ كلُّ مَن في السماواتِ والأرضِ؛ من مَلَكٍ وإنسٍ وجنٍّ وغيرِهم، لا غنَى بأحدٍ منهم عنه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾: لا يَسْتَغْنِي عنه أهلُ السماءِ ولا أهلُ الأرضِ؛ يُحْيِي حيًّا، ويُمِيتُ ميتًا، ويُرَبِّي صغيرًا، [ويفُكُّ أسِيرًا] (^٢)، وهو مَسْأَلُ (^٣) حاجاتِ الصالحين، ومُنْتَهَى شَكْواهم، وصَرِيخُ الأخيارِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. قال: يعني مسألةَ عبادِه إياه الرزقَ والموتَ والحياةَ، كلَّ يومٍ هو في ذلك (^٥).\nوقولُه: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هو كلَّ يومٍ في شأنِ\n_________\n(^١) معاني القرآن للفراء ٢/ ١١٦، والبحر المحيط ٨/ ١٩٢.\n(^٢) في م: \"ويذل كبيرا\".\n(^٣) في الأصل: \"يسل\"، وفي ت ١: \"سبيل\"، وفي ت ٣: \"يسيل\"، وفي الدر المنثور: \"مرد\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٣ إلى المصنف وعبد بن حميد\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"22","page":212},{"text":"خلقِه؛ فيُفَرِّجُ كربَ ذي كربٍ، ويَرْفَعُ قومًا، ويَخْفِضُ آخرين، ونحوِ ذلك مِن شئونِ خلقهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن يونُسَ بنِ خَبَّابٍ والأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن عبيدِ بنِ عميرٍ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. قال: يُجِيبُ داعيًا، أو يُعْطِي سائلًا، أو يَفُكُّ عانيًا (^١)، أو يَشْفِي سقيمًا (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن، مجاهدٍ، عن عبيدِ بنِ عميرٍ في قولِه: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. قال: يَفُكُّ عانيًا، ويَشْفِي سقيمًا، ويُجِيبُ داعيًا.\nوحدَّثني إسماعيلُ بنُ إسرائيلَ السَّلالُ (^٣)، قال: ثنا أيوبُ بنُ سويدٍ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. قال: من شأنِه أن يُعْطِيَ سائلًا، ويَفُكَّ عانيًا، ويُجِيبَ داعيًا، ويَشْفِيَ سَقيمًا.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. قال: كلَّ يومٍ يُجِيبُ داعيًا، ويَكْشِفُ كرْبًا،\n_________\n(^١) العاني: الأسير. الوسيط (ع ن ي).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٤٤٠، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٧٢، والبيهقي في الشعب (١١٠٣) من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٣ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في الأصل: \"اللآلى\"، وفي ت ٢: \"الملال\". وتقدم في ٧/ ٣٦٧، ٩/ ٤٨.","vol":"22","page":213},{"text":"ويُجِيبُ مضطرًّا، ويَغْفِرُ ذنبًا (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن [الأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن عبيدِ بنِ عميرٍ] (^٢): ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾: يُجيبُ داعيًا، ويُعْطِي سائلًا، ويَفُكُّ عانيًا، ويَتُوبُ على قومٍ ويَغْفِرُ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا [محمدُ بنُ] (^٤) مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. قال: يَخْلُقُ مخلقًا (^٥)، ويميتُ ميِّتًا، ويُحدِثُ أمرًا.\nحدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بنِ عمرٍو الغَزِّيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ يوسفَ، الفِرْيابيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ بكرٍ السَّكْسَكيُّ، قال: ثنا الحارثُ بنُ عَبْدةَ (^٦) بنِ رياحٍ (^٧) الغسانيُّ، عن أبيه عبدةَ (^٦) بنِ رياحٍ (^٧)، عن منيبِ بنِ عبدِ اللَّهِ الأزديِّ، عن أبيه قال: تلا رسولُ الله ﷺ هذه الآيةَ: \" ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ \". فقلْنا: يا رسولَ اللهِ، وما ذلك الشأنُ؟ قال (^٨): \"يَغْفِرُ ذَنْبًا، ويُفَرِّجُ كَرْبًا، ويَرْفَعُ أقوامًا، ويَضَعُ آخرين\" (^٩).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٣٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٤ إلى المصنف وعبد بن حميد\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"قتادة\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٣ عن معمر به.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣. وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٣٨٧،\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خلقا\".\n(^٦) في ت ٢، ت ٣، والآحاد، والكشف، والعظمة: \"عبيدة\". وكذا ذكره ابن ماكولا في الإكمال ٦/ ٥٠، والمثبت موافق لما في باقي مصادر التخريج، وقال المزي في التهذيب ٢١/ ٥٥٠: والحارث بن عبدة، ويقال: ابن عبيدة.\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣، والآحاد، الكشف، والعظمة: \"رباح\". وغير منقوطة في الأصل، ص، والمثبت موافق لباقي مصادر التخريج، وينظر الإكمال ٤/ ١٧.\n(^٨) بعده في الأصل: \"أن\".\n(^٩) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٧٠ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٣١٦)، =","vol":"22","page":214},{"text":"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن أبي حمزةَ الثُّماليِّ (^١)، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: إن اللهَ خلَق لوحًا محفوظًا من درةٍ بيضاءَ، دفَّتاه ياقوتةٌ حمراءُ، قلمُه نورٌ، وكتابُه نورٌ، عرضُه ما بينَ السماءِ والأرضِ، يَنْظُرُ فيه كلَّ يومٍ ثلاثَمائةٍ وستين نظرةً، يَخْلُقُ بكلِّ نظرةٍ، ويُحيي ويُميتُ، ويُعِزُّ ويُذِلُّ، ويَفْعَلُ ما يَشاءُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4931\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما معشرَ الجنِّ والإنسِ التي أنعَم عليكم، من صرفِه إيَّاكم في مصالحِكم، وما هو أعلمُ به منكم، من تقليبِه إياكم فيما هو أنفعُ لكم - تُكذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4932\"></span><span data-type='title' id=toc-8875>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: اختلفتِ القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ المكيِّين: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ بالنونِ (^٣). وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ بعدُ: (سَيَفْرُغُ لَكُمْ) بالياءِ\n_________\n= والبزار (٢٢٦٦ - كشف) ووقع فيه إبراهيم بن محمد بن عبد الملك، وابن قانع في معجم الصحابة (٥٧٤)، والطبراني في الأوسط (٦٦١٩)، وأبو الشيخ في العظمة (١٥١) من طريق إبراهيم بن محمد، والحديث فيه عمرو بن بكر وهو متروك.\n(^١) في ت ١: \"اليماني\". ينظر تهذيب الكمال ٤/ ٣٥٧.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٧١ عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٣، ٢٦٤، وأبو الشيخ في العظمة (١٦٠)، والحاكم ٢/ ٤٧٤، ٥١٩ من طريق أبي حمزة الثمالي به، وأخرجه الطبراني (١٠٦٠٥، ١٢٥١١)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٢٥، ٤/ ٣٠٥، والضياء في المختارة ١٠/ ٧١ (٦٢، ٦٣) من طريق ابن جبيرٍ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وأبي جعفر ويعقوب. ينظر النشر ٢/ ٢٨٣.","vol":"22","page":215},{"text":"وفتحِها (^١)، ردًّا على قولِه: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ولم يَقُلْ: يَسْأَلُنا مَن في السماواتِ والأرضِ. فأتْبَعوا الخبرَ الخبرَ.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندِي أنهما قراءتان معروفتان مُتقاربتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوأما تأويلُه، فإنه وعيدٌ من اللَّهِ لعبادِه وتَهدُّدٌ، كقولِ القائلِ الذي يتهدَّدُ غيرَه ويتوعَّدُه، ولا شغلَ له يَشغَلُه عن عقابِه: لأتَفَرَّغَنَّ لك، وسَأَتَفَرَّغُ لك. بمعنى: سآخُذُ (^٢) في أمرِك وأُعاقِبُك. وقد يقولُ القائلُ للذي لا شُغْلَ له: قد فرَغتَ لي، وقد فرَغتَ لشتمِي. أي: أخَذتَ فيه وأقبَلتَ عليه. وكذلك قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾: سنُحاسِبُكم، ونأخُذُ في أمرِكم أيُّها الإنسُ والجنُّ، فنعاقِبُ أهلَ المعاصِي، ونُثِيبُ أهلَ الطاعةِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾. قال: وَعيدٌ من اللهِ للعبادِ، وليس باللهِ شغلٌ وهو فارغٌ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ أنه تلا:\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة والكسائي وخلف. المصدر السابق.\n(^٢) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"سأجد\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٦ - والبيهقي في الأسماء والصفات (١٠٢٧) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٤ إلى ابن المنذر.","vol":"22","page":216},{"text":"﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾. قال: دنا من اللَّهِ فراغٌ لخلقِه (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾. قال: وعيدٌ (^٢).\nوقد يَحتمِلُ أن يُوجَّهَ معنى ذلك إلى: سنَفْرُغُ لكم من وعدِناكم ما وعَدْناكم من الثوابِ والعقابِ.\n\n<span id=\"aya-4933\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الثقلينِ التي أنعَمها عليكم؛ من ثوابهِ أهلَ طاعتِه، وعقابِه أهلَ معصيتِه - تُكَذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4934\"></span>وقولُه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إن استطَعتُم أن تَجُوزوا أطرافَ السماواتِ والأرضِ، فتُعْجِزوا ربَّكم حتى لا يَقْدِرَ عليكم، فجُوزوا ذلك، فإنكم لا تَجُوزُونه إلا بسلطانٍ من ربِّكم. قالوا: وإنما هذا قولٌ يُقالُ لهم يومَ القيامةِ. قالوا: ومعنى الكلامِ: سنَفْرُغُ لكم أيُّها الثقلانِ، فيُقالُ لهم: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن الأجلحِ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مزاحمٍ، قال: إذا كان يومُ القيامةِ أمَر اللَّهُ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٦٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٤ إلى المصنف عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"22","page":217},{"text":"السماءَ الدنيا فتشقَّقتْ (^١) بأهلِها، ونزَل مَن فيها من الملائكةِ، فأحاطوا بالأرضِ ومَن عليها، ثم الثانيةَ، ثم الثالثةَ، ثم الرابعةَ، ثم الخامسةَ، ثم السادسةَ، ثم السابعةَ، فصفُّوا صفًّا دونَ صفٍّ، ثم يَنْزِلُ الملِكُ الأعلَى، على (^٢) مُجَنِّبتِه اليسرَى جهنمُ، فإذا رآها أهلُ الأرضِ ندُّوا (^٣)، فلا يَأْتون قُطْرًا من أقطارِ الأرضِ إلا وجَدوا سبعةَ صفوفٍ من الملائكةِ، فيَرْجِعون إلى المكانِ الذي كانوا فيه، فذلك قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢، ٣٣]. وذلك قولُه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٢، ٢٣]. وقولُه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. وذلك قولُه: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ (^٤) [الحاقة: ١٦، ١٧].\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أن تَنْفُذوا من أقطارِ السماواتِ والأرضِ، فانفُذوا هاربين من الموتِ، فإن الموتَ مُدْرِكُكم، ولا يَنْفَعُكم هربُكم منه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾: يعني بذلك أنه لا يُجيرُهم (^٥)\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) بعده في الأصل: \"مجنبى\".\n(^٣) ندوا: تفرقوا. الوسيط (ن د د)\n(^٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٥٤ - زوائد نعيم) - ومن طريقه ابن أبي الدنيا في الأهوال (٢٠٣) - عن جويبر، عن الضحاك، وتقدم في ٢٠/ ٣١٨، ٣١٩.\n(^٥) في الأصل: \"يجزيهم\".","vol":"22","page":218},{"text":"أحدٌ من الموتِ، وأنهم مَيِّتون لا يَسْتَطيعون فرارًا منه، ولا مَحِيصَ (^١)، ولو نفَذوا أقطارَ السماواتِ والأرضِ كانوا في سُلْطانِ اللَّهِ، ولأخذَهم اللَّهُ بالموتِ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إن استَطَعتم أن تَعْلَموا ما في السماواتِ والأرضِ فاعلَموا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. يقولُ: إن استَطَعتم أن تَعْلَموا ما في السماواتِ والأرضِ فاعلَموه، ولن تَعْلَموه إلا بسلطانٍ. يعني البينةَ من اللَّهِ جلَّ ثناؤُه (^٢).\nوقال آخرون: معنى قولِه: ﴿لَا تَنْفُذُونَ﴾: لا تَخْرُجون من سلطاني.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. يقولُ: لا تَخْرُجون من سُلطاني (^٣).\nوأما الأقطارُ فإنها جمعُ قُطْرٍ، وهي الأطرافُ.\nكما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"محيصا\"\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٤٤٨\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٦ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٤ إلى ابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات.","vol":"22","page":219},{"text":"تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: من أطرافِها. وقولُه: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ [الأحزاب: ١٤]. يقولُ: من أطرافِها.\nوأما قولُه: ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في معناه؛ فقال بعضُهم: معناه: إلا ببينةٍ. وقد ذكَرْنا ذلك قبلُ.\nوقال آخرون: معناه: إلا بحجةٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن عكرمةَ ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ \"سلطانٌ\" فهو حجةٌ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثَّني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بِسُلْطَانٍ﴾. قال: بحُجةٍ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إلا بمِلْكٍ وليس لكم مِلكٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوامِ، عن قتادةَ: ﴿فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. قال: لا تَنْفُذُون إلا بملِكٍ وليس لكم مِلكٌ (^٣).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٧/ ٦١٩.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٣٨.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٧٠.","vol":"22","page":220},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. قال: إلا بسلطانٍ من اللَّهِ؛ إلا بمَلَكةٍ (^١) منه (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. يقولُ: إلا بملكةٍ من اللَّهِ.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: إلا بحُجةٍ وبيِّنةٍ. لأن ذلك هو معنى السلطانِ في كلامِ العربِ، وقد يَدْخُلُ الملكُ في ذلك؛ لأن الملكَ حجةٌ.\n\n<span id=\"aya-4935\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما مَعْشَرَ الثَّقَلَين، التي أنعَمتُ عليكم، من التسويةِ بيَن جميعِكم، [بأن جميعَكم] (^٣) لا يَقْدِرون على خلافِ أمرٍ أراده بكم - تُكَذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4936\"></span><span data-type='title' id=toc-8876>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يُرْسَلُ عليكما أَيُّها الثَّقَلانِ يومَ القيامةِ شُواظٌ من نارٍ، وهو لهبُها من حيثُ يَشْتَعِلُ ويَتأَجَّجُ بغيرِ دخانٍ كان فيه، ومنه قولُ رُؤْبةَ بنِ العَجَّاجِ (^٤):\nإن لهم من وَقْعِنا أقياظَا\n_________\n(^١) في ت ١: \"تملكه\"، وفي ت ٢: \"يملك\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) مجاز القرآن ٢/ ٢٤٤، وتفسير القرطبي ١٧/ ١٧١، واللسان (ش وظ).","vol":"22","page":221},{"text":"ونارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظا\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾. يقولُ: لهبُ النارِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾. قال: الشواطُ لهبُ النارِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾. قال: لهبٌ من نارٍ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾. قال: لهبُ النارِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾. قال: الشواظُ اللَّهَبُ المنقطِعُ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٦ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٤ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسير ٢/ ٢٦٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٣٨.\n(^٤) أخرجه هناد في الزهد (٢٧٠) من طريق سفيان به.","vol":"22","page":222},{"text":"﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾. قال: الشواظُ الأخضرُ المنقطِعُ من النارِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾. قال: الشُّواظُ هذا اللهبُ الأخضرُ المنقطِعُ من النارِ (^١).\nقال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ في قولِه: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾، قال: الشواظُ اللهبُ الأخضرُ المنقطعُ من النارِ (^٢).\nقال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الضحاكِ: الشُّواظُ اللَّهبُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾: أي: من لهبٍ من نارٍ.\nوحدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾. قال: الشواظُ اللهبُ، وأما النحاسُ فاللهُ أعلمُ بما أُريد به.\nوقال آخرون: الشُّواظُ هو الدخَانُ الذي يَخْرُجُ من اللهبِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾: هو الدخانُ الذي يَخْرُجُ من اللهبِ، ليس بدخانِ الحطبِ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الحافظ في التغليق ٣/ ٥١٠ من طريق جرير به، وأخرجه عبد بن حميد - كما في التغليق - من طريق منصور به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٤ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤٧٢.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٧١.","vol":"22","page":223},{"text":"واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿شُوَاظٌ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ، غيرَ ابنِ أبي إسحاقَ: ﴿شُوَاظٌ﴾ بضمِّ الشينِ (^١). وقرَأ ذلك ابنُ أبي إسحاقَ وعبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ: (شِوَاظٌ) بكسرِ الشينِ (^٢)، وهما لغتانِ مثلَ \"الصِّوارِ\" من البقرِ، و\"الصُّوارِ\"، بكسرِ الصادِ وضمِّها (^٣). وأعجبُ القراءتين عندي ضمُّ الشينِ؛ لأنها اللغةُ المعروفةُ، وهى مع ذلك قراءةُ القرأةِ من أهلِ الأمصارِ.\nوأما قولُه: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في المعنيِّ به؛ فقال بعضُهم: عُنِي به الدخانُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا موسى بنُ عميرٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَنُحَاسٌ﴾. قال: النحاسُ الدخانُ\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَنُحَاسٌ﴾. يقولُ: دخانُ النارِ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿وَنُحَاسٌ﴾. قال: دخانٌ (^٥).\nوقال آخرون: عُنِي بالنُّحاسِ في هذا الموضِع الصُّفْرُ.\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وعاصم وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وأبي جعفر ويعقوب وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٨٥.\n(^٢) المصدر السابق، وينظر البحر المحيط ٨/ ١٩٥.\n(^٣) الصِّوار والصُّوار: القطيع من البقر. اللسان (ص ور).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٦ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٤ إلى ابن المنذر.\n(^٥) ينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٤٧٢.","vol":"22","page":224},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾. قال: النحاسُ الصُّفْرُ يُعَذَّبونَ به (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ (^٢)، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾. قال: الصُّفْرُ يُذَابُ فيُصبُّ على رءوسِهم (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾. قال: يُذَابُ الصُّفْرُ فيُصَبُّ على رءوسِهم.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، [عن منصورٍ، عن مجاهدٍ] (^٤): ﴿وَنُحَاسٌ﴾. قال: يُذَابُ الصُّفْرُ من فوقِ رأسِه (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَنُحَاسٌ﴾. قال: توعَّدهما بالصُّفْرِ كما تَسْمَعون أن يُعَذِّبَهما به (^٦).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾. قال: يُخَوِّفُهم بالنارِ وبالنحاسِ.\nوأولى القولين في ذلك عندِي بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِي بالنُّحاسِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٤ إلى المصنف.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"مهران عن سفيان\"، وفي ت ٢: \"عن عمران، عن سفيان\".\n(^٣) أخرجه الحافظ في التغليق ٣/ ٥١٠ من طريق جرير به، وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (١٣٠، ٢٤٦) من طريق منصور به.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه هناد في الزهد (٢٧١) من طريق سفيان به.\n(^٦) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٧٢ بمعناه.","vol":"22","page":225},{"text":"الدخانُ. وذلك أنه جلَّ ثناؤُه ذكَر أنه يُرْسَلُ على هذين الجنسين (^١) [شُواظٌ من نارٍ] (^٢)، وهو النارُ المحضةُ التي لا يُخالِطُها دخانٌ.\nوالذي هو أولَى بالكلامِ إذ (^٣) توعَّدهم بنارٍ هذه صفتُها، أن يُتْبِعَ ذلك الوعيدَ (^٤) بما هو خلافُها من نوعِها من العذابِ، دونَ ما هو من غيرِ جنسِها، وذلك هو الدخانُ، والعرب تُسَمِّي الدخانَ نُحاسًا بضمِّ النونِ، ونِحاسًا بكسرِها، والقرأةُ مجمعةٌ على ضمِّها، ومن النُّحاسِ بمعنى الدخانِ قولُ نابغةِ بني جعدةَ (^٥):\nيُضيءُ (^٦) كضَوءِ سِراجِ السَّلِيـ … ــطِ لم يَجْعَل اللهُ فيه نُحاسا\nيعني: دخانًا.\nوقولُه: ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلا تَنْتَصِران أيُّها الجنُّ والإنسُ منه، إذا هو عاقَبكما هذه العقوبةَ، ولا تُسْتَنْقَذانِ منه.\n\n<span id=\"aya-4937\"></span>كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾. قال: يعني الجنَّ والإنسَ. [قال: وقولُه أيضًا: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قال: الجنُّ والإنسُ] (^٧).\n\n<span id=\"aya-4938\"></span>وقولُه: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فإذا انشقَّتِ السماءُ وتفطَّرت، وذلك يومَ القيامةِ، فكان لونُها لونَ البِرْذَونِ الوَرْدِ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحيين\".\n(^٢) في الأصل: \"شواظًا من النار\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أنه\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"الوعد\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذبيان\". والبيت في ديوان النابغة الجعدي ص ٨١.\n(^٦) في م، ت ٢، ت ٣: \"يضوء\".\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":226},{"text":"أحمرَ (^١).\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصلتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾. قال: كالفَرَسِ الوَرْدِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾. يقولُ: تغيَّر لونُها (^٣).\nحدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُّويه (^٤)، قال: ثنا شهابُ بنُ عبادٍ الكوفيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ حميدٍ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾. قال: كلونِ البِرْذَونِ الوَرْدِ، ثم كانت بعدُ كالدِّهانِ (^٥).\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾. يقولُ: تتغيَّرُ السماءُ، فيَصِيرُ\n_________\n= والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٤ عن معمر به.\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأحمر\". والورد من الفرس: ما بين الكميت والأشقر. ينظر حياة الحيوان الكبرى للدميري ٢/ ٤١٤، والوسيط (ور د).\n(^٢) سقط من: الأصل، والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٧٤ عن أبي كدينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٤ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٧٤ عن العوفي به.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"حبويه\"، وتقدم في ٤/ ٧٦، ٨١.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٧٤.","vol":"22","page":227},{"text":"لونُها كلونِ الدابةِ الوَرْدةِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾: هي اليومَ خضراءُ كما تَرَوْنَ، ولونُها يومَ القيامةِ لونٌ آخرُ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾. قال: هي اليومَ خضراءُ، ولونُها يومَئذٍ الحمرةُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾. قال: إنها اليومَ خضراءُ، وسيكونُ لها يومَئذٍ لونٌ آخرُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾: [قال: مُشرِقةً كالدهانِ] (^٣).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿كَالدِّهَانِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه كالدُّهنِ (^٤)؛ صافيةَ الحمرةِ مشرقةً.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في الأصل: \"كالدهان\".","vol":"22","page":228},{"text":"في قولِه: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾. قال: كالدُّهنِ (^١).\nحُدَّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كَالدِّهَانِ﴾. يقولُ: خالصةً (^٢).\nوقال آخرون: عُني بذلك: فكانت وردةً كالأديمِ. وقالوا: الدِّهانُ [واحدٌ، جِماعُه: أَدْهُنٌ ودُهُنٌ. وأما الذين قالوا: الدِّهانُ من الدُّهنِ. فإنهم قالوا: الدِّهان] (^٣) جماعٌ، واحدُها دُهْنٌ.\nوأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِي به الدهنُ في إشراقِ لونِه. لأن ذلك هو المعروفُ في كلامِ العربِ.\n\n<span id=\"aya-4939\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فبأيِّ قدرةِ ربِّكما معشرَ الجنِّ والإنسِ على ما أخبَركم بأنه فاعلٌ بكم - تُكَذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4940\"></span><span data-type='title' id=toc-8877>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فيومَئذٍ لا يَسْأَلُ الملائكةُ المجرِمين عن ذنوبِهم؛ لأن اللهَ تعالى قد حفِظها عليهم، ولا يَسْأَلُ بعضَهم عن ذنوبِ بعضٍ ربُّهم (^٤).\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٣٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٥ إلى المصنف وابن المنذر بلفظ: \"صافية كصفاء الدهن\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) سقط من: الأصل.","vol":"22","page":229},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا أسألُهم عن أعمالِهم، ولا أسألُ بعضَهم عن بعضٍ. وهو مثلُ قولِه: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]. ومثلُ قولِه لمحمدٍ ﷺ: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ (^١) [البقرة: ١١٩].\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾. قال: حفِظ اللهُ عليهم أعمالَهم (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: [﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾. قال: كان مجاهدٌ يقولُ] (^٣): لا تَسْأَلُ الملائكةُ عن المجرمِ؛ يُعْرَفون بسيماهم (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوّامِ، عن قتادةَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾. قال: قد كانت مسألةٌ، ثم خُتِم على ألسنةِ القومِ، فتكلَّمت أيديهم وأرجلُهم بما كانوا يَعْمَلُون (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٥ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٥ عن معمر، عن الحسن قوله.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦٣٨، ومن طريقه البيهقي في الشعب (٢٧٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٧٤، وأبو حيان في البحر المحيط ٨/ ١٩٥.","vol":"22","page":230},{"text":"<span id=\"aya-4941\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نعمِ ربِّكما معشرَ الثَّقلين التي أنعَم عليكم من عدلِه فيكم أنه لم يُعاقِبْ منكم إلا مُجِرمًا - تُكذِّبان (^١)؟\n\n<span id=\"aya-4942\"></span>وقولُه: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تَعرِفُ الملائكةُ المجرمين ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾: بعلاماتِهم وسيماهم التي يُسَوِّمُهم (^٢) اللهُ بها، من اسودادِ الوجوهِ، وازرقاقِ العيونِ.\nكما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: يُعْرَفون باسودادِ الوجوهِ وزَرَقِ الأعينِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: زُرْقُ العيونِ، سودُ الوجوهِ (^٤).\nوقولُه: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فتأخُذُهم الزبانيةُ بنواصِيهم وأقدامِهم، فتَسْحَبُهم إلى جهنمَ وتَقْذِفُهم فيها.\n\n<span id=\"aya-4943\"></span>﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأَيِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الجنِّ والإنسِ التي أنعَم عليكم بها؛ من تعريفِه ملائكتَه أهلَ الإجرامِ من أهلِ الطاعةِ منكم حتى خَصُّوا بالإذلالِ والإهانةِ المجرمين دونَ غيرِهم - تكذِّبان (١)؟\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في الأصل: \"سواهم\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٥ عن معمر به.\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤٧٥، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٧٤.","vol":"22","page":231},{"text":"<span id=\"aya-4944\"></span><span data-type='title' id=toc-8878>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يُقالُ لهؤلاء المجرِمين الذين أخبَر جلَّ ثناؤُه أنهم يُعْرَفون يومَ القيامةِ بسِيماهم، حينَ يُؤْخَذُ بالنواصي منهم (^١) والأقدامِ: هذه جهنمُ التي يُكَذِّبُ بها المجرِمون. فتَرَك ذكرَ \"يُقالُ\"؛ اكتفاءً بدلالةِ الكلامِ عليه منه.\nوذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (هذه جهنمُ التي كنتما بها (^٢) تُكذِّبان، تَصْليانها (^٣) لا تَموتان فيها ولا تحييان) (^٤).\n\n<span id=\"aya-4945\"></span>وقولُه: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يطوفُ هؤلاء المجرِمون الذين وصَف صفتَهم في جهنمَ بينَ أطباقِها، ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. يقولُ: وبينَ ماءٍ قد [سَخَن وغَلى] (^٥)، حتى انتَهى حرُّه، وأَنَى طبخُه. وكلُّ شيءٍ أَدْرَك وبلَغ فقد أنَى، ومنه قولُه: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. يعني: إدراكَه وبلوغَه، كما قال نابغةُ بني ذُبيانَ (^٦):\nوتُخْضَبُ لحيةٌ غدَرتْ وخانَتْ … بأحمرَ من نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ\nيعني: مُدْرِكٍ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في الأصل: \"بهما\".\n(^٣) بعده في الأصل: \"فيها\".\n(^٤) معاني القرآن للفراء ٣/ ١١٧، ومختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٥٠.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أسخن وأغلى\".\n(^٦) ديوانه ص ١٤٩.","vol":"22","page":232},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. يقولُ: انتَهى حرُّه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. يقولُ: غلَى حتى انتَهى غَلْيُه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. قال: قد بلَغ أَناه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: الآنِي الذي قد انتَهى حرُّه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا شبيبُ بنُ (^٥) بشرٍ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. قال: الآنِي ما اشتدَّ غليانُه ونضجُه (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ١: \"حره\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٣٨، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٦٥ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٥ إلى المصنف وعبد بن حميد، بلفظ: \"النحاس انتهى حره\".\n(^٥) في م: \"عن\". ينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٣٥٩.\n(^٦) ذكره ابن رجب في التخويف من النار ص ١١٠ عن شبيب به.","vol":"22","page":233},{"text":"حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾. قال: هو الذي انتَهى غَلْيُه (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. قال: أَنَى طبخُها منذُ يومِ خلَق اللهُ السماواتِ والأرضَ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. يقولُ: حميمٌ قد أَنَى طبخُه مُذْ خلَق اللهُ السماواتِ والأرضَ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾: قد أَنَى منتَهى حرِّه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾. قال: قد انتَهى حرُّه (١).\nوقال بعضُهم: عُنِي بالآني الحاضرُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. قال: يَطوفون بينَها وبينَ حميمٍ حاضرٍ. الآنِي: الحاضرُ (١).\n\n<span id=\"aya-4946\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الجنِّ\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٤٧٥.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسير ٢/ ٢٦٥ عن معمر به.","vol":"22","page":234},{"text":"والإنسِ التي أنعَمها عليكم بعقوبتِه أهلَ الكفرِ به، وتكريمِه أهلَ الإيمانِ به - تُكذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4947\"></span><span data-type='title' id=toc-8879>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ولمن اتَّقى اللَّهَ من عبادِه، فخاف مقامَه بينَ يديه، فأطاعه بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه - ﴿جَنَّتَانِ﴾. يعني بُستانَينِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اختلَفت ألفاظُهم في البيانِ عن تأويلِه، غيرَ أن معنَى جميعِهم يئُول (^١) إلى هذا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: وعَد اللَّهُ المؤمنين الذين خافوا مقامَه فأدَّوا فرائضَه، الجنةَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. يقولُ: خاف ثم اتقَى. والخائفُ مَن ركِب طاعةَ اللَّهِ وترَك معصيتَه (^٣).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ في قولِه:\n_________\n(^١) في م: \"يقول\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٦ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه البيهقي في البعث (٣٠٧) من طريق محمد بن سعد به مطولًا.","vol":"22","page":235},{"text":"﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: هو الرجلُ يَهُمُّ بالذنبِ، فيَذْكُرُ مقامَ ربِّه فيَنْزِعُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: الرجلُ يَهُمُّ بالذنبِ، فيَذْكُرُ مَقامَه بينَ يدي اللَّهِ فَيَتْرُكُه، فله جنتان.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: الرجلُ يَهُمُّ بالمعصيةِ فيذكرُ اللَّهَ ﷿ فيَدَعُها (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: في الذي إذا همَّ بمعصيةٍ ترَكها (^٣).\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا إسحاقُ، [عن سفيانَ، عن] (^٤) منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: هو الرجلُ يَهُمُّ بمعصيةِ اللَّهِ تعالى، ثم يَتْرُكُها مخافةَ اللَّهِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: يُذْنِبُ الذنبَ، فيَذْكُرُ مقامَ ربِّه فيَدَعُه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه هناد في الزهد (٩٠٠) من طريق الأعمش به.\n(^٢) أخرجه الطحاوي في المشكل ١٠/ ١٦٠ عقب ح (٣٩٩٣)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٨١ من طريق جرير به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٧٠، وهناد في الزهد (٨٩٩) من طريق منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٦ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في التوبة وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٣١ عن سفيان به -.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بن\".","vol":"22","page":236},{"text":"منصورٍ، عن إبراهيمَ في هذه الآيةِ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: إذا أراد أن يُذْنِبَ أمسَك مَخافةَ اللَّهِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: إنَّ المؤمنين خافوا ذاكم المقامَ، فعمِلوا له ودانُوا له وتعبَّدوا بالليلِ والنهارِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ في قولِه ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: إِنَّ للَّهِ مَقامًا قد خافَه (^٢) المؤمنون.\nحدَّثني محمدُ بنُ موسى الحَرَشِيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الحارثِ القرشيُّ، قال: ثنا شعبةُ بنُ الحجاجِ، قال: ثنا سعيدٌ الجريريُّ، عن محمدِ بنِ سعدٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \" ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ \". قلتُ: وإن زنَى وإن سرَق؟ قال: \"وإن زنَى وإن سرَق، وإن رغِم أنفُ أبي الدرداءِ\" (^٣).\nوحدَّثنا زكريا بنُ يحيى بنِ أبانٍ المصريُّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن محمدِ بنِ أبي حرملةَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، قال: أخبَرني أبو الدرداءِ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قرَأ يومًا هذه الآيةَ: \" ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ \". فقلتُ: وإن زنَى وإن سرق يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: \" ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ \". قال: فقلتُ: وإن زنَى وإن سرَق؟ قال: \" ﴿وَلِمَنْ خَافَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٦ إلى المصنف.\n(^٢) في الأصل: \"خافته\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في تفسيره، وأحمد بن منيع، وأبو يعلى - كما في المطالب (٤١٣٠، ٤١٣١) - والبخاري في التاريخ الكبير ٤/ ٢٩٦ من طريق الجريري به، والنسائي في الكبرى (١١٥٦١)، وابن خزيمة في التوحيد ص ٢٢٣ من طريق محمد بن سعد به.","vol":"22","page":237},{"text":"مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ \". قلتُ: وإن زنَى وإن سرَق؟ قال: \"وإن (^١)، رغِم أنفُ أبي الدرداءِ\" (^٢).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ، عن أبي بكر بنِ (^٣) أبي موسى، عن أبيه، قال حمادٌ: لا أعلمُه إلا رفَعه في قولِه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: \"جنتان من ذهَبٍ للمقرَّبين - أو قال: للسابقين - وجنتان من ورِقٍ لأصحابِ اليمينِ\" (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا معتمِرٌ، عن أبيه، قال: ثنا سيارٌ (^٥) أنه قال: قيل لأبي الدرداء في هذه الآيةِ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. فقيل: وإن زنَى وإن سرَق؟ فقال: وإن زنَى وإن سرَق. وقال: إنه إن خاف مقامَ ربِّه لم يَزْنِ ولم يَسْرِقْ (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن ابنِ (^٧) المباركِ، عن سعيدٍ الجُرَيْرِيِّ، عن رجلٍ، عن أبي الدرداءِ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. فقال أبو الدرداءِ: وإن زنَى وإن سرَق؟ قال: نعَمْ، وإن رغِم أنفُ أبي الدرداءِ.\n_________\n(^١) بعده في ص، م: \"زنى وإن سرق\".\n(^٢) أخرجه ابن مردويه - كما في التغليق ٥/ ١٦٧ - والبيهقي في البعث (٣٠) من طريق سعيد بن أبي مريم به، وأخرجه أحمد ١٤/ ٣١١ (٨٦٨٣)، والنسائي في الكبرى (١١٥٦٠)، والطحاوي في شرح المشكل (٣٩٩٣)، والبغوي في تفسيره ٧/ ٤٥١، ٤٥٢ من طريق محمد بن أبي حرملة به، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٤/ ٢٩٧، وابن أبي حاتم، والطبراني - كما في الفتح ١١/ ٢٦٧ - من طريق عطاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٦ إلى الحكيم في نوادر الأصول وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"عن\". وينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ١٤٤.\n(^٤) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٢٤٢) من طريق مؤمل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٦ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٥) في الأصل: \"سنان\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٦.\n(^٦) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٩٢٤)، وابن حبان في الثقات ٤/ ٣٣٥ من طريق معتمر به، وأخرجه البزار - كما في الدر المنثور ٦/ ٤٦، ومن طريقه ابن في التمهيد ٩/ ٢٤١، ٢٤٢ - من طريق زيد بن وهب، عن أبي الدرداء، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٦ إلى ابن المنذر.\n(^٧) سقط من: الأصل، ت ٢.","vol":"22","page":238},{"text":"حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ الصلتِ، عن عمرِو بنِ ثابتٍ، عمن ذكَره، عن أبي وائلٍ، عن ابنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: وإن زنَى وإن سرَق.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: جنَّتا السابقين. فقرَأ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٥٨]. ثم رجَع إلى أصحابِ اليمينِ، فقال: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢]. فذكَر فضلَهما وما فيهما.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: مقامَه حينَ يقومُ له العبادُ يومَ القيامةِ. وقرَأ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]. وقال: ذاك مقامُ ربِّك.\n\n<span id=\"aya-4948\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما أيُّها الثقلانِ، التي أنعَم عليكم بإثابتِه المحسنَ منكم، ما وصَف جل ثناؤُه في هذه الآياتِ - تُكَذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4949\"></span>وقولُه: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾. يقولُ: ذواتا ألوانٍ. واحدُها فَنٌّ، وهو من قولِهم: افتنَّ فلانٌ في حديثِه. إذا أخَذ في فنونٍ منه وضروبٍ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني الحسينُ بنُ يزيدَ الطحانُ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ (^١)، عن عطاءِ\n_________\n(^١) في الأصل: \"حارث\". وتقدم في ٢/ ٨٤، ٨٦، ٨٨.","vol":"22","page":239},{"text":"ابنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾. قال: ذواتا ألوانٍ (^١).\nحدَّثنا الفضلُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو قُتيبةَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ النعمانِ، عن عكرِمةَ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾. قال: ظلِّ الأغصانِ على الحيطانِ. قال: وقال الشاعرُ (^٢):\nما هاج شوقَك من هديلِ (^٣) حمامةٍ … تَدْعو على فَننِ الغُصونِ حمامًا\nتَدْعو أبَا فَرْخين صادَف ضارِيًا … ذا مِخْلَبَينِ من الصُّقورِ قَطاما (^٤)\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾. قال: ألوانٍ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ: قال: ثنا مهرانُ، عن أبي سنانٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾. قال: ذواتا ألوانٍ.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أنبأنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾. يقولُ: ألوانٍ من الفواكهِ (^٥).\nوقال آخرون: ذواتا أغصانٍ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٤٧٧ - من طريق عبد السلام بن حرب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٧ إلى ابن المنذر.\n(^٢) هو ثابت بن كعب الملقب بقطنة، والبيتان مع ثالث في الأغاني ١٤/ ٢٦٢، والبيت الأول في اللسان (هـ د ل).\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٣: \"هدير\"، وفي الأغاني: \"بكاء\". والهديل: صوت الحمام. اللسان (هـ د ل).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٤٧٧ - من طريق أبي قتيبة به، عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي بكر بن حبان في الفنون وابن الأنباري في الوقف والابتداء.\n(^٥) في م: \"الفاكهة\".\nوالأثر أخرجه هناد في الزهد (٤٣) من طريق أبي سنان، عن الضحاك.","vol":"22","page":240},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن رجلٍ من أهلِ البصرةِ، عن مجاهدٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفَنَانٍ﴾. قال: ذواتا أغصانٍ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: ذواتا أطرافِ أغصانِ الشجرِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾. يقولُ: تتماشى (^٢) أطرافُ شجرِها، يعني: يَميسُ (^٣) بعضُها بعضًا كالمعروشاتِ، ويُقالُ: ذواتُ فضولٍ (^٤) عن كلِّ شيءٍ (^٥).\nوقال آخرون: بل عُنِي بذلك فضلُهما وسعتُهما على ما سِواهما.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾: يعني فضلَهما وسعتَهما على ما سِواهما.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾. قال: ذواتا فضلٍ على ما سِواهما (^٦).\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في التغليق ٣/ ٥٠٥ عن المصنف.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيما بين\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يمس\". وماس يميس ميسًا وميسانا: تبختر واختال، وغصن مياس: مائل. اللسان (م ي س).\n(^٤) في ت ٢، ت ٣، ومصدر التخريج: \"فصول\".\n(^٥) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٣٠٧) من طريق محمد بن سعد به مطولًا.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":241},{"text":"<span id=\"aya-4950\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نعمِ ربِّكما معشرَ الثقلينِ التي أنعَم عليكما بإثابتِه هذا الثوابَ أهلَ طاعتِه - تُكذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4951\"></span><span data-type='title' id=toc-8880>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: في هاتين الجنتين عينا ماءٍ تَجْريان خلالَهما،\n\n<span id=\"aya-4952\"></span>فبأيِّ آلاءِ ربِّكما تُكذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4953\"></span>وقولُه: ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فيهما من كلِّ نوعٍ من الفاكهةِ ضَرْبان.\n\n<span id=\"aya-4954\"></span>فبأيِّ آلاءِ ربِّكما التي أنعَم بها على أهلِ طاعتِه من ذلك - تُكذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4955\"></span><span data-type='title' id=toc-8881>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ولمَن خاف مقامَ ربِّه جَنَّتان يَتَنَعَّمون فيهما، متكِئين على فُرُشٍ. بنصبِ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ على الحالِ من معنى الكلامِ الذي قبلَه - لأَن الذي قبلَه بمعنى الخبرِ عمَّن خاف مَقامَ ربِّه أنه في نَعْمةٍ وسرورٍ يَتَنعَّمون في الجنتين.\nوقولُه: ﴿عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: بطائنُ هذه الفُرْشِ من غليظِ الديباجِ. والإستبرقُ عندَ العربِ ما غلُظ من الديباجِ وخشُن (^١).\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ (^٢) يقولُ: يُسَمَّى المتاعُ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حسن\".\n(^٢) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٢٤٥.","vol":"22","page":242},{"text":"الصِّينيُّ (^١) الذي ليس في صفاقةِ (^٢) الديباجِ ولا خِفَّةِ الفِرِنْدِ (^٣)، إستبرقًا.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي إسحاقَ، قال: قال لي سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ: ما الإستبرقُ؟ قال: قلت: ما غلُظ من الديباجِ وخشُن منه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، [عن ابنِ] (^٤) أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿إِسْتَبْرَقٍ﴾. قال: الديباجِ الغليظِ (^٥).\nوحدَّثنا إسحاقُ بنُ زيدٍ الخطابيُّ، قال: ثنا الفِرْيابيُّ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن هُبيرةَ بنِ يَرِيمَ (^٦)، عن ابنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾. قال: قد أُخْبِرْتُم بالبطائنِ، فكيف لو أُخْبِرْتُم بالظواهرِ؟! (^٧)\nحدَّثنا الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ اليمانِ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أي كثافة. ينظر الوسيط (ص ف ق).\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"العرقة\". والفرند: نوع من الحرير. ينظر المعرب للجواليقي ص ٢٩١، والتاج (فرند).\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بن\".\n(^٥) أخرجه الحسين المروزي في زوائده على الزهد لابن المبارك (١٥٣٤)، وابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٧ عن يحيى به.\n(^٦) في ص، ت ١: \"بريم\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"مريم\".\n(^٧) أخرجه الفريابي - كما في الدر المنثور ٦/ ١٤٧ - ومن طريقه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٥٨)، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٧٥، والبيهقي في البعث والنشور (٣٣٩) من طريق سفيان الثوري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"22","page":243},{"text":"هُبَيرةَ، قال: هذه البطائنُ، فما ظنُّكم بالظواهرِ؟!\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، عن يعقوب، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: قيل: هذه البطائنُ من إستبرقٍ، فما الظواهرُ؟ قال: هذا مما قال اللَّهُ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (^١) [السجدة: ١٧].\nوقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ (^٢) أن البطانةَ قد تكونُ ظِهارةً، والظِّهارةُ تكونُ بطانةً، وذلك أن كلَّ واحدٍ منهما قد يكونُ وجهًا. قال: وقد تقولُ العربُ: هذا ظهرُ السماءِ، وهذا بطنُ السماءِ؛ لظاهرِها الذي نراه.\nوقولُه: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾. يقولُ: وثمرُ الجنتَيْنِ [التي تُجنى] (^٣) قريبٌ منهم؛ لأنهم لا يَتْعَبون بصعودِ نخلِها وشجرِها لاجتناءِ ثمرِها، ولكنهم يَجْتَنونها من قُعودٍ بغيرِ عناءٍ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾: ثمارُها دانيةٌ، لا يَرُدُّ أيديَهم عنه بُعْدٌ ولا شَوكٌ (^٤). ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال: \"والذي نفسي بيدِه، لا يَقْطَعُ رجلٌ ثمرةً من الجنةِ، فتَصِلَ إلى فيه، حتى يُبَدِّلَ اللَّهُ مكانَها خيرًا منها\" (^٥).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾. قال: لا يَرُدُّ يدَه بُعدٌ ولا شَوْكٌ (^٦).\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٤٥٣، والقرطبي في تفسيره ١٧/ ١٧٩.\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ١١٨.\n(^٣) في م، ت ١: \"الذي يجتنى\".\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣: \"شرك\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٥ عن معمر به.","vol":"22","page":244},{"text":"حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾. قال: ثمارُها دانيةٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-4956\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ آلاءِ ربِّكما معشرَ الثَّقَلين، التي أنعَم عليكما مِن أن أثاب أهلَ طاعتِه منكم هذا الثوابَ، وأكرَمهم (^٢) هذه الكرامةَ - تُكَذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4957\"></span><span data-type='title' id=toc-8882>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: في هذه الفُرُشِ التي بطائنُها من إستبرقٍ ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾؛ وهنَّ النساء اللاتي قد قُصِر طرفُهن على أزواجِهن، فلا يَنْظُرْنَ إلى غيرِهم من الرجالِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أبي، [وحدَّثنا محمدُ بنُ عمارةَ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللَّهِ، جميعًا عن إسرائيلَ] (^٣)، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾. قال: قُصِر طرفُهن عن الرجالِ، فلا يَنْظُرْنَ إلا إلى أزواجِهن (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٧ - والبيهقي في البعث (٣٠٨) من طريق أبي صالح به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٧ مطولًا إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في الأصل: \"أكرمه\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه هناد في الزهد (١٧)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٢٩)، والبيهقي في البعث والنشور (٣٨٨) من طريق منصور عن مجاهد بنحوه. وأخرجه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٣٤ - من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٧ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد.","vol":"22","page":245},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ الآية. يقولُ: قُصِر طرفُهن على أزواجِهن، فلا يُرِدْنَ غيرَهم (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾. قال: لا يَنْظُرْنَ إلَّا إلى أزواجِهنَّ، تقولُ: وعزةِ ربي وجلالِه وجمالِه إن أَرى في الجنةِ شيئًا أحسَن منك، فالحمدُ للَّهِ الذي جعَلك زوجِي، وجعَلني زوجَك (^٢).\nوقولُه: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾. يقولُ: لم يَمَسَّهن إنسٌ (^٣) قبلَ هؤلاء الذين وصَف جلَّ ثناؤُه صفتَهم - وهم الذين قال فيهم: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ - ولا جانٌّ. يُقالُ منه: ما طمَث هذا البعيرَ حبلٌ قطُّ، أي: ما [مسَّه حبلٌ] (^٤).\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من الكوفيِّين (^٥) يقولُ: الطمثُ هو النكاحُ بالتَّدْمِيةِ. ويقولُ: الطَّمثُ هو الدمُ. ويقولُ: يقالُ: طمَثها، إذا دمَّاها بالنكاحِ.\nوإنما عنَى في هذا الموضعِ بذلك أنه لم يُجامِعْهن إنسٌ قبلَهم ولا جانٌّ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٣٩٢) من طريق سعيد به، وعزاه ابن القيم في حادي الأرواح ص ١٦٩ إلى سعيد بن منصور في تفسيره، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٤٥٣، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٧٩.\n(^٣) بعده في الأصل: \"قبلهم ولا جان\".\n(^٤) في ص، ت ٢، ت ٣: \"مشطه حبل قط\".\n(^٥) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ١١٩، وينظر تهذيب اللغة ١٣/ ٣١٦.","vol":"22","page":246},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾. يقولُ: لم يُدْمِهِنَّ (^١) إِنسٌ ولا جانٌّ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن رجلٍ، عن عليٍّ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾. قال: [مذ خُلِقن] (^٣).\nحدَّثنا الحسينُ بنُ يزيدَ الطحانُ، قال: ثنا أبو معاويةَ الضريرُ، عن مغيرةَ بنِ مسلمٍ، عن عكرِمةَ، قال: لا تَقُلِ المرأةُ: إني طامثٌ؛ فإنَّ الطَّمْثَ هو الجماعُ، وإنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه يقولُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ (^٤).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾. قال: لم يَمَسَّهن شيءٌ؛ إنسٌ ولا غيرُه (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَمْ يُطمِثْهُنَّ﴾. قال: لم يَمَسَّهن (^٦).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلِيُّ (^٧)، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن عاصمٍ،\n_________\n(^١) في ت ١: \"يدميهن\"، وفي ت ٢: \"يدمنهن\"، وفي الإتقان: \"يدني منهن\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٧ - والبيهقي في البعث والنشور (٣٧٧) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٧ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منذ خلقهن\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤٧٩.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٧) في الأصل: \"الأيلي\".","vol":"22","page":247},{"text":"قال: قلتُ لأبي العاليةِ: امرأةٌ طامثٌ. قال: ما طامثٌ؟ فقال رجلٌ: حائضٌ. فقال أبو العاليةِ: حائضٌ (^١)؟! أليس يقولُ اللَّهُ ﷿: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾؟\nفإن قال قائلٌ: وهل يُجامِعُ النساءَ الجنُّ فيقالَ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾؟\nفإن مجاهدًا رُوِي عنه ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَعْلَى الأسلميُّ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، عن مجاهدٍ، قال: إذا جامَع الرجلُ ولم يُسَمِّ، انطوَى الجانُّ على إحليله فجامَع معه، فذلك قولُه: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ (^٢).\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ يَنْتَزِعُ بهذه الآيةِ في أن الجنَّ يَدْخُلون (^٣) الجنةَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني أبو حُمَيدٍ أحمدُ بنُ المغيرةِ الحمصيُّ، قال: ثنى أبو حيوةَ شريحُ بنُ يزيدَ الحضرميُّ، قال: ثنى أرطاةُ بنُ المنذرِ، قال: سألتُ ضَمْرةَ (^٤) بنَ حبيبٍ: هل للجنِّ من ثوابٍ؟ قال: نعم. ثم نزَع بهذه الآيةِ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾. فالإنسياتُ (^٥) للإنسِ، والجنِّياتُ للجنِّ (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ت ٣.\n(^٢) ذكره ابن القيم في حادي الأرواح ص ١٧٠، والحافظ في الفتح ٩/ ٢٢٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٨ إلى الحكيم الترمذي في نوادر الأصول.\n(^٣) بعده في ت ١: \"قبلهم\".\n(^٤) في ت ٢، ت ٣: \"حمزة\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فالإنسان\".\n(^٦) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١١٦٢) من طريق أرطاة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٨ إلى ابن المنذر.","vol":"22","page":248},{"text":"<span id=\"aya-4958\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ آلاءِ ربِّكما معشرَ الجنِّ والإنسِ، من هذه النعمِ التي أنعَمها على أهلِ طاعتِه - تُكذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4959\"></span><span data-type='title' id=toc-8883>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: كأن هؤلاء القاصراتِ الطرفِ اللواتي هنَّ في هاتيْنِ الجنتَيْن في صفائِهنَّ الياقوتُ الذي يُرَى السلكُ الذي فيه من ورائِه، فكذلك يُرَى مخُّ سوقِهن من وراءِ أجسامِهن - وفي حُسنِهن (^١) المرجانُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاء الأثرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، وقال به أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك والأثرِ الذي رُوِي عن رسولِ اللَّهِ ﷺ\nحدَّثني محمدُ بنُ حاتمٍ المُؤدِّبُ، قال: ثنا عَبِيدةُ بنُ (^٢) حُمَيدٍ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"إن المرأةَ من أهلِ الجنةِ ليُرَى بياضُ ساقِها من وراءِ سبعينَ حلةً من حريرٍ، ومخُّها، وذلك أن اللَّهَ يقولُ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾. فأما الياقوتُ فإنَّك لو أدخَلْتَ فيه سِلْكًا ثم استَصْفَيْتَه لرأيتَه من ورائِه\" (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الياقوت و\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\". ينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٢٥٦.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٤٧٩ - من طريق محمد بن حاتم به، وأخرجه هناد في الزهد (١١)، والترمذي (٢٥٣٣)، وابن حبان (٧٣٩٦) وأبو الشيخ في العظمة (٥٨٦)، من طريق عبيدة بن حميد به.","vol":"22","page":249},{"text":"عمرِو بنِ ميمونٍ، قال: قال ابنُ مسعودٍ: إن المرأةَ من نساءِ أهلِ الجنةِ لتَلْبَسُ سبعين حلةً من حريرٍ، يُرَى بياضُ ساقِها وحسنُ ساقِها من ورائِها، ذلكم بأن اللَّهَ يقولُ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾. ألَا وإنما الياقوتُ حجرٌ، فلو جعَلت فيه سلكًا ثم استَصْفَيْته لنظَرتَ إلى السلكِ من وراءِ الحجرِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾. [قال: صفاءُ الياقوتِ] (^٢) في بياضِ المرجانِ (^٣).\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ، قال: ثنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن عمرِو بن ميمونٍ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّهِ أن المرأةَ (^٤) من أهلِ الجنةِ لتلْبَسُ سبعين حلةً من حريرٍ، فيُرَى بياضُ ساقِها وحسنُه، ومخُّ ساقِها من وراءِ ذلك، وذلك لأن اللَّهَ قال: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾. ألَا ترَى أن الياقوتَ حجرٌ، فإذا أدخَلت فيه سلكًا، رأيتَ السلكَ من وراءِ الحجرِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، قال: إن المرأةَ من الحورِ العينِ لتَلْبَسُ سبعين حلةً، فيُرَى مخُّ ساقِها كما يُرَى الشرابُ الأحمرُ في الزجاجةِ البيضاءِ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٣/ ١٠٧، وهناد في الزهد (١٠)، والترمذي (٢٥٣٤) من طريق عطاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في الأصل: \"امرأة\".\n(^٥) أخرجه هناد في الزهد (١٢) من طريق أبي إسحاق به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٦٠ - زيادات نعيم)، وعبد الرزاق في مصنفه (٢٠٨٦٧)، والطبراني (٨٨٦٤) من طريق أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود قوله.","vol":"22","page":250},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا المطلبُ بنُ زيادٍ، عن السديِّ في قولِه: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾. قال: صفاءُ الياقوتِ وحسنُ المرجانِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾. قال: صفاءُ الياقوتِ في بياضِ المرجانِ. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال: \"مَن دخَل الجنةَ فله فيها زوجتان، يُرَى مخُّ سُوقِهما من وراءِ ثيابِهما\".\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾. [قال: شبَّه بهن صفاءَ الياقوتِ في بياضِ المرجان.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾] (^٢): في صفاءِ الياقوتِ وبياضِ اللؤلؤِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَأَنَهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالمَرْجَانُ﴾. قال: كأنهن الياقوتُ في الصفاءِ، والمرجانُ في [البياضِ؛ الصفاءُ صفاءُ الياقوتةِ، والبياضُ] (^٤) بياضُ اللؤلؤِ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾. قال: في صفاءِ الياقوتِ وبياضِ المرجانِ.\n\n<span id=\"aya-4960\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: فبأيِّ نعمِ ربِّكما\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٤٠٨) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن السدي وأبي صالح.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٣.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المرجان\".\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٧٩.","vol":"22","page":251},{"text":"التي أنعَم عليكم معشرَ الثَّقلينِ؛ من إثابتِه أهلَ طاعتِه منكم بما وصَف في هذه الآياتِ - تُكَذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4961\"></span>وقولُه: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هل ثوابُ خوفِ مقامِ اللَّهِ لمن خافه، فأحسَن في الدنيا عملَه وأطَاع ربَّه، إلا أن يُحْسِنَ إليه في الآخرةِ ربُّه؛ بأن يُجازِيَه على إحسانِه ذلك في الدنيا ما وصَف في هذه الآياتِ من قولِه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]. إلى قولِه: ﴿كَأَنهنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اختلَفت ألفاظُهم بالعبارةِ عنه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾. قال: عمِلوا خيرًا فجُوزوا (^١) خيرًا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو (^٣)، قال: ثنا عبيدةُ بنُ بكارٍ الأزديُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ جابرٍ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ المنكدرِ يقولُ في قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾. قال: هل جزاءُ مَن أنعمتُ عليه بالإسلامِ إلا الجنةُ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾. قال: ألا تراه ذكَرهم وذكَر منازلَهم وأزواجَهم والأنهارَ التي أعدَّها لهم، ثم قال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"فجزوا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٩ إلى المصنف.\n(^٣) بعده في الأصل: \"بن علي\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله (١٤٨) من طريق محمد بن عمرو به.","vol":"22","page":252},{"text":"الْإِحْسَانُ﴾: حينَ أحسَنوا في هذه الدنيا، أحسَنَّا إليهم؛ أدخَلْناهم الجنةَ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن سالمِ بنِ أبي حفصةَ، عن أبي يَعْلَى، عن محمدِ ابنِ الحنفيةِ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾. قال: هي مُسْجَلةٌ (^١) للبَرِّ والفاجرِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4962\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الثقلينِ التي أنعَم عليكم؛ من إثابتِه المحسنَ منكم بإحسانِه - تُكَذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4963\"></span><span data-type='title' id=toc-8884>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ومن دونِ هاتين الجنتَينِ اللتين وصَف جلَّ ثناؤُه صفتَهما؛ اللتين ذكَر أنهما لمن خاف مقامَ ربِّه - جنتان (^٣).\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا﴾. في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ومن دونِهما في الدَّرَجِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ منصورٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا\n_________\n(^١) أي: هي مرسلة مطلقة في الإحسان إلى كل أحد، برًّا كان أو فاجرًا، والمُسْجَل: المال المبذول. النهاية ٢/ ٣٤٤.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٣٠)، والبيهقي في الشعب (٩١٥٣) من طريق سفيان به، وأخرجه البيهقي في الشعب (٩١٥٢) من طريق سالم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٩ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: الأصل.","vol":"22","page":253},{"text":"عمرُو بنُ أبي قيسٍ، عن ابنِ أبي ليلى، عن المنهالِ بنِ عمرِو، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]. قال: كان عرشُ اللَّهِ على الماءِ، ثم اتَّخَذ لنفسِه جنةً، ثم اتَّخَذ دونَها أُخْرَى، ثم أطبَقهما بلؤلؤةٍ واحدةٍ، قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾. قال: وهي التي لا تُعْلَمُ. أو قال: وهما التي ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. قال: وهي التي لا تَعْلَمُ الخلائقُ ما فيها - أو ما فيهما - يَأْتِيهم كلَّ يومٍ منها - أو منهما - تحفَةٌ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن عنبسةَ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ بنحوِه (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: من (^٣) دونِهما في الفضلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾: هما أدنى (^٤) من هاتين، لأصحابِ اليمينِ.\n\n<span id=\"aya-4964\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما التي أنعَمَ عليكم؛ بإثابتِه أهلَ الإحسانِ ما وصَف من هاتينِ الجنتينِ - تُكَذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4965\"></span>وقولُه: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مُسْوَدَّتان من شدةِ خُضْرَتِهما.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٢/ ٣٣٣.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٨/ ٦٢٠.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ومن\".\n(^٤) في الأصل: \"إذا\".","vol":"22","page":254},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾. يقولُ: خَضْرَاوان (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾. قال: خَضْرَاوان من الرِّيِّ. ويُقالُ: ملتَفَّتان (^٢).\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن جاريةَ (^٣) بنِ سليمانَ (^٤) المُسْليِّ (^٥)، قال: سمعتُ ابنَ الزبيرِ وهو يُفَسِّرُ هذه الآيةَ على المنبرِ، ويقولُ: هل تَدْرون ما: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾؟ خَضْرَاوان من الرِّيِّ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن حارثةَ (^٦) بنِ سليمانَ - هكذا قال -: قال ابنُ الزبيرِ:\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٣٠٨) من طريق أبي صالح به.\n(^٢) أخرجه البيهقي البعث والنشور (٣٠٧) من طريق محمد بن سعد به مطولًا، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٥٣١) من طريق عطية العوفي به.\n(^٣) في النسخ، ومصنف ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣١: \"حارثة\". والمثبت من التاريخ الكبير ٢/ ٢٣٨، والزهد لهناد (٤١)، والجرح والتعديل ٢/ ٥٢٠.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، والزهد: \"سليم\". وذكر البخاري في الموضع السابق أن الذي قال: سليم. إنما هو وكيع. وقال البخاري: وقال عبدة: سليمان، عن جارية.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"السلمي\". وينظر الأنساب ٥/ ٢٩٧.\n(^٦) أثبتناه في هذا الموضع هكذا؛ لقول المصنف في هذا الإسناد: هكذا قال.","vol":"22","page":255},{"text":"﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾: خَضْرَاوان من الرِّيِّ.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن جاريةَ (^١) بنِ سليمانَ، أن ابنَ الزبيرِ قال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾. قال: هما خَضْرَاوان من الرِّيِّ (^٢).\nحدَّثنا الفضلُ بنُ الصباحِ، قال: ثنا ابنُ فضيلٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾. قال: خَضْرَاوان (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾. قال: خَضْرَاوان من الرِّيِّ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾. قال: خَضْرَاوان من الرِّيِّ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن عنبسةَ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾. قال: علاهما [من الرِّيِّ] (^٦) السوادُ والخضرةُ.\n_________\n(^١) في النسخ: \"حارثة\"، وينظر التعليق عليه في الصفحة السابقة.\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٢/ ٢٨٣ من طريق مروان به، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٣/ ١٣١، وهناد في الزهد (٤١)، والبخاري في الموضع السابق عن وكيع - زاد ابن أبي شيبة: وعبدة -، عن إسماعيل به، وعند هناد والبخاري: جارية بن سليم، وعند ابن أبي شيبة: حارثة بن سليمان. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٩ إلى الفريابي وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣١، وهناد في الزهد (٤٢)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٤٨٢ - من طريق ابن فضيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٩ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٢ عن عبد الله بن إدريس به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٩ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، \"الري من\".","vol":"22","page":256},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾. قال: خَضْرَاوان (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾. قال: مُسْودَّتان (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾. يقولُ: خَضْرَاوان من الرِّيِّ ناعمتان (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾. قال: خضراوان من الرَّيِّ، إذا اشْتدَّت الخضرةُ ضرَبت إلى السوادِ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾. قال: ناعمتان.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي (^٥) سنانٍ: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾. قال: مُسْوَدَّتان من الرِّيِّ (^٦).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِمَنْ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٣٩ - ومن طريقه البيهقي في البعث (٣١٠) - من طريق عطاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٤٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٣٩ بنحوه، ومن طريقه الفريابي، وعبد بن حميد - كما في التغليق ٣/ ٥٠٥، ٤/ ٣٣١ - والبيهقي في البعث والنشور (٣٠٩).\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٦ عن معمر به.\n(^٥) في الأصل: \"ابن أبي\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٢، وهناد في الزهد (٤٣) من طريق أبي سنان، عن الضحاك.","vol":"22","page":257},{"text":"خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]. قال: جنَّتا السابقين. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾. ثم رجَع إلى أصحابِ اليمينِ فقال: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾. فذكَر فضلَهما وما فيهما، قال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾: من الخضرةِ، من شدةِ خُضْرَتِهما حتى كادتا تكونان سَوْدَاوين.\nحدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ القزازُ، قال: ثنا الحسينُ بنُ الحسنِ الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾. قال: خَضْرَاوان.\n\n<span id=\"aya-4966\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما التي أنعَم عليكم؛ بإثابتِه أهلَ الإحسانِ ما وصَف في هاتين الجنتين - تُكذبان؟\n\n<span id=\"aya-4967\"></span>وقولُه: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: في هاتين الجنتين اللتين [مِن دونِ الجنَّتين اللتين] (^١) هما لمن خاف مقامَ ربِّه - عينان [من ماءٍ] (^٢) ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾. يعني: فوَّارتان.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي تَنْضَخان به؛ فقال بعضُهم: تَنْضَخان بالماءِ.\n<span data-type='title' id=toc-8885>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾. قال: فيّاضتان (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه:\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، وفي ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من دون الجنتين\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه هناد في الزهد (٩٧).","vol":"22","page":258},{"text":"﴿نَضَّاخَتَانِ﴾. قال: تَنْضَخان بالماءِ.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾. يقولُ: فيَّاضتان (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك أنهما مُمْتَلِئَتان.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾. قال: مُمْتَلِئَتَان لا تَنْقَطِعان (^٢).\nوقال آخرون: تَنْضَخان بالماءِ (^٣) والفاكهةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾. قال: بالماءِ والفاكهةِ (^٤).\nوقال آخرون: نَضَّاخَتان بألوانِ الفاكهةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾. قال: نضَّاختان بألوانِ الفاكهةِ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"نضاختان بالماء\"، وفي ت ٢: \"بالماء\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٧ - والبيهقي في البعث والنشور (٣٠٨) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٨٢.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الماء\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٣ - وعنه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٧١) - عن يحيى بن يمان به.\n(^٥) أخرجه الحسين المروزي في زوائده على الزهد لابن المبارك (١٥٣٥)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٨٧ من طريق يعقوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":259},{"text":"وقال آخرون: نَضَّاخَتان بالخيرِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾. يقولُ: نَضَّاختان بالخيرِ (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عنَى بذلك أنهما تَنْضَخان بالماءِ؛ [لأن ذلك] (^٢) المعروفُ [من العيونِ] (^٣) إذا (^٤) كانت عيونَ ماءٍ.\n\n<span id=\"aya-4968\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما التي أنعَم عليكم؛ بإثابتِه مُحْسِنَكم هذا الثوابَ الجزيلَ - تُكَذِّبانِ.\n\n<span id=\"aya-4969\"></span><span data-type='title' id=toc-8886>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: في هاتين الجنتين المدهامَّتَين (^٥) فاكهةٌ ونخلٌ ورمانٌ.\nوقد اختُلف في المعنى الذي من أجلِه أُعيدَ ذكرُ النخلِ والرمانِ؛ وقد ذُكِر قبلُ أن فيهما الفاكهةَ؛ فقال بعضُهم: أُعِيد ذلك لأن النخلَ والرمانَ ليسا من الفاكهةِ.\nوقال آخرون: هما من الفاكهةِ. وقالوا: قلْنا: هما من الفاكهةِ؛ لأن العربَ تَجْعَلُهما من الفاكهةِ. قالوا: فإن قيل لنا: فكيف أُعيدا وقد مضَى ذكرُهما مع ذكرِ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٣٠٧) من طريق محمد بن سعد به مطولًا.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لأنه\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بالعيون\".\n(^٤) في م: \"إذ\".\n(^٥) في الأصل: \"المدهامتان\".","vol":"22","page":260},{"text":"سائرِ الفواكهِ؟ قلْنا: ذلك كقولِه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. فقد أمرَهم بالمحافظةِ على كلِّ صلاةٍ، ثم أعاد العصرَ تشديدًا لها، كذلك أُعِيدَ النخلُ والرمَّانُ ترغيبًا لأهلِ الجنةِ. وقالوا: وذلك كقولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. ثم قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]. وقد ذكَرهم في أوَّلِ الكلمةِ في قولِه: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: نخلُ الجنةِ جذوعُها من ذهبٍ، وعروقُها من ذهبٍ، وكرانيفُها (^١) من زُمُرُّدٍ، وسعفُها كسْوَةٌ لأهلِ الجنةِ، ورطبُها كالدلاءِ، أشدُّ بياضًا من اللبنِ، وألينُ من الزُّبدِ، وأحلَى من العسلِ، ليس له عَجَمٌ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن وهبٍ الذِّمَارِيِّ، قال: بلَغنا أن في الجنةِ نخلًا؛ جذوعُها من ذهبٍ، وكرانيفُها من ذهبٍ، وجريدُها من ذهبٍ، وسعفُها كسْوَةٌ لأهلِ الجنةِ، كأحسنِ حُللٍ رآها الناسُ قطُّ، وشماريخُها (^٣) من ذهبٍ، وعراجينُها (^٤) من ذهبٍ، وثفاريقُها (^٥) من ذهبٍ، ورُطَبُها أَمثالُ القِلالِ، أشدُّ بياضًا من اللبنِ والفضةِ، وأحلَى من العسلِ والسكرِ، وألينُ من السمنِ والزبدِ (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: \"كرافيها\": والكرانيف جمع كرنافة، وهي أصل السعفة الغليظة. النهاية ٤/ ١٦٨.\n(^٢) العجم: النوى. ينظر اللسان (ع ج م).\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٦ عن معمر به.\n(^٣) الشماريخ جمع شمراخ، وهو غصن العذق. النهاية ٢/ ٥٠٠.\n(^٤) العراجين جمع عرجون، وهو ما يحمل التمر. الوسيط (عرجن).\n(^٥) الثفاريق جمع تفروق، وهو شعبة من شمراخ العذق. النهاية ١/ ٢١٥.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٧ عن معمر، عن زيد بن أسلم قوله.","vol":"22","page":261},{"text":"<span id=\"aya-4970\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما التي أنعَمها عليكم بهذه الكرامةِ التي أكرَم بها مُحْسِنَكم - تُكَذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4971\"></span>وقولُه: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: في هذه الجنانِ الأربعِ اللواتي اثنتان منهن لمن خاف مقامَ ربِّه، والأُخْرَيان من دونِهما المدهامَّتان - خَيْراتُ الأخلاقِ، حِسانُ الوجوهِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾. يقولُ: في هذه الجنانِ (^١) خَيْراتُ الأخلاقِ، حِسانُ الوجوهِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾. قال: خَيراتٌ في الأخلاقِ، حِسانٌ في الوجوهِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾. قال: الخيراتُ الحِسانُ الحورُ العِينُ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾. قال: خَيْراتُ الأخلاقِ، حِسانُ الوجوهِ.\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن القاسمِ بنِ أبي بزَّةَ، عن أبي عبيدةَ (^٣)، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾. قال: في كلِّ خَيْمةٍ زوجةٌ (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل: \"الجنة\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبيد\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٣، وسقط منه ذكر مسروق، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٢٠) من طريق وكيع به بنحوه.","vol":"22","page":262},{"text":"حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ وهبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ الفرجِ الصَّدَفيُّ الدمياطيُّ، عن عمرِو بنِ هشامٍ (^١)، عن ابنِ أبي كريمةَ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن الحسنِ، عن أمِّه، عن أمِّ سلمةَ، قالت: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَخْبِرْني عن قولِه: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾. قال: \"خَيْرَاتُ الأخلاقِ، حِسانُ الوجوهِ\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-4972\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما التي أنعَم عليكم بما ذكَر - تُكَذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4973\"></span><span data-type='title' id=toc-8887>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن هؤلاء الخَيْراتِ الحسانِ: ﴿حُورٌ﴾. يعني بقولِه: ﴿حُورٌ﴾: بيضٌ. وهي (^٣) جَمْعُ حوراءَ. والحوراءُ: البيضاءُ.\nوقد بيَّنا معنى الحورِ فيما مضَى بشواهدِه المغنيةِ عن إعادتِها في هذا الموضعِ (^٤).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n<span data-type='title' id=toc-8888>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا عبيدُ (^٥) اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ،\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"هاشم\". ينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٢٧٨.\n(^٢) أخرجه الطبراني ٢٣/ ٣٦٧ (٨٧٠) من طريق عمرو بن هشام به مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٠ إلى ابن مردويه مطولًا.\n(^٣) في الأصل: \"هو\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٢١/ ٦٥، ٦٦.\n(^٥) في الأصل: \"عبد\". وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ١٦٤.","vol":"22","page":263},{"text":"عن أبي يحيى القَتَّاتِ، عن مجاهدٍ: ﴿حُورٌ﴾. قال: بيضٌ (^١).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، عن إسرائيلَ، عن مسلمٍ، عن مجاهدٍ، [عن ابنِ عباسٍ] (^٢)، ﴿حُورٌ﴾. قال: بِيضٌ (^٣).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حُورٌ﴾. قال: النساءُ (^٤).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿حُورٌ﴾. الحوراءُ: العَيْناءُ الحسناءُ.\n[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: الحَوَرُ: سوادٌ في بياضٍ] (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿حُورٌ﴾. قال: الحورُ: البِيضُ؛ قلوبُهم وأنفسُهم وأبصارُهم.\nوأما قولُه: ﴿مَقْصُورَاتٌ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: إنهن قُصِرن على أزواجِهن، فلا يَبْغِين بهم بدلًا، ولا يَرْفَعن أطرافَهن إلى غيرِهم من الرجالِ.\n<span data-type='title' id=toc-8889>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا عبيدُ (^٦) اللَّهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٣٩٥) من طريق إسرائيل به مطولًا.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه هناد في الزهد (١٧) عن وكيع به.\n(^٥) سقط من: الأصل.\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٠ عن وكيع به.\n(^٦) في الأصل: \"عبد\".","vol":"22","page":264},{"text":"يحيى القَتَّاتِ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿مَقْصُورَاتٌ﴾. قال: قُصِر طرفُهن وأنفسُهن على أزواجِهن.\n[حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَقْصُورَاتٌ﴾. قال: قُصِر طرفُهن على أزواجِهن، فلا يُرِدْنَ غيرَهم] (^١).\n[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن] (^٢) سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾. قال: قُصِرت أنفسُهن وأبصارُهن على أزواجِهن، فلا يُرِدْنَ غيرَهم.\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ وابنُ اليمانِ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾. قال: قُصِر طرفُهن على أزواجِهن (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَقْصُورَاتٌ﴾. قال: قصَرْنَ أنفسَهن وقلوبَهن وأبصارَهن على أزواجِهن، فلا يُرِدْنَ غيرَهم (^٤).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ (^٥): ﴿مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾. قال: قُصِر طرفُهن على أزواجِهن، فلا يُرِدْنَ غيرَهم.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\nوالأثر أخرجه هناد في الزهد (١٧) عن وكيع.\n(^٢) في الأصل: \"حدثنا أبو هشام قال حدثنا وكيع قال ثنا\".\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٤٨٣.\n(^٤) بعده في الأصل: \"حدثنا ابن حميد قال حدثنا حكام عن عمرو عن منصور عن مجاهد في قوله: مقصورات. قال: قصرن أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم\".\nوالأثر أخرجه هناد في الزهد (١٦) من طريق منصور به.\n(^٥) في الأصل: \"عامر قوله\".","vol":"22","page":265},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَقْصُورَاتٌ﴾. قال: مقصوراتٌ على أزواجِهن، فلا يُرْدِنَ غيرَهم.\nوقال آخرون: عُنِي بذلك أنهنَّ محبوساتٌ في الحِجالِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾. قال: محبوساتٌ في الخيامِ (^١).\nحدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ البُزُورِيُّ (^٢)، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بمثلِه.\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، عن إسرائيلَ، [عن مسلمٍ] (^٣)، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَقْصُورَاتٌ﴾. قال: محبوساتٌ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: أخبَرنا أبو معشرٍ السنديُّ، عن محمدِ بن كعبٍ، قال: محبوساتٌ في الحِجالِ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَقْصُورَاتٌ﴾. قال: لا يَبْرَحْنَ الخِيامَ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٣/ ١٣٥ عن يحيى بن اليمان به.\n(^٢) في الأصل: \"المروزي\". وتقدم في ١/ ٥٠٨، ٧/ ٧٠٨.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٥، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٣٤) من طريق ابن يمان به.\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٦٣٩ بنحوه.","vol":"22","page":266},{"text":"حدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّاريُّ، قال: ثنا عثَّامُ بنُ عليٍّ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾. قال: عذارَى الجنةِ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ وأبو هشامٍ، قالا: ثنا عثَّامُ (^٢) بنُ عليٍّ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ مثلَه.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَقْصُورَاتٌ﴾: المحبوساتُ في الخيامِ لَا يَخْرُجْنَ منها (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾. قال: محبوساتٌ، ليس بطوَّافاتٍ في الطرقِ (^٤).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أن يُقالَ: إن اللَّهَ وصَفهن بأنهن حورٌ مقصوراتٌ في الخيامِ. والقَصْرُ هو الحبسُ، ولم يَخصُصِ اللَّهُ وصفَهن بأنهنَّ محبوساتٌ على معنًى من المعنيين اللذين ذكَرْنا دونَ الآخرِ، بل عمَّ وصفَهن بذلك. والصوابُ أن يُعَمَّ الخبرُ عنهن بأنهن مقصوراتٌ في الخيامِ على أزواجِهن، فلا يُرِدْنَ غيرَهم، كما عمَّ ذلك جلَّ ثناؤُه.\nوقولُه: ﴿فِي الْخِيَامِ﴾. يعني بالخيامِ البيوتَ. وقد تُسَمِّي العربُ هوادجَ النساءِ خيامًا، ومنه قولُ لبيدٍ (^٥):\nشاقَتك ظُعْنُ الحيِّ يومَ تَحمَّلوا … فتكنَّسوا قُطُنَّا تَصِرُّ خِيَامُها\nوأما في هذه الآيةِ فإنه عُنِي بها البيوتُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٤، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣١٩) من طريق عثام به، كما أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٣ من طريق إسماعيل به.\n(^٢) في الأصل: \"عثمان\".\n(^٣) أخرجه هناد في الزهد (١٥)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٣٠) من طريق جويبر عن الضحاك.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥١ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٥) شرح ديوانه ص ٣٠٠.","vol":"22","page":267},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n<span data-type='title' id=toc-8890>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ (^١) سعيدٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنى عبدُ الملكِ بنُ ميسرةَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾. قال: الدرِّ المجوَّفِ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الملكِ، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.\nحدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا فضيلُ بنُ عياضٍ (^٣)، عن هشامٍ، عن محمدٍ، عن ابنِ عباسٍ (^٤) في قولِه: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾. قال: الخيمةُ. لؤلؤةٌ واحدةٌ، أربعةُ فراسخَ في أربعةِ فراسخَ، لها أربعةُ آلافِ مِصراعٍ من ذهبٍ (^٥).\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، عن إسرائيلَ، عن مسلمٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فِي الْخِيَامِ﴾. قال: بيوتِ اللؤلؤِ (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحمسيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا إدريسُ الأَوْدِيُّ، عن شِمْرِ بنِ عطيةَ، عن أبي الأحوصِ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: أَتَدرون ما ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾؟ الخيامُ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\".\n(^٢) أخرجه مسدد - كما في المطالب (٤١٣٢) - عن يحيى بن سعيد به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٤ من طريق شعبة به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٧١) من طريق عبد الملك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"عياش\". ينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٢٨١.\n(^٤) في الأصل: \"عياش\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٤٨٤ - من طريق هشام به.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"22","page":268},{"text":"درٌّ مجوَّفٌ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا مسعرٌ، [عن عبدِ الملكِ بنِ ميسرةَ، عن أبي الأحوصِ في قولِه: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾. قال: درٌّ مجوَّفٌ (^٢).\nوبه عن أبي الأحوصِ، قال: الخيمةُ درةٌ مجوفةٌ، فرسخٌ في فرسخٍ، لها أربعةُ آلافِ مصراعٍ من ذهبٍ.\nقال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الخيمةُ في الجنةِ من دُرةٍ مجوَّفةٍ، فرسخٌ في فرسخٍ، لها أربعةُ آلافِ مصراعٍ (^٣).\nحدَّثني أحمدُ بنُ المقدامِ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ أبي يُحدِّثُ عن قتادةَ، عن خُليدٍ العَصَريِّ، قال: لقد ذُكِر لي أن الخيمةَ لؤلؤةٌ مجوفةٌ، لها سبعون مِصراعًا، كلُّ ذلك من درٍّ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه قال: ﴿الْخِيَامِ﴾: درٌّ مجوَّفٌ.\nقال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿الْخِيَامِ﴾: درٌّ مجوفٌ] (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٤٧ - زيادات نعيم) عن مسعر به.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٤٩ - زيادات نعيم)، ومن طريقه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٣، ١٣٤، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٢٨)، والبيهقي في البعث والنشور (٣٣٣) - عن همام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٥٠ - زيادات نعيم)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٢٧) من طريق سليمان عن أبي الدرداء قوله.\n(^٥) سقط من: الأصل.\n(^٦) في ص، ت ١: \"مجوفة\".","vol":"22","page":269},{"text":"[حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا وكيعٌ و[يعلَى، عن] (^١) منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي الْخِيَامِ﴾. قال: الدرِّ المجوَّفِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي الْخِيَامِ﴾. قال: خيامِ درٍّ مجوَّفٍ.\nقال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن [حربِ بنِ بشيرٍ] (^٣)، عن عمرِو بنِ ميمونٍ] (^٤)، قال: ﴿الْخِيَامِ﴾: درةٍ مجوَّفةٍ (^٥).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سلمةَ بنِ نُبَيطٍ، عن الضحاكِ، قال: الخيمةُ درةٌ مجوفةٌ (^٦).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ اليمانِ، عن أبي معشرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ: ﴿فِي الْخِيَامِ﴾: في الحجالِ (^٧).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ (^٨) اللَّهِ وابنُ اليمانِ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿فِي الْخِيَامِ﴾. قال: في الحجالِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرِو بنِ (^٩) أبي قيسٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي الْخِيَامِ﴾. قال: خيامِ اللؤلؤِ (^١٠).\n_________\n(^١) في ت ١: \"يعلى بن\"، وفي ت ٣: \"معلى عن\".\n(^٢) أخرجه هناد في الزهد (١٧)، وابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٦ عن وكيع به.\n(^٣) في ت ٢: \"حزم بن بشر\".\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٥ من طريق سفيان به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٣/ ١٣٦ عن وكيع به.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٥ عن يحيى بن يمان به.\n(^٨) في الأصل: \"عبد\".\n(^٩) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\".\n(^١٠) أخرجه هناد في الزهد (١٦)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٢٩)، والبيهقي في البعث =","vol":"22","page":270},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي الْخِيَامِ﴾: الخيامُ اللؤلؤُ والفضةُ، كما يقالُ واللَّهُ أعلمُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾: ذُكِر لنا أن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: الخيمةُ درةٌ مجوَّفةٌ، فرسخٌ في فرسخٍ، لها أربعةُ آلافِ بابٍ من ذهبٍ (^٢).\nوقال قتادةُ: كان يقالُ: مسكنُ المؤمنِ في الجنةِ، يسيرُ الراكبُ الجوادَ فيه ثلاثَ ليالٍ، وأنهارُه وجنانُه (^٣) وما أعدَّ اللَّهُ له من الكرامةِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: الخيمةُ درةٌ واحدةٌ مجوفةٌ، فرسخٌ في فرسخٍ، لها أربعةُ آلافِ بابٍ من ذهبٍ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾. قال: يقالُ: خيامُهم في الجنةِ من لؤلؤٍ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾. قال: الخيامُ الدرُّ المجوفُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى حَرَمِيُّ (^٦) بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال:\n_________\n= والنشور (٣٨٨) من طريق منصور به.\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٣٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٥ من طريق قتادة به بنحوه.\n(^٣) في ت ١: \"خيراته\".\n(^٤) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٣٩٣) من طريق سعيد به بنحوه.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٧ عن معمر به.\n(^٦) في الأصل: \"محمد\".","vol":"22","page":271},{"text":"أخبَرني عمارةُ، عن أبي مجلَزٍ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾. قال: \"دُرٍّ مُجوَّفٍ\" (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: كان ابنُ (^٢) مسعودٍ يُحدِّثُ عن نبيِّ اللَّهِ ﷺ أنه قال: \"هي الدرُّ المجوَّفُ\". يعني الخيامَ، في قولِه: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فِي الْخِيَامِ﴾. قال: خيامِ اللؤلؤِ (^٤).\n\n<span id=\"aya-4974\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما التي أنعَم عليكما؛ من إكرامِه مُحْسِنَكم هذه الكرامةَ - تُكَذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4975\"></span>وقولُه: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لم يَمَسَّهن إنسٌ قبلَهم بنكاحٍ فيُدمِيَهُن، ولا جانٌّ.\nوقرأَت قرأةُ الأمصارِ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ بكسرِ الميمِ في هذا الموضعِ وفي الذي قبلَه. وكان الكسائيُّ يَكْسِرُ إحداهما ويَضُمُّ الأخرى (^٥).\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لأنها اللغةُ الفصيحةُ والكلامُ المشهورُ من كلامِ العربِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٣/ ١٣٤ من طريق شعبة به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٤٨ - زيادات نعيم) عن سعيد، عن عمارة دون ذكر أبي مجلز.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥١ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه هناد في الزهد (١٦)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٢٩)، والبيهقي في البعث والنشور (٣٨٨) من طريق منصور به.\n(^٥) ينظر تفصيل ذلك في النشر ٢/ ٢٨٥، ٢٨٦.","vol":"22","page":272},{"text":"<span id=\"aya-4976\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما التي أنعَم عليكم بها مما وصَف - تُكَذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4977\"></span><span data-type='title' id=toc-8891>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يَنْعَمُ هؤلاء الذين أكرَمهم جلَّ ثناؤُه هذه الكرامةَ التي وصَفها في هذه الآياتِ في الجنتين اللتين وصَفهما - ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾.\nواختلف أهلُ التأويلِ في معنى الرفرفِ؛ فقال بعضُهم: هي رياضُ الجنةِ، وهي جمعٌ واحدتُها رفرفةٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، [قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ] (^١)، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾. قال: رياضِ الجنةِ (^٢).\nحدَّثنا عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أبو نوحٍ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ مثلَه.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: [ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن] (^٣) سعيدِ بنِ جُبَيرٍ في قولِه: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾. قال: الرفرفُ رياضُ الجنةِ (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) أخرجه الطيالسي - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٤٨٤ - عن شعبة به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٧٠ - زوائد نعيم)، وابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٦، وهناد في الزهد (٨١)، =","vol":"22","page":273},{"text":"وقال آخرون: هي المحابِسُ (^١).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ﴾. يقولُ: المحابسِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ﴾. قال: الرفرفُ فضولُ المحابسِ والبُسطِ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾. قال: هي البسُطُ. أهلُ المدينةِ يقولُون: هي البسُطُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ الحضرميِّ، عن رجلٍ يُقالُ له: غزوانُ: ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾. قال: فضولِ المحابسِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن هارونَ بنِ (^٤) عنترةَ، عن\n_________\n= وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٦٢)، وتفسير مجاهد ص ٦٣٩، والبيهقي في البعث والنشور (٣٤٠) من طريق هشيم به.\n(^١) في ت ١: \"المجالس\". وفي التاج (ر ف ف) أن الرفرف: ثياب خضر تتخذ منها المحابس، والمحابس جمع محبس كمقعد: ثوب يطرح على ظهر الفراش للنوم عليه، وينظر القاموس (ح ب س).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٧ - والبيهقي في البعث والنشور (٣٣٨) من طريق أبي صالح به - بلفظ المجالس - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٢ إلى ابن المنذر بلفظ المحابس.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٧، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٦٣) من طريق ابن علية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في م: \"عن\". ينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ١٠٠.","vol":"22","page":274},{"text":"أبيه، [عن ابنِ عباسٍ] (^١)، قال: فضولُ الفُرُشِ والمحابسِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن غزوانَ (^٣) في قولِه: ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾. قال: فضولِ المحابسِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ﴾. قال: الرفرفُ المحابسُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾. قال: محابِسَ خضرٍ (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾. قال: هي المحابسُ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾. قال: الرفرفُ المحابِسُ.\nوقال آخرون: بل هي المرافِقُ.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٧ من طريق سفيان به.\n(^٣) في م: \"مروان\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٦٩ - زيادات نعيم)، وسقط سنده، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٦، وهناد في الزهد (٨٢)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٦٤) من طريق جويبر، عن الضحاك.","vol":"22","page":275},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: الرفرفُ مرافِقُ خُضرٌ (^١).\nوأما العبقريُّ فإنها الطنافِسُ الثخانُ، وهي جمعٌ، واحدتُها عبقريةٌ. وقد ذُكِر عن العربِ أنها تُسَمِّي كلَّ شيءٍ من البسطِ عَبْقَرِيًّا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾. قال: الزَّرَابِيِّ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾. قال: العبقريُّ الزرابيُّ الحسانُ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ في قولِه: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾. قال: العبقريُّ عِتاقُ الزرابيِّ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: العبقريُّ الزرابيُّ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٨٤.\n(^٢) الزرابي: البسط، أو كل ما بُسط واتُّكِئ عليه. التاج (ز ر ب).\nوالأثر أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٣٣٨)، (٣٤٧) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) تقدم أوله في ص ٢٧٣.","vol":"22","page":276},{"text":"﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾. قال: الزرابيِّ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾. قال: زرابيَّ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾. قال: العبقريُّ الطنافِسُ (^٢).\nوقال آخرون: العبقريُّ الديباجُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾. قال: هو الديباجُ (^٣).\nوالقرَأَةُ في جميعِ الأمصارِ على قراءةِ ذلك: ﴿عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ بغيرِ ألفٍ في كِلا الحرفين. وذُكِر عن النبيِّ ﷺ خبرٌ غيرُ محفوظٍ، ولا صحيحِ السندِ: (على رفارِفٍ خُضْرٍ وعبَاقِرِيٍّ) بالألفِ والإجراءِ (^٤). وذُكِر عن زهيرٍ الفُرقُبيِّ (^٥) أنه كان يَقْرَأُ: (على رَفارِفَ خُضْرٍ) بالألفِ وتركِ الإجراءِ،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٧ عن معمر به.\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ١٩٩.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٧، وهناد في الزهد (٨٣) من طريق سفيان، عن رباح بن أبي معروف - ولم يسمه هناد - عن مجاهد.\n(^٤) أخرجه أبو عمر الدوري في جزء فيه قراءات النبي ﷺ (١١٤)، والبزار (٣٦٧٣)، والحاكم ٢/ ٢٥٠ من طريق عاصم الجحدري، عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ، وقال الذهبي: منقطع، وعاصم لم يدرك أبا بكرة.\n(^٥) في الأصل، والفهرست ص ١٠٣: \"القرقبي\". وفي معجم البلدان ٣/ ٨٨١: فُرْقُب، بضم أوله وسكون ثانيه وقاف وباء موحدة، موضع. قال الفراء: ينسب إليه زهير الفرقبي من أهل القرآن، وقال الأزهري: الفرقبية ثياب بيض من كتان، والقرقبية كذلك. وذكره في التاج (فرقب) وسماه زهير بن ميمون =","vol":"22","page":277},{"text":"(وعَبَاقِرِيَّ حِسانٍ) بالألفِ أيضًا وبغيرِ إجراءٍ (^١). وأما \"الرفارفُ\" في هذه القراءةِ، فإنها قد تَحْتَمِلُ وجهَ الصوابِ. وأما \"العباقريُّ\"، فإنه لا وجهَ له في الصوابِ عندَ أهلِ العربيةِ؛ لأن ألفَ الجماعِ لا يكونُ بعدَها أربعةُ أحرفٍ، ولا ثلاثةٌ صِحاحٌ.\nوأما القراءةُ الأولى التي ذُكِرت عن النبيِّ ﷺ، فلو كانت صحيحةً لوجَب أن تكونَ الكلِمتان غير مُجْراتين.\n\n<span id=\"aya-4978\"></span>وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما التي أنعَم عليكم؛ من إكرامِه أهلَ الطاعةِ منكم هذه الكرامةَ - تُكذِّبان؟\n\n<span id=\"aya-4979\"></span>وقولُه: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تبارَك ذكرُ ربِّك يا محمدُ، ﴿ذِي الْجَلَالِ﴾. يعني: ذى العظمةِ، ﴿وَالْإِكْرَامِ﴾. يعني: ومَن له الإكرامُ من جميعِ خلقِه.\nكما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. يقولُ: ذو العظمةِ والكبرياءِ (^٢).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"الرحمنِ\" ﷿\n_________\n= ثم قال: أو هو بقافين. وينظر تهذيب اللغة ٩/ ٤١٨.\n(^١) ينظر المحتسب ٢/ ٣٠٥، والبحر المحيط ٨/ ١٩٩.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٦ - من طريق أبي صالح به.","vol":"22","page":278},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8892>تفسيرُ سورةِ \"الواقعةِ\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4980\"></span><span data-type='title' id=toc-8893>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ تعالى: يعنِي تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾: إذا نزَلت صيحةُ القيامةِ، وذلك حين يُنفَخُ في الصورِ لقيامِ الساعةِ.\nكما حدِّثْت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾. يعني: الصيحةُ.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنى أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه (^١): ﴿الْوَاقِعَةُ﴾ و﴿الطَّامَّةُ﴾ [النازعات: ٣٤] و﴿الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣]، ونحوُ هذا: من أسماءِ يومِ (^٢) القيامةِ، عظَّمه اللَّهُ وحذَّر (^٣) عبادَه (^٤).\n\n<span id=\"aya-4981\"></span>وقولُه: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾. يقولُ تعالى: ليس لوقعةِ الواقعةِ تكذيبٌ ولا مردودةٌ (^٥) ولا مثنويةٌ (^٦). والكاذبةُ في هذا الموضعِ مصدرٌ، مثلَ العاقبةِ والعافيةِ.\n_________\n(^١) بعده في م: \"إذا وقعت الواقعة\".\n(^٢) سقط من: م، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حذره\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان - ٢/ ٥٥ من طريق أبي صالح به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٧٢ من طريق عكرمة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٥) في م: \"مردويه\".\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مبتوتة\".","vol":"22","page":279},{"text":"وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾: أي ليس لها مَثْنويةٌ، ولا رَجعةٌ، ولا ارتدادٌ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾. قال: مَثْنويةٌ (^٢).\n\n<span id=\"aya-4982\"></span>وقولُه: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الواقعةُ حينَئذٍ خافضةٌ أقوامًا كانوا في الدنيا أعزاءَ إلى نارِ اللَّهِ، وقولُه: ﴿رَافِعَةٌ﴾. يقولُ: رفَعتْ أقوامًا كانوا في الدنيا وُضعاءَ إلى رحمةِ اللَّهِ وجنَّتِه. وقيل: خفَضت فأَسْمَعت الأدنى ورفَعت فأسْمَعت الأقصى (^٣).\nذكرُ مَن قال في ذلك ما قلْنا\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ - يعني العَتَكِيَّ - عن عثمانَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ سراقةَ قَولَه: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾. قال: الساعةُ خفَضت أعداءَ اللَّهِ إلى النارِ، ورفَعت أولياءَ اللَّهِ إلى الجنةِ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٨٨.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٩ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأخفض\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الفتح ٨/ ٦٢٦ - من طريق عثمان بن عبد الله بن سراقة عن عمر بن الخطاب قوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم من طريق عثمان بن سراقة عن عمر قوله.","vol":"22","page":280},{"text":"﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾. يقولُ: عَلَتْ (^١) كلَّ سهلٍ وجبلٍ حتى أسمَعت القريبَ والبعيدَ، ثم رفَعت أقوامًا في كرامةِ اللَّهِ، وخفَضت أقوامًا في عذابِ اللَّهِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةُ﴾. قال: أسمَعت القريبَ والبعيدَ، خافضةٌ أقوامًا إلى عذابِ اللَّهِ، ورافعةٌ أقوامًا إلى كرامةِ اللَّهِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾. قال: خفَضت فأسمَعتِ الأدنى، ورفَعت فأسمَعتِ الأقصى. قال: فكان القريبُ والبعيدُ من اللَّهِ سواءً (٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾: قال: أسمَعتِ القريبَ والبعيدَ (^٤).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾: خفَضت فأسمَعتِ الأدنى، ورفَعت فأسمَعتِ الأقصى، فكان فيها القريبُ والبعيدُ سواءً (٢).\n\n<span id=\"aya-4983\"></span>وقولُه: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إذا زُلزِلت الأرضُ\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١: \"تحلت\"، وفي م: \"تخللت\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"تجلب\". ولعل المثبت هو الصواب.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٨٩ بنحوه.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٩ عن معمر به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٣ إلى المصنف وابن مردويه.","vol":"22","page":281},{"text":"فحُرِّكت تحريكًا، من قولِهم: السهمُ (^١) يَرْتَجُّ في الغرضِ. بمعنى: يَهْتَزُّ ويَضْطَرِبُ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التاويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾. يقولُ: زَلْزَلها (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَ اللَّهِ: ﴿رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾. قال: زُلْزِلت (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾. يقولُ: إذا زُلْزِلت زلزلةً.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾. قال: زُلزِلت زِلزالًا (^٤).\n\n<span id=\"aya-4984\"></span>وقولُه: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فُتَّتِ الجبالُ فَتًّا، فصارت كالدقيقِ المبسوسِ، وهو المبلولُ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤]. والبَسيسةُ عندَ العربِ: الدقيقُ أو (^٥) السَّوِيقُ يُلَتُّ ويُتَّخَذُ زادًا.\nوذُكِر عن لصٍّ من غَطَفانَ أنَّه أراد أن يَخْبِزَ، فخاف أن يُعَجَّلَ عن الخُبزِ، فبَلَّ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٨٩ بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٣ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٤٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٩ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) سقط من: الأصل، وفي م: \"و\". وينظر اللسان (ب س س).","vol":"22","page":282},{"text":"الدقيقَ وأكَله عجينًا، وقال (^١):\nلا تَخْبِزَا خُبْزًا وبُسَّا بَسَّا\nمَلْسًا بِذَوْدِ الْحَلَسِيِّ مَلْسا\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾. يقولُ: فُتِّتتْ فتًّا (^٢).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾. قال: فُتِّتَتْ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، [عن منصورٍ] (^٤)، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾. قال: كما يُبَسُّ السَّوِيقُ (^٥).\nحدَّثني أحمدُ بنُ عمرٍو البصريُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ (^٦) العَدَنِيُّ، عن الحكمِ بنِ أبانٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾. قال: [فُتَّت فَتًّا] (^٧) (^٨).\n_________\n(^١) معاني القرآن للفراء ٣/ ١٢١، واللسان (م ل س).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٣ إلى المصنف وابن المنذر، وفي ٦/ ١٥٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٤٠، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٣٤ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٦٤٠ من طريق منصور به بلفظ: يلت السويق.\n(^٦) في الأصل: \"شمر\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"عمرو\".\n(^٧) في الأصل، ص، ت ١، ت ٣: \"رفتت رفتا\". وفي ت ٢: \"فتت\".\n(^٨) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٨٩.","vol":"22","page":283},{"text":"حدَّثني إسماعيلُ بنُ موسى ابنِ بنتِ السديِّ، قال: ثنا بشرُ بنُ الحكمِ الأحمسيُّ، عن سعيدِ بنِ الصَّلتِ، عن إسماعيلَ، عن (^١) السديِّ وأبي صالحٍ: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾. قال: فُتِّتت (^٢) فتًّا.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾. قال: كما يُبَسُّ السَّوِيقُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾. قال: صارت كَثِيبًا مَهيلًا كما قال - جلَّ وعزَّ - (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾. قال: فُتَّت فتًّا.\n\n<span id=\"aya-4985\"></span>وقولُه: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فكانت الجبالُ هباءً.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"الهباءِ\"؛ فقال بعضُهم: هو شعاعُ الشمسِ الذي يَدْخُلُ من الكَوَّةِ كهيئةِ الغبارِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾. يقولُ: شعاعُ الشمسِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾. قال: شعاعُ الشمسِ حينَ يَدْخُلُ من الكَوَّةِ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"بن\"، وسقط من: م.\n(^٢) في الأصل: \"فتت\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٨٩.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٣ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"22","page":284},{"text":"قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾. قال: شعاعُ الشمسِ يَدْخُلُ من الكَوَّةِ، وليس بشيءٍ (^١).\nوقال آخرون: هو رَهْجُ الدَّوابِّ.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾: قال: رَهْجُ الدَّوَابِّ (^٢).\nوقال آخرون: هو ما تَطَايَر من شررِ النارِ الذي لا عَيْنَ له.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾. قال: الهباءُ الذي يَطِيرُ من النارِ إذا اضطَرَمت، يَطيرُ منه الشررُ فإذا وقَع لم يَكُنْ شيئًا (^٣).\nوقال آخرون: هو يَبِيسُ الشجرِ تَذْرُوه الرياحُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾: كيَبِيسِ الشجرِ، تَذْرُوه الرياحُ يمينًا وشمالًا (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٩ عن الثوري به، وتفسير مجاهد ص ٦٤٠ من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"22","page":285},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾. قال: الهباءُ: ما تَذْرُوه الريحُ من حُطامِ الشجرِ (^١).\nوقد بيَّنا معنى \"الهباءِ\" في غيرِ هذا الموضعِ بشواهدِه (^٢)، فأغنى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضِعِ.\nوأما قولُه: ﴿مُنْبَثًّا﴾. فإنه يَعْني: مُتَفَرِّقًا.\n\n<span id=\"aya-4986\"></span><span data-type='title' id=toc-8894>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وكنتم أيُّها الناسُ أنواعًا ثلاثةً وضروبًا.\nكما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾. قال: منازلُ الناسِ يومَ القيامةِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-4987\"></span>وقولُه: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾. وهذا بيانٌ من اللَّهِ عن الأزواجِ الثلاثةِ، يقولُ - جلَّ وعزَّ -: وكنتم أزواجًا ثلاثةً؛ أَصحابُ الميمنةِ وأصحابُ المشأمةِ والسابقون. فجعَل الخبرَ عنهم مُغْنِيًا عن البيانِ عنهم على الوجهِ الذي ذكَرْنا؛ لدلالةِ الكلامِ على معناه، فقال: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾. يُعَجِّبُ نبيَّه (^٤) منهم، فقال: وأصحابُ اليمينِ الذين يُؤْخَذُ بهم ذاتَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٩ عن معمر به.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١٧/ ٤٣١ وما بعدها.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٦٩ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"محمدا\".","vol":"22","page":286},{"text":"اليمينِ إلى الجنةِ، أيُّ شيءٍ أصحابُ اليمينِ!\n\n<span id=\"aya-4988\"></span>﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأصحابُ الشمالِ الذين يُؤْخَذُ بهم ذاتَ الشمالِ إلى النارِ. والعربُ تُسَمِّي اليدَ اليُسْرَى: الشُّؤْمَى، ومنه قولُ أعشى بني ثعلبةَ (^١):\nفأَنْحَى على شُؤْمَى يَدَيْهِ فَذَادها … بِأَظْمَأَ من فَرْعِ الذُّؤَابَةِ أَسْحَما\n\n<span id=\"aya-4989\"></span>وقولُه: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾. وهم الزوجُ الثالثُ، وهم الذين سبَقوا إلى الإيمانِ باللَّهِ ورسولِه، وهم المهاجِرون الأوَّلون.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ - يعني: العَتَكِيُّ - عن عثمانَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ سُراقةَ قولَه: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾. قال: اثنان في الجنةِ وواحدٌ في النارِ. يقولُ: الحورُ العينُ للسابِقين، والعُرُبُ الأترابُ لأصحابِ اليمينِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾. قال: منازلُ الناسِ يومَ القيامةِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾. قال (^٣): ﴿ثُلَّةٌ\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢٩٥.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٩٠ عن عبيد الله العتكي به.\n(^٣) في م: \"إلى\".","vol":"22","page":287},{"text":"مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩، ٤٠]. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \" [سوَّى بينَ] (^١) أصحابِ اليمينِ من الأممِ الماضيةِ (^٢)، وبينَ (^٣) أصحابِ اليمينِ من هذه الأمةِ، وكان السابِقون من الأممِ أكثرَ من سابِقي هذه الأمةِ\" (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾. أي: ماذا لهم، وماذا أعدَّ لهم؟! ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾. ماذا لهم، وماذا أعدَّ لهم؟! ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾. أي: من كلِّ أمةٍ (^٥).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: سمعِتُ ابنَ زيدٍ يقولُ: وجدتُ الهَوَى ثلاثةَ أَثلاثٍ؛ فالمرءُ يَجْعَلُ هواه علمَه، فيُدالُ (^٦) هواه على علمِه، ويَقْهَرُ هواه (^٧) عِلمَه، حتى إن العلمَ مع الهوى قبيحٌ ذليلٌ، فالعلمُ ذليلٌ والهَوى غالبٌ قاهرٌ، [فهذا الذي] (^٨) قد جعَل الهوى والعلمَ في قلبِه، فهذا من أزواجِ النارِ، فإذا كان ممن يريدُ اللَّهُ به خيرًا استفَاق واستَنْبَه فإذا هو عونٌ للعلمِ على الهوى، حتى يُدِيلَ اللَّهُ العلمَ على الهوى، فإذا حَسُنت حالُ المؤمنِ واستقامت طريقتُه، كان الهوى ذليلًا وكان العلمُ غالبًا قاهرًا، فإذا كان ممن يريدُ اللَّهُ به خيرًا ختَم عملَه بإدالةِ العلمِ، فتوفَّاه اللَّهُ حينَ توفَّاه، وعلمُه هو القاهرُ وهو العاملُ به، وهواه الذليلُ القبيحُ ليس له في ذلك\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\"، والمثبت موافق لما في مصدر التخريج.\n(^٢) في م: \"السابقة\".\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\"، والمثبت موافق لما في مصدر التخريج.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر، من قول الحسن.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٤ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) في م: \"فيديل\"، وفي ت ١: \"فيدلل\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"فيدلك\".\n(^٧) بعده في الأصل: \"على\".\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فالذي\".","vol":"22","page":288},{"text":"نصيبٌ ولا فعلٌ، والثالثُ الذي قبَّح اللَّهُ هواه بعلمِه، فلا يَطْمَعُ هواه أن يَغْلِبَ العلمَ، ولا أن يَكُونَ [له مع العلمِ] (^١) نِصْفٌ ولا نَصيبٌ، فهذا الثالثُ، وهو خيرُهم كلِّهم، وهو الذي قال اللَّهُ جلَّ ثناؤه في صورةِ الواقعةِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾. قال: فزَوْجان في الجنةِ، وزَوْجٌ في النارِ. قال: فالسابقُ الذي يَكُونُ العلمُ غالبًا للهوَى، والآخرُ الذي ختَم اللَّهُ له (^٢) بإدالةِ العلمِ على الهوَى. فهذان زَوْجانِ في الجنةِ، والآخرُ هواه قاهرٌ لعلمِه، فهذا زوجُ النارِ.\nواختلَف أهلُ العربيةِ في رفعِ (^٣) \"أصحابِ الميمنةِ وأصحابِ المشأمةِ\"؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: خبرُ قولِه: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾، [وخبرُ قولِه] (^٤): ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾. قال: ويَقُولُ: زَيدٌ ما زَيدٌ! يُرِيدُ: زَيدٌ شديدٌ. وقال غيرُه: قولُه: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ لا تكونُ الجملةُ خبرَه، ولكن الثاني عائدٌ على الأوَّلِ، وهو تَعَجُّبٌ، فكأنه قال: أصحابُ الميمنةِ ما هم! والقارعةُ ما هي! والحاقةُ ما هي! فكان الثاني عائدَ الأولِ، وكان تعجُّبًا، والتعجبُ بمعنى الخبرِ، ولو كان استفهامًا لم يَجُزْ أن يكونَ خبرًا للابتداءِ؛ لأن الاستفهامَ لا يكونُ خبرًا، والخبرُ لا يكونُ استفهامًا، والتعجبُ يكونُ خبرًا، فكان [خبرَ الابتداءِ] (^٥). وقولُه: زيدٌ وما زيدٌ، لا يكونُ إِلَّا من كلامَيْنِ؛ لأنه لا تَدْخُلُ الواوُ في خبرِ الابتداءِ، كأنه قال: هذا زيدٌ وما هو: أي ما أشدَّه وما أعلمَه.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في المعنِيِّين بقولِه: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾؛ فقال\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"له مع\"، وفي م: \"معه\"، وفي ت ٣: \"له معه\".\n(^٢) في الأصل: \"به\"، وسقط من: ص، م، ت ١، ت ٢.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"الرافع\"، وفي ت ٢: \"الواقع\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خبرًا للابتداء\".","vol":"22","page":289},{"text":"بعضُهم: هم الذين صلَّوا القبلَتَين (^١).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ (^٢)، عن خارجةَ، عن قُرَّةَ، عن ابنِ سيرينَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾: الذين صلَّوا القبلتين (^٣).\nوقال آخرون في ذلك ما (^٤) حدَّثني به عبدُ الكريمِ بنُ أبي عميرٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرٍو، قال: ثنا عثمانُ بن أبي سودةَ، قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾: أوَّلُهم رواحًا إلى المساجدِ، وأسرَعُهم خفوقًا في سبيلِ اللَّهِ (^٥).\n\n<span id=\"aya-4990\"></span>والرفعُ في \"السابقين\" من وجهَيْنِ؛ أحدُهما: أن يكونَ الأولُ مرفوعًا بالثاني، ويكونُ معنى الكلامِ حينَئذٍ: والسابقون الأوَّلون، كما يُقالُ: السابقُ الأولُ. والثاني: أن يكونَ مرفوعًا بقولِه: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾. [فيكونَ قولُه: ﴿السَّابِقُونَ﴾ (^٦). الثانيةُ توكيدًا للأوَّلِ، تشديدًا له.\nوقولُه: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾] (^٧). يقولُ جلَّ ثناؤُه: أولئك الذين يُقَرِّبُهم اللَّهُ منه يومَ القيامةِ إذا أدخَلَهم الجنةَ.\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢: \"للقبلتين\".\n(^٢) بعده في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن سفيان\"، وينظر ما تقدم في ص ٨٦، وما سيأتي، في ٣٠/ ١٥١، ١٨٩.\n(^٣) في م: \"للقبلتين\". والأثر أخرجه ابن ماجه - كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٤٩١ - من طريق مهران به.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بما\".\n(^٥) أخرجه هناد في الزهد (٩٥٥) من طريق الأوزاعي أبي عمرو به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) في الأصل: \"والسابقون\".\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":290},{"text":"<span id=\"aya-4991\"></span>وقولُه: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. يقولُ: في بساتينِ النعيمِ الدائمِ.\n\n<span id=\"aya-4992\"></span><span data-type='title' id=toc-8895>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: جماعةٌ من الأممِ الماضيةِ.\n\n<span id=\"aya-4993\"></span>وقليلٌ من أمةِ محمدٍ ﷺ، وهم الآخِرون. وقيلَ لهم: الآخِرون، لأنهم آخرُ الأممِ، ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-4994\"></span>يقولُ: فوقَ سُررٍ منسوجةٍ، قد (^١) أُدْخِل بعضُها في بعضٍ، كما يُوضَنُ حَلَقُ الدرعِ بعضُها في (^٢) بعضٍ مُضاعَفةً، ومنه قولُ الأعشَى (^٣):\nومِن نَسْجِ داودَ مَوْضُونةً … تُساقُ مع الحيِّ عِيرًا فعِيرَا\nومنه وضينُ الناقةِ، وهو البطانُ (^٤) من السيورِ إذا نُسِج بعضُه على بعضٍ مُضاعَفًا كالحلَقِ؛ حَلَقِ الدرعِ، وقيل: وضينٌ. وإنما هو موضونٌ، صُرِف من مفعولٍ إلى فعيلٍ، كما قيل: قَتِيلٌ. للمقتولِ، وحُكِي سماعًا من بعضِ العربِ: فإذا (^٥) الآجُرُّ موضونٌ بعضُه (^٦) على بعضٍ. يُرادُ: مُشَرَّجٌ صَفِيفٌ.\nوقيل: إنما قيل لها: سُرُرٌ موضونةٌ، لأنها مُشَبَّكةٌ بالذهبِ والجوهرِ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"فإذ\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فوق\".\n(^٣) ديوانه ص ٩٩.\n(^٤) في الأصل: \"البطن\".\n(^٥) في م: \"أزيار\".\n(^٦) في م: \"بعضها\".","vol":"22","page":291},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا حصينٌ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾. قال: مرْمولةٍ (^١) بالذهبِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن الحصينِ، عن مجاهدٍ: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾. قال: مَرْمولةٍ (^١) بالذهبِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾. قال: يَعْني الأسِرَّةَ المرَمَّلةَ (^٤).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن حصينٍ، عن مجاهدٍ، قال: الموضونةُ المرَمَّلةُ (^٤) بالذهبِ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾. قال: مُشَبَّكةٍ بالدرِّ والياقوتِ (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) في الأصل، ت ٢، ت ٣: \"مزمولة\". ورمل السرير والحصير يرمله رملا زينه بالجوهر ونحوه، اللسان (ر م ل).\n(^٢) أخرجه هناد في الزهد (٧٧) من طريق سفيان به، وأخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور ٦/ ١٥٥ - ومن طريقه البيهقي في البعث والنشور (٣٣٧، ٣٤٦) من طريق حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٩، وهناد في الزهد (٧٦)، والبيهقي في البعث والنشور (٣٣٦، ٣٤٥) من طريق حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في الأصل، ت ٢، ت ٣: \"المزملة\".\n(^٥) زهد هناد (٧٤).\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٩٥، وابن حجر في الفتح ٦/ ٣٢٢.","vol":"22","page":292},{"text":"في قولِه: ﴿مَوْضُونَةٍ﴾. قال: مَرْمولةٍ (^١) بالذهبِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾. قال: الموضونةُ: المرمولةُ (^٣)، وهي أَوْثَرُ السُّرُرِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو (^٥) هلالٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَوْضُونَةٍ﴾. قال: مَرْمولةٍ (^٦).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، [عن قتادةَ] (^٧) في قولِه: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾. قال: مُرَمَّلةٍ (^٨) مُشَبَّكةٍ (^٩).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾. الوضْنُ: التشبيكُ والنَّسجُ، يقولُ: وسطُها مُشَبَّكٌ مَنْسوجٌ (^١٠).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾. قال: الموضونةُ المرمولةُ (^١١) بالجلدِ، ذاك الوضينُ، مَنْسوجةٌ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"مزملة\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مزمولة\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٤٠.\n(^٣) في الأصل: \"المزملة\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"المزمولة\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٥) في الأصل: \"ابن\". وتقدم مرارًا.\n(^٦) في الأصل، ص، ت ٢، ت ٣: \"مزمولة\".\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١.\n(^٨) في الأصل: \"مزمولة\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"مزملة\".\n(^٩) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٠ عن معمر به.\n(^١٠) عزاه ابن حجر في الفتح ٦/ ٣٢٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^١١) في الأصل، ت ٢، ت ٣: \"المزمولة\".","vol":"22","page":293},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك أنها مَصْفوفةٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾. يقولُ: مَصْفوفةٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-4995\"></span>وقولُه: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مُتَّكِئين على السُّرُرِ الموضونةِ، مُتَقابِلين بوجوهِهم، لا يَنْظُرُ بعضُهم إلى قفا بعضٍ.\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. قال: لا يَنْظُرُ أحدُهم في قفا صاحبِه (^٢).\nوذُكِر أن ذلك في قراءةِ [ابنِ مسعودٍ] (^٣): (مُتَّكئينَ عليها ناعمين) (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن أبي إسحاقَ: في قراءةِ عبدِ اللَّهِ، يعني ابنَ مسعودٍ: (متكئين عليها ناعمين) (^٥).\nوقد بيَّنا ذلك في غيرِ هذا الموضعِ، وذكَرْنا ما فيه من الروايةِ (^٦).\n\n<span id=\"aya-4996\"></span>وقولُه: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يَطوفُ على\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٣٤٧) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٥ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٤/ ٨٠.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبد الله\".\n(^٤) وهي قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٥ إلى المصنف.\n(^٦) ينظر ما تقدم في ١٤/ ٨٠.","vol":"22","page":294},{"text":"هؤلاءِ السابِقين الذين قرَّبهم اللَّهُ في جناتِ النعيمِ - [وِلْدانٌ مخلَّدون ثم (^١) اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿مُخَلَّدُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: عنى بذلك: أنهم] (^٢) وِلْدانٌ على سنٍّ واحدةٍ، لا يَتَغَيَّرون ولا يَمُوتون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُخَلَّدُونَ﴾. قال: لا يَمُوتون (^٣).\nوقال آخرون: عُنِي بذلك أنهم مُقَرَّطون مُسَوَّرون.\nوالذي هو أولى بالصوابِ في ذلك قولُ مَن قال: معناه: إنهم لا يَتَغَيَّرون ولا يَمُوتون. لأن ذلك أظهرُ معنيَيْهِ، والعربُ تقولُ للرجلِ إذا كبِر ولم يَشْمَطْ: إنه لمخلَّدٌ. وإنما هو مُفَعَّلٌ من الخُلْدِ.\n\n<span id=\"aya-4997\"></span>وقولُه: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾. والأكوابُ جمعُ كوبٍ، وهو من الأباريقِ ما اتَّسَع رأسُه، ولم يَكُنْ له خرطومٌ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٤١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٥ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":295},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿بِأَكْوَابٍ﴾. قال: الأكوابُ الجِرارُ من الفضةِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، [قال: ثنا مؤمَّلٌ] (^٢) قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾. قال: الأباريقُ ما كان لها آذانٌ، والأكوابُ ما ليس لها آذانٌ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: الأكوابُ ليس لها آذانٌ (^٤).\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سُئل الحسنُ عن الأكوابِ، قال: هي الأباريقُ التي يُصَبُّ لهم منها (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمعتُ أبي، قال: مرَّ أبو صالحٍ صاحبُ الكلبيِّ، قال: فقال أبي: قال [لي الحسنُ] (^٦) وأنا جالسٌ: سَلْه. فقلتُ: ما الأكوابُ؟ قال: جِرارُ الفضةِ المستديرةُ أفواهُها، والأباريقُ ذواتُ الخراطيمِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِأَكْوَابٍ﴾. قال: ليس لها عُرًى ولا آذانٌ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ (^٧)، عن قتادةَ قولَه: ﴿بِأَكْوَابٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣. وتقدم مرارًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٧٠ من طريق منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه هناد في الزهد (٦٩) من طريق سفيان به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٦) في الأصل: \"أخي\".\n(^٧) في الأصل: \"سويد قال ثنا شعبة\".","vol":"22","page":296},{"text":"وَأَبَارِيقَ﴾. والأكوابُ التي يُغْتَرفُ بها ليست لها خراطيمُ، وهي أصغرُ من الأباريقِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾. قال: الأكوابُ التي دونَ الأباريقِ ليس لها عُرًى (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: الأكوابُ جرارٌ ليست لها عُرًى، وهي بالنبطية كوبا (^٢).\nوإياها عنى الأعشى بقولِه (^٣):\nصَرِيفِيَّةً طَيِّبًا طَعْمُها … لها زَبَدٌ بينَ كُوبٍ ودَنْ\nوأما الأباريقُ فهي التي لها عُرًى.\nوقولُه: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾. يقولُ: وكأسِ خمرٍ من شرابٍ معينٍ، ظاهرٍ للعيونِ، جارٍ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾. قال: الخمرُ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٧٢٠ عن معمر به، وعزاه ابن حجر في الفتح ٦/ ٣٢٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في الأصل: \"كوبتى\"، وفي ص: \"كوبار\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢ إلى المصنف.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٢٠/ ٦٤٤.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"22","page":297},{"text":"مَعِينٍ﴾. أي: من خمرٍ جاريةٍ.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾: الكأسُ: الخمرُ الجاريةُ (^١).\nحدَّثنا أبو سنانٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾. قال: الخمرُ الجاريةُ.\n[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، قال: قال الضحاكُ: كلُّ كأسٍ في القرآنِ فهو خمرٌ] (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بنِ نُبَيطٍ، عن الضحاكِ مثلَه.\n\n<span id=\"aya-4998\"></span>وقولُه: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾. يقولُ: لا تُصَدَّعُ رءوسُهم عن شُرْبِها فَتَسْكَرَ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني إسماعيلُ بنُ موسى السديُّ، قال: أخبَرنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾. قال: لا تُصَدَّعُ رءوسُهم (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر أخرجه هناد في الزهد (٧٢) من طريق سلمة بن نبيط به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٧٤ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم. وينظر ما تقدم في ١٩/ ٥٣١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٩، والحسين المروزي في زوائده على الزهد لابن المبارك (١٤٨٠) من طريق شريك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":298},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾: ليس لها وجعُ رأسٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾. قال: لا تُصَدَّعُ رءوسُهم.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾. يقولُ: لا تُصَدَّعُ رءوسُهم (^٢).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾. يعني وجَعَ الرأسِ.\nوقولُه: ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (يُنْزَفُونَ) بفتحِ الزايِ (^٣)، ووجَّهوا ذلك إلى أنه لا تُنْزَفُ عقولُهم. وقرَأته عامةُ قرَأةِ الكوفةِ: ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ بكسرِ الزايِ (^٤)، بمعنى: ولا يَنْفَدُ شرابُهم.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندنا أنهما قراءتان مَعْروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ فيها الصوابَ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، على نحوِ اختلافِ القرَأةِ (^٥) فيه، وقد ذكَرْنا اختلافَ أقوالِهم في ذلك، وقد بيَّنا الصوابَ من القولِ فيه في سورةِ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٩٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٩ من طريق حصين عن مجاهد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٤٧.\n(^٤) هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٥) في الأصل: \"قراءة القرأة\".","vol":"22","page":299},{"text":"\"الصافاتِ\" (^١)، فأغنَى ذلك، عن إعادتِه في هذا الموضِعِ، غيرَ أنَّا سنَذْكُرُ قولَ بعضِهم في هذا الموضعِ؛ لئلا يَظُنَّ ظانٌّ أن معناه في هذا الموضعِ مخالفٌ معناه هنالك.\nذكرُ قولِ مَن قال منهم معناه: لا تُنزَفُ عقولُهم\nحدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى، قال: أخبَرنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾. قال: لا تُنْزَفُ عقولُهم (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾. قال: لا تُنْزَفُ عقولُهم (^٣).\nوحدَّثنا به ابنُ حميدٍ مرةً أخرى فقال: ولا تَذْهَبُ عقولُهم.\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ، ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾. يقولُ: لا تُنْزَفُ عقولُهم.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]. قال: [لا تغْلِبُهم على عقولِهم] (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِ اللَّهِ:\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٩/ ٥٣٥.\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٤٨٠)، وابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٩، والبغوي في الجعديات (٢٢٠٩)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٨٤ من طريق شريك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه هناد في الزهد (٧٣) من طريق سفيان عن رجل عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٧٤ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لا يغلب على أحد على عقله\". وينظر ما تقدم في ١٩/ ٥٣٦.","vol":"22","page":300},{"text":"﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾. قال: لا تَغْلِبُ على عقولِهم.\n\n<span id=\"aya-4999\"></span>وقولُه: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويطوفُ هؤلاء الولدانُ المخلدون على هؤلاء السابقينَ بفاكهةٍ من الفواكهِ التي يَتَخَيَّرونها من الجنةِ لأنفسِهم، وتَشْتَهِيها نفوسُهم.\n\n<span id=\"aya-5000\"></span>﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾. يقولُ: ويَطوفون أيضًا عليهم بلحمِ طيرٍ (^١) من الطيرِ [التي تَشْتَهيها] (^٢) نفوسُهم.\n\n<span id=\"aya-5001\"></span><span data-type='title' id=toc-8896>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾.</span>\nاختلَفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ الكوفةِ وبعضُ المدنيين: (وحُورٍ عِينٍ). بالخفضِ (^٣)، إتباعًا لإعرابِها إعرابَ ما قبلَها من الفاكهةِ واللحمِ، وإن كان ذلك مما لا يُطافُ به، ولكن لمَّا كان معروفًا معناه المرادُ (^٤) أُتبِع الآخرُ الأولَ في الإعرابِ، كما قال بعضُ الشعراءِ (^٥):\nإذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يومًا … وزَجَّجنَ الحواجبَ والعُيُونَا\nفالعيونُ تُكَحَّلُ ولا تُزَجَّجُ (^٦)، فرَدَّها في الإعرابِ على الحواجبِ؛ لمعرفةِ السامعِ لمعنى ذلك، وكما قال الآخرُ (^٧):\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مما يشتهون\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذي تشتهيه\".\n(^٣) هي قراءة حمزة والكسائي. حجة القراءات ص ٦٩٤، ٦٩٥.\n(^٤) في الأصل: \"أنه إذا\".\n(^٥) البيت للراعي النميري، شعره ص ١٥٦.\n(^٦) بعده في ص، ت ٢، ت ٣: \"الحواجب\"، وفي م، ت ١: \"إلا الحواجب\".\n(^٧) البيت في معاني القرآن للفراء ٣/ ١٢٣، والخصائص ٢/ ٤٣٢.","vol":"22","page":301},{"text":"تَسْمَعُ للأَحْشاءِ مِنه لَغَطًا … ولليدَيْنِ جُسْأَةً وبَدَدَا\nوالجُسْأَةُ: غِلَظٌ في اليدِ، وهي لا تُسْمَعُ.\nوقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينةِ ومكةَ والكوفةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ بالرفعِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾. على الابتداءِ (^١)، وقالوا: الحورُ العينُ لا يُطافُ بهن فيجوزَ العطفُ بهن في الإعرابِ على إعرابِ فاكهةٍ ولحمٍ، ولكنه مرفوعٌ، بمعنى: وعندَهم حورٌ عينٌ، أو: لهم حورٌ عينٌ.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندِي أن يُقالَ: إنهما قراءتان مَعْروفتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما جماعةٌ من القرَأةِ، مع تقاربِ معنَيَيْهما، فبأيِّ القراءتَيْنِ قرَأ ذلك القارئُ فمصيبٌ.\nوالحورُ جماعةُ \"حوراءَ\"، وهي النقيةُ العينِ، الشديدةُ سوادِها. والعِينُ جماعةُ (^٢) \"عيناءَ\"، وهي النجلاءُ العينِ في حُسْنٍ.\n\n<span id=\"aya-5002\"></span>وقولُه: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾. يقولُ: هنَّ في صفاءِ بياضِهن وحُسْنِهن كاللؤلؤِ المكنونِ الذي قد صِينَ في كِنٍّ.\n\n<span id=\"aya-5003\"></span>وقولُه: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثوابًا لهم من اللَّهِ بأعمالِهم التي كانوا يَعْمَلُونها في الدنيا، وعِوضًا من طاعتِهم إياه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن ابنِ عُيينةَ، عن عمرٍو، عن\n_________\n(^١) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم. حجة القراءات ص ٦٩٤، ٦٩٥.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جمع\".","vol":"22","page":302},{"text":"الحسنِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾. قال: شديدةُ (^١) السوادِ؛ سوادِ العينِ، شديدةُ (^١) البياضِ؛ بياضِ العينِ (^٢).\nقال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَحُورٌ﴾. قال: بيضٌ (^٣)، ﴿عِينٌ﴾. قال: عِظامُ الأَعْيُنِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عباسٍ الدُّوريُّ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الحورُ: سُودُ الحَدَقِ (^٥).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ الأسلميُّ، عن عبَّادِ بنِ منصورٍ الناجيِّ (^٦)، أنه سمِع الحسنَ البصريَّ يقولُ: الحُورُ: صوالحُ نساءِ بني آدمَ.\nحدَّثنا ابنُ عرفةَ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ، عن ليثِ بنِ أبي سُليمٍ، قال: بلغني أن الحورَ العينَ خُلِقن من الزعفرانِ (^٧).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ يزيدَ الطحانُ، قال: حدَّثتنا عائشةُ امرأةُ ليثٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: خُلِق الحُورُ العينُ من الزعفرانِ (^٨).\n_________\n(^١) في الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شديد\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٠٦) من طريق ابن عيينة، عن رجل، عن الحسن به.\n(^٣) في الأصل: \"بياض\".\n(^٤) أخرجه هناد في الزهد (٢٦) من طريق جويبر عن الضحاك، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الباجي\". وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ١٥٦.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣ إلى المصنف.\n(^٨) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٠٢) من طريق ليث به.","vol":"22","page":303},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا [عثمانُ بنُ سعيدٍ] (^١)، قال: سمِعتُ ليثًا، ثنى، عن مجاهدٍ، قال: حورُ العينِ خُلِقن من الزعفرانِ.\nوقال آخرون: بل معنى قولِه: ﴿حُورٌ﴾: أنهن يَحارُ فيهن الطرفُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾. قال: يَحارُ فيهن الطرفُ (^٢).\nوبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ قولِه: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ﴾ قال أهلُ التأويلِ، وجاء الأثرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمن، قال: ثنا محمدُ (^٣) بنُ الفرجِ الصَّدَفيُّ (^٤) الدِّمياطيُّ، عن عمرِو بنِ هاشمٍ، عن ابنِ أبي كريمةَ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن الحسنِ، عن أمِّه (^٥)، عن أمِّ سلمةَ، قالت: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أخبِرْني عن قولِ اللَّهِ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾. قال: \"صفاؤُهنَّ كصفاءِ الدُّرِّ الذي في الأصدافِ، الذي لا تَمَسُّه الأيدي\" (^٦).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عمر بن سعد\"، وفي م: \"عمرو بن سعد\". وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٣٧٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٠٥) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أحمد\". وينظر ما تقدم في ١٩/ ٥٤٢.\n(^٤) في الأصل: \"الكندي\".\n(^٥) في الأصل: \"أبيه\".\n(^٦) أخرجه الطبراني (٨٧٠)، وفي الأوسط (٣١٤١) مطولًا، وابن عدي ٣/ ١١١٢ مختصرًا من طريق عمرو بن هاشم به، وقال: وهذا أيضًا منكر.","vol":"22","page":304},{"text":"<span id=\"aya-5004\"></span>وقولُه: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾. يقولُ: لا يَسْمَعون فيها باطلًا من القولِ ﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾. يقولُ: ليس فيها ما يُؤْثِمُهم.\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ يقولُ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾. والتأثيمُ لا يُسْمَعُ، وإنما يُسْمَعُ اللغوُ، كما قيل: أكلتُ خُبزًا ولبنًا. واللبنُ لا يُؤْكَلُ، فجازت إذ (^١) كان معه شيءٌ يُؤْكَلُ.\n\n<span id=\"aya-5005\"></span>وقولُه: ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾. يقولُ: لا يَسْمَعون فيها من القولِ إلا: سلامًا (^٢) سلامًا. أي: اسلَمْ مما تَكْرَهُ.\nوفي نصبِ قولِه: ﴿سَلَامًا سَلَامًا﴾. وجهان؛ إن شِئْتَ جعَلته تابعًا للقِيلِ، ويكونُ السلامُ حينَئذٍ هو القيلَ، فكأنه قيل: لا يَسْمَعون فيها لغوًا ولا تأثيمًا إلَّا: سلامًا سلامًا. ولكنهم يَسْمَعون: سلامًا سلامًا.\nوالثاني: أن يكونَ نصبُه بوقوعِ القيلِ عليه، فيكونَ معناه حينَئذٍ: إلا قيلَ سلامٍ سلامٍ، فإذا (^٣) نُوِّنَ القيلُ (^٤) نُصِب قولُه: ﴿سَلَامًا سَلَامًا﴾. بوقوعِ \"قيل\" عليه.\n\n<span id=\"aya-5006\"></span><span data-type='title' id=toc-8897>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾، وهم الذين يُؤْخَذُ بهم يومَ القيامةِ ذاتَ اليمينِ، الذين أُعْطوا كتبَهم بأيمانِهم يا محمدُ، ﴿مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ أيُّ شيءٍ هم، وما لهم؟ وماذا أعدَّ لهم من\n_________\n(^١) في الأصل، ت ٢، ت ٣: \"إذا\".\n(^٢) في م: \"قيلا\"، وسقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م: \"فإن\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":305},{"text":"الخيرِ؟ وقيل: إنهم أطفالُ المؤمنين.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، قال: ثنا أبو هشامٍ المخزوميُّ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا الأعمشُ، قال: ثنا عثمانُ بنُ قيسٍ، أنه سمِع زاذانَ أبا عمرَ (^١) يقولُ: سمِعتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁ يقولُ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾. قال: أصحابُ اليمينِ أطفالُ المؤمنين (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾: أي ماذا لهم؟ وماذا أعدَّ لهم (^٣)؟\nثم ابتدَأ الخبرَ عمَّا (^٤) أعدَّ لهم في الجنةِ، وكيفَ يكونُ حالُهم إذا هم دخَلوها؟ فقال: هم ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾. يعني: في ثمرِ سِدْرٍ مُوقَرٍ من حملِه (^٥)، قد ذهَب شوكُه.\nوقد اختلَف في تأويلِه أهلُ التأويلِ؛ فقال بعضُهم: يعني بالمخضودِ: الذي قد خُضِد من الشوكِ، فلا شوكَ فيه (^٦).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ\n_________\n(^١) في م: \"عمرو\". ينظر تهذيب الكمال ٩/ ٢٦٣.\n(^٢) سيأتي تخريجه في ٢٣/ ٤٥٠.\n(^٣) تقدم تخريجه ص ٢٨٨.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عماذا\".\n(^٥) يقال: نخلة موقرة. إذا كثر حملها، والحمل ثمر الشجرة. ينظر اللسان (وق ر)، (ح م ل).\n(^٦) في الأصل: \"له\".","vol":"22","page":306},{"text":"<span id=\"aya-5007\"></span>في قولِه: ﴿سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾. [يقولُ: لا شوكَ فيه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾. قال] (^٢): خضَده وقرُه من الحملِ، ويقالُ: خُضِد حتى ذهب شوكُه، فلا شوكَ فيه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾. قال: زعَم محمدٌ أن (^٤) عكرِمةَ قال: لا شوكَ فيه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، عن عكرِمةَ في قولِه: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾. قال: لا شوكَ فيه (^٥).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ بنُ خليفةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن قَسامةَ بنِ زهيرٍ في قولِه: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾. قال: خُضِد من الشوكِ، فلا شوكَ فيه (^٦).\nحدَّثنا أبو حميدٍ الحمصيُّ أحمدُ بنُ المغيرةِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عمرُ (^٧) بنُ عمرِو بنِ عبدٍ (^٨) الأحموسيُّ، عن السَّفْرِ بنِ نُسَيرٍ (^٩) في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾. قال: خُضِد شوكُه، فلا شوكَ فيه (٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطستي، ومن طريقه السيوطي في الإتقان ٢/ ٨٨ من طريقه أبي بكر بن محمد عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٣٠٧) من طريق محمد بن سعد به.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بن\".\n(^٥) أخرجه هناد في الزهد (١٠٩) من طريق سفيان به.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣.\n(^٧) في الأصل: \"عبيد\"، وفي م: \"عمرو\". ينظر تهذيب الكمال ١١/ ١٣٤، ١٣٥.\n(^٨) في م: \"عبد الله\".\n(^٩) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بشير\". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ١٣٤.","vol":"22","page":307},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾. قال: كنا نُحدَّثُ أنه الموقَرُ الذي لا شوكَ فيه (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، [قال: ثنا أبو هلالٍ] (^٢)، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾. قال: ليس فيه شوكٌ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾. قال: لا شوكَ له (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن عكرِمةَ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾. قال: لا شوكَ فيه.\nوحدَّثني به ابنُ حميدٍ مرةً أخرى، عن مهرانَ بهذا الإسنادِ، عن عكرمةَ فقال: لا شوكَ له، وهو الموقَرُ.\nوقال آخرون: بل عُنِي به أنه المُوقَرُ حَمْلًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾. قال: يقولون: هو (^٤) الموقَرُ حَمْلًا (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٠ عن معمر عن قتادة بنحوه.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هذا\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٦٤١، ومن طريقه البيهقي في البعث والنشور (٣٠٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":308},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ القزازُ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾. قال: الموقَرُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾. قال: الموقَرُ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾. يقولُ: مُوقَرٍ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾. قال: ثمرُها أعظمُ من القِلالِ.\n\n<span id=\"aya-5008\"></span>وقولُه: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾. أما القرأةُ فعلى قراءةِ ذلك بالحاءِ ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ وكذلك هو في مصاحفِ أهلِ الأمصارِ. ورُوي عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁، أنه كان يقرؤُه: (وَطَلْعٍ مَنْضُودٍ). بالعينِ (^٢).\nحدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الزهريُّ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا زكريا، عن الحسنِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، [عن عليٍّ] (^٣)، قرَأها: (طَلْعٍ مَنْضُودٍ) (^٤).\nحدَّثنا سعيدٌ بنُ يحيى الأمويُّ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا مجالدٌ (^٥)، عن الحسنِ ابنِ سعدٍ، عن قيسِ بنِ عُبَادٍ (^٦)، قال: قرَأ رجلٌ عندَ عليٍّ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾. فقال\n_________\n(^١) أخرجه هناد في الزهد (١٠٨) من طريق سفيان به.\n(^٢) ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٥١.\n(^٣) في ص: \"رضوان اللَّه عليه\"، وفي، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"﵁\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مجاهد\". والمثبت من الأصل موافق لما في مصدر التخريج.\n(^٦) في النسخ: \"سعد\". والمثبت من تفسير القرطبي، وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٦٤.","vol":"22","page":309},{"text":"عليٌّ: ما شأنُ الطَّلحِ؟ إنما هو: (وَطَلْعٍ مَنْضُودٍ). ثم قرَأ: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨]. فقلْنا: أَوَ لا نُحوِّلُها؟ فقال: إن القرآنَ لا يُهاجُ اليومَ ولا يُحوَّلُ (^١).\nوأما الطلحُ فإن معمرَ بنَ المُثَنَّى كان يقولُ (^٢): هو عندَ العربِ شجرٌ عِظامٌ، كثيرُ الشوكِ. وأنشَد لبعضِ الحُداةِ:\nبشَّرها دليلُها وقالا\nغدًا تَرَيْنَ الطَّلْحَ والحِبالا (^٣)\nوأما أهلُ التأويلِ من الصحابةِ والتابِعين فإنهم يقولون: إنه (^٤) المَوْزُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا سليمانُ التيميُّ، عن أبي سعيدٍ، مولي بني رَقاشٍ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن الطلحِ، فقال: هو المَوْزُ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا سليمانُ التيميُّ، قال: ثنا أبو سعيدٍ الرَّقاشيُّ، أنه سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: الطلحُ المنضودُ هو المَوْزُ.\nحدَّثني يعقوبُ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا ابنُ عليةَ، عن سليمانَ، قال: ثنا أبو سعيدٍ الرَّقاشيُّ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: ما الطلحُ المنضودُ؟ قال (^٤): المَوْزُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: ثنا أبو سعيدٍ الرَّقاشيُّ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن الطلحِ، فقال: هو المَوْزُ.\n_________\n(^١) أخرجه أبو بكر الأنباري في المصاحف - كما في تفسير القرطبي ١٧/ ٢٠٨ - من طريق مجالد به.\n(^٢) في مجاز القرآن ٢/ ٢٥٠.\n(^٣) في الأصل: \"الجبالا\".\n(^٤) بعده في م: \"هو\".","vol":"22","page":310},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن التيميِّ، عن أبي سعيدٍ الرَّقاشيِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾. قال: المَوْزُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن الكلبيِّ، عن الحسنِ بنِ سعدٍ (^٢)، عن عليٍّ ﵁: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾. قال: المَوْزُ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن رجلٍ من أهلِ البصرةِ أنه سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ في الطلحِ المنضودِ: هو المَوْزُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾. قال: موزُكم؛ لأنهم كانوا يُعْجَبون بِوَجٍّ (^٤) وظلالِه من طلحِه وسدرِه (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾. قال: المَوْزُ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ بنُ خليفةَ، عن عوفٍ، عن قَسامةَ، قال: الطلحُ المنضودُ هو المَوْزُ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٠، وهناد في الزهد (١١١) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٧ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"سعيد\". ينظر تهذيب الكمال ٦/ ١٦٣.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٠، وهناد في الزهد (١١٢) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٧ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٤) وَجّ، بفتح أوله وتشديد ثانيه: الطائف، وقيل: هو وادي الطائف.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٦٤٢، ومن طريقه البيهقي في البعث (٣٠٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٧ إلى هناد وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤.","vol":"22","page":311},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾. قال: الموزُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾. قال: الموزُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾: كنا نُحدَّثُ أنه الموزُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾. قال: اللَّهُ أعلمُ، إلا أنَّ أهلَ اليمنِ يُسَمُّون الموزَ الطلحَ (^٢).\nوقولُه: ﴿مَنْضُودٍ﴾. يعني أنه قد نُضِدَ بعضُه على بعضٍ، وجُمِع بعضُه إلى بعضٍ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾. قال: بعضُه على بعضٍ (^٣).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾. قال موزُكم (^٤)؛ لأنهم كانوا (^٥) يُعْجَبون بوجٍّ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٠ عن معمر به، وأخرجه الطيالسي - كما في المطالب (٤١٣٥) - من طريق خالد بن قيس عن قتادة.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٧ إلى المصنف.\n(^٤) في ص، ت ٢، ت ٣: \"مراكم\"، وفي م: \"متراكم\". وينظر ما تقدم في الصفحة السابقة.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"22","page":312},{"text":"وظلالِه من طلحِه وسدرِه (^١).\n\n<span id=\"aya-5009\"></span>وقولُه: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾. يقولُ: وهم في ظلٍّ دائمٍ لا تَنْسَخُه الشمسُ فتُذْهِبَه، وكلُّ ما لا انقِطاعَ له فإنه ممدودٌ، كما قال لبيدٌ (^٢):\nغلَب البقاءُ وكنتُ غيرَ مُغلَّبِ … دهرٌ طويلٌ دائمٌ ممدودُ\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك جاءت الآثارُ، وقال به أهلُ العلمِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾. قال: خمسَمائةِ ألفِ سنةٍ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن زيادٍ مولى بني مخزومٍ، عن أبي هريرةَ، قال: إن في الجنةِ لشجرةً يسيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ (^٤)، اقرَءُوا إن شِئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾. فبلَغ ذلك كعبًا، فقال: صدَق والذي أنزَل التوراةَ على لسانِ موسى، والفرقانَ (^٥) على لسانِ (^٦) محمدٍ، لو أن رجلًا ركِب حِقَّةً أو جَذَعَةً، ثم دارَ بأصلِ تلك الشجرةِ ما بلَغها حتى يَسْقُطَ هَرَمًا، إن اللَّهَ ﷿ غرَسها بيدِه، ونفَخ فيها من روحِه، وإن أفنانَها لمن وراءِ سورِ الجنةِ، وما في الجنةِ نهرٌ إلَّا وهو يَخْرُجُ من أصلِ تلك الشجرةِ (^٧).\n_________\n(^١) تقدم ص ٣٠٩.\n(^٢) شرح ديوان لبيد ص ٣٦.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٦ عن المصنف.\n(^٤) في الأصل: \"سنة\"، وسقط من: ص.\n(^٥) في الأصل: \"القرآن\".\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٠٥، وهناد في الزهد (١١٤)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٤٤) من طريق إسماعيل بن أبي خالد به.","vol":"22","page":313},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن زيادٍ مولًى لبني مخزومٍ، أنه سمِع أبا هريرةَ يقولُ، ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال: وما في الجنةِ من نهرٍ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾. قال: مسيرةَ سبعين ألفَ سنةٍ (^١).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني أبو يحيى بنُ سليمانَ، عن هلالِ بنِ عليٍّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي عَمرةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ: \"إن في الجنةِ شجرةً يَسِيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ سنةٍ، اقرَءُوا إِن شِئْتُم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ \" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا [الحسينُ، عن محمدِ بنِ زيادٍ] (^٣)، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: سمِعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: \"إن في الجنةِ شجرةً يَسِيرُ الراكبُ في ظلِّها (^٤) مائةَ عامٍ، اقرَءوا إِن شِئْتُم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ \".\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي الضَّحاكِ (^٥)، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إن في الجنةِ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٦ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٦ -، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ١٤٩ - ١٥٠، والبيهقي في البعث والنشور (٢٩٨) من طريق سفيان به، وأخرجه البيهقي في البعث والنشور (٢٩٩) من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه أحمد ١٦/ ١٨٠، ١٨١ (١٠٢٥٩)، والبخاري (٣٢٥٢) من طريق أبي يحيى فليح بن سليمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٧ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحسين بن محمد عن زياد\"، ينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٢١٧.\n(^٤) في الأصل: \"ظل ساقها\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الضحى\".","vol":"22","page":314},{"text":"لشجرةً يَسِيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يَقْطَعُها؛ شجرةَ الخلدِ\" (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ أبا الضحاكِ يُحدِّثُ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"إن في الجنةِ لشجرةً يَسِيرُ الراكبُ في ظلِّها سبعين أو مائةَ عامٍ، هي شجرةُ الخُلْدِ\" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا عمرانُ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: \"إن في الجنةِ لشجرةً يَسِيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يَقْطَعُها\" (^٣).\nحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا عمرانُ، عن محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَ ذلك.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عبدةُ وعبدُ الرحيمِ (^٥)، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"في الجنةِ شجرةٌ يَسِيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ (^٦) لا يَقْطَعُها، واقرَءوا إن شِئْتُم قولَه: ﴿وَظِلٍّ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١٦/ ٣٤ (٩٩٥٠) عن عبد الرحمن به، وأخرجه الطيالسي (٢٦٧٠)، وعبد بن حميد (١٤٥٥)، والدارمي ٢/ ٣٣٨، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٤٣، ٦٣) من طريق شعبة به.\n(^٢) أخرجه أحمد ١٥/ ٥٣٧ (٩٨٧٠) عن محمد بن جعفر به.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢٥١٩) عن طريق عمران به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٧ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٤) أخرجه أحمد ١٦/ ٩٣، ٩٤ (١٠٠٦٥) من طريق حماد به.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبد الرحمن\". والمثبت من الأصل موافق لما في سنن الترمذي عن عبد الرحمن بن سليمان، وقد جاء في سنن ابن ماجه \"عبد الرحمن بن عثمان\". وينظر تحفة الأشراف ١١/ ٨، ١٠.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سنة\".","vol":"22","page":315},{"text":"مَمْدُودٍ﴾ \" (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا فِرْدَوسٌ، قال: ثنا ليثٌ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إن في الجنةِ شجرةً يَسِيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ سنةٍ\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ، قال: بلَغني أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال (^٣): \"في الجنةِ شجرةٌ يَسِيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يَقْطَعُها\" (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا خالدٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ. [وبمثلِه عن خِلَاسٍ] (^٥).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا أبو حصينٍ، قال: كنا على بابٍ في موضعٍ ومعنا أبو صالحٍ وشقيقٌ، يعني الضبيَّ، فحدَّث أبو صالحٍ، فقال:\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٢٩٢) عن أبي كريب به، وأخرجه هناد في الزهد (١١٣) عن عبدة به، وأخرجه ابن ماجه (٤٣٣٥) من طريق عبد الرحمن بن عثمان، عن محمد بن عمرو به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٠١، ١٠٢، والدارمي ٢/ ٣٣٨، وأحمد ١٥/ ٤٠٧ (٩٦٥٠)، والنسائي في الكبرى (١١٠٨٥)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٥ - من طريق محمد بن عمرو به.\n(^٢) أخرجه أحمد ١٥/ ٥١٧ (٩٨٣٢)، ومسلم (٢٨٢٦/ ٦)، والترمذي (٢٥٢٣)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٤٢)، والنسائي في الكبرى (١١٦٥) من طريق الليث به.\n(^٣) بعده في م: \"إن\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٦ عن عوف به.\n(^٥) في الأصل: \"بمثله وعن خلاس\"، وفي ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بمثله عن خلاس\". والحديث أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٥٨٠) من طريق عوف، عن خلاس ومحمد بن سيرين به.","vol":"22","page":316},{"text":"حدَّثني أبو هريرةَ، قال: إن في الجنةِ لشجرةً يَسيرُ الراكبُ في ظلِّها سبعين عامًا. فقال أبو صالحٍ: أَتُكَذِّبُ أبا هريرةَ؟ فقال: ما أُكَذِّبُ أبا هريرةَ، ولكني أُكَذِّبُك أنت (^١). قال: فشقَّ على القرَّاءِ يومَئذٍ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾. قال: فحُدِّثنا، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: إن في الجنةِ لشجرةً يَسيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يَقْطَعُها.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾. قال قتادةُ: حدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ، أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال: \"إن في الجنةِ لشجرةً يسيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يَقْطَعُها\" (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: \"إن في الجنةِ لشجرةً يَسيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يَقْطَعُها\" (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرةَ مثلَ ذلك أيضًا (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٦ عن المصنف.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٢٥١) من طريق يزيد به، وأخرجه أحمد ٢١/ ١٢٤ (١٣٤٥٨) من طريق سعيد به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٠، وفي المصنف (٢٠٨٧٦) - ومن طريقه أحمد ١٩/ ٣٨٢، ٢٠/ ١١١ (١٢٣٩٠، ١٢٦٧٧)، وعبد بن حميد (١١٨٣)، والترمذي (٣٢٩٣)، وأبو يعلى (٣٠٣٨)، والبيهقي في البعث والنشور (٢٩٦) - عن معمر به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧١، وفي المصنف (٢٠٨٧٨) - ومن طريقه أحمد ٢٠/ ١١١ (١٢٦٧٧)، والبيهقي في البعث والنشور (٢٩٥، ٢٩٦) - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٧ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"22","page":317},{"text":"<span id=\"aya-5010\"></span>وقولُه: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وفيه أيضًا ماءٌ مسكوبٌ، يعني: مصبوبٌ سائلٌ في غيرِ أخدودٍ.\nكما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾. قال: يَجْرِي في غيرِ أخدودٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-5011\"></span><span data-type='title' id=toc-8898>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: قولُه ﷿: يقولُ: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وفيها فاكهةٌ كثيرةٌ لا يَنْقَطِعُ عنهم شيءٌ منها أرادوه في وقتٍ من الأوقاتِ، كما تَنْقَطِعُ فواكهُ الصيفِ في الشتاءِ في الدنيا، ولا يمنعُهُم منها ولا يَحُولُ بينَهم وبينَها شوكٌ على أشجارِها، أو بُعْدُها منهم، كما تَمْتَنِعُ فواكهُ الدنيا من كثيرٍ ممن أرادها، بِبُعْدِها على الشجرِ (^٢) منهم، أو بما على شجرِها من الشوكِ، ولكنها إذا اشتهاها أحدُهم وقَعت في فيه، أو دنَت منه حتى يتناولَها بيدِه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nوقد ذكَرنا الروايةَ فيما مضَى قبلُ (^٣)، ونَذْكُرُ بعضًا آخرَ منها.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٧.\n(^٢) في م: \"الشجرة\".\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١٢/ ٥٨٨ - ٥٩٠.","vol":"22","page":318},{"text":"<span id=\"aya-5012\"></span>في قولِه: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾. قال: لا يَمْنَعُه شوكٌ ولا بُعْدٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-5013\"></span>[وقولُه: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولهم فيها فُرُشٌ مرفوعةٌ، طويلٌ بعضُها فوقَ بعضٍ] (^٢). كما يُقالُ: بناءٌ مرفوعٌ.\nوكالذي حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا رِشْدِينُ بنُ سعدٍ، عن عمرِو بنِ الحارثِ، عن درَّاجٍ أبي السمحِ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾. قال: \"إن ارتفاعَها لكَما بينَ السماءِ والأرضِ، وإن ما بينَ السماءِ والأرضِ لمسيرةَ خمسِمائةِ عامٍ\" (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن درَّاجٍ عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾. \"والذي نفسِي بيدِه إن ارتفاعَها … \". ثم ذكَر مثلَه (^٤).\n\n<span id=\"aya-5014\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا خلَقْناهنَّ خلقًا فأوجَدْناهن. قال أبو عبيدةَ (^٥): يعني بذلك\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٨.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٥٤٠، ٣٢٩٤) عن أبي كريب به، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٥٩٥) من طريق رشدين به، وأخرجه أيضًا (٢٧٤) من طريق عمرو بن الحارث به، وأخرجه أحمد ١٨/ ٢٤٧ (١١٧١٩)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٥٧)، وأبو يعلى (١٣٩٥) من طريق دراج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٧ إلى النسائي والروياني وابن مردويه. وقال ابن كثير في تفسيره ٨/ ٨: قال النسائي وأبو عيسى الترمذي: .... ثم ذكر الحديث. ولم يعزه المزي في التحفة ولا الحافظ في أطراف المسند إلى النسائي.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٨ - عن يونس به، وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٨ - وابن حبان (٧٤٠٥)، والبيهقي في البعث والنشور (٣٤٢)، والضياء في صفة الجنة - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٨ - من طريق ابن وهب به.\n(^٥) في الأصل: \"عبيد\"، وينظر مجاز القرآن ٢/ ٢٥١ مختصرًا.","vol":"22","page":319},{"text":"الحُورَ العينَ اللاتي ذكَرهن قبلُ، فقال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾، ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾. وقال الأخفشُ: أضمَر \"هنَّ\" ولم يَذْكُرْ \"هنَّ\" قبلَ ذلك.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾. قال: خلَقناهن (^١) خَلقًا (^٢).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن شيبانَ، عن جابرٍ الجُعْفِيِّ، عن يزيدَ بنِ مرةَ، عن سلمةَ بنِ يزيدُ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ في هذه الآيةِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾. قال: من الثُّيَّبِ والأبكارِ (^٣).\nوقولُه: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾. يقولُ: فصيَّرناهن أبكارًا عذارَى، بعدَ إذ كنَّ (^٤).\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن موسى بنِ عبيدةَ، عن يزيدَ بنِ أبانٍ الرقاشيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾. قال: \"عجائزَ كنَّ في الدنيا عُمْشًا رُمْصًا\" (^٥).\n_________\n(^١) في الأصل: \"خلقهن\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧١ عن معمر به.\n(^٣) أخرجه الطيالسي (١٤٠٣)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٩ - وابن قانع في معجم الصحابة ١/ ٢٧٤، والطبراني (٦٣٢٢)، وتفسير مجاهد ص ٦٢٢، والبيهقي في البعث والنشور (٣٨١) من طريق شيبان به، وأخرجه الطبراني (٦٣٢١)، وابن الأثير في أسد الغابة ٢/ ٤٣٦ من طريق جابر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور كما في المخطوطة المحمودية ص ٤٠٤ إلى ابن مردويه.\n(^٤) لعل المعنى: بعد إذ خلقن، أو لعله حذف خبر كان اعتمادًا على ما سيأتي، أي: بعد إذ كن عجائز.\n(^٥) أخرجه هناد في الزهد (٢١)، والترمذي (٣٢٩٦)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٨٧)، والبيهقي =","vol":"22","page":320},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، [عن سفيانَ] (^١)، عن موسى بنِ عُبيدةَ، عن يزيدَ بنِ أبانٍ الرقاشيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \" ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ \". قال: \"نساءً (^٢) عجائزَكُنَّ في الدنيا عُمْشًا رُمْصًا\".\nحدَّثنا عمرُ بنُ إسماعيلَ بنِ مجالدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ الكلابيُّ، عن موسى بنِ عُبيدةَ الرَّبَذِيِّ، عن يَزِيدَ الرَّقاشيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ في قولِه: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾. قال: \"منهن العجائزُ اللاتي كُنَّ في الدنيا عُمْشًا رُمْصًا\".\nحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ داودَ، عن موسى بنِ عُبَيدةَ الرَّبَذيِّ، عن يزيدَ الرَّقاشيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ[بمثلِه، إلا أنه قال: عن العجائزِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عبيدةَ، عن يزيدَ الرقاشيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ] (^٣) في قولِه: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾. قال: \"هُنَّ اللواتي كُنَّ في الدنيا عجائزَ عُمْشًا رُمْصًا\".\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ عاصمٍ، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن قتادةَ، عن صفوانَ بنِ محرزٍ في قولِه: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾. قال: منهنَّ (^٤) العُجُزُ (^٥) الرُّمْصُ.\n_________\n= في البعث والنشور (٣٨٠) من طريق موسى بن عبيدة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٨ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^١) سقط من النسخ، وينظر الأثر السابق.\n(^٢) في م: \"أنشأ\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م: \"فهن\".\n(^٥) في الأصل: \"العجائز\".","vol":"22","page":321},{"text":"<span id=\"aya-5015\"></span>حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾: قال: إن منهن للعُجُزَ (^١) الرُّجَّفَ، أنشَأهُنَّ اللَّهُ في هذا الخلقِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾. قال قتادةُ: كان صفوانُ بنُ محرزٍ يقولُ: إن منهن العُجُزَ الرُّجَّفَ، صيَّرهن اللَّهُ كما تَسْمَعون.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَبْكَارًا﴾. قال: يقولُ: عذارَى.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الفرجِ الصَّدَفيُّ، الدِّمياطيُّ، عن عمرِو بنِ هاشمٍ (^٢)، عن ابنِ أبي كريمةَ، عن هشامِ بنِ (^٣) حسانَ، عن الحسنِ، [عن أمِّه] (^٤)، عن أمِّ سلمةَ، زوجِ النبيِّ ﷺ، أنها قالت: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أخبِرْني عن قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾. قال: \"هُنَّ اللواتي قُبِضْنَ في الدنيا عجائزَ رُمْصًا شُمْطًا، خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بعدَ الكِبَرِ، فجعَلهن عَذَارَى\" (^٥).\n\n<span id=\"aya-5016\"></span>حدَّثنا أبو عبيدٍ الوَصَّابِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ حِمْيَرٍ (^٦)، قال: ثنا ثابتُ بنُ\n_________\n(^١) في الأصل: \"العجائز\".\n(^٢) في الأصل: \"مسلم\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٢٧٥.\n(^٣) في الأصل: \"عن\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه الطبراني (٨٧٠)، وفي الأوسط (٣١٤١)، وابن مردويه - كما في تخريج الزيلعي ٣/ ٤٠٦ - من طريق عمرو بن هاشم به، وأخرجه الثعلبي - كما في تخريج الزيلعي ٣/ ٤٠٦ - من طريق الحسن عن أم سلمة به.\n(^٦) في الأصل: \"جبير\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ١١٦.","vol":"22","page":322},{"text":"عجلانَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ، يُحدِّثُ عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا﴾. قال: هن من بني آدمَ، نساءٌ كنَّ في الدنيا، يُنْشِئُهن اللَّهُ أبكارًا عذَارَى أترابًا (^١) عُرُبًا.\nوقولُه: ﴿عُرُبًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فجعَلناهن أبكارًا غَنِجاتٍ (^٢)، مُتَحَبِّباتٍ إلى أزواجِهن، يُحْسِنَّ التَّبَعُّلَ، وهي جمعٌ، واحدُهن عَرُوبٌ، كما واحدُ الرسلِ رسولٌ، وواحدُ القُطْفِ قَطُوفٌ؛ ومنه قولُ لبيدٍ (^٣):\nوفي الحدُوجِ (^٤) عَروبٌ غيرُ فاحشةٍ … ريَّا الروادفِ يَعْشَى دونَها البصرُ\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبانٍ وإسماعيلُ بنُ صُبيحٍ، عن أبي أُويسٍ (^٥)، عن ثورِ بنِ (^٦) زيدٍ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾. قال: المَلَقَةُ (^٧).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) الغُنْج في الجارية: التكسُّر والتدلُّل. اللسان (غ ن ج).\n(^٣) شرح ديوان لبيد ص ٦١.\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١: \"الجزوع\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"الخدوع\". والحدوج: جمع حدج، وهو مركب تركبه النساء، نحو الهودج والمحفة. ينظر اللسان (ح د ج).\n(^٥) في م: \"إدريس\".\n(^٦) في الأصل: \"عن\".\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم من طريقه عكرمة عن ابن عباس.","vol":"22","page":323},{"text":"قولَه: ﴿عُرُبًا﴾، يقولُ: عواشقَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿عُرُبًا﴾. قال: العُرُبُ المتحبِّباتُ المتودِّداتُ إلى أزواجِهنَّ (^٢).\nحدَّثني سليمانُ (^٣) بنُ عبيدِ اللَّهِ الغَيْلانيُّ، قال: ثنا [أيوبُ، قال: أخبَرنا] (^٤) قرةُ، عن الحسنِ، قال: العُرُبُ العواشقُ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿عُرُبًا﴾. قال: العُرُبُ المَغْنوجةُ (^٦).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن شعبةَ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ، قال: هي المغنوجةُ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا عُمارةُ بنُ أبي حفصةَ، عن عكرِمةَ في قولِه: ﴿عُرُبًا﴾. قال: غَنِجاتٍ.\nحدَّثني عليُّ بنُ الحسينِ (^٧) الأَزْديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في البعث (٣٧٧) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٨ إلى المصنف.\n(^٣) في الأصل: \"محمد بن سليمان\".\n(^٤) في الأصل: \"أبو قتيبة قال ثنا\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"العاشق\"، والأثر أخرجه هناد في الزهد (٣٣) من طريق أشعث عن الحسن نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحسن\".","vol":"22","page":324},{"text":"أبي إسحاقَ التيميِّ، عن صالحٍ بنِ حيانَ، عن ابنِ (^١) بُرَيدةَ: ﴿عُرُبًا﴾. قال: الشَّكِلةَ بلغةِ مكةَ، والمغنوجةَ (^٢) بلغةِ المدينةِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: سمِعتُ إبراهيمَ التيميَّ، يعني ابنَ الزَّبْرِقانِ، عن صالحٍ بنِ حيانَ، عن [ابنِ بريدةَ] (^٤) بنحوِه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن عثمانَ بنِ بشارٍ، عن تَميمِ بنِ حَذْلَمٍ قولَه: ﴿عُرُبًا﴾. قال: حُسْنَ تبعُّلِ المرأةِ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن عثمانَ بن بشارٍ، عن تَميمِ بنِ حَذْلَمٍ قولَه: ﴿عُرُبًا﴾. قال: العَرِبةُ الحسَنةُ التبعُّلِ. قال: وكانت العربُ تقولُ للمرأةِ إذا كانت حسَنةَ التبعُّلِ: إنها العَرِبةُ (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أُسامةَ بنِ زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه: ﴿عُرُبًا﴾. قال: حَسَناتِ الكلامِ (^٦).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ. قال: عواشقَ (^٧).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن شريكٍ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ مثلَه.\n_________\n(^١) في الأصل، م: \"أبى\". ينظر تهذيب التهذيب ٤/ ٣٨٦.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الفنجة\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) في الأصل: \"أبي بريدة\"، وفي م: \"أبي يزيد\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٨ إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٧) أخرجه هناد في الزهد (٣٢) من طريق ليث عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":325},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن خُصَيفٍ (^١)، عن مجاهدٍ في: ﴿عُرُبًا﴾. قال: العُرُبُ المتحبِّباتُ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عُرُبًا﴾. قال: العُرُبُ العواشِقُ (^٢).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن غالبٍ أبي الهذَيلِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿عُرُبًا﴾. قال: هي المتحببةُ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن غالبٍ أبي الهذيلِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿عُرُبًا﴾. قال: العُربُ اللاتي يشتهين أزواجَهن (^٣).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا بنُ يمانٍ، عن المباركِ بنِ فضالةَ، عن الحسنِ، قال: المشتَهيةُ لبُعولتِهن (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخبَرنا عثمانُ بنُ الأسودِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبيدٍ (^٥)، قال: العُرُبُ التي تَشْتَهي زوجَها (^٦).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حصين\".\n(^٢) أخرجه هناد في الزهد (٣٠) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه هناد في الزهد (٣١) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦٤٣، ومن طريقه البيهقي في البعث والنشور (٣٨٣) من طريق المبارك بن فضالة به بلفظ: المتعشقات لبعولتهن. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبيد اللَّه\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٨ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"22","page":326},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبيدِ بنِ عُميرٍ: ﴿عُرُبًا﴾. قال: العَرِبةُ التي تَشْتَهي زوجَها، ألا ترى أن الرجلَ يقولُ للناقةِ: إنها لعَرِبةٌ؟\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿عُرُبًا﴾ قال: عُشَّقًا لأزواجِهن (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿عُرُبًا﴾. قال: عُشَّقًا لأزواجِهن، يُحْببْنَ أزواجَهن حبًّا شديدًا.\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: العُرُبُ المتحبِّباتُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿عُرُبًا﴾. قال: مُتحبِّباتٍ إلى أزواجِهن (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿عُرُبًا﴾. قال: العرُبُ الحسَنةُ الكلامِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، قال: سُئل\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧١ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٤٣، ومن طريقه البيهقي في البعث والنشور (٣٨٤)، وأخرجه سفيان بن عيينة في تفسيره - كما في التغليق ٤/ ٣٣٤ - عن ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٢.","vol":"22","page":327},{"text":"الأوزاعيُّ عن: ﴿عُرُبًا﴾. فقال: سمِعت يحيى يقولُ: هن العواشقُ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الفرجِ الصَّدَفيُّ الدِّمياطيُّ، عن عمرِو بنِ هاشمٍ، عن ابنِ (^٢) أبي كريمةَ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن الحسنِ، عن أمِّه، عن أمِّ سلمةَ، قالت: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَخبِرني عن قولِه: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾. قال: \"عُرُبًا مُتَعشِّقاتٍ مُتَحبِّباتٍ، أترابًا على ميلادٍ واحدٍ\" (^٣).\nحدَّثني محمدُ (^٤) بنُ حفصٍ أبو عبيدٍ الوصابيُّ، قال: ثنا [محمدُ بنُ حِمْيَرٍ] (^٥)، قال: ثنا ثابتُ بنُ عجلانَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يُحَدِّثُ عن ابنِ عباسٍ: ﴿عُرُبًا﴾. قال: العُربُ الشُّوْقُ.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ قرأةِ الكوفيين: ﴿عُرُبًا﴾ بضمِّ العينِ والراءِ (^٦). وقرَأه بعضُ قرَأةِ الكوفةِ والبصرةِ: (عُرْبًا) بضمِّ العينِ وتخفيفِ الراءِ، وهي لغةُ تميمٍ وبكرٍ (^٧). والضمُّ في الحرفين أولى القراءتين بالصوابِ (^٨)؛ لما ذكَرتُ من أنها جمعُ \"عَروبٍ\"، وإن كان فَعولٌ أو فَعيلٌ أو فِعالٌ إذا جُمِع جُمِع على فُعُلٍ بضمِّ الفاءِ والعينِ، مذكَّرًا كان أو مؤنثًا، والتخفيفُ في العينِ جائزٌ، وإن كان الذي ذكَرت أقصى الكلامين عن وجهِ التخفيفِ.\nوقولُه: ﴿أَتْرَابًا﴾. يعني أنهن مُستوياتٌ على سنٍّ واحدةٍ، واحدتُهن تِرْبٌ،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١١.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) تقدم تخريجه ص ٣٢٢.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ص ٥٣.\n(^٥) في الأصل: \"أحمد بن حميد\". وينظر ما تقدم في ص ٣٢٢.\n(^٦) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص. حجة القراءات ص ٦٩٦.\n(^٧) هي قراءة حمزة وعاصم في رواية شعبة. حجة القراءات ص ٦٩٦.\n(^٨) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"22","page":328},{"text":"كما يُقالُ: شِبهٌ وأَشْباهٌ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليُّ بنُ الحسينِ بنِ الحارثِ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، عن سلمةَ بنِ سابورَ، عن عطيةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الأترابُ: المستوياتُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَتْرَابًا﴾. قال: أمثالًا (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَتْرَابًا﴾، يعني: سنًّا واحدةً.\nحدَّثني ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^٣).\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَتْرَابًا﴾. قال: الأترابُ المستوياتُ.\n\n<span id=\"aya-5017\"></span>وقولُه: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أنشَأنا هؤلاء اللواتي وصَف صفتَهنَّ من الأبكارِ - للذين يُؤْخَذُ بهم ذاتَ اليمينِ من موقفِ الحسابِ إلى الجنةِ.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في البعث (٣٧٧) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٤٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٨ إلى سفيان بن عيينة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧١ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":329},{"text":"<span id=\"aya-5018\"></span><span data-type='title' id=toc-8899>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: الذين لهم هذه الكرامةُ، التي وصَف صفتَها في هذه الآياتِ، ثُلَّتان، وهي جَماعتان وأمَّتان وفِرْقتان: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾. يعني: جماعةٌ من الذين مضَوا قبلَ أمةِ محمدٍ ﷺ.\n\n<span id=\"aya-5019\"></span>﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾. يقولُ: وجماعةٌ من أمةِ محمدٍ ﷺ.\n[وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت الآثارُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ] (^١).\nذكرُ الروايةِ بذلك\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، قال: قال الحسنُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾: من الأممِ، ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾: أمةُ محمدٍ ﷺ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو (^٢)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: أمةٌ (^٣).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وقال به أهل التأويل\".\n(^٢) في ت ١، ت ٢: \"عمر\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٤٣ ومن طريقه الفريابي - كما في الفتح ٨/ ٦٢٦ -، وعبد بن حميد - كما في التغليق ٤/ ٣٣٥.","vol":"22","page":330},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثنا الحسنُ، عن حديثِ عمرانَ بنِ حصينٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، قال: تحدَّثنا عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ذاتَ ليلةٍ حتى أَكْرَينا (^١) في الحديثِ، ثم رجَعنا إلى أَهْلِينا، فلما أَصْبَحنا غدَوْنا على رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"عُرِضَتْ عليَّ الأنبياءُ الليلةَ بأتباعِها من أُمَمِها، فكان النبيُّ يَجِيءُ معَهُ الثُّلَّةُ من أُمَّتِه، والنبيُّ معَه العصابةُ من أُمَّتِه؛ والنبيُّ معَه النفرُ من أُمَّتِه، والنبيُّ معَه الرجلُ من أُمَّتِه، والنبيُّ ما معَه من أمتِه أحدٌ من قومِه، حتى أتَى عليَّ موسى بنُ عمرانَ في كَبْكبةٍ (^٢) من بني إسرائيلَ؛ فلما رأيتُهم أعجَبُوني، فقُلْتُ: أي ربِّ، مَن هؤلاء؟ قال: هذا أخوك موسى بنُ عمرانَ ومَن معَه من بني إسرائيلَ. فقلتُ: يا ربِّ، فأينَ أُمَّتي؟ فقِيل: انظر عن يمينِك، فإذا ظِرابُ (^٣) مكةَ قد سُدَّت بوجوهِ الرجالِ، فقلتُ: مَن هؤلاء؟ قِيل: هؤلاء أمَّتُك. فقيل: أَرضِيتَ؟ فقلتُ: ربِّ رضيتُ، ربِّ رضيتُ، قِيل: انظر عن يسارِك. فإذا الأفقُ قد سُدَّ بوجوهِ الرجالِ، فقلتُ: ربِّ مَن هؤلاء؟ قيل: هؤلاء أُمَّتُك. فقِيل: أرضيتَ؟ فقلتُ: ربِّ رَضِيتُ. فقِيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفًا من أُمَّتِك، يدخُلون الجنةَ لا حسابَ عليهم\". قال: فأنشَأ عُكَّاشةُ بنُ مِحْصَنٍ، رجلٌ من بني أسدِ بنِ خزيمةَ، فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، ادْعُ رَبَّك أن يَجْعَلَني منهم. قال: \"اللَّهم اجْعَلْه منهم\". ثم أنشَأ رجلٌ آخرُ فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، ادْعُ رَبَّك أن يَجْعَلَني منهم. قال: \"سبَقَك بها عُكَّاشةُ\". فقال نبيُّ اللَّهِ ﷺ: \"فِدًى لكم أَبي وأُمِّي، إن استَطَعتم أن تَكونوا من السَّبعينَ فكونوا، فإن عجَزتم وقصَّرتم، فكونوا من أهلِ الظِّرابِ، فإن\n_________\n(^١) في الأصل: \"أكثرنا\"، وفي ت ١: \"أكربنا\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"أكرمنا\" وأكرينا: أطلنا وأخرنا. ينظر النهاية ٤/ ١٧٠.\n(^٢) كبكبة، بضم الكاف وفتحها: الجماعة المتضامة من الناس وغيرهم. النهاية ٤/ ١٤٤.\n(^٣) الظراب: واحدها ظرِب، وهو الجبل المنبسط أو الصغير. القاموس المحيط (ظ ر ب).","vol":"22","page":331},{"text":"عجَزتم وقصَّرتم، فكونوا من أهل الأُفقِ، فإني رأيتُ ثَمَّ (^١) أُناسًا يَتَهَرَّشون (^٢) كثيرًا - أو قال: - يَتَهَوَّشون (^٣) \". قال: فتراجَع المؤمنون، أو قال: فتراجَعْنا على هؤلاءِ السبعينَ. فصار من أمرِهم أن قالوا: نراهم ناسًا وُلِدوا في الإسلامِ، فلم يَزَالوا يَعْمَلون به حتى ماتوا عليه. فنمَى حديثُهم ذاك إلى نبيِّ اللَّهِ ﷺ، فقال: \"ليس كذاك، ولكنهم الذين لا يَسْتَرْقون، ولا يَكْتَوون، ولا يَتَطَيَّرون، وعلى ربِّهم يَتَوكَّلون\". ذُكِر لنا (^٤) أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال يومَئذٍ: \"إني لأَرْجو أن يكونَ مَن تَبِعني مِن أُمَّتِي رُبعَ أهلِ الجنةِ\". فكَبَّرنا، ثم قال: \"إني لأَرْجو أن تَكونوا الشطرَ\". فكبَّرنا، ثم تلَا رسولُ اللَّهِ ﷺ هذه الآيةَ: \" ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ \" (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ بشرٍ البجليُّ، عن الحكمِ بنِ عبدِ الملكِ، عن قتادةَ، عن الحسنِ عن عمرانَ بنِ حصينٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، قال: تحدَّثنا لَيْلةً عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ، حتى أكْرَينا - أو أَكثَرنا - ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال: \"فإذا الظِّرابُ ظِرابُ مكةَ مَسدودةٌ بوجوهِ الرجالِ\". وقال أيضًا: \"فإني رأيتُ عندَه أناسًا يَتَهاوَشونَ كثيرًا\". قال: فقلْنا: مَن هؤلاء السبعون ألفًا؟ فاتفَق رأيُنا على أنهم قومٌ وُلِدوا في الإسلامِ، ويَموتون عليه. قال: فذكَرْنا ذلك لرسولِ اللَّهِ ﷺ فقال: \"لا، ولكنهم قومٌ لا يَكْتَوون\". وقال أيضًا: ثم قال\n_________\n(^١) ليس في: الأصل، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١: \"يتهوسون\".\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢: \"يتهرسون\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه الطبراني (٩٧٦٩) من طريق يزيد به، وأحمد ٧/ ٩٧ (٣٩٨٩)، وابن حبان (٦٤٣١)، والطبراني (٩٧٦٨)، والحاكم ٤/ ٥٧٧ من طريق سعيد به، وأخرجه الحسن بن سفيان - كما في الدر المنثور ٦/ ١٥٩ - ومن طريقه ابن عساكر ١٧/ ٢١ -، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ١٤ - من طريق قتادة به مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن مردويه. وصححه ابن كثير في تفسيره ٢/ ٨، والحافظ في الفتح ١١/ ٤٠٧.","vol":"22","page":332},{"text":"رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إني لأرْجو أن تَكُونوا ربعَ أهلِ الجنةِ\". فكبَّر أصحابُه، ثم قال: \"إني لأَرْجو أن تَكونوا ثلثَ أهلِ الجنةِ\". فكبَّر أصحابُه، ثم قال: \"إني لأَرْجو أن تكونوا شطرَ أهل الجنةِ\". ثم قرَأ: \" ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ \".\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عوفٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ الحارثِ، قال: كلُّهم في الجنةِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أنه بلَغه أن النبيَّ ﷺ قال: \"أَتَرْضَون أن تكُونوا ربعَ أهلِ الجنةِ؟ \". قالوا: نعم. قال: \"أَتَرْضَون أن تَكُونوا ثلثَ أهلِ الجنةِ؟ \". قالوا: نعم. قال: \"والذي نفسي بيدِه، إني لأَرْجو أن تَكونوا شطرَ أهلِ الجنةِ\". ثم تلا هذه الآيةَ: \" ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ \" (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن بُدَيلٍ، عن (^٢) كعبٍ أنه قال: \"أهلُ الجنةِ عشرون ومائةُ صفٍّ، ثمانون صفًّا منها من هذه الأُمةِ\" (^٣).\nوفي رفعِ: ﴿ثُلَّةٌ﴾ وجهان؛ أحدُهما: الاستئنافُ، والآخرُ: بقولِه: لأصحابِ اليمينِ ثُلَّتان. ثُلَّةٌ من الأوَّلين.\nوقد روِي عن النبيِّ ﷺ خبرٌ من وجهٍ غيرِ (^٤) صحيحٍ، أنه قال: \"الثُّلَّتان جميعًا من أُمَّتي\".\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧١ عن معمر به، والمرفوع أخرجه أحمد ٧/ ٢٣١ (٤١٦٦)، والبخاري (٦٥٢٨)، ومسلم (٢٢١) / ٣٧٦ وغيرهم من حديث ابن مسعود.\n(^٢) في ص، م: \"بن\". وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٣١.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧١ عن معمر عن بديل العقيلي عن عبد الله بن شقيق عن كعب.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عنه\".","vol":"22","page":333},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبانِ بنِ أبي عيَّاشٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾. قال: قال النبيُّ ﷺ: \"هما جميعًا من أُمَّتي\" (^١).\n\n<span id=\"aya-5020\"></span>وقولُه: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه معجِّبًا نبيَّه محمدًا ﷺ من أهل النارِ: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ الذين يُؤْخَذُ بهم ذاتَ الشمالِ، من موقفِ الحسابِ إلى النارِ ﴿مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ ماذا لهم؟ وماذا أعدَّ لهم؟\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾: أي ماذا (^٢) لهم؟ وماذا أعدَّ لهم؟ (^٣)\n\n<span id=\"aya-5021\"></span>وقولُه: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾. يقولُ: هم في سمومِ جهنمَ وحميمِها.\n\n<span id=\"aya-5022\"></span>وقولُه: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه: وظلٍّ من دخانٍ شديدِ السوادِ. والعربُ تقولُ لكلِّ شيءٍ وصَفتْه بشدةِ السوادِ: أسودُ يَحمومٌ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ أبي الشواربِ، قال: ثنا [عبدُ الواحدِ] (^٤) بنُ زيادٍ، قال: ثنا سليمانُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٥ عن المصنف، وأخرجه ابن عدي في الكامل ١/ ٣٧٨، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٣/ ٤٠٤ -، والبغوي في تفسيره ٨/ ١٨ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٩ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في الأصل: \"ما\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في الأصل: \"عبد الرحمن\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ١٩.","vol":"22","page":334},{"text":"الشيبانيُّ، قال: ثنى يزيدُ بنُ الأصمِّ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ في: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال: هو ظلُّ الدخانِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا قَبيصةُ بنُ ليثٍ، عن الشيبانيِّ، عن يزيدَ بنِ الأصمِّ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ الشيبانيَّ، عن يزيدَ بنِ الأصمِّ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الشيبانيِّ، عن يزيدَ بنِ الأصمِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال: هو الدخانُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ طهمانَ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال: الدخانُ.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. يقولُ: من دُخانِ جهنَّمَ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال: الدخانُ (^٣).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثَّامٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ في\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٧٦ من طريق سفيان به، وأخرجه سعيد بن منصور في تفسيره - كما في الفتح ٨/ ٦٢٦ - من طريق يزيد بن الأصم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"حميم\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٥.","vol":"22","page":335},{"text":"قولِه: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال: دخانُ جهنَّمَ (^١).\nحدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأمويُّ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال: الدخانُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال: من دخانِ جهنَّمَ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن سليمانَ الشيبانيِّ، عن يزيدَ بنِ الأصمِّ، عن ابنِ عباسٍ، ومنصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قالا: الدخانُ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال: من دخانٍ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"حميم\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٠ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه هناد في الزهد (٢٣٨)، والحافظ في التغليق ٤/ ٣٣٥ من طريق منصور به.\n(^٣) في ص، م: \"حميم\". والأثر في تفسير مجاهد ص ٦٤٣ ومن طريقه الفريابي - كما في الفتح ٨/ ٦٢٦ -، وعبد بن حميد - كما في التغليق ٤/ ٣٣٥ - .\n(^٤) في ت ٢، ت ٣: \"دخان خبهم\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":336},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال: كنا نحدَّثُ أنها ظلُّ الدخانِ.\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. قال: ظلُّ الدخانِ دخانِ جَهنمَ، زعَم ذلك بعضُ أهلِ العلمِ.\n\n<span id=\"aya-5023\"></span>وقولُه: ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ليس ذلك الظلُّ بباردٍ كبردِ ظلالِ سائرِ الأشياءِ، ولكنه حارٌ؛ لأنه دخانٌ من سعيرِ جَهنمَ، وليس بكريمٍ؛ لأنه مُؤْلِمُ مَن استظلَّ به. والعربُ تُتْبِعُ كلَّ منفيٍّ عنه صفةُ حمدٍ، نفيَ الكرمِ عنه، فتقولُ: ما هذا الطعامُ بطيبٍ ولا كريمٍ، وما هذا اللحمُ بسمينٍ ولا كريمٍ، وما هذه الدارُ بنظيفةٍ ولا كريمةٍ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بَزيعٍ، قال: ثنا النضرُ، قال: ثنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾. قال: كلُّ شرابٍ ليس بعذبٍ فليس بكريمٍ (^١).\nوكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾. قال: لا باردِ المنزلِ، ولا كريمِ المنظرِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5024\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن هؤلاء الذين وصَف صفتَهم من أصحابِ الشمالِ، كانوا قبلَ أن يُصيبَهم من عذابِ اللَّهِ ما\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٥.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٠ إلى المصنف وعبد الرزاق وابن المنذر.","vol":"22","page":337},{"text":"أصابهم في الدنيا، ﴿مُتْرَفِينَ﴾، يعني: مُنَعَّمين.\nكما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾. يقولُ: مُنَعَّمين (^١).\n\n<span id=\"aya-5025\"></span>وقولُه: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وكانوا يُقيمون على الذنبِ العظيمِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُصِرُّونَ﴾، قال: يُدْمِنون (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾] (^٣). قال: يَذْهبون (^٤)، أو يُدْمِنون.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَانُوا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٧ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٠ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٤٣ ومن طريقه الفريابي - كما في الفتح ٨/ ٦٢٦، وعبد بن حميد - كما في التغليق ٤/ ٣٣٥ - .\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد\".\n(^٤) في ت ٢، ت ٣: \"يدهنون\"، وفي الفتح: \"يديمون\".","vol":"22","page":338},{"text":"يُصِرُّونَ﴾. قال: لا يتُوبون ولا يَسْتَغْفِرون. والإصرارُ عندَ العربِ على الذنبِ الإقامةُ عليه، وتركُ الإقلاعِ عنه.\nوقولُه: ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾، يعني: على الذنبِ العظيمِ، وهو الشركُ باللهِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾. قال: على الذنبِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو تُمَيْلَة، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾. قال: الشركِ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾. يعني الشركَ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾. قال: الذنبِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾. قال: الحنثُ العظيمُ الذنبُ العظيمُ. قال: وذلك الذنبُ العظيمُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٤٤.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٥.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٢، عن معمر به.","vol":"22","page":339},{"text":"الشركُ؛ لا يَتُوبون ولا يَسْتَغْفِرون (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾. هو الشركُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، [عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ] (^٣)، عن مجاهدٍ: ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾. قال: الذنبِ العظيمِ.\n\n<span id=\"aya-5026\"></span><span data-type='title' id=toc-8900>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وكانوا يقولون كفرًا منهم بالبعثِ، وإنكارًا لإحياءِ اللهِ خلقَه من بعدِ مماتِهم: أئذا كنا ترابًا في قبورِنا من بعدِ مماتِنا، وعظامًا نَخِرةً، أئنا لمبعوثون منها أحياءً كما كنا قبلَ المماتِ؟\n\n<span id=\"aya-5027\"></span>﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ [يقولُ تعالى ذكرُه: يقولون: أئنا لمبعُوثون، أوَيُبْعَثُ آباؤنا] (^٤) الذين كانوا قبلَنا وهم الأوَّلون؟ يقولُ اللَّهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ:\n\n<span id=\"aya-5028\"></span>قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ:\n\n<span id=\"aya-5029\"></span>إن الأوَّلين من آبائِكم والآخرِين منكم ومن غيرِكم لمجموعون إلى ميقاتِ يومٍ معلومٍ، وذلك يومُ القيامةِ.\n\n<span id=\"aya-5030\"></span><span data-type='title' id=toc-8901>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٢٠٩.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٥.\n(^٣) في ص، م، ت ١: \"عن ابن جريج\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"عن سفيان عن ابن جريج\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":340},{"text":"<span id=\"aya-5031\"></span>قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لأصحابِ الشمالِ: ثم إنكم أيُّها الضالون عن طريقِ الهدى، المكذِّبون بوعيدِ اللَّهِ ووَعْدِه، لآكلون من شجرٍ من زقومٍ.\n\n<span id=\"aya-5032\"></span>وقولُه: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾. يقولُ: فمالئون من الشجرِ من (^١) الزَّقومِ في بطونِهم.\nواختلَف أهل العربيةِ في وجهِ تأنيثِ الشجرِ في قولِه: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا﴾؛ [قال بعضُ نحويِّي البصرةِ: قيل: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا] (^٢) الْبُطُونَ﴾: أي: من الشجرِ، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾؛ لأن \"الشجرَ\" تُؤنَّثُ وتُذَكَّرُ، وأنَّث لأنه حمَله على الشجرةِ؛ لأن الشجرةَ قد تدُلُّ على الجميعِ، فتقولُ العربُ: نبَتتْ قِبلَنا شجرةٌ مُرَّةٌ وبَقْلةٌ رديئةٌ. وهم يَعْنون الجميعَ (^٣). وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ (^٤): ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾: وفي قراءة عبدِ اللَّهِ: (لآكِلون مِن شَجَرةٍ مِن زَقُّومٍ) على واحدةٍ (^٥)، [فمعنى \"شَجَرٍ\" و\"شجرةٍ\" واحدٌ؛ لأنك إذا قُلتَ: أَخَذتُ من الشاءِ. فإن نويتَ واحدةً] (^٦) أو أكثرَ من ذلك، فهو جائزٌ. ثم قال: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾: يريدُ: من الشجرة؛ ولو قال: (فمالئون منه (^٧». إذا لم يُذَكِّرُ الشجرةَ كان صوابًا، يذهبُ إلى \"الشجرِ\" في \"منه\"، ويُؤَنِّتُ \"الشجرَ\"، فيكونُ ﴿مِنْهَا﴾ كنايةً عن الشجرِ، والشجرُ يُؤَنَّتُ ويُذَكَّرُ، مثلُ التمرِ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ينظر البحر المحيط ٨/ ٢١٠.\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ١٢٧.\n(^٥) وهي قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٦) سقط من: الأصل.\n(^٧) بعده في الأصل: \"البطون\".","vol":"22","page":341},{"text":"والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا القولُ الثاني، وهو أن قولَه: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا﴾. مرادٌ به: من الشجرِ. أنَّث للمعنى، وقال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾. مذكَّرًا للفظِ الشجرِ.\n\n<span id=\"aya-5033\"></span><span data-type='title' id=toc-8902>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فشاربٌ أصحابُ الشمالِ على (^١) الشجرِ من الزَّقومِ إذا أكَلوه فملَئوا منه بطونَهم، من الحميم الذي قد انتَهى غليُه وحرُّه. وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾: فشارِبون على الأكلِ من الشَّجرِ من الزقومِ.\n\n<span id=\"aya-5034\"></span>وقولُه: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿شُرْبَ الْهِيمِ﴾، بضمِّ الشينِ (^٢). وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ مكةَ والبصرةِ والشامِ: (شَربَ الهِيم) [بفتحِ الشينِ] (^٣)؛ اعتلالًا بأن النبيَّ ﷺ قال لأيامِ مِنًى: \"إنها أيَّامُ أَكْلٍ وشَرْبٍ\" (^٤).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان؛ قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ مع تقارُبِ معنيَيْهما، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ في قراءتِه؛ لأن ذلك في فتحِه وضمِّه نظيرُ فتحِ قولِهم: \"الضَّعف\" و\"الضُّعف\" وضمِّه.\nوأما الهِيمُ فإنها جمعُ \"أَهْيَمَ\"، والأنثى \"هيماءُ\"، والهِيمُ الإبلُ التي يُصِيبُها\n_________\n(^١) في الأصل: \"من\".\n(^٢) هي قراءة نافع وعاصم وحمزة. السبعة لابن مجاهد ص ٦٢٣.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣. وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر والكسائي.\n(^٤) أخرجه الفراء في معاني القرآن ٣/ ١٢٧، ١٢٨ من حديث بديل بن ورقاء.","vol":"22","page":342},{"text":"داءٌ فلا تَرْوَى من الماءِ. ومن العربِ مَن يقولُ: هائمٌ، والأنثى هائمةٌ، ثم يَجْمَعونه على \"هُيَّم\"، كما قالوا: [عائطٌ وعُيَّطٌ] (^١)، وحائلٌ وحُوَّلٌ. ويُقالُ: إن الهِيمَ الرملُ. يعني أن أهلَ النارِ يَشْرَبون الحميمَ شُرْبَ الرملِ الماءَ (^٢).\nذكرُ مَن قال: عنَى بالهِيمِ الإبلَ العِطاشَ\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿شُرْبَ الْهِيمِ﴾. يقولُ: شُرْبَ الإبلِ العطاشِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾. قال: الإبلِ الظِّماءِ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن عمرانَ بنِ حُدَيرٍ، عن عكرِمةَ في قولِه: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾. قال: هي الإبلُ المِراضُ، تَمُصُّ الماءَ مَصًّا ولا تَرْوَى (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يَحْيَى بنُ واضِحٍ، قال: ثنا الحسينُ (^٦)، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾. قال: الإِبلُ يَأْخُذُها العُطاشُ، فلا تَزالُ تَشْرَبُ حتى تَهْلِكَ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن عكرِمةَ:\n_________\n(^١) في الأصل، ت ٣: \"غائط وغيط\"، وفي ت ١: \"غائظ وغيظ\"، وفي ت ٢: \"غائط وغليط\". والعائط: هي المرأة والناقة لم تحمل سنين من غير عقر. ينظر القاموس المحيط (ع ي ط).\n(^٢) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ١٢٨.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٠ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٦.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٠ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٦) في الأصل: \"الحسن\". وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٢٣.","vol":"22","page":343},{"text":"﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾. قال: هي الإبلُ يَأْخُذُها العُطاشُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ابن عباسٍ، قال: هي الإبلُ العِطاشُ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿شُرْبَ الْهِيمِ﴾. قال: الإبلِ الهُيَّمِ (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ، ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾: الهِيمُ الإِبلُ العِطاشُ، تَشْرَبُ فلا تَرْوَى؛ يَأْخُذُها داءٌ يُقالُ له: الهُيَامُ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: [ثنا يزيدُ، قال] (^٥): ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾. قال: داءٌ بالإبلِ لا تَرْوَى معه (^٦).\nذكرُ مَن قال: هي الرملةُ\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ (^٧): ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾. قال: السِّهْلةِ.\n_________\n(^١) أخرجه هناد في الزهد (٢٩٣) من طريق سفيان به، وأخرجه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٣٥ من طريق خصيف به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٠ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٤٤، ومن طريقه عبد بن حميد - كما في التغليق ٤/ ٣٣٥ - .\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٠ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٥) سقط من: م، ت ١.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٧) في الأصل: \"عيسى\".","vol":"22","page":344},{"text":"<span id=\"aya-5035\"></span>وقولُه: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي وصَفتُ لكم أيُّها الناسُ؛ أنَّ هؤلاءِ المكذِّبين الضَّالين يَأْكُلونه من شجرٍ من زَقُّومٍ، ويَشْرَبون عليه من الحميم - هذا نزلُهم الذي يُنْزِلُهم ربُّهم يومَ الدينِ. يعني: يومَ يَدِينُ اللَّهُ عبادَه.\n\n<span id=\"aya-5036\"></span>وقولُه: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لكفارِ قريشٍ والمكذِّبين بالبعثِ: نحن خلَقْناكم أيُّها الناسُ ولم تَكونوا شيئًا، فأوجدْناكم بشرًا، فهلَّا تُصَدِّقون مَن فَعَل ذلك بكم في قيلِه لكم: إنه يَبْعَثُكم بعدَ مماتِكم وبلاكم في قبورِكم، كهيئتِكم قبلَ مماتِكم؟!\n\n<span id=\"aya-5037\"></span><span data-type='title' id=toc-8903>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء المكذِّبين بالبعثِ: أفرأَيتم أيُّها المُكذِّبون قُدرةَ اللَّهِ على إحيائِكم من بعدِ مماتِكم - النُّطَفَ التي تُمْنونها في أرحامِ نسائِكم؟\n\n<span id=\"aya-5038\"></span>أءنتم تَخْلُقون النُّطفَ (^١) أمْ نحن الخالِقون؟\n\n<span id=\"aya-5039\"></span>وقولُه: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: نحن قدَّرْنا بينَكم أيُّها الناسُ الموتَ، فعجَّلناه لبعضٍ وأخَّرْناه عن بعضٍ إلى أجلٍ مسمًّى.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تلك\".","vol":"22","page":345},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾. قال: المُستأخِرُ والمُستعجِلُ (^١).\nوقولُه: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ [عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما نحن بمسبوقين] (^٢) أيُّها الناسُ في أنفسِكم وآجالِكم، فمُفْتَاتٌ (^٣) علينا فيها في (^٤) الأمرِ الذي قدَّرْناه لها من حياةٍ وموتٍ، بل لا يَتَقدَّمُ شيءٌ منها (^٥) أجلَنا، ولا يَتَأَخَّرُ عنه.\n\n<span id=\"aya-5040\"></span>وقولُه: ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾. يقولُ: على أن نُبَدِّلَ منكم أمثالَكم بعدَ مَهْلِكِكم، فنَجِيءَ بآخرِين من جنسِكم.\nوقولُه: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ونُبَدِّلَكم عما تَعْلَمون من أنفسِكم، فيما لا تَعْلَمون منها من الصورِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ﴾: في أيِّ خلقٍ شِئْنا (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: \"المتعجل\". والأثر في تفسير مجاهد ص ٦٤٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٠، إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في الأصل: \"فميقات\".\n(^٤) في الأصل: \"بين\".\n(^٥) في م: \"من\".\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٦٤٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٠، إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":346},{"text":"<span id=\"aya-5041\"></span><span data-type='title' id=toc-8904>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد علِمتم أيُّها الناسُ الإحداثةَ الأولى التي أحدَثناكموها، ولم تَكونوا من قبلِ ذلك شيئًا.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾. قال: إذ لم تَكونوا شيئًا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾. يعني: خلقَ آدمَ، لستَ سائلًا أحدًا من الناسِ إلا أنبَأَك أن اللَّهَ خلقَ آدمَ من طينٍ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾. قال: هو خلقُ آدمَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ موسى الحَرَشيُّ (^٣)، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ أبا عمرانَ الجَوْنيَّ يَقْرَأُ هذه الآيةَ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾. قال: هو\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"الحرسي\"، وفي ت ٢: \"الحزمي\"، وفي ت ٣: \"الحرمي\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٥٢٨.","vol":"22","page":347},{"text":"خلقُ آدمَ.\nوقولُه: ﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فهلَّا تَذَكَّرون أَيُّها الناسُ، فتَعْلَموا أن الذي أَنْشَأكم النشأةَ الأولى، ولم تكونوا شيئًا، لا يتعذَّرُ عليه أن يُعيدَكم من بعدِ مماتِكم وفنائِكم [لهيئتِكم قبلَ مماتِكم إذ كنتم] (^١) أحياءً.\n\n<span id=\"aya-5042\"></span>وقولُه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفرأَيتم أيُّها الناسُ الحرثَ الذي تَحْرُثونه،\n\n<span id=\"aya-5043\"></span>﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾. يقولُ: أأنتم تُصَيِّرونه زرعًا، أم نحن نَجْعَلُه كذلك؟\nوقد حدَّثني أحمدُ بنُ الوليدِ القُرَشيُّ، قال: ثنا مسلمُ بنُ أبي مسلمٍ الجَرْميُّ (^٢)، قال: ثنا مَخْلَدُ بنُ الحسينِ، عن هشامٍ (^٣)، عن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"لا تَقُولَن: زرَعتُ. ولكن قُلْ: حرَثتُ\". قال أبو هريرةَ: ألم تَسْمَعْ إلى قولِ اللَّهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (^٤)؟\n\n<span id=\"aya-5044\"></span><span data-type='title' id=toc-8905>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: لو نشاءُ لجعَلْنا ذلك الزرْعَ الذي\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحرمي\".\n(^٣) في الأصل: \"هشام بن محمد\"، وفي م، ت ١، ت ٢: \"هاشم\". وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٣٣١، ٣٣٢.\n(^٤) أخرجه البزار في مسنده (١٢٨٩ - كشف)، وابن حبان (٥٧٢٣)، والطبراني في الأوسط (٨٠٢٤)، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ٢٦٧، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٢١٧، ٥٢١٨) من طريق مسلم بن أبي مسلم الجرمي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٠، ١٦١ إلى ابن مردويه.","vol":"22","page":348},{"text":"زرَعْناه حُطامًا، يعني: هشيمًا لا يُنْتَفَعُ به في مَطْعمٍ وغذاءٍ.\nوقولُه: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فظَلتم تَتَعَجَّبون مما نزَل بكم في زرعِكم، من المصيبةِ باحتراقِه وهلاكِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾. قال: تَعَجَّبون (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾. قال: تعَجَّبون (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾. قال: تعَجَّبون.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: فظَلتم تَلاومون بينَكم، في تفريطِكم في طاعةِ ربِّكم، حتى نالكم بما نالكم به (^٣) من إهلاكِ زرعِكم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾. يقولُ: تلاوَمون (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦١ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٢ عن معمر عن مجاهد.\n(^٣) ليس في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٢٠، وابن كثير في تفسيره ٨/ ١٨.","vol":"22","page":349},{"text":"[حدَّثنا ابنُ حُميدٍ] (^١)، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن سماكِ بنِ حربٍ البَكريِّ، عن عكرِمةَ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾. قال: تَلاومون.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: فظَلتم تَنَدَّمون على ما سلَف منكم من (^٢) معصية اللهِ التي أوجبت (^٣) لكم عقوبتَه، حتى نالكم في زرعِكم ما نالكم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنى ابنُ عليةَ، عن [أبي رجاءٍ] (^٤)، عن الحسنِ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾. قال: تَنَدَّمون (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، [عن قتادةَ] (^٦) قولَه: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾. قال: تَنَدَّمون (^٧).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: فظَلتم تَفَجَّعون (^٨).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾. قال: تتفَجَّعون (^٩) حينَ صنَع بحرثِكم ما صنَع به. وقرَأ\n_________\n(^١) ليس في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أوجب\".\n(^٤) في الأصل: \"ابن أبي رجاء\". ينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٣٥٥.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦١ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٦) سقط من: ص.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٢ عن معمر عن قتادة، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٨.\n(^٨) في م، ت ١، ت ٢: \"تعجبون\". وهو خطأ.\n(^٩) في ص: \"تفجعون قال: تتفجعون\". وفي م: \"تعجبون\" وفي ت ١، ت ٢: \"تعجبون، قال: تتعجبون\"، وفي ت ٣: \"تفجعون\".","vol":"22","page":350},{"text":"<span id=\"aya-5045\"></span>قولَ اللَّهِ ﷿: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. وقرَأ قولَ اللَّهِ: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (^١)﴾ [المطففين: ٣١]. قال: هؤلاء ناعِمين. وقرَأ قولَ اللَّهِ - جلَّ وعزَّ -: ﴿[كَمْ تَرَكُوا] (^٢) مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾. إلى قوله: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٧].\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ﴿فَظَلْتُمْ﴾: فأقمتم تَعَجَّبون مما نزَل بزرعِكم. وأصلُه من التفكُّهِ بالحديثِ إذا حدَّث الرجلُ الرجلَ بالحديثِ يُعْجَبُ منه، ويَلْهَى به، فكذلك ذلك. وكأن معنى الكلامِ: فأَقمتم تَتَعَجَّبون، يُعَجِّبُ بعضُكم بعضًا مما نزَل بكم.\nوقولُه: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معناه؛ فقال بعضُهم: إنا لمولَعٌ بنا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحبابِ، قال: أخبَرني الحسينُ بنُ واقدٍ، قال: ثنى يزيدُ النحويُّ، عن عكرِمةَ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾. قال: إنا لمولَعٌ بنا (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال مجاهدٌ في قولِه: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾. أي: لمولَعٌ بنا (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فاكهين\". ينظر التيسير ص ١٧٩، وهي قراءة نافع وأبي بكر وابن كثير وابن عامر وأبي عمرو وحمزة والكسائي، والمثبت قراءة حفص.\n(^٢) في النسخ: \"فأخرجناهم\". وهو خطأ، فهذه في سورة الشعراء: ٥٧، ومحل الاستشهاد في سورة الدخان الآيات ٢٥ - ٢٧.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٢٠ مختصرًا.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٢٧٣ عن معمر عن رجل عن مجاهد. وذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٢٠.","vol":"22","page":351},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنا لمعذَّبون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾. أي: مُعذَّبون (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إنا لمُلْقَون للشرِّ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾. قال: مُلْقَون للشرِّ (^٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: إنا لمعذَّبون، وذلك أنَّ الغرامَ عندَ العربِ: العذابُ، ومنه قولُ الأعشى (^٣):\nإن يُعَاقِبْ يَكُنْ غَرَامًا وإن … يُعْطِ جَزِيلًا فإنَّه لا يُبَالى\nيعني بقولِه: يَكُن غرامًا: يَكُنْ عذابًا.\nوفي الكلامِ متروكٌ اسْتُغْنيَ بدلالةِ الكلامِ عليه، وهو: فظَلتم تَفَكَّهون، تقولون: إنا لمُغْرَمون، فَتُرِك \"تقولون\" من الكلامِ لما وصَفْنا.\n\n<span id=\"aya-5046\"></span>وقولُه: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. يعني بذلك أنهم يَقولون: ما هلَك زرعُنا وأُصِبْنا\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٢١.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٤٤ ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٣٥ -، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٧/ ٤٩٥.","vol":"22","page":352},{"text":"به من أجلِ أنا لمغرمون، ولكنا قومٌ مَحْرومون. يعْنون: إنهم محدودون (^١)، ليس لهم جَدٌّ (^٢).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. قال: مَحدودون (^٣).\n[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾: بل جُوزينا فحُرِمْنا] (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. قال: أي مُحَارَفون (^٥).\n\n<span id=\"aya-5047\"></span><span data-type='title' id=toc-8906>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أفرأَيتم أيُّها الناسُ الماءَ الذي تَشْرَبون؟\n\n<span id=\"aya-5048\"></span>أأنتم أنزَلتموه من السحابِ فوقَكم إلى قرارِ الأرضِ، أم نحن مُنْزِلوه لكم؟\n_________\n(^١) في ص: \"مجدودون\"، وفي م: \"غير مجدردين\". وينظر تفسير ابن كثير ٨/ ١٨.\n(^٢) والجد: الحظ والسعادة والغنى. النهاية ١/ ٢٤٤.\n(^٣) في ص، م، ت ٣: \"حورفنا فحرمنا\"، ت ١: \"جوزفنا\"، ت ٢: \"حرزنا\". والأثر في تفسير مجاهد ص ٦٤٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦١ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٢ عن معمر به.","vol":"22","page":353},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿الْمُزْنِ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مِنَ الْمُزْنِ﴾. قال: السحابِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾. أي: من السحابِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾. قال: المزنُ السحابُ اسمُها. ﴿أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾. قال: السحابِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾. قال: المزنُ السماءُ والسحابُ (^٣).\n\n<span id=\"aya-5049\"></span>وقولُه: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لو نشاءُ جعَلْنا ذلك الماءَ الذي أنْزَلْناه لكم مِن المُزْنِ مِلْحًا، وهو الأُجاجُ، والأُجاجُ مِن الماءِ ما اشْتَدَّت ملوحتُه. يقولُ: لو نَشاءُ فعَلْنا ذلك به، فلم تَنْتَفِعوا به في شُربٍ ولا غَرْسٍ ولا زَرْعٍ.\nوقولُه: ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فهلَّا تَشْكُرُون ربَّكم على\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٤٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦١ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"22","page":354},{"text":"إعطائِه ما أعْطاكم مِن الماءِ العذبِ، لشربِكم ومنافِعكم، وصلاحِ مَعايشِكم، وتركِه أَن يَجْعَلَه أُجاجًا لا تَنْتَفِعون به\n\n<span id=\"aya-5050\"></span><span data-type='title' id=toc-8907>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أفرأيْتُم أيُّها الناسُ النارَ التي تَسْتَخْرِجون مِن زَنْدِكم.\n\n<span id=\"aya-5051\"></span>﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾. يقولُ: أأنتم أحْدَثْتُم شجرتَها، واخْتَرَعْتم أصلَها، ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ يقولُ: أم نحن اخْتَرَعْنا ذلك وأحْدَثْناه.\n\n<span id=\"aya-5052\"></span>وقولُه: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾. يقولُ: نحن جعَلْنا النار تَذْكرةً لكم، تَذْكُرون بها نارَ جهنمَ، فتَعْتَبِرون وتَتَّعِظون بها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿تَذْكِرَةً﴾. قال: تَذْكرةُ النارِ الكبرى (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٤٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":355},{"text":"تَذْكِرَةً﴾. [يقولُ: تذكرةً] (^١) للنارِ الكبرى (^٢). ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال: \"إن نارَكم هذه التي تُوقِدون جزءٌ مِن سبعين جزءًا مِن نارِ جهنمَ\". قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إن كانت لَكافيةً. قال: \"قد ضُرِبَت بالماءِ ضَرْبَتَيْن، أو مرتين، لينتفعَ (^٣) بها بنو آدم، ويَدْنُوا منها\" (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَذْكِرَةً﴾. قال: للنار الكبرى التي في الآخرةِ (^٥).\nوقولُه: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى المُقْوِين؛ فقال بعضُهم: هم المسافرون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾. قال: للمسافرين (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾. قال: يعني: للمسافرين (^٧).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦١ إلى المصنف وعبد الرزاق.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ليستنفع\".\n(^٤) أخرجه أحمد ١٢/ ٢٨٠ (٧٣٢٧)، ومسلم (٢٨٤٣) وغيرهما من حديث أبي هريرة.\n(^٥) أخرجه هناد في الزهد (٢٣٧) من طريق سفيان به\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٧ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"المسافرين\".","vol":"22","page":356},{"text":"قال: للمُرْمِلِ؛ المسافرِ.\nحدَّثني ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾. قال: للمسافرين (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾. قال: للمسافرين (^٢).\nوقال آخرون: عُنِي بالمُقْوِين: المُسْتَمْتِعون بها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾: للمُسْتَمْتِعين؛ الناسِ أجمعين (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾: للمُسْتَمْتِعين؛ المسافرِ والحاضرِ (^٤).\nحدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن حَبيبٍ الشَّهِيدُ، قال: ثنا عَتَّابُ بنُ بشرٍ (^٥)، عن خُصَيْفٍ في قولِه: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾. قال: للخلقِ.\nوقال آخرون: بل عُني بذلك الجائعون.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٣ عن معمر به\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٩.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٤٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه هناد في الزهد (٢٣٧) من طريق سفيان به.\n(^٥) في ص: \"بسر\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"بشير\".","vol":"22","page":357},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾. قال: المُقْوِي الجائعُ. وفي كلامِ العربِ يقولُ: أَقْوَيْتُ منذُ كذا وكذا. ما أكَلْتُ منذُ (^١) كذا وكذا شيئًا (^٢).\nوأولى الأقوال في ذلك بالصوابِ عندي قولُ مَن قال: عُني بذلك المسافرُ الذي لا زادَ معه، ولا شيءَ له. وأصلُه من قولِهم: أقْوَت الدارُ. إذا خلَت مِن أهلِها وسكانِها، كما قال الشاعرُ (^٣):\nأَقْوَى وأَقْفَرَ مِن نُعْمٍ وغيَّرَها … هُوجُ الرياحِ بِهَابِي التُّرْبِ مَوَّارِ\nيعني بقولِه: أقوَى. خلا مِن سُكَّانِه. وقد يكونُ المُقْوِي ذا الفرسِ القويِّ، وذا المالِ الكثيرِ، في غيرِ هذا الموضعِ.\n\n<span id=\"aya-5053\"></span><span data-type='title' id=toc-8908>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فسبِّحْ يا محمدُ بذكرِ (^٤) ربِّك العظيمِ وتسميتِه.\n\n<span id=\"aya-5054\"></span>وقولُه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ\n_________\n(^١) في م: \"منه\".\n(^٢) ينظر البحر المحيط ٨/ ٢١٠.\n(^٣) البيت للنابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص ٢٣٣.\n(^٤) في ت ٢، ت ٣: \"بحمد\".","vol":"22","page":358},{"text":"قولِه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِي بقولِه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾: أُقْسِمُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابنِ جُريجٍ (^١)، عن الحسنِ بنِ مسلمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ (^٢): ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾. قال: أُقْسِمُ (^٣).\nوقال بعضُ أهلِ العربيةِ: معنى قولِه: ﴿فَلَا﴾: فليس الأمرُ كما تقولون. ثم استُؤنِف القسمُ بعدُ، فقيل: أُقْسِمُ\nوقولُه: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فلا أُقْسِمُ بمنازلِ القرآنِ. وقالوا: أُنْزِل القرآنُ على رسولِ اللَّهِ ﷺ نجومًا متفرقةً.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرنا حُصَيْنٌ، عن حكيمِ بنِ (^٤) حُبيرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نزَل القرآنُ في ليلةِ القدرِ من السماءِ العليا إلى السماءِ الدنيا جملةً واحدةً، ثم فُرِّق في السنينَ بعدُ. قال: وتلا ابنُ عباسٍ هذه الآيةَ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾. قال: نزَل متفرِّقًا (^٥).\n_________\n(^١) في الأصل، ت ٢: \"أبي نجيح\".\n(^٢) بعده في ت ٢، ت ٣: \"عن ابن عباس\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٠.\n(^٤) في الأصل: \"عن\".\n(^٥) أخرجه مجاهد في تفسيره ص ٦٤٥ من طريق حكيم بن جبير به وقد تقدم تخريجه في ٣/ ١٩١.","vol":"22","page":359},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾. قال: أَنْزَلَ اللَّهُ القرآنَ نجومًا؛ ثلاثَ آياتٍ وأربعَ آياتٍ وخمسَ آياتٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن عكرمةَ: أن القرآنَ نزَل جميعًا، فوُضِع بمواقعِ النجوم، فجعَل جبريلُ يأتى بالسورةِ، وإنما نزَل جميعًا في ليلةِ القدرِ.\nحدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المَسْعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾. قال: هو مُحْكَمُ القرآنِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾. قال: مُسْتَقَرِّ الكتابِ أولِه وآخرِه (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: فلا أُقْسِمُ بمَساقطِ النجومِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢١.\n(^٢) أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (١٣٠) من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦١ إلى ابن نصر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦١ إلى المصنف.","vol":"22","page":360},{"text":"عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾. قال: في السماءِ. ويقالُ: مَطالعُها ومَساقطُها (^١).\nحدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾. أي: مَساقطِها (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: بمنازلِ النجومِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾. قال: بمنازلِ النجومِ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: بانتثارِ النجومِ عندَ قيامِ الساعةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾. قال: قال الحسنُ: انكدارُها وانتثارُها يومَ القيامةِ (٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: فلا أُقْسِمُ بمَساقطِ النجومِ ومَغايبِها في السماءِ. وذلك أن المواقعَ جمعُ موقعٍ، والموقعُ المَفْعِلُ؛ مِن وقَع يَقَعُ مَوْقِعًا، فالأغلبُ مِن مَعانيه والأظهرُ من تأويلِه ما قلنا في ذلك، ولذلك قلنا: هو أوْلَى معانيه به.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٤٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦١ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٣ عن معمر به.","vol":"22","page":361},{"text":"واخْتَلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (بمَوْقِعِ) على التوحيدِ (^١). وقرأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿بِمَوَاقِعِ﴾ على الجماعِ (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان بمعنًى واحدٍ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-5055\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن هذا القَسَمَ الذي أقْسَمْتُ لقسمٌ لو تَعْلَمون ما هو، وما قَدْرُه، قسمٌ عظيمٌ. وهو مِن المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، وإنما هو: وإنه لقسمٌ عظيمٌ لو تَعْلَمون عِظَمَه.\n\n<span id=\"aya-5056\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلا أُقْسِمُ بمَواقعِ النجومِ، إن هذا القرآن لقرآنٌ كريمٌ. والهاءُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ﴾. من ذكرِ القرآنِ.\n\n<span id=\"aya-5057\"></span>وقولُه: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هو في كتابٍ مَصُونٍ عندَ اللَّهِ، لا يَمَسُّه شيءٌ مِن أَذًى؛ من غُبارٍ ولا غيرِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\n\n<span id=\"aya-5058\"></span>حدَّثني إسماعيلُ بنُ موسى، قال: أخبَرنا شَريكٌ، عن حَكيمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (^٣): الكتابَ الذي في السماءِ (^٤).\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٦٢٤.\n(^٢) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٦٢٤.\n(^٣) بعده في الأصل: \"قال المطهرون قال\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢١ عن المصنف، وهو في تفسير مجاهد ص ٦٤٦، ومن طريقه البيهقي في =","vol":"22","page":362},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾. قال: القرآنُ في كتابِه المكنونِ، الذي لا يَمَسُّه شيءٌ مِن ترابٍ ولا غُبارٍ (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: [ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ] (^٢) في قولِه: [﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾: هو عندَ رَبِّ العالمين (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾. قال: هو كتابٌ] (^٤) لا يَمَسُّهُ إلا المطَهَّرون؛ زعَموا أن الشياطينَ تَنَزَّلَت به على محمدٍ، فَأَخْبَرهم اللَّهُ أنها لا تَقْدِرُ على ذلك، ولا تَسْتَطِيعُه، وما يَنْبَغِي لهم أن يَنْزِلوا بهذا، وهو محجوبٌ عنهم. وقرَأ قولَ اللَّهِ: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ (^٥) [الشعراء: ٢١١، ٢١٢].\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ - يعني: العَتَكيُّ - عن جابرِ بنِ زيدٍ وأبي نَهِيكٍ في قولِه: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾. قال: هو كتابٌ في السماءِ.\nقولُه: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا يَمَسُّ ذلك\n_________\n= معرفة السنن (١٠٨) من طريق شريك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٢ للمصنف وآدم ابن أبي إياس وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في المعرفة.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٥٠٨، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٢١.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢١.","vol":"22","page":363},{"text":"الكتابَ المكنونَ (^١) إلا الذين قد طهَّرَهم اللَّهُ مِن الذنوبِ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بقولِه: ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: هم الملائكةُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا أراد اللَّهُ أن يُنْزِلَ كتابًا نسَخَته السَّفَرَةُ، فلا يَمَسُّه إلا المُطَهَّرون. قال: يعني: الملائكةُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا (^٣) عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن الربيعِ بنِ أبي راشدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. قال: الملائكةُ الذين في السماءِ (^٤).\n[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الربيعِ بنِ أبي راشدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. قال: الملائكةُ] (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن الربيعِ بنِ أبي راشدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. قال: الملائكةُ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ - يعني:\n_________\n(^١) في ص: \"المكتوب\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢١ عن العوفي به، وهو في تفسير مجاهد ص ٦٤٦، ومن طريقه البيهقي في المعرفة (١٠٨) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(^٣) بعده بياض في الأصل بمقدار كلمتين.\n(^٤) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ١٨٧ من طريق رجل عن سعيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر\n(^٥) ليس في: الأصل.","vol":"22","page":364},{"text":"العَتَكيُّ - عن جابرِ بنِ زيدٍ وأبي نَهِيكٍ في قولِه: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. يقولُ: الملائكةُ (^١).\nقال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. قال: الملائكةُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. قال: الملائكةُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ (^٣)، عن أبي العاليةِ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. قال: الملائكةُ.\nوقال آخرون: بل هم حملةُ التوراةِ والإنجيلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. قال: حملةُ التوراةِ والإنجيلِ (^٤).\nوقال آخرون في ذلك: هم الذين قد طُهِّروا من الذنوبِ كالملائكةِ والرسلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مَرْوانُ، قال: أخبَرنا عاصمٌ الأحولُ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢١.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٤٦، ومن طريقه البيهقي في معرفة السنن ١/ ١٨٧ عقب الأثر (١٠٨)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في الأصل: \"منصور\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"22","page":365},{"text":"أبي العاليةِ الرِّياحيِّ في قولِه: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. قال: ليس أنتم، أنتم أصحابُ الذنوبِ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. قال: الملائكةُ والأنبياءُ والرسلُ التي تَنْزِلُ به مِن عندِ اللَّهِ مُطَهَّرةٌ، والأنبياءُ مُطَهَّرةٌ، فجبريلُ يَنْزِلُ به مُطَهَّرٌ، والرسلُ الذين تَجِيئُهم به مُطَهَّرون، فذلك قولُه: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. والملائكةُ والأنبياءُ والرسلُ من الملائكةِ، والرسلُ مِن بني آدمَ، فهؤلاء يَنْزِلون به مُطَهَّرون، وهؤلاء يَتْلُونه على الناسِ مُطَهَّرون. وقرَأ قولَ اللَّهِ: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥، ١٦]. قال: بأيدي الملائكةِ الذين يُحْصُون على الناسِ أعمالَهم.\nوقال آخرون: عُنِي بذلك: أنه لا يَمَسُّه عندَ اللَّهِ إلا المُطَهَّرون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾: ذاكم عندَ ربِّ العالمين، فأما عندَكم فيَمَسُّه المشركُ النَّجِسُ، والمنافقُ الرَّجِسُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. قال: لا يَمَسُّه عندَ اللَّهِ إلا المُطَهَّرون، فأما في الدنيا فإنه يَمَسُّه المَجُوسيُّ النَّجِسُ والمنافقُ الرَّجِسُ. [وقال] (^٣) في حرفِ ابن مسعودٍ: (ما يَمَسُّه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٤٨ عن مروان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٢ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قام\".","vol":"22","page":366},{"text":"إلا المُطَهَّرون) (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَر أنه لا يَمَسُّ الكتابَ المكنونَ إلا المطَهَّرون، فعمَّ بخبرِه المُطَهَّرين، ولم يَخْصُصْ بعضًا دونَ بعضٍ، فالملائكةُ مِن المُطَهَّرين، والرسلُ والأنبياءُ مِن المُطَهَّرين، وكلُّ مَن كان مُطَهَّرًا مِن الذنوبِ فهو ممن استُثْنِي وعُنِي بقولِه: ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-5059\"></span>وقولُه: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: هذا القرآنُ تنزيلٌ مِن ربِّ العالمين، نزَّله مِن الكتابِ المكنونِ.\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيَى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ العَتَكيُّ، عن جابرِ بن زيدٍ وأبي نَهِيكٍ في قولِه: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: القرآنُ يَنْزِلُ مِن ذلك الكتابِ.\n\n<span id=\"aya-5060\"></span><span data-type='title' id=toc-8909>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أفبهذا القرآنِ الذي أنْبَأْتُكم خبرَه، وقصَصْتُ عليكم أمرَه أيُّها الناسُ، أنتم تُلِينون القولَ للمكذبين به؛ مُمالأةً منكم لهم على التكذيبِ به والكفرِ.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم في ذلك نحوَ ما قلنا فيه.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره عن المصنف ٨/ ٢١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٢ إلى المصنف والقراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف","vol":"22","page":367},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾. قال: تُرِيدون أن تُمالِئوهم فيه وتَرْكَنوا إليهم (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أفبهذا الحديثِ أنتم مُكَذِّبون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾. يقولُ: مكذِّبون غيرُ مصدِّقين (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾. يقولُ: مُكَذِّبون (^٣).\n\n<span id=\"aya-5061\"></span>وقولُه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾. يقولُ: وتَجْعَلون شكرَ اللَّهِ على رزقِه إياكم التكذيبَ، وذلك كقولِ قائلٍ لآخرَ: جعَلْتَ إحساني إليك إساءةً منك إليَّ. بمعنى: جعَلْتَ شكرَ إحساني، أو ثوابَ إحساني إليك، إساءةً منك إليَّ.\nوقد ذُكِر عن الهيثمِ بن عديٍّ أن من لغةِ أَزْدِ شَنُوءَةَ: ما رزَق فلانٌ. بمعنى: ما شكَر.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٢.","vol":"22","page":368},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ على اختلافٍ منهم فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى عبدُ الأعلى الثعلبيُّ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ ﵁: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾. قال: شُكْرَكم (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن عبدِ الأعلى الثَّعْلبيِّ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ رفَعه، قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال: \"شكرَكم؛ تقولون: مُطِرنا بنَوْءِ كذا وكذا، وبنجمِ كذا وكذا\" (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي بُكيرٍ (^٣)، عن إسرائيلَ، عن عبدِ الأعلى، عن أبي عبدِ الرحمنِ، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ قال: \" ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ \". قال: \"شُكْرَكم أنكم تُكَذِّبون\". قال: \"يقولون: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا وكذا\" (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن\n_________\n(^١) ذكره الترمذي عقب الحديث (٣٢٩٥) عن سفيان به. وينظر الأثر القادم.\n(^٢) أخرجه البزار في مسنده (٥٩٣) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه الإمام أحمد ٢/ ٩٧، ٢١٠ (٦٧٧، ٨٤٩، ٨٥٠)، وأحمد بن منيع - كما في الدر المنثور ٦/ ١٩٣ وعنه الترمذي (٣٢٩٥) - والضياء في المختارة (٥٧١)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٧٨٩)، من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بكير\".\n(^٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند ٢/ ٣٣٠ (١٠٨٧) من طريق يحيى بن أبي بكير به.","vol":"22","page":369},{"text":"سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما مُطِر قومٌ قطُّ إلا أصْبَح بعضُهم كافرًا، يقولون: مُطِرْنا بنوءِ كذا وكذا، وقرَأ ابنُ عباسٍ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، قال: ثنا معاذُ بنُ سليمانَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾. ثم قال: ما مُطِر الناسُ ليلةً قطُّ، إلا أصْبَح بعضُ الناسِ مشركين؛ يقولون: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا وكذا. قال: وقال: وتَجْعَلون شُكْرَكم أنكم تُكَذِّبون.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾. قال: وتجعلون شكرَكم على ما أَنْزَلْتُ عليكم مِن الغَيْثِ والرحمةِ؛ تقولون: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا وكذا. قال: فكان ذلك منهم كفرًا بما أنْعَم اللَّهُ عليهم (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ أميةَ، قال: أحْسَبُه أو غيرَه، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ سمِع رجلًا، ومُطِروا، يقولُ: مُطِرْنا ببعضِ عَثانينِ الأسدِ. فقال: \"كذَبْتَ، بل هو رزقُ اللَّهِ\" (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التَّيْميِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"إن اللَّهَ لَيُصَبِّحُ القوم بالنعمةِ، أو يُمْسِيهم (^٤) بها، [فيُصْبِحُ بها قومٌ] (^٥) كافرين؛ يقولون: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا وكذا\". قال محمدٌ: فذكَرْتُ هذا الحديثَ لسعيدِ بنِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٢، ١٦٣ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في الفضائل ص ١٨٥ عن هشيم به.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٢١/ ٥٢١.\n(^٤) في الأصل، ت ٢: \"يمسهم\".\n(^٥) في الأصل: \"فيصبحوا بها قوما\".","vol":"22","page":370},{"text":"المسيَّبِ، فقال: ونحن قد سمِعْنا مِن أبي هريرةَ، وقد أَخْبَرني مَن شهِد عمرَ بنَ الخطابِ، ﵁، وهو يَسْتَسْقي، فلما اسْتَسْقَى، الْتَفَتَ إلى العباسِ، فقال: يا عباسُ، يا عمَّ رسولِ اللَّهِ ﷺ، كم بقِيَ مِن نَوْءِ الثُّرَيَّا؟ فقال: العلماءُ بها يَزْعُمون أنها تَعْتَرِضُ في الأفقِ بعدَ سقوطِها سبعًا. قال: فما مضَت سابعةٌ حتى مُطِروا (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عبدِ الأعلى، عن أبي عبدِ الرحمنِ، عن عليٍّ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾. قال: كان يَقْرَؤُها: (وتَجْعَلون شكرَكم أنكم تُكَذِّبون) (^٢)\n[حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾] (^٣). يقولُ: جَعَلْتُم رزقَ اللَّهِ بنَوْءِ النجمِ. وكان رزقُهم في أنفسِهم بالأنواءِ؛ أنواءِ المطرِ، إذا نزَل عليهم المطرُ قالوا: رُزِقْنا بنَوْءِ كذا وكذا، وإذا أُمْسِك عنهم كذَّبوا، فذلك تكذيبُهم.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ في قولِه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾. قال: كان ناسٌ يُمْطَرون فيقولون: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا، مُطِرْنا بنَوْءِ كذا (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٣ عن المصنف، وأخرجه الحميدي (٩٧٩) عن سفيان به، وأخرجه البيهقي ٣/ ٣٥٩ من طريق ابن إسحاق به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٣ عن معمر به.","vol":"22","page":371},{"text":"قولَه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾. قال: قولُهم في الأنواءِ: مُطِرْنا بنوءِ كذا ونوءِ كذا. يقولُ: قولوا: هو مِن عندِ اللَّهِ، وهو رزقُه (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾. يقولُ: جَعَل اللَّهُ رزقَكم في السماءِ، وأنتم تَجْعَلونه في الأنواءِ (^٢).\nحدَّثني أبو صالحٍ الصِّرَاريُّ (^٣)، قال: ثنا أبو جابرٍ محمدُ بنُ عبدِ الملكِ الأزديُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ الزبيرِ، عن القاسمِ، عن أبي أُمامةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: \"ما مُطِر قومٌ مِن ليلةٍ إلا أصْبَح قومٌ بها كافرين\". ثم قال: \" ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾؛ يقولُ قائلٌ: مُطِرْنا بنجمِ كذا وكذا\" (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وتَجْعَلون حظَّكم منه التكذيبَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾: أما الحسنُ فكان يقولُ: بئسما أخَذ قومٌ لأنفسِهم، لم يُرْزَقوا من كتابِ اللَّهِ إلا التكذيبَ به.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾: خسِر عبدٌ لا يكونُ حظُّه مِن كتابِ اللَّهِ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٤٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٤.\n(^٣) في الأصل، ت ٢، ت ٣: \"الضراري\". ينظر الأنساب ٣/ ٥٣٢.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٤ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٣ إلى المصنف.","vol":"22","page":372},{"text":"إلا التكذيبَ به (^١).\n\n<span id=\"aya-5062\"></span>وقولُه: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فهلَّا إذا بلَغَت النفوسُ عندَ خروجِها من أجسادِكم، أيُّها الناسُ، حَلاقِيمَكم.\n\n<span id=\"aya-5063\"></span>﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾. يقولُ: ومَن حضَرهم منكم مِن أهليهم حينَئذٍ إليهم يَنْظُرُ، وخرَج الخطابُ ههنا عامًّا للجميعِ، والمرادُ به مَن حضَر الميتَ مِن أهلِه وغيرِهم، وذلك معروفٌ من كلامِ العربِ، وهو أن يُخاطِبَ الجماعةَ بالفعلِ، كأنهم أهلُه وأصحابُه، والمرادُ به بعضُهم؛ غائبًا كان أو شاهدًا، فيقولُ: قتَلْتُم فلانًا. والقاتلُ منهم واحدٌ؛ إما غائبٌ وإما شاهدٌ.\nوقد بيَّنا نظائرَ ذلك في مواضعَ كثيرةٍ من كتابِنا هذا (^٢).\n\n<span id=\"aya-5064\"></span>يقولُ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾. يقولُ: ورسلُنا الذين يَقْبِضون رُوحَه أقربُ إليه منكم، ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾. [يقولُ: ولكن لا تبصِرونهم] (^٣).\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ يقولُ: قيل: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) [وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾. كأنه قد سمِع منهم، واللَّهُ أعلمُ: إنا نَقْدِرُ على أن لا نموتَ ونمتنعَ (^٤). فقال] (^٥): ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾. ثم قال: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾. أي: غيرَ مَجْزِيِّين تَرْجِعون تلك النفوسَ، وأنتم تَرَوْن كيف تَخْرُجُ عندَ ذلك، إن كنتم صادقين بأنكم تَمْتَنِعون مِن الموتِ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٣ عن معمر به.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٤٠٤، ٤٠٥.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في الأصل: \"بأنكم لمبعوثون على ألا يموت ويمنع فقال من الموت\". هكذا مضطربة.","vol":"22","page":373},{"text":"<span id=\"aya-5065\"></span><span data-type='title' id=toc-8910>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فهلَّا إن كنتم أيُّها الناسُ غيرَ مَدِينِين.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: غيرَ مُحاسَبِين.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾. يقولُ: غيرَ مُحاسَبِين (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾. قال: مُحاسَبين (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾. أي: مُحاسَبين (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾. قال: كانوا يَجْحَدون أن يُدانوا بعدَ الموتِ، قال: وهو مالكُ يومِ الدينِ، يومَ يُدانُ الناسُ بأعمالِهم. قال: يُدانُون يُحاسَبون.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: أخبَرنا أبو رَجاءٍ، عن الحسنِ في\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٦ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٤٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":374},{"text":"قولِه: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾. قال: يعني: غيرَ مُحاسَبين (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾. قال: غيرَ مَبْعُوثين، وغيرَ مُحاسَبين.\nوقال آخرون: معناه: غير مَبْعوثين.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾: غيرَ مَبْعوثين يومَ القيامةِ، تَرْجِعونها إن كنتم صادقين (^٢).\nوقال آخرون: بل معناه: غيرَ مَجْزِيِّين بأعمالِكم.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: غير مُحاسَبين فمَجْزِيِّين بأعمالِكم، مِن قولِهم: كما تَدِينُ تُدانُ. ومن قولِ اللَّهِ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.\n\n<span id=\"aya-5066\"></span>وقولُه: ﴿تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تَرُدُّون تلك النفوسَ مِن بعدِ مَصيرِها إلى الحَلاقيمِ، إلى مستقرِّها من الأجسادِ إن كنتم صادقين، إن كنتم تَمْتَنِعون مِن الموتِ والحسابِ والمُجازاةِ، وجوابُ قولِه: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾، وجوابُ قولِه: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ - جوابٌ واحدٌ، وهو قولُه: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾. وذلك نحوَ قولِه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]. جعَل جوابَ الجزاءين جوابًا واحدًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"22","page":375},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾. قال: لتلك النفسِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-5067\"></span>وقولُه: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأما إن كان الميتُ مِن المُقَرَّبين الذين قرَّبهم اللَّهُ من جِوارِه في جِنانِه.\n\n<span id=\"aya-5068\"></span>﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾. [يقولُ: فله رَوْحٌ ورَيْحانٌ] (^١).\nواختلَف القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ الأمصارِ؛ ﴿فَرَوْحٌ﴾ بفتحِ الراءِ (^٢)، بمعنى: فله بَرْدٌ، ﴿وَرَيْحَانٌ﴾، يقولُ: ورزقٌ واسعٌ. في قولِ بعضِهم، وفي قولِ آخرين: فله راحةٌ ورَيْحانٌ. وقرَأ ذلك الحسنُ البصريُّ (^٣): (فرُوحٌ) بضمِّ الراءِ، بمعنى: أن رُوحَه تَخْرُجُ في رَيْحانةٍ.\nوأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ قراءةُ من قرَأه بالفتحِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ عليها (^٤)، بمعنى: فله الرحمةُ والمغفرةُ، والرزقُ الطيبُ الهَنِيُّ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قوله: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فراحةٌ ومُسْتَراحٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) ينظر النشر ٢/ ٢٨٦، والإتحاف ص ٢٥٣.\n(^٣) وقرأ بها يعقوب في رواية رويس وابن عباس وقتادة وغيرهم، ينظر البحر المحيط ٨/ ٢١٥.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عليه\".","vol":"22","page":376},{"text":"عباسٍ: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾. يقولُ: راحةٌ ومُسْتَراحٌ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾. قال: يعني بالرَّيْحانِ المُسْتَرِيحَ مِن الدنيا، ﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾. يقولُ: ومغفرةٌ ورحمةٌ (^٢).\nوقال آخرون: الرَّوْحُ الراحةُ، والرَّيْحانُ الرزقُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَرَوْحٌ﴾. قال: راحةٌ. وقولِه: ﴿وَرَيْحَانٌ﴾. قال: الرزقُ (^٣).\nوقال آخرون: الرَّوْحُ الفرحُ، والريحانُ الرزقُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ (^٤) إدريسَ، قال: سمِعْتُ أبي، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾. قال: الرَّوحُ الفرحُ، والريحانُ الرزقُ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٧ - من طريق أبي صالح به بلفظ: \"فروح: راحة\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٦ إلى المصنف.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٤٦، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٢٩ - بلفظ: \"الريحان: الرزق\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٦ إلى هناد وعبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: م\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٦.","vol":"22","page":377},{"text":"وأما الذين قرءَوا ذلك بضمِّ الراءِ؛ فإنهم قالوا: الرَّوحُ هي رُوحُ الإنسانِ، والريحانُ هو الريحانُ المعروفُ. وقالوا: معنى ذلك: أن أرواحَ المقرَّبين تَخْرُجُ مِن أبدانِهم عندَ الموتِ بريحانٍ تَشُمُّه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن الحسنِ: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾. قال: تَخْرُجُ رُوحُه [من جسدِه] (^١) في رَيْحانةٍ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. قال: لم يَكُنْ أحدٌ مِن المقرَّبين يُفارِقُ الدنيا - والمقرَّبون السابقون - حتى يُؤْتَى بغصنٍ مِن رَيْحانِ الجنةِ فَيَشُمُّه، ثم يُقْبَضُ (^٣).\nوقال آخرون ممن قرَأ ذلك بفتحِ الراءِ: الرَّوحُ الرحمةُ، والريحانُ الريحانُ المعروفُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾. قال: الرَّوحُ الرحمةُ، والريحانُ يُتَلَقَّى به عندَ الموتِ (^٤).\nوقال آخرون منهم: الرَّوحُ الرحمةُ، والريحانُ الاستراحةُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٦ إلى المصنف والمروزي في الجنائز.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٦.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"22","page":378},{"text":"الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: الرَّوحُ المغفرةُ والرحمةُ، والريحانُ الاستراحةُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن منذرٍ الثوريِّ، عن الربيعِ بنِ خُثَيْمٍ: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. قال: هذا عندَ الموتِ، ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾. قال: يُجاءُ له من الجنةِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قرةُ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾، قال: ذلك في الآخرةِ. فقال له بعضُ القومِ، قال: أمَا واللَّهِ إنهم لَيَرَوْن عندَ الموتِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا قُرةُ، عن الحسنِ بمثلِه.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندي قولُ مَن قال: عُنِي بالرَّوحِ الفرحُ والرحمةُ والمغفرةُ. وأصلُه من قولِهم: وجَدْتُ رَوْحًا. إذا وجَد نسيمًا [رَوْحًا يَسترِيحُ] (^٤) إليه من كربِ الحرِّ. وأما الريحانُ؛ فإنه عندي الريحانُ الذي يُتَلَقَّى به عندَ الموتِ، كما قال أبو العاليةِ والحسنُ، ومَن قال في ذلك نحوَ قولِهما؛ لأن ذلك الأغلبُ والأظهرُ مِن مَعانيه.\nوقولُه: ﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾. يقولُ: وله مع ذلك بُستانُ نَعيمٍ يَتَنَعَّمُ فيه.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَجَنَّتُ\n_________\n(^١) ينظر الدر المنثور ٦/ ١٦٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٤٠١ من طريق منذر الثوري به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٦. إلى أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبي القاسم بن منده في كتاب السؤال.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يستروح\".","vol":"22","page":379},{"text":"نَعِيمٍ﴾. قال: قد عُرِضَت عليه.\n\n<span id=\"aya-5069\"></span><span data-type='title' id=toc-8911>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ الميتُ ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ الذين يُؤْخَذُ بهم إلى الجنةِ مِن ذاتِ أيمانِهم ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾.\n\n<span id=\"aya-5070\"></span>ثم اخْتُلِف في معنى قولِه: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾، فقال أهلُ التأويلِ فيه ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾. قال: سلامٌ منِ عذابِ (^١) اللَّهِ، وسلَّمَت عليه ملائكةُ اللَّهِ (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ قال: سَلِم (^٣) مما يَكْرَهُ (^٤).\nوأما أهلُ العربيةِ، فإنهم اخْتَلَفوا في ذلك، فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾، أي: فيُقالُ: سِلْمٌ (^٣) لك.\nوقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ (^٥) قولَه: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾. أي:\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عند\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في الأصل: \"سلام\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٨.\n(^٥) معاني القرآن للفراء ٣/ ١٣١.","vol":"22","page":380},{"text":"فذلك مُسَلَّمٌ لك، أنك من أصحابِ اليمينِ، وأُلْقِيَت (^١) \"أن\"، وهو (^٢) معناها، كما تقولُ: أنت مُصَدِّقٌ مسافرٌ عن قليلٍ. إذا كان قد قال: إني مسافرٌ عن قليلٍ. وكذلك يَجِبُ معناه أنك مسافرٌ عن قليلٍ. ومصدقٌ عن قليلٍ. قال: وقولُه: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾. معناه: فسلامٌ لك أنت مِن أصحابِ اليمينِ. قال: وقد يكونُ كالدعاءِ له؛ كقولِه: فسَقْيًا لك مِن الرجالِ. قال: وإن رفَعْتَ السلامَ فهو دعاءٌ، واللَّهُ أعلمُ بصوابِه.\nوقال آخرُ منهم قولَه: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. فإنه جمَع بينَ جوابين؛ ليُعْلَمَ أن \"أما\" جزاءٌ. قال: وأما قولُه: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [فإن معناه: فسلامٌ لك أنك من أصحابِ اليمينِ] (^٣)، قال: وهذا أصلُ الكلمةِ: مُسَلَّمٌ لك هذا. ثم حُذِفَت \"أن\" وأُقِيم \"مِن\" مُقامَها. قال: وقد قيل: فسلامٌ لك، أنت مِن أصحابِ اليمينِ. فهو على ذاك، أي: سلامٌ لك. يقالُ: أنت مِن أصحابِ اليمينِ. وهذا كلُّه على كلامين. قال: وقد قيل: مُسَلَّمٌ، أي: كما تقولُ: فسلامٌ لك من القومِ. كما تقولُ: فسَقْيًا لك من القومِ. فتكونُ كلمةً واحدةً.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: معناه فسلامٌ لك، أنك مِن أصحابِ اليمينِ. ثم حُذِفَت أن (^٤)، واجْتُزِئ بدلالةِ \"مِن\" عليها منها، بمعنى: فسلِمْتَ مِن عذابِ اللَّهِ، ومما تَكْرَهُ؛ لأنك مِن أصحابِ اليمينِ.\n\n<span id=\"aya-5071\"></span>وقولُه: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾.\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢: \"ألغيت\"، وفي ت ٣: \"ألغت\".\n(^٢) في م: \"نوى\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":381},{"text":"<span id=\"aya-5072\"></span>يقولُ تعالى ذكرُه: وأما إن كان الميتُ مِن المكذِّبين بآياتِ اللَّهِ، الحائدين (^١) عن سبيلِه، فله نُزُلٌ مِن حَميمٍ، قد أُغْلِي حتى انتهَى حرُّه، فهو شرابُه.\n\n<span id=\"aya-5073\"></span>﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ يقولُ: وحريقُ النارِ يُحْرَقُ بها، والتصليةُ التَّفْعِلةُ مِن صَلَّاه اللَّهُ النارَ، فهو يُصَلِّيه تَصْلِيةً. وذلك إذا أحْرقَه بها.\n\n<span id=\"aya-5074\"></span><span data-type='title' id=toc-8912>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا الذي أخْبَرْتُكم به أيُّها الناسُ من الخبرِ عن المقرَّبين وأصحابِ اليمينِ، وعن المكذِّبين الضالين، وما إليه صائرةٌ أمورُهم - ﴿لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ يقولُ: لَهو الحقُّ مِن الخبرِ اليقينِ لا شكَّ فيه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ قال: الخبرُ اليقينُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ حتى ختَم، إن اللَّهَ تعالى ليس تاركًا أحدًا مِن خلقِه حتى يُوقِفَه على اليقينِ\n_________\n(^١) في الأصل، ص، م، ت ١: \"الجائرين\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٨ إلى المصنف وعبد بن حميد، وهو في تفسير مجاهد ص ٦٤٦ بلفظ: \"الجزاء المبين\".","vol":"22","page":382},{"text":"مِن هذا القرآنِ؛ فأما المؤمنُ فأيْقَن في الدنيا فنفَعه ذلك يومَ القيامةِ. وأما الكافرُ فأيْقَن يومَ القيامةِ حينَ لا يَنْفَعُه.\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ إضافةِ الحقِّ إلى اليقينِ، والحقُّ يقينٌ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ، قال: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾. فأضاف الحقَّ إلى اليقينِ، كما قال: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. أي: ذلك دينُ الملةِ القيمةِ، وذلك حقُّ الأمرِ اليقينِ. قال: وأما: هذا رجلُ السَّوْءِ، فلا يكونُ فيه: هذا الرجلُ السوءِ، كما يكونُ في الحقِّ اليقينِ؛ لأن السوءَ ليس بالرجلِ، واليقينَ هو الحقُّ. وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: اليقينُ نعتٌ للحقِّ، كأنه قال: الحقُّ اليقينُ، والدينُ القيمُ. فقد جاء مثلُه في كثيرٍ من الكلامِ والقرآنِ؛ ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩]، ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ [الأعراف: ١٦٩]. قال: فإذا أُضِيف تُوُهِّم به غيرُ الأولِ.\n\n<span id=\"aya-5075\"></span>وقولُه: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فسبِّحْ بتسميةِ ربِّك العظيمِ بأسمائِه الحسنى.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"الواقعة\" (^١)\n_________\n(^١) هنا انتهى الجزء السابع والأربعون من مخطوطة جامعة القرويين التي يرمز لها بـ \"الأصل\"، وسيجد القارئ فيما يأتى أرقام مخطوطة \"ت ١\" بين معكوفين.","vol":"22","page":383},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8913>تفسيرُ السورةِ التي يُذْكَرُ فيها \"الحديدُ\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5076\"></span><span data-type='title' id=toc-8914>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ </span>(٢)﴾.\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أن كلَّ ما دونَه مِن خلقِه يُسَبِّحُه تعظيمًا له، وإقرارًا بربوبيتِه، وإذْعانًا لطاعتِه، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].\nوقولُه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ: ولكنه ﷻ العزيزُ في انتقامِه ممن عصاه، فخالَف أمرَه مما في السماواتِ والأرضِ مِن خلقِه، الحَكيمُ في تَدبيرِه أمرَهم وتصريفِه إياهم فيما شاء وأحبَّ.\n\n<span id=\"aya-5077\"></span>وقولُه: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: له سلطانُ السماواتِ والأرضِ وما فيهن، ولا شيءَ فيهن يَقْدِرُ على الامتناعِ منه، وهو في جميعِهم نافذُ الأمرِ (^١)، ماضي (^٢) الحكمِ.\nوقولُه: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. يقولُ: يُحْيِي ما يَشاءُ مِن الخلقِ، بأن يُوجِدَه كيف يَشاءُ، وذلك بأن يُحْدِثَ من النُّطْفة الميتةِ حيوانًا بنفخِ الروحِ فيها، من بعدِ تاراتٍ يُقَلِّبُها فيها، ونحوَ ذلك مِن الأشياءِ، ويُمِيتُ ما يشاءُ مِن الأحياءِ بعدَ الحياةِ،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أمره\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ماضٍ\".","vol":"22","page":384},{"text":"بعدَ بلوغِه أجلَه فيُفْنِيه، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وهو على كلِّ شيءٍ ذو قدرةٍ، لا يَتَعَذَّرُ عليه شيءٌ أراده؛ من إحياءٍ وإماتةٍ، وإعزازٍ وإذلالٍ، وغيرِ ذلك مِن الأمورِ.\n\n<span id=\"aya-5078\"></span><span data-type='title' id=toc-8915>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ </span>(٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: هو الأولُ قبلَ كلِّ شيءٍ بغيرِ حدٍّ، ﴿وَالْآخِرُ﴾. يقولُ: والآخِرُ بعدَ كلِّ شيءٍ بغيرِ نهايةٍ. وإنما قيل ذلك كذلك؛ لأنه كان ولا شيءَ موجودٌ سواه، وهو كائنٌ بعدَ فناءِ الأشياءِ كلِّها، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].\nوقولُه: ﴿وَالظَّاهِرُ﴾. يقولُ: وهو الظاهرُ على كلِّ شيءٍ دونَه، وهو العالي فوق كلِّ شيءٍ، فلا شيءَ أعلى منه. ﴿وَالْبَاطِنُ﴾. يقولُ: وهو الباطنُ جميعَ الأشياءِ، فلا شيءَ أقربُ إلى شيءٍ منه، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك جاء الخبرُ عن رسول اللَّهِ ﷺ وقال به أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك والخبرُ الذي رُوِي فيه\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ بينَما هو جالسٌ في أصحابِه، إذ ثار عليهم سحابٌ، فقال: هل تَدْرُون ما هذا؟ \". قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ.","vol":"22","page":385},{"text":"[قال: \"هذا العنانُ، هذه رَوَايا الأرضِ، يسوقُه اللَّهُ ﵎ إلى قومٍ لا يَشْكرُونه ولا يَدْعُونه\". قال: \"هل تدرون ما فوقكم؟ \" قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ] (^١). قال: \"فإنها الرَّقِيعُ (^١)؛ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ، وسقفٌ محفوظٌ\". قال: \"فهل تَدْرُون كم بينَكم وبينَها؟ \". قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: \"مسيرةُ خمسِمائةِ سنةٍ\". قال: \"فهل تَدْرُون ما فوق ذلك؟ \". فقالوا مثل ذلك. قال: \"فوقَها سماءٌ أخرى، وبينَهما مسيرةُ خمسِمائةِ سنةٍ\". قال: \"هل تَدْرُون ما فوق ذلك؟ \". فقالوا مثلَ قولِهم الأولِ، قال: \"فإن فوقَ ذلك العرشَ، وبينَه وبينَ السماءِ السابعةِ مثلَ ما بينَ السماءين\". قال: \"هل تَدْرُون ما التي تحتَكم؟ \". قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: \"فإنها الأرضُ\". قال: \"فهل تَدْرُون ما تحتَها؟ \". قالوا له مثلَ قولِهم الأولِ، قال: \"فإن تحتَها أرضًا أخرى، وبينَهما مسيرةُ خمسِمائةِ سنةٍ\". حتى عدَّ سبعَ أَرَضِينَ، بينَ كلِّ أَرْضَيْن مسيرةُ خمسِمائةِ سنةٍ، ثم قال: \"والذي نفسُ محمدٍ بيدِه، لو دُلِّيَ أحدُكم بحبلٍ إلى الأرضِ الأخرى لهبَط على اللَّهِ\". ثم قرَأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهو بكلِّ شيءٍ ذو علمٍ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ، فلا يَعْزُبُ عنه مثقالُ ذرةٍ في الأرضِ ولا في السماءِ ولا أصغرُ من ذلك ولا أكبرُ إلا في كتابٍ مبينٍ.\n_________\n(^١) سقط من النسخ. والمثبت مما سيأتي في ٢٣/ ٨٠، ٨١.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٣ عن المصنف، وقال: مرسل من هذا الوجه، ولعل هذا هو المحفوظ. وقد أخرجه موصولًا أحمد ١٤/ ٤٢٢، ٤٢٣ (٨٨٢٨)، وعبد بن حميد - كما في الدر المنثور ٦/ ١٧٠ - وعنه الترمذي (٣٢٩٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٧٨)، وأبو الشيخ في العظمة (٢٠٣)، وتفسير مجاهد ص ٦٤٧، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٤٩)، وابن أبي حاتم والبزار - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٣ - من طريق قتادة عن الحسن عن أبي هريرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٠ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"22","page":386},{"text":"<span id=\"aya-5079\"></span>وقولُه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هو الذي أنْشَأ السماواتِ السبعَ والأرَضينَ، فدبَّرهن وما فيهن، ثم اسْتَوَى على عرشِه، فارْتَفع عليه وعلا.\nوقولُه: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن صفتِه، وأنه لا يَخْفَى عليه خافيةٌ مِن خلقِه: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ مِن خلقِه. يعني بقولِه: ﴿يَلِجُ﴾ يَدْخُلُ، ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ منهم (^١)، ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى الأرضِ مِن شيءٍ قطُّ، ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ فَيَصْعَدُ إليها مِن الأَرضِ، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾. يقولُ: وهو شاهدٌ لكم أيُّها الناسُ أينما كنتم يَعْلَمُكم، ويَعْلَمُ أعمالَكم ومُتَقَلَّبَكم ومَثْواكم، وهو على عرشِه فوقَ سماواتِه السبعِ، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ بأعمالِكم التي تَعْمَلونها مِن حسَنٍ وسَيِّئٍ، وطاعةٍ ومعصيةٍ، ذو بصرٍ، وهو لها مُحْصٍ؛ ليُجازِيَ المحسنَ منكم بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه يومَ تُجزَى كلُّ نفسٍ بما كسَبت، وهم لا يُظلَمون.\n\n<span id=\"aya-5080\"></span><span data-type='title' id=toc-8916>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: له سلطانُ السماواتِ والأرضِ، نافذٌ في جميعِهنَّ وفي جميعِ ما فيهنَّ أمرُه، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وإلى اللَّهِ مصيرُ أمورِ جميعِ خلقِه، فيَقْضِي بينهم بحُكْمِه.\n\n<span id=\"aya-5081\"></span>وقولُه: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾. يعني بقولِه: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾. يُدْخِلُ ما نقَص من ساعاتِ الليلِ في النهارِ، فيَجْعَلُه زيادةً في ساعاتِه. ﴿وَيُولِجُ\n_________\n(^١) سقط من: م.","vol":"22","page":387},{"text":"النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. يقولُ: ويُدْخِلُ ما نقَص من ساعاتِ النهارِ في الليلِ، فيَجْعَلُه زيادةً في ساعاتِه (^١).\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nوقد ذكَرنا الروايةَ بما قالوا فيما مضَى من كتابِنا هذا (^٢)، غيرَ أنَّا نَذْكُرُ في هذا الموضعِ بعضَ ما لم نَذْكُرْ هنالك إن شاءَ اللَّهُ تعالى.\nحدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ في قولِه: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. قال: قِصَرُ هذا في طولِ هذا، وطولُ هذا في قِصَرِ هذا.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. قال: دخولُ الليلِ في النهارِ، ودخولُ النهارِ في الليلِ.\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. قال: قِصَرُ أيامِ الشتاءِ في طولِ ليلِه، وقِصَرُ ليالي (^٣) الصيفِ في طولِ نهارِه.\nوقولُه: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. يقولُ: وهو ذو علمٍ بضمائرِ صدورِ عبادِه، وما عزَمَت عليه نفوسُهم من خيرٍ أو شرٍّ، أو حدَّثتْ بهما (^٤) أنفسُهم، لا يَخْفى عليه من ذلك خافيةٌ.\n_________\n(^١) في م: \"ساعات الليل\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٥/ ٣٠٥ - ٣٠٧.\n(^٣) في ص: \"ليال\"، وفي م: \"ليل\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بها\".","vol":"22","page":388},{"text":"<span id=\"aya-5082\"></span><span data-type='title' id=toc-8917>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: آمِنوا باللَّهِ أيُّها الناسُ، فأَقِرُّوا بوحدانيتِه وبرسولِه محمدٍ ﷺ، فصَدِّقوه فيما جاءَكم به من عندِ اللَّهِ واتَّبِعوه، ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وأَنْفِقوا مما خوَّلكم اللَّهُ من المالِ الذي أورَثكم عمَّن كان قبلَكم، فجعَلكم خُلفاءَهم فيه - في سبيلِ اللَّهِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾. قال: المعَمَّرِين فيه بالرزقِ (^١).\nوقولُه: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا﴾. يقولُ: فالذين آمَنوا باللَّهِ ورسولِه منكم أيُّها الناسُ وأنفَقوا - مما خوَّلهم اللَّهُ عمَّن كان قبلَهم، ورزَقهم من المالِ - في سبيلِ اللَّهِ، ﴿لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. يقولُ: لهم ثوابٌ عظيمٌ.\n\n<span id=\"aya-5083\"></span><span data-type='title' id=toc-8918>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾: وما شأنُكم أيُّها الناسُ لا تُقِرُّون بوحدانيةِ اللَّهِ، ورسولُه محمدٌ ﷺ يَدْعُوكم إلى الإقرارِ بوحدانيتِه، وقد\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٤٧، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٣٦ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":389},{"text":"أتاكم من الحججِ على حقيقةِ ذلك ما قطَع عُذرَكم، وأزال الشكَّ من قلوبِكم، ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾. قيل: عُنِي بذلك: وقد أخَذ منكم ربُّكم ميثاقَكم في صُلْبِ آدمَ، بأن اللَّهَ ربُّكم، لا إلهَ لكم سِواه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾. قال: في ظهرِ آدمَ (^١).\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ غيرَ أبي عمرٍو: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾، بفتحِ الألفِ من ﴿أَخَذَ﴾ ونصب \"الميثاقِ\"، بمعنى: وقد أخَذ ربُّكم ميثاقَكم. وقرَأ ذلك أبو عمرٍو: (وقد أُخِذ ميثاقُكم) بضمِّ الألفِ ورفعِ الميثاقِ، على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه (^٢)\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مُتقارِبتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، وإن كان فتحُ الألفِ من ﴿أَخَذَ﴾ ونصبُ \"الميثاقِ\" أعجبَ القراءتين إليَّ في ذلك؛ لكثرةِ القرَأةِ بذلك، وقلةِ القرَأةِ بالقراءةِ الأخرى.\nوقولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم تُرِيدون أن تُؤْمِنوا باللَّهِ يومًا من الأيامِ، فالآن أحرَى الأوقاتِ أن تُؤْمِنوا؛ لتتابُعِ الحُجَجِ عليكم بالرسولِ وأعلامِه، ودعائِه إيَّاكم إلى ما قد تقرَّرت صحتُه عندَكم بالأعلامِ والأدلةِ والميثاقِ المأخوذِ عليكم.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٤٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧١ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر\n(^٢) ينظر حجة القراءات ص ٦٩٧، ٦٩٨.","vol":"22","page":390},{"text":"<span id=\"aya-5084\"></span><span data-type='title' id=toc-8919>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: اللَّهُ الذي يُنَزِّلُ على عبدِه محمدٍ ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. يعني: مُفصَّلاتٍ، ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ليُخْرِجَكم أيُّها الناسُ من ظُلمةِ الكفر إلى نورِ الإيمانِ، ومن الضلالِة إلى الهُدَى.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. قال: من الضلالةِ إلى الهدى (^١).\nوقولُه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن اللَّهَ بإنزالِه على عبدِه ما أنزَل عليه من الآياتِ البيِّناتِ لهدايتِكم وتبصيرِكم الرشادَ - لذو رأفةٍ يكم ورحمةٍ، فمن رأفتِه ورحمتِه بكم لكم (^٢) فعَل ذلك.\n\n<span id=\"aya-5085\"></span><span data-type='title' id=toc-8920>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما لكم أيُّها الناسُ ألا تُنْفِقوا مما رزَقكم اللَّهُ في سبيلِ اللَّهِ،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٤٨، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٣٦ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧١، ١٧٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"22","page":391},{"text":"وإلى اللَّهِ صائرٌ أموالُكم إن لم تُنْفِقوها في حياتِكم في سبيلِ اللَّهِ؛ لأن له ميراثَ السماواتِ والأرضِ. وإنما حثَّهم جلَّ ثناؤُه بذلك على حظِّهم، فقال لهم: أَنْفِقوا أموالَكم في سبيلِ اللَّهِ؛ ليكونَ ذلك لكم ذُخْرًا عندَ اللَّهِ من قبلِ أن تَمُوتوا، فلا تَقْدِروا على ذلك، وتَصِيرَ الأموالُ ميراثًا لمن له السماواتُ والأرضُ.\nوقولُه: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: لا يَسْتَوِي منكم أيُّها الناسُ مَنْ آمَن قبلَ فتحِ مكةَ وهاجَر.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾. قال: آمَن فأَنفَق، يقولُ: [هاجَر، ليس من هاجَر كمن لم يُهاجِرْ] (^١) (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾. يقولُ: مَن آمَن.\nقال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، قال: يقولُ (^٣): غيرُ ذلك.\nوقال آخرون: عنَى بالفتحِ فتحَ مكةَ، وبالنفقةِ النفقةَ في جهادِ المشركين.\n_________\n(^١) في م: \"من هاجر ليس كمن لم يهاجر\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٤٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٢ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) بعده في ص، ت ١: \"غيره\".","vol":"22","page":392},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. قال: كان قتالان أحدُهما أفضلُ من الآخرِ، وكانت نفقتان إحداهما أفضلُ من الأخرى، كانت النفقةُ والقتالُ من قبلِ الفتحِ؛ فتحِ مكةَ، أفضلَ من النفقةِ والقتالِ بعدَ ذلك (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾. قال: فتحِ مكةَ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عبدُ اللَّهِ بنُ عياشٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ في هذه الآيةِ: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾. قال: فتحِ مكةَ (^٣).\nوقال آخرون: عَنَى بالفتحِ في هذا الموضعِ صلحَ الحديبيةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ، عن عامرٍ، قال: فصلُ ما بين الهجرتينِ فتحُ الحديبيةِ، يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ الآية (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٥ عن معمر به.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٥٢١.\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٥٢١، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٧.","vol":"22","page":393},{"text":"حدَّثني حُميد بنُ مسعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، في هذه الآيةِ قولَه: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ قال: فتحِ الحديبيةِ. قال: [وكان فصلَ] (^١) ما بين الهجرتين (^٢) فتحُ الحديبيةِ.\nحدَّثني ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: فصلُ ما بينَ الهِجْرتَين فتحُ الحديبيةِ، وأُنزِلت: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، فتحٌ هو؟ قال: \"نَعَمْ، عظِيمٌ\".\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: فصلُ ما بينَ الهِجْرَتين فتحُ الحديبيةِ. ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ﴾ الآية.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، قال: قال لنا رسولُ اللَّهِ ﷺ عامَ الحديبيةِ: \"يُوشِكُ أن يَأْتِيَ قومٌ تَحْقِرُون أعمالَكم مع أعمالِهم\". قلْنا: مَن هم يا رسولَ اللَّهِ، أقريشٌ هم؟ قال: \"لا، ولكنْ أهلُ اليمنِ؛ أرَقُّ أفئدةً، وألينُ قلوبًا\". قلْنا: هم خيرٌ منا يا رسولَ اللَّهِ؟ فقال: \"لو كان لأَحدِهم جبلٌ من ذهبٍ فأنفَقه، ما أدرك مُدَّ أحدِكم ولا نصيفَه، ألا إن هذا فصلُ ما بينَنا وبينَ الناسِ، ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾. إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ \" (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وكان فضل\"، وفي م: \"فصل\".\n(^٢) في النسخ: \"العمرتين\". وهو تحريف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٨ - من طريق ابن وهب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٢ إلى ابن مردويه وأبي نعيم في دلائل النبوة.","vol":"22","page":394},{"text":"حدَّثني ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: أخبَرني زيدُ بنُ أسلمَ، عن أبي سعيدٍ التمارِ، [عن أبي سعيدٍ الخدريِّ] (^١) أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"يُوشِكُ أَن يَأْتِيَ قومٌ (^٢) تَحْقِرُون أعمالَكم مع أعمالِهم\". فقلْنا: مَن هم يا رسولَ اللَّهِ، قريشٌ؟ قال: \"لا، هم أرقُّ أفتدةً وألينُ قلوبًا\". وأشار بيدِه إلى اليَمَنِ، فقال: \"هم أهلُ اليَمَنِ، ألا إن الإيمانَ يمانٍ، والحكمةَ يمانيةٌ\". فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ، هم خيرٌ منا؟ قال: \"والذي نفسي بيدِه لو كان لأحدِهم جبلُ ذهبٍ ينفقُه ما أدرَك مُدَّ أحدِكم ولا نصيفَه\". ثم جمَع أصابعَه ومَدَّ خِنْصَرَه وقال: \"ألَا إن هذا فصلُ ما بينَنا وبينَ الناسِ: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (^٣).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندي أن يُقالَ: معنى ذلك: لا يَسْتَوي منكم أيُّها الناسُ مَن أنفَق في سبيلِ اللَّهِ من قبلِ فتحِ الحُديبيةِ - للذي ذكَرْنا من الخبرِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، الذي رويناه عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ عنه - وقاتَل المشرِكين بمن أنفَق بعدَ ذلك وقاتَل. وترَك ذكرَ مَن أنفَق بعدَ ذلك وقاتَل؛ استغناءً بدلالةِ الكلامِ الذي ذُكِر عليه مِن ذِكْرِه.\n﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين أنفَقوا في سبيلِ اللَّهِ من قبلِ فتحِ الحديبيةِ، وقاتَلوا المشركِين - أعظمُ درجةً في الجنةِ عندَ اللَّهِ الذين أنفَقوا من بعدِ ذلك وقاتَلوا.\nوقولُه: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكلَّ هؤلاء الذين\n_________\n(^١) سقط من النسخ. والمثبت من تفسير ابن كثير. وينظر التاريخ الكبير ٩/ ٣٤، والجرح والتعديل ٩/ ٣٧٦.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أقوام\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٩ عن المصنف.","vol":"22","page":395},{"text":"أنفَقوا من قبلِ الفتحِ وقاتَلوا، والذين أنفَقوا من بعدُ وقاتَلوا، وعَد اللَّهُ الجنةَ، بإنفاقِهم في سبيلِه، وقتالِهم أعداءَه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ (^١): ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. قال: الجنةَ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. قال: الجنةَ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ بما تعمَلون من النفقةِ في سبيلِ اللَّهِ، وقتالِ أعدائِه، وغير ذلك من أعمالِكم التي تعمَلون - خبيرٌ لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ، وهو مُجازِيكم على جميعِ ذلك يومَ القيامةِ.\n\n<span id=\"aya-5086\"></span><span data-type='title' id=toc-8921>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: مَن هذا الذي يُنْفِقُ في سبيلِ اللَّهِ في الدنيا مُحْتَسِبًا في\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من الذين أنفقوا آمنوا\"، وبعده في م: \"من الذين أنفقوا وآمنوا\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٤٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٢ إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ١٢١ من طريق سعيد به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٩٤، وابن خزيمة في التوحيد ص ١٢١ من طريق معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":396},{"text":"نفقتِه، مُبْتَغِيًا ما عندَ اللَّهِ، وذلك هو القرضُ الحسنُ.\n[وقولُه: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾] (^١). يقولُ: فيُضاعِفَ له ربُّه قرضَه ذلك الذي أقرَضه، بإنفاقِه في سبيلِه، فيَجْعَلَ له بالواحدةِ سبعَمائةٍ.\nوكان بعضُ نحويِّي البصرةِ يقولُ في قولِه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. فهو كقولِ العربِ: لي عندَك قرضُ صدقٍ، وقرضُ سوءٍ. إذا فعَل به خيرًا، وأنشَد في ذلك بيتًا للشنْفَرَى (^٢):\nسَنَجْزِي سَلَامانَ بنَ مُفْرِجَ قَرْضَها … بما قَدَّمت أيديهِمْ فأزلَّتِ\n﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: وله ثوابٌ وجزاءٌ كريمٌ. يعني بذلك الأجرِ الجنةَ. وقد ذكَرنا الروايةَ عن أهلِ التأويلِ في ذلك فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه (^٣).\n\n<span id=\"aya-5087\"></span><span data-type='title' id=toc-8922>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: يومَ ترى المؤمنين والمؤمناتِ يُضِيءُ نورُهم بينَ أيديهم وبأيمانِهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: \"من المؤمنين مَن\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) البيت في المفضليات ص ١١٢.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١٤/ ٥١١، ١٦/ ٦٠٠، ١٧/ ٢٣٩، ١٩/ ٢١٢.","vol":"22","page":397},{"text":"يُضيءُ نورُه من المدينةِ إلى عدنِ أَبْيَن، فصنعاءَ، فدونَ ذلك، حتى إن من المؤمنين مَن لا يُضيءُ نورُه إِلا مَوضِعَ قدميهِ\".\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ أبي يَذْكُرُ عن المنهالِ ابنِ (^٢) عمرٍو، عن قيسِ بنِ سكنٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: يُؤْتَون نورَهم على قدرِ أعمالِهم؛ فمنهم مَن يُؤتَى نورَه كالنخلةِ، ومنهم مَن يُؤتَى نورَه كالرجلِ القائمِ، وأدناهم نورًا [مَن نورُه] (^٣) على إبهامِه يُطْفَأُ مرةً ويَقِدُ مرةً (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: يوم ترَى المؤمنين والمؤمناتِ يَسْعَى إيمانُهم وهداهم بينَ أيديهم، وبأيمانِهم كتبُهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾: كتبُهم. يقولُ اللَّهُ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق: ٧]. وأما نورُهم فهُداهم (^٥).\nوأولَى القولين في ذلك بالصوابِ القولُ الذي ذكَرناه عن الضحاكِ، وذلك أنه لو عُنِي بذلك النورِ الضوءُ المعروفُ، لم يُخَصَّ عنه الخبرُ بالسعيِ بينَ الأيدي والأيمانِ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في النسخ: \"عن\". والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٣) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٩٩، والحاكم ٢/ ٤٧٨ من طريق ابن إدريس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٣٥، والقرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٤٣، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٢.","vol":"22","page":398},{"text":"دونَ الشمائلِ؛ لأن ضياءَ المؤمنين الذي يُؤْتَونه في الآخرةِ يُضِيءُ لهم جميعَ ما حولَهم، وفي خصوصِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه الخبرَ عن سعيِه بينَ أيديهم وبأيمانِهم دونَ الشمائلِ، ما يَدُلُّ على أنه معنيٌّ به غيرُ الضياءِ، وإن كانوا لا يَخْلُون من الضياءِ.\nفتأويلُ الكلامِ إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا: وكلًّا وعَد اللَّهُ الحسنى يومَ تَرَون المؤمنين والمؤمناتِ يَسْعى ثوابُ إيمانِهم وعملِهم الصالحِ بينَ أيديهم، وفي أيمانِهم كتبُ أعمالِهم تَطايرُ.\nويَعْني بقولِه: ﴿يَسْعَى﴾: يَمْضِي. والباءُ في قولِه: ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾. بمعنى \"في\" (^١). وكان بعضُ نحويِّي البصرةِ يقولُ: الباءُ في قولِه: ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾: بمعنى على أيمانِهم. وقولُه: ﴿يَوْمَ تَرَى﴾. من صلةِ ﴿وَعَدَ﴾.\nوقولُه: ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يقالُ لهم: بِشارتُكم اليومَ أيُّها المؤمنون التي تُبَشَّرون بها جناتٌ تَجْرِي من تحتِها الأنهارُ، فأَبْشِروا بها.\nوقولُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: ماكِثين في الجناتِ، لا يَنْتَقِلون عنها ولا يَتَحَوَّلون.\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. يقولُ: خلودُهم في الجناتِ التي وصَفها هو النُّجْحُ العظيمُ الذي كانوا يَطْلُبونه بعدَ النجاةِ من عقابِ اللَّهِ ودخولِ الجنةِ خالدين فيها.\n\n<span id=\"aya-5088\"></span><span data-type='title' id=toc-8923>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ</span>\n_________\n(^١) ينظر معاني القرآن ٣/ ١٣٢.","vol":"22","page":399},{"text":"وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: هو الفوزُ العظيمُ في يومِ يقولُ المنافقون والمنافقاتُ - و\"اليومُ\" من صلةِ \"الفوزِ\" - للذين آمَنوا باللَّهِ ورسلِه: انظُرُونا.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿انْظُرُونَا﴾؛ فقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿انْظُرُونَا﴾. موصولةً، بمعنى: انتَظِرونا (^١). وقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (أنْظِرُونا). مقطوعةَ الألفِ من \"أَنظَرتُ\"، بمعنى: أَخِّرُونا (^٢). وذكَر الفراءُ أن العربَ تقولُ: أَنْظُرْني. وهم يُرِيدون: انتظِرْني قليلًا. وأنشَد في ذلك بيتَ عمرِو بنِ كُلثومٍ (^٣):\nأبا هِنْدٍ فلا تَعْجَلْ علينا … وأَنْظِرْنا نُخَبِّرْكَ اليَقِينا\nقال: فمعنى هذا: انتَظِرْنا قليلًا نُخْبِرْك؛ لأنه ليس ههنا تأخيرٌ، إنما هو استماعٌ كقولِك للرجلِ: اسمَعْ (^٤) مني حتى أُخْبِرَك (^٥).\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك عندِي الوصلُ؛ لأن ذلك هو المعروفُ من كلامِ العربِ، إذا أُريد به: انتظِرْنا. وليس للتأخيرِ في هذا الموضعِ معنًى فيقالَ: أَنْظِرُونا. بفتحِ الألفِ وهمزِها.\nوقولُه: ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾. يقولُ: نَسْتَصْبِحْ من نورِكم. والقبَسُ: الشُّعْلةُ.\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي. حجة القراءات ص ٦٩٩، ٧٠٠.\n(^٢) هي قراءة حمزة. المصدر السابق.\n(^٣) البيت في شرح القصائد السبع الطوال ص ٣٨٧.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"استمع\".\n(^٥) معاني القرآن للفراء ٣/ ١٣٣.","vol":"22","page":400},{"text":"وقولُه: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فيجابون بأن يُقالَ لهم: ارجِعوا من حيثُ جئتُم، واطلُبوا لأنفسِكم هنالك نورًا، فإنه لا سبيلَ لكم إلى الاقتباسِ من نورِنا.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. قال ابنُ عباسٍ: بينما الناسُ في ظُلْمةٍ، إذ بعَث اللَّهُ نورًا؛ فلما رأى المؤمنون النورَ توجَّهوا نحوَه، وكان النورُ دليلًا من اللَّهِ إلى الجنةِ؛ فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطَلَقوا تبِعوهم، فأظلَم اللَّهُ على المنافقين، فقالوا حينَئذٍ: انظُرُونا نَقْتَبِسْ من نورِكم، فإنا كنَّا معكم في الدنيا. قال المؤمنون: ارجِعوا من حيثُ جئتُم من الظلمةِ، فالتَمِسوا هنالك النورَ (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخْبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: بينَما الناسُ في ظلمةٍ. ثم ذكَر نحوَه (^٢).\nوقولُه: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فضرَب اللَّهُ بينَ المؤمنين والمنافقين بسُورٍ؛ وهو حاجزٌ بين أهلِ الجنةِ وأهلِ النارِ.\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٣٥، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٣ إلى المصنف وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٣ إلى ابن مردويه.","vol":"22","page":401},{"text":"وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾. قال: كالحجابِ في \"الأعرافِ\" (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾: السورُ: حائطٌ بينَ الجنةِ والنارِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾. قال: هذا السورُ الذي قال اللَّهُ: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ (^٣) [الأعراف: ٤٦].\nوقد قيل: إن ذلك السورَ ببيتِ المقدسِ عندَ وادي جهنمَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا الحسنُ بنُ بلالٍ، قال: ثنا حمادٌ، قال: أخبَرنا أبو سنانٍ، قال: كنتُ مع عليِّ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ عندَ وادي جهنمَ، فحدَّث عن أبيه، أنه قال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾. فقال: هذا موضعُ السورِ عندَ وادي جهنمَ (^٤).\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في ص ٤٠٥.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٣.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٤٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":402},{"text":"حدَّثني إبراهيمُ بنُ عطيةَ بنِ رُديحِ بنِ عطيةَ، قال: ثنى عمِّي محمدُ بنُ رُدَيحِ بنِ عطيةَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، عن أبي العوَّامِ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ، أنه كان يقولُ: ﴿بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾. قال: هذا بابُ الرحمةِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، عن سعيدٍ، عن (^٢) عطيةَ بنِ قيسٍ، عن أبي العوامِ مُؤَذِّنِ بيتِ المقدسِ، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرِو بنِ العاصِ يقولُ: إن السورَ الذي ذكَره اللَّهُ في القرآنِ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾. هو السورُ الشرقيُّ، باطنُه المسجدُ، وظاهرُه وادي جهنمَ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا أبو المُغيرةِ، قال: ثنا صفوانُ، قال: ثنا شريحٌ أن كعبًا كان يقولُ في البابِ الذي في بيتِ المقدسِ: إنه البابُ الذي قال اللَّهُ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ (^٤).\nوقولُه: ﴿لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لذلك السورِ بابٌ؛ باطنُه فيه الرحمةُ، ﴿وَظَاهِرُهُ﴾ من قِبَلِ ذلك الظاهرِ، ﴿الْعَذَابُ﴾. يعني: النارُ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٣.\n(^٢) في النسخ: \"بن\". والمثبت من المستدرك، وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٥٣٩.\n(^٣) أخرجه الحاكم ٤/ ٦٠١ من طريق سعيد بن عبد العزيز به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٣٦، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٣.","vol":"22","page":403},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾. أي: النارُ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾. قال: الجنةُ وما فيها (^٢).\n\n<span id=\"aya-5089\"></span>وقولُه: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يُنادِي المنافقون المؤمنين - حينَ حُجِز بينَهم بالسورِ، فبقُوا في الظلمةِ والعذابِ، وصار المؤمِنون في الجنةِ -: ألم نَكُنْ معَكم في الدنيا نُصَلِّي ونصومُ، ونُناكِحُكم ونُوارِثُكم؟ ﴿قَالُوا بَلَى﴾. يقولُ: قال المؤمنون: بلى، بل كنتُم كذلك، ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، فنافَقتُم. وفِتنتُهم أنفسَهم في هذا الموضعِ كانت النفاقَ.\nوكذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: النفاقُ، وكان المنافقون مع المؤمنين أحياءً يُناكِحونهم، ويَغْشَونهم، ويُعاشِرونهم، وكانوا معهم أمواتًا، ويُعْطَون النورَ جميعًا\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٤٦، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٣.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٣.","vol":"22","page":404},{"text":"يومَ القيامةِ، فيُطْفَأُ النورُ من المنافِقين إذا بلَغوا السورَ، ويُمازُ بينَهم حينَئذٍ (^١).\nوقولُه: ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾. يقولُ: وتلبَّثتم بالإيمانِ، ودافَعتم بالإقرارِ باللَّهِ ورسولِه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾. قال: بالإيمانِ برسولِ اللَّهِ ﷺ، وقرَأ: ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢].\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾. يقولُ: تربَّصوا بالحقِّ وأهلِه (^٢).\nوقولُه: ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾. يقولُ: وشكَكتم في توحيدِ اللَّهِ، وفي نبوَّةِ محمدٍ ﷺ.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾: شكُّوا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾: ارتابوا (^٣): كانوا في شكٍّ من اللَّهِ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٤٨، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (١٠١٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":405},{"text":"وقولُه: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾. يقولُ: وخدَعتْكم أمانيُّ نفوسِكم، فصدَّتْكم عن سبيلِ اللَّهِ وأَضَلَّتْكم، ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾. يقولُ: حتى جاء قضاءُ اللَّهِ بمناياكم، فاجتاحَتْكم (^١).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: كانوا على خُدْعةٍ مِن الشيطان، واللَّهِ ما زالوا عليها حتى قذَفهم اللَّهُ في النارِ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. يقولُ: وخدَعكم باللَّهِ الشيطانُ، فأَطْمَعَكم بالنجاةِ من عقوبتِه والسلامةِ من عذابِه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿الْغَرُورُ﴾. أي: الشيطانُ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣: \"فاجتاحكم\".\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٣٦، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٨/ ٥٨٣.","vol":"22","page":406},{"text":"الْغَرُورُ﴾. أي: الشيطانُ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾: الشيطانُ.\n\n<span id=\"aya-5090\"></span><span data-type='title' id=toc-8924>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِ المؤمنين لأهلِ النفاقِ، بعدَ أنْ مَيَّز بينَهم في القيامةِ: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ أيُّها المنافقون، ﴿لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾. يعني: عوضًا وبدلًا، يقولُ: لا يُؤْخَذُ ذلك منكم بدلًا مِن عقابِكم وعذابِكم، فيُخلِّصَكم مِن عذابِ اللَّهِ، ﴿وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: ولا تُؤْخَذُ الفديةُ أيضًا مِن الذين كفَروا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يعني: المنافقين، ولا مِن الذين كفَروا (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾ مِن المنافقين، ﴿وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ معكم؛ ﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٨/ ٥٨٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":407},{"text":"واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾؛ فقرَأَت ذلك عامةُ القرأةِ بالياءِ: ﴿يُؤْخَذُ﴾ (^١)، وقرَأه أبو جعفرٍ القارئُ بالتاءِ (^٢).\nوأولى القراءتين بالصوابِ الياءُ، وإن كانت الأخرى جائزةً.\nوقولُه: ﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾. يقولُ: مَثْواكم ومسكنُكم الذي تَسْكُنونه يومَ القيامةِ النارُ.\nوقولُه: ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾. يقولُ: النارُ أَوْلى بكم.\nوقولُه: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وبئس مصيرُ مَن صار إلى النارِ.\n\n<span id=\"aya-5091\"></span><span data-type='title' id=toc-8925>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: ألم يَحِنْ للذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه أن تَلِينَ قلوبُهم لذكرِ اللَّهِ، فتَخْضَعَ قلوبُهم له، ولِما نزَل مِن الحقِّ، وهو هذا القرآنُ الذي نَزَّله على رسولِه ﷺ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال: تُطِيعَ قلوبُهم.\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وخلف. النشر ٢/ ٢٨٧.\n(^٢) وهي أيضًا قراءة ابن عامر ويعقوب. المصدر السابق.","vol":"22","page":408},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية. ذُكِر لنا أنَّ شدَّادَ بنَ أَوْسٍ كَان يَرْوِي عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، قال: \"إِنَّ أوَّلَ ما يُرْفَعُ مِن الناسِ الخُشُوعُ\" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: كان شدَّادُ بنُ أَوْسٍ يقولُ: أَوَّلُ ما يُرْفَعُ مِن الناسِ الخُشُوعُ (^٣).\nواختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾؛ فقرأَتْه عامةُ القرأةِ غيرَ شيبةَ ونافعٍ بالتشديدِ: (نزَّل)، وقرَأه شيبةُ ونافعٌ: ﴿وَمَا نَزَلَ﴾ بالتخفيفِ (^٤)، وبأيِّ القراءتين قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ لتقاربِ معنَيَيْهما.\nوقولُه: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألم يأنِ لهم أن ﴿وَلَا يَكُونُوا﴾ يعني: الذين آمنوا مِن أمةِ محمدٍ ﷺ ﴿كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾. يعني: مِن بني إسرائيلَ، ويَعني بالكتابِ الذي أُوتُوه مِن قبلِهم التوراةَ والإنجيلَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٥ إلى عبد بن حميد بلفظ: ألم يحن للذين آمنوا. وفي مخطوطة مكتبة المحمودية ص ٤٠٨: ألم يتبين للذين آمنوا.\n(^٢) أخرجه الطبراني (٧١٨٣) من طريق قتادة عن الحسن عن شداد، وأخرجه ابن عدي في الكامل ٢/ ٨٤٠، وأبو الشيخ في طبقات أصبهان ٣/ ١٦٤، ١٦٥ بإسنادهما عن الحسن عن شداد، وعزاه في الدر المنثور ٦/ ١٧٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٦/ ٢٧٥ عن معمر به، وأخرجه أحمد ٦/ ٢٦، ٢٧ (مبمنية)، وابن حبان (٤٥٧٢، ٦٧٢٠)، وابن عبد البر في الاستيعاب ٢/ ٥٣٤ من طريق جبير بن نفير عن شداد بن أوس بنحوه مطولًا.\n(^٤) قرأ بالتخفيف من السبعة نافع، وحفص عن عاصم. ينظر السبعة ص ٦٢٦، والتيسير ص ١٦٩.","vol":"22","page":409},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبي معشرٍ، عن إبراهيمَ، قال: جاء عِتْرِيسُ بنُ عُرْقُوبٍ إلى ابنِ مسعودٍ، فقال: يا عبدَ اللَّهِ، هلَك مَن لم يأْمُرْ بالمعروفِ ويَنْهَ عن المنكرِ. فقال عبدُ اللَّهِ: هلَك من لم يَعرِفْ قلبُه معروفًا، ولم يُنْكِرْ قلبُه منكرًا؛ إنَّ بني إسرائيلَ لما طال عليهم الأمدُ وقسَت قلوبُهم، اختَرَعوا كتابًا مِن بينِ أيدِيهم وأرجلِهم، اسْتَهوتْه قلوبُهم، واسْتَحْلَتْه ألسنتُهم، وقالوا: نَعْرِضُ بني إسرائيل على هذا الكتابِ، فمن آمن به تَرَكْناه، ومَن كفَر به قتَلْناه. قال: فجعَل رجلٌ منهم كتابَ اللَّهِ في قَرْنٍ (^١)، ثم جعل القَرَنَ بينَ ثَنْدُوَتَيْه (^٢)، فلما قيل له: أتُؤْمِنُ بهذا؟ قال: آمنتُ به - ويُومِئُ إلى القَرَنِ الذي بين ثَنْدُوَتَيْه - وما لي لا أُومِنُ بهذا الكتابِ! فمِن خَيْرِ مِلَلِهم اليومَ مِلَّةُ صاحبِ القَرَنِ (^٣).\nويعني بقولِه: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾: [فطال عليهم أمدُ] (^٤) ما بينَهم وبينَ موسى ﷺ، وذلك الأَمَدُ: الزمانُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) القرَن: الجعبة. اللسان (ق ر ن).\n(^٢) الثندوتان للرجل كالثديين للمرأة. ينظر اللسان (ث ن د).\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٧ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٥ إلى سعيد بن منصور.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"22","page":410},{"text":"قولَه: ﴿الْأَمَدُ﴾. قال: الدَّهْرُ (^١).\nوقولُه: ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: [فقست قلوبهم] (^٢) عن الخيراتِ، واشتدَّت على السُّكونِ إلى معاصي اللَّهِ، ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وكثيرٌ مِن هؤلاء الذين أوتُوا الكتابَ مِن قبلِ أمةِ محمدٍ ﷺ فاسقون.\n\n<span id=\"aya-5092\"></span><span data-type='title' id=toc-8926>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿اعْلَمُوا﴾ أيُّها الناسُ، ﴿أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ﴾ المَيْتةَ التي لا تُنْبِتُ شيئًا، ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. يعني: بعد دُثُورِها ودُرُوسِها، يقولُ: وكما يُحْيي هذه الأرضَ المَيْتةَ بعدَ دُرُوسِها، كذلك يَهْدِي الإنسانَ الضَّالَّ عن الحقِّ إلى الحقِّ، فيوفِّقُه ويُسَدِّدُه للإيمانِ حتى يصيرَ مؤمنًا مِن بعدِ كفْرِه، ومهتديًا مِن بعدِ ضلالِه.\nوقولُه: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: قد بيّنّا لكم الأدلةَ والحججَ لتَعْقِلوا.\n\n<span id=\"aya-5093\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾. اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ خلا ابنِ كثيرٍ وعاصمٍ بتشديدِ الصادِ والدَّالِ، بمعنى: إن المتَصدِّقين والمتَصدِّقات. ثم تُدْغِمُ التاءَ في الصادِ، فتَجْعَلُها صادًا مشدَّدةً، كما\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٤٨ مطولا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"22","page":411},{"text":"قيل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]. يعني: المُتَزمِّلُ (^١). وقرَأ ابنُ كثيرٍ وعاصمٌ: (إِنَّ المُصَدِّقين والمُصَدِّقاتِ) بتخفيفِ الصادِ، وتشديدِ الدَّالِ، بمعنى: إنَّ الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه (^٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندي أن يقالَ: إنهما قراءتان معروفتان، صحيحٌ معنى كلِّ واحدةٍ منهما، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nفتأويلُ الكلامِ إذن على قراءةِ من قرَأ ذلك بالتشديدِ في الحرفين - أعنى في الصادِ والدَّال -: إن المتصدِّقين مِن أموالِهم والمتصدِّقاتِ، ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ بالنفقةِ في سبيلِه، وفيما أَمَر بالنفقةِ فيه، أو فيما نَدَب إليه - ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: يُضاعِفُ اللَّهُ لهم قروضَهم التي أَقْرَضوها إيَّاه، فيُوفِّيهم ثوابَها يومَ القيامةِ، ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم ثوابٌ مِن اللَّهِ على صِدْقِهم وقُروضِهم إيَّاه - كريمٌ، وذلك الجنةُ.\n\n<span id=\"aya-5094\"></span><span data-type='title' id=toc-8927>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: والذين أقرُّوا بوحدانيةِ اللَّهِ وإرسالِه رسلَه، فصدَّقوا الرسلَ وآمَنوا بما جاءُوهم به مِن عندِ ربِّهم - أولئك هم الصِّدِّيقون.\nوقولُه: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: قولُه (^٣): ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ منفصلٌ مِن الذي قَبلَه، والخبرُ عن الذين\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن عامر وأبي عمرو وحمزة والكسائي، وحفص عن عاصم. السبعة ص ٦٢٦.\n(^٢) هي قراءة ابن كثير، وأبي بكر عن عاصم. المصدر السابق.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"22","page":412},{"text":"آمنوا باللَّهِ ورسلِه مُتَناهٍ عندَ قولِه: ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾، و﴿الصِّدِّيقُونَ﴾ مرفوعون بقولَه: ﴿هُمُ﴾. ثم ابْتُدِئَ الخبرُ عن الشهداءِ فقيل: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾، و﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾ في قولِهم مرفوعون بقولِه: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾.\n\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾. قال: هذه مفصولةٌ. ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾. قال: هي للشهداءِ خاصةً (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ، قال: هي خاصةً للشهداءِ.\nقال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي الضُّحى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ ثم اسْتَأْنَف الكلامَ فقال: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^٣).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾: هذه\n_________\n(^١) ذكرُه القرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٥٣، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٧.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٦ عن الثوري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٨.","vol":"22","page":413},{"text":"مفصولةٌ، سمَّاهم اللَّهُ صِدِّيقين بأنهم آمنوا باللَّهِ وصدَّقوا رسلَه، ثم قال: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾. هذه مفصولةٌ (^١).\nوقال آخرون: بل قولُه: ﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾. مِن صفةِ الذين آمَنوا باللَّهِ ورسلِه. قالوا: إنما تَناهى الخبرُ عن الذين آمَنوا عندَ قولِه: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. ثم ابْتُدِئَ الخبرُ عمَّا لهم، فقيل: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾.\n\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرنا أبو قيسٍ أنه سمِع هُزَيلًا يُحدِّثُ، قال: ذكَروا الشهداءَ، فقال عبدُ اللَّهِ: الرجلُ يُقاتِلُ للذِّكْرِ، والرجلُ يُقاتِلُ لِيُرَى مكانُه، والرجلُ يُقاتِلُ للدنيا، والرجلُ يُقاتِلُ للسُّمْعةِ، والرجلُ يُقاتِلُ للمَغْنمِ - قال شعبةُ شيئًا هذا معناه - والرجلُ يُقاتِلُ يُريدُ وجْهَ اللَّهِ، والرجلُ يموتُ على فراشِه وهو شهيدٌ. وقرَأ عبدُ اللَّهِ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ وليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾. قال: كلُّ مؤمنٍ شهيدٌ. ثم قرَأها (^٣).\nحدَّثني صالحُ بنُ حربٍ أبو معمرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ يحيى، قال: ثنا ابنُ عجلانَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: سمِعتُ رسول اللَّهِ ﷺ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٦ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٦ إلى ابن المنذر مختصرًا.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٦ عن سفيان عن ليث به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":414},{"text":"يقولُ: \"مُؤْمِنو أُمَّتِي شُهداءُ\". قال: ثم تلا النبيُّ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. قال: بالإيمانِ على أنفسِهم باللَّهِ (^٢).\nوقال آخرون: الشهداءُ عندَ ربِّهم في هذا الموضعِ: النَّبيون الذين يَشْهَدون على أممِهم؛ مِن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١].\nوالذي هو أولى الأقوال عندي في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الكلامُ والخبرُ عن الذين آمَنوا مُتَناهٍ عندَ قولِه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾، وأنَّ قولَه: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ خبرٌ مُبْتدأٌ عن الشهداءِ.\nوإنما قلنا: إنَّ ذلك أولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ؛ لأنَّ ذلك هو الأغلبُ مِن معانِيه في الظاهرِ، وأنَّ الإيمانَ غيرُ مُوجبٍ - في المتعارَفِ - للمؤمنِ اسمَ شهيدٍ إلَّا (^٣) بمعنى غيرِه، إلا أن يُرادَ به أنه (^٤) شهيدٌ على ما آمَن به وصدَّقه، فيكونَ ذلك وجْهًا، وإن كان فيه بعضُ البُعدِ؛ لأن ذلك ليس بالمعروفِ من معانِيه إذا أُطْلِق بغيرِ وصلٍ، فتأويلُ قولِه: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ إذنْ: والشهداءُ الذين قُتِلوا في سبيلِ اللَّهِ، أو هلَكوا في سبيلِه، عندَ ربِّهم، لهم ثوابُ اللَّهِ إِيَّاهم في\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٨ عن المصنف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٤٩.\n(^٣) في م: \"لا\".\n(^٤) سقط من: م.","vol":"22","page":415},{"text":"الآخرةِ ونورُهم.\nوقولُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين كفروا باللَّهِ وكذَّبوا بأدلَّتِه وحجَجِه، أولئك أصحابُ الجحيمِ.\n\n<span id=\"aya-5095\"></span><span data-type='title' id=toc-8928>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: اعلموا أيُّها الناسُ أنَّ متاعَ الحياةِ الدنيا المُعَجَّلةِ لكم، ما هي إلا ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ تَتَفَكَّهون به، ﴿وَزِينَةٌ﴾ تَتَزيَّنون بها، ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾، يَفْخَرُ بعضُكم على بعضٍ بما أُولِيَ فيها من رِياشِها، ﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويُباهِي بعضُكم بعضًا بكثرةِ الأموالِ والأولادِ، ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾، [وذلك مطرٌ] (^١)، ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم يَبْبَسُ ذلك النباتُ، ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ بعدَ أن كان أَخْضَرَ نَضِرًا.\nوقولُه: ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم يكونُ ذلك النباتُ حُطامًا، يعني به أنه يكونُ نَبْتًا يابسًا متهشِّمًا، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وفي الآخرةِ عذابٌ شديدٌ للكفارِ، ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ لأهلِ الإيمانِ باللَّهِ ورسولِه.\nكما حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ الآية. يقولُ: صار الناسُ إلى هذين الحَرْفَين في\n_________\n(^١) سقط من: م.","vol":"22","page":416},{"text":"الآخرةِ (^١).\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ (^٢) يقولُ في قولِه: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾. ذكَر ما في الدنيا، وأنه على ما وصَف، وأما الآخرةُ فإنَّها إما عذابٌ، وإما جنةٌ. قال: والوَاوُ فيه و\"أَوْ\" بمنزلةٍ واحدةٍ.\nوقولُه: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما زينةُ الحياةِ الدنيا المُعَجَّلَةُ لكم أيُّها الناسُ، ﴿إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.\nحدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ الموصليُّ، قال: ثنا المُحارِبيُّ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال النبيُّ ﷺ: \"مَوْضِعُ سَوْطٍ في الجنَّةِ خيرٌ مِن الدنيا وما فيها\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-5096\"></span><span data-type='title' id=toc-8929>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: سابِقوا أيُّها الناسُ إلى عملٍ يُوجِبُ لكم مغفرةً من ربِّكم وجنةً عرضُها كعرضِ السماءِ والأرضِ، أَعِدَّت هذه الجنةُ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾. يعني: للذين وحَّدوا اللَّهَ وصدَّقوا رسلَه.\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: هذه الجنةُ التي\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) هو الفراء كما في معاني القرآن ٣/ ١٣٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٠١، ١٠٢، وأحمد ١٥/ ٤٠٨ (٩٦٥١)، والدارمي ٢/ ٣٣٢، ٣٣٣، والترمذي (٣٠١٣، ٣٢٩٢)، والنسائي في الكبرى (١١٠٨٥)، وابن حبان (٧٤١٧)، والحاكم ٢/ ٢٩٩، والبيهقي في البعث (٤٣١)، من طريق محمد بن عمرو به مطولا.","vol":"22","page":417},{"text":"عَرْضُها كعرضِ السماءِ والأرضِ، التي أعدَّها اللَّهُ للذين آمنوا باللَّهِ ورسلِه - فضلُ اللَّهِ تَفضَّل به على المؤمنين، واللَّهُ يؤتي فَضْلَه مَن يشاءُ مِن خَلْقِه، وهو ذو الفَضْلِ العظيمِ عليهم، بما بَسَط لهم مِن الرزقِ في الدنيا، ووهَب لهم مِن النِّعمِ، وعرَّفهم موضعَ الشكرِ، ثم جزاهم في الآخرةِ على الطاعةِ ما وصَف أنه أعدَّه لهم.\n\n<span id=\"aya-5097\"></span><span data-type='title' id=toc-8930>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ما أصابكم أيُّها الناسُ من مصيبةٍ في الأرضِ؛ بجُدُوبِها وقُحُوطِها وذَهابِ زروعِها وفسادِها، ولا في أنفسِكم؛ بالأوصابِ والأوجاعِ والأسقامِ، ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. يعني: إلا في أمِّ الكتابِ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾. يقولُ: من قبلِ أن نَبْرَأَ الأنفسَ، يعني: مِن قبلِ أن نخلُقَها. يقالُ: قد بَرَأ اللَّهُ هذا الشيءَ. بمعنى: خَلَقه، فهو بارئُه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾. قال: هو شيءٌ قد فُرِغ منه مِن قبلِ أن نبرَأَ النفسَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾: أما مصيبةُ الأرضِ فالسِّنون، وأما في أنفسِكم فهذه الأمراضُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٦ إلى المصنف.","vol":"22","page":418},{"text":"والأوصابُ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾: مِن قبلِ أن نخلُقَها.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: هي السِّنون، ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. قال: الأوجاعُ والأمراضُ. قال: وبلَغنا أنه ليس أحدٌ يُصِيبُه خَدْشُ عُودٍ، ولا نَكْبَةُ قدمٍ، ولا خَلَجَانُ عِرْقٍ - إلا بذنبٍ، وما يَعْفو اللَّهُ عنه أكثرُ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن منصورِ بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: كنتُ جالسًا مع الحسنِ، فقال رجلٌ: سَلْه عن قولِه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾. فسأَلْتُه عنها، فقال: سبحانَ اللَّهِ! ومَن يَشُكُّ في هذا؟ كلُّ مصيبةٍ بينَ السماءِ والأرضِ ففي كتابِ اللَّهِ، مِن قبلِ أن تُبْرَأَ النَّسَمَةُ (^٢).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾. يقولُ: هو شيءٌ قد فُرِغ منه، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾: مِن قبلِ أنْ نَبْرَأَ الأنفسَ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾. قال: مِن قبلِ أنْ نخلُقَها. قال: المصائبُ والرزقُ والأشياءُ كلُّها مما تُحِبُّ وتَكْرهُ، فَرَغَ اللَّهُ مِن ذلك كلِّه قبلَ أَنْ يَبْرَأَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٢٧٥ في تفسيره عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥١ عن المصنف، وأخرجه البيهقي في الشعب (٩٧٧٠) من طريق ابن علية به.","vol":"22","page":419},{"text":"النفوسَ ويخلُقَها.\nوقال آخرون: عُنِي بذلك: ما أصاب مِن مصيبةٍ في دينٍ ولا دنيا.\n\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾. يقولُ: في الدينِ والدنيا، إلا في كتابٍ مِن قبلِ أن نخلُقَها (^١).\nواختلَف أهلُ العربيةِ في معنى: ﴿فِي﴾ التي بعدَ قولِه: ﴿إِلَّا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: يريدُ واللَّهُ أعلمُ بذلك: إلا هي في كتابٍ، فجاز فيه الإضمارُ. قال: وقد يقولُ: عندي هذا ليس إلَّا. يريدُ: ليس إلا هو.\nوقال غيرُه منهم: قولُه: ﴿فِي كِتَابٍ﴾. من صلةِ: ﴿مَا أَصَابَ﴾، وليس إضمارُ \"هو\" بشيءٍ. وقال: ليس قولُه: عندي هذا ليس إلا. مثلَه؛ لأن \"إلا\" تكفي مِن الفعلِ، كأنه قال: ليس غيرَه.\nوقولُه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِن خَلْقَ النفوسِ وإحصاءَ ما هي لاقيةٌ مِن المصائبِ، على اللَّهِ سهلٌ يسيرٌ.\n\n<span id=\"aya-5098\"></span><span data-type='title' id=toc-8931>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ما أصابكم أيُّها الناسُ مِن مصيبةٍ في أموالِكم ولا في أنفسِكم، إلا في كتابٍ قد كُتِب ذلك فيه مِن قبلِ أن نخلُقَ نفوسَكم، ﴿لِكَيْلَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٧ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٦ إلى ابن المنذر.","vol":"22","page":420},{"text":"تَأْسَوْا﴾. يقولُ: لكيلا تَحْزنوا ﴿عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ مِن الدنيا، فلم تُدْرِكوه منها، ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ منها (^١).\nومعنى قوله: ﴿بِمَا آتَاكُمْ﴾ إذا مُدَّت الألفُ منها: بالذي أعطاكم منها ربُّكم ومَلَّككم وخوَّلكم. وإذا قُصِرَت الألفُ فمعناها: بالذي جاءكم منها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ مِن الدنيا، ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ منها.\nحدِّثتُ عن الحسينِ بنِ يزيدَ الطحانِ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن قيسٍ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾. قال: الصبرُ عندَ المصيبةِ، والشكرُ عندَ النِّعمةِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سِماكٍ البَكْريِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾. قال: ليس أحدٌ إلا يَحْزنُ ويَفْرحُ، ولكن مَن أصابَتْه مصيبةٌ فجعَلَها صبرًا، ومَن أصابه خيرٌ فجعَلَه شكرًا (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ\n_________\n(^١) زيادة من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٧٣، ٣٧٤، والحاكم ٢/ ٤٧٩، والبيهقي في الشعب (٩٧٧١)، من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":421},{"text":"﷿: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾. قال: لا تَأْسَوا على ما فاتكم مِن الدنيا، ولا تَفْرحوا بما آتاكم منها.\nواختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿بِمَا آتَاكُمْ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والكوفةِ: ﴿بِمَا آتَاكُمْ﴾ بمدِّ الألفِ (^١). وقَرأه بعضُ قرأةِ البصرةِ: (بما أتاكُمْ) بقصرِ الألفِ (^٢). وكأَنَّ مَن قرَأ ذلك بقصرِ الألفِ اختار قراءَتَه كذلك إذ كان الذي قبلَه: ﴿عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾، ولم يَكُنْ: \"على ما أفاتكم\"، فَيَرُدَّ الفعلَ إلى اللَّهِ، فأَلْحَق قولَه: (بِمَا أتاكُمْ) به، ولم يردَّه إلى أنه خبرٌ عن اللَّهِ (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان صحيحٌ معناهما، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، وإن كنتُ أختارُ مدَّ الألفِ لكثرةِ قارئِي ذلك كذلك، وليس للذي اعتلَّ به منه مُعْتلُّو قارئِيه بقصرِ الألفِ كبيرُ معنًى؛ لأن ما جُعِل من ذلك خبرًا عن اللَّهِ، وما صُرِف منه إلى الخبرِ عن غيرِه - فغيرُ خارجٍ جميعُه عندَ سامعيه مِن أهلِ العلمِ أنه مِن فعلِ اللَّهِ تعالى، فالفائتُ مِن الدنيا مَن فاته منها شيءٌ، والمُدْرِكُ منها ما أَدْرك، عن تقدُّمِ اللَّهِ ﷿ وقضائِه، وقد بَيَّن ذلك جلَّ ثناؤُه لمن عقَل عنه بقولِه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾. فأَخبَر أن الفائتَ منها بإفاتتِه إيَّاهم فاتهم، والمُدْرَكَ منها بإعطائِه إيَّاهم أَدْركوا، وأنَّ ذلك مخطوطٌ (^٤) لهم في كتابٍ مِن قبلِ أن يخلُقَهم.\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. يقولُ: واللَّهُ لا يُحِبُّ كلَّ مُتكبِّرٍ بما أُوتِي مِن الدنيا، فخورٍ به على الناسِ.\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. حجة القراءات ص ٧٠١، ٧٠٢.\n(^٢) هي قراءة أبي عمرو. المصدر السابق.\n(^٣) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ١٣٦.\n(^٤) في م: \"محفوظ\".","vol":"22","page":422},{"text":"<span id=\"aya-5099\"></span><span data-type='title' id=toc-8932>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ لا يُحِبُّ كلَّ مختالٍ فخورٍ؛ الباخلين بما أُوتوا في الدنيا، على اختيالِهم به وفَخْرِهم بذلك على الناسِ، فهم يَبْخلون بإخراجِ حقِّ اللَّهِ الذي أَوْجَبه عليهم فيه، ويَشِحُّون به، وهم مع بُخلِهم به أيضًا يأْمُرون الناسَ بالبُخْلِ.\nوقولُه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومن يُدْبِرْ مُعْرِضًا عن عظةِ اللَّهِ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومن يُدْبِرْ مُعْرِضًا عن عظةِ اللَّهِ، تاركًا العملَ بما دعاه إليه مِن الإنفاقِ في سبيلِه، فَرِحًا بما أُوتِي مِن الدنيا، مختالًا به فخورًا بخيلًا، فإنَّ اللَّهَ هو الغنيُّ عن مالِه ونفقتِه، وعن غيرِه مِن سائرِ خَلْقِه، الحميدُ إلى خَلْقِه بما أَنْعَم به عليهم مِن نِعَمِه.\nواختلَف أهلُ العربيةِ في موضعِ جوابِ قولِه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾؛ فقال بعضُهم: اسْتُغْنِي بالأخبارِ التي لأشْباهِهم ولهم في القرآنِ؛ كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١]. ولم يكنْ في ذا الموضعِ خبرٌ، واللَّهُ أعلمُ بما يُنَزِّلُ، هو كما أَنزَل أو كما أراد أن يكونَ.\nوقال غيرُه مِن أهلِ العربيةِ: الخبرُ قد جاء في الآيةِ التي قبلَ هذه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. عطَف بجزاءين على جزاءٍ، وجعَل جوابَهما واحدًا؛ كما تقولُ: إِن تَقُمْ وإِن تُحْسِنْ آتِكَ. لا أنَّه حذَف الخبرَ.\nواختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾؛ فقرَأ ذلك","vol":"22","page":423},{"text":"عامةُ قرأةِ المدينةِ: (فإِنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ) بحذفِ ﴿هُوَ﴾ من الكلامِ (^١)، وكذلك ذلك في مصاحفِهم بغيرِ ﴿هُوَ﴾ وقرَأَتْه عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ بإثباتِ ﴿هُوَ﴾ في القراءةِ (^٢)، وكذلك هو في مصاحفِهم.\nوالصوابُ مِن القولِ أنهما قراءتان معروفتان، فبأَيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-5100\"></span><span data-type='title' id=toc-8933>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لقد أَرسَلْنا رسُلَنا بالمُفَصَّلاتِ مِن البيانِ والدلائلِ، وأَنزَلْنا معهم الكتابَ بالأحكامِ والشرائعِ، والميزانَ بالعدلِ.\nكما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾. قال: الميزانُ: العدلُ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾: بالحقِّ. قال: الميزانُ: ما يَعْملُ النَّاسُ ويَتَعاطَوْن عليه في الدنيا مِن معايشِهم التي يَأخُذُون ويُعْطُون؛ يَأخُذون بميزانٍ، ويُعْطُون بميزانٍ، يَعْرِفُ ما يَأْخُذُ وما يُعْطِي. قال: والكتابُ فيه دِينُ الناسِ الذي يَعْملون ويَتْرُكون، فالكتابُ للآخرةِ، والميزانُ للدنيا (^٤).\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وأبي جعفر وابن عامر. النشر ٢/ ٢٨٧.\n(^٢) هي قراءة حمزة والكسائي وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وخلف ويعقوب الحضرمي. المصدر السابق.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٧ إلى ابن المنذر.\n(^٤) ذكر نحوه القرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٦٠.","vol":"22","page":424},{"text":"وقولُه: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لِيعمَلَ الناسُ بينَهم بالعدلِ.\nوقولُه: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأَنزَلْنا لهم الحديدَ، ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾. يقولُ: فيه قوَّةٌ شديدةٌ، ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ وذلك ما يَنْتَفِعون به منه عندَ لقائِهم العدوَّ، وغيرُ ذلك مِن منافعِه.\nوقد حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن عِلْباءَ بنِ أحمرَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ثلاثةُ أشياءَ نزَلت مع آدمَ صلواتُ اللَّهِ عليه؛ السَّنْدانُ (^١) والكَلْبتان (^٢)، والمِيقَعَةُ (^٣)، والمِطْرَقَةُ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾. قال: البأْسُ الشديدُ: السُّيُوفُ والسلاحُ التي (^٥) يُقاتِلُ الناسُ بها، ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ بعدُ (^٦)؛ يَحْفِرون بها الأرضَ\n_________\n(^١) السندان: ما يطرق الحداد عليه الحديد. الوسيط (س ن د).\n(^٢) الكلبتان: التي تكون مع الحداد يأخذ بها الحديد المُحْمَى. يقال: حديدة ذات كلبتين وحديدتان ذواتا كلبتين وحداد ذوات كلبتين. اللسان (ك ل ب)\n(^٣) الميقعة: المطرقة. ويقال: الميقعة: المِسَنُّ الطويل. التاج (وق ع).\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٣٠. وقوله: والميقعة والمطرقة. كذا؛ عدّ أربعة لا ثلاثة، وذلك مثل ما ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٦١ عن الثعلبي من قول ابن عباس قال: \"نزل آدم من الجنة ومعه من الحديد خمسة أشياء … \". ذكر منها الميقعة والمطرقة.\nوالأثر ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٥٣٢، بلفظ: \"إن الله تعالى أنزل مع آدم العلاءة - يعني السندان والمطرقة والكلبتين - من السماء\". والقرطبي في الموضع السابق عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ: \" … والميقعة وهى المطرقة\". وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٤ بلفظ: \" … والميقعة، يعني المطرقة\". وعزاه إلى المصنف وابن أبي حاتم. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم بلفظ: \" … السندان والكلبتان والمطرقة\". وينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ١٣٦، وتاج العروس (وق ع).\n(^٥) في م: \"الذي\".\n(^٦) في ت ١: \"فئوس\".","vol":"22","page":425},{"text":"والجبالَ وغيرَ ذلك.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾: جُنَّةٌ وسلاحٌ، وأنزَله لِيعلمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُه (^١).\nوقولُه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أَرْسَلْنا رسلَنا إلى خَلْقِنا، وأنزَلْنا معهم هذه الأشياءَ ليَعْدِلوا بينَهم، ولِيَعْلَمَ حزبُ اللَّهِ مَن يَنْصُرُ دينَ اللَّهِ ورسلَه بالغيبِ منه عنهم.\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ اللَّهِ قويٌّ على الانتصارِ ممَّن بارزه بالمعاداةِ، وخالَف أمرَه ونهيَه، ﴿عَزِيزٌ﴾ في انتقامِه منهم، لا يَقْدِرُ أحدٌ على الانتصارِ منه ممَّا أحلَّ به مِن العقوبةِ.\n\n<span id=\"aya-5101\"></span><span data-type='title' id=toc-8934>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ أيُّها الناسُ ﴿نُوحًا﴾ نبيًّا (^٢) إلى خَلْقِنا، ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ خليلَه إليهم رسولًا، ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾. وكذلك كان (^٣)؛ كانت النبوَّةُ في ذرِّيتِهما، وعليهم أُنزِلت الكتبُ؛ التوراةُ، والإنجيلُ، والزبورُ، والفرقانُ، وسائرُ الكُتُبِ المعروفةِ، ﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٤٩، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٣٦ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: م، ت ١.","vol":"22","page":426},{"text":"فمن ذُرِّيتِهما مهتدٍ إلى الحقِّ مُستَبْصِرٌ، ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾. يعني: من ذرِّيتِهما، ﴿فَاسِقُونَ﴾. يعني: ضُلَّالٌ، خارِجون (^١) عن طاعةِ اللَّهِ إلى معصيتِه.\n\n<span id=\"aya-5102\"></span><span data-type='title' id=toc-8935>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ثم أَتْبَعْنا على آثارِهم برسلِنا الذين أرسَلناهم بالبيِّنات، و(^٢) على آثارِ نوحٍ وإبراهيمَ برسلِنا، وأَتْبَعْنا بعيسى ابنِ مريمَ، ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾. يعني: الذين اتَّبَعوا عيسى على منهاجِه وشريعتِه، و﴿رَأْفَةً﴾. وهو أشدُّ الرحمةِ (^٣)، ﴿وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾. يقولُ: أحدَثوها، ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: ما افتَرَضْنا تلك الرهبانيةَ عليهم، ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾. يقولُ: لكنهم ابتدَعوها ابتغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ، ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في الذين لم يَرْعَوا الرهبانيةَ حقَّ رِعايتِها؛ فقال بعضُهم: هم الذين ابْتَدَعوها، لم يَقوموا بها، ولكنهم بدَّلوا وخالَفوا دينَ اللَّهِ الذي بعَث به عيسى؛ فتَنَصَّروا وتَهَوَّدوا.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"خروج\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٣: \"الرقة\"، وفي ت ٢: \"الرأفة\". وفي التاج (ر أ ف): الرأفة أشد الرحمة أو أرقّها.","vol":"22","page":427},{"text":"وقال آخرون: بل هم قومٌ جاءوا مِن بعدِ الذين ابْتَدَعوها، فلم يَرْعَوْها حقَّ رِعايتِها؛ لأنهم كانوا كفارًا، ولكنهم قالوا: نَفْعَلُ كالذي كانوا يفعلون من ذلك [أوَّليًّا. فهم] (^١) الذين وصَف اللَّهُ بأنهم لم يَرْعَوْها حقَّ رِعايتِها.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ هذه الأحرفِ إلى الموضعِ الذي ذكَرْنا أنَّ أهلَ التأويلِ فيه مختلِفون في ذلك، قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾. فهاتان مِن اللَّهِ. والرهبانيةُ ابْتَدَعها القومُ مِن أنفسِهم، ولم تُكتَبْ عليهم، ولكن ابْتَغُوا بذلك وأرادوا رِضْوانَ اللَّهِ، ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾: ذُكِر لنا أنهم رفَضوا النساءَ، واتَّخَذُوا الصَّوامِعَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾. قال: لم تُكتَبْ عليهم، ابْتَدَعُوها ابتغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾. قال: فلِمَ؟ قال: ابْتَدَعوها ابتغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ تَطَوُّعًا، فما رَعَوْها حقَّ رِعايتِها (^٤).\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"أولياؤهم\".\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٥٣٥، والقرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٦٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٦ عن معمر به.\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٥٣٥.","vol":"22","page":428},{"text":"ذكرُ مَن قال: الذين لم يَرْعَوُا الرهبانيةَ حقَّ رعايتِها كانوا غيرَ الذين ابْتَدَعوها، ولكنهم كانوا المُرِيدي الاقتداءِ بهم\nحدَّثنا الحسينُ (^١) بنُ الحُرَيثِ أبو عمارٍ المَرْوَزِيُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت ملوكٌ بعدَ عيسى بدَّلوا التوراةَ والإنجيلَ، وكان فيهم مؤمنون يقرَءون التوراةَ والإنجيلَ، فقيل لملكِهم: ما نجدُ شيئًا أَشدَّ علينا مِن شَتْمٍ يَشْتُمُناه (^٢) هؤلاء، إنهم يقرَءون: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. هؤلاء الآياتُ (^٣) - مع ما يَعِيبوننا به في قراءتِهم، فادْعُهم (^٤) فليقرَءُوا كما نقرَأُ، ولْيُؤْمنوا كما آمنَّا به. قال: فدعاهم فجمَعهم، وعرَض عليهم القتلَ أو يتركوا قراءةَ التوراةِ والإنجيلِ إلا ما بدَّلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك؟ فدعُونا. قال: فقالت طائفةٌ منهم: ابْنُوا لنا أُسْطُوَانةً، ثم ارْفعونا إليها، ثم أَعْطُونا شيئًا نَرْفعُ به طعامَنا وشرابَنا، فلا نَرِدُ عليكم (^٥). وقالت طائفةٌ منهم: دَعُونا نَسِيحُ في الأرضِ، ونَهِيمُ ونَشْرَبُ كما تَشْرَبُ الوحوشُ (^٦)، فإِنْ قَدَرْتم علينا بأَرْضِكم فاقتُلونا. وقالت طائفةٌ: ابْنُوا لنا دُورًا (^٧) في الفيافِي، ونَحْتَفِرُ الآبارَ، ونَحْترِثُ البقولَ، فلا نَرِدُ عليكم، ولا نَمُرُّ بكم. وليس أحدٌ مِن أولئك إلا وله حميمٌ فيهم، قال: ففعَلوا ذلك، فأنَزَل اللَّهُ جلّ ثناؤُه: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾: الآخِرون؛ قالوا: نتعبَّدُ كما تعبَّد فلانٌ، ونَسِيحُ كما ساح فلانٌ، ونتَّخِذُ دُورًا كما\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحسن\". وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٣٥٨.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"يشتمنا\".\n(^٣) قال السندي في حاشيته على المجتبى: \"وهؤلاء الآيات\" هو مبتدأ خبره محذوف أي من أشد الشتم. المجتبى ٨/ ٨٢٣.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فادعوهم\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عليهم\".\n(^٦) في ت ٢، ت ٣: \"الوحش\".\n(^٧) في ت ٢، ت ٣: \"دارًا\". وفي الدر المنثور: \"ديورًا\".","vol":"22","page":429},{"text":"اتَّخَذ فلانٌ. وهم على شِرْكِهم، لا علمَ لهم بإيمانِ الذين اقْتَدَوْا بهم، قال: فلمَّا بُعِث النبيُّ ﷺ ولم يَبْقَ منهم إلا قليلٌ، انحطَّ (^١) رجلٌ من صَوْمعتِه، وجاء سائحٌ مِن سياحتِه، وجاء صاحبُ الدارِ مِن دارِه، وآمَنوا به وصدَّقوه، فقال اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. [الحديد: ٢٨]. قال: أَجْرَيْن؛ لإيمانِهم بعيسى وتصديقِهم بالتوراةِ والإنجيلِ، وإيمانِهم بمحمدٍ ﷺ وتَصْديقِهم به. قال: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾: القرآنَ، واتِّباعَهم النبيَّ ﷺ. قال: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (^٢) [الحديد: ٢٩].\nحدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا داودُ بنُ المُحَبَّرِ، قال: ثنا الصَّعِقُ بنُ حَزْنٍ، قال: ثنا عَقِيلٌ الجعديُّ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدانيِّ، عن سُويدِ بنِ غَفَلَةَ، عن عبد اللَّهِ بن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"اخْتَلَفَ مَن كان قَبْلَنا على إِحْدَى وسَبْعِين فِرْقةً، نجا منهم ثلاثُ، وهلَك سائرُهم؛ فِرْقةٌ مِن الثلاثِ آزَتِ (^٣) المُلُوكَ وقاتَلَتْهم على دينِ اللَّهِ ودينِ عيسى ابنِ مريمَ صلواتُ اللَّهِ عليه، فقَتَلَتْهم المُلُوكُ، وفِرْقةٌ لم تَكنْ لهم طاقةٌ بمُؤَازاةِ المُلُوكِ فأقاموا بينَ ظَهْرَانَيْ قومِهم يَدْعُونهم إلى دينِ اللَّهِ ودينِ عيسى ابنِ مريمَ صلواتُ اللَّهِ عليه، فقَتَلَتْهم المُلُوكُ ونَشَرَتْهم بالمناشِيرِ، وفِرْقَةٌ لم تَكنْ لهم طاقةٌ بمُؤَازاةِ المُلُوكِ، ولا بالمُقامِ بينَ ظَهْرَانَيْ قومِهم يَدْعونهم إلى دينِ اللَّهِ ودينِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إذ حط\". وينظر مصادر التخريج.\n(^٢) أخرجه النسائي (٥٤١٥)، وفي الكبرى (١١٥٦٧) عن الحسين به.\n(^٣) في م: \"وازت\". وآزى فلانًا، إذا حاذاه. وآزت الملوك: قاومتهم. يقال: فلان إزاء لفلان. إذا كان مقاومًا له. ينظر اللسان (أ ز ى).","vol":"22","page":430},{"text":"عيسى صلواتُ اللَّهِ عليه، فلَحِقُوا بالبَرارِي والجبالِ، فَتَرَهَّبُوا فيها، فهو قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾. قال: ما فعَلُوها إلا ابتغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ، ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. قال: ما رعاها الذين من بعدِهم حقَّ رِعايتِها، ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾. قال: وهم الذين آمنوا بي وصدَّقوني. قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. قال: فهم الذين جحَدوني وكذَّبوني\" (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾. قال: [الآخِرون ممَّن] (^٢) تَعَبَّد مِن أهلِ الشركِ، [وفُتِنَ مَن فُتِن] (^٣) منهم، يقولون: نتعبَّدُ كما تَعبَّد فلانٌ، ونَسِيحُ كما ساح فلانٌ، وهم في شِرْكِهم لا علمَ لهم بإيمانِ الذين اقْتَدَوْا بهم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٧٠)، وأبو يعلى - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٥٥ -، والطبراني (١٠٥٣١)، والصغير ١/ ٢٢٣، والأوسط (٤٤٧٩)، والحاكم ٢/ ٤٨٠، والبيهقي في الشعب (٩٥٠٩)، والبغوي في تفسيره ٨/ ٤٢، ٤٣، من طريق الصعق بن حزن به بنحوه.\nكما أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٥٤، ٥٥ -، والطبراني (١٠٣٥٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٦/ ١٩٧، من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده عبد الله بن مسعود. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٧ إلى عبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إلا من\". وينظر ما تقدم في ص ٤٢٩.\n(^٣) في م والدر المنثور: \"وفنى من فنى\".","vol":"22","page":431},{"text":"ذكرُ مَن قال: الذين لم يَرْعَوْها حقَّ رِعايتِها الذين ابْتَدَعوها\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ إلى قولِه: ﴿حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. يقولُ: ما أطاعوني فيها، وتكلَّموا فيها بمعصيةِ اللَّهِ. وذلك أنَّ اللَّهَ ﷿ كتَب عليهم القتالَ قبلَ أنْ يَبْعثَ محمدًا ﷺ، فلما اسْتُخْرِج أهلُ الإيمانِ، ولم يَبْقَ منهم إلا قليلٌ، وكَثُر أهلُ الشركِ، وذهَب الرسلُ وقُهِرُوا، اعتزَلوا في الغِيرانِ (^١)، فلم يَزَلْ بهم ذلك حتى كَفَرت طائفةٌ منهم، وتَرَكوا أمرَ اللَّهِ ﷿ ودينَه، وأَخَذوا بالبدعةِ وبالنصرانيةِ وباليهوديَّةِ، فلم يَرْعَوْها حقَّ رِعايتِها، وثَبَتَتْ طائفةٌ على دينِ عيسى ابنِ مريمَ صلواتُ اللَّهِ عليه، [حتى جاءتْهم البيناتُ] (^٢)، وبعَث اللَّهُ ﷿ محمدًا ﷺ رسولًا وهم كذلك، فذلك قولُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾. كان اللَّهُ ﷿ كتَب عليهم القتالَ قبلَ أنْ يَبْعَثَ محمدًا ﷺ فلما اسْتُخرِج أهلُ الإيمانِ، ولم يَبْقَ منهم إلا القليلُ، وكثُر أهلُ الشركِ، وانقطَعت الرسلُ، اعتزَلوا الناسَ، فصاروا في الغِيرانِ، فلم يزالوا كذلك (^٣) حتى غيَّرت طائفةٌ منهم، فترَكوا دينَ اللَّهِ وأمرَه وعهدَه الذي عَهِده إليهم، وأخَذوا بالبدعِ، فابْتَدَعوا النصرانيةَ\n_________\n(^١) الغيران: جمع غار. والغار كالكهف في الجبل، وقيل: شبه البيت فيه. اللسان (غ ور).\n(^٢) في م: \"حين جاءهم بالبينات\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بذلك\".","vol":"22","page":432},{"text":"واليهوديَّةَ، فقال اللَّهُ ﷿ لهم: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾، وثَبَتَت طائفةٌ منهم على دينِ عيسى صلواتُ اللَّهِ عليه، حتى بعَث اللَّهُ محمدًا ﷺ، فآمَنوا به.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا زكريا بنُ أبي مريمَ، قال: سمِعتُ أبا أمامةَ الباهليَّ يقولُ: إِنَّ اللَّهَ كتَب عليكم صيامَ رمضانَ، ولم يَكْتُبْ عليكم قيامَه، وإنما القيامُ شيءٌ ابْتَدَعتُموه، وإِنَّ قومًا ابْتَدَعوا بدعةً لم يَكْتُبْها اللَّهُ عليهم، ابْتَغَوا بها رِضْوانَ اللَّهِ، فلم يَرْعَوها حقَّ رِعايتِها، فعابَهم اللَّهُ بتَرْكِها، فقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ أنْ يقالَ: إنَّ الذين وصَفهم اللَّهُ بأنهم لم يَرْعَوا الرهبانيةَ حقَّ رِعايتِها، بعضُ الطوائفِ التي ابْتَدَعتْها. وذلك أَنَّ اللَّهَ جلّ ثناؤُه أَخبَر أنه آتَى الذين آمَنوا منهم أَجْرَهم؛ قال: فدلَّ بذلك على أن منهم مَن قد رعاها حقَّ رِعايتِها، فلو لم يكنْ منهم مَن كان كذلك لم يكنْ يستحِقُّ الأجرَ الذي قال جلّ ثناؤُه: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾. إلا أنَّ الذين لم يَرْعَوْها حقَّ رِعايتِها ممكِنٌ أنْ يكونوا كانوا على عَهْدِ الذين ابْتَدَعوها، وممكِنٌ أنْ يكونوا كانوا بعدَهم؛ لأنَّ الذين هم مِن أبنائِهم إذا لم يكونوا رَعَوْها فجائزٌ في كلامِ العربِ أن يقالَ: لم يَرْعَها القومُ. على العمومِ، والمرادُ منهم البعضُ الحاضرُ، وقد مضَى نظيرُ ذلك في مواضعَ كثيرةٍ من هذا الكتابِ (^٢).\nوقولُه: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فَأَعْطينا\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٦٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٨ إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن نصر وابن مردويه وأخرجه الطبراني في الأوسط (٧٤٥٠) من طريق إسماعيل بن عمرو عن هشيم به مرفوعًا.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٦٤٢، ٦٤٣.","vol":"22","page":433},{"text":"الذين آمنوا باللَّهِ ورسلِه مِن هؤلاءِ الذين ابْتَدَعوا الرهبانيةَ - ثوابَهم على ابتغائِهم رِضْوانَ اللَّهِ، وإيمانِهم به وبرسولِه في الآخرةِ، وكثيرٌ منهم أهلُ معاصٍ (^١)، وخروجٍ عن طاعتِه والإيمانِ به.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾. قال: الذين رعَوْا ذلك الحقَّ.\n\n<span id=\"aya-5103\"></span><span data-type='title' id=toc-8936>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه مِن أهلِ الكتابين؛ التوراةِ والإنجيلِ، خافوا اللَّهَ بأداءِ طاعتِه واجتنابِ معاصيه، وآمِنوا برسولِه محمدٍ ﷺ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾. يعني: الذين آمنوا مِن أهلِ الكتابِ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾. يعني: الذين آمنوا من أهلِ الكتابِ (^٢).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"معاصي الله\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٧.","vol":"22","page":434},{"text":"وقولُه: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾: يُعْطِكم ضِعْفين مِن الأجرِ؛ لإيمانِكم بعيسى ﷺ والأنبياءِ قبلَ محمدٍ ﷺ، ثم إيمانِكم بمحمدٍ ﷺ حينَ بُعِث نبيًّا.\nوأصلُ الكِفلِ: الحظُّ، وأصلُه: ما (^١) يَكْتَفِلُ به الراكبُ، فيَحْبِسُه ويَحْفَظُه عن السقوطِ؛ يقولُ: يُحَصِّنُكم هذا الكفلُ من العذابِ، كما يُحَصِّنُ الكِفلُ الراكبَ من السقوطِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو عمارٍ المروزيُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. قال: أَجْرَين؛ لإيمانِهم بعيسى ﵇ وتصديقِهم بالتوراةِ والإنجيلِ، وإيمانِهم بمحمدٍ ﷺ وتصديقِهم به (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. قال: أَجْرَين؛ إيمانَهم بمحمدٍ ﷺ، وإيمانَهم بعيسى ﷺ والتوراةِ والإنجيلِ.\nوبه عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، وهارونَ بنِ عنترةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. [قال: أَجْرَين] (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) تقدم مطولًا في ص ٤٢٩، ٤٣٠.\n(^٣) سقط من: ت ١.","vol":"22","page":435},{"text":"[حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾] (^١). يقولُ: ضِعْفَين (^٢).\nقال: ثنا مهرانُ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرِ بنِ أبي المغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: بعَث النبيُّ ﷺ جعفرًا في سبعين راكبًا إلى النجاشيِّ يَدْعوه، فقدِم عليه، فدعاه فاستَجاب له وآمَن به، فلما كان عندَ انصرافِه قال ناسٌ ممن قد آمَن به من أهلِ مملكتِه، وهم أربعون رجلًا: ائذَن لنا، فنأتيَ هذا النبيَّ، فنُسلِمَ به، [[ونُجدِّفَ بهؤلاء] (^٣) في البحرِ، فإنَّا أعلمُ بالبحرِ منهم] (^٤). فقدِموا مع جعفرٍ على النبيِّ ﷺ، وقد تَهَيَّأ النبيُّ ﷺ لوقعةِ أُحُدٍ (^٥)، فلما رأوا ما بالمسلمين من الخَصاصةِ وشدةِ الحالِ، استأذَنوا النبيَّ ﷺ، قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إن لنا أموالًا، ونحن نَرَى ما بالمسلمين من الخصاصةِ، فإن أَذِنتَ لنا انصرَفْنا فجِئْنا بأموالِنا فواسَينا المسلمين بها. فأَذِن لهم فانصرَفوا، فأتَوا بأموالِهم فواسَوا بها المسلمين، فأنزَل اللَّهُ فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤]. فكانت النفقةُ التي واسَوا بها المسلمين، فلما سمِع أهلُ الكتابِ - ممن لم يُؤْمِنْ - بقولِه: ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤]. فخَروا على المسلمين، فقالوا: يا معشرَ المسلمين، أمَّا مَن آمَن منا بكتابِكم وكتابِنا فله أجرُه مرَّتين، ومَن لم يُؤْمِنْ بكتابِكم فله أجرٌ كأجورِكم، فما فضلُكم علينا؟! فأنزَل اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"ونساعد هؤلاء\".\n(^٤) في ت ١: \"قال\".\n(^٥) قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص ٤١٩: وفي سياقه نكارة، وذلك أن جعفرًا إنما قدم بعد أحد بزمان، قدم عند فتح خيبر. انتهى بتصرف.","vol":"22","page":436},{"text":"مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. فجعَل لهم أجرَهم مرتين (^١)، وزادهم النورَ والمغفرةَ، ثم قال: (لِكَيْلا (^٢) يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ). [وهكذا قرَأها سعيدُ بنُ جُبَيرٍ (لِكَيْلا (^٣) يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتابِ] (^٤) أَلَّا يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ) (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. قال: ضِعْفين (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. قال: والكِفْلان أَجْران؛ بإيمانِهم الأولِ، وبالكتابِ الذي جاء به محمدٌ ﷺ (^٧).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾. يعني: الذين آمَنوا من أهلِ الكتابِ، ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. يقولُ: أَجْرَين؛ بإيمانِكم بالكتابِ الأوّلِ، و(^٨) الذي جاء به محمدٌ ﷺ (٧).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١.\n(^٢) في ت ١: \"لئلا\"، وفي ت ٢: \"كيلا\"، وفي ت ٣: \"لألا\".\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"كيلا\". وقوله: (لكيلا) وردت به الرواية عن ابن عباس وعبد اللَّه بن أبي سلمة لا عن ابن جبير، وورد أيضًا أن عبد اللَّه بن مسعود وابن جبير وعكرمة - كما في البحر المحيط - قرءوا: (لكي يعلم). وفي مختصر الشواذ ذُكر ابنُ عباس مكان ابن جبير في هذه الرواية. مختصر الشواذ ص ١٥٣، والبحر المحيط ٨/ ٢٢٩.\n(^٤) سقط من: ت ١.\n(^٥) ذكرُه الزيلعي في تخريج الكشاف ٣/ ٤١٩ عن المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٨ إلى ابن أبي حاتم، وقراءة سعيد بن جبير شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٦٤٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٨) سقط من: ص، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":437},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. قال: أَجْرَين؛ أجرَ الدنيا، وأجرَ الآخرةِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن سفيانَ، قال: ثنا عنبسةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن أبي موسى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. قال: الكِفْلان ضِعْفان من الأجرِ، بلسانِ الحبشةِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الشعبيِّ، قال: إن الناسَ يومَ القيامةِ على أربعِ منازلَ؛ رجلٌ كان مؤمنًا بعيسى فآمَن بمحمدٍ ﷺ فله أجران، ورجلٌ كان كافرًا بعيسى [فآمَن بمحمدٍ ﷺ فله أجرٌ، ورجلٌ كان كافرًا بعيسى] (^٣) فكفَر بمحمدٍ ﷺ فباء بغضبٍ على غضبٍ، ورجلٌ كان كافرًا بعيسى من مشرِكي العربِ فمات بكفرِه قبلَ محمدٍ فباء بغضبٍ.\nحدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرني أبي، قال: سألتُ سعيدَ بنَ عبدِ العزيزِ عن الكِفْلِ؛ كم هو؟ قال: ثلاثُمائةٍ وخمسون حسنةً، والكِفْلان: سبعُمائةِ حسنةٍ. قال سعيدٌ: سأل عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ حبرًا من أحبارِ اليهودِ: كم أفضلُ ما ضُعِّفت لكم الحسنةُ؟ قال: كِفلٌ ثلاثُمائةٍ وخمسون حسنةً. قال: فحمِد اللَّهَ عمرُ على أنه أعطانا كِفْلين. ثم ذكَر سعيدٌ قولَ اللَّهِ ﷿ في سورةِ \"الحديدِ\": ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. فقلت له: الكِفْلان في الجمعةِ (^٤) مثلُ\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٦٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق ٥/ ٩٢ - وتفسير مجاهد ص ٦٤٩ من طريق أبي إسحاق به بنحوه، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٧١ من طريق أبي الأحوص به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) ورد مرفوعًا من حديث علي وأبي أمامة وغيرهما. ينظر مسند أحمد ٢/ ١٢٥ (٧١٩)، والطبراني (٧٦٨٩).","vol":"22","page":438},{"text":"هذا؟ قال: نَعَمْ (^١).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك صحَّ الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا معمرُ بنُ راشدٍ، عن فراسٍ، عن الشعبيِّ، عن أبي بُردةَ بنِ أبي موسى، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ثلاثةٌ يُؤْتَون أجرَهم مرَّتين؛ رجلٌ آمَن بالكتابِ الأولِ والكتابِ الآخِرِ، ورجلٌ كانت له أمَةٌ فأدَّبها فأحسَن تأديبَها، ثم أعتَقها فتزوَّجها (^٢)، وعبدٌ مملوكٌ أحسَن عبادةَ ربِّه، ونصَح لسيدِه\" (^٣).\n[حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: ثنى صالحُ بنُ صالحٍ الهمدانيُّ، عن عامرٍ، عن أبي بُرْدةَ بنِ أبي موسى، عن أبي موسى، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن صالحِ بنِ صالحٍ، سمِع الشعبيَّ يُحدِّثُ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى الأشعريِّ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بنحوه] (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٨ وعزاه إلى المصنف.\n(^٢) في ت ٢: \"وتزوجها\"، وفي ت ٣: \"فزوجها\".\n(^٣) أخرجه الطحاوي في المشكل (١٩٧٣)، والخطيب في تاريخ بغداد ٦/ ٢٢٩ من طريق يعقوب به. وأخرجه أحمد ٤/ ٤٠٥ (ميمنية)، والبزار (٢٩٧٧)، وأبو نعيم في مسانيد فراس (٢٨)، من طريق ابن علية به.\n(^٤) أخرجه النسائي (٣٣٤٤)، ومن طريقه الطحاوي في المشكل (١٩٧١) عن يعقوب به.\n(^٥) سقط من: ت ١.\n(^٦) أخرجه أبو داود الطيالسي (٥٠٤)، وأحمد ٤/ ٤٠٢ (الميمنية)، ومسلم (١٥٤)، وأبو عوانة ١/ ١٠٣، والطحاوي في المشكل (١٩٧٤)، وغيرهم من طرق عن شعبة به.","vol":"22","page":439},{"text":"[حدَّثني محمدُ بنُ [عبدِ اللَّهِ بنِ] (^١) عبدِ الحكمِ، قال: أخبَرنا إسحاقُ بنُ الفراتِ، عن يحيى بنِ أيوبَ، قال: قال يحيى بنُ سعيدٍ: أخبَرنا نافعٌ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ قال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: \"إنما آجالُكم في آجالِ مَن خلَا من الأممِ كما بينَ صلاةِ العصرِ إلى مغربِ الشمسِ، وإنما مَثَلُكم ومَثَلُ اليهودِ والنصارَى كمثلِ رجلٍ استأجَر عُمَّالًا، فقال: مَن يَعْمَلُ من بُكرةٍ إلى نصفِ النهارِ على قيراطٍ قيراطٍ؟ ألا فعمِلت اليهودُ، ثم قال: من يعملُ من نصفِ النهارِ إلى صلاةِ العصرِ على قيراطٍ قيراطٍ؟ ألا فعمِلت النصارَى، ثم قال: مَن يَعْمَلُ من صلاةِ العصرِ إلى مغاربِ الشمسِ على قيراطين قيراطين؟ ألا فعمِلتم\"] (^٢) (^٣).\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ دينارٍ، أنه سمِع ابنَ عمرَ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"مثَلُ هذه الأُمَّةِ - أو قال: أُمَّتي - ومثَلُ اليهودِ والنصارَى كمثَلِ رجلٍ قال: مَن يَعْمَلُ لي من غُدوةٍ إلى نصفِ النهارِ على قيراطٍ؟ قالت اليهودُ: نحن. فعمِلوا، قال: فمَن يَعْمَلُ من نصفِ النهارِ إلى صلاةِ العصرِ على قيراطٍ؟ قالت النصارَى: نحن. فعمِلوا، وأنتم المسلمون تَعْمَلون من صلاةِ العصرِ إلى الليلِ على قيراطين، فغضِبتِ اليهودُ والنصارَى، وقالوا: نحن أكثرُ عملًا وأقلُّ أجرًا. قال: هل ظلَمتُكم من أجورِكم\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ٣.\n(^٢) سقط من: ت ١.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١١، ومعمر بن راشد في جامعه (٢٠٥٦٥، ٢٠٩١١)، والطيالسي (١٩٢٩)، وأحمد ٨/ ١٠٠، ١٠/ ٢٤٥ (٤٥٠٨، ٦٠٦٦)، والبخاري (٢٢٦٨، ٣٤٥٩)، وعبد بن حميد (٧٧١، ٧٧٦)، وأبو يعلى (٥٨٣٨)، والطبراني في الأوسط (١٦١٩)، والرامهرمزي في الأمثال ص ٥٩، والبيهقي ٦/ ١١٨، والبغوي (٤٠١٧)، وفي تفسيره ٨/ ٤٦ من طرق عن نافع به بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٩ إلى ابن مردويه.","vol":"22","page":440},{"text":"شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فذاك فَضْلي أُوتيه مَن أشاءُ\" (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني الليثُ وابنُ لَهيعةَ، عن سليمانَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي أُمامةَ الباهليِّ، أنه قال: شَهِدتُ خطبةَ رسولِ اللَّهِ ﷺ يومَ حجةِ الوداعِ، فقال قولًا كثيرًا حسنًا جميلًا، وكان فيها: \"مَن أسلَم من أهلِ الكتابَيْنِ فله أجرُه مرَّتين، وله مثلُ الذي لنا، وعليه مثلُ الذي علينا، ومَن أسلَم من المشركين فله أجرُه، وله مثلُ الذي لنا، وعليه مثلُ الذي علينا\" (^٢).\nوقولُه: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في الذي عُنِي به \"النورُ\" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي به القرآنُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو عمارٍ المروزيُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾: القرآنُ (^٣)، واتِّباعُهم النبيَّ ﷺ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾. قال:\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١١ بنحوه، وأحمد ١٠/ ١٤٠ - ١٤٤ (٥٩٠٢، ٥٩٠٤، ٥٩١١) عن مؤمل به، وأخرجه أحمد ١٠/ ١٤١ (٥٩٠٣)، والبخاري (٥٠٢١)، من طريق سفيان به، وأخرجه البخاري (٢٢٦٩)، والترمذي (٢٨٧١)، وابن حبان (٦٦٣٩)، من طريق ابن دينار به.\n(^٢) أخرجه الطحاوي في المشكل (٢٥٧١) عن يونس به، وأخرجه أحمد ٥/ ٢٥٩ (الميمنية)، والروياني (١٢٢٦)، من طريق ابن لهيعة به، وأخرجه الطبراني (٧٧٨٦) من طريق الليث به.\n(^٣) في م: \"قال: الفرقان\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":441},{"text":"الفرقانُ، واتِّباعُهم النبيَّ ﷺ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشامٍ، قالا: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾. قال: القرآنُ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ مثلَه (^١).\nوقال آخرون: عُنِي بالنورِ في هذا الموضعِ: الهُدى.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾. قال: هُدًى (^٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه وعَد هؤلاءِ القومَ أنْ يجعلَ لهم نورًا يَمْشُون به، والقرآنُ مع اتِّباعِ رسولِ اللَّهِ ﷺ نورٌ لمن آمن بهما وصدَّقهما، وهُدًى؛ لأن مَن آمن بذلك فقد اهْتَدى.\nوقولُه: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾. يقولُ: ويَصْفَحْ لكم عن ذنوبِكم فيَسْتُرْها عليكم، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ ذو مغفرةٍ ورحمةٍ.\n\n<span id=\"aya-5104\"></span><span data-type='title' id=toc-8937>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٨ إلى ابن الضريس.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٤٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":442},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبمحمدٍ ﷺ مِن أهلِ الكتابِ: يفعلُ بكم ربُّكم هذا لكي يعلمَ أهلُ الكتابِ أنهم لا يَقْدِرون على شيءٍ مِن فضلِ اللَّهِ الذي آتاكم وخصَّكم به؛ لأنهم كانوا يَرَوْن أَنَّ اللَّهَ قد فضَّلهم على جميعِ الخَلْقِ، فأَعْلَمهم اللَّهُ جلّ ثناؤُه أنَّه قد آتَى أمةَ محمدٍ ﷺ مِن الفضلِ والكرامةِ، ما لم يُؤْتِهم، وأنَّ أهلَ الكتابِ حسَدوا المؤمنينَ لمّا نزَل قولُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾. فقال اللَّهُ ﷿: فعَلْتُ ذلك ليعلمَ (^١) أهلُ الكتابِ أنهم لا يَقْدِرون على شيءٍ مِن فضلِ اللَّهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ الآية. قال: لما نزَلت هذه الآيةُ حسَد أهلُ الكتابِ المسلمينَ عليها، فأنزَل اللَّهُ ﷿: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية. قال: ذُكِر لنا أنَّ نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: \"إِنَّما مَثَلُنا ومَثَلُ أهلِ الكتابَيْن قَبْلَنا، كمَثَلِ رجلٍ اسْتَأْجَر أُجَرَاءَ يَعْمَلُون إلى اللَّيلِ على قِيراطٍ، فلمَّا انْتَصَف النَّهارُ سَئِمُوا عَمَلَه وملُّوا، فحاسَبهم، فأَعْطاهم [نصفَ قيراطٍ، ثم استأجَر أجراءَ يعمَلون إلى الليلِ على قيراطٍ، فعمِلوا إلى صلاةِ العصرِ، ثم سَئِموا وملُّوا عملَه، فحاسَبهم، فأعطاهم] (^٢) على قَدْرِ ذلك، ثم اسْتَأْجَر أُجَراءَ إلى اللَّيلِ على قِيراطينِ يَعْمَلُون له بقيَّةَ عملِه، فقيل له: ما شأنُ هؤلاءِ أَقَلُّهم عملًا، وأَكْثَرُهم أَجْرًا؟ قال:\n_________\n(^١) في ت ١: \"لئلا يعلم\".\n(^٢) سقط من: م.","vol":"22","page":443},{"text":"مالي، أُعْطِي مَن شِئْتُ. فَأَرْجو أنْ نكونَ نحنُ أصحابَ القِيرَاطَيْنِ\".\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. قال: بلَغنا أنَّها حينَ نزَلت حسَد أهلُ الكتابِ المسلمين، فأنزَل اللَّهُ: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (^١).\nحدَّثنا أبو عمارٍ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾: الذين يتَسَمَّعون، ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.\nوقيل: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾. وإنما هو: لِيَعْلَمَ، وذُكِر أنَّ ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (لِكَيْ يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتابِ ألَّا يَقْدِرُون) (^٢)؛ لأنَّ العربَ تجعلُ \"لا\" صلةً في كلِّ كلامٍ دخَل في أوَّلِه أو (^٣) آخرِه جَحْدٌ غيرُ مُصَرَّحٍ، كقولِه في الجَحْدِ السابقِ الذي لم يُصَرِّحْ به: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]. وقولِه: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] وقولِه: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ الآية [الأنبياء: ٩٥]. ومعنى ذلك: أهلكناها أنهم يَرْجِعون.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٥٣، والبحر المحيط ٨/ ٢٢٩.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"و\". وينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ١٣٧.","vol":"22","page":444},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو هارونَ الغَنَويُّ، قال: قال خطابُ بنُ عبدِ اللَّهِ: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾.\nقال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي المُعَلَّى، قال: كان سعيدُ بنُ جبيرٍ يقولُ: (لِكَيْلا (^١) يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتابِ) (^٢).\nوقولُه: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولِيعلَموا أن الفضلَ بيدِ اللَّهِ دونَهم، ودونَ غيرِهم من الخلقِ، ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. يقولُ: يُعْطى فضلَه ذلك من يشاءُ من خلقِه، ليس ذلك إلى أحدٍ سواه، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ ذو الفضلِ على خلقِه، العظيمُ فضلُه.\nآخِرُ تفسيرِ سورةِ \"الحديدِ\"\n_________\n(^١) في الدر المنثور: \"كي لا\". وينظر ما تقدم في ص ٤٣٧ حاشية \"٤\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":445},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8938>تفسيرُ سورةِ \"المجادلَةِ\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5105\"></span><span data-type='title' id=toc-8939>القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ </span>(١)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ يا محمدُ، ﴿قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾. والتي كانت تُجادِلُ رسولَ اللَّهِ ﷺ في زوجِها امرأةٌ مِن الأنصارِ.\nواختلَف أهلُ العلمِ في نَسَبِها واسمِها؛ فقال بعضُهم: خَوْلةُ بنتُ ثعلبةَ. وقال بعضُهم: اسمُها خُوَيْلةُ بنتُ ثعلبةَ. وقال آخرون: هي خُوَيْلةُ بنتُ خُوَيْلدٍ. وقال آخرون: هي خُوَيْلةُ بنتُ الصامتِ. وقال آخرون: هي خويلةُ بنتُ الدُّلَيْجِ.\nوكانت مجادلتُها رسولَ اللَّهِ ﷺ في زوجِها - وزوجُها أَوْسُ بنُ الصامتِ - مراجعتَها (^١) إيَّاه في أمرِه، وما كان مِن قولِه لها: أنتِ عليَّ كَظَهْرِ أمِّي. ومحاورتَها إيَّاه في ذلك. وبذلك قال أهلُ التأويلِ، وتظاهَرت به الروايةُ.\nذكرُ مَن قال ذلك، والآثارِ الواردةِ به\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، قال: سمِعتُ أبا العاليةِ يقولُ: إِن خُوَيْلةَ ابنةَ الدُّلَيْجِ أتت النبيَّ ﷺ وعائشةُ تَغْسلُ شِقَّ رأْسِه، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، طالتْ صُحْبَتي مع زوجي، ونَفَضتُ له بَطْنِي (^٢)، وظاهَر مِنِّي. فقال\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".\n(^٢) نفضت المرأة كرشها فهي نفوض: كثيرة الولد. اللسان (ن ف ض).","vol":"22","page":446},{"text":"رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"حَرُمْتِ عليه\". قالت: أَشْكُو إلى اللَّهِ فاقتي. ثم قالت: يا رسولَ اللَّهِ، طالَتْ صُحْبتي، ونَفَضْت له بَطْنِي. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"حَرُمْتِ عليه\". فجعَل إذا قال لها: \"حَرُمْتِ عليه\". هَتَفَت وقالت: أشكو إلى اللَّهِ فاقتي. قال: فنَزَل الوحيُ، وقد قامَت عائشةُ تَغسِلُ شِقَّ رأسِه الآخرَ، فأَوْمأَت إليها عائشةُ أنِ اسْكُتي. قالت: وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا نزَل عليه الوحيُ أخَذه مثلُ السُّبَاتِ، فلما قُضِي الوحيُ قال: \"ادْعي زوجَك\". فَتَلاها عليه رسولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ إلى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾. أي: يَرْجِعُ فيه، ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، \"أَتَسْتَطِيعُ رَقَبَةً؟ \". قال: لا. قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾. قال: يا رسولَ اللَّهِ، إني إذا لم آكُلْ في اليومِ ثلاثَ مِرارٍ (^١) خَشِيتُ أَنْ يَعْشُوَ بصرِي. قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. قال: \"أَتَستَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّين مِسْكينًا؟ \". قال: لا يا رسولَ اللَّهِ، إلا أنْ تُعِينَني. قال: فأَعانه رسولُ اللَّهِ ﷺ فَأَطْعَم (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكر لنا أنَّ خُوَيْلةَ ابنَةَ ثعلبةَ، وكان زوجُها أوسُ بنُ الصامتِ قد ظاهرَ منها، فجاءت تَشتكِي إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقالت: ظاهَر مِنِّي زوجي حينَ كَبِر سِنِّي ورَقَّ عَظْمِي. فأنزَل اللَّهُ فيها ما تَسْمعون: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾، فقرَأ حتى بلَغ: ﴿لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا\n_________\n(^١) في م: \"مرات\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٦٤ - والبيهقي ٧/ ٣٨٤ من طريق داود به بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٢، ١٨٣ إلى عبد بن حميد وابن مردويه مطولا.","vol":"22","page":447},{"text":"قَالُوا﴾. يُرِيدُ أنْ يَغْشَى بعدَ قولِه ذلك، فدعاه رسولُ اللَّهِ، ﷺ، فقال له: \"أَتَسْتَطِيعُ \"أن تُحرِّرَ مُحَرَّرًا؟ \". قال: ما لي بذلك يَدانِ. أو قال: لا أَجِدُ. قال: \"أَتَسْتَطِيعُ أنْ تَصومَ شَهْرين متَتَابعَيْن؟ \". قال: لا واللَّهِ، إنه إذا أَخطأَه المأكلُ كلَّ يومٍ مِرارًا يَكِلُّ بصرُه. قال: \"أَتَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّين مِسْكينًا؟ \". قال: لا واللَّهِ، إلا أن تُعِينَني منك بعونٍ وصَلاةٍ. قال بشرٌ: قال يزيدُ: يعني دعاءً. فأَعانه رسولُ اللَّهِ ﷺ بخمسةَ عشَرَ صاعًا، فجَمَع اللَّهُ له، واللَّهُ (^١) رحيمٌ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِ اللَّهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾. قال: ذاك أوسُ بنُ الصامتِ، ظاهَر مِن امرأتِه خُوَيْلةَ ابنَةِ ثعلبةَ، قالت: يا رسولَ اللَّهِ، كَبِرت سِنِّي، ورَقَّ عَظْمِي، وظاهَر مِنِّي زوجي. قال: فأنزل اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ إلى قولِه: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾. يريدُ أَنْ يَغْشى بعدَ قولِه، ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، فدعاه إليه نبيُّ اللَّهِ ﷺ، فقال: \"هل تَسْتَطِيعُ أنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً؟ \". قال: لا. قال: \"أَفَتَسْتَطِيعُ أنْ تصومَ شَهْرين متَتَابعَيْن؟ \". قال: إنه إذا أخطأَه أنْ يأْكُلَ كلَّ يومٍ ثلاثَ مرّاتٍ يَكِلُّ بصرُه. قال: \"أَتَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّين مِسْكِينًا؟ \". قال: لا، إلا أَنْ يُعِينَني فيه رسولُ اللَّهِ ﷺ بعونٍ وصلاةٍ. فأعانه رسولُ اللَّهِ ﷺ بخمسةَ عَشَر صاعًا، وجَمَع اللَّهُ له أمرَه، واللَّهُ غفورٌ رحيمٌ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن أبي حمزةَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان الرجلُ إذا قال لامرأَتِه في الجاهليةِ: أنتِ عليَّ كظَهْرِ\n_________\n(^١) بعده في م، ت ٢، ت ٣: \"غفور\".\n(^٢) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ٣٠٥ من طريق قتادة عن أنس بنحوه.","vol":"22","page":448},{"text":"أمي. حَرُمَت في الإسلامِ، فكان أوَّلَ مَن ظاهَر في الإسلامِ أوسُ بنُ الصامتِ، وكانت تحتَه ابنةُ عمٍّ له يقالُ لها: خُوَيْلةُ بنتُ خُوَيْلدٍ. وظاهَر منها، فأُسْقِط في يَدَيه، وقال: ما أَراكِ إلا قد حَرُمْتِ عليَّ. وقالت له مثلَ ذلك. قال: فانطلِقي إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ. قال: فأَتَتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فوجَدَت عندَه ماشطةً تَمْشُطُ رأْسَه، فأخبرَتْه، فقال: \"يا خُوَيْلةُ، ما أُمِرْنا في أَمْرِك بشيءٍ\". فأنزَل اللَّهُ على رسولِه ﷺ، فقال: \"يا خُوَيْلةُ، أبْشِري\". قالت: خيرًا، قال: فقرَأ عليها رسولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى قولِه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. قالت: وأيُّ رقبةٍ لنا؟ واللَّهِ ما يجدُ رَقَبَةً غيري. قال: \" ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ \". قالت: واللَّهِ لولا أنه يَشْرَبُ في اليومِ ثلاثَ مراتٍ لذهَب بصرُه. قال: \" ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ \". قالت: مِن أينَ؟ ما هي إلا أَكْلةٌ إلى مِثلِها. قال: فدعا (^١) بشَطْرِ وَسْقٍ؛ ثلاثين صاعًا، والوَسْقُ ستُّون صاعًا، فقال: \"ليُطْعِمْ ستِّين مِسْكينًا ولْيُراجِعْكِ\" (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾؛ وذلك أن خَوْلةَ ابنةَ الصامتِ - امرأةٌ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فدعاه\"، وفي م: \"فرعاه\". والمثبت من كشف الأستار وتفسير ابن كثير.\n(^٢) أخرجه البزار (١٥١٣ - كشف)، والنحاس في ناسخه ص ٧٠٠، والبيهقي ٧/ ٣٨٢ من طريق عبيد الله بن موسى به بنحوه. وأخرجه الطبراني (١١٦٨٩) من طريق أبي حمزة به بنحوه مطولا، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٦٣، ٦٤. قال البزار: وأبو حمزة لين الحديث، وقد خالف في روايته ومتن حديثه الثقات في أمر الظهار … وحديث أبي حمزة منكر، وفيه لفظ يدل على خلاف الكتاب؛ لأنه قال: \"وليراجعك\"، وقد كانت امرأته، فما معنى مراجعته امرأته ولم يطلقها، وهذا مما لا يجوز على رسول الله ﷺ، وإنما أُتِي هذا من رواية أبي حمزة الثمالي. اهـ.","vol":"22","page":449},{"text":"مِن الأنصارِ - ظاهَر منها زوجُها فقال: أنتِ عليَّ مثلُ ظَهْرِ أمي. فأَتَت رسولَ اللَّهِ ﷺ، فقالت: إنَّ زوجي كان تَزوَّجني، وأنا أحَبُّ الناسِ (^١) إليه (^٢)، حتى إذا كَبِرْتُ، ودَخَلْتُ في السِّنِّ قال: أنت عليَّ مثلُ ظهْرِ أمي. فتَرَكني إلى غيرِ أحدٍ، فإنْ كنتَ تجدُ لي رخصةً يا رسولَ اللَّهِ تَنْعَشُني (^٣) وإيَّاه بها فحدِّثْني بها. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ما أُمِرْتُ في شَأْنِك بشيءٍ حتى الآنَ، ولكنِ ارْجِعي إلى بَيْتِك، فإِنْ أُومَرْ بشيءٍ لا أُعَمِّه (^٤) عليكِ إنْ شاء اللَّهُ\". فَرَجَعَتْ إلى بيتِها، وأنزَل اللَّهُ على رسولِه ﷺ في الكتابِ رُخْصَتَها ورخصةَ زوجِها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى قولِه: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: فأرسَل رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى زوجِها، فلما أتاه قال له رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ما أرَدتَ إلى يَمينِك التي أَقْسَمْتَ عليها؟ \". فقال: وهل لها كفارةٌ؟ فقال له رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"هل تَسْتَطِيعُ أَن تُعْتِقَ رقبةً؟ \". قال: إذًا يذهبُ مالي كلُّه؛ الرَّقَبَةُ غاليةٌ، وأنا قليلُ المالِ. فقال له رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"فهل تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصومَ شَهْرين متَتابِعَيْن؟ \". قال: لا واللَّهِ، لولا أني آكلُ في اليومِ ثلاثَ مراتٍ لكَلَّ بَصَرِي. فقال له رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"هل تَسْتَطِيعُ أَن تُطْعِمَ سِتِّين مسكينًا؟ \". قال: لا واللَّهِ، إلا أنْ تُعِينَني على ذلك بعونٍ وصلاةٍ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إني مُعِينُك بخمسةَ عشرَ صاعًا، وأنا داعٍ لك بالبَرَكةِ\". فأصلَح ذلك بينَهما. قال: وجعَل فيه تحريرَ رقبةٍ لمن كان مُوسِرًا، لا يُكفِّرُ عنه إلا تحريرُ رقبةٍ إذا كان مُوسِرًا، مِن قبلِ أن يَتَماسَّا، فإِنْ لم يكنْ مُوسِرًا فصيامُ شَهْرَين متَتابِعَيْنِ، لا يَصْلُحُ له الصومُ إلا إذا كان مُعْسِرًا، إلا أنْ لا يَسْتَطِيع،\n_________\n(^١) سقط من النسخ، والمثبت من الدر المنثور.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) نعش فلانا: تداركه من ورطة. الوسيط (ن ع ش).\n(^٤) في ص، م، ت ١: \"أغممه\".","vol":"22","page":450},{"text":"فإن لم يَسْتَطِعْ فإطعامُ ستِّين مِسْكينًا، وذلك كلُّه قبْلَ الجماعِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي مَعْشرٍ المدنيِّ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، قال: كانت خَوْلةُ ابنَةُ ثعلبةَ تحتَ أَوْسِ بنِ الصامتِ، وكان رجلًا به لَمَمٌ (^٢)، فقال في بعضِ هِجراتِه: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي. ثم نَدِم على ما قال، فقال لها: ما أَظنُّكِ إلا قد حَرُمْتِ عليَّ. قالت: لا تَقُلْ ذلك، فواللَّهِ ما أحَبَّ اللَّهُ طلاقًا. قالت: ائتِ رسولَ اللَّهِ ﷺ فسَلْه. فقال: إني أجدُني أَسْتحْيِي منه أن أسأَلَه عن هذا. فقالت: فَدَعْنِي أن أسأَلَه. فقال لها: سَلِيه. فجاءت إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقالت: يا نبيَّ اللَّهِ، إِنَّ أَوْسَ بنَ الصامتِ أبو ولدِي، وأَحبُّ الناسِ إليَّ، قد قال كلمةً والذي أنزَل عليك الكتابَ ما ذكَر طلاقًا، قال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي. فقال النبيُّ ﷺ: \"ما أُرَاكِ إلا قد حَرُمْتِ عليه\". قالت: لا تَقُلْ ذلك يا نبيَّ اللَّهِ، واللَّهِ ما ذكَر طلاقًا. فرادَّتِ (^٣) النبيَّ ﷺ مِرارًا، ثم قالت: اللهمَّ إني أَشْكُو اليومَ شِدَّةَ حالي ووِحْدَتي، وما يَشُقُّ عليَّ مِن فِراقِه، اللهمَّ فأَنزِلْ على لسانِ نبيِّك. فلم تَرِمْ (^٤) مكانَها حتى أنزَل اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ إلى أن ذكَر الكفاراتِ، فدعاه النبيُّ ﷺ فقال: \"أَعْتِقْ رَقَبَةً\". فقال: لا أَجِدُ. فقال: \"صُمْ شَهْرين متَتابِعَيْن\". قال: لا أستَطِيعُ، إني لأصومُ اليومَ الواحدَ فيشُقُّ عليَّ. قال: \"أَطْعِمْ سِتِّين مِسْكينًا\". قال: أما هذا فنَعم (^٥).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبي إسحاقَ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾. قال: نزَلت في امرأةٍ اسمُها خَوْلَةُ - وقال\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٠ إلى ابن مردويه.\n(^٢) اللمم: الجنون، أو طرف منه، يُلِمُّ بالإنسان ويعتريه. (ل م م).\n(^٣) رادَّه الكلامَ: راجعه إياه. الوسيط (ر د د).\n(^٤) رام المكان: بَرِحَه. الوسيط (ر ي م).\n(^٥) ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف ٣/ ٤٢٣، ٤٢٤ عن المصنف.","vol":"22","page":451},{"text":"عكرمةُ: اسمُها خُوَيلةُ ابنَةُ ثعلبةَ، وزوجُها أَوْسُ بنُ الصامتِ - جاءت النبيَّ ﷺ فقالت إنَّ زوجَها جعَلها عليه كظَهْرِ أُمِّه. فقال النبي ﷺ: \"ما أُرَاكِ إِلَّا قد حَرُمْتِ عليه\". وهو حينَئذٍ يغسِلُ رأسَه، فقالت: انظرْ جُعلتُ فِداكَ يا نبيَّ اللَّهِ، فقال: \"ما أُراكِ إِلَّا قد حَرُمْتِ عليه\". فقالت: انظرْ في شأني يا رسولَ اللَّهِ. فجعَلت تجادلُه، ثم حوَّل رأسَه ليغسلَه، فتحوَّلت من الجانبِ الآخرِ، فقالت: انظرْ جعَلني اللَّهُ فِداكَ يا نبيَّ اللَّهِ. فقالت الغاسلةُ: أقْصِري حديثَك ومخاطبَتَكِ يا خَوْلةُ (^١)، أمَا ترَين وجهَ رسول اللَّهِ ﷺ متربدًا (^٢) لِيُوحى إليه؟! فأنزَل اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾. حتى بلَغ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾. قال قتادةُ: فحرَّمَها، ثم يريدُ أن يعودَ لها فيطأَها ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. حتى بلَغ: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.\nقال أيوبُ: أحسَبُه ذكَره عن عكرمةَ، أن الرجلَ قال: يا نبيَّ اللَّهِ، ما أجِدُ رقبةً. فقال النبيُّ ﷺ: \"ما أنا بزائدِك\". فأنزَل اللَّهُ عليه: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾. فقال: واللَّهِ يا نبيَّ اللَّهِ، ما أُطِيقُ الصومَ، إني إذا لم آكُلْ في اليومِ كذا وكذا أَكلةً، لقِيتُ ولَقِيتُ. فجعَل يَشكو إليه، فقال: \"ما أنا بِزَائِدِك\". فنزَلت: ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، قال: ثنا ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾. قال: تُجَادِلُ محمدًا ﷺ، فهي تَشتكي إلى اللَّهِ عندَ كِبَرِه وكِبَرِها، حين انتَقَض وانتَفَض رَحِمُها.\nحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"خويلة\".\n(^٢) ارْبَدَّ وجهُه وتَرَبَّد: احمر حمرة فيها سواد عند الغضب. اللسان (ر ب د).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٧، ٢٧٨ - ومن طريقه الجصاص في أحكام القرآن ٥/ ٣٠١، ٣٠٢ - عن معمر به.","vol":"22","page":452},{"text":"مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾. قال: محمدًا في زوجِها قد ظاهَر منها، وهي تَشتكِي إلى اللَّهِ. ثم ذكَر سائرَ الحديثِ نحوَه.\nحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا أبانٌ العطارُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن عروةَ، أنه كتَب إلى عبدِ الملكِ بنِ مَرْوانَ: كتَبْتَ إليَّ تسأَلُني عن خُوَيْلَةَ ابْنَةِ أَوْسِ بنِ الصامتِ، وإنها ليست بابنةِ أَوْسِ بنِ الصامتِ، ولكنها امرأةُ أَوْسٍ، وكان أَوْسٌ امرأً به لَمَمٌ، وكان إذا اشتدَّ به لَمَمُه تظاهَر منها، وإذا ذهَب عنه لَمَمُه لم يَقُلْ من ذلك شيئًا، فجاءت رسولَ اللَّهِ ﷺ تَسْتَفْتِيه، وتشتَكِي إلى اللَّهِ، فأنزَل اللَّهُ فيها (^١) ما سمِعتَ، وذلك شأنُهما (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا أبي، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ إسحاقَ يُحدِّثُ عن معمرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن يوسفَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ، قال: حدَّثَتْنِي خُوَيْلةُ امرأةُ أَوْسِ بنِ الصامتِ، قالت: كان بيني وبينَه شيءٌ - تَعْني زوجَها - فقال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي. ثم خرَج إلى نادِي قومِه، ثم رجَع فراوَدَني عن نفسِي، فقالت: كلا والذي نفسي بيده، حتى يَنْتَهِيَ أَمْري وأمرُك إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فيَقْضِيَ فيَّ وفِيك أمرَه. وكان شيخًا كبيرًا رقيقًا، فَغَلَبَتْه بما تَغْلِبُ به المرأةُ القويةُ الرجلَ الضعيفَ، ثم خرَجَتْ إلى جارةٍ لها، فاستعارَتْ ثيابَها، فأَتَتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ حتى جلَسَتْ بينَ يديه، فذكَرتْ له أمرَه، فما بَرِحَتْ حتى أُنزِل الوحيُ على رسولِ اللَّهِ ﷺ، ثم قلتُ (^٣): لا يَقْدِرُ على ذلك، قال: \"إنا سنُعِينُه على ذلك بفَرْقٍ مِن تمرٍ\". قلتُ: وأنا أُعينُه بفَرْقٍ آخرَ. فَأَطْعَمَ سِتِّين مسكينًا (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٧٠، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٦٠.\n(^٣) في م: \"قالت\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٢٥٨) من طريق وهب به، وأخرجه أحمد ٦/ ٤١٠ =","vol":"22","page":453},{"text":"حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن تميمٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: الحمدُ للَّهِ الذي وَسِع سمعُه الأصواتَ، لقد جاءت المجادِلةُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ وأنا في ناحيةِ البيتِ تشكو زوجَها، ما أَسمعُ ما تقولُ، فأنزَل اللَّهُ ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^١).\nحدَّثني عيسى بنُ عثمانَ الرمليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن تميمِ بنِ سلمةَ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: تبارك الذي وَسِع سمعُه الأصواتَ كلَّها، إن المرأةَ لتُناجِي النبيَّ ﷺ، أَسمعُ بعضَ كلامِها، ويَخْفى عليَّ بعضُ كلامِها، إذ أنزَل اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (^٢).\nحدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنى أبي، عن أبيه عن جَدِّه، عن الأعمشِ، عن تميمِ بنِ سلمةَ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، قال: قالت عائشةُ: تبارك الذي وَسِع سمعُه كلَّ شيءٍ، إني لأَسمعُ كلامَ خَوْلةَ ابنَةِ ثعلبةَ، ويَخْفى عليَّ بعضُه، وهي تَشْتَكِي زوجَها إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ وهي تقولُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَكَل شَبابي، ونَثَرْتُ له بَطْنِي، حتى إذا كَبِرتْ سِنِّي، وانقَطَع ولَدي، ظَاهَرَ مِنِّي! اللهمَّ إني أَشكو إليك. قال: فما بَرِحَت حتى نزَل جبريلُ ﵇ بهؤلاء الآياتِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾. قال: وزوجُها أَوْسُ بنُ الصامتِ (^٣).\n_________\n= (الميمنية)، وأبو داود (٢٢١٥)، وابن حبان (٤٢٧٩)، والطبراني ١/ ١٩٥، ٢٤/ ٢٤٧، ٢٤٨، (٦١٦، ٦٣٣، ٦٣٤)، والبيهقي ٧/ ٣٩١، والواحدي في أسباب النزول ص ٣٠٦ من طريق محمد بن إسحاق به بنحوه.\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٤٦ (الميمنية)، وابن ماجه (١٨٨)، والبيهقي ٧/ ٣٨٢ وفي الأسماء والصفات (٣٨٥) وفي الاعتقاد ص ٨٥ من طريق أبي معاوية به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٦٢٥)، والآجري في الشريعة (٦٦٢)، والواحدي في أسباب النزول ص ٣٠٥ من طريق يحيى بن عيسى به.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٢٠٦٣)، وأبو يعلى (٤٧٨٠)، والحاكم ٢/ ٤٨١، والبيهقي ٧/ ٣٨٢، والواحدي في أسباب النزول ص ٣٠٤ من طريق محمد بن أبي عبيدة المسعودي - جَدُّ يحيى بن إبراهيم - به.","vol":"22","page":454},{"text":"حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن تميمِ بنِ سلمةَ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: الحمدُ للَّهِ الذي وَسِع سمعُه الأصواتَ؛ إِنَّ خَوْلَةَ تَشْتَكِي زوجَها إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فيَخْفى عليَّ أحيانًا بعضُ ما تقولُ. قالت: فأنزَل اللَّهُ ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ (^١).\nحدَّثنا الربيعُ بن سليمانَ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: أنَّ جميلةَ كانت امرأةَ أَوْسِ بنِ الصامتِ، وكان امرأً به لَمَمٌ، وكان إذا اشتدَّ به لَمَمُه ظاهَر مِن امرأَتِه، فأَنزل اللَّهُ ﷿ آيةَ الظِّهار (^٢).\nحدَّثني يحيى بنُ بشيرٍ (^٣) القَرْقَسانيُّ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الرحمنِ الأُمَوِيُّ، قال: ثنا حُصَيْفٌ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان ظهارُ الجاهليةِ طلاقًا، فأوَّلُ مَن ظاهَر في الإسلامِ أَوْسُ بنُ الصامتِ، أخو عبادةَ بنِ الصامتِ، من امرأَتِه الخَزْرَجِيَّةِ، وهي خولةُ بنتُ ثعلبةَ بنِ مالكٍ؛ فلما ظاهَر منها حَسِبَتْ أنْ يكونَ ذلك طلاقًا، فأَتَتْ به نبيَّ اللَّهِ ﷺ، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّ أَوْسًا ظاهَر مِنِّي، وإنا إن افترَقْنا هلَكنا، وقد نَثَرَتْ بَطْنِي مِنه، وقَدُمَتْ صحبتُه. فهي تَشْكو ذلك وتَبْكِي، ولم يكنْ جاء في ذلك شيءٌ، فأنزَل اللَّهُ ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتي تُجَادِلُكَ في زَوْجِهَا﴾ إلى قولِه: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فدعاه رسولُ اللَّهِ ﷺ فقال: \"أَتَقْدِرُ على رَقَبَةٍ تُعْتِقُها؟ \" فقال: لا واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ، ما أَقْدِرُ عليها. فجمَع له رسولُ اللَّهِ ﷺ حتى أَعتَق عنه، ثم راجَع أهلَه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٣٤٦٠)، والآجري في الشريعة (٦٦١) من طريق جرير به.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٢٢٠)، والحاكم ٢/ ٤٨١، والبيهقي ٧/ ٣٨٢ من طريق حماد به.\n(^٣) في م: \"بشر\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٦٣ عن خصيف به.","vol":"22","page":455},{"text":"وذُكِر أنَّ ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُحاوِرُكَ (^١) فِي زَوْجِها).\nوقولُه: ﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: وتَشْتكِي المُجادِلةُ ما لديها مِن الهَمِّ بظِهارِ زوجِها منها إلى اللَّهِ، وتسألُه الفَرَجَ، ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾. يعني: تَحَاوُرَ رسولِ اللَّهِ ﷺ والمُجادِلةِ خَوْلةَ ابنَةِ ثعلبةَ، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ اللَّهَ سميعٌ لما [تَتَجاوبانِه وتَتَحاورانِه] (^٢)، وغيرِ ذلك مِن كلامِ خَلْقِه، بصيرٌ بما تَعْملون (^٣) ويَعْمَلُ جميعُ عبادِه.\n\n<span id=\"aya-5106\"></span><span data-type='title' id=toc-8940>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ </span>(٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: الذين يُحرِّمون نساءَهم على أنفسِهم تحريمَ اللَّهِ عليهم ظهورَ أمهاتِهم، فيقولون لهن: أنتنّ علينا كظُهورِ أمهاتِنا. وذلك كان طلاقَ الرجلِ امرأتَه في الجاهليةِ.\nكذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، قال: كان الظهارُ طلاقًا في الجاهليةِ، الذي إذا تكلَّم به أحدُهم لم يَرْجِعْ في امرأتِه أبدًا، فأَنزَل اللَّهُ ﷿ فيه ما أنزَل (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"تحاولك\"، وفي ت ١، ت ٢: \"تجادلك\". وينظر مختصر الشواذ ص ١٥٤.\n(^٢) في م: \"يتجاوبانه ويتحاورانه\".\n(^٣) في م: \"يعملون\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٥٧٨) - ومن طريقه الجصاص في أحكام القرآن ٥/ ٣٠١ - من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":456},{"text":"واختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأَةِ المدينةِ سوى نافعٍ، وعامةُ قرأَةِ الكوفةِ خلا عاصمٍ: (يَظَّاهَرُونَ) بفتحِ الياءِ وتشديدِ الظاءِ وإثباتِ الألفِ (^١)، وكذلك قرَءوا الأخرى، بمعنى \"يَتظاهَرون\"، ثم أُدْغِمَت التاءُ في الظاءِ فصارتا ظاءً مشدَّدةً. وذُكر أنها في قراءةِ أُبَيٍّ: (يَتَظاهَرُونَ) (^٢)، وذلك تَصحيحٌ لهذه القراءةِ وتقويةٌ لها. وقرَأ ذلك نافعٌ وأبو عمرٍو كذَلك؛ بفتحِ الياءِ وتشديدِ الظاءِ، غيرَ أنهما قرَأاه بغيرِ أَلِفٍ: (يَظَّهَّرُون) (^٣). وقرَأ ذلك عاصمٌ: ﴿يُظَاهِرُونَ﴾ بتخفيفِ الظاءِ وضمِّ الياءِ وإثباتِ الأَلِفِ (^٤).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أنّ كلَّ هذه القراءاتِ متقارباتُ المعاني؛ وأمّا (يَظَّاهَرُون) فهو مِن تَظَاهَر، فهو يتَظاهَرُ، وأمّا (يَظَّهَّرُون) فهو مِن تَظَهَّر فهو يَتظهَّرُ، ثم أُدغِمَتِ التاء في الظاءِ فقيل: يَظَّهَرُ، وأمَّا ﴿يُظَاهِرُونَ﴾ فهو مِن ظاهَر يُظاهِرُ، فبأيَّةِ هذه القراءاتِ الثلاثِ قرَأ ذلك القارئُ فمصيبٌ.\nوقولُه: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما نساؤُهم اللَّائي تَظَاهَروا (^٥) منهن بأُمهاتِهم، فيقولوا لهن: أنْتنّ علينا كظَهْرِ أمهاتِنا. بل هن لهم حلالٌ.\nوقولُه: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾، لا اللَّائي قالوا لهنّ ذلك.\nوقولُه: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: وإن\n_________\n(^١) بها قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي وخلف. النشر ٢/ ٢٨٧.\n(^٢) ينظر مختصر الشواذ ص ١٥٤.\n(^٣) في م: \"يظاهرون\". والمثبت قراءة يعقوب ونافع وأبي عمرو وابن كثير. النشر ٢/ ٢٨٧.\n(^٤) ينظر المصدر السابق ٢/ ٢٨٧.\n(^٥) في م: \"يظاهرون\".","vol":"22","page":457},{"text":"الرجالَ لَيَقولون مُنكرًا مِن القولِ الذي لا تُعْرَفُ صحتُه، ﴿وَزُورًا﴾. يعني: كَذِبًا.\nكما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾. قال: الزُّورُ الكَذِبُ (^١).\n﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: وإن اللَّهَ لذو عفوٍ وصفْحٍ عن ذنوبِ عبادِه إذا تابوا منها وأَنابوا، غفورٌ لهم أنْ يعاقِبَهم عليها بعدَ التوبةِ.\n\n<span id=\"aya-5107\"></span><span data-type='title' id=toc-8941>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ </span>(٢)﴾ (^٢).\nيقولُ جلّ ثناؤُه: والذين يقولون لنسائِهم: أنتُنّ علينا كظُهورِ أمهاتِنا.\nوقولُه: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾. اختلَف أهلُ العلمِ في معنى العَوْدِ لما قال المُظاهرُ (^٣)؛ فقال بعضُهم: هو الرُّجُوعُ في تحريمِ ما حرَّم على نفسِه مِن زوجتِه التي كانت له حلالًا قبلَ تَظاهُرِه، فيُحلُّها بعد تحريمِه إيَّاها على نفسِه، بعزمِه على غِشيانِها ووَطْئِها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾. قال: يريدُ أن يَغْشَى بعدَ قولِه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٨ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وقوله ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ \".\n(^٣) في ص، ت ١: \"المتظاهر\".","vol":"22","page":458},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾. قال: حرَّمها، ثم يريدُ أنْ يعودَ لها فيَطَأها (^١).\nوقال آخرون نحوَ هذا القولِ، إلا أنَّهم قالوا: إمساكُه إيَّاها بعدَ تَظَهُّرِه (^٢) منها، وتَرْكُه فِراقَها، عَوْدٌ منه لما قال، عزَم على الوَطءِ أو لم يَعزِمْ. وكان أبو العالية يقولُ: معنى قولِه: ﴿لِمَا قَالُوا﴾: فيما قالوا.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، قال: سمعتُ أبا العاليةِ يقولُ في قولِه: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾. أي يَرْجِعُ فيه (^٣).\nواختلَف أهلُ العربية في معنى ذلك؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ في ذلك المعنى: فتحريرُ رَقَبَةٍ مِن قبلِ أنْ يتماسّا، فمن لم يجدْ فصيامٌ (^٤)، فإطعامُ سِتِّين مِسْكينًا، ثم يعودون لما قالوا: إنا لا نفعلُه. فيَفْعلونه، هذا الظهارُ، يقولُ: هي عليَّ كظَهْرِ أمِّي. وما أَشبَه هذا مِن الكلامِ، فإذا عاد (^٥) أَعتَق رَقَبَةً أو أَطْعَم سِتِّين مِسْكينًا، عاد [لهذا الذي] (^٦) قد قال: هو عليَّ حَرامٌ. بفعلِه (^٧)، وكأنّ قائلَ هذا القولِ كان يَرى أنّ هذا من المُقدَّمِ الذي معناه التأخيرُ.\nوقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ (^٨): ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، يصلُحُ فيها في\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٤٧٧) - ومن طريقه ابن حزم في المحلي ١١/ ٢٥٦، ٢٥٧ - عن معمر به.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢: \"تظهيره\".\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٥١.\n(^٤) في ص، ت ٢، ت ٣: \"صيام\"، وفي ت ١: \"صام\".\n(^٥) سقط من: م، وفي ت ٢، ت ٣: \"أعاد\".\n(^٦) في م: \"لما\".\n(^٧) في م، ت ١، ت ٢: \"يفعله\".\n(^٨) معاني القرآن للفراء ٣/ ١٣٩.","vol":"22","page":459},{"text":"العربيةِ: ثم يعودون إلى ما قالوا: وفيما قالوا، يريدون النكاحَ، يريدُ: يَرْجِعون عمّا قالوا، وفي نَقْضِ (^١) ما قالوا. قال: ويجوزُ في العربيةِ أنْ تقولَ: إن عاد لما فعَل. تريدُ: إنْ فعَل مرَّة أخرى. ويجوزُ إنْ عاد لما فعَل: إن نَقَض (^٢) ما فعَل. وهو كما تقولُ: حلَف أنْ يَضْرِبَك. فيكونُ معناه: حلَف لا يَضْرِبُك، وحلَف لَيَضْرِبنَّك.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أنْ يقالَ: معنى اللامِ في قولِه: ﴿لِمَا قَالُوا﴾. بمعنى \"إلى\" أو \"في\"؛ لأنّ معنى الكلامِ: ثم يعودون لنقْضِ (^٣) ما قالوا مِن التحريمِ فيُحلِّلونه. وإنْ قيل: معناه ثم يَعُودون إلى تحليلِ ما حرَّموا. أو: في تحليلِ ما حرَّموا. فصوابٌ؛ لأنَّ كلَّ ذلك عَوْدٌ له. فتأويلُ الكلامِ: ثم يَعُودون لتحليلِ ما حرَّموا على أنفسِهم مما أَحلَّه اللَّهُ لهم.\nوقولُه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. يقولُ: فعليه تحريرُ رَقَبَةٍ. يَعْني عِتْقَ رقَبةِ عبدٍ أو أمةٍ، مِن قبلِ أن يَماسَّ الرجلُ المُظاهِرُ امرأتَه التي ظاهَر منها أو تَماسَّه.\nواختُلِف في المعنِيِّ بالمَسِيسِ في هذا الموضعِ نظيرَ اختلافِهم في قولِه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقد ذكَرنا ذلك هنالك (^٤)، وسنذكُرُ بعضَ ما لم نَذْكُرْه هنالك.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بعض\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقضي\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لبعض\".\n(^٤) تقدم في ٤/ ٢٨٦، ٢٨٧.","vol":"22","page":460},{"text":"في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾. فهو الرجلُ يقولُ لامرأَتِه: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي. فإذا قال ذلك، فليس يَحِلُّ له أن يَقْرَبَها بنكاحٍ ولا غيرِه، حتى يُكفِّرَ عن يمينِه بعِتْقِ رقبةٍ، فمن لم يجدْ فصيامُ شهرين متتابعَيْن مِن قبلِ أن يتماسّا. والمسُّ النكاحُ، فمن لم يَسْتطِعْ فإطعامُ سِتِّين مسكينًا، وإنْ هو قال لها: أنتِ عليَّ كظهرِ (^١) أمِّي إن فَعَلْتِ كذا وكذا. فليس يقعُ في ذلك ظهارٌ حتى يَحْنَثَ، فإن حَنِث فلا يَقْرَبُها حتى يُكفِّرَ، ولا يقعُ في الظهارِ طلاقٌ.\nحدَّثنا ابنُ بشار، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، قال: ثنا أشعَثُ، عن الحسنِ أنه كان لا يَرَى بأسًا أنْ يَغْشَى المُظاهِرُ دونَ الفرجِ (^٢).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدٌ، قال: قال سفيانُ: إنما [نُهِي المظاهِرُ] (^٣) عن الجماعِ. ولم يَرَ بأْسًا أنْ يَقْضِيَ حاجتَه دونَ الفرجِ، أو فوقَ الفرجِ، أو حيث يشاءُ ويباشِرُ.\nوقال آخرون: عُنِي بذلك كلُّ معاني المَسِيسِ. وقالوا: الآيةُ على العمومِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا وُهَيْبٌ، عن يونسَ، قال: بلَغني عن الحسنِ أنه كَرِه للمُظاهِرِ المَسِيسَ.\nوقولُه: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: أوجَب ربُّكم ذلك عليكم عظةً لكم تَتَّعِظون به، فتَنْتَهون عن الظهارِ وقولِ الزورِ، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، \"مثل ظهر\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٤٩٨) من طريق هشام عن الحسن بمعناه.\n(^٣) في م: \"الظاهرة\".","vol":"22","page":461},{"text":"خَبِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ بأعمالِكم التي تعمَلونها أيُّها الناسُ ذو خبرةٍ، لا يَخْفى عليه شيءٌ منها، وهو مُجازِيكم عليها، فانْتَهوا عن قولِ المنكرِ والزورِ.\n\n<span id=\"aya-5108\"></span><span data-type='title' id=toc-8942>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ </span>(٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: فمن لم يجدْ منكم ممن ظاهَر مِن امرأَتِه رقبةً يُحرِّرُها، فعليه صيامُ شهرين متتابعَيْن مِن قبلِ أن يتماسّا. والشَهْران المتتابعان هما اللذان لا فصْلَ بينَهما بإفطارٍ في نهارِ شيءٍ منهما إلا مِن عذرٍ، فإنه إذا كان الإفطارُ بالعذرِ ففيه اختلافٌ بينَ أهلِ العلمِ؛ فقال بعضُهم: إذا كان إفطارُه لعذرٍ فزال العذرُ، بَنَى على ما مضَى مِن الصومِ.\nوقال آخرون: بل يَسْتأنِفُ؛ لأن مَن أفطَر بعذرٍ (^١) أو غيرِ عذرٍ لم يُتابِعْ صومَ شَهْرين.\nذكرُ مَن قال: إذا أفطَر بعذرٍ وزال العذرُ بنَى وكان مُتابِعًا\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ وعبدُ الأعلى، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ أنه قال في رجلٍ صام مِن كفارةِ الظهارِ، أو كفارةِ القتلِ، فمَرِض فأفطَر، أو أفطَر من عذرٍ، قال: عليه أنْ يَقْضِيَ يومًا مكانَ يومٍ، ولا يَسْتقبِلُ صومَه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لعذر\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٥١٣) من طريق قتادة به بنحوه.","vol":"22","page":462},{"text":"المسيَّبِ بمثلِه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ في المُظاهِرِ الذي عليه صومُ شَهْرين متتابعَيْن، فصام شهرًا ثم أفطَر. قال: يُتمُّ ما بَقِي.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا (^١) عبدُ الأعلى، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ وسعيدِ بنِ المسيَّبِ في رجلٍ صام مِن كفارةِ الظهارِ شهرًا أو أكثرَ ثم مَرِض. قال: يَعْتدُّ بما مضى إذا كان له عذرٌ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سالمُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا عمرُ (^٢) بنُ عامرٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في الرجلِ يكونُ عليه الصومُ في قتلٍ أو نَذْرٍ أو ظهارٍ، فصام بعضَه ثم أفطَر. قال: إن كان معذورًا فإنه يَقْضِي (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، قال: إن أفطَر مِن عذرٍ أتمّ، وإن كان مِن غيرِ عذرٍ استَأْنَف.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن حجاجٍ، عن عطاءٍ، قال: مَن كان عليه صيامُ شَهْرين متتابعَيْن فمَرِض فأفطَر. قال: يَقْضِي ما بَقِي عليه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني ابنُ جريجٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ وعمرِو بنِ دينارٍ في الرجلِ يُفْطِرُ في اليومِ الغَيْمِ، يَظُنُّ أنَّ الليلَ قد دخَل عليه\n_________\n(^١) بعده في م، ت ٢، ت ٣: \"ابن\"، وكلاهما صواب. ينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٣٥٩.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عمرو\"، ينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٤٠٣.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٥١٦) عن معمر عن الحسن وقتادة بنحوه.","vol":"22","page":463},{"text":"في الشهرين المتتابعَيْن، أنه لا يزيدُ على أن يُبَدِّلَه، ولا يَأْتَنِفُ (^١) شَهْرين آخرَيْن (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: إنْ جامَع المعتكفُ وقد بَقِي عليه أيامٌ مِن اعتكافِه. قال: يُتمُّ ما بَقِيَ، والمُظاهِرُ كذلك (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: إذا كان شيئًا ابْتُلِي به بَنَى على صومِه، وإذا كان شيئًا هو فعَله استَأْنَف. قال سفيانُ: هذا معناه.\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ يزيد، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ في رجلٍ ظاهَر، فصام شَهْرين متتابعَيْن إلا يومين ثم مَرِض. قال: يُتمُّ ما بَقِي (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ إسماعيلَ، عن الشَّعْبيِّ بنحوِه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوبُ، قالا: ثنا هشيمٌ، عن إسماعيلَ، عن الشَّعْبيِّ في رجلٍ عليه صيامُ شَهْرين متتابعَيْن، فصام، فمَرِض، فأفطَر، قال: يَقْضِي ولا يَسْتأْنِفُ.\nذكرُ مَن قال: يَسْتَقبِلُ مَن أفطَر بعذرٍ أو غيرِ عذرٍ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في رجلٍ عليه صيامُ شَهْرين متتابعَيْن فأفطَر. قال: يَسْتأْنِفُ. والمرأةُ إذا\n_________\n(^١) في م: \"يستأنف\"، وكلاهما بمعنى يبتدئ. ينظر الوسيط (أ ن ف).\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٥٤٢، والقرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٨٣، وأبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٢٣٤.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (القسم المتمم من الجزء الرابع) ص ٤٤ من طريق أشعث.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٥١٧) من طريق إسماعيل به بنحوه.","vol":"22","page":464},{"text":"حاضَتْ فأفطَرتْ تَقْضِي (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: إذا مَرِض فأفطَر اسْتأْنَف. يعني مَن كان عليه صومُ شَهْرين متتابعَيْن فمَرِض فأفطَر.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: يَسْتأْنِفُ (^٢).\nوأولى القولينِ عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: يَبْنِي المُفطِرُ بعذرٍ، ويستقبِلُ المُفطِرُ بغيرِ عذرٍ. لإجماعِ الجميعِ على أنَّ المرأةَ إذا حاضَتْ في صومِها الشهرين المتتابعَيْن بعذرٍ فمثلُه؛ لأنَّ إفطارَ الحائضِ بسببِ حيضِها بعذرٍ كان مِن قِبَلِ اللَّهِ. فكلُّ عُذرٍ كان من قبلِ اللَّهِ فمثلُه.\nوقولُه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فمن لم يَسْتطِعْ منهم الصيامَ فعليه إطعامُ سِتِّين مسكينًا. وقد بيَّنا وجْهَ الإطعامِ في الكفاراتِ فيما مضَى قبلُ، فأَغْنى ذلك عن إعادتِه (^٣).\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: هذا الذي فَرَضْتُ على مَن ظاهَر منكم ما فَرَضْتُ في حالِ القدرةِ على الرَّقَبَةِ، ثم خَفَّفْتُ عنه مع العجزِ بالصومِ، ومع فقدِ الاستطاعةِ على الصومِ بالإطعامِ، وإنما فعَلْتُه كي يُقِرَّ الناسُ بتوحيدِ اللَّهِ ورسالةِ الرسولِ محمدٍ ﷺ، ويُصدِّقوا بذلك ويَعْملوا به، ويَنْتهوا عن قولِ الزورِ والكذبِ، ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهذه الحدودُ التي حدَّها اللَّهُ لكم، والفروضُ التي بيَّنها لكم، حدودُ اللَّهِ، فلا تَتَعدَّوْها أيُّها\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٥١١) من طريق مغيرة به بنحوه، وأخرجه ابن أبي شيبة (القسم المتمم من الجزء الرابع) ص ٣٤ من طريق حماد عن إبراهيم.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٥٤٢.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٨/ ٦٢٤ - ٦٣٨.","vol":"22","page":465},{"text":"الناسُ، ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ بها، وهم جاحِدو هذه الحدودِ وغيرِها مِن فرائضِ اللَّهِ أن تكونَ مِن عندِ اللَّهِ - ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: عذابٌ مؤلِمٌ.\n\n<span id=\"aya-5109\"></span><span data-type='title' id=toc-8943>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ الذين يُخالفون اللَّهَ في حدودِه وفرائضِه، فيجعلون حدودًا غيرَ حدودِه، وذلك هو المحادَّةُ للَّهِ ولرسولِه.\nوأما قتادةُ فإنه كان يقولُ في معنى ذلك، ما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. يقولُ: يعادُون اللَّهَ ورسولَه (^١).\nوأما قولُه: ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. فإنه يعني: غِيظُوا وأُخْزُوا كما غِيظ الذين من قبلِهم مِن الأممِ الذين حادُّوا اللَّهَ ورسولَه، وخُزُوا.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: خُزوا كما خُزِي الذين مِن قبلِهم (^٢).\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ يقولُ: معنى ﴿كُبِتُوا﴾ أُهلِكوا.\nوقال آخرُ منهم: يقولُ: معناه غِيظوا وأُخْزُوا يومَ الخندقِ، ﴿كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٣ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الفتح ٨/ ٦٢٨ - من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٣ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":466},{"text":"مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يريدُ مَن قاتل الأنبياءَ مِن قبلِهم.\nوقولُه: ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. يقولُ: وقد أنزَلْنا دلالاتٍ مُفَصَّلاتٍ، وعلاماتٍ مُحكَماتٍ، تدلُّ على حقائقِ حدودِ اللَّهِ.\nوقولُه: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولجاحِدِي تلك الآياتِ البيِّناتِ التي أنزَلناها على رسولِنا محمدٍ ﷺ ومُنكرِيها - عذابٌ يومَ القيامةِ، ﴿مُهِينٌ﴾. يعني: مُذِلٌّ في جهنمَ.\n\n<span id=\"aya-5110\"></span><span data-type='title' id=toc-8944>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: وللكافرين عذابٌ مهينٌ في يومِ يَبعَثُهم اللَّهُ جميعًا (^١) مِن قبورِهم لموقفِ القيامةِ، فَيُنبِّئُهم اللَّهُ بما عَمِلوا، ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أَحْصَى اللَّهُ ما عَمِلوا، فعدَّه عليهم وأَثْبَته وحَفِظه، ونَسِيه عامِلوه، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. يقولُ: وَاللَّهُ جلّ ثناؤُه على كلِّ شيءٍ عَمِلوه وغيرِ ذلك من أمرِ خَلْقِه ﴿شَهِيدٌ﴾. يعني: شاهدٌ، يعلمُه ويُحيطُ به، فلا يَعْزُبُ عنه شيءٌ منه.\n\n<span id=\"aya-5111\"></span><span data-type='title' id=toc-8945>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾.</span>\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يوم يبعثهم الله جميعا\"، وبعده في م: \"وذلك يوم يبعثهم الله جميعا\". وهو تكرار.","vol":"22","page":467},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ألم تَنْظُرْ يا محمدُ بعينِ قلبِك فَترَى أن اللَّهَ يَعلمُ ما في السماواتِ وما في الأَرض مِن شيءٍ، لا يَخْفَى عليه صغيرُ ذلك وكبيرُه. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فكيف يَخْفَى على مَن كانت هذه صفتَه أعمالُ هؤلاء الكافرين وعصيانُهم ربَّهم. ثم وصَف جلّ ثناؤُه قُرْبَه من عبادِه وسماعَه نجواهم، وما يَكتُمونه الناسَ مِن أحاديثِهم، فيَتَحَدَّثونه سرًّا بينَهم، فقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ مِن خَلْقِه، ﴿إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يَسمعُ سرَّهم ونجواهم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن أسرارِهم، ﴿وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾. يقولُ: ولا يكونُ مِن نجوَى خمسةٍ إلا هو سادسُهم كذلك، ﴿وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ﴾. يقولُ: ولا أقلَّ مِن ثلاثةٍ، ﴿وَلَا أَكْثَرَ﴾. [يقولُ: ولا أكثرَ] (^١) مِن خمسةٍ، ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ إذا تناجَوا ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا﴾. يقولُ: في أيِّ موضعٍ ومكانٍ كانوا.\nوعُني بقولِه: ﴿هُوَ رَابِعُهُمْ﴾. بمعنى: أنه مشاهدُهم بعلمِه وهو على عَرْشِه.\nكما حدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ أبي زيادٍ، قال: ثنى نصرُ (^٢) بنُ ميمونٍ المضروبُ، قال: ثنا بُكيرُ بنُ معروفٍ، عن مقاتلِ بنِ حيانَ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿هُوَ مَعَهُمْ﴾. قال: هو فوقَ العرشِ، وعلمُه معهم ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) كذا في النسخ، وهو خطأ، وصوابه نوح بن ميمون. ينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٦٢.\n(^٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٥٩٢)، والآجري في الشريعة (٦٥٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩٠٩)، والاعتقاد من طريق نوح بن ميمون به.","vol":"22","page":468},{"text":"وقولُه: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم يُخبِرُ هؤلاء المتناجِين وغيرَهم بما عمِلوا مِن عملٍ مما يُحِبُّه أو يُسْخِطُه يومَ القيامةِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: إِنَّ اللَّهَ بنجواهم وأسرارِهم وسرائرِ أعمالِهم، وغيرِ ذلك مِن أمورِهم وأمورِ عبادِه - عليمٌ.\nواختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾؛ فقرأَتْ قرأَةُ الأمصارِ ذلك: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى﴾ بالياءِ، خلا أبي جعفرٍ القارئِ، فإنه قرَأه: (ما تَكُونُ) بالتاءِ. والياءُ هي الصوابُ في ذلك؛ لإجماعِ الحجةِ عليها، ولصحتِها في العربيةِ (^١).\n\n<span id=\"aya-5112\"></span><span data-type='title' id=toc-8946>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ مِن اليهودِ، ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ فقد نَهى اللَّهُ ﷿ إيَّاهم عنها، ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ﴾ بينَهم ﴿بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جمِيعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) ينظر النشر ٢/ ٢٨٧.","vol":"22","page":469},{"text":"في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾. قال: اليهودُ (^١).\nقولُه: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: ثم يَرْجِعون إلى ما نُهُوا عنه مِن النَّجوَى، ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويتناجَون بما حرَّم اللَّهُ عليهم مِن الفواحشِ والعدوانِ، وذلك خلافُ أمرِ اللَّهِ، ومعصيةُ الرسولِ محمدٍ ﷺ.\nواختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ﴾. فقرأَتْ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين والبصريِّين: ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ﴾ على مثالِ \"يتفاعَلوْن\" (^٢). وكان يحيَى وحمزةُ والأعمشُ يقرَءُون: (ويَنْتَجُونَ) على مثالِ \"يَفْتَعِلون\" (^٣). واعتَلّ الذين قرَءوه: ﴿يَتَنَاجَوْنَ﴾. بقولِه: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ﴾ [المجادلة: ٩]، ولم يقلْ: إذا انْتَجَيْتُم.\nوقولُه: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وإذا جاءك يا محمدُ هؤلاءِ الذين نُهُوا عن النَّجوَى، الذين وصف اللَّهُ جلّ ثناؤُه صفتَهم، حَيَّوْك بغيرِ التحيةِ التي جعَلها اللَّهُ لك تحيةً. وكانت تحيتُهم التي كانوا يُحيُّونه بها - التي أخبَر اللَّهُ أنه لم يُحيِّه بها فيما جاءت به الأخبارُ - أنهم كانوا يقولون: السامُ عليكم (^٤).\nذكرُ الروايةِ الواردةِ بذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٤ إلى ابن المنذر، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٣٠٦.\n(^٢) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي وأبي جعفر ويعقوب في رواية روح وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٨٨.\n(^٣) وبها قرأ يعقوب في رواية رويس. ينظر البحر المحيط ٨/ ٢٣٦.\n(^٤) في م: \"عليك\".","vol":"22","page":470},{"text":"عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: جاء ناسٌ مِن اليهودِ إلى النبيِّ ﷺ، فقالوا: السامُ عليك يا أبا القاسم. فقلتُ: السامُ عليكم، وفعَل اللَّهُ بكم وفعَل. فقال النبيُّ ﷺ: \"يا عائشةُ، إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفُحْشَ\". فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ألستَ تَرى ما يقولون؟! فقال: \"ألستِ تَرَيْنَنِي أَرُدُّ عليهم ما يقولون؟ أقولُ: وعليكم\". وهذه الآيةُ في ذلك نزَلت: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: كان اليهودُ يأتون النبيَّ ﷺ، فيقولون: السامُ عليكم. فيقولُ: \"وعليكم\". قالت عائشةُ: فقلتُ (^٢): السامُ عليكم وغَضَبُ اللَّهِ. فقال النبيُّ ﷺ: \"إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفاحشَ المُتَفَحِّشَ\". قالت: إنهم يقولون: السامُ عليكم! قال: \"إني أقولُ: وعليكم\". فنزَلت: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية، قال: فإنَّ اليهودَ يأتون النبيَّ ﷺ، فيقولون: السامُ عليكم (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: كانت اليهودُ يأتون النبيَّ ﷺ، فيقولون: السامُ عليكم.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ٣٠٧ من طريق جرير به. وأخرجه أحمد ٦/ ٢٢٩ (الميمنية)، ومسلم (٢١٦٥/ ١١)، والنسائي في الكبرى (١١٥٧١)، والبيهقي في الشعب (٩٠٩٨) من طريق الأعمش به.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٤٤٢ - ومن طريقه ابن ماجه (٣٦٩٨) - من طريق الأعمش به بشطره الأول.","vol":"22","page":471},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ إلى: ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. قال: كان المنافقون يقولون لرسولِ اللَّهِ ﷺ إذا حَيَّوه: سامٌ عليكم. فقال اللَّهُ: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: يقولون: سامٌ عليكم. قال: هم أيضًا يهودُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: اليهودُ كانت تقولُ: سامٌ عليكم (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ أنَّ عائشةَ فَطَنَت إلى قولِهم، فقالت: وعليكم السامةُ (^٤) واللعنةُ. فقال النبيُّ ﷺ: \"مهلًا يا عائشةُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ في الأمرِ كلِّه\". فقالت: يا نبيَّ اللَّهِ، ألم تسمعْ ما يقولون؟! قال: \"أفلم تَسْمَعِي ما أَردُّ عليهم؟ أقولُ: وعليكم\" (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٤ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٩ عن معمر به.\n(^٤) كذا في النسخ، قال صاحب اللسان: السامَّة: الموت، نادر، والمعروف \"السامُ\" بتخفيف الميم بلا هاء. اللسان (س م م).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٩، وفي المصنف (١٩٤٦٠)، وأحمد ٦/ ١٩٩ (الميمنية)، وعبد بن حميد (١٤٦٩)، والبخاري (٦٣٩٥)، ومسلم (٢١٦٥/ ١٠)، والنسائي في الكبرى (١٠٢١٥)، وابن حبان (٦٤٤١)، والبيهقي ٩/ ٢٠٣ من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة. وأخرجه الحميدي (٢٤٨)، وأحمد ٦/ ٣٧، ٨٥ (الميمنية)، والبخاري (٦٠٢٤، ٦٢٥٦، ٦٩٢٧)، ومسلم (٢١٦٥/ ١٠)، والترمذي (٢٧٠١)، والنسائي في الكبرى (١٠٢١٣، ١٠٢١٤، ١٠٢١٦، ١١٥٧٢)، وابن ماجه (٣٦٨٩) من طريق الزهري عن عروة، عن عائشة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٤ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"22","page":472},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ بينما هو جالسٌ مع أصحابِه، إذ أتَى عليهم يهوديٌّ فسلَّم عليهم، فردُّوا عليه، فقال نبيُّ اللَّهِ ﷺ: \"هل تَدْرون ما قال؟ \". قالوا: سلَّم يا رسولَ اللَّهِ. قال: \"بل قال: سأْمٌ عليكم\". أي تَسْأَمون دينَكم. فقال النبيُّ ﷺ: \"أَقُلْتَ: سأْمٌ عليكم؟ \" قال: نعم. فقال النبيُّ ﷺ: \"إذا سلَّم عليكم أَحدٌ مِن أهلِ الكتابِ فقولوا: وعليك\". أي: عليك ما قُلتَ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: هؤلاء يهودُ، جاء ثلاثةُ نَفَرٍ منهم إلى بابِ النبيِّ ﷺ، فتناجَوا ساعةً، ثم استأْذَن أحدُهم، فأَذِن له النبيُّ ﷺ، فقال: السامُ عليك (^٢). فقال النبيُّ ﷺ له (^٣): \"عليك\". ثم الثاني. ثم الثالثُ. قال ابنُ زيدٍ: السامُ الموتُ.\nوقولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويقولُ مُحيُّوك بهذه التحيةِ من اليهودِ: هلّا يُعاقبنا اللَّهُ بما نقولُ لمحمدٍ ﵇، فَيُعَجِّلَ عقوبتَه لنا على ذلك. يقولُ اللَّهُ: حَسْبُ قائلي ذلك يا محمدُ جهنمُ، وكفاهم بها يَصْلَوْنها يومَ القيامةِ، فبِئْس المصيرُ جهنمُ.\n\n<span id=\"aya-5113\"></span><span data-type='title' id=toc-8947>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٥٠٣) من طريق يزيد بن زريع به. وأخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٤٤٢ - ومن طريقه ابن ماجه (٣٦٩٧) - والبزار (٢٠١٠ - كشف) من طريق سعيد به. وأخرجه عبد بن حميد - كما في الدر المنثور ٦/ ١٨٤ - وعنه الترمذي (٣٣٠١)، ومسلم (٢١٦٣/ ٧)، وأبو داود (٥٢٠٧)، والواحدي في أسباب النزول ص ٣٠٧ من طريق قتادة به، وأخرجه أحمد ١٩/ ١٤ (١١٩٤٨)، والبخاري (٦٢٥٨)، ومسلم (٢١٦٣) من طريق عبيد الله بن أبي بكر عن أنس.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"عليكم\".\n(^٣) سقط من: م.","vol":"22","page":473},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، إذا تناجَيتم بينَكم فلا تتناجَوا بالإثمِ والعُدوانِ ومعصيةِ الرسولِ، ولكن تناجَوا ﴿بِالْبِرِّ﴾. يعني: بطاعةِ اللَّهِ وما يُقَرِّبُكم منه، ﴿وَالتَّقْوَى﴾. يقولُ: وباتقائِه بأَداءِ ما كلَّفكم مِن فرائضِه واجتنابِ معاصيه، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. يقولُ: وخافوا اللَّهَ الذي إليه مصيرُكم، وعندَه مُجْتَمَعُكم، في تَضْييعِ فرائضِه، والتقدُّمِ على معاصيه، أن يعاقبَكم عليه عندَ مصيرِكم إليه.\n\n<span id=\"aya-5114\"></span><span data-type='title' id=toc-8948>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إنما المناجاةُ مِن الشيطانِ.\nثم اختلَف أهلُ العلمِ في النجوى التي أخبَر اللَّهُ أنها مِن الشيطانِ، أيُّ ذلك هو؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك مناجاةُ المنافقين بعضِهم بعضًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: كان المنافقون يَتناجَون بينَهم، وكان ذلك يَغِيظُ المؤمنين ويَكْبُرُ عليهم، فأنزَل اللَّهُ في ذلك القرآنَ: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا﴾ الآية (^١).\nوقال آخرون بما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال: كان الرجلُ يأتي رسولَ اللَّهِ ﷺ يسألُه الحاجةَ، ليُرِيَ الناسَ أنه قد ناجَى رسولَ اللَّهِ ﷺ. قال: وكان النبيُّ ﷺ ما لا يَمْنَعُ ذلك مِن أحدٍ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"22","page":474},{"text":"قال: والأرضُ يومئذٍ حربٌ على أهلِ هذا البلدِ، وكان إبليسُ يأتي القومَ فيقولُ لهم: إنما يتناجَون في أمورٍ قد حضَرت، وجموعٍ قد جُمِعت لكم، وأشياءَ. فقال اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، [عن قتادةَ] (^٢)، قال: كان المسلمون إذا رأَوُا المنافقين خَلَوا يَتَناجَون - يَشُقُّ عليهم، فنزَلت: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (^٣).\nوقال آخرون: عُنِي بذلك أحلامُ النومِ التي يراها الإنسانُ في نومِه فتُحزِنُه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن داودَ البَلْخِيُّ، قال: سُئِل عطيةُ - وأنا أسمعُ - عن (^٤) الرُّؤْيا، فقال: الرُّؤْيا على ثلاثِ منازلَ؛ فمنها وسوسةُ الشيطانِ، فذلك قولُه: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾، ومنها ما يُحدِّثُ نفسَه بالنهارِ فيراه [من الليلِ] (^٥)، ومنها كالأَخْذِ باليدِ.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عُنِي به مناجاةُ المنافقين بعضِهم بعضًا بالإثمِ والعدوانِ. وذلك أنّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه تقدَّم بالنهيِ عنها بقولِه: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾. ثم عمَّا في ذلك مِن المكروهِ على أهلِ الإيمانِ، وعن سببِ نهيِه إيَّاهم عنه، فقال: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ\n_________\n(^١) ينظر التبيان ٩/ ٥٤٦، والبحر المحيط ٨/ ٢٣٦.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٩ عن معمر به.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في م: \"بالليل\".","vol":"22","page":475},{"text":"الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. فَبِيِّنٌ بذلك إذ كان النهيُ عن رؤيةِ المرءِ في منامِه كان كذلك، وكان عَقِيبَ نهيِه عن النجوى بصفةٍ أنه مِن صفةِ ما نَهَى عنه.\nوقولُه: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وليس التناجي بضارِّ المؤمنين شيئًا إلا بإذنِ اللَّهِ. يعني بقضاءِ اللَّهِ وقَدَرِه.\nوقولُه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وعلى اللَّهِ فلْيَتَوَكَّلْ في أمورِهم أهلُ الإيمانِ به، ولا يَحْزَنوا مِن تَناجِي المنافقين ومَن يَكيدُهم بذلك، وأنّ تناجِيَهم غيرُ ضارِّهم إذا حَفِظهم ربُّهم.\n\n<span id=\"aya-5115\"></span><span data-type='title' id=toc-8949>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ (^١) فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المجْلِسِ (^٢». يعني بقولِه: ﴿تَفَسَّحُوا﴾: توسَّعوا. من قولِهم: مكانٌ فَسِيحٌ. إذا كان واسِعًا.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في المجلسِ الذي أمَر اللَّهُ المؤمنين بالتفسُّحِ فيه؛ فقال بعضُهم: ذلك كان مجلسَ النبيِّ ﷺ خاصةً.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ هنا وفيما سيأتي: \"المجْلِس\" على الإفراد، وهي القراءة التي اختارها المصنف كما سيأتي.\n(^٢) في م: \"المجالس\".","vol":"22","page":476},{"text":"نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: (تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ). قال: مجلسِ النبيِّ ﷺ، كان يُقالُ ذاك خاصةً.\nحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ) الآية، كانوا إذا رأَوْا مَن جاءهم مُقبِلًا ضَنُّوا بمجلسِهم عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ، فأمَرهم أن يَفسَحَ بعضُهم لبعضٍ (^٢).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ). قال: كان هذا للنبيِّ ﷺ ومَن حَوْلَه خاصةً، يقولُ: استوسِعوا حتى يصِيبَ كلُّ رجلٍ منكم مجلسًا مِن النبيِّ ﷺ. وهي أيضًا مقاعدُ للقتالِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: (تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ). قال: كان الناسُ يتَنافسون في مجلسِ النبيِّ ﷺ، فقِيل لهم: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ فافْسَحُوا) (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ (^٤) فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ). قال: هذا مجلسُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٥٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٩ عن معمر به.\n(^٤) في م: \"المجالس\".","vol":"22","page":477},{"text":"رسولِ اللَّهِ ﷺ، كان الرجلُ يأتي فيقولُ: افسَحوا لي رحِمكم اللَّهُ. فيَضَنُّ كلُّ واحدٍ منهم بقُرْبِه مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ، فأمَرهم اللَّهُ بذلك، ورأَى أنه خيرٌ لهم.\nوقال آخرون: بل عُنِي بذلك في مجالسِ القتالِ إذا اصْطَفُّوا للحربِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ). قال: ذلك في مجلسِ القتالِ (^١).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه أمَر المؤمنين أن يَتَفَسَّحوا في المجلسِ، ولم يَخْصُصْ بذلك مجلسَ النبيِّ ﷺ دونَ مجلسِ القتالِ، وكلا الموضعين يقالُ له: مجلسٌ. فذلك على جميعِ المجالسِ مِن مجالسِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ومجالسِ القتالِ.\nواختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ: (تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ) على التوحيدِ، غيرَ الحسنِ البصريِّ وعاصمٍ؛ فإنهما قرَأا ذلك: ﴿فِي الْمَجَالِسِ﴾ على الجماعِ. وبالتوحيدِ قراءةُ ذلك عندَنا؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه (^٢).\nوقولُه: ﴿فَافْسَحُوا﴾. يقولُ: فوسِّعوا، ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾. يقولُ: يُوسِّعِ اللَّهُ منازلَكم في الجنةِ، ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٥ إلى المصنف.\n(^٢) ينظر الكشف ٢/ ٣١٤، ٣١٥.","vol":"22","page":478},{"text":"قيل: ارْتَفِعوا. وإنما يُرادُ بذلك وإذا قيل لكم: قُوموا إلى قتالِ عدوٍّ، أو صلاةٍ، أو عملِ خيرٍ، أو تفرَّقوا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ. فقوموا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. قال: إذا قيل: انشُزوا. فانشُزوا إلى الخيرِ والصلاةِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَانْشُزُوا﴾. قال: إلى كلِّ خيرٍ؛ قتالِ عدوٍّ، أو أمرٍ بالمعروفِ، أو حقٍّ ما كان (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَة قولَه: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾. يقولُ: إذا دُعِيتُم إلى خيرٍ فأَجِيبوا. وقال الحسنُ: هذا كلُّه في الغزوِ (^٢).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾: كان إذا نُودِي للصلاةِ تثَاقَل رجالٌ، فأَمَرهم اللَّهُ إذا نُودِي للصلاةِ أن يَرْتفِعوا إليها؛ يَقوموا إليها (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٥٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٠ عن معمر عن قتادة والحسن، وقول قتادة عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٥٨، والقرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٩٩.","vol":"22","page":479},{"text":"وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾. قال: انشُزوا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ. قال: هذا في بيتِه، إذا قيل: انشُزوا. فارتفِعوا عن النبيِّ ﷺ؛ فإن له حوائجَ، فأحبَّ كلُّ رجلٍ منهم أن يكونَ آخرَ عهدِه برسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال اللَّهُ: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ (^١).\nوإنما اختَرْتُ التأويلَ الذي قلتُ في ذلك؛ لأن اللَّهَ ﷿ أَمَر المؤمنين إذا قيل لهم: انشُزوا. أَنْ يَنْشُزوا، فعمَّ بذلك الأمرِ جميعَ معاني النشوزِ مِن الخيراتِ، فذلك على عمومِه حتى يَخُصَّه ما يجبُ التسليمُ له.\nواختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأَةِ المدينةِ ﴿فَانْشُزُوا﴾ بضمِّ الشينِ. وقرأ ذلك عامةُ قرأَةِ الكوفةِ والبصرةِ بكسرِها (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، ولغتان مشهورتان، بمنزلةِ يَعْكُفون ويَعْكِفون، ويَعْرُشون ويَعْرِشون، فبأَيِّ القراءتين قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقولُه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يرفعِ اللَّهُ المؤمنين منكم أيُّها القومُ بطاعتِهم ربَّهم فيما أَمَرهم به من التفسُّحِ في المجلسِ إذا قيل لهم: تفسَّحوا، أو بنُشُوزِهم إلى الخيراتِ إذا قيل لهم: انشُزوا إليها. ويرفعِ اللَّهُ الذين أوتوا العلمَ مِن أهلِ الإيمانِ على المؤمنين الذين لم يُؤْتَوُا العلمَ بفضلِ علمِهم درجاتٍ - إذا عمِلوا بما أُمِروا به.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٩٩، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٧٤.\n(^٢) قرأ نافع وعاصم وابن عامر بضم الشين والابتداء بضم الألف، وقرأ الباقون بكسر الشين والابتداء بكسر الألف. الكشف ٢/ ٣١٥.","vol":"22","page":480},{"text":"الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾: إن (^١) بالعلمِ لأهلِه فضلًا، وإن له على أهلِه حقًّا، ولَعَمْرِي لِلحقِّ عليك أيُّها العالمُ فضلٌ، واللَّهُ مُعْطِي كلَّ ذي فضلٍ فضلَه.\nوكان مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ الشِّخِّيرِ يقولُ: فضلُ العلمِ أحبُّ إليَّ مِن فضلِ العبادةِ، وخيرُ دينِكم الوَرَعُ (^٢).\nوكان [عبدُ اللَّهِ بنُ مُطَرِّفٍ] (^٣) يقولُ: إنك لَتَلْقَى الرجلين؛ أحدُهما أكثرُ صومًا وصلاةً وصدقةً، والآخرُ أفضلُ منه بَوْنًا بعيدًا. قيل له: وكيف ذاك؟ فقال: هو أشدُّهما وَرَعًا للَّهِ عن محارمِه (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾: في دينِهم، إذا فعَلوا ما أُمِروا به.\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ بأعمالِكم أيُّها الناسُ ذو خبرةٍ، لا يَخْفى عليه المطيعُ منكم ربَّه مِن العاصي، وهو مُجازٍ جميعَكم بعملِه؛ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ بالذي هو أهلُه، أو يَعْفو.\n\n<span id=\"aya-5116\"></span><span data-type='title' id=toc-8950>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أي\".\n(^٢) أخرجه أحمد في الزهد ص ٢٤٠ من طريق سعيد به. وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٧/ ١٤٢، والفسوي في المعرفة والتاريخ ٢/ ٨٢، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ١/ ١١٦ (١٠٤) من طريق قتادة به.\n(^٣) كذا في النسخ. ولعل الصواب مطرف بن عبد الله كما في مصدر التخريج.\n(^٤) أخرجه أحمد في الزهد ص ٢٤٠ من طريق سعيد به.","vol":"22","page":481},{"text":"يقولُ تعالى ذكره: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، إذا ناجَيتم رسولَ اللَّهِ، فقدِّموا أمامَ نجواكم صدقةً تتصدَّقون بها على أهلِ المسكنةِ والحاجةِ، ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقولُ: وتقديمُكم الصدقةَ أمامَ نجواكم رسولَ اللَّهِ ﷺ خيرٌ لكم عندَ اللَّهِ، ﴿وَأَطْهَرُ﴾ لقلوبِكم مِن المآثمِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾. قال: نُهوا عن مناجاةِ النبيِّ ﷺ حتى يتَصدَّقوا، فلم يُناجِه إلا عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁، قدَّم دينارًا فتَصدَّق به، ثم أُنزِلت الرُّخصةُ في ذلك (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبيدِ بنِ محمدٍ المُحاربيُّ، قال: ثنا المطَّلِبُ بنُ زيادٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال عليٌّ ﵁: إن في كتابِ اللَّهِ ﷿ لآيةً ما عمِل بها أحدٌ قبْلي، ولا يَعْمَلُ بها أحدٌ بعدِي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾. قال: فُرِضت ثم نُسِخت.\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن شِبْلِ بنِ عبَّادٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٥١. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٠ - ومن طريقه ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٤٨٠ - من طريق سليمان الأحول عن مجاهد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"22","page":482},{"text":"فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾. قال: نُهوا عن مناجاةِ النبيِّ ﷺ حتى يتصدَّقوا، فلم يُناجِه إلا عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁، قدَّم دينارًا صدقةً تَصدَّق به، ثم أُنزِلت الرُّخصةُ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريس، قال: سمعتُ ليثًا، عن مجاهدٍ، قال: قال عليٌّ ﵁: آيةٌ مِن كتابِ اللَّهِ لم يَعْملْ بها أحدٌ قبْلي، ولا يَعْمَلُ بها أحدٌ بعدِي؛ كان عندِي دينارٌ فصَرَفْتُه بعَشَرةِ دراهمَ، فكنتُ إذا جئتُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ تصدَّقتُ بدرهمٍ، فَنُسِخت، فلم يَعْملْ بها أحدٌ قبْلي؛ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾. قال: سأل الناسُ رسولَ اللَّهِ ﷺ حتى أحْفَوه بالمسألةِ (^٢)، فقَطَعهم (^٣) اللَّهُ بهذه الآيةِ، وكان الرجلُ تكونُ له الحاجةُ إلى نبيِّ اللَّهِ ﷺ، فلا يستطيعُ أن يَقضِيَها حتى يُقدِّمَ بينَ يديه صدقةً، فاشتدَّ ذلك، عليهم، فأَنزَل اللَّهُ ﷿ الرخصةَ بعدَ ذلك؛ ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٧٣، وابن أبي شيبة ١٢/ ٨١ عن ابن إدريس به. وأخرجه إسحاق بن راهويه - كما في المطالب العالية (٤١٤٠) - وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٤٧٩ من طريق ليث به. وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٨٢ من طريق مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي بن أبي طالب. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٥ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) أحفى فلانا: ألح عليه في السؤال وجَهَده. الوسيط (ح ف ى).\n(^٣) في ص، ت ٢، ت ٣: \"فعظمهم\"، وفي م: \"فوعظهم\"، وفي ت ١: \"فعصمهم\". والمثبت من تفسير ابن كثير، وقطعهم بالآية: أي جعلهم يكفون عن المسألة.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٧٦.","vol":"22","page":483},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾. قال: إنها منسوخةٌ، ما كانت إلا ساعةً من نهارٍ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ إلى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال: كان المسلمون يُقدِّمون بينَ يدَى النَّجوى صدقةً، فلما نَزَلت الزكاةُ نُسِخ هذا (^٢).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾: وذاك أن المسلمين أَكْثَروا المسائلَ على رسولِ اللَّهِ ﷺ، حتى شَقُّوا عليه، فأراد اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عن نبيِّه؛ فلما قال ذلك ضَنَّ (^٣) كثيرٌ مِن الناسِ، وكفُّوا عن المسألةِ، فأنزَل اللَّهُ بعدَ هذا: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. فوسَّع اللَّهُ عليهم ولم يُضَيِّقْ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن عثمانَ بنِ أبي المغيرةِ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ، عن عليِّ بنِ علقمةَ الأنماريِّ، عن عليٍّ، قال: قال النبيُّ ﷺ: \"ما تَرَى؟ دينارٌ؟ \". قال: لا يُطيقون. قال: \"نِصْفُ دينارٍ؟ \". قال: لا يُطِيقون. قال: \"ما تَرى؟ \". قال: شَعِيرةٌ. فقال له النبيُّ ﷺ: \"إِنَّك لزهيدٌ\". قال: قال عليٌّ ﵁: فبي خُفِّف (^٥) عن هذه الأمةِ؛ قولُه: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٠ - ومن طريقه ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٤٨٠ - عن معمر به.\n(^٢) أخرجه ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٤٨٠، ٤٨١ من طريق محمد بن سعد به.\n(^٣) في النسخ: \"صبر\"، وهو تحريف، والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٤) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٣/ ٤٣٠ عن المصنف، وأخرجه أبو عبيد في ناسخه ص ٣٧١، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٣/ ٤٣٠ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٥ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) في م: \"خفف الله\".","vol":"22","page":484},{"text":"بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ - فنَزَلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾: لئلَّا يُناجِيَ أهلُ الباطلِ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فيَشُقَّ ذلك على أهلِ الحقِّ، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ما نستطيعُ ذلك ولا نُطيقُه. فقال اللَّهُ ﷿: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. وقال: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]: مَن جاء يُناجِيك في هذا فاقْبَلْ مناجاتَه، ومَن جاء يُناجِيك في غيرِ هذا فاقْطَعْ أنت ذاك عنه، لا تُناجِه. قال: وكان المنافقون ربما ناجَوا فيما لا حاجةَ لهم فيه، فقال اللَّهُ ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾. قال: لأن الخبيثَ (^٢) يدخلُ في ذلك.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا: قال في المجادلةِ: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: فنَسَخَتْها الآيةُ التي بعدَها، فقال: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٨١، وعبد بن حميد (٩٠)، والترمذي (٣٣٠٠)، والبزار (٦٦٨)، والنسائي في خصائص على (١٥٢)، وأبو يعلى (٤٠٠)، وابن حبان (٦٩٤١، ٦٩٤٢) والنحاس في ناسخه ص ٧٠١، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٤٧٨ من طريق سفيان الثوري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) كذا في ص، م، ت ١. وفي ت ٢، ت ٣: \"الحنث\" ولعل المراد بالخبيث الشيطان، والله أعلم.","vol":"22","page":485},{"text":"بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (^١).\nوقولُه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن لم تَجِدوا ما تتصدَّقون به أمامَ مناجاتِكم رسولَ اللَّهِ ﷺ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: فإِنَّ اللَّهَ ذو عفوٍ عن ذنوبِكم إذا تُبْتُم منها، رحيمٌ بكم أنْ يُعاقِبَكم عليها بعدَ التوبةِ، وغيرُ مُؤاخِذكم بمناجاتِكم رسولَ اللَّهِ ﷺ، قبْلَ أن تُقدِّموا بينَ يدَى نجواكم (^٢) إيَّاه صدقةً.\n\n<span id=\"aya-5117\"></span><span data-type='title' id=toc-8951>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أَشَقَّ عليكم وخَشِيتُم أيُّها المؤمنون بأنْ تُقَدِّموا بينَ يَدَى نجواكم رسولَ اللَّهِ ﷺ صدقاتٍ - الفاقةَ. وأصلُ الإشفاقِ في كلامِ العربِ الخوفُ والحذرُ. ومعناه في هذا الموضعِ: أَخَشِيتم بتقديمِ الصدقةِ الفاقةَ والفقرَ؟\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾. قال: شَقَّ عليكم تقديمُ الصدقةِ، فقد وُضِعَتْ عنكم. وأُمِروا بمناجاةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بغيرِ صدقةٍ حينَ شَقَّ عليهم ذلك (^٣).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٧٦. وأخرج ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٤٧٩ من طريق علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس نحوه.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"مناجاتكم\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٥١.","vol":"22","page":486},{"text":"حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا أبو أُسامة، عن شِبْلِ بنِ عبَّادٍ المكيِّ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. فريضتان واجبتان لا رَجْعةَ لأحدٍ فيهما، فنَسَخَتْ هذه الآيةُ ما كان قبلَها مِن أمرِ الصدقةِ في النجوى.\nوقولُه: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإذ لم تُقَدِّموا بين يدَى نجواكم صدقاتٍ، ورَزَقكم اللَّهُ التوبةَ مِن تَرْكِكم ذلك، فأدُّوا فرائضَ اللَّهِ التي أوجَبها عليكم ولم يَضَعْها عنكم، مِن الصلاةِ والزكاةِ، وأَطِيعوا اللَّهَ ورسولَه فيما أَمَركم به وفيما نهاكم عنه.\n﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: واللَّهُ ذو خبرةٍ وعلمٍ بأعمالِكم، وهو مُحْصِيها عليكم؛ ليجازِيَكم بها.\n\n<span id=\"aya-5118\"></span><span data-type='title' id=toc-8952>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ألم تَنْظُرْ بعينِ قلبِك يا محمدُ، فتَرَى إلى القومِ الذين تولَّوا قومًا غَضِب اللَّهُ عليهم. وهم المنافقون تولَّوْا اليهودَ وناصَحوهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. إلى آخرِ الآية، قال: هم المنافقون تولَّوُا اليهودَ وناصَحوهم.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿تَوَلَّوْا قَوْمًا","vol":"22","page":487},{"text":"غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾. قال: هم اليهودُ تولَّاهم المنافقون (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾. قال: هؤلاء كفرةُ أهلِ الكتابِ اليهودُ، والذين تولَّوهم المنافقون، تولَّوُا اليهودَ. وقرَأ قولَ اللَّهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ حتى بلَغ: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الحشر: ١١]، لئن كان ذلك لا يَفْعلون. وقال هؤلاءِ المنافقون قالوا: لا نَدَعُ حلفاءَنا وموالِيَنا، يكونون معنا (^٢) لنصرتِنا وعزِّنا، ومَن يَدْفعُ عنا؟ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائرةٌ. فقال اللَّهُ ﷿: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢] حتى بلغَ: ﴿فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر: ١٣]، وقرَأ حتى بلَغ: (أَوْ مِنْ ورَاءِ جِدَارٍ (^٣» قال: لا يَبْرُزُون.\nوقولُه: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما هؤلاءِ الذين تولَّوا هؤلاءِ القومَ الذين غَضِب اللَّهُ عليهم - ﴿مِنْكُمْ﴾. يعني: مِن أهلِ دينِكم ومِلَّتِكم، ﴿وَلَا مِنْهُمْ﴾: ولا هم مِن اليهودِ الذين غَضِب اللَّهُ عليهم. وإنما وصَفهم بذلك جلَّ ثناؤُه؛ لأنهم منافقون؛ إذا لَقُوا اليهودَ قالوا: إنا معكم، إنما نحْن مستهزِئون. وإذا لَقُوا الذين آمنوا قالوا: آمَنَّا.\nوقولُه: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويَحْلِفون على الكذبِ؛ وذلك قولُهم لرسولِ اللَّهِ ﷺ: نَشْهَدُ إنَّك لرسولُ اللَّهِ. وهم كاذبون غيرُ مصدِّقين به، ولا مؤمنين به. كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٠ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"معا\".\n(^٣) في م: \"جدر\". وسيأتي ذكر الاختلاف في هذه القراءة في سورة الحشر.","vol":"22","page":488},{"text":"يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. وقد ذُكر أنَّ هذه الآيةَ نزَلت في رجلٍ منهم عاتَبه رسولُ اللهِ ﷺ على أَمْرٍ بلَغه عنه، فَحَلَف كَذِبًا.\nذكرُ الخبرِ الذي رُوي بذلك\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"يَدْخُلُ عليكم رجلٌ يَنظُرُ بعين شيطانٍ، أو بعَيْنَى شيطانٍ\". قال: فدَخَل رجلٌ أزرقُ، فقال له: \"علامَ تَسُبُّني أو تَشْتُمُني؟ \". قال: فجعَل يَحْلِفُ. قال: فنزَلت هذه الآيةُ التي في \"المجادلةِ\": ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، والآيةُ الأخرى (^١).\n\n<span id=\"aya-5119\"></span><span data-type='title' id=toc-8953>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أعدَّ اللَّهُ لهؤلاءِ المنافقين الذين تولَّوُا اليهودَ عذابًا في الآخرةِ شديدًا، ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا؛ بغِشِّهم المسلمين، ونُصْحِهم لأعدائِهم مِن اليهودِ.\n\n<span id=\"aya-5120\"></span>وقولُه: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: جعَلوا حَلِفَهم وأيمانَهم جُنَّةً يَسْتَجِنُّون بها مِن القتلِ، ويَدْفعون بها عن أنفسِهم وأموالِهم وذرارِيِّهم. وذلك أنهم إذا اطُّلِع منهم على النفاقِ، حلَفوا للمؤمنين باللَّهِ إنهم لمنهم، ﴿فَصَدُّوا عَنْ\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٢٢٧٠ - كشف) عن ابن المثنى به. وأخرجه أحمد ٤/ ٤٨ (٢١٤٧)، والطبراني (١٢٣٠٩) من طريق محمد بن جعفر به. وأخرجه أحمد ٤/ ٢٣١، ٢٣٢، ٥/ ٣١٦ (٢٤٠٧، ٢٤٠٨، ٣٢٧٧) والحاكم ٢/ ٤٨٢، والبيهقي في الدلائل ٥/ ٢٨٢، والواحدي في أسباب النزول ص ٣٠٩، وأخرجه كذلك ابن أبي حاتم في تفسيره، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٣/ ٤٣٢ من طريق سماك بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٦ إلى ابن المنذر.","vol":"22","page":489},{"text":"سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فصَدُّوا بأيمانِهم التي اتخَذُوها جُنَّةً المؤمنين عن سبيلِ اللهِ فيهم، وذلك أنهم كفرةٌ، وحكم اللهِ وسبيلُه في أهلِ الكفرِ به من أهلِ الكتابِ القتلُ، أو أَخْذُ الجِزْيةِ، وفي عبدةِ الأوثانِ القتلُ، فالمنافقون يَصُدُّون المؤمنين عن سبيلِ اللهِ فيهم بأيمانِهم إنهم مؤمنون، وإنهم منهم، فيَحُولون بذلك بينَهم وبينَ قتلِهم، ويَمْتَنِعون به مما يَمْتَنِعُ منه أهلُ الإيمانِ باللهِ.\nوقولُه: ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. يقولُ: فلهم عذابٌ مُذِلٌّ لهم في النارِ.\n\n<span id=\"aya-5121\"></span><span data-type='title' id=toc-8954>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لن تُغْنِيَ عن هؤلاءِ المنافقين يومَ القيامةِ أموالُهم، فيَفْتَدُوا بها من عذابِ اللهِ المهين لهم، ولا أولادُهم، فيَنْصُروهم ويَسْتَنْقِذُوهم مِن اللهِ إذا عاقَبهم، ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾. يقولُ: هؤلاءِ الذين تولَّوا قومًا غَضِب اللهُ عليهم - وهم المنافقون - ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾. يعني: أهلُها الذين [هم أهلُها] (^١)، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يقولُ: هم في النارِ ماكِثون إلى غيرِ نهايةٍ.\n\n<span id=\"aya-5122\"></span><span data-type='title' id=toc-8955>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاءِ الذين ذكَرهم اللهُ (^٢) أصحابُ النارِ، يومَ يَبْعَثُهم اللهُ جميعًا. فـ \"يوم\" من صلةِ ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾. وعُنِي بقولِه: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: [يومَ يَبْعَثُهم اللهُ جميعًا] (^٣) مِن قبورِهم أحياءً كهيئتِهم (^٤) قبلَ مماتِهم،\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"هم\"، وبعده في ت ٣: \"هم\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م: \"كهيئاتهم\".","vol":"22","page":490},{"text":"فيَحْلِفون له كما يَحْلِفون لكم كاذبين مُبْطِلين فيها.\nكما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾. قال: إن المنافقَ حلَف له يومَ القيامةِ كما حلَف لأوليائِه في الدنيا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ الآية، واللهِ حالَف المنافقون ربَّهم يومَ القيامةِ كما حالَفوا أولياءَه في الدنيا.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سماكِ بنِ حربٍ البكريِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ في ظِلِّ (^٢) حُجْرةٍ قد كاد يَقْلِصُ عنه الظِّلُّ، فقال: \"إِنَّه سيأْتِيكم رجلٌ - أو يَطْلُعُ رجلٌ - بعينِ (^٣) شيطانٍ، فلا تُكلِّمُوه\". فلم يَلْبَثْ أنْ جاء، فاطَّلَع فإذا رجلٌ أَزرقُ، فقال له: \"عَلَامَ تَشْتُمُنِي أنتَ وفلانٌ [وفلانٌ] (^٤)؟ \". قال: فذهَب فدعا أصحابَه، فحلَفوا ما فعَلوا. فنزَلت: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.\nوقولُه: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾. يقولُ: ويَظُنُّون أنهم في أيمانِهم وحَلِفِهم باللهِ كاذبين، على شيءٍ مِن الحقِّ، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فيما يَحْلِفون عليه.\n\n<span id=\"aya-5123\"></span><span data-type='title' id=toc-8956>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ غلَب عليهم الشيطانُ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨١ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"يعني\".\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":491},{"text":"فأنساهم ذكرَ اللهِ، ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾. يعني: جندُه وأتباعُه، ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. يقولُ: ألَا إِنَّ جندَ الشيطانِ وأتباعَه هم الهالكون المَغْبونون في صَفْقَتِهم.\n\n<span id=\"aya-5124\"></span><span data-type='title' id=toc-8957>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ الذين يخالفون اللهَ ورسولَه في حدودِه، وفيما فرَض عليهم (^١) من فرائضِه فيُعادُونه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. يقولُ: يُعادُون اللهَ ورسولَه.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال: يُعادون، يُشاقُّون (^٣).\nوقولُه: ﴿أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاءِ الذين يُحادُّون اللَّهَ ورسولَه في أهلِ الذِّلةِ؛ لأن الغلبةَ للهِ ورسولِه.\n_________\n(^١) زيادة من: م.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨١ عن معمر به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٥١. ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٣٧.","vol":"22","page":492},{"text":"<span id=\"aya-5125\"></span>وقولُه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾. يقولُ: قضَى اللهُ وخطَّ في أمِّ الكتابِ لأغلبنَّ أنا ورسُلي من حادَّني وشاقَّني.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ الآية. قال: كتَب اللهُ كتابًا وأمضاه (^١).\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. يقولُ: إِنَّ اللهَ جلّ ثناؤُه ذو قوَّةٍ وقدرةٍ على كلِّ من حادَّه ورسولَه أنْ يُهلِكَه، ذو عزَّةٍ، فلا يَقْدِرُ أحدٌ أنْ يَنْتَصِرَ منه إذا هو أهلَك وليَّه، أو عاقَبه، أو أصابه في نفسِه بسوءٍ.\n\n<span id=\"aya-5126\"></span><span data-type='title' id=toc-8958>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾.</span>\nيعني جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: لا تجدُ يا محمدُ قومًا يُصدِّقون اللهَ، ويُقِرُّون باليومِ الآخرِ، يوادُّون من عادَى (^٢) اللهَ ورسولَه وشاقَّهما، وخالفَ أمرَ اللهِ ونهيَه، ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾. يقولُ: ولو كان الذين حادُّوا اللهَ ورسولَه آباءَهم، أو أبناءَهم، أو\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"حاد\".","vol":"22","page":493},{"text":"إخوانهم، أو عشيرتَهم. وإنما أخبرَ اللهُ جلّ ثناؤُه نبيَّه ﷺ بهذه الآيةِ أنَّ الذين تولَّوا قومًا غَضِب اللهُ عليهم ليسوا مِن أهلِ الإيمانِ باللهِ ولا باليومِ الآخرِ، فلذلك تولَّوُا الذين تولَّوْهم مِن اليهودِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. أي: مَن عادى اللَّهَ ورسولَه (^١).\nوقولُه: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: هؤلاءِ الذين لا يُوادُّون مَن حادَّ اللهَ ورسولَه ولو كانوا آباءَهم، أو أبناءَهم، أو إخوانَهم، أو عشيرتَهم - كتب اللهُ في قلوبِهم الإيمانَ.\nوإنما عُنِي بذلك: قضَى لقلوبِهم الإيمانَ. فـ \"في\" بمعنى اللامِ، وأخبَر تعالى ذكرُه أنه كتَب في قلوبِهم الإيمانَ لهم، وذلك لمَّا كان الإيمانُ بالقلوبِ، وكان معلومًا بالخبرِ عن القلوبِ أن المرادَ به أهلُها، اجْتُزِئَ بذكرِها مِن ذكرِ أهلِها.\nوقولُه: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾. يقولُ: وقوَّاهم ببرهانٍ منه ونورٍ وهُدًى، ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ: ويُدْخِلُهم بساتينَ تَجْرِي مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: ماكِثين فيها أبدًا، ﴿﵃﴾ بطاعتِهم إيَّاه في الدنيا، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ في الآخرةِ بإدخالِه إيَّاهم الجنةَ، ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾. يقولُ: أولئك الذين هذه صفتُهم جندُ اللهِ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص ٤٦٦.","vol":"22","page":494},{"text":"وأولياؤُه، ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾. يقولُ: ألَا إن جندَ اللهِ وأولياءَه ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: هم الباقون المُنْجِحُون بإدراكِهم ما طلَبوا والتَمسوا، بتعبِهم (^١) في الدنيا، وطاعتِهم ربَّهم.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"المجادلةِ\" والحمدُ للهِ\n_________\n(^١) في م: \"ببيعتهم\".","vol":"22","page":495},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8959>تفسيرُ سورةِ \"الحَشْرِ\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5127\"></span><span data-type='title' id=toc-8960>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ </span>(١)﴾.\nيعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾: صلَّى للهِ، وسجَد له، ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مِن خَلْقِه. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ: وهو العزيزُ في انتقامِه مِمَّن انتقَم مِن خَلْقِه، على معصيتِه (^١) إياه، الحكيمُ في تدبيرِه إيّاهم.\n\n<span id=\"aya-5128\"></span><span data-type='title' id=toc-8961>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ </span>(٢)﴾.\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾: اللهُ الذي أَخْرَج الذين جَحدوا نبوَّةَ محمدٍ ﷺ مِن أهلِ الكتابِ، وهم يهودُ بني النَّضِيرِ مِن ديارِهم، وذلك خروجُهم عن منازلِهم ودُورِهم، حينَ صالَحوا رسولَ اللهِ ﷺ على أن يُؤَمِّنَهم على دمائِهم ونسائِهم وذَرارِيِّهم، وعلى أن لهم (^٢) ما (^٣) أَقلَّت الإبلُ مِن أموالِهم، ويُخَلُّوا له دُورَهم وسائرَ أموالِهم، فأَجابهم رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى ذلك، فخرَجوا مِن ديارِهم؛ فمنهم مَن خرَج\n_________\n(^١) في م: \"معصيتهم\".\n(^٢) في ت ٣: \"يؤمنهم على\".\n(^٣) في ص، ت ٣: \"مما\".","vol":"22","page":496},{"text":"إلى الشامِ، ومنهم مَن خرَج إلى خيبرَ. فذلك قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾. قال: النَّضيرَ، حتى قولِه: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (^١).\nذكرُ ما بَيَّن ذلك كلِّه فيهم\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾. قيل: الشامُ؛ وهم بنو النَّضيرِ - حيٌّ مِن اليهودِ - فأَجْلاهم نبيُّ اللَّهِ ﷺ مِن المدينةِ إلى خَيْبرَ، مَرْجِعَه مِن أُحُدٍ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ: ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾. قال: هم بنو النَّضيرِ، قاتَلهم النبيُّ ﷺ حتى (^٣) صالَحهم على الجلاءِ، فأَجْلاهم إلى الشامِ، وعلى أنَّ لهم ما أَقَلَّت الإبلُ مِن شيءٍ إلا الحَلْقَةَ، والحَلْقَةُ: السِّلاحُ، كانوا من سِبْطٍ لم يُصِبْهم جَلَاءٌ فيما مضَى، وكان اللَّهُ ﷿\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"حين\".","vol":"22","page":497},{"text":"قد كتَب عليهم الجَلاءَ، ولولا ذلك عذَّبهم في الدنيا بالقتلِ والسِّباءِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾. قال: هؤلاء النَّضيرُ حينَ أَجْلاهم رسولُ اللَّهِ ﷺ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: ثنا ابنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، قال: نزَل في بني النَّضيرِ \"سورةُ الحشرِ\" بأَسرِها، يُذْكَرُ فيها ما أَصابهم اللَّهُ ﷿ به مِن نِقْمَتِه، [وما] (^٢) سَلَّط عليهم به رسولَ اللَّهِ ﷺ، وما عَمِل به (^٣) فيهم. فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ الآيات (^٤).\nوقولُه: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لأوَّلِ الجَمْعِ في الدنيا، وذلك حشرُهم إلى أرضِ الشامِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ قولَه:\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٥٤، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٢، وأبو عبيد في الأموال (١٨)، وابن زنجويه (٥٧) من طريق معمر به، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ١٧٦ من طريق عقيل عن الزهري.\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) سقط من: ص.\n(^٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٢، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٨٤، وفي البداية والنهاية ٥/ ٥٣٨.","vol":"22","page":498},{"text":"﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾. قال: كان جَلاؤُهم أوَّلَ (^١) الحشرِ في الدنيا إلى الشامِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ (^٣): تَجِيءُ نارٌ مِن مَشْرِقِ الأرضِ، تَحْشُرُ الناسَ إلى مَغارِبِها، فتَبِيتُ معهم حيثُ باتُوا، وتَقِيلُ معهم حيثُ قالوا، وتأكلُ مَن تَخَلَّف (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: بلَغني أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ لما أَجْلَى بني النَّضيرِ، قال: \"امْضُوا فهذا أوَّلُ (^٥) الحَشْرِ، وأنا على الأَثَرِ\" (^٦).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾. قال: الشامِ حينَ ردَّهم إلى الشامِ. وقرَأ قولَ اللَّهِ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧]. قال: مِن حيثُ جاءت، أدبارُها أنْ رجَعت إلى الشامِ، مِن حيث جاءت رُدُّوا إليه (^٧).\nوقولُه: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: ما ظَنَنْتم أنْ يَخْرُجَ هؤلاء الذين أَخرَجهم اللَّهُ مِن ديارِهم مِن أهلِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بأول\".\n(^٢) أخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ١٧٦، ١٧٧ من طريق عقيل عن الزهري.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قوله\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٢ عن معمر به.\n(^٥) في ص، ت ١: \"أوان\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٨٤ عن المصنف، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٢/ ٥٩، ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٨٤ - من طريق عوف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٧) تقدم تخريجه في ٧/ ١١٤، ١١٥.","vol":"22","page":499},{"text":"الكتابِ، من مساكنِهم ومنازلِهم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ وإنما ظَنَّ القومُ - فيما ذُكِر - ذلك؛ أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ وجماعةً مِن المنافقين بعَثوا إليهم (^١) لمَّا حاصَرهم رسولُ اللَّهِ ﷺ، يَأْمرونهم بالثباتِ في حُصونِهم، ويَعِدُونهم النَّصْرَ.\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، أنَّ رهطًا مِن بني عوفِ بنِ الخَزْرَجِ؛ منهم عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابنِ سَلُولَ، ووديعةُ، ومالكُ [بنُ أبي قَوْقَلٍ] (^٢)، وسُويدٌ، وداعِسٌ، بعَثوا إلى بني النَّضيرِ؛ أن اثْبُتوا وتَمَنَّعوا، فإنا لن نُسْلِمَكم، وإن قُوتِلْتم قاتلْنا معكم، وإن أُخْرِجْتُم خَرَجْنا معكم. فَتَرَبَّصوا لذلك مِن نَصْرِهم، فلم يَفْعلوا، وكانوا قد تَحَصَّنوا في الحصونِ مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ حينَ نَزَل بهم (^٣).\nوقولُه: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: فأَتاهم أَمْرُ اللَّهِ مِن حيثُ لم يَحْتَسِبوا أنه يَأْتيهم، وذلك الأمرُ الذي أَتاهم مِن اللَّهِ مِن حيثُ لم يَحْتَسِبوا] (^٤)، قَذف في قلوبِهم الرعبَ بنُزُولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بهم في أصحابِه. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾.\nوقولُه: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ﴾ بني النَّضيرِ مِن اليهودِ، أنهم يُخْرِبون مساكِنَهم، وذلك أنهم كانوا يَنْظُرون إلى الخشبةِ - فيما ذُكِر - في منازلِهم مما يَسْتَحْسِنونه، أو العمودِ، أو\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"إليه\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"ابنا نوفل\"، وفي ت ٣: \"أبناء نوفل\". والمثبت من مصادر التخريج، ووديعة هو ابن ثابت أخو بني عمرو بن عوف. وينظر طبقات ابن سعد ٣/ ٥٤٨، والبداية والنهاية ٥/ ١٤.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩١، وذكره المصنف في تاريخه ٢/ ٥٥٤ من قول ابن إسحاق.\n(^٤) سقط من: ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":500},{"text":"البابِ، فيَنْزِعون ذلك منها بأيدِيهم وأَيْدِي المؤمنين.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾: جعَلُوا يُخْرِبونها مِن أجوافِها، وجعَل المؤمنون يُخْرِبونها مِن ظاهرِها.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: لمَّا صالَحوا النبيَّ ﷺ كانوا لا يُعْجِبُهم خشبةٌ إلا أَخَذوها، فكان ذلك خرابَها (^١).\nوقال قتادةُ: كان المسلمون يُخْرِبون ما يَليهم مِن ظاهرِها، ويُخرِبُها اليهودُ مِن داخلِها (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، قال: احتَملوا مِن أموالِهم، يعني بني النَّضيرِ، ما اسْتَقَلَّت به الإبلُ، فكان الرجلُ منهم يَهدِمُ بيتَه عن نِجَافِ (^٣) بابه، فيضعُه على ظَهْرِ بعيرِه، فيَنْطَلِقُ به، قال: فذلك قولُه: ﴿يُخْرِبُونَ (^٤) بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ … وذلك هدمُهم بيوتَهم عن نُجُفِ أبوابِهم إذا احتَملوها (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٢، ٢٨٣ عن معمر به، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ١٧٦، ١٧٧ من طريق عقيل عن الزهري، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٢، عن معمر عن قتادة، وذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٧٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩١، إلى عبد بن حميد.\n(^٣) النِّجاف: العتبة، وهي أُسْكُفَّةُ الباب. تاج العروس (ن ج ف).\n(^٤) في ص: \"يخرّبون\" بتشديد الراء، وهي قراءة كما سيأتي.\n(^٥) جزء من الأثر المتقدم تخريجه في ص ٤٩٨.","vol":"22","page":501},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: هؤلاء النَّضيرُ، صالَحهم النبيُّ ﷺ على ما حَمَلت الإبلُ، فجعَلوا يَقْلَعون الأوتادَ؛ يُخْرِبون بيوتَهم (^١).\nوقال آخرون: إنما قيل ذلك كذلك؛ لأنهم كانوا يُخْرِبون بيوتهم، لِيَبْنوا بِنَقْضِها ما هدَم المسلمون مِن حصونِهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. قال: يعني بني النَّضيرِ، جعَل المسلمون كلَّما هدَموا شيئًا مِن حصونِهم، جعَلوا يَنْقُضون بيوتَهم ويُخْرِبونها، ثم يَبنون ما يُخْرِبُ المسلمون، فذلك هلاكُهم (^٢).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. يعني أهلَ النَّضير، جعَل المسلمون كلَّما هدَموا من حِصْنِهم، جعَلُوا يَنْقُضون بيوتَهم بأيدِيهم، ثم يَبنون ما خَرَّب المسلمون (^٣).\nواختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتْه عامةُ قرأَةِ الحجازِ والمدينةِ والعراقِ سوى\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٧٠، والقرطبي في تفسيره ١٨/ ٤، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٨٤.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٧٠، والقرطبي في تفسيره ١٨/ ٤، ابن كثير في تفسيره ٨/ ٨١ مختصرا.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ٤.","vol":"22","page":502},{"text":"أبي عمرٍو: ﴿يُخْرِبُونَ﴾ بتخفيف الراءِ، بمعنى يَخْرُجون منها، ويَتْرُكونها مُعَطَّلةً خَرابًا (^١). وكان أبو عمرٍو يقرَأُ ذلك: (يُخرِّبون) بالتشديدِ في الراءِ، بمعنى يُهَدِّمون بيوتَهم. وقد ذُكر عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيِّ (^٢) والحسنِ البصريِّ، أنهما كانا يقرأان ذلك نحوَ قراءةِ أبي عمرٍو (^٣). وكان أبو عمرٍو فيما ذُكر عنه يزعُمُ أنه إنما اختار التَّشديدَ في الراءِ؛ لِما ذكرْتُ مِن أنَّ الإخرابَ إنما هو تركُ ذلك خرابًا بغيرِ ساكنٍ، وإنَّ بني النَّضيرِ لم يَتْرُكوا منازلَهم فيَرْتَحِلوا عنها، ولكنهم خَرَّبوها بالنقضِ والهدمِ، وذلك لا يكون فيما قال إلا بالتَّشديدِ.\nوأَوْلى القراءتينِ في ذلك بالصوابِ عندي قراءةُ مَن قرَأه بالتخفيفِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرَأةِ عليه. وقد كان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ يقولُ: التَّخْرِيبُ والإخرابُ بمعنًى واحدٍ، وإنما ذلك في (^٤) اختلافِ اللفظِ لا اختلافِ (^٥) المعنى.\nوقولُه: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاتَّعِظوا (^٦) يا مَعْشَرَ ذوي الأفهامِ بما أحلَّ اللَّهُ بهؤلاء اليهودِ، الذين قذَف اللَّهُ في قلوبِهم الرعبَ وهم في حصونِهم، من نِقْمَتِه، واعلَموا أنَّ اللَّهَ وليُّ مَن والاه، وناصرٌ رسولَه على كلِّ مَن ناوأَه، ومُحِلٌّ مِن نِقْمَتِه به نظيرَ الذي أَحلَّ ببني النَّضيرِ. وإنما عُنِي بالأبصارِ في هذا الموضعِ أبصارُ القلوبِ؛ وذلك أنَّ الاعتبارَ بها يكونُ دونَ الإبصارِ بالعيونِ.\n_________\n(^١) وهي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. ينظر الكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٣١٦، والتيسير ص ١٧٠.\n(^٢) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ١٤٣.\n(^٣) وهي أيضًا قراءة قتادة والجحدري ومجاهد وأبي حيوة وعيسى. ينظر البحر المحيط ٨/ ٢٤٣، والإتحاف ص ٢٥٥.\n(^٤) ليس في: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢: \"في\".\n(^٦) في ت ٢، ت ٣: \"فانطلقوا\".","vol":"22","page":503},{"text":"<span id=\"aya-5129\"></span><span data-type='title' id=toc-8962>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ </span>(٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولولا أنَّ اللَّهَ قضَى وكتَب على هؤلاءِ اليهودِ مِن بني النَّضير في أمِّ الكتابِ الجلاءَ، وهو الانتِقالُ مِن موضعٍ إلى موضعٍ، وبلدةٍ إلى أُخرى.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾: خروجُ الناسِ مِن البلدِ إلى البلدِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾. والجلاءُ: إخراجُهم مِن أرضِهم إلى أرضٍ أُخْرى (^٢).\nقال (^٣): ويقالُ: الجَلَاءُ: الفِرارُ. يقالُ منه: جَلَا القومُ مِن منازلِهم، وأجْلَيْتُهم أنا.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الفتح ٨/ ٦٢٩ - من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٣/ ٣٥٩ من طريق محمد بن سعد به.\n(^٣) لعل هنا سقطًا، ولعل المصنف يعني بالقائل أبا عبيدة معمر بن المثنى، ينظر مجاز القرآن ٢/ ٢٥٦، وفتح الباري ٨/ ٦٢٩.","vol":"22","page":504},{"text":"وقولُه: ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ مِن أرضِهم وديارِهم، لعذَّبهم في الدنيا بالقتلِ والسَّبيِ، ولكنه رفَع العذابَ عنهم في الدنيا بالقتلِ، وجعَل عذابَهم في الدنيا الجلاءَ، ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ مع ما أحلَّ بهم مِن الخِزْيِ في الدنيا، بالجَلَاءِ عن أرضِهم ودورِهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: كان النَّضيرُ مِن سِبْطٍ لم يُصِبْهم جلاءٌ فيما مضَى، وكان اللَّهُ قد كتَب عليهم الجَلاءَ؛ ولولا ذلك عذَّبهم في الدنيا بالقتلِ والسِّباءِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾: وكان لهم مِن اللَّهِ نِقْمَةٌ ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾. أي: بالسيفِ، ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ مع ذلك (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قولَه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾. قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ قد حاصَرهم حتى بلَغ منهم كلَّ مَبْلَغٍ، فأَعْطَوه ما أراد منهم، فصالَحهم على أن يَحْقِنَ لهم دماءَهم، وأنْ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤٩٨.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٣.","vol":"22","page":505},{"text":"يُخْرِجَهم مِن أرضِهم وأوطانِهم، ويُسَيِّرَهم إلى أَذْرِعاتِ الشامِ، وجعل لكلِّ ثلاثةٍ منهم بعيرًا وسِقاءً (^١).\nحدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾: أهلِ النَّضِيرِ، حاصَرهم نبيُّ اللَّهِ ﷺ حتى بلَغ منهم كلَّ مَبْلَغٍ، فأَعْطَوا نبيَّ اللَّهِ ﷺ ما أراد. ثم ذكَر نحوَه، وزاد فيه: فهذا الجَلَاءُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5130\"></span>وقولُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي فعَل اللَّهُ بهؤلاءِ اليهودِ ما فعَل بهم؛ مِن إخراجِهم مِن ديارِهم، وقَذْفِ الرعبِ في قلوبِهم مِن المؤمنين، وجعَل لهم في الآخرةِ عذابَ النارِ - بما فعلوا هم في الدنيا؛ مِن مخالفتِهم اللَّهَ ورسولَه في أمرِه ونهيِه، وعصيانِهم ربَّهم فيما أمَرهم به مِن اتِّباعِ محمدٍ ﷺ، ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يُخالِفِ اللَّهَ في أمرِه ونهيِه فإنَّ اللَّهَ شديدُ العقابِ.\n\n<span id=\"aya-5131\"></span><span data-type='title' id=toc-8963>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ما قَطَعتم مِن ألوانِ النَّخْلِ، أو تَرَكْتُموها قائمةً على أصولِها.\nاختلَف أهلُ التأويلِ في معنى اللِّينَةِ؛ فقال بعضُهم: هي جميعُ أنواعِ النَّخْلِ سوى العَجْوَةِ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٥٣، والبيهقي في دلائل النبوة ٣/ ٣٥٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٨ إلى ابن مردويه.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٨٥، كما ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٦٩ بنحوه.","vol":"22","page":506},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عكرمةَ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: النَّخْلةُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: اللِّينَةُ ما دونَ العَجْوةِ مِن النَّخْلِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ في قولِه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: اللِّينَةُ ما خالَف العَجْوةَ مِن التَّمْرِ.\nوحدَّثنا به مرَّةً أُخْرى فقال: مِن النَّخْلِ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: النَّخْلُ كلُّه ما خلا العَجْوةَ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾: واللَّينَةُ ما خلا العَجْوةَ مِن النَّخْلِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزُّهريِّ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾: ألوانِ النَّخْلِ كلِّها إلا العَجْوةَ (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٣٩٣ من طريق داود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩١ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٣.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٣ عن معمر عن قتادة، وذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٧١.\n(^٥) أخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ١٧٧ من طريق عقيل عن الزهري، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":507},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: النَّخْلَةِ دونَ العَجْوةِ (^١).\nوقال آخرون: النَّخْلُ كلُّه لِينَةٌ؛ العَجْوةُ منه وغيرُ العَجْوةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: النَّخْلَةُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: نَخْلَةٍ. قال: نهَى بعضُ المهاجرين بعضًا عن قَطْعِ النَّخْلِ، وقالوا: إنما هي مَغانمُ المسلمين. ونزَل القرآنُ بتصديقِ مَن نَهى عن قَطْعِه وتحليلِ مَن قطَعه مِن الإثمِ، وإنما قَطْعُه وتَرْكُه بإذنِه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ أبي بُكَيْرٍ، قال: ثنا شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: النَّخْلَةِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: اللِّينةُ النَّخْلةُ؛ عجوةً كانت أو غيرَها، قال اللَّهُ: ﴿مَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٣٩٣ من طريق سماك عن داود به، بلفظ: \"وهى النخلة\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩١ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر بلفظ: \"وهي النخلة\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٥٢، ومن طريقه البيهقي في الدلائل ٣/ ١٨٥.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩١ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":508},{"text":"قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ للنخلِ (^١) الذي قطَعوا مِن نَخْلِ النَّضيرِ حينَ غَدَرت النَّضِيرُ (^٢).\nوقال آخرون: هي لَونٌ مِن النَّخْلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: اللِّينَةُ لَونٌ مِن النَّخْلِ (^٣).\nوقال آخرون: هي كِرامُ النَّخْلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ في: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: من كِرامِ نَخْلِهم (^٤).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك قولُ مَن قال: اللِّينَةُ: النَّخْلَةُ. وهي (^٥) مِن ألوانِ النَّخْلِ ما لم تَكنْ عَجْوةً، وإيَّاها عنَى ذو الرُّمَّةِ بقولِه (^٦):\nطِراقُ الخَوافي واقعٌ فوقَ لِينَةٍ (^٧) … نَدَى لَيلِهِ فِي رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ\n_________\n(^١) في م: \"قال\"، وفي ت ٢: \"للنخلة\".\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٢٤٤.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٧٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩١ إلى المصنف.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٧٢، والقرطبي في تفسيره ١٨/ ٩، وأبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٢٤٤.\n(^٥) في م: \"هن\".\n(^٦) تقدم البيت في ١٧/ ٦٠٧.\n(^٧) في الديوان، وفيما تقدم: \"ريعة\".","vol":"22","page":509},{"text":"وكان بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ يقولُ: اللِّينةُ مِن اللَّوْنِ، واللِّيانُ في الجماعةِ واحدُها اللِّينَةُ. قال: وإنما سُمِّيت لِينَةً لأنه فِعْلَةٌ (^١) مِن فَعْلٍ، وهو اللَّونُ وهو ضَرْبٌ مِن النَّخْلِ، ولكن لمَّا انكسَر ما قبلَها انقلَبت إلى الياءِ. وكان بعضُهم يُنكِرُ هذا القولَ ويقولُ: لو كان كما قال لجمَعوه: اللِّوانُ لا اللِّيانُ.\nوكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ يقولُ: جَمْعُ اللِّينَةِ لِينٌ.\nوإنما أُنزِلت هذه الآيةُ فيما ذُكر مِن أجْلِ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ لما قطَع نخلَ بني النَّضيرِ وحرَّقها، قالت بنو النَّضيرِ لرسولِ اللَّهِ ﷺ: إنك كنتَ تَنْهى عن الفسادِ وتَعِيبُه، فما بالُك تقطَعُ نَحْلَنا وتُحَرِّقُها؟ فأنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ، فأخبَرهم أَنَّ ما قَطَع مِن ذلك رسولُ اللَّهِ ﷺ أو ترَك، فعن أَمْرِ اللَّهِ فعَل.\nوقال آخرون: بل نزَل ذلك لاختلافٍ كان مِن (^٢) المسلمين في قَطْعِها وتَرْكِها.\nذكرُ مَن قال: نزَل ذلك لقولِ اليهودِ للمسلمين ما قالوا\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ رُومانَ، قال: لما نزَل رسولُ اللَّهِ ﷺ، يعني ببني النَّضيرِ، تحصَّنوا منه في الحصونِ، فأَمَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بقَطْعِ النَّخْلِ والتَّحْرِيقِ فيها، فنادَوْه: يا محمدُ، قد كنتَ تَنْهى عن الفسادِ وتَعِيبُه على مَن صنَعه، فما بالُ قَطْعِ النَّخْلِ وتَحْرِيقِها؟ فأنزَل اللَّهُ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"من فعيلة\".\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"بين\".\n(^٣) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٣/ ٤٣٨ عن المصنف، والأثر في سيرة ابن هشام ٢/ ١٩١، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ٣٥٥ من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.","vol":"22","page":510},{"text":"ذكرُ مَن قال: نزَل ذلك لاختلافٍ كان بينَ المسلمين في أَمْرِها\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ الآية. أي: لِيَعِظَهم، فقطَع المسلمون يومئذٍ النَّخْلَ، وأمسَك آخرون كراهيةَ أنْ يكونَ فسادًا، فقالت اليهودُ: آللَّهُ أَذِن لكم في الفسادِ؟! فأنزَل اللَّهُ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾. قال: نهَى بعضُ المهاجرين بعضًا عن قَطْعِ النَّخْلِ، وقالوا: إنما هي مغانمُ المسلمين. ونزل القرآنُ بتصديقِ مَن نهَى عن قَطْعِه وتَحليلِ مَن قطَعه من الإثمِ، وإنما قَطْعُه وتَركُه بإذنِه (^٢).\nحدَّثنا سليمانُ بنُ عمرَ بنِ خالدٍ البرقيُّ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن موسى بنِ عقبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قطَع رسولُ اللَّهِ ﷺ نَخْلَ بني النَّضيرِ، وفي ذلك نزَلت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ الآية. وفي ذلك يقولُ حسانُ بنُ ثابتٍ:\nوهانَ على سَراةِ بني لُؤَيٍّ … حَرِيقٌ بالبُوَيْرةِ مُسْتَطِيرُ (^٣)\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٥٢، ومن طريقه البيهقي في الدلائل ٣/ ١٨٥، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف ٥/ ١٩٨، ١٩٩ بإسناده عن ابن جريج عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٦٤٢)، ومسلم (١٧٤٦)، والبيهقي ٩/ ٨٣، وفي الدلائل ٣/ ١٨٤ من طريق ابن المبارك به، وأخرجه الشافعي ٢/ ٢٤١ (٤٠٠)، والحميدي (٦٨٥)، وأبو عبيد في الأموال (٢٠)، وأحمد ٨/ ١٢٨ (٤٥٣٢)، والبخاري (٣٠٢١)، والنسائي في الكبرى (٨٦٠٩) من طريق موسى بن عقبة به، وأخرجه الدارمي ٢/ ٢٢٢، وأبو داود (٢٦١٥)، والترمذي (١٥٥٢)، وابن ماجه =","vol":"22","page":511},{"text":"وقولُه: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يقولُ: فبأَمْرِ اللَّهِ قطَعْتم ما قطَعْتم منها (^١)، وتَرَكْتم ما تَرَكْتم، ولِيَغِيظَ بذلك أعداءَه، ولم يكنْ فسادًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾. أي: فبأَمْرِ اللَّهِ قُطِعَت، ولم يكن فسادًا، ولكن نِقْمَةً مِن اللَّهِ، ولِيُخْزِيَ الفاسقين (^٢).\nوقولُه: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾: ولَيُذِلَّ الخارجين عن طاعةِ اللَّهِ ﷿، المخالفين أمرَه ونهيَه، وهم يهودُ بني النَّضيرِ.\n\n<span id=\"aya-5132\"></span><span data-type='title' id=toc-8964>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: والذي ردَّه اللَّهُ على رسولِه منهم. يعني من أموالِ بني النَّضيرِ، يقالُ منه: فاء الشيءُ على فلانٍ، إذا رجَع إليه، وأَفأْتُه أنا عليه. إذا رَدَدْتُه عليه. وقد قيل: إنه عُنِي بذلك أموالُ قُريظةَ. ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. يقولُ: فما أَوْضَعْتم فيه مِن خيلٍ ولا إبلٍ. وهي الرِّكابُ. وإنما وصفَ جلَّ ثناؤه الذي أفاءَه على رسولِه منهم بأنَّه لم يُوجَفْ عليه بخَيلٍ؛ من أجْلِ أنَّ\n_________\n= (٢٨٤٥)، من طريق نافع به.\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٣.","vol":"22","page":512},{"text":"المسلمين لم يَلْقَوا في ذلك حربًا، ولا كُلِّفوا فيه مُؤْنةً، وإنما كان القومُ معهم وفي بلدِهم، فلم يكنْ فيه إيجافُ خَيْلٍ ولا رِكابٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ الآية. يقولُ: ما قطَعْتم إليها واديًا، ولا سِرْتم إليها سيرًا، وإنما كان حوائطُ لبني النَّضيرِ طُعْمَةً أَطْعَمها اللَّهُ رسولَه. ذُكِر لنا أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: \"أَيُّما قَرْيَةٍ أَعْطَتِ اللَّهَ ورسولَه فهي للَّهِ وَلِرَسولِه، وأيُّما قَرْيَةٍ فَتَحها المسلمون عَنْوةً فإنَّ للَّهِ خُمُسَه وَلِرَسولِه، وما بَقِي غنيمةٌ لِمن قاتل عليها\" (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. قال: صالَح النبيُّ ﷺ أهلَ فَدَكَ وقرىً قد سمَّاها لا أحْفَظُها، وهو محاصِرٌ قومًا آخرين، فأرسَلوا إليه بالصُّلْحِ. قال: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. يقولُ: بغيرِ قتالٍ. قال الزهريُّ: فكانت بنو النَّضيرِ للنبيِّ ﷺ خالصةً، لم يَفْتَتِحوها عَنْوةً، بل (^٢) على صُلْحٍ، فقَسَمها النبيُّ ﷺ بينَ المهاجرين، لم يُعْطِ الأنصارَ منها شيئًا، إلا رَجُلَيْن كانت بهما حاجةٌ (^٣).\n_________\n(^١) أخرج المرفوع البيهقي ٩/ ١٣٩ من طريق قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢٩٧١)، والبيهقي ٦/ ٢٩٦ من طريق ابن ثور به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٢ إلى ابن المنذر.","vol":"22","page":513},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾. يعني بني النَّضيرِ، ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. قال: يُذَكِّرُهم ربُّهم أنه نصَرهم وكفاهم بغيرِ كُرَاعٍ (^٢) ولا عُدَّةٍ في قريظةَ وخيبرَ، ما أفاء اللَّهُ على رسولِه من قُريظةَ جعَلَها لمُهاجِرةِ قريشٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال: أَمَر اللَّهُ ﷿ نبيَّه بالسيرِ إلى قريظةَ والنَّضيرِ، وليس للمسلمين يومئذٍ كثيرُ خَيْلٍ ولا رِكابٍ، فجعَل ما أصاب رسولُ اللَّهِ ﷺ يَحْكُمُ فيه ما أراد، ولم يكنْ يومئذٍ خيلٌ ولا رِكابٌ يُوجَفُ بها. قال والإيجافُ: أن يُوضِعوا السَّيْرَ، وهي لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ، فكان من ذلك خيبرُ وفَدَكُ وقرًى عَرَبِيةٌ، وأَمَر اللَّهُ رسولَه أن يُعِدَّ ليَنْبُعَ (^٤)، فأتاهَا رسولُ اللَّهِ ﷺ فاحتواها كلَّها، فقال ناسٌ: هلَّا قَسَمها؟ فأنزَل اللَّهُ\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٣.\n(^٢) الكُراع: اسم يجمع الخيل والسلاح. اللسان (ك ر ع).\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٥٢.\n(^٤) يَنْبُع: هي بين مكة والمدينة، وهي من بلاد بني ضمرة. معجم ما استعجم ٤/ ١٤٠٢.","vol":"22","page":514},{"text":"﷿ عُذْرَه فقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. ثم قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الآية (^١).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. يعني يومَ قُريظةَ.\nوقولُه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾. أَعْلَمك أنه كما سلَّط محمدًا ﷺ على بني النَّضيرِ، يُخْبِرُ بذلك جلَّ ثناؤُه أنَّ ما أفاء اللَّهُ عليه مِن أموالِ مَن (^٢) لم يُوجِفِ المسلمون بالخيلِ والرِّكابِ مِن الأعداءِ مما صالَحوه عليه - له خاصةً يعملُ فيه بما يَرى. يقولُ: فمحمدٌ (^٣) ﷺ إنما صار إليه أموالُ بني النَّضيرِ بالصُّلْحِ لا عَنْوَةً فتَقَعَ فيها القِسْمَةُ، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ على كلِّ شيءٍ أراده ذو قدرةٍ، لا يُعْجِزُه شيءٌ، وبقدْرتِه على ما يشاءُ سلَّط نبيَّه محمدًا ﷺ على ما سُلِّط عليه مِن أموالِ بني النَّضيرِ، فحازه عليهم.\n\n<span id=\"aya-5133\"></span><span data-type='title' id=toc-8965>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾.</span>\nيعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الذي ردَّ اللَّهُ\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٧٣ مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٢ إلى ابن مردويه.\n(^٢) سقط من: م، وفي ت ٢، ت ٣: \"ما\".\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"لمحمد\".","vol":"22","page":515},{"text":"﷿ على رسولِه من أموالِ مشركي القُرى.\nواختلَف أهلُ العلمِ في الذي عُنِي بهذه الآيةِ من الأموالِ (^١)؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك الجِزْيةُ والخَرَاجُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ بنِ خالدٍ، عن مالكِ بنِ أَوْسِ بنِ الحَدَثان، قال: قرَأ عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حتى بلَغ: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. ثم قال: هذه لهؤلاء. ثم قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ الآية [الأنفال: ٤١]. ثم قال: هذه الآيةُ لهؤلاءِ. ثم قرَأ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتى بلَغ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. ثم قال: اسْتَوْعَبَت هذه الآيةُ المسلمين عامةً، فليس أحدٌ إلا له فيها (^٢) حقٌّ. ثم قال: لئن عِشتُ ليأْتِينَّ الراعيَ وهو [بِسَرْوِ حِمْيرَ] (^٣) نَصِيبُه، لم يَعْرَقْ فيها جَبِينُه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ في قولِه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾. قال (^٥): بلَغني أنها الجِزْيةُ\n_________\n(^١) في م: \"الألوان\".\n(^٢) سقط من: م، وفي ت ١، ت ٢: \"منها\".\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"يسير حمره\". وسرو حمير: هو منازل حمير بأرض اليمن. معجم البلدان ٣/ ٨٦.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٩٩ عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٣ عن معمر به، وأخرجه أبو عبيد في الأموال (٤١)، وابن زنجويه في الأموال (٨٤، ٧٦٢)، والبيهقي ٦/ ٣٥٢ من طريق أيوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٣ إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٥) في النسخ: \"حتى\". والمثبت من مصادر التخريج.","vol":"22","page":516},{"text":"والخَرَاجُ؛ خَرَاجُ أهلِ القُرى (^١).\nوقال آخرون: عُنِي بذلك الغنيمةُ التي يُصِيبُها المسلمون من عدُوِّهم مِن أهلِ الحربِ بالقتالِ عَنْوةً.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾: ما يُوجِفُ عليه المسلمون بالخيلِ والرِّكاب، وفُتِح بالحَرْبِ عَنْوةً ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. قال: هذا قَسْمٌ آخرُ فيما أُصِيب بالحَرْبِ بينَ المسلمين، على ما وضَعه اللَّهُ عليه (^٢).\nوقال آخرون: عُنِي بذلك الغنيمةُ التي أَوْجَف عليها المسلمون بالخيلِ والرِّكابِ، وأُخِذت بالغَلَبةِ (^٣). وقالوا: كانت الغنائمُ في بُدوِّ الإسلامِ لهؤلاءِ الذين سمّاهم اللَّهُ في هذه الآياتِ دونَ المُوجِفين عليها، ثم نُسِخ ذلك بالآيةِ التي في سورةِ \"الأنفالِ\".\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٤ عن معمر به، وذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ١٢ بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٢ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٤.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"بالغيلة\".","vol":"22","page":517},{"text":"قولِه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. قال: كان الفَيءُ في هؤلاءِ، ثم نُسِخ ذلك في سورةِ \"الأنفالِ\"، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]. فنَسَخت هذه الآيةُ ما كان قبلَها في سورةِ \"الحَشْرِ\" (^١)، [وجُعِل الخُمُسُ لمن] (^٢) كان له الفَيءُ في سورةِ \"الحشرِ\"، وكانت الغنيمةُ تُقْسَمُ خمسةَ أخماسٍ؛ [فأَرْبعةُ أخماسٍ] (^٢) لمن قاتل عليها، ويُقْسَمُ الخُمُسُ الباقي على خمسةِ أخماسٍ؛ فخُمُسٌ للَّهِ وللرسولِ، وخُمُسٌ لقرابةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ في حياتِه، وخُمُسٌ لليتامى، وخُمُسٌ للمساكين، وخُمُسٌ لابنِ السبيلِ، فلما قضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ وجَّه أبو بكرٍ وعمرُ ﵄ هذين السَّهْمين؛ سَهْمَ رسولِ اللَّهِ ﷺ وسَهْمَ قرابتِه، فحمَلا عليه في سبيلِ اللَّهِ، صدقةً عن رسولِ اللَّهِ ﷺ (^٣).\nوقال آخرون: عُنِي بذلك ما صالَح عليه أهلُ الحَرْبِ المسلمين من أمواِلهم. وقالوا: قولُه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآيات، بيانُ قَسْمِ المالِ الذي ذكَره اللَّهُ في الآيةِ التي قبلَ هذه الآيةِ، وذلك قولُه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. وهذا قولٌ كان يقولُه بعضُ المُتفقِّهةِ مِن المتأخرين.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أنَّ هذه الآيةَ حكمُها غيرُ حكمِ الآيةِ التي قبلَها، وذلك أنَّ الآيةَ التي قبلَها مالٌ جعَله اللَّهُ ﷿ لرسولِه ﷺ خاصةً دونَ غيرِه، لم\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"الأنفال\".\n(^٢) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١١/ ١٨٩، كما عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٢، ١٩٣ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":518},{"text":"يَجْعَلْ لأحدٍ فيه نصيبًا، وبذلك جاء الأثرُ عن عمرَ بن الخطابِ ﵁.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن مالكِ بن أَوْسِ بنِ الحَدَثانِ، قال: أَرْسَلَ إليَّ عمرُ بنُ الخطابِ ﵁، فدخَلْتُ عليه، فقال: إنَّه قد حضَر أهلُ أبياتٍ مِن قومِك، وإنا قد أَمَرْنا لهم برَضْخٍ (^١)، فاقْسِمه بينهم. فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، مُرْ بذلك غيري. قال: اقْبِضْه أيُّها المرءُ. فبينما أنا كذلك، إذ جاء يَرْفَأُ، مولاه، فقال: عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، والزبيرُ، وعثمانُ، وسعدٌ يَسْتأْذِنون. فقال: ائذَنْ لهم. ثم مكَث ساعةً، ثم جاء فقال: هذا عليٌّ والعباسُ يَسْتأْذِنان. فقال: ائذَنْ لهما. فلما دخل العباسُ قال: يا أميرَ المؤمنين، اقْضِ بيني وبينَ هذا الغادِرِ الخائنِ الفاجرِ (^٢). [وهما جاءا] (^٣) يَخْتصِمان فيما أفاء اللَّهُ على رسولِه من أعمالِ بني النَّضيرِ، فقال القومُ: اقْضِ بينهما يا أميرَ المؤمنين وأَرِحْ كلَّ واحدٍ منهما من صاحبِه، فقد طالَت خصومتُهما. فقال: أنشُدُكم اللَّهَ الذي بإذنِه تقومُ السماواتُ والأرضُ، أَتعلَمون أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"لا نُورَثُ، ما تَرَكْناه صَدَقَةٌ\"؟ قالوا: قد قال ذلك. ثم قال لهما: أتعلَمان أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال ذلك؟ قالا: نعم؛ قال: فسأُخْبِرُكم بهذا الفَيءِ؛ إِنَّ اللَّهَ خصَّ نبيَّه ﷺ بشيءٍ لم يُعْطِه غيرَه، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. فكانت هذه لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ خاصةً، فواللَّهِ ما احتازها دونَكم، ولا استأْثَر بها دونَكم، ولقد قسَمها عليكم حتى بَقِي منها هذا المالُ، فكان رسولُ اللَّهِ ﷺ يُنْفِقُ على أهلِه منه سَنَتَهم، ثم يَجْعَلُ ما بَقِي في مالِ اللَّهِ (^٤).\n_________\n(^١) الرّضْخ: العطية القليلة. النهاية ٢/ ٢٢٨.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣: \"العاجز\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وهم أحسد\".\n(^٤) أخرجه النسائي (١١٥٧٥) عن محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه أبو داود (٢٩٨٤) من طريق ابن =","vol":"22","page":519},{"text":"فإذا كانت هذه الآيةُ التي قبلَها مضَت، وذُكِر المالُ الذي خصَّ اللَّهُ به رسولَه ﷺ، ولم يَجْعَلْ لأحدٍ معه شيئًا، وكانت هذه الآيةُ خبرًا عن المالِ الذي جعَله اللَّهُ لأصنافٍ شتَّى - كان معلومًا بذلك أن المالَ الذي جعَله لأصنافٍ مِن خَلْقِه غيرُ المالِ الذي جعَله للنبيِّ ﷺ خاصةً ولم يَجْعَلْ له شريكًا.\nوقولُه: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾. يقولُ: ولذى قرابةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن بني هاشمٍ وبني المطلِبِ، ﴿وَالْيَتَامَى﴾ وهم أهلُ الحاجةِ مِن أطفالِ المسلمين الذين لا مالَ لهم، ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ وهم الجامِعون فاقةً وذلَّ المسألةِ، ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وهم المُنْقَطَعُ بهم من المسافرين في غيرِ معصيةِ اللَّهِ ﷿.\nوقد ذكَرْنا الروايةَ التي جاءت عن أهلِ التأويلِ بتأويلِ ذلك فيما مضَى مِن كتابِنا (^١).\nوقولُه: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وجعَلنا ما أفاء اللَّهُ على رسولِه من أهل القُرى لهذه الأصنافِ؛ كيلا يكونَ ذلك الفَيْءُ دُولةً يَتَداوَلُه الأغنياءُ منكم بينهم؛ يَصْرِفُه هذا مرَّةً في حاجاتِ نفسِه، وهذا مرَّةً في أبوابِ البرِّ وسُبُلِ الخيرِ، فيَجْعَلون ذلك حيث شاءوا، ولكننا سَنَنّا فيه سنَّةً لا تُغَيَّرُ ولا تُبَدَّلُ.\nواختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى أبي جعفرٍ\n_________\n= ثور به، وأخرجه أبو عبيد في الأموال (١٧)، وأحمد ١/ ٤٨٢ (٤٢٥)، وأبو عوانة (٦٦٦٨)، وابن حبان (٦٦٠٨)، والبيهقي ٦/ ٢٩٨ من طريق معمر به، وأخرجه البخاري (٤٨٨٥)، ومسلم (١٧٥٧)، وأبو داود (٢٩٦٣)، والترمذي (١٦١٠) من طريق الزهري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٣ إلى عبد بن حميد.\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ١٩٢، ١٩٣، ٣/ ٨٢ - ٨٤، ١١/ ١٩٣ - ١٩٦، ٥٠٩ - ٥١٦، ٢٠/ ٤٩٥ - ٥٠٢.","vol":"22","page":520},{"text":"القارئِ: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ نصبًا على ما وصَفْتُ من المعنى، وأنَّ في ﴿يَكُونَ﴾ ذكرَ الفَيْءِ. وقولُه: ﴿دُولَةً﴾. نَصْبٌ؛ خبرُ ﴿يَكُونَ﴾. وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ القارئُ: (كَيْلا يَكُونَ دُولَةٌ) على رفعِ الدُّوْلةِ (^١)، مرفوعةٌ بـ (يكون)، والخبرُ قولُه: ﴿بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾. وبضمِّ الدَّالِ مِن: ﴿دُولَةً﴾. قرَأ جميعُ قرأةِ الأمصارِ، غيرَ أنه حُكِي عن أبي عبدِ الرحمنِ الفَتْحُ فيها (^٢).\nوقد اختلَف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ في معنى ذلك إذا ضُمَّتِ الدَّالُ أو فُتِحَت؛ فقال بعضُ الكوفيِّين: معنى ذلك إذا فُتِحَت: الدَّوْلةُ، وتكونُ للجيشينِ (^٣) يَهْزِمُ هذا هذا، ثم يُهْزَمُ الهازِمُ، فيقالُ: قد رجَعت الدَّولةُ على هؤلاءِ. قال: والدُّولةُ برفعِ الدَّالِ: في المُلْكِ والسنين التي تُغَيَّرُ وتُبدَّلُ على الدَّهْرِ، فتلك الدُّولةُ والدُّولُ (٢). وقال بعضُهم: فَرْقُ ما بينَ الضمِّ والفَتْحِ أنَّ الدُّولةَ هي اسمُ الشيءِ الذي يُتداوَلُ بعينِه، والدَّولةَ الفِعْلُ.\nوالقراءةُ التي لا أَسْتَجيزُ غيرَها في ذلك: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ﴾ بالياءِ، ﴿دُولَةً﴾ بضمِّ الدَّالِ ونَصْبِ الدُّولةِ، على المعنى الذي ذكَرْتُ في ذلك؛ لإجماعِ الحجةِ عليه (^٤)، والفَرْقُ بين الدُّولةِ والدَّولةِ بضمِّ الدَّالِ وفَتْحِها ما ذكَرْتُ عن الكوفيِّ في ذلك.\n_________\n(^١) قراءة نصب ﴿دولةً﴾ وبالياء في ﴿يكون﴾ هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف، وقراءة رفع (دولةٌ) وبالتاء في (تكون) هي قراءة أبي جعفر المدني وحده. ينظر النشر ٢/ ٢٨٨.\n(^٢) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ١٤٥.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"للجيش\".\n(^٤) القراءتان كلتاهما صواب؛ لأنهما متواترتان.","vol":"22","page":521},{"text":"وقولُه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما أَعطاكم رسولُ اللَّهِ ﷺ مما أفاء اللَّهُ عليهِ مِن أهلِ القُرى فخُذُوه، ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ من الغُلُولِ وغيرِه مِن الأمورِ (^١)، ﴿فَانْتَهُوا﴾. وكان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ نحوَ قولِنا في ذلك، غير أنَّه كان يُوجِّهُ معنى قولِه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ إلى: ما آتاكم مِن الغنائمِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. قال: يُؤتيهم الغنائمَ ويمنَعُهم الغُلُولَ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: وخافوا اللَّهَ، واحْذَروا عقابَه في خلافِكم على رسولِه، بالتقدُّمِ على ما نهاكم ومعصيتِكم إيَّاه، ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. يقولُ: إِنَّ اللَّهَ شديدٌ عقابُه لِمن عاقَبه من أهلِ معصيتِه لرسولِه ﷺ.\n\n<span id=\"aya-5134\"></span><span data-type='title' id=toc-8966>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: كيلا يكونَ ما (^٣) أفاء اللَّهُ على رسولِه دُولةً بينَ الأغنياءِ منكم، ولكن يكونُ للفقراءِ المهاجرِين.\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ٢، ت ٣: \"وغيره\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٤٩٥ من طريق عوف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"دولة\".","vol":"22","page":522},{"text":"وقيل: عُنِي بالمهاجرين مُهاجِرةُ قريشٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾: من قُريظةَ جعَلها لمُهاجِرةِ قريشٍ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ وسعيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أَبْزَى، قالا: كان ناسٌ من المُهاجِرين لأَحدِهم الدارُ والزوجةُ والعبدُ والناقةُ يَحُجُّ عليها ويَغْزُو، فنَسَبهم اللَّهُ إلى أنهم فقراءُ، وجعَل لهم سهمًا في الزكاةِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ إلى قولِه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. قال: هؤلاء المهاجرون ترَكوا الديارَ والأموالَ والأَهْلِين والعشائرَ، خرَجوا حبًّا للَّهِ ولِرَسولِه، واختاروا الإسلامَ على ما فيه من الشِّدَّةِ، حتى لقد ذُكِر لنا أنَّ الرجلَ كان يَعْصِبُ الحجَرَ على بَطْنِه ليُقِيمَ به صُلْبَه من الجوعِ، وكان الرجلُ يَتَّخِذُ الحَفِيرةَ في الشتاءِ ما لَه دِثارٌ غيرُها (^٢).\nوقولُه: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾. ومَوْضِعُ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ نَصْبٌ؛ لأنَّه في موضعِ الحالِ.\nوقولُه: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. يقولُ: ويَنْصُرون دينَ اللَّهِ الذي بَعث به\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ٢٠.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":523},{"text":"رسولَه محمدًا ﷺ.\nوقولُه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. يقولُ هؤلاءِ الذين وصَف صِفتَهم مِن الفقراءِ المهاجرين هم الصادقون فيما يقولون.\n\n<span id=\"aya-5135\"></span><span data-type='title' id=toc-8967>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾. يقولُ: اتخَذوا المدينةَ مدينةَ الرسولِ ﷺ، فابْتَنَوها منازلَ، ﴿وَالْإِيمَانَ﴾ باللَّهِ ورسولِه، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يعني: مِن قبلِ المُهاجرِين، ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾: يُحِبُّونَ مَن تَرَكَ مَنْزِلَه وانتقَل إليهم مِن غيرِهم. وعُني بذلك: الأنصارُ يُحِبُّون المهاجرين.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. قال: الأنصارُ؛ نَعَتَ - قال محمدُ بنُ عمرٍو: سَفَاطَةَ أنفسِهم (^١). وقال الحارثُ: سَخاوةَ أنفسِهم - عند ما زُوِي (^٢) عنهم مِن ذلك، وإيثارَهم إيَّاهم، ولم يُصِبِ الأنصارَ مِن ذلك\n_________\n(^١) السَّفيط: الطيب النفس. تاج العروس (س ف ط).\n(^٢) في النسخ وفي مخطوطة مكتبة المحمودية للدر المنثور: \"رؤى\"، والمثبت من تفسير مجاهد. وزوى عنه الشيء: صرفه ونحاه. الوسيط (ز وى).","vol":"22","page":524},{"text":"الفَيْءِ شيءٌ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾. يقولُ: مما أَعْطَوا إخوانَهم؛ هذا الحيُّ من الأنصارِ، أسلَموا في ديارِهم، فابْتَنَوا المساجدَ (^٢) قبل قُدُومِ النبيِّ ﷺ، فأحسَن اللَّهُ عليهم الثناءَ في ذلك، وهاتان الطائفتان الأُولتان مِن هذه الآيةِ (^٣) أَخَذتا بفَضْلِهما، ومضَتا على مَهْلِهما، وأَثْبَت اللَّهُ حظَّهما في الفَيءِ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. قال: هؤلاءِ الأنصارُ يُحِبُّون من هاجَر إليهم مِن المهاجِرين (^٥).\nوقولُه: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولا يَجِدُ الذين تَبَوَّءوا الدارَ مِن قبلِهم، وهم الأنصارُ، ﴿فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾. يعني: حسدًا، ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾. يعني: ممَّا أُوتِي المهاجِرون مِن الفَيْءِ. وذلك لِما ذُكِر لنا من أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قَسَم أموالَ بني النَّضيرِ بينَ المهاجرين الأوَّلين دونَ الأنصارِ، إلا رجلَيْن مِن الأنصارِ، أعطاهما لفقرِهما، وإنما فِعْلُ ذلك [لرسولِ اللَّهِ] (^٦) ﷺ خاصةً.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٥٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، بلفظ: \" … ما رأى من ذلك … \".\n(^٢) بعده في النسخ: \"والمسجد\". والمثبت من الدر المنثور.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأمة\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٥٦٣، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٩٥.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رسول الله\".","vol":"22","page":525},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إِسحاقَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي بكرٍ، أنه حدَّث أن بني النَّضيرِ خلَّوا الأموالَ لرسولِ اللَّهِ ﷺ، فكانت النَّضيرُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ خاصةً، يضَعُها حيثُ يشاءُ، فقَسَمها رسولُ اللَّهِ ﷺ على المهاجرِين الأوَّلين دونَ الأنصارِ، إلا أنَّ سَهْلَ بنَ حُنَيْفٍ وأبا دُجَانَةَ سِمَاكَ بنَ خَرَشَةَ ذكَرا (^١) فقرًا، فأعطاهما رسولُ اللَّهِ ﷺ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾: المهاجِرون. قال: وتكلَّم في ذلك - يعني: أموال بني النضيرِ - بعضُ مَن تكلَّم مِن الأنصارِ، فعاتَبهم اللَّهُ ﷿ في ذلك فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال: وقال رسولُ اللَّهِ ﷺ لهم: \"إِنَّ إخوانَكم قد تَرَكوا الأموالَ والأولادَ وخرَجوا إليكم\". فقالوا: أموالُنا بينَهم (^٣) قطائِعُ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أوَ غيرَ ذلك\"؟ قالوا: وما ذلك يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: \"هم قومٌ لا يَعْرِفون العملَ، فتَكْفُونهم وتُقاسِمونهم الثَّمَرَ\". فقالوا: نعم يا رسولَ اللَّهِ (^٤).\nوبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾\n_________\n(^١) في م: \"ذكر\".\n(^٢) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٣/ ٤٤٢ عن المصنف، والأثر في سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٢. وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٥٤.\n(^٣) في تفسير ابن كثير: \"بيننا\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٩٦.","vol":"22","page":526},{"text":"قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا سليمانُ أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾. قال: الحسدَ (^١).\nقال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ: حاجةً فِي صُدورِهم. قال: حسدًا في صدورِهم.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه.\nوقولُه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه وهو يَصِفُ الأنصارَ الذين تبوَّءوا الدارَ والإيمانَ مِن قبلِ المهاجرِين: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. يقولُ: ويُعْطُون المهاجِرين أموالَهم، إيثارًا لهم بها على أنفسِهم، ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. يقولُ: ولو كان بهم حاجةٌ وفاقةٌ إلى ما آثَروا به مِن أموالِهم على أنفسِهم.\nوالخَصَاصَةُ مصدرٌ، وهي أيضًا اسمٌ، وهو كلُّ ما تخلَّلْته ببصرِك، كالكَوَّةِ والفُرْجةِ في الحائطِ، تُجْمَعُ: خَصاصاتٌ وخَصَاصٌ، كما قال الراجِزُ:\nقد عَلِمَ المُقاتِلاتُ (^٢) كَفْحَا (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٩٤، وابن حجر في تغليق التعليق ٤/ ٣٣٧ من طريق شعبة به. وأخرجه عبد الرزاق - كما في فتح الباري ٨/ ٦٣٢ -، وعنه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٣٧ - عن معمر عن قتادة عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٥ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"المقابلات\"، وفي ص غير منقوطة.\n(^٣) في م، ت ١: \"هجا\"، وفي ت ٢: \"لفحا\"، وفي ت ٣: \"لهحا\". وكَفَحه كَفْحا: لقيه مواجهة. اللسان (ك ف ح).","vol":"22","page":527},{"text":"والنَّاظراتُ مِنْ خَصَاصٍ لَمْحَا (^١)\nلَأَرْوينَّها (^٢) دَلْجًا أَوْ مَتْحَا (^٣)\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ فُضَيْلٍ، عن أبيه، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ لِيَضِيفَه، فلم يكنْ عندَه ما يُضِيفُه، فقال: \"أَلا رجلٌ يُضِيفُ هذا، ﵀\"؟ فقام رجلٌ مِن الأنصارِ يقالُ له: أبو طَلْحةَ. فانطَلَق به إلى رَحْلِه، فقال لامرأتِه: أَكْرِمي ضيفَ رسولِ اللَّهِ ﷺ؛ نَوِّمي الصِّبْيةَ، وأَطْفئِي المصباحَ، وأَرِيه بأنك تأْكُلِين معه، واتْرُكيه لِضَيْفِ رسولِ اللَّهِ ﷺ. فَفعَلتْ، فنزَلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن فُضَيْلِ بنِ (^٥) غَزْوانَ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رجلًا مِن الأنصارِ بات به ضَيْفٌ، فلم يكنْ عندَه إلا قوتُه وقوتُ صِبْيانِه، فقال لامْرأَتِه: نَوِّمي الصِّبْيةَ، وأَطْفِئي المصباحَ، وقرِّبي للضيفِ ما عندَك. قال: فنزَلت هذه الآيةُ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"لمجا\".\n(^٢) في م: \"لأورينها\".\n(^٣) في م: \"منجا\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منحا\". ومتح الماءَ: نزعه واستخرجه. والدَّلْج: أن يأخذ الدالج - وهو الساقي - الدلو من البئر ويمشي بها إلى الحوض فيفرغها فيه. ينظر الوسيط (د ل ج، م ت ح).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٠٥٤/ ١٧٣) عن أبي كريب به.\n(^٥) في م: \"عن\". وهو خطأ.\n(^٦) أخرجه مسلم (٢٠٥٤)، والترمذي (٣٣٠٤) عن أبي كريب به. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٥٠، والنسائي في الكبرى (١١٥٨٢) من طريق وكيع به. وأخرجه البخاري (٤٨٨٩)، وأبو =","vol":"22","page":528},{"text":"﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مَن وقاه اللَّهُ شُحَّ نفسِه، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ المُخَلَّدون في الجنةِ. والشُّحُّ في كلامِ العربِ: البُخْلُ ومَنْعُ الفَضْلِ من المالِ، ومنه قولُ عمرِو بنِ كُلثُومٍ (^١):\nتَرَى اللَّحِزَ (^٢) الشَّحِيحَ إِذا أُمِرَّتُ … عليه لمالِه فيها مُهِينا\nيعني بالشَّحِيحِ البَخِيلَ، يقالُ: إِنَّه لشَحِيحٌ بَيِّنُ الشُّحِّ والشَّحِّ. وفيه شَحَّةٌ شديدةٌ وشَحَاحَةٌ.\nوأما العلماءُ فإنهم يَرَوْن أنَّ الشُّحَّ في هذا الموضعِ إنما هو أَكْلُ أموالِ الناسِ بغيرِ حقٍّ.\n[ذكرُ من قال ذلك] (^٣)\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا المسعوديُّ، عن أشعثَ، عن أبي الشَّعْثاءِ، عن أبيه، قال: أتى رجلٌ ابنَ مسعودٍ فقال: إني أخافُ أنْ أكونَ قد هلَكتُ. قال: وما ذاك؟ قال: أسمَعُ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾، وأنا رجلٌ شَحِيحٌ، لا يَكادُ يَخْرُجُ مِن يَدِي شيءٌ. قال: ليس ذاك بالشُّحِّ الذي ذكَر اللَّهُ في القرآنِ (^٤)؛ الشُّحُّ أنْ تأكُلَ مالَ أخيك ظلمًا، ذلك البُخْلُ، وبئس\n_________\n= إسحاق الحربي في إكرام الضيف (٧٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩٧٩) من طريق فضيل به مطولا، وأخرجه الحاكم ٤/ ١٣٠ من طريق أبي حازم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^١) شرح القصائد السبع الطوال ص ٣٧٣.\n(^٢) اللحز: الضَّيِّق البخيل. وقيل: السيئ الخلق اللئيم. المصدر السابق.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) بعده في م: \"إنما\".","vol":"22","page":529},{"text":"الشيءُ البُخْلُ.\nحدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن جامعٍ، عن الأسودِ بنِ هلالٍ، قال: جاء رجلٌ إلى عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، فقال: يا أبا عبدِ الرحمنِ، إني أخْشَى أنْ (^١) تكونَ أصابَتْني هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، واللَّهِ ما أُعْطِي شيئًا أَسْتَطِيعُ مَنْعَه. قال: ليس ذلك بالشُّحِّ، إنما الشُّحُّ أنْ تأكلَ مالَ أخيك بغيرِ حقِّه، ولكن ذلك البُخْلُ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن طارقِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن أبي الهَيَّاحِ الأَسَديِّ، قال: كنتُ أطوفُ بالبيتِ، فرأَيتُ رجلًا يقولُ: اللهمَّ قِني شُحَّ نفسي. لا يزيدُ على ذلك، فقلتُ له، فقال: إني إذا وُقِيتُ شُحَّ نفسِي لم أَسْرِقْ، ولم أَزْنِ، ولم أَفعَلْ شيئًا. وإذا الرجلُ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا سليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ الدِّمَشْقِيُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عياشٍ، قال: ثنا مُجَمِّعُ بنُ جاريةَ الأنصاريُّ، عن عمِّه يزيدَ بنِ جاريةَ الأنصاريِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، قال: \"بَرِئَ مِن الشُّحِّ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ألا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٩٨ من طريق الأعمش به. وأخرجه الفريابي - كما في الدر المنثور ٦/ ١٩٦ ومن طريقه الطبراني (٩٠٦٠) - وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٩٨ - والحاكم ٢/ ٤٩٠، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٨٤١)، من طريق جامع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٦ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤١/ ٢٨٣ (طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق) من طريق سعيد بن جبير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٦ إلى ابن المنذر.","vol":"22","page":530},{"text":"مَن أدَّى الزكاةَ، وقَرَى الضيفَ، وأَعْطَى في النائبةِ\" (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا زِيادُ بنُ يونسَ أبو سلامةَ، عن نافعِ بنِ عمرَ المكيِّ، عن ابنِ أبي مُلَيْكةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو (^٢)، قال: إن نَجَوتُ مِن ثلاثٍ طَمِعْتُ أَن أَنْجُوَ. قال عبدُ اللَّهِ بنُ صفوانَ: ما هنَّ، أُنْبِيك فيهنَّ؟ قال: أُخْرِجُ المالَ العظيمَ، فأُحْرِزُه (^٣) صُرَرًا (^٤)، ثم أقولُ: أُقرِضُ ربي هذا (^٥) الليلةَ. ثم تَعُودُ نفسِي فيه، حتى أُعِيدَه مِن حيثُ أَخْرجْتُه، وإن نَجَوْتُ مِن شَأْنِ عثمانَ. قال ابنُ صفوانَ: أما عثمانُ [فقُتِل يومَ قُتِل وأنت تُحِبُّ قَتْلَه وتَرْضاه، فأنت ممَّن قتَله] (^٦)، وأما أنت فرَجُلٌ لم يَقِكَ اللَّهُ شُحَّ نفسِك. قال: صَدَقْتَ (^٧).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾. قال: مَن وُقِيَ شُحَّ نفسِه فلم يأخُذْ مِن الحرامِ شيئًا ولم يَقْرَبُه، ولم يَدْعُه الشُّحُّ أن يَحْبِسَ مِن الحلالِ شيئًا، فهو مِن المُفْلِحين، كما قال اللَّهُ ﷿.\nوحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٩٨ عن المصنف، وأخرجه البيهقي في الشعب (١٠٨٤٢) من طريق محمد بن إسحاق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٧ إلى ابن مردويه.\n(^٢) في م: \"عمر\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"فأحرنه\"، وفي م، ت ٢، ت ٣: \"فأخرجه\". والصواب ما أثبتناه إن شاء الله.\n(^٤) في م: \"ضرارا\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ضررا\".\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣: \"هذه\".\n(^٦) كذا في ص، م، وفي ت ٢: \"فقتل يوم قتل وأنت تحب قتله وترضاه ممن قتله\"، وفي ت ٣: \"فقتل يوم قتل وأنت تحب قتله وترضاه\". وعلى كلٍّ فالمتن فيه نكارة. ففي مصدرى التخريج: \"إن كنت رضيت قتله فقد شركت في دمه\". ويشهد لهذا المتن ما ورد في تاريخ دمشق ٣٧/ ١٧٤، ١٧٥، ١٧٨ من قول عبد الله بن عمرو: \"فلما كان يوم صفين أقسم عليّ - أي أبوه عمرو - فخرجت. أما والله، ما كثرت لهم سوادا، ولا اخترطت لهم سيفا، ولا طعنت، برمح، ولا رميت بسهم\". وقال: \" … فقال لي رسول الله ﷺ: \"أطع أباك ما دام حيا، ولا تعصه\". فأنا معكم - أي مع أبيه ومعاوية ﵄ ولست أقاتل\".\n(^٧) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٤/ ٢٦٦ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٧/ ١٨٢ (طبعة مؤسسة الرسالة) - من طريق ابن أبي مليكة بنحوه. =","vol":"22","page":531},{"text":"يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾. قال: مَن لم يأْخُذْ شيئًا لشيءٍ نهاه اللَّهُ عنه، ولم يَدْعُه الشُّحُّ على أنْ يمنعَ شيئًا من شيءٍ أمَره اللَّهُ به، فقد وقاه شُحَّ نفسِه، فهو مِن المُفْلِحين (^١).\n\n<span id=\"aya-5136\"></span><span data-type='title' id=toc-8968>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: والذين جاءوا من بعدِ الذين تبوَّءوا الدارَ والإيمانَ مِن قبلِ المهاجرين الأوَّلين ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. مِن الأنصارِ. وعُنِي بالذين جاءوا مِن بعدِهم المهاجرون، أنهم يَسْتَغْفِرون لإخوانِهم مِن الأنصارِ.\nوقولُه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: غِمْرًا (^٢) وضِغْنًا.\nوقيل: عُنِي بالذين جاءُوا مِن بعدِهم: الذين أَسْلموا مِن بعدِ الذين تبوَّءُوا الدارَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. قال: الذين أَسْلموا نُعِتوا أيضًا (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثم ذكَر اللَّهُ الطائفةَ الثالثةَ، فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا\n_________\n= والأمر الثالث والذي لم يذكر في رواية المصنف هو يوم صفين كما في مصدري التخريج.\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٧٨، والقرطبي في تفسيره ١٨/ ٣٠.\n(^٢) الغِمْر: الحقد والغل. الوسيط (غ م ر)\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٥٣. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":532},{"text":"وَلِإِخْوَانِنَا﴾، حتى بلَغ: ﴿إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ إنما أُمروا أن يَسْتَغْفِرُوا لأصحابِ النبيِّ ﷺ ولم يُؤْمَروا بسَبِّهم. وذُكِر لنا أنَّ غلامًا لحاطبِ بن أبي بَلْتعةَ جاء نبيَّ اللَّهِ ﷺ فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، لَيَدْخُلَنَّ حاطبٌ في حيِّ النارِ. قال: \"كَذَبْتَ، إنه شَهِد بدرًا والحُدَيْبيةَ\". وذُكِر لنا أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ أَغْلَظ لرجلٍ مِن أهلِ بدرٍ، فقال نبيُّ اللَّهِ ﷺ: \"وما يُدْريك يا عمرُ؟ لَعَلَّه قد شَهِد مَشْهدًا اطَّلَع اللَّهُ فيه إلى أهلِه، فأَشْهَدَ ملائِكتَه: إنِّي قد رَضِيتُ عن عبادِي هؤلاءِ، فَلْيَعْمَلُوا ما شاءُوا\". فما زال بعدَها (^١) مُنْقَبِضًا من أهلِ بدرٍ، هائبًا لهم. وكان عمرُ ﵁ يقولُ: وإلى أهلِ بدرٍ تَهالك المُتَهالِكون. وهذا الحيُّ مِن الأنصارِ، أحسَن اللَّهُ عليهم الثناءَ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: لا تُورِثْ قلوبَنا غِلًّا لأحدٍ مِن أهلِ دينِك.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن ابنِ أبي ليلى، قال: كان الناسُ على ثلاثِ منازِلَ؛ المهاجرون الأوَّلون، والذين اتَّبَعُوهم بإحسانٍ، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وأحسَنُ ما يكونُ أنْ نكونَ (^٣) بهذه المَنْزِلَةِ (^٤).\n_________\n(^١) في م: \"بعضنا\".\n(^٢) حديث حاطب أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٠٤١٨) عن معمر، عن قتادة، عمن سمع الحسن، وابن أبي شيبة ١٢/ ١٥٥، وأحمد ٢٣/ ٨٩ (١٤٧٧١)، ومسلم (٢١٩٥)، والترمذي (٣٨٦٤)، والنسائي في الكبرى (٨٢٩٦)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٣٦)، وابن حبان (٤٧٩٩)، والبيهقي في الدلائل ٣/ ١٥٣ من حديث جابر بن عبد الله.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"يكون\"، وفي ص غير منقوطة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٦٨ من طريق عبد الرحمن به.","vol":"22","page":533},{"text":"وقولُه: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُهُ مُخْبِرًا عن قيلِ الذين جاءُوا مِن بعدِ الذين تبوَّءوا الدارَ والإيمانَ أنَّهم قالوا: لا تَجْعَلْ في قلوبِنا غِلًّا لأحدٍ من أهلِ الإيمانِ بك يا ربَّنا.\nوقولُه: ﴿إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: إنك ذو رأْفةٍ بخلْقِك، وذو رحمةٍ بمن تاب واسْتَغْفَر مِن ذنوبِه.\n\n<span id=\"aya-5137\"></span><span data-type='title' id=toc-8969>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ألم تَنْظُرْ بعينِ قلبِك يا محمدُ، فتَرَى إلى الذين نافَقوا، وهُم فيما ذُكِر؛ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابنُ سَلُولَ، ووَدِيعةُ، ومالكُ [بنُ أبي قَوْقلٍ] (^١)، وسُويدٌ، وداعِسٌ، بَعَثوا إلى بني النَّضيرِ حينَ نزَل بهم رسولُ اللَّهِ ﷺ للحَرْبِ: أن اثْبُتُوا وتمنَّعوا، فإنا لن نُسْلِمَكم، وإنْ قوتِلْتم قاتَلْنا معكم، وإن أُخْرِجْتم (^٢) خرَجْنا معكم. فتربَّصوا لذلك مِن نصرِهم، فلم يَفْعَلوا، وقذَف اللَّهُ في قلوبِهم الرعبَ، فسألوا رسولَ اللَّهِ ﷺ أن يُجْلِيَهم (^٣) ويَكُفُّ عن دمائِهم، على أن لهم ما حمَلَت الإبلُ مِن أموالِهم إلا الحَلْقةَ.\nحدَّثنا بذلك ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"ابنا قوقل\"، وفي م، ت ٣: \"ابنا نوفل\". والمثبت مما تقدم في ص ٥٠٠.\n(^٢) في م: \"خرجتم\".\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"يخليهم\".\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٤٩٨.","vol":"22","page":534},{"text":"وقال مجاهدٌ في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾. قال: عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابنُ سَلُولَ، ورِفاعةُ أو رَافعةُ بنُ تابوتَ - وقال الحارثُ: رِفاعةُ بنُ تابوتَ، ولم يشكَّ فيه -، وعبدُ اللَّهِ بنُ نَبْتَلَ، وأَوْسُ بنُ قَيْظِيٍّ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾. يعني عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيٍّ وأصحابَه، ومن كان منهم على مِثلِ أَمْرِهم (^٢).\nوقولُه: ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. يعني بني النَّضيرِ.\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. يعني بني النَّضيرِ (^٢).\nوقولُه: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾. يقولُ: لئِن أُخْرِجْتم مِن ديارِكم ومنازِلكم، وأُجْلِيتم عنها، ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾، فنُجْلَى عن منازِلنا وديارِنا معكم.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٥٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٩ إلى ابن مردويه، والأثر في سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٤، عن ابن إسحاق.","vol":"22","page":535},{"text":"وقولُه: ﴿وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾. يقولُ: ولا نُطِيعُ أحدًا سأَلَنا خِذْلانَكم، وتَرْكَ نُصْرتِكم، ولكنا نكونُ معكم، ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾. يقولُ: وإن قاتَلكم محمدٌ ﷺ ومَن معه لنَنْصُرنَّكم معشرَ النَّضيرِ عليهم.\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. يقولُ: واللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ هؤلاء المنافقين الذين وعَدُوا بني النَّضيرِ النُّصْرةَ على محمدٍ ﷺ، ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ في وَعْدِهم إيَّاهم ما وَعَدُوهم مِن ذلك.\n\n<span id=\"aya-5138\"></span><span data-type='title' id=toc-8970>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لئن أُخرِج بنو النَّضيرِ مِن ديارِهم، فأُجْلُوا عنها لا يَخْرُجُ معهم المنافقون الذين وعَدُوهم الخروجَ من ديارِهم، ولئِن قاتَلهم محمدٌ ﷺ لا يَنْصُرُهم المنافقون الذين وعَدُوهم النَّصرَ، ولئِن نَصَر المنافقون بني النَّضيرِ ليُولُّنَّ الأدبارَ مُنْهَزِمين عن محمدٍ ﷺ وأصحابِه، هاربين منهم قد خَذَلوهم، ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾. يقولُ: ثم لا يَنْصُرُ اللَّهُ بني النَّضيرِ على محمدٍ ﷺ وأصحابِه، بل يَخْذُلُهم.\n\n<span id=\"aya-5139\"></span><span data-type='title' id=toc-8971>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ (^١) بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: لأَنْتُم أيُّها\n_________\n(^١) هنا، وفيما يأتي، في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جدار\"، وهي قراءة كما سيأتي.","vol":"22","page":536},{"text":"المؤمنون أشدُّ رهبةً في صدورِ اليهودِ مِن بني النَّضيرِ، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: هم يَرْهَبُونكم (^١) أَشدَّ مِن رَهْبتِهم مِن اللَّهِ، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذه الرهبةُ التي لكم في صدورِ هؤلاءِ اليهودِ، التي هي أشدُّ مِن رهبتِهم مِن اللَّهِ، مِن أَجْلِ أنهم قومٌ لا يَفْقَهون قدرَ عظمةِ اللَّهِ؛ فهم لذلك يَسْتَخِفُّون بمعاصيه، ولا يَرْهَبُون عقابَه، قدرَ رهبتِهم (^٢) منكم.\n\n<span id=\"aya-5140\"></span>وقولُه: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: لا يُقاتِلُكم هؤلاء - يهودُ بني النَّضيرِ - مُجْتمِعين، إلا في قرًى مُحصَّنةٍ بالحصونِ، لا يَبْرُزُون لكم بالبَرازِ، ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾. يقولُ: أو مِن خَلْفِ حيطانٍ.\nواختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الكوفةِ والمدينةِ: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ على الجِماعِ، بمعنى الحيطانِ. وقرَأه بعضُ قرأةِ مكةَ والبصرةِ: (مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ) على التوحيدِ، بمعنى الحائطِ (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ عندي في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ\nوقولُه: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: عداوةُ بعضِ هؤلاءِ الكفارِ مِن اليهودِ بعضًا شديدةٌ، ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا﴾. يعني المنافقين وأهلَ الكتابِ، يقولُ: تَظُنُّهم مُؤْتلفِين مُجْتَمِعةً كلمتُهم، ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾. يقولُ: وقلوبُهم مختلفةٌ؛ لمعاداةِ بعضِهم بعضًا.\n_________\n(^١) في م: \"يرهبونهم\".\n(^٢) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"رهبته\".\n(^٣) وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو، وبالجمع قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص ٧٠٥.","vol":"22","page":537},{"text":"وقولُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: هذا الذي وصَفْتُ لكم مِن أمرِ هؤلاءِ اليهودِ والمنافقين، وذلك تَشَتُّتُ أهوائِهم، ومعاداةُ بعضِهم بعضًا؛ مِن أَجْلِ أنهم قومٌ لا يَعْقِلون ما فيه الحظُّ لهم، مما فيه عليهم البَخْسُ والنَّقْصُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾. قال: تَجِدُ أهلَ الباطلِ مختلفةً شهادتُهم، مختلفةً أهواؤُهم، مختلفةً أعمالُهم، وهم مُجْتَمِعون في عداوةِ أهلِ الحقِّ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾. قال: المنافقون يُخالِفُ دينُهم دينَ النَّضيرِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾. قال: هم المنافقون وأهلُ الكتابِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٩ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٥٣. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":538},{"text":"قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، مثلَ ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾. قال: المشركون وأهلُ الكتابِ (^١).\nوذُكر أنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وَقُلُوبُهُمْ أَشَتُّ) (^٢)، بمعنى: أشدُّ تَشَتُّتًا. أي: أشدُّ اختلافًا.\n\n<span id=\"aya-5141\"></span><span data-type='title' id=toc-8972>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: مَثَلُ هؤلاءِ اليهودِ مِن بني النَّضيرِ والمنافقين فيما اللَّهُ صانعٌ بهم، من إحلالِ عقوبتِه بهم، ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يقولُ: كَشَبَهِهم.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بالذين مِن قَبلِهم؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك بنو قَيْنُقَاعٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ أو سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يعني بني قَيْنُقاعٍ (^٣).\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٥٦٩.\n(^٢) ذكرها القرطبي في تفسيره ١٨/ ٣٦، وأبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٢٥٠. وهي قراءة شاذة. مختصر الشواذ ص ١٥٥.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٠١.","vol":"22","page":539},{"text":"وقال آخرون: عُنِي بذلك مشركو قريشٍ ببدرٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾. قال: كفارِ قريشٍ (^١).\nوأولى الأقوال بالصوابِ أنْ يقالَ: إنَّ اللَّهَ ﷿ مَثَّل (^٢) هؤلاءِ الكفارَ مِن أهلِ الكتابِ - مما (^٣) هو مُذِيقُهم مِن نَكالِه - بالذين مِن قَبلِهم، مِن مُكذِّبي رسولِه ﷺ، الذين أهلَكهم بسَخَطِه، وأمْرُ بني قَيْنُقاعٍ ووقْعَةُ بدرٍ كانا قبلَ جلاءِ بني النَّضيرِ، وكلُّ أولئك قد ذاقوا وبالَ أمرِهم، ولم يَخْصُصِ اللَّهُ ﷿ منهم بعضًا في تمثيلِ هؤلاءِ بهم دونَ بعضٍ، وكلٌّ ذائقٌ وبالَ أَمرِه، فمن قَرُبَت مدَّتُه منهم قَبلَهم فهُم ممثَّلون بهم فيما عُنُوا به مِن المثَلِ.\nوقولُه: ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾. يقولُ: نالهم عقابُ اللَّهِ على كفرِهم به.\nوقولُه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم في الآخرةِ مع ما نالهم في الدنيا مِن الخزِي، ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يعني: مُوجِعٌ.\n\n<span id=\"aya-5142\"></span>وقولُه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مثَلُ هؤلاءِ المنافقين الذين\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٥٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) بعده في ت ٢، ت ٣: \"مثل\".\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"بما\".","vol":"22","page":540},{"text":"وعَدوا اليهودَ من النَّضيرِ النُّصرةَ إنْ قُوتِلوا، أو الخُرُوجَ معهم إِنْ أُخْرِجُوا، ومَثَلُ النَّضيرِ في غرورِهم إيَّاهم بإخلافِهم الوعْدَ، وإسلامِهم إيَّاهم عندَ شدَّةِ حاجتِهم إليهم، وإلى نُصْرتِهم إيَّاهم - كمثَلِ الشيطانِ الذي غَرَّ إنسانًا، ووعَده على اتِّباعِه وكفرِه باللَّهِ، النُّصْرةَ عندَ حاجتِه (^١) إليه، فكفَر باللَّهِ واتَّبَعه وأطاعه، فلما احتاج إلى نصْرتِه أسلَمه وتبرَّأ منه، وقال له: إني أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالمين في نُصْرَتِك.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في الإنسانِ الذي قال اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه: ﴿إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾. أهو إنسانٌ بعينِه، أَمْ أُرِيد به المَثَلُ لمَن فعَل الشيطانُ ذلك به؟ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك إنسانٌ بعينِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا خلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: ثنا النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ نَهِيكٍ، قال: سمِعتُ عليًّا ﵁ يقولُ: إنَّ راهبًا تعبَّد سِتِّين سنةً، وإنَّ الشيطانَ أراده فأَعْياه، فعَمَد إلى امرأةٍ فأَجَنَّها، ولها إخْوةٌ، وقال لإخْوتِها: عليكم بهذا القِسِّ فيُداوِيَها. فجاءوا بها، قال: فداواها، وكانت عندَه، فبينما هو يومًا عندَها إذ أَعْجَبَتْه، فأتاها فحَمَلت، فعَمَد إليها فقتَلها، فجاء إخوتُها، فقال الشيطانُ للراهبِ: أنا صاحبُك، إنك أَعْيَيْتَني، أنا صنَعْتُ بك هذا فَأَطِعْني أُنْجِك مما صنَعْتُ بك، اسْجُدْ لي سجدةً. فسجَد له، فلمَّا سجَد له، قال: إني بَرِيءٌ منك، إني أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالمين. فذلك قولُه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٢).\n_________\n(^١) في م: \"الحاجة\".\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٥/ ٢١٣ من طريق النضر بن شميل به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره =","vol":"22","page":541},{"text":"حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن عُمارةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ (^١)، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ في هذه الآيةِ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: كانت امرأةٌ تَرْعَى الغنمَ، وكان لها أربعةُ إخوةٍ، وكانت تَأْوِي بالليلِ إلى صومعةِ راهبٍ. قال: فنزَل الراهبُ، ففجَر بها، فحمَلَت، فأَتاه الشيطانُ، فقال له: اقْتُلْها ثم ادفِنْها، فإنك رجلٌ مُصَدَّقٌ يُسْمَعُ قولُك (^٢). فقتَلها ثم دفَنها، قال: فأتى الشيطانُ إخوتَها في المنامِ، فقال لهم: إن الراهبَ صاحبَ الصومعةِ فجَر بأُخْتِكم، فلمَّا أَحْبَلها قتَلها، ثم دفَنها في مكانِ كذا وكذا. فلما أَصْبَحوا قال رجلٌ منهم: واللَّهِ لقد رأَيْتُ البارحةَ رُؤْيا ما أَدْرِي أَقُصُّها عليكم أم أترُكُ؟ قالوا: لا، بل قُصَّها علينا. قال: فقصَّها، فقال الآخرُ: وأنا واللَّهِ، لقد رأيتُ ذلك. قالوا (^٣): فما هذا إلا لشيءٍ. فانْطَلَقُوا فَاسْتَعْدَوْا مَلِكَهم على ذلك الراهبِ، فأَتَوه، فأنزَلوه ثم انْطَلَقوا به، فلَقِيَه الشيطانُ فقال: إني أنا الذي أَوْقَعْتُك في هذا، ولن يُنْجِيَك منه غيري، فاسجُدْ لي سجدةً واحدةً وأنا أُنْجِيك مما أوْقَعْتُك فيه. قال: فسجَد له، فلما أَتَوا به مَلِكَهم تبرَّأ منه، وأُخِذ فقُتِل (^٤).\n_________\n= ٢/ ٢٨٥ من طريق أبي إسحاق عن نهيك بن عبد الله به، وعنه إسحاق بن راهويه - كما في المطالب (٤١٤٣) - والحاكم ٢/ ٤٨٤، والبيهقي في الشعب (٥٤٥٠)، وعندهم \"حميد بن عبد الله\" بدلا من \"عبد الله بن نهيك\". ينظر الجرح والتعديل ٥/ ١٨٣، ٨/ ٤٩٧، وتهذيب الكمال ١٦/ ٢٣١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٩ إلى أحمد - في الزهد - وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^١) في م: \"زيد\". ينظر تهذيب الكمال ٨/ ١٢.\n(^٢) في م: \"كلامك\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٠ إلى المصنف.","vol":"22","page":542},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ إلى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾. قال عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ: كان راهبٌ مِن بني إسرائيلَ يعبُدُ اللَّهَ فيُحسِنُ عبادتَه، وكان يُؤْتَى مِن كلِّ أرضٍ فيُسْئلُ عن الفقهِ، وكان عالمًا، وإنَّ ثلاثةَ إخوةٍ كانت لهم أختٌ حسنةٌ مِن أحسنِ الناسِ، وإنَّهم أرادوا أن يُسافِروا، فكبُر عليهم أن يُخلِفوها ضائعةً، فجعَلوا يَأْتَمرون ما يفعَلون بها، فقال أحدُهم: أدُلُّكم على مَن تَتْرُكونها عندَه؟ قالوا: مَن هو؟ قال: راهبُ بني إسرائيلَ؛ إن ماتت [قام عليها] (^١)، وإن عاشت حَفِظها حتى تَرْجِعوا إليه. فعَمَدوا إليه فقالوا: إنا نريدُ السفرَ، ولا نجدُ أحدًا أوثقَ في أنفسِنا، ولا أحفَظَ لما وُلِّي منك لما جُعِل عندك، فإِنْ رأَيْتَ أنْ نجعَلَ أُخْتَنا عندَك، فإنها ضائعةٌ شديدةُ الوَجَعِ، فإن ماتَتْ فقُمْ عليها، وإن عاشَتْ فأَصْلِحْ إليها حتى نرجِعَ. فقال: أَكْفِيكُم إن شاء اللَّهُ. فَانْطَلَقوا، فقام عليها فداواها حتى بَرَأَتْ، وعاد إليها حسنُها، فاطَّلَع إليها، فوجَدها مُتَصَنِّعةً، فلم يَزَلْ به الشيطانُ يُزَيِّنُ له أنْ يَقَعَ عليها حتى وقَع عليها، فحمَلَتْ، ثم ندَّمه الشيطانُ، فزَيَّن له قَتْلَها، قال: إنْ لم تَقْتُلُها افْتَضَحْتَ، وعُرِف شَبَهُك في الولدِ، فلم يكنْ لك معذرةٌ. فلم يَزَلْ به حتى قتَلها، فلما قَدِم إخوتُها [سأَلوه ما فعَلْتَ؟ قال: ماتت فدَفَنْتُها] (^٢). قالوا: قد أَحْسَنْتَ. ثم جعَلُوا يَرَوْن في المنامِ، ويُخْبَرون أنَّ الراهبَ هو قتَلها، وأنها تحتَ شجرةِ كذا وكذا، فعَمَدوا إلى الشجرةِ، فوجَدوها تحتَها قد قُتِلَت، فعَمَدوا إليه فأَخَذوه، فقال له الشيطانُ: أنا زيَّنْتُ لك الزنا وقَتْلَها بعدَ الزنا، فهل لك أن أُنْجِيَك؟ قال: نعم. قال: أَفَتُطِيعُني؟ قال: نعم. قال: فاسْجُدْ لي سَجْدَةً واحدةً. فسجَد له ثم قُتِل. فذلك قولُه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي\n_________\n(^١) في ص: \"عليها\"، وفي ت ١: \"غسلها\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":543},{"text":"بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، قال: كان رجلٌ مِن بني إسرائيلَ عابدًا، وكان ربما داوى المجانينَ، فكانت امرأةٌ جميلةٌ، فأَخَذها الجنونُ، فجِيء بها إليه، فتُرِكَتْ عندَه، فأَعجَبَتْه، فوقَع عليها فحمَلت، فجاءه الشيطانُ فقال: إِنْ عُلِم بهذا افْتَضَحْتَ، فاقْتُلْها وادفِنْها في بيتِك. فقَتَلها ودفَنَها (^٢)، [فجاء أهلُها بعدَ ذلك بزمانٍ يسألونه، فقال: ماتَتْ. فلم يَتَّهِمُوه لصلاحِه فيهم، فجاءهم الشيطانُ] (^٣) فقال: إنها لم تَمُتْ، ولكنه وقَع عليها، فقتَلها ودفنَها في بيتِه، في مكانِ كذا وكذا. فجاء أهلُها، فقالوا: ما نَتَّهِمُك، فأَخْبِرْنا أين دفَنتَها، ومَن كان معك؟ فوجَدوها حيثُ دفَنها، فأُخِذ وسُجِن، فجاءه الشيطانُ فقال: إنْ كنتَ تريدُ أنْ أُخْرِجَك مما أنت فيه، فتخرُجَ، فاكْفُرْ بِاللَّهِ. فأَطاع الشيطانَ وكفَر باللَّهِ، فأُخِذ وقُتِل، فتبرَّأ الشيطانُ منه حينَئذٍ، قال: فما أَعْلَمُ هذه الآيةَ إلا نزَلت فيه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٤).\nوقال آخرون: بل عُنِي بذلك الناسُ كلُّهم. وقالوا: إنما هذا مثلٌ ضُرِب للنَّضيرِ في غرورِ المنافقين إيَّاهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٩، ٢٠٠ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) بعده في ص، ت ١، ت ٣: \"وقال لأهلها قد ماتت\".\n(^٣) سقط من: ت ٢.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":544},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾: عامةُ الناسِ (^١).\n\n<span id=\"aya-5143\"></span><span data-type='title' id=toc-8973>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فكان عُقْبى أمرِ الشيطانِ والإنسانِ الذي أطاعه، فكفَر باللَّهِ، أَنَّهما خالدان في النارِ، ماكثان فيها أبدًا، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: وذلك ثوابُ اليهودِ مِن النضيرِ، والمنافقين الذين وعَدُوهم النصرةَ، وكلِّ كافرٍ باللَّهِ، ظالمٍ لنفسِه على كفرِه به، أنهم في النارِ مُخَلَّدون.\nواختلَف أهلُ العربيةِ في وجْهِ نصبِ قولِه: ﴿خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: نُصِب على الحالِ، و﴿فِي النَّارِ﴾: الخبرُ، قال: ولو كان في الكلامِ لكان الرفعُ أجودَ في ﴿خَالِدَيْنِ﴾. قال: وليس قولُهم: إذا جئتَ مرَّتين. فهو نصبٌ لشيءٍ، إنما فيها توكيدٌ، جئتَ بها أو لم تَجِئْ بها، فهو سواءٌ، إلا أنَّ العربَ كثيرًا ما تَجْعَلُه حالًا إذا كان فيها للتوكيدِ وما أشبهه في غيرِ مكانٍ، قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البينة: ٦]. وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ (^٢): في قراءةِ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ: (فَكَانَ عاقِبَتُهُمَا أَنَّهُمَا (^٣) خَالِدَان (^٤) [فِي النَّارِ)] (^٥). قال: وفي ﴿أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٥٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) معاني القرآن للفراء ٣/ ١٤٦.\n(^٣) بعد في م، ت ٢: \"في النار\".\n(^٤) في النسخ: \"خالدين\". والمثبت من معاني القرآن ٣/ ١٤٦، وينظر البحر المحيط ٨/ ٢٥٠.\n(^٥) في ت ٢: \"فيها\". وقراءة ابن مسعود شاذة لمخالفتها رسم المصحف.","vol":"22","page":545},{"text":"فِيهَا﴾. نصبٌ؛ قال: ولا أَشْتَهِي الرفعَ وإن كان يجوزُ، فإذا رأيتَ الفعلَ بين صِفَتَيْن قد عادَت إحداهما على موضعِ الأخرى نَصَبْتَ، فهذا من ذلك. قال: ومثلُه في الكلامِ قولُكَ: مررتُ برجلٍ على بابِه (^١) مُتَحَمِّلًا به. ومثلُه قولُ الشاعرِ (^٢):\nوالزَّعْفَرانُ على تَرائِبِها … شَرِقًا به اللَّبَّاتُ والنَّحْرُ\nلأنَّ الترائبَ هي اللَّبَّاتُ ههنا، فعادت الصفةُ باسمِها الذي وقَعَت عليه، فإذا اختلَفتِ الصفتان جاز الرفعُ والنصبُ على حُسْنٍ؛ مِن ذلك قولُك: عبدُ اللَّهِ في الدارِ راغبٌ فيك. ألا تَرَى أنَّ \"في\" التي في الدارِ مخالفةٌ لـ \"في\" التي تكونُ في الرغبةِ، قال: والحجةُ ما يُعرَفُ به النصبُ مِن الرفعِ أنْ لا تَرَى الصفةَ الآخرةَ تَتَقدَّمُ قبلَ الأولى؛ ألا تَرَى أنك تقولُ: هذا أخوك (^٣) [في يدِه درهمٌ قابضًا عليه. فلو قُلْتَ: هذا أخوك] (^٤) قابضًا عليه في يدِه درهمٌ. لم يَجُزْ، ألا تَرَى أنك تقولُ: هذا رجلٌ قائمٌ إلى زيدٍ في يدِه درهمٌ. فهذا يدُلُّ على (^٥) المنصوبِ إذا امتَنَع تقديمُ الآخرِ، ويدُلُّ على الرفعِ إذا سَهُل تقديمُ الآخرِ.\n\n<span id=\"aya-5144\"></span>وقولُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ووحَّدُوه، اتَّقوا اللَّهَ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه\nوقولُه: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. يقولُ: وليَنْظُرْ أحدُكم ما قدَّم ليومِ القيامةِ مِن الأعمالِ، أَمِن الصالحاتِ التي تُنْجِيه أم من السيئاتِ التي تُوبِقُه؟\n_________\n(^١) في م: \"نابه\".\n(^٢) ذكره الفراء في معاني القرآن ٣/ ١٤٦ غير منسوب، وينظر البحر المحيط ٨/ ٤٥٣.\n(^٣) بعده في ص، ت ١: \"قابضا عليه\".\n(^٤) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٥) بعده في م: \"أن\".","vol":"22","page":546},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾: ما زال ربُّكم يُقرِّبُ الساعةَ حتى جعَلها كغدٍ، وغدٌ يومُ القيامةِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. يعني يومَ القيامةِ (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. يعني يومَ القيامةِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وقرَأ قولَ اللَّهِ ﷿: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. يعني يومَ القيامةِ؛ الخيرَ والشرَّ، قال: والأمسُ في الدنيا، وغدٌ في الآخرِة. وقرَأ: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]. قال: كأن لم تَكُنْ في الدنيا (^٢).\nوقولُه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: وخافوا اللَّهَ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إِنَّ اللَّهَ ذو خبرةٍ وعلمٍ بأعمالِكم خيرِها وشرِّها، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ، وهو مجازِيكم على جميعِها\n\n<span id=\"aya-5145\"></span><span data-type='title' id=toc-8974>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ</span>\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٢٥٠ مختصرًا.","vol":"22","page":547},{"text":"أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولا تكونوا كالذين تَرَكوا أداءَ حقِّ اللَّهِ الذي أَوْجَبه عليهم ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾. يقولُ: فأَنْساهم اللَّهُ حظوظَ أنفسِهم من الخيراتِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: نَسُوا حقَّ اللَّهِ، ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: حظَّ أنفسِهم (^١).\nوقولُه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: هؤلاء الذين نَسُوا اللَّهَ، ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. يعني: الخارجون من طاعةِ اللَّهِ إلى معصيتِه.\n\n<span id=\"aya-5146\"></span><span data-type='title' id=toc-8975>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لا يَعْتَدِلُ أهلُ النارِ وأهلُ الجنةِ، أهلُ الجنةِ هم الفائزون، يعني أنَّهم المُدْرِكون ما طلَبوا وأرادوا، والناجون مما حَذِروا.\n\n<span id=\"aya-5147\"></span><span data-type='title' id=toc-8976>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾.</span>\nوقولُه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٢٥١.","vol":"22","page":548},{"text":"اللَّهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: لو أنزَلنا هذا القرآنَ على جبلٍ - وهو حجرٌ - لرأَيْتَه [يا محمدُ] (^١)، ﴿خَاشِعًا﴾. يقولُ: متذلِّلًا، ﴿مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ على قساوتِه، حَذَرًا مِن ألا يُؤدِّيَ حقَّ اللَّهِ المُفْتَرَضَ (^٢) في تعظيمِ القرآنِ، وقد أُنزِل على ابنِ آدمَ، وهو بحقِّه مُستَخِفٌّ، وعنه و(^٣) عما فيه من العِبَرِ والذكْرِ مُعْرِضٌ، كأنْ لم يَسْمَعْها، كأَنَّ في أُذُنَيه وقرًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. قال: يقولُ: لو أني أنزَلتُ هذا القرآنَ على جبلٍ حمَّلْتُه إِيَّاه، تَصَدَّع وخشَع مِن ثِقَلِه ومِن خشيةِ اللَّهِ. فأمَر اللَّهُ ﷿ الناسَ إذا أُنزِل عليهم القرآنُ، أنْ يأْخُذُوه بالخشيةِ الشديدةِ والتَّخَشُّعِ. قال: كذلِك يَضْرِبُ اللَّهُ الأمثالَ للنَّاسِ لَعَلَّهم يتفَكَّرون (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ الآية: يَعْذِرُ اللَّهُ الجبلَ الأصمَّ، ولم يَعْذِرْ شَقِيَّ ابنِ آدمَ، هل رأَيْتم أحدًا قطُّ تصدَّعَتْ\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٢) بعده في م: \"عليه\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٠٤، عن العوفي عن ابن عباس، وعزاه إلى المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠١ إلى المصنف وابن مردويه.","vol":"22","page":549},{"text":"جوانِحُه (^١) مِن خشيةِ اللَّهِ (^٢)؟!\n[وقولُه] (^٣): ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهذه الأشياءُ تُشَبِّهُها للناسِ. وذلك تعريفُه جلَّ ثناؤُه إيَّاهم أنَّ الجبالَ أشدُّ تعظيمًا لحقِّه منهم مع [قساوتِها وصلابتِها] (^٤).\nوقولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. يقولُ: يضربُ اللَّهُ لهم هذه الأمثالَ ليتفكَّروا فيها، فيُنِيبوا وينقادوا للحقِّ.\n\n<span id=\"aya-5148\"></span><span data-type='title' id=toc-8977>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾.</span>\nيعني (^٥) تعالى ذكرُه: الذي يَتَصَدَّعُ مِن خشيتِه الجبلُ أيُّها الناسُ، هو المعبودُ الذي لا تَنْبغي العبادةُ والألوهةُ إلا له، عالمُ غيبِ السماواتِ والأرضِ، وشاهدُ ما فيها مما (^٦) يُرى ويُحَسُّ، ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. يقولُ: هو رحمنُ الدنيا والآخرةِ، رحيمٌ بأهلِ الإيمانِ به.\n\n<span id=\"aya-5149\"></span><span data-type='title' id=toc-8978>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ت ١: \"جوارحه\". والجوانح: الضلوع تحت الترائب مما يلي الصدر. واحدته جانحة. القاموس المحيط (ج ن ح).\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٠٤.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ص، ت ٢، ت ٣: \"قساوته وصلابته\".\n(^٥) في م: \"يقول\".\n(^٦) في ت ٢، ت ٣: \"ما\".","vol":"22","page":550},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: هو المعبودُ الذي لا تصلُحُ العبادةُ إلا له، المَلِكُ الذي لا مَلِكَ فوقَه، ولا شيءَ إلا دونَه، ﴿الْقُدُّوسُ﴾. قيل: هو المباركُ.\nوقد بيَّنتُ فيما مضى قبلُ معنى التقديسِ بشواهدِه، وذكرتُ اختلافَ المختلفِين فيه بما أَغْنى عن إعادتِه (^١).\nذكرُ مَن قال: عُنِي به المباركُ\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الْقُدُّوسُ﴾. أي: المباركُ (^٢).\nوقولُه: ﴿السَّلَامُ﴾. يقولُ: هو الذي يَسْلَمُ خَلْقُه مِن ظُلْمِه. وهو اسمٌ مِن أسمائِه.\nكما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿السَّلَامُ﴾. اللَّهُ السلامُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، يعني العَتَكِيَّ، عن جابرِ بنِ زيدٍ قولَه: ﴿السَّلَامُ﴾. قال: هو اللَّهُ.\nوقد ذكرْتُ الروايةَ فيما مضى، وبيَّنتُ معناه بشواهدِه، فأَغْنى ذلك عن إعادتِه (^٤).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٥٠٥ - ٥٠٧.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٠٥. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٨) من طريق خليد بن دعلج عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٥ عن معمر به.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٨/ ٢٦٥، ١٢/ ١٥٣، ١٥٤.","vol":"22","page":551},{"text":"وقولُه: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾. يعني بالمؤمنِ الذي يُؤمِّنُ خَلْقَه مِن ظُلْمِهِ.\nوكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾: آمن لقولِه أنه حقٌّ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾: آمَن (^٢) لقولِه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾. قال: المُصدِّقُ.\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾. قال: المؤمنُ المُصَدِّقُ المُوقِنُ؛ آمن الناسُ بربِّهم (^٤) فسمَّاهم مؤمنين، وآمن الربُّ الكريمُ لهم بإيمانِهم؛ صدَّقهم أن يسمِّي بذلك الاسمِ (^٥).\nوقولُه: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: المهيمنُ: الشهيدُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٨) من طريق خليد بن دعلج عن قتادة.\n(^٢) سقط من: ت ٢.\n(^٣) في م: \"بقوله أنه حق\". والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في ت ٢، ت ٣: \"ربهم\".\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٨٧، وابن كثير في تفسيره ٨/ ١٠٥.","vol":"22","page":552},{"text":"في قولِه: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾. قال: الشهيدُ (^١).\nوقال مرَّةً أخرى: الأمينُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾. قال: الشهيدُ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾. قال: أنزَل اللَّهُ ﷿ كتابًا فشَهِد عليه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾. قال: الشهيدُ عليه (^٥).\nوقال آخرون: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾: الأمينُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾: الأمينُ (^٦).\nوقال آخرون: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾: المصدِّقُ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٨/ ٤٨٦.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٨/ ٤٨٨.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٥٤.\n(^٤) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٨) من طريق خليد بن دعلج عن قتادة.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٠٥ بمعناه.","vol":"22","page":553},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾. قال: المُصدِّقُ لكلِّ ما حدَث. وقرَأ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: فالقرآنُ مُصدِّقٌ على ما قبلَه مِن الكتبِ، واللَّهُ مصدِّقٌ في كلِّ ما حدَّث عما مضى مِن الدنيا، وما بَقِي، وما حدَّث عن الآخرةِ (^١).\nوقد بيَّنتُ أولى هذه الأقوالِ بالصوابِ فيما مضى قبلُ في سورةِ \"المائدةِ\"، بالعللِ الدالةِ على صحتِه، فأَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\nوقولُه: ﴿الْعَزِيزُ﴾: الشديدُ في انتقامِه، ممَّن انتقم مِن أعدائِه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الْعَزِيزُ﴾ (^٣): في نقمتِه إِذا انْتَقم.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْعَزِيزُ﴾: في نقمتِه إِذا انْتَقَم (^٤).\nوقولُه: ﴿الْجَبَّارُ﴾. يعني: المُصْلِحُ أمورَ خَلْقِه، المُصرِّفُهم فيما فيه صلاحُهم. وكان قتادةُ يقولُ: جَبَر خَلْقَه على ما يشاءُ مِن أمرِه.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْجَبَّارُ﴾. قال: جَبَر خَلْقَه على ما يشاءُ (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٨/ ٤٩٠.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٨/ ٤٨٥ - ٤٩١.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١: \"أي\".\n(^٤) جزء من أثر تقدم تخريجه في ص ٥٥٢.","vol":"22","page":554},{"text":"وقولُه: ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾. قيل: عُنِي به أنه تكبَّر عن كلِّ شرٍّ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾. قال: تكبَّر عن كلِّ شرٍّ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، قال: ثنى رجلٌ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، قال: إِنَّ اسمَ اللَّهِ الأعظمَ هو اللَّهُ، أَلم تَسْمَعْ يَقولُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ (^٢).\n[وقولُه] (^٣): ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: تبرئةً للَّهِ وتنزيهًا له عن شركِ المشركين به\n\n<span id=\"aya-5150\"></span><span data-type='title' id=toc-8979>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هو المعبودُ الخالقُ، الذي لا معبودَ تصلُحُ له العبادةُ غيرُه، ولا خالقَ سِواه، البارئُ الذي بَرَأ الخلْقَ، فأوجَدهم بقدرتِه، المصوِّرُ خَلْقَه كيف شاء، وكيف يشاءُ.\n_________\n(^١) جزء من أثر تقدم تخريجه في ص ٥٥٢.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ٤٩.\n(^٣) سقط من: م، ت ٣.","vol":"22","page":555},{"text":"وقولُه: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: للَّهِ الأسماءُ الحسنى، وهي هذه الأسماءُ التي سمَّى اللَّهُ بها نفسَه، التي ذكَرها في هاتين الآيتين، ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: يسبِّحُ (^١) له جميعُ ما في السماواتِ والأرضِ، ويسجُدون (^٢) له طوعًا وكرهًا، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾. يقولُ: وهو الشديدُ الانتقامِ من أعدائِه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيرِه خَلْقَه، وصرفِهم فيما فيه صلاحُهم.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"الحشرِ\"\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يصلح\".\n(^٢) في م: \"يسجد\".","vol":"22","page":556},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8980>تفسيرُ سورةِ \"الممتحنةِ\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5151\"></span><span data-type='title' id=toc-8981>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ </span>(١)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ: يأيُّها الذين آمنوا لا تتخِذُوا عدوِّي مِن المشركين وعدوَّكم، ﴿أَوْلِيَاءَ﴾. يعني: أنصارًا.\nوقولُه: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: تُلْقون إليهم مودَّتَكم إيَّاهم. ودخولُ الباءِ في قولِه: ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾، وسقوطُها سواءٌ، [وهو] (^١) نظيرُ قولِ القائلِ: أريدُ بأن تذهبَ. و: أريدُ أن تذهبَ. سواءٌ، وكقولِه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. والمعنى: ومَن يُرِدْ فيه إلحادًا بظلمٍ. ومن ذلك قولُ الشاعرِ (^٢):\nفَلَمَّا رَجَتْ بالشُّربِ هزَّ لَها العَصَا (^٣) … شَحِيحٌ له عندَ الإزاءِ نَهيمُ\nبمعنى: فلما رَجَت الشُّرْبَ.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٦/ ٥٠٦.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"22","page":557},{"text":"﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾. يقولُ: وقد كفَر هؤلاء المشركون الذين نهيتُكم أن تتَّخِذُوهم أولياءَ بما جاءكم من عندِ اللَّهِ من الحقِّ. وذلك كفرُهم باللَّهِ ورسولِه، وكتابِه الذي أنزَله على رسولِه.\nوقولُه: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: يُخْرِجون رسولَ اللَّهِ وإيَّاكم. بمعنى: ويُخْرِجونكم أيضًا من ديارِكم وأرضِكم. وذلك إخراجُ مشركي قريشٍ رسولَ اللَّهِ ﷺ وأصحابَه مِن مكةَ.\nوقولُه: ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: يُخْرِجون الرسولَ وإيَّاكم من ديارِكم لأنْ آمنتم باللَّهِ.\nوقولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ مِن المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، ووجْهُ الكلامِ: يأيُّها الذين آمنوا لا تتَّخِذوا عدوِّي وعدوَّكم أولياءَ تُلْقون إليهم بالمودَّةِ، وقد كفَروا بما جاءكم من الحقِّ إن كنتم خرَجْتم جهادًا في سبيلي وابتغاءَ مرضاتي، يخرِجون الرسولَ وإياكم أن تؤمنوا باللَّهِ ربِّكم.\nويعني بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي﴾: إن كنتم خرَجْتم مِن ديارِكم، فهاجَرْتم منها إلى مُهاجَرِكم للجهادِ في طريقي الذي شرعْتُه لكم، وديني الذي أمَرْتُكم به، والتماسِ مرضاتي.\nوقولُه: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: تُسِرُّون أيُّها المؤمنون بالمودَّةِ إلى المشركين باللَّهِ، ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾. يقولُ: وأنا أعلمُ منكم بما أَخْفى بعضُكم مِن بعضٍ، فأَسرَّه منه، ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾. يقولُ: وأعلمُ أيضًا منكم ما أَعْلَنه بعضُكم لبعضٍ، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ومَن يُسِرَّ منكم إلى المشركين بالمودَّةِ أيُّها المؤمنون ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾. يقولُ: فقد جار عن قصدِ السبيلِ التي جعَلها اللَّهُ طريقًا","vol":"22","page":558},{"text":"إلى الجنةِ ومحجةً إليها.\nوذُكر أنَّ هذه الآياتِ مِن أوَّلِ هذه السورةِ نزَلت في شأنِ حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ، وكان كتَب إلى قريشٍ بمكةَ يُطْلِعُهم على أمرٍ كان رسولُ اللَّهِ ﷺ قد أَخْفاه عنهم، وبذلك جاءت الآثارُ والروايةُ عن جماعةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ وغيرِهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهباريُّ والفضلُ بنُ الصباحِ، قالا: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن حسنِ بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، أخبَرني عبيدُ اللَّهِ بنُ أبي رافعٍ، قال: سمعتُ عليًّا ﵁ يقولُ: بعثني رسولُ اللَّهِ ﷺ أنا والزُّبيرَ بنَ العوَّامِ والمِقْدادَ - قال الفضلُ: قال سفيانُ: نفرٌ من المهاجرين - فقال: \"انْطلِقوا حتى تأْتوا روضةَ خاخٍ، فإن بها ظَعينةً معها كتابٌ، فخذوه منها\". فانْطلَقْنا تَتَعادى بنا خيْلُنا، حتى انتهَيْنا إلى الروضةِ، فوجَدْنا امرأةً، فقلنا: أَخْرِجِي الكتابَ. قالت: ليس معي كتابٌ. قلنا: لتُخْرِجنَّ الكتابَ، أو لنُلْقِيَّن الثيابَ. فَأَخْرَجَتْه مِن عِقاصِها، وأخَذْنا الكتابَ، فانطلقنا به إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فإذا فيه: مِن حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ إلى ناسٍ بمكةَ يخبرُهم ببعضِ أمرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"يا حاطِبُ، ما هذا؟ \". قال: يا رسولَ اللَّهِ، لا تَعْجَلْ عليَّ، كنتُ امرأً مُلْصَقًا في قريشٍ، ولم يكنْ لي فيهم قرابةٌ، وكان مَن معك مِن المهاجرين لهم قراباتٌ يَحْمون أهليهم بمكةَ، فأحْبَبْتُ إذ فاتني ذلك مِن النسبِ، أنْ أتَّخِذَ فيها يدًا يَحْمون بها قرابتي، وما فعَلتُ ذلك كفرًا ولا ارْتِدادًا عن ديني، ولا رضًا بالكفرِ بعدَ الإسلامِ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"قد صَدَقَكم\". فقال عمرُ: يا رسولَ اللَّهِ، دعني أضْرِبْ عنقَ هذا المنافقِ. فقال: \"إنَّه قد شَهِد بدرًا، وما يُدْريك لعلَّ اللَّهَ","vol":"22","page":559},{"text":"قد اطَّلَع على أهلِ بدرٍ فقال: اعْمَلوا ما شِئْتم، فقد غفَرْتُ لكم\". زاد الفضلُ في حديثِه: قال سفيانُ: ونزَلت فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ إلى قولِه: ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سنانٍ سعيدِ بنِ سنانٍ، عن عمرِو بنِ مرَّةَ الجَمَليِّ، عن أبي البَخْتَريِّ الطائيِّ، عن الحارثِ، عن عليٍّ ﵁، قال: لما أراد النبيُّ ﷺ أن يأتيَ مكة، أسرَّ إلى ناسٍ من أصحابِه أنه يريدُ مكةَ، فيهم حاطبُ بنُ أبي بلتعةَ، وأفشَى في الناسِ أنه يريدُ خيبرَ، فكتَب حاطبُ بنُ أبي بلتعةَ إلى أهلِ مكةَ أنَّ النبيَّ ﷺ يريدُكم. قال: فبعَثني النبيُّ ﷺ وأبا مَرْثَدٍ، وليس منا رجلٌ إلا وعندَه فرسٌ، فقال: \"ائتوا روضةَ خاخٍ، فإنكم ستَلْقَون بها امرأةً ومعها كِتابٌ، فخُذُوه منها\". فَانْطَلَقْنا حتى رأَيْناها بالمكانِ الذي ذكَر النبيُّ ﷺ، فقلنا: هاتي الكتابَ. فقالت: ما معي كتابٌ. فوضَعْنا متاعَها وفتَّشْنا، فلم نَجِدْه في متاعِها، فقال أبو مَرْثَدٍ: لعله ألا يكونَ معها. فقلتُ: ما كذَب النبيُّ ﷺ ولا كُذِب. فقلنا لها (^٢): أَخْرجِي الكتابَ، وإلا عرَّيْناكِ. قال عمرُو بنُ مرَّةَ: فَأَخْرَجَتْه من حُجْزَتِها. وقال حبيبٌ: أَخْرَجَتْه من قُبُلِهَا. فأتيْنا به النبيَّ ﷺ، فإذا الكتابُ مِن حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ إلى أهلِ مكةَ، فقام عمرُ فقال: خان اللَّهَ ورسولَه، ائذَنْ لِي أَضْرِبْ عنقَه. فقال\n_________\n(^١) أخرجه الشافعي ٢/ ٤٣٦ (٧٠٣)، والحميدي (٤٩)، وأحمد ٢/ ٣٧ (٦٠٠)، والبخاري (٣٠٠٧، ٤٢٧٤، ٤٨٩٠)، ومسلم (٢٤٩٤)، وأبو داود (٢٦٥٠)، والترمذي (٣٣٠٥)، والبزار (٥٣٠)، والنسائي في الكبرى (١١٥٨٥)، وأبو يعلى (٣٩٤، ٣٩٥، ٣٩٨)، وابن حبان (٦٤٩٩)، والبيهقي ٩/ ١٤٦، وفي الدلائل ٥/ ١٦، ١٧، وفي الشعب (٩٣٧١، ٩٣٧٢)، والواحدي في أسباب النزول ص ٣١٦، والبغوي في تفسيره ٨/ ٩١ من طريق سفيان بن عيينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٢، ٢٠٣ إلى عبد بن حميد وأبي عوانة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"22","page":560},{"text":"النبيُّ ﷺ: \"أليس قد شَهِد بدرًا؟ \". قال: بلى، ولكنه قد نكَث وظاهَر أعداءَك عليك. فقال النبيُّ ﷺ: \"فلعل اللَّهَ قد (^١) اطَّلَع على أهلِ بدرٍ فقال: اعْمَلوا ما شِئْتم\". ففاضَتْ عينا عمرَ، وقال: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. فأَرْسَل إلى حاطبٍ، فقال: \"ما حمَلك على ما صنَعْتَ؟ \". فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، إني كنتُ امرأً مُلْصَقًا في قريشٍ، وكان لي بها أهلٌ ومالٌ، ولم يكنْ مِن أصحابِك أحدٌ إلا وله بمكةَ مَن يمنَعُ أهلَه ومالَه، فكتبْتُ إليهم، فذلك، واللَّهِ يا نبيَّ اللَّهِ إني لمؤمنٌ باللَّهِ وبرسولِه. فقال النبيُّ ﷺ: \"صدَق حاطبٌ، فلا تقولوا لحاطبٍ إلا خيرًا\". فقال حبيبُ بنُ أَبي ثابتٍ: فأَنزَل اللَّهُ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ الآية (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ: نزَلت في رجلٍ كان مع النبيِّ ﷺ بالمدينةِ مِن قريشٍ، كتَب إلى أهلِه وعشيرتِه بمكةَ يخبِرُهم وينذِرُهم أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ سائرٌ إليهم، فأُخْبِر رسولُ اللَّهِ ﷺ بصحيفتِه، فبعَث إليها عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁، فأتاه بها (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزُّبيرِ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ وغيرِه مِن علمائِنا، قالوا: لما أجمَع رسولُ اللَّهِ ﷺ السيرَ إلى مكةَ، كتَب حاطبُ بنُ أبي بلتعةَ كتابًا إلى قريشٍ يخبرُهم بالذي أَجْمَع عليه رسولُ اللَّهِ ﷺ مِن الأمرِ في السيرِ إليهم، ثم أَعْطاه امرأةً - يزعُمُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٣٩٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ١١٠ - من طريق أبي سنان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٣ إلى ابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٣ إلى ابن مردويه.","vol":"22","page":561},{"text":"محمدُ بنُ جعفرٍ أنَّها مِن مُزَيْنَةَ، وزعَم غيرُه أَنَّها سارَةُ؛ مولاةٌ لبعضِ بنِي عبدِ المطلبِ - وجعَل لها جُعْلًا على أن تُبلِّغَه قريشًا، فجعَلتْه في رأسِها، ثم فتَلتْ عليه قرونَها، ثم خرَجَتْ به، وأتى رسولَ اللَّهِ ﷺ الخبرُ مِن السماءِ بما صنَع حاطبٌ، فبعَث عليَّ بنَ أبي طالبٍ والزُّبيرَ بنَ العوَّامِ ﵄، فقال: \"أَدْرِكا امرأةً قد كتَب معها حاطبٌ بكتابٍ إلى قريشٍ، يُحذِّرُهم ما قد اجْتَمَعْنا له في أَمْرِهم\". فخرَجا حتى أَدْرَكاها بالحُليفةِ (^١)؛ حُلَيفةِ ابنِ أبي أحمدَ، فاستَنْزَلاها، فالتمَسا في رَحْلِها، فلم يَجِدا شيئًا، فقال لها عليُّ بنُ أبى طالبٍ ﵁: إني أحلِفُ باللَّهِ ما كذب رسولُ اللَّهِ ﷺ ولا كذبنا، ولتُخْرِجِنَّ إليَّ هذا الكتابَ، أو لنَكْشِفَنَّكِ. فلمَّا رأَت الجِدَّ منه قالت: أَعْرِضْ عني. فأَعْرَض عنها، فحلَّتْ قرونَ رأسِها، فاسْتَخْرَجت الكتابَ، فدفعَتْه إليه، فجاء به إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فدعا رسولُ اللَّهِ ﷺ حاطبًا، فقال: \"يا حاطبُ، ما حمَلك على هذا؟ \". فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أما واللَّهِ إني لمؤمنٌ باللَّهِ ورسولِه، ما غيَّرْتُ ولا بدَّلْتُ، ولكني كنتُ امرأً ليس لي في القومِ أصلٌ ولا عشيرةٌ، وكان لي بينَ أَظْهُرِهم أهلٌ وولدٌ، فصانَعْتُهم. عليهم (^٢). فقال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: دعْني يا رسولَ اللَّهِ، فلأضرِبَ عنقَه، فإِنَّ الرجلَ قد نافَق. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"وما يُدْرِيك يا عمرُ، لعل اللَّهَ قد اطَّلَع إلى (^٣) أصحابِ بدرٍ يومَ بدرٍ فقال: اعْمَلوا ما شِئْتم فقد غَفَرْتُ لكم\". فأنزَل اللَّهُ ﷿ في حاطبٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ إلى قولِه:\n_________\n(^١) في ت ٢: \"بالخليفة\". وفي سيرة ابن هشام: \"بالخليقة، خليقة\". بضم الخاء المعجمة، ورواه الخشني بفتح الخاء المعجمة فيهما، وفي كتاب ابن إسحاق: بذي الحليفة، حليفة ابن أبي أحمد. بضم الحاء المهملة فيهما وبالفاء. وهو اسم موضع. ينظر شرح غريب السيرة ٣/ ٧٦.\n(^٢) في م: \"عليه\".\n(^٣) في ت ٢، ت ٣، ونسخة من تاريخ المصنف: \"على\".","vol":"22","page":562},{"text":"﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ [الممتحنة: ١ - ٤] إلى آخرِ القصةِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، قال: لما أُنزِلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. في حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ، كتَب إلى كفارِ قريشٍ كتابًا يَنْصَحُ لهم فيه، فأطلَع اللَّهُ نبيَّه ﵊ على ذلك، فأَرْسَل عليًّا والزُّبيرَ، فقال: \"اذهبَا فإنَّكما ستَجِدان امرأةً بمكانِ كذا وكذا، فأْتيا بكتابٍ معها\". فانْطَلقا حتى أَدْرَكاها، فقالا: الكتابَ الذي معكِ. قالت: ليس معي كتابٌ. فقالا: واللَّهِ لا نَدَعُ عليك (^٢) شيئًا إلا فتَّشناه، أو تُخْرِجِينه. قالت: أوَ لستم مسلمَين؟ قالا: بلى، ولكنَّ النبيَّ ﷺ أَخبَرنا أنَّ معكِ كتابًا قد أَيقَنَت أنفسُنا أنه معك. فلما رأَتْ جِدَّهما أخرَجَتْ كتابًا مِن بينِ قرونِها، فذهبا به إلى النبيِّ ﷺ، فإذا فيه: مِن حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ إلى كفارِ قريشٍ. فدعاه النبيُّ ﷺ فقال: \"أنت كتَبْتَ هذا الكتابَ؟ \". قال: نعم. قال: \"ما حمَلك على ذلك؟ \". قال: أمَا واللَّهِ ما ارْتبْتُ في اللَّهِ منذُ أسلمتُ، ولكني كنتُ امرأً غريبًا فيكم أيُّها الحيُّ من قريشٍ، وكان لي بمكةَ مالٌ وبنونَ، فَأَرَدْتُ أن أدْفعَ بذلك عنهم. فقال عمرُ ﵁: ائذنْ لي يا رسولَ اللَّهِ فَأَضْرِبَ عنقَه. فقال النبيُّ ﷺ: \"مَهْلًا يا بنَ الخطاب، وما يُدريك لعل اللَّهَ قد اطَّلَع إلى أهلِ بدرٍ فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتم فإني غافرٌ لكم\". قال الزهريُّ: فيه نزَلت حتى: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٣) [الممتحنة: ٧].\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. إلى قولِه: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٩٨، ٣٩٩، وأخرجه المصنف في تاريخه ٣/ ٤٨، ٤٩.\n(^٢) في م، ت ١: \"معك\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٦، ٢٨٧ عن معمر به.","vol":"22","page":563},{"text":"بَصِيرٌ﴾: في مكاتبةِ حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ ومَن معه كفارَ قريشٍ يُحَذِّرُونهم (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. حتى بلَغ: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: ذُكِر لنا أن حاطبًا كتَب إلى أهلِ مكةَ يُخْبِرُهم [سَيرورةَ نبيِّ اللَّهِ] (^٢) ﷺ إليهم زمنَ الحديبيةِ، فأطلَع اللَّهُ ﷿ نبيَّه ﵊ على ذلك. وذُكِر لنا أنهم وجَدوا الكتابَ مع امرأةٍ في قرنٍ من رأسِها، فدعاه نبيُّ اللَّهِ ﷺ، فقال: \"ما حمَلك على الذي صنَعتَ؟ \". قال: واللَّهِ ما شكَكتُ في أمرِ اللَّهِ، ولا ارتدَدتُ فيه، ولكنَّ لي هناك (^٣) أهلًا ومالًا، فأردتُ مصانعةَ قريشٍ على أهلي ومالي. وذكِر لنا أنه كان حليفًا لقريشٍ، لم يَكُنْ من أنفسِهم، فأنزَل اللَّهُ ﷿ في ذلك القرآنَ، فقال: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (^٤).\n\n<span id=\"aya-5152\"></span><span data-type='title' id=toc-8982>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ </span>(٣)﴾\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن يَثقَفْكُم هؤلاء الذين تُسِرُّون أيُّها المؤمنون إليهم بالمودةِ، يكونوا لكم حربًا وأعداءً، ويَبْسُطوا إليكم أيديَهم بالقتالِ، وألسِنَتَهم بالسوءِ.\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، ت ٣، وفي م: \"يحذرهم\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"سير النبي\".\n(^٣) في ص، ت ٣: \"هنالك\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٤ إلى عبد بن حميد، والحديث أخرجه ابن مردويه -كما في الفتح ٨/ ٦٣٦ - من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس.","vol":"22","page":564},{"text":"وقولُه: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: وتمنَّوا لكم أن تَكْفُروا بربِّكم فتكونوا على مثلِ الذي هم عليه.\n\n<span id=\"aya-5153\"></span>وقولُه: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا يَدْعُوَنَّكم أرحامُكم وقراباتُكم وأولادُكم إلى الكفرِ باللَّهِ، واتخاذِ أعدائِه أولياءَ تُلْقُون إليهم بالمودةِ، فإنه لن تنفَعَكم أرحامُكم ولا أولادُكم عندَ اللَّهِ يومَ القيامةِ، فتدفَعَ عنكم عذابَ اللَّهِ يومَئذٍ، إن أنتم عصَيْتُموه في الدنيا وكفَرْتم به.\nوقولُه: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: يَفْصِلُ ربُّكم أَيُّها المؤمنون بينَكم يومَ القيامةِ، بأن يُدْخِلَ أهلَ طاعتِه الجنةَ، وأهلَ معاصِيه والكفرِ به النارَ.\nواختلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ المدينةِ ومكةَ والبصرةِ: (يُفْصَلُ بَيْنَكُمْ) بضمِّ الياءِ وتخفيفِ الصادِ وفتحِها، على ما لم يُسَمَّ فاعلُه (^١). وقرَأه عامةُ قرَأةِ الكوفةِ خلا عاصمٍ بضمِّ الياءِ وتشديدِ الصادِ وكسرِها (^٢)، بمعنى: يُفَصِّلُ اللَّهُ بينَكم أيُّها القومُ. وقرَأه عاصمٌ بفتحِ الياءِ وتخفيفِ الصادِ وكسرِها (^٣)، بمعنى: يَفْصِلُ اللَّهُ بينَكم. وقرَأ بعضُ قرَأةِ الشامِ: (يُفَصَّلُ) بضمِّ الياءِ وفتحِ الصادِ وتشديدِها، على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه (^٤).\nوهذه القراءاتُ متقارباتُ المعاني، صحيحاتٌ في الإعرابِ، فبأيتِها قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللَّهُ بأعمالِكم أيُّها\n_________\n(^١) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وأبي جعفر. ينظر النشر ٢/ ٢٨٩.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وضمها\". وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف. المصدر السابق.\n(^٣) وهي قراءة يعقوب أيضًا. المصدر السابق.\n(^٤) وهي رواية ابن ذكوان عن ابن عامر، واختلف عن هشام فروى عنه الحلواني كذلك، وروى عنه الداجوني (يُفْصَلُ). المصدر السابق.","vol":"22","page":565},{"text":"الناسُ ذو علمٍ وبصرٍ، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ، هو بجميعِها محيطٌ، وهو مُجازِيكم بها؛ إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا، فاتَّقوا اللَّهَ في أنفسِكم واحذَرُوه.\n\n<span id=\"aya-5154\"></span><span data-type='title' id=toc-8983>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ </span>(٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: قد كان لكم أيُّها المؤمنون ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. يقولُ: قدوةٌ حسنةٌ، ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ خليلِ الرحمنِ، تَقْتَدون به، ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ من أنبياءِ اللَّهِ.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾. قال: الذين معه الأنبياءُ (^١).\nوقولُه: ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. يقولُ: حينَ قالوا لقومِهم الذين كفَروا باللَّهِ وعبَدوا الطاغوتَ: أيُّها القومُ، إنا برآءُ منكم ومن الذين تَعْبُدون من دونِ اللَّهِ من الآلهةِ والأندادِ.\nوقولُه: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه مُخبِرًا عن قيلِ أنبيائِه لقومِهم الكفرةِ: كفَرْنا بكم؛ أنكَرْنا ما كُنتم عليه من الكفرِ باللَّهِ، وجحَدْنا عبادتَكم ما تَعْبُدون من دونِ اللَّهِ أن تكونَ حقًّا، وظهَر بينَنا وبينَكم العداوةُ والبغضاءُ أبدًا على كفرِكم باللَّهِ،\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ٥٦.","vol":"22","page":566},{"text":"وعبادتِكم ما سِواه، ولا صُلْحَ بينَنا ولا مودَّةَ (^١)، ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. يقولُ: حتى (^٢) تُصَدِّقوا باللَّهِ وحدَه، فتوحِّدوه وتُفْرِدوه بالعبادةِ.\nوقولُه: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قد كانت لكم أُسوةٌ حسنةٌ في إبراهيمَ والذين معه في هذه الأمورِ التي ذكَرْناها؛ من مباينةِ الكفارِ ومعاداتِهم، وتركِ موالاتِهم، إلا في قولِ إبراهيمَ لأبيه: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾. فإنه لا أُسوةَ لكم فيه في ذلك؛ لأن ذلك كان من إبراهيمَ لأبيه عن موعدةٍ وعدَها إيَّاه، قبلَ أن يَتَبَيَّنَ له أنه عدوٌّ للَّهِ، فلما تَبَيَّن له أنه عدوٌّ للَّهِ تبرَّأ منه. يقولُ تعالى ذكرُه: فكذلك أنتم أيُّها المؤمنون باللَّهِ، فتبرَّءوا من أعداءِ اللَّهِ من المشرِكين به، ولا تتَّخِذوا منهم أولياءَ حتى يُؤْمِنوا باللَّهِ وحدَه، ويتَبرَّءوا من عبادةِ ما سِواه، وأَظْهِروا لهم العداوةَ والبغضاءَ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾. قال: نُهُوا أن يتأَسَّوا باستغفارِ إبراهيمَ لأبيه، فيستَغْفِروا للمشرِكين (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي جعفرٍ، عن مطرِّفٍ\n_________\n(^١) في م: \"هوادة\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٥٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":567},{"text":"الحارثيِّ، عن مجاهدٍ: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾. إلى قولِه: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾. يقولُ: في كلِّ أمرِه (^١) أسوةٌ، إلا (^٢) الاستغفارَ لأبيه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية. يقولُ: ائتَسُوا به في كلِّ شيءٍ، ما خلا قولَه لأبيه: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾. فلا تأتسُوا بذلك منه، فإنَّها كانت عن موعدةٍ وعدَها إياه.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾. يقولُ: لا تأسَّوا بذلك، فإنه كان عليه موعدًا، وتأسَّوا بأمرِه كلِّه (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. إلى قولِه: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾. قال: يقولُ: ليس لكم في هذا أُسوةٌ.\nويعني بقوله: ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: وما أدفَعُ عنك من اللَّهِ من عقوبةٍ إنِ اللَّهُ عاقبَك على كفرِك به، ولا أُغْنِي عنك منه شيئًا.\nوقولُه: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه مخبرًا عن قيلِ إبراهيمَ وأنبيائِه صلواتُ اللَّهِ عليهم: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾. يعني: وإليك رجَعْنا بالتوبةِ مما تَكْرَهُ إلى ما تُحِبُّ وتَرْضَى، ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وإليك مَصِيرُنا ومَرْجِعُنا يومَ تَبْعَثُنا من قبورِنا وتَحْشُرُنا في القيامةِ إلى موقفِ العَرْضِ.\n\n<span id=\"aya-5155\"></span><span data-type='title' id=toc-8984>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا</span>\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"أمر\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ٢.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٧ عن معمر به.","vol":"22","page":568},{"text":"إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ إبراهيمَ خليلِه والذين معه: يا ربَّنا، لا تَجْعَلْنا فتنةً للذين كفَرُوا بك؛ فجحَدوا وحدانيتَك، وعبَدوا غيرَك، بأن تُسلِّطَهم علينا، فيرَوا أنهم على حقٍّ، وأنَّا على باطلٍ، فتجعَلَنا بذلك فتنةً لهم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: لا تُعَذِّبْنا بأيديهم، ولا بعذابٍ من عندِك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حقٍّ ما أصابَهم هذا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: يقولُ: لا تُظْهِرْهم علينا، فيَفْتتِنوا بذلك؛ يَرَون أنهم إنما ظَهَروا علينا لحقٍّ هم عليه.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: لا تُسَلِّطْهم علينا فيَفْتِنونا (^٢).\nوقولُه: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا﴾. يقولُ: واستُرْ علينا ذُنوبنَا؛ بعفوِك لنا عنها\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٥٥، ومن طريقه الفريابي وعبد بن حميد - كما في التغليق ٤/ ٣٣٧، ٣٣٨، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٨٥ من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٧ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٥ إلى ابن المنذر.","vol":"22","page":569},{"text":"يا ربَّنا، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يعني: الشديدُ الانتقامِ ممن انتقَم منه، ﴿الْحَكِيمُ﴾. يقولُ: الحكيمُ في تدبيرِه خلقَه، وصرفِه إيَّاهم فيما فيه صلاحُهم.\n\n<span id=\"aya-5156\"></span>وقولُه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لقد كان لكم أيُّها المؤمنون قدوةٌ حسنةٌ في الذين ذكَرهم؛ إبراهيمَ والذين معه من الأنبياءِ، صلواتُ اللَّهِ عليهم، والرسلِ، ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾. يقولُ: لمن كان منكم يرجو (^١) ثوابَ اللَّهِ، والنجاةَ في اليومِ الآخرِ.\nوقولُه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يتولَّ عمَّا أمَره اللَّهُ به وندَبه إليه، منكم ومن غيرِكم، فأعرَضَ عنه وأَدْبَر مُسْتَكبرًا، ووالَى أعداءَ اللَّهِ وأَلْقى إليهم بالمودةِ، فإن اللَّهَ هو الغنيُّ عن إيمانِه به، وطاعتِه إياه، وعن جميعِ خلقِه، الحميدُ عندَ أهلِ المعرفةِ بأيادِيه وآلائِه عندَهم.\n\n<span id=\"aya-5157\"></span><span data-type='title' id=toc-8985>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: عسى اللَّهُ أيُّها المؤمنون أن يَجْعَلَ بينَكم وبينَ الذين عاديتم من أعدائي من مشرِكي قريشٍ مودةً. ففعَل اللَّهُ ذلك بهم، بأن أسلَم كثيرٌ منهم، فصاروا لهم أولياءَ وأضْرابًا (^٢).\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿عَسَى\n_________\n(^١) بعده في م: \"لقاء الله و\".\n(^٢) في م: \"أحزابًا\".","vol":"22","page":570},{"text":"اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾. قال: هؤلاء المشرِكون، قد فعَل (^١)، قد أدخَلهم في السِّلمِ، وجعَل بينَهم مودةً حينَ كان الإسلامُ حينَ الفتحِ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ ذو قدرةٍ على أن يجعلَ بينَكم وبينَ الذين عاديتُم من المشرِكين مودةً، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ غفورٌ لخطيئةِ مَن ألقَى إلى المشرِكين بالمودةِ إذا تاب منها، رحيمٌ بهم أن يعذِّبَهم (^٣) بعد توبتِهم (^٤) منها.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾: على ذلك، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: يغفرُ الذنوبَ الكثيرةَ، رحيمٌ بعبادِه.\n\n<span id=\"aya-5158\"></span><span data-type='title' id=toc-8986>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لا ينهاكم اللَّهُ، أيُّها المؤمنون عن الذين لم يُقاتِلوكم في الدينِ من أهلِ مكةَ، ﴿وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾. يقولُ: وتَعْدِلوا فيهم، بإحسانِكم إليهم وبِرِّكم بهم.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بها الذين كانوا آمَنوا بمكة ولم يُهاجروا، فأذِن اللَّهُ للمؤمنين ببِرِّهم والإحسانِ إليهم.\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"الله ذلك\".\n(^٢) ينظر التبيان ٩/ ٥٧٩.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يعذبه\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"توبته\".","vol":"22","page":571},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾: أن تَسْتَغْفِروا لهم وتَبَرُّوهم وتُقْسِطوا إليهم. قال: وهم الذين آمَنوا بمكةَ ولم يُهاجِروا (^١).\nوقال آخرون: عُنِي بها من غيرِ أهلِ مكةَ مَن لم يُهاجِرْ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ الأنماطيُّ، قال: ثنا هارونُ بنُ معروفٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ السريِّ، قال: ثنا مصعبُ بنُ ثابتٍ، عن عمِّه عامرِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ الزبيرِ، عن أبيه، قال: نزَلت في أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، وكانت لها أمٌّ في الجاهليةِ يُقالُ لها: قُتَيلةُ (^٢) ابنةُ عبدِ (^٣) العُزَّى، فأتتها بهدايا؛ ضِبابٍ (^٤) وأقِطٍ (^٥) وسمنٍ (^٦)، فقالت: لا أقبلُ لكِ هديةً، ولا تَدْخُلي عليَّ حتى يَأْذَنَ رسولُ اللَّهِ ﷺ. فذكَرَت ذلك عائشةُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ إلى قولِه: ﴿الْمُقْسِطِينَ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٥٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في الكامل: \"قيلة\". وينظر فتح الباري ٥/ ٢٣٣.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في ص: \"ىطى\"، وفي م: \"وصناب\"، وفي الكامل: \"بأطباق\"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مطى\". والمثبت من بقية مصادر التخريج. والضباب جمع ضَبٍّ، وهو الحيوان المعروف، أما الصناب، فهو صباغ يتخذ من الخردل والزبيب. ينظر اللسان (ض ب ب، ص ن ب).\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قرط\". والأقط: شيء يتخذ من اللبن المخيض، يطبخ ثم يترك حتى يمصل. اللسان (أ ق ط).\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شيء\". واختلفت المصادر في هذه الهدايا، ففي بعضها كالمثبت، وقيل: زبيب وسمن وقرظ. وقيل: قرط وأشياء.\n(^٧) أخرجه ابن عدي في الكامل ٦/ ٢٣٥٩ من طريق بشر بن السرى به.","vol":"22","page":572},{"text":"قال: ثنا إبراهيمُ بنُ الحجاجِ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن المباركِ، قال: ثنا مصعبُ بنُ ثابتٍ، عن عامرِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ الزبيرِ، عن أبيه، قال: قَدِمت قُتيلةُ بنتُ عبدِ (^١) العزَّى بنِ أسعدَ من بني مالكِ بنِ حسْلٍ، على ابنتِها أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ. فذكَر نحوَه (^٢).\nوقال آخرون: بل عُنِي بها من مُشْرِكي مكةَ مَن لم يُقاتِلِ المؤمنين ولم يُخْرِجُوهم من ديارِهم. قالوا: ونسَخ اللَّهُ ذلك بعدُ بالأمرِ بقتالِهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ وسألتُه عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾ الآية. فقال: هذا قد نُسِخ؛ نسَخه القتالُ، أُمِروا أن يَرْجِعوا إليهم بالسيوفِ ويُجاهِدوهم بها؛ يَضْرِبونهم، وضرَب اللَّهُ لهم أجلَ أربعةِ أشهرٍ؛ إما المذابحةُ وإما الإسلامُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾ الآية. قال: نسَختها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٤) [التوبة: ٥].\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه النحاس في ناسخه ص ٧١٥، وابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة ١/ ١٢٦ من طريق إبراهيم بن الحجاج به، وأخرجه الطيالسي (١٧٤٤)، وابن سعد ٨/ ٢٥٢، وأحمد ٢٦/ ٣٧ (١٦١١١)، والبزار (٢٢٠٨)، وأبو يعلى - كما في المطالب العالية (٤١٥١)، والحاكم ٢/ ٤٨٥، وابن بشكوال ١/ ١٢٦ من طريق ابن المبارك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٥ إلى الطبراني وابن مردويه.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ٥٩.\n(^٤) أخرجه ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٤٨٥ من طريق ابن ثور به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٧ - ومن طريقه النحاس في ناسخه ص ٧١١ - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٥ إلى ابن المنذر.","vol":"22","page":573},{"text":"وأولَى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ قولُ مَن قال: عُنِي بذلك: لا يَنْهاكم اللَّهُ عن الذين لم يُقاتِلوكم في الدينِ من جميعِ أصنافِ المللِ والأديانِ، أن تبرُّوهم وتَصِلوهم وتُقْسِطوا إليهم. إِنَّ اللَّهَ ﷿ عمَّ بقولهِ: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ جميعَ مَن كان ذلك صفتَه، فلم يَخْصُصْ به بعضًا دونَ بعضٍ. ولا معنَى لقولِ مَن قال: ذلك مَنْسُوخٌ. لأن برَّ المؤمنِ من أهلِ الحربِ ممن بينَه وبينَه قَرابةُ نسبٍ (^١)، أو ممن لا قَرابةَ بينَه وبينَه ولا نسبَ (^١) - غيرُ محرَّمٍ ولا منهيٍّ عنه، إذا لم يَكُنْ في ذلك دلالةٌ له أو لأهلِ الحربِ على عورةٍ لأهلِ الإسلامِ، أو تقويةٌ لهم بكُراعٍ أو سلاحٍ. وقد بينَّ صحةَ ما قلنا في ذلك الخبرُ الذي ذكَرْناه عن ابنِ الزبيرِ في قصةِ أسماءَ وأمِّها.\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. يقولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحبُّ المنصِفين الذين يُنصِفون الناسَ، ويُعْطونهم الحقَّ والعدلَ من أنفسِهم، فيَبرُّون مَن بَرَّهم، ويُحْسِنون إلى مَن أحسَن إليهم.\n\n<span id=\"aya-5159\"></span><span data-type='title' id=toc-8987>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إنما ينهاكم اللَّهُ أيُّها المؤمِنون ﴿عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ من كفارِ أهلِ مكةَ، ﴿وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾. يقولُ: وعاونوا مَن أخرَجكم من ديارِكم على إخراجِكم، أن تولَّوهم فتكونوا لهم أولياءَ ونصراءَ، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ﴾. يقولُ: ومَن يَجْعَلْهم منكم أو من غيرِكم أولياء، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. يقولُ: فأولئك هم الذين تَوَلَّوا غيرَ الذي يجوزُ لهم أن يَتَولَّوهم، ووضَعوا ولا يتَهم في غيرِ موضِعِها، وخالَفوا أمرَ اللَّهِ في ذلك.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سبب\".","vol":"22","page":574},{"text":"وبنحوِ الذي قلْنا في معنى قولِه: ﴿الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾. قال: كفارِ أهلِ مكةَ (^١).\n\n<span id=\"aya-5160\"></span><span data-type='title' id=toc-8988>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: يأيُّها الذين آمَنوا إذا جاءكم النساءُ المؤمناتُ مهاجراتٍ من دارِ الكفرِ إلى دارِ الإسلامِ، فامْتَحِنوهن. وكانت محنةُ رسولِ اللَّهِ ﷺ إيَّاهن إذا قَدِمن مهاجراتٍ.\nكما حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، عن قيسِ بنِ الربيعِ، عن الأغرِّ بنِ الصباحِ، عن خليفةَ بنِ حصينٍ، عن أبي نصرٍ (^٢) الأسديِّ، قال: سُئل ابنُ عباسٍ: كيفَ كان امتحانُ رسولِ اللَّهِ ﷺ النساءَ؟ قال: كان يَمتَحِنُهنَّ: \"باللَّهِ ما خرَجتِ من بغضِ زوجٍ، وباللَّهِ ما خرَجتِ رغبةً عن أرضٍ إلى أرضٍ، وباللَّهِ ما خرَجتِ التماسَ دنيا، وباللَّهِ ما خرَجتِ إلا حبًّا للَّهِ ورسولِه؟ \" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٥٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٥ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نصرة\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١١٨ عن المصنف، وأخرجه البزار (٢٢٧٢ - كشف)، والحارث بن أبي أسامة (٧٢١ - بغية) من طريق قيس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"22","page":575},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عطيةَ، عن قيسٍ، قال: أخبَرنا الأغرُّ بنُ الصباحِ، عن خليفةَ بنِ حصينٍ، عن أبي نصرٍ، عن ابنِ عباسٍ في: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾. قال: كانت المرأةُ إذا أتَت رسولَ اللَّهِ ﷺ حلَّفها: \"باللَّهِ ما خرَجتِ\". ثم ذكَر نحوَه (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، أن عائشةَ قالت: ما كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يَمْتَحِنُ المؤمناتِ إلا بالآيةِ التي قال اللَّهُ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾. ولا، ولا (^٢).\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبَرني عُرْوةُ بنُ الزبيرِ، أن عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ قالت: كان المؤمناتُ إذا هاجَرْنَ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ بقولِ اللَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قالت عائشةُ: فمن أقرَّ بهذا من المؤمناتِ فقد أقرَّ بالمحبةِ، فكان رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا أقرَرْن بذلك من قولِهنَّ قال لهنَّ: \"انطلِقْنَ فقد بايعتُكنَّ\". ولا واللَّهِ ما مسَّت يدُ رسولِ اللَّهِ ﷺ يدَ امرأةٍ قطُّ، غيرَ أنه يُبايِعُهُنَّ بالكلامِ. قالت عائشةُ: واللَّهِ ما أخَذ رسولُ اللَّهِ ﷺ على النساءِ قطُّ إلا بما أمَره اللَّهُ ﷿، وكان يقولُ لهنَّ إذا أخذ عليهنَّ: \"قد بايعتُكنَّ\". كلامًا (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ١١٨.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٧ - ومن طريقه عبد بن حميد - كما في الدر المنثور ٦/ ٢٠٩ وعنه الترمذي (٣٣٠٦)، والبخاري (٧٢١٤) - عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٨٦٦)، وابن ماجه (٢٨٧٥) من طريق ابن وهب به، وأخرجه البخاري (٢٧١٣)، وابن مردويه - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٣٩ -، والبيهقي ٩/ ٢٢٨ من طريق الزهري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر.","vol":"22","page":576},{"text":"إلى قولِه: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: كان امتحانُهنَّ أن يَشْهَدْنَ ألا إلهَ إلا اللَّهُ، وأن محمدًا عبدُه (^١) ورسولُه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾. قال: سَلُوهنَّ ما جاء بهنَّ، فإن كان جاء بهنَّ غَضَبٌ على أزواجِهنَّ، أو سخطةٌ، أو غيرُه، ولم يُؤْمِنَّ، فارجِعوهنَّ إلى أزواجِهنَّ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾. قال: كانت محنتُهنَّ أن يُسْتَحْلَفْنَ باللَّهِ: ما أَخْرَجَكُنَّ النشوزُ، وما أَخْرَجَكُنَّ إلا حبُّ الإسلامِ وأهلِه وحرصٌ عليه؟ فإذا قُلْن ذلك قُبِل ذلك منهنَّ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾. قال: يَحْلِفْنَ ما خَرَجْنَ إلا رغبةً في الإسلامِ، وحبًّا للَّهِ ورسولِه (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، أو عكرِمةَ: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ (^٦) الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾. قال: يقالُ: ما جاء بكِ إلا حبُّ اللَّهِ ورسولِه، ولا جاء بكِ عشقُ رجلٍ منَّا، ولا فرارٌ من زوجِك؟ فذلك قولُه:\n_________\n(^١) في ص، ت ٢: \"عبد الله\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٧ إلى ابن مردويه.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٥٥، ٦٥٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٦، ٢٠٧ إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٨ عن معمر به.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جاءك\".","vol":"22","page":577},{"text":"﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: كانت المرأةُ من المشرِكين إذا غضِبت على زوجِها وكان بينَه وبينَها كلامٌ قالت: واللَّهِ لأُهَاجِرَنَّ إلى محمدٍ ﷺ وأصحابِه. فقال اللَّهُ ﷿: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾: أن كان الغضبُ أتَى بها فرُدُّوها، وإن كان الإسلامُ أتَى بها فلا تردُّوها (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى عمرُو بنُ الحارثِ، عن بكيرِ بنِ الأشجِّ، قال: كان امتحانُهنَّ: إنه لم يُخْرِجْكِ إلا الدينُ.\nوقولُه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾. يقولُ: اللَّهُ أعلمُ بإيمانِ مَن جاء من النساءِ مهاجراتٍ إليكم.\nوقولُه: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾. يقولُ: فإن أقْرَرنَ عندَ المحنةِ بما يَصِحُّ به عقدُ الإيمانِ لهنَّ والدخولُ في الإسلامِ، فلا تردُّوهنَّ عندَ ذلك إلى الكفارِ. وإنما قيل ذلك للمؤمنين؛ لأن العهدَ كان جرَى بينَ رسولِ اللَّهِ ﷺ وبينَ مُشْرِكي قريشٍ في صلحِ الحديبيةِ أن يرُدَّ المسلمون إلى المشرِكين مَن جاءهم مسلمًا، فأُبطِل ذلك الشرطُ في النساءِ إِذا جِئْنَ مؤمناتٍ مهاجراتٍ فامتُحِنَّ، فوجَدَهن المسلمون مؤمناتٍ، وصحَّ ذلك عندَهم بما قد ذكَرْنا قبلُ، وأُمِروا ألا يَرُدُّوهنَّ إلى المشرِكين إذا عُلِم أنهن مؤمناتٌ، وقال جلَّ ثناؤُه لهم: ﴿فَإِنْ (^٣) عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾. يقولُ: لا المؤمناتُ حلٌّ للكفارِ، ولا الكفارُ يَحِلُّون للمؤمناتِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك جاءت الآثارُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قوله.\n(^٢) عزاه الحافظ في الفتح ٨/ ٦٣٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"فإذا\".","vol":"22","page":578},{"text":"ذكرُ بعضِ ما رُوِي في ذلك من الأثرِ\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ، قال: دخَلتُ على عُرْوةَ بنِ الزُّبيرِ وهو يَكْتُبُ كتابًا إلى ابنِ أبي هُنَيدٍ (^١) صاحبِ الوليدِ بنِ عبدِ الملكِ، وكتَب إليه يَسْأَلُه عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. وكتَب إليه عُرْوةُ بنُ الزُّبيرِ: إن رسولَ اللَّهِ ﷺ كان صالَحَ قريشًا عامَ الحديبية على أن يَرُدَّ عليهم من جاء بغيرِ إذنِ وليِّه، فلما هاجَر النساءُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ وإلى الإسلامِ، أبَى اللَّهُ أن يُرْدَدْنَ إلى المشرِكين إذا هنَّ امتُحِنَّ محنةَ الإسلامِ، فعرفوا أنهن إنما جِئْن رغبةً فيه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-8989>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾.</span>\nوقولُه: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وأَعطوا المشرِكين الذين جاءكم نساؤُهم مؤمناتٍ - إذا علِمتُموهنَّ مؤمناتٍ، فلم تَرْجِعوهنَّ إليهم - ما أنفَقوا في نكاحِهم إيَّاهنَّ من الصداقِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) في سيرة ابن هشام: \"هنيدة\". والمثبت موافق لما في سنن البيهقي. وقال المزي في تهذيب الكمال ١٧/ ٤٧١: عبد الرحمن بن هنيدة، ويقال: ابن أبي هنيدة.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٢٦، وأخرجه البيهقي ٩/ ٢٢٨، ٢٢٩ من طريق ابن إسحاق به، وأخرجه ابن سعد ٨/ ١٢، ١٣ من طريق ابن أخي الزهري، عن الزهري.","vol":"22","page":579},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إلى قولِه: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قال: كان امتحانُهن أن يَشْهَدْن ألا إلهَ إلا اللَّهُ، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه. فإذا علِموا أن ذلك حقٌّ منهنَّ لم يَرْجِعوهُنَّ إلى الكفارِ، وأُعْطِيَ بعلُها من الكفارِ الذين عقَد لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ صداقَه الذي أصدَقها (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾: وآتُوا أَزواجَهن صَدُقاتِهن (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ حتى بلَغ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: هذا حكمٌ حكَمه اللَّهُ ﷿ بينَ أهلِ الهدَى وأهلِ الضلالةِ، كنَّ إذا فرَرْنَ من المشرِكين الذين بينَهم وبينَ نبيِّ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه عهدٌ - إلى أصحابِ نبيِّ اللَّهِ ﷺ، فتزوَّجُوهن، بعَثوا مُهورَهنَّ إلى أزواجِهن من المشرِكين الذين بينَهم وبينَ (^٣) نبيِّ اللَّهِ ﷺ، عهدٌ، وإذا فرَرْن من أصحابِ نبيِّ اللَّهِ ﷺ إلى المشرِكين الذين بينَهم وبينَ نبيِّ اللَّهِ ﷺ عهدٌ فتزوَّجوا (^٤) بعَثوا بمهورِهن إلى أزواجِهن من أصحابِ نبيِّ اللَّهِ ﷺ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: نزَلت عليه وهو بأسفلِ الحُديبيةِ، وكان النبيُّ ﷺ صالَحهم أنه مَن أتاه منهم ردَّه إليهم، فلما جاءَه النساءُ نزَلت عليه هذه الآيةُ، وأمَره أن يَرُدَّ الصداقَ إلى أزواجِهن، وحكَم\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٧ إلى ابن مردويه.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٥٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أصحاب\".\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) أخرجه ابن الجوزي في النواسخ ص ٤٩٠ من طريق سعيد به.","vol":"22","page":580},{"text":"على المشرِكين مثلَ ذلك إذا جاءتهم امرأةٌ من المسلمين، أن يرُدُّوا الصداقَ إلى أزواجِهن، فقال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾: كان نبيُّ اللَّهِ ﷺ عاهَد من المشرِكين ومِن أهلِ الكتابِ، فعاهَدهم وعاهَدوه، وكان في الشرطِ أن يَرُدُّوا الأموالَ والنساءَ، فكان نبيُّ اللَّهِ إذا فاته أحدٌ من أزواجِ المؤمنين، فلحِق بالمعاهِدَةِ تاركًا لدينِه مختارًا للشركِ، ردَّ على زوجِها ما أنفَق عليها، وإذا لحِق بنبيِّ اللَّهِ ﷺ أحدٌ من أزواجِ المشرِكين، امتحنَها نبيُّ اللَّهِ ﷺ، فسأَلها: \"ما أخرَجَكِ من قومِك؟ \". فإن وجَدها خرَجت تريدُ الإسلامَ قبِلها رسولُ اللَّهِ ﷺ، وردَّ على زوجِها ما أنفَق عليها، وإن وجَدها فرَّت من زوجِها إلى آخرَ بينَها وبينَه قرابةٌ، وهي مُتَمَسِّكَةٌ بالشركِ، ردَّها رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى زوجِها من المشرِكين.\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ الآية كلّها. قال: لما هادن رسولُ اللَّهِ ﷺ المشرِكين كان في الشرطِ الذي شُرِط أن تَرُدَّ إلينا مَن أتاك منا، ونرُدَّ إليك مَن أتانا منكم، فقال النبيُّ ﷺ: \"مَن أتانا منكم فنرُدُّه إليكم، ومن أتاكم منا فاختار الكفرَ على الإيمانِ فلا حاجةَ لنا فيهم\". قال: فأبَى اللَّهُ ذلك للنبيِّ ﷺ في النساءِ، ولم يَأْبَه للرجالِ، فقال اللَّهُ ﷿: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾: أزواجَهن.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٨ إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر.","vol":"22","page":581},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن بُكيرِ بنِ الأشجِّ، قال: كان بينَ رسولِ اللَّهِ ﷺ والمشرِكين هدنةٌ في من فرَّ من النساءِ، فإذا فرَّت المشركةُ أعطى المسلمون زوجَها نفقتَه عليها، وكان المسلمون يَفْعَلون، وكان إذا لم يُعْطِ هؤلاء ولا هؤلاء، أخرَج المسلمون للمسلمِ الذي ذهَبت امرأتُه نفقتَها.\nوقولُه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا حرجَ عليكم أيُّها المؤمنون أن تَنْكِحوا هؤلاء المهاجراتِ اللاتي لحِقن بكم من دارِ الحربِ مفارِقاتٍ لأزواجِهن، وإن كان لهن أزواجٌ في دارِ الحربِ، إذا علِمتُموهن مؤمناتٍ، إذا أنتم أعطَيتُموهن أجورَهن. ويعني بالأجورِ: الصَّدُقاتِ.\nوكان قتادةُ يقولُ: كنَّ إذا فرَرْن من المشرِكين الذين بينَهم وبينَ نبيِّ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه عهدٌ - إلى أصحابِ نبيِّ اللَّهِ ﷺ فتزوَّجُوهن، بعَثوا بمهورِهن إلى أزواجِهن من المشرِكين، الذين بينَهم وبينَ أصحابِ نبيِّ اللَّهِ ﷺ عهدٌ. حدَّثنا بذلك بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ (^١).\nوكان الزهريُّ يقولُ: إنما أمَر اللَّهُ بردِّ صداقِهنَّ إليهم إذا حُبِسن عنهم، إن هم ردُّوا على المسلمين صداقَ مَن حَبَسُوا عنهم من نسائِهم. حدَّثنا بذلك ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾: ولها زوجٌ ثَمَّ؛ لأنه فرَّق بينَهما الإسلامُ إِذا استُبرِئَت (^٣) أرحامُهن.\n_________\n(^١) تقدم في ص ٥٨٠.\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٢٦ من قول عروة.\n(^٣) في م: \"استبرأتن\".","vol":"22","page":582},{"text":"وقولُه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه للمؤمنين به من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: لا تُمْسِكوا أيُّها المؤمنون بحبالِ النساءِ الكوافرِ وأسبابِهن.\nوالكوافرُ جمعُ كافرةٍ، والعِصمُ جمعُ عِصْمَةٍ، وهي ما اعتصَم به من العقدِ والسببِ، وهذا نهيٌ من اللَّهِ للمؤمنين عن الإقدامِ (^١) على نكاحِ النساءِ المشركاتِ من أهلِ الأوثانِ، وأمرٌ لهم بفراقِهن.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن المسورِ بنِ مخرمةَ ومروانَ بنِ الحكمِ، أن النبيَّ ﷺ جاءه نسوةٌ مؤمناتٌ بعدَ أن كتَب كتابَ القضيةِ بينَه وبينَ قريشٍ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾. حتى بلَغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. فطلَّق عمرُ يومَئذٍ امرأتين كانتا له بالشركِ، فتزوَّج إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ، والأخرى صفوانُ بنُ أميةَ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: بَلَغنا أنَّ آيةَ المحنةِ التي مادَّ (^٣) فيها رسولُ اللَّهِ ﷺ كفارَ قريشٍ، مِن أجلِ العهدِ الذي كان بينَ كفارِ قريشٍ وبينَ النبيِّ ﷺ، فكان النبيُّ ﷺ يَردُّ إلى كفارِ قريشٍ ما\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢: \"المقدام\"، وفي ت ٣: \"القدام\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٧٢٠)، والطبراني ٢٠/ ٩ (١٣)، والبيهقي ٧/ ١٧١ من طريق معمر به، وينظر ما تقدم في ٣/ ٣٦٢، ٣٦٣.\n(^٣) ماد فيها: أي: أطالها. النهاية ٤/ ٣٠٩.","vol":"22","page":583},{"text":"أنفَقوا على نسائِهم اللاتي يُسْلِمْن ويهاجِرْنَ - وبعولتُهُنَّ كفارٌ - للعهدِ الذي كان بينَ النبيِّ ﷺ وبينَهم، ولو كانوا حربًا ليست بينَهم وبينَ النبيِّ ﷺ مدَّةٌ وعقدٌ لم يردَّ عليهم شيئًا مما أنفَقوا، وحكَم اللَّهُ للمؤمنين على أهلِ المدَّةِ مِن الكفارِ بمثلِ ذلك، قال اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ حتى بلَغ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. فطلَّق المؤمنون حينَ أُنزِلت هذه الآيةُ كلَّ امرأةٍ كافرةٍ كانت تحتَ رجلٍ منهم، فطلَّق عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ امرأتَه ابنةَ أبي أميةَ بنِ المغيرةِ مِن بني مخزومٍ، فتزوَّجها معاويةُ بنُ أبي سفيانَ، وابنةَ جَرْوَلٍ مِن خُزَاعةَ، فتزوَّجها أبو جهمِ بنُ حُذافةَ العدوِيُّ، وجعَل اللَّهُ ذلك حُكْمًا حكَم به بينَ المؤمنين والمشركين في هذه المدَّةِ التي كانت (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: وقال الزهريُّ: لما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. كان ممن طلَّق عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ امرأتَه قُرَيبةَ ابنةَ أبي أميةَ بنِ المغيرةِ، فتزوَّجها بعدَه معاويةُ بنُ أبي سفيانَ، وهما على شركِهما بمكةَ، وأمَّ كلثومٍ ابنةَ جَرْوَلٍ الخزاعيةَ، أمَّ عُبَيْدِ (^٢) اللَّهِ بنِ عمرَ، فتزوَّجها أبو جهمِ بنُ حُذافةَ (^٣) بنِ غانمٍ، رجلٌ مِن قومِه، وهما على شركِهما، وطلحةُ بنُ عبيدِ اللَّهِ بنِ عثمانَ بنِ عمرٍو التيميُّ؛ كانت عندَه أرْوَى بنتُ ربيعةَ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ المطلبِ، ففرَّق بينَهما الإسلامُ حينَ نَهى القرآنُ عن التمسكِ بعِصمِ الكوافرِ، وكان طلحةُ قد هاجَر وهي بمكةَ على دينِ قومِها، ثم تزوَّجها في الإسلامِ بعدَ طلحةَ [خالدُ بنُ] (^٤)\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٧ إلى ابن مردويه.\n(^٢) في النسخ: \"عبد\". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تاريخ المصنف ٤/ ١٩٩، والإصابة ٥/ ٥٢، ٨/ ٢٩٢.\n(^٣) في سيرة ابن هشام، وغوامض الأسماء: \"حذيفة\". والمثبت موافق لما في تاريخ المصنف.\n(^٤) في ص، ت ٢، ت ٣: \"حابس\".","vol":"22","page":584},{"text":"سعيدِ بنِ العاصِ بنِ أميةَ بنِ عبدِ شمسٍ، وكان ممن فرَّ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن نساءِ الكفارِ، ممن لم يكنْ بينَه وبينَ رسولِ اللَّهِ ﷺ عهدٌ، فحبَسها وزوَّجها رجلًا مِن المسلمين، أميمةُ بنتُ بشرٍ الأنصاريةُ، ثم إحدى نساءِ بني أميةَ بنِ زيدٍ مِن (^١) أوسِ اللَّهِ، كانت عندَ ثابتِ بن الدَّحداحةِ، ففرَّت منه - وهو يومَئذٍ كافرٌ - إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فزوَّجها رسولُ اللَّهِ ﷺ سهلَ بنَ حُنيفٍ، أحدَ بني عمرِو بنِ عوفٍ، فولَدتْ عبدَ اللَّهِ بنَ سهلٍ (^٢).\nحدَّثني ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ: قال اللَّهُ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. قال الزهريُّ: فطلَّق عمرُ امرأتين كانتا له بمكةَ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. قال: أصحابُ محمدٍ، أُمِروا بطلاقِ نسائِهم؛ كوافرَ بمكةَ قعَدْن مع الكفارِ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾: مشركاتِ العربِ اللاتي يأبَيْن الإسلامَ، أُمِر أن يُخَلَّى سبيلُهنَّ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾: إذا كفَرت المرأةُ فلا تُمْسِكوها، خلُّوها، وقعَت الفرقةُ فيما بينَها وبينَ زوجِها حينَ كفَرت.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بن\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٢٧، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٤٠، وأخرجه ابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة ٢/ ٧١٧ من طريق سلمة به. وهو عندهم مختصر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٨ عن معمر به.\n(^٤) تفسير مجاهد ٦٥٦، ومن طريقه الفريابي، وعبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٣٨ - والبيهقي ٧/ ١٧١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٦ إلى ابن المنذر.","vol":"22","page":585},{"text":"واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الحجازِ والمدينةِ والكوفةِ والشامِ، ﴿وَلَا تُمْسِكُوا﴾ بتخفيفِ السينِ (^١). وقرَأ ذلك أبو عمرٍو: (تُمَسِّكُوا) بتشديدِها (^٢)، وذُكر أنَّها قراءةُ الحسنِ (^٣). واعتبر مَن قرَأ ذلك بالتخفيفِ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، ولغتان مشهورتان، محكيٌّ عن العربِ: أمسكتُ به، ومَسَكْتُ، وتمسَّكْتُ به.\nوقولُه: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لأزواجِ اللواتي لحِقْنَ مِن المؤمنين مِن دارِ الإسلامِ بالمشركين إلى مكةَ مِن كفارِ قريشٍ: واسألوا أيُّها المؤمنون الذين ذهبَتْ أزواجُهم فلحِقْنَ بالمشركين - ما أنفَقتم على أزواجِكم اللواتي لحِقْنَ بهم مِن الصداقِ، مَن تزوَّجهنَّ منهم، وليَسْألْكم المشركون منهم الذين لحِق بكم أزواجُهم مؤمناتٍ، إذا تزوَّجن فيكم، مَن تزوَّجها منكم، ما أنفقوا عليهنَّ مِن الصداقِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أقرَّ المؤمنون بحكمِ اللَّهِ، وأدَّوا ما أُمروا بهِ مِن نفقاتِ المشركين التي أنفقوا على نسائِهم، وأبَى المشركون أن يُقِرُّوا بحكمِ اللَّهِ فيما فُرِض عليهم مِن أداءِ نفقاتِ المسلمين (^٤).\n_________\n(^١) وهي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وأبي جعفر وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٨٩.\n(^٢) وبها قرأ يعقوب من العشرة. المصدر السابق.\n(^٣) وهي إحدى الروايات عن الحسن، وبها قرأ مجاهد بخلاف عنه وابن جبير والأعرج، وعن الحسن (تَمَسَّكوا). وبها قرأ ابن أبي ليلى وابن عامر في رواية عبد الحميد وأبو عمرو في رواية معاذ. وعن الحسن (تمسِكوا) بكسر السين مضارع \"مسك\" ثلاثيا. البحر المحيط ٨/ ٢٥٧.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٢١ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٧ إلى ابن مردويه.","vol":"22","page":586},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾. قال: ما ذهَب مِن أزواجِ أصحابِ محمدٍ ﷺ إلى الكفارِ، فلْيُعْطِهم الكفارُ صَدُقَاتِهِنَّ، ولْيُمْسِكوهنَّ، وما ذهَب مِن أزواجِ الكفارِ إلى أصحابِ النبيِّ ﷺ فمثلُ ذلك، في صلحٍ كان بينَ محمدٍ ﷺ وبينَ قريشٍ (^١).\nوقولُه: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الحكمُ الذي حكمتُ بينَكم مِن أمرِكم أيُّها المؤمنون بمسألةِ المشركين ما أنفَقتم على أزواجِكم اللاتي لحِقْنَ بهم، وأَمْرِهم بمسأَلتِكم مثلَ ذلك في أزواجِهنَّ اللاتي لحِقْنَ بكم - حكمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بينَكم فلا تَعْتَدُوه، فإنه الحقُّ الذي لا يُسْمعُ غيرُه. فانتهى المؤمنون مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، فيما ذُكر، إلى أمرِ اللَّهِ وحكمِه، وامتَنع المشركون منه، وطلَبوا الوفاءَ بالشروطِ التي كانوا شارَطوها بينَهم في ذلك الصلحِ. وبذلك جاءت الآثارُ والأخبارُ عن أهلِ السِّيرِ وغيرِهم.\nذكرُ الروايةِ بذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: أما المؤمنون فأقرُّوا بحكمِ اللَّهِ، وأما المشركون فأبَوْا أن يُقرِّوا، فأنزَل اللَّهُ ﷿: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ الآية (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ، قال:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٥٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٨ إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر.","vol":"22","page":587},{"text":"قال اللَّهُ: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، فأمسَك رسولُ اللَّهِ ﷺ النساءَ، وردَّ الرجالَ، وسألَ الذي أمَرَه اللَّهُ أن يسألَ مِن صَدُقَاتِ النساءِ مَن حبسوا منهنَّ، وأن يردُّوا عليهم مثلَ الذي يردُّون عليهم إن هم فعلوا، ولولا الذي حكَم اللَّهُ به مِن هذا الحكمِ، ردَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ النساءَ كما ردَّ الرجالَ، ولولا الهدنةُ والعهدُ الذي كان بينَه وبينَ قريشٍ يومَ الحديبيةِ، أمسَك النساءَ ولم يَرْدُدْ إليهم صداقًا، وكذلك يصنعُ بمن جاءه مِن المسلماتِ قبلَ العهدِ (^١).\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللَّهُ ذو علمٍ بما يُصْلِحُ خلْقَه، وغيرِ ذلك مِن الأمورِ، حكيمٌ في تدبيرِه إيَّاهم.\n\n<span id=\"aya-5161\"></span><span data-type='title' id=toc-8990>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾.</span>\nيقولُ جلَّ ثناؤُه للمؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: وإن فاتكم أيُّها المؤمنون شيءٌ من أزواجِكم إلى الكفارِ فلحِق بهم.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في الكفارِ الذين عُنُوا بقولِه: ﴿إِلَى الْكُفَّارِ﴾ مَن هم؟ فقال بعضُهم: هم الكفارُ الذين لم يكنْ بينهم وبينَ رسولِ اللَّهِ ﷺ عهدٌ. قالوا: ومعنى الكلامِ: وإن فاتكم شيءٌ مِن أزواجِكم إلى مَن ليس بينَكم وبينَهم عهدٌ مِن الكفارِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾: الذين ليس بينَكم وبينهم\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٢٦، ٣٢٧ من قول عروة.","vol":"22","page":588},{"text":"عهدٌ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾: إذا فرَرْن مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ إلى كفارٍ ليس بينهم وبينَ رسولِ اللَّهِ ﷺ عهدٌ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾. قال: مَن (^٣) لم يكنْ بينَهم عهدٌ.\nوقال آخرون: بل هم كفارُ قريشٍ الذين كانوا أهلَ هدنةٍ، وذلك قولُ الزهريِّ.\nحدَّثني بذلك يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ عنه (^٤).\nوقولُه: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ بالألفِ على مثالِ \"فاعَلْتُم\"، بمعنى: أصَبْتم منهم عُقْبى. وقرَأه حميدٌ الأعرجُ فيما ذُكر عنه: (فَعَقَّبْتُمْ). على مثالِ \"فعَّلْتم\"، مشدَّدة القافِ (^٥). وهما في اختلافِ الألفاظِ بهما نظيرُ قولِه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: ١٨]. و(تُصاعِرْ) مع تقاربِ معانيهما (^٦).\nقال أبو جعفرٍ: وأولى القراءتين عندي بالصوابِ في ذلك قراءةُ مَن قرَأه: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ بالألفِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه.\nوقولُه: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾. يقولُ: فأَعْطوا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٥٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سيأتي تخريجه في ص ٥٩٢.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٥٨٦.\n(^٥) مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٥٦.\n(^٦) ينظر ما تقدم في ١٨/ ٥٥٩.","vol":"22","page":589},{"text":"الذين ذهبَت أزواجُهم منكم إلى الكفارِ مثلَ ما أنفَقوا عليهنَّ مِن الصداقِ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في المالِ الذي أُمِر أن يُعْطَى منه الذي ذهبَت زوجتُه إلى المشركين؛ فقال بعضُهم: أُمِروا أن يُعْطوهم من (^١) صداقِ مَن لحِق بهم مِن نساءِ المشركين.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن الزهريِّ، قال: أقرَّ المؤمنون بحكمِ اللَّهِ، وأدَّوا ما أُمِروا به من نفقاتِ المشركين التي أنفقوا على نسائِهم، وأبَى المشركون أن يُقِرُّوا بحكمِ اللَّهِ فيما فرَض عليهم مِن أداءِ نفقاتِ المسلمين، فقال اللَّهُ للمؤمنين: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. فلو أنَّها ذهَبت بعد هذه الآيةِ امرأةٌ مِن أزواجِ المؤمنين إلى المشركين، ردَّ المؤمنون إلى زوجِها النفقةَ التي أنفَق عليها مِن العُقْبِ الذي بأيديهم، الذي أُمِروا أن يردُّوه على المشركين مِن نفقاتِهم التي أنفَقوا على أزواجِهم، اللاتي آمَنَّ وهاجَرْن، ثم رَدُّوا إلى المشركين فضلًا إن كان بقِي لهم. والعُقْبُ ما كان بأيدي المؤمنين مِن صداقِ نساءِ الكفارِ حينَ آمَنَّ وهاجَرْن (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: أنزَل اللَّهُ: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾. فأمَر اللَّهُ المؤمنين أن يردُّوا الصداقَ إذا ذهَبت امرأةٌ من المسلمين ولها\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٥٨٦.","vol":"22","page":590},{"text":"زوجٌ، أن يرُدَّ إليه المسلمون صداقَ امرأتِه، مِن صداقٍ إن كان في أيديهم مما أُمِروا أن يردُّوا إلى المشركين (^١).\nوقال آخرون: بل أُمِروا أن يُعْطوه مِن الغنيمةِ أو الفَيءِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. يعني: إن لحِقَتِ امرأةُ رجلٍ مِن المهاجرين بالكفارِ، أمَر له رسولُ اللَّهِ ﷺ أَن يُعْطَى مِن الغنيمةِ مثلَ ما أنفَق (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، أنهم كانوا أُمِروا أن يردُّوا عليهم مِن الغنيمةِ. وكان مجاهدٌ يقرَأُ: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾. يقولُ: أصَبْتم مغنمًا مِن قريشٍ أو غيرِهم، ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٨ إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٢١ عن العوفي، عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٨ عن معمر به.","vol":"22","page":591},{"text":"أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾: صَدُقاتِهنَّ عِوَضًا (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾. قال: مَن لم يكنْ بينَهم وبينَهم (^٢) عهدٌ فذهَبت امرأةٌ (^٣) إلى المشركين، فيُدْفَعُ إلى زوجِها مهرُ مثلِها، ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ فأصبْتم غنيمةً، ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. قال: مَهْرُ مثلِها يُدْفَعُ إلى زوجِها (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: كنَّ إذا فرَرْن مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ إلى كفارٍ ليس بينَهم وبين نبيِّ اللَّهِ عهدٌ، فأصاب أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ غنيمةً، أُعْطِي زوجُها ما ساق إليها مِن جميعِ الغنيمةِ، ثم يَقْتَسِمون غنيمتَهم (^٥).\nحدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: سمِعتُ الكسائيَّ يخبِرُ عن زائدةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ أنه قرَأها: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾. وفسَّرها: فغنِمْتم (^٦).\nحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾. قال: غنِمْتم (^٧).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٥٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ص، ت ٢، ت ٣: \"امرأته\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٦٣ من طريق سفيان، عن خصيف، عن مجاهد.\n(^٥) أخرجه ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٤٩٠ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٦، ٢٠٧ إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٦٣ من طريق الأعمش به.\n(^٧) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ١٢١.","vol":"22","page":592},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: سألْنا الزهريَّ عن هذه الآيةِ وقولِ اللَّهِ فيها: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ الآية. قال: يقولُ: إن فات أحدًا منكم أهلُه إلى الكفارِ، ولم تأْتِكم امرأةٌ تأخُذون لها مثلَ الذي يأخُذون منكم، فعوِّضوه مِن فَيْءٍ إِن أصبْتموه (^١).\nوقال آخرون في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾. قال: خرَجت امرأةٌ مِن أهلِ الإسلامِ إلى المشركين ولم يَخْرُجْ غيرُها. قال: فأَتت امرأةٌ مِن المشركين، فقال القومُ: هذه عُقْبتُكم قد أتَتْكم. فقال اللَّهُ: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾: أمسَكْتم الذي جاءكم منهم مِن أجلِ الذي لكم عندَهم، ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾. ثم أخبَرهم اللَّهُ أنه لا جناحَ عليهم إذا فعَلوا الذي فعَلوا، أن يَنكِحوهنَّ إذا استُبْرِئ رحمُها. قال: فدعا رسولُ اللَّهِ ﷺ ذهَبت امرأتُه إلى الكفارِ، فقال لهذه التي أتت من عندِ المشركين: \"هذا زوج التي ذهَبتْ أُزوِّجُكِه؟ \". فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، عذَر اللَّهُ زوجةَ هذا أن تَفِرَّ منه، لا واللَّهِ مالي به حاجةٌ. فدعا البَخْتَريَّ، رجلًا جسيمًا، قال: \"هذا؟ \" قالت: نعم. وهي ممن جاء مِن مكةَ.\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندي بالصوابِ أن يقالَ: أمَر اللَّهُ ﷿ في هذه الآيةِ المؤمنين أن يُعْطوا مَن فرَّت زوجتُه مِن المؤمنين إلى أهلِ الكفرِ إذا هم كانت لهم على أهل الكفرِ عُقْبى؛ إما بغنيمةٍ يُصِيبونها منهم، أو بلحاقِ نساءِ بعضِهم بهم - مثلَ الذي أنفقوا على الفارَّةِ منهم إليهم، ولم يَخْصُصْ إيتاءَهم ذلك مِن مالٍ دونَ مالٍ، فعليهم أن يُعْطوهم ذلك مِن كلِّ الأموالِ التي ذكَرناها.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٢٧.","vol":"22","page":593},{"text":"وقولُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ يقولُ: وخافوا اللَّهَ الذي أنتم به مصدِّقون أيُّها المؤمنون، فاتقوه بأداءِ فرائضِه واجتنابِ معاصيه.\n\n<span id=\"aya-5162\"></span><span data-type='title' id=toc-8991>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يأيُّها النبيُّ إذا جاءك المؤمناتُ باللَّهِ ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾. يقولُ: ولا يأتين بكذبٍ يَكْذِبْنه في مولودٍ يوجَدُ بينَ أيدِيهنَّ وأرجلِهنَّ. وإنما معنى الكلامِ: ولا يُلْحِقْن بأزواجِهنَّ غيرَ أولادِهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾. يقولُ: لا يُلْحِقْن بأزواجِهنَّ غيرَ أولادِهم (^١).\nوقولُه: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. يقولُ: ولا يَعْصِينك يا محمدُ في معروفٍ مِن أمرِ اللَّهِ ﷿ تأمرُهنَّ به. وذُكر أنَّ ذلك المعروفَ الذي شُرِط عليهنَّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٧ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.","vol":"22","page":594},{"text":"ألا يَعْصِين رسولَ اللَّهِ ﷺ فيه، هو النياحةُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. يقولُ: لا يَنُحْنَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال: النَّوْحِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سالمٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا موسى بنُ عميرٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال: في نِياحةٍ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال: النَّوْحِ.\nقال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال: لا يَخْدِشْن وجهًا، ولا يَشْقُقْن جيبًا، ولا يدعُون ويلًا، ولا يَنْشُدْن شِعْرًا (^٥).\n_________\n(^١) تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة، وسقط بقيته من مطبوعة الدر المنثور، وهو بتمامه في المخطوطة المحمودية ص ٤١٥، ولم يرد هذا اللفظ عند ابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١٢/ ٢٣٧ من طريق سفيان به، وهو في تفسير مجاهد ص ٦٥٧ من طريق منصور به.\n(^٣) أخرجه أحمد بن منيع - كما في المطالب العالية (٤١٤٧) - عن جرير به.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٢٧.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٩٠، وابن عبد البر في التمهيد ١٢/ ٢٣٨ من طريق سفيان به.","vol":"22","page":595},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت محنةُ النساءِ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أمَر عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ فقال: \"قلْ لهنَّ: إنَّ رسولَ اللَّهِ يُبايعْكنِّ على ألا تُشْرِكْنَ باللَّهِ شيئًا\". وكانت هندُ بنتُ عتبةَ بنِ ربيعةَ التي شقَّت بطنَ حمزةَ رحمةُ اللَّهِ عليه مُتنكِّرةً في النساءِ، فقالت: إني إنْ أتكلَّمْ يعرفْني، وإن عرَفني قتَلني. وإنما تنكَّرَتْ فَرَقًا مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ، فسكَت النسوةُ اللَّاتي مع هندٍ، وأبَيْن أن يتكلَّمْن، قالت هندٌ وهي مُتنكِّرةٌ: كيف يَقْبَلُ من النساءِ شيئًا لم يَقْبَلْه مِن الرجالِ؟ فنظَر إليها رسولُ اللَّهِ ﷺ وقال لعمرَ: \"قلْ لهنَّ: ولا يَسْرِقن\". قالت هندٌ: واللَّهِ إني لأصيبُ مِن أبي سفيانَ الهَنَاتِ ما أدري أيُحِلُّهنَّ لي أم لا. قال أبو سفيانَ: ما أصبْتِ مِن شيءٍ مضَى أو قد بَقِي، فهو لك حلالٌ. فضحِك رسولُ اللَّهِ ﷺ وعرَفها، فدعاها فأتَتْه، فأخَذتْ بيدِه فعاذت به، فقال: \"أنتِ هندٌ؟ \". فقالت: عفا اللَّهُ عما سلَف، فصرَف عنها رسولُ اللَّهِ ﷺ، فقال: \" ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾ \". فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، وهل تزني الحرَّةُ؟ قال: \"لا واللَّهِ ما تزنِي الحرَّةُ\". قال: \" ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ \". قالت هندٌ: أنتَ قتَلتَهم يومَ بدرٍ، فأنت وهم أبصرُ. قال: \" ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ \". قال: منعهنَّ أنّ يَنُحْن، وكان أهلُ الجاهليةِ يُمزِّقْن الثيابَ، ويَخْدِشْن الوجوهَ، ويَقْطَعْن الشعورَ، ويدْعُون بالثُّبورِ والويلِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ حتى بلَغ: ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾: ذُكِر لنا أنَّ نبيَّ اللَّهِ ﷺ أَخَذ عليهنَّ يومئذٍ النياحةَ: و\"لا تُحدِّثْن الرجالَ، إلا رجلًا منكنَّ مَحْرَمًا\". فقال عبدُ الرحمنِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٠ إلى المصنف وابن مردويه.","vol":"22","page":596},{"text":"ابنُ عوفٍ: يا نبيَّ اللَّهِ إنَّ لنا أضيافًا، وإنا نَغِيبُ عن نسائِنا. قال: فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ليس أولئك عَنيتُ، ليسَ أولئك عَنيتُ\" (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال: هو النَّوْحُ، أُخِذ عليهنَّ لا يَنُحْن، ولا يَخْلُونَّ بحديثِ الرجالِ إلا مع ذي مَحْرمٍ، قال: فقال عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ: إنا نَغِيبُ ويكونُ لنا أضيافٌ. قال: \"ليس أولئك عنيتُ\" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: أخبَرنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال: لا يُحدِّثْن رجلًا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى ابنُ عياشٍ، عن سليمانَ بنِ سليمٍ (^٣)، عن عمرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: جاءت أُميمةُ بنتُ رقيقةَ إلى النبيِّ ﷺ تُبايعُه على الإسلامِ، فقال لها النبيُّ ﷺ: \"أُبايعُكِ على ألا تُشْرِكي باللَّهِ شيئًا، ولا تسرِقي، ولا تزنِي، ولا تقتُلي ولدَك، ولا تأتِي ببهتانٍ تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرَّجي تبرجَ الجاهليةِ الأولى\" (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن محمدِ بن المنكدرِ، عن أُميمةَ بنتِ رقيقةَ، قالت: جاءت نسوةٌ إلى النبيِّ ﷺ يُبايِعْنَه، فقال: \"فيما اسْتَطَعْتُنَّ وأَطَقْتُنَّ\". فقلنا: اللَّهُ ورسولُه أرحَمُ بنا منا بأنفسِنا (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٢٧ عن المصنف.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٩ عن معمر به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"سليمان\"، وفي ت ٣: \"سلمان\". والمثبت من مصدري التخريج، وتهذيب الكمال ١١/ ٤٣٩.\n(^٤) أخرجه ابن عساكر ص ٥٥ - تراجم النساء - من طريق ابن وهب، به، وأخرجه أحمد ١١/ ٤٣٧ (٦٨٥٠)، ومن طريقه ابن عساكر ص ٥٥ - تراجم النساء - من طريق ابن عياش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٩ إلى ابن مردويه.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٨٢٦)، وأحمد ٦/ ٣٥٧ (الميمنية)، والطبراني ٢٤/ ١٨٦ (٤٧٠) =","vol":"22","page":597},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبي وشعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، قال: ثنا خالدُ بنُ يزيدَ، عن ابنِ أبي هلالٍ، عن ابنِ المنكدرِ، أنَّ أُميمةَ أخبَرتْه أنَّها دخلَت على رسولِ اللَّهِ ﷺ في نسوةٍ، فقُلن: يا رسولَ اللَّهِ ابسُطْ يدَك نصافِحْك. فقال: \"إني لا أُصافِحُ النساءَ، ولكن سآخُذُ عليكنَّ\". فأخَذ علينا حتى بلَغ: \" ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ \". فقال: \"فيما أطَقْتُنَّ واسْتَطَعْتُنَّ\". فقُلْن: اللَّهُ ورسولُه أَرْحَم بنا مِن أنفسِنا (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن عاصمٍ، عن ابنِ سيرينَ، عن أمِّ عطيةَ الأنصاريةِ، قالت: كان فيما اشْترط علينا مِن المعروفِ حينَ بايَعْنا: ألا ننُوحَ. فقالت امرأةٌ [مِن بني فلانٍ] (^٢): إنَّ بني فلانٍ أَسْعَدُوني (^٣)، فلا حتى أَجْزِيَهم، فانْطَلَقَت فأسعَدَتْهم، ثم جاءت فبايَعت. قال: فما وفى منهنَّ غيرُها وغيرُ أمِّ سليمٍ ابنةِ مِلْحانَ؛ أمِّ أنسِ بنِ مالكٍ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا عمرُ (^٥) بنُ فروخَ القتابُ (^٦)،\n_________\n= من طريق الثوري به.\n(^١) أخرجه مالك ٢/ ٩٨٢، والطيالسي (١٧٢٦)، والحميدي (٣٤١)، وابن سعد ٨/ ٥، وأحمد ٦/ ٣٥٧ (الميمنية)، وابن ماجه (٢٨٧٤)، والترمذي (١٥٩٧)، والنسائي (٤٢٠١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٣٤٠، ٣٣٤١)، وابن حبان (٤٥٥٣)، والطبراني ٢٤/ ١٨٦ - ١٨٨ (٤٧١ - ٤٧٤، ٤٧٦) من طريق محمد بن المنكدر به.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) إسعاد النساء في المناحات: تقوم المرأة فتقوم معها أخرى من جاراتها فتساعدها على النياحة. اللسان (س ع د).\n(^٤) أخرجه أحمد ٦/ ٤٠٨ (الميمنية)، والنسائي (٤١٩٠) من طريق ابن سيرين به، وتفسير مجاهد ص ٦٥٦، ٦٥٧، وأخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٨٩، وأحمد ٦/ ٤٠٨ (الميمنية)، ومسلم (٩٣٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٣٣٣)، وابن حبان (٣١٤٥)، والبيهقي ٦/ ٤٨٨ من طريق عاصم، عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية به، وأخرجه البخاري (٤٨٩٢)، وسنيد - كما في التمهيد ١٢/ ٢٤٠ - والبيهقي ٤/ ٦٢ من طريق حفصة عن أم عطية به.\n(^٥) في النسخ: \"عمرو\". وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٤٧٨.\n(^٦) في النسخ: \"القتات\".","vol":"22","page":598},{"text":"قال: ثنا مصعبُ بنُ نوحٍ الأنصاريُّ، قال: أَدْرَكْتُ عجوزًا لنا كانت في من بايع رسولَ اللَّهِ ﷺ، قالت: فأتيتُه لأبايعَه، فأخَذ علينا فيما أخَذ: \"ولا تَنُحْن\". فقالت عجوزٌ: يا نبيَّ اللَّهِ، إِنَّ ناسًا قد كانوا أَسْعَدُوني على مصائبَ أصابتْني، وإنهم قد أصابَتْهم مصيبةٌ، فأنا أريدُ أنْ أُسْعِدَهم. قال: \"فانْطَلِقي فكافِئيهم\". ثم إنَّها أتت فبايعَتْه، قال: هو المعروفُ الذي قال اللَّهُ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن يزيدَ مولى الصهباءِ، عن شهرِ بنِ حوشبٍ، عن أمِّ سلمةَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ في قولِه: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال: \"النَّوْحُ\" (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن أُميمةَ بنتِ رُقيقةَ التيميةِ، قالت: بايعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ في نسوةٍ مِن المسلمين، فقلنا له: جئناك يا رسولَ اللَّهِ نبايعُك على ألا نشركَ باللَّهِ شيئًا، ولا نسرِقَ، ولا نزنِيَ، ولا نقتلَ أولادَنا، ولا نأتيَ ببهتانٍ نفترِيه بين أيدينا وأرجلِنا، ولا نعصيك في معروفٍ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"فيما اسْتَطَعْتُنَّ وأطَقْتُنَّ\". فقلنا: اللَّهُ ورسولُه أرحمُ بنا مِن أنفسِنا، فقلنا: بايِعْنا يا رسولَ اللَّهِ. فقال: \"اذهبْنَ فقد بايعْتُكنَّ، إنما قَوْلي لِمائةِ امرأةٍ كقولِي لامرأةٍ واحدةٍ\". وما صافح رسولُ اللَّهِ ﷺ منا أحدًا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد ٨/ ٨، وأحمد ٤/ ٥٥ (الميمنية) من طريق عمر بن فروخ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٠ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٨٩، وأحمد ٦/ ٣٢٠ (الميمنية)، وابن ماجه (١٥٧٩)، وابن عبد البر في التمهيد ١٢/ ٢٣٨ من طريق وكيع به، وأخرجه ابن سعد ٨/ ٨، وعبد بن حميد - كما في الدر المنثور ٦/ ٢١٠، وعنه الترمذي (٣٣٠٧) - من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه الحاكم ٤/ ٧١، وابن عساكر ص ٥٣ - تراجم النساء - من طريق يونس به، وأخرجه أحمد ٦/ ٣٥٧ (الميمنية) من طريق ابن إسحاق به.","vol":"22","page":599},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، عن عيسى بن عبدِ اللَّهِ التميميِّ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن أُميمةَ [بنتِ رقيقةَ] (^١) خالةِ فاطمةَ بنتِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، قال: سمِعْتُها تقولُ: بايَعْنا رسولَ اللَّهِ ﷺ، فأخَذ علينا ألا نشركَ باللَّهِ شيئًا. فذكَر مثلَ حديثِ محمدِ بن إسحاقَ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن أُميمةَ بنتِ رقيقةَ، قالت: أتيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ في نساءٍ نُبايعُه، قالت: فأخَذ علينا النبيُّ ﷺ بما في القرآنِ: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية. ثم قال: \"فيما اسْتَطَعْتُنَّ وأَطَقْتُنَّ\". فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ ألَا تُصافِحُنا؟ فقال: \"إني لا أُصافِحُ النساءَ، ما قَوْلِي لامرأةٍ واحدةٍ إلا كقولي لمائةِ امرأةٍ\" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الرحيمِ البرقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، عن زهيرٍ، عن موسى بنِ عقبةَ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن أميمةَ بنتِ رُقيقةَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بنحوِه (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾: والمعروفُ: ما اشْتَرط عليهن في البيعةِ أن يَتَّبِعْنَ أمرَه.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. فقال: إن رسولَ اللَّهِ ﷺ نبيُّه وخِيرتُه مِن خلقِه، ثم لم\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٣.\n(^٢) أخرجه النسائي (٤١٩٢) عن محمد بن بشار به، وأخرجه أحمد ٦/ ٣٥٧ (الميمنية) من طريق عبد الرحمن به.\n(^٣) أخرجه سنيد - كما في التمهيد ١٢/ ٢٤٠ - والطبراني ٢٤/ ١٨٨ (٤٧٥) من طريق موسى بن عقبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٩ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.","vol":"22","page":600},{"text":"يَسْتَحِلَّ له أمورَ أمرٍ إلا بشرطٍ، لم يَقُلْ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ﴾. ويتركَ، حتى قال: ﴿فِي مَعْرُوفٍ﴾. فكيف يَنْبَغِي لأحدٍ أن يُطاعَ في غيرِ معروفٍ، وقد اشْتَرط اللَّهُ هذا على نبيِّه؟ قال: فالمعروفُ كلُّ معروفٍ أمَرهن به في الأمورِ كلِّها، ويَنْبَغي لهن ألا يَعْصِينَ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، [ثنا إسحاقُ بنُ إدريسَ، ثنا إسحاقُ بنُ عثمانَ أبو (^٢) يعقوبَ] (^٣)، قال: ثنى إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ عطيةَ، عن جَدَّتِه أمِّ عطيةَ، قالت: لما قدِم رسولُ اللَّهِ ﷺ المدينةَ، جمَع بينَ نساءِ الأنصارِ في بيتٍ، ثم أرْسَل إلينا عمرَ بنَ الخطابِ، فقام على البابِ فسلَّم علينا، فردَدْنَ، أو: فردَدْنا عليه، ثم قال: أنا رسولُ رسولِ اللَّهِ ﷺ إليكن. قالت: فقلنا: مرحبًا برسولِ اللَّهِ ﷺ، وبرسولِ رسولِ اللَّهِ. فقال: تُبايِعْنَ على ألا تُشْرِكْنَ باللَّهِ شيئًا، ولا تَسْرِقْنَ، ولا تَزْنِينَ؟ قالت: قلنا: نعم. قال: فمدَّ يدَه مِن خارجِ البابِ أو البيتِ، ومدَدْنا أيديَنا مِن داخلِ البيتِ، ثم قال: اللهمَّ اشْهَدْ. قالت: وأَمَرَنا في العيدين أن نُخْرِجَ فيه الحُيَّضَ والعَواتِقَ، ولا جمعةَ علينا، ونهانا عن اتِّباعِ الجنازةِ. قال إسماعيلُ: فسأَلْتُ جدتي عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قالت: النياحةُ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، عن زهيرٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال: لا يَخْلُو الرجلُ بامرأةٍ.\nوقولُه: ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: إذا جاءك المؤمناتُ يُبايِعْنك على\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ١٢٧.\n(^٢) في م: \"بن\". وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٤٥٩.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه ابن سعد ٨/ ٧، وابن أبي شيبة ٣/ ٣٩٠، وأحمد ٦/ ٤٠٨ (الميمنية)، وأبو داود (١١٣٩)، والبزار (٢٥٢)، وأبو يعلى (٢٢٦)، وابن حبان (٣٠٤١)، والبيهقي ٣/ ١٨٤، وفي الشعب (٩٣١٧) وغيرهم من طريق إسحاق بن عثمان أبي يعقوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٩ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.","vol":"22","page":601},{"text":"هذه الشروطِ، فبايِعْهن، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ﴾. يقولُ: سَلْ لهن اللَّهَ أن يَصْفَحَ عن ذنوبِهن، ويَسْتُرَها عليهن، بعفوِه لهن عنها. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ ذو سترٍ على ذنوبِ مَن تاب إليه من ذنوبِه، أن يُعَذِّبَه عليها بعدَ توبتِه منها.\n\n<span id=\"aya-5163\"></span><span data-type='title' id=toc-8992>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ مِن اليهودِ، ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: قد يئِس هؤلاء القومُ الذين غضِب اللَّهُ عليهم من اليهودِ، مِن ثوابِ اللَّهِ لهم (^١) في الآخرةِ، وأن يُبْعَثوا، كما يئِس الكفارُ الأحياءُ مِن أمواتِهم الذين هم في القبورِ أن يَرْجِعوا إليهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية. يعني: مَن مات مِن الذين كفَروا، فقد يئِس الأحياءُ مِن الذين كفَروا أن يَرْجِعوا إليهم، أو يَبْعَثَهم اللَّهُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورِ بنِ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٢ إلى المصنف.","vol":"22","page":602},{"text":"زاذانَ، عن الحسنِ (^١) أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾. قال: الكفارُ الأحياءُ قد يئِسوا من الأمواتِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾. يقولُ: يئِسوا أن يُبْعَثُوا، كما يئِس الكفارُ أن يَرْجِعَ إليهم أصحابُ القبورِ الذين ماتوا (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ الآية: الكافرُ لا يَرْجُو لقاءَ ميتِه ولا أجرَه (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾. يقولُ: مَن مات مِن الذين كفَروا، فقد يئِس الأحياءُ منهم أن يَرْجِعوا إليهم، أو يَبْعَثَهم اللَّهُ (٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: قد يئِسوا من الآخرةِ أَن يَرْحَمَهم اللَّهُ فيها، أو يَغْفِرَ لهم، كما يئِس الكفارُ الذين هم أصحابُ قبورٍ قد ماتوا، وصاروا إلى القبورِ، مِن رحمةِ اللَّهِ وعفوِه عنهم في الآخرةِ؛ لأنهم قد أيْقنوا بعذابِ اللَّهِ لهم.\n_________\n(^١) في م: \"الحسين\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٢٩.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٩ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٢ إلى ابن المنذر، وزاد في أوله: اليهود قد .....\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":603},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ في هذه الآيةِ: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾. قال: أصحابُ القبورِ الذين في القبورِ، قد يئِسوا من الآخرةِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾. قال: مِن ثوابِ الآخرةِ حينَ تَبَيَّنَ لهم عملُهم، وعايَنوا النارَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ الآية. قال: أصحابُ القبورِ قد يئِسوا من الآخرةِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الكلبيُّ: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾. يعني: اليهودُ والنصارى، يقولُ: قد يئِسوا مِن ثوابِ الآخرةِ وكرامتِها، كما يئِس الكفارُ الذين قد ماتوا، فهم في القبورِ - مِن الجنةِ، حينَ رأَوْا مقعدَهم مِن النارِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا﴾ الآية. قال: قد يئِس هؤلاء الكفارُ مِن أن تكونَ لهم آخرةٌ، كما يئِس الكفارُ الذين ماتوا، الذين في القبورِ، مِن أن تكونَ لهم آخرةٌ؛ لِما عايَنوا من أمرِ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٥٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٧١، ٥٧٢، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٣٣٥ من طريق شعبة به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٩ عن معمر به.","vol":"22","page":604},{"text":"الآخرةِ، فكما يئِس أولئك (^١) الكفارُ، كذلك يئِس هؤلاء الكفارُ. قال: والقومُ الذين غضِب اللَّهُ عليهم، يهودُ، هم الذين يئِسوا من أن تكونَ لهم آخرةٌ، كما يئِس الكفارُ قبلَهم من أصحابِ القبورِ؛ لأنهم قد علِموا كتابَ اللَّهِ، وأقاموا على الكفرِ به. وما صنَعوا وقد علِموا (^٢)؟\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ في قولِه: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ الآية. قال: قد يئِسوا أن يكونَ لهم ثوابُ الآخرةِ، كما يئِس مَن في القبورِ مِن الكفارِ مِن الخيرِ، حينَ عايَنوا العذابَ والهَوانَ (^٢).\nوأولى القولين في ذلك عندي بالصوابِ قولُ مَن قال: قد يئِس هؤلاء الذين غضِب اللَّهُ عليهم مِن اليهودِ، من ثوابِ اللَّهِ لهم في الآخرةِ وكرامتِه؛ لكفرِهم وتكذيبِهم رسولَه محمدًا ﷺ، على علمٍ منهم بأنه للَّهِ نبيٌّ، كما يئِس الكفارُ منهم الذين مضَوْا قبلَهم فهلَكوا، فصاروا أصحابَ القبورِ، وهم على مثلِ الذي هؤلاء عليه، من تكذيبِهم عيسى صلواتُ اللَّهِ عليه، وغيرَه مِن الرسلِ - من ثوابِ اللَّهِ وكرامتِه إياهم.\nوإنما قُلنا: ذلك أولى القولين بتأويلِ الآيةِ؛ لأن الأمواتَ قد يئِسوا مِن رجوعِهم إلى الدنيا، أو أن يُبْعَثوا قبلَ قيامِ الساعةِ، المؤمنون والكفارُ، فلا وجهَ لأن يُخَصَّ بذلك الخبرُ عن الكفارِ، وقد شَرِكهم في الإياسِ من ذلك المؤمنون.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ الممتحنةِ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٢٩.","vol":"22","page":605},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8993>تفسيرُ سورةِ الصفّ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5164\"></span><span data-type='title' id=toc-8994>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ </span>(٣)﴾.\nيقولُ جلَّ ثناؤُه: سبَّحَ للهِ ما في السماوات السبعِ، وما في الأرضِ من الخلقِ، مُذْعِنين له بالأُلوهةِ والربوبيةِ، وهو العزيزُ في نقمتِه ممن عصاه منهم، فكفَر به، وخالَف أمرَه، الحكيمُ في تدبيرِه إياهم.\n\n<span id=\"aya-5165\"></span>وقولُه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين (^١) صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، لمَ تَقُولون القولَ الذي لا تُصَدِّقونه بالعملِ؟ فأعمالُكم مخالفةٌ، أقوالَكم، ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. يقولُ: عظُم مقتًا عندَ ربِّكم قولُكم ما لا تَفْعَلون.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي من أجلِه أُنْزِلت هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: أُنْزِلت توبيحًا مِن اللَّهِ لقومٍ من المؤمنين، تمنَّوْا معرفةَ أفضلِ الأعمالِ، فعرَّفهم اللَّهُ إياه، فلمَّا عرَفوا قصَّروا، فعُوتِبوا بهذه الآيةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. قال: كان ناسٌ مِن المؤمنين قبلَ أن يُفْرَضَ الجهادُ يقولون: لَودِدْنا أن اللَّهَ دلَّنا على أحبِّ الأعمالِ إليه\n_________\n(^١) بعده في ص، م: \"آمنوا\".","vol":"22","page":606},{"text":"فنَعْمَلُ به، فأخْبَر اللَّهُ نبيَّه أن أحبَّ الأعمالِ إليه إيمانٌ باللَّهِ لا شكَّ فيه، وجهادُ أهلِ معصيتِه الذين خالَفوا الإيمانَ ولم يُقِرُّوا به، فلما نزَل الجهادُ كرِه ذلك أناسٌ من المؤمنين، وشقَّ عليهم أمرُه، فقال اللَّهُ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. قال: كان قومٌ يقولون: واللَّهِ لو أنا نَعْلَمُ ما أحَبُّ الأعمالِ إلى اللَّهِ لَعَمِلْناه. فأنْزَل اللَّهُ على نبيِّه ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]. فدلَّهم على أحبِّ الأعمالِ إليه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن محمدِ بنِ جُحَادةَ، عن أبى صالحٍ، قال: قالوا: لو كنا نَعْلَمُ أيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى اللَّهِ وأَفضلُ؟ فنزَلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]. فكرِهوا، فنزَلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿مَرْصُوصٌ﴾. فيما بينَ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٣٢ عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الجهاد (٢) عن سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":607},{"text":"ذلك: في نفرٍ من الأنصارِ، فيهم عبدُ اللَّهِ بنُ رَواحةَ، قالوا في مجلسٍ: لو نَعْلَمُ أَيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى اللَّهِ لَعَمِلْنا بها حتى نموتَ. فأَنْزَل اللَّهُ هذا فيهم، فقال عبدُ اللَّهِ بنُ رَواحةَ: لا أزالُ حَبيسًا في سبيلِ اللَّهِ حتى أموتَ. فقُتِل شهيدًا (^١).\nوقال آخرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ في توبيخِ قومٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، كان أحدُهم يَفْتَخِرُ بالفعلِ مِن أفعالِ الخيرِ التي لم يَفْعَلْها، فيقولُ: فعَلْتُ كذا وفعلتُ (^٢) كذا. فعذَلهم اللَّهُ على افتخارِهم بما لم يَفْعَلوا كذبًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. قال: بلَغَني أنها كانت في الجهادِ، كان الرجلُ يقولُ: قاتَلْتُ وفعَلْتُ. ولم يَكُنْ فعَل، فوعَظَهم اللَّهُ في ذلك أشدَّ الموعظةِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾: يُؤْذِنُهم (^٤) ويُعْلِمُهم كما تَسْمَعون، ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾. وكانت رجالٌ تُخْبِرُ في القتالِ بشيءٍ لم يَفْعَلوه ولم يَبْلُغوه، فوعَظَهم اللَّهُ في ذلك موعظةً بليغةً، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٥٨، وأخرجه عبد الله بن المبارك في الجهاد (٢) - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٨/ ٩٠ - من طريق ابن جريج، عن مجاهد نحوه.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩٠ عن معمر به.\n(^٤) في ت ٢، ت ٣: \"يوعظهم\".","vol":"22","page":608},{"text":"سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾: أنْزَل اللَّهُ هذا في الرجلِ يقولُ في القتالِ ما لم يَفْعَلْه مِن الضربِ والطعنِ والقتلِ.\n\n<span id=\"aya-5166\"></span>قال اللَّهُ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (^١).\nوقال آخرون: بل هذا توبيخٌ مِن اللَّهِ لقومٍ مِن المنافقين، كانوا يَعِدُون المؤمنين النصرَ، وهم كاذِبون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾: يقولون للنبيِّ ﷺ وأصحابِه: لو خرَجْتُم خرَجْنا معكم، وكنا في نصرِكم، وفي، وفي. فأخْبَرهم أنه ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (^١).\nوأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: عُنِي بها الذين قالوا: لو عرَفْنا أحبَّ الأعمالِ إلى اللَّهِ لعمِلْنا به. ثم قصَّروا في العملِ بعدَ ما عرَفوا.\nوإنما قلتُ: هذا القولُ أولى بها؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه خاطَب بها المؤمنين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ولو كانت نزَلَت في المنافقين لم يُسَمَّوْا ولم يُوصَفوا بالإيمانِ، ولو كانوا وصَفوا أنفسَهم بفعلِ ما لم يكونوا فعَلوه، كانوا قد تعمَّدوا قِيلَ الكذبِ، ولم يكنْ ذلك صفةَ القومِ، ولكنهم عندي أمَّلوا بقولِهم: لو علِمْنا أحبَّ الأعمالِ إلى اللَّهِ عمِلْناه. أنهم لو علِموا بذلك عمِلوه، فلمَّا علِموا ضعُفَت قُوَى قومٍ منهم عن القيامِ بما أمَّلوا القيامَ به قبلَ العلمِ، وقَوِي آخرون فقاموا به، وكان لهم الفضلُ والشرفُ.\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ١٠٨، وابن كثير في تفسيره ٨/ ١٣٢.","vol":"22","page":609},{"text":"واختَلَف أهلُ العربيةِ في معنى ذلك، وفي وجهِ نصبِ قولِه: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾؛ فقال بعضُ نحويي البصرةِ: قال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾. أي: كبُر مقتُكم مقتًا. ثم قال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. أي (^١): قولُكم.\nوقال بعضُ نحويي الكوفةِ (^٢): قولُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. كان المسلمون يقولون: لو نَعلمُ أيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى اللَّهِ لأتيناه ولو ذهَبت فيه أنفسُنا وأموالُنا. فلما كان يومُ أحدٍ نزَلوا عن النبيِّ ﷺ حتى شُجَّ وكُسِرَت رَباعِيَتُه، فقال: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. ثم قال ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾: كبُر ذلك مقتًا. أي: فـ \"أن\" في موضعِ رفعٍ؛ لأن ﴿كَبُرَ﴾. كقولِه: بئس رجلًا أخوك. وقولُه: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٣٥]. أُضْمِر في ﴿كَبُرَ﴾ اسمٌ يكونُ مرفوعًا.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أن قولَه: ﴿مَقْتًا﴾. منصوبٌ على التفسيرِ؛ كقولِ القائلِ: كبُر قولًا هذا القولُ.\n\n<span id=\"aya-5167\"></span><span data-type='title' id=toc-8995>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ </span>(٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه للقائلين: لو علِمْنا أحبَّ الأعمالِ إلى اللَّهِ لعمِلْناه حتى نموتَ: إنَّ اللَّهَ أَيُّها القومُ ﴿يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا (^٣)﴾. يعني: في طريقِه ودينِه الذي دعا إليه، ﴿صَفًّا﴾. يعني بذلك أنهم يُقاتِلون أعداءَ\n_________\n(^١) في م، ت ٢: \"أذى\".\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ١٥٣.\n(^٣) في م: \"كأنهم\"","vol":"22","page":610},{"text":"اللَّهِ مُصْطَفِّين.\nوقولُه: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾. يقولُ: يُقاتِلون في سبيلِ اللَّهِ صفًّا مُصْطَفًّا، كأنهم في اصطفافِهم هنالك حِيطانٌ مبنيةٌ، قد رُصَّ، فأُحْكِم وأُتْقِن، فلا يُغادِرُ منه شيئًا. وكان بعضُهم يقولُ: بُنِي بالرَّصاصِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾: ألم تَرَ إلى صاحبِ البُنيانِ كيف لا يُحِبُّ أن يَخْتَلِفَ بنيانُه، كذلك ﵎ لا يَخْتَلِفُ أمرُه، وإن اللَّهَ وصَف المؤمنين في قتالِهم وصْفَهم في صلاتِهم، فعليكم بأمرِ اللَّهِ، فإنه عِصْمةٌ لمن أخَذ به (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾. قال: والذين صدَّقوا قولَهم بأعمالِهم، هؤلاء. قال: وهؤلاء لم يُصَدِّقوا قولهم بالأعمالِ؛ لمَّا خرَج النبيُّ ﷺ نكَصوا عنه وتخَلَّفوا.\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ: إنما قال اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾. ليدلَّ على أن القتالَ راجلًا أحبُّ إليه مِن القتالِ فارسًا؛ لأن الفُرسانَ لا يَصْطَفُّون، وإنما يَصْطَفُّ (^٢) الرَّجَّالةُ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٣٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م، ت ١: \"تصطف\".","vol":"22","page":611},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، عن أبي بكرِ بنِ أبي مريمَ، عن يحيى بنِ جابرٍ الطائيِّ، عن أبي بَحْريةَ، قال: كانوا يَكْرَهون القتالَ على الخيلِ، ويَسْتَحِبُّون القتالَ على الأرضِ، لقولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾. قال: وكان أبو بَحْريةَ يقولُ: إذا رأَيْتُموني الْتَفَتُّ في الصفِّ، فجَئُوا (^١) في لَحْيي (^٢).\n\n<span id=\"aya-5168\"></span><span data-type='title' id=toc-8996>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واذْكُرْ يا محمدُ إذ قال موسى ابنُ عِمْرانَ لقومِه: يا قومِ لم تُؤْذونني وقد تَعْلمون حقًّا، أني رسولُ اللهِ إليكم.\nوقولُه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾. يقولُ: فلمَّا عدَلوا وجارُوا عن قصدِ السبيلِ، ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. يقولُ: أمال اللَّهُ قلوبَهم عنه.\nوقد حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرنا العَوَّامُ، قال: ثنا أبو غالبٍ، عن أبي أُمامةَ في قولِه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. قال: هم الخوارجُ (^٣).\n_________\n(^١) جَئُوا: من: وَجأ فلانا وَجْئًا ووِجاءً: دفعه بجُمْع كفه في الصدر أو العنق. الوسيط (وج أ).\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٣٤ عن المصنف.\n(^٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١٥٣٥)، والخلال في السنة (١٣٨) من طريق هشيم به.","vol":"22","page":612},{"text":"﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. يقولُ: واللَّهُ لا يُوَفِّقُ لإصابةِ الحقِّ القومَ الذين اختاروا الكفرَ على الإيمانِ.\n\n<span id=\"aya-5169\"></span><span data-type='title' id=toc-8997>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: واذْكُرْ أيضًا يا محمدُ إذ قال عيسى ابنُ مريمَ لقومِه مِن بني إسرائيلَ: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ التي أُنْزِلَت على موسى، ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ أُبَشِّرُكم ﴿بِرَسُولٍ﴾ للهِ (^١) ﴿يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن سعيدِ بن سُوَيْدٍ، عن عبدِ الأعلى بنِ هلالٍ السُّلَميِّ، عن عِرْباضِ بنِ ساريةَ، قال: سمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: \"إني عندَ اللَّهِ مكتوبٌ لخَاتمُ النبيين وإن آدمَ لَمُنْجَدِلٌ في طِينتِه، وسأُخْبِرُكم بأولِ ذلك؛ دعوةُ أبي إبراهيمَ، وبِشارةُ عيسى بي، والرُّؤيا التي رأَت أمي - وكذلك أمهاتُ النَّبيين يَرَيْن - إنها رأَت حينَ وضَعَتْني أنه خرَج منها نورٌ أضاءت منه قصورُ الشامِ\" (^٢).\n﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يقولُ: فلما جاءهم أحمدُ بالبيناتِ، وهي الدلالاتُ التي آتاه اللَّهُ حججًا على نبوتِه، (قالُوا هَذَا ساحرٌ (^٣) مُبِينٌ) يقولُ: يُبِينُ (١) ما أتَى به\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٢/ ٥٧٣، ٥٧٤.\n(^٣) في م: \"سحر\". وهما قراءتان كما تقدم في ٩/ ١١٥، ١١٦.","vol":"22","page":613},{"text":"غيرَ أنه (^١) ساحرٌ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5170\"></span><span data-type='title' id=toc-8998>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومَن أشدُّ ظلمًا وعُدوانًا ممن اختَلَق على اللَّهِ الكذبَ، وهو قولُ قائلِهم للنبيِّ ﷺ: هو ساحرٌ وما (^٣) جاء به سحرٌ. فكذلك افتراؤُه على اللَّهِ الكذبَ ﴿وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾. يقولُ: إذا دُعِي إلى الدخولِ في الإسلامِ قال على اللَّهِ الكذبَ وافْتَرَى عليه الباطلَ، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: واللَّهُ لا يُوَفِّقُ القومَ الذين ظلَموا أنفسَهم بكفرِهم به لإصابةِ الحقِّ.\n\n<span id=\"aya-5171\"></span><span data-type='title' id=toc-8999>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يريدُ هؤلاء القائلون لمحمدٍ ﷺ: هذا ساحرٌ مبينٌ. ﴿لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾. يقولُ: يُريدون ليُبْطلوا الحقَّ الذي بعَث اللَّهُ به محمدًا ﷺ بأفواهِهم. يعني بقولِهم: إنه ساحرٌ وما جاء به سحرٌ. ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾. يقولُ: واللَّهُ مُعْلنٌ الحقَّ، ومظهرٌ دينَه، وناصرٌ محمدًا ﷺ على مَن عاداه، فذلك إتمامُ نورِه. وعُنِي بالنورِ في هذا الموضعِ الإسلامُ.\nوكان ابنُ زيدٍ يقولُ: عُنِي به القرآنُ.\nحدَّثني يونُس، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: نورَ القرآنِ.\n_________\n(^١) في م: \"أنني\".\n(^٢) المعنى: يبين أنه لم يأتِ بما أتى به إلا لأنه ساحر. فـ \"ما\" نافية وليست موصولة.\n(^٣) في م: \"لما\".","vol":"22","page":614},{"text":"واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين: (مُتِمٌّ) بالتنوين (^١) (نُورَهُ) بالنصبِ (^٢). وقرَأه بعضُ قرأةِ مكةَ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ ﴿مُتِمُّ﴾ بغيرِ تنوينٍ ﴿نُورِهِ﴾ خفضًا (^٣). وهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ عندَنا.\nوقولُه: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. يقولُ: واللَّهُ مظْهِرٌ دينَه، وناصرٌ رسولَه، ولو كرِه الكافرون باللَّهِ.\n\n<span id=\"aya-5172\"></span><span data-type='title' id=toc-9000>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: اللَّهُ الذي أرسَل رسولَه محمدًا ﴿بِالْهُدَى﴾. يعني: ببيانِ الحقِّ، ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾. يعني: وبدينِ اللَّهِ، وهو الإسلامُ.\nوقولُه: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. يقولُ: ليُظهِرَ دينَه الحقَّ الذي أرسَل به رسولَه على كلِّ دينٍ سِواه؛ وذلك عندَ نزولَ عيسى ابنِ مريمَ، وحينَ تصِيرُ الملَّةُ واحدةً، فلا يكونُ دينٌ غيرُ الإسلامِ.\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي المقدامِ ثابتِ بنِ هُرْمُزَ، عن أبي هريرةَ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. قال: خروجُ عيسى ابنِ مريمَ (^٤).\nوقد ذكَرْنا اختلافَ المختلفِين في معنى قولِه: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. والصوابَ لدينا مِن القولِ في ذلك بعللِه فيما مضَى، بما أغنى عن إعادتِه في هذا\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) وهي قراءة نافع وأبي بكر وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب. ينظر النشر ٢/ ٢٨٩.\n(^٣) وبها قرأ ابن كثير وحفص وحمزة والكسائي وخلف. المصدر السابق.\n(^٤) تقدم تخريجه في ١١/ ٤٢٣.","vol":"22","page":615},{"text":"الموضعِ (^١).\nوقد حدَّثني (^٢) عبدُ الحميدِ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا الأسودُ بنُ العلاءِ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ قالت: إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: \"لا يَذْهبُ الليلُ والنهارُ حتى تُعبدَ اللَّاتُ والعُزَّى\". فقالت عائشةُ: واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ إن كنتُ لأظنُّ حِينَ أنزَل اللَّهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ الآية. أنَّ ذلك سيكونُ تامًّا. فقال: \"إنه سيكونُ مِن ذلك ما شاء اللَّهُ، ثم يَبْعثُ اللَّهُ ريحًا طيبةً، فيتوفَّى مَن كان في قلْبِه مثقالُ حبةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن خيرٍ، فيَبْقى مَن لا خيرَ فيه، فيَرْجِعُون إلى دينِ آبائِهم\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-5173\"></span><span data-type='title' id=toc-9001>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين آمنوا باللهِ، هل أدُلُّكم على تجارةٍ تنجيكم من عذابٍ موجِعٍ؟ موجِعٍ، وذلك عذابُ جَهنَّمَ. ثم بين لنا جلَّ ثناؤه ما تلك التجارةُ التي تُنجِينا من العذابِ الأليمِ، فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ محمدٍ ﷺ.\n\n<span id=\"aya-5174\"></span>فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وقد قيل لهم: ﴿يَاأَيُّهَا\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١١/ ٤٢٢، ٤٢٣.\n(^٢) سقط من الإسناد شيخ المصنف وشيخ شيخه، فقد تقدم في ١٤/ ١٢٢: حدثنا أبو كريب، قال ثنا أبو أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر. وفي ١٥/ ٢٥: حدثني موسى بن عبد الرحمن، ثنا أبو أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر. وفي ١٨/ ٤١٣: حدثنا أبو هشام الرفاعي، ثنا أبو أسامة، ثنى عبد الحميد بن جعفر.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٩٠٧)، وأبو يعلى (٤٥٦٤)، والحاكم ٤/ ٤٤٦، ٤٤٩، وأبو عمرو الداني في الفتن (٤٢٦)، والبيهقي ٩/ ١٨١ من طريق عبد الحميد بن جعفر به.","vol":"22","page":616},{"text":"الَّذِينَ آمَنُوا﴾. فوَصَفهم (^١) بالإيمانِ؟ فإن الجوابَ في ذلك نظيرُ جوابِنا في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦]. وقد مضَى البيانُ عن ذلك في موضِعِه بما أغنَى عن إعادتِه (^٢).\nوقولُه: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وتجاهدون في دينِ اللَّهِ وطريقِه الذي شَرَعه لكم، بأموالِكم وأنفسِكم، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقولُ: إيمانُكم باللَّهِ ورسولِه وجهادُكم في سبيلِ اللَّهِ بأموالِكم وأنفسِكم، خيرٌ لكم من تضييعِ ذلك والتفريطِ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ مضارَّ الأشياءِ ومنافعَها.\nوذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (آمِنُوا بِاللهِ) على وجْهِ الأمرِ (^٣).\nوبُيِّنتِ التجارةُ من قولِه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ﴾. وفُسِّرت بقولِه: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾. ولم يقلْ: أن تُؤْمِنوا. لأن العربَ إذا فَسَّرت الاسمَ بفعلٍ، تُثبِتُ في تفسيرِه \"أنْ\" أحيانًا، وتَطْرَحُها أحيانًا؛ فتقولُ للرجلِ: هل لك في خيرٍ، تَقُومُ بنا إلى فلانٍ فنعودَه؟ هل لك في خيرٍ، أن تقومَ إلى فلانٍ فنعودَه؟ بـ \"أن\" وبطرحِها. ومما جاء في الوجهين على الوجهين جميعًا قولُه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا﴾، و(إنَّا) [عبس: ٢٤، ٢٥]. فالفتحُ في \"أنّا\" لغةُ مَن أدخَل في \"تَقُومَ\": \"أن\"، مِن قولِهم: هل لك في خيرٍ أن تقومَ؟ والكسرُ فيها لغةُ من يُلْقِي \"أن\" مِن \"تَقُومَ\". ومنه قولُه: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾، و(إنّا دَمَّرْناهم) [النمل: ٥١]. على ما بيَّنا (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا\n_________\n(^١) في ص، م: \"بوصفهم\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٧/ ٥٩٤، ٥٩٥.\n(^٣) معاني القرآن للفراء ٣/ ١٥٤، والبحر المحيط ٨/ ٢٦٣.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١٨/ ٩٤، ٩٥.","vol":"22","page":617},{"text":"هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ﴾ الآية: فلولا أن اللَّهَ بيَّنها، ودلَّ عليها المؤمنين، لتَلهَّفَ عليها رجالٌ أن يكونوا يَعْلَمونها، حتى [يَضِنُّوا بها] (^١)، وقد دلَّكمُ اللَّهُ عليها، وأعْلَمَكم إيَّاها فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا قتادةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: الحمدُ للَّهِ الذي بَيَّنَها (^٣).\n\n<span id=\"aya-5175\"></span><span data-type='title' id=toc-9002>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يستُرْ عليكم ربُّكم ذنوبَكم إذا أنتم فَعَلتُم ذلك، فيصفحُ عنكم ويعفو، ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ: ويُدخِلْكم بساتينَ تجري من تحتِ أشجارِها الأنهارُ، ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾. يقولُ: ويُدْخِلْكم أيضًا مساكنَ طيبةً، ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾. يعني: في بساتينِ إقامةٍ، لا ظَعْنَ عنها.\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. يقولُ: ذلك النَّجَاءُ العظيمُ مِن نَكالِ الآخرةِ وأهوالِها.\n\n<span id=\"aya-5176\"></span><span data-type='title' id=toc-9003>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ</span>\n_________\n(^١) في الدر المنثور: \"يطلبوها\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩٠ عن معمر به.","vol":"22","page":618},{"text":"طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾.\nاختلَف أهلُ العربيةِ فيما نَعَتَت به قولُه: ﴿وَأُخْرَى﴾؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: معنى ذلك: وتجارةٍ أُخْرى. فعلى هذا القولِ يجبُ أن تكونَ \"أخرى\" في موضعِ خفضٍ، عطفًا به على قولِه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. وقد يَحْتَمِلَ أن يكونَ رفعًا على الابتداءِ.\nوكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ (^١) يقولُ: هي في موضعِ رفعٍ. أي: ولكم أُخْرى في العاجلِ، مع ثوابِ الآخرةِ، ثم قال: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾ مفسِّرًا لـ \"الأُخرى\".\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندي القولُ الثاني، وهو أنَّه معنيٌّ به: ولكم أُخرى تُحبّونها، لأن قولَه: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ مبِينٌ عن أن قولَه: ﴿وَأُخْرَى﴾ في موضعِ رفعٍ، ولو كان جاء ذلك خفضًا، حَسُن أن يُجعَلَ قولُه: ﴿وَأُخْرَى﴾ عطفًا على قولِه: ﴿تِجَارَةٍ﴾، فيكونَ تأويلُ الكلامِ حينئذٍ لو قُرِئ ذلك خفضًا: وعلى خَلَّةٍ أخرى تُحِبُّونها. فمعنى الكلامِ إذًا إذْ (^٢) كان الأمرُ كما وصَفتُ: هل أدلُّكم على تجارةٍ تُنجيكم من عذابٍ أليمٍ؟ تؤمنون باللَّهِ ورسولِه، يَغْفِرْ لكم ذنوبَكم، ويُدْخِلْكم جناتٍ تجري من تحتِها الأنهارُ، ولكم خَلةٌ أخرى سوى ذلك في الدنيا تُحبُّونها؛ نصرٌ من اللَّهِ لكم على أعدائِكم، وفتحٌ قريبٌ يعجِّلُه لكم.\n﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وبشِّرْ يا محمدُ المؤمنين بنصرِ اللَّهِ إيَّاهم على عدوِّهم، وفتحٍ عاجلٍ لهم.\n\n<span id=\"aya-5177\"></span>وقولُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾. اختلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ والبصرةِ: (كُونُوا أَنْصَارًا للَّهِ) بتنوينِ \"الأنصارِ\" (^٣). وقرَأ\n_________\n(^١) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ١٥٥.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر. ينظر النشر ٢/ ٢٨٩.","vol":"22","page":619},{"text":"ذلك عامةُ قرَأةِ الكوفةِ بإضافةِ \"الأنصارِ\" إلى ﴿اللَّهِ﴾ (^١).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك (^٢) أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. ومعنى الكلامِ: يأيها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، كونوا أنصارَ اللَّهِ كما قال عيسى ابنُ مريمَ للحواريين: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾. يعني: مَن أنصارِي منكم إلى نُصْرةِ اللَّهِ لي؟\nوكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾. قال: قد كانت للَّهِ أنصارٌ من هذه الأمةِ، تجاهدُ على كتابِه وحقِّه، وذُكِر لنا أنه بايعَه ليلةَ العقبةِ اثنان وسبعون رجلًا من الأنصارِ، ذُكِر لنا أن بعضَهم قال: هل تدرون علامَ تُبايعون هذا الرجلَ؟ إنَّكم تبايعون على محاربةِ العربِ كلِّها أو يُسلِموا. ذُكر لنا أن رجلًا قال: يا نبيَّ اللَّهِ، اشتَرط لربِّك ولنفسِك ما شِئْتَ. قال: \"أَشْتَرطُ لربِّي أن تعبُدوه ولا تُشرِكوا به شيئًا، وأشْتَرطُ لنفسِي أن تمنَعوني مما منَعتم منه أنفسَكم وأبناءَكم\". قالوا: فإذا فعَلنا ذلك فما لنا يا نبيَّ اللَّهِ؟ قال: \"لكم النصرُ في الدنيا، والجنةُ في الآخرةِ\". ففعَلوا، ففعَل اللَّهُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا قتادةُ: ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾. قال: قد كان ذلك\n_________\n(^١) وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف. النشر ٢/ ٢٨٩.\n(^٢) بعده في م: \"عندي\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":620},{"text":"بحمدِ اللَّهِ؛ جاءه سبعون رجلًا، فبايعوه عندَ العقبةِ، فنصَروه وآوَوْه، حتى أظهَرَ اللَّهُ دينَه. قالوا: ولم يُسَمَّ حيٌّ من السماءِ اسمًا لم يكُنْ لهم قبلَ ذلك غيرَهم (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: إن الحواريين كلَّهم من قريشٍ؛ أبو بكرٍ، وعمرُ، وعليٌّ، وحمزةُ، وجعفرٌ، وأبو عُبيدةَ، وعثمانُ بنُ مظعونٍ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، وسعدُ بنُ أبي وقاصٍ، وعثمانُ، وطلحةُ بنُ عُبيدِ اللَّهِ، والزبيرُ بنُ العوّامِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾. قال: من يَتْبَعُني إلى اللَّهِ؟ (^٣)\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن ميسرةَ، عن المِنهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بن جُبَيْرٍ، قال: سُئل ابنُ عباسٍ عن الحواريِّين، فقال: سُمُّوا لبياضِ ثيابِهم، كانوا صَيَّادي السمكِ (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿الْحَوَارِيُّونَ﴾: هم الغسَّالون بالنَّبطيةِ، يقالُ للغسَّالِ: حوارِيٌّ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩٠، وابن عبد البر في الاستيعاب ١/ ١٤ من طريق معمر به\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩٠ عن معمر به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٥٨، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٤٠ - وابن أبي حاتم ٢/ ٦٥٩ (٣٥٦٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) تقدم تخريجه في ٥/ ٤٤٢.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٥٩ (٣٥٦٩) من طريق جويبر، عن الضحاك بمعناه.","vol":"22","page":621},{"text":"وقد تقدَّم بيانُنا في معنى الحوارِيِّ بشواهدِه واختلافِ المُخْتلِفين فيه قبلُ فيما مضَى، فأغنَى عن إعادتِه (^١).\nوقولُه: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾. يقولُ: قالوا: نحن أنصارُ اللَّهِ على ما بعَث به أنبياءَه من الحقِّ.\nوقولُه: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فآمَنت طائفةٌ من بني إسرائيلَ بعيسى، وكفَرت طائفةٌ منهم به.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المِنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما أراد اللَّهُ أن يرفعَ عيسى إلى السماءِ، خرَج إلى أصحابِه - وهم في بيتٍ اثْنا عشرَ رجلًا - من عينٍ في البيتِ ورأسُه يَقْطُرُ مَاءً. قال: فقال: إن مِنكم من سيَكْفُرُ بي اثْنَتَي عشْرةَ مرَّةً بعدَ أن آمَن بي. قال: ثم قال: أيُّكم يُلْقَى عليه شَبَهِي فيُقْتَل مكاني، ويكونَ معي في درَجتي؟ قال: فقام شابٌّ من أحدثِهم سنًّا، قال: فقال: أنا. فقال له: اجْلِسْ. ثم أعاد عليهم، فقام الشابُّ، فقال: أنا. قال: نعم أنت ذاك. قال: فأُلقِيَ عليه شَبَهُ عيسى، ورُفِع عيسى مِن رَوْزَنَةٍ (^٢) في البيتِ إلى السماءِ. قال: وجاء الطَّلَبُ مِن اليهودِ، وأَخَذوا شَبَهَه، فقتَلوه وصَلَبوه، وكفَر به بعضُهم اثْنَتَي عشْرةَ مرَّةً بعد أن آمَن به، فتفرَّقوا ثلاثَ فرَقٍ؛ فقالت فرقةٌ: كان اللَّهُ فينا ما شاء، ثم صعِد إلى السماءِ. وهؤلاء اليعقوبيةُ،\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٥/ ٤٤٢، ٤٤٣.\n(^٢) الروزنة: الكُوَّة. اللسان (رزن).","vol":"22","page":622},{"text":"وقالت فرقةٌ: كان فينا ابنُ اللَّهِ ما شاء اللَّهُ، ثم رفَعه إليه. وهؤلاء النُّسْطُوريةُ، وقالت فرقةٌ: كان فينا عبدُ اللَّهِ ورسولُه ما شاء اللَّهُ، ثم رفَعَه اللَّهُ إليه. وهؤلاء المسلمون، فتظاهَرت الطائفتان الكافِرتان على المسلمةِ فقَتَلوها، فلم يَزَلِ الإسلامُ طامسًا حتى بعَث اللَّهُ محمدًا ﷺ. ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾. يعني الطائفةَ التي كفَرت من بني إسرائيلَ في زمنِ عيسى، والطائفةَ التي آمَنت في زمنِ عيسى، ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ في إظهارِ محمدٍ دينَهم على دين الكفارِ، فأصبَحوا ظاهرين (^١).\nوقولُه: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾. يقولُ: فقوَّينا الذين آمَنوا من الطائفتين من بني إسرائيلَ على عدوِّهم، الذين كفَروا منهم بمحمدٍ ﷺ؛ لتصديقِه إيَّاهم أن عيسى عبدُ اللَّهِ ورسولُه، وتكذيبِه مَن قال: هو إلهٌ. ومَن قال: هو ابنُ اللَّهِ. تعالى ذِكرُه. ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾: فأصبَحت الطائفةُ المؤمنون ظاهرين على عدوِّهم الكافرين مِنهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذِكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الهلاليُّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾. قال: قوَّيْنا.\nحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن شِبَاكٍ (^٢)، عن إبراهيمَ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٤٦، والنسائي في الكبرى (١١٥٩١)، وابن أبي حاتم ٤/ ١١١٠ (٦٢٣٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٧/ ٤٧٥ من طريق أبي معاوية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٨ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٢) في م: \"سماك\". وتقدم في ٩/ ٦٠٩، ٦١٠، ١١/ ٥٩٩.","vol":"22","page":623},{"text":"﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾. قال: لما بعَث اللَّهُ محمدًا، ونزَل تصديقُ مَنْ آمَن بعيسى، أصبَحت حجةُ مَن آمَن به ظاهرةً.\nقال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن شِباكٍ (^١)، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾. قال: أُيِّدوا بمحمدٍ ﷺ، فصدَّقهم وأخبرَ بحُجَّتِهم.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾. قال: أصبَحت حجةُ مَن آمَن بعيسى ظاهرةً بتصديقِ محمدٍ ﷺ كلمةَ اللَّهِ ورُوحَه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾: مَن آمَن مع عيسى ﷺ (^٣).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ الصفِّ\n_________\n(^١) في م: \"سماك\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٥٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":624},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9004>تفسيرُ سورةِ الجُمُعةِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5178\"></span><span data-type='title' id=toc-9006>القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ </span>(١)﴾.\nيقولُ تعالى ذِكرُه: يسبِّحُ للَّهِ كلُّ ما في السماواتِ السبعِ، وكلُّ ما في الأرضِ مِن خَلْقِه، ويُعظِّمُه طوعًا وكَرهًا، الملكِ القُدُّوسِ الذي له مُلْكُ الدنيا والآخرةِ وسلطانُهما، النافذِ أمرُه في السماواتِ والأرضِ وما فيهما، ﴿الْقُدُّوسِ﴾ وهو الطاهرُ مِن كلِّ ما يُضِيفُ إليه المشركون به، ويصِفونَه به مما ليس من صفاتِه، المباركُ، ﴿الْعَزِيزِ﴾. يعني الشديدَ في انتقامِه من أعدائِه ﴿الْحَكِيمِ﴾ في تدبيرِه خَلْقَه، وتَصْرِيفِه إيَّاهم فيما هو أعلمُ به من مصالحِهم.\n\n<span id=\"aya-5179\"></span><span data-type='title' id=toc-9005>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ </span>(٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذِكرُه: اللَّهُ الذي بعَث في الأمِّيين رسولًا مِنهم. فقولُه: ﴿هُوَ﴾. كنايةٌ من اسمِ اللَّهِ.\nوالأمِّيون هم العربُ. وقد بيَّنا فيما مضَى المعنى الذي من أجلِه قيل للأميِّ: أميٌّ (^١).\nوبنحوِ الذي قُلنا في الأمِّيين في هذا الموضعِ قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢/ ١٥٣، ١٥٤، ١٠/ ٤٨٨ - ٤٩٢.","vol":"22","page":625},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾. قال: العربُ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: سمِعتُ سفيانَ الثوريَّ يُحدِّثُ، لا أعلمُه إلَّا عن مجاهدٍ، أنَّه قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾: العربُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾. قال: كان هذا الحيُّ من العربِ أمةً أمِّيَّةً، ليس فيها كتابٌ يقرَءونَه، فبعث اللَّهُ نبيَّه محمدًا رحمةً وهدًى يَهدِيهم به (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾. قال: كانت هذه الأُمةُ أمِّيَّةً لا يقرءُون كتابًا (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾. قال: إنما سُمِّيت أمَّةُ محمدٍ ﷺ الأمِّيين؛ لأنه لم يُنزِّلْ عليهم كتابًا.\nوقال جلَّ ثناؤُه: ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾. يعني: مِن الأمِّيين. وإنما قال: ﴿مِنْهُمْ﴾. لأن محمدًا ﷺ كان أمِّيًّا، وهو (^٤) من العربِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٥ إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩١ عن معمر به.\n(^٤) في م: \"ظهر\".","vol":"22","page":626},{"text":"وقولُه: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: يقرَأُ على هؤلاء الأمِّيين آياتِ اللَّهِ التي أنزَلها عليه، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾. يقولُ: ويُطهِّرُهم من دَنَسِ الكُفْرِ.\nوقولُه: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾. يقولُ: ويُعلِّمُهم كتابَ اللَّهِ، وما فيه مِن أمرِ اللَّهِ ونهيِه، وشرائعِ دينِه، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾. يعني بالحكمةِ السُّنَنَ.\nوبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾: أي السُّنَّةَ (^١).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ: قال: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أيضًا، كما عَلَّم هؤلاء، يُزكِّيهم بالكتابِ والأعمالِ الصالحةِ، ويُعلِّمُهم الكتابَ والحكمة كما صنَع بالأوَّلين. وقرَأ قولَ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠]. ممن بَقِي من أهلِ الإسلام إلى أن تقوم الساعةُ. قال: وقد جعَل اللَّهُ فيهم سابقين. وقرَأ قولَ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠، ١١]. وقال: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣، ١٤]. فثُلَّةٌ من الأوّلين سابقون، وقليلٌ السابقون مِن الآخرين، [وقرأ: ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾] (^٢). وقرَأ: ﴿وَأَصْحَابُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٩٠ - زوائد نعيم) عن معمر، عن قتادة، وأخرجه اللالكائي في الاعتقاد (٧١) من طريق شيبان، عن قتادة. وتقدم في ٢/ ٥٧٦.\n(^٢) سقط من: م، ت ٣.","vol":"22","page":627},{"text":"الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]. حتى بلَغ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩، ٤٠] أيضًا. قال: والسابقون من الأوّلين أكثرُ، وهم من الآخرين قليلٌ، وقرَأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآية [الحشر: ١٠]. قال: هؤلاء [مَن كان] (^١) مِن أهلِ الإسلامِ إلى أن تقومَ الساعةُ.\nوقولُه: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذِكره: وقد كان هؤلاء الأمِّيون من قبلِ أن يبعَثَّ اللَّهُ فيهم رسولًا مِنهم في جَوْرٍ (^٢) عن قصدِ السبيلِ، وأخْذٍ على غيرِ هدًى، ﴿مُبِينٍ﴾. يقولُ: يبينُ لمَن تأمَّلَه أنه ضلالٌ وجَوْرٌ عن الحقِّ وطريقِ الرُّشْدِ.\n\n<span id=\"aya-5180\"></span><span data-type='title' id=toc-9007>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ </span>(٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: وهو الذي بعَث فى الأمِّيين رسولًا منهم، وفي آخَرين مِنهم. لمَّا يَلْحقوا بهم. فـ \"آخَرون\" في موضعِ خفضٍ عطفًا على \"الأمِّيين\"\nوقد اخْتُلِف في الذين عُنوا بقولِه: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك العَجَمُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ت ١: \"حرز\".","vol":"22","page":628},{"text":"﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. قال: هم الأعاجمُ (^١).\nحدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ طلحةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. قال: هم الأعاجمُ.\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. قال: هم الأعاجمُ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. قال: الأعاجمُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال (^٢): سمِعتُ سفيانَ الثوريَّ لا أعلمُه إلَّا عن مجاهدٍ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. قال: العجمُ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا يحيى بنُ معينٍ، قال: ثنا هشامُ بنُ يوسفَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عمر بنِ عبدِ الرحمنِ القاصِّ (^٤)، عن أبيه، عن جدِّه، عن ابنِ عمرَ أنَّه قال له [أحدُ الأبناءِ] (^٥): أما إن سورةَ \"الجُمُعةِ\" أُنزِلت فينا وفيكم، في قتلِكم الكذابَ، ثم قرَأ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ حتى بلَغ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. قال: فأنتم هم (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٥ إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) بعده في ص، ت ٢، ت ٣: \"قال ابن زيد في قوله\"، وفي ت ١: \"قال ابن زيد\".\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"الأعاجم\".\n(^٤) في ص، م: \"بن العاص\". وينظر التاريخ الكبير ٥/ ٣٢٩.\n(^٥) سقط من: م. والأبناء: قوم من أبناء فارس. اللسان (ب ن و).\n(^٦) ينظر تفسير البغوي ٨/ ١١٣.","vol":"22","page":629},{"text":"﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا﴾. قال: الأعاجمُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، وحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني سليمانُ بنُ بلالٍ (^١)، جميعًا عن ثورِ بن زيدٍ، عن [أبي الغيثِ] (^٢)، عن أبي هريرةَ، قال: كنا جلوسًا عند النبيِّ ﷺ، فنزَلت عليه سورةُ \"الجمعةِ\"، فلما قرَأ: \" ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ \". قال رجلٌ: مَن هؤلاءِ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: فلم يُراجِعْه النبيُّ ﷺ حتى سأله مرَّةً أو مرَّتين أو ثلاثًا، قال: وفينا سلمانُ الفارسيُّ، فوضَع النبيُّ ﷺ يدَه على سلمانَ فقال: \"لو كان الإيمانُ عندَ الثُّريَّا لنَاله رِجالٌ مِن هؤلاء\" (^٣).\nحدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا عمي، قال: ثنا سليمانُ بنُ بلالٍ المدنيُّ (^٤)، عن ثورِ بنِ زيدٍ (^٥)، عن سالمٍ أبي الغيثِ، عن أبي هريرةَ، قال: كنا جلوسًا عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ. فذكَر نحوَه.\nوقال آخرون: إنما عُنِي بذلك جميعُ مَن دخَل في الإسلامِ مِن بعدِ النبيِّ ﷺ، كائنًا مَن كان إلى يومِ القيامةِ.\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"هلال\".\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"ابن الليث\".\n(^٣) أخرجه أحمد ١٥/ ٢٣٧ (٩٤٠٦)، والبخاري (٤٨٩٨)، ومسلم (٢٥٤٦/ ٢٣١)، والنسائي في الكبرى (٨٢٧٨، ١٨٥٩٢)، وابن حبان (٧٣٠٨)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ١/ ٢، والبغوي في تفسيره ٨/ ١١٣ من طريق عبد العزيز بن محمد به، وأخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان ١/ ٢ من طريق يونس به، وأخرجه البخاري (٤٨٩٧)، والبيهقي في الدلائل ٦/ ٣٣٣ من طريق سليمان به، وأخرجه الترمذي (٣٣١٠، ٣٩٣٣)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ١/ ٢ من طريق ثور به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٥ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل.\n(^٤) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المديني\". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٣٧٢.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يزيد\". وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٤١٦.","vol":"22","page":630},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. قال: مَن رَدِف الإسلامَ مِن الناسِ كلِّهم (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. قال: هؤلاء كلُّ مَن كان بعدَ النبيِّ ﷺ إلى يومِ القيامةِ، كلُّ مَن دخَل في الإسلامِ مِن العربِ والعجمِ (^٢).\nوأولى القولين في ذلك بالصوابِ عندي قولُ مَن قال: عُنِي بذلك كلُّ لاحِقٍ لَحِق بالذين كانوا صَحِبوا النبيَّ ﷺ في إسلامِهم مِن أيِّ الأجناسِ؛ لأنَّ اللَّهَ ﷿ عمَّ بقولِه: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ كلَّ لاحِقٍ بهم مِن \"آخرين\"، ولم يَخْصُصْ منهم نوعًا دونَ نوعٍ، فكلُّ لاحقٍ بهم فهو مِن الآخَرين الذين لم يكونوا في عِدادِ الأوَّلين الذين كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يَتْلو عليهم آياتِ اللَّهِ.\nوقولُه: ﴿لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. يقولُ: لم يَجِيئوا بعدُ وسَيَجِيئون.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَمَّا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٥٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ١١٤.","vol":"22","page":631},{"text":"يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. يقولُ: لم يأْتوا بعدُ.\nوقولُه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ: واللَّهُ العزيزُ في انتقامِه ممن كفَر به منهم، الحكيمُ في تدبيرِه خلْقَه.\n\n<span id=\"aya-5181\"></span>وقولُه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي فعَل تعالى ذكرُه مِن بِعْثتِه في الأمِّيين مِن العربِ وفي آخَرين (^١)، رسولًا منهم يَتْلو عليهم آياتِه، ويَفعلُ سائرَ ما وصَف - فَضْلُ اللَّهِ، تفضَّل به على هؤلاء دونَ غيرِهم، ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. يقولُ: يُؤْتِي فضلَه ذلك مَن يشاءُ مِن خَلْقِه، لا يستحقُّ الذمَّ ممن حرَمه اللَّهُ إيَّاه، لأنه لم يَمْنَعْه حقًّا كان له قبلَه، ولا ظلَمه في صَرْفِه عنه إلى غيرِه؛ ولكنه عَلِم مِن هو له أهلٌ، فأَوْدعه إيَّاه وجعَله عندَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن شبيبٍ (^٢)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال: الفَضْلُ الدِّينُ (^٣).\n﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ: واللَّهُ ذو الفَضْلِ على عبادِه؛ المحسنِ منهم والمسيءِ، والذين بَعث فيهم الرسولَ منهم وغيرِهم، العظيمُ الذي يَقِلُّ فضلُ كلَّ ذي فضلٍ عندَه.\n_________\n(^١) بعده في ت ١، ت ٢: \"منهم\".\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"شعيب\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٥ إلى ابن المنذر.","vol":"22","page":632},{"text":"<span id=\"aya-5182\"></span><span data-type='title' id=toc-9008>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: مثَلُ الذين أُوتوا التوراةَ مِن اليهودِ والنصارى، فحُمِّلوا العملَ بها ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾. يقولُ: ثم لم يَعْملوا بما فيها، وكذَّبوا بمحمدٍ ﷺ، وقد أُمِروا بالإيمانِ به فيها، واتِّباعِه والتصديقِ به، ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. يقولُ: كمثَلِ الحمارِ يحمِلُ على ظَهْرِه كتبًا مِن كتبِ العلمِ لا يَنتفِعُ بها، ولا يَعْقِلُ ما فيها، فكذلك الذين أُوتوا التوراةَ التي فيها بيانُ أمرِ محمدٍ ﷺ، مثلُهم إذا لم يَنْتَفِعوا بما فيها كمثَلِ الحمارِ الذي يحمِلُ أسفارًا فيها عِلْمٌ، فهو لا يَعْقِلُها ولا يَنْتَفِعُ بها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. قال: يَحْمِلُ كتبًا لا يَدْري ما فيها، ولا يَعْقِلُها (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. قال: يحمِلُ كتابًا لا يَدْري ماذا عليه، ولا ماذا فيه.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٥٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":633},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. قال: كمثَلِ الحمارِ الذي يحمِلُ كتبًا، لا يَدْرِي ما على ظَهْرِه (^١).\nحدَّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾: كتبًا، والكتابُ بالنَّبَطيةِ يُسَمَّى سِفْرًا (^٢)، ضرَب اللَّهُ هذا مثلًا للذين أُعْطوا التوراةَ ثم كفَروا.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾: والأسفارُ الكتبُ، فجعَل اللَّهُ مثَلَ الذي يقرَأُ الكتابَ ولا يَتَّبِعُ ما فيه، كمثلِ الحمارِ يحملُ كتابَ اللَّهِ الثقيلَ، لا يَدْرِي ما فيه، ثم قال: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآية.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. قال: الأسفارُ: التوراةُ يحمِلُها الحمارُ على ظَهْرِه، كما تُحْمَلُ المصاحفُ على الدوابِّ، مثلُ الرجلِ يسافرُ فيحمِلُ مُصْحَفَه. قال: [فلا يَنْتَفِعُ] (^٣) الحمارُ بها حينَ يحمِلُها على ظَهْرِه، كذلك لم يَنْتفِعْ هؤلاء بها حينَ لم يَعْملوا بها وقد أُوتوها، كما لم يَنْتفِعْ بها هذا وهي على ظَهْرِه.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. يقول: كتبًا (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩١ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣: \"سفارا\"، وفي ت ١: \"أسفارا\".\n(^٣) في ص، ت ١: \"فينتفع\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"فلم ينتفع\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٥، ٢١٦ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"22","page":634},{"text":"والأسفارُ جمعُ سِفْرٍ، وهي الكتبُ العِظامُ\nوقولُه: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. يقولُ: بئس هذا المثلُ مثلُ القومِ الذين كذَّبوا ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، يعني: بأدلَّتِه وحججِه، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ لا يوفِّقُ القومَ الذين ظلَموا أنفسَهم، فكفَروا بآياتِ ربِّهم.\n\n<span id=\"aya-5183\"></span><span data-type='title' id=toc-9009>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لليهودِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ سِواكم، ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قيلِكم أنكم أولياءُ للَّهِ مِن دونِ الناسِ، فإن اللَّهَ لا يُعذِّبُ أولياءَه، بل يُكْرِمُهم ويُنْعِمُهم، وإن كنتم مُحِقِّين فيما تقولون، فتمنَّوا الموتَ لتَسْتريحوا مِن كَرْبِ الدنيا وهمومِها وغمومِها، وتَصيروا إلى رَوْحِ الجنانِ ونعيمِها بالموتِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾: قُلْ يأيُّها الذين تابوا، لليهودِ؛ قال موسى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]: إنا تُبْنا إليك.\n\n<span id=\"aya-5184\"></span><span data-type='title' id=toc-9010>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾. يقولُ: ولا","vol":"22","page":635},{"text":"يتمنَّى اليهودُ الموتَ أبدًا، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. يعني: بما اكْتَسبوا في هذه الدنيا مِن الآثامِ، واجْتَرحوا مِن السيئاتِ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: واللَّهُ ذو علمٍ بمن ظلَم مِن خلْقِه نفسَه، فأَوْبَقها بكفرِه باللَّهِ.\n\n<span id=\"aya-5185\"></span><span data-type='title' id=toc-9011>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ لليهودِ: إن الموتَ الذي تَفِرُّون منه فتكرَهونه، وتأْبَون أن تتمنَّوه، فإنه مُلاقِيكُم ونازلٌ بكم، ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. يقولُ: ثم يردُّكم ربُّكم مِن بعدِ مماتِكم إلى عالمِ الغيبِ والشهادةِ، عالمِ غيبِ السماواتِ والأرضِ، ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾. يعني: وما شُهِد فظهَر لرأْيِ العينِ، ولم يَغِبْ عن أبصارِ الناظرين.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا قتادةُ: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. فقال: إنَّ اللَّهَ أذلَّ ابنَ آدمَ بالموتِ. لا أعلمُه إلا رفَعه (^١).\n﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: فيخبرُكم حينئذٍ بما كنتم في الدنيا تعملون مِن الأعمال؛ سيِّئِها وحَسنِها؛ لأنه محيطٌ بجميعِها، ثم يجازيكم على ذلك؛ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ [بما هو أهلُه] (^٢).\n\n<span id=\"aya-5186\"></span><span data-type='title' id=toc-9012>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ</span>\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩١ عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٢٠٣ - من طريق خليد، عن قتادة مرفوعا دون شك، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٦ إلى ابن المنذر، وعزاه في ٦/ ٢٤٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ص: \"بإساءته\".","vol":"22","page":636},{"text":"الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن عبادِه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾. وذلك هو النداءُ الذي (^١) يُنادَى بالدعاءِ إلى صلاةِ الجمعةِ عند قعودِ الإمامِ على المنبرِ للخطبةِ. ومعنى الكلامِ: إذا نُودِي للصلاةِ، مِن صلاةِ يومِ الجمعةِ، ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. يقولُ: فامضُوا إلى ذكرِ اللَّهِ، واعْملوا له. وأصلُ السعْيِ في هذا الموضعِ العملُ، وقد ذكَرْنا الشواهدَ على ذلك فيما مضى قبلُ (^٢).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بن عرفةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عياشٍ، عن شُرَحبيلَ بنِ مسلمٍ الخَوْلانيِّ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال: فاسْعَوا في العملِ، وليس السعْيُ في المشيِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾: والسعْيُ يا بنَ آدمَ أن تسعى بقلبِك وعملِك، وهو المضيُّ (^٣) إليها (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٣/ ٥٨١.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"المصير\".\n(^٤) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢٩٦٦) من طريق سعيد به مطولا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":637},{"text":"حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، قال: أخبَرني مغيرةُ، عن إبراهيمَ أنه قيل لعمرَ ﵁: إنَّ أُبيًّا يقرَؤُها: ﴿فَاسْعَوْا﴾. قال: أما إنه أَقْرؤنا وأعلمُنا بالمنسوخِ، وإنما هي: (فامْضوا) (^١).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ السُّكَّرِيُّ، قال: أخبرَنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن سالمٍ، عن أبيه، قال: ما سمِعتُ عمرَ يقرَؤُها قطُّ إلا (فامْضُوا) (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: ثنا حنظلةُ، عن سالمِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: كان عمرُ ﵁ يقرَؤُها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن حنظلةَ، عن سالمِ بنِ عبدِ اللَّهِ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ قرَأها: (فامْضُوا) (^٣).\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا حنظلةُ بنُ أبي سفيانَ الجُمَحيُّ، أنه سمِع سالمَ بنَ عبدِ اللَّهِ يحدِّثُ عن أبيه، أنه سمِع عمرَ بنَ الخطابِ يقرَأُ: (إِذَا نُودِيَ للصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَامْضُوا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ).\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٨٥، ١٨٦، وابن أبي شيبة ٢/ ١٥٧ من طريق مغيرة عن إبراهيم عن خرشة، وصحح ابن حجر هذا الإسناد في الفتح ٨/ ٦٤٢. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٩ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف. وقراءة: (فامضوا) شاذة لمخالفتها رسم المصحف. ولعلها مما نُسخت تلاوته، أو كان قبل العَرضة الأخيرة، أو مما انعقد الإجماع على تركه؛ لإجماع الصحابة على اتباع مصحف عثمان.\n(^٢) أخرجه الشافعي في الأم ١/ ١٩٦، والدارقطني في العلل ٢/ ٢٥٣ (٢٥٣)، وأبو نعيم في الحلية ٩/ ٢٩، والبيهقي ٣/ ٢٢٧ من طريق سفيان به. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٣٤٨) من طريق الزهري به - وهو عنده في التفسير ٢/ ٢٩١ بنفس السند مِن قراءة ابن عمر - وأخرجه مالك ١/ ١٠٦ عن الزهري: كان عمر يقرأ …، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٩ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٣٥٠) عن الثوري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":638},{"text":"قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبَرني سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، أَنَّ عبَد اللَّهِ بنَ عمرَ قال: لقد توفَّى اللَّهُ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁، وما يقرَأُ هذه الآية التي ذكَر اللَّهُ فيها الجمعةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾. إلا (^١) (فامْضُوا إلى ذكرِ اللَّهِ).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: كان عبدُ اللَّهِ يقرَؤُها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ). ويقولُ: لو قرأتُها: ﴿فَاسْعَوْا﴾ لسعَيْتُ حتى يسقُطَ رِدائي (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: لو كان السعْيُ لسعَيْتُ حتى يسقطَ رِدائي. قال: ولكنها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ). قال: هكذا كان يقرَؤُها.\nحدَّثني عليُّ بنُ الحسينِ الأزديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ الأَزْدِيُّ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، أنه كان يقرَؤُها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ) (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ أنه قرَأها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ)\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، [عن ابنِ جريجٍ] (^٤)، عن عطاءٍ، قال: هي للأحرارِ.\n_________\n(^١) ليست في: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٧ عن أبي معاوية به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٥٩ من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: كان أُبَيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود يقرآنها: (فامضوا إلى ذكر الله).\n(^٤) سقط من: ص، ت ٣، وبعده في ت ١، ت ٢: \"عن سفيان\".","vol":"22","page":639},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن مسروقٍ، قال: عندَ الوقْتِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن مسروقٍ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾. قال: الوقتِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، قال: هو عندَ العَزْمةِ، عندَ الخطبةِ، عندَ الذكرِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾. قال: النداءُ عندَ الذكرِ عزيمةٌ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾. قال: العَزْمةُ عندَ الذكرِ عندَ الخطبةِ.\nقال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن المغيرةِ والأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: لو قرأْتُها: ﴿فَاسْعَوْا﴾، لسَعَيْتُ حتى يسقُطَ رِدائي. وكان يقرَؤُها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ) (^٣).\nقال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن الشعبيِّ، عن ابنِ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٢١٩) عن الثوري به.\n(^٢) في م، ص: \"عند الوقت\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٣٤٩) - ومن طريقه الطبراني (٩٥٣٩) -، وابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ٢٣٢، من طريق سفيان عن الأعمش به، وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٨٦ من طريق المغيرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٩ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري.","vol":"22","page":640},{"text":"مسعودٍ، قال: قرَأها: (فامْضُوا).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي حيانَ، عن عكرمةَ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال: السعْيُ العملُ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وسألْتُه عن قولِ اللَّهِ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال: إذا سمِعْتم الداعيَ الأوَّلَ، فأجِيبوا إلى ذلك وأسْرِعوا ولا تُبْطِئوا. قال: ولم يكنْ في زمانِ النبيِّ ﷺ أذانٌ إلا أذانانِ؛ أذانٌ حينَ يَجلِسُ على المنبرِ، وأذانٌ حينَ تُقامُ الصلاةُ. قال: وهذا الآخرُ شيءٌ أحدَثه (^٢) الناسُ بعدُ. قال: ولا يَحِلُّ له البيعُ إذا سَمِع النداءَ الذي يكونُ بينَ يدَيِ الإمامِ إذا قعَد على المنبرِ. وقرَأ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾. قال: ولم يَأْمُرْهم يَذَرُون شيئًا غيرَه، حرَّم البيعَ، ثم أَذِن لهم فيه إذا فرَغوا مِن الصلاةِ. قال: والسعْيُ أن يُسْرِعَ إليها، أن يُقْبِلَ إليها.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أنَّ في حرفِ ابنِ مسعودٍ: (إذَا نُودِيَ للصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ) (^٣).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾: السعْيُ هو العملُ، قال اللَّهُ: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤].\nوقولُه: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾. يقولُ: ودَعُوا البيعَ والشراءَ إذا نُودِي للصلاة عندَ الخطبةِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ت ١: \"أخذ به\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٣٤٦)، وفي التفسير ٢/ ٢٩١ - ومن طريقه الطبراني (٩٥٤٠) عن معمر به.","vol":"22","page":641},{"text":"وكان الضحاكُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن جويبرٍ (^١)، عن الضحاكِ، قال: إذا زالتِ الشمسُ حرُم البيعُ والشراءُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾. قال: إذا زالتِ الشمسُ حرُم البيعُ والشراءُ.\nحدَّثنا (^٣) مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: كان قومٌ يجلِسون في بقيعِ الزبيرِ، فيشترون ويَبِيعون إذا نُودِي للصلاةِ يومَ الجمعةِ، ولا يقومون، فنزَلت: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾.\nوأما الذِّكْرُ الذي أمرَ اللَّهُ ﵎ بالسعْيِ إليه عبادَه المؤمنين، فإنه موعظةُ الإمامِ في خطبتِه فيما قيل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾. قال: العَزْمةُ عندَ الذكرِ عندَ الخطبةِ.\nحدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عَبْدانُ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّهِ، قال: أخبَرنا منصورٌ، رجلٌ مِن أهلِ الكوفةِ، عن موسى بنِ أبي كثيرٍ، أنه سمِع سعيدَ بنَ المسيبِ يقولُ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال: فهي موعظةُ الإمامِ، فإذا قُضِيتِ الصلاةُ بعدُ (^٤).\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"جرير\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٢٢٣) عن الثوري به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ١٣٤ من طريق جويبر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) القائل هو ابن حميد.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٩ إلى ابن أبي شيبة.","vol":"22","page":642},{"text":"وقولُه: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: سَعْيُكم إذا نُودِي للصلاةِ مِن يومِ الجمعةِ إلى ذكرِ اللَّهِ، وتَرْكُ البيعِ، خيرٌ لكم مِن البيعِ والشراءِ في ذلك الوقتِ، إن كنتم تعلمون مصالحَ أنفسِكم ومضارَّها.\nواختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾؛ فقرَأتْ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿الْجُمُعَةِ﴾ بضمِّ الميمِ والجيمِ، خلا الأعمشِ فإنه قرَأها بتخفيفِ الميمِ (^١).\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه.\n\n<span id=\"aya-5187\"></span><span data-type='title' id=toc-9013>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فإذا قُضِيت صلاةُ الجمعةِ يومَ الجمعةِ، فانتشِروا في الأرضِ إن شِئْتم ذلك؛ رخصةً مِن اللَّهِ لكم في ذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصينٌ، عن مجاهدٍ أنه قال: هي رخصةٌ. يعني قولَه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾.\nحدَّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. قال:\n_________\n(^١) وبها قرأ ابن الزبير وأبو حيوة وابن أبي عبلة ورواية عن أبي عمرو وزيد بن علي. البحر المحيط ٨/ ٢٦٧.","vol":"22","page":643},{"text":"هذا إذنٌ مِن اللَّهِ، فمَن شاء خرَج، ومَن شاء جلَس.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: أذِن لهم إذا فرَغوا من الصلاةِ، فقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ فقد أحْلَلْتُه لكم.\nوقولُه: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾. ذُكِر عن النبيِّ ﷺ في تأويلِ ذلك ما حدَّثني العباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ المُعافَى بن يعقوبَ الموصليُّ، قال: ثنا أبو عامرٍ الصائغُ (^١) مِن الموصلِ، عن أبي خلفٍ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ في قولِه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ قال: \"ليس لطلبِ دُنْيَا، ولكن عيادةَ مريضٍ، وحضورَ جنازةٍ، وزيارةَ أخٍ في اللَّهِ\" (^٢).\nوقد يَحتَمِلُ قولُه: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾. أن يكونَ معنيًّا به: والْتَمِسوا مِن فضلِ اللَّهِ الذي بيدِه مفاتيحُ خَزائِنه لدنياكم وآخرتِكم.\nوقولُه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: واذْكُرُوا اللَّهَ كثيرًا بالحمدِ له، والشكرِ على ما أنْعَم به عليكم مِن التوفيقِ لأداءِ فرائضِه، لتُفْلِحوا، فتُدْرِكوا طَلباتِكم عندَ ربِّكم، وتَصِلوا إلى الخلدِ في جنانِه.\n\n<span id=\"aya-5188\"></span><span data-type='title' id=toc-9014>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا رأَى المؤمنون عيرَ تجارةٍ أو لهوًا، ﴿انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾.\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"الصانع\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٠ إلى المصنف.","vol":"22","page":644},{"text":"يعني: أسْرَعوا إلى التجارةِ، ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. يقولُ النبيِّ ﷺ: وترَكوك يا محمدُ قائمًا على المنبرِ. وذلك أن التجارةَ التي رأَوْها فانْفَضَّ القومُ إليها وترَكوا النبيَّ ﷺ، قائمًا، كانت زيتًا قدِم به دِحْيةُ بنُ خليفةَ مِن الشامِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: قدِم دحيةُ بنُ خليفةَ بتجارةِ زيتٍ من الشامِ والنبيُّ ﷺ يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ، فلمَّا رأَوْه قاموا إليه بالبَقيعِ، خشُوا أن يُسْبَقوا إليه. قال: فنزَلَت: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن مرةَ (^٢): ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾. قال: جاء دِحْيةُ الكلبيُّ بتجارةٍ والنبيُّ ﷺ قائمٌ في الصلاةِ يومَ الجمعةِ، فترَكوا النبيَّ ﷺ وخرَجوا إليه، فنزَلَت: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ حتى ختَم السورةَ (١).\nحدَّثني أبو حَصِينٍ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ يونُسَ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصَيْنٌ، عن سالمِ بنِ أبي الجَعْدِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: كنا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ في الجمعةِ، فمرَّت عِيرٌ تَحْمِلُ الطعامَ. قال: فخرَج الناسُ إلا اثني عشَرَ رجلًا، فنزَلَت آيةُ الجمعةِ (^٣).\n_________\n(^١) ينظر فتح الباري ٢/ ٤٢٣.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"قرة\". وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٣٧٩.\n(^٣) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٥٩٣)، والواحدي في أسباب النزول ص ٣٢٠ من طريق أبي حصين =","vol":"22","page":645},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ: إن أهلَ المدينةِ أصابهم جوعٌ وغَلاءُ سعرٍ، فقدِمت عِيرٌ والنبيُّ ﷺ يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ، فسمِعوا بها، فخرَجوا والنبيُّ ﷺ، قائمٌ، كما قال اللَّهُ ﷿ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. قال: جاءت تجارةٌ، فانْصَرفوا إليها، وترَكوا النبيَّ ﷺ قائمًا، فإذا رأَوْا لهوًا ولعبًا، قُل: ﴿مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾. قال: رجالٌ كانوا يقومون إلى نَواضحِهم (^٢) وإلى السفرِ يَبْتَغون التجارةَ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: بينما رسولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ الناسَ يومَ الجمعةِ، فجعَلوا يَتَسَلَّلون ويَقُومون حتى بقِيَت منهم عِصابةٌ، فقال: \"كم أنتم؟ \". فعَدُّوا أنفسَهم، فإذا اثنا عشرَ رجلًا وامرأةٌ، ثم قام في الجمعةِ الثانيةِ فجعَل يَخْطُبُهم. قال سفيانُ: ولا أعْلَمُ إلا أن في حديثِه: ويَعِظُهم\n_________\n= عبد الله بن أحمد به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ١١٣، وأحمد ٢٢/ ٢٥٦، ٢٣/ ٢٢٨ (١٤٣٥٦، ١٤٩٧٨)، والبخاري (٩٣٦، ٢٠٥٨، ٢٠٦٤، ٤٨٩٩)، ومسلم (٨٦٣)، والواحدي ص ٣١٩ من طريق حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٠ إلى سعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد.\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩٢ عن معمر به.\n(^٢) نواضحهم: إبلهم. ينظر النهاية ٥/ ٦٩.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٦٠.","vol":"22","page":646},{"text":"ويُذَكِّرُهم. فجعَلوا يَتَسَلَّلون ويقومون حتى بقِيَت عِصابةٌ، فقال: \"كم أنتم؟ \" فعَدُّوا أنفسَهم (^١)، فإذا اثنا عشر رجلًا وامرأةٌ، ثم قام في الجمعةِ الثالثةِ، فجعَلوا يَتَسَلَّلون ويقومون حتى بقِيَت منهم عِصابةٌ، فقال: \"كم أنتم؟ \". فعَدُّوا أنفسَهم، فإذا اثنا عشر رجلًا وامرأةٌ، فقال: \"والذي نفسي بيدِه لو اتَّبَع آخرُكم أولَكم لَالتهَبَ عليكم الوادي نارًا\". وأنْزَل اللَّهُ ﷿: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. قال: لو اتَّبَع آخرُهم أولَهم لَالْتَهَب عليهم الوادي نارًا (^٣).\nقال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: قال معمرٌ: قال قتادةُ: لم يَبْقَ مع النبيِّ ﷺ يومَئذٍ إلا اثنا عشرَ رجلًا، وامرأةٌ معهم (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ الرازيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّبَّاحِ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا حُصَينٌ، عن سالمٍ وأبي سفيانَ، عن جابرٍ في قولِه: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. قال: قدِمَت عِيرٌ، فانْفَضُّوا إليها، ولم يَبْقَ مع النبيِّ ﷺ إلا اثنا عشرَ رجلًا (^٤).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلِيُّ، قال: ثنا جريرٌ، عن حُصينٍ، عن سالمٍ،\n_________\n(^١) في ت ٢: \"أنفسكم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩٢ عن معمر به.\n(^٤) أخرجه مسلم (٨٦٣)، والترمذي (٣٣١١) بدون ذكر سالم، وابن حبان (٦٨٧٦، ٦٨٧٧)، من طريق هشيم به.","vol":"22","page":647},{"text":"عن جابرٍ، أن النبيَّ ﷺ كان يَخْطُبُ قائمًا يومَ الجمعةِ، فجاءت عِيرٌ مِن الشامِ، فانْفَتل الناسُ إليها، حتى لم يَبْقَ إلا اثنا عشرَ رجلًا. قال: فأُنزلَت هذه الآيةُ في \"الجمعةِ\": ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (^١).\nوأما اللهوُ، فإنه اخْتُلِف مِن أيِّ أجناسِ اللهوِ كان؛ فقال بعضُهم: كان كَبَرًا (^٢) ومَزاميرَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ سهلِ بنِ عَسْكَرٍ، قال: ثنا يحيى بنُ صالحٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: كان الجواري إذا نُكِحوا، كانوا يَمُرُّون بالكَبَرِ والمزاميرِ ويَتْرُكون النبيَّ ﷺ قائمًا على المنبرِ ويَنْفَضُّون إليها، فأنْزَل اللَّهُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (^٣).\nوقال آخرون: كان طَبْلًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: اللهوُ الطَّبْلُ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٦٣)، وابن خزيمة (١٨٢٣)، والبيهقي (١٩٧١٣) من طريق جرير به، وأخرجه الترمذي عقب الحديث (٣٣١١) من طريق حصين به.\n(^٢) الكبر: الطبل، وقيل: هو الطبل ذو الرأسين. وقيل: الطبل الذي له وجه واحد بلغة أهل الكوفة. التاج (ك ب ر).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢١ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦٦٠.","vol":"22","page":648},{"text":"حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الأَشْيَبُ (^١)، قال: ثنا ورقاءُ، قال: ذكَر عبدُ اللَّهِ بنُ أبي نَجيحٍ، عن إبراهيمَ بنِ أبي بكرٍ، عن مجاهدٍ، أن اللهوَ هو الطَّبْلُ.\nوالذي هو أولى بالصوابِ في ذلك الخبرُ الذي روَيْناه عن جابرٍ؛ لأنه قد أدْرَك أمرَ القومِ شاهَدهم (^٢).\nوقولُه: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾. يقول جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ لهم يا محمدُ: الذي عندَ اللَّهِ مِن الثوابِ، لمن جلَس مُسْتَمِعًا خطبةَ رسولِ اللَّهِ ﷺ وموعظتَه يومَ الجمعةِ إلى أن يَفْرُغَ رسولُ اللَّهِ ﷺ منها - خيرٌ له مِن اللهوِ ومِن التجارةِ التي يَنفَضُّون إليها، ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. يقولُ: واللَّهُ خيرُ رازقٍ، فإليه فارْغَبوا في طلب أرزاقِكم، وإياه فاسْأَلوا أن يُوَسِّعَ عليكم مِن فضلِه دونَ غيرِه.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"الجُمُعةِ\"\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"الأشعث\".\n(^٢) في م: \"مشاهدهم\".","vol":"22","page":649},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9015>تفسيرُ سورةِ \"المنافقين\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5189\"></span><span data-type='title' id=toc-9017>القولُ في تأويلِ قولِه عزّ ذكرُه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ </span>(١)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ يا محمدُ، ﴿قَالُوا﴾ بألسنتِهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾. قال المنافقون ذلك أو لم يقولوه، ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. يقولُ: واللَّهُ يَشْهَدُ إن المنافقين لَكاذبون في إخبارِهم عن أنفسِهم أنها تَشْهَدُ إنك لرسولُ اللَّهِ، وذلك أنها لا تَعْتَقِدُ ذلك، ولا تُؤْمِنُ به، فهم كاذبون في خبرِهم عنها بذلك.\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ (^١) في قولِه: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾: إنما كذَّب ضميرَهم؛ لأنهم أضْمَروا النفاقَ، فكما لم يَقْبَلْ إيمانَهم وقد أظْهَروه، فكذلك جعَلهم كاذبين؛ لأنهم أضْمَروا غيرَ ما أظْهَروا.\n\n<span id=\"aya-5190\"></span><span data-type='title' id=toc-9016>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ </span>(٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: اتَّخَذ المنافقون أيمانَهم جُنَّةً، وهي حَلِفُهم.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾. أي: حلِفَهم جُنَّةً.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ١٥٨.","vol":"22","page":650},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾. قال: يَجْتَنُّون بها. قال: ذلك بأنهم آمَنوا، ثم كفَروا (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكُ يقولُ في قولِه: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾. يقولُ: حَلِفَهم باللَّهِ إنهم لمنكم، جُنَّةً (^٢).\nوقولُه: ﴿جُنَّةً﴾. أي: سُتْرةً يَسْتَتِرون بها، كما يَسْتَتِرُ المُسْتَجِنُّ بِجُنَّتِه في حربٍ وقتالٍ، فيَمْنَعون بها أنفسَهم وذَراريَّهم وأموالَهم، ويَدْفَعون بها عنهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿جُنَّةً﴾: ليَعْصِموا بها دماءَهم وأموالَهم (^٣).\nوقولُه: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: فأَعْرَضوا عن دينِ اللَّهِ الذي بعَث به نبيَّه ﷺ، وشريعتِه التي شرَعها لخلقِه، ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إن هؤلاء المنافقين الذين اتَّخَذوا أيمانَهم جُنَّةً، ساء ما كانوا يَعْمَلون [في الدنيا] (^٤) في اتخاذِهم أيمانَهم جُنَّةً؛ لكذِبِهم ونفاقِهم، وغيرِ ذلك من أمورِهم.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٦١، ومن طريقه عبد بن حميد - كما في فتح الباري ٨/ ٦٤٦.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ١٢٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) ليست في: ص، م، ت ١، ت ٢.","vol":"22","page":651},{"text":"<span id=\"aya-5191\"></span><span data-type='title' id=toc-9019>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ </span>(٣)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: إنما (^١) ساء ما كانوا يَعْمَلون هؤلاء المنافقون الذين اتَّخَذوا أيمانَهم جُنةً؛ مِن أجلِ أنهم صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، ثم كفَروا بشكِّهم في ذلك وتكذيبِهم به.\nوقولُه: ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ: فجعَل اللَّهُ على قلوبِهم خَتْمًا بالكفرِ عن الإيمانِ، وقد بيَّنَّا في موضعٍ غير هذا صفةَ الطَّبْعِ على القلبِ بشواهدِها وأقوالِ أهلِ العلمِ، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\nوقولُه: ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فهم لا يَفْقَهون صوابًا مِن خطإٍ، وحقًّا من باطلٍ؛ لطبعِ اللَّهِ على قلوبِهم.\nوكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾: أَقَرُّوا بلا إلهَ إلا اللَّهُ، وأن محمدًا رسولُ اللَّهِ ﷺ، وقلوبُهم مُنْكِرَةٌ تَأْبَى ذلك.\n\n<span id=\"aya-5192\"></span><span data-type='title' id=toc-9018>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ </span>(٤)﴾.\nيقولُ جلَّ ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وإذا رأيْتَ هؤلاء المنافقين يا محمدُ تُعْجِبُك أجسامُهم؛ لاستواءِ خَلْقِها، وحُسنِ صُوَرِها، ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾.\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"إنهم\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٦٧.","vol":"22","page":652},{"text":"يقولُ جلَّ ثناؤُه: وإن يَتَكَلَّموا تَسْمَعْ كلامَهم، يُشْبِهُ مَنْطِقُهم منطقَ الناسِ، ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾. يقولُ: كأن هؤلاء المنافقين خُشُبٌ مُسَنَّدةٌ، لا خيرَ عندَهم، ولا فقهَ لهم ولا علمَ، وإنما هم صورٌ بلا أحلامٍ، وأشباحٌ (^١) بلا عقولٍ.\nوقولُه: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: يَحْسَبُ هؤلاء المنافقون مِن خُبثِهم (^٢) وسوءِ ظنِّهم وقلةِ يقينِهم، كلَّ صيحةٍ عليهم؛ لأنهم على وَجَلٍ أن يُنْزِلَ اللَّهُ فيهم أمرًا يَهْتِكُ به أستارَهم ويَفْضَحُهم، ويُبِيحُ للمؤمنين قتلَهم وسَبْيَ ذَراريِّهم وأخْذَ أموالِهم، فهم مِن خوفِهمِ مِن ذلك، كلَّما نزَل بهم مِن اللَّهِ وحيٌّ على رسولِه، ظنُّوا أنه نزَل بهلاكِهم وعَطَبِهم. يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه ﷺ: هم العدُوُّ يا محمدُ فاحْذَرْهم، فإن ألسنتَهم إذا لَقُوكم معكم، وقلوبَهم عليكم مع أعدائِكم، فهم عينٌ لأعدائِكم عليكم.\nوقولُه: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ: أخْزاهم اللَّهُ، إلى أيِّ وجهٍ يُصْرَفون عن الحقِّ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وسمِعْتُه يقولُ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ الآية. قال: هؤلاء المنافقون.\nواختلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ خلا الأعمشِ والكِسائيِّ: ﴿خُشُبٌ﴾ بضمِّ الخاءِ والشينِ (^٣). كأنهم وجَّهوا ذلك إلى جمعِ الجمعِ، جمَعوا الخشبةَ خِشَابا، ثم جمعوا الخِشابَ خُشُبًا، كما جُمِعَت الثمرةُ ثِمارًا، ثم ثُمُرًا. وقد يَجوزُ أن يكونَ الخُشُبُ بضمِّ الخاءِ\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"أجسام\".\n(^٢) في ت ١: \"خبتهم\".\n(^٣) هي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة. حجة القراءات ص ٧٠٩.","vol":"22","page":653},{"text":"والشينِ، إلى أنها جمعُ خَشَبةٍ، فتُضَمُّ الشينُ منها مرةً، وتُسَكَّنُ أخرى، كما جمَعوا الأَكَمةَ أُكُمًا وأُكْمًا، بضمِّ الألفِ والكافِ مرةً، وتسكينِ الكافِ منها مرةً، وكما قيل: البُدْنُ والبُدُنُ. بضمِّ الدالِ وتسكينِها لجمعِ البَدَنةِ. وقرَأ ذلك الأعمشُ والكِسائيُّ: (خُشْبٌ) بضمِّ الخاءِ، وسكونِ الشينِ (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، ولغتان فَصيحتان، وبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وتسكينُ الأوسطِ فيما جاء مِن جمعِ فَعَلة على فُعْل في الأسماءِ، على ألسنِ العربِ أكثرُ، وذلك كجمعِهم البَدَنةَ بُدْنًا، والأَجَمةَ أُجْمًا.\n\n<span id=\"aya-5193\"></span><span data-type='title' id=toc-9020>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: تعالَوْا إلى رسولِ اللَّهِ يَسْتَغْفِرْ لكم، ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾. يقولُ: حرَّكوها وهزُّوها؛ استهزاءً برسولِ اللَّهِ ﷺ وباستغفارِه. وبتشديدِ الواوِ مِن ﴿لَوَّوْا﴾ قرَأَت القرأةُ، على وجهِ الخبرِ عنهم أنهم كرَّوا هزَّ رءوسِهم وتحريكَها وأكْثَروا، إلا نافعًا فإنه قرَأ ذلك بتخفيفِ الواوِ: (لوَوْا) على وجهِ أنهم فعَلوا ذلك مرةً واحدةً (^٢).\nوالصوابُ مِن القول في ذلك قراءةُ مَن شدَّد الواوَ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه. وقولُه: ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ورأيْتَهم يُعْرِضون عما دُعُوا إليه بوجوهِهم، ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. يقولُ: وهم مُسْتَكْبِرون\n_________\n(^١) وهي قراءة أبي عمرو أيضًا. ينظر حجة القراءات ص ٧٠٩، ومعاني القرآن للفراء ٣/ ١٥٨.\n(^٢) ينظر حجة القراءات ص ٧٠٩.","vol":"22","page":654},{"text":"عن المصيرِ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ليستغفرَ لهم.\nوإنما عُنِي بهذه الآياتِ كلِّها، فيما ذُكِر، عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلُولَ؛ وذلك أنه قال لأصحابِه: لا تُنْفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ حتى يَنْفَضُّوا. وقال: لئن رجعنَا إلى المدينةِ ليخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. فسمِع بذلك زيدُ بنُ أرقمَ، فأخبَر به رسولَ اللَّهِ ﷺ، فدعاه رسولُ اللَّهِ ﷺ، فسأَله عما أُخْبِر به عنه، فحلَف: إنه ما قاله، وقيل له: لو أتَيْتَ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فسأَلْتَه أن يستغفِرَ لك. فجعَل يَلْوِي رأسَه، ويحرِّكُه استهزاءً، ويعني بذلك أنه غيرُ فاعلٍ ما أشاروا به عليه، فأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ فيه هذه السورةَ، من أولِها إلى آخرِها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت الأخبار.\nذكرُ الرواية التي جاءت بذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن زيدِ بنِ أرقمَ، قال: خرَجْتُ مع عمي (^١) في غَزاةٍ، فسمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ أبيٍّ ابنَ سَلُولَ يقولُ لأصحابِه: لا تُنْفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ حتى يَنفَضُّوا، لئن رجَعْنا إلى المدينةِ ليخرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ. قال: فذكَرْتُ ذلك لعمي، فذكَره عمي لرسولِ اللَّهِ ﷺ، فأرْسَل إليَّ، فحدَّثْتُه، فأرْسَل إلى عبدِ اللَّهِ عليًّا ﵁ وأصحابِه، فحلَفوا: ما قالوا. فكذَّبني رسولُ اللَّهِ ﷺ وصدَّقه. فأصابني همٌّ لم يُصِبْني مثلُه قطُّ، فدخَلْتُ البيتَ، فقال لي عمي: ما أردتَ إلى (^٢) أن كذَّبك رسولُ اللَّهِ ﷺ ومقَتَك. قال: حتى أنْزَل اللَّهُ ﷿: ﴿إِذَا جَاءَكَ\n_________\n(^١) هنا وما سيأتي في ت ٢، ت ٣: \"عمر\".\n(^٢) في ت ١، ت ٣: \"إلا\".","vol":"22","page":655},{"text":"الْمُنَافِقُونَ﴾. قال: فبَعث إليَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ، فقرَأها، ثم قال: \"إِن اللَّهَ ﷿ قد صدَّقك يا زيدُ\" (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ والقاسمُ بنُ بشرِ بنِ معروفٍ، قالا: ثنا يحيى بنُ أبى (^٢) بُكيرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: الحكمُ أخْبَرني، قال: سمِعْتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرظيَّ، قال: سمِعْتُ زيدَ بنَ أرقمَ قال: لما قال عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلُولَ ما قال: لا تُنْفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ، وقال: لئن رجَعنا إلى المدينةِ. قال: سمِعْتُه، فأتَيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فذكَرْتُ ذلك، فلامَني ناسٌ مِن الأنصارِ. قال: وجاء هو، فحلَف: ما قال ذلك. فرجَعْتُ إلى المنزلِ فنِمْتُ. قال: فأتاني رسولُ اللَّهِ ﷺ أو بلَغني - فأتَيْتُ النبيَّ ﷺ، فقال: \"إن اللَّهَ ﵎ قد صدَّقك وعذَرك\". قال: فنزَلَت الآيةُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هاشمٌ أبو النضرِ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، قال: سمِعْتُ محمدَ بنَ كعبٍ القرظيَّ، قال: سمِعْتُ زيدَ بنَ أرقمَ يُحَدِّثُ بهذا الحديثِ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٧٣ (الميمنية) من طريق يحيى ابن آدم به، وأخرجه عبد بن حميد (٢٦٢)، والبخاري (٤٩٠٠، ٤٩٠١، ٤٩٠٤)، والترمذي (٣٣١٢)، والطبراني (٥٠٥١) من طريق إسرائيل به، وأخرجه البخاري (٤٩٠٣)، ومسلم (٢٧٧٢)، والنسائي في الكبرى (١١٥٩٨)، والطبراني (٥٠٥٠) من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٢ إلى ابن سعد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) سقط من ص، م. ينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٢٤٥.\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٩٠٢)، والنسائي في الكبرى (١١٥٩٧)، والترمذي (٣٣١٤)، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند ٤/ ٣٧٠ - من طريق شعبة به.\n(^٤) أخرجه أحمد ٤/ ٣٧٠ (الميمنية) عن هاشم به.","vol":"22","page":656},{"text":"الحكمِ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القرظيِّ، عن زيدِ بنِ أرقمَ، قال: كنا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ في غزوةٍ، فقال عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ: لئن رجَعنا إلى المدينةِ ليخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. قال: فأتَيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فأخبَرتُه، فحلَف عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ: إنه لم يكنْ شيءٌ مِن ذلك. قال: فلامني قومي وقالوا: ما أرَدْتَ إلى هذا؟ قال: فانطلَقتُ فنمْتُ كئيبًا - أو حزينًا - قال: فأرسَل إليَّ نبيُّ اللَّهِ ﷺ، أو أتَيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فقال: \"إن اللَّهَ قد أنزَل عُذْرَك وصدَّقك\". قال: ونزَلَت هذه الآيةُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ حتى بلَغ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، قال: أخْبَرني ابنُ عونٍ، عن محمدٍ، قال: سمِعَها زيدُ بنُ أرقمَ، فرفَعها إلى وليِّه. قال: فرفَعها وليُّه إلى النبيِّ ﷺ. قال: فقيل لزيدٍ: وفَت أذُنُك.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ الحكمِ بنِ أبانٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى بشيرُ بنُ مسلمٍ، أنه قيل لعبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ: يا أبا حُبابٍ، إنه قد أُنْزِل فيك آيٌ شِدادٌ، فاذهَبْ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ يستغفِرْ لك. فلوَّى رأسَه، وقال: أمَرتموني أن أومِنَ فآمَنتُ، وأمَرتموني أن أُعطيَ زكاةَ مالي فأعطَيت، فما بقِي إلا أن أسجدَ لمحمدٍ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا﴾ الآية كلها، قرَأها إلى: ﴿الْفَاسِقِينَ﴾: أُنْزِلت في عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ؛ وذلك أن غلامًا مِن قرابتِه انطلَق إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فحدَّثه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٣٦٨ (الميمنية)، والنسائي في الكبرى (١١٥٩٧) من طريق محمد بن جعفر به.","vol":"22","page":657},{"text":"بحديثٍ عنه وأمرٍ شديدٍ، فدعاه رسولُ اللَّهِ ﷺ، فإذا هو يحلِفُ ويتبرأُ مِن ذلك، وأقبَلت الأنصارُ على ذلك الغلامِ، فلاموه وعذَلوه، وقيل لعبدِ اللَّهِ: لو أتَيْتَ رسولَ اللَّهِ ﷺ. فجعَل يُلَوِّي رأسَه. أي: لستُ فاعلًا، وكذَب علي، فأَنْزَل اللَّهُ ما تَسْمَعون.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾، قال: عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ، قيل له: تَعالَ يستغفرْ لك رسولُ اللَّهِ ﷺ. فلوَّى رأسَه، وقال: ماذا قلتُ؟ (^١)\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال له قومُه: لو أتَيْتَ النبيَّ ﷺ فاستغفَر لك. فجعل يُلَوِّي رأسه، فنزَلَت فيه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5194\"></span><span data-type='title' id=toc-9021>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: سواءٌ يا محمدُ على هؤلاء المنافقين الذين قيل لهم: تعالَوْا يستغفرْ لكم رسولُ اللَّهِ. أستغفرت لهم ذنوبَهم، ﴿أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. يقولُ: لن يصفحَ اللَّهُ لهم عن ذنوبِهم، بل يُعاقِبُهم عليها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ لا يُوفِّقُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٦١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩٤ عن معمر به ومن طريقه ابن بشكوال في غوامض الأسماء ٢/ ٧٦٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"22","page":658},{"text":"للإيمانِ القومَ الكاذبين (^١) عليه، الكافرين به، الخارجين عن طاعتِه.\nوقد حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. قال: نزَلَت هذه الآيةُ بعدَ الآيةِ التي في سورةِ التوبةِ: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \" [سوف أستغفرُ لهم] (^٢) زيادةً على سبعين مرةً\". فأنْزَل اللَّهُ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-5195\"></span><span data-type='title' id=toc-9022>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾. يعني المنافقين الذين يقولون لأصحابِهم (^٤): ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ مِن أصحابِه المهاجرين، ﴿حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾. يقولُ: حتى يتفرَّقوا عنه.\nوقولُه: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: وللَّهِ جميعُ ما في السماواتِ والأرضِ مِن شيءٍ، وبيده مفاتيحُ خزائنِ ذلك، لا يقدرُ أحدٌ أن يُعْطِيَ أحدًا شيئًا إلا بمشيئتِه، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أن ذلك كذلك؛ فلذلك يقولون: لا تُنْفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ حتى ينفَضُّوا.\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"الظالمين\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٤ إلى المصنف.\n(^٤) في ص، ت ٢، ت ٣: \"لأصحابه\".","vol":"22","page":659},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾. يقولُ: لا تُطْعِموا محمدًا وأصحابَه حتى تُصِيبَهم مَجاعةٌ فيَترُكوا نبيَّهم.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ قرَأها إلى آخرِ الآيةِ: وهذا قولُ عبدِ اللَّهِ بن أبيٍّ لأصحابِه المنافقين: لا تُنْفِقوا على (^١) محمدٍ وأصحابِه حتى يَدَعوه، فإنكم لولا أنكم تُنْفِقون عليهم لتَرَكوه وأجلَوْا عنه.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾: إن عبدَ اللَّهِ بْنَ أبيٍّ قال لأصحابِه: لا تُنْفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ، فإنكم لو لم تُنْفِقوا عليهم قد انفَضُّوا (^٢).\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُوا﴾. يعني الرِّفْدَ والمعونةَ، وليس يعني الزكاةَ المفروضةَ، والذين قالوا هذا هم المنافقون.\nحدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى، قال: ثنا يحيى بنُ أبي\n_________\n(^١) بعده في ت ٢: \"من عند\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":660},{"text":"زائدةَ، قال: ثنا الأعمشُ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلى، عن زيدِ بنِ أرقمَ، قال: لمَّا قال ابنُ أبيٍّ ما قال أخبَرتُ النبيَّ ﷺ، فجاء فحلَف، فجعَل الناسُ يقولون لي: تأتى رسولَ اللَّهِ ﷺ بالكذبِ؟! حتى جلَسْتُ في البيتِ؛ مخافةَ إذا رأَوْني قالوا: هذا الذي يكذِبُ. حتى أُنْزِل: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-5196\"></span><span data-type='title' id=toc-9023>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يقولُ هؤلاء المنافقون الذين وصَف صفتَهم قبلُ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ فيها، ويعني بالأعزِّ الأشدَّ والأقوى. قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾. يعني: الشدةُ والقوةُ، ﴿وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ باللَّهِ، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك.\nوذُكِر أن سببَ قيلِ ذلك عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ، كان مِن أجْلِ أن رجلًا مِن المهاجرين كسَع (^٢) رجلًا من الأنصارِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا زَمْعةُ (^٣)، عن عمرِو، قال: سمِعْتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ، قال: إن الأنصارَ كانوا أكثرَ مِن المهاجرين، ثم إن المهاجرين كَثُروا، فخرَجوا في غزوةٍ لهم، فكسَع رجلٌ من المهاجرين رجلًا مِن\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (٤٩٧٩) من طريق أسد بن موسى به، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٥٩٤)، والطبراني (٤٩٧٩) من طريق يحيى به.\n(^٢) كسع: ضرب دبره بيده أو بصدر قدمه. ينظر الوسيط (ك س ع).\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"ربعة\".","vol":"22","page":661},{"text":"الأنصارِ. قال: فكان بينَهما قتالٌ إلى أن صرَخ: يا معشرَ الأنصارِ، وصرَخ المهاجرُ: يا معشرَ المهاجرين. قال: فبلَغ ذلك النبيَّ ﷺ، فقال: \"ما لكم ولِدَعْوةِ الجاهليةِ؟ \". فقالوا: كسَع رجلٌ من المهاجرين رجلًا مِن الأنصارِ. قال: فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"دَعُوها فإنها مُنْتِنَةٌ\". قال: فقال عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلولَ: لئن رجَعْنا إلى المدينةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. فقال عمرُ: يا رسولَ اللَّهِ، دَعْني فأقتُلَه. قال: فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"لا يتحدثُ الناسُ أن رسولَ اللَّهِ يقتلُ أصحابَه\" (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ إلى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾. قال: قال ذلك عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلُولَ الأنصاريُّ رأسُ المنافقين وناسٌ معه مِن المنافقين.\nحدَّثني أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ الحكمِ، قال: ثنى أبي، عن عكرمةَ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ أبيٍّ ابنَ سَلُولَ كان له ابنٌ يقالُ له حُبابٌ. فسمَّاه رسولُ اللَّهِ ﷺ عبدَ اللَّهِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إن والدي يُؤْذِي اللَّهَ ورسولَه، فذَرْني حتى أقتلَه. فقال له رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"لا تَقْتُلْ أباك\". ثم جاءه أيضًا فقال: يا رسولَ اللَّهِ، [إن والدي يُؤْذِي اللَّهَ ورسولَه، فذَرْني حتى أقتلَه. فقال له رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"لا تَقْتُلْ أباك\". فقال: يا رسولَ اللَّهِ] (^٢)، توَضَّأْ حتى أَسْقِيَه مِن وَضوئِك؛ لعلَّ قلبَه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢٣/ ٣٨٨ (١٥٢٢٣)، والبخاري (٤٩٠٥، ٤٩٠٧)، ومسلم (٢٥٨٤/ ٦٣، ٦٤)، والنسائي في الكبرى (١١٥٩٩، ١٠٨١٣)، والترمذي (٣٣١٥) من طريق عمرو به، وأخرجه مسلم (٢٥٨٤) من طريق جابر به.\n(^٢) سقط من: ت ١.","vol":"22","page":662},{"text":"أن يَلِينَ. فتَوَضَّأَ رسولُ اللَّهِ ﷺ، فأعطاه، فذهَب به إلى أبيه فسقاه، ثم قال له: هل تَدْرِي ما سقيتُك؟ فقال له والدُه: نعم، سقيتَني بولَ أمِّك. فقال له ابنُه: لا واللَّهِ، ولكن سقيتُك وَضوءَ رسولِ اللَّهِ ﷺ. قال عكرمةُ: وكان عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ عظيمَ الشأنِ فيهم. وفيهم أُنْزِلَت هذه الآيةُ؛ في المنافقين: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾. وهو الذي قال: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. قال: فلما بلَغوا المدينَة؛ مدينةَ الرسولِ ﷺ، ومَن معه، أخَذ ابنُه السيفَ، ثم قال لوالدِه: أنت تَزْعُمُ: لئن رجَعْنا إلى المدينةِ ليُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فواللَّهِ لا تدْخُلُها حتى يَأْذَنَ لك رسولُ اللَّهِ ﷺ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، أن رجلًا مِن المهاجرين كسَع رجلًا مِن الأنصارِ برجلِه، وذلك في أهلِ اليمنِ شديدٌ، فنادَى: يا لَلمهاجرين، ياللأنصارِ. قال: والمهاجرون يومَئذٍ أكثرُ مِن الأنصارِ. فقال النبيُّ ﷺ: \"دَعُوها فإنها مُنْتِنَةٌ\". فقال عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلُولَ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾.\nحدَّثني عمرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلَاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ سليمانَ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، أن زيدَ بنَ أرقمَ أخبَره أن عبدَ اللَّهِ بنَ أبيٍّ ابنَ سَلُولَ قال: لا تنفِقوا على من عندَ رسولِ اللَّهِ حتى ينفضُّوا. وقال: لئن رجَعنا إلى المدينةِ ليخرِجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. قال: فحدَّثني زيدٌ أنه أخْبَر رسولَ اللَّهِ ﷺ بقولِ عبدِ اللَّهِ بن أبيٍّ، قال: فجاء عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ فحلَف لرسولِ اللَّهِ ﷺ: ما قال ذلك. قال أبو إسحاقَ: فقال لي زيدٌ: فجلَسْتُ في بيتي حتى أنْزَل اللَّهُ تصديقَ زيدٍ، وتكذيبَ\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٦٥٠.","vol":"22","page":663},{"text":"عبدِ اللَّهِ في: \"إذا جاءك المنافقون\".\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾، قرَأ الآيةَ كلَّها إلى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال: قد قالها منافقٌ عظيمُ النفاقِ في رجلين اقْتَتَلا؛ أحدُهما غِفاريٌّ، والآخرُ جُهَنيٌّ، فظهَر الغِفاريُّ على الجُهَنيِّ، وكان بينَ جُهَيْنةَ والأنصارِ حِلْفٌ، فقال رجلٌ مِن المنافقين، وهو ابنُ أبيٍّ: يا بني الأوسِ، يا بني الخزرجِ، عليكم صاحبَكم وحليفَكم. ثم قال: واللَّهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ محمدٍ إلا كما قال القائلُ: سَمِّنْ كلبَك يأكلْك (^١)، واللَّهِ لئن رجعْنا إلى المدينةِ ليخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. فسعَى بها بعضُهم إلى نبيِّ اللَّهِ ﷺ، فقال عمرُ: يا نبيَّ اللَّهِ، مُرْ معاذَ بنَ جبلٍ أَن يَضْرِبَ عُنُقَ هذا المنافقِ. فقال: \"لا يتحدثُ الناسُ أن محمدًا يقتلُ أصحابَه\".\nذُكِر لنا أنه كان أُكثِرَ على رجلٍ من المنافقين عندَه. فقال: \"هل يُصَلِّي؟ \". فقال: نعم، ولا خيرَ في صلاتِه. فقال: \"نُهِيتُ عن المصلِّين، نُهِيتُ عن المصلِّين\".\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قال: اقْتَتَل رجلان؛ أحدُهما من جُهينةَ، والآخرُ مِن غِفارٍ، وكانت جُهَيْنةُ حليفةَ (^٢) الأنصارِ، فظهَر عليه الغِفاريُّ. فقال رجلٌ منهم عظيمُ النفاقِ: عليكم صاحبَكم عليكم صاحبَكم، فواللَّهِ ما مثَلُنا ومَثَلُ محمدٍ إلا كما قال القائلُ: سَمِّنْ كلبَك يأكلْك، أما واللَّهِ لئن رجَعْنا إلى المدينةِ ليُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، وهم في سفَرٍ، فجاء رجلٌ ممن سمِعه إلى النبيِّ ﷺ فأخْبَره ذلك. فقال عمرُ: مُرْ مُعاذًا يضرِبْ عنقَه. فقال: \"واللَّهِ\n_________\n(^١) ويروى \"أسْمِن\"، وأول من قاله حازم بن المنذر الحماني. تنظر قصة هذا المثل في مجمع الأمثال ٢/ ١٠٦.\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"حليف\".","vol":"22","page":664},{"text":"لا يتحدثُ الناسُ أن محمدًا يقتلُ أصحابَه\". فنزَلَت فيهم: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ (^١).\nوقولُه: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ، أن غلامًا جاء إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إني سمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ أبيٍّ يقولُ كذا وكذا. قال: \"فلعلك غضِبْتَ عليه\". قال: لا، واللَّهِ يا نبيَّ اللَّهِ لقد سمِعْتُه يقولُه. قال: \"فلعلك أخْطَأ سمعُك؟ \". قال: لا واللَّهِ يا نبيَّ اللَّهِ، لقد سمِعْتُه يقولُه. قال: \"فلعله شُبِّه عليك\". قال: لا واللَّهِ. قال: فأنْزَل اللَّهُ تصديقًا للغلامِ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾، فأخَذ النبيُّ ﷺ بأُذُنِ الغلامِ، فقال: \"وَفَتْ أُذُنُك، وفَت أذنُك يا غلامُ\" (^٢).\nحدَّثنا يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، في قولِ اللَّهِ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. قال: كان المنافقون يُسَمُّون المهاجرين الجَلابيبَ. وقال: قال ابنُ أبيٍّ: قد أمَّرْتُكم في هؤلاء الجلابيبِ (^٣) أمري. قال: قال هذا بينَ أَمَجَ (^٤) وعُسْفانَ (^٥) على الكَدِيدِ (^٦)؛ تَنازَعوا على الماءِ، وكان المهاجرون قد غلَبوا على الماءِ. قال: وقال ابنُ أبيٍّ أيضًا: أمَا واللَّهِ لئن رجَعْنا إلى المدينةِ لَيُخْرِجَنَّ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩٣ عن معمر به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩٤ عن معمر به.\n(^٣) جلابيب قريش: هو لقب لمن كان أسلم من المهاجرين، لقَّبهم بذلك المشركون. وأصل الجلابيب الأُزُر الغلاظ، واحدها جلباب، وكانوا يلتحفون بها، فلقَّبوهم بذلك. شرح غريب السيرة ٣/ ٤٠.\n(^٤) أمج: بلد من أعراض المدينة وهي من بلدان الحجاز الآن. ينظر جغرافية شبه جزيرة العرب لكحالة ص ١٣٩.\n(^٥) عسفان: قرية بين المدينة ومكة. السابق ص ٣٠، ٣٤، ١٧٠.\n(^٦) الكديد: موضع بالحجاز. ينظر معجم البلدان ٤/ ٢٤٥.","vol":"22","page":665},{"text":"الأعزُّ منها الأذلَّ، لقد قلتُ لكم: لا تُنْفِقوا عليهم، لو ترَكْتُموهم ما وجَدوا ما يَأْكُلون، ولخرجوا وهربوا. فأتَى عمرُ بنُ الخطابِ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ألا تَسْمَعُ ما يقولُ ابنُ أبيٍّ؟ قال: \"وما ذاك؟ \". فأخبَره، وقال: دَعْني أضرِبْ عنقَه يا رسولَ اللَّهِ. قال: \"إذًا تَرْعُدَ له آنُفٌ كثيرةٌ بيثربَ\". قال عمرُ: فإن كرِهْتَ يا رسولَ اللَّهِ أن يَقْتُلَه رجلٌ مِن المهاجرين، فمُرْ به سعدَ بنَ مُعاذٍ، ومحمدَ بنَ مَسْلَمةَ فيَقْتُلانه. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إني أَكْرَهُ أَن يَتَحَدَّثَ الناسُ أن محمدًا يقتلُ أصحابَه، ادْعُوا لي عبدَ اللَّهِ بنَ عبدِ اللَّهِ بن أبيٍّ\". فدعاه له. فقال: \"ألا تَرَى ما يقولُ أبوك؟ \". قال: وما يقولُ بأبي أنت وأمي؟ قال: \"يقولُ: لئن رجَعْنا إلى المدينةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ\". فقال: فقد صدَق واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ، أنت واللَّهِ الأعزُّ، وهو الأذلُّ، أمَا واللَّهِ لقد قدِمْتَ المدينةَ يا رسولَ اللَّهِ، وإن أهلَ يثربَ لَيعلَمون ما بها أحدٌ أبرَّ مني، ولئن كان يُرْضِي اللَّهَ ورسولَه أن آتيَهما برأسِه لآتِيَنَّهما به. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"لا\". فلما قدِموا المدينةَ قام عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ بن أبيٍّ على بابِها بالسيفِ لأبيه، ثم قال: أنت القائلُ: لئن رجَعْنا إلى المدينةِ ليُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ؟ أمَا واللَّهِ لتَعْرِفَنَّ العزةُ لك أو لرسولِ اللَّهِ، واللَّهِ لا يَأْوِيك ظلُّه، ولا تَأْوِيه أبدًا إلا بإذنٍ مِن اللَّهِ ورسولِه. فقال: يا للَخزرجِ، ابني يَمْنَعُني بيتي، يا لَلخزرجِ، ابني يَمْنَعُني بيتي. فقال: واللَّهِ لا تَأْوِيه أبدًا إلا بإذنٍ منه. فاجْتَمع إليه رجالٌ فكلَّموه. فقال: واللَّهِ لا يَدْخُلُه إلا بإذنٍ مِن اللَّهِ ورسولِه. فأتَوُا النبيَّ ﷺ فأخْبَروه. فقال: \"اذْهَبوا إليه، فقولوا له: خَلِّه ومَسْكنَه\". فأتَوْه. فقال: أمَا إذ (^١) جاء أمرُ النبيِّ ﷺ فنعم.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ وعليُّ بنُ مجاهدٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ،\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"إذا\".","vol":"22","page":666},{"text":"عن عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ، و(^١) عن عبدِ اللَّهِ بن أبي بكرٍ، وعن محمدِ بن يحيى بنِ حَبَّانَ. قال: كلٌّ قد حدَّثني بعضَ حديثِ بني المُصْطَلِقِ، قالوا: بلَغ رسولَ اللَّهِ ﷺ أن بني المُصْطَلِقِ يَجْمَعون له، وقائدُهم الحارثُ بنُ أبي ضِرارٍ، أبو جُوَيْرِيَةَ بنتِ الحارثِ زوجِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، فلمَّا سمِع بهم رسولُ اللَّهِ ﷺ خرَج إليهم حتى لقِيهم على ماءٍ من مياهِهم، يقالُ له: المُرَيْسِيعُ، مِن ناحيةِ قُدَيْدٍ إلى الساحلِ، فتَزاحَف الناسُ فاقْتَتَلوا، فهزَم اللَّهُ بني المُصْطَلِقِ، وقتَل مَن قتَل منه، ونفَّل رسولَ اللَّهِ ﷺ أبناءَهم ونساءَهم وأموالَهم، فأفاءهم اللَّهُ عليه، وقد أُصِيب رجلٌ مِن بني كلبِ بنِ عوفِ بنِ عامرِ بنِ ليثِ بنِ بكرٍ، يقالُ له: هشامُ بن صُبَابةَ، أصابَه رجلٌ مِن الأنصارِ مِن رَهْطِ عُبادةَ بنِ الصامتِ، وهو يَرَى أنه مِن العدوِّ، فقتَله خطأً، فبينا الناسُ (^٢) على ذلك الماءِ، ورَدَت واردةُ الناسِ، ومع عمرَ بنِ الخطابِ أجيرٌ له مِن بني غِفارٍ، يقالُ له: [جَهْجاهُ بنُ سعيدٍ] (^٣) يقودُ له فرسَه، فازْدَحم جَهْجاهٌ (^٤) وسِنانٌ الجُهَنيُّ حليفُ بني عوفِ بنِ الخزرجِ، على الماءِ، فاقْتَتَلا، فصرَخ الجُهَنيُّ: يا معشرُ الأنصارِ. وصرَخ جَهْجاهٌ (^٤): يا معشرَ المهاجرين. فغضِب عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلُولَ، وعندَه رهطٌ مِن قومِه؛ فيهم زيدُ بنُ أرقمَ، غلامٌ حديثُ السنِّ، فقال: أوَقد فعَلوها؟ قد نافَرونا وكاثَرونا في بلادِنا، واللَّهِ ما أَعَدُّنا وجلابيبَ قريشٍ هذه إلا كما قال القائلُ: سَمِّنْ كلبَك يَأكلْك، أمَا واللَّهِ لئن رجَعْنا إلى المدينةِ ليُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. ثم أقْبَل على مَن حضَره مِن قومِه، فقال: هذا ما فعَلْتُم بأنفسِكم؛ أحْلَلْتُموهم بلادَكم، وقاسَمْتُموهم أموالَكم، أمَا واللَّهِ لو أَمْسَكْتُم عنهم ما\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) كذا في النسخ وفي مصدر التخريج: \"رسول الله ﷺ\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جهارة بن سعيد\"، وفي مصدر التخريج: \"جهجاه بن مسعود\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جهارة\".","vol":"22","page":667},{"text":"بأيديكم، لَتحَوَّلوا إلى غيرِ بلادِكم. فسمِع ذلك زيدُ بن أرقمَ، فمشَى به إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، وذلك عندَ فراغِ رسولِ اللَّهِ ﷺ من عدوِّه (^١)، فأخْبَره الخبرَ. وعندَه عمرُ ابنُ الخطابِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، مُرْ به عَبَّادَ بنَ بشرِ بنِ وَقْشٍ فليَقتلْه. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"فكيف يا عمرُ إذا تحَدَّث الناسُ أن محمدًا يقتلُ أصحابَه، لا، ولكن أَذِّنْ بالرحيلِ\" - وذلك في ساعةٍ لم يَكُنْ رسولُ اللَّهِ ﷺ يَرْتَحِلُ فيها - فارْتَحل الناسُ. وقد مشَى عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ حينَ بلَغه أن زيدَ بنَ أرقمَ قد بلَّغه ما سمِع منه، فحلَف باللَّهِ: ما قلتُ ما قال، ولا تكَلَّمْتُ به، وكان عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ في قومِه شريفًا عظيمًا، فقال مَن حضَر رسولَ اللَّهِ ﷺ مِن أصحابِه مِن الأنصارِ: يا رسولَ اللَّهِ، عسَى أن يكونَ الغلامُ أوْهَم في حديثِه، ولم يَحْفَظْ ما قال الرجلُ، حَدَبًا (^٢) على عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ، ودفعًا عنه، فلما استقلَّ (^٣) رسولُ اللَّهِ ﷺ وسار، لقِيه أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ، فحيَّاه بتحيةِ النبوةِ وسلَّم عليه، ثم قال: يا رسولَ اللَّهِ، لقد رُحْتَ في ساعةٍ مُنْكَرةٍ ما كنتَ تَرُوحُ فيها. فقال له رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أوَ ما بلَغك ما قال صاحبُكم؟ \". قال: فأيُّ صاحبٍ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: \"عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ\". قال: وما قال؟ قال: \"زَعم أنه إن رجَع إلى المدينةِ أخْرج الأعزُّ منها الأذلَّ\". قال أُسَيْدٌ: فأنت واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ تُخْرِجُه إن شئتَ، هو واللَّهِ الذليلُ، وأنت العزيزُ. ثم قال: يا رسولَ اللَّهِ، ارْفُقْ به، فواللَّهِ لقد جاء اللَّهُ بك، وإن قومَه لَيَنْظِمون له الخَرَز ليُتَوِّجوه، فإنه لَيَرَى أنك قد اسْتَلَبْتَه مُلكًا. ثم مشَى رسولُ اللَّهِ ﷺ بالناسِ يومَهم ذلك حتى أمْسَى، وليلتَهم حتى أصْبَح، وصَدْرَ يومِهم ذلك حتى آذَتْهم الشمسُ، ثم نزَل بالناسِ، فلم يَكُنْ إلا أن وجَدوا مسَّ الأرضِ ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ وقَعوا نِيامًا، وإنما فعَل\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"غزوه\".\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣: \"حذارا\"، والحدب: التحنن والعطف. شرح غريب السيرة ٣/ ٤٠.\n(^٣) في ص، ت ٢، ت ٣: \"استقبل\".","vol":"22","page":668},{"text":"ذلك ليَشْغَلَ الناسَ عن الحديثِ الذي كان بالأمسِ، مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ، ثم راح بالناسِ، وسلَك الحجازَ، حتى نزَل على ماءٍ بالحجازِ فُوَيْقَ النَّقيعِ (^١)، يقالُ له: نقعاءُ (^٢). فلمَّا راح رسولُ اللَّهِ ﷺ هبَّت على الناسِ ريحٌ شديدةٌ آذَتْهم وتخَوَّفوها، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"لا تخافوا فإنما هبَّت لموتِ عظيمٍ مِن عُظماءِ الكفارِ\". فلمَّا قدِموا المدينةَ وجَدوا رفاعةَ بنَ زيدِ بنِ التابوتِ أحدَ بني قَيْنُقاعَ، وكان من عظماءِ، يهودَ، وكهفًا للمنافقين، قد مات ذلك اليومَ، نزَلَت السورةُ التي ذكَر اللَّهُ فيها المنافقين في عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ ابنِ سَلولَ، ومَن كان معه على مثلِ أمرهِ، فقال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، فلمَّا نزَلَت هذه السورةُ أخَذ رسولُ اللَّهِ ﷺ بأذنِ زيدٍ فقال: \"هذا الذي أَوْفَى اللَّهُ بأُذُنِه\". وبلَغ عبدَ اللَّهِ بنَ عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ الذي كان مِن أبيه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ أتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنه بلَغني أنك تُريدُ قتلَ عبدِ اللَّهِ بن أبيٍّ فيما بلَغك عنه، فإن كنتَ فاعلًا، فمُرْني به، فأنا أَحْمِلُ إليك رأسَه، فواللَّهِ لقد علِمَت الخزرجُ ما كان لها (^٤) رجلٌ أبرَّ بوالدِه مني، وإني أخْشَى أن تَأْمُرَ به غيري (^٥) فيَقْتُلَه، فلا تَدَعُني نفسي أن أَنْظُرَ إلى قاتلِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ يَمْشِي في الناسِ فأَقْتُلَه، فأَقْتُلَ مؤمنًا بكافرٍ، فأَدْخُلَ\n_________\n(^١) النقيع: موضع بين مكة والمدينة. معجم ما استعجم ٤/ ١٣٢٣.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣، ومصدر التخريج: \"بقعاء\". ونقعاء موضع خلف المدينة فوق النقيع من ديار مزينة وكان طريق رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق. ينظر معجم البلدان ٤/ ٨٠٥.\n(^٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٠ - ٢٩٢.\n(^٤) في م، ت ١: \"فيها\".\n(^٥) في م، ت ٢: \"غيره\".","vol":"22","page":669},{"text":"النارَ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"بل [نَرْفُقُ به، ونُحْسِنُ] (^١) صحبتَه ما بقِي معنا\". وجعَل بعد ذلك اليومِ إذا أحْدَث الحَدَثَ كان قومُه هم الذين يُعاتِبونه، ويَأْخُذونه ويُعَنِّفونه ويتوعدونه، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ لعمرَ بنِ الخطابِ حينَ بلَغه ذلك عنهم من شأنِهم: \"كيف تَرَى يا عمرُ، أمَا واللَّهِ لو قتَلْتُه يومَ أمَرْتَني بقتلِه لَأَرْعَدَت له آنُفٌ، لو أمَرْتُها اليومَ بقتلِه لقتَلَتْه\". قال: فقال عمرُ: قد واللَّهِ علِمْتُ لَأَمْرُ رسولِ اللَّهِ ﷺ أعظمُ بركةً مِن أمري (^٢).\n\n<span id=\"aya-5197\"></span><span data-type='title' id=toc-9024>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ﴾. يقولُ: لا تُوجِبْ لكم أموالُكم ولا أولادُكم اللهوَ عن ذِكْرِ اللَّهِ، وهو مِن: أَلْهَيْتُه عن كذا وكذا، فلَهَا هو يَلْهُو لَهْوًا، ومنه قولُ امرِئِ القيسِ (^٣):\nومِثْلِكِ حُبْلَى قد طَرَقْتُ ومُرْضِعٍ … فأَلْهَيْتُها عن ذي تَمائمَ مُحْوِلٍ\nوقيل: عُنِي بذكرِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه في هذا الموضعِ الصلواتُ الخمسُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سِنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال:\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ترفق به وأحسن\".\n(^٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٢، ٢٩٣.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٦/ ٤٥٦.","vol":"22","page":670},{"text":"الصلواتِ الخمسِ (^١).\nوقولُه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ يقولُ: ومَن يُلْهِه مالُه وأولادُه عن ذكرِ اللَّهِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. يقولُ: هم المَغْبونون حظوظَهم من كرامةِ اللَّهِ ورحمتِه ﵎.\n\n<span id=\"aya-5198\"></span><span data-type='title' id=toc-9025>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ (^٢) مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأَنْفِقوا أيُّها المؤمنون باللَّهِ ورسولِه مِن الأموالِ التي رزَقْناكم مِن قبلِ أن يأتيَ أحدَكم الموتُ فيقولَ إذا نزَل به الموتُ: يا ربِّ، هلَّا أخَّرْتَني، فتُمْهِلَ لي في الأجلِ إلى أجلٍ قريبٍ، ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾. يقولُ: فأُزَكِّيَ مالي، ﴿وَأَكُنْ (^٢) مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. يقولُ: وأَعْمَلْ بطاعتِك، وأُؤَدِّي فرائضَك.\nوقيل: عُنِي بقولِه: ﴿وَأَكُنْ (^٢) مِنَ الْصَّالِحِينَ﴾. وأَحُجَّ بيتَك الحرامَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ وسعيدُ بنُ الربيعِ، قال سعيدٌ: ثنا سفيانُ، وقال يونُسُ: أخبَرنا سفيانُ، عن أبي جَنَابٍ، عن الضحاكِ بنِ مُزاحِمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما مِن أحدٍ يَموتُ، ولم يُؤَدِّ زكاةَ مالِه، ولم يَحُجَّ، إلا سأَل الكَرَّةَ. فقالوا: يا أبا عباسٍ، لا\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ١٢٩، والبغوي في تفسيره ٨/ ١٣٤.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"وأكون\". وهي قراءة أبي عمرو وابن محيصن. كما سيأتي قريبًا. وينظر حجة القراءات ص ٧١٠، وفي السبعة أن القراءة بغير الواو هي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي. وبالواو قراءة الباقين. ينظر السبعة ص ٦٣٧.","vol":"22","page":671},{"text":"تَزالُ تَأْتينا بالشيءِ لا نَعْرِفُه. قال: فأنا أَقْرَأُ عليكم في كتابِ اللَّهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾. قال: أُؤَدِّيَ زكاةَ مالي، ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال: أَحُجَّ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي سِنانٍ، عن رجلٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ قال: ما يَمْنَعُ أحدَكم إذا كان له مالٌ يَجِبُ عليه فيه الزكاةُ أن يُزَكِّيَ، وإذا أطاق الحجَّ أن يَحُجَّ، مِن قبلِ أن يَأْتِيَه الموتُ، فيَسْأَلَ ربَّه الكَرَّةَ فلا يُعطاها. فقال رجلُ: أما تَتَّقِي اللَّهَ، يَسْأَلُ المؤمنُ الكَرَّةَ؟ قال: نعم، أَقْرَأُ عليكم قرآنًا؟ فقرَأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. فقال الرجلُ: فما الذي يُوجِبُ عليَّ الحجَّ؟ قال: راحلةٌ تَحْمِلُه، ونفقةٌ تُبَلِّغُه (^٢).\nحدَّثنا عبادُ بنُ يعقوبَ الأسديُّ وفَضالةُ بنُ الفضلِ، قال عبادٌ: أخبَرنا بزيعٌ (^٣) أبو خازمٍ (^٤) مولى الضحاكِ. وقال فَضالةُ: ثنا بَزيعٌ، عن الضحاكِ بنِ مُزاحمٍ في قولِه: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾. قال: فأَتَصدَّقَ بزكاةِ مالي، ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال: الحجُّ.\n\n<span id=\"aya-5199\"></span>حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَا تُلْهِكُمْ﴾ إلى آخرِ السورةِ: هو الرجلُ المؤمنُ ينزلُ به الموتُ، وله مالٌ كثيرٌ لم يُزَكِّه، ولم يَحُجَّ منه، ولم يُعْطِ منه حقَّ اللَّهِ، يَسْأَلُ الرَّجْعةَ عندَ الموتِ، فيُزَكِّي مالَه، قال اللَّهُ: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٣١٦) من طريق أبي جناب به، وأخرجه الطبراني مرفوعًا (١٢٦٣٥) من طريق أبي جناب.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٣١٦)، والطبراني (١٢٦٣٦) من طريق الثوري به.\n(^٣) في ص، م، ت ١: \"يزيد\"، وفي ت ٣: \"بزيغ\".\n(^٤) في النسخ: \"حازم\"، والمثبت هو الصواب. ينظر التاريخ الكبير ٢/ ١٣٠، والجرح والتعديل ٢/ ٤٢٠، والكنى والأسماء ١٠/ ٢٩٦.","vol":"22","page":672},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾. قال: هو الرجلُ المؤمنُ إذا نزَل به الموتُ، وله مالٌ لم يُزَكِّه، ولم يَحُجَّ منه، ولم يُعْطِ حقَّ اللَّهِ فيه، فيَسْأَلُ الرَّجْعةَ عندَ الموتِ ليَتَصَدَّقَ مِن مالِه ويُزَكِّيَ، قال اللَّهُ: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿فَأَصَدَّقَ وَأَكُنْ (^٢) مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال: الزكاةُ والحجُّ.\nواختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ غيرَ ابنِ مُحَيْصِنٍ وأبي عمرٍو: ﴿وَأَكُنْ﴾ جزمًا عطفًا بها على تأويلِ قولِه: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾. إذ (^٣) لم تَكُنْ فيه الفاءُ، وذلك أن قولَه: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ لو لم يَكُنْ فيه الفاءُ كان جزمًا. وقرَأ ذلك ابنُ مُحَيْصِنٍ وأبو عمرٍو: (وأَكُونَ) بإثباتِ الواوِ، ونصبِ: (وأكونَ) عطفًا به على قولِه: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾. فنصَب قولَه: (وأكُونَ) إذ كان قولُه: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ نصبًا.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقولُه: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾. يقولُ: لن يُؤَجلَ اللَّهُ في أجلِ أحدٍ، فيَمُدَّ له فيه إذا حضَر أجلُه، ولكنه يَخْتَرِمُه، ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: واللَّهُ ذو خبرةٍ وعلمٍ بأعمالِ عبدِه، هو بجميعِها محيطٌ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ، وهو مُجازِيهم بها؛ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"المنافقين\"\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٦ إلى المصنف.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣: \"أكون\".\n(^٣) في م: \"لو\".","vol":"22","page":673},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-5200\"></span><span data-type='title' id=toc-9026>تفسيرُ سورةِ \"التغابنِ\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-9027>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ </span>(١)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: يَسْجُدُ له ما في السماواتِ السبعِ وما في الأرضِ مِن خلقِه ويُعَظِّمُه.\nوقولُه: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: له ملكُ السماواتِ والأرضِ وسلطانُهما (^١)، ماضٍ قضاؤُه في ذلك كلِّه، نافذٌ فيه أمرُه.\nوقولُه: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾. يقولُ: وله حمدُ كلِّ ما فيها مِن خلقٍ؛ لأن جميعَ مَن في ذلك من الخلقِ لا يَعْرِفون الخيرَ إلا منه، وليس لهم رازقٌ سواه، فله حمدُ جميعِهم، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ: وهو على كلِّ شيءٍ ذو قدرةٍ. يقولُ: يَخْلُقُ ما يشاءُ ويُمِيتُ مَن يشاءُ، ويُغْنِي مَن أراد ويُفْقِرُ مَن يشاءُ، ويُعِزُّ مَن يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَن يَشَاءُ، لا يَتَعَذَّرُ عليه شيءٌ أراده؛ لأنه ذو القدرةِ التامةِ التي لا يُعْجِزُه معها شيءٌ.\n\n<span id=\"aya-5201\"></span><span data-type='title' id=toc-9028>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ </span>(٢)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: اللَّهُ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أيُّها الناسُ، وهو مِن ذكرِ اسمِ اللَّهِ، ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾. يقولُ: [فمنكم كافرٌ بخالقِه وأنه خلَقَه، ﴿وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾. يقولُ] (^٢): ومنكم مُصَدِّقٌ به مُوقِنٌ أنه خالقُه وبارئُه، ﴿وَاللَّهُ بِمَا\n_________\n(^١) في النسخ: \"سلطانه\". والمثبت أنسب للسياق، وينظر ما سيأتي ص ١١٨.\n(^٢) سقط من: ت ١.","vol":"23","page":5},{"text":"تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ الذي خلَقَكم بصيرٌ بأعمالِكم، عالمٌ بها، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ، وهو مُجازِيكم بها، فاتَّقوه أن تُخالِفوه في أمرِه أو نهيِه، فيَسْطُوَ بكم.\nحدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا حسنُ بنُ موسى الأشْيَبُ (^١)، قال: ثنا ابنُ لَهيعةَ، قال: ثنا بكرُ بنُ سَوَادةَ، عن أبي تَميمٍ الجَيْشانيِّ (^٢)، عن أبي ذَرٍّ، قال: إن المَنِيَّ إذا مكَث في الرحمِ أربعين ليلةً، أتَى مَلَكُ النفوسِ، فعرَج به إلى الجبارِ في راحتِه، فقال: أيْ ربِّ، عبدُك هذا ذكرٌ أم أنثى؟ فيَقْضِي اللَّهُ إليه ما هو قاضٍ، ثم يقولُ: أيْ ربِّ، أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ فيَكْتُبُ ما هو لاقٍ. قال: وقرأ أبو ذرٍّ فاتحةَ \"التَّغابُنِ\" خمسَ آياتٍ (^٣).\n\n<span id=\"aya-5202\"></span><span data-type='title' id=toc-9029>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ </span>(٣)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: خلَق السماواتِ السبعَ (*) والأرضَ بالعدلِ والإنصافِ، ﴿وَصَوَّرَكُمْ﴾. يقولُ: ومثَّلكم فأحْسَن مَثلَكم. وقيل: إنه عُنِي بذلك تصويرُه آدمَ، وخلقُه إياه بيدِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"الأشعث\". وينظر نزهة الألباب ١/ ٧٨.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"الخيشاني\". وينظر الأنساب ٢/ ١٤٤.\n(^٣) أخرجه الفريابي في القدر (١٢٣) من طريق ابن لهيعة به، وأخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص ٢٥ من طريق ابن لهيعة به مرفوعًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(*) من هنا تبدأ قطعة من الجزء الثامن والأربعين من نسخة جامعة القرويين والمشار إليها بالأصل.","vol":"23","page":6},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾. قال: يعني آدم؛ خلَقَه بيدِه.\nوقولُه: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وإلى اللَّهِ مَرْجِعُ جميعِكم أيُّها الناسُ.\n\n<span id=\"aya-5203\"></span><span data-type='title' id=toc-9030>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ </span>(٤)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يَعْلَمُ رَبُّكم أيُّها الناسُ ما في السماواتِ السبعِ والأرضِ مِن شيءٍ، لا يَخْفَى عليه مِن ذلك خافيةٌ، ويعلَمُ ما تُسِرُّون أيُّها الناسُ [في أنفسكم] (^١) مِن قولٍ وعملٍ، وما تُعْلِنونَ مِن ذلك فتُظْهِرونه، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللَّهُ ذو علمٍ بضمائرِ صدورِ عبادِه، وما تَنْطَوِي عليه نفوسُهم الذي هو أخْفَى من السرِّ، لا يَعْزُبُ عنه شيءٌ مِن ذلك. يقولُ تعالى ذكرُه لعبادِه: احْذَرُوا أن تُسِرُّوا غيرَ الذي تُعْلِنون، أو تُضْمِروا في أنفسكم غير الذي تُبْدُونه، فإن ربَّكم لا يَخْفَى عليه من ذلك شيءٌ، وهو مُحْصٍ جميعَه، وحافظٌ عليكم كلَّه.\n\n<span id=\"aya-5204\"></span><span data-type='title' id=toc-9031>القولُ في تأويل قولِه ﷿: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لمشركي قريشٍ: ألم يَأْتِكم أيُّها الناسُ خبرُ الذين كفَروا مِن قبلِكم؛ وذلك كقومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وقومِ إبراهيمَ وقومِ لوطٍ، ﴿فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾: فمسَّهم عذابُ اللَّهِ إياهم على كفرِهم، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ\n_________\n(^١) في الأصل، ص، م، ت ١: \"بينكم\".","vol":"23","page":7},{"text":"أَلِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم عذابٌ مُوجِعٌ يومَ القيامةِ في نارِ جهنمَ، مع الذين أذاقهم اللَّهُ في الدنيا وبالَ كفرِهم.\n\n<span id=\"aya-5205\"></span>وقولُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: هذا الذي نال (^١) الذين كفَروا من قبلِ (*) هؤلاء المشركين مِن وَبالِ كفرِهم، والذي أعَدَّ لهم ربُّهم يوم القيامةِ مِن العذابِ - مِن أجلِ أنه كانت تَأْتيهم رسلُهم بالبيناتِ، الذين أرْسَلَهم إليهم ربُّهم بالواضحاتِ مِن الأدلةِ والأعلامِ على حقيقةِ ما يَدْعُونهم إليه، فقالوا لهم: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾؟! اسْتِكْبارًا منهم أن تكونَ رسلُ اللَّهِ إليهم بشرًا مثلَهم، واستكبارًا عن اتباعِ الحقِّ، من أجلِ أن بشرًا مثلَهم دعاهم إليه. وجمَع الخبرَ عن البشرِ، فقيل: ﴿يَهْدُونَنَا﴾. ولم يُقَلْ: يَهْدِينا. لأن البشرَ وإن كان في لفظِ الواحدِ، فإنه بمعنى الجميعِ.\nوقولُه: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا﴾. يقولُ: فكفَروا باللَّهِ، وجحَدوا رسالةَ رسلِه الذين بعَثهم اللَّهُ إليه استكبارًا، ﴿وَتَوَلَّوْا﴾. يقولُ: وأدْبَروا عن الحقِّ فلم يَقْبَلوه، وأعْرَضوا عما دعاهم إليه رسلُهم، ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾. يقول: واسْتَغْنَى اللَّهُ عنهم، وعن إيمانِهم به وبرسلِه، ولم تَكُنْ به إلى ذلك منهم حاجةٌ، ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ غنيٌّ عن جميعِ خلقِه، محمودٌ عندَ جميعِهم بجميلِ أياديه عندَهم، وكريمِ فِعالِه فيهم.\n\n<span id=\"aya-5206\"></span><span data-type='title' id=toc-9032>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾.</span>\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(*) من هنا يبدأ خرم في نسخة جامعة القرويين المشار إليها بالأصل ينتهي ص ٢٢.","vol":"23","page":8},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿زَعَمَ﴾ الذين كفَروا باللَّهِ أن لن يَبْعَثَهم اللَّهُ إِليه مِن قبورِهم بعدَ مَماتِهم.\nوكان ابنُ عمرَ يقولُ: ﴿زَعَمَ﴾ كُنْيةُ الكذبِ.\nحدَّثني بذلك محمدُ بنُ نافعٍ البصريُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، عن سفيانَ، عن بعضِ أصحابِه، عن ابنِ عمرَ (^١).\nوقولُه: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾. يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ لهم يا محمدُ: بلى وربي لَتُبْعَثُنَّ مِن قبورِكم، ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾. يقولُ: ثم لَتُخْبَرُنَّ بأعمالِكم التي عمِلْتُموها في الدنيا، ﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. يقولُ: وبعثُكم مِن قبورِكم مِن بعدِ مماتِكم على اللَّهِ سهلٌ هيِّنٌ.\n\n<span id=\"aya-5207\"></span><span data-type='title' id=toc-9033>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فصدِّقوا باللَّهِ وبرسولِه أيُّها المشركون المكذِّبون بالبعثِ، وبإخبارِه إياكم أنكم مبعوثون مِن بعدِ مماتِكم وأنكم مِن بعدِ بلائِكم تُنْشَرون مِن قبورِكم، ﴿وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾. يقولُ: وآمِنوا بالنورِ الذي أنْزَلْنا، وهو هذا القرآنُ الذي أنْزَله اللَّهُ على نبيِّه محمدٍ ﷺ، ﴿واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ بأعمالِكم أيُّها الناسُ ذو خبرةٍ، مُحيطٌ بها، مُحْصٍ جميعَها، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ، وهو مُجازِيكم على جميعِها.\n\n<span id=\"aya-5208\"></span><span data-type='title' id=toc-9034>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٧ إلى المصنف.","vol":"23","page":9},{"text":"خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ بما تَعْمَلون خبيرٌ، ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾: ليومِ تُجمَعُ الخلائقُ للعَرْضِ، ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾. يقولُ: الجمعُ يومَ غَبْنِ أَهلِ الجنةِ أهلَ النارِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾. قال: هو غَبْنُ أهلِ الجنةِ أهلَ النارِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾: هو يومُ القيامةِ، وهو يومُ التغابنِ، يومُ غَبنِ أهلِ الجنةِ أهلَ النارِ (^٢).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾: من أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه وحذَّره عبادَه (^٣).\nوقولُه: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يُصَدِّقْ باللَّهِ، ويَعْمَلْ بطاعتِه، ويَنْتَهِ إلى أمرِه ونهيهِ، ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾. يقولُ: يَمْحُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٦٢، ومن طريقه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٤٣، وابن أبي شيبة ١٣/ ٥٠٩ من طريق آخر عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٧ إلى الفريابي وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٧ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"23","page":10},{"text":"عنه ذنوبَه، ﴿وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ: ويُدْخِلْه بساتينَ تَجْري مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ.\nوقولُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. يقولُ: لابثين فيها أبدًا، لا يموتون، ولا يَخرجون منها.\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. يقولُ: خلودُهم في الجناتِ التي وصَفْنا، النَّجاءُ العظيمُ.\n\n<span id=\"aya-5209\"></span><span data-type='title' id=toc-9035>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: والذين جَحَدوا وحدانيةَ اللَّهِ، وكذَّبوا بأدلتِه وحججِه وآيِ كتابِه الذي أنْزلَه على عبدِه محمدٍ ﷺ، ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: ماكثين فيها أبدًا، لا يموتون فيها، ولا يَخْرُجون منها، ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وبئس الشيءُ الذي يُصارُ إليه جهنَّمُ.\n\n<span id=\"aya-5210\"></span><span data-type='title' id=toc-9036>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لم يُصِبْ أحدًا من الخلقِ مصيبةٌ، ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يقولُ: إلا بقضاءِ اللَّهِ وتقديرِه ذلك عليه، ﴿وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. يقولُ: ومن يُصدِّقْ باللَّهِ فيَعْلَمْ أنه لا أحدَ تُصِيبُه مصيبةٌ إلا بإذنِ اللَّهِ بذلك، ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. يقولُ: يوفِّقِ اللَّهُ قلبَه بالتسليمِ لأمرِه، والرضا بقضائِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.","vol":"23","page":11},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. يعني: يهدِ قلبَه لليقينِ، فيعلمْ أنَّ ما أصابه لم يكن لِيُخْطِئَه، وما أخْطأه لم يكنْ ليُصِيبَه (^١).\nحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الوَشَّاءُ الأَوْدِيُّ، قال: ثنا أحمدُ بنُ بشيرٍ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، قال: كنا عندَ علقمةَ، فقُرِئَ عنده هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. فسُئل عن ذلك، فقال: هو الرجلُ تُصِيبُه المصيبةُ، فيعلمُ أنَّها مِن عندِ اللَّهِ، فيُسلِّمُ لذلك (^٢) ويَرْضَى.\nحدَّثني عيسى بنُ عثمانَ الرمليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، قال: كنتُ عند علقمةَ وهو يَعرِضُ المصاحفَ، فمرَّ بهذه الآيةِ: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. قال: هو الرجلُ. ثم ذكَر نحوَه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، عن علقمةَ في قولِه: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. قال: هو الرجلُ تُصِيبُه المصيبةُ، فيعلمُ أنَّها مِن اللَّهِ فيسلِّمُ لها ويَرْضَى (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) في ت ٢: \"لها\".\n(^٣) أخرجه عبد بن حميد والفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٤٢ - من طريق سفيان الثوري به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩٥، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ١٦٣ - والبيهقي في الشعب (٩٩٧٦) من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٧ إلى ابن المنذر.","vol":"23","page":12},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى ابنُ مهديٍّ، عن الثوريِّ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، عن علقمةَ مثلَه، غيرَ أنه قال في حديثِه: فيعلمُ أنَّها مِن قضاءِ اللَّهِ، فيَرْضَى بها ويُسلِّمُ.\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ بكلِّ شيءٍ ذو علمٍ، بما كان ويكونُ، وما هو كائنٌ مِن قبلِ أن يكونَ.\n\n<span id=\"aya-5211\"></span><span data-type='title' id=toc-9037>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أيُّها الناسُ في أمرِه ونهيِه، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ﷺ، ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾: فإن أدْبَرْتم عن طاعةِ اللَّهِ وطاعةِ رسولِه، مُسْتَكْبرين عنها، فلم تُطِيعوا اللَّهَ ولا رسولَه، فليس على رَسُولِنا محمدٍ إِلَّا البَلَاغُ المُبِينُ أنه بلاغٌ إليكم لما أرسَلْتُه به. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فقد أعذَر إليكم بالإبلاغِ، واللَّهُ وليُّ الانتقامِ ممن عصاه، وخالَف أمرَه وتولَّى عنه.\n\n<span id=\"aya-5212\"></span>﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: معبودُكم أيُّها الناسُ معبودٌ واحدٌ، لا تصلُحُ العبادةُ لغيرِه، ولا معبودَ لكم سِواه، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وعلى اللَّهِ أيُّها الناسُ فليتوكَّلِ المُصدِّقون بوحدانيتِه.\n\n<span id=\"aya-5213\"></span><span data-type='title' id=toc-9038>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾.</span>","vol":"23","page":13},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ يصُدُّونكم عن سبيلِ اللَّهِ، ويُثَبِّطونكم عن طاعةِ اللَّهِ، ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ أَنْ تَقْبلوا منهم ما يأمرُونكم به من تركِ طاعةِ اللَّهِ.\nوذُكِر أنَّ هذه الآيةَ نزَلت في قومٍ كانوا أرادوا الإسلامَ والهجرةَ، فَثَبَّطهم عن ذلك أزواجُهم وأولادُهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدم وعبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سأله رجلٌ عن هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. قال: هؤلاء رجالٌ أسلَموا، فأرادوا أن يأْتوا رسولَ اللَّهِ ﷺ، فأبَى أزواجُهم وأولادُهم أن يَدَعُوهم يأتوا رسولَ اللَّهِ ﷺ، فلمَّا أَتَوا رسولَ اللَّهِ ﷺ، فرأَوُا الناس قد فَقِهوا في الدينِ، همُّوا أن يُعاقِبوهم، فأنزَل اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ﴾ الآية (^١).\nحدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. قال: كان الرجلُ يريدُ أن يأتيَ النبيَّ ﷺ، فيقولُ له أهلُه: أين تذهبُ وتَدَعُنا؟ قال: وإذا أسْلَم وفَقِه، قال: لأَرْجِعنَّ إلى الذين كانوا يَنْهون عن\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٣١٧)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ١٦٥ - والطبراني (١١٧٢٠)، والحاكم ٢/ ٤٩٠ من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٧ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.","vol":"23","page":14},{"text":"هذا الأمرِ، فلأفعلنَّ ولأفعلنَّ. فأنزلَ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾: كان الرجلُ إذا أراد أن يُهاجِرَ مِن مكةَ إلى المدينةِ تمنعُه زوجتُه وولدُه، ولم يألُوا يُثَبِّطوه عن ذلك؛ فقال اللَّهُ: إنَّهم عدوٌّ لكم فاحذَروهم، واسْمعوا وأطِيعوا، وامضُوا لشأنِكم. فكان الرجلُ بعد ذلك إذا مُنِع وثُبِّط مرَّ بأهلِه وأقسَم - والقسَمُ يمينٌ - ليفعلنَّ وليعاقِبنَّ أهلَه في ذلك؛ فقال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، قال: نزَلت سورةُ \"التغابنِ\" كلُّها بمكةَ، إلا هؤلاء الآياتِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. نزَلت في عوفِ بنِ مالكٍ الأشْجَعيِّ، كان ذا أهلٍ وولدٍ، فكان إذا أراد الغزوَ بَكَوْا إليه ورقَّقُوه، فقالوا: إلى مَن تَدَعُنا؟ فيَرِقُّ ويقيمُ، فنزَلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ الآيةُ كلُّها بالمدينةِ في عوفِ بنِ مالكٍ، وبقيةُ الآياتِ إلى آخرِ السورةِ بالمدينةِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ١٤٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٨ إلى عبد بن حميد وابن مردويه، وينظر أسباب النزول ص ٣٢٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٧ إلى المصنف وابن إسحاق.","vol":"23","page":15},{"text":"في قولِه: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. قال: إنهما يَحمِلانِه على قطيعةِ رحِمه، وعلى معصيةِ ربِّه، فلا يستطِيعُ مع حبِّه إلا أن يَقْطَعَه (^١).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ (^٢)، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: فلا يستطِيعُ مع حبِّه إلا أن يُطِيعَهُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ الآية. قال: منهم مَن لا يأمرُ بطاعةِ اللَّهِ، ولا يَنْهَى عن معصيتِه، وكانوا يُبَطِّئون (^٣) عن الهجرةِ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، وعن الجهادِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. قال: يَنْهَون عن الإسلامِ، ويُبَطِّئون (^٣) عنه، وهم مِن الكفارِ، فاحْذَروهم (^٤).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ الآية. قال: هذا في ناسٍ مِن قبائلِ العربِ كان يُسلِمُ الرجلُ أو النفرُ مِن الحيِّ، فيَخْرجون مِن عشائرِهم، ويَدَعون أزواجَهم وأولادَهم وآباءَهم، عامدِين إلى النبيِّ ﷺ، فتقومُ عشائرُهم وأزواجُهم وأولادُهم وآباؤُهم، فيناشِدونهم اللَّهَ ألّا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٦٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢: \"جميعا\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يثبطون\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩٥ عن معمر به.","vol":"23","page":16},{"text":"يفارِقوهم، ولا يُؤْثِروا عليهم غيرَهم، فمنهم من يَرِقُّ ويَرْجِعُ إليهم، ومنهم من يَمْضِي حتى يلحَقَ بنبيِّ اللَّهِ ﷺ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ ناجيةَ وزيدُ بنُ حُبابٍ، قالا: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، جميعًا عن الحسينِ بنِ واقدٍ، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ بنُ بريدةَ، عن أبيه، قال: رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يخطُبُ، فجاء الحسنُ والحسينُ ﵄، عليهما قَميصانِ أحمرانِ، يَعْثُران ويقومان، فنزَل رسولُ اللَّهِ ﷺ، فأَخَذهما فرفَعهما، فوضَعهما في حِجْرِه، ثم قال: \"صدَق اللَّهُ ورسولُه، إنما أموالُكم وأولادُكم فتنةٌ، رأيتُ هذين فلم أصْبِرْ\". ثم أخَذ في خطبتِه. اللفظُ لأبي كريبٍ، عن زيدٍ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾، قال: يقولُ: عدوًّا لكم في دينِكم، فاحْذَروهم على دينِكم (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرَ (^٣) بنِ عليٍّ المُقدَّميُّ، قال: ثنا أشعثُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا شعبةُ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١١٠٩) عن أبي كريب، عن زيد بن الحباب، عن الحسين به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٩٩، وابن خزيمة (١٤٥٦، ١٨٠١)، وأحمد ٥/ ٣٥٤ (الميمنية)، وفي فضائل الصحابة ٢/ ٧٧٠ (١٣٥٨)، وابن ماجه (٣٦٠٠)، وابن حبان (٦٠٣٨)، والبيهقي ٦/ ١٦٥، من طريق زيد بن حباب عن الحسين بن واقد به. وابن خريمة (١٤٥٦، ١٨٠٢) من طريق أبي تميلة يحيى بن واضح به، والترمذي (٣٧٧٤)، والنسائي في الكبرى (١٧٣١)، وابن حبان (٦٠٣٩)، والحاكم ١/ ٢٨٧، والبيهقي في الشعب (١١٠١٦)، من طريق الحسين بن واقد به\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٦٤.\n(^٣) في النسخ: \"عمرو\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ١٤٧.","vol":"23","page":17},{"text":"لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. قال: كان الرجلُ يُسْلِمُ، فيلومُه أهلُه وبنُوه، فنزَلت: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ (^١).\nوقولُه: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا﴾. يقولُ: وإن تعفوا أيُّها المؤمنون عمّا سلَف منهم مِن صدِّهم إيَّاكم عن الإسلامِ والهجرةِ، وتَصْفحوا لهم عن عقوبتِكم إيَّاهم على ذلك، وتَغْفِروا لهم غيرَ ذلك مِن الذنوبِ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لكم ولمن (^٢) تاب مِن عبادِه مِن ذنوبِكم، ﴿رَحِيمٌ﴾ بكم أن يعاقِبَكم عليها من بعدِ توبتِكم منها.\n\n<span id=\"aya-5214\"></span><span data-type='title' id=toc-9039>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ما أموالُكم أيُّها الناسُ وأولادُكم إلا فتنةٌ، يعني: بلاءٌ عليكم في الدنيا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾. يقولُ: بلاءٌ (^٣).\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ عندَه ثوابٌ لكم\n_________\n(^١) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ٣٢٢ من طريق محمد بن عمر به.\n(^٢) سقط من: ص، م.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":18},{"text":"عظيمٌ، إذا أنتم خالفتم أولادَكم وأزواجَكم في طاعةِ اللَّهِ ربِّكم، فأطَعْتُم اللَّهَ ﷿، وأدَّيْتُم حقَّ اللَّهِ في أموالِكم. والأجرُ العظيمُ الذي عندَ اللَّهِ: الجنةُ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: وهي الجنةُ (^١).\n\n<span id=\"aya-5215\"></span>وقولُه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واحْذَروا اللَّهَ أيُّها المؤمنون وخافوا عقابَه وتجنَّبوا عذابَه؛ بأداءِ فرائضِه واجتنابِ معاصِيه والعملِ بما يُقرِّبُ إليه ما أطَقْتم وبلَغه وُسْعُكم.\nوذُكِر أنَّ قولَه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ نزل بعدَ قولِه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]؛ تخفيفًا عن المسلمين، وأنَّ قولَه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ناسخٌ قولَه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾: هذه رخصةٌ مِن اللَّهِ، واللَّهُ رحيمٌ بعبادِه، وكان اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أنزَل قبلَ ذلك: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. وحقُّ تقاتِه أن يُطاعَ فلا يُعْصَى، ثم خفَّف اللَّهُ تعالى ذكرُه عن عبادِه، فأنزَل الرخصةَ بعدَ ذلك فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ فيما اسْتَطَعْتَ يا بنَ آدمَ، عليها بايَع رسولُ اللَّهِ ﷺ على السمعِ والطاعةِ فيما اسْتَطَعْتم (^١).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":19},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. قال: نسَخَتْها: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (^١).\nوقد تقدَّم بيانُنا عن معنى الناسخِ والمنسوخِ بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢)، وليس في قولِه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. دَلالةٌ واضحةٌ على أنه لقولِه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. ناسخٌ، إذ كان محتمِلًا قولُه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: اتقوا اللَّهَ حقَّ تقاتِه فيما اسْتَطَعْتم، [ولم يكنْ بأنه له ناسخٌ] (^٣) عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، فإذا كان ذلك كذلك، فالواجبُ استعمالُهما جميعًا على ما يحتمِلان من وجوهِ الصحةِ.\nوقولُه: ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾. يقولُ: واسمعوا لرسولِ اللَّهِ ﷺ، وأطِيعوه فيما أمَركم به ونهاكم عنه، ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾. يقولُ: وأنفِقوا مالًا مِن أموالِكم لأنفسِكم، تَستَنْقِذوها من عذابِ اللَّهِ. والخيرُ في هذا الموضعِ المالُ.\nوقولُه: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومن يَقِه اللَّهُ شُحَّ نفسِه، وذلك اتباعُ هواها فيما نهى اللَّهُ عنه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى أبو معاويةَ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾. يقولُ: هوى نفسِه حيثُ يتَّبِعُ هواه ولم يَقْبِل الإيمانَ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩٥ عن معمر به.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٣٨٨ - ٤٠٣.\n(^٣) كذا بالنسخ، ولعلها: \"ولم يكن بان له ناسخ\".","vol":"23","page":20},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جامعِ بنِ شدَّادٍ، عن الأسودِ بنِ هلالٍ، عن ابنِ مسعودٍ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾. قال: أَن يَعْمِدَ إلى مالِ غيرِه فيأكلَه (^١).\nوقولُه: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: فهؤلاء الذين وُقُوا شُحَّ أنفسِهم، المُنجِحُون الذين أدْرَكوا طَلِباتِهم عندَ ربِّهم.\n\n<span id=\"aya-5216\"></span><span data-type='title' id=toc-9040>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإن تُنْفِقوا في سبيلِ اللَّهِ، فتُحسِنوا فيها النفقةَ، وتحْتَسِبوا بإنفاقِكم الأجرَ والثوابَ يُضاعِفْ ذلك لكم ربُّكم، فيجعلْ لكم مكانَ الواحدِ سبعَمائةِ ضعفٍ إلى أكثرَ من ذلك مما يشاءُ مِن التضْعيفِ، ويَغفِرْ لكم ذنوبَكم، فيَصفَحْ لكم عن عقوبِتكم عليها مع تضْعيفِه نفقتَكم التي تُنفقون في سبيلِه، ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ ذو شكرٍ لأهلِ الإنفاقِ في سبيلِه؛ بحسنِ الجزاءِ لهم على ما أنفَقوا في الدنيا في سبيلِه، ﴿حَلِيمٌ﴾. يقولُ: حليمٌ عن أهلِ معاصيه؛ بترْكِ معاجلتِهم بعقوبتِه،\n\n<span id=\"aya-5217\"></span>﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. يقولُ: عالمُ ما لا تراه أعينُ عبادِه، ويغيبُ عن أبصارِهم، وما يشاهدونه فيَرَوْنه بأبصارِهم، ﴿الْعَزِيزُ﴾. يعني: الشديدُ (^٢) انتقامُه ممن عصاه وخالَف أمرَه ونهيَه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيرِه خلْقَه، وصرفِه إيَّاهم فيما يُصلِحُهم.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"التغابنِ\"\n_________\n(^١) تقدم في ٢٢/ ٥٣٠.\n(^٢) بعده في م: \"في\".","vol":"23","page":21},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-5218\"></span><span data-type='title' id=toc-9041>تفسيرُ سورةِ \"الطلاقِ\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-9042>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا </span>(٣)﴾.\nقال أبو جعفرٍ: يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾: يقولُ: إذا طلَّقْتم نساءَكم فطلِّقُوهنَّ لطُهْرِهنَّ الذي يُحْصِينه مِن عِدَّتِهِنَّ، طاهرًا من غيرِ جماعٍ، ولا تُطلِّقوهنَّ بحيضِهنَّ الذي لا يَعْتَدِدْن به من قُرْئِهنَّ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ الأعمشَ، عن مالكِ بنِ الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الطلاقُ للعِدَّةِ؛ طاهرًا مِن\n_________\n(*) إلى هنا ينتهي خرم مخطوطة الأصل، والمشار إلى بدايته ص ٨.","vol":"23","page":22},{"text":"غيرِ جماعٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بنِ الحارثِ، عن عبدِ الرحمن بن يزيدَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. قال: بالطُّهْرِ في غيرِ جماعٍ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (^٣). قال: الطُّهْرُ في غيرِ جماعٍ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. قال: طاهرًا مِن غيرِ جماعٍ.\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن داودَ بنِ حُصينٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، أنه كان يَرى طلاقَ السُّنَّةِ طاهرًا مِن غيرِ جماعٍ، وفي كلِّ طُهْرٍ، وهي العِدَّةُ التي أمَر اللَّهُ بها.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي نجيحٍ و(^٥) حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ، أنَّ رجلًا سأل ابنَ عباسٍ، فقال إنه طلَّق امرأتَه مائةً. فقال: عَصَيْتَ ربَّك، وبانَت منك امرأتُك، ولم تتَّقِ اللَّهَ، فيجعلَ لك\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١ عن ابن إدريس به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٠٩٢٧) عن سفيان به ومن طريقه الطبراني (٩٦١٠)، وأخرجه سعيد بن منصور (١٠٥٧)، والبيهقي ٧/ ٣٢٥ من طريق الأعمش به.\n(^٣) بعده في م: \"يقول: إذا طلقتم\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٣، وابن ماجه (٢٠٢٠) من طريق آخر عن عبد الله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في النسخ: \"عن\". وينظر مصادر التخريج الآتية. وينظر أيضًا تهذيب الكمال ٧/ ٣٨٤، ١٦/ ٢١٥.","vol":"23","page":23},{"text":"مخرجًا. وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. وقال: (يا أَيُّها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ) (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا شعبةُ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ كثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: كنتُ عندَ ابنِ عباسٍ، فجاءه رجلٌ، فقال إنه طلَّق امرأتَه ثلاثًا. فسَكت حتى ظننَّا أنه رادُّها إليه (^٢)، ثم قال: يَنْطلِقُ أحدُكم فيركبُ الحَمُوقةَ (^٣)، ثم يقولُ: يابنَ عباسٍ يابنَ عباسٍ! وإن اللَّهَ ﷿ قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. وإنك لم تَتَّقِ اللَّهَ، فلا أجدُ لك مخرجًا؛ عصَيْتَ ربَّك، وبانَتْ منك امرأتُك، قال اللَّهُ ﷿: (يا أَيُّها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ [فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ)] (^٤) (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (١١١٥٧) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٥٨، والدارقطني ٤/ ١٣، والبيهقي ٧/ ٣٣٧ من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٠ إلى ابن مردويه.\n(^٢) في م: \"عليه\".\n(^٣) الحموقة: فعولة من الحمق، وهي الخصلة ذات حمق. التاج (ح م ق).\n(^٤) قوله: (في قبل عدتهن). قال أبو حيان: وما روى عن جماعة من الصحابة والتابعين ﵃ من أنهم قرءوا: (فطلقوهن في قُبُل عدتهن). وعن بعضهم: (في قُبْل عدتهن). هو على سبيل التفسير لا على أنه قرآن؛ لخلافه سواد المصحف. البحر المحيط ٨/ ٢٨٠.\n(^٥) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٨٧، وأبو داود (٢١٩٧)، والبيهقي ٧/ ٣٣١ من طريق ابن علية به، وأخرجه الدارقطني ٤/ ٦١ من طريق أيوب به، وأخرجه الطبراني (١١١٣٩) من طريق عبد الله بن كثير به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١٣٥٢) عن ابن جريج عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٠ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.","vol":"23","page":24},{"text":"الحكمِ، قال: سمعتُ مجاهدًا يحدِّثُ عن ابنِ عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. قال ابنُ عباسٍ: (في قُبُلِ عدَّتِهِنَّ) (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ أُميةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ كثيرٍ، عن مجاهدٍ، أنه قرَأ: (فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ) (^٢).\nحدَّثنا (^٣) العباسُ بنُ عبدِ العظيمِ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. قال: طاهرًا في غيرِ جماعٍ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن إسماعيلَ بنِ مسلمٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. قال: طاهرًا مِن غيرِ حيضٍ، أو حاملًا قد استبان حملُها (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عيسى بنِ يزيدَ بنِ دَأْبٍ، عن عمرٍو، عن الحسنِ وابنِ سيرينَ، فيمن أراد أن يُطلِّقَ ثلاثَ تَطْليقاتٍ، جميعًا في كلمةٍ واحدةٍ، أنه لا بأسَ به بعدَ أن يُطلِّقَها في قُبُلِ عِدَّتها، كما أمَره اللَّهُ ﷿، وكانا يَكْرَهان أنْ يُطلِّقَ الرجلُ امرأتَه تطليقةً أو تطليقتين أو ثلاثًا، إذا كان لغيرِ العِدَّةِ التي ذكَرها اللَّهُ (^٦).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا ابنُ عونٍ، عن ابنِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢، والنسائي في الكبرى (٥٥٨٦) من طريق محمد بن جعفر به.\n(^٢) أخرجه الشافعي ٢/ ٦٧ (١٠٧)، وأبو عبيد في الفضائل ص ١٨٧، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩٦، وسعيد بن منصور في سننه (١٠٥٩)، والبيهقي ٧/ ٣٢٣، من طرق عن ابن جريج عن مجاهد به.\n(^٣) في الأصل: \"قال حدثنا\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٣ من طريق آخر عن مجاهد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢ من طريق آخر عن الحسن به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢ من طريق آخر عن الحسن وابن سيرين به.","vol":"23","page":25},{"text":"سيرينَ، أنه قال في قولِه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. قال: يُطلِّقُها وهي طاهرٌ مِن غيرِ جماعٍ، أو حُبْلَى يَستبينُ حملُها (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾: قال: لطُهْرِهنَّ (^٢).\nحدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الأعلى المحاربيُّ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. قال: العِدَّةُ: القُرْءُ، والقُرْءُ: الحَيْضُ، والطاهرُ: الطاهرُ مِن غيرِ جماعٍ، ثم تَسْتقبلُ ثلاثَ حِيَضٍ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾: والعِدَّةُ: أن يُطِّلقَها طاهرًا مِن غيرِ جماعٍ، تطليقةً واحدةً (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. قال: إذا طَهَرت من الحيضِ في غيرِ جماعٍ. قلتُ: كيف؟ قال: إذا طَهَرت تُطلِّقُها (^٥) مِن قبلِ أنْ تمسَّها، فإن بدا لك أن تُطلِّقَها أُخرى، ترَكْتَها حتى تَحِيضَ حيضةً أُخرى، ثم طلِّقْها إذا طَهَرت الثانيةَ، فإذا أردْتَ طلاقَها الثالثةَ أَمْهَلْتها حتى تَحيضَ، فإذا طَهَرت طلَّقَتها (^٦) الثالثةَ، ثم تعتدُّ حيضةً واحدةً، ثم\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٦١) عن هشيم به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٤/ ٨٨.\n(^٤) سقط من: الأصل. والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٦٩.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فطلقها\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"طلقها\".","vol":"23","page":26},{"text":"تُنكَحُ إن شاءت (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ (^٢) ثورٍ، عن معمرٍ، قال: وقال ابنُ طاوسٍ: إذا أردْتَ الطلاقَ فطلِّقْها حينَ تَطْهُرُ، قبلَ أن تمسَّها، تطليقةً واحدةً، لا يَنْبغي لك أن تزيدَ عليها، حتى تخلوَ ثلاثةُ قُرُوءٍ، فإِنَّ واحدةً تُبِينُها (^٣).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. يقولُ: فطلِّقْها طاهرًا مِن غيرِ جماعٍ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. قال: إذا طلَّقتَها للعِدَّةِ كان مِلْكُها بيدِك، ومَن طلَّق (^٥) للعِدَّةِ جعَل اللَّهُ له في ذلك فُسْحةً، وجعل له مِلْكًا إن أَراد أَنْ يَرْتجِعَ قبلَ أَن تَنْقَضِيَ العِدَّةُ ارْتَجَع (^٦).\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. قال: طاهرًا في غيرِ جماعٍ، فإن كانت لا تَحِيضُ، فعندَ غُرَّةِ كلِّ هلالٍ (^٧).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن عبيدِ (^٨) اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩٦ عن معمر به.\n(^٢) في ص، ت ١: \"أبو\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩٦، وفي المصنف (١٠٩٢٠) عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٦٩.\n(^٥) في الأصل، ت ٣: \"طلقها\".\n(^٦) ينظر التبيان ١٠/ ٣٢.\n(^٧) ينظر التبيان ١٠/ ٣٠.\n(^٨) في الأصل: \"عبد\". وينظر مصادر التخريج.","vol":"23","page":27},{"text":"عمرَ، قال: طلَّقْتُ امرأتي وهي حائضٌ. قال: فأتى عمرُ رسولَ اللَّهِ ﷺ فخبَّره ذلك، فقال: \"مُرْه فلْيُراجِعْها حتى تَطْهُرَ ثم تَحِيضَ، ثم تَطْهُرَ، ثم إِنْ شَاء طلَّقها قبلَ أن يُجامِعَها، وإن شاء أمْسَكها، فإنها العِدَّةُ التي قال اللَّهُ ﷿\" (^١).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، [عن عبيدِ اللَّهِ] (^٢)، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ بنحوِه عن النبيِّ - صلى الله عليه [وسلَّم - (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ مهديٍّ، عن مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أنه طلَّق امرأتَه وهي حائضٌ، فسأل عمرُ النبيَّ ﷺ، فقال] (^٤): \"مُرْه فلْيُراجِعْها (^٥)، ثم لْيُمْسِكُها حتى تَطْهُرَ، ثم تَحِيضَ، ثم تَطْهُرَ، ثم إنْ شاء أمْسَكها، فتلكَ العِدَّةُ التي أمَر اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لها النساءُ\" (^٦).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ (^٧)، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنه طلَّق امرأتَه حائضًا، فأتى عمرُ النبيَّ ﷺ، فذكَر ذلك له، فأمَره أنْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢، ومسلم (١٤٧١)، وابن ماجه (٢٠١٩) من طريق ابن إدريس به، وأخرجه الطيالسي (١٩٦٤)، وأحمد ١٠/ ٦١ (٥٧٩٢)، وابن الجارود (٧٣٤)، وابن حبان (٤٢٦٣)، والدارقطني ٤/ ٧، والبيهقي ٧/ ٣٢٤ من طريق عبيد الله به.\n(^٢) سقط من النسخ، واستدركناه من مصادر التخريج.\n(^٣) أخرجه أحمد ٩/ ١٥٣ (٥١٦٤)، والنسائي (٣٣٨٩)، وفي الكبرى (٥٥٨٢)، وابن حبان (٤٢٦٣) من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع به.\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣. وفي الأصل: \"فليرتجعها\".\n(^٦) أخرجه أحمد ٩/ ٢٢١ (٥٢٩٩) عن عبد الرحمن بن مهدي به، وأخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٧٦، ومن طريقه الشافعي ٢/ ٦٥ (١٠٤)، وعبد الرزاق في المصنف (١٠٩٥٢)، والبخاري (٥٢٥١)، ومسلم (١٤٧١)، وأبو داود (٢١٧٩)، والنسائي (٣٣٩٠)، وفي الكبرى (٥٥٨٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٥٣، والبيهقي ٧/ ٣٢٣.\n(^٧) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن قتادة\". وينظر تفسير عبد الرزاق ومصنفه.","vol":"23","page":28},{"text":"يُراجِعَها، ثم يترُكَها، حتى إذا طَهَرت ثم حاضت [ثم طهَرت] (^١) طلَّقها، قال النبيُّ ﷺ: \"فهي العِدَّةُ التي أمَر اللَّهُ أنْ يُطلَّقَ النساءُ لها\". يقولُ: حينَ (^٢) يَطْهُرن (^٣).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. يقولُ: لا تُطلِّقْها وهي حائضٌ، ولا في طُهْرٍ قد جامعتَها فيه، ولكن تترُكُها حتى إذا حاضت وطَهَرت طلِّقْها تطليقةً، فإن كانت تَحيضُ فعدَّتُها ثلاثُ حِيَضٍ، وإن كانت لا تَحِيضُ فعدَّتُها ثلاثةُ أشهرٍ، وإن كانت حاملًا فعدَّتُها أن تضعَ حملَها (^٤).\nحدَّثنا ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، سُئل عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. قال: طلاقُ السُّنةِ أن يُطلِّقَ الرجلُ امرأتَه وهي في قُبُلِ عِدَّتِها طاهرًا مِن غيرِ جماعٍ واحدةً ثم يَدعَها، فإن شاء راجَعها قبلَ أن تغتسِلَ مِن الحَيْضةِ الثالثةِ، وإن أراد أن يُطلِّقَها ثلاثًا طلَّقها واحدةً في قُبُلِ عِدَّتِها وهي طاهرٌ مِن غيرِ جماعٍ، ثم يَدَعَها، حتى إذا حاضت وطَهَرت طلَّقها أُخرى، ثم يَدَعَها، حتى إذا حاضت وطَهَرت طلَّقها أُخرى (^٥)، ثم لا تَحِلُّ له حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه.\nوذُكر أنَّ هذه الآيةَ أُنزِلت على رسولِ اللَّهِ ﷺ في سببِ طلاقِه حفصةَ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١.\n(^٢) في ت ١، وتفسير عبد الرزاق: \"حتى\".\n(^٣) في الأصل: \"تطهر\". والأثر أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢/ ٢٩٧، وفي المصنف (١٠٩٥٤) عن معمر به، وأخرجه أحمد ٩/ ٢٣١ (٥٣٢١)، ومسلم (١٤٧١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٥٣ من طريق أيوب به.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٦٩.\n(^٥) بعده في الأصل: \"ثم يدعها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها أخرى\".","vol":"23","page":29},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ (^١) عبد الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: طلَّق رسولُ اللَّهِ ﷺ حفصةَ بنتَ عمرَ تطليقةً، فأُنزِلت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. فقيل: راجِعْها، فإنها صوَّامةٌ قوَّامةٌ، وإنها مِن نسائِك في الجنةِ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾. يقولُ: وأَحْصُوا عددَ (^٣) العِدَّةِ وأقرائِها واحْفَظُوها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾. قال: احفظوا العِدَّةَ.\nوقولُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾. يقولُ: وخافوا اللَّهَ أيُّها الناسُ ربَّكم، فاحْذَروا معصيتَه وأن تَتَعدَّوا حدَّه، لا تُخْرِجوا مَن طلَّقتم مِن نسائِكم لعدَّتِهنَّ مِن بُيوتِهنَّ التي كنتم أسْكَنتموهنَّ فيها قبلَ الطلاقِ، حتى تَنْقضيَ عِدَّتُهنَّ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٣. وهو عبد الأعلى بن عبد الأعلى. ينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٣٥٩.\n(^٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/ ٨٤ من طريق سعيد به.\n(^٣) في ص: \"عدة\". وفي م، ت ١: \"هذه\".","vol":"23","page":30},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾: حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهنَّ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا ابنُ جريجٍ، قال: قال عطاءٌ: إن أَذِن لها أن تعتدَّ في غيرِ بيتِه، فتعتدَّ في بيتِ أهلِها، فقد شارَكها إذنْ في الإثمِ. ثم تلا: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: قلتُ: هذه الآيةُ في هذه؟ قال: نعم (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا حَيْوةُ بنُ شُرَيحٍ، عن محمدِ بنِ عَجْلانَ، عن نافعٍ، أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ كان يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: خروجُها قبلَ انقضاءِ العِدَّةِ. قال ابنُ عَجْلانَ عن زيدِ بنِ أسلمَ: إذا أَتَتْ بفاحشةٍ مُبيِّنةٍ (^٢) أُخْرِجت (^٣).\nوحدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الأعلى المحاربيُّ، قال: ثنا المحاربيُّ عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: ليس لها أنْ تَخْرُجَ إلا بإذنه، وليس للزوجِ أنْ يُخْرِجَها ما كانت في العِدَّةِ، فإن خرَجت فلا سُكْنى لها ولا نفقةَ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١٠٠٩) عن ابن جريج به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٧٢، والبيهقي ٧/ ٤٣١، والحاكم ٢/ ٤٩١ من طريق نافع به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٠١٩) عن ابن جريج عن ابن عمر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٠٢ من طريق جويبر به.","vol":"23","page":31},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾. قال: هي المطلَّقةُ، لا تخرُجُ مِن بيتِها ما دام لزوجِها عليها رَجْعَةٌ وكانت في عِدَّةٍ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾: وذلك إذا طلَّقها واحدةً أو اثنتين، ما لم يُطلِّقْها ثلاثًا.\nوقولُه: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولا تُخْرِجوهنَّ إلا أنْ يأْتين بفاحشةٍ مُبيِّنةٍ أنَّها فاحشةٌ لمن عايَنها أو عَلِمها.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الفاحشةِ التي ذُكرت في هذا الموضعِ، والمعنى الذي مِن أجلِه أَذِن اللَّهُ بإخراجِهنَّ في حالِ كونِهنَّ في العِدَّةِ من بُيوتِهنَّ؛ فقال بعضُهم: الفاحشةُ التي ذكر اللَّهُ ﷿ في هذا الموضعِ هي الزنى، والإخراجُ الذي أباح اللَّهُ هو الإخراجُ لإقامةِ الحدِّ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: الزنى: قال: فتُخْرَجُ ليُقامَ عليها الحدُّ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ مثلَه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣١ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":32},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن صالحِ بن مسلمٍ، قال: سألتُ عامرًا، قلتُ: رجلٌ طلَّق امرأتَه تطليقةً أيُخْرِجُها مِن بيتِها؟ قال: إن كانت زانيةً (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: إلا أنْ يزنين (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وسألتُه عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. قال: هؤلاء المحصناتُ، ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ الآية [النساء: ١٥]. قال: فجعَل اللَّهُ سبيلَهنَّ الرجْمَ، فهي لا يَنْبَغِي لها أَنْ تَخْرُجَ مِن بيتِها إلا أنْ تأتيَ بفاحشةٍ مبينةٍ، فإذا أتَتْ بفاحشةٍ مبينةٍ أُخْرِجَت إلى الحدِّ فرُجِمت، وكان قبلَ هذا للمحصنةِ الحبسُ، تُحْبِسُ في البيوتِ لا تُتْركُ أن تُنْكحَ، وكان للبِكْرَين الأذى، قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾: يا زانٍ، يا زانيةُ، ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٦]. قال: ثم نُسِخ هذا كلُّه، فجُعِل للمحصَنةِ والمحصَنِ الرجْمُ،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١٠١٨) من طريق صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٦٣، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١٠١٧) عن ابن جريج عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣١ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":33},{"text":"وجُعِل جلدُ مائةٍ للبِكْرَين، قال: ونُسِخ هذا.\nوقال آخرون: الفاحشةُ التي عناها اللَّهُ ﷿ في هذا الموضعِ البَذَاءُ على أحمائِها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، عن محمدِ بن إبراهيمَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: الفاحشةُ المُبيِّنةُ أن تَبْدُوَ على أهلِها (^١).\nوقال آخرون: بل هي كلُّ معصيةٍ للَّهِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: والفاحشةُ المبيِّنةُ (^٢) هي المعصيةُ (^٣).\nوقال آخرون: بل ذلك نشوزُها على (^٤) زوجِها، فيطلِّقُها على النشوزِ، فيكونُ لها التحوُّلُ حينئذٍ من بيتِها.\n_________\n(^١) أخرجه الشافعي في الأم ٥/ ٢١٧، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١٠٢١، ١١٠٢٢)، والبيهقي ٧/ ٤٣١ من طريق محمد بن عمرو به، وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٧١ من طريق آخر عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣١ إلى ابن راهويه وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ينظر التبيان ١٠/ ٣١، وتفسير القرطبي ١٨/ ١٥٦.\n(^٤) في الأصل: \"عن\".","vol":"23","page":34},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال قتادةُ: إلا أنْ يُطلِّقَها على نشوزٍ، فلها أنْ تُحوَّلَ مِن بيتِ زوجِها (^١).\nوقال آخرون: الفاحشةُ المُبيِّنةُ التي ذكر اللَّهُ ﷿ في هذا الموضعِ خروجُها مِن بيتِها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: خروجُها مِن بيتِها فاحشةٌ. وقال بعضُهم: خروجُها إذا أتت بفاحشةٍ؛ أن تُخْرَجَ فيُقامَ عليها الحدُّ (^٢).\nحدَّثني ابنُ عبدِ الرحيمِ البرقيُّ، قال: ثنا سعيدُ بنُ الحكمِ بنِ أبي مريمَ، قال: أخبرَنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: ثنى محمدُ بنُ عَجْلانَ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ في قولِه: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: خروجُها قبلَ انقضاءِ عدتِها (^٣) فاحشةٌ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٠٢٠) عن معمر عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ١٥٦.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"العدة\".\n(^٤) تقدم في ص ٣١.","vol":"23","page":35},{"text":"والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي قولُ مَن قال: عُنِي بالفاحشةِ في هذا الموضعِ المعصيةُ. وذلك أنَّ الفاحشةَ هي كلُّ أمرٍ قبيحٍ تُعُدِّي (^١) فيه حدُّه، فالزنى مِن ذلك، والسَّرَقُ والبَذَاءُ على الأحماءِ وخروجُها مُتَحوِّلةً عن منزلِها الذي يَلْزَمُها أنْ تعتدَّ فيه، منه، فأيَّ ذلك فعَلتْ وهي في عِدَّتِها، فلزوجِها إخراجُها مِن بيتِها، ذلك لإتيانِها بالفاحشةِ التي ركِبتْها.\nوقولُه: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهذه الأمورُ التي بيَّنْتُها لكم مِن الطلاقِ للعِدَّةِ، وإحصاءِ العِدَّةِ، والأمرِ باتقاءِ اللَّهِ، وأنْ لا تُخْرَجَ المطلَّقةُ مِن بيتِها إلا أن تأتيَ بفاحشةٍ مبينةٍ - حدودُ اللَّهِ التي حدَّها لكم أيُّها الناسُ، فلا تَعْتَدُوها، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يتجاوزْ حدودَ اللَّهِ التي حدَّها لخلْقِه، ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾] (^٢). يقولُ: فقد أَكْسَب (^٣) نفسَه وِزْرًا، فصار بذلك لها ظالمًا، وعليها متعدِّيًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾. يقولُ: تلك طاعةُ اللَّهِ، فلا تَعْتَدُوها. قال: يقولُ: مَن كان على غيرِ هدًى (^٤) فقد ظلَم نفسَه (^٥).\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"به\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في الأصل: \"اكتسب\".\n(^٤) في الأصل: \"هذا\"، وفي م: \"هذه\".\n(^٥) تقدم نحوه في ٤/ ١٦٥.","vol":"23","page":36},{"text":"وقولُه: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. يقولُ ﷻ: لا تَدْرِي ما الذي يَحدُثُ، لعلَّ اللَّهَ يُحدِثُ بعدَ طلاقِكم إيَّاهنَّ رجعةً.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، [عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ] (^١)، أَنَّ فاطمةَ بنتَ قيسٍ كانت تحتَ أبي [عمرِو ابنِ] (^٢) حفصٍ المخزوميِّ، وكان النبيُّ ﷺ أمَّر عليًّا على بعضِ اليمنِ، فخرَج معه، فبعَث إليها بتطليقةٍ كانت بقِيتْ (^٣) لها، وأمَر عياشَ بن أبي ربيعةَ المخزوميَّ والحارثَ بنَ هشامٍ، أن يُنْفِقا عليها، فقالا: لا واللَّهِ ما لها علينا نفقةٌ، إلا أنْ تكونَ حاملًا. فأتت النبيَّ ﷺ فذكَرت ذلك له، فلم يجعَلْ لها نفقةً إلا أنْ تكونَ حاملًا، واستأذنتْه في الانتقالِ، فقالت: أينَ أنتقِلُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: \"عندَ ابنِ أمِّ مكتومٍ\". وكان أعمى، تضعُ ثيابَها عندَه، ولا يُبْصِرُها، فلم تَزَلْ هنالك حتى أنْكَحها النبيُّ ﷺ أُسامةَ بنَ زيدٍ، حينَ مضت عِدَّتُها، فأرسَل إليها مَرْوانُ بنُ الحكمِ يسألُها عن هذا الحديثِ، فأخبَرتْه، فقال مَرْوانُ: لم نسمعْ هذا الحديثَ إلا مِن امرأةٍ، وسنأخذُ بالعصمةِ التي وجَدْنا الناسَ عليها. فقالت فاطمةُ: بيني وبينَكم الكتابُ، قال اللَّهُ ﷿: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ حتى بلَغ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. قالت: فأَيَّ أمرٍ يُحْدِثُ (^٤) بعدَ الثلاثِ؟! وإنما هو في مراجعة الرجلِ امرأتَه، وكيف\n_________\n(^١) سقط من النسخ، واستدركناه من مصادر التخريج.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣. وفي الأصل: \"بكر بن عمرو بن\". والمثبت كما في جميع مصادر التخريج. وله ترجمة في الاستيعاب ٤/ ١٧١٩.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في الأصل: \"حدث\".","vol":"23","page":37},{"text":"تُحْبَسُ امرأةٌ بغيرِ نفقةٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. قال: هذا في مراجعةِ الرجلِ امرأتَه (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. أيْ: مراجعةً.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. قال: يُراجِعُها في بيتِها، هذا في الواحدةِ والثنتين، هو أبعدُ مِن الزنى. قال سعيدٌ: وقال الحسنُ: هذا في الواحدةِ والثنتين، وما يُحْدِثُ اللَّهُ بعدَ الثلاثِ (^٣)!\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليَّةَ، قال: أخبَرنا أيوبُ، قال: سمعتُ الحسنَ وعكرمةَ يقولان: المطلَّقةُ ثلاثًا، والمتوفَّى عنها زوجُها (^٤)، لا سُكْنى لها ولا نفقةَ. قال: فقال عكرمةُ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. فقال: ما يُحْدِثُ بعدَ الثلاثِ (^٥)!\nحدَّثنا عليُّ (^٦) بنُ عبدِ الأعلى المحاربيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٢٠٢٤)، وفي التفسير ٢/ ٢٩٧، وأحمد ٦/ ٤١٤ (الميمنية)، ومسلم (١٤٨٠/ ٤١)، وأبو داود (٢٢٩٠) من طريق معمر به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩٨ عن معمر به.\n(^٣) في ت ٣: \"ذلك\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٦٢ عن ابن علية عن أيوب عن عكرمة - وحده - به.\n(^٦) سقط من: الأصل، ت ٣.","vol":"23","page":38},{"text":"المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. يقولُ: لعلَّ الرجلَ يراجعُها في عِدَّتِها (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾: هذا ما كان له عليها رجعةٌ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. قال: الرَّجْعةَ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. قال: لعلَّ اللَّهَ يُحدِثُ في قلبِك تَرتجِعُ (^٣) زوجتَك. قال: ومَن طلَّق للعِدَّةِ جعَل اللَّهُ له في ذلك فُسْحةً، وجعل له مِلْكًا؛ إِنْ أَرادَ أَنْ يَرْتَجِعَ قبلَ أن تنقضِيَ العِدَّةُ ارْتجَع (٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. قال: لعله يراجِعُها (^٤).\n\n<span id=\"aya-5219\"></span>وقولُه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا بلَغ المطلَّقاتُ اللَّواتي هنَّ في عِدَّةٍ، أجلَهنَّ؛ وذلك حينَ قَرُب انقضاءُ عِدَدِهنَّ، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. يقولُ: فأمسكوهنَّ برجْعةٍ تُراجعوهنَّ إن أردْتم ذلك، ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾. يقولُ: بما أمَر اللَّهُ به مِن الإمساكِ، وذلك بإعطائِها الحقوقَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٦٢ من طريق جويبر به.\n(^٢) تقدم في ص ٢٧.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تراجع\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٧٠.","vol":"23","page":39},{"text":"التي أوجَبها اللَّهُ عليه لها مِن النفقةِ والكِسوةِ والمسكنِ وحُسنِ الصحبةِ، ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. يقولُ: أو اتْركوهنَّ حتى تنقضِيَ عِدَدُهنَّ فتَبِينَ منكم، ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾. يعني: بإيفائِها ما لها مِن حقٍّ قِبَلَه؛ من الصداقِ أو المتعةِ، على ما أوجَب اللَّهُ لها عليه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليُّ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المحاربيُّ عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾. يقولُ: إِذا انْقَضَتْ عدَّتُها قبلَ أنْ تغتسلَ مِن الحيضةِ الثالثةِ، أو ثلاثةُ أشهرٍ إنْ لم تكنْ تَحيضُ. يقولُ: فراجِعْ إن كنتَ تريدُ المراجعةَ قبلَ أن تنقضِيَ العِدَّةُ بإمساكٍ بمعروفٍ، والمعروفُ: أنْ تُحسِنَ صُحبتَها، ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، والتسريحُ بإحسانٍ: أنْ يدعَها حتى تمضِيَ عِدَّتُها، ويُعطيَها مهرًا، إنْ كان لها عليه، إذا طلَّقها، فذلك التسريحُ بإحسانٍ، والمتعةُ على قَدْرِ الميسرةِ (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، [٤٨/ ٩ ظ] * قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾. قال: إذا طلَّقها واحدةً أو ثنتين، يشاءُ أنْ يُمسِكَها بمعروفٍ، أو يُسرِّحَها بإحسانٍ.\nوقولُه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: وأشْهِدوا على الإمساكِ إنْ أمسَكْتموهنَّ، وذلك هو الرجعةُ، ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: وهما اللَّذان يُرْضَى\n_________\n(^١) تقدم في ٤/ ١٣٤.\n* سقطت اللوحة العاشرة من مخطوطة الأصل وهي تتضمن الورقتين [٩ ظ، ١٠ و] كاملتين.","vol":"23","page":40},{"text":"دينُهما وأمانتُهما.\nوقد بيَّنَّا فيما مضَى قبلُ معنى العَدْلِ بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ، وذكَرْنا ما قال أهلُ العلمِ فيه (^١).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إنْ أراد مراجعتَها قبلَ أنْ تنقضِيَ عِدَّتُها، أَشْهَد رجلين كما قال اللَّهُ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: عندَ الطلاقِ وعندَ المراجعةِ، فإن راجَعها فهي عندَه على تطليقتين، وإن لم يُراجِعْها فإذا (^٢) انقضَت عِدَّتُها فقد بانَت منه بواحدةٍ، وهي أمْلكُ بنفسِها، ثم تتزوَّجُ مَن شاءت؛ هو أو غيرَه (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قال: على الطلاقِ والرجْعةِ.\nوقولُه: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾. يقولُ: واشْهَدُوا على الحقِّ إذا استُشْهِدتم، وأدُّوها على صحةٍ إذا أنتم دُعيتم إلى أدائِها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه:\n_________\n(^١) تقدم في ٥/ ٧٦، ٨١.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وإذا\".\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ٣٢.","vol":"23","page":41},{"text":"﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾. قال: اشهَدوا على الحقِّ.\nوقولُه: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي أمَرْتُكم به وعرَّفْتُكم؛ مِن أمرِ الطلاقِ، والواجبِ لبعضِكم على بعضٍ عندَ الفِراقِ والإمساكِ - عظةٌ منا لكم، نعِظُ به مَن كان يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ، فيُصدِّقُ به.\nوعُنِي بقولِه: ﴿مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: مَن كانت صفتُه الإيمانَ باللَّهِ، كالذي حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال: يؤمِنُ به.\nوقولُه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مَنْ يَخفِ اللَّهَ فيعملْ بما أمَره به، ويجْتَنِبْ ما نهاه عنه، يَجْعَلْ له من أمرِه مخرجًا، بأن يُعرِّفَه بأنَّ ما قضَى فلا بدَّ مِن أنْ يكونَ، وذلك أن المطلِّقَ إذا طلَّق، كما ندَبه اللَّهُ إليه للعِدَّة، ولم يُراجِعْها في العدةِ (^١) حتى انقضتْ، ثم تَتَبَّعتْها (^٢) نفسُه، [جعَل اللَّهُ له مخرجًا فيما تَتْبعُها نفسُه] (^٣)، بأنْ جعل له السبيلَ إلى خِطْبتِها ونكاحِها، ولو طلَّقها ثلاثًا لم يكنْ له إلى ذلك سبيلٌ.\n\n<span id=\"aya-5220\"></span>وقولُه: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. يقولُ: ويُسبِّبْ له أسبابَ الرزقِ مِن حيثُ لا يشعرُ ولا يعلَمُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. وذكَر بعضُهم أنَّ هذه الآيةَ نزَلت بسببِ عوفِ بن مالكٍ الأشجعيِّ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عدتها\".\n(^٢) في م: \"تتبعها\".\n(^٣) سقط من: الأصل.","vol":"23","page":42},{"text":"ذكرُ (^١) مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ صلتٍ، عن قيسٍ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. قال: يعلَمُ أنه من عندِ اللَّهِ، وأنَّ اللَّهَ هو الذي يُعْطِي ويمنعُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. قال: المَخْرَجُ أَنْ يعلمَ أنَّ اللَّهَ ﵎ لو شاء أعطاه، ولو (^٣) شاء منَعه، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. قال: من حيثُ لا يَدْرِي.\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ بنحوِه (^٤).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. يقولُ: يُنجِيه (^٥) مِن كُلِّ كَرْبٍ في الدنيا والآخرةِ، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"بعض\".\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ١٥١، وابن كثير في تفسيره ٨/ ١٧٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٢ إلى ابن مردويه.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إن\".\n(^٤) سقط من: ت ٣. وفي ص، م، ت ١، ت ٢: \"مثله\".\nوالأثر أخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور ٦/ ٢٣٢ - ومن طريقه البيهقي في الشعب (١٢٨٦) عن أبي معاوية به.\n(^٥) في م: \"نجاته\"، وفي ت ١: \"سبحانه\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٨ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٢ إلى ابن المنذر.","vol":"23","page":43},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الربيعِ بنِ المنذرِ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ خُثَيْمٍ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. قال: مِن كلِّ شيءٍ ضاق على الناسِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. قال: مَن طلَّق كما أمَره اللَّهُ ﷿ يَجْعلْ له مخرجًا (^٢).\nحدَّثني عليُّ بنُ عبدِ الأعلى المحاربيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾. قال: يعني بالمَخْرَجِ واليُسرِ؛ إذا طلَّق واحدةً، ثم سكَت عنها، فإنْ شاء (^٣) راجَعها بشَهادةِ رجلين عَدْلَين، فذلك اليُسرُ الذي قال اللَّهُ ﵎، وإن مضَت عِدَّتُها ولم يُراجِعْها، كان خاطبًا من الخُطَّابِ، وهذا الذي أمَر اللَّهُ به، وهكذا طلاقُ السنَّةِ، فأمَّا مَن طلَّق عندَ كلِّ حيضةٍ تطليقةً (^٤)، فقد أخطأ السنَّةَ، وعصَى الربَّ ﷿، وأخَذ بالعُسرِ (^٢).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. قال: يُطلِّقُ للسنَّةِ (^٥)، ويراجِعُ للسنَّةِ (^٥)، زُعِم أنَّ رجلًا مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ يقالُ له: عوفُ بنُ مالكٍ الأشجعيُّ. كان له ابنٌ، وأنَّ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٧، وأحمد في الزهد ص ٣٣٤ من طريق الربيع بن المنذر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ١٥١، وابن كثير في تفسيره ٨/ ١٧٢.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) في الأصل: \"لسنة\". وينظر تفسير ابن كثير.","vol":"23","page":44},{"text":"المشركين أسَرُوه، فكان فيهم، فكان أبوه يأتي النبيَّ ﷺ، فيشكو إليه مكانَ ابنِه وحالَه التي هو بها وحاجتَه، فكان رسولُ اللَّهِ ﷺ يأمرُه بالصبرِ، يقولُ له: \"إِنَّ اللَّهَ سيجعلُ لك (^١) مخرجًا\". فلم يَلبَثْ بعدَ ذلك إلا يسيرًا [أن انفلَت] (^٢) ابنُه مِن أيدي العدوِّ، فمرَّ بغنمٍ مِن أغنامِ العدوِّ فاستاقها، فجاء بها إلى أبيه، وجاء معه بغِنًى قد أصابه من الغنمِ، فنزَلت فيه هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عمارِ بنِ (^٤) معاويةَ الدُّهْنِيِّ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. قال: نزَلت في رجلٍ مِن أشجعَ جاء إلى النبيِّ ﷺ وهو مجهودٌ، فسأله، فقال له النبيُّ ﷺ: \"اتقِ اللَّهَ واصْبِرْ\". فقال: قد فعَلْتُ. فأتى قومَه، فقالوا: ماذا قال لك؟ قال: قال لي: \"اتقِ اللَّهَ واصْبِرْ\". فقلتُ: قد فعَلْتُ. حتى قال ذلك ثلاثًا، فرجَع، فإذا هو بابنِه كان أسيرًا في بني فلانٍ مِن العربِ، فجاء معه بأعنُزٍ، فرجَع إلى النبيِّ ﷺ، فقال: إنَّ ابني كان أسيرًا في بني فلانٍ، وإنه جاءنا (^٥) بأعْنُزٍ، فطابت لنا؟ فقال: \"نعم\" (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن عمارٍ الدهنيِّ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. قال: نزَلت في\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"له\".\n(^٢) في الأصل: \"أن أفلت\". وفي م: \"إذ انفلت\". وينظر تفسير ابن كثير.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٧٣.\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبي\". وهو عمار بن معاوية ويقال: ابن أبي معاوية. ويقال: ابن صالح. ويقال: ابن حيان. ينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٢٠٨.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جاء\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"23","page":45},{"text":"رجلٍ مِن أشجعَ أصابه الجَهْدُ، فأتى النبيَّ ﷺ فقال له: \"اتقِ اللَّهَ واصْبِرْ\". فرجَع فوجَد ابنًا له كان أسيرًا، قد فكَّه اللَّهُ مِن أيديهم، وأصاب أَعْنُزًا، فجاء، فذكَر ذلك لرسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال: هل تَطيبُ لي يا رسولَ اللَّهِ؟ فقال: \"نعم\".\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابنِ المنذرِ الثوريِّ، عن أبيه، عن الربيعِ بن خُثَيمٍ: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. قال: من كلِّ شيءٍ ضاق على الناسِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. قال: يعلمُ أنَّ اللَّهَ إن شاء منَعه، وإن شاء أعطاه، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. يقولُ: من حيثُ لا يَدْرِي.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدِ بن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. قال: من شُبُهاتِ الأمورِ، والكربِ عندَ الموتِ، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾: من حيثُ لا يَرْجو ولا يؤمِّلُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾: من حيثُ لا يأملُ ولا يَرْجو.\nوقولُه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ومن يتقِ اللَّهَ في أمورِه، ويفوِّضْها إليه، فهو كافيه.\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"يأمل\".\nوالأثر أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٣٤٠ من طريق سلام عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":46},{"text":"[وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِن اللَّهَ مُنفذٌ أمرَه، مُمضٍ في خلقِه قضاءَه] (^١).\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾. منقطعٌ عن قولِه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. ومعنى ذلك: إنَّ اللَّهَ بالغُ أمرِه بكلِّ حالٍ؛ توكَّل عليه العبدُ أو لم يتوكَّلْ عليه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾: توكَّل عليه، أو لم يتوكَّلْ عليه، غيرَ أنَّ المتوكِّلَ عليه (^٢) يُكفِّرُ عنه سيئاتِه ويُعْظِمُ له أجرًا (^٣).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ بنحوِه (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ صلتٍ، عن قيسٍ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. قال: ليس بمتوكِّلٍ الذي قد قُضيت حاجتُه، وجعَل فضلَ مَن توكّل عليه على مَن لم يتوكَّلْ عليه (^٢)، أنْ يكفِّرَ عنه سيئاتِه ويُعْظِمَ له أجرًا (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه البيهقي في الشعب (١٢٨٦) من طريق أبي معاوية به\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٤ إلى ابن مردويه.","vol":"23","page":47},{"text":"[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ (^١)، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾: إن توكَّل عليه أو لم يتوكّلْ، غيرَ أن المتوكِّلَ يُعْظِمُ له أجرَه ويكفِّرُ عنه سيئاتِه] (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الشعبيِّ، قال: تَجالسَ شُتيرُ بنُ شَكَلٍ ومسروقٌ، فقال شُتيرٌ: إمَّا أنْ تحدِّثَ ما سمِعتَ من ابنِ مسعودٍ فأصدِّقَك، وإما أنْ أُحدِّثَ فتصدِّقَني. قال: فقال (^٣) مسروقٌ: لا، بل حدِّثْ وأصدِّقُك. فقال: سمعتُ ابنَ مسعودٍ يقولُ: إن أكبرَ آيةٍ في القرآنِ تفويضًا (^٤): ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. فقال مسروقٌ: صدَقتَ.\nوقولُه: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قد جعَل اللَّهُ لكلِّ شيءٍ مِن الطلاقِ والعِدَّةِ وغيرِ ذلك، حدًّا وأَجَلًا وقَدْرًا يُنتهَى إليه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾. قال: أجَلًا (^٥).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾. قال: مُنتهًى.\n_________\n(^١) في الأصل: \"ابن مهران\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م: \"تفوضًا\".\n(^٥) هو من تمام الأثر المتقدم تخريجه ص ٤٣، ٤٧.","vol":"23","page":48},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ مثلَه.\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾. قال: الحيضُ في الأجلِ [والعِدَّةِ] (^١).\n\n<span id=\"aya-5221\"></span><span data-type='title' id=toc-9043>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا </span>(٤)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: والنساءُ اللَّاتي قد ارْتَفَع طمَعُهنَّ مِن (^٢) المَحيضِ، فلا يَرْجون أنْ يحِضْنَ مِن نسائِكم إن ارْتبتم.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إن ارْتَبْتم بالدَّم الذي يظْهرُ منها لكِبَرِها؛ أمِن الحَيْضِ هو أم مِن الاسْتحاضَةِ، فعِدَّتُهنَّ ثلاثةُ أشهرٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾: إنْ لم تعلموا التي قَعَدتْ مِن (^٢) [المحيضِ و] (^٣) التي لم تَحِضْ، فعِدَّتُهنَّ ثلاثةُ أشهرٍ (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\nوالأثر ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ١٦١.\n(^٢) في م: \"عن\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحيضة أو\"، وفي م: \"الحيضة و\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦٦٣، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٤٣ - وعزاه السيوطي في =","vol":"23","page":49},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾. قال: في كِبَرِها أنْ يكونَ ذلك مِن الكِبَرِ، فإنها تَعْتَدُّ حِينَ ترتابُ ثلاثةَ أشهرٍ، فأمَّا إذا ارتفَعتْ حَيْضةُ المرأةِ وهي شابَّةٌ، فإنه يُتَأَنَّى بها حتى يُنظَرَ: أحاملٌ هي، أم غيرُ حاملٍ؟ فإن اسْتَبَان حَمْلُها، فأجَلُها أنْ تضَعَ حملَها، فإن لم يَسْتَبِنْ حملُها، فحتى يَسْتَبِينَ بها، وأَقْصَى ذلك سَنَةٌ (^١).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾. قال: إن ارْتبْتَ أنها لا تحيضُ وقد ارْتفَعَتْ حيضتُها، أو ارْتاب الرجلُ (^٢)، و(^٣) قالت هي: تَرَكَتْني الحيضةُ. فعِدَّتُهنَّ ثلاثةُ أشهرٍ إن ارتاب [فخاف أن تكون الحيضة قد انقطَعتْ] (^٤)، فلو كان الحملُ، انتظَر الحملَ حتى تَنقضِيَ تسعةُ أشهرٍ، فخاف وارتاب هو وهي أن تكون الحيضةُ قد انقطَعت، فلا ينبغي لمسلِمةٍ أنْ تُحْبسَ، فاعتدَّت ثلاثةَ أشهرٍ، وجعَله (^٥) اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أيضًا للتي لم تَحِضْ الصغيرةِ ثلاثةَ أشهرٍ (^٦).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سَلَمَةَ، قال: أخبَرنا\n_________\n= الدر المنثور ٦/ ٢٣٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩٨، وفي مصنفه (١١٠٩٧) عن معمر به نحوه.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الرجال\".\n(^٣) في م: \"أو\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في م: \"جعل\".\n(^٦) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ١٧٥ ـ","vol":"23","page":50},{"text":"أبو مُعَيْدٍ (^١)، قال: سُئل سليمانُ عن المرتابةِ، قال: هي المرأةُ (^٢) التي قد قَعَدت مِن الولدِ؛ تُطَلَّقُ، فتَحِيضُ حَيْضةً، فيأتي إبَّانُ (^٣) حيضتِها الثانيةِ، فلا تَحِيضُ. قال: تَعْتَدُّ حينَ ترتابُ ثلاثةَ أشهرٍ مُستَقبَلةً. [قال: فإن حاضتْ حَيضَتَين، ثم جاء إبَّانُ الثالثةِ فلم تَحِضْ، اعتدَّتْ حينَ ترتابُ ثلاثةَ أشهرٍ مستقبَلَةً] (^٤)، ولم تَعْتَدَّ (^٥) بما مضى.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إن ارْتَبْتُم بحُكْمِهنَّ، فلم تَدْروا ما الحكمُ في عِدَّتِهِنَّ، فإنَّ عِدَّتَهنَّ ثلاثةُ أشهرٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخبَرنا مُطَرِّفٌ، عن عمرِو بنِ سالمٍ، قال: قال أبيُّ بنُ كعبٍ: يا رسولَ اللَّهِ، إن عِدَدًا مِن عِدَدِ النساءِ لم تُذْكَرْ في الكتابِ؛ الصِّغارِ، والكِبارِ، وأُولاتِ الأحمالِ. فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) في النسخ: \"معبد\". وهو أبو مُعَيْد حفص بن غَيْلان الهَمْداني، وقيل: الرُّعَيْني الحِمْيَري. ينظر تهذيب الكمال ٧/ ٧٠.\n(^٢) في الأصل: \"امرأة\"، وفي م: \"المرتابة\".\n(^٣) إبَّانُ كلِّ شيءٍ، بالكسر والتشديد: وَقْتُه وحِينُه الذي يكون فيه. اللسان (أ ب ن).\n(^٤) سقط من: ت ١.\n(^٥) في م: \"يعتد\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٩٨ عن ابن إدريس به، وأخرجه إسحاق بن راهويه - كما في المطالب العالية (٤١٥٤) - وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ١٧٥ - والحاكم ٢/ ٤٩٢، ٤٩٣، والبيهقي ٧/ ٤١٤، من طريق مطرف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٤ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"23","page":51},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك: إن ارتَبتُم بما (^١) يظهَرُ منهنَّ مِن الدمِ، فلم تَدْروا أَدَمُ حيضٍ، أم دمُ اسْتِحاضةٍ (^٢)، مِن كِبَرٍ كان ذلك أو عِلَّةٍ؟\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، قال: إنَّ مِن الرِّيبةِ المرأةَ المستحاضةَ، و(^٣) التي لا يَستقيمُ لها الحيضُ، تحيضُ في الشهرِ مرارًا، وفي الأشهُرِ مرَّةً، فعِدَّتُها ثلاثةُ أشهرٍ (^٤). وهو قولُ قتادةَ (^٥).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ قولُ مَن قال: عَنَى بذلك: إن ارتَبتُم فلم تَدْروا ما الحكمُ فيهنَّ. وذلك أنَّ معنى ذلك لو كان كما قاله مَن قال: إن ارْتَبتم بدمائِهِنَّ فلم تَدْروا أدمُ حيضٍ أو استحاضةٍ. لقيل: إن ارْتبْتُنَّ (^٦)؛ لأنهنَّ إذا أشكَل الدمُ عليهنَّ، فهنَّ المرتاباتُ (^٧) بدماءِ أنفسِهنَّ لا غيرُهنَّ. وفي قولِه: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾، وخطابِه الرجالَ بذلك دونَ النساءِ، الدليلُ الواضحُ على صحةِ ما قلنا، مِن أنَّ معناه: إنِ ارْتبتم أنتم (^٨) أيُّها الرجالُ بالحُكمِ فيهنَّ. وأُخرى؛ وهو أنه جلَّ ثناؤه قال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾. واليائسةُ (^٩) مِن المحيضِ هي التي لا تَرْجو مَحِيضًا لكِبَرٍ (^١٠)، ومحالٌ أنْ يقالَ: واللَّائي يَئِسن. ثم\n_________\n(^١) في م: \"مما\".\n(^٢) في ص، م: \"مستحاضة\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١١٢٣) عن معمر عن قتادة به.\n(^٥) ينظر تفسير القرطبي ١٨/ ١٦٣.\n(^٦) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ارتبتم\".\n(^٧) في الأصل: \"المرتاب\".\n(^٨) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٩) في الأصل: \"الآيسة\".\n(^١٠) سقط من: الأصل، وفي م: \"للكبر\".","vol":"23","page":52},{"text":"يقالُ: إن ارْتَبْتُم بيأسِهنَّ (^١)؛ لأنَّ اليأسَ (^٢) هو انقطاعُ الرجاءِ، والمُرْتابُ بيأسِها مَرْجُوٌّ لها، وغيرُ جائزٍ ارتفاعُ الرجاءِ ووجودُه في وقتٍ واحدٍ [في شخصٍ واحدٍ] (^٣). فإذا كان الصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قلنا، فبيِّنٌ أنَّ تأويلَ الآيةِ: واللَّائي يئِسن مِن المحيضِ مِن نسائِكم، إنِ ارْتبتم بالحكمِ فيهنَّ وفي عِدَدِهنَّ، فلم تَدْروا ما هو (^٤)، فإن حُكْمَ عِدَدِهنَّ إِذا طُلِّقْن وهنَّ ممن قد دخَل بهنَّ أزواجُهنَّ، فعِدَّتُهنَّ ثلاثةُ أشهرٍ. ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾. يقولُ: وكذلك عِدَدُ اللَّائي لم يَحِضْن مِن الجواري لصِغَرِهِنَّ (^٥)، إذا طلَّقهنَّ (^٦) أزواجُهنَّ بعدَ الدخولِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدٌ، [قال: حدَّثنا أحمدُ] (^٧)، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. يقولُ: التي قد ارْتَفَع حيضُها، فعِدَّتُها ثلاثةُ أشهرٍ، ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾. قال: الجواري.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾: وهنَّ اللَّواتي قعَدْن مِن المحيضِ فلا يَحِضْن، ﴿وَاللَّائِي لَمْ\n_________\n(^١) في الأصل: \"بإياسهن\".\n(^٢) في الأصل: \"الإياس\".\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. وفي ص: \"في وقت واحد\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هن\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لصغر\".\n(^٦) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"طلقن\".\n(^٧) سقط من: م.","vol":"23","page":53},{"text":"يَحِضْنَ﴾: هنَّ الأبكارُ التي لم يَحِضْن، فعِدَّتُهنَّ ثلاثةُ أشهرٍ (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ الآية. قال: القواعدُ مِن النساءِ، ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾: لم يَبْلُغْن المحيضَ وقد مُسِسْن، عِدَّتُهنَّ ثلاثةُ أشهُرٍ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: والنساءُ الحوامِلُ إذا طُلِّقْنَ؛ أَجَلُهُنَّ في انقضاءِ عِدَدِهِنَّ] (^٣) أَنْ يَضَعْنَ حملَهنَّ. وذلك إجماعٌ مِن جميعِ أهلِ العلمِ في المطلَّقةِ الحاملِ، وأمَّا المُتَوَفَّى عنها ففيها اختلافٌ بينَ أهلِ العلمِ.\nوقد ذكَرْنا اختلافَهم فيما مضَى مِن كتابِنا هذا (^٤)، وسنذكرُ في هذا الموضعِ بعضَ ما لم نذْكُر هنالك.\nذكرُ مَن قال: حكمُ قولِه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، عامٌّ في المطلَّقاتِ والمتوفَّى عنهنَّ.\nحدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أَبانٍ المصريُّ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنى ابنُ شُبْرُمَةَ الكوفيُّ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ بنِ (^٥) قيسٍ، أنَّ ابنَ مسعودٍ قال: مَن شاء لَاعَنْتُه؛ ما نَزَلَتْ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في انقضاء عدتهن\".\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٤/ ٢٤٨ وما بعدها.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"عن\"، وفي ت ٢: \"قال عن\".","vol":"23","page":54},{"text":"يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ إلا بعدَ آيةِ المتوفَّى عنها زوجُها، وإذا وضَعَتِ المُتَوَفَّى عنها فقد حَلَّت. يريدُ بآيةِ المتوفَّى عنها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (^١) [البقرة: ٢٣٤].\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا مالكٌ - يعني ابنَ إسماعيلَ - عن ابنِ عُيَيْنَةَ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، عن أبي عطيةَ، قال: سمعتُ ابنَ مسعودٍ يقولُ: مَن شاء قاسَمْتُه؛ نَزَلَت سورةُ النساءِ القُصْرَى بعدَها. يعني: بعدَ: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (^٢) [البقرة: ٢٣٤].\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا أيوبُ، عن محمدٍ، قال: لقِيتُ أبا عطيةَ مالكَ بنَ عامرٍ فسألْتُه عن ذلك. يعني عن المُتَوَفَّى عنها زوجُها إذا وَضَعتْ قبلَ الأربعةِ الأشهرِ [والعَشْرِ] (^٣)، فأخَذ يُحدِّثني بحديثِ سُبَيْعةَ، قلتُ: لا، هل سمعتَ مِن عبدِ اللَّهِ في ذلك شيئا؟ قال: نعم، ذكرتُ ذاتَ يومٍ - أو ذاتَ ليلةٍ - عندَ عبدِ اللَّهِ، فقال: أرأيتَ إِنْ مَضَتِ الأربعةُ الأشهرُ والعشرُ ولم تَضَعْ، لقد (^٤) حَلَّت (^٥)؟ قالوا: لا. قال: فتَجْعلون (^٦) عليها التَّغْليظَ، ولا تَجْعلون لها الرَّخْصةَ! فواللَّهِ لَأُنْزِلَتِ النساءُ القُصْرى بعدَ الطُّولى (^٧).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٧٧ عن المصنف، وأخرجه النسائي في الكبرى (٥٧١٦)، والطبراني (٩٦٤٢)، والبيهقي في ٧/ ٤٣٠ من طريق سعيد بن أبي مريم به، وليس عند الطبراني قوله: \"وإذا وضعت المتوفى عنها فقد حلت\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٧١٥)، ومن طريقه الطبراني (٩٦٤٦) من طريق ابن سيرين به.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لقد\".\n(^٥) في م: \"أحلت\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أفتجعلون\".\n(^٧) أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ ٢/ ٦١٨، ٦١٩، والطبراني (٩٦٤٨)، والبيهقي ٧/ ٤٣٠ من =","vol":"23","page":55},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن ابنِ عونٍ، قال: قال الشَّعْبِيُّ: مَن شاء حالفْتُه (^١)، لَأُنزِلَتِ النساءُ القُصْرى بعدَ الأربعةِ الأشهرِ والعشرِ، التي في سورةِ البقرةِ.\nحدَّثني أحمدُ بنُ مَنيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن الشَّعْبيِّ، قال: ذُكِر [عندَ ابنِ] (^٢) مسعودٍ آخرُ الأجَلَيْن، فقال: مَن شاء قاسَمْتُه باللَّهِ أنَّ هذه الآية التي أُنزِلت في النساءِ القُصْرى نزَلت بعدَ الأربعةِ الأشهرِ. ثم قال: أجلُ الحاملِ أنْ تضعَ ما في بطنِها (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، قال: قلتُ للشعبيِّ: ما أُصدِّقُ أنَّ عليًّا ﵁ كان يقولُ: آخرُ الأجلَيْن أنْ لا تتزوَّجَ المتوفَّى عنها زوجُها حتى يَمْضِيَ آخرُ الأجلين. قال الشعبيُّ: بلى فصَدِّقْ أشدَّ ما صَدَّقْتَ بشيءٍ قَطُّ. وقال عليٌّ ﵁: إنما قولُه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾؛ المطلَّقاتُ. ثم قال: إنَّ عليًّا وعبدَ اللَّهِ كانا يقولان في الطلاقِ بحُلولِ أجلِها إذا وَضَعَتْ حملَها (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا موسى بنُ داودَ، عن ابنِ لهيعةَ، عن عمرِو بنِ شُعيبٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ:\n_________\n= طريق أيوب به، وأخرجه البخاري (٤٥٣٢)، والنسائي (٣٥٢١) من طريق ابن عون عن ابن سيرين به.\n(^١) في الأصل: \"خالفته\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبد الله بن\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٧٧ عن المصنف، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٥١٣، ١٥١٥) من طريق إسماعيل بن أبي خالد به، والطبراني (٩٦٤٥) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٥١٧) من طريق مغيرة به مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٧ إلى ابن المنذر.","vol":"23","page":56},{"text":"﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، المتوفَّى عنها زوجُها والمطلَّقةُ؟ قال: \"نعم\" (^١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، عن ابنِ عيينةَ، عن عبدِ الكريمِ بِن أبي المُخارِقِ، يُحَدِّثُ عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: سألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ عن: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال: \"أجلُ كلِّ حاملٍ أنْ تَضَعَ ما في بطنِها\" (^٢).\nحدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال: للمرأةِ الحُبْلى التي طَلَّقَها (^٣) زوجُها وهي حاملٌ، فعِدَّتُها أنْ تضعَ حملَها.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: فإذا وضَعت ما في رحِمها فقد انقضَت عِدتُها، ليس المحيضُ مِن أمرِها في شيءٍ إذا كانت حاملًا (^٤).\nوقال آخرون: ذلك خاصٌّ في المطلَّقاتِ، وأما المتوفَّى عنها فإنَّ عِدتَها آخرُ الأجلَين. وذلك قولٌ مَرْويٌّ عن عليٍّ وابنِ عباسٍ ﵄.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ١٧٨ - من طريق ابن لهيعة به. وأخرجه أحمد ٥/ ١١٦ (الميمنية)، والدارقطني ٤/ ٣٩ من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن أبي بن كعب مرفوعًا نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٥ إلى ابن مردويه.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٧٨ عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٧١٧) من طريق عبد الكريم بن أبي المخارق به نحوه.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يطلقها\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":57},{"text":"وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك عنهما فيما مضَى قبلُ (^١).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندنا: أنه عامٌّ في المطلَّقاتِ والمتوفَّى عنهن؛ لأنَّ اللَّهَ - جلَّ وعزَّ - عمَّ القولَ بذلك، فقال: ﴿وَأَوَلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ﴾. ولم يَخْصُصْ بذلك الخبرَ عن مطلَّقةٍ دونَ متوفًّى عنها، بل عَمَّ الخبرَ به عن جميعِ أولاتِ الأحمالِ. فإِنْ ظَنَّ ظانٌّ أنَّ قولَه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ في سياقِ الخبرِ عن أحكامِ المطلَّقاتِ دونَ المتوفَّى عنهن؛ فهو بالخبرِ عن حكمِ المطلَّقةِ أولى [من الخبرِ] (^٢) عنهن، وعن المتوفَّى عنهن - فإن الأمرَ بخلافِ ما ظنَّ؛ وذلك أنَّ ذلك وإن كان في سياقِ الخبرِ عن أحكامِ المطلَّقاتِ، فإنه منقطعٌ عن الخبرِ عن أحكامِ المطلَّقاتِ، بل هو خبرٌ مُبْتدَأٌ عن أحكامِ عِدَدِ جميعِ أولاتِ الأحمالِ المطلَّقاتِ منهن وغيرِ المطلَّقاتِ، ولا دَلالةَ على أنه مرادٌ به بعضُ الحواملِ دونَ بعضٍ، من خبرٍ ولا عقلٍ، فهو على عمومِه لما بيَّنا.\nوقولُه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ومَن يَخَفِ اللَّهَ فرهِبه؛ فاجتنب معاصِيَه، وأدَّى فرائضَه، ولم يُخالِفْ إذنَه في طلاقِ امرأتِه - فإنه يجعلُ اللَّهُ له مِن طلاقِه ذلك يُسرًا؛ وهو أن يُسهِّلَ عليه إن أراد الرخصةَ، لاتِّباعِ نفسِه إيَّاها - الرَّجعةَ، ما دامت في عِدتِها، وإن انْقَضَتْ عِدتُها ثم دعَتْه نفسُه إليها قَدَر على خِطْبتها.\n\n<span id=\"aya-5222\"></span><span data-type='title' id=toc-9044>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ</span>\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٥٤ - ٥٦، والروايات التي ذكرها المصنف فيها قول علي وابن مسعود، ولم يذكر رواية لابن عباس، وقول ابن عباس أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٥١٨)، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٩٦ من طريق سليمان بن يسار، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بالخبر\".","vol":"23","page":58},{"text":"عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي بيَّنتُ لكم مِن حكمِ الطلاقِ والرَّجعةِ والعِدةِ، أمرُ اللَّهِ الذي أمَركم به، أنزَله إليكم أيها الناسُ، لِتَأْتَمِروا له وتَعْمَلوا به.\nوقولُه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يَخَفِ اللَّهَ فيَتَّقِه؛ باجتنابِ معاصِيه، وأداءِ فرائضِه، يَمْحُ اللَّهُ عنه ذنوبَه وسيئاتِ أعمالِه. ﴿وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾. يقولُ: ويُجْزِلْ له الثوابَ على عملِه ذلك وتقواه، ومِن إعظامِه (^١) له الأجرَ عليه؛ أنْ يُدْخِلَه جنتَه فيُخَلِّدَه فيها.\n\n<span id=\"aya-5223\"></span><span data-type='title' id=toc-9045>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أَسكِنوا مُطلَّقاتِ نسائكم مِن الموضعِ الذي سكَنتم ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾: يقولُ: مِن سَعَتِكم التي تَجِدون. وإنما أمَر الرجالَ أن يُعطوهن مَسكنًا يَسْكُنَّه مما يَجِدونه، حتى يَقْضِين عِدَدَهن.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) في الأصل: \"إعطائه\".","vol":"23","page":59},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾. يقولُ: من سَعَتِكم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾. قال: مِن سَعَتِكم (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾: فإن لم تَجِدْ إلا ناحيةَ بيتِك، فأَسْكِنْها فيه (^٣).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾. قال: المرأةُ يُطَلِّقُها، فعليه أنْ يُسْكِنَها، ويُنفِقَ عليها.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وسألْتُه عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾. قال: مِن مَقْدِرتِك حيثُ تَقْدِرُ، فإن كنتَ لا تجِدُ شيئًا وكنتَ في مَسْكَنٍ ليس لك، فجاء أمرٌ أَخْرَجك مِن المسكَنِ، وليس لك مسكنٌ تسكُنُ فيه، وليس تَجِدُ، فذاك، وإذا كان له (^٤) قوَّةٌ على الكِراءِ فذاك وُجْدُه، لا يُخْرِجُها مِن منزلِها، وإذا لم يَجِدْ وقال\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٧ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٦٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١٠٢٦) عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"به\".","vol":"23","page":60},{"text":"صاحبُ المسكنِ: لا أَتْرُكُ (^١) هذه في بيتي. فلا، وإذا كان يَجِدُ، كان ذلك عليه (^٢).\nوقولُه: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تُضارُّوهنَّ في المسكنِ الذي تُسْكِنونهنَّ فيه، وأنتم تَجِدون سَعَةً مِن المنازلِ؛ تَطْلُبون (^٣) التضييقَ عليهنَّ. فذلك قولُه: ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. يعني: لتُضيِّقوا عليهنَّ في المسكنِ مع وجودِكم السَّعَةَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. قال: في المَسْكَنِ (^٤).\nحدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾. قال: مِن مِلْكِكم؛ مِن مَقْدِرَتِكم. وفي قولِه: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. قال: لتُضيِّقوا عليهنَّ مساكنَهنَّ حتى يَخْرُجْن.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"أنزل\".\n(^٢) ينظر التبيان ١٠/ ٣٦.\n(^٣) في ص، ت ٢، ت ٣: \"أن تطلبون\"، وفي م، ت ١: \"أن تطلبوا\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦٦٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":61},{"text":"عَلَيْهِنَّ﴾. قال: ليس يَنْبَغي له أن يُضارَّها، [ويُضيِّقَ عليها] (^١) مكانَها، ﴿حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: هذا لمن يَملِكُ الرَّجعةَ، ولمن لا يَمْلِكُ الرَّجعةَ.\nوقولُه: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن كان نساؤُكم المطلقاتُ أولاتِ حملٍ، وكُنَّ بائِناتٍ منكم، فأَنْفِقوا عليهنَّ في عِدَّتِهنَّ منكم حتى يَضَعْن حملَهنَّ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: فهذه المرأةُ يُطلِّقُها زوجُها، فيَبُتُّ طلاقَها وهي حاملٌ، فأمَره اللَّهُ أَنْ يُسكِنَها ويُنفِقَ عليها حتى تضَعَ، وإِنْ أَرْضَعَت فحتى تَفطِمَ، وإن بان طلاقُها وليس بها حَمْلٌ (^٢)، فلها السُّكْنَى حتى تنقضِيَ عِدَّتُها، ولا نفقةَ لها (^٣)، وكذلك المرأةُ يموتُ عنها زوجُها؛ فإن كانت حاملًا أُنفِق عليها مِن نصيبِ ذي بطنِها إذا كان لها ميراثٌ (^٤)، وإن لم يكن ميراثٌ أنْفَق عليها الوارِثُ حتى تَضَعَ وتَفْطِمَ ولدَها، كما قال اللَّهُ ﷿: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فإن لم تكنْ حاملًا [كانتْ نَفقتُها] (^٥) مِن مالِها.\n_________\n(^١) في الأصل: \"فيضيق\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حبل\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في الأصل: \"تراث\".\n(^٥) في م: \"فإن نفقتها كانت\".","vol":"23","page":62},{"text":"حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال: يُنْفَقُ على الحُبْلَى إذا كانت حاملًا تضَعَ حملَها.\nوقال آخرون: عُنِي بقولِه: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ كلُّ مطلَّقَةٍ، مَلَك زوجُها رَجْعَتها أو لم يَمْلِكْ.\nوممَن قال ذلك: عمرُ بنُ الخطابِ، وعبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ - رَحِمهما اللَّهُ -.\nذكرُ الروايةِ عنهما بذلك\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: كان عمرُ وعبدُ اللَّهِ يجعلان للمطلَّقةِ ثلاثًا السُّكْنَى والنفقةَ (^١)، وكان عمرُ إذا ذُكر عندَه حديثُ فاطمةَ بنتِ قيسٍ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ أمَرها أنْ تَعْتَدَّ في غيرِ بيتِ زوجِها، قال: ما كنا لنُجِيزَ في دينِنا شهادةَ امرأةٍ (^٢).\nحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ إبراهيمَ، عن عيسى بن قِرطاسٍ، قال: سمعتُ عليَّ بنَ الحسينِ يقولُ في المطلَّقةِ ثلاثًا: لها السكنى، والنفقةُ، والمتعةُ، فإن خَرَجتْ مِن بيتِها، فلا سكنى لها (^٣)، ولا نفقةَ، ولا متعةَ.\nحدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا ابنُ فضيلٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: [إذا طَلَّق الرجلُ امرأتَه] (^٤) ثلاثًا [فإنَّ لها] (^٥) السُّكْنَى\n_________\n(^١) بعده في م: \"والمتعة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٤٦، ١٤٧ عن أبي معاوية به مختصرًا؛ دون قوله: \"وكان عمر إذا ذكر. . . إلخ\"، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٣٦١) من طريق الأعمش به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"للمطلقة\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"23","page":63},{"text":"والنفقةَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، قال: إذا طلَّق الرجلُ ثلاثًا (^٢) فإنَّ لها السُّكْنَى والنفقةَ (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن لا نفقةَ للمَبْتوتَةِ، إلا أن تكونَ حاملًا؛ لأنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه جعَل النفقةَ بقولِه: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. للحواملِ دونَ غيرِهنَّ مِن البائناتِ مِن أزواجِهنَّ، ولو كان البوائنُ مِن الحواملِ وغيرِ الحواملِ في الواجبِ لهنَّ مِن النفقةِ على أزواجِهنَّ سواءٌ، لم يكنْ لخصوصِ أولاتِ الأحمالِ بالذكرِ في هذا الموضعِ وجهٌ مفهومٌ؛ إذ هنَّ وغيرُهنَّ في ذلك سواءٌ، وفي خُصوصِهنَّ بالذِّكرِ دونَ غيرِهنَّ أدلُّ الدليلِ على أن لا نفقةَ لبائنٍ إلا أن تكونَ حاملًا.\nوبالذي قلنا في ذلك صحَّ الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا بشرُ بنُ بكرٍ، عن الأوزاعيِّ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي كَثيرٍ، قال: ثنى أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثَتْني فاطمةُ بنتُ قيسٍ، أختُ الضحاكِ بنِ قيسٍ، أنَّ أبا عمرٍو المخزوميَّ، طلَّقها ثلاثًا، فأمَر لها بنفقةٍ، فاسْتَقَلَّتْها، وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ بعَثه نحوَ اليمنِ، فانطلَق خالدُ بنُ الوليدِ في نفرٍ مِن بني مخزومٍ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ وهو عندَ ميمونةَ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ: إنَّ أبا عمرٍو طلَّق فاطمةَ ثلاثًا، فهل لها مِن نفقةٍ؟ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ليستْ (^٤) لها نفقةٌ\". فأرسَل إليها رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٤٧ عن ابن فضيل به.\n(^٢) في الأصل، ت ١: \"امرأته\"، وسقط من: ص، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٤٨ عن شعبة به.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ليس\".","vol":"23","page":64},{"text":"انْتَقِلي إلى (^١) أُمِّ شَريكٍ\". وأرْسَل إليها: \"أن لا تَسْبقِيني بنفسِك\". ثم أرسل إليها: \"إِنَّ أمَّ شريكٍ يأتيها المهاجرون الأوَّلون، فانْتَقِلي إلى ابنِ أمِّ مكتومٍ، فإنكِ إذا وضَعْتِ خِمارَك لم يَرَكِ\". فزوَّجها رسولُ اللَّهِ ﷺ أُسامةَ بنَ زيدٍ (^٢).\nوقولُه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فإن أَرضَع لكم نساؤُكم البوائنُ منكم أولادَهنَّ الأطفالَ منكم بأُجْرةٍ، فآتوهنَّ أُجورَهُنَّ على رَضاعِهنَّ إِيَّاهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ (^٣)، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحّاكِ أنه قال في الرَّضاعِ: إذا قام على شيءٍ فأُمُّ الصبيِّ أحقُّ به، فإن شاءتْ أَرْضَعَتْه، وإن شاءت تَرَكتْه، إلا أنْ لا يَقْبَلَ مِن غيرِها، فإذا كان كذلك أُجْبِرَتْ على رَضاعِه (^٤).\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بيت\".\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٢٨٦)، والنسائي (٣٤٠٥)، وفي الكبرى (٥٥٩٨) من طريق الأوزاعي به، وأخرجه مسلم (١٤٨٠/ ٣٨)، وأبو داود (٢٢٨٥)، والطبراني ٤/ ٣٧٠، ٣٧١ (٩٢٠) من طريق يحيى بن أبي كثير به، وأخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٨٠، ٥٨١، والشافعي ٢/ ١٠٢ (١٧٦)، وأبو داود (٢٢٨٤)، والنسائي (٣٥٤٨)، وابن الأثير في أسد الغابة ٦/ ٢٢٧ من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٠، ٢٣١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في الأصل: \"هشام\".\n(^٤) في الأصل: \"رضاعته\".\nوالأثر ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ١٦٩، والشوكاني في فتح القدير ٥/ ٢٤٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٧ إلى عبد بن حميد، بلفظ: \"إذا قام الرضاع على شيءٍ خُيِّرت الأم\".","vol":"23","page":65},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: هي أحقُّ بولدِها، أنْ تأخذَه بما كنتَ مُسْتَرْضِعًا به غيرَها (^١).\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. قال: ما تراضَوا عليه؛ على المُوسِعِ قَدَرُه، وعلى المُقْتِرِ قَدَرُه.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في الصبيِّ: إذا قام على ثمنٍ، فأمُّه أحقُّ أنْ تُرْضِعَه، فإن لم يُوجَدْ (^٢) له مَن يُرْضِعُه، أُجْبِرتِ الأمُّ على الرَّضاعِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. قال: إن أرضَعتُ لك بأجرٍ فهي أحقُّ مِن غيرِها، وإن هي أبَت أن تُرضِعَه ولم تُواتِك فيما بينَك وبينَها؛ عاسَرَتْكَ في الأجرِ، فاسترضِعْ له أُخرى (^٣).\nوقولُه: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وليقبَلْ بعضُكم أيُّها الناسُ مِن بعضٍ، ما [أمَر به بعضُكم] (^٤) بعضًا مِن معروفٍ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"يجد\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢١٨٩) عن سفيان به مختصرا بلفظ: \"إذا قام أجره فأمه أحق به\".\n(^٤) في الأصل: \"أمر به بعضهم\"، وفي ص، م، ت ١: \"أمركم بعضكم به\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"أمركم به\".","vol":"23","page":66},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾. قال: اصنَعوا (^١) المعروفَ فيما بينَكم.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾: حثَّ بعضَكم (^٢) على بعضٍ.\nوقولُه: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾. يقولُ: وإن تَعاسَرَ الرجلُ والمرأةُ في رَضاعِ ولدِها منه، فامتنَعَتْ مِن رَضاعِه، فلا سبيلَ له عليها، وليس له إكراهُها على رَضاعِه (^٣)، ولكنَّه يستأجِرُ للصبيِّ مُرْضِعةً غيرَ أُمِّه البائنةِ منه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾. قال: إِن أَبَتِ الأمُّ أَنْ تُرْضِعَ ولدَها - إذا طلَّقها زوجُها (^٤)؛ أبوه - الْتَمسَ له (^٥) مُرْضِعةً أُخرى، والأمُّ أحقُّ إذا رَضِيت مِن\n_________\n(^١) في الأصل: \"تصنعوا\".\n(^٢) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"بعضهم\".\n(^٣) في م: \"إرضاعه\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣.\n(^٥) في الأصل: \"لها\".","vol":"23","page":67},{"text":"أجرِ الرضاعِ بما تَرْضَى به غيرُها، فلا ينبغي له أن يُنْزَعَ منها.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: إن هي أبَت أنْ تُرْضِعَه، ولم تُواتِك فيما بينَك وبينَها؛ عاسَرَتْك في الأجرِ، فاسْتَرْضِعْ له أُخرى (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زَيدٍ في قولِ اللَّهِ ﵎: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾، ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾. قال: فرَض لها مِن قَدْرِ ما يَجِدُ، فقالت: لا أَرْضى هذا - قال: وهذا بعدَ الفِراقِ، فأما وهي زوجتُه فهي (^٢) تُرْضِعُ له (^٣) طائِعةً ومُكْرَهةً، إن شاءتْ وإنْ أبَتْ - فقال لها: ليس لي زيادةٌ على هذا، إن أحبَبْتِ أنْ تُرْضِعي بهذا فأَرْضِعي، وإن كرِهتِ استَرْضعتُ ولدي. فهذا قولُه: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾.\n\n<span id=\"aya-5224\"></span>وقولُه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ليُنفِقِ الذي بانَتْ منه امرأتُه، إذا كان ذا سَعةٍ من المالِ وغِنًى، مِن سَعةِ مالِه وغناه، على امرأتِه البائنةِ، في أجرِ رَضاعِ ولدِه منها، وعلى ولدِه الصغير، ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾. يقولُ: ومن ضُيِّق عليه رزْقُه، فلم يُوسَّعْ عليه، فليُنفِقْ مما أعطاه اللَّهُ، على قدرِ مالِه وما أُعطِي منه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تقدم في ص ٦٦.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فإنها\".\n(^٣) في م: \"لها\".","vol":"23","page":68},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾. قال: من سَعَةِ مَوْجِدَتِهِ (^١)، ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾. قال: من قُتِر عليه رزْقُه.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾. يقولُ: مِن طاقتِه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾. قال: فرَض لها مِن قدْرِ ما يجدُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: حدثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾. قال: على المطلَّقةِ إِذا أَرْضَعت له (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن أبي سنانٍ، قال: سأل عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ عن أبي عُبيدةَ، فقيل له: إنه يَلْبَسُ الغليظَ مِن الثيابِ، ويأكلُ أخشنَ الطعامِ. فبعث إليه بألفِ دينارٍ، وقال للرسولِ: انظُرْ ما يصنعُ إذا هو أخَذها. فما لبِث أنْ لبِس ألْيَنَ الثيابِ، وأكَل أطْيَبَ الطعامِ، فجاء الرسولُ فأخبَره. فقال: ﵀، تَأَوَّلَ هذه الآيةَ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"موجده\". وفي م، ت ٢، ت ٣: \"موجدة\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٦٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":69},{"text":"رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (^١).\nوقولُه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا ءَاتَاهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا يُكلِّفُ اللهُ أحدًا من النفقةِ على مَن تلزمُه نفقتُه بالقرابةِ والرحمِ إلا (^٢) ما أعطاه؛ إن كان ذا سَعَةٍ فمن سَعَتِه، وإن كان مقدورًا عليه رزْقُه [فمما رزَقه اللهُ] (^٣)، على قدرِ طاقتِه، لا يكلِّفُ اللهُ (^٤) الفقيرَ نفقةَ الغنيِّ، ولا أحدًا (^٥) مِن خلْقِه إلا فَرْضَه الذي أوْجَبَه عليه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ في قولِه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. قال: يقولُ: لا يُكَلِّفُ الفقيرَ مثلَ ما يكلِّفُ الغنيَّ.\nحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الزهريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن هُشيمٍ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. قال: إلا ما افْتَرَض عليها.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. يقولُ: إلا ما أطاقَتْ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٧٩ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٧ إلى المصنف.\n(^٢) في م: \"لا\".\n(^٣) في الأصل: \"فيما رزقه\".\n(^٤) ليس في: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في م: \"أحد\".","vol":"23","page":70},{"text":"يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. قال: لا يُكلِّفُه اللَّهُ أنْ يَتَصَدَّقَ [وليس عندَه ما يَتصدَّقُ به، ولا يُكلِّفُه اللَّهُ أنْ يُزَكِّيَ] (^١) وليس عندَه ما يُزَكِّي.\n\n<span id=\"aya-5225\"></span><span data-type='title' id=toc-9046>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: سيجعَلُ اللَّهُ للمُقِلِّ مِن المالِ، المقدورِ عليه رزقُه، ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾. يقولُ: مِن بعدِ شدّةٍ رَخاءٌ، ومن بعدِ ضِيقٍ سَعَةً، ومِن بعدِ فقرٍ غنًى.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾: بعدَ الشدَّةِ الرخاءَ.\nوقولُه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكم (^٢) مِن أهلِ قريةٍ طَغَوا عن أمرِ ربِّهم وخالفوه، وعن أمرِ رسلِ ربِّهم، فتَمادَوا في طُغْيانِهم وعُتُوِّهم، ولَجُّوا في كفرِهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كأين\".","vol":"23","page":71},{"text":"السُّديِّ في قولِه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾. قال: غَيَّرتْ وعَصَتْ.\nحدَّثني يونسُ، قال أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾. قال: العُتوُّ ههنا الكفرُ والمعصيةُ؛ عَتَوْا: [كفَروا. ترَكَتْ] (^١) أمرَ ربِّها: [عَتَتْ عنه] (^٢) ولم تَقْبَلْه.\nوقيل: إنهم كانوا قومًا خالفوا أمرَ ربِّهم في الطلاقِ، فَتَوَعَّد اللهُ بالخبرِ عنهم هذه الأمةَ، أن يفعَلَ بهم فِعْلَه بهم إن خالفوا أمرَه في ذلك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني ابنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سَلَمَةَ، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ سليمانَ يقولُ في قولِه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾. قال: قريةٍ عُذِّبت في الطلاقِ.\nوقولُه: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾. يقولُ: فحاسَبْناها على نعمتِنا عندَها وقِلَّةِ (^٣) شكرِها ﴿حِسَابًا شَدِيدًا﴾. يقولُ: حسابًا استقْصَيْنا فيه عليهم، لم يُعْفَ لهم فيه عن شيءٍ، ولم يُتَجَاوَزْ فيه عنهم.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾. قال: لم يُعْفَ (^٤) عنها، الحسابُ الشديدُ: الذي ليس\n_________\n(^١) في م: \"كفرًا وعتت عن\".\n(^٢) في م: \"تركته\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣.\n(^٤) في م: \"نعف\".","vol":"23","page":72},{"text":"فيه مِن (^١) العفوِ شيءٌ.\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾. يقولُ: لم تُرْحَمْ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾. يقولُ: وعذَّبْناها عذابًا عظيمًا مُنكَرًا. وذلك عذابُ جهنمَ.\n\n<span id=\"aya-5226\"></span>وقولُه: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فذاقَتْ هذه القريةُ التي عَتَتْ عن أمرِ ربِّها ورسلِه، عاقبةَ ما عَمِلت وأتَت مِن معاصي اللهِ والكفرِ به.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾. قال: عقوبةَ (^٣) أمرِها.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾. قال: ذاقَت عاقبةَ ما عَمِلت مِن الشرِّ، الوبالُ العاقبةُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".\n(^٢) غير منقوطة في: ص، وفي م، ت ١: \"نرحم\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"يرحم\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٧ إلى المصنف.\n(^٣) جاءت هذه الكلمة في الأصل ناقصة الحرفين المتوسطين \"قو\".","vol":"23","page":73},{"text":"أَمْرِهَا﴾. يقولُ: عاقبةَ أمرِها (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجِيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾. قال: جزاءَ أمرِها (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾. يعني بوبالِ أمرِها جزاءَ أمرِها الذي قد حلَّ.\nوقولُه: ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكان الذي أَعْقَب أمرَهم، وذلك كفرُهم باللهِ وعصيانُهم إيَّاه، ﴿خُسْرًا﴾. يعني: غَبْنًا. لأنَّهم باعوا نعيمَ الآخرةِ بخسيسٍ مِن الدنيا قليلٍ، وآثروا اتِّباعَ أهوائِهم، على اتِّباعِ أمرِ اللَّهِ ﷿.\n\n<span id=\"aya-5227\"></span><span data-type='title' id=toc-9047>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أعدَّ اللَّهُ لهؤلاءِ القومِ الذين عَتَوا عن أمرِ ربِّهم ورسلِه عذابًا شديدًا. وذلك عذابُ النارِ الذي أعدَّه لهم (^٣) في القيامةِ، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٦٣، ومن طريقه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٤٤ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٨ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في الأصل: \"الله\".","vol":"23","page":74},{"text":"الْأَلْبَابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فخافوا اللهَ واحْذَروا سَخَطَه، بأداءِ فرائضِه واجتنابِ معاصِيهِ، يا أُولي العقولِ.\nكما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ في قولِه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. قال: يا أُولي العقولِ.\nوقولُه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه (^١).\nوقولُه: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالذكرِ والرسولِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: الذكرُ (^٢) القرآنُ، والرسولُ محمدٌ ﷺ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾. قال: الذكرُ القرآنُ، والرسولُ محمدٌ ﷺ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾. قال: القرآنُ روحٌ (^٤) مِن اللهِ. وقرَأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ [الشورى: ٥٢]، وقرَأ: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾. قال: القرآنُ. وقرَأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"رسله\".\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هو\".\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ٣٩ مقتصرا على شطره الأول.\n(^٤) في الأصل: \"وحي\".","vol":"23","page":75},{"text":"جَاءَهُمْ﴾ [فصلت: ٤١]. قال: بالقرآنِ. وقرَأ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]. قال: القرآنُ. قال: وهو الذكرُ، وهو الروحُ (^١).\nوقال آخرون: الذكرُ هو الرسولُ ﷺ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا، أنَّ الرسولَ ترجمةٌ عن الذكرِ، ولذلك (^٢) نُصِب؛ لأنَّه مردودٌ عليه على البيانِ عنه والترجمةِ.\nفتأويلُ الكلامِ إذن: قد أنزَل اللهُ إليكم، يا أولي الألبابِ، ذِكرًا مِن اللهِ لكم يُذكِّرُكم به، ويُنبِّهُكم على حظِّكم مِن الإيمانِ باللهِ، والعملِ بطاعتِه؛ رسولًا يتلو عليكم آياتِ اللَّهِ التي أنزَلها عليه مُبيِّناتٍ (^٣) لمن سمِعها وتَدَبَّرها، أنَّها مِن عندِ اللهِ.\n\n<span id=\"aya-5228\"></span><span data-type='title' id=toc-9048>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قد أنزَل اللهُ إليكم، أيُّها الناسُ، ذِكرًا؛ رسولًا، يتلو عليكم آياتِ اللهِ مبيناتٍ، كي يُخرِجَ الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: وعمِلوا بما أمَرهم اللهُ به وأطاعوه، ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. يعني مِن الكفرِ، وهي الظلماتُ، إلى النورِ. يعني إلى الإيمانِ.\nوقولُه: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومن يُصدِّقْ\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ٣٩ مختصرًا.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذلك\".\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقول\". وبعده في م: \"تقول\".","vol":"23","page":76},{"text":"باللهِ ويعمَلْ بطاعتِه، ﴿يُدْخِلْهُ (^١) جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ: يُدْخِلْه (^١) بساتينَ تجري مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. يقولُ: ماكِثين مقيمين في البساتينِ التي تجري من تحتِها الأنهارُ أبدًا، لا يموتون، ولا يَخْرُجون منها أبدًا.\nوقولُه: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وَسَّع اللهُ عليه (^٢) في الجناتِ رِزْقًا. يعني بالرِّزْقِ: ما رزَقه فيها مِن المَطاعمِ والمَشاربِ، وسائرِ ما أعدَّ لأوليائِه فيها، فطَيَّبَه لهم.\n\n<span id=\"aya-5229\"></span><span data-type='title' id=toc-9049>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: اللَّهُ الذي خلَق سبعَ سماواتٍ، لا ما يَعْبُدُ المشركون مِن الآلهةِ والأوثانِ التي لا تقدِرُ على خَلْقِ شيءٍ.\nوقولُه: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وخلَق مِن الأرضِ [سبعًا مثلَ السماواتِ السبعِ. وقد قِيل: إنَّما قِيل: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ] (^٣) مِثْلَهُنَّ﴾؛ لما في كلِّ واحدةٍ منهنَّ مثلَ ما في السماواتِ مِن الخلْقِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عمرُو بنُ عليٍّ ومحمدُ بنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا\n_________\n(^١) في الأصل: \"ندخله\". وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر. ينظر النشر ٢/ ١٨٦، والإتحاف ص ٢٥٨.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"له\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"23","page":77},{"text":"شُعْبَةُ، عن عمرِو بنِ مرَّةَ، عن أبي الضُّحَى، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. قال عمرٌو: قال: في كلِّ أرضٍ مثلُ إبراهيمَ، ونحوُ ما على الأرضِ من الخلْقِ. وقال ابنُ المثنى [في حديثِه] (^١): في كلِّ سماءٍ إبراهيمُ (^٢).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. قال: لو حدَّثْتُكم بتفسيرِها لكَفَرْتم، وكفرُكم تكذيبُكم بها (^٣).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللهِ، قال: خلقَ اللهُ سبعَ سماواتٍ غِلَظُ كلِّ واحدةٍ مسيرةُ خَمْسِمائةِ عامٍ، وبينَ كلِّ واحدةٍ منهنَّ خمسُمائةِ عامٍ، وفوقَ السبعِ السماواتِ الماءُ، واللهُ جلَّ ثناؤُه فوقَ الماءِ، لا يَخْفى عليه شيءٌ مِن أعمالِ بني آدمَ. والأرضُ سَبعٌ، بينَ كلِّ أرضٍ (^٤) خَمسُمائةِ عامٍ، وغِلَظُ كلِّ أرضِ خَمسُمائةِ عامٍ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ سعدٍ القُمِّيُّ الأشْعَريُّ، عن جعفرِ بنِ أبي (^٦) المُغيرةِ الخُزاعيِّ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: قال رجلٌ لابنِ عباسٍ:\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٨٣ عن المصنف، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٩٣، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٣٢) من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٨٣ عن المصنف، وأخرجه ابن الضريس في الفضائل (٣) من طريق وكيع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في م: \"أرضين\".\n(^٥) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص ٢١، وابن خزيمة في التوحيد ص ٧٠، والطبراني (٨٩٨٧)، وأبو الشيخ في العظمة (٥٦٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٥١) من طريق عاصم به.\n(^٦) سقط من: الأصل. وتنظر ترجمة جعفر في تهذيب الكمال ٥/ ١١٢.","vol":"23","page":78},{"text":"﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ الآية؟ فقال ابنُ عباسٍ: ما يُؤْمِنُك أنْ أُخْبِرَك بها (^١) فتَكْفُرَ (^٢)!\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ (^٣)، عن عَنْبَسَةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: هذه الأرضُ إلى تلك الأرضِ (^٤) مِثلُ الفُسْطاطِ ضَرَبْتَه بأرضِ (^٥) فَلاةٍ، وهذه السماءُ إلى تلك السماءِ، مثلُ حَلْقةٍ رَمَيْتَ بها في أرضِ فَلاةٍ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ، قال: السماءُ أوَّلُها مَوْجٌ مَكْفوفٌ، والثانيةُ صَخْرَةٌ، والثالثةُ حديدٌ، والرابعةُ نُحاسٌ، والخامسةُ فِضَّةٌ، والسادسةُ ذهبٌ، والسابعةُ ياقوتةٌ (^٦).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا جَريرُ بنُ حازمٍ، قال: ثنى حميدُ بنُ قيسٍ، عن مجاهدٍ، قال: هذا البيتُ - الكعبةُ - رابعُ أربعةَ عشرَ بيتًا، في كلِّ سماءٍ بيتٌ، [كلُّ بيتٍ منها] (^٧) حَذْوَ صاحبِه، لو وقَع وقَع عليه، وإن هذا الحرمَ [حرَمٌ، بِناؤُه] (^٨) مِن السماواتِ السبعِ والأرضين السبعِ.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٨٣ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عباس\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".\n(^٦) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٥٦٤) من طريق حكام عن الربيع به.\n(^٧) سقط من: الأصل، ت ١. وفي ص، ت ٢، ت ٣: \"في كل بيت\".\n(^٨) في الأصل: \"حرم منا\"، وفي ص، ت ٢، ت ٣: \"حرمى مناه\"، وفي م: \"حرمى بناؤه\"، =","vol":"23","page":79},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. خلَق سبعَ سماواتٍ وسبعَ أرضين؛ في كلِّ سماءٍ مِن سمائه، وأرضٍ مِن أرضِه، خَلْقٌ مِن خلْقِه، وأمرٌ مِن أمرِه، وقَضاءٌ مِن قضائِه.\n[حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. قال: في كلِّ سماءٍ وفي كلِّ أرضٍ، خَلْقٌ مِن خلقِه، وأمرٌ مِن أمرِه، وقضاءٌ مِن قضائِه] (^١) (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قال: بينا النبيُّ ﷺ جالسٌ مرَّةً مع أصحابِه، إذ مرَّت سَحائِبُ (^٣)، فقال النبيُّ ﷺ: \"أتَدْرون ما هذا؟ هذا العَنانُ، هذه روايا الأرضَ، يسوقُها اللَّهُ إلى قومٍ لا يعبدُونه\". ثم قال: \"أتَدْرون ما هذه السماءُ\"؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: \"هذه السماءُ؛ مَوْجٌ مكفُوفٌ، وسَقْفٌ محفوظٌ\". ثم قال: \"أتَدْرون ما فوقَ ذلك\"؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: \"فوقَ ذلك سماءٌ أُخرى\". حتى عَدَّ سبعَ سماواتٍ وهو يقولُ: \"أتدرون ما بينَهما\"؟ [ثم يقولُ: \"بينَهما] (^٤) خمسُمائةِ سنةٍ\". ثم قال: \"أتَدْرون ما فوقَ ذلك\"؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: \"فوقَ ذلك العرشُ\". قال: \"أتدرون ما بينَهما\"؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: \"بينَهما خمسُمائةِ سنةٍ\". ثم\n_________\n= وفي ت ١: \"حرمى بناه\".\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩٩ عن معمر عن قتادة.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سحابة\"، وفي مصدر التخريج: \"سحاب\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"23","page":80},{"text":"قال: \"أتَدْرون ما هذه الأرضُ\"؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: \"تحتَ ذلك أرضٌ\". قال: \"أتَدْرون ما (^١) بينَهما؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. \"قال: \"بينَهما مسيرةُ خمسِمائةِ سنةٍ\". حتى عدَّ سبعَ أرَضِينَ. ثم قال: \"والذي نفسي بيدِه، لو دُلِّيَ رجلٌ بحبلٍ حتى يبلُغَ أسفلَ الأرضِ (^٢) السابعةِ، لَهَبَط على اللَّهِ\". ثم قَرَأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٣) [الحديد: ٣].\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: الْتَقَى أربعةٌ مِن الملائكةِ بينَ السماءِ والأرضِ، فقال بعضُهم لبعضٍ: مِن أين جئتَ؟ قال أحدُهم: أَرْسَلَني ربي مِن السماءِ السابعةِ، وتركتُه ثَمَّ. و(^٤) قال الآخَرُ: أَرسَلَني ربى مِن الأرضِ السابعةِ وتركتُه ثَمَّ. و(^٤) قال الآخرُ: أرسَلني ربي مِن المشرقِ وتركتُه ثَمَّ. و(^٤) قال الآخرُ: أرسَلني ربي مِن المغربِ وتركتُه ثمَّ (^٥).\nوقولُه: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يتنزَّلُ أمرُ اللَّهِ بينَ السماءِ السابعةِ والأرضِ السابعةِ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كم\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأرضين\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٩٩ عن معمر عن قتادة. وتقدم في ٢٢/ ٣٨٦.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٠ عن معمر عن قتادة.","vol":"23","page":81},{"text":"قولَه: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾. قال: بينَ الأرضِ السابعةِ، إلى السماءِ السابعةِ (^١).\nوقولُه: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يَتَنَزَّلُ (^٢) قضاءُ اللَّهِ وأمرُه بينَ ذلك، كي تَعْلموا أيها الناسُ كُنْهَ قُدْرتِه وسُلْطانِه، وأنه لا يَتَعَذَّرُ عليه شيءٌ أرادَه، ولا يَمْتَنِعُ عليه أمرٌ شاءَه، ولكنَّه على ما يشاءُ قديرٌ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولِتَعْلَموا (^٣) أن اللَّهَ بكلِّ شيءٍ مِن خَلْقِه محيطٌ عِلمًا، لا يَعْزُبُ عنه مثقالُ ذَرَّةٍ في الأرضِ ولا في السماءِ، ولا أصغرُ مِن ذلك ولا أكبرُ. يقولُ ﷻ: فخافوا أيها (^٤) المخالفون أمرَ ربِّكم عقوبتَه، فإنه لا يَمْنَعُه مِن عقوبتِكم مانعٌ، وهو على ذلك قادرٌ، ومحيطٌ أيضًا بأعمالِكم، فلا يَخْفَى عليه منها خافِيةٌ (^٥)، وهو مُحْصيها عليكم، ليُجازِيَكم بها، يومَ تُجْزى كلُّ نفسٍ بما كَسَبَتْ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٦٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"ينزل\".\n(^٣) بعده في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"أيها الناس\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الناس\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خاف\".","vol":"23","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9050>تفسيرُ سورةِ التحريمِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5230\"></span><span data-type='title' id=toc-9051>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ </span>(١)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يأيُّها النبيُّ المحرِّمُ على نفسِه ما أحلَّ اللَّهُ له، يَبتغي بذلك مَرْضاةَ أزواجِه، لِمَ تُحرِّمُ على نفسِكَ الحلالَ الذي أحلَّه اللَّهُ لكَ؛ تلتمسُ بتحريمِكَ ذلك مرضاةَ أزواجِكَ؟\nواختلف أهلُ العلمِ في الحلالِ الذي كان اللَّهُ ﷿ أحَلَّه لرسولِه، فحرَّمه على نفسِه ابتغاءَ مرضاةِ نسائِه؛ فقال بعضُهم: كان ذلك ماريةَ مملوكتَه القبطيةَ؛ حرَّمها على نفسِه بيمينٍ أنه لا يَقْرَبُها، طلبًا بذلك رضا حفصةَ ابنةِ عمرَ زوجتِه؛ لأنها كانت غارتْ بأنْ خلا بها رسولُ اللَّهِ ﷺ في يومِها وفي حجرتِها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ (^١) بنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنى ابنُ أبي مَرْيمَ، قال: ثنا أبو غسانَ، قال: ثنى زيدُ بنُ أسلمَ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أصاب أمَّ إبراهيمَ في بيتِ بعضِ نسائِه، قال: فقالت: أي رسولَ اللَّهِ، في بيتي وعلى فراشي! فجعَلها عليه حرامًا، فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، كيف تحرِّمُ عليكَ الحلالَ؟ فحلَف لها باللَّهِ لا يُصيبُها، فأنزَل اللَّهُ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾. قال زيدٌ: فقولُه: \"أنتِ عليَّ حرامٌ\". لغوٌ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"عمر\". ينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٥٠٣.","vol":"23","page":83},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، قال: قال مسروقٌ: إنَّ النبيَّ ﷺ حرَّم جاريتَه، وآلَى منها فجعَل [الحلالَ حرامًا] (^١)، وقيل في اليمينِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].\nحدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، قال: آلَى رسولُ اللَّهِ ﷺ وحرَّم، فعُوتِب في التحريمِ، وأُمِر بالكفارةِ في اليمينِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ (^٣)، عن مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ: قال لها: \"أنتِ عليَّ حرامٌ، وواللَّهِ لا أطَؤُكِ\" (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾. قال: كان الشعبيُّ يقولُ: حرَّمها عليه، وحلَف لا يقربُها، فعُوتِب في التحريمِ، وجاءت الكفارةُ في اليمينِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ وعامرٍ الشعبيِّ، أنَّ النبيَّ ﷺ حرَّم جاريتَه. قال الشعبيُّ: حلَف بيمينٍ مع التحريمِ، فعاتَبه اللَّهُ في التحريمِ، وجعَل له الكفارةَ في اليمينِ (^٥).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ٢، ت ٣: \"الحرام حلالا\".\n(^٢) أخرجه ابن سعد ٨/ ١٨٦ عن سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٢٧، والبيهقي ٧/ ٣٥٢ من طريق داود به.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال: قال ابن زيد\".\n(^٤) أخرجه مالك - كما في المدونة الكبرى ٢/ ٣٩٥ - ومن طريقه ابن سعد ٨/ ١٨٦.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠١ عن معمر به، وأخرجه ابن سعد ٨/ ١٨٦ عن معمر عن قتادة وحده.","vol":"23","page":84},{"text":"النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾: قال أبي (^١): وجَدَتِ امرأةٌ مِن نساءِ رسولِ اللَّهِ ﷺ مع جاريتِه في بيتها، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، أنَّى كان هذا الأمرُ، وكنتُ أهونَهن عليكَ؟ فقال لها رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"اسْكُتي، لا تَذْكُرِي هَذَا لأحَدٍ، هيَ عَلَيَّ حَرَامٌ إِنْ قَرِبْتُها بَعْدَ هَذَا أبدًا\". فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، وكيف تُحرِّمُ عليكَ ما أحلَّ اللَّهُ لك حين (^٢) تقولُ: \"هي عليَّ حرامٌ (^٣)؟ \" فقال: \"واللَّهِ لا آتِيها أبَدًا\". فقال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قد غَفَر اللهُ هذا لك، وقولُه (^٤): ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢].\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾: كانت الرسولِ اللَّهِ ﷺ فتاةٌ، فَغَشِيَها، فبصُرت به حفصةُ، وكان اليومُ يومَ عائشةَ، وكانتا متظاهرتَينِ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: اكْتُمي عَليَّ، ولا تَذْكُرِي لعائشةَ ما رأيْتِ\". \"فذكرتْ حفصةُ لعائشةَ، فغضِبتْ عائشةُ، فلم تزلْ بنبيِّ اللَّهِ ﷺ، حتى حلَف ألَّا يَقرَبَها (^٣)، فأنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ، وأمَره أن يُكَفِّرَ عن يمينهِ، ويأتيَ جاريتَه (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، [عن عطاءٍ] (^٦)، عن عامرٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾: في جاريةٍ له أتاها، فاطَّلعتْ عليه حفصةُ، فقال:\n_________\n(^١) في م: \"إنه\".\n(^٢) في ت ١: \"حتى\".\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبدا\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قولك والله\".\n(^٥) أخرجه ابن سعد ٨/ ٢١٣، والبيهقي ٧/ ٣٥٣ من طريق آخر عن الضحاك، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٠ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣. وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٨٦.","vol":"23","page":85},{"text":"\"هي عليَّ حرامٌ، فاكتُمي ذلك ولا تخبري به أحدًا\". فذكَرتْ ذلك.\nوقال آخرون: بل حرَّم رسولُ اللَّهِ ﷺ جاريتَه، فجعَل اللَّهُ ﷿ تحريمَه إيَّاها بمنزلةِ اليمينِ، فأَوجَب فيها من الكفارةِ مثلَ الذي أوجَب في اليمينِ إذا حنِث فيها صاحبُها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾: أمر اللَّهُ ﷿ النبيَّ ﷺ والمؤمنين إذا حرَّموا شيئًا مما أحلَّ لهم أن يُكفِّروا أَيْمانَهم، بإطعامِ عشرةِ مساكينَ، أو كسوتِهم، أو تحريرِ رقبةٍ، وليس يَدخلُ ذلك في طلاقٍ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. قال: كانت حفصةُ وعائشةُ متحابَّتَين، وكانتا زوجَ (^٢) النبيِّ ﷺ، فذهَبتْ حفصةُ إلى أبيها تتحدَّثُ عندَه، فأرسَل النبيُّ ﷺ إلى جاريتِه، فظلَّت معه في بيتِ حفصةَ، وكان اليومَ الذي يأتي فيه عائشةَ، فرجَعت حفصةُ، فوجَدتهما في بيتِها، فجعَلت تَنتظرُ خروجَهما، وغارت غَيرةً شديدةً، فأخرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ جاريتَه، ودخَلتْ حفصةُ فقالتْ: قد رأيتُ مَن كان عندَك، وواللَّهِ لقد سُؤْتَنِي. فقال النبيُّ ﷺ: \"واللَّهِ لأَرْضِيَنَّكِ، فإِنِّي مُسِرٌّ إليكِ سِرًّا فاحْفَظِيه\". قالت: ما هو؟ قال: \"إني أُشْهِدُكِ أَنَّ سُرِّيَّتِي هذه\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤١ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"زوجتي\"، وفي ت ٢: \"زوجتا\".","vol":"23","page":86},{"text":"عليَّ حرامٌ رِضًا لكِ\". وكانت حفصةُ وعائشةُ تَظَاهَران على نساءِ النبيِّ ﷺ، فانطلقتْ حفصةُ إلى عائشةَ، فأسرَّت إليها أن أبشري، إن النبيَّ ﷺ قد حرَّم عليه فَتاتَه. فلما أَخبَرت بسِرِّ النبيِّ ﷺ، أظهَر اللَّهُ ﷿ النبيَّ ﷺ، فأنزَلَ اللَّهُ على رسولهِ لما تَظاهَرتا عليه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ إلى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: ثنا هشامٌ الدستوائيُّ، قال: كتَب إليَّ يحيى يحدِّثُ عن يَعْلَى بنِ حكيمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، أنَّ ابنَ عباسٍ كان يقولُ في الحرامِ: يمينٌ يكفِّرُها. وقال ابنُ عباسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. يعني أن النبيَّ ﷺ حرَّم جاريتَه، فقال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ إلى قولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾. فكَفَّر يمينَه، فصيَّر الحرامَ يمينًا (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: أنبَأنا أبو عثمانَ أن النبيَّ ﷺ دخَل بيتَ حفصةَ، فإذا هي ليست ثَمَّ (^٣)، فجاءته فتاتُه، فألقَى عليها سِتْرًا، فجاءت حفصةُ فقَعَدت على البابِ حتى قَضى رسولُ اللَّهِ ﷺ حاجتَه، فقالت: واللَّهِ لقد سُؤْتَنِي، أَجامَعتَها في بيتي؟ أو كما قالت. قال: وحرَّمها رسولُ اللَّهِ ﷺ، أو كما قال.\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد ٨/ ١٨٥ من طريق شعبة، عن ابن عباس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٩ إلى ابن مردويه.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٨٦ عن المصنف، وأخرجه الدارقطني ٤/ ٤٠، والبيهقي ٧/ ٣٥٠ من طريق يعقوب به، وأخرجه مسلم (١٤٧٣) من طريق إسماعيل ابن علية به، وأخرجه الطيالسي (٢٧٥٧)، والبخاري (٤٩١١)، وابن ماجه (٢٠٧٣)، من طريق هشام به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١٣٦٣)، والبخاري (٥٢٦٦)، ومسلم (١٤٧٣) من طريق يحيى به.\n(^٣) في ت ١: \"فيه\".","vol":"23","page":87},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال: كان حرَّم فتاتَه القِبْطيةَ أمَّ ولدِه إبراهيمَ، يُقالُ لها: ماريةُ. في يومِ حفصةَ، وأسرَّ ذلك إليها، فأطلَعتْ عليه عائشةَ، وكانتا تَظَاهرانِ على نساءِ النبيِّ ﷺ، فأحلَّ اللَّهُ ﷿ له ما حرَّم على نفسِه، فأُمِر أن يكفِّرَ عن يمينِه، وعُوتِب في ذلك، فقال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. قال قتادةُ: وكان الحسنُ يقولُ: حرَّمها عليه، فجعَل اللَّهُ فيها كفارةَ يمينٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أن النبيَّ ﷺ حرَّمها، يعني جاريتَه، فكانت يمينًا (^٢).\nحدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى، قال: ثنا أبي، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قلتُ لعمرَ بنِ الخطابِ: مَنِ المرأتان؟ قال: عائشةُ وحفصةُ. وكان بَدءُ الحديثِ في شأنِ أمِّ إبراهيمَ القبطيةِ، أصابها النبيُّ ﷺ في بيتِ حفصةَ في يومِها، فوجَدته حفصةُ، فقالت: يا نبيَّ اللَّهِ، لقد جئتَ إليَّ شيئًا فريًّا (^٣)، ما جئتَ إلى أحدٍ من أزواجِكَ، في يومِي، وفي دَورِي، وعلى فراشِي! قال: \"أَلا تَرْضَيْنَ أنْ أُحَرِّمَها فَلا أَقْرَبَها؟ \". قالتْ: بلى. قال: فحرَّمها. وقال: \"لا تَذْكُرِي ذلك لأَحَدٍ\". فذكَرتْه لعائشةَ، فأظهَره اللَّهُ ﷿ عليه، فأنزَل اللَّهُ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾. الآيات كلّها. فبلَغنا أن النبيَّ ﷺ كفَّر يمينَه، وأصاب جاريتَه (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٠ إلى عبد بن حميد دون قول الحسن.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠١ عن معمر عن قتادة.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٨٦ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٩ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"23","page":88},{"text":"وقال آخرون: بل كان ذلك شرابًا يشربُه، وكان يُعجِبُه ذلك.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شدَّادِ بنِ الهادِ، قال: نزَلت هذه الآيةُ في شرابٍ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو قَطَنٍ البغداديُّ عمرُو بنُ الهيثمِ، قال: ثنا شعبةُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شدَّادٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو قَطَنٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ إبراهيمَ، عن ابنِ أبي مُلَيْكةَ، قال: نزَلت في شرابٍ.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يُقالَ: كان الذي حرَّمه رسولُ اللَّهِ ﷺ على نفسِه شيئًا كان اللَّهُ قد أحلَّه له. فجائزٌ أن يكونَ ذلك كان جاريتَه، وجائزٌ أن يكونَ كان شرابًا من الأشربةِ، وجائزٌ أن يكونَ غيرَ ذلك، غيرَ أنه أيَّ ذلك كان، فإنه تحريمُ شيءٍ كان له حلالًا، فعاتَبه اللَّهُ تعالى ذكرُه على تحريمِه على نفسِه ما كان قد أحلَّه، وبيَّن تَحِلَّةَ يمينِه، في يمينٍ كان حلَف بها مع تحريمِه ما حرَّم على نفسِه.\nفإن قال قائلٌ: وما برهانُك على أنه ﷺ كان حلَف مع تحريمِه ما حرَّم، فقد علِمتَ قولَ مَن قال: لم يكنْ من النبيِّ ﷺ في ذلك غيرُ التحريمِ، وأن التحريمَ هو اليمينُ؟ قيل: إن البرهانَ على ذلك واضحٌ، وهو أنه لا يُعقلُ في لغةٍ عربيةٍ ولا أعجميةٍ، أن قولَ القائلِ لجاريتِه أو طعامٍ أو شرابٍ: هذا عليَّ حرامٌ. يمينٌ، فإذا كان ذلك غيرَ معقولٍ، فمعلومٌ أن اليمينَ غيرُ قولِ القائلِ للشيءِ الحلالِ له: هو عليَّ حرامٌ. وإذا كان ذلك كذلك صحَّ ما قلنا، وفسَد ما خالَفه.","vol":"23","page":89},{"text":"وبَعْدُ، فجائزٌ أن يكونَ تحريمُ النبيِّ ﷺ ما حرَّم على نفسِه من الحلالِ الذي كان اللَّهُ ﷿ أحلَّه له بيمينٍ، فيكونَ قولُه: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ معناه: لِمَ تحلفُ على الشيءِ الذي قد أحلَّه اللَّهُ ألَّا تقربَه، فتحرِّمَه على نفسِك باليمينِ؟\nوإنما قلنا: إن النبيَّ ﷺ حرَّم ذلك، وحلَف مع تحريمِه؛ لما حدَّثني الحسنُ بنُ قَزَعةَ، قال: ثنا مَسلمةُ بنُ علقمةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: آلَى رسولُ اللَّهِ ﷺ وحرَّم، فأُمِرَ [في الإيلاءِ] (^١) بكفارةٍ، وقيل له في التحريمِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لمحمدٍ: واللَّهُ غفورٌ [يا محمدُ] (^٣) لذنوبِ التائبين مِن عبادِه [من ذُنُوبِهم] (^٤)، وقد غفَر لك تحريمَكَ على نفسِكَ ما أحلَّه اللَّهُ لك، رحيمٌ بعبادِه أن يُعاقبَهم على ما قد تابوا منه من الذنوبِ بعدَ التوبةِ.\n\n<span id=\"aya-5231\"></span><span data-type='title' id=toc-9052>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ </span>(٢)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قد بيَّن اللَّهُ ﷿ لكم تَحلَّةَ أيمانِكم، وحَدَّها لكم أيُّها الناسُ، ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾: يتولاكم بنصرِه أيُّها المؤمنون، وهو العَلِيمُ بمصالحِ خلقِه، الحَكِيمُ في تدبيرِه إياهم، وصرفِهم فيما هو أعلَمُ به.\n\n<span id=\"aya-5232\"></span><span data-type='title' id=toc-9053>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ</span>\n_________\n(^١) في الأصل: \"بالإيلاء\".\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٠٧٢)، والترمذي (١٢٠١)، وابن حبان (٤٢٧٨)، والبيهقي ٧/ ٣٥٢ من طريق الحسن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٢ إلى ابن مردويه.\n(^٣) في الأصل: \"رحيم\".\n(^٤) سقط من: الأصل.","vol":"23","page":90},{"text":"حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وإذ أسَرَّ النبيُّ محمدٌ إلى بعضِ أزْوَاجِه. وهو في قولِ ابنِ عباسٍ وقتادةَ وزيدِ بنِ أسلمَ وابنِه عبدِ الرحمنِ بنِ زيدٍ والشعبيِّ والضحاكِ بنِ مزاحمٍ: حَفْصةُ. وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك.\nوقولُه: ﴿حَدِيثًا﴾. والحديثُ الذي أسرَّ إليها في قولِ هؤلاءِ، هو قولُه لمن أسرَّ إليه ذلك من أزواجِه، تحريمُ فتاتِه، أو ما حرَّم على نفسِه، مما كان اللَّهُ ﷿ قد أحلَّه له، وحَلِفُه على ذلك في قولِه لها: \"لا تَذْكُرِي ذلك لأحدٍ\".\nوقولُه: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلما أخبَرت بالحديثِ الذي أسرَّ إليها رسولُ اللَّهِ ﷺ صاحبَتَها، ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: وأَظْهَر اللَّهُ نبيَّه محمدًا ﷺ على أنَّها قد أنبأت بذلك صاحبتَها.\nوقولُه: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾. اختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ غيرَ الكسائيِّ: ﴿عَرَّفَ﴾ بتشديدِ الراءِ (^١)، بمعنى: عرَّف النبيُّ ﷺ حفصةَ بعضَ ذلك الحديثِ، وأخبرَها به. وكان الكسائيُّ ذكَر عن الحسنِ البصريِّ وأبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ وقتادةَ، أنهم قرَءوا ذلك: (عَرَفَ) بتخفيفِ الراءِ (^٢)، بمعنى: عرَف لحفصةَ بعضَ ذلك الفعلِ الذي فعَلتْه من إفشائِها سرَّه وقد استكْتَمها إيَّاه. أي: غَضِب مِن ذلك عليها رسولُ اللَّهِ ﷺ، وجازاها عليه. من قول القائلِ لمن أساء إليه: لأعْرِفنَّ لك يا فلانُ ما فعَلْتَ. بمعنى:\n_________\n(^١) وهي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبي عمرو وحمزة وأبي جعفر ويعقوب وخلف، وقرأ الكسائي (عَرَف). ينظر النشر ٢/ ٢٩٠.\n(^٢) وبها قرأ طلحة وأبو عمرو في رواية هارون. البحر المحيط ٨/ ٢٩٠.","vol":"23","page":91},{"text":"لأُجازينَّك عليه. وقالوا: وجازاها رسولُ اللَّهِ ﷺ على ذلك مِن فعلِها بأنْ طلَّقها.\nوأولى القراءتين في ذلك عندي بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ بتشديدِ الراءِ، بمعنى: عرَّف النبيُّ ﷺ حفصةَ. يعني ما أَظْهَره اللَّهُ عليه مِن حديثِها صاحبتَها؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه (^١).\nوقولُه: ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾. يقولُ: وتَرَك أنْ يُخبِرَها ببعضِ ذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾: قولُه لها: لا تَذْكُريه، ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾. وكان كريمًا عليه (^٢).\nوقولُه: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾. يقولُ: فلما خبَّر حفصةَ نبيُّ اللَّهِ ﷺ بما أظهَره اللَّهُ ﷿ عليه مِن إفشائِها سرَّ رسولِ اللَّهِ ﷺ إلى عائشةَ، ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾. يقولُ: قالت حفصةُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ: مَن أنبأك هذا الخبرَ وأخبَرك به؟ ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال محمدٌ نبيُّ اللَّهِ لحفصةَ: خبَّرني به العليمُ الخبيرُ، العليمُ بسرائرِ عبادِه وضمائرِ قلوبِهم، الخبيرُ بأمورِهم، الذي لا يَخْفى عليه شيءٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا\n_________\n(^١) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ﷺ\". والمراد أن النبي ﵊ كان كريمًا عليه.","vol":"23","page":92},{"text":"نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾: ولم تشكَّ أنَّ صاحبتَها أخبَرت عنها، قال: \" ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ \".\n\n<span id=\"aya-5233\"></span><span data-type='title' id=toc-9054>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ </span>(٤)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكرُه: إنْ تتوبا إلى اللَّهِ أيَّتُها المرأتان، فقد مالت قلوبُكما إلى محبةِ ما كرِهه رسولُ اللَّهِ ﷺ؛ مِن اجتنابِه جاريتَه وتحريمِها على نفسِه، أو تحريمِ ما كان له حلالًا مما حرَّمه على نفسِه بسببِ حفصةَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. يقولُ: زاغَت قلوبُكما. يقولُ: قد أَثِمت قلوبُكما (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ طلحةَ، عن زُبَيدٍ (^٢)، عن مجاهدٍ، قال: كنا نرى أنَّ قولَه: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. [شيءٌ هيِّنٌ] (^٣)، حتى سمِعتُ قراءةَ ابنِ مسعودٍ: (إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ زَاغَتْ قُلُوبُكُما) (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤١ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) في ت ١: \"زيد\".\n(^٣) في ت ١: \"هي يمين\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"شيء عنى\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦٦٥ من طريق محمد بن طلحة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤١ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":93},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. قال: مالت قلوبُكما.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. أي: قد مالت قلوبُكما (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. يقولُ: زاغَت.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. قال: زاغت قلوبُكما.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال اللَّهُ: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. قال: سَرَّهما أنْ يجتنِبَ رسولُ اللَّهِ ﷺ جاريتَه، وذلك لهما موافقٌ، ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ إلى أنْ سرَّهما ما كرِه رسولُ اللَّهِ ﷺ.\nوقولُه: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للتي أسرَّ إليها رسولُ اللَّهِ ﷺ حديثَه، والتي أفشَت إليها حديثَه، وهما عائشة وحفصةُ ﵄.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي ثورٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لم أزلْ حريصًا أن أسألَ عمرَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤١ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":94},{"text":"عن المرأتين مِن أزواجِ رسولِ اللَّهِ ﷺ اللَّتين قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. قال: فحجَّ عمرُ وحجَجْتُ معه، فلما كان ببعضِ الطريقِ عدَل عمرُ وعدَلْتُ معه بالإداوةِ، ثم أتاني فسكبْتُ على يدِه فتوضَّأ، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، من المرأتان من أزواجِ النبيِّ ﷺ اللَّتان قال اللَّهُ لهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؟ قال عمرُ: واعجبًا لك يا بنَ عباسٍ. قال الزهريُّ: وكرِه واللَّهِ ما سأله عنه ولم يكْتُمْ. قال: هي حفصة وعائشةُ. قال: ثم أخَذ يسوقُ الحديثَ، فقال: كنا معشرَ قريشٍ قومًا نَغلِبُ النساءَ، فلما قدِمنا المدينةَ. ثم ذكَر الحديثَ بطولِه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا أشهبُ (^٢)، عن مالكٍ، عن أبي النضرِ، عن عليِّ بنِ حسينٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه سأل عمرَ بنَ الخطابِ عن المتظاهرتَين على رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال: عائشةُ وحفصةُ (^٣).\nحدَّثنا يونسُ، [قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ] (^٤)، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عُبيدِ بنِ حُنينٍ (^٥) أنه سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: مكَثتُ سنةً وأنا أريدُ أن أسألَ عمرَ بنَ الخطابِ عن المتظاهرتين فما أجدُ له موضعًا أسألُه فيه، حتى خرَج حاجًّا وصحِبْتُه، حتى إذا كان بمَرِّ الظَّهرانِ ذهَب لحاجتِه، وقال: أدْرِكْني بإداوةٍ مِن\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد ٨/ ١٨٢، وأحمد ١/ ٣٤٦ (٢٢٢)، ومسلم (١٤٧٩/ ٣٤)، والترمذي (٣٣١٨)، وابن حبان (٤٢٦٨)، والبيهقي ٧/ ٣٧ من طريق معمر به، وأخرجه البخاري (٢٤٦٨)، والنسائي (٢١٣١)، والبغوي في تفسيره ٨/ ١٦٥ من طريق الزهري به.\n(^٢) في الأصل: \"ابن شهاب\"، وفي م: \"ابن أشهب\". وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ١٠٧.\n(^٣) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٦١٠) من طريق مالك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٩ إلى ابن المنذر.\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) في الأصل: \"حسن\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"جبير\". وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ١٩٧.","vol":"23","page":95},{"text":"ماءٍ. فلما قضَى حاجتَه ورجَع أتيتُه بالإداوةِ أصبُّها عليه، فرأيتُ موضعًا، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، مَن المرأتان المتظاهرتان على رسولِ اللَّهِ ﷺ؟ فما قضَيْتُ كلامي حتى قال: عائشةُ وحفصةُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا عمرُ بنُ يونسَ، قال: ثنا عكرمةُ بنُ عمارٍ، قال: ثنا سماكٌ أبو زُمَيلٍ، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ، قال: ثنى عمرُ بنُ الخطابِ، قال: لما اعتزَل نبيُّ اللَّهِ ﷺ نساءَه، دخَلْتُ عليه وأنا أرى في وجْهِه الغضبَ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ما شقَّ عليك مِن شأنِ النساءِ، فلئن كنتَ طلَّقْتَهنَّ فإن اللَّهَ معك، وملائكتَه، وجبريلَ وميكائيلَ، وأنا وأبو بكرٍ معك، وقلَّما تكلَّمتُ - وأحمدُ اللَّهَ - بكلامٍ، إلا رجَوْتُ أن يكونَ اللَّهُ مصدِّقَ قولي، فنزَلت هذه الآيةُ؛ آيةُ التخييرِ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ﴾ الآية. وكانت عائشةُ ابنةُ أبي بكرٍ وحفصةُ تظاهران على سائرِ نساءِ النبيِّ ﷺ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾. يقولُ: على معصيةِ النبيِّ ﷺ وأذاه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال ابنُ عباسٍ لعمرَ: يا أميرَ المؤمنين، إني لأُريدُ أنْ أسألَك عن أمرٍ، وإني لأهابُك. قال: لا تهبْني (^٣). فقال: مَن اللَّتان تظاهرتا على رسولِ اللَّهِ ﷺ؟ قال: عائشةُ وحفصةُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد ٨/ ١٨٥، والبخاري (٤٩١٥)، ومسلم (١٤٧٩/ ٣٣) من طريق سفيان به، وأخرجه مسلم (١٤٧٩/ ٣١) من طريق ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن يحيى به.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٤٧٩/ ٣٠)، والبغوي في تفسيره ٨/ ١٦٧ من طريق عمر بن يونس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) في الأصل: \"تهابني\".","vol":"23","page":96},{"text":"وقولُه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾. يقولُ: فإنَّ اللَّهَ هو وليُّه وناصرُه [عليهما، وعلى كلِّ مَن بغاه سوءًا، ﴿وَجبْرِيلُ﴾. يقولُ: وجبريلُ أيضًا وليُّه وناصرُه] (^١)، ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وخيارُ المؤمنين أيضًا مولاه وناصرُه.\nوقيل: عُنِي بصالحِ المؤمنين في هذا الموضعِ أبو بكرٍ وعمرُ ﵄.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثني عليُّ بنُ الحسينِ (^٢) الأزديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن عبدِ الوهابِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: عمرُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: خيارُ المؤمنين؛ أبو بكرٍ الصدِّيقُ وعمرُ (^٤).\nحدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي (^٥) إسرائيلَ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى السِّينانيُّ (^٦)، مِن قريةٍ بمروٍ، يقالُ لها: سِيَنانُ (^٧). عن عبيدِ بنِ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مزاحمٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: أبو بكرٍ وعمرُ.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحسن\".\n(^٣) في م: \"وأبو بكر وعمر\".\nوالأثر أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (٣٠٥) من طريق يحيى بن يمان به. وينظر زاد المسير ٨/ ٣١٠.\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ١٩٢.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الشيباني\". ينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٢٥٤.\n(^٧) في ت ٢، ت ٣: \"شيبان\".","vol":"23","page":97},{"text":"الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وخيارُ المؤمنين.\nوقال آخرون: عُنِي بصالحِ المؤمنين الأنبياءُ صلواتُ اللَّهِ عليهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: هم الأنبياءُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: هم الأنبياءُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: الأنبياءُ (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أنَّ قولَه: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وإن كان في لفظِ واحدٍ، فإنه في معنى الجمعِ، وهو بمعنى (^٣) قولِه: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]. فـ \"الإنسانُ\" وإنْ كان في لفظِ واحدٍ، فإنه بمعنى الجمعِ، ونظيرُ قولِ الرجلِ: لا يَقْرَيَنِّي (^٤) إلا قارئَ القرآنِ. فقارئُ القرآنِ وإن كان في اللفظِ واحدًا، فمعناه الجمعُ؛ لأنه قد أَذِن لكلِّ قارئٍ القرآنَ أن يقْرِيَه، واحدًا كان أو جماعةً.\nوقولُه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. يقولُ: والملائكةُ مع جبريلَ وصالحِ المؤمنين لرسولِ اللَّهِ ﷺ أعوانٌ على مَن آذاه وساءَه وأراد مَساءتَه.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٢ عن معمر به.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ١٨٩.\n(^٣) بعده في الأصل: \"نظير\".\n(^٤) في م: \"تقرين\". يقال: الإنسان يقرى فلانًا بقوله، ويقترى سبيلًا، ويقروه، أي: يتبعه. اللسان (ق ر ى).","vol":"23","page":98},{"text":"والظهيرُ في هذا الموضعِ بلفظِ واحدٍ في معنى جمعٍ، ولو أُخرِج بلفظِ الجمعِ لقيل: والملائكةُ بعدَ ذلك ظُهراءُ.\nوكان ابنُ زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: وبدأ بصالحِ المؤمنين ههنا قبلَ الملائكةِ، قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-5234\"></span><span data-type='title' id=toc-9055>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: عسى ربُّ محمدٍ إِنْ طلَّقكنَّ معشرَ أزواجِ محمدٍ ﷺ أنْ يُبْدِلَه منكنَّ أزواجًا خيرًا منكنَّ.\nوقيل: إنَّ هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللَّهِ ﷺ تحذيرًا من اللَّهِ ﷿ نساءَه لمَّا اجتمَعْن عليه في الغَيرةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هشيمٌ (^١)، قال: أخبَرنا حميدٌ الطويلُ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: اجتمَع على رسولِ اللَّهِ ﷺ نساؤُه في الغَيرةِ، فقلتُ لهنَّ: عسى ربُّه إن طلَّقكم أنْ يُبْدِلَه أزواجًا خيرًا منكنَّ. قال: فنزَل كذلك (^٢).\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، عن عمرَ، قال:\n_________\n(^١) في الأصل: \"هشام\".\n(^٢) أخرجه النسائي (١١٦١١) عن يعقوب به، وأخرجه البخاري (٤٩١٦) من طريق هشيم به.","vol":"23","page":99},{"text":"بلَغني عن بعضِ أمهاتِنا، أمهاتِ المؤمنين، شدَّةٌ على رسولِ اللَّهِ ﷺ، وأذاهُنَّ إِيَّاه، فاستَقْريْتُهنَّ امرأةً امرأةً، أعظُها وأنهاها عن أذى رسولِ اللَّهِ ﷺ، وأقولُ: إن أبَيْتُنَّ أبدَله اللَّهُ خيرًا منكنَّ. حتى أتيتُ - حسِبتُ أنه قال: على زينبَ - فقالت: يا بنَ الخطابِ، أما في رسولِ اللَّهِ ﷺ ما يعِظُ نساءَه حتى تَعِظَهنَّ أنت؟ فأمسَكْتُ، فأنزَل اللَّهُ ﷿ هذه الآيةَ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: بلَغني عن أمهاتِ المؤمنين شيءٌ، فاستَقْريْتُهنَّ أقولُ: لَتَكُفُّنَّ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أو ليُبْدِلَنَّه اللَّهُ أزواجًا خيرًا منكنَّ، حتى أتيتُ على إحدى أمهاتِ المؤمنين، فقالت: يا عمرُ، أما في رسولِ اللَّهِ ﷺ ما يَعِظُ نساءَه حتى تعِظَهنَّ أنت؟ فكفَفْتُ، فأنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه هذه الآيةَ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾ الآية (^١).\nواختلفتِ القرأةِ في قراءةِ قولِه: ﴿أَنْ يُبْدِلَهُ﴾؛ فقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ مكةَ والمدينةِ والبصرةِ بتشديدِ الدالِ: (يُبَدِّلَه أزواجًا) مِن \"التبديل\" (^٢). وقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿يُبْدِلَهُ﴾ بتخفيفِ الدالِ من \"الإبدالِ\" (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقولُه: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾. يعني: خاضِعاتٍ للَّهِ بالطاعةِ، ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾. يعني:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ١٩٢ - من طريق حميد به.\n(^٢) قرأ بها نافع وأبو عمرو وأبو جعفر. ينظر النشر ٢/ ٢٣٦.\n(^٣) قرأ بها ابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف. ينظر المصدر السابق.","vol":"23","page":100},{"text":"مصدِّقاتٍ باللَّهِ ورسولِه.\nوقولُه: ﴿قَانِتَاتٍ﴾. يقولُ: مطيعاتٍ للَّهِ ﷿.\nكما حدَّثني ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَانِتَاتٍ﴾. مطيعاتٍ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿قَانِتَاتٍ﴾. قال: مطيعاتٍ.\nوقولُه: ﴿تَائِبَاتٍ﴾. يقولُ: راجعاتٍ إلى ما يحبُّه اللَّهُ منهنَّ مِن طاعتِه عما يكرَهُه منهنَّ، ﴿عَابِدَاتٍ﴾. يقولُ: مُتذلِّلاتٍ للهِ بالطاعةِ.\nوقولُه: ﴿سَائِحَاتٍ﴾. يقولُ: صائماتٍ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿سَائِحَاتٍ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: صائماتٍ (^٢).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿سَائِحَاتٍ﴾. قال: صائماتٍ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَائِحَاتٍ﴾. قال: صائماتٍ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"صادقات\".\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ١٩٣، وابن كثير في تفسيره ٨/ ١٩٣.","vol":"23","page":101},{"text":"السَّائحاتُ الصائماتُ (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿سَائِحَاتٍ﴾: يعني صائماتٍ (^٢).\nوقال آخرون: السائحاتُ المهاجراتُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا إسحاقُ بن أبي إسرائيلَ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ (^٣) الدراورديُّ، عن زيد بنِ أسلمَ، قال: السائحاتُ المهاجراتُ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿سَائِحَاتٍ﴾. قال: مهاجراتٍ، ليس في القرآنِ، ولا في أمةِ محمدٍ سياحةٌ إلا الهجرةُ، وهي التي قال اللَّهُ ﷿: ﴿السَّائِحُونَ﴾ (^٥) [التوبة: ١١٢].\nوقد بيَّنا الصوابَ مِن القولِ في معنى السائحين، فيما مضى قبلُ بشواهدِه، مع ذكْرِنا أقوالَ المختلفِين فيه، فكرِهْنا إعادتَه (^٦).\nوكان بعضُ أهلِ العربية (^٧) يقولُ: نرى أنَّ الصائمَ إنما سُمِّي سائحًا لأن السائحَ لا زادَ معه، وإنما يأكلُ حيثُ يجدُ الطعامَ، فكأنه أُخِذ من ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٩٣.\n(^٣) في الأصل: \"عمر\".\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ١٦٨، والقرطبي في تفسيره ١٨/ ١٩٣، وابن كثير في تفسيره ٨/ ١٩٣.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٩٣.\n(^٦) ينظر ما تقدم في ١٢/ ١٠ - ١٥.\n(^٧) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ١٦٧.","vol":"23","page":102},{"text":"وقولُه: ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾ وهنَّ اللَّواتي قد افْتُرِعْنَ (^١) وذهبَت عُذْرتُهنَّ، ﴿وَأَبْكَارًا﴾ وهنَّ اللَّواتي لم يُجامَعْن، ولم يُفْتَرَعْنَ.\n\n<span id=\"aya-5235\"></span><span data-type='title' id=toc-9056>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. يقولُ: علِّموا بعضَكم بعضًا ما تَقُون به مَن تُعلِّمونه النارَ، وتدفعونها به عنه إذا عمل به من طاعةِ اللَّهِ، واعْملوا بطاعةِ اللَّهِ.\nوقولُه: ﴿وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. يقولُ: وعلِّموا أهليكم مِن العملِ بطاعةِ اللَّهِ ما يَقُون به أنفسَهم مِن النارِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ في قولِه: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. قال: علِّموهم، أدِّبوهم (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن\n_________\n(^١) افتَرع البِكْرَ: اقْتضَّها، والفُرعة: دمها، وقيل له: افتراع؛ لأنه أول جماعِها. اللسان (ف ر ع).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٣ عن سفيان به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٩٤ من طريق سفيان عن منصور عن ربعي بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٤ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، والبيهقي في المدخل من قول علي.","vol":"23","page":103},{"text":"عليِّ بنِ أبي طالبٍ: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. يقولُ: أدِّبوهم وعلِّموهم.\nحدَّثني الحسينُ (^١) بنُ يزيدَ الطحانُ، قال: ثنا سعيدُ بنُ خُثَيْمٍ، عن محمدِ بنِ خالدٍ الضبيِّ، عن الحكمِ، عن عليٍّ مثلَه.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. قال: اعملوا بطاعةِ اللَّهِ، واتقوا معاصيَ اللَّهِ، ومروا أهليكم بالذكرِ، يُنْجِكم (^٢) اللَّهُ مِن النارِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ- جلَّ وعزَّ -: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. قال: اتقوا اللَّهَ، وأَوْصوا (^٤) أهليكم بتقوى اللَّهِ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. قال: قال: تقِيهم؛ أن تأمرَهم بطاعةِ اللَّهِ تعالى ذكرُه، وتَنهاهم عن معصيتِه، وأن تقومَ عليهم بأمرِ اللَّهِ، تأمرُهم به، ويساعدُهم عليه، فإذا رأيتَ للَّهِ ﷿ معصيةً قرَعْتَهم (^٦) عنها، وزجَرْتَهم عنها.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قُوا\n_________\n(^١) في الأصل: \"الحسن\".\n(^٢) في م: \"ينجيكم\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) في الأصل: \"أرضوا\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٦٦٥، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٤٥ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) في م: \"ردعتهم\".","vol":"23","page":104},{"text":"أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. قال: مُرُوهم بطاعةِ اللَّهِ، وانهَوهم عن معصيتِه (^١).\nوقولُه: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. يقولُ: حطَبُها الذي يوقدُ على هذه النارِ، بنو آدمَ وحجارةُ الكِبْريتِ.\nوقولُه: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾. يقولُ: على هذه النارِ ملائكةٌ مِن ملائكةِ اللَّهِ، غِلاظٌ على أهلِ النارِ، شِدادٌ عليهم، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾. يقولُ: لا يُخالِفون اللَّهَ في أمرِه الذي يأمرُهم به، ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. يقولُ: وينتَهون إلى ما يأمرُهم به ربُّهم.\n\n<span id=\"aya-5236\"></span><span data-type='title' id=toc-9057>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِه (^٢) يومَ القيامةِ للذين جحَدوا وحدانيتَه في الدنيا: يأيُّها الذين كَفَروا باللَّهِ ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: يقالُ لهم: إنما تُثابون اليومَ، وذلك يومُ القيامةِ، وتُعطَون جزاءَ أعمالِكم التي كنتم في الدنيا تعملون، فلا تطلبوا المعاذيرَ منها.\n\n<span id=\"aya-5237\"></span><span data-type='title' id=toc-9058>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في الأصل: \"فعله\".","vol":"23","page":105},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: ارْجِعوا من ذنوبِكم إلى طاعةِ اللَّهِ، وإلى ما يُرضِيه عنكم، ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. يقولُ: رجُوعًا لا تعودون فيه (^١) أبدًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: سُئل عمرُ عن التوبةِ النصوحِ، فقال: التوبةُ النصوحُ أن يتوبَ الرجلُ مِن العملِ السيئِ، ثم لا يعودَ إليه أبدًا (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، عن عمرَ، قال: التوبةُ النصوحُ أن يتوبَ مِن الذنبِ ثم لا يعودَ فيه أبدًا، أو لا يريدَ أن يعودَ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، قال: سمِعتُ النعمانَ بنَ بشيرٍ يخطُبُ، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. قال: يذنبُ الذنبَ ثم لا يَرْجِعُ فيه.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيها\".\n(^٢) أخرجه هناد في الزهد (٩٠١)، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٧٩ عن أبي الأحوص به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٣ من طريق سماك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٥ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه أحمد بن منيع في مسنده - كما في المطالب العالية (٤١٥٨) - والحاكم ٢/ ٤٩٥، والبيهقي في الشعب (٧٠٣٤) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٥ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"23","page":106},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن سماكٍ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: سألتُ عمرَ عن قولِه: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. قال: هو العبدُ يتوبُ مِن الذنبِ ثم لا يعودُ فيه أبدًا.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: سمعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: التوبةُ النصوحُ أن يتوبَ مِن الذنبِ فلا يعودَ.\nحدَّثنا به ابنُ حميدٍ مرَّةً أخرى، قال: أخبَرني عن عمرَ بهذا الإسنادِ، فقال: التوبةُ النصوحُ الذي يذنبُ ثم [لا يريدُ أن يعودَ] (^١).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي إسحاقَ، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. قال: يتوبُ ثم لا يعودُ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: التوبةُ النصوحُ، الرجلُ يذنبُ الذنبَ ثم لا يعودُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. قال: التوبةُ النصوحُ ألَّا يعودَ صاحبُها لذلك الذنبِ الذي يتوبُ منه، ويقالُ: توبتُه ألا يَرْجِعَ إلى ذنبٍ ترَكه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) في الأصل: \"لا يعود\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٠٠ من طريق سفيان، وهو في تفسير مجاهد ص ٦٦٥ - ومن طريقه البيهقي في الشعب (٧٠٣٥) - من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٥ إلى المصنف.","vol":"23","page":107},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. قال: يستغفرون ثم لا يعودون (^١).\nحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوديُّ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. قال: النصوحُ أن يَتَحَوَّلَ عن الذنبِ ثم لا يعودَ له أبدًا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. قال: هي الصادقةُ الناصحةُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. قال: التوبةُ النصوحُ الصادقةُ؛ يعلمُ أنها - صدقًا - ندامةٌ على خطيئتِه، وحبُّ الرَّجْعةِ إلى طاعتِه، فهذا النصوحُ.\nواختلَفتِ القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ خلا عاصمٍ: ﴿نَصُوحًا﴾ بفتحِ النونِ على أنه مِن نعتِ التوبةِ وصفتِها (^٣). وذُكر عن عاصمٍ (^٤) أنه قرَأه: (نُصُوحًا) بضمِّ النونِ، بمعنى المصدرِ مِن قولِهم: نصَح فلانٌ لفلانٍ نُصُوحًا.\nوأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك قراءةُ مَن قرَأه بفتحِ النونِ على الصفةِ للتوبةِ؛ لإجماعِ الحجةِ على ذلك (^٥).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٦٥، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٦٨، وأبو نعيم ٣/ ٢٩٤ من طريق آخر عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) هي قراءة نافع وابن كثير وحفص وابن عامر وأبي عمرو وحمزة والكسائي وأبي جعفر ويعقوب وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٩٠.\n(^٤) في رواية أبي بكر عنه. المصدر السابق.\n(^٥) بل القراءتان كلتاهما صواب مقروء بهما. ينظر حجة القراءات ص ٧١٤.","vol":"23","page":108},{"text":"وقولُه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. يقولُ: عسى ربُّكم أيُّها المؤمنون أن يمحوَ عنكم سيئاتِ أعمالِكم التي سلَفت منكم، ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ: وأن يُدْخِلَكم بساتينَ تجري مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ، ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ محمدًا ﷺ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾. يقولُ: يسعى نورُهم أمامَهم، ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾. يقولُ: وبأيمانِهم كتابُهم.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ إلى: ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾: يأخُذون كتابَهم فيه البشرى (^١).\n﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه مخبرًا عن قيلِ المؤمنين يومَ القيامةِ، يقولون: ربَّنا أتمِمْ لنا نورَنا. يسألون ربَّهم أن يُبْقِيَ لهم نورَهم فلا يُطْفِئَه حتى يجوزوا الصراطَ، وذلك حينَ يقولُ المنافقون والمنافقاتُ للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣].\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾. قال: قولُ المؤمنين حينَ يُطْفَأُ نورُ المنافقين (^٢).\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ٢٠١.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٦٦.","vol":"23","page":109},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن الحسنِ، قال: ليس أحدٌ إلا يُعْطَى نورًا يومَ القيامةِ؛ يُعْطَى المؤمنُ والمنافقُ، فيُطْفَأُ نورُ المنافقِ، فيَخْشى المؤمنُ أنْ يُطْفَأَ نورُه، فذلك قولُه: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن يزيدَ بنِ شجرةَ، قال: كان يذكِّرُنا ويَبْكي، ويصدِّقُ قولَه فعلُه، يقولُ: يأيُّها الناسُ إنكم مكتوبون عندَ اللَّهِ ﷿ بأسمائِكم وسِيماكم ومجالسِكم ونجواكم وخَلائِكم، فإذا كان يومُ القيامةِ قيل: يا فلانَ بنَ فلانٍ، هاك نورَك، ويا فلانَ بنَ فلانٍ، لا نورَ لك (^١).\nوقولُه: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾. يقولُ: واسْتُرْ علينا ذنوبَنا، ولا تفضَحْنا بها بعقوبتِك إيَّانا عليها، ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ: إنك على إتمامِ نورِنا لنا (^٢)، وغفرانِ ذنوبِنا عنا، وغيرِ ذلك من الأشياءِ - ذو قدرةٍ.\n\n<span id=\"aya-5238\"></span><span data-type='title' id=toc-9059>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يأيُّها النبيُّ جاهِدِ الكفارَ بالسيفِ، والمنافِقين بالوعيدِ واللسانِ.\nوكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾. قال: أمَر اللَّهُ ﷿ نبيَّه ﵇ أنْ يجاهدَ الكفارَ بالسيفِ، ويُغْلِظَ على المنافقين بالحدودِ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٣٣)، وعبد الرزاق في المصنف (٩٥٣٨)، والحاكم ٣/ ٤٩٤ من طريق منصور به\n(^٢) في الأصل: \"لك\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ١١/ ٥٦٧.","vol":"23","page":110},{"text":"﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: واشْدُدْ عليهم في ذاتِ اللَّهِ، ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ يقولُ: ومسكنُهم (^١) جهنمُ، ومصيرُهم الذي يصيرون إليه نارُ جهنمَ، ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وبئس الموضعُ الذي يُصارُ (^٢) إليه جهنمُ.\n\n<span id=\"aya-5239\"></span><span data-type='title' id=toc-9060>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: مثَّل اللَّهُ مثلًا للذين كفروا باللَّهِ مِن الناسِ وسائرِ الخلقِ، امرأةَ نوحٍ وامرأةَ لوطٍ؛ كانتا تحتَ عبدَين مِن عبادِنا صالحَينِ؛ وهما نوحٌ ولوطٌ ﵉ فخانتاهما.\nذُكر أنَّ خيانةَ امرأةِ نوحٍ زوجَها أنها كانت كافرةً، وكانت تقولُ للناسِ: إنه مجنونٌ. وأنَّ خيانةَ امرأةِ لوطٍ لوطًا، أن لوطًا كان يُسِرُّ (^٣) الضيفَ، وتَدُلُّ عليه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمان بنِ قتةَ (^٤)، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾. قال: كانت امرأةُ نوحٍ تقولُ للناسِ: إنه مجنونٌ. وكانت امرأةُ لوطٍ تَدُلُّ على الضيفِ (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطوسيُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عمرَ، قال: ثنا\n_________\n(^١) في م: \"مكثهم\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يصيرون\".\n(^٣) يسر: يكتم، وهو الغالب، ويكون بمعنى يظهر، فهو من الأضداد. ينظر الأضداد لابن الأنباري ص ٤٥.\n(^٤) في م: \"قيس\". وتقدم في ٦/ ٧٣، ١٢/ ٤٣٠، ٤٣٥.\n(^٥) تقدم تخريجه في ١٢/ ٤٣٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٥ إلى الفريابي وابن أبي الدنيا وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"23","page":111},{"text":"سفيانُ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمانَ بن قتةَ، قال: سمعتُ ابنَ عباسٍ في قولِه: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾. قال: ما زَنَتا. ثم ذكَر نحوَه.\n[حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمانَ بنِ قَتَّةَ، قال: كانت خيانةُ امرأةِ لوطٍ أنه كان يُسِرُّ ضيفَه وتَدلُّ عليهم.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمانَ بنِ قتةَ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ قال في هذه الآيةِ، ذكَر امرأةَ نوحٍ وامرأةَ لوطٍ ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾. قال: ما زَنيا في هذه الآيةِ؛ أما امرأةُ نوحٍ فكانت تخبرُ عنه أنه مجنونٌ، وأما خيانةُ امرأةِ لوطٍ فكانت تدُلُّ على الضَّيفِ] (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي عامرٍ الهمْدانيِّ، عن الضحاكِ، [عن ابنِ عباسٍ] (^٢): ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾. قال: ما بغَتِ امرأةُ نبيٍّ قطُّ، ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾. قال: في الدِّينِ خانتاهما.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾. قال: كانت خيانتُهما أنهما كانتا على غيرِ دينِهما، فكانت امرأةُ نوحٍ تُطْلِعُ على سرِّ نوحٍ، فإذا آمن مع نوحٍ أحدٌ أخبَرت (^٣) الجبابرةَ مِن قومِ نوحٍ به، فكان ذلك مِن أمرِها؛ وأما امرأةُ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال في هذه الآية أما امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل عليه\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: الأصل.","vol":"23","page":112},{"text":"لوطٍ فكانت إذا ضاف [لوطٌ أحدًا] (^١) أخبَرت به أهلَ المدينةِ ممن يعمَلُ السوءَ، ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرٍو أبي (^٣) سعيدٍ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾. قال: في الدِّينِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾. قال: كانت خيانتُهما أنهما كانتا مشركتين.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ بن سليمانَ، عن الضحاكِ: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾. قال: كانتا مخالفتَين دينَ النبيِّ ﷺ كافرتين باللَّهِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، عن أبي معاويةَ البجليِّ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ: ما كانت خيانةُ امرأةِ لوطٍ وامرأةِ نوحٍ؟ فقال: أما امرأةُ لوطٍ فإنَّها كانت تدُلُّ على الأَضيافِ، وأما امرأةُ نوحٍ فلا عِلْمَ لي بها.\nوقولُه: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. يقولُ: فلم يُغْنِ نوحٌ ولوطٌ عن امرأتَيْهما مِن اللَّهِ لمَّا عاقَبَهما على خيانتِهما أزواجَهما شيئًا، ولم ينفَعْهما أن كانت أزواجُهما أنبياءَ.\n_________\n(^١) في م: \"لوطا أحد\". وبعد كلمة لوط خرم في مخطوطة الأصل، ينتهي في ص ٣١١، وسيجد القارئ أرقام النسخة ت ١ بين معكوفين.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ١٧٠، وابن كثير في تفسيره ٨/ ١٩٨.\n(^٣) في م: \"بن أبي\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ١٥٠.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":113},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ الآية: هاتان زوجتا نبيَّيِ اللَّهِ لمَّا عصَتا ربَّهما، لم تُغْنِ أزواجُهما عنهما مِن اللهِ شيئًا.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ الآية. قال: يقولُ اللَّهُ: لم يُغْنِ صلاحُ هذين عن هاتين شيئًا، وامرأةُ فرعونَ لم يضرَّها كفرُ فرعونَ (^١).\nوقولُه: ﴿وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾. وقال اللَّهُ لهما يومَ القيامةِ: ادْخُلا أيَّتُها المرأتان نارَ جهنمَ مع الداخلين فيها.\n\n<span id=\"aya-5240\"></span><span data-type='title' id=toc-9061>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وضرب اللَّهُ مثلًا للذين صدَّقوا اللَّهَ ووحَّدوه امرأةَ فرعونَ، التي آمنت باللَّهِ ووحَّدته، وصدَّقت رسولَه موسى، وهي تحتَ عدوٍّ من أعداءِ اللَّهِ كافرٍ، فلم يضرَّها كفرُ زوجِها، إذ كانت مؤمنةً باللَّهِ، وكان مِن قضاءِ اللَّهِ في خلْقِه ألا تزِرَ وازرةٌ وزرَ أُخرى، وأنَّ لكلِّ نفسٍ ما كسبَت، إذ قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾، فاستجاب اللَّهُ لها، فبنى لها بيتًا في الجنةِ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":114},{"text":"كما حدَّثني إسماعيلُ بنُ حفصٍ الأُبُلِّيُّ (^١)، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن سليمانَ التيميِّ، عن أبي عثمانَ، عن سلمانَ (^٢)، قال: كانت امرأةُ فرعونَ تُعذَّبُ بالشمسِ، فإذا انصرَف عنها (^٣) أظلَّتْها الملائكةُ بأجنحتِها، وكانت تَرى بيتَها في (^٤) الجنةِ (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ، عن سليمانَ التيميِّ، عن أبي عثمانَ، قال: قال سلمانُ: كانت امرأةُ فرعونَ. فذكَر نحوَه (^٦).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن هشامٍ الدَّسْتُوائيِّ، قال: ثنا القاسمُ بنُ أبي بَزَّةَ، قال: كانت امرأةُ فرعونَ تسألُ: مَن غلَب؟ فيقالُ: غلَب موسى وهارونُ. فتقولُ: آمنتُ بربِّ موسى وهارونَ. فأرسَل إليها فرعونُ، فقال: انظروا أعظمَ صخرةٍ تجِدونها، فإن مضَت على قولِها فألْقُوها عليها، وإنْ رجَعت عن قولِها فهي امرأتُه. فلما أتَوْها رفَعت بصرَها إلى السماءِ، فأَبصَرَت بيتَها في السماءِ، فمضَت على قولِها، فانْتَزَع (^٧)، روحَها، وأُلْقِيت الصخرةُ على جسدٍ ليس فيه روحٌ (^٨).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأيلي\". وينظر تهذيب الكمال ٣/ ٦٢.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"سليمان\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بها\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٩٩ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٣١، والحاكم ٢/ ٤٩٦، والبيهقي في الشعب (١٦٣٧) من طريق سليمان التيمي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٩٩ عن محمد بن عبيد به.\n(^٧) بعده في م: \"لفظ الجلالة\".\n(^٨) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٩٩ عن المصنف.","vol":"23","page":115},{"text":"مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾: وكان أعتى أهلِ الأرضِ على اللَّهِ، وأبعَدَه مِن اللَّهِ، فواللَّهِ ما ضرَّ امرأتَه كُفرُ زوجِها حين أطاعت ربَّها، لتعلَموا أنَّ اللَّهَ حكَمٌ عدلٌ، لا يؤاخِذُ عبدَه إلا بذنبِه (^١).\nوقولُه: ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾. تقولُ: وأَنْقِذْني مِن عذابِ فرعونَ، ومِن أنْ أعملَ عملَه، وذلك كُفرُه باللَّهِ.\nوقولُه: ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. تقولُ: وخلِّصْني وأنقِذْني مِن عملِ القومِ الكافرين بك ومِن عذابِهم.\n\n<span id=\"aya-5241\"></span><span data-type='title' id=toc-9062>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وضرَب اللَّهُ مثلًا للذين آمنوا مريمَ ابنةَ عمرانَ، ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾. يقولُ: التي منَعت جيبَ دِرْعِها جبريلَ ﵇. وكلُّ ما كان في الدِّرْعِ مِن خَرْقٍ أو فَتْقٍ فإنه يُسمَّى فَرْجًا، وكذلك كلُّ صَدْعٍ وشَقٍّ في حائطٍ، أو فرجِ سقفٍ، فهو فرجٌ.\nوقولُه: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾. يقولُ: فنفَخْنا فيه في (^٢) جَيْبِ درعِها، وذلك فرجُها، ﴿مِنْ رُوحِنَا﴾: من جبريلَ، وهو الروحُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٩٩.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".","vol":"23","page":116},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾: فنَفَخنا في جَيْبِها مِن روحِنا (^١).\n﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾. يقولُ: وآمنت بعيسى، وهو كلمةُ اللَّهِ، ﴿وَكُتُبِهِ﴾. يعني: التوراةِ والإنجيلِ، ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾. يقولُ: وكانت مِن القومِ المُطيعين.\nكما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾: مِن المطيعين (^١).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"التحريمِ\"\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":117},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9063>تفسيرُ سورةِ \"الملكِ\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5242\"></span><span data-type='title' id=toc-9064>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ </span>(٢)﴾.\nيعني بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿تَبَارَكَ﴾: تعاظم وتعالى، ﴿الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾: بيدِه مُلْكُ الدنيا والآخرةِ وسُلْطانُهما، نافذٌ فيهما أمرُه وقضاؤُه، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ: وهو على ما يشاءُ فعلَه ذو قدرةٍ، لا يمنعُه مِن فعلِه مانعٌ، ولا يحولُ بينَه وبينَه عَجْزٌ.\n\n<span id=\"aya-5243\"></span>وقولُه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ فأمات مَن شاء وما شاء، وأحيا مَن أراد وما أراد إلى أجلٍ معلومٍ، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. يقولُ: ليختبرَكم فينظرَ أيُّكم له أيُّها الناسُ أَطْوعُ، وإلى طلبِ رضاه أَسرعُ.\nوقد حدَّثني ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾. قال: أذلَ اللَّهُ ابنَ آدمَ بالموتِ، وجعَل الدنيا دارَ حياةٍ ودارَ فناءٍ، وجعَل الآخرةَ دارَ جزاءٍ وبقاءٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾: ذُكر أنَّ نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: \"إنَّ اللَّهَ أذَلُّ ابنَ آدمَ بالموتِ\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٤ عن معمر به.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٢٢/ ٦٣٦.","vol":"23","page":118},{"text":"وقولُه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾. يقولُ: وهو القويُّ الشديدُ انتقامُه ممَّن عصاه وخالَف أمرَه، ﴿الْغَفُورُ﴾ ذنوبَ مَن أناب إليه وتاب مِن ذنوبِه.\n\n<span id=\"aya-5244\"></span><span data-type='title' id=toc-9065>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ </span>(٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن صفتِه: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ طَبَقًا فوقَ طَبَقٍ، بعضُها فوقَ بعضٍ.\nوقولُه: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ما تَرى في خلقِ الرحمنِ الذي خلَق؛ لا في سماءٍ ولا في أرضٍ، ولا في غيرِ ذلك - ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾. يعني: مِن اختلافٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قالُ أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾: ما تَرى فيهم مِن اختلافٍ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾. قال: مِن اختلافٍ (^١).\nواختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":119},{"text":"الكوفيِّين: ﴿امِنْ تَفَاوُتٍ﴾ بألفٍ (^١). وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (مِن تَفَوُّتٍ) بتشديدِ الواوِ، بغيرِ ألفٍ (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان بمعنًى واحدٍ، كما قيل: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ و(لا تُصاعِرْ) (^٣). وتَعهَّدتُ فلانًا وتعاهَدْتُه، وتَطَهَّرتُ وتظاهَرتُ، وكذلك التفاوتُ والتَّفوُّتُ.\nوقولُه: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾. يقولُ: فرُدَّ البصرَ، هل ترَى فيه مِن صُدُوعٍ ووُهِيٍّ (^٤)؟ وهي مِن قولِ اللَّهِ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى: ٥]. بمعنى يَتَشقَّقْن ويَتَصدَّعنَ. و\"الفُطُورُ\": مصدرُ فَطَر فُطُورًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾. قال: الفُطُورُ الوُهِيُّ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾. يقولُ: هل تَرى مِن خَلَلٍ يابنَ آدمَ.\n_________\n(^١) وبها قرأ نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٩١.\n(^٢) وبها قرأ حمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١٨/ ٥٥٩.\n(^٤) الوُهِيُّ جمع وَهْى: وهو الشق. ينظر اللسان (وهـ ى).\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٨ إلى المصنف.","vol":"23","page":120},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مِنْ فُطُورٍ﴾. قال: مِن خَلَلٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾. قال: مِن شُقُوقٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5245\"></span>وقولُه: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ثم رُدَّ البصرَ يابنَ آدمَ كرَّتين؛ مرَّةً بعد أخرى، فانْظُرْ هل تَرى من فُطورٍ أو تفاوتٍ، ﴿كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾. يقولُ: يَرْجِعْ إليك بَصَرُك صاغرًا مُبْعَدًا، مِن قولِهم للكلبِ: اخْسَأْ. إذا طَرَدوه، أي: ابعُدْ صاغرًا، ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾. يقولُ: وهو مُعْيٍ كالٌّ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾. يقولُ: هل تَرى في السماءِ مِن خَلَلٍ، ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ بسوادِ الليلِ.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾. يقولُ: ذليلًا. وقولِه: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ يقولُ: مرجفٌ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٤، ٣٠٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ٥٩، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٠٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٨ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"23","page":121},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَة قولَه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾. أي: حاسرًا، ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾. أي: مُعْيٍ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿خَاسِئًا﴾. قال: صاغرًا، ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾. يقولُ: مُعْيٍ، لم يَرَ خَلَلًا ولا تفاوُتًا (^١).\nوقال بعضُهم: الخاسئُ والحسيرُ واحدٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ الآية. قال: الخاسئُ والحاسرُ واحدٌ؛ حَسُر طَرْفُه أَنْ يَرَى فيها فَطْرًا، فرجَع وهو حسيرٌ قبلَ أَنْ يَرى فيها فَطْرًا. قال: فإذا جاء يومُ القيامةِ انفطرتْ ثم انشقَّتْ، ثم جاء أمرٌ أكبرُ من ذلك، انكشَطَتْ.\n\n<span id=\"aya-5246\"></span><span data-type='title' id=toc-9066>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ وهي النُّجُومُ، وجعَلها مصابيحَ لإضاءتِها. وكذلك الصبحُ إنما قيل له: صبحٌ. للضوءِ الذي يُضِيءُ للناسِ مِن النهارِ، ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾. يقول: وجعَلنا المصابيحَ التي زيَّنا بها السماءَ الدنيا رجومًا للشياطينِ تُرْجَمُ بها.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":122},{"text":"وقد حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُه إنما خلَق هذه النجومَ لثلاثِ خصالٍ؛ خلَقها زينةً للسماءِ الدنيا، ورجومًا للشياطينِ، وعلاماتٍ يُهْتَدى بها، فمَن يتأوَّلُ فيها غيرَ ذلك فقد قال برَأْيِه، وأَخْطَأ حظَّه، وأضاع نصيبَه، وتكلَّف ما لا عِلْمَ له به (^١).\nوقولُه: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وأَعْتَدْنا للشياطينِ في الآخرةِ عذابَ السعيرِ، تُسْعَرُ عليهم فَتُسْجَرُ.\n\n<span id=\"aya-5247\"></span><span data-type='title' id=toc-9067>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ الذي خلَقهم في الدنيا، ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ في الآخرةِ، ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وبِئْسَ المصيرُ عذابُ جهنمَ.\n\n<span id=\"aya-5248\"></span>وقولُه: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا﴾. يعني: إذا أُلْقِي الكافرون في جهنمَ، ﴿سَمِعُوا لَهَا﴾. يعني لجهنمَ، ﴿شَهِيقًا﴾. يعني بالشَّهِيقِ الصوتَ الذي يَخْرُجُ مِن الجوفِ بشدَّةٍ كصوتِ الحمارِ، كما قال رُؤْبةُ في صفةِ حمارٍ (^٢):\nحَشْرَجَ في الجَوْفِ سَحِيلًا أَوْ شَهَقْ\nحَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ ومَا نَهَقْ\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٠٦) من طريق يزيد به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩١٣ من طريق سعيد به، وأخرجه عبد بن حميد في تفسيره - كما في التغليق ٣/ ٤٨٩ - والخطيب البغدادي في كتاب النجوم - كما في الدر المنثور ٣/ ٣٤ - ومن طريقه الحافظ في التغليق ٣/ ٤٨٩ - من طريق شيبان، عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد الرزاق. وتقدم في ١٤/ ١٩٣.\n(^٢) تقدم في ١٢/ ٥٧٦، ٥٧٧.","vol":"23","page":123},{"text":"وقولُه: ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾. يقولُ: [وهي] (^١) تَغْلِي.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ: ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾. يقولُ: تَغلِي كما يَغْلِي القِدْرُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5249\"></span><span data-type='title' id=toc-9068>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: تكادُ جَهنمُ ﴿تَمَيَّزُ﴾. يقولُ: تَتَفرَّقُ وتَتَقَطَّعُ من الغيظِ على أهلِها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾. يقولُ: تَتَفرَّقُ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ٢١٢ بمعناه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره كما في الإتقان ٢/ ٤٨ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص ٤٢٥ - إلى ابن المنذر.","vol":"23","page":124},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾: تكادُ يُفارِقُ بعضُها بعضًا وتَنْفَطِرُ (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾. يقولُ: تَفرَّقُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ قال: التَّميُّزُ التَّفَرُّقُ مِن الغيظِ على أهلِ معاصي اللَّهِ، غضبًا للَّهِ، وانتقامًا له (^٢).\n\n<span id=\"aya-5250\"></span>وقولُه: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: كُلما أُلْقِي في جهنَّمَ جماعةٌ، ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. يقولُ: سأَل الفوجَ خَزَنَةُ جهنمَ، فقالوا لهم: أَلم يأْتِكم في الدنيا نذيرٌ يُنْذِرُكم هذا العذابَ الذي أنتم فيه؟ فأجابهم المساكينُ فقالوا: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ يُنْذِرُنا هذا، فكذَّبْناه وقُلْنا له: ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾. يقولُ: في ذَهابٍ عن الحقِّ بعيدٍ.\n\n<span id=\"aya-5251\"></span><span data-type='title' id=toc-9069>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وقال الفَوْجُ الذي أُلْقِي في النارِ للخَزَنَةِ: ﴿لَوْ كُنَّا﴾ في الدنيا، ﴿نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ مِن النُّذُرِ ما جاءونا به من النصيحةِ، أو نَعْقِلُ عنهم ما كانوا يَدْعوننا إليه، ﴿مَا كُنَّا﴾ اليومَ ﴿فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. يعني أهلَ النارِ.\n\n<span id=\"aya-5252\"></span>وقولُه: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾. يقولُ: فَأَقرُّوا بذنبِهم.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٨ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ٦٢، والقرطبي في تفسيره ١٨/ ٢١٢.","vol":"23","page":125},{"text":"ووَحَّد \"الذنبَ\" وقد أُضِيف إلى الجَمْعِ؛ لأن فيه معنى فِعْلٍ، فأدَّى الواحدُ عن الجميعِ، كما يقالُ: خرَج عطاءُ الناسِ، وأَعْطِيَةُ الناسِ.\n﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. يقولُ: فبُعْدًا لأهلِ النارِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. يقولُ: بُعْدًا (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بنِ كُهَيْلٍ: عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. قال: \"سُحقًا\" وادٍ في جهنَّمَ (^٢).\nوالقرَأةُ على تخفيفِ الحاءِ مِن \"السُّحْقِ\"، وهو الصوابُ عندَنا؛ لأنَّ الفصيحَ مِن كلامِ العربِ ذلك، ومِن العربِ مَن يُحرِّكُها بالضمِّ (^٣).\n\n<span id=\"aya-5253\"></span><span data-type='title' id=toc-9070>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ الذين يخافون ربَّهم بالغيبِ. يقولُ: وهم لم يَرَوْه،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٨ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٧٤، وابن أبي الدنيا في صفة النار (٣٩)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٨٨ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) قراءة التخفيف بإسكان الحاء قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة. والقراءة بضم الحاء قراءة الكسائي، والقراءتان كلتاهما صواب. ينظر التيسير في القراءات السبع ص ١٧٢، والكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٣٢٩.","vol":"23","page":126},{"text":"﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ يقولُ: لهم عفوٌ مِن اللَّهِ عن ذنوبِهم، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. يقولُ: وثوابٌ مِن اللَّهِ لهم على خَشْيتِهم إيَّاه بالغيبِ جزيلٌ.\n\n<span id=\"aya-5254\"></span>وقولُه: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ يقولُ جلَّ ثناؤُه: وأَخْفُوا قولَكم وكلامَكم أيُّها الناسُ أو أَعْلِنوه وأَظْهِروه، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. يقولُ: إنه ذو علمٍ بضمائرِ الصدورِ التي لم يُتَكلَّمْ بها، فكيف بما نُطِق به وتكلِّم به، أُخْفى ذلك أو أُعْلِن؛ لأنَّ مَن لم تَخْفَ عليه ضمائرُ الصدورِ، فغَيْرُها أَحْرى ألا يَخْفى عليه.\n\n<span id=\"aya-5255\"></span><span data-type='title' id=toc-9071>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ﴾ الربُّ جلَّ ثناؤُه، ﴿مَنْ خَلَقَ﴾: مَن خَلَقه. يقولُ: كيف يَخْفى عليه خَلْقُه الذي خلَق، ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ بعبادِه، ﴿الْخَبِيرُ﴾ بهم وبأعمالِهم.\n\n<span id=\"aya-5256\"></span>وقولُه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اللَّهُ الذي جعَل لكم الأرضَ ذلولًا سهلًا، سهَّلها لكم، ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾.\nواختلَف أهلُ العلمِ في معنى: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾؛ فقال بعضُهم: مناكبُها جبالُها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فِي مَنَاكِبِهَا﴾. يقولُ: جبالِها (^١).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٨ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"23","page":127},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن بشيرِ بنِ كعبٍ أنه قرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾. فقال لجاريةٍ له: إن دَرَيْتِ ما مناكبُها فأَنْتِ حُرَّةٌ لوجْهِ اللَّهِ. قالت: فإن مناكبَها جبالُها. فكأنما سُفِع في وجهِه، ورَغِب في جاريتِه، فسأَل؛ فمنهم من أمرَه، ومنهم مَن نهاه، فسأل أبا الدرداءِ، فقال: الخيرُ في طُمأْنينةٍ، والشرُّ في ريبةٍ، فذَرْ ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبُك (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، عن بشيرِ بنِ كعبٍ بمثلِه سواءً.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾: جبالِها.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فِي مَنَاكِبِهَا﴾، قال: في جبالِها (^٢).\nوقال آخرون: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافِها ونواحِيها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾. يقولُ: امشُوا في أطرافِها (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١٥٧ عن عبد الأعلى به، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٢٠٦ - من طريق قتادة، عن يونس بن جبير، عن بشير، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٥ عن معمر به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٨ إلى المصنف.","vol":"23","page":128},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، أن بشيرَ بنَ كعبٍ العدويَّ قرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ فقال لجاريتِه: إن أَخْبَرتِني ما مناكبُها فأنتِ حرَّةٌ. فقالت: نواحِيها. فأراد أن يتزوَّجَها، فسأل أبا الدرداءِ، فقال: إن الخيرَ في طُمأنينةٍ، وإن الشرَّ في رِيبةٍ، فدَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال: طُرُقِها وفِجاجِها (^١).\nوأولى القولين عندي بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: فامْشُوا في نواحِيها وجوانبِها. وذلك أنَّ نواحيَها نظيرُ مناكبِ الإنسانِ، التي هي مِن أطرافِه.\nوقولُه: ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾. يقولُ: وكُلوا مِن رزقِ اللَّهِ الذي أخرَجه لكم مِن مناكبِ الأرضِ، ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإلى اللَّهِ نشرُكم مِن قبورِكم.\n\n<span id=\"aya-5257\"></span><span data-type='title' id=toc-9072>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أيُّها الكافرون، ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. يقولُ: فإذا الأرضُ تذهبُ بكم وتَجِيءُ وتَضْطَرِبُ،\n\n<span id=\"aya-5258\"></span>﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ وهو اللَّهُ، ﴿أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ وهو الترابُ فيه\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٦٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٨ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":129},{"text":"الحَصْباءُ الصِّغارُ، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. يقولُ: فستعلمون أيُّها الكفرةُ كيف عاقبةُ نذيرِي لكم، إذ كذَّبْتُم به، وردَدْتُموه على رسولِي.\n\n<span id=\"aya-5259\"></span><span data-type='title' id=toc-9073>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ولقد كذَّب الذين مِن قبلِ هؤلاءِ المشركين مِن قريشٍ مِن الأممِ الخاليةِ - رسلَهم، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. يقولُ: فكيف كان نكيري تكذيبَهم إيَّاهم؟\n\n<span id=\"aya-5260\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾. يقولُ: أو لم يَرَ هؤلاء المشركون إلى الطيرِ فوقَهم صافاتٍ أجنحتَهنَّ؟ ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾. يقولُ: ويَقْبِضْنَ أجنحتهنَّ أحيانًا؟ وإنما عُنِي بذلك أنها تَصُفُّ أجنحتَها أحيانًا، وتَقْبِضُ أحيانًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿صَافَّاتٍ﴾. قال: الطيرُ يَصُفُّ جَناحَه كما رأيتَ، ثم يَقْبِضُه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾: بَسْطُهنَّ أَجْنِحتَهنَّ وقبْضُهنَّ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٥ عن معمر به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٦٧، ومن طريقه الفريابي وعبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٤٦ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٩ إلى ابن المنذر.","vol":"23","page":130},{"text":"وقولُه: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾. يقولُ: ما يُمسِكُ الطيرَ الصافاتِ فوقَكم إلا الرحمنُ. يقولُ: فلهم بذلك مُدَّكَرٌ إنِ ادَّكَرُوا، ومُعْتَبَرٌ إِنِ اعْتَبَروا، يَعْلمون به أنَّ ربَّهم واحدٌ لا شريكَ له، ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. يقولُ: إِنَّ اللَّهَ بكلِّ شيءٍ ذو بَصَرٍ وخِبْرةٍ، لا يدخُلُ تدبيرَه خَلَلٌ، ولا يُرى في خَلْقِه تفاوتٌ.\n\n<span id=\"aya-5261\"></span><span data-type='title' id=toc-9074>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه للمشركين به مِن قريشٍ: مَن هذا الذي هو جندٌ لكم أيُّها الكافرون به، يَنْصُرُكم مِن دونِ الرحمنِ إن أراد بكم سوءًا، فيدفعَ عنكم ما أراد بكم مِن ذلك؟ ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما الكافرون باللَّهِ إلا في غرورٍ مِن ظنِّهم أنَّ آلهتَهم تقرِّبُهم إلى اللَّهِ زُلْفَى، وأنَّها تَنْفعُ أو تَضُرُّ.\n\n<span id=\"aya-5262\"></span><span data-type='title' id=toc-9075>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أمَّن هذا الذي يُطْعِمُكم ويَسْقِيكم ويأتي بأقواتِكم إن أَمْسَك ربُّكم رِزْقَه الذي يرزقُكم عنكم؟\nوقولُه: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. يقولُ: بل تمادَوْا في طغيانٍ ونفورٍ عن الحقِّ واستكبارٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن","vol":"23","page":131},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. يقولُ: في ضلالٍ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. قال: كُفُورٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5263\"></span><span data-type='title' id=toc-9076>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي﴾ أيُّها الناسُ، ﴿مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ لا يُبْصِرُ ما بينَ يدَيْه وما عن يمينِه وشمالِه، ﴿أَهْدَى﴾. يقولُ: أشدُّ استقامةً على الطريقِ، وأهْدَى له، ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ مَشْيَ بني آدمَ على قَدَمَيه، ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: على طريقٍ لا اعْوِجاجَ فيه.\nوقيل: ﴿مُكِبًّا﴾. لأنه فِعلٌ غيرُ واقعٍ، وإذا لم يكنْ واقعًا أَدْخلوا فيه الألفَ، فقالوا: أَكبَّ فلانٌ على وجْهِه، فهو مُكِبٌّ. ومنه قولُ الأعشى (^٣):\nمُكِبًّا على رَوْقَيْهِ (^٤) يَحْفِرُ عِرْقَهَا … علَى ظَهْرِ عُرْيَانِ الطَّرِيقَةِ أَهْيَما (^٥)\nفقال: مُكِبًّا. لأنه فِعلٌ غيرُ واقعٍ، فإذا كان واقعًا حُذِفت منه الأَلفُ، فقيل: كبَبْتُ فلانًا على وجْهِه، وكبَّه اللَّهُ على وجْهِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٩ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٦٧، ومن طريقه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٤٦ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٩ إلى ابن المنذر.\n(^٣) ديوانه ص ٢٩٥.\n(^٤) الروق: القرن من كل ذي قرن، والجمع أرواق. اللسان (روق).\n(^٥) الأهيم من الهيام من الرمل: ما كان ترابًا دقاقًا يابسًا لا تستطيع أن تمسك به لدقة ذراته. الوسيط (هـ ي م).","vol":"23","page":132},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: من يَمْشي في الضلالِة أهدى، أمن يمْشِي مهتديًا (^١)؟\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾. قال: في الضلالةِ، ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قال: حقٍّ مستقيمٍ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾: يعني الكافرَ، ﴿أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ المؤمنُ؟ ضرَب اللَّهُ مَثَلًا لهما.\nوقال آخرون: بل عُنِي بذلك أن الكافرَ يَحشُرُه اللَّهُ يومَ القيامةِ على وجْهِه، فقال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ يومَ القيامةِ أَهْدَى أمَّن يَمْشِي سَوِيًّا يومئذٍ؟\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى﴾: هو الكافرُ، أكبَّ على معاصي اللَّهِ في الدنيا، حشَره اللَّهُ يومَ القيامةِ على وجْهِه، فقيل: يا نبيَّ اللَّهِ، كيف يُحْشَرُ الكافرُ على وجْهِه؟ قال: \"إِنَّ الذي أمشاه على رِجْليْه قادرٌ أن يَحْشُرَه يوم القيامةِ على وجْهِه\".\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٩ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٦٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":133},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾. قال: هو الكافرُ يعملُ بمعصيةِ اللَّهِ، فيَحْشُرُه اللَّهُ يومَ القيامةِ على وجْهِه. قال معمرٌ: قيل للنبيِّ ﷺ: كيف يَمْشُون على وجُوهِهم؟ قال: \"إِنَّ الذي أَمْشاهم على أَقْدَامِهم قادرٌ على أن يُمْشِيَهم على وُجُوهِهم\" (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قال: المؤمنُ، عَمِل بطاعةِ اللَّهِ، فيحشُرُه اللَّهُ على طاعتِه (^١).\n\n<span id=\"aya-5264\"></span><span data-type='title' id=toc-9077>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قلْ يا محمدُ للذين يُكذِّبون بالبعثِ مِن المشركين: اللَّهُ الذي أنشأَكم فخلقَكم، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ تَسْمعون به، ﴿وَالْأَبْصَارَ﴾ تُبْصِرون بها، ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ تَعْقِلون بها، ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: قليلًا ما تشكرون ربَّكم على هذه النِّعمِ (^٢) التي أَنعَمها عليكم.\n\n<span id=\"aya-5265\"></span><span data-type='title' id=toc-9078>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ: اللَّهُ ﴿الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، يقولُ: اللَّهُ الذي خلَقكم في الأرضِ، ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. يقولُ: وإلى\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٥ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وتقدم في ١٧/ ٤٤٩.\n(^٢) في ت ٢: \"النعمة\".","vol":"23","page":134},{"text":"اللَّهِ تُحْشَرون، فتُجْمَعون مِن قبورِكم لموقفِ الحسابِ،\n\n<span id=\"aya-5266\"></span>﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويقولُ المشركون: متى يكونُ ما تَعِدُنا مِن الحشرِ إلى اللَّهِ إن كنتم صادقين في وَعْدِكم إيَّانا ما تَعِدُوننا؟\n\n<span id=\"aya-5267\"></span><span data-type='title' id=toc-9079>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المُسْتَعْجِليك بالعذابِ وقيامِ الساعةِ: إنما علمُ الساعةِ، ومتى تقومُ القيامةُ، عندَ اللَّهِ، لا يعلمُ ذلك غيرُه، ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ: وما أنا إلا نذيرٌ لكم أُنْذِرُكم عذابَ اللَّهِ على كفرِكم به، ﴿مُبِينٌ﴾: قد أبان لكم إنذارَه.\n\n<span id=\"aya-5268\"></span>وقولُه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلما رأى هؤلاء المشركون عذابَ اللَّهِ ﴿زُلْفَةً﴾. يقولُ: قريبًا، وعايَنوه، ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: ساء اللَّهُ بذلك وجوهَ الكافرين.\nوبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿زُلْفَةً﴾ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾. قال: لما عايَنوه (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ أبي بُكيرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، قال: سألتُ الحسنَ عن قولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾. قال: مُعايَنَةً.\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ٧٠.","vol":"23","page":135},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾. قال: قد اقْتَرَب (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: لِما عايَنَت مِن عذابِ اللَّهِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾. قال: لما رأَوْا عذابَ اللَّهِ زُلْفةً. يقولُ: سِيئَتْ وجوهُهم حينَ عايَنوا من عذابِ اللَّهِ وخِزْيهِ ما عايَنوا (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾. قيل: الزُّلفةُ حاضرٌ، قد حضَرهم عذابُ اللَّهِ ﷿ (^٣).\n﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾. يقولُ: وقال اللَّهُ لهم: هذا العذابُ الذي كنتم به تَدْعُون ربَّكم أَنْ يُعَجِّلَه لكم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَقِيلَ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٦٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٦ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٣٠٣.","vol":"23","page":136},{"text":"هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾. قال: استعجالُهم بالعذابِ.\nواختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ بتشديدِ الدالِ، بمعنى: تَفْتَعِلون، مِن الدعاءِ.\nوذُكر عن قتادةَ والضحاكِ أنهما قرَأا ذلك: (تَدْعُونَ) بمعنى: تَفْعلون في الدنيا (^١).\nحدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: أخبَرنا أبانٌ العطارُ وسعيدُ بنُ أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ أنه قرَأها: (الذي كُنْتُمْ بِهِ تَدْعُونَ) خفيفةً، ويقولُ: كانوا يَدْعون بالعذابِ. ثم قرَأ: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك ما عليه قرَأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرَأةِ عليه.\n\n<span id=\"aya-5269\"></span><span data-type='title' id=toc-9080>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ للمشركين مِن قومِك: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أيُّها الناسُ، ﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ فأَماتني، ﴿وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا﴾\n_________\n(^١) وبها قرأ يعقوب من العشرة. النشر ٢/ ٢٩١. وبها قرأ عصمة عن أبي بكر، والأصمعي عن نافع، وأبو رجاء والحسن وابن يسار عبد الله بن مسلم وسلام وابن أبي عبلة وأبو زيد. ينظر البحر المحيط ٨/ ٣٠٤.","vol":"23","page":137},{"text":"فأخَّر في آجالِنا، ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾ باللَّه من عذابٍ مُوجعٍ مؤلمٍ؟ وذلك عذابُ النارِ. يقولُ: ليس يُنْجِي الكفارَ من عذابِ اللَّهِ موتُنا وحياتُنا، فلا حاجةَ بكم إلى أن تَسْتَعْجِلوا قيامَ الساعةِ ونزولَ العذابِ، فإن ذلك غيرُ نافِعكم، بل ذلك بلاءٌ عليكم عظيمٌ.\n\n<span id=\"aya-5270\"></span><span data-type='title' id=toc-9081>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ: ربُّنا ﴿الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ﴾. يقولُ: صدَّقْنا به، ﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾. يقولُ: وعليه اعْتَمَدْنا في أُمورِنا، وبه وَثِقْنا فيها، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: فستعلمون أيُّها المشركون باللَّهِ الذي هو في ذَهابٍ عن الحقِّ، والذي هو على غيرِ طريقٍ مستقيمٍ منا ومنكم، إذا صِرْنا إليه وحُشِرْنا جميعًا.\n\n<span id=\"aya-5271\"></span><span data-type='title' id=toc-9082>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أيُّها القومُ العادلون باللَّهِ، ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾. يقولُ: غائرًا لا تنالُه الدِّلاءُ، ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾. يقولُ: فمن يَجِيئُكم بماءٍ مَعِينٍ. يعني بالمَعِينِ الذي تَراه العيونُ ظاهرًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن","vol":"23","page":138},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾. يقولُ: بماءٍ عذبٍ (^١).\nحدَّثنا [عبدُ الأعلى] (^٢) بنُ واصلٍ، قال: ثنى عبيدُ بنُ هاشمٍ (^٣) البَزَّازُ، قال: ثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾: لا تنالُه الدِّلاءُ، ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾. قال: الظاهرِ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾. أي: ذاهبًا، ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾. قال: الماءُ المَعِينُ الجارِي (^٥).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾: ذاهبًا، ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾: جارٍ (^٦).\nوقيل: ﴿غَوْرًا﴾. فوصَف الماءَ بالمصدرِ، كما قيل: ليلةٌ غَمٌّ (^٧). يرادُ: ليلةٌ غَامَّةٌ (^٧).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"الملكِ\"\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"ابن عبد الأعلى\". وتقدم في ٨/ ٩٦.\n(^٣) في م: \"قاسم\". وينظر الجرح والتعديل ٦/ ٥.\n(^٤) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ١٤/ ٤٠٣ من طريق شريك به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ٧٢، والقرطبي في تفسيره ١٨/ ٢٢٢.\n(^٧) في م: \"عم\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"غيم\".","vol":"23","page":139},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9083>تفسيرُ سُورةِ \"ن\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5272\"></span><span data-type='title' id=toc-9084>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ </span>(٣)﴾.\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿ن﴾؛ فقال بعضُهم: هو الحوتُ الذي عليه الأَرَضُون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بن المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أَوَّلُ ما خلَق اللَّهُ مِن شيءٍ القلمُ، فَجَرَى بما هو كائنٌ، ثم رُفِع بخارُ الماءِ، فخُلِقَت منه السماواتُ، ثم خُلِق النُّونُ، فبُسِطَتِ الأرضُ على ظَهْرِ النُّونِ، [فتحرَّك النونُ، فمادت الأرضُ] (^١)، فأُثْبِتَت بالجبالِ، فإِنَّ الجبالَ لتَفْخَرُ على الأرضِ. قال: وقرَأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا تميمُ بنُ المُنْتَصِرِ، قال: ثنا إسحاقُ، عن شريكٍ، عن الأعمشِ، عن أبي\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"فتحركت الأرض فمادت\"، وفي ت ٢: \"فتحركت الأرض فمادت الأرض\". والمثبت من التاريخ.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣، ٥١، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٧، وابن أبي شيبة ١٤/ ١٠١، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٢١٠ - وأبو الشيخ في العظمة (٩٠٠)، والآجري في الشريعة (١٨٣)، والحاكم ٢/ ٤٩٨، والخطيب في تاريخه ٩/ ٥٩ من طريق سليمان، وهو الأعمش، به، وهو في تفسير مجاهد ص ٦٦٨ كذلك، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٩ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والضياء في المختارة.","vol":"23","page":140},{"text":"ظَبْيانَ، أو مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه، إلا أنه قال: ففُتِقَتْ منه السماواتُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى سليمانُ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أَوَّلُ ما خلَق اللَّهُ القلمُ، قال: اكْتُبْ. قال: ما أَكْتُبُ؟ قال: اكْتُبِ القَدَرَ. قال: فجَرَى بما يكونُ من ذلك اليومِ إلى قيامِ الساعةِ، ثم خُلِق النُّونُ، ورُفِع بخارُ الماءِ، ففُتِقَتْ منه السماءُ، وبُسِطَتِ الأرضُ على ظَهْرِ النونِ، فاضطَربَ النُّونُ، فمادَتِ الأرضُ، فأُثْبِتَت بالجبالِ، فإنها لتَفْخَرُ على الأرضِ (^٢).\nحدَّثنا واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أوَّلُ ما خلَق اللَّهُ مِن شَيءٍ القلمُ، فقال له: اكْتُبْ. فقال: وما أَكْتُبُ يا ربِّ؟ قال: اكْتُبِ القَدَرَ. قال: فجَرَى القلمُ بما هو كائنٌ من ذلك إلى قيامِ الساعةِ، ثم رُفِع بخارُ الماءِ، ففُتِق منه السماواتُ، ثم خُلِق النُّونُ فدُحِيت الأرضُ على ظَهْرِه، فاضْطرَب النُّونُ، فمادَتِ الأرضُ، فأُثْبِتَت بالجبالِ، فإنها لتَفْخَرُ على الأرضِ (^٣).\nحدَّثنا واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عباسٍ نحوَه (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، أن إبراهيمَ بنَ\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣، ٥١.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٥١.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣، ٥٠.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٣، ٥١، كما أخرجه البيهقي في السنن ٩/ ٣، وفي الأسماء والصفات (٨٠٤) من طريق وكيع به.","vol":"23","page":141},{"text":"أبي بكرٍ أخبرَه عن مجاهدٍ، قال: كان يقالُ: النُّونُ الحوتُ الذي تحتَ الأرضِ السابعةِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: قال معمرٌ: ثنا الأعمشُ، أنَّ ابنَ عباسٍ قال: إِنَّ أوَّلَ شيءٍ خُلِق القلمُ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ واصلٍ، عن ابنِ فُضَيلٍ، وزاد فيه: ثم قرَأ ابنُ عباسٍ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن أبي الضُّحى مسلمِ بنِ صُبيحٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إِنَّ أَوَّلَ شيءٍ خلَق ربي القلمُ، فقال له: اكْتُبْ. فكتَب ما هو كائنٌ إلى أنْ تقومَ الساعةُ، ثم خلَق النُّونَ فوقَ الماءِ، ثم كبَس الأرضَ عليه (^٣).\nوقال آخرون: ﴿ن﴾ حرفٌ مِن حروفِ الرحمنِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ المَرْوَزِيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أبي، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿الر﴾، و﴿حم﴾، و﴿ن﴾: حروفُ الرحمن مُقطَّعةٌ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنا عيَّاشُ (^٥) بنُ زيادٍ الباهليُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤، ٥١، ٥٢، وأخرجه عبد الله في السنة (٨٧١) من طريق جرير به، وهو في تفسير مجاهد ص ٦٦٨، وأخرجه الآجري في الشريعة (١٨٢) كلاهما من طريق عطاء به.\n(^٤) تقدم تخريجه في ١٢/ ١٠٣، ١٠٤.\n(^٥) في النسخ: \"عباس\". والمثبت مما تقدم.","vol":"23","page":142},{"text":"أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الر﴾، و﴿حم﴾، و﴿ن﴾. قال: اسمٌ مُقَطَّعٌ (^١).\nوقال آخرون: ﴿ن﴾: الدَّواةُ، ﴿وَالْقَلَمِ﴾: القلمُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، قال: ثنا أخي عيسى بنُ عبدِ اللَّهِ، عن ثابتٍ الثُّمَاليِّ (^٢)، عن ابنِ عباسٍ، قال: إنَّ اللَّهَ خلَق النُّونَ وهى الدواةُ، وخلَق القلمَ فقال: اكْتُبْ. فقال: ما أكْتُبُ؟ قال: اكْتُبْ ما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ؛ من عملٍ مَعْمُولٍ، بِرٍّ أو فجورٍ، أو رزقٍ مقسومٍ، حلالٍ أو حرامٍ. ثم أَلْزَم كلَّ شيءٍ من ذلك شأْنَه، دخولَه في الدنيا، ومُقامَه فيها كم؟ وخروجَه منها كيف؟ ثم جعَل على العبادِ حَفَظَةً، وللكتابِ خُزَّانًا، فالحفظةُ يَنْسَخون كلَّ يومٍ مِن الخُزَّانِ عملَ ذلك اليومِ، فإذا فَنِي الرزْقُ وانقَطَع الأَثَرُ، وانقَضَى الأجلُ، أَتَتِ الحَفَظَةُ الخَزنةَ يَطْلُبون عملَ ذلك اليومِ، فتقولُ لهم الخَزَنةُ: ما نجدُ لصاحبِكم عندَنا شيئًا. فتَرْجِعُ الحفَظَةُ فيَجِدونهم قد ماتوا. قال: فقال ابنُ عباسٍ: ألستم قومًا عَرَبًا تَسمعون الحَفَظَةَ يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]. وهل يكونُ الاسْتِنْساخُ إلا مِن أَصلٍ (^٣)؟\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه: ﴿ن﴾. قال: هو الدواةُ (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١/ ٢٠٨.\n(^٢) في م: \"البناني\"، وفي ت ١: \"اليماني\"، وفي ت ٢: \"التماني\"، وفي ت ٣: \"الثماني\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢١٢ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٥ إلى المصنف وابن المنذر، وتقدم تخريجه في ٢١/ ١٠٤، ١٠٥.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢١٢ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥٠ إلى عبد الرزاق وابن المنذر.","vol":"23","page":143},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن قتادةَ، قال: النُّونُ الدَّواةُ.\nوقال آخرون: ﴿ن﴾: لَوْحٌ مِن نورٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ شَبِيبٍ المُكْتِبُ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيادٍ الجَزَرِيُّ، عن فُراتِ بنِ أبي الفُراتِ، عن معاويةَ بنِ قرَّةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \" ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: لَوْحٌ مِن نورٍ يَجْرِي بما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ\" (^١).\nوقال آخرون: ﴿ن﴾ قَسَمٌ أقسَم اللَّهُ به.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: يُقْسِمُ اللَّهُ بما شاء.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. قال: هذا قَسَمٌ أقسَم اللَّهُ به (^٢).\nوقال آخرون: هي اسمٌ مِن أسماءِ السورةِ.\nوقال آخرون: هي حرفٌ مِن حروفِ المُعْجَمِ. وقد ذكَرْنا القولَ فيما جانَس ذلك مِن حروفِ الهِجاءِ التي افْتُتِحَتْ بها أوائلُ السورِ، والقولُ في قولِه نظيرُ القولِ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢١٢ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥٠، والإتقان ٤/ ٢٨٩ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ٢٢٤.","vol":"23","page":144},{"text":"في ذلك (^١).\nواختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ: ﴿ن﴾، فأَظْهَر النُّونَ فيها وفي: ﴿يس﴾ عامةُ قرأةِ الكوفةِ خلا الكِسائيَّ، وعامةُ قرأةِ البصرةِ؛ لأنَّها حرفُ هِجاءٍ، والهِجَاءُ مبنيٌّ على الوقوفِ عليه وإنِ اتَّصَل، وكان الكِسائيُّ يُدْغِمُ النُّونَ الآخرةَ منهما ويُخْفِيها بناءً على الاتصالِ (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان فصيحتان، بأيَّتهما قرَأ القارئُ أصاب، غيرَ أَنَّ إِظْهَارَ النُّونِ أَفصحُ وأَشْهَرُ، فهو أَعْجَبُ إليَّ.\nوأما القلمُ فهو القلمُ المعروفُ، غيرَ أنَّ الذي أَقسَم به ربُّنا مِن الأقلامِ القلمُ الذي خلَقه اللَّهُ تعالى ذكرُه، فأَمَره فجَرَى بكتابةِ جميعِ ما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ معاويةَ (^٣) الأَنماطيُّ، قال: ثنا عبَّادٌ بنُ العوَّامِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ سليمٍ، قال: سمِعتُ عطاءً قال: سألتُ الوليدَ بنَ عُبادةَ بنِ الصامتِ: كيف كانت وصيةُ أبيك حينَ حضَره الموتُ؟ فقال: دعاني فقال: أي بنيَّ، اتقِ اللَّهَ، واعلمْ أنك لن تتقيَ اللَّهَ، ولن تبلُغَ العلمَ حتى تُؤمِنَ باللَّهِ وحدَه، والقدرِ خيرِه وشرِّه، إني سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: \"إنَّ أولَ ما خلَق اللَّهُ خلَق القلمَ، فقال له: اكْتُبْ. قال: يا ربِّ وما أكْتُبُ؟ قال: اكْتُبِ القدرَ\". قال: \"فجَرَى القلم في تلك الساعةِ بما كان، وما هو كائنٌ إلى الأَبَدِ\" (^٤).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٠٤ وما بعدها.\n(^٢) بالإدغام قرأ ورش والبزي وابن ذكوان وعاصم بخلف عنهم، وهشام والكسائي ويعقوب وخَلَفٌ عن نفسه، والباقون بالإظهار. وسكت على (ن) أبو جعفر. ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ٢٦٠.\n(^٣) في النسخ: \"صالح\". وتقدم على الصواب في ٤/ ٤٣٠.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٢، ٣٣، وأخرجه الطيالسي (٥٧٨)، والترمذي (٣٣١٩)، والبغوي في الجعديات (٣٤٧٨)، من طريق عبد الواحد بن سليم به.","vol":"23","page":145},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الطُّوسيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ الحسنِ بنِ شَقيقٍ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، قال: أخبَرنا رباحُ بنُ زيدٍ، عن عمرَ (^١) بنِ حَبيبٍ، عن القاسمِ بنِ أبي بزَّةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يُحدِّثُ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"أَوَّلُ شيءٍ خلَق اللَّهُ القَلَمُ، وأَمَره فكتَب كلَّ شيءٍ\" (^٢).\nحدَّثنا موسى بنُ سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا نُعيمُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا ابنُ المباركِ بإسنادِه، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (^٣) (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: إن ناسًا يُكَذِّبون بالقَدَرِ. فقال: إنَّهم يُكَذِّبون بكتابِ اللَّهِ، لآخُذنَّ بشَعرِ أحدِهم [فَلَأَنْفُضَنَّ به] (^٥). إِنَّ اللَّهَ كان على عَرْشِه قبل أن يخلُقَ شيئًا، فكان أوَّلَ ما خلَق اللَّهُ القلمُ، فجَرَى بما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ، فإنما يَجْرِي الناسُ على أمرٍ قد فُرِغ منه (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"عمرو\". وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٢٨٨.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢١٣ عن المصنف، وأخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٢ عن علي بن الحسن به.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٢، وأخرجه الدارمي في الرد على المريسي ص ١٩٨ من طريق نعيم بن حماد به، وأخرجه عبد الله في السنة (٨٥٤)، وابن أبي عاصم في السنة (١٠٨)، وأبو يعلى (٢٣٢٩)، والطبراني (١٢٥٠٠)، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ١٨١، والبيهقي ٩/ ٣، وفي الأسماء والصفات (٨٠٣) من طريق ابن المبارك به\n(^٤) بعده في م: \"حدثنا موسى بن سهل الرملي، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا ابن المبارك، بإسناده عن النبي ﷺ، نحوه\".\n(^٥) في م: \"فلا يقصن\"، وفي الرد على الجهمية، والشريعة: \"فلأنصونه\". ولأنفضن: لآخذنه بيدي أزعزعه وأحركه. ولأنصونه: لأخذن بناصيته. ينظر التاج (ن ف ض، ن ص و).\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٤، ٣٥، وأخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص ١٢، والآجري في الشريعة (٣٥١)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (١٢٢٣) من طريق سفيان به.","vol":"23","page":146},{"text":"حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو هاشمٍ (^١) سَمِع مجاهدًا، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ - لا يَدْرِي (^٢) ابنَ عمرَ أو ابنَ عباسٍ - قال: إِنَّ أوَّلَ ما خلقَ اللَّهُ القلمُ، فجَرَى القلمُ بما هو كائنٌ، وإنما يَعْمَلُ الناسُ اليومَ فيما قد فُرِغ منه (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، وحدَّثني عبيدُ (^٤) بنُ آدمَ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن أيوبَ بنِ زيادٍ، قال: ثنى عُبادةُ (^٥) بنُ الوليدِ بنِ عُبادةَ بن الصامتِ، قال: أخبَرني أبي، قال: قال أبي عُبادةُ بنُ الصامتِ: يا بُنيَّ، سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: \"إنَّ أوَّلَ ما خلَق اللَّهُ القلمُ، فقال له: اكْتُبْ. فجَرَى في تلك الساعةِ بما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ\" (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾. قال: الذي كُتِب به الذِّكْرُ (^٧).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، أخبرَه\n_________\n(^١) بعده في م: \"أنه\".\n(^٢) في م: \"ندري\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٥.\n(^٤) في النسخ: \"عبد الله\". والمثبت من التاريخ. وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ١٨٣.\n(^٥) في النسخ: \"عباد\". والمثبت من التاريخ. وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ١٩٨.\n(^٦) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٢، وأخرجه أحمد ٥/ ٣١٧ (الميمنية) من طريق الليث به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ١١٤، والبزار (٢٦٨٧)، والآجري في الشريعة (٣٤٦) من طريق معاوية بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥٠ إلى ابن مردويه.\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢١٣ عن ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":147},{"text":"عن إبراهيمَ بنِ أبي بكرٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾. قال: الذي كُتِب به الذِّكْرُ.\nوقولُه: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. يقولُ: والذي يَخُطُّون ويكتُبون. إذا وُجِّه التأويلُ إلى هذا الوجهِ كان القَسَمُ بالخَلْقِ وأفعالِهم. وقد يَحْتَمِلُ الكلامُ معنًى آخرَ، وهو أنْ يكونَ معناه: وسَطْرِهم ما يَسْطُرون. فتكونُ \"ما\" بمعنى المصدرِ. وإذا وُجِّه التأويلُ إلى هذا الوجهِ كان القَسَمُ بالكتابِ، كأنه قيل: ن والقلمِ والكتابِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. قال: وما يَخُطُّون.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. يقولُ: يكتُبون (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. قال: ما يكْتُبون (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٩٨ من طريق أبي ظبيان، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":148},{"text":"يَسْطُرُونَ﴾: وما يكتُبون (^١).\nيقالُ منه: سَطَر فلانٌ الكتابَ، فهو يسطُرُ سَطْرًا. إذا كتَبه. ومنه قولُ رُؤْبةَ بنِ العجَّاجِ:\nإِنِّي وَأَسْطارٍ سُطِرْنَ سَطْرا (^٢)\n\n<span id=\"aya-5273\"></span>وقولُه: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ما أنت بنعمةِ ربِّك بمجنونٍ. مكذِّبًا بذلك مشركي قريشٍ الذين قالوا له: إنك مجنونٌ.\n\n<span id=\"aya-5274\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن لك يا محمدُ لثوابًا مِن اللَّهِ عظيمًا، على صبرِك على أذى المشركين إيَّاك، غيرَ منقوصٍ ولا مقطوعٍ. من قولِهم: حبلٌ مَنِينٌ، إذا كان ضعيفًا، وقد ضَعُفَت مُنَّتُه، إِذا ضَعُفَت قوَّتُه.\nوكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾. قال: محسُوبٍ (^٣).\n\n<span id=\"aya-5275\"></span><span data-type='title' id=toc-9085>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ</span>\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٧ عن معمر به، وأخرجه عبد بن حميد - كما في الفتح ١٣/ ٥٢٣ - من طريق شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٢١/ ٥٦٠.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٢٠/ ٣٨١، ٣٨٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":149},{"text":"وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وإنك يا محمدُ لعلى أدبٍ عظيمٍ، وذلك أدبُ القرآنِ الذي أدَّبه اللَّهُ به، وهو الإسلامُ وشرائعُه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. يقولُ: دينٍ عظيمٍ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. يقولُ: إنك على دينٍ عظيمٍ، وهو الإسلامُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. قال: الدينِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: سُئِلت (^٤) عائشةُ عن خُلُقِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، قالت: كان خُلُقُه القرآن. تقولُ: كما\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢١٤ عن العوفي به.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ١٨٧، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٢١٤.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢: \"سألت\".","vol":"23","page":150},{"text":"هو في القرآنِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. ذُكِر لنا أن سعدَ (^٢) بنَ هشامٍ سأَل عائشةَ عن خُلُقِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقالت: ألسْتَ تَقْرَأُ القرآنَ؟ قال: قلتُ: بلى. قالت: فإِن خُلُقَ رسولِ اللَّهِ ﷺ كان القرآنَ (^٣).\nحدَّثنا عُبيدُ بنُ آدمَ بنِ أبي إياسٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا المباركُ بنُ فَضالةَ، عن الحسنِ، عن سعدِ (٢) بنِ هشامٍ، قال: أتَيْتُ عائشةَ أمَّ المؤمنين رحمةُ اللَّهِ عليها، فقلتُ: أخْبِريني عن خُلُقِ رسولِ اللَّهِ ﷺ. فقالت: كان خلقُه القرآنَ، أَمَا تَقْرَأُ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (^٤)؟\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن أبى الزاهريةِ، عن جُبيرِ بنِ نُفيرٍ (^٥)، قال: حجَجْتُ فدخَلْتُ على عائشةَ، فَسَأَلْتُها عن خلقِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقالت: كان خلقُ رسولِ اللَّهِ ﷺ القرآنَ (^٦).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢١٤ عن معمر، عن قتادة، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٧، وفي المصنف (٤٧١٤) - ومن طريقه أبو عوانة ٢/ ٣٢١، وابن حبان (٢٥٥١)، والحاكم ٢/ ٤٩٩ - عن معمر، عن قتادة عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة.\n(^٢) في النسخ: \"سعيد\". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٣٠٧.\n(^٣) أخرجه أحمد ٦/ ٥٣، ٥٤ (الميمنية)، ومسلم (٧٤٦)، وأبو عوانة ٢/ ٣٢٣، والبيهقي في الدلائل ١/ ٣٠٨ من طريق سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام مطولًا.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢١٥ عن المصنف، وأخرجه أحمد ٦/ ٩١ (الميمنية)، والآجري في الشريعة (١٠٢٣) من طريق المبارك بن فضالة به.\n(^٥) في م: \"نفيل\".\n(^٦) أخرجه أحمد ٦/ ١٨٨ (الميمنية)، والنسائي في الكبرى (١١١٣٨) من طريق معاوية به.","vol":"23","page":151},{"text":"حدَّثنا عُبيدُ بنُ أسْباطَ، قال: ثنى أبي، عن فُضيلِ بنِ مرزوقٍ، عن عطيةَ في قولِه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. قال: أدبِ القرآنِ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. قال: على دينٍ عظيمٍ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾: يعني دينَه وأمْرَه الذي كان عليه، مما أمَرَه اللَّهُ (^٣) ووكَله إليه (٢).\n\n<span id=\"aya-5276\"></span>وقولُه: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فستَرَى يا محمدُ، ويَرَى مشركو قومِك الذين يَدْعُونك مجنونًا ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: تَرَى ويَرَوْن.\n\n<span id=\"aya-5277\"></span>وقولُه: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الدلائل ١/ ٣١٠ من طريق أسباط بن محمد به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٦٧٨) - ومن طريقه الآجري في الشريعة (١٠٢٤) - عن فضيل بن مرزوق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢١٤.\n(^٣) بعده في م: \"به\".","vol":"23","page":152},{"text":"بعضُهم: تأويلُه: بأيِّكم المجنونُ. كأَنَّه وجَّه معنى الباءِ في قولِه: ﴿بِأَيِّكُمُ﴾. إلى معنى \"في\"، وإذا وُجِّهَت الباءُ إلى معنى \"في\" كان تأويلُ الكلامِ: ويُبْصِرون في أيِّ الفريقين المجنونُ؟ في فريقِك يا محمدُ أو في فريقِهم؟ ويكونُ \"المجنونُ\" اسمًا مرفوعًا بالباءِ.\nذكرُ مَن قال: معنى ذلك: بأيِّكم المجنونُ\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾. قال: المجنونُ (^١).\nقال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾. قال: بأيِّكم المجنونُ.\nوقال آخرون: بل تأويلُ ذلك: بأيِّكم الجنونُ. وكأن الذين قالوا هذا القولَ وجَّهوا المفتونَ إلى معنى الفتنةِ أو الفتونِ، كما قيل: ليس له معقولٌ ولا معقودُ رأىٍ (^٢). بمعنى: ليس له عقلٌ ولا عقدُ رأيٍ. فكذلك وُضِع المفتونُ موضعَ الفُتُونِ.\nذكرُ مَن قال: المفتونُ بمعنى المصدرِ، وبمعنى الجنونِ\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾. قال: الشيطانُ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"أي\".","vol":"23","page":153},{"text":"الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾: يعني الجنونَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: يقولُ: بأيِّكم الجنونُ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أيُّكم أولى بالشيطانِ. فالباءُ على قولِ هؤلاء زيادةٌ؛ دخولُها وخروجُها سواءٌ، ومثَّل هؤلاء ذلك بقولِ الراجزِ (^٢):\nنحن بنو جَعْدةَ أصحابُ الفَلَجْ\nنَضْرِبُ بالسيفِ ونَرْجُو بالفَرَجْ\nبمعنى: ونَرْجُو الفَرَجَ. فدخولُ الباءِ في ذلك عندَهم في هذا الموضعِ وخروجُها سواءٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾: يقولُ: أيُّكم أولى بالشيطانِ.\nحدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾. قال: أيُّكم أولى بالشيطانِ (^٣).\nواخْتَلَف أهلُ العربيةِ في ذلك نحوَ اختلافِ أهلِ التأويلِ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: معنى ذلك: فستُبْصِرُ ويُبْصِرون أيُّكم المفتونُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥١ إلى المصنف.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٧/ ٣١، ٣٢.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥١ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":154},{"text":"وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ (^١): ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾: المفتونُ (^٢) ههنا بمعنى الجنونِ، وهو في مذهبٍ الفُتُونُ، كما قالوا: ليس له معقولٌ ولا مجلودٌ (^٣). قال: وإن شئتَ جَعَلْتَ ﴿بِأَيِّكُمُ﴾: في أيِّكم؛ في أيِّ الفريقين المجنونُ. قال: وهو حينَئذٍ اسمٌ ليس بمصدرٍ.\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندي بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: بأيِّكم الجنونُ. ووَجَّه المفتونَ إلى الفتونِ بمعنى المصدرِ؛ لأن ذلك أظهرُ معاني الكلامِ، إذا لم يُنْوَ إسقاطُ الباءِ، وجعَلْنا لدخولِها وجهًا مفهومًا. وقد بيَّنَّا أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ في القرآنِ شيءٌ لا معنى له (^٤).\n\n<span id=\"aya-5278\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّك يا محمد هو أعلمُ بمن ضلَّ عن سبيلِه، كضلالِ كفارِ قريشٍ عن دينِ اللَّهِ وطريقِ الهدى، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. يقولُ: وهو أعلمُ بمَن اهْتَدَى، فاتَّبَع الحقَّ وأقَرَّ به، كما اهْتَدَيْتَ أنت فاتَّبَعْتَ الحقَّ. وهذا من مَعارِيضِ الكلامِ، وإنما معنى الكلامِ: إن ربَّك هو أعلمُ يا محمدُ بك، و[أنك لمهتدى] (^٥)، وبقومِك مِن كفارِ قريشٍ، وأنهم لضالُّون (^٦) عن سبيلِ الحقِّ.\n\n<span id=\"aya-5279\"></span><span data-type='title' id=toc-9086>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾.\n_________\n(^١)</span> هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ١٧٣.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: \"معقود\". وليس له مجلود، أي: ليس له جَلَد. اللسان (ف ت ن)، وينظر اللسان (ج ل د).\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٢٥، ٢٢٦.\n(^٥) في م: \"أنت المهتدى\".\n(^٦) في م: \"الضالون\".","vol":"23","page":155},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فلا تُطِعْ يا محمدُ، المُكذِّبين بآياتِ اللَّهِ ورسولِه.\n\n<span id=\"aya-5280\"></span>﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ودَّ المكذِّبون بآياتِ اللَّهِ لو تَكْفُرُ باللَّهِ يا محمدُ فيَكْفُرون.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. يقولُ: وَدُّوا لو تَكْفُرُ فيَكْفُرون (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. قال: تَكْفُرُ فَيَكْفُرون (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. قال: تَكْفُرُ فيَكْفُرون.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ودُّوا لو تُرَخِّصُ لهم فيُرخِّصون، أو تَلِينُ في دينِك فيَلينون في دينِهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. يقولُ: لو تُرَخِّصُ لهم فيرَخِّصون (^٣).\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ٢٣٠.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ١٩٢، والقرطبي في تفسيره ١٨/ ٢٣٠.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٨ - من طريق أبي صالح به، وأخرجه ابن المنذر - كما في =","vol":"23","page":156},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. قال: لو تَرْكَنُ إلى آلهتِهم وتَتْرُكُ ما أنت عليه مِن الحقِّ فيُمالِئونك (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. يقولُ: وَدُّوا يا محمدُ لو أدْهَنْتَ عن هذا الأمرِ فأدْهَنوا معك.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. قال: ودُّوا لو يُدْهِنُ رسولُ اللَّهِ ﷺ فيُدْهِنون (^٢).\nوأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ودَّ هؤلاء المشركون يا محمدُ لو تَلِينُ لهم في دينِك بإجابتِك إياهم إلى الركونِ إلى آلهتِهم، فيَلِينون لك في عبادتِك إلهَك، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٤، ٧٥]. وإنما هو مأخوذٌ مِن الدُّهنِ، شبَّه التليينَ في القولِ بتليينِ الدُّهْنِ.\n\n<span id=\"aya-5281\"></span>وقولُه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾. يقولُ: ولا تُطِعْ يا محمدُ كلَّ ذي إكثارٍ للحلفِ بالباطلِ، ﴿مَهِينٍ﴾ وهو الضعيفُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، غيرَ أن بعضَهم وجَّه معنى المهينِ\n_________\n= الفتح ٨/ ٦٦٢ - من طريق علي بن أبي طلحة به.\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥١ إلى عبد بن حميد","vol":"23","page":157},{"text":"إلى الكذَّابِ، وأحْسَبُه فعَل ذلك لأنَّه رأَى أنه إذا وُصِف بالمَهانةِ، فإنما وُصِف بها لمهانةِ نفسِه، وكانت عليه، وكذلك صفةُ الكَذُوبِ، إنما يَكْذِبُ لمهانةِ نفسِه (^١) عليه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾. والمهينُ الكذَّابُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾. قال: ضعيفٍ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾: وهو المِكْثارُ في الشرِّ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾. يقولُ: كلَّ مِكْثارٍ في الحلفِ، مَهينٍ ضعيفٍ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سعيدٍ، عن الحسنِ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥١، ٢٥٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠٨ عن الثوري، عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥١ إلى ابن المنذر.","vol":"23","page":158},{"text":"وقتادةَ: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾. قال: هو المكثارُ فى الشرِّ.\n\n<span id=\"aya-5282\"></span>وقولُه: ﴿هَمَّازٍ﴾. يعني: مُغتابٍ للناسِ يأكُلُ لحومَهم.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿هَمَّازٍ﴾: يعني الاغتيابَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هَمَّازٍ﴾: يَأْكُلُ لحومَ المسلمين (^٢).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿هَمَّازٍ﴾. قال: الهَمَّازُ الذى يَهْمِزُ الناسَ بيدِه ويَضْرِبُهم، وليس باللسانِ. وقرَأ: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]. الذي يَلْمِزُ الناسَ بلسانِه. والهمزُ أصلُه الغمزُ، فقيل للمغتابِ: هَمَّازٌ. لأنه يَطْعُنُ فى أعراضِ الناسِ بما يَكْرَهون، وذلك غمزٌ عليهم (^٣).\nوقولُه: ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾. يقولُ: مَشَّاءٍ بحديثِ الناسِ بعضِهم في بعضٍ، يَنْقُلُ حديثَ بعضِهم إلى بعضٍ.\nوبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ٢٣١ مختصرًا.","vol":"23","page":159},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هَمَّازٍ﴾: يَأْكُلُ لحومَ المسلمين، ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾: يَنْقُلُ الأحاديثَ مِن بعضِ الناسِ إلى بعضٍ.\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾: يَمْشِى بالكذبِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبىِّ في قولِه: ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾. قال: هو الأخنسُ بنُ شَرِيقٍ، وأصلُه مِن ثَقيفٍ، وعِدادُه فى بنى زُهْرةَ (^١).\n\n<span id=\"aya-5283\"></span><span data-type='title' id=toc-9087>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾.</span>\nوقولُه: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: بخيلٍ بالمالِ، ضَنينٍ به عن الحقوقِ.\nوقولُه: ﴿مُعْتَدٍ﴾. يقولُ: مُعْتَدٍ على الناسِ، ﴿أَثِيمٍ﴾: ذى إثمٍ بربِّه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مُعْتَدٍ﴾. قال: مُعْتَدٍ فى عملِه، ﴿أَثِيمٍ﴾ بربِّه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٠٨ عن معمر به.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":160},{"text":"<span id=\"aya-5284\"></span>وقولُه: ﴿عُتُلٍّ﴾. يقولُ: وهو عُتُلٌّ، والعُتُلُّ الجافي الشديدُ في كفرِه، وكلُّ شديدٍ قوىٍّ فالعربُ تُسَمِّيه عُتُلًّا. ومنه قولُ ذى الإِصْبَعِ العَدْوانىِّ (^١):\n*والدهرُ يَغْدُو مِعْتَلًا جَذَعَا*\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿عُتُلٍّ﴾: والعتلُّ: العاتلُ الشديدُ المنافقُ (^٢).\nحدَّثنى إسحاقُ بنُ وهبٍ الواسطىُّ، قال: ثنا أبو عامرٍ العَقَدىُّ، قال: ثنا زُهَيرُ ابنُ محمدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن وهبٍ الذِّمَارىِّ، قال: تَبْكِى السماءُ والأرضُ مِن رجلٍ أَتَمَّ اللهُ خَلْقَه، وأَرْحَب جوفَه، وأَعْطاه مَقْضَمًا (^٣) مِن الدنيا، ثم يَكونُ ظَلومًا للناسِ، فذلك العتلُّ الزَّنيمُ (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن ليثٍ، عن أبى الزبيرِ، عن عبيدِ بنِ عميرٍ، قال: العُتُلُّ: الأَكُولُ الشَّروبُ القوىُّ الشديدُ، يُوضَعُ فى الميزانِ فلا يَزِنُ شَعيرةً، يَدْفَعُ المَلَكُ مِن أولئك سبعين ألفًا دُفْعةً فى جهنمَ (^٥).\n_________\n(^١) البيت فى مجاز القرآن ٢/ ٢٦٤.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) مقضمًا: قليلا. ينظر اللسان (ق ض م).\n(^٤) ذكره ابن رجب فى التخويف من النار ص ٢٧٣.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٤٣٩، ٤٤٠ عن ابن إدريس به.","vol":"23","page":161},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبى رَزِينٍ في قولِه: ﴿عُتُلٍّ﴾. قال: العتلُّ الشديدُ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي رَزينٍ فى قولِه: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. قال: العتلُّ الصحيحُ (^١).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن كثيرِ ابنِ الحارثِ، عن القاسمِ مولى معاويةَ، قال: سُئِل رسولُ اللهِ ﷺ عن العُتلِّ الزنيمِ، قال: \"الفاحشُ اللئيمُ\" (^٢).\nقال معاويةُ: وثنى عِياضُ بنُ عبدِ اللهِ الفِهْرِيُّ، عن موسى بنِ عقبةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بمثلِ ذلك.\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أبى رَجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. قال: فاحشُ الخُلُقِ، لئيمُ الضَّريبةِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. قال الحسنُ وقتادةُ: هو الفاحشُ اللئيمُ الضَّريبةِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿عُتُلٍّ﴾. قال: هو الفاحشُ اللئيمُ الضَّريبةِ (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن رجب فى التخويف من النار ص ٢٧٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم -كما في التخويف من النار ص ٢٧٤ - من طريق معاوية بن صالح به.\n(^٣) الضريبة: الطبيعة والسجية. اللسان (ض ر ب).\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٠٨ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":162},{"text":"قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"تَبْكِى السماءُ مِن عبدٍ أَصَحَّ اللهُ جسمَه، وأَرْحَب جوفَه، وأعْطاه مِن الدنيا مَقْضَمًا، فكان للناسِ ظَلومًا، فذلك العتلُّ الزنيمُ\" (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي رَزينٍ، قال: العتلُّ الصحيحُ الشديدُ.\nحدَّثنى جعفرُ بنُ محمدٍ البُزُورىُّ، قال: ثنا أبو زكريا، وهو يحيى بنُ مصعبٍ، عن عمرَ بنِ نافعٍ، قال: سُئِل عكرمةُ عن: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. فقال: ذلك الكافرُ اللئيمُ.\nحدَّثنى علىُّ بنُ الحسنِ الأزْدىُّ، قال: ثنا يحيى -يعني ابنَ يمانٍ- عن أبى الأشهبِ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. قال: الفاحشُ اللئيمُ الضَّريبةِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبى، عن قتادةَ، قال: العتلُّ الزنيمُ الفاحشُ اللئيمُ الضَّريبةِ.\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عُتُلٍّ﴾. قال: شديدِ الأَشَرِ (^٢).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢١٩ عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٠٨ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٢ إلى ابن المنذر.\n(^٢) الأشر: المرح والبطر، اللسان (أ ش ر). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":163},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ: ﴿عُتُلٍّ﴾. قال: العتلُّ الشديدُ.\n﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. ومعنى ﴿بَعْدَ﴾ في هذا الموضعِ معنى \"مع\"، وتأويلُ الكلامِ ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. أى: مع العَتْلِ زنيمٌ.\nوقولُه: ﴿زَنِيمٍ﴾. والزنيمُ فى كلامِ العربِ الملصَقُ بالقومِ وليس منهم. ومنه قولُ حسانَ بنِ ثابتٍ (^١):\nوأنت زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هاشمٍ … كما نِيطَ خلفَ الراكبِ القَدَحُ الفَرْدُ\nوقال آخرُ (^٢):\nزَنيمٌ ليس يُعْرَفُ مَن أبوه … بَغِيُّ الأُمِّ ذو حَسَبٍ لَئِيمُ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿زَنِيمٍ﴾. قال: والزنيمُ: الدَّعِىُّ. ويقالُ: الزنيمُ رجلٌ كانت به زَنَمةٌ (^٣) يُعْرَفُ بها. ويقالُ: هو الأخنسُ بنُ شَرِيقٍ الثقفىُّ حليفُ بنى زُهرةَ. وزعَم أُناسٌ مِن بنى زُهْرةَ أن الزنيمَ هو الأسودُ بنُ عبدِ يَغوثَ الزهرىُّ، وليس به (^٤).\n_________\n(^١) ديوانه ص ١١٨.\n(^٢) البيت في تفسير القرطبى ١٨/ ٢٣٤، وتفسير ابن كثير ٨/ ٢٢٠، وفتح البارى ٨/ ٦٦٣.\n(^٣) الزنمة: شيء يقطع من أذن البعير فيترك معلقًا. ينظر اللسان (ز ن م).\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٢٠ عن العوفى عن ابن عباس، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٢٥٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"23","page":164},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: أخبَرنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا هشامٌ، عن عكرمةَ، قال: هو الدَّعِيُّ.\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى سليمانُ بنُ بلالٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ حَرْملةَ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، أنه سمِعه يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. قال سعيدٌ: هو المُلْصَقُ بالقومِ ليس منهم (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن الحسنِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: الزنيمُ الذى يُعْرَفُ بالشرِّ كما تُعْرَفُ الشاةُ بزَنَمتِها، المُلْصَقُ (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، [قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه زعَم أن الزنيمَ الملحقُ النَّسَبِ] (^٣).\nوقال آخرون: هو الذى له زَنَمةٌ كزَنَمةِ الشاةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال فى الزَّنيمِ، قال: نُعِت فلم يُعْرَفْ حتى قيل: ﴿زَنِيمٍ﴾. قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٢٢٠ - عن يونس به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٢٥٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٢٠ عن الثورى به.\n(^٣) سقط من: م.\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٢٠ عن ابن أبى نجيح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٢٥١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وفى ٦/ ٢٥٣ إلى المصنف.","vol":"23","page":165},{"text":"وكانت له زَنَمةٌ فى عنقِه يُعْرَفُ بها (^١).\nوقال آخرون: كان دَعِيًّا.\nحدَّثنى الحسينُ بنُ علىٍّ الصُّدَائىُّ، قال: ثنا علىُّ بنُ عاصمٍ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. قال: نزَل على النبىِّ ﷺ: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾. قال: فلم نَعْرِفْه حتى نزَل على النبىِّ ﷺ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. قال: فعرَفْناه؛ له زَنَمةٌ كزنمةِ الشاةِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أصحابِ التفسيرِ، قالوا: هو الذى يكونُ له زَنَمةٌ كزنمةِ الشاةِ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: الزنيمُ. يقولُ: كانت له زَنمةٌ في أصلِ أذنِه. يقالُ: هو اللئيمُ المُلْصَقُ فى النَّسبِ (^٣).\nوقال آخرون: هو المُرِيبُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا تَميمُ بنُ المنتصرِ، قال: ثنا إسحاقُ، عن شَريكٍ، عن أبى إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. قال: الزنيمُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٢٠ عن داود بن أبى هند به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٢٥٣ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٢٠ عن المصنف وفيه: ابن إدريس، عن أبيه.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٢١.","vol":"23","page":166},{"text":"المريبُ الذى يُعْرَفُ بالشرِّ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن الحسنِ بنِ مسلمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: الزنيمُ الذى يُعْرَفُ بالشرِّ (^٢).\nوقال آخرون: هو الظَّلومُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿زَنِيمٍ﴾. قال: ظلومٍ (^٣).\nوقال آخرون: هو الذى يُعْرَفُ بأُبْنةٍ (^٤).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في الزنيمِ: الذي يُعْرَفُ بأُبْنةٍ. قال أبو إسحاقَ: وسمِعتُ الناسَ فى إمرةِ زيادٍ يقولون: العُتُلُّ الدَّعِيُّ.\nوقال آخرون: هو الجِلْفُ الجافى.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، قال:\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٦٩، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٩٩ من طريق أبى إسحاق به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٢٥٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ١٦٥.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢/ ٤٨ - من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٢٥٣ إلى المصنف.\n(^٤) الأُبنة: العيب. الوسيط (أ ب ن).","vol":"23","page":167},{"text":"سمِعْتُ شهرَ بنَ حَوْشَبٍ يقولُ: هو الجِلْفُ الجافى، الأَكولُ الشَّروبُ مِن الحرامِ (^١).\nوقال آخرون: هو علامةُ الكفرِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبى رَزينٍ، قال: الزنيمُ علامةُ الكفرِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبى رزينٍ، قال: الزنيمُ علامةُ الكافرِ.\nحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ أنه كان يقولُ: الزنيمُ يُعْرَفُ بهذا الوصفِ كما تُعْرَفُ الشاةُ (^٣).\nوقال آخرون: هو الذى يُعْرَفُ باللُّؤْمِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن حُصَيْفٍ، عن عكرمةَ، قال: الزنيمُ الذى يُعْرَفُ باللُّؤْمِ، كما تُعْرَفُ الشاةُ بزَنَمَتِها (^٤).\nوقال آخرون: هو الفاجرُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨/ ٢٢١.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٢١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) ذكره القرطبى في تفسيره ١٨/ ٢٣٤، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٢١.","vol":"23","page":168},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبى رَزينٍ فى قولِه: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. قال: الزنيمُ الفاجرُ.\n\n<span id=\"aya-5285\"></span><span data-type='title' id=toc-9088>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾.</span>\nاخْتَلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿أَنْ كَانَ﴾. فقرَأ ذلك أبو جعفرٍ المَدَنىُّ وحمزةُ: (أ أن كان ذا مالٍ) بالاستفهامِ بهمزتين (^١)، وتَتَوَجَّهُ قراءةُ مَن قرَأ ذلك كذلك إلى وجهين؛ أحدُهما: أن يكونَ مُرادًا به تَقْريعُ هذا الحلَّافِ المَهِينِ، فقيل: ألأن كان هذا الحَلَّافُ المهينُ ذا مالٍ وبنينَ ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؟ وهذا أظهرُ وجهيه. والآخرُ: أن يكونَ مُرادًا به: ألأن كان ذا مالٍ وبنينَ تُطِيعُه؟ على وجهِ التوبيخِ لمن أطاعه. وقرَأ ذلك بعدُ سائرُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ﴾ على وجهِ الخبرِ بغيرِ استفهامٍ بهمزةٍ واحدةٍ (^٢)، ومعناه إذا قُرِئ كذلك: ولا تُطِعْ كلَّ حلافٍ مهينٍ، أن كان ذا مالٍ وبنينَ. كأنه نهاه أن يُطِيعَه مِن أجلِ أنه ذو مالٍ وبنينَ.\n\n<span id=\"aya-5286\"></span>وقولُه: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: إِذا تُقْرَأُ عليه آياتُ كتابِنا قال: هذا مما كتَبه الأوَّلون. استهزاءً به، وإنكارًا منه أن يكونَ ذلك من عندِ اللهِ.\n\n<span id=\"aya-5287\"></span>وقولُه: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن عامر وأبى بكر ويعقوب كذلك. ينظر الإتحاف ص ٢٦٠.\n(^٢) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وحفص والكسائى وخلف. المصدر السابق.","vol":"23","page":169},{"text":"بعضُهم: معناه: سنَخْطِمُه بالسيفِ، فَنَجْعَلُ ذلك علامةً باقيةً وسمةً ثابتةً فيه ما عاش.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾: فقاتَل يومَ بدرٍ، فخُطِم بالسيفِ فى القتالِ (^١)\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: سنَشِينُه شَينًا باقيًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾: شَيْنٌ لا يُفارِقُه آخرَ ما عليه (^٢).\nوقال آخرون: سِيما على أنفِه.\nذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾. قال: سَنَسِمُ على أنفِه (^٣).\nوأولى القولين بالصوابِ في تأويلِ ذلك عندى قولُ مَن قال: معنى ذلك: سنُبَيِّنُ أمرَه بيانًا واضحًا حتى يَعْرِفوه، فلا يَخْفَى عليهم، كما لا تَخْفَى السِّمةُ على\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٢١ عن العوفي، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٢١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٠٩ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٣ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":170},{"text":"الخرطومِ. وقال: [معنى قولِ قتادةَ] (^١): شَيْنٌ لا يُفارِقُه آخرَ ما عليه. وقد يَحْتَمِلُ أيضًا أن يكونَ خُطِم بالسيفِ، فجُمِع له مع بيانِ عيوبِه للناسِ الخَطْمُ بالسيفِ.\nويعنى بقولِه: ﴿سَنَسِمُهُ﴾: سنَكْوِيه.\nوقال بعضُهم (^٢): معنى ذلك: سَنَسِمُه سِمةَ أهلِ النارِ. أى: سنُسَوِّدُ وجهَه. وقال: إن الخرطومَ وإن كان خُصَّ بالسِّمةِ، فإنه فى مذهبِ الوجهِ؛ لأن بعضَ الوجهِ يُؤَدِّى عن بعضٍ، والعربُ تقولُ: واللهِ لأَسِمَنَّكَ وَسْمًا لا يُفارِقُك. يُرِيدون الأنفَ. قال: وأنشَدني بعضُهم (^٣)\nلأعْلُطَنَّه وَسْمًا لا يُفارِقُه … كما يُحَزُّ بحُمَّى المِيسَمِ البحِرُ (^٤)\nوالبَحَرُ (^٤) داءٌ يَأْخُذُ الإِبلَ فتُكْوَى على أنفِها.\n\n<span id=\"aya-5288\"></span><span data-type='title' id=toc-9089>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾. أى: بلَوْنا مُشركِي قريشٍ. يقولُ: امتحَنَّاهم فاختبَرناهم، ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾. يقولُ: كما امتحَنَّا أصحابَ البستانِ، ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾. يقولُ: إِذ حلَفوا ليَصْرِمُنَّ ثمرَها إذا أصبَحوا.\n\n<span id=\"aya-5289\"></span>﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾: ولا يَقولون: إن شاء اللهُ.\nوبنحوِ الذى قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في م: \"قتادة معني ذلك\".\n(^٢) هو الفراء في معانى القرآن ٣/ ١٧٤.\n(^٣) البيت في معاني القرآن للفراء ٣/ ١٧٤، وتهذيب اللغة ٥/ ٤٢، واللسان (ب ح ر).\n(^٤) فى م: \"النجر\"، والمثبت موافق لما في معانى القرآن. قال الأزهرى تعقيبا على كلام الفراء بعد أن ساقه: قلت: الداء الذي يصيب البعير فلا يَرْوَى من الماء هو النجر بالنون والجيم، والبجر بالباء والجيم، وكذلك البقْر، وأما البَحَر فهو داء يورث السل.","vol":"23","page":171},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا هنادُ بنُ السرىِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤]. قال: هم ناسٌ من الحبشةِ كانت لأبيهم جنةٌ، كان يُطْعِمُ المساكينَ منها، فلما مات أبوهم، قال بنوه: واللهِ إن كان أبونا لأحمقَ حينَ يُطْعِمُ المساكينَ. فأقسَموا ليَصْرِمُنَّها مُصبِحين، ولا يَسْتَثنْون، ولا يُطْعِمون مسكينًا (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾. قال: كانت الجنةُ لشيخٍ، وكان يَتَصَدَّقُ، فكان بنوه يَنْهَونه عن الصدقةِ، وكان يُمْسِكُ قوتَ سنتهِ، ويُنْفِقُ ويَتَصَدَّقُ بالفضلِ، فلما مات أبوهم غدَوا عليها فقالوا: ﴿لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ (^٢).\nوذُكِر أن أصحابَ الجنةِ كانوا أهلَ كتابٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا﴾ الآية. قال: كانوا مِن أهلِ الكتابِ (^٣).\nوالصَّرْمُ القطعُ.\nوإنما عنَى بقولِه: ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا﴾: لَيَجُدُّنَّ (^٤) ثمرتَها. ومنه قولُ امرِئِ القيسِ (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح -كما في الفتح ٨/ ٦٦١ - عن عكرمة.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٠٩ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٢٥٣ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) جَدَّ الثمر يَجُدُّه جَدادًا وجِدادًا: قَطَعه. اللسان (ج د د).\n(^٥) ديوانه ص ٢٣٠.","vol":"23","page":172},{"text":"صَرَمَتْك بعدَ تواصُلٍ دَعْدُ (^١) … وبدَا لِدَعْدٍ بعضُ ما يَبْدُو\n\n<span id=\"aya-5290\"></span><span data-type='title' id=toc-9090>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فطرَق جنَّةَ هؤلاء القومِ ليلًا طارقٌ من أمرِ اللهِ وهم نائمون. ولا يكونُ الطائفُ فى كلامِ العربِ إلا ليلًا، ولا يكونُ نهارًا، وقد يقولون: أَطَفْتُ به نهارًا.\nوذكَر الفرَّاءُ (^٢) أن أبا الجرَّاحِ أنشَده:\nأطَفتُ بها (^٣) نهارًا غيرَ ليلٍ … وأَلْهَى رَبَّها طلبُ الرِّخالِ\nوالرِّخالُ (^٤) هى أولادُ الضأنِ الإناثُ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصلتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ (^٥)، عن قابوسَ، عن أبيه، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن الطوفانِ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾. قال: هو أمرٌ من اللهِ (^٦).\n_________\n(^١) دَعْدٌ: اسم امرأة، ويقال إنه لقب أم حُبَيْنٍ. التاج (د ع د).\n(^٢) في معاني القرآن ٣/ ١٧٥.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أيضا و\".\n(^٥) فى م، ت ١: \"كريب\".\n(^٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٣ إلى المصنف، وتقدم في ١٠/ ٣٨١.","vol":"23","page":173},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾. قال: طاف عليها أمرٌ من اللهِ وهم نائمون.\n\n<span id=\"aya-5291\"></span>وقولُه: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ فى الذى عُنِى بالصريمِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى به الليلُ الأسودُ. وقال (^١): معنى ذلك: فأصبَحت جنتُهم محترقةً سوداءَ كسوادِ الليلِ المظلمِ البهيمِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سهلِ بنِ عسكرٍ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا شيخٌ لنا، عن شيخٍ من كَلْبٍ يُقالُ له: سليمانُ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾. قال: الصَّريمُ الليلُ (^٢). قال: وقال في ذلك أبو عمرِو ابنُ العلاءِ ﵀ (^٣):\nألَا بَكَرَتْ وعاذِلَتي تَلُومُ … تُهَجِّدُنى وما انكَشَفَ الصَّرِيمُ\nوقال أيضًا (^٤):\nتطاوَلَ ليلُك الجَوْنُ البَهِيمُ … فما يَنْجَابُ عن صبحٍ صرِيمُ\nإذا ما قُلْتَ أَقْشَعَ أَو تَنَاهَى … جَرَتْ من كلِّ ناحيةٍ غيومُ\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: فأصبَحت كأرضٍ تُدْعى الصريمَ، معروفةٍ\n_________\n(^١) بعده فى م: \"بعضهم\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٣، ٢٥٤ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم بلفظ: \"الليل المظلم\"، وينظر المعجم الكبير ١٠/ ٣٠٧ (١٠٥٩٧).\n(^٣) التبيان ١٠/ ٨٠، وفيه: تجهلنى. مكان: تهجدنى. وينظر الأضداد لابن الأنباري ص ٨٤.\n(^٤) التبيان ١٠/ ٨٠، والبيت الأول فى اللسان (ص ر م).","vol":"23","page":174},{"text":"بهذا الاسِم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ: قال: أخبرني تميمُ (^١) بنُ عبدِ الرحمنِ، أنه سمِع سعيدَ بنَ جُبَيرٍ يقولُ: هى أرضٌ باليمنِ يقالُ لها: ضَرَوانُ (^٢). من صنعاءَ على ستةِ أميالٍ (^٣).\n\n<span id=\"aya-5292\"></span><span data-type='title' id=toc-9091>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فتنادَى هؤلاء القومُ وهم أصحابُ الجنةِ. يقولُ: نادى بعضُهم بعضًا، ﴿مُصْبِحِينَ﴾. يقولُ: بعد أن أصبَحوا.\n\n<span id=\"aya-5293\"></span>﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ﴾. وذلك الزرعُ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم حاصِدي زرعِكم،\n\n<span id=\"aya-5294\"></span>﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. يقولُ: فمضَوا إلى حرثِهم وهم يتسارُّون (^٤) بينهم، ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾. يقولُ: وهم يتسارُّون (^٥) يقولُ بعضُهم لبعضٍ:\n\n<span id=\"aya-5295\"></span>لا يَدْخُلَنَّ جنتَكم اليومَ عليكم مسكينٌ.\n_________\n(^١) في النسخ: \"نعيم\". والمثبت من تفسير عبد الرزاق. وينظر الجرح والتعديل ٢/ ٤٤٢.\n(^٢) ينظر معجم ما استعجم ٣/ ٨٥٩، ومعجم البلدان ٣/ ٤٧٠.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٠٩ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يتشاورون\".\n(^٥) في ص، ت ٢: \"يتساورون\"، وفى ت ٣: \"يتشاورون\".","vol":"23","page":175},{"text":"كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. يقولُ: يُسِرُّون ألا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عليكم مسكينٌ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: لما مات أبوهم غدوا عليها، فقالوا: لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عليكم مِسْكِينٌ (^٢).\nواختلف أهلُ التأويلِ في معنى \"الحردِ\" في هذا الموضع؛ فقال بعضهم: معناه: على قدرةٍ في أنفسهم وجدٍّ.\nذكرُ مَن قال ذلك\n\n<span id=\"aya-5296\"></span>حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. قال: ذو قدرةٍ (^٣)\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حجاجٌ، عمَّن حدَّثه، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. قال: على جِدٍّ قادِرين في أنفسهم (^٤).\nقال: ثنا ابنُ علية، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. قال: على جهدٍ. أو قال: على جِدٍّ (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تقدم في ص ١٧٢.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٤ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.\n(^٥) ذكره البغوى فى تفسيره ٨/ ١٩٦ بنحوه.","vol":"23","page":176},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾: غدا القومُ وهم مُحرِدون إلى جنتهم، قادرون عليها في أنفسهم (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. قال: على جِدٍّ من أمرِهم (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾: على جِدٍّ قادِرين في أنفسهم (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وغدَوا على أمرٍ (^٤) قد أجمعوا عليه بينَهم، وأسَّسوه (^٥)، وأسرُّوه في أنفسِهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن إبراهيمَ بنِ المهاجرِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. قال: كان حرثٌ لأبيهم، وكانوا إخوةً، فقالوا: لا نُطْعِمُ مسكينًا منه حتى نَعْلَمَ ما يَخْرُجُ منه، ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾: على أمرٍ قد أسَّسوه بينَهم (^٦)\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد -كما في التغليق ٤/ ٣٤٦ - من طريق شيبان عن قتادة.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٠٩ عن معمر به، وهو في تفسير مجاهد ص ٦٦٩ من طريق شيبان عن قتادة.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ٨١.\n(^٤) فى م: \"أمرهم\".\n(^٥) فى م: \"واستسروه\"، وفى ت ١: \"واستسره\"، وفى ت ٢: \"واستثنوه\"، وفى ت ٣: \"واستسنوه\".\n(^٦) ذكره البغوى فى تفسيره ٨/ ١٩٦ مختصرًا.","vol":"23","page":177},{"text":"في قولِه: ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾. قال: على أمرٍ مُجْمَعٍ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. قال: على أمرٍ مُجْمَعٍ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وغدَوا على فاقةٍ وحاجةٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. قال: على فاقةٍ (^٢).\nوقال آخرون: بل معني ذلك: على حَنَقٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. قال: على حَنَقٍ (^٣).\nوكأن سفيانَ ذهَب فى تأويلِه هذا إلى مثلِ قولِ الأشهبِ ابنِ رُميلةَ (^٤):\nأُسُودُ شرًى لاقَتْ أُسُودَ خَفِيَّةٍ … تَسَاقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأَساوِدِ\nيعني: على غَضَبٍ.\nوكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ (^٥) يتأوَّلُ ذلك: وغَدوا\n_________\n(^١) عزاه الحافظ فى الفتح ٨/ ٦٦١ إلى سعيد بن منصور، وصحح إسناده.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٠٩ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور -كما في المخطوطة المحمودية ص ٤٢٦ - إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره البغوى في تفسيره ٨/ ١٩٦.\n(^٤) البيت فى مجاز القرآن ٢/ ٢٦٦، والكامل للمبرد ١/ ٥٢، ٣/ ١٧، والبيان والتبيين ٤/ ٥٥، والحيوان ٤/ ٢٤٥.\n(^٥) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ٢/ ٢٦٥.","vol":"23","page":178},{"text":"على منعٍ. ويُوجِّهه إلى أنه من قولِهم: حاردَتِ السنةُ. إذا لم يَكُنْ فيها مطرٌ، و: حاردَت الناقةُ. إذا لم يَكُنْ لها لبنٌ، كما قال الشاعرُ (^١):\nفإذا ما حارَدَتْ أو بَكَأَتْ … فُتَّ عن حاجِبِ أُخرَى طِينُها\nوهذا قولٌ لا نَعْلَمُ له قائلًا من مُتَقَدِّمى العلمِ قاله وإن كان له وجهٌ، فإذا كان ذلك كذلك وكان غيرُ جائزٍ عندَنا أن يتعدَّى ما أجمَعت عليه الحجةُ، فما صحَّ من الأقوالِ فى ذلك إلا أحدُ الأقوالِ التي ذكَرناها عن أهلِ العلمِ. وإذا كان ذلك كذلك وكان المعروفُ من معنى \"الحرْدِ\" في كلامِ العربِ القصدُ، من قولِهم: قد حرَد فلانٌ حرْدَ فلانٍ، إذا قصَد قصْدَه. ومنه قولُ الراجزِ (^٢):\nوجاء سَيْلٌ كان من أمرِ اللهْ\nيَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ\nيَعنى: يَقْصِدُ قصْدَها - صحَّ أن الذى هو أولى بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾: وغدَوا على أمرٍ قد قصَدوه واعتمَدوه، واستسرُّوه بينَهم، قادِرين عليه في أنفسهم.\n\n<span id=\"aya-5297\"></span><span data-type='title' id=toc-9092>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلما صار هؤلاء القومُ إلى جنتِهم، ورأَوها محترقًا حرثُها، أنكَروها وشكُّوا فيها، هل هى جنتُهم أم لا، فقال بعضُهم لأصحابِه ظنًّا منه أنهم قد\n_________\n(^١) البيت لعدى بن زيد، وهو في اللسان (ح ر د).\n(^٢) الرجز بدون عزو فى مجاز القرآن ٢/ ٢٦٦، والكامل ١/ ٥٣، ٢/ ٨٦، وإصلاح المنطق ٤٧، ٢٦٦، واللسان (ح ر د)، والخزانة ١٠/ ٣٥٦.","vol":"23","page":179},{"text":"أغفَلوا طريقَ جنتِهم، وأن التى رأَوا غيرَها: إنا أيُّها القومُ لضالون طريقَ جنتِنا. فقال مَن علِم أنها جنتُهم، وأنهم لم (^١) يُخطئوا الطريقَ: بل نحن أيُّها القومُ مَحْرُمون، حُرِمنا منفعةَ جنتِنا، بذهابِ حرثِها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾: أي: أضلَلْنا الطريقَ، ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾: بل حُورِفنا (^٢) فحُرِمْنا.\n\n<span id=\"aya-5298\"></span>حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾. يقولُ قتادةُ: يقولون: أخطأنا الطريقَ، ما هذه بجنتِنا. فقال بعضُهم: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾: حُرِمنا جنتَنا (^٣).\n\n<span id=\"aya-5299\"></span>وقولُه: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾. يعنى: أَعدَلُهم.\nوبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾. قال: أعدلُهم. ويُقالُ: قال خيرُهم.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لن\".\n(^٢) فى م: \"جوزينا\". وهما بمعنى. وينظر النهاية ١/ ٣٧٠.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٠٩ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":180},{"text":"وقال في \"البقرة\": ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. قال: الوسَطُ العدلُ (^١).\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾. يقولُ: أعدلُهم (^٢)\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا الفراتُ بنُ خلّادٍ، عن سفيانَ، عن إبراهيمَ بنِ مُهاجرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾: أَعدَلُهم.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾. قال: أَعدَلُهم (^٣).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾. قال: أَعدَلُهم (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾. أى: أعدَلُهم قولًا، وكان أسرَعَ القومِ فزعًا، وأحسنَهم رَجْعَةً: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾. قال: أَعدَلُهم (^٥).\n_________\n(^١) تقدم في ٢/ ٦٢٩ بنحوه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢/ ٤٨ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥٤ إلى ابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٤ إلى عبد بن حميد، وينظر ما تقدم في ٢/ ٦٢٨.\n(^٤) تقدم في ٢/ ٦٢٨.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣١٠ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٤ إلى عبد=","vol":"23","page":181},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾. يقولُ: أَعدَلُهم (^١).\nوقولُه: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾. يقولُ: هلَّا تَسْتَثْنون إذ قُلتم: لنَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ. فتقولوا: إن شاءَ اللهُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن إبراهيمَ بنِ المهاجرِ، عن مجاهدٍ: ﴿لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾. قال: بلغنى أنه الاستثناءُ (^١).\nقال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾. قال: يقولُ: تَسْتَثنون، فكان التسبيحُ فيهم الاستثناءَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5300\"></span><span data-type='title' id=toc-9093>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال أصحابُ الجنةِ: سبحانَ ربِّنا إنّا كنّا ظالمين في ترْكِنا الاستثناءَ في قسَمِنا، وعزمِنا على تركِ إطعامِ المساكينِ من ثمرِ جنتِنا.\n\n<span id=\"aya-5301\"></span>وقولُه: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: فأقبَل بعضُهم على بعضٍ، يلومُ بعضُهم بعضًا على تفريطِهم فيما فرَّطوا فيه من الاستثناءِ، وعَزْمِهم على ما كانوا عليه من تركِ إطعامِ المساكينِ من جنتِهم.\n_________\n= ابنُ حُميدٍ وابن المنذر، وينظر ما تقدم في ٢/ ٦٢٨.\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٢٣.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ٢٤٤.","vol":"23","page":182},{"text":"<span id=\"aya-5302\"></span>وقولُه: ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. يقولُ: قال أصحابُ الجنةِ: يا ويلَنا إنا كنَّا مُبْعَدِين، مُخالِفين أمرَ اللهِ فى تركِنا الاستثناءَ والتسبيحَ.\n\n<span id=\"aya-5303\"></span><span data-type='title' id=toc-9094>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيل أصحاب الجنة: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا﴾ بتوبتِنا من خطأِ فعلنا الذى سبق منا - خيرًا من جنتِنا، ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. يقولُ: إنا إلى ربِّنا راغِبون فى أن يُبْدِلَنا من جنتِنا، إذ هلكت، خيرًا منها.\n\n<span id=\"aya-5304\"></span>قولُه تعالى ذكرُه: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: كفعلِنا بجنةِ أصحابِ الجنةِ، إذ أصبَحت كالصريمِ بالذى أرسَلْنا عليها من البلاءِ والآفةِ المفسدةِ - فعَلنا بمن خالَف أمرَنا، وكفَر برسلِنا في عاجلِ الدنيا. ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾. يعنى: عقوبةُ الآخرةِ بمن عصَى ربَّه وكفَر به، أكبرُ يومَ القيامةِ من عقوبةِ الدنيا وعذابِها.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: يعنى بذلك عذابَ الدنيا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾. أى: عقوبةُ الدنيا، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ﴾. [أى: عقوبةُ الآخرةِ] (^١)\n_________\n(^١) سقط من: م.","vol":"23","page":183},{"text":"﴿أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (^١).\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾. قال: عذابُ الدنيا هلاكُ أموالِهم. أى: عقوبةُ الدنيا (^٢).\nوقولُه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: لو كان هؤلاء المشرِكون يَعْلَمون أن عقوبةَ اللهِ لأهلِ الشركِ به أكبرُ من عقوبتهِ لهم في الدنيا، لارتَدَعوا وتابوا وأنابوا، ولكنهم بذلك جهالٌ لا يَعْلَمون.\n\n<span id=\"aya-5305\"></span><span data-type='title' id=toc-9095>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إن للمتَّقين الذين اتَّقَوا عقوبةَ اللهِ، بأداءِ فرائضِه واجتنابِ معاصِيه، ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. يعنى: بساتينَ النعيمِ الدائمِ:\n\n<span id=\"aya-5306\"></span>وقولُه: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفنَجْعَلُ أَيُّها الناسُ فى كرامَتي ونعمتى فى الآخرة، الذين خضَعوا لي بالطاعةِ، وذلُّوا لى بالعبوديةِ، وخشَعوا لأمرِى ونهيى، كالمجرمين الذين اكتَسَبوا المآثمَ، وركِبوا المعاصِيَ، وخالَفوا أمرِى ونهيى؟ كلَّا، ما اللهُ بفاعلٍ ذلك.\n\n<span id=\"aya-5307\"></span>وقولُه: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: أَتَجعلون المطيعَ للهِ من عبيدِه، والعاصيَ له منهم، في كرامتِه سواءً؟ يقولُ جل ثناؤُه: لا تُسَوُّوا بينهما؛ فإنهما لا يَسْتَوِيان عندَ اللهِ، بل المطيعُ له الكرامةُ الدائمةُ، والعاصى له الهوانُ الباقي.\n\n<span id=\"aya-5308\"></span><span data-type='title' id=toc-9096>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ٢٤٥.","vol":"23","page":184},{"text":"تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه للمشركين به من قريشٍ: ألكم أيُّها القومُ بتسويتِكم بينَ المسلمين والمجرِمين في كرامةِ اللهِ - كتابٌ نزل من عندِ اللهِ أتاكم به رسولٌ من رسلِه، بأن لكم ما تَخَيَّرون، فأنتم تَدْرُسون فيه ما تقولون؟\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾. قال: فيه الذى تقولون، تَقْرَءُونه، تَدْرُسونه. وقرَأ: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾ [فاطر: ٤٠] إلى آخرِ الآيةِ.\n\n<span id=\"aya-5309\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: إن لكم في ذلك الذى تَخَيَّرون من الأمورِ لأنفسكم. وهذا أمرٌ من اللهِ توبيخٌ لهؤلاءِ القومِ، وتقريعٌ لهم فيما كانوا يقولون من الباطلِ، ويَتَمَنَّون من الأمانىِّ الكاذبة.\n\n<span id=\"aya-5310\"></span>وقولُه: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ: هل لكم أيمانٌ علينا تَنْتَهى بكم إلى يومِ القيامةِ، بأن لكم ما تَحْكُمون؟ أي: بأن لكم حكمَكم. ولكن الألفَ كُسِرت من ﴿إِنَّ﴾ لما دخَل في الخبرِ اللامُ، أي: هل لكم أيمانٌ علينا بأن لكم حُكْمَكم؟!\n\n<span id=\"aya-5311\"></span><span data-type='title' id=toc-9097>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: سلْ يا محمدُ هؤلاء المشرِكين: أيُّهم -","vol":"23","page":185},{"text":"بأن لهم علينا أيمانًا بالغةً بحكمِهم إلى يومِ القيامة- ﴿زَعِيمٌ﴾. يعني: كَفيلٌ به. والزعيمُ عندَ العربِ الضامنُ والمتكلمُ عن القومِ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾. يقولُ: أَيُّهم بذلك كَفِيلٌ (^١)؟\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾. يقولُ: أيُّهم بذلك كَفيلٌ (^٢)؟\n\n<span id=\"aya-5312\"></span>وقولُه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألهؤلاء القومِ شركاءُ فيما يقولون ويَصِفون من الأمورِ التي يَزْعُمون أنها لهم؟ فليأتوا بشركائِهم في ذلك، إن كانوا -فيما يَدَّعون من الشركاءِ- صادِقين.\n\n<span id=\"aya-5313\"></span><span data-type='title' id=toc-9098>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾. قال جماعةٌ من الصحابةِ والتابعين من أهلِ التأويلِ: يَبْدو عن أمرٍ شديدٍ (^٣).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٣/ ٢٥٣.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) هذه المسألة اختلف فيها الصحابة ﵃، وقد بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية قائلًا: إني لم أجدهم -أى الصحابة- تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ فروى عن ابنِ عباس وطائفة أن المراد به الشدة، أن الله يكشف عن الشدة فى الآخرة، وعن أبي سعيد وطائفة أنهم عدُّوها في الصفات؛ للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين، ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات، فإنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ نكرة فى الإثبات، لم يضفها إلى الله تعالى، ولم يقل: عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل. . . مجموع الفتاوى ٦/ ٣٩٤، ٣٩٥.","vol":"23","page":186},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن المباركِ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾. قال: هو يومُ حربٍ وشدَّةٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾. قال: عن أمرٍ عظيمٍ، كقولِ الشاعرِ:\nوقامتِ (^٢) الحربُ بنا على ساقٍ (^٣)\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾: ولا يَبْقى مؤمنٌ إلا سجَد، ويَقْسُو ظهرُ الكافرِ فيكون عظمًا واحدًا. وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: يُكْشَفُ عن أمرٍ عظيمٍ، ألا تَسْمَعُ قولُ العربِ:\nوقامتِ (٢) الحرب بنا على ساقٍ (^٤)\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (٣٦١ - زوائد نعيم)، ومن طريقه الحاكم ٢/ ٤٩٩، ٥٠٠، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٧٤٦)، وأخرجه ابن أبي الدنيا فى الأهوال (١٦١) من طريق أسامة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، كلهم بلفظ: كرب. بدلا من: حرب.\n(^٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"شالت\". وينظر العقد الفريد ٤/ ٤١٨.\n(^٣) أخرجه البيهقى (٧٥٠)، وابن منده في الرد على الجهمية (٤) من طريق المغيرة به، وعندهما الشطر الأول يرويه إبراهيم عن ابن مسعود، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٤ إلى الفريابي وسعيد بن منصور.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٢٥ عن المصنف، وقال فى آخر السند: عن ابن مسعود أو ابن عباس، الشك من ابن جرير، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٠ عن مغيرة به بنحوه، وفيه قول لابن مسعود.","vol":"23","page":187},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ يقولُ: حِينَ يُكْشَفُ الأمرُ، وتبدو الأعمالُ، وكشفُه دخولُ الآخرة، وكشفُ الأمرِ عنه (^١).\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾: هو الأمرُ الشديدُ المُفظِعُ من الهولِ يومَ القيامةِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ وابنُ حُميدٍ، قالا: ثنا ابن المبارك، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾. قال: شدةُ الأمرِ وجدُّه. قال ابنُ عباسٍ: هي أشدُّ ساعةٍ فى يوم القيامةِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾. قال: شدةُ الأمرِ. قال ابنُ عباسٍ: هي أولُ ساعةٍ تكونُ في يومِ القيامةِ. غيرَ أن في حديثِ الحارثِ قال: وقال ابنُ عباسٍ: هي أشدُّ ساعةٍ تكونُ في يومِ القيامةِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عاصمِ بنِ كليبٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: عن شدةِ الأمرِ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٧٤٩) من طريق محمد بن سعد به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في الإتقان ٢/ ٤٩ - والبيهقي في الأسماء والصفات (٧٤٧) من طريق أبي صالح به.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦٢ - زوائد نعيم).\n(^٤) أخرجه ابن منده في الرد على الجهمية (٦) من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥٥ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":188},{"text":"عَنْ سَاقٍ﴾. قال: عن أمرٍ فظيعٍ جليلٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾. قال: يومَ يُكْشَفُ عن شدةِ الأمرِ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾. كان ابنُ عباسٍ يقولُ: كان أهلُ الجاهليةِ يقولون: شمَّرت الحربُ عن ساقٍ. يعنى [اللهُ تعالى] (^٣): إقبالَ الآخرةِ، وذَهابَ الدنيا (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ، قال: ثنا أبو الزعراءِ (^٥)، عن عبدِ اللهِ، قال: يَتَمَثَّلُ اللهُ للخَلقِ يومَ القيامةِ حتى يمُرَّ المسلمون، قال: فيقولُ: مَن تَعْبُدُون؟ فيقولون: نعبُدُ اللهَ لا نُشْرِكُ به شيئًا. فيَنْتَهِرُهم مرَّتين أو ثلاثًا، فيقولُ: هل تَعْرِفون ربَّكم؟ فيقولون: سُبحانه، إذا اعترَف إلينا عرَفناه (^٦). قال: فعند ذلك يُكْشَفُ عن ساقٍ، فلا يَبْقَى مُؤمِنٌ إِلا خَرَّ للهِ ساجدًا، ويَبْقى المنافقون ظهورُهم طبَقٌ واحدٌ، كأنما فيها السفافيدُ (^٧)، فيقولون: ربَّنا. فيقولُ: قد كنتُم تُدْعَون إلى السجودِ وأنتم سالمون (^٨).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٢٥٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٠، ومن طريقه ابن منده في الرد على الجهمية (٧) عن معمر به.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه ابن منده في الرد على الجهمية (٥) من طريق الضحاك به، بلفظ: \"شدة الآخرة\".\n(^٥) فى م: \"الزهراء\".\n(^٦) أي: إذا وصف نفسه بصفة نُحقِّقُه بها عرفناه. النهاية ٣/ ٢١٧.\n(^٧) السفافيد: جمع سَفُّود، وهو حديدة ذات شعب مُعَقَّفة يُشوى بها. التاج (س ف د).\n(^٨) أخرجه محمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٢٨٢) عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان به، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٠ عن الثوري، عن سلمة، عن أبي صادق، عن عبد الله مختصرا، وتقدم مطولا في ٣/ ٣٤.","vol":"23","page":189},{"text":"حدَّثنى يَحْيَى بنُ طلحةَ اليربوعىُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن الأعمشِ، عن المِنهالِ ابنِ عمرٍو، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: يُنادِى منادٍ يومَ القيامةِ: أليس عدلًا من ربِّكم أنْ (^١) خلقَكم، ثم صوَّركم، ثم رزَقكم، ثم تولَّيتُم غيرَه - [أن يولِّىَ كلَّ] (^٢) عبدٍ منكم ما تولَّى؟ فيقولون: بلى. قال: فيُمَثَّلُ لكلِّ قومٍ آلهتُهم التي كانوا يَعْبُدُونها، فيَتْبَعُونها حتى تُورِدَهم النارَ، ويَبْقَى أهلُ الدعوةِ، فيقولُ بعضُهم لبعضٍ: ماذا تَنْتَظِرون، ذهَب الناسُ (^٣)؟ فيقولون: نَنْتَظِرُ أن يُنادَى بنا. فيَجِيءُ إليهم في صورةٍ. قال: فذكَر منها ما شاء اللهُ، فيَكْشِفُ عما شاء اللهُ أن يَكْشِفَ. قال: فيَخِرُّون سُجدًا إلا المنافِقين، فإنه يَصِيرُ فِقارُ أصلابِهم عظمًا واحدًا، مثل صياصِي (^٤) البقرِ، فيُقالُ لهم: ارفَعوا رءوسَكم إلى نورِكم. ثم ذكَر قصةً فيها طولٌ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن المنهالِ، عن (^٥) قيسِ بنِ سكنٍ، قال: حدَّث عبدُ اللهِ وهو عندَ عمرَ: [﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]. قال: إذا كان يومُ القيامةِ. قال] (^٦): يقومُ الناسُ بين يدى ربِّ العالمين أربعين عامًا، شاخصةً أبصارُهم إلى السماء، حُفاةً عُراةً، يُلْجِمُهم العرقُ، ولا يُكَلِّمُهم بشرٌ أربعين عامًا، ثم يُنادى منادٍ: يأيُّها الناسُ، أليس عدلًا من ربِّكم الذى خلَقكم وصوَّرَكم ورزَقكم، ثم عبَدتُم غيره، أن يُوَلِّيَ كُلَّ قومٍ ما تَوَلَّوا؟ قالوا: نعَمْ. قال: فيُرْفَعُ لكلِّ قومٍ ما كانوا يَعْبُدون من دونِ اللهِ. قال: ويُمَثَّلُ لكلِّ قومٍ، يعني: آلهتُهم، فيَتْبَعونها حتى تَقْذِفَهم فى النارِ، فيَبْقَى المسلمون والمنافِقون، فيُقالُ:\n_________\n(^١) فى م: \"الذي\".\n(^٢) في م: \"كل أن يولى\"\n(^٣) فى ص، ت ٢: \"النار\"، وفى ت ٣: \"أهل النار\".\n(^٤) الصياصي: جمع صِيصِية وهى القرن. النهاية ٣/ ٦٧.\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بن\". وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٥٦٨.\n(^٦) سقط من ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"23","page":190},{"text":"ألا تَذْهَبون، فقد ذهَب الناسُ؟ فيقولون: حتى يَأْتِيَنا ربُّنا، قال: وتَعْرِفُونه؟ فقالوا: إن اعترَف لنا. قال: فيَتَجَلَّى، فيَخِرُّ مَن كان يعبُدُه ساجدًا. قال: ويَبْقى المنافقون لا يَسْتَطِيعون، كأن فى ظهورِهم السفافيدَ. قال: فيُذهَبُ بهم فيُساقون إلى النارِ، فيُقْذَفُ بهم. ويَدْخُلُ هؤلاء الجنةَ. قال: فيُسْتَقْبَلون في الجنةِ بما يُسْتَقْبَلون به من الثوابِ والأزواجِ والحورِ العينِ، لكلِّ رجلٍ منهم في الجنةِ كذا وكذا، بينَ كلِّ جنةٍ كذا، بينَ (^١) أدناها وأقصاها [كذا ألفَ] (^٢) سنةٍ، هو يرى أقصاها كما يرى أدناها. قال: ويَسْتَقْبِلُه رجلٌ حسنُ الهيئةِ، إذا نظَر إليه مُقْبِلًا حسِب أنه ربُّه، [فيهُمُّ أن يسجُد له] (^٣)، فيقولُ له: لا تَفْعَلْ، إنما أنا عبدُك وقهرَمانُك على ألفِ قريةٍ. قال: يقولُ عمرُ: يا كعبُ، ألا تَسْمَعُ مَا يُحَدِّثُ به عبدُ اللهِ؟\nحدَّثنا ابنُ جَبَلةَ، قال: ثنا يحيى بنُ حمادٍ، قال: ثنا أبو عوانةَ، قال: ثنا سليمانُ الأعمشُ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن أبي عبيدةَ وقيسِ بنِ سكنٍ، قالا: قال عبدُ اللهِ وهو يُحَدِّثُ عمرَ -قال: وجعَل عمرُ يقولُ: وَيْحَك يا كعبُ، ألا تَسْمَعُ ما يقولُ عبدُ اللهِ- إذا حُشِر الناسُ على أرجلِهم أربعين عامًا شاخصةً أبصارُهم إلى السماءِ، لا يُكَلِّمُهم بشرٌ، والشمسُ على رءوسِهم حتى يُلْجِمَهم العرقُ، كلَّ بَرٍّ منهم وفاجرٍ، ثم يُنادِى منادٍ من السماء: يأيُّها الناسُ، أليس عدلًا من ربِّكم الذى خلقَكم ورزَقكم وصوَّركم، ثم تولَّيتم غيرَه، أن يُوَلِّيَ كلَّ رجلٍ منكم ما تولَّى؟ فيقولون: بلى. ثم يُنادِى منادٍ من السماءِ: يأيُّها الناسُ، فلتَنْطَلِقْ كلُّ أمةٍ إلى ما كانت تَعْبُدُ. قال: ويُبْسَطُ لهم السرابُ. قال: فيُمَثَّلُ لهم ما كانوا يَعْبُدُون. قال: فيَنْطَلِقون حتى يَلِجُوا النار. فيُقالُ للمسلمين: ما يَحْبِسُكم؟ فيقولون: هذا مكانُنا\n_________\n(^١) بعده في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أيديهم\".\n(^٢) في ت ١، ت ٣: \"ألف كذا\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ٢.","vol":"23","page":191},{"text":"حتى يَأْتِيَنا ربُّنا. فيُقالُ لهم: هل تَعْرِفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: إن اعترَف لنا عرَفناه (^١).\nقال: وثنى أبو صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ: \"حتى إن أحدَهم ليَلْتَفُّ (^٢)، فيُكشَفُ عن ساقٍ، فيَقَعون سجودًا، قال: وتُدْمَجُ أصلابُ المنافِقين حتى تكونَ عظمًا واحدًا، كأنها صياصي البقرِ. قال: فيُقالُ لهم: ارفَعوا رءوسَكم إلى نورِكم بقدرِ أعمالِكم. قال: فتَرْفَعُ طائفةٌ منهم رءوسَهم إلى مثلِ الجبالِ من النورِ، فيَمُرُّون على الصراطِ كطرفِ العين، ثم تَرْفَعُ أخرى رءوسَهم إلى أمثالِ القصورِ، فيَمُرُّون على الصراط كمرِّ الريحِ، ثم يَرْفَعُ آخرون بينَ أيديهم أمثالَ البيوتِ، فيَمُرُّون كحُضْرِ (^٣) الخيلِ، ثم يُرْفَعُ آخرون إلى نورٍ دون ذلك، فيَشِدُّون شدًّا (^٤)، وآخرون دونَ ذلك يَمْشُون مَشْيًا، حتى يَبْقَى آخر الناسِ رجلٌ على أنملةِ رجله مثلُ السراجِ، فيَخِرُّ مرةً، ويَسْتَقِيمُ أخرى، وتُصيبُه النارُ فتَشْعَثُ (^٥) منه، حتى يَخْرُجَ فيقولَ: ما أُعْطِيَ أَحدٌ ما أُعْطِيتُ -ولا يَدْرِى مما نجا- غيرَ أني وجَدتُ مسَّها، وإنى وَجَدْتُ حرَّها\" (^٦). وذَكَر حديثًا فيه طولٌ، اختصَرتُ هذا منه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٢٧٩، ٢٨١) من طريق الأعمش به، وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ١٥٥، والحاكم ٢/ ٣٧٦ من طريق المنهال عن أبي عبيدة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود بنحوه.\n(^٢) في ت ١: \"ليلفت\"، وفى الإيمان لابن منده: \"ينقلب\"، ولعله الصواب؛ والمعنى: يكاد أحدهم ينصرف ويرجع عن الصواب للامتحان الشديد الذى جرى. والله أعلم. وينظر صحيح مسلم (١٨٣/ ٣٠٢).\n(^٣) في م: \"كمر\"، وفي ت ٢: \"كجير\"، وفى ت ٣: \"كجيد\". والحضر: ارتفاع الفرس في عَدْوِه، وفرس مِحْضار: شديد العدو. التاج (ح ض ر).\n(^٤) الشد: العَدْو. اللسان (ش د د).\n(^٥) شَعِثْتُ من الطعام: أكلت قليلا. اللسان (ش ع ث).\n(^٦) أخرجه ابن منده في الرد على الجهمية (٨) من طريق يحيى بن حماد به مختصرا، وفي الإيمان (٨١١، ٨١٢) من طريق الأعمش به بنحوه.","vol":"23","page":192},{"text":"حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقىُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: ثنا هشامُ بنُ سعدٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إذا كان يومُ القيامةِ نادَى منادٍ: ألَا لتلحَقْ كلُّ أمةٍ بما كانت تَعْبُدُ. فلا يَبْقَى أحدٌ كان يَعْبُدُ صنمًا ولا وثنًا ولا صورةً إلا ذهَبوا حتى يَتَسَاقَطوا في النارِ، ويَبْقَى مَن كان يَعْبُدُ اللهَ وحدَه من برٍّ وفاجرٍ وغُبَّراتِ (^١) أهلِ الكتابِ، ثم تُعْرَضُ جهنمُ كأنها سرابٌ يَحْطِمُ بعضُها بعضًا، ثم تُدْعَى اليهودُ، فيُقالُ لهم: ما كُنتم تَعْبُدُون؟ فيَقُولُون: عُزَيرًا ابنَ اللهِ. فيقولُ: كَذَبْتم، ما اتَخَذ اللهُ من صاحبةٍ ولا ولدٍ، فماذا تُريدون؟ فيقولون: أى ربَّنا، ظمِئنا. فيقولُ: أفلا تِردون؟ فيَذْهَبون حتى يَتَساقطوا فى النارِ. ثم يُدْعَى النصارَى، فيقالُ: ماذا كنتم تعبدون؟ فيقولون: المسيحَ ابنَ اللهِ. فيقولُ: كذَبتم، ما اتخذَ اللهُ من صاحبةٍ ولا ولدٍ، فماذا تُرِيدون؟ فيقولون: أى ربَّنا، ظمِئنا اسقِنا. فيقولُ: أفلا تَرِدون؟ فيَذْهَبون فيَتَساقطون فى النارِ. فيَبْقَى مَن كان يَعْبُدُ اللهَ من برٍّ وفاجرٍ. قال: ثم يَتَبَدَّى اللهُ لنا فى صورةٍ غيرِ صورتِه التي رأَيْنَاه فيها أولَ مرةٍ، فيقولُ: أيُّها الناسُ، لحِقت كلُّ أمةٍ بما كانت تَعْبُدُ وبَقِيتم أنتم. فلا يُكَلِّمُه يومَئِذٍ إلا الأنبياءُ، فيقولون: فارَقْنا الناسَ في الدنيا، ونحن كنا إلى صحبتهم فيها أحوجَ، لحِقت كلُّ أمةٍ بما كانت تعبُدُ، ونحن نَنْتَظِرُ ربَّنا الذى كنا نَعْبُدُ. فيقولُ: أنا ربُّكم. فيقولون: نعوذُ باللهِ منك. فيقولُ: هل بينَكم وبينَ اللهِ آيةٌ تَعْرِفونها (^٢)؟ فَيَقُولون: نَعَمْ. فَيُكْشَفُ عن ساقٍ، فيَخِرُّون سُجَّدًا أجمعون، ولا يَبْقَى أحدٌ كان سجَد في الدنيا سُمْعةً ولا رياءً ولا نفاقًا، إلا صار ظهرُه طبقًا واحدًا، كلما أراد أن يَسْجُدَ خَرَّ على قفاه. قال:\n_________\n(^١) غبرات: جمع غُبَّر، والغبر: جمع غابر، والغابر: الباقي. النهاية ٣/ ٣٣٨.\n(^٢) فى م: \"تعرفونه بها\"، وفى ت ٣: \"تعرفوها\".","vol":"23","page":193},{"text":"ثم يَرْجِعُ يَرْفَعُ برَّنا ومُسِيئَنا، وقد عاد لنا في صورته التي رأَيناه فيها أوَّلَ مرةٍ، فيقولُ: أنا ربُّكم. فيقولون: نعَمْ أنت ربُّنا. ثلاثَ مرارٍ\" (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عبد الله بن عبدِ الحكمِ، قال: ثني أبي وشعيبُ (^٢) بنُ الليثِ، عن الليثِ، قال: ثنا خالدُ بن يزيدَ، عن ابنِ (^٣) أبي هلالٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ ابنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدرىِّ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"يُنادى مناديه فيقولُ: ليَلْحَقْ كلُّ قومٍ بما كانوا يَعْبُدون. فيَذْهَبُ أصحابُ الصليبِ مع صليبِهم، وأصحابُ الأوثانِ مع أوثانِهم، وأصحابُ كلِّ آلهةٍ معَ آلهتِهم، حتى يَبْقَى مَن كان يَعْبُدُ اللهَ من برٍّ وفاجرٍ وغُبَّراتِ أهلِ الكتابِ، ثم يُؤْتَى بجهنمَ تُعْرَضُ كأنها سرابٌ\". ثم ذكَر نحوَه، غيرَ أنه قال: \"فإنا ننتظِرُ ربَّنا\". فقال -إن كان قاله-: \"فيأتيهم الجبارُ\". ثم حدَّثنا الحديثَ نحوَ حديثِ المسروقيِّ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ المحاربيُّ، عن إسماعيلَ بنِ رافعٍ المدنىِّ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"يَأْخُذُ اللهُ للمظلومِ من الظالمِ، حتى إذا لم يَبْقَ تَبِعةٌ لأحدٍ عندَ أحدٍ \"جعَل اللهُ ملكًا من الملائكةِ على صورةِ عزيرٍ فتتبَعُه اليهودُ، وجعَل الله ملكًا من الملائكةِ على صورةِ عيسى فتَتْبَعُه النصارَى، ثم نادَى منادٍ أسمَع الخلائقَ كلَّهم، فقال: ألا ليَلْحَقْ كلُّ قومٍ بآلهتِهم وما كانوا يَعْبُدون من دونِ اللهِ. فَلَا يَبْقَى أَحدٌ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨٣/ ٣٠٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٦٣٥) وعبد الله في السنة (٤٢٩) مختصرا، وابن خزيمة في التوحيد ص ٢٠٠، وأبو عوانة في مسنده ١/ ١٦٦ - ١٦٨، وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٢٧٧)، وابن منده فى الإيمان (٨١٦)، وفي الرد على الجهمية (١)، والحاكم ٤/ ٥٨٢ - ٥٨٤ من طريق جعفر بن عون به، وأخرجه أحمد ١٧/ ٢٠٢ - ٢٠٤ (١١١٢٧)، والبخاري (٤٥٨١)، ومسلم (١٨٣/ ٣٠٢) من طريق زيد بن أسلم به.\n(^٢) في النسخ: \"سعيد\". والمثبت مما تقدم.\n(^٣) سقط من النسخ، والمثبت مما تقدم\n(^٤) تقدم تخريجه في ١٥/ ٦٠٣، ٦٠٤.","vol":"23","page":194},{"text":"كان يَعْبُدُ من دونِ اللهِ شيئًا إلا مُثِّلَ له آلهتُه بينَ يَدَيه، ثم قادتْهم إلى النارِ، حتى إذا لم يَبْقَ إلا المؤمِنون فيهم المنافِقون، قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: أيُّها الناسُ، ذهَب الناسُ، الحَقوا بآلهتِكم وما كنتم تعبُدُون. فيقولون: واللهِ ما لنا إلهٌ إلا اللهُ، وما كنا نعبُدُ إلهًا غيرَه. وهو اللهُ ثبَّتهم، ثم يقولُ لهم الثانيةَ مثل ذلك: الحَقوا بآلهتِكم وما كنتم تَعْبُدُون. فيَقُولون مثلَ ذلك، فيُقالُ: هل بينَكم وبينَ ربِّكم من آيةٍ تَعرِفُونها؟ فيَقُولون: نعم. فيتجلَّى لهم من عظمتِه ما يَعْرِفونه أنه ربُّهم، فيَخِرُّون له سُجَّدًا على وجوهِهم، ويَقَعُ كلُّ منافقٍ على قفاه، ويَجْعَلُ اللهُ أصلابَهم كصياصيِّ البقرِ\" (^١).\nوحدَّثني أبو زيدٍ عمرُ بنُ شَبَّةَ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو سعدٍ (^٢) روحُ بنُ جَناحٍ، عن مولًى لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، عن أبي بُرْدةَ بنِ أبي موسى، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ قال: \" ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ \". قال: \"عن نورٍ عظيمٍ، يَخِرُّون له سجَّدًا\" (^٣).\nحدَّثنى جعفرُ بنُ محمدٍ البُزُورىُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ في قولِ اللهِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾. قال: يُكْشَفُ عن الغطاءِ. قال: ويُدْعَون إلى السجودِ وهم سالمون (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾. قال: هو يومُ كربٍ وشدةٍ (^٥)\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٣/ ٦١١.\n(^٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سعيد\". وهما قولان في كنيته. وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٢٣٣.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٢٥ عن المصنف بزيادة \"هارون بن عمر المخزومي\" بين عمر بن شبة والوليد بن مسلم. وينظر الجرح والتعديل ٦/ ١١٦، ٩/ ٩٣، وأخرجه أبو يعلى (٧٢٨٣)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٧٥٢) وابن عساكر ٥٢/ ٣٣٣ من طريق الوليد بن مسلم به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٤ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٧٥١) من طريق عمر بن أبي زائدة، عن عكرمة بنحوه، وعزاه =","vol":"23","page":195},{"text":"وذُكِر عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (يَوْمَ تَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ) (^١) بمعنى: يومَ تَكْشِفُ القيامةُ عن شدةٍ شديدةٍ. والعربُ تقولُ: كَشَف هذا الأمرُ عن ساقٍ. إذا صار إلى شدةٍ، ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):\nكشَفتْ لهم عن ساقِها … وبدَا من الشَّرِّ البَرَاحْ (^٣)\nوقولُه: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. يقولُ: ويَدْعوهم الكشفُ عن الساقِ إلى السجودِ للهِ تعالى فلا يُطِيقون ذلك.\n\n<span id=\"aya-5314\"></span>وقولُه: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾. يقولُ: تَغْشَاهم ذِلَّةٌ من عذابِ اللهِ، ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾. يقولُ: وقد كانوا في الدنيا يَدْعونهم إلى السجودِ له وهم سالمون، لا يَمْنَعُهم من ذلك مانعٌ، ولا يحولُ بينهم وبينَه حائلٌ.\nوقد قيل: السجودُ فى هذا الموضعِ الصلاةُ المكتوبةُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ التيمىِّ: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾. قال: إلى الصلاةِ المكتوبةِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي سنانٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾. قال: يَسْمَعُ المنادِى إلى\n_________\n= السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^١) أخرجه الفراء في معاني القرآن ٣/ ١٧٧، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٧٤٨) من طريق عمرو بن دينار، عن ابنِ عباسٍ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٥ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن منده، وينظر الرد على الجهمية لابن منده ص ٣٩.\n(^٢) البيت في معاني القرآن ٣/ ١٧٧، والحماسة لأبي تمام ١/ ٢٦٦، والأشباه والنظائر للخالديين ١/ ١٥٥.\n(^٣) فى م: \"الصراح\".\n(^٤) أخرجه أحمد في العلل ٢/ ٩١ (٥٣١ - رواية عبد الله) من طريق سفيان به.","vol":"23","page":196},{"text":"الصلاةِ المكتوبةِ فلا يُجيبُه (^١).\nقال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن إبراهيمَ التيميِّ: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾. قال: الصلاةِ المكتوبةِ (^٢).\nوبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ الآية. قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾. قال: هم الكفارُ، كانوا يُدْعَون في الدنيا وهم آمِنون، فاليومَ يَدْعوهم وهم خائفون. ثم أخبر اللهُ سبحانه أنه حال بينَ أهلِ الشركِ وبينَ طاعتِه فى الدنيا والآخرةِ؛ فأمَّا في الدنيا فإنه قال: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]. وأمَّا في الآخرةِ فإنه قال: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾: ذلكم واللهِ يومَ القيامةِ. ذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"يُؤْذَنُ للمؤمنين يومَ القيامةِ فى السجودِ، فيَسْجُدُ المؤمنون، وبينَ كلِّ مؤمِنَيْنِ منافقٌ، فيَقْسُو ظهرُ المنافقِ عن السجودِ، ويَجْعَلُ اللهُ سجودَ المؤمنين عليهم توبيخًا وذلًّا وصَغارًا، وندامةً وحسرةً\". وقولَه: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في العلل ٢/ ٩١ (٥٣١ - رواية عبد الله) من طريق أبي سنان به.\n(^٢) أخرجه أحمد في العلل ٢/ ٩١ (٥٣١ - رواية عبد الله) من طريق سفيان به\n(^٣) أخرجه اللالكائى فى اعتقاد أهل السنة (٩٨٤) من طريق أبي صالح به.","vol":"23","page":197},{"text":"أى: فى الدنيا، ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾. أي: في الدنيا (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: بلَغني أنه يُؤْذَنُ للمؤمنين يومَ القيامةِ فى السجودِ، بين كلِّ مؤمنَيْنِ منافقٌ، يَسْجُدُ المؤمنون، ولا يَسْتَطِيعُ المنافقُ أن يَسْجُدَ. وأحسَبُه قال: تَقْسُو ظهورهم، ويكونُ سجودُ المؤمنين توبيخًا عليهم، قال: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5315\"></span><span data-type='title' id=toc-9099>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: كِلْ يا محمدُ أمرَ هؤلاء المكذِّبين بالقرآنِ إلىَّ. وهذا كقولِ القائلِ لآخرَ غيرِه يتوعَّدُ رجلًا: دَعْنى وإياه. و: خَلِّني وإياه. بمعنى أنه من وراءِ مَسَاءتِه.\nو\"مَن\" فى قولِه: ﴿وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ في موضعِ نصبٍ؛ لأن معنى الكلامِ ما ذكَرتُ، وهو نظيرُ قولِهم: لو تُرِكْتَ ورَأْيَك ما أَفْلَحتَ. والعربُ تَنْصِبُ \"ورأيَك\"؛ لأن معنى الكلامِ: لو وَكَلْتُك إلى رأيِك لم تُفْلِحْ.\nوقولُه: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: سَنَكِيدُهم من حيثُ لا يعلمون، وذلك بأن يُمَتِّعَهم بمتاعِ الدنيا، حتى يَظُنُّوا أنهم مُتِّعوا به بخيرٍ لهم عندَ اللهِ، فيَتَمادَوا فى طغيانِهم، ثم يَأْخُذُهم بغتةً وهم لا يَشْعُرون.\n\n<span id=\"aya-5316\"></span>وقولُه: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأُنسِئُ في آجالِهم مُلاوةً من الزمانِ. وذلك برهة من الدهرِ على كفرِهم وتمرُّدِهم على اللهِ، لتتكامَلَ حُجَجُ اللهِ عليهم، ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. يقولُ: إن كيدى بأهلِ الكفرِ قوىٌّ شديدٌ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (٢٨٣) من طريق سعيد، عن قتادةَ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٠ عن معمر به.","vol":"23","page":198},{"text":"<span id=\"aya-5317\"></span><span data-type='title' id=toc-9100>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أَتَسْأَلُ يا محمدُ هؤلاء المشركين باللهِ على ما أَتَيْتَهم به من النصيحةِ، ودعوتَهم إليه من الحقِّ -ثوابًا وجزاءً؟ ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾. يعنى: من عِزَّةِ (^١) ذلك الأجرِ مُثْقَلون، قد أَثْقَلهم القيامُ بأدائِه، فتحامَوا (^٢) لذلك قبولَ نصيحتِك، وتجنَّبوا لعظمِ ما أصابهم من ثِقَلِ الغُرْمِ الذى سأَلتهم على ذلك- الدخولَ في الذي دعوتَهم إليه من الدينِ.\n\n<span id=\"aya-5318\"></span>وقولُه: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. يقولُ: أعندَهم اللوحُ المحفوظُ الذى فيه نبأُ ما هو كائنٌ، فهم يَكْتُبون منه ما فيه، ويُجادِلونك به، ويَزْعُمون أنهم على كفرِهم بربِّهم أفضلُ منزلةً عندَ اللهِ من أهلِ الإيمانِ به؟!\n\n<span id=\"aya-5319\"></span><span data-type='title' id=toc-9101>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فاصبِرْ يا محمدُ لقضاءِ ربِّك وحُكمِه فيك وفي هؤلاء المشرِكين، بما أتيتَهم به من هذا القرآنِ وهذا الدينِ، وامضِ لما أمَرك به ربُّك، ولا يُثْنِيَنَّكَ عن تبليغِ ما أُمرْتَ بتبليغِه تَكْذِيبُهم إياك وأذاهم لك.\nوقولُه: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ الذى حبَسه (^٣) في بطنِه، وهو يونسُ بنُ مَتَّى صلى اللهُ عليه، فيُعاقبَك ربُّك على تركِك تبليغَ ذلك، كما عاقبَه فحبَسه في بطنِه، ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. يقولُ: إذ نادَى وهو مغمومٌ، قد أثقَله الغمُّ وكظَمه.\n_________\n(^١) فى م: \"غرم\"، وفى ت ٣: \"غرة\"، وعزَّ الشيء يَعِزُّ عزًّا وعزة: قل فلا يكاد يوجد. التاج (ع ز ز).\n(^٢) تحامَوا: تجنَّبوا. الوسيط (ح م و).\n(^٣) فى ص، ت ٢، ت ٣: \"حبسته\".","vol":"23","page":199},{"text":"كما حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. يقولُ: مغمومٌ (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿مَكْظُومٌ﴾. قال: مغمومٌ (^٢).\nوكان قتادةُ يقولُ فى قولِه: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾: لا تَكُنْ مثلَه فى العَجَلةِ والغضبِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. يقولُ: لا تَعْجَلْ كما عجِل، ولا تُغاضِبُ (^٣) كما غضِب.\n\n<span id=\"aya-5320\"></span>حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^٤). وقولُه: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: لولا أن تدَارَك صاحبَ الحوتِ نعمةٌ من ربِّه، فرحِمه بها، وتاب عليه من مغاضبتِه ربَّه، ﴿لَنُبِذَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم -كما فى الإتقان ٢/ ٤٩ - من طريق أبى صالح به، وأخرجه ابن المنذر -كما فى الفتح ٨/ ٦٦٢ - من طريق علىِّ بن أبى طلحة به.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) فى م: \"تغضب\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٠، ٣١١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٨ إلى أحمد فى الزهد وابن المنذر.","vol":"23","page":200},{"text":"بِالْعَرَاءِ﴾. وهو الفضاءُ من الأرضِ. ومنه قولُ قيسِ بنِ جعدةَ: (^١):\nورفَعتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها … ونبَذتُ بالبلدِ العَراءِ ثِيابى\n﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ فى معنى قولِه: ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وهو مُلِيمٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى علىٌّ، قال: ثنى أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. يقولُ: مُليمٌ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وهو مُذْنِبٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن بكرٍ: ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. قال: هو مُذْنِبٌ (^٣).\n\n<span id=\"aya-5321\"></span><span data-type='title' id=toc-9102>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فاجتبَى صاحبَ الحوتِ ربُّه. يَعْنى أنه اصطَفاه واختاره\n_________\n(^١) مجاز القرآن ٢/ ٢٦٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبى حاتم -كما فى الإتقان ٢/ ٤٩ - من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٨ إلى ابن المنذر.\n(^٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٨/ ٢٥٤.","vol":"23","page":201},{"text":"لنبوَّتِه، ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. يعنى: من المرسَلِين العامِلين بما [أمَرهم به ربُّهم، المنتَهين عما نهاهم] (^١) عنه.\n\n<span id=\"aya-5322\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويكادُ الذين كفَروا يا محمدُ يَنْفُذونك بأبصارِهم؛ من شدةِ عداوتِهم لك، ويُزيلونَك، فيرمُوا بك عندَ نظرِهم إليك، غيظًا عليك.\nوقد قيل: إنه عنَى بذلك: وإن يَكادُ الذين كفَروا مما عانُوك (^٢) بأبصارِهم، لَيَرْمُون بك يا محمدُ ويَصْرَعونك. كما تقولُ العربُ: كاد فلانٌ يَصْرَعُنى بشدةِ نظرِه إلىَّ. قالوا: وإنما كانت قريشٌ عانُوا رسولَ اللهِ ﷺ ليُصِيبُوه بالعينِ، فنظَروا إليه ليَعِينوه. وقالوا: ما رأَينا [ولا] (^٣) مثلَه. أو: إنه لمجنونٌ. فقال اللهُ لنبيِّه عندَ ذلك: وإن يَكادُ الذين كفَروا ليَرْمُونك بأبصارِهم لما سمِعوا الذكرَ ويقولون: إنه لمجنونٌ.\nوبنحوِ الذى قلنا فى معنى قولِه: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ عيينةَ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾. يقولُ: يَنْفُذُونك بأبصارِهم، من شدةِ النظرِ. يقولُ ابنُ عباسٍ: يُقالُ للسهمِ: زهَق السهمُ أو زلَق (^٤).\nحدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ\n_________\n(^١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أمره به ربه المنتهين عما نهاه\".\n(^٢) عان الرجلَ يعينه عينًا: أصابه بالعين. ينظر اللسان (ع ى ن).\n(^٣) فى م: \"رجلا\".\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٨ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.","vol":"23","page":202},{"text":"قولَه: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾. يقولُ: ليَنْفُذُونك بأبصارِهم (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾. يقولُ: ليُزْهِقُونك بأبصارِهم.\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ (^٢)، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ أنه كان يقرَأُ: (وإن يَكادُ الذين كفَروا ليُزْهِقُونَك) (^٣).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾. قال: ليَنْفُذُونك بأبصارِهم.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾. قال: ليُزْهِقُونك. وقال الكَلْبىُّ: ليَصْرَعُونك (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾: ليَنْفُذُونك بأبصارِهم؛ معاداةً لكتابِ اللهِ ولذكرِ اللهِ (^٥).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم -كما فى الإتقان ٢/ ٤٩ - من طريق أبى صالح به بلفظ: يعانونك، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٨ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) فى النسخ: \"معاوية\". وتقدم على الصواب فى ١/ ٥٥٥، ٣/ ٢٠٢.\n(^٣) أخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص ١٨٧ عن هشيم به، وقراءة ابن عباس شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١١ عن معمر به.\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":203},{"text":"يَنْفُذُونك بأبصارِهم؛ من العداوةِ والبغضاءِ.\nواختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: هو ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ: (لَيَزْلُقُونَكَ) بفتحِ الياءِ (^١)، من: زلَقتُه أَزَلُقُه زَلْقًا، وقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بضمِّ الياءِ (^٢)، من: أَزْلَقَه يُزْلِقُه (١).\nوالصوابُ من القولِ فى ذلك عندِى أنهما قراءتان مَعْرُوفتان، ولُغتان مَشْهُورتان فى العربِ، مُتقارِبتا المعنى، والعربُ تقولُ للذى يَحْلِقُ الرأسَ: قد أَزْلَقَه. و: زلَقه. فبأيتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-5323\"></span>وقولُه: ﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾. يقولُ: لما سمِعوا كتابَ اللهِ يُتْلَى، ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يقولُ هؤلاء المشرِكون الذين وصَف صفتَهم: إن محمدًا لمجنونٌ، وهذا الذى جاءنا به من الهذَيان الذى يَهْذِى به فى جنونِه، ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾: وما محمدٌ إلا ذكرٌ ذَكَّر اللهُ به العالمين؛ الثَّقَلَين الجنَّ والإنسَ.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"ن والقلم\"\n_________\n(^١) وبها قرأ نافع وأبو جعفر. النشر ٢/ ٢٩١.\n(^٢) وبها قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف. ينظر المصدر السابق.","vol":"23","page":204},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9103>تفسيرُ سورةِ \"الحاقةِ\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5324\"></span><span data-type='title' id=toc-9104>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ </span>(٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: الساعةُ الحَاقَّةُ التى تَحُقُّ فيها الأمورُ، ويَجِبُ فيها الجزاءُ على الأعمالِ.\n\n<span id=\"aya-5325\"></span>﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾. يقولُ: أىُّ شيءٍ الساعةُ الحاقةُ. وذُكِر عن العربِ أنها تقولُ: لما عرَف الحاقَّةَ منى (^١) والحقَّةَ منى (^١) هرَب (^٢). وبالكسرِ بمعنًى واحدٍ فى اللغاتِ الثلاثِ، وتقولُ: قد حقَّ عليه الشئُ. إذا وجَب، فهو يَحُقُّ حُقوقًا.\nو\"الحاقةُ\" الأولى مرفوعةٌ بالثانيةِ؛ لأن الثانيةَ بمنزلةِ الكنايةِ عنها، كأنه عجِب منها، فقال: الحاقةُ ما هى! كما يُقالُ: زيدٌ ما زيدٌ! و\"الحاقة\" الثانيةُ مرفوعةٌ بـ \"ما\"، و\"ما\" بمعنى \"أى\"، و\"ما\" رفعٌ بـ \"الحاقةِ\" الثانيةِ، ومثلُه فى القرآنِ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]. و﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: ١، ٢]، فـ \"ما\" فى موضعِ رفعٍ بـ \"القارعة\" الثانيةِ، والأُولى بجملةِ الكلامِ بعدَها.\nوبنحوِ الذى قلنا فى قولِه: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ\n_________\n(^١) فى م، ت ٢، ت ٣: \"متى\".\n(^٢) سقط من: النسخ، والمثبت من معانى القرآن للفراء ٣/ ١٧٩.","vol":"23","page":205},{"text":"فى قولِه: ﴿الْحَاقَّةُ﴾: من أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه اللهُ وحذَّره عبادَه (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن شريكٍ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ، قال: ﴿الْحَاقَّةُ﴾: القيامةُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الْحَاقَّةُ﴾. يعنى: الساعةُ، أحقَّت لكلِّ عاملٍ عملَه.\nحدَّثنى ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْحَاقَّةُ﴾. قال: أحقَّت لكلِّ قومٍ أعمالَهم (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿الْحَاقَّةُ﴾. يعنى: القيامةُ (^٤).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾، و﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾، و﴿الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، و﴿الطَّامَّةُ﴾ [النازعات: ٣٤]. و﴿الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣]. قال: هذا كلُّه يومُ القيامةِ، الساعةُ. وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٢، ٣]. والخافضةُ من هؤلاء أيضًا، خفَضت أهلَ النارِ، ولا نَعْلَمُ أحدًا أخفَضَ من أهلِ النارِ ولا أذلَّ ولا أخزَى، ورَفَعت أهلَ الجنةِ، ولا نَعْلَمُ أحدًا أشرفَ من أهلِ الجنةِ ولا أكرمَ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم -كما فى الإتقان ٢/ ٥٥ - من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٧١ من طريق جابر به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٢ عن معمر به، وأخرجه ابن المبارك فى الزهد (٣٤٩ - زيادات نعيم) - ومن طريقه ابن أبى الدنيا فى الأهوال (٣١) - عن محمد بن يسار عن قتادة، وذكره الحاكم ٢/ ٥٠٠ معلقًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) ذكره الطوسى فى التبيان ١٠/ ٩٣.","vol":"23","page":206},{"text":"<span id=\"aya-5326\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وأىُّ شيءٍ أدرَاك وعرَّفك أىُّ شيءٍ الحاقةُ؟\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، قال: ما فى القرآنِ: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ [الأحزاب: ٦٣، الشورى: ١٧، عبس: ٣]، فلم يُخْبِرْه، وما كان: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فقد أخبَره (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾: تعظيمًا ليومِ القيامةِ كما تَسْمَعون (^٢).\n\n<span id=\"aya-5327\"></span>وقولُه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبت ثمودُ قومُ صالحٍ، وعادٌ قومُ هودٍ، بالساعةِ التى تَقْرَعُ قلوبَ العبادِ فيها بهجُومِها عليهم. والقارعةُ أيضًا اسمٌ من أسماءِ القيامةِ.\nوبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾. أى: بالساعةِ (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾. قال: القارعةُ يومُ القيامةِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-5328\"></span><span data-type='title' id=toc-9105>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ</span>\n_________\n(^١) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٨/ ٢٥٧ عن سفيان بن عيينة.\n(^٢) جزء من الأثر المتقدم فى الصفحة السابقة.\n(^٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٨/ ٢٠٧.","vol":"23","page":207},{"text":"فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: فأمَّا ثمودُ قومُ صالحٍ فأهلَكهم اللهُ بالطاغيةِ.\nواختلَف فى معنى الطاغيةِ التى أهلَك اللهُ بها ثمودَ، أهلُ التأويلِ؛ فقال بعضُهم: هى طغيانُهم وكفرُهم باللهِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ ﷿: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾. قال: بالذنوبِ (^١).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾. فقرأ قولَ اللهِ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾. [الشمس: ١١] وقال: هذه الطاغيةُ طغيانُهم وكفرُهم بآياتِ اللهِ؛ الطاغيةُ طغيانُهم الذى طغَوا فى معاصى اللهِ وخلافِ كتابِ اللهِ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: فأُهْلِكوا بالصيحةِ التى قد حازتْ (^٣) مقاديرَ الصياحِ وطغَت عليها.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٨، ٢٥٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨/ ٢٣٥ مختصرًا.\n(^٣) فى ص، ت ١، ت ٢: \"حارت\"، وفى م: \"جاوزت\".","vol":"23","page":208},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾: بعَث اللهُ عليهم صيحةً فأَهْمَدتْهم.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾. قال: أَرْسَل اللهُ عليهم صيحةً واحدةً فأَهْمَدتْهم (^١).\nوأولى القولين فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: فأُهْلِكوا بالصيحةِ الطاغيةِ.\nوإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنَّ اللهَ إنما أخبَر عن ثمودَ بالمعنى الذى أهلَكها به، كما أخبَر عن عادٍ بالذى أهلَكها به، فقال: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾. ولو كان الخبَرُ عن ثمودَ بالسببِ الذى أهْلَكها مِن أجلِه، كان الخبرُ أيضًا عن عادٍ كذلك؛ إذ كان ذلك فى سياقٍ واحدٍ، وفى إتباعِه ذلك بخبرِه عن عادٍ بأنَّ هلاكَها كان بالريحِ - الدليلُ الواضحُ على أنَّ إخبارَه عن ثمودَ إنما هو ما بيَّنتُ.\n\n<span id=\"aya-5329\"></span>وقولُه: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأما عادٌ قومُ هودٍ فأهلَكهم اللهُ بريحٍ صَرْصَرٍ، وهى الشديدةُ العُصُوفِ مع شدَّةِ بَرْدِها، ﴿عَاتِيَةٍ﴾. يقولُ: عتَتْ على خُزَّانِها فى الهُبوبِ، فتجاوَزَتْ فى الشدَّةِ والعُصُوفِ مقدارَها المعروفَ فى الهبوبِ والبردِ.\nوبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره (٢/ ٣١٢) عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":209},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾. يقولُ: بريحٍ مُهْلِكةٍ باردةٍ، عتَتْ عليهم بغيرِ رحمةٍ ولا بركةٍ، دائمةٍ لا تَفْتُرُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾: والصَّرْصَرُ الباردةُ، عتَتْ عليهم حتى نقَّبَت عن أفئدتِهم (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن موسى بنِ المسَّيبِ، عن شهرِ بنِ حوشبٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما أَرْسل اللهُ مِن ريحٍ قطُّ إلا بمكيالٍ، ولا أَنْزَل قطرةً قطُّ إلا بمثقالٍ، إلا يومَ نوحٍ ويومَ عادٍ، فإن الماءَ يومَ نوحٍ طغَى على خُزَّانِه فلم يكنْ لهم عليه سبيلٌ. ثم قرأَ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١]. وإن الرِّيحَ عتَتْ على خُزَّانِها فلم يكنْ لهم عليها سبيلٌ. ثم قرَأ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا أبو سنانٍ سعيدٌ، عن غيرِ واحدٍ، عن علىِّ بنِ أبى طالبٍ كرَّم اللهُ وجَهه، قال: لم تَنْزِلْ قطرةٌ مِن ماءٍ إلا بكيلٍ على يَدَى مَلَكٍ، فلما كان يومُ نوحٍ أَذِن للماءِ دونَ الخُزَّانِ، فطغى الماءُ على الجبالِ فخرَج، فذلك قولُ اللهِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾. ولم يَنْزِلْ مِنَ الرِّيحِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وتقدم فى ٢٠/ ٣٩٨.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٩ إلى المصنف والفريابى وعبد بن حميد، وأخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٧٣٢، ٨٠٦)، وابن عساكر فى تاريخ دمشق ٦٢/ ٢٦١ من طريق سفيان به مرفوعًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٩ إلى الدارقطنى فى الأفراد وابن مردويه.","vol":"23","page":210},{"text":"شيءٌ إلا بكيلٍ على يَدى مَلَكٍ، إلا يومَ عادٍ، فإنه أَذِن لها دونَ الخُزَّانِ فخرَجت، وذلك قولُ اللهِ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَة﴾. عَتَتْ على الخُزَّانِ (^١).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَة﴾. قال: الصَرْصَرُ الشديدةُ، والعاتيةُ القاهرةُ التى عتَتْ عليهم فقَهَرتْهم (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿صَرْصَرٍ﴾. قال: شديدةٍ (^٣).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾. يعنى: باردةٍ، ﴿عَاتِيَةٍ﴾: عتَتْ عليهم بلا رحمةٍ ولا بركةٍ (^٤).\n\n<span id=\"aya-5330\"></span>وقولُه: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: سَخَّر تلكَ الرياحَ على عادٍ سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيامٍ حُسُومًا. [واختلَف أهلُ التأويلِ فى معنى قولِه: ﴿حُسُومًا﴾] (^٥)؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك: تِباعًا.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨/ ٢٣٧ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٩ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٨١٢) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٨١٣) من طريق ورقاء به، وتقدم تخريجه فى ٢٠/ ٣٩٨.\n(^٤) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٨/ ٢٥٩، وابن كثير فى تفسيره ٨/ ٢٣٥، وينظر ما تقدم فى ٢٠/ ٣٩٨.\n(^٥) سقط من: النسخ، والمثبت ما يقتضيه السياق.","vol":"23","page":211},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾. يقولُ: تِباعًا (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حُسُومًا﴾. قال: مُتَتابعةً (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبى معمرٍ، عن ابنِ مسعودٍ: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾. قال: مُتَتابعةً.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبى معمرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ مثلَ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبى معمرٍ، عن عبدِ اللهِ: ﴿حُسُومًا﴾. قال: تِباعًا (^٣).\nقال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن سِماك بنِ حربٍ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿حُسُومًا﴾. قال: تِباعًا (^٤).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بنِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٩ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٨١٣) من طريق ورقاء به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٢ عن سفيان بن عيينة به، والطبرانى (٩٠٦١)، والحاكم ٢/ ٥٠٠ من طريق سفيان الثورى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٩ إلى الفريابى وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":212},{"text":"حربٍ، عن عكرمةَ أنه قال فى هذه الآيةِ: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾. قال: مُتَتابِعةً.\nحدَّثنا نصرُ بنُ علىٍّ، قال: ثنى أبى، قال: ثنا خالدُ بنُ قيسٍ، عن قتادةَ: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾. قال: متتابعةً ليس لها فَتْرةٌ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾. يقولُ: متتابعةً ليس فيها تَفْتِيرٌ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿حُسُومًا﴾. قال: دائماتٍ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبى معمرٍ عبدِ اللهِ بنِ سَخْبَرَةَ، عن ابنِ مسعودٍ: ﴿أَيَّامٍ حُسُومًا﴾. قال: متتابعةً.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿أَيَّامٍ حُسُومًا﴾. قال: تِباعًا.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿أَيَّامٍ حُسُومًا﴾. قال: متتابعةً، و﴿أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦]. قال: مشَائِيمَ (^٣).\nوقال آخرون: عُنِى بقولِه: ﴿حُسُومًا﴾. الرِّيحُ، وأنها تَحْسِمُ كُلَّ شيءٍ، فلا تُبْقى مِن عادٍ أحدًا. وجعَل هؤلاء (^٤) الحُسُومَ مِن صفةِ الريحِ.\n_________\n(^١) ذكره البغوى فى تفسيره ٨/ ٢٠٨.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨/ ٢٣٦.\n(^٤) فى م: \"هذه\".","vol":"23","page":213},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾. قال: حسَمتهم لم تُبْقِ منهم أحدًا. قال: ذلك الحُسُومُ، مثلُ الذى يقولُ: احْسِمْ هذا الأَمر. قال: وكان فيهم ثمانيةٌ لهم خَلْقٌ يذهبُ بهم فى كلِّ مذهبٍ. قال: قال موسى بنُ عقبةَ: فلما جاءهم العذابُ قالوا: قوموا بنا نرُدَّ هذا العذابَ عن قومِنا. قال: فقاموا وصَفُّوا فى الوادى، فَأَوْحَى اللهُ إلى مَلَكِ الريحِ أنْ يَقْلَعَ منهم كلَّ يومٍ واحدًا. وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾. حتى بلَغ ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾. قال: فإن كانت الريحُ لتمُرُّ بالظَّعينةِ فتَسْتَدْبرُها وحمولتَها، ثم تذهبُ بهم فى السماءِ، ثم تَكُبُّهم على الرءوسِ. وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾. قال: وكان أَمسَك عنهم المطرَ. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤، ٢٥]. قال: وما كانت الريحُ تَقْلَعُ مِن أولئِك الثمانيةِ كلَّ يومٍ إلا واحدًا. قال: فلما عذَّب اللهُ قومَ عادٍ، أَبْقى اللهُ واحدًا يُنْذِرُ الناسَ. قال: فكانت امرأةٌ قد رأَتْ قومَها، فقالوا لها: أنتِ أيضًا؟ قالت: تَنَحَّيتُ على الجبلِ. قال: و(^١) قيل لها بعدُ: أنتِ قد سَلِمْتِ وقد رأَيتِ، فكيف لا رأيتِ عَذابَ اللهِ؟ قالت: ما أَدْرِى غيرَ أَنَّ أسْلَمَ ليلةٍ ليلةَ لا ريحَ.\nوأولى القولين فى ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بقولِه: ﴿حُسُومًا﴾: متَتابعةً. لإجماعِ الحجةِ مِن أهلِ التأويلِ على ذلك.\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ (^٢) يقولُ: الحُسُومُ التِّباعُ، إِذا تَتابَع الشئُ فلم يَنْقَطِعْ\n_________\n(^١) بعده فى م: \"قد\".\n(^٢) هو الفراء فى معانى القرآن \"٣/ ١٨٠\".","vol":"23","page":214},{"text":"أوَّلُه عن آخرِه قيل فيه: حُسُومٌ. قال: وإنما أُخِذ -واللهُ أعلمُ- من: حَسَم الداءَ. إذا كُوِى صاحبُه؛ لأنه لحمٌ يُكْوَى بالمِكْوَاةِ، ثم يُتابِعُ عليه.\nوقولُه: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى﴾. يقولُ: فتَرى يا محمدُ قومَ عادٍ فى تلك السبعِ الليالى والثمانيةِ الأيامِ الحُسُومِ صرعى قد هلَكوا، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾. يقولُ: كأنَّهم أصولُ نَخْلٍ قد خَوَتْ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾: وهى أصولُ النَّخْلِ (^١).\n\n<span id=\"aya-5331\"></span>وقولُه: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَة﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فهل تَرى يا محمدُ لعادٍ قومِ هودٍ من بقاءٍ؟\nوقيل: عُنِى بذلك: فهل تَرى منهم باقيًا؟\nوكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ مِن البصريين (^٢) يقولُ: معنى ذلك: فهل تَرى لهم مِن بقيَّةٍ؟ ويقولُ: مجازُها مجازُ الطاغيةِ، مصدرٌ.\n\n<span id=\"aya-5332\"></span><span data-type='title' id=toc-9106>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وجاء فرعونُ مصرَ.\nواختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٩ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد.\n(^٢) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ٢/ ٢٦٧.","vol":"23","page":215},{"text":"ومكةَ خلا الكِسائىِّ: ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ بفتحِ القافِ وسكونِ الباءِ (^١)، بمعنى: وجاء مَن قبلَ فرعونَ من الأممِ المكذِّبةِ بآياتِ اللهِ، كقومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وقومِ لوطٍ، بالخطيئةِ.\nوقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ البصرةِ والكِسائىُّ: (ومَن قِبَلَه) بكسرِ القافِ وفتحِ الباءِ (^٢) بمعنى: وجاءَ مَن (^٣) مع فرعونَ مِن أهلِ بلدِه مصرَ مِن القِبْطِ.\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقولُه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾. يقولُ: والقُرى التى ائْتَفكَت بأهلِها، فصار عاليها سافلَها، ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾. يعنى: بالخطيئةِ. وكانت خطيئتُها إتيانَها الذكرانَ فى أَدبارِهم.\nوبنحوِ الذى قلنا فى معنى قولِه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ [بِالْخَاطِئَةِ﴾: المؤتفكاتُ] (^٤) قريةُ لوطٍ، وفى بعضِ القراءةِ: (وجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ مَعَهُ) (^٥).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَجَاءَ\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة وعاصم وأبى جعفر وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٩١.\n(^٢) وبها قرأ أبو عمرو ويعقوب. المصدر السابق.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) هى قراءة أُبىّ. معانى القرآن للفراء ٣/ ١٨٠.","vol":"23","page":216},{"text":"فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾. قال: المؤتفكاتُ قومُ لوطٍ ومدينتُهم وزرعُهم. وفى قولِه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٣]. قال: أهواها مِن السماءِ، رمَى بهم مِن السماءِ، أَوحى اللهُ إلى جبريلَ ﵇ فاقْتَلَعها مِن الأرضِ، رَبَضَها (^١) ومدينتَها، ثم هوَى (^٢) بها إلى السماءِ، ثم قلبَهم إلى الأرضِ، ثم أَتْبَعهم الصَّخْرَ حجارةً. وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً﴾ [هود: ٨٢، ٨٣]. قال: المُسوَّمةُ المُعَدَّةُ للعذابِ.\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾. يعنى المكذِّبين.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾: هم قومُ لوطٍ، ائتفَكَتْ بهم أرضُهم (^٣).\nوبما قلنا فى قولِه: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾. قال: الخطايا (^٤).\n_________\n(^١) الربض: مرابض البقر. وربض الغنم: مأواها.\n(^٢) هَوَى يهوِى هَوِيًا، بالفتح، إذا هبط، وهَوَى يهوِى هُوِيًّا، بالضم، إذا صعد. وقيل بالعكس. اللسان (هـ وى).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":217},{"text":"<span id=\"aya-5333\"></span>وقولُه: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فعصى هؤلاء الذين ذكَرهم اللهُ، وهم فرعونُ ومَن قبلَه والمؤتفكاتُ، رسولَ ربِّهم.\nوقولُه: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (^١)﴾. يقولُ: فأخَذهم ربُّهم بتكذيبِهم رسلَه ﴿أَخْذَةً رَابِيَةً﴾. يعنى: أَخْذَةً زائدةً شديدةً ناميةً، مِن قولِهم: أَرْبَيْتُ. إذا أَخَذ أكثرَ مما أَعْطَى، مِن الرِّبا، يقالُ: أَرْبَيْتَ فرَبا رِباك. و: الفضةُ والذهبُ قد رَبَوَا.\nوبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَخْذَةً رَابِيَةً﴾. قال: شديدةً (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾. يعنى: أَخْذَةً شديدةً (^٣).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾. قال: كما يكونُ فى الخيرِ رابيةٌ، كذلك يكونُ فى الشرِّ رابيةٌ. قال: رَبا عليهم. زاد عليهم. وقرَأ قولَ اللهِ ﷿: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨]. وقرَأ قولَ اللهِ عزَّ\n_________\n(^١) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ص ٤٢٨ - كما فى المخطوطة المحمودية- إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم.","vol":"23","page":218},{"text":"وجلَّ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]. يقولُ: ربا لهؤلاء الخيرَ ولهؤلاء الشرَّ.\n\n<span id=\"aya-5334\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا لما كَثُر الماءُ فتجاوز حدَّه المعروفَ كان له. وذلك زمنَ الطُّوفانِ.\nوقيل: إنه زاد فعَلَا فوقَ كلِّ شيءٍ بقدرِ خمسَ عشرةَ ذراعًا.\nذكرُ مَن قال ذلك، ومَن قال فى قولِه: ﴿طَغَا﴾ مثلَ قولِنا\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾. قال: بلَغنا أنه طغَى فوقَ كلِّ شيءٍ خمسَ عشرةَ ذراعًا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾: ذاكم زمنَ نوحٍ، طغَى الماءُ على كلِّ شيءٍ خمسَ عشرَةَ ذراعًا بقدرِ كلِّ شيءٍ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّىُّ، عن جعفرِ بنِ أبى المغيرةِ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ فى قولِه: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾. قال: لم تَنْزِلْ مِن السماءِ قَطْرَةٌ إلا بعلمِ الخُزَّانِ، إلا حيثُ طَغَى الماءُ؛ فإنه قد غَضِب لغضبِ اللهِ، فطغَى على الخُزَّانِ، فخرَج ما لا يَعْلمون ما هو (^٢).\nحدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾: إنما يقولُ: لما كَثُر (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٣ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٧٣٣) من طريق يعقوب به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٠ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبى حاتم -كما فى تغليق التعليق ٤/ ٣٤٨، والإتقان ٢/ ٤٩ - من طريق عبد الله بن صالح=","vol":"23","page":219},{"text":"حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾. يعنى: كَثُر الماءُ ليالىَ غرَّق اللهُ قومَ نوحٍ.\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ﴾. قال محمدُ بنُ عمرٍو فى حديثِه: طما (^١). قال الحارث: ظهَر (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ فى قولِه: ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾: كَثُر وارتفَع.\nوقولُه: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾. يقولُ: حمَلْناكم فى السفينةِ التى تَجْرِى فى الماءِ.\nوبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾: والجاريةُ السفينةُ (^٣).\n_________\n=به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور -كما فى المخطوطة المحمودية ص ٤٢٨ - إلى ابن المنذر.\n(^١) طما الماء: ارتفع وعلا وملأ النهر. اللسان (ط م و).\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور -كما فى المخطوطة المحمودية ص ٤٢٨ - إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور -كما فى المخطوطة المحمودية ص ٤٢٨ - إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم.","vol":"23","page":220},{"text":"حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾: والجاريةُ سفينةُ نوحٍ التى حُمِلْتم فيها.\nوقيل: ﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾. فخاطَب الذين نزَل فيهم القرآنُ، وإنما حمَل أجدادَهم نوحًا وولدَه؛ لأنَّ الذين خُوطِبوا بذلك ولدُ الذين حُمِلوا فى الجاريةِ، فكان حَمْلُ الذين حُمِلوا فيها مِن الأجدادِ حملًا لذرِّيتِهم، على ما قد بيَّنا من نظائرِ ذلك فى أماكنَ كثيرةٍ مِن كتابِنا هذا (^١).\n\n<span id=\"aya-5335\"></span>وقولُه: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾. يقولُ: لنَجْعَلَ السفينةَ الجاريةَ التى حمَلْناكم فيها لكم ﴿تَذْكِرَةً﴾. يعنى: عبرةً وموعظةً تَتَّعِظون بها.\nوبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾: فَأَبْقاها اللهُ تذكرةً وعبرةً وآيةً، حتى نظَر إليها أوائلُ هذه الأمةِ، وكم مِن سفينةٍ قد كانت بعدَ سفينةِ نوحٍ قد صارَتْ رمادًا (^٢).\nوقولُه: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. يعنى: حافظةٌ، عقَلت عن اللهِ ما سمِعَتْ.\nوبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم فى ١/ ٦٤٢، ٦٤٣، ٢/ ٥٦، ٥٧، ٢٠٤، ٢٠٥.\n(^٢) فى ص: \"رمددا\"، وفى ت ٢: \"ربدادا\"، وفى ت ٣: \"ربددا\".\nوالأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":221},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. يقولُ: حافظةٌ (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. يقولُ: سامعةٌ، وذلك الإعلانُ (^٢).\nحدَّثنا نصرُ بنُ علىٍّ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى خالدُ بنُ قيسٍ، عن قتادةَ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. قال: أُذُنٌ عقَلت عن اللهِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾: أُذُنٌ عقَلت عن اللهِ، فانْتَفَعَتْ بما سمِعَتْ مِن كتابِ اللهِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. قال: أُذُنٌ سمِعَتْ، وعقَلت ما سمِعَت (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾: سَمِعَتْها أُذُنٌ ووَعَت (^٤).\nحدَّثنا علىُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن علىِّ بنِ حوشبٍ، قال: سمِعتُ مكحولًا يقولُ: قرَأ رسولُ اللهِ ﷺ: \" ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ \".\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم -كما فى تغليق التعليق ٥/ ٣٨٠، والإتقان ٢/ ٤٩ - من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور -كما فى المخطوطة المحمودية ٤٢٨ - إلى ابن المنذر.\n(^٢) بعده فى ص، م، ت ٢، ت ٣: \"ذكر من قال ذلك\".\nوالأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور -كما فى المخطوطة المحمودية ٤٢٨ - إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٣ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨/ ٢٣٧.","vol":"23","page":222},{"text":"ثم الْتَفَت إلى علىٍّ، فقال: \"سألتُ اللهَ أن يَجْعَلَها أُذُنَك\". قال علىٌّ ﵁: فما سمِعتُ شيئًا مِن رسولِ اللهِ ﷺ فنَسِيتُه (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنى بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ رستمَ، قال: سمِعتُ بُرَيدةَ يقولُ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ لعلىٍّ: \"يا علىُّ، إِنَّ اللهَ أَمَرنى أنْ أُدْنِيَك ولا أُقْصِيَك، وأَنْ أُعَلِّمَك، وأَنْ تَعِىَ، وحَقٌّ على اللهِ أَنْ تَعِىَ\". قال: فنزَلت: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ أبو يحيى التيمىُّ، عن فُضيلِ بنِ عبدِ اللهِ، عن أبى داودَ، عن بريدةَ الأَسلمىِّ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ لعلىٍّ: \"إنَّ اللهَ أَمَرنى أنْ أُعلِّمَك، وأنْ أُدْنِيَك ولا أَجْفُوَك ولا أُقْصِيَك\". ثم ذكَر مثلَه (^٣).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. قال: واعيةٌ، يَحذَرُون معاصىَ اللهِ أنْ يُعذِّبَهم اللهُ عليها كما عذَّب مَن كان قبلَهم؛ تَسْمعُها فتعِيها، إنما تَعِى القلوبُ ما تَسمعُ الآذانُ من الخيرِ والشرِّ من بابِ الوَعْىِ.\n\n<span id=\"aya-5336\"></span><span data-type='title' id=toc-9107>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ</span>\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨/ ٢٣٨ عن المصنف، وأخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٤١/ ٤٥٥ من طريق الوليد بن مسلم به، وأخرجه ابن أبى حاتم -كما فى تفسير ابن كثير ٨/ ٢٣٨ - من طريق على بن حوشب به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٠ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه، قال ابن كثير: وهو حديث مرسل.\n(^٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨/ ٢٣٨ عن المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم -كما فى تفسير ابن كثير- وابن عساكر فى تاريخه ٤٢/ ٣٦١، والواحدى فى أسباب النزول ص ٣٢٩ من طريق بشر بن آدم به، وعندهم صالح ابن الهيثم بدلًا من عبد الله بن رستم، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٠ إلى ابن مردويه وابن النجارى.\n(^٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨/ ٢٣٨ عن أبى داود به، وقال: ولا يصح أيضًا.","vol":"23","page":223},{"text":"وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥)﴾.\n\n<span id=\"aya-5337\"></span>يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا نَفَخَ فى الصورِ إسرافيلُ نَفْخَةً واحدةً، وهى النفخةُ الأُولى، ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾. يقولُ: فزُلْزِلتا زلزلةً واحدةً.\nوكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنى به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾. قال: صارت غُبارًا (^١).\nوقيل: ﴿فَدُكَّتَا﴾. وقد ذكَر قبلُ الجبالَ والأرضَ، وهى جماعٌ، ولم يُقَلْ: فدُكِكْن. لأنه جعَل الجبالَ كالشئِ الواحدِ، كما قال الشاعرُ (^٢):\nهما سَيِّدَانَا يَزْعُمانِ وَإنما … يَسُودَانِنا أن يَسَّرَتْ غَنَماهما\nوكما قيل: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء: ٣٠].\n\n<span id=\"aya-5338\"></span>﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: فيومَئذٍ وَقَعَتِ الصيحةُ؛ الساعةُ، وقامَتِ القيامةُ.\n\n<span id=\"aya-5339\"></span><span data-type='title' id=toc-9108>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وانْصَدعتِ السماءُ، ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾. يقولُ: [فهى يومَئذٍ] (^٣) مُنْشقَّةٌ مُتَصَدِّعةٌ.\n_________\n(^١) ذكره الطوسى فى التبيان ١٠/ ٩٨.\n(^٢) نسبه صاحب اللسان (ى س ر)، والشنقيطى فى الدرر اللوامع ١/ ١٣٥ إلى أبى أسيدة الدبيرى.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"23","page":224},{"text":"وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقىُّ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن الأَجْلحِ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مزاحمٍ، قال: إذا كان يومُ القيامةِ أَمَرَ اللهُ السماءَ الدنيا بأهلِها، ونزَل مَن فيها مِن الملائكةِ، فأَحاطوا بالأرضِ ومَن عليها، ثم الثانيةَ، ثم الثالثةَ، ثم الرابعةَ، ثم الخامسةَ، ثم السادسةَ، ثم السابعةَ، فصَفُّوا صفًّا دونَ صفٍّ، ثم نزَل المَلكُ الأعلى على مُجَنِّبَتِه اليسرى جهنمُ، فإذا رآها أهلُ الأرضِ ندُّوا (^١)، فلا يَأْتون قُطرًا مِن أقطارِ الأرضِ إلا وجدوا سبعةَ صُفُوفٍ مِن الملائكةِ، فيَرْجِعون إلى المكانِ الذى كانوا فيه، فذلك قولُ اللهِ: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢، ٣٣]. وذلك قولُه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٢، ٢٣]. وقولُه: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]. وذلك قولُه: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾. يعنى: مُتَمزِّقةٌ ضعيفةٌ.\n\n<span id=\"aya-5340\"></span>﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والمَلَكُ على أَطراف السماءِ\n_________\n(^١) ندُّوا: أى هربوا.\n(^٢) تقدم تخريجه فى ٢٢/ ٢١٨.","vol":"23","page":225},{"text":"حين تَشَقَّقُ وحافَاتِها.\nوبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾. يقولُ: والمَلَكُ على حافَاتِ السماءِ حينَ تَشَقَّقُ، ويقالُ: على شقةِ كلِّ شيءٍ تَشَقَّقُ عنه (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾. قال: أَطرافِها (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ فى قولِه: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾. قال: على حافَاتِ السماءِ (^٣).\nحدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقىُّ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن الأَجْلَحِ، قال: قلْتُ للضحاكِ: ما أَرْجاؤُها؟ قال: حافَاتُها (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾: على حافَاتِها (^٥).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٠ إلى المصنف والفريابى وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٠ إلى عبد بن حميد، وهو تمام الأثر المتقدم فى الصفحة السابقة.\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":226},{"text":"أَرْجَائِهَا﴾. قال: بلَغنى أَنَّها أَقطارُها. قال قتادةُ: على نواحِيها (^١).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾. قال: نواحِيها (^٢).\nحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الأَشْيَبُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ: الأَرْجاءُ حافاتُ السماءِ.\nقال: ثنا الأَشْيَبُ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾. قال: على ما لم يَهِ (^٣) منها (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا حسينٌ الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدَيْنَةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾. قال: على ما لم يَهِ منها (^٥).\nوقولُه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ فى الذى عُنِى بقولِه: ﴿ثَمَانِيَةٌ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنى به ثمانيةُ صُفُوفٍ مِن الملائكةِ، لا يَعْلَمُ عِدَّتَهنَّ إلا اللهُ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٣ عن معمر به.\n(^٢) ذكره الطوسى فى التبيان ١٠/ ١٠٠.\n(^٣) الوهى: الشق فى الشئ. اللسان (وهـ ى).\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦٧١ من طريق أبى عوانة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٠ إلى ابن المنذر بلفظ: على ما لم ينشق منها.\n(^٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨/ ٢٣٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٠ إلى المصنف والفريابى وابن المنذر وابن أبى حاتم.","vol":"23","page":227},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طَلْقٌ، عن ابنِ (^١) ظُهيرٍ، عن السدىِّ، عن أبى مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾. قال: ثمانيةُ صُفُوفٍ مِن الملائكةِ، لا يَعْلَمُ عِدَّتَهم إلا اللهُ (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾. قال: هى الصُّفُوفُ مِن وراءِ الصُّفُوفِ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾. قال: ثمانيةُ صُفوفٍ مِن الملائكةِ.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾: قال بعضُهم: ثمانيةُ صُفُوفٍ لا يَعْلمُ عِدَّتَهنَّ إلا اللهُ. وقال بعضُهم: ثمانيةُ أملاكٍ على خَلْقِ الوَعِلَةِ (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنِى به ثمانيةُ أَملاكٍ.\n_________\n(^١) سقط من: م. والحكم بن ظهير تقدم مرارًا، ينظر ما تقدم ١/ ٢٢٨، ٢٣٢.\n(^٢) أخرجه محمد بن عثمان بن أبى شيبة فى كتاب العرش (٣٣) من طريق الحكم بن ظهير به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم.\n(^٣) الوعل: تيس الجبل، والجمع أوعال ووُعول ووُعُل ووَعِلة، والأنثى وَعِلة. ينظر اللسان (وع ل). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦١ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":228},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾. قال: ثمانيةُ أملاكٍ (^١). وقال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"يَحْمِلُه اليومَ أَرْبَعَةٌ، ويومَ القيامةِ ثمانيةٌ\" (^٢). وقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إِنَّ أَقدامَهم لفى الأرضِ السابعةِ، وإنَّ مَناكِبَهم لخارِجةٌ من السماواتِ عليها العَرْشُ\". قال ابنُ زيدٍ: الأربعةُ. قال: بلَغنا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"لمَّا خَلَقهم اللهُ قال: تَدْرُون لمَ خَلَقْتُكم؟ قالُوا: خَلَقْتَنا ربَّنا لما تشاءُ. قال لهم: تَحْمِلُون عَرْشى. ثم قال: سَلُونى مِن القُوَّةِ ما شِئْتُم أَجْعَلْها فيكم. فقال واحدٌ منهم: قد كان عَرْشُ ربِّنا على الماءِ، فاجْعَلْ فىَّ قوَّةَ الماءِ. قال: قَدْ جَعَلْتُ فيك قوَّةَ الماءِ. وقال آخرُ: اجْعَلْ فىَّ قوَّةَ السماواتِ. قال: قد جَعَلْتُ فيك قُوَّةَ السماواتِ. وقال آخرُ: اجْعَلْ فىَّ قُوَّةَ الأَرْضِ. قال: قد جَعَلْتُ فيك قُوَّةَ الأرضِ والجبالِ. وقال آخرُ: اجْعَلْ فىَّ قُوَّةَ الرياحِ. قال: قَدْ جَعَلْتُ فيك قُوَّةَ الرياحِ. ثم قال: احمِلُوا. فوضَعوا العرشَ على كواهِلِهم، فلم يَزولوا، قال: فجاء عِلْمٌ آخرُ، وإنما كان علمُهم الذى سأَلُوه القُوَّةَ، فقال لهم: قُولُوا: لا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ. فقالوا: لا حولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ. فجعَل اللهُ فيهم من الحَوْلِ والقُوَّةِ ما لم يَبْلُغْه عِلْمُهم، فحَمَلوا\".\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: بلَغنا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"هم اليومَ أَرْبَعَةٌ -يعنى حَمَلةَ العَرْشِ- وإذا كان يومُ القيامةِ أَيَّدهم اللهُ بأَرْبعةٍ آخرين فكانوا ثمانيةً، وقد قال اللهُ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ \" (^٣).\n_________\n(^١) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٨/ ٢٦٦.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦١ إلى المصنف، وقال القرطبى فى تفسيره ١٨/ ٢٦٦: خرجه الماوردى عن أبى هريرة.\n(^٣) ذكره الزيلعى فى تخريج الكشاف ٤/ ٨٤، ٨٥ عن المصنف، وقال القرطبى فى تفسيره ١٨/ ٢٦٦: ذكره الثعلبى.","vol":"23","page":229},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن ميسرةَ قولَه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾. قال: أَرْجُلُهم في التُّخُومِ لا يَسْتَطِيعون أنْ يَرْفعوا أبصارَهم مِن شُعاعِ النورِ (^١).\n\n<span id=\"aya-5341\"></span>وقولُه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يومَئِذٍ أيُّها الناسُ تُعْرَضُون على ربِّكم. وقيل: تُعْرَضُون ثلاثَ عَرَضاتٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا الحسنُ بنُ قَزَعةَ الباهليُّ، قال: ثنا وكيعُ بنُ الجراحِ، قال: ثنا عليُّ بنُ عليٍّ الرفاعيُّ، عن الحسنِ، عن أبي موسى الأَشْعريِّ، قال: يُعْرَضُ الناسُ ثَلاثَ عَرَضاتٍ؛ فأَما عَرْضتان فجِدالٌ ومعاذيرُ، وأما الثالثةُ فعندَ ذلك تَطِيرُ الصُّحُفُ في الأيدى، فأخذٌ بيمينِه، وآخذٌ بشمالِه (^٢).\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سَلِيمُ (^٣) بنُ حَيَّانَ، عَن مَرْوانَ الأَصفرِ (^٤)، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: يُعْرَضُ الناسُ يومَ القيامةِ ثلاثَ عَرَضاتٍ؛ عَرْضتان معاذيرُ وخصوماتٌ، والعَرْضةُ الثالثة تَطيرُ الصُّحُفُ في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (٢٧٩)، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة (٣٠)، وأبو الشيخ في العظمة (٤٨٢) من طريق جرير به، عن ميسرة عن زاذان، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٩٥ - زوائد نعيم)، وابن أبي الدنيا فى الأهوال (٢٨٣) من طريق على بن على الرفاعي به، وأخرجه البزار (٣٠٧٣) عن الحسن بن قزعة به مرفوعا، وأخرجه أحمد ٤/ ٤١٤ (الميمنية)، وابن ماجه (٤٢٧٧)، وابن أبي الدنيا في الأهوال (٢٨٢) من طريق وكيع به مرفوعًا. وعلقه الترمذي عقب الأثر (٢٤٢٥) عن على بن على الرفاعى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦١ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) في ص: \"سلمان\"، وفى، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، وتفسير ابن كثير: \"سليمان\"، والمثبت هو الصواب، وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٣٤٨.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأصغر\".","vol":"23","page":230},{"text":"الأَيدِى (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾: ذُكِر لنا أنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"يُعْرَضُ النَّاسُ ثلاثَ عَرَضاتٍ يومَ القيامةِ؛ فأَمَّا عَرْضتان ففيهما خصوماتٌ ومعاذيرُ وجِدَالٌ، وأَما العَرْضةُ الثالثةُ فتَطِيرُ الصُّحُفُ في الأَيْدِى\".\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه (^٢).\nوقولُه: ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: لا تَخْفَى على اللهِ منكم خافيةٌ؛ لأنه عالمٌ بجميعِكم، مُحِيطٌ بكلِّكم.\n\n<span id=\"aya-5342\"></span><span data-type='title' id=toc-9109>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فأَمَّا مَن أُعْطِى كتاب أعماله بيمينه، فيقولُ: تعالَوا (^٣) اقْرَءوا كتابِيَهْ.\nكما حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾. قال: تعالَوا (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان بعضُ أهلِ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٤٠ عن المصنف.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٤ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦١ إلى عبد حميد وابن المنذر.\n(^٣) فى م: \"تعالى\".\n(^٤) في ص: \"تعال\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"يقال\". والأثر ذكره الطوسى فى التبيان ١٠/ ١٠١، والقرطبي في تفسيره ١٨/ ٢٦٩.","vol":"23","page":231},{"text":"العلمِ يقولُ: وجَدْتُ أَكْيَسَ النَّاسِ مَن قال: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-5343\"></span>وقولُه: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾. يقولُ: إني عَلِمْتُ أنى ملاقٍ حسابِيَه، إذا وَرَدْتُ يومَ القيامةِ على ربِّى.\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾. يقولُ: أَيقَنْتُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾: ظنَّ ظَنًّا يَقِينًّا، فنفعه اللهُ بظنِّه (١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾. قال: إِنَّ الظَّنَّ مِن المؤمنِ يقينٌ، وإنَّ \"عسى\" مِن اللهِ واجبٌ، ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]. و: ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧].\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾. قال: ما كان من ظنِّ الآخرة فهو عِلْمٌ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢/ ٤٩ - من طريق عبد الله بن صالح به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٥ عن معمر به.","vol":"23","page":232},{"text":"كلُّ ظنٍّ في القرآنِ ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾. يقولُ: إنى (^١) علِمْتُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5344\"></span><span data-type='title' id=toc-9110>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فالذى وصَفْتُ أَمرَه، وهو الذي أُوتِيَ كتابَه بيمينِه، في عيشةٍ مُرْضِيةٍ، أو عيشةٍ فيها الرضا. فوُصِفَتِ العيشةُ بالرضا وهى مُرْضِيةٌ؛ لأن ذلك مدحٌ للعيشةِ. والعربُ تفعَلُ ذلك في المدحِ والذمِّ فتقولُ: هذا ليلٌ نائمٌ، وسرٌّ كاتمٌ، وماءٌ دافقٌ. فيُوجِّهون الفعلَ إليه، وهو في الأصلِ مفعولٌ لما يُرادُ من المدحِ أو الذمِّ، ومَن قال ذلك لم يَجُزْ له أنْ يقولَ للضاربِ: مضروبٌ. ولا للمضروبِ: ضاربٌ. لأنه لا مدحَ فيه ولا ذمَّ.\n\n<span id=\"aya-5345\"></span>وقولُه: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾. يقولُ: في بستانٍ عالٍ رفيعٍ. و﴿فِي﴾ من قولِه: ﴿فِي جَنَّةٍ﴾. من صلةِ ﴿عِيشَةٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-5346\"></span>وقولُه: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾. يقولُ: ما يُقْطَفُ مِن الجنة من ثمارِها دانٍ قريبٌ من قاطفِه.\nوذُكر أنَّ الذى يريدُ ثمرَها يتناولُه كيف شاء، قائمًا وقاعدًا، لا يَمْنَعُه منه بُعْدٌ، ولا يَحُولُ بينَه شَوْكٌ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ،\n_________\n(^١) في م: \"أى\".\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ١٠١.","vol":"23","page":233},{"text":"قال: سمِعتُ البَراءَ يقولُ فى هذه الآية: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾. قال: يتناولُ الرجلُ من فواكهِها وهو قائمٌ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾: دَنَتْ فلا يَرُدُّ أَيدِيَهم عنها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5347\"></span>وقولُه: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾. يقولُ لهم ربُّهم جلَّ ثناؤُه: كُلوا معشرَ مَن رَضِيتُ عنه، فأَدْخَلْتُه جَنَّتَى، من ثمارِها وطيبِ ما فيها من الأطعمةِ، واشْربُوا من أَشرِبتِها، هنيئًا لكم، لا تتأَذَّون بما تَأْكلون، ولا بما تَشْربُون، ولا تَحْتاجون مِن أكلِ ذلك إلى غائطٍ ولا بَوْلٍ، ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾. يقولُ: كُلوا واشْرَبُوا هنيئًا، جزاءً من الله لكم وثوابًا بما أَسْلَفْتم، أو على ما أَسْلَفْتم. أى: على ما قَدَّمتم في دنياكم لآخرتكم من العمل بطاعة اللهِ، ﴿فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾. يقولُ: فى أيامِ الدنيا التي خَلَتْ فمَضَتْ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾: إِنَّ أيَّامَكم هذه أيامٌ خاليةٌ؛ هى أيامٌ فانيةٌ، تؤدِّى إلى أيامٍ باقيةٍ، فاعمَلوا في هذه الأيامِ، وقدِّموا فيها خيرًا إِن اسْتَطَعْتم، ولا قُوَّةَ إلا باللهِ (^٢).\n_________\n(^١) في م: \"نائم\".\nوالأثر أخرجه ابن أبى شيبة ١٣/ ١٤٠ من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الحسين المروزي في زوائده على زهد ابن المبارك (١٤٥٤) من طريق شعبة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":234},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾. قال: أيامُ الدنيا، بما عَمِلوا فيها.\n\n<span id=\"aya-5348\"></span><span data-type='title' id=toc-9111>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وأَمَّا مَن أُعْطِى يومَئِذٍ كتابَ أعمالِه بشمالِه، فيقولُ: يا لَيْتَنى لم أُعْطَ كتابِيَه، ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.\n\n<span id=\"aya-5349\"></span>يقولُ: ولم أَدْرِ أَيَّ شيءٍ حسابِيَه.\n\n<span id=\"aya-5350\"></span>وقولُه: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾. يقولُ: يا لَيْت الموتةَ التي مِتُّها في الدنيا كانت هي الفراغَ من كلِّ ما بعدَها، ولم يكن بعدها حياةٌ ولا بعثٌ. والقضاءُ هو الفَراغُ.\nوقيل: إنه تمنَّى الموتَ الذي يَقْضِى عليه، فتَخْرُجُ منه نفسُه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾: تمنَّى الموتَ، ولم يكن فى الدنيا شيءٌ أكرَهَ عندَه مِن الموتِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾: الموتَ.\n\n<span id=\"aya-5351\"></span><span data-type='title' id=toc-9112>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":235},{"text":"كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ الذى أُوتى كتابَه بشمالِه: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾. يعنى أنَّه لم يَدْفَعْ عنه ماله الذى كان يَمْلِكُه في الدنيا مِن عذابِ اللهِ شيئًا، ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾. يقولُ: ذهبَتْ عنى حُجَجِى وضَلَّت، فلا حُجَّةَ لى أَحْتَجُّ بها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\n\n<span id=\"aya-5352\"></span>حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾. يقولُ: ضَلَّت عَنِّى كلُّ بَيِّنَةٍ، فلم تُغْنِ عنِّى شيئًا (^١).\nحدَّثني عبدُ الرحمن بنُ الأسود الطُّفَاوِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، عن النَّضْرِ ابن عربيٍّ، قال: سمعتُ عكرمةَ يقولُ: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾. قال: حُجَّتى (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾. قال: حُجَّتى (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾: أمَا واللهِ ما كلَّ من دخَل النارَ كان أميرَ قريةٍ يَجبِيها؛ ولكنَّ اللهَ خلَقهم وسلَّطهم على أقرانِهم، وأَمرهم بطاعةِ الله ونهاهم عن معصيةِ اللهِ (^٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٢ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":236},{"text":"حدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾. يقولُ: بَينَتى ضَلَّت عنى.\nوقال آخرون: عُنِى بالسلطانِ في هذا الموضعِ المُلْكُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾. قال: سلطانُ الدنيا.\n\n<span id=\"aya-5353\"></span>وقولُه: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لملائكتِه مِن خُزَّانِ جهنمَ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾. يقولُ:\n\n<span id=\"aya-5354\"></span>ثم في نارِ جهنمَ أَوْرِدوه ليَصلَى فيها،\n\n<span id=\"aya-5355\"></span>﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾. يقولُ: ثم اسْلُكوه في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعون ذراعًا. بذراعٍ اللهُ أعلَمُ بقدرِ طولِها. وقيل: إنَّها تَدخُلُ في دُبُرِه، ثم تَخْرُجُ مِن مَنْخَرَيْه.\nوقال بعضُهم: تَدْخُلُ في فِيهِ وتَخْرُجُ مِن دُبُرِه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن نُسَيْرِ (^١) ابنِ ذُعْلُوقٍ، قال: سمعتُ نوفًا يقولُ: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾. قال: كلُّ ذراعٍ سبْعون باعًا، الباعُ أَبْعَدُ ما بينَك وبينَ مكةَ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثني نُسَيرٌ، قال: سمِعتُ نوفًا يقولُ في رَحْبَةِ الكوفةِ في إمارةِ مصعبِ بنِ الزبيرِ في قولِه: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بشير\" وتقدم في ٣/ ١٣٣.","vol":"23","page":237},{"text":"ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾. قال: الذراعُ سبعون باعًا، الباعُ أَبْعَدُ ما بينَك وبينَ مكةَ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن نُسَيْرِ بن ذُعْلُوقٍ أبى طُعمةَ، عن نوفٍ البِكَاليِّ: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾. قال: كلُّ ذراعٍ سبْعون باعًا، كلُّ باعٍ أَبْعَدُ مما بينَك وبينَ مكةَ. وهو يومئذٍ في مسجدِ الكوفةِ (^١).\nحدّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾. قال: بذراعِ المَلِكِ فاسْلُكُوه. قال: تُسْلَكُ في دُبُرِه حتى تَخْرُجَ مِن مَنْخَرَيْه، حتى لا يقومَ على رجلَيْه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يَعمرُ بنُ بشرٍ (^٣) المِنْقَريُّ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا سعيدُ بنُ يزيدَ، عن أبي السَّمْحِ، عن عيسى بنِ هلالٍ الصَّدَفيِّ، عن عبدِ اللهِ ابن عمرِو بنِ العاصِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"لو أنَّ رصَاصَةً مِثْلَ هذه -وأشار إلى جُمْجُمَةٍ -أُرْسِلَت من السماءِ إلى الأرضِ، وهي مَسِيرَةُ خَمسِمائِةِ سَنةٍ، لبَلَغَتِ الأرضَ قبلَ الليلِ، ولو أنَّها أُرْسِلَت مِن رأْسِ السِّلْسِلَةِ لسارَتْ أربعينَ خَرِيفًا الليلَ والنهارَ قبلَ أَنْ تَبْلُغَ قَعْرَها، أو أَصْلَها\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٨٨ - زوائد نعيم)، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣١٥، وابن أبي الدنيا في صفة النار (٥٩)، (١٣٨)، وهناد في الزهد (٢٦٩) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه البيهقى فى البعث والنشور (٥٩٤) عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) فى م: \"بشير\"، وينظر الجرح والتعديل ٩/ ٣١٣.\n(^٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٩٠ - زوائد نعيم)، ومن طريقه أحمد ١١/ ٤٤٣، ٤٤٤ (٦٨٥٦)، والترمذى (٢٥٨٨)، والبغوى في التفسير ٨/ ٢١٣، وفى شرح السنة (٤٤١١)، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٣٨، والبيهقى فى البعث (٥٨١) من طريق سعيد به.","vol":"23","page":238},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ (^١)، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾. قال: السَّلْكُ: أَنْ تَدخُلَ السِّلْسِلَةُ فِي فِيه، وتَخْرُجَ مِن دُبُرِه (^٢).\nوقيل: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾. وإنما تُسْلَكُ السِّلْسِلَةُ في فِيه، كما قالت العربُ: أَدْخَلْتُ رَأْسى فى القَلَنْسُوَةِ. وإِنما تَدْخُلُ القَلَنْسُوَةُ في الرأْسِ، وكما قال الأعشى (^٣):\nإذَا مَا السَّرابُ ارْتَدَى بالأَكَمْ\nوإنما [يَرْتَدى الأَكَمُ] (^٤) بالسَّرابِ، وما أشبَه ذلك، وإنما قيل ذلك كذلك لمعرفةِ السامعين معناه، وأنه لا يُشْكِلُ على سامعِه ما أراد قائلُه.\n\n<span id=\"aya-5356\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ: افْعَلوا ذلك به، جزاءً له على كفرِه باللهِ في الدنيا، إنه كان لا يُصَدِّقُ بوحدانيةِ اللهِ العظيمِ.\n\n<span id=\"aya-5357\"></span><span data-type='title' id=toc-9113>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن هذا الشَّقيِّ الذى أُوتِي كتابَه بشمالِه: إنه كان في الدنيا لا يَحُضُّ الناسَ على إطعامِ أهل المسكنةِ والحاجةِ.\n\n<span id=\"aya-5358\"></span>وقولُه: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فليس له اليومَ، وذلك يوم القيامةِ، ﴿هَاهُنَا﴾. يعنى: فى الدار الآخرةِ، ﴿حَمِيمٌ﴾. يعنى: قريبٌ يَدْفَعُ\n_________\n(^١) بعده فى م: \"عن ابن المبارك عن مجاهد\".\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ١٠٥.\n(^٣) ديوانه ص ٣٧ وفيه:\n*إذا ما ارتدى بالسراب الأكم*\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يريد كالأكم\".","vol":"23","page":239},{"text":"عنه ويُغِيثُه مما هو فيه مِن البلاءِ.\n\n<span id=\"aya-5359\"></span>كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾: القريبُ في كلامِ العربِ.\n﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولا له طعامٌ كما كان لا يحُضُّ في الدنيا على طعامِ المسكينِ، إلا طعامٌ من غِسْلينٍ. وذلك ما يَسِيلُ مِن صَدِيدِ أهل النارِ.\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ (^١) يقولُ: كلُّ جُرْحٍ غَسَلْتَه فخرَج منه شيءٌ، فهو غِسْلِينٌ؛ فِعْلِينٌ. مِن الغَسْلِ مِن الجرَاحِ والدَّبَرِ (^٢).\nوزِيد فيه الياءُ والنونُ، بمَنْزِلةِ \"عِفْرِين\" (^٣).\nوبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ. عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾: صديدُ أهلِ النارِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾. قال: ما يَخْرُجُ من لحومِهم (^٥).\n_________\n(^١) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ٢/ ٢٦٨.\n(^٢) الدَّبَرة: قَرحة الدابة والبعير، والجمع دَبَر. اللسان (د ب ر).\n(^٣) عِفْرِين وعِفِرِّين: خبيث منكر داهٍ شرير متشيطن، وعِفِرِّين: مأسدة، وليث عِفِرِّين: دابة، وليث عِفِرِّين: الرجل الكامل ابن الخمسين. ينظر التاج (ع ف ر).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢/ ٤٩ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦٣ إلى ابن المنذر.\n(^٥) في ص: \"أحدهم\"، وفى ت ٢: \"أحد منهم\".\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٤٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة، عن ابن عباس.","vol":"23","page":240},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾: شرُّ الطعامِ وأَخْبثُه وأَبْشعُه (^١).\nوكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾. قال: الغِسْلينُ والزَّقُّومُ لا يَعْلَمُ أحدٌ ما هو (^٢).\n\n<span id=\"aya-5360\"></span>وقولُه: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾. يقولُ: لا يَأْكُلُ الطعامَ الذى مِن غِسْلِينٍ إلا الخاطِئون. وهم المُذْنبون الذين ذُنُوبُهم كُفْرٌ باللهِ.\n\n<span id=\"aya-5361\"></span>\n\n<span id=\"aya-5362\"></span><span data-type='title' id=toc-9114>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾.</span>\n\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَا﴾: ما الأمرُ كما تقولون معشرَ أهلِ التكذيبِ بكتاب اللهِ ورسلِه، أُقسِمُ بالأشياءِ كلِّها؛ التي تُبْصرون منها، والتي لا تُبْصِرون.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n<span data-type='title' id=toc-9115>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾. قال: أَقْسَم بالأشياءِ، حتى أَقْسَم بما تُبْصِرون وما لا تُبْصِرون.\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ٢٧٣، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٤٤.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ٢٧٣.","vol":"23","page":241},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: بما تَرَوْن وبما لا تَرَوْن (^١).\n\n<span id=\"aya-5363\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ هذا القرآنَ لقولُ رسولٍ كريمٍ، وهو محمدٌ ﷺ يَتْلُوه عليهم.\n\n<span id=\"aya-5364\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ما هذا القرآنُ بقولِ شاعرٍ؛ لأنَّ محمدًا لا يُحْسِنُ قِيلَ الشعرِ، فتقولوا: هو شِعرٌ، ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: تُصدِّقون قليلًا به أنتم. وذلك خطابٌ من اللهِ لمشركي قريشٍ،\n\n<span id=\"aya-5365\"></span>﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: ولا هو بقولِ كاهنٍ؛ لأنَّ محمدًا ليس بكاهنٍ، فتقولوا: هو مِن سَجْعِ الكُهَّانِ، ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: تَتَّعظون به أنتم قليلًا، [وقليلًا] (^٢) ما تَعْتَبِرُون به.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾: طهَّره اللهُ من ذلك وعصَمه، ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾: طهَّره اللهُ مِن الكَهانة، وعصَمه منها (^٣).\n\n<span id=\"aya-5366\"></span><span data-type='title' id=toc-9116>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٣ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":242},{"text":"الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾.\n\n<span id=\"aya-5367\"></span>يقولُ تعالى ذكرُه: ولكنه تنزيلٌ من ربِّ العالمين نزَل عليه، ولو تَقَوَّل عليْنا محمدٌ بعضَ الأقاويلِ الباطلةِ، وتكذَّب علينا.\n\n<span id=\"aya-5368\"></span>﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾. يقولُ: لأَخَذْنا منه بالقوَّة منا والقدرةِ، ثم لقطَعْنا منه نِياطَ القلبِ.\nوإنما يعنى بذلك أنه كان يُعاجِلُه بالعقوبةِ، ولا يُؤَخِّرُه بها.\nوقد قيل: إن معنى قولِه: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾: لأَخَذْنا منه باليد اليمنى مِن يدَيه. قالوا: وإِنما ذلك مَثَلٌ، ومعناه: إِنَّا كنَّا نُذِلُّه ونُهِينُه، ثم نَقْطَعُ منه بعد ذلك الوتينَ. قالوا: وإنما ذلك كقولِ ذى السلطانِ إذا أراد الاستخفاف ببعضِ مَن بينَ يدَيه، لبعضِ أعوانِه: خُذْ بيدِه فَأَقِمْه، وافْعَل به كذا وكذا. قالوا: وكذلك معنى قولِه: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾. أى: لأَهنَّاه. كالذي يُفْعَلُ بالذى وصَفْنا حالَه.\n\n<span id=\"aya-5369\"></span>وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿الْوَتِينَ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾. قال: نِياطَ القلبِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ بمثلِه.\n_________\n(^١) أخرجه الفريابي، وابن أبي حاتم -كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٤٧ - والحاكم ٢/ ٥٠١ من طريق عطاء به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور -كما في المخطوطة المحمودية ص ٤٢٩ - إلى عبد بن حميد وابن المنذر وسعيد بن منصور.","vol":"23","page":243},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ بمثلِه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: الوتينُ نِياطُ القلبِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بنحوِه.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثلِه.\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾. يقولُ: عِرْقَ القلبِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾: يعنى عِرْقًا في القلبِ، ويقالُ: هو حبلُ القلبِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْوَتِينَ﴾. قال: حبلُ القلبِ الذى فى الظَّهْرِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٣ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٢٦٣ إلى عبد بن حميد، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٠١ من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس.","vol":"23","page":244},{"text":"الْوَتِينَ﴾. قال: حبلَ القلبِ (^١).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾: وتينَ القلبِ؛ وهو عِرْقٌ يكونُ في القلبِ، فإذا قُطِع مات الإنسانُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾. قال: الوتينُ نِياطُ القلبِ، الذى القلبُ مُتعلقٌ به.\nوإيَّاه عنى الشماخُ بنُ ضرارٍ التَّغْلِبيُّ بقولِه (^٣):\nإذا بلَّغتِنِي وحملت رَحْلِي … عَرَابَةَ فَاشْرَقِي بِدَمِ الوَتِينِ\n\n<span id=\"aya-5370\"></span><span data-type='title' id=toc-9117>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فما منكم أيُّها الناسُ مِن أحدٍ عن محمدٍ، لو تقوَّل علينا بعضَ الأقاويلِ، فَأَخَذْنا منه باليمينِ، ثم لقطَعْنا منه الوتينَ -حاجزين يَحْجِزوننا عن عقوبتِه وما نفْعَلُه به.\nوقيل: ﴿حَاجِزِينَ﴾. فجُمِع وهو فعلٌ لـ ﴿أَحَدٍ﴾، و﴿أَحَدٍ﴾ في لفظِ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٥ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٢٦٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره الطوسى فى التبيان ١٠/ ١١٠، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٤٥ بنحوه.\n(^٣) ديوانه ص ٣٢٣.","vol":"23","page":245},{"text":"واحدٍ ردًّا على معناه؛ لأنَّ معناه الجمعُ، والعربُ تَجعَلُ \"أحدًا\" للواحدِ والاثنينِ والجمعِ، كما قيل: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. و\"بين\" لا تقعُ إلا على اثنين فصاعدًا.\nوقولُه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإنَّ هذا القرآنَ ﴿لَتَذْكِرَةٌ﴾. يعني: عظةٌ يُتَذَكَّرُ به ويُتَّعظُ (^١)، ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، وهم الذين يتقون عقابَ اللهِ؛ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\n\n<span id=\"aya-5371\"></span>حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال: القرآنُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5372\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإنا لنعلَمُ أَنَّ منكم مكذِّبين أيُّها الناسُ بهذا القرآنِ، ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ جَلَّ ثناؤُه: وإِنَّ التكذيبَ به لحَسْرةٌ وندامةٌ على الكافرين بالقرآنِ يومَ القيامةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\n\n<span id=\"aya-5373\"></span>حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: ذاكم يومَ القيامةِ (^٢).\n_________\n(^١) بعده في م: \"به\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":246},{"text":"<span id=\"aya-5374\"></span>﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾. يقولُ: وإنَّه للحقُّ اليقينُ الذي لا شكَّ فيه أنَّه من عندِ اللهِ، لم يتقوَّلْه محمدٌ ﷺ.\n\n<span id=\"aya-5375\"></span>﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. [يقولُ: فَسَبِّحْ] (^١) بذكرِ ربِّك وتسميتِه العظيمِ، الذى كلُّ شيءٍ في عظمتِه صغيرٌ.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"الحاقةِ\"\n_________\n(^١) سقط من: م.","vol":"23","page":247},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9118>تفسيرُ سورةِ سأل سائلٌ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5376\"></span><span data-type='title' id=toc-9119>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: اخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ بهمزِ ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ (^١). بمعني: سأَل سائلٌ مِن الكفارِ، عن عذابِ اللهِ، بمن هو واقعٌ. وقرأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينةِ: (سال سائلٌ) (^٢) فلم يَهْمِزْ \"سال\"، ووجَّهَه إلى أنه \"فعَل\" مِن السَّيْلِ.\nوالذي هو أولى القراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه بالهمزِ (^٣)؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ على ذلك، وأن عامةَ أهلِ التأويلِ من السلفِ بمعنى الهمزِ تأوَّلوه.\nذكرُ مَن تأوَّل ذلك كذلك، وقال تأويلَه نحوَ قولِنا فيه\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾. قال: ذاك سؤالُ الكفارِ عن عذابِ اللهِ، وهو واقعٌ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنْ\n_________\n(^١) وهى قراءة ابن كثير وعاصم وأبي عمرو وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٩١.\n(^٢) هي قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر. المصدر السابق.\n(^٣) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٤٧ عن العوفي، عن ابن عباس.","vol":"23","page":248},{"text":"كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٢]. قال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾.\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾. قال: دعا داعٍ، ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾. قال: يَقَعُ فى الآخرةِ. قال: وهو قولُهم: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾. قال: سأَل عذابَ اللهِ أقوامٌ، فبيَّن اللهُ على مَن يَقَعُ (^٢)، على الكافرين.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾. قال: سأَل عن عذابٍ واقعٍ. فقال اللهُ: ﴿لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ (^٣).\nوأما الذين قرَءوا ذلك بغير همزٍ، فإنهم قالوا: السائلُ: وادٍ مِن أوديةِ جهنمَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾. قال: قال بعضُ أهلِ العلمِ: هو وادٍ في جهنمَ يقالُ له:\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٩٦ من طريق الأعمش عن مجاهد، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٤٧ عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٤ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) فى ت ٢، ت ٣: \"تهيج\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٦ عن معمر به.","vol":"23","page":249},{"text":"سائلٌ (^١).\nوقولُه: ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾. يقول: سأَل بعذابٍ للكافرين، واجبٍ لهم يومَ القيامةِ، واقعٍ بهم. ومعنى: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ على الكافرين. كالذي حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾. يقولُ: واقعٍ على الكافرين.\n\n<span id=\"aya-5377\"></span>واللامُ فى قولِه: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ من صلةِ \"الواقعِ\".\nوقولُه: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (^٢) مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ليس للعذابِ الواقعِ على الكافرين مِن اللهِ دافعٌ يَدْفَعُه عنهم.\n\n<span id=\"aya-5378\"></span>وقولُه: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾. يعنى: ذى العُلُوِّ والدرجاتِ والفَواضل والنِّعمِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾. يقولُ: العلوِّ والفَواضلِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾: ذى الفَواضِلِ والنِّعمِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٤٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢/ ٤٩ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦٤ إلى ابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":250},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾. قال: معارجُ السماءِ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾. قال: اللهُ ذو المعارجِ.\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾. قال: ذى الدرجاتِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5379\"></span>وقولُه: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: تَصْعَدُ الملائكةُ والروحُ، وهو جبريلُ ﵇، ﴿إِلَيْهِ﴾. يعنى: إلى اللهِ جلَّ وعزَّ، والهاءُ فى قولِه: ﴿إِلَيْهِ﴾ عائدةٌ على اسمِ اللهِ، ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. يقولُ: كان مقدارُ صعودِهم ذلك، في يومٍ لغيرِهم مِن الخلقِ، خمسينَ ألفَ سنةٍ، وذلك أَنَّها تَصْعَدُ مِن مُنْتَهَى أمرِه (^٣) من أسفلِ الأرضِ السَّابعةِ، إلى منتهى أمرِه من فوقِ السَّماواتِ السبعِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن عُمرَ (^٤) بن معروفٍ، عن ليثٍ،\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٥٦٨) من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٢٦٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٤٧.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في النسخ: \"عمرو\". والمثبت من الجرح ٦/ ١٣٦، وتفسير ابن كثير ٨/ ٢٤٨.","vol":"23","page":251},{"text":"عن مجاهدٍ: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: من مُنْتَهَى أَمرِه من أسفلِ الأرَضِين إلى مُنْتَهَى أمرِه مِن فوق السماواتِ مقدارُ خمسين ألفَ سنةٍ، و﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥]: يعنى بذلك نزولَ الأمرِ مِن السماءِ إلى الأرضِ، ومن الأرضِ إلى السماءِ، في يومٍ واحدٍ، فذلك مقدارُه ألفُ سنةٍ؛ لأن ما بينَ السماءِ إلى الأرضِ مسيرةُ خمسمائةِ عامٍ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: تَعْرُجُ الملائكةُ والروحُ إليه في يومٍ يَفْرُغُ فيه من القضاءِ بينَ خلقِه، كان قدرُ ذلك اليومِ الذى فرَغ فيه من القضاءِ بينَهم قدرَ خمسين ألفَ سنةٍ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن عكرمةَ: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: في يومٍ واحدٍ، يَفْرُغُ في ذلك اليومِ من القضاءِ، كقدرِ خمسين ألفَ سنةٍ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: يومِ القيامةِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ فى هذه الآيةِ: ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: يومَ القيامةِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٤٨ عن المصنف.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٦ عن سفيان به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٧٣ من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس.","vol":"23","page":252},{"text":"وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: ذاكم يومَ القيامةِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ -قال معمرٌ: وبلَغَنى أيضًا عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: لا يَدْرِى أحدٌ كم مضَى، ولا كم بقِى، إلا اللهُ (^٢).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: فهذا يومُ القيامةِ، جعَله اللهُ على الكافرين مقدارَ خمسين ألفَ سنةٍ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: يعنى يومَ القيامةِ (^٤).\nحدَّثنى يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: هذا يومُ القيامةِ (^٤).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، أن دَرّاجًا حدَّثه، عن أبي الهيثمِ، عن أبي (^٥) سعيدٍ أنه قال لرسولِ اللهِ ﷺ: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: ما أطولَ هذا! فقال النبيُّ ﷺ: والذي نفسي بيدِه، إنه لَيُخَفَّفُ على المؤمنِ حتى يكونَ أخفَّ عليه مِن الصلاةِ المكتوبةِ يُصَلِّيها في\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٦ عن معمر به.\n(^٣) علقه البيهقى فى الشعب ١/ ٣٢٤ عن على بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦٤ إلى ابن المنذر والبيهقي في البعث.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٤٩.\n(^٥) سقط من: م، ت ١.","vol":"23","page":253},{"text":"الدنيا\" (^١).\nوقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ في ذلك غيرُ القولِ الذى ذكَرْنا عنه، وذلك ما حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أيوبَ، عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، أن رجلًا سأَل ابن عباسٍ عن ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ (^٢) أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥]، فقال: فما ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾؟ قال: إنما سأَلْتُك لتُخْبِرَني. قال: هما يومان ذكَرَهما اللهُ في القرآنِ، اللهُ أعلمُ بهما. فكرِه أن يقولَ في كتابِ اللهِ ما لا يَعْلَمُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن ابنِ أبى مُلَيْكَةَ، قال: سأَل رجلٌ ابنَ عباسٍ عن ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: فاتَّهَمه. فقيل له فيه. فقال: ما ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فقال: إنما سأَلْتُك لتُخْبِرَنى، فقال: هما يومان ذكَرَهما اللهُ جلَّ وعزَّ، اللهُ أعلمُ بهما، وأكْرَهُ أن أقولَ فى كتابِ اللهِ بما لا أَعْلَمُ (^٣).\nوقرَأَت عامةُ قرأةِ الأمصارِ قولَه: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ بالتاءِ (^٤)، خلا الكِسائيَّ، فإنه كان يَقْرَأُ ذلك بالياءِ؛ بخبرٍ كان يَرْوِيه عن ابنِ مسعودٍ أنه قرَأ ذلك كذلك (^٥).\nوالصوابُ من قراءةِ ذلك عندنا ما عليه قرأةُ الأمصارٍ، وهو بالتاءِ؛ لإجماعِ الحجَّةِ من القرأةِ عليه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٧٣٣٤) من طريق ابن وهب به، وأخرجه أحمد ١٨/ ٢٤٦ (١١٧١٧)، وأبو يعلى (١٣٩٠) من طريق دراج به.\n(^٢) بعده في ت ١: \"خمسين\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ١/ ٨٠.\n(^٤) وهى قراءة ابن عامر وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة ونافع. ينظر حجة القراءات ٧٢١.\n(^٥) أخرجه الفراء في معانى القرآن ٣/ ١٨٤ من طريق أبي إسحاق، عن ابن مسعود، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":254},{"text":"<span id=\"aya-5380\"></span>وقولُه: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاصْبِرْ [يا محمدُ] (^١) ﴿صَبْرًا جَمِيلًا﴾. يعنى: صبرًا لا جَزَعَ فيه. يقولُ له: اصْبِرْ على أذى هؤلاء المشركين لك، ولا يثْنِيك ما تَلْقَى منهم من المكروهِ عن تبليغِ ما أمرك ربُّك أن تُبَلِّغَهم من الرسالةِ.\nوكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثني به يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾. قال: هذا حينَ كان يَأْمُرُه بالعفوِ عنهم، لا يُكافِئُهم، فلمَّا أُمِرَ بالجهادِ والغِلْظةِ عليهم، أمِر بالشدةِ والقتلِ حتى يَتْرُكوا، ونُسِخ هذا.\nوهذا الذي قاله ابنُ زيدٍ أنه كان أُمِر بالعفوِ بهذه الآيةِ، ثم نُسِخ ذلك، قولٌ لا وجهَ له؛ لأنه لا دلالةَ على صحةِ ما قال، من بعضِ الأوجهِ التي تَصِحُّ منها الدَّعاوَى، وليس فى أمرِ اللهِ نبيَّه ﷺ فى الصبرِ الجميلِ على أذى المشركين، ما يُوجِبُ أن يكونَ ذلك أمرًا منه له به فى بعضِ الأحوالِ، بل كان ذلك أمرًا مِن اللهِ له به فى كلِّ الأحوالِ؛ لأنه لم يَزَلْ ﷺ مِن لَدُنْ بعَثَه اللهُ إلى أن اخْتَرَمه في أذًى منهم، وهو في كلِّ ذلك صابرٌ على ما يَلْقَى منهم من أذًى، قبل أن يَأْذَنَ اللهُ له بحربِهم، وبعدَ إذنِه له بذلك.\n\n<span id=\"aya-5381\"></span><span data-type='title' id=toc-9120>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ هؤلاء المشركين يَرَوْن العذابَ الذي سأَلوا عنه، الواقعَ\n_________\n(^١) سقط من: م.","vol":"23","page":255},{"text":"عليهم، بعيدًا وقوعُه. وإنما أَخْبَر جلَّ ثناؤُه أنهم يَرَوْن ذلك بعيدًا؛ لأنهم كانوا لا يُصَدِّقون به، ويُنْكِرون البعثَ بعد المماتِ، والثوابَ والعقابَ.\n\n<span id=\"aya-5382\"></span>فقال: إنهم يَرَوْنه غيرَ واقعٍ، ونحنُ نراه قريبًا؛ لأنه كائنٌ، وكلُّ ما هو آتٍ قريبٌ.\nوالهاءُ والميمُ من قولِه: ﴿إِنَّهُمْ﴾. من ذكرِ الكافرين. والهاءُ من قولِه: ﴿يَرَوْنَهُ﴾. من ذكرِ العذابِ.\n\n<span id=\"aya-5383\"></span>وقولُه: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يومَ تكونُ السماءُ كالشيءِ المُذابِ. وقد بيَّنْتُ معنى المُهْلِ فيما مضَى بشواهدِه، واختلافَ المختلفين فيه، وذكَرْنا ما قال فيه السلفُ (^١)، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَالْمُهْلِ﴾. قال: كعَكَرِ الزيتِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾: تَتَحَوَّلُ يومَئِذٍ لونًا آخرَ؛ إلى الحمرةِ.\n\n<span id=\"aya-5384\"></span>وقولُه: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾. يقولُ: وتكونُ الجبالُ كالصوفِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٥/ ٢٤٨.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٥/ ٢٤٩.","vol":"23","page":256},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَالْعِهْنِ﴾. قال: كالصُّوفِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كَالْعِهْنِ﴾. قال: كالصوفِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5385\"></span>وقولُه: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يَسْأَلُ [قريبٌ قريبَه] (^٣) عن شأنِه لشغلِه بشأنِ نفسِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: يُشْغَلُ كلُّ إنسانٍ بنفسِه عن الناسِ (^٤).\n\n<span id=\"aya-5386\"></span>وقولُه: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾. اخْتَلف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بالهاءِ والميمِ في قولِه: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك الأقْرِباءُ، أنهم يُعَرَّفون أقْرباءَهم، ويُعَرَّفُ كُلُّ إنسانٍ قريبَه، فذلك تَبْصيرُ اللهِ إياهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾. قال: يُعَرَّفُ بعضُهم بعضًا، ويَتَعارَفون بينَهم، ثم\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٧ عن معمر به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"قريبا قريبا\".\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":257},{"text":"يَفِرُّ بعضُهم مِن بعضٍ، يقولُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (^١) [عبس: ٣٧].\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: يُعَرَّفونهم يُعَلَّمون، واللهِ لِيُعَرَّفَنَّ قومٌ قومًا، وأَناسٌ أناسًا (^٢).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك المؤمنون أنهم يُبَصَّرون الكفارَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: المؤمنون يُبَصَّرون الكافرين (^٢).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك الكفارُ الذين كانوا أتباعًا لآخرين في الدنيا على الكفرِ، أنهم يُعَرَّفون المَتْبوعين في النارِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾. قال: يُبَصَّرون الذين أضَلُّوهم فى الدنيا في (^٣) النارِ (^٤).\nوأولى الأقوالِ فى ذلك بالصحة عندنا قولُ مَن قال: معنى ذلك: ولا يَسْأَلُ حميمٌ حميمًا عن شأنِه، ولكنهم يُبَصَّرُونهم فيعْرِفونهم، ثم يَفِرُّ بعضُهم من بعضٍ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٥ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ٢٨٥.","vol":"23","page":258},{"text":"لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧].\nوإنما قلنا: ذلك أولى التأويلات بالصوابِ؛ لأن ذلك أشبهُها بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ، وذلك أن قولَه: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾. تلا قولَه: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾. فلأن تكونَ الهاءُ والميمُ مِن ذكرِهم أشبهُ منها بأن تكونَ من ذكرِ غيرِهم.\nواختَلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَلَا يَسْأَلُ﴾. فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى أبي جعفرٍ القارئِ وشَيبةَ بفتحِ الياءِ، وقرَأه أبو جعفرٍ وشيبةُ: (ولا يُسْأَلُ). بضمِّ الياءِ (^١)، يعني: لا يُقالُ لحميمٍ: أين حميمُك؟ ولا يُطْلَبُ بعضُهم مِن بعضٍ.\nوالصوابُ من القراءةِ عندَنا فتحُ الياءِ، بمعنى: لا يَسْأَلُ الناسُ بعضُهم بعضًا عن شأنِه؛ لصحةِ معنى ذلك، ولإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ عليه (^٢).\n\n<span id=\"aya-5387\"></span><span data-type='title' id=toc-9121>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يَوَدُّ الكافرُ يومَئِذٍ ويَتَمَنَّى أنه يَفْتَدِى مِن عذابِ اللهِ إياه ذلك اليومَ ببَنِيه، وصاحبتِه، وهي زوجتُه، وأخيه، وفَصيلتِه، وهم عَشيرتُه.\n\n<span id=\"aya-5388\"></span>﴿الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾، يعني: التي تَضُمُّه إلى رحلِه، وتَنْزِلُ فيه امرأتُه، لقرابةِ ما بينَها وبينَه، وبمَن في الأرضِ جميعًا من الخلقِ، ثم يُنْجِيه ذلك من عذابِ اللهِ إياه ذلك اليومَ. بدَأ جلَّ ثناؤُه بذكرِ البنينَ، ثم الصاحبةِ، ثم الأخِ، إعلامًا منه عبادَه أن الكافرَ من عظيمِ ما يَنْزِلُ به يومَئذٍ مِن البلاءِ يَفْتَدِى نفسَه، لو وجَد إلى ذلك سبيلًا، بأحبِّ الناسِ إليه\n_________\n(^١) واختلف عن البزى، فعنه بضم الياء مثلهما، وعنه بالفتح كالباقين. النشر ٢/ ٢٩٢.\n(^٢) القراءة بضم الياء متواترة، قال أبو حيان: أي: لا يُسأل إحضاره، كل من المؤمن والكافر له سيما يعرف بها. وقال البنا الدمياطى فى الإتحاف ص ٢٦١: بضم الياء مبنيا للمفعول، ونائبه \"حميم\"، و\"حميما\" نصب بنزع الخافض \"عن\".","vol":"23","page":259},{"text":"كان في الدنيا، وأقربِهم إليه نسبًا.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ الأحبِّ فالأحبِّ، والأقربِ فالأقربِ من أهلهِ وعشيرتِه، لشدائدِ ذلك اليومِ (^١).\n\n<span id=\"aya-5389\"></span>حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾. قال: قبيلتهِ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾. قال: الصاحبةُ الزوجةُ، ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾. قال: فصيلتُه عشيرتُه.\n\n<span id=\"aya-5390\"></span><span data-type='title' id=toc-9122>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: كلا، ليس ذلك كذلك، ليس يُنْجِيه مِن عذابِ الله شيءٌ. ثم ابْتَدَأ الخبرَ عما أعَدَّه له هنالك جلَّ ثناؤُه، فقال: ﴿إِنَّهَا لَظَى﴾. ولظَى اسمٌ مِن أسماءِ جهنمَ، ولذلك لم يُجْرَ.\nواخْتَلَف أهلُ العربية فى موضعِها؛ فقال بعضُ نحويى البصرةِ: موضعها\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":260},{"text":"نصبٌ على البدل من الهاءِ، وخبرُ \"إِنَّ\" ﴿نَزَّاعَةً﴾. قال: وإِن شئتَ جَعَلْتَ ﴿لَظَى﴾ رفعًا على خبرِ \"إِنَّ\"، ورَفَعْت ﴿نَزَّاعَةً﴾ على الابتداءِ.\nوقال بعضُ مَن أنكَر ذلك: لا يَنْبَغِى أن يَتْبَعَ الظاهرُ المَكْنىَّ إلا في الشذوذِ. قال: والاختيارُ ﴿إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾. ﴿لَظَى﴾ الخبرُ، و﴿نَزَّاعَةً﴾ حالٌ. قال: ومَن رفَع اسْتَأْنَف؛ لأنه مدحٌ أو ذمٌّ، قال: ولا تكونُ ابتداءً إلا كذلك.\nوالصوابُ من القولِ فى ذلك عندَنا أن ﴿لَظَى﴾ الخبرُ، و(نَزَّاعَةٌ) ابتداءٌ، فلذلك رُفِعَ، ولا يَجوزُ النصبُ فى القراءةِ؛ لإجماعِ قرأةِ الأمصارِ على رفعِها، ولا قارئَ قرأ كذلك بالنصبِ (^١)، وإن كان للنصبِ فى العربية وجهٌ. وقد يَجوزُ أن تكونَ الهاءُ من قولِه: \"إنها\". عِمادًا، و\"لظى\" مرفوعةٌ بـ \"نزاعةٌ\"، و\"نزاعةٌ\" بـ \"لظى\"، كما يقالُ: إنها هندٌ قائمةٌ، وإنه هندٌ قائمةٌ. فالهاءُ عمادٌ في الوجهين.\n\n<span id=\"aya-5391\"></span>وقولُه: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن \"لظى\" أنها تَنْزِعُ جلدةَ الرأسِ وأطرافَ البدن. والشَّوَى جمعُ شَواةٍ، وهي مِن جوارحِ الإنسانِ ما لم يَكُنْ مَقْتَلًا، يقالُ: رمَى فَأشْوَى. إذا لم يُصِبْ مَقْتَلًا، فربما وصَف الواصفُ بذلك جلدةَ الرأسِ، كما قال الأَعْشَى (^٢):\nقالت قتيلةُ ما لَهُ … قد جُلِّلَتْ شَيْبًا شَوَاتُهْ\nوربما وصَف بذلك الساقَ، كقولِهم في صفةِ الفرسِ: عبلُ (^٣) الشَّوَى، نَهْدُ (^٤) الجُزارَةِ، يعنى بذلك قوائمَه. وأصلُ ذلك كلِّه ما وصَفْتُ.\n_________\n(^١) قراءة النصب متواترة، وبها قرأ حفص عن عاصم. النشر ٢/ ٢٩٢.\n(^٢) البيت فى مجاز القرآن ٢/ ٢٦٩، واللسان (ش وي).\n(^٣) العبل: الضخم من كل شيء. اللسان (ع ب ل).\n(^٤) فرس نهد: جسيم مشرف. اللسان (ن هـ د).","vol":"23","page":261},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنَةَ، عن قابوسَ، عن أبيه، قال: سأَلْتُ ابنَ عباسٍ عن: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾. قال: تَنْزِعُ أمَّ الرأسِ (^١).\nحدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الصَّوَّافُ، قال: ثنا الحسينُ بنُ الحسنِ الأشقرُ، قال: ثنا يحيى بنُ مُهَلَّبٍ أبو كُدَيْنَةَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾. قال: تَنْزِعُ الرأسَ.\nحدَّثني محمد بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾: يعنى الجلودَ والهامَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾. قال: لجلودِ الرأسِ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إبراهيمَ بنُ المُهاجِرِ، قال: سأَلْتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ عن قولِه: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾. فلم يُخْبِرْ، فسأَلْتُ عنها مجاهدًا، فقلتُ: اللحمُ دونَ العظمِ؟ فقال: نعم (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٥ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٥٢.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٥٢.","vol":"23","page":262},{"text":"قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾. قال: لحمِ الساقِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسدىُّ، قال: ثنا قَبيصةُ بنُ عقبةَ السُّوَائيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾. قال: نَزاعةً للحمِ الساقين (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن خارجةَ، عن قرة بنُ خالدٍ، عن الحسنِ: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾. قال: للهامِ، تَحْرِقُ كلَّ شيءٍ منه، ويَبْقَى فؤادُه يَصيحُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾. ثم ذكَر نحوَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾. أى: نَزَّاعةً لهامتِه ومكارمِ خَلْقِه وأطرافِه (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرَنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحَاك يقولُ في قولِه: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾: تَبْرِى اللحمَ والجلدَ عن العظمِ حتى لا تَتْرُكَ منه شيئًا (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٦٨ من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"نضيجًا\".\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٧ من طريق قرة به.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٥ إلى عبد الرزاق وعبد بنُ حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (١٣٥، ٢٤٢) من طريق جويبر عن الضحاك.","vol":"23","page":263},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾. قال: الشَّوَى الآرابُ العظامُ، ذاك الشَّوَى (^١).\nوقولُه: ﴿نَزَّاعَةً﴾. قال: تَقْطَعُ عظامَهم كما تَرَى، ثم يُجَدَّدُ خَلقُهم وتُبَدَّلُ جلودُهم.\n\n<span id=\"aya-5392\"></span>وقولُه: ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾. يقولُ: تَدْعو لظَى إلى نفسِها، مَن أَدْبَر في الدنيا عن طاعةِ اللهِ، وتوَلَّى عن الإيمانِ بكتابهِ وبرسلِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾. قال: عن طاعةِ اللهِ، ﴿وَتَوَلَّى﴾. قال: عن كتابِ اللهِ، وعن حقِّه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾. قال: عن الحقِّ (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾. قال: ليس لها سلطانٌ إلا على (^٤) مَن (^٥) كفَر وتولَّى وأدْبَر عن اللهِ، فأما\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٥٢.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٥ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) بعده في م: \"هوان\".\n(^٥) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أدبرو\".","vol":"23","page":264},{"text":"مَن آمَن باللهِ ورسولهِ فليس لها عليه سلطانٌ.\n\n<span id=\"aya-5393\"></span>وقولُه: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾. يقولُ: وجمَعَ مالًا فجعله في وعاءٍ، ومنَع حقَّ اللهِ منه، فلم يُزَكِّ، ولم يُنْفِقْ فيما أوْجَب اللهُ عليه إنفاقَه فيه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، الحارث، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾. قال: جمَع المالَ (^١).\nحدَّثنا محمد بنُ منصورٍ الطُّوسىُّ، قال: ثنا أبو قَطَنٍ، قال: ثنا المسعودىُّ، عن الحكمِ قال: كان عبدُ اللهِ بنُ عُكَيمٍ (^٢) لا يَرْبُطُ كِيسَه، يقولُ: سَمِعْتُ اللهَ يقولُ: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾: كان جَموعًا قَمُومًا للخَبِيثِ (^٤).\n\n<span id=\"aya-5394\"></span><span data-type='title' id=toc-9123>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٥ إلى عبد بنُ حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عظيم\".\n(^٣) أخرجه ابن سعد ٦/ ١١٤ من طريق أبي قطن به.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٥ إلى عبد الرزاق وعبد بنُ حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":265},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: إن الإنسانَ الكافر خُلِق هَلُوعًا. والهَلَعُ شدَّةُ الجَزَعِ مع شدة الحرصِ والضَّجَرِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\n\n<span id=\"aya-5395\"></span>حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾. قال: هو الذي قال اللهُ: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾. ويقالُ: الهَلوعُ هو الجَزوعُ الحريصُ. وهذا في أهل الشركِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن أشعثَ بن إسحاقَ، عن جعفرِ بنِ أبى المغيرةِ، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ قال: شَحيحًا جزوعًا (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عكرمةَ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾. قال: ضَجُورًا (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ -يعنى الكافرَ- ﴿خُلِقَ هَلُوعًا﴾ يقولُ: هو بخيلٌ مَنوعٌ للخيرِ، جَزوعٌ إذا نزَل به البلاءُ، فهذا الهَلُوعُ (^٢).\nحدَّثنا يحيى بنُ حَبيبِ بنِ عَرَبيٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا شعبةُ، عن حُصَيْنٍ. قال يحيى: قال خالدٌ: وسأَلْتُ أنا شعبةَ عن قولِه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره البغوى في تفسيره ٨/ ٢٢٣.","vol":"23","page":266},{"text":"هَلُوعًا﴾. فحدَّثنا شعبةُ، عن حُصَيْنٍ أنه قال: الهَلُوعُ الحريصُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، قال: سأَلْتُ حُصَينًا عن هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾. قال: حريصًا.\nحدَّثنا يونُسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾. قال: الهَلوعُ الجَزوعُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿خُلِقَ هَلُوعًا﴾. قال: جَزوعًا (^٢).\n\n<span id=\"aya-5396\"></span>وقولُه: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾. يقولُ: إذا قلَّ مالُه وناله الفقرُ والعدمُ، فهو جَزوعٌ مِن ذلك لا صبرَ له عليه، ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾. يقولُ: وإذا كثُر مالُه ونال الغني، فهو مَنوعٌ لما في يدِه، بخيلٌ به، لا يُنفِقُه في طاعةِ اللهِ، ولا يُؤَدِّى حقَّ اللهِ منه.\n\n<span id=\"aya-5397\"></span>وقولُه: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾.\nيَقولُ: إِلا الذين يُطِيعون اللهَ بأداءِ ما افْتَرَض عليهم من الصلاة،\n\n<span id=\"aya-5398\"></span>وهم على أداءِ ذلك مقيمون، لا يُضَيِّعون منها شيئًا، فإن أولئك غيرُ داخلين فى عِدادِ مَن خُلِق هَلُوعًا وهو مع ذلك بربِّه كافرٌ لا يُصَلِّى للهِ.\nوقيل: عُنِى بقولِه: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾. المؤمنون الذين كانوا مع رسولِ اللهِ ﷺ. وقيل: عُنِى به كلُّ مَن صلَّى الخمسَ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٧ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٦ إلى ابن المنذر.","vol":"23","page":267},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ومُؤَمَّلٌ، قالا: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾. قال: المكتوبةُ.\nحدَّثني زريقُ بنُ السَّخْتِ (^١)، قال: ثنا معاويةُ بن عمرٍو، قال: ثنا زائدةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾. قال: الصلواتُ (^٢) الخمسُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾. إلى قولِه: ﴿دَائِمُونَ﴾: ذُكِر لنا أن دَانْيالَ نعَت أمةَ محمدٍ ﷺ قال: يُصَلُّون صلاةً لو صلَّاها قومُ نوحٍ ما غرِقوا، أو عادٌ، ما أُرْسِلَت عليهم الريحُ العَقيمُ (^٣)، أو ثمودُ، ما أخَذَتْهم الصيحةُ، فعليكم بالصلاة فإنها خُلُقٌ للمؤمنين حسنٌ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ قال: الصلاةُ المكتوبةُ (^٥).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾. قال: هؤلاء المؤمنون الذين مع النبيِّ ﷺ، على صلاتِهم دائمون.\nقال: أَخْبَرَنَا ابنُ وهبٍ، قال: أَخْبَرَنَا حَيْوةُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن\n_________\n(^١) فى م: \"السخب\" وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"السحب\". وتقدم على الصواب فى ٧/ ٢٨٢، ١٢/ ٦١٣.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الصلاة\".\n(^٣) سقط من: ص، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٥٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":268},{"text":"أبي الخيرِ، أنه سأَل عقبةَ بنَ عامرٍ الجُهَنيَّ عن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ قال: هم الذين إذا صلَّوا لم يَلْتَفِتوا خلفَهم، ولا عن أيمانِهم، ولا عن شمائِلِهم (^١).\nحدَّثنى العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرني أبي، قال: ثنا الأوزاعيُّ، قال: ثنى يحيى بنُ أبي كثيرٍ، قال: ثنى أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثتنِى عائشةُ زوجُ النبيِّ ﷺ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"خُذوا من العملِ ما تُطِيقون، فإن اللهَ لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا\". قالت: وكان أحبَّ الأعمالِ إلى رسول الله ﷺ ما دُووِمَ عليه. قال: يقولُ أبو سلمةَ: إن اللهَ يقولُ: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5399\"></span><span data-type='title' id=toc-9124>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإلَّا الذين في أموالِهم حقٌّ مؤقتٌ، وهو الزكاةُ، للسائلِ الذي يَسْأَلُه من مالِه، والمحرومِ الذى قد حُرِم الغِنَى، فهو فقيرٌ لا يَسْأَلُ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بالحقِّ المعلومِ الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو الزكاةُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٣٥٣) من طريق الوليد بن مزيد البيروتي به، وأخرجه أحمد ٦/ ٨٤ (الميمنية)، وابن خزيمة (١٢٨٣) من طريق الأوزاعى به، وأخرجه أحمد ٦/ ١٨٩، ٢٣٣، ٢٤٤ (الميمنية)، والبخارى (١٩٧٠)، ومسلم (٧٨٢/ ١٧٧) من طريق يحيى بن أبي كثير به، وأخرجه أحمد ٦/ ١٧٦، ١٨٠، والبخارى (٦٤٦٥) من طريق أبي سلمة به.","vol":"23","page":269},{"text":"﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. قال: الحقُّ المعلومُ الزكاةُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهُمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾. قال: الزكاةُ المفروضةُ.\nوقال آخرون: بل ذلك حقٌّ سِوى الزكاةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. يقولُ: هو سِوى الصدقةِ يَصِلُ بها رَحِمًا، أو يَقْرِى بها ضيفًا، أو يَحْمِلُ بها كَلًّا، أو يُعِينُ بها محرومًا (^٢).\nحدَّثني ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمنِ، عن شعبةَ، عن أبي يونسَ، عن رباحِ ابن عبيدةَ، عن قَزَعةَ، أن ابن عمر سُئِل عن قولِه: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ أهى الزكاةُ؟ فقال: إن عليك حقوقًا سوى ذلك (^٣).\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ فضيلٍ، قال: ثنا بيانٌ، عن الشعبيِّ قال: إن فى المالِ حقًّا سِوى الزكاةِ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: فى المالِ حقٌّ سِوى الزكاةِ (^٥).\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ٢٩١.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ١١٣ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ٣/ ١٩١ من طريق أبي يونس به.\n(^٤) أخرجه ابن أبى شيبة فى المصنف ٣/ ١٩١ عن ابن فضيل به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة فى المصنف ٣/ ١٩٠ من طريق الأعمش به.","vol":"23","page":270},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ قال: سِوى الزكاةِ (^١).\nوأجمعوا على أن السائلَ هو الذي وَصَفْتُ صِفَتَه.\nواختلَفوا أيضًا في معنى \"المحرومِ\" فى هذا الموضِع، نحو اختلافِهم فيه في \"الذارياتِ\"، وقد ذكَرْنا ما قالوا فيه هنالك، ودلَّلنا على الصحيحِ منه عندَنا (^٢)، غيرَ أنا نَذْكُرُ بعضَ ما لم نَذْكُرُ من الأخبارِ هنالك.\n\n<span data-type='title' id=toc-9125>ذكرُ مَن قال: هو المحارَفُ</span>\nحدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أَخْبَرَنَا الحجاجُ، عن الوليدِ ابن العَيْزارِ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه قال: المحرومُ هو المحارَفُ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني مسلمُ بن خالدٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: المحرومُ المحارَفُ (^٣).\nحدَّثنا سهلُ بن موسى الرازىُّ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن قيسِ بن كُركُمٍ، عن ابن عباسٍ قال: السائلُ والمحرومُ، المحارَفُ الذي ليس له في الإسلامِ نصيبٌ (^٤).\nقال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن قيسِ بن كُركُمٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: المحرومُ المحارَفُ الذي ليس له في الإسلام سهمٌ (^٤).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٣/ ١٩١ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١١٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢١/ ٥١١.\n(^٣) تقدم تخريجه فى ٢١/ ٥١٤.\n(^٤) تقدم تخريجه في ٢١/ ٥١٢، ٥١٣.","vol":"23","page":271},{"text":"إسحاقَ، عن قيس بن كُركُمٍ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿لِلْسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ قال: السائلُ الذي يَسْأَلُ، والمحرومُ المحارَفُ (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمعتُ أبا إسحاقَ يُحدِّثُ عن قيس بن كُركُمٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿لِلْسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ قال: السائلُ الذى يَسْأَلُ، والمحرومُ المحارَفُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن قيس بن كُركُمٍ، قال: سألتُ ابن عباسٍ عن قولِه: ﴿لِلْسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. قال: السائلُ الذى يَسْأَلُ، والمحرومُ المحارَفُ الذى ليس له في الإسلامِ سهمٌ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرَ بن عليٍّ المقدمىُّ، قال: ثنا قريشُ بنُ أنسٍ، عن سليمانَ، عن قتادةَ، عن سعيد بن المسيبِ: المحرومُ المحارَفُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا قريشٌ، عن سليمانَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيب مثلَه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ عن المحرومِ فلم يَقُلْ فيه شيئًا. قال: وقال عطاءٌ: هو المحدود المحارفُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن قيسِ بنِ كُركُمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: السائلُ الذي يَسْأَلُ النَّاسَ، والمحرومُ الذي لا سهمَ له في الإسلامِ، وهو محارَفٌ من الناسِ (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٢١/ ٥١٢.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٢١/ ٥١٣.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٢١/ ٥١٤.\n(^٤) تقدم تخريجه في ٢١/ ٥١١","vol":"23","page":272},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميد، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: المحرومُ الذى لا يُهدَى له شيءٌ وهو محارَفٌ (^١).\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: المحرومُ هو المحارَفُ الذي يَطْلُبُ الدنيا وتُدْبِرُ عنه، فلا يَسْأَلُ الناسَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال في المحرومِ: هو المحارَفُ الذى ليس له أحدٌ يَعْطِفُ عليه، أو يُعْطِيه شيئًا (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن إبراهيم قال: المحرومُ الذى لا فىْءَ له في الإسلامِ، وهو محارَفٌ في الناسِ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قال: أَخْبَرَنَا أيوبُ، عن نافعٍ: المحرومُ هو المحارَفُ (^٤).\nوقال آخرون: هو الذى لا سهمَ له في الغنيمةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ المثنى، ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن إبراهيمَ، أن ناسًا قدِموا على عليٍّ، ﵁، الكوفةَ بعدَ وقعةِ الجملِ، فقال: اقسِموا لهم. وقال: هذا المحرومُ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: المحرومُ المحارَفُ الذي ليس له في الغنيمةِ شيءٌ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٢١/ ٥١٢.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ١١٣ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) تقدم في ٢١/ ٥١٣، ٥١٦.\n(^٤) تقدم تخريجه في ٢١/ ٥١٤\n(^٥) تقدم تخريجه في ٢١/ ٥١٦.","vol":"23","page":273},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nقال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانِ، عن قيسِ بن مسلمٍ الجدَلىِّ، عن الحسنِ بنِ محمدِ ابنِ الحنفيةِ، أن النبيَّ ﷺ بعثَ سريةً فغنِموا وفُتِح عليهم، فجاء قومُ لم يَشْهَدوا، فنزَلت: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ يعنى هؤلاء (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيس بن مسلمٍ، عن الحسن بن محمدٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ بعث سريةً فغنِموا، فجاء قومٌ لم يَشْهَدوا الغنائمَ، فنزَلت: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بن أبي زائدةَ، عن سفيانَ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ الجدلىِّ، عن الحسنِ بنِ محمدٍ، قال: بُعِثت سَرِيةٌ فغنِموا، ثم جاء قومٌ من بعدِهم. قال: فنزَلت: ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (^١).\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، عن سفيانَ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن الحسنِ بن محمدٍ أن قومًا فى زمانِ النبيِّ ﷺ أصابوا غنيمةً، فجاء قومٌ بعدُ، فنزَلت: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (^١).\nوقال آخرون: هو الذي لا يَنْمِي له مالٌ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن حصينٍ، قال: سألتُ عكرِمةَ عن السائلِ والمحرومِ، قال: السائلُ الذي يَسْأَلُك، والمحرومُ الذى لا يَنْمِي له\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٢١/ ٥١٦.","vol":"23","page":274},{"text":"مالٌ (^١).\nوقال آخرون: هو الذي قد اجتيح مالُه.\nذكرُ مَن قال ذلك\n\n<span id=\"aya-5400\"></span>حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: أَخْبَرَنَا شعبةُ، عن عاصمٍ، عن أبي قلابةَ، قال: جاء سيلٌ باليمامةِ، فذهَب بمالِ رجلٍ، فقال رجلٌ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: هذا المحرومُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قولِه: ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾. قال: المحرومُ المصابُ ثمرُه وزرعُه. وقرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ حتى بلَغ ﴿مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٧﴾. وقال أصحابُ الجنةِ: ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٦، ٢٧].\nوقال الشعبيُّ ما حدَّثني به يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن ابنِ عونٍ، قال: قال الشعبيُّ: أعياني أن أعلَمَ ما المحرومُ (^٣)؟\nوقال قتادةُ ما حدَّثني به ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. قال: السائلُ الذي يَسْأَلُ بكفِّه، والمحرومُ المتعفِّفُ، ولكليهما عليك حقٌّ يابنَ آدمَ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِلْسَّائِلِ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٢١/ ٥١٧.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٢١/ ٥١٣.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٢١/ ٥١٨.\n(^٤) تقدم تخريجه ٢١/ ٥١٤، ٥١٥.","vol":"23","page":275},{"text":"وَالْمَحْرُومِ﴾: وهو سائلٌ يَسْأَلُك فى كفِّه، وفقيرٌ متعفِّفٌ لا يَسْأَلُ الناسَ، ولكليهما عليك حقٌّ.\n\n<span id=\"aya-5401\"></span>وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. يقولُ: وإِلَّا الذين يُقِرُّون بالبعثِ يومَ البعثِ والمجازاةِ.\n\n<span id=\"aya-5402\"></span>وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾. يقولُ: والذين هم في الدنيا من عذابِ ربِّهم وَجِلون أن يُعَذِّبَهم فى الآخرةِ، فهم من خشية ذلك لا يُضَيِّعون له فرضًا، ولا يَتَعَدُّون له حدًّا.\n\n<span id=\"aya-5403\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أن ينالَ من عصاه وخالفَ أمرَه.\n\n<span id=\"aya-5404\"></span><span data-type='title' id=toc-9126>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ يعنى: أقبالِهم. حافظون عن كلِّ ما حرَّم اللهُ عليهم وضْعَها فيه، إلا أنهم غيرُ ملومِين في تركِ حفظِها ﴿عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ من إمائِهم.\n\n<span id=\"aya-5405\"></span>وقيل: ﴿لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾. ولم يَتَقدَّمْ ذلك جحدٌ؛ لدلالةِ قولِه: ﴿فَإنِّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. على أن فى الكلامِ معنى جحْدٍ، وذلك كقولِ القائل: اعمَل ما بدا لك إلا على ارتكابِ المعصيةِ، فإنك معاقَبٌ عليه. ومعناه: اعمَلْ ما بدا لك إلا أنك معاقَبٌ على ارتكابِ المعصيةِ.\n\n<span id=\"aya-5406\"></span>وقولُه: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾: فمن التمَس لفرجِه مَنكَحًا سوى زوجتِه أو مِلكِ يمينِه، ففاعِلو ذلك هم العادُون، الذين عدَوا ما أحلَّ اللهُ لهم إلى ما حرَّم عليهم، فهم الملومون.","vol":"23","page":276},{"text":"<span id=\"aya-5407\"></span><span data-type='title' id=toc-9127>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإلَّا الذين هم لأماناتِ الله التي اتَّمنَهم عليها من فرائضِه، وأمانات عبادِه التي اتُّمِنوا عليها، وعهودِه التى أخذها عليهم، بطاعتِه فيما أمَرهم ونهاهم، وعهودِ عباده التي أعطاهم، على ما عقَده لهم على نفسِه - راعون، يَرْقُبون ذلك، ويَحْفَظونه فلا يُضَيِّعونه، ولكنهم يُؤَدُّونها ويَتَعَاهَدونها على ما ألزَمهم اللهُ، وأوجَب عليهم حفظَها،\n\n<span id=\"aya-5408\"></span>﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾. يقولُ: والذين لا يَكْتُمون ما استُشْهِدوا عليه، ولكنهم يَقُومون بأدائِها حيثُ يَلْزَمُهم أداؤُها، غيرَ مُغَيَّرةٍ ولا مُبَدَّلةٍ.\n\n<span id=\"aya-5409\"></span>﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. يقولُ: والذين هم على مواقيتِ صلاتِهم التى فرضَها اللهُ عليهم، وحدودِها التى أوجبَها عليهم يُحافِظون، ولا يُضَيِّعون لها ميقاتًا ولا حدًّا.\n\n<span id=\"aya-5410\"></span>وقولُه: ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾. يقولُ ﷿: هؤلاء الذين يَفْعَلُون هذه الأفعال في بساتينَ مُكْرَمون، يُكْرِمُهم اللهُ فيها بكرامتِه.\n\n<span id=\"aya-5411\"></span><span data-type='title' id=toc-9128>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فما شأنُ الذين كفروا باللهِ قِبَلَك يا محمدُ مُهْطِعِين؟! وقد بيَّنا معنى الإهطاعِ وما قال أهلُ التأويل فيه فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضعِ (^١)، غيرَ أنَّا نذكُرُ في هذا الموضعِ بعضَ ما لم نذكُرْه هنالِك.\n_________\n(^١) تقدم فى ١٣/ ٧٠٤، ٢٢/ ١١٨، ١١٩.","vol":"23","page":277},{"text":"فقال قتادةُ فيه ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. يقولُ: عامِدين (^١).\nوقال ابنُ زيدٍ فيه ما حدَّثنا يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. قال: المهطِعُ الذى لا يَطْرِفُ.\nوكان بعضُ أهل المعرفة بكلام العرب من أهلِ البصرةِ (^٢) يقولُ: معناه: مُسْرِعين.\nورُوِى فيه عن الحسن ما حدَّثنا به ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسن في قولِه: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. قال: مُنْطَلِقين (^٣)\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسعدةَ، قال: ثنا قرةُ، عن الحسنِ مثلَه.\n\n<span id=\"aya-5412\"></span>وقولُه: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾. يقولُ: عن يمينك يا محمدُ، وعن شمالِك مُتَفَرِّقين حِلَقًا ومجالسَ، جماعةً جماعةً، مُعرِضين عنك وعن كتابِ اللهِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. قال: قِبَلَك يَنْظُرون، ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ السَّمَالِ عِزِينَ﴾. قال: العِزِينَ العُصَبُ (^٤) من الناسِ، عن يمينٍ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٣/ ٧٠٥.\n(^٢) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٢٧٠.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) العُصَب: جمع عصبة، وهى جماعة ما بين العشرة إلى الأربعين. اللسان (ع ص ب).","vol":"23","page":278},{"text":"وشمالٍ، مُعْرِضين عنه، يَسْتَهزِئون به (^١).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾. قال: مجالِسَ مُجنِبِين (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. يقولُ: عامِدين، ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾. أَى: فِرَقًا حولَ نبيِّ اللهِ ﷺ، لا يَرْغَبون فى كتابِ الله ولا فى نبيِّه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة قولَه: ﴿عِزِينَ﴾. قال: العِزينَ الحِلَقُ، المجالسُ (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿عِزِينَ﴾. قال: حِلَقًا ورُفَقًا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾. قال: العِزِينَ المجلسُ الذي فيه الثلاثةُ والأربعةُ، والمجالسُ الثلاثةُ والأربعةُ، أولئك العِزُون.\nحدَّثنا إسماعيلُ بن موسى الفزارىُّ، قال: أَخْبَرَنَا أبو الأحوصِ، عن عاصمٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ يرفَعُه، قال: \"مالي أراكم عِزِينَ\"؟ والعِزِين\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٥٥ عن العوفي، عن ابنِ عباسٍ، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٢٦٦ إلى المصنف.\n(^٢) في ص: \"مجنس\"، وفى ت ١: \"مجتنبين\"، وفى ت ٢: \"مختلفين\".\nوالأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وفيه: \"محتبين\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣١٧ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٦ إلى ابن المنذر.","vol":"23","page":279},{"text":"الحِلَقُ المتفرِّقةُ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيان (^١)، عن عبدِ الملكِ بن عميرٍ، عن أبي سلمة، عن أبى هريرة أنَّ النبىَّ ﷺ خرَج على أصحابه وهم حِلَقٌ حِلَقٌ، فقال: \"مالي أراكم عِزِينَ؟ \". (^٢).\nحدَّثني أبو حَصينٍ، قال: ثنا عَبْثرٌ، قال: ثنا الأعمشُ، عن المسيَّبِ بن رافعٍ، عن تميمِ بن طَرَفةَ الطائىِّ، عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ، قال: دخل علينا رسولُ اللهِ ﷺ ونحن متفرِّقون، فقال: \"مالهم عِزِينَ؟ \" (^٣).\nحدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عمرٍو الغَزِّىُّ، قال: ثنا الفريابيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن المسيَّب بن رافعٍ، عن تميم بن طَرَفةَ، عن جابرِ بنِ سَمُرةَ، قال: جاء النبيُّ ﷺ إلى ناسٍ من أصحابه وهم جلوسٌ، فقال: \"مالي أراكم عِزِينَ حِلَقًا؟ \" (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن المسيَّب بنِ رافعٍ، عن تميمِ بنِ طَرَفةَ، عن جابرِ بنِ سَمُرةَ، قال: جاء النبيُّ ﷺ إلى ناسٍ مِن أصحابِه وهم جلوسٌ، فقال: \"مالي أراكم عِزِينَ حِلَقًا؟ \" (^٤).\nحدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن المسيَّبِ\n_________\n(^١) في النسخ: \"شقيق\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٥٦ عن المصنف، وأخرجه ابن حبان (١٦٥٤) من طريق مؤمل به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٧ لابن مردويه.\n(^٣) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٦٢٢) عن أبي حصين به، وأخرجه مسلم (٤٣٠)، وأبو داود (٤٨٢٣) والنسائي في الكبرى (١١٦٢٢)، والبيهقى ٣/ ٢٣٤، والطبراني (١٨٣٠ - ١٨٣٢) من طريق الأعمش به.\n(^٤) أخرجه الطبراني (١٨٢٣)، والبغوى في شرح السنة (٣٣٣٧) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦٧ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.","vol":"23","page":280},{"text":"ابن رافعٍ، عن تميمِ بن طَرَفةَ الطائىِّ، قال: ثنا جابرُ بن سَمُرَةَ أَنَّ النبيَّ ﷺ خرَج عليهم وهم حِلَقٌ، فقال: (مالي أراكم عِزِينَ؟). يقولُ: حِلَقًا. يعنى قولَه: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قرةُ، عن الحسن في قولِه: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾. قال: ﴿عِزِينَ﴾: مُتفرِّقين، يَأْخُذون يمينًا وشمالًا، يقولون: ما قال هذا الرجلُ؟ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا قرةُ، عن الحسن مثلَه.\nوواحدُ العِزِينَ عِزَةٌ، كما واحدُ الثُّبِينَ ثُبَةٌ، وواحدُ الكُرِينَ كُرَةٌ. ومن العِزينَ قولُ راعى الإبلِ (^٢):\nأخليفةَ الرحمنِ إنَّ عشيرتى … أمسَى سوامُهم عِزِينَ فُلُولا\n\n<span id=\"aya-5413\"></span>وقولُه: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾. يقولُ: أيطمَعُ كُلُّ امرئ من هؤلاء الذين كفروا قِبَلك مهطعينَ أن يُدْخِلَهُ اللهُ ﴿جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾. أى: بساتين نعيمٍ يَنْعَمُ فيها.\nواختلَفتِ القرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾؛ فقرأت ذلك عامةُ قرَأةِ الأمصارِ: ﴿يُدْخَلَ﴾ بضمِّ الياء على وَجْهِ ما لم يُسمَّ فاعلُه، غيرَ الحسنِ وطلحةَ ابنِ مُصَرِّفٍ، فإنه ذُكِر عنهما أنهما كانا يَقْرَأانه بفتحِ الياءِ (^٣)، بمعنى: أَيَطْمَعُ كُلُّ امرئٍ منهم أن يَدْخُلَ كلُّ امرئٍ منهم جنةَ نعيمٍ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٥٥ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ديوانه ص ١٤٠.\n(^٣) وبها قرأ ابن يعمر وأبو رجاء وزيد بن على والمفضل عن عاصم، وهى قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط ٨/ ٣٣٦.","vol":"23","page":281},{"text":"والصَّوابُ من القراءة فى ذلك عندنا ما عليه قرَأةُ الأمصارِ، وهى ضمُّ الياءِ؛ لإجماع الحجةِ من القرأةِ عليه.\n\n<span id=\"aya-5414\"></span>وقولُه: ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ ﷿: ليس الأمرُ كما يَطْمَعُ فيه هؤلاء الكفارُ من أن يُدْخَلَ كلُّ امرئٍ منهم جنةَ نعيمٍ.\nوقولُه: ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ جلَّ وعزَّ: إنا خَلَقْناهم من مَنِىٍّ قذرٍ، وإنما يَسْتَوجِبُ دخولَ الجنةِ مَن يَسْتَوجِبُه منهم بالطاعةِ، لا بأنه مخلوقٌ، فكيفَ يَطْمَعون في دخول الجنة وهم عصاةٌ كفرةٌ؟!\nوقد حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾: إنما خُلِقتَ من قذَرٍ يا بنَ آدمَ، فاتَّقِ اللهَ (^١).\n\n<span id=\"aya-5415\"></span><span data-type='title' id=toc-9129>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فلا أُقْسِمُ بربِّ مشارق الأرض ومغاربها، ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾.\n\n<span id=\"aya-5416\"></span>يقول: إنا لقادرون على أن نُهْلِكَهم ونَأْتي بخيرٍ منهم من الخلقِ، يُطيعونني، ولا يَعْصُونني، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وما يَفُوتُنا منهم أحدٌ بأمرٍ نُريدُه منه، فيُعجِزَنا هربًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":282},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يعقوب بنْ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ علية، قال: أَخْبَرَنَا عمارةُ بنُ أبى حفصة، عن عكرمة، قال: قال ابن عباسٍ: إن الشمسَ تَطْلُعُ كُلَّ سنةٍ في ثلاثمائةٍ وستينَ كَوَّةً؛ تَطْلُعُ كلَّ يومٍ فى كَوَّةٍ، لا تَرْجِعُ إلى تلك الكوَّةِ إلى ذلك اليوم من العامِ المقبل، ولا تَطْلُعُ إلا وهى كارهةٌ، تقول: ربِّ لا تُطلعني على عبادك، فإني أراهم يَعْصُونك، يَعْمَلون بمعاصِيك أراهم. قال: أو لم تسْمعوا إلى قول أمية بن أبي الصلت (^١):\nحتى تُجَرَّ وتُجْلَدَ\nقلتُ: يا مولاه، وتُجلد الشمس؟ فقال: عَضِضتَ بِهَنِ أَبيك، إنما اضطرَّه الرَّوِىُّ إلى الجلْدِ (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى ابنُ عمارة، قال: أَخْبَرَنَا عمارة، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾. قال: إِنَّ الشمسَ تَطْلُعُ مِن ثلاثمائةٍ وستِّين مَطْلِعًا؛ تَطْلُعُ كلَّ يومٍ مِن مَطلعِ لا تعودُ فيه إلى قابلٍ، ولا تَطْلُعُ إلا وهى كارهةٌ. قال عكرمة: فقلتُ له: قد قال الشاعرُ:\nحتى تُجَرَّ وتُجْلَدَ\nقال: فقال ابنُ عباسٍ: عَضِضْتَ بِهَنِ أَبِيكَ، إنما اضْطَرَّه الرَّوِيُّ.\nحدَّثنا خلَّادُ بن أسلم، قال: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، قال: أَخْبَرَنَا شعبةُ، قال: أَخْبَرَنَا عمارةُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: إنَّ الشمسَ تَطْلُعُ في ثلاثمائةٍ وستِّين كوَّةً،\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢٩ وروايته:\nليست بطالعة لهم في رسلها … إلا معذبة وإلَّا تجلدُ\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٦٥٠) من طريق ابن علية به.","vol":"23","page":283},{"text":"فإذا طَلَعت فى كوَّةٍ لم تَطْلُعْ منها حتى العام المقبلِ، ولا تَطْلُعُ إلا وهي كارهةٌ (^١).\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾. قال: هو مَطْلِعُ الشمسِ ومغربُها، ومطلِعُ القمرِ ومغرِبُه (^٢).\n\n<span id=\"aya-5417\"></span>وقولُه: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾. يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فذَرْ هؤلاءِ المشركين المُهْطِعين، عن اليمين وعن الشمال عزينٍ، يخوضوا في باطلهم، ويلعَبوا في هذه الدنيا، ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾. يقولُ: حتى يُلاقوا عذاب يوم القيامةِ الذى يُوعَدونه.\n\n<span id=\"aya-5418\"></span><span data-type='title' id=toc-9130>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾.</span>\nوقولُه: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ﴾. بيانٌ وتوجيهٌ عن اليوم الأوَّلِ الذي في قولِه: ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾. وتأويل الكلام: حتى يُلاقوا يومهم الذى يُوعَدُونه ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾. وهى القبورُ، واحدُها جَدَثٌ، ﴿سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾. أى: من القبورِ سِراعًا (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^٣).\nوقد بيَّنا \"الجَدَثَ\" فيما مضى قبلُ بشواهدِه، وما قال أهلُ العلمِ فيهِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٦٧٢) من طريق خلاد بن أسلم به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦٧ إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٨ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١٩/ ٤٥٤، ٤٥٥.","vol":"23","page":284},{"text":"وقولُه: ﴿إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. يقولُ: كأَنَّهم إلى عَلَمٍ قد نُصِب لهم يَسْتَبِقون. وأجمعَتْ قرأةُ الأمصار على فتح النون من قولِه: (نَصْبٍ) غيرَ الحسنِ البصريِّ، فإنه ذُكر عنه أنه كان يضُمُّها مع الصادِ (^١)، وكأَنَّ مَن فتحها يوجِّهُ النَّصْبَ إلى أنه مصدرٌ من قول القائل: نَصَبْتُ الشيء أَنصِبُه نَصْبًا. وكان تأويلُه عندَهم: كأنَّهم إلى صنمٍ مَنْصوبٍ يُسرعون سعيًا. وأمَّا من ضمَّها مع الصادِ فَإِنَّه يُوجِّهه إلى أنه واحدُ الأنْصاب، وهى آلهتهم التي كانوا يعبدونها.\nوأمَّا قولُه: ﴿يُوفِضُونَ﴾. فإنَّ الإيفاضَ هو الإسراعُ، ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):\nلأَنْعَتَنَّ نَعَامةً ميفاضا … خَرْجاءَ تَغْدُو تطلُبُ الإِضَاضا\nيقولُ: تَطْلُبُ مَلْجَأً تَلْجَأُ إليه، والإيفاضُ السرعةُ، وقال رُؤْبةُ (^٣):\nيُمْسى بنا الجِدُّ على أوْفاضِ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلُ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن أبى العالية أنه قال فى هذه الآيةِ: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. قال: إلى علاماتٍ يَسْتَبِقون (^٤).\nحدَّثنا محمد بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. قال: إلى\n_________\n(^١) وهى أيضًا قراءة ابن عامر وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ٦٥١.\n(^٢) البيتان بدون عزو في معانى القرآن للفراء ٣/ ١٨٦ برواية: \"ظلت تطلب\"، واللسان (أ ض ض، وف ض).\n(^٣) ديوانه ص ٨١.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٧ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":285},{"text":"عَلَمٍ يَسْعَوْنَ (^١).\nحدَّثني محمد بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. قال: يَسْتَبِقُونَ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. قال: إِلى عَلَمٍ يَسْعَوْن.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. قال: إلى عَلَمٍ ﴿يُوفِضُونَ﴾، قال: يَسْعَونَ (^٣).\nحدَّثنا عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا الوليد بن مسلمٍ، قال: سمِعتُ أبا عمرٍو (^٤) يقولُ: سمِعتُ يحيى بن أبي كثيرٍ يقولُ: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. قال: إلى غايةٍ يَسْتبقون (^٥).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾: إِلى عَلَمٍ يَنْطَلِقونَ (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. قال: إلى عَلَمٍ يَسْتَبِقُون.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَأَنَّهُمْ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٧ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٨ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في النسخ: \"عمر\" وتقدم مرارًا.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٥٧.","vol":"23","page":286},{"text":"إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. قال: النُّصُبُ حجارةٌ كانوا يَعْبُدُونها؛ حجارةٌ طِوالٌ يقالُ لها: نُصُبٌ. وفى قولِه: ﴿يُوفِضُونَ﴾. قال: يُسْرِعون إليه كما يُسْرعون إلى نُصُبٍ يُوفِضون. قال ابنُ زيدٍ: والأنصابُ التي كان أهل الجاهليةِ يَعْبُدونها ويَأْتونها ويُعَظِّمونها، كان أحدُهم يَحْمِلُه معه، فإذا رأَى أحسن منه أَخَذَه وأَلْقَى هذا، فقال له: ﴿كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^١) [النحل: ٧٦].\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسن في قولِه: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ). قال: يَبْتَدِرون إلى نُصُبِهم، أَيُّهم يَسْتَلِمُه أولَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسنِ مثلَه.\n\n<span id=\"aya-5419\"></span>وقولُه: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾. يقولُ: خاضعةً أبصارُهم للذي هم فيه من الخزي والهَوانِ، ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾. يقولُ: تَغْشاهم ذلةٌ، ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾. يقولُ ﷿: هذا اليومُ الذى وصَفْتُ صفتَه، وهو يومُ القيامةِ الذى كان مشركو قريشٍ يُوعَدون فى الدنيا أنهم لاقُوه في الآخرةِ، وكانوا يُكَذِّبون به.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ﴾: يومُ القيامةِ، ﴿الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (^٣).\nآخر تفسيرِ سورةِ \"سأل سائلٌ\".\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٥٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم -كما في فتح البارى ٣/ ٢٢٦ - من طريق قرة به.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٧ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":287},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9131>تفسيرُ سورةِ نوحٍ ﷺ</span>-\n﷽\n\n<span id=\"aya-5420\"></span><span data-type='title' id=toc-9132>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ </span>(٤)﴾\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾. وهو نوحُ بنُ لَمك، ﴿إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: أَرْسَلْناه إليهم بأن أَنْذِرْ قومك. و\"أن\" في موضع نصبٍ فى قول بعض أهل العربيةِ، وفي موضعِ خفضٍ في قولِ بعضهم. وقد بيَّنْتُ العلل لكلِّ فريقٍ منهم، والصواب عندنا من القول في ذلك، فيما مضَى من كتابنا هذا، بما أغْنَى عن إعادته فى هذا الموضعِ (^١). وهي في قراءةِ عبد اللهِ فيما ذُكِر: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْذِرْ قَوْمَكَ) بغيرِ \"أن\" (^٢)، وجاز ذلك لأن الإرسال بمعنى القول، فكأنه قيل: قلنا لنوحٍ: أَنذِرْ قومك من قبل أن يأتيَهم عذابٌ أليمٌ. وذلك العذاب الأليمُ هو الطُّوفانُ الذي غرَّقهم الله به.\n\n<span id=\"aya-5421\"></span>وقولُه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. يقول تعالى ذكرُه: قال نوحٌ لقومِه: يا قوم إني لكم نذيرٌ مبينٌ، أُنْذِرُكم عذابَ الله، فاحْذَرُوه أن يَنْزِلَ بكم على كفرِكم به، ﴿مُبِينٌ﴾. يقولُ: قد أبَنْتُ لكم إنذارى إياكم.\n\n<span id=\"aya-5422\"></span>وقولُه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾. يقول تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٧/ ٧٢٦.\n(^٢) معاني القرآن للفراء ٣/ ١٨٧، وتفسير القرطبى ١٨/ ٢٩٨.","vol":"23","page":288},{"text":"نوحٍ لقومِه: إني لكم نذيرٌ مبينٌ بأن اعْبُدوا اللهَ. يقولُ: إني لكم نذيرٌ أُنْذِرُكم، وآمُرُكم بعبادةِ اللهِ، ﴿وَاتَّقُوهُ﴾. يقولُ: واتَّقُوا عقابَه، بالإيمانِ به والعملِ بطاعتِه، ﴿وَأَطِيعُونِ﴾. يقولُ: وانْتَهوا إلى ما آمُرُكم به، واقْبَلُوا نَصيحتي لكم.\nوقد حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا الله وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾. قال: أرْسَل اللهُ المرسَلين بأن يُعْبَدَ اللهُ وحده، وأن تُتَّقَى محارمُه، وأن يطاعَ أمرُه (^١).\n\n<span id=\"aya-5423\"></span>وقولُه: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾. يقولُ: يَغْفِرْ لكم ذنوبَكم.\nفإن قال قائلٌ: أو ليست \"مِن\" دالةً على البعضِ؟ قيل: إن لها معنيين وموضعين؛ فأما أحد الموضعين فهو الموضعُ الذى لا يَصْلُحُ فيه غيرُها. وإذا كان ذلك كذلك لم تَدُلُّ إلا على البعض؛ وذلك كقولِك: اشْتَريْتُ مِن مماليكِك. فلا يَصْلُحُ فى هذا الموضع غيرُها، ومعناها البعضُ: اشْتَرَيْتُ بعضَ مماليكِك. و: من مماليكِك مملوكًا. والموضعُ الآخرُ هو الذى يَصْلُحُ فيه مكانَها \"عن\"، فإذا صلَحَت مكانَها \"عن\" دلَّت على الجميعِ؛ وذلك كقولِك: وجِع بطنى مِن طعامٍ طعِمْتُه. فإن معنى ذلك: أوْجَع بطنى طعامٌ طعِمْتُه. وتَصْلُحُ مكانَ \"من\" \"عن\"، وذلك أنك تَضَعُ موضعَها \"عن\"، فيَصْلُحُ الكلامُ فتقولُ: وجِع بطنى عن طعامٍ طعِمْتُه. و: مِن طعامٍ طعِمْتُه. فكذلك قولُه: ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ إنما هو: ويَصْفَحُ لكم، ويَعْفُو لكم عنها، وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ معناه (^٢): يَغْفِرْ لكم من ذنوبِكم ما قد وعَدَكم العقوبة عليه، فأمَّا ما لم يَعِدْكم العقوبةَ عليه،\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"معناها\".","vol":"23","page":289},{"text":"فقد تقدَّم عفوُه لكم عنها.\nوقولُه: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: ويُؤَخِّرُ في آجالِكم فلا يُهْلِكْكم بالعذابِ، لا بغرقٍ ولا غيرِه، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: إلى حينٍ كتَب أنه يُبْقِيكم إليه، إن أنتم أطَعْتُموه وعبَدْتُموه، فى أمِّ الكتابِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: ما قد خُطِّ من الأجَلِ، فإذا جاء أجلُ اللهِ لا يُؤَخِّرُ (^١).\nوقولُه: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن أجَلَ اللهِ الذى قد كتَبه على خلقِه فى أمِّ الكتابِ، إذا جاء عندَه لا يُؤَخَّرُ عن مِيقاتِه، فيُنْظَرَ بعدَه، ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: لو عَلِمتُم أن ذلك كذلك لأَنَبْتُم إلى طاعةِ ربِّكم.\n\n<span id=\"aya-5424\"></span><span data-type='title' id=toc-9133>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قال نوحٌ لمَّا بلَّغ قومَه رسالةَ ربِّه وأَنْذَرَهم ما أَمَرَه به أن\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":290},{"text":"يُنْذِرَهموه، فعصَوْه وردُّوا عليه ما أتاهم به مِن عنده: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ إلى توحيدِك وعبادتِك، وحذَّرْتُهم بأسَك وسَطْوتَك.\n\n<span id=\"aya-5425\"></span>﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾. يقولُ: فلم يَزِدْهم دُعائى إياهم إلى ما دعَوْتُهم إليه من الحقِّ الذى أَرْسَلْتَنى به لهم، ﴿إِلَّا فِرَارًا﴾. يقولُ: إلا إدبارًا عنه، وهرَبًا منه، وإعراضًا عنه.\nوقد حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾. قال: بلَغَنا أنهم كانوا يَذْهَبُ الرجلُ بابنِه إلى نوحٍ، فيقولُ لابنِه: احْذَرْ هذا لا يُغْوِيَنَّكَ، فأُرانى قد ذهَب بي أبى إليه وأنا مثلُك، فحذَّرَنى كما حذَّرْتُك (^١).\n\n<span id=\"aya-5426\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾. يقولُ جلَّ وعزَّ: وإنى كلَّما دعَوْتُهم إلى الإقرارِ بوحدانيتِك، والعملِ بطاعتِك، والبراءةِ مِن عبادةِ كلِّ ما سِواك؛ لتَغْفِرَ لهم إذا هم فعَلوا ذلك، جعَلوا أصابعَهم في آذانِهم؛ لئلا يَسْمَعوا دُعائى إياهم إلى ذلك، ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾. يَقولُ: وتَغَشَّوْا في ثيابِهم، وتغَطَّوْا بها؛ لئلا يَسْمَعوا دُعائى.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾: لئلا يَسْمَعوا كلامَ نوحٍ ﵇.\nوقولُه: ﴿وَأَصَرُّوا﴾. يقولُ: وثبَتوا على ما هم عليه من الكفرِ وأقاموا عليه.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣١٩ عن معمر به. وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":291},{"text":"وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَصَرُّوا﴾. قال: الإصرارُ إقامتُهم على الشركِ (^١) والكفرِ.\nوقولُه: ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾. يقولُ: وتكَبَّروا فتَعاظَموا عن الإذعانِ للحقِّ وقبولِ ما دعوتُهم إليه من النصيحةِ.\n\n<span id=\"aya-5427\"></span><span data-type='title' id=toc-9134>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾.</span>\nيقولُ: ثم إنِّى دَعَوْتُهم إلى ما أَمَرْتَنى أَن أَدْعُوَهم إليه، ﴿جِهَارًا﴾: ظاهرًا في غيرِ خَفاءٍ.\nكما حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾. قال: الجِهارُ الكلامُ المُعْلَنُ به (^٢).\n\n<span id=\"aya-5428\"></span>وقولُه: ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾. يقولُ: صَرَّحْتُ (^٣) لهم، وصِحْتُ بالذي أمَرْتني به مِن الإنذارِ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"الشر\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"ضرخت\".","vol":"23","page":292},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾. قال: صِحْتُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ: ﴿أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾. يقولُ: صِحْتُ بهم.\nوقولُه: ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾. يقولُ: وأَسْرَرْتُ لهم ذلك فيما بيني وبينَهم في خَفاءٍ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾. قال: فيما بينى وبينَهم (^١).\n\n<span id=\"aya-5429\"></span>وقولُه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾. يقولُ: فقلتُ لهم: سَلُوا ربَّكم غُفْرانَ ذنوبِكم، وتُوبوا إليه من كفرِكم وعبادةِ ما سواه مِن الآلهةِ، ووحِّدوه وأخْلِصوا له العبادةَ، يَغْفِرْ لكم، إنه كان غفَّارًا لذنوبِ من أناب إليه، وتاب إليه من ذنوبِه.\n\n<span id=\"aya-5430\"></span>وقولُه: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾. يقولُ: يُسْقِكم ربُّكم، إن تبْتُم ووحَّدْتُموه، وأَخْلَصْتُم له العبادةَ، الغَيْثَ، فيُرْسِلُ به السماء عليكم مدرارًا متتابِعًا.\nوقد حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن مُطَرَّفٍ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: خرَج عمرُ بنُ الخطابِ يَسْتَسْقِى، فما زاد على الاستغفارِ، ثم رجَع،\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":293},{"text":"فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، ما رأَيْناك اسْتَسْقَيْتَ! فقال: لقد طلَبْتُ المطرَ بمَجاديحِ (^١) السماء التى يُسْتَنْزَلُ بها المطرُ. ثم قرَأ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾. وقرأ الآية التي في سورةِ \"هودٍ\"، حتى بلَغ: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ (^٢) [هود: ٥٢].\n\n<span id=\"aya-5431\"></span><span data-type='title' id=toc-9135>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾.</span>\nوقولُه: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾. يقولُ: ويُعْطِكم مع ذلك ربُّكم أموالًا وبنينَ، فيُكَثِّرُها عندَكم، ويَزِيدُ فيما عندَكم منها، ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ﴾، يقولُ: ويَرْزُقْكم بساتينَ، ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ تَسقُون منها جناتِكم ومزارعَكم.\nوقال ذلك لهم نوحٌ لأنهم كانوا -فيما ذُكر- قومًا يُحِبون الأموالَ والأولادَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ إلى قولِه: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾. قال: رأى نوحٌ قومًا تجزَّعَت أعناقُهم حرصًا على الدنيا، فقال: هلُمُّوا إلى طاعةِ اللهِ، فإنَّ فيها دَرْكَ الدنيا والآخرةِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-5432\"></span>وقولُه: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: ما لكم لا تَرَوْنَ للهِ عظمةً؟!\n_________\n(^١) المجاديح: جمع المِجْدَح، وهو عود مُجَنَّح الرأس تمزج بها الأشربة، وربما يكون له ثلاث شعب. والمجدح: نجم من النجوم. . . وهو عند العرب من الأنواء الدالة على المطر، فجعل الاستغفار مشبهًا بالأنواء، مخاطبة لهم بما يعرفونه، لا قولا بالأنواء. ينظر النهاية ١/ ٢٤٣.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٤٩٠٢)، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٤، والطبراني في الدعاء (٩٦٤)، والبيهقى ٣/ ٣٥٢ من طريق سفيان به.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":294},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. يقولُ: عظمةً (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. قال: لا تَرَوْن للهِ عظمةً.\nحدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ وقيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. قال: لا تُبالُون للهِ عظمةً (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عبيدٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. قال: كانوا لا يُبالُون عظمةَ اللهِ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. يقولُ: عظمةً.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. قال: لا تُبالُون عظمةَ ربِّكم. قال: والرجاءُ الطمعُ والمَخافةُ (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: لا تُعَظِّمون اللهَ حقَّ عظمتِه.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (٧٢٨) من طريق أبي صالح به.\n(^٢) أخرجه الفريابي -كما في التغليق ٤/ ٣٤٩ - من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (٧٣٠، ٧٣١) من طريق جرير به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦٨ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.","vol":"23","page":295},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنى سَلْمُ بنُ جُنادةَ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيْعٍ، عن مسلمٍ البَطينِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. قال: ما لكم لا تُعَظِّمون اللهَ حقَّ عظمتِه (^١)؟!\nوقال آخرون: ما لكم لا تَعْلَمون للهِ عظمةً؟!\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. يقولُ: ما لكم لا تَعْلَمون للهِ عظمةً (^٢)؟!\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ما لكم لا تَرْجُون للهِ عاقبةً؟!\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. أى: عاقبةً.\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. قال: لا تَرْجون للهِ عاقبةً (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٧٤، وابن أبي حاتم في تفسيره -كما في التغليق ٤/ ٣٤٨، ٣٤٩ - من طريق أبي معاوية به.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٧٥)، والبيهقى فى شعب الإيمان (٧٢٩) من طرق عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٨ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٩ عن معمر به.","vol":"23","page":296},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما لكم لا تَرْجُون للهِ طاعةً؟!\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. قال: الوقارُ الطاعةُ.\nوأولى الأقوالِ فى ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ما لكم لا تَخافون للهِ عظمةً؟! وذلك أن الرجاءَ قد تَضَعُه العربُ إذا صَحِبه الجحدُ في موضعِ الخوفِ، كما قال أبو ذُؤَيْبٍ (^١):\nإذا لسَعَتْه النحلُ (^٢) لم يَرْجُ لَسْعَها … وخالَفَها (^٣) في بيتِ نُوبٍ عَواسِلِ\nيعني بقولِه: لم يَرْجُ: لم يَخَفْ\n\n<span id=\"aya-5433\"></span>وقولُه: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾. يقولُ: وقد خَلَقكم حالًا بعدَ حالٍ؛ طَوْرًا نُطْفةً، وطَوْرًا عَلَقَةً، وطَوْرًا مُضْغَةً.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾. يقولُ: نُطْفَةً، ثم عَلَقَةً، ثم مُضْغَةً (^٤).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي،\n_________\n(^١) تقدم في ٧/ ٤٥٦.\n(^٢) كتب فوقها فى ص، ت ٢: \"الدبر\". وهى رواية الديوان كما تقدم.\n(^٣) في ص: \"حالفها\". وهي رواية.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٢٩٥.","vol":"23","page":297},{"text":"وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾. قال: مِن ترابٍ، ثم مِن نطفةٍ، ثم مِن عَلَقَةٍ، ثم ما ذكَر، حتى يَتِمَّ خَلْقُه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾: طَوْرًا نُطْفةً، وطَوْرًا عَلَقةً (^١)، وطورًا عِظامًا، ثم كسا العظامَ لحمًا، ثم أنشأه خلقًا آخرَ، أَنْبَت به الشعرَ، فتبارك اللهُ أحسنُ الخالقين.\nحدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ قال: نطفةً، ثم علقةً، [ثم مُضْغةً] (^٢)، ثم خلقًا طورًا بعد طورٍ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾. يقولُ: مِن نطفةٍ، ثم مِن علقةٍ، ثم مِن مضغةٍ.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾. قال: طورًا النطفةَ، ثم طورًا أمْشاجًا حينَ يَمْشُجُ (^٤) النطفةَ الدمُ، ثم يَغْلِبُ الدمُ على النطفةِ، فتكونُ علقةً، ثم تكونُ مضغةً، ثم تكونُ عِظامًا، ثم تُكْسَى العظامُ لحمًا (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَقَدْ\n_________\n(^١) بعده فى ت ١: \"وطورا مضغة\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٩ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) مشَج الشيءَ: خلطه. الوسيط (م ش ج).\n(^٥) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٢٦٠.","vol":"23","page":298},{"text":"خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾. قال: نطفةً، ثم علقةً، شيئًا بعد شيءٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-5434\"></span><span data-type='title' id=toc-9136>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ نوحٍ صلواتُ اللهِ عليه لقومِه المشركين بربِّهم، مُحْتَجًّا عليهم بحُجج اللهِ فى وَحدانيتِه: ألم تَرَوْا أَيُّها القومُ فتَعتَبِروا، ﴿كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ بعضَها فوقَ بعضٍ؟\nوالطِّباقُ مصدرٌ مِن قولِهم: طابَقْتُ مُطابَقةً وطِباقًا. وإنما عُنِى بذلك: كيف خلَق اللهُ سبَع سماواتٍ، سماءً فوقَ سماءٍ مُطابَقةً؟\n\n<span id=\"aya-5435\"></span>وقولُه: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾. يقولُ: وجعَل القمرَ في السماواتِ السبعِ نورًا، ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ﴾ فيهن ﴿سِرَاجًا﴾.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثني أبي، عن قتادةَ: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾: ذُكِر لنا أن عبدَ اللهِ بن عمرِو بنِ العاصِ كان يقولُ: إن ضوءَ الشمسِ والقمرِ نورُهما في السماءِ، اقْرَءُوا إن شئْتم: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٧٣٠) من طريق جرير به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣١٩ من طريق منصور به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٨ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٦١٧) من طريق معاذ بن هشام به.","vol":"23","page":299},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن عبدِ اللهِ ابنِ عمرٍو أنه قال: إن الشمسَ والقمرَ وجوهُهما قِبَلَ السماواتِ، وأقفيتُهما قِبَلَ الأرضِ، وأنا أَقْرأُ بذلك آيةً من كتابِ اللهِ: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾. يقولُ: خَلَق القمرَ يومَ خلَق سبعَ سماواتٍ.\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ يقولُ: إِنما قيل: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ على المجازِ، كما يقالُ: أَتَيْتُ بني تَميمٍ. وإنما أتَى بعضَهم.\n\n<span id=\"aya-5436\"></span>﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ يقولُ: واللهُ أنْشَأكم من ترابِ الأرضِ، فخلَقَكم منه إنشاءً،\n\n<span id=\"aya-5437\"></span>﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾. يقولُ: ثم يُعِيدُكم في الأرضِ كما كنتم ترابًا، فيُصَيِّرُكم كما كنتم من قبلِ أن يَخْلُقَكم، ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾. يقولُ: ويُخْرِجُكم منها إذا شاء أحياءً -كما كنتم بشرًا من قبلِ أن يُعِيدَكم فيها فيُصَيِّركم ترابًا- إخراجًا.\n\n<span id=\"aya-5438\"></span><span data-type='title' id=toc-9137>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠) قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ نوحٍ لقومِه، مُذَكِّرَهم نِعَمَ رَبِّه: واللهُ جَعَل\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٩ عن معمر به. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٦١٧) من طريق قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الله بن عمرو، وهو فى تفسير مجاهد ص ٦٧٥، ٦٧٦ من طريق شهر ابن حوشب، عن عبد الله بن عمرو، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":300},{"text":"لكم الأرضَ بساطًا تَسْتَقِرُّون عليها وتَمْتَهِدونها.\n\n<span id=\"aya-5439\"></span>وقولُه: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾. يقولُ: لتَسْلُكوا منها طرقًا شِعابًا (^١) متفرقةً. والفِجاجُ جمعُ فجٍّ، وهو الطريقُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾. قال: طُرُقًا وأعلامًا.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾. قال: طرقًا (^٢).\nحدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾. يقولُ: طرقًا مختلفةً (^٣).\n\n<span id=\"aya-5440\"></span>وقولُه: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: قال نوحٌ: ربِّ إن قومى عَصَوْني] (^٤)، فخالَفوا أمرى، وردُّوا علىَّ ما دعَوْتُهم إليه من الهدَى والرَّشادِ، ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾. يقولُ: واتَّبَعوا في معصيتِهم إياى مَن دعاهم إلى ذلك ممن كثُر مالُه وولدُه فلم يَزِدْه كثرةُ مالِه وولدِه إلا خَسَارًا وبُعدًا مِن اللهِ، وذَهابًا عن مَحَجَّةِ الطريقِ.\nواختَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَوَلَدُهُ﴾؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ:\n_________\n(^١) في م: \"صعابا\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٩ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره -كما في الإتقان ٢/ ٥٠ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦٩ إلى ابن المنذر.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"23","page":301},{"text":"﴿وَوَلَدُهُ﴾ بفتحِ الواوِ واللامِ، وكذلك قرَءوا ذلك في جميعِ القرآنِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ بضمِّ الواوِ وسكونِ اللامِ، وكذلك كلُّ ما كان من ذكرِ الولدِ مِن سورةِ \"مريمَ\" إلى آخرِ القرآنِ. وقرَأ أبو عمرٍو كلَّ ما فى القرآن مِن ذلك بفتحِ الواوِ واللامِ (^١) غيرَ هذا الحرفِ الواحدِ في سورةٍ \"نوحٍ\"، فإنه كان يَضُمُّ الواوَ منه (^٢).\nوالصوابُ من القولِ عندَنا فى ذلك أن كلَّ هذه القراءاتِ قراءاتٌ معروفةٌ، مُتقارباتُ المعانى، فبأىِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-5441\"></span>وقولُه: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾. يقولُ: ومكَروا مكرًا عظيمًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كُبَّارًا﴾. قال: عظيمًا (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ كبيرًا (^٤)، كهيئةِ قولِه: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾ (^٥) [النبأ: ٣٥].\nوالكُبَّارُ هو الكبيرُ، كما قال ابنُ زيدٍ. تقولُ العرب: أمرٌ عجيبٌ وعُجَابٌ،\n_________\n(^١) بعده فى م: \"فى\".\n(^٢) أى يَضُم الواو ويُسكن اللام، وينظر ما تقدم في ١٥/ ٦١٩.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) فى م: \"كثيرا\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٦١.","vol":"23","page":302},{"text":"بالتخفيفِ، وعُجَّابٌ بالتشديدِ، ورجلٌ حُسَانٌ وحُسَّانٌ، وجُمَالٌ وجُمَّالٌ، بالتخفيفِ والتشديدِ، وكذلك كبيرٌ وكُبَّارٌ، بالتخفيفِ والتشديدِ.\n\n<span id=\"aya-5442\"></span><span data-type='title' id=toc-9138>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن إخبارِ نوحٍ عن (^١) قومِه: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. وكان هؤلاء نفرًا من بنى آدم -فيما ذُكِر عن آلهةِ القومِ الذين (^٢) كانوا يَعْبُدونها- وكان مِن خبرِهم، فيما بلَغَنا، ما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن موسى، عن محمدِ بنِ قيسٍ: ﴿وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. قال: كانوا قومًا صالحين من بنى آدمَ، وكان لهم تُبّاعٌ يَقْتَدُون بهم، فلما ماتوا قال أصحابُهم الذين كانوا يَقْتَدُون بهم: لو صوَّرناهم كان أشوقَ (^٣) لنا إلى العبادةِ إذا ذكَرْناهم. فصوّروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون، دبَّ إليهم إبليسُ فقال: إنما كانوا يَعْبُدُونهم، وبهم يُسْقَون المطرَ. فعبَدُوهم (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرِمةَ، قال: كان بينَ آدمَ ونوحٍ عَشَرةُ قرونٍ (^٥)، كلُّهم على الإسلامِ (^٦).\nوقال آخرون: هذه أسماءُ أصنامِ قومِ نوحٍ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) فى م: \"التي\".\n(^٣) في ص: \"أسوق\".\n(^٤) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية ١/ ٢٤٨، وفي التفسير ٨/ ٢٦٢ عن المصنف.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أقرن\".\n(^٦) أخرجه ابن سعد ١/ ٤٢، ٥٣ من طريق سفيان الثورى به.","vol":"23","page":303},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. قال: كان وَدٌّ لهذا الحىِّ من كَلْبٍ بدُومَةِ الجَنْدَلِ، وكان (^١) سُوَاعٌ لهُذَيلٍ برُهَاطٍ (^٢)، وكان يَغُوثُ لبنى غُطَيفٍ من مُرَادٍ بالجَوْفِ (^٣) من سبأٍ، وكان يَعُوقُ لهَمْدانَ ببَلْخَعَ. وكان نَسْرٌ لذى كَلاعٍ من حِمْيَرٍ. قال: وكانت هذه الآلهةُ يَعْبُدُها قومُ نوحٍ، ثم اتخذَها العربُ بعد ذلك، واللهِ ما عدا خشبةً أو طينةً أو حجرًا.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. قال: كانت آلهةً يَعْبُدُها قومُ نوحٍ، ثم عَبَدتها العربُ بعدَ ذلك. قال: فكان وَدٌّ لكَلْبٍ بدُومةِ الجَنْدَلِ، وكان سُوَاعٌ لهُذَيلٍ، وكان يَغُوثُ لبنى غُطَيفٍ من مُرَادٍ بالجَوفِ (^٣)، وكان يَعُوقُ لهَمْدانَ، وكان نَسْرٌ لذى الكَلاعِ من حِمْيَرٍ (^٤).\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. قال: هذه أصنامٌ كانت تُعْبَدُ في زمانِ نوحٍ (^٥).\n_________\n(^١) فى م، ت ٢، ت ٣: \"كانت\".\n(^٢) في م: \"برياط\". ورهاط: قرية جامعة على ثلاثة أميال من مكة. معجم ما استعجم ٢/ ٦٧٨.\n(^٣) في م: \"بالجرف\". والجوف: أرض مراد باليمن ينظر معجم ما استعجم ٢/ ٤٠٤، ٤٠٥.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٢٠ عن معمر به. وأخرج البخارى (٤٩٢٠) هذا الأثر عن ابن عباس بهذا المتن.\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٦٩ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"23","page":304},{"text":"حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. قال: هذه أصنامٌ، وكانت تُعْبَدُ في زمانِ نوحٍ (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾: هي آلهةٌ كانت تكونُ باليمنِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. قال: هذه آلهتُهم التي يَعْبُدُونَ (^١).\nواختلَفت القرَأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَدًّا﴾؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ المدينةِ: (وُدًّا) بضمِّ الواوِ، وقرَأته عامةُ قرَأةِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿وَدًّا﴾ بفتحِ الواوِ (^٢).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان في قرَأةِ الأمصارِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-5443\"></span>وقولُه: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِ نوحٍ: وقد ضلَّ بعبادةِ هذه الأصنامِ التي أُحدِثت على صورِ هؤلاءِ النفرِ المسمَّيْنَ فى هذا الموضعِ كثيرٌ من الناسِ. فنسَب الضَّلالَ، إذ ضلَّ بها عابدوها، إلى أنها المُضِلَّةُ.\nوقولُه: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾. يقولُ: ولا تَزِد الظالمين أنفسَهم بكفرِهم (^٣) بآياتِنا ﴿إِلَّا ضَلَالًا﴾، إلا طبعًا على قلبِه، حتى لا يَهْتَدِى للحقِّ.\n_________\n(^١) ينظر التبيان ١٠/ ١٤١.\n(^٢) قرأ نافع وأبو جعفر بضم الواو، وقرأ الباقون بفتحها. ينظر الإتحاف ص ٢٦٢.\n(^٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كفرهم\".","vol":"23","page":305},{"text":"<span id=\"aya-5444\"></span><span data-type='title' id=toc-9139>القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ (^١) أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾: من خطيئاتِهم ﴿أُغْرِقُوا﴾.\nوالعربُ تَجْعَلُ \"ما\" صلةً فيما نُوِى به مذهبُ الجزاءِ، كما يُقالُ: أينَما تَكُنْ أَكُنْ، وحيثما تَجْلِسْ أَجْلِسْ. ومعنى الكلامِ: من خطيئاتِهم ما (^٢) أُغْرِقوا.\nوكان ابنُ زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾. قال: فبخطيئاتِهم ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾.\nوكانت الباءُ هاهنا فصلًا فى كلامِ العربِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ قولَه: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾. قال: بخطيئاتِهم أُغْرِقوا.\nواختلَفت القرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ الأمصارِ غيرَ أبي عمرٍو: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ بالهمزِ والتاءِ. وقرَأ ذلك أبو عمرٍو: (ممَّا خَطاياهُمْ) بالألفِ بغيرِ همزٍ (^٣).\nوالقولُ عندَنا أنهما قراءتان مَعْرُوفتان، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فهو مُصيبٌ.\nوقولُه: ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾: جهنمَ، ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خطاياهم\". وهما قراءتان كما سيأتى.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) ينظر النشر ٢/ ٢٩٢.","vol":"23","page":306},{"text":"تَقْتَصُّ لهم ممن فعَل ذلك بهم، ولا تَحُولُ بينَهم وبينَ ما فُعِل بهم.\n\n<span id=\"aya-5445\"></span>وقولُه: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: وقال نوحٌ ربِّ لا تَذَرْ على الأَرْضِ من الكافرين ديَّارًا] (^١). ويعنى بالدَّيَّارِ من يَدُورُ في الأرضِ، فَيَذْهَبُ ويَجِيءُ فيها، وهو فَيْعالٌ من الدورانِ \"دَيْوارًا\"، اجتمَعت الياءُ والواوُ، فسبَقت الياءُ الواوَ وهى ساكنةٌ، وأُدغِمت الواوُ فيها، وصُيِّرتا ياءً مشددةً، كما قيلَ: الحَىُّ القَيَّامُ. مِن: قُمْت، وإنما هو قَيْوَامٌ. والعربُ تقولُ: ما بها دَيَّارٌ، ولا عريبٌ، ولا دَوِّىٌّ (^٢)، ولا صافرٌ، ولا نافخُ ضَرَمةٍ (^٣). تعنى بذلك كلِّه: ما بها أحدٌ.\n\n<span id=\"aya-5446\"></span><span data-type='title' id=toc-9140>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ نوحٍ في دعائِه إياه على قومِه: إنك يا ربِّ إن تَذَرِ الكافرين أحياءً على الأرضِ، ولم تُهْلِكْهم بعذابٍ من عندِك، يُضِلُّوا عِبادَك الذين قد آمنوا بك، فيصدُّوهم عن سبيلِك، ولا يَلِدوا إلا فاجِرًا في دينِك، كَفَّارًا لنعمتِك.\nوذُكِر أن قيلَ نوحٍ هذا القولَ ودعاءَه هذا الدعاءَ، كان بعدَ أن أَوْحَى إليه ربُّه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦].\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"دبي\". والدَّوِّىُّ منسوب إلى الدَّوِّ، وهى الفلاة الواسعة، وهى أرض من أرض العرب بين البصرة واليمامة. وقولهم: ما بها دَوِّى. أى ما بها أحد ممن يسكن الدو. ينظر اللسان (د وو).\n(^٣) الضَّرَمة: النار. الوسيط (ض ر م).","vol":"23","page":307},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾: أمَا واللهِ ما دعا عليهم حتى أتاه الوحىُ من السماءِ. ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾. فعندَ ذلك دعا عليهم نبيُّ اللهِ نوحٌ فقال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾، ثم دعا دعوةً عامةً فقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. إلى قولِه: ﴿تَبَارًا﴾.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا قتادةُ: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾. ثم ذكَر نحوَه (^١).\n\n<span id=\"aya-5447\"></span>وقولُه: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾. يقولُ: ربِّ اعفُ عنى، واستُرْ علىَّ ذُنوبي وعلى والدىَّ، ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾. يقولُ: ولمن دخَل مسجِدِى ومُصلاىَ مُصَلِّيًا، ﴿مُؤْمِنًا﴾. يقولُ: مصدِّقًا بواجبِ فرضِك عليه.\nوبنحوِ الذي قلنا فى معنى قولِه: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى سِنانٍ، [عن ثابتٍ] (^٢)، عن الضحاكِ: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾. قال: مسجِدِى (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ (^٤)، عن أبي سِنانٍ سعيدٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٢٠ عن معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: م. وثابت هو ابن جابان. تنظر ترجمته في الجرح والتعديل ٢/ ٤٥٠.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٦٤. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٠ إلى ابن المنذر.\n(^٤) بعده في النسخ: \"عن أبي سلمة\". وينظر ما تقدم في ١٣/ ٢١٢، ٢١٦، ٢١٧، ١٩/ ٥٩٠.","vol":"23","page":308},{"text":"الضحاكِ مثلَه.\nوقولُه: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. يقولُ: وللمُصَدِّقين بتوحيدِك والمصدِّقاتِ.\nوقولُه: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾. يقولُ: ولا تَزِدِ الظالمين أنفسَهم بكفرِهم إلا خسارًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا تَبَارًا﴾. قال: خسارًا (^١).\nوقد بيَّنتُ معنى قولِ القائلِ: تَبَرتُ. فيما مضَى بشواهدِه وذكْرِ أقوالِ أهلِ التأويلِ فيه، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: قال معمرٌ: ثنا الأعمشُ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يَضْرِبون نوحًا حتى يُغْشَى عليه، فإذا أفاق قال: ربِّ اغْفِرْ لقومى فإنهم لا يَعْلَمون (^٣).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"نوحٍ\" ﷺ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٦٤. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ينظر ما تقدم فى ١٠/ ٤١١، ٤١٢، ١٤/ ٥٠٤، ٥٠٥.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٢٠ عن معمر به.","vol":"23","page":309},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9141>تفسيرُ سورةِ الجنِّ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5448\"></span><span data-type='title' id=toc-9142>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا </span>(٣)﴾.\nيقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ: أَوحَى اللهُ إلىَّ ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ هذا القرآنَ، ﴿فَقَالُوا﴾ لقومِهم لما سمِعوه:\n\n<span id=\"aya-5449\"></span>﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾. يقولُ: يدُلُّ على الحقِّ وسبيلِ الصوابِ، ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾. يقولُ: [فصدَّقنا به] (^١)، ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ من خلقِه.\nوكان سببُ استماعِ هؤلاء النفرِ مِن الجنِّ القرآنَ، كما حدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنا أبو هشامٍ، يعنى المخزومىَّ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بِشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: ما قرَأ رسولُ اللهِ ﷺ على الجنِّ ولا رآهم، انطلَق رسولُ اللهِ ﷺ في نفرٍ من أصحابِه، عامِدين إلى سوقِ عُكاظٍ. قال: وقد حِيلَ بينَ الشياطينِ وبينَ خَبَرِ السماءِ، وأُرسِلت عليهم الشهُبُ، [فرجَعت الشياطيُن إلى قومِهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حِيلَ بيننا وبينَ خبرِ السماءِ، وأُرسِلت علينا الشهُبُ] (^٢). فقالوا: ما حال بينَكم وبينَ خبرِ السماءِ إلا شيءٌ حدَث. قال: فانطلِقوا فاضرِبوا (^٣) مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، فانظُروا ما هذا الذي حدَث.\n_________\n(^١) في م: \"فصدقناه\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يضربون\".","vol":"23","page":310},{"text":"قال: فانطلَقوا يَضْرِبون مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، يَتَتبَّعون ما هذا الذي حالَ بينَهم وبينَ خبرِ السماءِ. قال: فانطلَق النفرُ الذين توجَّهوا نحوَ تِهامةَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ بنخلةَ (^١)، وهو عامدٌ إلى سوقِ عُكاظٍ، وهو يُصَلِّى بأصحابِه صلاةَ الفجرِ. قال: فلما سمِعوا القرآنَ استمَعوا له، فقالوا: هذا واللهِ الذي حال بينَكم وبينَ خبرِ السماءِ. قال: فهنالِك (*) حينَ رجَعوا إلى قومِهم فقالوا: يا قومَنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾. قال: فأنزَل اللهُ إلى (^٢) نبيِّه ﷺ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾، وإنما أوحَى إليه قولَ الجنِّ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ (^٤) قال: قدِم رهطُ زَوْبَعةَ وأصحابُه مكةَ على النبيِّ ﷺ، فسمِعوا قراءةَ النبيِّ ﷺ ثم انصرَفوا، فذلك قولُه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف: ٢٩]. قال: كانوا تسعةً فيهم زَوْبَعةُ (^٥).\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾. هو قولُ اللهِ:\n_________\n(^١) نخلة: موضع على ليلة من مكة وهى التى ينسب إليها بطن نخلة. معجم ما استعجم ٤/ ١٣٠٤.\n(*) إلى هنا ينتهى الخرم فى الأصل، المشار إليه ص ١١٣.\n(^٢) فى م: \"على\".\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ١٢٩ (٢٢٧١)، والبخارى، (٧٧٣، ٤٩٢١)، ومسلم (٤٤٩)، والترمذى (٣٣٢٣)، والنسائى فى الكبرى (١١٦٢٤)، وأبو يعلى (٢٣٦٩)، وابن حبان (٦٥٢٦)، والطبراني (١٢٤٤٩)، والحاكم ٢/ ٥٠٣، والبيهقى فى الدلائل ٢/ ٢٢٥، ٢٢٦ من طرق عن أبي عوانة به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٢٧٠ إلى أبي نعيم فى الدلائل وابن مردويه وابن المنذر وعبد بن حميد.\n(^٤) فى م: \"ورقاء\"، وفي ت ٢: \"ذر\".\n(^٥) تقدم تخريجه مختصرًا ٢١/ ١٦٥.","vol":"23","page":311},{"text":"﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾. لم تُحرَسِ السماءُ في الفترةِ بينَ عيسى ومحمدٍ، فلما بعَث اللهُ محمدًا ﷺ حُرِست السماءُ الدنيا، ورُمِيت الشياطينُ بالشُّهُبِ، فقال إبليسُ: لقد حدَث في الأرضِ حَدَثٌ. فأمَر الجنَّ فتفرَّقت في الأرضِ لتأتيَه بخبرِ ما حدَث، فكان أولُ مَن بَعَث نفرًا مَن أهلِ نَصِيبين، وهى أرضٌ باليمنِ، وهم أشرافُ الجنِّ وساداتُهم، فبعثهم إلى تِهامةَ وما يلى اليمنَ، فمضَى أولئك النفرُ، فأتَوا على الوادى وادِى نخلةَ، وهو من الوادِى مَسيرةَ ليلتَيْنِ، فوجَدوا به نبيَّ اللهِ ﷺ يُصَلِّى صلاةَ الغداةِ، فسمِعوه يَتْلُو القرآنَ، ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ﴾، يعني: فُرِغ مِن الصلاةِ، ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]. يقول (^١): مؤمِنين. لم يَعْلَمْ بهم رسولُ اللهِ ﷺ، ولم يَشْعُرْ أنه صُرِف إليه أحدٌ، حتى أنزَلَ اللهُ عليه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾.\n\n<span id=\"aya-5450\"></span>وقولُه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فآمنا به ولن نُشْرِكَ بربِّنا أحدًا، وآمَنا بأنه تعالى أمْرُ ربِّنا وسلطانُه وقدرتُه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. يقولُ: فعلُه وأمرُه وقدرتُه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن\n_________\n(^١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يعني\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في الإتقان ٢/ ٥٠ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧١ إلى ابن المنذر.","vol":"23","page":312},{"text":"أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. يقولُ: تعالى أمرُ ربِّنا.\nحدَّثنا محمدُ بن بشارٍ ومحمدُ بنُ المثنَّى، قالا: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ في هذه الآيةِ: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. يقولُ: أمرُ رَبِّنا (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ (^٢)، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن السدىِّ: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: أمرُ ربِّنا (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾. قال: تعالى أمرُه أن يَتَّخِذَ -ولا يكُونُ الذى قالوا- صاحبةً أو (^٤) ولدًا، وقرَأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [حتى ختَمَها] (^٥) [الإخلاص: ١، ٢]. قال: لا يَكُونُ ذلك منه.\nوقال آخرون: عُنِى بذلك جلالُ ربِّنا وذكرُه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قال عكرِمةُ في قولِه تعالى: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: جلالُ ربِّنا (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمارة، قال: ثنى خالدُ بن يزيدَ، قال: ثنا أبو إسرائيلَ، عن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٢١ عن معمر عن قتادة.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عبد الرحمن\"، وفى م: \"بشار قال ثنا عبد الرحمن\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٦٥.\n(^٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ولا\".\n(^٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٢١ عن المعتمر بن سليمان به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٢٧١ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":313},{"text":"فضيلٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: جلالُ رَبِّنا (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيمِيِّ، قال: قال عكرمةُ: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾: جلالُ ربِّنا (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. أى: تعالى جلالُه وعظمتُه وأمرُه.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: تعالى أمرُ ربِّنا؛ تعالَت عظمتُه (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك (^٤): غِنَى ربِّنا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قال الحسنُ فى قولِه: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: غِنَى ربِّنا (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيميِّ، عن الحسنِ: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: غِنَى ربِّنا (^٦).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٦٥.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٢١ من طريق سليمان التيمي به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٢١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١: \"تعالى\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٢١ عن المعتمر بن سليمان به.\n(^٦) أخرجه عبد بن حميد -كما في تغليق التعليق ٢/ ٣٣٥ - من طريق سفيان به. وهو في تفسير مجاهد ص ٦٧٧ من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن.","vol":"23","page":314},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسن في قولِه: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: غِنَى ربِّنا (^١)\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن سليمانَ التيميِّ، عن الحسنِ وعكرِمةَ في قولِه: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال أحدُهما: غِناه. وقال الآخر: عظمتُه.\nوقال آخرون: عُنِى بذلك الجَدُّ الذى هو أبو الأبِ. وقالوا: ذلك كان [جَهْلَةً من كلامِ الجنِّ] (^٢).\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثني أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبى سارةَ، عن أبيه، عن أبي جعفرٍ: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: كان كلامًا (^٣) من جهلةِ الجنِّ (^٤).\nوقال آخرون: عُنِى بذلك ذِكْرُه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ قال: ذِكْرُه (^٥).\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى به: تعالَت عظمةُ ربِّنا وقدرتُه وسلطانُه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في فتح البارى ٢/ ٣٣٣ - من طريق أبي رجاء به.\n(^٢) فى م: \"من كلام جهلة الجن\". وفى ت ٢: \"جهل من كلام الجن\".\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كلام\".\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ٨.\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"23","page":315},{"text":"وإنما قلْنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن للجَدِّ فى كلامِ العربِ معنَيَيْنِ؛ أحدُهما: الجَدُّ الذى هو أبو الأبِ أو (^١) أبو الأمِّ، وذلك غيرُ جائزٍ أن يُوصَفَ به هؤلاء النفَرُ، الذين وصَفهم اللهُ بهذه الصفةِ، وذلك أنهم قد قالوا: ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾. ومَن وصَف اللهَ بأن له والدًا (^٢) أو جَدًّا، و(^٣) هو أبو الأبِ أو أبو الأمِّ، فلا شكَّ أنه مِن المشرِكين. والمعنى الآخرُ: الجَدُّ الذى هو (^٤) بمعنى الحَظِّ؛ يُقالُ: فلانٌ ذو جَدٍّ في هذا الأمرِ. إذا كان له حظٌّ فيه، وهو الذي يُقالُ له بالفارسيةِ: البَخْتُ. وهذا المعنى الذى قصَده هؤلاء النفَرُ مِن الجِنِّ بقيلِهم: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. إن شاء اللهُ، وإنما عَنَوا أن حَظْوتَه من المُلكِ والسلطانِ والقدرةِ والعظمةِ عاليةٌ، فلا تكونُ له صاحبةٌ ولا ولدٌ؛ لأن الصاحبةَ إنما تكونُ للضعيفِ العاجِزِ، الذى تَضْطَرُّه الشهوةُ الباعثةُ إلى اتخاذِها له (^٥)، وأن الولدَ إنما يكونُ عن شهوةٍ أزعَجته إلى البِضاعِ (^٦) الذى يحدُثُ منه الولدُ؛ فقال النفَرُ مِن الجنِّ: علا مُلكُ ربِّنا وسُلطانُه وقدرتُه وعظمتُه أن يكونَ ضعيفًا ضَعْفَ خلقِه الذين تَضْطَرُّهم الشهوةُ إلى اتخاذِ (^٧) صاحبةٍ، أو وِقاعِ شيءٍ يكونُ منه ولدٌ.\nوقد بيَّن عن صحةِ ما قُلْنا فى ذلك إخبارُ الله عنهم أنهم [قالوا: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾، فأخبر جلَّ ثناؤه أنهم] (^٨) إنما نزَّهوا اللهَ عن اتخاذِ الصاحبةِ والولدِ\n_________\n(^١) في الأصل: \"و\".\n(^٢) في م: \"ولدًا\"\n(^٣) سقط من: ت ١، ت ٢.\n(^٤) سقط من: الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في م: \"الوقاع\". والبِضاع: المجامعة. التاج (ب ض ع).\n(^٧) في ت ٢، ت ٣: \"إيجاد\".\n(^٨) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"23","page":316},{"text":"بقولِه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾. يُقال منه: رجُلٌ جَدِّىٌّ وجديدٌ ومَجْدودٌ. أى: ذو حظٍّ فيما هو فيه؛ ومنه قولُ حاتمٍ الطائيِّ (^١):\nاغْزُوا بَنى ثُعَلٍ فَالغَزْوُ جَدُّكُمُ … عُدُّوا الرَّوايا (^٢) ولا تبْكُوا لمن قُتِلا (^٣)\nوقال آخرُ (^٤):\nترَفَّعَ (^٥) جَدُّك إني امرؤٌ … سَقَتْني إليك الأعادى سِجَالا\nوقولُه: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً﴾ يعنى زوجةً ﴿وَلَا وَلَدًا﴾.\nواختلَفت القرَأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى﴾. فقرَأ ذلك أبو جعفرٍ القارئُ وستةَ أحرفٍ أُخرَ بالفتحِ، منها: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ﴾، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾، ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ (^٦). وكان نافعٌ يَكْسِرُها كلَّها (^٧) إلا ثلاثةَ أحرفٍ؛ أحدُها: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾، والثاني: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾، والثالثُ: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ (^٨). وأما قرَأةُ الكوفةِ غيرَ عاصمٍ،\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢٠٢.\n(^٢) فى م: \"الروابي\".\n(^٣) في الديوان: \"نكلا\".\n(^٤) البيت للحطيئة في ديوانه ص ٢٢٢ بلفظ: \"أعوذ بجدك إني امرؤ. . . .\".\n(^٥) في ص: \"ىرقع\"، وفى م، ت ٢: \"يرفع\"، وفى ت ١: \"توقع\".\n(^٦) قراءة أبي جعفر بفتح الهمزة في خمسة مواضع فقط وهى قوله تعالى: ﴿أنه استمع﴾، وقوله: ﴿وأنه تعالى﴾، وقوله: ﴿وأنه كان يقول﴾. وقوله: ﴿وأنه كان رجال﴾. وقوله: ﴿وأن المساجد﴾، وبقية المواضع يقرؤها بالكسر، وينظر النشر ٢/ ٢٩٣، والإتحاف ص ٢٦٣.\n(^٧) سقط من: م.\n(^٨) قراءة نافع هي بكسر الهمزة في المواضع كلها إلا موضعين وهما ﴿أنه استمع﴾. وقوله: ﴿وأن المساجد﴾. ينظر المصدران السابقان.","vol":"23","page":317},{"text":"فإنهم يَفْتَحون جميعَ ما في آخِر سورةِ \"النَّجْمِ\" وأوَّلِ سورةِ \"الجنِّ\"، إلا قولَه: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا﴾، وقولَه: (قال (^١) إنَّما أدعو ربي). وما بعدَه إلى آخرِ السورةِ، فإنهم يَكْسِرُون ذلك غيرَ قولِه: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾. وأما عاصمٌ فإنه كان يَكْسِرُ جميعَها إلا قولَه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾. فإنه كان يَفْتَحُها (^٢)، وأما أبو عمرٍو فإنه كان يَكْسِرُ جميعَها [مِن أولِها إلى] (^٣) قولِه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾. فإنه كان يَفْتَحُ هذه وما بعدَها (^٤). فأما الذين فتَحوا جميعَها إلا في موضعِ القولِ كقولِه: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا﴾. وقوله: (قال إنَّما أدْعُو رَبِّى)، ونحوِ ذلك، فإنهم عطَفوا \"أنَّ\" فى كلِّ السورةِ على قولِه: ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾، وآمنَّا بكلِّ ذلك. ففتَحوها بوقوعِ الإيمانِ عليها. وكان الفرَّاءُ يقولُ (^٥): لا يَمنَعْك (^٦) أن تجدَ الإيمانَ يَقْبُحُ (^٧) في بعض ذلك -مِن الفتحِ، وإنَّ الذي [يَقْبُحُ مِن] (^٨) ظهورِ الإيمانِ قد يَحْسُنُ (^٩) فيه فعلٌ مضارعٌ للإيمانِ يُوجِبُ (^١٠) فتحَ \"أنَّ\"، كما قالتِ العربُ (^١١):\n_________\n(^١) قراءة (قال) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر والكسائي ويعقوب وخلف، وقراءة ﴿قل﴾ بغير ألف هي قراءة أبي جعفر وعاصم وحمزة. وينظر المصدران السابقان.\n(^٢) قراءة الفتح فى جميع المواضع هى قراءة ابن عامر وحمزة والكسائى وخلف وعاصم في رواية حفص. المصدران السابقان.\n(^٣) في م، ت ١: \"إلا\"، وفى ص، ت ٢، ت ٣: \"إلى\".\n(^٤) قراءة أبي عمرو بالكسر في جميع المواضع إلا موضعين وهما: ﴿أنه استمع﴾، ﴿وأن المساجد﴾. المصدران السابقان.\n(^٥) معانى القرآن للفراء ٣/ ١٩١.\n(^٦) فى ص، م، ت ٢، ت ٣: \"يمنعنك\".\n(^٧) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بفتح\".\n(^٨) في الأصل، ت ١، ت ٣: \"يفتح من\"، وفى ت ٢: \"بفتح من\".\n(^٩) في الأصل: \"يحصل\".\n(^١٠) في م: \"فوجب\".\n(^١١) تقدم فى ٢٢/ ٣٠١.","vol":"23","page":318},{"text":"إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يومًا … وزَجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيونا\nفنصَب العيونَ لإتْباعِها الحواجبَ، وهى لا تُزَجَّجُ، وإنما تُكْحَلُ، فَأَضْمَر لها الكَحْلَ، [كذلك يُضْمَرُ] (^١) في الموضع الذى لا يَحْسُنُ فيه \"آمنَّا\": \"صدَّقْنا\"، و\"أُلْهِمنا\"، و\"شهِدنا\" (^٢). قال: ويُقَوِّى (^٣) النصْبَ قولُه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾. فينبَغِى لمن كسَر أَنْ يَحذِفَ \"أن\" مِن \"لو\"؛ لأنَّ \"إِنَّ\" إذا خُفِّفَت لم تكن في (^٤) حكايةٍ، ألا تَرَى أنك تقولُ: أقولُ (^٥) لو فعَلتَ لفعَلتُ. ولا تُدْخِلُ \"أنْ\". وأما الذين [كسَروا كلَّها] (^٦) وهم في ذلك يقولون: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾. فكأَنَّهم أَضْمَروا يمينًا مع \"لو\"، وقطَعوها عن النَّسَقِ على أوَّلِ الكلامِ، فقالوا: واللهِ أنْ لو اسْتَقاموا. قال: والعربُ تُدْخِلُ \"أنْ\" فى هذا الموضعِ مع اليمينِ وتحذِفُها، قال الشاعرُ (^٧):\nفأُقْسِمُ لو شيءٌ أتانا رَسُولُه … سِواكَ ولَكِنْ لم نَجِدْ لَكَ مَدْفَعَا\n[قال: وأنشَدني] (^٨) آخَرُ (^٩):\nأما واللهِ أنْ لو كنتَ حُرًّا … وما بالحُرِّ أنتَ ولا العَتِيقِ\nفأَدْخَل \"أنْ\". ومن كسَر كلَّها ونصَب: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾. فإنه خصَّ\n_________\n(^١) في الأصل: \"كما تضمر\".\n(^٢) في الأصل: \"سددنا\".\n(^٣) في ص، م: \"بقول\"، وفى ت ١، ت ٣: \"يقول\"، وفي ت ٢: \"تقول\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) سقط من: الأصل.\n(^٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كسروها كلها\"، وفى م: \"كسروها كلهم\".\n(^٧) تقدم في ١٢/ ٣٦٢، ١٣/ ٥٣٣.\n(^٨) في ص، ت ٢، ت ٣: \"قالوا وأنشدني\"، وفى م: \"قالوا وأنشدنا\".\n(^٩) البيت ذكره الفراء في معانى القرآن ٢/ ٤٤، ٣/ ١٩٢، وينظر خزانة الأدب ٤/ ١٤١، ١٤٣ - ١٤٥.","vol":"23","page":319},{"text":"ذلك بالوَحْيِ (^١)، وجعَل: ﴿وَأَلَّوِ﴾ مضمرةً فيها اليمينُ على ما وصَفْتُ. وأما نافعٌ فإنَّ (^٢) ما فتَح مِن ذلك، فإنه ردَّه على قولِه: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ﴾. وما كسَره فإنه جعَله مِن قولِ الجنِّ. وأحبُّ ذلك إلىَّ أن أقرَأَ به الفتحُ فيما كان وحيًا، والكسرُ فيما كان مِن قولِ الجنِّ؛ لأنَّ ذلك أفصحُها فى العربيةِ، وأبْيَنُها في المعنى، وإن كان للقراءاتِ الأُخَرِ وجوهٌ غيرُ مدفوعةٍ صحتُها.\n\n<span id=\"aya-5451\"></span><span data-type='title' id=toc-9143>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ ﷿ مخبرًا عن قيلِ النفَرِ مِن الجنِّ الذين استمَعوا القرآن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾: وهو إبليسُ (^٣).\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال بعضُ أهل التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾. وهو إبليسُ.\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن رجلٍ من المكيِّين، عن مجاهدٍ: ﴿سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾. قال: هو إبليسُ. ثم قال سفيانُ: سمِعتُ أَنَّ الرجلَ إذا سجَد جلَس إبليسُ يَبكى يقولُ: يا ويلَه، أُمِر بالسجودِ فعصَى، فله النارُ،\n_________\n(^١) في الأصل: \"الوحى\".\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فإنه\".\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ٩، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٦٦.","vol":"23","page":320},{"text":"وأُمِر ابنُ آدمَ بالسجودِ فسجَد، فله الجنةُ (^١).\nحدَّثنى ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا قتادةُ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. فقال: عصاه واللهِ سفيهُ الجنِّ، كما عصاه [سفيهُ الإنسِ] (^٢).\nوأما الشَّطَطُ مِن القولِ، فإنه ما كان تعدِّيًا (^٣).\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾. قال: ظُلْمًا كبيرًا (^٤).\n\n<span id=\"aya-5452\"></span>وقولُه: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. يقولُ: قالوا: وأنَّا حَسِبْنا (^٥) أن لن تقولَ بنو آدمَ والجنُّ على اللهِ كذبًا من القولِ. والظنُّ [في هذا الموضعِ] (^٦) بمعنى الشكِّ، وإنما أنكَر هؤلاء النفرُ مِن الجنِّ أن تكونَ عَلِمَت أن [يكونَ أحدٌ] (^٧) يَجْتِرئُ على الكذبِ على اللهِ لمَّا سمِعَت القرآنَ؛ لأنهم قبلَ أن يَسمعوه،\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، مختصرًا من غير ذكر قول سفيان.\n(^٢) سقط من: الأصل. والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢١ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"بعدها\".\n(^٤) سقط من: م، وفى الأصل: \"كثيرًا\". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٦٦.\n(^٥) فى ص، م، ت ٢، ت ٣: \"خشينا\".\n(^٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هاهنا\"\n(^٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أحدًا\".","vol":"23","page":321},{"text":"وقبلَ أنْ يعلموا تكذيبَ اللهِ الزاعمين أن للهِ صاحبةً وولدًا وغيرَ ذلك من معانى الكفرِ -كانوا يَحْسَبون أنَّ إبليسَ صادقٌ فيما يَدْعو بني آدمَ إليه من صنوفِ الكفرِ، فلما سمِعوا القرآنَ أَيقَنُوا أنه كان كاذبًا فى كلِّ ذلك؛ فلذلك قالوا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾. فسمَّوه سفيهًا.\n\n<span id=\"aya-5453\"></span>وقولُه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ هؤلاءِ النفرِ: وأنه كان رجالٌ من الإنسِ يَسْتَجِيرون برجالٍ مِن الجنِّ في أسفارِهم إذا نزَلوا منازلَهم. وكان ذلك من فعلِهم فيما ذُكِر لنا، كالذى حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كان رجالٌ مِن الإِنسِ يَبِيتُ (١) أحدُهم بالوادِى في الجاهليةِ، فيقولُ: أَعوذُ بعزيزِ هذا (^٢) الوادِى. فزادهم ذلك إثمًا (^٣).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عَوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كان الرجلُ منهم إذا نزَل الوادىَ فبات به، قال: أعوذُ بعزيزِ هذا الوادى من شرِّ سفهاءِ قومِه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ [فى قولِه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ (^٥) رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كانوا إذا نزَلوا الوادىَ قالوا: نعوذُ بسيِّدِ هذا الوادى من شرِّ ما فيه. فتقولُ الجنُّ: ما نمْلِكُ لكم ولا\n_________\nفي الأصل: \"يثبت\".\n(^٢) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٢ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"23","page":322},{"text":"لأنفسِنا ضرًّا ولا نفعًا (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كانوا في الجاهليةِ إذا نزَلوا بالوادى قالوا: نعوذُ بسيِّدِ هذا الوادِى [مِن شرِّ ما فيه] (^٢). فيقولُ الجنِّيُّون: تَتَعوَّذون بنا ولا نَمْلِكُ لأنفسِنا ضرًّا ولا نفعًا!\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كانوا يقولون إذا هبَطوا واديًا: نعوذُ بعظماءِ هذا الوادِى (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾. ذُكِر لنا أنَّ هذا الحىَّ مِن العربِ كانوا إذا نزَلوا بوادٍ قالوا: نعوذُ بأعزِّ أهلِ هذا المكانِ. قال اللهُ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. أى: إثمًا، وازْدادتِ الجنُّ عليهم بذلك جرأةً (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾: كانوا في الجاهليةِ إذا نزَلوا مَنْزِلًا يقولون: نعوذُ بأعزِّ أهلِ هذا المكانِ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٢١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":323},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كانوا يقولون: فلانٌ مِن الجنِّ ربُّ هذا الوادى. فكان أحدُهم إذا دخل الوادى يعوذُ بربِّ ذلك (^١) الوادِى من دونِ اللهِ، قال: [فيزدهم ذلك] (^٢) رَهَقًا، وهو الفَرَقُ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. قال: كان الرجلُ في الجاهليةِ إذا نزَل بوادٍ قَبلَ الإسلامِ قال: إنى أعوذُ بكبيرِ هذا الوادِى. فلما جاء الإسلامُ عاذوا باللهِ، وترَكوهم.\nوقولُه: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فزاد الإنسُ الجنَّ باستعاذتِهم بعزيزِهم، جُرأةً عليهم، وازدادوا هم (^٤) بذلك إثمًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. فزادَهم ذلك إثمًا (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال اللهُ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. أى: إثمًا، وازْدادتِ الجنُّ عليهم بذلك جُرْأةً.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) فى م: \"فيزيده بذلك\".\n(^٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٢ إلى المصنف وابن مردويه.","vol":"23","page":324},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. يقولُ: خطيئةً (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. قال: فيزدادون عليهم جُرأةٌ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. قال: ازدادوا عليهم جُرأةً.\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك أنَّ الكفارَ ازدادوا (^٣) بذلك طغيانًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. قال: زاد الكفارُ طغيانًا (^٤).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك: فزادوهم فَرَقًا.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع بن أنسٍ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. قال: فيزيدُهم ذلك رهقًا، وهو الفَرَقُ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ت ١: \"جرة\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"حسرة\". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٦٦.\n(^٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"زادوا\".\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) تقدم في الصفحة السابقة.","vol":"23","page":325},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. قال: زادهم الجنُّ خوفًا (^١).\nوأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: فزاد الإنسُ الجنَّ بفعلِهم ذلك إثمًا، وذلك أنهم (^٢) زادوهم (^٣) استحلالًا لمحارمِ اللهِ. والرَّهَقُ في كلامِ العربِ: الإثمُ وغِشْيانُ المحارمِ، ومنه قولُ الأعشى (^٤):\nلا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دونِ رُؤْيَتِها … هَلْ يَشْتَفِي وَامِقٌ (^٥) مَا لَم يُصِبْ رَهَقَا\nيقول: ما لم يغْشَ محرَّمًا.\n\n<span id=\"aya-5454\"></span><span data-type='title' id=toc-9144>القولُ في تأويل قولِه ﷿: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ هؤلاءِ النفرِ مِن الجنِّ: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)﴾. يعنى أنَّ الرجالَ من الجنِّ ظنُّوا كما ظنَّ الرجالُ من الإنسِ أنْ لن يَبْعَثَ اللهُ أحدًا رسولًا إلى خَلْقِه، يدعوهم إلى توحيدِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن الكلْبيِّ: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ١٠، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٦٦.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٣: \"به\".\n(^٤) البيت في ديوانه ص ٣٦٥.\n(^٥) الوِماق: محبة لغير رِيبة. اللسان (وم ق).","vol":"23","page":326},{"text":"ظَنَنْتُمْ﴾: ظَنَّ كفارُ الجنِّ كما ظنَّ كفرةُ الإنسِ أنْ لن يبعثَ اللهُ رسولًا (^١).\n\n<span id=\"aya-5455\"></span>وقولُه: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾. يقولُ ﷿ مخبرًا عن قيلِ هؤلاء النفرِ: وأنا طَلَبْنا السماءَ وأركانَها (^٢)، ﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ﴾. يقولُ: فوجَدْناها قد (^٣) مُلِئَتْ ﴿حَرَسًا شَدِيدًا﴾. يعني حفظةً (^٤)، ﴿وَشُهُبًا﴾. وهى جمعُ شِهابٍ، وهى النُّجومُ التى كانت تُرْجَمُ بها الشياطينُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن زيادٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قال: كانت الجنُّ تستمِع، فلما رُجِموا قالوا: إنَّ هذا الذي حدَث في السماءِ لشيءٍ حدَث في الأرضِ. قال: فذهبوا يَطْلُبون حتى رأَوْا النبيَّ ﷺ خارجًا من سوقِ عُكاظٍ يُصلى بأصحابِه الفجرَ، فذهَبوا إلى قومِهم مُنْذِرِينَ (^٥).\n\n<span id=\"aya-5456\"></span><span data-type='title' id=toc-9145>القولُ في تأويل قولِه: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قالوا: وأنا، معشرَ الجنِّ، كنا\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره، ١٩/ ١١، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٦٧.\n(^٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أردناها\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في الأصل: \"حفظها\".\n(^٥) تقدم في ٢١/ ١٦٣.","vol":"23","page":327},{"text":"نقعُدُ مِن السماءِ مقاعدَ نَستَمِعُ (^١) ما يحدُثُ وما يكونُ فيها، ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ﴾ فيها منا ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾. يعني: شِهابَ نارٍ قد رُصِد له (^٢).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾. إلى قولِه: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾. كانتِ الجنُّ تسمعُ (^٣) سَمْعَ السماءِ، فلما بعَث اللهُ نبيَّه محمدًا ﷺ، حُرِست السماءُ، ومُنِعوا ذلك، فتفقَّدَتِ الجنُّ ذلك مِن أنفسِها، وذُكر لنا أنَّ أشرافَ الجنِّ كانوا بنَصِيبِينَ، فطَلَبُوا ذلك، [وضرَبوا إليه] (^٤)، حتى سقطُوا على نبيِّ اللهِ ﷺ وهو يُصلى بأصحابِه عامدًا إلى عُكاظٍ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ حتى بلغ: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾. فلما وجَدوا ذلك رجَعوا إلى إبليسَ، فقالوا: مُنِع منَّا السَّمْعُ. فقال لهم: فإن السماءَ لم تُحْرَثْ قطُّ إلا على أَحدِ أَمرَين: إما لعذابٍ يُريد اللهُ أَن يُنْزِلَه على أهلِ الأرضِ بغتةً، وإما نبىٍّ مرشِدٍ مُرسَلٍ (^٦). قال: فذلك قولُ اللهِ: ﴿وَأَنَّا لَا\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"نسمع\"، وفي م: \"لنسمع\".\n(^٢) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"به\".\n(^٣) في الأصل: \"تستمع\".\n(^٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"وضربوا له\"، وفى الدر المنثور: \"وصوبوا النظر\".\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٢، ٢٧٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مصلح\".","vol":"23","page":328},{"text":"نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾.\n\n<span id=\"aya-5457\"></span>وقولُه: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ هؤلاء النفرِ مِن الجنِّ: وأنا لا نَدْرِى أعذابًا أراد اللهُ أنْ يُنْزِلَه بأهلِ الأرضِ، بمنعِه إيَّانا السَّمْعَ مِن السماءِ، ورجْمِه مَن اسْتَمَعَ منَّا فيها بالشُّهُبِ، ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾. يقولُ: أم أراد بهم ربُّهم الهُدَى بأن يَبْعَثَ فيهم (^١) رسولًا مُرْشِدًا يُرْشِدُهم إلى الحقِّ.\nوهذا التأويلُ على التأويلِ الذي ذكَرْناه عن ابنِ زيدٍ قبلُ.\nوذُكِر عن الكَلْبيِّ فى ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، [قال: ثنا سعيدٌ] (^٢)، عن الكلْبىِّ فى قولِه: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾؛ أن يُطِيعُوا هذا الرسولَ فيُرشدهم أو يَعصوه فيُهلكهم.\nوإنما قلنا القولَ الأوَّلَ لأنَّ قولَه: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. عقيبُ قولِه: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ الآية، فكان ذلك بأن يكونَ مِن تمامِ قصةِ ما وَلِيَه وقَرُب منه أولَى (^٣) بأن يكونَ مِن تمامِ خبرِ ما [بَعُدَ منه] (^٤).\n\n<span id=\"aya-5458\"></span><span data-type='title' id=toc-9146>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا\n_________\n(^١) في م: \"منهم\".\n(^٢) سقط من النسخ؛ وقد تقدم على الصواب ص ٣٢٦.\n(^٣) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منه\".\n(^٤) فى م، ت ١: \"بعد عنه\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"تقدمه\".","vol":"23","page":329},{"text":"الصَّالِحُونَ﴾. وهم المسلمون العاملون بطاعةِ اللهِ، ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾. يقولُ: ومنا دونَ الصالحين، ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾. يقولُ: قالوا (^١): كنا أهواءً مُخْتَلِفةً، وفِرَقًا شتَّى، منا المؤمنُ والكافرُ. والطرائِقُ: جمعُ طريقةٍ، وهي طريقةُ الرجلِ ومذهبُه. والقِدَدُ: جمعُ قِدَّةٍ، وهى الضروبُ والأجناسُ المختلفةُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ الرازىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، في قولِه: ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾. يقولُ: أهواءً مُخْتلِفَةً.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾. يقولُ: أهواءً شتَّى، منا المسلمُ، ومنا المشركُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾. قال: كان القومُ على أهواءٍ شتَّى.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾. قال: أهواءً مُختَلِفةً (^٣).\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"وأنا\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: م، والأثر أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٢٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":330},{"text":"حدَّثني [محمدُ بنُ عمرٍو] (^١)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ؛ جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾. قال: مسلمين وكافرين (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾. قال: شتَّى، مؤمنٌ وكافرٌ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾. قال: صالحٌ وكافرٌ. وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾.\n\n<span id=\"aya-5459\"></span>وقولُه: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: وأنا عَلِمْنا أَنْ لنْ نُعْجِزَ اللهَ فى الأرضِ إن أراد بنا سُوءًا، ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ إِن طَلَبَنا فنفوتَه. وإنما وصَفوا اللهَ بالقدرةِ عليهم حيثُ كانوا.\n\n<span id=\"aya-5460\"></span>﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾. يقولُ: قالوا: وأنَّا لمَّا سمِعْنا القرآنَ الذي [هدانا اللهُ به] (^٣) إلى الطريقِ المستقيمِ ﴿آمَنَّا بِهِ﴾. يقولُ: صدَّقنا به، وأَقْرَرْنا أَنَّه حقٌّ مِن عندِ اللهِ، ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾. يقولُ: فمن يُصدِّقْ بربِه ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا﴾. يقولُ: فلا يخافُ أَنْ يُنْقَصَ مِن حسناتِه، فلا يُجازَى عليها، ﴿وَلَا رَهَقًا﴾: ولا إثمًا يُحْمَلُ عليه مِن سيئاتِ غيرِه، أو سيئةً لم (^٤) يعملْها.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبو عمرو\"، وفى م: \"ابن عمرو\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يهدى\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"23","page":331},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾. يقولُ: لا يخافُ نَقْصًا من حسناتِه، ولا زيادةً في سيئاتِه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾. يقولُ: فلا يخافُ أن يُنقَصَ (^٢) مِن عملِه شيئًا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا﴾. أى: ظُلمًا؛ أنْ يُظْلَمَ مِن حسناتِه فيُنْقَصَ منها شيئًا، أو يُحْمَلَ عليه ذنبُ غيرِه، ﴿وَلَا رَهَقًا﴾: ولا مأثمًا (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾. قال: لا يخافُ أنْ يُبْخَسَ مِن أجرِه شيئًا، ﴿وَلَا رَهَقًا﴾؛ فيُظْلَمَ ولا يُعطَى شيئًا (^٤).\n\n<span id=\"aya-5461\"></span><span data-type='title' id=toc-9147>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ</span>\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢/ ٥٠ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٢٧٤ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يبخس\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٦٩.\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ١٥٢.","vol":"23","page":332},{"text":"تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ النفرِ من الجنِّ: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ الذين قد خضَعُوا للهِ بالطاعةِ، ﴿وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ وهم الجائِرون عن الإسلامِ وقصدِ السبيلِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾. قال: العادِلون عن الحقِّ (^١).\n\n<span id=\"aya-5462\"></span>حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْقَاسِطُونَ﴾. قال: الظالمون (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ﴿الْقَاسِطُونَ﴾: الجائِرون.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الْقَاسِطُونَ﴾. قال: الجائِرون (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٤ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٢٢ عن معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":333},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: المُقْسِطُ: العادلُ، والقاسِطُ: الجائِرُ (^١). وذكَر بيتَ شعرٍ:\nقَسَطْنَا على الأَمْلاكِ فِي عَهْدِ تُبَّعٍ … ومِنْ قَبْلِ مَا أَدْرَى (^٢) النُّفُوسَ عقابَها\nوقال: هذا مثلُ التَّرِبِ والمُتْرِبِ. قال: والتَّرِبُ: المِسكينُ، وقرَأ: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]. قال: والمُتْرِبُ: الغنىُّ.\nوقولُه: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾. يقولُ: قالوا (^٣): فمن أَسْلَم للهِ وخضَع له بالطاعةِ، فأُولئك تعمَّدوا وتَوخَّوا (^٤) رَشَدًا في دينِهم، ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ﴾. يقولُ: [وأمّا] (^٥) الجائِرُون عن الإسلامِ، ﴿فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾، تُوقَدُ بهم.\n\n<span id=\"aya-5463\"></span><span data-type='title' id=toc-9148>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ (^٦) عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وأنْ لو استقام هؤلاء القاسِطون على طريقةِ الحقِّ والاستقامةِ ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. يقولُ: لوسَّعْنا عليهم في الرزقِ، [وبَسَطْنا لهم] (^٧) في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-5464\"></span>﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. يقولُ: لِنَخْتبرَهم فيه.\n_________\n(^١) في الأصل: \"الفاجر\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"العاجز\".\n(^٢) في الأصل: \"أردى\".\n(^٣) في الأصل: \"قال\"، وسقط من: م، ت ١.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ترجو\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نسلكه\". وهى قراءة متواترة كما سيأتي.\n(^٧) في م: \"بسطناهم\".","vol":"23","page":334},{"text":"واختلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قلنا فيه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. يعنى بالاستقامةِ: الطاعةَ. فأمَّا الغَدَقُ فالماءُ الطاهرُ الكثيرُ، ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. يقولُ: لِنَبْتَلِيَهم به (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾: طريقةِ الإسلامِ، ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. قال: نافعًا كثيرًا، لأَعْطيناهم ماءً (^٢) كثيرًا؛ ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾: حتى يَرْجِعوا لما كتَبه (^٣) عليهم مِن الشقاءِ (^٤).\nحدَّثنا إسحاقُ بنُ زيدٍ الخطابيُّ، قال: ثنا الفِرْيابىُّ، عن سفيانَ، عن عبيدِ اللهِ ابنِ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾. قال: طريقةِ الحقِّ، ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. يقولُ: ماءً (٢) كثيرًا، ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾، قال: لِنَبْتَلِيَهم به حتى يَرْجِعوا إلى ما كُتِب عليهم مِن الشقاءِ (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٦٩ مختصرًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٤ إلى المصنف.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مالًا\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كتب\".\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) عزاء السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":335},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ (^١)، عن علقمةَ بنِ مرْثَدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾. قال: الإسلامِ، ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. قال: الكثيرُ؛ ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. قال: لِنَبْتلِيَهم به (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبى سِنانٍ، عن غير واحدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَاءً غَدَقًا﴾. قال: المالُ (^٣)، والغَدَقُ: الكثيرُ؛ ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾: حتى يَرْجِعوا إلى عِلْمى فيهم (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي؛ وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. قال: لأَعْطيناهم مالًا كثيرًا. وقولُه: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. قال: لنَبْتَلِيَهم.\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن بعضِ أصحابِه، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ فى قولِه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾. قال: الدِّينِ، ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. قال: مالًا كثيرًا؛ ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. قال: لنبتلِيَهم فيه (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا\n_________\n(^١) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن ابن مجاهد، عن أبيه، مثله. قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيان\"\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) فى م، ت ٢: \"الماء\".\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٩٦ من طريق أبي سنان عن ليث عن مجاهد مختصرًا.\n(^٥) فى م: \"به\". والأثر أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٢٢ عن إسرائيل عن ثوير بن أبي فاختة عن سعيد ابن جبير.","vol":"23","page":336},{"text":"عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. قال: لو آمنوا كلُّهم لأَوْسَعْنا عليهم مِن الدنيا، قال اللهُ: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. يقول: لِنبتلِيَهم بها (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. قال: لو آمنوا (^٢) لوُسِّع عليهم في الرزْقِ؛ ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. قال: لنَبْتَلِيَهم فيه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿مَاءً غَدَقًا﴾. قال: عَيْشًا رَغَدًا (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. قال: الغَدَقُ الكثيرُ، [ماءً كثيرًا] (^٥) ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾: لنختبِرهم فيه.\nحدَّثنا عمروُ بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلىُّ، قال: ثنا المطَّلبُ بنُ زيادٍ، عن السديِّ (^٦)، قال: قال عمرُ، ﵁ في قولِه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. قال: أينما كان الماءُ كان المالُ، وأين كان المالُ كانتِ الفتنةُ (^٧).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وأن لو اسْتَقاموا على الضلالةِ (^٨) لأَعْطَيناهم سَعَةً\n_________\n(^١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ص، م، ت ١: \"اتقوا\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٢٢ عن معمر به.\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في ص، ت ٢: \"ماء كثير\"، وفى م: \"مال كثير\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"التيمي\".\n(^٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٤ إلى المصنف وعبد بن حميدٍ.\n(^٨) في الأصل: \"الطريقة\".","vol":"23","page":337},{"text":"من الرزقِ لنَستَدرجَهم بها.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ عمرانَ بنَ حُدَيْرٍ، عن أبي مِجْلَزٍ، ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا [عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾. قال:] (^١) على طريقةِ الضلالِة (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنْ لو اسْتَقاموا على طريقةِ الحقِّ فآمنوا، لَوَسَّعْنا عليهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾. قال: هذا مثَلٌ ضرَبه اللهُ كقولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، وقولِه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. والماءُ الغَدَقُ يعنى المالَ (^٣) الكثيرَ؛ ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. لنبتَلِيَهم فيه (^٤).\nوقولُه: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ومَن يُعْرِضُ عن ذكرِ ربه الذى ذكَّره به، وهو هذا القرآنُ؛ ومعناه: ومَن\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٧٠.\n(^٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الماء\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٧٠ بنحوه.","vol":"23","page":338},{"text":"يُعْرِضْ عن استماعِ القرآنِ واستعمالِه، يَسْلُكْه اللهُ ﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾. يقولُ: يَسْلُكْه اللهُ عذابًا شديدًا شاقًّا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾. يقولُ: شُقَّةً (^١) مِن العذابِ يَصْعَدُ فيها (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾. قال: مَشَقَّةً مِن العذابِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عِكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾. قال: جَبَلٌ في جهنَّمَ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾. عذابًا لا راحةَ فيه.\n_________\n(^١) فى م، ت ٢، ت ٣: \"مشقة\".\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٤ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه هناد في الزهد (٢٨٠) عن وكيع به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه هناد في الزهد (٢٧٩) عن وكيع به، والحاكم ٢/ ٥٠٤ من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":339},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾. قال: صَعُودًا مِن عذابِ اللهِ، لا راحةَ فيه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾. قال: الصَّعَدُ: العذابُ المُتعِبُ (^٢).\nواختلَفتِ القرَأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿يَسْلُكْهُ﴾، فقرَأه بعضُ قرَأةِ مكةَ والبصرةِ (نَسْلُكْهُ) بالنونِ، اعتبارًا بقولِه (^٣): ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أنَّها بالنونِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الكوفةِ بالياءِ، بمعنى: يَسْلُكْهُ اللهُ، ردًّا على الربِّ في قولِه: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ (^٤).\n\n<span id=\"aya-5465\"></span><span data-type='title' id=toc-9149>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾، [وأُوحِيَ إِلَيَّ] (^٥): ﴿أَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا﴾ أيُّها الناسُ ﴿مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، ولا تُشْرِكوا به فيها شيئًا، ولكن أفرِدوا له التوحيدَ، وأخْلِصوا له العبادةَ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٢٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"المنصب\"، وهما بمعنى.\n(^٣) في الأصل: \"بقراءته\".\n(^٤) قراءة (نَسلُكْه) بالنون هى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وأبي جعفر، وقراءة (يسلُكْه) بياء الغيبة هى قراءة الباقين وهم عاصم وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف. النشر ٢/ ٢٩٣، وإتحاف فضلاء البشر ص ٢٦٢، ٢٦٣.\n(^٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"و\".","vol":"23","page":340},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾: كانت اليهودُ والنصارى إذا دخَلوا كنائسَهم وبِيَعَهم أشرَكوا باللهِ، فأَمَر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يوحِّدَ (^١) اللهَ وحدَه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن محمودٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾. قال: قالت الجنُّ لنبيِّ اللهِ: كيف لنا نَأْتى المسجد (^٢)، ونحن ناءُون عنك؟ أو (^٣): كيف نَشْهدُ معك الصلاةَ ونحنُ ناءُون عنك؟ فنزَلت: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. قال: كانت اليهودُ والنصارى إذا دخَلوا كنائسَهم وبِيَعَهم أشركوا باللهِ، فأَمَر اللهُ نبيَّه أن يُخلِصَ الدعوةَ له إذا دخَل المسجدَ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن خُصَيْفٍ، عن عكرمةَ:\n_________\n(^١) في الأصل: \"يوحدوا\".\n(^٢) في الأصل: \"المساجد\".\n(^٣) فى ص، م، ت ١، ت ٣: \"و\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٧١ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٤ إلى المصنف.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٢٣ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":341},{"text":"﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾. قال: المساجدَ كلَّها (^١).\n\n<span id=\"aya-5466\"></span>وقولُه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. يقولُ: وأنه لما قام عبدُ اللهِ. يقولُ: محمدٌ رسولُ اللهِ ﷺ، يدعو اللهَ؛ يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ. ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. يقولُ: كادوا يكونون على محمدٍ جماعاتٍ، بعضُها فوقَ بعضٍ. واحدُها لِبْدَةٌ، وفيها لغتانِ: كسرُ اللامِ \"لِبْدَةٌ\"، ومَن كسَرها جمَعها \"لِبَدٌ\"، وضمُّ اللامِ \"لُبْدَةٌ\"، ومَن ضمَّها جمَعها \"لُبَدٌ\" بضَمِّ اللَّامِ، و(^٢) لابِدٌ، ومَن جمَع لابدًا قال: لُبَّدًا. مثل راكعٍ ورُكَّعٍ، وقرأَةُ الأمصارِ على كسرِ اللَّامِ من لِبَدٍ، غَيرَ ابنِ مُحَيْصِنٍ، فَإِنَّه كان يَضمُّها (^٣). وهما بمعنًى واحدٍ، غيرَ أنَّ القراءةَ التي عليها قرَأةُ الأمصارِ أحبُّ إليَّ، والعربُ تَدْعو الجرادَ الكثيرَ الذى قد رَكِب بعضُه بعضًا: لِبْدَةً؛ ومنه قولُ عبدِ منافِ بنِ رِبْعٍ (^٤) الهذليِّ:\nصَابُوا (^٥) بستَّةِ أَبْياتٍ وأَرْبعةٍ … حتى كأنَّ عليهمْ جابيًا لِبَدا\nوالجابي: الجرادُ الذي يَجْبى كُلَّ شَيءٍ يَأْكُلُه.\nواختلَف أهلُ التأويلِ فى الذين عُنُوا بقولِه: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾؛ فقال\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٧١ عن سفيان به.\n(^٢) في م: \"أو\".\n(^٣) قرأ هشام عن ابن عامر: (لُبَدا) بضم اللام، وقرأ الباقون بكسر اللام وهم: نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر في رواية ابن ذكوان وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف. وأما قراءة ابن محيصن فهى بضم اللام وتخفيف الباء، وقرأ ابن محيصن أيضًا والأعرج والحسن وأبو العالية والجحدري بضم اللام وتشديد الباء: (لُبَّدًا). ينظر النشر ٢/ ٢٩٣، والإتحاف ص ٢٦٣.\n(^٤) فى م: \"ربعي\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"رافع\". والبيت فى ديوان الهذليين ٢/ ٤٠.\n(^٥) صابوا: وقعوا. التاج (ص وب).","vol":"23","page":342},{"text":"بعضُهم: عنَى بذلك الجنَّ أنَّهم كادوا يَرْكَبون رسولَ اللهِ ﷺ لما سمِعوا القرآنَ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. يقولُ: لما سمِعُوا النبيَّ ﷺ يَتْلو القرآن [كادوا يَركبونَه من الحِرصِ لما سمِعوه يَتلو القرآنَ] (^١)، ودَنَوا منه، فلم يَعلمْ بهم، حتى أتاه الرسولُ، فجعَل يُقرِئُه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾: كادوا يَرْكبُونه حرصًا على ما سمِعُوا منه مِن القرآنِ (^٣).\nقال أبو جعفرٍ: ومن قال هذا القول جعَل قولَه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾. مما أوحِيَ إلى النبيِّ ﷺ، فيكونُ معناه: قلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنه اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِن الجنِّ، وأنه لمَّا قام عبدُ اللهِ يَدْعوه.\nوقال آخرون: بل هذا مِن قولِ النَّفَرِ مِن الجنِّ، لما رجَعوا إلى قومِهم أَخْبَرُوهم بما رأَوْا مِن طاعةِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ له، [وائْتِمامِهم به] (^٤) في الركوعِ والسجودِ.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٥ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٣) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٨/ ٣٥٣ بنحوه.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"وائتمامهم له\"، وفي ت ٣: \"وإيمائهم له\".","vol":"23","page":343},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمدُ بن معمرٍ، قال: ثنا أبو هشامٍ (^١)، عن أبي عَوانةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قولُ الجنِّ لقومِهم: ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. قال: لما رأَوْه يُصلِّى، وأصحابُه يَرْكعون بركوعِه، ويسجُدون بسجودِه. قال: عَجِبوا مِن طَوَاعيةِ أصحابِه له. قال: فقالوا لقومِهم: ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن زيادٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. قال: كان أصحابُ نبىِّ اللهِ ﷺ يأْتَمُّون به، فيَرْكعون بركوعِه، ويسجُدون بسجُودِه (^٣).\nومَن قال هذا القولَ الذي ذكَرْناه عن ابنِ عباسٍ وسعيدٍ، يفتَحُ (^٤) الألفَ مِن قولِه: ﴿وَأَنَّهُ﴾. عطَف بها على قولِه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. مفتوحةً، وجاز له كسْرُها على الابتداءِ.\nوقال آخرون: بل ذلك مِن خبرِ اللهِ الذي أَوْحَى إلى نبيِّه ﷺ، لعلمِه أنَّ الإنسَ والجنَّ تَظاهروا عليه، ليُبْطِلوا الحقَّ الذى جاءهم به، فأبى اللهُ إلا إتمامَه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مسلم\"، وقد تقدم على الصواب ص ٣١٠.\n(^٢) أخرجه الترمذى (٣٣٢٣)، والضياء فى المختارة ١٠/ ٧٤، ٧٥ (٦٦، ٦٧) من طريق أبي عوانة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٥ إلى عبد بن حميد وابن مردويه. وتقدم أوله ص ٣١٠، ٣١١.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٧١.\n(^٤) فى م: \"فتح\"، وفى ت ١: \"ففتح\"، وفى ت ٢ ت ٣: \"بفتح\".","vol":"23","page":344},{"text":"اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. قال: تلبَّدَتِ الجِنُّ والإنسُ على هذا الأمرِ ليُطْفِئُوه، فأبى اللهُ إلا أنْ يَنْصُرَه ويُمْضِيَه، ويُظْهِرَه على مَن ناوأَه.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لِبَدًا﴾. قال: لما قام النبىُّ ﷺ تَلَبَّدَتِ الجنُّ والإنسُ، فحَرَصوا على أَنْ يُطْفِئوا هذا النورَ الذى أنزَله اللهُ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. قال: تَظاهَروا عليه بعضُهم على بعضٍ، تَظاهَروا على رسولِ الله ﷺ (^٢).\nومَن قال هذا القولَ فتَح الألفَ مِن قولِه: ﴿وَأَنَّهُ﴾.\nوأولى الأقوالِ فى ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: ذلك خبرٌ مِن اللهِ عن أَنَّ رسولَه محمدًا ﷺ لما قام يَدْعوه، كادتِ العربُ تكونُ عليه جميعًا في إطفاءِ (^٣) نورِ اللهِ.\nوإنما قلنا ذلك أولَى التأويلاتِ بالصوابِ؛ لأنَّ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾. عقيبَ قولِه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾. وذلك مِن اللهِ جلَّ وعزَّ خبرٌ، فكذلك قولُه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾. وأخرى أنَّه تعالى ذكرُه أتْبَع بذلك قولَه: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. فمعلومٌ أن الذي (^٤) يَتْبَعُ ذلك الخبرُ عمَّا لَقِيَ المَأْمُورُ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٣ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٧٢.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢: \"إظهار\".\n(^٤) في الأصل: \"الله\".","vol":"23","page":345},{"text":"بأن [لا يَدعوَ (^١) مع اللهِ أحدًا] (^٢) - في ذلك، لا (^٣) الخبرُ عن (^٤) كثرةِ إجابةِ المَدْعُوِّين وسرعتِهم إلى الإجابةِ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عَوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾. قال: لما قام رسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: \"لا إلهَ إلا اللهُ\". ويَدْعو الناسَ إلى ربِّهم، كادت العربُ تَلَبَّدُ (^٥) عليه جميعًا (^٦).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. قال: تَرَا كَبُوا (^٧) عليه (^٨).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. قال: بعضُهم على بعضٍ.\nحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. يقولُ: أعوانًا (^٩).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) في ت ٢: \"ندعوا\"، وفى ت ٣: \"تدعوا\".\n(^٢) في الأصل: \"تدعوا معه أبدًا في طاعته إياه\".\n(^٣) في الأصل: \"إلا\".\n(^٤) في الأصل: \"في\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تكون\".\n(^٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٧) في الأصل: \"تراكموا\".\n(^٨) ذكره بنحوه ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٧٢.\n(^٩) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في التغليق ٤/ ٣٤٩ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٥ إلى ابن المنذر.","vol":"23","page":346},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ قال: جميعًا (^١).\n[حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. قال: جميعًا] (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. قال: واللُّبَدُ: الشيءُ الذي بعضُه فوق بعضٍ.\n\n<span id=\"aya-5467\"></span><span data-type='title' id=toc-9150>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ (^٣) إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَفتِ القرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾؛ [فقرأَتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين على وجهِ] (^٤) الخبرِ: (قال) بالألفِ (^٥). ومن قرَأ ذلك كذلك، جعَله خبرًا مِن اللهِ عن نبيِّه محمدٍ ﷺ أنه قال، فيكونُ معنى الكلامِ: وأنه لما قام عبدُ اللهِ يدعوه تلبَّدوا عليه، قال لهم: إنما أدعو ربي، ولا أشركُ به أحدًا.\nوقرَأ ذلك بعضُ المدنيِّين وعامةُ قرأةِ الكوفةِ على وجهِ الأمرِ من اللهِ ﷿ لنبيِّه\n_________\n(^١) ذكره بنحوه القرطبي في تفسيره ١٩/ ٢٣.\n(^٢) سقط من: الأصل، والأثر ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٣٥٣.\n(^٣) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\". وهما قراءتان كما سيأتى.\n(^٤) سقط من: ت ٢ ت ٣.\n(^٥) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر والكسائى ويعقوب وخلف، ينظر النشر ٢/ ٢٩٣، والإتحاف ص ٢٦٣.","vol":"23","page":347},{"text":"محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ (^١) يا محمدُ للناسِ الذين كادوا يكونون عليك (^٢) لِبَدًا: إنَّما أَدْعُو ربِّى، ولا أُشْرِكُ به أحدًا.\nوالصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أنَّهما قراءتان معروفتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-5468\"></span>وقولُه: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ لمشركى العربِ الذين ردُّوا عليك ما جئتَهم به مِن النصيحةِ: إني لا أمْلِكُ لكم ضَرًّا في دينكم ولا في دنياكم، ولا رَشَدًا أرشدُكم؛ لأن الذى يَمْلِكُ ذلك هو اللهُ الذى له مُلْكُ كلِّ شيءٍ.\n\n<span id=\"aya-5469\"></span>وقولُه: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾. [يقولُ له: قل يا محمدُ لهم: إنِّي لن يَمنَعَنى مِن اللهِ أحدٌ] (^٣) من خَلْقِه إذا (^٤) أراد بى أمرًا، ولا يَنْصُرُني منه ناصرٌ.\nوذُكِر أنَّ هذه الآيةَ أُنْزِلت على النبيِّ ﷺ لأنَّ بعضَ الجنِّ قال: أنا أُجِيرُه.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمانَ، عن أبيه، قال: زعَم حَضْرَمىٌّ أنه ذُكِر له أنَّ جنِّيًّا مِن الجنِّ مِن أشرافِهم ذا تَبَعٍ قال: إنما يريدُ محمدٌ أن نُجيرَه، وأنا أُجِيرُه. فأنزَل اللهُ: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) وهى قراءة عاصم وحمزة وأبي جعفر. ينظر المصدران السابقان.\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عليه\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م: \"إن\".\n(^٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٥ إلى المصنف.","vol":"23","page":348},{"text":"وقولُه: ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. يقولُ: ولن أَجِدَ مِن دونِ اللهِ ملْجَأً (^١) ألجأُ إليه.\nكما (^٢) حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (^٣). أي: مَلْجَأً ونَصِيرًا (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مُلْتَحَدًا﴾. قال: مَلْجَأً (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. يقولُ: ناصِرًا.\n\n<span id=\"aya-5470\"></span><span data-type='title' id=toc-9151>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل لمشركي العربِ: إنى لا أمْلِكُ لكم ضَرًّا ولا رَشَدًا، ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾. يقولُ: إلا أنْ أُبْلِغَكم مِن اللهِ ما أمَرنى بتبليغِكم إيَّاه، وإلا رسالاتِه التي أَرْسَلني بها إليكم، فأَمَّا الرَّشَدُ والخِزْلانُ فبيدِ اللهِ، هو [مالكُ ذلك] (^٦) دونَ سَائِرِ خَلْقِه، يهدى مَن\n_________\n(^١) في الأصل: \"ملتحدا\".\n(^٢) بعده في م: \"حدَّثنا مِهْرانُ عن سفيان: ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. يقول: ولن أجد من دون الله ملجأ ألجأ إليه.\n(^٣) بعده في الأصل: \"ألجأ إليه\".\n(^٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٧٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٢٣ عن معمر به.\n(^٦) فى م: \"مالكه\".","vol":"23","page":349},{"text":"يشَاءُ، ويَخْذُلُ مَن أراد (^١).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾. فذلك الذى أمْلِكُ (^٢) بلاغًا مِنَ اللهِ ورسالاتِه (^٣).\nوقد يَحْتَمِلُ ذلك معنًى آخرَ، وهو أن تكونَ [\"إلا\" حرفين] (^٤)، وتكونَ \"لا\" مُنْقَطِعَةً مِن \"إنْ\"، فيكون معنى الكلامِ: قل: إني لن يُجِيرَني مِنَ اللهِ أحدٌ إِنْ لم أُبَلِّغْ رسالاتِه. ويكونَ نَصْبُ البلاغِ من إضمارِ فعلٍ من الجزاءِ، كقولِ القائلِ: إلا قيامًا فقُعُودًا، وإلا إعطاءً فردًّا جميلًا، بمعنى: إلا تَفْعَلِ الإعطاءَ فردًّا جميلًا.\nوقولُه: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يعصِ اللهَ فيما أمَره ونهاه، [فكَذَّبَ به رسولَه] (^٥)، فجحَد رسالتَه (^٦)، فإنَّ له نارَ جهنمَ يَصْلاها، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. يقولُ: ماكثين فيها أبدًا إلى غيرِ نهايةٍ.\n\n<span id=\"aya-5471\"></span>وقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: حتى (^٧) إذا عايَنوا ما\n_________\n(^١) في الأصل: \"يشاء\".\n(^٢) في الأصل: \"يملكه\".\n(^٣) جزء من الأثر المتقدم تخريجه في ص ٣٤٩.\n(^٤) في الأصل: \"الاحريين\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"الاخروين\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ويكذب به ورسوله\".\n(^٦) في م: \"رسالاته\".\n(^٧) سقط من: م.","vol":"23","page":350},{"text":"يَعِدُهم ربُّهم من العذابِ وقيامِ الساعةِ، ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عدَدًا﴾؛ أجُنْدُ (^١) اللهِ الذى أشركوا به، أم هؤلاء المشركون به؟!\n\n<span id=\"aya-5472\"></span><span data-type='title' id=toc-9152>القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ، ﵇: قل يا محمدُ لهؤلاء المشركين باللهِ من قومِك: ما أدرى أقريبٌ ما (^٢) يَعِدُكم به ربُّكم من العذاب وقيام الساعةِ، ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾. يعنى: غايةً معلومةً تَطُولُ مدَّتُها.\nوقولُه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾. يعني جلَّ ذكرُه بعالمِ الغيبِ: عالمُ ما غاب عن أبصارِ خَلْقِه فلم يَرَوْه، فلا يُظهِرُ على غَيْبِه أحدًا، فيُعْلِمَه أو يُرِيَه (^٣)، إلا من ارتضى من رسولٍ، فإنه يُظهِرهُ على ما شاء من ذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثني أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾. فأعلم الله سبحانه\n_________\n(^١) في الأصل: \"جند\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أخير\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١: \"إياه\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"يراه\".","vol":"23","page":351},{"text":"الرسلَ من الغيبِ الوحيَ، أظهرَهم (^١) عليه، بما أَوْحَى إِليهم مِن غَيْبِهِ، وما يَحْكُمُ اللهُ، فإنه لا يَعلَمُ ذلك غيره (^٢).\n\n<span id=\"aya-5473\"></span>حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾. فإنه يَصْطَفِيهم (^٣)، ويُطْلِعُهم على ما يشاءُ مِن الغيبِ.\n\n<span id=\"aya-5474\"></span>حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾. قال (^٤): يُظْهِرُه مِن الغيبِ على ما شاء إذا ارْتَضاه (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾. قال: يُنزِلُ مِن غَيْبه ما شاء على الأنبياءِ، أنزل على رسول الله ﷺ الغيبَ القرآنَ، قال: وحدَّثنا فيه بالغيب، بما يكونُ يومَ القيامةِ.\nوقولُه: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾. يقولُ: فإنه يُرسِلُ مِن أمامه ومِن خَلْفِه حَرَسًا وحَفَظَةً يَحْفَظُونه.\n[وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ] (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"وأظهرهم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) في الأصل: \"يصطنعهم\".\n(^٤) في م: \"فإنه\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"23","page":352},{"text":"ذكرُ من قال ذلك\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن علقمة بن مَرْثَدٍ، عن الضحاك: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾. قال: كان النبيُّ ﷺ إذا بُعِث إليه (^١) المَلَكُ بالوَحْيِ (^٢)، بُعِث معه (^٢) ملائكةٌ يَحْرُسُونه من بين يديه ومن خَلْفِه، أن (^٣) يتشبَّه (^٤) الشيطانُ على صورةِ المَلَكِ (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيم: ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾. قال: ملائكةٌ يَحْفَظُونهم من بين أيديهم ومن خَلْفِهم (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن طلحةَ، يعني ابن مُصرِّفٍ، عن إبراهيم في قولِه: ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾. قال: الملائكةُ رَصَدٌ مِن بين يديه ومِن خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَه مِن الجنِّ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾. قال: الملائكةُ يَحْفَظُونَه مِن بينِ يديه [ومن خَلْفِه] (^٧) من الجنِّ.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) بعده في الأصل: \"لا\".\n(^٤) في ت ٢، ت ٣: \"يأتيه\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٥، ٢٧٦ إلى ابن المنذر.\n(^٧) سقط من: الأصل.","vol":"23","page":353},{"text":"حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾. قال: هى مُعَقِّباتٌ مِن الملائكةِ يحفظُون النبيَّ ﷺ من الشيطانِ، حتى يتبيَّنَ الذى أُرسِل به إليهم، وذلك حينَ يقولُ: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ [أهلُ الشركِ] (^١) ﴿أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾. [يَعْنِي رصَدًا مِن] (^٣) الملائكةِ (^٤).\n\n<span id=\"aya-5475\"></span><span data-type='title' id=toc-9153>[القولُ في تأويل قولِه ﷿] (^١): ﴿لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ [وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وقولُه: ﴿لَيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾] (^١). اختلَف أهلُ التأويلِ في الذى عُنِى بقولِه: ﴿لَيَعْلَمَ﴾؛ فقال بعضُهم: عُني بذلك رسولُ اللهِ ﷺ، وقالوا: معنى الكلامِ: ليَعْلَمَ رسولُ الله ﷺ أن قد أَبْلَغَتِ الرسلُ قبلَه عن ربِّها.\n\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾: ليَعْلَمَ رسولُ الله ﷺ أن الرسلَ قبلَه قد بَلَّغَت (^٥) عن ربّها وحفِظَت (٤).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٥ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبلغت\".","vol":"23","page":354},{"text":"حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿ليَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهم﴾. قال: ليَعْلَمَ نبيُّ اللهِ ﷺ أن الرسل قد بلَّغَت عن الله، وأَنَّ الله حفظها ودفع عنها (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ليَعْلَمَ المشركون أن الرسل قد بلَّغوا رسالاتِ ربِّهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾. قال: ليَعْلَمَ مَن كذَّب الرسلَ أن قد أبلغوا رسالاتِ ربِّهم (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ليَعْلَمَ محمدٌ أن قد بلَّغت الملائكةُ رسالات ربِّهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ (^٣) في قولِه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾. قال: أربعةُ حَفَظةٍ من الملائكة مع\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٣ عن معمر به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢: \"عن ابن عباس\". وتنظر مصادر التخريج.","vol":"23","page":355},{"text":"جبْريل؛ ﴿لِيَعْلَمَ﴾ محمدٌ ﴿أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدَا﴾. قال: وما نزل جبريلُ بشيءٍ من الوحي، إلا ومعه أربعةُ حَفَظةٍ [من الملائكةِ] (^١).\nوأولَى هذه الأقوال عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: ليَعْلَمَ الرسولُ (^٢) أن الرسلَ قبلَه قد بلَّغوا رسالاتِ ربِّهم؛ وذلك أن قولَه: ﴿ليَعْلَمَ﴾. مِن سبب قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾. وذلك خبرٌ عن الرسول، فمعلومٌ (^٣) بذلك أن قوله: ﴿لِيَعْلَمَ﴾. من سببه، إذ (^٤) كان ذلك خبرًا عنه.\nوقولُه: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾. يقولُ: وعِلم بكلِّ ما عندهم، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾. يقولُ: وعَلم عدد الأشياءِ كلِّها، فلم يَخْفَ عليه منها شيءٌ.\nوقد حدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، أنه قال في هذه الآية: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [إلى قولِه] (^٥): ﴿وأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾: ليَعْلَمَ الرسل أن ربَّهم قد أحاط بهم، فيُبَلِّغوا [رسالات ربِّهم] (^٦).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ الجن\n_________\n(^١) سقط من: م. والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٧٤ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٢٧٤ - وأبو الشيخ في العظمة (٣٥٩) من طريق يعقوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"الرسل\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إذا\".\n(^٥) في الأصل: \"يعنى من رسول\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رسالاتهم\". والأثر ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ٣١.","vol":"23","page":356},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9154>تفسيرُ سورةِ \"المزملِ\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5476\"></span><span data-type='title' id=toc-9155>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا </span>(٤)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعني جل ثناؤُه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾: [يأيُّها المتزمِّلُ] (^١)، وهو المُلْتَفُّ بثيابه. وإنما عُنِي بذلك نبيُّ الله ﷺ.\nواختلف أهل التأويل في المعنى الذى وصف الله به نبيَّه ﷺ في هذه الآية من التزَمُّلِ؛ فقال بعضُهم: وصَفَه أنه مُتَزَمِّلٌ في ثيابِه مثل (^٢) مُتَأَهِّبٍ للصلاةِ.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾. أي: متزَمِّلٌ في ثيابه.\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾: هو الذى تزَمَّل بثيابِه (^٣).\nوقال آخرون: وصَفه بأنه مُتَزَمِّلٌ النبوةَ والرسالةَ.\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، م، ت ٢، ت ٣، وفي ت ١: \"يأيها المزمل و\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في الأصل: \"في ثيابه\"، وفي ص، ت ٣: \"ثيابه\".\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٧ إلى عبد بن حميد وابن نصر.","vol":"23","page":357},{"text":"ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا محمد بنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: زُمِّلْتَ (^١) هذا الأمرَ، فقُمْ به (^٢).\n\n<span id=\"aya-5477\"></span>والذى هو أولى القولين بتأويلِ ذلك عندنا ما قاله قتادةُ؛ لأنَّه قد عقَّبه بقولِه: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾. فكان ذلك بيانًا عن (^٣) أنه وصَفَه بالتزَمُّلِ بالثيابِ للصلاة. و(^٤) أن ذلك هو أظهرُ معنيَيه.\nوقولُه: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: قُمِ الليلَ يا محمدُ كلَّه إلا قليلًا منه.\n\n<span id=\"aya-5478\"></span>﴿نَصْفَهُ﴾. يقولُ: قُمْ نصفَ الليلِ، أوِ انْقُصْ [من نصفِه] (^٥) قليلًا.\n\n<span id=\"aya-5479\"></span>﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ (^٦). خيَّره الله تعالى ذكرُه حينَ فرض عليه قيام الليل بين هذه المنازل، أيَّ ذلك شاء فعل، فكان رسول الله ﷺ وأصحابُه، فيما ذُكِر، يقومون الليل، نحو قيامهم في شهر رمضانَ، فيما ذُكر، حتى خَفَّف ذلك عنهم.\nذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن مِسْعَرٍ، قال: ثنا سماكٌ الحنفيُّ (^٧)،\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"في\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٤/ ٢٩٥ عن عبد الأعلى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٧ إلى ابن نصر.\n(^٣) في ت ٣: \"على\".\n(^٤) في الأصل: \"مع\"، وسقط من: ص، ت ١، ت ٣.\n(^٥) في م، ت ٢: \"منه\".\n(^٦) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقول: أو زد عليه\".\n(^٧) في ص، ت ١، ت ٣: \"الجعفي\".","vol":"23","page":358},{"text":"قال: سمِعْتُ ابن عباس يقولُ: لما نزل أولُ \"المُزمِّل\" كانوا يقومون نحو (^١) قيامهم في رمضان، وكان بين أولها وآخرها قريب من سنةٍ (^٢).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا محمد بن بشرٍ، عن مسْعَر، قال: ثنا سماك، أنه سمع ابن عباسٍ يقولُ. فذكر نحوه. إلا أنه قال: نحوا من قيامهم في شهر رمضانَ، [أو مثل قيامهم في رمضانَ، فكان بين أولها وآخرها سنةٌ] (^٣).\nحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا [زيد بن حبابٍ] (^٤)، عن موسى بن عُبيدةَ، قال: ثنى محمدُ بنُ طَحْلاءَ مولى أمِّ سلمة، عن أبي (^٥) سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشةَ قالت (^٦): كنتُ أَجْعَلُ لرسولِ اللهِ ﷺ حَصيرًا يُصَلَّى عليه مِن الليل، فتَسامَع به الناسُ، فاجتمعوا، فخرَج كالمُغْضَبِ - وكان بهم رحيمًا، فخشِي أَن يُكْتَبَ عليهم قيام الليل - فقال: \"يَاأيُّها الناسُ، اكْلَفُوا مِن الأعمالِ ما تُطِيقون، فإن اللَّهَ لا يَمَلُّ من الثوابِ حتى تَمَلُّوا من العملِ، وخيرُ الأعمالِ ما ديم (^٧) عليه\". ونزل القرآنُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ حتى كان الرجلُ يَرْبُطُ الحبلَ ويَتَعَلَّقُ، فمكثوا بذلك ثمانية أشهرٍ، فرأَى الله ﵎ ما يَبْتَغُونَ مِن رِضوانِه، فرحِمهم، فردَّهم\n_________\n(^١) في ص، م، ت،١، ت،٢، ت ٣: \"نحوا من\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير - ٨/ ٢٨٠ - من طريق أبي أسامة به، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٤/ ١١٨، وأبو داود (١٣٠٥)، والنحاس في ناسخه ص ٧٥٢، والطبراني (١٢٨٧٧)، والحاكم ٢/ ٥٠٥ - وعنه البيهقي ٢/ ٥٠٠ من طريق مسعر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٦ إلى عبد بن حميد وابن نصر.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م: \"يزيد بن حيان\".\n(^٥) في ت ٢، ت ٣: \"أم\".\n(^٦) في م: \"قال\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"دمتم\".","vol":"23","page":359},{"text":"إلى الفريضةِ، وترَك قيامَ الليل (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن موسى بن عُبيدةَ الحِمْيَريِّ، عن محمدِ بن طَحْلاءَ، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ، قالت: كنت أَشْتَرِى لرسول الله ﷺ حصيرًا، فكان يقومُ عليه من (^٢) الليل، فتَسَمَّع الناسُ بصلاته، فاجْتَمَعَت جماعةٌ مِن الناسِ، فلما رأى اجتماعهم (^٣) كرِه ذلك، فخشِي أَن يُكْتَبَ عليهم، فدخل البيت كالمُغْضَبِ، فجعلوا يَتَنَحْنحون ويَتَسَمَّلون، حتى خرَج إليهم، فقال: \"يأيُّها الناسُ، إن الله ﵎ لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا - يعنى من الثوابِ - فاكُلفوا من العملِ ما تُطِيقون، فإن خيرَ العملِ أدومُه وإن قلَّ\". ونزَلَت عليه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ السورة. قال: فكتبت عليهم، وأُنْزِلَت بمنزلة الفريضة، حتى إن كان أحدهم ليَرْبُطُ الحبل فيَتَعَلَّقُ به، فلما رأى الله جلَّ وعزَّ ما [يَكْلَفون مما﴾ (^٤) يَبْتَغون به وجهَ اللهِ ورضاه وضَع ذلك عنهم، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ﴾ إلى: ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ فردَّهم إلى الفريضةِ، ووضَع عنهم النافلةَ، إلا ما تطَوَّعوا به (^٥).\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قولِه: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٨٠ عن المصنف.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أول\".\n(^٣) في الأصل: \"جماعتهم\".\n(^٤) في الأصل: \"يتكلفون فيما\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٢٨٠ - من طريق موسى به، وأخرجه أحمد ٦/ ٤٠ (الميمنية)، والبخارى (٥٨٦١) من طريق أبي سلمة به دون ذكر نزول السورة.","vol":"23","page":360},{"text":"وَرَتَّلِ القُرْءَان تَرْتِيلًا﴾: فأمر الله جل ثناؤه نبيَّه ﷺ والمؤمنين بقيام الليل إلا قليلًا، فشقَّ ذلك على المؤمنين، ثم خفَّف الله عنهم ورحمهم، فأَنْزَلَ اللَّهُ بعد هذا: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]. فوسَّع الله، وله الحمد، ولم يُضَيَّقْ (^١).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوبُ القميُّ، عن جعفر، عن سعيد، قال: لما أنزَل الله ﷿ على نبيِّه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَمَلُ﴾. قال: مكث النبي ﷺ على هذه الحالِ عشر سنين، يقومُ الليلَ كما أمَرَه الله، وكانت طائفةٌ من أصحابه يقومون معه، فأَنْزَل اللهُ ﷿ عليه (^٢) بعدَ عشر سنينَ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ﴾. فخفَّف الله عنهم بعدَ عشرِ سنينَ (^٣).\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، عن الحسين (^٤)، عن يزيد، عن عكرمة والحسن، قالا: قال في سورة \"المزمل\": ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ الله أنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتَّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾: نسَخَتها الآية التي فيها، فقال: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (^٥).\nحدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: قاموا حولًا أو حولين حتى انتَفَخَت سُوقُهم وأقدامُهم، فأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٨١ عن علي بن أبي طلحة به.\n(^٢) ليس في: الأصل.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٨١ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٢٨١ - من طريق يعقوب القمي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في الأصل: \"الحسن\".\n(^٥) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٢٨٦.","vol":"23","page":361},{"text":"تخفيفَها بعد في آخر السورة (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن قيس بن وهبٍ. عن أبي عبد الرحمنِ قال: لما نزَلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمَّلُ﴾، قاموا بها حولًا، حتى ورِمَت أقدامُهم وسُوقُهم، حتى نزَلَت: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾. قال: فاسْتَراح الناسُ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميد قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جرير (^٣) بيَّاع الملاءِ، عن الحسنِ، قال: الحمدُ للهِ، تَطَوُّع بعد فريضةٍ (^٤).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مبارك، عن الحسنِ، قال: لما نزَلَت: ﴿يَاأَيُّهَا المُزَّمِّلُ﴾ الآية. قام المسلمون حولًا، فمنهم من أطاقه، ومنهم من لم يُطِقه، حتى نزَلَت الرُّخصةُ (^٤).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، قال: سمعت ابن عباس يقولُ: لما نزلت أول \"المزمل\" كانوا يقومون نحوًا من قيامهم في شهرِ رمضانَ، وكان بين أولها وآخرِها نحوٌ (^٥) مِن سنةٍ (^٦).\nوقوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. يقول تعالى ذكره: وبَيِّنِ القرآن إذا قرَأْتَه (^٧) تبيينًا، وترسَّل فيه ترَسُّلًا.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٤ عن معمر به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٨٠ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن نصر.\n(^٣) مكانه بياض بالأصل.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في ت ٢، ت ٣: \"نحوا\".\n(^٦) تقدم تخريجه ص ٣٥٩.\n(^٧) بعده في الأصل: \"في صلاتك\".","vol":"23","page":362},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9156>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. قال: اقْرَأْه قراءةً بينةً (^١).\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهد: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. قال: بعضَه على أَثَرِ بعضٍ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ المخزوميُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: أخبرنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهد: ﴿وَرَتَّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾: [يقول تعالى ذكرُه: وبيِّنِ القرآن تبيينًا] (^٣)، بعضَه على أَثَرِ بعضٍ، [على تُؤَدةٍ] (^٤).\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَرَتَّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. قال: ترَسَّلْ (^٥) فيه ترَسُّلًا (^٦).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهدٍ: ﴿وَرَتَّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. [أي: بَيِّنْه تَبْيِينًا﴾ (^٧). قال: بعضَه على (^٨) أَثَرِ بعضٍ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٢١٦١) من طريق عبد الرحمن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٧ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن نصر.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت،٢ ت ٣: \"فقال\".\n(^٤) سقط من: ت ٣.\n(^٥) في ت ١: \"ترتيل\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".","vol":"23","page":363},{"text":"حدثني زكريا بن يحيى بن أبى زائدةَ، قال: ثنا حجاج بن محمدٍ، قال: قال ابن جريج، عن عطاء: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. قال: الترتيلُ: المدُّ (^١)؛ الطَّرحُ.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ: عن قتادة: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. أي: بَيِّنْه تِبْيانًا (^٢).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن ابن أبي ليلى، عن الحكمِ، عن مقسمٍ، عن ابن عباس: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. قال: بيِّنْه تِبْيانًا (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصور، عن مجاهدٍ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. قال: بعضه على أَثَرِ بعضٍ (^٤).\n\n<span id=\"aya-5480\"></span><span data-type='title' id=toc-9157>القولُ في تأويل قولِه ﷿: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: اخْتَلف أهلُ التأويل في تأويل (^٥) قوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى به: سَنُلْقِى عليك قولًا ثقيلًا العملُ به.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣: \"البدر\" غير منقوطة، وفى م: \"النبذ\".\n(^٢) في م: \"بيانا\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في م: \"بيانا\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٢٠ عن وكيع به، وأخرجه أحمد بن منيع - كما في المطالب العالية (٤١٦٧) - من طريق ابن أبي ليلى، عن مقسم، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٧ إلى عبد بن حميد وابن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٢٠ عن وكيع به.\n(^٥) سقط من: الأصل.","vol":"23","page":364},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9158>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسن في قوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾. قال: العمل به ثقيل (^١). قال: إن الرجلَ لَيَهُذُّ (^٢) السورةَ، ولكنَّ العمل به ثقيلٌ (^٣).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾. قال: ثقيل والله فرائضه وحدودُه.\nحدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة قولَه: ﴿ثَقِيلًا﴾. قال: ثقيلٌ واللهِ فرائضُه وحدودُه (^٤).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك أن القول عينَه (^٥) ثقيلٌ مَحْمَلُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9159>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، أن النبي ﷺ كان إذا أُوحى إليه وهو على ناقته، وضَعَت جرائها (^٦)، فما تَسْتَطِيعُ أَن تَتَحَرَّكَ حتى يُسَرَّى عنه (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) الهذُّ: سرعة القطع في القراءة. النهاية ٥/ ٢٥٥.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن نصر.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٧، ٢٧٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن نصر.\n(^٥) في ت ٢، ت ٣: \"عليه\".\n(^٦) الجِرَان: باطن العنق. النهاية ١/ ٢٦٣.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٤ عن معمر به، وأخرجه أحمد ٦/ ١١٨ (الميمنية) من طريق هشام عن أبيه، عن عائشة.","vol":"23","page":365},{"text":"حدثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله جل وعزَّ: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾. قال: هو والله ثقيلٌ مُبارَكٌ، القرآنُ، كما ثَقُل في الدنيا ثَقُل في الموازين يومَ القيامةِ.\nوأولى الأقوال بالصواب في ذلك عندنا أن يقال: إن اللَّهَ ﷻ وصفه بأنه قولٌ ثقيلٌ، فهو كما وصفه به ثقيلٌ مَحْمَلُه، ثقيل العمل بحدوده وفرائضه.\n\n<span id=\"aya-5481\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيلِ﴾: إن ساعاتِ الليلِ. وكلُّ ساعةٍ من ساعات الليل ناشئةٌ من الليلِ.\nوقد اخْتَلَف أهل التأويل في ذلك؛ [فقال بعضُهم: الليل كلُّه ناشئةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9160>ذكرُ مَن قال ذلك </span>(^١)\nحدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبرنا حاتمُ بن أبي صَغِيرةَ قال: قلتُ لعبدِ اللَّهِ بن أبى مُلَيْكَة: ألا تُحَدِّثُني أي الليل ناشئة؟ قال: على الثَّبَتِ سقَطْتَ، سَأَلْتُ عنها [ابن عباسٍ، فزعَم أن الليل كله ناشئةٌ، وسأَلْتُ عنها] (^٢) ابنَ الزبيرِ، فأَخْبَرَنى مثلَ ذلك (^٣).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عَنْبَسةُ، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيلِ﴾. قال: بلسانِ الحبشة (^٤) إذا قام\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في الأصل: \"فيهما\".\n(^٣) أخرجه البيهقي ٣/ ١٩ من طريق عيسى بن محمد، عن ابن أبي مليكة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٨ إلى الفريابي وابن أبي حاتم.\n(^٤) في الأصل، ص، ت ٢، ت ٣: \"الحبش\".","vol":"23","page":366},{"text":"الرجلَ مِن الليل قالوا (^١): نشَأ (^٢).\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا [عبد الرحمن] (^٣)، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾: نشَأ: قام (^٤).\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، [عن أبي إسحاق] (^٥)، عن أبى ميسرة: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾. قال: نشَأ: قام (^٦).\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ.\nقال: إذا قام الرجلُ من الليل فهو ناشئة الليلِ.\nحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماكٍ، عن عكرمة في قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْل﴾. قال: هو الليل كلُّه.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيلِ﴾. قال: إذا قُمْتَ مِن الليلِ فهو ناشئةٌ (^٧).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ شيءٍ بعدَ العِشاء فهو ناشئة.\n_________\n(^١) ليس في الأصل.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٨ إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن نصر وابن المنذر.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"ابن عبد الأعلى\".\n(^٤) بعده في الأصل: \"به\".\nوالأثر أخرجه البيهقي ٣/ ٢٠ من طريق إسرائيل به.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٨ إلى عبد بن حميد وابن نصر.\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٧٨.","vol":"23","page":367},{"text":"حدثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾. قال: قيام الليلِ. قال: وأيَّ ساعة من الليل قام فقد نشأ.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، قال: أيَّ الليل قُمْتَ فهو ناشئة.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن خارجةَ، عن أبى يونُسَ حاتم بن أبى صَغِيرةً، عن ابن أبي مُلَيْكَةً، قال: سأَلْتُ ابن عباس وابن الزبير عن ناشئة الليلِ، فقالا: كلُّ الليل ناشئة (^١)، فإذا نشَأْتَ قائمًا، فتلك ناشئةٌ.\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، [وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا] (^٢) عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾. قال: أيَّ ساعة تهَجَّد فيها مُتَهَجِّدٌ مِن الليل (^٣).\nحُدَّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾: يعنى الليل كلَّه.\nحدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي عامرٍ الخَزَّازِ ونافعٍ، عن ابن أبي مُلَيْكةَ، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾. قال: الليل كلَّه (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح (^٥)، عن\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٨ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن نصر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٨ إلى ابن المنذر وابن الضريس.\n(^٥) ت ١: \"مليكة\".","vol":"23","page":368},{"text":"مجاهدٍ، قال: الليلَ كلَّه، إذا قام يُصَلَّى فهو ناشئةٌ.\nوقال آخرون: بل ذلك ما كان بعدَ العشاءِ، فأما ما كان قبلَ العشاء فليس بناشئةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9161>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلية، عن سليمان التيميِّ، عن أبى مِجْلزٍ في قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾. قال: ما بعد العشاء ناشئة (^١).\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أبو رجاء في قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾. قال: ما بعد العشاءِ الآخرةِ.\n[حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، قال: سُئل الحسن وأنا أسمعُ، فقال: ما كان بعد العشاءِ فهو ناشئة ناشئة] (^٢).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾. قال: ناشئةُ الليلِ ما كان بعد العشاءِ فهو ناشئةٌ (^٣).\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، قال: ثنا قتادةُ في قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾. قال: كلُّ شيءٍ بعد العشاء فهو ناشئةٌ.\nوقوله: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾. اختَلَفَت قرأة الأمصارِ في قراءة ذلك؛ فقرَأَته\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي ٣/ ٢٠ من طريق سليمان به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر أخرجه البيهقي ٣/ ٢٠ من طريق مبارك بن فضالة، عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٨ إلى عبد بن حميد وابن نصر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":369},{"text":"عامةُ قرأةِ مكة والمدينة والكوفة: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾ بفتح الواو وسكون الطاء (^١). وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ البصرة ومكة والشامِ: (وطاءً) بكسرِ الواوِ ومدِّ الألف (^٢)، على أنه مصدرٌ، مِن قول القائل: واطَأ اللسانُ القلب مواطأةً ووطاءً.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، صَحيحتا المعنى، فبأيتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nويعنى بقوله: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾: ناشئةُ الليلِ أشدُّ ثَباتًا مِن النهارِ، وأثبتُ في القلبِ، وذلك أن العملَ بالليلِ أثبتُ منه بالنهارِ. وحُكى عن العرب: وَطِئْنا الليلَ وَطْئًا. إذا ساروا فيه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال من أهل التأويل من قرأه بفتح الواو وسكونِ الطاءِ، وإن اخْتَلَفَت عباراتُهم في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-9162>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾. [أي: أثبتُ في الخير، وأحفظُ في الحفظ.\nحدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾] (^٣). قال: القيام بالليل أشدُّ وَطْئًا. يقولُ: أثبتُ في الخير (^٤).\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٦٥٨.\n(^٢) هي قراءة أبي عمرو وابن عامر. المصدر السابق.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في الأصل، ت ٢، ت ٣: \"الخبر\".\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٤، ٣٢٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٨ إلى عبد بن حميد وابن نصر.","vol":"23","page":370},{"text":"حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾. يقولُ: ناشئةُ الليلِ كانت صلاتهم أول الليلِ، ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾. يقولُ: هو أجدرُ أن تُحصُوا ما فرَض الله عليكم (^١) من القيام، وذلك أن الإنسانَ إذا نام لم يَدْرِ متى يَسْتَيْقِظُ (^٢).\nحدثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ جل وعزَّ: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾. قال: إن مُصَلِّيَ الليلِ القائم (^٣) بالليلِ ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾: طمأنينةً، أفرغ له (^٤) قلبًا، وذلك أنه لا تَعْرِضُ له حوائجُ ولا شيءٌ.\nحُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾. يقولُ: قراءة القرآن بالليل أثبتُ [منه بالنهار] (^٥)، وأشدُّ مُواطَأَةً بالليلِ منه بالنهارِ.\nوأما الذين قرءوا: (وِطاءً) بكسر الواو ومدِّ (^٦) الألفِ، فقد ذكَرْتُ الذي عَنَوْا بقراءتِهم ذلك كذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-9163>[ذكرُ مَن قال ذلك]</span> (^٧)\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن\n_________\n(^١) في الأصل: \"عليهم\".\n(^٢) أخرجه البيهقي ٢/ ٥٠٠ من طريق عكرمة، عن ابن عباس.\n(^٣) في ت ٢، ت: \"القيام\".\n(^٤) ليس في: الأصل.\n(^٥) في ص، ت: بالنهار، وفى ت ١، ت ٢: \"من النهار\".\n(^٦) في الأصل: \"فتح\".\n(^٧) ليس في: الأصل.","vol":"23","page":371},{"text":"مجاهدٍ: (أَشَدُّ وِطاءً). قال: أن تُواطِئَ قلبك وسمعك وبصرك (^١).\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهدٍ: (إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيلِ هي أَشدُّ وِطاءً). قال: أنْ تُواطِئ سمعك وبصرك وقلبك.\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، [وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا] (^٢) عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد قوله: (أَشَدُّ وِطاءً). قال: مواطأة للقول، وفراغًا للقلب (^٣).\nحدثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ علية (^٤)، قال: سَمِعْتُ ابن أبي نجيح يقولُ في قوله: (إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وِطاءً وأَقْوَمُ قِيلًا). قال: أجدر أن [يأْتَطِىَ لك سمعُك، أجدر (^٥) أن يأْتَطِيَ] (^٦) لك بصرُك.\nحدثنا [أبو كريبٍ] (^٧)، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصور، عن مجاهد: (أشَدُّ وِطاءً). قال: أجدرُ أن تُواطِئَ سمعك وقلبَك.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن منصور، عن مجاهد في قوله: (إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وِطاءً وأَقْوَمُ قيلًا). قال: أن يُواطِئَ سمعُك وبصرك وقلبُك بعضُه بعضًا.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٥ عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: ص، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن نصر وابن المنذر.\n(^٤) في ت ٢، ت ٣: \"عطية\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢.\n(^٦) في م: \"تواطئ\".\n(^٧) في الأصل، م: \"ابن حميد\".","vol":"23","page":372},{"text":"وقوله: ﴿وَأَقومُ قِيلًا﴾. يقولُ: وأصوبُ قراءةً.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9164>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا يحيى بنُ داود الواسطيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن الأعمشِ، قال: قرَأ أنس هذه الآيةَ: (إنَّ ناشِئةَ اللَّيْلِ هِىَ أشَدُّ وَطْئًا وأصْوَبُ قِيلًا) (^١). فقال له بعضُ القوم: يا أبا حمزة، إنما هي: ﴿أَقْوَمُ قِيلًا﴾. قال: \"أقومُ\" و\"أصوبُ\" و\"أهْيَأُ\" واحدٌ (^٢).\nحدثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسْروقي، قال: ثنا عبد الحميد الحمانيُّ، عن الأعمش قال: قرأ أنس: ﴿وَأَقومُ قِيلًا﴾: (وأصوب قيلًا). قيل له: يا أبا حمزةَ، إنما هي ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾. قال أنسٌ: \"أقومُ\" و\"أصوبُ\" و\"أهيأُ\" (^٣) واحدٌ (^٤).\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن\n_________\n(^١) وهى قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف. ينظر المحتسب ٢/ ٣٣٦.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٤٠٢٢) من طريق أبي أسامة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٨ إلى ابن نصر وابن الأنبارى في المصاحف، وتقدم هذا الأثر في ١/ ٤٧.\nقال أبو بكر الأنباري: وقد ترامى ببعض هؤلاء الزائغين إلى أن قال: من قرأ بحرف يوافق معنى حرف من القرآن فهو مصيب. واحتجوا بقول أنس هذا، وهو قول لا يُعرَّج عليه ولا يلتفت إلى قائله؛ لأنَّه لو قرأ بألفاظ تخالف ألفاظ القرآن إذا قاربت معانيها، لجاز أن يقرأ في موضع: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾: الشكر للبارى ملك المخلوقين … والحديث الذي جعلوه قاعدتهم في هذه الضلالة حديث لا يصح عن أحد من أهل العلم؛ لأنَّه مبنى على رواية الأعمش عن أنس، فهو مقطوع ليس بمتصل فيؤخذ به، من قبل أن الأعمش رأى أنسا ولم يسمع منه. ينظر تفسير القرطبي ١٩/ ٤١، ٤٢.\n(^٣) بعده في الأصل: \"هاهنا\".\n(^٤) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ٩/ ٤ من طريق عبد الحميد به.","vol":"23","page":373},{"text":"مجاهد [في قوله: ﴿وَأَقوَمُ قِيلًا﴾. قال: وأثبت قراءةً (^١).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهد] (^٢) مثله.\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهد مثله.\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾. يقولُ: أدْنَى مِن أن تفقهوا القرآنَ (^٣).\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾. قال: أحفظ للقراءةِ (^٤).\nحدثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾. قال: أقومُ قراءةً؛ لفراغه من الدنيا (^٥).\n\n<span id=\"aya-5482\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾. يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إن لك يا محمد في النهار فراغًا طويلا تَتَّسِعُ به وتَتَقَلَّبُ فيه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٥ عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ق: \"في القول\".\nوالأثر أخرجه البيهقي ٢/ ٥٠٠ من طريق آخر عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٤، ٣٢٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٨ إلى عبد بن حميد وابن نصر.\n(^٥) ينظر التبيان ١٠/ ١٦٣.","vol":"23","page":374},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9165>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾: فراغًا طويلًا. يعني النومَ (^١).\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصور، عن مجاهد قوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾. قال: متاعًا طويلًا (^٢).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة [قوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾. يقولُ: فراغًا وبقيَّةً ومُتقَلَّبًا.\nحدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله] (^٣): ﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾. قال: فراغا طويلا.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾. قال: لحوائجك. قال: فافْرُغُ لدينك بالليل (^٤).\nقال (^٥): وهذا حينَ كانت صلاة الليل فريضةً، ثم إن الله ﵎ مَنَّ على العبادِ، فخفَّفها ووضعها. وقرأ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية [المزمل: ٢].\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي ٢/ ٥٠٠ من طريق عكرمة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٨ إلى عبد بن حميد وابن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٨ إلى عبد بن حميد وابن نصر، بلفظ: \"فراغا\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت، ت ٣.\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٨ إلى عبد بن حميد وابن نصر وابن المنذر.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الليل\".\n(^٥) في م، ت ١: \"قالوا\".","vol":"23","page":375},{"text":"ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ حتى بلغ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيْسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] الليلَ، نصفه أو ثلثَه، ثم جاء أمرٌ أوسع وأفسحُ؛ وضَع الفريضة عنه وعن أمته، فقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].\nحُدِّثْتُ الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: [ثنا عبيدٌ، قال: سمعت الضحاك يقولُ] (^١) في قوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾: فراغا طويلا.\nوكان يحيى بنُ يَعْمَرَ يَقْرَأُ ذلك بالخَاءِ (^٢).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن غالبٍ الليثى، عن يحيى بن يَعْمَرَ، مِن [جَدِيلة قيسٍ] (^٣)، أنه كان يَقْرَأُ: (سَبْحًا طَوِيلًا). قال: وهو النومُ (^٤).\nقال أبو جعفر: والتسبيخُ توسيعُ القطن والصوفِ وتَنفيشُه، يقال للمرأة: سبِّخي قطنَك. أي: نفِّشِيه ووسِّعيه، ومنه قولُ الأخطلِ (^٥):\nفَأَرْسَلُوهن يُذرِين التراب كما … يُذْرِى سبائخَ قُطْنِ نَدْفُ أَوْتَارِ\nوإنما عُنى بقوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾: إن لك في النهارِ سَعةً\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) هي أيضا قراءة عكرمة وابن أبي عبلة، وهى شاذة، ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٦٤، والبحر المحيط ٨/ ٣٦٣.\n(^٣) في م: \"جذيلة\"، وفى ت ٢ ت ٣: \"ابن حرملة\".\n(^٤) ينظر تفسير القرطبي ١٩/ ٤٢، ٤٣.\n(^٥) شرح ديوان الأخطل ص ٧٨.","vol":"23","page":376},{"text":"لقضاء حوائجك ونومِك (^١). فالسَّبح والسَّبخُ قريبا المعنى في هذا الموضع.\n\n<span id=\"aya-5483\"></span><span data-type='title' id=toc-9167>القول في تأويل قوله ﷿: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: واذْكُرْ يا محمد اسم ربِّكَ فَادْعُه به، ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾. يقولُ: وانقَطع إليه انقطاعا لحوائجك وعبادتك، دون سائر الأشياء غيره. وهو من قولهم: تبتَّلْتُ هذا الأمر. [إذا قطعته] (^٢)، ومنه قيل لأم عيسى ابن مريم: البَتُولُ. لانقطاعها إلى اللَّهِ، ويقال للعابد المنقطع عن الدنيا وأسبابها إلى عبادةِ اللهِ: قد تبتّل. ومنه الخبرُ الذي رُوى عن النبي ﷺ أنه نهى عن التبتُّلِ (^٣).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9166>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾. قال: أخلص له إخلاصًا (^٤).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى، عن ابن أبي نجيح، عن الحكم، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباس: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾. قال: أخْلِص له إخلاصًا.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قومك\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ١٠٠ (١٥١٤)، والبخارى (٥٠٧٤)، ومسلم (١٤٠٢) من حديث سعد بن أبي وقاص.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٨ إلى المصنف.","vol":"23","page":377},{"text":"حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾. قال: أخلص له إخلاصًا (^١).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد مثله.\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيانَ، عن مجاهد مثلَه، إلا أنه قال: أخلص إليه.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾. قال: أخلِصْ إليه إخلاصًا (^٢).\nحدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي يحيى المكيِّ في قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾. قال: أخلِصْ إليه إخْلاصًا.\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾. قال: أخلص إليه المسألة والدعاءَ (^٣).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن أشعثَ، عن الحسن في قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾. قال: بَتِّلْ (^٤) نفسَك واجتهد (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٤٩ - من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٦٩، والبيهقى في الشعب (٦٨٦٢) من طريق منصور به، وهو في تفسير مجاهد ص ٦٨٠ من طريق شيبان، عن منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٨ إلى ابن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٨٠، ومن طريقه الحافظ في التغليق ٤/ ٣٤٩ من طريق جرير به.\n(^٣) أخرجه الفريابي وعبد بن حميد - كما في تعليق التعليق ٤/ ٣٥٠ - عن ورقاء به.\n(^٤) في ص، ت،٢ ت ٣: \"أبتل\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٨١.","vol":"23","page":378},{"text":"حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾. يقولُ: أخلص له العبادة والدعوةَ.\nحدثنا ابنُ عبدِ ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوه (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾. قال: أخْلِصْ إليه إخلاصًا (^٢).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾. قال: أيْ: تفَرَّغ لعبادته. قال: ﴿وَتَبَتَّلْ﴾: تعبَّد (^٣)؛ ذا (^٤) التبتل إلى اللهِ. وقرأ قولَ اللَّهِ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح: ٧]. قال: إذا فرَغْتَ من الجهاد فانْصَب في عبادةِ اللهِ، ﴿وَإِلَى رَبَّكَ فَارْغَب﴾ (^٥) [الشرح: ٨].\n\n<span id=\"aya-5484\"></span>وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾. اختلَفَتِ القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأة المدينة بالرفع (^٦) على الابتداء، إذ كان ابتداء آيةٍ بعد أخرى تامة (^٧). وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة بالخفض (^٨) على وجه النعتِ والردِّ على الهاء التي في قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٨ إلى عبد بن حميد وابن نصر وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٨١.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) سقط من: الأصل، وفى م: \"فحبذا\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٨١ بنحوه.\n(^٦) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٦٥٨.\n(^٧) في ت ٢ ت: \"ثانية\".\n(^٨) هي قراءة أبي بكر عن عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. المصدر السابق.","vol":"23","page":379},{"text":"والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. ومعنى الكلام: ربُّ (^١) أهلِ المشرقِ والمغربِ وما بينَهما من العالَمِ.\nوقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا ينبغي أن يُعْبَدَ إلهٌ سوى اللهِ الذي هو ربُّ المشرقِ والمغربِ.\nوقولُه: ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾. [يقولُ: فاتَّخذه قيِّمًا بأمورك] (^٢)، وفوِّضْ إليه أسبابَك.\n\n<span id=\"aya-5485\"></span>وقولُه: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: اصْبَرْ يا محمدُ على ما يقولُ المشركون من قومك لك، وعلى أذاهم، واهْجُرُهم في اللَّهِ هَجْرًا جميلا. والهجرُ الجميلُ هو الهجرُ في ذاتِ اللَّهِ، كما قال ﷿: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنعام: ٦٨). وقيل: إن ذلك نُسخ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9168>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾: \"براءة\" نسخت ما ههنا، أُمِر بقتالِهم حتى يَشْهَدوا ألَّا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ الله، لا يَقْبَلُ منهم غيرها (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيما يأمرك\".\n(^٣) أخرجه النحاس في ناسخه ص ٧٥٥ من طريق همام بن يحيى، عن قتادة.","vol":"23","page":380},{"text":"<span id=\"aya-5486\"></span><span data-type='title' id=toc-9170>القولُ في تأويل قوله ﷿: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾: ودعنى يا محمد والمكذِّبين بآياتي، ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾. يعنى: أهلَ التنعُّمِ في الدنيا، ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾. يقولُ: وأخِّرْهم بالعذابِ الذي بسَطْتُه (^١) لهم قليلًا، حتى يَبْلُغَ الكتابُ أجله.\nوذُكِر أن الذي كان بين نزول هذه الآية وبينَ بدرٍ يسيرٌ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-9169>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن محمد بن إسحاق، عن ابن عبادٍ (^٣)، عن أبيه (^٤) عبادِ بن (^٥) عبدِ اللهِ بن الزبيرِ، عن عائشةَ قالت: لما نزلَت هذه الآية: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾ الآية. قالت (^٦) لم يَكُنْ إلا يسيرًا (^٧) حتى كانت (^٨) وقعةُ بدر (^٩).\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت:٢: \"يستبطئه\"، وفي ت ١، ت ٢: \"تستبطئه\".\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت، ت ٢: \"يسيرا\".\n(^٣) في الأصل: \"عباس\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"عن\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\".\n(^٦) في النسخ: \"قال\".\n(^٧) في م: \"يسير\".\n(^٨) في الأصل: \"وقعت\".\n(^٩) أخرجه أبو يعلى (٤٥٧٨)، والحاكم ٤/ ٥٩٤، ٥٩٥، والبيهقي في الدلائل ٣/ ٩٥، ٩٦ من طريق محمد بن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٩ إلى ابن المنذر.","vol":"23","page":381},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ ﷿: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾. يقولُ: إن لله ﷻ فيهم طَلِبةً وحاجةً (^١).\n\n<span id=\"aya-5487\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن عندَنا لهؤلاء المكذِّبين بآياتنا ﴿أَنْكَالًا﴾. يعنى قيودًا، واحدُها نِكْلٌ.\nوبمثلِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9171>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن أبي عمرٍو، [عن عكرمةَ أن] (^٢) الآيةَ التي قال اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾ إنها قيودٌ (^٣).\nحدَّثني عبيدٌ بنُ أسباطَ بن محمدٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن أبي عمرٍو، عن عكرمةَ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾. قال: قيودًا.\n[حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو عمرٍو، عن عكرمةَ: ﴿أَنْكَالًا﴾. قال: قيودًا] (^٤).\n[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي عمرٍو، عن عكرمة: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾. قال: قيودًا.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) في ت ٢: \"قيودا\".\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٧١، ٥٧٢، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٣٣٦ من طريق أبي عمرٍو به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: الأصل، ت ١.","vol":"23","page":382},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: وبلَغَنى عن مجاهدٍ، قال: الأنكالُ القيودُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، [قال: الأنكالُ القيودُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عيسى الدَّامَغانيُّ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن حمادٍ مثله.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمعتُ حمادًا يقولُ: الأنكالُ القيودُ] (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾. أي: قيودًا (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن مباركٍ، عن الحسن، و(^٤) عن سفيانَ، عن أبي [عمرٍو القاصِّ] (^٥)، عن عكرمةَ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾. قالا (^٦): قيودًا (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٩٨ من طريق منصور، عن مجاهد.\n(^٢) في الأصل: \"مثله\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٥) في الأصل: \"عمر القاص\"، وفى ص، ت ١، ت، ت ٣: \"عمرو العاص\"، وفي م: \"عمرو بن العاص\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٦٠٨.\n(^٦) في الأصل، م، ت ٢: \"قال\".\n(^٧) أخرجه هناد في الزهد (٢٦٦) عن وكيع به، وسقط منه ذكر مبارك، وهو في تفسير مجاهد ص ٦٨٠، وأخرجه البيهقى في البعث والنشور (٥٩٥) من طريق مبارك به.","vol":"23","page":383},{"text":"حدَّثنا أبو عبيد الوَصَّابِيُّ محمدُ بنُ حفصٍ، قال: ثنا ابنُ حِمْيَرٍ (^١)، قال: ثنا الثوريُّ، عن حمادٍ في قوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾. قال: الأنكالُ القيودُ.\nحدَّثنا سعيدُ بنُ عَنْبَسةَ الرازيُّ، قال: مررتُ بابنِ السَّمَّاكِ وهو يَقُصُّ، وهو يقولُ: سَمِعْتُ سفيانَ الثوريَّ يقولُ: سمِعْتُ حمادًا يقولُ في [قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾. قال: قيودًا سوداءَ من نارِ جهنمَ (^٢)\nوقولُه: ﴿وَجَحِيمًا﴾. يقولُ: ونارًا تَسَعَّرُ.\n\n<span id=\"aya-5488\"></span>وقولُه: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾. يقولُ: وطعامًا يَغَصُّ به آكلُه، فلا هو نازلٌ من (^٣) حلقِه، ولا هو خارجٌ منه.\nكما حدَّثني إسحاقُ بنُ وهبٍ وابنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا شبيبُ بنُ بشرٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾. قال: شوكٌ يَأْخُذُ بالحَلقِ، فلا يَدْخُلُ ولا يَخْرُجُ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾. قال: شجرةَ الزَّقُّومِ (^٥).\n_________\n(^١) في الأصل: \"حسر\"، وفي ت ٣: \"حميد\". ينظر ما تقدم في ٥/ ٣٨٧، وتهذيب الكمال ٢٥/ ١١٦.\n(^٢) في الأصل: \"الأنكالُ القيودُ\".\n(^٣) في م: \"عن\".\n(^٤) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٠٤، ٥٠٥، والبيهقي في البعث والنشور (٦٠٥) من طريق أبي عاصم به، وابن أبي الدنيا في صفة النار (٨٣) من طريق أبي عاصم، عن رجل، عن عكرمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":384},{"text":"وقولُه: ﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾. يقولُ: وعذابًا مؤلمًا موجعًا.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن حمزةَ الزَّيَّاتِ، عن حُمْرانَ بن أَعْيَنَ أن النبيَّ ﷺ قرَأ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ \".\nفصَعِق ﷺ (^١).\n\n<span id=\"aya-5489\"></span><span data-type='title' id=toc-9172>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إن لدينا لهؤلاء المشركين من قريش الذين يُؤْذُونك يا محمدُ، العقوباتِ التي وصَفَها جَلَّ ثناؤه، في يومٍ تَرْجُفُ الأرضُ والجبالُ. ورُجفانُ ذلك اضطرابُه بمن عليه، وذلك يومَ القيامة.\nوقولُه: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكانت الجبالُ رملًا سائلًا متناثرًا. والمَهِيلُ مفعولٌ، من قول القائلِ: هِلْتُ الرمل، فأنا أُهِيلُه. وذلك إذا حُرِّك أسفلِّه، فانهال عليه مِن أعلاه، وللعرب في ذلك لغتان، تقولُ: مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ. و: مَكِيلٌ ومَكْيُولٌ، ومنه قول الشاعرِ (^٢):\nقد كان قومُكَ يَحْسَبونك سيدًا … وإخالُ أنك سيدٌ مَعْيونُ (^٣)\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائله ص ٦٤، وأحمد في الزهد ص ٢٧، وهناد في الزهد (٢٦٧)، وابن أبي الدنيا في صفة النار (٨٦) من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٩ إلى عبد بن حميد وابن نصر، وعند أبي عبيد: سمع رسول الله ﷺ رجلا يقرأ.\n(^٢) البيت لعباس بن مرداس السلمي في الأغانى ٦/ ٣٤٢، واللسان (ع ى ن).\n(^٣) في ص، م، ت ٣: \"مغيون\"، وفى ت ١، ت ٢: \"مغبون\". والبيت مروى بهم جميعا.","vol":"23","page":385},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9173>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٍّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾. يقولُ: الرملُ السائلُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه،، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾. قال: الكثيبُ المهيلُ اللينُ (^٢) إذا مسَسْتَه تَتابَع.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾. قال: يَنْهالُ.\n\n<span id=\"aya-5490\"></span><span data-type='title' id=toc-9174>القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّا أَرْسَلْنا إليكم أَيُّهَا النَّاسُ رَسُولًا شاهِدًا عليكم بإجابة مِن أجاب منكم دعوتى، وامتناع مِن امْتَنَع منكم مِن الإجابةِ، يومَ تَلْقَوْنى في القيامة، ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾.\n\n<span id=\"aya-5491\"></span>يقولُ: مثلَ إرسالنا مِن قبلِكم إلى فرعونِ مصرَ رسولًا يدعوه (^٣) إلى الحقِّ، فعَصى فرعونُ الرسولَ الذي أَرْسَلْناه إليه، ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾. يقولُ: فأخَذْناه أَحَدًا شديدًا؛ فأَهْلَكْناه ومَن معه جميعًا. وهو مِن قولهم: كَلَاٌ مُسْتَوْبَلٌ. إذا كان لا يُسْتَمْرَأُ، وكذلك الطعامُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في التغليق ٤/ ٣٥١، والإتقان ٢/ ٥٠ - مِن طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) بعده في م: \"الذي\".\n(^٣) في ص، م، ت،١، ت،٢، ت ٣: \"بدعائه\".","vol":"23","page":386},{"text":"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9175>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَخْذًا وَبِيلًا﴾. قال: شديدًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾. قال: شديدًا (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾. قال: شديدًا.\n[حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَخْذًا وَبِيلًا﴾. قال: شديدًا] (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولَه: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾. قال: الوبيلُ الشرُّ، والعربُ تقولُ لمن تَتابَع عليه الشرُّ: لقد أُوبل عليه الشرُّ (^٤). وتقولُ: أَوْبَلْتَ على شرَّكَ. قال: [ولم] (^٥) يَرْضَ اللهُ بأن غُرِّق وعُذِّب، حتى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في التغليق ٤/ ٣٥١، والإتقان ٢/ ٥٠ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكرُه ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٨٢، ٢٨٣.\n(^٣) سقط من: الأصل.\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٥ عن معمر به.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في الأصل: \"أولم\".","vol":"23","page":387},{"text":"أُقرَّ في عذابٍ مستقرٍّ، حتى يُبْعَثُ إلى النارِ يومَ القيامةِ. [يريدُ فرعونَ] (^١).\n\n<span id=\"aya-5492\"></span><span data-type='title' id=toc-9177>القولُ في تأويل قولِه ﷿: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه للمشركين به: فكيف تخافون أيُّها الناسُ يومًا يَجْعَلُ الولْدانَ شيئًا إن كفَرْتُم بالله ولم تُصَدِّقوا به. وذُكِر أن ذلك كذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ (^٢).\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9176>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾: [لا كَيْفَ] (^٣). يقولُ: كيف تتَّقون يومًا، وأنتم قد كفَرْتم به ولا تُصَدِّقون به.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ﴾. قال: والله لا يَتَّقِى مَن كفر بالله ذلك اليوم (^٤).\nوقولُه: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾. يعنى: يومَ القيامةِ، وإنما تَشِيبُ الوِلْدَانُ فيه مِن شدة هَوْلِه وكَرْبِه.\n_________\n(^١) ليس في: الأصل.\n(^٢) معاني القرآن للفراء ٣/ ١٩٨، وتفسير القرطبي ١٩/ ٤٩، وتفسير ابن كثير ٨/ ٢٨٣، والقراءة هي: (فكيف تتقون يوما يجعل الولدان شيبا إن كفرتم). وهى قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":388},{"text":"كما حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاك يقولُ في قولَه: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾: كان ابنُ مسعودٍ يقولُ: إذا كان يومُ القيامةِ دعا ربُّنا المِلكُ آدمَ، فيقولُ: يا آدمُ، قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ النارِ. فيقولُ آدمُ: أَي ربِّ، لا علم لى إلا ما علَّمْتَنى. فيقولُ الله له: أَخْرِجْ مِن كُلِّ أَلفٍ تسعَمائةٍ وتسعةً وتسعين. فيُساقون إلى النارِ سُودًا (^١) مُقَرَّنِين، زُرْقًا كالِحِينَ، فيَشِيبُ هنالك كلُّ وليد (^٢).\nحدَّثني يُونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولَه: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾. قال: تَشِيبُ (^٣) الصِّغارُ مِن كربِ ذلك اليومِ.\n\n<span id=\"aya-5493\"></span>وقولُه: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: السماءُ مُثْقَلَةٌ بذلك اليوم، مُتَصَدَّعةٌ مُتَشَقِّقَةٌ.\nوبنحوِ الذي قلْنا الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9178>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾: يعني تشقُّقَ السماءِ حينَ يَنْزِلُ الرحمنُ جلَّ وعزَّ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) في ت ٢ ت ٣: \"سوقا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧٩ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في ت ١: \"لما يصيب\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٠ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"23","page":389},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾. قال: مُثْقَلةٌ به (^١).\nحدَّثنا أبو حفصٍ الجُبَيْريُّ (^٢)، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا أبو مودودٍ (^٣)، عن الحسنِ في قولِه: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾. قال: مُثْقَلةٌ محزونةٌ (^٤) يومَ القيامةِ (^٥).\nحدَّثني علي بن سهلٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا أبو مودودٍ بحرُ بنُ موسى، قال: سمِعْتُ الحسنَ (^٦) يقولُ في هذه الآية. ثم ذكَر مثلَه (^٧).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ (^٨)، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾. قال: مُثْقَلَةٌ (^٩) به (^١٠).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قال: ثنا أبو رَجاءٍ، عن الحسنِ في قولَه: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾. قال: مُوقَرَةٌ مُثْقَلةٌ (٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في الأصل، ص: \"الخيبري\"، وفي م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحيرى\". وهو عبيد الله بن يوسف أبو حفص البصري، ينظر ما تقدم في ٦/ ٣١٢.\n(^٣) في الأصل: \"مورد\". وينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٢٦٨.\n(^٤) في ت ٢، ت ٣: \"مخزونة\".\n(^٥) ذكره الحافظ في تغليق التعليق ٤/ ٣٥٠ عن المصنف.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت،٢، ت: \"ابن أبي على\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت،٢، ت ٣: \"نحوه\".\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحسن\".\n(^٩) في الأصل، ص، ت ٢، ت ٣: \"مثقل\".\n(^١٠) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":390},{"text":"بِهِ﴾. يقولُ: [مُثْقَلةٌ يوم القيامة] (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولَه: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾. قال: هذا يومَ القيامة، [يومَ يجعلُ] (^٢) الوِلْدَانَ شِيبًا، ويومَ تَنْفَطِرُ السماءُ. وقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]. وقال: هذا كلُّه يومَ القيامةِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عبدِ اللهِ بن نُجَيٍّ (^٣)، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾. قال: مُمْتَلِئَةٌ به (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عبدِ اللهِ بن نُجَيٍّ (^٣)، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾. قال: ممتلئةٌ به، بلسانِ الحبشةِ.\n[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ، ولم يَسْمَعْه، عن ابن عباسٍ: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾. قال: ممتلئةٌ به] (^٥).\nوذُكِّرَت السماءُ في هذا الموضع؛ لأن العربَ تُذَكِّرُها وتُؤَنِّثُها، فمَن ذكَّرها وجَّهها إلى السقفِ (^٦)، كما يقالُ: هذا سماءُ البيتِ. لسَقْفِه. وقد يجوزُ أن يكونَ تذكيرُهم إياها لأنها مِن الأسماءِ التي لا فصلَ فيها بينَ مؤنَّثِها ومذكَّرِها، ومن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مثقل به ذلك اليوم\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فجعل\".\n(^٣) في النسخ: \"يحيى\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بلسان الحبشة\".\n(^٥) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٠ إلى المصنف والفريابي وابن أبي حاتم.\n(^٦) في ت ٢، ت ٣: \"الشفق\".","vol":"23","page":391},{"text":"التذكيرِ قولُ الشاعرِ (^١):\nفلو رفَع السماءُ إليه قومًا … لحِقْنا بالسماءِ مع السَّحابِ\nوقولُه: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كان ما وعَد اللهُ مِن أمرٍ أن يَفْعَلَه مفعولًا؛ لأنه لا يُخْلِفُ وعدَه، ومما (^٢) وعَد أن يَفْعَلَه تكوينُه يومًا (^٣) تكونُ الولدان منه (^٤) شيئًا. يقولُ: فاحْذَروا ذلك اليوم أيُّها الناسُ، فإنه كائنٌ لا مَحالةَ.\n\n<span id=\"aya-5494\"></span><span data-type='title' id=toc-9179>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩) إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعني تعالى ذكرُه بقولَه: [﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾] (^٥): إن هذه الآياتِ التي ذكَرَ فيها أمرَ القيامةِ وأهوالَها، وما هو فاعلٌ فيها بأهلِ الكفرِ، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾. يقولُ: [عِبرةٌ وعِظَةٌ لمن اعْتَبر بها واتَّعظ، ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾. يقولُ] (^٦): فمن شاء (^٧) اتَّخذ إلى ربِّه طريقًا، بالإيمانِ\n_________\n(^١) البيت غير منسوب في معاني القرآن للفراء ٣/ ١٩٩، وفي اللسان (س م و)\n(^٢) في م، ت ١: \"ما\".\n(^٣) في م: \"يوم\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيه\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) سقط من: الأصل:\n(^٧) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من الخلق\".","vol":"23","page":392},{"text":"به والعملِ بطاعتِه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9180>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. يعنى: القرآنَ، ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾: بطاعةِ اللهِ.\n\n<span id=\"aya-5495\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إن ربَّك يا محمدُ يَعْلَمُ أنك تقوم أقربَ مِن ثلثَيِ الليلِ مُصَلَّيًا، ونصفَه وثلثَه.\nواختَلَفَت القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقَرأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ بالخفضِ (ونصفِه وثلثِه) (^١). بمعنى: وأدنى مِن نصفِه وثلثِه. أي: إنكم لم تُطِيقوا العملَ بما افتَرَض عليكم مِن قيامِ الليلِ، فقوموا أدنى مِن ثلثى الليلِ ومن نصفه وثلثِه. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ مكةَ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ بالنصبِ (^٢). بمعنى: إنك (^٣) تقومُ أدنى مِن ثلثى الليلِ، وتقومُ نصفَه وثلثَه.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقولُه: ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾. يعني: مِن أصحابِ رسول الله ﷺ الذين كانوا مؤمنين باللهِ حينَ فُرِضَ عليهم قيامُ الليلِ.\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وأبي عمرٍو وابن عامر. السبعة لابن مجاهدٍ ص ٦٥٨.\n(^٢) هي قراءة ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٣) في الأصل: \"ذلك\".","vol":"23","page":393},{"text":"وقولُه: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: والله يقدِّرُ الليلَ والنهارَ] (^١) بالساعاتِ والأوقاتِ.\nوقولُه: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: علم ربُّكم أيُّها القومُ الذين فُرِض عليهم قيامُ الليلِ، أن لن تُطِيقوا قيامَه، ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ إِذ عَجَزْتُم وضعُفْتُم عنه، ورجَع لكم (^٢) إلى التخفيف عنكم.\nوبنحوِ الذي قلنا في [معنى قولَه: ﴿أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾. قال أهلُ التأويلِ] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-9181>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عبادِ بن راشدٍ، عن الحسنِ: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾: [أَن لن] (^٤) تُطِيقوه (^٥).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرني به عبادُ بن راشدٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ في قولِه: ﴿أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾. [قال: لن] (٤) تُطِيقوه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوب، [عن جعفرٍ، عن سعيدٍ] (^٦): ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾. يقولُ: أن لن تُطِيقوه (٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾. قال: أن لن تُطِيقوه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن أبيه، عن\n_________\n(^١) سقط مِن: م، ت ١.\n(^٢) في م: \"بكم\".\n(^٣) في الأصل: \"ذلك قال أهل العلم\".\n(^٤) في الأصل: \"أن لم\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) سقط من: الأصل.","vol":"23","page":394},{"text":"عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"خَلَّتان لا يُحْصِيهما رجلٌ مسلمٌ إلا أدْخَلتاه الجنةَ، وهما يسيرٌ، ومَن يَعْمَلُ بهما قليلٌ؛ يُسَبِّحُ الله في دُبُرٍ كلِّ صلاةٍ عشرًا، وَيَحْمَدُه عشرًا، ويُكَبِّرُه عشرًا\". قال: فأنا رأيْتُ رسولَ الله ﷺ يَعْقِدُها بيدِه، قال: \"فتلك خمسون ومائةٌ باللسانِ، وألفٌ وخمسُمائةٍ في الميزانِ، وإذا أوَى إلى فراشِه سبَّح وحمِد وكبَّر مئةً\". قال: \"فتلك مائةٌ باللسانِ، وألفٌ في الميزانِ، فأَيُّكُم يَعْمَلُ في اليوم الواحدِ ألفين وخمسَمائةِ سيئةٍ؟ \" قالوا: فكيف لا نُحْصِيهما؟ قال: \"يأتى أحدَكم الشيطانُ وهو في صلاته فيقولُ: اذْكُرْ كذا، اذْكُرْ كذا. حتى يَنْفَتِلَ، ولعله أن (^١) لا يفْعَلَ (^٢)، ويأتيه وهو في مضجعِه، فلا يزالُ يُنَوِّمُه حتى ينامَ\" (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾: قيامُ الليلِ كُتِب عليكم، ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾.\nوقولُه: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾. يقولُ: فاقْرَءوا مِن الليل ما تيَسَّر لكم مِن القرآنِ في صلاتِكم. وهذا تخفيفٌ مِن الله ﷿ عن عبادِه فرضَه الذي كان\n_________\n(^١) سقط مِن: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م: \"يعقل\".\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣٤١٠)، وابن ماجه (٩٢٦)، وابن حبان (٢٠١٢) مِن طريق ابن علية به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٢٣٣، ٢٣٤، وأبو داود (٥٠٦٥)، والنسائى (١٣٤٧)، وفى الكبرى (١٢٧١)، وابن حبان (٢٠١٢، ٢٠١٨) من طريق عطاء به.\n(^٤) أخرجه الحميدى (٥٨٣)، وعبد الرزاق في مصنفه (٣١٨٩)، والنسائي في الكبرى (١٠٦٥٥)، والبيهقي في الشعب (٦١٣) من طريق سفيان به.","vol":"23","page":395},{"text":"فرَض عليهم بقولِه: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أبى رَجاءٍ محمدٍ، قال: قلتُ للحسنِ: يا أبا سعيدٌ، ما تقولُ في رجلٍ قد اسْتَظْهَر القرآنَ كلَّه عن ظهرِ قلبِه فلا يقومُ به، إنما يُصَلِّي المكتوبةَ؟ قال: يَتَوَسَّدُ القرآنَ! لعَن اللهُ ذاك. قال: قال الله جلَّ ذكرُه للعبدِ الصالحِ: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف: ٦٨]. ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام: ٩١]. قلتُ: يا أبا سعيدٍ، قال اللهُ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾! قال: [نعم، ولو خمسين آيةً] (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عثمانَ الهَمْدانيِّ، عن السديِّ في قولِه: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾. قال: مائة آيةٍ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن ربيعٍ، عن الحسنِ، قال: من قرَأ مائةَ آيةٍ في ليلةٍ، لم يُحاجَّه القرآنُ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن كعبٍ، قال: مَن قرَأ في ليلةٍ مائة آيةٍ، كُتِب من القانتين (^٣).\nوقولُه: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: علم ربُّكم أيُّها المؤمنون أن سيكونُ منكم أهلُ\n_________\n(^١) في الأصل: \"لو مائة آية\".\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٨٥ عن المصنف وفيه: خمس آيات.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ٥٣.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"العابدين\".\nوالأثر أخرجه الدارمى ٢/ ٤٦٤ من طريق الأعمش به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥٠٧ من طريق الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن ضمرة، عن كعب، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٤ من طريق أبي راشد الحراني، عن كعب مطولًا.","vol":"23","page":396},{"text":"مرضٍ قد أضْعَفه المرضُ عن قيامِ الليلِ، ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ في سفرٍ (^١) ﴿يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ في تجارةٍ قد سافَروا الطلبِ المعاشِ، فأَعْجَزهم وأَضْعَفهم (^٢) عن قيامِ الليلِ، ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: وآخرون أيضًا منكم يُجاهِدون العدوَّ، فيقاتِلونهم في نُصرةِ دينِ اللهِ، فرحِمكم اللهُ، فخفَّف عنكم ووضَع عنكم فرضَ قيامِ الليلِ، ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾. يقولُ: فاقْرَءوا الآن، إذ خفَّف ذلك عنكم من الليل في صلاتِكم، ما تيَسَّر من القرآنِ.\nوالهاءُ في قولِه: ﴿مِنْهُ﴾. من ذكرِ القرآنِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9182>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثم أنْبَأ بخصالِ المؤمنين، فقال: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾. [فَإِنَّ الله] (^٣) افْتَرَض (^٤) القيامَ في أولِ هذه السورةِ، فقام نبيُّ اللهِ ﷺ وأصحابُه حولًا، حتى انْتَفَخَت أقدامُهم، وأمْسَك اللهُ جل ثناؤه خاتمتَها (^٥) اثنَيْ عشرَ شهرًا في السماءِ، ثم أنزَل اللهُ ﷿ التخفيفَ في آخرِها، فصار قيامُ الليلِ تطوعًا بعدَ فريضةٍ (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: \"سعه\".\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أيضًا\".\n(^٣) في م: \"قال\".\n(^٤) بعده في م: \"الله\".\n(^٥) في الأصل: \"بخاتمتها\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٠ إلى عبد بن حميد وابن نصر.","vol":"23","page":397},{"text":"[وقولُه] (^١): ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. [يقولُ: وأقيموا] (^٢) الصلاةَ (^٣) المفروضةَ، وهى الصلواتُ الخمسُ في اليومِ والليلةِ، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. يقولُ: وأَعْطُوا الزكاةَ المفروضةَ في أموالِكم أهلَها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9183>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: فهما فريضتان واجبتان، لا رُخصةَ لأحدٍ فيهما، فأدُّوهما إلى اللهِ تعالى ذكرُه (^٤).\nوقولُه: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. يقولُ: وأنفقوا في سبيلِ اللهِ مِن أموالِكم.\nوكان ابنُ زيد يقولُ في ذلك ما حدَّثني به يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. قال: القرضُ. النوافلُ سوى الزكاةِ.\nوقولُه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾. يقولُ: وما تُقَدِّموا أيُّها المؤمنون لأنفسِكم في دارِ الدنيا مِن صدقةٍ أو نفقةٍ تُنْفِقونها في\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: الأصل، ت ١.\n(^٣) سقط من: الأصل، م، ت ١.\n(^٤) تقدم أوله في الصفحة السابقة.","vol":"23","page":398},{"text":"سبيل الله؛ أو غير ذلك من [نفقةٍ في وجوه الخيرِ، أو عملٍ بطاعةِ اللهِ؛ من صلاةٍ أو صيامِ أو حجٍّ، أو غيرِ ذلك مِن] (^١) أعمالِ الخيرِ (^٢)، طلبَ ما عندَ اللهِ، تَجِدوه عندَ اللهِ يومَ القيامةِ في معادِكم، هو خيرًا لكم مما قدَّمِتم في الدنيا، وأعظمَ منه ثوابًا. أي: ثوابُه أعظمُ مِن ذلك الذي قدَّمتموه، لو لم تكونوا قدَّمْتموه، ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وسَلُوا الله غُفرانَ ذنوبِكم بصفحِه (^٣) لكم عنها، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: إن الله ذو مغفرةٍ لذنوبِ مَن تاب مِن عبادِه من ذنوبِه، وذو رحمةٍ، أن يُعاقِبَهم عليها مِن بعدِ توبتِهم منها.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ المزملِ\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) بعده في م: \"في\".\n(^٣) في م: \"يصفح\"","vol":"23","page":399},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9184>تفسيرُ سورةِ المدثرِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5496\"></span><span data-type='title' id=toc-9186>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾: يأيُّها المُتَدَثِّرُ بثيابِه عندَ نومِه.\nوذُكِر أن نبيَّ اللهِ ﷺ قيل ذلك له، وهو متدثرٌ بقَطيفةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9185>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، عن المغيرة، عن إبراهيم: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. قال: [كان متدثِّرًا] (^١) في قَطيفةٍ (^٢).\nذُكِر أن هذه الآيةَ أولُ شيءٍ نزَل من القرآنِ على رسولِ اللهِ ﷺ، وأنه قيل له: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾.\nكما حدَّثنا يونُسَ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا يونُسُ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبَرني أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن جابرَ بن عبدِ اللهِ الأنصارى قال: قال رسولُ الله ﷺ وهو يُحَدِّثُ عن فترة الوحي: \"بيْنا أنا أمْشِي سمعتُ صوتًا من السماءِ، فرفَعْتُ رأسى، فإذا الملكُ الذي جاءني بحراء،\n_________\n(^١) ليست في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) عزاء السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨١ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":400},{"text":"جالسٌ على كرسيٍّ بين السماءِ والأرضِ\". قال رسولُ الله ﷺ: \"فَجُثِثْتُ (^١) منه فَرَقًا، وجئتُ (^٢)، فقلتُ: زَمِّلُوني زَمِّلُوني. فدثَّروني، فأَنْزِل اللهُ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّر﴾ إلى قولِه: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ \". قال: \"ثم تتابع الوحيُ\" (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا الأوزاعيُّ، قال: ثنى يحيى بنُ أبي كثيرٍ، قال: سألتُ أبا سلمةَ، فقلتُ: أَيُّ القرآنِ أُنْزِل قبلُ (^٤)؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ (^٥).\n[حدَّثنا ابنُ المثنى، [قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ بن فارسٍ] (^٦)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المباركِ، عن يحيى، قال: سأَلتُ أبا سلمةَ: أيُّ القرآنِ أُنزِلَ أُولَ؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾] (^٧).\n_________\n(^١) جثثت منه: فزعت منه وخفت. النهاية ١/ ٢٣٩.\n(^٢) بعده في م: \"أهلي\".\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٣٠٦ عن يوسف بن عبد الأعلى به، ومسلم (١٦١/ ٢٥٥) من طريق ابن وهب به، وأخرجه البخاري (٤٩٥٤) من طريق يونس به. وأخرجه الطيالسي (١٧٩٩)، وعبد الرزاق في التفسير ٢/ ٣٢٧، وابن أبي شيبة ١٤/ ٢٩٤، ٢٩٥، والترمذي (٣٣٢٥)، والنسائي (١١٦٣١ - كبرى)، وأبو عوانة ١/ ١١٢، وأبو نعيم في الدلائل ١/ ٢١٥، والبيهقي في السنن ٩/ ٦ من طريق الزهري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وابن الأنباري في المصاحف.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أول\".\n(^٥) أخرجه أحمد ٢٢/ ١٩٢ (١٤٢٨٧)، ومسلم (١٦١/ ٢٥٧)، وأبو عوانة ١/ ١١٥، وابن حبان (٣٥)، والواحدى في أسباب النزول ص ٣٢٩، من طريق الوليد بن مسلم به. وأخرجه النسائي (١١٦٣٢ - كبرى)، وأبو يعلى (١٩٤٨)، والبيهقي في الدلائل ٢/ ١٥٥، من طريق الأوزاعي به. وأخرجه الطيالسي (١٧٩٣)، والبخاري (٤٩٢٤)، وابن الضريس في فضائله ص ٣٧ (٢٥) من طريق يحيى بن أبي كثير به.\n(^٦) سقط من: الأصل. والمثبت من صحيح مسلم وتاريخ الطبري.\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"23","page":401},{"text":"فقلتُ: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]. فقال أبو سلمةَ: سألتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ: أَيُّ القرآنِ أُنْزِل أولَ؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. فقلتُ: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. فقال: لا أُخبِرُك إلا ما حدَّثنا النبيُّ ﷺ، قال: \"جاوَرْتُ في حِراءٍ، فلما قضَيْتُ جوارى هبَطْتُ، فاسْتَبْطَنْتُ الوادىَ، فنُودِيتُ، [فنظَرْتُ عن يميني وعن شمالي وخلفي وقُدَّامى، فلم أر شيئًا] (^١)، فنَظَرْتُ فوق رأسى، فإذا هو جالسٌ على عرشٍ بينَ السماءِ والأرض، فخشِيتُ منه - هكذا قال عثمانُ بنُ عمرَ، إنما هو: فجُثِثْتُ منه ولقيتُ خديجةَ، فقلتُ: دَثِّروني. فدثَّروني، وصَبُّوا عليَّ ماءً، فأنْزَل اللهُ عليَّ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ \" (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عليٍّ بن المبارَكِ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، قال: سألْتُ أبا سلمةَ عن أولِ [ما نزَل] (^٣) من القرآنِ، قال: نزلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أولَ. قال: قلتُ: إنهم يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. فقال: سأَلْتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ، فقال: لا أُحَدِّثُك إلا ما حدَّثنا رسولُ اللهِ ﷺ، قال: \"جاوَزْتُ بحِراءٍ، فلمَّا قضَيْتُ جِوارِي هبَطْتُ، فسمِعْتُ صوتًا، فنظَرْتُ عن يميني فلم أرَ شيئًا، [وعن شمالي فلم أرَ شيئًا، ونظرتُ أمامي فلم أر شيئًا] (^٤)، [ونظَرْتُ خلفي فلم أرَ شيئًا، فرفَعْتُ رأسى، فرأيْتُ شيئًا] (^٥)، فأتيتُ خديجة، فقلتُ:\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ت ١.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٦١/ ٢٥٨)، والحسن بن سفيان في مسنده - كما في التغليق ٤/ ٣٥٤ - والمصنف في التاريخ ٢/ ٣٠٣ عن محمد بن المثنى به، وأبو عروبة في كتاب الأوائل - كما في الفتح ٨/ ٦٧٧ - من طريق عثمان بن عمر به، وأخرجه البخاري (٤٩٢٢) من طريق على بن المبارك الهنائي به.\n(^٣) في الأصل: \"آية نزلت\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) سقط من: الأصل.","vol":"23","page":402},{"text":"دَثِّروني، وصُبُّوا عليَّ ماءً (^١). [فدثَّرونى وصَبُّوا على ماءً باردًا] (^٢)، فنزَلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ \" (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: فتَر الوحيُ عن رسولِ اللهِ ﷺ فَترةً، فحزِن حزنًا، فجعَل يَغْدُو (^٤) إِلى شَواهِقِ رءوسِ الجبالِ ليتَرَدَّى منها، فكلما أوْفَى بذِرُوةٍ جبلٍ تبَدَّى له جبريلُ ﵇ فيقولُ: إنك نبيُّ الله. فيَسْكُنُ لذلك (^٥) جأْشُه، و[ترجعُ إليه] (^٦) نفسُه، فكان النبيُّ ﷺ يُحَدِّثُ عن ذلك، قال: \"فبينَما أنا أمْشِى يومًا [إذ رأيتُ] (^٧) المَلكَ الذي كان يأْتيني بحِراءٍ على كرسيٍّ بينَ السماءِ والأرضِ، فجُثِثْتُ منه رعبًا، فرجَعْتُ إلى خديجةَ، فقلتُ: زمِّلوني\". فرمَّلْناه، أي: فدَثَّرْناه، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال الزهريُّ: فكان أولَ شيءٍ أُنزِل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (^٨).\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: يا أيُّها النائمُ في ثيابِه.\n_________\n(^١) بعده في البخاري: \"باردًا\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٣٠٤ عن أبي كريب به، وأحمد ٢٢/ ١٩٢ (١٤٢٨٧)، والبخاري (٤٩٢٢)، وأبو عوانة ١/ ١١٤ من طريق وكيع به.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يعدو\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تسكن\".\n(^٧) في الأصل: \"أدركت\".\n(^٨) أخرجه المصنف ٢/ ٣٠٥ عن محمد بن عبد الأعلى به، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٧ من طريق معمر به.","vol":"23","page":403},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9187>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. قال: يا أَيُّها النائم (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. يقولُ: المُتَدَثِّرُ في ثيابِه (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: يأيُّها المدثرُ النبوةَ وأثقالَها.\n\n<span data-type='title' id=toc-9188>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: وسُئِل داودُ عن هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، فقال عن عكرمةَ أنه قال: دُثِّرْتَ هذا الأمرَ، فقُمْ به (^٣).\n\n<span id=\"aya-5497\"></span>وقولُه: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُمْ مِن نومِك، فأنذِرْ عذابَ اللهِ قومَك الذين أشركوا بالله وعبَدوا غيرَه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9189>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾. أي: أنذِرْ عذابَ الله، ووقائعَه في الأممِ، وشدةَ نقمتِه (٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨١ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٢٩٥ عن عبد الأعلى به، والحاكم ٢/ ٥٠٦ من طريق داود عن عكرمة عن ابن عباس به.","vol":"23","page":404},{"text":"<span id=\"aya-5498\"></span>وقولُه: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وربَّك يا محمد، فعظِّمْ بعبادتِه، والرغبةِ إليه في حاجاتِك دونَ غيرِه من الآلهةِ والأندادِ.\n\n<span id=\"aya-5499\"></span>وقولُه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لا تَلْبَسُ ثيابك على معصيةٍ، ولا على غَدْرةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9190>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ [إسماعيل الأحمسيُّ، قال: حدَّثنا غالبُ بنُ فائِدٍ، قال: حدَّثنا قاسم بن معن وموسى الأنصاريُّ، عن الأجلحِ، عن عكرمةَ] (^١)، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: أما سمِعْتَ قولَ غَيْلَانَ بن سلمةَ:\nوإني بحمد الله لا ثوبَ فاجرٍ … لبِسْتُ ولا من غَدْرِةٍ أَتَقَنَّعُ (^٢)\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ سَلَّامٍ، عن الأجلحِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: أتاه رجلٌ وأنا جالسٌ، فقال: أرأيْتَ قولَ اللهِ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: لا تَلْبَسْها على معصيةٍ، ولا على غَدْرةٍ. ثم قال: أما سمِعْتَ قولَ غَيْلانَ بن سلمةَ الثقفيِّ:\nوإني بحمدِ اللهِ لا ثوبَ فاجرٍ … لبِسْتُ ولا من غَدْرة أتَقَنَّعُ (^٢)\nحدَّثنا سعيدٌ بن يحيى، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ، عن الأجلحِ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: لا تَلْبَسُها على غَدْرِةٍ ولا على فَجْرةٍ. ثم تَمَثَّل\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سعد قال ثني أبي قال ثني عمي، قال ثني أبي عن أبيه\".\n(^٢) أخرجه ابن حجر في الإصابة ٥/ ٣٣٦ من طريق القاسم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨١ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في الوقف والابتداء وابن مردويه. والبيت تقدم تخريجه في ١٤/ ٦٢٣.","vol":"23","page":405},{"text":"بشعرِ غَيْلانَ بن سَلَمةَ هذا (^١)\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأجلحِ بن عبدِ اللهِ الكِنْديِّ، عن عكرمةَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: لا تَلْبَسُ ثيابك على معصيةٍ، ألم تَسْمَعْ قولَ غيلان بن سلمةَ الثقفيِّ:\nوإني بحمدِ الله لا ثوبَ فاجرٍ … لبِسْتُ ولا من غَدْرةٍ أَتَقَنَّعُ (^١)\nحدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا حجاجٌ، قال ابنُ جريجٍ: أخبَرني عطاءٌ، أنه سمِع ابن عباسٍ يقولُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: مِن الإثمِ. ثم قال: نقيُّ الثيابِ في كلامِ العربِ (^٢).\nحدَّثنا سعيدٌ بن يحيى الأمويُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ القاضي، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ في قولَه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: في كلامِ العربِ نقيُّ الثوبِ (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: من الذنوبِ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٌ، عن (^٥) ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، في: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: من الذنوبِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٢/ ٢٣٦ من طريق سفيان عن الأجلح به.\n(^٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٠٦، وابن عبد البر في التمهيد ٢٢/ ٢٣٥ من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨١ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الثياب\".\n(^٤) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٢/ ٢٣٦ من طريق سفيان عن مغيرة به.\n(^٥) بعده في الأصل: \"سفيان عن\".","vol":"23","page":406},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: هي كلمةٌ من العربيةِ، كانت العربُ تقولُها: طهِّرْ ثيابَك، أي: مِن الذنبِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. يقولُ: طهِّرْها مِن المعاصى، فكانت العربُ تُسَمِّى الرجلَ إذا نكَث ولم يَفِ بعهدٍ، أنه لَدَنِسُ الثيابِ، وإذا وفَى وأصْلَح قالوا: إنه لمطهَّرُ الثيابِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: من الإثمِ (^٢).\nقال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.\nقال: من الإثم.\nحُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. يقولُ: لا تَلْبَسُ ثيابَك على معصيةٍ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: من الإثمِ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"الذنوب\".\nوالأثر في تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٢٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٠٦ من طريق سفيان به.\n(^٣) ذكرُه ابن كثير ٨/ ٢٨٩.","vol":"23","page":407},{"text":"قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: من الإثمِ (^١).\nقال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن الأجلحِ، سمِع عكرمةَ قال: لا تَلْبَس ثيابَك على معصيةٍ (^١).\nقال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ وعطاءٍ، قالا: مِن الخَطايا (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تَلْبَسُ ثِيَابَكَ مِنَ مَكْسَبٍ غَيرِ طيبٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9191>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: لا تَكُنْ ثيابُك التي تَلْبَسُ من مَكْسَبٍ غيرِ طائبٍ. ويقالُ: لا تَلْبَسْ ثيابَك على معصيةٍ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أصْلِحْ عملَك.\n\n<span data-type='title' id=toc-9192>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا فُضَيْلُ بنُ عِياضٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولَه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: عملَك فأَصْلِحْ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٢/ ٢٣٦ من طريق وكيع به.\n(^٢) بعده في الأصل: \"حدَّثنا ابنُ حميدٍ قال حدَّثنا جرير عن منصور عن أبى رزين في قولَه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال عملك فأصلحه وكان الرجل إذا كان خبيث العمل قالوا فلان طاهر الثياب\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨١ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":408},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ في قولِه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: عملَك فأصْلِحْه، وكان الرجلُ إذا كان خبيثَ العملِ قالوا: فلانٌ خبيثُ الثيابِ، وإذا كان حسنَ العملَ قالوا: فلانٌ طاهرُ الثيابِ (^١).\nوقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: لستَ بكاهنٍ ولا ساحرٍ، فأعْرِضْ عما قالوا.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: اغْسِلْها بالماء، وطهِّرْها من النجاسةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9193>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عباس بن أبي طالبٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ عبد اللهِ بن جعفرٍ، عن أحمدَ بن موسى بن أبي مريمَ صاحبِ اللؤلؤَ، قال: أخبَرنا ابنُ عونٍ، عن محمدِ بن سيرينَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: اغْسِلْها بالماء (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: كان المشركون لا يَتَطَهَّرون، فأمر الله نبيَّه أن يَتَطَهَّرَ، ويُطَهِّرَ ثيابَه (^٢).\nوهذا القولُ الذي قاله ابن سيرينَ وابنُ زيدٍ في ذلك أظهرُ معانيه، والذي قاله\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٤١٧، وابن عبد البر في التمهيد ٢٢/ ٢٣٥ من طريق جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٨٩.","vol":"23","page":409},{"text":"ابنُ عباسٍ وعكرمةُ [ومن ذكرنا قولَه] (^١) عليه أكثرُ السلفِ، من أنه عُنِى به جسمَك فطهِّرْ من الذنوبِ، واللهُ أعلمُ بمرادِه مِن ذلك.\n\n<span id=\"aya-5500\"></span>وقولُه: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. اختَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ المدينةِ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ: (والرَّجْزَ) بكسرِ الراءِ. وقرَأه بعضُ المكيين والمدنيين ﴿وَالرُّجْزَ﴾ بضمِّ الراءِ (^٢)، فمَن ضمَّ الراءَ وجَّهه إلى الأوثانِ، وقال: معنى الكلامِ: والأوثانَ فاهْجُرْ عبادتَها واتْرُكُ خدمتَها، ومَن كسرَ الراءَ وجَّهه إلى العذابِ، وقال: معناه: والعذابَ فاهْجُرْ، أي: ما أَوْجَب لك العذابَ مِن الأعمال فاهْجُرْ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، والضمُّ والكسرُ في ذلك لغتان بمعنًى واحدٍ، ولم نجد أحدًا مِن مُتَقَدِّمي أهلِ التأويلِ فرَّق بينَ تأويلِ ذلك، وإنما فرَّق بين ذلك فيما بلَغنا الكسائيُّ.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو الأصنامُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9194>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. يقولُ: السُّخطَ، وهو الأصنامُ (^٣).\nحدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) في م، ت ١، ٢، ت ٣: \"وابن زكريا قول\".\n(^٢) قرأ أبو جعفر ويعقوب وحفص بضم الراء، وقرأ الباقون بكسرها. النشر ٢/ ٢٩٤.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"23","page":410},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. قال: الأوثانَ (^١).\nحدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، قال أبو جعفرٍ: أحْسَبُه أنا عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. قال: الأوثانَ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ عن قتادةَ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾: [إسافَ ونائلةَ] (^٣)، وهما صنمان كانا عنِد البيتِ، يَمْسَحُ وجوهَهما مَن أتَى عليهما، فأمَر الله نبيِّه ﷺ أَن يَجْتَنِبَهما ويَعْتَزِلَهما (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. قال: هي الأوثانُ (^٥).\nحدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. قال: الرُّجْزَ آلهتُهم التي كانوا يَعْبُدون، أمَرَه أَن يَهْجُرَها، فلا يَأْتِيَها، ولا يَقْرَبَها (^٦).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: والمعصيةَ والإثم فاهْجُرْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9195>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر، كما في مخطوط المحمودية ص ٤٣٤.\n(^٢) ذكره البغوي ٨/ ٢٦٥.\n(^٣) ليس في: الأصل.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨١ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٨ عن معمر به.\n(^٦) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٢٦٥، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٨٩.","vol":"23","page":411},{"text":"﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. قال: الإثمَ (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. يقولُ: اهْجُرِ المعصيةَ (^٢).\nوقد بيَّنَّا معنى الرُّجْز فيما مضَى بشواهدِه المغنيةِ عن إعادتِها في هذا الموضعِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-5501\"></span>وقولُه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ولا تُعْطِ يا محمدُ عَطِيَّةٌ لِتُعْطَى أكثر منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-9196>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. قال: لا تُعْطِ عطيةً تَلْتَمِسُ بها أفضلَ منها (^٤).\nحدَّثنا أبو حميدٍ الحِمْصيُّ أحمدُ بنُ المغيرةِ، قال: ثني أبو حَيْوةً شُرِيحُ بنُ يزيدَ الحضرميُّ، قال: ثنى أَرْطاةُ، عن ضَمْرَةَ بن حَبيبٍ وأبى الأحوصِ في قولِه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. قال: لا تُعْطِ شَيْئًا لِتُعْطَى أكثرَ منه (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨١ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٨٩.\n(^٣) تقدم في ١/ ٧٢٩، ١٠/ ٤٠١.\n(^٤) أخرجه الطبراني (١٢٦٧٢) من طريق آخر عن عطية العوفى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٩٠.","vol":"23","page":412},{"text":"حدثَّني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. قال: لا تُعْطِ شيئًا لتُعْطَى أكثرَ منه.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرني مَن سمِع عكرمةَ يقولُ: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. قال: لا تُعْطِ العطية لِتريدَ أن تَأْخُذَ أكثرَ منها (^١).\nحدثَّني يحيى بن طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا فضيلٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. قال: لا تُعْطِ كيما تَزْدادَ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةً، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. قال: لا تُعْطِ شيئًا لتَأْخُذَ أكثرَ منه.\n[حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سلمةَ، عن الضحاكِ: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. قال: لا تُعْطِ لِتُعْطَى أكثرَ منه] (^٢).\nقال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. قال: لا تُعْطِ [لتأخذَ شيئًا] (^٣) أكثرَ منه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٍ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. قال: لا تُعْطِ شيئًا لتزداد (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ١٥١ من طريق غندر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ليس في: الأصل.\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ١٥١ من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لتعطى\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ١٥١ من طريق جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨١ إلى سعيد بن =","vol":"23","page":413},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ قال: ثنا وكيعٌ، عن ابن أبي رَوَّادٍ (^١)، عن الضحاكِ، قال: هو الربا الحلالُ، كان للنبيِّ ﷺ ما خاصَّةً (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبى حُجيرةَ، عن الضحاكِ: هما رِبَوَانِ حلالٌ وحرامٌ؛ فأما الحلالُ فالهدايا، وأما الحرامُ فالرِّبا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. يقولُ: لا تُعْطِ شيئًا، إنما بك مُجازاة الدنيا ومعارضُها (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. قال: لا تُعْطِ شيئًا لِتُثابَ أفضل منه. وقاله أيضًا طاوسٌ (^٤).\nحدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. قال: [لا تُعْطِ] (^٥) مالًا مُصانعةً؛ رجاءَ أفضلَ منه من الثوابِ في الدنيا (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: لا تُعْطِ لِتُعْطَى أكثرَ منه (^٧).\n_________\n= منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^١) في الأصل: \"سلمة\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ١٥١ عن وكيع به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٨ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٨ عن معمر به.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣: تعطى\".\n(^٦) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ١٧٣.\n(^٧) في الأصل: \"منها\".","vol":"23","page":414},{"text":"[قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. قال: لا تُعْطِ لتَزداد] (^١).\nقال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الضحاكِ بن مُزاحمٍ: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. قال: هي للنبيِّ ﷺ خاصةً، وللناس عامةٌ مُوَسَّعٌ عليهم (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تَمْنُنْ عملَك على ربِّكَ تَسْتَكْثِرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9197>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سفيانُ بنُ (^٣) حسينٍ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. قال: لا تَمْنُنْ عملَك تَسْتَكْثِرُه على ربِّك (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. قال: لا تُمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ عملَك.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونسُ بن نافعٍ أبو غانمٍ، عن أبي سهلٍ كثير بنِ زيادٍ، عن الحسنِ: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. يَقولُ: لا تُمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ عملَك الصالح.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. قال: لا يَكْثُرَنَّ عملَك في عينِك، فإنه فيما أَنْعَم اللهُ\n_________\n(^١) ليس في: الأصل.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في الأصل: \"عن\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ١٥٢ عن يزيد به.","vol":"23","page":415},{"text":"عليك وأعْطاك قليلٌ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تَضْعُفْ [عن الخيرِ] (^٢) أن تَسْتَكْثِر منه (^٣)، ووجَّهوا معنى قولِه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ﴾. أي: لا تَضْعُفْ، مِن قولهم: حبلٌ مَنِينٌ. إذا كان ضعيفًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-9198>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو حميدٍ أحمدُ بنُ المغيرةِ الحمْصيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو، قال: ثنا محمدُ بنُ سلمةَ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. قال: لا تَضْعُف أن تَسْتَكْثِرَ مِن الخيرِ. قال: تَمنُنُ في كلامِ العربِ: تَضْعُفُ (^٤).\nوقال آخرون في ذلك: لا تُمْنُنْ بالنبوة على الناسِ تَأْخُذُ عليه منهم أجرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-9199>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. قال: لا تَمْنُنْ بالنبوةِ والقرآنِ الذي أرْسَلْناك به، تَسْتَكْثِرُهم به، تَأْخُذُ عليه عِوَضًا (^٥) مِن الدنيا (^٦).\nوأولى هذه الأقوالِ عندنا بالصوابِ في ذلك قولُ مَن قال: معنى ذلك: ولا تَمْنُنْ على ربِّكَ، مِن أن تَسْتَكْثِر عملَك الصالحَ.\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٢٦٥، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٩٠.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) في م: من الخير.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٢٦٥، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٩٠، عن خصيف عن مجاهد.\n(^٥) في الأصل: \"عرضا\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٩٠.","vol":"23","page":416},{"text":"وإنما قلتُ: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن ذلك في سياق آياتٍ تقَدَّم فيهن أمرُ اللهِ جلَّ ثناؤُه نبيِّه ﷺ بالجِدِّ في الدعاءِ إليه، والصبرِ على ما يَلْقَى من الأذى فيه، فهذه بأن تكونَ مِن نوعِ (^١) تلك، أشبهُ منها بأن تكونَ مِن غيرها. وذُكِر عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أن ذلك في قراءتِه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5502\"></span>وقولُه: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولربِّك فاصبِرْ على ما لقيتَ فيه من المكروهِ.\n[واختلَفت عباراتُ أهلِ التأويلِ فيه؛ فقال بعضُهم فيه: هو الذي قلنا] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-9200>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾: فاصبِرْ (^٤) على ما أُوذيتَ (^٥).\nحدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. قال: حُمِّل أمرًا عظيمًا؛ محاربةَ العربِ ثم العجمِ من بعدِ العربِ في اللهِ (^٦).\n_________\n(^١) في ص، م: \"أنواع\".\n(^٢) ينظر مختصر الشواذ ص ١٦٤.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل على اختلاف فيه بين أهل التأويل\".\n(^٤) في ص، م: \"قال\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (أوتيت). والأثر ذكرُه البغوي في تفسيره ٨/ ٢٦٦، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٩٠.\n(^٦) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٢٦٦، والقرطبي في تفسيره ١٩/ ٦٩.","vol":"23","page":417},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولرَبِّك فاصْبِرْ على عَطِيتِك.\n\n<span data-type='title' id=toc-9201><span data-type='title' id=toc-9202>ذكرُ مَن قال ذلك</span></span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن مغيرة، عن إبراهيمَ: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. قال: اصْبِرْ على عطيتِك (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مغيرةً، عن إبراهيمَ، قال: اصْبِرْ على عطيتِك للهِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. قال: عطيتَك اصْبِرْ عليها.\n\n<span id=\"aya-5503\"></span><span data-type='title' id=toc-9203>القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: فإذا نُفِخ في الصُّورِ.\n\n<span id=\"aya-5504\"></span>فذلك يومئذٍ يومٌ عسيرٌ شديدٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span id=\"aya-5505\"></span>ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ فُضيلٍ وأسباطُ، عن مُطَرِّفٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾: قال رسولُ اللهِ ﷺ \" كيف أنْعَمُ وصاحب القرنِ قد الْتَقَم القرنَ، وحنَى جبهتَه\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨١ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":418},{"text":"يَسْتَمِعُ متى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فيه\". فقال أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ: كيف نقولُ؟ فقال: \"تقولون: حسبُنا اللهُ ونعمَ الوكيلُ، على اللهِ توَكَّلْنا\" (^١).\nحدثَّني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رَجاءٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. قال: إذا نُفِخ في الصورِ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو النُّعمانِ الحكمُ بن عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رَجاءٍ، عن عكرمةَ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. قال: إذا نُفِخ (^٣) في الصورِ (^٤).\nحدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. قال: في الصورِ. قال: هو شيءٌ كهيئة البوقِ حدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. قال: هو يومُ يُنْفَخُ في الصورِ، [والناقورُ هو] (^٥) الذي يُنْفَخُ فيه. قال ابنُ عباسٍ: إن نبيَّ اللهِ ﷺ خرَج إلى أصحابِه، فقال: \"كيف أنْعَمُ وصاحبُ القرنِ قد التَقَم القرنَ، وحنَى جبهتَه،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٣٥٢، وأحمد ٥/ ١٤٤ (٣٠٠٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٢٩٠، والطبرانى (١٢٦٧١) من طريق أسباط به وأخرجه الطبراني (١٢٦٧٠)، والحاكم ٤/ ٥٥٩ من طريق مطرف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٢ إلى ابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٢ إلى عبد بن حميد، وهو في تفسير مجاهد ص ٦٨٣ من طريق شريك عن جابر عن عكرمة.\n(^٣) في الأصل: \"نقر\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) سقط من: م، وفي ص: \"هو\".","vol":"23","page":419},{"text":"ثم أقبل بأُذُنِهِ يَسْتَمِعُ متى يُؤْمَرُ بالصَّيْحَةِ\". فاشْتَدَّ ذلك على أصحابه، فأَمَرَهم أن يقولوا: حسبُنا اللهُ ونعمَ الوكيلُ، على اللهِ تَوَكَّلْنا.\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. يقولُ: الصُّورِ، ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقولُ: شديدٌ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال الحسنُ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. قال: إذا نفخ في الصُّورِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾.\nوالناقورُ الصُّورُ، والصورُ الخَلْقُ، ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقولُ: شديدٌ (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. يعنى الصُّورَ (٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع قولَه: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. قال: الناقورُ الصُّورُ (٢).\nقال: حدَّثنا مِهْرانُ (^٤)، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ مثلَه.\nحدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. قال: الصُّورِ (^٥) (٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في التغليق ٤/ ٣٥١ والإتقان ٢/ ٥٠ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٢ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٢٩٠.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٨ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ، وفى ٦/ ٢٨٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في الأصل: \"ابن حميد قال: حدثنا حكام\".\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني على قال ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقولُ شديد، حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قال الله تعالى ذكره: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ =","vol":"23","page":420},{"text":"<span id=\"aya-5506\"></span>وقولُه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: كِلْ يا محمدُ أمرَ الذي خَلَقْتُه في بطنِ أمِّه وحيدًا لا شيءَ له من مالٍ ولا ولدٍ، إليَّ.\nوذُكِر أنه عُنى بذلك الوليدُ بنُ المغيرةِ المخزوميُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9204>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أو عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: أَنْزَلَ اللهُ ﷿ في الوليدُ بنُ المغيرةِ المخزوميِّ قولَه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾، وقولَه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ .. إلى آخرِها (^١) [الحجر: ٩٢].\nحدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. قال: خلَقْتُه وحدَه، ليس معه مالٌ ولا ولدٌ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن محمدِ بن شَريكٍ، عن ابن أبي نَحِيحٍ (^٣)، عن مجاهدٍ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. قال: نزَلَت في الوليدِ بن المغيرةِ، وكذلك الخلقُ كلُّهم (٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ\n_________\n= فبين الله على من يقع على الكافرين غير يسير\".\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٢ إلى ابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في الأصل: \"يحيى\".","vol":"23","page":421},{"text":"وَحِيدًا﴾: [وهو الوليدُ بنُ المغيرةِ، أخْرَجه اللهُ مِن بطنِ أمِّه وحيدًا] (^١)، لا مالَ له ولا ولدَ، فرزَقه اللهُ المالَ والولدَ والثروةَ والنَّماءَ (^٢).\nحدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إلى قولِه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ حتى بلَغ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. قال: هذه الآياتُ أُنْزِلت في الوليدِ بن المُغيرةِ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. يعنى الوليدَ بنَ المغيرةِ.\n\n<span id=\"aya-5507\"></span>وقولُه: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في هذا المالِ الذي ذكَره اللهُ، وأَخْبَر أنه جعَله للوحيدِ ما هو، وما مبلغُه؛ فقال بعضُهم: كان ذلك دنانيرَ، ومبلغُها ألفُ دينارٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9205>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ بن إبراهيمَ، عن أبيه، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾. قال: كان مالُه ألفَ دينارٍ (^٣).\nحدَّثنا صالحُ بنُ مِسْمارٍ المَرْوَزيُّ، قال: ثنا الحارثُ بنُ عمرانَ الكوفيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سُوقةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾. قال: ألفَ دينار (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٩ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٩٦ من طريق وكيع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٢٦٦.","vol":"23","page":422},{"text":"وقال آخرون: كان أربعةَ آلافِ دينارٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9206>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ قال: بلَغَني أنه أربعةُ آلافِ دينارٍ.\nوقال آخرون: كان ماله أرضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-9207>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثَّني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن النعمانِ بن سالمٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾. قال: الأرضَ (^١).\nحدَّثنا أحمد بنُ إسحاقَ الأهْوازِيُّ، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن النعمانِ بن سالمٍ مثلَه.\nوقال آخرون: كان ذلك غَلَّةَ شهرٍ بشهرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9208>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا حَلْبَسٌ إمامُ مسجدِ ابن عُليةً، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن عمرَ ﵁ في قولِه: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾. قال: غلة شهرٍ بشهرٍ (^٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٢ إلى ابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم والدينوري في المجالسة.","vol":"23","page":423},{"text":"حدثَّني أبو حفصٍ الجُبَيرِيُّ (^١)، قال: ثنا حَلْبَسٌ الضُّبَعيُّ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ مثلَه، ولم يقلْ: عن عمرَ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ الرَّمْليُّ، قال: ثنا غالب بنُ حَلْبَسٍ، قال: ثنا أبي، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ مثلَه، ولم يَقُلْ: عن عمرَ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، قال: ثنا حَلْبَسُ بنُ محمدٍ العِجْليُّ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن عمرَ مثلَه.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ كما قال اللهُ: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾، وهو الكثيرُ، الممدود عدده أو مساحته.\n\n<span id=\"aya-5508\"></span><span data-type='title' id=toc-9210>القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وجَعَلْتُ له بنينَ شُهودًا. ذُكِر أنهم كانوا عشرةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-9209>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن إسماعيلَ بن إبراهيمَ، عن أبيه، عن مجاهدٍ: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾. قال: كان بَنُوه عشرةً (^٣).\n\n<span id=\"aya-5509\"></span>وقولُه: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبسَطْتُ له في العيشِ\n_________\n(^١) في الأصل: \"الحميري\"، وفى م: \"الحيرى\".\n(^٢) أخرجه ابن عدى في الكامل ٢/ ٨٦٣ من طريق غالب به.\n(^٣) تتمة الأثر تقدم تخريجه ص ٤٢٢.","vol":"23","page":424},{"text":"بَسْطًا، كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾. قال: بُسِط له.\nحدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾. قال: من المالِ والولدِ (^١).\n\n<span id=\"aya-5510\"></span>وقولُه: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم يَأْمُلُ ويَرْجُو أَن أَزِيدَه مِن المالِ والولدِ، على ما أعْطَيْتُه، ﴿كَلَّا﴾.\n\n<span id=\"aya-5511\"></span>يقولُ: ليس ذلك كما يَأْمُلُ ويَرْجُو، مِن أن أزيدَه مالًا وولدًا وتمهيدًا في الدنيا، ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾. يقولُ: إن هذا الذي خلَقْتُه وحيدًا كان لآياتِنا؛ وهى حُجَجُ الله على خلقِه، مِن الكتبِ والرسلِ، ﴿عَنِيدًا﴾. يعنى مُعانِدًا للحقِّ مجانبًا له، كالبعير العنُودِ، ومنه قولُ القائلِ (^٢):\nإذا نزَلْتُ فَاجْعَلانِي وَسَطَا … إني كبيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدَا\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9211>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثَّني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾. يقولُ: لآيتِنا جَحودًا (^٣).\nحدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) البيتان في مجاز القرآن ١/ ٢٩١، ٣٣٧، ٢/ ٢٧٥، واللسان (ع ن د)، وتقدم البيت الثاني في ١٢/ ٤٥٢.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٣ إلى المصنف وهناد في الزهد وعبد بن حميد.","vol":"23","page":425},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾. قال محمدُ بنُ عمرٍو: مُعانِدًا لها. وقال الحارثُ: معاندًا عنها، مُجانبًا لها (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَنِيدًا﴾. قال: مُعاندًا للحقِّ مُجانبًا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: [﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ كَفُورًا بآياتِ اللهِ، جَحودًا بها (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾] (^٣). قال: مُشاقًا، وقيل: عَنيدًا. وهو من عانَد مُعانَدَةً فهو مُعانِدٌ، كما قيل: عامٌ قابلٌ، وإنما هو مُقْبِلٌ.\n\n<span id=\"aya-5512\"></span>وقولُه: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: سأكَلِّفُه مشقةً من العذاب، لا راحةَ له فيها (^٤).\nوقيل: إِن الصَّعودَ جبلٌ من (^٥) النارِ، يُكَلَّفُ أهلُ النارِ صعودَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9212>ذكرُ الرواية بذلك</span>\nحدثَّني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسَديُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سعيدِ بن زائدةَ، قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ليست في: الأصل.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منها\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".","vol":"23","page":426},{"text":"ثنا شَريكٌ، عن [عمارٍ الدُّهنِيِّ] (^١)، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾. قال: \"هو جبلٌ في النارِ من نارٍ يُكَلَّفون أن يَصْعَدوه، فإذا وضَع يدَه ذابَت، فإذا رفَعها عادَت، فإذا وضَع رجلَه كذلك\" (^٢).\nحدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني عمرُو بنُ الحارثُ، عن دَرَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن رسول الله ﷺ قال: \"الصَّعودُ جبلٌ مِن نارٍ، يَصْعَدُ فيه سبعين خَريفًا، ثم يَهْوى به كذلك منه أبدًا\" (^٣).\nحدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾. قال: مشقةً من العذابِ] (^٤).\nحدثَّني الحارثُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثلَه حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾. أي: عذابًا لا راحةَ فيه (^٥).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ: ﴿سَأُرْهِقُهُ\n_________\n(^١) في النسخ: \"عمارة\" والمثبت كما في مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٢٠٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٢٩١ - والطبرانى في الأوسط (٥٥٧٣)، والبيهقي في البعث (٥٣٩) من طريق شريك به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٣٥ - زوائد نعيم)، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣١، وابن أبي الدنيا في صفة النار (٣٠)، والبيهقي في البعث (٥٣٨) من طريق عمار الدهني به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٣ إلى سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (٢٨)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٥٠٧، والبيهقي في البعث (٥١٣) من طريق ابن وهب به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٣٤) - زوائد (نعيم) من طريق عمرو بن الحارث به، وأحمد ١٨/ ٢٤٠ (١١٧١٢)، والترمذى (٣٣٢٦)، والبيهقى في البعث (٥٣٧) وغيرهم من طريق دراج به، وتقدم أوله ٢/ ١٦٤.\n(^٤) في الأصل: \"مثله\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٢، ٢٨٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"منه\". والأثر ذكره ابن كثير ٨/ ٢٩٢.","vol":"23","page":427},{"text":"صَعُودًا﴾. قال: مشقةً من العذابِ.\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾. قال: تعبًا من العذابِ.\n\n<span id=\"aya-5513\"></span><span data-type='title' id=toc-9213>القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا الذي خلَقْتُه وحيدًا، فكَّر فيما أنْزَل اللهُ (^١) على عبدِه محمدٍ ﷺ من القرآنِ،\nوقدَّر ما (^٢) يقولُ فيه.\n\n<span id=\"aya-5514\"></span>﴿قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: فلُعِن كيف قدَّر ما هو قائلٌ فيه.\n\n<span id=\"aya-5515\"></span>﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾] (^٣). يقولُ: ثم لعن كيف قدَّر القولَ (^٤) فيه.\n\n<span id=\"aya-5516\"></span>﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. يقولُ: ثم روَّى في ذلك.\n\n<span id=\"aya-5517\"></span>﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾. يقولُ: ثم قبَض ما بينَ عينيَه، ﴿وَبَسَرَ﴾. يقولُ: كلَح [وكَرُه] (^٥) وجهُه، ومنه قولُ تَوْبةَ بن الحُمَيِّرِ (^٦):\nوقد رابَني منها صدودٌ رأيْتُه … وإعراضُها عن حاجتي وبُسُورُها\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت الأخبارُ عن الوحيدِ أنه فعَل.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في م: \"فيما\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في م، ت: \"النازل\" وفى ت ٢، ت ٣: \"ان زل\".\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) البيت في مجاز القرآن ٢/ ٢٧٥، والأمالي ١/ ٨٨.","vol":"23","page":428},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9214>ذكرُ [من قال ذلك]</span> (^١)\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عبادِ (^٢) بن منصورٍ، عن عكرمةَ، أن الوليدَ بنَ المغيرةِ جاء إلى النبيِّ ﷺ، فقرَأ عليه القرآنَ، فكأنه رَقَّ له، فبلَغ ذلك أبا جهلٍ، فأتاه (^٣)، فقال: [أي عمِّ] (^٤)، إن قومَك يُريدون أن يَجْمَعوا لك مالًا. قال: لمَ؟ قال: يُعْطُونكه، فإنك أتيْتَ محمدًا تَتَعَرَّضُ لمَا قِبَلَه. قال: قد علِمَت قريشٌ أنى أكثرُها مالًا. قال: فقلْ فيه قولًا يَعْلَمُ قومُك أنك مُنْكِرٌ لما قال، وأنك كارهٌ له. قال: فماذا أقولُ فيه، فواللهِ ما منكم رجلٌ أعلمُ بالشعرِ منى، ولا أعلمُ برَجَزِه منى، ولا بقَصيده، ولا بأشعارِ الجنِّ، واللهِ ما يُشْبِهُ الذي يقولُ شيئًا مِن هذا، واللهِ إن لقولِه [الذي يقولُ] (^٥) لَحلاوةً، وإنه لَيَحْطِمُ ما تحتَه، وإِنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى. قال: واللهِ لا يَرْضَى قومُك حتى تقولَ فيه. قال: فدَعْنى حتى أُفَكِّر فيه. فلما فكَّر قال: هذا سحرٌ يَأْثُره عن غيرِه. فنَزَلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. قال قتادةُ: خرَج من بطنِ أمِّه وحيدًا، فنَزَلت هذه الآيةُ، حتى بلَغ ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ﴾ (^٦).\nحدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ إلى: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾. قال: دخَل الوليدُ بنُ المغيرةِ على أبى بكرِ بن أبي قُحافةَ ﵁، يَسْأَلُه عن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الرواية بذلك\".\n(^٢) في ت ١: \"قتادة\".\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أزعم\".\n(^٥) سقط من: م، ت ١.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٨ عن معمر عن رجل عن عكرمة، وأبو نعيم في الدلائل ١/ ٢٣٤ من طريق آخر عن عكرمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٣ إلى ابن المنذر.","vol":"23","page":429},{"text":"القرآنِ، فلمَّا أَخْبَره خرَج على قريشٍ، فقال: يا عَجَبًا لما يقولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ، فواللهِ ما هو بشعرٍ، ولا بسحرٍ، ولا بهَذيٍ من الجنونٍ، وإن قولَه لَمِن كلامِ اللهِ، فلمَّا سمَع بذلك النفرُ من قريشٍ ائْتَمروا، وقالوا: واللهِ لئن صبَأ الوليدُ، لتَصْبَأَنَّ قريشٌ. فلما سمِع بذلك أبو جهلٍ قال: أنا واللهِ أكْفِيكم شأنَه. فانْطَلَق حتى دخَل عليه بيتَه، فقال للوليد: ألم تَرَ قومَك قد جمَعوا لك الصدقةَ؟ قال: ألستُ أكثرهم مالًا وولدًا؟ فقال له أبو جهلٍ: يَتَحَدَّثون أنك إنما تَدْخُلُ على ابن أبي قُحافةَ لتُصِيبَ مِن طعامِه. قال الوليدُ: قد [تَحدَّثَ بهذا] (^١) عَشِيرتي، [فَلَايْمُ جَابِرِ بن قُصَيٍّ] (^٢)، لا أَقْرَبُ أبا بكرِ، ولا عمرَ ولا ابنَ أبى كبشةَ، وما قولُه إلا سحرٌ يُؤثر. فأنْزَل اللهُ على نبيِّه ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إلى: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾. زعَموا أنه قال: واللهِ لقد نظَرْتُ فيما قال هذا الرجلُ، فإذا هو ليس بشعرٍ، وإنَّ له لَحلاوةً، وإن عليه لَطَلاوةً، وإنه لَيعلو وما يُعْلَى، وما أَشُكُ أنه سحرٌ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فيه: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الآيةَ، ثمَّ عَبَسَ وَبَسَرَه: قبض ما بينَ عينيه وكلَح (^٤).\nحدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾. قال: الوليدُ بنُ المغيرةِ يومَ دارِ النَّدوةِ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت،٢، ت ٣: \"تحدثت به\".\n(^٢) في م: \"فلا يقصر عن سائر بني قصى\". وليست في مصدرى التخريج.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الدلائل ١/ ٢٢٣ من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٣ إلى ابن مردويه.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":430},{"text":"حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. يعنى: الوليدُ بنُ المغيرةِ، دعاه نبيُّ اللهِ ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أَنْظُرَ. فَفَكَّر، ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾، فجعل اللهُ له سقَرَ.\nحدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾. قال: هذا الوليدُ بنُ المغيرةِ، قال: سأَبْتارُ (^١) لكم هذا الرجلَ الليلةَ. فأتَى النبيَّ ﷺ، فوجَده قائمًا يُصَلِّي ويَقْتَرِئُ، وأتاهم فقالوا: مَهْ. قال: سَمِعْتُ قولًا حُلْوًا أخضرَ مُثْمِرًا يَأْخُذُ القلوبَ. فقالوا: [هو شعرٌ] (^٢). فقال: لا واللهِ، ما هو بالشعرِ، ليس أحدٌ أعلمَ بالشعرِ منى، أليس قد عرَضَت عليَّ الشعراءُ شعرَهم، نابغةُ وفلانٌ؟ قالوا: فهو كاهنٌ. فقال: لا واللهِ ما هو بكاهنٍ (^٣)، قد عرَفتُ (^٤) الكَهانَة. قالوا (^٥): فهذا سحرُ الأَوَّلِين اكْتَتَبه. قال: لا أدرى، إن كان شيئًا فعسى، هو إذن سحرٌ يُؤْثَرُ. فقرأ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ قال: قُتِل كيف قدَّر حينَ قال: ليس بشعرٍ، ثم قُتِل كيف قدَّر حينَ قال: ليس بكَهانةٍ.\n\n<span id=\"aya-5518\"></span>وقولُه: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم ولَّى عن الإيمانِ بما أَنْزَل اللهُ من كتابِه والتصديقِ به، واسْتَكْبر عن الإقرارِ بالحقِّ.\n\n<span id=\"aya-5519\"></span>فَقَالَ ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: فقال إن هذا الذي يتلوه محمدٌ، إلا سحرٌ] (^٦)\n_________\n(^١) هو من البتر، وهو استئصال الشيء قطعًا. التاج (ب ت ر).\n(^٢) في الأصل: \"هذا شعر هو شاعر\".\n(^٣) بعده في الأصل: \"ولا هي بكهانة\".\n(^٤) في م \"عرضت علي\".\n(^٥) في الأصل: \"قال\"، وفي ت ١: \"فقالوا\"\n(^٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى م: \"قال\".","vol":"23","page":431},{"text":"يَأْثُره عن غيره.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9215>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيْعٍ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾. قال: يَأْخُذُه عن غيرِه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي رَزينٍ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾. قال: يَأْثُرُه عن غيرِه (^١).\n\n<span id=\"aya-5520\"></span>وقولُه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِ الوحيدِ في القرآنِ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ما هذا الذي يَتْلُوه محمدٌ إلا قولُ البشرِ، يقولُ: ما هو إلا كلامُ ابن آدمَ، وما هو بكلامِ اللهِ.\n\n<span id=\"aya-5521\"></span><span data-type='title' id=toc-9216>القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾، سَأُورِدُه بابًا مِن أبوابِ جهنَم، اسمُه سَقَرُ، ولم يُجْرَ ﴿سَقَرَ﴾؛ لأنه اسمٌ مِن أسماءِ جهنمَ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":432},{"text":"<span id=\"aya-5522\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأى شيءٍ أدْراك يا محمدُ، أَيُّ شيءٍ سَقَرُ؟ ثم بَين جلَّ وعزَّ ما سَقَرُ،\n\n<span id=\"aya-5523\"></span>فقال: هي نارٌ، ﴿لَا تُبْقِي﴾ [مَن فيها حيًّا، ﴿وَلَا تَذَر﴾] (^١) من فيها ميتًا (^٢)، ولكنها تُحْرِقُهم كلما جُدِّد خَلْقُهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9217>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن (^٣) ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾. قال: لا تُمِيتُ ولا تُحيِى (^٤).\nحدثَّني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ (^٥)، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدثَّني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ الله بنُ موسى، قال: أخبَرنا [ابنُ أبي] (^٦) ليلى، عن مَزِيدةَ (^٧) في قولِه: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾. قال: لا تُبْقِى منهم شيئًا أن تَأْكُلهم، فإذا خُلِقوا لها لا تَذَرُهم حتى تَأْخُذَهم فتَأْكُلهم.\n\n<span id=\"aya-5524\"></span>وقولُه: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه: مُغَيَّرةٌ لبَشَرةِ أهلها، والدَّوَّاحةُ مِن نعتِ سَقَر، وبالردِّ عليها رُفِعَت، وحسُن الرفعُ فيها، وهى نكرةٌ وسَقَرُ معرفةٌ، لما فيها\n_________\n(^١) في الأصل: \"ولا تذر ولا تبقى من فيها ولا تذر\".\n(^٢) في ت ٢ ت ٣: \"حيا\".\n(^٣) في الأصل: \"وحدثني الحارث قال\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) بعده في الأصل، ت ٢، ت ٣: \"جميعا\".\n(^٦) في م: \"أبو\".\n(^٧) في م: \"مرثد\".","vol":"23","page":433},{"text":"مِن معنى المدحِ\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9218>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. قال: الجِلْدِ (^١).\nحدثَّني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيلَ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. قال: تَلْفَحُ الجُلْدَ لَفْحةً، فتَدَعُه أَشدَّ (^٢) سَوادًا مِن الليلِ.\nحدثَّني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكم (^٣)، قال: ثنا أبى وشعيبُ بنُ الليثِ، عن خالدِ بن يزيدَ، عن ابن أبي هلالٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. أي: تُلَوَّحُ أجسادُهم عليها (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾.\nأي: حَرَّاقةٌ للجلدِ (^٥).\nحدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ (^٦): ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. يقولُ: تُحرِقُ بشَرةَ الإنسانِ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت: \"أسود\".\n(^٣) في الأصل: \"الجهم\"\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٩٣.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٩٣، وابن رجب في التخويف من النار ص ١٩٠.\n(^٦) بعده في م: \"قال: ثني عمي، قال: ثني أبي\".","vol":"23","page":434},{"text":"حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. قال: تُغَيِّرُ البَشَرَ، تُحرِقُ البَشَرَ، يقالُ: قد لاحَه استقبالُه السماءَ، ثم قال: و(^١) النارُ تُغَيِّرُ ألوانَهم.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيْعٍ، عن أبي رزَينٍ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾: غيَّرت جلودهم فاسْوَدَّت.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيْعٍ، عن أبي رَزينٍ، مثلَه (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. يعنى: بَشَرِ الإنسانِ، يقولُ: تُحْرِقُ بَشَرَه.\nورُوِى عن ابن عباسٍ في ذلك ما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. يقولُ: مُعَرِّضَةٌ (^٣).\nوأخْشَى أن يكونَ خبرُ عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ هذا، غَلَطًا، وأن يكونَ موضِعُ \"مُعَرِّضة\" \"مُغَيِّرة\"، لكن صُحِّف فيه.\n\n<span id=\"aya-5525\"></span>وقولُه: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: على سَقَرَ تسعةَ عَشَرَ مِن الخَزَنةِ.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه هناد في الزهد (٣٠٥) عن وكيع به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٤١٨، وابن أبي الدنيا في صفة النار (١١٥) من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٣ إلى أحمد.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٥٠ - من طريق أبي صالح به بلفظ: \"مغيرة\" بدلا من: \"معرضة\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٣ إلى ابن المنذر.","vol":"23","page":435},{"text":"وذُكرِ أن ذلك لما أُنْزِل على رسولِ الله ﷺ، قال أبو جهلٍ ما حدثَّني به محمدُ ابنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ فَلمَّا سمِع أبو جهلٍ بذلك قال لقريشٍ: ثكِلَتْكم أمَّهاتكم، أَسْمَعُ ابنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُم أَن خَزَنَةَ النارِ تسعةَ عشَرَ، وأنتم الدَّهُمُ (^١)، أفيَعْجِزُ كلُّ عشرةٍ منكم أن يَبْطِشوا برجلٍ مِن خَزنةِ جهنمَ؟ فأوْحى [الله ﷿] (^٢) إلى رسولِ اللهِ ﷺ أن يأتيَ أبا جهلٍ، فيَأْخُذ بيدِه في بَطْحَاءِ مكةَ، فيقولَ له: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٥،٣٤] فلما فعل ذلك به رسولُ اللهِ ﷺ قال أبو جهلٍ: واللهِ لا تَفْعَلُ أنت وربُّك شيئًا. فأخزاه اللهُ يومَ بدرٍ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾.\nذُكر لنا أن أبا جهلٍ حينَ أُنزِلت هذه الآيةُ قال: يا معشرَ قريشٍ، أما يَسْتطِيعُ كلُّ عَشَرَةٍ منكم أن يَغْلِبوا واحدًا مِن خَزَنَةِ النار وأنتم الدُّهُمُ؟ فصاحبُكم يحدِّثُكُم (^٤) أَنَّ عليها تسعةَ عَشَرَ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال أبو جهلٍ: يحدِّثُكم (^٥) محمدٌ أَنَّ خَزَنَةَ النارِ تسعةَ عَشَرَ، وأنتم الدَّهُمُ؛ ليَجْتَمِعُ كُلُّ عَشَرَةٍ على واحدٍ (^٦).\n_________\n(^١) الدهم: العدد الكثير. النهاية ٢/ ١٤٥.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٤ إلى المصنف.\n(^٤) في ت ١، ت ٣: \"يحدثكم\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يخبركم\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٩ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":436},{"text":"حدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. قال: خَزَنَتُها تسعةَ عَشَرَ.\n\n<span id=\"aya-5526\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما جعَلْنا خَزَنَةَ النارِ إلا ملائكةٌ، يقولُ لأبي جهلٍ في قولِه لقريشٍ: أما يَسْتَطِيعُ كلُّ عَشَرَةٍ منكم أنْ تَغْلِبَ منهم (^١) واحدًا؟ فمن ذا يَغْلِبُ خَزَنَةَ النارِ، وهم الملائكةُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9219>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾. قال: ما جعَلْناهم رجالًا، فيأخُذ كلُّ رجلٍ رجلًا، كما قال هذا.\nوقولُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: وما جَعَلْنا عِدَّةَ هؤلاءِ الخَزَنةِ: ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. [يقولُ: إلا بلاءً للذين كفَروا] (^٢) باللهِ مِن مُشركي قريشٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9220>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً﴾: إلا بلاءً.\n_________\n(^١) في م: \"منها\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣.","vol":"23","page":437},{"text":"وإنما جعَلَ الله جلَّ وعزَّ الخبَرَ عن عِدَّةِ خَزَنَةِ جهنم فتنةً للذين كفروا؛ لتكذيبهم بذلك، وقولِ بعضِهم لأصحابِه: أنا أكْفِيكُموهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-9221>ذكرُ الخبر عمَّن قال ذلك</span>\nحدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. قال: جُعِلوا فتنةً، قال أبو الأشدِّ بنُ الجُمَحِيِّ: لا يبلغون رَتْوَتى (^١) حتى أُجْهِضَهم عن جهنمَ (^٢).\nوقولُه: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لِيَسْتَيْقِنَ أَهلُ التوراةِ والإنجيلِ حقيقةَ ما في كُتُبهم من الخبرِ عن عدَّةِ خَزَنَةِ جهنَم، إذا (^٣) وافَق ذلك ما أَنْزَل الله ﷿ في كتابِه على محمدٍ ﷺ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9222>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾. قال: وإنَّها في التوراةِ والإنجيلِ تسعَةَ عشَرَ. فأراد اللهُ أَنْ يَسْتَيْقِنَ أهل الكتابِ، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا (^٤).\n_________\n(^١) الرَّتْوة: أي رمية سهم. وقيل: بميل. وقيل: مدى البصر. النهاية ٢/ ١٩٥.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢٦/ ٢٨٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"إذ\".\n(^٤) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٣٧٦، والطوسي في التبيان ١٠/ ١٨٢.","vol":"23","page":438},{"text":"حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. قال: يَجِدُونه مكتوبًا عندَهم، عِدَّةُ خَزَنَةِ أَهلِ النارِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: يُصَدِّقُ القرآن الكتب التي كانت قبلَه، فيها كلِّها؛ التوراةِ والإنجيلِ: أنَّ خَزَنَةَ النارِ تسعَةَ عَشَرَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. قال: لِيَسْتَيْفِنَ أهلُ الكتابِ حينَ وافَق عِدَّةُ خَزَنَةِ النارِ ما في كُتُبِهم (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: عِدَّةُ خَزَنَةِ جهنمَ تِسْعَةَ عَشَرَ في التوراةِ والإنجيلِ (^٤).\nوكان ابنُ زيدٍ يقولُ في ذلك، ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: أَنك رسولُ اللهِ.\nوقولُه: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولِيَزْداد الذين آمنوا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٤ إلى عبد بن حميد\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٢٩ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٤ إلى ابن المنذر.\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ١٨٢.","vol":"23","page":439},{"text":"باللهِ تصديقًا إلى تَصْدِيقِهم بالله وبرسوله، بتَصْدِيقِهِم بِعِدَّةِ خَزَنَةِ جهنم.\nوقوله: ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: ولا يَشُكُّ أهلُ التوراةِ والإنجيلِ في حقيقةِ ذلك، والمؤمنون باللهِ من أمةِ محمدٍ ﷺ.\nوقولُه: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولِيَقُولُ الذين في قلوبِهم مرضُ النفاقِ، والكافرون باللهِ مِن مشركي قريشٍ: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. أي: نفاقٌ (^١).\nحدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. [يقولون: حينَ] (^٢) يُخَوِّفُنا بهؤلاء التسعةَ عَشَرَ.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كما أضَلَّ الله هؤلاء المنافقين والمشركين، القائلين في خبرِ اللهِ جَلَّ وعزَّ عَن عِدَّةِ خَزَنَةِ جهنَم: أيُّ شيءٍ أراد اللهُ بهذا الخبرِ مِن المَثَلِ حينَ يُخوِّفنا بذِكْرِ عِدَّتِهم. [وهَدى به المؤمنين] (^٣)، فازْدادوا بتَصْدِيقهم إلى إيمانِهم إيمانًا: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ من خلقِه فيَخْذُلُه عن إصابةِ الحقِّ: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ منهم، فيُوفِّقُه لإصابةِ الصوابِ، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ مِن كَثْرَتِهم (^٤)، ﴿إِلَّا هُوَ﴾. يعنى: الله.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"يقول: حتى\".\n(^٣) في ص، ت ٢، ت:٣ \"ويهدى به المؤمنون\"، وفى م، ت:١: \"ويهتدى به المؤمنون\".\n(^٤) بعده في الأصل: \"أحد\".","vol":"23","page":440},{"text":"كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾. أي: مِن كَثْرتِهم (^١).\nوقولُه: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما النارُ التي وصَفْتُها إلا تذكرةٌ أُذَكِّرُ بها البَشَرَ، وهم بنو آدمَ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9223>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى [لِلْبَشَرِ﴾. يعنى النارَ] (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾. قال: النارُ (^٣).\n\n<span id=\"aya-5527\"></span><span data-type='title' id=toc-9224>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿كَلَّا﴾: ليس القولُ كما يقولُ مَن زعم أنه يَكْفِى أصحابَه المشركين خَزَنَةَ جهنَم [التسعةَ العشَرَ] (^٤) حتى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في الأصل: \"يعنى النار للبشر يعنى الناس\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"23","page":441},{"text":"يُجْهِضَهم عنها، ثم أَقْسَم ربُّنا جلَّ ذكرُه فقال: ﴿وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾.\nيقولُ: والليل إذا (^١) ولَّى ذاهبًا.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9225>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\n\n<span id=\"aya-5528\"></span>حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾: إذا (^١) ولَّى (^٢).\nوقال آخرون في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: (وَاللَّيْلِ [إِذا دَبَرَ] (^٣» قال: دُبُورُه إظلامُه (^٤).\nواختلَفتِ القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ (^٥)، وبعضُ قرَأَةِ مكةِ والكوفةِ: ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ (^٦). [وكان أبو عمرِو بنُ العلاءِ فيما ذُكِر عنه يقولُ: قريشٌ تقولُ: دبرَ الليلُ. وقرأ ذلك بعضُ قرَأَةِ مكةَ وبعضُ قرَأَةِ المدينةِ والكوفةِ: (إذا دَبَر)] (^٧) (^٨).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، صحيحتا المعنى،\n_________\n(^١) في م: \"إذ\".\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٣٧٨.\n(^٣) في م: \"إذ أدبر\"\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٥ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) بعده في م: \"إذ أدبر\".\n(^٦) هي قراءة نافع ويعقوب وحمزة وخلف وحفص. النشر ٢/ ٢٩٤.\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٨) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وشعبة والكسائي وأبي جعفر المدني. النشر ٢/ ٢٩٤.","vol":"23","page":442},{"text":"فبأيَّتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقد اختلَف أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ في ذلك؛ فقال بعضُ الكوفيِّين: هما لغتان، يقالُ: دَبَرَ النهارُ [وأَدْبَر] (^١)، ودَبَرَ الصيفُ وأَدْبَر (^٢). وكذلك: قَبَل وأَقْبَل. فإذا قالوا: أَقْبَل الراكبُ وأَدْبَر. لم يقولوه إلا بالألفِ. وقال بعضُ البصريِّين: (واللَّيْلِ إِذَا دَبَرَ). يعنى: إذا دبَر النهارَ وكان في آخرِه، قال: ويقالُ: دبَرنى. إذا جاء خَلْفِى، وأَدْبَر. إذا ولَّى.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما لغتان بمعنًى؛ وذلك أنه مَحْكِيٌّ عن العربِ: قَبَح الله ما قَبَل منه وما دَبَر. وأخرى أنَّ أهل التفسيرِ لم يُمَيِّزوا في تفسيرِهم (^٣) بينَ القراءتين، وذلك دليل [على أنَّهم] (^٤) فعَلوا ذلك كذلك؛ لأنهما بمعنًى واحدٍ.\n\n<span id=\"aya-5529\"></span>وقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والصبحِ (^٥) إذا أضاء.\n[كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾: إذا أَضاء] (^٦) وأقبل (^٧).\n\n<span id=\"aya-5530\"></span>﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ جهنمَ لإحْدَى الكُبَرِ، يعنى (^٨).\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"تمييزهم\".\n(^٤) في الأصل: \"إنما\".\n(^٥) بعده في الأصل: \"إذا أسفر\".\n(^٦) سقط من: الأصل.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٥ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٨) في الأصل: \"يقول تعالى ذكره يعنى إنها لإحدى\"، وبعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إنها\".","vol":"23","page":443},{"text":"الأمورَ العِظامَ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9226>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. [يعنى: جهنمَ] (^١).\n[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. يعني: جهنمَ] (^٢).\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بن سُميع، عن أبى رَزِينٍ: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. قال: جهنمَ (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. قال: هذه النارُ.\nحدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. قال: هي النارُ (^٤).\n_________\n(^١) في الأصل: \"قال هي النار\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٤١٨، وابن أبي الدنيا في صفة النار (١٢٨) من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٥ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٠ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":444},{"text":"حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. يعنى: جهنمَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. يعنى: جهنمَ (^١).\n\n<span id=\"aya-5531\"></span>وقولُه: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ النارَ لإحْدَى الكُبَرِ، نذيرًا لبنى آدمَ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾، وما الموصوفُ بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك النارُ، وقالوا: هي صفةٌ للهاءِ التي في قولِه: ﴿إِنَّهَا﴾، وقالوا: هي النذيرُ، فعلى قولِ هؤلاءِ \"النذير\" نُصِب على القطعِ من \"إحدى الكُبَرِ\"؛ لأنَّ إحْدَى الكُبَرِ\" معرفةٌ، وقوله: ﴿نَذِيرًا﴾ نكرةٌ، والكلامُ قد يَحْسُنُ الوقوفُ عليه دونَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9227>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: والله ما أُنْذِرَ الناسُ بشيءٍ أَدهى منها، أو بداهيةٍ هي أَدْهى منها (^١).\nوقال آخرون: بل هي مِن صفةِ اللهِ تعالى ذكرُه، وهو خبرٌ مِن الله جلَّ ثناؤُه عن نفسِه، أنه نذيرٌ لخَلْقِه، وعلى هذا القولِ، يَجِبُ أن يكونَ نَصْبُ قوله: ﴿نَذِيرًا﴾ على الخروجِ مِن جملةِ الكلامِ المتقدَّمِ، فيكونُ معنى الكلامِ: وما جعَلْنا أصحابَ\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ١٨٣، ١٨٤.","vol":"23","page":445},{"text":"النارِ إلا ملائكة نذيرًا للبشر، يعنى: إنذارًا لهم، فيكونُ قولُه: ﴿نَذِيرًا﴾ (^١). بمعنى: إنذارًا (^٢)، كما قال: [﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾] (^٣) [الملك: ١٧]. بمعنى إنذارِى، ويكونُ أيضًا بمعنى: إنَّها لإحْدَى الكُبَرِ، صيَّرنا ذلك كذلك نذيرًا، فيكونُ قولُه: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ مؤدِّيًا عن معنى صَيَّرنا ذلك كذلك، وهذا المعنى قَصْدُ مَن قال ذلك إن شاء اللهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9228>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ، عن أبي رَزِينِ: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. قال: جهنمَ، ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾. يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤُه: أنا لكم منها نذيرٌ، فاتَّقُوها (^٤)\nوقال آخرون: بل ذلك مِن صفةِ رسولِ اللهِ ﷺ، وقالوا: نُصِب \"نذيرا\" على الحالِ، مما في قولِه: ﴿قُمْ﴾. وقالوا: معنى الكلامِ: قُم نذيرًا للبشرِ فَأَنْذِرْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9229>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾. قال: الخلْقِ، قال: بنو آدمَ البشرُ، فقيل له: محمدٌ النذيرُ؟ قال: نعم يُنْذِرُهم (^٥).\n\n<span id=\"aya-5532\"></span>وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: نذيرًا للبشرِ، لمن شاء منكم أيُّها الناسُ أنْ يتقدَّمَ في طاعةِ اللهِ، أو يتأخَّرَ في معصيةِ اللهِ.\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لهم\".\n(^٢) بعده في م: \"لهم\".\n(^٣) في النسخ: \"فكيف كان نذير\". وصواب التلاوة ما أثبتنا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٤١٨، وابن أبي الدنيا في صفة النار (١٢٨) من طريق إسماعيل به، بدون ذكر \"فاتقوها\".\n(^٥) ذكره الطوسى في التبيان ١٠/ ١٨٤، والبغوى في تفسيره ٨/ ٢٧٢.","vol":"23","page":446},{"text":"وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9230>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾. قال: مَن شَاء اتَّبَع طاعةَ اللهِ، ومَن شاء تأخَّر عنها (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾: يتقدَّمَ في طاعةِ اللهِ، أو يتأخَّرَ في معصيتِه (^٢).\n\n<span id=\"aya-5533\"></span><span data-type='title' id=toc-9232>القول في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه: كلُّ نفسٍ مأمورةٍ منهيةٍ بما عَمِلت من معصيةِ الله في الدنيا، رهينةٌ في جهنمَ،\n\n<span id=\"aya-5534\"></span>﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾؛ فإنَّهم غيرُ مُرْتَهَنين، ولكنَّهم\n\n<span id=\"aya-5535\"></span>﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-5536\"></span>وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9231>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٥ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":447},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾. يقولُ: مأخُوذَةٌ بعملِها (^١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾. قال: غَلق (^٢) الناسُ كلُّهم إلا أصحابَ اليمينِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾. قال: لا يُحاسَبون (^٤).\nحدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾. قال: أصحابُ اليمينِ لا يُرْتَهَنُون بذنوبهم، ولكنْ يَغْفِرُها (^٥) اللهُ لهم. وقرَأ قول اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] قال: لا يُؤاخِذُهم اللهُ بسَيِّئ أعمالِهم، ولكنْ يَغْفِرُها (^٦) لهم، ويتجاوزُها عنهم كما وعَدهم.\nحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾. قال: كلُّ نفسٍ سبَقَتْ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٥ إلى المصنف.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"علق\"\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٥ إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) في الأصل: \"يغفر\".\n(^٦) في م: \"يغفرها الله\".","vol":"23","page":448},{"text":"لها (^١) كلمةُ العذاب، يَرْتَهنُها (^٢) اللهُ في النارِ، لا يَرْتَهِنُ الله أحدًا من أهلِ الجنةِ، ألم تَسْمَعْ أنه قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾. يقولُ: ليسوا رهينةً، ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾. قال: إن كان أحدهم سبقَتْ له كلمة العذابِ جُعِل مَنْزله في النارِ، يكونُ فيها رَهْنًا، وليس يُرْتَهِنُ أحدٌ مِن أهلِ الجنةِ، هم في جناتٍ يتساءلون.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في أصحابِ اليمينِ الذين ذكرَهم اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هم أطفالُ المسلمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-9233>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ فُضَيل، عن الأعمشِ، [عن عثمانَ] (^٤)، عن زاذانَ، عن عليٍّ ﵁ في هذه الآيةِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾. قال: هم الولدانُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عثمانَ أبي اليقظانِ، عن زاذانَ أبى عمرَ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ إلَّا أَصْحَب اليمين. قال: أطفال المسلمين.\n_________\n(^١) في الأصل، ص، م، ت ٢، ت ٣: \"له\".\n(^٢) في الأصل، ص، م، ت ٢، ت ٣: \"يرتهنه\".\n(^٣) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٣٧٩.\n(^٤) سقط من: الأصل. ينظر تهذيب الكمال ٩/ ٢٦٣، ١٢/ ٧٦.","vol":"23","page":449},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن عثمانَ بن عميرٍ أبى اليقظانِ، عن زاذانَ أبى عمرَ، عن عليٍّ ﵁: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾. قال: أولادَ المسلمين (^١).\n[حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبى اليقظانِ، عن زاذانَ، عن عليٍّ، ﵁: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾. قال: هم الولدانُ] (^٢).\n[وقال آخرون: هم الملائكةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9234>ذكرُ مَن قال ذلك]</span> (^٢)\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شريكٍ، عن الأعمشِ، عن أبي ظبيانَ، عن ابن عباسٍ، قال: هم الملائكةُ (^٣).\nوإنما قال من قال: أصحابُ اليمينِ في هذا الموضعِ هم الولدانُ وأطفالُ المسلمين. ومن قال: هم الملائكةُ. لأنَّ هؤلاء لم يكنْ لهم ذنوبٌ، وقالوا: لم يكونوا ليَسْأَلوا المجرمين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾، إلا أنهم لم يَقْتَرِفوا في الدنيا مأثمًا (^٤)، ولو كانوا اقْتَرفوها وعرفوها، لم يكونوا ليَسْأَلوهم عما سلَكهم (^٥) في\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٠، ٣٢٩، والحاكم ٢/ ٥٠٧ من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٨٥ من طريق الأعمش به، وهو في تفسير مجاهد ص ٦٨٥ من طريق الأعمش عن زاذان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٥ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وتقدم تخريجه ٢٢/ ٣٠٥، ٣٠٦.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) ذكرُه البغوي في تفسيره ٨/ ٢٧٢.\n(^٤) في م: \"مآثم\".\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سلككم\".","vol":"23","page":450},{"text":"سَقَرَ؛ لأنَّ كلَّ مَن دخل الجنةَ (^١) من بنى آدمَ ممَّن بلَغ حدَّ التكليفِ ولزِمه فرضُ الأمرِ والنَّهْي، قد علمِ أنَّ أحدًا لا يُعاقَبُ إلا على المعصيةِ.\n\n<span id=\"aya-5537\"></span>وقولُه: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ يقولُ: أصحاب اليمينِ في بساتينَ، يتساءلون عن المجرمين (^٢) الذين سُلِكوا في سَقَرَ: أيُّ شيءٍ (^٣) سلَككم في سَقَرَ؟\n\n<span id=\"aya-5538\"></span>﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾. يقولُ: قال المجرمون لهم: لم نَكُ في الدنيا من المصلِّين للهِ وحدَه (^٤).\n\n<span id=\"aya-5539\"></span>﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ بُخْلًا بما خوَّلهم اللهُ، ومنْعًا له من حقِّه.\n\n<span id=\"aya-5540\"></span>﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾. يقولُ: وكنا نخوضُ في الباطلِ، وفيما يَكْرهُه اللهُ مع كلِّ (^٤) مَن يخوضُ فيه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾. قال: كلما غَوَى غَاوٍ غَوَوْا (^٥) معه.\nحدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾. قال: يقولون: كلما غَوَى غَاوٍ غَوَيْنا معه (^٦).\n\n<span id=\"aya-5541\"></span><span data-type='title' id=toc-9235>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾.</span>\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في الأصل: \"المشركين\".\n(^٣) سقط من: الأصل، ت ٢.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"غوي\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٠ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":451},{"text":"قال أبو جعفرٍ ﵀: وقولُه:\n﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قالوا: وكنا نكذِّبُ بيومِ المجازاةِ والثوابِ والعقابِ (^١)، فلا (^٢) نصدِّقُ بثوابٍ ولا عقابٍ ولا حسابٍ،\n\n<span id=\"aya-5542\"></span>﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾. يقولُ: قالوا (^٣): حتى أتانا الموتُ الموقَنُ به،\n\n<span id=\"aya-5543\"></span>﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. يقولُ: فما يَشْفَعُ لهم الذين شَفَّعهم اللهُ في أهلِ الذنوبِ مِن أهلِ التوحيدِ، فتنفعَهم شفاعتُهم. وفي هذه الآيةِ دَلالةٌ واضحةٌ على أنَّ الله تعالى ذكرُه مُشَفَّعٌ بعضَ خَلْقِه في بعضٍ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9236>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، قال: ثنا أبو الزَّعراءِ، عن عبدِ اللهِ في قصةٍ ذكَرها من (^٤) الشفاعةِ، قال: ثم تَشْفَعُ الملائكةُ والنبيون والشهداءُ والصالحون والمؤمنون، ويُشفِّعُهم اللهُ فيقولُ: أنا أرحمُ الراحمين. فيُخْرِجُ مِن النارِ أكثرَ مما أُخرج مِن جميعِ الخلقِ من النارِ، ثم يقولُ: أنا أرحمُ الراحمين. ثم قرَأ عبدُ اللهِ: يا أيُّها الكفارُ، ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. وعقَد بيدِه أربعًا، ثم قال: هل تَرَوْن في هؤلاء من خيرٍ؟ ألا ما يُتْركُ فيها أحدٌ فيه خيرٌ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"العذاب\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ولا\".\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) في م: \"في\".\n(^٥) تقدم تخريجه في ٣/ ٣٤.","vol":"23","page":452},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ عمِّي وإسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، عن أبي الزَّعراءِ، قال: قال عبدُ اللهِ: لا يَبْقى في النارِ إلا أربعةٌ، أو ذو الأربعةِ - الشكُّ مِن أبي جعفرٍ الطبريِّ - ثم يَتْلو: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ تَعَلَّمَنَّ أَنَّ الله يُشَفِّعُ المؤمنين يومَ القيامةِ. ذُكر لنا أنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"إِنَّ مِنْ أمتى رجلًا يُدْخِلُ الله بشفاعتِه الجنةَ أكثرَ مِن بني تميمٍ\". قال الحسنُ: أكثرُ من ربيعةَ ومضرَ، كنا نُحدَّثُ أنَّ الشهيدَ يَشْفَعُ في سبعين مِن أهلِ بيتِه (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. قال: تَعَلَّمَنَّ أَنَّ الله يُشَفِّعُ بعضَهم في بعضٍ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى قال: ثنا ابنُ (^٣) ثورٍ، عن معمرٍ، و(^٤) أخبرَني مَن سمع أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: إنَّ الرجلَ ليَشْفَعُ للرجلين والثلاثةِ والرجلِ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ عبد الأعلى قال: ثنا ابنُ (١) ثورٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن أبى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٠ عن معمر به.\n(^٣) في ص، م، ت ت ١: \"وأبو\".\n(^٤) في الأصل: \"عن قتادة\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٠ - ومن طريقه البزار (٣٤٧٣) - كشف) - عن معمر، عن ثابت عن أنس مرفوعًا.","vol":"23","page":453},{"text":"قلابةَ، قال: يُدْخِلُ اللهُ بشفاعةِ رجلٍ مِن هذه الأمةِ الجنةَ، مثلَ بني تميمٍ. أو قال: أكثرَ مِن بني تميمٍ (^١).\nوقال الحسنُ: مثلُ ربيعةَ ومُضَرَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5544\"></span>وقولُه: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾. يقولُ: فما لهؤلاء المشركين عن تذكرةِ اللهِ إيَّاهم بهذا القرآنِ مُعْرِضِين، لا يَسْتمِعون لها، فيتَّعِظوا ويَعْتَبِروا.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9237>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أي عن هذا القرآنِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-5545\"></span><span data-type='title' id=toc-9238>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فما لهؤلاء المشركين باللهِ عن التذكرة مُعْرِضين.\n\n<span id=\"aya-5546\"></span>مولِّين عنها توليةَ الحُمُرِ المستنفِرةِ ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.\nواختلفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾؛ فقرَأ ذلك [عامةُ قرأةِ المدينة: (مُسْتَتَفَرَةٌ) بفتحِ الفاءِ (^٤)، بمعنى مذعورةٌ قد ذعَرتها القسورةُ. وقرَأته] (^٥) عامهُ قرأَةِ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٠ عن معمر به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣١ عن معمر به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) هي قراءة نافع وابن عامر. التيسير ص ١٧٦.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"23","page":454},{"text":"الكوفةِ والبصرةِ بكسرِ الفاءِ، وهى (^١) قراءةُ بعضِ المكيِّين أيضًا بمعنى نافرةٍ (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، وكان الفرَّاءُ يقولُ (^٣): الفَتْحُ والكَسْرُ في ذلك كثيران في كلامِ العربِ؛ وأنشَد:\nأمْسِكْ حِمارَكَ إنه مُسْتَنْفِرٌ … في إِثْرِ أَحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّب\nوقولُه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى القَسْوَرَةِ؛ فقال بعضُهم: هم الرماةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9239>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن حجاجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباس في قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: الرماةِ (^٤).\nحدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، وحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيان، عن أبي موسى: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: الرماةِ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصور، عن مجاهدٍ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: هي الرماةُ (^٦).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".\n(^٢) هي قراءة ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائى وأبى عمرو. التيسير ص ١٧٦.\n(^٣) في معاني القرآن ٣/ ٢٠٦.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٦ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٠٨ من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٦ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":455},{"text":"[قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ] (^١)، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهد مثله.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَسْوَرَةٍ﴾. قال: عُصْبَةِ قُنَّاصٍ [مِن الرماةِ] (^٢). زاد الحارثُ في حديثِه قال: وقال بعضُهم في القَسْوَرَةِ: هو الأسَدُ. وبعضُهم: الرماةُ.\nحدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: القَسْوَرَةُ الرماةُ. فقال رجلٌ (^٣) لعكرمةَ: هو الأَسَدُ بلسان الحبشةِ؟ فقال عكرمة: اسمُ الأسدِ بلسانِ الحبشةِ عَنْبَسَةُ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. [قال: الرماةِ] (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن إسرائيل، عن أبي إسحاقَ،\n_________\n(^١) في الأصل: \"حدثنا ابن حميد قال حدثنا يزيد\".\n(^٢) في الأصل: \"الرملة\".\n(^٣) في الأصل: \"الرجل\".\n(^٤) أخرجه الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٠٦ عن أبى الأحوص عن سعيد بن مسروق عن عكرمة.\n(^٥) سقط من: الأصل. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":456},{"text":"عن [سليمِ بن عبدٍ] (^١) السَّلُولِّي، عن ابن عباسٍ، قال: هي الرماةُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ وهم الرماةُ القُنَّاصُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: [قَسْوَرَةٌ النَّبْلُ (^٣).\nوقال] (^٤) آخرون: هم القُنَّاصُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9240>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. يعنى: رجالِ القَنْصِ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: هم القُنَّاصُ (^٦).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢: سليمان بن عبد الله، وفى ت ٢: \" أبي سليمان بن عبد\". ينظر تعجيل المنفعة ١/ ٦٠٧، ٦٠٨.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٦ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في الأصل: \"الفيل وقال: قسورة\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":457},{"text":"جبيرٍ، قال: هم القُنَّاصُ.\nوقال آخرون: هم جماعةُ الرجالِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9241>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن شعبةَ، عن أبي حمزةَ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن القَسْوَرَةِ، فقال: ما أَعْلَمُه بِلُغَةِ أحدٍ مِن العرب الأسدَ، هي عُصَبُ الرجالِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمد بنُ عبدِ الوارثِ، قال: سمِعتُ أبى يُحَدِّثُ، قال: ثنا داودُ، قال: ثنى عباسُ بنُ عبدِ الرحمنِ مولى بنى هاشمٍ، قال: سُئِل ابنُ عباسٍ عن القَسْوَرَةِ، قال: جَمْعُ الرجالِ، ألم تَسْمَعْ ما قالت فلانةُ في الجاهليةِ:\n[يا بنتى كوني] (^٢) خَيْرةً لخيِّرَه … أخوالُها في الحيِّ أهلُ (^٣) القسورهْ (^٤)\nوقال آخرون: هي أصواتُ الرجالِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9242>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ عيينةَ، عن عمرِو، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) بعده في م: \"حدثنا ابن المثنى، قال ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: ما أعلمه بلغة أحد من العرب الأسد هي عصب الرجال\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٦ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"يا بنت لؤى\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"فأتيت ذوى\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مثل\".\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ٨٩.","vol":"23","page":458},{"text":"في: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: هو (^١) رِكْزُ الناسِ (^٢)؛ أصواتهم (^٣).\nقال أبو كريبٍ، قال سفيانُ: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨].\nوقال آخرون: بل هو الأسدُ\n\n<span data-type='title' id=toc-9243><span data-type='title' id=toc-9244><span data-type='title' id=toc-9245>ذكرُ مَن قال ذلك</span></span></span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن هشامِ بن (^٤) سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبى هريرةَ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: هو الأسدُ (^٥)\nحدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني هشام بن سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن ابن سِيْلانَ، أن أبا هريرةَ كان يقولُ في قولِ اللهِ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: هو الأسدُ (^٦).\nحدَّثني محمدُ بنُ [معمرٍ، [عن عبدِ الملكِ بن عمرٍو] (^٧) (^٨)، قال: ثنا هشامٌ، عن زيدٍ، [عن ابن سيلانَ، عن أبي هريرةَ في قولِه] (^٩): ﴿فَرَّتْ مِنْ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ١، ت ٣.\n(^٢) في ت ١: \"الرجال\".\n(^٣) أخرجه سفيان بن عيينة - كما في فتح البارى ٨/ ٦٧٦، ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٢، والحافظ في تغليق التعليق ٤/ ٣٥٢ - عن عمرو بن دينار به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٦ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في ص، ت،١، ت ٢ ت ٣: \"عن\".\n(^٥) أخرجه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٥٢ - من طريق هشام بن سعد به.\n(^٦) أخرجه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٥٢ - والبزار ٢٢٧٧ - كشف). من طريق عبد الملك بن عمرو عن هشام بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٦ إلى ابن المنذر.\n(^٧) سقط من: النسخ. والمثبت من تغليق التعليق ٤/ ٣٥٢، وكشف الأستار (٢٢٧٧) وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٤٨٥.\n(^٨) في الأصل: \"عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى\".\n(^٩) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بن أسلم في قول الله\".","vol":"23","page":459},{"text":"قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الأسدِ.\nحدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني داودُ بنُ قيسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: هو الأسدُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بن خداشٍ، قال: ثنى سَلْمُ بنُ قتيبةَ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عليٍّ بن زيدٍ، عن يوسفَ بن مهْرانَ، عن ابن عباسٍ أنه سُئل عن قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هو بالعربية الأسدُ، وبالفارسيةِ شار، وبالنَّبَطِيَّة (^٢) أريا، وبالحبشية قسورةٌ (^٣).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. يقولُ: الأسدِ.\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن هشامِ بن سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبي هريرةَ قال: الأسدِ.\nحدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: القسورةُ الأسدُ (^٤).\n\n<span id=\"aya-5547\"></span>وقولُه: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما بهؤلاء المشركين في إعراضِهم (^٥) عن هذا القرآنِ أنهم لا يَعْلَمون أنه من عندِ اللهِ،\n_________\n(^١) ذكره الطوسى في التبيان ١٠/ ١٨٧، والبغوى في تفسيره ٨/ ٢٧٤.\n(^٢) في الأصل، ت ٢: \"القبطية\".\n(^٣) ذكره الحافظ في التغليق ٤/ ٣٥٢ عن المصنف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٦ إلى ابن أبي حاتم مختصرا.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢٩٨.\n(^٥) في ص، ت ٢، ت ٣: \"غير\".","vol":"23","page":460},{"text":"ولكن كلُّ رجلٍ منهم يريدُ أن يؤتَى كتابًا من السماءِ يَنْزِلُ عليه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9246>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾. قال: [قد قال] (^١) قائلون من الناسِ: يا محمد، إِنْ سَرَّك أن نَتَّبِعَك فَأتِنا بكتابٍ، خاصةً إلى فلانٍ وفلانٍ، نُؤْمَرُ فيه باتِّباعك. قال قتادةُ: يُريدون أن يُؤتوا براءةً بغير عملٍ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾. قال: إلى فلانِ [بن فلانٍ] (^٣) من ربِّ العالمين (^٤).\n\n<span id=\"aya-5548\"></span>وقولُه: ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما الأمرُ كما يَزْعُمون، من أنهم لو أوتوا صحفًا مُنَشَّرَةً صدَّقوا (^٥)، ﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾. يقولُ: لكنهم لا يَخافون عقابَ (^٦) اللهِ، ولا يُصَدِّقون بالبعثِ والثوابِ والعقابِ،\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذلك\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) بعده في الأصل: \"وقوله\".\n(^٦) في الأصل: \"عذاب\".","vol":"23","page":461},{"text":"فذلك الذي دعاهم إلى الإعراضِ عن تذكرةِ اللهِ، وهوَّن عليهم (^١) تركَ الاستماعِ لوحيهِ وتنزيلِه.\nوبنحوِ الذي قلْنا [في ذلك] (^٢) قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9247>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ إنما أفسَدهم أنهم كانوا لا يُصَدِّقون بالآخرةِ، ولا يَخافونَها، هو الذي أفسَدهم (^٣).\n\n<span id=\"aya-5549\"></span><span data-type='title' id=toc-9248>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ (^٤) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُ (^٥) تَذْكِرَةٌ﴾: ليس الأمرُ كما يقولُ هؤلاءِ المشرِكون في هذا القرآن من أنه سحرٌ يُؤْثَرُ، وأنه قولُ البشرِ، ولكنه تذكِرةٌ من اللهِ لخلقِه، ذكَّرهم به.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣: \"عليه\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في الأصل: \"تذكرون\". وهى قراءة نافع. التيسير ص ١٧٦.\n(^٥) في ص، ت ٢ ت ٣: \"إنها\".","vol":"23","page":462},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9249>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾. أي: القرآنَ (^١).\n\n<span id=\"aya-5550\"></span>وقولُه: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فمن شاء من عباد الله الذين ذكَّرهم اللهُ بهذا القرآنِ ذكرَه، [فاتَّعظ به واستعمَل] (^٢) ما فيه من أمرِ اللهِ ونهِيه، ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ (^٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه:\n\n<span id=\"aya-5551\"></span>وما يَذْكُرون هذا القرآنَ فيتَّعِظون (^٤) به، ويَسْتَعْمِلون (^٥) ما فيه، إلا أن يَشَاءَ اللهُ أن يَذْكُرُوه (^٣)، لأنه لا أحدَ يَقْدِرُ على شيءٍ إلا بأن يَشَاءَ اللهُ أن يُقَدِّرَه عليه ويُعْطِيه القدرة عليه.\nوقولُه: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى [وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾] (^٦). يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ (^٧) أهلٌ أن يَتَّقِى عبادُه عقابَه على معصيتِهم إياه، فيَجْتَنِبوا معاصِيَه، ويُسَارعوا إلى طاعتِه، ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾. يقولُ: هو أهلٌ أن يَغْفِرَ ذنوبهم إذا هم فعَلوا ذلك، [ولا] (^٨) يُعاقبهم عليها مع توبتهم منها.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢،، ت ٣: \"فاتعظ فاستعمل\".\n(^٣) في الأصل: \"تذكروه\".\n(^٤) في الأصل: \"فتتعظون\".\n(^٥) في الأصل: \"تستعملون\".\n(^٦) سقط من: الأصل.\n(^٧) ليس في: الأصل.\n(^٨) في الأصل: \"فلا\".","vol":"23","page":463},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9250>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾. ربُّنا محقوقٌ أن تُتَّقَى مَحارِمُه، وهو أَهلُ المغفرةِ يَغْفِرُ الذنوبَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾. قال: أهلٌ أن تُتَّقَى محارمُه، وأهل المغفرةِ: أهلٌ أن يَغْفِرَ الذنوبَ (^٢).\nآخر تفسير سورة المدثر\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٢ عن معمر به.","vol":"23","page":464},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-5552\"></span><span data-type='title' id=toc-9251>[تفسيرُ سورةِ \"القيامةِ\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-9252>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ </span>(٤)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، فقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ ﴿لَا﴾ مفصولةً من ﴿أُقْسِمُ﴾، سوى الحسنِ والأعرجِ، فإنه ذُكِر عنهما أنهما كانا يَقْرَآن ذلك: (لأُقْسِمُ بِيومِ القيامةِ) بمعنى: أُقْسِمُ بيومِ القيامةِ، ثم أُدخِلَت عليها لامُ القسمِ (^١).\nوالقراءةُ التي لا أَسْتَجِيزُ غيرها في هذ الموضعِ: ﴿لَا﴾، مفصولةً، ﴿أُقْسِمُ﴾، مبتدأةً، على ما عليه قرَأَةِ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القَرأةِ عليه.\nوقد اختلَف الذين قرءَوا ذلك على الوجهِ الذي اختَرنا قراءتَه به في تأويلِه، فقال بعضُهم: ﴿لَا﴾ صلة، وإنما معنى الكلام: أُقسمُ بيومِ القيامة (^٢).\n_________\n(^١) وبها قرأ قنبل بغير ألف بعد اللام، وكذا روى النقاش عن أبي ربيعة عن البزى. التيسير ص ١٧٦.\n(^٢) سقط من: ص.","vol":"23","page":465},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9253>[ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جريجٍ، عن الحسنِ بن مسلمِ بن يَنَّاقٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. قال: أُقْسِمُ بيوم القيامةِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن الحسنِ بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾. قال: أُقْسِمُ.\nوقال آخرون منهم: بل دخَلت \"لا\" توكيدًا للكلامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9254>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nسمِعتُ أبا هشام الرفاعيَّ يقولُ: سمِعتُ أبا بكرِ بنَ عيَّاشٍ يقولُ: قولُه: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾] (^٢): توكيدٌ للقسمِ، كقوله: لا واللهِ (^٣).\nوقال بعضُ نحوييِّ الكوفةِ: \"لا\" ردٌّ لكلامٍ قد مضَى من كلامِ المشركينِ الذين كانوا يُنْكرون الجنةَ والنارَ، ثم ابتُدِئ القسَمُ، فقيل: أُقْسِمُ بيومِ القيامةِ، وكان يقولُ: كلُّ يمينٍ قبلَها ردٌّ لكلامٍ فلا بدَّ من تقديمِ \"لا\" قبلَها، ليُفَرَّقَ بذلك بينَ اليمينِ التي تكونُ جَحْدًا واليمينِ التي تُستأنَفُ. ويقولُ: ألا ترَى أنك تقولُ مُبتدئًا: والله إنَّ الرسول لحقٌّ. وإذا قُلْتَ: لا، واللهِ إنَّ الرسولَ لحقٌّ. فكأنك أكذَبتَ قومًا أنكَرُوه؟ (^٤)\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٢٧٩.\n(^٤) معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٠٧.","vol":"23","page":466},{"text":"واختلَفوا أيضًا في ذلك: هل هو قسَمٌ أم لا، فقال بعضُهم: هو قسَمٌ؛ أَقْسَم ربُّنا بيومِ القيامةِ، وبالنفسِ اللَّوامةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9255>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\n\n<span id=\"aya-5553\"></span>حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبى الخيرِ بن تميمٍ عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال لي ابنُ عباسٍ: ممن أنت؟ فقلتُ: من أهلِ العراقِ. فقال: مِن (^١) أيهم؟ قال: فقلتُ: من بني أسدٍ. فقال: مِن حَرُورِيَّتِهم (^٢)، أو ممن أنعَم اللهُ عليهم؟ فقلتُ: لا، بل ممن أنعَم اللهُ عليهم. فقال لي: سَلْ. فقلتُ: لا أُقْسِمُ بيومِ القيامةِ؟ فقال: يُقْسِمُ ربُّك بما شاء مِن خَلْقِه (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. قال: أَقْسَم بهما جميعًا (^٤).\nوقال آخرون: بل أَقْسَم بيومِ القيامةِ، ولم يُقْسِم بالنفسِ اللوامةِ. وقال: معنى قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾: ولستُ أُقْسِمُ بالنفسِ اللوَّامةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9256>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ:\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في الأصل: \"حريّتهم\". وفى ص: \"حرسهم\". وفى م، ت ٢: \"حريبهم\". وفي ت ١، ت ٣: \"حزينهم\"، والمثبت كما في مستدرك الحاكم.\n(^٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٥٠٨، ٥٠٩ من طريق جرير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٧ إلى ابن المنذر.\n(^٤) ذكرُه ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٠٠ وعزاه إلى ابن أبي حاتم.","vol":"23","page":467},{"text":"أَقْسَم بيوم القيامة، ولم يُقسِمْ بالنفسِ اللوامةِ (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندِى بالصوابِ قولُ مَن قال: إِنَّ الله أَقْسَم بيومِ القيامةِ وبالنفسِ اللوَّامةِ. وجعَل \"لا\" ردًّا لكلامٍ قد كان تقدَّمه من قومٍ، وجوابًا لهم.\nوإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ بالصوابِ؛ لأن المعروفَ من كلامِ الناسِ في محاوراتِهم إذا قال أحدُهم: لا واللهِ، لا فعَلْتُ كذا. أنه يَقْصِدُ بـ \"لا\" ردَّ الكلامِ، وبقولِه: واللهِ. ابتداءَ يمينٍ، وكذلك قولُهم: لا أُقْسِمُ بالله لا فعلَتُ كذا. فإذا كان المعروفُ من معنى ذلك ما وصَفنا، فالواجبُ أن يكونَ سائرُ ما جاء من نظائرِه جاريًا مَجْرَاه، ما لم يَخْرُجْ شيءٌ من ذلك عن المعروفِ بما يَجِبُ التسليمُ له. وبعدُ، فَإِنَّ الجميعَ من الحُجَّةِ مُجْمِعون على أنَّ قولَه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. قَسَمٌ، فكذلك قولُه: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. إلا أن تأتى حُجَّةٌ تدلُّ على أنَّ أحدهما قسَمٌ، والآخر خبرٌ. وقد دلَّلْنا على أنَّ قراءةَ من قرَأ الحرفَ الأوَّلَ: \"لأقسم\" بوصلِ اللامِ بـ \"أُقْسِمُ\" قراءةٌ غيرُ جائزةٍ (^٢)، بخلافِها ما عليه الحجةُ مجمعةٌ. فتأويلُ الكلامِ إذن: لا، ما الأمرُ كما تقولون أيُّها الناسُ، من أنَّ الله لا يَبْعَثُ عِبادَه بعد مماتهم أحياءً، أُقْسِمُ بيوم القيامةِ.\nوكانت جماعةٌ تقول: قيامةُ كلِّ نفسٍ موتُها.\n\n<span data-type='title' id=toc-9257>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ ومسعرٍ، عن زيادِ بن علاقةَ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٠٠.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٤٦٥.","vol":"23","page":468},{"text":"المغيرة بن شعبةَ، قال: يقولون: القيامةُ القيامةُ (^١). وإنما قيامةُ أحدِهم موتُه (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مسعرٍ وسفيانَ، عن أبي قيسٍ (^٣)، قال: شهِدتُ جنازةً فيها علقمةُ، فلما دفَن قال: أما هذا فقد قامت قيامتُه (٢).\nوقولُه: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿اللَّوَّامَةِ﴾: فقال بعضُهم: معناه: ولا أُقسِمُ بالنفسِ التي تَلُومُ على الخيرِ والشرِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9258>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جريج، عن الحسنِ بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. قال: تلومُ على الخيرِ والشرِّ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. قال: تلومُ على الخيرِ والشرِ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبي الخيرِ بن تميمٍ، عن سعيِد بن جبيرٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. قال: هي النفسُ اللئُومُ (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ١/ ٤٣٦.\n(^٣) في م: \"قبيس\". وهو أبو قيس الأودى، عبد الرحمن بن ثروان تهذيب الكمال ١٧/ ٢٠.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٠١ عن المصنف سندًا ومتنًا.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٠٠ - من طريق إسرائيل به.\n(^٦) تقدم أوله في ص ٤٦٧.","vol":"23","page":469},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك أنَّها تلومُ على ما فات وتَنْدَمُ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-9259>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. قال: تَنْدَمُ على ما فات، وتلومُ عليه (^٢).\nوقال آخرون: بل اللوامةُ: الفاجرةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9260>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. أي: الفاجرةِ (^٣).\nوقال آخرون: بل هي المذمومةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9261>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. يقولُ: المذمومةِ (^٣).\nوهذه الأقوالُ التي ذكَرْناها عمن ذكَرْناها عنه، وإن اختلَفت بها ألفاظُ قائليها، فمتقارِباتُ المعانى. وأشبهُ القولِ في ذلك بظاهرِ التنزيل أنَّها\n_________\n(^١) في الأصل: \"تدم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٧ إلى عبد بن حميد والمصنف.\n(^٣) في الأصل، ص، ت ٢، ت ٣: \"مذمومة\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٧ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"23","page":470},{"text":"تلومُ صاحبَها على الخيرِ والشرِّ، وتَنْدَمُ على ما فات. والقرَأَةُ كلُّهم مُجْمِعُون على قراءةِ هذه بفصلِ \"لا\" من \"أُقْسِمُ\".\n\n<span id=\"aya-5554\"></span>وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أيظُنُّ ابنُ آدمَ أن لن نقْدِرَ على جمعِ عظامه بعد تَفَرُّقها؟! بلي قادِرين على أعظمَ من ذلك؛ أن نُسَوِّىَ بنانَه، وهى أصابعُ يدَيْهِ ورجلَيْهِ، فنجعَلَها شيئًا واحدًا كخفِّ البعيرِ، أو حافرِ الحمارِ، فكان لا يَأْخُذُ ما يَأْكُلُ إلا يفيه كسائرِ البهائمِ، ولكنَّه فرَق أصابعَ يديه يَأْخُذُ بها ويَتَنَاوَلُ، ويَقْبِضُ إذا شاء ويَبْسُطُ، فحسَّن خَلْقَه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9262>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\n\n<span id=\"aya-5555\"></span>حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبي الخيرِ بن تميمٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: قال لى ابنُ عباسٍ: سَلْ. فقلتُ: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. قال: لو شاء لجعَله خُفًّا أو حافرًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. قال: أنا قادرٌ على أن أَجْعَلَ كفَّه (^٢) مُجَمَّرةً (^٣) مثلَ خفِّ البعير (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، عن إسرائيلَ، عن مغيرةَ، عمن حدَّثه،\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٤٦٧.\n(^٢) في الأصل: \"كفيه\".\n(^٣) جمّر الشيء تجميرًا: جمَعه. التاج (ج م ر).\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٠١.","vol":"23","page":471},{"text":"عن سعيدِ بن جُبَيرٍ عن ابن عباسٍ: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾.\nقال: أن نَجْعَلَه خفًّا أو حافرًا (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن النضرِ، عن عكرِمةَ: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. قال: على أن نَجْعَلَه مثلَ خفِّ البعيرِ، أو حافرِ الحمارِ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. قال: جعَلها يدًا، وجعَلها أصابعَ يَقْبِضُهنَّ ويَبْسُطُهنَّ، ولو شاء لجمَعهن، فأنقَيتَ (^٣) الأرضَ بفِيك، ولكن سوَّاكَ خَلْقًا حَسَنًا. قال أبو رجاءٍ: وسُئل عكرِمةُ فقال: لو شاء لجعَلها كخفِّ البعيرِ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾: رِجْلَيه، قال: كخفِّ البعيرِ، فلا يعملُ بهما شيئًا (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾: قادرٌ والله ربُّنا (^٦) على أن يجعلَ بنانَه كحافرِ الدابةِ، أو كخفِّ البعيرِ، ولو شاء لجعَله كذلك، وإنما يُنْقِى (^٧) طعامَه بفيه.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٣ من طريق آخر عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في الأصل، ص: \"فاتقيت\" بدون نقط، وفى م: \"فاتقيت\". وأنقى الشيءَ وتنقّاه وانتقاه: اختاره. اللسان (ن ق ا).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٧ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٧) في الأصل، ص: \"ـقى\" بغير نقط. وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يتقى\".","vol":"23","page":472},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. قال: لو شاء جعَل بنانَه مثلَ خفِّ البعيرِ، أو حافرِ الدابةِ (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. قال: البنانُ: الأصابعُ، يقولُ: نحن قادِرون على أن نجعلَ بنانَه مثلَ خفِّ البعيرِ (^٢).\nواختلف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ: ﴿قَادِرِينَ﴾؛ فقال بعضُهم: نُصِب لأنه واقعٌ موقعَ \"نَفْعَلُ\"، فلما رُدَّ إلى \"فاعلٍ\" نُصب. وقالوا: معنى الكلام: أَيَحْسَبُ الإنسانُ أن لن نَجْمَعَ عظامَه، بلى نَقْدِرُ (^٣) على أن نُسَوِّي بنانَه. ثم صُرِف \"نَقْدِرُ\" إلى ﴿قَادِرِينَ﴾. وكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يقولُ: نُصب على الخروجِ من: \"نجمع\"، كأنه قِيل في الكلامِ: أَيَحْسَبُ أن لن نقوَى عليه؟ بلى قادِرين على أَقْوى منك. [يريدُ: بلى] (^٤) نَقْوَى مُقْتَدِرين على أكثرَ (^٥) من ذا. وقال: قولُ الناسِ: بلى نَقْدِرُ، فلما صُرِفت إلى قادرين نُصِبت - خطأٌ؛ لأن الفعلَ لا يُنْصَبُ بتحويلِه من \"يَفْعَلُ\" إلى \"فاعلٍ\". ألا ترَى أنك تقولُ: أتقومُ إلينا. فإن حوَّلتها إلى \"فاعلٍ\" قلت: أقائمٌ، وكان خطأً أن تقولَ: قائمًا. قال: وقد كانوا يَحْتَجُّون بقولِ الفرزدقِ (^٦):\nعَلَى قسَمٍ لا أَشْتُمُ الدهرَ مُسْلِمًا … ولا خارِجًا مِن فيَّ زورُ كلامِ\n_________\n(^١) في ت: \"الحمار\". والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٣ عن معمر به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٧ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في الأصل، ت ٣: \"قادرين\".\n(^٤) في الأصل: (قوة)\n(^٥) في ص، ت ١، ت،٢، ت ٣: \"أكبر\".\n(^٦) ديوانه ص ٧٦٩.","vol":"23","page":473},{"text":"فقالوا: إنما أراد: لا أشْتُم، ولا يَخْرُجُ. فلما صرفها إلى \"خارج\" نصَبها، وإنما نصب لأنه أراد: عاهَدتُ (^١) ربِّي لا شاتمًا أحدًا، ولا خارجًا من فيَّ زورُ كلام.\nوقوله: لا أَشْتُم. في موضع نصبٍ (^٢).\nوكان بعضُ نحويِّي البصرة يقولُ: نُصِب على \"نجمع\": أي بل نَجمَعُها قادرين على أن نُسَوِّيَ بنانَه، وهذا القولُ الثاني (^٣) أشبه بالصحة على مذهب أهل (^٤) العربية.\n\n<span id=\"aya-5556\"></span><span data-type='title' id=toc-9263>القول في تأويل قوله ﷿: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكره: ما يَجْهَلُ (^٥) ابنُ آدمَ أن ربَّه قادرٌ على أن يَجْمَعَ عظامه، ولكنه يريد أن يَمضِىَ أمامه قُدُمًا في معاصى الله، لا يُثنِيه عنها شيءٌ، ولا يتوبُ منها أبدًا، ويُسَوِّفُ التوبةَ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: \"عاقدت\".\n(^٢) معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٠٨.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) زيادة من: م.\n(^٥) في الأصل: \"أجهل\".\n(^٦) بعده في الأصل: \"على اختلاف بين أهل التأويل معناه\".","vol":"23","page":474},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9264>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبي الخير بن تميم الضبيِّ، عن سعيد بن جُبَيرٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. قال: يَمضِي قُدُمًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. يعنى الأملَ؛ يقولُ الإنسانُ: أعمَلُ ثم أتوبُ قبل يوم القيامةِ. ويقال (^٢): هو الكفرُ بالحقِّ بينَ يدى القيامة (^٣).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. قال: يَمضِي أمامَه راكبًا رأسَه (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. قال: قال الحسنُ: لا تَلْقَى ابن آدمَ إلا تَنْزِعُ نفسُه إلى معصيةِ اللهِ قدمًا قُدُمًا، إلا مَن قد عصم الله (^٥).\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٧ إلى المصنف.\n(^٢) في الأصل: \"قال\". وينظر تفسير ابن كثير.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٠١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى المصنف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":475},{"text":"﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. قال: قُدُمًا في المعاصى (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن عمرٍو، عن إسماعيلَ السديِّ: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. قال: قُدُمًا.\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن النضر، عن عكرِمةَ: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. قال: قُدُمًا لا يَنْزِعُ عن فُجورٍ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن سعيدِ بن جبير: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. قال: سوف أتوبُ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أنه يَرْكَبُ رأسه في طلب الدنيا دائبًا، ولا يَذْكُرُ الموت.\n\n<span data-type='title' id=toc-9265>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾: هو الأملُ، يأمُلُ (^٣) الإنسانُ؛ أعيش وأصيبُ من الدنيا، كذا، وأصيب كذا. ولا يَذْكُرُ الموت (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: بل: يُرِيدُ الإنسانُ الكافرُ ليُكَذِّبَ بيومِ القيامة.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٢٨١، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٠١.\n(^٣) في م: \"يؤمل\".\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٢٨١، والقرطبي في تفسيره ١٩/ ٩٥.","vol":"23","page":476},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9266>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. يقول: الكافرُ يُكَذِّبُ بالحسابِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. قال: يُكَذِّبُ بما أمامه؛ يوم القيامةِ والحسابِ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: بل يُرِيدُ الإنسانُ ليَكْفُرَ بالحقِّ بين يدي القيامةِ. والهاءُ على هذا القول في قوله: ﴿أَمَامَهُ﴾. من ذكر القيامة، وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك قبلُ.\n\n<span id=\"aya-5557\"></span>وقوله: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يَسْأَلُ ابنُ آدمَ السائرُ دائبًا في معصيةِ اللهِ ﷿ قُدُمًا: متى يومُ القيامةِ؟ تشويفًا منه للتوبة، فبيَّن الله له ذلك فقال: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ الآية.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9267>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن عطية، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، [عن ابن عباس: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾. قال: يقولُ: سوف] (^٣)\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٧، ٢٨٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٢٨، والقرطبي في تفسيره ١٩/ ٩٤، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٠١.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت، ت ٢ ت ٣.","vol":"23","page":477},{"text":"[أتوبُ. قال: فبيَّن له؛ ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ] (^٢)، عن قتادة قوله: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ: متى يومُ القيامة؟ قال: وقال عمر بن الخطاب ﵁: مَن سأل (^٣) عن يوم القيامةِ فليَقرَأ هذه السورة (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾: متى يكون ذلك؟ فقرأ:؟ ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. قال: فكذلك يكونُ يومُ القيامة.\n\n<span id=\"aya-5558\"></span>وقوله: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾. اختلَفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأه أبو جعفرٍ القارئُ ونافعٌ وابن أبي إسحاقَ: (فإذَا بَرَقَ). بفتحِ الراء، بمعنى شخَص وفُتِح عندَ الموتِ؛ وقرأ ذلك شيبةُ وأبو عمرٍو وعامةُ قرأة الكوفة: ﴿بَرِقَ﴾. بكسرِ الراءٍ، بمعنى: فزع وشقَّ (^٥).\nوقد حدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثني حجاجٌ، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٨٦، وأخرجه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٥٥ - والحاكم ٢/ ٥٠٩، والبيهقى في الشعب (٧٢٣٢) من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وينظر معناه في قصر الأمل لابن أبي الدنيا (٢٠٥) من طريق أبي إسحاق به.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في م: \"سئل\". وينظر مصدر التخريج.\n(^٤) عزا السيوطي قول قتادة في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر، وعزا قول عمر بن الخطاب من طريق قتادة في الدر المنثور ٦/ ٢٨٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) قرأ المدنيان بفتح الراء وهى أيضًا قراءة زيد بن ثابت ونصر بن عاصم وعبد الله بن أبي إسحاق وأبى حيوة وابن أبي عبلة والزعفرانى وابن مقسم وزيد بن علي وأبان عن عاصم وهارون ومحبوب كلاهما عن أبي عمرو والحسن والجحدرى بخلاف عنهما بفتحها. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف، كلهم بكسرها. ينظر النشر ٢/ ٢٩٤، وتفسير البحر المحيط ٨/ ٣٨٥.","vol":"23","page":478},{"text":"هارونَ، قال: سألتُ أبا عمرو بن العلاء عنها، فقال: ﴿بَرِقَ﴾ له بالكسر، بمعنى: حارَ. قال: وسألتُ عنها عبد الله بن أبي إسحاق، فقال: (برق) بالفتح، إنما برق [الحَنْظَلُ اليابس، وما برق البصرُ؟! قال: فذكرتُ ذلك لأبى عمرٍو فقال: إنما يَبْرُقُ الحَنْظَلُ] (^١) والنارُ والبرقُ. وأما البصرُ فبرق عند الموت. قال: فأخبرتُ بذلك أبا (^٢) إسحاق، فقال: أخَذتُ قراءتي عن الأشياخ؛ نصر بن عاصم وأصحابه. فذكرت ذلك لأبى عمرو، فقال: لكنى لا آخُذُ عن نصرٍ ولا عن أصحابه. كأنه يقولُ: آخُذُ عن أهل الحجاز (^٣).\nوأولى القراءتين في ذلك عندَنا بالصواب كسرُ الراء: ﴿فَإِذَا بَرِقَ﴾. بمعنى: فَزِع فشُقَّ وفُتِح من هول يوم (^٤) القيامة وفزَع الموت. وبذلك جاءت أشعارُ العرب، أنشَدني بعض الرواة عن أبي عُبيدة للكلابيِّ (^٥):\nلما أتاني ابنُ صُبَيحٍ راغِبًا … أعطيتُه عيْساء (^٦) منها فبرق\nوحُدِّثتُ عن أبي زكريا الفرَّاءِ، قال (^٧): أنشدني بعضُ العرب (^٨):\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت،٢ ت ٣: \"الحنظل\". وفى م: \"الخيطل\". وينظر التبيان ١٠/ ١٩٢.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت،٢ ت ٣ \"ابن أبي\". وهو عبد الله بن أبى إسحاق، أبو إسحاق. تهذيب الكمال ١٤/ ٣٠٥.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٠٢ مختصرًا إلى قوله: \"حار\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في ص، ت ٢: (الكلابى). وهو الأعور بن براء الكلابى، كما في تهذيب إصلاح المنطق ص ٧٥، والبيت في مجاز القرآن ٢/ ٢٧٧ ورواية الشطر الثاني فيه:\nأعطيته عيسًا صهابًا فبرق\nوينظر تفسير القرطبي ١٩/ ٩٦.\n(^٦) في الأصل: \"عيناء\".\n(^٧) معاني القرآن ٣/ ٢٠٩.\n(^٨) هو طرفة بن العبد. ديوانه (صلة الديوان) ص ١٨١، ١٨٢.","vol":"23","page":479},{"text":"نعاني حنانةُ (^١) طُوبالةً (^٢) … تَسَفُّ يَبِسًا من العِشرِقِ (^٣)\nفنفسَك فانْعَ ولا تَنْعَنى … وداو الكُلُوم ولا تَبْرَقِ\nففتح الراء. وفسَّره أنه يقولُ: لا تفزَع من هول الجراحِ التي بك. قال: وكذلك يَبْرَقُ البصرُ يومَ القيامةِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9268>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾: يعنى ببرقِ البصر الموتَ، وبروقُ البصرِ هي الساعةُ (^٤).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿بَرِقَ الْبَصَرُ﴾. [قال: عند الموتِ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾] (^٦): شَخَص البصرُ (^٧).\n_________\n(^١) اسم راع. اللسان (ح ن ن).\n(^٢) الطوبالة: النعجة. ينظر اللسان (ط ب ل).\n(^٣) العشرق: شجر، وقيل: نبت. وقيل: هو شجر ينفرش على الأرض عريض الورق وليس له شوك. اللسان (ع ش ق).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى المصنف.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) سقط من: الأصل.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":480},{"text":"<span id=\"aya-5559\"></span>وقولُه: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾. يقولُ: ذهَب ضوء القمر.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9269>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾. [يقولُ: وذهب ضوء القمر] (^١) فلا ضوءَ له.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن الحسن: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾: [هو ضوءُه] (^٢)، يقولُ: ذهَب ضوءُه (^٣).\n\n<span id=\"aya-5560\"></span>وقوله: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وجمع بينَ (^٤) الشمسِ والقمر في ذهاب الضوء، فلا ضوءَ لواحدٍ منهما. وهى في قراءة عبدِ اللهِ فيما ذُكِر لى: (وجُمِع بينَ الشمس والقمر) (^٥). وقيل: إنهما يُجمعان ثم يكوَّران، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]. وإنما قيل: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. لما ذكرت من أن معناه: جُمع بينهما، وكان بعضُ نحويِّى الكوفة يقولُ: إنما قيل: ﴿وَجُمِعَ﴾. على مذهبِ: وجمع النُّوران، كأنه قيل: وجُمع الضياءان. وهذا قولُ الكِسائيِّ (^٦).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذهب ضوءه\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) سقط من: ت ٣.\n(^٥) ينظر تفسير القرطبي، ١٩/ ٩٧، وتفسير البحر المحيط ٨/ ٣٠٢.\n(^٦) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٠٩.","vol":"23","page":481},{"text":"وبنحوٍ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9270>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. قال: كُوِّرا يومَ القيامةِ (^١).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قوله: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. قال: جُمِعا فرُمي بهما في الأرضِ. وقرَأ (^٢): ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: كوِّرت في الأرض والقمرُ معها (^٣).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني سعيدُ [بنُ أبى] (^٤) أيوب، عن أبى شيبةَ الكوفيِّ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، أنه تلا هذه الآية يومًا: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. قال: يُجمعان يوم القيامةِ، ثم يُقْذَفان في البحرِ، فيكونُ نارُ الله الكبرى (^٥).\n\n<span id=\"aya-5561\"></span>وقولُه: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾. و(^٦) بفتح الفاءِ قرأ ذلك قرَأَةُ الأمصارِ، لأن العينَ منه في \"يفعل\" (^٧) مكسورةٌ، وإذا كانت العينُ من \"يَفْعَلُ\" مكسورةً،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت،٢ ت ٣: \"وقوله\".\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٣٠٢.\n(^٤) في الأصل: \"ابن\". وفى ت ٢: \"عن أبى\". وهو سعيد بن أبى أيوب. تهذيب الكمال ١٠/ ٣٤٢.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٦) سقط من: م، ت ١، ت ٣.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت،٢ ت ٣: \"الفعل\".","vol":"23","page":482},{"text":"فإن العربَ تَفْتَحُها في المصدر منه، إذا نطقت به على \"يَفْعِلُ\" (^١)، فتقولُ: فرَّ يَفِرُّ مَفَرًّا (^٢). [بمعنى: فرارًا] (^٣)، كما قال الشاعرُ (^٤):\nيا لَبَكرٍ أنشروا لى كُلَيبا … يا لبكرٍ أين أينَ الفِرارُ (^٥)\n[فإذا أُريد بهذا] (^٦)، هذا المعنى من مفعل قالوا: أين المفرُّ؟ بفتح الفاء، وكذلك المدَبُّ من دبَّ يَدِبُّ، كما قال بعضُهم (^٧).\nكأن بقايا الأَثر (^٨) فوقَ متونِه … مَدَبُّ الدَّبَى (^٩) فوقَ النقَا (^١٠) وهو سارحُ\nوقد يُنْشَدُ بكسرِ الدالِ، والفتحُ فيها أكثرُ، وقد تَنْطِقُ العربُ بذلك، وهو مصدرٌ بكسر العين وزعَم الفرَّاءُ أنهما لغتان، وأنه سمع: جاء على مَدَبِّ السيل (^١١)، ومَدِبِّ السيلِ (^١١)، وما في قميصِه مَصَحٌّ ومَصِحٌّ.\nفأما البصريون فإنهم في المصدرِ يَفْتَحون العين من \"مَفْعَل\" إذا كان الفعلُ على يَفْعِل، وإنما يُجيزون كسرها إذا أريد بالمفعل المكانُ الذي يُفَرُّ إليه، وكذلك\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"مفعل\". وفى ت ٢ ت:٣ \"فعل\".\n(^٢) في ت ٢ ت ٣: \"فرا\".\n(^٣) في م: \"يعني فرًّا\". وفي ت:١: \"يعني مفر\". وفي ت،٢ ت ٣: \"يعني فرار\".\n(^٤) هو مهلهل بن ربيعة. والبيت في الكتاب ٢/ ٢١٥، والأغانى ٥/ ٥٩، والعقد الفريد ٥/ ٢٢٠، ٤٧٨، والخزانة ٢/ ١٦٢.\n(^٥) في ص: \"المفرا\". وفى ت ١ ت ٢، ت: \"المفر\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إذا أريد\".\n(^٧) البيت في معاني القرآن للفراء ٣/ ٢١٠، غير منسوب.\n(^٨) الأثر، بفتح فسكون: فِرِنْد السيف ورونقه. ويكسر، وبضمتين على \"فُعُل\"، وهو واحد ليس بجمع. التاج (أ ث ر).\n(^٩) الدَّبَى: الجراد قبل أن يطير، وقيل: الدبى أصغر ما يكون من الجراد والنمل. اللسان (د ب ى).\n(^١٠) في ص، ت ١، ت،٢ ت ٣: \"البنا\". والنقا: الكثيب من الرمل. اللسان (ن ق ا).\n(^١١) في الأصل: \"النسيل\". ومدب السيل: مجراه. التاج (د ب ب).","vol":"23","page":483},{"text":"المضرِبُ: المكانُ الذي يُضْرَبُ فيه، إذا كُسِرت الراءُ. ورُوى عن ابن عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ ذلك بكسر الفاءِ، ويقولُ: إنما المفِرُّ: مَفرُّ الدابةِ حيث تَفِرُّ (^١).\nوالقراءة التي لا أَسْتَجِيرُ غيرَها: الفتحُ في الفاء من: ﴿الْمَفَرُّ﴾؛ لإجماع الحجة من القرأةِ عليها، وأنها اللغةُ المعروفةُ في العربِ، إذا أُريد بها الفرارُ، وهو في هذا الموضع بمعنى الفِرارِ. وتأويل الكلام: يقولُ الإنسانُ يومَ يُعايِنُ أهوال القيامة: أين الفرارُ (^٢) من هول هذا الذي قد نزَل. ولا فرارَ.\n\n<span id=\"aya-5562\"></span>يقولُ الله جلَّ ذكرُه: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾. يقول جلَّ ثناؤه: ليس هنا (^٣) فِرارٌ يَنْفَعُ صاحبه؛ لأنه لا ينجيه فرارُه، ولا شيء يَلْجَأُ إليه من حصنٍ ولا جبلٍ ولا مَعْقِلٍ من أمر الله الذي قد حضر، وهو الوزَرُ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9271>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾. يقولُ: لا حِرْزَ (^٤).\nحدثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾. يعنى (^٥): لا حِصْنَ ولا مَلْجَأَ (٤).\n_________\n(^١) مختصر الشواذ لابن خالويه، وتفسير البحر المحيط ٨/ ٣٨٦.\n(^٢) في م: \"المفر\".\n(^٣) في ص، م، ت،١، ت ٢ ت ٣: \"هناك\".\n(^٤) ذكره الحافظ في التغليق ٤/ ٣٥٥ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب الأهوال وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(^٥) بعده في الأصل: \"لا حرز\".","vol":"23","page":484},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا أدهمُ (^١) بنُ طريفٍ، قال: سمِعتُ مُطَرِّفَ بنَ الشخِّيرِ يَقْرَأُ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، فلما أَتَى على: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾. قال: هو الجبَلُ، إن الناسَ إذا فرُّوا قالوا: عليك بالوزرِ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، عن شعبة (^٣)، عن أدهم، قال: سمعتُ مطرِّفًا يقولُ: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾. قال: كلَّا لَا جَبَلَ.\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجهضَمِيُّ، قال: ثني أبى، عن خالدِ بن قيسٍ، عن قتادة، عن الحسن: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾. قال: لا جبَلَ (^٤).\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ علية (^٥)، عن أبى رجاءٍ، عن الحسن في قوله: ﴿كَلَّا لَا وَزَر﴾. قال: كانت العربُ تُخِيفُ بعضها بعضًا، قال: كان الرجلان يَكُونان في ماشيتِهما فلا يَشْعُرَان بشيءٍ، حتى تَأْتِيهما الخيلُ، فيقولُ أحدُهما لصاحبه: يا فلان، الوزَرَ الوزَرَ. الجبَلَ الجبَلَ (^٦).\nحدَّثنى أبو حفصٍ الجُبَيريُّ (^٧)، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا أبو مودودٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿كَلَّا لَا وَزَر﴾. قال: لا جبَلَ.\nحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ،\n_________\n(^١) في م: \"إبراهيم\". وهو أدهم بن طريف السدوسي. ينظر الجرح والتعديل ٢/ ٣٤٨، والثقات ٦/ ٨٨.\n(^٢) أخرجه يحيى بن معين في تاريخه ٤/ ٣٠٠ عن ابن علية به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في الأصل: \"سعيد بن جبير\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في الأصل: \"مجاهد\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٧) في الأصل: \"الحنيرى\". وفى ص: \"الحبيرى\"، وفى م: \"الحيرى\". وتقدم في ٦/ ٣١٢.","vol":"23","page":485},{"text":"عن أبي مودود، قال: سمعتُ الحسنَ. فذكَر نحوَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لَا وَزَرَ﴾: مَلْجَأَ ولَا جبَلَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾: لا جبَلَ ولا حِرْزَ ولا مَنْجَى. قال الحسنُ: كانت العربُ في الجاهليةِ إذا خَشُوا عدوًّا قالوا: عليكم الوزرَ. أي: عليكم الجبلَ.\nحدَّثنا محمدُ بن عبيد [النَّحاسُ المحاربيُّ] (^٢)، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيميِّ، عن شبيبٍ (^٣)، عن أبى قلابةَ في قوله: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾، قال: لا حِصنَ (^٤).\nحدَّثنا أحمدُ بن هشامٍ، قال: ثنا عبيد الله، قال: أخبرنا سفيان، عن سليمانَ التيميِّ، عن شبيبٍ، عن أبى قلابةَ بمثلِه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيميِّ، عن شبيبٍ، عن أبي قلابةَ، مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا مسلمُ بنُ طَهمانَ، عن قتادة في قوله: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾. يقول: لا حِصْنَ (^٥).\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿لَا وَزَرَ﴾.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت،٢ ت ٣. وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٧٠.\n(^٣) في الأصل: \"شعيب\". وينظر التاريخ الكبير ٤/ ٢٣٢، والجرح والتعديل ٤/ ٣٥٨.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) ذكره ابن حبان في ثقاته ٧/ ٤٤٦ عن يحيى بن واضح به.","vol":"23","page":486},{"text":"قال: لا جبَلَ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن مولًى للحسن (^٢)، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿لَا وَزَرَ﴾: لا حِصْنَ (^٣).\n[حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيميِّ، عن شبيبٍ، عن أبي قلابةَ: ﴿لَا وَزَرَ﴾: لا حصن] (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي حُجَيرٍ (^٥)، عن الضحاك: لا حصن (^٦).\nحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾: يعنى: الجبل، بلغةِ حمير (^٧).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾. قال: [لا مُتَغَيَّبَ يُتَغَيَّبُ] (^٨) فيه من ذلك الأمر (^٩) الذي لا منجَى له منه.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في الأصل: \"للحيى\". وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"للحى\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في الأصل: \"يحيى\". وينظر علل أحمد ١/ ١٢٩، ولسان الميزان ٧/ ٣٢.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى المصنف.\n(^٨) في الأصل: \"متغيث يتغيث\".\n(^٩) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"23","page":487},{"text":"<span id=\"aya-5563\"></span>وقوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾. يقولُ تعالى ذكره: إلى ربِّكَ أَيُّها الإنسانُ يومئذٍ الاستقرارُ، وهو الذي يُقِرُّ جميع خلقه مَقَرَّهم.\nواختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم نحو الذي قلْنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9272>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾. قال: استقَرَّ أهلُ الجنةِ في الجنة، وأهلُ النارِ في النارِ، وقرَأ قول الله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].\nوقال آخرون: عُنِى بذلك: إلى ربِّك المنتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-9273>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ عن قتادةَ: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾. أي: المنتهى (^١).\n\n<span id=\"aya-5564\"></span><span data-type='title' id=toc-9274>القول في تأويل قوله ﷿: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكره: يُخَبَّرُ الإِنسانُ يومَئِذٍ، يعنى يومَ يُجْمَعُ الشمس والقمرُ، فيُكَوَّران - بما قدَّم وأخَّر.\nواختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: بما قدَّم من عمل خير أو شرٍّ أمامه؛ مما عمله في الدنيا قبل مماته، وما أخَّر بعدَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"23","page":488},{"text":"مماته من (^١) حسنةٍ أو سيئةٍ، فيُعْمَلُ بها من بعده.\n\n<span data-type='title' id=toc-9275>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. يقولُ: ما عمِل قبلَ موتِه، وما سنَّ فعمل به بعد (^٢) موته (^٣).\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عبد الكريم الجزريِّ، عن زياد بن أبي مريم، عن ابن مسعود قال: ﴿بِمَا قَدَّمَ﴾: من عمله، ﴿وَأَخَّرَ﴾: من سُنَّةٍ عُمل بها، من خيرٍ بعدَه أو شرٍّ (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: يُنَبَّأُ الإنسان يومئذٍ بما قدَّم من المعصية، وأخَّر من الطاعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-9276>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. يقولُ: بما قدَّم من المعصية، وأخَّر من الطاعةِ، فَيْنبَأُ بذلك (^٥).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: يُنبَّأُ بِأَوَّلِ عمله وآخره.\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١ ت:٢: \"سيئة\". وبعده في م: (سيئة و).\n(^٢) في الأصل: \"وبعد\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٩ إلى المصنف.","vol":"23","page":489},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9277>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصور، عن مجاهدٍ: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. قال: بأوَّلِ عملِه وآخرِه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، [عن منصور] (^١) عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nوحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ وإبراهيم مثله (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك ﴿بِمَا قَدَّمَ﴾ من طاعةِ اللهِ، ﴿وَأَخَّرَ﴾ مِن حقوقِ الله التي ضيَّعها.\n\n<span data-type='title' id=toc-9278>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. يقولُ: بما قدَّم من طاعةِ اللهِ، وأَخَّر مما ضَيَّع مِن حقوق الله.\nحدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. قال: بما قدَّم من طاعتِه، وأَخَّر مِن حقِّ اللهِ ﷿ (^٣).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٥٢ عن جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":490},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: بما قدَّم من خيرٍ أو شرٍّ مما عَمِله، وما أخَّر مما ترَك من عملِه من طاعةِ اللهِ ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-9279>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. قال: ما: أخَّر ما ترَك من العملِ لم يَعْمَلُه، ما ترك من طاعةِ اللهِ لم يَعْمَلْ به، وما قدَّم: ما عمل من خيرٍ أو شرٍّ (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا، أنَّ ذلك خبرٌ مِنَ اللهِ أنَّ الإنسانَ يُنبأُ بكلِّ ما قدَّم أمامه، [مما عَمِل مِن خير أو شرٍّ في حياته] (^٢)، وأَخَّر بعده، مِن سُنَّةٍ حسنةٍ أو سيئةٍ مما قدَّم وأخَّر، وكذلك ما قدَّم من عملٍ عَمِله من خيرٍ أو شرٍّ، وأخَّر بعده من عملٍ كان عليه فضيَّعه، فلم يَعْمَلْه مما قدَّم وأخَّر، ولم يَخْصُص اللهُ ﷿ مِن ذلك بعضًا دونَ بعضٍ، فكلُّ ذلك مما يُنبأُ به الإنسانُ يومَ القيامةِ.\n\n<span id=\"aya-5565\"></span>وقوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾. يقول جلَّ وعزَّ: بل للإنسان على نفسه من نفسه رُقَبَاءُ يَرْقُبُونه بعمله، ويَشْهَدون عليه به.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9280>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾. يقولُ: سمعُه وبصرُه ويداه ورجلاه\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٢٨٣ والطوسى في التبيان، ١٠/ ١٩٥، والقرطبى في تفسيره ١٩/ ٩١.\n(^٢) سقط من: الأصل.","vol":"23","page":491},{"text":"وجوارحُه (^١).\nوالبصيرةُ على هذا التأويل: ما ذكره ابن عباسٍ من جوارح ابن آدم، وهى مرفوعةٌ بقوله: ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾، والإنسان مرفوع بالعائد من ذكره في قوله: ﴿نَفْسِهِ﴾.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: بل الإنسان شاهدٌ على نفسِه وحدَه، ومَن قال هذا القولَ جعَل البصيرة خبرًا للإنسان، ورفع الإنسانَ بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-9281>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾. يقول: الإنسانُ شاهدٌ على نفسه وحده (^٢).\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾. قال: شاهدٌ عليها بعملها (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾: إذا شئت والله رأيته بصيرًا بعيوبِ الناسِ وذنوبِهم، غافلًا عن ذنوبه، كان يقالُ: إِنَّ في الإنجيل مكتوبًا: يا بن آدم، تُبْصِرُ القَذَاةَ في عين أخيك.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٣ من طريق مجاهد عن ابن عباس بنحوه وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٩ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":492},{"text":"ولا تُبْصِرُ الجذلَ (^١) المعترضَ في عينك (^٢).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾. قال: هو شاهدٌ على نفسِه، وقرَأ: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤].\nومن قال هذه المقالة يقولُ: أُدخلت الهاء في قوله: ﴿بَصِيرَةٌ﴾ وهى خيرٌ للإنسان، كما يقالُ للرجل: أنت حجةٌ على نفسِك. وهذا قولُ بعض نحويِّى البصرة. وكان بعضُهم يقولُ: أُدْخِلت هذه الهاءُ في: ﴿بَصِيرَةٌ﴾ وهى صفةٌ للذكَرِ، كما أُدخلت في \"راويةٍ\" (^٣) و\"علَّامة\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-5566\"></span>وقوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: اختلَف أهلُ التأويل (^٥) في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: بل للإنسان على نفسه شهودٌ مِن نفسِه، ولو اعتذَر بالقول مما قد أتى من المأثم، ورَكِب من المعاصي، وجادَل بالباطل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9282>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾. يعنى: الاعتذارَ، ألم تَسْمَعْ أنه قال: ﴿لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢]. وقال الله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ\n_________\n(^١) الجذل: واحد الأجذال وهى أصول الحطب العظام. اللسان (ج ذ ل).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"نسابة\".\n(^٤) ينظر مجاز القرآن ٢/ ٢٧٧.\n(^٥) في م: \"الرواية\".","vol":"23","page":493},{"text":"السَّلَمَ﴾ [النحل: ٨٧]. وقوله: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨].\nوقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (^١) [الأنعام: ٢٣].\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بن أبى عائشةَ، عن سعيدٍ بن جُبيرٍ في قوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾. قال: شاهدٌ على نفسه ولو اعتذَر (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: ولو جادل عنها، فهو بصيرةٌ عليها (^٣).\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن عمرانَ بن حُدَيْرٍ، قال: سألتُ عكرمةَ، عن قوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾. قال: فسكت. قال: فقلتُ له: إنَّ الحسن يقولُ: ابن آدمَ، عملُك أولى بك. قال: صدَق (^٣).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾. قال: معاذيرُهم التي يعتذرون بها يوم القيامة، فلا ينتَفِعون بها. قال: قومٌ (^٤) لا يُؤذنُ لهم فيعتذرون، وقومٌ (^٤) يُؤذنُ لهم فيعتذرون، فلا ينفَعُهم، ويعتذرون بالكذبِ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٣، ٣٣٤ من طريق آخر عن ابن عباس بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٤٠،٥٤١ عن أبي أحمد به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يوم\".","vol":"23","page":494},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: [بل للإنسان] (^١) على نفسه من نفسه بصيرةٌ ولو تَجرَّد.\n\n<span data-type='title' id=toc-9283>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَمِيُّ، قال: ثنى أبى، عن خالد بن قيس، عن قتادةً، عن زُرَارَةَ بن أَوْفَى، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾. قال: لو تجرَّد (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ولو أَرْخى السُّتُور، وأَغْلق الأبواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-9284>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى محمدُ بن خلفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا رَوَّادٌ، عن أبي حمزةَ، عن السديِّ في قوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: ولو أَرْخى السُّتُورَ، وأَغْلَق الأبواب (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ لم تُقْبَلْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9285>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثني أبي، عن خالد بن قيسٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: لم تُقْبَلْ معاذيرُه (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْ أَلْقَى\n_________\n(^١) سقط من: الأصل. وفى ص، ت ١، ت ٢: \"بل الإنسان\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٢٨٣، والطوسى في التبيان ١٠/ ١٩٥.\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٣٠٣.","vol":"23","page":495},{"text":"مَعَاذِيرَهُ﴾، قال: لو اعتذَر [يومئذ بباطل ما قُبل منه يوم القيامة (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾. قال: ولو اعتذر (^٢).\nوأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قولُ مَن قال: معناه: ولو اعتذر؛ لأنَّ ذلك أشبهُ المعانى بظاهر التنزيل؛ وذلك أنَّ الله جلَّ ثناؤه أخبر عن الإنسانِ أَنَّ عليه شاهدًا من نفسه بقوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾. فكان الذي هو أَوْلى أن يَتبع ذلك: ولو جادَل عنها بالباطلِ، واعتذَر بغير الحقِّ. فشهادةُ نفسه عليه به أحقُّ وأولى من اعتذاره بالباطل.\n\n<span id=\"aya-5567\"></span><span data-type='title' id=toc-9287>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: لا تُحرِّك يا محمدُ بالقرآنِ لسانَك لِتَعْجَلَ به.\nواختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله قيل له: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: قيل له ذلك لأنه كان إذا نزل عليه منه شيءٌ عَجِل به، يريدُ حفظه، من حبِّه إيَّاه، فقيل له: لا تَعْجَلْ به، فإِنَّا سَنَحْفَظُه عليك.\n\n<span data-type='title' id=toc-9286>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا سفيانُ بن عيينةَ، عن عمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ، أن النبيَّ ﷺ كان إذا نزل عليه القرآنُ تَعَجَّل يريدُ حِفْظه،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٩ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"23","page":496},{"text":"فقال الله تعالى ذكرُه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. وقال ابن عباس: هكذا. وحرَّك (^١) شَفَتَيْه (^٢).\nحدَّثى عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّاريُّ (^٣) ويونسُ قالا: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن سعيد بن جبير، أن النبيَّ ﷺ كان إذا نزل عليه القرآنُ تَعَجَّل به، يريدُ حِفْظه، وقال يونسُ: يحرِّكُ شَفَتَيْه ليَحْفَظَه، فأنزل الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (^٤).\nحدثني عبيدُ بن إسماعيلَ الهَبَّاريُّ (^٣)، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي عائشة، سمع سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس مثله، وقال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾. قال: هكذا. وحرَّك سفيانُ فاه (^٥).\nحدَّثنا سفيان بن (^٦) وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن موسى بن أبى عائشةَ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قال: كان النبيُّ إذا نزل عليه جبريلُ بالوحى، كان مما (^٧) يحرِّكُ به لسانَه وشَفْتَيْه، فيشتدُّ عليه، فكان يُعْرَفُ ذلك، فأنزل الله هذه الآية في \"لا أقسم بيوم القيامة\": ﴿لَا تُحَرِّكْ\n_________\n(^١) في الأصل: \"خرجت\".\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٦٣٦) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنبارى في المصاحف وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل.\n(^٣) في الأصل: \"الهنادى\".\n(^٤) أخرجه الحميدى (٥٢٨)، وسعيد بن منصور - كما في الفتح ٨/ ٦٨١ - عن سفيان به.\n(^٥) أخرجه الحميدى (٥٢٧)، وأحمد ٣/ ٣٩٣ (١٩١٠)، والبخارى (٤٩٢٧) وفى خلق أفعال العباد (٢٧٨) والترمذى (٣٣٢٩) كلهم من طريق سفيان به.\n(^٦) في الأصل: (عن).\n(^٧) سقط من: م.","vol":"23","page":497},{"text":"بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن موسى بن أبى عائشة، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ إذا نزل عليه القرآنُ، حرَّك شَفَتَيْه، فيُعْرَفُ بذلك. فحاكاه سعيدٌ، فقال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. قال: لتَعْجَلَ بأَخْذِه.\nحدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بن أبى عائشة، قال: سمعتُ سعيد بن جبير يقولُ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. قال: كان جبريل ﵇ يَنزِلُ بالقرآنِ، فيُحرِّكُ به لسانه؛ يَسْتَعْجِلُ به، فقال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا رِبْعِيُّ بنُ عليةَ، قال: ثنا داودُ بن أبى هندٍ، عن الشعبيِّ في هذه الآية: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. قال: كان إذا نزل عليه الوَحْىُ عَجِل يتكلَّمُ به؛ مِن حُبِّه إيَّاه، فنزل: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (^٢).\nحدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. قال: لا تَكلَّم بالذي أَوْحَيْنا إليك حتى يُقْضَى إليك (^٣) وَحْيُه، فإذا قَضَيْنا إليك وَحْيَه فتكلَّم به.\nحدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٩٢٩، ٥٠٤٤)، وفى خلق أفعال العباد (٢٧٦)، ومسلم (٤٤٨/ ١٤٧) والبيهقى في الدلائل ٧/ ٥٦ من طريق جرير به. وأخرجه الطيالسى (٢٧٥٠)، والطبرانى (١٢٢٩٧) وغيرهما من طرق عن موسى بن أبى عائشة به.\n(^٢) ذكره ابن حجر في الفتح ١/ ٣٠، ٨/ ٦٨٢. وينظر تفسير القرطبي ١٩/ ١٠٦.\n(^٣) في الأصل: \"الله\".","vol":"23","page":498},{"text":"الضحاك يقولُ في قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. قال: كان نبيُّ الله ﷺ إذا نزل عليه من القرآنِ شيءٌ حرَّك به لسانَه؛ مخافةَ أن يَنْساه (^١).\nوقال آخرون: بل السبب الذي من أجله قيل له ذلك؛ أنه كان يُكْثِرُ تلاوةَ القرآن؛ مخافة نسيانه. فقيل له: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. إِنَّ علينا أن نَجمَعَه لك، ونُقرئكه، فلا تنسى.\n\n<span data-type='title' id=toc-9288>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. قال: كان لا يَفْتُرُ من القرآن (^٢)؛ مخافةَ أنْ يَنْساه، فقال الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. إِنَّ علينا أنْ نَجمَعَه لك. ﴿وَقُرْآنَهُ﴾: أَنْ نُقْرِئَك فلا تنسى (^٣).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾. قال: كان يَسْتذكرُ القرآن؛ مخافة النسيان، فقال له: كَفَيْناكه يا محمدُ (^٤).\nحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبرنا أبو رجاءٍ، عن الحسن في قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. قال: كان رسول الله ﷺ يُحرِّك به لسانه ليَسْتَذْكِرَه، فقال الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾؛ إنا\n_________\n(^١) ينظر التبيان ١٠/ ١٩٥، وتفسير ابن كثير ٨/ ٣٠٤.\n(^٢) في الأصل: \"القراءة\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٩ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":499},{"text":"سنَحْفَظه عليك (^١)\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. قال: كان نبيُّ الله ﷺ الله يُحرِّكُ به لسانه؛ مخافةَ النسيان، فأنزل اللهُ ما تَسْمَعُ (^٢).\nحدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. قال: كان رسولُ الله ﷺ يقرأُ القرآنَ فيُكْثِرُ؛ مخافةَ أنْ يَنْسى (^٣).\nوأشبهُ القولينِ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيل القولُ الذي ذُكر عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، وذلك أن قولَه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. يُنْبِئُ (^٤) أَنَّه إنما نُهى عن تحريكِ اللسان به مُسْتَعْجِلًا فيه قبلَ جمعِه، ومعلومٌ أنَّ دراستَه للتذكُّرِ إنما كانت تكونُ من النبيِّ ﷺ من بعدِ جمعِ اللهِ له ما يَدْرسُ مِن ذلك.\n\n<span id=\"aya-5568\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ علينا جمعَ هذا القرآنِ في صَدْرِك يا محمد حتى نُثَبِّتَه فيه، ﴿وَقُرْآنَهُ﴾. يقول: وقرآنَه حتى تقرَأه بعد أن جَمَعْناه في صَدْرِك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9289>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن موسى بن أبى عائشةَ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الفتح ٨/ ٦٨٢ - من طريق أبى رجاء به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٤ عن معمر به.\n(^٤) في الأصل: \"يعني\".","vol":"23","page":500},{"text":"سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾. قال: في صَدْرِك. ﴿وَقُرْآنَهُ﴾. قال: تَقْرَؤُه بعد.\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾: أَنْ نَجمَعَه لك، ﴿وَقُرْآنَهُ﴾: أَن نُقْرِئَك فلا تَنْسى (^١).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. يقولُ: علينا أن نَجْمَعَه لك حتى نُثَبِّتَه في قلبك (^٢).\nوكان آخرون يتأوَّلون قوله: ﴿وَقُرْآنَهُ﴾: وتأْليفَه. وكأن معنى الكلامِ عندَهم: إنَّ علينا جمعَه في قلبك حتى تَحْفَظَه، وتأليفَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9290>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. يقولُ حِفْظَه وتأليفَه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. قال: حفظه وتأليفه (^٤)\nوكأنَّ قتادةَ وجَّه معنى القرآنِ إلى أنه مصدرٌ، من قولِ القائلِ: قد قَرَأَتُ هذه\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٩ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) تفسير الطوسى ١٠/ ١٩٦.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٤ عن معمر به.","vol":"23","page":501},{"text":"الناقةُ في بَطْنِها جَنِينًا. إذا ضَمَّتْ رَحِمَها على ولدٍ، كما قال عمرُو بنُ كُلثومٍ (^١):\nذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أَدْمَاءَ بِكْرٍ … هِجَانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينَا\nيعنى بقوله: \"لم تقرأْ جنينا\": لم تضمَّ رحمَها على ولدٍ.\nوأما ابنُ عباسٍ والضحاكُ فإنهما وجَّها ذلك إلى أنه مصدرٌ، مِن قولِ القائل: قرَأْتُ أقرَأُ قُرْآنًا وقِراءَةً.\n\n<span id=\"aya-5569\"></span>وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. اختلَف أهل التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: فإذا أنزَلناه إليك فاسْتَمِعْ قرآنَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9291>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن موسى بن أبى عائشةَ (^٢)، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾: فإذا أنزَلناه إليك، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. قال: فاسْتَمِعْ قرآنَه.\nحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن موسى بن أبي عائشةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾: فإذا أنزَلناه إليك فاسْتَمِعْ له.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا تُلِي عليك فاتَّبِعْ ما فيه مِن الشرائعِ والأحكامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9292>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. يقولُ: إذا تُلِى عليك فاتَّبِعْ ما\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١/ ٩١.\n(^٢) في م: \"منصور وابن أبي عائشة\"، وفى ص، ت ١: \"منصور ابن أبي عائشة\".","vol":"23","page":502},{"text":"فيه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. يقولُ: اتَّبِعْ حلالَه، واجْتَنِبْ حرامَه (^٢).\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ\nفَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. يقولُ: فاتَّبِعْ حلالَه، واجْتَنِبْ حرامَه (^٣).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. يقولُ: اتَّبِعْ ما فيه (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: فإذا بيَّناه فاعْمَلْ به.\n\n<span data-type='title' id=toc-9293>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾. [يقول: بيَّنَّاه] (^٥)، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. يقولُ: اعْمَلْ به (^٦).\nوأولى الأقوالِ عندى بالصوابِ في ذلك قولُ من قال: فإذا تُلِى عليك فاعْمَلْ بما فيه من الأمرِ والنَّهْي، واتَّبِعْ ما أُمرت به فيه، لأنه قيل له: إنَّ علينا جمعَه في صَدْرِك وقرآنه. وقد دَللْنا على أن معنى قولِه: ﴿قُرْآنَهُ﴾: وقراءَتَه، فقد بيَّن ذلك عن معنى قولِه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٩ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٤ عن معمر به.\n(^٤) ينظر تفسير الطوسى ١٠/ ١٩٦.\n(^٥) سقط من: ص، م.\n(^٦) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٥١ - من طريق أبي صالح به.","vol":"23","page":503},{"text":"<span id=\"aya-5570\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم إنَّ علينا بيانَ ما فيه مِن حلالِه وحرامِه وأحكامِه لك مفصلةً.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قلنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9294>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. يقولُ: حلالَه وحرامَه، فذلك بيانُه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾: بيانَ حلالِه، واجتنابَ حرامِه، ومعصيتَه وطاعتَه (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم إن علينا تِبْيانَه بلسانِك.\n\n<span data-type='title' id=toc-9295>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن موسى بن أبى عائشةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. قال: تِبْيانَه بلسانِك.\n\n<span id=\"aya-5571\"></span><span data-type='title' id=toc-9296>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لعبادِه المخاطَبين بهذا القرآنِ، المُؤْثِرين زينةَ الحياةِ الدنيا على الآخرةِ: ليس الأمرُ كما تقولون أيُّها الناسُ مِن أنكم لا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٩ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":504},{"text":"تُبْعَثُون بعدَ مماتِكم، ولا تُجازَوْن بأعمالِكم، ولكنَّ الذي دعاكم إلى قيل ذلك محبتُكم الدنيا العاجلةَ، وإيثارُكم شهواتِها، على آجلِ الآخرة ونعيمها، فأنتم تُؤْمِنون بالعاجلةِ، وتُكذِّبون بالآجلةِ.\n\n<span id=\"aya-5572\"></span>كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾. اختار أكثرُ الناسِ العاجلة، إلا مَن رَحِمَ اللهُ وعصَم (^١).\n\n<span id=\"aya-5573\"></span>وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾. يعني: يومَ القيامةِ، ﴿نَاضِرَةٌ﴾. يقولُ: حسنةٌ جميلةٌ من النعيمِ. يقال من ذلك: نَضُر وجهُ فلانٍ. إذا حَسُن مِن النَّعْمةِ، ونضَّر الله وجْهَه. إذا حسَّنه كذلك.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم بالذي قلنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9297>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ البُخاريُّ (^٢)، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا المباركُ، عن الحسن: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾. قال: حسنةٌ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾. قال: نَضْرةُ الوجوهِ: حُسْنُها (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في الأصل: \"المحاربي\". ينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٤٣٠.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٨٧، ومن طريقه البيهقي في الاعتقاد ص ١٣٣. وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٤٧٩) وابن خزيمة في التوحيد ص ١٢١، والآجرى في الشريعة (٥٨٥)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٨٠٠) كلهم من طريق المبارك بن فضالة.\n(^٤) أخرجه اللالكائى في شرح أصول الاعتقاد (٨٠٢) من طريق الوليد بن عبد الله عن مجاهد.","vol":"23","page":505},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾. قال: الناضرةُ: الناعمةُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾. قال: الوجوهُ الحسنةُ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾. قال: مِن السرورِ والنعيمِ والغبطةِ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أنَّها مسرورةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9298>ذكر مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾. قال: مسرورةٌ (^٣).\n\n<span id=\"aya-5574\"></span>وقولُه: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. اختلَف أهل التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: أنَّها تَنْظُرُ إلى ربِّها (^٤).\n_________\n(^١) تفسير البغوي ٨/ ٢٨٤.\n(^٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٤٨٠) من طريق منصور به بلفظ: \"ضاحكة\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٠ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم واللالكائي.\n(^٤) وهو اعتقاد الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام المعروفين بالإمامة في الدين وأهل الحديث وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبين إلى السنة والجماعة. ينظر شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٢٠٨، ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ٣/ ١٣٧، ١٤٠، ٦/ ٤٣١ - ٤٣٥.","vol":"23","page":506},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9299>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطوسيُّ، وإبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهريُّ، قالا: ثنا عليُّ بنُ الحسنِ بن شقيقٍ، قال: ثنا الحسينُ (^١) بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: قال: تَنْظُرُ إلى ربِّها نَظَرًا (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بن الحسنِ بن شقيقٍ، قال: سمِعتُ أبي يقول: أخبرَني الحسينُ (^٣) بنُ واقدٍ في قولِه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾؛ مِن النعيمِ، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. قال: أخبَرني يزيدُ النحويُّ، عن عكرمةَ وإسماعيلَ بن أبي خالدٍ، وأشياخٍ مِن أهلِ الكوفةِ، قال: تَنْظُرُ إلى ربِّها نَظَرًا.\nحدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ (^٤)، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا المباركُ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾. قال: حسنةٌ، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. قال: تَنْظُرُ إلى الخالقِ، وحُقَّ لها أن تَنْضُرَ وهي تَنْظُرُ إلى الخالقِ.\nحدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا خالدُ بن عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عَرْفَجَةَ، عن عطيةَ العوفيِّ في قولِه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. قال: هم يَنْظُرون إلى اللهِ ﷿، لا تُحيطُ أبصارُهم به مِن عظمتِه، وبصرُه محيطٌ بهم، فذلك قولُه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠٣].\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: أَنَّها تَنْتَظِرُ الثوابَ من ربِّها.\n_________\n(^١) في ت ١: \"الحسن\".\n(^٢) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص ٥٣، والآجرى في الشريعة (٥٨٧) من طريق محمد بن منصور به، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٨٠٣) من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهرى به، وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٤٨١)، والآجرى في الشريعة (٥٨٦) من طريق على بن الحسن به.\n(^٣) في ت ١، ت ٢: \"الحسن\".\n(^٤) في الأصل: \"المحاربي\".","vol":"23","page":507},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9300>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عمرُ (^١) بنُ عبيدٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. قال: تَنْتَظِرُ منه الثوابَ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. قال: تَنْتَظِرُ الثوابَ من ربِّها (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. قال: تَنْتَظِرُ الثوابَ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. قال: تَنْتَظِرُ الثوابَ من ربِّها، لا يراه مِن خَلْقِه شيءٌ (^٢).\nحدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾. قال: نَضِرَةٌ مِن النعيمِ، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. قال: تَنْتَظِرُ رِزْقَه وفَضْلَه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان أناسٌ يقولون في حديثِ: \"فَيَروْن ربَّهم\". فقلتُ لمجاهد: إنَّ ناسًا يقولون إنه\n_________\n(^١) في الأصل: \"عمرو\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٥ إلى المصنف، وقال ابن عبد البر: \"فإن قيل: فقد روى سفيان الثورى عن منصور عن مجاهد في قول الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ قال: حسنة ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: تنظر الثواب. ذكره وكيع وغيره عن سفيان. فالجواب. أنا لم ندَّع الإجماع في هذه المسألة. ولو كانت إجماعًا ما احتجنا فيها إلى قول، ولكن قول مجاهد هذا مردود بالسُّنَّة الثابتة عن النبي ﷺ وأقاويل الصحابة وجمهور السلف، وهو قول عند السلف، وهو قول عند أهل السنة مهجور ومجاهد وإن كان أحد المقدمين في العلم بتأويل القرآن، فإن له قولين في تأويل اثنين [آيتين] هما مهجوران عند العلماء مرغوب عنهما أحدهما هذا، والآخر قوله في قوله ﷿: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ … \" ينظر التمهيد ٧/ ١٥٧، ١٥٨.","vol":"23","page":508},{"text":"يُرى. [قال: يَرى] (^١) ولا يَراه شيءٌ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. قال: تَنْتَظِرُ مِن ربِّها ما أمَر لها.\nحدَّثني أبو الخطابِ الحسَّانيُّ، قال: ثنا مالكُ بنُ سُعَيرٍ (^٢)، [عن سفيان] (^٣)، قال: ثنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. قال: تَنْتَظِرُ الثوابَ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن ثُوْيرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عمرَ، قال: إنَّ أدنى أهلِ الجنةِ منزلةً لَمَن يَنظُرُ إلى مُلْكِه وسُرُرِه وخَدَمِه مسيرةَ ألفِ سنةٍ، يَرى أقصاه كما يَرى أدْناه، وإنَّ أرفعَ أهلِ الجنةِ منزلةٌ لَمَن يَنْظُرُ إلى وجْهِ اللهِ بُكرةً وعشيةً (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: ثنا شيخٌ (^٦)، عن أبي الصهباءِ المَوْصليِّ، قال: إنَّ أدنى أهلِ الجنةِ منزلةً من يَرى سُرُرَه وخَدَمَه ومُلْكَه في مسيرةِ ألفِ سنةٍ، فيَرى أقصاه كما يَرى أدناه، وإنَّ أَفضلَهم منزلةً مَن يَنْظُرُ إِلى وَجْهِ اللهِ غُدْوةً وعشيةً (^٧).\nوأولى القولينِ في ذلك عندَنا بالصوابِ القولُ الذي ذكَرْناه عن الحسن\n_________\n(^١) سقط من الأصل، ص، ت ١.\n(^٢) سقط من ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ١٤٥.\n(^٣) سقط من: الأصل. وفي ص، ت ١: \"بن\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٤٤ من طريق إسماعيل به.\n(^٥) أخرجه الترمذى (٢٥٥٣، ٣٣٣٠) عن أبي كريب به.\n(^٦) في م: (أشجع).\n(^٧) ذكره ابن حجر في الفتح ١٣/ ٤٢٤.","vol":"23","page":509},{"text":"وعكرمةَ، مِن أنَّ معنى ذلك: أنها تَنْظُرُ إلى خالقِها؛ وبذلك جاء الأثر عن رسولِ اللهِ ﷺ.\nحدَّثنى عليٌّ بنُ الحسينِ بن الحُرِّ (^١)، قال: ثنا مُصْعَبُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا إسرائيلُ بنُ يونسَ، عن ثُويْرٍ، عن ابن عمرَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"إِنَّ أَدْنى أَهلِ الجنَّةِ مَنْزِلَةٌ لَمَن يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ أَلْفَى سنةٍ\". قال: \"وإِنَّ أَفضلَهم مَنْزِلَةً لَمَن يَنْظُرُ في وجْهِ اللهِ كلَّ يومٍ مرَّتينِ\". قال: ثم تلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾. قال: \"بالبياض والصفاءِ، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. قال: \"تَنْظُرُ كلَّ يومٍ في وجْهِ اللهِ ﷿\" (^٢).\n\n<span id=\"aya-5575\"></span>وقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾. يقول تعالى ذكره: ووجوهٌ يومئذٍ مُتَغَيِّرةُ (^٣) الألوانِ، مُسْوَدَّةٌ كالحةٌ. يقالُ: بَسَرْتُ (^٤) وجْهَه أَبْسُرُه بَسْرًا: إذا فعلت ذلك (^٥)، وبَسَر وجهَه فهو باسرٌ بَيِّنُ البُسُور.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، م: \"أبجر\". وينظر ما تقدم ٢١/ ٤٥٧.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد ٩/ ٢٢٩ (٥٣١٧)، والترمذى (٢٥٥٣، ٣٣٣٠)، وأبو يعلى (٥٧١٢)، والآجري في الشريعة (٦٢٠)، والحاكم، ٢/ ٥٠٩، والبيهقى في البعث (٤٧٧) كلهم من طريق إسرائيل به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١١١ وأحمد ٨/ ٢٤٠ (٤٦٢٣)، وأبو يعلى (٥٧٢٩)، وأبو الشيخ في العظمة (٦٠٦) واللالكائى في شرح أصول الاعتقاد (٨٤١)، والبيهقى في البعث (٤٧٨) من طريق ثوير به.\n(^٣) في الأصل: (مسفرة).\n(^٤) في ص، ت ١: \"بسر\".\n(^٥) بعده في الأصل: \"به\".","vol":"23","page":510},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9301>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿بَاسِرَةٌ﴾. قال: كاشرةٌ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾. أي: كالحةٌ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بَاسِرَةٌ﴾. قال: عابسةٌ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بَاسِرَةٌ﴾. قال: عابسةٌ (٢).\n\n<span id=\"aya-5576\"></span>وقولُه: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تعلم أنه يُفْعَلُ بها داهيةٌ. والفاقِرةُ: هي الداهيةُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9302>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٣٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٥ إلى ابن المنذر وعبد بن حميد.\n(^٣) تفسير ابن كثير ٨/ ٣٠٦.","vol":"23","page":511},{"text":"قوله: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾. قال: داهيةٌ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾. أي: شرٌّ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾. قال: تَظنُّ أنها ستَدْخُلُ النارَ، قال: تلك الفاقرةُ (^٣).\nوأصلُ الفاقرةِ: الوَسْمُ الذي يُفْقَرُ به على الأَنفِ (^٤).\n\n<span id=\"aya-5577\"></span><span data-type='title' id=toc-9303>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفر ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ليس الأمرُ كما يظنُّ هؤلاء المشركون مِن أنَّهم لا يُعاقبون على شركِهم ومعصيتِهم ربَّهم، بلى إذا بلَغتْ نفسُ أحدِهم التراقِىَ عندَ مماتِه وحَشْرَج بها.\nوقال ابنُ زيدٍ: التراقي: نفسُه.\nحدَّثني بذلك يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾. قال: التراقي: نفسه.\n\n<span id=\"aya-5578\"></span>﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال أهلُه: مَن راقٍ (^٥) يَرْقِيه؛ يَشْفِيه مما قد نزَل به؟ وطلَبوا له الأطباءَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٥ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ذكره القرطبي ٢٩/ ١١٠، وابن كثير ٨/ ٣٠٦.\n(^٤) في الأصل: \"الإبل\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"ذا\".","vol":"23","page":512},{"text":"والمُداوِين، فلم يُغْنُوا عنه مِن أمرِ الله الذي قد نزَل به شيئًا (^١).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قوله: ﴿مَنْ رَاقٍ﴾؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قلنا في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-9304>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشامٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾. قال: هل مِن راقٍ يَرْقِى؟ (^٢)\nحدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشامٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيميِّ، عن شبيبٍ، عن أبي قِلابةَ: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾. قال: هل مِن طبيبٍ شافٍ؟ (^٣)\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيميِّ، عن شبيبٍ، عن أبي قِلابةَ مثلَه.\n[حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن سليمانَ التيميِّ، عن شبيبٍ، عن أبي قلابةَ مثلَه] (^٤).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن أبى بسطامٍ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾. قال: هو الطبيبُ (^٥).\n_________\n(^١) ينظر التبيان ١٠/ ٢٠٠، وتفسير ابن كثير ٨/ ٣٠٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٥ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٥ إلى المصنف، وسعيد بن منصور، وابن المنذر.","vol":"23","page":513},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾. قال: هل من مُداوٍ؟\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾.\nأي: التَمَسوا له الأطباءَ فلم يُغْنُوا عنه مِن من قضاءِ الله شيئًا (^١).\nحدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾. قال: أين الأطباءُ والرُّقاةُ، مَن يَرْقِيه من الموتِ؟ (^٢).\nوقال آخرون: بل هذا مِن قول الملائكةِ بعضِهم لبعضٍ؛ يقولُ بعضُهم لبعضٍ: مَن يَرْقَى بنفسِه فَيَصْعَدْ بها؟\n\n<span data-type='title' id=toc-9305>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثني أبي، عن عمرِو بن (^٣) مالكٍ، عن أبى الجوزاءِ، عن ابن عباسٍ: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾. قال: إذا بلَغتْ نفسُه تراقيَه (^٤)، قالتِ الملائكةُ: مَن يَصْعَدُ بها؛ ملائكةُ الرحمةِ أو ملائكةُ العذابِ؟ (^٥)\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه في قوله: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾. قال: بلَغنى عن أبي قِلابةَ، قال: هل مِن طبيبٍ؟ قال: وبلَغنى عن أبى الجوزاءِ أنه قال: قالت الملائكةُ بعضُهم لبعضٍ: مَن يَرْقَى؛ ملائكةُ الرحمةِ، أو ملائكةُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) تفسير ابن كثير ٨/ ٣٠٧.\n(^٣) في الأصل: \"عن\".\n(^٤) في ص، ت ١: \"ترقابه\"، وفى م: \"يرقى ربها\"، وفي ت ٣: \"ترقاته\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٠٧ - من طريق عمرو بن مالك به.","vol":"23","page":514},{"text":"العذابِ؟ (^١)\n\n<span id=\"aya-5579\"></span>وقولُه: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأَيْقَن الذي قد نزَل ذلك به أنه فِراقُ الدنيا والأهلِ والمالِ والولدِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9306>[ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾.\nأي: اسْتَيْقَن أنه الفِراقُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾. قال: ليس أحدٌ مِن خَلْقِ اللهِ يَدفعُ الموتَ، ولا يُنْكِرُه، ولكن لا يَدْرى يموتُ مِن ذلك المرضِ أو مِن غيرِه، فالظنُّ كما هاهنا هذا.\n\n<span id=\"aya-5580\"></span>وقولُه: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: والتَفَّتِ شِدَّةُ أمر الدنيا بشدَّةِ أمرِ الآخرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9307>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثني أبي، عن عمرِو بن مالكٍ، عن أبى الجوزاءِ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. قال: الدنيا بالآخرةِ شِدَّةٌ] (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٥ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) سقط من: الأصل.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٠٧ - من طريق عمرو بن مالك به.","vol":"23","page":515},{"text":"[حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. يقولُ: آخرُ يومٍ من الدنيا، وأوَّلُ يومٍ مِن الآخرةِ، فتَلْتَقِى الشدَّةُ بالشدَّةِ، إلا مَن رَحِم اللهُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾.\nيقولُ: والتَفَّتِ الدنيا بالآخرة، وذلك شأنُ (^٢) الدنيا والآخرة، ألم تَسْمَعْ أنه يقولُ: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾؟ (^٣)\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. قال: الْتَفَّ أمرُ الدنيا بأمرِ الآخرةِ عندَ الموتِ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ [وأبو هشامٍ، قال] (^٥): ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ، قال: آخرُ يومٍ من الدنيا، وأوَّلُ يومٍ مِن الآخرةِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. قال: قال الحسنُ: ساقُ الدنيا بالآخرةِ] (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٥١ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٥ إلى ابن المنذر.\n(^٢) في ص، م: \"ساق\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٥ إلى المصنف وابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٥) في ت ١: \"قال\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٧) سقط من: الأصل.","vol":"23","page":516},{"text":"[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن مجاهدٍ، قال: هو أمرُ الدنيا والآخرةِ عندَ الموتِ.\nحدَّثنى عليُّ بنُ الحسينِ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن أبي سنانٍ الشيبانيِّ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. قال: أهلُ الدنيا يُجهِّزون الجَسَدَ، وأهلُ الآخرةِ يُجَهِّزون الروحَ (^١).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي سنانٍ، عن الضحاكِ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الضحاكِ، قال: اجْتَمَع عليه أمران: الناسُ يُجَهِّزون جَسَدَه، والملائكةُ يُجَهِّزون روحَه] (^٢).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: ساقُ الدنيا بساقِ الآخرةِ (^٣).\n[حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، قال: الدنيا بالآخرةِ] (^٤) (^٣).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ مثلَه وزاد: ويقالُ: الْتِفافُهما عند الموتِ.\nحدَّثنا أبو هشام، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن فضيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ، قال:\n_________\n(^١) سقط من: الأصل.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣.","vol":"23","page":517},{"text":"الدنيا والآخرة.\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن عبدِ الوهابِ بن (^١) مجاهدٍ، عن أبيه، قال: أمرُ الدنيا بأمرِ الآخرةِ.\n[حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. قال: أمرُ الدنيا بأمرِ الآخرةِ] (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. قال: الشدَّةُ بالشدَّةِ، ساقُ الدنيا بساقِ الآخرة (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سألتُ إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، فقال: عملُ الدنيا بعمل الآخرةِ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سلمةَ، عن الضحاكِ، قال: هما الدنيا والآخرةُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. قال: العلماءُ يقولون فيه قولَين؛ منهم مَن يقولُ: ساقُ الآخرةِ بساقٍ الدنيا. وقال آخرون: قَلَّ ميتٌ يموتُ إلا التَفَّتْ إحدى ساقَيه بالأخرى.\nقال ابنُ زيدٍ: غيرَ أنَّا لا نشكُّ أَنَّها ساقُ الآخرةِ. وقرَأ: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾. قال: لما الْتَفَّتِ الآخرةُ بالدنيا، كان المَسَاقُ إلى اللهِ ﷿، قال:\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ٣: \"عن\".\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٤ عن معمر به.\n(^٤) ينظر البحر المحيط ٨/ ٣٩٠.","vol":"23","page":518},{"text":"وهو أكثرُ قولِ مَن يقولُ ذلك.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: الْتَفَّتْ ساقا الميتِ إذا لُفَّتا في الكَفنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9308>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: ثنا بشيرُ (^١) بنُ المهاجرِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. قال: لفُّهما في الكَفنِ (^٢).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وابنُ اليمانِ، عن بشيرِ بن المهاجرِ، عن الحسنِ، قال: هما ساقاك إذا لُفَّتا في الكفنِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن بشيرِ بن المهاجرِ، عن الحسنِ مثلَه.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: التفافُ ساقَيْ الميتِ عندَ الموتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9309>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. قال: ساقا الميتِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ وعبدُ الأعلى، قالا: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: الْتَفَّت ساقاه عند الموتِ.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثني ابنُ أبى عديٍّ، عن داودَ، عن الشعبيِّ مثلَه.\nحدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن داودَ، عن عامرٍ بنحوِه.\n_________\n(^١) في الأصل: \"بشر\". ينظر تهذيب الكمال ٤/ ١٧٦.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":519},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشامٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حصينٍ، عن أبي مالكٍ: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. قال: عندَ الموتِ (^١).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: التفافُ ساقيكَ عندَ الموتِ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. لفَّهما أمرُ اللهِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ: ساقا ابن آدمَ عندَ الموتِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ السديِّ (^٣)، عن أبي مالكٍ: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. قال: هما ساقاه إذا ضُمَّت إحداهما بالأخرى.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. قال قتادةُ: أما رأَيْتَه إذا ضرَب برجلِه رجلَه الأخرى؟ (^٤)\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾: ماتت رجلاه فلا يَحْمِلانه إلى شيءٍ، فقد كان عليهما جوَّالًا (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٤ عن معمر به.\n(^٣) في ١، ت ٢، ت ٣: \"النسوى\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٦ إلى ابن المنذر.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"23","page":520},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. قال: ساقاه عندَ الموت.\nوقال آخرون: عُنى بذلك يُبْسُهما عندَ الموتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9310>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. قال: يُبْسُهما عندَ الموتِ.\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ (^١)، عن السديِّ مثلَه.\nوقال آخرون: معنى ذلك: والتَفَّ أمرٌ بأمرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9311>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشامٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا ابنُ أبى خالدٍ، عن أبي عيسى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. قال: الأمرُ بالأمرِ.\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك: والْتَفَّ بلاءٌ ببلاءٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9312>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى: عن مجاهدٍ، قال: بلاءٌ ببلاءٍ (^٢).\n_________\n(^١) في الأصل: \"شقيق\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":521},{"text":"وأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ عندى قولُ مَن قال: معنى ذلك: ذلك: والْتَفَّتْ ساقُ الدنيا بساقِ الآخرة، وذلك شدَّةُ كربِ الموتِ، بشدَّةِ هَوْلِ المَطْلَعِ، والذي يَدُلُّ على أنَّ ذلك تأويلهُ، قوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾. والعرب تقولُ لكلِّ أمرٍ اشتدَّ: قد شمَّر عن ساقه (^١)، وكشَف عن ساقه. ومنه قولُ الشاعر (^٢):\nفإِذ (^٣) شَمَّرَتْ لكَ عَن سَاقِها … فَوَيْهًا (^٤) رَبِيعَ ولا تَسْأَمِ\nوعنى بقوله: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾: الْتَصَقَت إحدى الشدَّتين بالأخرى، كما يقالُ للمرأة إذا الْتَصَقَت إحدى فَخِذَيْها بالأخرى: لفَّاءٌ.\n\n<span id=\"aya-5581\"></span>وقولُه: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾. يقول: إلى ربِّك يا محمدُ يومَ التفافِ الساقِ بالساقِ مساقُه.\n\n<span id=\"aya-5582\"></span><span data-type='title' id=toc-9313>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فلم يُصَدِّقُ بكتابِ اللهِ، ولم يُصلِّ له صلاةٌ، ولكنه كذَّب بكتابِ اللهِ، وتولَّى فَأَدْبَر عن طاعةِ اللهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"شاقه\".\n(^٢) هو قيس بن زهير. والبيت في اللسان (وى هـ). وفى الأغانى ١٧/ ٢٠٠ من قطعة مرفوعة القافية.\n(^٣) في م: (إذ)، وفى ت ١: \"فإذا\".\n(^٤) في النسخ: \"فرنها\"، صوابه المثبت من مصدر التخريج، وينظر التبيان ١٠/ ٨٧.","vol":"23","page":522},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9314>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾: لا صدَّق بكتابِ اللهِ، ولا صلَّى للهِ.\n\n<span id=\"aya-5583\"></span>﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾: كذَّب بكتابِ اللهِ، وتولَّى عن طاعةِ اللهِ (^١).\n\n<span id=\"aya-5584\"></span>وقولُه: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم مضَى إلى أهلِه مُنصَرفًا إليهم، يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9315>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾. أي: يَتَبَخْتَرُ.\nحدَّثني سعيدُ بن عمرو السَّكونيُّ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، عن مُبَشِّرِ (^٢) بن عبيدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ في قوله: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾. قال: يَتَبَخْتَرُ، قال: هي مِشْيةُ بني مخزومٍ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن موسى بن عبيدةَ، عن إسماعيلَ بن أميةَ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾. قال: رأى رجلًا مِن قريشٍ يَمْشِى، فقال: هكذا كان يَمْشِى كما يَمْشِي هذا، كان يَتَبَخْتَرُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٦ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ص، م، ت ٣: \"ميسرة\": ينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ١٩٤.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٠٨.","vol":"23","page":523},{"text":"﴿يَتَمَطَّى﴾. قال: يَتَبَخْتَرُ؛ وهو أبو جهلِ بن هشامٍ، كانت مِشْيَتَه (^١).\nوقيل: إنَّ هذه الآيةَ نزَلت في أبي جهلٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9316>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَتَمَطَّى﴾. قال: أبو جهلٍ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾. قال: هذا في أبي جهلٍ مُتَبَخْتِرًا.\nوإنما عُنِى بقولِه: هو ﴿يَتَمَطَّى﴾: يَلْوِى مَطَاه تَبَخْتُرًا، والمَطَا: هو الظَّهرُ، ومنه الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ: \"إذا مَشَتْ أمتى المُطَيْطَاءَ (^٣) \"وذلك أن يُلْقِيَ الرجلُ بيدَيه ويَتَكفَّأُ (^٤).\n\n<span id=\"aya-5585\"></span>وقولُه: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾. هذا وعيدٌ مِن اللهِ ﷿ على وعيدٍ لأبي جهلٍ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ: ﴿أَوْلَى لَكَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٤، ٣٣٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره القرطبي ٢٩/ ١١٤.\n(^٣) أخرجه الترمذى (٢٢٦١)، وابن المبارك في الزهد (١٨٧) زيادات نعيم بن حماد من حديث ابن عمر.\n(^٤) وجاء في النهاية: والمطيطاء بالمد والقصر: مشية فيها تبختر ومد اليدين. ويقال: مطوت ومططت، بمعنى مددت، وهى من المصغرات التي لم يستعمل لها مكبر. ينظر النهاية ٤/ ٣٤٠.","vol":"23","page":524},{"text":"<span id=\"aya-5586\"></span>فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾:\nوعيدٌ على وعيدٍ، كما تَسْمعون، زعَم أَنَّ هذا أُنزِل في عدوِّ اللهِ أبي جهلٍ. ذُكر لنا أنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ أخذ بمجامِع ثيابِه فقال: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾. فقال عدوُّ اللهِ أبو جهلٍ: أيُوعِدُنى محمدٌ، واللهِ ما تَسْتَطِيعُ لى أنت ولا ربُّك شيئًا، واللهِ لأنا أعزُّ مَن مَشَى بين جَبَلَيْها (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: أَخَذ النبيُّ ﷺ بيده، يعنى بيدِ أبي جهلٍ، فقال: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ \". فقال: يا محمدُ ما تَسْتَطِيعُ أنت وربُّك فيَّ شَيْئًا، إني لأعزُّ مَن (^٢) بين جَبَلَيْها، فلما كان يومُ بدرٍ أَشْرَف عليهم، فقال: لا يُعْبَدُ اللهُ بعدَ هذا اليومِ أبدًا فضرَب الله عنقَه، وقتَله شرَّ قِتْلةٍ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبِ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾. قال: قال أبو جهلٍ: إِنَّ محمدًا ليُوعِدُنى، وأنا أعزُّ أهلِ مكةَ والبطحاءِ. وقرَأ: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾ [العلق: ١٧ - ١٩].\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن موسى بن أبى عائشةَ، قال: قلتُ لسعيدِ بن جبيرِ: أشيءٌ قاله رسولُ الله ﷺ مِن قِبْل نفسِه، أَم أَمَرَه اللهُ ﷿ به؟ قال: بل قاله مِن قِبَلِ نفِسه، ثم أنزَل اللهُ ﷿: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٠٨ - من طريق سعيد به.\n(^٢) بعده في م، ت ٣: \"مشي\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٥ عن قتادة به، وعزاء السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٥، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٠٨ - من =","vol":"23","page":525},{"text":"<span id=\"aya-5587\"></span>وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أَيَظُنُّ هذا الإنسانُ الكافرُ باللهِ أن يُتْرَكَ هَمَلًا؛ [أي: لا] (^١) يُؤْمَرُ ولا يُنْهَى، ولا يُتَعَبَّدُ بعبادةٍ؟!\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9317><span data-type='title' id=toc-9318>ذكرُ مَن قال ذلك</span></span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾. يقولُ: هَمَلًا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،\nوحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾. قال: لا يُؤْمَرُ، ولا يُنهى (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾. قال: السُّدَى؛ الذي لا يُفْتَرَضُ عليه عملٌ، ولا يَعْمَلُ (^٤)\n\n<span id=\"aya-5588\"></span><span data-type='title' id=toc-9319>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ</span>\n_________\n= طريق إسرائيل عن موسى به.\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"ألا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٥١ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٦ إلى ابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٠٨.","vol":"23","page":526},{"text":"فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾.\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ألم يكُ هذا المنكرُ قدرةَ اللهِ ﷿ على إحيائِه مِن بعدِ مماتِه، وإيجادِه من بعدِ فنائه - ﴿نُطْفَةً﴾. يعني: ماءً قليلًا في صلبِ الرجلِ من مَنِيٍّ.\nواختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿يُمْنَى﴾؛ فقرَأه عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: (تُمنَى) بالتاءِ (^١)، بمعنى: تُمْنَى النطفةُ، وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ مكةَ والبصرةِ: ﴿يُمْنَى﴾ بالياءِ، بمعنى: يُمْنَى المَنِيُّ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-5589\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم كان دمًا مِن بعدِ ما كان نطفةً [من مَنِيٍّ. ﴿فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وخلَقه اللهُ إنسانًا من بعدِ ما كان نطفةً] (^٢)، ثم عَلَقةً، ثم سَوَّاه بشرًا سَوِيًّا ناطقًا سميعًا بصيرًا.\n\n<span id=\"aya-5590\"></span>﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فجعَل مِن هذا الإنسان بعدَ ما سَوَّاه خَلْقًا سَوِيًّا - أولادًا له؛ ذكورًا وإناثًا.\n\n<span id=\"aya-5591\"></span>﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أليس الذي فعَل ذلك، فخلَق هذا الإنسانَ مِن نطفةٍ، ثم من علقة، حتى صيَّره إنسانًا سَوِيًّا، له أولادٌ ذكورٌ وإناثٌ - بقادرٍ على أن يُحيِيَ الموتى مِن بعدِ مماتِهم، فيُوجِدَهم كما كانوا مِن قبلِ مماتِهم؟! يقولُ: معلومٌ أَنَّ الذي قَدَر على خَلْقِ الإنسانِ مِن نطفةٍ من منيٍّ يُمْنى، حتى صيَّره بشرًا سَوِيًّا - لا يُعْجِزُه إحياءُ مِيتٍ مِن\n_________\n(^١) هي قراءة الباقين غير حفص فقد قرأها بالياء. ينظر حجة القراءات ص ٧٣٧.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣.","vol":"23","page":527},{"text":"بعدِ مماتِه. وكان رسولُ اللهِ ﷺ إذا قرَأ ذلك قال: \"بَلى\".\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾: ذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان إذا قرَأها قال: \"سبحانك وبَلَى (^١).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ القيامةِ\n_________\n(^١) في ت: \"بكى\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٦ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد.","vol":"23","page":528},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9320>تفسيُر سورةِ [هل أَتى على الإنسانِ]</span> (^١)\n﷽\n\n<span id=\"aya-5592\"></span><span data-type='title' id=toc-9321>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا </span>(٢)﴾.\nقال أبو جعفر: يعنى جلَّ ثناؤهُ بقولِه: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ قد أتى على الإنسانِ، و﴿هَلْ﴾ في هذا الموضعِ خبرٌ لا جَحْدٌ، وذلك كقولِ القائلِ لآخرَ يُقَرَّرُه: هل أكرمتُك؟ وقد أَكْرَمه، أو: هل زُرْتُك؟ وقد زاره، وقد تكونُ جحدًا في غيرِ هذا الموضعِ، وذلك كقولِ القائلِ لآخرَ: هل يفعلُ مثلَ هذا أحدٌ؟ بمعنى: أنه لا يَفْعَلُ مثلَ ذلك أحدٌ. والإنسانُ الذي قال اللهُ جلَّ ثناؤُه في هذا الموضعِ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ هو آدمُ ﷺ كذلك.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ﴾. والإنسانُ: آدمُ ﵇ أتى عليه حينٌ مِن الدهرِ، ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ إنما خُلِقَ الإنسانُ هاهنا حديثًا، ما يُعلم من خليقةِ (^٢) اللهِ كانت بعدَ الإنسانِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قوله: ﴿هَلْ\n_________\n(^١) في الأصل: \"الأمشاج\".\n(^٢) في ت ١: \"خليفة\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٧ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"23","page":529},{"text":"أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾. قال: كان آدمُ النبيُّ (^١) ﷺ آخرَ ما خلَق الله من الخَلْقِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾. قال: آدم (^٣).\nوقولُه: ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في قَدْرِ هذا الحين الذي ذكَره اللهُ ﷿ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو أربعون سنةً. وقالوا: مكَثَتْ طينةُ آدمَ ﷺ مُصَوَّرَةً لا تُنْفَخُ فيها الرُّوحُ أربعينَ عامًا، فذلك قَدْرُ الحينِ الذي ذكَره اللهُ ﷿ في هذا الموضعِ. قالوا: ولذلك قيل: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾؛ لأنه أتى عليه وهو جسمٌ مُصَوَّرٌ لم تُنْفَخُ فيه الرُّوحُ أربعونَ عامًا، فكان شيئًا غيرَ أنه لم يكن شيئًا مذكورًا. قالوا: ومعنى قولِه: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ لم يكن شيئًا له نباهةٌ (^٤) ولا رِفعةٌ ولا شَرَفٌ، إنما كان طينًا لازِبًا وحمأً مسنونًا.\nوقال آخرون: لا حدَّ للحينِ في هذا الموضعِ. وقد يَدْخُلُ هذا القولُ مِن أنَّ الله جلَّ ثناؤه أخبَر أنه أتى على الإنسانِ حينٌ مِن الدهرِ، وغيرُ مفهومٍ في الكلامِ أنْ يقالَ: أتى على الإنسانِ حينٌ قبلَ أن يُوجَدَ، وقبلَ أنْ يكونَ شيئًا. وإذا أُريد ذلك قيل: أتى حينٌ قبلَ أَنْ يُخْلَقَ. ولم يقلْ: أتى عليه. وأما الدهرُ في هذا الموضعِ فلا حدَّ له يُوقَفُ عليه.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٧ إلى ابن المنذر.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ١١٩.\n(^٤) في ت ١: \"باه\"، وفى ت،٢، ت ٣: \"بناهد\".","vol":"23","page":530},{"text":"<span id=\"aya-5593\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا خَلَقْنا ذريةَ آدمَ مِن نطفةٍ. يعنى: مِن ماءِ الرجلِ وماءِ المرأَةِ. والنطفةُ: كلُّ ماءٍ قليلٍ في وعاءٍ؛ كان ذلك رَكيَّةً (^١) أو قِرْبةً أو غيرَ ذلك، كما قال عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ (^٢):\nهل أنتِ إلا نُطْفَةٌ في شَنَّهْ\nوقوله: ﴿أَمْشَاجٍ﴾. يعنى: أخلاطٍ، واحدُها: مَشِجٌ ومَشِيجٌ، مِثلُ خِدْنٍ وخَدِينٍ، ومثلُه قولُ رُؤْبةَ بن العجاجِ (^٣):\nيَطْرَحْنَ (^٤) كُلَّ مُعْجَلٍ نَشَّاجِ\nلم يُكْسَ جِلدًا في دَمٍ أَمْشَاجِ\nيقالُ منه: مَشَجْتُ هذا بهذا. إذا خَلَطْتَه به، وهو ممشوجٌ (^٥) به ومَشِيجٌ، أي: مخلوطٌ به، كما قال أبو ذؤيبٍ (^٦):\nكأنَّ الريشَ والفُوقَين مِنه … خلافَ (^٧) النَّصْلِ سِيطَ به مَشِيجُ\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الأمشاجِ التي (^٨) عُنِى بها في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو اختلاطُ ماءِ الرجلِ بماءِ المرأةِ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"ركيا\".\n(^٢) ديوانه ص ١٥٣.\n(^٣) ديوانه ص ٣٢\n(^٤) في الديوان: \"يقذفن\".\n(^٥) في الأصل: \"منسوج\".\n(^٦) البيت من شعر عمر بن الداخل كما في ديوان الهذليين ٣/ ١٠٤، وشرحه ٢/ ٦١٩.\n(^٧) في م: \"خلال\".\n(^٨) في م: \"الذي\".","vol":"23","page":531},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9322>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشامٍ الرفاعيُّ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن الأصبهانيِّ، عن عكرمةَ: ﴿أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾. قال: ماءُ الرجلِ وماءُ المرأةِ يُمْشَجُ أحدهما بالآخرِ (^١).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ (^٢) يمانٍ، عن سفيانَ، عن ابن الأصبهانيِّ، عن عكرمةَ، قال: ماءُ الرجلِ وماءُ المرأةِ يَخْتلِطان (^٣).\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، قال: ثنا زكريا، عن عطيةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ماءُ المرأةِ وماءُ الرجلِ يُمْشَجان (^٤).\nحدَّثنا أبو هشامٍ: قال: ثنا عبيدُ الله، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن السديِّ، عمن حدَّثه، عن ابن عباسٍ، قال: ماءُ المرأةِ وماءُ الرجلِ يَخْتَلِطان (^٥).\nحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: إذا اجتَمع ماءُ الرجلِ وماءُ المرأةِ فهو أمشاجٌ (^٦).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، قال: ثنا المباركُ (^٧)، عن الحسنِ، قال: مُشِج ماءُ المرأةِ مع ماءِ الرجلِ (^٨).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٨٨ من طريق سعيد بن مسروق عن عكرمة.\n(^٢) في الأصل: \"أبو\". وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٥٥.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٢١٠.\n(^٤) في الأصل، ت ٢، ت ٣: \"المشيجان\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٧ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٧) في الأصل: \"ابن المبارك\". وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ١٨٠.\n(^٨) تفسير مجاهد ص ٦٨٨ من طريق مبارك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":532},{"text":"حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، قال: أخبَرنا عثمانُ بنُ الأسودِ، عن مجاهدٍ، قال: خلَق اللهُ ﷿ الولد مِن ماءِ الرجل وماءِ المرأةِ، وقد قال اللهُ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (^١) [الحجرات: ١٣].\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ، قال: خُلِق مِن تاراتِ ماءِ الرجلِ وماءِ المرأةِ (^٢).\nوقال آخرون: إنما عُنِي بذلك: إنا خلَقْنا الإنسانَ مِن نطفةٍ ألوانٍ ينتقلُ إليها، يكونُ نطفةً، ثم يَصِيرُ علقةً، ثم مضغةً، ثم عظمًا، ثم يُكسى لحمًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-9323>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾. الأمشاجُ: خَلْقٌ مِن ألوانٍ؛ خَلْقُ مِن ترابٍ، ثم مِن ماءِ الفرجِ والرحمِ، وهي النطفةُ، ثم [علقةٍ، ثم مضغةٍ] (^٣)، ثم عظمٍ، [ثم من لحمٍ] (^٤)، ثم أنشَأه خلقًا آخرَ، فهو ذلك (^٥).\nحدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، في هذه الآيةِ: ﴿أَمْشَاجٍ﴾. قال: نطفةً، ثم علقةً، ثم مضغةً، ثم عظمًا (^٦).\n_________\n(^١) تقدم في ٢٢/ ٣٨٣، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣١٠.\n(^٢) في الأصل: \"الرحم\". وينظر ابن كثير ٨/ ٣١٠.\n(^٣) في الأصل، ت ٢، ت ٣: \"مضغة ثم علقة\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ١٢١.\n(^٦) تقدم تخريجه في ٢٠/ ١٦٣، ١٦٤.","vol":"23","page":533},{"text":"حدَّثنا الرفاعيُّ، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ ويعقوبُ (^١) الحَضْرميُّ، عن شعبةَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، قال: نطفةً، ثم علقةً.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾: أطوارُ الخَلْقِ؛ طورًا نُطْفَةً، وطورًا علقةً، وطورًا مُضْغَةً، وطورًا عظامًا، ثم كسا اللهُ العظامَ لحمًا، ثم أنشَأه خلقًا آخرَ، أَنْبَت له الشعرَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾. قال: الأمشاجُ: اختلاطُ الماءِ والدمِ، ثم كان علقةً، ثم كان مُضْغَةً (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنِي بذلك اختلافُ ألوانِ النطفةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9324>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾. يقولُ: مختلفةِ الألوانِ (^٤).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا يحيى بنُ اليمانِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ألوانِ النطفةِ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"يعقوب بن\".\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ١٢١.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٨ إلى ابن المنذر، وزاد عزوه في ٥/ ٣٢٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٥١ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٨ إلى ابن المنذر.","vol":"23","page":534},{"text":"حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ (^١)، قال: أيُّ الماءين سبَق أشبَهَ عليه أعمامَه أو أخوالَه.\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾. قال: ألوانُ النطفةِ؛ نطفةُ الرجلِ بيضاءُ وحمراءُ، ونطفةُ المرأةِ حمراءُ وخضراءُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nوقال آخرون: بل هي العروقُ التي تكونُ في النطفةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9325>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشامٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا المسعوديُّ، عن عبدِ اللهِ بن المُخارقِ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ، قال: أمشاجُها: عروقُها (^٣).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا أُسامةُ بنُ زيدٍ، عن أبيه، قال: هي العُروقُ التي تكونُ في النطفةِ (^٤).\nوأشبَهُ هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾. نطفةِ الرجلِ ونطفةِ المرأةِ؛ لأنَّ الله ﷿ وصَف النطفةَ بأنها أمشاجٌ،\n_________\n(^١) بعده في الأصل: في قوله: ﴿أَمْشَاجٍ﴾ قال: ألوان. حدثنا أبو هشام، قال حدثنا أبو اليمان، قال حدثنا ورقاء جميعًا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٧ إلى سعيد بن منصور وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٨ إلى ابن المنذر.","vol":"23","page":535},{"text":"وهى إذا انْتَقَلَت فصارَت علقةً، فقد اسْتَحالَتْ عن معنى النطفةِ، فكيف تكونُ نطفةً أمشاجًا وهى علقةٌ؟ وأما الذين قالوا: إن نطفةَ الرجلِ بيضاءُ وحمراءُ، فإنَّ المعروفَ مِن نطفةِ الرجلِ أنها سَحْرَاءُ (^١) [على ألوانٍ، وهى] (^٢) لونٌ واحدٌ، وهى بيضاءُ تَضْرِبُ إلى الحمرةِ، وإذا كانت لونًا واحدًا لم تكن ألوانًا مختلِطةً (^٣)، وأحسَبُ أنَّ الذين قالوا: هي العروقُ التي في النطفةِ، قصدوا هذا المعنى.\nوقد حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن عطاءِ بن أبى رباحٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إنما خُلِق الإنسانُ مِن الشيءِ القليلِ مِن النطفةِ. ألا تَرى أنَّ الولدَ إذا [انتكَث يُرى] (^٤) له مثلُ الرَّيرِ (^٥)؟ وإنما خُلِقَ ابْنُ آدمَ مِن مثلِ ذلك مِن النطفة؛ ﴿أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾.\nوقولُه: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾: نَخْتَبِرُه. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ (^٦): المعنى: جعَلْناه سميعًا بصيرًا لِنَبْتَلِيَه، فهى مُقدَّمةٌ معناها التأخيرُ، إنما المعنى خلَقْناه وجعَلْناه سميعًا بصيرًا لِنَبْتَلِيَه. ولا وجهَ عندى لما قال يَصِحُّ؛ وذلك أنَّ الابتلاءَ إنما هو بصحةِ الآلاتِ، وسلامةِ العقلِ من الآفاتِ، وإنْ عُدِمَ السمعُ والبصرُ، وإنما إخْبارُه (^٧) إيَّانا أنه جعَل لنا أسماعًا وأبصارًا في هذه الآيةِ - تذكيرٌ منه لنا بنعمهِ، وتَنْبِيهٌ على موضِع الشُّكْرِ، فأما الابتلاءُ فالخَلْقُ مع صحةِ الفطرةِ وسلامةِ العقلِ مِن الآفةِ، كما قال:\n_________\n(^١) في الأصل: \"سحر\" والسحر: البياض يعلو السواد، ويقال: بالسين، والصاد. ينظر التاج (س ح ر).\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في الأصل، م: \"مختلفة\".\n(^٤) في م: \"أسكت ترى\".\n(^٥) في الأصل: \"الزيبر\" وفى ص: \"الزبير\"، وفى ت ٢ ت \"الزير\" والرير: الماء يخرج من فم الصبى. التاج (ر ى ر).\n(^٦) هو الفراء. ينظر معاني القرآن ٣/ ٢١٤.\n(^٧) في الأصل: \"أحراه\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"إحباؤه\".","vol":"23","page":536},{"text":"﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].\nوقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فجعَلْناه ذا سمعٍ يَسْمَعُ به، وذا بصرٍ يُبْصِرُ به؛ إنعامًا مِن الله على عباده بذلك، ورأفةً منه بهم، وحجةً له عليهم.\n\n<span id=\"aya-5594\"></span><span data-type='title' id=toc-9327>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا </span>(٤)﴾ (*).\nيعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾. إنا بيَّنا له طريقَ الجنةِ، وعرَّفْناه سبيلَه، إنْ شكَر أو كفَر. وإذا وُجِّهَ الكلامُ إلى هذا المعنى، كانت \"إما وإما\" في معنى الجزاءِ. وقد يَجُوزُ أنْ يكونَ \"إما وإما\" بمعنًى واحدٍ، كما قال: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦]، فيكونَ قولُه: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ حالًا مِن الهاءِ التي في: ﴿هَدَيْنَاهُ﴾. فيكونَ معنى الكلامٍ إذا وُجِّه ذلك إلى هذا التأويلِ: إنا هدَيْناه السبيلَ؛ إما شقيًّا وإما سعيدًا. وكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ ذلك، كما قال: ﴿إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ [مريم: ٧٥]. كأنك لم تَذْكُرْ إما، قال: وإِن شِئْتَ ابْتَدَأْتَ ما بعدَها فرفعتَه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9326>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(*) إلى هنا ينتهى الجزء الثامن والأربعين من مخطوط خزانة القرويين والمشار إليه بالأصل وسيجد القارئ أرقام النسخة [ت ١] بين معكوفين بين صفحات التحقيق.","vol":"23","page":537},{"text":"قولَه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾. قال: الشِّقْوةَ والسَّعادة (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا﴾: للنعمِ، وَإِمَّا كَفُورًا: لها.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾، إلى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾. قال: نَنْظُرُ أَيَّ شيءٍ يَصْنَعُ، أيَّ الطريقين يَسلُكُ، وأيَّ الأَمرَين يأخذُ، قال: وهذا الاختبارُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5595\"></span>وقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا أعتَدْنا لمن كفَر نِعَمَنا، وخالَف أمرَنا، سلاسلَ يُسْتَوْثَقُ بها منهم شدًّا في الجحيمِ، ﴿وَأَغْلَالًا﴾. يقولُ: وتشدُّ بالأغلالِ فيها أيدِيهم إلى أعناقِهم.\nوقولُه: ﴿وَسَعِيرًا﴾. يقولُ: ونارًا تُسَعَّرُ عليهم فتتوقَّدُ.\n\n<span id=\"aya-5596\"></span><span data-type='title' id=toc-9328>القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ الذين بَرُّوا بطاعتِهم ربَّهم في أداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه، ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾؛ وهو كلُّ إناءٍ كان فيه شرابٌ، ﴿كَانَ مِزَاجُهَا﴾. يقولُ: كان مِزاجُ ما فيها مِن الشرابِ، ﴿كَافُورًا﴾. يعني: في طيبِ رائحتِها كالكافورِ. وقد قيل: إن الكافورَ اسمٌ لعَينِ ماءٍ في الجنةِ، فمن قال ذلك؛ جعَل نصْبَ العينِ على الردِّ على الكافورِ تِبْيانًا عنه، ومن جعَل الكافورَ صفةٌ للشرابِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣١١.","vol":"23","page":538},{"text":"نصَبها على (^١) العين؛ على الحالِ، وجعَل خبرَ \"كان\" قولَه: ﴿كَافُورًا﴾. وقد يَجُوزُ نصْبُ العينِ مِن وجهٍ ثالثٍ؛ وهو نصْبُها بإعمالِ ﴿يَشْرَبُونَ﴾ فيها، فيكونُ معنى الكلام: إنَّ الأبرارَ يشربون عينًا يشربُ بها عبادُ اللهِ مِن كأسٍ كان مزاجُها كافورًا. وقد يَجُوزُ أيضًا نصبُها على المدحِ، فأمَّا عامةُ أهلِ التأويلِ فإنهم قالوا: الكافورُ صفةٌ للشرابِ على ما ذكرتُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9329>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾. قال: تُمْزَجُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾. قال: قومٌ تُمزَجُ لهم بالكافورِ، ويُخْتَمُ لهم بالمسكِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-5597\"></span>وقولُه: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كان مِزاجُ الكأسِ التي يَشْرَبُ بها هؤلاءِ الأبرارُ، كالكافورِ في طيبِ رائحتِه، مِن عينٍ يَشْرَبُ بها عبادُ اللهِ الذين يُدْخِلُهم الجنةَ. والعينُ على هذا التأويلِ نصْبٌ على الحالِ مِن الهاءِ التي في: ﴿مِزَاجُهَا﴾. ويعنى بقولِه: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾. يُرْوَى بها ويُنْتَفَعُ (^٤)، وقيل: يَشْرَبُ بها ويَشْرَبُها بمعنًى واحدٍ. وذكَر الفرّاءُ أن بعضَهم أنشَده (^٥):\n_________\n(^١) في م: \"أعنى\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٨ إلى المصنف، وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في ص، ت:٢: \"ينقع\"، وفي ت ١: \"تنفع\".\n(^٥) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٣١٥ والبيت لأبي ذؤيب الهذلى في ديوان الهذليين ١/ ٥١، ٥٢.","vol":"23","page":539},{"text":"شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ … مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ (^١)\nوعنى بقولِه: \"متى لحجٍ\" من (^٢)، ومثلُه: إنه ليتَكلَّمُ بكلامٍ حسنٍ، ويتكلمُ كلامًا حسنًا.\nوقوله: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يُفَجِّرون تلك العينَ التي يَشْربُون بها كيف شاءوا وحيثُ شاءوا مِن منازِلهم وقصورِهم تفجيرًا، ويعنى بالتفجيرِ: الإسالةَ والإجراءَ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9330>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾. قال: يُعدِّلونها حيثُ شاءوا (^٣).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾. قال: يَقُودونها (^٤) حيثُ شاءوا (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾.\nقال: مُسْتَقِيدٌ (^٦) ماؤها لهم، يُفَجِّرونها حيثُ شاءوا.\n_________\n(^١) رواية البيت في الديوان:\n\"تروت بماء البحر ثم تنصبت … على حبشيات لهن نئيج\n(^٢) لأن \"متى\" معناها \"من\" في لغة هذيل. والمعنى أي من لجج، أخرجت الماء من البحر. ولهن نئيج: مرٌّ سريع. ينظر شرح أشعار الهذليين ١/ ١٢٩.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣١٣.\n(^٤) في ت ٢: \"يتعودونها\".\n(^٥) ذكره القرطبي في تفسيره ٨/ ١٢٦.\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مستقبل\" ومستقيد: مذلل. الوسيط (ق) و(٥).","vol":"23","page":540},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾. قال: يَصْرِفُونها حيثُ شاءوا (^١).\n\n<span id=\"aya-5598\"></span><span data-type='title' id=toc-9332>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ الذين ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ برُّوا بوفائِهم للهِ بالنذورِ التي كانوا يَنْذُرُونها في طاعةِ اللهِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9331>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾. قال: إذا نَذَرُوا في حقِّ اللهِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾. قال: كانوا يَنْذُرُون طاعةَ الله؛ مِن الصلاةِ والزكاةِ، والحجِّ والعمرةِ، وما افْتَرَض عليهم، فسمَّاهم اللهُ بذلك الأبرارَ، فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يُوفُونَ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣١٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":541},{"text":"بِالنَّذْرِ﴾. قال: بطاعةِ اللهِ، وبالصلاةِ والحجِّ والعمرةِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ قولَه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾. قال: في غيرِ معصيةٍ.\nوفي الكلامِ محذوفٌ اجْتُزِئَ بدلالةِ الكلامِ عليه منه، وهو كان ذلك، وذلك أن معنى الكلامِ: إنَّ الأبرارَ يشربون من كأسٍ كان مزاجُها كافورًا، كانوا يُوفُون بالنذرِ، فَتُرِك ذكرُ \"كانوا\"، لدلالةِ الكلامِ عليها، والنذرُ: هو كلُّ ما أَوْجَبه الإنسانُ على نفسِه مِن فعلٍ؛ ومنه قولُ عنترةَ (^٢):\nالشَّاتِمَىْ عِرْضِى ولم أَشْتِمُهُما … والنَّاذرَينِ إذا لَقيتُهما دَمى\nوقولُه: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويَخافون عقابَ اللهِ بتَرْكِهم الوفاءَ بما نَذَرُوا اللهِ مِن بِرٍّ، في يومٍ كان شرُّه مُسْتَطِيرًا؛ ممتدًّا طويلًا فاشِيًا.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9333>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾: استطار واللهِ شرُّ ذلك اليومِ، حتى ملأ السمواتِ والأرضَ، وأمَّا رجلٌ يقولُ عليه نَذْرٌ أَلَّا يَصِل رحمًا، ولا يتصدَّقَ، ولا يَصْنَعَ خيرًا، فإنه لا يَنْبَغِي أَنْ يُكَفِّرَ عنه، ويأبى (^٣) ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٦ عن معمر به.\n(^٢) شرح ديوانه ص ١٢٩.\n(^٣) في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"يأتي\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦٨ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"23","page":542},{"text":"ومنه قولُهم: اسْتَطَار الصَّدْعُ في الزجاجةِ، واسْتَطَال: إذا امتدَّ، ولا يقالُ ذلك في الحائطِ؛ ومنه قولُ الأعشى (^١):\nفبَانَتْ وقَدْ أَثْأَرَتْ فِي الفُؤَا … دِ صَدْعًا عَلَى نَأْيها (^٢) مُسْتَطِيرًا\nيعني: ممتدًّا فاشِيًا.\n\n<span id=\"aya-5599\"></span>وقولُه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كان هؤلاء الأبرارُ يُطْعِمُون الطعامَ على حبِّهم إيَّاه، وشَهْوَتِهم له.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9334>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ عِياضٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾. قال: وهم يَشْتَهُونه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو العُرْيانِ، قال: سألتُ سليمانَ بن قيسٍ، أبا مقاتلِ بنَ سليمانَ، عن قولِه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾. قال: على حُبِّهم للطعامِ.\nوقوله: ﴿مِسْكِينًا﴾. يعنى جلَّ ثناؤه: ذوى الحاجةِ الذين قد أذلَّتهم الحاجةُ، ﴿وَيَتِيمًا﴾. وهو الطفلُ الذي قد مات أبوه ولا شيءَ له، ﴿وَأَسِيرًا﴾. وهو الحربيُّ مِن أهل دارِ الحربِ يُؤْخَذُ قهرًا بالغَلَبَةِ، أو مِن أَهلِ القبلةِ يُؤْخَذُ فَيُحْبَسُ\n_________\n(^١) تقدم في ١/ ١٠٣.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بأنها\".\n(^٣) أخرجه هناد في الزهد (٦٣٣) عن فضيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٩ إلى عبد الرزاق عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان.","vol":"23","page":543},{"text":"بحقٍّ (^١)، فأَثْنى الله على هؤلاءِ الأبرارِ، بإطعامِهم هؤلاءِ تقرُّبا بذلك إلى اللهِ، وطلبَ رضاه، ورحمةً منهم لهم.\nواختلف أهلُ العلم في الأسيرِ الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: بما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾. قال: لقد أمَر اللهُ بالأُسَراءِ أن يُحْسَنَ إليهم، وإنَّ أَسْرَاهم يومئذٍ لأهلُ الشركِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَسِيرًا﴾.\nقال: كان أسراهم يومئذٍ المشركَ، وأخوك المسلمُ أحقُّ أنْ تُطْعِمه (^٣).\nقال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن أبي عمرٍو، أن عكرمةَ قال في قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾. زعَم أنه قال: كان الأَسْرى في ذلك الزمانِ المشركَ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا أشعثُ، عن الحسنِ: ﴿وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾. قال: ما كان أُسَراؤهم إلا المشركين (^٤).\nوقال آخرون: عُنِي بذلك: المسجونُ مِن أهلِ القبلةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9335>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ،\n_________\n(^١) في ت ٣: \"لحق\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٦ عن معمر به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت،٢، ت ٣: \"المشركون\". والأثر أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٧٨ من طريق عثمان البتى عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٩/ ٢٩٩ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه.","vol":"23","page":544},{"text":"عن مجاهدٍ، قال: الأسيرُ: المَسْجُونُ (^١).\nحدَّثني أبو شيبةَ بنُ أبي شيبةَ، قال: ثنا عمرُ بنُ حفصٍ، قال: ثني أبي، عن حجاجٍ، قال: ثني عمرُو بنُ مرَّةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِ اللهِ: ﴿مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾: مِن أهلِ القبلةِ وغيرِهم، فسألتُ عطاءً، فقال مثلَ ذلك (^٢).\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا يحيى - يعني ابنَ عيسى (^٣) -، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَسِيرًا﴾. قال: الأسيرُ هو المحبوسُ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن الله وصَف هؤلاءِ الأبرارَ، بأنَّهم كانوا في الدنيا يُطْعِمُون الأسير، والأسيرُ الذي قد وصَفْتُ صفتَه، واسمُ الأسيرِ قد يَشْتَمِلُ على الفريقين، وقد عمَّ الخبرَ عنهم أنهم يُطْعِمُونهم، فالخبرُ على عمومِه حتى يَخُصَّه ما يجب التسليمُ له. وأما قولُ مَن قال: لم يكنْ لهم أسيرٌ يومئذٍ إلا أهلَ الشركِ، فإن ذلك وإنْ كان كذلك، فلم يُخصَصْ بالخبرِ المُوفون بالنذرِ يومئذٍ، وإنما هو خبرٌ مِن الله عن كلِّ مَن كانت هذه صفتَه يومئذٍ، وبعدَه إلى يومِ القيامةِ، وكذلك الأسيرُ معنِيٌّ به أسيرُ المشركين والمسلمين يومئذٍ، وبعد ذلك إلى قيامِ الساعةِ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٦ عن الثورى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٩ عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الشعب.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٣/ ١٧٧.\n(^٣) في ت ٣: \"عيسى\".","vol":"23","page":545},{"text":"<span id=\"aya-5600\"></span>وقوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يقولون: إنما نُطْمِعُكم، إذا هم أَطْعَمُوهم، لوجهِ اللهِ. يَعْنُون طلبَ رضا اللهِ والقُرْبةِ إليه، ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. يقولون للذين يُطْعِمُونهم ذلك الطعامَ: لا نُريدُ منكم أيُّها الناسُ، على إطعامِناكم، ثوابًا ولا شُكُورًا.\nوفى قولِه: ﴿وَلَا شُكُورًا﴾ وجهان مِن المعنى؛ أحدُهما: أن يكونَ جمعَ الشُّكْرِ كما الفُلوسُ جمعُ فَلْسٍ، والكُفُورُ جمعُ كَفْرٍ. والآخرُ: أَن يكون مصدرًا واحدًا في معنى جمعٍ، كما يقالُ: قَعَد قُعُودًا، وخرَج خُرُوجًا.\nوقد حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سالمٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. قال: أما إنَّهم ما (^١) تكلَّموا به، ولكن عَلِمه اللهُ مِن قلوبِهم، فأَثْنى به عليهم؛ ليَرْغَبَ في ذلك راغبٌ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمِ بن أبى الوضاحِ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. قال: أما واللهِ ما قالوه بألسنتِهم، ولكن عَلِمه اللهُ من قلوبِهم، فأَثْنى عليهم؛ ليَرْغَبَ في ذلك راغبٌ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5601\"></span><span data-type='title' id=toc-9336>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن هؤلاءِ القومِ الذين وصَف صفتَهم، أنَّهم يقولون لمن أَطْعَمُوه مِن أهلِ الفاقةِ والحاجةِ: ما نُطْعِمُكم طعامَا نَطْلُبُ منكم عِوضًا على\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢ ت ٣.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣١٤، والبغوي ٨/ ٢٩٥.","vol":"23","page":546},{"text":"إطعامِناكم (^١) ولا شُكُورًا؛ ولكنا نُطْعِمُكم رجاءً منا أَنْ يُؤَمِّنَنَا رَبُّنَا مِن عقوبتِه في يومٍ شديدٍ هَوْلُه، عظيمٍ أَمرُه، تَعْبِسُ فيه الوجوهُ مِن شدَّةِ مكارهِه، ويطولُ بلاءُ أهلِه ويشتدُّ. والقَمْطَرِيرُ: هو الشديدُ، يقالُ: يومٌ قَمْطَرِيرٌ، أو يومٌ قُماطرٌ، ويومٌ عصيبٌ، وعَصَبْصَبٌ، وقد اقمَطَرَّ اليومُ يَقْمَطِرُّ اقمِطْرارًا، وذلك أَشدُّ الأيامِ، وأطولُه في البلاءِ والشدَّةِ؛ ومنه قولُ بعضِهم (^٢):\nبنى عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بلاءَنا … عليكم إذا ما كان يومٌ قُماطِرُ\nوبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في العبارةِ عن معناه؛ فقال بعضُهم: هو أنْ يُعَبِّسَ أحدُهم، فيقبضَ بين عيْنَيه، حتى يسيلَ مِن بين عيْنَيه مثلُ القَطِرانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9337>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مصعبُ بن سلامٍ التميميُّ، عن سعيدٍ (^٣)، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾. قال: يَعْبِسُ الكافِرُ يومئذٍ، حتى يسيلَ من بين عيْنَيه عَرَقٌ مثلُ القَطِرانِ (^٤).\nحدَّثنى عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن هارونَ بن عنترةَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾. قال: القَمْطَرِيرُ: المُقَبِّضُ بينَ عَيْنَيه (^٥).\n_________\n(^١) بعده في م: \"جزاء\".\n(^٢) البيت في معاني القرآن للفراء ٣/ ٢١٦، واللسان (قمطر).\n(^٣) في ت ١، ت ٣: \"سعد\".\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ١٣٥.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":547},{"text":"حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلتِ، قال: ثنا أبو كُدينةَ، عن قابوسَ، عن أبيه، قال: سألتُ ابن عباسٍ عن قولِه: ﴿قَمْطَرِيرًا﴾. قال: يُقَبِّضُ ما بينَ العينين.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن هارونَ بن عنترةَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾. قال: يُقَبِّضُ ما بينَ العينين.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾. قال: يومَ يُقَبِّضُ فيه الرجلُ ما بينَ عيْنَيه ووجهَه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾: عَبَسَتْ فيه الوجوهُ، وقَبَضَتْ ما بينَ أَعْيُنِها كراهيةَ ذلك اليومِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَمْطَرِيرًا﴾.\nقال: تُقبَّضُ الجِبِاهُ، وقومٌ يقولون: القَمْطَرِيرُ: الشديدُ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن هارونَ بن عنترةَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: المُقَبضُ ما بينَ العينين.\nقال: ثنا وكيعٌ، عن عمرَ (^٤) بن ذَرٍّ، عن مجاهدٍ، قال: هو المُقَبِّضُ ما بينَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣١٤.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٧ عن معمر به إلى قوله: \"الجباه\"، وباقى الأثر من قول معمر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عمرو\". ينظر تهذيب الكمال\" ٢١/ ٣٣٤.","vol":"23","page":548},{"text":"عيْنَيه.\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن أبي عمرٍو، عن عكرمةَ، قال: القَمْطَرِيرُ: ما يَخْرُجُ مِن جباهِهم مثلَ القَطِرانِ، فيسيلُ على وجُوهِهم.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿قَمْطَرِيرًا﴾. قال: يُقَبِّضُ الوجْهَ بالبُسُورِ (^١).\nوقال آخرون: العَبُوسُ: الضَّيِّقُ، والقَمْطَرِيرُ (^٢): الطويلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9338>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿عَبُوسًا﴾. يقولُ: ضَيِّقًا. وقولُه: ﴿قَمْطَرِيرًا﴾. يقولُ: طويلًا (^٣).\nوقال آخرون: القَمْطَرِيرُ: الشديدُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9339>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾. قال: العَبُوسُ: الشرُّ، والقَمْطَريرُ: الشديدُ (^٤).\n\n<span id=\"aya-5602\"></span>وقولُه: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣١٤.\n(^٢) في ص، ت ٢ ت: \"القمطر\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٥١ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٩ إلى ابن المنذر.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣١٤.","vol":"23","page":549},{"text":"فدفَع اللهُ عنهم ما كانوا في الدنيا يَحْذَرُون، من شرِّ اليومِ العَبُوسِ القَمْطَرِيرِ بما كانوا في الدنيا يعملون، بما يُرْضِي عنهم ربَّهم، ولقَّاهم نَضْرَةً في وجُوهِهم، وسرورًا في قلوبِهم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9340>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾. قال: نَضْرَةً في الوجُوهِ، وسرورًا في القلوبِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾. نَضْرَةً في وجوهِهم، وسرورًا في قلوبِهم (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾. قال: نعمةً وسرورًا.\n\n<span id=\"aya-5603\"></span><span data-type='title' id=toc-9342>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: وأثابهم بما صبَروا لله في الدنيا على طاعتهِ، والعملِ بما يُرْضِيه عنهم، جنةً وحريرًا.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9341>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً\n_________\n(^١) أخرجه سحنون في المدونة ٦/ ٤٠٨، وعبد بن حميد - كما في الفتح ٦/ ٣٢١، وتفسير مجاهد ص ٦٨٨ من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":550},{"text":"وَحَرِيرًا﴾. يقولُ: وجزاهم بما صبَروا على طاعةِ اللهِ، وصبَروا عن معصيتِه ومحارمِه، جنةً وحريرًا (^١).\n\n<span id=\"aya-5604\"></span>وقولُه: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾. يقولُ: مُتَّكئِين في الجنةِ على السُّرُرِ في الحِجالِ؛ وهى الأرائكُ، واحدَتُها أريكةٌ. وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه، وما فيه من أقوالِ أهلِ التأويلِ فيما مضى (^٢)، بما أَغْنى عن إعادتِه، غيرَ أنا نذكرُ في هذا الموضعِ مِن الرواية بعضَ ما لم نَذْكُرْه إِن شاء اللهُ تعالى قبلُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾. يعنى: الحِجالِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: كنا نُحَدَّثُ أَنَّها الحِجالُ فيها الأسِرَّةُ (١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الحصينِ، عن مجاهدٍ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾. قال: السُّرُرِ في الحِجالِ (^٤).\nونَصْبُ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ [على: وجزاهم بما صبَروا جنةً مُتَّكِئين] (^٥) فيها؛ على الحالِ مِن الهاءِ والميمِ.\nوقوله: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا يَرَوْن فيها\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ١٥/ ٢٤٣، ١٩/ ٤٦٥، ٤٦٦.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٩/ ٤٦٥، ٤٦٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٢ إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٤١، وهناد في الزهد (٧٤، ٧٥) من طريق حصين به، وأخرجه عبد بن حميد - كما في الفتح ٦/ ٣٢١ - من طريق منصور عن مجاهد، وأخرجه عبد بن حميد - كما في الفتح أيضًا - من طريق حصين عن مجاهد عن ابن عباس، وذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٠٧ عن الثوري به بذكر ابن عباس.\n(^٥) سقط من: م. ينظر معاني الفراء ٣/ ٢١٦.","vol":"23","page":551},{"text":"شمسًا (^١) فيُؤذِيَهم حرُّها، ولا زَمُهرِيرًا؛ وهو البردُ الشديدُ، فيُؤْذِيَهم بَرْدُها.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9343>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا زيادُ بنُ عبدِ اللهِ الحسانيُّ، قال: ثنا مالكُ بنُ سُعَيْرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن مجاهدٍ، قال: الزمهريرُ: البَرْدُ المُفْظِعُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال الله: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾: يَعْلَمُ اللهُ أن شدَّةَ الحرِّ تُؤْذِى، وشدَّةَ القرِّ تُؤْذِى، فوقاهم اللهُ أذاهما (^٣).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن السديِّ، عن مرَّةَ بن (^٤) عبدِ اللهِ، قال في الزمهريرِ: إنه لونٌ مِن العذابِ، قال اللهُ: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ (^٥) [النبأ: ٢٤].\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن أبى سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"اشْتَكَتِ النَّارُ إِلى رَبِّها، فقالت: ربَّ أَكَلَ بعضِي بعضًا، فَنَفِّسْنِي، فأذِن لها في كلِّ عامٍ بَنَفَسَيْن، فَأَشدُّ ما تَجِدُون من البَرْدِ مِن زَمْهَرِيرِ جَهَنم، وأشدُّ ما تَجِدُون مِن الحَرِّ مِن حرَّ جَهَنَم\" (^٦).\n_________\n(^١) في ص: \"شيئا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) كذا في النسخ. صوابه: مرة عن عبد الله. يروى عن ابن مسعود يروى عنه السدى. ينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٣٧٩.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٠ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم، وذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ١٣٨.\n(^٦) أخرجه الشافعي ١ / (١٥٤)، والحميدى (٩٤٢)، وأحمد ١٢/ ١٨٩ (٧٢٤٧)، والبخاري (٥٣٧) وابن حبان (٧٤٦٦) من طريق الزهرى به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٥٨، وابن ماجه (٤٣١٩)، والترمذى (٢٥٩٢) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٠ إلى ابن مردويه.","vol":"23","page":552},{"text":"<span id=\"aya-5605\"></span><span data-type='title' id=toc-9345>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾: وقَرُبَت منهم ظلالُ أشجارِها.\nولنصبِ ﴿وَدَانِيَةً﴾ أوجُهٌ؛ أحدُها: العَطْفُ بها على قولِه: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾. والثانى: العَطْفُ به على موضِع قولِه: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا﴾؛ لأَنَّ مَوضِعَه نَصْبٌ، وذلك أنَّ معناه: مُتَّكِئين فيها على الأرائكِ، غيرَ رائين فيها شمسًا. والثالثُ: نَصْبُه على المدحِ، كأنه قيل: مُتَّكِئين فيها على الأرائكِ، ودانيةً بعدُ عليهم ظلالُها، كما يقالُ: عندَ فلانٍ جاريةٌ جميلةٌ، وشابةً بعدُ طَريَّةً، تُضْمِرُ مع هذه الواوِ فعلًا ناصبًا للشابَّةِ، إذا أُريد به المدحُ، ولم يُرَدُّ به النَّسَقُ، وأُنِّثَتْ ﴿وَدَانِيَةً﴾؛ لأَنَّ الظلالَ جمعٌ. وذُكر أنَّ ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ بالتذكير: (وَدَانِيًا عَلَيْهِمْ ظِلالُها) (^١)، وإنما ذُكِّر لأنه فعلٌ متقدِّمٌ، وهى في قراءةٍ فيما بلَغنى: (وَدَانٍ) (^٢)؛ رفعًا على الاسْتِئنافِ.\nوقولُه: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾. يقولُ: وذُلِّل لهم اجتناءُ ثمرِ شجرِها، كيف شاءوا قُعُودًا وقيامًا ومُتَّكِئين.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9344>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) وهي شاذة لمخالفتها رسم المصحف، ينظر تفسير القرطبي ١٩/ ١٣٩، وفى البحر المحيط ٨/ ٣٩٦ أنه قرأ بها الأعمش.\n(^٢) هي قراءة أُبى. ينظر تفسير القرطبي والبحر المحيط في الموضعين السابقين ومختصر الشواذ ص ١٦٧.","vol":"23","page":553},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾. قال: إذا قام ارْتَفَعَتْ بقَدْرِه، وإِن قَعَد تَدَلَّتْ (^١) حتى ينالَها، وإن اضْطَجَع تدلَّتْ حتى ينالَها، فذلك تذليلُها (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾. قال: لا يَرُدُّ أيديَهم عنها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣]. قال: الدانيةُ: التي قد دَنَتْ عليهم ثمارُها.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾.\nقال: يتناولُها كيف شاء جالسًا ومُتَّكِئًا.\n\n<span id=\"aya-5606\"></span>وقولُه: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويُطافُ على هؤلاءِ الأبرارِ بآنيةٍ مِن الأوانى التي يشربون فيها شرابَهم؛ هي مِن فضةٍ كانت قواريرَ، فجعَلها فضةً،، وهى في صفاءِ القواريرِ، فلها (^٤) بياضُ الفضةِ، وصفاءُ الزجاجِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ت،٢، ت ٣: \"نزلت\".\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٢٩) - زوائد نعيم)، وسعد بن منصور - كما في الدر المنثور ٦/ ٣٠٠ - ومن طريقه البيهقى في البعث (٣١٤)، وابن أبي شيبة ١٣/ ٩٥، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١١٦) من طريق ابن أبي نجيح به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر.\n(^٣) عزاه الحافظ في الفتح ٨/ ٦٨٥ إلى سعيد بن منصور، وذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ١٣٩، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣١٦.\n(^٤) في ت ٢، ت ٣: \"كأنها\".","vol":"23","page":554},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9346>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾. يقولُ: آنيةٌ من فضةٍ، وصفاؤُها وتهييئُها (^١) كصفاءِ القواريرِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾.\nقال: فيها رِقَّةُ القواريرِ في صفاءِ الفضةِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال: صفاءُ القواريرِ؛ وهي مِن فضةٍ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ﴾. أي: صفاءُ القواريرِ في بياضِ الفضةِ (^٥).\nوقولُه: ﴿وَأَكْوَابٍ﴾. يقولُ: ويُطافُ مع الأوانى بجِرارٍ ضِخامٍ فيها الشرابُ، وكلُّ جَرَّةٍ ضخمةٍ لا عُرُوةَ لها فهى كوبٌ.\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَكْوَابٍ﴾. قال: ليس لها آذانٌ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"تهيؤها\"، وفى ت:١: \"بهجتها\"، وفى مصدر التخريج: \"وهيئتها\".\n(^٢) أخرجه البيهقي في البعث (٣٤٣) من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٠ إلى ابن المنذر.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣١٦.\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٤٣) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) أخرجه هناد في الزهد (٦٩) من طريق سفيان به.","vol":"23","page":555},{"text":"وقد حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ بهذا الحديثِ بهذا الإسنادِ، عن مجاهدٍ، فقال: الأكوابُ: الأَقْداحُ (^١).\nوقوله: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾. يقولُ: كانت هذه الأوانى والأكوابُ قواريرَ، فحوَّلها الله فضةً. وقيل: إنما قيل: ويُطافُ عليهم بآنيةٍ مِن فضةٍ. ليَدُلُّ بذلك على أنَّ أَرضَ الجنةِ فضةٌ؛ لأنَّ كلَّ آنيةٍ تُتَّخَذُ فإنما تُتَّخَذُ مِن تربةِ الأرضِ التي فيها، فدلّ جلّ ثناؤه بوصفِه الآنيةَ التي يُطافُ بها (^٢) على أهلِ الجنةِ أنها مِن فضةٍ؛ ليُعلمَ عبادَه أن تُرْبةَ أرضِ الجنةِ فضةٌ.\nواختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿قَوَارِيرَا﴾ و﴿سَلَاسِلا﴾؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأَةِ المدينةِ والكوفةِ غيرَ حمزةَ: (سلاسلًا) و(قواريرًا). بإثباتِ الألف والتنوينِ، وكذلك هي في مصاحفِهم، وكان حمزةُ يُسْقِطُ الألفاتِ مِن ذلك كلِّه، ولا يُجْرِى شيئًا منه، وكان أبو عمرٍو يُثْبِتُ الألفَ في الأولى مِن ﴿قَوَارِيرَا﴾، ولا يُثْبِتُها في الثانيةِ (^٣).\nوكلُّ ذلك عندَنا صوابٌ، غيرَ أن الذي ذكرْتُ عن أبي عمرٍو أَعْجَبُهما إليَّ؛ وذلك أنَّ الأوَّلَ مِن القوارير رأسُ آيةٍ، والتوفيقُ بين ذلك وبين سائرِ رءُوسِ آياتِ السورةِ، أعجبُ إليَّ، إذ كان ذلك بإثباتِ الألفاتِ في أكثرِها.\n\n<span id=\"aya-5607\"></span><span data-type='title' id=toc-9347>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: قواريرَ في صفاءِ الصفاءِ مِن فضةِ الفضةِ، من البياضِ.\n_________\n(^١) أخرجه هناد في الزهد (٦٨) من طريق منصور به.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ينظر حجة القراءات ص ٧٣٧، ٧٣٨، والسبعة ص ٦٦٣ وكتاب التيسير في القراءات السبع ص ١٧٦، ١٧٧.","vol":"23","page":556},{"text":"كما حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاء، قال: قال الحسن في قوله: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال: صفاءُ القواريرِ في بياضِ الفضةِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ كثيرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال: بياضُ الفضةِ في صفاءِ القواريرِ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، قال: أخبَرنا ابنُ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال: كان ترابُها مِن فضةٍ (^٢).\nوقولُه: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾، قال: صفاءُ الزجاجِ في بياضِ الفضةِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال: لو احتاج أهلُ الباطلِ أن يَعْمَلُوا إناءً مِن فضةٍ، يُرى ما فيه مِن خَلْفِه كما يُرى ما في باطنِ (^٣) القواريرِ، ما قَدَرُوا عليه.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال: هي مِن فضةٍ، وصفاؤُها صفاءُ القواريرِ وبياضُ الفضةِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال: على صفاءِ القواريرِ وبياضِ الفضةِ.\nوقولُه: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. يقولُ: قدَّروا تلك (^٥) الآنيةَ التي يُطافُ عليهم بها\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣١٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٤٤) من طريق مروان بن معاوية به.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٧ عن معمر به.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذلك\".","vol":"23","page":557},{"text":"تقديرًا على [قَدْرِ رِيِّهم] (^١)، لا تزيد ولا تَنْقُصُ عن ذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9348>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. قال: قُدِّرتْ لرِيِّ القومِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. قال: [قَدْرَ ريِّهم] (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عبيدٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. قال: لا تَنْقُصُ ولا تَفِيضُ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. قال: لا تَتْرَعُ (^٤) فتُهَرَاقَ، ولا يَنقُصُون [مِن مائِها] (^٥) فتَنْقُصَ، فهي مَلْأَى.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾: قدَّروها لرِيِّهم (^٦).\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"قدرتهم\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قدرتهم\". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣١٦.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٧٠، وهناد في الزهد (٦٨) من طريق منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠١ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) تترع: تمتلئ. الوسيط (ت ر ع).\n(^٥) في ت ١: \"عن ملئها\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٧ عن معمر به.","vol":"23","page":558},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾.\nقال: قُدِّرَتْ على رِيِّ القومِ (^١).\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. قال: قدَّروها لريِّهم على قَدْرِ شُرْبِهم؛ أهلُ الجنةِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٌ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. قال: مُمْتَلِئةٌ لا تُهَراقُ، وليست بناقصةٍ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: قَدَّروها على قَدْرِ الكفِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9349>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. قال: قُدِّرَتُ للكفِّ (^٣).\nواختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿قَدَّرُوهَا﴾ بفتح القافِ، بمعنى: قدَّرها لهم السُّقاةُ الذين يَطُوفون بها عليهم. ورُوِى عن الشعبيِّ وغيرِه من المتقدمين، أنَّهم قرءَوا ذلك بضمِّ القافِ: (قُدِّروها) (^٤) بمعنى: قُدِّرَتْ عليهم، فلا زيادةَ فيها ولا نُقْصَانَ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣١٦.\n(^٣) أخرجه البيهقى في البعث (٣٤٣) من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٠ إلى ابن المنذر.\n(^٤) القراءة شاذة، وقرأ بها أيضًا على وابن عباس والسلمى وابن أبزى وقتادة وزيد بن علي والجحدري وعبد الله بن عبيد بن عمير وأبو حيوة وعباس عن أبان، والأصمعي عن أبي عمرو، وابن عبد الخالق عن يعقوب. ينظر البحر المحيط ٨/ ٣٩٧، ٣٩٨.","vol":"23","page":559},{"text":"والقراءةُ التي لا أستجيزُ القراءةَ بغيرِها فتحُ القافِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأَةِ عليه.\n\n<span id=\"aya-5608\"></span>قولُه: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويُسْقَى هؤلاء الأبرارُ في الجنةِ كأسًا؛ وهى كلُّ إناءٍ كان فيه شرابٌ، فإذا كان فارغًا مِن الخَمْرِ لم يُقَلْ له: كأس. وإنما يقالُ له: إناءٌ. كما يقالُ للطَّبَقِ الذي تُهْدَى فيه الهديةُ: المِهْدَى. مقصورًا، ما دامت عليه الهديةُ، فإذا فَرَغ مما عليه كان طَبَقًا أو خِوَانًا ولم يكنْ، مِهْدًى، ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾. يقولُ: كان مِزاجُ شرابِ الكأسِ (^١) التي يُسْقَون منها زَنْجَبِيلًا.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: يُمْزَجُ لهم شرابُهم بالزَّنْجَبِيلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9350>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ، ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾. قال: تُمْزَجُ بِالزَّنْجَبِيلِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾. قال: يَأْثُرُ (^٣) لهم ما (^٤) كانوا يشربون في الدنيا. زاد\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الناس\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"يأمر\". ويأثر: يروى. ينظر اللسان (أ ث ر).\n(^٤) في ت ١، ت ٣: \"كما\".","vol":"23","page":560},{"text":"الحارثُ في حديثهِ: فيُحَبِّبُه إليهم (^١).\nوقال بعضُهم: الزَّنْجَبِيلُ: اسمٌ للعينِ التي منها مِزاجُ شرابِ الأبرارِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9351>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾: رفيعةً (^٢) يَشْرَبُها المُقَرَّبون صِرْفًا، وتُمْزَجُ لسائرِ أهلِ الجنةِ.\n\n<span id=\"aya-5609\"></span>وقولُه: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: عينًا في الجنةِ تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا. قيل: عُنِى بقولِه: ﴿سَلْسَبِيلًا﴾: سَلِسَةٌ مُنْقادًا ماؤُها.\n\n<span data-type='title' id=toc-9352>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾: عينًا سَلِسَةٌ مُسْتَقِيدًا ماؤُها (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾، قال: سَلِسَةٌ يَصْرِفونها حيثُ شاءُوا (^٤).\nوقال آخرون: عُنِى بذلك أنَّها شديدةُ الجرْيَةِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"رقيقة\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣١٧.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠١ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":561},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9353>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾. قال: حديدةَ الجِرْيَةِ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال: ثنا أبو أُسامةَ، عن شِبْلٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: سَلِسَةَ الجِرْيَةِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾: حديدةَ الجِرْيَةِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nواختلَف أهلُ العربيةِ في معنى السَّلْسبِيل وفي إعرابِه؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: إنَّ \"سلسبيل\" صفةٌ للعين بالتَّسَلْسُلِ (^٣). وقال بعضُهم: إنما أراد عينًا تُسَمَّى سلسبيلًا؛ أي تُسَمَّى مِن طِيبِها (^٤) السلسبيلَ، أي تُوصفُ للناسِ، كما تقولُ: الأَعْوَجِيُّ (^٥) والأَرْحبيُّ (^٦) والمَهْرِيُّ (^٧) من الإبلِ، وكما تُنْسَبُ الخيلُ إذا\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٨، وهناد في الزهد (٩٦) من طريق الثوري به، وأخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور ٦/ ٣٠١ - ومن طريقه البيهقى في البعث (٣٢١) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠١ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) في ت ١: \"بالسلسبيل\".\n(^٤) في ت ٢، ت ٣: \"طينها\".\n(^٥) الأعوجيات: ضرب من جياد الخيل تنسب إلى أعوج؛ حصان لبنى هلال. الوسيط (ع وج).\n(^٦) نسبة إلى بطن من همدان، تنسب إليهم النجائب الأرحبية. اللسان (ر ح ب).\n(^٧) المهرية: إبل بين الوحشية والأهلية. ينظر الحيوان للجاحظ ١/ ١٥٤.","vol":"23","page":562},{"text":"وُصفت إلى هذه الخيلِ المعروفةِ المنسوبةِ، كذلك تُنْسَبُ العينُ إلى أنَّها تُسَمَّى؛ لأن القرآنَ نزَل (^١) على كلامِ العربِ، قال: وأنشَدني يونسُ:\nصَفْراءُ مِن نَبْعٍ يُسَمَّى سَهْمُها … مِنْ طُولِ ما صَرَعَ الصُّبُودَ الصَّيِّبُ (^٢)\nفرفع \"الصَّيِّب\"؛ لأنه لم يُرِدْ أنْ يُسَمَّى بالصَّيِّبِ، إنما الصَّيِّبُ مِن صفةِ الاسمِ والسهمِ. وقولُه: \"يسمى سهمها\". أي يُذْكَرُ سَهْمُها. قال: وقال بعضُهم (^٣): لا، بل هو اسمُ العينِ، وهو معرفةٌ، ولكنه لما كان رأسَ آيةٍ وكان مفتوحًا، زِيدَتْ فيه الألفُ، كما قال: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾. وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: السلسبيلُ نعتٌ، أراد: سَلِسٌ في الحَلْقِ، فلذلك حَرِيٌّ أن تُسَمَّى بسلاستِها.\nوقال آخرُ منهم (^٤): ذكَروا أنَّ السلسبيلَ اسمٌ للعينِ، وذكَروا أنه صفةٌ للماءِ لسَلَسِه (^٥) وعُذُوبتِه. قال: ونرى أنه لو كان اسمًا للعينِ، لكان تركُ الإجراءِ فيه أكثرَ، ولم نَرَ أحدًا ترَك إجراءَها، وهو جائزٌ في العربيةِ؛ لأنَّ العرب تُجْرِى ما لا يُجْرَى في الشعرِ، كما قال مُتمِّمُ بنُ نُوَيْرةَ (^٦):\nفما وَجُدُ أَظْآرٍ (^٧) ثَلاثٍ رَوَائِمٍ … رَأَيْنَ مَجَرًّا (^٨) مِن حُوارٍ ومَصْرَعًا\nفأجرَى \"روائم\" وهى مما لا يُجْرَى.\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يدل\".\n(^٢) البيت في التبيان ١٠/ ٢١٥.\n(^٣) هو الزجاج. ينظر تهذيب اللغة ١٣/ ١٥٦.\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢١٧ والنص هنا مختصر عما هناك.\n(^٥) في ت ٢، ت ٣: \"لسلسله\". والسلس: السهل اللين المنقاد. ينظر القاموس المحيط (س ل س).\n(^٦) ديوان مالك ومتمم ابنى نويرة ص ١١٦.\n(^٧) أظار: جمع ظئر وهي التي تعطف على غير ولدها وترضعه من الناس والإبل. ينظر اللسان (ظ أر).\n(^٨) في م: \"مخرا\".","vol":"23","page":563},{"text":"والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنَّ قولَه: ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ صفةٌ للعينِ، وُصِفَتْ بالسَّلاسةِ في الحَلْقِ، وفى حال الجَرْي، وانقيادِها لأهلِ الجنةِ، يُصَرِّفونها حيثُ شاءُوا، كما قال مجاهدٌ، وقتادةُ. وإنما عُنِى بقولِه: ﴿تُسَمَّى﴾: تُوصَفُ.\nوإنما قلتُ ذلك أولى بالصوابِ؛ لإجماعِ أهلِ التأويلِ على أن قولَه: ﴿سَلْسَبِيلًا﴾ صفةٌ لا اسمٌ.\n\n<span id=\"aya-5610\"></span><span data-type='title' id=toc-9355>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ويطوفُ على هؤلاء الأبرارِ وِلدانٌ، وهم الوُصَفَاءُ، مُخَلَّدون.\nاختلَف أهلٌ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿مُخَلَّدُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: أنَّهم لا يموتون.\n\n<span data-type='title' id=toc-9354>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾. أي: لا يموتون.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^١).\nوقال آخرون: عُنِى بذلك: ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾: مُسَوَّرُون.\nوقال آخرون: بل عُنِى به أنهم مُقَرَّطون. وقيل: عُنِى به أنَّهم دائمٌ شبابُهم، لا\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٨ عن معمر عن قتادة به.","vol":"23","page":564},{"text":"يَتَغَيَّرون عن تلك السنِّ.\nوذُكر عن العربِ أنَّها تقولُ للرجلِ إذا كَبِر وثَبَت (^١) سوادُ شَعْرِه: إنه لمُخْلِدٌ. وكذلك إذا كَبِر وثَبَتَتْ (^٢) أضراسُه وأسنانُه، قيل: إنه لمُخْلِدٌ (^٣). يرادُ به أنه ثابتُ الحالِ، وهذا تصحيحٌ لِما قال قتادةُ من أن معناه: لا يموتون (^٤)؛ لأنهم إذا ثَبَتُوا على حالٍ واحدةٍ، فلم يَتَغَيَّروا بهَرَمٍ ولا شَيْبٍ ولا موتٍ، فهم مُخَلَّدون. وقيل: إنَّ معنى قولِه: ﴿مُخَلَّدُونَ﴾: مُسَوَّرون، بلغةِ حِمْيَرَ، ويُنْشَدُ لبعضِ شعرائِهم (^٥):\nومُخَلَّداتِ باللُّجَينِ كأَنما … أَعْجَازُهُنَّ أَقَاوِرُ الكُثْبانِ\nوقولُه: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إذا رأيت يا محمدٌ هؤلاء الولدانَ مجتمعين أو مفترقين، تحسبُهم في حُسْنِهم، ونقاءِ بياضِ وجُوهِهم، وكثرتِهم، لُؤْلُؤًا مبدَّدًا، أو مجتمعًا مصبوبًا.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9356>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنٌ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾. قال: من كثرتِهم وحُسْنِهم (^٦).\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"نبت\".\n(^٢) تصحفت في معاني القرآن إلى: \"نبتت\".\n(^٣) يقال للرجل إذا لم تسقط أسنانه من الهرم: إنه لمُخْلِد. التاج (خ ل د)\n(^٤) في ص، ت ٢، ت ٣: \"يموتوا\".\n(^٥) البيت في اللسان (خلد، قوز)، وأقاوز: جمع قوز وهو الصغير المستدير من الرمل، تشبه به أرداف النساء. اللسان (ق وز).\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠١ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":565},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ﴾ مِن حُسْنِهم وكثرتِهم ﴿لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾.\nوقال قتادةُ عن أبي أيوبَ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: ما مِن أهلِ الجنةِ من أحدٍ إلا ويَسْعَى عليه ألفُ (^١) غلامٍ، كلُّ غلامٍ على عملٍ ما عليه صاحبُه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ قولَه: ﴿حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾.\nقال: في كثرةِ اللُّؤْلُؤُ، وبياضِ اللُّؤْلُؤِ.\n\n<span id=\"aya-5611\"></span>وقولُه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وإذا نظَرْت ببصرِك يا محمدٌ، ورَمَيْت بطَرْفك فيما أَعْطَيتُ هؤلاءِ الأبرارَ في الجنةِ مِن الكرامةِ. وعُنِى بقولِه: ﴿ثَمَّ﴾: الجنةُ، ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا﴾. وذلك أَن أَدْناهم منزلةً مَن يَنْظُرُ في مُلْكِه، فيما قيل، في مسيرةِ أَلْفَى عامٍ، يَرَى أقصاه كما يَرَى أَدْناه.\nوقد اختلَف أهلُ العربيةِ في السببِ الذي من أجلِه لم يُذْكَرُ مفعولُ: ﴿رَأَيْتَ﴾ الأولُ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: إنما فعَل ذلك؛ لأنه يريدُ رُؤْيةً لا تَتَعَدَّى، كما تقولُ: ضَنَنْتُ في الدارِ. أخبرَ بمكانِ ظنِّه، فأخبَر بمكانِ رؤْيتِه. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: إنما فعَل ذلك؛ لأن معناه: وإذا رأَيْت ما ثَمَّ رأَيْت نعيمًا. قال: وصلُح إضمارٌ \"ما\" كما قيل: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]. يريدُ: ما بينَكم. قال: ويقالُ: إذا رأيت ثَمَّ. يريدُ: إذا نظَرْتَ ثُمَّ، إِذا رمَيْت ببصرِك هناك رأَيْت نعيمًا.\n_________\n(^١) بعده في ت ١: \"خادم\".\n(^٢) أخرجه هناد في الزهد (١٧٤)، وابن المبارك في الزهد (١٥٨٠ - زوائد الحسين)، والبيهقي في البعث (٤١٢) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠١ إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":566},{"text":"وقوله: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾. يقولُ: ورأيت مع النعيمِ الذي تَرى لهم ثَمَّ، مُلْكًا كبيرًا. وقيل: إنَّ ذلك الملكَ الكبيرَ تسليمٌ الملائكةِ عليهم واستئذانُهم عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-9357>[ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثني مَن سمِع مجاهدًا يقولُ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾. قال: تسليمَ الملائكةِ (^١).\nقال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: سمِعتُ سفيانَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾.\nقال: بلغَنا أنه تسليمُ الملائكةِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ في قولِه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾. قال: فسَّرها سفيانُ، قال: تستأذنُ الملائكةُ عليهم.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾. قال: استئذانُ الملائكةِ عليهم] (^٣).\n\n<span id=\"aya-5612\"></span><span data-type='title' id=toc-9358>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فوقَهم. يعنى: فوقَ هؤلاءِ الأبرارِ ثيابُ سُنْدُسٍ. وكان بعضُ أهلِ التأويلِ يتأوَّلُ قولَه: ﴿عَالِيَهُمْ﴾: فوقَ حِجالهم المبنيةِ (^٤) عليهم، ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾. وليس ذلك بالقولِ المدفوعِ؛ لأنَّ ذلك إذا كان فوقَ حِجالٍ هم فيها، فقد\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في البعث (٤٤٦) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: استئذان الملائكة عليهم. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠١ إلى المصنف.\n(^٣) سقط من: ت ١.\n(^٤) في م: \"المثبتة\".","vol":"23","page":567},{"text":"علَاهم، فهو عالِيَهم.\nوقد اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرَأَةِ المدينةِ والكوفةِ وبعضُ قرَأَةِ مكةَ: (عالِيهمْ) بتسكينِ الياءِ (^١). وكان عاصمٌ وأبو عمرٍو وابنُ كثيرٍ يقرَءُونه بفتحِ الياءِ، فمن فتَحها جعَل قولَه: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ اسمًا مرافعًا للثيابِ، مثلَ قولِ القائلِ: ظاهرُهم ثيابُ سُنْدُسٍ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنَّهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقولُه: ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾. يعني: ثيابُ ديباجٍ رقيقٍ حسنٍ. والسُّنْدُسُ: هو ما رَقَّ مِن الديباجِ.\nوقولُه: ﴿خُضْرٌ﴾. اختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه أبو جعفرٍ القارئُ وأبو عمرٍو (^٢) برفعِ: ﴿خُضْرٌ﴾ على أنها نعتٌ للثيابِ، وخفضِ: ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾، عطفًا به على السُّنْدُسِ، بمعنى: وثيابُ إِسْتَبْرَقٍ. وقرَأ ذلك عاصمٌ وابنُ كثيرٍ: (خُضْرٍ) خفضًا، ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ رفعًا (^٣)، عطفًا بالإستبرقِ على الثيابِ، بمعنى: عالِيهم إستبرقٌ، وتَصْيِيرًا (^٤) للخُضْرِ نعتًا للسُّنْدُسِ. وقرَأ ذلك نافعٌ: ﴿خُضْرٌ﴾ رفعًا، على أنَّها نعتٌ للثيابِ، ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ رفعًا، عطفًا به على الثيابِ. وقرأ ذلك عامةُ قرَأَةِ الكوفةِ: (خُضْرٍ وإِسْتَبْرَقٍ) خفضًا كلاهما (^٥). وقرَأ ذلك ابنُ مُحَيْصِنٍ بتركِ إجراءِ الإستبرقِ: (وإِسْتَبْرَقَ) بالفتحِ (^٦)، بمعنى: وثيابُ إستبرقٍ، وفتح ذلك؛\n_________\n(^١) قرأ بها نافع وحمزة. ينظر حجة القراءات ص ٧٣٩.\n(^٢) وكذلك قرأ بها ابن عامر. ينظر الحجة ص ٧٤٠.\n(^٣) ينظر حجة القراءات، الموضع السابق.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تفسيرا\".\n(^٥) هي قراءة حمزة والكسائي. ينظر الحجة ص ٧٤٠.\n(^٦) وهي شاذة.","vol":"23","page":568},{"text":"لأنه وجَّهه إلى أنه اسمٌ أعجميٌّ، ولكلَّ هذه القراءاتِ التي ذكرناها وجهٌ ومذهبٌ، غيرُ الذي ذكرْنا عن ابن مُحَيْصِنٍ؛ فإنها بعيدةٌ من معروفِ كلامِ العربِ، وذلك أَنَّ الإسْتَبْرَقَ نكرةٌ، والعربُ تُجْرِى الأسماءَ النكرةَ وإنْ كانت أعجميةً. والإسْتَبْرَقُ: هو ما غَلُظَ مِن الدِّيباجِ. وقد ذكَرْنا أقوالَ أهلِ التأويلِ في ذلك، فيما مضى قبلُ، فأَغْنى ذلك عن إعادته ههنا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الإستبرقُ الدِّيباجُ الغليظُ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. يقولُ: وحَلَّاهم ربُّهم أَساوِرَ، وهي جمعُ أَسْوِرَةٍ، مِن فضةٍ.\nوقولُه: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وسَقى هؤلاءِ الأبرارَ ربُّهم شرابًا طهورًا. ومِن طُهْرِه أنه لا يَصِيرُ بولًا نَجَسًا، ولكنه يصيرُ رَشْحًا مِن أبدانِهم كرَشْحِ المسكِ.\nكالذي حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ التيميِّ: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾. قال: عَرَقٌ يَفيضُ مِن أعراضِهم مثلَ ريحِ المسكِ (^٣).\nحدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ التيميِّ مثلَه.\nقال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ التيميِّ، قال: إِنَّ الرجلَ مِن أهل الجنةِ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٥/ ٢٥٥، ٢١/ ٦٤، ٢٢/ ٢٤١.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢١/ ٦٤.\n(^٣) أخرجه هناد في الزهد (٦١) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":569},{"text":"يُقْسَمُ له شهوةُ مائةِ رجلٍ مِن أهلِ الدنيا، وأَكْلُهم وهِمَّتُهم، فإِذا أَكَل سُقِى شرابًا طهورًا، فيَصِيرُ رَشْحًا يَخْرُجُ مِن جِلْدِه أطيبَ ريحًا مِن المسكِ الأَذْفَرِ، ثم تعودُ شهوتُه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿شَرَابًا طَهُورًا﴾ له. قال: ما ذكِر من الأشربةِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبانٍ، عن أبي قِلابةَ: إنَّ أهلَ الجنةِ إذا أكلوا وشَرِبوا ما شاءوا، دَعَوا بالشرابِ الطهورِ فيشربونه، فتطهُرُ بذلك بطونُهم، ويكونُ ما أكلوا وشَرِبوا رَشْحًا وريحَ مِسْكٍ، فتَضْمُرَ لذلك بطونُهم (^٣).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ الرياحيِّ، عن أبي هريرةَ أو غيرِه - شكَّ أبو جعفرٍ الرازيُّ - قال: صَعِد جبريلُ بالنبيِّ ﷺ ليلةَ أُسْرى به إلى السماءِ السابعةِ، فاسْتَفْتَح، فقيل له: مَن هذا؟ فقال: جبريلُ. قيل: ومَن معك؟ قال: محمدٌ. قالوا: أَوَ قَدْ أُرسل إليه (^٤)؟ قال: نعم. قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ وخَليفةٍ، فنعم الأخُ، ونعمَ الخليفةُ، ونعمَ المَجِيءُ جاء. قال: فدخَل فإذا هو برجلٍ أَشْمَطَ (^٥) جالسٍ على\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٣/ ١٢٤ عن جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠١ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٨ عن معمر به.\n(^٤) زيادة من: م، ت ١.\n(^٥) الأشمط: المختلط سواد شعره ببياض. الوسيط (ش م ط).","vol":"23","page":570},{"text":"كرسيٍّ عند بابِ الجنةِ، وعندَه قومٌ جلوسٌ بيضُ الوجُوه أمثالُ القراطيسِ، وقومٌ في ألوانِهم شيءٌ، فقام الذين في ألوانِهم شيءٌ، فدخَلوا نَهَرًا فاغْتَسَلوا فيه، فخرَجوا وقد خَلَص مِن ألوانِهم شيءٌ، ثم دخلوا نَهَرًا آخرَ فاغْتَسلوا فيه، فخرَجوا وقد خَلَصَتْ ألوانُهم، فصاروا مثلَ ألوانِ أصحابِهم، فجاءوا فجلَسوا إلى أصحابِهم، فقال: يا جبريلُ من هذا الأَشْمَطُ؟ ومَن هؤلاءِ البيضُ الوجوهُ؟ ومَن هؤلاءِ الذين في ألوانِهم شيءٌ؟ وما هذه الأنهارُ التي اغْتَسلوا فيها؟ فجاءوا وقد صَفَتْ ألوانُهم، قال: هذا أبوك إبراهيمُ، أَوَّلُ مَن شَمِط على الأرضِ، وأما هؤلاء البيضُ الوجوهُ، فقومٌ لم يَلْبِسوا إيمانهم بظلمٍ. وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيءٌ، فقومٌ خَلَطُوا عملًا صالحًا وآخرَ سيئًا، فتابوا، فتاب اللهُ عليهم. وأما الأنهارُ، فأوَّلُها رحمةٌ، والثاني نعمةٌ، والثالثُ سقاهم ربُّهم شرابًا طهورًا (^١).\n\n<span id=\"aya-5613\"></span><span data-type='title' id=toc-9359>القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يقالُ لهؤلاءِ الأبرارِ حينئذٍ: إِنَّ هذا الذي أَعْطَيناكم مِن الكرامةِ كان لكم ثوابًا على ما كنتم في الدنيا تعملون مِن الصالحاتِ، ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾. يقولُ: وكان عملُكم فيها مَشْكُورًا، حَمِدكم عليه ربُّكم، ورَضِيه لكم، فأثابكم بما أثابكم به من الكرامةِ عليه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾: غفَر لهم الذنبَ، وشكَر لهم الحَسَنَ (^٢).\n_________\n(^١) تقدم مطولا في ١٤/ ٤٢٤ - ٤٣٥.\n(^٢) ذكره القرطبي ١٩/ ١٤٧.","vol":"23","page":571},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ (^١): ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾. قال: لقد شكَر اللهُ سعيًا قليلًا (^٢).\n\n<span id=\"aya-5614\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدِ ﷺ: إنا نحنُ نزَّلنا عليك يا محمدُ هذا القرآنَ تنزيلًا، ابتلاءً منَّا واختبارًا.\n\n<span id=\"aya-5615\"></span>﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾. يقولُ: اصْبِرْ لما امتَحَنك به ربُّك من فرائضِه، وتبليغِ رسالاتِه، والقيامِ بما أَلْزَمك القيامَ به في تنزيلِه الذي أَوْحاه إليك، ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. يقولُ: ولا تُطِعْ في معصيةِ اللهِ من مشركي قومِك ﴿آثِمًا﴾. يريدُ: برُكُوبِه معاصيَه، ﴿أَوْ كَفُورًا﴾. يعني جحودًا لنعمِه عندَه وآلائِه قِبَلَه، فهو يكفُرُ به، ويعبُدُ غيرَه.\nوقيل: إنَّ الذي عُنِي بهذا القولِ أبو جهلٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9360>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. قال: نزَلت في عدوِّ اللهِ أبى جهلٍ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أنه بلَغه أن أبا جهلٍ قال: لئِن رأَيْتُ محمدًا يُصلِّي لأطأَنَّ على (^٤) عنُقِه. فَأَنزَلَ اللهُ: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (^٥).\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٣: \"قال: تلا قتادة\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٢ إلى ابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٩ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":572},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. قال: الآثِمُ: المُذْنبُ الظالمُ، والكفورُ، هذا كلُّه واحدٌ. وقيل: ﴿أَوْ كَفُورًا﴾. والمعنى: ولا كفورًا.\nقال الفرَّاءُ (^١): \"أو\" ههنا بمنزلةِ [\"لا\"، و\"أو\"] (^٢) في الجحدِ والاستفهامِ والجزاءِ تكونٌ بمعنى \"لا\"، فهذا مِن ذلك من ذلك مع الجحدِ، ومنه قولٌ الشاعرِ (^٣):\nلا وَجْدُ ثَكْلَى كما وَجِدْتُ وَلا … وَجْدُ عَجُولٍ أَضَلَّهَا رُبَعُ (^٤)\nأَوْ وَجْدُ شَيْخٍ أَضَلَّ نَاقَتَهُ … يَوْمَ تَوَافَى (^٥) الحَجِيجُ فَانْدَفَعُوا\nأراد: ولا وَجْدُ شيخٌ، قال: وقد يكونُ في العربيةِ: لا تُطِيعنَّ منهم من أَثِم أو كفَر، فيكونُ المعنى في \"أو\" قريبًا من معنى \"الواوِ\"، كقولك للرجلِ: لأُعْطِينَّك سألتَ أو سكتَّ. معناه: لأُعْطِينَّك على كلِّ حالٍ.\n\n<span id=\"aya-5616\"></span><span data-type='title' id=toc-9361>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: واذكر يا محمدُ اسم ربِّكَ فادْعُه به بكرةً في صلاةِ الصبحِ، وعشيًّا في صلاةِ الظهرِ والعصرِ، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾.\n\n<span id=\"aya-5617\"></span>يقولُ: ومن الليلِ فاسْجُدْ له في صلاتِك، ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾. يعنى: أكثرَ\n_________\n(^١) معاني القرآن ٣/ ٢١٩، ٢٢٠.\n(^٢) في م: \"الواو\".\n(^٣) هو مالك بن عمرو. وينظر الكامل للمبرد ٢/ ٨٥، ٨٦.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رفع\".\n(^٥) في ص، ت ٢: \"تولى\".","vol":"23","page":573},{"text":"الليلِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9362>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾. يعنى: الصلاةَ والتسبيحَ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. قال: بُكْرةً صلاةَ الصبحِ، وأصيلًا صلاةَ الظُّهرِ؛ الأصيلُ.\nوقولُه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾. قال: كان هذا أوَّلَ شيءٍ فرضَه (^١). وقرَأ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ إلى قولِه: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: ثم مُحِى هذا عن رسولِ اللهِ ﷺ وعن الناسِ، وجعله نافلةً، فقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]. قال: فجعَلها نافلةً.\n\n<span id=\"aya-5618\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ هؤلاءِ المشرِكين باللهِ يُحِبُّون العاجلةَ، يعنى الدنيا، يقولُ: يُحِبُّون البقاءَ فيها، وتُعْجِبُهم زينتُها، ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾: يقولُ: ويَدعون خلفَ ظُهُورِهم العملَ\n_________\n(^١) في م: \"فريضة\".","vol":"23","page":574},{"text":"للآخرة، وما لهم فيها النجاةُ من عذابِ اللهِ يومَئِذٍ، وقد تأوَّله بعضُهم بمعنى: ويَذَرُون يومًا ثقيلًا، وليس ذلك قولًا مَدْفوعًا، غيرَ أن الذي قلناه أشبهُ بمعنى الكلمةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9363>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾. قال: الآخرة.\n\n<span id=\"aya-5619\"></span><span data-type='title' id=toc-9365>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: نحنُ خَلَقْنا هؤلاءِ المشركين باللهِ، المخالفين أمرَه ونهيَه، ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾: وشَدَدْنا خَلْقَهم، من قولِهم: قد أُسِر هذا الرجلُ فأُحْسِن أَسْرُه. أسره. بمعنى: قد خُلِق فأُحسِن خَلْقُه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9364>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾. يقولُ: شَدَدْنا خَلْقهم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٢ إلى المصنف.","vol":"23","page":575},{"text":"قولَه: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾. قال: خَلْقَهم (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾. وأَسْرَهم: خَلْقَهم.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^٢).\nوقال آخرون: الأَسْرُ المفَاصِلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9366>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: سمِعْتُه - يعني خلَّادًا - يقولُ: سمِعتُ أبا سعيدٍ، وكان قد قرَأ القرآنَ على أبي هريرةَ، قال: ما (^٣) قرَأتُ القرآنَ إلا على أبي هريرةَ، هو أقْرَأني، وقال في هذه الآيةِ: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾. قال: هي المَفاصِلُ (^٤).\nوقال آخرون: بل هو القُوَّةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9367>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾. قال: الأسرُ القُوَّةُ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣١٩.\n(^٢) ذكره الحافظ في التغليق ٤/ ٣٥٦ عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٩، وعنه عبد بن حميد - كما في التغليق ٤/ ٣٥٦ - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٢ إلى ابن المنذر.\n(^٣) بعده في م: \"قال\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٢ إلى المصنف.","vol":"23","page":576},{"text":"وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ القولُ الذي اخْتَرْناه، وذلك أَنَّ الأَسْرَ هو ما ذكرتُ عندَ العربِ، ومنه قولُ الأَخْطَلِ (^١):\nمِنْ كلِّ مُجْتَنَبٍ شديدٍ أَسْرُهُ … سَلِسِ القِيادِ تخالُهُ مُخْتالا\nومنه قولُ العامةِ: خُذْه بأَسْرِه. أي هو لك كلُّه.\nوقولُه: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾. يقولُ: وإذا نحنُ شِئْنا أهلَكْنا هؤلاءِ وجِئْنا بآخرين سِواهم من جنسِهم، أمثالِهم مِن الخلقِ، مخالِفين لهم في العملِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9368>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾. قال: بنى آدمَ الذين خالَفوا طاعته. قال: وأمثالَهم من بني آدمَ.\n\n<span id=\"aya-5620\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. يقولُ: إِنَّ هذه السورةَ تذكرةٌ لمن تذكَّر واتَّعَظ واعْتَبَر.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9369>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. قال: إنَّ هذه السورةَ تذكرةٌ (^٢).\n_________\n(^١) شرح ديوانه ص ٣٨٨.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٣٩ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":577},{"text":"وقولُه: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾. يقولُ: فمن شاء أيُّها الناسُ اتَّخَذ إلى رضا ربِّه بالعمل بطاعتِه، والانتهاءِ إلى أمرِه ونهيِه.\n\n<span id=\"aya-5621\"></span><span data-type='title' id=toc-9370>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومَا تَشاءُونَ اتخاذَ السبيلِ إلى ربِّكم أَيُّهَا الناسُ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ ذلك لكم؛ لأنَّ الأمرَ إليه لا إليكم، وهو في قراءة عبدِ اللهِ فيما ذُكر: (وما تَشاءُونَ إِلَّا ما شاءَ اللهُ) (^١).\nوقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. فلن يَعْدُو منكم أحدٌ ما سبَق له في علمِه بتدبيرِكم.\n\n<span id=\"aya-5622\"></span>وقولُه: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. يقولُ: يُدْخِلُ ربُّكُم مَن يَشاءُ منكم رحمتِه، فيتوبُ عليه حتى يموتَ تائبًا من ضلالتِه، فيغفرُ له ذنوبَه، ويُدْخِلُه جنَّتَه، ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يقولُ: الذين ظلَموا أنفسَهم، فماتوا على شركِهم، أعدَّ لهم في الآخرةِ عذابًا مؤلمًا مُوجِعًا، وهو عذابُ جهنمَ. ونُصِب قولُه: ﴿وَالظَّالِمِينَ﴾؛ لأنَّ الواوَ ظرفٌ لـ: ﴿أَعَدَّ﴾، والمعنى: وأعدَّ للظالمين عذابًا أليمًا. وذكر أنَّ ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: ﴿ولِلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ) (^٢) بتكريرِ اللَّام، وقد تَفْعَلُ العربُ ذلك، ويُنْشَدُ لبعضِهم (^٣):\nأقولُ لَها إذا سألَتْ طَلَاقًا … إلامَ تُسارعين إلى فِرَاقي\n_________\n(^١) ينظر مختصر الشواذ ص ١٦٧.\n(^٢) وهي شاذة، ينظر البحر المحيط ٨/ ٤٠٢.\n(^٣) معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٢١.","vol":"23","page":578},{"text":"ولآخرَ (^١):\nفأَصْبَحْنَ لا يَسْأَلْنَه عَن بِمَا بِهِ … أَصَعَّدَ في غاوى الهَوَى أَم تَصَوَّبَا؟\nبتكريرِ الباءِ، وإنما الكلامُ: لا يسأَلْنه عمَّا به.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"الإنسان\"\n_________\n(^١) هو الأسود بن يعفر كما في شرح التصريح ٢/ ١٣٠ وينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٢١ والخزانة ٩/ ٥٢٧ واللسان (ص ع د).","vol":"23","page":579},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-5623\"></span><span data-type='title' id=toc-9371>تفسيرُ سورةِ \"والمُرْسلاتِ\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-9373>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِ اللهِ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: والرياحُ المرسلاتُ يَتْبَعُ بعضُها بعضًا. قالوا: والمُرْسَلاتُ هي الرياحُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9372>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن المسعوديِّ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن أبي العُبَيْدَيْن، أنه سأل ابنَ مسعودٍ، فقال: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. قال: الريحِ (^١).\nحدَّثنا خلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: ثنا النضرُ بنُ شميلٍ (^٢)، قال: أخبَرنا المسعوديُّ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن أبي العُبَيْدَيْن، أنه سأل عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ، فذكَر نحوَه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بن كهيلٍ، عن مسلمٍ، عن أبي العُبَيْدَيْن، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ. فذكَر نحوَه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. يعنى: الريحِ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٩١ من طريق المسعودى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ٢ ت ٣: \"سهيل\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٢١ عن الثورى به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٢١.","vol":"23","page":580},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ معاذٍ، قال: ثنى أبي، عن شعبةَ، عن إسماعيلَ (^١) السديِّ، عن أبي صالحٍ صاحبِ الكَلْبيِّ في قولِه: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. قال: هي الرياحُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدِ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. قال: الريحِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن مسلمٍ البطينِ، عن أبي العُبَيْدَيْن، قال: سألتُ عبدَ اللهِ عن: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. قال: الريحِ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. قال: هي الريحُ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^٦).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: والملائكةِ التي تُرْسَلُ بالعُرْفِ.\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٣: \"عن\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٢١.\n(^٣) سقط هذا الأثر من: ت ٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٢١.\n(^٤) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٥) في ت ٢، ت ٣: \"الرياح\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٠ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":581},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9374>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، قال: كان مسروقٌ يقولُ في المرسلاتِ: هي الملائكةُ (^١).\nحدَّثنا إسرائيلُ بنُ أبى إسرائيلَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شميلٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سليمانَ، قال: سمعتُ أبا الضحى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. قال: الملائكةِ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ ووكيعٌ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. قال: هي الرسلُ تُرْسَلُ بالعُرْفِ (^٢).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ السكرىيُّ، قال: ثنا محمدُ بن يزيدَ، عن إسماعيلَ، قال: سألتُ أبا صالحٍ عن قولِه: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. قال: هي الرسلُ تُرْسَلُ بالمعروفِ (^٢).\nقالوا: فتأويلُ الكلامِ: والملائكةِ التي أُرْسِلَتْ بأَمرِ اللهِ ونهيِه، وذلك هو العُرْفُ.\nوقال بعضُهم: عُنِى بقولِه: ﴿عُرْفًا﴾: متتابعًا كعُرْفِ الفرسِ، كما قالت العربُ: الناسُ إلى فلانٍ عُرْفٌ واحدٌ. إذا توجَّهوا إليه فأكثَرُوا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-9375>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدِّثتُ عن داودَ بن الزبرقان، عن صالحٍ، [عن ابن] (^٤) بُريدةَ في قولِه: ﴿عُرْفًا﴾. قال: يَتْبَعُ بعضُها بعضًا.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ في العظمة وابن المنذر.\n(^٣) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٢١.\n(^٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بن\". وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٣٢٨.","vol":"23","page":582},{"text":"والصوابُ من القول في ذلك عندَنا أن يقالَ: إنَّ الله تعالى ذكرُه أَقْسَم بالمرسلاتِ عُرْفًا، وقد تُرْسَلُ عُرْفًا الملائكةُ، وتُرْسَلُ كذلك الرياحُ، ولا دَلالة تدُلُّ على أنَّ المَعْنِيَّ بذلك أحدُ الجنسين (^١) دونَ الآخرِ، وقد عمَّ جَلَّ ثناؤُه بإقسامِه بكلِّ ما كانت صفتُه ما وصَف، فكلُّ مَن كانت صفتُه كذلك، فداخلٌ في قَسَمِه ذلك؛ مَلَكًا أو ريحًا أو رسولًا مِن بنى آدمَ مُرْسَلًا.\n\n<span id=\"aya-5624\"></span>وقولُه: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾. يقولُ جلَّ ذكرُه: فالرياحِ العاصفاتِ عصفًا، يعني الشديداتِ الهبوبِ السريعاتِ المرِّ (^٢).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9376>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن خالدِ بن (^٣) عرعرَةَ، أن رجلًا قام إلى عليٍّ ﵁، فقال: ما العاصفاتُ عصفًا؟ قال: الريحُ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن المسعوديِّ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن أبى العُبَيْدَيْن، أنه سأل عبدَ اللهِ بن مسعودٍ، فقال: ما العاصفاتُ عصفًا؟ قال: الريحُ (^٥).\nحدَّثنا خلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شميلٍ، قال: أخبَرنا المسعوديُّ،\n_________\n(^١) في م: \"الحزبين\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٣: \"الممر\"، وفي ت ٢: \"المسير\".\n(^٣) في م: \"عن\". وينظر ما تقدم في ٢/ ٥٦١، ٤/ ٤٦٨، ٥/ ٥٩٠.\n(^٤) أخرجه البيهقى في الشعب (٣٩٩١) من طريق أبى الأحوص به. وتفسير مجاهد ص ٦٩١ من طريق سماك به.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٦٩١ من طريق المسعودى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"23","page":583},{"text":"عن سلمةَ بن كهيلٍ، عن أبي العُبَيْدَيْن، عن عبدِ اللهِ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بن كهيلٍ، عن مسلمٍ البطينِ، عن أبي العُبَيْدَيْن، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بن مسعودٍ. فذكر مثلَه (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بنِ كُهيلٍ، عن مسلمٍ البطينِ، عن أبي العُبَيْدَيْن، قال: سألتُ عبدَ اللهِ. فذكَر مثله.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾. قال: الريحِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾. قال: هي الرياحُ (^٤).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: أخبرَنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، قال: سألتُ أبا صالحٍ عن قولِه: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾. قال: هي الرياحُ.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بن معاذٍ، قال: ثنى أبي، عن شعبةَ، عن إسماعيلَ السديِّ، عن أبي صالحٍ صاحبِ الكَلْبيِّ في قولِه: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾. قال: هي الرياحُ.\nحدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهريُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ الضريرُ وسعيدُ بنُ محمدٍ، عن إسماعيلَ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قوله: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٢١ عن الثورى به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٢١.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٢١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى المصنف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ في العظمة وابن المنذر، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٢١.","vol":"23","page":584},{"text":"عَصْفًا﴾. قال: هي الريحُ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ مثلَه.\nقال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن خالدِ بن عرعرةَ، عن عليٍّ ﵁: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾. قال: الريحِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾. قال: الرياحِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^٢).\n\n<span id=\"aya-5625\"></span>وقولُه: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنى بالناشراتِ نَشْرًا الريحُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9377>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن المسعوديِّ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن أبي العُبَيْدَيْن أنه سأل ابن مسعودٍ عن ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾. قال: الريح (^٣).\nحدَّثنا خلَّاد بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ بن شميلٍ، قال: أخبَرنا المسعوديُّ،\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٥١١ من طريق إسرائيل به، وأخرجه إسحاق - كما في المطالب العالية (٤١٧٢) - والبيهقي في الشعب (٣٩٩١)، وتفسير مجاهد ص ٦٩١، والضياء في المختارة (٤٣٨) من طريق سماك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٠ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٩١ من طريق المسعودى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"23","page":585},{"text":"عن سلمةَ بن كهيلٍ، عن أبي العُبَيْدَيْن، عن ابن مسعودٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانٌ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن مسلمٍ، عن أبي العُبَيْدَيْن، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ. فذكَر مثلَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن مسلم البطينِ، عن أبي العُبَيْدَيْن، قال: سألتُ عبدَ اللهِ. فذكَر مثلَه.\nقال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾. قال: الريحِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ معاذٍ، قال: ثنا أبي، عن شعبةَ، عن إسماعيلَ السديِّ، عن أبي صالحٍ صاحب الكَلْبيِّ في قولِه: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾. قال: هي الرياحُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾. قال: الرياحِ (^٢).\nوقال آخرون: هي المطرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9378>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٠ عن معمر به.","vol":"23","page":586},{"text":"سألتُ أبا صالحٍ عن قولِه: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾. قال: المطرُ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾. قال: هي المطرُ.\nقال: ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحِ مثلَه.\nوقال آخرون: بل هي الملائكةُ التي تَنْشُرُ الكتبَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9379>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾. قال: الملائكةِ تَنْشُرُ الكتبَ (^٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندنا بالصوابِ أن يقالَ: إنَّ الله تعالى ذكرُه أَقْسَم بالناشراتِ نَشْرًا، ولم يَخْصُصْ شيئًا من ذلك دونَ شيءٍ، فالرياحُ تَنْشُرُ السحابَ، والمطَرُ يَنْشُرُ الأرضَ، والملائكةُ تَنْشُرُ الكتب، ولا دَلالةَ مِن وجهٍ يجبُ التسليمُ له، على أنَّ المرادَ من ذلك بعضٌ دونَ بعضٍ، فذلك على كلِّ ما كان ناشرًا.\n\n<span id=\"aya-5626\"></span>وقولُه: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معناه؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك الملائكةُ التي تُفَرِّقُ بينَ الحقِّ والباطلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9380>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرٌ بنُ نوحٍ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾. قال: الملائكةِ (^٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ في العظمة وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":587},{"text":"[قال: ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾. قال: الملائكةِ] (^١).\nقال: ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾. قال: الملائكةِ (^٢)\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك القرآنُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9381>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾.\nيعنى القرآنَ، ما فرَّق اللهُ فيه بين الحقِّ والباطلِ (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنْ يقال: أَقْسَم ربُّنا جلَّ ثناؤُه بالفارقاتِ، وهى الفاصلاتُ بين الحقِّ والباطلِ، ولم يخْصُصْ بذلك منهنَّ بعضًا دونَ بعضٍ، فذلك قَسَمٌ بكلِّ فارقةٍ بين الحقِّ والباطل؛ مَلَكًا كان أو قرآنًا، أو غيرَ ذلك.\n\n<span id=\"aya-5627\"></span>وقولُه: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾. يقولُ: فالمبلِّغاتِ وحيَ اللهِ رسلَه، وهى الملائكةُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى المصنف، وذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٣٠٣، والقرطبي في تفسيره ١٩/ ١٥٥، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٢١.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، وذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ١٥٥ بلفظ: \"الفرقان\".","vol":"23","page":588},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9382>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾. يعنى: الملائكةِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾. قال: هي الملائكةُ تُلْقى الذكرَ على الرسلِ وتبلِّغُه.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾. قال: الملائكةُ تُلْقى القرآنَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾. قال: الملائكةِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-5628\"></span>وقولُه: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فالملقياتِ ذكرًا إلى الرسلِ، إعذارًا مِن اللهِ إلى خَلْقِه، وإنذارًا منه لهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9383>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾. قال: عذرًا من اللهِ، ونذرًا منه إلى خلقِه (٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٠ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٢١.","vol":"23","page":589},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾: عذرًا للهِ على خلقِه، ونذرًا للمؤمنين يَنْتَفِعون به، ويَأْخُذُون به (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾. يعني: الملائكةَ.\nواختلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ المدينةِ والشامِ وبعضُ المكيين وبعضُ الكوفيِّين: ﴿عُذْرًا﴾ بالتخفيفِ، (أو نُذُرًا) بالتثقيلِ (^٢). وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ وبعضُ البصريين بتخفيفِهما (^٣). وقرَأه آخرون من أهل البصرةِ بتثقيلِهما (^٤)، والتخفيفُ فيهما أعجبُ إليَّ وإن لم أدفَعْ صحةَ التثقيلِ؛ لأنهما مَصدَران بمعنى الإعذارِ والإنذارِ.\n\n<span id=\"aya-5629\"></span><span data-type='title' id=toc-9384>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾، إن الذي تُوعَدون أيُّها الناسُ من الأمورِ لواقعٌ، وهو كائنٌ لا محالةَ، يعنى بذلك يومَ القيامةِ، وما ذكر اللهُ أنه أعدَّ لخلقِه يومئذٍ من الثوابِ والعذابِ.\n\n<span id=\"aya-5630\"></span>وقولُه: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾. يقولُ: فإذا النجومُ ذَهَب ضياؤُها، فلم يكن يَكنْ\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"منه\".\n(^٢) قرأ بها نافع وابن عامر وابن كثير وأبو بكر عن عاصم. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٦٦٦.\n(^٣) أي: بالتحريك، وقرأ بها أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. المصدر السابق.\n(^٤) هي قراءة الأعمش. ينظر الحجة ص ٧٤٢.","vol":"23","page":590},{"text":"<span id=\"aya-5631\"></span>لها نورٌ ولا ضوءٌ، ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾. يقولُ: وإذا السماءُ شُقِّقت وصُدِّعت،\n\n<span id=\"aya-5632\"></span>﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. يقولُ: وإذا الجبالُ نُسِفت من أصلِها، فكانت هباءً منبثًّا،\n\n<span id=\"aya-5633\"></span>﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. يقول تعالى ذكره: وإذا الرسلُ أُجِّلت للاجتماعِ لوقتِها يومَ القيامةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9385>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. يقولُ: جُمِعت (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ (^٢) في قولِ اللَّهِ: ﴿أُقِّتَتْ﴾. قال: أُجِّلت (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. قال: أُجِّلت.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، جميعًا عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. قال: أُوعِدت (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قوله: ﴿وَإِذَا\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٢٢. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) بعده في ت ٢، ت: \"مثله\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص ٤٣٩ - إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":591},{"text":"الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. قال: أُقِّتت ليوم القيامةٍ. وقرأ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]. قال: والأجلُ الميقاتُ. وقرأ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ (^١)﴾ [البقرة: ١٨٩]، وقرأ: ﴿إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠]. قال: إلى يومِ القيامةِ. قال: لهم أجَلٌ إلى ذلك اليومِ حتى يَبْلُغوه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. قال: وُعِدت.\nواختلَفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ غيرَ أبي جعفرٍ، وعامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿أُقِّتَتْ﴾ بالألف وتشديدِ القافِ. [وقرأه بعضُ قرأةِ البصرةِ بالواوِ وتشديدِ القافِ] (^٣): (وُقِّتَت) (^٤). وقرَأه أبو جعفرٍ: (وُقِتَتْ) بالواوِ وتخفيفِ القافِ (^٥).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: إن كلَّ ذلك قراءاتٌ معروفاتٌ، ولغاتٌ مشهوراتٌ، بمعنًى واحدٍ، فبأيتِها قرأ القارئُ فمصيبٌ، وإنما هو \"فُعِّلت\" من الوقتِ، غيرَ أن من العرب من يَسْتَثْقِلُ ضمةَ الواوِ، كما يَسْتَثْقِلُ كسرةَ الباءِ في أولِ الحرفِ، فيَهْمِزُها، فيقولُ: هذه أُجُوهٌ حسانٌ. بالهمزِ، ويُنْشِدُ بعضُهم (^٦):\nيَحِلُّ أُحَيْدَه (^٧) ويُقالُ بَعْلٌ … ومِثلُ تَموُّلٍ (^٨) منه افتِقارٌ\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣: \"الشهور\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٢٢.\n(^٣) سقط من: ت ٢ ت ٣.\n(^٤) هي قراءة أبي عمرو. ينظر حجة القراءات ص ٧٤٢، والكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٣٥٧.\n(^٥) ينظر الكشف ٢/ ٣٥٧، وإتحاف فضلاء البشر ص ٢٦٥، ٢٦٦.\n(^٦) هو مجنون ليلى قيس بن الملوح، والبيت في ديوانه ص ١٢٣ ورواية الشطر الأول:\n• فمثل تأيُّمٍ منه نكاح•\nوالبيت في معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٢٣ بدون نسبة.\n(^٧) وحيده: مثله ونظيره. الوسيط (وح د). ومن يستثقل ضمة الواو يهمزها كما في هذا البيت.\n(^٨) تموَّل: نما له مال. الوسيط (م ول).","vol":"23","page":592},{"text":"<span id=\"aya-5634\"></span>وقولُه: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُعَجِّبًا عبادَه من هولِ ذلك اليومِ وشدتِه: لأيِّ يومٍ أُجِّلت الرسلُ فوُقِّتت؟ ما أعظمَه وأهولَه! ثم بيَّن ذلك وأيُّ يومٍ هو؟ فقال: ﴿أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾.\n\n<span id=\"aya-5635\"></span>يقولُ: ليومٍ يَفْصِلُ اللهُ فِيه بينَ خلقِه القضاءَ، فيأخذُ للمظلومِ من الظالمِ، ويَجْزِى المحسن بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9386>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾: يومٍ يُفْصَلُ فيه بينَ الناسِ بأعمالهم؛ إلى الجنةِ وإلى النارِ (^١).\n\n<span id=\"aya-5636\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وأى شيءٍ أدراك يا محمدُ ما يومُ الفصلِ؟ مُعظِّمًا بذلك أمرَه وشدةَ هولِه.\nكما حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾: تعظيمًا لذلك اليومِ (^١).\n\n<span id=\"aya-5637\"></span>وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الوادى الذي يَسيلُ في جهنمَ من صديدِ أهلِها: للمُكذِّبين بيوم الفصلِ [يومَ الفصلِ] (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: م، ت ١.","vol":"23","page":593},{"text":"لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: ويلٌ واللهِ طويلٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-5638\"></span><span data-type='title' id=toc-9387>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ألم نُهْلِكِ الأممَ الماضين الذين كذَّبوا رُسُلى وجحَدوا آياتي، من قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ،\n\n<span id=\"aya-5639\"></span>ثم نُتبِعُهم الآخرِين بعدَهم ممن سلَك سبيلَهم في الكفرِ بي وبرسلى، كقومِ إبراهيمَ وقومِ لوطٍ وأصحابِ مدينَ، فنُهْلِكُهم كما أهلَكنا الأوَّلين قبلَهم،\n\n<span id=\"aya-5640\"></span>﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: كما أهلَكنا هؤلاء بكفرِهم بي وتكذيبِهم برسُلى، كذلك سُنتى في أمثالِهم من الأممِ الكافرةِ، فنُهْلِكُ المجرِمين بإجرامِهم إذا طَغَوا وبغَوا،\n\n<span id=\"aya-5641\"></span>﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ: ويلٌ يومئذٍ للمكذبين بأخبارِ اللهِ التي ذكَرها في هذه الآيةِ، الجاحدين قدرتَه جلَّ ثناؤُه على ما يشاءُ.\n\n<span id=\"aya-5642\"></span><span data-type='title' id=toc-9388>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ أَيُّها الناسُ، ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾. يعنى من نطفةٍ ضعيفةٍ.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾. يعنى بالمهينِ الضعيفَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5643\"></span>وقولُه: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾. يقولُ: فجعلنا الماءَ المهينَ في رحمٍ استقرَّ فيها فتمكَّن.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى المصنف.","vol":"23","page":594},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9389>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾. قال: الرحمِ (^١).\n\n<span id=\"aya-5644\"></span>وقولُه: ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾. يقولُ: إلى وقتٍ معلومٍ لخروجِه من الرَّحم عندَ اللهِ،\n\n<span id=\"aya-5645\"></span>﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ: (فقدَّرنا) بالتشديدِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةٍ الكوفةِ والبصرةِ بالتخفيفِ (^٢).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مَعروفتان، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، وإن كنتُ أُوثِرُ (^٣) التخفيفَ؛ لقولِه: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾. إذ كانت العربُ قد تَجمَعُ بينَ اللغتين، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧].\nفجمَع بينَ التشديدِ والتخفيفِ، و(^٤) كما قال الأعشى (^٥):\nوأنكَرَتْني وما كان الذي نكِرَت … من الحوادِثِ إلا الشيبَ والصَّلَعا\nوقد يجوزُ أن يكونَ المعنى في التشديدِ والتخفيفِ واحدًا، فإنه محكيٌّ عن العرب: قُدِر عليه الموتُ وقُدِّر. بالتخفيفِ والتشديد (^٦).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٩١.\n(^٢) قراءة التشديد هي قراءة نافع والكسائي، وقرأ بالتخفيف ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة. ينظر حجة القراءات ص ٧٤٣.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢ ت: \"تؤثر\".\n(^٤) سقط من: م، ت ٣.\n(^٥) تقدم في ١٢/ ٤٧٢.\n(^٦) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٢٣، ٢٢٤.","vol":"23","page":595},{"text":"وعُنى بقولِه: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾. ما حدَّثنا به ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن المباركِ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾. قال: فملَكنا فنعمَ المالِكون (^١).\n\n<span id=\"aya-5646\"></span>وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين بأن الله خلَقهم من ماءٍ مَهِينٍ.\n\n<span id=\"aya-5647\"></span><span data-type='title' id=toc-9391>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه مُنبِّهًا عبادَه على نعمه عليهم: أَلَمْ نَجْعَلْ أَيُّها الناسُ الأَرْضَ لكم ﴿كِفَاتًا﴾. يقولُ: وِعاءً، يُقالُ: هذا كِفتُ هذا وكَفِيتُه. إذا كان وعاءَه. وإنما معنى الكلامِ: ألم نَجْعَلِ الأرضَ كِفاتَ أحيائِكم وأمواتِكم؛ تَكْفِتُ أحياءَكم في المساكنِ والمنازلِ، فتضُمُّهم فيها وتجمعُهم، وأمواتَكم في بطنِها في القبورِ، فيُدْفَنون فيها.\n\n<span id=\"aya-5648\"></span>وجائزٌ أن يكونَ عُنى بقولِه: ﴿كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾: تَكْفِتُ أذاهم في حالِ حياتِهم، وجِيَفَهم بعدَ مماتِهم (^٢).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9390>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾. يقولُ: كِنًّا (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٣ إلى المصنف بلفظ: \"فخلقنا فنعم المالكون\".\n(^٢) ينظر معاني القرآن للفراء ٢٢٤٣.\n(^٣) في ت ٢ ت ٣: \"كفاء\". وبهذا اللفظ أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٥١ - =","vol":"23","page":596},{"text":"حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: أخبَرنا خالدٌ، عن مسلمٍ، عن زاذانَ أبى عمرَ، عن الربيعِ بن خُثَيْمٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، أنه وجَد قملةً في ثوبِه، فدفَنها في المسجدِ، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، قال: ثنا مسلمٌ الأعورُ، عن زاذانَ، عن ربيعِ بن خُثَيْمٍ، عن عبدِ اللهِ مثلَه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن ليثٍ، قال: قال مجاهدٌ في الذي يرى القملةَ في ثوبِه، وهو في المسجد، ولا أدرى قال: في صلاةٍ أم لا: إن شئتَ فألقِها، وإن شئتَ فَوَارِها؛ ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شريكٍ، عن بيانٍ، عن الشعبيِّ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾. قال: بطنُها لأمواتِكم، وظهرُها لأحيائِكم (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾. قال: تكْفِتُ أذاهم، ﴿أَحْيَاءً﴾: تواريه، ﴿وَأَمْوَاتًا﴾: يُدفَنون تكْفِتُهم.\nوقد حدَّثني به ابنُ حميدٍ مرةً أخرى، فقال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾. قال: تَكْفِتُ أذاهم وما يَخْرُجُ منهم، ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾. قال: تَكْفِتُهم في الأحياءِ والأمواتِ (^٣).\n_________\n= من طريق أبي صالح به.\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٧٤٧)، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٦٨، والبيهقى ٢/ ٢٩٤، من طريق مسلم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٤ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره الجصاص ٥/ ٣٧٠، ٣٧١، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٢٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٤ إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد بمعناه.","vol":"23","page":597},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾. قال: أحياءً يكونون فيها. قال محمدُ بنُ عمرٍو: يَغيبون فيها ما أرادوا. وقال الحارثُ: ويَغيبون فيها ما أرادوا. وقولُه: ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾. قال: يُدْفَنون فيها (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ الآية: يَسْكُنُ فيها حيُّهم، ويُدْفَنُ فيها ميتُهم.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ قتادةَ: ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾. قال: أحياءً: فوقَها على ظهرِها، وأمواتًا: يُقْبَرون فيها (^٢).\nواختلَف أهلُ العربيةِ في الذي نصَب: ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ (^٣): نُصِب على الحالِ. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (^٤): بل نُصِب ذلك بوقوعِ الكِفاتِ عليه، كأنك قلتَ: ألم نَجْعَلِ الأَرضَ كِفاتَ أحياءٍ وأمواتٍ. فإذا نوِّنت نصَبتَ، كما يَقْرَأُ مَن يَقْرَأُ: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤، ١٥]. وهذا القولُ أشبهُ عندى بالصوابِ.\n\n<span id=\"aya-5649\"></span>وقولُه: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلنا في الأرضِ جبالًا ثابتاتٍ فيها، باذخاتٍ شاهقاتٍ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾. يعنى: الجبالَ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٩١.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٠ عن معمر به.\n(^٣) ينظر البحر المحيط ٨/ ٤٠٦.\n(^٤) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٢٤.","vol":"23","page":598},{"text":"حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾. يقولُ: جبالًا مُشْرِفاتٍ (^١).\nوقولُه: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾. يقولُ: وأسقَيْناكم ماءً عَذْبًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9392>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾. يقولُ: عَذْبًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَاءً فُرَاتًا﴾. قال: عَذْبًا (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾. أي: ماء عذبًا.\nحدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ القزازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾. قال: من أربعةِ أنهارٍ؛ سَيْحان، وجَيْحانَ، والنيلِ، والفراتِ، وكلُّ ماءٍ يَشْرَبُه ابنُ آدمَ فهو (^٣) من هذه الأنهارِ، وهي تَخْرُجُ من تحتِ صخرةٍ من عندِ بيتِ المقدسِ؛ وأما سَيْحانُ فهو ببلخٍ (^٤)، وأما جَيحانُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٥١، ٥٢ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٤ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٩٢.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فهي\".\n(^٤) في ص، ت،٢، ت ٣: \"نهر بلخ\"، وفي ت ١: \"بلخ\".","vol":"23","page":599},{"text":"فدجلةُ، وأما الفراتُ ففراتُ الكوفةِ، وأما النيلُ [فهو نيلُ مصرَ] (^١) (^٢).\n\n<span id=\"aya-5650\"></span>وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ: ويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين بهذه النعمِ، التي أنعمتُها عليكم، من خلقى الكافرين بها.\n\n<span id=\"aya-5651\"></span><span data-type='title' id=toc-9393>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يُقالُ (^٣) لهؤلاء المكذِّبين بهذه النِّعمِ والحججِ التي احتجَّ بها عليهم يومَ القيامةِ: انطلِقوا إلى ما كنتم بِهِ في الدنيا تكذِّبون من عذابِ اللهِ لأهلِ الكفرِ به،\n\n<span id=\"aya-5652\"></span>﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾. يعنى تعالى ذكرُه: إلى ظلِّ دخانٍ ذى ثلاثِ شُعَبٍ، ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾، وذلك أنه يَرْتَفِعُ من وقودِها الدخانُ فيما ذُكِر، فإذا تصاعدَ تفرَّقَ شُعَبًا ثلاثا، فذلك قولُه: ﴿ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾. قال: دخانِ جهنمَ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾. قال: هو كقولِه: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣: \"فنهر مصر\"، وفى م: \"فهو بمصر\".\n(^٢) أخرجه ابن حبان في المجروحين ٣/ ٢٤، وابن عدى في الكامل ٦/ ٢٣١٦، والخطيب في التاريخ ١/ ٥٧ من طريق عكرمة عن ابن عباس مرفوعا.\n(^٣) ليست في: ص، م، ت ١.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٦٩٢ ومن طريقه البيهقى في البعث ص ٢٨٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":600},{"text":"قال: والسُّرادقُ: دخانُ النارِ. فأحاطَ بهم سرادقُها، ثم تفرَّق، فكان ثلاثَ شُعَب، فقال: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾؛ شُعبةٍ ههنا، وشُعْبةٍ ههنا، وشُعْبةٍ ههنا، ﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-5653\"></span>وقولُه: ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾. يقولُ: لا هو يُظِلُّهم مِن حرِّها، ﴿وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾: ولا [يُكِنهم من لهبِها] (^٢).\n\n<span id=\"aya-5654\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: إن جهنم تَرْمى بشررٍ كالقَصْرِ. فقرَأ ذلك قرأةُ الأمصارِ: ﴿كَالْقَصْرِ﴾ بجزمِ الصادِ.\nواختلَف الذين قرءُوا ذلك كذلك في معناه؛ فقال بعضُهم: هو واحدُ القصورِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9394>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. يقولُ: كالقصرِ العظيمِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. قال: ذكَر القصرَ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يزيدُ بنُ يونسَ، عن أبي صخرٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. قال: كان القُرَظِيُّ يقولُ: إن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٤ إلى المصنف.\n(^٢) في ت ٢: \"يكفهم من لهبها\".\n(^٣) أخرجه البيهقي في البعث (٥٧١) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٤ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"23","page":601},{"text":"على جهنمَ سورًا، فما خرَج من وراءِ السور مما يَرْجِعُ فيها في عِظَمِ القصرِ، ولونِ القارِ (^١).\nوقال آخرون: بل هو الغليظُ من الخشبِ، كأصولِ النخلِ وما أشبهَ ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-9395>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن عبد الرحمنِ بن عابسٍ، قال: سألتُ ابن عباسٍ عن قولِه: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. قال: القصْرُ خشبٌ كنا ندَّخِرُه للشتاءِ ثلاثَ أذرعٍ، وفوقَ ذلك، ودونَ ذلك، كنا نُسمِّيه القصرَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمِعتُ عبدَ الرحمنِ ابنَ عابسٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. قال: القصرُ: خشبٌ كان يُقْطَعُ في الجاهلية ذراعًا أقلَّ أو أكثرَ، يُعْمَدُ (^٣) به.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عبدِ الرحمنِ بن عابسٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. قال: كنا نَقْصُرُ في الجاهليةِ ذراعين أو ثلاثَ (^٤) أذرعٍ، وفوقَ ذلك ودونَ ذلك، نُسَمِّيه القَصْرَ.\n_________\n(^١) ذكره ابن رجب في التخويف من النار ص ١١٥.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢/ ٣٤١، والبخارى (٤٩٣٢)، والحاكم ٢/ ٥١١، والبيهقي في البعث (٥٧٢) من طريق سفيان به، وابن مردويه - كما في فتح البارى ٨/ ٦٨٨ - من طريق عبد الرحمن بن عابس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٤ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"يعمل\".\n(^٤) في ت ٢، ت ٣: \"ثلاثة\"، والذراع مؤنثة، وزعم البعض أنه يذكر ويؤنث. ينظر خلق الإنسان في اللغة. ص ١٣٠.","vol":"23","page":602},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. فالقَصْرُ: الشجرُ المُقَطَّعُ، ويقالُ: القَصْرُ: النخلُ المقطوعُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَالْقَصْرِ﴾. قال: حُزَمِ الشجرِ، يعنى الحُزمةَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، و(^٣) ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، [عن ابن عباسٍ] (^٤) في هذه الآية: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. قال: مثلَ قَصْرِ النخلةِ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾: أصولِ الشجرِ، وأصولِ النخلِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. قال: كأصلِ الشجرِ (^٦).\nحدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾: القَصْرُ: أصولُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٢٣.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٩٢ ومن طريقه البيهقى في البعث (٥٧٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في النسخ: \"قال: ثنا\". والمثبت مما سيأتي ص ٦٠٧.\n(^٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٠ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر مطولا.","vol":"23","page":603},{"text":"الشجرِ العظامِ، كأَنَّها أجوازُ الإبلِ الصُّفرِ. وَسَطُ كلِّ شيءٍ جَوْزُه، وهى الأجوازُ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمٌ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: قرَأها الحسنُ: ﴿كَالْقَصْرِ﴾. وقال: هو الجَزْلُ مِن الخشبِ. قال: واحدتُه: قَصْرَةٌ وقَصْرٌ، مثلَ: جمرةٌ وجمرٌ، وتمرةٌ وتمرٌ (^٢).\nوذُكر عن ابن عباسٍ أنه قرَأ ذلك: (كالقَصَرِ) بتحريكِ الصادِ (^٣).\nحدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: أخبَرني حسينٌ المُعَلِّمُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، أنه قرَأها: (كالقَصَرِ) بفتحِ القافِ والصادِ (^٤).\nقال: وقال هارونُ: أخبَرنى أبو عمرٍو أنَّ ابن عباسٍ قرَأها: (كالْقَصَرِ)، وقال: قَصَرُ النخلِ، يعنى الأعناقَ.\nوأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك عندَنا ما عليه قرَأَةُ الأمصار، وهو سكونُ الصادِ، وأولى التأويلاتِ به أنه القَصْرُ مِن القصورِ؛ وذلك لدَلالةِ قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. على صحتِه، والعربُ تُشَبِّهُ الإبلَ بالقصورِ المَبْنيَّةِ، كما قال الأخطلُ في صفةِ ناقةٍ (^٥):\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٣٠٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٤ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٤ إلى المصنف.\n(^٣) وهى قراءة شاذة، ينظر مختصر الشواذ ص ١٦٧.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٥) تقدم في ١٧/ ٤٨٤.","vol":"23","page":604},{"text":"كأنَّها بُرْجُ رُومِيٌّ يُشَيَّدُهُ … لُزَّ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأَحْجارِ\nوقيل: ﴿بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. ولم يُقَلْ: كالقصورِ. والشَّررُ جماعٌ، كما قيل: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]. ولم يُقَل: الأدبارُ. لأنَّ الدبرَ بمعنى الأدبار، وفُعِل (^١) ذلك توفيقًا بين رؤوسِ الآياتِ ومقاطعِ الكلامِ؛ لأنَّ العربَ تفعلُ ذلك كذلك، وبلسانِها نزل القرآنُ. وقيل: ﴿كَالْقَصْرِ﴾. ومعنى الكلامِ: كعِظَمِ القصرِ، كما قيل: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]. ولم يُقَلْ: كعُيونِ الذي يُغْشَى عليه. لأنَّ المرادَ في التشبيهِ الفعلُ لا العينُ (^٢).\nكما حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عطاءِ بن السائبِ، أنه سأل الأسودَ عن هذه الآيةِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. فقال: مثلَ القصرِ.\n\n<span id=\"aya-5655\"></span>وقولُه: ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: كأَنَّ الشَّررَ الذي ترمى به جهنمُ كالقصرِ جمالاتٌ سودٌ؛ أي أَيْنُقٌ (^٣) (*) سودٌ، وقالوا: الصُّفرُ في هذا الموضعِ بمعنى السودِ. قالوا: وإنما قيل لها: صفرٌ. وهى سودٌ؛ لأنَّ ألوانَ الإِبلِ السودِ تَضْرِبُ إلى الصفرةِ؛ ولذلك قيل لها: صفرٌ. كما سُمِّيت الظباءُ أُدْمًا؛ لما يَعْلُوها في بياضِها مِن الظلمةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9396>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أحمدُ بنُ عمرٍو البصريُّ، قال: ثنا بَدَلُ بنُ المُحَبَّرِ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"وقيل\".\n(^٢) ينظر معاني القرآن ٣/ ٢٢٤.\n(^٣) الأينق: جمع ناقة وهى الأنثى من الإبل. الوسيط (ن وق).\n(*) من هنا خرم في ت ٢ ينتهى عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾.","vol":"23","page":605},{"text":"راشدٍ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن الحسنِ: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. قال: الأَيْنُقُ السودُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾: كالنُّوقِ السودِ الذي رأيتم (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ قال: نوقٌ سودٌ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، جميعًا عن سفيان، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. قال: هي الإبلُ (^٤).\nقال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. قال: كالنُّوقِ السودِ الذي رأيتم (٢).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك قُلُوسُ (^٥) السفن، شبه بها الشَّررَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9397>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٤ إلى المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٢٣.\n(^٢) في ت ١، ت ٣: \"رآهم\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٠ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) ذكره ابن رجب في التخويف من النار ص ١١٥، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٢٣.\n(^٥) قلوس: جمع قَلْس، وهو حبل ضخم من ليف. تاج العروس (ق ل س).","vol":"23","page":606},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾: فالجِمالاتُ الصفرُ: قُلُوسُ السفنِ، التي تُجمَعُ فتُوثَقُ بها السفنُ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سعيدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن عابسٍ، قال: سألتُ ابن عباسٍ عن قولهِ: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. قال: قُلُوسُ سفن البحرِ، يُجْمَلُ (^٢) بعضُها إلى بعضٍ حتى تكونَ كأوساطِ الرجالِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عبد الرحمنِ بن عابسٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ سُئل عن: ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. فقال: حبالُ السفنِ، يُجْمَعُ بعضُها إلى بعضٍ حتى تكونَ كأوساطِ الرجالِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمِعتُ عبدَ الرحمنِ بن عابسٍ، قال: ثنا عبدُ الملك بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا هلالُ بن خبابٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. قال: قُلُوسُ الجِسْرِ.\nحدَّثني [حوثرةُ بنُ محمدٍ المنْقَرِيُّ] (^٥)، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عبدِ اللهِ القطانُ، قال: ثنا هلالُ بن خبابٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. قال: الحبالُ (^٦).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٢٤.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٣: \"يحمل\". وجمل الشيء: جمعه عن تفرق. الوسيط (ج م ل).\n(^٣) في ص: \"الرحال\".\n(^٤) تتمة الأثر المتقدم تخريجه ص ٦٠٢.\n(^٥) في ص، م، ت ١: \"محمد بن حويرة بن محمد المنقرى\"، وفى ت ٣: \"محمد بن جويرة بن محمد المنقرى\". والمثبت مما تقدم، وقد تقدم على الصواب مرارا. ينظر مثلا ١٠/ ١٠٧، ١٦/ ١٩٦، وينظر كذلك تهذيب الكمال ٧/ ٤٦٠.\n(^٦) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٣٠٧، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٢٤.","vol":"23","page":607},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن سليمانَ بن عبدِ اللهِ، عن ابن عباسٍ: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. قال: قُلُوسُ سفنِ البحرِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. قال: حبالُ الجسورِ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: كأنه قِطَعُ النُّحاسِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9398>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. يقولُ: قِطَعُ النُّحاسِ (^٢).\nوأولى الأقوال عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بالجمالاتِ الصفرِ الإبلُ السودُ؛ لأنَّ ذلك هو المعروفُ من كلامِ العربِ، وأنَّ الجِمالاتِ جمعُ جمالٍ، نظيرُ رِجالٍ ورِجالاتٍ، وبُيُوتٍ وبُيُوتاتٍ.\nوقد اختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين: (جِمالاتٌ) (^٣)، بكسرِ الجيمِ، والتاءِ، على أنَّها جمعُ جمالٍ، وقد يجوزُ أن يكونَ أُريد بها جمعُ جمالةٍ، والجِمالةُ جمعُ جَمَلٍ، كما الحجارةُ جمعُ حَجَرٍ،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٩٢، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٥٦ - والبيهقي في البعث (٥٧٥).\n(^٢) أخرجه البيهقي في البعث (٥٧١) من طريق أبي صالح به.\n(^٣) هي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبى بكر عن عاصم. ينظر السبعة ص ٦٦٦.","vol":"23","page":608},{"text":"والذِّكارةُ جمعُ ذَكَرٍ. وقرَأ ذلك عامة قرأةِ الكوفيِّين: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ﴾ بكسرِ الجيمِ (^١)، على أنَّها جمعُ جَمَلٍ، جُمِع على جِمالةٍ، كما ذكَرْتُ مِن جمعِ حَجَرٍ حِجَارةٌ.\nورُوى عن ابن عباسٍ أنه كان يقرَأُ: (جُمالاتٌ)، بالتاءِ وضمِّ الجيمِ (^٢)، كأنه جمعُ جُمالةٍ، مِن الشيءِ المجملِ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن الحسينِ المُعَلِّمِ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنَّ لقارئ ذلك اختيارَ أيِّ القراءتين شاء، مِن كسرِ الجيمِ وقراءتِها بالتاءِ، وكسرِ الجيمِ وقراءتِها بالهاءِ التي تَصِيرُ في الوصلِ تاءً؛ لأنهما القراءتان المعروفتان في قرَأةِ الأمصارِ، فأما ضمُّ الجيمِ فلا أستجيزُه؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرَأَةِ على خلافِه.\n\n<span id=\"aya-5656\"></span>وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويلٌ يومَ القيامةِ للمكذَّبين. هذا الوعيدُ الذي توعَّد اللهُ به المكذِّبين مِن عبادِه.\n\n<span id=\"aya-5657\"></span><span data-type='title' id=toc-9399>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاءِ المكذِّبين بثوابِ اللهِ وعقابِه: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُ أَهلُ التكذيبِ بثوابِ اللهِ وعقابِه.\n\n<span id=\"aya-5658\"></span>وَلا يُؤذَنُ لهم فيعتذرونَ مما اجْتَرموا في الدنيا من الذنوبِ.\n_________\n(^١) وهى قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. ينظر المصدر السابق.\n(^٢) وقرأ بها أيضًا السلمى والأعمش وأبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة ورويس. ينظر البحر المحيط ٨/ ٤٠٧، والنشر ٢/ ٢٩٧.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٤ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"23","page":609},{"text":"فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾. وقد عَلِمْتَ بخبرِ اللهِ تعالى عنهم أنَّهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٧]. وأنَّهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]. في نظائرِ ذلك، مما أخبرَ اللهُ ورسولُه عنهم أنَّهم يقولونه؟ قيل: إنَّ ذلك في بعضِ الأحوالِ دونَ بعضٍ.\nوقولُه: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾. يُخْبِرُ عنهم أنَّهم لا يَنْطِقُون في بعضِ أحوالِ ذلك اليومِ، لا أنَّهم لا يَنطِقون ذلك اليومَ كلَّه.\nفإن قال: فهل مِن بُرْهانِ يُعْلَمُ به حقيقةُ ذلك؟ قيل: نعم، وذلك إضافةُ يومٍ إلى قولِه: ﴿لَا يَنْطِقُونَ﴾. والعربُ لا تُضِيفُ اليوم إلى \"فعلَ\"، \"يفعل\"، إلا إذا أرادَتِ الساعةَ من اليومِ، والوقْتَ منه، وذلك كقولِهم: آتيك يومَ يَقْدَمُ فلانٌ. وأَتيتُك يومَ زارك أخوك. فمعلومٌ أن معنى ذلك: أَتَيْتُك ساعةً زارك، أو آتِيك ساعةً يَقْدَمُ، وأنه لم يكنْ إتيانُه إيَّاه اليوم كلَّه؛ لأنَّ ذلك لو كان أخذ اليوم كلَّه لم يُضَفِ اليومُ إلى \"فعل\" و\"يفعل\"، ولكن فُعِل ذلك إذا كان اليومُ بمعنى \"إذْ\" و\"إذا\" اللَّتين يطْلبان الأفعالَ دونَ الأسماءِ.\nوقولُه: ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ رُفع عطفًا على قولِه: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ﴾. وإنَّما اخْتِير ذلك على النصب وقبلُه جحدٌ؛ لأنه رأسُ آيةٍ، قُرِن بينَه وبينَ سائرِ رءُوسِ الآياتِ التي قبلَها، ولو كان جاء نصبًا كان جائزًا، كما قال: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦]. وكلُّ ذلك جائزٌ فيه، أعْنِى الرفعَ والنصبَ، كما قيل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥]. رفعًا ونصبًا.\n\n<span id=\"aya-5659\"></span>وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين بخبرِ اللهِ عن هؤلاءِ القومِ، وما هو فاعلٌ بهم يومَ القيامةِ.","vol":"23","page":610},{"text":"<span id=\"aya-5660\"></span>وقولُه: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاءِ المكذِّبين بالبعثِ يومَ يُبْعثون: هذا يومُ الفصلِ الذي يَفْصِلُ اللهُ فيه بالحقِّ بينَ عبادِه، ﴿جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: جمَعْناكم فيه لموعدِكم الذي كنا نَعِدُكم في الدنيا الجمعَ فيه بينَكم وبينَ سائرِ مَن كان قبلَكم من الأممِ الهالكةِ، فقد وفَّيْنا لكم بذلك،\n\n<span id=\"aya-5661\"></span>﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾. يقولُ: واللهُ مُنْجِرٌ لكم ما وعَدكم في الدنيا من العقابِ على تكذيبِكم إيَّاه، بأنكم مَبْعوثون لهذا اليومِ، إن كانت لكم حيلةٌ تَحْتالونها في التخلُّصِ مِن عقابِه اليومَ فاحتالوا.\n\n<span id=\"aya-5662\"></span>وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ: ويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين بهذا الخبرِ.\n\n<span id=\"aya-5663\"></span><span data-type='title' id=toc-9400>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ الذين اتقَوا عقابَ اللهِ، بأداءِ فرائضِه في الدنيا واجتنابِ معاصِيه، في ظلالٍ ظليلةٍ، وكِنٍّ كَنِينٍ، لا يُصِيبُهم أذى حرٍّ ولا قرٍّ، إذ كان الكافرون باللهِ في ظلٍّ ذى ثلاثِ شُعَبٍ، لا ظليلٍ ولا يُغْنِى مِن اللَّهَبِ، ﴿وَعُيُونٍ﴾: أنهارٍ تجرى خلالَ أشجارِ جناتِهم،\n\n<span id=\"aya-5664\"></span>﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾: يأْكُلون منها كلما اشْتَهوا، لا يخافون ضرَّها، ولا عاقبةً مكروهِها.\n\n<span id=\"aya-5665\"></span>وقولُه: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يقالُ لهم: كُلُوا أَيُّها القومُ مِن هذه الفواكهِ، واشرَبوا من هذه العيونِ كلَّ ما اشْتَهيتم ﴿هَنِيئًا﴾. يقولُ: لا تَكْديرَ عليكم ولا تَنْغِيصَ فيما تَأْكُلونه وتشرَبون منه، ولكنَّه لكم دائمٌ لا يزولُ، ومَرِئٌ لا يُورِثُكم أذًى في أبدانِكم.","vol":"23","page":611},{"text":"وقولُه: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: يقالُ لهم: هذا جزاءٌ بما كنتم في الدنيا تَعْملون من طاعةِ اللهِ، وتَجْتهدون فيما يُقرِّبُكم منه.\n\n<span id=\"aya-5666\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: إنا كما جَزَيْنا هؤلاء المتقين، بما وصَفْنا من الجزاءِ، على طاعتِهم إيَّانا في الدنيا، كذلك نَجْزِى ونُثِيبُ أهلَ الإحسانِ في طاعتِهم إيَّانا، وعبادتِهم لنا في الدنيا على إحسانِهم، لا نُضِيعُ في الآخرةِ أجرَهم.\n\n<span id=\"aya-5667\"></span>وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ: ويلٌ للذين يُكذِّبون خبَرَ اللهِ عمَّا أخبَرهم به مِن تكريمِه هؤلاءِ المتقين بما أكرَمهم به يومَ القيامةِ.\n\n<span id=\"aya-5668\"></span><span data-type='title' id=toc-9401>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه تهدُّدًا ووعيدًا منه للمكذِّبين بالبعثِ: كُلُوا في بقيةِ آجالِكم، وتمتَّعوا ببقيةِ أعمارِكم، إنكم مجرمون، مَسْنُونٌ بكم سنةَ من قبلَكم مِن مُجْرِمى الأممِ الخاليةِ، التي مُتِّعت بأعمارِها إلى بلوغِ كتبِها آجالَها، ثم انتَقَمِ اللهُ منها بكفرِها، وتكذيبِها رسلَها.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قولِه: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾. قال: عُنِى به أهلُ الكفرِ (^١).\n\n<span id=\"aya-5669\"></span>وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين الذين كذَّبوا خبَرَ اللهِ الذي أخبَرهم به عمَّا هو فاعلٌ بهم في هذه الآيةِ.\n\n<span id=\"aya-5670\"></span>وقولُه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قيل\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٥ إلى المصنف.","vol":"23","page":612},{"text":"لهؤلاءِ المجرمين المكذِّبين بوعيدِ اللهِ أهلِ التكذيبِ به: ارْكَعوا. لا يَرْكعون.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في الحينِ الذي يقالٌ لهم فيه؛ فقال بعضُهم: يقالُ لهم ذلك في الآخرةِ حينَ يُدْعَون إلى السجودِ فلا يستطِيعون.\n\n<span data-type='title' id=toc-9402>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾. يقولُ: يُدْعَون يومَ القيامةِ إلى السجودِ فلا يَسْتَطِيعون السجودَ. من أجلِ أنهم لم يكونوا يَسْجُدون للهِ في الدنيا (^١).\nوقال آخرون: بل قيل ذلك لهم في الدنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-9403>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾: عليكم بحسنِ الركوعِ، فإنَّ الصلاةَ مِنَ اللهِ بمكانٍ. وقال قتادةُ عن ابن مسعودٍ أنه رأى رجلًا يصلِّى ولا يَرْكَعُ، وآخرُ يَجُرُّ إزارَه، فَضَحِك، قالوا: ما يُضْحِكُك؟ قال: أَضْحَكِنى رجلان؛ أما أحدُهما فلا يَقْبلُ اللهُ صلاتَه، وأما الآخرُ فلا يَنْظُرُ اللهُ إليه (^٢).\nوقيل: عُنِى بالركوعِ في هذا الموضعِ الصلاةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9404>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٥ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"23","page":613},{"text":"الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾. قال: صلُّوا (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إنَّ ذلك خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن هؤلاءِ القومِ المجرمين، أنَّهم كانوا له مخالفين في أمره ونهيِه؛ لا يأْتِمرون لأمرِه، ولا يَنْتَهون عمَّا نهاهم عنه.\n\n<span id=\"aya-5671\"></span>وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ: ويلٌ للذين كذَّبوا رسلَ اللهِ، فردُّوا عليهم ما بلَّغوا مِن أَمرِ اللهِ إِيَّاهم ونهيهِ لهم.\n\n<span id=\"aya-5672\"></span><span data-type='title' id=toc-9405>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: فبأيِّ حديثٍ بعد هذا القرآن. [أي: أنتم] (^٢) أيُّها القومُ كذَّبتم به مع وضوحِ برهانِه وصحةِ دلائلِه، أنه حقٌّ مِن عندِ اللهِ، (تؤمنون). يقولُ: تُصدِّقون؟\nوإنما أعلَمهم اللهُ تعالى ذكرُه أنَّهم إن لم يُصدِّقوا بهذه الأخبارِ التي أخبرَهم بها في هذا القرآنِ، مع صحةِ حُجَجِه على حقيقتِه، لم يُمْكِنْهم الإقرارُ بحقيقةِ شيءٍ مِن الأخبارِ (^٣) التي لم يُشاهِدوا المُخْبَرَ عنه ولم يُعايِنوه، وأنهم إن صدَّقوا بشيءٍ مما غاب عنهم لِدليلٍ قام عليه، لَزِمهم مثلُ ذلك في أخبارِ هذا القرآنِ، واللهُ أعلمُ.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"والمرسلاتِ\"\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٩٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، ت ١: \"أرايتم\".\n(^٣) بعده في ص: \"لم يمكنهم الإقرار بحقيقة شيء من الأخبار\". وكتب في هامشها: كذا بالأصل.","vol":"23","page":614},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-5673\"></span><span data-type='title' id=toc-9406>تفسيرُ سورةِ \"عَمَّ يَتساءلون\"</span>\n﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-9408>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: عن أيِّ شيءٍ يتساءلُ هؤلاء المشرِكون باللهِ ورسولِه من قريشٍ يا محمدُ؟ وقيل ذلك له ﷺ، وذلك أن قريشًا جعَلت - فيما ذُكِر عنها - تَخْتَصِمُ وتتجادلُ في الذي دعاهم إليه رسولُ اللهِ ﷺ؛ من الإقرارِ بنبوَّتِه، والتصديقِ بما جاء به من عندِ اللهِ، والإيمانِ بالبعثِ، فقال اللهُ لنبيِّه: فيم يتساءلُ هؤلاء القومُ ويَخْتَصِمون؟ و\"في\" و\"عن\" في هذا الموضعِ بمعنًى واحدٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9407>ذكرُ مَن قال ما ذكَرْتُ</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعُ بنُ الجراحِ، عن مِشعرٍ، عن محمدِ بن جُحَادةَ، عن الحسنِ، قال: لما بُعثِ النبيُّ ﷺ جعَلوا يتساءلون بينَهم، فأنزَل اللهُ: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾. يعنى: الخبرِ العظيمِ (^١).\nقال أبو جعفرٍ: ثم أخبرَ اللهُ نبيَّه ﷺ عن الذي يَتَساءلونه، فقال: يَتَساءلون ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾. يعنى: عن الخبرِ العظيمِ.\n\n<span id=\"aya-5674\"></span>واختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ (^٢) بالنبأِ العظيم؛ فقال بعضُهم: أُريد به القرآنُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) بعده في ص: \"الذي\".","vol":"24","page":5},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9409>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾. قال: القرآنِ (^١).\nوقال آخرون: عُنِى به البعثُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9410>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾: وهو البعثُ بعدَ الموتِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾. قال: النبأُ العظيمُ: البعثُ بعدَ الموتِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾. قال: يومِ القيامةِ. قال: قالوا: هذا اليومُ الذي تَزْعُمون أنَّا نحيَا فيه وآباؤُنا. قال: فهم فيه مختلِفون، لا يؤمِنون به، فقال اللهُ: ﴿قُلْ (^٣) هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨، ٦٩]. يومُ القيامةِ لا يُؤمِنون به.\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ (^٤) يقولُ: معنى ذلك: عمَّ يَتَحَدَّثُ (^٥) به قريشٌ في\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٩٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٢٦.\n(^٣) في النسخ: \"بل\".\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٢٧.\n(^٥) في ت ١، ونسخة من معاني القرآن: \"تتحدث\".","vol":"24","page":6},{"text":"القرآن. ثم أجاب، فصارت ﴿عَمَّ﴾ كأنها في معنى: لأيِّ شيءٍ يَتَساءلون عن القرآنِ؟! ثم أخبرَ فقال: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾. بينَ مصدِّقٍ ومكذِّبٍ، فذلك اختلافُهم.\n\n<span id=\"aya-5675\"></span>وقولُه: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الذي صاروا هم فيه مُختلِفون فرِيقَينِ؛ فريقٌ به مصدِّقٌ، وفريقٌ به مكذِّبٌ. يقولُ تعالى ذكرُه: فتساؤلُهم بينَهم في النبأِ الذي هذه صفتُه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9411>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: عن النبأِ الذي هم فيه مختلِفون: البعثِ بعدَ الموتِ، فصار الناسُ فيه فريقَينِ؛ مصدِّقٌ ومكذِّبٌ، فأما الموتُ فقد أقرُّوا به؛ لمعاينَتِهم إياه، واختلَفوا في البعثِ بعد الموتِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾: صار الناسُ فيه رجلَيْنِ؛ مصدِّقٌ ومكذَّبٌ، فأما الموتُ فإنهم أقرُّوا به كلُّهم؛ لمعاينتِهم إياه، واختلَفوا في البعثِ بعدَ الموتِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾. قال: مصدِّقٌ ومكذِّبٌ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5676\"></span>وقولُه: ﴿كَلَّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما الأمرُ كما يَزْعُمُ هؤلاء المشرِكون\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٢ عن معمر به.","vol":"24","page":7},{"text":"الذين يُنكرون بعثَ اللهِ إياهم أحياءَ بعدَ مماتِهم. وتوعَّدهم جلَّ ثناؤُه على هذا القولِ منهم، فقال: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: سيعلَمُ هؤلاء الكفارُ المُنكِرون وعيدَ اللهِ أعداءَه ما اللهُ فاعلٌ بهم يومَ القيامةِ. ثم أكَّد الوعيدَ بتكريرٍ آخرَ، فقال: ما الأمرُ كما يَزْعُمون من أن الله غيرُ محيِيهم بعدَ مماتهم، ولا مُعاقبهم على كفرِهم به، سيَعْلَمون أن القولَ غيرُ ما قالوا إذا لقُوا الله، وأَفْضَوا إلى ما قدَّموا من سيِّئِ أعمالِهم.\n\n<span id=\"aya-5677\"></span>وذُكِر عن الضحاكِ بن مزاحمٍ في ذلك ما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي سنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: الكفارُ، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: المؤمنون (^١). وكذلك كان يَقْرَؤُها (^٢).\n\n<span id=\"aya-5678\"></span><span data-type='title' id=toc-9412>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه معدِّدًا على هؤلاء المشرِكين نِعَمَه وأيادِيَه عندَهم، وإحسانَه إليهم، وكفرانَهم ما أنعَم به عليهم، ومتوعِّدَهم بما أعدَّ لهم عندَ ورودِهم عليه، من صنوفِ عقابِه، وأليمِ عذابِه، فقال لهم: ألم نَجْعَلِ الأَرضَ لكم مِهَادًا تَمْتَهدونها وتَفْتَرشونها.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾. أي: بِساطًا.\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٣١١، والقرطبي في تفسيره ١٩/ ١٧٠، ١٧١، وأبو حيان في تفسيره ٨/ ٤١١، وذكر أن الضحاك قرأ الأولى بالتاء والثانية بالياء. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٦ إلى المصنف.","vol":"24","page":8},{"text":"<span id=\"aya-5679\"></span>﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾. يقولُ: والجبال للأرضِ أوتادًا أن تَميدَ بكم،\n\n<span id=\"aya-5680\"></span>﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾: ذُكرانًا وإناثًا، وطوالًا وقِصارًا، أو ذوى دَمامةٍ [وجمالٍ. مثلَ] (^١) قولِه: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]. يَعْني به ضُرَباءَهم (^٢)، ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾. يقولُ: وجعَلنا نومَكم لكم راحةً ودَعةً، تهدَءون به وتَسْكُنون، كأنكم أمواتٌ لا تَشْعُرون، وأنتم أحياءٌ لم تُفَارِقْكم الأرواحُ.\n\n<span id=\"aya-5681\"></span>والسَّبتُ والسُّباتُ هو السكونُ. ولذلك سُمِّى السبتُ سبتًا؛ لأنه يومُ راحةٍ ودعَةٍ،\n\n<span id=\"aya-5682\"></span>﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلنا الليلَ لكم غِشاءَ يَتَعَشَّاكم سوادُه، وتُغَطِّيكم ظلمتُه، كما يُغَطِّى الثوبُ لابسَه؛ لتسكُنوا فيه عن التصرُّف لِمَا كنتم تتصرَّفون له نهارًا، ومنه قولُ الشاعرِ (^٣):\nفلما لَبِسنَ الليلَ أو حينَ نَصَّبَتْ … له من خَذا آذانِها وهْوَ جانحُ (^٤)\nيعنى بقولِه: لبِسن الليلَ: أُدْخِلْنَ في سوادِه فاستتَرْنَ به.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9413>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾. قال: سكَنًا (^٥).\n\n<span id=\"aya-5683\"></span>وقولُه: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾. يقولُ: وجعَلْنا النهارَ لكم ضياءً؛ لتنتَشِروا\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"جمالة من\".\n(^٢) في م: \"صيرناهم\".\n(^٣) تقدم في ١/ ٣٤٤، ١٢/ ٢٣٩.\n(^٤) في م: \"دالج\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٢٧.","vol":"24","page":9},{"text":"فيه لمعايشِكم (^١)، وتتصرَّفوا فيه لمصالحِ دنياكم، وابتغاءَ فضلِ اللهِ فيه.\nوجعَل جلَّ ثناؤُه النهارَ - إذ كان سببًا لتصرُّفِ عبادِه لطلبِ المعاشِ فيه - معاشًا، كما في قولِ الشاعرِ:\nوأخو الهُمومِ إذا الهُمومُ تَحضَّرَت … جُنْحَ الظلامِ وِسادُه لا يَرْقُدُ\nفجعل الوسادَ هو الذي لا يَرْقُدُ، والمعنى لصاحبِ الوسادِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿النَّهَارَ مَعَاشًا﴾. قال: يَبْتَغون فيه من فضلِ اللهِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5684\"></span><span data-type='title' id=toc-9414>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ﴾: وسَقَّفْنا فوقَكم. فجعَل السقفَ بناءً، إذ كانت العربُ تُسَمِّى سقوفَ البُيوتِ (^٣) - وهى سماؤُها - بناءً، وكانت السماء للأرضِ سُقُفًا، فخاطَبهم بلسانِهم، إذ كان التنزيلُ بلسانِهم، وقال: ﴿سَبْعًا شِدَادًا﴾. إذ كانت وِثاقًا محكَمةَ الخلقِ، لا صُدوع فيهنَّ ولا فُطورَ، ولا يُبْلِيهن مَرُّ الليالي والأيامِ.\n\n<span id=\"aya-5685\"></span>وقولُه: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا﴾. يعنى بالسراجِ الشمسَ. وقولُه: ﴿وَهَّاجًا﴾. يعنى: وقَّادًا مُضيئًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في م: \"لمعاشكم\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٩٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"البيت\".","vol":"24","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9415>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾. يقولُ: مُضيئًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾. يقولُ: سراجًا منيرًا.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولُه: ﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾. قال: يتلألأُ (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدُ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾. قال: الوهَّاجُ المنيرُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾. قال: بتلألأُ ضوءُه.\n\n<span id=\"aya-5686\"></span>وقولُه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالمعصراتِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها الرياح التي تَعْصِرُ في هبوبِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-9416>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٥٩، والإتقان ٢/ ٥٣ - من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٩٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٢ عن معمر به.","vol":"24","page":11},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾: فالمعصراتُ الريحُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةً أنه كان يَقْرَأُ: (وأنزَلْنا بالمعصراتِ). يعنى: الرياحِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾. قال: الريحِ] (^٣).\nوحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ (^٤)، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: هي في بعضِ القراءةِ: (وَأَنْزَلْنا بالمعصِراتِ) (^٥): الرياحِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾. قال: المعصراتُ الرياحُ. وقرَأ قولَه: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^٦) [الروم: ٤٨].\nوقال آخرون: بل هي السحابُ التي تتحلَّبُ بالمطرِ ولمَّا تُمْطِرْ، كالمرأةِ المعصِرِ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسائله (٤٨٤، ٤٨٥ - رواية صالح)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٢٧ - من طرق عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٠٣ إلى عبد بن حميد وأبي يعلى والخرائطي.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٣٢٧، وقراءة عكرمة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٣) سقط من: ت ١.\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٦٩٤، وأخرجه أحمد في مسائله (٤٨٠ - رواية صالح)، من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جميعا\".\n(^٥) وهى قراءة شاذة، وبها قرأ ابن الزبير وابن عباس وأخوه الفضل وعبد الله بن يزيد وعكرمة وقتادة. البحر المحيط ٨/ ٤١١.\n(^٦) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٣٢٧.","vol":"24","page":12},{"text":"التي قد دنا أوانُ حيضِها ولم تَحِضْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9417>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾. قال: المعصراتُ السحابُ (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾. يقولُ: من السحابِ (^٢).\nقال: ثنا مهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿الْمُعْصِرَاتِ﴾: السحابِ (^٣).\nوقال آخرون: بل هي السماءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9418>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾. قال: من السماءِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا (^٤) سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾. قال: من السماواتِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾. قال: من السماءِ (^٥).\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٣٢٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٥٢ - من طريق أبي صالح به.\n(^٣) ينظر تفسير البغوي ٨/ ٣١٢، وتفسير ابن كثير ٨/ ٣٢٧.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٢ - ومن طريقه أحمد في مسائله (٤٨٣ - رواية صالح)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٥٥٨ - منتقى) - عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٦ =","vol":"24","page":13},{"text":"وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن الله أخبرَ أنه أنزَل من المعصِراتِ - وهى التي قد تحلَّبت بالماءِ من السحابِ - ماءً.\nوإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن القولَ في ذلك على أحد الأقوالِ الثلاثةِ التي ذكَرْتُ، والرياحُ لا ماءَ فيها فيَنْزِلَ منها، وإنما يَنْزِلُ بها، وكان يَصِحُّ أن تكونَ الرياحَ (^١) لو كانت القراءةُ: (وأنزلنا بالمعصِراتِ). فلما كانت القراءةُ: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ عُلِم أن المعنيَّ بذلك ما وصَفتُ.\nفإن ظنَّ ظانٌّ أن \"الباءَ\" قد تَعْقُبُ في مثلِ هذا الموضعِ \"مِن\". قيلَ: ذلك وإن كان كذلك، فالأغلبُ من معنى \"مِن\" غيرُ ذلك، والتأويلُ على الأغلبِ من معنى الكلامِ. فإن قال: فإن السماءَ قد يجوزُ أن تكونَ مرادًا بها. قيل: إن ذلك وإن كان كذلك، فإن الأغلبَ من نزولِ الغيثِ من السحابِ دونَ غيرِه.\nوأما قولُه: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾. يقولُ: مَاءً مُنْصَبًا يَتْبَعُ بعضُه بعضًا. كتَجِّ دماءِ البُدْنِ، وذلك سفكُها.\nوبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9419>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾. قال: مُنْصَبًّا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n= إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^١) بعده في م: \"و\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٥٢ - من طريق أبي صالح به.","vol":"24","page":14},{"text":"أبيه، عن ابن عباس: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾: ماءً من السماءِ مُنْصَبًّا.\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾. قال: مُنْصَبًّا (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾. قال: الثَّجَّاجُ المنصَبُّ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي جعفرٍ عن الربيعِ: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾. قال: مُنْصَبًّا (^٣).\nقال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾. قال: مُتَتَابِعًا (^٣).\nوقال بعضُهم: عُنِى بالثجَّاجِ الكثيرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9420>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، [قال: قال ابنُ زيدٍ] (^٤): ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾. قال: كثيرًا.\nولا يُعرَفُ في كلامِ العربِ من صفة الكثرة الثجُّ، وإنما الثجُّ الصبُّ المتتابعُ، ومنه قولُ النبيِّ ﷺ: \"أفضلُ الحجِّ العجُّ (^٥) والثجُّ\" (^٦). يَعْنى بالثجِّ صبَّ دماءِ الهدايا\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٩٤، وأخرجه أحمد في مسائله (٤٨٢ - رواية صالح)، من طريق ابن أبي نجيح.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٢ عن معمر به.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٣٢٧.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١.\n(^٥) العج: رفع الصوت بالتلبية. ينظر اللسان (ع ج ج).\n(^٦) أخرجه الترمذى (٨٢٧)، وابن ماجه (٢٩٢٤)، وأبو يعلى (١١٧) من حديث أبي بكر. وأخرجه =","vol":"24","page":15},{"text":"والبُدْنِ بذبحِها. يُقالُ منه: ثجَجْتُ، دمَه، فأنا أثجُّه ثجًّا، وقد ثَجَّ الدمُ، فهو يَثِجُّ ثُجوجًا.\n\n<span id=\"aya-5687\"></span><span data-type='title' id=toc-9422>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: لنُخْرِجَ بالماء الذي تُنْزِلُه من المعصِراتِ إلى الأرضِ حبًّا. والحبُّ كلُّ ما تَضَمَّنَه كِمامُ الزرعِ التي تُحْصَدُ، وهي جمعُ حبةٍ، كما الشعيرُ جمعُ شعيرةٍ، وكما التمرُ جمعُ تمرةٍ. وأما النباتُ فهو الكلأُ الذي يُرْعَى من الحشيشِ والزروعِ.\n\n<span id=\"aya-5688\"></span>وقوله: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. يقولُ: ولنُخْرِجَ بذلك الغيثِ جناتٍ، وهى البساتينُ. وقال: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. والمعنى: وثمرَ جَنَّاتٍ. فترَك ذكرَ الثمرِ استغناءً بدلالةِ الكلامِ عليه من ذكرِه.\nوقولُه: ﴿أَلْفَافًا﴾. يعنى: ملتفةً مجتمعةً.\nوبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9421>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. قال: مجتمِعةً (^١).\n_________\n= ابن أبي شيبة ص ٤٣٧ (القسم الأول من الجزء الرابع)، والترمذي (٢٩٩٨)، وابن ماجه (٩٦٧) من حديث ابن عمر. وأخرجه أبو يعلى (٥٠٨٦) من حديث عبد الله بن مسعود.\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٥٢ - من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٦ إلى ابن المنذر.","vol":"24","page":16},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. يقولُ: جناتٍ التفَّ بعضُها ببعضٍ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. قال: مُلتفةً (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. قال: التفَّ بعضُها إلى بعضٍ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. قال: التفَّ بعضُها إلى بعضٍ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. قال: ملتفةً.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. قال: هي الملتفةُ بعضُها فوقَ بعضٍ.\nواختلف أهلُ العربيةِ في واحدِ الألفافِ؛ فكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: واحدُها: لِفٌّ.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: واحدُها: لِفٌّ ولفيفٌ. قال: وإِن شِئْتَ كان الألفافُ جمعًا، واحدُه جمعٌ أيضًا، فتقولُ: جنةٌ لَفَّاءُ، وجناتٌ لَفَاءُ (^٤). ثم يُجْمَعُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٧ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٩٤.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في م: \"لف\".","vol":"24","page":17},{"text":"اللِّفُّ ألفافًا.\nوقال آخرُ منهم: لم نَسْمَعْ بـ: شجرةٌ لَفَّةٌ. ولكنَّ واحدَها لَفَّاءُ، وجمعَها لِفٌّ، وجمعَ لِفٍّ ألفافٌ، فهو جمعُ الجمعِ.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن الألفافَ جمعُ لِفٍّ أو لفيفٍ، وذلك أن أهلَ التأويلِ مُجْمِعون على أن معناه: ملتفةٌ. واللَّفَّاءُ هي الغليظةُ، وليس الالتفافُ من الغِلَظ في شيءٍ، إلا أن يُوَجَّهَ إلى أنه غِلَظُ الالتفاف، فيكون ذلك حينَئذٍ وجهًا.\n\n<span id=\"aya-5689\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن يومَ يَفْصِلُ اللهُ فيه بينَ خلقِه، فيأخُذُ فيه من بعضِهم لبعضٍ، كان ميقاتًا لما أنفَذ اللهُ لهؤلاءِ المكذِّبين بالبعثِ، ولضُربائِهم من الخلقِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9423>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾: وهو يومٌ عظَّمه اللهُ، يَفْصِلُ اللهُ فيه بينَ الأوَّلين والآخِرين بأعمالِهم (^١).\n\n<span id=\"aya-5690\"></span>وقولُه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. تَرْجَمَ بـ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾. عن يومِ الفصل، فكأنه قيل: يومُ الفصلِ كان أجلًا لما وعَدْنا هؤلاءِ القومَ، يومَ يُنْفَخُ في الصورِ.\nوقد بيَّنتُ معنى الصورِ فيما مضَى قبلُ، وذكرتُ اختلافَ أهلِ التأويلِ فيه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (^٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٩/ ٣٣٩، ٣٤٠، ١٥/ ٤١٦ - ٤١٩.","vol":"24","page":18},{"text":"وهو قَرْنٌ يُنفَخُ فيه عندَنا، كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيميِّ، عن أسلمَ، عن بشرِ بن شَغَافٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"الصُّورُ قَرْنٌ\" (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾: والصُّورُ الخَلْقُ (^٢).\nوقولُه ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾. يقولُ: فتجِيئون زُمَرًا زُمَرًا، وجماعةً جماعةً.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9424>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَفْوَاجًا﴾. قال: زُمَرًا زُمَرًا (^٣).\nوإنما قيل: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾؛ لأن كلَّ أمةٍ أرسل اللهُ إليها رسولًا تأتى مع الذي أُرسِل إليها، كما قال: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ﴾ [الإسراء: ٧١].\n\n<span id=\"aya-5691\"></span>وقولُه: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وشُقِّقت السماءُ فصُدِّعت، فكانت طُرُقًا، وكانت من قبلُ شِدادًا لا فُطُورَ فيها ولا صُدُوعَ.\nوقيل: معنى ذلك: وفُتِحت السماءُ فكانت قِطعًا كقطعِ الخشبِ المشقَّقةِ لأبوابِ الدورِ والمساكنِ. قالوا: ومعنى الكلامِ: وفُتِحت السماءُ فكانت قِطعًا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٥/ ٤١٦، ٤١٧.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٨/ ١٣٤، ٢٣/ ٤٢٠.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٩٤. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":19},{"text":"كالأبوابِ. فلما أُسْقِطت الكافُ صارت الأبوابُ الخبرَ. كما يُقالُ في الكلامِ: كان عبدُ اللهِ أسدًا: كالأسدِ.\n\n<span id=\"aya-5692\"></span>وقولُه: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾. يقولُ: ونُسِفت الجبالُ فاجتُثَّت من أصولِها، فصُيِّرت هباءً مُنبثًّا لعينِ الناظرِ، كالسرابِ الذي يَظُنُّ مَن يَراه من بُعدٍ ماءً، وهو في الحقيقةِ هباءٌ.\n\n<span id=\"aya-5693\"></span><span data-type='title' id=toc-9426>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ [كَانَتْ مِرْصَادًا﴾: إن جهنَّمَ كانت] (^١) ذاتَ رصدٍ لأهلِها الذين كانوا يُكَذِّبون في الدنيا بها، وبالمعاد إلى الله في الآخرةِ، ولغيرِهم من المصدِّقين بها. ومعنى الكلامِ: إن جهنمَ كانت ذاتَ ارتقابٍ، تَرْقُبُ من يجتازُها وتَرْصُدُهم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9425>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ بن بكرِ بن عبدِ اللهِ المُزَنيِّ، قال: كان الحسنُ إذا تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾. قال: ألا إن على البابِ الرَّصَدَ، فمن جاء بجواز جاز، ومن لم يَجِئْ بجوازٍ احتبَس (^٢).\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه البيهقى في شعب الإيمان (٩٠١) من طريق عبد الله بن بكر به.","vol":"24","page":20},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا إسماعيلُ ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾. قال: لا يَدْخُلُ الجنةَ أحدٌ حتى يجتاز النارَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾: تَعَلَّمُن (^٢) أنه لا سبيلَ إلى الجنةِ حتى تَقْطَعَ النارُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ قال: عليها ثلاثُ قناطرَ (^٤).\nوقولُه: ﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن جهنمَ للذين طغَوا في الدنيا فتجاوزوا حدودَ اللهِ، استكبارًا على ربِّهم، كانت منزِلًا ومرجعًا يَرْجِعون إليه، ومصيرًا يَصيرون إليه يَسْكُنونه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span id=\"aya-5694\"></span><span data-type='title' id=toc-9427>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾.\nأي: منزلًا ومأوًى.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ عن سفيانَ: ﴿مَآبًا﴾. يقولُ: مَرْجِعًا ومَنْزِلًا.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في م: \"يعلمنا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٧ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٧ إلى المصنف.","vol":"24","page":21},{"text":"<span id=\"aya-5695\"></span>وقولُه: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾. يقولُ تعالى ذكره: إن هؤلاء الطاغين في الدنيا لابِثون في جهنمَ، فماكثون فيها أحقابًا.\nواختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿لَابِثِينَ﴾؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ قرأة الكوفةِ: ﴿لَابِثِينَ﴾. بالألفِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (لَبِثِين). بغيرِ ألفٍ (^١). وأفصحُ القراءتينِ وأصحُّهما مخرجًا في العربيةِ قراءةُ من قرَأ ذلك بالألفِ؛ وذلك أن العرب لا تكادُ تُوقِعُ الصفةَ إذا جاءت على \"فَعِل\"، فتُعْمِلَها في شيءٍ وتَنْصِبَه بها، لا يكادون أن يقولوا: هذا رجلٌ بَخِلٌ بمالِه. ولا: عَسِرٌ علينا. ولا: هو خَصِمٌ لنا. لأن \"فَعِل\" لا يأتى صفةً إلا مدحًا أو ذمًّا، فلا يَعْمَلُ المدحُ والذمُّ في غيرِه، وإذا أرادوا إعمالَ ذلك في الاسمِ أو غيرِه جعَلوه فاعلًا، فقالوا: هو باخلٌ بمالِه، وهو طامعٌ فيما عندنَا. فلذلك قلتُ: إن: ﴿لَابِثِينَ﴾. أصحُّ مخرجًا في العربيةِ وأفصحُ. ولم أُحِلْ قراءة من قرَأ: (لَبِثينَ). وإن كان غيرُها أفصحَ؛ لأن العربَ ربما أعمَلت المدحَ في الأسماءِ، وقد يُنْشَدُ بيتُ لبيدٍ (^٢):\nأوْ مسحَلٌ عَمِلٌ عِصَادَةَ سَمْحَجٍ … بسَراتِها نَدَبٌ له وكُلُومُ (^٣)\nفأَعْمَل \"عَمِلٌ\" في \"عِضادةَ\"، ولو كانت \"عامِلًا\" كانت أفصحَ.\n_________\n(^١) قرأ حمزة وروح: (لَبثين) بغير ألف، وقرأ الباقون ﴿لَابِثِينَ﴾ بألف. ينظر النشر ٢/ ٢٩٧.\n(^٢) شرح ديوانه ص ١٢٥، وفيه: سَنِق، مكان: عمل. وكرواية المصنف في معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٢٨.\n(^٣) المسحل: الفحل من الحُمُر، وسحيله: صوته. وعضادة سمحج: أحد شقيها. والسمحج: الأتان الطويلة الظهر. وسراتها: أعلى ظهرها والندب: خدوش وآثار، جمع نَدَبة. والكلوم: جراحات من عضه\nإياها. شرح ديوان البيد ص ١٢٥.","vol":"24","page":22},{"text":"ويُنشَدُ أيضًا (^١):\n* وبالفأسِ ضَرّابٌ رءوسَ الكَرانفِ (^٢) *\nومنه قولُ عباسِ بن مِرْداسٍ (^٣):\nأَكَرَّ وأَحْمَى للحقيقةِ منهمُ … وأَضْرَبَ منا بالسيوف القَوانِسا (^٤)\nوأما الأحقاب فجمعُ حِقَبٍ، والحِقَبُ جمعُ حِقْبَةٍ، كما قال الشاعرُ (^٥):\nعِشْنا (^٦) كنَدْمَانَيْ جَدِيمَةً حِقْبَةً … من الدهرِ حتى قيل لن نَتَصَدَّعا\nفهذه جمعُها حِقَبٌ. ومن الأحقابِ التي [هي جمعُ] (^٧) حُقُبٍ قولُ اللهِ: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠] فهذا واحدُ الأحقابِ.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في مبلغِ مدةِ الحقبِ؛ فقال بعضُهم: مدتُه (^٨) ثلاثُمِائةِ سنةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9428>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عِمرانُ بنُ موسى القزازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُوَيدٍ، عن بُشَيْرِ بن كعب في قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾. قال:\n_________\n(^١) عجز بيت في معاني القرآن للفراء ٢٢٨٣، واللسان (ز ع ب) غير منسوب، وصدره كما في اللسان:\n* من الزعب لم يضرب عدوا بسيفه *\n(^٢) الكرانف: جمع الكرناف والكرنافة، بضم الكاف وكسرها وهى أصل السعفة الغليظة في جذع النخلة. ينظر اللسان (كرنف).\n(^٣) البيت في الأصمعيات ص ٢٠٥، والحماسة لأبي تمام ١/ ٢٤٦، وخزانة الأدب ٧/ ١٠، ٨/ ٣١٩، ٣٢١.\n(^٤) القوانس: جمع قونس، وهو مقدم الرأس. الوسيط (ق ن س).\n(^٥) هو متمم بن نويرة يرثى أخاه مالكا، ديوان مالك ومتمم ابنى نويرة ص ١١١.\n(^٦) رواية الديوان: \"وكنا\"، والبيت من بحر الطويل وعلى الرواية ههنا بدون الواو يكون في البيت خرم، وهو حذف أول متحرك من الوتد المجموع في أول البيت. الكافي في العروض والقوافي ص ٢٧.\n(^٧) في النسخ: \"جمعها\". وينظر ما تقدم في ١٥/ ٣٠٩.\n(^٨) في م: \"مدة\".","vol":"24","page":23},{"text":"بلغني أن الحقبَ ثلاثُمِائةِ سنةٍ، كلُّ سنةٍ ثلاثمائةٍ وستون يومًا، كلُّ يومٍ ألفُ سنةٍ (^١).\nوقال آخرون: بل مدةُ الحقبِ الواحدِ ثمانون سنةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-9429>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: ثني عمارٌ الدُّهْنيُّ، عن سالمِ بن أبي الجعدِ، قال: قال عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁ لهلالٍ الهَجَريِّ: ما تَجِدونَ الحقبَ في كتابِ اللهِ المنزلِ؟ قال: نَجِدُه ثمانين سنةً، كلُّ سنةٍ اثنا عشرَ شهرًا، كلُّ شهرٍ ثلاثون يومًا، كلُّ يومٍ ألفُ سنةٍ (^٢).\nحدَّثنا تميمُ بنُ المنتصر، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن شريكٍ، عن عاصمِ بن أبى النَّجودِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ أنه قال: الحقبُ ثمانون سنةً، والسنةُ ستون وثلاثُمِائةِ يومٍ، واليومُ ألفُ سنةٍ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن أبي سنانٍ، عن ابنُ عباسٍ، قال: الحقبُ ثمانون سنةً (١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ في قولِه: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾. قال: الحقبُ ثمانون سنةً، السنةُ ثلاثُمِائةٍ وستون يومًا، اليومُ سنةٌ أو ألفُ سنةٍ (١). الطبريُّ يَشُكُّ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٧ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه هناد في الزهد (٢٢٠) من طريق سفيان به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٢ من طريق عمار الدهنى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه هناد في الزهد (٢١٩)، وتفسير مجاهد ص ٦٩٥ من طريق عاصم بن أبي النجود به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":24},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: وهو ما لا انقطاعَ له، كلما مضَى حقبٌ جاء حُقُبٌ بعدَه، وذُكِر لنا أن الحقبَ ثمانون سنةً (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَحْقَابًا﴾. قال: بلَغَنا أن الحقبَ ثمانون سنةً مِن سِنِى الآخرةِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: لا يَعْلَمُ عِدَّةَ هذه الأحقابِ إلا اللهُ، ولكنَّ الحقبَ الواحدَ ثمانون سنةً، والسنةُ ثلاثمائةٍ وستون يومًا، كلُّ يومٍ من ذلك ألفُ سنةٍ (^٣).\nوقال آخرون: الحقبُ الواحدُ سبعون (^٤) ألفَ سنةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9430>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني ابنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثني عمرُو بنُ أبي سلمةَ، عن زُهيرٍ، سالم، قال: سمِعْتُ الحسن يُسْأَلُ عن قولِ اللهِ: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾. قال: أما الأحقابُ فليس لها عِدَّةٌ إلا الخلودُ في النارِ، ولكن ذكَروا أن الحقبَ الواحدَ سبعون ألفَ سنةٍ، كلُّ يومٍ من تلك الأيامِ السبعين ألفًا، كألفِ سنةٍ مما تَعُدُّون (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٢ عن معمر به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٤) في ص، ت ١: \"أربعون\".\n(^٥) في ص، ت ١: \"نعده\".\nوالأثر ذكره ابنُ كثير في تفسيره ٨/ ٣٣٠ عن المصنف، وهو في تفسير مجاهد ص ٦٩٥ من طريق المبارك ابن فضالة، عن الحسن بمعناه.","vol":"24","page":25},{"text":"حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُليُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾. قال: أما الأحقابُ فلا يَدْرِى أحدٌ ما هي، وأما الحقبُ الواحدُ فسبعون ألفَ سنةٍ، كلُّ يومٍ كألفِ سنةٍ (^١).\nورُوِى عن خالدِ بن مَعْدانَ في هذه الآيةِ أنها في أهلِ القبلةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9431>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى عليُّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عامرِ بن جَشِيبٍ (^٢)، عن خالدِ بن مَعْدانَ في قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾. وقولِه: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]: إنهما في أهل التوحيدِ مِن أهل القبلةِ (^٣).\nفإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ في هذا الحديثِ؟ قيل: الذي قاله قتادةُ و(^٤) الربيعُ بنُ أنسٍ في ذلك أصحُّ. فإن قال: فما للكفارِ عندَ اللهِ عذابٌ إلا أحقابًا؟ قيل: إن قتادةَ والربيعَ قد قالا: إن هذه الأحقابَ لا انقضاءَ لها ولا انقطاعَ.\nوقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ معنى ذلك: لابثين فيها أحقابًا في هذا النوعِ مِن العذابِ، وهو أنهم ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾، فإذا انْقَضَت تلك الأحقابُ صار لهم من العذاب أنواعٌ غيرُ ذلك، كما قال جلَّ ثناؤُه في كتابِه: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (١١٨) من طريق هشام بن حسان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت: \"حسنة\"، وفى م: \"جشب\"، وفى ت ١: \"حسيب\". والمثبت مما تقدم في ١٢/ ٥٨١.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٣٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٧ إلى المصنف، وينظر ما تقدم في ١٢/ ٥٨١.\n(^٤) في النسخ: \"عن\". والمثبت هو الصواب، ويشير المصنف بذلك إلى الأثرين المرويين عن قتادة والربيع في الصفحة السابقة، وسيأتي ذلك في السطر التالى.","vol":"24","page":26},{"text":"فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٥ - ٥٨]. وهذا القولُ عندى أشبهُ بمعنى الآيةِ.\nوقد رُوِى عن مُقاتلِ بن حَيَّانَ في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا عمرُو بن أبي سلمةَ، قال: سأَلْتُ أبا معاذٍ الخُراسانيَّ عن قولِ اللهِ: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾. فأخْبرَنا عن مقاتلِ بن حَيانَ، قال: منسوخةٌ، نسخَتها: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ (^١).\nولا معنى لهذا القولِ؛ لأن قولَه: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾. خبرٌ، والأخبارُ لا يكونُ فيها نسخٌ، وإنما النسخُ يكونُ في الأمرِ والنهي.\n\n<span id=\"aya-5696\"></span>وقولُه: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾. يقولُ: لا يَطْعَمون فيها بردًا يُبَرِّدُ حرَّ السَّعيرِ عنهم إلا الغَسَّاقَ، ولا شرابًا يَروِيهم من شدةٍ العطشِ الذي بهم إلا الحميمَ.\nوقد زعم بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ (^٢) أن البردَ في هذا الموضعِ النومُ، وأن معنى الكلامِ: لا يذوقون فيها نومًا ولا شرابًا. واسْتَشْهد لقيله ذلك بقول الكِنْديِّ (^٣):\nبَرَدَتْ مراشِفُها عليَّ فصَدَّني … عنها وعن قُبُلاتِها البَرْدُ\nيعنى بالبردِ النُّعاسَ.\nوالنومُ إن كان يُبَرِّدُ غليل العطش، فقيل له من أجلِ ذلك: البردُ. فليس هو باسمِه المعروفِ، وتأويلُ كتابِ اللهِ على الأغلبِ من معروفِ كلام العربِ دونَ غيرِه.\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٣١٥، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٣٠.\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٢٨.\n(^٣) هو امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص ٢٣١.","vol":"24","page":27},{"text":"وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9432>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعٍ: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾: فاستَثْنَى مِن الشرابِ الحميمَ، ومِن البردِ الغَسَّاقَ (^١).\n\n<span id=\"aya-5697\"></span>وقوله: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا يَذُوقون فيها بردًا ولا شرابًا، إلا حميمًا قد أُغْلِى حتى انْتَهَى حرُّه، فهو كالمُهْلِ يَشوِى الوجوهَ، ولا بردًا إلا غَسَّاقًا.\nواختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى الغَسَّاقِ؛ فقال بعضُهم: هو ما سال مِن صَديدِ أهلِ جهنمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9433>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ ومحمدُ بنُ المثنى، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ ابنُ سعدٍ في قولِه: ﴿حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾. قال: هو الذي يَسِيلُ مِن جلودِهم (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: ثنا أبو عمرٍو، قال: زعَم عكرمةُ أنه حدَّثهم في قولِه: ﴿وَغَسَّاقًا﴾. قال: ما يَخْرُجُ مِن أبصارِهم من القَيْحِ والدمِ (^٣).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٣٠ عن الربيع، وأخرجه هناد في الزهد (٢٩٢) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٨ إلى عبد بن حميد عن أبي العالية أيضا.\n(^٢) أخرجه هناد في الزهد (٢٨٩) عن ابن إدريس به.\n(^٣) ينظر فتح البارى ٦/ ٣٣١.","vol":"24","page":28},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيم وأبى رَزينٍ: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾. قالا: غُسالة أهلِ النارِ. لفظُ ابنُ بشارٍ، وأما ابنُ المثنى فقال في حديثه: ما يَسِيلُ من صديدِهم (^١).\nوحدَّثنا ابنُ بشارٍ مرةً أُخرى، عن عبدِ الرحمنِ، فقال كما قال ابنُ المثنى.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿وَغَسَّاقًا﴾. قال: ما يَسِيلُ مِن صديدِهم.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، [عن أبي رَزِينٍ و] (^٢) إبراهيمَ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَغَسَّاقًا﴾: كنا نُحَدَّثُ أن الغساقَ ما يَسِيلُ مِن بين جلدِه ولحمِه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا الضحاكُ بنُ مَخْلَدٍ، عن سفيانَ أنه قال: بلَغَني أنه ما يَسِيلُ مِن دموعِهم.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَغَسَّاقًا﴾. قال: ما يسيلُ من صديدهم من البردِ. قال سفيانُ: وقال غيرُه: الدموعُ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٩٧ - زيادات نعيم بن حماد) من طريق سفيان به.\n(^٢) في النسخ: \"وأبى رزين عن\". والمثبت هو الصواب، وهو ما يناسب ما مضى وما سيأتي من أسانيد عن منصور عن أبي رزين وإبراهيم، وكذلك فإن سفيان ليست له رواية عن أبي رزين مسعود بن مالك. ينظر تهذيب الكمال ١١/ ١٥٤، ٢٧/ ٤٧٧.\n(^٣) أخرجه هناد في الزهد (٢٩١)، وابن أبي شيبة ١٣/ ٤١٩ عن وكيع به، وليس عند ابن أبي شيبة قول إبراهيم، وقول أبي رزين عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) تقدم تخريجه في ٢٠/ ١٢٨.","vol":"24","page":29},{"text":"حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾. قال: الحميمُ دموعُ أعينِهم في النارِ، يَجْتَمِعُ في خنادقِ النارِ فيُسْقَوْنه، والغساقُ: الصديدُ الذي يَخْرُجُ من جلودهم مما تَصْهَرُهم النارُ في حياضٍ يجتمعُ فيها فيُسْقَوْنه (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾. قال: الغساقُ ما يُقَطَّعُ (^٢) من جلودِهم، وما يَسِيلُ مِن نَتْنِهم (^٣).\nوقال آخرون: الغساقُ الزَّمْهَرِيرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9434>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾. يقولُ: الزمهريرُ (^٤).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ وابنُ المثنى، قالوا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعْتُ ليثًا، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾. قال: الذي لا يَسْتَطيعون أن يَذُوقوه من بردِه (^٥).\nقال (^٦): ثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾. قال: الذي لا يَسْتَطيعونه مِن بردِه.\n_________\n(^١) شطره الأول ذكره ابن رجب في التخويف من النار ص ١٥٢، وتقدم شطره الثاني في ٢٠/ ١٢٨.\n(^٢) في م: \"يقطر\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ٢٠/ ١٢٨.\n(^٤) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٥٦٧) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣١٨، ٦/ ٣٠٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) تقدم تخريجه في ٢٠/ ١٣٠، وأيضًا عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٨ إلى عبد الرزاق وابن المنذر، وزاد عزوه في المخطوطة المحمودية ص ٤٤٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) أي: المصنف.","vol":"24","page":30},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: الغساقُ الذي لا يُسْتطاعُ من بردِه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، قال: الغساقُ الزَّمْهَرِيرُ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: الغساقُ الزمهريرُ (^١).\nوقال آخرون: هو المُنْتِنُ، وهو بالطُّخاريةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9435>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثْتُ عن المسيبِ بن شَريكٍ، عن صالحِ بن حَيَّانَ، عن عبدِ اللهِ بن بُرَيدةَ قال: الغساقُ بالطُّخاريةِ هو المُنْتِنُ (^٢).\nوالغَسَّاقُ عندى هو الفَعَّالُ، من قولِهم: غسَقَتْ عينُ فلانٍ. إذا سالَت دموعُها، وغسَقَ الجُرْحُ. إذا سال صديدُه، ومنه قولُ اللهِ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣]. يعنى بالغاسقِ الليلَ إذا لبِس الأشياءَ وغطَّاها، وإنما أُرِيد بذلك هجومُه على الأشياءِ هجومَ السيلِ السائلِ، فإذ كان الغساقُ هو ما وصَفْتُ من الشيءِ السائلِ، فالواجبُ أن يقالَ: الذي وعَد اللهُ هؤلاء القومَ، وأخْبَر أنهم يَذُوقونه في الآخرةِ مِن الشرابِ، هو السائلُ من الزَّمهريرِ في جهنمَ، الجامعُ مع شدةِ بردِه النَّتْنَ.\nكما حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يَعْمَرُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: ثنا\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٢٨.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٢٠/ ١٣٠، وفيه: عن المسيب، عن إبراهيم النكرى، عن صالح بن حيان، عن أبيه .... وقوله: عن أبيه. وجاء هكذا في المطبوعة، لم يرد في النسخة ص، ت،١، والصواب حذفه كما في هذه النسخ، وكما ثبت عندنا هنا. ينظر الكامل لابن عدى ٤/ ١٣٧١.","vol":"24","page":31},{"text":"رِشْدِينُ بنُ سعدٍ، قال: ثني عمرُو بنُ الحارثِ، عن أبي السَّمْحِ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ قال: \"لو أن دَلْوًا مِن عَسَّاقِ يُهَرَاقُ إلى الدنيا، لأنْتَنَ أهلُ الدنيا\" (^١).\nحُدِّثْتُ محمدِ بن حربٍ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعَةَ، عن أبي قَبِيلٍ، عن أبي مالكٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرو أنه قال: أتَدْرُون أيُّ شيءٍ الغَسَّاقُ؟ قالوا: اللهُ أعلمُ. قال: هو القَيْحُ الغليظُ، لو أن قطرةً منه تُهَراقُ بالمغربِ لأَنْتَن أَهلُ المشرقِ، ولو تُهَراقُ بالمشرقِ لأنْتَن أهلُ المغربِ (^٢).\nفإن قال قائلٌ: فإنك قد قلتَ: إن الغساقَ هو الزمهرير، والزمهريرُ هو غايةُ البردِ، فكيف يكونُ الزمهريرُ سائلًا؟ قيل: إن البردَ الذي لا يُسْتطاعُ ولا يُطاقُ يكونُ صفةً في السائلِ من أجسادِ القومِ بين (^٣) القيحِ والصديدِ.\n\n<span id=\"aya-5698\"></span><span data-type='title' id=toc-9436>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: هذا العقابُ الذي عُوقِب به هؤلاء الكفارُ في الآخرةِ، فعله بهم ربُّهم ﴿جَزَاءً﴾. يعني: ثوابًا لهم على أفعالِهم وأقوالِهم الرديئةِ التي كانوا يَعْمَلونها في الدنيا. وهو مصدرٌ من قولِ القائلِ: وافَق هذا العقابُ هذا العملَ وفاقًا.\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣١٦ - زوائد نعيم بن حماد) - ومن طريقه الترمذى (٢٥٨٤) - عن رشدين بن سعد به. وتقدم في ٢٠/ ١٣٠.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٢٠/ ١٢٩.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".","vol":"24","page":32},{"text":"وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9437>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾. يقولُ: وافَق أعمالَهم (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾: وافق الجزاءُ أعمالَ القومِ؛ أعمالَ السَّوْءِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾. قال: بحسَبِ أعمالِهم.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ في قولِه: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾. قال: ثوابٌ وافَق أعمالَهم.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾. قال: عمِلوا شرًّا فجُزُوا شرًّا، وعملوا حسنًا فجُزُوا حسنًا. ثم قرَأ قولَ اللهِ: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠].\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾. قال: جزاءً وافَق أعمالَ القومِ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٥٢ - من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٨ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٣ عن معمر به.","vol":"24","page":33},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾. قال: وافَق الجزاءُ العملَ (^١).\n\n<span id=\"aya-5699\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن هؤلاء الكفارَ كانوا في الدنيا لا يَخافون محاسبةَ اللهِ إياهم في الآخرةِ على نِعَمهِ عليهم، وإحسانِه إليهم، وسوءِ شكرِهم له على ذلك.\nوبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9438>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾. قال: لا يُبالُون فيُصَدِّقون بالغيبِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾. أي: لا يَخافون حسابًا.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾. قال: لا يُؤْمنون بالبعثِ ولا بالحسابِ، وكيف يَرْجو الحسابَ مَن لا يُوقِنُ أنه يَحْيَا، ولا يُوقِنُ بالبعثِ. وقرأ قولَ اللهِ: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ إلى: ﴿أَسَاطِيرُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٩٥، ومن طريقه عبد بن حميد في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٥٩ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٨ إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":34},{"text":"الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٨١ - ٨٣]. وقرَأ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧]، فقال بعضُهم لبعضٍ: ما له، ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨]: الرجلُ مجنونٌ حينَ يُخْبِرُنا بهذا؟\n\n<span id=\"aya-5700\"></span>وقولُه: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكذَّب هؤلاءِ الكفارُ بحُججِنا وأدلتِنا تكذيبًا. وقيل: ﴿كِذَّابًا﴾. ولم يُقَلْ: تكذيبًا. تصديرًا على فعلِه.\nوكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: قيل ذلك لأن \"فعَّل\" منه على أربعةٍ، فأراد أن يجعلَه مثلَ بابِ \"أفْعَلْتُ\"، ومصدرُ \"أفْعَلْتُ\" إفْعالًا، فقال: ﴿كِذَّابًا﴾. فجعَله على عددِ مصدرِه. قال: وعلى هذا القياسِ تقولُ: قاتَل قِتّالًا. قال: وهو من كلامِ العربِ.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (^١): هذه لغةٌ يمانيَةٌ فصيحةٌ، يقولون: كذَّبْتُ به كِذَّابًا، وخرَّقْتُ القميصَ خِرَّاقًا. وكلُّ (فعَّلت)، فمصدرُها \"فِعَّالٌ\" في لغتِهم مشدَّدةً. قال: وقال لى أعرابيٌّ مرةً على المروةِ يَسْتَفْتِيني: آلحَلْقُ أحبُّ إليك أم القِصَّارُ؟ قال: وأَنْشَدنى بعضُ بني كلابٍ (^٢):\nلقد طال ما ثبَّطْتَني عن صَحابتي … وعن حِوَجٍ قِضّاؤُها (^٣) من شِفائِيَا\nوأجْمَعَت القرأةُ على تشديد الذالِ مِن الكِذَّابِ في هذا الموضعِ، وكان الكسائيُّ خاصةً يُخَفِّفُ الثانيةَ، وذلك في قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾.\n_________\n(^١) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٢٩.\n(^٢) معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٢٩، واللسان (ك ذ ب، ح وج، ق ض ى) غير منسوب.\n(^٣) الحِوَج: جمع الحاجة. وقضاؤها: مصدر من قَضَّى، أو يعنى: اقتضاؤها. ينظر اللسان (ح وج، ق ض ى).","vol":"24","page":35},{"text":"ويقولُ: هو مِن قولِهم: كاذَبْتُه كِذَابًا ومُكاذَبةً. ويُشَدِّدُ هذه، ويقولُ: قولُه: ﴿وَكَذَّبُوا﴾ يُقَيِّدُ الكِذَّابَ بالمصدرِ (^١).\n\n<span id=\"aya-5701\"></span>وقولُه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكلُّ شيءٍ أَحْصَيْناه فكتَبْناه كتابًا؛ كتَبْنا عددَه ومبلغَه وقدرَه، فلا يَعْزُبُ عنا علمُ شيءٍ منه.\nونصَب ﴿كِتَابًا﴾؛ لأن في قولِه: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ مصدرَ \"أَثْبَتْنَاه وكتَبْناه\"، فكأنه قيل: وكلَّ شيءٍ كتَبْناه كتابًا.\n\n<span id=\"aya-5702\"></span>وقولُه: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: يقالُ لهؤلاء الكفارِ في جهنمَ إذا شرِبوا الحميمَ والغَسَّاقَ: ذُوقوا أيُّها القومُ مِن عذابِ اللهِ الذي كنتم به في الدنيا تُكَذِّبون، فلن نَزيدَكم إلا عذابًا على العذابِ الذي أنتم فيه، لا تخفيفًا منه ولا تَرَفُّهًا.\nوقد حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أبي أيوب الأزديِّ، عن عبد اللهِ بن عمرٍو، قال: لم تَنْزِلْ على أهلِ النارِ آيةٌ أَشدُّ مِن هذه: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾. قال: فهم في مزيدٍ من العذابِ أبدًا (^٢).\n\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾. قال: فهم في مزيدٍ من العذابِ أبدًا.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾: ذُكِر لنا أن عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو كان يقولُ: ما نزلَت على أهلِ النارِ آيةٌ أشدُّ منها: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾. فهم في مزيدٍ من اللهِ أبدًا.\n_________\n(^١) ينظر الكشف ٢/ ٣٥٩، والنشر ٢/ ٢٩٧.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٣١ عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":36},{"text":"<span id=\"aya-5703\"></span><span data-type='title' id=toc-9440>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥)﴾.</span>\nيقولُ: إن للمتقين مَنْجًى مِن النارِ إلى الجنةِ، ومَخْلَصًا منها لهم إليها، وظَفَرًا بما طلَبوا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9439>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾. قال: فازوا بأن نجَوْا من النارِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾: إى واللهِ، مفازًا مِن النارِ إلى الجنةِ، ومن عذابِ اللهِ إلى رحمتِه.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾. قال: مفازًا مِن النارِ إلى الجنةِ (^٢).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾. يقولُ: مُتَنزَّهًا (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٩٦. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٣ عن معمر. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابنُ أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٥٢ - من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٨ إلى البيهقي في البعث.","vol":"24","page":37},{"text":"<span id=\"aya-5704\"></span>وقولُه: ﴿حَدَائِقَ﴾. والحدائقُ ترجمةٌ وبيانٌ عن المفازِ، وجاز أن يُتَرْجَمَ بها عنه؛ لأن المفازَ مصدرٌ من قولِ القائلِ: فاز فلانٌ بهذا الشيءِ. إذا طلَبه فظفِر به، فكأنه قيل: إن للمتقين ظَفَرًا بما طلَبوا من حدائقَ وأعنابٍ.\nوالحدائقُ جمعُ حديقةٍ، وهى البساتينُ من النخلِ والأعنابِ والأشجارِ المحوطِ عليها الحيطانُ المُحْدِقةُ بها؛ ولإحداقِ الحيطانِ بها تُسَمَّى الحديقةُ حديقةً، فإن لم تكنِ الحيطانُ بها مُحْدِقةً، لم يُقَلْ لها: حديقةٌ. وإحداقُها بها اشتمالُها عليها.\nوقولُه: ﴿وَأَعْنَابًا﴾. يعنى: وكُرُومَ أعنابٍ. واستُغْنِى بذكرِ الأعنابِ عن ذكرِ الكُرُومِ.\n\n<span id=\"aya-5705\"></span>وقولُه: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾. يقولُ: ونَواهِدَ في سنٍّ واحدةٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9441>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَكَوَاعِبَ﴾. يقولُ: ونَواهِدَ. وقولَه: ﴿أَتْرَابًا﴾. يقولُ: مُسْتَوِياتٍ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾: يعنى النساءَ المستوياتِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٣/ ٥٠١ - والبيهقي في البعث والنشور (٣٧٧) من طريق أبي صالح به.","vol":"24","page":38},{"text":"﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾. قال: نواهِدَ، ﴿أَتْرَابًا﴾. يقولُ: سنٌّ واحدةٌ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ثم وصَف ما في الجنةِ قال: ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾: يعنى بذلك النساءَ، ﴿أَتْرَابًا﴾: لسنٍّ واحدةٍ.\nحدَّثني عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنُ جريجٍ، قال: الكواعبُ النَّواهدُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾. قال: الكواعبُ التي قد نهَدَت، وكعَب ثديُها. وقال: ﴿أَتْرَابًا﴾: مستوياتٍ، فلانةُ ترْبةُ فلانةَ. قال: الأترابُ اللِّدَاتُ.\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى بنُ سليمانَ، عن ابنُ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾: لِدَاتٍ.\n\n<span id=\"aya-5706\"></span>وقولُه: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾. يقولُ: وكأسًا مَلْأَى مُتَتابعةً على شاربيها بكثرةٍ وامتلاءٍ. وأَصْلُه مِن الدَّهقِ، وهو متابعةُ الضغطِ على الإنسانِ بشدةٍ وعنفٍ، وكذلك الكأسُ الدِّهَاقُ، متابعتُها على شارِبيها بكثرةٍ وامتلاءٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9442>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مَرْوانُ، قال: ثنا أبو يزيدَ يحيى بنُ مَيْسرةَ، عن مسلمِ بن نِسْطاسٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ لغلامِه: اسْقِنى دِهاقًا. قال: فجاء بها\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٣ عن معمر به. وتقدم في ٢٢/ ٣٢٨، ٣٢٩.","vol":"24","page":39},{"text":"الغلامُ مَلْأَى، فقال ابنُ عباسٍ: هذا الدِّهاقُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا موسى بنُ عُميرٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾. قال: مَلْأَى (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: أَخْبَرنى سليمانُ بنُ بلالٍ، عن جعفرٍ بن محمدٍ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: سمِعتُ ابنُ عباسٍ يُسْأَلُ عن: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾. قال: دِراكًا. قال يونُسُ: قال ابنُ وهبٍ: الذي يَتْبَعُ بعضُه بعضًا.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾. يقولُ: ممتلئًا (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قال: ثنا حميدٌ الطويلُ، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرةَ في قولِه: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾. قال: دَمادُمَ (^٣).\nقال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا أبو رَجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾. قال: مَلْأَى (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن يونُسَ، عن الحسنِ: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾. قال: المَلْأَى.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه البيهقى في البعث والنشور (٣٥٧) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٩ إلى المصنف وعبد بن حميد. قال السيوطي بعد إيراده هذا الأثر: فارسي بمعنى متتابعة. وينظر المعجم الذهبي ص ٢٧٦.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":40},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾. قال: مَلْأَى (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عَديٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن سعيدِ بن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾. قال: مُتْرَعةً مَلْأَى.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾. قال: الدِّهاقُ المَلْأَى المُتْرَعةُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾. قال: الدِّهاقُ الممتلئةُ (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾. قال: الدِّهاقُ المملوءةُ.\nوقال آخرون: الدِّهاقُ الصافيةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9443>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ يحيى الأزديُّ وعباسُ بنُ محمدٍ، قالا: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عطاءٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾. قال: صافيةً (^٣).\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٣٣٢.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٣ عن معمر به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٩ إلى المصنف","vol":"24","page":41},{"text":"وقال آخرون: بل هي المتتابعةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9444>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال سعيدُ بنُ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾: المتابعةَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾. قال: المتتابعَ (^٢).\nحدَّثنا عمرٍو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا جريرٌ، عن حُصين، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾. قال: المَلْأَى المتتابعةَ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾. قال: المتتابعةَ.\nوقولُه: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا يَسْمَعون في الجنةِ ﴿لَغْوًا﴾. يعنى: باطلًا من القولِ، ﴿وَلَا كِذَّابًا﴾. يقولُ: ولا مُكاذَبةً.\nأي: لا يَكْذِبُ بعضُهم بعضًا.\nوقرَأَتِ القرأة في الأمصارِ بتشديدِ الذالِ على ما بيَّنْتُ في قولِه: ﴿وَكَذَّبُوا\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٣ عن معمر به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٦٩٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد بن حميد - كما في تعليق التعليق ٣/ ٥٠١ - والحاكم ٢/ ٥١٢، والبيهقي في البعث والنشور (٣٥٨) من طريق حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٩ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. وأخرجه البخارى (٣٨٣٩) من طريق حصين، عن عكرمة قوله.","vol":"24","page":42},{"text":"بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ سوى الكِسائيِّ، فإنه خفَّفها لما وصَفْتُ قبلُ (^١)، والتشديدُ أحبُّ إليَّ من التخفيفِ، وبالتشديدِ القراءةُ، ولا أرَى قراءةَ ذلك بالتخفيفِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ على خلافِه (^٢)، ومن التخفيفِ قولُ الأعشى (^٣):\nفصدَقْتُها وكذَبْتُها … والمرءُ يَنْفَعُه كِذَابُهْ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9445>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾. قال: باطلًا وإثمًا (^٤).\n\n<span id=\"aya-5707\"></span>حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾. قال: وهى كذلك ليس فيها لغوٌ ولا كِذَّابٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9446>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾.</span>\nيعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾: أعْطَى اللهُ هؤلاء المتقين ما وصف في هذه الآياتِ؛ ثوابًا مِن ربِّك بأعمالهم على طاعتِهم إياه في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-5708\"></span>وقولُه: ﴿عَطَاءً﴾. يقولُ: تفضُّلًا مِن اللهِ عليهم بذلك الجزاءِ. وذلك أنه\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ص ٣٥، ٣٦.\n(^٢) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٣) البيت في الكامل للمبرد ٢/ ٢١٠.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":43},{"text":"جَزاهم بالواحدِ عشْرًا في بعضٍ، وفى بعضٍ بالواحدِ سبعَمائةٍ، فهذه الزيادةُ، وإن كانت جزاءً، فعطاءٌ مِن اللهِ.\nوقولُه: ﴿حِسَابًا﴾. يقولُ: مُحاسَبةً لهم بأعمالِهم لله في الدنيا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9447>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾. قال: عطاءً منه، حسابًا لِما عمِلوا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾: أي: عطاءً كثيرًا، فجزاهم بالعملِ اليسيرِ الخيرَ الجسيمَ الذي لا انقطاعَ له.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾. قال: عطاءً كثيرًا. وقال مجاهدٍ: عطاءً مِن اللهِ، حسابًا بأعمالهم (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: سَمِعْتُ ابنُ زيدٍ يقولُ في قولِ اللهِ: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾. فقرأ: هو ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ إلى: ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾. قال: فهذا (^٣) جزاءً بأعمالهم،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٩٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٩ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٣ عن معمر به.\n(^٣) في م: \"فهذه\".","vol":"24","page":44},{"text":"عطاءٍ الذي أعْطاهم، عملوا له واحدةً، فجزاهم عشرًا. وقرأ قولَ اللهِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]. قال: يَزيدُ مَن يَشَاءُ، كان هذا كلُّه عطاءً، ولم يكنْ أعمالًا يَحْسُبُه لهم، فجزاهم به، حتى كأنهم عملوا له. قال: ولم يَعْمَلُوا، إنما عمِلوا عشرًا فأعطاهم مائةً، وعملوا مائةً فأعطاهم ألفًا، هذا كلُّه عطاءٌ، والعملُ الأولُ، ثم حسَب ذلك حتى كأنهم عمِلوا، فجزَاهم كما جزَاهم بالذي عمِلوا.\n\n<span id=\"aya-5709\"></span>وقولُه: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: جزاءً مِن ربِّك ربِّ السماوات السبعِ والأرضِ وما بينَهما مِن الخلقِ.\nواختَلَف القرأةُ في قراءة ذلك، فقرأَته عامةُ قرأةِ المدينة: (ربُّ السمواتِ والأرضِ وما بينَهما الرحمنُ) بالرفع في كليهما (^١). وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ البصرةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿رَبِّ﴾ خفضًا، [و﴿الرَّحْمَنِ﴾ كذلك خفضًا (^٢). وقرَأه بعضُ قرأةِ مكةَ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ: (ربِّ) خفضًّا] (^٣)، و(الرحمنُ) رفعًا (^٤). ولكلِّ ذلك عندَنا وجهٌ صحيحٌ، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أن الخفضَ في \"الربِّ\" القريه مِن قولِه: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾. أعجبُ إليَّ، وأما (الرحمنُ) بالرفعِ، فإنه أحسنُ؛ لبعدِه مِن ذلك.\nوقولُه: ﴿الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ يقولُ تعالى ذكرُه:\n_________\n(^١) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر. ينظر النشر ٢/ ٢٩٧.\n(^٢) وهى قراءة ابن عامر وعاصم ويعقوب. المصدر السابق.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) وهى قراءة حمزة والكسائى وخلف. المصدر السابق.","vol":"24","page":45},{"text":"الرحمنُ لا يَقْدِرُ أَحدٌ مِن خلقه خطابه يومَ القيامة، إلا مِن أذن له منهم، وقال صوابًا\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9448>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدِّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾. قال: كلامًا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾: أي: كلامًا.\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾. قال: لا يَمْلِكون أن يُخاطبوا الله، والمخاطِبُ المُخاصِمُ الذي يُخاصِمُ صاحبه.\n\n<span id=\"aya-5710\"></span>وقولُه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾. اخْتَلَف أهلُ العلم في معنى الروحِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو مَلَكٌ مِن أعظمِ الملائكة خَلْقًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-9449>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا رَوَّادُ بنُ الجَرَّاحِ، عن أبي حمزةَ، عن الشعبيِّ، عن علقمةَ، عن ابن مسعودٍ، قال: الرُّوحُ مَلَكٌ في السماءِ الرابعةِ، هو\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٦٩٦. وأخرجه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٥٩ - من طريق ورقاء به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":46},{"text":"أعظمُ مِن السماواتِ، ومِن الجبال، ومن الملائكةِ، يُسَبِّحُ الله كلَّ يومٍ اثْنَيْ عَشَرَ أَلفَ تسبيحةٍ، يَخْلُقُ اللهُ مِن كلِّ تسبيحةٍ مَلَكًا مِن الملائكةِ، يَجِيءُ يومَ القيامةِ صفًّا وحدَه (^١).\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ﴾. قال: هو ملكٌ أعظمُ الملائكةِ خَلْقًا (^٢).\nوقال آخرون: هو جبريلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9450>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سِنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾. قال: جبريلُ ﵇ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الضحاِك: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾. قال: الروحُ جبريلُ ﵇.\nحدَّثنا محمدُ بنُ خلف العسقلانيُّ، قال: ثنا رَوَّادُ بنُ الجَرَّاح، عن أبي حمزةَ، عن الشعبيِّ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾. قال: الروحُ جبريلُ ﵇ (^٤).\nوقال آخرون: هو خَلْقٌ مِن خلق الله في صورة بني آدم.\n_________\n(^١) ذكرُه ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٣٣ عن المصنف، وقال: وهذا قول غريب جدا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٩ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤١٣)، والبيهقى في الأسماء والصفات (٧٨٠) من طريق أبي صالح به.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٩ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وينظر ما تقدم في ١٥/ ٧١.\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤١٦) من طريق أبى سنان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٣٣٣.","vol":"24","page":47},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9451>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الروحُ خلقٌ على صورةِ بنى آدمَ، يَأْكُلون ويَشْرَبون (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مسلمٍ، عن مجاهدٍ، قال: الرُّوحُ خلقٌ لهم أيدٍ وأرجلٌ - وأُراه قال: ورءوس - يَأْكلون الطعامَ، ليسوا ملائكةً (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالحٍ (^٣)، قال: يُشبهون الناس، وليسوا بالناسِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن مجاهدٍ، قال: الرُّوحُ خَلْقٌ كخلقِ آدمَ (^٥).\nحدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ في قولَه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾. قال: الروحُ خلقٌ مِن خلقِ اللهِ، يَضْعُفون على الملائكة أضعافًا، لهم أيدٍ وأرجلٌ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٤ وأبو الشيخ في العظمة (٤١٤) من طريق سفيان به. وأخرجه أبو الشيخ (٤٢٥) من طريق ابن أبي نجيح به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٤ عن سفيان به.\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن أبي خالد\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٤، وأبو الشيخ في العظمة (٤١٥) من طريق سفيان به، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٧٨٩) من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٠٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٧٨٣) من طريق شعبة به، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤٢٤) من طريق الأعمش به.\n(^٦) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٣٣٣.","vol":"24","page":48},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيم، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمان، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ مولى أمِّ هانئ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ﴾. قال: الروحُ خلقٌ كالناسِ، وليسوا بالناس.\nوقال آخرون: هم بنو آدمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9452><span data-type='title' id=toc-9454><span data-type='title' id=toc-9455>ذكرُ مَن قال ذلك</span></span></span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾. قال: هم بنو آدمَ. وهو قول الحسنِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنُ في قولَه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾. قال: الروحُ بنو آدمَ. وقال قتادةَ: هذا مما كان يَكْتُمُه ابنُ عباسٍ (^٢).\nوقال آخرون: قيل: ذلك أرواحُ بني آدمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9453>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾. قال: يعنى حينَ تقوم أرواحُ الناسِ مع الملائكةِ فيما بين النفختين، قبلَ أن تُردَّ الأرواحُ إلى\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٣ عن معمر عن قتادة، وليس فيه: وهو قول الحسن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (٢٠٩) من طريق خليد بن دعلج، عن الحسن. وليس فيه قول قتادة وأخرج عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٤ عن معمر عن قتادة عن ابن عباس: هم على صورة بني آدم. وينظر ما تقدم في ١٥/ ٧١.","vol":"24","page":49},{"text":"الأجسادِ (^١).\nوقال آخرون: هو القرآنُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9456>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: كان أبي يقولُ: الروحُ القرآنُ. وقرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ (^٢) [الشورى: ٥٢].\nوالصوابُ مِن القولِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أَخْبَر أَن خَلْقَه لا يملكون منه خطابًا يومَ يقومُ الروحُ، والروحُ خلقٌ مِن خلقه، وجائزٌ أن يكونَ بعضَ هذه الأشياءِ التي ذَكَرْتُ، والله أعلمُ أيُّ ذلك هو، ولا خبر بشيءٍ مِن ذلك أنه المعنيُّ به دونَ غيره يَجِبُ التسليمٌ له، ولا حجةَ تَدُلُّ عليه، وغيرُ ضائرٍ الجهلُ به.\nوقيل: إنه يقومُ (^٣) سِماطان (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قال: أخبَرنا منصورٍ بنُ عبدِ الرحمن، عن الشَّعْبيِّ في قولَه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾. قال: هما [سِيماطا ربِّ] (^٥) العالمين يومَ القيامةِ؛ سِماطٌ مِن الرُّوحِ، وسِماطٌ مِن الملائكةِ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٧٨٤) مِن طريق محمد بن سعد به.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٣٣٣.\n(^٣) في م: (يقول).\n(^٤) السماط: الصف. الوسيط (س م ط).\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢ ت: \"سماطان رب\"، وفى م: \"سماطان لرب\". والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٦) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤١٧) من طريق ابن علية به.","vol":"24","page":50},{"text":"وقولُه: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾، قيل: إنهم يُؤْذَنُ لهم في الكلامِ حينَ يُمَرُّ (^١) بأهلِ النارِ إلى النارِ، وبأهلِ الجنةِ إلى الجنةِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمانَ، عن أبيه، قال: ثنا أبو عمرٍو الذي يَقُصُّ في طَيِّئ، عن عكرِمةَ، وقرَأ هذه الآية: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾. قال: يُمَرُّ بأُناسٍ مِن أهلِ النارِ على ملائكةٍ، فيقولون: أين تَذْهَبون بهؤلاءِ؟ فيقالُ: إلى النارِ. فيقولون: بما كسَبَت أيديهم، وما ظَلَمَهم اللهُ. ويُمرُّ بأناسٍ مِن أهلِ الجنةِ على ملائكةٍ، فيقال: أين تَذْهبون بهؤلاءِ؟ فيقولون: إلى الجنةِ. فيقولون: برحمةِ اللهِ دخَلْتُم الجنةَ. قال: فيُؤْذَنُ لهم في الكلامِ. أو نحوَ ذلك.\nوقال آخرون: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ بالتوحيدِ، ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ في الدنيا، فوحَّد الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-9457>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾. يقولُ: إلا مِن أذن له الربُّ بشهادةِ ألا إلهَ إلا اللهُ، وهى مُنْتَهَى الصوابِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾. قال: قال حقًّا في الدنيا وعمل به (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"يؤمر\".\n(^٢) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٢٠٦) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٠ إلى ابن المنذر.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٩٦، وأخرجه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٥٩ - عن ورقاء به، وعزاه =","vol":"24","page":51},{"text":"حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾. قال: لا إله إلا اللهُ (^١).\nقال أبو حفصٍ: فحدَّثْتُ به يحيى بن سعيدٌ، فقال: أنا كتَبْتُه عن عبدِ الرحمنِ بن مهديٍّ، عن أبي معاويةَ، حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ العَدَنيُّ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾. قال: لا إله إلا اللهُ (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخْبَر عن خلقِه أنهم لا يَتَكَلَّمون يومَ يقومُ الروحُ والملائكةُ صفًا إلا مَن أذِن له منهم في الكلامِ الرحمنُ وقال صوابًا. فالواجبُ أن يقالَ كما أخْبَر، إذ لم يُخْبِرْنا في كتابِه، ولا على لسان رسولِه، أنه عنَى بذلك نوعًا مِن أنواع الصوابِ، والظاهرُ مُحْتَمِلٌ جميعَه.\n\n<span id=\"aya-5711\"></span><span data-type='title' id=toc-9458>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ﴾. يعنى يومَ القيامةِ، وهو يومَ يقومُ الروحُ والملائكةُ صفًا، ﴿الْحَقُّ﴾. يقولُ: حقٌّ أنه كائنٌ، لا شكَّ فيه.\nوقولُه: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾. يقولُ: فمن شاء مِن عبادِهِ اتَّخَذ\n_________\n= السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٠ إلى عبد بن حميد.\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٣٣٤.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢٠٥) من طريق حفص بن عمر، عن الحكم، عن عكرمة، عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":52},{"text":"بالتصديقِ بهذا اليومِ الحقِّ، والاستعدادِ له، والعملِ بما فيه النَّجَاءُ (^١) له مِن أهوالِه - ﴿مَآبًا﴾. يعنى: مَرْجِعًا، وهو مَفْعِلٌ، مِن قولهم: آب فلانٌ مِن سفره. كما قال عَبِيدٌ (^٢):\nوكلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ … وغائبُ الموتِ لا يَئُوبُ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9459>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ قال: اتَّخَذوا إلى اللهِ مآبًا بطاعتِه وما يُقَرِّبُهم إليه.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾. قال: سبيلًا (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٌ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿مَآبًا﴾. يقولُ: مَرْجِعًا، مَنْزِلًا.\n\n<span id=\"aya-5712\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾. يقولُ: إنا حذَّرناكم أيُّها الناسُ عذابًا قد دنا منكم وقرُب، وذلك ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ﴾ المؤمِنُ ﴿مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ مِن خيرٍ اكْتَسَبه في الدنيا، أو شرٍّ [سَلَف منه] (^٤)، فيرجو ثوابَ اللهِ على صالحٍ أعمالِه، ويَخافُ عقابه على سيِّئِها.\n_________\n(^١) في م: (النجاة). وكلاهما بمعنى.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٤/ ٥٦٢.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في م: \"سلفه\".","vol":"24","page":53},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9460>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾. قال: المرءُ المؤمنُ يَحْذَرُ الصغيرةَ ويَخافُ الكبيرةَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن محمدِ بن جُحَادةَ، عن الحسنِ: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾. قال: المرء المؤمنُ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمدِ بن جُحَادةَ، عن الحسنُ في قولِه: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾. قال: المرءُ المؤمنُ.\nوقولُه: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويقولُ الكافرُ يومَئِذٍ تَمنيًا؛ لما يَلْقَى مِن عذاب الله الذي أعَدَّه لأصحابِه الكافرين به: يا ليتَني كنتُ ترابًا، كالبهائمِ التي جُعِلَت تُرابًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9461>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وابنُ أَبي عَدِيٍّ، قالا: ثنا عوفٌ، عن أبي المغيرةِ، عن عبدِ الله بن عمرٍو، قال: إذا كان يومُ القيامةِ [مُدَّتِ الأرضُ] (^٢) مدَّ الأديم، وحُشِر الدوابُّ والبهائمُ والوحشُ، ثم يُجْعَلُ (^٣) القِصاصُ بينَ\n_________\n(^١) أخرجه ابنُ أبي الدنيا في الأهوال (٢١١) من طريق وكيع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من النسخ، والمثبت من المستدرك.\n(^٣) في م: \"يحصل\".","vol":"24","page":54},{"text":"الدوابِّ؛ يُقْتَصُّ للشاةِ الجَمَّاءِ مِن الشاةِ القَرْناءِ نطَحَتْها، فإذا فُرِغ مِن القصاصِ بينَ الدوابِّ، قال لها: كونى ترابًا. قال: فعندَ ذلك يقولُ الكافر: يا ليتني كنتُ ترابًا (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: وحدَّثني جعفرُ بنُ برقان، عن يزيدُ بن الأصمِّ، عن أبي هريرةَ، قال: إن الله يَحْشُرُ الخلق كلَّهم، كلَّ دابةٍ وطائرٍ وإنسانٍ، يقولُ للبهائمِ والطيرِ: كونوا ترابًا. فعندَ ذلك يقولُ الكافر: يا ليتني كنتُ ترابًا (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا المحاربيُّ عبدُ الرحمنُ بن محمدٍ، عن إسماعيلَ بن رافعٍ المدنيِّ، عن يزيدُ بن زيادٍ، عن محمدُ بنُ كعب القُرَظِيِّ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ الله ﷺ قال: \"يَقْضِى الله بين خلقه؛ الجنِّ والإنسِ والبهائمِ، وإنه ليُقِيدُ يومَئِذٍ الجَمَّاءَ مِن القَرْناءِ، حتى إذا لم تَبْقَ تَبِعَةٌ عندَ واحدةٍ لأخرى، قال اللهُ: كونوا ترابًا. فعند ذلك يقولُ الكافرُ: يا ليتنى كنتُ ترابًا\" (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولِه: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾: وهو الهالكُ المُفرِّطُ العاجزُ، وما يَمْنَعُه أن يقولَ ذلك وقد راج عليه عوْراتُ عملِه، وقد استَقبَلَ الرحمنَ وهو عليه غضبانُ، فتَمَنَّى الموتَ يومئذٍ، ولم يكنْ في الدنيا شيءٌ أكره عنده من الموتِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابنُ أبي الدنيا في الأهوال (٢٢٤)، والحاكم ٤/ ٥٧٥ من طريق عوف به بنحوه، واقتصر في الأهوال على الشطر الثاني من الأثر: إذا فرغ …\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٤ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والنشور.\n(^٣) جزء من حديث طويل تقدم تخريجه في ٣/ ٦١٣.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٠ إلى عبد بن حميد وابن شاهين في العجائب والغرائب.","vol":"24","page":55},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن أبي الزنادِ عبدِ اللهِ بن ذَكْوانَ *، قال: إذا قُضى بينَ الناس، وأُمِر بأهلِ النارِ إلى النارِ، قيل لمؤمنى الجنِّ ولسائر الأمم سوى ولدِ آدمَ: عُودوا ترابًا. فإذا نظر الكفارُ إليهم قد عادوا ترابًا، قال الكافرُ: يا ليتني كنتُ ترابًا.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ في قولِه: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾. قال: إذا قيل للبهائمِ: كونوا ترابًا. قال الكافر: يا ليتني كنتُ ترابًا.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"عم يتساءلون\"\n_________\n* من هنا خرم في ت ٢، وينتهي في ص ٦٦.","vol":"24","page":56},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-5713\"></span><span data-type='title' id=toc-9462>تفسيرُ سورةِ \"النازعات\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-9464>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾.</span>\nأقْسَم ربُّنا ﷻ بالنازعاتِ، واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فيها؛ ما هي، وما تَنْزِعُ؟ فقال بعضُهم: هم الملائكةُ التي تَنْزِعُ نفوس بنى آدمَ، والمنزوعُ نفوسُ الآدميين.\n\n<span data-type='title' id=toc-9463>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا إسحاقُ بنُ أبى إسرائيلَ، قال: ثنا النضرُ بن شُميلٍ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن سليمانَ، قال: سَمِعْتُ أبا الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾. قال: الملائكةُ (^١).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، أنه كان يقولُ في النازعات: هي الملائكةُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يوسفُ بن يعقوبَ، قال: ثنا شعبةُ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، في النازعاتِ، قال: حينَ تَنْزِعُ نفسه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤٩٣) من طريق أبى معاوية به.","vol":"24","page":57},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ قولِه: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾. قال: تَنْزِعُ الأنفس.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾. قال: نُزعت أرواحُهم، ثم غُرِّقت، ثم قُذف بها في النارِ (^١).\nوقال آخرون: بل هو الموتُ يَنْزِعُ النفوس.\n\n<span data-type='title' id=toc-9465>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانُ، عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾. قال: الموتُ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٌ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانُ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله (^٢).\nوقال آخرون: بل هي النجومُ تَنْزِعُ مِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ.\nحدَّثنا الفضلُ بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو قتيبةَ، قال: ثنا أبو العَوَّامِ، أنه سمع الحسنُ في: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾. قال: النجومُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٣٥.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤٦٤) مِن طريق ابن مهدي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه مجاهد في تفسيره ص ٧٠١، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٥ كلاهما من طريق آخر عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١١ إلى ابن المنذر.","vol":"24","page":58},{"text":"﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾. قال: النجومُ (^١).\nوقال آخرون: هي القِسِيُّ تَنْزِعُ بالسهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-9466>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن واصلِ بن السائبِ، عن عطاءٍ: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾. قال: القِسِيُّ (^٢).\nوقال آخرون: هي النفس حين تُنْزَعُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9467>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانُ، عن السديِّ: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾. قال: النفسُ حينَ تَغْرَقُ في الصَّدْرِ (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: إِنَّ الله تعالى ذكرُه أَقْسَم بالنازعات غرقًا، ولم يَخْصُص نازعةً دونَ، نازعةٍ، فكلُّ نازعةٍ غَرْقًا فداخلةٌ في قَسَمه، مَلَكًا كان، أو موتًا، أو نجما، أو قوسا، أو غير ذلك. والمعنى: والنازعات إغراقًا. كما يَغْرَقُ النازعُ في القوسِ.\n\n<span id=\"aya-5714\"></span>وقولُه: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ أيضًا فيهنَّ؛ ما هن، وما الذي يَنْشِطُ؟ فقال بعضُهم: هم الملائكةُ، تَنشِط نفس المؤمن فتَقْبِضُها، كما يُنشَط العِقالُ مِن البعير إذا حُلَّ عنها (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٥ عن معمر عن قتادة بلفظ: هذه النفوس. وأخرج عبدِ الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٥ عن معمر عن الحسن: هذه كلها نجوم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٠، ٣١١ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) في م: \"عنه\".","vol":"24","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9468>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾. قال: الملائكةُ وكان الفراء يقولُ (^١): الذي سمِعتُ مِن العرب أن يقولوا: أنشطتُ. و: كأنما أُنْشِط مِن عقالٍ. وربطها نشَطها، والرابطُ الناشِطُ. قال: وإذا ربَطتَ الحبلَ في يدِ البعيرِ فقد نشَطتَه تَنْشِطه، وأنت ناشِطٌ، وإذا حلَلْته فقد أَنْشَطته.\nوقال آخرون: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾: هو الموتُ؛ يَنشِطُ نفس الإنسان.\n\n<span data-type='title' id=toc-9469>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ. عن مجاهدٍ: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾. قال: الموتُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يوسف بن يعقوبَ، قال: ثنا شعبةُ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ، عن ابنُ عباسٍ: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾. قال: حينَ تَنْشِطُ نفسَه (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانُ، عن السديِّ: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ\n_________\n(^١) معاني القرآن ٣/ ٢٣٠.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤٦٤) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٠ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"24","page":60},{"text":"نَشْطًا﴾. قال: نشطُها حينَ تُنْشَطُ مِن القدمين (^١).\nوقال آخرون: هي النجومُ تَنْشِطُ مِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9470>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولِه وَ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾. قال: النجومُ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾.\nقال: هن النجومُ.\nوقال آخرون: هي الأوهاقُ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-9471>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن واصلِ بن السائبِ، عن عطاءٍ: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾. قال: الأوهاقُ (^٤).\nوالصوابُ مِن القولُ في ذلك عندى أن يقال: إِنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه أقْسَم بالناشِطات نَشْطًا، وهى التي تَنْشِطُ مِن موضعٍ إلى موضعٍ، فتَذْهَبُ إِليه، ولم يَخْصُصِ الله بذلك شيئًا دونَ شيءٍ، بل عمَّ القسم بجميع الناشطاتِ، والملائكةُ تَنْشِطُ مِن موضعٍ إلى موضعٍ، وكذلك الموتُ، وكذلك النجومُ، والأوهاقُ، وبقرُ الوحشِ أيضًا تَنْشِطُ، كما قال الطَّرِمَّاحُ (^٥):\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٠، ٣١١ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١١ إلى عبد بن حميد، وينظر ما تقدم في ص ٥٨، ٥٩.\n(^٣) الوَهَقْ: الحبل المغار يرمى فيه أنشوطة فتؤخذ فيه الدابة والإنسان. اللسان (وهـ ق).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) ديوانه ص ٢٩٢.","vol":"24","page":61},{"text":"وهل بحَليفِ الخيلِ ممن عهِدْتَه … بهِ غيرُ أُحْدانِ النَّواشِطِ رُوعُ\nيعنى بالنواشطِ بقرَ الوحشِ؛ لأنَّها تَنْشِطُ مِن بلدةٍ إلى بلدةٍ، كما قال رُؤْبةُ بنُ العَجَّاجِ (^١).\nتَنَشَّطَتْه كُل مِغْلاةِ الوَهَقُ\nوالهمومُ تَنْشِطُ صاحبها، كما قال هميانُ بن قُحافةَ (^٢):\nأمْسَت همومى تَنْشِطُ المَنَاشِطَا … الشامَ بي طَوْرًا وطَوْرًا واسِطا\nفكلُّ ناشِطٍ فداخلٌ فيما أقْسَم به، إلا أن تقوم حجةٌ يَجِبُ التسليم لها بأن المعنَّى بالقسمِ مِن ذلك، بعضٌ دونَ بعضٍ.\n\n<span id=\"aya-5715\"></span>وقولُه: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللواتي تَسْبَحُ سَبْحًا.\nواخْتَلَف أهلُ التأويلِ في التي أقْسَم بها جلَّ ثناؤُه مِن السابحات؛ فقال بعضُهم: هي الموتُ تَسْبَحُ في نفسِ ابن آدمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9472>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾. قال: الموتُ. هكذا وجَدْتُه في كتابي.\nوقد حدَّثنا به ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ قال: الملائكةُ (^٣). وهكذا وجَدْتُ\n_________\n(^١) ديوانه (مجموعة أشعار العرب) ص ١٠٤.\n(^٢) اللسان (ن ش ط)، والبحر المحيط ٨/ ٤١٧.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.","vol":"24","page":62},{"text":"هذا أيضًا في كتابي، فإن يَكُنْ ما ذكَرْنا عن ابن حميدٍ صحيحًا، فإن مجاهدًا كان يَرَى أن نُزول الملائكةِ مِن السماءِ سباحةٌ، كما يقالُ للفرسِ الجَوَادِ: إِنه لَسابحٌ. إذا مرَّ يُسْرِعُ.\nوقال آخرون: هي النجومُ تَسْبَحُ في فلكها.\n\n<span data-type='title' id=toc-9473>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾.\nقال: هي النجومُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^١).\nوقال آخرون: هي السُّفُنُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9474>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن واصلِ بن السائبِ، عن عطاءٍ: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾. قال: السفنُ (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقال: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُه أَقْسَم بالسابحاتِ سَبْحًا مِن خلقه، ولم يَخْصُصْ مِن ذلك بعضًا دونَ بعضٍ، فذلك كلُّ سابح؛ لما وصفنا قبلُ في \"النازعات\".\n\n<span id=\"aya-5716\"></span>وقولُه: ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فيها؛ فقال بعضُهم: هي الملائكةُ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٩، ٦١.\n(^٢) ذكرُه ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٣٥.","vol":"24","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9475>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٌ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللَّهِ بن أَبِي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾. قال: الملائكةُ (^١).\nوقد حدَّثنا بهذا الحديث أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانُ، عن ابنُ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾. قال: الموتُ (^٢).\nوقال آخرون: بل هي الخيلُ السابقةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9476>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن واصل بن السائبِ، عن عطاءٍ: ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾. قال: الخيلُ (^٢).\nوقال آخرون: بل هي النجومُ يَسْبِقُ بعضُها بعضًا في السيرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9477>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾.\nقال: هي النجومُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^٣).\nوالقولُ عندنا في هذه مثلُ القولُ في سائر الأحرفِ الماضية.\n\n<span id=\"aya-5717\"></span>وقولُه: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾. يقولُ: فالملائكةِ المَدبِّرةِ ما أُمِرَت به مِن أمرِ اللهِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١١ إلى عبدِ بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ\n(^٢) ذكره ابنُ كثير في تفسيره ٨/ ٣٣٥.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٥٩، ٦١","vol":"24","page":64},{"text":"وكذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9478>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾.\nقال: هي الملائكةُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^١).\n\n<span id=\"aya-5718\"></span>وقولُه: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يومَ تَرجُفُ الأرضُ والجبالُ للنفحة الأولى، ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾: تَتْبَعُها أخرى بعدَها، وهى النفخةُ الثانيةُ التي ردِفَت الأولى، لبعث يومِ القيامةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9479>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علي، عن ابنُ عباسٍ قولِه: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾. يقولُ: النفخةُ الأولى.\n\n<span id=\"aya-5719\"></span>وقولُه: ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾. يقولُ: النفخةُ الثانيةُ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ قولِه: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾. يقولُ: تَتْبَعُ الآخرةُ الأولى، والرَّاجِفةُ النفخةُ الأولى، والرَّادِفةُ النفخةُ الآخرةُ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن الحسنُ قولِه: ﴿يَوْمَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٥ عن معمر به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، والبيهقى في البعث والنشور كما في تغليق التعليق ٥/ ١٨٠ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١١ إلى ابن المنذر.","vol":"24","page":65},{"text":"تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾. قال: هما النَّفْختان؛ أما الأولى فتُمِيتُ الأحياء، وأما الثانيةُ فتُحْيي الموتى. ثم تلا الحسنُ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (^١) [الزمر: ٦٨].\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾. قال: هما الصَّيحتان؛ أما الأولى فتُمِيتُ كلَّ شيءٍ بإذنِ اللَّهِ، وأما الأخرى فتُحْيِي كلَّ شيءٍ بإذنِ اللَّهِ، إن نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: \"بينَهما أربعون\". قال أصحابُه: واللهِ ما زادنا على ذلك. وذكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان يقولُ: \"يُبْعَثُ في تلك الأربعين مطرٌ، يقال له: الحياةُ. حتى تَطِيبَ الأَرضُ وتَهْتَزَّ، وتَنْبُتُ أجسادُ الناسِ نباتَ البَقْلِ، ثم تُنْفَخُ النفخةُ الثانيةُ، فإذا هم قيامٌ ينظرون\" (^٢).\nحدَّثنا أبو * كريبٍ، قال: ثنا عبدِ الرحمنِ بنُ محمد المحارِبيُّ، عن إسماعيلَ بن رافعٍ المَدَنيِّ، عن يزيدُ بن أبى زيادٍ، عن رجلٍ، عن محمدِ بن كعب القُرظيِّ، عن رجلٍ مِن الأنصارِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ. وذكر الصُّورَ، فقال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللَّهِ، وما الصُّورُ؟ قال: \"قَرْنٌ\". قال: فكيف هو؟ قال: \"قرنٌ عظيمٌ يُنْفَخُ فيه ثلاثُ نَفَحاتٍ؛ الأولى نفخة الفَزَعِ، والثانيةُ نفخةُ الصَّعْقِ، والثالثةُ نفخةُ القِيامِ، فيَفْزَعُ أهلُ السماواتِ وأهلُ الأَرضِ إِلا مَن شاء الله، ويَأْمُرُ اللَّهُ فيديمها، ويُطَوِّلُها، ولا يَفْتُرُ، وهى التي يقولُ: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١١ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) الجزء الموقوف منه عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١١ إلى عبد بن حميد.\n* إلى هنا ينتهى الخرم في مخطوطة ت ٢ المشار إليه في ص ٥٦.","vol":"24","page":66},{"text":"مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥]. فيُسَيِّرُ الله الجبالَ فتكونُ سَرابًا، وتُرَجُّ الأَرضُ بأهلها رَجًّا، وهى التي يقولُ اللَّهُ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ \" (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بن محمدِ بن عَقيلٍ، عن الطُّفَيْلِ بن أُبَيٍّ، عن أبيه، قال: قرَأ رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾. فقال: \"جاءت الراجفةُ تَتَّبَعُها الرادفة، جاء الموتُ بما فيه\" (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾: النفخةُ الأولى، ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾: النفخةُ الأخرى (^٣).\nوقال آخرون في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾. قال: تَرْجُفُ الأَرضُ والجبالُ، وهى الزَّلْزِلَةُ. وقولُه: هو ﴿الرَّادِفَةُ﴾. قال: هو قولِه: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، ﴿فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ (^٤) [الحاقة: ١٤].\nوقال آخرون: تَرْجُفُ الأرضُ، والرادفةُ الساعةُ.\n_________\n(^١) جزء مِن حديث الصور الطويل، وينظر ما تقدم في ٣/ ٦١٣، ١٥/ ٤١٩.\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ١٣٦ (الميمنية) عن وكيع به، وأخرجه الترمذى (٢٤٥٧)، والحاكم ٢/ ٥١٣، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٥٦، والبيهقى في الشعب (٥١٧) كلهم مِن طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٣٦.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٧٠٢، ومن طريقه البيهقى في البعث والنشور - كما في تغليق التعليق ٥/ ١٨٠ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١١ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":67},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9480>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾: الأرضُ. وفى قولِه: ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾. قال: الرَّادِفةُ الساعةُ.\nواختَلَف أهلُ العربية في موضعٍ جواب قولِه: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: قولِه ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾. قَسَمٌ، واللهُ أعلمُ، على: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٦]. وإن شئت جعلتها على: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾، ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾. وهو كما قال اللهُ وشاء أن يكون في كلِّ هذا وفى كلِّ الأمورِ.\nوقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (^١): جواب القسم في \"النازعات\" مما تُرك؛ المعرفةِ السامعين بالمعنى، كأنه لو ظهر كان: لتُبْعَثُنَّ ولَتَحاسَبُنَّ. قال: ويَدُلُّ على ذلك: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾. ألا ترى أنه كالجواب لقوله: لَتُبْعَثنَّ. إذ قال: أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً نُبعثُ (^٢)؟! وقال آخرُ منهم نحوَ هذا، غيرَ أنه قال: لا يَجوزُ حذفُ اللامِ في جواب اليَمينِ؛ لأنها إذا حُذِفَت لم يُعْرَف موضعُها، وذلك أنها تلى كلِّ كلامٍ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن جوابَ القسمِ في هذا الموضعِ، مما اسْتُغْنى عنه بدلالة الكلام، فترك ذكرُه.\n\n<span id=\"aya-5720\"></span>وقولُه: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قلوبُ خلقٍ مِن خلقِه يومئذٍ خائفةٌ مِن عظيم الهَوْلِ النازل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9481>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن\n_________\n(^١) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٣١.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"24","page":68},{"text":"عباسٍ: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾. يقولُ: خائفةٌ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ: ﴿وَاجِفَةٌ﴾: خائفةٌ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في: ﴿وَاجِفَةٌ﴾. قال: خائفةٌ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولِه: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾. يقولُ: خائفةٌ، وجَفَت مما عاينت يومَئِذٍ (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾. قال: الواجفةُ الخائفةُ.\n\n<span id=\"aya-5721\"></span>وقولُه: ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾. يقولُ: أبصارُ أصحابها ذليلةٌ مما قد علاها مِن الكآبةِ والحزنِ، مِن الخوفِ والرعبِ الذي قد نزَل بهم مِن عظيمِ هَوْلِ ذلك اليومِ.\nكما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾. قال: خاشعةٌ للذُّلِّ الذي قد نزل بها.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولِه: ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾. يقولُ: ذَليلةٌ (^٤).\n\n<span id=\"aya-5722\"></span><span data-type='title' id=toc-9482>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا</span>\n_________\n(^١) ذكرُه ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٣٦.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١١، ٣١٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١١، ٣١٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٥ عن معمر عن قتادة.","vol":"24","page":69},{"text":"عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾.\nيقولُ تعالى ذكره: يقولُ هؤلاء المكذِّبون بالبعثِ مِن مشركي قريشٍ إذا قيل لهم: إنكم مَبْعوثون من بعدِ الموتِ: أئنا لَمَرْدودون إلى حالِنا الأولى قبلَ المماتِ فراجِعون أحياءً كما كنا قبلَ هلاكِنا وقبل مماتِنا؟! وهو من قولِهم: رجع فلانٌ على حافرته. إذا رجَع من حيثُ جاء، ومنه قولُ الشاعرِ (^١):\nأحافِرةً على صَلَعٍ وشَيْبٍ … معاذَ اللَّهِ مِن سَفَهٍ وطَيْشِ\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9483>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿الْحَافِرَةِ﴾. يقولُ: الحياةِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾. يقولُ: أَئِنَّا لَنَحْيا بعدَ موتنا، ونُبْعَثُ مِن مكانِنا هذا؟\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ يقولُ: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾: أئِنَّا لمَبعوثون خلْقًا جديدًا (^٣)؟\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فِي\n_________\n(^١) البيت في اللسان (ح ف ر)، والبحر المحيط، ٨/ ٤١٧ غير منسوب. والرواية فيهما: من سفه وعار.\n(^٢) أخرجه ابن حجر في تغليق التعليق ٤/ ٣٦٠ من طريق أبي صالح به.\n(^٣) جزء من الأثر المتقدم في الصفحة السابقة حاشية (٣).","vol":"24","page":70},{"text":"الْحَافِرَةِ﴾. قال: أي: مَرْدُودون خلقًا جديدًا (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي معشرٍ، عن محمدِ بن قيسٍ أو محمدِ بن كعبٍ القرظيِّ: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾. قال: في الحياةِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾. قال: في الحياةِ (^٢).\nوقال آخرون: الحافرةُ: الأرضُ المحفورةُ التي حُفِرَت فيها قبورُهم. فجعَلوا ذلك نظيرَ قولِه: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]. يعنى: مدفوقٍ. وقالوا: الحافرةُ بمعنى المحفورة. ومعنى الكلامِ عندهم: أثنا لَمَرْدُودون في قبورِنا أمواتًا؟\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿الْحَافِرَةِ﴾. قال: الأرضِ، نُبْعَثُ خلقًا جديدًا. قال: البعثُ (^٣).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾. قال: الأرض، نُبْعَثُ خلقًا جديدًا.\nوقال آخرون: الحافرةُ النارُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9484>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: سمِعْتُ ابن زيدٍ يقولُ في قولِ اللهِ: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾. قال: الحافرةُ النارُ. وقرَأ قول الله: ﴿تِلْكَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٥ عن معمر به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٣٦.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٣٦ عن مجاهد بلفظ: \"القبور\". بدل \"الأرض\". وينظر تفسير مجاهد ص ٧٠٢.","vol":"24","page":71},{"text":"إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾. قال: ما أكثر أسماءَها! هي النارُ، وهي الجحيمُ، وهي سَقَرُ، وهى جهنمُ، وهى الهاويةُ، وهي الحافرةُ، وهي لَظَى، وهى الحُطَمةُ (^١).\n\n<span id=\"aya-5723\"></span>وقولُه: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾. اخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والحجازِ والبصرةِ: ﴿نَخِرَةً﴾ (^٢). بمعنى: باليةً. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (ناخِرَةً) بألفٍ (^٣)، بمعنى: أنها مُجَوَّفَةٌ، تَنْخِرُ الرياحُ في جوفها إذا مرَّت بها. وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من الكوفيين يقولُ (^٤): الناخرةُ والنَّخِرةُ سواءٌ في المعنى، بمنزلةِ الطامعِ والطَّمِعِ، والباخلِ والبخلِ. وأفصحُ اللغتين عنَدنا، وأشهرُهما عندَنا: ﴿نَخِرَةً﴾ بغيرِ ألفٍ، بمعنى: باليةً، غيرَ أن رءوسَ الآيِ قبلَها وبعدَها جاءت بالألفِ، فأعْجَبُ إلى لذلك أن تُلْحَق (ناخرة) بها؛ ليَتَّفِقَ هو وسائر رءوسِ الآياتِ، لولا ذلك كان أعجبَ القراءتين إليَّ حذف الألفِ منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-9485>ذكرُ مَن قال: ﴿نَخِرَةً﴾: باليةً</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾: فالنَّخِرَةُ: الفانيةُ الباليةُ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٣٦.\n(^٢) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبي عمرو وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب. النشر ٢/ ٢٩٧.\n(^٣) وهى قراءة حمزة والكسائى وخلف ورويس وأبى بكر عن عاصم. النشر ٢/ ٢٩٧.\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٣١، ٢٣٢.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٣٦.","vol":"24","page":72},{"text":"﴿عِظَامًا نَخِرَةً﴾. قال: مَرْفوتةٌ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾: تكذيبًا بالبعث، (ناخرةً): باليةً (^٢).\n\n<span id=\"aya-5724\"></span>﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه عن قبلِ هؤلاء المكذِّبين بالبعث: ﴿قَالُوا تِلْكَ﴾. يَعْنون: تلك الرَّجْعةُ أحياءً بعدَ المماتِ، ﴿إِذًا﴾.\nيعنون: الآن، ﴿كَرَّةٌ﴾. يعنون: رجعةٌ، ﴿خَاسِرَةٌ﴾. يعنون: غابنةٌ.\nوبنحو الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9486>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾: أي: رجعةٌ خاسرةٌ (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قولِه: ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾. قال: وأيُّ كرةٍ أخسرُ منها، أُحْيُوا ثم صاروا إلى النارِ، فكانت كرَّةَ سَوْءٍ.\n\n<span id=\"aya-5725\"></span>وقولُه: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإنما هي صيحةٌ واحدةٌ، ونفحةٌ تُنْفَخُ في الصُّورِ، وذلك هو الزَّجْرةُ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) الرفات: ما بَلِى فتفتت. التاج (رف ت).\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٧٠٢.\n(^٢) جزء من الأثر المتقدم في ص ٦٩ حاشية (٢).\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9487>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. قال: صيحةٌ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. قال: الزَّجْرةُ: النفخةُ في الصُّورِ.\n\n<span id=\"aya-5726\"></span>وقولُه: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا هؤلاء المكذِّبون بالبعثِ، المُتَعَجِّبون مِن إحياء اللهِ إياهم مِن بعدِ مماتهم تكذيبًا منهم بذلك، ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾. يعنى: بظهرِ الأرضِ. والعرب تُسَمِّى الفَلاةَ ووجه الأرضِ ساهرةً، وأراهم سَمَّوا ذلك بها؛ لأن فيه نوم الحيوانِ (^٢) وسَهَرَها، فوصف بصفة ما فيه، ومنه قولُ أمية بن أبي الصَّلْتِ (^٣):\nوفيها لحمُ ساِهرةٍ وبحرٍ … وما فاهُوا به لهمُ مُقيم\nومنه قولُ أخى نَهْمٍ يومَ ذى قارٍ لفرسه (^٤):\nأَقْدِم \"محاج\" إنَّها الأساوِرَهْ … ولا يَهُولَنَّكَ رِجْلٌ نَادِرَهْ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٣٧.\n(^٢) الحيوان: اسم يقع على كل شيء حي. اللسان (ح ى ا).\n(^٣) ديوانه ص ٥٢.\n(^٤) الأبيات للهمدانى في اللسان (ن خ ر)، باختلاف، والأول والثانى في اللسان (خ ذ م) منسوبين لحاتم بن حَيّاش باختلافٍ، والأبيات في البحر المحيط ٨/ ٤١٧ بدون عزوٍ، باختلاف.","vol":"24","page":74},{"text":"فإنَّما قَصْرُك تُرْبُ السَّاهِرَة … ثم تعودُ بعدها في الحافِرَة\nمِن بعدِ ما كنتَ عِظامًا ناخِرَة\nواختلف أهلُ التأويلِ في معناها؛ فقال بعضُهم مثل الذي قلنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-9488>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصينٌ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾. قال: على الأرضِ. قال: فذكَر شعرًا قاله أُميةُ بن أبى الصَّلْتِ (^١)، فقال: عندنا صيدُ بحرٍ وصيدُ ساهِرَةٍ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزيعٍ، قال: ثنا أبو مِحْصَنٍ، عن حُصَيْنٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾. قال: الساهرةُ الأرضُ، أما سمِعْتَ: لهم صيدُ بحرٍ وصيدُ ساهرةٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾: يعنى الأَرضَ.\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عليَّةَ، قال: ثنا عُمارة بن أبي حفصةَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾. قال: فإذا هم على وجه الأرضِ، قال: أوَ لم تَسْمَعوا ما قال أميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ:\n_________\n(^١) يريد بيت أمية المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٢) أخرجه الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٣٢ من طريق آخر عن ابن عباس بنحوه.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٣٧.","vol":"24","page":75},{"text":"وفيها لحمُ ساهرةٍ وبحرٍ (^١)\nحدَّثنا عُمارةُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارث بن سعيدٍ، قال: ثنا عُمارةَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾. قال: فإذا هم على وجهِ الأرضِ، قال أميةُ:\n* وفيها لحمُ ساهرةٍ وبحرٍ *\nحدَّثنا يعقوب، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن الحسنِ: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾: فإذا هم على وجهِ الأرضِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾. قال: المكانُ المستوى (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: لما تَباعَد البعثُ في أعينِ القومِ قال اللهُ ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾. يقولُ: فإذا هم بأعلى الأرضِ، بعد ما كانوا في جوفِها (٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾. قال: فإذا هم يَخْرُجون من قبورهم فوقَ الأرضِ، والأرضُ الساهرةُ، قال: فإذا هم يَخْرُجون (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧٠٢.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٦ عن معمر به.","vol":"24","page":76},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن خُصَيْفٍ، عن عكرمةَ وأبى الهيثمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾. قال: بالأرضِ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي الهيثمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حُصَيْنٍ، عن عكرمةَ مثلَه.\nحُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكُ يقولُ في قولِه: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾: وجهِ الأرضِ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾. قال: الساهرةُ ظهرُ الأرضِ؛ فوقَ ظهرِها (^٢).\nوقال آخرون: الساهرةُ اسمُ مكان مِن الأرضِ بعينِه معروفٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9489>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بن مسلمٍ، عن عثمانَ بن أبى العاتكةِ قولَه: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾. قال: بالصُّقْعِ (^٣) الذي بينَ جبلِ حَسَّانَ (^٤) وجبلِ أَرِيحاء (^٥)، يَمُدُّه اللهُ كيف يشاءُ (^٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٣٧.\n(^٣) الصقع: ناحية الأرض. اللسان (ص ق ع).\n(^٤) حسان: بلدة بين واسط ودير العاقول على شاطئ دجلة. معجم البلدان ٢/ ٢٦٦، والتاج (ح س س).\n(^٥) أريحا: مدينة الجبارين في الغور من أرض الأردن بالشام. معجم البلدان ١/ ٢٢٧.","vol":"24","page":77},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾. قال: أرضٌ بالشام.\nوقال آخرون: هو جبلٌ بعينِه معروفٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9490>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ بلالٍ، قال: ثنا حمادٌ، قال: أخبَرنا أبو سِنانٍ، عن وهبٍ بن مُنَبِّه، قال في قولِ اللَّهِ: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾. قال: الساهرةُ جبلٌ إلى جنبِ بيتِ المقدسِ (^١).\nوقال آخرون: هي جهنَّمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9491>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ العُقَيْليُّ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبةَ عن قتادةَ: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾. قال: في جهنمَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5727\"></span><span data-type='title' id=toc-9492>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: هل أتاكَ يا محمدُ حديثُ موسى بن عِمْرانَ.\n\n<span id=\"aya-5728\"></span>وهل سمِعْتَ خبرَه حينَ ناجاه ربُّه، ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾: يعنى بالمقدَّسِ المطهَّرَ المبارك. وقد ذكرنا أقوال أهلِ العلمِ في ذلك فيما مضَى (^٣)، فأغْنَى عن إعادته\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٠٣ من طريق حمادٍ به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٣٧.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٢ إلى ابن المنذر.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١٦/ ٢٦.","vol":"24","page":78},{"text":"في هذا الموضع، وكذلك بيَّنا معنى قولِه: ﴿طُوًى﴾. وما قال فيه أهلُ التأويلِ، غيرَ أَنَّا نَذْكُرُ بعضَ ذلك ههنا.\nوقد اختلف أهلُ التأويلِ في قولِه: ﴿طُوًى﴾؛ فقال بعضُهم: هو اسمُ الوادى.\n\n<span data-type='title' id=toc-9493>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿طُوًى﴾: اسمُ الوادى (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:١٢]. قال: اسم المقدَّسِ طُوًى (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾: كنا نُحَدَّثُ أنه قُدِّس مرتين، واسمُ الوادى طُوًى (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: طَأ الأرضِ حافيًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-9494>ذكرُ بعض مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن جَريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. قال: طَأَ الأَرضَ بقدمك (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٦/ ٢٨.\n(^٢) تقدم في ١٦/ ٢٨، ٢٩.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٦/ ٢٨،٢٧.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١٦/ ٢٩.","vol":"24","page":79},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك أنَّ الوادى قُدِّس طُوًى، أي: مرَّتين، وقد بيَّنا ذلك كلَّه ووجوهَه فيما مضى (^١)، بما أغْنَى عن إعادته في هذا الموضعِ.\nوقرَأ ذلك الحسنُ بكسر الطاءِ (^٢)، وقال: ثبتَتْ فيه البركة والتقديسُ مرتين. حدَّثنا بذلك أحمدُ بنُ يُوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنُ (^٣).\nواختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامة قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (طُوَى). بالضمِّ، ولم يُجرُوه (^٤). وقرَأ ذلك بعض أهلُ الشام والكوفةِ: ﴿طُوًى﴾. بضمِّ الطاءِ والتنوينِ (^٥).\n\n<span id=\"aya-5729\"></span>وقولُه: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: نادى موسى ربُّه أن اذْهَبْ إلى فرعونَ. فحُذِفت \"أن\"، إذ كان النداء قولًا، فكأنه قيل: قال لموسى ربُّه: اذْهَبْ إلى فرعونَ. وقولُه: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾. يقولُ: عَتَا وتَجاوَز حدَّه في العدوانِ والتكبُّرِ على ربِّه.\nوقولُه: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾. يقولُ: فقل له: هل لك إلى أن تَتَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الكفر، وتُؤْمِنَ بربِّك؟\nكما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾. قال: إلى أن تُسْلِمَ. قال: والتَّزَكِّي في القرآن كلِّه الإسلامُ. وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: ٧٦]. قال: مَن أَسْلَم.\n_________\n(^١) ينظر ١٦/ ٢٨.\n(^٢) البحر المحيط ٦/ ٢٣١. وهى قراءة شاذة؛ لأنها لم تثبت تواترًا.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٥، ٣٤٦ عن معمر عن الحسن، قال: المقدس قدس مرتين.\n(^٤) تقدم تخريجها في ١٦/ ٢٩.\n(^٥) تقدم تخريجها في ١٦/ ٣٠.","vol":"24","page":80},{"text":"وقرَأ: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: ٣]. قال: يُسْلِمُ. وقرَأ: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس: ٧]: أن لا يُسْلِمَ.\n\n<span id=\"aya-5730\"></span>حدَّثني سعيدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحَكَمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ العَدَنيُّ، عن الحكمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ: قولَ موسى لفرعونَ: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾: هل لك إلى أن تقول: لا إلهَ إلا اللهُ (^١).\nواختلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿تَزَكَّى﴾؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ: (تزَّكَّى) بتشديدِ الزايِ (^٢). وقرأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ بتخفيفِ الزايِ (^٣). وكان أبو عمرٍو يقولُ، فيما ذُكرِ عنه: (تَزكَّى) بتشديدِ الزايِ، بمعنى: تَتَصَدَّقُ بالزكاةِ، فتقولُ: تَتَزَكَّى. ثم تُدْغِمُ، وموسى لم يَدْعُ فرعونَ إلى أن يَتَصَدَّقَ، وهو كافرٌ، إنما دعاه إلى الإسلام، فقال: تَزَكَّى. أي: تكون زاكيًا مؤمنًا. والتخفيفُ في الزايِ هو أفصح القرَاءتين في العربية.\n\n<span id=\"aya-5731\"></span><span data-type='title' id=toc-9495>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه موسى: قلْ لفرعونَ: هل لك إلى أن أُرْشِدَك إلى ما يُرْضى ربَّك عنك، وذلك الدينُ القَيَّمُ، ﴿فَتَخْشَى﴾. يقولُ: فتَخْشَى عقابه بأداءِ ما أَلْزَمَك مِن فرائضه، واجتناب ما نهاك عنه من معاصيه.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (٢٠٥) من طريق حفص عن الحكم عن عكرمة عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) وهى قراءة نافع وابن كثير. حجة القراءات ص ٧٤٩.\n(^٣) وهى قراءة أبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.","vol":"24","page":81},{"text":"<span id=\"aya-5732\"></span>وقولُه: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأَرَى موسى فرعونَ ﴿الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾. يعنى الدلالةَ الكبرى على أنه للهِ رسولٌ أرْسلَه اللهُ، فكانت تلك الآيةُ يدَ موسى إذ أخْرجها بيضاءَ للناظرين، وعصاه إذ تَحوَّلت ثعبانًا مبينًا.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9496>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبى زائدةً، قال: ثنا مسلمٍ بنُ إبراهيمَ، عن محمدِ بن سيفٍ أبى رَجاءٍ - هكذا هو في كتابي، وأَظُنُّه عن نوحِ بن قيسٍ، عن محمدِ بن سيفٍ قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ في هذه الآية: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾. قال: يدَه وعصاه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾. قال: عصاه ويدَه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولِه: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾. قال: رأى يدَ موسى وعصاه، وهما آيتان.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾. قال: عصاه ويدَه (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾. قال: العصا والحية.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٠٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٦ عن معمر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":82},{"text":"<span id=\"aya-5733\"></span>وقولُه: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾. يقولُ: فكذَّب فرعون موسى فيما أتاه مِن الآياتِ والمُعْجِزةِ، وعصاه فيما أمَرَه به من طاعته ربَّه، وخشيتِه إياه.\n\n<span id=\"aya-5734\"></span>وقولُه: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾. يقولُ: ثم ولَّى مُعْرِضًا عما دعاه إليه موسى مِن طاعتِه ربَّه، وخشيته وتوحيده، ﴿يَسْعَى﴾. يقولُ: يَعْمَلُ في معصية اللهِ، وفيما يُسْخطه عليه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9497><span data-type='title' id=toc-9498>ذكرُ مَن قال ذلك</span></span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾. قال: يَعْمَلُ بالفسادِ (^١).\n\n<span id=\"aya-5735\"></span>وقولُه: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾. يقولُ: فجمع قومَه وأتباعَه، فنادَى فيهم، ﴿فَقَالَ﴾ لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ الذي كلُّ ربٍّ دونى. وكذَبَ الأحمقُ.\nوبمثلِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span id=\"aya-5736\"></span>ذكرُ مَن قال ذلك\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾. قال: صرَخ وحشَر قومه، فنادَى فيهم، فلمَّا اجْتَمعوا قال: أنا ربُّكم الأعلى. فأخَذه اللهُ نكال الآخرةِ والأولى.\n\n<span id=\"aya-5737\"></span><span data-type='title' id=toc-9499>القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً</span>\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٠٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":83},{"text":"لِمَنْ يَخْشَى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾.\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ﴾: فعاقبه اللهُ، ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. يقولُ: عقوبةَ الآخرةِ من كلمتيه؛ وهي قولُه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. والأُولى قولِه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨].\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال [جماعةٌ من] (^١) أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9500>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: سمِعْتُ أبا بكرٍ، وسُئِل عن هذا، فقال: كان بينَهما أربعون سنةً؛ بين قولِه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. وقولُه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. قال: هما كلِمتاه، ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قيل له: مَن ذكرُه؟ قال: أبو حصين، فقيل له: عن أبي الضُّحَى، عن ابن عباسٍ؟ قال: نعم (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال: أما الأُولى فحينَ قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. وأما الآخِرةُ فحين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي الوَضَّاحِ، عن عبد الكريمِ الجَزَريِّ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال:\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٢) أخرجه العقيلي في الضعفاء ٢/ ١٨٩ من طريق أبي بكر به، وهو في تفسير مجاهد ص ٧٠٩ من طريق أبي حصين به.","vol":"24","page":84},{"text":"هو قولُه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. وقولُه: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. وكان بينَهما أربعون سنةً.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عَوانَة، عن إسماعيلَ الأسديِّ، عن الشعبيِّ بمثلِه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن زكريا، عن عامرٍ: ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال: هما كَلِمتاه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ و: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾؛ ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. والآخِرةُ (^٢) قولِه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: أخبرني من سمِع مجاهدًا يقولُ: كان بينَ قولِ فرعونَ: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. وبين قولِه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. أربعون سنةً.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾: أما الأُولى فحين قال فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. وأما الآخِرةُ فحين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) بعده في م: \"في\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧٠٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٢ إلى الفريابي.","vol":"24","page":85},{"text":"الْأَعْلَى﴾. فأخَذه اللهُ بكلمتَيْه كلتيهما، فأَغْرَقه في اليَمِّ (^١).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال: اختلفوا فيها، فمنهم من قال: نَكَالَ الآخرةِ مِن كلمتيه والأولى؛ قولُه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، وقولُه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. وقال آخرون: عذابَ الدنيا، وعذاب الآخرةِ، عجَّل اللهُ له الغرقَ، مع ما أعَدَّ له من العذابِ في الآخرةِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن خَيْثمةَ الجُعْفيِّ، قال: كان بين كلِمتىْ فرعونَ أربعون سنةً؛ قولِه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. وقولُه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيل، عن ثُوَيْرٍ، عن مجاهدٍ، قال: مكَث فرعونُ في قومِه بعدَ ما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. أربعين (^٣) سنةً.\nوقال آخرون: بل عُنى بذلك: فأَخَذَه اللهُ نَكالَ الدنيا والآخرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9501>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال: الدنيا والآخرة.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿فَأَخَذَهُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٦ عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٣ إلى ابن المنذر.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أربعون\".","vol":"24","page":86},{"text":"اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال: عقوبةَ الدنيا والآخرة (^١).\nوهو قولُ قتادةَ (^٢).\nوقال آخرون: الأُولى: عصيانه ربَّه وكفره به، والآخرةُ: قولِه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-9502>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيْعٍ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال: الأُولى: تكذيبُه وعِصيانُه، والآخرةُ: قولِه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. ثم قرأ: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. فهى الكلمةُ الآخِرةُ (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك أنه أخذه بأوّلِ عملِه وآخرهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9503>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصور، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال: أول عمله وآخره (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال: أول أعمالِه وآخرِها.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٧ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن الجوزى في زاد المسير ٩/ ٢١.\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ٣٠٢.","vol":"24","page":87},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبيِّ: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾، قال: نكالَ الآخرةِ مِن المعصية والأولى (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصور، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال: عمله للآخرةِ والأولى.\n\n<span id=\"aya-5738\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن في العقوبة التي عاقَب اللهُ بها فرعونَ في عاجلِ الدنيا، وفى أخْذِه إياه نكالَ الآخرةِ والأولى، عِظةً ومُعْتَبَرًا لمن يَخافُ اللَّهَ ويَخْشَى عقابه.\nوأخْرَج نكالَ الآخرةِ مصدرًا مِن قولِه: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ﴾؛ لأن قولِه: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ﴾: نكَّل اللهُ (^٢) به، فجعَل: ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ﴾ مصدرًا مِن معناه، لا مِن لفظِه.\n\n<span id=\"aya-5739\"></span>وقولُه: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمكذِّبين بالبعثِ مِن قريشٍ، القائلين: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾: أأنتم أيُّها الناسُ أشدُّ خلقا، أم السماءُ بناها ربُّكم؟! فإن مَن بَنَى السماءَ فرفَعَها سقفًا، هَيِّنٌ عليه خلقُكم وخلقُ أمثالِكم، وإحياؤُكم بعدَ مَماتِكم، وليس خلقُكم بعدَ ممَاتِكم بأشدَّ مِن خلقِ السماءِ.\nوعُنِى بقولِه: ﴿بَنَاهَا﴾: رفَعها فجعلها للأرضِ سقفًا.\n\n<span id=\"aya-5740\"></span>وقولُه: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فسوَّى السماءَ، فلا شيءَ أرفعُ مِن شيءٍ، ولا شيءَ أخفضُ مِن شيءٍ، ولكنَّ جميعها [مُسْتَوٍ في] (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٦ عن معمر به.\n(^٢) سقط مِن: م، ت ١.\n(^٣) في م: \"مستوى\".","vol":"24","page":88},{"text":"الارتفاعِ والامتدادِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9504>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولِه: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾. يقولُ: رفع بناءَها فسوَّاها (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾. قال: رفَع بناءَها بغيرِ عَمَدٍ (^٢).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾. يقولُ: بُنيانها (^٣).\n\n<span id=\"aya-5741\"></span><span data-type='title' id=toc-9505>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾.</span>\nوقولُه: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأَظْلَم ليلَ السماءِ. فأضاف الليلَ إلى السماءِ؛ لأن الليلَ غروبُ الشمسِ وغروبُها وطلوعُها فيها، فأُضيف إليها لمَّا كان فيها، كما قيل: نجومُ الليل. إذ كان فيه الطلوعُ والغروبُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٠٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الفتح ٦/ ٢٩٤ - من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الفتح ٦/ ٢٩٤ - من طريق على بن طلحة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٣ إلى ابن المنذر.","vol":"24","page":89},{"text":"وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9506>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾. يقولُ: أَظْلَم ليلها (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾. يقولُ: أَظْلَم ليلَها.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾. قال: أَظْلَم (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولِه: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾. قال: أظْلَم ليلها.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾. قال: أظْلَم (^٣).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾. قال: الظُّلمةُ.\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٠٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٠٤.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":90},{"text":"الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾. يقولُ: أَظْلَم ليلها.\nحدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ، عن عكرمةَ: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾. قال: أظْلَم ليلَها (^١).\nوقولُه: ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾. يقولُ: أَخْرَج ضياءَها. يعنى: أبْرَز نهارَها فأظْهَره، ونوَّر ضُحاها.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9507>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾: نَوَّرَها (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولِه: ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾. يقولُ: نوَّر ضياءَها (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾. قال: نهارَها (^٤).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿وَأَخْرَجَ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٣٩.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٠٤.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٧ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) في ت ١: \"هو النهار\"، وفى ت ٢ ت ٣: \"نورها\".","vol":"24","page":91},{"text":"ضُحَاهَا﴾. قال: ضوءَ النهارِ ..\n\n<span id=\"aya-5742\"></span>وقولُه: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ فقال بعضُهم: دُحِيَت الأرضُ مِن بعدِ خلْقِ السماءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9508>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه، حيث ذكَر خلقَ الأرضِ قبل السماءِ، ثم ذكَر السماءَ قبل الأرضِ: وذلك أن الله خلَق الأرضِ بأقواتِها مِن غيرِ أن يَدْحُوها قبل السماءِ، ثم استوى إلى السماءِ فسوَّاهنَّ سبع سماواتٍ، ثم دحا الأرضَ بعد ذلك، فذلك قولُه: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾. يعنى: أن الله خلق السماواتِ والأرضَ، فلما فرغ مِن السماواتِ قبلَ أن يَخْلُقَ أقواتَ الأرضِ [بثَّ أقوات الأرضِ] (^٢) فيها بعدَ خلقِ السماءِ، وأَرْسَى الجبالَ، يعنى بذلك: دحْوَها (^٣)، ولم تَكُنْ تَصْلُحُ أقواتُ الأرضِ ونباتُها إلا بالليلِ والنهارِ، فذلك قولُه: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾. أَلم تَسْمَعْ أنه قال: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ (^٤)؟\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٨. وتقدم في ١/ ٤٦٤.\n(^٢) سقط من النسخ، والمثبت مِن تاريخ المصنف.\n(^٣) بعده في النسخ: \"الأقوات\"، والمثبت مِن تاريخ المصنف.\n(^٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٨.","vol":"24","page":92},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: وضَع البيتَ على الماءِ على أربعةِ أركانٍ قبلَ أن يَخْلُقَ الدنيا بألفَى عامٍ، ثم دُحِيَت الأرضُ مِن تحتِ البيتِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمش، عن بُكَيْرِ بن الأَخْنَسِ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: خلق اللهُ البيتَ قبلَ الأرضِ بألَفْى سنةٍ، ومنه دُحِيَت الأرضُ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: والأرضَ مع ذلك دحاها. وقالوا: الأرضُ خُلِقَت ودُحِيَت قبل السماءِ، وذلك أن الله قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]. قالوا: فأَخْبَر الله أنه سوَّى السماواتِ بعدَ أن خلَق ما في الأرضِ جميعًا (^٣). قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، فلا وجهَ لقولِه: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ إلا ما ذكَرْنا، مِن أنه: مع ذلك دحاها. قالوا: وذلك كقولِ اللَّهِ ﷿: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣]. بمعنى: مع ذلك زنيمٌ. وكما يقالُ للرجل: أنت أحمقُ، وأنت بعدَ هذا لئيمُ الحَسَبِ. بمعنى: مع هذا. وكما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. أي: مِن قبل الذِّكْرِ. واسْتَشْهَد بقول الهُذَليِّ (^٤):\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٩، وينظر ما تقدم تخريجه ٢/ ٥٥٣.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٤٩، وأخرجه البيهقى في الشعب (٣٩٨٣) من طريق مجاهد به.\n(^٣) في ت ١، ت،٢ ت ٣: \"جميعها\".\n(^٤) هو أبو خراش الهذلي. والبيت في ديوان الهذليين ٢/ ١٥٧.","vol":"24","page":93},{"text":"حَمِدْتُ إلهى بعد عروةَ إذ نجا … خِراشٌ وبعضُ الشرِّ أهونُ مِن بعضِ\nوزعَموا أن خِراشًا نجا قبلَ عروةَ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾. قال: مع ذلك دحَاها.\nحدَّثني ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، أنه قرَأ (^١): (والأرضَ عندَ ذلك دحَاها) (^٢)\nحدَّثنا عبد الرحمن بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكم، قال: ثنا عليُّ بنُ مَعْبَدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ سلمةَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾. قال: مع ذلك دحَاها.\nحدَّثني محمدُ بنُ خلف العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا رَوَّادُ بنُ الجَرَّاحِ، عن أبي حمزةَ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾. قال: مع ذلك دحَاها.\nوالقولُ الذي ذكَرْناه عن ابن عباسٍ مِن أن الله تعالى خلَق الأرضَ، وقدَّر فيها أقواتَها، ولم يَدْحُها، ثم اسْتَوَى إلى السماءِ فسوَّاهن سبعَ سماواتٍ، ثم دحَا الأرضَ بعد ذلك، فأَخْرَج منها ماءَها ومرعاها، وأرْسَى جبالها - أَشْبَهُ بما دلَّ عليه ظاهر التنزيلِ؛ لأنه جلَّ ثناؤُه قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾. والمعروفُ مِن معنى \"بعد\" أنه خلافُ معنى \"قبل\"، وليس في دحوِ اللَّهِ الأَرضَ بعدَ تسويته السماواتِ السبعَ، وإغطاشه ليلَها، وإخراجه ضُحاها، ما يُوجِبُ أن تكونَ الأرضُ خُلِقَت بعدَ خلقِ السماواتِ؛ لأن الدحوَ إنما هو البسطُ في كلامِ العرب والمدُّ، يقالُ منه: دحَا يَدْعُو دَحْوًا، ودحَيْتُ أَدْحَى دَحْيًا. لغتان،\n_________\n(^١) في م: \"قال\".\n(^٢) هي قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.","vol":"24","page":94},{"text":"ومنه قولُ أميةَ بن أبي الصَّلْتِ (^١):\nدارٌ دحَاها ثم أَعْمَرَنا بها … وأقام بالأخرى التي هي أَمْجَدُ\nوقولُ أوس بن حجرٍ في نعتِ غيثٍ (^٢):\nيَنْفِي الحَصَى عن جديدِ الأَرضِ مُبْتَرِكٌ … كأنه فاحصٌ أو لاعبٌ داحِي\nوبنحوِ الذي قلنا في [معنى قولِه: ﴿دَحَاهَا﴾] (^٣). قال أكثرُ (^٤) أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9509>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾. أي: بسطها (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنا رَوَّادٌ، عن أبي حمزةَ، عن السديِّ: ﴿دَحَاهَا﴾. قال: بسَطَها.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ: ﴿دَحَاهَا﴾ بسَطَها.\nوقال ابنُ زيدٍ في ذلك ما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿دَحَاهَا﴾. قال: حرَثها؛ شقَّها. وقال: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾. وقرَأ: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾، حتى بلَغ: ﴿وَفَاكِهَةً\n_________\n(^١) ديوانه ص ٦٣.\n(^٢) ديوانه ص ١٦، وهو أيضًا في ديوان عبيد بن الأبرص ص ٣٥.\n(^٣) في م: \"ذلك\".\n(^٤) سقط من: م، ت ٢.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":95},{"text":"وَأَبًّا﴾ [عبس: ٢٦ - ٣١]. وقال: حينَ شقَّها أنْبَت هذا منها. وقرَأ: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ (^١) [الطارق: ١٢].\n\n<span id=\"aya-5743\"></span>وقولُه: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا﴾. يقولُ: فجَّر فيها الأنهارَ، ﴿وَمَرْعَاهَا﴾.\nيقولُ: أَنْبَت نباتَها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9510>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذِ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَرْعَاهَا﴾: ما خلَق اللهُ فيها من النباتِ، ﴿مَاءَهَا﴾: ما فجَّر فيها من الأنهارِ.\n\n<span id=\"aya-5744\"></span>وقولُه: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾. يقولُ: والجبالَ أثْبَتها فيها. وفي الكلامِ متروكٌ اسْتُغْنِى بدلالةِ الكلامِ عليه من ذكرهِ، وهو \"فيها\"، وذلك أن معنى الكلامِ: والجبالَ أرْساها فيها.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾: أي: أَثْبَتَها لا تَمِيدُ بأهلِها (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ، قال: لما خلَق الله الأرضَ قمَصَت، وقالت: تَخْلُقُ عليَّ آدمَ وذريتَه يُلْقُون عليَّ نتْنَهم، ويَعْمَلون عليَّ بالخطايا. فأرْساها اللهُ، فمنها ما تَرَوْن، ومنها ما لا\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ٢٠٥ مختصرًا.\n(^٢) تقدم تخريج أوله في الصفحة السابقة.","vol":"24","page":96},{"text":"تَرَوْن، فكان أولُ قرارِ الأرضِ كلحمِ الجَزَورِ إِذا نُحِر يَختلِجُ لحُمها.\n\n<span id=\"aya-5745\"></span><span data-type='title' id=toc-9512>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. أنه خلَق هذه الأشياءَ، وأَخْرَج مِن الأرضِ ماءَها ومرعاها منفعةً لنا، ومتاعًا إلى حينٍ.\n\n<span id=\"aya-5746\"></span>وقولُه: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾. يقولُ تعالى ذكره: فإذا جاءت التي تَطِمُّ على كلِّ هائلةٍ من الأموِر، فتَغْمُرُ ما سواها بعظيمٍ هَوْلِها.\nوقيل: إنها اسمٌ من أسماءِ يومِ القيامةِ\n\n<span data-type='title' id=toc-9511>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾: من أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه اللهُ، وحذَّره عبادَه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن القاسم بن الوليدِ في قولِه: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾. قال: سِيق أهلُ الجنةِ إلى الجنةِ، وأهلُ النارِ إلى النارِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5747\"></span>وقولُه: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾. يقولُ: إذا جاءت الطامَّةُ يومَ يَتَذَكَّرُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٣ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٥٨ من طريق مالك بن مغول به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٣ إلى ابن المنذر.","vol":"24","page":97},{"text":"<span id=\"aya-5748\"></span>الإنسانُ ما عمل في الدنيا من خيرٍ وشرٍّ، وذلك سعيُه، ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾، يقولُ: وأُظْهِرت الجحيمُ، وهي نارُ اللهِ، لمن يَرَاها. يقولُ: لأبصارِ الناظرين.\n\n<span id=\"aya-5749\"></span><span data-type='title' id=toc-9513>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: فأَما مَن عَتَا على ربِّه، وعصَاه واستكْبَر عن عبادتِه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿طَغَى﴾. قال: عصَى (^١).\n\n<span id=\"aya-5750\"></span>وقولُه: ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: وآثَر متاعَ الحياةِ الدنيا على كرامةِ الآخرةِ وما أعدَّ اللَّهُ فيها لأوليائِه، فعمل للدنيا وسعَى لها، وترَك العملَ للآخرةِ،\n\n<span id=\"aya-5751\"></span>﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. يقولُ: فإن نارَ اللَّهِ التي اسمُها الجحيمُ، هي مَنزِلُه ومَأواه، ومصيرُه الذي يصيرُ إليه يومَ القيامةِ.\n\n<span id=\"aya-5752\"></span>وقولُه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾. يقولُ: وأما مَن خاف مسألةَ اللَّهِ إيَّاه عند وقوفِه يومَ القيامةِ بينَ يديه، فاتقاه؛ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه، ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾. يقولُ: ونهى نفسَه عن هواها، فيما يكرَهُه الله ولا يَرْضاه منها، فزجَرها عن ذلك، وخالَف هواها إلى ما أمَره به ربُّه،\n\n<span id=\"aya-5753\"></span>﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. يقولُ: فإن الجنةِ هي مأواه ومنزِلُه يومَ القيامةِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٠٤.","vol":"24","page":98},{"text":"وقد ذكَرْنا أقوالَ أهلِ التأويلِ في معنى قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦]. فيما مضى، بما أغْنى عن إعادته في هذا الموضعِ (^١).\n\n<span id=\"aya-5754\"></span><span data-type='title' id=toc-9514>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يسألُك يا محمد هؤلاء المكذِّبون بالبعثِ عن الساعةِ التي يُبْعَثُ فيها الموتى مِن قبورهم أيَّان مُرْساها، متى قيامُها وظهورُها.\nوكان الفرَّاءُ يقولُ (^٢): إنْ قال القائلُ: إنما الإرساءُ للسفينةِ والجبالِ الراسيةِ وما أشبَههنَّ، فكيف وُصِفت الساعةُ بالإرْساء؟. قلتُ: هي بمنزلة السفينة إذا كانت جاريةً فرَسَت، ورسوُّها قيامُها. قال: وليس قيامُها كقيامِ القائمِ، إنما هي كقولِك: قد قام العدْلُ، وقام الحقُّ. أي: ظهَر وثبت.\n\n<span id=\"aya-5755\"></span>قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ اللهُ لنبيِّه: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾. يقولُ: في أيِّ شيءٍ أنت مِن ذكر الساعةِ والبحثِ عن شأنِها.\nوذُكِر أنَّ رسولَ الله ما كان يُكْثِرُ ذكر الساعةِ، حتى نزَلت هذه الآيةُ حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: لم يزَلِ النبيُّ ﷺ يسألُ عن الساعةِ، حتى أنزَل اللهُ ﷿: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ (^٣)\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢٢/ ٢٣٥ - ٢٣٩.\n(^٢) في معاني القرآن ٣/ ٢٣٤.\n(^٣) أخرجه البزار (٢٢٧٩ - كشف)، وأبو نعيم ٧/ ٣١٤ من طريق يعقوب به، وأخرجه ابن مردويه في تفسيره - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٤/ ١٥١ - والحاكم ٢/ ٥١٣، والخطيب في تاريخه ١١/ ٣٢١.","vol":"24","page":99},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن إسماعيلَ، عن طارقِ بن شهابٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ لا يزالُ يذكُرُ شأنَ الساعةِ، حتى نزَلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ إلى: ﴿مَنْ يَخْشَاهَا﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾. قال: الساعةِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5756\"></span>وقولُه: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾. يقولُ: إلى ربِّك منتهى علمِها. أي: إليه ينتهِى علمُ الساعةِ، لا يعلَمُ وقتَ قيامِها غيرُه.\n\n<span id=\"aya-5757\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لمحمدٍ: إنما أنت رسولٌ مبعوثٌ بإنذارِ الساعةِ مَن يخافُ عقابَ اللهِ فيها على إجرامِه، ولم تُكلَّفْ علمَ وقتِ قيامِها. يقولُ: فدَعْ ما لم تُكلَّفْ علمَه، واعملْ بما أُمِرتَ به؛ مِن إنذارِ مَن أُمِرتَ بإنذارِه.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾؛ فكان أبو جعفرٍ القارئُ وابنُ مُحَيْصِنٍ يقرَأان: (مُنْذِرٌ) بالتنوينِ. بمعنى أنه منذِرٌ مَن يخشاها. وقرَأ ذلك سائرُ قرأةِ المدينةِ ومكةَ والكوفةِ والبصرةِ بإضافةِ: هو ﴿مُنْذِرُ﴾ إلى: ﴿مَنْ﴾ (^٣).\n_________\n= من طريق ابن عيينة به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٧، وابن مردويه وسعيد بن منصور في تفسيريهما - كما في تخريج الكشاف ٤/ ١٥٢ - من طريق ابن عيينة به مرسلًا، بدون ذكر عائشة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٤ إلى ابن المنذر.\n(^١) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٦٤٥)، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٤/ ١٥١ - والطبراني (٨٢١٠) من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٠٤.\n(^٣) وهي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وأبي عمرو ويعقوب وخلف وابن عامر. ينظر =","vol":"24","page":100},{"text":"والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-5758\"></span>وقولُه: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: كأنَّ هؤلاء المكذِّبين بالساعةِ، يومَ يَرَوْن أن الساعةَ قد قامت، مِن عظيمِ هولِها، لم يَلْبَثوا في الدنيا إلا عشيةَ يومٍ، أو ضُحى تلك العشيةِ. والعربُ تقولُ: آتيك العشيةَ أو غَدَاتَها، وآتيك الغَداةَ أو عشيتَها. فيجعَلون معنى الغَدَاةِ بمعنى أوَّلِ النهارِ، والعشيةَ: آخرَ النهارِ، فكذلك قولُه: ﴿إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾. إنما معناه: إلا آخرَ يومٍ أو أوَّلَه، ويُنشَدُ هذا البيتُ (^١):\nنحنُ صَبَحنا عامِرًا في دارِها … عشيةَ الهلالِ أو سَرارِها\nيعني: عشيةَ الهلالِ، أو عشيةَ سَرارِ العشيةِ.\n\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾: وقتُ الدنيا في أعينِ القومِ حينَ عاينوا الآخرةَ (^٢).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"النازعات\"\n_________\n= إتحاف فضلاء البشر ص ٢٦٧.\n(^١) البيت في معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٣٥، وتفسير القرطبي ١٩/ ٢١٠ منسوبًا إلى بعض بني عقيل.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":101},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9515>تفسير سورةِ \"عبَس\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5759\"></span><span data-type='title' id=toc-9517>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى </span>(٤)﴾.\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿عَبَسَ﴾: قبَضَ وَجْهَه تكرُّهًا، ﴿وَتَوَلَّى﴾. يقولُ: وأَعْرَض، ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾. يقولُ: لأنْ جاءه الأعمى.\nوقد ذُكِر عن بعضِ القرأةِ أنه كان يُطوِّلُ الألفَ ويمدُّها من: ﴿أَنْ جَاءَهُ﴾. فيقولُ: (أآنْ جاءَهُ) (^١). وكأنَّ معنى الكلام كان عندَه: أَ أَنْ جاءه الأعمى عبَس وتولَّى؟ كما قرَأ مَن قرَأ: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤]. بمدِّ الألفِ مِن \"أنْ\"، وقصرِها (^٢).\nوذُكِر أنَّ الأعمى الذي ذكَره اللهُ في هذه الآيةِ هو ابنُ أمِّ مكتومٍ، عُوتِب النبيُّ ﷺ بسببِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9516>ذكرُ الأخبارِ الواردةِ بذلك</span>\nحدَّثنا سعيد بن يحيى الأُمويُّ، قال: ثنا أبي، عن هشام بن عروةَ مما عرَضه عليه، عن (^٣) عروةَ، عن عائشةَ، قالت: أُنزِلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ به في ابن أمِّ مكتومٍ. قالت: أتَى إلى رسولِ اللهِ ﷺ فجعَل يقولُ: أرْشِدْني، قالت: وعندَ رسولِ اللهِ ﷺ مِن عظماءِ المشركين. قالت: فجعَل النبيُّ ﷺ يُعْرِضُ عنه، ويُقْبِلُ على الآخرِ،\n_________\n(^١) هي قراءة زيد بن علي والحسن وأبى عمران الجونى وعيسى، وهى قراءة شاذة. البحر المحيط ٨/ ٤٢٧.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢٣/ ١٦٩.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"24","page":102},{"text":"ويقولُ: \"أَتَرى بما أقولُه بأسًا؟ \"، فيقولُ: لا. ففى هذا أُنزِلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-5760\"></span>حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾. قال: بينا رسولُ اللهِ ﷺ يُناجي عتبةَ بنَ ربيعةَ وأبا جهلِ بنَ هشامٍ والعباسَ بنَ عبدِ المطلبِ، وكان يتصدَّى لهم كثيرًا، وجَعَل (^٢) عليهم أنْ يؤمنوا، فأقبَل إليه رجلٌ أعمَى، يقال له: عبدُ اللَّهِ ابنُ أمِّ مكتومٍ. يمشِى، وهو يناجيهم، فجعَل عبدُ اللَّهِ يستقرئُ النبيَّ ﷺ آيةً مِن القرآنِ، وقال: يا رسولَ اللَّهِ، علِّمني مما علَّمك اللَّهُ. فأعرَض عنه رسولُ اللَّهِ ﷺ، وعبَس في وجههِ وتولَّى، وكرِه كلامَه، وأقبَل على الآخرِين، فلما قضى رسولُ اللَّهِ ﷺ وأخَذ ينقلِبُ إلى أهلِه، أمسَك اللَّهُ بعضَ بصرِه، ثم خَفَق برأسِه، ثم أنزَل اللَّهُ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾. فلما نزَل فيه أكرَمه رسولُ اللَّهِ ﷺ وكلَّمه، وقال له: \"ما حاجتُك، هل تريدُ مِن شيءٍ؟ \". وإذا ذهَب مِن عندِه قال له: \"هل لك حاجةٌ في شيءٍ؟ \" وذلك لما أنزَل اللَّهُ: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن هشامٍ، عن أبيه، قال: نزَلت في ابن أمِّ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٤٣ عن المصنف، وأخرجه الترمذى (٣٣٣١)، وأبو يعلى (٤٨٤٨) - ومن طريقه الواحدى في أسباب النزول ص ٣٣٢ - والحاكم ٢/ ٥١٤ من طريق سعيد به، وأخرجه ابن حبان (٥٣٥) من طريق هشام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٤ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) في م: \"يحرص\". والمثبت من النسخ موافق لما في مصادر التخريج، و\"جعل\": لفظ عام في الأفعال كلها. ينظر التاج (ج ع ل).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه في تفسيريهما - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٤/ ١٥٥، ١٥٦ - عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص ٤٤٢ - إلى ابن المنذر، وقال ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٤٣: وفيه غرابة ونكارة، وقد تكلم في إسناده.","vol":"24","page":103},{"text":"مكتومٍ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: هو ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾. قال: رجلٌ مِن بنى فِهْرٍ، يقالُ له: ابنُ أمِّ مكتومٍ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾: عبدُ اللَّهِ بنُ زائدةَ، وهو ابنُ أمِّ مكتومٍ، وجاءه يسْتَقرِئُه، وهو يناجِي أُمَيَّةَ بن خَلَفٍ - رجلٌ مِن عليةِ قريشٍ - فأعرَض عنه نبيُّ اللَّهِ ﷺ، فأَنزَلَ اللَّهُ فيه ما تسمعون: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾. إلى قوله: ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾. ذُكِر لنا أنَّ نبيَّ اللَّهِ ﷺ استخلَفه بعدَ ذلك مرَّتين على المدينةِ، في غزوتين غزاهما، يصلِّى بأهلِها (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ أنه رآه يومَ القادسيةِ معه رايةٌ سوداءُ، وعليه، وعليه دِرْعٌ له (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: جاء ابنُ أمِّ مكتومٍ إلى النبيِّ ﷺ وهو يكلِّمُ أُبيَّ بنَ خلَفٍ، فأعرَض عنه، فأنزَل اللَّهُ عليه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾. فكان النبيُّ ﷺ بعدَ ذلك يُكرِمُه. قال أنسٌ: فرأَيتُه يومَ القادسيةِ عليه دِرْعٌ، ومعه رايةٌ سوداءُ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مالك، ١/ ٢٠٣، وابن سعد ٤/ ٢٠٨ من طريق هشام به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٠٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ينظر تخريج الكشاف للزيلعي ٤/ ١٥٦.\n(^٤) أخرجه ابن سعد ٤/ ٢١٢، والنسائى في الكبرى (٨٦٠٥) من طريق يزيد به، وأخرجه ابن أبي عاصم (٨٢٦، ٩٢٦) من طريق سعيد به، وأخرجه أحمد ١٩/ ٣٤٩ (١٢٣٤٤)، والحارث (٦٥٩ - بغية)، وأبو يعلى (٣١١٠، ٣١٣٨)، وابن الجارود (٣١٠)، والبيهقى ٣/ ٨٨ من طريق قتادة به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي عاصم (٨٢٧) من طريق ابن ثور به مقتصرا على قول أنس، وأخرجه عبد الرزاق في=","vol":"24","page":104},{"text":"حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾: تصدَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ الرجلٍ من مشركي قريشٍ كثيرِ المالِ، ورجَا أن يؤمِنَ، وجاء رجلٌ مِن الأنصارِ أعمَى، يقالُ له: عبدُ اللَّهِ ابنُ أُمِّ مكتومٍ. فجعَل يسألُ نبيَّ اللهِ ﷺ، فكرِهه نبيُّ اللَّهِ ﷺ وتولَّى عنه، وأقبَل على الغنيِّ، فوعَظ اللَّهُ نبيَّه، فأكْرَمه نبيُّ اللَّهِ ﷺ، واستخْلَفه على المدينةِ مرَّتين، في غزوتين غزاهما (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وسألتُه عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾. قال: جاء ابنُ أمِّ مكتومٍ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، وقائدُه يُبْصِرُ وهو لا يُبْصِرُ. قال: ورسولُ اللَّهِ ﷺ ما يشِيرُ إلى قائدِه يَكُفَّ، وابنُ أمِّ مكتومٍ يدفَعُه ولا يُبْصِرُ. قال: حتى عبَس رسولُ اللَّهِ ﷺ، فعاتَبه اللَّهُ في ذلك، فقال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾. إلى قولِه: ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ (^٢).\nقال ابنُ زيدٍ: كان يقالُ: لو أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كتَم مِن الوحيِ شيئًا كتَم هذا عن نفسه. قال: وكان يتصدَّى لهذا الشريفِ في جاهليتِه رجاءَ أَنْ يُسلِمَ، وكان عن هذا يتلهَّى (^٣).\n\n<span id=\"aya-5761\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وما\n_________\n= تفسيره ٢/ ٣٤٨ - ومن طريقه أبو يعلى (٣١٢٣) - وابن سعد ٤/ ٢١٢ من طريق معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٤ إلى عبد بن حميد.\n(^١) أخرجه ابن سعد ٤/ ٢٠٩ من طريق عن الضحاك، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٥ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٤٤.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٥ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"24","page":105},{"text":"يُدْريك يا محمدُ، لعلَّ هذا الأعمى الذي عبَسْتَ في وَجْهِهِ ﴿يَزَّكَّى﴾. يقولُ: يتطهَّرُ مِن ذنوبِه.\nوكان ابنُ زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾: يُسلِمُ.\n\n<span id=\"aya-5762\"></span>وقولُه: ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾. يقولُ: أو يتذكَّرُ فتنفعَه الذكرى. يعني: يعتبِرُ فينفَعَه الاعتبارُ والاتعاظُ.\nوالقراءةُ على رفعِ: (فتَنْفَعُه) (^١) عطفًا به على قولِه: ﴿يَذَّكَّرُ﴾. وقد رُوِى عن عاصمٍ النصبُ فيه والرفعُ (^٢)؛ والنصبُ على أن تجعلَه جوابًا بالفاءِ لـ \"لعل\"؛ كما قال الشاعرُ (^٣):\nعَلَّ صُروفَ الدَّهْرِ أو دُولاتِها\nيُدِلْننا اللَّمَّةَ مِن لمَّاتِها\nفتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِن زَفْرَاتِها\nوتُنْقَع الغُلَّةُ (^٤) مِن غَلَّاتِها (^٥)\nو(تنقع) يُروى بالرفعِ والنصبِ.\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وحمزة والكسائي وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٦٧٢.\n(^٢) قرأ عاصم بالنصب، ولم يذكر أحدٌ الرفع عنه غير ما قاله أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٤٢٧ حيث قال: وقرأ الجمهور (فتنفعه) برفع العين، عطفًا على ﴿أو يذكر﴾ وعاصم في المشهور والأعرج وأبو حيوة وابن أبي عبلة والزعفراني بنصبهما.\n(^٣) الأبيات في شرح شواهد الشافية ٤/ ١٢٩، وتقدمت في ٣/ ٣٢ دون البيت الرابع.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"العلة\". والغلة: شدة العطش وحرارته. اللسان (غ ل ل).\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"علاتها\".","vol":"24","page":106},{"text":"<span id=\"aya-5763\"></span><span data-type='title' id=toc-9518>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠)﴾.</span>\n\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أما مَن استغْنَى بمالِه، فأنت له تتعرَّضُ رجاءَ أن يُسلِمَ.\n\n<span id=\"aya-5764\"></span>حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾. قال: نزَلت في العباسِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾. قال: عتبةُ بنُ ربيعةَ وشيبةُ بنُ ربيعةَ (^١).\n\n<span id=\"aya-5765\"></span>﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾. يقولُ: وأيُّ شيءٍ عليك ألا يتطهَّرَ مِن كفرِه فيُسلِمَ؟\n\n<span id=\"aya-5766\"></span>﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى﴾. يقولُ: وأما هذا الأعمى الذي جاءك سعيًا،\n\n<span id=\"aya-5767\"></span>وهو يخْشى اللَّهَ، ويتقِيه،\n\n<span id=\"aya-5768\"></span>﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾. يقولُ: فأنت عنه تُعْرِضُ، وتَشاغَلُ عنه بغيرِه وتَغَافَلُ.\n\n<span id=\"aya-5769\"></span><span data-type='title' id=toc-9519>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿كَلَّا﴾: ما الأمرُ كما تفعلُ يا محمدُ مِن أنْ تعبِسَ في وجْهِ مَن جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدَّى لمن استغْنى، ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾. يقولُ: إنَّ هذه العظةَ وهذه السورةَ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾. يقولُ: عظةٌ وعبرةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٠٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":107},{"text":"يقولُ: فمن شاء من عبادِ اللهِ ﴿ذَكَرَهُ﴾. يقولُ: ذكَر تنزيلَ اللَّهِ ووحيَه.\n\n<span id=\"aya-5770\"></span>والهاءُ في قولِه: ﴿إِنَّهَا﴾. للسورةِ، وفى قولِه: هو ﴿ذَكَرَهُ﴾. للتنزيلِ والوحى.\n\n<span id=\"aya-5771\"></span>﴿فِي صُحُفٍ﴾. يقولُ: إنَّها تذكرةٌ في صُحُفٍ مكرَّمةٍ،\n\n<span id=\"aya-5772\"></span>﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾.\nيعنى: في اللَّوحِ المحفوظِ؛ وهو المرفوعُ المطهَّرُ عندَ اللهِ.\n\n<span id=\"aya-5773\"></span>وقولُه: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾. يقولُ: الصحفُ المكرَّمةُ بأيدى سَفَرةٍ. [وهو] (^١) جمعُ سافرٍ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ فيهم؛ ما هم؟ فقال بعضُهم: هم كَتَبةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9520>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾. يقولُ: كَتَبةٍ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾. قال: الكَتَبةِ (^٣).\nوقال آخرون: هم القراءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9521>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولِه: ﴿فَمَنْ شَاءَ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٦٠، ٣٦١ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٥ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":108},{"text":"ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾. قال: هم القرَّاءُ (^١).\nوقال آخرون: هم الملائكةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9522>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾: يعنى الملائكةَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5774\"></span>حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾. قال: السَّفَرَةُ الذين يُحْصُون الأعمالَ (١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: هم الملائكة الذين يَسفِرون بينَ اللَّهِ ورسلِه بالوحي، وسفيرُ القومِ الذي يسعى بينَهم بالصلحِ، يقالُ: سَفَرتُ بينَ القومِ، إذا أصلَحتَ بينَهم. ومنه قولُ الشاعرِ (^٣):\nوما أدَعُ السَّفارةَ بينَ قومي … وما أمشى بغشٍّ إِنْ مَشَيْتُ\nوإذا وُجِّه التأويلُ إلى ما قلنا، احتمَل الوجهَ الذي قاله القائلون: هم الكتبةُ. والذي قاله القائلون: هم القرَّاءُ؛ لأنَّ الملائكةَ هي التي تقرأُ الكتبَ، وتَسْفِرُ (^٤) بينَ اللَّهِ وبينَ رسلِه.\nوقولُه: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾. والبَرَرةُ جمع بارٍّ، كما الكَفَرةُ جمعُ كافرٍ،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٤٤.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٥ إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(^٣) البيت في معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٣٦، وتفسير القرطبي ١٩/ ٢١٦، والبحر المحيط ٨/ ٤٢٥.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تسفره\".","vol":"24","page":109},{"text":"والسَّحَرةُ جمعُ ساحرٍ، غيرَ أن المعروفَ مِن كلامِ العربِ إذا نطَقوا بواحِدِهِ أنْ يقولوا: رجلٌ بَرٌّ، وامرأَةٌ برَّةٌ. وإذا جمَعوا ردُّوه إلى جمعِ فاعلٍ، كما قالوا: رجلٌ سَرِيٌّ. ثم قالوا في جمعِه: قومٌ سَراةٌ. وكان القياسُ في واحدِه أنْ يكونَ \"ساريًا\"، وقد حُكِى سماعًا مِن بعضِ العربِ: قومٌ خَيَرَةٌ بَرَرَةٌ. وواحدُ الخَيَرةِ: خَيْرٌ، والبَرَرَةِ: بَرٌّ.\n\n<span id=\"aya-5775\"></span>وقولُه: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لُعِن الإنسانُ الكافرُ، ما أكفَره!\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال مجاهدٌ.\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، قال: ما كان في القرآنِ: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾، أو فعِل بالإنسانِ، فإنما عُنِى به الكافرُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾: بلَغني أنه الكافرُ.\nوفى قولِه: ﴿أَكْفَرَهُ﴾. وجهان؛ أحدُهما: التعجُّبُ مِن كفرِه، مع إحسانِ اللَّهِ إليه، وأياديه عندَه. والآخرُ: ما الذي أكْفَره؟ أي: أيُّ شيءٍ أكْفَره؟\n\n<span id=\"aya-5776\"></span><span data-type='title' id=toc-9523>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣)﴾.</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٥ إلى ابن المنذر.","vol":"24","page":110},{"text":"<span id=\"aya-5777\"></span>يقولُ تعالى ذكرُه: مِن أيِّ شيءٍ خلَق الإنسانَ الكافرَ ربُّه حينَ (^١) يَتَكبَّرُ ويَتَعاظَمُ (^٢) عن طاعةِ ربِّه والإقرارِ بتوحيدِه؟ ثم بيَّن جلَّ ثناؤُه الذي منه خلَقَه؛ فقال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أحوالًا؛ نطفةً تارةً، ثم عَلَقةً أُخرى، ثم مُضْغَةً، إلى أن أتَتْ عليه أحوالُه وهو في رحمِ أمِّه،\n\n<span id=\"aya-5778\"></span>﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾. يقولُ: ثم يسَّره للسبيلِ، يعني: للطريقِ.\nواختلف أهلُ التأويلِ في السبيلِ الذي يسَّره لها (^٣)؛ فقال بعضُهم: هو خروجُه مِن بطنِ أمِّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9524>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾: يعنى بذلك: خروجَه مِن بطنِ أمَّه يسَّره له (^٤).\nحدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾. قال: سبيلَ الرَّحِمِ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾. قال: خروجَه مِن بطنِ أُمِّه (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"حتى\". وينظر شرح شواهد التوضيح والتصحيح ص ٧٢، ٧٣.\n(^٢) في م: \"يتعظم\".\n(^٣) في ت ٣: \"له\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٦ إلى المصنف.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٦ إلى ابن المنذر.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٤٥.","vol":"24","page":111},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾. قال: خروجَه مِن بطنِ أمِّه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾. قال: أخرَجه مِن بطنِ أمِّه.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: طريقَ الحقِّ والباطلِ بيَّناه له وأعلَمْناه، وسهَّلنا له العملَ به.\n\n<span data-type='title' id=toc-9525>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾. قال: هو كقولِه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣].\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾. قال: على نحوِ ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: سبيلَ الشقاءِ والسعادةِ، وهو كقولِه: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٠٥.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٨ عن ابن جريج عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":112},{"text":"الحسنُ في قولِه: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾. قال: سبيلَ الخيرِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾. قال: هداه للإسلامِ [والدِّينِ] (^٢)، يسَّره له وأعلَمه به، والسبيلُ سبيلُ الإسلامِ (^٣).\nوأولى التأويلين في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: ثم [لطريقِ الخروجِ] (^٤) مِن بطنِ أمِّه يسَّره.\nوإنما قلنا: ذلك أولى التأويلين بالصوابِ؛ لأنه أشبهُهما بظاهرِ الآيةِ، وذلك أنَّ الخبرَ مِن اللَّهِ قبلها وبعدَها عن صفةِ خلْقِه، وتدبيرِه جسمَه، وتصريفِه إيَّاه في الأحوالِ، فالأولى أنْ يكونَ أوسطُ ذلك نظيرَ ما قبلَه وبعدَه.\n\n<span id=\"aya-5779\"></span>وقولُه: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾. يقولُ: ثم قبَض رُوحَه، فأماته بعدَ ذلك. يعنى بقولِه: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾: صيَّره ذا قبرٍ. والقابرُ هو الدافِنُ الميتَ بيدِه، كما قال الأعشى (^٥):\nلو أَسْنَدتْ مَيْتًا إلى نحْرِها … عاش ولم يُنْقَل إلى قابِرِ\nوالمُقْبِرُ هو اللَّهِ الذي أمَر عبادَه أنْ يُقْبِرُوه بعدَ وفاتِه، فصيَّره ذا قبرٍ. والعربُ تقولُ فيما ذُكر لي: بَتَرْتُ ذَنَبَ البعير، واللهُ أبْتَره، وعَضَبْتُ قَرْنَ الثور، واللهُ أَعْضَبه، وطردتُ عنى فلانًا، اللهُ أطْرَده: صيَّره طرِيدًا.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٨ عن معمر به.\n(^٢) في ص، ت ٢: \"والذين\"، وفى م: \"الذي\"، وسقط من: ت ١.\n(^٣) ذكرُه ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٤٥.\n(^٤) في م: \"الطريق وهو الخروج\".\n(^٥) ديوانه ص ١٣٩.","vol":"24","page":113},{"text":"<span id=\"aya-5780\"></span>وقولُه: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾. يقولُ: ثم إذا شاء اللَّهِ أنشَره بعدَ مماتِه وأحياه.\nيقالُ: أنشَر اللهُ الميتَ. بمعنى: أحياه، ونشَر (^١) الميتُ، بمعنى: حَيِى هو نفسُه.\nومنه قولُ الأعشى (^٢):\nحتى يقولَ الناسُ ممَّا رأَوْا … يا عَجَبًا للمَيِّتِ النَّاشِرِ\n\n<span id=\"aya-5781\"></span>وقولُه: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كلا، ليس الأمرُ كما يقولُ هذا الإنسانُ الكافرُ؛ من أنه قد أدَّى حقَّ اللَّهِ عليه في نفسِه ومالِه، ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾: لم يؤدِّ ما فرَض عليه مِن الفرائضِ ربُّه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9526>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾. قال: لا يقضى أحدٌ أبدًا ما افْتُرِض عليه. وقال الحارثُ: كلَّ ما افْتَرَض عليه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-9527>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠)﴾.</span>\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١: \"الله\".\n(^٢) تقدم في ٤/ ٦١٨، ١٧/ ٤٦٦، ٢٠/ ٥٥٥، ٥٥٦.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧٠٥، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٦٠ - وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٤٦ - من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":114},{"text":"<span id=\"aya-5782\"></span>يقولُ تعالى ذكرُه: فلينظُرْ هذا الإنسانُ الكافرُ المُنكِرُ توحيدَ اللَّهِ إلى طعامِه كيف دبَّره؟\nكما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ وشرابِه. قال: إلى [مأْكلِه ومشربِه] (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾: آيةً لهم.\n\n<span id=\"aya-5783\"></span>واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ بكسرِ الألفِ مِن (إِنَّا) (^٢)، على وجْهِ الاستئنافِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ ﴿أَنَّا﴾ بفتحِ الألفِ (^٣). بمعنى: فلينظُرِ الإِنسانُ إلى \"أَنَّا\"، فيجعلُ \"أنَّا\" في موضع خفضٍ على نيةِ تكريرِ الخافضِ. وقد يجوزُ أنْ يكونَ رفعًا إذا فُتِحت، بنيَّةِ: طعامُه (^٤) صبُّنا (^٥) الماءَ صبًّا.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان، فبأيَتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nوقولُه: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾. يقولُ: أنا أنزَلنا الغيثَ مِن السماء إنزالًا،\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مدخله ومشربه\"، وفى الدر المنثور: \"مدخله ومخرجه\".\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٦٧٢.\n(^٣) هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"طعامنا\".\n(^٥) في م: \"أنا صبينا\".","vol":"24","page":115},{"text":"<span id=\"aya-5784\"></span>وصَببْناه عليها صبًّا، ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾. يقولُ: ثم فتَقْنا الأرضَ، وصدَّعْناها بالنباتِ،\n\n<span id=\"aya-5785\"></span>﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾. يعنى: حبَّ الزرعِ، وهو كلُّ ما أَخرَجَتْه الأرضُ مِن الحبوبِ؛ كالحنطة والشعيرِ وغيرِ ذلك،\n\n<span id=\"aya-5786\"></span>﴿وَعِنَبًا﴾. يقولُ: وكرْمَ عنبٍ، ﴿وَقَضْبًا﴾. يعنى بالقَضبِ الرَّطْبةَ، وأهلُ مكةَ يُسمُّون القَتَّ القَضْب.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9528>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَقَضْبًا﴾. يقولُ: الفِصْفِصةَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَضْبًا﴾. قال: والقَضْبُ الفَصافِصُ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ ﵀: الفِصْفِصةُ الرَّطْبةُ.\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَقَضْبًا﴾. يعنى: الرَّطْبةَ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَقَضْبًا﴾. قال: القَضْبُ العَلَفُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5787\"></span>وقولُه: ﴿وَزَيْتُونًا﴾. وهو الزَّيتون الذي منه الزَّيْتُ، ﴿وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾.\n\n<span id=\"aya-5788\"></span>وقد بيَّنا أنَّ الحديقةَ البستانُ المحوطُ عليه.\nوقولُه: ﴿غُلْبًا﴾. يعني: غِلاظًا.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكرُه ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٤٧.","vol":"24","page":116},{"text":"وعنِى (^١) بقولِه: ﴿غُلْبًا﴾: أشجارٌ (^٢) في بساتينَ غِلاظٌ. والغُلْبُ جمعُ أغْلَبَ، هو الغليظُ الرقبة مِن الرجالِ، ومنه قولُ الفرزدقِ (^٣):\nعَوَى فَأَثار أَغْلَبَ ضَيْغَمِيًّا … فَوَيْلَ ابْنِ المَرَاغَةِ مَا اسْتَثارا\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في البيانِ عنه؛ فقال بعضُهم: هو ما التفَّ مِن الشجرِ واجتمَع.\n\n<span data-type='title' id=toc-9529>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن عاصمِ بن كُلَيبٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾. قال: الحدائقُ ما التفَّ واجتمَع (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾. قال: ملتفةً (^٥).\nوقال آخرون: الحدائقُ نَبْتُ الشجرِ كلِّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9530>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو هشام، قال: ثنا ابنُ فضيلٍ، قال: ثنا عاصمٌ، عن أبيه: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾: الحدائقُ نبْتُ الشجرِ كلِّها.\n_________\n(^١) في م: \"يعني\".\n(^٢) في م: \"أشجارا\".\n(^٣) ديوانه ص ٤٤٣.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) في م، ت ١: \"طيبة\".\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٧٠٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":117},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾. قال: الشجرَ يُستَظَلُّ به في الجنةِ (^١).\nوقال آخرون: بل الغُلْبُ الطِّوالُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9531>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾. يقولُ: طِوالًا (^٢).\nوقال آخرون: هو النخلُ الكرامُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9532>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾: والغُلْبُ النخلُ الكِرامُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾. قال: النخلَ الكِرامَ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ عِظامَ النَّخْلِ، العظيمةَ الجِذْعِ. قال: والغُلْبُ مِن الرجالِ العِظامُ الرقابِ، يقالُ: هو أَغْلَبُ الرقبةِ؛ عظيمُها.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٨ عن معمر به.","vol":"24","page":118},{"text":"﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾. قال: عظامَ الأوساطِ (^١).\n\n<span id=\"aya-5789\"></span><span data-type='title' id=toc-9534>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾.</span>\nيعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَفَاكِهَةً﴾. ما يأكلُه الناسُ مِن ثمارِ الأشجارِ.\nوالأبُّ ما تأكلُه البهائمُ مِن العُشبِ والنباتِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9533>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ: ﴿وَفَاكِهَةً﴾.\nقال: ما يأكلُ ابنُ آدمَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفَاكِهَةً﴾. قال: ما أكلَ الناسُ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَفَاكِهَةً﴾. قال: أما الفاكهةُ فلكم.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٤٧.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٠٦ من طريق المبارك به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧٠٦.","vol":"24","page":119},{"text":"﴿وَفَاكِهَةً﴾. قال: الفاكهةُ لنا.\nحدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا حميدٌ، قال: قال أنسُ بنُ مالكٍ: قرَأ عمرُ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ حتى أتَى على هذه الآية: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد علِمنا ما الفاكهةُ، فما الأبُّ؟ ثم أحسبُه - شكَّ الطبريُّ - قال: إن هذا لهو التكلفُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، قال: قرَأ عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾. فلما أتى على هذه الآية: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾. قال: قد عرَفنا الفاكهةَ، فما الأبُّ؟ قال: لعمرُك يا بنَ الخطابِ، إن هذا لهو التكلفُ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن موسى بن أنسٍ، عن أنسٍ، قال: قرَأ عمرُ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾. ومعه عصًا في يدِه، فقال: ما الأبُّ؟ ثم قال: بحسبِنا ما قد علِمنا. وألقَى العصا مِن يدِه.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن خليدِ بن جعفرٍ، عن أبي إياسٍ معاويةَ بن قُرةَ، عن أنسٍ، عن عمرَ ﵁ أنه قال: إن هذا هو التكلفُ.\nقال: وحدَّثني قتادةُ، عن أنسٍ، عن عمرَ، بنحوِ هذا الحديثِ كلِّه.\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٢٧، وسعيد بن منصور في سننه (٤٣ - تفسير)، وابن أبي شيبة ١٠/ ٥١٢، ٥١٣، والحاكم ٢/ ٢٩٠، ٥١٤، والبيهقى في الشعب (٢٢٨١) من طريق حميد به، وأخرجه ابن سعد ٣/ ٣٢٧، وعبد بن حميد - كما في الفتح ١٣/ ٢٧١ من طريق أنس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٧ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٤٨ عن المصنف.","vol":"24","page":120},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ ويعقوبُ، قالوا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ عاصمَ بنَ كُلَيبٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: عدَّ سبعًا؛ جعَل رزقَه في سبعةٍ، وجعَله مِن سبعةٍ، وقال في آخرِ ذلك: الأبُّ ما أنبَتتِ الأرضُ، مما لا يأكلُ الناسُ (^١).\nحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ فضيلٍ، قال: ثنا عاصمٌ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: الأبُّ نبتُ الأرضِ مما تأكلهُ الدوابُّ ولا يأكلُه الناسُ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا عبدُ الملكِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: عدَّ ابنُ عباسٍ، وقال: الأبُّ ما أنبَتتِ الأرضُ للأنعامِ. وهذا لفظُ حديثِ أبي كريبٍ. وقال أبو السائبِ في حديِثه: قال: ما أنبَتت الأرضُ مما يأكلُ الناسُ وتأكلُ الأنعامُ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: الأبُّ الكلأُ والمرعى كلُّه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبى رَزِينٍ، قال: الأبُّ النباتُ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ مثلَه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (٢١٧٣) من طريق ابن إدريس به.\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة (٢١٧٢)، وابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق ٣/ ٤٩٠ - والبيهقي ٤/ ٣١٣، وفى الشعب (٣٦٨٦) من طريق ابن فضيل به.\n(^٣) أخرجه عبد بن حميد - كما في الفتح ١٣/ ٢٧١ - من طريق سعيد بن جبير به.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٤٨ عن العوفي، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٦ إلى المصنف.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٧ إلى المصنف.","vol":"24","page":121},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ أو غيرِه، عن مجاهدٍ، قال: الأبُّ المَرْعَى (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَأَبًّا﴾: المَرعَى.\nحَدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ: ﴿وَأَبًّا﴾. قال: الأبُّ ما تأكلُ الأنعامُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿وَأَبًّا﴾. قال: الأبُّ ما أكَلَت الأنعامُ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: أما الأبُّ فلأنعامِكم، نعمٌ مِن اللَّهِ متظاهرةٌ (١).\nحدَّثنا (^٤) بشرٌ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأَبًّا﴾. قال: الأبُّ العشبُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثور، عن معمرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه: ﴿وَأَبًّا﴾. قال: هو ما تأكلُه الدوابُّ (^٥).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٤٨.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٠٦ من طريق المبارك به.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧٠٦.\n(^٤) بعده في م: \"ابن\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٩ عن معمر به.","vol":"24","page":122},{"text":"الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَبًّا﴾: يعنى المَرعَى.\n\n<span id=\"aya-5790\"></span>حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَبًّا﴾. قال: الأبُّ لأنعامِنا. قال: والأبُّ ما ترعَى. وقرَأ: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾.\nقال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ وعمرُو بنُ الحارثِ، عن ابن شهابٍ، أن أنسَ بنَ مالكٍ حدَّثه، أنه سمِع عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ يقولُ: قال اللَّهُ: ﴿وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾: كلُّ هذا قد علِمناه، فما الأبُّ؟ ثم ضرَب بيدِه، ثم قال: [لعمرُ اللَّهِ] (^١)، إن هذا لهو التكلفُ (^٢)، واتَّبِعوا ما يتبينُ لكم في هذا الكتابِ. قال عمرُ: وما يتبينُ فعليكم به، وما لا فدعُوه (^٣).\nوقال آخرون: الأبُّ الثمارُ الرَّطبةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9535>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَبًّا﴾. يقولُ: الثمارَ الرطبةَ (^٤).\nوقولُه: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾. يقولُ: أنبَتْنا هذه الأشياءَ التي يأكلُها بنو آدمَ متاعًا لكم أيُّها الناسُ، ومنفعةً تتمتَّعون بها وتنتفِعون، والتي يأكلُها الأنعامُ، لأنعامِكم.\n_________\n(^١) في م: \"لعمرك\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"التكليف\".\n(^٣) أخرجه عبد بن حميد - كما في الفتح ١٣/ ٢٧١ - والحاكم ٢/ ٥١٤، والخطيب في تاريخ بغداد ١١/ ٤٦٨، البيهقي في الشعب (٢٢٨١) من طريق ابن شهاب به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٤٩ عن الزهري عن عمر به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":123},{"text":"وأصلُ الأنعامِ الإبلُ، ثم تستعملُ في كلِّ راعيةٍ.\nوبالذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9536>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، و(^١) [قال: ثنا يونسُ] (^٢)، عن الحسنِ في قولِه: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. قال: متاعًا لكم الفاكهةُ، ولأنعامِكم العشبُ.\n\n<span id=\"aya-5791\"></span>وقولُه: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾. ذُكِر أنها اسمٌ مِن أسماءِ القيامةِ، وأحسبُها مأخوذةً من قولِهم: صاخ فلانٌ لصوتِ فلانٍ، إذا استمَع له، إلا أن هذا يقالُ منه: هو مُصِيخٌ له. ولعلَّ الصوتَ هو الصاخُّ، فإن يكنْ ذلك كذلك، فينبغي أن يكونَ قيل ذلك لنفخةِ الصورِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9537>ذكرُ مَن قال: هو اسمٌ مِن أسماءِ يومِ (^٣) القيامةِ</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾. قال: هذا مِن أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه اللَّهُ وحذَّره عبادَه (^٤).\n\n<span id=\"aya-5792\"></span>وقولُه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾. يقولُ: فإذا جاءت الصاخةُ في هذا اليومِ الذي يفرُّ فيه المرءُ مِن أخيه.\n\n<span id=\"aya-5793\"></span>ويعنى بقولِه: يفرُّ مِن أخيه: يفرُّ عن أخيه، وأمِّه وأبيه،\n_________\n(^١) سقط من: النسخ.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٧ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"24","page":124},{"text":"<span id=\"aya-5794\"></span>﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾. يعني زوجتَه التي كانت زوجتَه في الدنيا، ﴿وَبَنِيهِ﴾؛ حذَرًا من مطالبتِهم إياه بما بينَه وبينَهم مِن التَّبِعاتِ والمظالِمِ.\nوقال بعضُهم: معنى قولِه: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾: يفرُّ عن أخيه؛ لئلا يراه وما ينزلُ به.\n\n<span id=\"aya-5795\"></span>﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾. يعنى: من الرجلِ وأخيه وأمِّه وأبيه، وسائرِ مِن ذُكِر في هذه الآيةِ، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾. يعنى: يومَ القيامةِ؛ إذا جاءت الصاخَّةُ يومَ القيامةِ، ﴿شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. يقولُ: أمرٌ يغنيه، ويشغَلُه عن شأنِ غيرِه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾: أفضى إلى كلِّ إنسانٍ ما يشغلُه عن الناسِ.\nحدَّثنا أبو عمارٍ (^١) المَرْوَزِيُّ الحسينُ بنُ حُريثِ، قال: ثنا الفضلُ بن موسى، عن عائذِ (^٢) بن شريحٍ، عن أنسٍ، قال: سألتْ عائشةُ رسول اللَّهِ ﷺ، قالت: يا رسول اللَّهِ، بأبى أنت (^٣) وأمى، إنى سائلتُك عن حديثٍ أخبِرني أنت به، قال: \"إن كان عندى منه عِلمٌ\". قالت: يا نبيَّ اللَّهِ، كيف يُحشرُ الرجالُ؟ قال: \"حُفاةً عُراةً\". ثم انتظَرت ساعةً، فقالت: يا نبيَّ اللَّهِ، كيف يُحشرُ النساءُ؟ قال: \"كذلك حُفاةً عُراةً\". قالت: واسَوْءَتاه مِن يومِ القيامةِ! قال: \"وعن ذلك تسأليني، إنه قد نزَلت عليَّ آيةٌ لا يضرُّكِ كان عليكِ ثيابٌ أم لا\". قالت: أيُّ آيةٍ هي يا نبيَّ اللَّهِ؟ قال: \" ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ \" (^٤).\n_________\n(^١) في النسخ: \"عمارة\"، وتقدم في ٨/ ٣٤٨، ١٣/ ٢٨٩.\n(^٢) في ت ٣، وتفسير ابن كثير: \"عائد\". وينظر التاريخ الكبير ٧/ ٦٠.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٥٠ - من طريق الفضل بن موسى به، وأخرجه الحاكم ٤/ ٥٦٤ من طريق عروة، عن عائشة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٧ إلى ابن مردويه.","vol":"24","page":125},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. قال: شأنٌ قد شغَله عن صاحبِه.\n\n<span id=\"aya-5796\"></span>وقولُه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجوهٌ يومَئذٍ مشرقةٌ مضيئةٌ. وهى وجوهُ المؤمنين الذين قد ﵃، يقالُ: أسفَر وجهُ فلانٍ: إذا حَسُن، ومنه: أسفَر الصبحُ، إذا أضاء. وكلُّ مضئٍ فهو مُسْفِرٌ. وأما \"سَفَر\" بغيرِ ألفٍ، فإنما يقالُ للمرأةِ إذا ألقَتْ نقابَها عن وجهِها أو برقعَها، يقالُ: قد سَفَرتِ المرأةُ عن وجهِها. إذا فعَلَت ذلك، فهو سافرٌ. ومنه قولُ تَوْبَةَ بن الحُمَيِّرِ (^١):\nوكُنْتُ إذا ما زُرْتُ لَيْلَى تَبَرْقَعَتْ … فَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا الغَدَاةَ سُفُورُها\nيعني بقولِه: سفورُها: إلقاءَها برقعَها عن وجهِها.\n\n<span id=\"aya-5797\"></span>﴿ضَاحِكَةٌ﴾. يقولُ: ضاحكةٌ مِن السرورِ بما أعطاها اللَّهُ مِن النعيمِ والكرامةِ، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ لما ترجو من الزيادةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9538>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مُسْفِرَةٌ﴾. يقولُ: مشرقةٌ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهب قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾. قال: هؤلاء أهلُ الجنةِ.\n_________\n(^١) الشعر والشعراء ١/ ٤٤٥، والأغانى ١١/ ٢٠٥، والأمالي ١/ ٨٨.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٧ إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر.","vol":"24","page":126},{"text":"<span id=\"aya-5798\"></span>وقولُه: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَوُجُوهٌ﴾. وهى وجوهُ الكفارِ، ﴿يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾. ذُكِر أن البهائمَ التي يُصَيرُها اللَّهِ ترابًا يومَئِذٍ بعدَ القضاءِ بينَها، يُحوَّلُ ذلك الترابُ غَبَرَةً في وجوهِ أهلِ الكفرِ،\n\n<span id=\"aya-5799\"></span>﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾. يقولُ: يغشَى تلك الوجوهَ قَتَرَةٌ؛ وهي الغَبَرَةُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9539>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾. يقولُ: تغشاها ذلةٌ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾. قال: هذه وجوهُ أهلِ النارِ. قال: والقَتَرةُ مِن الغَبَرةِ. قال: وهما واحدٌ. قال: فأما في الدنيا فإن القترةَ ما ارتفَع فلحِق بالسماءِ ورفعَته الريحُ، تسميه العربُ القترةَ؛ وما كان أسفلَ في الأرضِ فهو الغبرةُ.\n\n<span id=\"aya-5800\"></span>وقولُه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين هذه صفتُهم يومَ القيامةِ هم الكفرةُ باللهِ، كانوا في الدنيا الفجرةَ في دينِه (^٢)، لا يبالون ما أتَوا به من معاصى اللَّهِ، وركِبوا مِن محارمِه، فجزاهم اللَّهُ بسوءِ أعمالِهم ما أخبر به عبادَه.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"عبس\"\n_________\n(^١) تتمة الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٢) في م: \"دينهم\".","vol":"24","page":127},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-5801\"></span><span data-type='title' id=toc-9540>تفسيُر سورةِ \"إذا الشمسُ كُوِّرَتْ\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-9542>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ </span>(٤)﴾.\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إذا الشمسُ ذهَب ضَوءُها.\n\n<span data-type='title' id=toc-9541>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\n\nحدَّثنا الحسينُ بنُ الحريثِ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن الحسينِ (^١) بن واقدٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: ثنى أبيُّ بنُ كعبٍ، قال: ستُّ آياتٍ قبلَ يومِ القيامةِ؛ بينا الناسُ في أسواقِهم، إذ ذهَب ضَوْءُ الشمسِ، فبينَما هم كذلك، إذ تناثَرت النجومُ، فبينَما هم كذلك، إذ وقَعتِ الجبالُ على وجْهِ الأرضِ، فتحرَّكت واضطرَبت واحترَقت، وفزِعتِ الجنُّ إلى الإنسِ، والإنسُ إلى الجنِّ، واختلَطت الدوابُّ والطيرُ والوحشُ، وماجوا بعضُهم في بعضٍ، ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾. قال: اختلَطَت، ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. قال: أهمَلها أهلُها، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. قال: قالت الجنُّ للإنسِ: نحن نأتيكم بالخبرِ. قال: فانطلَقوا إلى البحارِ، فإذا هي نارٌ تأجَّجُ. قال: فبينما هم كذلك إذ تصدَّعتِ الأرضُ صَدْعةً واحدةً إلى الأرضِ السابعةِ السفلى وإلى السماءِ السابعةِ العليا. قال: فبينما هم\n_________\n(^١) في ت ١: \"الحسن\".","vol":"24","page":128},{"text":"كذلك إذ جاءتهم الريحُ فأماتَتهم (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. يقولُ: أَظْلَمَت (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. يعني: ذهَبت (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، حدَّثنى عبيد اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: اضمحَلَّت وذهَبت (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ [في هذه الآيةِ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: ذهَب ضوءُها (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ] (^٦) في قولِه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: ذهَب ضوءُها فلا ضوءَ لها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (٢٣) عن الحسين بن الحريث به. وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٥٢، ٣٥٣ عن الربيع بن أنس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٥٣ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨ إلى ابن المنذر والبيهقي في البعث.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٥١.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٠ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٦) سقط من: م.","vol":"24","page":129},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُميُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: غُوِّرتْ (^١)، وهى بالفارسيةِ: كُور تكور (^٢).\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾: أما تكويرُ الشمسِ فذَهابُها (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال (^٤): كور (^٥)، بالفارسيةِ (^٣).\nوقال آخرون: معنى ذلك: رُمِيَ بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-9543>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثَّامُ (^٦) بنُ عليٍّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ (^٧)، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: نُكِّسَت (^٣).\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٣: \"عورت\".\n(^٢) كذا في النسخ، وفى المعرب للجواليقى: وهو بالفارسية \"كؤبُور\". وفى اللسان (ك ور): وهو بالفارسية \"كُورْبِكِرْ\". والأثر ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٣٤٥، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٥١، ولم يذكر فيهما المعنى بالفارسية، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) بعده في م: \"كورت\".\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٣: \"كورا\". والمثبت موافق لما في مصدر التخريج.\n(^٦) في ت ٢، ت ٣: \"غنام\".\n(^٧) في ت ٢: \"صالح\".","vol":"24","page":130},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ مثلَه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا بَدَلُ بنُ المُحَبَّرِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ إسماعيلَ، سمِع أبا صالحٍ في قولِه: هو ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: أُلِقيَت (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يَعْلَى، عن ربيعِ بن خُثيمٍ (^٢): ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: رُمِيَ بها (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خُثيمٍ (٢) مثلَه.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أن يقالَ: ﴿كُوِّرَتْ﴾. كما قال اللهُ جلَّ ثناؤه. والتكويرُ في كلامِ العربِ جمعُ بعضِ الشيءِ إلى بعضٍ، وذلك كتكويرِ العمامةِ، وهو لفُّها على الرأسِ، وكتكويرِ الكارةِ، وهى جمعُ الثيابِ بعضها إلى بعضٍ ولفُّها، وكذلك قولُه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. إنما معناه: جُمِع بعضُها إلى بعضٍ، ثم لُفَّت فرُمِيَ بها، وإذا فُعِل ذلك بها ذهَب ضوءُها. فعلى التأويلِ الذي تأوَّلناه وبيَّناه، لكلا القولين اللذين ذكَرتُ عن أهلِ التأويلِ وجهٌ صحيحٌ، وذلك أنها إذا كُوِّرت ورُمِيَ بها ذهَب ضوءُها.\n_________\n(^١) ذكره ابنُ كثير في تفسيره ٨/ ٣٥١.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خيثم\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٠، ٣٥١، عن سفيان عن أبيه عن الربيع، وأخرجه هناد في الزهد (٣٣٦)، من طريق سعيد بن مسروق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٩ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":131},{"text":"<span id=\"aya-5802\"></span>وقولُه: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾. يقولُ: وإذا النجومُ تناثَرَت من السماءِ فتساقَطَت. وأصلُ الانكدارِ الانصبابُ، كما قال العجَّاجُ (^١):\nأبصَر خِرْبانَ فضاءٍ فانكدَرْ\nيعني بقولِه: انكدَر: انصبَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9544>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خثيمٍ (^٢): ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾. قال: تناثَرَت.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خثيمٍ (^٢) مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن [أبي يحيى] (^٣)، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾. قال: تناثَرَت (^٤).\nحدَّثني (^٥) موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾. قال: انتثَرَت (^٦).\n_________\n(^١) ديوانه ص ٢٩.\n(^٢) في ت ١، م: \"خيثم\".\n(^٣) في ت ١: \"أبى تحيحرة\"، وفى م: \"ابن أبي نجيح\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) بعده في م: \"محمد بن\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٥٣.","vol":"24","page":132},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾. قال: تساقَطَت وتهافَتَت (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾. قال: رُمِى بها من السماءِ إلى الأرضِ.\nوقال آخرون: انكَدَرت: تغيَّرَت.\n\n<span data-type='title' id=toc-9545>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾. يقولُ: تغيَّرَت (^٢).\n\n<span id=\"aya-5803\"></span>وقولُه: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾. يقولُ: وإذا الجبالُ سيَّرها اللهُ، فكانت سرابًا وهباءً منبثًّا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9546>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ (^٣)، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾. قال: ذهَبت (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٠، عن معمر، عن قتادة بلفظ: تناثرت، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابنُ أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٥٣ - من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨ إلى ابن المنذر والبيهقي في البعث.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"إسماعيل\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":133},{"text":"<span id=\"aya-5804\"></span>وقولُه: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. والعشارُ جمعُ عُشَرَاءَ، وهي التي قد أتَى عليها عشرة أشهرٍ من حملِها.\nيقول تعالى ذكرُه: وإذا هذه الحواملُ التي يَتنافسُ أهلُها فيها أُهمِلت فتُرِكت من شدةِ الهولِ النازلِ بهم، فكيف بغيرِها؟\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9547>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسينُ بنُ الحريثِ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن الحسينِ بن واقدٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: ثني أُبيُّ بنُ كعبٍ: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. قال: إذا أهمَلَها أهلُها (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خُثيْمٍ (^٢): ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. قال: خلَا منها أهلُها، لم تُحلَبْ ولم تُصَرَّ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خُثيْمٍ (٢): ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. قال: لم تُحلبْ ولم تُصَرَّ، وتخلَّى منها أربابُها.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١٢٩.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خيثم\".\n(^٣) ناقة مُصِرَّة: لا تَدِرّ. التاج (ص ر ر).\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٢١، وأحمد في الزهد ص ٣٣٤ من طريق سعيد بن مسروق به، وتقدم تمام تخريجه في ص ١٣١.","vol":"24","page":134},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. قال: سُيِّبَت، تُرِكَت (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. قال: عِشارُ الإبلِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ قال: سيَّبَها أهلُها فلم تُصَرَّ ولم تُحلَبْ، ولم يكنْ في الدنيا مالٌ أعجبَ إليهم منها.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. قال: عشارُ الإِبل سُيِّبَت (^٣).\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. يقولُ: لا راعىَ لها (١).\n\n<span id=\"aya-5805\"></span><span data-type='title' id=toc-9548>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾؛ فقال\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٥٣.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٠٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٠ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":135},{"text":"بعضُهم: معنى ذلك: ماتت.\n\n<span data-type='title' id=toc-9549>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ مسلمٍ الطوسيُّ، قال: ثنا عبادُ بنُ العوَّامِ، قال: أخبَرنا حُصينٌ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾. قال: حَشْرُ البهائمِ موتُها، وحَشْرُ كلِّ شيءٍ الموتُ، غيرَ الجنَّ والإنسِ، فإنهما يُوقَفان يومَ القيامةِ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خُثيمٍ (^٢): ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ قال: أتَى عليها أمرُ اللهِ. قال سفيانُ: قال أبي: فذكرتُه لعكرمةَ، فقال: قال ابنُ عباسٍ: حَشْرُها موتُها (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيع بن خُثيمٍ (٢) بنحوِه.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وإذا الوحوشُ اختلَطتْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9550>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسينُ بن حُريثٍ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن الحسينِ بن واقدٍ،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٥٤ عن المصنف، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥١٥ من طريق عباد بن العوام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٩ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣، م: \"خيثم\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٥٤ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٩ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي شيبة، بغير قول عكرمة.","vol":"24","page":136},{"text":"عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: ثني أُبيُّ بنُ كعبٍ: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾. قال: اختلَطتْ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: جُمعت.\n\n<span data-type='title' id=toc-9551>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾: إنَّ هذه الخلائقَ موافيةٌ يومَ القيامةِ، فيقضِى اللهُ فيها ما يشاءُ (^٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ﴿حُشِرَتْ﴾: جُمعت فأُميتَتْ؛ لأنَّ المعروفَ في كلامِ العربِ مِن معنى الحشرِ الجمعُ، ومنه قولُ الله: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ [ص: ١٩]. يعنى: مجموعةً. وقولُه: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾ [النازعات: ٢٣]. وإنما يُحملُ تأويلُ القرآنِ على الأغلبِ الظاهرِ مِن تأويلِه، لا على الأنكرِ المجهولِ.\n\n<span id=\"aya-5806\"></span>وقولُه: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وإذا البحارُ اشتَعلَت نارًا وحَمِيَت.\n\n<span data-type='title' id=toc-9552>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسينُ بنُ حُريثٍ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: ثني أُبيُّ بنُ كعبٍ: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. قال: قالت الجنُّ للإنسِ: نحن نأتيكم بالخبرِ. فانطلَقوا إلى البحارِ فإذا هي تأجَّجُ نارًا (١).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١٢٩.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٥٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":137},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن داودَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: قال عليٌّ ﵁ لرجلٍ مِن اليهودِ: أين جهنمُ؟ فقال: البحرُ. فقال: ما أُراه إلا صادقًا، ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]. ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. مخففةً (^١).\nحدَّثني حَوْثرةُ (^٢) بنُ محمدٍ المِنْقَريُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثنا مجالدٌ، قال: أخبَرني شيخٌ من بَجِيلةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: كوَّر اللهُ الشمسَ والقمرَ والنجومَ في البحرِ، فيَبْعثُ عليها ريحًا دبورًا، فتَنْفخُه حتى يصيرَ نارًا، فذلك قولُه: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زَيدٍ في قوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. قال: إنها توقدُ يومَ القيامةِ، زعَموا ذلك التسجيرَ في كلامِ العربِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرِ بن عطيةَ في قولِه: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]. قال: بمنزلِة التنُّورِ المسجورِ، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ مثلُه.\nقال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ قال: أُوقِدت.\nوقال آخرون: معنى ذلك: فاضتْ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٥٤ عن المصنف، وتقدم تخريجه في ٢١/ ٥٦٨، وستأتى القراءة بعد قليل.\n(^٢) في ت ٢: \"حوير\" وفى ت ٣: \"جويير\". وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٤٦٠.\n(^٣) أخرجه هناد في الزهد (٣٣٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٥٢ - من طريق أبي أسامة به، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٦٤٥)، من طريق بيان، عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨ إلى ابن أبي الدنيا في الأهوال.\n(^٤) تقدم تخريجه في ٢١/ ٥٦٨.","vol":"24","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9553>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خُثيْمٍ (^١): ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. قال: فاضَتْ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن ربيعٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبيِّ في قولِه: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. قال: مُلِئت، ألا ترَى أنه قال: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (^٢)!\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. يقولُ: فُجِّرَت (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك أنه ذهَب ماؤُها.\n\n<span data-type='title' id=toc-9554>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. قال: ذهَب ماؤُها فلم يبقَ فيها قطرةٌ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خيثم\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٠ عن معمر به، وذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٣٤٧.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٥٥ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الفتح - ٨/ ٦٩٣ - من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":139},{"text":"الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. قال: غار ماؤُها فذهَب (^١).\nحدَّثني [الحسينُ بنُ محمدٍ الذارعُ] (^٢)، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن الحسنِ (^٣) في هذا الحرفِ: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. قال: يبِسَت (^٤).\nحدَّثنا الحسينُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ بمثلِه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. قال: يبِسَت.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: مُلئت حتى فاضَتْ، فانفجَرت وسَالتْ. كما وصَفها اللهُ به في الموضعِ الآخرِ، فقال: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣]. والعربُ تقولُ للنهرِ أو للرَّكيِّ المملوءِ ماءً: مسجورٌ.\nومنه قولُ لبيدٍ (^٥):\nفتوسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ وصَدَّعا … مسجُورةً مُتَجاوِرًا (^٦) قُلَّامُها\nويعنى بالمسجورةِ: المملوءةَ ماءً.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿سُجِّرَتْ﴾\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٠ عن معمر به.\n(^٢) في ت ١: \"الحسين بن محمد الزارع\". وفى ت ٢، ت ٣: \"محمد بن الحسين الذارع\".\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحسين\".\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٣٤٧، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٥٥.\n(^٥) تقدم في ١٥/ ٥١٠.\n(^٦) في شرح الديوان: \"متجاوزا\".","vol":"24","page":140},{"text":"بتشديدِ الجيمِ. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ البصرةِ بتخفيفِ الجيمِ (^١).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-5807\"></span>وقولُه: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: أُلحِق كلُّ إنسانٍ بشكلهِ، وقُرِن بينَ الضُّرَباءِ والأمثالِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9555>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سماكٍ، عن النعمانِ بن بشيرٍ، عن عمرَ ﵁: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: هما الرجلان يعمَلان العملَ الواحدَ يدخلان به الجنةَ، ويدخُلان به النارَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سماكِ بن حربٍ، عن النعمانِ بن بشيرٍ، عن عمرَ بن الخطابِ ﵁: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: هما الرجلان يعمَلان العملَ، فيدخُلان به الجنةَ. وقال: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]. قال: ضُرباءَهم (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن سماكِ بن حربٍ، عن النعمانِ بن بشيرٍ، عن عمرَ بن الخطابِ ﵁: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: هما الرجلان يعمَلان العملَ، يدخُلان به الجنةَ أو النارَ.\n_________\n(^١) قراءة التشديد قرأ بها نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، وقراءة التخفيف قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو. التيسير ص ١٧٩.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٠ عن سفيان الثورى به، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٥٥ - والحاكم ٢/ ٥١٥، ٥١٦ من طريق سماك به.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٩/ ٥١٩.","vol":"24","page":141},{"text":"حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بن حربٍ، أنه سمِع النعمانَ بن بشيرٍ يقولُ: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ وهو يَخْطُبُ، قال: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ٧ - ١١]. ثم قال: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: أزواجٌ في الجنةِ، وأزواجٌ في النارِ.\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن النعمانِ بن بشيرٍ، قال: سُئِل عمرُ ﵁ عن قولِ اللهِ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: يُقْرَنُ بينَ الرجلِ الصالحِ مع الرجلِ الصالحِ في الجنةِ، وبينَ الرجلِ السوءِ مع الرجلِ السوءِ في النارِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصبَّاحِ الدُّولابيُّ، عن الوليدِ، عن سماكٍ، عن النعمانِ، عن النبيِّ ﷺ، والنعمانِ، عن (^٢) عمرَ، وقال: قال \" ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ \". قال: \"الضُّرَباءُ، كلُّ رجلٍ مع كلِّ قومٍ كانوا يعمَلون عملَه؛ وذلك أن الله يقولُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ٧ - ١٠]. قال: \"هم الضُّربَاءُ\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٧٩، والحافظ في تغليق التعليق ٤/ ٣٦٢ من طريق أبى الأحوص به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥١، وعبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٦٢ - وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٥٥ - وابن مردويه - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٦١ - من طريق سماك به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٩ إلى سعيد بن منصور والفريابي وابن المنذر.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ابن\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٥٥ - من طريق محمد بن الصباح به.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٥٤ إلى ابن مردويه.","vol":"24","page":142},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: ذلك حينَ يكونُ الناسُ أزواجًا ثلاثةً (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: أُلحِق كلُّ امرئ بشيعتِه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: الأمثالُ من الناسِ جُمِع بينَهم (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: لحِق كلُّ إنسانٍ بشيعتِه؛ اليهودُ باليهودِ، والنصارى بالنصارى (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خُثيمٍ (^٥): ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: يُحشرُ المرءُ مع صاحبِ عملِه (^٦).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ٢٣١، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٥٥.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٣٤٧، والقرطبي في تفسيره ١٩/ ٢٣٢.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧٠٨. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٣٤٧ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"خيثم\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٠، ٣٥١ عن سعيد بن مسروق عن الربيع بن خثيم، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٩ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":143},{"text":"الربيعِ، قال: يجئُ المرءُ مع صاحبِ عملِه.\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك أن الأرواحَ رُدَّت إلى الأجسادِ فزُوِّجت بها. أي: جُعِلت لها زوجًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-9556>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن أبي أبيه، عن أبي (^١) عمرٍو، عن عكرمةَ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: الأرواحُ تَرْجِعُ إلى الأجسادِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن داودَ، عن الشعبيِّ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: زُوِّجت الأجسادَ فرُدَّت الأرواحُ في الأجسادِ (^٣).\nحدَّثني عبيدُ بنُ أسباطَ بن محمدٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن عكرِمةَ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: رُدَّت الأرواحُ في الأجسادِ.\nحدَّثني الحسنُ بنُ زُريقٍ (^٤) الطُّهَويُّ، قال: ثنا أسباطُ، عن أبيه، عن عكرمةَ مثلَه.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: أخبَرنا داودُ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: زوِّجت الأرواحُ الأجسادَ.\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"ابن\". وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٦٠٨، ٦٠٩.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص ٤٤٣ - إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٩ إلى ابن المنذر.\n(^٤) في ت ١: \"وربق\"، وفي ت ٢: \"دريق\"، وفى ت ٣: \"رويق\". وتقدم في ٦/ ٧٠٢.","vol":"24","page":144},{"text":"وأولى التأويلين في ذلك بالصحة الذي تأوَّله عمرُ بنُ الخطابِ ﵁؛ للعلةِ التي اعتَلَّ بها، وذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾. وقولُه: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. وذلك لا شكَّ الأمثالُ والأشكالُ في الخيرِ والشرِّ، وكذلك قولُه: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. بالقُرنَاءِ (^١) والأمثالِ في الخيرِ والشرِّ.\nوحدَّثني مطرُ بنُ محمدٍ الضبيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ مسلمٍ القَسْمَلِيُّ (^٢)، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: سيأتي أوَّلُها والناسُ ينظرون، وسيأتي آخرُها إِذا النفوسُ زُوِّجت (^٣).\n\n<span id=\"aya-5808\"></span>وقولُه: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾. اختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه أبو الضحى مسلمُ بنُ صُبيحٍ: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (^٤). بمعنى: سألتِ الموءودةُ الوائدينَ بأيِّ ذنبٍ قتَلوها (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-9557>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ في قولِه: (وإذا المَوءُودةُ سأَلتْ). قال: طلَبت بدمائِها (^٦).\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"بالضرباء\".\n(^٢) في ت ١: \"السلمي\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"الشملي\". وتقدم في ١٣/ ٦٤٢، ١٥/ ٤٥٢.\n* من هنا خرم في النسخة \"ت ٢\"، وينتهي في ص ١٥٥.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر مطولا.\n(^٤) وبها قرأ ابن مسعود وعلى وابن عباس وجابر بن زيد ومجاهد، وهى قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط ٨/ ٤٣٣.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٣: \"قتلوهم\".\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٠ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":145},{"text":"حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ العنبريُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن الأعمشِ، قال: قال أبو الضحى: (وإذا الموءودةُ سأَلتْ). قال: سأَلت قتَلَتَها.\nولو قرَأ قارئٌ ممن قرَأ: (سأَلَتْ): (بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) (^١) كان له وجهٌ، وكان يكونُ معنى ذلك معنى مَن قرَأ: (بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلْتُ) غيرَ أنه إذا كان حكايةً جاز فيه الوجهان، كما يقالُ: قال عبدُ اللهِ: بأيِّ ذنبٍ ضُرِب (^٢)، وضُرِبتُ (^٣) كما قال عَنترةُ (^٤):\nالشَّاتَمِيْ عِرْضى ولم أشْتمْهما … والنَّاذِرَين إذا لقِيتُهما دَمى\nوذلك أنهما كانا يقولان: إذا لَقِينا عنترةَ لنقتلنَّه. فحكَى عنترةُ قولَهما في شعرِه. وكذلك قولُ الآخرِ (^٥):\nرَجْلانِ مِن ضَبَّةَ أَخْبَرانا … إِنَّا رأَيْنا رَجُلًا عُرْيانا\nبمعنى: أخبَرانا أنَّهما. ولكنه جرَى الكلامُ على مذهبِ الحكايةِ.\nوقرَأ ذلك بعدُ (^٦) عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾. بمعنى: سُئلت الموءودةُ بأيّ ذنبٍ قُتِلَتْ. ومعنى ﴿قُتِلَتْ﴾: قُتلْتُ. غيرَ أن ذلك رُدَّ إلى الخبرِ على وجْهِ الحكايةِ على نحوِ القولِ الماضي قبلُ. وقد يَتوجَّهُ معنى\n_________\n(^١) وبها قرأ أُبي - وعن ابن مسعود - والربيع بن خثيم وابن يعمر. البحر المحيط ٨/ ٤٣٣.\n(^٢) في ص: \"ضُربتُ\".\n(^٣) سقط من النسخ، وينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٤٠.\n(^٤) تقدم في ٢٣/ ٥٤٢.\n(^٥) تقدم في ٢٠/ ١٤٣.\n(^٦) في م: \"بعض\".","vol":"24","page":146},{"text":"ذلك إلى أنْ يكونَ: وإذا الموءودةُ سُئلت قتلَتُها ووائدُوها بأيِّ ذنبٍ قتلوها. ثم رُدَّ ذلك إلى ما لم يُسمَّ فاعلُه، فقيل: ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾.\nوأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ ذلك: ﴿سُئِلَتْ﴾ بضمِّ السينِ، ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ على وجْهِ الخبرِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه.\nوالموءودةُ المدفونةُ حيةً. وكذلك كانت العربُ تفعَلُ ببناتِها، ومنه قولُ الفرزدقِ بن غالبٍ (^١):\nومِنَّا الذي أحْيا الوَئيدَ وغالبٌ (^٢) … وعمرٌو ومنا حامِلونَ ودَافِعُ\nيقالُ: وأَده فهو يَئِدُه وأْدًا، ووأْدةً.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9558>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾: هي في بعضِ القراءاتِ: (سألتْ بأَيِّ ذنبٍ قُتِلْتُ) (^٣). لا بذنبٍ؛ كان أهلُ الجاهليةِ يَقْتُلُ أحدُهم ابنتَه ويَغْذُو كلْبَه، فعاب اللهُ ذلك عليهم (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: جاء قيس بنُ عاصمٍ التميميُّ إلى النبيِّ ﷺ فقال: إنى وأَدْتُ ثمانيَ بناتٍ في الجاهلية. قال: \"فأعتِقْ عن كلِّ واحِدَةٍ بَدَنَةً\" (^٥).\n_________\n(^١) البيت ملفق من بيتين من قصيدة في ديوانه ص ٥١٧.\n(^٢) في م، ت ١، ت ٣: \"غائب\".\n(^٣) وهى قراءة شاذة لم ترد عن أحد من القراء العشرة.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥١ عن معمر به، وأخرجه البزار (٢٣٨)، وابن أبي حاتم كما في=","vol":"24","page":147},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يَعْلى، عن الربيعِ بن خُثيمٍ (^١): ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾. قال: كانتِ العربُ مِن أفعلِ الناسِ لذلك (^٢).\n\n<span id=\"aya-5809\"></span>حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يَعْلى، عن ربيعِ بن خُثيْمٍ بمثلِه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾. قال: البناتُ التي كانت طوائفُ العربِ يَقْتلونهنَّ. وقرَأ: ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾.\n\n<span id=\"aya-5810\"></span>وقولُه: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا صُحفُ أعمالِ العبادِ نُشِرتْ لهم، بعدَ أن كانت مطويةً على ما فيها مكتوبٌ مِن الحسناتِ والسيئاتِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9559>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾: صحيفتُك يا بنَ آدمَ، يُملى ما فيها، ثم تُطْوَى، ثم تُنْشَرُ عليك\n_________\n= تفسير ابنُ كثير ٨/ ٣٥٧، وابن منده - كما في الإصابة ٥/ ٤٨٥ - والبيهقى ٨/ ١١٦ من طريق عمر بن الخطاب، عن قيس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٠ إلى الحاكم في الكني، وفي هذه المصادر: \"فأعتق عن كل واحدة رقبة\" قال: إنى صاحب إبل. قال: \"فأهد إن شئت عن كل واحدة بدنة\".\n(^١) في م، ت ١، ت ٣: \"خيثم\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٩ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":148},{"text":"يومَ القيامةِ (^١).\nواختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ: ﴿نُشِرَتْ﴾ بتخفيفِ الشينِ، وكذلك قرَأه أيضًا بعضُ الكوفيِّين، وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ مكةَ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ بتشديدِ الشينِ (^٢). واعتلَّ من اعتلَّ منهم لقراءتهِ ذلك كذلك بقولِ اللهِ: ﴿أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٢٥]. ولم يقلْ: منشورةً. وإنما حسُن التشديدُ فيه لأنه خبرٌ عن جماعةٍ، كما يقالُ: هذه كِباشٌ مُذَبَّحةٌ. ولو أخبرَ عن الواحدِ بذلك كانت مخفَّفةً، فقيل: مذبوحةٌ. فكذلك قولُه: منشورةٌ.\n\n<span id=\"aya-5811\"></span><span data-type='title' id=toc-9561>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤) فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وإذا السماءُ نُزِعت وجُذبت ثم طُوِيت.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9560>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كُشِطَتْ﴾. قال: جُذِبت (^٣).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٥٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨، ٣١٩ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) قراءة التخفيف قرأ بها نافع وابن عامر وعاصم، وقراءة التشديد قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي وحمزة. حجة القراءات ص ٧٥١.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧٠٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":149},{"text":"وذُكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (قُشِطَتْ) بالقافِ (^١)، والقَشْطُ والكَشْطُ بمعنًى واحدٍ، وذلك تحويلٌ مِن العربِ الكافَ قافًا؛ لتقارُبِ مخرَجَيْهما، كما قيل للكافور: قافورٌ. وللقُسْطِ: كُسْطٌ. وذلك كثيرٌ في كلامِهم، إذا تقارَب مخرجُ الحرفين، أبدَلوا مِن كلِّ واحدٍ منهما صاحبَه، كقولِهم للأَثافيِّ: أثاثيُّ. وثوبٌ فُرقُبيٌّ وثُرْقُبيٌّ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5812\"></span>وقولُه: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا الجحيمُ أُوقِد عليها فأُحْمِيت.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾: سعَّرها غضبُ اللهِ وخطايا بني آدمَ (^٣).\nواختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ: ﴿سُعِّرَتْ﴾ بتشديدِ عينِها، بمعنى: أُوقِد عليها مرَّةً بعدَ مرَّةٍ. وقرَأتْه عامةُ قرأةِ الكوفةِ بالتخفيفِ (^٤).\nوالقولُ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-5813\"></span>وقولُه: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا الجنةُ قُرِّبت وأُدْنِيَت.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٤١، ومختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٦٩.\n(^٢) الثياب الثرقبية والفرقبية: ثياب بيض من كتان، وقيل: من ثياب مصر. التاج (ثرقب، فرقب).\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ٢٣٥، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٥٨.\n(^٤) قراءة التشديد قرأ بها نافع وابن عامر وحفص وأبو عمرو. وقراءة التخفيف قرأ بها أبو بكر وابن كثير والكسائى وحمزة. ينظر حجة القراءات ص ٧٥١.","vol":"24","page":150},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9562>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يَعْلى، عن الربيعِ بن خُثيمٍ (^١): ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾. قال: إلى هذين ما جرى الحديثُ؛ ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (^٢) [الشورى: ٧].\nحدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يَعْلى، عن الربيعِ: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾. قال: إلى هاتين (^٣) ما جَرى الحديثُ؛ فريقٌ إلى الجنةِ، وفريقٌ إلى النارِ.\nيعني الربيعُ بقولِه: إلى هذين ما جَرى الحديثُ. أنَّ ابتداءَ الخبرِ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] إلى قولِه: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾. إنما عُدِّدت الأمورُ الكائنةُ التي نهايتُها أحدُ هذين الأمرين؛ وذلك المصيرُ إما إلى الجنةِ، وإما إلى النارِ.\n\n<span id=\"aya-5814\"></span>وقولُه: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: عَلِمت نفسٌ عندَ ذلك ما أحضَرت مِن خيرٍ فتصيرُ به إلى الجنةِ، أو شرٍّ فتصيرُ به إلى النارِ. يقولُ: يتبيَّنُ له عندَ ذلك ما كان جاهلًا به، وما الذي كان فيه صلاحُه مِن غيرِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9563>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا\n_________\n(^١) في م، ت ١، ت ٣: \"خيثم\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٠، ٣٥١ عن سفيان، عن أبيه، عن الربيع، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٩ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"هذين\".","vol":"24","page":151},{"text":"أَحْضَرَتْ﴾: من عملٍ. قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: وإلى هذا جرَى الحديثُ (^١).\nوقولُه: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾. جوابٌ لقولِه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وما بعدَها، كما يقالُ: إذا قام عبدُ اللهِ قعَد عمرٌو.\n\n<span id=\"aya-5815\"></span>وقولُه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾.\n\n<span id=\"aya-5816\"></span>اختلَف أهلُ التأويلِ في الخُنَّسِ الجوارِ الكُنَّسِ؛ فقال بعضُهم: هي النجومُ الدراريُّ الخمسةُ، تَخْنِسُ في مجراها فترجِعُ، وتكْنِسُ فتَسْتَتِرُ في بيوتِها، كما تكْنِسُ الظباءُ في المغارِ. والنجومُ الخمسةُ؛ بَهْرَامُ، وزُحَلُ، وعُطارِدُ، والزَّهَرَةُ، والمُشْتَرِى.\n\n<span data-type='title' id=toc-9564>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن خالدِ بن عرعرةَ، أن رجلًا قام إلى عليٍّ ﵁، فقال: ما ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾؟ قال: هي الكواكبُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بن حربٍ، قال: سمِعتُ خالدَ بنَ عرعرةَ، قال: سمِعتُ عليًّا ﵇ وسُئل عن: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: هي النجومُ تخنِسُ بالنهارِ، وتكنِسُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣١٨، ٣١٩ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه البيهقى في الشعب (٣٩٩١) من طريق أبى الأحوص به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥١٦ من طريق سماك به، وأخرجه سعيد بن منصور - كما في الفتح ٨/ ٦٩٤ - بإسناد حسن عن علي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن راهويه والبيهقي في البعث.","vol":"24","page":152},{"text":"بالليلِ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، [عن إسرائيلَ] (^٢)، عن سماكٍ، عن خالدِ بن عرعرةَ، عن عليٍّ ﵁، قال: النجومُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ من مُرادٍ، عن عليٍّ أنه قال: هل تدرون ما الخُنَّسُ؟ هي النجومُ، تجرِى بالليلِ وتخنِسُ بالنهارِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى جريرُ بنُ حازمٍ أنه سمِع الحسنَ (^٤) يُسألُ، فقيل: يا أبا سعيدٍ، ما ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾؟ قال: النجومُ (^٥).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ بن خليفةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن بكرِ بن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: هي النجومُ الدراريُّ التي تجرِى تستقبلُ المشرقَ (^٦).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، قال: هي النجومُ (^٦).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاق، عن رجلٍ مِن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٥٩ نقلا عن المصنف.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٥٩ - من طريق سفيان الثورى به.\n(^٤) في ص، ت ٣: \"الحسين\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٥٩.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":153},{"text":"مُرادٍ، عن عليٍّ بن أبى طالبٍ ﵁: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: يعنى النجومَ؛ تكنِسُ بالنهارِ، وتبدو بالليلِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: هي النجومُ؛ تبدو بالليلِ، وتخنِسُ بالنهارِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: هي النجومُ تخنِسُ بالنهارِ، و﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾: سَيرُهنَّ إذا غبْن (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: الحُنَّسُ والجوارى الكُنَّسُ: النجومُ الحُنَّسُ؛ إنها تخنِسُ؛ تتأخَّرُ عن مَطالِعها (^٣)، هي تتأخُرُ كلَّ عامٍ، لها في كلِّ عامٍ تأخُّرٌ عن تعجيلِ ذلك الطلوعِ تخنِسُ عنه، والكُنَّسُ: تكنِسُ بالنهارِ فلا تُرى. قال: والجوارى: تجرى بعدُ، فهذا الخُنَّسُ الجوارى الكُنَّسُ (^٤).\nوقال آخرون: هي بقرُ الوحشِ التي تكنِسُ في كِناسِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-9565>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا هشيمُ بنُ بشيرٍ، عن زكريا بن أبي زائدةَ، عن أبي إسحاقَ السبيعيِّ، عن أبي ميسرةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أنه قال لأبى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٢ عن معمر به.\n(^٣) في ص، م، ت ١: \"مطلعها\".\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٣٤٩.","vol":"24","page":154},{"text":"ميسرةَ: ما ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾؟ قال: فقال: بقرُ الوحشِ. قال: فقال: وأنا أُرى ذلك (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: بقرُ الوحشِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن شُرَحْبيلَ، قال: قال ابنُ مسعودٍ: يا عمرُو، ما ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. أو: ما تراها؟ قال عمرٌو: أُراها البقَرَ. قال عبدُ الله: وأنا أُراها البقَرَ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ، قال: سألتُ عنها عبدَ الله. فذكَر نحوَه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني جريرُ بنُ حازمٍ، قال: ثنى الحجاجُ بنُ المنذرِ، قال: سألتُ أبا الشَّعثاءِ جابرَ بنَ زيدٍ عن: ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: هي البقَرُ إذا كنَست كوانسُها (^٣). قال يونسُ: قال لى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ: هي البقَرُ إذا فرَّت مِن الذئابِ، فذلك الذي أراد بقولهِ: كنَست كوانسُها *.\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٥١٦ من طريق زكريا بن أبي زائدة به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥١، ٣٥٢، وابن سعد ٦/ ١٠٦ من طريق أبي إسحاق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه الطبراني (٩٠٦٣)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ١٤٢ من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٠ إلى سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه البخارى في التاريخ الكبير ٢/ ٣٧٤ من طريق جرير به بلفظ: البقر والظباء الوحشية، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٠ إلى عبد بن حميد.\n* إلى هنا ينتهى الخرم الموجود بالنسخة \"ت ٢\" المشار إليه في ص ١٤٥.","vol":"24","page":155},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال جريرٌ: وحدَّثنى الصلتُ بنُ راشدٍ، عن مجاهدٍ مثلَ ذلك (^١).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: هي بقَرُ الوحشِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، قال: سُئل مجاهدٌ ونحنُ عندَ إبراهيمَ عن قولِه: ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: لا أدْرى. فانتَهره إبراهيمُ وقال: لِمَ لا تَدْرى؟ فقال: إنهم يَرْوُون عن عليٍّ ﵁، وكنا نسمَعُ أَنَّها البقَرُ. فقال إبراهيمُ: هي البقرُ الجوارى، الكُنَّسُ: حُجْرةُ (^٢) بقرِ الوحشِ التي تأْوِى إليها، والخُنَّسُ الجوارى: البَقرُ.\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ ومجاهدٍ أنهما تذاكرا هذه الآيةَ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. فقال إبراهيمُ لمجاهدٍ: قلْ فيها ما سمعتَ. قال: فقال مجاهدٌ: كنا نسمعُ فيها شيئًا، وناسٌ يقولون: إنها النجومُ (^٣). قال: فقال إبراهيمُ: إنهم يَكْذِبون على عليٍّ ﵁، هذا كما رَوَوْا عن عليٍّ ﵁، أنه ضمَّن الأسفلَ الأعلى، والأعلى الأسفلَ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، [عن سفيانَ] (^٥)، عن المغيرةِ، قال: سُئل\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في م، ت ٣: \"جحرة\". والحجرة: حظيرة الحيوان. الوسيط (ح ج ر).\n(^٣) بعده في تفسير ابن كثير: \"قال: فقال إبراهيم: قل فيها بما سمعت. قال: فقال مجاهد: كنا نسمع أنها بقر الوحش حين تكنس في حجرتها\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٦٠ عن المصنف، وأخرجه سعيد بن منصور في تفسيره - كما في الفتح ٨/ ٦٩٤ - من طريق مغيرة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٠ إلى عبد بن حميد. وينظر مصنف ابن أبي شيبة ٩/ ٣٣٥.\n(^٥) سقط من: ت ٢، ت ٣.","vol":"24","page":156},{"text":"مجاهدٌ [عندَ إبراهيمَ] (^١) عن الجوارى الكُنَّسِ، قال: لا أدرى، يزعمون أنَّها البقَرُ. قال: فقال إبراهيمُ: ما (^٢) تَدْرى؟ هي البَقرُ. قال: يذكُرون عن عليٍّ ﵁ أنها النجومُ. قال: يَكْذِبون على عليٍّ ﵁.\nوقال آخرون: هي الظباءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9566>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. يعنى: الظباءِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ بن إسحاقَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾. قال: الظباءِ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: كنا نقولُ؛ أظنُّه قال: الظباءِ. حتى زعمَ سعيدُ بنُ جبيرٍ أنه سأل ابنَ عباس عنها، فأعاد عليه قراءتَها (^٥).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) بعده في: ص، م، ت ١، ت ٢: \"لا\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٦٠ عن العوفي، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٠ إلى المصنف.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٣٤٩، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٦٠.\n(^٥) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٣٦٠.","vol":"24","page":157},{"text":"الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. يعنى: الظباءِ (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أنْ يُقالَ: إِنَّ الله تعالى ذكرُه أقسَم بأشياءَ تخنِسُ أحيانًا؛ أي تغيبُ، وتجرى أحيانًا وتكنِسُ أخرى، وكنوسُها: أن تأوِىَ في مكانسِها، والمكانسُ عندَ العربِ هي المواضعُ التي تأوِى إليها بقرُ الوحشِ والظباءُ، واحدُها مَكْنَسٌ وكِنَاسٌ، كما قال الأعشى (^٢):\nفلمَّا لَحِقْنا الحَيَّ أَتْلَعَ (^٣) أُنَّسٌ … كَمَا أَتَلَعَتْ تَحْتَ المَكَانِسِ رَبْرَبُ (^٤)\nفهذه جمعُ مَكْنَسٍ، وكما قال في الكِناسِ طَرَفةُ بنُ العبدِ (^٥):\nكأَنَّ كِنَاسَىْ ضَالَةٍ (^٦) يَكْنُفَانِها … وَأَطْرَ قِسِيٍّ تَحْتَ صُلْبٍ مُؤَيَّدِ\nوأما الدَّلالةُ على أن الكِناسَ قد يكونُ للظباءِ، فقولُ أُوسِ بن حَجَرٍ (^٧):\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنْزَلَ مُزْنَةً … وَعُفْرُ الظِّبَاءِ في الكِناسِ تَقَمَّعُ\nفالكِناسُ في كلامِ العربِ ما وصفتُ، وغيرُ مُنكَرٍ أن يُستعارَ ذلك في المواضعِ التي تكونُ بها النجومُ مِن السماءِ، فإذْ كان ذلك كذلك، ولم يكنْ في الآيةِ دلالةٌ على أن (^٨) المرادَ بذلك النجومُ دونَ البقرِ، ولا البقرُ دونَ الظباءِ، فالصوابُ أنْ يُعَمَّ بذلك كلُّ ما كانت صفتُه الخُنوسَ أحيانًا، والجَرْىَ أخرى، والكُنوسَ بآناتٍ، على ما وصَف جلَّ ثناؤُه مِن صفتِها.\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط ٨/ ٤٣٤، وتفسير ابن كثير ٨/ ٣٦٠.\n(^٢) ديوانه ص ٢٠١.\n(^٣) تلع الظبي والثور من كناسه: أخرج رأسه وسَمَا بجيده، وأتلع رأسه: أطلعه فنظر، اللسان (ت ل ع).\n(^٤) الربرب: القطيع من بقر الوحش، وقيل: من الظباء ولا واحد له. اللسان (ر ب ب).\n(^٥) ديوانه ص ١٦.\n(^٦) الضال: السدر البرى. اللسان (ض ول).\n(^٧) ديوانه ص ٥٧.\n(^٨) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذلك\".","vol":"24","page":158},{"text":"<span id=\"aya-5817\"></span><span data-type='title' id=toc-9568>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾</span>\nأقسم ربُّنا جلَّ ثناؤُه بالليلِ إذا عَسْعس. يقولُ: وأُقسِمُ بالليلِ إذا عسعس واختلَف أهلُ التأويلِ في قولِه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بقولِه: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾: إذا أدْبَر.\n\n<span data-type='title' id=toc-9567>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾. يقولُ: إِذا أَدْبَر (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾. يعنى: إذا أدْبَر (^٢).\nحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ اليشكريُّ (^٣)، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدُ، عن إسماعيلَ بنُ أبي خالدٍ، عن رجلٍ، عن أبي ظَبْيانَ، قال: كنتُ أتَّبِعُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁ وهو خارجٌ نحوَ المشرقِ، فاستقبَل الفجْرَ، فقَرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بن عبيدِ اللهِ، عن سعدِ (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٥٣ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢١ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٦٠ عن العوفي، عن ابن عباس.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"السكرى\".\n(^٤) أخرجه البيهقي في ٢/ ٤٧٩ من طريق إسماعيل بن أبي خالد به.\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سعيد\". وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٢٩٠.","vol":"24","page":159},{"text":"ابن عبيدةَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: خرَج عليٌّ ﵁ مما يلى بابَ السوقِ، وقد طلَع الصبحُ أو الفجرُ. قال: فقرَأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾. أين السائلُ عن الوترِ؟ نعم، ساعةُ الوترِ هذه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾. قال: إقبالُه، ويقالُ: إدبارُه (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾: إِذا أَدْبَرَ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾. قال: إذا أدْبَر (^٣).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾: إِذا أَدْبَرَ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مِسْعرٍ، عن أبي حَصينٍ، عن أبي عبد الرحمن، قال: خرَج عليٌّ ﵁ بعدَ ما أذَّن المؤذِّنُ بالصبحِ، فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾. أين السائلُ عن الوترِ؟ قال: نعم،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٣/ ١٨، والبيهقى ٢/ ٤٧٩ من طريق أبي عبد الرحمن به، وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٤٠ من طريق عبد خير، عن علي.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٠٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢١ إلى عبد بن حميد\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٦٠.","vol":"24","page":160},{"text":"ساعةُ الوترِ هذه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾. قال: ﴿عَسْعَسَ﴾: تولَّى. وقال: تنفَّس الصبحُ مِن ههنا. وأشار إلى المشرقِ؛ اطِّلاعِ الفجرِ (^٢).\nوقال آخرون: عُنِى بقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾: إذا أقبَل بظلامِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9569>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾. قال: إذا غَشِي الناسَ (^٣).\nحدَّثنا الحسينُ بن عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا أبي، عن الفُضيلِ، عن عطيةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾. قال: أشار بيدِه إلى المغربِ (٢).\nوأَولى التأويلينِ في ذلك بالصواب عندى قولُ مَن قال: معنى ذلك: إذا أدْبَر؛ وذلك لقولِه: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾. فدلَّ بذلك على أن القسمَ بالليل مُدبرًا، وبالنهارِ مُقْبلًا، والعربُ تقولُ: عسْعَس الليلُ، وسَعْسَع الليلُ، إِذا أَدْبَرَ ولم يَبْقَ منه إلا اليسيرُ. ومن ذلك قولُ رُؤْبةَ بن العجاجِ (^٤):\nيا هِنْدُ ما أَسْرَعَ مَا تَسَعْسَعا … ولوْ رجَا تَبَعَ الصِّبَا تَتَبَّعا\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٤٥١)، والحاكم ٢/ ٥١٦ من طريق أبي حصين به.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٣٦٠\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٢ عن معمر به.\n(^٤) ديوانه ص ٨٨.","vol":"24","page":161},{"text":"فهذه لغةُ مَن قال: سَعْسَع. وأما لغةُ مَن قال: عَسْعَسَ. فقولُ علقمةَ بَنِ قُرْطٍ (^١):\nحتَّى إذا الصُّبْحُ لها (^٢) تَنَفَّسا\nوانْجاب عنها ليلُها وعَسْعَسا\nيعني: أدْبَر.\nوقد كان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ يزعُمُ أن عَسْعَس: دنا مِن أوَّلِه وأَظْلَم.\nوقال الفرَّاءُ (^٣): كان أبو البِلادِ النحويُّ (^٤) يُنشِدُ بيتًا:\nعَسْعَسَ حتى لو يشاءُ ادَّنا … كان له مِن ضَوْئِه مَقْبَسُ\nيريدُ: لو يشاءُ إِذْ دَنا. ولكنه أَدْغَم الذالَ في الدَّالِ. قال الفرَّاءُ: فكانوا يَرَوْن أنَّ هذا البيتَ مصنوعٌ.\n\n<span id=\"aya-5818\"></span>وقولُه: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾. يقولُ: وضوءِ النهارِ إذا أقبَل وتبيَّن.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9570>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾. قال: إذا نشَأ (^٥).\n_________\n(^١) مجاز القرآن ٢/ ٢٨٨.\n(^٢) في ص، ت ٢، ت ٣: \"له\".\n(^٣) في معاني القرآن ٣/ ٢٤٢.\n(^٤) مولى لعبد الله بن غطفان، كان في زمن جرير والفرزدق، من العلماء والرواة الكوفيين. ينظر المزهر في علوم اللغة ٢/ ٤٠٧.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٦١.","vol":"24","page":162},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾: إذا أضاء وأقبَل (^١).\n\n<span id=\"aya-5819\"></span>وقولُه: هو ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ هذا القرآنَ لتنزيلُ ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾. يعني جبريلَ، نزَّله على محمدِ بن عبدِ اللهِ.\nوبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9571>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أنه كان يقولُ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾: يعني جبريلَ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾. قال: هو جبريلُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5820\"></span>وقولُه: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾. يقولُ تعالى ذكره: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾. يعني جبريلَ، على ما كُلِّف مِن أمرٍ غيرُ عاجزٍ عنه (^٣)، ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾. يقولُ: هو مكينٌ عندَ ربِّ العرشِ العظيمِ.\n\n<span id=\"aya-5821\"></span><span data-type='title' id=toc-9572>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (^٤) (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٦١، وتقدم أوله في ص ١٦٠.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢.\n(^٤) في ص، ت ٢: \"بظنين\". وهما قراءتان كما سيأتي في ص ١٦٧.","vol":"24","page":163},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾. يعني جبريلَ ﵇، ﴿مُطَاعٍ﴾ في السماءِ، تُطِيعُه الملائكةُ، هو ﴿أَمِينٍ﴾. يقولُ: أمينٍ عندَ اللهِ على وحيِه ورسالتِه، وغيرِ ذلك مما اتَّمَنه عليه.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9573>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا عمر بنُ شبيبٍ المُسْليُّ (^١)، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾. قال: جبريلُ ﵇، أمينٌ على أن يدْخُل سبعينَ سُرادِقًا مِن نورٍ بغيرِ إذنٍ (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطوسيُّ، قال: ثنا عمرُ بنُ شبيبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، قال: لا أعلمُه إلا عن أبي صالحٍ، مثلَه.\nحدَّثنا سليمانُ بنُ عمرَ بن خالدٍ الأقطعُ، قال: ثنى أبي عمرُ بنُ خالدٍ، عن معقلِ بن عبيدِ اللهِ الجَزَريِّ، قال: قال ميمونُ بنُ مِهْرَانَ في قولِه: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾. قال: ذاكم جبريلُ ﵇ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) في ت ١: \"المبتلى\". وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٣٩٠.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٥٠٠) من طريق عمر بن شبيب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢١ إلى ابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الله في السنة (٨٣١) من طريق معقل به.","vol":"24","page":164},{"text":"أبيه، عن ابن عباس في قولِه: [﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾. قال: يعني جبريلَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذِي قُوَّةٍ] (^٢) عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ﴾: مطاعٍ عند الله ﴿ثَمَّ أَمِينٍ﴾ (^١).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾: يعنى جبريلَ ﵇ (^١).\n\n<span id=\"aya-5822\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما صاحبُكم أيُّها الناسُ محمدٌ بمجنونٍ، فيتكلَّمَ عن جِنَّةٍ، ويَهْذِيَ هَذَيان المجانينِ، بل جاء بالحقِّ وصدَّق المرسلينَ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9574>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا سليمانُ بن عمرَ بن خالدٍ الرَّقيُّ (^٣)، قال: ثنا أبي عمرُ (^٤) بنُ خالدٍ، عن مَعْقِلِ بن عبيدِ (^٥) اللهِ الجزريِّ، قال: قال ميمونُ بنُ مِهْرَانَ: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾. قال: ذاكم محمدٌ ﷺ (^٦).\n_________\n(^١) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٣٦١.\n(^٣) في النسخ: \"البرقى\". والمثبت مما تقدم في ٨/ ١٦٣، ٧٢٣.\n(^٤) في م، ت ١: \"عمرو\".\n(^٥) في م، ت ١: \"عبد\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٦١.","vol":"24","page":165},{"text":"<span id=\"aya-5823\"></span>وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾. يقول تعالى ذكره: ولقد رأى محمدٌ جبريل صلَّى الله عليهما وسلَّم في صورته بالناحية التي تُبِينُ الأشياء، فتُرى مِن قِبَلِها، وذلك من ناحيةِ مطلِعِ الشمسِ من قِبَل المشرقِ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9575>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾: الأعلى. قال: بأفقٍ من نحوِ أجيادَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾. قال: كنا نَتَحدَّثُ أن الأفق حيثُ تطلُعُ الشمس (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾: كنا نُحدَّثُ أنه الأفقُ الذي يجيءُ منه النهارُ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾. قال: رأى جبريلَ بالأفقِ المبينِ (^٣).\nحدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرمليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمش، عن الوليد بن العيزار، قال: سمعتُ أبا الأحوصِ يقولُ في قولِ الله:\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ٢٤١، وأبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٤٣٥.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٢٢/ ٤٦.","vol":"24","page":166},{"text":"﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾. قال: رأى جبريلَ له ستُّمائةِ جَناحٍ في صورتِه (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن عامرٍ، قال: ما رأى جبريلَ النبيُّ ﷺ في صورتِه إلا مرَّةً، واحدة، وكان يأتيه في صورةِ رجلٍ يقالُ له: دِحْيَةُ. فأتاه يومَ رآه في صورتِه قد سدَّ الأُفق كلَّه، عليه سندسٌ أخضرُ معلَّقُ الدرِّ، فذلك قولُ اللهِ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾. وذُكِر أنَّ هذه الآيةَ في: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾. في جبريلَ، إلى قولِه: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)﴾. يعنى النبيَّ ﷺ.\n\n<span id=\"aya-5824\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ (^٢). اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿بِضَنِينٍ﴾ بالضادِ (^٣)، بمعنى أنه غيرُ بخيلٍ عليهم بتعليمِهم ما علَّمه اللهُ وأنزَل إليه مِن كتابِه. وقرَأ ذلك بعضُ المكيِّين وبعضُ البصريين وبعضُ الكوفيِّين: (بظَنينٍ) (^٤) بالظاءِ، بمعنى أنه غيرُ متَّهمٍ فيما يُخبرهم عن اللهِ من الأنباءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9576>ذكرُ مَن قرَأ (^٥) ذلك بالضادِ وتأوَّله على ما وصَفنا من التأويلِ، من أهلِ التأويلِ</span>\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص ٢١٦ من طريق الأعمش به بنحوه. وفيه سبعمائة. بدلا من ستمائة.\n(^٢) في ص: \"بظنين\".\n(^٣) وهى قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة. ينظر حجة القراءات ص ٧٥٢.\n(^٤) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو والكسائي. المصدر السابق.\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣: \"قال\".","vol":"24","page":167},{"text":"زِرٍّ: (وما هو على الغيب بظَنينٍ). قال: الظَّنينُ المتهَمُ. وفي قراءتِكم: ﴿بِضَنِينٍ﴾: والضنينُ البخيلُ، والغيب القرآنُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ الواسطيُّ، قال: ثنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾: ببخيلٍ (^٢).\nحدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾. قال: ما يَضِنُّ عليكم بما يعلمُ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾. قال: إن هذا القرآنَ غيبٌ، فأعطاه الله محمدًا، فبذَله وعلَّمه ودعا إليه، والله ما ضنَّ به رسولُ اللهِ ﷺ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ: (وما هو على الغيبِ بِظَنين). قال: في قراءتِنا: بمتهَمٍ، ومَن قرأها: ﴿بِضَنِينٍ﴾. يقولُ: ببخيلٍ (١).\nقال (^٥): حدَّثنا مهران، عن سفيان: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾. قال: ببخيلٍ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٤٢ من طريق عاصم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٢ إلى عبد بن حميد\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٣ من طريق مغيرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٢ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧٠٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٦٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٦٢.","vol":"24","page":168},{"text":"حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾: الغيب القرآن؛ لم يضِنَّ به على أحدٍ من الناس، أداه وبلغه، بعث الله به الروحَ الأمين جبريل إلى رسول الله ﷺ، فأدى جبريل ما استودعه الله إلى محمد، وأدَّى محمد ما استودعه الله وجبريل إلى العبادِ، ليس أحدٌ منهم ضَنَّ ولا كَتَم ولا تَخَرَّص (^١).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عامرٍ: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ الله: يعنى النبي ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9577>ذكرُ مَن قال ذلك بالظاء وتأوَّله على ما ذكرنا، من أهل التأويل</span>\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس أنه قرأ: (بطَنينٍ). قال: ليس بمُتَّهَمٍ (^٢).\nحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي المعلَّى، عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأُ هذا الحرف: (وما هو على الغيب بظَنينٍ). فقلتُ لسعيد بن جبير: ما الظنين؟ قال: ليس بمُتَّهَم (^٣).\nحدثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي المُعَلَّى، عن سعيد بن جبير أنه قرأ: (وما هو على الغيب بظنينٍ). قلتُ: وما الظنين؟ قال: المتهم.\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٦٢.\n(^٢) أخرجه الطحاوى في شرح مشكل الآثار ١٤/ ٢٣٨ من طريق عطاء، عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطحاوى في شرح مشكل الآثار ١٤/ ٢٣٨، من طريق أبى المعلى، عن سعيد، عن ابن عباس.","vol":"24","page":169},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: (وما هو على الغيبِ بظَنينٍ). يقولُ: ليس بمتَّهَمٍ على ما جاء به، وليس يُظَنُّ بما أوتِىَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ الواسطيُّ، قال: ثنا المغيرةُ، عن إبراهيم: (وما هو على الغيب بظَنينٍ). قال: بمتَّهَمٍ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ: (وما هو على الغيبِ بِظَنينٍ). قال: الغيبُ: القرآنُ، وفي قراءتِنا: (بِظَنِينٍ): مُتَّهَمٍ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: (بِظَنينٍ). قال: ليس على ما أنزَل اللهُ بمتَّهَمٍ (^٣).\nوقد تأوَّل ذلك بعضُ أهل العربية (^٤) أن معناه: وما هو على الغيب بضعيفٍ، ولكنه محتَمِلٌ له مُطيقٌ. ووجَّهَه إلى قول العربِ للرجل الضعيفِ: هو ظَنُونٌ.\nوأولَى القراءتين في ذلك عندى بالصواب ما عليه خطوطُ مصاحفِ المسلمين مُتَّفقةٌ، وإن اختلَفَتْ قراءتهم به، وذلك: ﴿بِضَنِينٍ﴾ بالضادِ (^٥)؛ لأن ذلك كلَّه كذلك في خُطوطِها.\nفإذ كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويلُ مَن تأوَّله: وما محمد على ما علمه الله من وحيِه وتنزيلِه، ببخيلٍ بتعليمِكُموه أيُّها الناسُ، بل هو حريصٌ على أن تُؤمِنوا به وتتعَلّموه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٢ إلى ابن مردويه.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ١٦٨.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ٢٨٧.\n(^٤) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٤٣.\n(^٥) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"24","page":170},{"text":"<span id=\"aya-5825\"></span>وقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وما هذا القرآنُ بقولِ شيطانٍ ملعونٍ مطرودٍ، ولكنه كلامُ اللهِ ووحيه.\n\n<span id=\"aya-5826\"></span>وقوله: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأينَ تذهَبون عن هذا القرآنِ، وتعدِلون عنه؟ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9578>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾: يقولُ: فأينَ تعدِلون عن كتابى وطاعتى؟ (^١)\nوقيل: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾. ولم يُقَل: فإلى أينَ تذهَبون؟ كما يقالُ: ذَهَبتُ الشامَ. وذهَبتُ السوق. وحُكِى عن العربِ سماعًا: انطُلِقَ به الفورَ (^٢). على معنى إلقاءِ (^٣) الصفةِ، وقد يُنشَدُ لبعض بنى عُقيلٍ (^٤):\nتَصِيحُ بنا حَنِيفَةُ إِذْ رَأَتْنا … وأيَّ الأرضِ تذهَبُ للصِّياحِ\nبمعنى: إلى أيِّ الأرضِ تذهَبُ؟ واستُجِيزَ إلقاءُ الصفةٍ في ذلك للاستعمالِ.\n\n<span id=\"aya-5827\"></span><span data-type='title' id=toc-9579>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: إنْ هذا القرآن - وقوله: ﴿هُوَ﴾. من ذكر القرآن - ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾. يقول: إلا تذكرةٌ وعظةٌ للعالمين من الجنِّ والإنسِ، ﴿لِمَنْ\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ٢٤٣، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٦٢.\n(^٢) في م، ت ١: \"الغور\"، وغير منقوطة في ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في ص، م، ت ١: \"إلغاء\". والمراد بالصفة حرف الجر.\n(^٤) البيت في معاني القرآن للقراء ٣/ ٢٤٣، وتفسير القرطبي ١٩/ ٢٤٣.","vol":"24","page":171},{"text":"<span id=\"aya-5828\"></span>شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾. فجعَل ذلك تعالى ذكرُه ذكرًا لمن شاء العالمين أن يستقيمَ، ولم يجعَلْه ذكرًا لجميعهم. فاللامُ في قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ﴾. إبدالٌ من اللام في ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾. وكأن معنى الكلامِ: إن هو إلا ذكرٌ لمن شاء منكم أن يستقيمَ على سبيل الحقَّ فيتَّبِعَه ويؤمنَ به.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9580>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾. قال: يَتَّبِعَ الحقَّ (^١).\n\n<span id=\"aya-5829\"></span>وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما تشاءون أيُّها الناسُ الاستقامة على الحقِّ، إلا أن يشاء اللهُ ذلك لكم.\nوذُكِر أن السبب الذي من أجله نزلت هذه الآيةُ ما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سعيدِ بن عبدِ العزيزِ، عن سليمانَ، قال: لما نزلت: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾. قال أبو جهلٍ: ذلك إلينا، إن شئْنا استقَمْنا. فنزَلت: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سعيدِ بن عبدِ العزيزِ، عن سليمانَ بن موسى، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٠٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ٣٣٣ من طريق سعيد بن عبد العزيز به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٦٢ عن سفيان الثورى به.","vol":"24","page":172},{"text":"أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾. قال أبو جهلٍ: الأمرُ إلينا؛ إن شئنا استقَمنا، وإن شئنا لم نستقِمْ فأنزَل اللهُ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.\nحدَّثنى ابنُ البَرْقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، عن سعيدٍ، عن سليمانَ بن موسى، قال: لما نزلت هذه الآيةُ: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾. قال أبو جهلٍ: ذلك إلينا؛ إن شئنا استقَمْنا، وإن شئنا لمْ نستقِمْ. فأنزَل اللهُ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"إذا الشمسُ كُوِّرتْ\".","vol":"24","page":173},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9581>تفسيُر سورةِ \"إذا السماءُ انفطَرت\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5830\"></span><span data-type='title' id=toc-9583>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾.</span>\n\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾: انشقَّت،\n\n<span id=\"aya-5831\"></span>وإذا كواكبُها انتثَرَت منها فتساقَطَت،\n\n<span id=\"aya-5832\"></span>﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. يقولُ: فجَّر اللَّهُ بعضَها في بعضٍ، فملأ جميعَها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ على اختلافٍ منهم في بعضِ ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-9582>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. يقولُ: بعضُها في بعضٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾: فُجِّر عذبُها في مالحها، ومالُحها في عذبِها (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ (^٣)، عن الحسنِ: ﴿وَإِذَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٥٣ من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٢ من طريق عكرمة عن ابن عباس، إلى ابن المنذر والبيهقي في البعث.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٦٣.\n(^٣) بعده في ت ١: \"قتادة\".","vol":"24","page":174},{"text":"الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. قال: فُجِّر بعضُها في بعضٍ، فذهَب ماؤُها (^١).\nوقال الكلبيُّ: مُلِئت (^٢).\n\n<span id=\"aya-5833\"></span>وقوله: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. يقولُ: وإذا القبورُ أُثِيرَت، فاستُخْرِج مَن فيها من الموتى أحياءً. يقالُ: بعثَر فلانٌ حوضَ فلانٍ. إذا جعل أسفله أعلاه، يقالُ: بعثَرَه وبحثَرَه. لغتان.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9584>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. يقولُ: بُحِثَت (^٣).\n\n<span id=\"aya-5834\"></span>وقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: علِمت كلُّ (^٤) نفس ما قدَّمت لذلك اليوم من عمل صالحٍ ينفعُه، وأخَّرت وراءَه من شيءٍ سنَّهُ يُعْمَلُ (^٥) به.\nواختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذي قلنا في ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص ٤٤٤ - إلى ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٤ عن معمر عن الكلبي.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٥٣ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٢ إلى ابن المنذر والبيهقي في البعث.\n(^٤) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذى\".\n(^٥) في ص، م: \"فعمل\".","vol":"24","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9585>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمان، عن أبيه، قال: ثني عن القُرَظِيِّ، أنه قال في: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. قال: ما قدَّمت مما عملت، وأما ما أخَّرت فالسُّنَّةُ يَسُنُّها الرجلُ، يُعمَلُ بها من بعده (^١).\nوقال آخرون: عُنِى بذلك ما قدَّمت من الفرائض التي أدتها، وما أخَّرت من الفرائض التي ضيَّعتها.\n\n<span data-type='title' id=toc-9586>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن سعيدِ بن مسروقٍ، عن عكرمة: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ﴾. قال: ما افتُرِض عليها، وما أُخَّرَتْ. قال: مما افتُرِض عليها (^٢).\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. قال: تعلَمُ ما قدَّمت من طاعة الله، وما أخَّرت مما أُمِرَت به (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. قال: ما قدَّمت من خير، وأخَّرت من حقِّ اللَّهِ عليها لم تعمَلْ به (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿مَا قَدَّمَتْ\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ٢٩١.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٢ إلى عبد بن حميد وسعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^٣) بعده في م: \"من حق الله عليه لم تعمل به\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":176},{"text":"وَأَخَّرَتْ﴾. قال: ما قدَّمت من طاعةِ اللَّهِ، وما أخَّرت من حقِّ اللَّهِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. قال: ما قدَّمت: عملت، وما أخَّرت: ترَكت وضيَّعت، وأخَّرت من العملِ الصالحِ الذي دعاها اللَّهُ إليه.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ما قدَّمت من خيرٍ أو شرٍّ، وأخَّرت من خيرٍ أو شرٍّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9587>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا العوَّامُ، عن إبراهيمَ التيميِّ، قال - ذكروا عندَه هذه الآيةَ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ - قال: أنا مما أخَّر الحَجَّاجُ.\nوإنما اختَرنا القولَ الذي ذكَرناه؛ لأن كلَّ ما عمِل العبدُ من خيرٍ أو شرٍّ فهو مما قدَّمه، وأن ما ضيَّع من حقِّ اللَّهِ عليه وفرَّط فيه فلم يعمَلْه، فهو مما قد قدَّم من شرٍّ، وليس ذلك مما أخَّر من العملِ؛ لأن العملَ هو ما عمله، فأما ما لم يعمَلْه فإنما (^٢) هو سيئةٌ قدَّمها، فلذلك قلنا: ما أخَّر هو ما (^٣) سنَّه من سنَّةٍ حسنةٍ وسيئةٍ، مما إذا عمِل به العاملُ كان له مثلُ أجر العامل بها أو وزرِه.\n\n<span id=\"aya-5835\"></span><span data-type='title' id=toc-9588>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي</span>\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٤ عن معمر به.\n(^٢) سقط من: ت ٢ ت ٣.\n(^٣) في ت ٢، ت: \"مما\".","vol":"24","page":177},{"text":"خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾\nيقولُ تعالى ذكره: يأيُّها الإنسانُ الكافرُ، أيُّ شيءٍ غرَّك بربِّك الكريم؟ غرَّ الناس (^١) به عدوُّه المسلَّط عليه.\nكما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾: شيءٌ ما غَرَّ ابن آدم؛ هذا العدوُّ الشيطانُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5836\"></span>وقولُه: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾. يقولُ: الذي خلَقك أيُّها الإنسانُ: فسوَّى خلقك، فعدَلك.\nواختلَفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرَأته عامة قرأةِ المدينة ومكةَ والشامِ والبصرة: (فَعَدَّلكَ) بتشديدِ الدالِ (^٣). وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ بتخفيفِها (^٤). وكأن مَن قرأ ذلك بالتشديدِ وجَّه معنى الكلامِ إلى أنه: جعَلك معتدلًا معدلَ الخلقِ مقوَّمًا. وكأن الذين قرَءوه بالتخفيفِ وجَّهوا معنى الكلامِ إلى: صرَفك وأمالَك إلى أيِّ صورةٍ شاء؛ إما إلى صورةٍ حسنةٍ، وإما إلى صورةٍ قبيحةٍ، أو إلى صورةِ بعضِ قراباتِه (^٥).\nوأولى الأقوال في ذلك عندى بالصوابِ أن يقالَ (^٦): إنهما قراءتان معروفتان في قرأةِ الأمصارِ صحيحتا المعنى، فبأيِتهما قرَأ القارئَ فمصيبٌ، غيرَ أن أعجبَهما إليَّ أن أقرَأ به قراءةُ من قرَأ ذلك بالتشديدِ؛ لأن دخول ﴿فِي﴾ للتعديل أحسنُ في\n_________\n(^١) في م: \"الإنسان\".\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٣٥٦، والقرطبي في تفسيره ١٩/ ٢٤٥\n(^٣) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٦٧٤.\n(^٤) وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق ص ٦٧٤.\n(^٥) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٤٤.\n(^٦) سقط من: ت ٢، ت ٣.","vol":"24","page":178},{"text":"العربيةِ من دخولِها للعدلِ، ألا ترى أنك تقولُ: عدَّلْتُك في كذا، وصرَفْتُك إليه.\nولا تكادُ تقولُ: عدَّلتُك إلى كذا، وصرَفتُك فيه. فلذلك اختَرتُ التشديدَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك وذكَرنا أن قارِئِى ذلك تأوَّلوه، جاءت الروايةُ عن أهلِ التأويلِ أنهم قالوه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9589>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾. قال: في أيِّ شبَهٍ؛ أبٍ أو أمٍّ أو خالٍ أو عمٍّ (^١).\n\n<span id=\"aya-5837\"></span>حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن إسماعيل (^٢) في قولِه: ﴿مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. قال: إن شاء في صورةِ كلب، وإن شاء في صورة حمارٍ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾. قال: خنزيرٍ أو حمارٍ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن عكرِمة في قولِه: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾. قال: إن شاء في صورةِ قردٍ، وإن شاء في صورةِ خنزيرٍ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧١٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ت ٣: \"عثمان\".\n(^٣) أخرجه الرامهرمزى في الأمثال ص ٩٤، ٩٥ من طريق سفيان، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٣ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":179},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا مُطَهَّرُ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا موسى بنُ عليّ بن (^١) رباحٍ اللَّخمِيُّ، قال: ثنى أبي، عن جدِّى، أن النبيَّ ﷺ قال له: \"ما وُلِد لك (^٢)؟ \". قال: يا رسولَ اللهِ ما عسى أن يولَدَ لى؛ إما غلامٌ، وإما، جاريةٌ؟ قال: \"فمَن يُشْبِهُ؟ \". قال: يا رسولَ اللَّهِ، مَن عسى أن يشبه؛ إما أباه، وإما أمَّه؟ فقال النبيُّ ﷺ عندها: \"مَهْ، لا تقولَنَّ هكذا، إن النطفةَ إذا استقرَّت في الرحمِ أحضَرها (^٣) اللهُ كلَّ نَسَبٍ بينَها وبينَ آدمَ، أما قرَأت هذه الآية في كتاب اللهِ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾؟ \". قال: \"سلَكك\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-5838\"></span><span data-type='title' id=toc-9590>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ليس الأمرُ أيُّها الكافرون كما تقولون، من أنكم على الحقِّ في عبادتِكم غير اللَّهِ، ولكنكم تكذِّبون بالثوابِ والعقابِ، والجزاءِ والحسابِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى قوله: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾ قال أهل التأويلِ.\n_________\n(^١) بعده في م: \"أبي\".\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"ولدك\".\n(^٣) في م: \"أحضر\".\n(^٤) أخرجه الطبراني (٤٦٢٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٨/ ٣٠ من طريق مطهر به، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٦٥ - وابن شاهين - كما في الإصابة ٢/ ٤٥٠ - من طريق موسى بن علي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٣ إلى البخارى في تاريخه وابن المنذر وابن قانع وابن مردويه.","vol":"24","page":180},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9591>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾. قال: بالحسابِ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾. قال: بيومِ الحسابِ (^١).\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾. قال: يومُ شدةٍ، يومٌ يَدينُ اللَّهُ العبادَ بأعمالِهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-5839\"></span>وقولُه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠)﴾. يقولُ: وإن عليكم رُقَباء حافظين يحفَظون أعمالكم، ويُحصونها عليكم.\n\n<span id=\"aya-5840\"></span>﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾. يقول: كراما على اللهِ، ﴿كَاتِبِينَ﴾: يكتُبون أعمالَكم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9592>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: قال بعضُ أصحابِنا، عن أيوبَ في قولِه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾. قال: يَكْتُبون ما تقولون وما تَعْنُون (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧١٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٤ عن معمر به.\n(^٣) أخرجه البغوي في الجعديات (١٢٤٢) من طريق ابن علية عن أيوب، بلفظ: \"تفتون\" بدلا من: \"تعنون\".","vol":"24","page":181},{"text":"<span id=\"aya-5841\"></span>وقولُه: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾. يقولُ: يعلَمُ هؤلاء الحافظون ما تفعلَون من خيرٍ أو شرٍّ، يُحصُون ذلك عليكم.\n\n<span id=\"aya-5842\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: إن الذين برُّوا بأداءِ فرائضِ اللَّهِ واجتنابِ معاصيه، لفي نعيمِ الجنانِ يُنعَّمون فيها.\n\n<span id=\"aya-5843\"></span><span data-type='title' id=toc-9594>القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ﴾ الذين كفَروا بربِّهم، ﴿لَفِي جَحِيمٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-5844\"></span>وقولُه: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: يَصْلَى هؤلاء الفجارُ الجحيمَ يومَ القيامةِ؛ يومَ يُدانُ العبادُ بالأعمالِ (^١)، فيُجازَون بها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9593>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾: من أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه اللَّهُ، وحذَّره عبادَه (^٢).\n\n<span id=\"aya-5845\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما هؤلاء الفجارُ عن (^٣) الجحيم بخارِجين أبدًا فغائبين عنها، ولكنهم فيها مخلَّدون ماكثون، وكذلك\n_________\n(^١) في ت ٣: \"بأعمالهم\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ٢٠/ ٢٩٦.\n(^٣) في م: (من).","vol":"24","page":182},{"text":"الأبرارُ في النعيمِ. وذلك نحوُ قولِه: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ [الحجر: ٤٨].\n\n<span id=\"aya-5846\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمد ﷺ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ يا محمدُ. أي: وما أشْعَرك، ﴿مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. يقولُ: أَيُّ شيءٍ يومُ الحسابِ والمجازاةِ؟! معظِّمًا شأنَه جلَّ ذكرُه بقيلِه ذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9595>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧)﴾: تعظيمًا ليومِ القيامةِ؛ يومٌ يُدانُ فيه الناسُ بأعمالِهم (^١).\n\n<span id=\"aya-5847\"></span>وقولُه: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨)﴾. يقولُ: ثم أيُّ شيءٍ أَشْعَرِك أَيَّ شيءٍ يومُ المجازاةِ والحسابِ يا محمدُ. تعظيمًا لأمرِه، ثم فسَّر جلَّ ثناؤُه بعضَ شأنِه؛\n\n<span id=\"aya-5848\"></span>فقال: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ذلك اليومُ ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ﴾. يقولُ: يومَ لا تُغنى نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، فتدفع عنها (^٢) بليَّةً نزَلت بها، ولا تنفعُها بنافعةٍ، وقد كانت في الدنيا تحمِيها، وتدفعُ عنها مَن بغاها سوءًا، فبطَل ذلك يومئذ؛ لأن الأمرَ صار للَّهِ لا يغلبُه غالبٌ، ولا يقهرُه قاهرُ، واضمحَلَّت هنالك الممالكُ، وذهَبت الرياساتُ، وحصَل الملكُ للملكِ الجبارِ، وذلك قولُه: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. يقولُ: والأمرُ كلُّه يومَئذٍ - يعنى الدينَ - لِلَّهِ دون سائرِ خلقِه، ليس لأحدٍ من خلقِه معه يومَئِذٍ أمرٌ ولا نهىٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٩/ ٥١٨\n(^٢) في ص، ت ١، ت،٢، ت ٣: \"فيدفع عنه\".","vol":"24","page":183},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9596>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. قال: ليس ثَمَّ أحدٌ يومئذٍ يقضِى شيئًا، ولا يصنعُ شيئًا إلا ربُّ العالمين (^١).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾: والأمرُ واللَّهِ اليومَ للَّهِ، ولكنه يومئذٍ لا ينازعُه أحدٌ (^٢).\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والكوفةِ بنصبِ ﴿يَوْمَ﴾، إذ كانت إضافتُه غير محضةٍ (^٣). وقرَأه بعضُ قرأةِ البصرة بضمِّ (يَوْمُ) ورفعِه ردًّا على اليومِ الأولِ (^٤). والرفعُ فيه أفصحُ في كلامِ العربِ، وذلك أن اليومَ مضافٌ إلى \"يفعل\"، والعربُ إذا أضافت اليومَ إلى \"تفعل\" أو \"يفعل\" أو \"أفعل\" رفَعوه فقالوا: هذا يومُ أفعلُ كذا. وإذا أضافته إلى فعلٍ ماضٍ نصَبوه (^٥)، ومنه قولُ الشاعرِ (^٦):\nعلى حينَ عاتَبْتُ المشيبَ على الصِّبا … وقلتُ ألمَّا تَصْحُ والشَّيْبُ وازعُ\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"إذا السماءُ انفَطَرت\"\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٤٣٧، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٦٧.\n(^٣) وهى قراءة نافع وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر وأبى جعفر المدنى وخلف. النشر ٢/ ٢٩٨.\n(^٤) وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب الحضرمي. النشر ٢/ ٢٩٨.\n(^٥) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٤٥.\n(^٦) هو النابغة، وقد تقدم تخريجه في ٩/ ١٤١.","vol":"24","page":184},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9597>تفسيرُ سورةِ \"ويلٌ للمطففين\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5849\"></span><span data-type='title' id=toc-9599>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: الوادى الذي يسيلُ من صديدِ أهلِ جهنمَ في أسفلها، للذين يُطَفِّفون. يعنى: للذين ينقُصون الناسَ، ويَبْخَسونهم حقوقَهم في مكاييلِهم إذا كالُوهم، أو موازينهم إذا وزَنوا لهم عن الواجبِ لهم من الوفاءِ. وأصلُ ذلك من الشيءِ الطفيفِ، وهو القليل النَّزْرُ، والمطفِّفُ: المقلِّلُ حقَّ صاحبِ الحقِّ عما له من الوفاءِ والتمامِ في كيلٍ أو وزنٍ، ومنه قيلَ للقومِ (^١) يكونون سواءً في حسبةٍ أو عددٍ: هم سواءٌ كطَفِّ الصاع. يعنى بذلك: كقُرْبِ الممتلئَ منه ناقصٍ عن المِلءِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9598>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيلٍ، عن ضِرارٍ، [عن عبيد المكتب] (^٢)، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قال له رجلٌ: يا أبا عبدِ الرحمن، إن أهل المدينةِ لَيُوفُون الكيلَ. قال: وما يمنعُهُم من أن يُوفُوا الكيلَ وقد قال اللَّهُ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. حتى بلَغ:\n_________\n(^١) بعده في م: \"الذين\".\n(^٢) سقط من النسخ. والمثبت من مصدر التخريج.","vol":"24","page":185},{"text":"﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميد، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قَدِم النبيُّ ﷺ المدينةَ كانوا من أخبثِ الناسِ كيلًا، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. فأحسنوا الكيل (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بن خِداشٍ، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قتيبةَ، عن بسّامٍ (^٣) الصيرفيِّ، عن عكرِمةَ، قال: أشهدُ أن كلَّ كيَّالٍ ووزَّانٍ في النارِ. فقيل له في ذلك، فقال: إنه ليس منهم أحدٌ يَرْنُ كما يتَّزِنُ، ولا يكيلُ كما يكتالُ، وقد قال اللَّهُ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ (^٤).\n\n<span id=\"aya-5850\"></span>وقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الذين إذا اكتالوا من الناسِ ما لهم قِبَلَهم من حقٍّ، يستوفون لأنفسِهم فيكتالونه منهم وافيًا. و\"علي\" و\"من\" في هذا الموضعِ يتعاقَبان، غيرَ أنه إذا قيل: اكتلتُ منك. يرادُ: استوفَيْتُ منك (^٥).\n\n<span id=\"aya-5851\"></span>وقولُه: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾. يقولُ: وإذا هم كالوا للناسِ أو وزَنوا لهم. ومن لغةِ أهل الحجاز أن يقولوا: وزَنتُك حقَّك، وكِلتُك طعامَك. بمعنى: وزَنتُ لك، وكِلْتُ لك. ومن وجَّه الكلامَ إلى هذا المعنى، جعَل الوقفَ على\n_________\n(^١) أخرجه هناد في الزهد (٣٢٨) عن ابن فضيل به.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٢٢٣)، والنسائى في الكبرى (١١٦٥٤)، والطبراني (١٢٠٤١)، والحاكم ٢/ ٣٣، والبيهقى ٦/ ٣٢، وفى الشعب (٥٢٨٦)، والواحدى في أسباب النزول ص ٣٣٣، والبغوى في التفسير ٨/ ٣٦١، وابن حبان (٤٩١٩) من طريق الحسين بن واقد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٣، ٣٢٤ إلى ابن مردويه.\n(^٣) في م، ت ١: \"قسام\". ينظر تهذيب الكمال ٤/ ٥٨.\n(^٤) ينظر تفسير القرطبي ١٩/ ٢٥٣.\n(^٥) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٤٦.","vol":"24","page":186},{"text":"\"هم\"، وجعل (هم) في موضعِ نصب. وكان عيسى بنُ عمرَ فيما ذُكِر عنه يجعَلُهما حرفين، ويقفُ على \"كالُوا\"، وعلى \"وزَنوا\"، ثم يبتدئُ: هم يُخسِرون (^١). فمن وجَّه الكلامَ إلى هذا المعنى، جعَل \"هم\" في موضعِ رفعٍ، وجعَل \"كالوا\" و\"وزَنوا\" مكتفِيَين بأنفسِهما\nوالصوابُ في ذلك عندى الوقفُ على \"هم\"؛ لأن \"كالُوا\" و\"وزَنوا\" لو [كانا مكتفِيَين] (^٢)، وكانت \"هم\" كلامًا مستأنَفًا، كانت كتابةُ \"كالُوا\" و\"وزَنوا\" بألفٍ فاصلةٍ بينَها وبينَ (هم) مع كلِّ واحدٍ منهما، إذ كان (^٣) بذلك جرَى الكتاب في نظائر ذلك، إذا لم يكن متصلًا به شيءٌ من كناياتِ المفعولِ، فكتابُهم (^٤) ذلك في هذا الموضعِ بغيرِ ألفٍ أوضَحُ الدليلَ على أن قولَه (^٥): \"هُمْ\". إنما هو كنايةُ أسماءِ المفعولِ بهم. فتأويلُ الكلامِ إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا، على ما بيَّنَّا (^٦).\nوقولُه: ﴿يُخْسِرُونَ﴾. يقولُ: ينقُصونهم.\n\n<span id=\"aya-5852\"></span>وقولُه: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-5853\"></span>يقولُ تعالى ذكرُه: ألا يظنُّ هؤلاء المطفِّفون الناسَ في مكاييلِهم وموازينِهم، أنهم مبعوثون من قبورِهم بعدَ مماتِهم، ليومٍ عظيمٍ شأنُه، هائلٍ أمرُه، فظيعٍ هَوْلُه؟!\n\n<span id=\"aya-5854\"></span>وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فـ ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ تفسيرٌ عن اليوم\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ٢٥٢.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"كانتا منصوبتين\".\n(^٣) بعده في ص، ت ١، ت،٢، ت ٣: \"الكتاب\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في كتابهم\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ \"قولهم\".\n(^٦) ينظر البحر المحيط ٨/ ٤٣٩.","vol":"24","page":187},{"text":"الأول المخفوض، ولكنه لما لم يعدْ عليه اللام، رُدَّ إلى ﴿مَبْعُوثُونَ﴾، فكأنه قال: ألا يظنُّ أولئك أنهم مبعوثون يومَ يقومُ الناسُ. وقد يجوزُ نصبُه وهو بمعنى الخفضِ؛ لأنها إضافةٌ غير محضةِ، ولو خُفض ردًّا على اليومِ الأولِ لم يكنْ لحنًا، ولو رُفِع جاز، كما قال الشاعرُ (^١):\nوكنتُ كذى رِجْلين رِجْلٌ صحيحةٌ … ورجُلٌ رمَى فيها الزَّمانُ فَشَلَّتِ\nوذُكِر أنَّ الناسَ يقومون لربِّ العالمين يومَ القيامةِ، حتى يُلْجِمَهم العرقُ، فبعضٌ يقولُ: مقدارَ ثلاثِمائةِ عامٍ. وبعضٌ يقول: مقدارَ أربعيَن عامًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-9600>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ الكِنديُّ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن ابن عونٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: \"يقومُ أحدُكم في رَشْحِه إلى أنصافِ أُذنَيه\" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمر، عن ابن عونٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: \"يغيبُ أحدهم في رَشْحِه إلى أنصافِ أُذُنَيه\" (^٣).\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا ابنُ عونٍ، عن نافعٍ، قال: قال ابنُ عمرَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، حتى يقوم أحدُهم في رَشْحِه\n_________\n(^١) هو كثير عزة، وقد تقدم تخريجه في ٥/ ٢٤٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٣٣ - وعنه مسلم (٢٨٦٢)، وابن ماجه (٤٢٧٨) - وهناد في الزهد (٣٢٦) - وعنه الترمذى (٣٣٣٦)، والنسائي (١١٦٥٧) - والبخارى (٦٥٣١) من طريق عيسى بن يونس به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٣٣ - وعنه مسلم (٢٨٦٢)، وابن ماجه (٤٢٧٨) - عن أبي خالد الأحمر.","vol":"24","page":188},{"text":"إلى أنصافِ أُذنَيه.\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: قال النبيُّ ﷺ: \"إِنَّ الناسَ يُوقَفُون يومَ القيامةِ لِعَظَمَةِ اللَّهِ، حتى إِنَّ العرق ليُلْجِمُهم إلى أنصافِ آذانِهم\" (^١).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: سمِعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: \" ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يومَ القيامةِ لِعَظَمة الرحمن\". ثم ذكَر مثلَه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ خَلَفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: تلا رسولُ اللَّهِ ﷺ هذه الآيةَ: \" ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ \". قال: \"يقومون حتى يبلُغَ الرَّشْحُ إلى أنصافِ آذانهم\" (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بن حبيبٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبى، عن صالحٍ، قال: ثنا نافعٌ، عن ابن عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ (^٣) \"يقومُ الناسُ لربِّ العالمين يومَ القيامةِ حتى يَغِيبَ أحدُهم إلى أنصافِ أُذنيه في رَشْحِه\" (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ بن سعيد، عن محارب بن\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في الصفحة التالية.\n(^٢) أخرجه أحمد ٩/ ٢٢٩، ٢٣٠، ٢٨٧، ١٠/ ١٤٤، ١٤٥ (٥٣١٨، ٥٣٨٨، ٥٩١٢)، ومسلم (٢٨٦٢ /)، والترمذى (٢٤٢٢، ٣٣٣٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٩/ ٢٢ من طريق حماد بن سلمة به.\n(^٣) بعده في م، ت ٢ ت ٣: \"يوم\".\n(^٤) أخرجه عبد بن حميد في المنتخب (٧٦١)، ومسلم (٢٨٦٢)، والنسائى (١١٦٥٦)، والبيهقي في الشعب (٢٥٧) من طريق يعقوب بن إبراهيم به.","vol":"24","page":189},{"text":"دِثارٍ، عن ابن عمرَ في قولِه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. قال: يقومون مائةَ سنةٍ (^١).\nحدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ (^٢): \"يقومُ الناسُ لربِّ العالمين يومَ القيامةِ، حتى إنَّ العرَقَ لَيُلْجِمُ الرجلَ إلى أنصافِ أُذنَيه\" (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيّ ﷺ بنحوِه.\nحدَّثنا ابنُ المثنى وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا يحيى، عن عبيدِ (^٤) اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ قال: \"يقومُ الناسُ لربِّ العالمين، حتى يقومَ أحدُهم في رَشْحِه إلى أنصافِ أَذُنَيه\" (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ السَّلِيميُّ (^٦) المعروفُ بابنِ صُدْرانَ، قال: ثنا يعقوبُ ابنُ إسحاقَ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ عَجْلانَ، قال: ثنا أبو (^٧) يزيدَ المدنيُّ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسول اللَّهِ ﷺ قال البشيرٍ الغِفَاريِّ: \"كيف أنت صانعٌ في يومٍ يقومُ الناسُ لربِّ العالمين مِقْدارَ ثلاثِمائةِ سنةٍ مِن أيامِ الدنيا، لا يأتيهم خبرٌ مِن السماءِ، ولا يُؤْمَرُ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٣٧١)، وعزاه للمصنف.\n(^٢) بعده في م، ت، (٢) ت (٢): \"يوم\".\n(^٣) أخرجه أحمد (٨/ ٤٦٧) (٤٨٦٢) عن يزيد به.\n(^٤) في م: \"عبد\".\n(^٥) أخرجه مسلم (٢٨٦٢) عن ابن المثنى به، وأخرجه أحمد (٨/ ٢٢٩، ٣٢٢) (٤٦١٣، ٤٦٩٧)، والنسائى في الكبرى (١١٦٥٦)، وابن حبان (٧٣٣٢) من طريق يحيى به.\n(^٦) في ص، ت، (٢)، ت: (٣) \"السلمى\".\n(^٧) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال (٣٤/ ٤٠٩).","vol":"24","page":190},{"text":"فيهم بأمرٍ؟ \". قال بشيرٌ: المستعانُ اللَّهُ (^١) يا رسولَ اللَّهِ. قال: \"إذا أنت أوَيْتَ إلى فِراشِك فتعوَّذُ باللَّهِ مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ وسُوءِ الحسابِ\" (^٢).\nحدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nقال: يمكثون أربعينَ عامًا رافعى رءوسِهم إلى السماءِ، لا يكلِّمُهم أحدٌ، قد أَلْجم العرقُ كلَّ بَرٍّ وفاجرٍ. قال: فينادِى منادٍ: أليس عدْلًا مِن ربِّكم أنْ خلقَكم، ثم صوَّركم، ثم رزَقكم، ثم تولَّيتم غيرَه - أن يُولِّىَ كلَّ عبدٍ منكم ما تولَّى في الدنيا؟ قالوا: بلى. ثم ذكَر الحديثَ بطولِه (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن قيسِ بن سَكَنٍ، قال: حدَّث عبدُ اللَّهِ وهو عندَ عمرَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: إذا كان يومُ القيامةِ يقومُ الناسُ بينَ يدَىْ ربِّ العالمين أربعيَن عامًا، شاخصةً أبصارُهم إلى السماءِ، حفاةً عراةً، يُلْجِمُهم العرقُ، ولا يكلِّمُهم بشرٌ أربعينَ عامًا. ثم ذكَر نحوَه (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: ذُكِر لنا أنَّ كعبًا كان يقولُ: يقومون ثلاثَمائةِ سنةٍ (^٥).\n_________\n(^١) في ت (١)، ت (٢)، ت (٢): \"باللَّه\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير (٨/ ٣٧٠) - وابن مردويه في التفسير - كما في الإصابة (١/ ٣١٨) - من طريق عبد السلام بن عجلان به.\n(^٣) تقدم في (٢٣/ ١٩٠).\n(^٤) تقدم تخريجه في (٢٣/ ١٩٠ - ١٩٢).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٥٥) عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٤) إلى ابن المنذر.","vol":"24","page":191},{"text":"[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن (^١) سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: كان كعبٌ يقولُ: يقومون مقدارَ ثلاثِمائةِ سنةٍ] (^٢).\nقال قتادةُ: وحدَّثنا العلاءُ بنُ زيادٍ العدويُّ، قال: بلَغنى أن يومَ القيامةِ يَقْصُرُ على المؤمنِ، حتى يكونَ كإحدى صلاتِه المكتوبةِ.\nقال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا العُمَريُّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: \"يقومُ الرجلُ في رَشْحِه إلى أنصافِ أُذنَيه\" (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن ابن عونٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: يقومُ الناسُ لربِّ العالمين حتى يقومَ أحدُهم في رَشْحِه إلى أنصافِ أُذُنَيه (^٤).\nقال يعقوبُ: قال إسماعيلُ: قلتُ لابنِ عونٍ: ذكَر النبيَّ ﷺ في هذا الحديثِ؟ قال: نعم، إن شاء اللَّهُ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثنى عمى، قال: أخبَرنى مالكُ بنُ أنسٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: \"يقومُ النَّاسُ لربِّ العالمين، حتى إنَّ أحدَهم لَيَغِيبُ في رَشْحِه إلى نِصْفِ أذُنَيه\" (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ت (٢)، ت (٢).\n(^٢) في م، ت (١) (و). ينظر تهذيب الكمال (٢٨/ ٥٩٥).\n(^٣) تقدم تخريجه في (١٩٠).\n(^٤) تقدم تخريجه في ص (١٨٨).\n(^٥) أخرجه البخارى (٤٩٣٨)، ومسلم (٢٨٦٢/ ٠٠٠)، والبغوى في تفسيره (٨/ ٣٦٢)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٤٧، ٣٤٨) من طريق مالك به.","vol":"24","page":192},{"text":"<span id=\"aya-5855\"></span><span data-type='title' id=toc-9602>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: كلا. أي: ليس الأمرُ كما يظُنُّ هؤلاء الكفارُ، أنَّهم غيرُ مبعوثين ولا معذَّبين، إن كتابَهم الذي كُتِب فيه أعمالُهم التي كانوا يعمَلونها في الدنيا ﴿لَفِى سجِّينٍ﴾؛ وهى الأرضُ السابعةُ السفلى. وهو \"فِعِّيل\" من السِّجْنِ، كما قيل: رجلٌ سِكِّيرٌ. مِن السُّكْرِ، و: فِسِّيقٌ. مِن الفِسقِ.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم مثل الذي قلنا في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-9601>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن مغيثِ بن سُمَيٍّ: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال: في الأرضِ السابعةِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن مغيثِ بن سُمَيٍّ، قال: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ﴾. قال: الأرضِ السفلى. قال: إبليسُ مُوثَقٌ بالحديدِ والسلاسلِ في الأرضِ السفلى (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى جريرُ بنُ حازمٍ، عن سليمانَ الأعمشِ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، عن هلالِ بن يِسافٍ، قال: كنا جلوسًا إلى كعبٍ أنا وربيعُ بنُ خُثَيمٍ وخالدُ بنُ عرعرةَ ورهطٌ مِن أصحابِنا، فأقبَل ابنُ عباسٍ، فجلَس إلى جنبِ كعبٍ، فقال: يا كعبُ، أخْبِرْنى عن ﴿سِجِّينٍ﴾. فقال كعبٌ:\n_________\n(^١) ذكر السيوطي في الدر المنثور ص ٤٤٥ - كما في المخطوطة المحمودية - شطره الأول، وعزاه إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":193},{"text":"أما سجِّينٌ فإنها الأرضُ السابعةُ السفلى، وفيها أرواحُ الكفارِ تحتَ خدِّ إبليسَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾: ذُكر أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو كان يقولُ: هي الأرضُ السفلى؛ فيها أرواحُ الكفارِ، وأعمالُهم أعمالُ السَّوءِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال: في أسفل الأرضِ السابعةِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. يقولُ: أعمالُهم في كتابٍ في الأرضِ السفلى (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال: عملُهم في الأرضِ السابعةِ لا يصعدُ (^٥).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني عمرُ بنُ إسماعيلَ بن مجالدٍ، قال: ثنا مطرِّفُ بنُ مازنٍ قاضى اليمنِ،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٣٧٤) عن الأعمش به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٥) إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٥٥) عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٥) إلى عبد بن حميد.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٥) إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٥) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":194},{"text":"عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: ﴿سِجِّينٍ﴾: الأرضِ السابعةِ.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾. يقولُ: في الأرضِ السفلى (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال: الأرضِ السابعةِ السفلى. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال: يقالُ: سجِّينٌ الأرضُ السافلةُ، وسجِّينٌ بالسماءِ الدنيا.\nوقال آخرون: بل ذلك خدُّ (^٢) إبليسَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9603>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرٍ قال: جاء ابنُ عباسٍ إلى كعبِ الأحبارِ، فقال له ابنُ عباسٍ: حدِّثْنى عن قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ الآية. قال كعبٌ: إنَّ روحَ الفاجرِ (^٣) يُصعدُ بها إلى السماءِ فتأبى السماءُ أن تقبلَها، ويُهبطُ بها إلى الأرض فتأبى الأرضُ أنْ تقبلَها، فتَهبِطُ فتدخلُ تحت سبعِ أرضين، حتى يُنْتهى بها إلى سجِّينٍ؛ وهو خدُّ إبليسَ، فيُخْرجُ لها مِن سجِّينٍ مِن تحتِ خدِّ إبليسَ رَقٌّ، فيُرْقمُ ويختمُ ويوضعُ تحتَ حَدِّ إبليسَ - بمعرفتِها الهلاكَ - إلى يومِ القيامةِ (^٤).\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره (٨/ ٣٦٣)، والطوسى في التبيان (١٠/ ٢٩٨).\n(^٢) في ص، م، ت (٢): \"حد\" هنا وفى المواضع بعدها.\n(^٣) في ت (٣): \"الكافر\".\n(^٤) أخرجه الحسين المروزى في زوائده على الزهد لابن المبارك (١٢٢٣) من طريق يعقوب القمى به، عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٤) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":195},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال: تحتَ خَدِّ إبليسَ (^١).\nوقال آخرون: هو جُبٌّ في جهنمَ مفتوحٌ. ورَوَوْا في ذلك خبرًا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ.\nحدَّثنا به إسحاقُ بنُ وهبٍ الواسطيُّ، قال: ثنا مسعودُ بنُ موسى بن مُشْكانَ الواسطيُّ، قال: ثنا نصرُ (^٢) بنُ خزيمةَ الواسطيُّ، عن شعيبِ بن صفوانَ، عن محمدِ بن كعبٍ القرظيٍّ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: \"الفَلَقُ جُبٌّ في جهنمَ مُغَطًّى، وأما سجِّينٌ فمفتوحٌ\" (^٣).\nوقال بعضُ أهلِ العربيةِ (^٤): ذكَروا أن \"سجين\" الصخرةُ التي تحتَ الأرضِ. قال: ونرَى (^٥) أن \"سجين\" صفةٌ مِن صفاتِها؛ لأنه لو كان لها اسمًا لم يُجرَ. قال: وإن قلتَ: أجريتُه لأنى ذهبتُ بالصخرةِ إلى أنها الحَجَرُ الذي فيه الكتابُ. كان وجهًا.\nوإنما اخترتُ القولَ الذي اخترتُ في معنى قولِه: ﴿سِجِّينٍ﴾؛ لما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، قال: ثنا المنهالُ بنُ عمرٍو (^٦)، عن\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٨٨) من طريق يحيى بن يمان.\n(^٢) في م: \"نضر\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٣٧١) عن المصنف، وقال: وقد روى ابن جرير في ذلك حديثا غريبا منكرا لا يصح، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٥) إلى المصنف.\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن (٣/ ٢٤٦).\n(^٥) في م، ت (٢) ت (٣): \"يرى\".\n(^٦) في ت (٢)، ت (٣): \"عمر\".","vol":"24","page":196},{"text":"زاذانَ أبى عمرٍو، عن البراءِ، قال: ﴿سِجِّينٍ﴾: الأرضِ السفلى (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن زاذانَ، عن البراءِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ، قال، وذكَر نفسَ الفاجرِ، وأنه يُصْعَدُ بها إلى السماءِ، قال: \"فيَصْعَدون بها فلا يَمرُّون بها على ملًا من الملائكةِ إلا قالوا: ما هذا الروحُ الخبيثُ؟ \". قال: طفيَقولون: فلانٌ. بأقبَحِ أسمائِه التي كان يُسمَّى بها في الدنيا، حتى يَنْتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيَسْتَفْتِحون له، فلا يُفْتَحُ له\". ثم قرَأ رسولُ اللَّهِ ﷺ: \" ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: (٤٠)]. فيقولُ اللَّهُ: اكْتُبوا كتابَه في أسفلِ الأرضِ، في سجِّينٍ في الأرضِ السفلى\" (^٢).\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى بنُ سُليمٍ، قال: ثنا ابنُ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال: سجينٌ: صخرةٌ في الأرضِ السابعةِ، فيُجعلُ كتابُ الفجارِ تحتَها (^٣).\n\n<span id=\"aya-5856\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وأيُّ شيءٍ أدراك يا محمدُ أيَّ شيءٍ ذلك الكتابُ. ثم بيَّن ذلك تعالى ذكرُه، فقال: هو كتابٌ مرقومٌ. وعَنى بالمرقومِ المكتوبَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في (١٣/ ٦٦١).\n(^٢) تقدم تخريجه في (١٠/ ١٨٥، ١٣/ ٦٦٠).\n(^٣) أخرجه الحسين المروزى في زوائده على الزهد لابن المبارك (١٢٢٢)، وأبو الشيخ في العظمة (٨٩٧)، والبيهقى في البعث (٤٩٩) من طريق يحيى بن سليم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٥) إلى المحاملى في أماليه.","vol":"24","page":197},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9604>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\n\n<span id=\"aya-5857\"></span>حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾. قال: كتابٌ مكتوبٌ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾. قال: رُقِم لهم بشرٌ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾. قال: المرقومُ المكتوبُ.\n\n<span id=\"aya-5858\"></span>وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَيذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويلٌ يومَئذٍ للمكذِّبين بهذه الآياتِ، ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. يقولُ: الذين يُكذِّبون بيومِ الحسابِ والمجازاةِ.\n\n<span id=\"aya-5859\"></span>حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. قال: أهلُ الشركِ يُكذِّبون بالدينِ. وقرَأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ﴾ [سبأ: (٧)] إلى آخرِ الآيةِ.\n\n<span id=\"aya-5860\"></span><span data-type='title' id=toc-9605>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وما يكذِّبُ بيومِ الدينِ إلا كلُّ معتدٍ اعتدى على اللَّهِ في قولِه، فخالَف أمرَه، أثيمٍ بربِّه.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٥٦) عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٥) إلى عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٥) إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":198},{"text":"كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠)﴾: قال اللَّهُ: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾. أي: بيومِ الدينِ، إلا كلُّ معتدٍ في قولِه، أثيمٍ بربِّه (^١).\n\n<span id=\"aya-5861\"></span>﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إذا قُرِئ عليه حججُنا وأدلتُنا التي بيَّناها في كتابِنا الذي أنزَلناه إلى محمدٍ ﷺ، ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: قال: هذا ما سطَّره الأوَّلون فكتَبوه، مِن الأحاديثِ والأخبارِ.\n\n<span id=\"aya-5862\"></span>وقولُه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُكذِّبًا لهم في قيلِهم ذلك: كلا ما ذلك كذلك، ولكنه ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾. يقولُ: غلَب على قلوبِهم وغمَرتها، وأحاطتْ بها الذنوبُ فَغَطَّتْها. يقالُ منه: رانتِ الخمرُ على عقلِه، فهى تَرِينُ عليه رَيْنًا. وذلك إذا سَكِر فغلَبت على عقلِه، ومنه قولُ أبى زُبيدٍ الطائيِّ (^٢).\nثُمَّ لما رآه رانَتْ به الخمـ … ـــرُ وأَنْ لا تَرِينَهُ بِاتِّقاءِ\nيعنى تَرِينَه بمخافةٍ. يقولُ: سَكِر فهو لا ينتبِهُ؛ ومنه قولُ الراجزِ (^٣):\nلمْ نَرْوَ حتى هَجَّرت وَرِينَ بى … وَرِينَ بالسَّاقى الذي أمسى مَعِى\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاء الأثرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في (٢٣/ ١٦٠).\n(^٢) شعره ص (٢٨).\n(^٣) الرجز في اللسان (ر ى ن)، مع اختلاف في الرواية.","vol":"24","page":199},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9606>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ، عن ابن عَجْلانَ، عن القَعْقاعِ بن حكيمٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِذا أَذْنَب العبدُ نُكِت في قلبِه نُكتةٌ سوداءٌ، فإن تاب صُقِل منها، فإن عاد عادَتْ حتى تَعْظُمَ في قلبِه، فذلك الرَّانُ الذي قال اللَّهُ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ \" (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عيسى، قال: ثنا ابنُ عَجْلانَ، عن القعقاعِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿إِنَّ المؤمنَ إذا أذْنَب ذنبًا كانت نُكتةٌ سوداءُ في قلبه، فإن تاب ونَزَع واسْتَغْفَر، صَقَلَتْ قلبَه، فإنْ زاد زادَتْ حتى تعلوَ قلبَه، فذلك الرَّانُ الذي قال اللَّهُ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ (^٢).\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ (^٣)، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن محمدِ بن عَجْلانَ، عن القعقاعِ بن حكيمٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: \"إِنَّ العبدَ إذا أذْنَب ذنبًا كانت نكتةٌ سوداءُ في قلبِه، فإن تاب منها صُقِل قلبُه، فإن زاد زادَتْ، فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ \" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٣٣٤)، والنسائى في الكبرى (١٠٢٥١، ١١٦٥٨)، وابن حبان (٢٧٨٧) من طريق محمد بن عجلان به.\n(^٢) أخرجه أحمد (١٣/ ٣٣٣) (٧٩٥٢)، والبغوى في تفسيره (٨/ ٣٦٥)، وفى شرح السنة (١٣٠٤)، والحاكم (٢/ ٥١٧) - وعنه البيهقى (١٠/ ١٨٨)، وفى الشعب (٧٢٠٣) من طريق صفوان بن عيسى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٥) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) في م: \"سهيل\".\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٤٢٤٤) من طريق الوليد بن مسلم به.","vol":"24","page":200},{"text":"حدَّثني أبو صالحٍ الضِّراريُّ محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: أخبَرنى طارقُ بنُ عبدِ العزيزِ، عن ابن عَجْلانَ، عن القعقاعِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إنَّ العبدَ إذا أخطَأ خطيئةً كانت نكتةٌ في قلبِه، فإن تاب واسْتَغْفَر ونَزَع صقَلت قلبَه، وذلك الرَّانُ الذي ذكر اللَّهُ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ \".\nقال أبو صالحٍ: كذا قال: صقَلت. وقال غيرُه: سَقَلت.\nحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا الوليدُ، عن خُليدٍ، عن الحسنِ، قال وقرأ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال: الذنبُ على الذنبِ حتى يموتَ قلبُه (^١).\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال: الذنبُ على الذنبِ حتى يعمَى القلبُ فيموتَ (^١).\nحدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا فضيلُ بنُ عياضٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال: العبدُ يعملُ بالذنوبِ، فتحيطُ بالقلبِ، ثم ترتفعُ حتى تغشَى القلبَ (^١).\nحدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرمليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، قال: أرانا مجاهدٌ بيدِه، قال: كانوا يُرَون القلبَ في مثلِ هذا - يعنى الكفَّ - فإذا أذْنَب العبدُ ذنبًا ضُمَّ منه - وقال بإصبعِه الخنصرِ هكذا - فإذا أذنَب ضمَّ إصبعًا أخرى، فإذا أذنَب ضمَّ إصبعًا أخرى، حتى ضمَّ أصابعه كلَّها، ثم يُطْبَعُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٦) إلى عبد بن حميد بمعناه.","vol":"24","page":201},{"text":"عليه بطابعٍ. قال مجاهدٌ: وكانوا يُرَوْن أَنَّ ذلك الرَّيْنُ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، قال: القلبُ مثلُ الكفِّ، فإذا أذنَب الذنبَ قبَض إصبعًا، حتى يقبضَ أصابَعه كلَّها، وإنَّ أصحابَنا يُرَوْن أنه الرَّانُ (^٢).\nو(^٣) حدَّثنا أبو كريبٍ مرَّةً أخرى بإسنادِه عن مجاهدٍ، قال: القلبُ مثلُ الكفِّ، وإذا أذنَب انقبَض - وقبَض إصبعَه - فإذا أذنَب انقبَض، حتى ينقبِضَ كلُّه، ثم يُطبَعُ عليه، فكانوا يُرَوْن أنَّ ذلك هو الرَّانُ، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (^٤).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾. قال: الخطايا حتى غمرته (^٥).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾: انْبَثت على قلبِه الخطايا حتى غمَرته (^٦).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) أخرج آخره البيهقى في الشعب (٧٢٠٩)، وابن حجر في التغليق (٤/ ٣٦٣) من طريق الأعمش به، وتقدم في (١/ ٢٦٦).\n(^٢) تقدم في (١/ ٢٦٦).\n(^٣) سقط من: م، ت (١).\n(^٤) أخرجه الحسين المروزى في زوائده على الزهد لابن المبارك (١٠٧١) من طريق وكيع به، وتقدم في (١/ ٢٦٦).\n(^٥) أخرجه ابن حجر في التغليق (٤/ ٣٦٣) من طريق أبى عاصم به.\n(^٦) تفسير مجاهد ص (٧١١)، ومن طريقه البيهقى في الشعب (٧٢٠٨)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٦) إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":202},{"text":"قولَه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ: يُطبعُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال: طُبِع على قلوبِهم ما كسَبوا.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن طلحةَ، عن عطاءٍ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال: غَشِيت على قلوبِهم فهَوَت بها، فلا يَفْزعون، ولا يتحاشَون.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الحسنِ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال: هو الذنبُ، حتى يموتَ القلبُ.\nقال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾. قال: الرَّانُ الطَّبعُ: يُطْبَعُ القلبُ مثلُ الراحةِ، فيُذْنِبُ الذنبَ، فيصيرُ هكذا - وعقَد سفيانُ الخِنْصَرَ - ثم يذنبُ الذنبَ فيصيرُ هكذا - وقبَض سفيانُ كفَّه - فيُطْبعُ عليه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أعمالُ السَّوءِ، إى واللَّهِ، ذنبٌ على ذنبٍ، وذنبٌ على ذنبٍ حتى مات قلبُه واسودَّ (^٢)\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾. قال: هذا الذنبُ على الذنبِ، حتى يَرِينَ على القلبِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٦) إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٦) إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":203},{"text":"فيسوَدَّ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾. قال: غلَب على قلوبهم ذُنوبُهم، فلا يَخْلُصُ إليها معها خيرٌ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال: الرجلُ يذنبُ الذنبَ، فيحيطُ الذنبُ بقلبِه، حتى تَغْشى الذنوبُ عليه. قال مجاهدٌ: وهى مثلُ الآيةِ التي في سورةِ البقرةِ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^٣) [البقرة: (٨١)].\n\n<span id=\"aya-5863\"></span><span data-type='title' id=toc-9608>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ما الأمرُ كما يقولُ هؤلاء المكذِّبون بيومِ الدينِ، مِن أنَّ لهم عندَ اللَّهِ زُلْفَةً، إنَّهم يومئذٍ عن ربِّهم لمحجوبون، فلا يَرَوْنه ولا يَرَوْنَ شيئًا مِن كرامتِه يصِلُ إليهم.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إنهم محجوبون عن كرامتهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9607>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني علي بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن خُليدٍ، عن قتادةَ: ﴿كَلَّا\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٥٦) عن معمر عن الحسن قوله، وفى نسخة من تفسير عبد الرزاق عن معمر به.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان (١٠/ ٣٠٠).\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره (١٩/ ٢٥٩).","vol":"24","page":204},{"text":"إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾: هو ألَّا ينظُرَ إليهم، ولا يُزكِّيَهم، ولهم عذابٌ أليمٌ (^١).\nحدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكونيُّ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا جريرٌ، قال: ثنى نِمْرانُ أبو الحسنِ الذِّمَاريُّ، عن ابن أبي مُليكةَ أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. قال: المنَّانُ والمختالُ، والذي يقتطِعُ أموالَ الناسِ بيمينِه بالباطلِ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إنهم محجوبون عن رؤيةِ ربِّهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-9609>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمارٍ الرازيُّ، قال: ثنا أبو معمرٍ المِنقَريُّ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، عن عمرِو بن عبيدٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. قال: يُكشفُ الحجابُ فيَنظُرُ إليه المؤمنون [والكافرون، ثم يُحْجَبُ عنه الكافرون، ويَنْظُرُ إليه المؤمنون] (^٣) كلَّ يومٍ عُذوةً وعشيَّةً. أو كلامًا هذا معناه (^٤).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أنْ يقالَ: إنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبَر عن هؤلاء القومِ أنَّهم عن رؤيتِه محجوبون (^٥)؛ ويَحتمِلُ أنْ يكونَ مرادًا به الحجابُ عن كرامتِه،\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره (١٩/ ٢٦١).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٦) إلى عبد بن حميد.\n(^٣) سقط من النسخ، وفى ص: \"والكافرون أو عسه\". ثم ضُرب عليها، والمثبت من تفسير ابن كثير، وينظر تفسير مجاهد.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٣٧٣) نقلا عن المصنف، وهو في تفسير مجاهد ص (٧١١، ٧١٢) من طريق أبى معمر به.\n(^٥) سقط من: ص، ت (٢)، ت (٣).","vol":"24","page":205},{"text":"وأنْ يكونَ مرادًا به الحجابُ عن ذلك كلِّه، ولا دَلالةَ في الآيةِ تدلُّ على أنه مرادٌ بذلك الحجابُ عن معنًى منه دونَ معنىً، ولا خبرَ به عن رسولِ اللَّهِ ﷺ قامت حجتُه؛ فالصوابُ أن يقالَ: هم محجوبون عن رؤيتِه وعن كرامتِه. إذ كان الخبرُ عامًّا لا دلالةَ على خصوصِه.\n\n<span id=\"aya-5864\"></span>وقولُه: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم إنهم لوارِدُو الجحيمِ فمَشْوِيُّون فيها،\n\n<span id=\"aya-5865\"></span>﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِى كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ثم يقالُ لهؤلاء المكذبين بيومِ الدينِ: هذا العذابُ الذي أنتم فيه اليومَ، هو العذابُ الذي كنتم في الدنيا تُخبَرون أنكم ذائِقوه فتكذِّبون به وتنكِرونه، فذوقوه الآنَ فقد صَلِيتم به.\n\n<span id=\"aya-5866\"></span><span data-type='title' id=toc-9610>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَار (^١)﴾. والأبرارُ جمعُ بَرٍّ، وهم الذين بَرُّوا اللَّهَ بأداءِ فرائضِه واجتنابِ محارمِه. وقد كان الحسنُ يقولُ: هم الذين لا يؤذُون شيئًا حتى الذرَّ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا هشامٌ، عن شيخٍ، عن الحسنِ، قال، سُئِل عن الأبرارِ، قال: الذين لا يؤذُون الذرَّ.\nحدَّثنا إسحاقُ بن زيدٍ الخطابيُّ، قال: ثنا الفريابيُّ، عن السريِّ بن يحيى، عن الحسنِ، قال: الأبرارُ هم الذين لا يؤذون الذرَّ.\nوقولُه: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ﴿عِلِّيِّينَ﴾؛ فقال بعضُهم: هي السماءُ السابعةُ.\n_________\n(^١) بعده في م: \"لفى عليين\".","vol":"24","page":206},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9611>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى جريرُ بنُ حازمٍ، عن الأعمشِ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، عن هلالِ بن يِسافٍ، قال: سأَل ابنُ عباسٍ كعبًا وأنا حاضرٌ عن العِلِّيين، فقال كعبٌ: هي السماءُ السابعةُ، وفيها أرواحُ المؤمنين (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، يعنى العَتَكِيَّ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾. قال: في السماءِ العُليا.\nحدَّثني عليُّ بنُ الحسينِ الأزديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن عن أُسامةَ بن زيدٍ، عن أبيه في قولِه: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾. قال: في السماءِ السابعةِ.\n\n<span id=\"aya-5867\"></span>وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عِلِّيُّونَ﴾. قال: السماءُ السابعةُ (^٢).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾: في السماءِ عندَ اللَّهِ (^٣).\nوقال آخرون: بل العِلِّيون قائمةُ العرشِ اليمنى.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص (١٩٤).\n(^٢) تفسير مجاهد ص (٧١٢) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٦) إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره الطوسى في التبيان (١٠/ ٣٠١)، والقرطبى في تفسيره (١٩/ ٢٦٢).","vol":"24","page":207},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9612>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾: ذُكِر لنا أن كعبًا كان يقولُ: هي قائمةُ العرشِ اليمنى (^١).\nحدَّثني عمرُ بنُ إسماعيلَ بن مُجالدٍ، قال: ثنا مُطَرِّفُ بنُ مازنٍ قاضى اليمنِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾. قال: عِلِّيون: قائمةُ العرشِ اليمنى.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾. قال: فوقَ السماءِ السابعةِ، عندَ قائمةِ العرشِ اليمنى (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصٍ، عن شِمْرِ بن (^٣) عطيةَ، قال: جاء ابنُ عباسٍ إلى كعبِ الأحبارِ، فسأَله فقال: حدِّثْنى عن قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ الآيةَ. فقال كعبٌ: إن الروحَ المؤمنةَ إذا قُبِضت صُعِد بها، ففُتِحت لها أبوابُ السماءِ، وتلقَّتها الملائكةُ بالبُشرَى، ثم عرَجوا معها حتى ينتهُوا إلى العرشِ، فيخرجُ لها من عندِ العرشِ رَقٌّ، فيُرقَمُ، ثم يُختمُ بمعرفتِها النجاةَ بحسابِ يومِ القيامةِ، وتشهَدُ الملائكةُ المقرَّبون (^٤).\nوقال آخرون: بل عُنِى بالعِلِّيين الجَنَّةُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٦) إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٥٦) عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٦) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، م، ت (١): \"عن\". ينظر تهذيب الكمال (١٢/ ٥٦٠).\n(^٤) تقدم تخريجه في ص (١٩٥).","vol":"24","page":208},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9613>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾. قال: الجنةِ (^١).\nوقال آخرون: عندَ سِدْرةِ المنتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-9614>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني جعفرُ بنُ محمدٍ البُزُورِيُّ من أهلِ الكوفةِ، قال: ثنا يعلى بنُ عبيدٍ، عن الأجلحِ عن الضحاكِ قال: إذا قُبِض رُوحُ العبدِ المؤمنِ عُرِج به إلى السماءِ، فينطلِقُ معه المقرَّبون إلى السماءِ الثانيةِ. قال الأجلحُ: قلتُ: وما المقرَّبون؟ قال: أقربُهم إلى السماءِ الثانيةِ. فينطلِقُ معه المقرَّبون إلى السماءِ الثالثةِ، ثم الرابعةِ، ثم الخامسةِ، ثم السادسةِ، ثم السابعةِ، حتى يُنتهى به إلى سِدْرةِ المنتهى. قال الأجلحُ: قلت للضحاكِ: لِمَ تسمَّى سِدْرةَ المنتهى؟ قال: لأنه يَنْتَهِى إليها كلُّ شيءٍ مِن أَمرِ اللَّهِ لا يعدُوها. فيقولون: ربِّ، عبدُك فلانٌ. وهو أعلمُ به منهم، فيبعثُ اللَّهُ إليه (^٢) بصَكٍّ مختومٍ يؤمِّنُه من العذابِ، فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنِى بالعِليين: في السماءِ عندَ اللَّهِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان (٢/ ٥٤) - من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٦) إلى ابن المنذر.\n(^٢) في م: \"إليهم\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٦) إلى عبد بن حميد، وذكر آخره القرطبي في تفسيره (١٩/ ٢٦٢) عن الأجلح به.","vol":"24","page":209},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9615>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾. يقولُ: أعمالُهم في كتابٍ عندَ اللَّهِ في السماءِ (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبَر أن كتابَ الأبرارِ لفى عِلِّيين. والعِلِّيون جمعٌ، معناه: شيءٌ فوقَ شيءٍ، وعلوٌّ فوقَ علوٍّ، وارتفاعٌ بعدَ ارتفاعٍ؛ فلذلك جُمِعت بالياءِ والنونِ كجمعِ الرجالِ إذا لم يكنْ له بناءٌ من واحدِه واثنَيهِ، كما حُكِى عن بعضِ العربِ سماعًا: أَطْعَمَنا مَرَقَةَ مَرَقين. يعنى اللحمَ المطبوخَ، كما قال الشاعرُ (^٢):\nقد رَوِيَتْ إِلا الدُّهَيْدِهِينا (^٣)\nقُلَيِّصاتٍ (^٤) وأُبَيْكرِينا (^٥)\nفقال: وأُبيكِرِينا. فجمَعها بالنونِ إذ لم يقصدْ عددًا معلومًا من البكارةِ، بل أراد عددًا لا يُحدُّ آخرُه، وكما قال الآخرُ (^٦):\nفأصبَحت المذاهبُ قد أذاعت … بها الإعصارُ بعدَ الوابلينا\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره (١٩/ ٢٦٢)، وابن كثير في تفسيره (٨/ ٣٧٤) عن العوفى به.\n(^٢) الرجز في الكتاب لسيبويه (٣/ ٤٩٤)، واللسان (ب ك ر، دهده، ى م ن، ع ل و).\n(^٣) الدهيديهينا: صغار الإبل، وحذفت الياء للضرورة. اللسان (دهده).\n(^٤) القليِّصات: جمع تصغير القلوص: وهى الفتية من الإبل بمنزلة الجارية الفتاة من النساء. اللسان (ق ل ص).\n(^٥) الأبيكرين: جمع تصغير البَكر: وهو الفتى من الإبل. ينظر اللسان (ب ك ر).\n(^٦) البيت في اللسان (وب ل، ع ل و).","vol":"24","page":210},{"text":"يعنى: مطرًا بعدَ مطرٍ غيرَ محدودِ العددِ، وكذلك تفعلُ العربُ في كلِّ جمعٍ لم يكنْ له بناءٌ من واحدِه واثنَيهِ، فجمعُه في جميعِ الإناثِ والذكرانِ بالنونِ على ما قد بيَّنَّا، ومن ذلك قولُهم للرجالِ والنساءِ: عشرون وثلاثون (^١). فإذ كان ذلك كالذى ذكَرنا، فبيِّنٌ أن قولَه: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾. معناه: في علوٍّ وارتفاعٍ، في سماءٍ فوقَ سماءٍ، وعلوٍّ فوقَ علوٍّ. وجائزٌ أن يكونَ ذلك إلى السماءِ السابعةِ، وإلى سدرةِ المنتهَى، وإلى قائمةِ العرشِ، ولا خبرَ يقطعُ العذرَ بأنه معنيٌّ به بعضُ ذلك دونَ بعضٍ.\nوالصوابُ أن يقالَ في ذلك كما قال جلَّ ثناؤُه: إن كتابَ أعمالِ الأبرارِ لفى ارتفاعٍ إلى حدٍّ قد علِم اللَّهُ - جلَّ وعزَّ - منتهاه، ولا علمَ عندَنا بغايتِه، غير أن ذلك لا يقصرُ عن السماءِ السابعةِ؛ لإجماعِ الحجةِ من أهلِ التأويلِ على ذلك.\nوقولُه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ مُعَجِّبَه من عِلِّيين: وأيُّ شيءٍ أشعَرك يا محمدُ ما عِلِّيون؟!\n\n<span id=\"aya-5868\"></span>وقولُه ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: إن كتابَ الأبرارِ لفى عِلِّيين، كتابٌ مرقومٌ. أي: مكتوبٌ بأمانٍ من اللَّهِ إياه من النارِ يومَ القيامةِ، والفوزِ بالجنةِ. كما قد ذكَرناه قبلُ عن كعبٍ والضحاكِ بن مزاحمٍ (^٢).\nوكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾: رُقِم لهم (^٣).\nوقولُه: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾. يقولُ: يشهدُ ذلك الكتابَ المكتوبَ بأمانِ اللَّهِ\n_________\n(^١) ينظر معاني القرآن للفراء (٣/ ٢٤٧).\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص (٢٠٨، ٢٠٩)\n(^٣) سقط من: م. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٦) إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":211},{"text":"للبَرِّ من عبادِه من النارِ وفوزِه بالجنةِ - المقرَّبون من ملائكتِه من كلِّ سماءٍ من السماواتِ السبعِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9616>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾. قال: كلُّ أهلِ سماءٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-5869\"></span>حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾: من ملائكةِ الله (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾. قال: يشهدُه مقرَّبو أهلِ كلِّ سماءٍ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾. قال: الملائكةُ.\n\n<span id=\"aya-5870\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الأبرارَ الذين بَرُّوا باتقاءِ اللَّهِ وأداءِ فرائضِه، لفى نعيمٍ دائمٍ، لا يزولُ يومَ القيامةِ، وذلك نعيمُهم في الجنانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9617>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ</span>\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٦) إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(^٢) تتمة أثر قتادة المتقدم في الصفحة السابقة.","vol":"24","page":212},{"text":"فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾.\n\n<span id=\"aya-5871\"></span>يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ على السُرُرِ في الحِجالِ من اللؤلؤ والياقوتِ، ينظُرون إلى ما أعطاهم اللَّهُ من الكرامةِ والنعيمِ والحَبْرةِ في الجنانِ.\nوحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾. قال: من اللؤلؤ والياقوتِ (^١).\nقال: ثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن سفيانَ، عن حُصَينٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿الْأَرَائِكِ﴾: السُّرُرِ في الحجالِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5872\"></span>وقولُه: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تعرفُ في الأبرارِ الذين وصَف اللَّهُ (^٣) صفتَهم، ﴿نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾. يعنى: حُسنَه وبريقَه وتلألؤَه.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿تَعْرِفُ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى أبى جعفرٍ القارئ: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ بفتحِ التاءِ من ﴿تَعْرِفُ﴾، على وجهِ الخطابِ، ﴿نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ بنصبِ و﴿نَضْرَةَ﴾. وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ: (تُعْرَفُ) (^٤). بضمِّ التاءِ، على وجهِ ما لم يُسمَّ فاعلُه، (في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ) برفعِ (نَضْرَةُ) (^٥).\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وذلك فتحُ التاءِ (^٦)\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص (٧١٢)\n(^٢) تقدم تخريجه في (١٩/ ٤٦٥).\n(^٣) ليست في: ص، ت (١)، ت (٢)، ت (٣).\n(^٤) في م: (يعرف).\n(^٥) وقرأ بها أيضًا يعقوب. ينظر النشر (٢/ ٢٩٨).\n(^٦) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"24","page":213},{"text":"من ﴿تَعْرِفُ﴾، ونصبُ ﴿نَضْرَةَ﴾.\n\n<span id=\"aya-5873\"></span>وقولُه: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾. يقولُ: يُسقَى هؤلاء الأبرارُ من خمرٍ صِرفٍ لا غشَّ فيها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9618>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ (^١)﴾. قال: من الخمرِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾. يعنى بالرحيقِ الخمرَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ (^١)﴾. قال: خمرٍ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: الرحيقُ الخمرُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿رَحِيقٍ﴾.\n_________\n(^١) بعده في م: \"مختوم\".\n(^٢) سيأتي تخريجه ص (٢١٧).\n(^٣) تفسير مجاهد ص (٧١٢)، ومن طريقه البيهقى في البعث (٣٦٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٧) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":214},{"text":"قال: هو الخمرُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾. يقولُ: الخمرِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾: الرحيقُ المختومُ: الخمرُ، قال حسانُ (^٢):\nيَسْقُون مَن ورَد البَرِيصَ عليهم … بَرَدَى يُصَفِّقُ بالرحيقِ السَّلْسَلِ (^٣)\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾. قال: هو الخمرُ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الرحيقُ: الخمرُ (^٥).\n\n<span id=\"aya-5874\"></span>وأما قولُه: ﴿مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ممزوجٌ مخلوطٌ، مِزاجُه وخِلطُه مِسكٌ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٥٦) عن معمر به.\n(^٢) ديوانه ص (١٢٢).\n(^٣) البريص وبردى: نهران بدمشق. ينظر معجم البلدان (١/ ٥٥٦، ٦٠٠).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١٣/ ١٤٢) من طريق ابن علية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٧، ٣٢٨) إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١٣/ ١٤٢)، وهناد في الزهد (٦٧)، والحسين المروزى في زوائده على الزهد لابن المبارك (١٤٩٤) عن وكيع به، وأخرجه هناد في الزهد (٦٤) من طريق الأعمش به، وأخرجه البيهقى في البعث (٣٦١) من طريق الأعمش، عن عبد الله، بن مرة، عن مسروق قوله. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٨) إلى سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن المنذر.","vol":"24","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9619>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أشعثَ بن أبى الشعثاءِ، عن زيدِ (^١) بن معاويةَ، عن (^٢) علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال: ليس بخاتمٍ، ولكن خِلطٌ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن أشعثَ بن سُليمٍ، عن زيدِ (١) بن معاوية، علقمة، عن عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال: أما إنه ليس بالخاتمِ الذي يختِمُ، أما سمِعتم المرأةَ من نسائِكم تقولُ: طِيبُ كذا وكذا خِلطُ مسكٍ؟ (^٤)\nحدَّثني محمدُ بنُ عُبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أيوبُ، عن أشعثَ بن أبى الشعثاءِ، عمن ذكَره، عن علقمةَ في قولِه: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال: خِلطُه مسكٌ (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿مَخْتُومٍ﴾. قال: ممزوجٍ، ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال: طعمُه وريحُه (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"يزيد\". وينظر التاريخ الكبير (٣/ ٤٠٦).\n(^٢) في النسخ: \"و\". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر الجرح والتعديل (٣/ ٥٧٢).\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٧٧ - زوائد نعيم)، والحاكم (٢/ ٥١٧)، والبيهقى في البعث (٣٥٩) من طريق سفيان به.\n(^٤) أخرجه الطبراني (٩٠٦٢) من طريق سفيان به، وأخرجه هناد في الزهد (٦٧)، والبيهقى في البعث (٣٦٠) من طريق أشعث بن سليم، عن زيد بن معاوية، عن علقمة قوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٨) إلى الفريابى.\n(^٥) تفسير مجاهد ص (٧١٢) من طريق أشعث بن أبى الشعثاء، عن زيد العبسى، قال: سألت علقمة … وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٨) إلى ابن الأنبارى في الوقف والابتداء.\n(^٦) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"24","page":216},{"text":"قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن أشعثَ بن أبى الشعثاءِ، عن زيدِ (^١) بن معاويةَ، علقمةَ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال: طعمُه وريحُه مسكٌ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أن آخرَ شرابِهم يُختمُ بمسكٍ يُجعلُ فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9620>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. يقولُ: الخمرُ خُتِم بالمسكِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال: طيَّبَ اللَّهُ لهم الخمرَ، فكان آخرَ شيءٍ جُعِل فيها حتى (^٣) تُختمَ، المسكُ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال: عاقبتُه مسكٌ، قومٌ يُمزجُ لهم بالكافورِ، ويُختمُ بالمسكِ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال: عاقبتُه مِسكٌ (^٦).\n_________\n(^١) في م: \"يزيد\".\n(^٢) أخرجه البيهقى في البعث (٣٥٧) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٨) إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(^٣) في ت (١): \"حين\".\n(^٤) في ص، ت (١)، ت (٢)، ت (٣): \"بمسك\".\nوالأثر ذكره الحافظ في التغليق (٣/ ٥٠٢) عن المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٣٧٤) عن العوفى به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٧) إلى عبد بن حميد.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٥٦) عن معمر به.","vol":"24","page":217},{"text":"حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال: طيَّبَ اللَّهُ لهم الخمرَ، فوجَدوا فيها في آخرِ شيءٍ منها ريحَ المسكِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى (^٢)، قال: ثنا حاتمُ بنُ وردانَ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن إبراهيمَ والحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قالا (^٣): عاقبتُه مسكٌ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن جابرٍ، عن (^٥) عبدِ الرحمنِ بن سابطٍ، عن أبي الدرداءِ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾: فالشرابُ أبيضُ مثلُ الفضةِ، يَختِمون به شرابَهم، ولو أن رجلًا من أهلِ الدنيا أدخَل إصبعَه فيه ثم أخرَجها، لم يبقَ ذو روحٍ إلا وجَد طِيبَها (^٦).\nوقال آخرون: عُنِى بقولِه: ﴿مَخْتُومٍ﴾: مُطَيَّنٍ، ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾: طينُه مسكٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9621>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٣/ ١٤٣) من طريق أبى روق، عن الضحاك. وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص (٤٤٦) - إلى عبد بن حميد.\n(^٢) بعده في ت (١): \"حدثنا ابن ثور\". وينظر تهذيب الكمال (٣٠/ ٦٩).\n(^٣) في م: \"قال\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٣٧٥).\n(^٥) في ص، ت (١)، ت (٢) ت (٣): \"بن\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٣٧٥) عن المصنف، وهو في تفسير مجاهد ص (٧١٢، ٧١٣)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٧٦ - زوائد نعيم)، والبيهقى في البعث (٣٦٥) من طريق جابر به، وعزاه الحافظ في الفتح (٦/ ٣٢٢) إلى ابن أبي حاتم، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٨) إلى ابن المنذر.","vol":"24","page":218},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال: طينُه مسكٌ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مَخْتُومٍ﴾: الخمرُ، ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾: ختامُه عندَ اللَّهِ مسكٌ، وختامُها اليومَ في الدنيا طينٌ (^٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ من قال: معنى ذلك: آخرُه وعاقبتُه مسكٌ. أي: هي (^٣) طيبةُ الريحِ، إن ريحَها في آخرِ شربِهم يختمُ لهم (^٤) بريحِ المسكِ.\nوإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ؛ لأنه لا وجهَ للختمِ في كلامِ العربِ إلا الطبعُ والفراغُ، كقولِهم: ختَم فلانٌ القرآنَ. إذا أتَى على آخرِه، فإذا كان لا وجهَ للطبعِ على شرابِ أهلِ الجنةِ يُفهمُ؛ إذ كان شرابُهم جاريًا جَرْىَ الماءِ في الأنهارِ، ولم يكنْ مُعَتَّقًا في الدنانِ فيُطَيَّنَ عليها ويُختمَ - عُلِم (^٥) أن الصحيحَ من ذلك هو الوجهُ الآخرُ، وهو العاقبةُ والمشروبُ آخِرًا، وهو الذي خُتِم به الشرابُ.\nوأما الختمُ بمعنى المزجِ، فلا نعلمُه مسموعًا من كلامِ العربِ.\nوقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿خِتَامُهُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص (٧١٢) ومن طريقه البيهقى في البعث (٣٦٤)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٧) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان (١٠/ ٣٠٣)، والبغوى في تفسيره (٨/ ٣٦٧).\n(^٣) في ص، ت (١)، ت (٢)، ت (٣): \"في\".\n(^٤) في م: \"لها\".\n(^٥) في م: \"تعين\".","vol":"24","page":219},{"text":"مِسْكٌ﴾ سوى الكسائيِّ، فإنه كان يقرؤُه (خاتَمُه مِسْكٌ) (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ عندَنا في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وهو: ﴿خِتَامُهُ﴾ (^٢)؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه. والختِامُ والخاتَمُ وإن اختلَفا في اللفظِ، فإنهما متقارِبان في المعنى، غيرَ أن الخاتمَ اسمٌ والختامَ مصدرٌ، ومنه قولُ الفرزدقِ (^٣):\nفَبِتْنَ بِجانِبَيَّ مُصَرَّعَاتٍ … وبِتُّ أفُضُّ أغْلاقَ الخِتامِ\nونظيرُ ذلك قولُهم: هو كريمُ الطابَعِ (^٤) والطباعِ.\nوقولُه: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وفي هذا النعيم الذي وصف جلَّ ثناؤُه أنه أعطى هؤلاء الأبرارَ في القيامةِ، فليتنافَسِ المتنافِسون. والتنافسُ أن يَنْفَسَ الرجلُ على الرجلِ بالشيءِ يكونُ له، ويتمنَّى أن يكونَ له دونَه، وهو مأخوذٌ من الشيءِ النفيسِ، وهو الذي تحرصُ عليه نفوسُ الناسِ وتطلبُه وتشتهِيه، وكأنَّ معناه في ذلك: فليجدَّ الناسُ فيه، وإليه فليستبِقوا في طلبِه، ولتحرصْ عليه نفوسُهم.\n\n<span id=\"aya-5875\"></span><span data-type='title' id=toc-9622>القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ومِزامجُ هذا الرحيقِ من تسنيمٍ، والتسنيمُ التفعيلُ، من قولِ\n_________\n(^١) ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٦٧٦.\n(^٢) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٣) ديوانه ص ٨٣٦.\n(^٤) في م: \"الطبائع\".","vol":"24","page":220},{"text":"القائلِ: سنَّمتُهم (^١) العينَ (^٢) تسنيمًا. إذا أجريتها عليهم من فوقِهم، فكان معناه في هذا الموضعِ: ومزاجُه من ماءٍ ينزلُ عليهم من فوقِهم فينحدرُ عليهم. وقد كان مجاهدٌ والكلبيُّ يقولان في ذلك كذلك.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تَسْنِيمٍ﴾. قال: تسنيمٍ يعلو (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبيِّ في قولِه: ﴿تَسْنِيمٍ﴾. قال: تسنيمٍ ينصبُّ عليهم من فوقِهم، وهو شرابُ المقرَّبين (^٤).\nوأما سائرُ أهلِ التأويلِ، فقالوا: هو عينٌ يُمزَجُ بها الرحيقُ لأصحابِ اليمينِ، فأما المقرَّبون فيشرَبونها صِرْفًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-9623>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ﴾. قال: عينٍ في الجنةِ يشربُها (^٥) المقرَّبون، وتُمزج لأصحاب اليمينِ (^٦).\n_________\n(^١) في ص: \"سمتهن\"، وفى ت،٢ ت ٣: \"تسنمت\".\n(^٢) في ت: \"البعير\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧١٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨ إلى ابن المنذر.\n(^٥) في ت ٢، ت ٣، والمصنف، والدر: \"يشرب بها\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٤٢، وهناد في الزهد (٦٦)، والحسين المروزى في زوائده على الزهد: =","vol":"24","page":221},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾. قال: يشربُه المقرَّبون صِرفًا، ويُمزجُ لأصحابِ اليمينِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهران، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن مسروقٍ: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾. قال: عينٍ في الجنةِ، يشربُها المقرَّبون صِرفًا، وتُمزجُ لأصحابِ اليمينِ.\nقال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمشِ، عن عبدِ الله بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾. قال: يشربُ بها المقربون صِرفًا، وتُمزجُ لأصحابِ اليمينِ.\nحدَّثني طلحةُ بنُ يحيى اليربوعيُّ، قال: ثنا فضيلُ بنُ عِياضٍ، عن منصورٍ، عن مالكِ بن الحارث في قولِه: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾. قال: في الجنةِ عينٌ، يشربُ منها المقرَّبون صِرفًا، وتمزجُ لسائرِ أهلِ الجنةِ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾. [قال: عينٌ] (^١) يَشْرَبُ بها المقرَّبون صِرفًا، ويُمزجُ فيها لمَن دونَهم (^٢).\n_________\n= لابن المبارك (١٥٢٢) عن وكيع به، وأخرجه هناد في الزهد (٦٥)، والبيهقي في البعث (٣٦٢) من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^١) في م: \"عينا\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٧، وعنه عبد بن حميد - كما في التغليق ٣/ ٥٠١ - وسعيد بن منصور - كما في الدر المنثور ٦/ ٣٢٨ - ومن طريقه البيهقى في البعث والنشور (٣٦٣) - والحافظ في التغليق ٣/ ٥٠١ من طريق عطاء بن السائب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":222},{"text":"حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مالك بن الحارث في قولِه: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾. قال: التسنيمُ: عينٌ في الجنةِ، يشربُها المقرَّبون صِرفًا، وتُمزجُ لسائرِ أهلِ الجنةِ (^١)\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن عطاء بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾. قال: عينٌ، يشربُ بها المقرَّبون، ويُمزجُ فيها لمَن دونَهم (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾: عينًا [مما في] (^٣) الجنةِ يُمزجُ بها الخمرُ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسن في قولِه: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾. قال: خفايا أخفاها اللهُ لأهلِ الجنةِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا عمرانُ بنُ عيينةَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾. قال: هو أشرفُ شرابٍ في الجنةِ، هو للمقرَّبين صِرفٌ، وهو لأهلِ الجنةِ مزاجٌ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٤٢ من طريق جرير به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٧٥ - زوائد نعيم) من طريق منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٣) في م: \"من ماء\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٤٣ عن ابن علية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٧، ٣٢٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه أحمد في الزهد ١/ ٢٦، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٤٣ من طريق عمران بن عيينة به.","vol":"24","page":223},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾: شرابٍ شريفٍ؛ عينٍ في الجنةِ، يشربُها المقرَّبون صِرفًا، وتُمزجُ لسائرِ أهلِ الجنةِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾. قال: بلَغنا أنها عينٌ تخرجُ من تحتِ العرشِ، وهى مِزاجُ هذه الخمرِ. يعنى: مِزاجُ الرحيقِ (^٢).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ﴾: شراب اسمه تسنيم، وهو من أشرفِ الشرابِ (^٣).\nفتأويلُ الكلامِ: ومزامجُ الرحيقِ من عينٍ تُسَنَّمُ عليهم من فوقِهم فتنصَبُّ عليهم، يشربُ بها المقرَّبون من اللهِ صِرفًا، وتُمزجُ لأهلِ الجنةِ.\n\n<span id=\"aya-5876\"></span>واختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ قولِه: ﴿عَيْنًا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: إن شئتَ جعَلتَ نصبَه على: يُسْقَون عينًا، وإن شئتَ جَعَلته مدحًا فيُقطعُ من أولِ الكلامِ، فكأنك تقولُ: أعنى عينًا.\nوقال بعضُ نحويي الكوفةِ (^٤): نَصبُ العين على وجهين؛ أحدُهما: أن يَنْوِىَ: من تسنيم عَينٍ، فإذا نوِّنت نُصبت، كما قال: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤، ١٥]، وكما قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥)\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٧ إلى عبد بن حميد وعبد الرزاق.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ٢٦٦.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص ٤٤٦ - إلى عبد بن حميد.\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٤٩.","vol":"24","page":224},{"text":"أَحْيَاءً﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦]. والوجه الآخرُ: أن يَنْوِىَ: من ماءٍ سُنِّم عينًا، كقولك: رفع عينًا يشربُ بها. قال: وإن لم يكنْ التسنيمُ اسمًا للماءِ فالعينُ نكرةٌ والتسنيمُ، معرفةٌ، وإن كان اسمًا للماء فالعينُ معرفةٌ (^١) فخرَجت نصبًا.\nوقال آخر من البصريين: ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ معرفةٌ، ثم قال: ﴿عَيْنًا﴾. فجاءت نكرةً، فنصَبتَها صفةً لها (^٢). وقال آخرُ: نُصِبت بمعنى: من ماءٍ يَتَسَنَّمُ عينًا.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا: أن التسنيم اسمٌ معرفةٌ والعينُ نكرةٌ، فنُصبت لذلك إذ كانت صفةً له.\nوإنما قلنا: ذلك هو الصوابُ؛ لما قد قدَّمنا من الروايةِ عن أهلِ التأويلِ أن التسنيمَ هو العينُ، فكان معلومًا بذلك أن العينَ إذ كانت منصوبةً وهى نكرةٌ - أن التسنيمَ معرفةٌ.\n\n<span id=\"aya-5877\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين اكتسَبوا المآثمَ، فكفَروا باللهِ في الدنيا، كانوا فيها، من الذين أقرُّوا بوحدانيةِ اللهِ وصدَّقوا به يضحَكون؛ استهزاءً منهم بهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9624>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾: في الدنيا، يقولون: والله إن هؤلاء\n_________\n(^١) في النسخ: \"نكرة\". وكذا في نسخ معاني القرآن. والمثبت من تهذيب اللغة ١٣/ ١٦، واللسان (س ن م).\n(^٢) ينظر مجاز القرآن ٢/ ٢٩٠.","vol":"24","page":225},{"text":"لكذَبةٌ، وما هم على شيءٍ. استهزاءً بهم (^١).\n\n<span id=\"aya-5878\"></span><span data-type='title' id=toc-9626>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (^٢) (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣)﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: وكان هؤلاء الذين أجرَموا إذا مرَّ الذين آمَنوا بهم ﴿يَتَغَامَزُونَ﴾. يقولُ: كان بعضُهم يغمزُ بعضًا بالمؤمنِ؛ استهزاءً به وسخريةً.\n\n<span id=\"aya-5879\"></span>وقولُه: (وإذا انقلَبوا إلى أهلِهم انقلَبوا فاكِهين). يقولُ: وكان هؤلاء المجرمون إذا انصرَفوا إلى أهلهم من مجالسِهم، انصرَفوا ناعِمين مُعجَبين.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9625>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباسٍ: (انقلبوا فاكِهين). قال: مُعجَبين.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: (وإذا انقلَبوا إلى أهلهم انقلَبوا فاكهين). قال: انقلَب ناعمًا. قال: هذا في الدنيا، ثم أُعقِب النارَ في الآخرةِ.\nوقد كان بعضُ أهل العلم بكلام العربِ يفرِّقُ بينَ معنى فاكِهين وفَكِهين؛ فيقولُ: معنى فاكِهين: ناعِمين، وفَكِهين: مَرِحين. وكان غيرُه يقولُ (^٣): ذلك بمعنًى واحدٍ، وإنما هو بمنزلة طامِعٍ وطَمِعٍ، وباخِلٍ وبَخِلٍ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فاكهين\"، والمثبت قراءة حفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٦٧٦.\n(^٣) وهو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٤٩.","vol":"24","page":226},{"text":"<span id=\"aya-5880\"></span>وقولُه: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا رأَى المجرمون المؤمنين قالوا لهم: إن هؤلاء لضالون عن محجةِ الحقِّ وسبيلِ القصدِ،\n\n<span id=\"aya-5881\"></span>﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وما بُعِث هؤلاء الكفارُ القائِلون للمؤمِنين: إن هؤلاء لضالون. حافِظين عليهم بأعمالِهم (^١). يقولُ: إنما كُلِّفوا الإيمانَ باللهِ والعملَ بطاعتِه، ولم يُجعلوا رُقباء على غيرِهم يحفَظون عليهم أعمالَهم ويتفقَّدونها.\n\n<span id=\"aya-5882\"></span><span data-type='title' id=toc-9628>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَالْيَوْمَ﴾. وذلك يومُ القيامةِ، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِاللَّهِ في الدنيا، ﴿مِنَ الْكُفَّارِ﴾ فيها، ﴿يَضْحَكُونَ﴾،\n\n<span id=\"aya-5883\"></span>﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾. يقولُ: على سررِهم التي في الحِجالِ ينظرون إليهم وهم في الجنةِ، والكفارُ في النارِ يُعَذَّبون.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9627>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾. قال: يعنى السُّررَ المرفوعةَ عليها الحِجالُ. وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: إن السورَ الذي بينَ الجنةِ والنارِ يُفتحُ لهم فيه (^٢) أبوابٌ، فينظر المؤمنون إلى أهلِ النارِ والمؤمنون على السررِ ينظُرون كيفَ يعذَّبون، فيضحَكون منهم، فيكون ذلك مما أقرَّ\n_________\n(^١) في م: \"أعمالهم\".\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"فيها\".","vol":"24","page":227},{"text":"اللهُ به أعينَهم كيفَ ينتقِمُ اللَّهُ منهم (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾: ذُكِر لنا أن كعبًا كان يقولُ: إن بينَ الجنةِ والنارِ كِوًى، فإذا أراد المؤمنُ أن ينظرَ إلى عدوٍّ كان له في الدنيا، اطَّلَع من (^٢) بعضِ الكِوى، قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]. أي: في وسطِ النارِ، وذُكِر لنا أنه رأَى جماجمَ القومِ تغلِى (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: قال كعبٌ: إن بينَ أهلِ الجنةِ وبينَ أهلِ النارِ كِوى، لا يشاءُ رجلٌ مِن أهلِ الجنةِ أن ينظرَ إلى غيرِه من أهلِ النارِ إلا فعَل (^٤).\nحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: السُّورُ بين أهل الجنةِ والنارِ، فيفتحُ لأهلِ الجنةِ أبوابٌ، فينظرون وهم على السُّرر إلى أهلِ النارِ كيف يُعذَّبون، فيضحَكون منهم، ويكونُ ذلك مما يُقِرُّ اللهُ به أعينَهم أن ينظروا إلى عدوِّهم كيف ينتقمُ الله منهم.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾. قال: يُجاءُ بالكفارِ حتى ينظروا إلى أهلِ الجنةِ في الجنةِ على\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (١٠١٨) من طريق أبي صالح، عن ابن عباس.\n(^٢) في ت ٢: \"في\"، وفي ت ٣: \"إلى\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (٢٥٥) من طريق آخر عن قتادة، وينظر ما تقدم تخريجه في ١٩/ ٥٤٧، ٥٤٨.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":228},{"text":"سُررٍ، فحينَ ينظرون إليهم تعلقُ دونَهم الأبوابُ، ويضحكُ أهلُ الجنةِ منهم، فهو قولُه: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-5884\"></span>وقولُه: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: هل أُثِيبَ الكفارُ وجُزُوا ثوابَ ما كانوا في الدنيا يفعَلون بالمؤمنين من سخريتِهم منهم، وضحكِهم بهم، بضحكِ المؤمنين منهم في الآخرةِ والمؤمنون على الأرائكِ ينظرون، وهم في النارِ يعذَّبون؟!\nو﴿ثُوِّبَ﴾: فُعِّل، من الثوابِ والجزاءِ، يقالُ منه: ثَوَّب فلانٌ فلانًا على صنيعه، وأثابه منه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9629>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ﴾. قال: جُزِى (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ حينَ كانوا يسخَرون؟\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"ويلٌ للمطففين\"\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧١٣، ومن طريقه الفريابي، كما في التغليق، ٤/ ٣٦٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٢٨ إلى عبد حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":229},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9630>تفسيرُ سورةِ \"إذا السماءُ انشقَّت\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5885\"></span><span data-type='title' id=toc-9631>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: إذا السماءُ تصدَّعت وتقطَّعت فكانت أبوابًا.\n\n<span id=\"aya-5886\"></span>وقولُه: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. يقولُ: وسمعت السماواتُ في تصدُّعِها وتشقُّقها لربِّها، وأطاعت له في أمره إياها. والعربُ تقولُ: أذِنَ لك في هذا الأمرِ أذَنًا. بمعنى: استمَع لك. ومنه الخبرُ الذي رُوِى عن النبيِّ ﷺ: \"ما أَذِنَ اللَّهُ لشيءٍ كأذَنِه لنبيٍّ يتغَنَّى بالقُرآنِ\". يعنى بذلك: \"ما استمَع الله لشيءٍ كاستماعِه لنبيٍّ يتغنَّى بالقُرآنِ\" (^١). ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):\nصُمٌّ إذا سَمِعُوا خيرًا ذُكِرْتُ به … وإن ذُكِرْتُ بسُوءٍ عندَهم أَذِنُوا\nوأصلُ قولِهم في الطاعةِ: سمِع له. من الاستماعِ، يقالُ منه: سمِعتُ لك.\nبمعنى: سمعتُ قولَك وأطَعتُ فيما قلتَ وأمَرتَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١٣/ ١٠٢، ٢٢٩، ١٠/ ٥٠٠ (٧٦٧٠، ٧٨٣٢، ٩٨٥٠)، والبخاري (٥٠٢٣، ٥٠٢٤، ٧٤٨٢، ٧٥٤٥)، ومسلم (٧٩٢)، والنسائي (١٠١٦)، وابن حبان (٧٥١) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) نسبه أبو تمام في الحماسة، ٢/ ١٧٠، وابن قتيبة في عيون الأخبار ٣/ ٨٤، وابن منظور في اللسان (ش ور، أ ذ ن) إلى قعنب بن أم صاحب، ونسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٢٩١ إلى رؤبة، ونسبه أبو عبيدة في ١/ ١٧٧ إلى قعنب بن أم صاحب، والشطر الأول من البيت الذي قبله.","vol":"24","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9632>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. قال: سَمِعَتْ لربِّها (^١).\nحدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. قال: سَمِعَتْ وأطاعَتْ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. قال: سمِعَت (^٣).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. قال: سمِعَت وأطاعَت (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾، أي: سمِعَت وأطاعَت.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٥١٨ من طريق مجاهد، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ١٠/ ٣٠٧، ٣٠٨.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧١٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":231},{"text":"الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. قال: سمِعَت وأطاعَت.\nوقولُه: ﴿وَحُقَّتْ﴾. يقولُ: وحَقَّق الله عليها الاستماعَ بالانشقاقِ والانتهاءِ إلى طاعتِه في ذلك.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9633>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: وَحُقَّتْ. قال: حُقِّقَتْ لطاعةِ ربِّها.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن أشعث بن إسحاقَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَحُقَّتْ (^١)﴾: وحُقَّ لها (^٢).\n\n<span id=\"aya-5887\"></span>وقولُه: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا الأرضُ بُسِطت، فزِيد في سَعتِها.\nكالذي حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عليّ بن حسينٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: \"إذا كان يومُ القيامةِ مَدَّ اللهُ الأَرضَ حتى لا يكونَ لبشرٍ من الناسِ إلا موضعُ قدميه، فأكونُ أولَ مَنْ يُدعَى، وجبريلُ عن يمينِ الرحمنِ، واللهِ ما رآه، قبلَها، فأقولُ: يا ربِّ، إن هذا أخبَرني أنك أرسَلتَه إليَّ. فيقولُ: صدَق. ثم أشفَعُ فأقولُ: يا ربِّ، عبادُك عبَدوك في أطرافِ الأرضِ\". قال: \"وهو المقام المحمود\" (^٣).\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لها\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الفتح ٦/ ٢٩٤ - من طريق سعيد بن جبير.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٧٨ عن المصنف، وتقدم في ١٥/ ٤٩، ٥٠.","vol":"24","page":232},{"text":"[حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مُدَّتْ﴾. قال: يومَ القيامةِ (^١).\n\n<span id=\"aya-5888\"></span>وقولُه: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وألقَت الأرضُ ما في بطنِها من الموتى إلى ظهرِها، وتخلَّت منهم إلى اللهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9634>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ] (^٢) قولَه: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾. قال: أخرَجت ما فيها من الموتى (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾.\nقال: أخرَجت أثقالَها وما فيها (^٤).\nوقولُه: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. يقولُ: وسمعتِ الأرضُ في إلقائِها (^٥) ما في بطنها من الموتى إلى ظهرِها أحياءً، أمرَ ربِّها وأطاعَت، ﴿وَحُقَّتْ﴾. يقولُ:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"حدَّثني محمد بن سعد قال ثنى أبى قال ثني عمى قال ثنى أبي عن أبيه عن ابن عباس\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧١٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٩ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٣٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في م: \"لقائها\".","vol":"24","page":233},{"text":"وحقَّقها اللهُ للاستماعِ لأمرِه في ذلك والانتهاءِ إلى طاعتِه.\nواختلَف أهلُ العربيةِ في موقعِ (^١) جوابِ قولِه: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. وقولِه: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ له؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. على معنى قولِه: يأيُّها الإنسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إلى ربِّكَ كَدْحًا فمُلاقِيه إذا السماءُ انشَقَّت. على التقديم والتأخير.\n\n<span id=\"aya-5889\"></span>وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (^٢): قال بعضُ المفسِّرين: جوابُ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، قولِه: ﴿وَأَذِنَتْ﴾. قال: ونرَى أنه رأىٌ ارتآه المفسرُ، وشبَّهه بقولِ اللهِ تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]؛ لأنا لم نسمعْ جوابًا بالواوِ في \"إذا\" مبتدأةً، ولا كلامَ قبلَها، ولا في \"إذا\" إذا ابتُدِئت. قال: وإنما تجيبُ العربُ بالواو في قولِه: حتى إذا كان. و: فلما (^٣) أن كان. لم يجاوِزوا ذلك. قال: والجوابُ في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. وفى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ كالمتروكِ؛ لأن المعنى معروفٌ قد تردَّد في القرآنِ معناه فعُرِف، وإن شئتَ كان جوابُه: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾. كقولِ القائلِ: إذا كان كذا وكذا، فيأيُّها الناسُ (^٤) تَرَون ما عمِلتم من خيرٍ أو شرٍّ. تَجْعَلُ (^٥) ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ هو الجوابَ، وتُضَمِّنُ (^٦) فيه الفاءَ، وقد فسِّر جوابُ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فيما يلقَى الإنسانُ من ثوابٍ وعقابٍ، فكأن المعنى: ترى الثوابَ والعقابَ إذا السماءُ انشَقَّت.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أن جوابَه محذوفٌ، تُرِك استغناءً بمعرفةِ\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"موضع\".\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٤٩.\n(^٣) في ص: \"فلما\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قلما\".\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الإنسان\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت،٢، ت ٣: \"فجعل\".\n(^٦) في م: \"تضمر\".","vol":"24","page":234},{"text":"المخاطبين به بمعناه. ومعنى الكلام: إذا السماءُ انشَقَّت رأى الإنسانُ ما قدَّم من خيرٍ أو شرٍّ. وقد بيَّن ذلك قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾. والآياتُ بعدَها.\n\n<span id=\"aya-5890\"></span><span data-type='title' id=toc-9636>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الإنسانُ إنك عاملٌ إلى ربِّك عملًا فملاقيه به، خيرًا كان عملُك ذلك أو شرًّا. يقولُ: فليكنْ عملُك مما يُنجيك من سَخطِه، ويوجبُ لك رضاه، ولا يكنْ مما يُسخِطُه عليك فتهلِكَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9635>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾. يقولُ: تعمَلُ عملًا تلقَى الله به؛ خيرًا كان أو شرًّا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾: إن كدحَك [يابنَ آدمَ لضعيفٌ] (^٢)، فمَن استطاع أن يكونَ كدحُه في طاعةِ اللهِ فليفعَلْ، ولا قوةَ إلا باللهِ (^٣).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٧٨ عن العوفي، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٩ إلى المصنف.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يا ابن الضعيف\".\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ٢٧١، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٧٨.","vol":"24","page":235},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾. قال: عاملٌ له عملًا (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ وسمِعته يقولُ [في قولِ اللهِ] (^٢): ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾. قال: عاملٌ إلى ربِّك عملًا، قال: ﴿كَدْحًا﴾: العملُ.\n\n<span id=\"aya-5891\"></span>وقولُه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأَما مَن أُعطِى كتابَ أعمالِه بيمينِه،\n\n<span id=\"aya-5892\"></span>﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ بأن يُنظر في أعمالِه، فيُغفَرَ له سيِّئُها، ويُجازَى على حَسَنِها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاء الخبرُ عن رسولِ الله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9637>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن عبد الواحدِ بن حمزةَ، عن عبادِ بن عبدِ اللهِ عبدِ بن الزُّبيرِ، عن عائشةَ، قالت: سمِعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: \"اللهمَّ حاسِبْني حسابًا يسيرًا\". قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ما الحسابُ اليسيرُ؟ قال: \"أن يُنظر في سيئاتِه فيُتَجاوَزَ عنه؛ إنه مَن نُوقِش الحساب يومَئذٍ هلَك\".\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى عبدُ الواحدِ بن حمزةَ بن عبدِ اللهِ بن الزبيرِ، عن عبادِ بن عبدِ اللهِ بن الزُّبيرِ، عن عائشةَ، قالت: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ في بعضِ صلاتِه: \"اللهمَّ حاسِبْني\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٨ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٩ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"في ذلك\".","vol":"24","page":236},{"text":"حسابًا يسيرًا\". فلما انصَرف قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ما الحسابُ اليسيرُ؟ قال: \"يُنظَرُ في كتابِه، ويُتَجاوَزُ له عنه؛ إنه مَن نُوقِش الحسابَ يومَئذٍ يا عائشةُ هلَك\" (^١).\nحدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَميُّ، قال: ثنا مسلمٌ، عن الحَرِيشِ بن الخِرِّيتِ أخى الزُّبيرِ، عن ابن أبي مليكةَ، عن عائشةَ، قالت: مَن نُوقِش الحسابَ - أو: مَن حُوسِب - عُذِّب. قال: ثم قالت: إنما الحسابُ اليسيرُ: عَرضٌ على اللهِ وهو يراهم (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، وحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قال: أخبرنا أيوبُ، عن ابن أبي مليكةَ، عن عائشةَ أن رسول اللهِ ﷺ: \"من حُوسِب يومَ القيامةِ عُذِّب\". فقلت: أليس الله يقولُ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قال: \"ليس ذلك الحسابَ، إنما ذلك العرضُ، ولكن من نُوقِش الحساب يومَ القيامةِ عُذِّب\" (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا رَوحُ بنُ عبادةَ، قال: ثنا أبو عامرٍ الخَزَّاز، عن ابن أبي مليكةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهُ ﷺ: \"إنه ليس أحدٌ يُحاسَبُ يومَ القيامةِ إلا معذَّبًا\". فقلت: أليس يقولُ اللهُ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قال: \"ذلك العَرضُ، إنه مَن نُوقِش الحسابَ عُذِّب\". وقال بيدِه على إصبعِه كأنه\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (٨٤٩) من طريق يعقوب به، وأحمد ٦/ ٤٨ (ميمنية) ومن طريقه الحاكم ١/ ٥٧، ٢٥٥ عن ابن علية به، وأخرجه الحاكم ٤/ ٢٤٩ من طريق ابن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٩ إلى ابن مردويه.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٧٩ عن المصنف، وأخرجه الحاكم ٤/ ٥٨٠ من طريق حريش بن الخريت به مرفوعًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٩ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٣١٨)، والترمذى (٣٣٣٧) من طريق عبد الوهاب به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٤٨، وأحمد ٦/ ٤٧ (الميمنية)، ومسلم (٢٨٧٦/ ٧٩)، والنسائي في الكبرى (١١٦٥٩) من طريق ابن علية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.","vol":"24","page":237},{"text":"ينكُتُه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾. قال: الحسابُ اليسيرُ: الذي يُغْفَرُ ذنوبُه ويُتَقَبَّلُ حسناتُه، ويسيرُ الحسابِ: الذي يُعفى عنه. وقرأ: ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١]. وقرأ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾ [الأحقاف: ١٦].\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهران، عن عثمان بن الأسودِ، قال: ثني ابنُ أبي مليكةَ، عن عائشة، قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾. قال: \"ذلك العَرضُ يا عائشةُ، مَن نُوقش الحسابَ هلَك\" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ (^٣) وأبو داود، قالا: ثنا أبو عامرٍ الخزازُ، عن ابن أبي مليكةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ: مَن حُوسِب عُذِّب\". قالت: فقلتُ: أليس اللهُ يقولُ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قال: \"ذلكِ العَرضُ يا عائشةُ، ومَن نُوقِش الحساب عُذِّب\" (^٤).\nإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ﴾. والمحاسبةُ لا تكونُ إلا من\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٧٨ عن المصنف، وتقدم في ٧/ ٥٢٣، ٥٢٤ مطولا.\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٣١٩)، والبخارى (٤٩٣٩، ٦٥٣٦) ومسلم (٢٨٧٦/ ٨٠)، والترمذى (٢٤٢٦، ٣٣٣٧)، والنسائى في الكبرى - كما في تحفة الأشراف ١١/ ٤٥٩ (١٦٢٥٤) - من طريق عثمان بن الأسود به.\n(^٣) في م: (عمرو). وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٢٦١.\n(^٤) أخرجه أبو داود (٣٠٩٣)، وأخرجه ابن مردويه - كما في التغليق ٥/ ١٨٣ - من طريق عثمان به بنحوه، وأخرجه إسحاق بن راهويه وأبو عوانة - كما في التغليق - ٥/ ٨٣ - والمحاملي - ومن طريقه الحافظ في التغليق أيضًا ٥/ ٨٣ - من طريق أبي عامر الخزاز به، وينظر الفتح ١١/ ٤٠٢.","vol":"24","page":238},{"text":"اثنين، واللهُ هو القائمُ بأعمالِهم، ولا أحدَ له قِبَلَ ربِّه طَلِبةٌ فيحاسِبَه؟ قيل: إن ذلك تقريرٌ من اللهِ للعبدِ بذنوبِه، وإقرارٌ من العبدِ بها، وبما أحصاه كتابُ عملِه، فذلك المحاسبةُ على ما وصَفنا، ولذلك قيل: ﴿يُحَاسَبُ﴾.\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن أبي يونسَ القشيريِّ، عن ابن أبي مليكةَ، عن القاسمِ بن محمدٍ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ: ليس أحدٌ يُحاسَبُ يومَ القيامةِ إلا هلَك\". قالت: فقلت: يا رسولَ اللهِ، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾. فقال: \"ذلك العَرضُ، ليس أحَدٌ يُحاسَبُ يوم القيامةِ إلا هلَك\" (^١).\n\n<span id=\"aya-5893\"></span>وقولُه: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾. يقولُ: وينصرفُ هذا المحاسَبُ حسابًا يسيرًا إلى أهلِه في الجنةِ مسرورًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9638>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾. قال: إلى أهلٍ أَعَدَّ اللهُ لهم الجنةَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5894\"></span><span data-type='title' id=toc-9639>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾.</span>\n_________\n(^١) ذكرُه ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٧٩ عن المصنف، وأخرجه البخارى (٤٩٣٩)، ومسلم (٢٨٧٦/ ٨٠) من طريق أبي يونس القشيرى به بنحوه، وأخرجه أحمد ٦/ ١٠٨ (الميمنية) من طريق القاسم به بنحوه.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ٢٧٢.","vol":"24","page":239},{"text":"يقولُ تعالى ذكرُه: وأما من من أُعطِى كتابَه منكم أيُّها الناسُ يومئذٍ وراءَ ظهرِه، وذلك أنْ جعَل يدَه اليمنى إلى عنقِه، وجعَل (^١) الشمالَ من يديه وراءَ ظهرِه (^٢)، فيتناولُ كتابَه بشمالِه من وراءِ ظهرِه؛ ولذلك وصَفهم جلَّ ثناؤُه أحيانًا أنهم يُؤْتَوْن كُتبَهم بشمائِلهم، وأحيانًا أنهم يُؤتَونها من وراءِ ظهورِهم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9640>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾. قال: يجعلُ يدَه من وراءِ ظهرِه (^٣).\n\n<span id=\"aya-5895\"></span>وقولُه: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾. يقولُ: فسوف ينادِى بالهلاكِ؛ وهو أن يقولَ: واثُبوراه، واويلاه. وهو من قولِهم: دعا فلانٌ لهفَه. إذا قال: والهفاه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\nوقد ذكرنا معنى الثبورِ فيما مضى بشواهده، وما فيه من الرواية (^٤).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾، قال: يدعو بالهلاكِ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ٣: \"يجعل\"، وفى ت ١، ت ٢: \"تجعل\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧١٤، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٦٤ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٢٩، ٣٣٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في البعث.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ١٥/ ١٠٨، ١٧/ ٤١٠.\n(^٥) تقدم في ١٥/ ١٠٨، ١٧/ ٤١١.","vol":"24","page":240},{"text":"<span id=\"aya-5896\"></span>وقولُه: ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ مكةَ والمدينةِ والشامِ: (ويُصَلَّى) بضمِّ الياءِ وتشديدِ اللامِ (^١)، بمعنى أن الله يُصَلِّيهم تصليةً بعد تصليةٍ، وإنضاجةً بعد إنضاجةٍ، كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]. واستشهَدوا لتصحيحِ قراءتِهم ذلك كذلك بقولِه: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١]. وقرَأ ذلك بعضُ المدنيِّين وعامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿وَيَصْلَى﴾ بفتحِ الياءِ وتخفيفِ اللامِ (^٢)، بمعنى أنهم يَصْلَونها ويَرِدونها فيحترِقون فيها. واستشهَدوا لتصحيحِ قراءتِهم ذلك كذلك بقولِ اللهِ: ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ [إبراهيم: ٢٩، ص: ٥٦، المجادلة: ٨، الانفطار: ١٥]. و: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣].\nوالصوابُ من القول في ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-5897\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾. يقول تعالى ذكرُه: إنه كان في أهلِه في الدنيا مسرورًا؛ لما فيه من خلافِه أمرَ اللهِ وركوبِه معاصيَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9641>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾. أي: في الدنيا (^٣).\n_________\n(^١) قرأ بها نافع وابن كثير وابن عامر والكسائي. النشر ٢/ ٢٩٨.\n(^٢) قرأ بها أبو عمرو وعاصم وحمزة وأبو جعفر ويعقوب وخلف. المصدر السابق.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٧٩.","vol":"24","page":241},{"text":"<span id=\"aya-5898\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا الذي أُوتى كتابَه وراءَ ظهره يوم القيامة، ظنَّ في الدنيا أن لن يرجعَ إلينا، ولن يُبعث بعدَ مماتِه، فلم يكنْ يبالِي ما ركِب من المآثمِ؛ لأنَّه لم يكن يرجو ثوابًا، ولم يكنْ يخشى عقابًا. يقالُ منه: حار فلانٌ عن هذا الأمرِ. إذا رجع عنه، ومنه الخبر الذي رُوِى عن رسول الله ﷺ أنه كان يقولُ في دعائِه: \"اللهم إني أعوذُ بك من الحَوْرِ بعدَ الكَوْرِ\" (^١). يعنى بذلك: من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9642>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾. يقولُ: يُبعثَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى﴾. قال: ألا يرجعَ إلينا (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾: ألا مَعادَ له ولا رجعةَ.\n_________\n(^١) أخرجه معمر في جامعه (٢٠٩٢٧)، وعبد الرزاق (٩٢٣١)، وأحمد ٥/ ٨٣ (الميمنية)، ومسلم (١٣٤٣/ ٤٢٦)، والترمذى (٣٤٣٩)، والنسائى ٨/ ٢٧٢، وفي الكبرى (٧٩٣٥ - ٧٩٣٧، ٨٨٠١) من حديث عبد الله بن سرجس.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٥٤ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٠ إلى ابن المنذر.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧١٤، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٦٤ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":242},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾. قال: أن لن ينقلبَ. يقولُ: أن لن يُبعث (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾. قال: يرجعَ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾. قال: أن لن ينقلبَ.\n\n<span id=\"aya-5899\"></span>وقولُه: ﴿بَلَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: بلى، ليَحُورَنَّ ولَيَرجِعَنَّ إلى ربِّه حيًّا، كما كان قبلَ مماتِه.\nوقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: إن ربَّ هذا الذي ظنَّ أن لن يحور كان به بصيرًا إذ هو في الدنيا؛ بما كان يعملُ فيها من المعاصى، وما إليه يصيرُ أمرُه في الآخرةِ، عالمٌ بذلك كلِّه.\n\n<span id=\"aya-5900\"></span><span data-type='title' id=toc-9643>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾.</span>\nوهذا قَسَمٌ، أقسَم ربُّنا بالشفق. والشفقُ الحمرةُ في الأفقِ من ناحيةِ المغربِ من الشمسِ في قولِ بعضِهم.\nواختلفَ أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: هو الحمرةُ. كما قلنا، وممن قال ذلك جماعةٌ من أهلِ العراقِ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٠ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":243},{"text":"وقال آخرون: هو النهار.\n\n<span data-type='title' id=toc-9644>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الأَحْمَسِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا العوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: قلتُ لمجاهد: الشفقُ. قال: لا تقلْ: الشفقُ؛ إن الشفقَ من الشمسِ، ولكن قلْ: حُمرةُ الأفقِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بِالشَّفَقِ﴾. قال: النهارُ كلُّه (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا (^٣) سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾. قال: النهارِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخرون: الشفَقُ هو اسم للحمرة والبياضِ. وقالوا: هو من الأضدادِ.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندى أن يقال: إن الله أقسم بالنهارِ مدبرًا، وبالليلِ مقبلًا. وأما الشفَقُ الذي تحِلُّ به صلاةُ العشاءِ، فإنه الحمرةُ (^٤) عندَنا؛ للعلةِ التي قد بيناها في كتابِنا \"كتابِ الصلاةِ\".\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٣٣٣ عن محمد بن عبيد به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧١٥، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٦٤ -، وعزاه ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٨٠ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) بعده في ص: \"سعيد عن\".\n(^٤) في م: \"للحمرة\".","vol":"24","page":244},{"text":"<span id=\"aya-5901\"></span>وقولُه: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. يقولُ: والليلِ وما جمَع، مما سكَن وهدَأ (^١) فيه من ذى روحٍ كان يطيرُ، أو يَدِبُّ نهارًا. يقالُ منه: وسَقْتُه أَسِقُه وَسْقًا. ومنه: طعامٌ موسَقٌ (^٢)، وهو المجموعُ في غرائرَ (^٣) أو وعاءٍ. ومنه الوَسْقُ، وهو الطعامُ المجتمعُ الكثيرُ، مما يُكال أو يُوزنُ، يقالُ: هو ستون صاعًا. وبه جاء الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ (^٤).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9645>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾. يقولُ: وما جمَع.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنُ عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. قال: وما جمَع (^٥). وقال ابنُ عباسٍ:\n* مُسْتَوْسِقاتٍ لو يَجِدْنَ سائِقا (^٦) *\n_________\n(^١) في ص، ت ١ ت ٢، ت ٣: \"هدي\".\n(^٢) في م: \"موسوق\".\n(^٣) غرائر، جمع غِرَارَة، وهى وعاء من الخيش ونحوه، يوضع فيه القمح ونحوه، وهو أكبر من الجوالق. الوسيط (غ ر ر).\n(^٤) يُشير المصنف لحديث أبي سعيد الخدرى، ﵁، الذي أخرجه أحمد ١٨/ ٣٠٩ (١١٧٨٥)، وغيره، ولفظه: \"الوَسْق ستون صاعًا\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٣٥ من طريق آخر عن ابن عباس بنحوه مطولا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٠ إلى أبي عبيد في الفضائل وابن المنذر.\n(^٦) هذا البيت من مشطور الرجز، رواه أبو عُبيدة - كما في الكامل للمبرد ٣/ ٢٢٢ - من طريق عكرمة، =","vol":"24","page":245},{"text":"حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سأَل حفصٌ الحسنَ عن قولِه: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. قال: وما جمَع (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. قال: وما جمَع. يقولُ: ما آوَى فيه من دابَّةٍ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾: وما لفَّ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. قال: وما أظلمَ عليه، وما أدخَل فيه. وقال ابنُ عباسٍ:\n* مُسْتَوْسِقاتٍ لو يجدْنَ حادِيا *\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. يقولُ: وما جمَع من نجمٍ أو دابةٍ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾. قال: وما جمَع (^٤).\n_________\n= عن ابن عباس، وينظر مجاز القرآن، ٢/ ٢٩٢، والمعجم الكبير للطبراني ١٠/ ٣١٠ (١٠٥٩٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٠ إلى عبد بن حميد وابن الأنبارى.\n(^١) أخرجه عبد بن حميد - كما في التغليق ٣/ ٤٩٣ - وفي تفسير مجاهد ص ٧١٥ من طريق مبارك بن فضالة، عن الحسن.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧١٥، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٦٤.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧١٥ من طريق منصور به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٨ عن معمر به.","vol":"24","page":246},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. قال: وما جمَع؛ يجتمعُ (^١) فيه الأشياءُ التي يجمعُها اللهُ، التي تأوِى إليه، وأشياءُ تكونُ في الليلِ لا تكونُ في النهارِ، ما جمَع مما فيه ما يأوِى إليه، فهو مما جمَع.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. يقولُ: ما لُفَّ عليه.\nقال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. قال: وما دخَل فيه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي الهيثمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾: وما جمَع.\nقال: ثنا وكيعٌ عن نافعِ بن عمرَ، عن ابن أبي مُليكةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جمَع، ألم تسمعْ قولَ الشاعرِ:\n* مُسْتَوْسِقاتٍ لم يَجِدْنَ سائقا *\nحدَّثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولهِ: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. قال: ما حاز إذا جاء الليلُ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: وما ساق.\n_________\n(^١) في م: \"مجتمع\".","vol":"24","page":247},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9646>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ المَرْوَزِيُّ، قال: ثنا عليُّ بن الحسنِ، قال: ثنا حسينٌ، قال: سمِعتُ عكرمةَ وسُئل: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. قال: ما ساق مِن ظلمةٍ، فإذا كان الليلُ ذهَب كلُّ شيءٍ إلى مأْواه (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا الحسنُ، عن عكرمةَ: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. يقولُ: ما ساق مِن ظلمةٍ، إذا جاء الليلُ ساق كلَّ شيءٍ إلى مأْواه.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. قال: ما ساق معه مِن ظلمةٍ إذا أقبَل.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. يعنى: وما ساق الليلُ من شيءٍ جمَعه النجومُ، ويقالُ: والليلِ وما جمَع.\n\n<span id=\"aya-5902\"></span>وقولُه: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾. يقولُ: وبالقمرِ إذا تمَّ واستوى.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9647>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾. يقولُ: إذا استوى.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٨١.","vol":"24","page":248},{"text":"حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: وَالْقَمَرِ إِذَا أَشَقَ. قال: إذا اجتمع واستوى (^١).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةً: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾. قال: إذا استوى (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سأل حفصٌ الحسنَ عن قولِه: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾. قال: إذا اجتمَع، إذا امتلأ (^٣).\nحدَّثني أبو كُدينةَ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ بن أبي المغيرةِ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾. قال: لثلاثَ عَشرةَ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nقال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٠ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد بن حميد - كما في التغليق ٣/ ٤٩٣ - من طريق مبارك بن فضالة، عن الحسن.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٧١٥.","vol":"24","page":249},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِذَا اتَّسَقَ﴾. قال: إذا استوى (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي الهيثمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾: إذا استوى (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ، ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِذَا اتَّسَقَ﴾. قال: إذا استدار (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾: إذا استوى.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾. قال: إذا اجتَمع فاستوى (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾. قال: إذا استوى (^١).\n\n<span id=\"aya-5903\"></span>وقولُه: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءتِه؛ فقرَأه عمرُ بنُ الخطابِ وابنُ مسعودٍ وأصحابُه وابنُ عباسٍ وعامةُ قرأةِ مكةَ والكوفةِ: (لتَرْكَبَنَّ) بفتح التاءِ والباءِ (^٣). واختلَف قارئو ذلك كذلك في معناه؛ فقال بعضُهم: لتركبَنَّ\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٣٨١.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) وبها قرأ ابن كثير وحمزة والكسائى وخلف. النشر ٢/ ٢٩٨، وينظر البحر المحيط ٨/ ٤٤٧.","vol":"24","page":250},{"text":"يا محمدُ أنت حالًا بعد حالٍ، وأمرًا بعدَ أمرٍ من الشدائدِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9648>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن مجاهدٍ أنَّ ابنَ عباسٍ كان يقرأُ: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ): يعني نبيَّكم ﷺ، حالًا بعد حالٍ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ حدَّثه، عن ابن عباسٍ في: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: منزِلًا بعدَ منزلٍ.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). يقولُ: حالًا بعد حالٍ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). يعنى: مَنزِلًا بعدَ منزلٍ، ويقالُ: أمرًا بعدَ أمرٍ، وحالًا بعدَ حالٍ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، قال: سمِعتُ مجاهدًا، عن ابن عباسٍ: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: محمدٌ ﷺ (^٣).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٨١، وابن حجر في الفتح ٨/ ٦٩٨ عن المصنف، وأخرجه أحمد بن منيع - كما في المطالب العالية (٤١٧٨) - والبخارى (٤٩٤٠)، والحاكم ٢/ ٥١٩، والبغوى في تفسيره ٨/ ٣٧٥، ٣٧٦ من طريق هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٠ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٨١ عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١١١٧٣) من طريق شعبة به.","vol":"24","page":251},{"text":"حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: (لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: حالًا بعدَ حالٍ (^١)\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: (لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: حالًا بعدَ حالٍ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سأل حفصٌ الحسنَ عن قولِه: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: منزِلًا عن منزلٍ، وحالًا عن حالٍ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شريكٌ، عن موسى بن أبى عائشةَ، قال: سألتُ مُرَّةَ عن قولِه: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: حالًا بعدَ حالٍ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: حالًا بعدَ حالٍ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) قال: حالًا عن حالٍ (^٤).\nقال: ثنا وكيعٌ، عن نضرٍ (^٥)، عن عكرمةَ، قال: حالًا بعدَ حالٍ.\nحدَّثني محمدٌ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٨١.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٩ من طريق موسى بن أبى عائشة به.\n(^٣) ذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٦٩٨.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٩ من طريق سفيان الثورى به.\n(^٥) في النسخ: \"نصر\". وهو النضر بن عربي. تقدم مرارًا.","vol":"24","page":252},{"text":"قوله: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: لتركبَنَّ الأمورَ حالًا بعدَ حالٍ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: (لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) يقولُ: حالًا بعدَ حالٍ، ومنزلًا عن منزلٍ (^١).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ): منزلًا بعدَ منزلٍ، وحالًا بعدَ حالٍ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: (لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: أمرًا بعدَ أمرٍ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: أمرًا بعدَ أمرٍ.\nوقال آخرون ممن قال هذه المقالة، وقرَأ هذه القراءةَ: عُنِى بذلك: لتَرْكَبَنَّ أنت يا محمدُ سماءً بعدَ سماءٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9649>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ وأبو العالية: (لتَرْكَبَنَّ): يعني محمدًا ﷺ، (طبقًا عن طبقٍ): السماواتِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) قال: أنت يا محمدٌ، سماءً عن سماءٍ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٩ عن معمر، عن قتادة.\n(^٢) ذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٦٩٨.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧١٦ من طريق جابر به.","vol":"24","page":253},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ، عن الشعبيِّ، قال: سماءً بعدَ سماءٍ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: سماءً فوقَ سماءٍ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: لتَرْكَبَنَّ الآخرةَ بعدَ الأولى.\n\n<span data-type='title' id=toc-9650>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) قال: الآخرة بعدَ الأُولى (^٣).\nوقال آخرون ممن قرَأ هذه القراءةَ: إنما عُنِى بذلك أنها تتغيَّرُ ضروبًا مِن التغيير، وتَشَقَّقُ بالغمام مَرَّةً، وتحمَرُّ أُخرى، فتصيرُ وردةً كالدِّهانِ، وتكونٌ أخرى كالمُهْلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9651>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن قيسِ بن وهبٍ، عن مُرَّةَ، عن ابن مسعودٍ: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: السماءُ؛ مرَّةً كالدِّهان، ومرَّةً تتَشَقَّقُ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٨١ - من طريق إسماعيل به.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٠٦٨)، والحاكم ٢/ ٥١٨ من طريق علقمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم في الكنى وابن منده في غرائب شعبة وابن مردويه.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ٢٧٩.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٧١٥ من طريق مرة به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٨٢ عن الثورى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٠، ٣٣١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقى.","vol":"24","page":254},{"text":"حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ قال: سمعتُ أبا الزرقاءِ الهَمْدانيَّ، وليس بأبى الزرقاء الذي يحدِّثُ في المسحِ على الجَوْرَبين، قال: سمعتُ مُرَّةَ الهَمْدانيَّ، قال: سمعتُ عبدَ اللهِ يقولُ في هذه الآية: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: السماءُ.\nحدَّثني عليُّ بن سعيدٍ الكنديُّ، قال: ثنا عليُّ بن غرابٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) قال: السماءُ تَغَيَّرُ (^١) وتحمَرُّ وتَشَقَّقُ (^٢).\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثني أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: (لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: هي السماءُ، تَشَقَّقُ، ثم تحمَرُّ، ثم تنفطِرُ. قال: وقال ابنُ عباسٍ: حالًا بعدَ حالٍ.\nحدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: قرَأ عبدُ اللهِ هذا الحرفَ: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) قال: السماءُ؛ حالًا بعدَ حالٍ، ومنزلةً بعدَ منزلةٍ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) قال: هي السماءُ.\nقال: حدَّثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي فروةَ، عن مُرَّةً، عن ابن مسعودٍ أنه قرَأها: (لتَرْكَبَنَّ) نصبًا، وقال: هي السماءُ (^٣).\n_________\n(^١) في م: \"تغبر\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٨٢ عن الأعمش به.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٥٢ - زوائد نعيم)، والطبراني (٩٠٦٥) من طريق سفيان به، ولفظ ابن المبارك كنحو أثر ابن حميد، عن مهران، المتقدم في الصفحة السابقة.","vol":"24","page":255},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ، قال: هي السماءُ، تَغَيَّرُ لونًا بعدَ لونٍ.\nوقرَأ ذلك عامةٌ قرأةِ المدينة وبعضُ الكوفيِّين: ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ بالتاءِ وضمِّ الباءِ، على وجْهِ الخطابِ للناسِ كافةً (^١)، أنهم يَرْكبون أحوالَ الشدَّةِ حالًا بعدَ حالٍ. وقد ذكَر بعضُهم (^٢) أنه قُرِئ (^٣) ذلك بالياءِ وبضمِّ الباءِ (^٤)، على وجْهِ الخبرِ عن الناسِ كافةً أنهم يفعلون ذلك.\nوأولى القراءاتِ في ذلك عندى بالصوابِ قراءةُ من قرَأه بالتاءِ وبفتحِ الباءِ (^٥)؛ لأنَّ تأويلَ أهلِ التأويلِ من جميعِهم بذلك ورَد وإن كان للقراءاتِ الأُخرِ وجوهٌ مفهومةٌ. وإذ كان الصوابُ مِن القراءةِ في ذلك ما ذكَرْنا، فالصوابُ مِن التأويلِ قولُ مَن قال: لتَرْكَبَنَّ أنت يا محمدُ حالًا بعد حالٍ، وأمرًا بعد أمرٍ من الشدائدِ. والمرادُ بذلك - وإن كان الخطابُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ موجَّهًا - جميعُ الناسِ؛ أَنهم يَلْقَون مِن شدائدِ يومِ القيامةِ وأهوالِه أحوالًا.\nوإنما قلنا: عُنِى بذلك ما ذكَرْنا؛ أنَّ الكلامَ قبل قوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ جرَى بخطابِ الجميعِ، وكذلك بعدَه، فكان أشبهَ أن يكونَ ذلك نظيرَ ما قبلَه وما بعدَه.\nوقولُه: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾. مِن قولِ العربِ: وقع فُلانٌ في بناتِ طَبَقٍ. إذا وقع في أمرٍ شديدٍ.\n\n<span id=\"aya-5904\"></span>وقولُه: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: فما لهؤلاء المشركين (^٦) لا\n_________\n(^١) وبها قرأ نافع وعاصم وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب. ينظر النشر ٢/ ٢٩٨.\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٥٢.\n(^٣) في النسخ: \"قرأ\". والمثبت ما يقتضيه السياق\n(^٤) وهذه القراءة عن عمر، وهى شاذة. البحر المحيط ٨/ ٤٤٨.\n(^٥) القراءات كلها صواب.\n(^٦) في ص، ت ١، ت،٢، ت ٣: \"المشركون\".","vol":"24","page":256},{"text":"يصدِّقون بتوحيدِ اللهِ، ولا يقرُّون بالبعثِ بعدَ الموتِ، وقد أقسَم لهم ربُّهم بأنَّهم راكبون طبقًا عن طبقٍ، مع ما قد عايَنوا من حُجَجه بحقيقةِ توحيدِه.\nوقد حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال: بهذا الحديثِ، وبهذا الأمرِ.\n\n<span id=\"aya-5905\"></span>وقولُه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾. يقولُ: وإذا قُرئ عليهم كتابُ ربِّهم لا يخضعون له ولا يَسْتكِينون. وقد بيَّنَّا معنى السجودِ قبلُ بشواهدِه، فأَغْنَى ذلك عن إعادتِه (^١).\n\n<span id=\"aya-5906\"></span><span data-type='title' id=toc-9653>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾.</span>\nقولُه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: بل الذين كفروا يكذِّبون بآياتِ اللهِ وتنزيلِه.\n\n<span id=\"aya-5907\"></span>وقولُه: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ أعلمُ بما تُوعِيه صدورُ هؤلاء المشركين مِن التكذيبِ بكتابِ اللهِ ورسولِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9652>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١/ ٧١٤، ٧١٥.","vol":"24","page":257},{"text":"قولَه: ﴿يُوعُونَ﴾. قال: يكتُمون (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. قال: المرءُ يُوعِى متاعَه ومالَه؛ هذا في هذا، وهذا في هذا، هكذا يَعرِفُ اللهُ ما يُوعون من الأعمالِ، والأعمالُ السيئةُ مما تُوعِيه قلوبُهم، ويجتمعُ فيها من هذه الأعمالِ الخيرُ والشرُّ، فالقلوبُ وعاءُ هذه الأعمالِ كلِّها؛ الخيرِ والشرِّ، يعلمُ ما يُسرُّون وما يعلنون، ولقد وَعَى لكم ما لا يَدْرى أحدٌ ما هو، مِن القرآن وغيرِ ذلك، فاتقُوا الله، وإيَّاكم أنْ تُدْخِلوا على مكارمِ هذه الأعمالِ بعضَ هذا الخَبَثِ ما يُفْسِدُها.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يُوعُونَ﴾. قال: في صدورِهم (^٢).\n\n<span id=\"aya-5908\"></span>وقولُه: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فبشِّرْ يا محمدُ هؤلاء المكذِّبين بآياتِ اللهِ، بعذابٍ أليمٍ لهم عندَ اللهِ مُوجعٍ،\n\n<span id=\"aya-5909\"></span>﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: إلا الذين تابوا منهم وصدَّقوا، وأقرُّوا بتوحيدِه ونبوَّةِ نبيِّه محمدٍ ﷺ، وبالبعثِ بعدَ المماتِ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: وأَدَّوْا فرائضَ اللهِ، واجْتَنَبوا رُكُوبَ ما حرَّم اللهُ عليهم رُكُوبَه.\nوقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لهؤلاء الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ، ثوابٌ غيرُ محسوبٍ ولا منقوصٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧١٦.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦٠ عن معمر به.","vol":"24","page":258},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9654>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. يقولُ: غيرُ منقوصٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. يعني: غيرُ محسوبٍ (^١).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"إذا السماءُ انشقَّت\"\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٧٣.","vol":"24","page":259},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9655>تفسيرُ \"سورةِ البروجِ\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5910\"></span><span data-type='title' id=toc-9657>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ﷻ وتقدَّست أسماؤُه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: قولُه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾. أقسم ربُّنا جلَّ ثناؤُه بالسماءِ ذاتِ البروجِ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى البروجِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك: والسماءِ ذاتِ القصورِ. قالوا: والبروجُ القصورُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9656>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾. قال ابنُ عباسٍ: قصورٌ في السماءِ (^١). قال غيرُه: بل هي الكواكبُ.\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿الْبُرُوجِ﴾: يزعُمون أنها قصورٌ في السماءِ، ويقالٌ: هي الكواكبُ.\nوقال آخرون: عُنِى بذلك: والسماءِ ذاتِ النجومِ. وقالوا: نجومُها بروجُها.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣١ إلى المصنف.","vol":"24","page":260},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9658>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾. قال: البروجُ النجومُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾. قال: النجومِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾. قال: وبروجُها نجومُها (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: والسماء ذاتِ الرملِ والماءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9659>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحسنُ بن قَرَعَةَ، قال: ثنا حصينُ بن نُميرٍ، عن سفيانَ بن حسينٍ في قولِه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾. قال: ذاتِ الرملِ والماءِ.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أنْ يقالَ: معنى ذلك: والسماءِ ذاتِ منازلِ الشمسِ والقمرِ؛ وذلك أنَّ البروجَ جمعُ بُرْجٍ، وهى منازلُ تُتَّخِذُ عاليةً عن الأرضِ مرتفعةً، ومِن ذلك قولُ اللهِ: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]. وهى\n_________\n(^١) بعده في ت ٢، ت ٣: \"حدثنا ابن حميد قال ثنا مهران عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾. قال النجوم\".\nوقول مجاهد عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦١ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣١ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":261},{"text":"منازلُ مرتفعةٌ عاليةُ في السماءِ، وهى اثنا عشرَ بُرْجًا، فمَسِيرُ القمرِ في كلِّ برجٍ منها يومان وثُلثٌ، فذلك ثمانيةٌ وعشرون منزلًا، ثم يَسْتَسِرُّ (^١) ليلتين، ومَسِيرُ الشمسِ في كلِّ برجٍ منها شهرٌ.\nوقوله: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾. يقولٌ تعالى ذكره: وأُقسِمُ باليومِ الذي وعدتُه عبادى لفصلِ القضاءِ بينَهم. وذلك يومُ القيامةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ وجاء الخبرُ عن رسولِ الله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9660>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ تُميرٍ وإسحاقُ الرازيُّ، عن موسى بن عبيدةَ، عن أيوبَ بن خالدٍ، عن عبدِ اللهِ بن رافعٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"اليومُ الموعودُ يومُ القيامةِ\" (^٢).\nقال: ثنا وكيعٌ، عن موسى بن عبيدةَ، عن أيوبَ بن خالدٍ، عن عبدِ اللهِ بن رافعٍ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ مثلَه.\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا يونسُ، قال: أنبَأنى عمارٌ، قال: قال أبو هريرةَ: اليومُ الموعودُ يومُ القيامةِ (^٣). قال يونسُ: وكذلك قال\n_________\n(^١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يستتر\". والسَّرار من الشهر: آخر ليلة منه، يستسر الهلالُ بنور الشمس، قال أبو عبيدة: وربما استسر ليلة، وربما استسر ليلتين، إذا تم الشهر. ينظر التاج (س ر ر).\n(^٢) أخرجه الترمذى (٣٣٣٩)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٨٥ - والطبراني في الأوسط (١٠٨٧)، وابن عدى في الكامل ٢/ ٤٧٦، ٦/ ٢٣٣٦، والبيهقى ٣/ ١٧٠، وفى الشعب (٣٧٦٠)، والبغوى في تفسيره ٨/ ٣٨١، من طريق موسى بن عبيدة به، مطولا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣١ إلى عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الأهوال وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه أحمد ١٣/ ٣٥١، ٣٥٢ (٧٩٧٢، ٧٩٧٣ - ومن طريقه الحاكم ٢/ ٥١٩، والبيهقى ٣/ ١٧٠، وفى الشعب (٢٩٦٥) - من طريق يونس به وينظر علل الدارقطني ١١/ ١٢٠، ١٢١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٢ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":262},{"text":"الحسنُ (^١).\n\n<span id=\"aya-5911\"></span>حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾: يعنى يومَ القيامة.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾. قال: القيامةُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: اليومُ الموعودُ يومُ القيامةِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن يونسَ بن عبيدٍ، عن عمارِ بن أبي عمارٍ مولى بنى هاشمٍ (^٤)، عن أبي هريرةَ: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾: يومُ القيامةِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن موسى بن عبيدةَ، عن أيوبَ بن خالدٍ، عن عبدِ اللهِ بن رافعٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ: \"اليوم الموعودُ يومُ القيامةِ\".\nحدَّثنا محمدُ بن عوفٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بن عياشٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى ضَمْضَمُ بنُ زُرْعَةَ، عن شُريحِ بن عبيدٍ، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"اليومُ الموعودُ يومُ القيامةِ\" (^٥).\n\n<span id=\"aya-5912\"></span>وقولُه: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦١ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣١ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٨٥.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هشام\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٨٥ عن المصنف، وأخرجه الطبراني (٣٤٥٨) من طريق محمد بن إسماعيل به.","vol":"24","page":263},{"text":"بعضُهم: معنى ذلك: وأُقسِمُ بشاهدٍ. قالوا: وهو يوم الجمعةِ، ﴿وَمَشْهُودٍ﴾.\nقالوا: وهو يومُ عرفةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9661>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: أخبَرنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا يونسُ، قال: أنبَأنى عمارٌ، قال: قال أبو هريرةَ: الشاهدٌ يومُ الجمعةِ، والمشهودُ يومُ عرفةَ (^١). قال يونسُ: وكذلك قال الحسنُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ حارثةَ بن مُضَرِّبٍ يحدِّثُ عن عليٍّ ﵁ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. قال: يومُ الجمعةِ، ويومُ عرفةَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. قال: الشاهدُ يومُ الجمعةِ، والمشهودُ يومُ عرفةَ (^٣). ويقالُ: الشاهدُ الإنسانُ، والمشهودُ يومُ القيامةِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾: يومان عظيمان من أيامِ الدنيا، كنا نحدَّثُ أنَّ الشاهدَ يومُ الجمعةِ، والمشهودَ يومُ عرفةَ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. قال: الشاهدُ يومُ الجمعةِ، والمشهودُ يومُ عرفةَ (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢٦٢.\n(^٢) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣١ إلى ابن مردويه.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦١ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣١ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":264},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ ﵁: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. قال: الشاهدُ يومُ الجمعةِ، والمشهودُ يومُ عرفةَ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنٌ زيدٍ في قولِه: ﴿وَشَاهِدٍ﴾: يومِ الجمعةِ، ﴿وَمَشْهُودٍ﴾: يومِ عرفةَ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن موسى بن عبيدةَ، عن أيوبَ بن خالدٍ، عن عبدِ اللهِ بن رافعٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿وَشَاهِدٍ﴾: يومِ الجمعةِ، ﴿وَمَشْهُودٍ﴾: يومِ عرفةَ\".\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ وإسحاقُ الرازيُّ، عن موسى بن عبيدةَ، عن أيوبَ بن خالدٍ، عن عبدِ اللهِ بن رافعٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"المشهودُ يومُ عرفةَ، والشاهدُ يومُ الجمعةِ\" (^٢).\nحدَّثنا سهلُ بنُ موسى، قال: ثنا ابنُ أبي فُدَيكٍ، عن ابن حرملةَ، عن سعيدٍ أنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إِنَّ سَيِّدَ الأيامِ يومُ الجمعة، وهو الشاهدُ، والمشهودُ يومُ عرفةَ\" (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن موسى بن عبيدةَ، عن أيوبَ بن خالدٍ، عن عبدِ الله بن رافعٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: \"المشهودُ يومُ عرفةَ،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦١ عن سفيان به، وهو في تفسير مجاهد ص ٧١٧ من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٢٦٢.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٨٥ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٢ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه.","vol":"24","page":265},{"text":"والشاهدُ يومُ الجمعةِ، فيه ساعةٌ لا يوافِقُها مُؤمِنٌ يَدْعُو الله بِخَيرٍ إِلَّا اسْتَجاب له، ولا يَسْتعِيذُه مِن شرِّ إلا أعاده\".\nحدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى ضَمضَمُ بنُ زُرعةً، عن شريحِ بن عبيدٍ، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إنَّ الشاهدَ يومُ الجمعةِ، وإنَّ المشهودَ يومُ عرفةَ، فيومُ الجمعةِ خِيرَةُ اللهِ لنا\" (^١).\nحدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الرحمنِ بن حرملةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: سيدُ الأيامِ يومُ الجمعةِ، وهو شاهدٌ (^٢).\nوقال آخرون: الشاهدُ محمدٌ، والمشهودُ يومُ القيامةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9662>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شعبةَ، عن عليّ بن زيدٍ، عن يوسفَ المكيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: الشاهدُ محمدٌ، والمشهودُ يومُ القيامةِ. ثم قرَأ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ (^٣) [هود: ١٠٣].\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن شِباكٍ، قال: سأل رجلٌ الحسنَ بنَ عليٍّ عن: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. قال: سألت أحدًا قبلى؟ قال: نعم، سألتُ ابنَ عمرَ وابنَ الزبيرِ، فقالا: يومِ الذبحِ ويومِ الجمعةِ. قال: لا، ولكنَّ الشاهدَ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص ٢٦٣.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦١ من طريق عبد الرحمن بن حرملة به.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٨٦ عن المصنف، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٦٦٣) من طريق عكرمة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص ٤٤٦ - إلى عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الأهوال والبزار وابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر، وتقدم في ١٢/ ٥٧٤.","vol":"24","page":266},{"text":"محمدٌ. ثم قرَأ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]: والمشهودُ يومُ القيامةِ. ثم قرَأ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن أبي الضحى، عن الحسنِ بن عليٍّ، قال: الشاهدُ محمدٌ، والمشهودُ يومُ القيامةِ.\nحدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبد الرحمنِ بن حرملةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ: ﴿وَمَشْهُودٍ﴾: يومِ القيامةِ (^٢).\nوقال آخرون: الشاهدُ الإِنسانُ، والمشهودُ يومُ القيامةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9663>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أسباطُ، عن عبدِ الملكِ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. قال: الشاهدُ ابنُ آدمَ، والمشهودُ يومُ القيامةِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا] (^٤) عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٨٦ عن المصنف، وهو في تفسير مجاهد ص ٧١٧، ٧١٨ من طريق مغيرة به، وفيه: الحسين بن علي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٢ إلى المصنف وابن مردويه، عن الحسن بن علي، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٩٤٨٢)، وفي الصغير ٢/ ١٣١ من طريق زيد بن أسلم، عن الحسين بن علي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص ٤٤٦ - إلى عبد بن حميد وابن مردويه عن الحسين بن علي.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٨٦ عن سفيان به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١.","vol":"24","page":267},{"text":"قوله: ﴿وَشَاهِدٍ﴾. قال: الإنسانُ. وقولَه: ﴿وَمَشْهُودٍ﴾. قال: يومُ القيامةِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، قال: الشاهدُ الإنسانُ، والمشهودُ يومُ القيامةِ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن خالدٍ الحذَّاءِ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. قال: ﴿وَشَاهِدٍ﴾: ابن آدمَ، ﴿وَمَشْهُودٍ﴾: يومِ القيامةِ (^٢).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَشَاهِدٍ﴾: يعنى الإنسانَ، ﴿وَمَشْهُودٍ﴾: يومِ القيامة، قال اللهُ: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ (^٣).\nوقال آخرون: الشاهدُ محمدٌ، والمشهودُ يومُ الجمعةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9664>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. قال: الشاهدُ محمدٌ، والمشهودُ يومُ الجمعةِ، فذلك قولُه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (^٤).\nوقال آخرون: الشاهدُ اللهُ، والمشهودُ يومُ القيامةِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧١٨ وفيه: الشاهد عيسى ﵇، ويقال أيضا: الشاهد الإنسان.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦١ من طريق إسماعيل بن شروس، عن عكرمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٢ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) تقدم من طريق آخر عن الضحاك في ١٢/ ٥٧٤.\n(^٤) تقدم تخريجه في ٧/ ٣٩.","vol":"24","page":268},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9665>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِهِ: ﴿وَشَاهِدٍ﴾. يقولُ: اللهِ، ﴿وَمَشْهُودٍ﴾. يقولُ: يومِ القيامةِ (^١).\nوقال آخرون: الشاهدُ يومُ الأضحى، والمشهودُ يومُ الجمعةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9666>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن شِباكٍ، قال: سأل رجلٌ الحسنَ بن عليٍّ عن: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. قال: سألتَ أحدًا قبلى؟ قال: نعم، سألتُ ابنَ عمرَ وابنَ الزبيرِ، فقالا: يومِ الذبحِ، ويومِ الجمعةِ (^٢).\nوقال آخرون: الشاهدُ يومُ الأضحى، والمشهودُ يومُ عرفةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9667>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. قال: الشاهدُ يومُ عرفةَ، والمشهودُ يوم القيامة (^٣).\nوقال آخرون: المشهودُ يومُ الجمعةِ. ورَوَوْا ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٨٦ عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٢ إلى المصنف، وعزاه السيوطي - كما في المخطوطة المحمودية ص ٤٤٦ - إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٢٦٧.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٨٦ عن المصنف.","vol":"24","page":269},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9668>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثني عمى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن سعيدِ بن أبي هلالٍ، عن زيدِ بن أيمنَ، عن عبادةَ بن نُسَيٍّ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"أكْثِروا عليَّ الصلاةَ يومَ الجمعةِ؛ فإنَّه يومٌ مشهودٌ تَشْهدُه الملائكةُ\" (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنْ يقالَ: إِنَّ اللَهَ أَقسَم بشاهدٍ شَهِد، وبمشهودٍ شُهِد، ولم يُخْبِرْنا مع إقسامِه بذلك أيَّ شاهدٍ وأيَّ مشهودٍ أراد، وكلُّ الذي ذكَرْنا أنَّ العلماءَ قالوا، هو المعنيُّ مما يستحقُّ أنْ يُقالَ له: شاهدٌ ومشهودٌ.\n\n<span id=\"aya-5913\"></span>وقولُه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾. يقولُ: لُعِن أصحابُ الأخدودِ.\nوكان بعضُهم (^٢) يقولُ: معنى قولِه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾. خبرٌ مِن اللهِ عن النار أنها قتَلتهم.\nوقد اختلَف أهلُ العلمِ في أصحابِ الأخدودِ من هم؟ فقال بعضُهم: قومٌ كانوا أهلَ كتابٍ من بقايا المجوسِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9669>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن ابن أبْزَى، قال: لما رجَع المهاجرون من بعضِ غزواتِهم، بلَغهم نَعْىُ عمرَ بن الخطابِ ﵁، فقال بعضُهم لبعضٍ: أيُّ الأحكامِ تجرِى في المجوسِ، وإنهم ليسوا بأهلِ كتابٍ،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٨٦ عن المصنف، وأخرجه ابن ماجه (١٦٣٧)، والمزي في تهذيب الكمال ١٠/ ٢٣، ٢٤ من طريق ابن وهب به مطولا.\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٥٣.","vol":"24","page":270},{"text":"وليسوا من مشركي العربِ؟ فقال عليُّ بنُ أبى طالبٍ ﵁: قد كانوا أهلَ كتابٍ، وقد كانت الخمْرُ أُحِلَّت لهم، فشَرِبها ملكٌ من ملوكِهم حتى ثَمِل منها، فتناوَل أختَه فوقَع عليها، فلما ذهَب عنه السُّكْرُ قال لها: ويحكِ! ما المخرَجُ مما ابتُليتُ به؟ فقالت: اخطُبِ الناسَ، فقلْ: يأيُّها الناسُ، إِنَّ الله قد أحَلَّ نِكَاحَ الأخواتِ. فقام خطيبًا، فقال: يأيُّها الناسُ، إِنَّ الله قد أَحَلَّ نِكَاحَ الأخواتِ. فقال الناسُ: إنا (^١) نبرأُ إلى اللهِ مِن هذا القولِ، ما أتانا به نبيٌّ، ولا وجَدْناه في كتابِ اللهِ. فرجَع إليها نادمًا، فقال لها: ويحكِ! إنَّ الناس قد أبَوا عليَّ أنْ يُقِرُّوا بذلك. فقالت: ابسُط عليهم السِّياطَ. ففعَل، فبسَط عليهم (^٢) السِّياط، فأبَوا أن يُقِرُّوا له (^٣)، فرجَع إليها نادمًا، فقال: إنهم قد (^٤) أبَوا أن يُقِرُّوا. فقالت: اخطُبْهم، فإِنْ أَبَوا فجَرِّدُ فيهم السيفَ. ففعَل، فأبَى عليه الناسُ، فقال لها: قد أبَى عليَّ الناسُ. فقالت: خُدَّ لهم الأُخْدُودَ، ثم اعرِضْ عليها أهلَ مملكتِك، فمن أقَرَّ، وإلا فاقذِفْه في النارِ. ففعَل، ثم عرَض عليها أهلَ مملكتِه، فمن لم يُقرَّ منهم قذَفه في النارِ، فأَنزَلَ اللهُ فيهم: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾. إلى ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: حرَّقوهم، ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾. فلم يزالوا منذُ ذلك يستحلُّون نكاحَ الأخواتِ والبناتِ والأمهاتِ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١.\n(^٢) في ت ١: \"فيهم\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) سقط من: م، ت ١.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٣ إلى عبد بن حميد. وينظر روح المعانى ٣٠/ ١٥٩.","vol":"24","page":271},{"text":"الْأُخْدُودِ﴾. قال: حُدَّثنا أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁ كان يقولُ: هم ناسٌ بمذارِع (^١) اليمنِ؛ اقْتَتل مؤمنوها وكفارُها، فظهَر مؤمنوها على كفارِها، ثم اقْتتَلوا الثانيةَ، فظهر مؤمنوها على كفارِها، ثم أخَذ بعضُهم على بعضٍ عهدًا ومواثيقَ ألا يَغْدِرَ بعضُهم ببعضٍ، فغَدَرَ بهم الكفارُ فأخَذوهم أخذًا، ثم إنَّ رجلًا مِن المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خيرٍ؛ توقِدون نارًا ثم تَعْرِضوننا عليها، فمن تابعكم على دينِكم فذلك الذي تشتهون، ومَن لا، اقْتَحم النارَ فاستَرحْتُم منه. قال: فأجَّجوا نارًا، وعُرِضوا عليها، فجعَلوا يَقْتحِمونها صناديدُهم، حتى (^٢) بقيَت منهم عجوزٌ كأنَّها تلكَّأت (^٣)، فقال لها طفلٌ في حجْرِها: يا أُمَّه (^٤)، امضِى ولا تُنافِقى. قصَّ اللهُ عليكم نبأَهم وحديثَهم (^٥).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾. قال: يعنى القاتلين الذين قتَلوهم يومَ قُتِلوا (^٦).\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾. قال: هم ناسٌ من بنى إسرائيلَ، خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرضِ، ثم أَوْقَدوا فيه نارًا، ثم أقاموا على ذلك الأُخْدودِ رجالًا ونساءً، فعُرِضوا عليها، وزعَموا أنه دانيالُ وأصحابُه (^٧).\n_________\n(^١) المذارع: البلاد التي بين الريف والبر. غريب الحديث للخطابي ٣/ ٩٩.\n(^٢) في م: \"ثم\".\n(^٣) في م: \"نكصت\".\n(^٤) في م، ت ١: \"أماه\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٦٢.\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٨٧ عن العوفي، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٢ إلى المصنف.","vol":"24","page":272},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾. قال: كان شقوقٌ في الأرضِ بنَجْرانَ، كانوا يُعذِّبون فيها الناسَ (^١).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ عن الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾: يزعُمون أَنَّ أَصحابَ الأُخْدُودِ مِن بني إسرائيلَ؛ أخَذوا رجالًا ونساءً، فخَدُّوا لهم أُخْدُودًا، ثم أوقدوا فيها النيرانَ، فأقاموا المؤمنين عليها، فقالوا: تكفُرون أو نَقْذِفُكم في النارِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنى حَرَميُّ (^٣) بنُ عُمارةَ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، قال: ثنا ثابتٌ البُنانيُّ، عن عبدِ الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"كان في من كان قبلَكم مَلِكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى السَّاحرُ الملكَ، فقال: قد كَبِرَتْ سِنِّى، ودَنا أجلى، فادْفَعْ لى غُلامًا أُعَلِّمُهُ السَّحْرَ\". قال: \"فدفَع إليه غُلامًا يُعلِّمُه السِّحرَ\". قال: \"فكان الغلامُ يَخْتَلِفُ إلى الساحرِ، وكان بينَ الساحرِ وبينَ الملكِ راهبٌ\". قال: \"فكان الغلامُ إذا مرَّ بالراهبِ قعَد إليه فسَمِع مِن كلامِه، فأُعْجِب بكلامِه، فكان الغلامُ إذا أتى الساحرَ ضرَبه وقال: ما حبَسَك؟ وإذا أتى أهلَه قعَد عندَ الراهبِ يسمَعُ كلامَه، فإذا رجَع إلى أهلِه ضرُبوه وقالوا: ما حبَسك؟ فشَكا ذلك إلى الراهبِ، فقال له الراهبُ: إذا قال لك\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧١٨ ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٦٤ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٢ إلى ابن المنذر بنحوه.\n(^٣) في ت ١: \"جرير\".","vol":"24","page":273},{"text":"الساحرُ: ما حبَسَك؟ فقل: حبَسنى أهلى، وإذا قال أهلُك: ما حبَسَك؟ فقل: حبَسنى الساحرُ. فبينَما هو كذلك إذ مرَّ في طريقٍ وإذا دابَّةٌ عظيمةٌ في الطريقِ قد حبَسَتِ الناسَ لا تَدَعُهم يجُوزُون، فقال الغلامُ: الآن أعلَمُ أمرُ الساحرِ أَرْضَى عندَ اللهِ أمْ أمرُ الراهبِ؟ قال: فأَخَذ حَجَرًا\". قال: \"فقال: اللَّهمَّ إِنْ كان أمرُ الراهبِ أحبَّ إليك من أمرِ الساحرِ، فإنى أرْمِى بحَجَرِى هذا فيقتُلُه ويمُرُّ الناسُ\". قال: \"فرَماها فقتَلها، وجاز الناسُ، فبلَغ ذلك الراهبَ\". قال: \"وأتاه الغلامُ، فقال الراهبُ للغلامِ: إنَّك خيرٌ منى، وإن ابْتُلِيتَ فلا تَدُلُّنَّ عليَّ\". قال: \"وكان الغلامُ يُبْرِئُ الأَكْمهَ والأبْرصَ وسائرَ الأدواءِ، وكان للملِكِ جليسٌ\". قال: \"فعَمِى\". قال: \"فقِيل له: إنَّ ههنا غُلامًا يُبْرِئُ الأَكْمهَ والأبْرصَ وسائرَ الأدواءِ، فلو أتيتَه؟. قال: \"فاتَّخَذ له هَدَايا\". قال: \"ثم أتاه فقال: يا غلامُ، إِنْ أَبْرَأْتُنى فهذه الهَدَايَا كلُّها لك. فقال: ما أنا بشافيكَ (^١)، ولكنَّ اللَهَ يَشفِي، فإن (^٢) آمَنْتَ دعوتُ اللَهَ أَنْ يَشْفِيَك\". قال: \"فآمَن الأعمى، فدعا الله فشَفاه، فقعَد الأعمى إلى الملكِ كما كان يقعُدُ، فقال له الملِكُ: أليس كنتَ أعمى؟ قال: نعم. قال: فمن شَفاك؟ قال: رَبِّي. قال: ولك ربٌّ غيرِى؟ قال: نعم، ربَّى وربُّك اللهُ\". قال: \"فأخَذه بالعذابِ فقال: لتَدُلُّنَّني على مَن علَّمك هذا\". قال: \"فدلَّ على الغلامِ، فدعا الغلامَ فقال: ارْجِعْ عن دينِك\". قال: \"فأبى الغلامُ\". قال: \"فأَخَذه بالعذابِ\". قال: \"فدلَّ على الراهبِ، فأخَذ الراهب، فقال له (^٣): ارْجِعْ عن دينِك. فأبَى\". قال: \"فوَضَع المِنْشارَ على هامَتِه فشَقَّه حتى بلغ الأرضَ\". قال: \"وأخذ الأعمى فقال: لترْجِعنَّ أو لأقْتُلنَّك\". قال: \"فأبَى الأعمى (^٤)، فوضع المِنْشارَ على هامَتِه، فشَقَّه حتى بلَغ\n_________\n(^١) في ص: \"يشفيك\"، وفى م: \"بطبيب يشفيك\".\n(^٢) في ص، م: \"فإذا\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) بعده في ت ١، ت،٢ ت ٣: \"قال\".","vol":"24","page":274},{"text":"الأرْضَ، ثم قال للغلامِ: لترجعنَّ أو لأقْتُلنَّك\". قال: \"فأبى\". قال: \"فقال: اذْهَبوا به حتى تبلُغوا به ذِرْوةَ الجبلِ (^١)، فإنْ رجَع عن دينِه وإلا فدَهْدِهُوه (^٢). فلما بلَغوا به ذِرْوةَ الجبلِ فوَقعوا فماتوا كلُّهم، وجاء الغلامُ يتَلمَّسُ حتى دخَل على الملكِ، فقال: أين أصحابُك؟ قال: كفانِيهم اللهُ. قال: فاذهبوا به فاحْمِلوه في قُرْقُورٍ (^٣) فتوسَّطوا به البحرَ، فإن رَجَع عن دينِه وإلا فَغرِّقوه\". قال: \"فذهَبوا به، فلما توسَّطوا به البحرَ قال الغلامُ: اللَّهمَّ اكْفِنِيهم. فانْكفَأت بهم السفينةُ، وجاء الغلامُ يتَلمَّس حتى دخَل على الملكِ، فقال الملِكُ: أين أصحابُك؟ فقال: قد دعوتُ الله فكفانِيهم. قال: لأقتُلنَّك. قال: ما أنت بقاتلى حتى تصنَعَ ما آمُرُك\". قال: \"فقال الغلامُ للمَلكِ: اجْمعِ الناسَ في صعيدٍ واحدٍ، ثم اصلُبْنى، ثُم خُذْ سهمًا من كنانتي فارْمنِى وقُلْ: باسم ربِّ الغلامِ. فإنَّك ستقْتُلُنى\". قال: \"فجمَع الناسَ في صعيدٍ واحدٍ\". قال: \"وصلَبه وأخَذ سهمًا مِن كِنانتِه، فوضَعه في كَبدِ القوسِ، ثم رَمى، فقال: باسم ربِّ الغلامِ. فوقَع السهمُ في صُدْغِ الغلامِ، فوضع يده هكذا على صُدْغِه، ومات الغلامُ، فقال الناسُ: آمنَّا بربِّ الغلامِ. فقالوا للمَلِك: ما صنعْتَ؟! الذي كنتَ تحْذرُ قد وقَع، قد آمَن النَّاسُ. فأَمَر بأفواهِ السِّكَكِ فَأُخِذت (^٤)، وخدَّ الأُخْدُودَ وضرَّم فيه النِّيران، وأخَذهم وقال: إن رجَعوا وإلا فأَلْقُوهم في النارِ\". قال: \"فكانوا يُلْقُونهم في النَّارِ\". قال: \"فجاءت امرأةٌ معها صبيٌّ لها\". قال: \"فلما ذهبت تَقْتَحِمُ وجَدت حرَّ النارِ، فنَكَصت\". قال: \"فقال لها صبيُّها: يا أُمَّه (^٥)، امضى فإنَّك على الحقِّ. فاقْتحَمت في النارِ\" (^٦).\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ٢، ت ٣: \"قال\".\n(^٢) الدهدهة: قذفك الحجر من أعلى إلى أسفل دحرجة. اللسان (دهده).\n(^٣) القرقور: السفينة العظيمة، وجمعها قراقير. النهاية ٤/ ٤٨.\n(^٤) أخذ عليه الأرض: ضيق عليه سبلها. اللسان (أخ ذ).\n(^٥) في م: \"أماه\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٤٨٢)، وأحمد ٦/ ١٦، ١٧، ومسلم (٣٠٠٥) والنسائي في الكبرى =","vol":"24","page":275},{"text":"وقال آخرون: بل الذين أحرقَتهم النارُ هم الكفارُ الذين فتنوا المؤمنين.\n\n<span data-type='title' id=toc-9670>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدِّثتُ عن عمارٍ، عن عبدِ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: كان أصحابُ الأُخْدودِ قومًا مؤمنين، اعتزَلوا الناسَ في الفترةِ (^١)، وإِنَّ جَبَّارًا من عبدةِ الأوثانِ أرْسَل إليهم، فعرَض عليهم الدخولَ في دينه فأبَوا، فخَدَّ أخدودًا، وأَوْقَد فيه نارًا، ثم خيَّرهم بينَ الدخولِ في دينِه وبينَ إلقائِهم في النارِ، فاختاروا إلقاءَهم في النارِ على الرجوعِ عن دينِهم، فأُلْقُوا في النارِ، فنجَّى اللهُ المؤمنين الذين أُلْقُوا في النارِ من الحريقِ، بأن قبَض أرواحَهم قبلَ أنْ تمسَّهم النارُ، وخرَجتِ النارُ إلى مَن على شفيرٍ الأخدودِ مِن الكفارِ فأحرَقَتْهم، فذلك قولُ اللهِ: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾: في الآخرةِ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾: في الدنيا (^٢).\nواختُلِف في موضعِ جوابِ القسمِ بقولِه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾؛ فقال بعضُهم: جوابُه: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-9671>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: وقَع القسَمُ ههنا: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ (^٣).\n_________\n= (١١٦٦١)، والبغوى في تفسيره ٨/ ٣٨٣ من طريق حماد بن سلمة به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٧٥١)، وفي التفسير ٢/ ٣٦٢ - ٣٦٤، والترمذى (٣٣٤٠) من طريق ثابت به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٣ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.\n(^١) في م: \"الفترة\"، والفترة المدة تقع بين زمنين أو نبيين. اللسان (ف ت ر).\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٩٢ عن المصنف، ولم يذكر لفظه، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير - من طريق عبد الله بن جعفر به.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٣٨٨.","vol":"24","page":276},{"text":"وقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: موضعُ قسمِها، واللهُ أعلمُ، على: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾. أَضْمَر اللَّامَ كما قال: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]. يريدُ - إن شاء الله -: لقد أفلَح من زكَّاها، فأَلْقَى اللَّامَ. وإنْ شئت قلتَ: على التقديمِ، كأنه قال: قُتِل أصحابُ الأخدودِ والسماءِ ذاتِ البروجِ.\nوقال بعض نحويِّى الكوفةِ (^١): يقالُ في التفسير: إنَّ جواب القسمِ في قولِه: ﴿قُتِلَ﴾. كما كان قسمُ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ في قولِه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾. هذا في التفسير. قال (^٢): ولم نجد العربَ تَدَعُ القسم بغيرِ لامٍ يُستقبَلُ بها أو \"لا\" أو \"إن\" أو \"ما\"، فإنْ يكنْ ذلك كذلك، فكأنه مما تُرِك فيه الجوابُ، ثم استُؤْنِف موضعُ الجوابِ بالخبرِ، كما قيل: يأيُّها الإنسانُ. في كثيرٍ من الكلامِ.\nوأَولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: جواب القسم في ذلك متروكٌ، والخبرُ مستأنَفٌ؛ لأنَّ علامة جوابِ القسمِ لا تحذفُها العربُ مِن الكلامِ إذا أجابَتْه.\nوأولى التأويلين بقوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾: لعن أصحابُ الأُخْدُودِ الذين أَلْقَوا المؤمنين والمؤمناتِ في الأخدودِ.\nوإنما قلتُ: ذلك أولى التأويلين بالصوابِ؛ للذي ذكَرْنا عن الربيعِ من العلَّةِ، وهو أَنَّ اللهَ أَخبر أنَّ لهم عذابَ الحريق مع عذاب جهنم، ولو لم يكونوا أُحْرِقوا في الدنيا لم يكن لقولِه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾. معنًى مفهومٌ، مع إخباره أنَّ لهم عذابَ جهنم؛ لأنَّ عذابَ جهنم هو عذابُ الحريقِ مع سائر أنواعِ عذابِها في\n_________\n(^١) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٥٣.\n(^٢) في م، ت ٢: \"قالوا\".","vol":"24","page":277},{"text":"الآخرة. والأُخْدُودُ الحُفْرَةُ تُحفَرُ في الأرضِ.\n\n<span id=\"aya-5914\"></span>وقولُه: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾. فقولُه ﴿النَّارِ﴾: ردٌّ على ﴿الْأُخْدُودِ﴾؛ ولذلك خُفِضَتْ، وإنما جاز ردُّها عليه وهى غيرُه؛ لأنَّها كانت فيه، فكأنَّها - إذ كانت فيه - هو، فجرَى الكلامُ عليه؛ لمعرفةِ المخاطَبين به بمعناه، وكأنه قيل: قُتِل أصحابُ النارِ ذاتِ الوقود.\nويعنى بقوله: ﴿ذَاتِ الْوَقُودِ﴾: ذاتِ الحطَبِ الجَزْلِ (^١)، وذلك إذا فُتِحتِ الواوُ، فأمَّا الوُقودُ بضمِّ الواوِ، فهو الاتِّقادُ.\n\n<span id=\"aya-5915\"></span><span data-type='title' id=toc-9672>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: النارِ ذاتِ الوَقودِ، إذ هؤلاء الكفارُ من أصحابِ الأخدودِ ﴿عَلَيْهَا﴾. يعنى: على النار، فقال: ﴿عَلَيْهَا﴾. والمعنى أنهم قعودٌ على حافَةِ الأخدودِ، فقيل: على النارِ، والمعنى لشفيرِ الأخدودِ؛ لمعرفةِ السامِعين معناه.\nوكان قتادة يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾: يعنى بذلك المؤمنين.\nوهذا التأويلُ الذي تأوَّله قتادةُ على مذهبِ من قال: قُتِل أصحابُ الأخدودِ من أهلِ الإيمانِ.\nوقد دَلَّلْنا على أنَّ الصوابَ مِن تأويلِ ذلك غيرُ هذا القولِ الذي وجَّه تأويلَه قتادةُ قبلُ.\n_________\n(^١) الجزل: ما عظم من الحطب ويبس. اللسان (ج ز ل).","vol":"24","page":278},{"text":"<span id=\"aya-5916\"></span>وقولُه: ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: والكفارُ على ما يفعَلون بالمؤمنين، من عرضِهم على الرجوع عن دينِهم، ﴿شُهُودٌ﴾] (^١). يعني: حضورٌ.\nوبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9673>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾: يعنى بذلك الكفارَ.\n\n<span id=\"aya-5917\"></span>وقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما وجَد هؤلاء الكفارُ الذين فتنوا المؤمنين - على المؤمنين - والمؤمناتِ بالنارِ، في شيءٍ، ولا فعَلوا بهم ما فعَلوا بسببٍ، إلا مِن أجلِ أنهم آمنوا باللهِ.\nوقال: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾. لأنَّ المعنيَّ: إلا إيمانَهم باللهِ. فلذلك حسُن في موضعِه: ﴿يُؤْمِنُوا﴾. إذ كان الإيمانُ لهم صفةً.\n﴿الْعَزِيزِ﴾. يقولُ: الشديدِ في انتقامِه ممَّن انتقَم منه، ﴿الْحَمِيدِ﴾.\nيقولُ: المحمودِ بإحسانِه إلى خَلْقِه.\n\n<span id=\"aya-5918\"></span><span data-type='title' id=toc-9674>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: الذي له سلطانُ السماواتِ السبعِ والأرضِ وما فيهنَّ، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ على فعلِ هؤلاءِ الكفارِ مِن\n_________\n(^١) سقط من: م.","vol":"24","page":279},{"text":"أصحابِ الأخدودِ بالمؤمنين الذين فتنوهم - شاهدٌ، وعلى غير ذلك من أفعالِهم وأفعالِ جميع خَلْقِه، وهو مجازيهم جزاءَهم.\n\n<span id=\"aya-5919\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. يقول: إِنَّ الذين ابتَلَوا المؤمنين والمؤمناتِ باللهِ، بتعذيبِهم وإحراقِهم بالنارِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9675>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه،، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: حرَّقوا المؤمنين والمؤمناتِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾. قال: عذَّبوا (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. قال: حرَّقوهم بالنارِ (١)\nحدَّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. يقولُ: حرَّقوهم (١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن ابن أَبْرَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٣٩٣.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧١٩، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٦٤.","vol":"24","page":280},{"text":"فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: حرَّقوهم (^١).\nوقولُه: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾. يقولُ: ثم لم يتوبوا من كفرهم، وفعلهم الذي فعَلوا بالمؤمنين والمؤمنات من أجل إيمانهم باللهِ، فَلَهُمْ ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ في الآخرة، ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ في الدنيا.\nكما حدَّثت عن عمارٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾: في الآخِرَةِ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾: في الدنيا (^٢).\n\n<span id=\"aya-5920\"></span><span data-type='title' id=toc-9676>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)﴾</span>\nيقول تعالى ذكرُه: إِنَّ الذين أَقَرُّوا بتوحيدِ اللهِ؛ وهم هؤلاء القومُ الذين حرَّقهم أصحابُ الأخدودِ، وغيرُهم مِن سائرِ أهلِ التوحيدِ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: وعمِلوا بطاعةِ اللهِ، واتَّمَروا لأمرِه، وانتهَوا عما نهاهم عنه، ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ: لهم في الآخرةِ عندَ اللهِ بساتينُ تجرى مِن تحتها الأنهارُ والخمرُ واللبنُ والعسلُ، ﴿الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾. يقولُ: هذا الذي [هو لهؤلاءِ] (^٣) المؤمنين في الآخرةِ، هو الظُّفَرُ الكبيرُ بما طلَبوا والتمَسوا بإيمانِهم باللهِ في الدنيا، وعملِهم بما أمَرهم اللهُ به فيها ورَضِيه منهم.\n\n<span id=\"aya-5921\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إِنَّ\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٣٩٣.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ٣١٨، والآلوسى في روح المعاني ٣٠/ ١٦٣.\n(^٣) في ص، ت ٢، ت ٣: \"هؤلاء\"، وفي ت ١: \"لهؤلاء\".","vol":"24","page":281},{"text":"بطش ربِّك يا محمدُ - لمن بطش به مِن خَلْقِه، وهو انتقامُه ممَّن انتقَم منه - لشديدٌ.\nوهذا (^١) تحذيرٌ مِن اللهِ لقومِ رسوله محمدٍ ﷺ، أن يَحِلَّ بهم من عذابِه ونِقْمتِه نظيرُ الذي حل بأصحابِ الأخدودِ على كفرِهم به، وتكذيبِهم رسولَه، وفِتْنتِهم المؤمنين والمؤمناتِ منهم.\n\n<span id=\"aya-5922\"></span><span data-type='title' id=toc-9678>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨)﴾.</span>\nاختلَف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إنَّ اللَّهَ أَبدَأَ خَلْقَه، فهو يُبْدِي (^٢). بمعنى: يُحْدِثُ خلْقَه ابتداءً، ثم يميتُهم، ثم يعيدُهم أحياءً بعدَ مماتِهم، كهيئتِهم قبلَ مماتِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-9677>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾: يعنى الخَلْقَ (^٣).\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾. قال: يُبدى الخَلْقَ حِينَ خَلَقه، ويعيدُه يومَ القيامةِ (^٣).\nوقال آخرون: بل معني ذلك: إنه هو يُبدئُ العذابَ ويعيدُه.\n_________\n(^١) في م: \"هو\".\n(^٢) في م: \"يبتدئ\"\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ٣٢٠، وأبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٤٥١. وينظر روح المعاني ٣٠/ ١٦٤.","vol":"24","page":282},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9679>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾. قال: يُبدئُ العذابَ ويعيدُه (^١).\nوأَولى التأويلين في ذلك عندى بالصوابِ وأشبهُهما بظاهرِ ما دلَّ عليه التنزيلُ - القولُ الذي ذكرناه عن ابن عباسٍ، وهو أنه يُبدئُ العذابَ لأهلِ الكفرِ به ويعيدُ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [في الآخرة] (^٢)، ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ في الدنيا. فأبْدَأ ذلك لهم في الدنيا، وهو يعيدُه لهم في الآخرةِ.\nوإنما قلتُ: هذا أَولى التأويلين بالصوابِ؛ لأنَّ اللَّهَ أَتبَع ذلك قوله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. فكان للبيانِ عن معنى شدَّةِ بطشِه الذي قد ذكَره قبلَه، أشبهُ به بالبيانِ عما لم يَجْرِ له ذكرٌ، ومما يؤيدُ ما قلنا من ذلك وضوحًا وصحةً، قولُه: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾. فبيَّنَ ذلك عن أنَّ الذي قبله من ذكرِ خبرِه عن عذابِه وشدَّةِ عقابِه.\n\n<span id=\"aya-5923\"></span>وقولُه: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾. يقول تعالى ذكره: وهو ذو المغفرة لمن تاب إليه من ذنوبه، وذو المحبةِ له.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9680>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور رقم ٦/ ٣٥ إلى المصنف.\n(^٢) سقط من: م.","vol":"24","page":283},{"text":"قوله: ﴿الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾. يقولُ: الحبيبُ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾. قال: الرحيمُ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5924\"></span>وقولُه: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ذو العرشِ الكريمُ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9681>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾. يقولُ: الكريمُ (١).\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿الْمَجِيدُ﴾؛ فقرأته عامة قرأة المدينةِ ومكةَ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين رفعًا، ردًّا على قولِه: ﴿ذُو﴾. على أنه مِن صفةِ اللهِ تعالى ذكرُه (^٣). وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ خفضًا، على أنه من صفةِ العرشِ\" (^٤).\nوالصوابُ مِن القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، فبأيّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-5925\"></span>وقولُه: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. يقولُ هو غفارٌ لذنوبِ مَن شاء من عبادِه إذا تاب\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (١٣٣) من طريق أبي صالح به، وليس عنده تفسير \"المجيد\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥ إلى ابن المنذر.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٩/ ٢٩٦.\n(^٣) وبها قرأ نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب. ينظر النشر ٢/ ٢٩٩.\n(^٤) وبها قرأ حمزة والكسائى وخلف بخفض الدال. المصدر السابق.","vol":"24","page":284},{"text":"وأناب منها، معاقِبٌ مَن أصرَّ عليها وأقام، لا يمنعُه مانعٌ مِن فعلٍ أراد أنْ يفعلَه، ولا يحولُ بينه وبينَ ذلك حائلٌ؛ لأنَّ له مُلك السماواتِ والأرضِ، وهو العزيزُ الحكيمُ.\n\n<span id=\"aya-5926\"></span>وقولُه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾. يقول تعالى ذكره لنبيه محمدٍ ﷺ: هل جاءك يا محمدُ حديثُ الجنودِ الذين تجنَّدوا على الله ورسولِه بأذاهم ومكروهِهم؟ يقولُ: قد أتاك ذلك وعلمته، فاصْبِرْ لأذى قومك إيَّاك، لما نالُوك به من مكروه، كما صبر الذين تجنَّد هؤلاء الجنودُ عليهم مِن رُسُلى، ولا يَثنيك عن تبليغِهم رسالتي، كما لم يَثْنِ الذين أُرسلوا إلى هؤلاء، فإن عاقبةَ مَن لم يُصدِّقْك ويؤمنْ بك منهم إلى عَطَبٍ وهلاكٍ، كالذى كان مِن هؤلاء الجنودِ. ثم بيَّن جلَّ ثناؤُه عن الجنودِ مَن هم؟ فقال:\n\n<span id=\"aya-5927\"></span>﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. يقولُ: فرعونَ. فاجْتُزِئ بذكرِه - إذ كان رئيسَ جندِه - من ذكرِ جندِه وتُبَّاعِه، وإنما معنى الكلامِ: هل أتاك حديثُ الجنودِ، فرعونَ وقومِه وثمودَ.\nوخُفِض فِرْعَوْنَ ردًّا على ﴿الْجُنُودِ﴾، على الترجمةِ عنهم، وإنما فتح لأنَّه لا يُجْرَى، ﴿وَثَمُودَ﴾.\n\n<span id=\"aya-5928\"></span><span data-type='title' id=toc-9682>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ما بهؤلاء القوم الذين يكذِّبون بوعيدِ اللهِ، أنهم لم يأْتِهم أنباءُ مَن قَبلهم مِن الأممِ المكذِّبةِ رسلَ اللهِ، كفرعون وقومه، وثمود، وأشكالِهم، وما أحل الله بهم من النقم بتكذيبِهم الرسلَ، ولكنهم في تكذيبٍ بوحيِ اللهِ وتنزيلِه، إيثارًا منهم لأهوائهم، واتِّباعًا منهم لسَنَنِ آبائِهم،\n\n<span id=\"aya-5929\"></span>﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ بأعمالِهم، مُحْصٍ لها، لا يَخفَى عليه منها شيءٌ، وهو مجازيهم على جميعِها.","vol":"24","page":285},{"text":"<span id=\"aya-5930\"></span>وقولُه: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾. يقولُ تكذيبًا منه جلَّ ثناؤُه للقائلين للقرآن: هو شِعرٌ وسجعٌ: ما ذلك كذلك، بل هو قرآنٌ كريمٌ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾. يقولُ: قرآنٌ كريمٌ.\nحدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفرٍ، عن سعيد في قوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾. قال: كريمٌ.\n\n<span id=\"aya-5931\"></span>وقولُه: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هو قرآنٌ كريمٌ، مثبَتٌ في لوحٍ محفوظٍ (^١).\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مَحْفُوظٍ﴾؛ فقرأ ذلك \"من قرأةِ\" أهلِ الحجازِ أبو جعفرٍ القارئُ وابن كثيرٍ، و[مِن قرأةِ] (^٢) الكوفةِ عاصمٌ والأعمشُ وحمزةُ والكسائيُّ، ومن البصريين أبو عمرٍو: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ خفضًا (^٣)، على معنى أنَّ اللَّوحَ هو المنعوتُ بالحفظِ. وإذا كان ذلك كذلك، كان التأويلُ: في لوحٍ محفوظٍ مِن الزيادةِ فيه والنقصان منه، عما أَثْبَته اللهُ فيه. وقرَأ ذلك مِن المكيِّين ابنُ مُحَيصِنٍ، ومِن المدنيين نافعٌ: (مَحْفُوظٌ) رفعًا (^٤)، ردًّا على \"القرآنِ\"، على أنه مِن نعتِه وصفتِه. وكأن. وكأن معنى ذلك على قراءتِهما: بل هو قرآنٌ مجيدٌ، محفوظٌ منٌ التغييرِ والتبديلِ في لوحٍ.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان في قرأةِ الأمصارِ،\n_________\n(^١) ليست في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في م: \"مَن قرأه مِن\"\n(^٣) وبالخفض قرأ أيضًا يعقوب وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٩٩.\n(^٤) ينظر النشر ٢/ ٢٩٩.","vol":"24","page":286},{"text":"صحيحتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئ فمصيبٌ، وإذ كان ذلك كذلك، فبأيِّ القراءتين قرَأ القارئُ فتأويلُ القراءةِ التي يقرَؤها على ما بيَّنا.\nوقد حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي لَوْحٍ﴾. قال: في أمِّ الكتابِ.\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾: عندَ اللهِ.\nوقال آخرون: إنما قيل: ﴿مَحْفُوظٍ﴾؛ لأنَّه في جبهةِ إسرافيلَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9683>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: سمِعتُ قرَّةَ بن سليمانَ، قال: ثنا حربُ بنُ شُريجٍ، قال: ثنا عبد العزيز بن صهيبٍ، عن أنسِ بن مالك في قوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾. قال: إنَّ اللَّوحَ المحفوظَ الذي ذكَر اللهُ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾: في جبهة إسرافيلَ (^١).\nآخرُ تفسير \"سورة البروج\"\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٩٤ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥ إلى المصنف.","vol":"24","page":287},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-5932\"></span><span data-type='title' id=toc-9684>تفسير سورة \"والسماء والطارق\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-9686>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾.</span>\nأقسم ربنا جلَّ ثناؤه بالسماءِ، وبالطارقِ الذي يطرق ليلًا؛ من النجومِ المضيئةِ، ويَخْفى نهارًا. وكلّ ما جاء ليلا فقد طَرَق.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9685>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾. قال: السماء وما يطرُقُ فيها (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾. قال: طارق يطرقُ بالليلِ (^٢) ويخفى بالنهارِ.\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة في قولِه:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٥ إلى المصنف.\n(^٢) في م: \"بليل\".","vol":"24","page":288},{"text":"﴿وَالطَّارِقِ﴾. قال: ظهورِ النجومِ. يقولُ: تطرُقُك ليلًا (^١).\nحدثتُ عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالطَّارِقِ﴾: النجمِ.\n\n<span id=\"aya-5933\"></span>﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾. يقولُ تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وما أشْعَرك يا محمد ما الطارقُ الذي أقْسَمتُ به؟ ثم بين ذلك جلَّ ثناؤه، فقال: هو النجمُ الثاقبُ. يعنى: يتوقَّدُ ضياؤُه ويَتوهَّجُ.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span id=\"aya-5934\"></span><span data-type='title' id=toc-9687>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾: يعني المضئُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾. قال: هي الكواكبُ المضيئةُ، وثقُوبُه: إذا أضاء.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾. قال: الذي يَنْقُبُ\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٦٨٧) من طريق عكرمة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":289},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿الثَّاقِبُ﴾. قال: الذي يتوهَّجُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ثُقوبُه: ضوءُه.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾: المضئُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾. قال: كانت العربُ تُسَمَّى الثريا النجمَ، ويقال: إِنَّ الثاقبَ النجمُ الذي يقالُ له: زُحَلُ. والثاقبُ أيضًا الذي قد ارتفَع على النجومِ، والعربُ تقولُ للطائرِ إذا هو لَحِق ببطنِ السماءِ ارتفاعًا: قد ثَقَب. والعربُ تقولُ: أَثْقِبْ نارَك. أي: أَضِئْها (^٣).\n\n<span id=\"aya-5935\"></span>وقولُه: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. اختلَفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرَأه مِن قرأةِ المدينةِ أبو جعفرٍ، ومِن قرأةِ الكوفةِ حمزةُ: ﴿لَمَّا عَلَيْهَا﴾ بتشديدِ الميمِ (^٤).\nوذُكر عن الحسنِ أنه قرَأ ذلك كذلك (^٥).\nحدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا أبو عبيدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن الحسنِ أنه كان يقرَؤها: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ مشدَّدةً، ويقولُ: إلَّا عليها حافظٌ. وهكذا كلُّ شيءٍ في القرآنِ بالتثقيلِ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٢٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٦ إلى المصنف مختصرًا.\n(^٤) وبها قرأ ابن عامر وعاصم. النشر ٢/ ٢١٨.\n(^٥) البحر المحيط ٨/ ٤٥٤.","vol":"24","page":290},{"text":"وقرَأ ذلك من أهل المدينة نافع، ومن أهل البصرة أبو عمرٍو: (لَمَا) بالتخفيفِ (^١)، بمعنى: إنْ كلُّ نفسٍ لعليها حافظٌ. وعلى أنَّ اللَّامَ جوابُ \"إن\"، و\"ما\" التي بعدَها صلةٌ. وإذا كان ذلك كذلك لم يكنْ فيه تشديدٌ.\nوالقراءةُ التي لا أختارُ غيرَها في ذلك التخفيفُ (^٢)؛ لأنَّ ذلك هو الكلامُ المعروفُ مِن كلامِ العربِ، وقد أنكَر التشديدَ جماعةٌ مِن أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ، أن يكونَ معروفًا مِن كلامِ العربِ، غيرَ أنَّ الفرّاءَ (^٣) كان يقولُ: لا نعرِفُ جهةَ التثقيلِ في ذلك، ونَرى أنها لغةٌ في هُذَيلٍ، يجعلون \"إلا\" مع \"إن\" المخففةِ: \"لَمَّا\"، ولا يجاوِزون ذلك، كأنه قال: ما كلُّ نفسٍ إلَّا عليها حافظٌ. فإن كان صحيحًا ما ذكَر الفرّاءُ مِن أنَّها لغةُ هُذَيلٍ، فالقراءةُ بها جائزةٌ صحيحةٌ، وإن كان الاختيارُ أيضًا إذا صحَّ ذلك عندَنا - القراءة الأخرى، وهى التخفيفُ؛ لأنَّ ذلك هو المعروفُ مِن كلامِ العربِ، ولا ينبغى أنْ يُتْرَكَ الأعرفُ إلى الأنكرِ.\nوقد حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا أبو عبيدٍ، قال: ثنا معاذٌ، عن ابن عونٍ، قال: قرأتُ عند ابن سيرين: هو ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. فأنكَره، وقال: سبحانَ الله! سبحانَ اللهِ!\nفتأويلُ الكلام إذن: إن كلُّ نفس لعليها حافظٌ من ربِّها، يحفظُ عملَها، ويُحصِى عليها ما تَكتسِبُ مِن خيرٍ أو شرٍّ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) وبها قرأ يعقوب وابن كثير والكسائى وخلف. النشر ٢/ ٢١٨.\n(^٢) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٣) في معاني القرآن ٣/ ٢٥٤.","vol":"24","page":291},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9688>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. قال: كلُّ نفسٍ عليها حفظةٌ من الملائكةِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾: حفظةٌ يحفَظون عملَك ورزقَك وأجلَك، إذا توفَّيتَه يابنَ آدَمَ قُبِضْتَ إلى ربِّك (^٢).\n\n<span id=\"aya-5936\"></span>وقولُه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلينظُرِ الإنسانُ المكذِّبُ بالبعثِ بعدَ المماتِ، المُنكِرُ قُدرةَ اللهِ على إحيائِه بعدَ مماتِه، ﴿مِمَّ خُلِقَ﴾.\n\n<span id=\"aya-5937\"></span>يقولُ: من أيِّ شيءٍ خلَقه ربُّه؟ ثم أخبَر جلَّ ثناؤه عما خلَقه منه، فقال: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾. يعني: من ماءٍ مدفوق. وهو مما أخرجته العرب بلفظ \"فاعلٍ\" وهو بمعنى المفعولِ، ويقال: إن أكثرَ مَن يستعملُ ذلك من أحياءِ العربِ، سكانُ الحجازِ إذا كان في مذهبِ النعتِ، [كقولِهم: هذا] (^٣) سرٌّ كاتمٌ، وهمٌّ ناصبٌ. ونحوِ ذلك.\n\n<span id=\"aya-5938\"></span>وقولُه: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾. يقولُ: يخرُجُ من [صُلبِ الرجلِ وترائبِ المرأةِ. وقيل: يخرجُ من] (^٤) بين ذلك. ومعنى الكلامِ: منهما. كما يقالُ: سيخرجُ من بين هذين الشيئين خيرٌ كثيرٌ. بمعنى: يخرجُ منهما.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى \"الترائبِ\" وموضعِها؛ فقال بعضُهم: الترائبُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥ إلى المصنف.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٢٩٠، وليس هذا الطرف عند عبد الرزاق.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هو\".\n(^٤) سقط من: م، ت ٢.","vol":"24","page":292},{"text":"موضعُ القِلادةِ من صدر المرأةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9689>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبدُ الرحمنِ بن الأسودِ الطَّفاوِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، عن سَلَمَةَ بن سابورَ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾. قال: الترائبُ موضعُ القلادة (^١).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾. يقولُ: من بين ثَدْيَيِ (^٢) المرأةِ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سُئِل عكرِمةُ عن الترائبِ، فقال: هذه. ووضَع يدَه على صدرِه بينَ ثدييه (^٤).\nحدَّثني ابنُ المثنَّى، قال: ثنى سَلْمُ (^٥) بنُ قتيبةَ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ النعمانِ الحُدَّانيُّ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾. قال: صُلبِ الرجلِ، وترائبِ المرأةِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن شريكٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: الترائبُ الصدرُ (^٦).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٩٦ عن عطية، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٦ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص: \"ندى\"، وفى: م: \"ثدى\"، وفي ت ٢ \"يدى\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٩٦ عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في ت ١: \"سالم\".\n(^٦) ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٣٣٦.","vol":"24","page":293},{"text":"[قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن مِسْعَرٍ، عن الحكمِ، عن أبي عياضٍ، قال: ﴿وَالتَّرَائِبِ﴾: الصدرِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾. قال: الترائبُ الصدرُ، وهذا الصلبُ. وأشار إلى ظهرِه.\nوقال آخرون: الترائبُ ما بينَ المَنْكبين والصدرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9690>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن إسرائيلَ، عن ثُوَيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿وَالتَّرَائِبِ﴾: ما بين المنكِبين والصدرِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالتَّرَائِبِ﴾. قال: أسفلَ من التراقِي (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: الصُّلْبُ للرجلِ (^٤)، والترائبُ للمرأةِ (^٥)، والترائبُ فوقَ الثديين (^٦).\nوقال آخرون: هو اليدان والرجلان والعينان.\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ٢٠/ ٥، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٩٦.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢: \"الرجل\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢: \"المرأة\".\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦٦ عن الثورى به بنحوه.","vol":"24","page":294},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9691>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾. قال: فالترائبُ أطرافُ الرجلِ، واليدان والرِّجلان والعينان، فتلك الترائبُ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾. قال: فالترائبُ اليدان والرجلان (^١).\nقال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: قال غيرُه: الترائبُ ماءُ المرأةِ (^٢) وصلبُ الرجلِ.\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعت الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾: الترائبُ (^٣) عيناه ويداه ورجلاه.\nوقال آخرون: معني ذلك أنه يخرجُ من بين صلبِ الرجلِ ونحرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9692>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾. يقولُ: يخرجُ من بين صُلبِ الرجلِ ونحرِه (^٤).\nوقال آخرون: هي الأضلاعُ التي أسفلَ الصلبِ.\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ٢٠/ ٥، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٩٦.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"الرجل\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٢٩٠، وليس هذا الطرف عند عبد الرزاق.","vol":"24","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9693>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾. قال: الترائبُ الأضلاعُ التي أسفل الصلبِ (^١).\nوقال آخرون: هي عصارةُ القلبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9694>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني الليثُ، أن معمر بن أبى حَبيبةَ المَدَنيَّ (^٢) حدَّثه، أنه بلَغه في قولِ اللهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾. قال: هو عُصارة القلبِ، ومنه يكونُ الولدُ (^٣).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندنا قولُ مَن قال: هو موضعُ القِلادةِ من المرأةِ حيثُ تقعُ عليه من صدرِها؛ لأن ذلك هو المعروفُ في كلامِ العربِ، وبه جاءت أشعارُهم، قال المثقِّبُ العبديُّ (^٤):\nومن ذهبٍ يُسَنُّ (^٥) على تَرِيبٍ … كلونِ العاجِ ليس بذى غُضُونِ\nوقال آخرُ (^٦):\nوالزعْفَرانُ على ترائبِها … شَرِقًا به اللَّبَّاتُ والنَّحْرُ\n_________\n(^١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٤٥٥، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٩٦.\n(^٢) في ص، م: \"المدينى\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٩٧ عن الليث بن سعد به.\n(^٤) ديوانه ص ١٥٩.\n(^٥) في الديوان: \"يلوح\".\n(^٦) تقدم في ٢٢/ ٥٤٦.","vol":"24","page":296},{"text":"<span id=\"aya-5939\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا الذي خلَقكم أيُّها الناسُ من هذا الماءِ الدافقِ، فجعَلكم بشرًا سويًّا، بعد أن كنتم ماءً مدفوقًا - على رجعه لقادرٌ.\nواختلف أهلُ التأويلِ في الهاءِ التي في قولِه: ﴿عَلَى رَجْعِهِ﴾؛ على ما هي عائدةٌ؟ فقال بعضُهم: هي عائدةٌ على الماءِ. وقالوا: معنى الكلامِ: إن الله على ردَّ النطفةِ في (^١) الموضعِ (^٢) الذي خرَجت منه (^٣)، لقادِرٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9695>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن عكرمة في قوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. قال: إنه على رَدّه في صُلْبِه لقادرٌ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو النعمانِ الحكمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى رجاء، عن عكرمة في قولِه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. قال: للصُّلبِ.\nحدَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبّاريُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. قال: على أَن يَرُدَّ الماءَ في الإحليلِ (^٥).\nحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ الوَشَّاءُ، قال: ثنا أبو قَطَنٍ عمرُو بنُ الهيثمِ، عن ورقاءَ، عن عبدِ اللهِ بن أبي نجيحٍ، عن عبدِ اللهِ بن أبي بكرٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من\".\n(^٢) في ت ٣: \"المواضع\".\n(^٣) في ت ٣: \"منها\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) أخرجه الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٥٥ من طريق ليث به.","vol":"24","page":297},{"text":"في قولِه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. قال: على ردِّ النطفةِ في الإحليلِ.\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. قال: [رجعِ النطفةِ في الإحليلِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. قال] (^٢): في الإحليلِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. قال: ردِّه في الإحليلِ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه على ردِّ الإنسانِ ماءً كما كان قبلَ أن يخلُقَه منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9696>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾: إن شئتُ ردَدتُه كما خلَقتُه من ماءٍ (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه على حبسِ ذلك الماءِ لقادرٌ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٢٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: م، ت ١.\n(^٣) ذكره الطوسى في التبيان ١٠/ ٣٢٥، والبغوى في تفسيره ٨/ ٣٩٤، والقرطبي في تفسيره ٢٠/ ٧.","vol":"24","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9697>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: هو إِنَّهُ عَلَى رَجْمِهِ لَقَادِرُ. قال: على رجعِ ذلك الماءِ لقادرٌ حتى لا يخرجَ، كما قدَر على أن يخلُقَ (^١) منه ما خلَق، قادرٌ على أن يرجعَه (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه قادرٌ على رجعِ الإنسانِ من حالِ الكبَرِ إلى حالِ الصغرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9698>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن مقاتلِ بن حَيَّانَ، عن الضحاكِ، قال: سمِعته يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. يقولُ: إن شئتُ ردَدته من الكبَرِ إلى الشبابِ، ومن الشبابِ إلى الصِّبا، ومن الصِّبا إلى النطفةِ (^٣).\nوعلى هذا التأويلِ تكونُ الهاءُ في قولِه: ﴿عَلَى رَجْعِهِ﴾. من ذكرِ الإنسانِ.\nوقال آخرون ممن زعَم أن الهاءُ للإنسانِ: معنى ذلك: إنه على إحيائِه من بعدِ مماتِه لقادرٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9699>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ\n_________\n(^١) في ت ٣: \"يخرج\".\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٣٩٤، والقرطبي في تفسيره ٢٠/ ٧.\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ٢٠/ ٧.","vol":"24","page":299},{"text":"لَقَادِرٌ﴾: إن الله تعالى ذكرُه على بعثِه وإعادتِه لقادرٌ (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: إن الله على ردِّ الإنسان المخلوقِ من ماءٍ دافقٍ من بعد مماته حيًّا، كهيئته قبل مماته - لقادرٌ.\n\n<span id=\"aya-5940\"></span>وإنما قلتُ: هذا أولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ؛ لقولِه: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾. فكان في إتباعِه قولَه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ أنْباءً من أنباءِ القيامةِ، دلالةٌ على أن السابقَ قبلَها أيضًا منه، ومنه: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنه على إحيائِه بعد مماتِه لقادرٌ، يومَ تُبلى السرائرُ. فـ \"اليوم\" من صفةِ \"الرجعِ\"؛ لأن المعنى: إنه على رجعِه يومَ تُبلى السرائرُ لقادرٌ.\nوعنَى بقولِه: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾: يومَ تُختبَرُ سرائرُ العبادِ، فيظهَرُ منها يومَئذٍ ما كان في الدنيا مستخفيًا عن أعين العبادِ، من الفرائضِ التي كان اللهُ ألزَمه إياها، وكلَّفه العملَ بها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9700>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثت عن عبد الله بن صالحٍ، عن يحيى (^٢) بن أيوبَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾. قال: ذلك الصومُ والصلاةُ وغُسْلُ الجنابةِ، وهو السرائرُ، ولو شاء أن يقولَ: قد صُمْتُ. وليس بصائمٍ، و: قد صلَّيتُ. ولم يصلِّ، و: قد اغتسَلت. ولم يغتسِلْ (^٣).\n_________\n(^١) ذكره الطوسى في التبيان ١٠/ ٣٢٥، والبغوى في تفسيره ٨/ ٣٩٤، والقرطبي في تفسيره ٢٠/ ٧.\n(^٢) في ت ١: \"أبي يحيى\". وينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٢٣٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٦ إلى ابن المنذر.","vol":"24","page":300},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾: إن هذه السرائرَ مختبرةٌ، فأسِرُّوا خيرًا وأعلِنوه إن استطَعتم، ولا قوةَ إلا باللهِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾. قال: تُختبَرُ.\n\n<span id=\"aya-5941\"></span>وقولُه: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فما للإنسانِ الكافرِ يومَئذٍ من قوةٍ يمتنعُ بها من عذابِ اللهِ وأليمِ نكالِه، ولا ناصرٍ ينصرُه، [فيَستَقيدَ له] (^٢) ممن ناله بمكروهٍ، وقد كان في الدنيا يرجِعُ إلى قوةٍ من عشيرتِه، يمتنعُ بهم ممن أراده بسوءٍ، وناصرٍ من حليفٍ ينصرُه على من ظلَمه واضطَهَده.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9701>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾: ينصرُه من اللهِ.\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾. قال: من قوةٍ يمتنعُ بها، ولا ناصرٍ ينصرُه من اللهِ (١).\nحدَّثني عليٌّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن سفيانَ الثوريِّ في قولِه:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢٨٩.\n(^٢) في م: \"فيستنقذه\"، وفى ت،٢ ت ٣: \"فيستنقذ له\".\nقال الليث: وإذا أتى إنسان إلى آخر أمرًا فانتقم منه بمثلها قيل: استقادها منه. تاج العروس (ق ود).","vol":"24","page":301},{"text":"﴿مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾. قال: القوة، العشيرةُ، والناصرُ الحليفُ (^١).\n\n<span id=\"aya-5942\"></span><span data-type='title' id=toc-9703>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾: تَرجِعُ بالغيوثِ (^٢) وأرزاقِ العبادِ كلَّ عامٍ. ومنه قولُ المُتنخِّلِ في صفةِ سيفٍ (^٣):\nأبيضُ كالرجعِ رَسُوبٌ إذا … ما ثاخ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي (^٤)\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9702>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾. قال: السحابِ فيه المطرُ (^٥).\nحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيفٍ، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٢٠ من طريق ضمرة به.\n(^٢) في م: \"الغيوم\".\n(^٣) ديوان الهذليين ٢/ ١٢.\n(^٤) الرجع: الغدير فيه ماء المطر، والمحتفل: معظم الشيء، وثاخ وساخ: غاب، يختلي: يقطع، والرسوب: الذي إذا وقع غمض مكانه لسرعة قطعه. ينظر شرح أشعار الهذليين ٣/ ١٢٦٠.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره، ٢/ ٣٦٥، وأبو الشيخ في العظمة (٧٥٠)، والحاكم ٢/ ٥٢٠ من طريق الثورى به بنحوه. وأخرجه إبراهيم الحربى في غريبه - كما في التغليق ٤/ ٣٦٥ - من طريق عكرمة به بنحوه.\nوأخرجه البخارى في التاريخ الكبير ٨/ ٢٦٢ من طريق مجاهد، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٦ إلى الفريابي وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"24","page":302},{"text":"عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾. قال: ذاتِ السحابِ فيه المطرُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: وَالسَّمَاء ذَاتِ الرّجع: يعنى بالرجعِ رجعَ (^١) القطرِ والرزقِ كلَّ عامٍ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾. قال: ترجعُ بأرزاقِ الناسِ كلَّ عامٍ. قال أبو رجاءٍ: سُئِل عنها عكرمةُ، فقال: رجَعت بالمطرِ (^٢).\nحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾. قال: ذاتِ السحابِ، تمطرُ ثم تَرجِعُ بالمطرِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾. قال: ترجعُ بأرزاقِ العبادِ كلَّ عامٍ، لولا ذلك هلَكوا وهلَكت مواشيهم (^٤).\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾. قال: ترجعُ بالغيثِ كلَّ عامٍ (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) قول الحسن ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٤٥٦.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧٢٠ ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٦٤ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦٥ عن معمر به.","vol":"24","page":303},{"text":"حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾: يعنى المطرَ (^١).\nوقال آخرون: يعنى بذلك أن شمسَها وقمرها يغيب ويطلعُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9704>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾. قال: شمسُها وقمرُها ونجومها يأتين من هاهنا (^٢).\n\n<span id=\"aya-5943\"></span>وقولُه: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والأرضِ ذاتِ الصدعِ بالنباتِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9705>ذكر من قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيان، عن خُصيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾. قال: ذاتِ النباتِ (^٣).\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾. يقولُ: صدعُها عن (^٤) إخراجِ النباتِ في كلِّ عامٍ.\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ٣٢٦.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ١٠/ ٣٢٦، وأبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٤٥٦، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٩٧.\n(^٣) تقدم أوله في ص ٣٠٢.\n(^٤) سقط من: م.","vol":"24","page":304},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾. قال: هذه تُصدَعُ عما تحتَها. قال أبو رجاءٍ: وسئِل عنها عكرمةُ، فقال: هذه تُصدَعُ عن الرزقِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾: مثلُ المَأْزِمِ (^٢) مأزمِ منًى.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾. قال: الصدعُ مثلُ المَأْزِمِ، غيرَ الأوديةِ وغيرَ الجُرُفِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾: تَصَدَّعُ عن الثمار وعن النبات كما رأَيتم (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾. قال: تَصَدَّعُ عن النباتِ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾. فقرَأ (^٥): ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا\n_________\n(^١) قول عكرمة عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٦ إلى عبد بن حميد، وينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٣٩٧.\n(^٢) المأزم: كل طريق ضيق بين جبلين. اللسان (أ ز م).\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧٢١ ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٦٤ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) تقدم أوله في ص ٣٠٣.\n(^٥) في م، ت ١: \"قرأ\".","vol":"24","page":305},{"text":"وَقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٦ - ٢٨]. إلى آخرِ الآيةِ. قال: صدَعها للحرثِ (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾: النباتِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5944\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا القولُ وهذا الخبرَ، ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾. يقولُ: لقولٌ يَفصِلُ بين الحقِّ والباطلِ ببيانِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، على اختلافٍ منهم في العبارةِ عنه؛ فقال بعضُهم: لقولٌ حقٌّ. وقال بعضُهم: لقولٌ حُكْمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9706>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾. يقولُ: حقٌّ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾. أي: حُكْمٌ (^٤).\n\n<span id=\"aya-5945\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾. يقولُ: وما هو باللعبِ ولا الباطلِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ٣٢٦.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ١٠/ ٣٢٦، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٩٧.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٥٤ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٧ إلى ابن المنذر.\n(^٤) تقدم أوله في ص ٣٠٣.","vol":"24","page":306},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9707>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾. يقولُ: بالباطلِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ (^٢)، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾. قال: باللعبِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-5946\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن هؤلاء المكذبين بالله ورسوله والوعد والوعيد يمكرون مكرًا.\n\n<span id=\"aya-5947\"></span>وقولُه: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾. يقولُ: وأمكرُ مكرًا. ومكرُه جلَّ ثناؤُه بهم إملاؤُه إياهم على معصيتهم وكفرهم به.\n\n<span id=\"aya-5948\"></span>وقولُه: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾. يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فمهل يا محمدُ الكافرين، ولا تعجلْ عليهم، ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾. يقولُ: أمهلهم آنًا قليلًا، وأنظِرْهم للموعد الذي هو وقتُ حلولِ النقمةِ بهم.\nوبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9708>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٣٠٦.\n(^٢) في ت ١: \"صالح\"\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧٢١.","vol":"24","page":307},{"text":"قولَه: ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾. يقولُ: قريبًا (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾: الرويدُ القليلُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾. قال: مَهِّلْهم، فلا تعجَلْ عليهم. ترَكَهم، حتى لما أراد الانتصارَ منهم،، أمَره بجهادِهم وقتالِهم والغلظةِ عليهم.\nآخر تفسير سورة \"والسماءِ والطارقِ\"\n_________\n(^١) تقدم أوله في ص ٣٠٦.\n(^٢) تقدم أوله في ص ٣٠٣.","vol":"24","page":308},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-5949\"></span><span data-type='title' id=toc-9709>تفسيرُ سورةِ \"سَبِّحِ اسمَ ربّك الأعلَى\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-9711>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: عَظِّم ربَّك الأَعْلَى، لا ربَّ أعلَى منه وأعْظَمُ. وكان بعضُهم إذا قرَأ ذلك قال: سبحانَ ربيَ الأعلَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-9710>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عمر أنه كان يقرأُ: (سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأعلَى سبحانَ ربيَ الأعلَى الذي خَلَق فَسَوَّى). قال: وهي في قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ كذلك (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّدِّيِّ، عن عبدِ خيرٍ، قال: سمعتُ عليًّا ﵁ قرَأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. فقال: سبحانَ ربيَ الأعلى (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٢١ من طريق يعقوب به، وذكره القرطبي في تفسيره ٢٠/ ١٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٠١ عن الثورى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨ مطولا إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف.","vol":"24","page":309},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدَانِيُّ، أَنَّ ابنَ عباسٍ كان إذا قرَأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. يقولُ: سبحانَ ربيَ الأعلى. وإذا قرَأ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١]. فأتَى على آخرِها: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]. يقولُ: سبحانَك اللَّهمَّ، وبلى (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾: ذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان إذا قرَأها قال: \"سبحان ربي الأعلى\" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن خارجةَ، عن داودَ، عن زيادِ بن عبدِ اللهِ، قال: سمعتُ ابنَ عباسٍ يقرأُ في صلاة المغربِ: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعلَى سبحانَ ربيَ الأعلى).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: نزِّه يا محمدُ اسمَ ربِّك الأعلى أن تُسمِّىَ به شيئًا سواه. يَنْهاه بذلك أنْ يفعَلَ ما فعَل مِن ذلك المشركون، مِن تَسْمِيَتِهم آلهتَهم؛ بعضَها اللَّاتَ، وبعضَها العُزَّى.\nوقال غيرُهم: بل معنى ذلك: نزِّهِ اللَّهَ عمَّا يقولُ فيه المشركون، كما قال: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].\nوقالوا: معنى ذلك: سبِّح ربَّك الأعلى. قالوا: وليس الاسمُ مَعْنًى.\nوقال آخرون: نزِّه تسميتَك يا محمدُ ربَّك الأعلى، وذِكرَك إِيَّاه، أنْ تذكُرَه\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٠١ عن المصنف، وأخرج أوله عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦٧ عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وعلقه أبو داود عقب حديث (٨٨٣) عن أبي وكيع وشعبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وذكره القرطبي في تفسيره ١٤/ ٢٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٨ إلى المصنف وابن أبي شيبة وعبد بن حميد.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٠١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":310},{"text":"إلا وأنت له خاشِعٌ مُتَذَلِّلٌ. قالوا: وإنما عُنِى بالاسمِ التسميةُ، ولكن وُضِع الاسمُ مكانَ المصدرِ.\nوقال آخرون: معنى قولِه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾: صَلِّ بذكرِ ربِّكَ يا محمدُ. يعنى بذلك: صلِّ وأنت له ذاكرٌ، ومنه وَجِلٌ خائفٌ.\nوأَوْلَى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: نزِّه اسمَ رَبِّكَ أَنْ تَدْعوَ به الآلهةَ والأوثانَ؛ لِمَا ذكرتُ من الأخبار، عن رسولِ اللهِ ﷺ وعن الصحابةِ، أنهم كانوا إذا قرَءوا ذلك قالوا: سبحانَ ربيَ الأعلى. فبَيِّنٌ بذلك أَنَّ معناه كان عندَهم (^١): عظِّمْ اسمَ رَبِّكَ ونَزِّهْه.\n\n<span id=\"aya-5950\"></span>وقولُه: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾. يقولُ: الذي خلَق الأشياءَ فسوَّى خَلْقَها وعَدَلها. والتسويةُ: التعديلُ.\n\n<span id=\"aya-5951\"></span>وقولُه: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذي قدَّر خَلْقَه فهَدى.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي عُنِى بقولِه: ﴿فَهَدَى﴾؛ فقال بعضُهم: هَدَى الإنسانَ لسبيلِ الخيرِ والشرِّ، والبهائمَ للمَرَاتِع.\n\n<span data-type='title' id=toc-9712>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا] (^٢) عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾. قال: هَدَى الإنسانَ للشِّقْوةِ والسعادةِ، وهَدَى الأنعامِ\n_________\n(^١) بعده في م: \"معلوما\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"24","page":311},{"text":"لمَرَاتعِها (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: هَدَى الذكورَ لمَأتَى الإناثِ. وقد ذكَرْنا الروايةَ بذلك فيما مضَى (^٢).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أَنَّ اللَّهَ عمَّ بقوله: ﴿فَهَدَى﴾ الخبرَ عن هدايتِه خَلْقَه، ولم يَخْصُصْ مِن ذلك معنًى دونَ معنًى، وقد هداهم لسبيلِ الخيرِ والشرِّ، وهَدَى الذكورَ لمَأتَى الإناثِ، فالخبرُ على عمومِه، حتى يأتىَ خبرٌ تقومُ به الحُجَّةُ، دالٌّ على خُصوصِه.\nوأجْمَعَت قرأةُ الأمصارِ على تشديدِ الدالِ من ﴿قَدَّرَ﴾، غيرَ الكسائيِّ فإنه خَفَّفها (^٣).\nوالصوابُ في ذلك التشديدُ؛ لإجماعِ الحجةِ عليه.\n\n<span id=\"aya-5952\"></span>وقولُه: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾. يقولُ: والذي أَخْرَجَ مِن الأَرضِ مَرْعَى الأنعامِ؛ مِن صُنُوفِ النباتِ وأنواع الحَشيشِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9713>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ مُكَرَّمٍ، قال: ثنا الحَفَرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾. قال: النباتَ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٢٢، وذكره القرطبي في تفسيره ٢٠/ ١٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٩ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تقدم في ١٦/ ٧٩، ٨٠.\n(^٣) قرأ ابن عامر ونافع وابن كثير وعاصم وحمزة وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب وخلف بتشديد الدال. وقرأ الكسائي بتخفيفها. النشر ٢/ ٢٩٩.","vol":"24","page":312},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ الآية: [شَتِيتَ النباتِ] (^١) كما رأيْتم؛ بينَ أصفرَ وأحمرَ وأبيضَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5953\"></span>وقولُه: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فجعَل ذلك المَرْعَى غُثاءً. وهو ما جَفَّ مِن النَّبْتِ (^٣) ويَبِس، فطارَت به الريحُ. وإنما عُنى به ههنا أنه جعَله هَشيمًا يابسًا متغيِّرًا إلى الحُوَّةِ؛ وهى السَّوَادُ من بعدِ البياضِ أو الخُضْرةِ؛ من شدَّةِ اليُبْسِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9714>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسِ في قولِه: ﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾. يقولُ: هَشِيمًا متغيِّرًا (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾. قال: غُثاءَ السَّيْلِ، ﴿أَحْوَى﴾. قال: أسودَ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:\n_________\n(^١) في م: \"نبت\"، وفى ت ١: \"شتت النبات\"، وفى ت ٢ ت ٣: \"تنبت النبات\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦٧ عن معمر عن قتادة نحوه مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في م: \"النبات\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٠١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٧٢٢ وعنده \"اليابس\" بدلا من \"أسود\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":313},{"text":"﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾. قال: يعودُ يُبْسًا بعدَ خُضْرةٍ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾. قال: كان بَقْلًا ونباتًا، أخضرَ، ثم هاج فيَبِس، فصار غُثاءً أَحْوَى، تَذهَبُ به الرياحُ والسُّيولُ (^٢).\nوكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ يَرى أنَّ ذلك مِن المُؤَخَّرِ الذي معناه التقديمُ، وأنَّ معنى الكلامِ: والذي أَخْرَج المَرْعَى أحْوى. أي: أخضرَ إلى السوادِ، فجعَله غثاءً بعدَ ذلك. ويَعْتَلُّ لقوله ذلك بقول ذى الرُّمَّة (^٣):\nحَوَّاءُ قَرْحَاءُ أَشْراطِيَّةٌ وَكَفَتْ … فيها الذِّهابُ وحَفَّتْها البَرَاعِيمُ (^٤).\nوهذا القولُ - وإن كان غيرَ مدفوعٍ أنْ يكونَ ما اشتدَّتْ خضرتُه مِن النباتِ، قد تُسمِّيه العربُ أسْوَدَ - غيرُ صوابٍ عندى؛ لخلافِه (^٥) تأويلَ أهلِ التأويلِ في أنَّ الحرفَ إنما يُحتالُ لمعناه المُخْرَجِ بالتقديمِ والتأخيرِ، إذا لم يَكُنْ له وجهٌ مفهومٌ إلا بتقديمهِ عن موضعِه أو تأخيرِه، فأمَّا وله في موضعِه وجْهٌ صحيحٌ، فلا وجْهَ لطلبِ الاحتيالِ لمعناه بالتقديمِ والتأخيرِ.\n\n<span id=\"aya-5954\"></span>وقولُه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه:\n_________\n(^١) تقدم في ص ٣١٣.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ٢٠/ ١٨.\n(^٣) ديوانه ١/ ٣٩٩.\n(^٤) روضة قرحاء: في وسطها نَوْرٌ أبيض. وقيل: القرحاء: التي بدا نبتُها. أشراطية: مُطِرَتْ بالشَّرَطَين، وهما نجمان من الحَمَل وهما قرناه، وإلى جانب الشماليِّ منهما كوكب صغير. وكَفَتْ: قَطَرَتْ. والذِّهاب: جمع ذِهْبَةٍ وهى المَطَرَةُ، وقيل: المطرةُ الضعيفة. اللسان (ق ر ح)، (ش ر ط)، (وك ف)، (ذ هـ ب).\n(^٥) في م: \"بخلافه\".","vol":"24","page":314},{"text":"سنُقْرِئُك يا محمدُ هذا القرآنَ فلا تَنْساه، إلا ما شاء اللهُ.\nثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قوله: ﴿فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾؛ فقال بعضُهم: هذا إخبارٌ مِن اللهِ نبيَّه ﵊ أنه يُعَلَّمُه هذا القرآنَ، ويحفَظُه عليه، ونَهْىٌ منه أن يَعْجَلَ بقراءتِه، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦، ١٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-9715>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾. قال: كان يَتَذَكَّرُ القرآنَ في نفسِه مَخَافَةَ أَن يَنْسَى (^١).\nفقال قائلو هذه المقالةِ: معنى الاستثناءِ في هذا الموضعِ على النسيانِ، ومعنى الكلامِ: فلا تَنْسَى، إلا ما شاء اللهُ أن تَنْساه ولا تَذْكُرَه. قالوا: وذلك هو ما نَسَخه اللهُ من القرآنِ، فرفَع حُكْمَه وتلاوتَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9716>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾: كان رسولُ اللهِ ﷺ لا يَنْسَى شيئًا إِلَّا ما شاء اللهُ (^٢).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٢٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٩ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦٧ عن معمر عن قتادة بنحوه.","vol":"24","page":315},{"text":"وقال آخرون: معنى النسيانِ في هذا الموضعِ: التَّرْكُ. وقالوا: معنى الكلامِ: سنُقْرِئُك يا محمدُ فلا تَتْرُكُ العملَ بشيءٍ منه، إلا ما شاءَ اللهُ أن تَتْرُكَ العملَ به، مما نَنْسَخُه.\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ في ذلك (^١): لم يشَأ اللهُ أن يَنْسَى (^٢) شيئًا، وهو كقولِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، ولا يشاءُ. قال: وأنت قائلٌ في الكلامِ: لأُعطِيَنَّك كلَّ ما سألتَ إلا ما شِئتُ، وإلا أنْ أَشاءَ أنْ أمنعَك. والنِّيَّةُ أنْ لا تمنعَه، ولا تشاءَ شيئًا. قال: وعلى هذا مَجارى الأيمانِ، يُسْتَثْنى فيها، ونيةُ الحالفِ التَّمامُ (^٣).\nوالقولُ الذي هو أَوْلَى بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: معنى ذلك: فلا تَنْسَى إلا أن نشاء نحنُ أَنْ نُنْسِيَكَه بنسخِه ورفعِه.\nوإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنَّ ذلك أظهرُ مَعانِيه.\n\n<span id=\"aya-5955\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ الله يعلمُ الجهرَ يا محمدُ من عملِك، ما أظهَرْتَه وأعلَنْته، ﴿وَمَا يَخْفَى﴾. يقولُ: وما تُخْفِى (^٤) منه فلم تُظْهِرْه مما كَتَمْتَه. يقولُ: هو يعلمُ جميعَ أعمالِك، سرَّها وعلانِيَتَها. يقولُ: فاحْذَرُه أَن يَطَّلِعَ عليك وأنت عاملٌ في حالٍ مِن أحوالِك بغيرِ الذي أَذِن لك به.\n\n<span id=\"aya-5956\"></span><span data-type='title' id=toc-9717>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)</span>\n_________\n(^١) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٥٦.\n(^٢) في م، ت،٢ ت ٣: \"تنسي\".\n(^٣) في النسخ: \"اللمام\". والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٤) في م: \"يخفى\".","vol":"24","page":316},{"text":"سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: ونُسهِّلُك يا محمدُ لعملِ الخيرِ وهو اليُسْرَى. واليُسْرَى هو الفُعْلَى مِن اليُسْرِ.\n\n<span id=\"aya-5957\"></span>وقولُه: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فذكِّرْ عبادَ اللَّهِ يا محمدُ عظمتَه، وعِظْهُمْ، وحذِّرْهم عقوبتَه، ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾. يقولُ: إِنْ نفَعتِ الذِّكرى الذين قد أَيَسْتُك مِن إيمانِهم، فلا تنفعُهم الذِّكرى.\nوقولُه: ﴿فَذَكِّرْ﴾. أمرٌ مِن اللهِ لنبيِّه ﷺ بتذكيرِ جميعِ الناسِ. ثم قال: إنْ نفعتِ الذكرى هؤلاء الذين قد آيَسْتُك مِن إيمانِهم.\n\n<span id=\"aya-5958\"></span>وقولُه: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: سيذَّكَّرُ يا محمدُ، إذا ذَكَرْتَ الذين أمَرْتُك بتذكيرِهم، مَن يخشى الله ويخافُ عقابَه،\n\n<span id=\"aya-5959\"></span>﴿وَيَتَجَنَّبُهَا﴾. يقولُ: ويتجنَّبُ الذِّكرى ﴿الْأَشْقَى﴾. يعنى: أشقى الفريقينِ: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾. وهم الذين لم تَنْفعْهم الذِّكْرى.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9718>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾: فاتَّقُوا اللَّهَ، ما خَشِى اللَّهَ عبدٌ قطُّ إلا ذَكَّره، ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾: فلا واللهِ لا [يَتَنَكَّبُ عبدٌ هذا] (^١) الذَّكْرَ زُهدًا فيه وبُغْضًا لأهلِه،\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"يسكت عند عند\"، وفى ت ٢ ت ٣: \"يسكت عبد عند\".","vol":"24","page":317},{"text":"إلا شقيٌّ بَيِّنُ الشَّقاءِ (^١).\n\n<span id=\"aya-5960\"></span>وقولُه: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾. يقولُ: الذي يَرِدُ نارَ جهنمَ، وهى النارُ الكبرى. ويعنى بالكُبْرى: [في شدة] (^٢) الحرِّ والألمِ.\n\n<span id=\"aya-5961\"></span>وقولُه: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾. يقولُ: ثم لا يموتُ في النارِ الكُبْرى ولا يحيا. وذلك أنَّ نفسَ أحدِهم تصيرُ فيها في حَلْقِه، فلا تخرجُ فتُفارِقُه فيَموتَ، ولا ترجعُ إلى موضعِها من الجسمِ فيحيا. وقيل: لا يموتُ فيها فيستريحَ، ولا يحيا حياةً تنفعُه.\nوقال آخرون: قيل ذلك؛ لأنَّ العربَ كانت إذا وصَفَتِ الرجلَ بوقوعٍ في شدَّةٍ شديدةٍ، قالوا: لا هو حيٌّ، ولا هو ميتٌ. فخاطَبَهم اللهُ بالذي جرَى به ذلك مِن كلامِهم.\n\n<span id=\"aya-5962\"></span><span data-type='title' id=toc-9719>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾</span>\nيقول تعالى ذكرُه: قد أَنْجَح وأَدْرَكَ طَلِبَتَه مَن تَطَهَّر مِن الكفرِ ومعاصى اللهِ، وعمِل بما أمَره اللهُ فأَدَّى فرائضَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م، ت ٢، ت ٣: \"لشدة\".","vol":"24","page":318},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9720>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾. يقولُ: مَن تَزَكَّى مِن الشركِ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الأنصاريُّ، قال ثنا هشامٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾. قال: مَن كان عملُه زاكيًا (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾. قال: [بِعَمَلٍ ووَرَعٍ] (^٣).\nحدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ العَدَنيُّ، عن الحكم، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾: مَن قال: لا إلهَ إلا اللهُ (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: قد أفلَح مَن أدَّى زكاةَ مالِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9721>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن عليّ بن الأَقْمَرِ، عن أبي الأَحْوَصِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾. قال: مَن استطاع أن يَرْضَخَ (^٥) فَليَفْعَلْ، ثم ليَقُمْ فليُصَلِّ (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ١٠/ ٣٣٢، والبغوى في تفسيره ٨/ ٤٠٢، والقرطبي في تفسيره ٢٠/ ٢١.\n(^٣) في ص: \"نعمل وورعا\"، وفى م: \"يعمل ورعا\"، وفى ت ٣: \"بعمل وورعا\".\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦٧ عن معمر به بلفظ: \"بعمل صالح\".\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٣٣٣ بسنده عن عكرمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) الرَّضْخ: العَطِيَّة القَلِيلة. ينظر النهاية ٢/ ٢٢٨.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٠ إلى المصنف وابن حميد.","vol":"24","page":319},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ الرازيُّ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عليّ بن الأَقْمَرِ، عن أبي الأحوصِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾. قال: مَن رَضَخَ (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدِ بن مُرَّةَ، قال: ثنا زُهَيْرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، قال: إذا أتى أحدَكم سائلٌ وهو يريدُ الصلاةَ، فليُقَدِّمْ بينَ يدى صلاتِه زكاتَه، فإنَّ الله يقولُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، فمَن اسْتَطاع أنْ يُقدِّمَ بينَ يدى صلاتِه زكاةً فليَفْعَلْ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولهَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّي﴾؛ تزكي رجلٌ مِن مالِه، وأَرْضَى خالقَه (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنى بذلك زكاةُ الفطرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9722>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عمرُو بنُ عبد الحميدِ الآمُليُّ، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن أبي خَلْدَةَ، قال: دخَلتُ على أبى العاليةِ، فقال لى: إِذا غَدَوْتَ غدًا إلى العيدِ فمُرَّ بي. قال: فمَرَرْتُ به، فقال: هل طَعِمْتَ شيئًا؟ قلتُ: نعم. قال: أَفَضْتَ على نفسِك من الماءِ؟ قلتُ: نعم. قال: فأخبِرنى ما فعلت بزكاتِك؟ قلتُ: قد وَجَّهْتُها. قال: إنما أَرَدْتُك لهذا. ثم قرَأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، وقال: إِنَّ أهلَ المدينةِ لا يَرَوْن صدقةً أفضَلَ منها، ومِن سقايةِ الماءِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١١٣ عن أبي نعيم به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١١٣ من طريق زهير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٠ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٠ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٠ إلى المصنف.","vol":"24","page":320},{"text":"<span id=\"aya-5963\"></span>وقولُه: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وحَّد الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-9723>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾. يقولُ: وحَّد الله سبحانَه (^١)\nوقال آخرون: بل معني ذلك: وذكَر الله ودعاه ورَغِب إليه.\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنْ يقالَ: وذكَر الله فوحَّده، ودعاه ورَغِب إليه؛ لأنَّ كلَّ ذلك من ذكرِ اللهِ، ولم يَخْصُصِ اللهُ تعالى مِن ذكرِه نوعًا دونَ نوعٍ.\nوقولُه: ﴿فَصَلَّى﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِى به: فصلَّى الصلواتِ الخمسِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9724>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسِ قولَه: ﴿فَصَلَّى﴾. يقولُ: صلَّى الصلواتِ الخمسَ (^١).\nوقال آخرون: عُنِي به صلاةُ العيدِ يومَ الفطرِ.\nوقال آخرون: بل عُنِى: وذكَر اسمَ ربِّه فدعا. وقالوا: الصلاةُ هاهنا: الدعاءُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٣٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":321},{"text":"والصوابُ من القولِ أنْ يقالَ: عُنِى بقولِه: ﴿فَصَلَّى﴾. الصلواتُ وذِكْرُ اللهِ فيها بالتحميدِ والتمجيدِ والدعاءِ.\n\n<span id=\"aya-5964\"></span>وقولُه: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. يقولُ للناسِ: بل تؤثِرون أيُّها الناسُ زينةَ الحياةِ الدنيا على الآخرةِ، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ لكُمْ ﴿وَأَبْقَى﴾. يقولُ: وزينةُ الآخرةِ خيرٌ لكم أيُّها الناسُ وأبْقَى بَقاءً؛ لأنَّ الحياةَ الدنيا فانيةٌ، والآخرةَ باقيةٌ، لا تَنْفَدُ ولا تَفْنى.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9725>ذكر مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ فاختار الناسُ العاجلةَ إلا مَن عصَم اللهُ (^١).\n\n<span id=\"aya-5965\"></span>وقوله: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ في الخيرِ، ﴿وَأَبْقَى﴾ في البقاءِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن عطاءٍ، عن عَرْفَجَةَ الثَّقَفيِّ، قال: اسْتَقْرَأْتُ ابنُ مسعودٍ: هو ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، فَلَمَّا بلَغ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، تَرَك القراءةَ وأقبَل على أصحابِه، وقال: آثَرْنا الدنيا على الآخرةِ. فسَكَت القومُ، فقال: آثَرْنا الدنيا؛ لأَنَّا رأيْنا زينتَها ونساءَها وطعامَها وشرابَها، وزُوِيَت عنا الآخرةُ، فاخْتَرْنا هذا العاجلَ، وتركنا الآجلَ (^٣).\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، فقرَأ ذلك عامةُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢ ت ٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٩١٤٧)، والبيهقى في شعب الإيمان (١٠٦٤٥)، كلاهما من طريق عطاء به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٠ إلى ابن المنذر.","vol":"24","page":322},{"text":"قرأةِ الأمصارِ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ بالتاءِ، إلا أبا عمرٍو فإنه قرَأه بالياءِ (^١)، وقال: يعنى الأَشْقَينَ (^٢).\nوالذي لا أُوثِرُ عليه في قراءةِ ذلك، التاءُ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ عليه. وذُكِر أَنَّ ذلك في قراءةِ أُبيٍّ: (بل أنتم تُؤثرون) (^٣). فذلك أيضًا شاهدٌ لصحة القراءةِ بالتاء.\n\n<span id=\"aya-5966\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذي أُشِير إليه بقولِه: ﴿هَذَا﴾؛ فقال بعضُهم: أُشِير به إلى الآياتِ التي في ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-9726>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾. يقولُ: الآياتُ التي في ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (^٤).\nوقال آخرون: قصةُ هذه السورةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9727>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ:\n_________\n(^١) قرأ بتاء الخطاب نافع وابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وأبو عمرو وأبو جعفر وخلف. وبياء الغيب قرأ أبو عمرو وحده. النشر ٢/ ٢٩٩، والإتحاف ص ٢٧٠.\n(^٢) في م: \"الأشقياء\"، وفى ت ١: \"الأسفيان\". وينظر تفسير القرطبي ٢٠/ ٢٣.\n(^٣) الكشف عن وجوه القراءات السبع ٢/ ٣٧٠، وتفسير البغوي ٨/ ٤٠٣، وهي قراءة ابن مسعود كما في مختصر الشواذ ص ١٧٢.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٠٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤١ إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد.","vol":"24","page":323},{"text":"<span id=\"aya-5967\"></span>﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾. قال: قصةُ هذه السورةِ لفى الصُّحُفِ الأُولى (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إنَّ هذا الذي قضَى (^٢) اللهُ في هذه السورةِ، لفى الصُّحُفِ الأُولى.\n\n<span data-type='title' id=toc-9728>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾. قال: إنَّ هذا الذي قضَى (^٣) اللهُ في هذه السورةِ، لفى الصُّحُفِ الأُولى، ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (^٤).\nوقال آخرون: بل عُنى بذلك أنَّ قولَه: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، في الصُّحُفِ الأُولى.\n\n<span data-type='title' id=toc-9729>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾. قال: تَتابَعَتْ كتبُ اللهِ كما تَسْمَعون، أَنَّ الآخرةَ خيرٌ وأبقى (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ هَذَا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤١ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) في النسخ: \"قص\". والمثبت مقتضى الصواب، وإلا فما فرق هذا القول من الذي سبقه؟!\n(^٣) في م، ت ١، ومصدر التخريج: \"قص\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦٧ عن معمر به.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤١ إلى المصنف وعبد الرزاق وابن المنذر.","vol":"24","page":324},{"text":"لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾. قال: في الصحف التي أنزَلها اللهُ على إبراهيمَ وموسى، أنَّ الآخرةَ خيرٌ من الأُولى (^١).\nوأَوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: إِنَّ قولَه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ لفى الصُّحُفِ الأُولى؛ صحفِ إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ، وصحفِ موسى ابن عمرانَ.\nوإنما قلتُ: ذلك أَوْلَى بالصحةِ من غيرِه؛ لأنَّ \"هذا\" إشارةٌ إلى حاضرٍ، فَلأَنْ يكونَ إشارةً إلى ما قَرُب منها، أولى مِن أنْ يكونَ إشارةً إلى غيرِه. وأما الصحفُ فإنها جمعُ صحيفةٍ، وإنما عُنِى بها كتبُ إبراهيمَ وموسى.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي الجَلْدِ، قال: نزَلت صحفُ إبراهيمَ في أوَّلِ ليلةٍ من رمضانَ، وأُنزِلَتِ التوراةً لستِّ ليالٍ خَلَوْن مِن رمضانَ، وأُنزِل (^٢) الزَّبورُ لاثنتَىْ عَشْرَةَ ليلةً، وأُنزِل الإنجيلُ لثماني عَشْرةَ، وأُنزِل الفرقانُ لأربعٍ وعشرين (^٣).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ سبحِ اسمَ ربِّك الأعلى\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ٢٠/ ٢٤، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٠٥.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أنزلت\".\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عشرة\".\nوالأثر أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٢٩٤ من طريق سعيد به مختصرا بآخره، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":325},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-9730>تفسيرُ سورةِ الغاشيةِ</span>\n\n<span id=\"aya-5968\"></span><span data-type='title' id=toc-9732>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿هَلْ أَتَاك﴾ يا محمدُ ﴿حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾؟ يعنى: قصتُها وخبَرُها.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الغاشيةِ؛ فقال بعضُهم: هي القيامةُ، تَغْشَى الناسَ بالأهوالِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9731>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: الغاشيةُ من أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه اللهُ، وحذَّره عبادَه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. قال: الغاشيةُ: الساعةُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٥٥ - من طريق أبي صالح به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٠٦، مختصرا عند كليهما.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٢ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":326},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿الْغَاشِيَةِ﴾. قال: الساعةِ (^١).\nوقال آخرون: بل الغاشيةُ: النارُ تَغْشَى وجوهَ الكَفَرَةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9733>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمَانٍ، عن أشْعَثَ، عن سعيدٍ في قوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. قال: غاشيةِ النارِ (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنْ يقالَ: إنَّ الله قال لنبيِّه ﷺ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾؟ ولم يُخْبِرْنا أنه عَنَى غاشيةَ القيامةِ، ولا أنه عَنَى غاشيةَ النارِ، وكلتاهما غاشيةٌ؛ هذه تَغْشَى الناسَ بالبَلَابِلِ (^٣) والأهوالِ والكروبِ (^٤)، وهذه تَغْشَى الكفارَ باللَّفْحِ في الوجوهِ، والشُّواظِ والنُّحاسِ، فلا قولَ أَصَحُّ في ذلك مِنْ أَنْ يُقالَ كما قال جلَّ ثناؤُه، ويُعَمَّ الخبرُ بذلك كما عَمَّه.\n\n<span id=\"aya-5969\"></span>وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾.\nوهى وجوهُ أهلِ الكفرِ به، ﴿خَاشِعَةٌ﴾. يقولُ: ذليلةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9734>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾: أي: ذليلةٌ (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٢ إلى المصنف.\n(^٢) ذكره الطوسى في التبيان ١٠/ ٣٣٤، والقرطبي في تفسيره ٢٠/ ٢٥، وأبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٤٦٢.\n(^٣) في م، ت ١: \"بالبلاء\". والبلابل: شدَّة الهَمّ. ينظر اللسان (ب ل ل).\n(^٤) في ص، ت ١: \"الكرب\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٢ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":327},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿خَاشِعَةٌ﴾. قال: خاشعةٌ في النارِ (^١)\n\n<span id=\"aya-5970\"></span>وقوله: ﴿عَامِلَةٌ﴾. يعنى: عاملةٌ في النارِ. وقولُه: ﴿نَاصِبَةٌ﴾. يقولُ: ناصبةٌ فيها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9735>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾: فإنها تعملُ وتَنْصَبُ في النارِ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمعتُ الحسنَ قرَأ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾. قال: لم تَعْمَلْ للهِ في الدنيا، فأَعْمَلَها في النارِ (^٣).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾: تَكَبَّرت في الدنيا عن طاعةِ اللهِ، فأعْمَلَها وأَنْصَبَها في النارِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾. قال: عاملةٌ ناصبةٌ في النارِ (١).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦٨ عن معمر به.\n(^٢) ذكره ابن حجر في تغليق التعليق ٤/ ٣٦٥ عن المصنف.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٤٠٧، والقرطبي في تفسيره ٢٠/ ٢٧.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٢ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":328},{"text":"حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾. قال: لا أحدَ أنْصَبُ ولا أَشَدُّ مِن أهلِ النارِ.\n\n<span id=\"aya-5971\"></span>وقولُه: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تَرِدُ هذه الوجوهُ نارًا حاميةً قد حَمِيَت واشتدَّ حرُّها.\nواخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿تَصْلَى﴾ بفتحِ التاءِ، بمعنى: تَصْلى الوجوهُ. وقرَأ ذلك أبو عمرٍو: (تُصْلَى) بضمِّ التاءِ اعتبارًا بقولِه: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ (^١). والقولُ في ذلك أنهما قراءتان صحيحتا المعنى، فبأيّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-5972\"></span>وقوله: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾. يقول: يُسْقَى أصحابُ هذه الوجوهِ مِن شَرابِ عينٍ قد أَنَى حرُّها، فبلَغ غايتَه في شدَّةٍ الحرِّ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9736>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾. قال: هي التي قد طال (^٢) أَنْيُها (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:\n_________\n(^١) قرأ بفتح التاء نافع وابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر وأبو جعفر وخلف. وقرأ بضمها أبو عمرو ويعقوب وأبو بكر. النشر ٢/ ٢٩٩، والإتحاف ص ٢٧٠.\n(^٢) في م: \"أطال\".\n(^٣) في ت ١: \"أنينها\". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٢ إلى المصنف.","vol":"24","page":329},{"text":"﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾. قال (^١): أَنَّى طَبْخُها مُذْ (^٢) خَلَقَ الله الدنيا.\nحدَّثني به يعقوبُ مَرَّةً أُخرى، فقال: منذُ يومِ خلَق اللهُ السماواتِ والأرضَ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾. قال: قد بَلَغَتْ إِناها، وحان شُرْبُها (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾. يقولُ: قد أَنَى طَبْحُها منذُ خلق اللهُ السماواتِ والأَرضَ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾. قال: من عينٍ أَنَى حرُّها. يقولُ: قد بلَغ حرُّها (^٦).\nوقال بعضُهم: عُنى بقولِه: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾: مِن عينٍ حاضرةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9737>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾. قال: آنيةٍ: حاضرةٍ (^٧).\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ٢: \"قد\".\n(^٢) في م: \"منذ يوم\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٢ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد بنحوه.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٧٢٤، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٦٥ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٢ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦٨ عن معمر به.\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":330},{"text":"<span id=\"aya-5973\"></span>وقولُه: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. يقولُ: ليس لهؤلاء الذين هم أصحابُ الوجوهِ (^١) الخاشعةِ العاملةِ الناصبةِ يومَ القيامةِ طعامٌ، إلا ما يَطْعَمونه مِن ضَرِيعٍ. والضَّرِيعُ عندَ العربِ نَبْتُ يقالُ له: الشِّبْرِقُ. وتُسمِّيه أهلُ الحجازِ الضَّرِيعَ إذا يَبِس، ويُسمِّيه غيرُهم الشِّبْرِقَ، وهو سُمٌّ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9738>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. قال: الضَّرِيعُ: الشِّبْرِقُ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ يعقوبَ الأسديُّ، قال محمدُ: ثنا، وقال عبَّادٌ: أخبَرنا محمدُ بنُ سليمانَ، عن عبدِ الرحمنِ الأَصْبهانيِّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. قال: الشِّبْرِقُ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا إسماعيلُ ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: ثنى نَجْدةُ، رجلٌ مِن عبد القيسِ عن عكرمةَ في قولِه: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. قال: هي شجرةٌ ذاتُ شَوْكٍ، لَاطِئةٌ بالأرضِ، فإذا كان الرَّبيعُ سَمَّتْها قريشٌ الشَّبْرِقَ، فإذا هاج العُودُ سَمَّتها الضَّرِيعَ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٢ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٢ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":331},{"text":"مجاهدٍ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. قال: الشِّبْرِقُ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿ضَرِيعٍ﴾. قال: الشِّبْرِقُ اليابسُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرً، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. قال: هو الشِّبْرِقُ إِذا يَبِس يُسمَّى الضَّرِيعَ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. يقولُ: مِن شرِّ الطعامِ وأبشعِه وأخبثِه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بن عبيدٍ، قال: ثنا شَريكُ بنُ عبدِ اللهِ في قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. قال: الشِّبْرِقُ.\nوقال آخرون: الضَّرِيعُ: الحجارةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9739>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. قال: الحجارةُ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٢٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦٨ عن معمر به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٢ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":332},{"text":"وقال آخرون: الضَّرِيعُ: شجرٌ مِن نارٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9740>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. يقولُ: شجرٌ مِن نارٍ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. قال: الضَّرِيعُ: الشَّوْكُ مِن النارِ. قال: وأما في الدنيا فإن الضَّرِيعَ: الشَّوْكُ اليابسُ الذي ليس له ورَقٌ، تدعوه العربُ الضَّرِيعَ، وهو في الآخرةِ شَوْكٌ مِن نارٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-5974\"></span>وقولُه: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾. يقولُ: لا يُسْمِنُ هذا الضريعُ يومَ القيامةِ أَكَلَتَه مِن أهل النارِ، ﴿وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾. يقولُ: ولا يُشْبِعُهم مِن جوعٍ يُصِيبُهم.\n\n<span id=\"aya-5975\"></span><span data-type='title' id=toc-9741>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾. يعنى يومَ القيامةِ، ﴿نَاعِمَةٌ﴾. يقولُ: هي ناعمةٌ بتنعيمِ اللهِ أهلَها في جناتِه، وهم أهلُ الإيمانِ باللهِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٥٥ - من طريق أبي صالح به. بلفظ: \"شجر من شوك\". وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٠٧ عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٢ إلى ابن المنذر كلاهما بلفظ المصنف.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٤٠٨.","vol":"24","page":333},{"text":"<span id=\"aya-5976\"></span>وقولُه: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾. يقولُ: لعملِها الذي عمِلتْ في الدنيا مِن طاعةِ ربِّها راضيةٌ. وقيل: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾. والمعنى: لثوابِ سعيها في الآخرةِ راضيةٌ.\n\n<span id=\"aya-5977\"></span>وقولُه: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾. وهى بستانٌ، ﴿عَالِيَةٍ﴾. يعنى: رفيعةٍ.\n\n<span id=\"aya-5978\"></span>وقوله: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾. يقولُ: لا تَسْمَعُ هذه الوجوهُ: المعنى: لأهلِها فيها؛ في الجنةِ العاليةِ - لاغيةً. يعنى باللَّاغيةِ: كلمةَ لَغْوٍ. واللَّغْوُ: الباطلُ، فقيل للكلمةِ التي هي لَغْوٌ: لاغيةٌ. كما قيل لصاحبِ الدرعِ: دارعٌ. ولصاحبِ الفرسِ: فارسٌ، ولقائلِ الشعرِ: شاعرٌ. وكما قال الحُطيئةُ (^١):\nأَغْرَرْتَنِي وزَعَمْتَ أَنَّـ … كَ لابِنٌ بالصَّيْفِ تَامِرْ\nيعني: صاحبُ لبنٍ، وصاحبُ تمرٍ. وزعَم بعضُ نحويِّي (^٢) الكوفيِّين (^٣) أنَّ معنى ذلك: لا يُسمَعُ (^٤) فيها حالفةٌ على الكذبِ. ولذلك قيل: لاغيةٌ. ولهذا الذي قاله مذهبٌ ووجْهٌ، لولا أنَّ أهلَ التأويلِ مِن الصحابةِ والتابعين على خلافِه، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ خلافُهم فيما كانوا عليه مُجْمِعين.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9742>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ١٩/ ٤٦٣، ٤٦٤.\n(^٢) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٥٧.\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣: \"تسمع\".","vol":"24","page":334},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾. يقولُ: لا تسمعُ أَذًى ولا باطلًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾. قال: شَتْمًا (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾: لا تسمعُ فيها باطلًا، ولا شاتمًا.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^٣).\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ، وبعضُ قرأةِ المدينةِ وهو أبو جعفرٍ: ﴿لَا تَسْمَعُ﴾ بفتحِ التاءِ، بمعنى: لا تسمعُ الوجوهُ (^٤). وقرَأ ذلك ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وأبو عمرٍو: (لا تُسْمَعُ) بضمِّ التاءِ، بمعنى ما لم يُسمَّ فاعلُه؛ ويُؤنَّثُ (تُسْمَعُ) لتأنيثِ (لاغيةٌ) (^٥). وقرَأ ابنُ مُحيصنٍ بالضمِّ أيضًا، غيرَ أنه كان يقرَؤها بالياءِ، على وجْهِ التذكيرِ (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٣ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٢٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٣ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٣ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) وهى قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبي جعفر ويعقوب في رواية روح عنه، وخلف. النشر ٢/ ٢٩٩.\n(^٥) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس (لا يُسمع) بياء مضمومة على التذكير، وقرأ نافع كذلك إلا أنه بالتاء على التأنيث (لا تُسمع) مبنيا للمفعول. النشر ٢/ ٢٩٩.\n(^٦) إتحاف فضلاء البشر ص ٢٧٠.","vol":"24","page":335},{"text":"والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنَّ كلَّ ذلك قراءاتٌ معروفاتٌ صحيحاتُ المعانى، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-5979\"></span>قولُه: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾. يقولُ: في الجنةِ العاليةِ عينٌ جاريةٌ في غيرِ أُخْدودٍ.\n\n<span id=\"aya-5980\"></span>وقولُه: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾. والسُّرُرُ: جمعُ سرِيرٍ، مرفوعةٌ ليَرَى المؤمنُ إذا جلَس عليها جميعَ ما خوَّله ربُّه من النعيمِ والمُلكِ فيها، ويَلْحَقُ جميعَ ذلك بصرُه.\nوقيل: عُنِى بقولِه: ﴿مَرْفُوعَةٌ﴾: مَوْضونةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9743>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾. يعني: موضونةٌ، كقولِه: ﴿سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠]: بعضُها فوقَ بعضٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-5981\"></span>وقولُه: ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾. وهى جمعُ كُوبٍ، وهى الأباريقُ التي لا آذانَ لها، وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى وذكَرْنا ما فيه مِن الروايةِ، بما أَغْنى عن إعادتِه (^٢).\nوعُنى بقوله: ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾: أنها موضوعةٌ على حافَةِ العينِ الجاريةِ، كلما أراد (^٣) الشُّرْبَ وجَدها (^٤) ملْأَى مِن الشَّرابِ.\n\n<span id=\"aya-5982\"></span>وقولُه: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾. يعني بالنَّمارقِ الوسائدَ والمرافقَ (^٥)، واحدُها\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٣ إلى المصنف.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢٢/ ٢٩٥ - ٢٩٧.\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"أرادوا\".\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣: \"وجدوها\".\n(^٥) بعده في م، ت ٢، ت ٣: \"والنمارق\".","vol":"24","page":336},{"text":"نُمْرُقةٌ، بضمِّ النونِ. وقد حُكِى عن بعضِ كلبٍ سماعًا نِمْرِقةٌ، بكسرِ النونِ والراءِ. وقيل: ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾. لأنَّ بعضَها بجنبِ بعضٍ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9744>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾. يقولُ: المرافقُ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾. يعنى بالنَّمَارِقِ المجالسَ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾: والنمارقُ: الوسائدُ (^٣).\n\n<span id=\"aya-5983\"></span>وقولُه: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وفيها طَنافسُ وبُسُطٌ كثيرةٌ مبثوثةٌ مفروشةٌ. والواحدةُ: زَرْبِيَّةٌ، وهى الطِّنْفِسَةُ التي لها خَمْلٌ رقيقٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9745>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: [ثنا سفيان] (^٤)، قال: ثنا توبةُ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في البعث (٣٣٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٥٥ - من طريق أبي صالح به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٣ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٣ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) في م، ت ٢، ت ٣: \"ثنا سعيد عن سفيان\". وفي ت ١: \"ثنا سعيد عن قتادة\". وينظر تهذيب الكمال ١١/ ١٥٤، ٣٢/ ١٢٤.","vol":"24","page":337},{"text":"العنبريُّ، عن عكرمةَ بن خالدٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمارٍ، قال: رأيتُ عمرَ بنَ الخطابِ يصلِّى على عَبْقَرِيٍّ، وهو الزرابيُّ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾: المبسوطةُ (^١)\n\n<span id=\"aya-5984\"></span><span data-type='title' id=toc-9747>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾</span>\nيقول تعالى ذكرُه لمُنكِرى قدرتِه على ما وصَف في هذه السورةِ، من العقابِ والنكالِ الذي أعدَّه لأهلِ عداوتِه، والنعيمِ والكرامةِ التي أعدَّها لأهلِ ولايتِه: أفلا ينظرُ هؤلاء المنكِرون قُدْرةَ اللهِ على هذه الأمورِ، إلى الإبلِ كيف خلَقها، وسخَّرها لهم وذَلَّلها، وجعَلها تحمِلُ حِمْلَها باركةٌ، ثم تنهضُ به؟! والذي خلَق ذلك غيرُ عزيزٍ عليه أنٍ يخلُقَ ما وصَف مِن هذه الأمورِ في الجنةِ والنارِ. يقولُ جل ثناؤُه: أفلا يَنْظُرون إلى الإبلِ، فيعتبرون بها، ويعلمون أنَّ القُدْرةَ التي قدَر بها على خلقِها، [لن يُعْجِزَه] (^٢) خَلْقُ ما شابهها؟!\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9746>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: لما نَعَت اللهُ ما في\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٣ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص: \"أن نعجزه\".","vol":"24","page":338},{"text":"الجنةِ، عَجِب مِن ذلك أهلُ الضلالة، فأنزل الله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾. فكانت الإبلُ مِن عيشِ العربِ ومن خَوَلِهم (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ (^٢) عن أبي إسحاقَ، عمَّن سمِع شُريحًا يقولُ: اخْرُجوا بنا ننظرْ إلى الإبلِ كيف خُلِقت (^٣).\n\n<span id=\"aya-5985\"></span>وقولُه: ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: أفلا يَنْظُرون أيضًا إلى السماءِ فوقَهم (^٤) كيف رفَعها الذي أخبَركم أنه مُعِدٌّ لأوليائِه ما وصَف، ولأعدائِه ما ذكَر، فيعلموا أنَّ قُدْرتَه القدرةُ التي لا يُعْجِزُه فعلُ شيءٍ أراد فعلَه؟!\n\n<span id=\"aya-5986\"></span>وقوله: ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾. يقولُ: وإلى الجبالِ كيف أُقِيمت منتصبةً، لا تَسَقُطُ فتَنْبسطَ في الأرضِ، [ولكنه] (^٥) جعَلها بقدرتِه منتصبةً جامدةً، لا تبْرحُ مكانَها، ولا تزولُ عن موضعِها.\nوقد حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾: تصاعدُ إلى الجبلِ الصَّيْخودِ (^٦) عامةَ يومِك، فإذا أَفْضَيْتَ إلى أعلاه، أَفْضَيْتَ إلى عيونٍ متفجرةٍ وثمارٍ متهدِّلةٍ ثَمَّ، لم تَحرُثْه الأيدى ولم تَعْمَلُه،\n_________\n(^١) الخول: ما أعطاك الله تعالى من النعم والعبيد والإماء وغيرهم من الحاشية، للواحد والجميع والمذكر والمؤنث. القاموس المحيط (خ ول).\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٣ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ١: \"سعيد\". وينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٤٧٩.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في م، ت ٢، ت ٣: \"ولكنها\".\n(^٦) يقال: صخرة صيخود: شديدة، لا تعمل فيها المعاول. ينظر القاموس المحيط والوسيط (ص خ د).","vol":"24","page":339},{"text":"نعمةً مِن الله، وبُلْغةَ الأجلِ (^١).\n\n<span id=\"aya-5987\"></span>وقوله: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾. يقولُ: وإلى الأرض كيف بُسِطَت. يقالُ: جبلٌ مُسَطَّحٌ: إذا كان في أعلاه استواءٌ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9748>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾. أي: بُسِطت. يقولُ: أليس الذي خلق هذا بقادرٍ على أن يخلُقَ ما أراد في الجنة؟ (^١)\n\n<span id=\"aya-5988\"></span><span data-type='title' id=toc-9749>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿فَذَكِّرْ﴾ يا محمدُ عبادي بآياتي، وعِظْهم بحججِي، وبلِّغْهم رسالتي، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾. يقولُ: إنما أرسَلتُك إليهم مذكِّرًا؛ لتذكِّرهم نِعَمى عندَهم، وتعرِّفَهم اللازمَ لهم، وتعِظَهم.\n\n<span id=\"aya-5989\"></span>وقوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾. يقولُ: لستَ عليهم بمسلَّطٍ، ولا أنت بجبارٍ تحمِلُهم على ما تريدُ. يقولُ: كِلْهم إليَّ، ودَعْهم وحُكمى فيهم، يقال: قد تَسيطَرَ فلانٌ على قومِه. إذا تسلَّط عليهم.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٣ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":340},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9750>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾. يقولُ: لستَ عليهم بجبارٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾. أي: كِلْ إليَّ عبادى (^٢).\nحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بِمُصَيْطِر﴾. قال: جبارٍ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر﴾. قال: لست عليهم بمسلَّطٍ أن تُكرِهَهم على الإيمانِ. قال: ثم جاء بعدَ هذا: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣، التحريم: ٩]: وقال: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥]. وارصُدوهم لا يخرجوا في البلادِ، ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة - ٥]. قال: فنَسَخت: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾. قال: جاء: اقتُلْه أو يُسْلِمَ. قال: والتذكرُ كما هي لم تُنسَحْ. وقرِأ: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٤) [الذاريات: ٥٥].\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٥٥ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٣ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧٢٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) ذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٧٧٢، وينظر ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤١٠ مختصرًا.","vol":"24","page":341},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"أُمرِتُ أن أُقاتلَ الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا اللهُ. فإذا قالوا: لا إلهَ إلا اللهُ. عصَموا منى دماءَهم وأموالَهم إلا بحقِّها، وحسابهم على اللهِ\". ثم قرأ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ \" (^١)\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي الزبيرِ محمدِ بن مسلمٍ، قال: سمِعتُ جابرَ بن عبدِ الله يقولُ: سمِعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ، فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: قال أبو الزُّبيرِ: ثم قرَأ: \" ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ \".\nحدَّثنا يوسفُ بنُ موسى القَطَّانُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ مثلَه.\n\n<span id=\"aya-5990\"></span>وقولُه: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾. يتوجَّهُ لوجهين؛ أحدُهما: فذكِّرْ قومك يا محمدُ، إلا من تولَّى منهم عنك، وأعرَض عن آياتِ اللهِ فكفَر. فيكونُ قولُه: ﴿إِلَّا﴾ استثناءً من الذين كان التذكيرُ عليهم، وإن لم يُذكَّروا، كما يقالُ: مضَى فلانٌ فدعا، إلا من لا تُرْجَى إجابتُه. بمعنى: فدعا الناسَ إِلا مَن لا تُرْجَى إجابتُه. والوجه الثاني: أن يُجعَلَ قولُه: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾. منقطعًا عما قبله. فيكونُ معنى الكلامِ حينَئذٍ: لستَ عليهم بمسيطرٍ، إلا من تولَّى وكفَر، يعذِّبُه اللهُ. وكذلك الاستثناءُ المنقطعُ يُمتحنُ بأن يحسُنَ معه \"إن\"، فإذا حسُنت معه كان منقطعًا، وإذا لم تحسُنْ كان استثناءً متصلًا صحيحًا، كقولِ القائلِ: سار القومُ إلا\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٣٤١) عن محمد بن بشار به، وأحمد ٢٢/ ١١٩ (١٤٢٠٩)، ومسلم (٢١/ ٣٥) من طريق عبد الرحمن به، والنسائى في الكبرى (١١٦٧٠) من طريق سفيان به.","vol":"24","page":342},{"text":"زيدًا. ولا يصلحُ دخولُ \"إن\" ههنا؛ لأنه استثناءٌ صحيحٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-5991\"></span>وقوله: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾، وهو عذابُ جهنمَ. يقولُ: فيعذِّبُه اللهُ العذابَ الأكبرَ على كفرِه به (^٢) في الدنيا. و(^٣) عذابَ جهنمَ في الآخرةِ.\n\n<span id=\"aya-5992\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾. يقولُ: إن إلينا رجوعَ مَن كفَر ومعادَهم،\n\n<span id=\"aya-5993\"></span>﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾. يقولُ: ثم إن على اللهِ حسابَه، وهو يجازيه بما سلَف منه من معصيةِ ربِّه. يُعلِمُ بذلك نبيَّه محمدًا ﷺ أنه المتولى عقوبتَه دونَه، وهو المجازى والمعاقِبُ، وأنه الذي إليه التذكيرُ وتبليغُ الرسالةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9751>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾. قال: حسابُه على الله (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾. يقول: إن إلى اللهِ الإيابَ، وعليه الحسابِ (^٥).\nآخرُ تفسير سورة الغاشية\n_________\n(^١) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٥٨، ٢٥٩.\n(^٢) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) سقط من: ص.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٧٢٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"24","page":343},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-5994\"></span><span data-type='title' id=toc-9752>تفسيرُ سورةِ \"والفجر\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-9755>القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿الْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: هذا قَسَمٌ، أقسم ربُّنا جلَّ وعزَّ بالفجرِ، وهو فجرُ الصُّبحِ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في الذي عُنى بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنى به النهارُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9753>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن الأغرِّ المِنقَرِيِّ، عن خليفةَ بن الحُصينِ، عن أبي نصرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْفَجْرِ﴾. قال: النهارُ (^١).\nوقال آخرون: بل عُنِى به صلاةُ الفجرِ (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-9754>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَالْفَجْرِ﴾. يعنى صلاة الفجر (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٢٢، والبيهقى في الشعب (٣٧٤٥) من طريق سفيان به، والأثر في تفسير مجاهد ص ٧٢٦ من طريق الأغرِّ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٤ إلى الفريابي وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"الصبح\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٤ إلى المصنف.","vol":"24","page":344},{"text":"وقال آخرون: هو فجرُ الصُّبحِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9756>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبَرنا عاصمٌ الأحولُ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿وَالْفَجْرِ﴾. قال: الفجرُ فجرُ الصُّبحِ (^١).\nحدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُ بنُ قيسٍ، عن محمد بن المرتفعِ، عن عبدِ الله بن الزبيرِ، أنه قال: ﴿وَالْفَجْرِ﴾. قال: الفجرٌ قسَمٌ أقسَم اللهُ به (^٢).\n\n<span id=\"aya-5995\"></span>وقوله: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في هذه الليالي العشرِ، أيُّ ليالٍ هي؛ فقال بعضُهم: هي ليالى عشرِ ذي الحِجةِ.\n<span data-type='title' id=toc-9757>[ذكرُ مَن قال ذلك]</span> (^٣)\nحدَّثنا ابنُ بشار، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ وعبدُ الوهَّابِ ومحمدُ بنُ جعفرٍ، عن عوفٍ، عن زرارةَ (^٤)، عن ابن عباسٍ، قال: إن اللياليَ العشرَ التي أقسَم اللهُ بها، هي ليالى العشرِ الأُوَلِ من ذى الحجةِ (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٤ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١.\n(^٤) بعده في الأصل: \"بن مرة\". وهو خطأ.\n(^٥) أخرجه البيهقى في الشعب (٣٧٤٧) من طريق عوف عن زرارة بن أبي أوفى.","vol":"24","page":345},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾: بعَشرِ (^١) الأضحى. قال: ويقالُ: العشرُ: أولُ السنةِ من المحرمِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُ بن قيسٍ، عن محمدِ بن المرتفعِ، عن عبدِ اللهِ بن الزبيرِ: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾: أولُ ذى الحجةِ إلى يومِ النحرِ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ: قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبَرنا عوفٌ، قال: ثنا زرارةُ بنُ أوفى، قال: قال ابنُ عباسٍ: إنَّ اللياليَ العشرَ اللاتى أقسَم اللهُ بهنَّ هنَّ الليالى الأُوَلُ من ذى الحجةِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن مسروقٍ: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. قال: عشرُ ذي الحجةِ، وهى التي وعَد اللهُ موسى ﵇ (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبَرنا عاصمٌ الأحولُ، عن عكرمةَ: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. قال: عشرُ ذى الحجةِ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن الأغرِّ المنِقَرِيِّ، عن خليفةَ بن حُصَينٍ، عن أبي نصرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. قال: عشرُ\n_________\n(^١) في م: \"عشر\".\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ ٩/ ٣٥ من طريق محمد بن المرتفع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٥ إلى عبد الرزاق وابن سعد وابن أبي حاتم.\n(^٣) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٤) أخرجه البيهقى في الشعب (٣٧٤٨) من طريق إسرائيل به بزيادة: وأتممناها بعشر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":346},{"text":"الأضحى (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. قال: عشرُ ذى الحجةِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾.\nقال: كنا نُحدَّثُ أنها عشرُ الأضحى (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، قال: ليس عملٌ في ليالٍ من ليالى السنةِ أفضلَ منه في ليالي العشرِ، وهى عشرُ موسى التي أتمَّها اللهُ له (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبي إسحاقَ، عن مسروقٍ، قال: ليالى العشرِ، قال: هي أفضلُ أيامِ السنةِ (^٥).\n[حدثني عبدانُ (^٦) المروزيُّ، قال: ثنا] (^٧) الحسينُ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ\n_________\n(^١) جزء من حديث أخرجه الحاكم ٢/ ٥٢٢، والبيهقى في الشعب (٣٧٤٥) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٥ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٥ إلى عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٥ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦٩، وفي مصنفه (٨١١٩) من طريق معمر به.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٦٩، وفي مصنفه (٨١٢٠) عن معمر عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٥ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) في الأصل: \"عصام\". وهو عبدان - أو عبدة - بن محمد. ينظر تاريخ المصنف ١/ ٥٩، ٨١، ١١٨، ٢٨٠.\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حدثت عن\".","vol":"24","page":347},{"text":"يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾: يعنى عشرَ الأضحى (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. قال: أوَّلُ ذى الحجةِ (^٢).\nوقال آخرون (^٣): هي عشرُ المحرمِ من أولِه.\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أنها عشرُ الأضحى؛ لإجماعِ الحجةِ من أهل التأويل عليه، وأن عبدَ اللهِ بن أبي زيادٍ القَطْوانيَّ حدَّثني، قال: ثني زيدُ بن حُبابٍ، قال: أخبَرنى عياشُ بنُ عقبةَ، قال: ثني خيرُ بنُ نُعيمٍ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \" ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ \". قال: \"عشرُ: الأضحى\" (^٤).\n\n<span id=\"aya-5996\"></span>وقوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في الذي عُنى به من [الشفع بقولِه: ﴿وَالشَّفْعِ﴾، والذي عُنِى به من] (^٥) الوترِ بقوله: ﴿وَالْوَتْرِ﴾؛ فقال بعضُهم: الشفعُ يومُ النحرِ، والوترُ يومُ عرفةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9758>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ وعبدُ الوهابِ ومحمدُ بنُ جعفرٍ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٥ إلى الفريابي وعبد بن حميد.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ٣٤١.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) أخرجه أحمد ٢٢/ ٣٨٩ (١٤٥١١)، والبزار (٢٢٨٦ - كشف)، والنسائي في الكبرى (٤١٠١)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٤١٣ - والحاكم (٢/ ٢٢٠، والبيهقي في الشعب (٣٧٤٣) كلهم من طريق زيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"24","page":348},{"text":"عوفٍ، عن زُرارةَ بن أوفى، عن ابن عباسٍ، قال: الوترُ يومُ عرفةَ، والشفعُ يومُ الذبحِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبَرنا عوفٌ، قال: ثنا زرارةُ بنُ أوفى، قال: قال ابنُ عباسٍ: الشفعُ يومُ النحرِ، والوَترُ يومُ عرفةَ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عفانُ بن مسلمٍ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، قال: قال عكرمةُ، عن ابن عباسٍ: الشفعُ يومُ النحرِ، والوَترُ يومُ عرفةَ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن عكرمةَ: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾. قال: الشفعُ يومُ النحرِ، والوترُ يومُ عرفةَ (^٢).\nوحدَّثنا به مرّةً أخرى، فقال: الشفعُ أيامُ النحرِ. وسائرُ الحديثِ مثلُه.\nحدثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبَرنا عاصمٌ الأحولُ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿وَالشَّفْعِ﴾. قال: يومُ النحرِ، ﴿وَالْوَتْرِ﴾: يومُ عرفةَ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ، قال: الشفعُ يومُ النحرِ، والوترُ يومُ عرفةَ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي سنانٍ، عن الضحاكِ: [﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾] (^٣). قال: أقسَم اللهُ بهن لما يَعلمُ من فضلِهِنَّ على سائرِ الأيامِ، وخيَّر هذين اليومين؛ لما يَعلَمُ من فضلِهما على (^٤) هذه الليالي، ﴿وَالشَّفْعِ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الشعب (٣٧٤٧) من طريق عوف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٠ بسنده إلى عكرمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٦، ٣٤٧ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت، ت ٣: \"والشفع والوتر وليال عشر\".\n(^٤) بعده في م: \"سائر\".","vol":"24","page":349},{"text":"وَالْوَتْرِ﴾. قال: الشفعُ يومُ النحرِ، والوترُ يومُ عرفةَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان عكرمةُ يقولُ: الشفعُ يومُ الأضحى، والوترُ يومُ عرفةَ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال عكرمةُ: عرفةُ، وترٌ، والنحرُ شفعٌ، عرفةُ يومَ التاسعِ، والنحرُ يومَ العاشرِ (^٢).\n[حدثنا عبدانُ] (^٣)، عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقول: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالشَّفْعِ﴾: يومُ النحرِ، ﴿وَالْوَتْرِ﴾: يومُ عرفةَ.\nوقال آخرون: الشَّفعُ اليومانِ بعدَ يومِ النَّحرِ، والوترُ اليومُ الثالثُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9759>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: [أخبَرني عمرُ بنُ قيسٍ، عن محمدِ بن المرتفعِ، عن عبدِ اللهِ بن الزبيرِ] (^٤) في قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾. قال: الشفعُ يومان بعدَ يومِ النحرِ، والوترُ يومُ النَّفْرِ الآخرِ، يقولُ اللهُ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (^٥) [البقرة: ٢٠٣].\nوقال آخرون: الشفعُ الخلقُ كلُّه، والوترُ اللهُ.\n_________\n(^١) عزا السيوطي شطره الأول في الدر المنثور ٦/ ٣٤٥ إلى الفريابي وعبد بن حميد، وعزا شطره الثاني في ٦/ ٣٤٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٣) في الأصل: \"حدثنا عصام\"، وفى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حدثت\". وينظر ما تقدم في ص ٣٤٧.\n(^٤) في ص، م، ت ١: \"قال ابنُ زيد\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٦ إلى المصنف وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":350},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9760>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثَّني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾. قال: اللهُ وترٌ وأنتم شفعٌ، ويقالُ: الشفعُ صلاةُ الغداةِ، والوترُ صلاةُ المغربِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾. قال: كلُّ خلقِ اللهِ شفعٌ؛ السماءُ والأرضُ، والبرُّ والبحرُ، والجنُّ والإنسُ، والشمسُ والقمرُ، واللهُ الوترُ وحدَه (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا ابنُ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ في قوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩]. قال: الكفرَ والإيمانَ، والشقوةَ والسعادةَ، والهدى والضلالةَ، والليلَ والنهارَ، والسماءَ والأرضَ، والجنَّ والإنسَ، والوترُ اللهُ. قال: وقال في الشفعِ والوترِ مثلَ ذلك (^٣).\nحدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾. قال: خَلَقَ اللهُ من كلِّ شيءٍ زوجين، واللهُ وترٌ واحدٌ صمدٌ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٦ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٢٦، وأخرجه ابن حجر بسند آخر عن مجاهد - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٦٧ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٦ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٢١/ ٥٤٧.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٦ إلى عبد بن حميد","vol":"24","page":351},{"text":"حدَّثني محمدُ بن عمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾. قال: الشفعُ الزوجُ، والوترُ اللهُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهد: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾. قال: الوترُ اللهُ، وما خلَق اللهُ من شيءٍ فهو شفعٌ (^٢).\n[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، قال: الوترُ اللهُ، وما خلَق اللهُ من شيءٍ فشفعٌ] (^٣) (^٤).\nوقال آخرون: عُنِى بذلك الخلقُ، وذلك أنَّ الخلقَ كلَّه شفعٌ ووترٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9761>[ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ عبد الأعلى] (^٣)، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قولِه: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾. قال: الخلقُ كلُّه شفعٌ ووترٌ، فأقسَم بالخلقِ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ في ذلك: الخلقُ كلُّه شفعٌ [ووترٌ (^٦)\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه] (^٣): ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾. قال: كان أَبِي يقولُ: كلُّ شيءٍ خَلَقَ اللهُ شفعٌ ووترٌ، فأَقسَم بما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٤١٤ - من طريق عبيد الله بن موسى.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٦٩ عن معمر به.\n(^٦) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٧٠ عن معمر به.","vol":"24","page":352},{"text":"خلق، وأقسَم بما تبصرون وما لا تبصرون (^١).\nوقال آخرون: بل ذلك الصَّلاة المكتوبةُ؛ منها (^٢) الشَّفعُ كصلاة الفجر والظهر، ومنها الوترُ كصلاةِ المغربِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9762>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان عمرانُ بنُ حصينٍ يقولُ: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾: الصلاةُ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾. قال: قال عمرانُ بن حصينٍ: هي الصَّلاةُ المكتوبةُ؛ منها شفعٌ، ومنها وترٌ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾. قال: ذلك صلاةُ المغربِ [الشفع والوتر] (^٤)؛ الشفعُ الركعتان (^٥)، والوترُ الركعةُ الثالثةُ (^٦).\nوقد رفَع حديثَ عمرانَ بن حُصينٍ بعضُهم.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤١٣.\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فيها\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣.\n(^٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٦ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"24","page":353},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9763>ذكرُ مَن رفعَه </span>(^١)\nحدثَّنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى خالدُ بنُ قيسٍ، عن قتادةَ، عن عمرانَ بن عصامٍ، عن عمرانَ بن حصينٍ، عن النبيِّ ﷺ في الشفعِ والوترِ، قال: \"هي الصلاةُ؛ منها شفعٌ، ومنها وترٌ\".\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عفانُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، أنه سُئِل عن الشفعِ والوترِ، فقال: أخبَرنى عمرانُ بنُ عِصامٍ الضُّبَعيُّ، عن شيخٍ من أهلِ البصرةِ، عن عمرانَ بن حصينٍ، عن النبيِّ ﷺ، قال: \"هي الصلاةُ؛ منها شفعٌ، ومنها وترٌ\" (^٢).\nحدَّثنا [أبو كُرَيبٍ] (^٣)، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا همامُ بنُ يحيى، [عن قتادةَ] (^٤)، عن عمرانَ بن عصامٍ، عن شيخٍ من أهلِ البصرةِ، عن عمرانَ بن حصينٍ، أن رسولَ الله ﷺ قال في هذه الآيةِ: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾. قال: \"هي الصلاةُ؛ منها شفعٌ، ومنها وترٌ\".\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾: إن من الصلاة شفعًا، وإن منها وترًا (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت،٢، ت ٣: \"قال ذلك\".\n(^٢) أخرجه الروياني في مسنده (١٤٨) عن محمد بن بشار، وأخرجه أحمد ٤/ ٤٣٨ (الميمنية)، والترمذي (٣٣٤٢)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٤١٥ - والطبرانى ١٨/ ٢٣٢، ٢٣٣ (٥٧٨، ٥٧٩)، والحاكم ٢/ ٥٢٢ من طريق همام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٦ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٣) في الأصل: \"ابن كريم\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ا، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":354},{"text":"[وقال آخرون: والعددُ منه الشفع ومنه الوتر.\n\n<span data-type='title' id=toc-9764>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: هو العددُ منه شفعٌ ومنه وترٌ] (^١) (^٢).\nحدثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عفانُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، أنه سُئِل عن الشفعِ والوترِ، فقال: قال الحسنُ: هو العددُ.\nورُوِى عن النبيِّ ﷺ خبرٌ يؤيدُ القولَ الذي ذكَرنا عن ابن الزُّبيرِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-9765>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عبد الله بن أبى زيادٍ القَطْوَانيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، قال: أخبَرني عياشُ بن عقبةَ، قال: أخبَرنا خيرُ بنُ نُعيمٍ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، أن رسول الله ﷺ قال: \"الشفع اليومان، والوترُ اليومُ الثالثُ (^٤) \" (^٥).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أقسَم بالشفعِ والوترِ، ولم يخصُص نوعًا من الشفعِ ولا من الوترِ دونَ نوعٍ بخبرٍ ولا عقلٍ، فكلُّ شفعٍ ووترٍ فهو مما أقسَم به، مما قال أهلُ التأويلِ إنه داخلٌ في قَسَمِه هذا؛ لعمومِ قسمِه\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) يقصد الخبر المتقدم ص ٣٥٠.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الواحد\".\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٦ إلى المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤١٤ نقلًا عن المصنف.","vol":"24","page":355},{"text":"بذلك.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَالْوَتْرِ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأة المدينةِ ومكةَ والبصرةِ، وبعضُ قرأةِ الكوفةِ [بفتحِ الواوِ (^١)، وهى لغةُ أهلِ الحجازِ، وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ] (^٢) بكسرِ الواوِ (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا أنهما قراءتان مستفيضتان معروفتان في قرأةِ الأمصارِ ولغتان مشهورتان في العربِ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-5997\"></span>وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾. يقولُ: والليلِ إذا سار فذهَب. يقالُ منه: سرَى فلانٌ ليلًا يسرِى. إذا سار.\nوقال بعضُهم: عُنِى بقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾. ليلةُ جَمْعٍ، وهى ليلةُ المزدلفةِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9766>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُ بنُ قيسٍ، عن محمدِ بن المرتفعِ، عن عبدِ اللهِ بن الزبيرِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾: حتى يُذْهِبَ بعضُه بعضًا (^٤).\n_________\n(^١) هي قراءة ابن عامر ونافع وابن كثير وعاصم وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب. النشر ٢/ ٢٩٩.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت، ت ٣.\n(^٣) وهي قراءة حمزة والكسائى وخلف. النشر، الموضع السابق.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":356},{"text":"[حدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾] (^١). يقولُ: إِذا ذهَب (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةً، قال: أخبَرنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾. قال: إذا سار (^٣).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾. قال: والليلِ إذا سار (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾. يقولُ: إذا سار.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾. قال: إذا سار (^٥)\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾. قال: الليل إذا يسيرُ (٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ:\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (والليل إذا يسرى).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٧ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٧ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤١٥.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٧٠، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤١٥.","vol":"24","page":357},{"text":"﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾. قال: ليلهُ جمعٍ (^١).\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الشامِ والعراقِ: ﴿يَسْرِ﴾ بغيرِ ياءٍ (^٢). وقرَأ ذلك جماعةٌ من القرأةِ بإثباتِ الياء (^٣).\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وحذفُ الياءِ في ذلك أعجبُ إلينا، ليوفّقَ بينَ رءوسِ الآياتِ إذ كانت بالراءِ. والعربُ ربما أسقَطت الياءَ في موضعِ الرفعِ مثلَ هذا؛ اكتفاءً بكسرةِ ما قبلَها منها، ومن ذلك قولُ الشاعرِ (^٤):\nليس تخفَى يَسارَتي قدرَ يومٍ … ولقد تُخْفِ شِيمَتى إِعْسَارِى\n\n<span id=\"aya-5998\"></span>وقوله: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هل فيما أقسمتُ به من هذه الأمورِ مقْنَعٌ لذى حِجرٍ. وإنما يعنِى بذلك: إن في هذا القسمِ مكتفًى لمن عقَل عن ربِّه، مما هو أغلظُ منه من الأقسامِ. فأما معنى قولِه: ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾. فإنه: لذى حِجًا وذى عقلٍ، يقالُ للرجلِ إذا كان مالكًا نفسَه قاهرًا لها ضابطًا: إنه لذو حِجْرٍ. ومنه قولُهم: حجَر الحاكمُ على فلانٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9767>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخبَرنا قابوسُ بنُ أبي ظَبيانَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿لِذِي حِجْر﴾. قال:\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٧ إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) وهى قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى وخلف. النشر ٢/ ٢٩٩.\n(^٣) أثبتها وصلًا نافع وأبو جعفر وأبو عمرو، وفى الحالين يعقوب وابن كثير. النشر، الموضع السابق.\n(^٤) البيت في معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٦٠ بدون نسبة.","vol":"24","page":358},{"text":"لذى النُّهى والعقل (^١)\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةَ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿لِذِي حِجْر﴾. يقولُ: لأولى النُّهى.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾. قال: ذوى الحِجا والنُّهى والعقلِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن قابوسَ بن أبي ظبيانَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾. قال: لذى عقلٍ، لذى نُهًى.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن الأغرِّ المنِقَرِيِّ، عن خليفةَ بن الحصينِ، عن أبي نصرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾. قال: لذى لُبٍّ، لذى حِجًا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾. قال: لذى عقلٍ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: لذى عقلٍ، لذى رأيٍ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بن عمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٤٨٨ من طريق قابوس به.\n(^٢) أخرجه البيهقى في الشعب (٣٧٤٥) من طريق سفيان به، وهو في تفسير مجاهد ص ٧٢٧ عن الأغر، وأخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٦٧٧ من طريق خليفة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٧ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه البيهقي في الشعب (٤٦٥٢) من طريق الحارث به.","vol":"24","page":359},{"text":"عن [أبي يحيى] (^١)، عن مجاهدٍ: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾. قال: لذى لبٍّ، أو نُهًى.\nحدَّثنا الحسنُ بن عرفةَ، قال: ثنا خلفُ بنُ خليفةَ، عن هلالِ بن خَبّابٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾. قال: لذى عقلٍ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾. قال: لذى حِلْمٍ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾. قال: لذى حِجًا. وقال الحسنُ: لذى لُبٍّ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾: لذي حِجًا، لذى عقلٍ ولُبٍّ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾. قال: لذى عقلٍ. وقرَأ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]. وهم الذين عاتَبهم اللهُ. وقال: العقلُ واللُّبُّ واحدٌ، إلا أنه يفترقُ في كلامِ العربِ.\n\n<span id=\"aya-5999\"></span><span data-type='title' id=toc-9768>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١)﴾.\n_________\n(^١)</span> في الأصل: \"ابن أبي نجيح\". وينظر تهذيب الكمال ٣٤/ ٤٠١، ٤٠٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٧ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٧٠ عن الحسن به.","vol":"24","page":360},{"text":"<span id=\"aya-6000\"></span>قال أبو جعفرٍ ﵀: قولُه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ألم تنظرْ يا محمدُ بعين قلبِك، فترى كيف فعل ربُّك بعادٍ؟\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى (^١) قولِه: ﴿إِرَمَ﴾؛ فقال بعضُهم: هي اسمُ بلدة.\nثم اختلف الذين قالوا ذلك في البلدةِ التي عُنِيت بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنيت به الإسكندريةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9769>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال (^٢): ثني يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمنِ الزهريُّ، عن أبي صخرٍ عن القُرَظيِّ، أنه سمِعه يقولُ: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾: الإسكندريةُ (^٣).\nقال أبو جعفر (^٤): وقال آخرون: هي دِمَشْقُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9770>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الهلاليُّ من أهلِ البصرةِ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ عبدِ المجيدِ، قال: ثنا ابنُ أبي ذئبٍ عن المَقْبُرِيِّ: ﴿بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تأويل\".\n(^٢) بعده في ت ٢ ت ٣: \"قال ابن زيد في قوله: إرم. قال\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٧ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"صخر\".","vol":"24","page":361},{"text":"الْعِمَاد﴾. قال: هي دمشقُ (^١)\nوقال آخرون: عُنِى بقولِه: ﴿إِرَمَ﴾ أمَّةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9771>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِرَمَ﴾. قال: أمةٌ (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: القديمةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9772>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا] (^٣) عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِرَمَ﴾. قال: القديمةُ (^٤).\nوقال آخرون: تلك (^٥) قبيلةٌ من عادٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9773>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾. قال: كنا نُحدَّثُ أَنَّ إرمَ قبيلةٌ\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١/ ٢١٨ من طريق ابن أبي ذئب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٧ إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: الأصل، ص، ت ١.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٧٢٧، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٦٦ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) في الأصل: \"بل ذلك\".","vol":"24","page":362},{"text":"من عادٍ؛ بيت (^١) مملكةِ عادٍ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بِعَادٍ (٦) إِرَمَ﴾. قال: قَبيلٌ (^٢) من عادٍ، كان يقالُ لهم: إرمُ (^٣).\n[وقال آخرون: إِنَّ إرمَ هو] (^٤) جَدُّ عادٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9774>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾.\nيقولُ اللهُ: ﴿بِعَادٍ (٦) إِرَمَ﴾. أي: إنَّ عادَ، ابنُ إرَمَ بن عَوْصٍ بن سامِ بن نوحٍ (^٥).\nوقال آخرون: ﴿إِرَمَ﴾: الهالكِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9775>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ﴾. يعنى بالإرمِ الهالكَ، ألا ترَى أنك تقولُ: أَرِم بنو (^٦) فلان (^٧).\n_________\n(^١) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٣.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قبيلة\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٠ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) سيرة ابن هشام ١/ ٧: \"عاد ابن عوص بن إرم\". على أن إرم هو جدّ عاد كما ذكر المصنف في تقدمته لهذا الأثر. وقال القرطبي في تفسيره ٢٠/ ٤٥، ٤٤: \"وحكى عن ابن إسحاق أيضًا - قال: عاد ابن إرم. فإرم على هذا أبو عاد … وعلى القول الأول هو اسم جد عاد. قال ابن إسحاق: كان سام بن نوح له أولاد منهم إرم بن سام … فمن ولد إرم العمالقة والفراعنة والجبابرة والملوك الطغاة والعصاة\".\n(^٦) في الأصل: \"بني\". وينظر مصدر التخريج\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٧ إلى المصنف.","vol":"24","page":363},{"text":"[حدَّثني المروزيُّ] (^١)، عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرَنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿بِعَادٍ (٦) إِرَمَ﴾: [الإرمُ: الهالكُ] (^٢)، ألا ترَى أنك تقولُ: أَرِم بنو فلانٍ. أي هلَكوا (^٣).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندنا أن يقالَ: إن إرمَ إما اسمُ بلدةٍ كانت عادُ تسكنُها، فلذلك رُدَّت على عادَ على الإتباعِ لها، ولم تُجْرَ من أجلِ ذلك، وإما اسمُ قبيلةٍ فلم تُجْرَ أيضًا، كما لا تُجْرَى أسماءُ القبائلِ؛ كتميمَ وبكرَ، وما أشبةَ ذلك إذا أرادوا به قبيلةً. وأما اسمُ عادَ فلم يُجرَ، إذ كان اسمًا أعجميًّا.\nفأما ما ذُكِر عن مجاهدٍ، أنه قال: عُنِى بذلك القديمةُ. فقولٌ لا معنى له؛ لأن ذلك لو كان معناه لكان مخفوضًا (^٤) بالتنوينِ، وفى تركِ الإجراءِ الدليلُ على أنه ليس بنعتٍ ولا صفةٍ.\nوأشبهُ الأقوالِ فيه بالصوابِ عندى أنها اسمُ قبيلةٍ من عادَ؛ ولذلك جاءت القراءةُ بتركِ إضافةِ عادَ إليها وتركِ إجرائِها، كما يقالُ: ألم ترَ ما فعَل ربُّك بتميم نهشلَ. فتُرِك (^٥) نهشلُ، وهى قبيلةٌ فتُرِك إجراؤُها لذلك، وهي في موضعِ خفضٍ بالردِّ على تميمَ، ولو كانت ﴿إِرَمَ﴾ اسمَ بلدةٍ أو اسمَ جدٍّ لعادٍ لجاءت القراءةُ بإضافِة عادَ إليها، كما يقالُ: هذا عمرُو زبيدٍ وحاتمُ طيئ وأعشى هَمْدَانَ، ولكنها اسم قبيلةٍ منها فيما أرى كما قال قتادةُ واللهُ أعلمُ؛ فلذلك أجمَعت القرأةُ فيها على تركِ الإضافةِ وتركِ الإجراءِ.\nوقولُه: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿ذَاتِ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حدثت\". وتقدم في ص ٣٤٧.\n(^٢) في ص، م: \"الهلاك\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الهالك\"، وفي مصدر التخريج: \"الإرم: الهلاك\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"محفوظًا\".\n(^٥) في م: \"فيترك إجراء\".","vol":"24","page":364},{"text":"الْعِمَادِ﴾ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناه: ذاتِ الطُّولِ. وذهَبوا في ذلك إلى قولِ العربِ للرجلِ الطويلِ: رجلٌ مُعَمَّدٌ. وقالوا: كانوا طِوالَ الأجسامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9776>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾. يعني: طولُهم مثلُ العمادِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بن عمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾. قال: كان لهم جسمٌ في السماءِ (^٢).\nوقال بعضُهم: بل قيل لهم: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾؛ لأنهم كانوا أهلَ عَمَدٍ، ينتجعون الغيوثَ وينتقِلون إلى الكلأِ حيثُ كان، ثم يرجِعون إلى منازلِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-9777>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْعِمَادِ﴾. قال: أهلُ عمودٍ لا يقيمون (^٢).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾. قال: ذُكِر لنا أنهم كانوا أهلَ عمودٍ لا يقيمون؛ سيارةً.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٧ إلى المصنف.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣٦٢.","vol":"24","page":365},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾. قال: كانوا أهلَ عمودٍ (^١).\nوقال آخرون: بل قيل ذلك لهم؛ لبناءٍ بناه بعضُهم، فشَيَّد عَمَدَه ورفَع بناءَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9778>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾. قال: عادُ قومُ هودٍ، بنَوها وعمِلوها حينَ كانوا في الأحقاف. قال: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾: مثلُ تلك الأعمادِ (^٢)، ﴿فِي الْبِلَادِ﴾. قال: وذلك في الأحقافِ في حضرَ موتَ، ثَمَّ كانت عادٌ. قال: وثَمَّ أحقافُ الرملِ، كما قال اللهُ جلَّ ثناؤه، الأحقافُ؛ من الرملِ: رمالٌ أمثالُ الجبالِ، تكونُ مُظِلَّةٌ مجوَّفةً.\nوقال آخرون: قيل ذلك لهم؛ لشدِة أبدانِهم وقُوتِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-9779>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا المروزيُّ، عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾. يعنى: الشِّدةِ والقوةِ (^٣).\nوأشبهُ الأقوالِ في ذلك بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ قولُ مَن قال: عُنِى بذلك أنهم\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"لا يقيمون\". والأثر تقدم تخريجه في ص ٣٦٣\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الأعمال\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":366},{"text":"كانوا أهلَ عمودٍ سيارةً؛ لأن المعروفَ في كلامِ العربِ من العمادِ، ما عُمِد به الخيامُ من الخشبِ، أو السوارى التي يُحمَلُ عليها البناءُ، ولا يُعلمُ بناءٌ كان لهم بالعمادِ بخبرٍ صحيحٍ، بل وجَّه بعضُ (^١) أهل التأويلِ قولَه: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ إلى أنه عُنِى به طولُ أجسامِهم، وبعضُهم إلى أنه عُنِى به عمادُ خيامِهم، فأما عِمادُ البنيانِ، فلا نعلَمُ كبيرَ أحدٍ من أهلِ التأويلِ وجَّهَه إليه، وتأويلُ القرآنِ إنما يوجَّهُ إلى الأعرفِ (^١) الأغلبِ الأشهرِ من معانيه - ما وُجد إلى ذلك سبيلٌ - دونِ الأنكرِ.\n\n<span id=\"aya-6001\"></span>وقوله: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ألم ترَ كيف فعَل ربُّك بعادَ، إرمَ التي لم يُخلقْ مثلُها؛ يعنى: مثلُ عادَ، والهاءُ عائدةٌ على عادَ. وجائزٌ أن تكون عائدةً على إرمَ؛ لما قد بيَّنا قبلُ أنها قبيلةٌ. وإنما عُنِى بقولِه: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾: [لم يخلق مثلها] (^٢) في العِظَمِ والبطشِ والأَيْدِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9780>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾: ذُكر لنا أنهم كانوا اثنى عشرَ ذراعًا طولًا في السماء (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك ذاتِ العماد التي لم يخلقْ مثلُ الأعمدةِ في البلادِ. وقالوا: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾ من صفة هو ﴿ذَاتِ الْعِمَاد﴾، والهاءُ التي في\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٧ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":367},{"text":"﴿مِثْلُهَا﴾ إنما هي من ذكرِ ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-9781>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ. فذكَر نحوَه (^١).\nوهذا قولٌ لا وجهَ له؛ لأن ﴿الْعِمَادِ﴾ واحدٌ مذكرٌ، و﴿الَّتِي﴾ للأنثى، ولا يوصفُ المذكرُ بالتي، ولو كان ذلك من صفة ﴿الْعِمَادِ﴾ لقيل: الذي لم يُخْلقْ مثلُه في البلادِ. وإن جُعِلت ﴿الَّتِي﴾ لإرمَ، وجُعِلت الهاءُ عائدةً في قولِه: ﴿مِثْلُهَا﴾ عليها، وقيل: هي دمشقُ أو الإسكندريةُ. فإنَّ بلادَ عادٍ هي التي وصَفها الله في كتابِه فقال: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١].\nوالأحقافُ هي جمعُ حِقْفٍ، وهو ما انعطَف من الرمل وانحنى. وليست الإسكندرية ولا دمشق من بلادِ الرمال، بل ذلك الشِّحْرُ (^٢) من بلادِ حضرَموتَ وما والاها.\n\n<span id=\"aya-6002\"></span>وقولُه: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾. يقولُ: وثمودَ الذي خرَقوا الصخرَ ودخَلوه، فاتَّخذوه بيوتًا. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢]. والعربُ تقولُ: جابَ فلانٌ الفلاةَ يَجُوبُها جَوْبًا. إذا دخَلها وقطَعها، ومنه قولُ نابغةِ بني جعدةَ (^٣):\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤١٧.\n(^٢) في الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الشجر\". والشِّحر: الشَّطُّ، وهو صقع على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن. قال الأصمعي: هو بين عَدَن وعُمَان. وهناك عدة مدن يتناولها هذا الاسم. معجم البلدان ٣/ ٢٦٣.\n(^٣) البيت في الأغانى ٥/ ٢٨، والنهاية ٣/ ١٨٣، واللسان (عثمثم).","vol":"24","page":368},{"text":"أَتَاكَ أبو لَيْلَى يجوبُ بهِ الدُّجَى … دُجَى الليلِ جَوَّابُ الفلاةِ عَثَمْثَمُ (^١)\nيعنى بقولِه: يجوبُ: يدخلُ ويقطعُ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9782>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾. يقولُ: فخرَقوها (^٢)\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾. يعنى ثمودَ قومَ صالحٍ؛ كانوا ينحِتون من الجبالِ بيوتًا (^٣).\nحدَّثني محمدُ بن عمارةَ الأسَدِيُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾. قال: جابوا الجبالَ، فجعَلوها بيوتًا (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾: جابوها ونَحتوها بيوتًا.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةِ: ﴿جَابُوا\n_________\n(^١) في م: \"عميم\". والعثمثم: الجمل القوى الشديد. اللسان (عثمثم).\n(^٢) في الأصل: \"يجوبونها\". وفي ت ٢، ت ٣: \"يحرقوها\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٧ إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":369},{"text":"الصَّخْرَ﴾: نَقَبوا الصخرَ (^١).\n[حدّثنى المروزيُّ] (^٢)، عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾. يقولُ: قَدُّوا (^٣) الحجارةَ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾: ضرَبوا البيوتَ والمساكنَ في الصخرِ في الجبالِ، حتى جعَلوا فيها مساكنَ، ﴿جَابُوا﴾: جرَّبوها؛ تجرَّبوا (^٥) البيوتَ في الجبالِ (^٤).\nوقال قائلٌ (^٦):\nألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله بائدٌ … كما بادَ حيٌّ من شَنِيفٍ (^٧) وَمَارِدِ\nهمُ ضرَبوا في كلِّ صَلَّاءَ صَعْدَةٍ … بأيدٍ شِدَادٍ أَيِّدَاتِ السَّواعِدِ\n\n<span id=\"aya-6003\"></span>وقوله: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ألم ترَ كيف فعل ربُّك أيضًا بفرعونَ صاحب الأوتادِ؟\nواختلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾. ولِم قيل له كذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ذى الجنودِ الذين يقوُّون له أمرَه. وقالوا: الأوتادُ في هذا\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٠ عن معمر به.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حدثت\". والمروزى هو عبدانُ، وتقدم في ص ٣٤٧.\n(^٣) في الأصل: \"بدوا\". والقدُّ: القطع، مطلقًا. أو هو الشق طولًا. التاج (ق د د).\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٤١٨.\n(^٥) في الأصل: \"يجيبوا\".\n(^٦) البيتان في تفسير ابن كثير ٨/ ٤١٩.\n(^٧) في م: \"شنيق\".","vol":"24","page":370},{"text":"الموضعِ: الجنودُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9783>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾. قال: الأوتادُ: الجنودُ الذين يشُدُّون له أمره، ويقالُ: كان فرعونُ يُوتِدُ في أيديهم وأرجلهم أوتادًا من حديدٍ، يُعَلِّقُهم بها (^١).\nوقال آخرون: بل قيل له ذلك؛ لأنه كان يُوتِدُ الناس بالأوتادِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9784>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾. قال: كان يُوتِدُ الناسَ بالأوتادِ (^٢).\nوقال آخرون: كانت مظالَّ وملاعب يُلعَبُ له تحتَها.\n\n<span data-type='title' id=toc-9785>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾: ذكر لنا أنها كانت مظالَّ وملاعبَ يُلعبُ له تحتها من أوتادٍ وحبالٍ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ذِي\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٧ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":371},{"text":"الْأَوْتَادِ﴾. قال: ذى البناءِ؛ كانت مظالُّ يُلْعَبُ له تحتَها، وأوتادٌ تُضربُ له (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ثابتٍ البُنَانيِّ، عن أبي رافعٍ، قال: أوتَد فرعونُ لامرأتِه أربعةَ أوتادٍ، ثم جعَل على ظهرِها رحًا عظيمةً حتى ماتت (^٢).\nوقال آخرون: بل قيل ذلك له؛ لأنه كان يعذِّبُ الناسَ بالأوتادِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9786>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن محمودٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾. قال: كان يجعلُ رِجلًا ههنا ورجلًا ههنا، ويدًا ههنا ويدًا ههنا، بالأوتادِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾. قال: كان يُوتِدُ الناسَ بالأوتادِ (^٤).\nوقال آخرون: إنما قيل ذلك له لأنه كان له بنيانٌ يعذِّبُ الناسَ عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9787>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن رجلٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧١ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٨ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧١ عن معمر به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٨ إلى المصنف.\n(^٤) تقدم في الصحفة السابقة.","vol":"24","page":372},{"text":"سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾. قال: كان له مَناراتٌ يعذِّبُهم عليها (^١).\nوأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنى بذلك الأوتادُ التي تُوتَدُ، من خشبٍ كانت أو حديدٍ؛ لأن ذلك هو المعروفُ من معاني الأوتادِ، ووَصِف بذلك؛ لأنه إما أن يكونَ كان يعذبُ الناسَ بها، كما قال أبو رافعٍ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، وإما أن يكون كان يُلعَبُ له بها.\n\n<span id=\"aya-6004\"></span>وقوله: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾. يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ﴾: عادًا وثمودَ وفرعونَ وجندَه، ويعنى بقولِه: ﴿طَغَوْا﴾: تجاوَزوا ما أباحه الله لهم، وعتَوا على ربِّهم إلى ما حظَره عليهم من الكفرِ به، وقولُه: ﴿فِي الْبِلَادِ﴾. يعني: في البلادِ التي كانوا فيها.\n\n<span id=\"aya-6005\"></span><span data-type='title' id=toc-9788>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤) فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فأكثَروا في البلادِ المعاصيَ، وركوبَ ما حرَّم اللهُ عليهم،\n\n<span id=\"aya-6006\"></span>﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأنزَل بهم يا محمدُ ربُّك عذابَه، وأحلَّ بهم نقمتَه؛ بما أفسَدوا في البلادِ وطغَوا على اللهِ فيها. وقيل: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾. وإنما كانت نِقَمًا تنزلُ بهم؛ إما ريحًا تدمِّرُهم، وإما رَجْفًا يُدَمدِمُ عليهم، وإما غرقًا يُهلكُهم من غيرِ ضربٍ بسوطٍ ولا عصًا؛ لأنه كان من أليمِ عذابِ القومِ الذين خوطِبوا بهذا القرآنِ، الجلدُ بالسياطِ، فكثُر استعمالُ القومِ في الخبرِ عن شدةِ العذابِ الذي يعذَّبُ به\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٨ إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":373},{"text":"الرجلُ منهم أن يقولوا: ضُرِب فلانٌ حتى بالسِّياطِ. إلى أن صار ذلك مثلًا، فاستعمَلوه في كلِّ معذَّبٍ بنوعٍ من العذابِ شديدٍ، وقالوا: صُبَّ عليه سَوطُ عذابٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9789>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾. قال: ما عُذِّبوا به (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾. قال: العذابُ الذي عذَّبهم به سمَّاه سوطَ عذابٍ.\n\n<span id=\"aya-6007\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ: إِنَّ ربَّك يا محمدُ لهؤلاء الذين قصَصْتُ عليك قَصَصَهم، ولضُرَبائهم من أهلِ الكفرِ به، لبالمِرْصادِ يرصُدُهم بأعمالِهم في الدنيا، وفى الآخرةِ على قناطرِ جهنمَ، ليُكردِسَهم (^٢) فيها إذا وَرَدوها يومَ القيامةِ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويِلِه؛ فقال بعضُهم: معنى قولهِ: ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾: بحيثُ يَرى ويسمعُ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٢٧، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٦٦ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) يكردسهم: يجمع بعضهم إلى بعض. ينظر اللسان (كردس).","vol":"24","page":374},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9790>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾، يقولُ: يسمعُ ويَرى (^١).\nوقال آخرون: يعنى بذلك أنه بمَرْصَدٍ لأهلِ الظُّلِمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9791>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْران، عن المباركِ بن مجاهدٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في هذه الآيةِ، قال: إذا كان يومُ القيامةِ، يأمرُ الربُّ ﷻ بكرسيِّه فيوضعُ على النارِ، فيستوى عليه، ثم يقولُ: وعزَّتى، لا يتجاوزُنى اليومَ ذو مَظْلِمةٍ. فذلك قولُه: ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، قال: بلَغني أن على جهنَّمَ ثلاثَ قناطرَ؛ قنطرةٍ عليها الأمانةُ، إذا مرُّوا بها تقولُ: يا ربِّ، هذا أمينٌ، يا ربِّ، هذا خائنٌ. وقنطرةٍ عليها الرَّحِمُ، إذا مرُّوا بها تقولُ: يا ربِّ، هذا واصلٌ، يا ربِّ، هذا قاطعٌ. وقنطرةٍ عليها الربُّ تعالى ذكره: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾: يعنى جهنمَ، عليها ثلاثُ قناطرَ؛ قنطرةٍ فيها الرحمةُ، وقنطرةٍ فيها الأمانةُ، وقنطرةٍ فيها\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٥٥ - والبيهقي في الأسماء والصفات (٩١٢) من طريق أبي صالح، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٨ إلى ابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٨ إلى ابن المنذر وأبى نصر السجزي في الإبانة.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٨ إلى المصنف.","vol":"24","page":375},{"text":"الربُّ ﵎ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. قال: مِرْصَادِ عمل بني آد آدمَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-6008\"></span>وقولُه: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأَمَّا الإنسانُ إذا ما امتحنه ربُّه بالنِّعمِ والغِنى، ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾ بالمالِ، وأفْضَل عليه، ﴿وَنَعَّمَهُ﴾ بما أوْسَع عليه مِن فضلِه، ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾، فيفرحُ بذلك ويُسَرُّ به ويقولُ: ربى أَكْرَمنى بهذه الكرامةِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾؛ وحُقَّ له.\n\n<span id=\"aya-6009\"></span><span data-type='title' id=toc-9792>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وقولُه جل وعز: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾. يقولُ: وأمَّا إذا ما امتحنه ربُّه بالفقرِ، ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾. يقولُ: فضيَّق عليه رزْقَه وقَتَّره، فلم يُكْثِر مالَه، ولم يُوسِعْ عليه، ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾. يقولُ: فيقولُ ذلك الإنسانُ: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾. يقولُ: أَذلَّنى بالفقرِ، ولم يشْكُرِ الله على ما وهب له من سلامةِ جوارحِه، ورزَقه من العافيةِ في جسمِه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ٢٠/ ٥٠.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧١ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":376},{"text":"فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾: ما أسرعَ كفرَ ابن آدمَ.\nحدَثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه ﷿: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾. قال: ضَيَّقه (^١).\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾؛ فقرأت عامةُ قرأةِ الأمصارِ ذلك بالتخفيفِ: ﴿فَقَدَرَ﴾ بمعنى: فَقَتَر (^٢)، خلا أبي جعفرٍ القارئِ؛ فإنه قرَأ ذلك بالتشديدِ: (فَقَدَّرَ) (^٣). وذُكِر عن أبي عمرِو بن العلاءِ أنه كان يقولُ: قدَّر، بمعنى: يُعْطِيه ما يَكْفِيه. ويقولُ: لو فعَل ذلك به ما قال: ربِّي أهاننى.\nوالصوابُ من قراءةِ ذلك عندَنا بالتخفيفِ (^٤)؛ لإجماعِ الحجَّةِ مِن القرأةِ عليه.\n\n<span id=\"aya-6010\"></span>وقولُه: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿كَلَّا﴾. في هذا الموضعِ، وما الذي أنكَر بذلك؛ فقال بعضُهم: أنكَر جلَّ ثناؤُه أن يكونَ سببُ كرامتِه من أكرم كثرةَ مالِه، وسببُ إهانتِه مَن أهان قلةَ مالِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9793>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾: ما أسرعَ ما كفَرَ ابنُ آدمَ! يقولُ اللهُ جَلَّ ثناؤُه: كلا، إني لا أُكْرِمُ مَن أكرمتُ بكثرةِ الدنيا، ولا أُهينُ مَن أهنْتُ بقلتِها، ولكن إنما أُكْرِمُ مَن أكرمْتُ بطاعتِى، وأُهينُ مَن أهنْتُ بمعصيتِى.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٩ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) هي قراءة ابن كثير وعاصم وأبي عمرو وحمزة ونافع والكسائى ويعقوب وخلف. النشر ٢/ ٢٩٩.\n(^٣) وقرأ بها أيضًا ابن عامر. المصدر السابق.\n(^٤) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"24","page":377},{"text":"وقال آخرون: بل أنكر جلَّ ثناؤُه حمْدَ الإنسانِ ربَّه على نِعَمِه دونَ فقرِه، وشكواه الفاقةَ. وقالوا: معنى الكلامِ: كلا، أي لم يكنْ يَنْبَغِي أَنْ يكونَ هكذا، ولكن كان يَنْبَغى أن يحمَدَه على الأمرين جميعًا؛ على الغِني والفقرِ.\nوأولى القولين في ذلك عندنا بالصوابِ القولُ الذي ذكَرْناه عن قتادةَ؛ لدَلالةِ قولِه: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾. والآياتِ التي بعدها، على أنه إنما أهان مَن أهان بأنه لا يُكْرِمُ اليتيمَ، ولا يَحُضُّ على طعامِ المسكينِ، وسائرِ المعاني التي عدَّد، وفي إبانتِه عن السببِ الذي من أجلِه أهانَ مَن أهانَ، الدَّلالةُ الواضحةُ على سببِ تكريمهِ مَن أَكْرَم، وفي تَبْيينِه ذلك عَقِيبَ قولِه: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ - بيانٌ واضحٌ عن أنَّ (^١) الذي أنكَر من قولِه، ما وصَفْنا.\n\n<span id=\"aya-6011\"></span>وقوله: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: بل إنما أهنْتُ مَن أهنتُ مِن أجلِ أنه لا يُكْرِمُ اليتيمَ. فأخْرَج الكلامَ على الخطابِ، فقال: بل لستم تُكْرِمون اليتيمَ؛ فلذلك أهنْتُكم، ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه مِن أهل المدينةِ أبو جعفرٍ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ﴾. بالتاءِ أيضًا وفتحِها وإثباتِ الألفِ فيها (^٢)، بمعنى: ولا يَحُضُّ بعضُكم بعضًا على طعامِ المسكينِ. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ مكةَ وعامةُ قرأةِ المدينةِ، بالتاءِ وفتحِها وحذفِ الألفِ: (وَلا تَحُضُّونَ) (^٣). بمعنى: ولا تأْمُرون بإطعامِ المسكينِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ البصرةِ:\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) وهي قراءة أبي جعفر وحمزة وعاصم والكسائى وخلف. النشر ٢/ ٢٩٩.\n(^٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وابن عامر. المصدر السابق.","vol":"24","page":378},{"text":"(يَحُضُّونَ). بالياءِ وحذفِ الألفِ (^١)، بمعنى: ولا يُكرِمُ القائلُ (^٢) إذا ما ابتلاه ربُّه فأكْرَمه ونعَّمه: ربى أكرَمنى. وإذا قدر عليه رزْقَه: ربي أهانني - اليتيمَ، وَلا يَحُضُّونَ على طَعامِ المسكينِ. وكذلك يقرأُ الذين ذكَرْنا من أهلِ البصرةِ: (يُكْرِمُونَ). وسائرَ الحروفِ معها بالياءِ، على وجْهِ الخبرِ عن الذين ذكَرْتُ. وقد ذُكر عن بعضِهم أنه قرَأ: (تُحاضُّونَ). بالتاءِ وضمِّها وإثباتِ الألفِ، بمعنى: ولا تُحافظون (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنَّ هذه قراءاتٌ معروفاتٌ في قراءةِ الأمصارِ، أعنى القراءاتِ الثلاثَ الأُوَلَ (^٤)، صحيحاتُ المعاني، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصِيبٌ.\n\n<span id=\"aya-6012\"></span>وقوله: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وتأكُلون أيُّها الناسُ الميراثَ أكلًا لمًّا. يعنى: أكلًا شديدًا، لا تَترْكون منه شيئًا. وهو من قولِهم: لَممْتُ ما على الخِوَانِ أجمعَ، فأنا ألمُهُ لمًّا. إذا أكلتَ ما عليه، فأَتيتَ على جميعِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في [قولِه: ﴿التُّرَاثَ﴾] (^٥)، قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9794>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عمرُو بنُ سعيدِ بن يسارٍ القرشيُّ، قال: ثنا الأنصاريُّ، عن أشعثَ،\n_________\n(^١) وهى قراءة أبي عمرو ويعقوب. المصدر السابق.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"القائلون\".\n(^٣) القراءة شاذة، وهى قراءة عبد الله وعلقمة وزيد بن علي وعبد الله بن المبارك والشيرزي عن الكسائي. البحر المحيط ٨/ ٤٧١.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذلك\".","vol":"24","page":379},{"text":"عن الحسن: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾. قال: الميراثَ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾: أي الميراثَ (^٢).\nقال أبو جعفرٍ: وكذلك في قولِه: ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-9795>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾. يقولُ: تأكلون أكلًا شديدًا (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن يونسَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾. قال: نَصيبَه ونصيبَ صاحبِه (١).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾. قال: اللَّمُّ: السَّفُّ، لفُّ كلِّ شيءٍ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾. أي: شديدًا (٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٩ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٩ إلى المصنف.\n(^٤) أخرجه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٦٦ - عن ورقاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم مطولًا.","vol":"24","page":380},{"text":"حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾. يقولُ: أكلًا شديدًا.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾. قال: الأَكْلُ اللَّمُّ: الذي يأكلُ كلَّ شيءٍ يجدُه لا يسألُ عنه (^١)، يأكلُ الذي له، والذي لصاحبِه، كانوا لا يُورِّثون النساءَ، ولا يُورِّثون الصغارَ. وقرَأ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾. [النساء: ١٢٧] أي: لا تُورِّثونهم أيضًا، ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾: يأكلُ ميراثه، وكلُّ شيءٍ ولا يسألُ عنه، ولا يَدْرى أحلالٌ أم حرامٌ (^٢).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾. يقولُ: سَفًّا (^٣).\nحدَّثني ابنُ عبدِ الرحيم البرقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمة التِّنِّيسيُّ (^٤)، عن زُهيرٍ، عن سالمٍ، قال: سمعتُ بكرَ بن عبدِ اللهِ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾. قال: اللَّمُّ: الاعتداءُ في الميراثِ، يأكلُ ميراثَه وميراثَ غيرِه (^٥).\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٩ مفرقًا، وعزا بعضه إلى المصنف وبعضه إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٩ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٤) في الأصل: \"التيمي\". وفى م: \"البستي\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٥١.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":381},{"text":"<span id=\"aya-6013\"></span><span data-type='title' id=toc-9797>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾: وتحبُّون جمع المالِ أيُّها الناسُ واقتناءَه حبا كثيرًا شديدًا. من قولِهم: قد جمَّ الماءُ في الحوضِ. إذا اجتمع، ومنه قولُ زُهيرِ بن أَبي سُلْمى (^١):\nفلَمَّا وَرَدْنَ المَاءَ زُرْقًا جِمَامُهُ … وَضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9796>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾. يقولُ: شديدًا (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾: تحبُّون كثرةَ المالِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حُبًّا جَمًّا﴾. قال: الجَمُّ الكثيرُ (^٣).\n_________\n(^١) شرح ديوانه ص ١٣.\n(^٢) أخرجه ابنُ أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٥٥ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٩ إلى ابن المنذر.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٦٢٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٩ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":382},{"text":"<span id=\"aya-6014\"></span>حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾. أي: شديدًا (^١).\nحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿حُبًّا جَمًّا﴾: يُحِبُّون كثرة المال.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾. قال: الجَمُّ: الشديدُ.\nويعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿كَلَّا﴾: ما هكذا يَنْبغى أن يكونَ الأمرُ. ثم أخبَر جلَّ ثناؤُه عن نَدَمِهم على أفعالِهم السيِّئةِ في الدنيا، وتلهُّفِهم على ما سلَف منهم، حينَ لا ينفعُهم الندمُ، فقال جلَّ ثناؤُه: ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾. يعنى: إذا رُجَتْ وزُلْزِلَت زلزلةً [بعدَ زلزلةٍ] (^٢)، وحُرّكت تحريكًا بعدَ تحريكٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9798>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾. يقولُ: تحريكُها (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى حرملةُ بنُ عمرانَ، أنه سمِع عمرَ مولى غُفْرَةَ يقولُ: إذا سمعتَ الله ﷿ يقولُ: ﴿كَلَّا﴾. فإنما يقولُ: كذَبْتَ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٣٨٠.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٤٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":383},{"text":"<span id=\"aya-6015\"></span>وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا جاء ربُّك يا محمدُ والملائكةُ (^١) صُفُوفًا؛ صفًّا بعدَ صفٍّ.\nكما حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وعبدُ الوهابِ، قالا: ثنا عوفٌ، عن أبي المنهالِ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن ابنُ عباسٍ ﵄ أنه قال: إذا كان يومُ القيامةِ مُدَّتِ الأرضُ مدَّ الأديمِ، وزِيد في سَعَتِها كذا وكذا، وجُمِع الخلائقُ بصعيدٍ واحدٍ، جِنُّهم وإنسُهم، فإذا كان ذلك اليومُ قِيضَت (^٢) هذه السماءُ الدنيا عن أهلِها فنُثِروا (^٣) على وجْهِ الأرضِ، ولأهلُ هذه السماءِ وحدَهم أكثرُ من أهل الأرضِ؛ جِنِّهم وإنسِهم بضِعْفٍ، فإذا نُثِروا على وجْهِ الأرضِ فَزِعوا منهم، فيقولون: أفيكم ربُّنا؟ فيفزعون من قولهم ويقولون: سبحانَ ربِّنا! ليس فينا، وهو آتٍ. ثم تُقاضُ السماءُ الثانيةُ، فلأَهلُ السماءِ الثانيةِ وحدَهم أكثرُ مِن أهلِ السماءِ الدنيا ومِن جميعِ أهلِ الأرضِ بضِعْفٍ؛ جنِّهم وإنسِهم، فإذا نُثِروا على وجْهِ الأرضِ فَزِع إليهم أهلُ الأرضِ، فيقولون: أفيكم ربُّنا؟ فيفزَعون من قولِهم ويقولون: سبحانَ ربِّنا! ليس فينا، وهو آتٍ. ثم تُقاضُ السماواتُ سماءً سماءً، كلما قِيضَت سماءٌ عن أهلِها كانت أكثرَ من أهلِ السماواتِ التي تحتَها، ومِن جميعِ أهلِ الأرضِ بضِعْفٍ، فإذا نُثِروا على وجْهِ الأرضِ، فزِع إليهم أهلُ الأرضِ، فيقولون لهم مثلَ ذلك، ويَرْجِعون إليهم مثلَ ذلك، حتى تُقاضَ السماءُ السابعةُ، فلأهلُ السماءِ السابعةِ أكثرُ مِن أهلِ ستِّ سماواتٍ، ومن جميعِ أهلِ الأرضِ بضِعْفٍ، فيجِيءُ اللهُ فيهم والأممُ جُثًا صفُوفٌ، وينادِى منادٍ: ستعلمون اليومَ مَن أصحابُ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"أملاكه\"، وفي ت ٢، ت ٣: \"الملك\".\n(^٢) قيضت: شقت. اللسان (ق ى ض).\n(^٣) سقط من النسخ. والمثبت من زوائد الزهد ومن الأهوال.","vol":"24","page":384},{"text":"الكرَمِ، ليقُمِ الحمَّادون لله على كلِّ حالٍ. قال: فيقومون فيَسْرَحون إلى الجنةِ، ثم ينادى الثانيةَ: ستعلمون اليومَ مَن أصحابُ الكرمِ، أين الذين كانت ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]؟ فيقومون (^١) فيَسْرَحون إلى الجنةِ، ثم ينادِى الثالثَة: ستعلمون اليومَ مَن أصحابُ (^٢) الكرَمِ، أين الذين كانوا (١) ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]. فيقومون فيَسْرحون إلى الجنةِ، فإذا أخَذ من هؤلاءِ الثلاثةِ (^٣) خرَج عُنُقٌ مِن النارِ، فأشرَف على الخلائقِ، له عينان تُبْصِران، ولسانٌ فصيحٌ، فيقولُ: إنى وُكِّلْتُ منكم بثلاثةٍ؛ بكلِّ جبارٍ عنيدٍ. فيَلْقُطُهم مِن الصفوفِ لقطَ الطيرِ حبَّ السِّمْسمِ، فيُخيَّسُ (^٤) بهم في جهنمَ، ثم يخرجُ ثانيةً فيقولُ: إنى وُكِّلْتُ منكم بمَن آذى الله ورسولَه. فيَلْقُطُهم لقطَ الطيرِ حبَّ السَّمْسمِ، فيُخَيَّسُ (^٥) بهم في جهنمَ، ثم يخرجٌ ثالثةً - قال عوفُ: قال أبو المنهال: حسِبْتُ أنه يقولُ: وُكِّلْتُ بأصحابِ التصاويرِ. فيُلْقُطهم من الصفوفِ لقطَ الطيرِ حبَّ السِّمْسمِ، فيُخَيَّسُ (^٦) بهم في جهنمَ، فإذا أُخِذ من هؤلاء الثلاثةِ، ومِن\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في الأصل: \"أهل\".\n(^٣) في النسخ، هنا وفى الموضعين التاليين: \"ثلاثة\". والتصويب من زوائد الزهد ومن الأهوال.\n(^٤) في الأصل، ت:٢ \"فنحلس\"، وغير منقوطة في ص، وفى م، ت ٣، وزوائد الزهد: \"فيحبس\". والكلمة مطموسة في ت ١، والمثبت كما في الأهوال. والتخييسُ هنا الحبس. ويقال: خاس فلانٌ. إذا لزم موضعه. والمخيّس، كمُعظَّم ومُحدَّث: السجن لأنه يُخيَّس فيه المحبوس. ويقال أيضًا: خاس الرجلُ: ذلّ. لازم ومتعدٍّ. ينظر التاج (خ ى س).\n(^٥) في الأصل، ص غير منقوطة، وفى م، ت، ت: (فيحبس)، وفي ت ١ مطموسة.\n(^٦) في الأصل: \"فتحنس\"، وفى ص غير منقوطة، وفى م، ت ٢ ت ٣: \"فيحبس\"، وفي ت ١ مطموسة.","vol":"24","page":385},{"text":"هؤلاء الثلاثةِ، نُشِرت الصحفُ، ووُضعت الموازينٌ، ودُعِى الخلائقُ للحسابِ (^١).\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ قال: ثنا أبو أسامةَ، عن الأجلحِ، قال: سمعتُ الضحاكَ بنَ مزاحمٍ يقولُ: إذا كان يومُ القيامةِ، أمَر اللهُ السماءَ الدنيا فتَشقَّقتْ (^٢) بأهلِها، ونزَل مَن فيها مِن الملائكةِ، فأحاطوا بالأرضِ ومَن عليها، ثم الثانيةَ، ثم الثالثةَ، ثم الرابعةَ، ثم الخامسةَ، ثم السادسةَ، ثم السابعةَ، فصفُّوا صفًّا دونَ صفٍّ. ثم يَنزِلُ الملِكُ الأعلى، على مُجَنَّبتِه اليسرى جهنمُ، فإذا رآها أهلُ الأَرضِ ندُّوا، فلا يأتون قُطْرًا من أقطارِ الأرضِ إلا وجَدوا سبعةَ صفوفٍ من الملائكةِ، فيَرْجعون إلى المكانِ الذي كانوا فيه، فذلك قولُ الله ﷿: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (^٣) (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢، ٣٣]. وذلك قولُه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقولُه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]. وذلك قولُ اللهِ: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ (^٤) [الحاقة: ١٦، ١٧].\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن إسماعيلَ بن رافعٍ المدنيِّ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القرظيِّ، عن رجلٍ مِن الأنصارِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"تُوقَفُون موقفًا واحدًا يومَ\n_________\n(^١) أخرجه الحسين في زوائده على الزهد لابن المبارك (٣٥٣)، وابن أبي الدنيا في الأهوال (٢١٥)، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٦٢ من طريق عوف به.\n(^٢) سقط من النسخ، وينظر ما تقدم في ٢٠/ ٣١٩.\n(^٣) هي قراءة شاذة. وينظر ما تقدم في ٢٠/ ٣١٨.\n(^٤) تقدم تخريجه في ٢٠/ ٣١٩.","vol":"24","page":386},{"text":"القيامةِ مقدارَ سبعينَ عامًا لا يُنْظَرُ إليكم ولا يُقْضَى بينكم، قد حُصِر عليكم، فتَبْكون حتى ينقَطِعَ الدمعُ، ثم تَدْمَعون دمًا، وتَبْكون حتى يبلُغَ ذلك منكم الأذقانَ، أو يُلجِمَكم فتضِجُّون، ثم تقولون: مَن يَشفعُ لنا إلى ربِّنا، فيَقْضِيَ بيننا؟ فيقولون: من أحقُّ بذلك من أبيكم؟ جبَلَ اللهُ تُرْبتَه، وخلَقه بيدِه، ونفَخ فيه مِن رُوحِه، وكلَّمه قِبَلًا. فيُؤْتَى آدمُ ﷺ فيُطْلَبُ ذلك إليه، فيأْبَى، ثم يستَقْرئون (^١) الأنبياءَ نبيًّا نبيًّا، كلما جاءوا نبيًّا أبَى\". قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"حتى يأْتونِى، فإذا جاءونى خرَجْتُ حتى أتِىَ الفَحْصَ\". قال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللهِ، وما الفحصُ؟ قال: \"قُدَّامُ العَرْشِ، فأخِرَّ ساجدًا، فلا أزالُ ساجدًا حتى يبعثَ اللهُ إليَّ مَلَكًا، فيَأْخُذُ بعَضُدِى، فَيَرْفَعَنى ثم يقولُ اللهُ لى: يا محمدُ. فأقولُ: نعم. وهو أعلمُ فيقولُ: ما شأنُك؟ فأقولُ: يا ربِّ، وعَدْتَنى الشفاعةَ، فَشَفِّعْنى في خلْقِك فاقْضِ بينَهم. فيقولُ: قد شَفَّعتُك، أنا آتيكم فأقضِى بينكم\". قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"فأَنْصَرِفُ حتى أقِفَ (^٢) مع النَّاسِ، فبينا نحنُ وقوفٌ، سمِعْنا حِسًّا من السماءِ شديدًا، فهَالَنا، فنزَل أهلُ السماءِ الدنيا بِمِثْلَىْ مَن في الأرضِ مِن الجنِّ والإنسِ، حتى إذا دَنَوا مِن الأرضِ أَشْرقتِ الأرضُ بنورِهم (^٣)، وأخَذوا مصافَّهم، فقُلنا لهم: أفيكم ربُّنا؟ قالوا: لا، وهو آتٍ. ثم نزَل أهلُ السماءِ الثَّانِيةِ بِمِثْلَىْ مَن نزَلَ مِن الملائكةِ، وبمِثْلَىْ مَن فيها مِن الجنِّ والإنسِ، حتى إذا دَنَوا مِن الأَرضِ، أشْرقتِ الأرضُ بنورِهم (^٤)، وأخَذوا مصافَّهم، وقلنا لهم: أفيكم ربُّنا؟ قالوا: لا، وهو آتٍ. ثم نزَل أهلُ السماواتِ على قَدْرِ ذلك من التضعيفِ (^٥)، حتى نزل الجبَّارُ في ظُلَلٍ مِن\n_________\n(^١) في الأصل: \"يستنفرون\"، وفى م: \"يستقرون\".\n(^٢) في الأصل: \"ألف\".\n(^٣) في الأصل، ت ٢، ت ٣: \"لنورهم\".\n(^٤) في الأصل، ص، ت ٣: \"لنورهم\".\n(^٥) في ص، م، ت ١: \"الضعف\".","vol":"24","page":387},{"text":"الغمام، والملائكة، ولهم زَجَلٌ مِن تسبيحهم، يقولون: سبحان المَلِكِ ذى المَلَكوتِ، سبحانَ ربِّ العرشِ ذى الجبروت، سبحان الحيِّ الذي لا يموتُ، سبحان الذي يميتُ الخلائقَ ولا يموتُ، سُبُّوحٌ قدوسٌ ربُّ الملائكةِ والروحِ، قدوسٌ قدوسٌ، سبحانَ ربِّنا الأعلى، سبحانَ ذى الجبروتِ والمَلَكوتِ والكبرياءِ والسلطانِ والعظمةِ، سبحانَه أبدًا أبدًا. [فينزِلُ بحمَلةِ] (^١) عرشِه يومَئِذٍ ثمانيةً، وهم اليومَ أربعةٌ، أقدامُهم على (^٢) تُخَومِ الأرضِ السفلى والسماواتُ إلى حُجَزِهم، والعَرْشُ على مناكبِهم، فوضع اللهُ عَرْشَه (^٣) حيثُ شاء مِن الأَرضِ، ثم يُنادِى بنداءٍ يُسْمِعُ الخلائق، فيقولُ: يا معشرَ الجنِّ والإنسِ، إني قد أنصتُّ منذُ يومِ خلقتُكم إلى يومِكم هذا، أسمعُ كلامَكم، وأبْصِرُ أعمالَكم، فأنْصِتوا إليَّ، فإنما هي صُحُفُكم وأعمالُكم تُقْرأُ عليكم، فمن وجَد خيرًا فليحمَدِ الله، ومَن وجَد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ (^٤) إلا نفسَه. ثم يأمرُ اللهُ جهنمَ، فتُخْرِجُ منها عُنُقًا ساطعًا مُظْلِمًا، ثم يقولُ اللهُ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [يس: ٦٠ - ٦٣]، ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] فيتميَّزُ الناسُ ويَجْثُون، وهى التي يقولُ اللهُ ﷿: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الحاثية: ٢٨]، فيَقْضِى اللهُ ﷿ بينَ خَلْقِه؛ الجنِّ والإنسِ والبهائمِ، فإنه ليُقِيدُ (^٥) يومَئِذٍ للجَمَّاءِ مِن ذاتِ القُرونِ، حتى إذا لم\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يحمل\".\n(^٢) في الأصل: \"تحت\".\n(^٣) في الأصل: \"كرسيه\".\n(^٤) في الأصل: \"يلوم\"، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يلم\".\n(^٥) في الأصل: \"يقيد\".","vol":"24","page":388},{"text":"تَبْقَ تَبِعَةٌ عندَ واحدةٍ لأُخرى، قال اللهُ ﵎: كونوا تُرابًا. فعندَ ذلك يقولُ الكافرُ: يا ليتنى كنتُ تُرابًا. ثم يَقْضِى اللهُ تعالى بينَ الجنِّ والإنس\" (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾: صفوفُ الملائكةِ.\n\n<span id=\"aya-6016\"></span>وقوله: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجاء اللهُ يومَئذٍ بجهنمَ.\nكما حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا مروان الفزاريُّ، عن العلاءِ بن خالدٍ الأسديِّ، عن شقيقِ بن سلمةَ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ في قولِه: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. قال: جيء بها تُقادُ بسبعينَ ألفَ زمامٍ، مع كلِّ زمامٍ سبعونَ ألفَ مَلَكٍ يقودونها (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن عاصمِ بن بهدلةَ، عن أبي وائلٍ: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. قال: يُجاءُ بها يومَ القيامةِ تُقادُ بسبعينَ ألفَ زمامٍ (^٣)، كلُّ زمامٍ [بيدِ سبعينَ] (^٤) ألفَ مَلَكٍ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن قتادةَ، قال: [جنبتَيْه الجنةُ] (^٥) والنارُ. قال: هذا حينَ ينزِلُ مِن عرشِه إِلى كُرْسِيِّه لحسابِ خلْقِه. وقرَأ: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٣/ ٦١٣.\n(^٢) أخرجه ابنُ أبي شيبة ١٣/ ١٥١ من طريق مروان به، والترمذى عقب الأثر (٢٥٧٣) من طريق العلاء، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٠ إلى عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مع\".\n(^٤) في م: \"سبعون\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"سبعين\".\n(^٥) في ت ١: \"يجاء بالجنة\".","vol":"24","page":389},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبانِ (^١): ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. قال: جيء بها مزمومةً (^٢).\nوقولُه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يومئذٍ يتذكرُ الإنسانُ تفريطَه في الدنيا في طاعةِ اللهِ، وفيما يقرِّبُ إليه مِن صالحِ الأعمالِ، ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾. يقولُ: و(^٣) مِن أيِّ وجْهٍ له التذكُّرُ (^٤)!\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9799>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾. يقولُ: وكيف له (^٥)!\n\n<span id=\"aya-6017\"></span><span data-type='title' id=toc-9800>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن تلهُّفِ ابن آدم [وحزنِه] (^٦) يومَ القيامةِ، وتندُّمِه على تفريطِه في الصالحاتِ مِن الأعمالِ في الدنيا التي تُورِثُه بقاءَ الأبدِ، في نعيمٍ لا انقطاعَ له: يا ليتني قدمتُ في الدنيا من صالحِ الأعمالِ لحياتي هذه التي لا موتَ\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قتادة\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧١ عن معمر عن أبان عن رجل عن أبي وائل.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م: \"التذكير\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٥٥ - من طريق أبي صالح به.\n(^٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"24","page":390},{"text":"بعدَها، ما يُنْجينى مِن غضبِ اللهِ ويُوجِبُ لى رِضوانَه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9801>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. قال: علِم واللهِ أنه لصادقٌ، هنالك حياةٌ طويلةٌ لا موتَ فيها، آخر ما عليه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾: هُناكم واللهِ الحياةُ الطويلةُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. قال: الآخرةِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-6018\"></span>وقولُه: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-6019\"></span>أجمعتِ القرأةُ؛ قرأةُ الأمصارِ في قراءةِ ذلك على كسرِ الذالِ من ﴿يُعَذَّبُ﴾، والثاءِ من ﴿يُوثِقُ﴾ (^٣)، خلا الكسائيِّ؛ فإنه قرَأ ذلك بفتحِ الذالِ والثاءِ (^٤)، اعتلالًا منه بخبرٍ رُوى عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قرأه كذلك - واهي الإسنادِ.\nحدَّثنا به (^٥) ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن خارِجةَ، عن خالدٍ\n_________\n(^١) أخرجه ابنُ أبى شيبة ١٣/ ٥٢٢ عن هوذة به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٠ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) وهى قراءة ابن عامر وابن كثير وعاصم وأبي عمرو وحمزة ونافع وأبى جعفر وخلف. النشر ٢/ ٢٩٩.\n(^٤) هي قراءة يعقوب والكسائي. المصدر السابق.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت، ت ٢، ت ٣.","vol":"24","page":391},{"text":"الحذَّاء، عن أبي قِلابةَ، قال: ثنى مَن أقرَأه النبيُّ ﷺ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وذلك كسرُ الذالِ والثاءِ (^٢)؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: فيومَئذٍ لا يعذِّبُ كعذابِ اللهِ أحدٌ في الدنيا، ولا يُوثِقُ [كوَثَاقِ اللهِ] (^٣) أحدٌ في الدنيا، وكذلك تأوَّله قارئو ذلك كذلك مِن أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9802>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ (^٤) أَحَدٌ﴾: [لا يعذِّبُ عَذَابَ اللهِ أحدٌ، ولا يُوثِقُ وثاقَ اللهِ أحدٌ] (^٥).\nحدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾. قال: قد علم اللهُ أنَّ في الدنيا عذابًا ووَثاقًا، فقال: فيومئذ لا يعذِّبُ عذابَه أحدٌ في الدنيا، ولا يُوثِقُ وثاقَه أحدٌ في الدنيا (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٧١ (الميمنية)، وأبو داود (٣٩٩٦)، والحاكم ٢/ ٢٥٥ كلهم من طريق خالد به، وأخرجه الطبراني في الكبير ١٩/ ٢٨٩ (٦٤٣) من طريق أبي قلابة وسمى الذي سمع منه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٠ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٢) القراءتان كلتاهما صواب.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يومئذ\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"كوثاق الله\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧١ عن معمر به.","vol":"24","page":392},{"text":"وأمَّا الذي قرَأ ذلك بالفتحِ؛ فإنه وجَّه تأويلَه إلى: فيومئذٍ لا يعذَّبُ أحدٌ في الدنيا كعذابِ اللهِ يومَئِذٍ، ولا يُوثَقُ أحدٌ في الدنيا كوَثَاقِه يومئذٍ. وقد تأوَّل ذلك بعضُ مَن قرَأ ذلك كذلك بالفتحِ مِن المتأخرين: فيومئذٍ لا يعذَّبُ عذابَ الكافِرِ أحدٌ ولا يُوثَقُ وَثاقَ الكافر أحدٌ. وقال: وكيف يجوزُ الكسرُ، ولا معذِّبَ يومئذٍ سوى الله؟! وهذا من التأويلِ غلطٌ؛ لأنَّ أهلَ التأويلِ تأوَّلوه بخلافِ ذلك، مع إجماعِ الحجةِ من القرأةِ على قراءتِه بالمعنى الذي جاء به تأويلُ أهلِ التأويلِ، وما أحسَبه دعاه إلى قراءةِ ذلك كذلك، إلا ذهابُه عن وجْهِ صحتِه في التأويلِ.\n\n<span id=\"aya-6020\"></span>وقوله: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِ الملائكةِ لأوليائِه يوم القيامةِ: يأيَّتُها النفسُ المطمئنةُ. يعنى بالمطمئنةِ التي اطمأنَّت إلى وعدِ اللهِ الذي وعَد أهلَ الإيمانِ به في الدنيا، مِن الكرامةِ في الآخرةِ، فصدَّقت بذلك.\nوقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قلنا فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9803>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. يقولُ: المُصَدِّقةُ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾: هو المؤمنُ اطمأنَّت نفسُه إلى ما وعَد اللهُ ﵎ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ في\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٠ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":393},{"text":"قوله: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. قال: المطمئنةُ إلى ما قال اللهُ، والمُصَدِّقة بما قال اللهُ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك (^٢): الموقِنةُ بأنَّ الله رَبُّها، المسلِّمةُ لأمرِه فيما هو فاعلٌ بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-9804>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. قال: النفسُ التي أَيْقَنَت أَنَّ الله ربُّها، وضرَبَتْ جأْشًا لأمرِه وطاعتِه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ (^٤): ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. قال: أيقَنَت بأنَّ الله ربُّها، وضربَتْ لأمرِه جأْشًا.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. قال: المُنيبةُ (^٥) المُخْبِتةُ التي قد أيقَنَت أنَّ الله رَبُّها، وضربَتْ لأمرِه جأْشًا.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٢ عن معمر به.\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"المصدقة\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٠ إلى المصنف وسعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) بعده في الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قوله\".\n(^٥) في الأصل: \"المطمئنة\".","vol":"24","page":394},{"text":"﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. قال: أيقَنَت بأنَّ الله رَبُّها، وضربَتْ لأمرِه جَأْسًا.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. قال: المُخْبِتةُ المطمئنةُ إلى اللهِ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. قال: التي قد أيقنت بأنَّ الله ربُّها، وضربَتْ لأمرِه جأْشًا.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. قال: المُخْبِتةُ.\nحدَّثني سعيدُ بن الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. قال: التي قد أيقَنَت بلقاءِ اللهِ، وضرَبتْ له جأْشًا.\nوذكر أنَّ ذلك في قراءةِ أُبيِّ: (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الآمِنَةُ).\n\n<span data-type='title' id=toc-9805>ذكرُ الروايةِ بذلك</span>\nحدَّثنا خلَّادُ بن أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ، عن هارونَ القارِى، قال: ثنى هلالٌ، عن أبي شيخٍ الهُنائيِّ: في قراءةِ أُبيِّ: (يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الآمِنَةُ الْمُطْمَئِنَّةُ). وقال الكلبي: إِنَّ الآمنة في هذا الموضعِ يعنى به المؤمنةَ (^٢).\nوقيل: إنَّ ذلك قولُ الملَكِ للعبدَ عندَ خروجِ نَفْسِه يبشرُه برضا ربِّه عنه، وإعدادِه ما أعَدَّ له من الكرامةِ عندَه.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٢٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥١ إلى الفريابي وعبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٠ إلى المصنف.","vol":"24","page":395},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9806>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، [عن أشعثَ] (^١)، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: قُرئت ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ عندَ النبيِّ ﷺ، فقال أبو بكرٍ: إن هذا لحسنٌ. فقال رسولُ الله ﷺ:: \"أَمَا إِنَّ الملَكَ سيقولُها لك عندَ الموتِ\" (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾. قال: هذا عندَ الموتِ، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾. قال: هذا يومَ القيامةِ (^٣).\nوقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن عن أُسامةَ بن زيدٍ، عن أبيه في قولِه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾، قال: بُشِّرت بالجنةِ عندَ الموتِ، ويومَ الجمعِ، وعندَ البعثِ (^٤).\n\n<span id=\"aya-6021\"></span>وقولُه: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: هذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه عن قيلِ الملائكةِ لنفسِ المؤمنِ عندَ البعثِ، تأمرُها أَنْ تَرْجِعَ في جسدِ صاحبِها. قالوا: وعُنِى بالربِّ ههنا صاحبُها.\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٤٢٣ - وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٨٣ من طريق يحيى ابن يمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٠ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٥/ ٣٦٢ من طريق خارجة بن زيد بن أسلم عن أبيه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":396},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9807>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾. قال: تُرَدُّ الأرواحُ المطمئنةُ يومَ القيامة في الأجسادِ (^١).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه ﷿: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾: يأمرُ اللهُ الأرواحَ يومَ القيامةِ أنْ ترْجِعَ إلى الأجسادِ، فيأتون الله كما خلَقهم أوَّلَ مرَّةٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن عكرمةَ في هذه الآيةِ: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾. قال: إلى الجسدِ (^٣).\nوقال آخرون: بل يقالُ ذلك لها عندَ الموتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9808>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾. قال: هذا عندَ الموتِ، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾. قال: هذا يوم القيامةِ (^٤).\nوأولى القولين في ذلك بالصواب القولُ الذي ذكَرْناه عن ابن عباسٍ والضحاكِ؛ أن ذلك إنما يقالُ لهم عندَ ردِّ الأرواحِ في الأجسادِ يومَ البعثِ، لدلالةِ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥١ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥١ إلى عبد بن حميد مختصرًا.\n(^٣) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٤٢٤.\n(^٤) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"24","page":397},{"text":"<span id=\"aya-6022\"></span>قوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. [على صحة ذلك، وأنَّ دخولَها الجنَّةَ إنَّما هو يومئذٍ لا قبلَ ذلك.\n\n<span id=\"aya-6023\"></span>وقولُه: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾] (^١). اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فادْخلي في عبادي الصالحين، وادخُلي جنتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-9809>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾. قال: اُدْخُلى في عبادى الصالحين، ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (^٢).\nوقال آخرون: معنى ذلك: فادْخُلِي في طاعتِي وادْخلِى جَنَّتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-9810>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن نعيمِ بن ضَمْضَمٍ، عن محمدِ بن مزاحمٍ أخى الضحاكِ بن مُزاحمٍ: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾. قال: في طاعتي، ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. قال: في رحمتي.\nوكان بعضُ أهل العربيةِ من أهلِ البصرةِ (^٣) يوجِّهُ معنى قولِه: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ إلى: فادخُلي في حزبي.\nوكان بعضُ أهل العربية من أهلِ الكوفةِ (^٤) يتأوَّلُ ذلك: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ بالإيمانِ، والمصدِّقة بالثوابِ والبعثِ ﴿ارْجِعِي﴾. تقولُ لهم الملائكةُ إذا\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٣٩٣.\n(^٣) هو قول الأخفش. ينظر تفسير القرطبي ٢٠/ ٥٩.\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٦٢، ٢٦٣.","vol":"24","page":398},{"text":"أُعطُوا كتبَهم بأيمانِهم: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾، إلى ما أعدَّ اللهُ لكِ مِن الثوابِ. قال: وقد يكونُ (^١) أنْ تقولَ لهم (^٢) هذا القولَ ينْوون: ارْجِعوا من الدنيا إلى هذا المرجعِ. قال: وأنت تقولُ للرجلِ: ممَّن أنت؟ فيقولُ: مُضَرِيٌّ. فتقولُ: كنْ تميميًّا أو قيسيًّا. أي: أنت مِن أحدِ هذين، فتكونُ \"كن\" صلةً، كذلك الرجوعُ يكونُ صلةً؛ لأنه قد صار إلى القيامة، فكان الأمرُ بمعنى الخبرِ، كأنه قال: أيَّتُها النفسُ، أنت راضيةٌ مرضيةُ.\nوقد رُوِى عن بعضِ السلف أنه كان يقرَأُ ذلك: (فادْخُلِي فِي عَبْدِى وادْخُلِي جَنَّتِي) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-9811>ذكرُ مَن قال ذلك </span>حدَّثني أحمد بن يوسفَ، قال: ثنا القاسم بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن أبانِ بن أبي عياشٍ، عن سليمانَ بن قتَّةَ، عن ابن عباسٍ، أنه قرَأها: (فادْخُلِي فِي عَبْدِى). على التوحيدِ (^٤).\nحدَّثنا خلَّادُ بن أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شميلٍ، عن هارونَ القارِى، قال: ثنا هلالٌ، عن أبي شيخٍ الهنائيِّ [في قراءةِ أبيٍّ] (^٥): (فَادْخُلِي فِي عَبْدى) وفي قولِ الكَلْبيِّ: (فَادْخُلِي فِي عَبْدى). يعنى: الروحُ ترجِعُ إلى (^٦) الجسدِ (^٧).\n_________\n(^١) في الأصل: \"يجوز\".\n(^٢) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"شبه\".\n(^٣) القراءة شاذة، وقد قرأ بها ابن عباس وعكرمة والضحاك ومجاهد وأبو جعفر وأبو صالح والكلبي وأبو شيخ الهنائي واليماني. البحر المحيط ٨/ ٤٧٢ ولم نجد قراءة أبى جعفر في النشر أو الإتحاف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٠ إلى المصنف. قال أبو حيان: الأظهر أنه أريد به اسم الجنس فمدلوله ومدلول الجمع واحد. البحر المحيط ٨/ ٤٧٢.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت، ت ٢ ت ٣. وينظر مصدر التخريج.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".\n(^٧) تقدم تخريجه في ص ٣٩٥.","vol":"24","page":399},{"text":"والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ بمعنى: فادْخُلى في عبادى الصالحين؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"والفجرِ\"","vol":"24","page":400},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-6024\"></span><span data-type='title' id=toc-9812>تفسيرُ سورةِ \"البلدِ\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-9814>القولُ في تأويل قوله ﷿: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أُقسِمُ يا محمدُ بهذا البلدِ الحرامِ.\nوهو مكةُ، وكذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9813>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. يعنى: مكةَ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: مكةَ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: مكةَ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (١٢٤١٢) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥١ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٢٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (كما في المخطوطة المحمودية ص ٤٥١) إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد، ووقع في مطبوعة الدر ٦/ ٣٥٢ ابن أبي حاتم بدلًا من المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الحرام\".","vol":"24","page":401},{"text":"﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: مكةَ.\nحدَّثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عبد الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. [قال: هي] (^١) مكةُ.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: البلدُ مكةُ (^٢).\n[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. يعنى: مكةَ] (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: مكةَ (^٤).\n\n<span id=\"aya-6025\"></span>وقولُه: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ (^٥). يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: الله وأنت يا محمدُ حِلٌّ بهذا البلدِ؛ يعنى مكةَ، يقولُ: أنت به حلالٌ تصنعُ فيه مِن قَتْلِ من أردْتَ قتلَه، وأَسْرِ مَن أردْتَ أَسرَه، مُطْلَقٌ ذلك لك. يقالُ منه: هو حِلٌّ وهو حلالٌ، وهو جرْمٌ وحرامٌ، وهو مُحِلٌّ، ومُحرِمٌ، وأحلَلْنا، وأحرمْنا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت: \"يعني\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) ذكره الطوسى في التبيان ١٠/ ٣٥٠، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٢٤.\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١: \"يعنى بمكة\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"يعنى مكة\".","vol":"24","page":402},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9815>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾: يعنى بذلك نبيَّ اللهِ ﷺ، أحلَّ اللهُ له يومَ دخَل مكةَ أنْ يقتُلَ مَن شاء، ويستَحيِيَ مَن شَاء، فقتَل يومَئِذٍ ابنَ خَطَلٍ صَبْرًا وهو آخِذٌ بأستارِ الكعبةِ، فلم يَحِلَّ لأحدٍ مِن الناسِ بعدَ رسولِ الله ﷺ أنْ يقتُلَ فيها حرامًا حرَّمه اللهُ، فأحلَّ اللهُ ﷿ له ما صنَع بأهلِ مكةَ، ألم تَسمَعْ أنْ الله قال في تحريمِ الحرمِ (^١): ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. يعنى بالناسِ أهلَ القبلةِ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: ما صنعت فأنت في حِلٍّ [حينَ نأمُرُ بالقتالِ] (^٣) (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: أُحِلَّ لرسول الله ﷺ ما صنَع فيه ساعةً (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: أُحِلَّ له أنْ يصنَع فيه ما شاء (^٦).\n_________\n(^١) في الأصل: \"الحرام\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥١ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٣) في ص: \"من أمر بالقتال\". وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من أمر القتال\".\n(^٤) أخرجه ابن حجر في التغليق ٤/ ٣٦٨ من طريق سفيان به. والأثر في تفسير مجاهد ص ٧٢٩ من طريق منصور، لكن بلفظ ورقاء الآتى.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٢٣ من طريق جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس قوله.","vol":"24","page":403},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، [عن مجاهدٍ] (^١): ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: أُحلت لرسول الله ﷺ، قال: اصنعْ فيها ما شئتَ.\nحدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا حسينٌ الجُعْفِيُّ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: أنت في (^٢) حِلٍّ مما صنعتَ فيه (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: أُحِلَّ لك يا محمدُ ما صنعتَ في هذا البلدِ من شيءٍ. يعنى مكةَ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: لا تُؤَاخَذُ بما عمِلتَ فيه، وليس عليك فيه ما على الناس (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. يقولُ: [نقيٌّ لا حَرِجٌ ولا آثمٌ] (^٥).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٢ إلى الفريابي وابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٧٢٩، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٦٨ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥) في ص: \"بريص غير حرج ولا آثم\". وفى م: \"برئ عن الحرج والإثم\". وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يرتقى عن حرج ولا إثم\".","vol":"24","page":404},{"text":"بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. يقولُ: أنت به حِلٌّ لست بآثمٍ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: لم يكنْ بها أحدٌ حِلًّا غيرَ النبيِّ ﷺ، كلُّ مَن كان بها كان (^٢) حرامًا، لم يَحِلُّ لهم أنْ يُقاتِلوا فيها، ولا يستحلُّوا حُرمةً، فأحلَّه اللهُ ﷿ لرسولِه ﷺ، فقاتَل المشركين فيه (^٣).\nحدَّثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عبد الملكِ، عن عطاءٍ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: إِنَّ اللهَ جلَّ وعزَّ حرَّم مكةَ، لم تَحِلَّ لنبيٍّ إلا نبيَّكم ساعةً من نهارٍ (^٤).\n[حدَّثنا المَرْوَزِيُّ] (^٥)، عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾: يعني محمدًا ﷺ، يقول: أنت حِلٌّ بالحرمِ، فاقتُلْ إنْ شئتَ، أو دَعْ (^٦).\n\n<span id=\"aya-6026\"></span>وقولُه: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأُقسِمُ بوالدٍ وبولدِه الذي ولَد.\nثم اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بذلك من الوالدِ وما ولَد؛ فقال\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٢ إلى المصنف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"حدثت\". وهو عبدان المروزى. ينظر تاريخ المصنف ١/ ٨١.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٢ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"24","page":405},{"text":"بعضُهم: عُنِى بالوالدِ: كلُّ والدٍ، وبقوله: ﴿وَمَا وَلَدَ﴾: كلُّ عاقرٍ لم يلِدْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9816>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، عن شريكٍ، عن خُصيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال: الوالدُ: الذي يلِدُ، وما ولَد: العاقرُ الذي لا يُولَدُ له (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال: العاقِرُ والتي (^٢) تلدُ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن النضر بن عربيٍّ، عن عكرمةَ: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ قال: العاقرُ] والتي تلِدُ] (^٣) (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه،، عن ابن عباسٍ: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال: هو الوالدُ وولدُه.\nوقال آخرون: عُنِى بذلك آدمُ وولدُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9817>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال: الوالدُ: آدمُ، وما ولَد: ولدُه.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٢٥ نقلا عن المصنف، وهو في تفسير مجاهد ص ٧٢٩، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير - من طريق شريك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) في ت ١: \"الذي\".\n(^٣) في ت: \"التي لم تلد\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٤٢٥.","vol":"24","page":406},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال: [آدمُ، ﴿وَمَا وَلَدَ﴾. قال] (^١): ولدُه (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾.\nقال: آدمُ وما ولَد.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال: آدمُ وما ولَد (^٣).\nحدَّثني أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن ابن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال: آدمُ وما ولَد (^٤).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال: الوالدُ: آدمُ، وما ولَد: ولدُه (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال: آدم وما ولَد (^٤).\nحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن عبيدٍ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال: آدمُ وما ولَد.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٢٩، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٦٨، والحاكم ٢/ ٥٢٣، وعنده عن مجاهد عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٢٥.","vol":"24","page":407},{"text":"وقال آخرون: عُنِى بذلك إبراهيمُ ﵇ وما ولَد.\n\n<span data-type='title' id=toc-9818>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ موسى الحَرَشِيُّ (^١)، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ أبا عمرانَ الجَوْنِيَّ يقولُ (^٢): ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال: إبراهيمُ وما ولَد (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قاله الذين قالوا: إِنَّ الله ﷿ أَقْسَم بكلِّ والدٍ وولَدِه. لأنَّ الله جلَّ ثناؤُه عمَّ كلَّ والدٍ وما ولَد، وغيرُ جائزٍ أنْ يُخَصَّ ذلك إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها مِن خبرٍ، أو عقلٍ، ولا خبرَ بخصوصِ ذلك، ولا برهانَ يجبُ التسليمُ له بخصوصه، فهو على عمومِه كما عمَّه.\n\n<span id=\"aya-6027\"></span>وقولُه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. وهذا هو جوابُ القسمِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: وقَع القسمُ ههنا: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (^٤).\nواختلَف أهل التأويلُ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: لقد خلَقنا ابن آدمَ في شدَّةٍ وعناءٍ ونَصَبٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9819>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. يقولُ: في نَصَبٍ.\n_________\n(^١) في ص، ت ٢ ت ٣: \"الجرشي\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٥٢٨.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقرأ\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٢٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) تقدم أوله في الصفحة السابقة.","vol":"24","page":408},{"text":"حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ (^١)، عن منصورِ بن زاذانَ، عن الحسنِ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾: خُلِق (^٢) حينَ خُلِق في مشقةٍ، لا تُلْفِى ابن آدمَ إلا يُكابدُ أمرَ الدنيا والآخرةِ (^٣).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فِي كَبَدٍ﴾. قال: يكابدُ أمرَ الدنيا وأمرَ (^٤) الآخرةِ. وقال بعضُهم: خُلِقَ خَلْقًا لم يُخلَقْ خلْقَه شيءٌ (^٥) (^٦).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عليّ [بن عليّ] (^٧) رفاعةَ، قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ: لم يَخْلُقِ اللهُ خلقًا يُكابدُ ما يُكابدُ ابن آدمَ (^٨).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عليّ [بن عليّ] (^٧) بن رِفاعةَ، قال: سمِعتُ سعيد بن أبي (^٩) الحسنِ يقولُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. قال: يُكابدُ مصائبَ الدنيا، وشدائدَ الآخرةِ (^١٠).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال ثنا وكيعٌ، عن النضرِ، عن عكرمةَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا\n_________\n(^١) في م: \"سعيد\". ينظر تهذيب الكمال ١٢/ ٤٧٩.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقول في شدة. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ \".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٣ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: م، ت ١.\n(^٥) في م: \"شيئًا\".\nوالأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) بعده في ص، م، ت ١: \"ذكر من قال ذلك\". وفى ت ٢، ت ٣: \"ذكر الرواة بذلك\".\n(^٧) سقط من: م، ت.١. وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٧٢.\n(^٨) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٣٠) عن علي به.\n(^٩) سقط من: الأصل.\n(^١٠) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٣١) عن علي به.","vol":"24","page":409},{"text":"الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. قال: في شَدَّةٍ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. قال: في شدَّةٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: في شدَّةٍ معيشتهِ، وحملِه وحياتِه، ونباتِ أسنانِه (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. قال: شدَّةٍ خروجِ أسنانِه.\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. قال: شدَّةٍ (^٤).\nوقال آخرون: بل: معنى ذلك أنه خُلِق مُنتصِبًا معتدلَ القامةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9820>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. قال: في انتصابٍ، ويقالُ: في شدَّةٍ (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٣ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٢ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٢٣ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٧٢٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢٤١٢) وفى الأوسط (٥٠٩٦) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.","vol":"24","page":410},{"text":"حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى حَرَمِيُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبرَني عُمارةُ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. قال: في انتصابٍ. يعنى الخِلْقةَ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. قال: مُنتصِبًا (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، جميعًا عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيم مثلَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن عبدِ الله بن شدَّادِ في قولِه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. قال: معتدلًا بالقامِة. قال أبو صالحٍ: معتدلًا في القامةِ.\nحدَّثنا يحيى بنُ داودَ الواسطيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، [عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. قال: قائمًا.\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ] (^٣): ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾: قائمًا (^٤)، خُلِق منتصبًا على رجْلين، لم تُخْلَقْ دابَّةٌ على خَلْقِه (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن مجاهدٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا\n_________\n(^١) في الأصل، ص، ت ٢، ت ٣: \"العلقة\". وفى م: \"القامة\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٢٩ من طريق منصور به.\n(^٣) في الأصل: \"قال\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٤٣٠، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٢٥.","vol":"24","page":411},{"text":"الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. قال: في صَعَدٍ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أنه خُلِق في السماءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9821>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. قال: في السماءِ [خلَقه، خُلق آدمُ في السماءِ، فسُمِّي] (^٢) ذلك الكَبَدَ (^٣).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك أنه خُلِق يُكابدُ الأمورَ ويُعالجُها. فقولُه: ﴿فِي كَبَدٍ﴾. معناه: في شدَّةٍ.\nوإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن ذلك هو المعروفُ من كلام العربِ من معاني الكَبَدِ، ومنه قولُ لبيدِ بن ربيعةَ (^٤):\nيا (^٥) عينُ هلَّا بَكَيْتِ أَرْبَدَ إِذْ … قُمْنا وقامَ الخُصُومُ في كَبَدِ\n\n<span id=\"aya-6028\"></span>وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾. ذُكِر أن ذلك نزل في رجلٍ بعينِه أَنَّ مِن بنى جُمَحَ كان يُدعَى أبا الأشدِّين، وكان شديدًا، فقال جلَّ ثناؤُه: أيحسَبُ هذا القويُّ لجَلَدهِ (^٦) وقوتِه، أن لن يقهرَه أحدٌ فيغلِبَه؟ فاللهُ غالبُه وقاهرُه.\n\n<span id=\"aya-6029\"></span>وقوله: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾. يقولُ تعالى ذكره: يقولُ هذا الجليدُ\n_________\n(^١) الصعد: المشقة. وعذاب صعد: شديد. اللسان (ص ع د).\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢: \"فسمي\". وفى م: \"يسمى\"، وفي ت ٣: \"وسمى\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٣ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٤) شرح ديوانه ص ١٦٠.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بجلده\".","vol":"24","page":412},{"text":"الشديدُ: أهلكتُ مالا كثيرًا، في عداوةِ محمدُ، فأنفقتُ ذلك فيه. هو كاذبٌ في قولِه (^١). وهو فُعَلٌ من التلبيدِ (^٢)، وهو الكثيرُ، بعضُه على بعضٍ، يقالُ منه: لَبَد بالأرض يَلْبُدُ. إذا لصِق بها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9822>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿مَالًا لُبَدًا﴾: يعنى باللُّبدِ المالَ الكثيرَ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَالًا لُبَدًا﴾. قال: كثيرًا (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني مسلمٌ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾: أي (^٥): كثيرًا.\n[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾: أي: كثيرًا] (^٦).\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذلك\".\n(^٢) في ص، م: \"التلبد\". وفى ت ١: \"البليد\". وفى ت ٢ ت ٣: \"اللبد\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٣ إلى المصنف.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٧٢٩ ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٦٨ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال: مالًا\".\n(^٦) سقط من: الأصل.","vol":"24","page":413},{"text":"حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾. قال: اللُّبَدُ: الكثيرُ.\nواختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأة الأمصارِ: ﴿مَالًا لُبَدًا﴾ بتخفيفِ الباءِ (^٢)، وقرأه أبو جعفرٍ بتشديدِها (^٣).\nوالصوابُ بتَخْفيفِها (^٤)؛ لإجماعِ الحجةِ عليه.\n\n<span id=\"aya-6030\"></span>وقولُه: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أيظُنُّ هذا القائلُ: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾. أن لم يَرَه أحدٌ في حالِ إنفاقِه ما يزعُمُ أنه أنفَقَه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾: ابن آدمَ، إنك مسئولٌ عن هذا المالِ؛ من أين اكتسبتَه، وأين أنفَقتَه.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة مثلَهُ (^٥).\n\n<span id=\"aya-6031\"></span><span data-type='title' id=toc-9823>القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾.</span>\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) هي قراءة حفص وحمزة والكسائى ونافع وابن كثير وابن عامر وأبي عمرو ويعقوب وخلف. النشر ٢/ ٣٠٠.\n(^٣) المصدر السابق، الموضع السابق.\n(^٤) وقراءة التشديد أيضًا صواب.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٣ عن معمر به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٢٦ عن قتادة.","vol":"24","page":414},{"text":"<span id=\"aya-6032\"></span>قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ألم نجعلْ لهذا القائلِ: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾. عينينِ يُبصرُ بهما حُججَ اللهِ عليه، ولسانًا يُعَبِّرُ به عن نفسِه ما أراد، وشفتين، نعمةً منا بذلك عليه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾: نِعَمٌ مِن الله متظاهرةٌ، يُقرِّرُك بها كيما تشكرَ (^١).\n\n<span id=\"aya-6033\"></span>وقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهديناه الطريقين.\nوالنَّجْدُ (^٢): طريقٌ في ارتفاعٍ.\nواختلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك: نَجْدُ الخيرِ، ونَجْدُ الشرِّ، كما قال ﷿: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-9824>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زرٍّ، عن عبدِ اللهِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. قال: الخيرَ والشرَّ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبد اللهِ مثلَه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٣ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"نجد\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٤ عن الثورى عن زر به، ولم يذكر عاصمًا، وأخرجه الطبراني (٩٠٩٧)، واللالكائى في أصول الاعتقاد (٩٥٦) من طريق سفيان به، والأثر في تفسير مجاهد ص ٧٣٠، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٢٣ من طريق عاصم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٣ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":415},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن منذرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن خُثيمٍ، قال: ليسا بالثديَين (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عمرُو (^٢)، جميعًا عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللهِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. قال: نَجْدَ الخيرِ، ونَجْدَ الشرِّ.\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثني هشامُ بن عبدِ الملكِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبرَني عاصمٌ، قال: سمِعتُ أبا وائلٍ يقولُ: كان عبدُ اللهِ يقولُ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. قال: نَجْدَ الخيرِ، ونَجْدَ الشرِّ (^٣).\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. يقولُ: الهدى والضلالةَ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. قال: سبيلَ الخيرِ والشرِّ (^٥).\nحدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. قال: الخيرَ والشرَّ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بن\n_________\n(^١) ينظر علل ابن أبي حاتم (١٧٧٨)، وينظر ما سيأتي في الصفحة التالية.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عمران\". وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٢٠٣.\n(^٣) ذكره ابن أبي حاتم في العلل (١٧٧٧).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٥٦ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٣ إلى ابن المنذر.\n(^٥) أخرجه اللالكائي (٩٥٧، ٩٥٨) من طرق عن ابن عباس.","vol":"24","page":416},{"text":"الربيعِ بن خثيمٍ، عن أبي بردةَ، قال: مرَّ بنا الربيعُ بنُ خُثيمٍ، فسألْناه عن هذه الآيةِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. فقال: أما إنهما ليسا بالثديين (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: الخيرَ والشرَّ.\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. قال: سبيلَ الخيرِ والشرِّ (^٢).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾: نَجْدْ الخيرِ، ونَجْدَ الشرِّ (^٣).\nحدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"هما نَجْدانِ؛ نَجْدُ خيرٍ، ونَجْدُ شرٍّ، فما جعَل نَجْدَ الشرِّ (^٤) أحبَّ إليكم مِن نَجْدِ الخيرِ (^٥)؟ \".\nحدَّثنا مجاهدُ بن موسى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا عطيةُ أبو وهبٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"ألا إنما هما نَجْدانِ؛ نَجْدُ الخير، ونَجْدُ الشرِّ، فما جعَل (^٦) نجدَ الشرِّ أحبَّ إليكم مِن نَجْدِ الخيرِ؟ \".\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في كتاب القدر - كما في تهذيب الكمال ١٤/ ٤٨٩ - من طريق عبد الله بن الربيع بن خثيم به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٣٠، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٦٨.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧٣٠ من طريق آخر عن الضحاك.\n(^٤) في الأصل: \"الخير\".\n(^٥) في الأصل: \"الشر\". وينظر ما سيأتي بعدُ وفى الصفحة التالية.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يجعل\".","vol":"24","page":417},{"text":"حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا هشامُ بن عبدِ الملكِ، قال: ثنا شعبةُ، عن حبيبٍ، عن الحسنِ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه.\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"يا أيُّها النَّاسُ، إنما هما النَّجْدانِ؛ نَجْدُ الخيرِ، ونَجدُ الشرِّ، فما جَعَل نَجْدَ الشرِّ أَحبَّ إليكم مِن نَجْدِ الخيرِ؟ \" (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾: ذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: \"أَيُّها النَّاسُ، إنما هُما النَّجْدانِ؛ نجْدُ الخيرِ، ونجْدُ الشرِّ، فما جعَل نجْدَ الشرِّ أحبَّ إليكم مِن نجْدِ الخيرِ؟ \" (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إنما هما نَجْدانِ، فما جعَل نَجْدَ الشرِّ أحبَّ إليكم من نجْدِ الخيرِ؟ \" (^٣).\n[حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾: قال رسولُ اللهِ ﷺ: \"إنَّما هما نجدانِ، لا نَجَعَلُ نجدَ الشرِّ أحبَّ إليكم من نجد الخيرِ\"] (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. قال (^٥): طريقَ الخيرِ والشرِّ. وقرَأ قولَ اللهِ:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٢٧ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٣ إلى عبد حميد وابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٤ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٤ عن معمر، عن الحسن، وسقط معمر من مطبوعة التفسير.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في م: \"قاطع\".","vol":"24","page":418},{"text":"﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣].\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وهديناه الثَّديين؛ سبيلَى (^١) اللبنِ الذي يتغذَّى به، وينبتُ عليه لحمُه وجسمُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9825>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا عيسى بنُ عِقالٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. قال: هما الثَّديان (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ (^٣)، قال: ثنا مِهْرانُ، عن المباركِ بن مجاهدٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: الثَّديان.\nوأولى القولين بالصوابِ في ذلك عندَنا قولُ مَن قال: عُنِى بذلك طريقُ الخيرِ والشرِّ. وذلك أنه لا قول في ذلك نعلَمُه غير القولين اللَّذين ذكَرْناهما، والثَّديان، وإن كانا سبيلَى اللبن، فإنَّ الله تعالى ذكره إذ عدَّد على العبدِ نعمَه بقولِه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٢، ٣]. إنما عدَّد عليه هدايته إيَّاه إلى سبيل الخيرِ مِن نعمه، فكذلك قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾.\n\n<span id=\"aya-6034\"></span>وقوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾: يقولُ تعالى ذكرُه: فلم يَرْكبِ العقبةَ، فيقطعَها ويَجوزَها.\nوذُكر (^٤) أنَّ العقبة جبلٌ في جهنمَ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"سبيل\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٤٢٧ - من طريق عيسى بن عقال به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٤ من طريق آخر عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في الأصل: \"بشار\".\n(^٤) في الأصل: \"ذلك\".","vol":"24","page":419},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9826>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عمرُ بنُ إسماعيلَ بن مُجالدٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ، عن ابن عمرَ في قولِه: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾. [قال: جبلٌ في جهنمَ أَزَلُّ] (^١) (^٢).\nحدَّثنا محمدُ بن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ كثيرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه ﷿: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾. قال: عَقَبَةٌ في جهنمَ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾. قال: جهنمَ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾: إنها قُحْمةٌ شديدةٌ، فاقتحِموها بطاعةِ اللهِ (^٥).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه ﷿: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾. قال: النارُ (^٦) عقبةٌ دونَ الجسرِ (^٧).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣: \"جبل في جهنم\". وفى م، ت ١: \"جبل من جهنم\".\n(^٢) أزل: زلقٌ. ينظر اللسان (ز ل ل).\nوالأثر أخرجه ابن أبى شيبة ١٣/ ٣٢٦ عن عبد الله بن إدريس به بلفظ: \"جبل زلال في جهنم\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٤ إلى المصنف.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٢٨.\n(^٦) في ص، م، ت ١: \"للنار\".\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٤ عن معمر به بلفظ: \"النار عقبة دون الجنة\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، بلفظ: \"للناس عقبة دون الجنة\".\nقال البغوي في تفسيره ٨/ ٤٣٢: \"وقال الحسن وقتادة: عقبة شديدة في النار دون الجسر فاقتحموها بطاعة الله\".","vol":"24","page":420},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا وهبُ بن جريرٍ، قال: ثنا أبي، قال: سمِعتُ يحيى بن أيوب يحدِّثُ عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن شعيبٍ، عن (^١) زُرْعةَ، عن حَنَشٍ، عن كعبٍ، أنه قال: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾. قال: هي (^٢) سبعون درجةً في جهنمَ (^٣).\nوأفرَد قولَه: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ بذكرِ \"لا\" مرَّةً واحدةً، والعربُ لا تكادُ تُفْرِدُها في كلامٍ في مثل هذا الموضِعِ، حتى يكرِّروها مع كلامٍ آخرَ، كما قيل: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣٠]، و: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]. وإنما فعل ذلك كذلك في هذا الموضعِ؛ استغناءً بدلالةِ آخرِ الكلامِ على معناه، من إعادتِها مرَّةً أخرى، وذلك قولُه إذْ فسَّر اقتحامَ العقبةِ، فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ففسَّر ذلك بأشياءَ ثلاثةٍ، فكان كأنه في أوَّلِ الكلامِ قال: فلا فَعَل ذا (^٤) ولا ذا ولا ذا. وتأوَّل ذلك ابن زيدٍ، بمعنى: أفلا. ومن تأوَّله كذلك، لم تكن به حاجةٌ إلى أنْ يزعُمَ أن في الكلامِ متروكًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-9827>ذكرُ الخبرِ بذلك عن ابن زيدٍ</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، وقرَأ قولَ الله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾. قال: أفلا سلَك الطريقَ التي فيها (^٥) النجاةُ والخيرُ. ثم قرَأ (^٦): ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بن\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هو\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في الأصل: \"ذلك\".\n(^٥) في م: \"منها\".\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"قال\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٤ إلى المصنف.","vol":"24","page":421},{"text":"<span id=\"aya-6035\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾. يقول تعالى ذكره: وأَيُّ شيءٍ أَشْعَرك يا محمدُ ما العقبةُ؟\nثم بيَّن جلَّ ثناؤُه له، ما العقبةُ، وما النجاةُ منها، وما وجْهُ اقتحامِها؛ فقال: اقتحامُها وقطعها فكُّ رقبةٍ مِن الرَّقِّ وأَسْرِ العبوديةِ (^١).\nكما حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾. قال: ذُكر لنا أنه ليس مسلمٌ يُعتِقُ رقبةً مسلمةً، إلا كانت فداءَه من النارِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-6036\"></span>حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾: ذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ سُئل عن الرقابِ أَيُّها أعظمُ أجرًا، قال: \"أكثرها ثمنًا\" (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثنا (^٤) سالمُ بنُ أبي الجعدِ، عن مَعْدانَ بن أبي طلحةَ، عن [أبي نُجيحٍ] (^٥)، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: \"أَيُّمَا مُسْلمٍ أَعْتَق رجلًا مُسْلمًا، فإِنَّ الله جَاعِلٌ وِفاءَ كُلِّ عَظْمٍ مِن عظامِه، عَظْمًا مِن عظامِ مُحرَّرِه مِن النَّارِ، وأيُّمَا امْرأةٍ مسلمةٍ أعتَقت امرأةً مسلمةً، فإنَّ الله جاعِلٌ وِفاءَ كُلِّ عظمٍ مِن عظامِها، عَظْمًا مِن عِظامِ محرَّرِهَا مِن النَّارِ\" (^٦).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١: \"العبودة\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٤ إلى المصنف.\n(^٤) في الأصل: \"وحدثنا\".\n(^٥) في الأصل: \"ابن أبي يحيى\".\n(^٦) أخرجه أحمد ٤/ ٣٨٤ (الميمنية) من طريق سعيد به، وأخرجه الطيالسي (١٢٥٠) - ومن طريقه البيهقى ١٠/ ٢٧٢ - وأخرجه أحمد ٤/ ١١٣، ٣٨٤ (الميمنية)، وأبو داود (٣٩٦٥)، والترمذى (١٦٣٨)، =","vol":"24","page":422},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن قيسٍ الجُذاميِّ، عن عقبةَ بن عامرٍ الجُهنِيِّ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: \"مَنْ أَعْتَقِ رَقبَةً مُؤْمِنَةً، فَهِيَ فَدَاؤُه مِن النَّارِ\" (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾: ثم أخبَر عن اقتحامِها، فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-6037\"></span>واختلفت القرَأةُ في قراءة ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ مكةَ، وعامةُ قرأةِ البصرةِ غيرَ (^٣) ابن أبي إسحاقَ، ومن الكوفيِّين الكسائيُّ: (فَكَّ رَقَبَةً * أَوْ أَطْعَمَ). وكان أبو عمرو بنُ العلاءِ يحتجُّ فيما بلغَنى فيه بقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. كَأَنَّ معناه كان عندَه: فلا فكَّ رقبةً، ولا أطعَم، ثم كان من الذين آمنوا (^٤). وقرَأ ذلك عامة قرأة المدينة والكوفة والشامِ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾. على الإضافةِ، ﴿أَوْ إِطْعَامٌ﴾. على وجْه المصدرِ (^٥).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ\n_________\n= والنسائي (٣١٤٣)، والبيهقى ٩/ ١٦١، وغيرهم من طرق عن هشام عن قتادة به، وأخرجه أحمد ٤/ ١١٣، ٣٨٦ (الميمنية)، وعبد بن حميد (٢٩٨، ٢٩٩، ٣٠٢)، وأبو داود (٣٩٦٦)، والترمذى (١٦٣٥)، وغيرهم من طرق عن ابن أبي نجيح.\n(^١) أخرجه أحمد (١٧٣٢٦)، والطبراني ١٧/ ٣٣٣ (٩١٨) من طريق سعيد به، وأخرجه الطيالسى (١١٠٢)، وأحمد (١٧٣٥٧)، وأبو يعلى (١٧٦٠)، والطبراني ١٧/ ٣٣٣ (٩٢٠) من طريق قتادة به، وأخرجه الروياني (٢٤١)، والحاكم ٢/ ٢١١، والطبراني ١٧/ ٣٣٣ (٩١٩) من طريق قتادة عن الحسن بن عبد الرحمن عن قيس به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٤ عن معمر به.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن\".\n(^٤) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي. النشر ٢/ ٣٠٠.\n(^٥) هي قراءة ابن عامر ونافع وعاصم وحمزة ويعقوب وأبى جعفر وخلف. النشر، الموضع السابق.","vol":"24","page":423},{"text":"منهما علماءُ من القرأةِ، وتأويلٌ، مفهومٌ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. فقراءتُه إذا قُرئ على وجْهِ الفعلِ تأويلُه: فلا اقتحم العقبةَ، لا فكَّ رقبةً، ولا أطعَم (^١)، ثم كان مِن الذين آمنوا. و﴿مَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ على التعجُّبِ والتعظيمِ. وهذه القراءةُ أحسنُ مخرجًا في العربيةِ؛ لأنَّ الإطعامَ اسمٌ، وقولُه: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. فعلٌ، والعربُ تُؤثِرُ ردَّ الأسماءِ على الأسماءِ مثلِها، والأفعالِ على الأفعالِ، ولو كان مجئُ التنزيلِ: ثم أن كان من الذين آمنوا. كان أحسنَ وأشبهَ بالإطعام والفكِّ مِن: ﴿ثُمَّ كَانَ﴾ ولذلك قلتُ: (فَكَ رَقَبَةٌ * أَوْ أَطْعَمَ (^١» أوجَهُ في العربية من الآخرِ، وإن كان للآخرِ وجهٌ معروفٌ، ووجهُه أن تُضْمَرَ فيه (^٢) \"أن\" ثم تُلْقَى، كما قال طَرَفةُ بنُ العبدِ (^٣):\nألا أَيُّهَذا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الوَغَى … وأَنْ أَشْهَدَ اللَّذاتِ هل أنتَ مُخْلِدِى\nبمعنى: ألا أيُّهذا الزاجِرِى أنْ أَحْضُرَ الوَغَى. وفي قولِه: \"أن أشهَد\". الدلالةُ البيِّنةُ على أنها معطوفةٌ على \"أن\" أُخرى مثلِها قد تقدَّمت قبلَها، فذلك وجهُ جوازه. وإذا وجِّه الكلام إلى هذا الوجْهِ كان قولُه: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ﴾. تفسيرًا لقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾. كأنه قيل: وما أدراك ما العقبةُ؟ هي ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾. ثم قال: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ مفسِّرًا لقوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩ - ١١]، ثم قال: وما أدراك ما الهاويةُ؟ هي نارٌ حاميةٌ.\nوقوله: (أَوْ أَطْعَمَ (^١) في يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ). يقولُ: أو أطعَم (^١) في يومٍ ذى مجاعةٍ. والساغبُ: الجائعُ.\n_________\n(^١) في الأصل: \"إطعام\".\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تقدم في ٢/ ١٨٩.","vol":"24","page":424},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9828>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ (^١) فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾: بيومِ مجاعةٍ (^٢).\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنى خالدُ بنُ حيَّانَ الرَّقِّيُّ أبو يزيدَ، عن جعفرِ بن بُرْقانَ، عن عكرِمةَ في قولِ اللهِ: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ (^١) فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾: قال: ذى مجاعةٍ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾. قال: الجوعُ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ (^١) فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾. يقولُ: يومٍ يُشْتهى فيه الطعامُ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن عثمانَ الثقفيِّ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾. قال: ذى (^٤) مجاعةٍ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أطعم\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٣٠.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧٣٠، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٦٨ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: م، ت ١.\n(^٥) أخرجه الفريابي من طريق عثمان به - كما في التغليق ٤/ ٣٦٨ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٤ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"24","page":425},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ (^١)، عن عثمانَ بن المغيرِة، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾. قال: مجاعةٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-6038\"></span>وقوله: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. يقولُ: أو أَطعَم (^٣) في يومٍ ذى (^٤) مجاعةٍ صغيرًا لا أبَ له مِن قَرابتِه. وهو اليتيمُ ذو المقربةِ، وعُنِى بذى المقربةِ ذو (^٥) القرابةِ.\nكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. قال: ذا قرابةٍ.\n\n<span id=\"aya-6039\"></span>وقوله: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويل في تأويلِ قوله: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك ذو اللصوقِ بالترابِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9829>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، قال: أخبَرني المُغيرةُ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: [﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. قال: الذي ليس له مأْوًى إلا الترابُ (^٦).\nحدَّثنا مُطَرِّفُ بنُ محمدٍ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ] (^٧) مثلَه.\n_________\n(^١) في الأصل: \"شعبة\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٣٠.\n(^٣) في الأصل: \"إطعام\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) في الأصل، م: \"ذا\".\n(^٦) أخرجه ابن حجر في التغليق ٤/ ٣٦٨، ٣٦٩ من طريق مجاهد به.\n(^٧) سقط من: الأصل.","vol":"24","page":426},{"text":"حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن حُصينٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. قال: الذي لا يُواريه إلا الترابُ.\nحدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شعبةَ، عن المغيرةِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. قال: الذي ليس له مأْوًى إلا الترابُ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. قال: التَّرِبُ (^١) الذي ليس له مأْوًى إلا الترابُ.\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. قال: المسكينُ: المطروحُ في الترابِ (^٢).\nحدَّثني أبو حَصينٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أحمدَ بن يونسَ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، عن حُصينٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. قال: الذي لا يَقِيه من الترابِ شيءٌ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصينٌ ومغيرةُ كلاهما، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. قال: هو اللازقُ بالتراب من شدَّةِ الفقرِ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرِو بن أبي قيسٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. قال:\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٥ إلى المصنف والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":427},{"text":"التَّرِبُ (^١): المُلْقى على الطريقِ على الكُناسةِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. قال: هو المسكينُ المُلقْى بالطريقِ بالترابِ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الحصينِ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. قال: المطروحُ في الأرضِ، الذي لا يَقيه شيءٌ دونَ الترابِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حُصينٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. قال: هو المُلْزَقُ بالأرضِ (^٣)، لا يَقِيه شيءٌ مِن الترابِ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حُصينٍ وعثمانُ بن المغيرةِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. قال: [المطروحُ في الطريقِ أو الطرقِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا ابن إدريسَ، قال: حدَّثنا ليثٌ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. قال] (^٥): الذي ليس له شيءٌ يَقِيه من الترابِ.\n_________\n(^١) سقط من: ت ١. وفى ص، م، ت ٢، ت ٣: \"التراب\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٣١ ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٦٨ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) في الأصل: \"في الأرض\".\n(^٤) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٢٤ من طريق سفيان به بنحوه، وأخرجه أيضًا في ٢/ ٥٢٤ من طريق حصين به.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"24","page":428},{"text":"حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. قال: ساقطٌ في الترابِ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن جعفرِ بن بُرْقانَ (^٢)، قال: سمِع عكرمةَ: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. قال: الملتزِقُ بالأرض من الحاجةِ (^٣).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. قال: التَّرِبُ (^٤): اللاصقُ بالأرضِ (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ سفيانَ، عن عثمانَ بن المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: المُلْقَى في الطريقِ، الذي ليس له بيتٌ إلا الترابُ.\nوقال آخرون: بل هو المحتاجُ؛ كان لاصقًا بالترابِ (^٦)، أو غيرَ لاصقٍ به. وقالوا: إنما هو من قولهم: تَرِب الرجلُ. إذا افتقَر.\n\n<span data-type='title' id=toc-9830>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ (^٧)، قال: ثني معاويةٌ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٣١.\n(^٢) في الأصل: \"ثوبان\". وينظر تهذيب الكمال ٥/ ١١.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٤ من طريق آخر بنحوه.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت،٢، ت ٣: \"التراب\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسير ٢/ ٣٧٥ عن معمر عن رجل عن عكرمة.\n(^٦) في ت ٣: \"بالأرض\".\n(^٧) في ت ١: \"عاصم\".","vol":"24","page":429},{"text":"في قوله: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. يقولُ: شديدَ الحاجةِ (^١).\nحدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، [عن حُصينٍ] (^٢)، عن عكرمةَ في قوله: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. قال: هو المحارَفُ (^٣) الذي لا مالَ له.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. قال: ذا حاجةٍ؛ التَّرِبُ المحتاجُ.\nوقال آخرون: بل هو ذو العيالِ الكثيرِ الذين قد لَصِقوا بالترابِ من الضرِّ وشدَّةِ الحاجةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9831>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. يقولُ: مسكينٌ ذو بنينَ وعيالٍ، ليس بينَك وبينَه قرابةٌ (^٤)\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرِ بن أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. قال: ذا عيالٍ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: كنا نحدَّثُ أن التَّرِبَ هو ذو العيالِ الذي لا شيءَ له (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٥ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) سقط من: الأصل.\n(^٣) المحارَف: الذي يحترف بيديه، ولا يبلغ كسبه ما يقيمه وعياله. ينظر التاج (ح ر ف).\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٥ إلى المصنف.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٣١.\n(^٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":430},{"text":"حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: ذا عيالٍ لاصقين بالأرضِ، من المسكنةِ والجهدِ.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ قولُ مَن قال: عُنِى به: أو مسكينًا قد لَصِق بالترابِ مِن الفقرِ والحاجةِ. لأنَّ ذلك هو الظاهرُ من معانيه، وأنَّ قولَه: ﴿مَتْرَبَةٍ﴾ إنما هي \"مَفْعَلة\" من: تَرِب الرجلُ. إذا أصابه الترابُ.\n\n<span id=\"aya-6040\"></span><span data-type='title' id=toc-9832>القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ثم كان هذا الذي قال: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾. مِن الذين آمَنوا باللهِ ورسولِه، فيؤمنُ معهم كما آمَنوا، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. يقولُ: وممن أوصَى بعضُهم بعضًا بالصبرِ على ما نابهم في ذاتِ اللهِ، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾. يقولُ: وأوصَى بعضُهم بعضًا بالمرحمةِ.\nكما حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾. قال: مَرْحَمةِ النَّاسِ (^١).\n\n<span id=\"aya-6041\"></span>وقولُه: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾. يقولُ: الذين فعلوا هذه الأفعالَ التي ذكرتُها؛ مِن فكِّ الرقابِ، وإطعامِ اليتيمِ، وغيرِ ذلك - أصحابُ اليمينِ، الذين يُؤخذُ بهم يومَ القيامةِ ذاتَ اليمينِ إلى الجنةٍ.\n\n<span id=\"aya-6042\"></span>وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: والذين كفَروا بأدلتِنا وأعلامِنا\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٥ إلى المصنف ابن أبي حاتم.","vol":"24","page":431},{"text":"وحججِنا؛ مِن الكتبِ والرسلِ وغيرِ ذلك، ﴿هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾. يقولُ: هم أصحابُ الشمالِ يومَ القيامةِ، الذين يُؤخذُ بهم ذاتَ الشمالِ. وقد بيَّنا معنى المشأمةِ، ولمَ قيل لليسارِ المشأمةُ فيما مضَى، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضِعِ (^١).\n\n<span id=\"aya-6043\"></span>وقولُه: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: عليهم نارُ جهنمَ يومَ القيامةِ مُطْبَقَةٌ، يقالُ منه: أوصدْتُ وأصدتُ. [إذا أطبَقتَ] (^٢).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9833>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾: مُطْبَقَةٌ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾. قال: مُطْبَقةٌ.\n[حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾. قال: مطبَقةٌ] (^٤).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ٢٢/ ٢٨٦، ٣٣٤.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٥، ٣٩٣ إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر في تفسير مجاهد ص ٧٣١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":432},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾: أي: مُطْبَقةٌ، أطبَقها اللهُ عليهم، فلا ضوءَ فيها ولا فَرْجَ، ولا خروجَ منها آخرَ الأبدِ (^١).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾. قال: مغلَقةٌ عليهم (^٢).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"لا أقسمُ بهذا البلد\"\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٥ عن معمر، عن قتادة … إلى قوله: مطبقة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٥ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":433},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-9834>تفسيرُ سورةِ \"والشمسِ وضحاها\"</span>\n\n<span id=\"aya-6044\"></span><span data-type='title' id=toc-9837>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾.</span>\nقال أبو جعفرٍ ﵀: قولُه ﷿: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾. قسمٌ، أقسَم ربُّنا جلَّ ثناؤه بالشمسِ وضحاها. ومعنى الكلامِ: أُقْسِمُ بالشمسِ وضُحى الشمسِ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿وَضُحَاهَا﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: والشمسِ والنهارِ. وكان يقولُ: الضُّحى هو النهارُ كلُّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9835>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾.\nقال: هذا النهارُ (^١).\nوقال آخرون: معنى ذلك: وضَوئِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-9836>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":434},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾. قال: ضوئِها (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: أقسَم جلَّ ثناؤه بالشمسِ ونهارِها؛ لأنَّ ضوءَ الشمسِ الظاهرةِ هو النهارُ.\n\n<span id=\"aya-6045\"></span>وقولُه: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والقمرِ إذا تَبِع الشمسَ، وذلك في النصفِ الأوَّلِ مِن الشهرِ، إذا غَرَبتِ الشمسُ تلاها القمرُ طالعًا.\n[وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ] (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-9838>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾. قال: يتلو النهارَ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾: يعنى الشمسَ إذا اتَّبعها القمرُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾. قال: تبِعَها (١).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٣٢، ومن طريقه الحاكم ٢/ ٥٢٤ عن ابن عباس قوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٦ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٥ إلى المصنف.","vol":"24","page":435},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾: يتلوها صبيحةَ الهلالِ، فإذا سقَطتِ الشمسُ رُئى الهلالُ.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾. قال: إذا تلا (^١) ليلةَ الهلالِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾. قال: هذا قسمٌ، والقمرُ يتلو الشمسَ نصفَ الشهرِ الأوَّلَ، وتتلوه (^٣) النصفَ الآخرَ، فأما النصفُ الأوَّلُ فهو يَتلوها وتكونُ أمامَه وهو وراءَها، فإذا كان النصفُ الآخَرُ كان هو أمامَها ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾. وتَقدَّمها، وتليه هي (^٤).\n\n<span id=\"aya-6046\"></span>وقولُه: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾. يقولُ: [والنهارِ إذا جلَّى الشمسَ بإضاءتِها.\nكما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنى أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ] (^٥): ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾. قال: إذا أضاء (^٦).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾.\n_________\n(^١) في م: \"تلاها\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في الأصل: \"يتلوه\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"يتلو\".\n(^٤) ذكره القرطبي في تفسيره ٢٠/ ٧٣.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"24","page":436},{"text":"إذا غَشِيها النهارُ (^١).\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ (^٢) يتأوَّلُ ذلك بمعنى: (^٣) والنهارِ إذا جَلَّى الظلمةَ. ويجعلُ الهاءَ والألفَ مِن ﴿جَلَّاهَا﴾ كنايةً عن الظلمةِ، ويقولُ: إنما جاز الكنايةُ عنها، ولم يَجْرِ لها ذكرٌ قبلُ؛ لأنَّ معناها معروفٌ، كما يُعرفُ معنى قولِ القائلِ: أصبَحت باردةً، وأمسَت باردةً، وهبَّت شَمالًا. فكنَّى (^٤) عن مؤنَّثاتٍ لم يَجْرِ لها ذكرٌ، إذ كان معروفًا معناهنَّ.\nوالصوابُ عندى في ذلك ما قال أهلُ العلمِ الذين حكَينا قولَهم؛ لأنهم أعلمُ بذلك، وإن كان للذى (^٥) قاله مَن ذكَرنا قولَه من أهلَ العربيةِ وجهٌ.\n\n<span id=\"aya-6047\"></span>وقولُه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والليلِ إذا يغشى الشمسَ حتى تغيبَ فتُظلِمَ الآفاقُ.\nوكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾: إِذا غَشِيَها (^٦) الليلُ (١).\n\n<span id=\"aya-6048\"></span>وقولُه: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: والسماءِ ومَنْ بناها. يعنى: ومَنْ خلَقها. وبناؤُه إياها [تصييرُه إياها] (^٧) للأرضِ سقفًا.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤٣٤.\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٦٦.\n(^٣) في الأصل: \"المعنى\".\n(^٤) في الأصل: \"يكنى\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذي\".\n(^٦) في م: \"غشاها\".\n(^٧) سقط من: الأصل.","vol":"24","page":437},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9839>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾: وبناؤها خلقُها (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. قال: اللهُ بنَى السماءَ (^٢).\nوقيل: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾. وهو جلَّ ثناؤُه بانيها، [فوضَع \"ما\"] (^٣) موضعَ \"مَنْ\"، كما قال: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]. [فوضَع \"ما\"] (^٤) في موضعِ \"مَنْ\"، ومعناه: ومَن ولَد؛ لأنه قَسَمٌ، أقسَم بآدمَ وولدِه، وكذلك قولُه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]. وقولُه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]. وإنما هو: فانكِحوا مَنْ طاب لكم. وجائزٌ توجيهُ ذلك إلى معنى المصدرِ، كأنه قيل (^٥): والسماءِ وبنائِها (^٦)، ووالدٍ وولادتِه.\n\n<span id=\"aya-6049\"></span>وقولُه: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. وهذه أيضًا نظيرُ التي قبلَها، ومعنى الكلامِ: والأرضِ ومَنْ طحاها.\nومعنى قولِه: ﴿طَحَاهَا﴾: بسَطها يمينًا وشمالًا ومن كلِّ جانبٍ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤٣٤.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٤٣٥.\n(^٣) في الأصل: \"نوضع\".\n(^٤) في الأصل: \"يوضع ما موضع\".\n(^٥) في م: \"قال\".\n(^٦) في الأصل: \"بنيانها\".","vol":"24","page":438},{"text":"وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿ضُحَاهَا﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: والأرضِ وما خلَق فيها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-9840>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾: يقولُ: وما خلَق فيها (^٢).\nوقال آخرون: يعنى بذلك: وما بسَطها.\n\n<span data-type='title' id=toc-9841>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، [قال: أخبرنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. قال: بسَطها (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ] (^٤)، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. قال: دحاها (^٥).\nوحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. قال: بسَطها (^٦).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣: \"منها\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٥ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٦ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ٤٣٥.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٣٤.","vol":"24","page":439},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما قسَمها.\n\n<span data-type='title' id=toc-9842>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. يقولُ: قسَمها (^١).\n\n<span id=\"aya-6050\"></span>وقولُه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ (^٢). يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا سَوَّاهَا﴾ نفسَه جلَّ وعلَا؛ لأنه هو الذي سوَّى النفوسَ (^٣) وخلَقها فعدَّل خلقَها، فوضَع \"ما\" موضعَ \"مَنْ\". وقد يَحتملُ أن يكونَ معنى ذلك أيضًا المصدرَ، فيكونُ تأويلُه: ونفسٍ وتسويتِها. فيكونُ القسَمُ بالنفسِ وبتسويتِها.\n\n<span id=\"aya-6051\"></span>وقولُه: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبيَّن لها ما ينبغِى لها أن تأتىَ أو تذرَ؛ من خيرٍ أو شرٍّ، و(^٤) طاعةٍ أو معصيةٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال عامةُ أهلِ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9843>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. يقولُ: بيَّن الخيرَ والشرَّ (١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٥٦ - من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٦ إلى ابن المنذر.\n(^٢) بعده في ص، ت ١: \"يقول: ونفس ومن سواها\".\n(^٣) في م: \"النفس\".\n(^٤) في م: \"أو\".","vol":"24","page":440},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. قال: علَّمها الطاعةَ والمعصيةَ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. قال: عرَّفها (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾: فبيَّن لها فجورَها وتقواها (^٣).\nوحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. قال: بيَّن لها الطاعةَ والمعصيةَ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. قال: أعلَمها المعصيةَ والطاعةَ (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. قال: الطاعةَ والمعصيةَ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤٣٩.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٤٣٥.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٦ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٦ عن ابن أبي رواد، عن الضحاك، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٦ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٣٤.","vol":"24","page":441},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك أن الله ﷿ جعَل فيها ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-9844>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. قال: جعَل فيها فجورَها وتقواها (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عيسى وأبو عاصمٍ النبيلُ، قالا: ثنا عَزْرَةُ (^٢) بنُ ثابتٍ، قال: ثنى يحيى بنُ عُقَيلٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ، عن أبي الأسودِ الدِّيليِّ، قال: قال لى عمرانُ بنُ حُصينٍ: أرأَيتَ ما يعملُ الناسُ فيه ويتكادَحون فيه، أشيءٌ قُضِىَ عليهم ومضَى عليهم؛ من قَدَرٍ قد سبَق، أو فيما يستقبِلون مما أتاهم به نبيُّهم، ﷺ وأُكِّدت عليهم الحجةُ؟ قلتُ: بل شيءٌ قُضِىَ عليهم. قال: فهل يكونُ ذلك ظلمًا؟ قال: ففزِعتُ منه فزعًا شديدًا. قال: قلتُ له: ليس شيءٌ إلا وهو خَلْقُه ومِلْكُ يدِه، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. قال: سدَّدك اللهُ، إنما سأَلتُك - [قال أبو جعفرٍ الطبريُّ: أظنُّه قال] (^٣) -: لأخْبُرَ عقلَك؛ إن رجلًا من مُزَينةَ - أو جُهَينةَ - أَتَى النبيَّ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أرأَيتَ ما يعملُ الناسُ فيه ويتكادَحون، أشيءٌ قُضِىَ عليهم ومضى عليهم؛ من قَدَرٍ سبَق، أو فيما يستقبِلون مما أتاهم به نبيُّهم، وأُكِّدت به عليهم الحجةُ؟ قال: \"في شيءٍ قد قُضِىَ عليهم\". قال: ففيمَ نعملُ؟ قال: \"مَن كان اللهُ خلقه لإحدَى المنزِلتَين يُهيِّئُه لها، وتصديقُ ذلك في كتاب اللهِ: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ \" (^٤).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٣٤.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"عروة\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أظنه أنا\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٣٥ عن المصنف، وأخرجه اللالكائى في شرح أصول الاعتقاد (٩٥٠) =","vol":"24","page":442},{"text":"<span id=\"aya-6052\"></span><span data-type='title' id=toc-9846>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾.</span>\n\nقال أبو جعفرٍ ﵀: وقولُه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾. يقولُ: قد أفلَح مَن نَمَّى (^١) اللهُ نفسَه [فكثَّرها بتطهيرِها] (^٢) مِن الكفرِ والمعاصى، وأصلَحها بالصالحاتِ من الأعمالِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9845>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علي، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾. يقولُ: قد أفلَح مَن زكَّى اللهُ نفسُه (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ وسعيدِ بن جبيرٍ [وعكرمةَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾. قالوا: مَن أصلَحها (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ وسعيدٍ بن جبيرٍ] (^٥). ولم يذكُرْ عكرمةَ.\n_________\n= عن ابن بشار به، وأخرجه أحمد ٤/ ٤٣٨ (الميمنية) من طريق صفوان به، وأخرجه الطيالسي (٨٨١)، ومسلم (٢٦٥٠)، وابن حبان (٦١٨٢)، والطبرانى ١٨/ ٢٢٣ (٥٧٧) من طريق عزرة به.\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"زكى\".\n(^٢) في الأصل: \"وكثرها فيطهرها\"، وفى م: \"فكثر تطهيرها\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"وكرمها بتطهيرها\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٧ إلى المصنف وخشيش في الاستقامة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) قول مجاهد عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٦ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٤٣٥.\n(^٥) سقط من: الأصل.","vol":"24","page":443},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾: [مَن عمِل خيرًا زكَّاها بطاعةِ اللهِ (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾]. (^٢) قال: قد أفلَح من زكَّى نفسَه بعملٍ صالحٍ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾. يقولُ: قد أفلَح مَن زكَّى اللهُ نفسَه.\nوهذا هو موضعُ القسَمِ، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: وقَع القسَمُ ههنا ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (٢).\nوقد ذكَرتُ ما يقولُ أهلُ العربيةِ في ذلك فيما مضَى من نظائرِه قبلُ (^٤).\n\n<span id=\"aya-6053\"></span>وقولُه: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقد خاب في طَلِبتِه، فلم يُدرِكْ ما طلَب والتمَس لنفسِه مِن الصلاحِ، ﴿مَنْ دَسَّاهَا﴾. يعنى: مَن دَسَّس اللهُ نفسَه فأَخْمَلها (^٥)، ووضَع منها بخِذلانِه إياها عن الهُدى، حتى ركِب المعاصىَ وترَك طاعةَ اللهِ.\nوقيل: ﴿دَسَّاهَا﴾ وهى \"دَسَّسها\"، فقُلِبت إحدى سيناتِها ياءً، كما قال العجَّاجُ (^٦):\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤٣٤.\n(^٢) سقط من: ت ١، ت ٢.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٦ عن معمر به.\n(^٤) ينظر ما تقدم في ٢٠/ ٩ - ١١.\n(^٥) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فأجملها\".\n(^٦) تقدم في ٢/ ٤٨، ١١/ ١٦٧.","vol":"24","page":444},{"text":"تَقَضِّىَ البازِى إذا البازِى كسَرْ\nيريدُ: تَقَضُّضَ. وتظنَّيتُ هذا الأمرَ، بمعنى: تظنَّنْتُ. والعربُ تفعلُ ذلك كثيرًا، فتُبدلُ في الحرفِ المشددِ بعضَ حروفِه؛ أحيانًا ياءً، وأحيانًا واوًا، ومنه قولُ الآخَرِ (^١):\nيذهبُ بى في الشِّعرِ كلَّ فنِّ\nحتى يردِّ عنِّىَ التظنِّى\nيريدُ: التظنُّنَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9847>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليُّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. يقولُ: وقد خاب مَن دَسَّى اللهُ نفسَه فأضلَّه (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾: يعنى تكذيبَها (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ وسعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. قال أحدُهما: أغواها. وقال الآخَرُ:\n_________\n(^١) البيتان في إحدى نسخ كتاب الإبدال لابن السكيت ص ١٣٣، والأول في ثمار القلوب للثعالبى ص ٧٢.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٤٤٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":445},{"text":"أضلَّها.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. قال: مَن أضلَّها. وقال سعيدٌ: مَن أغواها.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَنْ دَسَّاهَا﴾. قال: مَن أغواها (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. قال: أثَّمها وأفجَرها.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. يقولُ: قد خاب مَن دَسَّى اللهُ نفسَه.\n\n<span id=\"aya-6054\"></span>وقولُه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾. يقولُ: كذَّبت ثمودُ بطغيانِها. يعنى: بعذابِها الذي وعَدهموه صالحٌ، فكان ذلك العذابُ طاغيًا طغَى عليهم، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥].\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال [جماعةٌ مِن] (^٣) أهلِ التأويلِ، وإن كان فيه اختلافٌ بين أهلِ التأويلِ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤٣٥.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"24","page":446},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9848>ذكرُ مَن قال القولَ الذي قلناه في ذلك</span>\nحدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكونيُّ، قال: ثنا الوليدُ بنُ سَلَمَةَ الفِلَسْطينيُّ، قال: ثنى يزيدُ بنُ سَمُرةَ المَذْحِجِيُّ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾. قال: اسمُ العذابِ الذي جاءها الطَّغْوَى، فقال: كذَّبت ثمودُ بعذابِها (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾. أي: بالطغيانِ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: كذَّبت ثمودُ بمعصيتِهم الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-9849>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:\n﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾. قال: معصيتها (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾. قال: بطغيانِهم (^٤) وبمعصيتِهم.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: بأجمَعِها.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٧ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧٣٣، ومن طريقه الفريابى - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٦٩ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في الأصل، ص، ت ٢: \"بطغيانها\".","vol":"24","page":447},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9850>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنى يحيى بنُ أيوبَ وابنُ لَهِيعةَ، عن عُمارةَ بن غَزِيَّةَ، عن محمدِ بن رِفاعةَ القُرَظيِّ، عن محمدِ بن كعبٍ أنه قال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾. قال: بأجمعِها (^١).\nحدَّثني ابن عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا ابن أبى مريمَ، قال: أخبَرنى يحيى بنُ أيوبَ، قال: ثنى عُمارةُ بنُ غَزِيَّةَ، عن محمدِ بن رفاعةَ القُرَظيِّ، عن محمدِ بن كعبٍ مثلَه.\nوقيل: ﴿بِطَغْوَاهَا﴾. بمعنى طغيانِهم، وهما مصدران؛ للتوفيقِ بينَ رءوسِ الآى، إذ كانت الطَّغْوَى أشبهَ بسائرِ رءوسِ الآياتِ في هذه السورةِ، وذلك نظيرُ قولِه: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ [يونس: ١٠]. بمعنى: وآخِرُ دعائِهم.\n\n<span id=\"aya-6055\"></span>وقولُه: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. يقولُ: إذ ثار أشقَى ثمودَ، وهو قُدَارُ بنُ سالفَ.\nكما حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا الطُّفاويُّ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بن زَمعةَ، قال: خطَب رسولُ اللهِ ﷺ، فذكَر في خُطبتِه الناقةَ والذي عقَرها، فقال: \" ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾: انبعَث لها رجلٌ عزيزٌ [عارمٌ، منيعٌ] (^٢) في رهطِهِ، مثلَ أبى (^٣) زمعة\" (^٤).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٣٦.\n(^٢) في الأصل: \"عليهم متمنع\". والعارم: الخبيث الشرير. وقد عرم بالضم والفتح والكسر، والعُرام: الشدة والقوة والشراسة. النهاية ٣/ ٢٢٣.\n(^٣) في المسند: \"ابن\". وينظر فتح البارى ٨/ ٧٠٦.\n(^٤) أخرجه أحمد ٢٦/ ١٦٠، ١٦١ (١٦٢٢٢، ١٦٢٢٣)، والبخارى (٤٩٤٢)، ومسلم (٢٨٥٥)، والترمذى (٣٣٤٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٦٠٥)، والنسائى في الكبرى (١١٦٧٥) من طريق هشام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٧ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.","vol":"24","page":448},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. يقولُ: أُحَيْمِرُ (^١) ثمودَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-6056\"></span>وقولُه: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه صالحًا رسولَه ﷺ، فقال لثمودَ صالحٌ: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾: احذَروا ناقةَ اللهِ وسُقياها. وإنما حذَّرهم سُقْيا الناقةِ؛ لأنه كان تقدَّم إليهم عن أمرِ اللهِ أن للناقةِ شِرْبَ يومٍ، ولهم شِرْبَ يومٍ آخرَ غيرِ يومِ الناقةِ، على ما قد بيَّنتُ فيما مضى قبلُ (^٣).\nوكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾: قَسْمُ اللهِ الذي قسَم لها من هذا الماءِ (٢).\n\n<span id=\"aya-6057\"></span>وقولُه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. يقول: فكذَّبوا صالحًا في خبرِه الذي أخبَرهم به، من أن الله جعَل شِرْبَ الناقةِ يومًا، ولهم شِربَ يومٍ معلومٍ، وأن الله يُحِلَّ بهم نقمتَه إن هم عقَروها، كما وصَفهم جلَّ ثناؤُه فقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ [الحاقة: ٤]. وقد يَحتملُ أن يكونَ التكذيبُ بالعَقْرِ، وإذا كان ذلك كذلك، جاز تقديمُ التكذيبِ قبلَ العقرِ، والعقرِ قبلَ التكذيبِ، وذلك أن كلَّ فعلٍ وقَع عن سببٍ، حسُن ابتداؤُه قبلَ السببِ وبعدَه، كقولِ القائلِ: أعطَيتَ فأحسَنتَ، وأحسَنتَ فأعطَيتَ. لأن الإعطاءَ هو الإحسانُ، ومن الإحسانِ الإعطاءُ، فكذلك لو كان العَقْرُ هو سببَ التكذيبِ، جاز تقديمُ أيِّ ذلك شاء المتكلمُ، وقد زعَم بعضُهم (^٤) أن قولَه: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ كلمةٌ مكتفيةٌ بنفسِها، وأن\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣: \"أخير\"، وفى ت ١: \"أخبر\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١٠/ ٢٨٨.\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٦٩.","vol":"24","page":449},{"text":"قولَه: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ جوابٌ لقولِه: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. فكأنه قيل: إذ انبعَث أشقاها فعقَرها. [وإن أَشكَل على مُشْكَلٍ عليه معنى قولِه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾] (^١). فقال: وكيف قيل: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. وقد كان القومُ قبلَ قتلِ الناقةِ مُسلِّمين لها شِرْبَ يومٍ ولهم شربَ يومٍ آخرَ؟ قيل: جاء الخبرُ أنهم بعدَ تسليمِهم ذلك أجمَعوا على منعِها الشِّرْبَ ورضُوا بقتلِها، وعن رضا جميعِهم قَتَلها قاتلَها وعقَرها مَن عقَرها؛ ولذلك نُسِب التكذيبُ والعَقْرُ إلى جميعِهم، فقال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾.\nوقولُه: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فدمَّر (^٢) عليهم ربُّهم، [وذلك] (^٣) بكفرِهم به، وتكذيبِهم رسولهَ صالحًا، وعَقْرِهم ناقتَه، ﴿فَسَوَّاهَا﴾. يقولُ: فسوَّى الدَّمْدَمةَ عليهم جميعًا، فلم يُفْلِتْ منهم أحدٌ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾: ذُكِر لنا أن أُحَيمِرَ ثمودَ أبَى أن يعقِرَها حتى تابِعه (^٤) صغيرُهم وكبيرُهم، [وذكَرُهم] (^٥) وأنثاهم، فلما اشترَك القومُ في عَقْرِها دَمْدَمَ اللهُ عليهم بذنبِهم فسوَّاها (^٦).\nحدَّثني بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا أبو (^٧) قُتيبةَ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: سمِعتُ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) في الأصل: \"فدمدم\".\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بذنبهم ذلك\".\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بايعه\".\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣. وينظر ما تقدم في ٢٠/ ١٠٨.","vol":"24","page":450},{"text":"الحسنَ يقولُ: لما عقَروا الناقةَ طلَبوا فَصِيلَها، فصار في قارَةِ الجبلِ، فقطَع اللهُ قلوبَهم (^١).\n\n<span id=\"aya-6058\"></span>وقولُه: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: لا يخافُ اللهُ تَبعةَ دمدمتِه عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-9851>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. قال: لا يخافُ اللهُ من أحدٍ تَبِعةً (^٢).\nحدَّثني إبراهيمُ بنُ المستمرِّ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ (^٣)، قال: ثنا عمرُ بنُ مزيدٍ (^٤)، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. قال: ذاك ربُّنا ﵎، لا يخافُ منهم (^٥) تَبِعةً بما (^٦) صنَع بهم (^٧).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عُمَرَ (^٨) بن منبِّهٍ - قال أبو جعفرٍ الطبريُّ: هكذا هو في كتابى - قال: سمِعتُ الحسنَ قرَأ: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. قال: ذلك الربُّ، صنَع ذلك بهم ولم يخَفْ تَبِعَةً.\n_________\n(^١) القارة: الجُبَيْل الصغير. التاج (ق ور).\nوالأثر تقدم تخريجه بنحوه في ١٠/ ٢٩٥ من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عمن سمع الحسن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٥٦ - من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٧ إلى خشيش في الاستقامة وابن المنذر.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عمرو\". وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٢٠٢.\n(^٤) في الأصل: \"يزيد\"، وفى ص، م، ت ١: \"مرثد\". وينظر التاريخ الكبير ٦/ ١٩٧، والجرح والتعديل ٦/ ١٣٥.\n(^٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٦) في م: \"مما\".\n(^٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٧ إلى المصنف وابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٨) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عمرو\". وهو عمر بن مزيد الذي في الإسناد قبله، وقد نص البخارى في الموضع السابق أن وكيعا هو الذي سماه عمر بن منبه.","vol":"24","page":451},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. قال: لا يخافُ تَبِعتَهم.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. يقولُ: لا يخافُ أَن يُتْبَعَ بشيءٍ مما صنَع بهم (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. قال محمدُ بنُ عمرٍو في حديثِه: اللهُ لا يخافُ عُقباها. وقال الحارثُ في حديثِه: اللهُ لا يخافُ عُقباها (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا يعقوبُ، قال: ثنا [رزِينُ بنُ سليمانَ] (^٣)، قال: سمِعتُ بكرَ بنَ عبدِ اللهِ المُزَنيَّ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. قال: لا يخافُ اللهُ التَّبِعةَ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ولم يخَفِ الذي عقَرها عُقباها. أي: عُقبَى فَعْلَتِه التي فعَل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9852>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا أبو رَوْقٍ، قال: ثنا الضحاكُ: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. قال: لم يخَفِ الذي عقَرها عُقْباها (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤٤٩.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٤٤٧.\n(^٣) في الأصل: \"رزين أبى سليمان\"، وفى ص: \"رزين إبراهيم عن أبي سليمان\"، وفى م: \"رزين بن إبراهيم عن أبي سليمان\"، وفى ت ١، ت ٢ ت ٣: \"رزين إبراهيم بن أبى سليمان\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٧ إلى المصنف.","vol":"24","page":452},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. قال (^١): لا يخافُ الذي صنَع عقبى ما صنَع (^٢).\nواختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والشامِ: (فلا يخافُ عُقْباها) بالفاءِ (^٣)، وكذلك ذلك في مصاحفِهم (^٤). وقرَأته عامةُ قرأةِ العراقِ في المِصرَين بالواوِ: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ (^٥). وكذلك هو في مصاحفِهم (^٤).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان غيرُ مختلِفتى المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nواختلَفت القرأةُ في إمالةِ ما كان من ذواتِ الواوِ في هذه السورةِ وغيرِها؛ وذلك كقولِه ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾، ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. ونحوِ ذلك؛ فكان يَفتحُ ذلك كلَّه عامةُ قرأةِ الكوفِة، ويُميلون ما كان من ذواتِ الياءِ، غيرَ عاصمٍ والكسائيِّ؛ فإن عاصمًا كان يفتَحُ جميعَ ذلك، ما كان منه من ذواتِ الواوِ وذواتِ الياءِ، لا يُضْحِعُ (^٦) شيئًا منه. وكان الكسائيُّ يكسِرُ ذلك كلَّه (^٧). وكان أبو عمرِو ينظُرُ إلى اتساقِ رءوسِ الآى، فإن كانت متسقةً على شيءٍ واحدٍ أمال جميعَها. وأما عامةُ قرأة المدينةِ، فإنهم لا يُميلون شيئًا من ذلك الإمالةَ الشديدةَ، ولا يفتَحونه الفتحَ الشديدَ، ولكن بينَ ذلك (^٨).\n_________\n(^١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢: \"لم يخف الذي عقرها عقباها. حدثنا ابن حميد قال ثنا مهران عن سفيان عن السدى: ﴿ولا يخاف عقباها﴾ قال: الذي\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) وهى قراءة نافع وأبى جعفر وابن عامر. النشر ٢/ ٣٠٠.\n(^٤) ينظر فضائل القرآن لأبى عبيد ص ١٩٧، ١٩٩، والمصاحف لابن أبي داود ص ٤٠، ٤٧.\n(^٥) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وعاصم وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف. النشر ٢/ ٣٠٠.\n(^٦) في الأصل، ت ١: \"يفتح\"، وفى ص: \"يضطجع\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"تضجع\". والمعنى: أنه لا يميل.\n(^٧) أي: يميل إمالة كبرى قريبة من الكسر.\n(^٨) القراء منقسمون في إمالة رءوس الآى من سورة الشمس؛ فقد قرأ حمزة والكسائى وخلف بإمالة =","vol":"24","page":453},{"text":"وأفصحُ ذلك وأحسنُه أن يُنظرَ إلى ابتداءِ السورةِ؛ فإن كانت رُءوسُ آيِها بالياءِ أُجْرِىَ جميعُها بالإمالةِ غيرِ الفاحشةِ (^١)، وإن كانت رءوسُ آيِها بالواوِ فُتِحت وأُجرِى جميعُها بالفتحِ غيرِ الفاحشِ، وإذا انفرَد نوعٌ مِن ذلك في موضعٍ، أُمِيلَ (^٢) ذواتُ الياءِ الإمالةَ المعتدلةَ، وفُتِح ذواتُ الواوِ الفتحَ المتوسِّطَ، وإن أُمِيلت هذه وفُتِحت الأخرى لم يكنْ لحنًا، غيرَ أن الفصيحَ (^٣) من الكلامِ هو الذي وصَفنا صفتَه.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"والشمسِ وضحاها\".\n_________\n= رءوس الآى إمالة كبرى ما عدا ﴿تَلَاهَا﴾ و﴿ضُحَاهَا﴾. وقرأ أبو عمرو بتعليل رءوس الآى جميعها، وقرأ ورش عن نافع بالإمالة بَيْن بَيْن. وقرأ الباقون بالفتح قولًا واحدًا.\n(^١) أي: غير المبالغ فيها نحو الكسر.\n(^٢) في الأصل: \"أميلا\".\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الصحيح\".","vol":"24","page":454},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-9853>تفسيُر سورةِ \"والليلِ إذا يغشَى\"</span>\n\n<span id=\"aya-6059\"></span><span data-type='title' id=toc-9854>القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾</span>\n\nقال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مُقسِمًا بالليلِ إذا غشَّى النهارَ ظُلْمتُه فأذهَب ضوءَه وجاءت ظُلمتُه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ النهارَ،\n\n<span id=\"aya-6060\"></span>﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾. وهذا أيضًا قسمٌ؛ أقسَم بالنهارِ إذا هو أضاء فأنار، وظهَر للأبصارِ ما كانت ظلمةُ الليلِ قد حالت بينَها وبينَ رؤيتِه وإتيانِه إياه (^١) عِيانًا. وكان قتادةُ يذهبُ فيما أقسَم اللهُ به من الأشياءِ أنه إنما أقسَم به لعِظَمِ شأنِه عندَه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾. قال: آيتان عظيمتان يكرِّرُهما (^٢) اللهُ على الخلائقِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-6061\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. مُحْتَمِلٌ الوجهَين اللذَين وصفتُ في قولِه: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ [الشمس: ٥، ٦]. وهو أن تُجعلَ \"ما\" بمعنى \"مَنْ\"، فيكونُ ذلك قسمًا من اللهِ جلَّ ثناؤُه بخالقِ الذكرِ\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"إياها\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يكورهما\".\n(^٣) ذكره الطوسى في التبيان ١٠/ ٣٦٣.","vol":"24","page":455},{"text":"والأنثى، وهو ذلك (^١) الخالقُ، وأن تُجعلَ \"ما\" مع ما بعدَها بمعنى المصدرِ، ويكونُ قسمًا بخلقِه الذكرَ والأنثى.\nوقد ذُكِر عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ وأبى الدرداءِ أنهما كانا يقرَآن ذلك: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. ويأثُرُه أبو الدرداءِ عن رسولِ اللهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9855>ذكرُ الخبرِ بذلك </span>(^٢)\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: في قراءةِ عبدِ اللهِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا هشامُ بنُ عبد الملكِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرنى المغيرةُ، قال: سمِعتُ إبراهيمَ يقولُ: أتى علقمةُ الشامَ، فقعَد إلى أبى الدرداءِ، فقال: ممن أنت؟ فقلتُ: من أهلِ الكوفةِ. فقال: كيف كان عبدُ اللهِ يقرأُ هذه الآيةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾؟ فقلتُ: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. فقال: فما زال هؤلاء حتى كادوا يستضِلُّوننى، وقد سمِعتُها من رسولِ اللهِ ﷺ (^٤).\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"كذلك\".\n(^٢) بعده في الأصل: \"عنه\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٨ إلى المصنف.\n(^٤) أخرجه أحمد ٦/ ٤٤٩ (الميمنية)، والبخارى (٣٧٤٣، ٦٢٧٨)، والنسائى في الكبرى (٨٢٩٩، ١١٦٧٦)، وابن حبان (٦٣٣١) من طريق شعبة به، وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (١١٦)، وأحمد ٦/ ٤٥٠، ٤٥١ (الميمنية)، والبخارى (٣٧٤٢، ٣٧٦١) من طريق مغيرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٨ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه، وزاد عزوه في المخطوطة المحمودية ص ٤٥٣ إلى ابن الأنبارى. وقال أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٤٨٣: والثابت في مصاحف الأمصار والمتواتر ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ وما ثبت في الحديث من قراءة (والذكر والأنثى) نقل آحاد مخالف للسواد فلا يعد قرآنا. وينظر تفسير القرطبي ٢٠/ ٨١.","vol":"24","page":456},{"text":"حدَّثنا محمدُ (^١) بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا حاتمُ بنُ وَردانَ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: أتيتُ الشامَ، فدخَلتُ على أبى الدرداءِ، فسأَلنى فقال: كيف سمِعتَ ابنَ مسعودٍ يقرأُ هذه الآيةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾؟ قال: قلتُ: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. قال: كذاك (^٢) سمِعتُها من رسولِ اللهِ ﷺ يقرؤُها.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، وحدَّثنى إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودُ، عن عامرٍ، عن علقمةَ بن قَيسٍ، قال: قَدِمتُ الشامَ، فلَقِيتُ أبا الدرداءِ، فقال: من أينَ أنت؟ فقلتُ: من أهلِ العراقِ. قال: من أيِّها؟ قلتُ: من أهلِ الكوفةِ. قال: هل تقرأُ (^٣) قراءةَ ابن (^٤) أمِّ عبدٍ؟ قلتُ: نعم. قال: اقرَأْ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾. قال: فقرَأتُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. قال: فضحِك، ثم قال: هكذا سمِعتُ من رسولِ اللهِ ﷺ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: أخبَرنا داودُ، عن عامرٍ، عن علقمةَ، عن أبي الدرداءِ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (^٦).\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: قدِمنا الشامَ، فأَتانا أبو الدرداءِ، فقال: أفيكم أحدٌ يقرأُ عليَّ قراءةَ\n_________\n(^١) كذا في النسخ، والصواب هريم. وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٥٨١، ٣٠/ ١٧٠.\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢: \"كفاك\".\n(^٣) في م: \"تقرؤه\".\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (١١٥)، ومسلم (٨٢٤/ ٢٨٤) من طريق ابن علية به.\n(^٦) أخرجه مسلم (٨٢٤/ ٢٨٤) عن ابن المثنى به، وأخرجه أحمد ٦/ ٤٤٨، ٤٤٩، والنسائى في الكبرى (١١٦٧٧) من طريق داود به.","vol":"24","page":457},{"text":"عبدِ اللهِ؟ قال: فأشاروا إليَّ. قال: قلتُ: أنا. قال: فكيف سمعتَ عبدَ اللهِ يقرأُ هذه الآيةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾؟ [قلتُ: سمِعتُه يقرأُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ - ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾] (^١). قال: وأنا هكذا سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقرأُ (^٢)، فهؤلاء يُريدوننى (^٣) على أنْ أقرأَ: ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ (^٤). فلا (^٥) أتابعُهم (^٦).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. قال: في بعضِ الحروفِ: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (^٧).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه.\nحدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن إسماعيلَ، عن الحسنِ أنه كان يقرَؤُها: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (^٨). يقولُ: والذي خلق [الذكر] (^٩) [والأنثى] (^١٠). قال هارونُ: قال أبو عمرٍو: وأهلُ مكةَ يقولون للرعدِ: سبحانَ ما سبَّحْتَ له! (^١١).\n_________\n(^١) في ص: \"والذكر\"، وفى م: \"والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر\"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: \"والنهار إذا تجلى والذكر\".\n(^٢) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقول\".\n(^٣) في م: \"يريدونى\"، وفى ت ١: \"لا يزيدونى\".\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"الذكر والأنثى\".\n(^٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أنا\".\n(^٦) أخرجه مسلم (٨٢٤/ ٢٨٢)، والترمذى (٢٩٣٩) من طريق أبى معاوية به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٧، والبخارى (٤٩٤٣)، وابن حبان (٦٣٣٠) من طريق الأعمش به.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٧ عن معمر به.\n(^٨) بخفض \"الذكر\". ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٧٠، ومختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٧٥، والمحتسب ٢/ ٣٦٤.\n(^٩) سقط من: الأصل.\n(^١٠) سقط من: ص، ت ٢، ت ٣.\nوالأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^١١) ذكره القرطبي في تفسيره ٢٠/ ٨١.","vol":"24","page":458},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن [المغيرةِ بن مِقْسَم] (^١) الضَّبِّيِّ، عن إبراهيمَ بن يزيدَ النَّخَعِيِّ أبى عمرانَ، عن علقمةَ بن قيسٍ أبى شبلٍ أنه أتى الشامَ، فدخَل المسجدَ فصلَّى فيه، ثم قام إلى حَلْقَةٍ فجلَس فيها، قال: فجاء رجلٌ. قال (^٢): فعرَفتُ فيه (^٣) تَحوُّشَ (^٤) القومِ وهَيْئَتِهم (^٥) له، فجلَس إلى جَنْبِى، فقلتُ: الحمدُ للهِ، إنى لأرجو أن يكونَ اللهُ قد استجاب دعوتى. فإذا ذلك الرجلُ أبو الدرداءِ، فقال: وما ذاك؟ فقال علقمةُ: دعوتُ الله أن يرزُقَنى جليسًا صالحًا، فأرجو أن تكونَ أنت. قال: مِن أين أنت؟ فقلتُ: من أهلِ الكوفةِ - أو (^٦): من أهلِ العراقِ [ثَمَّ؟ قال: من أهلِ الكوفة] (^٧) - فقال أبو الدرداءِ: ألم يكنْ فيكم صاحبُ النعلينِ والوِسادِ والمِطْهَرَةِ؟ يعنى عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ. أو لم يكنْ فيكم الذي أُجِير على لسانِ النبيِّ ﷺ مِن الشيطانِ؟ يعنى عمارَ بنَ ياسرٍ. أو لم يكنْ فيكم صاحبُ السرِّ الذي لا يعلمُه غيرُه، أو أحدٌ غيرُه؟ يعنى حُذيفةَ بنَ اليمانِ. ثم قال: أيُّكم يحفَظُ كما كان عبدُ اللهِ يقرأُ؟ قال: فقلتُ: أنا. قال: اقرأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾. قال علقمةُ: [فقرأتُ: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (^٨). فقال أبو الدرداءِ: والذي لا إلهَ إلا هو، لهكذا أقرأنِيها\n_________\n(^١) في ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣: مغيرة عن مقسم\". وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٩٧.\n(^٢) في م: \"إلى\".\n(^٣) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"في\".\n(^٤) في ص: \"عوس\"، وفى ت ١، ت ٣: \"نحوس\"، وفى ت ٢: \"تحوس\". وتحوش القوم: انقباضهم، وقال القاضي: ويحتمل أن يريد الفطنة والذكاء، يقال: رجل حوشى الفؤاد. أي: حديده. صحيح مسلم بشرح النووى ٦/ ١١٠ - وتحرُّس القوم - بالسين - تأهبهم وتشجُّعهم. النهاية ١/ ٤٦٠.\n(^٥) في الأصل: \"هشهم\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"هيبتهم\".\n(^٦) في الأصل: \"و\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"من الكوفة\".\n(^٨) في الأصل: \"فقلت والذكر\"، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فقرأت الذكر\".","vol":"24","page":459},{"text":"رسول الله ﷺ فوهُ إلى في، فما زال هؤلاء حتى كادوا يردُّوننى عنها (^١).\nوقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾. يقول: إنَّ عملَكم لمختلفٌ أيُّها الناسُ؛ لأن منكم الكافر بربِّه، والعاصى له في أمره ونهيه، والمؤمنَ به، والمطيع له في أمرِه ونهيه.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾. يقولُ: مختلِفٌ (^٢).\n\n<span id=\"aya-6062\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾. جوابُ القسمِ، والكلامُ: والليل إذا يغشى، إن سعيَكم لشتَّى. وكذلك قال أهلُ العلمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9856>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: وقَع القسمُ ههنا: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ (^٢).\n\n<span id=\"aya-6063\"></span>قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأَمَّا مَن أَعْطى منكم أيُّها الناسُ في سبيل الله، ومَن أمَره الله بإعطائِه من مالِه، وما وهَب له من فضلِه، واتقَى الله واجتنَب محارمَه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9857>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا حميدُ بن مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بن المفضلِ، قال: ثنا داودُ (^٣)،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٢٤/ ٢٨٣) من طريق جرير به، وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (١١٧) من طريق مغيرة به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٨ إلى المصنف.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"عن عامر\".","vol":"24","page":460},{"text":"عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾. قال: أَعْطَى ما عندَه، ﴿وَاتَّقَى﴾. قال: اتقَى ربَّه.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾. قال: مِن الفضلِ، ﴿وَاتَّقَى﴾: اتقَى ربَّه (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾: حقَّ الله، ﴿وَاتَّقَى﴾: محارمَ اللهِ التي نهَى عنها (^٢).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾. يقولُ: مَن زَكَّى (^٣) واتقَى الله.\n\n<span id=\"aya-6064\"></span>واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويل قولِه ﷿: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وصدَّق بالخَلَفِ مِن الله على إعطائِه ما أَعْطى مِن مالِه فيما أَعْطَى فيه مما أمَره الله بإعطائِه فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9858>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال: وصدَّق بالخَلَفِ مِن الله.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الشعب (١٠٨٢٥) من طريق خالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٨ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٨ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ص، م، ت ١، ت،٢، ت ٣: \"ذكر الله\".","vol":"24","page":461},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. يقولُ: وصدَّق بالخَلَفِ مِنَ اللهِ.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بنُ مهديٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داود بن أبي هندٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾: بالخَلَفِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن داودَ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ مثلَه.\nحدَّثنا إسماعيلُ بن موسى السديُّ، قال: أخبَرنا بشرُ بنُ الحكم الأَحْمَسيُّ، عن سعيد بن الصلتِ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال: أيقَن بالخَلَفِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ (^٣)، عن قيس بن مسلمٍ، عن عكرمة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال: بالخَلَفِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن عكرمة: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال: بأنَّ الله سيُخلِفُ له.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيان، عن أبي هاشمٍ (^٥) المكيِّ، عن مجاهدٍ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال: بالخَلفِ (٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٣٤ من طريق داود به، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٧٠ - من طريق عكرمة به، وتقدم أوله في الصفحة السابقة.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٨ إلى المصنف.\n(^٣) في الأصل: \"شقيق\". وينظر تهذيب الكمال ١٧/ ٤٣١.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٣٩.\n(^٥) في الأصل: \"عاصم\". وينظر تهذيب الكمال ٣/ ١٨٢.","vol":"24","page":462},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي بكر الهُذَليِّ، عن شَهْرِ بن حوشبٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال: بالخَلَفِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن نَضْرِ بن عربيٍّ، عن عكرمةَ، قال: بالخَلَفِ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وصدَّق (^١) بأنَّ الله واحدٌ لا شريكَ له.\n\n<span data-type='title' id=toc-9859>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرَ بن عليٍّ المُقَدَّميُّ، قال: ثنا أشعثُ السَّجِسْتانيُّ، قال: ثنا مِسعَرٌ، وحدَّثنا أبو كريبٍ قال: ثنا وكيعٌ، عن مِسْعَرٍ، عن أبي (^٢) حَصينٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال: بلا إله إلا الله (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي (٢) حَصينٍ، عن أبي عبدِ الرحمن مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي حَصينٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ مثلَه.\n[حدَّثني المَرْوزيُّ] (^٤)، عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾: بلا إله إلا الله (^٥).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) بعده في الأصل: \"بالحسنى صدق\".\n(^٢) في الأصل: \"ابن\". وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٤٠١.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٨ إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"حُدِّثت\". وينظر ما تقدم في ص ٣٤٧.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٣٥٨.","vol":"24","page":463},{"text":"أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. يقولُ: صدَّق بلا إله إلا الله (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وصدَّق بالجنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-9860>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال: بالجنة (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ مُحبَّبٍ (^٣)، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ] (^٤) مثلَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، [عن سفيان] (^٥)، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوقال آخرون: بل معناه: وصدَّق بموعودِ الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-9861>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾: [وصدَّق] (^٦) بموعودِ الله على نفسه، فعمِل لذلك (^٧) الموعودِ الذي وعَده الله.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال: صدَّق المؤمنُ [بموعود الله الحسن] (^٨).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٨ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٨ إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) في ت ١ ت ٢، ت ٣: \"مجيب\". وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٣٦٦.\n(^٤) سقط من: الأصل.\n(^٥) سقط من: م.\n(^٦) في ص، م، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"قال\".\n(^٧) في ص، م، ت ١، ت،٢، ت ٣: \"بذلك\".\n(^٨) في الأصل: \"بالموعود الله الحق\". =","vol":"24","page":464},{"text":"وأشبهُ هذه الأقوال بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيل، وأولاها بالصواب عندى قولُ من قال: عُنى به التصديقُ بالخَلَفِ مِن الله على نفقته.\nوإنما قلتُ: ذلك أولى الأقوال بالصوابِ في ذلك؛ لأنَّ الله جَلَّ ثناؤُه ذكَر قبله مُنْفِقًا أنفَق طالبًا بنفقته الخَلَفَ منها، فكان أولى المعانى به أنْ يكون الذي عَقيبَه الخبرُ عن تصديقِه بوعدِ اللهِ إيَّاه بالخَلَفِ، إذ كانت نفقتُه على الوجْهِ الذي يَرْضاه، مع أنَّ الخبر عن رسول الله ﷺ بنحو الذي قلنا في ذلك ورَد.\n\n<span data-type='title' id=toc-9862>ذكرُ الخبر الواردِ بذلك</span>\nحدَّثني الحسينُ (^١) بنُ (^٢) سلمةَ بن أبي كبشةَ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عمرٍو، قال: ثنا عبَّاد بن راشدٍ، عن قتادةَ، قال: ثنى خُليدٌ العَصَريُّ، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من يوم غرَبت فيه شمسُه، إلا وبجَنْبَيْها ملَكان يُنادِيان، يَسمعُه خَلْقُ اللهِ كلُّهم إلا الثَّقَلين: اللهمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا\". وأنزل الله في ذلك في القرآنِ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (^٣).\n_________\n= والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٨ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^١) في النسخ، وتفسير ابن كثير: \"الحسن\". وينظر ما تقدم في ١٢/ ١٥٤، ١٥٥.\n(^٢) في الأصل: \"عن\".\n(^٣) المصنف في تهذيب الآثار (٤٤٣ - مسند ابن عباس)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٤٤١ - من طريق الحسين به، وذكره ابن كثير في تفسيره عن المصنف، وأخرجه الطيالسي (١٠٧٢)، وابن أبي شيبة في مسنده (٣٦)، وعبد بن حميد (٢٠٧)، والمصنف في تهذيب الآثار (٤٤٤، ٤٤٧ - مسند ابن عباس)، وابن حبان (٦٨٦، ٣٣٢٩)، والطبراني في الأوسط (٢٨٩١)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٢٦، ٢/ ٢٣٣، والبغوى في شرح السنة (٤٠٤٥). وليس في هذه المصادر ذكر نزول هذه الآيات، إلا عند ابن كثير، وينظر ما تقدم في ١٢/ ١٥٤، ١٥٥.","vol":"24","page":465},{"text":"وذُكر أنَّ هذه الآية نزَلت في أبي بكرٍ الصدِّيقِ ﵁.\n\n<span data-type='title' id=toc-9863>ذكرُ الخبر بذلك</span>\nحدَّثني هارونُ بن إدريسَ الأصمُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ محمدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بن عبد (^١) الله [بن محمد] (^٢) بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدِّيق، عن عامرِ بن عبد الله بن الزبيرِ، قال: كان أبو بكرٍ الصدِّيقُ يُعْتِقُ على الإسلام بمكةَ، فكان يُعْتِقُ عجائز ونساءً إذا أَسْلَمْن، فقال له أبوه: أي بُنَيَّ، أراك تُعْتِقُ أُناسًا ضعفاءَ، فلو أنك أعتقْتَ رجالًا جُلْدًا يقومون معك ويمنعونك ويدْفعون عنك. فقال: أي أبتِ، إنما أُريدُ - أظنُّه قال -: [ما عند الله. قال: فحدَّثني بعضُ أهل بيتى] (^٣) أنَّ هذه الآية أنزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (^٤).\n\n<span id=\"aya-6065\"></span>وقولُه: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. يقولُ: فسنهيِّئُه للخَلَّةِ اليُسْرَى. وهى العملُ بما يَرْضاه الله منه في الدنيا، ليُوجِبَ له به في الآخرةِ الجنةَ.\n\n<span id=\"aya-6066\"></span>وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾. يقولُ جلَّ وعزَّ: وأَما مَن بَخِل بالنفقة في سبيلِ اللهِ، ومنع ما وهَب اللهُ له مِن فضلِه، من صرفِه في الوجوه التي أمَره اللهُ بصَرْفِه فيها، واستَغْنى عن ربِّه، فلم يَرْغَبْ إليه بالعمل له بطاعته، [في الزيادة] (^٥) فيما خوَّله مِن ذلك.\n_________\n(^١) في النسخ: \"عبيد\". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٥٤٩.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) في المستدرك: \"ما أريد\"، وفى تاريخ ابن عساكر: \"ما أريد قال: فيتحدث\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٤٢ عن المصنف، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٢٥، وابن عساكر في تاريخه ٣٠/ ٦٩ من طريق ابن إسحاق به، وعند الحاكم: عن عامر، عن أبيه.\n(^٥) في م، ت ١: \"بالزيادة\".","vol":"24","page":466},{"text":"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9864>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾. قال: بَخِل بما عندَه، واستغنى في نفسِه.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودَ ابن أبي هندٍ، عن عكرمةِ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾: وأما من بَخِل بالفضلِ، واستَغْنى عن ربِّه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾. يقولُ: مَن أغناه الله فبَخِل بالزكاةٍ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾. يقولُ: وأَما مَن بَخِل بحقِّ الله عليه، واستَغْنى في نفسِه عن ربِّه (^٣).\n\n<span id=\"aya-6067\"></span>وأما قولُه: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾. فإنَّ أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه نحوَ اختلافِهم في قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. وأما نحنُ فنقولُ: معناه: وكذَّب بالخَلَفِ.\nكما حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرُ بن المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤٦١، ٤٦٢.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٨ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٨ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":467},{"text":"عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾: وكَذَّب بالخَلَفِ.\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودَ ابن أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾: بالخَلَفِ مِنَ اللهِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾: وكذَّب بموعودِ الله الذي وعَد، قال الله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾: وكذَّب الكافرُ بموعودِ الله الحسنِ (^٢).\nوقال آخرون: بل معناه: وكذَّب بتوحيدِ اللهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9865>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾: [وكذَّب] (^٣) بلا إله إلا الله.\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾: بلا إله إلا الله.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وكذَّب بالجنةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9866>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤٦١، ٤٦٢.\n(^٢) في الأصل، ونسخة من تفسير عبد الرزاق: \"الحسنى\".\nوالأثر تقدم تخريجه في ص ٤٦٥.\n(^٣) سقط من: الأصل.","vol":"24","page":468},{"text":"مجاهدٍ: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾. قال: بالجنة (^١).\n\n<span id=\"aya-6068\"></span>وقولُه: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فسنُهيِّئُه في الدنيا للخَلَّةِ العُسْرَى، وهو من قولِهم: قد يَسَرتْ غنمُ فلان. إذا ولدت و(^٢) تهيَّأت للولادة.\nوكما قال الشاعرُ (^٣):\nهُمَا سَيِّدَانَا يَزْعُمَانِ وإِنَّما … يَسُودَانِنا أَن يَسَّرَتْ غَنَمَاهُمَا\nوقيل: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. ولا تَيَسُّرَ (^٤) في العُسْرَى؛ للذى تقدَّم في أوَّلِ الكلام من قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. وإذا جُمع بينَ كلامين أحدُهما ذِكرُ الخيرِ والآخرُ ذكرُ الشرِّ، جاز ذلك بالتيسير فيهما جميعًا. و\"العُسرى\" التي (^٥) أخبَر الله جل ثناؤُه أنه يُيسِّرُه لها: العملُ بما يكرَهُه ولا يَرْضاه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثرُ عن رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9867>ذكرُ الخبرِ بذلك</span>\nحدَّثني واصلُ بن عبد الأعلى و(^٦) أبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن الأعمش، عن سعدِ (^٧) بن عُبيدةَ، عن أبي عبد الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ، قال: كنا جلوسًا عند النبيِّ ﷺ، فنكَت الأرضَ، ثم رفَع رأسَه فقال: \"ما منكم من أحدٍ إلا وقد كُتِب\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ٢٠/ ٨٤.\n(^٢) في الأصل، ص، ت ١، ت،٢ ت ٣: \"أو\". وينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٧١.\n(^٣) تقدم في ٢٣/ ٢٢٤.\n(^٤) في الأصل: \"يسر\".\n(^٥) في الأصل: \"الذي\".\n(^٦) سقط من: الأصل. وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٤٦٩.\n(^٧) في الأصل، ص، ت ١، ت،٢ ت ٣: \"سعيد\". وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٢٩٠، ١٤/ ٤٠٩.\n• من هنا خرم في مخطوطة الأصل، ينتهى في ص ٦٢٥، وسيجد القارئ أرقام النسخة ت ١ بين معكوفين.","vol":"24","page":469},{"text":"مَقعدُه من الجنةِ ومَقعدُه من النارِ\". قلنا: يا رسولَ اللهِ، أفلا نتَّكِلُ؟ قال: \"لا، اعْمَلُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ\". ثم قرأ: \" ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ \" (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا زائدةُ بن قُدامةَ، عن منصورٍ، عن سعد بن عُبيدةَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ، قال: كنا في جنازةٍ في البقيع، فأتانا رسول الله ﷺ فجلَس وجلسنا معه، ومعه عودٌ يَنْكُتُ في الأرض، فرفع رأسه إلى السماء فقال: \"ما منكم مِن نَفْسٍ مَنْفوسةٍ إلا قد كُتب مَدْخلُها\". فقال القومُ: يا رسول الله، ألا نتكِلُ على كتابنا، فمن كان من أهلِ السعادة فإنه يعملُ للسعادة، ومن كان من أهل الشقاء فإنه يعملُ للشقاء. فقال: \"بل اعْمَلوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ، فأما من كان من أهل السعادة فإنه يُيَسَّرُ لعمل السعادة، وأما مَن كان من أهل الشقاءِ فإنه يُيَسَّرُ للشقاء\". ثم قرأ: \" ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ \" (^٢).\nحدَّثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمش، عن سعدِ بن عُبيدة، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ بنحوه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٣٩ (١١١٠)، والبخارى (٤٩٤٧)، ومسلم (٢٦٤٧/ ٧)، والترمذى (٢١٣٦)، وابن ماجه (٧٨)، وأبو يعلى (٦١٠) من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٩ إلى ابن مردويه.\n(^٢) أخرجه الترمذى (٣٣٤٤)، عن ابن بشار به، وأخرجه أحمد ٢/ ٣١٩ (١٠٦٧)، عن عبد الرحمن به، وأخرجه أحمد ٢ (١٠٦٨)، والطيالسي (١٤٦)، وعبد الرزاق (٢٠٠٧٤)، وعبد بن حميد (٨٤)، والبخارى (٤٩٤٨)، وأبو داود (٤٦٩٤)، والنسائى في الكبرى (١١٦٧٨)، وأبو يعلى (٥٨٢)، والآجرى في الشريعة (٣٢٧، ٣٢٨) من طريق منصور به.\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ٥٦ (٦٢١)، ومسلم (٢٦٤٧/ ٧)، وابن ماجه (٧٨)، والبزار (٥٨٤، ٥٨٥)، من طريق أبي معاوية به، وأخرجه البخارى (٦٦٠٥) من طريق الأعمش به.","vol":"24","page":470},{"text":"حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ والأعمشِ، أنهما سمِعا سعدَ بن عُبيدة، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ أنه كان في جنازةٍ، فأخَذ عودًا، فجعَل يَنكُتُ في الأرض، فقال: \"ما من أحدٍ إلا وقد كُتِب مَقْعدُه من النارِ أو من الجنة\". فقالوا: يا رسولَ الله، أفلا نتكِلُ؟ قال: \"اعْمَلُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ \" (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ والأعمش، عن سعدِ بن عُبيدة، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ ﵁، قال: كنا جلوسًا مع النبيِّ ﷺ، فتناول شيئًا من الأرض بيده، فقال: \"ما مِنكم من أحدٍ إلا وقد عُلِم مقعدُه من الجنة والنار\". قالوا: يا نبيَّ الله، أفلا نتكلُ؟ قال: \"لا، اعْمَلُوا فكلُّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق له\". ثم قرأ: \" ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ \" الآيتين.\nقال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سنانٍ، عن عبد الملك بن [سمرة أبي] (^٢) زيد (^٣)، عن النَّزَّالِ بن سَبْرةَ، قال: قال النبيُّ ﷺ: \"ما من نفسٍ مَنْفُوسةٍ إلا قد كتَب الله عليها ما هي لاقيتُه\". وأعرابيٌّ عند النبيِّ ﷺ مُرْتادٌ، فقال الأعرابيُّ: [فما جاء بى] (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٤٧)، والبزار (٥٨٣)، عن ابن المثنى به، وأخرجه البخاري (٤٩٤٦، ٧٥٥٢)، وابن حبان (٣٣٥)، من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه البخارى (٤٩٤٩، ٦٢١٧، ٧٥٥٢)، وفي الأدب المفرد (٩٠٣) والنسائى في الكبرى (١١٦٧٩)، وابن حبان (٣٣٤) من طريق شعبة به.\n(^٢) في م: \"سمرة بن أبي\"، ولعله \"عبد الملك بن ميسرة\"، وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٤٢٢، والاستيعاب ٤/ ١٥٢٤.\n(^٣) في م: \"زائدة\"، وينظر المصدر السابق.\n(^٤) في ص: \"كما جاء بي\"، وفى ت ١: \"كما جاءنى\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"فما جاءنى\".","vol":"24","page":471},{"text":"أَضْرِبُ من وادى كذا وكذا إن كان قد فُرغ من الأمرِ؟! فنكَت النبيُّ ﷺ في الأرض، حتى ظنَّ القومُ أنه ودَّ أنه لم يكنْ تكلَّم بشيءٍ منه، فقال النبيُّ ﷺ: \"كلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق له؛ فمن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يَسَّرَه لسبيل الخيرِ، ومَن يُرِدْ به شرًّا يَسَّرَه لسبيل الشرَّ\". فَلَقِيتُ عمرو بنَ مُرَّةَ، فعرَضْتُ عليه هذا الحديث، فقال: قال النبيُّ ﷺ، وزاد (^١) فيه: \" ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ \".\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن سعدِ بن عُبيدة، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. قال رجلٌ: يا رسول الله، ففيم العملُ؛ أفى شيءٍ نستأنفه، أو في شيءٍ قد فُرغ منه؟ قال: فقال رسولُ الله ﷺ: \"اعْمَلُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ؛ سنُيسِّرُه لليُسْرى، وسنُيسِّرُه للعُسْرَى\" (^٢).\nحدَّثني عمرُ (^٣) بن عبد الملك الطائيُّ، قال: ثنا محمدُ بن عبيدة، قال: ثنا الجرَّاحُ، عن إبراهيمَ بن عبدِ الحميد، عن الحجاج بن أرطاة، عن أبي إسحاق الهمدانيِّ، عن سليمان الأعمش، رفع الحديث إلى عليّ بن أبي طالب ﵁، أنه قال: كان رسولُ الله ﷺ ذاتَ يوم جالسًا وبيده عودٌ ينكُتُ به الأرضَ، فرفع رأسه فقال: \"ما منكم من أحدٍ ولا من الناس، إلا وقد عُلم مَقْعدُه من الجنَّةِ أو النَّارِ\". قلنا: يا رسول الله، أفلا نتوكَّلُ؟ قال لهم: \"اعْمَلُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلق له\". ثم قال: \"أما سَمِعتم الله في كتابه يقولُ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣: \"زادني\".\n(^٢) تقدم تخريجه في ٢٢/ ١٦١، ١٦٢.\n(^٣) في م: \"عمرو\". وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٤٤٧.","vol":"24","page":472},{"text":"بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾؟ \".\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داود بن أبي هندٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾: للشرِّ من الله (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ الحارثِ، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدِ اللهِ أنه قال: يا رسول الله، أنعملُ (^٢) لأمر قد فُرغ منه، أو لأمر نأتنفُه؟ فقال ﷺ: \"كلُّ عامل مُيَسَّرٌ لعملِه\" (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرو بن دينارٍ، عن طلق بن حبيبٍ، عن بُشَيرِ بن كعبٍ، قال: سأل غلامانِ شابَّانِ النبيَّ ﷺ، فقالا: يا رسول الله، أنعملُ (٢) فيما جفَّت به الأقلامُ وجرَت به المقاديرُ، أو في شيءٍ يُستأنَفُ؟ فقال: \"بل فيما جفَّت به الأقلام وجرَت به المقاديرُ\". قالا: ففيم العمل إذن؟ قال: \"اعْمَلُوا، فكلُّ عامل مُيَسَّرٌ لعمله الذي خُلِق له\". قالا: فالآنَ نَجِدُّ ونعملُ (^٤).\n\n<span id=\"aya-6069\"></span><span data-type='title' id=toc-9868>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾.</span>\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٤٦١، ٤٦٢.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"العمل\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٤١ عن المصنف، وأخرجه مسلم (٢٦٤٨)، وابن حبان (٣٣٦) من طريق ابن وهب به.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٤١ عن المصنف، وأخرجه ابن قانع في معجم الصحابة (٩١)، وعبدان وابن شاهين - كما في الإصابة ١/ ٣٦٢ - من طريق سفيان به.","vol":"24","page":473},{"text":"يعني جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ﴾: أَيُّ شيءٍ يَدفعُ عن هذا الذي بخل بمالِه، واستَغْنى عن ربِّه، مالُه يوم القيامة إذا هو تَردَّى؟\nثم اختلف أهلُ التأويل في تأويل قوله: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: إذا تردَّى في جهنم. أي: سقَط فيها فهَوَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-9869>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن ابن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾. قال: في جهنم. قال أبو كريبٍ: قد سَمِع الأشجعيُّ من إسماعيل ذلك (^١).\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾. قال: إذا تردَّى في النارِ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا مات.\n\n<span data-type='title' id=toc-9870>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾. قال: إذا مات.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٤٣.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٧ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٩ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":474},{"text":"قوله: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾. قال: إذا مات (^١).\n[حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيان، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: إذا مات] (^٢).\nوأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: إذا تردَّى في جهنم. لأنَّ ذلك هو المعروفُ من التردِّى، فأما إذا أُريد معنى الموتِ، فإنه يقالُ: رَدِى فلانٌ. وقلَّما يقالُ: تَردَّى.\n\n<span id=\"aya-6070\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾. يقولُ تعالى ذكره: إنَّ علينا لبيانَ الحقِّ مِن الباطلِ، والطاعة من المعصية.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9871>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾. يقولُ: على الله البيانُ؛ بيانُ حلالِه وحرامه، وطاعته ومعصيتِه (^٣).\nوكان بعضُ أهل العربية (^٤) يتأوَّلُه بمعنى: أنه مَن سلَك الهدى فعلى الله سبيلُه، ويقولُ: وهو مثْلُ قولِه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩]. ويقولُ: معنى ذلك: من أراد الله فهو على السبيل القاصدِ. وقال: يقالُ: معناه: إن علينا للهدى والإضلال، كما قال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]. وهى تَقي الحرَّ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٣٤، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٧٠ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٩ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٧١.","vol":"24","page":475},{"text":"والبرد.\n\n<span id=\"aya-6071\"></span>وقوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾. يقولُ: وإنَّ لنا مِلْكَ ما في الدنيا والآخرة، نُعطِى منهما (^١) مَن أردْنا مِن خَلقِنا، ونَحْرِمُه مَن شئنا.\nوإنما عنى بذلك جلَّ ثناؤُه أنه يُوفِّقُ لطاعته من أحبُّ مِن خَلْقِه، فيُكرِمُه بها في الدنيا، ويهيِّئُ (^٢) له الكرامةَ والثوابَ في الآخرةِ، ويَخْذُلُ مَن شَاءَ خِذلانَه مِن خَلْقِه عن طاعته، فيُهينُه بمعصيتِه في الدنيا، ويُخزيه بعقوبته عليها في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-6072\"></span>ثم قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأَنذَرْتُكم أيُّها الناسُ نارًا تتوهَّجُ وهى نارُ جهنم. يقولُ: احْذَروا أن تعصُوا ربَّكم في الدنيا، وتكفروا به، فتَصْلَوها في الآخرة.\nوقيل: ﴿تَلَظَّى﴾. وإنما هي \"تَتَلظَّى\". وهي في موضع رفع؛ لأنه فعلٌ مستقبَلٌ، ولو كان فعلًا ماضيًا لقيل: فأَنذَرْتُكم نارًا تلظَّت.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9872>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قول الله: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾. قال: تَوَهَّجُ (^٣).\n\n<span id=\"aya-6073\"></span>وقولُه: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: لا يدخُلُها فيَصْلَى\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت،٢، ت ٣: \"منها\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"ينشئ\".\n(^٣) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"24","page":476},{"text":"<span id=\"aya-6074\"></span>بسعيرها إلا الأشقى، [﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. يقولُ] (^١): الذي كذَّب بآياتِ رَبِّه وأعرَض عنها ولم يُصدِّق بها.\nوينحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9873>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا هشامُ بن الغاز، عن مكحولٍ، عن أبي هريرةَ، قال: لَتَدْخُلُنَّ الجنةَ إلا مَن يأبى. قالوا: يا أبا هريرةَ، ومَن يأبى أن يدخُلَ الجنة؟ قال: فقرأ: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (^٢).\nحدَّثني الحسنُ بن ناصحٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ حبيبٍ ومعاذُ بنُ معاذٍ، قالا: ثنا الأشعثُ، عن الحسن في قوله: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ - قال معاذٌ: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. ولم يقُله (^٣) الحسنُ - قال: المشرِكُ.\nكان بعضُ أهل العربية (^٤) يقولُ: لم يكن كذَّب بردٍّ ظاهرٍ، ولكن قصَّر عما أمر به من الطاعةِ، فجُعل تكذيبًا، كما تقولُ: لَقِي فلانٌ العدوَّ فكذَّب، إذا نكَل ورجع. وذَكَر أنه سمِع بعض العرب يقولُ: ليس لجَدِّهم (^٥) مكذوبةٌ. بمعنى أنَّهم إذا لَقُوا صدَقوا القتال ولم يَرْجِعوا. قال: وكذلك قولُ اللهِ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢].\n_________\n(^١) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ٢٠/ ٨٦ عن مكحول به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٩ إلى المصنف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يقل\".\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٧٢\n(^٥) في ص، م، ت،٢، ت ٣: \"لحدهم\". وكذا في بعض نسخ معاني القرآن واللسان (ك ذ ب)، وينظر التاج والصحاح (ك ذ ب).","vol":"24","page":477},{"text":"<span id=\"aya-6075\"></span>وقولُه: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾. يقولُ: وسيُوَقَّى صِلِيَّ النار التي تلظَّى التقيُّ. ووُضِع \"أفعل\" موضع \"فعيل\"، كما قال طرفةُ (^١):\nتمنَّى رِجالٌ أَنْ أَمُوتَ وإِنْ أَمَتْ … فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فيها بِأَوْحَدِ\n\n<span id=\"aya-6076\"></span>وقوله: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾. يقولُ: الذي يُعطى ماله في الدنيا في حقوقِ اللهِ التي ألزمه إيَّاها، ﴿يَتَزَكَّى﴾. يعنى: يتطهَّرُ - بإعطائه ذلك - من ذنوبه.\n\n<span id=\"aya-6077\"></span><span data-type='title' id=toc-9874>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾.</span>\nكان بعض أهل العربية (^٢) يوجِّهُ تأويل ذلك إلى: وما لأحدٍ من خلقِ اللهِ عند هذا الذي يُؤتى ماله في سبيل الله يتزكَّى، ﴿مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾. يعنى: من يد يكافِئُه عليها. يقولُ: ليس يُنفِقُ ما يُنْفِقُ من ذلك، ويُعطى ما يُعطى، مجازاة إنسانٍ يُجازيه على يدٍ له عنده، ولا مكافأة له على نعمةٍ سلَفت منه إليه أنعَمها عليه، ولكن يُؤتيه في حقوق الله ابتغاء وجه الله.\n\n<span id=\"aya-6078\"></span>قال: و﴿إِلَّا﴾ في هذا الموضع بمعنى \"لكن\". وقال: يجوزُ أن يكون الفعلُ في المكافأة مستقبَلًا، فيكون معناه: ولم يُرِدْ بما أنفق مكافأةً مِن أحدٍ. ويكون موقعُ اللام التي في \"أحد\" في الهاء التي خفَضَتْها ﴿عِنْدَهُ﴾. فكأنك قلت: وما له عند أحدٍ فيما أنفق من نعمة يلتمسُ ثوابَها. قال: وقد تضَعُ العربُ الحرف في غير موضعه إذا كان معروفًا. واستشهدوا لذلك ببيت النابغة (^٣):\nوقَدْ خِفْتُ حتى ما تَزِيدُ مَخافَتِي … على وَعِلٍ في ذِي المَطَارَةِ عاقِل\n_________\n(^١) تقدم في ١٦/ ١٦، ١٨/ ٤٨٨.\n(^٢) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٧٢، ٢٧٣.\n(^٣) تقدم في ٣/ ٤٨.","vol":"24","page":478},{"text":"والمعنى: حتى ما تزيدُ مخافةُ وَعِلٍ على مخافتى.\nوهذا الذي قاله الذي حكَيْنا قولَه مِن أهل العربية، وزعم أنه مما يجوزُ - هو الصحيحُ الذي جاءت به الآثارُ عن أهل التأويل، وقالوا: نزَلت في أبي بكر بعِتْقِه من أعتق [من المماليكِ ابتغاء وجه الله] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-9875>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾. يقولُ: ليس به مثابهُ الناس ولا مجازاتُهم، إنما عطيَّتُه للهِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بن إبراهيم الأنماطيُّ، قال: ثنا هارونُ بن معروفٍ، قال: ثنا بشرُ بن السريِّ، قال: ثنا مصعبُ بنُ ثابتٍ، عن عامر بن عبد الله، عن أبيه، قال: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصدِّيق: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، [قال: أُخْبِرْتُ عن سعيد] (^٤) في قولِه: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾. قال: نزلت في أبي بكرٍ،\n_________\n(^١) سقط من: ص، م.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه البزار (٢٢٠٩)، والطبراني في الكبير (٢٣٧ - قطعة من الجزء ١٣)، وابن عدى في الكامل ١/ ٢٣٥٩، وابن عساكر في تاريخه ٣٠/ ٧٠، ٧١ من طريق بشر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٩ إلى ابن المنذر ابن مردويه.\n(^٤) سقط من: ت ٢، ت ٣، وفى ص: \"قال: أخبرني عن سعيد\"، وفى م: \"قال أخبرني سعيد عن قتادة\"، وسعيد هو سعيد بن المسيب كما في المخطوطة المحمودية ص ٤٥٣ من الدر المنثور.","vol":"24","page":479},{"text":"أعتق ناسًا لم يلتمِسْ منهم جزاءً ولا شكورًا، ستةً أو سبعةً؛ منهم بلالٌ، وعامرُ بنُ فُهيرة (^١).\nوعلى هذا التأويل الذي ذكَرْناه عن هؤلاء يَنْبغِي أن يكون قوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾. نصبًا على الاستثناء من معنى قولِه: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾. لأنَّ معنى الكلام: وما يُؤتى الذي يُؤتى من ماله ملتمِسًا من أحدٍ ثوابَه، إلا ابتغاءَ وجه ربِّه. وجائزٌ أن يكون نصبُه على مخالفة ما بعده \"إلا\" ما قبلها، كما قال النابغةُ (^٢):\n........................ … ومَا بالرَّبْعِ مِن أحدٍ\nإلَّا أَوَارِيَّ لأيًا مَا أُبَيِّنُها … ........................\n\n<span id=\"aya-6079\"></span>وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾. يقولُ: ولسوف يَرْضَى هذا المُؤْتِى ماله في حقوقِ الله ﷿ يتزكَّى، بما يُثيبُه الله في الآخرةِ عِوَضًا مما أتى في الدنيا في سبيله، إذا لقي ربَّه.\nآخر تفسير سورة \"والليل إذا يغشى\"\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٠ إلى المصنف.\n(^٢) تقدم في ٧/ ٤٨٣، وتقدم البيتان بتمامها في ١/ ١٨٣، ١٨٤.","vol":"24","page":480},{"text":"<span id=\"aya-6080\"></span><span data-type='title' id=toc-9876>تفسير سورة \"والضحى\"</span>\n﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-9878>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾.</span>\nأقسَم ربُّنا جلَّ ثناؤُه بالضحى، وهو النهارُ كلُّه، وأحسَبُ أنه من قولهم: ضَحِي فلانٌ للشمس. إذا ظهر (^١)، ومنه قولُه: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩]. أي: لا تُصيبُك فيها الشمسُ.\nوقد ذكرتُ اختلاف أهل العلم في معناه في قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]. مع ذكرى اختيارنا فيه (^٢).\nوقيل: عُنِى به وقتُ الضحى.\n<span data-type='title' id=toc-9877>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَالضُّحَى﴾: ساعةٌ من ساعات النهار (^٣).\n\n<span id=\"aya-6081\"></span>وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. اختلف أهلُ التأويل في تأويله؛ فقال بعضُهم:\n_________\n(^١) بعده في م: \"منه\".\n(^٢) ينظر ما تقدم في ص ٤٣٤، ٤٣٥.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٩ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":481},{"text":"معناه: والليل إذا أقبَل بظلامِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9879>ذكرُ من قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. يقولُ: والليل إذا أقبَل (^١).\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسن (^٢) في قول الله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. قال: إذا لبس الناسَ؛ إذا جاء (^٣).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا ذهَب.\n\n<span data-type='title' id=toc-9880>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. يقول: إذا ذهَب (^٤).\nوقال آخرون: بل معناه: إذا استوى وسكَن.\n\n<span data-type='title' id=toc-9881>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، جميعًا عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. قال: إذا استوى.\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٤٥٤، عن العوفي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٠، ٣٦١ إلى المصنف.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"قتادة\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٩ عن معمر به.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٥٦ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٦١ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"24","page":482},{"text":"حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. قال: إذا استوى (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾: سكن بالخَلْق (^٢).\nحدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾: يعنى استقراره وسكونَه (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنى ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. قال: إذا سكن. قال: ذلك سَجْوُه، كما يكونُ سكونُ البحرِ سَجْوَه (^٤).\nوأولى هذه الأقوال بالصوابِ عندى في ذلك قولُ مَن قال: معناه: والليل إذا سكَن بأهله، وثبت بظلامه، كما يقالُ: بحرٌ ساجٍ. إذا كان ساكنًا، ومنه قولُ أعشى بني ثعلبة (^٥):\nفَمَا ذَنْبُنَا أَنْ جَاشَ بَحْرُ ابن عَمِّكُمْ … وبَحْرُكَ سَاجٍ ما يُوَارِي الدَّعَامِصَا (^٦)\nوقولُ الراجز (^٧):\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٣٥، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٧١ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٩ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر\n(^٣) ينظر التبيان ١٠/ ٣٦٨.\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٤٥٤.\n(^٥) ديوانه ص ١٥١.\n(^٦) الدُّعموص: دويبة تغوص في الماء. والجمع الدعاميص والدعامص. التاج (دعمص).\n(^٧) البيتان في غريب الحديث لابن قتيبة ٢/ ١٨٩، وتفسير القرطبي ٢٠/ ٩١، واللسان (ق م ر).","vol":"24","page":483},{"text":"يا حبَّذا القَمْراءُ واللَّيلُ السَّاج (^١)\nوطُرُقٌ مِثلُ مُلاءِ النَّسَّاجُ\n\n<span id=\"aya-6082\"></span>وقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. وهذا جوابُ القسمِ، ومعناه: ما تركك يا محمدُ ربُّك، وما أَبْغَضك.\nوقيل: ﴿وَمَا قَلَى﴾. معناه: وما قلاك؛ اكتفاءً بفَهْم السامع لمعناه، إذ كان قد تقدَّم ذلك قولُه: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾. فعُرف بذلك أن المخاطب به نبيُّ الله ﷺ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9882>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. يقولُ: ما تركك ربُّك، وما أبغضك (^٢).\nحدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. قال: ما قلاك ربُّك (^٣)؛ ما أبْغَضك. قال: والقالى: المُبغِضُ (^٤).\nوذكر أنَّ هذه السورة نزلت على رسول الله ﷺ؛ تكذيبًا مِن الله قريشًا في قيلهم لرسولِ اللَّهِ، لما أَبْطَأ عليه الوحيُ: قد ودَّع محمدًا ربُّه وقلاه.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ساج\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٥٦ - وابن مردويه في تفسيره - كما في التغليق ٤/ ٣٧١ - كلاهما من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦١ إلى ابن المنذر.\n(^٣) بعده في م: \"و\".\n(^٤) ينظر التبيان ١٠/ ٣٦٨.","vol":"24","page":484},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9883>ذكرُ الرواية بذلك</span>\nحدَّثني عليُّ بنُ عبدِ اللَّهِ الدهَّانُ، قال: ثنا مُفَضَّلُ بن صالح، عن الأسود قيس العبديِّ، عن ابن عبدِ اللَّهِ، قال (^١): أَبْطَأ جبريلُ على رسول الله ﷺ، فقالت امرأةٌ من أهله - أو من قومه -: ودَّع الشيطانُ محمدًا. فأنزل الله عليه: ﴿وَالضُّحَى﴾ إلى قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (^٢).\nقال أبو جعفر: ابن عبدِ اللَّهِ: هو جُندبُ بنُ عبدِ اللَّهِ البَجَليُّ.\nحدَّثني محمدُ بن عيسى الدامغانيُّ، ومحمد بنُ هارون القطانُ، قالا: ثنا سفيانُ، عن الأسود بن قيس، سمع جُندبًا البَجَليَّ يقولُ: أبطأ جبريلُ على النبيِّ ﷺ حتى قال المشركون: ودَّع محمدًا ربُّه. فأنزل اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (^٣).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الأسودِ بن قيسٍ، أنه سمع جُندبًا البَجَليَّ قال: قالتِ امرأةٌ لرسولِ اللهِ ﷺ: ما أرى صاحبَك إلا قد أبطأ عنك. فنزَلت هذه الآية: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، قال:\n_________\n(^١) بعده في م: \"لما\".\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ٣١٢، والبخارى (٤٩٥٠)، ومسلم (١٧٩٧/ ١١٥)، والطبراني (١٧١١)، والبيهقى ٣/ ١٤، وفى الدلائل ٧/ ٥٩، من طريق الأسود بن قيس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٠ إلى عبد بن حميد وأبي نعيم في الدلائل.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٩، والحميدى (٧٧٧)، ومسلم (١٧٩٧/ ١١٤)، والترمذى (٣٣٤٥)، والطبراني (١٧١٢)، من طريق سفيان بن عيينة به.\n(^٤) أخرجه مسلم (١٧٩٧) عن ابن المثنى به، وأحمد ٤/ ٣١٢، والبخارى (٤٩٥١)، ومسلم (١٧٩٧) من طريق محمد بن جعفر به، والنسائى في الكبرى (١١٦٨١)، والطبراني (١٧١٠) من طريق شعبة به.","vol":"24","page":485},{"text":"سمِعتُ جندب بن عبد الله يقولُ: إِنَّ امرأة أتت النبيَّ ﷺ فقالت: ما أرى شيطانَك إلا قد تركك. فنزلت: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن أبي الشواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا سليمانُ الشيبانيُّ، عن عبدِ اللَّهِ بن شَدَّادٍ، أَنَّ خديجة قالت للنبيِّ ﷺ: ما أرى ربَّك إلا قد قلاك. فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. قال: إنَّ جبريل ﵇ أبطأ عليه بالوحي، فقال ناسٌ من الناس - وهم يومئذٍ بمكة -: ما نَرى صاحبك إلا قد قلاك فودَّعك. فأنزل الله ما تسمعُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. قال: أبطأ عليه جبريلُ، فقال المشركون: قد قلاه ربُّه وودَّعه. فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (^٣).\nحدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٣١٢، ٣١٣، والبخارى (١١٢٤، ١١٢٥، ٤٩٨٣)، ومسلم (١٧٩٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٤٤٦ - وابن حبان (٦٥٦٥، ٦٥٦٦)، والواحدى في أسباب النزول ص ٣٣٧، والطبراني (١٧٠٩)، والبيهقى ٣/ ١٤، وفى الدلائل ٧/ ٥٨، من طريق سفيان الثورى به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٤٦ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٠ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٧٩ عن معمر به.","vol":"24","page":486},{"text":"الضحاك يقولُ في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾: مكَث جبريلُ عن محمدٍ ﷺ، فقال المشركون: قد ودَّعه ربُّه وقلاه. فأنزل الله هذه الآية (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. قال: لما نزل عليه القرآنُ، أبطأ عنه جبريلُ أيَّاما، فعُيِّر بذلك، فقال المشركون: ودَّعه ربُّه وقلاه. فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أبطأ جبريلُ على النبيِّ ﷺ، فجَزع جَزَعًا شديدًا، وقالت خديجةُ: أرى ربَّك قد قلاك، مما نَرى مِن جَزَعِك. قال: فنزلت: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ إلى آخرها (^٣).\n\n<span id=\"aya-6083\"></span>وقولُه: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وللدارُ الآخرةُ، وما أعدَّ الله لك فيها، خيرٌ لك من الدارِ الدنيا وما فيها. يقولُ: فلا تَحْزَنْ على ما فاتك منها؛ فإنَّ الذي لك عند الله خيرٌ لك منها.\n\n<span id=\"aya-6084\"></span>وقولُه: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولسوف يُعطيك يا محمدُ ربُّك في الآخرة من فواضل نِعَمِه، حتى تَرْضى.\nوقد اختلف أهلُ العلم في الذي وعده من العطاء؛ فقال بعضُهم: هو ما حدَّثني\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٠ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه ابن مردويه - كما في تخريج الزيلعي للكشاف ٤/ ٢٢٨ - من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٠ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه الواحدى في أسباب النزول ص ٣٣٧ من طريق هشام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٠ إلى ابن المنذر.\nكما أخرجه الحاكم ٢/ ٦١٠، ٦١١، والبيهقي في الدلائل ٧/ ٦٠ من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن خديجة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٠ إلى ابن مردويه.","vol":"24","page":487},{"text":"به موسى بنُ سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ هاشمٍ، قال: سمعتُ الأوزاعيَّ يُحدِّثُ، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزوميِّ، عن عليّ بن عبدِ اللَّهِ بن عباسٍ، عن أبيه، قال: عُرض على رسول الله ﷺ ما هو مفتوحٌ على أمته من بعده، كَفْرًا كَفْرًا، فسُرَّ بذلك، فأنزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. فأعطاه في الجنة ألفَ قصر، في كلِّ قصرٍ ما يَنْبَغِي مِن الأزواج والخدمِ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ خَلَفِ العسقلانيُّ، قال: ثنا روَّادُ بنُ الجرَّاح، عن الأوزاعيِّ، عن إسماعيل بن عبيدِ اللَّهِ، عن عليّ بن عبدِ اللَّهِ بن عباس في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. قال: ألف قصرٍ من لُؤْلُؤٍ، ترابُهنَّ المِسْكُ، وفيهن ما يُصْلِحُهن (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾: وذلك يوم القيامة (^٣).\nوقال آخرون في ذلك ما حدَّثني به عبادُ بنُ يعقوبَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ ظُهيرٍ، عن السديِّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. قال: من رضا محمدٍ ﷺ ألا يدخُلَ أَحدٌ مِن أهل بيته النار (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (١٠٦٥٠)، وفى الأوسط (٣٢٠٩)، من طريق عمرو بن هاشم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦١ إلى ابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٠٤، والواحدى في أسباب النزول ص ٣٣٨، والحاكم ٢/ ٥٢٦ من طريق رواد بن الجراح به، وأخرجه البيهقى في الدلائل ٧/ ٦١ من طريق الأوزاعي به مرفوعًا، والطبراني في الأوسط (٥٧٢) من طريق إسماعيل بن عبيد الله به مرفوعًا.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦١ إلى المصنف وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦١ إلى المصنف، وأخرجه البيهقى في الشعب (١٤٤٥) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.","vol":"24","page":488},{"text":"<span id=\"aya-6085\"></span>وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُعدِّدًا على نبيِّه محمد ﷺ نعمه عندَه، ومذكِّرَه آلاءه قِبَلَه: ألم يَجِدْك يا محمدُ ربُّك يتيما فآوى. يقولُ: فجعل لك مأْوى تأْوى إليه، ومَنزِلًا تَنْزلُه، ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾. ووجَدك على غير الذي أنتَ عليه اليوم.\n\n<span id=\"aya-6086\"></span>وقال السديُّ في ذلك ما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، [عن سفيان] (^١)، عن السديِّ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾. قال: كان على أمر قومه أربعين عامًا.\nوقيل: عُنى بذلك: ووجَدك في قومٍ ضُلالٍ فهداك.\n\n<span id=\"aya-6087\"></span>وقولُه: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾. يقولُ: ووجدك فقيرًا فأغناك. يقالُ منه: عال فلانٌ يَعِيلُ عَيْلَةً. وذلك إذا افتقر، ومنه قولُ الشاعرِ (^٢):\nفما يَدْرِى الفقيرُ متى غِناه … وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ\nيعنى: متى يفتقرُ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9884>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيان: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾: فقيرًا. وذُكر أنَّها في مصحفِ عبدِ اللَّهِ: (ووجدَك عديمًا فآوَى) (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾. قال: كانت هذه\n_________\n(^١) سقط من: م. وقد تقدم هذا الإسناد مرارًا.\n(^٢) تقدم في ٦/ ٣٧٦.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٢ إلى المصنف، وهى قراءة شاذة؛ لمخالفتها رسم المصحف.","vol":"24","page":489},{"text":"منازلَ رسولِ اللهِ ﷺ، قبلَ أنْ يبعثَه اللهُ سبحانَه (^١).\n\n<span id=\"aya-6088\"></span><span data-type='title' id=toc-9886>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ﴾ يا محمدُ، ﴿فَلَا تَقْهَرْ﴾. يقولُ: فلا تظْلِمُه، فتذهَبَ بحقِّه؛ استضعافًا منك له.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾: أي: لا تَظْلِمْ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾. قال: تَغْمِضْه وتَحْقِرْه. وذُكر أن ذلك في مصحفِ عبدِ اللَّهِ: (فَلا تَكْهَرْ) (^٣).\n\n<span id=\"aya-6089\"></span>وقولُه: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾. يقولُ: وأما مَن سألك مِن ذى حاجةٍ فلا تَنْهَرْه، ولكن أَطْعِمُه، واقْضِ له حاجتَه، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. يقولُ: فاذْكُرْه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9885>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ في\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٤٨ عن المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٢ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم. وهى قراءة شاذة، لمخالفتها رسم المصحف.","vol":"24","page":490},{"text":"<span id=\"aya-6090\"></span>قولِه: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. قال: بالنبوَّةِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ إياسٍ الجُريريُّ، عن أبي نضرةَ، قال: كان المسلمون يَرَوْن أنَّ مِن شكرِ النِّعمِ أنْ يُحدَّثَ بها (^٢).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"والضحى\"، وللهِ الحمدُ والشكرُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٢ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٤٩ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٢ إلى المصنف.","vol":"24","page":491},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9887>تفسيُر سورةِ \"ألم نشرح\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6091\"></span><span data-type='title' id=toc-9889>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ مذكِّرَه آلاءَه عندَه، وإحسانَه إليه، حاضًّا له بذلك على شكرِه على ما أنعَم عليه، ليستوجِبَ بذلك المزيدَ منه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ يا محمدُ للهُدَى والإيمانِ باللهِ ومعرفةِ الحقِّ ﴿صَدْرَكَ﴾ فنُلينَ لك قلبَك، ونجعلَه وِعاءً للحكمةِ؟ ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾. يقولُ: وغفَرنا لك ما سلَف مِن ذنوبِك، وحطَطْنا عنك ثِقْلَ أيامِ الجاهليةِ التي كنتَ فيها. وهى في قراءةِ عبدِ اللهِ فيما ذُكِر (^١): (وحَلَلْنا عَنْكَ وِقْرَكَ). ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾. يقولُ: الذي أثقَل ظهرَك فأوهَنه. وهو مِن قولِهم للبعيرِ إذا كان رجيعَ سَفَرٍ، قد أوْهَنه السفرُ، وأذهَب لحمَه: هو نِقْضُ سَفَرٍ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9888>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) ذكر هذه القراءة الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٧٥، وهى شاذة لمخالفتها رسم المصحف.","vol":"24","page":492},{"text":"<span id=\"aya-6092\"></span>في قولِ اللَّهِ: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾. قال: ذنبَك (^١).\n\n<span id=\"aya-6093\"></span>وقولُه: ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾. قال: أَنقَل ظَهْرَك.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾: كانت للنبيِّ ﷺ ذنوبٌ قد أثقَلتْه، فغفَرها اللهُ له.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾. قال: كانت للنبيِّ ﷺ ذنوبٌ قد أثقلَتْه، فغفُرها اللهُ له (^٢).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾: يعنى الشركَ الذي كان فيه (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾. قال: شرَح له صدرَه، وغفَر له ذنبَه الذي كان قبلَ أن يُنَبَّأَ، فوضَعه. وفى قولِه: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾. قال: أثقَله وجهَده. كما يُنْقِضُ البعيرَ حِمْلُه الثقيلُ، حتى يصيرَ نِقْضًا بعدَ أنْ كان سمينًا، ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾. قال: ذنبَك. ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾: أثقَل ظهرَك، وضَعْناه (^٤) عنك، وخفَّفْنا عنك ما أثقَل ظهرَك.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٣٦، ومن طريقه الفريابى - كما في التغليق ٤/ ٣٧١ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٠ عن معمر به.\n(^٣) ينظر التبيان ١٠/ ٣٧٢.\n(^٤) في م: \"ووضعناه\".","vol":"24","page":493},{"text":"<span id=\"aya-6094\"></span>وقولُه: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. يقولُ: ورفَعنا لك ذكرَك، فلا أُذْكَرُ إِلا ذُكِرْتَ معى. وذلك قولُهم: لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسولُ اللَّهِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9890>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ وعمرُو بنُ مالكٍ، قالا: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. قال: لا أُذْكرُ إلا ذُكِرتَ معى؛ أَشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. قال النبيُّ ﷺ: \"ابْدَءُوا بالعُبودةِ، وثَنُّوا بالرسالةِ\". فقلتُ لمَعْمرٍ. قال: أشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمدًا عبدُه، فهو العبودةُ، ورسولُه أنْ تقولَ: عبدُه ورسولُه (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾: رفَع اللهُ ذكرَه في الدنيا والآخرةِ، فليس خطيبٌ، ولا متشهدٌ، ولا صاحبُ صلاةٍ، إلا يُنادِى بها: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنا عمرُو بنُ الحارثِ، عن\n_________\n(^١) أخرجه الشافعي في الرسالة ص ١٦، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٠ عن ابن عيينة به، ومن طريقه أخرجه البيهقى في الدلائل ٧/ ٦٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٣ إلى الفريابى وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٠ عن معمر به مختصرًا.\n(^٣) أخرجه البيهقى في الدلائل ٧/ ٦٣ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٣ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":494},{"text":"درَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن رسولِ اللهِ ﷺ، أنه قال: \"أتانى جبريلُ فقال: إنَّ ربى وربَّك يقولُ: كيف رفَعْتُ لك ذكْرَك؟ \" قال: \"اللهُ أعلمُ. قال: إذا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ معى\" (^١).\n\n<span id=\"aya-6095\"></span>\n\n<span id=\"aya-6096\"></span>وقولُه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فإنَّ مع الشدَّةِ التي أنت فيها من جهادِ هؤلاء المشركين، ومِن أوَّلِه ما أنت بسبيلِه - رجاءً وفرجًا، بأنْ يُظْفِرَك بهم، حتى ينقادوا للحقِّ الذي جئتَهم به طوعًا وكرهًا.\nورُوِى عن النبيِّ ﷺ أنَّ هذه الآيةَ لما أُنْزِلت بَشَّر بها أصحابَه، وقال (^٢): \"لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسرَينِ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-9891>ذكرُ الخبرِ بذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ يونسَ، قال: قال الحسنُ: لما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أبْشِروا أتاكم اليُسْرُ، لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَينِ\" (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن يونسَ، عن الحسنِ مثلَه، عن النبيِّ ﷺ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٤٥٢ - عن يونس بن عبد الأعلى به، وابن حبان (٣٣٨٢) من طريق ابن وهب، به، وأبو يعلى (١٣٨٠) من طريق دراج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٤ إلى ابن المنذر وابن مردويه وأبى نعيم في الدلائل.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قالوا\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٤٥٤.","vol":"24","page":495},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ، قال: خرَج النبيُّ ﷺ يومًا مسرورًا فَرِحًا وهو يضحكُ، وهو يقولُ: \"لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَينِ، لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَينِ؛ ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ \" (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾: ذُكِر لنا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بشَّر أصحابَه بهذه الآيةِ، فقال: \"لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَينِ\" (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ (^٣)، عن معاويةَ بن قُرَّةَ أبى إياسٍ، عن رجلٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: لو دخَل العسرُ في جُحْرٍ، لجاء اليسرُ حتى يَدْخُلَ عليه؛ لأنَّ الله يقولُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: حدثنا شعبةُ، عن رجلٍ، عن عبدِ اللهِ بنحوِه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٠ عن معمر به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٢٨، وعنه البيهقى في الشعب (١٠٠١٣) من طريق معمر عن أيوب عن الحسن.\n(^٢) أخرجه عبد بن حميد في تفسيره - كما في التغليق ٤/ ٣٧٢ - من طريق شيبان عن قتادة به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٥٤.\n(^٣) في م: \"سعيد\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الفرج بعد الشدة ص ١١ من طريق شعبة به، ومن طريقه أخرجه البيهقى في الشعب (١٠٠١١)، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٠، ٣٨١ من طريق إبراهيم النخعى عن ابن مسعود، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٤ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":496},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. قال: يتبعُ اليسرُ العُسْرَ (^١).\n\n<span id=\"aya-6097\"></span>وقولُه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فإذا فرَغْتَ مِن صلاتِك، فانصَبْ إلى ربِّك في الدعاءِ، وسَلْه حاجاتِك.\n\n<span data-type='title' id=toc-9892>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. يقولُ: في الدعاءِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. يقولُ: فإذا فرَغْتَ مما فُرِض عليك مِن الصلاةِ فسلِ الله، وارغَبْ إليه، وانصَبْ له (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. قال: إذا قمْتَ إلى الصلاةِ فانصَبْ في حاجتِك إلى ربِّك (^٤).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٣٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٥٦ - من طريق أبى صالح به.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٤، ٣٦٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٧٣٦.","vol":"24","page":497},{"text":"الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. يقولُ: مِن الصلاةِ المكتوبةِ قبلَ أنْ تُسلِّمَ، فانصَبْ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. قال: أمَره إذا فرَغ مِن صلاتِه أنْ يُبالِغَ في دعائِه.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾: من صلاتِك، ﴿فَانْصَبْ﴾: في الدعاءِ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ مِن جهادِ عدوِّك، ﴿فَانْصَبْ﴾ في عبادةِ ربِّك.\n\n<span data-type='title' id=toc-9893>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. قال: أمَره إذا فرَغ مِن غزوِه، أن يجتهدَ في الدعاءِ والعبادةِ (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. قال عن أبيه: فإذا فرَغْتَ مِن الجهادِ؛ جهادِ العربِ، وانقطَع جهادُهم، فانصَبْ لعبادةِ اللهِ، ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٥ إلى عبد بن حميد وابن نصر بنحوه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨١ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٥ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"24","page":498},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: فإذا فرَغْتَ مِن أمرِ دنياك، فانصَبْ في عبادةِ ربِّك.\n\n<span data-type='title' id=toc-9894>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. قال: إذا فرَغْتَ مِن أمرِ الدنيا، ﴿فَانْصَبْ﴾. قال: فصلِّ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. قال: إذا فرَغْتَ مِن أمرِ دنياك ﴿فَانْصَبْ﴾؛ فصلِّ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾. قال: إذا فرَغْتَ مِن أمرِ الدنيا، وقمْتَ إلى الصلاةِ، فاجْعَل رغبتَك ونيتَك له (^٢).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: إِنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه أَمَر نبيَّه أنْ يجعلَ فراغَه مِن كلِّ ما كان به مشتغلًا، مِن أمرٍ دنياه وآخرتِه، مما آدَى (^٣) له الشغلُ به، وأمَره بالشغلِ به - إلى النصَبِ في عبادتِه، والاشتغالِ فيما قرَّبه إليه، ومسألتِه حاجاتِه، ولم يَخْصُصْ بذلك حالًا مِن أحوالِ فراغِه دونَ حالٍ، فسواءٌ كلُّ أحوالِ فراغِه؛ مِن صلاةٍ كان فراغُه، أو جهادٍ، أو أمرِ دنيا كان به مشتغلًا؛ لعمومِ الشرطِ في ذلك، مِن غيرِ خصوصِ حالِ فراغٍ دونَ حالٍ أخرى.\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٤٦) عن سفيان به.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٨٣ من طريق جرير به، ومن طريقه أخرجه ابن حجر في التغليق ٤/ ٣٧٢، ٣٧٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٥ إلى عبد بن حميد وابن نصر وابن أبي حاتم.\n(^٣) آده الأمر أودًا: بلغ منه المجهود والمشقة. التاج (أود).","vol":"24","page":499},{"text":"<span id=\"aya-6098\"></span>وقولُه: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإلى ربِّك يا محمدُ فاجْعَل رغبتَك، دونَ مَن سواه مِن خلْقِه، إذ كان هؤلاء المشركون مِن قومِك قد جعَلوا رغبتَهم في حاجاتِهم إلى الآلهةِ والأندادِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9895>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. قال: اجعل نيتَك ورغبتَك إلى اللهِ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. قال: اجْعَل رغبتَك ونيتَك إلى ربِّك (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. قال: إذا قمْتَ إلى الصلاةِ (^٢).\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"ألم نشرح\"\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٤٩٧.","vol":"24","page":500},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9896>تفسيرَ سورةِ \"والتين\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6099\"></span><span data-type='title' id=toc-9898>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بالتينِ التينُ الذي يُؤْكَلُ، والزيتونِ الزيتونُ الذي يُعصَرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9897>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قال: تينُكم هذا الذي يُؤكلُ، وزيتونُكم هذا الذي يُعصَرُ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الحكمَ يُحَدِّثُ، عن عكرمةَ، قال: التينُ هو التينُ، والزيتونُ الذي تأكلون (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قال: تِينُكم وزيتونُكم.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سُئِل عكرمةُ عن قولِه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قال: التينُ تينُكم هذا، والزيتونُ زيتونُكم هذا.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٧ إلى عبد بن حميد.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":501},{"text":"حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قال: التينُ الذي يُؤكلُ، والزيتونُ الذي يُعصَرُ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، جميعًا عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قال: الفاكهةِ التي تأكلُ الناسُ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سلَّامِ بن سُلَيمٍ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قال: هو تينُكم وزيتونُكم.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قال: التينُ الذي يُؤكلُ، والزيتونُ الذي يُعصَرُ (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبيِّ: التينُ والزيتونُ هو الذي تَرَون (^٣).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٣٧، ومن طريقه الفريابى - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٧٣ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ينظر تفسير البغوي ٨/ ٤٧١، وتفسير القرطبي ٢٠/ ١١٠.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٢ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ١/ ٢١٦ - عن معمر به بنحوه.","vol":"24","page":502},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾: التينُ تينُكم، والزيتونُ زيتونُكم هذا.\nوقال آخرون: التينُ مسجدُ دمشقَ، والزيتونُ بيتُ المقدسِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9899>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن يزيدَ أبى عبدِ اللَّهِ، عن كعبٍ أنه قال في قولِ اللَّهِ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قال: التينُ مسجدُ دمشقَ، والزيتونُ بيتُ المقدسِ (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة في قولِه: ﴿وَالتِّينِ﴾. قال: الجبلُ الذي عليه دمشقُ، ﴿وَالتِّينِ﴾: الذي عليه بيتُ المقدسِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾: ذُكِر لنا أن التينَ الجبلُ الذي عليه دمشقُ، والزيتونَ الذي عليه بيتُ المقدسِ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، وسأَلتُه عن قولِ اللهِ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قال: التينُ مسجدُ دمشقَ، والزيتونُ مسجدُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١/ ٢١٥ من طريق محمد بن بشار به، ثم أخرجه من طريق عبد الرحمن بن أبى عمار، عن كعب، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٦ إلى ابن الضريس وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٢ - ومن طريقه ابن عساكر ١/ ٢١٦ - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٦ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":503},{"text":"إيليَاءَ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي بكرٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قال: هما جبلان (^١).\nوقال آخرون: التينُ مسجدُ نوحٍ، والزيتونُ مسجدُ بيتِ المقدسِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9900>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالتِّينِ﴾: يعنى: مسجدِ نوحٍ الذي بُنِى على الجُودِيِّ، ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾: بيتِ المقدسِ. قال: ويقالُ: التينُ والزيتونُ وطورُ سينينَ ثلاثةُ مساجدَ بالشامِ (^٢).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا قولُ مَن قال: التينُ هو التينُ الذي يُؤكلُ، والزيتونُ هو الزيتونُ الذي يُعصرُ منه الزيتُ. لأن ذلك هو المعروفُ عندَ (^٣) العربِ، ولا يُعرفُ جبلٌ يسمَّى تينًا، ولا جبلٌ يقالُ له: زيتونٌ. إلا أن يقولَ قائلٌ: أقسَم ربُّنا جلَّ ثناؤه بالتينِ والزيتونِ، والمرادُ من الكلامِ القَسَمُ بمنابتِ التينِ ومنابتِ الزيتونِ. فيكونَ ذلك مذهبًا، وإن لم يكنْ على صحةِ ذلك أنه كذلك دلالةٌ في ظاهرِ التنزيلِ، ولا من قولِ مَن لا يَجُوزُ خلافُه؛ لأن دمشقَ بها منابتُ التينِ، وبيتَ المقدسِ منابتُ الزيتونِ.\n\n<span id=\"aya-6100\"></span>وقولُه: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: هو\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٤٧١.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"في كلام\".","vol":"24","page":504},{"text":"جبلُ موسى بن عمرانَ صلواتُ اللهِ عليه، ومسجدُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9901>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبى، عن قتادةَ، عن قَزَعةَ، قال: قلت لابنِ عمرَ: إنى أريدُ أن آتىَ بيتَ المقدسِ وطورَ سينينَ. فقال: لا تأتِ طورَ سينينَ، ما تريدون أن تَدَعوا أثرَ نبيٍّ إلا وَطِئْتُموه. قال قتادةُ: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾: مسجدِ موسى ﷺ.\nحدَّثنا ابن بشارِ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال: جبلِ موسى.\nقال: ثنا عوفٌ، عن يزيدَ أبى عبدِ اللهِ، عن كعبٍ في قولِه: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾.\nقال: جبلِ موسى صلّى الله عليه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال: هو الطورُ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال: مسجدِ الطورِ.\nوقال آخرون: الطورُ هو كلُّ جبلٍ يُنبتُ. وقولُه: ﴿سِينِينَ﴾: حسنٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9902>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٠٣.\n(^٢) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"24","page":505},{"text":"عمارةُ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال: هو الحسنُ، وهى لغةُ الحبشةِ؛ يقولون للشئِ الحسنِ: سِينا سِينا (^١).\nحدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سُئِل عكرمةُ عن قولِه: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال: طُورٌ جبلٌ، وسِينينُ حَسَنٌ، بالحبشَةِ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الصَّبَّاحُ بنُ محاربٍ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، قال: صلَّيت خلفَ عمرَ ﵁ المغربَ، فقرَأ في أولِ ركعةٍ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال: هو جبلٌ (^٣).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا المعتمِرُ، قال: سمِعتُ الحكمَ يحدِّثُ: عن عكرمةَ: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال: سواءٌ على نباتِ السهلِ والجبلِ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال: الجبلِ (^٤).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾: جبلٌ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"بالحبشية\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٦ إلى عبد بن حميد وابن الأنبارى في المصاحف.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٥٠٢.","vol":"24","page":506},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾: الجبلِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن النضرِ، عن عكرمةَ، قال: الطورُ الجبلُ، والسينينُ الحسنُ، كما يَنبتُ في السهلِ، كذلك ينبتُ في الجبلِ.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبيِّ: أمَّا ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ فهو الجبلُ ذو الشجرِ (^١).\nوقال آخرون: هو الجبلُ، وقولُه (^٢): ﴿سِينِينَ﴾: مباركٌ حسنٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9903>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَطُورِ﴾: الجبلِ، و﴿سِينِينَ﴾. قال: المباركِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾.\nقال: جبلٌ مباركٌ بالشامِ.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾: جبلٌ بالشامِ مباركٌ وحسنٌ (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٠٢، وينظر ما تقدم في ١٧/ ٣١.\n(^٢) في م: \"قالوا\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٥٠٢، وينظر ما تقدم في ١٧/ ٢٩.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٥٠٣، وينظر ما تقدم في ١٧/ ٢٩،٣٠.","vol":"24","page":507},{"text":"وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: طورُ سِينينَ جبلٌ معروفٌ. لأن الطورَ هو الجبلُ ذو النباتِ، فإضافتُه إلى ﴿سِينِينَ﴾ تعريفٌ له، ولو كان نعتًا للطورِ كما قال مَن قال: معناه: حسنٌ أو مباركٌ - لكان الطورٌ منوَّنًا، وذلك أن الشئَ لا يُضافُ إلى نعتِه لغيرِ علةٍ تدعو إلى ذلك.\n\n<span id=\"aya-6101\"></span>وقولُه: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. يقولُ: وهذا البلدِ الآمنِ من أعدائِه؛ أن يحارِبوا أهلَه أو يَغْرُوهم.\nوقيل: ﴿الْأَمِينِ﴾. ومعناه الآمنُ، كما قال الشاعرُ (^١):\nألم تَعْلَمى يا أَسْمَ ويحَكِ أننى … حلَفتُ يمينًا لا أَخُونُ أَمِينى\nيريد: آمِنى. وهذا كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].\nوإنما عُنِى بقولِه: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. مكةُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9904>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. قال: مكةَ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن يزيدَ أبي عبدِ اللهِ، عن\n_________\n(^١) البيت بلا نسبة في معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٧٦، وتفسير القرطبي ٢٠/ ١١٣، اللسان (أ م ن).\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٥٠٤.","vol":"24","page":508},{"text":"كعبٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. قال: البلدِ الحرامِ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. قال: البلدِ الحرامِ (^٢).\nقال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. قال مكةَ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ: [عن مجاهدٍ] (^٤) مثلَه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سلَّامِ بن سُلَيْمٍ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾: مكةَ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ الحكمَ يُحَدِّثُ عن عكرمةَ: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. قال: البلدِ الحرامِ (^٥).\nقال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سُئِل عكرمةُ عن قولِه: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. قال: مكةَ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٠٣.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٤٥٦.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٦ إلى المصنف والفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":509},{"text":"الْأَمِينِ﴾: يعنى مكةَ (^١) ـ\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. قال: المسجدِ الحرامِ (^٢).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾: مكةَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-6102\"></span>وقولُه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. وهذا جوابُ القسمِ، يقولُ تعالى ذكرُه: والتينِ والزيتونِ لقد خلَقنا الإنسانَ في أحسنِ تقويمٍ.\nوبالذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9905>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: وقَع القسمُ هاهنا: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (^٣).\nواختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: في أعدلِ خلقٍ وأحسنِ صورةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9906>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١/ ٢١٧ من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٤٥٦.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٥٠٣.","vol":"24","page":510},{"text":"ابن عباسٍ: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: في أعدلِ خلقٍ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: في أحسنِ صورةٍ (^٢).\nقال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: خلقٍ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: في أحسنِ صورةٍ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. يقولُ: في أحسنِ صورةٍ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾: في أحسنِ صورةٍ.\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: أحسنِ خلقٍ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٣٧، وأخرجه البيهقى في الزهد الكبير (٦٣٨) من طريق عاصم به، وهو في تفسير مجاهد أيضا ص ٧٣٧ من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٦ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٧ إلى الفريابى وعبد بن حميد.","vol":"24","page":511},{"text":"قولَه: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: في أحسنِ خلقٍ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾.\nيقولُ: في أحسنِ صورةٍ.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، هو والكلبيُّ: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قالا: في أحسنِ صورةٍ (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: لقد خلَقنا الإنسانَ، فبلَغنا به استواءَ شبابِه وجَلَدِه وقوتِه، وهو أحسنُ ما يكونُ، وأعدلُ ما يكونُ وأقوَمُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9907><span data-type='title' id=toc-9909><span data-type='title' id=toc-9910>ذكرُ مَن قال ذلك</span></span></span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا المعتمِرُ، قال: سَمِعتُ الحكمَ يحدِّثُ عن عكرمةَ في قولِه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: الشابُّ (^٣) القويُّ الجَلْدُ.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: شبابُه أولَ ما نشَأ.\nوقال آخرون: قيل ذلك لأنه ليس شيءٌ من الحيوانِ إلا وهو منكبٌّ على وجهِه غيرَ الإنسانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9908>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٣٨، ومن طريقه الفريابى في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٤/ ٤ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٢ - ومن طريقه عبد الله بن أحمد في السنة (١١٢٣) - عن معمر به.\n(^٣) في ت ٣: \"الشباب\".","vol":"24","page":512},{"text":"ابن عباسٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: خلَق كلَّ شيءٍ منكبًّا على وجهِه إلا الإنسانَ (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن معنى ذلك: لقد خلَقنا الإنسانَ في أحسنِ صورةٍ وأعدلِها؛ لأن قولَه: ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. إنما هو نعتٌ لمحذوفٍ، وهو: في تقويمٍ أحسنٍ تقويمٍ. فكأنه قيل: لقد خلَقناه في تقويمٍ أحسنِ تقويمٍ.\n\n<span id=\"aya-6103\"></span>وقولُه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ثم ردَدناه إلى أرذلِ العُمُرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9911>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: إلى أرذلِ العُمُرِ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامُ بنُ سَلْمٍ، عن عمرٍو، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: إلى أرذلِ العُمُرِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. يقولُ: يُرَدُّ إِلى أرذَلِ العُمُرِ، كبِر حتى ذهَب عقلُه، وهم نفرٌ رُدُّوا إلى أرذلِ العُمُرِ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، فسُئِل رسولُ الله ﷺ حينَ سَفِهتْ عقولُهم، فأنزَل اللهُ عذرَهم أن لهم أجرَهم الذي عمِلوا قبلَ أن تذهبَ عقولُهم (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٥١١.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"24","page":513},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سُئِل عكرمةُ عن قولِه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: رُدُّوا إلى أرذلِ العُمُرِ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: إلى أرذلِ العُمُرِ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: ردَدناه إلى الهَرَمِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الهَرَمُ.\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعت الحكمَ يحدِّثُ عن عكرمةَ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: الشيخُ الهَرمُ، لم يَضُرَّه كِبَرُه، إن ختَم اللهُ له بأحسنِ ما كان يعملُ (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم ردَدناه إلى النارِ في أقبحِ صورةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9912>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ،\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٧ إلى الفريابى وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٢ عن معمر به.\n(^٤) ينظر تفسير البغوي ٨/ ٤٧٢.","vol":"24","page":514},{"text":"عن أبي العاليةِ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: في شرِّ صورةٍ، في صورةِ خنزيرٍ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: النارَ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: إلى النارِ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: في النارِ.\nقال: ثنا مؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: إلى النارِ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: قال (^٣) الحسنُ: جهنمُ مأواه.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: في النارِ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: إلى النارِ (^٥).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٧ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٦ إلى المصنف والفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٢ عن معمر به.\n(^٥) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٤٥٧.","vol":"24","page":515},{"text":"وأولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصحةِ وأشبهُها بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: معناه: ثم ردَدناه إلى أرذلِ العُمُرِ، إلى عمرِ الخَرْفَى الذين ذهَبت عقولُهم من الهَرَمِ والكِبَرِ، فهو في أسفلِ مَن سَفَل؛ في إدبارِ العمرِ وذهابِ العقلِ.\nوإنما قلنا: هذا القولُ أولى بالصوابِ في ذلك؛ لأن الله تعالى ذكرُه أخبَر عن خلقِه ابنَ آدمَ وتصريفِه في الأحوالِ، احتجاجًا بذلك على منكِرى قدرتِه على البعثِ بعدَ الموتِ، ألا ترَى أنه يقولُ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾. يعنى: بعدَ هذه الحُججِ. ومحالٌ أن يَحْتَجَّ على قومٍ كانوا منكِرين معنًى من المعانى بما كانوا له منكِرين، وإنما الحجةُ على كلِّ قومٍ ما (^١) لا يقدِرون على دفعِه؛ مما يعايِنونه ويُحِسُّونه، أو يقِرُّون به وإن لم يكونوا له مُحِسِّين.\nوإذ كان ذلك كذلك، وكان القومُ كانوا (^٢) للنارِ التي كان اللهُ يتوعَّدُهم بها في الآخرةِ، منكِرين، وكانوا لأهلِ الهَرَمِ والخَرَفِ من بعدِ الشبابِ والجَلَدِ شاهِدين - عُلِم أنه إنما احتَجَّ عليهم بما كانوا له معايِنين؛ من تصريفِه خلقَه، ونقلِه إياهم من حالِ التقويمِ الحسَنِ والشبابِ والجَلَدِ إلى الضعفِ والهرَمِ وفناءِ العمرِ وحدوثِ الخَرَفِ.\n\n<span id=\"aya-6104\"></span>وقولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى هذا الاستثناءِ؛ فقال بعضُهم: هو استثناءٌ صحيحٌ من قولِه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قالوا: وإنما جاز استثناءُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهم جمعٌ، من الهاءِ في قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ﴾ وهى كنايةُ الإنسانِ، والإنسانُ في لفظِ واحدٍ؛ لأن\n_________\n(^١) في م: \"بما\".\n(^٢) سقط من: م.","vol":"24","page":516},{"text":"الإنسانَ وإن كان في لفظِ واحدٍ فإنه في معنى الجمعِ؛ لأنه بمعنى الجنسِ، كما قيل: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١، ٢]. قالوا: ولذلك (^١) جاز أن يقالَ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. فيضافُ \"أفعل\" إلى جماعةٍ. قالوا: ولو كان مقصودًا به قصدُ واحدٍ بعينِه، لم يجزْ ذلك، كما لا يقالُ: هذا أفضلُ قائِمينَ. ولكن يقالُ: هذا أفضلُ قائمٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9913>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن سعيدِ بن سابقٍ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن عكرمةَ، قال: من قرَأ القرآنَ لم يُرَدَّ إلى أرذلِ العُمُرِ. ثم قرَأ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال: لا يكونُ حتى لا يَعْلَمَ من بعدِ علمٍ شيئًا (^٢).\nفعلى هذا التأويلِ قولُه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ لخاصٍّ من الناسِ، غيرُ داخلٍ فيهم الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ؛ لأنه مستثنًى منهم.\nوقال آخرون: بل الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ قد يدخُلون في الذين رُدُّوا إلى أسفلِ سافلين؛ لأن أرذْلَ العُمُرِ قد يُردُّ إليه المؤمنُ والكافرُ. قالوا: وإنما استُثنِى قولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. من معنًى مضمرٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قالوا: ومعناه: ثم ردَدناه أسفلَ سافلين، فذهَبت عقولُهم وخَرِفوا،\n_________\n(^١) في م: \"كذلك\".\n(^٢) أخرجه البيهقى في الشعب (٢٧٠٦) من طريق عاصم به. وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٢٨ - ومن طريقه البيهقى في الشعب (٢٧٠٦) - من طريق عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٧ إلى المصنف وعبد بن حميد، من قول عكرمة.","vol":"24","page":517},{"text":"وانقطَعت أعمالُهم، فلم (^١) تُثبَتْ لهم بعدَ ذلك حسنةٌ، إلا الذين آمَنوا وعَمِلوا الصالحاتِ، فإن الذي كانوا يَعْمَلونه من الخيرِ في حالِ صحةِ عقولِهم وسلامةِ أبدانِهم، جارٍ لهم بعد هَرَمِهم وخَرَفِهم.\nوقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ قولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. استثناءً منقطِعًا؛ لأنه يَحْسُنُ أن يقالَ: ثم ردَدناه أسفلَ سافلين، إلا الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ، لهم أجرٌ غيرُ ممنونٍ، بعدَ أن يُردَّ أسفلَ سافلين.\n\n<span data-type='title' id=toc-9914>ذكرُ مَن قال معنى هذا القولِ</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عَديٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. قال: فأيُّما رجلٍ كان يعملُ عملًا صالحًا وهو قويٌّ شابٌّ فعجَز عنه، جرَى له أجرُ ذلك العملِ حتى يموتَ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. يقولُ: إذا كان يعملُ بطاعةِ اللهِ في شبيبتِه كلِّها، ثم كبِر حتى ذهَب عقلُه، كُتِب له مثلُ عملِه الصالحِ الذي كان يعملُ في شبيبتِه، ولم يُؤاخَذْ بشيءٍ ممَّا عمِلَ في كِبَرِه وذَهَابِ عقلِه؛ من أجلِ أنه مؤمنٌ وكان يطيعُ اللهِ في شبيبتِه.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: إلى أرذلِ العمرِ، فإذا بلَغ المؤمنُ إلى أرذلِ\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"فلا\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٦ إلى المصنف.","vol":"24","page":518},{"text":"العمرِ، كُتِب له كأحسنِ ما كان يعملُ في شبابِه وصحتِه، فهو قولُه: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فإنه يُكتبُ له من الأجرِ مثلُ ما كان يعملُ في الصحةِ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن حمادِ بن أبى سليمانَ، عن إبراهيمَ مثلَه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال: إذا بلَغ من الكبرِ ما يَعْجِزُ عن العملِ، كُتِب له ما كان يعملُ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فإنه يُكتَبُ لهم حسناتُهم، ويُتجاوَزُ لهم عن سيئاتِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-9915>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّام، عن عمرٍو، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال: هم الذين أدرَكهم الكبرُ؛ لا يُؤْخَذون (^٢) بعملٍ عَمِلوه في كبرِهم وهم هَرْمَى لا يعقِلون (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٧ إلى الفريابى وعبد بن حميد.\n(^٢) في م: \"يؤاخذون\".\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٥١١.","vol":"24","page":519},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاء، قال: سُئل عكرمة عن قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. قال: يُوَفِّيه اللَّهُ أَجرَه أو عمله، ولا يؤاخذه إذا رُدَّ إلى أرذل العمرِ (^١).\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمان، قال: سمعت الحكم يحدِّثُ عن عكرمة: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال: الشيخُ الهَرْمُ، لم يضره كبره أن ختم الله له بأحسن ما كان يعملُ (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال: من أدركه الهرَمُ وكان يعملُ صالحًا، كان له مثلُ أجره إذ (^٣) كان يعملُ (^٤).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم رددناه أسفل سافلين في جهنم، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فلهم أجرٌ غيرُ ممنون. فعلى هذا التأويل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مستثنون من الهاءِ في قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ﴾. وجاز استثناؤهم منها إذ كانت كتايةً للإنسان، وهو بمعنى الجمع، كما قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ٢، ٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-9916>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٤٧٢.\n(^٣) في م: \"إذا\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٢ عن معمر به.","vol":"24","page":520},{"text":"مجاهد: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: إلا مَن آمَن (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، قال: قال الحسنُ في قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: في النارِ، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال الحسن: وهى كقوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (^٢) [العصر: ١ - ٣].\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصحةِ قولُ من قالُ: معناه: ثم ردَدناه إلى أرذلِ العمرِ، إلا الذين آمنوا وعمِلوا الصالحات في حال صحتِهم وشبابهم، فلهم أجرٌ غيرُ ممنون بعدَ هَرَمِهم، كهيئة ما كان لهم من ذلك على أعمالهم في حالِ ما كانوا يعملون وهم أقوياءُ على العمل.\nوإنما قلنا: ذلك أولى بالصحة. لما وصفنا من الدلالة على صحةِ القولِ بأن تأويلَ قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: إلى أرذل العمرِ.\nواختلفوا في تأويل قوله: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لهم أجرٌ غيرُ منقوصٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9917>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. يقولُ: غير (^٣) منقوصٍ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٣٨، ومن طريقه الفريابي في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٤/ ٤ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٢ عن معمر به.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٦ إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن =","vol":"24","page":521},{"text":"وقال آخرون: بل معناه: غيرُ محسوبٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9918>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غيرُ محسوبٍ (^١).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد مثلَه.\nحدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. قال: غير محسوبٍ.\nقال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. قال: غيرُ محسوبٍ.\nوقد قيل: إن معنى ذلك: فلهم أجرٌ غيرُ مقطوعٍ.\nوأولى الأقوالِ في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: فلهم أجرٌ غيرُ منقوصٍ، كما كان له أيامَ صحتِه وشبابه. وهو عندى من قولهم: حَبْلٌ (^٢) مَنِينٌ. إذا كان ضعيفًا؛ ومنه قولُ الشاعر (^٣):\nأَعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوها ثمانيةٌ … ما في عطائِهمُ مَنْ ولا سَرَفُ\nيعنى أنه ليس فيه نقصٌ ولا خطأٌ.\n_________\n= أبي حاتم وابن مردويه.\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٦ إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في م: \"جبل\".\n(^٣) هو جرير، وتقدم البيت في ٦/ ٤٠٩، ٩/ ٦١٨.","vol":"24","page":522},{"text":"<span id=\"aya-6105\"></span><span data-type='title' id=toc-9920>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويل في تأويل قوله: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ﴾؛ فقال بعضُهم: لله معناه: فمن يكذِّبُك يا محمد بعد هذه الحجج التي احتجَجْنا بها، ﴿بِالدِّينِ﴾. يعنى: بطاعةِ اللهِ وما بعَثك به من الحقِّ، وأن اللَّهَ يبعَثُ مَن في القبور. وقالوا: \"ما\" في معنى (مَنْ)؛ لأنه عُنِى به ابن آدمَ ومَن بُعث إليه النبيُّ ﷺ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: فما يكذبك أيُّها الإنسانُ بعد هذه الحججِ بالدين؟!\n\n<span data-type='title' id=toc-9919>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، قال: قلتُ لمجاهدٍ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾. غُنِى به النبيُّ ﷺ؟ قال: مَعاذَ اللَّهِ! غنى به الإنسانُ (^١).\nحدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيان، عمَّن سمِع مجاهدًا يقولُ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾. قلت: يعني به النبيَّ ﷺ؟ قال: مَعَاذَ اللَّهِ! إنما يعنى به الإنسان.\nحدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾: أَعُنى به النبيُّ ﷺ قال: معاذ الله! إنما عُنِى به الإنسان.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٤٥٧ - من طريق عبد الرحمن بن مهدى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٧ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":523},{"text":"حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبيِّ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾: إنما يعنى الإنسانَ، يقولُ: خلَقتُك في أحسنِ تقويمٍ، فما يكذبُك أيُّها الإنسانُ بعدُ بالدينِ (^١)؟\nوقال آخرون: إنما عنى بذلك رسولُ اللَّهِ ﷺ، وقيل له: استيقِنْ مع ما جاءك من اللَّهِ من البيان - أن اللَّهَ أحكمُ الحاكمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-9921>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ أي: استيقِنْ بعدَ ما جاءك من اللَّهِ البيانُ، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ (^٢)؟\nوأولى الأقوال في ذلك عندى بالصواب قولُ مَن قال: معنى \"ما\" معنى (مَنْ). ووجَّهَ تأويلَ الكلام إلى: فمن يكذِّبُك يا محمدُ بعدَ الذي جاءك من هذا البيانِ من اللَّهِ - ﴿بِالدِّينِ﴾؟ يعنى: بطاعة اللَّهِ، ومجازاته العباد على أعمالهم.\nوقد تأوَّل ذلك بعضُ أهلِ العربية (^٣) بمعنى: فما الذي يكذِّبُك بأن الناسَ يُدانُون بأعمالِهم؟ وكأنه قال: فمن يَقْدِرُ على تكذيبك بالثوابِ والعقابِ، بعدَ ما تبين له خلقُنا الإنسان على ما وصَفنا؟\nواختلَفوا في معنى قوله: ﴿بِالدِّينِ﴾؛ فقال بعضُهم: بالحساب.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٣ عن معمر به.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٥٠٣، وليس هذا اللفظ عند عبد الرزاق ولا ابن عساكر.\n(^٣) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٧٧.","vol":"24","page":524},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9922>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ الطُّفَاوِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، عن النضرِ بن عربيٍّ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾. قال: الحساب (^١).\nوقال آخرون: بل (^٢) معناه: بحُكم اللَّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9923>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾. يقولُ: ما يكذبُك بحُكمِ اللَّهِ (^٣).\nوأَولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الدينُ في هذا الموضعِ الجزاءُ والحسابُ. وذلك أن أحدَ معاني الدينِ في كلامِ العربِ الجزاءُ والحسابُ، ومنه قولُهم: كما تَدِينُ تُدانُ. ولا أَعْرِفُ من معاني الدَّينِ \"الحُكمَ\" في كلامِهم، إلا أن يكونَ مرادًا بذلك: فما يكذِّبُك بعد بأمر اللَّهِ الذي حكم به عليك أن تُطِيعَه فيه؟ فيكونَ ذلك.\n\n<span id=\"aya-6106\"></span>وقولُه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾. يقول تعالى ذكره: أليس اللَّهِ يا محمدُ بأحكمِ مَن حكَم في أحكامه وفصْلِ قضائِه بين عبادِه؟\nوكان رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا قرَأ ذلك، فيما بلغنا، قال: \"بلى\".\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ\n_________\n(^١) ينظر التبيان ١٠/ ٣٧٧.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٥ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"24","page":525},{"text":"الْحَاكِمِينَ﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان إذا قرَأها قال: \"بلى، وأنا على ذلك من الشاهِدين\" (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: كان ابن عباس إذا قرَأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾. قال: سبحانَك اللهَّم وبلى (^٢).\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: كان قتادةُ إذا تلَا: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾. قال: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين. أَحْسَبه كان يَرْفَعُ ذلك، وإذا قرَأ (^٣): ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]. قال: بلى. وإذا تلَا: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠]. قال: آمنتُ باللَّهِ وبما أنزَل (^٤).\nآخرُ سورةِ \"والتين\".\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٧ إلى عبد حميد.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٣ عن معمر، عن أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"تلا\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٣ عن معمر به، وأخرجه الحميدى (٩٩٥)، وأحمد ١٢/ ٣٥٣ (٧٣٩١)، وأبو داود (٨٨٧)، والترمذى (٣٣٤٧)، والبيهقى ٢/ ٣١٠، ٣١١، والبغوى (٦٢٣) من حديث أبي هريرة مرفوعا.","vol":"24","page":526},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9924>تفسيرُ سورةِ \"اقرأ\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6107\"></span><span data-type='title' id=toc-9925>القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه وتقدست أسماؤه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾.</span>\n\nيعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾: محمدًا. يقول: اقرَأْ يا محمدُ بذكرِ ربِّك الذي خلَق.\n\n<span id=\"aya-6108\"></span>ثم بين الذي خلق فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾. يعنى: من الدم، وقال: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾. والمراد به: من عَلَقَةٍ؛ لأنه ذهَب إلى الجمعِ، كما يقالُ: شجرة وشجرٌ، وقصبَةٌ وقَصَبٌ، وكذلك علقةٌ وعَلَقٌ. وإنما قال: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾، والإنسانُ في لفظِ واحدٍ؛ لأنه في معنى جمع، وإن كان في لفظِ واحدٍ؛ فلذلك قيل: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-6109\"></span>وقوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾. يقولُ: اقْرَأْ يا محمدُ ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ خَلْقَه الكتاب والخَطَّ.\n\n<span id=\"aya-6110\"></span>كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. قرأ حتى بلغ: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾. قال: القلمُ نعمةٌ من اللَّهِ عظيمةٌ، لولا ذلك لم يقُمْ ولم يَصْلُحْ عيشٌ (^١).\nوقيل: إن هذه أوَّلُ سورة نزلت في القرآن على رسول اللَّهِ ﷺ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٩ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":527},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9926>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أحمدُ بنُ عثمانَ البصريُّ، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا أبي، قال: سَمِعتُ النعمان بن راشدٍ يقولُ عن الزهريِّ، عن عروةَ، عائشةَ أنها عن قالت: كان أولُ ما ابتُدئ به رسولُ اللَّهِ ﷺ من الوحى الرؤيا الصادقةَ كانت تَجيءُ مثل فَلَقِ الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاءُ، فكان بغارِ حِراءٍ يَتَحنَّثُ فيه اللياليَ ذواتِ العددِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أهلِه، ثم يرجعُ إلى أهله فيَتَزَوَّدُ لمثلِها، حتى فجَأَه الحقُّ، فأتاه فقال: يا محمدُ، أنت رسولُ اللَّهِ. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"فجتَوتُ لركبَتيَّ وأنا قائمٌ، ثم رجَعتُ تَرْجُفُ بَوادِرى (^١)، ثم دخلتُ على خديجةَ، فقلتُ: زمِّلوني زمِّلوني. حتى ذهَب عنى الرَّوْعُ، ثم أتاني، فقال: يا محمدُ (^٢)، أنت رسولُ اللَّهِ\". قال: \"فلقد همَمتُ أن أطرَحَ نفسى من حالقٍ من جبل، [فَتَبَدَّى لى] (^٣) حينَ همَمتُ بذلك، فقال: يا محمدُ، أنا جبريلُ وأنت رسولُ اللَّهِ. ثم قال: ﴿اقْرَأْ﴾. قلت: \"ما أقرأُ؟ \". قال: (فأخذني فغَطَّنى ثلاثَ مراتٍ، حتى بلَغ منى الجَهْدُ، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. فقرَأتُ، فأتَيتُ خديجة، فقلتُ: لقد أشفَقتُ على نفسى. فأخبَرتُها خبرى، فقالت: أَبْشِرْ، فواللَّهِ لا يُخزيك اللَّهِ أبدًا، وواللَّهِ إنك لتصلُ الرحمَ، وتَصْدُقُ الحديثَ، وتؤدِّى الأمانةَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْرِى الضيفَ، وتُعِينُ على نوائب الحقِّ. ثم انطَلَقَتْ بي إلى ورقةَ بن نوفلِ بن أسدٍ، قالت: اسمَعْ من ابن أخيك. فسألني، فأخبَرته خبرى، فقال: هذا الناموسُ الذي أُنزِل على موسى، ليتني فيها جَذَعٌ (^٤)، ليتنى أكونُ حَيًّا حينَ يُخْرِجُك قومك. قلتُ: أَوَ مُخْرِجيَّ هم؟\n_________\n(^١) البوادر جمع بادرة، وهى اللحمة التي بين المنكب والعنق. التاج (ب د ر).\n(^٢) بعده في م: \"أنا جبريل و\".\n(^٣) في م: \"فتمثل إليّ\"، وفى ت ٢: \"فعدا لى\"، وفى ت ٣: \"فعاد إلى\".\n(^٤) الضمير في \"فيها \" للنبوة، لى: يا ليتنى كنت شابًّا عند ظهورها حتى أبالغ في نصرتها وحمايتها. النهاية ١/ ٢٥٠.","vol":"24","page":528},{"text":"قال: نَعمْ، إنه لم يَجِئْ رجلٌ قطُّ بما جئتَ به إلا عُودِىَ، ولئن أَدْرَكنى يومُك أَنصُرْك نصرًا مؤزرًا. ثم كان أول ما نزل عليَّ من القرآن بعد \"اقرأ\": ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ [القلم: ١ - ٥] و﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١، ٢]، و(^١) ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ \" (^٢) [الضحى: ١، ٢].\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: ثنى عروة، أن عائشة أخبرته. وذكَر نحوه، غيرَ أنه لم يقلْ: \"ثم كان أوّلُ ما أُنزِل عليَّ من القرآن\". الكلامَ إلى آخرِ (^٣).\nحدَّثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبدُ الواحد، قال: ثنا سليمانُ الشيبانيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ شدّادٍ، قال: أتى جبريلُ محمدًا ﷺ، فقال: يا محمدُ، اقْرَأْ. فقال: \"وما أقرَأُ؟ \". قال: فضمَّه، ثم قال: يا محمد، اقْرَأْ. قال: \"وما أقرأُ؟ \". قال: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. قال: فجاء إلى خديجة، فقال: (يا خديجةُ، ما أُراه إلا قد عُرض لى\". قالت: كلا، واللَّهِ ما كان ربُّك يفعلُ ذلك بك، وما أتيتَ فاحشةً قطُّ. قال: فأَتَتْ خديجة ورقةً، فأخبَرته الخبرَ، قال: لئن كنتِ صادقةً إن زوجَكِ لنبيٌّ، ولَيَلْقَيَنَّ من أمتِه شدةً، ولئن أدرَكتُه\n_________\n(^١) سقط من النسخ، والمثبت من تاريخ المصنف.\n(^٢) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٢٩٨. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٧١٩)، وأحمد ٦/ ١٥٣، ٢٢٣، ٢٣٢) (الميمنية)، والبخارى (٣، ٤٩٥٦)، ومسلم (١٦٠/ ٢٥٣، ٢٥٤)، والترمذى (٣٦٣٢)، والواحدى في أسباب النزول ص ٥ من طرق عن الزهرى به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٦٨ إلى عبد بن حميد وابن الأنبارى في المصاحف وابن مردويه.\n(^٣) أخرجه المصنف في تاريخه. ١/ ٢٩٩. وأخرجه مسلم (١٦٠/ ٢٥٢)، والبيهقي ٩/ ٥، ٦ من طريق ابن وهب به، وأخرجه أحمد ٦/ ١٥٣ (الميمنية)، والبخارى (٤٩٥٣)، من طريق يونس به.","vol":"24","page":529},{"text":"لأُومِنَنَّ بِهِ. قال: ثم أبطَأ عليه جبريلُ، فقالت له خديجةُ: ما أرَى ربَّك إلا قد قلاك. فأنزل اللَّهِ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (^١) [الضحى: ١ - ٣].\nحدَّثنا إبراهيم بن سعيد الجوهريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ - قال إبراهيم: قال سفيانُ: حفظه لنا ابن إسحاقَ -: إِن أَوَّلَ شَيءٍ أُنزِل من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.\nحدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ بشرِ بن الحكمِ النَّيْسابوريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمد بن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ: إن أولَ سورة أُنزِلت من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (^٢).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن شعبة، عن عمرو بن دينارٍ، عن عبيدِ بن عميرٍ، قال: أول سورةٍ نزَلت على محمد رسولُ اللَّهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (^٣).\nقال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: سمِعتُ عبيد بن عميرٍ يقولُ. فذكَر نحوَه.\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٢٩٩. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٢٩٢ من طريق أبي إسحاق سليمان الشيباني به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٨ إلى أبي نعيم في الدلائل.\n(^٢) أخرجه البيهقي ٩/ ٦، وفى الدلائل، ٢/ ١٥٥، والواحدى في أسباب النزول ص ٥، ٦، والبغوى في تفسيره ٨/ ٤٧٨ من طريق عبد الرحمن بن بشر بن الحكم به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٢٠، ٥٢٩ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٨ إلى ابن مردويه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٨٨ من طريق شعبة به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٥ من طريق عمرو بن دينار به.","vol":"24","page":530},{"text":"حدَّثنا خَلَّادُ بنُ أسلم، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شُميلٍ، قال: ثنا قرةُ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ العُطارديُّ، قال: كنا في المسجدِ الجامعِ، ومُقرِئُنا أبو موسى الأشعريُّ، كأني أنظرُ إليه بينَ بُردَين أبيضَين. قال أبو رجاءٍ: عنه أخَذتُ هذه السورة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وكانت أول سورة نزلت على محمدٍ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بن إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءٍ بن يسارٍ، قال: أولُ سورة نزلت من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ بُن مهديٍّ، قالا: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: أولُ ما نزَل من القرآنِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. وزاد ابن مهديٍّ: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ (^١)\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شعبةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: سمعت عبيدَ بنَ عميرٍ يقولُ: أولُ ما أُنزِل من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (^٢).\nقال: ثنا وكيعٌ، عن قُرَّةَ بن خالدٍ، عن أبي رجاءٍ العُطارديُّ، قال: إني لأنظُرُ إلى أبي موسى وهو يقرأُ القرآنَ في مسجد البصرةِ وعليه بُردان أبيضان، فأنا أخَذتُ منه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وهى أولُ سورةٍ أُنزِلت على محمدٍ ﷺ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الفضائل ص ٢٢٠ عن عبد الرحمن بن مهدي به. مهدي به. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥٤١، ١٤/ ٨٨ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥٤١، ١٤/ ٨٨ عن وكيع به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥٤٢، ١٤/ ٨٨، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٥٧ من طريق وكيع به، وأخرجه =","vol":"24","page":531},{"text":"قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ، قال: إن أولَ سورةٍ أُنزِلت: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ثم ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١].\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه:\n\n<span id=\"aya-6111\"></span>وقوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. يقولُ تعالى ذكره: علَّم الإنسان الخطَّ بالقلمِ ولم يكُنْ يَعْلَمُه، مع أشياءَ غيرِ ذلك مما علَّمه ولم يكُنْ يَعْلَمُه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9927>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. قال: علَّم الإنسانَ خطًّا بالقلمِ.\n\n<span id=\"aya-6112\"></span>وقوله: ﴿كَلَّا﴾. يقول تعالى ذكرُه: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسانَ؛ أن يُنَعِمَ عليه ربُّه بتسويتِه خَلْقَه، وتعليمه ما لم يكنْ يعلم، وإنعامِه بما لا كُفْءَ له، ثم يكفرَ بربِّه الذي فعَل به ذلك، ويَطْغَى عليه؛ أن رأه استَغنَى.\n\n<span id=\"aya-6113\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾. يقولُ: إن الإنسانَ ليتجاوزُ حدَّه، ويستكبِرُ على ربِّه فيكفُرُ به؛ لأن رأى نفسه استَغنَتْ.\nوقيل: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾؛ لحاجة \"رأَى\" إلى اسمٍ وخبرٍ، وكذلك تفعَلُ العرب في كلِّ فعْلٍ اقتضى الاسمَ والفعلَ، إذا أوقَعه المخبِرُ عن نفسِه على نفسِه مُكَنيًا\n_________\n= يونس بن بكير في زياداته على سيرة ابن إسحاق ص ١٠٣ وابن الضريس في الفضائل (٢٤)، والحاكم ٢/ ٢٢٠، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٥٦ من طريق قرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٨ إلى ابن الأنبارى في المصاحف والطبراني وابن مردويه.","vol":"24","page":532},{"text":"عنها، فيقولُ: متى تُراك خارجًا؟ ومتى تَحْسَبُك سائرًا؟ فإذا كان الفعلُ لا يقتضى إلا منصوبًا واحدًا، جعلوا موضعَ المكنيِّ \"نفسه\"، فقالوا: قتَلْتَ نفسَك. ولم يقولوا: قَتَلْتَكَ. ولا: قتلَه (^١).\n\n<span id=\"aya-6114\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾. يقولُ: إن إلى ربِّك يا محمدُ مَرْجِعَه، فذائقٌ من أليمِ عقابه ما لا قِبَلَ له به.\n\n<span id=\"aya-6115\"></span><span data-type='title' id=toc-9929>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾.</span>\nذُكِر أن هذه الآيةَ وما بعدَها نزَلت في أبي جهلِ بن هشامٍ، وذلك أنه قال فيما بلَغنا: لئن رأيتُ محمدًا يصلِّى لأطأَنَّ رقبته. وكان فيما ذُكِر قد نَهَى رسولَ اللَّهِ ﷺ، أن يُصَلَّى، فقال اللَّهِ لنبيِّه محمد ﷺ:\n\n<span id=\"aya-6116\"></span>أرأيتَ يا محمد أبا جهلٍ الذي يَنْهاك أن تُصَلِّى عِندَ المَقامِ، وهو مُعرِضْ عن الحقِّ مكذِّبٌ به؟! يُعَجِّبُ جَلَّ ثناؤُه نبيَّه والمؤمنين من جهلِ أبى جهلٍ، وجراءتِه على ربَّه، في نهيه محمدًا عن الصلاةِ لربِّه، وهو مع أياديه عنده مكذِّبٌ به.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9928>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾. قال: أبو جهلٍ، يَنْهَى\n_________\n(^١) في م: \"قتلته\".","vol":"24","page":533},{"text":"محمدًا ﷺ إذا صلى (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾: نزلت في عدوِّ اللَّهِ أبى جهلٍ؛ وذلك لأنه قال: لئن رأيتُ محمدًا يصلِّى لأطأَنَّ على عنقه. فأنزل اللَّهِ ما تسمعون.\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾. قال: قال أبو جهلٍ: لئن رأيتُ محمدًا يصلِّى لأطأَنَّ على عنقِه. قال: وكان يقال: لكلِّ أمةٍ فرعونٌ. وفرعونُ هذه الأمةِ أبو جهلٍ (^٢).\nحدَّثنا إسحاقُ بن شاهينٍ الواسطيُّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يصلى، فجاءه أبو جهل فنهَاه أن يصلِّىَ، فأنزل اللَّهُ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ إلى قوله: ﴿كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ (^٣).\n\n<span id=\"aya-6117\"></span><span data-type='title' id=toc-9930>القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أرأيتَ إن كان محمدٌ ﴿عَلَى الْهُدَى﴾. يعني: على استقامةٍ وسَدَادٍ في صلاته لربِّه،\n\n<span id=\"aya-6118\"></span>﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾: أو أمر محمدٌ هذا الذي يَنْهَى\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٣٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٧٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٤ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٧٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ١٦٧ (٣٠٤٤)، والحاكم ٢/ ٤٨٧، ٤٨٨، والبيهقى في الدلائل ٢/ ١٩٢ من طريق داود به، وأخرجه الطبراني (١١٩٥٠) من طريق عكرمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٩ إلى ابن المنذر وأبي نعيم في الدلائل.","vol":"24","page":534},{"text":"الصلاةِ باتقاءِ اللَّهِ وخوفِ عقابه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9931>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾. قال: محمدٌ، كان على الهدى، وأمرَ بالتقوى (^١).\n\n<span id=\"aya-6119\"></span><span data-type='title' id=toc-9933>القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: أرأيت إن كذَّب أبو جهلٍ بالحقِّ الذي بَعَث به محمدًا ﴿وَتَوَلَّى﴾. يقولُ: [وأدبَر عنه فلم يصدِّقْ به] (^٢)؟\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9932>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾: يعنى أبا جهل (^١).\n\n<span id=\"aya-6120\"></span><span data-type='title' id=toc-9934>القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ألم يعلَمْ أبو جهلٍ إذ يَنْهَى محمدًا عن عبادةِ ربِّه والصلاةِ\n_________\n(^١) تقدم أوله في الصفحة السابقة، ولم يرد هذا اللفظ عند عبد الرزاق.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"فأدبر عنه ولم يصدق به\".","vol":"24","page":535},{"text":"له، بأن اللَّهَ يراه، فيخاف سطوتَه وعقابَه؟\nوقيل: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾.\nفكُرِّرت ﴿أَرَأَيْتَ﴾ مراتٍ ثلاثًا على البدلِ. والمعنى: أرأيتَ الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى، وهو مكذِّبٌ متولٍّ عن ربِّه، ألم يَعْلَمُ بأن اللَّهِ يراه؟!\n\n<span id=\"aya-6121\"></span>وقولُه: ﴿كَلَّا﴾. يقولُ: ليس كما يقولُ (^١): إنه يطأُ عنقَ محمدٍ. يقولُ: لا يقدِرُ على ذلك ولا يصلُ إليه.\nوقولُه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾. يقولُ: لئن لم ينتهِ أبو جهلٍ عن محمدٍ، ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾. يقولُ: لنأخذَنَّ مُقدَّمِ رأسه، فلنُضِيمَنَّه (^٢) ولَنُذِلَّنَّه. يقالُ منه: سَفَعْتُ بيده. إذا أَخَذْتَ بيده.\nوقيل: إنما قيل: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾. والمعنى: لنسوِّدَنَّ وجهَه. فاكتُفِيَ بذكرِ الناصيةِ من الوجه كلِّه، إذ كانت الناصيةُ في مقدَّمِ الوجه.\nوقيل: معنى ذلك: لنأخذَنَّ بناصيته إلى النارِ، كما قيل (١): ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].\n\n<span id=\"aya-6122\"></span>وقولُه: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾. فخفَض ﴿نَاصِيَةٍ﴾ ردًّا على \"الناصية\" الأولى بالتكرير. ووصَف الناصيةَ بالكذبِ والخطيئةِ، والمعنى لصاحبِها.\n\n<span id=\"aya-6123\"></span>وقولُه: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلْيَدْعُ أبو جهلٍ أهلَ مجلسِه وأنصارَه من عشيرتِه وقومِه. والنادى هو المجلسُ.\nوإنما قيل ذلك فيما بلَغنا لأن أبا جهلٍ لما نهَى النبيَّ ﷺ عن الصلاةِ عندَ المقامِ،\n_________\n(^١) في م: \"قال\".\n(^٢) في م: \"فلنضمنه\".","vol":"24","page":536},{"text":"<span id=\"aya-6124\"></span>انتهَرَه رسولُ اللَّهِ ﷺ وأغلَظ له، فقال أبو جهلٍ: علامَ يتوعَّدُنى محمدٌ وأنا أكثرُ أهل الوادى ناديًا؟ فقال اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ (^١)، فليدعُ حينَئذٍ ناديَه، فإنه إن دعا ناديَه، دعَونا الزبانيةَ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاءت الأخبارُ وقال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9935>ذكرُ الآثارِ المرويةِ في ذلك</span>\nحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ جُمَيعٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، جميعًا عن داود بن أبي هند، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي عندَ المَقامِ، فمرَّ به أبو جهلِ بنُ هشامٍ، فقال: يا محمدُ، ألم أنهكَ عن هذا؟ وتوعَّده، فأغلَظ له رسولُ اللَّهِ ﷺ وانتهره، فقال: يا محمدُ، بأيِّ شيءٍ تهدِّدُني؟ أما واللَّهِ إني لأكثرُ هذا الوادى ناديًا. فأنزَل اللَّهِ: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. قال ابن عباسٍ: لو دعا ناديَه، أخَذَته زبانيةُ العذابِ من ساعته (^٢).\nحدَّثني إسحاقُ بنُ شاهين، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يصلِّى، فجاءه أبو جهلٍ فنهاه أن يصلّى، فأنزَل اللَّهِ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ إلى قولِه: ﴿كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾. فقال: لقد علم أنى أكثرُ هذا الوادى ناديًا. فغضب النبيُّ ﷺ فتكلَّم بشيءٍ - قال داودُ: ولم أحفَظْه - فأنزَل اللَّهِ: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾.\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٢٩٨، وأحمد ٤/ ١٦٤ (٢٣٢١)، والترمذى (٣٣٤٩)، والنسائي في الكبرى (١١٦٨٤) من طريق أبي خالد به. وأخرجه ابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٤/ ٢٤٨ - من طريق على بن مسهر به.","vol":"24","page":537},{"text":"فقال ابن عباسٍ: فواللَّهِ لو فعَل لأخَذَته الملائكةُ من مكانِه (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ (^٢)، عن أبيه، قال: ثنا نُعَيمُ بنُ أَبي هند، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال أبو جهلٍ: هل يُعَفِّرُ محمدٌ وجهَه بينَ أظهُركم؟ قال: فقيل: نعم. قال: فقال: واللاتِ والعُزَّى لئن رأَيتُه يصلِّى كذلك، لأَطأَنَّ على رقبته، أو (^٣) لأُعَفِّرَنَّ وجهَه في التراب. قال: فأتَى رسولُ اللَّهِ ﷺ وهو يُصلِّى ليطأَ على رقبته. قال: فما فَجِئَهم (^٤) منه إلا وهو يَنكِصُ على عَقِبَيْه ويَتَّقِى بيديه. قال: فقيل له: ما لَكَ؟! قال: فقال: إن بيني وبينَه خنْدقًا من نارٍ، وهولًا وأجنحةً. قال: فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"لو دنَا لاختطَفَتْه الملائكةُ عُضْوًا عُضْوًا\". قال: وأنزل اللَّهِ - لا أدرِى في حديثِ أبي هريرة أم لا -: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. يعني أبا جهل ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (^٥) (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾: الملائكة، ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٣٤.\n(^٢) في النسخ: \"ابن ثور\" والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٣) في م: \"و\".\n(^٤) في م: \"فجأه\". وكلاهما بمعنى. ينظر تاج العروس (ف ج أ).\n(^٥) بعده في م: \"يدعو قومه\".\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٦١ عن المصنف، وأخرجه مسلم (٢٧٩٧/ ٢٨)، والنسائي في الكبرى (١١٦٨٣)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير - والبغوى في تفسيره ٨/ ٤٧٩ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه أحمد ١٤/ ٤٢٥ (٨٨٣١)، ومسلم (٢٧٩٧/ ٢٨)، وابن حبان (٦٥٧١)، وأبو نعيم في الدلائل (١٥٨)، والبيهقى في الدلائل ٢/ ١٩٨، والبغوى في تفسيره ٨/ ٤٧٩ من طريق معتمر بن سليمان به.","vol":"24","page":538},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: أخبَرنا يونسُ بنُ أبى إسحاقَ، عن الوليد بن العَيْزارِ، عن ابن عباسٍ، قال: قال أبو جهلٍ: لئن عاد محمدٌ يصلِّى عندَ المَقامِ لأقتلَنَّه. فأنزَل اللَّهُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. حتى بلَغ هذه الآية: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. فجاء النبيَّ ﷺ وهو يصلِّى، فقيل له: ما يَمْنَعُك؟ قال: قد اسوَدَّ ما بيني وبينَه من الكتائبِ. قال ابن عباسٍ: واللَّهِ لو تحرَّك لأخَذَته الملائكةُ والناسُ يَنْظُرون إليه (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا زكريا بنُ عديٍّ، قال: ثنا عبيد اللَّهِ بن عمرٍو، عن عبد الكريم، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: قال أبو جهلٍ: لئن رأَيتُ [رسولَ اللَّهِ] (^٢) يصلِّى عند الكعبة لآتيَنَّه حتى أطأ على عنقِه. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"لو فعَل لأخَذَتْه الملائكةُ عِيانًا (^٣).\nوبالذي قلنا في معنى \"النادى\" قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9936>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾. يقولُ: فليدعُ ناصرَه (^٤).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٦١ عن المصنف، وأخرجه الطبراني (١٢٦٩٣)، وفى الأوسط (٨٣٩٨) من طريق يونس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٦٩ إلى أبي نعيم في الدلائل.\n(^٢) كذا في النسخ، وبعده في ص، م، ت ١، ت: \" ﷺ\". وأبو جهل لا يقوله.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٦٠ عن المصنف، وأخرجه البزار (٢١٨٩ - كشف)، وابن مردويه في تفسيره - كما في الفتح ٨/ ٧٢٤ - من طريق زكريا بن عدى به. وأخرجه أبو يعلى (٢٦٠٤)، والبغوى في منتخب المسند - كما في الفتح ٨/ ٧٢٤ - من طريق عبيد الله بن عمرو به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٤ - ومن طريقه أحمد ٥/ ٤٣٧ (٣٤٨٣)، والبخارى (٤٩٥٨)، والترمذى (٣٣٤٨)، والنسائى في الكبرى (١١٦٨٥)، والبيهقى في الدلائل ٢/ ١٩١، ١٩٢ - من طريق عبد الكريم به.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص ٤٥٦ - إلى المصنف.","vol":"24","page":539},{"text":"حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. قال: الملائكةَ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي سنانٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى الهُذَيلِ: الزبانيةُ أرجُلُهم في الأرضِ ورءوسُهم في السماءِ (^٢).\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾: قال النبيُّ ﷺ: لو فعل أبو جهلٍ لأخَذته الزبانيةُ الملائكةُ عِيانًا\".\nحدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. قال: الملائكة (^٣).\nحُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿الزَّبَانِيَةَ﴾. قال: الملائكةَ (^٣).\n\n<span id=\"aya-6125\"></span>وقولُه: ﴿كَلَّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ليس الأمرُ كما يقولُ أبو جهلٍ، إذ\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٣٩، ومن طريقه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٧٤ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٧٠ إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٦٧، ٥٧٤، وأحمد في العلل ومعرفة الرجال ١/ ٣٥١ (٢١٩٦)، من طريق سفيان، عن أبي سنان، عن عبد اللَّهِ بن الحارث، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص ٤٥٦ - إلى المصنف والفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم من قول عبد الله بن الحارث، وأبو سنان ضرار بن مرة يروى عن عبد الله بن أبى الهذيل وعبد الله بن الحارث. ينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٣٠٧، ١٤/ ٤٠٣، ١٦/ ٢٤٤.\n(^٣) ينظر التبيان ١٠/ ٣٨٢.","vol":"24","page":540},{"text":"ينهَى محمدًا ﷺ عبادةِ ربِّه والصلاةِ له، ﴿لَا تُطِعْهُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: لا تُطِعْ أبا جهلٍ فيما أمَرك به من تركِ الصلاةِ لربِّك، ﴿وَاسْجُدْ﴾ لربِّك، ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ منه، بالتحبُّبِ إليه بطاعتِه، فإن أبا جهلٍ لن يَقْدِرَ على ضَرِّك، ونحن نمنعُك منه.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾: ذُكِر لنا أنها نزَلت في أبي جهلٍ، قال: لئن رأَيتُ محمدا يصلِّى لأطأَنَّ على (^١) عنقِه. فأنزَل اللَّهِ: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾. قال نبيُّ اللَّهِ ﷺ حينَ بلَغه الذي قال أبو جهلٍ: \"لو فعَل لاختَطَفَته الزبانيةُ\".\nآخرُ سورةِ اقرأ باسمِ ربِّك\"، والحمدُ لله وحده\n_________\n(^١) سقط من: م.","vol":"24","page":541},{"text":"يسمِ اللَّهِ الرحمن الرحيمِ\n\n<span data-type='title' id=toc-9937>تفسير سورة \"القدر\"</span>\n\n<span id=\"aya-6126\"></span><span data-type='title' id=toc-9939>القولُ في تأويل قوله جلّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: إنا أنزلنا هذا القرآنَ جملةً واحدةً إلى السماء الدنيا في ليلة القَدْرِ، وهى ليلةُ الحكمِ التي يَقْضِى اللَّهُ فيها قضاءَ السَّنة، وهو مصدرٌ مِن قولهم: قَدَر اللَّهُ عليَّ هذا الأمرَ. فهو يَقْدُرُ قَدْرًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9938>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ،، قال: نزَل القرآنُ كلُّه جملةً واحدةً في ليلةِ القدرِ في رمضانَ إلى السماءِ الدنيا، فكان اللَّهُ إذا أراد أَنْ يُحْدِثَ في الأرضِ شيئًا أنزَله منه حتى جمَعه (^١).\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: أنزل اللَّهُ القرآن إلى السماء الدنيا في ليلةِ القَدْرِ، وكان اللَّهُ إذا أراد أن يُوحِيَ منه شيئًا أوحاه، فهو قولُه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.\nقال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ. فذكر نحوه،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٣/ ١٩٠.","vol":"24","page":542},{"text":"وزاد فيه: وكان بين أوله وآخره عشرون سنةً.\nقال: ثنا عمرو بنُ عاصمٍ الكلابيُّ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ التيميُّ، قال: ثنا عمرانُ أبو العوَّامِ، قال: ثنا داودُ بن أبي هندٍ، عن الشعبيِّ أنه قال في قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. قال: نزَل أَوَّلُ القرآنِ في ليلةِ القَدْرِ (^١).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصينٌ، عن حكيمِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نزَل القرآن في ليلةٍ من السماءِ العليا إلى السماءِ الدنيا، جملةً واحدةً، ثم فُرِّق في السنينَ. قال: وتلا ابن عباسٍ هذه الآيةَ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]. قال: نزل متفرِّقًا (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. قال: بلغنا أنَّ القرآن نزل جملةً واحدةً إلى السماءِ الدنيا (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بن كهيلٍ، عن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: أنزل القرآنُ جملةً واحدةً، ثم أنزل ربُّنا في ليلةِ القدرِ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (^٣) [الدخان: ٤].\nقال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. قال: أُنزِل القرآنُ جملةً واحدةً في ليلةِ القدرِ إلى سماءِ الدنيا، فكان بموقعِ النجومِ، فكان اللَّهُ يُنزله على رسوله، بعضَه في إِثْرِ بعضٍ.\n_________\n(^١) ينظر تفسير القرطبي ٢٠/ ١٣٠.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٣/ ١٩١.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٣/ ١٨٩، وأخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (١٢٠) من طريق مسلم به.","vol":"24","page":543},{"text":"ثم قرأ: ﴿[وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا] (^١) لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (^٢) [الفرقان: ٣٢].\nوبنحو الذي قلنا في [معنى القدرِ] (^٣) قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9940>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهران، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾: ليلة الحكمِ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. قال: ليلةِ الحكمِ.\n[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ] (^٥)، عن سفيانَ، عن محمدِ بن سُوقةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: يُؤذَنُ للحُجاج في ليلةِ القَدْرِ، فيُكتبون بأسمائهم وأسماءِ آبائهم، فلا يُغادَرُ منهم أحدٌ، ولا يُزادُ فيهم، ولا يُنقَصُ منهم (^٦)\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا ربيعةُ بن كلثومٍ، قال: قال رجلٌ\n_________\n(^١) في النسخ: \"وقالوا\". وصواب التلاوة ما أثبتنا.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٣/ ١٨٨، ١٨٩ من طريق آخر عن سعيد، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٦٨٩)، وابن الضريس في فضائل القرآن (١١٨)، والحاكم ٢/ ٢٢٢، والبيهقي في الدلائل ٧/ ١٣١، وفي الأسماء والصفات (٤٩٥) من طريق جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٨٩ إلى الفريابي ومحمد بن نصر وابن مردويه والضياء في المختارة.\n(^٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ذلك\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٦، والبيهقى في الشعب (٣٦٦٠) من طريق سفيان الثورى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٧٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) في م: \"قال: ثنا وكيع\".\n(^٦) ينظر تفسير القرطبي ٢٠/ ١٣٠.","vol":"24","page":544},{"text":"للحسن وأنا أسمعُ: أرأيتَ ليلة القدر في كلِّ رمضان هي؟ قال: نعم، واللَّهِ الذي لا إله إلا هو إنَّها لفى كلِّ رمضانٍ، وأنَّها لليلةُ القَدْرِ، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]. فيها يَقْضِى اللَّهُ كلَّ أجلٍ وعملٍ ورزقٍ إلى مثلِها (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاق، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عمرَ (^٢)، قال: ليلةُ القَدْرِ في كلِّ رمضانٍ (^٣).\n\n<span id=\"aya-6127\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ يقولُ: وما أشْعَرك يا محمدٌ أيُّ شيءٍ ليلة القدر!.\n\n<span id=\"aya-6128\"></span>﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. اختلَف أهل التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: العملُ في ليلةِ القدرِ بما يُرْضِى اللَّهَ خيرٌ مِن خيرٌ من العملِ في غيرها ألفَ شهرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9941>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: بلَغنى عن مجاهدٍ: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. قال: عملُها وصيامُها وقيامها خيرٌ مِن ألفِ شهرٍ (^٤).\nقال: ثنا الحكم بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائى قولَه: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. قال: عملٌ فيها خيرٌ مِن عمل ألفِ شهرٍ (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ٢١/ ٧، وأخرجه أيضًا ابن عبد البر في التمهيد ٢/ ٣٠٩ من طريق ربيعة به.\n(^٢) في ت ١: \"عباس\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٧٥ عن وكيع به.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٦ عن سفيان به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٦٤ عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٧١ إلى ابن المنذر ومحمد بن نصر وابن أبي حاتم.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٦٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٧٠ إلى المصنف.","vol":"24","page":545},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك أنَّ ليلةَ القدرِ خيرٌ مِن ألفِ شهرٍ ليس فيها ليلةُ القدر.\n\n<span data-type='title' id=toc-9942>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾: ليس فيها ليلةُ القدر (^١).\nوقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا به ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامُ بنُ سَلْم، عن المُثنَّى بن الصبَّاح، عن مجاهدٍ، قال: كان في بني إسرائيلَ رجلٌ يقومَ الليلَ حتى يصبحَ، ثم يجاهدُ العدوَّ بالنهارِ حتى يُمْسِىَ، ففعَل ذلك ألفَ شهرٍ، فأنزَل اللَّهِ هذه الآيةَ: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. قيامُ تلك الليلةِ خيرٌ من عملِ ذلك الرجل (^٢).\nوقال آخرون في ذلك ما حدَّثني أبو الخطاب الجاروديُّ سهيلٌ، قال: ثنا سَلْمُ بن قتيبةَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ الفضلِ، عن عيسى بن مازنٍ، قال: قلتُ للحسنِ بن عليٍّ ﵁: يا مُسوِّدَ وجوهِ المؤمنين، عمَدْتَ (^٣) إلى هذا الرجل فبايعْتَ له! يعنى معاويةَ بنَ أبي سفيانَ. فقال: إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أُرِى في منامه بني أميةً يَعْلُون منبرَه خليفةً خليفةً، فشقَّ ذلك عليه، فأنزَل اللَّهِ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٧٠ إلى عبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٦٤ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٧١ إلى المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٤٦٣ - والواحدى في أسباب النزول ص ٣٤٠ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد مرفوعًا إلى النبي ﷺ.\n(^٣) في ص: \"عهدت\".","vol":"24","page":546},{"text":"الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. يعنى مُلْكَ بني أميةَ. قال القاسمُ: فحسبنا مُلْكَ بني أميةَ، فإذا هو ألفُ شهرٍ (^١).\nوأشبهُ الأقوال في ذلك بظاهرِ التنزيلِ قولُ مَن قال: عملٌ في ليلةِ القَدْرِ خَيرٌ مِن عملِ ألفِ شهرٍ ليس فيها ليلةُ القَدْرِ. وأما الأقوالُ الأُخَرُ، فدعاوى معانٍ (^٢) باطلةِ، لا دلالةَ عليها من خبرٍ ولا عقلٍ، ولا هي موجودةٌ في التنزيلِ.\n\n<span id=\"aya-6129\"></span>وقولُه: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: تَنزِلُ الملائكة وجبريلُ معهم، وهو الروحُ، في ليلةِ القدرِ، ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾. يعنى: بأمرِ (^٣) ربِّهم؛ مِن كلِّ أمرٍ قضاه اللَّهُ في تلك السنةِ، من رزقٍ وأجلٍ وغيرِ ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-9943>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾. قال: يُقْضَى فيها ما يكون في السنة إلى مثلها (^٤).\nفعلى هذا القولُ منتهى الخبر وموضع الوقفِ ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾.\nوقال آخرون: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾: لا يلْقَون مؤمنًا ولا\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٣٥٠)، والطبراني (٢٧٥٤)، والحاكم ٣/ ١٧٠، ١٧١، والبيهقي في الدلائل ٦/ ٥٠٩، ٥١٠ من طريق القاسم بن الفضل به، وعند الترمذى: يوسف بن سعد، وفي بقية المصادر: يوسف بن مازن. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٧١ إلى ابن مردويه، وقال ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٦٣: منكر جدا.\n(^٢) في ص، ت ١: \"معاني\".\n(^٣) في م: \"بإذن\".\n(^٤) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"24","page":547},{"text":"مؤمنةً إلا سلَّموا عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9944>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثتُ عن يحيى بن زيادٍ الفرَّاءِ، قال: ثني أبو بكر بنُ عياشٍ، عن الكلبيُّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرأُ: (مِنْ كُلِّ امْرِيءٍ سَلَامٌ) (^١).\nوهذه القراءةُ من قرَأ بها وجَّه معنى (من كلِّ امرئٍ): مِن كُلِّ مَلَكٍ؛ كأن معناه عنده: تَنزِلُ الملائكة والروحُ فيها بإذنِ رَبِّهِم مِن كُلِّ مَلَكٍ تسليمٌ (^٢) على المؤمنين والمؤمناتِ. ولا أرى القراءةَ بها جائزةً؛ لإجماع الحجة من القرأةِ على خلافِها، وأنها خلافٌ لما في مصاحف المسلمين، وذلك أنه ليس في مصحفٍ من مصاحفِ المسلمين في قوله: ﴿أَمْرٍ﴾ ياءٌ، وإذا قُرِئت: (مِنْ كُلِّ امرئٍ) لحقتها همزةٌ، تصيرُ في الخطِّ ياءً.\nوالصواب من القولِ في ذلك القولُ الأوَّلُ الذي ذكَرناه قبلُ، على ما تأوَّله قتادةُ.\n\n<span id=\"aya-6130\"></span>وقولُه: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾: سلامٌ ليلةُ القدرِ مِن الشرِّ كلِّه؛ مِن أوَّلها إلى طلوعِ الفجرِ من ليلتها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9945>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿سَلَامٌ\n_________\n(^١) معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٨٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٧١ إلى المصنف، وهذه القراءة شاذة قرأ بها ابن عباسٍ وعكرمة والكلبي. المحتسب ٢/ ٣٦٨.\n(^٢) في م: \"يسلم\".","vol":"24","page":548},{"text":"هِيَ﴾. قال: خيرٌ، ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ﴾. أي: هي خيرٌ كلها إلى مطلعِ الفجرِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهدٍ: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. قال: مِن كلِّ أمرٍ سلامٌ.\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾. قال: ليس فيها شرٌّ (^٢)، هي خيرٌ كلُّها ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.\nحدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن عبدِ الرحمن بن أبي ليلى في قولِه: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ﴾. قال: لا يَحْدُثُ فيها أمرٌ.\nوعُنى بقوله: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾: إلى مطلَعِ الفجرِ.\nواختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾؛ فقرأت ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ، سوى يحيى بن وثَّابٍ والأعمشِ والكسائيِّ: ﴿مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ بفتحِ اللَّامِ (^٣)، بمعنى: حتى طلوعِ الفجرِ. تقولُ العربُ: طلَعتِ الشمسُ طُلوعًا ومَطْلَعًا. وقرَأ ذلك يحيى بنُ وثَّابٍ والأعمشُ والكسائيُّ: (حَتَّى مَطْلِعِ الْفَجْرِ). بكسرِ اللَّامِ (^٤)، توجيهًا منهم ذلك إلى الاكتفاء بالاسمِ من المصدرِ، وهم يَنْوُون بذلك\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٤٦.\n(^٢) في ص، م: \"شيء\".\n(^٣) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة وأبى جعفر ويعقوب. النشر ٢/ ٣٠١.\n(^٤) هي قراءة أبى رجاء والأعمش وابن وثاب وطلحة وابن محيصن والكسائي وخلف عن نفسه. الإتحاف ص ٢٧٣، والبحر المحيط ٨/ ٤٩٧.","vol":"24","page":549},{"text":"المصدرَ.\nوالصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا فتح اللَّامِ (^١)؛ لصحةِ معناه في العربية، وذلك أنَّ المطلع بالفتحِ هو الطُّلوعُ، والمطلِعَ بالكسرِ هو الموضعُ الذي يَطْلُعُ منه، ولا معنى للموضعِ الذي يَطلُعُ منه في هذا الموضع.\nآخرُ تفسير سورةِ \"القدرِ\"\n_________\n(^١) القراءتان كلتاهما صواب.","vol":"24","page":550},{"text":"﷽\n\n\n<span data-type='title' id=toc-9946>تفسيرُ سورةِ \"لم يكن\"</span>\n\n<span id=\"aya-6131\"></span><span data-type='title' id=toc-9948>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ </span>(٤)﴾.\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لم يكن هؤلاء الكفارُ من أهلِ التوراةِ والإنجيلِ والمشركون من عبدةِ الأوثانِ، ﴿مُنْفَكِّينَ﴾. يقولُ: منتهين، حتى يأتيَهم هذا القرآنُ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9947>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾. قال: لم يكونوا ليَنْتهوا حتى يتبيَّنَ لهم الحقُّ (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾. قال: منتهين عما هم فيه (^٢).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٤١، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٧٨ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٧ عن معمر به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٧٨ إلى عبد =","vol":"24","page":551},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. أي: هذا القرآنُ.\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾. قال: لم يكونوا منتهين حتى يأتيهم، ذلك المنفَكُّ.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أنَّ أهلَ الكتابِ وهم المشركون، لم يكونوا تاركين صفةً محمدٍ في كتابهم حتى بُعِث، فلما بُعِث تفرَّقوا فيه.\nوأولى الأقوال في ذلك بالصحةِ أنْ يقالَ: معنى ذلك: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين متفرقين في أمر محمدٍ، حتى تأتيهم البيِّنةُ - وهى إرسالُ اللَّهِ إيَّاه رسولا إلى خَلْقِه - رسولٌ مِن اللَّهِ.\nوقولُه: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾. في هذا الموضعِ عندى مِن انفكاكِ الشيئين أحدِهما مِن الآخرِ، ولذلك صَلَحَ بغيرِ خبرٍ، ولو كان بمعنى \"ما زال\"، احتاج إلى خبرٍ يكونُ تمامًا له.\n\n<span id=\"aya-6132\"></span>واستُؤنف قولُه: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾. وهى نكرةٌ، على (البيِّنةِ) وهى معرفةٌ، كما قيل: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ﴾ [البروج: ١٥]. فقال: حتى يأتيَهم بيانُ أمرِ محمدٍ أنه رسولُ اللَّهِ، ببَعثةِ اللَّهِ إيَّاه إليهم. ثم تَرْجَم عن البيِّنةِ، فقال: تلك البيِّنةُ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾. يقولُ: يقرأُ صحفًا مطهَّرةً مِن الباطل.\n\n<span id=\"aya-6133\"></span>﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾. يقولُ: في الصحفِ المطهرةِ كتبٌ مِن اللهِ قيِّمةٌ عادلةٌ مستقيمةٌ، ليس فيها خطأٌ؛ لأنها مِن عند اللَّهِ.\nوبنحوَ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n= ابن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":552},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9949>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾: يذكُرُ القرآنَ بأحسنِ الذكرِ، ويُثْنى عليه بأحسنِ الثناءِ (^١).\n\n<span id=\"aya-6134\"></span>وقوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. يقولُ: وما تفرَّق اليهودُ والنصارى في أمرِ محمدٍ ﷺ، فكذَّبوا به، ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. يعنى: من بعدِ ما جاءت هؤلاء اليهودَ والنصارى ﴿الْبَيِّنَةُ﴾. يعنى: بيانُ أمرِ محمدٍ أنه رسولٌ بإرسالِ اللَّهِ إيَّاه إلى خَلْقِه. يقولُ: فلما بعَثه اللَّهُ تفرَّقوا فيه، فكذَّب به بعضُهم، وآمن بعضُهم، وقد كانوا قبلَ أنْ يُبْعَثَ غيرَ مُتفرِّقين فيه أنه نبيٌّ.\n\n<span id=\"aya-6135\"></span><span data-type='title' id=toc-9950>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكره: وما أمَر اللَّهِ هؤلاء اليهودَ والنصارى الذين هم أهلُ الكتابِ، إلَّا أن يعبدوا اللَّهَ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. يقولُ: مُفْرِدين له الطاعةَ، لا يَخْلِطون طاعتَهم ربَّهم بشركٍ. فأشرَكت اليهودُ بربِّها بقولهم: إنَّ عزيرًا ابنُ اللَّهِ. والنصارى بقولهم في المسيح مثلَ ذلك، وجحودهم نبوَّةَ محمدٍ ﷺ.\nوقوله: ﴿حُنَفَاءَ﴾. وقد مضَى بيانُنا معنى \"الحنيفيِّةِ\" قبلُ بشواهدِه المُغْنيةِ عن إعادتها (^٢)، غير أنَّا نذكُرُ بعض ما لم نذكُرْ قبلُ مِن الأخبارِ في ذلك.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٧٦، وهو تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة، وليس هذا اللفظ في تفسير عبد الرزاق.\n(^٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ٥٩١ - ٥٩٥.","vol":"24","page":553},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9951>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدٍ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾. يقولُ: حُجَّاجًا مسلمين غيرَ مشركين، يقولُ: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾: ويَحُجُّوا، ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾: والحنيفيَّةُ: الختانُ، وتحريمُ الأمهاتِ والبناتِ والأخواتِ والعماتِ والخالاتِ، والمناسكُ (^١).\nوقولُه: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾. يقولُ: وليقيموا الصلاةَ، وليؤتوا الزكاةَ.\nوقولُه: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. يعنى أنَّ هذا الذي ذُكِر أنه أمَر به هؤلاء الذين كفروا من أهلِ الكتابِ والمشركين، هو الدينُ القيِّمةُ. ويعنى بالقيِّمة المستقيمةَ العادلةَ. وأُضيف \"الدينُ\" إلى \"القيِّمةِ\"، والدينُ هو القَيِّمُ، وهو من نعته؛ لاختلافِ لفظَيْهما. وهى في قراءةِ عبدِ اللَّهِ (^٢) فيما ذُكر لنا: (وذلك الدينُ الْقَيِّمَةُ) (^٣).\nوأُنِّثت ﴿الْقَيِّمَةِ﴾؛ لأنها جُعلت صفةً للملَّةِ، كأنه قيل: وذلك الملَّةُ القيِّمةُ، دونَ اليهوديةِ والنصرانيةِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٥١، ٥٥٢، وليس هذا اللفظ عند عبد الرزاق\n(^٢) بعده في م: (فيما أرى).\n(^٣) هي قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف، وينظر معاني القرآن للفراء، ٣/ ٢٨٢، والبحر المحيط ٨/ ٤٩٩.","vol":"24","page":554},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9952>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾: هو الدينُ الذي بعث اللَّهِ به رسولَه، وشرَع لنفسه، ورضِي به (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قولِه: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾، ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. قال: هو واحدٌ، قيِّمةٌ: مستقيمةٌ معتدلةٌ (^٢).\n\n<span id=\"aya-6136\"></span><span data-type='title' id=toc-9953>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ الذين كفروا باللَّهِ ورسوله محمدٍ ﷺ فجحَدوا نبوَّته، مِن اليهودِ والنصارى والمشركين، جميعهم ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: ماكثين، لابثين فيها أبدًا لا يخرجون منها ولا يموتون فيها، ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: هؤلاء الذين كفروا من أهلِ الكتابِ والمشركين، هم شرُّ مَن بَرَأه اللَّهُ وخَلَقه. والعربُ لا تَهْمِزُ البريةَ، وبتركِ الهمزِ فيها قرَأَتْها قرأةُ الأمصارِ، غيرَ شيءٍ يُذكَرُ عن نافعِ بن أبي نعيمٍ، فإنه حكَى بعضُهم عنه أنه كان يَهمِزُها (^٣)، وذهَب بها إلى قولِ اللَّهِ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]. وأنها فعيلة من ذلك. وأما الذين لم يَهْمِزُوها، فإنَّ لتركهم الهمزَ في ذلك وجهين؛ أحدُهما: أنْ يكونوا تركوا الهمزَ فيها كما تركَوه من المَلَكِ، وهو \"مَفْعَلٌ\" من:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٥١، ٥٥٢، وليس هذا اللفظ عند عبد الرزاق.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٤٧٦\n(^٣) قراءة نافع وابن ذكوان عن ابن عامر. النشر ١/ ٣١٦، ٢/ ٣٠١.","vol":"24","page":555},{"text":"أَلَك، أو لأك. ومن: يَرى، وتَرى، ونَرى. وهو \"يفعلُ\" مِن: رأيتُ. والآخرُ: أَنْ يكونوا وجَّهوها إلى أنها \"فعيلةٌ\" مِن البَرَى (^١) وهو الترابُ. حُكى عن العربِ سماعًا: بفيك (^٢) البَرَى. يعني به الترابَ.\n\n<span id=\"aya-6137\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: إنَّ الذين آمنوا باللَّهِ ورسولِه محمدٍ، وعبدوا اللَّهَ مخلصين له الدينَ حنفاءَ، وأقاموا الصلاةَ، وآتوُا الزكاةَ، وأطاعوا اللَّهَ فيما أمَر ونهى، ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾. يقولُ: مَن فعَل ذلك من الناس فهم خيرُ البريةِ.\nوقد حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا عيسى بنُ فرقدٍ، عن أبي الجارودِ، عن محمدِ بن عليٍّ: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾. فقال النبيُّ ﷺ: \"أنت يا عليُّ وشيعتُك\" (^٣).\n\n<span id=\"aya-6138\"></span><span data-type='title' id=toc-9954>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: ثواب هؤلاء الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ عندَ ربِّهم يومَ القيامةِ، ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾. يعنى: بساتينُ إقامةٍ لا ظعنَ فيها، تجرى من تحتِ أشجارِها الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. [يقولُ: ماكثين فيها أبدًا] (^٤)، لا يخرجون عنها، ولا يموتون فيها، ﴿﵃﴾ بما أطاعوه في الدنيا وعمِلوا لخلاصِهم\n_________\n(^١) في ت ١: \"البراء\".\n(^٢) في معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٨٢: \"بفيه\". وهو دعاء على الإنسان، تقول: بفيه البرى، وحمّى خيبرا، وشرٌّ ما يُرى، فإنه خيسرى. اللسان (ب رى).\n(^٣) أخرجه ابن عدى في الكامل ١/ ١٧٤، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٢/ ٣٧١ من حديث أبي سعيد الخدرى مرفوعًا بلفظ: \"على خير البرية\". قال ابن حجر في لسان الميزان ١/ ١٧٥: وهذا كذب.\n(^٤) سقط من: ت ١.","vol":"24","page":556},{"text":"مِن عقابِه في ذلك، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ لما (^١) أعطاهم مِن الثوابِ يومئذٍ على طاعتِهم ربَّهم في الدنيا، وجزاهم عليها مِن الكرامةِ.\nوقولُه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الخيرُ الذي وصفْتُه ووعدْتُه الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ يومَ القيامةِ، ﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾. يقولُ: لمن خاف اللَّهِ في الدنيا في سرِّه وعلانيتِه، فاتقاه بأداءِ فرائضِه واجتنابِ معاصيه.\nآخر تفسيرِ سورةِ \"لم يكن\"\n_________\n(^١) في م: \"بما\".","vol":"24","page":557},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-9955>تفسير سورةِ \"إذا زلزلت\"</span>\n\n<span id=\"aya-6139\"></span><span data-type='title' id=toc-9956>القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ﷻ وتقدَّسَت أسماؤُه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ لقيام الساعةِ، ﴿زِلْزَالَهَا﴾ فرُجَّت رجًّا.\nوالزَّلزالُ مصدرٌ إذا كُسِرت الزايُ، وإذا فُتِحت كان اسمًا، وأُضِيف الزلزالُ إلى الأرضِ وهو صفتُها، كما يقالُ: لأُكرمَنَّك كرامتَك. بمعنى: لأُكرمنَّك كرامةً. وحَسُن ذلك في ﴿زِلْزَالَهَا﴾، لموافقتها سائرَ (^١) رءوسِ الآياتِ التي بعدَها.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: زُلْزِلَتِ الأرضُ على عهدِ عبدِ اللَّهِ، فقال لها عبدُ اللَّهِ: مالك؟ أمَا إنها لو تكلَّمت قامتِ الساعةُ.\n\n<span id=\"aya-6140\"></span>وقولُه: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾. يقولُ: وأخرجتِ الأرضُ ما في بطنِها مِن الموتى أحياءً، والميتُ في بطنِ الأرضِ ثِقْلٌ لها، وهو فوقَ ظهرِها حيًّا ثِقلٌ عليها.\n_________\n(^١) سقط من: م، ت ١.","vol":"24","page":558},{"text":"وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9957>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ القزازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾. قال: الموتى (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾. قال: يعنى الموتى.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا (^٢) عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾: مَن في القبورِ (^٣).\n\n<span id=\"aya-6141\"></span>وقولُه: ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الناسُ إذا زُلزلتِ الأرضُ لقيام الساعة: ما لِلأرضِ (^٤) وما قصَّتُها؟ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾.\n\n<span id=\"aya-6142\"></span>كان ابنُ عباسٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثنى ابنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾. قال: الكافرُ، ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾. يقولُ: يومَئِذٍ تحدثُ الأرضُ أخبارها (١)\n_________\n(^١) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) كذا في النسخ، والصواب بدونها.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧٤٢، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨٠ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) في ص، ت ٣: \"الأرض\".","vol":"24","page":559},{"text":"وتحديثُها أخبارها على القولِ الذي ذكرناه عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، أنْ تتكلَّمَ فتقول: إنَّ اللَّهَ أَمَرنى بهذا، وأوحى إليَّ به، وأَذِن لي فيه.\n\n<span id=\"aya-6143\"></span>وأما سعيدُ بن جبيرٍ، فإنه كان يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ بن عبدِ الملك، قال: سمِعتُ سعيدَ بن جبيرٍ يقرأُ (^١) في المغربِ مرَّةً: (يَوْمَئِذٍ تُنْبِيُّ أخبارها). ومرَّةً: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ (^٢).\nفكأنَّ معنى ﴿تُحَدِّثُ﴾ كان عندَ سعيدٍ: تُنْبِئُ (^٣). وتنبيئُها أخبارَها إخراجُها أثقالَها مِن بطنِها إلى ظهرِها. وهذا قولٌ عندى صحيحُ المعنى. وتأويلُ الكلامِ على هذا المعنى: يومَئِذٍ تُبيِّنُ الأرضُ أخبارَها بالزلزلة والرَّجَّةِ، وإخراجِ الموتى مِن بطونها إلى ظهورِها، بوحيِ اللَّهِ إليها وإذنِه لها بذلك. وذلك معنى قولِه: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9958>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾: يقولُ (^٤): ﴿رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾.\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"يقولُ\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١/ ٣٥٨ عن وكيع به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨٠، إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنبارى في المصاحف. وقراءة (تنبئ) شاذة. ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٧٧.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تبين\".\n(^٤) في م: \"بأن\".","vol":"24","page":560},{"text":"قال: أمَرها فألقَتْ ما فيها وتخلَّت.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾. قال: أَمَرها (^١).\nوقد ذكر عن عبد اللَّهِ أنه كان يقرأُ ذلك: (يَوْمَئِذٍ تُنَبَّئُ (^٢) أخبارها) (^٣).\nوقيل: معنى ذلك أنَّ الأرضَ تحدِّثُ أخبارها مِن كان على ظهرها مِن أهلِ الطاعةِ والمعاصى، وما عمِلوا عليها مِن خيرِ أو شرٍّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9959>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميد، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيان: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾. قال: ما عُمِل عليها مِن خيرٍ أو شرٍّ، ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾. قال: أعلَمها ذلك.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قولِه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾. قال: ما كان فيها وعلى ظهرِها مِن أعمال العبادِ.\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾. قال: تخبرُ الناس بما عمِلوا عليها (١).\nوقيل: عُنِى بقوله: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾: أوحَى إليها.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٥٩.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"تبين\".\n(^٣) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٨٤.","vol":"24","page":561},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9960>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني ابنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾. قال: أوحى إليها (^١).\n\n<span id=\"aya-6144\"></span>وقولُه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾. قيل: إنَّ معنى هذه الكلمةِ التأخيرُ بعدَ: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾. قالوا: ووجْهُ الكلامِ: يومئذِ تحدِّثُ أخبارَها بأنَّ ربَّك أوحَى لها، ليُرَوا أعمالَهم، يومَئذٍ يصدُرُ الناسُ أشتاتًا. قالوا: ولكنه اعترض بين ذلك بهذه الكلمة.\nومعنى قولِه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾: يومَئِذٍ يصدُرُ الناسُ عن موقف الحسابِ فرقًا متفرِّقين؛ فأخذٌ ذاتَ اليمينِ إلى الجنةِ، وآخذٌ ذات الشمالِ إلى النارِ.\nوقولُه: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾. يقولُ: يومئذٍ يصدُرُ الناسُ أشتاتًا متفرِّقين، عن اليمين وعن الشمالِ، ليُرَوا أعمالَهم، فيَرى المحسنُ في الدنيا المطيعُ للهِ عملَه وما أعدَّ اللهُ له يومَئذٍ مِن الكرامةِ، على طاعته إيَّاه كانت في الدنيا، ويرى المسيءُ العاصى للهِ عملَه، وجزاء عمله، وما أعدَّ اللَّهُ له مِن الهوانِ والخزيِ في جهنمَ، على معصيته إيَّاه كانت في الدنيا، وكفره به.\n\n<span id=\"aya-6145\"></span>وقولُه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. يقولُ: فمن عمِل في الدنيا وزنَ ذرَّةٍ مِن خيرٍ، يَرَ ثوابه هنالك، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. يقولُ تعالى: ومَن كان عمل في الدنيا وزنَ ذرَّةٍ شَرًا، يَرَ جزاءَه هنالك.\n\n<span id=\"aya-6146\"></span>وقيل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾. والخبرُ عنها في الآخرةِ، لفهمِ السامعِ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٥٩.","vol":"24","page":562},{"text":"معنى ذلك؛ لما قد تقدَّم مِن الدليل قبلُ على أنَّ معناه: فمن عمل. وذلك دلالةُ قولِه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ على ذلك، ولكن لما كان مفهومًا معنى الكلامِ عندَ السامعين، وكان في قولِه: ﴿يَعْمَلْ﴾ حثٌ لأهل الدنيا على العمل بطاعةِ اللَّهِ، والزجرِ عن معاصيه، مع الذي ذكرتُ مِن دلالةِ الكلام قبلَ ذلك، على أنَّ ذلك مرادٌ به الخبر عن ماضي فعلِه، وما لهم على ذلك - أُخرج (^١) الخبرُ على وجْهِ الخبرِ عن مستقبلِ الفعلِ.\nوبنحوِ الذي قلنا مِن أنَّ جميعهم يَرَوْن أعمالهم، قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9961>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. قال: ليس مؤمنٌ ولا كافرٌ عمِل خيرًا ولا شرًّا في الدنيا، إلا آتاه اللهُ إيَّاه؛ فأما المؤمنُ فيُريه حسناته وسيئاتِه فيغفرُ اللَّهُ له سيئاتِه، وأما الكافرُ فيَرُدُّ حسناتِه ويعذِّبُه بسيئاتِه (^٢).\nوقيل في ذلك غيرُ هذا القولِ؛ فقال بعضُهم: أما المؤمنُ فيُعجِّلُ له عقوبةَ سيئاتِه في الدنيا ويؤخِّرُ له ثوابَ حسناتِه، والكافرُ يعجِّلُ له ثوابَ حسناته ويؤخِّرُ له عقوبةَ سيئاتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-9962>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني موسى بن عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا محمدُ بن بشرٌ، قال:\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إخراج\".\n(^٢) أخرجه البيهقى في البعث (٥٩) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨١ إلى ابن المنذر.","vol":"24","page":563},{"text":"حدَّثنيه محمدُ بنُ مسلمٍ الطائفيُّ، عن عمرٍو بن قتادةَ، قال: سمعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القرظيَّ وهو يفسِّرُ هذه الآيةَ: ﴿فَمَنْ (^١) يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾. قال: مَن يعملْ مثقالَ ذرَّةٍ مِن خيرٍ مِن كافرٍ، يَرَ ثوابه في الدنيا في نفسه وأهلِه ومالَه وولدِه، حتى يخرُجَ مِن الدنيا وليس له عندَه خيرٌ، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ مِن مؤمنٍ، يَرَ عقوبتَه في الدنيا في نفسِه وأهله ومالِه وولدِه، حتى يخرُجَ مِن الدنيا وليس له عندَه شيءٌ (^٢).\nحدَّثني محمودُ (^٣) بنُ خِداشٍ، قال: ثنا محمدُ بن يزيدُ الواسطيُّ، قال: ثنا محمد بنُ مسلمٍ الطائفيُّ، عن عمرٍو بن دينارٍ، قال: سألتُ محمدَ بنَ كعبٍ القرظيَّ عن هذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. قال: مَن يعمل مثقالَ ذَرَّةٍ مِن خيرٍ مِن كافرٍ، يَرَ ثوابها في نفسِه وأهلِه ومالِه، حتى يخرُجَ (^٤) وليس له خيرٌ، ومَن يعملْ مثقالَ ذَرَّةٍ مِن شَرٍّ مِن مُؤمِنٍ، يَرَ عقوبتَها في نفسِه وأهلِه ومالِه (^٥)، حتى يخرُجَ وليس له شرٌّ.\nحدَّثني أبو الخطابِ الحسانيُّ، قال: ثنا الهيثمُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا سماكُ بنُ عطيةَ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن أنسِ، قال: كان أبو بكرٍ ﵁ يأكلُ مع النبيِّ ﷺ، فنزلت هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. فرفع أبو بكرٍ يدَه، (^٦) وقال: يا رسول\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"من\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٨ عن معمر، عن عمرو بن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"محمد\". وينظر الجرح والتعديل ٨/ ٢٩١.\n(^٤) بعده في م: \"من الدنيا\".\n(^٥) بعده في ت ٢، ت ٣: (وولده).\n(^٦) بعده في م: (من الطعام).","vol":"24","page":564},{"text":"اللَّهِ، إني أُجزَى بما عملتُ مِن مثقال ذرَّةٍ مِن شرٍّ؟ فقال: \"يا أبا بكرٍ، ما رأيتَ في الدنيا مما تكْرهُ فبمثاقيلِ (^١) ذرٍّ الشرٍّ، ويَدَّخِرُ اللَّهِ لك مثاقيلَ الخير حتى تُوفَّاه يومَ القيامة\" (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، [قال: ثنا عبدُ الوهابِ] (^٣)، قال: ثنا أيوبُ، قال: وجَدنا في كتاب أبي قِلابةَ، عن أبى إدريسَ، أنَّ أبا بكرٍ كان يأكلُ مع النبيِّ ﷺ، فأُنزلت هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. قال: فرفَع أبو بكرٍ يده مِن الطعامِ، وقال: إني لراءٍ ما عمِلتَ. قال: لا أعلمُه إلا قال: ما عمِلتُ (^٤) مِن خيرٍ وشرٍّ. فقال النبيُّ ﷺ: (إنَّ ما تَرى مما تكْرَهُ فهو مثاقيلُ ذَرٍّ شرٍّ كثيرٍ، ويَدَّخِرُ اللَّهُ لك مثاقيلَ ذرِّ الخيرِ حتى تُعْطاه يومَ القيامةِ\". وتصديقُ ذلك في كتابِ اللَّهِ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (^٥) [الشورى: ٣٠].\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليه، قال: ثنا أيوبُ، قال: قرأتُ في كتاب أبي قلابةَ، قال نزلت: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وأبو بكرٍ يأكلُ (^٦)، فأمسَك وقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنى\n_________\n(^١) في م، ت ٢، ت ٣: \"فمثاقيل\".\n(^٢) ذكرُه ابنُ كثير في تفسيره ٨/ ٤٨٤ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير - والطبراني في الأوسط (٨٤٠٧) مِن طريق أبي الخطاب زياد بن يحيى به، وأخرجه البيهقي في الشعب (٩٨٠٨) مِن طريق الهيثم بن الربيع به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨٠ إلى ابن المنذر وابن مردويه والحاكم في تاريخه، وتقدم تخريجه ٢٠/ ٥١٣.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في ت ٢: \"علمت\".\n(^٥) ذكرُه ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٨٤ عن المصنف، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨١ إلى ابن مردويه.\n(^٦) بعده في م: \"مع النبي ﷺ \".","vol":"24","page":565},{"text":"لراءٍ ما عمِلتُ مِن خيرٍ أو (^١) شرٍّ؟ فقال: (أرأيتَ ما رأيتَ مما تكْرَهُ، فهو مِن مثاقيل ذرِّ الشرِّ، ويُدَّخَرُ مثاقيلُ ذرِّ الخير، حتى تُعْطَوه يومَ القيامةِ\". قال أبو إدريس: فأرَى مصداقَها في كتابِ اللَّهِ، قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (^٢).\nحدَّثني يعقوب بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، قال: قالت عائشةُ: يا رسولَ اللَّهِ، إن عبدَ اللَّهِ بنَ جُدْعانَ كان يصلُ الرحم، ويفعلُ ويفعل، هل ذاك نافعه؟ قال: \"لا، إنه لم يقُلْ يومًا: رَبِّ اغْفِرْ لى خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ\".\nحدَّثنا ابنُ وكيعٌ، قال: ثنا حفصٌ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ابنُ جُدْعانَ كان في الجاهلية يصلُ الرحمَ، ويُطعِمُ المسكينَ، فهل ذاك نافعُه؟ قال: \"لا يَنْفَعُه، إنه لم يقُلْ يومًا: رَبِّ اغْفِرْ لى خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ\" (^٣).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن داودَ، عن عامر الشعبيِّ، أنَّ عائشةَ أمَّ المؤمنين قالت: يا رسولَ اللَّهِ، إن عبد اللَّهِ بن جُدْعان كان يصلُ الرحمَ، ويَقْرِى الضيفَ، ويَفُكُّ العانىَ، فهل ذلك نافعه شيئًا؟ قال: \"لا، إنَّه لم يقُلْ يوما: رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ\".\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن داود، عن عامرٍ، عن (^٤) علقمةَ،\n_________\n(^١) في م، ت ١: \"و\".\n(^٢) ذكرُه ابنُ كثير في تفسيره ٨/ ٤٨٤ عن المصنف، وتقدم في ٢٠/ ٥١٣.\n(^٣) أخرجه أحمد ٦/ ٩٣ (الميمنية)، ومسلم (٢١٤)، وابن حبان (٣٣١) من طريق حفص بن غياث به.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"بن\".","vol":"24","page":566},{"text":"أن سلمةَ بن يزيدَ الجُعْفِيَّ، قال: يا رسولَ اللَّهِ، إن أُمَّنا هَلكتْ في الجاهلية؛ كانت تصلُ الرحمَ، وتَقْرِى الضيفَ، وتفعلُ وتفعلُ، فهل ذلك نافعها شيئًا؟ قال: \"لا\" (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمانَ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن علقمةَ بن قيسٍ، عن سلمةَ بن يزيدُ الجُعْفيِّ، قال: ذهَبْتُ أنا وأخى إلى رسول اللَّهِ ﷺ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّنا كانت في الجاهليةِ تَقْرِى الضيفَ، وتصلُ الرحمَ، هل ينفعُها عملُها ذلك شيئا؟ قال: \"لا\". (^٢).\nحدَّثني محمدُ بن إبراهيمَ بن صُدْرانَ وابنُ عبدِ الأعلى، قالا: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا داودُ بن أبى هندٍ، عن الشعبيِّ، عن علقمةَ، عن سلمةَ بن يزيدَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوه.\nحدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن [عمرو بن] (^٣) قتادةَ، عن محمدِ بن كعبٍ أنه قال: أما المؤمنُ فيرى حسناته في الآخرة، وأما الكافرُ فيرى حسناتِه في الدنيا (^٤).\nحدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا أبو نَعامةَ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ بُشيرٍ الضبيُّ - جدُّه سلمانُ (^٥) بنُ عامرٍ - أن سلمان (^٥) - بنَ عامرٍ جاء رسولَ اللَّهِ ﷺ، فقال: إنَّ أبى كان يصلُ الرَّحِمَ، ويَفِى بالذمَّةِ، ويُكرم الضيفَ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢٥/ ٢٦٨ (١٥٩٢٣) عن ابن أبي عدى به.\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٦٤٩) عن ابن المثنى به، وأخرجه الطبراني (٦٣١٩) من طريق الحجاج به، وأخرجه البخارى في تاريخه ٤/ ٧٢ من طريق معتمر به، وأخرجه ابنُ أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٤٧٤) مِن طريق داود به.\n(^٣) سقط من النسخ، والمثبت مِن تفسير عبد الرزاق، وتقدم في ص ٥٦٤.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٨٨ عن معمر به.\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"سليمان\"، وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ١١٥.","vol":"24","page":567},{"text":"قال: \"مات قبل الإسلام؟ \". قال: نعم. قال: \"لن يَنْفَعَه ذلك\". فولَّى، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"عليَّ بالشيخِ\". فجاء فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إنها لن تَنْفَعَه، ولكنَّها تكونُ في عَقِبِه، فلن يخْزَوْا أبدًا، ولن يَذلُّوا أبدًا، ولن يَفْتَقِرُوا أبدًا\" (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى وابن بشارٍ، قالا: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا عمرانُ، عن قتادةَ عن أنسٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ اللَّهِ قال: (إِنَّ الله لا يَظْلِمُ المؤمنَ حسنةً، يُثاب عليها الرزْقَ في الدنيا، ويُجْزَى بها في الآخرة، وأما الكافرُ فيُعْطِيه بها في الدنيا، فإذا كان يومُ القيامةِ لم يكن له حسنةٌ\" (^٢)\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا ليثٌ، قال: ثنى المعلَّى، عن محمدِ بن كعبٍ القرظيِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ما أَحْسَن مِن محسنٍ مؤمنٍ أو كافرٍ إلا وقع ثوابُه على اللَّهِ في عاجلِ دنياه أو آجلِ آخرتِه\" (^٣).\nحدَّثني يونس بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَنى [حُيَيُّ (^٤) ابنُ عبدِ اللَّهِ، عن أبي عبدِ] (^٥) الرحمنِ الحُبُليِّ (^٦)، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو بن العاصِ أنه قال: أُنزِلت (^٧): ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾. وأبو بكرٍ الصدِّيقُ قاعدٌ، فبكى حينَ أُنزِلت، فقال له رسولُ اللَّهِ ﷺ: (ما يُبْكيك يا أبا بكرٍ؟ \". قال: يُبْكِيني هذه السورةُ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: (لولا أنَّكم تُخْطِئونَ وتُذنبون فيَغْفِرُ اللَّهِ لكم، لخلق\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٦٢١٣) من طريق أبي عاصم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٢ إلى المصنف.\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٢١٢٣) عن عمران به، وتقدم تخريجه في ٧/ ٣٠.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٥٢٠٠) من طريق ليث به، وينظر ما تقدم في ١٢/ ٣٤٩.\n(^٤) في م: \"يحيى\". ينظر تهذيب الكمال ٧/ ٤٨٨.\n(^٥) في ت ٢: \"ابنُ عبد اللَّهِ\".\n(^٦) في ت ١ ت ٢: \"الجيلى\"، وفى ت:٢ \"الجبلى\".\n(^٧) سقط من: ص، ت ٢، ت ٣.","vol":"24","page":568},{"text":"اللَّهِ أُمَّةً يُخطئون ويُذنبون فيَغْفِرُ لهم\" (^١).\nفهذه الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ تُنْبِئ عن أن المؤمنَ إنما يَرَى عقوبةَ سيئاتِه في الدنيا وثوابَ حسناتِه في الآخرةِ، وأنَّ الكافرَ يَرَى ثوابَ حسناتِه في الدنيا وعقوبةَ سيئاتِه في الآخرةِ، وأنَّ الكافرَ لا ينفعُه في الآخرةِ ما سلَف له مِن إحسانٍ في الدنيا مع كُفْرِه.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ عليٍّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ التيميِّ، قال: أدركتُ سبعينَ مِن أصحابِ عبد اللَّهِ، أصغرُهم الحارثُ بنُ سُوَيْدٍ، فسمعتُه يقرأُ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ حتى بلَغ إلى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. قال: إنَّ هذا إحصاءٌ شديدٌ (^٢).\nوقيل: إن الدَّرَّةَ دُودةٌ حمراءُ ليس لها وزنٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9963>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني إسحاق بن وهبٍ العلَّافُ ومحمدُ بنُ سنانٍ القزَّازُ، قالا: ثنا أبو عاصمٍ. قال: ثنا شبيبٍ بن بشرٍ، عن عكرمةَ، عن ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾. قال ابنُ سنانٍ في حديثهِ: مثقالَ ذَرَّةٍ حمراءَ. وقال ابنُ وهبٍ في حديثه: نملةٍ حمراءَ. قال إسحاقُ، قال يزيدُ بن هارونَ: وزعَموا أن هذه الدودةَ الحمراءَ ليس لها وزنٌ (^٣).\nآخر تفسيرِ سورةِ \"الزلزلةِ\"\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الرقة والبكاء (٧٥)، والطبراني (٨٧) - قطعة مِن الجزء ١٣ - والبيهقي في الشعب (٧١٠٣) مِن طرق عن ابن وهب به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨٠ إلى ابن مردويه.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٤/ ١٢٧ مِن طريق أبى كريب، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ١١، وابن أبي الدنيا في الرقة والبكاء (٨٩)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ١٢٧ من طريق الأعمش به.\n(^٣) تقدم تخريجه في ٧/ ٢٩، ٣٠.","vol":"24","page":569},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-9964>تفسيرُ سورةِ \"والعاديات\"</span>\n\n<span id=\"aya-6147\"></span><span data-type='title' id=toc-9966>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدست أسماؤُه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾.</span>\nاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بالعادياتِ ضَبْحًا الخيلُ التي تعدو، وهي تُحمْحِمُ (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-9965>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدٍ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: الخيلُ. وزعم غيرُ ابن عباسٍ أنها الإبلُ (^٢).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n(^١) في ت ٢: \"تجمع\".\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٤٨٧.","vol":"24","page":570},{"text":"في قول اللَّهِ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال ابنُ عباسٍ: هو في القتالِ (^١).\nحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: هي الخيلُ (^٢).\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، قال: سُئل عكرمةُ عن قولِه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: ألم تَرَ إلى الفَرَسِ إذا جرَى كيف يَضْبَحُ.\nحدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنُ جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: ليس شيءٌ مِن الدوابِّ يَضْبَحُ غيرَ الكلبِ والفرسِ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: الخَيلُ تَضْبَحُ (^٤).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولِه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: هي الخيلُ، عَدَتْ حتى ضَبَحتْ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: هي الخيلُ تَعْدو حتى تَضْبَحَ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٣٣ من طريق آخر عن مجاهد به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى عبد بن حميد، وينظر تفسير القرطبي ٢٠/ ١٥٦.\n(^٢) ينظر تفسير البغوي ٨/ ٥٠٨.\n(^٣) ينظر تفسير ابنُ كثير ٨/ ٤٠٨.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٧٤٣، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى الفريابي وعبد بن حميد.\n(^٥) أخرج جه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٠ عن معمر به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":571},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، سفيانَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ مثلَ حديثِ بشرٌ، عن يزيدُ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا سعيدٌ (^١)، قال: سمعتُ سالمًا يقرأُ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: هي الخيلُ عَدَتْ (^٢) ضَبْحًا.\nقال: ثنا وكيعٌ عن واصلٍ عن عطاءٍ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: الخيلُ (^٣).\nقال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ بن عيينةَ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابنُ عباسٍ، قال: ما ضبَحَتْ دابةٌ قطُّ إلا كلبٌ أو فرسٌ (^٤).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: هي الخيلُ.\nحدَّثني سعيدٌ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: هي الخيلُ. [يعنى قولِه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ: هي الخيلُ] (^٥).\nوقال آخرون: هي الإبلُ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"أبو سعيد\".\n(^٢) في ص، ت ١: \"أعادت\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"أغارت\".\n(^٣) ينظر تفسير البغوي ٨/ ٥٠٧.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٠ عن ابن عيينة به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) سقط من: م.","vol":"24","page":572},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9967>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: هي الإبلُ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيم، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.\nحدَّثني عيسى بنُ عثمانَ الرمليُّ، قال: ثني عمي يحيى بنُ عيسى الرمليُّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبد اللَّهِ [مثله.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبد اللَّهِ] (^٢): ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: هي الإبلُ، إذا ضبَحَتْ تنفَّسَت.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا أبو صخرٍ، عن أبي معاويةَ البَجَليِّ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ، عن ابنُ عباسٍ، حدَّثه، قال: بينما أنا في الحِجْرِ جالسٌ، أتاني رجلٌ يسألُ عن: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. فقلتُ له: الخيلُ حينَ تُغِيرُ في سبيل اللَّهِ، ثم تأْوِى إلى الليلِ، فيصنعون طعامَهم، ويورون نارَهم، فانفتَل عنى، فذهَب إلى عليّ بن أبى طالبٍ ﵁ وهو تحتَ سِقاية زمزمَ، فسأله عن: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. فقال: سألتَ عنها أحدًا قبلى؟ قال: نعم، سألتُ عنها ابنُ عباسٍ، فقال: الخيلُ حينَ تُغِيرُ في سبيل اللَّهِ. قال: اذْهَبْ فَادْعُه لى. فلما وقفتُ على رأسِه قال: تُفْتِى الناسَ بما لا علمَ لك به، والله لكانت أوَّلَ غزوةٍ في\n_________\n(^١) أخرجه ابنُ أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٤٨٦ - من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨٣ إلى ابن المنذر.\n(^٢) سقط من: ت ١.","vol":"24","page":573},{"text":"الإسلامِ لبدرٌ، وما كان معنا إلا فرسان؛ فَرَسٌ للزبيرِ، وفَرَسٌ للمقدادِ، فكيف تكونُ العادياتُ ضَبْحًا، إنما العادياتُ ضَبْحًا مِن عرفةَ إلى مزدلفةَ إلى منًى. قال ابنُ عباسٍ: فنَزَعْتُ عن قولِى ورَجعْتُ إلى الذي قال عليٌّ ﵁ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: الإِبلِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول اللَّهِ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: قال ابنُ مسعودٍ: هو في الحجِّ (^٣).\nحدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو بن دينارٍ، عن عبيدِ بنُ عميرٍ، قال: هي الإبل، يعني: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن منصور، عن إبراهيمَ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: قال ابنُ مسعودٍ: هي الإبلُ.\nوأولى القولين في ذلك عندى بالصواب قولُ مِن قال: عُنِى بالعادياتِ الخيلُ. وذلك أن الإبلَ لا تَضْبَحُ، وإنما تَضْبَحُ الخيلُ، وقد أخبَر اللَّهُ تعالى أنها تعدو ضَبْحًا،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٤٨٦ - والثعلبي في تفسيره، وابن مردويه في تفسيره - كما في تخريج الزيلعي ٤/ ٢٦٧ - عن يونس به، وأخرجه الحاكم ٢/ ١٠٥ من طريق ابن وهب به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨٣ إلى ابن الأنباري في المصاحف.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٤٨٧.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧٤٣، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى المصنف.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسير ٢/ ٣٩٠، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":574},{"text":"والضَّبْحُ هو ما قد ذكَرْتُ قبلُ.\nوبما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9968>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهريُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن أبي صالحٍ، قال: قال عليٌّ ﵁: الضبحُ مِن الخيلِ الحَمْحَمةُ، ومن الإبلِ النَّفَسُ (^١).\nقال: ثنا سفيانُ، عن ابنُ جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: سمعتُ ابنُ عباسٍ يَصِفُ الصُّبْحَ: أَحْ أحْ (^٢).\nوقولُه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. اختلف أهلِ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: هي الخيلُ تُورِى النار بحوافرِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-9969>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عليةً، قال: ثنا أبو رجاءٍ، قال: سُئل عكرمةَ عن قولِه: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾. قال: أَوْرَتْ وقَدَحَتْ (^٣).\n\n<span id=\"aya-6148\"></span>حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾. قال: هي الخيلُ. وقال الكَلْبيُّ: تَقْدَحُ بحوافرِها حتى يخرُجَ منها النارُ (^٤).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى المصنف.\n(^٢) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) ينظر تفسير البغوي ٨/ ٥٠٨، وتفسير القرطبي ٢٠/ ١٥٦.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٠، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":575},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن واصلٍ، عن عطاءٍ: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾. قال: أَوْرَتِ النارَ بحوافرِها (^١)\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾: تُورِى الحجارةَ بحوافرِها (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أنَّ الخيلَ هِجْنَ الحربَ بين أصحابِهنَّ ورُكْبانهنَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9970>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾.\nقال: هِجْنَ الحرب بينهم وبين عدوِّهم (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾. قال: هِجْنَ الحربَ بينَهم وبينَ عدوِّهم.\nوقال آخرون: بل عُنى بذلك الذين يُورون النارَ بعدَ انصرافهم مِن الحربِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9971>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، عن أبى معاويةَ البَجَليِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: سألني عليٌّ ﵁، عن: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾. فقلتُ له: الخيلُ حينَ (^٣) تُغِيرُ في\n_________\n(^١) ينظر تفسير البغوي ٨/ ٥٠٨، وتفسير القرطبي ٢٠/ ١٥٦.\n(^٢) ينظر تفسير البغوي ٨/ ٥٠٨، وتفسير ابن كثير ٨/ ٤٨٧.\n(^٣) سقط من: م.","vol":"24","page":576},{"text":"سبيلِ اللَّهِ، ثم تأْوِى إلى الليلِ، فيصنعون (^١) طعامَهم ويُورون نارَهم (^٢).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: مكرُ الرجال.\n\n<span data-type='title' id=toc-9972>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ قَدْعا. قال: المكرُ (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾. قال: مكرُ الرجالِ (^٤).\nوقال آخرون: هي الألسنةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9973>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا يونسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ. عن سماكِ بن حربٍ، عن عكرمةَ، قال: يُقالُ في هذه الآية: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾. قال: هي الألسنةُ (^٥).\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"فيمتعون\"، وفى ت ٢، ت ٢: \"فيمنعون\".\n(^٢) تقدم تخريجه ص ٥٧٤.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٠ من طريق عطاء عن ابن عباسٍ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي عاصم.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٧٤٣، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى الفريابي وعبد بن حميد.\n(^٥) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ٣٩٦ بلفظ: \"الأسنة\"، والقرطبي في تفسيره ٢٠/ ١٥٧ بلفظ: \"هي ألسنة الرجال تورى النار مِن عظيم ما تتكلم به\".","vol":"24","page":577},{"text":"وقال آخرون: هي الإبلُ حيَن تسيرُ (^١) تَنْسِفُ بمناسمِها (^٢) الحَصَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-9974>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبد اللَّهِ: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾. قال: إذا نسفتِ الحَصَى بمناسبها، فضرب الحَصَى بعضُه بعضًا، فتخرُجُ منه النارُ (^٣).\nوأولى الأقوال في ذلك بالصوابِ أنْ يقالَ: إنَّ اللَّهِ تعالى ذكرُه أقسَم بالمورياتِ التي تُورى النيرانَ قدحًا، فالخيلُ تُورِى بحوافرِها، والناسُ يُورونها بالزَّندِ، واللسانُ مثلًا يُورى بالمنطقِ، والرجالُ يُورون بالمكرِ مثلًا، وكذلك الخيلُ تُهيِّجُ الحربَ بينَ أهلِها إذا التقَتْ في الحربِ، ولم يضعِ اللَّهِ دلالةً على أنَّ المراد مِن ذلك بعضٌ دونَ بعضٍ، فكلُّ ما أَوْرَت النارَ قدْحًا، فداخلةٌ فيما أقسَم به؛ لعمومِ ذلك بالظاهرِ.\n\n<span id=\"aya-6149\"></span>وقولُه: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فالمغيراتِ صُبْحًا على عدوِّها علانيةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-9975>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، عن أبى معاويةَ البَجَليِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنُ عباسٍ، قال: سألني رجلٌ عن ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾، فقال: الخيلُ تُغِيرُ في سبيلِ اللَّهِ (^٤).\n_________\n(^١) سقط من: ص، وفى ت:١ \"يبز\"، وفى ت ٢ ت: \"تثير\".\n(^٢) المَنسِمُ، بكسر السين: طرف خف البعير، وقيل: هو للناقة كالظفر للإنسان. اللسان (ن س م).\n(^٣) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى المصنف.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٥٧٤.","vol":"24","page":578},{"text":"حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، قال: سألتُ عكرمة عن قولِه: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾. قال: أغارَتْ على العدوِّ صُبْحًا (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾. قال: الخيلُ (^٢).\n[حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ] (^٣): ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾. قال: هي الخيلُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾. قال: أغار القومُ بعدما أصبحوا، على عدوِّهم.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾. قال: أغارت حينَ أصبَحَتْ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا، مِهْرانُ، عن سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ قال: أغار القوم حين أصبحوا.\nوقال آخرون: عُنى بذلك الإبلُ حينَ تَدْفَعُ بُرُكْبانِها (^٥) مِن جَمْعِ يومَ النحرِ إلى مِنًى.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٧١.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٤٣، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى الفريابي وعبد بن حميد.\n(^٣) في م: \"حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٠ عن معمر به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى عبد بن حميد.\n(^٥) في ت ٢، ت ٣: \"بركابها\".","vol":"24","page":579},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9976>ذكر من قال ذلك</span>\n• حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبد الله: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٢)﴾: حين يُفيضُون مِن جمعٍ (^١).\nوأولى الأقوال في ذلك بالصوابِ أنْ يُقالَ: إنَّ الله جلَّ ثناؤه أقسَم بالمغيراتِ صُبْحًا، ولم يَخْصُصْ من ذلك مُغِيرةً دونَ مُغيرةٍ، فكلُّ مُغيرةٍ صُبْحًا، فادخلةٌ فيما أقسَم به، وقد كان زيدُ بن أسلمَ يذكُرُ تفسيرَ هذه الأحرفِ ويأباها، ويقولُ: إنما هو قسمٌ أقسَم اللهُ به.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢)﴾. قال: هذا قسمٌ أقسَم اللهُ به. وفي قولِه: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾. قال: كلُّ هذا قسمٌ. قال: ولم يكنْ أبى ينظُرُ فيه إذا سُئل عنه، ولا يذكُرُه (^٢)، يريدُ به القسمَ.\n\n<span id=\"aya-6150\"></span>وقوله: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾. يقول تعالى ذكره: فرفَعْن بالوادى غُبارًا. والنَّقْعُ: الغُبارُ، ويقالُ: إنه الترابُ. والهاء في قوله ﴿بِهِ﴾ كنايةُ اسمِ الموضع، وكُنِّى عنه، ولم يَجْرِ له ذكرٌ؛ لأنَّه معلومٌ أن الغبارَ لا يُثارُ إلا من موضعٍ، فاستغنى (^٣) بفهمِ السامعين بمعناه مِن ذكرِه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى المصنف.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"يسأله\".\n(^٣) في ت ٢، ت ٣: \"فاستوى\".","vol":"24","page":580},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9977>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾. قال: الخيلُ (^١).\n• حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن واصلٍ، عن عطاء وابن زيدٍ، قال: النَّقْعُ: الغُبارُ.\n• حدثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾. قال: هي أثارت الغبارَ. يعنى الخيلَ.\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا أبو رجاءٍ، قال: سُئل عكرمةُ عن قولِه: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾. قال: أثارت الترابَ بحوافرِها.\n• حدَّثنا ابن حميد قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيد، عن قتادة: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾. قال: أثَرْن بحوافرها نقعَ الترابِ.\n• حدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة مثلَه.\n• حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾. قال: أثَرْن به غبارًا (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني أبو صخرٍ، عن أبى معاوية البجليِّ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قال لي عليٌّ: إنما\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٤٣.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٠ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":581},{"text":"العادياتُ ضَبْحًا من عرفةَ إلى المزدلفةِ، ومن المزدلفة إلى مِنًى، ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾: الأرضُ حين تطؤُها بأخفافِها وحوافرِها (^١).\n• حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾. قال: إذا سِرْن يُثِرْن الترابَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-6151\"></span>وقوله: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾. يقول تعالى ذكرُه: فوسَطن برُكْبائِهِنَّ جمعَ القومِ، يقالُ: وسَطْتُ القومَ. بالتخفيف، و: وَسَّطتُه. بالتشديد، و: توسَّطْتُه. بمعنًى واحدٍ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9978>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا أبو رجاءٍ، قال: سُئل عكرمةُ عن قوله: ﴿فَوسَطْنَ بِهِ جَمَعًا﴾. قال: جمع الكفار (^٣).\nحدثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿فَوسَطْنَ بِهِ جَمَعًا﴾. قال جمعَ القومِ.\nحدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَوسَطْنَ بِهِ جَمَعًا﴾. قال: هو جمعُ القومِ (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٥٧٤.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى المصنف.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٤٨٧.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٠ من طريق عطاء عن ابن عباس، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٨٧ عن العوفي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":582},{"text":"حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن واصلٍ، عن عطاءٍ: ﴿فَوسَطْنَ بِهِ جَمَعًا﴾. قال: جمعَ العدوِّ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿فَوسَطْنَ بِهِ جَمَعًا﴾. قال (^٢): جمع هؤلاءِ وهؤلاء (^٣).\n• حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَوسَطْنَ بِهِ جَمَعًا﴾: فوسَطن به (^٤) جمعَ القومِ.\n• حدثنا ابن حميدٍ قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿فَوسَطْنَ بِهِ جَمَعًا﴾: فوسَطن بالقوم جمع العدوِّ.\n• حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿فَوسَطْنَ بِهِ جَمَعًا﴾. قال: وسَطْن جمعَ القومِ (^٥).\nحدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿فَوسَطْنَ بِهِ جَمَعًا﴾. الجمعُ: الكتيبةُ.\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك: ﴿فَوسَطْنَ بِهِ﴾ مزدلفةَ.\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٤٨٧.\n(^٢) في ص: \"قال الحسن\".\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧٤٣.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٩٠ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى عبد بن حميد.","vol":"24","page":583},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9979>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيم، عن عبدِ الله: ﴿فَوسَطْنَ بِهِ جَمَعًا﴾. يعني: مزدلفةَ (^١).\n\n<span id=\"aya-6152\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾. يقولُ: إِنَّ الإنسانَ لكفورٌ لنِعمِ ربِّه. والأرضُ الكنودُ: التي لا تُنبِتُ شيئًا، قال الأعشى (^٢):\nأَحْدِثْ لَهَا تُحدِثْ لِوَصْلِكَ إِنَّهَا … كُنُدٌ لِوَصْل الزَّائِرِ الْمُعْتَادِ\nوقيل: إنما سُمِّيت كِندةَ؛ لقطعِها أباها (^٣).\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9980>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني عبيد الله بن يوسف الجبيريُّ، قال: ثنا محمدُ بن كثير، قال: ثنا مسلمٌ، عن مجاهد، عن ابن عباس قوله: ﴿إنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾. قال: لكفورٌ (^٤).\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾. قال: لربِّه لكفورٌ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ٢٠/ ١٦٠، وينظر البحر المحيط ٨/ ٥٠٤.\n(^٢) ديوانه ص ١٢٩.\n(^٣) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"إياها\". وينظر التاج (ك ن د).\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٧٤٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"24","page":584},{"text":"﴿إنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾. قال: لكفورٌ (^١).\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\n[حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثله] (^٢).\nحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مهديِّ بن ميمونٍ، عن شعيبِ بن الحَبْحابِ، عن الحسنِ البصريِّ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾. قال: هو الكفورُ الذي يَعُدُّ المصائبَ، ويَنْسَى نِعَمَ ربِّه (^٤).\nقال: حدثنا وكيعٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، قال: الكنودُ الكفورُ (^٥).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، قال: قال الحسنُ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾.\nيقولُ: لوَّامٌ لربِّه يَعُدُّ المصائبَ (^٦).\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٤٤، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٨٧، ومن طريقه ابن حجر في التغليق ٤/ ٣٧٥ من طريق منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى الفريابي وعبد بن حميد.\n(^٢) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧٤٤.\n(^٤) أخرجه البيهقي في الشعب (٤٦٢٩) من طريق مهدي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٥ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٤٨٨.\n(^٦) أخرجه البيهقي في الشعب (١٠٠٦١) من طريق آخر عن الحسن بنحوه.","vol":"24","page":585},{"text":"حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿لَكَنُودٌ﴾. قال: لكفورٌ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾. قال: لكفورٌ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ مثلَه.\nحدَّثنا يحيى بنُ حبيبِ بن عربي، قال: ثنا خالد بن الحارث، قال: ثنا شعبة، عن سماك أنه قال: إنما سُمِّيت كندةَ؛ أنها قَطَعت أباها، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾. قال: لكفورٌ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن جعفر بن الزبير، عن القاسمِ، عن أبي أمامةَ، قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾. قال: \"لكفورٌ، الذي يأكلُ وحدَه، ويَضْرِبُ عبدَه، ويمنعُ رِفْدَه\" (^٣).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾. قال: الكنودُ: الكفور. وقرأ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ [الحج: ٦٦] (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩١ عن معمر به، وأخرجه البيهقي في الشعب (٤٦٢٨) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة والحسن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٥ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٤٦٢٨) من طريق سعيد به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٤٨٨ - من طريق أبي كريب، وأخرجه الطبراني (٧٩٥٨) من طريق جعفر بن الزبير به، وأخرجه أيضا (٧٧٧٨) من طريق القاسم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى ابن مردويه والبيهقى وابن عساكر.\n(^٤) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٤٨٨.","vol":"24","page":586},{"text":"حدثنا الحسنُ بن عليّ بن عياشٍ، قال: ثنا أبو المغيرةِ عبدُ القدوسِ، قال: ثنا حريزُ بن عثمانَ، قال: ثنى حمزةُ بنُ هانئٍ، عن أبي أُمامةَ، أنه كان يقولُ: الكَنُودُ: الذي ينزِلُ وحدَه، ويضرِبُ عبده، ويمنعُ رِفْدَه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الضِّراريُّ (^٢)، قال: ثنا محمدُ بن سوَّارٍ، قال: أخبَرنا أبو اليقظانِ، عن سفيانَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾. قال: لوّامٌ لربِّه، يَعُدُّ المصائبَ، ويَنْسَى النِّعَمَ.\n\n<span id=\"aya-6153\"></span>وقوله: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾. يقولُ تعالى ذكره: وإنَّ الله على كُنُودِه ربَّه، ﴿لَشَهِيدٌ﴾. يعنى: لشاهدٌ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9981>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾. قال: يقولُ: إِنَّ الله على ذلك لشهيدٌ (^٣).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾: في بعض القراءاتِ: (إِنَّ الله عَلَى ذلكَ لَشَهِيدٌ) (^٤).\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٦٠) من طريق حريز بن عثمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٤ إلى عبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن مردويه.\n(^٢) في النسخ: \"الصوارى\". وقد تقدم على الصواب في ١٦/ ١٩٥، وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٤٨٢ والأنساب ٤/ ١٥، وتاريخ المصنف ٢/ ٣٨٤، ٣٨٨، ٣٨٩، ٣/ ٢٠٧.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٤) القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف، وينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٤٨٨.","vol":"24","page":587},{"text":"يقولُ: وإِنَّ الله عليه شهيدٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-6154\"></span>وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾. يقول تعالى ذكرُه: وإِنَّ الإنسانَ لِحُبِّ المالِ لشديدٌ.\nواختلف أهلُ العربيةِ في وجهِ وصفِه بالشدَّةِ لِحُبِّ المالِ؛ فقال بعضُ البصريِّين (^٢): معنى ذلك: وإنه من أجْلِ حبِّ الخيرِ لشديدٌ، أي لبخيلٌ، قال: يقالُ للبخيلِ: شديدٌ ومتشدِّدٌ. واستشهد لقوله ذلك ببيتِ طَرَفةَ بن العبدِ اليشكُرِيِّ (^٣):\nأرَى المَوْتَ يَعْتامُ النُّفُوسَ وَيَصْطَفى … عَقِيلَةَ مَالِ الباخِلِ المُتَشَدِّدِ\nوقال آخرون: معناه: وإنه لحبِّ الخيرِ لقويٌّ.\nوقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ (^٤): كان موضعُ ﴿لِحُبَّ﴾ أنْ يكونَ بعد \"شديد\"، وأنْ يضافَ \"شديد\" إليه، فيكونُ الكلام: وإنه لشديدُ حبِّ (^٥) الخيرِ. فلما تقدَّم الحب في الكلامِ، قيل: \"شديدٌ\". وحُذِف من آخرِه، لمَّا جرَى ذكرُه في أوَّلِه ولرءوسِ الآياتِ. قال: ومثلُه في سورةِ \"إبراهيمَ\": ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]. والعَصُوفُ لا يكون لليومِ، وإنما يكون للريح، فلما جرى ذكرُ الريحِ قبلَ اليوم طُرحت من آخرِه، كأنه قال: في يومٍ عاصفِ الريحِ. والله أعلم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٤٨٨.\n(^٢) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٣٠٧.\n(^٣) ديوانه ص ٣٦.\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٨٥، ٢٨٦.\n(^٥) في ص، ت،٢، ت ٣: \"لحب\".","vol":"24","page":588},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9982>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾. قال: الخيرُ: الدنيا. وقرأ: ﴿وإِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠]. قال: فقلتُ له: إن ترَك خيرًا؛ المالُ؟ فقال: نعم، وأيُّ شيءٍ هو إلا المالُ. قال: وعسى أنْ يكونَ حرامًا، ولكن الناسَ يَعُدُّونه خيرًا، فسمَّاه الله خيرًا؛ لأنَّ الناس يُسمُّونه خيرًا في الدنيا، وعسى أن يكون خبيثًا، وسُمِّي القتال في سبيلِ اللهِ سُوءًا (^١). وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤]. قال: لم يَمْسَسْهم قتالٌ. قال: وليس هو عند الله بسوءٍ، ولكن يُسَمُّونه سوءًا.\nوتأويل الكلامِ: إنَّ الإنسان لربِّه لكنودٌ، وإنه لحبِّ الخير لشديدٌ، وإنَّ الله على ذلك من أمره لشاهدٌ. ولكنَّ قولَه: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾. قُدِّم، ومعناه التأخيرُ، فجُعِل مُعْتَرَضًا بين قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾، وبين قوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9983>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾. قال: هذا من مقاديمِ الكلامِ. قال: يقولُ: إِنَّ الله لشهيدٌ أنَّ الإنسانَ لحبِّ الخير لشديدٌ (^٢).\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"سواء\".\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.","vol":"24","page":589},{"text":"<span id=\"aya-6155\"></span>وقوله: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩)﴾. يقول: أفلا يعلم هذا الإنسانُ الذي هذه صفتُه، إِذا أُثير ما في القبور، وأُخرج ما فيها من الموتى وبُحِث.\nوذُكر أنها في مصحفِ عبدِ اللهِ: (إذا بُحث ما في القبور) (^١)، وكذلك تأوَّل ذلك أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9984>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قولِه: ﴿بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾: بُحِث (^٢).\nوللعرب في ﴿بُعْثِرَ﴾ لغتان؛ تقول: بُعْثِرَ، وبُحْثِر. ومعناهما واحدٌ (^٣).\n\n<span id=\"aya-6156\"></span>وقوله: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾. يقولُ: ومُيِّز وبُيِّن، فأُبْرِز ما في صدورِ الناسِ من خيرٍ وشرٍّ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9985>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾. يقولُ: أَبْرِز (^٤).\n_________\n(^١) معاني الفراء ٣/ ٢٨٦. قال ابن خالويه: \"إذا بحثر ما في القبور. بالحاء، ابن مسعود\". وكذا قال أبو حيان. أما قراءة \"إذا بحث\" فنسباها إلى الأسود بن يزيد. مختصر الشواذ ص ١٧٨، ١٧٩، والبحر المحيط ٨/ ٥٠٥.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ١٧٥.\n(^٣) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٨٦.\n(^٤) ينظر تفسير القرطبي ٢٠/ ١٦٣، وتفسير ابن كثير ٨/ ٤٨٨.","vol":"24","page":590},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾ يقولُ: مُيِّز (١).\n\n<span id=\"aya-6157\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾. يقولُ: إِنَّ رَبَّهم بأعمالهم، وما أسرُّوا في صدورِهم، وأَضْمَروه فيها، وما أعلنوه بجوارحهم منها، عليمٌ لا يخفَى عليه منها شيءٌ، وهو مجازِيهم على جميعِ ذلك يومَئذٍ.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"والعادياتِ\"","vol":"24","page":591},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9986>تفسير سورةِ \"القارعة\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6158\"></span><span data-type='title' id=toc-9988>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: ﴿الْقَارِعَةُ﴾: الساعةُ التي يَقْرَعُ قلوبَ الناسِ هولها، وعظيمُ ما ينزِلُ بهم من البلاء عندها، وذلك صبيحة لا ليلَ بعدَها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9987>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿الْقَارِعَةُ﴾: مِن أسماء يوم القيامة، عظَّمه الله وحذَّره عبادَه (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ). قال: هي الساعةُ.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾. قال: هي الساعةُ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"24","page":592},{"text":"حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: سمعتُ أنَّ القارعة والواقعة والحاقة: القيامةُ (^١).\n\n<span id=\"aya-6159\"></span>وقولُه: ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾. يقولُ تعالى ذكره معظِّمًا شأنَ القيامةِ والساعةِ التي يَفْرَعُ العبادَ هولُها: أيُّ شيء القارعةُ. يعنى بذلك: أَيُّ شيءٍ الساعةُ التي يَقْرَعُ الخلْقَ هولُها؛ ما أعظمها وأفطَعَها وأهولها.\n\n<span id=\"aya-6160\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾. يقول تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وما أشعرك يا محمدُ أيُّ شيءٍ القارعةُ؟\n\n<span id=\"aya-6161\"></span>وقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: القارعةُ يومَ يكونُ الناسُ كالفراشِ، وهو الذي يتساقطُ في النار والسِّراجِ، ليس ببَعوضٍ ولا ذُبابٍ، ويعنى بالمبثوثِ المفرَّقَ.\nوكالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9989>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾: هذا الفراشُ الذي رأيتم يتهافتُ في النارِ (^٢).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾. قال: هذا شَبَهٌ شبَّهه اللهُ.\nوكان بعضُ أهل العربية (^٣) يقولُ: معنى ذلك: كغوغاءِ الجرادِ، يركبُ بعضُه\n_________\n(^١) ينظر التبيان ١٠/ ٣٩٩.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٨٦.","vol":"24","page":593},{"text":"بعضًا، كذلك الناسُ يومَئِذٍ يجولُ بعضُهم في بعضٍ.\n\n<span id=\"aya-6162\"></span>وقوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ويوم تكونُ الجبالُ كالصوفِ المنفوشِ. والعِهْنُ هو الألوانُ من الصوفِ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9990>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾. [قال: الصوفِ المنفوشِ] (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: هو الصوفُ (^٢).\nوذكر أن الجبال تُسيَّرُ على الأرضِ وهي في صورة الجبالِ كالهباء.\n\n<span id=\"aya-6163\"></span>وقولُه: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾. يقولُ: فأَما مَن ثَقُلَتْ موازينُ حسناتِه، يعنى بالموازين الوزنَ، والعربُ تقولَ: لك عندى درهمٌ بميزانِ درهمِك، ووزنِ درهمِك. ويقولون: دارى بميزانِ دارِك، ووزنِ دارِك. يُرادُ: حذاءُ دارِك. قال الشاعرُ (^٣):\nقد كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكُم ذَا مِرَّةٍ … عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزَانُه\nيعني بقوله: لكلِّ مخاصمٍ ميزانُه. كلامَه، وما ينقُضُ عليه حجتَه. وكان\n_________\n(^١) سقط من: ت ١.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٥ إلى عبد بن حميد.\n(^٣) البيت في معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٨٧.","vol":"24","page":594},{"text":"مجاهدٌ يقولُ: ليس ميزانٌ، إنما هو مَثَلٌ ضُرِب.\nحدَّثنا بذلك أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ (^١).\n\n<span id=\"aya-6164\"></span>﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾. يقولُ: فهو في عيشةٍ قد رَضِيها في الجنةِ.\nكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾. يعنى: في الجنةِ (^٢).\n\n<span id=\"aya-6165\"></span>وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-6166\"></span>يقولُ: وأما مَن خَفَّ وزنُ حسناتِه، فمأواه ومسكنُه الهاويةُ، التي يَهْوِى فيها على رأسه في جهنمَ.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9991>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾: وهى النارُ هي مأواهم.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَأُمُّه هاوِيَةٌ﴾. قال: مصيرُه إلى النارِ، هي الهاويةُ. قال قتادةُ: هي كلمةٌ عربيةٌ، كان الرجلُ إذا وقع في أمرٍ شديدٍ، قال: هَوَتْ أُمُّه (^٣).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في ١٠/ ٦٨، ١٦/ ٢٨٦.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٢ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":595},{"text":"حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الأشعثِ بن عبد الله الأعمى، قال: إذا مات المؤمنُ ذُهب بروحِه إلى أرواحِ المؤمنين، فيقولون: رَوِّحوا أخاكم، فإنه كان في غمِّ الدنيا. قال: ويسألونه ما فعل فلانٌ؟ فيقولُ: مات، أوَ ما جاءكم؟ فيقولون: ذهَبوا به إلى أمِّه الهاويةِ (^١).\nحدَّثني إسماعيل بن سيفٍ العجليُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ في قوله: ﴿فَأْمِّهِ هَاوِيَةٌ﴾. قال: يهوُون في النارِ على رءوسِهم (^٢).\nحدثنا ابن سيفٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ سَوَّارٍ، عن سعيد، عن قتادة: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾. قال: يهوى في النار على رأسه (^٣).\nحدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾.\nقال: الهاوية النارُ، هي أمُّه ومأواه التي يرجعُ إليها ويأوِي إليها.\nوقرَأ: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ (^٤) [آل عمران: ١٥١].\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَأُمَّهُ هَاوِيَةٌ﴾: وهو مثلُها.\nوإنما جعَل النارَ أمه؛ لأنها صارت مأواه، كما تُؤوى (^٥) المرأة ابنَها، فجعَلها إذ لم يكنْ له مأوًى غيرها له (^٦)، بمنزلة أمٍّ له.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٩٠ عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٢ عن معمر به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٥ إلى المصنف.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٤٨٩.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٩٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٥ إلى المصنف.\n(^٥) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"تأوي\".\n(^٦) سقط من: م.","vol":"24","page":596},{"text":"<span id=\"aya-6167\"></span>وقولُه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠)﴾. يقول جلَّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وما أشعرك يا محمدُ ما الهاويةُ. ثم بَيَّن ما هي، فقال: هي ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾.\n\n<span id=\"aya-6168\"></span>يعني بالحاميةِ التي قد حمِيت من الوقودِ عليها.\nآخرُ تفسير سورة \"القارعة\".","vol":"24","page":597},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9992>تفسيرُ سورةِ \"ألهاكم\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6169\"></span><span data-type='title' id=toc-9994>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكره: ألهاكم أيها الناسُ المباهاة بكثرة المالِ والعددِ عن طاعةِ ربِّكم، وعما يُنجيكم من سخطِه عليكم.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-9993>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾. قال: كانوا يقولون: نحن أكثر من بنى فلان، ونحن [أَعَدُّ من] (^١) بنى فلانٍ. وهم كلَّ يومٍ يتساقطون إلى آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلُّهم (^٢).\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾. قالوا: نحن أكثر من بنى فلانٍ، وبنو فلان أكثر من بنى فلانٍ.\n_________\n(^١) في ص، ت ١: \"أقدم\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"أعدم\"، وفى الورع: \"أعز من\". والمثبت موافق لما في تفسير ابن كثير، وأعد من: أي: أكثر عددا.\n(^٢) ذكره أحمد في كتاب الورع ص ١٨٩ عن شيبان، عن قتادة، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٩٣.","vol":"24","page":598},{"text":"ألهاهم (^١) ذلك حتى ماتوا ضلالًا (^٢).\nوروى عن النبي ﷺ كلام يدلُّ على أن معناه التكاثرُ بالمالِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9995>ذكرُ الخبر بذلك</span>\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن هشام الدَّستوائيِّ، عن قتادةَ، عن مطرفِ بن عبدِ اللَّهِ بن الشَّخِّيرِ، عن أبيه، أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو يقرأُ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾. قال: \"ابن آدمَ، ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنَيت، أو لبِستَ فأبلَيت، أو تصدَّقت فأمضَيتَ\" (^٣).\nحدَّثنا محمد بن خلفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا آدم، قال: ثنا حماد بن سلمةَ، عن ثابت البنانيِّ، عن أنس بن مالك، عن أبى بن كعب، قال: كنا نرى أن هذا الحديث من القرآن: \"لو أن لابنِ آدم واديين من مال، لتمنى واديا ثالثًا، ولا يملأُ جوفَ ابن آدم إلا الترابُ، ثم يتوبُ الله على من تاب\". حتى نزلت هذه السورة: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ إلى آخرها (^٤).\n_________\n(^١) في ص، ت ٢، ت ٣: \"ألهاكم\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٧ إلى عبد حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرجه أحمد ٢٦/ ٢٣٢، ٢٣٣ (١٦٣٠٥)، والبيهقى في الآداب (١١١٠) من طريق وكيع به، وأخرجه الطيالسي (١٢٤٤)، ومسلم (٢٩٥٨)، والطحاوى في المشكل (١٦٥٧)، وابن حبان (٣٣٢٧)، والحاكم ٢/ ٥٣٣، ٥٣٤، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٨١، والخطيب في تاريخه ١/ ٣٥٩ من طريق هشام به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٩٧)، وأحمد ٢٦/ ٢٣٣، ٢٣٤ (١٦٣٠٦)، وعبد بن حميد (٥١٣)، والترمذى (٢٣٤٢، ٢٣٥٤)، والنسائي (٣٦١٥)، والطبراني في الأوسط (٢٨٨٨)، والحاكم ٤/ ٦١ من طريق قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٦ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٤) أخرجه البخارى (٦٤٤٠) من طريق حماد بن سلمة به.","vol":"24","page":599},{"text":"وقوله ﷺ بعَقِبِ قراءتِه: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾: \"ليس لك من مالك إلا كذا وكذا\" ينبئُ أن معنى ذلك عندَه: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾: المالُ.\n\n<span id=\"aya-6170\"></span>وقوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾. يعنى: حتى صرتم إلى المقابر فدفنتم فيها. وفي هذا دليلٌ على صحة القول بعذاب القبرِ؛ لأن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء القوم الذين ألهاهم التكاثر، أنهم سيعلمون ما يلقون إذا هم زاروا القبور؛ وعيدًا منه لهم وتهدُّدًا.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9996>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، عن قيسٍ، عن حجاجٍ، عن المنهال، عن زرٍّ، عن عليٍّ، قال: كنا نشكُّ في عذاب القبر حتى نزلت هذه الآية: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ إلى ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٢)﴾؛ في عذابِ القبرِ.\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامُ بنُ سَلْم، عن عنبسةَ، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن زرٍّ، عن عليٍّ، قال: نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ في عذابِ القبرِ.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكام، عن عمرو، عن الحجاج، عن المنهال بن عمرٍو، عن زِرٍّ، عن عليٍّ، قال: ما زلنا نشكُّ في عذاب القبر حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-6171\"></span>وقوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)﴾. يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿كَلَّا﴾: ما\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٣٥٥)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٤٩٤ - من طريق حكام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٧ إلى خشيش بن أصرم في الاستقامة وابن المنذر وابن مردويه.","vol":"24","page":600},{"text":"هكذا ينبغي أن تفعلوا؛ أن يُلهِيَكم التكاثر.\nوقوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)﴾. يقول جل ثناؤه: سوف تعلمون إذا زرتم المقابر، أيُّها الذين ألهاهم التكاثرُ، غِب فعلكم واشتغالكم بالتكاثر في الدنيا عن طاعةِ ربكم (^١).\n\n<span id=\"aya-6172\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾. يقولُ: ثم ما هكذا ينبغي أن تفعلوا؛ أن يُلهِيّكم التكاثر بالأموال، وكثرة العددِ، سوف تعلمون إذا زرتم المقابر ما تلقون - إذا أنتم زرتموها - من مكروه اشتغالكم عن طاعة ربكم بالتكاثر.\nوكرَّر قوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾. مرتين؛ لأن العرب إذا أرادت التغليظَ في التخويف والتهديد، كرَّروا الكلمة مرتين.\nوروى عن الضحاك في ذلك ما حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبى سنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾. قال: الكفارُ، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾. قال: المؤمنون. وكذلك كان يقرؤها (^٢).\n\n<span id=\"aya-6173\"></span>وقوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾. يقول تعالى ذكره: ما هكذا ينبغى أن تفعلوا؛ أن يُلهيكم التكاثرُ أَيُّها الناسُ، لو تعلمون أيُّها الناسُ علمًا يقينًا أن اللَّهَ باعثكم يومَ القيامةِ من بعد مماتكم من قبوركم، ما ألهاكم التكاثر عن طاعةِ اللهِ ربِّكم، ولسارعتم إلى عبادته، والانتهاء إلى أمره ونهيه ورفض الدنيا؛ إشفاقًا على أنفسكم من عقوبته.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) بعده في م: \"الله\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٩٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٧ إلى المصنف.","vol":"24","page":601},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9997>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾: كنا نحدَّثُ أن علم اليقين أن يعلم أنَّ الله باعثُه بعد الموتِ (^١).\n\n<span id=\"aya-6174\"></span>وقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦)﴾؛ اختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامة (^٢) قرأةِ الأمصار: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦)﴾ بفتحِ التاء من: ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ في الحرفين كليهما (^٣)، وقرأ ذلك الكسائى بضم التاء من الأولى، وفتحها من الثانية (^٤).\nوالصواب عندنا في ذلك الفتحُ فيهما كِلَيهما؛ لإجماعِ الحجة عليه. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: لتَرَوُنَّ أَيُّها المشركون جهنم يومَ القيامة، ثم لتَرَوُنَّها عِيانًا لا تغيبون عنها.\n\n<span id=\"aya-6175\"></span>حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾: يعنى أهل الشرك.\n\n<span id=\"aya-6176\"></span>وقوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾. يقولُ: ثم ليسأَلَنَّكم اللهُ ﷿ عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا؛ ماذا عملتم فيه، من أينَ وصلتم إليه، وفيم أصبتموه، وماذا عملتم به؟\nواختلف أهل التأويلِ في ذلك النعيم ما هو؟ فقال بعضُهم: هو الأمنُ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٢ عن معمر، عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٧ إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) وبها قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة وأبو جعفر ويعقوب وخلف. ينظر النشر ٢/ ٣٠١.\n(^٤) وبها قرأ ابن عامر. المصدر السابق.","vol":"24","page":602},{"text":"والصحةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-9998>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عبادُ بن يعقوبَ، قال: ثنا محمد بن سليمانَ، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبيِّ، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾. قال: الأمن والصحةُ (^١).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا حفص، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن عبدِ اللَّهِ مثله (^٢).\nحدثني على بن سعيد الكندى، قال: ثنا محمد بن مروان، عن ليث، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾. قال: الأمن والصحة (^٣).\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، قال: بلغني في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾. قال: الأمنُ والصحةُ.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرانُ، عن إسماعيلَ بن عياش، عن عبد العزيز بن عبد الله، قال: سمعتُ الشعبيَّ يقولُ: النعيم المسئول عنه يوم القيامة: الأمنُ والصحة.\nقال: ثنا مهران، عن خالد الزياتِ، عن ابن أبي ليلى، عن عامرٍ الشعبيِّ، عن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله بن أحمد في زاوئد الزهد ص ١٥٧، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٤٩٧ - من طريق محمد بن سليمان به مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٤٦١٥) من طريق حفص به، وأخرجه هناد في الزهد (٦٩٤) عن حفص عن ابن أبي ليلى يرفعه إلى ابن مسعود، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ٤٠٣.","vol":"24","page":603},{"text":"ابن مسعودٍ مثله.\nقال: ثنا مهران، عن سفيان: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾. قال: الأمن والصحة.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم لَيُستَلُنَّ يومَئِذٍ عما أنعم الله به عليهم؛ مما وهب لهم من السمع والبصر وصحة البدن.\n\n<span data-type='title' id=toc-9999>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾. قال: النعيم صحة الأبدانِ والأسماع والأبصار. قال: يسأل الله العباد فيم استعملوها، وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (^١) [الإسراء: ٣٦].\nحدثني إسماعيل بن موسى الفزاريُّ، قال: أخبرنا عمر بن شاكرٍ، عن الحسنِ، قال: كان يقولُ في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾. قال: السمعُ والبصر وصحة البدنِ.\nوقال آخرون: هو العافية.\n\n<span data-type='title' id=toc-10000>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني عبادُ بنُ يعقوبَ، قال: ثنا نوحُ بنُ درَّاجٍ، عن سعد بن طريفٍ، عن أبى\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٤٦١٣) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٧، ٣٨٨ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"24","page":604},{"text":"جعفرٍ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾. قال: العافيةُ.\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك بعضُ ما يَطعمه الإنسانُ أو يشربُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-10001>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن بُكيرِ بن عتيقٍ، قال: رأيتُ سعيد بن جبير أُتِىَ بشربة عسلٍ، فشربها وقال: هذا النعيم الذي تُسْألون عنه (^١).\nحدثني على بن سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا الحسن بن بلال، قال: ثنا حماد بنُ سلمةَ، عن عَمَّارٍ (^٢) بن أبي عمار، قال: سمعت جابر بن عبدِ اللَّهِ يقولُ: أتانا النبي ﷺ وأبو بكرٍ وعمر ﵄، فأطعمناهم رطبا، وسقيناهم ماءً، فقال رسول الله ﷺ: \"هذا من النعيم الذي تُسألون عنه\" (^٣).\nحدثنا جابر بن الكُرْدى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، قال: سمعت جابر بن عبدِ اللَّهِ يقولُ: أَتانا النبي ﷺ. فذكر نحوه.\nحدثني الحسين (^٤) بن عليٍّ الصدائيُّ، قال: ثنا الوليد بن القاسم، عن يزيد بن\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في ص ٦١٠.\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت: \"عمران\". وسيأتي على الصواب في الأثر التالي.\n(^٣) أخرجه الطاليسي (١٩٠٨)، وأحمد ٢٣/ ٨، ٣٧٨ (١٤٦٣٧، ١٥٢٠٦)، والنسائي (٣٦٤١)، وأبو يعلى (١٧٩٠، ٢١٦١)، والطحاوى في المشكل (٤٧٠، ٤٧١)، وابن حبان (٣٤١١)، والبيهقى في الشعب (٤٥٩٩، ٤٦٠٠، ٥٨٧٧) من طريق حماد بن سلمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨٨ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٤) في النسخ: \"الحسن\"، وتقدم مرارًا.","vol":"24","page":605},{"text":"كيسانَ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرة، قال: بينَما أبو بكر وعمر ﵄ جالسان، إذ جاء النبي ﷺ، فقال: \"ما أجلَسكما هاهنا؟ \". [قالا: الجوع] (^١).\nقال: \"والذي بَعثني بالحقِّ، ما أخرجنى غيرُه\". فانطلقوا حتى أتَوا بيت رجلٍ من الأنصارِ، فاستقبلتهم المرأةُ، فقال لها النبي ﷺ: \"أينَ فلانٌ؟ \". فقالت: ذهَب يستعذبُ لنا ماءً. فجاء صاحبهم يحملُ قربته، فقال: مرحبا، ما زار العباد شيءٌ أفضلُ من شيءٍ زارني اليوم. فعلَّق قربته بكرب (^٢) نخلةٍ، وانطلق فجاءهم بعذقٍ، فقال النبي ﷺ: \"ألا كنتَ اجتَنَيْتَ؟ \". فقال: أحببتُ أن تكونوا الذين تختارون على أعينِكم. ثم أخذ الشَّفرةَ، فقال النبي ﷺ: \"إياكَ والحَلُوبَ\". فذبَح لهم يومئذٍ فأكَلوا، فقال النبي ﷺ: \"لتُسْألُنَّ عن هذا يوم القيامةِ، أخرَجكم من بيوتكم الجوعُ، فلم ترجِعوا حتى أصَبْتُم هذا، فهذا من النعيم\" (^٣).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن أبى بكيرٍ، قال: ثنا شيبانُ بنُ عبد الرحمن، عن عبد الملكِ بن عُمَيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ لأبي بكر وعمر: \"انطَلِقوا بنا إلى أبى الهيثم بن التَّيِّهانِ الأنصاريِ\". فأتَوه، فانطلق بهم إلى ظلِّ حديقته، فبسط لهم بساطًا، ثم انطلق إلى نخلة، فجاء بقِنْوٍ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: \"فهَلا تنقَّيتَ لنا من رُطَبِه؟ \". فقال: أردتُ أن تَخَيَّروا (^٤) من رطبه ويُسره. فأكلوا وشربوا من الماء، فلما فرَغ رسول الله ﷺ، قال: \"هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي أنتم فيه مسئولون عنه يوم القيامة، هذا الظلُّ\n_________\n(^١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) كرب النخل: أصول السعف. اللسان (ك ر ب).\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسير ٨/ ٤٩٥ عن المصنف، وأخرجه مسلم (٢٠٣٨)، وابن ماجه (٣١٨٠) مختصرًا، والبيهقى في الشعب (٤٦٠٢) من طريق يزيد بن كيسان به.\n(^٤) في ص، ت ١: \"تخير\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"تتخير\".","vol":"24","page":606},{"text":"الباردُ، والرُّطَبُ البارد، عليه الماءُ الباردُ\".\nحدثني صالح بن مسمار المروزى، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا شيبان، قال: ثنا عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ بنحوه، إلا أنه قال في حديثه: \"ظلٌ باردٌ، ورُطَبٌ باردٌ، وماء بارد\" (^١).\nحدثنا على بن عيسى البزازُ، قال: ثنا سعيد بن سليمانَ، عن حَشْرَجِ بن نباتة، قال: ثنا أبو نُصيرة (^٢)، عن أبي عَسِيبٍ مولى رسول الله ﷺ، قال: مرَّ النبي ﷺ، [ليلًا، فدعانى فخَرَجْتُ إليه، ثم مرَّ بأبى بكرٍ فدعاه فخرج إليه، ثم مرَّ بعمر، ثم انطلق رسول الله ﷺ] (^٣) حتى دخل حائطًا لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط: \"أطعمنا بسْرًا\". فجاءه بعذقٍ فوضَعه، فأكل رسول الله ﷺ وأصحابه، ثم دعا بماء باردٍ فشرب، فقال: \"لتُسْأَلُنَّ عن هذا يومَ القيامةِ\". فَأَخَذ عمرُ العِذْقَ، فضرب به الأرض حتى تناثر البسرُ، ثم قال: يا رسولَ اللهِ، إنا لمسئولون عن هذا؟ قال: \"نعم، إلا من كِسْرَةٍ يسُدُّ بها جوعَه، أو جُحرٍ يدخلُ فيه من الحرِّ والقرِّ\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٢٥٦) مختصرًا، والترمذى (٢٣٦٩)، والحاكم ٤/ ١٣١، والبيهقى في الشعب (٤٦٠٤) من طريق آدم بن أبي إياس به، وأخرجه الطحاوى في المشكل (٤٧٢)، والبيهقي في الشعب (٤٦٠٣) من طريق شيبان به، وأخرجه النَّسَائِي في الكبرى (١١٦٩٧) من طريق عبد الملك بن عمير به مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٩ إلى ابن مردويه.\n(^٢) في النسخ: \"بصيرة\". وهو مسلم بن عبيد. ينظر ترجمته في تهذيب الكمال ٣٤/ ٣٤٥.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه ابن عدى في الكامل ٢/ ٨٤٧ من طريق سعيد بن سليمان به، وأخرجه أحمد ٥/ ٨١، والطحاوى في المشكل (٤٦٨، ٤٦٩)، والبيهقى في الشعب (٤٦٠١)، وابن منده - كما في الإصابة ٧/ ٢٧٥ - وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤/ ١٣٤، ٢٩٥، ٢٩٦ من طريق حشرج بن نباتة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٩ إلى البغوي في معجمه وابن مردويه.","vol":"24","page":607},{"text":"حدَّثني سعيدُ بن عمرو السكونيُّ، قال: ثنا بقيةُ، عن حَشْرَج بن نباتة، قال: حدثني أبو نصيرة (^١)، عن أبي عسيبٍ مولى النبيِّ ﷺ، قال: مرَّ بي النبيُّ ﷺ، فدعاني فخرجتُ ومعه أبو بكرٍ وعمرُ ﵄، فدخل حائطا لبعض الأنصار، فأُتى ببسْرِ عِذْقٍ منه، فوُضع بين يديه، فأكل هو وأصحابه، ثم دعا بماءٍ بارد، فشرب، ثم قال: \"لتُسْأَلُنَّ عن هذا يوم القيامة\". فقال عمرُ: عن هذا يومَ القيامةِ؟ فقال: \"نعم، إلا من ثلاثةٍ؛ خِرْقةٍ كَفَّ بها عورته، أو كسْرةٍ سَدَّ بها جوْعته (^٢)، أو جُحرٍ يدخلُ فيه من الحَرَّ والقُرِّ\".\nحدَثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن الجُرَيريِّ، عن أبي نصيرةَ، قال: أكَل رسول الله ﷺ وناسٌ من أصحابه أكلةً من خبزِ شعيرٍ لم يُنْخَلْ، بلحمٍ سَمينٍ، ثم شرِبوا من جدولٍ، فقال: \" [هذه أكلةٌ] (^٣) من النعيمِ (^٤) تُسألون عنها (^٥) يومَ القيامة\" (^٦).\nحدَّثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا محمد بن عمرٍو، عن صفوانَ بن سليم، عن (^٧) محمود بن لبيدٍ، قال: لما نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. فقرأها حتى بلغ: ﴿لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَيذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. قالوا: يا رسول الله، عن أيِّ النعيم نُسألُ، وإنما هو الأسودان الماء والتمرُ، وسيوفنا على عواتِقنا، والعدوُّ حاضرٌ؟ قال: \"إن ذلك سيكونُ\" (^٨).\n_________\n(^١) في ص، م، ت،٢، ت:٣ \"بصيرة\"، وفي ت ١: \"نصرة\".\n(^٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جوعه\".\n(^٣) في م، ت ٢ ت: \"هذا كله\".\n(^٤) بعده في م: \"الذي\".\n(^٥) في م: \"عنه\".\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٣/ ٢٣٢، ٢٣٣ عن ابن علية به.\n(^٧) بعده في النسخ: \"محمد بن\"، والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٨) أخرجه أحمد ٥/ ٤٢٩ عن يزيد به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٣١، وهناد في الزهد (٧٦٨)، والبيهقى في الشعب (٤٥٩٨) من طريق محمد بن عمرو به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٨ إلى ابن مردويه.","vol":"24","page":608},{"text":"حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ والحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدَائيُّ، قالا: ثنا شَبَابَةُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنى عبدُ الله بن العلاء أبو زبرٍ (^١) الشاميُّ، قال: ثنا الضحاك بنُ عَرْزَمٍ، قال: سمعت أبا هريرة يقولُ: قال رسول الله ﷺ: \"إن أول ما يُسْأَلُ عنه العبد يومَ القيامةِ من النعيم أن يقال له: ألم نُصِحَّ لك جسْمَك، وتُرْوَ من الماء البارِدِ؟ \" (^٢).\nحدثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا ليثٌ، عن مجاهد، قال: قال أبو معمرٍ عبد اللهِ بن سخبرةَ: ما أصبح أحدٌ بالكوفة إلا ناعمًا؛ إن أَهْوَنَهم عيشًا الذي يأكل خبز البرِّ، ويشربُ ماءَ الفراتِ، ويستظِلُّ من الظلِّ، وذلك من النعيمِ (^٣).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن إسماعيلَ بن عياشٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن الحارث التميميِّ، عن ثابت البناني، عن النبي ﷺ، قال: \"النعيم المسئول عنه يومَ القيامةِ: كِسْرَةٌ تُقَوِّيه، وماءٌ يُرويه، وثوبٌ يُوَارِيهِ\" (^٤).\nقال: ثنا مهران، عن إسماعيل بن عياشٍ، عن بشرِ بن عبدِ اللهِ بن يَسَارٍ (^٥)، قال: سمعتُ بعض أهل يمن يقولُ: سمعت أبا أُمامةَ يقولُ: النعيم المسئول عنه يومَ القيامة: خبز البرِّ، والماءُ العذبُ.\n_________\n(^١) في النسخ: \"رزين\". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ١٥/ ٤٠٥، ٤٠٦.\n(^٢) أخرجه يحيى بن معين في تاريخه (رواية الدورى) ٣/ ١٩، وعبد بن حميد - كما في الدر المنثور ٦/ ٣٨٨ - ومن طريقه الترمذى (٣٣٥٨)، والبغوى في تفسيره ٨/ ٥١٩، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ص ٣١، والحاكم في المستدرك ٤/ ١٣٨، وفي معرفة علوم الحديث ص ١٨٧ من طريق شبابة به، وأخرجه ابن حبان (٧٣٦٤)، والبيهقي في الشعب (٤٦٠٧) من طريق عبد الله بن العلاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن مردويه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٣/ ٢٨٥، وأحمد في فضائل الصحابة (٨٨٣)، وهناد في الزهد (٦٩٩) من طريق ليث، عن مجاهد، عن عبد الله، عن علي، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٤٥ من طريق الأعمش، عن مجاهد به من قول على، وكذا عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٨ إلى المصنف.\n(^٥) في م: \"بشار\". وينظر تهذيب الكمال ٤/ ١٣٣.","vol":"24","page":609},{"text":"قال: ثنا مهرانُ، عن سفيان، عن بكير بن عتيقٍ العامري، قال: أُتي سعيد بن جبير بشربة عسل، فقال: أما إن هذا من (^١) النعيم الذي نُسأل عنه يومَ القيامةِ؛ ﴿ثُمَّ لتُسْئَلُنَّ يَوْمَيذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾.\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن بكير بن عتيق، عن سعيد بن جبير، أنه أتى بشربة عسل، فقال: هذا من النعيم الذي تُسألون عنه (^٢).\nوقال آخرون: ذلك كلُّ ما التذَّه الإنسان في الدنيا من شيءٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10002>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قولِ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. قال: عن كل شيء من لذة الدنيا (^٣).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْلُنَّ يَوْمَيذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾: إن الله ﷿ سائل كل عبد عما استَوْدَعه من نِعْمتِه وحقِّه.\nحدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَتُسْلُنَّ\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) أخرجه هناد في الزهد (٧٠٠) عن وكيع به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٣٨، وأحمد في الزهد ص ٣٧١، وهناد في الزهد (٦٩٣)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٨١ من طريق بكير به نحوه، بزيادة: أنه شربه وهو يستلذ به.\n(^٣) أخرجه الفريابي - كما في التمهيد ٢٤/ ٣٤٣ - عن ورقاء به، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٨١ من طريق ابن أبي نجيح به، وفى ٣/ ٢٩٨ من طريق ابن جريج عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٨٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":610},{"text":"يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. قال: إن الله تعالى ذكرُه سائلٌ كلَّ ذى نعمةٍ فيما أنعَم عليه.\nوكان الحسن وقتادة يقولان: ثلاثٌ لا يُسْألُ عنهن ابن آدم، وما خلاهن فيه المسألة والحساب، إلا ما شاء الله؛ كسوةٌ يوارى بها سَوْءَتَه، وكسرةٌ يشدُّ بها صلبه، وبيتٌ يُظلُّه (^١).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقال: إن الله أخبر أنه سائلٌ هؤلاء القومَ عن النعيم، ولم يخصُص في خبرِه أنه سائلهم عن نوعٍ من النعيم دون نوعٍ، بل عمَّ بالخبر في ذلك عن الجميع، فهو سائلهم كما قال عن جميع النعيم، لا عن بعض دونَ بعض.\nآخرُ تفسير سورة \"ألهاكم\"\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في كتاب الورع ص ١٨٨ من طريق معمر به مطولًا، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٣ عن معمر، عن الحسن وقتادة.","vol":"24","page":611},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10003>تفسير سورة \"والعصر\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6177\"></span><span data-type='title' id=toc-10005>القول في تأويل قوله جل ثناؤُه وتقدست أسماؤه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ </span>(٣)﴾.\nاختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿وَالْعَصْرُ﴾؛ فقال بعضهم: هو قَسَمٌ، أقسم ربنا تعالى ذكره بالدهرِ. فقال: العصر: هو الدهرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10004>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ﴾. قال: العصر: ساعةٌ من ساعات النهار.\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ، ثورٍ، عن معمر، عن الحسن: ﴿وَالْعَصْرِ﴾. قال: هو العشيُّ (^١).\nوالصوابُ من القول في ذلك أن يقال: إن ربَّنا أقسم بالعصرِ، والعصر اسمٌ للدهر، وهو العشيُّ والليل والنهارُ، ولم يخصص مما شمله هذا الاسم معنى دونَ معنى، فكل ما لزمه هذا الاسم، فداخل فيما أقسم به جلّ ثناؤه.\n\n<span id=\"aya-6178\"></span>وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾. يقول: إن ابن آدم لفى هلَكةٍ ونقصانٍ.\nوكان عليٌّ ﵁ يقرأُ ذلك: (إن الإنسانَ لفي خُسْرٍ، وإنه فيه إلى آخرِ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٤ عن معمر به.","vol":"24","page":612},{"text":"الدهرِ) (^١).\nحدثني [عبد الأعلى] (^٢) بن واصلٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ الفضل بن دكين، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرٍو ذى مُرٍّ، قال: سمعتُ عليًّا ﵁ يقرأُ هذا الحرف: (والعصر ونوائب الدهر، إن الإنسان لفي خُسْرٍ، وإنه فيه إلى آخر الدهر) (^٣).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: قتادة: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾: ففى بعض القراءاتِ (^٤): (وإنه فيه إلى آخر الدهر).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرٍو ذى مُرٍّ، أن عليا ﵁ قرأها: (والعصر ونوائب الدهر، إن الإنسان لفى خُسْرٍ).\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِي خُسْرٍ﴾: إِلا مَنْ آمَن (^٥).\n\n<span id=\"aya-6179\"></span>﴿إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقول: إلا الذين صدقوا الله ووحَّدوه، وأقرُّوا له بالطاعة (^٦)، وعملوا الصالحات، وأدَّوا ما لزمهم من فرائضه:\n_________\n(^١) القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.\n(^٢) في م: \"ابن عبد الأعلى\". وهو عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى، تهذيب الكمال ٢٣/ ١٩٧.\n(^٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٣٤ من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف.\n(^٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"القراءة\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٧٤٧، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٤.\n(^٦) في م: \"بالوحدانية والطاعة\".","vol":"24","page":613},{"text":"واجتنبوا ما نهاهم عنه من معاصيه.\nواستثنى الذين آمنوا من الإنسان؛ لأن الإنسان بمعنى الجمع، لا بمعنى الواحد.\nوقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: وأوصى بعضُهم بعضًا بلزومِ العمل بما أنزل الله في كتابه من أمره، واجتناب ما نهى عنه فيه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-10006>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾: والحقُّ كتابُ اللهِ (^١).\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمر، عن الحسن (^٢): ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾. قال: الحقُّ: كتابُ اللهِ (^٣).\nحدثني عمران بن بكّارِ الكَلاعِيُّ، قال: ثنا خطاب بنُ عثمانَ، قال: ثنا عبد الرحمن بن سنان أبو رَوْحِ السَّكوني، حِمْصي لقيتُه بِإِرْمِينِيَةَ، قال: سمعت الحسن يقولُ في: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾. قال: الحقُّ كتابُ اللهِ. وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. يقولُ: وأوصى بعضُهم بعضًا بالصبر على العمل بطاعةِ اللَّهِ.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٢ إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"قتادة\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٤ عن معمر به.","vol":"24","page":614},{"text":"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-10007>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.\nقال: الصبر: طاعة الله (^١).\nحدثني عمرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلاعيُّ، قال: ثنا خطاب بنُ عثمان، قال: ثنا عبد الرحمن بن سنان أبو رَوْح، قال: سمعت الحسن يقولُ في قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. قال: الصبر طاعةُ اللَّهِ.\nحدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسن (^٢): ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. قال: الصبر طاعة الله (١).\nآخرُ تفسير سورة \"والعصر\"\n_________\n(^١) تتمة الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.\n(^٢) في ت ٢، ت ٣: \"قتادة\".","vol":"24","page":615},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-10008>تفسير سورةِ \"ويلٌ لكلِّ همزةٍ\"</span>\n\n<span id=\"aya-6180\"></span><span data-type='title' id=toc-10010>القول في تأويل قوله جل ثناؤُه وتقدست أسماؤه: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وَيْلٌ لِّكُلَّ هُمَزَةٍ﴾: الوادى يسيل من صديدِ أهل النار وقيحهم، ﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾. يقولُ: لكلِّ مغتابٍ للناس، يغتابهم ويغُضُّهم (^١). كما قال زيادٌ الأعجم (^٢):\nتُدْلى بوُدِّى إذا لاقَيْتَنى كَذِبًا … وإن أُغَيَّبْ فأنت الهامِزُ اللُّمَزَهْ\nويعني باللمزةِ: الذي يعيبُ الناسَ، ويطعُنُ فيهم.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-10009>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا مُشَرَّفُ (^٣) بنُ أبانٍ، قال: ثنا وكيعٌ، [عن أبيه] (^٤)، عن رجلٍ لم يسمِّه، عن أبي الجوزاء، قال: قلت لابن عباس: مَنْ هؤلاء (^٥) الذين\n_________\n(^١) في ت ٢، ت ٣: \"يبغضهم\".\n(^٢) البيت في مجاز القرآن ٢/ ٣١١، وإصلاح المنطق ص ٤٢٨، وتفسير القرطبي ١٨/ ٢٣٢، ٢٠/ ١٨٢، واللسان (هـ م ز).\n(^٣) في م، ت ٢، ت ٣: \"مسروق\". وينظر ما تقدم في ٢/ ٧٣٤.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) بعده في م، ت ١: \"هم\".","vol":"24","page":616},{"text":"بدَأهم الله بالويلِ؟ قال: هم المَشَّاءون بالنميمةِ، المفرقون بين الأحبة، الباغُون أكبرَ العيب (^١).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيع، عن أبيه، عن رجل من أهل البصرةِ، عن أبي الجوزاء، قال: قلت لابن عباس: من هؤلاء الذين ندبهم الله إلى الويل؟ ثم ذكر نحوَ حديثِ مُشرَّف (^٢) بن أبانٍ.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾. قال: الهمزةُ: يأكل لحوم الناسِ، واللمزةُ: الطَّعَّانُ (^٣).\nوقد روى عن مجاهد خلافُ هذا القولِ، وهو ما حدثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾. قال: الهمزةُ: الطَّعَّانُ، واللمزةُ: الذي يأكل لحوم الناس (^٤).\nحدثنا مُشرَّفُ (^٥) بن أبانٍ الخطابُ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.\nورُوِى عنه أيضًا خلافُ هذين القولين، وهو ما حدثنا به ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾. قال: أحدُهما الذي يأكل لحوم الناسِ، والآخرُ الطَّعَّانُ.\n_________\n(^١) أخرجه هناد في الزهد (١٢١٤) عن وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٢ إلى سعيد بن منصور وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢) في النسخ: \"مسروق\".\n(^٣) أخرجه هناد في الزهد (١٢١٥) من طريق سفيان به.\n(^٤) أخرجه البيهقي في الشعب (٦٧٥٣) من طريق سفيان عن أبي يحيى عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٢ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"مسروق\".","vol":"24","page":617},{"text":"وهذا يدلُّ على أن الذي حدث بهذا الحديث قد كان أُشكل عليه تأويل الكلمتين؛ فلذلك اختلَف نقلُ الرواة عنه ما رَوَوا على ما ذكرت.\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَيْلٌ لِّكُلَّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾: أما الهمزة فآكل لحوم الناس، وأما اللمزةُ فالطَّعَّانُ عليهم.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: الهمزة: آكل لحوم الناس، واللمزةُ: الطَّعَّانُ عليهم.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن خثيم (^١)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَيْلٌ لِّكُلَّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾. قال: ويلٌ لكلِّ طعانٍ مغتاب (^٢).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: الهمزة يهمزه في وجهه، واللمزةُ (^٣) من خلفه (^٤).\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: قال: يهمزُه ويلمزه بلسانه وعينه، ويأكل لحوم الناسِ، ويطعُنُ عليهم (^٥).\nحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء (^٦)، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الهمزة باليد، واللمزةُ باللسان (^٧).\n_________\n(^١) في ت ١، ت،٢، ت ٣: \"خيثم\".\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٠١.\n(^٣) في ص، ت ١ \"لمزه\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"تلمزه\".\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٠١ من قول الربيع.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٢ إلى عبد بن حميد.\n(^٦) بعده في النسخ: \"جميعًا\".\n(^٧) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٠١.","vol":"24","page":618},{"text":"وقال آخرون في ذلك ما حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿وَيْلٌ لِّكُلَّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾. قال: الهمزةُ: الذي يهمزُ الناسَ بيدِه، ويضربهم بلسانه، واللمزةُ: الذي يلمزُهم بلسانه ويَعيبُهم (^١).\nواختُلف في المعنيِّ بقوله: ﴿وَيْلٌ لِّكُلَّ هُمَزَةٍ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِيَ بذلك رجلٌ من أهل الشرك بعينه. فقال بعضُ من قال هذا القول: هو جميل بن عامرٍ الجُمَحيُّ. وقال آخرون منهم: هو الأخنس بنُ شَرِيقٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10011>ذكرُ مَن قال: عُنِي به مشركٌ بعينه</span>\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَيْلٌ لِّكُلَّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾. قال: مشركٌ كان يلمزُ الناسَ ويَهْمِزُهم (^٢).\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن رجل من أهلِ الرَّقَّةِ، قال: نزَلَتْ في جميلِ بن عامرٍ الجُمحيِّ.\nحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء في قوله: ﴿هُمَزَة لُّمَزَةٍ﴾. قال: ليست بخاصةٍ لأحدٍ، نزلت في جميل بن عامر. قال ورقاءُ: زعَم الرقاشيُّ.\nوقال بعضُ أهل العربية (^٣): هذا من نوعِ ما تذكر العرب اسم الشيء العامِّ وهى\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٥٢٩، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٠١.\n(^٢) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ٤٠٧.\n(^٣) الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٨٩.","vol":"24","page":619},{"text":"تقصدُ به الواحد، كما يقال في الكلام، إذا قال رجلٌ لأحدٍ: لا أزورك أبدًا: كل من لم يزُرنى فلست بزائرِه. وقائلُ ذلك يقصد جواب صاحبه القائل له: لا أزورك أبدًا.\nوقال آخرون: ذلك (^١) معنيٌّ به كلُّ من كانت هذه الصفةُ صفته، ولم يُقصد به قصد آخر.\n\n<span data-type='title' id=toc-10012>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿وَيْلٌ لِّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾. قال: ليست بخاصةٍ لأحدٍ (^٢).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يقال: إن الله عمَّ بالقول كلَّ همزةٍ لمزةٍ؛ كلُّ مَن كان بالصفة التي وُصف هذا الموصوفُ بها، سبيله سبيله كائنًا ما (^٣) كان من الناس.\n\n<span id=\"aya-6181\"></span>وقوله: ﴿الَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَدَهُ﴾. يقولُ: الذي جمع مالا وأحصى عددَه، ولم ينفقه في سبيلِ اللَّهِ، ولم يُؤَدَّ حقَّ الله فيه، ولكنه جمعه فأوعاه وحفظه.\nواختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأه من قرَأةِ أهل المدينة أبو جعفرٍ، وعامةُ قرأة الكوفة سوى عاصمٍ: (جَمَّع) بالتشديد (^٤)، وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة\n_________\n(^١) في م: \"بل\".\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره، ٨/ ٥٣٠، والقرطبي في تفسيره ٢٠/ ١٨٣، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٠١.\n(^٣) في م: \"من\".\n(^٤) هي قراءة أبى جعفر وابن عامر وحمزة والكسائى وخلف وروح. النشر ٢/ ٣٠١.","vol":"24","page":620},{"text":"والحجاز سوى أبى جعفرٍ؛ وعامة قرأة البصرة، ومن الكوفة عاصم: ﴿جَمَعَ﴾ بالتخفيف (^١)، وكلُّهم مجمعون على تشديد الدال من ﴿وَعَدَدَّهُ﴾، على الوجه الذي ذكَرتُ من تأويله. وقد ذُكر عن بعض المتقدمين بإسنادٍ غير ثابتٍ، أنه قرَأه: (جمع مالًا وعَدَدَه) بتخفيف الدال (^٢)، بمعنى: جمع مالًا، وجمع عشيرته وعَدَدَه، وهذه قراءةٌ لا أستجيز القراءة بها؛ بخلافها قراءة الأمصار، وخروجها عما عليه الحجة مجمعةٌ في ذلك.\nوأما قوله: ﴿جَمَعَ مَالًا﴾: فإن التشديد والتخفيف فيهما صوابان؛ لأنهما قراءتان معروفتان في قرأة الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.\n\n<span id=\"aya-6182\"></span>وقوله: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخَلَدَهُ﴾. يقولُ: يحسب أن ماله الذي جمعه وأحصاه، وبخل بإنفاقه، مُخلِدُه في الدنيا فمزيلٌ عنه الموت! وقيل: ﴿أَخْلَدَهُ﴾. والمعنى: يُخلِدُه؛ كما يقال للرجل الذي يأتى الأمر الذي يكون سببًا لهلاكه: عَطِب والله فلانٌ، وهلك والله فلانٌ. بمعنى أنه يعطبُ من فعله ذلك، ولمَّا يهلِكْ بعدُ ولم يعطَبْ، وكالرجل يأتى الموبقة من الذنوبِ: دخل والله فلان النار.\n\n<span id=\"aya-6183\"></span>وقوله: ﴿كَلَّا﴾. يقول تعالى ذكره: ما ذلك كما ظنَّ، ليس ماله مُخلِدَه. ثم أخبر جل ثناؤُه أنه هالِكٌ ومعذَّبٌ على أفعاله ومعاصيه التي كان يأتيها في الدنيا، فقال جل ثناؤه: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾. يقولُ: ليقذفَنَّ يوم القيامة في الحطَمةِ. والحطمةُ اسمٌ من أسماءِ النارِ، كما قيل لها: جهنم، وسَقَرُ، ولَظَى. وأحسبها سمِّيت بذلك؛ لحَطْمِها كلَّ ما أُلقى فيها، كما يقال للرجل المأكولِ: الحُطَمَةُ.\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبي عمرو ورويس. النشر ٢/ ٣٠١.\n(^٢) هي قراءة الحسن. مختصر الشواذ ص ١٨٠، وإتحاف فضلاء البشر ص ٢٧٤.","vol":"24","page":621},{"text":"وذُكِر عن الحسن البصرى أنه كان يقرأُ ذلك: (لَيَنْبَذانِّ في الحُطَمَةِ). يعنى هذا الهمزةَ اللمزةَ ومالَه؛ فثنَّاه لذلك (^١).\n\n<span id=\"aya-6184\"></span>وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾. يقولُ: وأيُّ شيءٍ أشْعَرَك يا محمد ما الحطمةُ؟ ثم أخبره عنها ما هي، فقال جلَّ ثناؤُه:\n\n<span id=\"aya-6185\"></span>هي ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾. يقولُ: التي يطَّلِعُ ألمُها ووَهَجها القلوب.\n\n<span id=\"aya-6186\"></span>والاطلاعُ والبلوغُ قد يكونان بمعنًى؛ حُكى عن العرب سماعًا: متى طَلَعْتَ أرضنا؟ و: طلعت أرضى. بلغتُ.\n\n<span id=\"aya-6187\"></span>وقوله: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّوْصَدَةٌ﴾. يقول تعالى ذكرُه: إن الحطَمة التي وصفتُ صفتها، ﴿عَلَيْهِم﴾. يعنى: على هؤلاء الهمازين اللمَّازين، ﴿مُوْصَدَةٌ﴾. يعنى: مُطبقَةٌ، وهى تُهمَزُ ولا تُهمَزُ، وقد قُرئنا جميعًا (^٢).\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-10013>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طَلْقٌ، عن ابن ظهير، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس في: ﴿مُوْصَدَةٌ﴾. قال: مُطبَقَةٌ (^٣).\nحدثني عبيد بن أسباط، قال: ثني أبي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية في\n_________\n(^١) قراءة الحسن البصرى شاذة لمخالفتها رسم المصحف، وينظر إتحاف فضلاء البشر ص ٢٧٤.\n(^٢) قرأ ابن كثير وابن عامر ونافع وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي وأبو جعفر: (موصدة) بغير همز، وقرأ أبو عمرو ويعقوب وحمزة وخلف وحفص عن عاصم: مؤصدة بالهمز. النشر ١/ ٣٠٦.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٤٣٢.","vol":"24","page":622},{"text":"قوله: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّوْصَدَةٌ﴾. قال: مُطبقَةٌ (^١).\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوب، عن جعفرٍ، عن سعيد، قال: في النارِ رجلٌ، في شِعْبٍ من شعابها، ينادى مقدار ألف عام: يا حَنَّانُ يا مَنَّانُ. فيقولُ ربُّ العزَّة لجبريل: أخرج عبدى من النار. فيأتيها فيجدها مطبقةً، فيرجعُ فيقولُ: يا ربِّ، ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّوْصَدَةٌ﴾. فيقولُ: يا جبريل، فُكَّها وأخرج عبدى من النار. فيفكُّها، ويخرج مثل الخيال، فيطرحه (^٢) على ساحل الجنة حتى يُنبتَ اللهُ له شعرًا ولحما ودمًا (^٣).\nحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاء، عن الحسن في قوله: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّوْصَدَةٌ﴾. قال: مُطبقة (^٤).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن مُضَرَّسِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: سمعت الضحاك: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّوْصَدَةٌ﴾. قال: مُطبقة (^٥).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾. قال: عليهم مغلقةٌ.\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُؤْصَدَةٌ﴾: أي: مُطبَقةٌ (^٦).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٣١.\n(^٢) في م: \"فيطرح\".\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٨٥ من طريق ابن حميد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٣ إلى ابن المنذر.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٥ إلى عبد بن حميد، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٣١.\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ٤٣٣.\n(^٦) تقدم تخريجه في ص ٤٣٣.","vol":"24","page":623},{"text":"حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إنَّهَا عَلَيْهِم مُّوْصَدَةٌ﴾ قال: مُطبَقةٌ، والعرب تقول: أوصد البابَ: أغلَق.\n\n<span id=\"aya-6188\"></span>وقوله: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾. اختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأةِ المدينة والبصرة: ﴿فِي عَمَدٍ﴾ بفتح العين والميم (^١). وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة: (في عُمُدٍ) بضمِّ العين والميم (^٢).\nوالقولُ في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماء من القرأة، ولغتان صحيحتان، والعرب تجمعُ العمودَ عُمُدًا وعَمَدًا، بضمِّ الحرفين وفتحهما، وكذلك تفعلُ في جمعِ إهابٍ؛ تجمعه أُهُبًا، بضمِّ الألفِ والهاء، وأَهَبًا بفتحهما، وكذلك القضيمُ (^٣)، فبأيتهما قرأ القارئَ فمصيبٌ.\nواختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضهم: [معنى ذلك] (^٤): إنها عليهم مؤصدة بعمد ممددةٍ، أي: مغلقة مطبقة عليهم. وكذلك هو في قراءة عبدِ الله فيما بلغنا (^٥).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن قتادة: في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (إنها عليهم مؤْصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) (^٦).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: إنما دخلوا في عمدٍ، ثم مُدَّت عليهم تلك العمدُ\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب وحفص عن عاصم. النشر ٢/ ٣٠١.\n(^٢) هي قراءة عاصم في رواية أبي بكر عنه وحمزة والكسائى وخلف. المصدر السابق.\n(^٣) في م: \"القضم\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"العصم\". والقضيم: الجلد الأبيض، يجمع على قُضُم وقَضَم. اللسان (ق ض م).\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) ينظر تفسير القرطبي ٢٠/ ١٨٥ ونسب هذه القراءة ابن خالويه في الشواذ ص ١٨٠ إلى الأعمش.\n(^٦) ذكره ابن رجب في التخويف من النار ص ٨٦، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٠٢ عن قتادة به. وقراءة عبد الله شاذة لمخالفتها رسم المصحف.","vol":"24","page":624},{"text":"بعمادٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10014>ذكر من قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾. قال: أدخلهم في عمدٍ، فمُدَّت عليهم بعمادٍ، وفى أعناقهم السلاسلُ، فسُدَّت بها الأبواب (^١).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿فِي عَمَدٍ﴾: من حديدٍ مغلولين فيها، وتلك العمدُ من نارٍ، قد احترقت من النار فهى من نارٍ، ﴿مُمَدَّدَةٍ﴾ (^٢): لهم (^٣).\nوقال آخرون: هي عَمَدٌ يعذَّبون بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-10015>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾: كنا نحدَّثُ أنها عمدٌ يعذَّبون بها في النارِ (^٤).\nقال بشرٌ: قال يزيد: في قراءةِ قتادةَ: ﴿عَمَدٍ﴾.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادة: ﴿فِي عَمَدٍ\n_________\n=إلى هنا ينتهى الخرم من مخطوط جامعة القرويين (الأصل) المشار إليه في ص ٤٦٩.\n(^١) ذكره ابن رجب في التخويف من النار ص ٨٧، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٠٢ عن العوفى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٣ إلى المصنف.\n(^٢) في ص، ت ١: \"ممدودة\".\n(^٣) ذكره ابن رجب في التخويف من النار ص ٨٨.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٥ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":625},{"text":"مُمَدَّدَةٍ﴾. قال: عمودٍ يعذَّبون به في النارِ.\nوأولى هذه (^١) الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: معناه أنهم يعذَّبون بعمدٍ في النارِ. والله أعلم كيف تعذيبه إياهم بها، ولم يأتِنا خبرٌ تقومُ به الحجة بصفةِ تعذيبهم بها، ولا وُضِع لنا عليها دليلٌ، فندركَ به (^٢) صفة ذلك، فلا قول فيه غيرَ الذي قلنا يصحُّ عندنا.\nآخر تفسير سورة \"الهمزة\"\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) في الأصل: \"بها\".","vol":"24","page":626},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-10016>تفسيرُ سورةِ \"الفيلِ\"</span>\n\n<span id=\"aya-6189\"></span><span data-type='title' id=toc-10017>القولُ في تأويل قوله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾.</span>\n\nقال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ألم تنظر يا محمد بعين قلبك، فترى بها كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؛ الذين قدموا من اليمن يريدون تخريب الكعبة من الحَبَشةِ ورئيسهم أبرهةَ الأشرم الحبشيِّ؟\n\n<span id=\"aya-6190\"></span>﴿أَلَم يَجْعَل كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾. يقولُ: ألم يجعل سعيَ الحبشة أصحاب الفيل في تخريب الكعبة، ﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾. يعني: في تضليلهم عما أرادوا وحاولوا من تخريبها.\n\n<span id=\"aya-6191\"></span>وقوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. [يقولُ تعالى ذكره: وأرسل عليهم ربك طيرًا متفرِّقةً] (^١)، يتبع بعضُها بعضًا من نواحٍ شتَّى. وهي جماعٌ لا واحد لها، مثل الشماطيطِ (^٢) والعباديد (^٣) ونحو ذلك.\nوزعم أبو عُبيدة (^٤) معمرُ بنُ المثنى، أنه لم ير أحدًا يجعلُ لها واحدًا.\n_________\n(^١) في الأصل: \"متفرقين\".\n(^٢) الشماطيط: القطع المتفرقة، يقال: جاءت الخيل شماطيط. أي متفرقة أرسالًا. اللسان (ش م ط).\n(^٣) في ت ٢: \"العمايد\"، وفى ت ٣: \"العبابيد\". ويقال: صاروا عباديد وعباييد. أي: متفرقين. اللسان (ع ب د).\n(^٤) مجاز القرآن ٢/ ٣١٢.","vol":"24","page":627},{"text":"وقال الفرَّاءُ (^١): لم أسمع من العربِ في توحيدها شيئًا. قال: وزعم أبو جعفر الرُّوَاسِيُّ، وكان ثقةً، أنه سمع أن واحدها \"إيَّالةٌ\". قال: وكان الكسائيُّ يقولُ: سمِعتُ النحويين يقولون: إبَّوْلٌ. مثلَ العِجَّوْلِ. قال: وقد سمعتُ بعض النحويين يقولُ: واحدُها \"إبَّيلٌ\".\nوبنحو الذي قلنا في الأبابيل قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-10018>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلةَ، عن زرٍّ، عن عبدِ اللهِ في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: فِرَقٌ (^٢).\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا: ثنا حماد بن سلمةَ، عن عاصم، عن زرٍّ، عن عبدِ اللهِ، قال: الفِرَقُ.\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: يتبع بعضها بعضا (^٣).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: هي التي يتبَعُ بعضُها بعضًا.\n_________\n(^١) معاني القرآن ٣/ ٢٩٢.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الدلائل ١/ ١٢٣ من طريق حماد بن سلمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n• هنا بداية خرم من مخطوطة جامعة القرويين (الأصل)، ينتهى في ص ٦٤٨.\n(^٣) أخرجه البيهقي في الدلائل ١/ ١٢٣ من طريق أبي صالح به.","vol":"24","page":628},{"text":"حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داود، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارثِ بن نوفلٍ، أنه قال في: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: هي الأقاطيعُ، كالإبل المؤَبَّلةِ (^١).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: متفرقةً.\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا الفضل، عن الحسن: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: الكثيرة (^٢).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيل، عن جابر، عن ابن سابطٍ، و(^٣) عن أبي سلمةَ، قالا (^٤): الأبابيل: الزُّمَرُ (^٥).\nحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قولِ اللهِ: ﴿أَبَابِيلَ﴾. قال: هي شتَّى متتابعة مجتمعةٌ (^٦).\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: الأبابيل: الكثيرة.\nحدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قتادة، قال:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٠٨ عن المصنف.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٠٨.\n(^٣) سقط من: النسخ.\n(^٤) في ص، ت ١، ت،٢ ت: \"قال\".\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٧٤٩ من طريق شيبان عن جابر عن عبد الرحمن بن سابط وحده بلفظ: \"الكثيرة\"، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٠٨ عن أبي سلمة وحده بلفظ: الفرق.\n(^٦) تفسير مجاهد ص ٧٤٩، ومن طريقه الفريابي، كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٧٦.","vol":"24","page":629},{"text":"الأبابيل: الكثيرة (^١).\n[حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. يقولُ: متتابعة، بعضُها على أثَرِ بعض.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: الأبابيلُ: المختلفة، تأتى من هاهنا، وتأتى من هاهنا، أنتهم من كلِّ مكانٍ] (^٢).\nوذُكِر أنها كانت طيرًا خرجت (^٣) من البحر، وقال بعضهم: جاءت من قبل البحرِ.\nثم اختلفوا في صفتها؛ فقال بعضُهم: كانت بيضاءَ.\nوقال آخرون: كانت سوداءَ.\nوقال آخرون: كانت خضراء، لها خراطيمُ كخراطيم الطيرِ، وأكُفٌّ كأكفِّ الكلابِ.\nحدثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن ابن عون، عن محمد بن سيرينَ في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: قال ابن عباسٍ: هي طيرٌ، وكانت طيرًا لها خراطيمُ كخراطيمِ الطير، وأكفٌّ كأكفِّ الكلابِ.\nحدَّثني الحسن بن خلف الواسطيُّ، قال: ثنا وكيعٌ ورَوْحُ بنُ عبادةَ، عن ابن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٦ عن معمر به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٠٨.\n(^٣) في م: \"أخرجت\"، وفى ت ٢، ت: \"خرج\".","vol":"24","page":630},{"text":"عونٍ، عن ابن سيرينَ، عن ابن عباس مثله (^١).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن ابن عون، عن ابن عباس نحوه.\nحدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حُصين (^٢)، عن عكرمة في قوله: ﴿طيرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: كانت طيرًا خُضْرًا، خرجت من البحر، لها رءوسٌ كرءوس السباع (^٣).\nحدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عُميرٍ: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: هي طيرٌ سودٌ بحريةٌ، في [مناقيرها وأظافيرها] (^٤) الحجارة (^٥).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيانَ، عن عبيد بن عمير: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: سود بحرية، في أظافيرها ومناقيرها الحجارةُ.\nقال: ثنا مهرانُ، عن خارجةَ، عن عبد الله بن عون، عن ابن سيرين، عن ابن عباسٍ، قال: لها خراطيمُ كخراطيم الطيرِ، وأكفٌّ كأكفِّ الكلابِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٢٨٣ عن وكيع به، والبيهقى في الدلائل ١/ ١٢٢ من طريق ابن عون به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) في م: \"حسين\".\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٠٨ عن المصنف، وأخرجه سعيد بن منصور في تفسيره - كما في الدر المنثور ٦/ ٣٩٥ - ومن طريقه البيهقي في الدلائل ١/ ١٢٣، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٣٣٣ من طريق حصين به، وتفسير مجاهد ص ٧٥٠ من طريق خصيف عن عكرمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٥ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤) في ص: \"مناقرها وأظافرها\"، وفى م: \"مناقرها وأظفارها\"، وفى ت ١: \"مناقرها وفي أظافرها\".\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٠٨ عن المصنف.","vol":"24","page":631},{"text":"حدثنا يحيى بنُ طلحة اليربوعيُّ، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: طيرٌ خُضْرٌ، لها مناقيرُ صُفْرٌ، تختلف عليهم (^١).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير، قال: طير سود تحمل الحجارة في أظافيرها ومناقيرها (^٢).\n\n<span id=\"aya-6192\"></span>وقوله: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ترمِي هذه الطيرُ الأبابيلُ التي أرسلها الله على أصحاب الفيلِ، أصحاب الفيلِ، بحجارة من سجيلٍ.\nوقد بيَّنا معنى ﴿سِجِّيلٍ﴾ في موضعٍ غير هذا (^٣)، غير أنَّا نذكُرُ بعضَ ما قيل من ذلك في هذا الموضع، من أقوالِ مَن لم نذكره في ذلك الموضع.\n\n<span data-type='title' id=toc-10019>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿بِحِجَارَةٍ مَّن سِجِّيلٍ﴾. قال: طينٌ في حجارة (^٤).\nحدَّثني الحسين بن محمدٍ الذارعُ، قال: ثنا يزيد بن زريعٍ، قال: ثنا سعيد، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٠٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٢٨٤ عن وكيع به، وأخرجه سعيد بن منصور في تفسيره - كما في الدر المنثور ٦/ ٣٩٥ - ومن طريقه البيهقي في الدلائل ١/ ١٢٣، ١٢٤، وأبو نعيم في الدلائل (٨٨) من طريق الأعمش به، وتفسير مجاهد ص ٧٤٩ من طريق عبد الرحمن بن سابط عن عبيد بن عمير، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ١٢/ ٥٢٥ - ٥٢٩.\n(^٤) تقدم تخريجه في ١٢/ ٥٢٧.","vol":"24","page":632},{"text":"قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: من طينٍ.\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: سَنْكَ وكَلْ (^١).\nحدثني الحسين بن محمد الذارعُ، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن عمارة بن أبي حفصةَ، عن عكرمة في قوله: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: من طينٍ.\nحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن شرقيٍّ، قال: سمعتُ عكرمة يقولُ: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: سَنكَ وكِلْ (^٢).\nحدثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حصينٌ، عن عكرمةَ، قال: كانت ترميهم بحجارةٍ معها. قال: فإذا أصاب أحدهم خرج به الجُدَرِيُّ. قال: كان أولَ يوم رُئى فيه الجدريُّ. قال: لم يُرَ قبلَ ذلك اليوم ولا بعدَه (^٣).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن موسى بن أبى عائشةَ، قال: ذكر أبو الكَنُودِ، قال: دونَ الحِمَّصة وفوقَ العدسةِ.\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن موسى بن أبى\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في تغليق التعليق ٤/ ٣٧٦، ٣٧٧ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٧٧ - من طريق عكرمة به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٠٩، والحافظ في الفتح عن السدي به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٥٠ من طريق أيوب السختياني وحميد الطويل عن عكرمة.\n(^٣) يعني: لم يُرَ الطير قبل ذلك اليوم ولا بعده. كما صرح به في الحلية.\nوالأثر أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٣٣٣ من طريق حصين به.","vol":"24","page":633},{"text":"عائشة، قال: كانت الحجارة التي رُمُوا بها أكبر من العدسةِ، وأصغر من الحِمَّصةِ.\nقال: ثنا أبو أحمد الزبيريُّ، قال: ثنا إسرائيل، عن موسى بن أبى عائشةَ، عن عمرانَ مثلَه.\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: \"سجِّيلٌ\" بالفارسيةِ: سَنكَ وكَلْ؛ حَجَرٌ وطينٌ (^١).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن (^٢) ابن سابطٍ، قال: هي بالأعجمية: سَنكَ وكِلْ (١).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كانت مع كلِّ طائرٍ (^٣) ثلاثة أحجارٍ؛ حجران في رِجْلَيه وحجرٌ في منقارِه، فجعلت ترميهم بها.\nحدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: هي من طينٍ (^٤).\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، قال: هي طيرٌ بِيضٌ، خرجت من قبل البحر، مع كلِّ طيرٍ ثلاثة أحجارٍ؛ حجران في رجليه وحجرٌ في منقارِه، لا يصيب شيئًا إلا هشَمه (^٥).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث بن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٧٣ عن وكيع به.\n(^٢) سقط من: م، ت ٣.\n(^٣) في م: \"طير\".\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٦ عن معمر به، وينظر ما تقدم تخريجه في ١٢/ ٥٢٦.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٦ عن معمر به.","vol":"24","page":634},{"text":"يعقوبَ أن أباه أخبرَه أنه بلَغه أن الطير التي رمَتْ بالحجارة كانت تحملها بأفواهها، ثم إذا ألقتها نَفِط (^١) لها الجلدُ.\nوقال آخرون: معنى ذلك: ترميهم بحجارة من السماء الدنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-10020>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: السماء الدنيا. قال: والسماء الدنيا اسمها سِجِّيلٌ، وهى التي أنزل الله جل وعزَّ على قوم لوطٍ (^٢).\nقال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبى هلالٍ، أنه بلغه أن الطير التي رمَتْ بالحجارة، أنها طير تخرج من البحرِ، وأن ﴿سِجِّيلٍ﴾: السماء الدنيا.\nوهذا القولُ الذي قاله ابن زيد لا نعرفُ لصحته وجهًا في خبر ولا عقلٍ ولا لغةٍ، وأسماء الأشياء لا تُدرَكُ إلا من لغة سائرةٍ، أو خبر من الله تعالى ذكره.\nوكان السبب الذي من أجله حلَّتْ عقوبةُ اللهِ تعالى بأصحاب الفيلِ، مسيرَ أبرهة الحبشي بجنده معه الفيل إلى بيت الله الحرام لتخريبه.\nوكان الذي دعاه إلى ذلك فيما حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضلِ، قال: ثنا ابنُ إسحاق، أن أبرهة بنى كنيسةً بصنعاءَ، وكان نصرانيًّا، فسمَّاها القُلَّيْسَ. لم يُرَ مثلُها في زمانها بشيءٍ من الأرضِ، وكتب إلى النَّجاشيِّ\n_________\n(^١) قال الزمخشري: النَّفْط بلغة هذيل: الجدرى يكون بالصبيان والغنم، وقال أبو زيد: إذا كان بين الجلد واللحم ماء قيل: نَفِطَت تنفَط نفطا ونفيطا. ينظر تاج العروس (ن ف ط).\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٢/ ٥٢٧.","vol":"24","page":635},{"text":"ملك الحبشةِ: إني قد بنَيتُ لك أيُّها الملك كنيسةً لم يُبنَ مثلُها لملك كان قبلك، ولستُ بمنتَهٍ حتى أصرف إليها حاجَّ العرب. فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشيِّ، غضِب رجلٌ من النَّسَأةِ (^١) أحد بني فُقَيمٍ، ثم أحدِ بني مالك، فخرَج حتى أتى القُلَّيسَ فقعد فيها (^٢)، ثم خرج فلحق بأرضه، فأُخْبِر أبرهةُ بذلك، فقال: من صنعَ هذا؟ فقيل: صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحُجُّ العرب إليه بمكةَ، لما سمع من قولك: أصرفُ إليه حاجَّ العربِ. فغضب، فجاء فقعَد فيها، أي: إنها ليست لذلك بأهل. فغضب عند ذلك أبرهةُ، وحلف ليسيرنَّ إلى البيتِ فيهدِمُه، وعندَ أبرهة رجالٌ من العرب قد قدموا عليه يلتمسون فضله؛ منهم محمدُ بنُ خُزَاعيِّ ابن حزابة الذَّكوانيُّ، ثم السُّلَميُّ، في نفر من قومه، معه أخٌ له يقال له: قيسُ بنُ خُزاعيٍّ. فبينما هم عندَه، غَشِيَهم عيدٌ لأبرهة، فبعث إليهم فيه بغذائه، وكان يأكلُ الخُصَى، فلما أتى القومَ بغذائه، قالوا: والله لئن أكلنا هذا لا تزال تسبُّنا به العرب ما بقِينا. فقام محمدُ بنُ خُزاعيٍّ، فجاء أبرهة فقال: أيها الملك، إن هذا يوم عيدٍ لنا، لا نأكل فيه إلا الجنوب والأيدى. فقال له أبرهةُ: فسنبعثُ إليكم ما أحبَبْتم، فإنما أكرمتكم بغذائى لمنزلتكم عندى.\nثم إن أبرهة توَّج محمد بن خُزَاعِيٍّ، وأمَّره على مضَرَ، وأمره أن يسير في الناسِ، يدعوهم إلى حجِّ القُلَّيْسِ؛ كنيسته التي بناها، فسار محمد بن خزاعيٍّ، حتى إذا نزل ببعض أرضِ بني كنانةَ - وقد بلغ أهلَ تِهامةَ أمرُه وما جاء له - بعَثوا إليه رجلًا من هُذَيلٍ يقال له: عُرُوةُ بنُ حياضٍ الملاصيُّ. فرماه بسهمٍ فقتله، وكان مع\n_________\n(^١) رجل ناسئ وقوم نسأة، وذلك أنهم كانوا يكرهون أن يتوالى ثلاثة أشهر حرم لا يغيرون فيها؛ لأن معاشهم كان من الغارة، فيحل لهم شهر المحرم، فذلك الإنساء. ينظر اللسان (ن س أ).\n(^٢) قال ابن هشام: يعنى أحدث فيها. سيرة ابن هشام ١/ ٤٥.","vol":"24","page":636},{"text":"محمدِ بن خُزاعيٍّ أخوه قيسُ بنُ خُزاعيٍّ، فهرَب حينَ قُتل أخوه، فلحق بأبرهةَ، فأخبره بقتله، فزاد ذلك أبرهة غضبًا وحَنَقًا، وحلف ليغزوَنَّ بني كنانة، وليهدمنَّ البيت.\nثم إن أبرهةَ حينَ أجمع السير إلى البيتِ، أمر الحبشان فتهيَّأت وتجهَّزت، وخرَج معه بالفيلِ، وسمعت العرب بذلك، فأعظموه وفَظِعوا به (^١)، ورأوا جهادَه حقًّا عليهم حين سمعوا أنه يريدُ هدم الكعبة بيت الله الحرام، فخرج رجلٌ كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له: ذو نَفْرٍ. فدعا قومَه ومَن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهادِه عن بيت الله وما يريدُ من هدمه وإخرابه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، وعَرَض له وقاتله، فهُزِم وتفرَّق أصحابه، وأُخِذ له ذو نَفْرٍ أسيرًا، [فأُتِيَ به] (^٢)، فلما أراد قتله قال له (^٣) ذو نَفْرٍ: أَيُّها الملك، لا تقتُلْنى؛ فإنه عسى أن يكونَ بقائى معك خيرًا لك من قتلى. فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاقٍ، وكان أبرهة رجلا حليمًا.\nثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريدُ ما خرَج له، حتى إذا كان بأرضِ خثعمٍ، عرَضَ له نُفَيلُ بنُ حبيب الخثعميُّ في قبيلى خثعمٍ؛ شَهران وناهس، ومَن تَبعه (^٤) من قبائل العرب، فقاتله، فهزَمه أبرهةُ، وأخذ له أسيرًا، فأتى به، فلما همَّ بقتله قال له نفيلٌ: أيُّها الملكُ، لا تقتلنى، فإنى دليلك بأرض العرب، وهاتان يداى لك على قبيلَي خثعمٍ؛ شهرانَ وناهسٍ، بالسمع والطاعة. فأعفاه وخلَّى سبيله، وخرج به\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت: \"بها\".\n(^٢) سقط من: م، وبعده في ت ١: \"إليه\".\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) في م، ت ٢ ت ٣: \"معه\".","vol":"24","page":637},{"text":"معه يدله على الطريق، حتى إذا مرَّ بالطائف، خرج إليه مسعودُ بنُ مُعَتِّبٍ في رجالِ ثقيفٍ، فقال: أيُّها الملك، إنما نحن عبيدُك، سامعون لك مطيعون، ليس لك عندَنا خلافٌ، وليس بيتُنا هذا بالبيت الذي تريدُ - يعنون اللاتَ - إنما تريدُ البيت الذي بمكة - يعنون الكعبةَ - ونحن نبعث معك مَن يَدُلُّك. فتجاوَزَ عنهم، وبعثوا معه (^١) أبا رِغالٍ، فخرج أبرهةُ ومعه أبو رغالٍ، حتى أنزله المُغَمِّسَ، فلما أنزله به مات أبو رغالٍ هنالك، فرجمت العرب قبرَه، فهو القبرُ الذي يرجمُ الناسُ بالمغمِّسِ.\nولما نزل أبرهة المغمِّسَ، بعث رجلا من الحبشة يقال له: الأسودُ بنُ مقصودٍ. على خيلٍ له حتى انتهى إلى مكةَ، فساق إليه أموالَ أهلِ مكةَ من قريش وغيرهم، وأصاب منها (^٢) مائتى بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، وهمت قريش وكنانة وهُذَيْلٌ ومن كان (^٣) بالحرم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به فتركوا ذلك، وبعَث أبرهة حناطة الحميريَّ إلى مكة، وقال له: سَلْ عن سيد هذا البلد وشريفهم، ثم قل له: إن الملكَ يقول لكم: إني لم آتِ لحربِكم، إنما جئتُ لهدم البيتِ، فإن لم تَعَرَّضُوا دونه بحربٍ فلا حاجة لي بدمائِكم، فإن لم يُرِدْ حربى فأتنى به.\nفلما دخل حناطة مكة، سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له (^٤): عبد المطلب بن هاشم بن عبدِ منافِ بن قُصَيٍّ. فجاءه فقال له ما أمره به أبرهةُ، فقال له عبدُ المطلب: والله ما نريد حربَه، وما لنا بذلك من طاقةٍ، هذا بيتُ الله الحرام،\n_________\n(^١) في م: \"معهم\".\n(^٢) في م، ت ١، ت ٢ ت ٣: \"فيها\".\n(^٣) بعده في م: \"معهم\"، وبعده في ت ١: \"معها\".\n(^٤) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣.","vol":"24","page":638},{"text":"وبيت خليله إبراهيم ﵇ أو كما قال - فإن يمنَعه فهو بيتُه وحَرَمُه، وإن يُخَلِّ بينه وبينه فوالله ما عندنا [من دفعٍ] (^١) عنه. أو كما قال له (^٢)، فقال له حناطة: فانطلق إلى الملكِ، فإنه قد أمرنى أن آتيَه بك. فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعضُ بنيه، حتى أتى العسكر، فسأل عن ذى نَفْرٍ، وكان له صديقا، فَدُلَّ عليه، فجاءه وهو في محبسه، فقال: يا ذا نَفْرٍ، هل عندك غناء فيما نزَل بنا؟ فقال له ذو نَفْر (^٣): وما غَناءُ رجل أسير بيدَى (^٤) ملك، ينتظر أن يقتُلَه غُدُوًّا أو عشيًّا؟! ما عندى غناء في شيءٍ مما نزل بك، إلا أن أنيسًا سائس (^٥) الفيل لي صديق، فسأرسل إليه فأوصيه بك، وأُعظِّم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما تريدُ، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك. قال: حسبى. فبعث ذو نَفْرٍ إلى أُنيس، فجاء به، فقال: يا أنيس، إن عبد المطلب سيد قريشٍ، وصاحب عمر مكة، يُطعم الناس بالسهل، والوحوش في رءوس الجبال، وقد أصاب الملك له مائتى بعيرٍ، فاستأذن له عليه، وانفعه عندَه بما استطعت. فقال: أفعلُ.\nفكلم أُنيسٌ أبرهة، فقال: أيها الملك، هذا سيد قريش بيابك يستأذن عليك، وهو صاحب غير مكةَ، يُطعم الناس بالسهل، والوحوش في رءوس الجبال، فأذن له عليك، فليكلمك بحاجتِه، وأحسن إليه. قال: فأذن له أبرهةُ، وكان عبد المطلب رجلًا عظيما وسيمًا جسيما، فلما رآه أبرهه أجله وأكرمه أن يجلس تحته، وكره أن تراه الحبشة يُجلسه معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على\n_________\n(^١) في م: \"له من دافع\".\n(^٢) سقط من: م.\n(^٣) بعده في ص، م، ت ٢، ت ٣: \"وكان له صديقا\".\n(^٤) في م: \"في يدى\".\n(^٥) في م، ت ١: \"سائق\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"سائقين\".","vol":"24","page":639},{"text":"بساطه، وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لتُرجمانه: قل له: ما حاجتك إلى الملكِ؟ فقال له ذلك التُّرجُمان، فقال له عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يردَّ عليَّ مائتي بعيرٍ أصابها لي. فلما قال له ذلك قال أبرهة لتُرجُمانه: قل له: قد كنتَ أعجبتني حين رأيتك، ثم زَهِدتُ فيك حين كلَّمتَني؛ أتكلمنى في مائتى بعير أصَبتُها لك، وتترك بيتًا هو دينُك ودين آبائك، قد جئتُ لهدمه فلا تكلِّمُني فيه؟! قال له عبد المطلب: إنى أنا رب الإبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه. قال: ما كان ليُمْنَعَ منى. قال: أنت وذاك (^١)، اردُدْ إليَّ إبلى.\nوكان فيما زعَم بعضُ أهل العلم قد ذهَب مع (^٢) عبد المطلب إلى أبرهة حين بعَث إليه حُناطةَ - يَعْمَرُ (^٣) بنُ نُفَاثَةَ بن علي بن الدُّئِلِ بن بكرِ بن عبدِ مناةِ (^٤) بن كنانةَ، وهو يومئذ سيِّدُ كنانةَ، وخُويلد بن وائلةَ الهُذَليُّ، وهو يومَئِذٍ سيدُ هذيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامةَ، على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت، فأتى عليهم، والله أعلم.\nوكان أبرهة قد ردَّ على عبد المطلب الإبل التي أصاب له، فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكةَ، والتحرُّزِ في شَعَفِ (^٥) الجبال والشعاب؛ تخوُّفًا عليهم من [مَعَرَّةِ الجيش] (^٦)، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحَلْقَةِ البابِ؛ باب الكعبة، وقام معه نفرٌ من قريش يدعُون اللَّهَ ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذٌ بحَلْقة باب الكعبة:\n_________\n(^١) بعده في ص، ت ١، ت، ت ٣: \"أعلم\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وتاريخ المصنف.\n(^٣) في ص، ت ١، ت،٢، ت،٣، وتاريخ المصنف: \"بعمرو\"، والمثبت موافق لما في جمهرة أنساب العرب ص ١٨٤، والإكمال لابن ماكولا ٧/ ٤٣٣، وسيرة ابن هشام ١/ ٥٠، والبداية والنهاية ٣/ ١٤٥.\n(^٤) في م: \"مناف\". وينظر المصادر السابقة.\n(^٥) الشَّعَفة: رأس الجبل. جمعها: شَعَف وشُعوف وشِعاف وشَعَفات. التاج (ش ع ف).\n(^٦) في ت ١: \"مغير الحبشة\"، وفى ت ٢، ت ٣: \"مغيرة الجيش\".","vol":"24","page":640},{"text":"يا رَبِّ لا أَرْجُو لهم سواكا\nيا رَبِّ فَامْنَعْ مِنهُمُ حِماكا\nإن عدوَّ البيتِ مَنْ عاداكا\nامنعهم أَنْ يُخْرِبوا قُرَاكا\nوقال أيضًا:\nلا هُمَّ إِنَّ العبد يمـ … نَعُ رَحْلَهُ فامنَعْ حِلالك\nلا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ … ومحالُهم غَدْوًا مِحالَكْ\nفلئن فعلت فربما … أَوْلى فأمرٌ ما بدَا لَكْ\nولئن فعلت فإنه … أمرٌ تُتِمُّ به فعالَكْ (^١)\nوكنتَ إذا أتى باغ بسَلْمٍ … نُرَجِّى أن تكونَ لنا كذلكْ\nفولَّوْا لم ينالُوا غيرَ خِزْيٍ … وكان الحَيْنُ يُهلكهم هنالِكْ\nولم أسمع بأرجسَ من رجالٍ … أرادوا العِزَّ فانتَهَكوا حرامَكْ\nجَرُّوا جموعَ بلادِهِمْ … والفيلَ كي يَسْبُوا عِيالَكْ\nثم أرسَل عبد المطلبِ حَلْقةَ باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريشٍ إلى شَعَفِ الجبال فتحرَّزُوا فيها، ينتظرون ما أبرهةُ فاعلٌ بمكة إذا دخلها، فلما أصبَح أبرهةُ تهيَّأَ لدخول مكةَ، وهيَّأَ فيلَه وعَبَّأ جيشَه، وكان اسمُ الفيلِ محمودًا، وأبرهةُ مُجْمعٌ لهدم البيتِ، ثم الانصراف إلى اليمن، فلما وجَّهوا الفيلَ، أقبَل نُفَيلُ بنُ\n_________\n(^١) بعده في م، ومطبوعة تاريخ المصنف: \"وقال أيضا\"، وهى ساقطة من نسخ تاريخ المصنف. والأبيات السابقة من مجزوء الكامل والآتية من الوافر، عدا البيت الأخير فهو من مجزوء الكامل كالأبيات الأولى. وقد جاء هذا البيت الأخير في تاريخ المصنف بعد الأربعة الأبيات الأولى.","vol":"24","page":641},{"text":"حبيبٍ الخثعميُّ حتى قام إلى جنبِه، ثم أخذ بأذنِه فقال: ابرُكْ محمود، وارجع راشدًا من حيثُ جئتَ، فإنك في بلدِ الله الحرام. ثم أرسل أذنه، فبَرَك الفيل، وخرج نُفَيلُ بنُ يشتدُّ حتى أصعد في الجبلِ، وضربوا الفيل ليقوم فأبَى، وضربوا في رأسه بالطَّبَرْزِينِ (^١) ليقوم فأبَى، فأدخلوا مَحاجِنَ لهم في مَرَاقِّه (^٢)، فبزَغوه (^٣) بها ليقوم فأبَى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يُهَروِلُ، ووجهوه إلى الشام ففعَل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرقِ ففعَل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، وأرسل الله عليهم طيرًا من البحرِ أمثال الخطاطيف، مع كلِّ طير ثلاثة أحجارٍ يحمِلُها؛ حجرٌ في منقارِه، وحجران في رجليه مثل الحِمَّصِ والعَدَسِ، لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلَّهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدِرُون الطريق الذي منه جاءوا، ويسألون عن نُفَيلِ بن حبيب، ليدلهم على الطريق إلى اليمنِ، فقال نُفَيلُ بنُ حبيب حين رأى ما أَنزَل الله بهم من نقمته:\nأين المَفَرُّ والإلَهُ الطالِبْ\nوالأَشْرَمُ المَغْلُوبُ غَيْرُ الغَالِبُ\nفخرَجوا يتساقطون بكلِّ طريق، ويهلكون على كلِّ مَنْهلٍ، فأُصِيبَ أبرهة في جسدِه، وخرجوا به معهم، تسقط (^٤)، أنامله أُنْمُلةً أُنملةٌ، كلما سقطت أنملةٌ أَتبَعَتُها مِدَّةٌ تُمثُّ (^٥) قيحًا ودمًا، حتى قَدِموا به صنعاء وهو مثلُ فرخِ الطيرِ، فما مات حتى انصَدَع\n_________\n(^١) الطبرزين: فأس السرج؛ فارسي معرب، قال الجواليقي: لأن فرسان العجم تحمله معها يقاتلون به. المعرب ص ٢٧٦.\n(^٢) مَراقُّ البطن: أسفله وما حوله مما استرقَّ منه. اللسان (ر ق ق).\n(^٣) بَزَغَ دمه: أسأله. اللسان (ب ز غ).\n(^٤) في م: \"فسقطت\".\n(^٥) مثَّ العظمُ مثًّا: سال ما فيه من الودك. اللسان (م ث ث)، وقال السهيلي في الروض الأنف ١/ ٢٧٣: تَمُثُّ وتمِثُّ بالضم والكسر، فعلى رواية الضم يكون الفعل متعديًا ونصب \"قيحًا\" على المفعول، وعلى رواية الكسر يكون غير متعدٍّ ونصب \"قيحًا\" على التمييز في قول أكثرهم.","vol":"24","page":642},{"text":"صدره عن قلبهِ، فيما يزعُمون (^١).\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن يعقوب بن عتبةَ بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدَّث أن أول ما رُئيتِ الحصبةُ والجُدَرِيُّ بأرض العربِ ذلك العامَ، وأنَّه أولُ ما رُئى بها مُرارُ الشجرِ، الحرملُ والحنظلُ والعُشَرُ، ذلك العام (^٢).\nحدثنا بشرٌ، قال ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ﴾: أقبل أبرهة الأشرم من الحبشة (^٣) ومن معه من غزاة (^٤) أهل اليمن، إلى بيتِ اللهِ ليهدِمَه؛ من أجل بيعة لهم أصابها العرب بأرض اليمن، فأقبلوا بفيلهم، حتى إذا كانوا بالصِّفَاحِ برَك، فكانوا إذا وجَّهوه إلى بيتِ اللَّهِ أَلقَى بجِرَانِهِ الأرضَ، وإذا وجَّهوه إلى بلدهم انطلق وله هَرْولةٌ، حتى إذا كان بنخلة اليمانية بعث الله عليهم طيرًا بيضًا أبابيل، والأبابيل: الكثيرة، مع كلِّ [طائر منها] (^٥) ثلاثة أحجار؛ حجران في رجليه، وحجرٌ في منقاره، فجعلت ترميهم بها حتى جعلهم اللهُ ﷿ كعصفٍ مأكولٍ. قال: فنجَا أبو يَكسُومَ، وهو أبرهةُ، فجعل كلما قدم أرضًا تساقطَ بعضُ لحمِه، حتى أتى قومه، فأخبرهم الخبرَ ثم هلَك.\n\n<span id=\"aya-6193\"></span>وقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾. يعنى تعالى ذكرُه: فجعَل الله أصحابَ الفيلِ كزرعٍ أكَلَتْه الدواب فراثَتْه، فيَبِس وتفرقت أجزاؤُه. شبَّه تقطُّعَ\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٤٥ - ٥٤، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ١٣٠ - ١٣٧، وأخرجه البيهقي في الدلائل ١/ ١١٥ - ١٢١ من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق.\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٤، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ١٣٩ وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٠٧، وفى البداية ٣/ ١٤٩ عن ابن إسحاق.\n(^٣) بعده في م: \"يومًا\".\n(^٤) في م: \"عداد\"، وفي ت ١: \"عداة\".\n(^٥) في م: \"طير\".","vol":"24","page":643},{"text":"أوصالهم بالعقوبةِ التي نزلت بهم، وتفرُّقَ آراب أبدانهم بها، بتفرُّقِ أجزاء الرَّوَثِ الذي حدث عن أكل الزرعِ.\nوقد كان بعضُهم يقولُ: العَصْفُ هو القشرُ الخارج الذي يكون على حبِّ الحِنْطَة من خارج كهيئة الغلافِ لها.\n\n<span data-type='title' id=toc-10021>ذكر من قال: عُنى بذلك ورقُ الزرعِ</span>\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال: ورقِ الحنطة (^١).\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال: هو التِّبنُ (^٢).\nوحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾: كزرعٍ مأكول (^٣).\nحدثني محمدُ بنُ عمارة الأسديُّ، قال: ثنا زُريقُ بن مرزوقٍ، قال: ثنا هبيرةُ، عن سلمةَ بن نُبَيطٍ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال: هو الهَبُّورُ (^٤)، بالنَّبَطِيَّة. وفي رواية: المقهورُ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٥٠، ومن طريقه الفريابي في تفسيره - كما في التغليق ٤/ ٣٢٩ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٧ عن معمر به.\n(^٣) أخرجه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٢٩ - عن الثورى قال: بلغنى عن الضحاك. وذكره الحافظ في الفتح ٨/ ٦٢١ بلفظ: التبن. وعزاه إلى ابن المنذر.\n(^٤) هو دقاق الزرع. ويحتمل أن يكون من الهبر القَطْع. اللسان (هـ ب ر).","vol":"24","page":644},{"text":"حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال: ورقِ الزرع وورق البقلِ، إذا أكلته البهائم فراثَته، فصار دَرِينًا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-10022>ذكرُ مَن قال: عُنى به قشرُ الحبِّ</span>\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال: البُرُّ يُؤكَلُ ويُلْقِي عَصْفَه الريحُ، والعَصْفُ: الذي يكونُ فوقَ البُرِّ؛ هو لِحاءُ البُرِّ (^٢).\nوقال آخرون في ذلك بما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنانٍ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال: كطعامٍ مطعومٍ.\nآخر تفسير سورة \"الفيلِ\"\n_________\n(^١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"درسًا\"، وفى م: \"روثا\". والمثبت من مصدر التخريج. والدَّرِين: حطام المرعى إذا تناثر وسقط على الأرض. النهاية ٢/ ١١٥.\nوالأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٠٩.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٠٩ بمعناه.","vol":"24","page":645},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10023>تفسير سورة \"قريش\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6194\"></span><span data-type='title' id=toc-10024>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه وتقدست أسماؤه: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ </span>(٤)﴾.\nاختلفت القرأةُ في قراءة: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إيلَافِهِمْ﴾؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصار بياء بعد همزةٍ: ﴿لإِيلَافِ﴾، و﴿إلَافِهِمْ﴾، سوى أبى جعفرٍ، فإنه وافق في قوله: ﴿لإيلَافِ﴾. فقرأه بياءٍ بعد همزةٍ، واختلف عنه في قوله: ﴿إِيلَافِهِمْ﴾؛ فرُوى عنه أنه كان يقرؤُه (إِلْفِهِمْ) على أنه مصدرٌ من: ألِف يألفُ ألفًا، بغير ياء (^١). وحكَى بعضُهم عنه أنه كان يقرؤه: (إِلَافِهِمْ) بغيرِ ياءٍ، مقصورةَ الألفِ.\nوالصواب من القراءة في ذلك عندى من قرَأه: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ﴾ بإثباتِ الياء فيهما بعد الهمزة، من: آلفَتُ الشيءَ أُولِفه إيلافًا؛ لإجماع الحجة من القرأة عليه (^٢). وللعرب في ذلك لغتان؛ آلفتُ، وألفتُ. فمن قال: آلفَتُ بمدِّ الألفِ، قال: فأنا أُولِفُ إيلافًا، ومَن قال: ألِفت. بقصرِ الألف، قال: فأنا آلَفُ إلْفًا، وهو رجلٌ آلَفٌ إِلْفًا (^٣).\n_________\n(^١) قرأ ابن عامر بغير ياء بعد الهمزة (لئلاف) مثل (لعِلاف)، وقرأ أبو جعفر بياء ساكنة من غير همزة (ليلاف)، وقرأ الباقون بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة (لإيلاف)، واختلفوا في (إيلافهم) فقرأ أبو جعفر بهمزة مكسورة من غير ياء، وهى قراءة عكرمة وشيبة وابن عتبة، وجاءت عن ابن كثير أيضًا. ينظر النشر ٢/ ٣٠٢، وإتحاف فضلاء البشر ص ٢٧٤.\n(^٢) قراءة ابن عامر وأبي جعفر (لئِلاف)، (ليلاف) متواترة، وكذلك قراءة أبي جعفر (إلافهم) متواترة أيضًا.\n(^٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.","vol":"24","page":646},{"text":"وحُكِى عن عكرمة أنه كان يقرأُ ذلك: (لِيَأْلَفْ (^١) قريش إِلْفَهم رحلةَ الشتاءِ والصيفِ).\nحدَّثني بذلك أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي مكينٍ، عن عكرمة (^٢).\nوقد رُوى عن النبيِّ ﷺ في ذلك ما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن شهر بن حوشبٍ، عن أسماء بنت يزيد، قالت: سمعتُ النبي ﷺ يقرأ: (إلْفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ) (^٣).\nواختلف أهلُ العربية في المعنى الجالبِ هذه اللام في قوله: ﴿لإيلافِ (^٤) قُرَيْشٍ﴾؛ فكان بعضُ نحويِّي البصرة يقولُ: الجالبُ لها قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفِ مَّأْكُول﴾ [القيل: ٥]. فهي في قول هذا القائل صلةٌ لقوله (^٥): \"جعلهم\". فالواجب على هذا القولِ أن يكون معنى الكلام: ففعلنا بأصحاب الفيلِ هذا الفعل نعمةً منا على أهل هذا البيتِ، وإحسانًا منا إليهم، إلى نعمتنا عليهم في رحلة الشتاء والصيف. فتكون اللام في قوله: ﴿لإِيلَافِ﴾ بمعنى \"إلى\"، كأنه قيل: نعمةً لنعمةٍ، وإلى نعمةٍ. لأن \"إلى\" موضع اللامِ، واللام موضعَ \"إلى\". وقد قال معنى هذا القول بعضُ أهل التأويلِ.\n_________\n(^١) في م: \"لتألف\". وينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٨١، وقال أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٥١٤: وعنه أيضًا: لتألف قريش. على الأمر، وعنه وعن هلال بن فتيان بفتح لام الأمر.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٧ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه أبو عمرو الدورى في جزء فيه قراءة النبي ﷺ (١٢٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٥١٣ - والطبراني ٢٤/ ١٧٧، ١٧٨ (٤٤٧) من طريق سفيان به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٥٦ من طريق شهر به وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٧ إلى الفريابي وابن مردويه. والقراءة شاذة.\n(^٤) في ص، ت ٢، ت ٣: \"إيلاف\".\n(^٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"لقولهم\".","vol":"24","page":647},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10025>ذكرُ مَن قال ذلك </span>*\nحدثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشَّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾. قال: إيلافهم ذلك، فلا يشُقُّ عليهم رحلة شتاءٍ ولا صيفٍ (^١).\nحدثني إسماعيل بن موسى السديُّ، قال: أخبرنا شريكٌ، عن إبراهيم بن المهاجرِ، عن مجاهد: ﴿لإيلَافِ قُرَيْشٍ﴾. قال: نعمتى على قريشٍ.\nحدّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الهلاليُّ، قال: ثنا فَرْوةُ بنُ أَبي المَغْراءِ الكِنْديُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد مثله.\nحدثنا عمرو بن عليٍّ، قال: ثنا عامرُ بنُ إبراهيمَ الأصبهانيُّ، قال: ثنا خطابُ بنُ جعفر بن أبى المغيرة، قال: ثني أبي، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾. قال: نعمتى على قريشٍ (^٢).\nوكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ (^٣) يقولُ: قد قيل هذا القولُ، ويقال: إنه ﵎ عجَّب نبيَّه ﷺ فقال: اعجَبْ يا محمد لنِعَمِ اللهِ على قريشٍ في إيلافِهم\n_________\n=* هنا ينتهى الخرم في نسخة جامعة القرويين المشار إليه في ص ٦٢٨.\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٥٢ ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٧٧ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٧ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) أخرجه النَّسَائِي في الكبرى (١١٦٩٩)، وعنه النحاس - كما في تفسير القرطبي ٢٠/ ٢٠١ - عن عمرو بن علي به، وأخرجه ابن مردويه - كما في الدر المنثور ٦/ ٣٩٧ - ومن طريقه الضياء في (١٢٥، ١٢٦) من طريق عامر بن إبراهيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٧ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٩٣.","vol":"24","page":648},{"text":"رحلةَ الشتاء والصيفِ. ثم قال: فلا يتشاغَلوا بذلك عن الإيمان بالله واتِّباعك.\nيستدلُّ بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾.\nوكان بعضُ أهل التأويل [يوجّه تأويل ذلك إلى نحوِ القولِ الذي ذكرنا عن بعض البصريين، غير أنه كان] (^١) يوجه تأويل قوله: ﴿لإيلَافِ قُرَيْشٍ﴾. إلى أُلفةِ بعضهم بعضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-10026>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قولِه: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾. فقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] إلى آخرِ السورة. قال: هذا الإيلافِ قريش؛ صنعتُ هذا بهم لألفة قريشٍ؛ لئلا أفرِّقَ أُلفَتَهم وجماعتَهم. إنما جاء صاحبُ الفيلِ ليستبيدَ حريمَهم، فصنَع الله به به (^٢) ذلك (^٣).\nوأولى الأقوال في ذلك عندى بالصوابِ أن يقال: إن هذه اللامَ بمعنى التعجبِ، وإن معنى الكلام: اعجَبوا لإيلافِ قريشٍ رحلة الشتاءِ والصيفِ، وتركِهم عبادةَ ربِّ هذا البيتِ، الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف (^٤). والعرب إذا جاءت بهذه اللام، فأدخلوها في الكلام للتعجبِ، اكتفوا بها دليلا على التعجب من إظهار الفعل الذي يجلبها، كما قال الشاعرُ:\nأغَرَّكَ أن قالوا لقُرَّةَ شاعرًا … فيا لِأباهُ من عَرِيفٍ وشاعِرِ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٧ إلى المصنف.\n(^٤) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢: \"فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف\".","vol":"24","page":649},{"text":"فاكتُفِى باللام دليلًا على التعجب من إظهار الفعل، وإنما الكلامُ: أَغرَّكَ أن قالوا: اعجَبوا لقرَّةَ شاعرًا. فكذلك قوله: ﴿لإِيلَافِ﴾.\nوأما القولُ الذي قاله من حكَينا قولَه: إنها من صلة قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾. فإن ذلك لو كان كذلك، لوجَب أن يكون ﴿لإيلَافِ﴾ بعضَ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، وأن لا تكونَ سورةً منفصلةً من ﴿أَلَمْ تَرَ﴾. وفى إجماع جميعِ المسلمين على أنهما سورتان تامَّتان، كلُّ واحدة منهما منفصلةٌ عن (^١) الأخرى - ما يبينُ عن فساد القول الذي قاله من قال ذلك، ولو كان قوله: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ من صلة قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥]. لم تكن ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ * تامةً حتى توصل بقوله: ﴿لإيلَافِ قُرَيْشٍ﴾؛ لأن الكلام لا يتمُّ إلا بانقضاء الخبر الذي ذُكر.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-10027>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله: (إلْفِهم رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ). يقولُ: لزومهم (^٢).\nحدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾. قال: نهاهم عن الرحلة، وأمَرهم أن يعبُدوا ربَّ هذا البيت، وكفاهم المؤنةَ، وكانت رحلتهم في الشتاء والصيف، فلم يكن لهم راحة في شتاء ولا صيف، فأطعمهم بعد ذلك من جوع،\n_________\n(^١) في الأصل: \"من\".\n• إلى هنا ينتهى الجزء السابع والأربعون من نسخة جامعة القرويين، وهو آخر الموجود منها لدينا.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٧ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"24","page":650},{"text":"وآمنهم من خوفٍ، وألِفوا الرحلةَ، فكانوا إذا شاءوا ارتحَلوا، وإذا شاءوا أقاموا، فكان ذلك من نعمة الله عليهم.\nحدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنى عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عكرمة قال: كانت قريشٌ قد ألفوا بُصْرَى واليمنَ؛ يختلفون إلى هذه في الشتاء، وإلى هذه في الصيف، ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾. فأمرهم أن يقيموا بمكة (^١).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبى صالح: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشِ (١) إيلَافِهِمْ﴾. قال: كانوا تُجَّارًا، فعلم الله حبَّهم للشامِ (^٢).\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾. قال: عادة قريشٍ؛ عادتُهم رحلةُ الشتاء والصيف (^٣).\nحدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿لإيلَافِ قُرَيْشٍ﴾: كانوا ألفوا الارتحالَ في القيظِ والشتاءِ.\n\n<span id=\"aya-6195\"></span>وقوله: ﴿إِيلَافِهِمْ﴾. مخفوضةٌ على الإبدال، كأنه قال: لإيلافِ قريش، لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف.\nوأما \"الرحلةُ\" فنُصبت بقوله: ﴿إِيلَافِهِمْ﴾. ووقوعه عليها.\nوقوله: ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾. يقولُ: رحلة قريشٍ الرحلتين؛ إحداهما\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ٢٠/ ٢٠٨، ٢٠٩.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٨ إلى المصنف والفريابي وابن المنذر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":651},{"text":"إلى الشام في الصيفِ، والأخرى إلى اليمن في الشتاء.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾. قال: كانت لهم رحلتان؛ الصيف إلى الشام، والشتاءَ إلى اليمن في التجارة، إذا كان الشتاءُ امتنع الشامُ منهم لمكان البرد، وكانت رحلتهم في الشتاء إلى اليمن (^١).\nحدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهران، عن سفيانَ: ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾.\nقال: كانوا تُجَّارًا (^٢).\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن الكلبيِّ: ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾. قال: كانت لهم رحلتان؛ رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلةٌ في الصيف إلى الشام (^٣).\nحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عامرُ بنُ إبراهيم الأصبهانيُّ، قال: ثنا خطابُ ابنُ جعفر بن أبى المغيرة، قال: ثني أبي، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾. قال: كانوا يَشْتُون بمكةَ، ويَصِيفون بالطائف (^٤).\n\n<span id=\"aya-6196\"></span>وقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾. يقولُ: فليقيموا بموضعهم ووطنهم من مكةَ، وليعبُدوا ربَّ هذا البيت. يعنى بالبيت الكعبةَ.\nكما حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مُغيرةُ، عن\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٨ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) بعده في النسخ: \"حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان\". تكرار.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٨ عن معمر به.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٦٤٨.","vol":"24","page":652},{"text":"إبراهيمَ، أن عمرَ بن الخطابِ ﵁ صلَّى المغرب بمكة، فقرأ: ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾، فلما انتهى إلى قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ أشار بيده إلى البيت (^١).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عامرُ بنُ إبراهيمَ الأصبهانيُّ، قال: ثنا خطابُ بنُ جعفر بن أبى المغيرةِ، قال: ثني أبي، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾. قال: الكعبة (^٢).\nوقال بعضُهم: أُمِروا أن يألَفوا عبادةَ ربَّ مكة كإلفهم الرحلتين.\n\n<span data-type='title' id=toc-10028>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عمرو بن عبد الحميد الآمليُّ، قال: ثنا مروان، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله: ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾. قال: أُمروا أن يألفوا عبادةَ ربِّ هذا البيتِ، كإلفهم رحلةَ الشتاء والصيف (^٣).\n\n<span id=\"aya-6197\"></span>وقوله: ﴿الَّذِى أَطْعَمَهُم مَّن جُوعٍ﴾. يقول: الذي أطعَم قريشًا من جوعٍ.\nكما حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿الَّذِى أَطْعَمَهُم مَّن جُوعٍ﴾: يعنى قريشًا أهلَ مكةَ؛ بدعوةِ إبراهيمَ ﷺ حيث قال: ﴿وَارْزُقَهُم مَّنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (^٤) [إبراهيم: ٣٧].\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٩٢ من طريق مغيرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٧ إلى سعيد بن منصور.\n(^٢) أخرجه ابن مردويه في تفسيره - كما في الدر المنثور ٦/ ٣٩٧ - ومن طريقه الضياء في المختارة (١٢٥، ١٢٦) من طريق عامر بن إبراهيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٨ إلى المصنف.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٦٥٠.","vol":"24","page":653},{"text":"﴿وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ﴾. اختلَف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿وَءَامَنَهُم مِنْ خَوْفٍ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك أنه آمنهم مما يخافُ منه مَنْ لم يكن من أهلِ الحرمِ؛ من الغاراتِ والحروبِ والقتالِ، والأمورِ التي كانت العرب يخافُ بعضُها من بعضٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10029>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ﴾: حيث قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ (^١) [البقرة: ١٢٦].\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ﴾. قال: آمنهم من كلَّ عدوٍّ في حرمِهم (^٢).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لإيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ﴾. قال: كان أهلُ مكة تجارًا، يتعاورون (^٣) ذلك شتاءً وصيفًا، آمِنين في العربِ، وكانت العربُ يُغيرُ بعضُها على بعض لا يقدرون على ذلك، ولا يستطيعونه من الخوف، حتى إن كان الرجل منهم ليُصابُ في حيٍّ من أحياءِ العربِ، وإذا قيل: حِرْمِيٌّ. خُلِّيَ عنه وعن مالِه؛ تعظيمًا لذلك فيما أعطاهم الله من الأمنِ (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٦٥٠.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٦٤٨.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢ ت: \"يعتادون\".\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"24","page":654},{"text":"حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿وَءَامَنَهُم مِنْ خَوْفٍ﴾. قال: كانوا يقولون: نحنُ من حَرَمِ اللهِ. فلا يَعرِضُ لهم أحدٌ في الجاهلية؛ يأمَنون بذلك، وكان غيرُهم من قبائل العربِ إذا خرج أغِيرَ عليه (^١).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ﴾. قال: كانت العربُ يُغيرُ بعضُها على بعض، ويَسْبِى بعضُها بعضًا، فأمنوا من ذلك لمكانِ الحرمِ. وقرأ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُجبَى إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (^٢) [القصص: ٥٧].\nوقال آخرون: عُنِي بذلك: وآمنهم من الجُذَامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10030>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، قال: قال الضحاك: ﴿وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ﴾. قال: من خوفهم من الجُذام (^٣).\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهران (^٤)، عن سفيانَ: ﴿وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ﴾.\nقال: من الجُذامِ وغيره (^٥).\nحدثنا أبو كريب، قال: قال وكيعٌ: سمعتُ: ﴿أَطْعَمَهُم مَّن جُوعٍ﴾ له. قال: الجوع، ﴿وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ﴾: الخوفُ الجُذَامُ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره القرطبي في تفسيره ٢٠/ ٢٠٩.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٨ إلى المصنف والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) بعده في ت ٢: \"وكيع\".\n(^٥) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٥٤٨، والقرطبي في تفسيره ٢٠/ ٢٠٩.","vol":"24","page":655},{"text":"حدَّثنا عمرو بن عليٍّ، قال: ثنا عامر بن إبراهيم الأصبهاني، قال: ثنا خطاب بنُ جعفر بن أبى المغيرة، قال: ثني أبي، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس: ﴿وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ﴾. قال: الخوفُ الجُذَامُ (^١).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه آمَنَهم من خوف، والعدوُّ مَخُوفٌ منه، والجُذَامُ مَخُوفٌ منه، ولم يخصُصِ الله الخبر عن أنه آمنهم من العدوِّ دونَ الجُذام، ولا من الجُذام دونَ العدوِّ، بل عمَّ الخبر بذلك، فالصواب أن يُعَمَّ كما عمَّ جَلَّ ثناؤُه، فيقال: آمنهم من المعنيين كليهما.\nآخرُ تفسير سورة \"قريشٍ\"\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٦٤٨.","vol":"24","page":656},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10031>تفسير سورة \"أرأيتَ\"</span>\n\n<span id=\"aya-6198\"></span><span data-type='title' id=toc-10033>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾.</span>\nيعني تعالى ذكره بقوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١)﴾: أرأيتَ يا محمدُ الذي يُكذِّبُ بثوابِ الله وعقابِه، فلا يُطيعه في أمره ونهيه.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10032>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَرَءَيْتَ الَّذِي يُكَذَّبُ بِالدَّينِ﴾. قال: الذي يكذِّبُ بحكم الله ﷿ (^١).\nحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن [ابن جريجٍ: (^٢)] ﴿يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾. قال: بالحسابِ (^٣).\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"ابن أبي نجيح\"، وبعده في ت ٢، ت ٣: \"عن مجاهد\".\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٩ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"24","page":657},{"text":"وذُكر أن ذلك في قراءةِ عبد الله: (أرأيْتَك (^١) الَّذِي يُكَذِّبُ (^٢». فالكافُ (^٣) في قراءته صلةٌ، دخولها في الكلام وخروجُها واحدٌ.\n\n<span id=\"aya-6199\"></span>وقوله: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾. يقولُ: فهذا الذي يُكذِّبُ بالدين هو الذي يَدفعُ اليتيم عن حقِّه، ويظلِمُه، يقال منه: دععتُ فلانًا عن حقِّه، فأنا أَدْعُّه دعًّا.\nوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10034>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَذَلِكَ الَّذِى يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾. قال: يدْفَعُ حَقٌّ اليتيم.\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾. قال: يَدْفَعُ اليتيم فلا يُطعمه (^٤).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾. أي: يَقْهَرُه ويَظْلِمُه.\n_________\n(^١) في النسخ: \"أرأيت\". والمثبت من معاني القرآن ٣/ ٢٩٤، ومختصر الشواذ ص ١٨١، ١٨٢، وهو الصواب؛ لموافقته للسياق، وينظر البحر المحيط ٨/ ٥١٦، ٥١٧.\n(^٢) بعده في م: \"الدين\".\n(^٣) في م: \"فالباء\".\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٧٥٣، وذكره الحافظ في التغليق ٤/ ٣٧٨ عن المصنف من طريق عيسى.","vol":"24","page":658},{"text":"حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾. قال: يَظْهرُه ويظلِمُه (^١).\nحُدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾. قال: يقهره.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان في قوله: ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾.\nقال: يدفعُه.\n\n<span id=\"aya-6200\"></span>وقوله: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ولا يحثُّ غيرَه على إطعام المحتاج من الطعام.\n\n<span id=\"aya-6201\"></span>وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-6202\"></span>يَقولُ تعالى ذكره: فالوادى الذي يسيلُ من صديدِ أهل جهنم للمنافقين الذين يُصلُّون لا يريدون الله ﷿ بصلاتهم، وهم في صلاتهم ساهون إذا صلوها.\nواختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك أنهم يؤخرونها عن وقتها، فلا يُصلّونها إلا بعد خروجِ وقتها.\n\n<span data-type='title' id=toc-10035>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا سكنُ بن نافع الباهليُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن خلفِ بن حوشبٍ، عن طلحةَ بن مُصرِّفٍ، عن مُصعب بن سعد، قال: قلتُ لأبي: أرأيتَ قولَ اللَّهِ ﷿: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. أهى ترْكُها؟ قال:\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٩ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٩ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":659},{"text":"لا، ولكن تأخيرُها عن وقتها (^١).\nحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن هشام الدَّسْتُوائيِّ، قال: ثنا عاصمُ بنُ بهدلةَ، عن مصعب بن سعد، قال: قلتُ لسعدٍ: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. أهو ما يحدِّثُ به أحدنا نفسَه في صلاته؟ قال: لا، ولكنَّ السهوَ أنْ يُؤخِّرَها عن وقتها (^٢).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن عاصم، عن مصعب بن سعد: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. قال: السهو التركُ عن الوقت.\nحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عمران بن تمام البُناني، قال: ثنا أبو جمرة (^٣) الضُّبَعِيُّ نصر بن عمران، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. قال: الذين يؤخرونها عن وقتها (^٤).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن ابن أَبْزَى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. قال: الذين يؤخِّرون الصلاةَ المكتوبةَ، حتى تخرج من الوقتِ أو عن وقتها.\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي ٢/ ٢١٤ من طريق خلف بن حوشب به، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٠٠ من طريق طلحة بن مصرف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٠ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٧٠٤)، والعقيلي في الضعفاء ٣/ ٣٧٧، وابن أبي حاتم في العلل ٢/ ٨٢، ٨٣ والبيهقى ٢/ ٢١٤ من طريق عاصم بن بهدلة به.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"حمزة\". وينظر الإكمال ٢/ ٥٠٦، وتهذيب الكمال ٢٩/ ٣٦٢.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٠ إلى المصنف.","vol":"24","page":660},{"text":"قال: التركُ لوقتها.\nحدثني أبو السائبِ، قال: ثنى أبو معاويةَ، عن الأعمش، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. قال: تضييعُ مِيقاتِها (^١).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مِهْران، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى: ﴿عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. قال: تركُ المكتوبة لوقتها (^٢).\nحدثنا ابن البرقيِّ، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا يحيى بن أيوب، قال: أخبرني ابنُ زَحْرٍ، عن الأعمش، عن مسلم بن صُبيحٍ: ﴿عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾: الذين يُضيِّعونها عن وقتِها.\nوقال آخرون: بل عُنى بذلك أنهم يتركونها فلا يُصلُّونها.\n\n<span data-type='title' id=toc-10036>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلَّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾: فهم المنافقون كانوا يُراءُون الناسَ بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا، ويمنعونهم العارِيَّةَ بُغْضًا لهم، وهو الماعونُ (^٣).\nحدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن\n_________\n(^١) أخرجه إسماعيل القاضي - كما في التمهيد لابن عبد البر ٢٣/ ٢٩٤ - من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٠ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥١٤.\n(^٣) أخرجه البيهقي في الشعب (٦٨٥٣) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٩ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","vol":"24","page":661},{"text":"أبيه: عن ابن عباسٍ: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. قال: هم المنافقون يَتْرُكون الصلاة في السرِّ، ويصلُّون في العلانية (^١).\nحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. قال: التركُ لها (^٢).\nوقال آخرون: بل عُنى بذلك أنهم يتهاونون بها، ويتغافلون عنها ويَلْهُون.\n\n<span data-type='title' id=toc-10037>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد قوله: ﴿عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. قال: لاهُونَ (^٣).\nحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾: غافلون (^٤).\nحدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿عَن صلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. قال: ساهٍ عنها، لا يُبالِى صلَّى أم لم يُصَلِّ (^٥).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿الَّذِينَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٩، ٤٠٠ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٥٤ من طريق آدم ابن أبي إياس عن شيبان عن جابر عن مجاهد، وينظر البحر المحيط ٨/ ٥١٧.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٠ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤) ذكره الطوسي في التبيان ١٠/ ٤١٥.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٩ عن معمر به.","vol":"24","page":662},{"text":"هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾: يصلُّون، وليست الصلاة من شأنِهم (^١).\nحدثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن فضيل، عن ليثٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. قال: يَتهاونون (^٢).\nوأولى الأقوال في ذلك عندى بالصوابِ بقوله: ﴿سَاهُونَ﴾: لاهُون يتغافلون عنها، وفي اللَّهْوِ عنها والتشاغل بغيرها، تضييعها أحيانًا، وتضييع وقتها أخرى. وإذا كان ذلك كذلك صحَّ بذلك قولُ مَن قال: عُنى بذلك تركُ وقتها. وقولُ مَن قال: عُنِي به تركها. لما ذكرْتُ قبلُ مِن أنَّ في السهو عنها المعاني التي ذكرت.\nوقد روى عن رسول الله ﷺ بذلك خبرانِ يؤيِّدان صحة ما قلنا في ذلك:\nأحدهما: ما حدَّثني به زكريا ابنُ أبانٍ المصريُّ، قال: ثنا عمرو بن طارق، قال: ثنا عكرمة بن إبراهيم، قال: ثنا عبد الملك بن عُميرٍ، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص، قال: سألت النبي ﷺ عن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. قال: \"هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها\" (^٣).\nوالآخر منهما: ما حدثني به أبو كريبٍ، قال: ثنا معاوية بن هشام، عن شيبانَ النحويِّ، عن جابر الجعفي، قال: ثنى رجلٌ، عن أبي بَرْزَةَ الأسلميِّ، قال: قال\n_________\n(^١) تقدم نحوه في ٧/ ٦١٣.\n(^٢) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٥٥٢.\n(^٣) أخرجه العقيلي في الضعفاء ٣/ ٣٧٧ من طريق عمرو بن طارق به، وأخرجه أبو يعلى (٨٢٢)، والبزار (١١٤٥)، وابن أبي حاتم في العلل ١/ ١٨٧، ١٨٨، والطبرانى في الأوسط (٢٢٧٦)، والبيهقي في سننه ٢/ ٢١٤، ٢١٥، البغوي في تفسيره ٨/ ٥٥٢، وفي شرح السنة (٣٩٧) من طريق عكرمة بن إبراهيم به، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥١٦ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٠ إلى ابن المنذر وابن مردويه، وقال: قال الحاكم والبيهقي: الموقوف أصح.","vol":"24","page":663},{"text":"رسول الله ﷺ لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾: \"اللَّهُ أكبرُ، هذه خيرٌ لكم من أن لو أُعْطى كل رجل منكم مثل جميع الدنيا، هو الذي إن صلَّى لم يَرْجُ خير صلاته، وإن تركها لم يخف ربَّه\" (^١).\nحدثني أبو عبد الرحيم البرقيُّ، قال: ثني عمرو بن أبي سلمة، قال: سمعتُ عمر بن سليمان يحدِّثُ عن عطاء بن دينار (^٢) أنه قال: الحمدُ للهِ الذي قال: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (^٣).\nوكلا المعنيين اللَّذَين ذكرتُ في الخبرين اللَّذَين روينا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ يحتمله (^٤) معنى السهو عن الصلاةِ.\n\n<span id=\"aya-6203\"></span>وقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾. يقولُ: الذين هم يُراءُون الناس بصلاتهم إذا صلَّوا؛ لأنهم لا يصلُّون رغبةً في ثوابٍ، ولا رهبةً من عقاب، وإنما يصلونها ليراهم المؤمنون فيظُنُّونهم منهم، فيَكُفُّون عن سفكِ دمائهم، وسَبْي ذَراريِّهم، وهم المنافقون الذين كانوا على عهد رسولِ الله ﷺ، يستبطنون الكفر، ويُظهرون الإسلام، كذلك قال أهل التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-10038>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامرٍ ومؤمَّلٌ، قالا: ثنا سفيان، عن ابن أبي\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٥٤، وذكره ابن كثير في تفسيره عن المصنف، وقال: فيه جابر الجعفي، وهو ضعيف، وشيخه مبهم لم يسم، والله أعلم. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٠ إلى المصنف وابن مردويه، وضعف إسناده.\n(^٢) في ت ١: \"يسار\" وهو موافق لما في الدر المنثور. والمثبت موافق لما تقدم في ٤/ ٥٢٦.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٠ إلى المصنف والفريابي وابن المنذر.\n(^٤) في م: \"محتمل عن\".","vol":"24","page":664},{"text":"نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. قال: هم المنافقون (^١).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيع، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.\nحدثني يونس، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، عن عليّ بن أبي طالبٍ ﵁ في قوله: ﴿يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. قال: يُراءُون بصلاتهم (^٢).\nحدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يراءُونَ﴾. يعنى المنافقين.\nحدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قال: هم المنافقون، كانوا يُراءُون الناسَ بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا.\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ابن زيد: ويصلون - وليس الصلاة من شأنهم - رياءً.\n\n<span id=\"aya-6204\"></span>وقوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. يقولُ: ويمنعون الناس منافع ما عندهم.\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٠ إلى المصنف والفريابي وابن المنذر.\n(^٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٣٦، ومن طريقه البيهقي ٤/ ١٨٤، من طريق سفيان به مطولًا، وقال الحاكم هذا إسناد صحيح مرسل؛ فإن مجاهدا لم يسمع من علي. وقال الذهبي: منقطع. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٠ إلى ابن أبي حاتم.","vol":"24","page":665},{"text":"وأصلُ الماعونِ مِن كلِّ شيءٍ منفعته، يقال للماء الذي يَنْزِلُ مِن السحابِ: ماعونه (^١). ومنه قولُ أعشى بني ثعلبة (^٢):\nبأَجْوَدَ مِنْهُ بَمَاعُونِهِ … إذا ما سَمَاؤُهُمُ لم تَغِمْ\nوقال آخرُ يصفُ سحابًا (^٣):\n* يَمُجُّ صَبِيرُهُ الماعونَ صَبًّا *\nوقال عبيدٌ الراعي (^٤):\nقَوْمٌ على الإسلام لمَّا يَمْنَعُوا … مَاعُونَهُمْ وَيُضَيِّعُوا التَّهْلِيلَا\nيعني بالماعون الطاعة والزكاة.\nواختلف أهل التأويل في الذي غنى به من معاني الماعون في هذا الموضع؛ فقال بعضُهم: عُنى به الزكاة المفروضةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10039>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، قال: قال على ﵁ في قوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. قال: الزكاةَ.\nحدثني ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، قال: قال عليٌّ ﵁: ﴿الْمَاعُونَ﴾: الزكاةَ.\nحدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيان، وحدَّثنا ابن حميدٍ،\n_________\n(^١) في ت ١، م: \"ماعون\".\n(^٢) ديوانه ص ٣٩.\n(^٣) هذا شطر بيت استشهد به صاحب اللسان على أن الماعون هو المطر. ينظر اللسان (م ع ن).\n(^٤) ديوانه ص ٢٠٦.","vol":"24","page":666},{"text":"قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ، عن عليٍّ ﵁، قال: ﴿الْمَاعُونَ﴾: الزكاةَ (^١).\nحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، عن علي ﵁: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. قال: يمنعون زكاة أموالهم (^٢).\nحدثني محمدُ بنُ عُمارة وأحمد بن هشامٍ، قالا: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي صالح، عن علي ﵁: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. قال: الزكاة.\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿الْمَاعُونَ﴾. قال: الزكاة (^٣).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن علي مثله (^٤).\nحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ، أن عليًّا ﵁ كان يقولُ: الماعُونُ: الصدقة المفروضة.\nحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٥٤، وأخرجه البيهقي ٤/ ٨٢ من طريق السدى به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٢، ٢٠٣، والحاكم ٢/ ٥٣٦، ومن طريقه البيهقي ٤/ ١٨٤، كلهم من طريق سفيان به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠١ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) ذكره البيهقي ٤/ ٨٢، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٥١٦.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٩، والبيهقى ٤/ ١٨٤ من طريق سفيان الثورى به.","vol":"24","page":667},{"text":"مجاهد: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾: أَنَّ عليًّا ﵁ قال: هي الزكاةُ (^١).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: ﴿الْمَاعُونَ﴾: الزكاة (^٢).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيان، عن سلمة بن كُهيلٍ، عن أبى المغيرةِ، قال: سأل رجلٌ ابن عمر عن الماعون، قال: هو المالُ الذي لا يُؤَدَّى حقُّه.\nقال: قلتُ: إِنَّ ابنَ أمِّ عبدٍ يقولُ: هو المتاعُ الذي يتعاطاه الناسُ بينهم. قال: هو ما أقولُ لك (^٣).\nحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن سلمة، قال: سمِعتُ أبا المغيرة قال: سألتُ ابن عمر عن الماعون، فقال: هو منع الحقِّ.\nحدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن سلمة بن كهيلٍ، قال: سُئل ابن عمر عن الماعون، فقال: هو الذي يُسألُ حقَّ ماله ويمنعُه. فقال: إنَّ ابن مسعود يقولُ: هو القِدْرُ والدَّلْوُ والفَأْسُ. قال: هو ما أقولُ لكم.\nحدثني هارون بنُ إدريس الأصمُّ، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سلمة بن كهيل، أَنَّ ابنَ عمرَ سُئل عن قولِ الله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. قال: الذي يُسألُ مال الله فيمنعُه، فقال الذي سأله: فإِنَّ ابن مسعودٍ يقولُ: هو الفَأْسُ والقِدْرُ. قال ابنُ عمر: هو ما أقولُ لك.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٩ عن معمر به.\n(^٢) أخرجه البيهقي ٤/ ١٨٤ من طريق سفيان الثورى به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٩٩، والطبراني في الكبير (٩٠١٢) من طريق الثورى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠١ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر.","vol":"24","page":668},{"text":"حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهران، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سلمة بن كُهيلٍ، قال: سأل رجلٌ ابن عمر عن الماعون، فذكر مثله.\nحدثني سليمانُ بنُ محمدِ بن مَعدِيكَرِبَ الرُّعَيْنِيُّ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليد، قال: ثنا شعبة، قال: ثني سلمة بن كهيلٍ، قال: سمعت أبا المغيرة - رجلًا من بنى أسد - قال: سألتُ عبد الله بن عمر عن الماعون، قال: هو منع الحقِّ. قلتُ: إِنَّ ابن مسعودٍ قال: هو منعُ الفَأْسِ والدَّلْوِ. قال: هو منعُ الحقِّ.\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبى المغيرة، عن ابن عمر، قال: هي الزكاة (^١).\nحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن السدي، عن أبي صالحٍ، عن عليٍّ مثله (^٢).\nحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا جابر بن يزيد (^٣) بن رفاعةَ، عن حسَّان بن مُخَارِقٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: ﴿الْمَاعُونَ﴾: الزكاةَ.\nحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة والحسنِ: ﴿الْمَاعُونَ﴾. الزكاة المفروضة.\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل، عن أبي عمر، عن ابن الحنفية ﵁، قال: هي الزكاة (^٤).\nحدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٣ عن وكيع به.\n(^٢) تقدم الأثر بهذا الإسناد ص ٦٦٦، ٦٦٧.\n(^٣) في م: \"زيد\". وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٤٧٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٣، ٢٠٤ عن وكيع به.","vol":"24","page":669},{"text":"الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. قال: الزكاةَ.\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. قال: هم المنافقون يمنَعُون زكاةَ أموالِهم (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ﴿الْمَاعُونَ﴾: الزكاةَ المفروضةَ (^١).\nحدثَّنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ عقبةَ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. قال: منَعوا صدقاتِ أموالِهم، فعاب اللَّهُ عليهم (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. قال: هو المنافقُ الذي يمنعُ زكاةَ ماِله، فإن صلَّى راءَى، وإن فاتَتْه لم يَأْسَ عليها.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سلمةَ، عن الضحاكِ، قال: هي الزكاةُ (^٢).\nوقال آخرون: هو ما يتعاوَرُه (^٣) النَّاسُ بينَهم مِن مثلِ الدَّلْوِ والقِدْرِ ونحوِ ذلك.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٥١٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٠٣) عن وكيع به.\n(^٣) اعْتَوَروا الشئَ وتعوَّروه وتعاوَروه: تداولوه فيما بينهم. اللسان (ع ور).","vol":"24","page":670},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10040>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى زكريا بنُ يحيى بن أبى زائدةَ، قال: ثنا ابنُ (^١) إدريسَ، عن الأعمشِ، عن الحكمِ، عن (^٢) يحيى بن الجزَّارِ، عن أبى العُبَيْدَيْنِ، أنه قال لعبدِ اللَّهِ: أَخبِرْنى عن الماعونِ. قال: هو ما يتعاوَرُه الناسُ بينَهم (^٣).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: سمِعتُ يحيى بن الجزَّارِ يحدِّثُ عن أبى العُبَيْدَيْنِ، رجلٍ مِن بنى تميمٍ ضريرِ البصرِ، وكان يَسأَلُ عبد اللَّهِ بن مسعودٍ، وكان ابنُ مسعودٍ يَعْرِفُ له، فسأل عبدَ اللَّهِ عن الماعونِ، فقال عبدُ اللَّهِ: إِنَّ مِن الماعونِ منعَ الفَأْسِ والقِدْرِ والدَّلْوِ، خَصْلَتَانِ مِن هؤلاء الثلاثِ. قال شعبةُ: الفَأْس ليس فيه شكٌّ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا الوليدُ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ بن عُتيبةَ، عن يحيى بن الجزَّارِ، عن أبى العُبَيْدَينِ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.\nحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ علَيةَ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ بن عُتيبةَ، عن يحيى بن الجزَّارِ، أنَّ أبا العُبَيْدَيْنِ - رجلًا مِن بنى تميمٍ كان ضريرَ البصرِ - سأل ابنَ مسعودٍ عن الماعونِ، فقال: هو مَنْعُ الفأسِ والدَّلْوِ. أو قال: مَنْعُ الفَأْسِ والقِدْرِ.\n_________\n(^١) بعده في م: (أبى). وينظر تهذيب الكمال (١٤/ ٢٩٣).\n(^٢) في م: (بن). وينظر تهذيب الكمال (٧/ ١١٤)، (٣١/ ٢٥١).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٠٢) عن ابن إدريس به، وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٦١) من طريق الأعمش به مطولًا، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (٦/ ٤٠٠) إلى سعيد بن منصور والفريابى وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه.\n(^٤) أخرجه البيهقى (٦/ ٨٨) من طريق شعبة به.","vol":"24","page":671},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن الأعمشِ، عن الحكمِ، عن يحيى بن الجزَّارِ، أنَّ أبا العُبَيْدَينِ سأل ابنَ مسعودٍ عن الماعونِ، قال: هو ما يتعاوَرُه الناسُ بينَهم؛ الفَأْسُ والقِدْرُ والدَّلْوُ (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بن منصورٍ الرَّمادِيُّ، قال: ثنا أبو الجوَّابِ، عن عمَّارِ بن رُزَيقٍ، عن أبى إسحاقَ، عن حارثةَ بن مُضَرِّبٍ، عن أبى العُبَيْدَينِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: كنا أصحابَ محمدٍ نحدِّثُ أنَّ الماعونَ القِدْرُ والفَأْسُ والدَّلْوُ (^٢).\nقال أبو بكرٍ: قال أبو الجوَّابِ: وخالَفه زهيرُ بنُ معاويةَ فيما حدَّثنا به الحسنُ الأشيبُ، قال: ثنا زُهَيْرٌ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن حارثةَ، عن أبى العَبَيْدينِ.\nحدَّثنى محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن أبى إسحاقَ (^٣)، عن أبى العُبَيْدَينِ وسعدِ (^٤) بن عِياضٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: كنا أصحابَ محمدٍ ﷺ نتحدَّثُ أنَّ الماعونَ الدَّلْوُ والفأْسُ والقِدْرُ، لا يُسْتَغْنى عنهنَّ (^٥).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن (^٦) أبى إسحاقَ، عن سعدِ بن عياضٍ - قال أبو موسى: هكذا قال غُنْدَرٌ - عن أصحابِ النبيِّ ﷺ، قالوا: إنَّ مِن الماعونِ الفَأْسَ والدَّلْوَ والقِدْرَ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٠٣) مفرقًا عن وكيع به.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٤٧٢) من طريق أبى إسحاق به.\n(^٣) بعده في م: (عن حارثة).\n(^٤) في م، ت (١): (سعيد)، وينظر تهذيب الكمال (١٠/ ٢٩٣).\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٥١٧) عن المصنف به، وأخرجه الطبراني في الكبير (٩٠١٠) من طريق أبى الأحوص به.\n(^٦) بعده في م: (ابن).\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٠٣) من طريق شعبة به.","vol":"24","page":672},{"text":"حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبى إسحاقَ، عن سعدِ بن عِياضٍ، يحدِّثُ عن أصحابِ النبيِّ ﷺ بمثلِه (^١).\nقال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى إسحاقَ، قال: سمِعتُ سعدَ بنَ عِياضٍ يحدِّثُ عن أصحابِ النبيِّ ﷺ مثلَه.\nحدَّثنا خلَّادٌ، قال: أخبَرنا النَّضْرُ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، قال: أخبَرنا أبو إسحاقَ، عن حارثةَ بن مُضَرِّبٍ، عن أبى العُبَيْدينِ، قال: قال عبدُ اللهِ: ﴿الْمَاعُونَ﴾: القِدْرَ والفَأْسَ والدَّلْوَ.\nحدَّثنا خلَّادٌ، قال: أخبَرنا النَّضْرُ، قال: أخبَرنا المسعوديُّ، قال: أخبَرنا سلمةُ بنُ كُهيلٍ، عن أبى العُبَيْدَينِ، وكانت به زَمانةٌ، وكان عبدُ اللَّهِ يَعْرِفُ له ذلك، فقال: يا أبا عبدِ الرحمنِ، ما الماعونُ؟ قال: ما يتعاطَى الناسُ بينَهم مِن الفَأْسِ والقِدْرِ والدَّلْوِ وأَشباهِ ذلك (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن مسلمٍ، عن أبى العُبَيْدَيْنِ، أنه سأل ابنَ مسعودٍ عن الماعونِ، فقال: ما يتعاطاه الناسُ بينَهم.\nقال: ثنا مِهْرانُ، عن الحسنِ وسلمةَ بن كُهيلٍ، عن أبى العُبَيْدَينِ، عن ابن مسعودٍ، قال: الفَأْسُ والدَّلْوُ والقِدْرُ وأَشباهُه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٠٣) عن عبد الرحمن بن مهدى به، وعلقه البخارى في التاريخ الكبير (٤/ ٦١، ٦٢) عن سفيان به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص (٧٥٤)، والبيهقى (٤/ ١٨٣) من طريق المسعودى به.","vol":"24","page":673},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن المسعوديِّ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن أبى العُبَيْدَينِ، أنه سأل ابنَ مسعودٍ عن قولِه: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. فذكَر نحوَه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ التيميِّ، عن الحارثِ بن سُويدٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: الفَأْسُ والقِدْرُ والدَّلْوُ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ التيميِّ، عن الحارثِ بن سُويدٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: ﴿الْمَاعُونَ﴾: مَنعُ الفَأْسِ والقِدْرِ والدَّلْوِ.\nحدَّثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن الحارثِ بن سُويدٍ، عن عبدِ اللَّهِ، أنه سُئل عن: ﴿الْمَاعُونَ﴾. قال: ما يتعاوَرُه (^٢) الناسُ بينَهم؛ الفَأْسُ والدَّلْوُ وشِبْهُه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن ابن مسعودٍ، قال: الدَّلْوُ والفَأْسُ والقِدْرُ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى إسحاقَ، عن سعيدِ بن عِياضٍ، عن أصحاب النبيّ ﷺ قال: ﴿الْمَاعُونَ﴾: الفَأْسَ والقِدْرَ والدَّلْوَ.\nحدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمِ، قال: سُئل عبدُ اللَّهِ عن: ﴿الْمَاعُونَ﴾. قال: ما يتعاوَرُه الناسُ بينَهم؛ الفَأْسُ والقِدْرُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٣) من طريق الأعمش به بنحوه.\n(^٢) في ص، ت (١): (يتعاون).","vol":"24","page":674},{"text":"والدَّلْوُ وشِبْهُه (^١).\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ أنه قال: هو عاريَّةُ الناسِ؛ الفَأْسُ والقِدْرُ والدَّلْوُ ونحوُ ذلك، يعنى الماعونَ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ بمثلِه.\nقال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه، قال: الفَأْسُ والدَّلْوُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بن أبى ثابتٍ الأسديِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿الْمَاعُونَ﴾: العاريَّةَ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: هو العاريَّةُ (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ (^٦)، عن ابن أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٢) عن أبى معاوية به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٣) من طريق آخر عن إبراهيم به.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٣)، والبيهقى (٤/ ١٨٣، ٦/ ٨٨) من طريق وكيع به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (٦/ ٤٠١) إلى آدم وسعيد بن منصور وابن المنذر والضياء في المختارة.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢٣٥٤)، والحاكم (٢/ ٥٣٦) من طريق سفيان به.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٩٩) عن سفيان الثورى به.\n(^٦) بعده في ت (١): (عن قتادة).","vol":"24","page":675},{"text":"مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه (^١).\nحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿الْمَاعُونَ﴾. قال: متاعَ البيتِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، أُراه عن ابن عباسٍ - شكَّ أبو كريبٍ -: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. قال: المتاعَ.\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرَنا ابنُ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: هو متاعُ البيتِ.\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: يمنعونهم العاريَّةَ، وهو الماعونُ.\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. قال: اختلَف الناسُ في ذلك؛ فمنهم من قال: يمنعون الزكاةَ. ومنهم مَن قال: يمنعون الطاعةَ. ومنهم من قال: يمنعون العاريَّةَ (^٣).\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. قال: لم يجئ أهلُها بعدُ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٩٩) عن معمر به.\n(^٢) تفسير مجاهد ص (٧٥٥)، ومن طريقه البيهقى (٤/ ١٨٣، ١٨٤).\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٥١٨)، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (٦/ ٤٠١) إلى ابن مردويه.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٠٣) عن ابن علية به.","vol":"24","page":676},{"text":"حدَّثنى ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿الْمَاعُونَ﴾: ما يتعاطى الناسُ بينهم.\nحدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرَنا ابنُ علية، قال: ثنا ليثٌ، عن أبى إسحاقَ، عن الحارثِ، قال: قال عليٌّ ﵁: ﴿الْمَاعُونَ﴾: منعُ الزكاةِ والفَأْسِ والدَّلْوِ والقِدْرِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ النَّبِيلُ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبِ بن أبى ثابتٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: ﴿الْمَاعُونَ﴾: العاريَّةَ (^٢).\nحدَّثنى أبو حَصينٍ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بن يونسَ، قال: ثنا عَبْثرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن أبى مالكٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. قال: الدَّلْوُ والقِدْرَ والفَأْسَ (^٢).\nحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا أبو عوانةَ، عن عاصمِ بن بهدلةَ، عن أبى وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: كنا مع نبيِّنا ﷺ ونحنُ نقولُ: ﴿الْمَاعُونَ﴾: منعُ الدَّلْوِ وأشباهِ ذلك (^٣).\nوقال آخرون: ﴿الْمَاعُونَ﴾: المعروفَ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٥١٨) عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٠٣) عن ابن علية به.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير (٨/ ٥١٧).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٦٥٧) - ومن طريقه البيهقى (٤/ ١٨٣) - والبزار (١٧١٩)، والنسائى في الكبرى (١١٧٠١) من طريق أبى عوانة به، وهو في تفسير مجاهد ص (٧٥٥)، والبيهقى (٤/ ١٨٣) من طريق عاصم، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٤٥٨٩) من طريق أبى وائل به.","vol":"24","page":677},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10041>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ السُّلميُّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ رِفاعةَ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ كعبٍ يقولُ: ﴿الْمَاعُونَ﴾: المعروفَ (^١).\nوقال آخرون: ﴿الْمَاعُونَ﴾: هو المالُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10042>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى أحمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: الماعونُ بلسانِ قريشٍ المالُ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن الزهريِّ، قال: الماعونُ بلسانِ قريشٍ المالُ (^٣).\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ؛ إذْ كان الماعونُ هو ما وصَفْنا قبلُ، وكان اللهُ قد أخبَرَ عن هؤلاءِ القومِ، وأنهم يَمْنعُونه الناسَ، خبرًا عامًّا، مِن غيرِ أن يَخُصَّ مِن ذلك شيئًا - أنْ يُقالَ: إِنَّ اللَّهَ وصَفهم بأنهم يَمْنعون الناسَ ما يتعاوَرُونه بينَهم، ويَمْنَعون أهلَ الحاجةِ والمسكنةِ ما أوجَب اللَّهُ لهم في أموالِهم مِن الحقوقِ؛ لأنَّ كلَّ ذلك مِن المنافعِ التي يَنْتَفِعُ بها الناسُ بعضُهم مِن بعضٍ.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ (أرأيتَ)\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٥١٨).\n(^٢) ينظر علل أحمد (٢/ ٥٩،٥٨) (٣٧٩).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٠٤، ١٠/ ٤٦٩، ٤٧٠)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير (٨/ ٥١٨) - من طريق وكيع به.","vol":"24","page":678},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10043>تفسيُر سورةِ \"الكوثرِ\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6205\"></span><span data-type='title' id=toc-10045>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ </span>(٣)﴾.\nيقولُ تعالى ذكرُه: إنا أعْطَيْناك يا محمدُ الكَوْثَرَ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الكوثرِ؛ فقال بعضُهم: هو نهرٌ في الجنةِ أعطاه اللهُ نبيَّه محمدًا ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10044>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن محاربِ بن دِثارٍ، عن ابن عمرَ أنه قال: الكوثرُ نهرٌ في الجنةِ، حافَتاه ذهبٌ وفضةٌ، يَجْرى على الدُّرِّ والياقوتِ، ماؤُه أشدُّ بياضًا مِن اللَّبَنِ، وأَحْلى مِن العسلِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن محاربِ بن دِثارٍ الباهليِّ، عن ابن عمرَ في قولِه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. قال: نهرٌ في الجنةِ، حافَتاه الذهبُ، ومَجْراه على الدُّرِّ والياقوتِ، وماؤُه أشدُّ بياضًا مِن الثلجِ، وأشدُّ حلاوةً مِن العسلِ، وتربتُه أطيبُ مِن ريحِ المسكِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عبيدٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٥٢٢) عن المصنف، وأخرجه الحسين المروزى في زوائده على الزهد لابن المبارك (١٦١٤) عن هشيم به، وأخرجه هناد في الزهد (١٣١) من طريق عطاء به.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٦٧) من طريق جرير به.","vol":"24","page":679},{"text":"ابن عباسٍ، قال: الكوثرُ نهرٌ في الجنةِ، حافَتاه ذهبٌ وفضةٌ، يَجْرِى على الياقوتِ والدُّرِّ، ماؤُه أبيضُ مِن الثلجِ وأحلى من العسلِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، عن شقيقٍ - أو مسروقٍ - قال: قلتُ لعائشةَ: يا أمَّ المؤمنين، [حدِّثينى عن الكوثرِ] (^٢). قالت: نهرٌ في بُطْنان الجنةِ. قلتُ: وما بُطْنانُ الجنةِ؟ قالت: وَسَطُ الجنةِ، حافَتاه قصورُ اللُّؤْلُؤَ والياقوتِ، ترابُه المسْكُ، وحصباؤُه اللُّؤْلُؤُ والياقوتُ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ أبى سُريجٍ الرازيُّ، قال: ثنا أبو النَّضْرِ وشَبَابةُ، قالا: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن رجلٍ، عن عائشةَ، قالت: الكوثرُ نهرٌ في الجنةِ، ليس أحدٌ يُدْخِلُ إصْبَعَيه في أُذُنَيه إلا سمِع خريرَ ذلك النهرِ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبى جعفرٍ، وحدَّثنا ابنُ أبى سُرَيجٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن أنسٍ، قال: الكوثرُ نهرٌ في الجنةِ (^٥).\nقال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبى إسحاقَ، عن أبى عبيدةَ، عن عائشةَ، قالت: الكوثرُ نهرٌ في الجنةِ، دُرٌّ مُجَوَّفٌ (^٦).\nقال (^٧): ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبى إسحاقَ، عن أبى عبيدة، عن عائشةَ:\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٥٢٢)، والبداية والنهاية (٢٠/ ٢٩٨) عن المصنف.\n(^٢) سقط من النسخ. والمثبت من تفسير ابن كثير.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٥٢١) عن المصنف.\n(^٤) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ٢٩٩) عن ابن أبي نجيح به، وأخرجه البيهقى في البعث والنشور (١٤٣) عن ابن أبي نجيح، عن عائشة، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (٦/ ٤٠٢) إلى ابن مردويه عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عائشة.\n(^٥) ذكره ابن القيم في حادى الأرواح ص (١٣٩)، وابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ٢٩٩) عن أبى نعيم.\n(^٦) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٥٢١) عن المصنف.\n(^٧) زيادة ضرورية.","vol":"24","page":680},{"text":"الكوثرُ نهرٌ في الجنةِ، عليه مِن الآنيةِ عَددُ نجومِ السماءِ (^١).\nقال: ثنا وكيعٌ، عن أبى جعفرٍ الرازيِّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عائشةَ، قالت: مَن أحبَّ أنْ يَسمعَ خريرَ الكوثرِ، فلْيَجْعَلْ إصْبعَيْه في أُذُنَيه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبى إسحاقَ، عن أبى عبيدةَ، عائشةَ، قالت: نهرٌ في الجنةِ، شاطئاه الدُّرُّ المجوَّفُ.\nقال: ثنا مِهْرانُ، عن أبى معاذ عيسى بن يزيدَ، عن أبى إسحاقَ، عن أبى عبيدةَ، عن عائشةَ، قالت: الكوثرُ نهرٌ في بُطْنانِ الجنةِ؛ وَسَطِ الجنةِ، فيه نهرٌ شاطئاه دُرٌّ مُجَوَّفٌ، فيه مِن الآنيةِ لأهلِ الجنةِ مثلُ عَددٍ نجومِ السماءِ.\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. قال: نهرٌ أعطاه اللَّهُ محمدًا ﷺ في الجنةِ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ أبى سُرَيْجٍ، قال: ثنا مَسعدةُ، عن عبدِ الوهابِ، عن مجاهدٍ، قال: الكوثرُ نهرٌ في الجنةِ، ترابُه مِسكٌ أَذْفَرُ، وماؤُه الخَمْرُ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ أَبى سُرَيجٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. قال: نهرٌ في الجنةِ (^٤).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٥٢١) عن المصنف، وأخرجه البخارى (٤٩٦٥)، وفى تفسير مجاهد ص (٧٥٦)، وأخرجه البيهقى في البعث والنشور (١٣٦) من طريق إسرائيل به، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٣/ ١٤٤)، وأحمد (٦/ ٢٨١) (الميمنية)، وهناد في الزهد (١٣٩) - ومن طريقه الآجرى في الشريعة (١٠٩٠)، والحافظ في التغليق (٤/ ٣٧٩) - والنسائى في الكبرى (١١٧٠٥)، وابن مردويه - كما في التغليق - والبيهقى في البعث والنشور (١٣٧) من طريق أبى إسحاق به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٥٢١) عن المصنف، وأخرجه هناد في الزهد (١٤١) عن وكيع به.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٥٢٢)، وفى البداية والنهاية (٢٠/ ٢٩٨)، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (٦/ ٤٠٢) إلى ابن مردويه.\n(^٤) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٥٢٣).","vol":"24","page":681},{"text":"حدَّثنا الربيعُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، عن سليمانَ بن بلالٍ، عن شَرِيكِ بن أبى نَمِرٍ، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يحدِّثُنا، قال: لما أُسرِى برسولِ اللَّهِ ﷺ مضى به جبريلُ في السماءِ الدنيا، فإذا هو بنهرٍ عليه قصرٌ مِن لُؤْلُؤ وزَبَرْجَدٍ، فذهب يَشَمُّ تُرابَه، فإذا هو مِسكٌ، فقال: (يا جبريلُ، ما هذا النهرُ؟). قال: هو الكوثرُ الذي خَبَأ لك ربُّك (^١).\nوقال آخرون: عُنِى بالكوثرِ الخيرُ الكثيرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10046>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنى هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ وعطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه قال في الكوثرِ: هو الخيرُ الكثيرُ الذي أعطاه اللَّهُ إيَّاه. قال أبو بشرٍ: فقلتُ لسعيدِ بن جبيرٍ: فإنَّ ناسًا يزعُمون أنه نهرٌ في الجنةِ. قال: فقال سعيدٌ: النهرُ الذي في الجنةِ مِن الخيرِ الذي أعطاه اللَّهُ إِيَّاه (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن عطاءِ بن السائبِ، قال: قال لى محاربُ بنُ دِثارٍ: ما قال سعيدُ بنُ جبيرٍ في الكوثرِ؟ قال: قلتُ: قال: قال ابنُ عباسٍ: هو الخيرُ الكثيرُ. فقال: صَدَق واللَّهِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿الْكَوْثَرَ﴾: الخيرَ الكثيرَ.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٥٢٠) عن المصنف، وتقدم مطولا في (١٤/ ٤١٦ - ٤٢٠).\n(^٢) أخرجه البخارى (٤٩٦٦)، والبيهقى في البعث والنشور (١٣٩) من طريق يعقوب به دون ذكر عطاء، وأخرجه البخارى (٦٥٧٨) - ومن طريقه البغوي في تفسيره (٨/ ٥٥٧) - وفى تفسيره مجاهد ص (٧٥٧)، دون ذكر أبى بشر - والحسين المروزى في زوائده على الزهد (١٦١٤)، والنسائى في الكبرى (١١٧٠٤)، والحاكم (٢/ ٥٣٧) - ولم يذكرا عطاء - من طريق هشيم به.","vol":"24","page":682},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى بشرٍ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ عن الكوثرِ، فقال: هو الخيرُ الكثيرُ الذي آتاه اللَّهُ. فقلتُ لسعيدٍ: إنا كنا نَسمعُ أنه نهرٌ في الجنةِ. فقال: هو الخيرُ الذي أعطاه الله إيَّاه (^١).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. قال: الخيرَ الكثيرَ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن عُمارةَ بن أبى حفصةَ، عن عكرمةَ، قال: هو النبوَّةُ، والخيرُ الذي أعطاه اللَّهُ إيَّاه (^٢).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا حَرَمِيُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرنى عُمارةُ، عن عكرمةَ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. قال: الخيرَ الكثيرَ، والقرآنَ والحكمةَ\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا عُمارةُ بنُ أبى حفصةَ، عن عكرمةَ أنه قال: ﴿الْكَوْثَرَ﴾: الخيرَ الكثيرَ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. قال: الخيرَ الكثيرَ (^٣).\nقال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن هلالٍ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. قال: أكثَر اللَّهُ له مِن الخيرِ. قلتُ: نهرٌ في الجنةِ؟ قال: نهرٌ وغيرُه.\nحدَّثنا زكريا بنُ يحيى بن أبى زائدةَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى بن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١١/ ٤٩٧) عن محمد بن جعفر به.\n(^٢) أخرجه المروزى في زوائد الزهد (١٦١٥) من طريق عمارة به.\n(^٣) أخرجه هناد في الزهد (١٤٠) من طريق عطاء به.","vol":"24","page":683},{"text":"ميمونٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿الْكَوْثَرَ﴾: الخيرَ الكثيرَ.\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿الْكَوْثَرَ﴾: الخيرَ الكثيرَ (^١).\nحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن مجاهدٍ: ﴿الْكَوْثَرَ﴾. قال: الخيرَ كلَّه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: خيرَ الدنيا والآخرةِ (^٢).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في الكوثرِ، قال: هو الخيرُ الكثيرُ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: ﴿الْكَوْثَرَ﴾: الخيرَ الكثيرَ.\nقال: ثنا وكيعٌ، عن بدرِ بن عثمانَ، سمِع عكرمةَ يقولُ في الكوثرِ، قال: ما أُعطِى النبيُّ ﷺ مِن الخيرِ والنبوَّةِ والقرآنِ (^٣).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ أبى سُرَيجٍ الرازيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، عن بدرٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. قال: الخيرُ الذي أعطاه اللَّهُ النبوَّةُ والإسلامُ.\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص (٧٥٧)، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (٦/ ٤٠٢) إلى ابن مردويه.\n(^٢) أخرجه الحسين المروزى في زوائد الزهد (١٦١٥) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (٦/ ٤٠٣) إلى ابن عساكر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١١/ ٥٠٨)، وهناد في الزهد (١٤٢) عن وكيع به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (٦/ ٤٠٣) إلى ابن أبي حاتم وابن عساكر.","vol":"24","page":684},{"text":"وقال آخرون: هو حَوْضُ أُعْطِيَه رسولُ الله ﷺ في الجنةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10047>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن فِطرٍ (^١)، عن عطاءٍ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. قال: حَوْضٌ في الجنةِ أَعْطِيَه رسولُ اللَّهِ ﷺ (^٢).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ أبى سُرَيجٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا فِطرٌ (^١)، قال: سألتُ عطاءً ونحنُ نطوفُ بالبيتِ عن قولِه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. قال: حَوْضٌ أُعْطِيَه رسولُ اللَّهِ ﷺ.\nوأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: هو اسمُ النهرِ الذي أُعْطِيَه رسولُ اللَّهِ ﷺ في الجنةِ، وصَفه اللَّهُ بالكثرةِ لعِظَمِ قَدْرِه.\nوإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ؛ لتتابعِ الأخبارِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بأنَّ ذلك كذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-10048>ذكرُ الأخبارِ الواردةِ بذلك</span>\nحدَّثنا أحمدُ بنُ المِقْدامِ العِجْليُّ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ أبى يحدِّثُ عن قتادةَ، عن أنسٍ، قال: لما عُرِج بنبيِّ اللَّهِ ﷺ في الجنةِ - أو كما قال - عَرَض له نهرٌ، حافَتاه الياقوتُ المُجَوَّفُ - أو قال: المُجَوَّبُ - فَضَرَب المَلَكُ الذي معه بيدِه فيه، فاستَخْرَج مِسْكًا، فقال محمدٌ للمَلَكِ الذي معه: (ما هذا؟). قال: هذا الكوثرُ الذي أَعْطاك اللَّهُ. قال: ورُفِعَتْ له سِدْرَةُ المُنتهَى، فأبصَر عندَها أثرًا عظيمًا. أو كما قال (^٣).\n_________\n(^١) في م: (مطر). وينظر تهذيب الكمال (٢٣/ ٣١٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١١/ ٥٠٨) عن وكيع به، وأخرجه الحسين المروزى في زوائده على الزهد (١٦١١) من طريق فطر به.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٧٤٨) - ومن طريقه البيهقى في البعث (١٢٧) - من طريق المعتمر به.","vol":"24","page":685},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: (بينما أنا أسيرُ في الجنةِ، إذ عَرَض لى نهرٌ، حافَتاه قِبابُ اللُّؤْلُؤَ المُجَوَّفِ. فقال المَلَكُ الذي معه (^١): أَتَدْرِى ما هذا؟ هذا الكوثرُ الذي أَعْطاك اللَّهُ إيَّاه. وضَرَب بيدِه إلى أَرْضِه، فأَخْرَج مِن طِينِه المِسكَ (^٢».\nحدَّثنى ابنُ عوفٍ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا شيبانُ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: (لما عُرِج بى إلى السماءِ، أَتَيْتُ على نهرٍ حافتاه قِبابُ اللُّؤْلُؤَ المُجَوَّفِ، قلتُ: ما هذا يا جبريلُ؟ قال: هذا الكوثرُ الذي أَعْطاك ربُّك. فأَهْوَى المَلَكُ بيدِه، فاستَخْرَج طِينَه مِسكًا أَذْفَرَ) (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: (دخَلْتُ الجنةَ، فإذا أنا بنهرٍ حافَتاه خِيامُ اللُّؤْلُؤَ، فَضَرَبْتُ بيدِى إلى ما يَجْرِى فيه، فإذا مِسكٌ أَذْفَرُ). قال: (قلتُ: ما هذا يا جبريلُ؟ قال: هذا الكوثرُ الذي أَعْطاكه اللَّهُ) (^٤).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا همامٌ، قال: ثنا قتادةُ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ. فذكَر نحوَ حديثِ يزيدَ، عن\n_________\n(^١) في ت (١): (معى).\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٦٤٧٤)، والآجرى في الشريعة (٩٣٤، ١٠٨٦) من طريق يزيد به، وأخرجه أحمد (٢١/ ١٠٦) (١٣٤٢٥) من طريق سعيد به، وأخرجه الترمذى (٣٣٦٠) من طريق قتادة به.\n(^٣) أخرجه أحمد (٢٠/ ٣٩٩) (١٣١٥٦)، والبخارى (٤٩٦٤)، وفى تفسير مجاهد ص (٧٥٦)، والبيهقى في البعث (١٢٤) من طريق آدم به.\n(^٤) أخرجه أحمد (١٩/ ٦٦) (١٢٠٠٨)، والحسين المروزى في زوائد الزهد (١٦١٢)، والآجرى في الشريعة (٩٣٥) من طريق ابن أبي عدى به، وأخرجه ابن أبي شيبة (١١/ ٤٣٧، ١٣/ ١٤٧)، وأحمد (١٩/ ١٩٥، ٢١/ ٢٩٩) (١٢١٥١، ١٣٧٧٦)، وهناد في الزهد (١٣٤)، والنسائى في الكبرى (١١٧٠٦)، وأبو يعلى (٣٢٩٠، ٣٧٢٥، ٣٨٢٣)، وابن حبان (٦٤٧٣)، والآجرى في الشريعة (٣٩٦)، والحاكم (١/ ٧٩، ٨٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٤٥)، والبغوى في تفسيره (٨/ ٥٥٨)، وفى شرح السنة (٤٣٤٣) من طريق حميد به، وأخرجه أحمد (٢٠/ ١٨، ٢١/ ٢٠٠) (١٢٥٤٢، ١٣٥٧٨)، وأبو يعلى (٣٢٩٠، ٣٥٢٩) من طريق ثابت، عن أنس.","vol":"24","page":686},{"text":"سعيدٍ، [الذي حدَّثنا بشرٌ] (^١).\nحدَّثنا أحمدُ بنُ أبى سُرَيجٍ، قال: ثنا أبو أيوبَ العباسُ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن مسلمٍ ابنُ أخى ابن شهابٍ، عن أبيه، عن أنسٍ، قال: سُئل رسولُ اللَّهِ ﷺ عن الكوثرِ، فقال: (هو نهرٌ أَعْطانِيه اللَّهُ في الجنةِ، تُرابُه مِسكٌ، أَبْيَضُ مِن اللَّبَنِ، وأَحْلَى مِن العَسَلِ، تَرِدُه طيرٌ أعناقُها مثلُ أَعْناقِ الجُزُرِ). قال أبو بكرٍ: يا رسولَ اللَّهِ، إنها لناعمةٌ. قال: (آكِلُها أَنْعَمُ منها) (^٢).\nحدَّثنا خلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: [أخبَرنا النَّضْرُ، قال] (^٣): أخبَرنا محمدُ بنُ عمرِو بن علقمةَ بن (^٤) وقَّاصٍ اللَّيثيُّ، عن كثيرٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: (دَخَلْتُ الجنةَ حينَ عُرِج بى، فأُعْطِيتُ الكوثرَ، فإذا هو نهرٌ في الجنةِ، عِضَادَتاه (^٥) بُيُوتٌ مُجَوَّفَةٌ مِن لُؤْلُؤُ).\nحدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبى وشعيبُ بنُ اللَّيثِ، عن اللَّيثِ، عن يزيدَ بن الهادِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسلمِ بن شهابٍ، عن أنسٍ، أنَّ رجلًا جاء إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ما الكوثرُ؟ قال: (نهرٌ أَعْطانِيه اللَّهُ في الجنةِ، لَهو أشدُّ بياضًا مِن اللَّبَنِ، وأَحْلَى مِن العَسَلِ، فيه طيورٌ أَعْناقُها كأَعْناقِ الجُزُرِ). قال عمرُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنها لناعمةٌ. قال: (آكِلُها أَنْعَمُ منها) (^٦).\n_________\n(^١) في م: (حدثنا بشر قال). والحديث أخرجه أحمد (٢٠/ ٣٠١، ٢١/ ٤٦٠) (١٢٩٩٠، ١٤٠٨٢)، والبخارى (٦٥٨١)، وأبو يعلى (٢٨٧٦)، والبيهقى في البعث (١٢٦) من طريق همام به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٥٢٠) عن المصنف، وأخرجه أحمد (٢١/ ١٣٢) (١٣٤٧٥)، والبيهقى في البعث (١٣٢) من طريق أبى أيوب به، وأخرجه الترمذى (٢٥٤٢) من طريق محمد بن عبد الله بن مسلم به، وعنده (عمر) مكان (أبى بكر).\n(^٣) سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال (٨/ ٣٥١).\n(^٤) بعده في م: (أبى). وينظر تهذيب الكمال (٢٦/ ٢١٢).\n(^٥) عضادتا الباب: ناحيتاه، وما كان نحو ذلك فهو العضادة. التاج (ع ض د).\n(^٦) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٧٠٣) عن محمد بن عبد الله بن الحكم، عن شعيب، عن الليث، عن ابن الهاد، عن عبد الوهاب، عن عبد الله بن مسلم، عن ابن شهاب، عن أنس به.","vol":"24","page":687},{"text":"حدَّثنا يونسُ، قال: ثنا يحيى بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنى اللَّيثُ، عن ابن الهادِ، عن عبدِ الوهابِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسلمِ بن شهابٍ، عن أنسٍ، أنَّ رجلًا جاء إلى النبيِّ ﷺ. فذكرَ مثلَه (^١).\n[حدَّثنا عمرُ بنُ عثمانَ بن عبدِ الرحمنِ الزهريُّ، أنَّ أخاه عبدَ اللَّهِ أخبَره] (^٢)، أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ صاحبَ النبيِّ ﷺ، أخبَره، أنَّ رجلًا سأل النبيَّ ﷺ، فقال: ما الكوثرُ؟ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: (هو نهرٌ أَعْطانيه اللَّهُ في الجنةِ، ماؤُه أَبْيَضُ مِن اللَّبنِ، وأَحْلَى مِن العَسَلِ، فيه طُيُورٌ أَعْناقُها كأَعْناقِ الجُزُرِ). فقال عمرُ: إنها لناعمةٌ يا رسولَ اللَّهِ. فقال: (آكِلُها أَنْعَمُ منها) (^٣).\nفقال عمرُ بنُ عثمانَ: قال ابنُ أبى أُوَيسٍ: وحدَّثنى أبى، عن ابن أخى الزهريِّ، عن أبيه، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ في الكوثرِ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ، قال: ثنا عطاءٌ، عن مُحاربِ بن دِثارٍ، عن ابن عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: (الكوثرُ نهرٌ في الجنةِ، حافَتاه مِن ذهبٍ، ومَجْرَاه على الياقُوتِ والدُّرِّ، تُرْبَتُه أَطْيَبُ مِن المِسكِ، وماؤُه أَحْلَى مِن العَسَلِ، وأشدُّ بياضًا مِن الثَّلْجِ) (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده (٢١/ ٣٠) (١٣٣٠٦) من طريق الليث، عن ابن الهاد، عن عبد الوهاب، عن عبد الله بن مسلم، عن ابن شهاب، عن أنس.\n(^٢) كذا في النسخ، وهناك سقط ظاهر؛ نتيجة انتقال نظر الناسخ، وغالب الظن أن الإسناد كان هكذا: (حدثنا عمر بن عثمان بن عبد الرحمن الزهرى، قال حدثنا ابن أبي أويس قال: حدثني أبى، عن ابن شهاب الزهرى، أن أخاه عبد الله أخبره …)، فحدث انتقال نظر. ينظر الإسناد الآتى، وينظر كذلك تهذيب الآثار (٩٧٩، ٩٨٨) السفر الثاني من مسند عمر بن الخطاب، وتفسير ابن كثير (٨/ ٥٢١).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢١/ ١٣٦، ١٣٩) (١٣٤٨٠، ١٣٤٨٤)، والحاكم (٢/ ٥٣٧)، من طرق عن أبى أويس عن الزهرى عن أخيه عبد الله به.\n(^٤) أخرجه الآجرى في الشريعة (١٠٨٧) من طريق ابن أخى الزهرى به.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١١/ ٤٤٠، ١٣/ ١٤٤)، وهناد في الزهد (١٣٢)، والترمذى (٣٣٦١)، وابن ماجه (٤٣٣٤)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير (٨/ ٥٢٢) - والآجرى في الشريعة (١٠٨٥)، والبغوى في شرح السنة (٤٣٤١)، والذهبى في ذيل تذكرة الحفاظ ص (٤٨) من طريق محمد بن فضيل به، =","vol":"24","page":688},{"text":"حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا عطاءُ بنُ السائبِ، قال: قال لى محاربُ بنُ دِثارٍ: ما قال سعيدُ بنُ جبيرٍ في الكوثرِ؟ قلتُ: حدَّثنا عن ابن عباسٍ أنه قال: هو الخيرُ الكثيرُ. فقال: صَدَقَ واللَّهِ، إنه لَلْخيرُ الكثيرُ، ولكن حدَّثنا ابنُ عمرَ قال: لما نزَلت: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: (الكوثرُ نهرٌ في الجنةِ، حافَتاه مِن ذَهَبٍ، يَجْرِى على الدُّرِّ والياقُوتِ) (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: (الكوثرُ نهرٌ في الجنةِ). قال النبيُّ ﷺ: (رأَيْتُ نهرًا، حافَتاه اللُّؤْلُؤُ، فقلتُ: يا جبريلُ، ما هذا؟ قال: هذا الكوثرُ الذي أَعْطاكه اللَّهُ) (^٢).\nحدَّثنا ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبى مريمَ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرِ بن أبى كثيرٍ، قال: أخبَرنا حَرامُ (^٣) بنُ عثمانَ، عن عبدِ الرحمنِ الأعرجِ، عن أُسامةَ بن زيدٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أتى حمزةَ بنَ عبدِ المطلبِ يومًا فلم يَجِدْه، فسأل امرأتَه عنه، وكانت مِن بنى النَّجارِ، فقالت: خرَج، بأبى أنت، آنفًا عامدًا نحوَك، فأظنُّه أخطأك في بعضِ أزقَّةِ بنى النَّجارِ، أوَ لا تَدْخُلُ يا رسولَ اللَّهِ؟ فدخَل، فقدَّمَت إليه حَيْسًا (^٤)، فأكَل منه، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، هنيئًا لك ومَرِيئًا، لقد جئتَ وإنى لأُريدُ\n_________\n= وأخرجه أحمد (٩/ ٢٥٧) (٥٣٥٥)، والدارمى (٢/ ٣٣٧، ٣٣٨)، وفى تفسير مجاهد ص (٧٥٦) من طريق عطاء به، وأخرجه الطبراني (١٣٣٠٦) من طريق عكرمة، عن ابن عمر.\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٥٢٣) عن المصنف، وأخرجه الطيالسى (٢٠٤٥) - ومن طريقه البيهقى في البعث (١٤١، ١٤٢) - وأحمد (١٠/ ١٤٥) (٥٩١٣)، والحاكم (٣/ ٥٤٣) - وعنه البيهقى في البعث (١٤٠) من طريق عطاء به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (٦/ ٤٠٣) إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٤٠١)، وأحمد (٢٠/ ١٠٩) (١٢٦٧٥)، وعبد بن حميد (١١٨٧)، والترمذى (٣٣٥٩)، وأبو يعلى (٣١٨٦) من طريق معمر به.\n(^٣) في م: (حزام)، وفى ت: (٢) (عرام)، وفى ت (٣): (عزام). وينظر الجرح والتعديل (٣/ ٢٨٢)، وتهذيب الكمال (٢٤/ ٥٨٣).\n(^٤) الحيس: تمر يخلط بسمن وأقط فيعجن. التاج (ح ى س).","vol":"24","page":689},{"text":"أنْ آتيَك فأُهنِّيَك وأُمْرِيَك؛ أخبَرنى أبو عُمارَة أنك أُعطيتَ نهرًا في الجنةِ يُدْعَى الكوثرَ. فقال: (أَجَلْ، وعَرْضُه - يعنى أَرْضَه - ياقوتٌ ومَرْجانٌ وزَبَرْجَدٌ ولُؤْلُو) (^١).\n\n<span id=\"aya-6206\"></span>وقولُه: ﴿فَصَلِّ لِرَبَّكَ وَانْحَرْ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في الصلاةِ التي أمَر اللهُ نبيَّه ﷺ أنْ يُصلِّيَها بهذا الخطاب، ومعنى قولِه: ﴿وَانْحَرْ﴾؛ فقال بعضُهم: حضَّه على المواظبةِ على الصلاةِ المكتوبةِ، وعلى الحفظِ عليها في أوقاتها بقولِه: ﴿فَصَلِّ لِرَبَّكَ وَانْحَرْ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-10049>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ الطُّفاويُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، قال: ثنى يزيدُ بنُ أبى زيادِ بن أبى الجعدِ، عن عاصمٍ الجَحْدَرِيّ، عن عقبةَ بن ظُهيرٍ، عن عليٍّ ﵁ في قولِه: ﴿فَصَلِّ لِرَبَّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: وَضْعُ اليمينِ على الشمالِ في الصلاةِ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بن سلمةَ، عن عاصمٍ الجَحْدَرِيِّ، عن عقبةَ بن ظَبْيانَ، عن أبيه، عن عليٍّ ﵁: ﴿فَصَلِّ لِرَبَّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: وَضْعُ اليدِ على اليدِ في الصلاةِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عاصمٍ الجَحْدَرِىّ، عن عقبةَ بن ظَبْيانَ (^٢)، عن أبيه، عن عليٍّ ﵁: ﴿فَصَلِّ لِرَبَّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: وَضْعُ يدِه اليمنى على وَسَطِ ساعدِه اليُسْرَى، ثم وَضْعُهما على\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٥٢٣) عن المصنف، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (٦/ ٤٠٣) إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) في م: (ظهير). وهو مما قيل في اسمه. ينظر الجرح والتعديل (٦/ ٣١٣).","vol":"24","page":690},{"text":"صَدْرِه.\nقال: ثنا مِهْرانُ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن الشعبيِّ مثلَه (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن يزيدَ بن أبى زيادٍ، عن عاصمٍ الجَحْدَرِيِّ، عن عقبةَ بن ظُهيرٍ، عن عليٍّ ﵁: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: وَضْعُ اليمنى (^٢) على الشمالِ في الصلاةِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن أبى القَمُوصِ في قولِه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: وَضْعُ اليدِ على اليدِ في الصلاة.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا أبو صالحٍ الخُرَاسانيُّ، قال: ثنا حمادٌ، عن عاصمٍ الجَحْدَرِيِّ، عن أبيه، عن عقبةَ بن ظَبْيانَ، أنَّ عليَّ بنَ أبى طالبٍ ﵁ قال في قولِ اللَّهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: وَضْعُ يدِه اليمنى على وَسَطِ ساعدِه الأيسرِ، ثم وَضْعُهما على صَدْرِه (^٤).\nوقال آخرون: بل عُنِى بقولِه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾: الصلاةُ المكتوبةُ، وبقولِه: ﴿وَانْحَرْ﴾. أنْ يرفَعَ يدَيْه إلى النَّحْرِ عندَ افْتتاحِ الصلاةِ والدخولِ فيها.\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير (٨/ ٥٢٣).\n(^٢) في م: (اليمين).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٤٠١)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٩٠) عن وكيع به، وأخرجه البخارى في تاريخه (٦/ ٤٣٧) - ومن طريقه البيهقى (٢/ ٢٩) - من طريق يزيد به.\n(^٤) أخرجه البخارى في الكبير (٦/ ٤٣٧) - ومن طريقه البيهقى (٦/ ٤٣٧) - من طريق حماد به، وأخرجه الحاكم (٢/ ٥٣٧)، والبيهقى في الكبرى (٢/ ٢٩) من طريق حماد به دون ذكر عاصم الجحدرى، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (٦/ ٤٠٣) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطنى في الأفراد وأبى الشيخ وابن مردويه.","vol":"24","page":691},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10050>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبى جعفرٍ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾: الصلاةُ، ﴿وَانْحَرْ﴾: يرفَعُ يَدَيْهِ أَوَّلَ ما يُكَبِّرُ في الافتتاحِ (^١).\nوقال آخرون: عُنِى بقولِه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾: المكتوبةُ، وبقولِه: ﴿وَانْحَرُ﴾: نَحْرُ البُدْنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10051>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامُ بنُ سلْمٍ وهارونُ بنُ المغيرةِ، عن عنبسةَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: الصلاةُ المكتوبةُ ونَحْرُ البُدْنِ (^٢).\nحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، وحجَّاجٍ، [عن عطاءٍ] (^٣)، أنهما قالا في قولِه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: صلاةُ الغَداةِ بِجَمْعٍ، ونَحْرُ البُدْنِ بمِنًى (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن فِطْرٍ (^٥)، عن عطاءٍ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: صلاةُ الفجرِ، وانْحَرِ البُدْنَ (^٦).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى في الدر المنثور (٦/ ٤٠٣) إلى المصنف\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٤٠١، ٤٠٢) من طريق ابن أبي نجيح به.\n(^٣) سقط من م، وفى ت (١): (وعطاء). وحجاج هو ابن أرطاة، وعطاء هو ابن أبي رباح. ينظر تهذيب الكمال (٥/ ٤٢٠).\n(^٤) ذكره البغوي في تفسيره (٨/ ٥٥٩).\n(^٥) في م: (قطر). وينظر تهذيب الكمال (٢٣/ ٣١٢).\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٤٠١، ٤٠٢) من طريق فطر به.","vol":"24","page":692},{"text":"حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: الصلاةُ المكتوبةُ، والنَّحْرُ: النُّسُكُ والذَّبْحُ يومَ الأضحى (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ في قولِه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: صلاةُ الفجرِ (^٢).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك: صلِّ يومَ النحرِ صلاةَ العيدِ، وانْحَرْ تُشكَك.\n\n<span data-type='title' id=toc-10052>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عنبسةَ، عن جابرٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ يَنْحْرُ قبلَ أنْ يُصلِّىَ، فأُمِر أنْ يُصلِّيَ ثم يَنْحَرَ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ: فصلِّ الصلاةَ، وانْحَرِ النُّسكَ (^٤).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن ثابتِ بن أبى صفيةَ، عن أبى جعفرٍ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾. قال: الصلاةُ. وقال عكرمةُ: الصلاةُ ونَحْرُ النُّسُكِ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيع: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: إذا صلَّيتَ يومَ الأَضْحى فانْحَرْ (٢).\n_________\n(^١) عزاه السيوطى في الدر المنثور (٦/ ٤٠٣) إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير (٨/ ٥٢٣).\n(^٣) عزاه السيوطى في الدر المنثور (٦/ ٤٠٣) إلى المصنف.\n(^٤) ينظر تفسير البغوي (٨/ ٥٥٩)، وتفسير ابن كثير (٨/ ٥٢٣).","vol":"24","page":693},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا فِطْرٌ (^١)، قال: سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: تُصلِّي وتَنْحَرُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: اذْبَحْ.\nقال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبانُ بنُ خالدٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: الذَّبْحُ.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: نَحْرُ البُدْنِ، والصلاةُ يومَ النَّحْرِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: صلاةُ الأَضْحى، والنَّحْرُ نَحْرُ البُدْنِ (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: مناحرُ البُدْنِ بمِنًى (^٤).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: نَحْرُ النُّسُكِ (^٤).\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. يقولُ: اذْبَحْ يومَ النَّحْرِ (^٥).\n_________\n(^١) في م، ت (١): (قطر).\n(^٢) ينظر تفسير البغوي (٨/ ٥٥٩).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٤٠١) عن معمر به.\n(^٤) ينظر تفسير البغوي (٨/ ٥٥٩)، وتفسير ابن كثير (٨/ ٥٢٣).\n(^٥) أخرجه البيهقى (٩/ ٢٥٩) من طريق أبى صالح به.","vol":"24","page":694},{"text":"حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: نَحْرُ البُدْنِ.\nوقال آخرون: قيل ذلك للنبيِّ ﷺ لأنَّ قومًا كانوا يُصلُّون لغيرِ اللَّهِ، ويَنْحَرُون لغيرِه، فقيل له: اجْعَلْ صلاتَك ونَحْرَك للَّهِ؛ إذْ كان مَن يكفُرُ باللَّهِ يجعَلُه لغيرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-10053>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى أبو صخرٍ، عن محمدٍ بن كعبٍ القرظيِّ أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. يقولُ: إِنَّ ناسًا كانوا يُصلُّون لغيرِ اللَّهِ، ويَنْحَرون لغيرِ اللَّهِ، فإذا أَعْطيناك الكوثرَ يا محمدُ، فلا تكُنْ صلاتُك ونَحْرُك إلا لى (^١).\nوقال آخرون: بل أُنزِلت هذه الآيةُ يومَ الحُدَيْبِيَةِ، حينَ حُصِر النبيُّ ﷺ وأصحابُه وصُدُّوا عن البيتِ، فأَمَره اللَّهُ أنْ يُصلِّيَ، ويَنْحَرَ البُدْنَ، ويَنْصَرِفَ، ففعل.\n\n<span data-type='title' id=toc-10054>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى أبو صخرٍ، قال: ثنى أبو معاويةَ البَجَليُّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه قال: كانت هذه الآيةُ - يعنى قولَه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ - يومَ الحُدَيْبِيَّةِ؛ أتاه جبريلُ ﵇ فقال: انْحَرْ وارْجِعْ. فقام رسولُ اللهِ ﷺ، فخطَب [خُطبةَ الفِطْرِ والنحرِ] (^٢)، ثم ركَع ركعتَين،\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره (٨/ ٥٥٩)، والقرطبى في تفسيره (٢٠/ ٢٢٠).\n(^٢) كذا في النسخ، وفى الدر المنثور: (خطبة الأضحى).","vol":"24","page":695},{"text":"ثم انصرَف إلى البُدْنِ فنحَرها، فذلك حينَ يقولُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (^١).\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: فصلِّ وادْعُ ربَّك وسَلْه.\n\n<span data-type='title' id=toc-10055>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبى سنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: صلِّ لربِّك وسَلْ (^٢).\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ (^٣) يتأوَّلُ قولَه: ﴿وَانْحَرْ﴾: واستقبِلِ القبلةَ بنَحْرِك. وذكَر أنه سمِع بعضَ العربِ يقولُ: منازلُهم تَتَناحَرُ. أي: هذا بَنَحْرِ هذا. أي قُبالَتَه. وذكَر أن بعضَ بنى أسدٍ أنشَده:\nأبا حَكَم هَلْ أَنْتَ عَمُّ مُجَالدٍ … وسَيِّدُ أَهْلِ الأَبْطَحِ المُتَناحِرِ\nأي: يَنْحَرُ بعضُه بعضًا.\nوأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: فاجْعَلْ صلاتَك كلَّها لربِّك خالصًا دونَ ما سِواه مِن الأندادِ والآلهةِ، وكذلك نَحْرُك، اجْعَله له دونَ الأوثانِ، شكرًا له على ما أَعْطاك مِن الكرامةِ والخيرِ الذي لا كُفْءَ له، وخصَّك به، مِن إعطائِه إيَّاك الكوثرَ.\nوإنما قلتُ: ذلك أولى الأقوالِ بالصوابِ في ذلك؛ لأنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه أخبرَ نبيَّه ﷺ بما أكرَمه به مِن عَطِيَّتِه وكرامتِه وإنعامِه عليه بالكوثرِ، ثم أَتْبَع ذلك قولَه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. فكان معلومًا بذلك أنه خصَّه بالصلاةِ له والنَّحْرِ على\n_________\n(^١) عزاه السيوطى في الدر المنثور (٦/ ٤٠٣) إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطى في الدر المنثور (٦/ ٤٠٣) إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) هو الفراء في معاني القرآن (٣/ ٢٩٦).","vol":"24","page":696},{"text":"الشكرِ له، على ما أَعْلَمه من النعمةِ التي أَنْعَمها عليه، بإعطائِه إيَّاه الكوثرَ، فلم يكُنْ لخصوصِ بعضِ الصلاةِ بذلك دونَ بعضٍ، وبعضِ النَّحْرِ دونَ بعضٍ، وجْهٌ؛ إذْ كان حقًّا على الشكرِ على النِّعمِ.\nفتأويلُ الكلامِ إذنْ: إنَّا أعطيناك يا محمدُ الكوثرَ؛ إنعامًا منَّا عليك به، وتَكرِمةً منَّا لك، فأَخْلِصْ لربِّك العبادةَ، وأَفْرِدْ له صلاتَك ونُسُكَك، خلافًا لما يفعلُه مَن كفَر به وعبَد غيرَه ونَحَر للأوثانِ.\n\n<span id=\"aya-6207\"></span>وقولُه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إنَّ شَانِئَكَ﴾: إِنَّ مُبْغِضَك يا محمدُ وعدوَّك، ﴿هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. يعنى بالأَبْتَرِ الأَقلَّ الأذَلَّ المُنقَطِعَ دابرُه الذي لا عَقِبَ له.\nواختلَف أهلُ التأويل في المعنيِّ بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِى به العاصُ بنُ وائلٍ السهميُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10056>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. يقولُ: عدوَّك (^١).\nحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ [قولَه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾] (^٢). قال: هو العاصُ بنُ وائلٍ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان (٢/ ٥٧) - وابن مردويه - كما في التغليق (٤/ ٣٧٨) - من طريق أبى صالح به.\n(^٢) سقط من: ص، ت (١)، ت (٢)، ت (٢).\n(^٣) عزاه السيوطى في الدر المنثور (٦/ ٤٠٤) إلى المصنف وابن مردويه.","vol":"24","page":697},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن هلالِ بن خبَّابٍ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.\nقال: هو العاصُ بنُ وائلٍ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن هلالٍ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ عن قولِه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. قال: عدوُّك العاصُ بنُ وائلٍ أَنْبَتَر مِن قومِه.\nحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. قال: العاصُ بنُ وائلٍ، قال: أنا شانئُ محمدٍ، ومَن شَنَأه الناسُ فهو الأَبْتَرُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ، ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ (^٣): ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. قال: هو العاصُ بنُ وائلٍ، قال: أنا شأنئٌ محمدًا، وهو أَبْتَرُ، ليس له عَقِبٌ. قال اللَّهُ: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (^٤).\nقال قتادةُ: الأَبْتَرُ هو (^٥) الحَقِيرُ الدَّقيقُ الذليلُ (^٦).\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٥٢٤).\n(^٢) تفسير مجاهد ص (٧٥٧).\n(^٣) كذا في النسخ والدر المنثور، وفى تفسير عبد الرزاق: (الكلبى).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٤٠٢) عن معمر، عن الكلبى.\n(^٥) سقط من: م، ت (٢)، ت (٣).\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٤٠٢) عن معمر به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص (٤٦٤) - إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم كله من قول قتادة.","vol":"24","page":698},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وإِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾: هذا العاصُ بنُ وائلٍ، بلَغنا أنه قال: أنا شأنىُء محمدٍ.\nحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. قال: الرجلُ يقولُ: إنما محمدٌ أَبْتَرُ، ليس له كما تَرَوْن عَقِبٌ. فقال الله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (^١).\nوقال آخرون: بل غُنِى بذلك عقبةُ بنُ أبي مُعَيْطٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10057><span data-type='title' id=toc-10059><span data-type='title' id=toc-10060>ذكرُ مَن قال ذلك</span></span></span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، قال: كان عقبةُ بنُ أبى مُعَيْطٍ يقولُ: إنه لا يَبْقى للنبيِّ (^٢) ولدٌ، وهو أَبْتَرُ. فأنزل اللَّهُ فيه هؤلاءِ الآياتِ: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾. عُقْبةَ بنَ أبي مُعَيْطٍ، ﴿هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (^٣).\nوقال آخرون: بل عُنِى بذلك جماعةٌ مِن قريشٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10058>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ في هذه الآيةِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: (٥١)]. قال: نَزَلت في كعبِ بن الأشرفِ، أتى مكةَ فقال له أهلُها: نحنُ\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره (٢٠/ ٢٢٣).\n(^٢) بعده في النسخ: \"ﷺ\". وعقبة لا يقوله.\n(^٣) عزاه السيوطى في الدر المنثور (٦/ ٤٠٤) إلى المصنف وابن أبي حاتم.","vol":"24","page":699},{"text":"خيرٌ أم هذا الصُّنْبورُ (^١) المُنْبَتِرُ مِن قومِه، ونحن أهلُ الحَجِيج، وعندَنا مَنْحَرُ البُدْنِ؟ قال: أنتم خيرٌ. فأنزَل اللَّهُ فيه هذه الآيةَ، وأنزَل في الذين قالوا للنبيِّ ﷺ ما قالوا: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (^٢).\nحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن بدرِ بن عثمانَ، عن عكرمة: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. قال: لما أُوحِى إلى النبيِّ ﷺ قالت قريشٌ: بُتِر محمدُ منَّا. فنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. قال: الذي رَماك بالبَتْرِ هو الأَبْتَرُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، قال: أنبأنا داودُ بن أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قَدِم كعبُ بنُ الأشرفِ مكةَ أَتَوْه، فقالوا له: نحنُ أهل السِّقايةِ والسِّدانة، وأنت سيدُ أهل المدينةِ، فنحنُ خيرٌ أم هذا الصُّنْبُورُ المُنْبَترُ من قومه، يزعُمُ أنه خيرٌ منَّا؟ قال: بل أنتم خيرٌ منه. قال (^٤): فنزَلت عليه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. قال: وأُنزِلت عليه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيرًا﴾ (^٥).\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ أنْ يُقالَ: إِنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبَر أن\n_________\n(^١) الصنبور: هو الأبتر. وأصل الصنبور: سَعَفة تنبت في جذع النخلة لا في الأرض. وقيل: هي النخلة المنفردة التي يدق أسفلها. أرادوا أنه إذا قلع انقطع ذكره كما يذهب أثر الصنبور؛ لأنه لا عقب له. النهاية ٣/ ٥٥.\n(^٢) تقدم تخريجه في ٧/ ١٤٣.\n(^٣) عزاه السيوطى في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص ٤٦٤ - إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤) سقط من: ت ٢، ت ٣.\n(^٥) تقدم تخريجه في ٧/ ١٤٢، ١٤٥.","vol":"24","page":700},{"text":"مُبْغِضَ رسول اللَّهِ ﷺ هو الأقلُّ الأذلُّ، المنقطع عَقِبُه، فذلك صفةُ كلِّ مَن أَبْغَضه من الناس، وإن كانت الآية نزلت في شخصٍ بعينِه.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"الكوثرِ\"","vol":"24","page":701},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10061>تفسير سورةِ \"الكافرون\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6208\"></span><span data-type='title' id=toc-10062>القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾.</span>\n\nيقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ وكان المشركون من قومه فيما ذُكر عَرَضوا عليه أن يعبُدوا اللَّهَ سَنةً، على أَنْ يَعْبُدَ نبيُّ اللَّهِ ﷺ آلهتهم سنةً، فأَنزَلَ اللَّهُ مُعَرِّفه جوابهم في ذلك -: قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ المشركين الذين سألوك عبادةَ آلهتِهم سنةً، على أن يَعْبُدوا إلهَك سنةً: ﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ باللَّهِ،\n\n<span id=\"aya-6209\"></span>﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ مِن الآلهةِ والأوثانِ الآنَ،\n\n<span id=\"aya-6210\"></span>﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ الآنَ،\n\n<span id=\"aya-6211\"></span>﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ﴾ فيما أستقبِلُ، ﴿مَا عَبَدْتُمْ﴾ فيما مضى،\n\n<span id=\"aya-6212\"></span>﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ﴾ فيما تَستَقْبلون أبدًا، ﴿مَا أَعْبُدُ﴾ أنا الآنَ وفيما أستقبلُ.\nوإنما قيل ذلك كذلك؛ لأنَّ الخطاب من اللَّهِ كان لرسوله ﷺ في أشخاصٍ بأعيانهم من المشركين، قد عُلم أنهم لا يؤْمِنون أبدًا، وسبَق لهم ذلك في السابقِ مِن علمِه، فأمَر نبيَّه ﷺ اللَّهِ أن يُؤْيِسَهم مِن الذي طَمِعوا فيه وحدَّثوا به أنفسهم، وأنَّ ذلك غيرُ كائنٍ منه ولا منهم في وقتٍ من الأوقاتِ، وآيَس نبيَّ اللَّهِ ﷺ مِن الطمعِ في إيمانِهم، ومن أنْ يُفلِحوا أبدًا، فكانوا كذلك لم يُفْلِحوا ولم يُنْجِحوا، إلى أنْ قُتِل بعضُهم يومَ بدرٍ بالسيفِ، وهلَك بعضٌ قبَل ذلك كافرًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت به الآثارُ.","vol":"24","page":702},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10063>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ موسى الحَرَشِيُّ، قال: ثنا أبو خلفٍ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمة، عن ابن عباس: إِنَّ قريشًا وَعَدُوا رسول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعطوه مالًا فيكونَ أَغْنى رجلٍ بمكةَ، ويُزوِّجوه ما أراد مِن النساءِ، ويَطَئوا عَقِبَه، فقالوا له: هذا لك عندَنا يا محمدُ، وكُفَّ عن شتم آلهتنا، فلا تَذْكُرْها بسوءٍ، فإن لم تَفْعَلْ، فإِنا نَعْرِضُ عليك خَصْلَةً واحدةً، فهى لك ولنا فيها صلاحٌ. قال: \"ما هي؟ \". قالوا: تعبُدُ آلهتنا سنةً؛ اللات والعُزَّى، ونعبُدُ إلهَك سنةً. قال: \"حتى أَنْظُرَ ما يأتي مِن عندِ ربِّي\". فجاء الوَحْى من اللَّوح المحفوظ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ السورة، وأنزل اللَّهِ: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (^١) [الزمر: ٦٤ - ٦٦].\nحدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثني سعيدُ بنُ مِينا مولى البخْتَرِيِّ (^٢)، قال: لقى الوليدُ بنُ المغيرةُ، والعاصُ بنُ وائلٍ، والأسودُ بنُ المطلبِ، وأميَّةُ بنُ خلف، رسول اللَّهِ ﷺ، فقالوا: يا محمدُ، هلُمَّ فلنعبُدْ ما تعبُدُ، وتعبُدْ ما نعبُدُ، ونَشْرَكُك في أمرِنا كلِّه، فإن كان الذي جئتَ به خيرًا مما بأيدِينا، كنا قد شَرَكناك فيه، وأخَذْنا بحظِّنا منه، وإنْ كان الذي بأيدِينا خيرًا مما في يدَيك، كنتَ قد شَركْتَنا في أمرنا، وأخَذْتَ منه بحظِّك. فأنزَل اللَّهِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٣٣٧، وأخرجه الطبراني في الصغير ١/ ٢٦٥ من طريق أبي خلف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٤ إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢) في تاريخ المصنف: \"مولى أبى البختري\". وهو البختري بنُ أبى ذباب كما في ترجمة سعيد بن مينا. ينظر تهذيب الكمال ١١/ ٨٤.","vol":"24","page":703},{"text":"الْكَافِرُونَ﴾. حتى انقضَتِ السورة (^١).\n\n<span id=\"aya-6213\"></span>وقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لكم دينُكم فلا تَتْرُكونه أبدًا؛ لأنه قد خُتِم عليكم، وقضى ألا تَنْفَكُّوا عنه، وأنكم تموتون عليه، ولىَ ديني الذي أنا عليه، لا أَتْرُكُه أبدًا؛ لأنه قد مضَى في سابقِ علمِ اللَّهِ أنى لا أنتقِلُ عنه إلى غيرِه.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. قال: للمشركين. قال: واليهودُ لا يعبُدون إلا اللَّهِ ولا يشركون، إلا أنهم يكفُرون ببعضِ الأنبياءِ وبما جاءوا به من عندِ اللَّهِ، ويكفرون برسولِ اللَّهِ وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، وقتلوا طوائف الأنبياءِ ظلمًا وعُدْوانًا. قال: إلا العِصابَة التي بَقُوا حتى خرج بُخْتُنَصَّرَ، فقالوا: عُزيرٌ ابنُ اللَّهِ، دَعِيُّ (^٢) اللَّهِ. ولم يعْبُدوه (^٣) ولم يَفْعلوا كما فعَلتِ النصارى، قالوا: المسيحُ ابنُ اللَّهِ وعبَدوه.\nوكان بعضُ أهلِ العربيةِ (^٤) يقولُ: كرَّر قوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ وما بعدَه على وجْهِ التوكيدِ، كما قيل: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦]. وكقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦، ٧].\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"الكافرون\"\n_________\n(^١) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٣٣٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٤ إلى ابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف، وينظر سيرة ابن هشام ١/ ٣٦٢.\n(^٢) في النسخ: \"دعا\". والمثبت هو الصواب إن شاء الله.\n(^٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"يعبدوا\".\n(^٤) هو الفراء في معاني القرآن ٣/ ٢٨٨.","vol":"24","page":704},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10064>تفسير سورةِ \"النصرِ\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6214\"></span><span data-type='title' id=toc-10066>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا </span>(٣)﴾.\n\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إذا جاءك نصر اللَّهِ يا محمدُ على قومك من قريشٍ، ﴿وَالْفَتْحُ﴾ فتح مكةَ،\n\n<span id=\"aya-6215\"></span>﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ﴾ مِن صنوفِ العربِ وقبائِلها؛ أهلُ اليمنِ منهم، وقبائلُ نِزارٍ، ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾. يقولُ: في دينِ اللَّهِ الذي ابتَعَثك به، وطاعتِه (^١) التي دعاهم إليها، ﴿أَفْوَاجًا﴾. يعنى: زُمَرًا؛ فَوْجًا فَوْجًا.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10065>ذكرُ مَن قال ما قلنا في قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾</span>\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. فتحُ مكةَ (^٢).\nحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِ اللَّهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾: النصرُ حينَ فتَح اللَّهِ عليه ونصَره.\n_________\n(^١) في م: \"طاعتك\".\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٥٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٦ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"24","page":705},{"text":"حدَّثني إسماعيلُ بنُ موسى، قال: أخبرنا الحسينُ بنُ عيسى الحنفيُّ، عن معمر، عن الزهريِّ، عن أبي حازمٍ، عن ابنُ عباسٍ، قال: بينا رسولُ اللَّهِ ﷺ بالمدينةِ، إذ قال: \"اللهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، جاء نَصْرُ اللَّهِ والفْتَحُ، جاء أهلُ اليمنِ\". قيل: يا رسولَ اللَّهِ، وما أهل اليمن؟ قال: \"قومٌ رَقِيقَةٌ قُلوبُهم، ليِّنَةٌ طاعتُهم (^١)، الإيمانُ يمانٍ، [والفِقْهُ يمانٍ] (^٢)، والحِكْمَةُ يمانِيَةٌ\" (^٣).\nحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ مِن قولِ: \"سبحانَ اللَّهِ وبحمدِه، أستغْفِرُ اللَّهَ وأتوبُ إليه\". قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَراك تُكْثِرُ قول: \"سبحانَ اللَّهِ وبحمدِه، أستغْفِرُ اللَّهِ وأتوبُ إليه\". فقال: \"خَبَّرَنِي ربِّي أنِّي سأَرَى علامةً في أُمَّتى، فإذا رأيتُها أَكْثَرْتُ مِن قول: سبحانِ اللَّهِ وبحمدِه، [أستغْفِرُ اللَّهِ] (^٤) وأتوبُ إليه. فقد رأيتُها: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؛ فتح مكةَ، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ \" (^٥).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه.\n_________\n(^١) في م: \"طباعهم\".\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.\n(^٣) ذكره ابنُ كثير في تفسيره ٨/ ٥٣٠. عن المصنف، وأخرجه أبو يعلى (٢٥٠٥) - وعنه ابن عدي في الكامل ٢/ ٧٦٦ - عن إسماعيل بنُ موسى به، وأخرجه البزار (٢٨٣٧ - كشف)، وابن حبان (٧٢٩٨) من طريق الحسين بن عيسى به، وأخرجه ابن عدي في الكامل ٢/ ٧٦٦ من طريق الحسين، عن معمر، عن الزهري، عن عكرمة، عن ابنُ عباس، وأخرجه الدارمي ١/ ٣٧، والنسائي في الكبرى (١١٧١٢)، والطبراني (١١٩٠٣، ١١٩٠٤)، وفى الأوسط (١٩٩٦)، وفي مسند الشاميين (٤٩٣) من طريق عكرمة، عن ابن عباس، وقال أبو حاتم في العلل ٢/ ١٥٨: هذا حديث باطل، ليس له أصل، الزهري، عن أبي حازم لا يجيء.\n(^٤) في م: \"أستغفره\".\n(^٥) أخرجه مسلم (٤٨٤/ ٢٢٠) - ومن طريقه البغوي في تفسيره ٨/ ٥٧٧ - عن محمد بن المثنى به.","vol":"24","page":706},{"text":"حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهاب، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، [عن مسروقٍ] (^١)، عن عائشةَ، قالت: كان نبيُّ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ قبلَ موتِه مِن قول: \"سبحانَ اللَّهِ وبحمدِه\". ثم ذكَر نحوَه (^٢).\nحدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن داودَ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ مع بنحوِه (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عكرمةَ، قال: لما نزَلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. قال النبيُّ: ﷺ \"جاء نصر اللَّهِ، وجاء الفَتْحُ، وجاء أهلُ اليمنِ\". قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، وما أهلُ اليمنِ؟ قال: \"رَقِيقَةٌ قُلوبُهم، ليِّنَةٌ طاعتُهم (^٤)، الإيمانُ يمانٍ، والحِكْمَةُ يمانِيَةٌ\" (^٥).\nوأما قوله: ﴿أَفْوَاجًا﴾. فقد تقدَّم ذكرُه في معنى أقوالِ أهلِ التأويلِ.\nوقد حدَّثني الحارثُ (^٦)، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾. قال: زُمَرًا زُمَرًا (^٧).\n\n<span id=\"aya-6216\"></span>وقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾. يقولُ: فسبِّحْ ربَّك وعظِّمْه، بحمدِه وشكرِه على ما أنْجز لك مِن وعدِه، فإنك حينئذٍ لاحقٌ به، وذائقٌ ما ذاق مَن قَبْلَك\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢.\n(^٢) أخرجه أبو عوانة ٢/ ١٨٧ من طريق عبد الوهاب به، وأخرجه ابنُ سعد في الطبقات ٢/ ١٩٢، وأحمد ٦/ ٣٥، ١٨٤، والحسين المروزى في زوائده على الزهد (١١٣٠، ١١٣٢) من طريق داود به.\n(^٣) أخرجه ابن حبان (٦٤١١) من طريق خالد بنُ عبد الله به.\n(^٤) سقط من ت ١، وفي م: \"طباعهم\".\n(^٥) ذكره ابنُ كثير في تفسيره ٨/ ٥٣٠ عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٠٤، ٤٠٥ عن معمر عن أيوب عن عكرمة.\n(^٦) بعده في النسخ: \"قال حدثنا بشر قال حدثنا يزيد\". وهو إسناد دائر معروف، فلعله وهم من النساخ.\n(^٧) تفسير مجاهد ص ٧٥٨.","vol":"24","page":707},{"text":"مِن رسلِه مِن الموتِ.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10067>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، عن سعيد بنُ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، أنَّ عمر بنُ الخطابِ ﵁ سألهم عن قولِ اللَّهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. قالوا: فتحُ المدائنِ والقصورِ. قال: فأنت يابنَ عباسٍ، ما تقولُ؟ قلتُ: مَثَلٌ ضُرب لمحمدٍ ﷺ، نُعِيتُ إليه نفسُه (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بنُ جبيرٍ، عن ابنُ عباسٍ أنَّ عمر بنُ الخطاب ﵁ كان يُدْنِيه، فقال له عبدُ الرحمنِ: إنَّ لنا أبناءً مثلَه. فقال عمرُ: إنه من حيثُ تَعْلَمُ. قال: فسأله عمرُ عن قولِ اللَّهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ السورة. فقال ابنُ عباسٍ: أَجَلُه، أعلَمه اللهُ إِيَّاه. فقال عمرُ: ما أعلم منها إلا مثلَ ما تعلمُ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميد، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن أبى رَزِينٍ، ابن عباسٍ، قال: قال عمرُ ﵁: ما هي؟ - يعنى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ - قال ابنُ عباسٍ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ حتى بلغ:\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٤٩٦٩)، والبيهقى في الدلائل ٥/ ٤٤٧ من طريق عبد الرحمن بن مهدى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٧ إلى ابن مردويه.\n(^٢) أخرجه الترمذى (٣٣٦٢) عن محمد بن بشار به. وأخرجه البخاري (٣٦٢٧، ٤٤٣٠)، والترمذي (٣٣٦٢)، والطبراني (١٠٦١٦)، والبيهقي في الدلائل ٧/ ١٦٧ من طريق شعبة به. وأخرجه أحمد ٥/ ٢٣١ (٣١٢٧)، والبخارى (٤٢٩٤، ٤٩٧٠)، وابن سعد ٢/ ٣٦٥، والبزار (١٩٢)، والطبراني (١٠٦١٧) من طريق أبي بشر به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٧ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل.","vol":"24","page":708},{"text":"﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾: إنك ميتٌ. فقال عمرُ: ما نعلم منها إلا ما قلتَ (^١).\nقال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن أبي رَزينٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما نزَلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. علم النبيُّ ﷺ أنه نُعِيَتُ إليه نفسُه، فقيل له: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى آخرِ السورةِ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريب وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ فضيلٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بنُ جبيرٍ، عن ابنُ عباسٍ، قال: لما نزَلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. قال رسول اللَّهِ ﷺ: \"نُعِيَتْ إليَّ نفسِي، كأَنِّي مَقْبُوضٌ في تلك السنةِ\" (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. قال: ذاك حينَ نعَى له نفسَه، يقولُ: إذا رأيتَ الناسَ يَدْخُلون في دينِ اللَّهِ أَفواجًا؛ يعنى إسلامَ الناسِ، يقولُ: فذلك حينَ حضَر أجلُك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (^٤).\nحدَّثني أبو السائبِ وسعيدَ بنُ يحيى الأُمَويُّ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ\n_________\n(^١) ذكره ابنُ كثير في تفسيره ٨/ ٥٣٠ عن المصنف.\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢٧٥، ٣٥٦ (٣٢٠١، ٣٣٥٣) من طريق سفيان به بنحوه.\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ٣٦٦ (١٨٧٣) عن محمد بن فضيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن مردويه.\nقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٦/ ٦٢٤: وفي لفظه نكارة شديدة، وهى قوله: بأنه مقبوض في تلك السنة. وهذا باطل؛ فإن الفتح كان في سنة ثمان في رمضان منها … وهذا ما لا خلاف فيه، وقد توفى رسول اللَّهِ ﷺ في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة بلا خلاف أيضًا.\n(^٤) ذكره ابنُ كثير في تفسيره ٨/ ٥٣٠ عن العوفي، عن ابن عباس.","vol":"24","page":709},{"text":"أنْ يقول قبلَ أنْ يموتَ: \"سبحانَك اللهمَّ وبحمدِك، أستغْفِرُك وأتوبُ إليك\". قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ما هذه الكلماتُ التي أراك قد أحدَثْتَها تقولُها؟ قال: \"قد جُعِلَتْ لى علامةٌ في أُمَّتى إذا رأيتُها قلْتُها، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، إلى آخر السورةِ (^١).\nحدَّثني يحيى بنُ إبراهيم المسعوديُّ، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: قالت عائشةُ: ما سَمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ منذ أُنزِلت عليه هذه السورةُ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلا (^٢) يقولُ قبلَها: \"سبحانَك ربَّنا وبحمدِك، اللهمَّ اغْفِرْ لى\" (^٣).\nحدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، عائشة، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (^٤).\nحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أنْ يقولَ في ركوعِه وسجودِه: \"سبحانَك اللهمَّ وبحمدِك، اللهمَّ اغْفِرْ لى\". يتأوَّلُ القرآنَ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابنُ أبي شيبة في مصنفه ١٠/ ٢٥٨ - وعنه مسلم (٤٨٤/ ٢١٨) - عن أبي معاوية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٨ إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) في م: (لا).\n(^٣) أخرجه أحمد ٦/ ٢٣٠ (الميمنية)، والبخارى (٤٩٦٧)، ومسلم (٤٨٤/ ٢١٩) من طريق الأعمش به.\n(^٤) أخرجه أحمد ٦/ ٢٥٣، وابن خزيمة (٨٤٧)، وأبو عوانة ٢/ ١٨٦، وابن حبان (٦٤١٢) من طريق ابن نمير به.\n(^٥) أخرجه أحمد ٦/ ٤٣ (الميمنية)، والبخارى (٤٩٦٨)، ومسلم (٤٨٤/ ٢١٧)، وأبو داود (٨٧٧)، وابن ماجه (٨٨٩)، وابن خزيمة (٦٠٥)، والبيهقى ٢/ ١٠٩، والبغوي في شرح السنة (٦١٨) من طريق جرير به، وأخرجه ابن حبان (١٩٢٨) من طريق جرير، عن منصور، عن أبى إسحاق، عن مسروق به، به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٨٧٨)، وأحمد ٦/ ٤٩، ١٠٠، ١٩٠ (الميمنية)، والبخاري (٧٩٤، ٨١٧، ٤٢٩٣)، والنسائى (١٠٤٦، ١١٢١، ١١٢٢)، وابن خزيمة (٦٠٥)، والطحاوى في شرح معاني الآثار ١/ ٢٣٤، وأبو عوانة ٢/ ١٨٦، ١٨٧، والبيهقى ٢/ ١٨٦ من طريق منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٨ إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"24","page":710},{"text":"حدَّثني يعقوب بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن داود، عن الشَّعْبِيِّ - قال داودُ: لا أعلمُه إلا عن مسروقٍ، قال (^١): وربما قال: عن مسروقٍ - عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أن يقول: \"سبحانَ اللَّهِ وبحمدِه، أستغْفِرُ اللَّهَ وأتوبُ إليه\". فقلتُ: إنك تُكْثِرُ مِن هذا. فقال: \"إِنَّ رَبِّي قد أَخْبَرَني أني سأَرَى علامةً في أُمَّتِى، وأَمَرني إذا رأيتُ تلك العلامةَ أَنْ أُسبِّحَ بحمدِه، وأستغْفِرَه إِنَّه كان توَّابًا، فقد رأيتُها؛ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ \".\nحدَّثنا أبو السائب، قال: ثنا حفصٌ، قال: ثنا عاصمٌ، عن الشَّعْبيِّ، عن أمِّ سلمةَ، قالت: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ في آخرِ أمرِه لا يقومُ ولا يقعُدُ، ولا يذهبُ ولا عليه يجيءُ، إلا قال: \"سبحانَ اللَّهِ وبحمدِه\". فقلتُ: يا رسول اللَّهِ، إنك تُكْثِرُ مِن: \"سبحان اللَّهِ وبحمدِه\"، لا تذهبُ ولا تجيءُ، ولا تقومُ ولا تقعدُ، إلا قلتَ: \"سبحان اللَّهِ وبحمدِه\". قال: \"إِنِّي أُمِرتُ بها\". فقال: \" ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ \" إلى آخرِ السورةِ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن بعض أصحابِه، عن عطاءِ بن يسارٍ، قال: نزلت سورةُ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ كلُّها بالمدينةِ بعدَ فتحِ مكةَ ودخولِ الناسِ في الدينِ، يَنْعَى إليه نفسَه (^٣).\nقال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن زيادِ بن الحُصينِ، عن أبى العاليةِ، قال: لما نزَلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. ونُعِيَتْ إلى النبيِّ ﷺ نفسُه، كان\n_________\n(^١) سقط من: م.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٣٣ عن المصنف وقال: غريب. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٨ إلى المصنف وابن مردويه.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٨ إلى المصنف.","vol":"24","page":711},{"text":"لا يقومُ مِن مجلسٍ يجلسُ فيه حتى يقولَ: \"سبحانَك اللهمَّ وبحمدِك، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا أنت، أستغْفِرُك وأتوبُ إليك\" (^١).\nقال: ثنا الحكم بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو، قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ كان النبيُّ ﷺ مما يُكْثِرُ أن يقولَ: \"سبحانَك اللهمَّ وبحمدِك، ربِّ اغْفِرْ لى وتُبْ عليَّ، إنك أنت التوابُ الرحيمُ\".\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قرَأها كلَّها. قال ابنُ عباسٍ: هذه السورةُ عَلَمٌ وحَدٌ حَدَّه اللَّهِ لنبيِّه ﷺ ونَعَى له نفسَه، أي: إنك لن تعيشَ بعدَها إلا قليلًا. قال قتادةُ: واللَّهِ ما عاش بعدَ ذلك إلا قليلًا؛ سنتين، ثم تُوفِّى ﷺ (^٢).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن أبى معاذٍ عيسى بن (^٣) يزيدَ، عن أبي إسحاقَ، عن، عن أبي عبيدةَ، عن ابن مسعودٍ، قال: لما نزَلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ كان يُكْثِرُ أنْ يقول: \"سبحانَك اللهمَّ وبحمدِك، اللهمَّ اغْفِرْ لي، سبحانك ربَّنا وبحمدِك، اللهمَّ اغْفِرْ لي، إنك أنت التوابُ الغفورُ\" (^٤).\nحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾: كانت هذه\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابنُ كثير ٨/ ٥٣٠.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٠٤ عن معمر، عن قتادة، عن ابنُ عباس، دون قول قتادة.\n(^٣) في م: \"أبى\". وينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ٥٨.\n(^٤) أخرجه الحاكم ٢/ ٥٣٨، ٥٣٩ من طريق أبي إسحاق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٨ إلى ابن مردويه.","vol":"24","page":712},{"text":"السورةُ آيةً لموتِ رسول اللَّهِ ﷺ (^١).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. قال: اعلمْ أنك ستموتُ عندَ ذلك (^٢).\nوقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾. يقولُ: وسَلْه أَنْ يَغْفِرَ ذنوبَك، ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. يقولُ: إنه كان ذا رجوعٍ لعبدِه المطيعِ إلى ما يُحِبُّ.\nوالهاء مِن قوله: ﴿إِنَّهُ﴾. مِن ذكرِ اللَّهِ ﷿.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"النصرِ\"\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٦ إلى المصنف.\n(^٢) تفسير مجاهد ص ٧٥٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٦ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"24","page":713},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10068>تفسير سورةِ \"تبت\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6217\"></span><span data-type='title' id=toc-10070>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾.</span>\nيقول تعالى ذكرُه: خَسِرت يدا أبي لهبٍ، وخَسِر هو. وإنما عُنِي بقولِه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾: تبَّ عملُه. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: قولُه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾: دعاءٌ عليه مِن اللَّهِ.\nوأما قوله: ﴿وَتَبَّ﴾. فإنه خيرٌ. ويُذكَرُ أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (^١). وفى دخول \"قد\" فيه، دلالةٌ على أنه خَبَرٌ، ويُمثَّلُ ذلك بقولِ القائلِ لآخرَ: أَهْلَكَك اللَّهِ، وقد أَهْلَكَك. و: جعلك صالحًا، وقد جعَلك وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾. قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10069>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾: أي خَسِرت وتبَّ.\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. قال: التبُّ: الخُسْرانُ. قال: قال أبو لهبٍ للنبيِّ ﷺ: ماذا أُعْطَى يا محمدُ إن آمنتُ بك؟ قال: \"كما يُعْطَى المسلمون\". فقال: ما\n_________\n(^١) تفسير البغوي ٨/ ٥٨٢، وتفسير القرطبي ٢٠/ ٢٣٦، والبحر المحيط ٨/ ٥٢٥.","vol":"24","page":714},{"text":"لى عليهم فضلٌ؟ قال: \"وأيُّ شيءٍ تَبْتَغِي؟ \". قال: تبًّا لهذا من دينٍ تبًّا، أنْ أكونَ أنا وهؤلاء سواءً. فأنزَل اللَّهِ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾. يقولُ: بما عمِلَت أيديهم (^١).\nحدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. قال: خَسِرت يدا أبي لهب وخَسِر (^٢).\nوقيل: إنَّ هذه السورة نزلت في أبى لهبٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا خَصَّ بالدعوةِ عشيرتَه، إذْ نزَل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، وجمَعَهم للدعاءِ، قال له أبو لهبٍ: تبًّا لك سائرَ اليومِ، ألهذا دعَوْتَنا؟\n\n<span data-type='title' id=toc-10071>ذكرُ الأخبارِ الواردةِ بذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن عمرٍو، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: صَعِد رسولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يومٍ الصفا، فقال: \"يا صباحاه\". فاجتمعت إليه قريشٌ، فقالوا: ما لَكَ؟ قال: \"أرأيتَكُم إِنْ أَخْبَرْتُكُم أَنَّ العدوَّ مُصَبِّحُكم أو مُمَسِّيكم، أما كنتم تُصَدِّقونني؟ \". قالوا: بلى. قال: \"فإنِّي نذيرٌ لكم بين يدى عذابٍ شديدٍ\". فقال أبو لهبٍ: تبًّا لك، ألهذا دعَوتَنا وجمَعتَنا؟ فأنزَل اللَّهِ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾. إلى آخرِها (^٣).\nحدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن عمرٍو، عن سعيدِ ابنُ جبيرٍ، عن ابنُ عباسٍ مثلَه (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ نميرٍ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بنُ مرَّةَ، عن\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في تفسيره ٢٠/ ٢٣٥.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٠٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٩ إلى ابن المنذر.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٧/ ٦٥٩.","vol":"24","page":715},{"text":"سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما نزَلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]. قام رسول اللَّهِ ﷺ على الصفا ثم نادى: \"يا صَباحاه\". فاجْتَمع الناسُ إليه، فبين رجلٍ يَجِيءُ، وبينَ آخرَ يَبْعَثُ رسولَه، فقال: \"يا بني هاشمٍ، يا بني عبدِ المطلبِ، يا بنى فِهْرٍ، يا بَنِي، يا بنى، أرأيتَكم لو أَخْبَرْتُكم أن خيلًا بسَفْحِ هذا الجبلِ تريدُ أن (^١) تُغِيرَ عليكم صدَّقتمونى؟ \". قالوا: نعم. قال: \"فإني نذيرٌ لكم بينَ يدَى عذابٍ شديدٍ\". فقال أبو لهبٍ: تبًّا لك سائرَ اليومِ، ألهذا دعوتَنا؟ فنزَلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بن مرَّةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾: ورَهْطَك منهم المخلصين، خرج رسولُ اللَّهِ ﷺ، حتى صَعِد الصفا، فهتف: \"يا صَباحاه\". فقالوا: مَن هذا الذي يهتِفُ؟ فقالوا: محمدٌ. فاجتَمعوا إليه، فقال: \"يا بنى فلانٍ، يا بني فلانٍ، يا بني عبدِ المطلبِ، يا بني عبدِ منافٍ\". فاجْتَمعوا إليه، فقال: \"أرأيتَكم لو أَخْبَرْتُكم أن خيلًا تَخْرُجُ بسَفْحِ هذا الجبلِ، أكنتم مصدِّقيَّ؟ \". قالوا: ما جَرَّبنا عليك كذبًا. قال: \"فإني نذيرٌ لكم بيَن يدَى عذابٍ شديدٍ\". فقال أبو لهبٍ: تبًّا لك، ما جَمعْتَنا إلا لهذا؟ ثم قام، فنزَلت هذه السورةُ: (تَبَّتْ يَدَا أبِي لهَبٍ وقَدْ تَبَّ) - كذا قرَأ الأعمشُ - إلى آخرِ السورةِ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ في قولِه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾. قال: حين أَرْسَل النبيُّ ﷺ إليه وإلى غيرِه، وكان أبو لهبٍ عمَّ\n_________\n(^١) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣.\n(^٢) تقدم تخريجه في ١٧/ ٦٥٩.\n(^٣) تقدم تخريجه في ١٧/ ٦٦٠.","vol":"24","page":716},{"text":"النبيِّ ﷺ، وكان اسمُه عبد العُزَّى، فذكَّرهم، فقال أبو لهبٍ: تبًّا لك، في هذا أرسلتَ إلينا؟ فأنزلَ اللهُ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-6218\"></span>وقوله: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أيُّ شيءٍ أَغْنى عنه ماله ودفَع مِن سخطِ اللَّهِ عليه؟ ﴿وَمَا كَسَبَ﴾؟ وهم ولدُه.\nوبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10072>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا الحسنُ بنُ داودَ بن محمدِ بن المنكدرِ، قال: ثنا عبد الرزاقِ، عن معمرٍ، عن ابن خُثَيم، عن أبى الطُّفَيلِ، قال: جاء بنو أبى لهبٍ إلى ابن عباسٍ، فقاموا يَخْتَصِمون في البيتِ، فقام ابنُ عباسٍ يَحْجِزُ (^١) بينَهم، وقد كُفَّ بصرُه، فدفَعه بعضُهم حتى وقَع على الفراشِ، فغَضِب وقال: أَخْرِجوا عنى الكَسْبَ الخَبيثَ (^٢).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، عن محمدِ بن سفيانَ، عن رجلٍ من بني مخزومٍ، عن ابن عباسٍ، أنه رأى يومًا من (^٣) ولدِ أبى لهبٍ يَقْتَتِلون، فجعَل يَحْجِرُ بينَهم ويقولُ: هؤلاء مما كسَب.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهد: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾. قال: ما كسَب: ولدُه (^٤).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني\n_________\n(^١) في النسخ: \"فحجز\"، والمثبت من مصدر التخريج.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٦٣١)، وفى تفسيره ٢/ ٤٠٦ عن معمر به.\n(^٣) سقط من: م.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٦٣٠) من طريق ابن جريج، عن مجاهد","vol":"24","page":717},{"text":"الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾. قال: ولدُه، هم مِن كَسْبهِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾. قال: ولدُه.\n\n<span id=\"aya-6219\"></span>وقوله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: سيصلَي أبو لهبٍ نارًا ذاتَ لهبٍ.\n\n<span id=\"aya-6220\"></span>وقوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. يقولُ: سيَصْلَى أبو لهبٍ وامرأتُه حمالةَ الحطبِ، نارًا ذاتَ لهبٍ.\nواختَلفتِ القرأةُ في قراءةِ: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: (حَمَّالَةُ الْحَطَبِ) بالرفع (^٢)، غيرَ عبدِ اللَّهِ بن أبي إسحاقَ، فإنه قرَأ ذلك نصبًا فيما ذُكِر لنا عنه (^٣).\nواختُلف فيه عن عاصمٍ، فحُكِى عنه الرفعُ فيها والنصبُ (^٤). وكأنَّ مَن رفعَ ذلك جعَله من نعتِ المرأةِ، وجعَل الرافعَ للمرأةِ ما تقدَّم مِن الخبرِ، وهو ﴿سَيَصْلَى﴾، وقد يجوزُ أنْ يكونَ رافعُها الصفةَ، وذلك قولُه: ﴿فِي جِيدِهَا﴾، وتكونَ (حَمَّالَةُ) نعتًا للمرأةِ. وأما النصب فيه فعلى الذَّمِّ، وقد يحتمل أنْ يكونَ نصبُها على القطعِ مِن المرأةِ؛ لأن المرأةَ مَعْرِفةٌ، و﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ نكرةٌ.\nوالصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا الرفعُ (^٥)؛ لأنه أفصحُ الكلامين فيه،\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٥٩.\n(^٢) هي قراءة نافع وابن كثير وحمزة والكسائي وأبي عمرو ويعقوب وأبي جعفر وخلف. النشر ٢/ ٣٠٢.\n(^٣) قرأ عيسى بن عمر - وهو تلميذ ابنُ أبي إسحاق - بالنصب، فلعله أخذها عنه، ينظر تهذيب التهذيب ٨/ ٢٣٤، وما تقدم في ١٢/ ٥٠٥ وحاشيته.\n(^٤) قرأ عاصم بالنصب، ولم نجد من ذكَر عنه الرفعَ غير المصنف. ينظر السبعة ص ٧٠٠، والنشر ٢/ ٣٠٢، والإتحاف ص ٢٧٥.\n(^٥) القراءتان متواترتان وكلتاهما صواب.","vol":"24","page":718},{"text":"ولإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾؛ فقال بعضُهم: كانت تجيءُ بالشَّوْكِ فتَطْرَحه في طريق رسول اللَّهِ ﷺ؛ ليَدْخُلَ في قدمه إذا خرَج إلى الصلاةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10073>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ في قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. قال: كانت تحمِلُ الشوكَ، فتَطْرحُه على طريقِ النبيِّ ﷺ؛ ليَعْقِرَه وأصحابَه، ويقال: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾: نقَّالةَ الحديثِ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ مِن هَمْدانَ يقالُ له: يزيدُ بنُ زيدٍ. أَنَّ امرأةَ أبي لهبٍ كانت تُلْقِي في طريقِ النبي ﷺ الشَّوْكَ، فنزَلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾.\nحدَّثني أبو هريرةَ الضُّبَعيُّ محمدُ بنُ فِراسٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، عن قرَّةَ بن خالدٍ، عن عطية الجَدَليَّ في قولِه: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. قال: كانت تضعُ العِضَاةَ (^٢) على طريقِ رسول اللَّهِ ﷺ، فكأنما يطأُ به كثيبًا (^٣).\nحُدِّثتُ الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾: كانت تحملُ الشَّوْكَ،\n_________\n(^١) في النسخ: \"للحديث\".\nوالأثر أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/ ١٨٣ من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٩ إلى ابن عساكر.\n(^٢) العضاه: كل شجر له شوك، الواحدة: عِضاهَةٌ. وعِضَهَةً وعِضَةٌ وعِضةٌ. اللسان (ع ض هـ).\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٥٣٦.","vol":"24","page":719},{"text":"فتُلْقِيه على طريقِ نبيِّ اللَّهِ ﷺ ليَعْقِرَه (^١).\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. قال: كانت تأتى بأغصانِ الشَّوْكِ، فتَطْرحُها بالليل في طريق رسول اللَّهِ ﷺ (^٢).\nوقال آخرون: قيل لها ذلك: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾؛ لأنها كانت تَحْطِبُ الكلامَ، وتَمْشِى بالنميمةِ، وتُعيِّرُ رسول اللَّهِ ﷺ بالفقْرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10074>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، قال: قال أبو المعتمِرِ: زعَم محمدٌ أن عكرمةَ قال: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾: كانت تَمْشِي بالنميمةِ (^٣).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. قال: كانت تمشى بالنميمةِ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^٤).\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٥٣٦.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٥٣٥، وقد أخرج البلاذري في أنساب الأشراف ١/ ١٣٩ من طريق آخر عن عكرمة عن ابن عباس مثله.\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٦٣) من طريق سفيان به.","vol":"24","page":720},{"text":"حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. قال: النميمةِ (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾: أي كانت تنقُلُ الأحاديثَ من بعض الناسِ إلى بعضٍ (^٢).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. قال: كانت تَحْطِبُ الكلامَ، وتمشى بالنميمة. وقال بعضُهم: كانت تُعيِّرُ رسولَ اللَّهِ ﷺ بالفقرِ، وكانت تَحْطِبُ، فعُيِّرت بأنها كانت تَحْطِبُ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. قال: كانت تمشى بالنميمةِ.\nوأولى القولين في ذلك بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: كانت تحمِلُ الشوكَ، فتَطرحُه في طريقِ رسولِ اللَّهِ ﷺ. لأنَّ ذلك هو أظْهَرُ معنى ذلك.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن عيسى بنُ يزيدَ، عن أبي (^٤) إسحاقَ، يزيدَ زيدٍ، وكان ألزمَ شيءٍ لمسروقٍ، قال: لما نزَلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾. بلغ امرأةَ أبى لهبٍ أن النبيَّ ﷺ يَهْجُوكِ، قالت: علامَ يهجُونى؟ هل\n_________\n(^١) تفسير مجاهد ص ٧٥٩ ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٨٠ - وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٩ إلى ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٣) أخرج عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٠٦ شطره الأول إلى قوله: بالنميمة. عن معمر به. وأخرج شطره الثاني في ٢/ ٤٠٦ عن معمر قوله.\n(^٤) في م: \"ابن\". وهو أبو إسحاق السبيعي. ينظر ترجمته في تهذيب الكمال ٢٢/ ١٠٢.","vol":"24","page":721},{"text":"رأيتموني كما قال محمدٌ أحمِلُ حطبًا؛ في جيدِها حبلٌ مِن مَسَدٍ؟ فمكَثتْ ثم أَتَتْه، فقالت: إنَّ ربَّكَ قَلاك وودَّعك. فأنزل اللَّهِ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-6221\"></span>وقوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. يقولُ: في عنقها. والعربُ تُسمِّى العُنُقَ جيدًا، ومنه قولُ ذى الرُّمَّةِ (^٢):\nفعَيْناكِ عَيْناها ولَونُكِ لونُها … وجيدُكِ إلّا أنها غيرُ عاطلِ (^٣)\nوبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.\n\n<span data-type='title' id=toc-10075>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ﴾. قال: في رقبتِها.\nوقولُه: ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: هي حبالٌ تكونُ بمكةَ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-10076>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٩ إلى المصنف.\n(^٢) ديوانه ٢/ ١٣٤١.\n(^٣) عطَلَت المرأة تَعْطَل عَطَلا وعُطولا وتعطَّلت: إذا لم يكن عليها حلى، ولم تلبس الزينة، وخلا جيدها من القلائد. اللسان (ع ط ل).\nوالشاعر يخاطب ظبية يشبهها بمحبوبته. ينظر ديوانه ٢/ ١٣٤٢.\n(^٤) في ت ١: \"من شجر\".","vol":"24","page":722},{"text":"الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: حبلٌ مِن شَجَرٍ، وهو الحبلُ الذي كانت تَحْتَطِبُ به.\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: هي حبالٌ تكونُ بمكةَ. ويقالُ: المَسَدُ: العصا التي تكونُ في البَكَرةِ. ويقالُ: المَسَدُ: قلادةٌ مِن وَدَعٍ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾، قال: حبالٌ من شجرٍ تَنْبُتُ في اليمن لها مَسَدٌ، وكانت تُفْتَلُ، وقال: ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾: حبلٌ مِن نارٍ في رقبتِها.\nوقال آخرون: المَسَدُ اللِّيفُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-10077>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن السُّدِّيِّ، عن يزيدَ، عن عروةَ: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: سلسلةٌ من حديدٍ، ذَرْعُها سَبْعون ذراعًا (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن رجلٍ يقالُ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الدلائل ٢/ ١٨٣ من طريق محمد بن سعد به.\n(^٢) في ت ١: \"الملتف\". وهذه الترجمة مخالفة لما سيأتي من الآثار، ويظهر أنه قد سقط الأثر أو الآثار التي ترجم لها المصنف هذه الترجمة، ويشهد لذلك ما قاله ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٣٦: وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن سليم مولى الشعبي، عن الشعبي قال: المسد الليف.\nوكذلك سقطت ترجمة الآثار التي سردها المصنف بعد، وتقديرها: وقال آخرون: المسد سلسلة من حديد طولها سبعون ذراعًا. ذكر من قال ذلك والله أعلم.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٩ إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف.","vol":"24","page":723},{"text":"له: يزيدُ. عن عروة بنُ الزُّبير: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: سلسلةٌ ذَرْعُها سبعون ذراعًا.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن يزيدَ، عن عروةَ بن الزبيرِ: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: سلسلةٌ ذَرْعُها سبعون ذراعًا.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: من حديدٍ (^١).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: حبلٌ في عنقِها في النارِ مثلُ طوقٍ، طولُه سبعون ذراعًا (^٢).\nوقال آخرون: المَسَدُ: الحديدُ الذي يكونُ في البَكَرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10078>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْران، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: الحديدةُ التي تكونُ في البَكَرةِ (^٢).\nحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: عُودُ البكرةِ مِن حديدٍ.\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن\n_________\n(^١) ذكره ابن حجر في تغليق التعليق ٤/ ٣٨٠ عن المصنف.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٥٣٦.","vol":"24","page":724},{"text":"مجاهد: ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: [كحديدةِ البكرةِ] (^١).\nحدَّثنا ابن عبدِ الأعلى (^٢)، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: قال أبو المعتمِرِ: زعم محمدٌ أنَّ عكرمة قال: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾: إنه الحديدةُ التي في وَسَطِ البَكَرةِ.\nوقال آخرون: هو قِلادةٌ مِن وَدَعٍ في عنقِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-10079>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: قِلادةٌ مِن وَدَعٍ.\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: قِلادةٌ مِن وَدَعٍ (^٣).\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: هو حبلٌ جُمع مِن أنواعٍ مختلفةٍ. ولذلك اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه على النحوِ الذي ذكَرْنا، ومما يدلُّ على صحةِ ما قلنا في ذلك قولُ الراجزِ (^٤):\nومَسَدٍ أُمِرَّ مِن أَيانِقِ (^٥)\n_________\n(^١) في م: \"الحديدة للبكرة\".\n(^٢) بعده في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"قال ثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة\".\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٠٦، والبلاذري في أنساب الأشراف ١/ ١٤٠ من طريق معمر به.\n(^٤) البيتان في مجاز القرآن ٢/ ٣١٥، والأول منهما في تاريخ دمشق ٦٧/ ١٦٥ غير منسوبين. وذكرهما صاحب اللسان (ز هـ ق) ونسبهما إلى عثمان بن طارق، والصواب عمارة بن طارق، كما في مادة (م س د) وذكر هناك البيت الأول ونسبه إليه. قال ابن منظور: وقال أبو عبيدة: هو لعقبة الهجيمي.\n(^٥) أمر: فُتِل. وأيانق: جمع أَيْنق، وأَيْنُق: جمع ناقة. ينظر اللسان (م ر ر، ن وق).","vol":"24","page":725},{"text":"صُهْبٍ عِتاقٍ ذاتِ مُخٍّ زَاهِقِ (^١)\nفجعَل إمرارَه من شتَّى، وكذلك المَسَدُ الذي في جِيدِ امرأَةِ أَبي لَهَبٍ أُمِرَّ مِن أشياءَ شتَّى؛ مِن لِيفٍ وحديدٍ ولِحاءٍ، وجُعِل في عنقِها طوقًا كالقِلادةِ مِن وَدَعٍ، ومنه قولُ الأعشى (^٢):\nتُمْسِى فَيَصْرِفُ بابُها مِن دُونِنَا … غَلَقًا صَرِيفَ مَحَالَةِ الأَمْسَادِ\nيعنى بالأَمسادِ جمع مَسَدٍ، وهى الحبالُ.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"تَبَّت\"\n_________\n(^١) زاهق: سمين ومكتنز. ينظر اللسان (ز هـ ق).\n(^٢) ديوانه ص ١٢٩.","vol":"24","page":726},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10080>تفسير سورةِ \"الإخلاصِ\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6222\"></span><span data-type='title' id=toc-10082>القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ </span>(٤)﴾.\nذُكر أنَّ المشركين سألوا رسول اللَّهِ ﷺ عن نسبِ ربِّ العزةِ، فأنزَل اللَّهِ هذه السورةَ جوابًا لهم. وقال بعضُهم: بل نزَلت مِن أجلِ أنَّ اليهودَ سألوه، فقالوا له: هذا اللَّهِ خلَق الخلْقَ، فمن خلق اللَّهِ؟ فأُنزِلت جوابًا لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-10081>ذِكْرُ مَن قال: أُنزِلت جوابًا للمشركين الذين سألوه أن ينسُبَ لهم الربَّ ﵎</span>\nحدَّثنا أحمدُ بن منيعٍ المَرْوَزِيُّ ومحمودُ بن خِداشِ الطَّالْقَانيُّ، قالا: ثنا\nأبو [سعدٍ الصغانيُّ] (^١)، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أُبيِّ بن كعبٍ، قال: قال المشركون للنبيِّ ﷺ: انسُبْ لنا ربَّك. فأنزَل اللَّهِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (^٢).\n_________\n(^١) في م: \"سعيد الصنعاني\". وينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ٣٤٦.\n(^٢) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٢ عن المصنف، وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ٣٠، وابن أبي حاتم - كما في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢١ - من طريق أحمد بن منيع ومحمود بن خداش به، وأخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص ٧، والترمذى (٣٣٦٤)، والعقيلي في الضعفاء ٤/ ١٤١، وابن عدى في الكامل ٦/ ٢٢٣١، ٢٢٣٢، والواحدي في أسباب النزول ص ٣٤٦، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٠٧)، والخطيب في تاريخ بغداد ٣/ ٢٨١ من طريق أحمد بن منيع به، وأخرجه أحمد ٥/ ١٣٣، ١٣٤، والبخاري في التاريخ الكبير ١/ ٢٤٥، وابن أبي عاصم في السنة (٦٦٣)، وأبو الشيخ في العظمة (٩٠) من طريق أبي سعد به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٤٠، وعنه البيهقي في الاعتقاد ص ٣٨،=","vol":"24","page":727},{"text":"حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، قال: إِنَّ المشركين قالوا: يا محمدُ (^١)، أَخْبِرْنا عن ربِّكَ، صِف لنا ربَّك ما هو؟ ومن أي شيءٍ هو؟ فأنزَل اللَّهِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إلى آخرِ السورةِ (^٢).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾. قال: قال ذلك قادةُ الأحزابِ، انسُبْ لنا ربَّك. فأتاه جبريلُ بهذه (^٣).\nحدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا سُرَيْجٌ (^٤)، قال: ثنا إسماعيلُ بن مُجَالدٍ، عن مجالدٍ، عن الشعبيِّ، عن جابرٍ، قال: قال المشركون للنبيِّ ﷺ: انسُبْ لنا ربَّك. فأنزل اللَّهِ ﵎: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-10083>ذكرُ مَن قال: نزَل ذلك من أجلِ مسألةِ اليهودِ</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن محمدٍ، عن سعيدٍ، قال: أتَى رهطٌ من اليهودِ النبيَّ ﷺ، فقالوا: يا محمدُ، هذا اللهُ خلَق\n_________\n= والأسماء والصفات (٥٠)، والشعب (١٠١) من طريق أبي جعفر به.\n(^١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: \"رسول اللَّهِ\".\n(^٢) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٢ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤١٠ إلى المصنف.\n(^٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤١٠ إلى المصنف وابن الضريس من قول أبي العالية، وهو عند ابن الضريس في فضائل القرآن (٢٤٤) من طريق أبي جعفر، عن الربيع قوله.\n(^٤) في م: \"شريج\". وينظر تهذيب الكمال ٣/ ١٨٥.\n(^٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٣٨ عن المصنف، وأخرجه أبو يعلى (٢٠٤٤)، وعبد اللَّهِ بن أحمد في السنة (١١٨٥)، والطبرانى في الأوسط (٥٦٨٧)، وابن عدى في الكامل ١/ ٣١٣، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٣٣٥، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٠٨)، والواحدى في أسباب النزول ص ٣٤٦ من طريق إسماعيل بن مجالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤١٠ إلى ابن المنذر.","vol":"24","page":728},{"text":"الخلْقَ، فمن خلَقه؟ فغَضب النبيُّ ﷺ حتى انْتُقِع لونُه (^١)، ثم ساوَرَهم (^٢) غضبًا لربِّه، فجاءه جبريلُ ﵇ فسكَّنه، وقال: اخْفِضْ عليك جَناحَك يا محمدُ. وجاءه مِن اللَّهِ جوابُ ما سألوه عنه، قال: يقولُ اللَّهِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فلما تلا عليهم النبيُّ ﷺ، قالوا: صِفْ لنا ربَّك كيف خَلْقُه، وكيف عَضُده، وكيف ذِراعُه؟ فغَضِب النبيُّ ﷺ أشدَّ مِن غضبِه الأوَّلِ، وساوَرَهم غضبًا، فأتاه جبريلُ فقال له مثلَ مقالتِه، وأتاه بجواب ما سألوه عنه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٣) [الزمر: ٦٧].\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبةً، عن قتادةَ، قال: جاء ناسٌ من اليهودِ إلى النبيِّ ﷺ، فقالوا: انسُبْ لنا ربَّك. فنزَلت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى ختَم السورةَ (^٤).\nفتأويلُ الكلامِ إذا كان الأمرُ على ما وصَفْنا: قلْ يا محمدُ لهؤلاء السائليك عن نسبِ ربِّك وصِفتِه، ومَن خلَقه: الربُّ الذي سألتموني اللَّهِ الذي له عبادةُ كلِّ شيءٍ، لا تَنْبِغى العبادةُ إلا له، ولا تصلُحُ لشيءٍ سواه.\nواختلَف أهلُ العربيةِ في الرافعِ ﴿أَحَدٌ﴾؛ فقال بعضُهم (^٥): الرافعُ له ﴿اللَّهُ﴾، و﴿هُوَ﴾ عمادٌ بمنزلةِ الهاءِ في قولِه: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: ٩].\nوقال آخر منهم (^٦): بل هو مرفوعٌ - وإن كان نكرةً - بالاستئنافِ، كقولِه: (هذا بَعْلِي شيخٌ) (^٧). وقال: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾. جوابٌ لكلامِ قومٍ قالوا له: ما الذي\n_________\n(^١) أي تغير وجهه. يقال: انتقع لونه وامتقع، إذا تغير من خوف أو ألم أو نحو ذلك. النهاية ٥/ ١٠٩.\n(^٢) أي واثبهم وقاتلهم. ينظر النهاية ٢/ ٤٢٠.\n(^٣) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٢، ٢٢٣ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤١٠ إلى المصنف وابن المنذر، وتقدم في ٢٠/ ٢٥٢.\n(^٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤١٠ إلى المصنف وعبد الرزاق وابن المنذر.\n(^٥) هو الكسائي كما في معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٥٢.\n(^٦) هو الفراء في معاني القرآن، الموضع السابق\n(^٧) سورة هود الآية: ٧٢ والرفع قراءة ابن مسعود. ينظم المصاحف لابن أبي داود ص ٦٣، ومختصر =","vol":"24","page":729},{"text":"تعبُدُ؟ فقال: الله هو ثم قيل له: فما هو؟ قال: هو أحدٌ.\nوقال آخرون: ﴿أَحَدٌ﴾. بمعنى: واحدٌ. وأنكر أنْ يكونَ العمادُ مستأنَفًا به، حتى يكون قبله حرفٌ من حروفِ الشكِّ، كـ \"ظنَّ\" وأخواتِها، و\"كان\" وذواتِها، أو \"إنَّ\" وما أشبهَها. وهذا القولُ الثاني هو أشبهُ بمذاهبِ العربيةِ.\nواختلَفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأة الأمصار: ﴿أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ بتنوينِ ﴿أَحَدٌ﴾. سوى نصرِ بن عاصمٍ، وعبدِ اللهِ بن أبى إسحاقَ، فإنه رُوِى عنهما تركُ التنوين: (أَحَدُ اللهُ) (^١). وكأَنَّ مَن قرَأ ذلك كذلك، قال: نونُ الإعراب إذا استقبلَتْها الألفُ واللَّامُ أو ساكنٌ من الحروفِ حُذِفت أحيانًا، كما قال الشاعرُ (^٢):\nكَيْفَ نَوْمِي عَلى الفِرَاشِ وَلَمَّا … تَشْمَلِ الشَّامَ غَارَةٌ شَعْوَاءُ\nتُذْهِلُ الشَّيْخ عن بَنِيهِ، وَتُبْدِى … عن خِدام العَقِيلَةُ العَذْرَاءُ\nيريدُ: عن خدامٍ العَقيلةُ.\nوالصوابُ في ذلك عندنا التنوينُ؛ لمعنيين: أحدُهما: أنه أفصحُ اللُّغتين، وأشهرُ الكلامينِ، وأجودُهما عند العربِ. والثاني: إجماعُ الحجةِ من قرأةِ الأمصارِ على اختيارِ التنوينِ فيه، ففى ذلك مُكْتفًى عن الاستشهادِ على صحتِه بغيرِه.\nوقد بيَّنَّا معنى قوله أَحَدٌ فيما مضى، بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضِع (^٣).\n_________\n= الشواذ لابن خالويه ص ٦٥.\n(^١) وقرأ بها أبان بن عثمان وزيد بن علي وابن سيرين والحسن وأبو السمال وأبو عمرو في رواية يونس ومحبوب والأصمعى واللؤلؤى وعبيد وهارون. البحر المحيط ٨/ ٥٢٨. ورويت هذه القراءة أيضًا عن عمر ﵁. ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٨٣.\n(^٢) البيتان لعبيد الله بن قيس الرقيات في ديوانه ص ٩٥، ٩٦.\n(^٣) ينظر ما تقدم في ٢/ ٧٤٥.","vol":"24","page":730},{"text":"<span id=\"aya-6223\"></span>وقولُه: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾. يقولُ تعالى ذكره: المعبودُ الذي لا تصلُحُ العبادةُ إلا له، الصمدُ.\nواختلف أهلُ التأويلِ في معنى الصمدِ؛ فقال بعضُهم: هو الذي ليس بأجوفَ، ولا يأكلُ ولا يشربُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10084>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، عن سلمةَ بن سابورَ، عن عطيةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي ليس بأجوفَ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: المُصْمَتُ الذي لا جوفَ له (^٢).\nحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه سواءً (^٣).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: المُصْمَتُ الذي ليس له جوفٌ (^٤).\n_________\n(^١) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٤ عن المصنف، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١٠٠) من طريق سلمة بن سابور به، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٦٦٥)، والخطيب في الموضح ٢/ ٢١٥ من طريق مجاهد، عن ابن عباس.\n(^٢) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٤ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٦٧٣، ٦٧٤) من طريق عبد الرحمن به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٠٧، وابن أبي حاتم - كما في مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٧/ ٢٢١ - من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي عاصم (٦٧٦) من طريق آخر عن مجاهد.\n(^٣) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٤ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٦٧٣، ٦٧٤) من طريق وكيع به.\n(^٤) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٤ عن المصنف، وهو في تفسير مجاهد أبو الشيخ في العظمة (٩٦) من طريق ابن أبي نجيح به، بلفظ: \"القائم على كل شيءٍ\".","vol":"24","page":731},{"text":"حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ووكيعٌ، قالا: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا جوفَ له (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، جميعًا عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا الربيعُ بنُ مسلمٍ، عن الحسنِ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا جوفَ له (^٢).\nقال: ثنا الربيعُ بنُ مسلمٍ، عن إبراهيمَ بن ميسرةَ، قال: أَرْسَلنى مجاهدٌ إلى سعيدِ بن جبيرٍ أسألُه عن: ﴿الصَّمَدُ﴾. فقال: الذي لا جوفَ له (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا يَطْعَمُ الطعامَ (^٤).\nحدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ أنه قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا يأكلُ الطعامَ ولا يشربُ الشرابَ (^٥).\nحدَّثنا أبو كريبٍ وابن بشارٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحاكِ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا جوفَ له (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٦٧٥) من طريق عبد الرحمن ووكيع به.\n(^٢) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٤ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٦٨٠) من طريق عبد الرحمن بن مهدى.\n(^٣) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٤ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٦٨٥، ٦٨٦) من طريق إبراهيم بن ميسرة به.\n(^٤) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٤ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٦٨٢، ٦٨٣) من طريق يحيى بن سعيد به، وأخرجه أيضا (٦٨٢) من طريق إسماعيل به.\n(^٥) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٤ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٦٨٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢١ - والبيهقى في الأسماء والصفات (١٠٣) من طريق هشيم به.\n(^٦) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٦٨٩) من طريق وكيع به، وأخرجه أيضا (٦٨٨) من طريق صالح بن مسعود، عن الضحاك.","vol":"24","page":732},{"text":"حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا يأكلُ الطعامَ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ وزيدُ بنُ أَخْزَمَ، قالا: ثنا ابنُ داودَ، عن المستقيمِ بن عبدِ الملكِ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا حِشْوةَ له (^١).\nحدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا جوفَ له (^٢).\nحدَّثني العباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرَ بن روميٍّ، عن عبيدِ اللهِ بن سعيدٍ قائد الأعمشِ، قال: ثنى صالحُ بن حيَّانَ، عن عبدِ اللهِ بن بريدةَ، عن أبيه، قال: لا أعلمُه إلا قد رفَعه، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: \"الذي لا جوفَ له\" (^٣).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، عن الربيعِ بن مسلمٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا جوفَ له (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عكرمةَ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا جوفَ له (^٥).\nوقال آخرون: هو الذي لا يخرُجُ منه شيءٌ.\n_________\n(^١) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٤ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٦٧٧) من طريق ابن داود به، وأبو الشيخ في العظمة (٩٧، ١٠٢) من طريق المستقيم به.\n(^٢) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٧/ ٢٢٥ عن المصنف.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٤٧ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٠ - والطبراني (١١٦٢)، وابن عدى ٤/ ١٣٧٢، وأبو الشيخ في العظمة (٩٣) من طريق محمد بن عمر الرومى به، وقال ابن كثير: وهذا غريب جدًّا، والصحيح أنه موقوف على عبد الله بن بريدة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٦٨٠) من طريق بشر بن المفضل.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٠٧ عن معمر به.","vol":"24","page":733},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10085>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبى رجاءٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ، قال في قولِه: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لم يخرُجْ منه شيءٌ، ولم يَلِدْ، ولم يُولَدْ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاء محمدِ بن يوسفَ، عن عكرمةَ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا يخرُجُ منه شيءٌ (^٢).\nوقال آخرون: هو الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10086>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لم يلدْ ولم يُولدْ، لأنه ليس شيءٌ [يَلِدُ إلا سيُورَثُ] (^٣)، ولا شيءَ يُولَدُ إلَّا سيموتُ، فأخبَرهم تعالى ذكره أنه لا يُورَثُ ولا يموتُ.\nحدَّثنا أحمدُ بنُ منيعٍ ومحمودُ بنُ خداشٍ قالا: ثنا [أبو سعدٍ الصَّغَانيُّ] (^٤)، قال: قال المشركون للنبيِّ ﷺ: انسُبْ لنا ربَّك. فأنزل اللهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾. لأنَّه ليس شيءٌ يُولد إلا سيموتُ، وليس شيءٌ يموتُ إلا سيُورَثُ، وإنَّ الله جلَّ ثناؤُه لا يموتُ ولا يُورَثُ، ﴿وَلَمْ\n_________\n(^١) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٥ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٦٦٨)، وابن أبي حاتم - كما في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٠ - من طريق ابن علية به، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٦٦٩)، وأبو الشيخ في العظمة (١٠١) من طريق أبي رجاء به.\n(^٢) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٠ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٦٦٧، ٦٧٠) من طريق شعبة به، وأخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (١٠٢) من طريق شعبة عن أبى رجاء عن الحسن.\n(^٣) في ص، ت،١ ت:٢: \"يولد إلا سيورثه\".\n(^٤) في م: \"أبو سعيد الصنعاني\". وتقدم في ص ٧٢٧.","vol":"24","page":734},{"text":"يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾: ولم يكنْ له شبيهٌ ولا عِدْلٌ، وليس كمثله شيءٌ (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي معشرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ، ولم يكنْ له كُفُوًا أحدٌ (^٢)\nوقال آخرون: هو السيِّدٌ الذي قد انتهى سُؤدَدُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-10087>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثني أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن شقيقٍ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: هو السيِّدُ الذي قد انتهَى سُؤدَدُه (^٣).\nحدَّثنا أبو كريبٍ وابن بشارٍ وابنُ عبدِ الأعلى، قالوا: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: السيِّدُ الذي قد انتهى سُؤدَدُه (^٤). ولم يقُلْ أبو كريبٍ وابنُ عبدِ الأعلى: سُؤدَدُه.\n_________\n(^١) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٢ عن المصنف، وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ٣٠، وابن أبي حاتم - كما في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢١ - بإسناد المصنف، وأخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص ٧، والترمذى (٣٣٦٤)، وابن عدى ٦/ ٢٢٣١، والواحدى ص ٣٤٦، والبيهقي في الأسماء (٦٠٧)، والخطيب ٣/ ٢٨١ من طريق أحمد به، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٦٦٣)، وأبو الشيخ (٩٠) من طريق أبي سعد به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٤٠، وعنه البيهقي في الاعتقاد ص ٣٨، والأسماء (٥٠)، والشعب (١٠١) من طريق أبي جعفر به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٤٠٩ إلى ابن أبي حاتم في السنة والبغوى في معجمه، والإسناد عندهم كما تقدم عندنا في ص ٧٢٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم (٦٩٠) من طريق وكيع به، وهو في تفسير مجاهد ص ٧٦٠، وأخرجه البيهقى (١٠١) من طريق أبي معشر به نحوه.\n(^٣) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٥ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم (٦٧١، ٦٧٢)، وابن أبي حاتم - كما في مجموع الفتاوى (١٧/ ٢١٩ - وهو في تفسير مجاهد ص ٧٦٠، وأخرجه البيهقى (٩٩) من طريق الأعمش به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٠٧ من طريق عاصم عن شقيق، وأخرجه ابن أبي عاصم (٦٦٦)، وابن حجر في التغليق ٤/ ٣٨٠ من طريق عاصم عن شقيق عن ابن مسعود قوله.\n(^٤) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٥ عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم (٦٧٢) من طريق وكيع به.","vol":"24","page":735},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ مثلَه (^١).\nحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿الصَّمَدُ﴾. يقولُ: السيِّدُ الذي قد كمُل في سُؤدَدِه، والشريفُ الذي قد كمُل في شَرفِه، والعظيمُ الذي قد كمُل (^٢) في عظمتِه، والحليمُ الذي قد كمُل في حلمِه، والغنيُّ الذي قد كمُل في غِناه، والجبَّارُ الذي قد كمُل في جبروتِه، والعالِمُ الذي قد كمُل في علمِه، والحكيمُ الذي قد كمُل في حكمتِه، وهو الذي قد كمُل في أنواعِ الشرفِ والسُؤدَدِ، وهو اللهُ سبحانه، هذه صفتُه، لا تَنْبغِى إلا له (^٣).\nوقال آخرون: بل هو الباقى الذي لا يَفْنى.\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾. قال: كان الحسنُ وقتادةُ يقولان: الباقى بعدَ خَلْقِه. قال: هذه سورةٌ خالصةٌ، ليس فيها ذكرُ شيءٍ مِن أمرِ الدنيا والآخرةِ (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ، ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾. الدائمُ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الفريابي - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٨٠ - عن سفيان به.\n(^٢) في م: \"عظم\".\n(^٣) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٥ عن المصنف، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٩٨)، وابن أبي حاتم - كما في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٠ - والبيهقى في الأسماء والصفات (٩٨) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٤١٥ إلى ابن المنذر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٦٧٩)، وابن الضريس (٢٦٧)، وابن أبي حاتم - كما في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢١٩ - وأبو الشيخ في العظمة (٩٩، ١٠٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٠٤) من طريق يزيد به، وأخرجه أبو الشيخ (٩٢) من طريق آخر عن قتادة، وفي (٩٥) من طريق آخر عن الحسن بمعناه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٦٨١) من طريق ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٠٧ عن معمر، عن الحسن.","vol":"24","page":736},{"text":"قال أبو جعفرٍ: \"الصَّمَدُ\" عندَ العرب هو السيِّدُ الذي يُصْمَدُ إليه، الذي لا أحدَ فوقَه، وكذلك تُسمِّى أشرافَها، ومنه قولُ الشاعرِ (^١):\nألا بَكَّرَ النَّاعِى بِخَيْرَيْ بَنِي أَسَدْ … بعَمْرِو بن مسعودٍ وبالسيِّدِ الصَّمَدْ\nوقال الزِّبْرِقانُ (^٢):\n* ولا رَهِينَةَ إِلا سَيِّدٌ صَمَدُ *\nفإذ كان ذلك كذلك، فالذى هو أولى بتأويلِ الكلمةِ، المعنى المعروفُ من كلامِ مَن نزَل القرآنُ بلسانِه، ولو كان حديثُ ابن بريدةَ عن أبيه صحيحًا، كان أولى الأقوالِ بالصحةِ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أعلمُ بما عَنَى اللهُ جَلَّ ثناؤُه، وبما أَنزَل عليه.\n\n<span id=\"aya-6224\"></span>وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾. يقولُ: ليس بفانٍ، لأنه لا شيءَ يَلِدُ إلا وهو فانٍ بائدٌ، ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾. يقولُ: وليس بمُحْدَثٍ، لم يكنْ فكان؛ لأنَّ كلَّ مولودٍ فإنما وُجِد بعدَ أنْ لم يكنْ، وحدَث بعد أنْ كان غيرَ موجودٍ، ولكنه تعالى ذكرُه قديمٌ (^٣) لم يَزَلْ، ودائمٌ [لا يَبيدُ] (^٤) ولا يزولُ ولا يَفْنى.\n_________\n(^١) هو سبرة بن عمر الأسدى، والبيت في مجاز القرآن ٢/ ٣١٦، وفى سمط اللآلئ ٢/ ٩٣٢، ونسبه ابن هشام في السيرة ١/ ٥٧٢ إلى هند بنت معبد بن نضلة.\n(^٢) البيت في مجاز القرآن ٢/ ٣١٦.\n(^٣) في إطلاق صفة \"القديم\" على الله نظر. فهذه صفة لم يرد إطلاقها على الله ﷾ في القرآن الكريم ولا في السنة الصحيحة، وإنما الذي ورد للتعبير عن معناها لفظ (الأول)، كما قال الله سبحانه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣]. وقول النبي عمل في ثنائه على الله سبحانه: \"اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء\". أخرجه مسلم (٢٧١٣). فهذا اللفظ مما أدخله المتكلمون في أسماء الله تعالى وليس هو من الأسماء الحسنى؛ وذلك لأنه يحتوى على معنى الزمن، فإذا كان \"قديما\" فهناك \"أقدم\" قياسا على صيغة أفعل، أما لفظ القرآن والسنة \"الأول\" فكان أدق في التعبير. ينظر شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٧٥ - ٧٧.\n(^٤) في م، ت ٣: \"لم يبد\".","vol":"24","page":737},{"text":"<span id=\"aya-6225\"></span>وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ولم يكنْ له شبيهٌ (^١) ولا مِثْلٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10088>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ قولَه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾: لم يكنْ له شبيهٌ (^١)، ولا عِدْلٌ، وليس كمثلِه شيءٌ (^٢).\nحدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عمرِو بن غَيْلَانَ الثقفيِّ، وكان أميرَ البصرةِ، عن كعبٍ، قال: إنَّ الله تعالى ذكرُه أسَّس السماواتِ السبعَ والأَرَضينَ السبعَ على هذه السورةِ، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. وإنَّ الله لم يُكافِئْه أحدٌ مِن خَلْقِه (^٣).\nحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. قال: ليس كمثله شيءٌ، فسبحانَ اللهِ الواحدِ القهَّارِ (^٤).\nحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن جريجٍ (^٥): ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا﴾: مِثْلٌ.\n_________\n(^١) في ص: \"شبه\".\n(^٢) تقدم في ص ٧٣٤.\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٨٩٥) من طريق سعيد به، وأخرجه أبو نعيم ٥/ ٣٨٣ من طريق قتادة به، وأخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (٢٤٦) من طريق قتادة عن عبد الله بن غالب عن كعب مختصرا، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٢ - من طريق يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله مقتصرا على آخره.\n(^٤) تقدم تخريجه في ص ٧٣٦.\n(^٥) في ت ١: \"أبي نجيح\"، وفى ت ٢ ت ٣: \"أبي نجيح عن مجاهد\".","vol":"24","page":738},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك أنه لم يكنْ له صاحبةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10089>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الملكِ بن أَبْجَرَ، عن طلحةَ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. قال: صاحبةٌ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن ابن أَبْجَرَ، عن طلحةَ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنٌ إدريسَ، عن عبد الملكِ، عن طلحةَ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أَبْجَرَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. قال: صاحبةٌ.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن عبدِ الملكِ بن أَبْجَرَ، عن طلحةَ بن مُصَرِّفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. قال: صاحبةٌ.\nحدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا ابنٌ إدريسَ، عن عبدِ الملكِ، عن طلحةَ، عن مجاهدٍ مثلَه.\nوالكُفُؤُ والكَفِيءُ والكِفَاءُ في كلامِ العربِ واحدٌ، وهو المِثْلُ والشَّبْهُ، ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (^٢):\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٣٠٠ من طريق يحيى به.\n(^٢) ديوانه ص ٢١.","vol":"24","page":739},{"text":"لا تَقْذِفَنِّي بِرُكْنٍ لا كِفَاءَ لَهُ … ولو تَأَثَّفَكَ (^١) الأَعْدَاءُ بالرِّفَدِ\nيعني: لا كفاءَ له: لا مِثْلَ له.\nواختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿كُفُوًا﴾؛ فقرَأ ذلك عامةٌ قرأةِ البصرةِ: ﴿كُفُوًا﴾ بضمِّ الكافِ والفاءِ. وقرَأه بعضُ قرأةِ الكوفةِ بتسكينِ الفاءِ وهمزِها: (كُفْئًا) (^٢).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك أنْ يقالَ: إنهما لُغتان مَشْهورتان، وقراءتان معروفتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.\nآخرُ تفسير سورةِ \"الإخلاصِ\"\n_________\n(^١) تأثَّفوه: تكنَّفُوه. اللسان (أ ث ف).\n(^٢) قرأ حفص (كُفُوًا)، وقرأ حمزة وخلف ويعقوب (كُفْئًا)، وقرأ الباقون (كُفُؤًا). ينظر النشر ٢/ ١٦٢.","vol":"24","page":740},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10090>تفسيرُ سورةِ \"الفلقِ\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6226\"></span><span data-type='title' id=toc-10092>القولٌ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدَّستْ أسماؤُه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ: أستجيرُ بربِّ الفَلَقِ من شرِّ ما خلَق مِن الخَلْقِ.\nواختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الفلَقِ؛ فقال بعضُهم: هو سجنٌ في جهنمَ يُسمَّى هذا الاسمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10091>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني الحسينُ بنُ يزيدَ الطحانُ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن إسحاقَ بن عبدِ اللهِ، عمَّن حدَّثه عن ابن عباسٍ، قال: ﴿الْفَلَقِ﴾: سجنٌ في جهنمَ (^١).\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد الزبيريُّ، قال: ثنا عبدُ السلام بنُ حربٍ، عن إسحاقَ بن عبدِ اللهِ [بن أبي فَرْوَةَ، عن رجلٍ] (^٢)، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿الْفَلَقِ﴾. قال: سجنٌ في جهنمَ.\n_________\n(^١) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٥٩٥.\n(^٢) في ت ٣: \"عمن حدثه\".","vol":"24","page":741},{"text":"حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا العوَّام، عن (^١) عبدِ الجبارِ الخولانيِّ (^٢)، قال: قَدِم رجلٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ الشامَ. قال: فنَظَر إلى دُورِ أهل الذِّمَّةِ وما هم فيه من العيشِ والنَّضارةِ، وما وُسِّع عليهم في دنياهم، قال: فقال: لا أُبالى (^٣)، أليس مِن ورائِهم الفَلَقُ؟ قال: قيل: وما الفَلَقُ؟ قال: بيتٌ في جهنمَ، إذا فُتِح هرَّ (^٤) أهل النارِ.\nحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانٌ، قال: سمِعتُ السديَّ يقولُ: ﴿الْفَلَقِ﴾: حُبُّ في جهنمَ.\nحدَّثنى عليُّ بن حسنٍ الأَزْدِيُّ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن السديِّ مثلَه.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ مثلَه.\nحدَّثني إسحاقُ بن وهبٍ الواسطيُّ، قال: ثنا مسعودُ بنُ موسى بن مُشكانَ الواسطيُّ، قال: ثنا نصرُ بنُ خزيمةَ الخُراسانيُّ، عن شعيبِ بن صفوانَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرظيِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: \"الفَلَقُ جُبٌّ في جهنمَ مُغَطًّى\" (^٥).\nحدَّثنا ابن البرقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبى مريمَ، قال: ثنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى أُسيدٍ، عن ابن عَجلانَ، عن أبي عبيدٍ، عن كعبٍ، أنه دخَل كنيسةً فأعجَبه حسنُها، فقال: أحسن عملٍ وأضلُّ قومٍ، رضيتُ لكم الفلقَ. قيل: وما\n_________\n(^١) في النسخ: \"بن\". وينظر الثقات ٧/ ١٣٥.\n(^٢) في ص، م: \"الجولاني\".\n(^٣) في م: \"أبالك\".\n(^٤) الهُرارُ من أدواء الإبل، وهو استطلاق بطونها. التاج (هـ ر ر). هرير الكلب: صوته وهو دون نباحه من قلة صبره على البرد.\n(^٥) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٤١٨ إلى المصنف.","vol":"24","page":742},{"text":"الفلقُ؟ قال: بيتٌ في جهنمَ إذا فُتِح صاح جميعُ أهل النارِ مِن شدةِ حرِّه.\nوقال آخرون: هو اسمٌ مِن أسماءِ جهنمَ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-10093>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: سمعتُ خُثيمَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: سألتُ أبا عبدِ الرحمنِ الحُبلِيَّ (^٢) عن الفلقِ، قال: هي جهنمُ (١).\nوقال آخرون: الفلقُ الصبحُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10094>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبَّاسٍ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. قال: الفلقُ الصبحُ (^٣).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، قال: أنبأنا عوفٌ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. قال: الفلقُ الصبحُ (١).\nقال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: الفلقُ الصبحُ (١).\nحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، جميعًا عن سفيان، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ مثلَه.\nحدَّثنى عليُّ بن الحسن الأزديُّ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن سالمٍ،\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٥٤.\n(^٢) في ت ١، ت،٢، ت ٣: \"الجيلى\". ينظر تهذيب الكمال ٣٤/ ٤١.\n(^٣) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٤١٨ إلى المصنف.","vol":"24","page":743},{"text":"عن سعيد بن جبير مثله.\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الحسنِ بن صالحٍ، عن عبدِ اللهِ بن محمدِ بن عقيلٍ، عن جابرٍ، قال: الفلقٌ الصبحُ.\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا الحسنُ بن صالحٍ، عن عبدِ اللهِ بن محمدِ بن عقيلٍ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ مثلَه (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا أبو صخرٍ، عن القرظيِّ، أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. يقولُ: فالقُ الحبِّ والنَّوى. وقرَأ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ (^٢) [الأنعام: ٩٦].\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. قال: الصبحِ (^٣).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. قال: الفلقُ فلقُ النهارِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: الفلقُ فلقُ الصبحِ (^٤).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ الله: ﴿قُلْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٥٥٣ - من طريق أبي أحمد الزبيري به.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٥٤.\n(^٣) تفسير مجاهد ص ٧٦١، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٨١.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٠٨ عن معمر به.","vol":"24","page":744},{"text":"أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. قيل له: فلقُ الصبحِ؟ قال: نعم. وقرَأ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ (^١) [الأنعام: ٩٦].\nوقال آخرون: الفَلَقُ: الخَلْقُ. ومعنى الكلامِ: قلْ أعوذُ بربِّ الخَلْقِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10095>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿الْفَلَقِ﴾. يعنى: الخَلْقِ (^٢).\nوالصوابُ من القولِ في ذلك أنْ يُقالَ: إِنَّ الله جلَّ ثناؤُه أمَر نبيَّه محمدًا ﷺ أنْ يقولَ: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. والفلقُ في كلامِ العربِ فَلَقُ الصبحِ، تقولُ العربُ: هو أَبْيَنُ مِن فَلَقِ الصبحِ، ومِن فَرَقِ الصبحِ (^٣). وجائزٌ أن يكونَ في جهنمَ سجنٌ اسمُه فَلَقٌ. وإذا كان ذلك كذلك، ولم يكنْ جلَّ ثناؤُه وضَع دَلالةً على أنه عنَى بقولِه: ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ بعض ما يُدْعَى الفَلَقَ دونَ بعضٍ، وكان اللهُ تعالى ذكرُه ربَّ كلِّ ما خلَق مِن شيءٍ - وجَب أن يكون معنيًّا به كلُّ ما اسمُه الفَلَقُ، إذ كان ربَّ جميعِ ذلك.\n\n<span id=\"aya-6227\"></span>وقال جلَّ ثناؤُه: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾؛ لأنَّه أمَر نبيَّه أنْ يَستعيذَ من شرِّ كلَّ شيءٍ، إذ كان كلُّ ما سواه، فهو ما خَلَق.\n\n<span id=\"aya-6228\"></span>وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. يقولُ: ومن شَرِّ مُظْلِمٍ إذا دخَل وهجَم علينا بظلامِه.\n_________\n(^١) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٥٥٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٥٧ - وعزاه السيوطى في الدر المنثور إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) ينظر مجمع الأمثال ١/ ٢٠٨، وجمهرة الأمثال ١/ ٢٥٢، والمستقصى ١/ ٣٢.","vol":"24","page":745},{"text":"ثم اختلَف أهلُ التأويل في المُظْلِم الذي عُنِى في هذه الآيةِ، وأُمِر رسولُ اللهِ ﷺ بالاستعاذةِ منه؛ فقال بعضُهم: هو اللَّيلُ إِذا أَظْلَمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-10096>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. قال: اللَّيلِ (^١).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، قال: أنبَأنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. قال: أَوَّلِ اللَّيلِ إِذا أَظْلَم (^٢).\nحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا [أبو صخرٍ، عن القرظيِّ أنه كان يقولُ في: ﴿غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. يقولُ: النهارِ إِذا دخَل في اللَّيلِ.\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا] (^٣) مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن رجلٍ مِن أهلِ المدينةِ، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. قال: هو غروبُ الشمسِ إذا جاء اللَّيلُ، إذا وجَب (^٤).\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿غَاسِقٍ﴾. قال: اللَّيلِ، ﴿إِذَا وَقَبَ﴾. قال: إذا دخَل (^٥).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمر، عن الحسنِ: ﴿وَمِنْ شَرِّ\n_________\n(^١) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٤١٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٢) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٥٥٤.\n(^٣) سقط من: ت ١.\n(^٤) في م: \"وقب\". وينظر في هذا الأثر تفسير ابن كثير ٨/ ٥٥٤.\n(^٥) تفسير مجاهد ص ٧٦١، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٤١٩ إلى المصنف وابن المنذر.","vol":"24","page":746},{"text":"غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. قال: اللَّيلِ إِذا أقبَل (^١).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. قال: إذا جاء.\nحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِذَا وَقَبَ﴾. يقولُ: إذا أقبَل (^٢).\nوقال بعضُهم: هو النهارُ إذا دخل في اللَّيلِ. وقد ذكَرْناه قبلُ (^٣).\nحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانٌ، عن سفيانَ، عن رجلٍ مِن أهلِ المدينةِ، عن محمد بن كعبٍ القُرَظَيِّ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. قال: هو غروب الشمس إذا جاء اللَّيلُ، إذا وجَب (^٤).\nوقال آخرون: هو كوكبٌ. وكان بعضُهم يقولُ: ذلك الكوكبُ هو الثُّريَّا.\n\n<span data-type='title' id=toc-10097>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال أخبرنا سليمانُ بنُ حَيَّانَ، عن أبى المُهَزَّم، عن أبى هريرةَ في قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. قال: كوكبٌ (^٥).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. قال: كانت العربُ تقولُ: الغاسِقُ: سقوطُ الثُّريَّا. وكانت الأسقامُ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٠٨ عن معمر به.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤١٨ إلى المصنف وابن المنذر.\n(^٣) تنظر الصفحة السابقة.\n(^٤) تقدم في الصفحة السابقة سندًا ومتنًا.\n(^٥) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ٥٥٤.","vol":"24","page":747},{"text":"والطواعينُ تكثُرُ عندَ وقوعِها، وترتفِعُ عندَ طُلُوعِها (^١).\nولقائلي هذا القولِ علةٌ مِن أثرٍ عن النبيِّ ﷺ، وهو ما حدَّثنا به نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا بكَّارُ بنُ عبدِ اللهِ ابن أخى همَّامٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ العزيزِ بن عمرَ بن عبد الرحمنِ بن عوفٍ، عن أبيه، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. قال: \"النجمِ الغاسقِ\" (^٢).\nوقال آخرون: بل الغاسقُ إذا وقَب: القمرُ. ورَوَوْا بذلك عن النبيِّ ﷺ خبرًا حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن سفيانَ، قال: ثنا أبي ويزيدُ بنُ هارونَ به.\nوحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ بن أبي ذئبٍ، عن خالِه الحارثِ بن عبدِ الرحمنِ، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ، عائشةَ، قالت: أخَذ النبيُّ ﷺ بيدي، ثم نظَر إلى القمرِ، فقال: \"يا عائشةُ، تَعَوَّذِي بالله من شرِّ غاسقٍ إذا وقَب، وهذا غاسقٌ إذا وقَب\". وهذا لفظُ حديثِ أبي كريبٍ وابن وكيعٍ، وأما ابنُ حميدٍ فإنه قال في حديثِه: قالت: أخَذ النبيُّ ﷺ بيدى، فقال: \"أَتَدْرِين أَيُّ شيءٍ هذا؟ تَعَوَّذِى باللهِ مِن شَرِّ هذا، فإِنَّ هذا الغاسِقُ إذا وقَب\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٦٩٨) من طريق آخر عن عبد الرحمن بن زيد به.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٦٩٧) من طريق نصر بن علي به، وأخرجه (٦٩٦) من طريق محمد بن عبد العزيز، ولم يذكر أبا سلمة في إسناده، وعزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٤١٨ إلى ابن مردويه.\n(^٣) أخرجه أحمد ٦/ ٢٠٦ (الميمنية)، والبغوى في تفسيره ٨/ ٥٩٥، وفى شرح السنة ٥/ ١٦٧ من طريق وكيع به، وأخرجه أحمد ٦/ ٢٣٧ (الميمنية)، من طريق يزيد به، وأخرجه النسائي في الكبرى (١٠١٣٨) من طريق سفيان به. وأخرجه أحمد ٦/ ٦١، ٢١٥، ٢٥٢ (الميمنية)، والترمذى (٣٣٦٦) والحاكم ٢/ ٥٤٠، وأبو الشيخ في العظمة (٦٨١) من طريق ابن أبي ذئب به.","vol":"24","page":748},{"text":"حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا ابن أبي ذئبٍ، عن الحارثِ بن عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ، أن النبيَّ ﷺ نظَر إلى القمرِ، فقال: \"يا عائشةُ، اسْتَعِيذِى باللهِ مِن شَرِّ هذا، فإِنَّ هذا الغاسِقُ إِذا وقَب\" (^١).\nوأولى الأقوالِ في ذلك عندي بالصوابِ أنْ يقالَ: إِنَّ الله أمَر نبيَّه ﷺ أَنْ يستعيذَ من شرِّ ﴿غَاسِقٍ﴾ وهو الذي يُظْلِمُ، يقال: قد غَسَق الليلُ يَغْسِقُ غُسُوقًا. إذا أَظْلَم. ﴿إِذَا وَقَبَ﴾. يعنى: إذا دخَل في ظَلامِه، واللَّيلُ إذا دخَل في ظَلامِه غاسقٌ، والنجمُ إذا أفَل غاسقٌ، والقمرُ غاسقٌ إذا وقَب، [ولم يَخْصُصْ] (^٢) بعضَ ذلك بل عمَّ الأمر بذلك، فكلُّ غاسقٍ فإنه ﷺ كان يُؤْمَرُ بالاستعاذة من شرِّه إذا وقب. وكان قتادةُ يقولُ في معنى ﴿وَقَبَ﴾: ذَهَب.\nحدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. قال: إذا ذهَب (^٣).\nولستُ أعرِفُ ما قال قتادةُ في ذلك، في كلامِ العربِ، بل المعروفُ مِن كلامها من معنى: ﴿وَقَبَ﴾: دخَل.\n\n<span id=\"aya-6229\"></span>وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾. يقولُ: ومِن شرِّ السواحرِ اللَّاتى يَنْفُثْن في عُقَدِ الخَيْطِ، حينَ يَرْقِين عليها.\nوبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (١٠١٣٧) من طريق أبي عامر به، وعنده: عن الحارث والمنذر عن أبي سلمة.\n(^٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٣.\n(^٣) تفسير ابن كثير ٨/ ٥٥٤.","vol":"24","page":749},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10098>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ *: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾. قال: ما خالَط (^١) السِّحْرُ من الرُّقَى (^٢).\nحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾. قال: السواحرِ والسَّحَرةِ.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا قتادةُ: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾. قال: إيَّاكم وما خالط السِّحرُ مِن هذه الرُّقَى (^٣).\nقال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: ما من شيءٍ أقربَ إلى الشركِ من رُقْيَةِ [الحيةِ و] (^٤) المجانينِ (^٥).\nحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ إذا جاز (^٦): ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾. قال: إيَّاكم وما خالط السِّحْرُ.\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ\n_________\n* هنا ينتهى المخطوط: ص.\n(^١) في ت ١ ت: \"خلط\".\n(^٢) عزاه السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٤١٩ إلى المصنف.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٠٨ عن معمر به.\n(^٤) سقط من: م.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٠٩ عن معمر به.\n(^٦) في ت ١، ت ٢، ت ٣: \"جاء\".","vol":"24","page":750},{"text":"وعكرمة: ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾. قال: قال مجاهدٌ: الرُّقَى في عُقَدِ الخَيْطِ. وقال عكرمةُ: الأخْذُ في عُقَدِ الخَيْطِ (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾. قال: النفاثاتُ: السواحِرُ في العُقَدِ.\n\n<span id=\"aya-6230\"></span>وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في الحاسدِ الذي أُمِر النبيُّ ﷺ أنْ يستعيذَ من شرِّ حسدِه به؛ فقال بعضُهم: ذلك كلُّ حاسدٍ أُمِر النبيُّ ﷺ أَنْ يَستَعِيدَ مِن شَرِّ عَينِه ونفسِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-10099>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. قال: من شرِّ عينِه ونفسِه. وعن عطاءٍ الخُراسانيِّ مثلَ ذلك. قال معمرٌ: وسمِعتُ ابن طاوُسٍ يحدِّثُ عن أبيه، قال: العَينُ حقٌّ، ولو كان شيءٌ سابقَ القَدَرِ سَبَقَتْه العَينُ، وإذا اسْتُغْسِل (^٢) أحدُكم فلْيَغْتَسِلْ (^٣).\n_________\n(^١) ذكره السيوطى في الدر المنثور ٦/ ٤١٩ عن مجاهد وعزاه إلى المصنف وابن أبي حاتم.\n(^٢) استغسل: أي إذا طلب من أصابته العين أن يغتسل من أصابه بعينه فليجبه، وكان من عادتهم أن الإنسان إذا أصابته عين من أحد جاء إلى العائن بقدح فيه ماء فيدخل كفه فيه، فيتمضمض ثم يمجه في القدح، ثم يغسل وجهه فيه، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على يده اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على يده اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على مرفقه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على مرفقه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على قدمه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على قدمه اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبته اليسرى، ثم يغسل داخلة إزاره، ولا يوضع القدح بالأرض، ثم يصب ذلك الماء المستعمل على رأس المصاب بالعين من خلفه صبة واحدة فيبرأ بإذن الله تعالى. النهاية ٣/ ٣٦٨.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٠٨ عن معمر به.","vol":"24","page":751},{"text":"وقال آخرون: بل أُمِر النبيُّ ﷺ بهذه الآيةِ أنْ يستعيذَ من شرِّ اليهودِ الذين حسَدوه.\n\n<span data-type='title' id=toc-10100>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. قال: يهودُ (^١)، لم يَمْنَعْهم أنْ يؤمنوا به إلا حسدُهم.\nوأولى القولين بالصوابِ في ذلك قولُ مَن قال: أُمِر النبيُّ ﷺ أَنْ يَستعيذَ من شرِّ كلِّ حاسدٍ إذا حسَد؛ فعابه أو سَحَره، أو بغاه سُوءًا.\nوإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنَّ الله ﷿ لم يَخْصُصْ مِن قولِه: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ حاسدًا دونَ، حاسدٍ، بل عمَّ أمرَه إيَّاه بالاستعاذةِ من شرِّ كلِّ حاسدٍ، فذلك على عمومِه.\nآخرُ تفسيرِ سورةِ \"الفَلَقِ\"\n_________\n(^١) بعده في ت ١، ت،٢ ت ٣: \"إذا حسد\".","vol":"24","page":752},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10101>تفسير سورة \"الناسِ\"</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6231\"></span>\n\n<span id=\"aya-6232\"></span><span data-type='title' id=toc-10103>القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾.</span>\nيقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ: أستجيرُ ﴿بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ﴾. وهو مَلِكُ جميعِ الخَلْقِ؛ إنسِهم وجنِّهم، وغيرِ ذلك. إعلامًا منه بذلك مَن كان يُعَظِّمُ الناسَ تعظيمَ المؤمنين ربَّهم، أنه مَلِكُ مَن يُعظِّمُه، وأن ذلك في مُلْكِه وسُلْطانِه، تجري عليه قُدْرتُه، وأنه أولى بالتعظيمِ، وأحقُّ بالتعبُّدِ له ممن يُعظِّمُه ويتعبَّدُ له، من غيرِه مِن الناسِ.\n\n<span id=\"aya-6233\"></span>وقوله: ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾. يقولُ: معبودِ الناس، الذي له العبادةُ دونَ كلِّ شيءٍ سواه.\n\n<span id=\"aya-6234\"></span>وقولُه: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾. يعني: من شرِّ الشيطانِ، ﴿الْخَنَّاسِ﴾: الذي يَخْنِسُ مرَّةً، ويُوسوِسُ أخرى. وإنما يَخْنِسُ فيما ذُكر عند ذكرِ العبدِ ربَّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-10102>ذكرُ مَن قال ذلك</span>\nحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن سفيانَ، عن حكيمِ بن جبيرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ما من مولودٍ إلا على قلْبِه الوَسْوَاسُ، فإذا","vol":"24","page":753},{"text":"عقَل فذكَر الله خَنَس، وإذا غَفَل وَسْوَس. قال: فذلك قولُه: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ (^١).\nحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدٍ (^٢)، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾. قال: الشيطانُ جاثمٌ على قلبِ ابن آدمَ، فإذا سها وغفَل وَسْوَس، وإذا ذكر الله خَنَس (^٣).\nقال: ثنا مِهْرانُ، عن عثمانَ، عن مجاهدٍ: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾. قال: يَنْبَسِطُ، فإذا ذكر الله خَنَس وانْقَبَض، فإذا غفَل انْبَسَط.\nحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾. قال: الشيطانُ يكونُ على قلبِ الإنسانِ، فإذا ذكر الله خَنَس (^٤).\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْوَسْوَاسِ﴾. قال: هو الشيطانُ، وهو الخَنَّاسُ أيضًا، إذا ذكَر العبدُ ربَّه خَنَس، وهو يُوسْوِسُ ويَخْنِسُ (^٥).\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في التغليق ٤/ ٣٨١ عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤١٠ - ومن طريقه الحاكم ٢/ ٥٤١، وعنه البيهقى في الشعب (٦٧٦) - وفى تفسير مجاهد ص ٧٦٢ من طريق الثورى به، وأخرجه الضياء في المختارة (١٧٢) من طريق الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٢٠ إلى ابن أبي الدنيا وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢) في النسخ: (سفيان). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٥٤٦.\n(^٣) أخرجه الحافظ في التغليق ٤/ ٣٨١ من طريق ابن حميد به، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٦٩، والضياء في المختارة (٣٩٣) من طريق جرير به، وعند الضياء: عن منصور ورجل، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٢٠ إلى ابن مردويه.\n(^٤) تفسير مجاهد ص ٧٦٢.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤١٠ عن معمر به.","vol":"24","page":754},{"text":"حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾. يعنى: الشيطانُ، يُوسْوِسُ في صَدْرِ ابن آدمَ، ويَخْنِسُ إذا ذكر الله.\nحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن أبيه، قال: ذُكر لى أنَّ الشيطان - أو قال: الوَسْوَاسَ - يَنْفُثُ في قلبِ الإنسانِ عندَ الحزن وعندَ الفرحِ، وإذا ذكَر الله خَنَس (^١).\nحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الْخَنَّاسِ﴾. قال: الخَنَّاسُ الذي يُوسوس مرَّةً، ويَخْنِسُ مرَّةً، من الجنِّ والإنسِ، وكان يقالُ: شيطانُ الإنسِ أشدُّ على الناس من شيطانِ الجنِّ؛ شيطانُ الجنِّ يُوسوِسُ ولا تَراه، وهذا يُعاينُك معاينةً (^٢).\nورُوِى عن ابن عباسٍ ﵁ أنه كان يقولُ في ذلك: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾: الذي يُوسوِسُ بالدعاءِ إلى طاعتِه في صُدُورِ الناسِ، حتى يُستجابَ له إلى ما دعا إليه مِن طاعتِه، فإذا استُجيب له إلى ذلك خَنَس.\n\n<span data-type='title' id=toc-10104>ذكرُ الرواية بذلك</span>\nحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿الْوَسْوَاسِ﴾. قال: هو الشيطانُ يأمرُه، فإذا أُطِيع خَنَس (^٣).\nوالصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنْ يقالَ: إِنَّ الله تعالى ذكرُه أمَر نبيَّه\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٥٩ عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه قوله.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٢٠ إلى المصنف.\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٠٩ عن العوفي، عن ابن عباس.","vol":"24","page":755},{"text":"محمدًا ﷺ أنْ يستعيذَ به مِن شرِّ شيطانٍ يُوسوِسُ مُرَّةً ويَخْنِسُ أخرى، ولم يخُصَّ وَسوستَه على نوعٍ من أنواعِها، ولا خُنُوسَه على وجْهٍ دونَ وجهٍ، وقد يُوسوِسُ بالدعاءِ إلى معصيةِ اللهِ، فإذا أُطيع فيها خَنَس، وقد يُوسوِسُ بالنَّهي عن طاعةِ اللهِ فإذا ذكَر العبدُ أمرَ ربِّه، فأطاعه فيه وعصى الشيطانَ، خَنَس، فهو في كلِّ حالتَيْه وَسْوَاسٌ خَنَّاسٌ، وهذه الصفةُ صفتُه.\n\n<span id=\"aya-6235\"></span>وقوله: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾. يعنى بذلك الشيطانَ الوَسْواسَ، الذي يُوسْوِسُ في صُدُورِ الناسِ؛\n\n<span id=\"aya-6236\"></span>جِنِّهم وإنسِهم.\nفإن قال قائلُ: فالجنُّ ناسٌ فيقالَ: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾؟\nقيل: قد سمَّاهم اللهُ في هذا الموضعِ ناسًا، كما سمَّاهم في موضعٍ آخرَ رِجالًا، فقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦]. فجعَل الجنَّ رِجالًا، وكذلك جعَل منهم ناسًا.\nوقد ذُكر عن بعضِ العربِ أنه قال وهو يحدِّثُ: إذْ جاء قومُ مِن الجنِّ فوقَفوا، فقيل: من أنتم؟ فقالوا: ناسٌ مِن الجنِّ. فجعل منهم ناسًا، فكذلك ما في التنزيلِ من ذلك.\n\nآخرُ كتابِ التفسيرِ، والحمدُ للهِ العليِّ الكبيرِ","vol":"24","page":756}]}